تحميل رواية «عشقت طالبتي» PDF
بقلم منار حسين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ما هو مافيش الكلام ده، هدخل يعني هدخل. الدكتور بعند: مافيش دخول، واللي عندك اعمليه، ويلا عشان عايز أبدأ المحاضرة. يلا هش من هنا. هي: نعم، هي وصلت لكده؟ أنا أصلاً مش هاحضر محاضرة لدكتور أهبل زيك. وسابته ومشيت. الدكتور بصدمة: يا بنت المجنونة! أنا أهبل؟ وأكمل بغضب: طب وربنا ما أنا سيبك يا حيوانة، انتي حاجة. هم في الكافتيريا. هي: بقا أنا زينة يتقالي هش ليه؟ شيفني قطة بروح خالتو؟ ماشي يا دكتور الكلب، انت ماشي. خلصت المحاضرة. صاحبة زينة نور: مالك يا زينة؟ إيه اللي حصل؟ (معلومة: نور في قسم غير زينة، بس...
رواية عشقت طالبتي الفصل الأول 1 - بقلم منار حسين
ما هو مافيش الكلام ده، هدخل يعني هدخل.
الدكتور بعند: مافيش دخول، واللي عندك اعمليه، ويلا عشان عايز أبدأ المحاضرة. يلا هش من هنا.
هي: نعم، هي وصلت لكده؟ أنا أصلاً مش هاحضر محاضرة لدكتور أهبل زيك.
وسابته ومشيت.
الدكتور بصدمة: يا بنت المجنونة! أنا أهبل؟
وأكمل بغضب: طب وربنا ما أنا سيبك يا حيوانة، انتي حاجة.
هم في الكافتيريا.
هي: بقا أنا زينة يتقالي هش ليه؟ شيفني قطة بروح خالتو؟ ماشي يا دكتور الكلب، انت ماشي.
خلصت المحاضرة.
صاحبة زينة نور: مالك يا زينة؟ إيه اللي حصل؟
(معلومة: نور في قسم غير زينة، بس الاتنين في هندسة)
زينة بتافف: هحكيلك يا ستي.
وقصت لها ما حدث.
نور مش قادرة من الضحك: لاء بجد هههههه، حصل كل ده؟ ههههههه ده انتي فظيعة وربنا، وكمان شتمتيه؟
زينة بضيق: خلصتي؟ ما هي مش ناقصة. بجد، أه شتمته، يستاهل. ده دكتور عايز يتعالج يا بنتي.
نور بتحاول تمسك الضحكة: خلاص، مش تزعلي نفسك يا روحي. اعتبريه عيل وغلط.
بعدين ضحكت تاني.
زينة بصت لها بقرف.
سارة شورتلها إنها هتسكت خلاص.
وهما قاعدين، جات عليهم صحبتهم التالتة سارة وهي بتجري.
سارة: بت يا زينة! انتي يا بت!
زينة: هو أنا في آخر الشارع يا بقرة؟ انتي في إيه؟ مالك؟
سارة: خلصتي محاضرة الدكتور الأب*ل ده؟
زينة بصدمة: اسكتي، مش وقفني وقلي انتي تعرفي البنت دي؟
زينة بغرور: أكيد قولتي آه، صح؟
سارة بدون اهتمام: لاء خالص. قولت ولا أعرفك. وقالي تمام، ومشيت.
زينة ونور في نفس واحد: لاء، وط*ية.
سارة: لاء يعني، يروح يقول بعد ما مشيتي إن هيخلي للتيك سودة انتي واللي يعرفك. وقول إن أنا أعرفك. لاء، أنا كرامتي لا تسمح بالتهزيق لو سمحت.
زينة وهي قاعدة بشموخ وبكل احترام وأخلاق: تهزقي الدكتور أحلى حاجة. آخر عنب من الآخر.
زينة: ده شايف نفسه على الفاضي، ده أهبل. أه والله. تحسي واخد تهزيق من مراته عشان مخدش الزبالة وهو نازل. وجي يطلعوا علينا بلا قر*ف.
سارة ونور ضحكوا.
ثم كملت سارة كلامها وقالت: بس دكتور ياسر أخلاق واحترام وإنسان مهذب.
زينة: قصدك مهز*ق؟
نور بخوف: لاء يا زينة، دكتور ياسر اللي وربنا وربنا معرفه محترم أوووي. أوووي كمان.
زينة ببر*دح: نعم؟ محترم مين؟ ده عبييي*يط. عبيي*ييييط يا بنتي انتي وهي، افهمي بقا.
ياسر من خلفها: وانتي مش محترمة وقليلة الأد*ب يا أستاذة.
زينة بقلق: أوعو تقولوا إن هو واقف ورايا وشغل الأفلام ده.
هزت سارة ونور راسهم بخوف من شكل وشه اللي اسود من الغضب، وعينيه الزرقا اللي احمرت من كمية الشرار اللي فيها.
زينة لفت بقلق وقوة مزيفة في نفس ذات اللحظة، وقالت: نعم.
ياسر: ورايا على المكتب يا محترمة. أنا مش عارف مين الحمار اللي خلاكي تخشي الجامعة.
زينة بتلقائية وغضب: نفس اللي خلاك بالظبط تبقى معيد.
رواية عشقت طالبتي الفصل الثاني 2 - بقلم منار حسين
ياسر بغضب: انتي بتشتمني أنا يا بنت؟ انتي بجد يا ويلك مني.
زينه بثقه: ولا تعرف تعمل حاجة يا بابا، وانت أصلاً مش فارق لي. يلا يا بنات.
وسابته ومشيت.
نور بصدمة: يخربيتك، ده انتي عكيتي الدنيا خالص يا بنتي، مش كده؟
زينه: عادي، مش فارقة معايا ده يا بنتي، منفوخ على الفاضي. فكك يا ستي.
وبعدين أكملت وهي تنظر للساعة: يا خبر، شوفتي؟ لازم أروح دلوقتي. عايزين حاجة يا بنات؟
نور وسارة: لا يا حبيبتي، سلام.
روحت زينة البيت.
زينة وهي تفتح الباب: يا أهل الدار، يا مامتييي، يا بابتي، يا ناس ياللي خلفتني ونسيتني، أنا جيت.
الأم: يا بنتي، انتي حاجة في دماغك؟ في حد يعمل كده؟
زينة: مغرور مصطنع، مش أنا عملت يبقى فيه.
الأم بتنهيدة: عوض عليا عوض الصابرين يا رب.
زينة: افضلي كده ادعي بالصبر لحد ما تبقي صباره يا ماما يا حبيبتي.
وهنا كان لازم يتحدث سلاح الأم.
الأم: صباره في عينك يا كلبة.
زينة: وأنا مالي يا لمبي.
وطلعت تجري على الأوضة.
الأم من الخارج: اطلعي يا هبلة، أبوكي عايزك. روحي شوفي عايز إيه. ربنا يهديكي يا آخرت صبري. آه.
زينة من الداخل: حاضر يا ماما، رايحة. اهدي شوية عشان صحتك يا حبيبتي.
الأم: وربنا عيلة تجيب شلل. خلصي، روحي لبابا يلا.
زينة: حاضر، حاضر.
زينة في نفسها: هي ليه ماما كل شوية بتشتمني، رغم إني نسمة متحركة على الأرض؟
ثم تتذكر ياسر فتغضب بطفولة: أوووف، وحتى ده كمان بيشتمني؟ لا ده أنا كده مهزقة أوي.
بس تضحك وتقول: بس أنا كمان باخد حقي. ههههه.
تغير لبسها وتذهب إلى بابها.
زينة: نعم يا بابا، كنت عايز حاجة؟
الأب: آه، كنت عايز أقولك هناكل وهنروح نقعد عند عمك شوية.
زينة بغير أهمية للموضوع: تمام يا بابا، في حاجة تاني ولا أمشي؟ أصل بجد هموت وأنام.
الأب بصدمة: بقولك هناكل وهنروح؟ إيه هنام دي؟
زينة بلامبالاة: لا، أصل أنا بجد بزهق. انت بتبقى قاعد مع عمو وماما مع طنط، وأنا مع أيسل الصغيرة ومحمود ابن عمو فالشغل. أنا أقعد مع مين؟
الأب وهو يمسكها من هدومها وبزعيق: لا، أي مكان هنروح فيه هتبقي معانا برضاكي أو غصب عنك، ماشي؟ ويلا اجهزي.
زينة بضيق: حاااضر يا بااااباا حاضر، بس لو سمحت سيب الهدوم البرستيج يا حج، باظت.
تركها ولدها وهو يقول: والله حاجة هم.
زينة وهي تحدث نفسها: آآآه على حب الوالدين، حاجة. آه آه. تقطع القلب والله.
وذهبوا لكي يجهزوا ويذهبوا إلى بيت عم زينة.
وعندما ذهبوا إلى البيت ورحب بهم أهل البيت وجلسوا.
وزينة تجلس بملل وتمسك الهاتف تلعب بيه.
الباب خبط.
عم زينة: معلش يا زينة يا حبيبتي، افتحي الباب.
زينة ومازالت تمسك الهاتف: حاضر يا عمو.
وذهبت لكي تفتح الباب.
زينة وهي ماسكة الفون: مين اللي بيخبط؟
الشخص: طب سيبي التليفون وشوفي مين الأول يا ست انتي.
زينة وهي تنظر للهاتف: صاحب الصوت ده مش غريب عليا.
ثم تنظر إليه.
وتقول زينة بصدمة: الدكتور الأهبل الحيواني.
ياسر بغضب: ده انتي يومك مش معدي معايا.
رواية عشقت طالبتي الفصل الثالث 3 - بقلم منار حسين
ياسر بغضب: ده انتي يومك مش معدي معايا.
زينه بغضب: يابابا روح العب بعيد عن هنا.
وهي تتذكر اليوم اللي طردها فيه وهي تقلده: ويلا هش من هنا.
ياسر برفعة حاجب: الكلام ده مش غريب عليا. اه.
ثم قال بستفزاز: اه يوم ما طردتك صح.
وضحك بسخرية.
زينه وهي تنظر له بغيظ: امممم تمام. احب اقولك اسمع صوت القطر بقاي.
ياسر بستغراب: قطر ايه اللي اسم...
ولم يكمل الكلمة وكانت زينه رزعت الباب في وشه.
زينه من ورا الباب: ايه سمعته ولا لسه.
وجلست علي الاريكه وكان لم يحدث اي شئ.
العم: مين اللي كان بيخبط يا زينه.
زينه: مافيش يا عمي ده بتاع الزبالة مش اكتر ومشي.
العم: ماشي يا حبيبتي.
وبعد ان انهى كلامه خبط الباب تاني.
العم: خليكي انا هروح اشوف مين.
وفتح الباب ونظر علي الشخص الذي امامه وقال.
العم: ياسر حبيبي عامل ايه. عاش من شافك يا بطل. وحشني يا واد. وي ولدك اخباره ايه.
ياسر وهو يحتضن العم وابتسم وقال.
ياسر: وقال احنا اهو لسه جايين من امريكا مش بقلنا شهر بس رتبت حالي وقولت اجي اقعد معاك شويه.
العم بترحيب: تنور يا حبيبي تعالا تعالا ما فيش حد غريب.
ودخلو والعم وهو يعرف ياسر عليه.
العم: ده ياسر يا محمود يا اخويا ابن صحبي على انت عارفه يا محمود.
محمود: اه طبعا دي عشرت عمر. ازيك يا بني عامل ايه واخبار الدنيا ايه معاك.
ياسر: الحمدلله بخير يا عمي اهو اتعينت معيد في كليه هندسه جامعه.... والحمد لله ماشي الحال.
فالحظه دي دخلت زينه لانها كانت دخلت المطبخ ومش شافت ياسر مع عمه.
زينه: يا بابتي يااااعمي يا رجاله يا مزز انتو اعسل.
ودخلت وهي تضحك وفجاة تنصدم عندما ترى ياسر.
زينه بصدمه: مين اللي دخل الواد ده. انا مش قفلت الباب في وشه.
العم بستغراب: يعني مش بتاع الزبالة اللي كان بره برضو يا زينه.
زينه بتوتر: ااا اه بتاع الزبالة هو ال...
ولم تكمل كلمها وكان قفزها ياسر.
ياسر بخبث: هو اصلا مكنش في بتاع زبالة ولا حاجة. دي الاستاذه قفلت في وشي الباب يا عمي حسين.
الاب محمود: انتي قفلتي الباب في وشه يا زينه. هو ده الاحترام.
زينه بكسوف من الموقف: يا بابا انا مش قصدي.
الاب: اعتذري يا زينه لياسر.
زينه بغضب: لاء يابابا مش هينفع اعتذر.
الاب والعم بستغراب: ليه.
زينه بتمثيل دور الضحية وهي تدعي البكاء: يا بابا هو اصلا اللي بدا وكان عايز يضربني قبل كده اصل اصل استاذ ياسر معيد عندنا فالجامعه وانا بحترمه بس يوصل ان هو يهزقني فالجامعه ويبقا عايز يضربني واسكت وكمان يجي هنا واول مافتح الباب ويعرف ان انا يقولي الطالبه المهذ*قة الهب*لة الحيوا*نة لاء انا بني ادمه يا نااااس.
اهئ اهئ اهئ.
لاء يا بابا انت معلمني كويس وقايلي اهئ اللي يقل منك ماتسكتيش ودي مش اول مرة.
ياسر كان يعيني مصدوم 😳 مش عارف يقول ايه حاسس انه اتش*ل فجاه.
العم بغيظ من ياسر: ازاي يا ياسر تعمل كده. انت المفروض قدوه للشباب وتحافظ على البنات. ده انا اللي مربيكي.
ياسر وهو لسه مصدوم: هاه ااا يا عمي انا مش عملت كده.
زينه بتمثيل: يعنى انا بكدب. اخص عليك يا دكتور. اهئ اهئ. لاء بس برضو مش كده. انا انثي برضو.
ياسر برفعة حاجب: ايه يختي.
زينه: انثي ورقيقه كمان مش كده يعنى.
الاب: خلاص يا حبيبتي مش تعملي كده في نفسك. انا هقول لولدي.
ياسر في نفسه بغيظ: اه يا بنت الصر*مة. جبتي اللوم عليا انا. لعبتيها حلو ياا هاه. زينه ده انا هخليكي زينت رمضان بس الصبر حلو. الحق الموضوع ده فيها ابويا والكلام هيكبر.
ياسر يدعي الخجل من الموضوع وخبث: انا اسف ليك يا عمي حسين انت وعمي محمود بس برضو الاستاذه زينه مش بتحاضر محاضرات وانا كنت بهددها بس مش حاجة.
الاب بغضب وزعيق: نااااااااعم انتي يا بنت مش بتحضري المحاضرات. وقعتك سودة يا بنت محمود.
زينه بصدمه من الموقف: محصلش والله محصل. دي مره بس يا بابا.
الاب: ده انا هعرفك بس فالبيت قدامي. يلا يا هانم.
زينه وهي تنظر بغيظ لي ياسر.
زينه بضيق: حاضر حاضر قايمه اهو.
وهي تقوم يقوم ياسر ويقرب من ودنها ويهمس لها.
ياسر بهمس: اللي بيلعب مع ياسر مين.
و** اللي وجع الدماغ يا زيزي.
زينه وهي تنظر بغيظ.
زينه: انت اللي بدات اللعب يا ياسو يا خويا.
وضحكت بشر ومشت.
ياسر بصدمه من حالها: يا بنت المجنو*نة. بس ومالو نلعب يا جميل.
رواية عشقت طالبتي الفصل الرابع 4 - بقلم منار حسين
دائمًا ما يحب أن يسمع لحكاوي البسطاء أيًا كانوا.
أثناء سيره بتلك الفرس بين الأراضي الزراعية، لفت انتباهه ذاك التجمع الخاص بأحد جلسات الصفاء لمجموعة من الفلاحين يجلسون أسفل ظلال فروع أشجار الصفصاف الملتفة. كانوا يمرحون، يتذكرون بعض الذكريات التي مرت عليهم.
ذهب نحوهم بتلقائية، هبط من فوق الفرس وتبسم وهو يقترب منهم يلقي عليهم السلام.
الجميع يعلم من هو "آدم العوامري"، لكن لا يخشون منه، يعلمون أنه ذو قلب ودود. كثيرًا ما جلس بينهم، يسمع حكاويهم، يتناول معهم أبسط الطعام وكوب شاي، يستمع لحكاياتهم وذكرياتهم وحياتهم بين الأمس والحاضر. حكايات يعيد صياغتها، يغزلها فيما بعد بحكاوي كتابية.
انتهت تلك الجلسة حين نهضوا واقفين تبجيلًا لـ "عمران العوامري" الذي كان يمر أمامهم بتلك العربة التي يسحبها حصان.
لم يهتم آدم لذلك وظل جالسًا، لكن لمح عمران جلوس آدم، وسأل ذاك الشخص المرافق له:
"مش آدم اللي قاعد مع الفلاحين ده؟"
أجابه:
"أيوه هو جنابك."
زفر عمران نفسه بضجر. آدم كثيرًا ما ينسى ما هي قيمة عائلة العوامري ويجلس بين الفلاحين الذين يعملون باليومية، لا يهتم أنهم دون مستواه العائلي المرموق.
تفوه للعامل الذي معه بأمر:
"انزل نادي عليه."
لحظات وكان آدم واقفًا أمام عمران الذي ينظر له بإستهجان قائلًا بذم:
"إيه اللي مقعدك مع الفلاحين الأجرية دول؟ مش من مقامك، مش هتبطل العادة دي؟ كده بتمرعهم وبتديهم قيمة أكتر من حجمهم. لازم تتعامل معاهم على إنك آدم بيه العوامري، اللي يحكم ويأمر فيهم، وهما عليهم السمع والطاعة، لازم يهابوك."
يعلم أن مجادلته مع والده لن تفيد بشيء. أومأ برأسه قائلًا بمهاودة:
"تمام يا أبويا، بعد كده هتعامل معاهم بالكرباج."
نظر له عمران بسخط قائلًا بغضب:
"إنت بتهاودني؟ بتاخدني على قد عقلي..."
قاطعه آدم، يزفر نفسه قائلًا:
"لأ يا أبويا، بعد كده هحط حد للتعامل بيني وبين الفلاحين اللي المفروض إحنا بناكل من كدهم وتعبهم، وبقينا أساتذة عليهم."
زفر عمران نفسه بخشونة قائلًا:
"وصلنا للحديث الماسخ. لازم تعرف وتعترف إن ربنا له في خلقه شؤون، خلق الأسياد..."
قاطعه آدم:
"ربنا خلقنا سواسية، لا أسياد ولا عبيد. ودول مش عبيد، دول بشر فلاحين. قعدتي معاهم مش شبه ليا ولا تقليل من شأني. هما دول الفلاحين اللي بينجحوا عمي 'عبد المقصود العوامري' في الانتخابات بتاعة المجلس. وعلى العموم، هما خلاص انفضوا، كل واحد فيهم راح يرتاح له ساعتين العيال عشان يرجعوا العصر يشتغلوا. أنا كمان راجع للاسطبل. أشوفك المسا يا أبويا."
غادر آدم نحو ذاك الفرس الخاص به وامتطاه وسار به سريعًا. بينما ضجر عمران، يزفر نفسه هامسًا يقول:
"وارث مش بس شكل أمك، لأ وكمان صفاتها. مكنش لازم أسيب رحيمة وسطيكم، كان لازم تعيش منفية بعيد عن هنا من الأول... بس خلاص، سراج عاد وهو اللي هيرجع الهيبة من تاني."
***
بمنزل مجدي السعداوي.
تفاجأت "سناء" زوجته بعودته إلى المنزل في هذا الوقت، ليس من عادته. تفاجأت أكثر حين خرجت من المطبخ بجلوسه فوق مقعد بالردهة، وجهه عابس وحزين.
انخضت من جلسته هكذا. اقتربت منه بتوجس وقلق قائلة:
"وجدي في إيه؟ مالك قاعد كده ليه؟ مش عادتك ترجع للدار دلوقتي."
شعر بغضب ورفع نظره لها قائلًا بعصبية:
"لازم أعود داري بمواعيد إياك."
ارتبكت وتلجلجت بالقول:
"لأ مش قصدي، بس خير، قاعد ورا الباب كده ليه؟"
بنفس الوقت خرجت "حنان" من غرفتها، لاحظت وقوف والدتها أمام والدها الجالس. استغربت عودته للمنزل بهذا الوقت. اقتربت منهما بخطوات مترددة خشية عصبية والدها المعتادة. لكن أخفض وجدي وجهه. سألت بتردد:
"ابوي، إنت مش كنت رايح لعمي المستشفى؟ هو مش كان هيخرج النهارده."
أخفض وجهه وظهر الحزن على وجهه وتنهد بآسى، يشعر بألم قائلًا:
"لأ، أخوي مش هيطلع من المستشفى النهارده. الدكتور مد فترة وجوده في المستشفى."
استغربت سناء وحنان، التي سألت:
"ليه؟ وبعدين ده كسر رجل ماكنش محتاج يفصل في المستشفى الفترة اللي فاتت دي كلها. بس الغريب، لما زورنا عمي امبارح كان بيتألم وكمان خاسس أوي بفترة قصيرة."
زفر نفسه بآسى قائلًا:
"للأسف، سبب حجزه في المستشفى مش كسر رجله. كسر رجله هو اللي كشف حقيقة المرض اللي عندي."
استغربت الاثنتين وسائلت سناء:
"مرض إيه؟"
أجابها بآسف:
"للأسف، أخوي عنده المرض الخبيث في العضم، وماكنش يعرف. كسر رجله هو اللي ظهر المرض."
استغربت الاثنتين من ذلك، بذهول. فإصابة بسيطة أظهرت أن هناك داء خبيث يسري بين عظامه.
لكن عاود وجدي القول:
"أنا بس يشد حيله شوية هتكلم وياه في موضوع خطوبة حنان وحفظي، وبدل ما يبقى خطوبة يبقى جواز، عشان يفرح قلبه ونفسيته تتحسن، يمكن ده يساعده وربنا يكتب له الشفا، أو يفرح بولده قبل ما يقابل وجه كريم."
انصعقت حنان بذلك ورجف قلبها. هي ظنت أن هذا سيساعد بتأجيل تلك الخطوبة، لكن لابد أن تخبر آدم بذلك بأسرع وقت.
***
بمنزل قديم بطرف بلدة قريبة من كفر العوامري.
وقف يطرق بقوة وتتابع دون توقف على ذاك الباب القديم، لكنه متين ومُتماسك. وقف لدقيقة يسمع سؤال من بالداخل تسأل:
"مين اللي بيخبط؟ آه أنا وصلت، بطل خبط، جاك خابط."
ضحك، مازال لسانها زالف كما عاهدها دومًا. فتحت الباب، نظرت إلى ذاك الواقف أمامها للحظة. ظنت أن بصرها من أسفل تلك النظارة أخطأ. خلعت النظارة وقامت بالتمعن بعينيها. نفس الوجه. عاودت وضع النظارة تنظر له ثم قالت:
"ياااه، أكتر من عشر سنين مروا، ولسه كيف ما إنت، ملامحك متغيرتش يا 'سراج' يا ولد أختي التوأم 'رحمة'، الله يرحمها."
لمعت عيناه ببسمة وهو يراها تفتح له ذراعيها سريعًا. ضمها يشعر باشتياق لذاك الحضن الذي افتقده لسنوات.
ضمته بقوة قائلة:
"الغالي على قلبي، اتوحشتك كتير كتير يا ولد أختي الغالية، تعالى ادخل الدار."
بصعوبة تركت احتضانه حتى دخل إلى داخل الدار. عاودت حضنه مرة أخرى قائلة:
"السنين مرت كتير يا ولدي."
تبسم وهو يضمها بحنين قائلًا:
"كذا مرة بعت لك آدم يجيبك معاه لمصر نتقابل."
تنهدت بآسف:
"أنا يا ولدي بجيت ست كبيرة خلاص، رجليا مبقوش يتحملوا زي الأول، هبقى عالة على آدم وهعجز حركته... ربنا رايد لينا نعاود نتقابل. الحمد لله، كنت بدعي أشوفك قبل..."
قاطع حديثها وهو يضع يده فوق فمها، كذلك يضمها قائلًا:
"بلاه الحديث الماسخ، إنتِ لسه صغيرة يا خالتي. فاكرة لما كنت تقول لي أنا أصغر من أمك بسنتين."
تدمعت عيناها وهي تضمه لها وأباحت بآسف:
"سنتين، وهي سكنت التراب من سنين. نسيت عددها، كنتم صغار، ملحقتش تربيكم. كان قلبها كان حاسس، كانت تقولي ولادي أمانتك يا 'رحيمة'. ها بس القدر نجول إيه؟ أنا وعمران عمرنا ما كان بينا وفاق، بس أنا كنت أقوى منه واتمسكت بولاد أختي، أنا اللي ربيته بعيد عن جسوة وخباثة ولاء. بس لما حسيت إن خلاص كل واحد منيكم شق طريقه، جولت يا بت بلاها تتحملي حديث ولاء الماسخ، وجساوة عمران. عدت لدار المرحوم جوزي من تاني. بس آدم، وإسماعيل من فترة للتانية حسب مشاغلهم بيشقوا عليا. إنت اللي كنت غايب وبعيد. اشتقتلك كتير يا ولدي... جولي جاي في إجازة جد إيه؟"
ضمها مبتسمًا يحاول كبت تلك الدمعة بين عينيه، ثم قال:
"أنا مش في إجازة يا خالتي، خلاص أنا قدمت استقالتي للجيش وقررت أرجع أعيش هنا. يعني هرجع من تاني ولدك الشقي أبو دماغ يابسة."
ضحكت وضمته قائلة بفرحة:
"أحسن ما فعلت يا ولدي، خليك هنا قريب مني... عارف، أنا زي اللي ما يكون كان قلبي حاسس، لاه مش قلبي، ده 'رحمة' جاتلي في المنام وقالت لي 'الطير المهاجر' معاود لأرضه يا رحيمة."
تبسم وهو ينحني يُقبل يدها قائلًا:
"الطير اشتاق ينام على رجليين خالته تحكي له من حكاويها لحد ما ينام."
تبسمت وهي تجلس على أريكة بدون دعوة. ذهب وتمدد على تلك الأريكة، وضع رأسه على فخذها. عبثت بخصلات شعره بحنان، أغمض عينيه يستمتع بحنانها. لكن ساءت ملامحه حين وضعت يدها على موضع قلبه سائلة:
"مفيش بنت حلال شغلت القلب ده، ولا لسه قاسي؟"
أغمض عينيه يشعر بضيق وأجابها:
"لسه قاسي... طبيعته كده، أكيد مش هيتغير يا خالتي."
مازالت يدها على قلبه وقالت بحكمة:
"مفيش طبيعة مش بتتغير يا ولدي، بكرة تظهر اللي تفتت جسوة جلبك، ومش بعيد تكون ظهرت وإنت مش دريان."
تهكم مبتسمًا يقول:
"مفتكراني آدم أبو قلب رقيق. فاكرة كنتِ بتقولي لكل إنسان صفة من اسمه، وأنا سراج شق السما."
ضحكت رحيمة قائلة:
"مهما كان غضب السراج، الأرض أقوى قادرة تبلع غضبه بلحظة."
تهكم سراج غير مباليًا، وأغمض عينيه مستمتعًا بصوت رحيمة الحاني الذي يذكره بصوت والدته الذي افتقدها وهو بالحادية عشر. لكن فجأة، بغفلة عقله، ظهر شبح وجه ثريا أمامه. فتح عينيه سريعًا، زفر نفسه بخشونة يشعر بغضب. كلما تذكر لقاءاتهم، كانت ثيابها دائمًا ملتصقة بجسدها، كأنها تتباهى بذلك كي تلفت النظر لها.
***
بمنزل ثريا.
كانت ثريا تجلس جوار والدتها التي تقوم بتطريز ذاك الثوب الخاص بالغبازي بتلك القطع اللامعة "ترتر". جذبت ثريا إبرة خاصة بذلك وساعدت والدتها بتطريز ثوب آخر. كانتا مع ذلك تتابعان أحد المسلسلات على التلفاز.
بسبب علو صوت التلفاز، خرج ممدوح من غرفته يزفر أنفاسه بتعسف وتجهم. ذهب مباشرة نحو التلفاز بعصبية، جذب تلك الفيشة كي ينتزعها من الكهرباء. لكن للشر والعصبية المتملكان منه، انقطع سلك الفيشة من المنتصف تقريبًا. ظل جزء منها عالقًا بذر الكهرباء بالحائط.
نهضت ثريا بضيق وألقت ذاك الثوب وتهجمت عليه بالقول قائلة:
"صاحي قرب العصر تقول يا شر اشتطر ليه؟ كويس كده، قطعت سلك فيشة التلفزيون."
نظر لها بغضب قائلًا:
"بسيطة، إنتِ بجيتي صاحبة أملاك دلوقتي، وصوتك عالي. هاتي تلفزيون جديد."
نظرت له بغضب قائلة بإستهزاء:
"صاحبة أملاك؟ قول هو ده اللي مضايجك بجي؟ الحقد في قلبك، بدل ما تقول أختي وأبقى سند ليها قدام عيلة العوامري. لاه مضايق."
تهكم ضاحكًا يقول بآسى وآسف:
"إنتِ خلاص مبجتيش محتاجة سند، ولا أقولك كفاية سند خالك، من وراه بجي عندك أرض، تخليكِ تعلي صوتك علي أي حد."
نظرت له بدموع قائلة:
"لو كنت لقيتك سند ما كنت وافقت خالك، وأنا عارفة إن عمر ما شفنا منه خير."
شعر بوخزات قوية تضرب قلبه. دموعها التي انحصرت بعينيها هزت رجولته. كأنها دهست قلبه، لا بل كبرياؤه كأخ يحتوي ضعف واحتياج أخته. لكن هو ضعيف كما تقول. تهرب من أمامها وتوجه إلى باب المنزل وغادر يصفع خلفه الباب بقوة.
بينما سالت دموع عين نجية تشعر ببؤس. جلست ثريا جوارها تنظر لها تشعر ببؤس بسبب قدرها.
بينما خرج ممدوح يحاول السيطرة على ثوران قلبه البائس، يعلم أنه ضعيف، لم يستطع حماية أخته ويقف جوارها سندًا يقويها. يتمنى لو يختفي من الوجود. ذهب غاضبًا نحو ذاك المحل وقف بحده يقول:
"هاتيلي سجاير."
نظرت نحوه تلك الصبية، تلمع عيناها بوميض خاص حين تراه. شعرت بآسي على ملامحه المحتقنة والواضح عليها الضيق. مدت يدها بعلبة سجائر، قائلة:
"السجاير يا أستاذ ممدوح."
نظر لها وأخذ السجائر، متهكمًا من قولها بذاك اللقب يسبق اسمه "أستاذ". يسبق اسمه لو بالأحقية لكان الآن أستاذًا جامعيًا، أو حتى مدرسًا بإحدى المدارس. لكن حتى هذا فقده. شعر بحسرة واجمة في قلبه وأخذ علبة السجائر قائلًا:
"ضيفيها على حسابي يا 'رغد'."
أومأت له ببسمة قائلة باهتمام:
"حاول تقلل من السجاير عشان صحتك."
أومأ لها بلا مبالاة أو اهتمام، وكاد يسير. لكنها تعمدت القول:
"أستاذ ممدوح، ممكن دقيقة لو سمحت. أنا عارفة إنك درست في كلية التربية قسم علوم، أنا كمان في نفس الكلية دلوقتي. في كذا جزء في المنهج مش فاهماها والدكتور بتاع المادة دي كل ما نسأله سؤال يقول لنا الإجابة في الكتاب، والكتاب مش مفهوم."
لوهلة شعر بحنين لدراسته التي اختارها. كان يود أن يصبح ذا شأن بالتعليم، لكن حتى ذلك اكتشف أنه غير كافٍ. تنهد قائلًا:
"تمام يا رغد، بكرة ابقى هاتي الكتاب معاكِ المحل وفكريني أشوف الجزء ده."
تبسمت له تلمع عيناها بحياء، وهو يغادر. تدعي له بالهداية والعودة إلى سابق عهده حين كان بالجامعة. كان فارسًا ومازال نفس الفارس الذي أسر قلبها منذ طفولتها.
***
بمركز الشباب.
بدأ الأشبال في المبارزة كل اثنين حسب تلك التقسيمة الذي قام بها جسار لهم. سار حولهم يتابع مبارزاتهم معًا، يصحح لهم الأخطاء ويقيم مستوياتهم.
في ذلك الأثناء، نظر نحو باب صالة التدريب. لوهلة وقف مشدوهًا من تلك التي دخلت إلى الصالة تلهث قائلة بلا انتباه:
"اتأخرت على التمرين ثواني، هغير هدومي وأجيلكم، سخنوا على ما أرجع."
لوهلة توقفت حين سمعت أصواتًا عالية. نظرت نحوهم. لم تتعجب، لكن شعرت بضيق. من نظرة ذاك الواقف ينظر لها بإعجاب واضح وهي بذلك الزي النسائي وتاج رأسها الحجاب المنمق. كانت أنثى، عكس ما كان يراها بالأيام السابقة بزي التمرين. حقًا محتشم وترتدي الحجاب، لكن كان لا يظهرها كأنثى مثل ذاك الزي النسائي. ضجرت من نظرته لها، لا تعلم أنها إعجاب، تظن أنها تحدي وأنه سبقها بدأ التمرين مع الأشبال، بمعنى أصح، أخذ مكانها.
ذهبت نحوهم، رأتهم يقومون بالتباري أمام ذاك الوافد عليهم. بفترة صغيرة أصبح يسحب منها تلك السطوة. هي كانت المدرب الخاص بهم، هو أتى وأخذ مجهودها معهم بفترة وجيزة يحوز إعجاب، يخاطبهم كأنه الأعلى والأمهر منها.
احتقنت ملامحها وقالت بأمر:
"وقفوا التمرين."
في البداية لم يستجيبوا لها، لكن إيماءة جسار جعلتهم يتوقفون. شعرت بغضب وهي تنظر له، ازداد بسبب تلك البسمة الطفيفة على وجه جسار، ظنتها انتصار منه. لكن هي لن تستسلم. منذ بداياتها وهي متمردة، حتى مع تحكمات والدها هي بعنادها وإصرارها بتصميم استطاعت شق طريق خاص بها بعيدًا عن تحكمات والدها. إنها مجرد فتاة وعليها الامتثال لمجتمع صعيدي يُدحرها ولابد أن تسلم. لكن لا، هي متمردة وستظل.
تركت صالة التدريب لدقائق ثم عادت مرة أخرى بزي التمرين. كانوا يأخذون راحة. بتحدي منها غير محسوب منها لمدى مهارة الخصم التي تود منافسته، بلؤم منها قالت:
"بصوا يا أبطال، أنا والكابتن جسار هندخل ماتش سوا. عاوزاكم تركزوا كويس واعتبروا ده تمرين ليكم."
لمعت عيناه وأخفى بسمته، على يقين أن إيمان تود إظهار مدى مهارتها أمام هؤلاء الأشبال. لم يرفض، على يقين أنه الأمهر منها ويستطيع ببساطة كسب المباراة ومن أول جولة.
وافق على ذلك. بدأت مباراة بينهم. لا ينكر أنه أعجب بمدى مهارتها بالنسبة لفتاة بمكان هنا بالصعيد. مع الوقت بدأت تخطئ وهو يراوغها، ويأخذ نقاط عليها تُحتسب له. أرهقها بذكاء، جعلها تخطئ، واكتسب هو الجولة الأخيرة، ليصفق له الأشبال مبهورين به وبمهارته. بينما هي وقفت تلهث، رغم خسارتها تقبلت ذلك بروح رياضية منه وصافحته. ضم يدها بيده، شعرا الاثنان بإحساس غريب كأنهما يشعران ببرق يضرب أعينهما. لوهلة ظلا ينظران لبعضهما، إلى أن انتبهت إيمان وسحبت يدها. شعرا بفجوة بعد ذلك، لكن روح العناد والتحدي مازالت بقلبها، لن تستسلم بسهولة. وطالبت بمباراة أخرى بوقت لاحق. أومأ لها مبتسمًا بموافقة.
***
ليلًا.
بمنزل العوامري، استمع لحديث ولاء مع والده حول تلك الأرض وعن سمعة العوامرية التي أصبحت علكة بفم البسطاء.
زفر نفسه بضيق قائلًا:
"هعمل إيه أكتر من اللي عملته؟ بعت لها المحامي كوسيط بمبايعة للأرض وشيك وقلت له تكتب المبلغ اللي عاوزاه، رفضت."
تدخل سراج قائلًا:
"فين المبايعة والشيك؟"
نظر له عمران قائلًا:
"موجودين عندي في الخزنة."
طلب سراج:
"هاتهم حالًا."
استغرب عمران ذلك، بينما لمعت عين ولاء بظفر وأومأت لعمران الذي امتثل لذلك ونهض وتركهما معًا. بثت ولاء بعضًا من الأقاويل الكاذبة عن طمع ثريا كذلك استغلالها لعشق "غيث" لها وتلاعبها بمشاعره منذ فترة خطوبتهما حتى زواجهما، وأنه أنفق عليها الكثير والكثير وأعطاها مالًا أكثر من حقها الشرعي به، بل يفوق ذلك بمراحل، وأنها لو كانت صادقة ما كانت ارتضت ثريا بأقل من حقها شرعًا، لكنها تعلم أنها أخذت أكثر من ميراثها به كزوجة، وأن قطعة الأرض تلك أخذتها كي تهز مكانة وهيبة عائلة العوامري. امتلأ حقدًا منها وغيظًا، وصمم على استرداد تلك الأرض.
عاد عمران بملف ورقي ومد يده به لـ سراج الذي نهض واقفًا. وأخذه، فتحه، قرأه، وأعاد إغلاقه ثم غادر بتصميم أن يسترد تلك الأرض مرة أخرى.
***
بينما بمكتب ثريا الصغير، عبارة عن حجرة صغيرة بمنزل والدتها.
كانت تجلس مع رجل وامرأة تبكي وهي تسرد تلك القضية على ثريا التي سألتها:
"بنتك عندها كم سنة؟"
أجابتها المرأة:
"خمستاشر ونص."
لم تستغرب ثريا ذلك وقالت لها بلوم:
"خمستاشر سنة ونص واتجوزت وحامل شهرين كمان، وطبعًا مفيش قسيمة جواز تثبت أنها متزوجة."
أخفضت المرأة وجهها بخزي، بينما تحدث زوجها:
"الجواز أساسه الإشهار وإحنا كنا أشهرنا الجواز في الجامع، والبلد كلها عارفة إنها متزوجة. هو جوزها ولد الحرام اللي لما بعتنا له عالصلح بينكر جوازه منها وبيتبري من الجنين اللي في بطنها."
تهكمت ثريا بإستهزاء قائلة:
"الحكومة مش بتعتمد غير بالأوراق الرسمية. كده بنتك عند الحكومة تعتبر ملهاش أي حقوق عند اللي كان متجوزها وعادي أنه ينكر الاعتراف بجواز أو حتى نسب الجنين اللي في بطنها. طيب مفيش أي مستندات تانية تثبت أنها متزوجة من اللي بينكر ده؟ يعني مثلا كنت كاتب عليه شيك قصاد القايمة، أو مثلا عقد جواز عرفي."
هز الاثنان رأسهما بالنفي. زفرت نفسها بغضب وإحتقان قائلة:
"يعني هندخل في متاهة والله أعلم هنوصل لإيه. طبعًا هحاول من اللي المفروض جوزها ودي لو وافق ممكن أنتم تدفعوا مبلغ للمأذون يدفعه للحكومة كنوع من تقنين وضع، ويكتب الكتاب. وقتها سهل الاعتراف بنسب الجنين. وطبعًا الاقتراح ده مؤكد مش هيجيب نتيجة لأن زي ما قلت إنه رافض وبينكر. بس أهو محاولة أخيرة قبل اللجوء للقضاء اللي أحباله طويلة ممكن تاخد سنين. وكمان هنواجه صعوبات في النسب لأنه هيخضع لتحليل بصمة وراثية وهو طبعًا واثق من نفسه. بس إن شاء الله خير. رغم إني لو مش خاطر بنتك ومستقبلها اللي ضيعتوه، كان فين عقلك وانتوا بتجوزها بالشكل ده. دي مش جوازة دي زي بتبعوها بخس لواحد يتمتع بيها."
بخزي تحدثت المرأة:
"والله كان بيحبها وقال بس تتم السن القانوني هيعقد عليها رسمي. بس السوسة أمه هي اللي بتلعب في راسه، وخلته رمي عليها يمين الطلاق. عاوزة تجوزه بنت أخوها عشان عنده أرض."
تهكمت بإستهزاء قائلة:
"عذر أقبح من ذنب. لو كان بيحبها كان اتبرأ منها بالشكل ده. طفلة معندهاش ستاشر سنة ومش عارفة إذا كانت متزوجة ولا مطلقة. في القانون ملهاش أي حقوق. يا خسارة، ياريت غيركم يتعظ من اللي أنتم فيه... على العموم هحاول وزي ما قلت، معروف نتيجة المحاولة. يعني نستعد للجوء للقضاء وإحنا وحظنا."
نهض الرجل وزوجته يشعران بالخسارة الفادحة. مازال عقلهما لا يلومهما، بل يعتقدان أنهما لم يفعلا شيئًا خطأ. الخطأ هو الحظ فقط.
بينما ثريا، مسكت ذاك الملف وهي تشعر بالآسف. ذكرها ذلك بنفسها، لكن هي لم تكن تحت السن القانوني، بل كانت بالخامسة والعشرين تقريبًا. ظنت أن القدر يبتسم لها، لكن كانت صدمة وانكسار جديد لها.
ضغطت على الملف تشعر بالدموع. زفرت نفسها بغضب بعد مطالعة تلك القضية. قبضت بيدها بقوة فوق ذاك الملف. لم تشعر بمن دخل إلا حين سمعت صوت نحنحة. رفعت رأسها، واسترخت قبضة يدها، وتركت مطالعة ذاك الملف، ورسمت بسمة سخرية قائلة بتهكم ساخر:
"سراج العوامري هنا في مكتبي المتواضع... لاه أكيد الأمر هام."
تغاضى عن فحوى قولها، يعلم أنها تسخر منه. تهكم بسخرية واستقلال وعيناه تدور في زوايا تلك الغرفة الصغيرة للغاية، كذلك أثاثها. حقًا مرتب من بضع مقاعد خشبية شبه قديمة، رغم ذلك شبه متينة. استهزأ وهو يقترب من المكتب الجالسة خلفه قائلًا:
"ده مكتب متواضع؟ بتسمي خزانة الفراخ دي مكتب أساسًا."
رغم شعورها بالضيق من استهزاؤه، لكن رسمت بسمة كيد سائلة:
"والله مش أنا اللي طلبت منك تدخل المكتب بتاعي، إنت اللي دخلت، أكيد غلطت في العنوان. على العموم، تقدر تخرج برة خزانة الفراخ... وهعتبر ولا كأنك دخلت."
شعر بالعصبية من ردها، وتغاضى عن ذلك ونفخ بأنفاسه فوق أحد المقاعد، ثم جذب محرمة ورقية من تلك العلبة الموضوعة أمامها فوق المكتب ومسح فوق المقعد، ثم ألقى المحرمة بتلك السلة، وجلس بتعالي، يضجع بظهره على المقعد ثم وضع ساق فوق أخرى. ونظر نحوها يرسم بسمة جادة ثم وضع ذاك الملف الذي كان بيده أمامها على المكتب.
تهكمت من طريقة تعالي سراج ولم تبالي بذاك التعالي، ونظرت للملف سائلة:
"إيه الملف ده؟ ملف قضية للأسف ماليش في القضايا الباطلة أكيد..."
قاطعها بإستقلال قائلًا:
"لو عندي قضية أكيد هروح لمحامي له اسم وسطوة، مش محامية مبتدئة. قدامك الملف وبلاش تتسرعي في توقعك، اقريه الأول."
تغاضت عن نبرة الاستقلال بشأنها وفتحت الملف. تبسمت بسخرية من أول ورقة، رفعتها قائلة بإستهزاء:
"ده شيك ممضي من 'عمران العوامري' بنفسه بس مفيش فيه أي مبلغ."
أومأ برأسه. تهكمت بشفتيها بسخرية ثم توقعت تلك الورقة الأخرى قبل قراءتها. لم يخيب ظنها، وعادت بنظرها إلى سراج قائلة:
"عقد تنازل عن أرضي."
نظر إليها بتحدي قائلًا بتأكيد:
"قصدك أرض العوامرية."
تهكمت بإختصار قائلة:
"ده كان زمان يا سراج."
"وهترجع يا ثريا بأي تمن... اكتبِ المبلغ المطلوب." قالها بوعيد. تبسمت ثريا بإستهزاء ولم تتحدث بل كتبت فوق ذاك الإيصال.
ثم مدت يدها بالإيصال له. لوهلة شعر بزهو وهو يمد يده يأخذ الإيصال منها. قرأه. كان مختصرًا من كلمتين:
"عرضك مرفوض"
ثانية واحدة، وكز على أسنانه بغضب ونهض واقفًا من فوق المقعد يرسم البرود، واقترب من جلوسها خلف المكتب وانحنى عليها يهمس بوعيد ثائر قائلًا:
"افتكري كويس، أنا مش 'غيث'. أنا 'سراج العوامري' يا ثريا. مش هتقدري تلعبي عليا ولا تغريني زي غيث، لآني مش من النوع اللي بضعف قدام مفاتن ست. أنا مش شهواني زيه."
ازدردت ثريا ريقها وهي تُغمض عينيها، تشعر بصقيع يضرب جسدها يكاد يقتلع عقلها وقلبها من محلهما. ضغطت بقوة فوق ذاك الملف، وفي لحظة واحدة فتحت عينيها، دون اهتمام مزقته قطعًا، وألقتها فوق المكتب بلا اهتمام باستبياع واضح.
نظر سراج إلى تلك القطع الورقية بغضب ساحق يشبه الإعصار، وكان هذا لهما الاثنين بمثابة... لقاء آخر عاصف.
رواية عشقت طالبتي الفصل الخامس 5 - بقلم منار حسين
أثناء وضعه لأحد الملفات الخاصة بتلك الخزانة دون انتباه منه، سقط الملف أرضًا ومعه ملفات أخرى. انحنى يجذبها كي يضعها مرة أخرى بالخزانة، لكن لفت انتباهه تلك الصورة التي سقطت من بين أحد الملفات. وضع الملفات بالخزانة وانحنى مرة أخرى ينفخ بتذمر، جذب تلك الصورة.
سرعان ما شعر برعشة في يده، بل رعشة قوية في قلبه حين رأى تلك التي بالصورة. لوهلة شعر باختلال قبضة يداه على الصورة، لكن تمسك بها وذهب يجلس على أحد المقاعد.
جلس بالصورة بين يديه يتأملها بدمعة مشتاقة. رفع إحدى يديه أزال أثر تلك الدمعة التي سالت من إحدى عينيه. عادت يداه تتلمس ملامح صاحبة تلك الصورة يشعر بافتقاد. ما زال رغم سنوات الفراق يتذكرها، قلبه يئن من عشقها الكامن بقلبه. بسمة ألم شقت شفتيه يتذكر لقاءه الأول بها.
قبل خمس وثلاثون عامًا مروا عليه. تذكر رفض عائلة العوامري لزواجه بابنة تلك "القابلة" (الداية) التي رآها صدفة أمام أحد منحدرات إحدى الترع النيلية. كانت تحمل بعض الأواني بعد أن قامت بجليها، لكن لسبب استعجاله ليعود بالماء كي يضعه جوار بطارية السيارة يهدأ من حرارتها، لم ينتبه واصطدم بفتاة وقعت الأواني منها. كانت هادئة لم تتفوه بشيء وانحنت تجمع الأواني في صمت. لم تستهجن عليه رغم تلوث الأواني. شعر بالأسف وأنه هو المخطئ. انحنى على غير عادته المغرورة ساعدها في جمع الأواني، إلى أن انتهت آخر قطعة.
وقف وهي الأخرى وقفت، كأن الزمن هو الآخر توقف بين الاثنين. دقائق مرت، لحظات. انتبهت حين اقتربت منها إحدى الفتيات تقول:
"رحمة! إيه اللي حصل؟ المواعين بجيت كلها طين. هترجعي للترعة مرة تانية تغسليها."
أومأت له بصمت. لا يعلم لماذا أراد سماع صوتها. هل هي خرساء لذلك لم تتفوه بلوم عليه؟ لكن حين اقترب من الماء سمع صوتها تتحدث مع تلك الفتاة التي عرضت مساعدتها. فهم جاءوا إلى الترعة سوياً، تبدوان صديقتين مقربتين. انصبت عيناه عليها وهو يملأ تلك الزجاجة بالمياه. رمقته هي الأخرى لوهلة، تبسمت كأنها كانت مثل حوريات الماء الذي يسمع عنهن بقصص حكاوي الموالد الشعبية الذي كان يهواها وهو صغيرًا.
انتبه على وقفته حين أدارت ظهرها له. خرج من المنحدر وذهب نحو سيارته. وضع المياه بها. وقف قليلاً بتعمد منه، إلى أن خرجت الفتاتان من الترعة. ذهب بسيارته خلفهن. لم يبالِ أنه بقرية صعيدية وكلمة من إحداهن أنه يسير خلفهن بغرض قد تنتهي حياته. وصلت الأولى لمنزلها لم تهتم ولم تلاحظ سيره خلفهن. لكن رحمة لاحظت سيره خلفهن. شعور بداخلها لا يخشى منه. دخلت إلى منزلها. تبسم وشعر بانشراح عقله سريعًا، حفظ المنطقة.
مرت أيام وعقله مشغول بها. أراد معرفة المزيد عنها. عاود لتلك القرية ومن بعض الجيران سأل عن هوية أصحاب ذاك المنزل. علم أنهن ثلاث نساء، أم وفتاتين، والأم لها شهرة كبيرة بالبلد. هي "الداية". هكذا تعيش مع ابنتيها تنفق عليهن من توليد النساء بعد وفاة زوجها قبل سنوات قليلة. لكن إحداهما الفتاتين بلسان لاذع وأخرى هادئة، كأنهما الثلج والغليان.
مرت أيام وعقله وقلبه ينجذب، يراقبها من بعيد، يقع في عشقها. أصبح يعلم أنها وصديقتها يذهبان بالأواني لجليها بالترعة في وقت الظهيرة قصدًا منهن حتى لا تكون الترعة مزدحمة بالنساء. الابن الأكبر لعائلة العوامري والكبير القادم الذي كان من المفروض عليه الزواج بإحدى بنات العائلة، أو حتى إحدى بنات العائلات ذات الصيت العالي، عشق ابنة "القابلة". لا حسب ولا نسب كما قيل له حين أراد الزواج بها. قوبل ذلك بالرفض القاطع. لكن روح العاشق بداخله تحكمت وأصر عليها. وافق والده آنذاك غصبًا، باعتقاد أنها مجرد رغبة بمجرد أن تنطفئ ستخرج تلك الفتاة وقتها يختار له ما يشاء. لكن العشق بعد الزواج ازداد لأعوام وازداد بوفود أول طفل "سراج". كان وهج العشق بينما يزداد، والحقد من تلك الهادئة يزداد أضعافًا من بعض نساء العائلة. فهن أصحاب أصل عالٍ وصيت عنها، وهي تزداد توهجًا عليهن بطفل خلف آخر أصبحوا ثلاث صبية. وهنالك حقد فتاة اقتربت من السابعة والعشرين، بعرف وقتها أصبحت عانسًا، وهي ليست قبيحة الشكل لكن قبيحة القلب والطباع. كان يتوافد عليها العرسان ليس لشأنها بل لأنها سليلة عائلة العوامري. هذا هو المميز عندها. لكن لسبب خاص تزوجت ابن عمها "حليم" الذي ترمل بوفاة زوجته التي تركت له طفلين، صبي وفتاة. كذلك كان شقيق زوج أختها الكبرى. مؤامرة دبرت لها. لم يعلم من الذي افتعلها. شك بدأ يتسرب لعقله ناحيتها. تتحدث مع رجال حين تذهب لزيارة والدتها بالبلدة. ما أسهل زرع الشك بالعقل وتصديقه إذا كان المشكوك بها بلا نسب وكل ما تريده هو الستر فقط. لكن المؤامرات سهل تصديقها. صدق وبدأت الحياة بينهم تزداد سوءًا. معايير أنها بلا نسب يليق. ولو أرادت الرحيل سترحل دون أطفالها الثلاث. وكان الاختيار البقاء وتحمل ذل عاشق متخاذل يصدق وهو يرى الحقيقة أمامها. فجأة سقط قلبها بهوة المرض العضال. الوردة ذبلت من الجفاء. حتى ماتت بمرض الشك الذي أصاب عقل عاشق جعله غافلاً. ماتت وتركته لعقله وقلبه البائس الذي لم ينسَ العشق. ندم وندم ولكن فات الوقت. الشك أفسد بل قتل العشق.
سالت دموعه فوق تلك الصورة التي كانت صورة تجمعه معها بليلة عرسهما. كانت بهية الطلة. اثنا عشر عامًا قضتها معه بين العشق وعذاب الشك. انتهت وتركته لقلبه يتآكل من الندم. ليس لأنه ترك الشك يفسد حياتهم وهو كان الوحيد الشاهد على طهارتها، لكن الندم على أنه ترك قلبه يعشقها لآخر لحظة. بل إلى الآن هي تسكن قلبه. يرى صورتها بابنه "آدم". رغم أنه القريب شبه الملامح منه، لكنه يشبه طباعها الودودة.
جفف تلك الدموع بيديه ونهض يضع الصورة بداخل تلك الخزانة مرة أخرى، يضمها كأنه يضم مأساته مع العشق.
***
بمكتب ثريا
اشتدت قبضة يدي ثريا واحتد عقلها. شعرت بغضب وأجل وقلب مثل الثلج يعطي جسدها برودة تشبه برودة الموتى. وذكرى "غيث" البغيضة التي تكاد تجعلها تنهض وتقتل ذاك الوغد الذي يظنها عاهرة. كادت تتحدث بغضب ساحق. لكن توقفت حين سمعت صوت خالتها التي دخلت إلى المكتب عبر باب فاصل بين غرفة المكتب وردهة المنزل. تفاجأت حين رأت انحناء سراج جوار ثريا الجالسة. نظرت لوجهه ثريا. ملامحها واضحة بعينيها تلك الدمعة المتحجرة بين أهدابها. ثريا ليست ابنتها لكنها الأقرب لقلبها. رغم أنهن مثل القط والفأر دائمًا ما يتنازعان لأتفه الأسباب، لكن كانت هي السبب ببقاء ثريا حية إلى الآن. لولاها لكانت ثريا سكنت الثرى قبل مقتل زوجها. اقتربت بشرر. هي ليس صعب عليها معرفة هاوية ذاك الذي استقام واقفًا يشعر بتعالٍ. إنه "سراج العوامري". ولا داعي للسؤال لماذا هو هنا، بل السؤال لماذا كان منحنيًا هكذا. والجواب واضح على ملامح وحركة يد ثريا، كذلك تلك الأوراق المقطوعة فوق مكتبها. ابتلعت ريقها وبقصد منها قالت:
"ثريا بجالي ساعة جاعدة مع نجية چوا أنا وجوز خالتك. كنت عاوزه أجولك إن فى كيماوي نزل الجمعية الزراعية. خدي حجة حيازة الأرض وروحي اصرفي حصتها بتاعتها قبل ما يخلص من الجمعية."
كان حديث سعدية أعطى لـ ثريا حافزًا وعادت إلى طبيعتها التي أصبحت قاسية. ونهضت تحاول كبت ألمها المضني قائلة بعجرفة:
"أنا خلاص خلصت وكنت هقفل المكتب. بس واضح سراج كان مستني ضيافته. هو من ريحة المرحوم غيث، بس للأسف خانه الوقت والدار مفيهاش راجل مش هينفع نستقبله دلوك."
نظر لها سراج بسحق. هي تقوم بطرده بشكل مباشر، كذلك وقوفها جوار تلك السيدة كأنها تعلن أنها لن تخضع وتتنازل عن تلك الأرض بسهولة. لكن لفت نظره لأول مرة يراها بعباءة مهندمة ليست ملتصقة على جسدها. احتقنت عيناه بشرر وذهب نحو باب الخروج. لكن توقف حين شعر بخطوات ثريا خلفه واستدار ينظر لها بغضب ونظر نحو سعدية ثم عاد بنظره لها وأخفض صوته قائلاً بوعيد:
"إنتِ اللي قولتيها يا ثريا 'الأرض زي العرض'. وأنا جيتلك بالتفاهم لكن بعد كده انتهى التفاهم والأرض هترجع للعوامريه قريب جدًا."
أومأت ثريا برأسها بلا مبالاة ولا رد فعل غير أنها تود أن يخرج من الغرفة. وهذا ما فعله وهي بمجرد ذلك أغلقت باب المكتب. نظر خلفه شعر بغضب ود عقله أن يكسر ذاك الباب فوق رأسها قليلة الذوق. بينما هي أغلقت الباب ونظرت نحو سعدية التي سرعان ما رسمت بسمة مؤازرة رغم رجفة قلبها. وجود سراج هنا نذير غضب قادم.
بعد وقت بغرفة ثريا، جلست على تلك الأريكة الموضوعة أسفل ذاك الشباك. وضعت رأسها فوق يديها على حد الشباك تنظر إلى ذاك القمر الأحدب ذو الجانب المظلم. ذاك الجانب هو حياتها. تترغرغ الدموع بعينيها وذكريات مريرة عاشتها. ترا انعكاسها بذاك الجزء الأسود من ذاك الأحدب الذي يتوسط النجوم الصغيرة. قديمًا كانت طفلة كانت تحدث القمر ظناً منها أنه يسمعها ويبتسم لها بوجهه المستدير. لكن هي تمنت لو كانت إحدى تلك الثريات المنيرة حوله. لكن فاقت من عقل طفولتها على حقيقة أن القمر ليس سوى نجم معتم معظم الليالي ينطفئ نوره. وهي لن تصل أبداً إلى إحدى تلك الثريات اللامعة. هي مقيدة بمصير معتم من طين الأرض، وعليها القبول بذلك. وذكرى ليلة شتوية طويلة تنزف، وجملة سمعتها وهي بين سكرات الهذيان: "لو النزيف ماوقفش هنضطر نستأصل الرحم". وجملة أخرى من ذاك الوغد سراج: "مش أنا اللي أضعف قدام مفاتن امرأة". ضحكت بسخرية واستهزاء من نفسها. عن أي مفاتن يتحدث؟ بل عن أي امرأة؟ حتى ذلك تشبيه لها فقط. هي فقدت كل شيء كان قبل ليلة زفافها. دموع تنزف من ضنين قلبها. هي انهزمت منذ البداية. رفعت الراية البيضاء لقدرها البائس. لم يعد لديها أي شيء تخسره. جففت دموعها بيديها وبداخلها تصميم مرير: ليفعل ما يشاء ويقول ما يشاء، لن أرفع له راية الاستسلام. يكفيني الانهزامات السابقة.
بينما سراج منذ أن عاد ولم يجد أحدًا بانتظاره، تنهد بارتياح. لا يود رؤية أي أحد الآن. يشعر بصعق في عقله من تلك المحتالة. يشير عليه عقله العودة لمنزلها واقتلاع لسانها، بل اقتلاع رأسها اليابس. ماذا تريد أكثر من ذلك؟ ما سر تمسكها بتلك الأرض؟ شعر بغضب مستعر. ذهب إلى حمام غرفته خلع ثيابه ووقف عارياً تحت المياه الباردة لوقت يحاول تهدئة غضبه. ظل وقتًا لا بأس به. ثم شعر بهدوء نسبي. جذب منشفة ولفها حول خصره وخرج إلى الغرفة. ذهب نحو ذاك الشباك الزجاجي نظر نظرة خاطفة نحو ذاك القمر لم يهتم. جذب تلك الستارة شبه أظلمت الغرفة. بنفس الوقت سمع صوت هاتفه. ذهب نحوه. كانت رسالة. لم يهتم لقرائتها وأغلق صوت الهاتف ووضعه بمقبض الشاحن. خلع تلك المنشفة وألقاها على أحد مقاعد الغرفة. ذهب وتمدد فوق الفراش عقد ساعديه أسفل رأسه. ما زال شعور الغضب مسيطرًا عليه من تلك المحتالة وردها الفج عليه. بنفس الوقت عاود وميض الهاتف يضيء، زفر نفسًا طويلًا بضيق. وبعقله غضب وسخط من اثنتين. إحداهن مدللة وأخرى محتالة. لا يريد التفرقة فمن الأسوأ فيهن. سرعان ما نفضهن عن رأسه وسقط غافيًا.
***
باليوم التالي صباحًا
شعور بالملل بل بعدم الرغبة في فعل أي شيء. لكن لو استسلمت لن تنهض مرة أخرى. أكملت ارتداء ثوب ملائم لها. حملت حقيبتها وخرجت من المنزل تسير نحو موقف السيارات الخاص بالبلدة. لكن أثناء سيرها رغم انتباهها، توقفت فجأة جوار تلك السيارة الفخمة. ولسوء حظها كانت وقفتها جوار باب السيارة. وفجأة انفتح زجاج شباك السيارة. سئمت ملامحها وشعرت بضيق وعاودت السير تحايد السيارة وأكملت طريقها.
بينما قبل لحظات
كان قابيل يسير بسيارته تعمد الاقتراب من مكان منزل والدة ثريا. علم أن الحظ يحن عليه ويرىها حتى لو من بعيد يشبع نظره بنظرة خاطفة منها. وها هو الحظ استجاب له. كانت تسير تعمد رغم اتساع الطريق. لكن ضيق عليها بسيارته. جعلها رغماً عنها تتوقف للحظات. فتح زجاج السيارة ونظر لها. وقبل أن يتحدث تجاهلته وحايدت السيارة وابتعدت عنه تشمئز منه كما كانت في السابق. بينما هو تتبعها عبر مرآة السيارة الجانبية، يضع يده فوق صدره باشتياق وأمل في نيل قبلة بل قبلات من ثغرها واحتواء لها بين يديه ورغبة حالمة.
بذاك الأثناء
كان سراج يمتطي إحدى الخيول يسير بها بالبلدة دون سبب. أو ربما علم السبب هو رؤية ثريا تقف للحظات أمام تلك السيارة الفخمة ثم سارت من جوارها. لم يعلم هاوية صاحب تلك السيارة. لكن شعر بغضب. وأطلق الفرس يسير بسرعة جنونية وأصبح برأسه هدف واحد: سيضع حد لتلك المحتالة.
***
بالمركز الثقافي
بنفس المكان كان قرار آدم الأخير:
"إكده مفيش غير حل واحد يا حنان. أنا هتكلم مع سراج وأبوي الليلة ومتأكد إن محدش هيقدر يوقف قدام قراري. حتى إنتِ مش هستنى تضيعي مني. مفيش شيء يمنعني عنك غير إنك تجولي مش ريداك."
سالت دموع خوفها قائلة:
"آدم إنت عارف مشاعري كويس ناحيتك. كل الحكاية إني خايفة التار يرجع من تاني."
مد يده يشعر بغصة في قلبه. قبض بأصابع يده بقوة. كان يود تجفيف تلك الدموع لكن منعته الأخلاق. بأسف نظر لها قائلاً:
"لازم نجازف يا حنان. لو استسلمنا هنندم ونعيش مجروحين القلب. هسألك سؤال... هتقدري تتحملي تعيشي مع حفظي."
رفعت وجهها ونظرت له بحياء وأجابته:
"أنا مش هقدر أتحمل أعيش مع أي راجل غيرك يا آدم."
ابتسم بانشراح صدر قائلاً:
"يبقى كده آن آوان إننا نجازف ونتحمل النتائج."
***
بأحد المقاهي
كان إسماعيل يتعمد مغازلة قسمت التي رغم قبولها لتلك المغازلات لكن تدعي الضجر منها كي يكف عن ذلك حتى يتحدثا بجدية. تود معرفة نهاية لتلك العلاقة، أو بداية طبيعية حقًا تعيش بالمدينة. لكن بالنهاية مجتمع صعيدي صعب حتى في تمدنه. انتهزت مجيء النادل الذي أخذ تلك الأكواب وغادر وصمت إسماعيل لدقائق. نظرت له ثم فاجأته بقولها:
"إنت إمتي هتتقدم ليا رسمي يا إسماعيل."
تفاجئ بذلك، وادعى البلاهة قائلاً:
"مش فاهم قصدك إيه؟"
كعادتها العصبية تتحكم بعقلها، نهضت واقفة تقول:
"انت فاهم قصدي كويس، بس عشان شايفني بوافق أقابلك في كافيهات فكرت إني رخيصة."
لم تنتظر جوابه عليها وجذبت حقيبة يدها من فوق المنضدة وغادرت سريعًا دون أن تلتفت لندائه عليها. بينما هو شعر بحيرة وعاود الجلوس، ينظر أمامه إلى النيل. سؤالها المفاجئ لم يكن في حسبانه. عالأقل الآن، لا يعرف أي طريق يختار، وأمامه طريق للهجرة يرى فيه النجاح كطبيب تشريح، أفضل من البقاء هنا ووأد طموحه كطبيب شرعي فقط يعطي أسباب الوفاة. هناك قد ينجح أكثر ويكتشف أسباب للحياة.
***
قبل العصر بقليل
بمنزل العوامري
دلف سراج بالفرس ترجل من عليه، وسار بالممر. لفت نظره تلك السيارة التي تقف أمام منزل والده. دلف إلى داخل المنزل، ذهب نحو غرفة السفرة مباشرةً ألقى عليهم السلام، جلس على أحد المقاعد لحظة جلس جوار قابيل، الذي رحب به. أنه رغم وجوده هنا منذ أيام لكن هذا اللقاء الأول أو المباشر لهما. رغم عدم شعور تآلف متبادل بينهم منذ صغرهم، لكن على مضض كل منها تقبل الآخر. لكن بفضول من سراج تساءل:
"هي العربية اللي واقفة قدام الدار برة دي بتاع مين."
كان الجواب من إيناس بسؤال:
"انهي عربية."
أجابها بلونها. نظرت نحو قابيل بعشق وتبسم وأجابته:
"دي عربية قابيل."
تحكمت الظنون برأس سراج، يبدو أن فهم ثريا. يبدو أنها تلقي شباكها على آخر من عائلة العوامري، ولن تجد أفضل من ذاك الخبيث التافه قابيل. لكن لن يعطيها الفرصة لذلك.
بعد وقت انتهوا من تناول الطعام، نهض الجميع ذهبوا إلى غرفة المعيشة، لكن وقفت ولاء تقول بأمر لـ "فهيمة" الزوجة الثانية لعمران:
"هاتي لنا الشاي في المندرة يا فهيمة."
امتثلت فهيمة لأمرها بينما نظرت إيمان نحوها وشعرت بضيق من ضعف والدتها وامتثالها لـ ولاء. وقالت:
"الدار فيها شغالين كتير، اطلبي من واحدة منهم تعمل الشاي."
اعترضت فهيمة قائلة بتبرير تعلم أنه كاذب:
"عمتك بتحب تشرب الشاي من إيدي، هروح أعمله."
نفخت إيمان بضجر وشعرت بأسف من امتثال والدتها لـ ولاء. تعيش بكنف طاعتها دون سبب لذلك، بل تشعر أنه خنوع من والدتها التي لا تمتلك أي حق للاعتراض، وهي لم تعد تلك الطفلة التي كانت تصمت على ذلك الخنوع. أصبحت صبية وشابة وتعترض وتود من والدتها ذلك حفاظاً على مكانتها كزوجة لـ عمران العوامري. لا تابعة لـ ولاء. التي نظرت لها بتحدي. نظرة تخبرها أنها هي من تتحكم بهذا المنزل، ليست ضيفة. بادلتها إيمان بنفس نظرة التحدي أنها لن تمتثل لها وتخنع مثل والدتها. فهي تحمل دماء العوامري مثلها. ويبدو أن هذا الدم الثائر إرث.
***
أسفل تلك الشجرة
خلع قميصه الأبيض أصبح عاري الجذع، تمدد بظهره على الأرض داعبت الشمس القاسية عيناه. أغمضها للحظات ثم عاود فتحها ينظر بابتسامة وهو يسمع صوت ذاك النسر الذي يحلق حول نفس الشجرة. فتح عيناه كانت الشمس قاسية. أغمضها لوهلة وهو ينظر إلى ذاك النسر بالسماء. فكر، ثم جذب هاتفه وقام باتصال مختصر:
"عاوز اتنين ستات شُداد حالًا."
أغلق الهاتف وهو ينظر إلى ذاك النسر الذي هبط أرضًا للحظات قبل أن يحلق مرة أخرى وبمنقاره كان يتلوى ثعبان صغير. تبسم ولمعت عيناه ونهض واقفًا ينظر أمامه إلى مضمار الخيل. تنهد يتردد برأسه جملة ثريا: "الأرض زي العرض". سحب نفس عميق وقال:
"أما أشوف أنهي الأغلى عندها الأرض ولا العرض. مع إن عندي شبه يقين هتختار إيه. بس متعرفش هي بتلعب مع مين."
أنهى قوله وعاد بنظره نحو النسر الذي انخفض على الأرض يلتهم الثعبان بعد أن قضى على مقاومته. وأصبح وجبة دسمة له.
***
كانت كعادتها قبل انكسار حرارة الشمس تتجول بتلك الأرض تنزع الحشائش. تفاجئت بإثنين من النساء تبدوان ضخام، كذلك تبدوان ذوات عنفوان. في البداية ظنت أنهما ربما نساء يعملن بالحقل كأجيرتين، وربما أخطأوا بالأرض. وهن يقتربان منها تعاملت معهما بلا تحذير إلى أن اقتربت منهن قائلة:
"أنتم مش من البلد إهنه، أكيد تايهين عاوزين أرض مين؟"
ردت إحداهن بغلظة:
"عاوزينك يا حلوة."
ما زالت لا تفرض السوء. تساءلت مرة أخرى قائلة بود:
"أنتم الأحلى بس دي أرضي... و...."
كانت الصمت منها حين شعرت برذاذ فوق وجهها قبل أن تكمل حديثها. كانت تسقط بين أيديهن غائبة عن الوعي. وبلحظة ظهرت سيارة من العدم. وضعنها بها.
***
بإسطبل الخيل
أمام غرفة العلف الخلفية البعيدة قليلاً عن مضمار وغرف الخيول تحدث سراج بصرامة وأمر:
"إياك تقرب منها أو تلمسها. أنت بس هتخوفها فاهم."
أومأ له ذلك الضخم قائلاً:
"أنا خدامك يا سراج باشا، هعمل اللي تقول لي عليه."
حذره مرة أخرى بعينيه قائلاً:
"تستنى لما أنادي عليك تدخل."
أومأ له ممتثلاً. بينما سار سراج إلى تلك الغرفة على شبه يقين باختيار ثريا. لكن لا مانع من تجربة علها ترهب منه.
بعد وقت ليس بقليل
بدأت تفتح عينيها تشعر بألم طفيف برأسها. رفعت يدها تضعها حول رأسها، ثم نظرت حولها. سأل عقلها أين هي؟ آخر ما تتذكره هو أنها كانت بالحقل وحديثها مع هاتان المرأتان. ماذا حدث لها بعد حديثها معهن؟ لا تتذكر شيئًا. حاولت النهوض واقفة، وكادت تسير، لكن كادت تتعرقل بعد أن اكتشفت أن ساقيها مربوطتان بأصفاد حديدية موصولة بسياج حديدي بأحد الحوائط. تيقنت أن هاتين السيدتين كانت هي مهمتهن. لا تنكر شعورها ببعض من الخوف، لكن ماذا تريدن منها هاتين السيدتين؟ سرعان ما خفق قلبها. فكان لها مواجهة سابقة مع نساء من نفس النوعية المجرمة. لن تخسر أكثر مما خسرت سابقًا. بإرادة منها وتحدٍ حاولت فك تلك الأصفاد الحديدية عن إحدى قدميها. لكن حلقات تلك الأصفاد ضيقة وقوية. يأست أن تحرر. زفرت نفسها بانهزام. ثم سرعان ما عاودت المحاولة مرة أخرى. لكن بنفس اللحظة سمعت صوت صهيل خيل. دب إلى قلبها شك بهوية من يحتجزها بهذا المكان. الواضح أنه غرفة تخزين الأعلاف بإسطبل خيل. سرعان ما تيقنت من صدق حدسها حين رفعت رأسها ونظرت نحو باب المكان ورأت من يدخل، يسير إليها بخطوات واثقة ومتعالية. أطلقت ضحكة استهزاء وقالت بثقة واهية:
"كيف ما توقعت، إن إنت اللي خطفتني."
تهكم وهو يدنو بجسده جوارها ينظر لها ببغض قائلاً:
"عشان تعرفي إن محدش يقدر يتحداني. قدامك فرصة. قلتِ الأرض زي العرض. هتمضي عالمبايعة دلوك."
رمقته بسخط وتهكمت باستهزاء قائلة:
"مش عارفة إيه سر الأرض بتاعتي. دي تعتبر سِخْلة صُغيرة جنب الفدادين بتاعت 'العوامري'."
رمقه بكبر وقال باستقواء:
"قولتيها سِلْخَة صغيرة في وسط أرضي، والأرض في الأساس ملك العوامريه. كمان مش أنا اللي يتحداني بنت زيك عايزة تعمل لنفسها قيمة وسعر في البلد. آخر فرصة ورق المبايعة أهو تمضي عليه تحافظي على عرضك."
نظرت له بتحدي قالت بكبر:
"ولو رفضت..."
لم تكمل بقية جوابها، حين نهض واقفًا بغضب ونظر لها بتأكيد:
"أنا مش بخيرك يا ثريا، مفيش قدامك غير أمر واحد يتنفذ، تمضي عالمبايعة لأن اللي هيحصل بعد كده مش هبقى أنا المسؤول عنه."
عاد يدنو جوارها مرة أخرى للحظة تمعن النظر في وجهها. لأول مرة تسلطت عيناه على عينيها. عينيها التي تفاجأ بلونها الذي يشبه العشب الأخضر قبل أن يجف. لون عينيها مخالف لسمار ملامحها البسيطة لكن تحمل الرقة في نفس الوقت. نفض ذلك الشعور قبل أن يتوغل من عقله، وتذكر أنها محتالة. سرعان ما قال بوعيد مباشر:
"إنتِ اللي قولتي من البداية الأرض زي العرض. يبقى اخترتي بنفسك."
نظرت له بتحدي واستبياع زائف:
"هتعمل إيه يعني، هتغتصبني عشان رفضت أمضي عالمبايعة."
هز رأسه بتوافق على قولها ونظر لها بانبساط ملامحه قائلاً:
"فعلًا. هو ده اللي هيحصل."
من نبرة صوته الحادة والمتوعدة أيقنت أنه لا يهدد. سئمت ملامحها وشعرت برجفة بجسدها، وقالت بمحاولة لعلها توقظ به نخوة وقالت:
"مش عارفة إزاي كنت ظابط في الجيش وصون العرض على رأس مهماتك."
انتفض واقفًا بغضب. تلك الحمقاء أيقظت ماردًا يحاول كبته ونزعت آخر فتيل كان يحاول التحكم قبل أن ينفجر. رمقها بقسوة قائلاً:
"منين جالك إن أنا اللي هغتصبك، أنا عندي اللي ينفذ لي من غير ما ألوث نفسي بلمس..."
توقف عن الحديث لكن نظراته كانت تتحدث باشمئزاز. ثم استطرد الحديث مناديًا بجمود:
"عصمان."
ارتاعب قلبها بهلع حين دخل إلى المكان رجل ضخم البنيان، يبدو مقزز. نظرة عينيه التي تنضح بشهوة نحوها لا تنبئ سوى بأنها بين براثن أسوأ الرجال.
نظر لها باستمتاع من ملامح وجهها المشدوه، وانحنى وألقى أمامها ورقة المبايعة. برجفة يد مدت يدها وجذبت تلك الورقة. للحظة شعر بز هو وانتصار ظنًا أنها ستوقع على المبايعة كما يريد. مد يده لها بقلم. نظرت نحو القلم باستهزاء وفاجأته بتمزيق تلك الورقة إلى قطع وألقتها أرضًا.
صوت تمزيق تلك الورقة كان كصرير إعصار هائج بأذنيه. نظر لها بغضب وتحولت عيناه إلى حجرية واعتدل واقفًا بجمود غاضب ونظر نحو "عصمان" وأومأ له برأسه أن يقترب منها وهو بدأ بالسير مغادرًا نحو باب المكان وخرج إلى ذاك المضمار الخاص بترويض الخيول. استنشق بقوة يملأ رئتيه بنسمة الهواء، ينتظر أن تصرخ وتستجيب لرغبته. لكن فات حوالي عشر دقائق ولم يسمع أي صراخ. ظن أن يكون ذاك الوغد عصمان قد عاد لطبيعته الإجرامية وخالف أمره. لو فعل ذلك سيقتله. هو أمره بإرهابها فقط. بسرعة عاود إلى المكان ودلف مباشرة. توقف للحظة ينظر بهلع لتلك الراقدة التي تنزف دمًا. نظر نحو عصمان يزفر أنفاسه كـ "إعصار غاضب".
رواية عشقت طالبتي الفصل السادس 6 - بقلم منار حسين
شعرت نجيه بالقلق بسبب تأخير ثريا. الساعة اقتربت من التاسعة مساءً، وثريا لم تعد للمنزل. فكرت ربما عادت وجلست بالمكتب الخاص بها. فتحت ذاك الباب ونظرت بالمكتب، كان مظلمًا، إذن هي لم تعد بعد. جذبت ذاك الهاتف المحمول القديم الطراز، بحثت بين بعض الأرقام حتى عثرت على رقم ثريا، قامت بالاتصال عليه، لكن لم يأتيها رد، رنين فقط. شعرت بالحيرة، ربما ذهبت لمنزل سعدية. كادت تهاتفها، لكن بنفس الوقت، دق الهاتف بيدها وأظهرت الشاشة رقم سعدية. أجابتها سريعًا، لكن زاد القلق في قلبها حين سألت عن ثريا وعاتبت أنها وعدتها بالذهاب لمنزلها ولم تأت. لم تعرف نجيه كيف تبرر لها، أتخبرها أن ثريا لم تعد للمنزل؟ لكن في آخر لحظة تراجعت، ربما تعود ثريا بخير، ولا تكتسب سوى قلق سعدية هي الأخرى.
ظلت لوقت، أصبحت الساعة العاشرة مساءً. احتارت ماذا تفعل، لكن كأي أم يحركها مشاعرها، تنهدت بحسم قائلة:
"هروح لممدوح الجهوه اللي بيشتغل فيها وأجوله، ممدوح حنين وميستحملش الهوا على أخته."
بالفعل خرجت من دارها، لكن أثناء سيرها، تعثرت وكادت تقع، لكن تمسكت بأحد عواميد الإنارة بالشارع. وقفت تلتقط نفسها. رأتها رغد التي كانت تقف بدكان البقالة الخاص بوالدها. خرجت مسرعة نحوها... وسألتها بلهفة:
"خالتي نجيه خير بتجري كده ليه وكنتِ هتقعي؟"
التقطت نجيه نفسها ونظرت إلى رغد، تدمع عينيها. لوهلة أرادت ألا تطلب منها مساعدة، لكن إلحاح رغد، كذلك شعورها الطيب نحوها... تفوهت بقلق:
"ثريا سرحت الغيط من قبل العصر ولساها مرجعتش لحد دلوك، وبتصل على موبايلها بيرن ومش بترد، كنت رايحة لممدوح الجهوه عشان يشوف أخته فين."
حين ذكرت اسم ممدوح، خفق قلبها. وكذالك هي تشعر مع ثريا بالألفة وتحترمها عكس الكثير من بعض الأهالي. ترددت قبل أن تعرض عليها:
"تعالي إقعدي مع أبوي في الدكان، وأنا هروح له القهوة أنادي عليه."
نظرت لها نجيه بإمتنان وكادت ترفض، لكن نهضت تسير معها إلى أن وصلن إلى محل البقالة. جلب والد رغد مقعدًا، جلست عليه. سردت رغد لوالدها. بينما عاودت نجيه الرفض ونهضت كي تذهب إلى ممدوح، لكن والد رغد حثها قائلًا:
"خليكي جاعدة إرتاحي يا ست نجيه وأحمد هيروح مع رغد ينادوا لممدوح."
نظرت نجيه نحو أحمد، الصبي الصغير، واقتنعت حين أكمل حديثه:
"إحنا في الصيف والدنيا ماشية، وإطمني إن شاء الله ثريا بخير، يمكن هنا ولا هنا. إنتِ عارفة حصيلة الصيف واسعة وثريا ليها محبين كتير."
حاولت تهدئة قلبها وأومأت بتمني، أن يخيب حدس قلبها.
***
بالإسطبل
قبل قليل
شعرت ثريا بالخوف من نظرات عصران القذرة وهو يقترب منها، يخلع قميصه العلوي وما زال يرتدي سروال فوقه فانلة بنصف كم، تُظهر ضخامة جسده. ازدردت ريقها، وذكرى سابقة تمر أمام عينيها، لكن بشخص آخر. أغمضت عينيها لوهلة، تسمع صوت ضحكة تشفي، ورائحة فم تفوح منها رائحة كحول مقيتة. فتحت عينيها سريعًا كأنها ترى نفس الشخص، لكن هنالك اختلاف بالحجم بين هذا وذاك الذي كان، رغم جبروته واحتساؤه للكحوليات، كان يهتم بجسده الرياضي كي يتباهى بذلك ويخدع أنه شخص مثالي. لوهلة توجست خوفًا من ذاك البغيض.
نهضت واقفة دون شعور منها، سارت للخلف بخطوات، لكن كادت تتعرقل لولا تلك الأصفاد التي بقدميها موصولة بسلاسل حديدية مغروسة بالحائط. نظرت إلى ذاك الحجر التي كادت تتعثر به. بسرعة فكر عقلها وانحنت تجذب تلك القطعة، واستقامت سريعًا. بينما عصران يقترب، يضع يده فوق حزام بنطاله بحذر، يخشي من تهديد سراج له. إلى أصبح أمامها مباشرة، ضحك ضحكة شر يقول:
"بتعصي أمر سراج باشا؟ متعرفيش غلاوة سراج باشا عندي، ده موصي عليكِ أوي."
تهكمت بسخرية واستبياع، رغم رجفة قلبها الذي ينتفض بداخلها، لكن لن تستسلم كما فعلت سابقًا. بالنهاية ماذا جنت من خلف ذاك الضعف؟ قالت بتريقة:
"سراج باشا عليك أنت، وبلاش تقرب مني بدل ما تبقى نهاية عمرك على إيد 'مرة' (إمرأة)."
هو سابقًا كان مجرمًا، لو ما زال بنفس العقلية ما كان تركها تتحدث. كما أنه ربما كان مجرمًا، لكن لم يهتك عرض امرأة سابقًا ولن يفعلها الآن. هو يمارس تهديد فقط. لكن ثريا يدها ترتعش وهي تمسك ذاك الحجر، كما أنها مستبيعة لن تتنازل عن الأرض حتى لو أصبحت قاتلة، وليتها فعلت ذلك من قبل...
يقترب بخطوات وئيدة إلى أن أصبح خطوة أو اثنان بينهم، يستفزها بضحكته الشريرة. بينما هي كأنها ترى غيث عاريًا يتلذذ وهو يحاول فرض ساديته عليها. وذكرى أخرى وهو يأخذها لشقة بالمدينة ويأتي بإمرأة عاهرة، يغصبها أن تشاهدهم بعينيها وهما يمارسان الغرام بتقزز من أجل إذلالها، وهدر كرامتها كانثى وزوجة. ذكريات بائسة تمر وهي فقط تشاهد، لا تعطي رد فعل. لأول مرة عليها اتخاذ قرار أنها لن تكون بدور ثانوي في قصة هي بطلتها. ليحدث ما يحدث. قبل أن يخطو عصران آخر خطوة...
أخذت القرار وتقدمت تلك الخطوة، وفي لحظة جسارة منها ضربت عصران بذلك الحجر على رأسه بعد أن استجمعت قوة شيطانية. في الحال تلقى عصران الضربة برأسه لعدم انتباهه، وعدم رؤيته لذاك الحجر. سقط ممددًا أمام قدميها، تنزف دماء رأسه وهو شبه غائب عن الوعي. نظرت له بعلو وألقت ذاك الحجر من يدها، تدمع عينيها بقسوة ما تشعر به. لم تتوقع يومًا أن تكون قاتلة. من اتخذت طريق القانون باختيارها، أضحت قاتلة. كان دخولها لعائلة العوامري أكبر سوء مسها بحياتها. هم الجحيم بعينه. لكن شعرت بندم وهي ترى دماء عصران تسيل أسفل قدميها. كذلك كأنها توهمت أن عصران قد ينهض ويعاود ما بدأه.
عادت بجسدها للخلف تبتعد عنه، لعدم انتباهها تعرقلت بسبب تلك السلاسل الموصولة بالأصفاد الذي بقدميها. اختل توازنها دون انتباه منها، لم تستطع أن تحفظ توازنها فسقطت دون انتباه للحائط وذاك الجزء الحاد البارز به. خبطت رأسها به، لم تشعر بشيء بعدها.
بسبب عدم سماعه لأي استغاثة، دلف إلى تلك الغرفة بغضب تحول إلى فزع وذهول من ما يراه أمامه. ذهب نحو عصران الجالس أرضًا يحاول استعادة قدرته، يتألم وهو يلف قميصه حول رأسه، يضع يديه فوقها، لكنه يرتدي ببقية ثيابه، ليس به عاريًا سوى ساعدي يديه. لكن شعر بالغضب الساحق منه وأمسكه من تلباب ثوبه بعنف، يسحبه بقوة عاصفة جعلته ينهض واقفًا وهتف بهجوم شرس:
"عملت فيها إيه يا حقير؟ أنا قولتلك ترهبها وإياك تقرب منها، حنيت للإجرام من تاني."
شعر عصران برهبة وبرر بخوف ودفاع عن نفسه:
"والله ما لمستها زي ما قولتلي يا سراج بيه، أرهبها بس..."
توقف عصران عن استرسال تبريره، يشعر بدوخة. قبض سراج على كتفيه بغضب سائلًا:
"بس إيه؟ إنطق."
أجابه عصران:
"معرفش يا باشا، دي ضربتني بالحجر على رأسي وبعدها حسيت إني دايخ ومش حاسس باللي حواليا، ولسه قدامك أهيه بحاول أفهم إيه اللي حصل."
تركه وذهب نحوها مباشرةً، رأى رأسها تنزف. لا يعلم لما شعر بالرفق عليها، هكذا فسر عقله. رفع ذاك الوشاح عن رأسها، تفاجأ بإندفاع الدماء. سريعًا خلع قميصه وزال ذاك الوشاح عن رأسها، حاول الضغط على رأسها يكتم اندفاع الدماء، وحملها ناهضًا يسير سريعًا نحو الخارج، غير مباليًا لعصران وإصابته الشبه خطيرة. خرج من الغرفة، ذهب لسيارة نصف نقل كانت بالإسطبل، أمر سائقها بلهفة:
"إفتح الباب بسرعة."
فعل السائق ما أمره به، في ثوانٍ وضعها بالسيارة، وتحدث للسائق:
"فين مفاتيح العربية؟"
أخبره:
"المفاتيح في كونتاكت العربية يا باشا."
أغلق باب السيارة واستدار سريعًا نحو الباب الآخر، صعد يقود السيارة بسرعة جنونية وهو يصرخ على حارس بوابة الإسطبل الخارجية أن يفتح له الباب سريعًا. قبل أن يصل إلى الباب كان مفتوحًا سريعًا. كان يقود السيارة في ظرف دقائق، صف السيارة بفناء الوحدة الصحية الخاصة بالبلدة وترجل سريعًا نحو الباب الآخر، حملها بين يديه. سمع بعض هزيان منها لم يستطع تفسير منه سوى كلمات:
"أنا بكره عيلة العوامري."
لم يهتم بما سمع ودخل بها سريعًا إلى داخل الوحدة الصحية، يصرخ عليهم بأن يساعدوه.
أرشده حارس الوحدة نحو غرفة الاستقبال بالوحدة، وضعها على فراش طبي. بنفس الوقت دخلت إحدى الممرضات، نظرت إلى الدماء التي تنشع من ذاك القميص الملفوف حول رأسها، نزعته ورأت ذاك الجرح، ثم نظرت نحو سراج قائلة:
"الدكتور النبطشي هنا في الوحدة بيمر على حالة في الدور الثاني، هطلع أنادي عليه."
لا يعلم سبب لقوله:
"ومفيش هنا دكتورة ست."
نظرت له قائلة:
"للأسف مفيش غير الدكتور النبطشي."
أومأ لها قائلاً:
"تمام، ناديه بسرعة."
أومأت رأسها بدهشة ثم غابت لدقائق. كان يشعر أنها ساعات، وهو يسمع هزيانها غير المفهوم وكلمات غاضبة بشأن "غيث". لا يعلم لما أراد النظر لملامحها وهي نائمة، لولا تلك الدماء التي تغطي جبينها وجزء من وجهها لكانت ملاكًا. كذلك لاحظ تلك الشعيرات الرمادية التي تتخلل شعرها البني المحروق تقترب من السوداء. لحظات كأن عقله شارد وقلبه مشدوه نحو تلك المصابة. أخرجه من ذاك التأمل نحنة الطبيب الذي دلف ببطء معه تلك الممرضة. لوهلة أراد ألا يدخل هذا الطبيب، لكن أصبح الضماد الملفوف حول رأسها دمويًا. تنحى جانبًا، شعر بضيق حين نزع الطبيب عن رأسها ذاك الضماد. وقبل أن يبدأ يتعامل مع إصابتها، تحدث بمهنية:
"ياريت تطلع بره الأوضة لحد ما نخلص تضميد جرح المصابة."
نظر له سراج قائلاً:
"لأ مش هخرج، وإتفضل شوف شغلك."
كاد الطبيب أن يعاود الطلب منه، لكن الممرضة تحدثت بتبجيل لـ سراج قائلة:
"ده سراج بيه العوامري. الوحدة مفتوحة بسبب تبرعات عائلته، وهو أكيد قلقان على المصابة."
لمعت عين سراج بغرور من معرفة الممرضة السابقة له، رغم أنها بالبلدة منذ فترة وجيزة. وسأل عقله هل تعلم هاوية ثريا أيضًا؟ لكن لم تُظهر ذلك. بدأ الطبيب يتعامل مع حالة ثريا إلى أن انتهى. وضع ضماد طبي يلف رأس ثريا شبه كاملًا. ثم خلع قفازيه، وبالصدفة بسبب انحصار جلباب ثريا، رغم أنها أيضًا ترتدي بنطالًا أسفل جلبابها، لكن وضح جزء من إحدى ساقيها وظهر به جرح واضح. ذهب نحوه الطبيب وكاد يرفع البنطال، لكن توقف بعد أن قبض سراج على يده قائلًا بنبرة احتقان:
"إنت هتعمل إيه؟"
أجابه الطبيب:
"مش شايف الجرح الظاهر في رجلها؟ هعالجه."
زفر سراج نفسه بضجر قائلًا:
"لأ كفاية عليك كده، الجرح ده واضح إنه صغير والممرضة هتتعامل معاه."
نظر له الطبيب بحدة قائلًا:
"أنا هنا دكتور في المستشفى، وكمان المسؤول عن النبطشية، وواضح من الخبطة اللي في راس المصابة، كمان الجرح اللي واضح في رجلها إن فيه اشتباه جريمة في الموضوع، وهفتح تحقيق باللي شايفه ده."
تهكم سراج من نبرة الطبيب الحادة، وقال باستهزاء:
"واضح إنك مش من البلد هنا ومتعرفش أنا مين..."
قاطعه الطبيب بلا اهتمام:
"حتى لو كنت من البلد وأعرف جنابك كنت هعمل اللي يمليه عليا ضميري. واضح وجود جناية."
ضحك سراج مستهولًا ومستكبرًا:
"جنااايه! أعتقد مهمتك خلصت وتقدر تعمل اللي إنت عاوزه. إتفضل."
كاد الطبيب يحتد لولا أن جذبته الممرضة وخرجت خارج الغرفة. طاوعها الطبيب فقط لأنه لا يحب الجدال مع ذاك المتكبر. خرج وهي خلفه. وقفت تقول له بزم:
"إنت مش عارف مين الشخص اللي جوه ده؟ ده سراج بيه العوامري."
تهكم الطبيب سائلًا:
"ومين بقى سراج بيه العوامري؟"
أجابته بمكانته وسط عائلة العوامري المعروفة، ثم أكملت:
"أنا كنت زيك مكنتش أعرفه بس كان راكب حصانه وبيتمشى بيه في البلد وكنت واقفة مع جوزي في دكان العلف، واحد من الفلاحين عرفه، وجال ده سراج بيه العوامري."
تهكم الطبيب قائلًا:
"متغطرس يعني."
"طب والمصابة دي كمان تبقى مين؟"
أجابته:
"لأ دي معرفهاش، يمكن قريبه (قريبته).. أو تخصه. هنعرف هي مين لما يسجل اسمها في المرضى، وكمان أنا هعاود أدخل الأوضة وهسأله هي مين، مع إن شكلها مش غريب علي."
غصبًا امتثل الطبيب وغادر. بينما عاودت الممرضة الدخول إلى الغرفة وعرض خدماتها عليه وسألته باستفسار:
"هي المريضة دي تقرب لجنابك؟"
تنفس واحتار بماذا يجيب عليها، لكن بالنهاية قرر وأجابها:
"لأ دي لقيتها وأنا ماشي عالطريق."
ذهلت الممرضة وهي تشعر باستغراب كيف هذا لم يعرفها وبهذه اللهفة الواضحة. هي ظنت أنها قريبه وربما تخصه. لم تهتم وسألت:
"طالما كده كان لازم تسمح للدكتور يقدم بلاغ في النقطة (قسم الشرطة). جنابك لاقيتها عالطريق يمكن اللي اتسبب في إصابتها قاطع (قاطع) طريق. ليه تحمل نفسك مسؤولية طالما متعرفش هي مين؟"
أجابها:
"بس أنا أعرف هي مين كويس؟"
تسألت باستفسار:
"حضرتك تعرفها منين؟"
بصعوبة لا يعلم سبب لماذا لم يكن يريد أن يقول أنها كانت زوجة "غيث" ابن عمته، لكن غصب أجابها:
"تبقى أرملة ابن عمتي."
تبسمت الممرضة قائلة دون انتباه:
"أنت جبتها هنا شهامة منك يعني، عشان خاطر كده. لو كان حد غير جنابك مكنش جابها، أنا مكنتش أعرف شكلها بس اللي أعرفه إنها مصانتش موت جوزها وسابت داره قبل الأربعين بتاعه... شابة وحلوة ولسه صغيرة أكيد مش..."
قاطعها سراج بغضب قائلًا:
"أعتقد كفاية كلام فارغ، التحقيق بتاعك ده يخلص، ومش عاوز حد يعرف بأنها موجودة هنا بالوحدة، وإتفضلي شوفى شغلك، الجرح اللي في رجلها داويه."
شعرت الممرضة بحرج من صد سراج لها، بدأت في مداواة ساق ثريا، وخرجت وتركته معها، يشعر باستغراب من شعوره بالضيق والغضب والاستغراب الأكبر وجوده هنا. لما لا يطلب من أحد العاملين الموجودين بالمشفى الاتصال بأحد ذويها.
زفر نفسه وهو ينظر لها وهي غافية رغم ذاك الضماد على رأسها تبدو كأنها صافية، وعلى وجهها بسمة لا يعلم إن كانت بسمة أم مجرد ملاحظة منه.
***
بينما خرجت الممرضة وذهبت إلى إحدى الغرف كانت خاصة بالممرضات، كان معها ممرضة أخرى، جلسن سويًا. سردت لها عن وجود سراج مع تلك الفتاة. لم تستغرب الأخرى قائلة:
"وفيها إيه؟ اللي أعرفه هنا إن أرملة الأخ بيتجوزها أخوه، ويمكن هو عينه عليها."
فكرت الممرضة:
"بس ده مش أخوه ده واد عمته، ومن عيلة العوامري. كمان اللي سمعته إن البت دي مسببة ناحية لعيلة العوامري."
أجابتها الممرضة الأخرى:
"يمكن عاملة الدوشة دي عشان كده، إنها تتجوز واحد تاني منهم. بس تفتكري مين اللي اتسبب في اللي حصل لها؟"
أجابتها:
"معرفش، بس لهفته عليها تقول إنه مش هو. من شكل إصابتها كده إن حد ضربها على راسها، وكان في جرح في رجلها، يمكن كان حد عاوز يغتصبها."
وضعت الممرضة الأخرى يدها على فمها بذهول قائلة:
"ربنا يحفظ أعراض أهلنا. هقوم أشوف الست اللي محجوزة فوق دي، والله حالتها مستاهل الحجز، بس الناس مفكرة الوحدة فيها عناية أكتر من الدار."
غادرت الممرضة الأخرى. بنفس الوقت دق هاتفها، أخرجته من جيب معطفها ونظرت له، ثم قامت بالرد تسمع سؤال زوجها لها عن بعض الأغراض ومتى ستنتهي ورديتها بالوحدة. أجابته ثم سردت له عن ما حدث قائلة:
"بس شكل سراج بيه ده راجل قوي، لو واحد غيره كان على الأقل سابها لما وصلها الوحدة، شكلها كده كان حد عاوز يأذيها وهو نجدها منه."
***
بأحد مقاهي البلدة
وقفت رغد على جنب قريب منها، ودخل أحمد ينادي على ممدوح الذي خرج معه وتوجه ناحيتها يقول بلهفة وذم:
"رغد إيه اللي جابك هنا دلوقتي؟ القهوة كلها شباب... وممكن يعاكسوكي وأنا مكنتش هسكت لهم."
شعرت رغد بسعادة أنها لا يود أن يضايقها أحد. توترت قائلة:
"خالتي نجيه عندنا في الدكان، بتقول إن ثريا لحد دلوقتي مرجعتش الدار وهي قلقانة عليها أوي."
شعر ممدوح بقلق قائلًا:
"إزاي مرجعتش للدار؟ استنى دقيقة وراجع لك."
لم يمر أكثر من دقيقة وعاد ممدوح يقول لها:
"خلينا نروح للدار، يارب تكون رجعت."
أومأت له ببسمة وهي تسير على الطرف الآخر جوار أخيها الذي يفصل بينهم، تحاول هي وأخوها مجاراة خطواته السريعة إلى أن وصل إلى ذاك الدكان ووجد والدته جالسة. سألها بلهفة:
"أمي.. ثريا رجعت؟"
أومأت رأسها بـ "لا". أخرج ممدوح هاتفه يتصل على ثريا، ولا يأتيه رد. شعر بزيادة القلق قائلًا:
"موبايلها بيرن ومش بترد، هي مش متعودة متردش. معقول تكون لسه في الغيط؟ هروح أشوفها وأرجع."
تنهدت نجيه بدموع قائلة:
"وإيه اللي هيقعدها في الغيط لحد دلوقتي؟ دي كانت بترجع للدار يا دوب الشمس تغيب."
ساور ممدوح القلق بشدة وفكر بـ عائلة العوامري، وكاد يتفوه، لكن قبل ذلك صدح رنين هاتف صاحب البقالة. قام بالرد كان تاجر الأعلاف يسأله عن بعض المنتجات لديه، وسمع بالصدفة قول ممدوح الذي لم يهتم:
"أكيد اللي ورا اختفاء ثريا عيلة العوامري. أنا رايح لهم."
نهضت نجيه بفزع وتمسكت به قائلة:
"اعقل يا ممدوح، وإهدي."
بضجر تفوه ممدوح:
"عقلت كتير وصبرت، مش كفاية..."
قاطعه صاحب البقالة:
"إهدي يا ممدوح وإسمع لحديت أمك، بس أخلص من المكالمة."
غصبًا صمت ممدوح يتآكل قلبه القلق ويصور له الشيطان، لما لا تذهب ويحدث ما يحدث.
بينما سريعًا أكمل البقال الحديث عبر الهاتف مع ذاك الشخص الذي سمع حديث ممدوح وذكر عائلة العوامري. بفضول منه سأله. حاول البقال عدم الإفصاح عن اختفاء ثريا، بينما تفوه الآخر:
"مراتي ممرضة في الوحدة وبتجول إن سراج العوامري هناك ومعاه ثريا اللي كانت متجوزة ابن عمته."
اندهش البقال قائلًا باستفسار:
"إنت متأكد من حديثك ده؟ ثريا مع سراج في الوحدة، طب ليه؟"
أجابه الآخر:
"معرفش. مراتي من شوية كنت بسألها هتعود إمتي، وجالت لي كده وبس، وكمان طلبت مني شوية مستلزمات للدار وعشان كده بتصل عليك عشان إنت بتبيع أرخص."
أغلق البقال الهاتف. ونظر نحو ممدوح ونجية التي وقفت باستغاثة تسأله:
"مين اللي كان بيتحدث معاك؟ أنا سمعتك بتقول ثريا وسراج."
بهدوء قال لها ما أخبره له ذاك الشخص. سريعًا كاد يذهب ممدوح، لكن تشبثت به نجيه قائلة:
"خدني معك يا ولدي."
برأفة منه احتوى يدها وذهبا الاثنان إلى الوحدة.
تنهد البقال قائلًا:
"ربنا يطمن قلوبهم. والله نظرتي في ممدوح اتغيرت، طلع راجل."
تبسمت رغد وهي تؤمن على دعاء والدها، تشعر بمشاعر صافية نحو ممدوح الذي يظهر عكس شخصيته الحقيقية، أنه غير مبالي بما يحدث حوله.
***
بعد قليل
بالوحدة الصحية
ما زال عقل سراج غير مستوعب لما حدث، يلوم عقله كيف وصل به الدناءة لهذا الحد. لم يحسب أن يصل إلى هذا المستوى ولا تلك النتيجة. لا يعلم لما يظل معها بالغرفة، لما لم يغادر ويخبر الوحدة بذويها وتنتهي الليلة.
بالفعل وقف حين فُتح باب الغرفة ودخلت نجيه خلفها ممدوح الذي نظر إلى سراج باستحقار ثم ذهب نحوه غير مباليًا:
"أختي فيها إيه يا سراج، متفكرش إني هسكت على قذارة عيلة العوامري."
نفض سراج يدي ممدوح ونظر إلى نجية التي اقتربت من فراش ثريا تبكي وهي تراها ممددة هكذا بوجهها الشاحب وضماد رأسها. كاد أن يتواجه سراج ويلقن ممدوح درسًا لا بأس به بسبب سبه لعائلة العوامري، لكن ارتأف قلبه حين سمع قول نجية باستجداء وهي تقبل وجنة ثريا بدون قصد منها:
"اصحي يا روحي عملوا فيكِ إيه تاني منهم لله، ربنا ينتقم منهم. جلت لكِ تغور الأرض وإبعدي عن شرهم. كفاية اللي حصلك قبل كده."
لم يفهم قول نجية ماذا ومن تقصد؟ هل تقصد عائلة العوامري؟ هو حقًا المسؤول عن ما حدث لها الليلة، لكن ماذا حدث سابقًا ولماذا قالت تلك السيدة ذلك.
ما زال ممدوح يحاول التهجم على سراج لكن تدخل حارس الوحدة وعامل آخر وطلبوا من سراج المغادرة منعًا للإشتباك وإثارة مشاكل في غنى عنها. امتثل لذلك وغادر متعسفًا، يشعر بغضب عارم.
***
بعد قليل دخل إلى دار والده. تقابل مع آدم الذي انخص بسبب الدماء على ملابسه سائلًا بقلق:
"سراج إيه الدم اللي على هدومك؟ دم؟ إنت كويس."
أجابه سراج:
"أنا بخير، هطلع آخد دُش وأقلع الهدوم دي، تصبح على خير."
تنهد آدم بارتياح، قائلًا:
"الحمد لله، بس إيه سبب الدم ده."
أجابه بضجر:
"بعدين."
امتثل آدم قائلًا:
"سراج في موضوع خاص بيا كنت عايز أكلمك فيه."
تركه سراج يصعد السلم قائلًا:
"بعدين يا آدم، أنا مصدع ومحتاج أرتاح."
امتثل آدم، رغم فضوله معرفة سبب تلك الدماء. بينما صعد سراج إلى غرفته توجه نحو حمام الغرفة مباشرة، خلع ثيابه وفتح صنبور المياه وقف أسفلها يعيد عقله ماحدث منذ رؤيته لـ ثريا اليوم، إلى قبل دقائق وحديث والدتها المبهم. يشعر بتشتت في عقله. أغلق صنبور المياه وجذب منشفة، لكن قبل أن يخرج من الحمام وقع بصره على ملابسه الملوثة بدماء ثريا. ترك النظر للملابس، وخرج من الحمام ذهب نحو فراشه وارتمى بجسده عليه، يشعر كأنه بإعصار. أغمض عينيه، سرعان ما غفى.
***
فجأة انقشعت الغيوم وسطعت الشمس. ظهرت معها حورية مضيئة تجذبه لها بإشارة منها. اقترب منها يخفق قلبه. أصبحت خطوة بينهم. عاودت بعض الغيوم تكاد تقترب منها. شعر بلهفة، جذبها عليه، ينظر لشفتيها يشعر بإحساس خاص لأول مرة يتوغل منه. يريد تذوق شفتيها وتقبيلها. اقترب بوجهه، اختلطت أنفاسه معها. أغمض عينيه لوهلة ثم فتحهما وعاود النظر إلى شفاها. بلا شعور منها رفع يده يجذب رأسها يحتوي شفتيها بين شفتيه بقبلة شغف واجتياح. ترك شفاها وسارت رغبة أخرى تؤرق جسده. لأول مرة يتملكه ذاك الشعور الخاص. ضمها قويًا، يديه تكاد تخترقها للحظات يحتويها. عاود يقبلها مرة و
رواية عشقت طالبتي الفصل السابع 7 - بقلم منار حسين
عشر أيام مرّت، وما زالت إشاعة شهامة سراج هي حديث البلدة الدائر، وسط تكهنات بمن ذاك الوضيع المجهول الهوية. لمّا لم يُفصح عنه، البعض يُخمّن أنّه بالتأكيد انشغل سراج بإنقاذها، مما أعطى فرصة لذاك المجرم بالهرب. والبعض الآخر يظنّ أنّه بالتأكيد سراج مُتحفّظ عليه وسيعاقبهُ هو بالنهاية. وتكهنات أخرى للقلائل أن خلف ذلك عائلة العوامري نفسها، لكن لا يستطيعون البوح بذلك، أو ليس من شأنهم الاهتمام بما لا يخصّهم.
***
في دار عمران العوامري
غرفة آدم
كعادته، يستيقظ مبكرًا. فتح شرفة غرفته، يسمح لتلك النسمات الرطبة أن تدلف إلى غرفته. يملأ صدره بهواء البدرية، ينتعش من تلك النسمات الصيفية الحنونة. يشعر كأنّ تلك النسمات مثل لمسات الأم فوق خصلات طفلها، أو هكذا يعتقد. شعر بنسمات الهواء تتخلل بين خصلات شعره. تنهّد وهو يرى تلك الجوناء تبدّد بضيائها بقايا الظلام، كأنّ أشعتها مثل السهام ورؤوسها تلك الثريات. منظرٌ مُهيب لا وصف له. نورٌ بسيط يجعل الظلام يختفي رويدًا رويدًا. تفسيره التلقائي هذا هو الأمل. تنفّس بأمل يعيش به دائمًا، أن اليوم أفضل من الأمس، وحتى الغد. بعد ذاك الحادث الذي مرّ به وهو صغير، علّمه أن يحيا يومًا بيوم، ويتطلّع أن الغد بعلم الغيب سيكون مثل اليوم وأفضل. رأى ذاك الطير الليلي المشؤوم، كما يطلق عليه، يقف على أحد فروع الأشجار، ويبدو أن ضوء الشمس بدأ يزعجه، فرد جناحيه وطار عائدًا لمسكنه بين الشقوق، حتى يعود الظلام وينطلق. استنشق الهواء العليل بقوة، ثم ذهب نحو مكتبه الموجود بأحد زوايا غرفته. جلس، يجذب دفترًا وقلمًا، يسرد ما يجيش بعقله، يكتبه بيده. يكتب عن تلك الجوناء كأنّها إلهًا يهب الحياة. لاحت أمامه عينا معشوقته القريبة البعيدة. طال الوقت منذ أن تقابلا لأول مرة. صدفة؟ لا، لم تكن صدفة، بل قدرًا مرسومًا أن يعشق المُعاق تلك الرقيقة المُذبذبة الشخصية. تضادٌّ بينهم جذبهم. هو رغم إعاقته، لكن مقدام غير متخاذل. هي رغم تنوّر عقلها، لكن ما زالت مُقيّدة، تخشى سطوة والدها المُتجبّر والمُتحكّم. يشعر أنّها مُقيّدة بأسوار زجاجية سهل كسرها، لكن ليس لديها رغبة، أو بمعني أصح إرادة لكسر ذاك الزجاج المُعتم وتنطلق معه تُحلّق نحو نور الحرية. سطر بعض الأسطر بكلمات عن حكاية بطلتها مُتمردة تسعى نحو النور، رغم جناحيها الضعيفان، لكن تقاوم شدّة التيار. من تلك المُتمردة لا يعلم، ربما يودّ أن تكون حبيبته الحبيسة وتتحرّر من استكانتها وتعلن العصيان. خطّ بيديه حكاية عشق الفارس المغوار الذي غامر سعيًا للوصول إلى قصر الجميلة العنيدة صعبة المنال، وانتزعها من بين الأسوار العالية لتسكن بين ضلوعه. يكتب آخر جملة قبل أن يغلق الدفتر: "لا يليق بالعاشق إلا أن يكون صبورًا".
***
بغرفة سراج
كعادته العسكرية، تعود على الاستيقاظ مبكرًا. فتح عينيه يتمطى، ثم نهض من فوق الفراش. ذهب نحو شباك الغرفة الزجاجي. أزاح الستائر، رأى الإشراق ينبعث. لحظات وقف، ثم استلقى أرضًا يقوم ببعض التمرينات الرياضية يُنشّط جسده، ثم نهض نحو مرحاض الغرفة، أنعش جسده بحمام بارد. ثم خرج. بنفس الوقت، دق هاتفه بصوت رسالة. ذهب نحوه كي يعلم هوية ومحتوى الرسالة. نظر إلى الشاشة، زفر نفسه بمجرد معرفة هوية من المتصل. لوهلة، تغاضى عن معرفة محتوى الرسالة الذي ربما يعلمه، لكن دفعه الفضول فقط. قرأ نص الرسالة بنبرة سخرية وتهكّم: "حبيبي وحشتني". التوت شفتاه ببسمة سخرية وجمود. وكاد يحذف الرسالة، لكن بنفس اللحظة صدح رنين الهاتف. زفر نفسه بجمود واتخذ قرارًا بعدم الرد، لكن بسبب إلحاح الرنين، وعدم اهتمامه، أغلق الرنين وبعث رسالة مختصرة: "مش فاضي".
جاءه الرد برجاء وتوسل: "نتكلم دقيقتين بس مش هعطلك".
ببرود تنهّد. وحين عاود الهاتف الرنين، قام بالرد، يسمع دون حديث. ثم تنهّد باقتضاب قائلًا: "الدقيقتين خلصوا، وسبق قلت لكِ مش فاضي".
لم ينتظر وأغلق الهاتف وألقاه فوق الفراش بضجر. ثم جلس على حرف الفراش، يمد نصف جسده للأمام، يضع وجهه بين راحتي يديه. يُفكر بما يشغل عقله. بعد أن كان ذمّ نفسه على ما فعله بثريا، وذاك الموقف السخيف الذي اضطر إليه رغمًا عنه ضد مبادئه، كذلك تلك الإشاعة الكاذبة. فكّر بذاك الحلم السخيف الذي رأى نفسه يُقبلها. فكّر. زفر نفسه بجمود: "من متى تحكّمت رغبته كرجل به؟" بحكم عمله بالجيش، تعلم كبت مشاعره تلك، بل وجعلها متبلدة. وتلك المُحتالة آخر امرأة قد يُفكر فيها كامرأة. أقنعه عقله: ليست رغبة، بل غضب منه عليها. تستحق ما ينوي عليه من غضب. سراج كان كامنًا، لكن بلحظة عاصفة هي أيقظته، ولن يهدأ قبل أن يُغرقها بثورانه. نهض واقفًا وحسم قراره المتحكّم. ذهب نحو دولاب الملابس، تألق بزي عصري وسترة صيفية، شمّر عن ساعديه. ثم وقف ينثر عطره المفضل الذي كان نسي رائحته منذ سنوات. لوهلة، وقف ينظر لانعكاسه بالمرآة، وسخط من نفسه. تعوّد على الزي العسكري الذي أصبح مثل جلد آخر له. تنهّد بأسف، ثم لم يهتم وغادر الغرفة، يبتسم بترقب. بالتأكيد يتوقع رد فعل والده حين يخبره بما عزم عليه.
***
بمنزل ثريا
انتهت من ارتداء ثياب ملائمة بسيطة ومرتبة بأناقة دون تكلف، وخرجت من الغرفة. تقابلت مع والدتها التي تقوم بتنظيف المنزل. التي وقفت تنظر لها سائلة: "رايحة فين دلوك يا ثريا؟".
وضعت ثريا حقيبة يدها الصغيرة على كتفها الأيسر وأجابتها: "رايحة المحكمة، في زبونة هتعملي توكيل في قضية".
شهقت نجية قائلة: "وقضية إيه دي اللي هتروحي عشانها المحكمة؟ إنتِ لسه الجرح في راسك ملتأمش، وناسية الدكتور قال إن بلاش تتعرضي للإجهاد. الخبطة اللي في دماغك ما كانتش شوية. سبحان من نجاكي. لو ما كانش سراج العوامري..."
قاطعتها ثريا بنهي: "بلاش سيرة شهامة سراج العوامري، لآن الصفة دي عمرها ما كانت في أي بني آدم من عيلة العوامري. ومتقلقيش، أنا بجيت زينة، وكمان مش هتأخر. يادوب مسافة السكة وهعمل التوكيل. هتّوكل على الله. الست زمانها وصلت المحكمة".
غادرت ثريا دون الاهتمام بشيء. لديها يقين أن ما حدث لم ينتهِ، وبالتأكيد ما زال وسيظل هناك محاولات أخرى لإخضاعها وجبرها على بيع قطعة الأرض تلك. بينما تنهدت نجية بقلق أصبح يُحاوط قلبها على ثريا. ثريا التي كانت فتاة وديعة تحولت إلى امرأة لا تهاب شيئًا. قست قلبها وتبدّلت للنقيض. لم تعد تهاب من شيء.
ذهبت ثريا نحو موقف سيارات البلدة. توقفت حين سمعت صوت رنين هاتفها الخاص. أخرجته من الحقيبة ونظرت له، كان رقمًا شبهت عليه. قامت بفتح الاتصال. كما توقّعت هوية ذاك المتصل، سمعت لحديثه بعد أن عرف نفسه أنه مدير ذاك البنك التي ذهبت إليه قبل سنوات: "أستاذة ثريا، حضرتك في مشكلة خاصة بحساب حضرتك عندنا هنا في البنك. ممكن تشرفينا عشر دقايق نحل المشكلة".
زفرت بحنق سائلة: "إيه هي المشكلة دي؟ ممكن تقولي عليها؟"
أجابها بدبلوماسية: "حضرتك مش هينفع نتكلم عالموبايل. مشكلة بسيطة ومش هتاخد من وقتك كتير".
تنهدت بامتثال: "تمام، الساعة اتناشر هكون عندك في البنك".
أغلقت الهاتف. وقفت للحظات تزفر نفسها بضجر. نظرت إلى إحدى سيارات الأجرة ثم سارت نحوها. صعدت، تجلس على أحد المقاعد المجاورة لأحد شبابيك السيارة. شعرت ببعض الحرارة تغزو جسدها. فتحت ذاك الشباك. دلف هواء ساخن لكن رطب. تلك الحرارة التي تتأجج بقلبها وجسدها. أغمضت عينيها لوهلة. سرعان ما فتحتها، خشيت من هطول تلك الدمعة التي تكونت بعينيها. وذكرى بداية طريقها البائس بين أنياب ثعلب قذر ومخادع. ظنت في البداية أن الحياة قد صفحت عن بؤسها السابق. لم تكن ترغب بأموال ولا شيء. موافقتها على الزواج من غيث كانت بحثًا عن سند تستطيع الاتكاء عليه وتحتمي به من غدرات الزمن. لكن هو كان ثعلبًا. رسم الفخ للدجاجة بإجادة.
تذكرت ذاك اليوم [قبل ثلاث سنوات تقريبًا]. تبسمت حين سمعت رنين هاتفها. كانت تقوم بتنظيف المنزل. تركت ما كانت تفعله وهرولت بقلب فتاة بسيطة نحو مكان هاتفها. سرعان ما ردت بعد أن وجدت اسم "غيث". سمعت منه بعض كلمات الغزل دون تطاول منه. كان جيدًا في الخداع. ثم قال لها: "عشر دقايق تكوني جاهزة، همُر عليكِ آخدك ونروح مشوار".
سألته باستفسار: "هنروح فين؟"
أجابها بمكر عاشق كاذب: "هخطفك ساعة بس، مفاجأة هتعجبك أوي. يلا يا حبيبتي قدامك عشر دقايق بس وهتلاقيني بضرب على تنبيه العربية. ولو اتأخرتي أكتر، مش هبطل إزعاج للمنطقة".
تبسمت بانشراح قائلة: "لاء وعلى إيه، هلبس بسرعة".
تبسم بمكر سائلًا بوقاحة أحيانًا يتعمدها كي يتلاعب بمشاعرها البريئة والمتعطشة لكلمات فقط تطرب قلبها.
أنهى الاتصال. تنبهت على نفسها سريعًا، ثم ذهبت إلى تلك الغرفة التي تشاركها مع والدتها بذاك المنزل الصغير مكون من طابق واحد بثلاث غرف صغيرة جدًا. أكبر غرفة بالكاد تأخذ الفراش ودولاب صغير وممر صغير بينهم، كذلك ردّهة صغيرة. نظرت نحو مرآة بأحد ضُلف الدولاب. نظرت إلى وجهها المُحتقن بالدماء خجلًا، تشعر به. قلبها الذي ينتفض بين ضلوعها. تنبهت سريعًا، بدلت ثيابها بأخرى مناسبة لها، ليست شديدة الأناقة لكن ملائمة للخروج. فعلًا، قبل عشر دقائق سمعت صوت تنبيه سيارة غيث. خفق قلبها بشدة. خرجت من الغرفة، تقابلت مع سعدية التي دخلت للتو. نظرت إلى ثريا سائلة: "رايحة فين؟"
تبسمت لها بعين لامعة بالخجل: "غيث بره يا خالتي... خارجين سوا".
شهقت سعدية قائلة: "خارجين لوحدكم كده؟ استني هتصل على فاروق ابني يجي معاكِ".
نظرت لها نجية قائلة: "فاروق إيه يا سعدية اللي يروح معاهم؟ إنتِ ناسيه إن غيث وثريا مكتوب كتابهم، يعني مراته. روحي يا ثريا، غيث مش مبطّل صوت زمارة العربية".
انطلقت ثريا للخارج، بينما نظرت سعدية لنجية لائمة: "ولو حتى لو كاتب كتابها، المفروض برضك يبقى في حدود شوية، لحد ما يتجوزوا وتروح داره، لكن خروج أكده عيب. كمان أنا جلبي مش بيرتاح للي اسمه غيث ده، حساه منافق جوي".
تهكمت نجية: "وانتِ من متى جلـبك بيرتاح لحد يا سعدية، وخلاص كلها كم يوم ويتجوزوا. كمان ثريا مش صغيرة وتعرف إيه العيب ومتهملوش واصل".
تهكمت سعدية ساخطة، تهمس لنفسها: "ثريا مش صغيرة، بس جلـبها محتاج لساه بيحلم".
بينما خرجت ثريا، توجهت نحو سيارة غيث الذي رغم أنه رأى خروجها من المنزل، لكن ما زال يدق على تنبيه السيارة مزحًا منه. ركضت سريعًا، فتحت باب السيارة وصعدت مبتسمة تقول بمرح: "كفاية أكده، الناس هتجول إيه".
نظر نحوها بعين ثعلبية وترك جهاز التنبيه، ومد يده جذب يدها وبمكر قبلها، ثم نظر إلى وجهها يزداد قلبه شغفًا بنيلها الآن وهي متوردة الوجه بهذا الخجل. كادت تغيب عن الوعي وهو يقترب بوجهه منها، أنفاسه قريبة من وجنتها. لكن انتبهت حين أخطأ وضغط بيده على جهاز تنبيه السيارة. أعادها للواقع. سحبت يدها وعادت برأسها تتكئ على مسند المقعد سائلة بخفوت: "جولي، هنروح فين؟"
تنهد بشبه نرفزة واحتقنت ملامحه قائلًا: "مفاجأة. أما نوصل هتعرفي".
قاد السيارة يتساءل معها بأحاديث يتعمد أن يتلاعب بقلبها العطش، كأنه يعلم ما ينقصها ويحاول اللعب به على مشاعرها. كانت تخجل من حديثه ونظرات عينيه وتصمت. إلى أن توقف بالسيارة بعد قليل، قائلًا: "وصلنا بسرعة. كان نفسي الطريق يطول".
نظرت إلى خارج السيارة تستعلم المكان. كانت السيارة واقفة أمام بمنطقة بها بعض البنايات، كذلك أحد البنوك. ترجّل من السيارة قائلًا: "يلا انزلي".
سألته بترقب: "هنروح فين هنا؟ المنطقة كلها عمارات خاصة".
توجه نحوها وفتح باب السيارة، أمسك يدها وجذبها قائلًا: "مش شايفة البنك ده؟ يلا انزلي بلاش تضييع وقت. المدير في انتظارنا".
دون فهم، ترجّلت من السيارة وذهبت معه إلى أن دخلا إلى غرفة مدير البنك الذي رحب به. بالطبع، فهو معروف بسبب سطوة عائلة العوامري. وجهها للجلوس على أحد المقاعد، ثم جلس مبتسمًا بتعالٍ يضع ساقًا فوق أخرى. ونظر إلى مدير البنك الذي تنحنح قائلًا: "كل اللي طلبته يا غيث بيه جاهز على إمضة الأستاذة".
ما زالت لا تفهم شيئًا، إلى أن وضعت السكرتيرة تلك الأوراق أمامها. نظرت لها، ثم نظرت إلى غيث مستفسرة: "أمضي على إيه؟"
نظر لها ونهض مبتسمًا وانحنى هامسًا بنبرة أمر: "ده أوراق فتح حساب في البنك باسمك".
اندَهِشَت، سألته: "حساب باسمي أنا؟ بس أنا..."
قاطعها بأمر وبصوت أجش ناعم في نفس الوقت: "حبيبتي امضي عالأوراق".
كأنه كان ساحرًا، بتلقائية منها قامت بالإمضاء على تلك الأوراق التي لحسن حظها قرأتها بعجالة منها، وهي تبحث عن مكان وضع إمضائها.
[عودة للحاضر]
شعرت بتوقف سيارة الأجرة. عادت من تلك الذكرى، تهكمت على نفسها بسخط كيف كانت ساذجة إلى هذا الحد وصدقت كذب وادعاء غيث. تنهدت تخبر عقلها: "كم كنتِ ساذجة، وهو كان مُخادعًا جيد، لا بل بامتياز".
***
بدار عمران العوامري
غرفته هو وزوجته التي كانت تجلس أسفل قدميه تقوم بتدليكهما بالماء والملح، حين سمع نهضت حين سمع صوت طرق على باب الغرفة. أخرج قدميه من الماء قائلًا بجفاء: "كفاية أكده".
جذبت تلك المنشفة التي كانت على أحد كتفيها ونشفت له قدميه. تأفف قائلًا: "بلاه عالعوج عالصبح. روحي افتحي باب الأوضة".
فتحت الباب ورسمت بسمة. بينما تنحنح سراج الواقف على جانب الباب قائلًا: "صباح الخير. أبوي صاحي؟"
أومأت له بود، بينما تحدث عمران من الداخل قائلًا: "إيوه صاحي. ادخل يا سراج". ثم أمر زوجته قائلًا: "انزلي جهزي الفطور".
أومأت له وغادرت. بينما دلّف سراج إلى غرفة والده الذي نظر بفخر قائلًا بمدح: "تعالى يا سراج. رفعت راس العيلة. البلد كلياتها ملهاش سيرة غير عن شهامتك وعن إنك أنقذت بت الحناوي من المجرم اللي كان هيغتصبها. بالتوكيد بعد أكده مش بعيد تمضي لك على الأرض بتاعتها اعتراف بجميلك عليها. كانت ضربة معلم منك. بأكده اطمنت إن سيرة شهامة عيلة العوامري هتبقى على كل لسان في خط قبلي كلياته".
بداخله استهزأ من مدح وفخر والده وتيقن أن ما فعله كان صحيحًا. تزييف حقيقة أسهل شيء. من ظهر أمام الناس أنه حامي العرض هو من هدد بسلبه، لولا أن بدلت هي الحقيقة وخالفت توقعه. نظر لوالده قائلًا: "أنا قررت أتجوز من ثريا الحناوي".
***
بمنزل مجدي السعداوي
وضعت حنان الطبق الذي كان بيدها فوق طاولة الطعام، ثم جلست هي ووالدتها بعد أن انتهين من وضع جميع الأطباق، وجلوس مجدي يترأس الطاولة. يمد يديه يتناول الطعام. ثم تنحنح سائلًا ولده: "انت مش بتروح المحلج ليه تساعد حفظي ولد عمك؟"
رد عليه: "انت عارف يا أبوي إني السنة دي في الثانوية العامة والدروس خلاص بدأت".
تنهد بشبه نرفزة قائلًا: "والدروس اليوم كلياته".
ردت زوجته: "ده بيطلع من صباحية ربنا يرجع عشيه هلكان".
تهكم مجدي قائلًا: "خليكِ أكده طبطبي عليه لحد ما يفسد. أنا عاوزه يتعلم من حفظي الشغل ويبجي إيده اليمين".
تفوهت ولية ما تحدثت حنان: "يا أبوي اخوي نفسه يدخل كلية التجارة عشان أكده يبقى يمسك الحسابات بتاع المحلج. إنما مالوش في شغل التنفيه والشيل والحط".
تهكم مجدي بغضب قائلًا: "كان عينكم محامين عنه، وانت كمان ما عارف إيه الحظ ده. كل ما أتفق أنا واخوي على معاد للخطوبة تحصل حاجة تأجل الموضوع. آخرها العميل اللي بنشتغل إمعاه في مصر بيقول إن البضاعة اللي وصلت له ناقصة. أهو حفظي راح يتأكد بنفسه، ولما يرجع مش هننتظر. بس إياك النحس يتفك".
خفق قلب حنان بهلع وهي تدعو بقلبها أن يستطيع آدم إقناع والدها بإتمام زواجهم، والتخلي عن تلك الفكرة المترسخة برأس والدها. فالموت أفضل لها من الزواج بذاك الوقح حفظي الذي لا يمتلك أي أخلاق.
***
بمنزل زوج ولاء
كهلًا يحضن صورة بإطار أسود. تبكي عيناه بغزارة ونحيب يشبه ندب النساء في المآتم. يتمعن النظر إلى الصورة لذاك الشاب اليافع ذي التاسع عشر عامًا. كان يرتدي معطفًا طبيًا. أمنية حياته تحققت أن يدرس الطب. كان متفوقًا عن حق، كان على خلق. لا يعلم كيف انجرف بتيار السموم البيضاء "المخدرات" وأدمنها، لتؤدي إلى وفاته بجرعة زائدة من تلك السموم. أنهت الأمل باكرًا. ولده الوحيد أهلكته السموم. كيف وصلت إليه؟ هو كان مستقيمًا عكس ذلك. نحيب وندب. أشعل الغضب والضجر بقلب تلك الجاحدة التي دخلت إلى تلك الغرفة الخاصة بابن زوجها الذي رحل قبل سنوات. احتقنت ملامحها بجمود وتفوّهت بجحود: "هنفضل أكده لحد ميتي؟ إنت أكده بتعذبه في قبره. حافظ على منظرك جدام الخدامين لما يسمعوك بتنوح أكده كيف الحريم بالعزا".
رفع عينيه عن تلك الصورة ورمقها بعذاب قائلًا: "ولدي الوحيد مستكترة إني أحزن عليه؟"
تفوهت بضجر: "حاسة إن عقلك هيخف عن قريب. ولدك بجاله أكتر من ست سنين ميت. كفاية أكده. أنا زهجت من النكد اللي بصحى عليه كل يوم وكفاية نواح. النهاردة يلا جوم، في مشكلة في محلج الكتان اللي إهنه، وعمران جالي إنت اللي هتحل المشكلة دي".
علق تلك الصورة على الحائط وهو ما زال يشعر بعذاب قلبه، ممتثلًا لأمرها وجفف دموع عينيه بمحرمة من القماش ثم خرج من الغرفة. بينما هي زفرت نفسها بضجر وتفوّهت بجحود قائلة: "كأن الحظ العفش مهيخلاش عني واصل. جاب معاه النكد كمان".
***
بمركز الشباب
بصالة التدريب، كان جسار يحمل حقيبة ملابس على كتفيه يُناشد الأشبال قائلًا: "يومين أجازة، عاوز أرجع ألاقيكم وحوش وتسمعوا لإرشادات الكابتن إيمان. ممنوع المشاغبات والمناوشات".
تبسموا له باحترام. سار بضع خطوات. بنفس الوقت، تصادف دخول إيمان إلى الصالة. توقفت قبل أن تصطدم به. تبسم لها بمودة قائلًا: "أهلًا يا كابتن إيمان. كويس إني اتقابلت معاكِ قبل ما أمشي".
لوهلة، انفرجت ملامحها وقالت: "إنت خلاص هتمشي من النادي؟ إتنقلت منه؟"
ضحك قائلًا: "للأسف لاء. أنا واخد أجازة يومين، هروح أزور أهلي وراجع تاني بسرعة. ما كنتش أعرف إن وجودي هنا مضايقك أوي كده، إنك تتمني أتنقل من هنا، وأنا مكملتش حتى شهر".
شعور بداخلها لا تعلمه. تود أن يرحل وتنفرد هي بتدريب كما كانت قبل أن يأتي، وشعور آخر لا يتمنى ذلك. مشاعر مُذبذبة لأول مرة بحياتها تشعر بذلك. رغم أنها كانت دائمًا لا تشعر بالحيرة في مشاعرها ولا قراراتها.
بينما جسار يشعر بسعادة لا يعلم سببها حين يُشاغب إيمان، سرعان ما تنبه على وقفتهم قائلًا بغطرسة: "على العموم، قدامك يومين تدريب مع أشبال النادي. أتمنى لما أرجع ما ألاقيش الفورمة بتاعتهم نزلت، لآن خلاص تصفيات القطاعات وبعدها الجمهورية هتبدأ قريب. ومدير المركز بيقول لي إن نفسه أشبال النادي يشرفوه في التصفيات دي ويوصلوا لمراكز متقدمة. واضح إن فيه شيء ناقص في التمرين بيخليهم مش بيوصلوا لمراكز في التصفيات دي، يخرجوا من الجولات الأولى".
نظرت له بغضب وتبدلت مشاعرها. هي لا تود رؤيته الآن. ليته يختفي أفضل من أن تصفعه بفمه. لوهلة، سرح خيالها وظنت أنها فعلت ذلك ولقّنته مجموعة ضربات بوجهه جعلت أنفه وفمه السليط ينزف وترا ضحكات الأطفال عليه وهو مسجّى أرضًا. لكن كانت أوهام تمنتها، وهي تعود للواقع بعض أن سمعت طرقعة أصابعه أمام وجهها قائلًا: "روّحتِ فين يا كابتن؟ على العموم، للأسف أنا مرتبط بميعاد للقطر ولازم أمشي عشان ألحقه. عيلتي عارفة إني هروح لهم النهارده ولو اتأخرت أكتر من كده هيفوتني القطر وبصراحة أنا مشتاق لهم أوي. يلا سلام، الأشبال أمانة في إيديكي، حافظي على مستواهم الفني".
لم ينتظر ردها. هو يحب إثارة غضبها، ونجح في ذلك وغادر ضاحكًا. بينما هي ظلت متسمّرة للحظات قبل أن تنظر نحو خروجه من قاعة التدريب وترمقه بغضب جامح، وهو يرفع يده يشير لها بالوداع. زفرت نفسها، لكن انتبهت حين شعرت بنظرات الأشبال لها، وتلك البسمة على وجوههم. نظرت لهم بغضب قائلة بتعسّف: "الفريق كله ينزل تمارين ضغط. ألف تمرين، أما أشوف درجة تحمل مستواكم الفني".
نظر لها الأشبال بعد أن كانوا يبتسمون، اختفت البسمة واقتربوا منها يحاوطوها بتوسل أن هذا كثير عليهم. رَفَقَت بهم وهي تنفض غطرسة ذاك المتعالي، وأومأت لهم بموافقة قائلة: "تمام، بلاش ألف. خليهم النص".
ما زالوا مدهوشين يتوسلون، لكن هي ابتعدت عنهم بحسم قائلة: "يلا، دقيقة هروح أغير هدومي وأرجع ونبدأ التمارين. واللي مش هيلتزم بيه هخليه ياخد التراك حوالين النادي جري خمسين مرة".
***
بشقة قابيل العوامري
دلفت إيناس تحمل صينية الفطور وضعتها على طاولة مستديرة بالغرفة. نظرت نحو الفراش وتنهدت بعشق. رغم أنها حوالي الحادية صباحًا، لكنه كان ما زال غافيًا بالأحلام بأن ينال ما يشتهيها قلبه حتى لو بالأحلام. تُشاركه قبلة. اقتربت منه، قلبها يخفق. وضعت شفاها على وجنتيه ثم قبلت جانب شفتيه، تقترب منه بهمسات عاشقة. بينما هو هائم بحلم لذيذ، كأنه يشعر بشفاه أخرى هي من تتجول على صفحات وجهه وتقترب من شِفاه. بتلقائية غير واعٍ، جذبها يُقبل شِفاهها، مستمتعًا يتلذذ بآنين همسها وهي تكاد تشعر بالاختناق من قسوة قبلته التي أفاقته من غفوته اللذيذة ليكتشف أنها كانت وهمًا. وأخرى يبغضها هي التي تُصارع أنفاسها فوق صدره إلى أن هدأت وعاودت النظر له قائلة بعيون تلمع بالرغبة والشوق: "صباح الخير يا حبيبي. أنا لقيتك نعسان مرضتش أصحيك من بدري، جولت إنك راجع وش الصبح، وشكلك كنت تعبان".
تنهد بضجر وهو يعتدل نائمًا على ظهره. بداخله غضب. ليته تلك الحمقاء ما أفسدت حلمه، وتركته يستلذ به. نظر لها وهي تضع يديها تُداعب صدره بإغراء. ونظرات عينيه تكشف شوقها. يكره ذلك، لكن يُشعره بهيمينته الرجولية عليها. جذبهامن رأسها وبتلقائية أصبحت أسفله. لمسات جافة من يديه الخشنة تُشعرها بأنوثتها. لحظات يشعر كأنها جارية بل أقل من ذلك، وهو يعطيها ما تبغي. تش
رواية عشقت طالبتي الفصل الثامن 8 - بقلم منار حسين
دفعها بعيدًا عنه كأنها وباءً. وهو يترك لها الفراش، ينظر لها بجمود، تنفخ أوداجه، يزفر أنفاسه غضبًا. تبدل حالها بعد أن كانت مازالت هائمة بلذة سكرة تلك اللحظات الذي غمرها فيها بالغرام، فاقت على تلك الدفعة القاسية. نظرت نحوه وهي تسحب دثار الفراش، تبتلع ريقها الذي جف وهو يُعنفها بالقول بفظاظة:
"سبق وأكدت عليك تأخذي وسيلة لمنع الحمل."
تلعثمت وهي تُبرر برجفة قلب:
"أنا كنت بأخذ وسيلة ومعرفش حملت إزاي، بس الدكتورة قالت لي إن مفيش وسيلة مضمونة مية في المية."
نظر لها بسخط قائلًا:
"وسيلة الحمل اللي مش مضمونة ولا عقلك اللي مفكر إنك بالخلفة هتبقي ست الدار هنا. فُوقي يا إيناس، سبق وجلت لك بعد ما ولدتي من سنة ونص إني مش عاوز ولاد تاني دلوقت قبل خمس سنين... فجأة كده الوسيلة مبجتش مضمونة."
نهضت من فوق الفراش شبه عارية، توجهت نحوه بدلال، تضع يديها على صدره، تحاول إثارة مشاعره، ربما تستطيع امتصاص غضبه. وتحدثت بغنج مبررة:
"ورحمة أخوي غيث الدكتورة قالت كده، وأني بعشقك ونفسي في عيال كتير منك."
ما كان عليها ذكر سيرة أخيها، الذي يبغضه رغم أنهما تشاركا الأخوة بالدم منذ طفولتهما بعد أن أنقذ أحدهما حياة الآخر. لكن هو خدعه وخطف من سقط بعشقها من أمامه كي يجبر هو على الزواج بتلك الثقيلة على قلبه. يتحمل ارتباطه بها بصعوبة بسبب وعد سخيف منذ الطفولة. لكن حين أصبح شابًا سقط بهوى امرأة أخرى، اختطفت من أمامه. وليت غيث صانها، بل على يقين أنه دمرها. نظر لها بجحود وهو ينفض يديها عنه، يبتعد عنها قائلًا بغلاظة:
"وأنا سبق وجلت لك ما عاوزيش عيال تاني دلوقتي. وتمام طالما الدكتورة قالت إن مفيش وسيلة مضمونة مية بالمية، الحمل لسه في أوله، شوفي طريقة تنزله. وأعتقد مش هتغلبي لو سألتِ أمك أو خالتك، أكيد عندهم خبرة سابقة."
قال هذا وتركها تسقط أرضًا راكعة على يديها، تضغط بهما على أرضية الغرفة، تنظر في أثره وهو يدخل إلى المرحاض، يرتج بابه بقوة. سالت دموعها قهرًا. لكن لا مانع من رجاء آخر، أو وضعه بالأمر الواقع أمام العائلة. ربما يهدأ لاحقًا ويتقبل ذاك الحمل.
***
بالبنك
شعر بالغيظ والغضب من طريقة ثريا الفجة في الحديث أمام مدير البنك، الذي نهض يرحب بها بحفاوة. بينما هو ظل كما كان جالسًا، بل عن قصد منه وضع ساق فوق أخرى متعاليًا. رمقته بعينيها لوهلة كأن الماضي أمامها وغيث هو من يجلس هكذا. ارتجف قلبها. أغمضت عينيها لوهلة وحايدت النظر نحو سراج. بينما بعد ترحيب المدير بها، عاد ناحية مكتبه. تجاهلت ثريا سراج عمدًا، وهي تقترب من مكتب المدير سائلة باستفسار:
"حضرتك اتصلت عليا وجلت فيه أمر مهم، خير؟ ياريت تقولي بسرعة، لأن وقتي محدود."
استهزأ سراج بقولها، تعطي لنفسها أهمية زائدة. بينما باحترام تفوه المدير:
"الموضوع بسيط مش هياخد وقت، اتفضلي اقعدي يا مدام ثريا."
"مدام ثريا" شعرت بوجع غائر وعاصر في قلبها من ذاك اللقب الذي اكتسبته من زواجها بوغد دنيء وحقير. بالتأكيد ذلك الجالس أقل منه دناءة وحقارة. كذلك وقع رنين تلك الجملة على عقل سراج، شعر بشعور غريب، ضيق وغضب. ولا يعلم سببًا لذلك. ربما كان الأفضل أن قال لها مثلما قال قبل قليل "أستاذة ثريا".
بمضض جلست ثريا بمقعد مقابل لمقعد سراج، مازالت تحايد النظر له، مما جعله يشعر بغيظ. بينما تحدث المدير:
"حضرتك عارفة إن المرحوم غيث بيه، كان حط مبالغ مالية في حسابك الخاص عندنا."
أجابته بتأكيد:
"أيوه عندي علم بده، ياريت تدخل في سبب اتصالك عليا مباشرةً، أنا مش بحب المقدمات."
أومأ المدير قائلًا:
"تمام. حضرتك مسحبتيش من المبلغ ده قبل كده، والبنك كنا بنعمل حصر بالعملاء المميزين اللي حساباتهم فيها مبالغ كبيرة واتضح إننا للأسف سهو علينا نخطر حضرتك بالفوايد اللي انضافت لحساب حضرتك، وعشان كده طلبت حضورك لهنا اعتذارًا عن خطأنا."
فتحت عينيها باتساع مستهزئة، فهذا سبب واهٍ، بل سبب أبله لاستدعائها. كما أن وجود سراج يؤكد ذلك. نهضت واقفة تدعي البلاهة وأنها صدقت ذاك العته. وقالت:
"تمام، كان سهل تقولي كده عال موبايل، مكنش له لازمة استدعائي وتعطيلي."
لثاني مرة تعطي لوقتها أهمية زائدة. ضغط سراج على شفتيه بقوة. نهض المدير مسرعًا يعتذر:
"آسف إن كنت عطّلت وقتك، بس فيه قسيمة إضافة الأرباح لمبلغ حضرتك لازم تمضي عليه. كمان استخرجت لكِ بطاقة ائتمان بنكية عشان تقدري تصرفي بالمبلغ بتاع حضرتك بسهولة. ثواني هطلع أجيبهم من الموظف المسؤول."
استغربت ثريا خروج مدير البنك. كان سُهلاً أن يطلب ذلك دون الخروج من الغرفة. لكن تيقنت أن سراج السبب في ذلك بعد أن لاحظت إشارة منه لمدير البنك. تهكمت ساخرة، ثم نظرت إلى سراج سائلة باستهازاء:
"انت كمان أكيد من كبار عملاء البنك، بس أعتقد إن عندك خبر بقيمة أرباحك. كمان عندك بطاقة ائتمان بنكية، بس أكيد فيه سبب لوجودك هنا دلوقتي، أكيد مش صدفة يا سراج."
مجرد نطقها لاسم "سراج" بتلك النبرة التي يشعر بها تقليل منه... يعصبه بشدة ويجعله يتمنى لو يصفعها على لسانها... أو يقلعه أفضل... لكن أخذ نفسًا طويلًا... حتى هذا لم يجعلها تصمت وهي تبتسم قائلة باستهازاء وعينيها تنظر إلى أحد جوانب الغرفة:
"غريبة إنك مش قادر تتنفس مع إن المكتب فيه تكييف، عكس الحر اللي بره. يمكن وجودي هنا شفط الهوا..."
نهض واقفًا بضجر، وكاد يقبض على عضدها بعصبية، لكنها عادت للخلف بتحذير قائلة:
"أوعي تفكر تلمسني يا سراج، بسهولة وبكلمة مني أقول اللي كان عاوز يغتصبني هو انت وتتبدل إشاعة من الشهامة لـ إشاعة الدناءة وهتك العرض، وصدقني البلد كلها هتصدقني لأن معروف إن أنا الوحيدة اللي قدرت تاخد من العوامرية..."
قاطعها بغضب وهو يقبض على معصم يدها بقوة، ينظر نحو أركان الغرفة. رأى كاميرا في أحد زوايا الغرفة مثلما توقع. وهسهس يضغط على أسنانه بغضب:
"فعلًا وجودي هنا مش صدفة يا ثريا، ومش هينفع نتكلم هنا."
لم يُمهلها فرصة وسار نحو باب المكتب يجذبها للسير غصبًا. سارت خلفه تحاول تخليص يدها من قبضته، لكن كان يقبض عليها بقوة. تنرفزت قائلة بحدة ووعيد:
"سيب إيدي هصرخ و..."
جذبها عليه لخطوة كادت تصطدم بصدره، لكن انتبهت وتوقفت. ابتسم رغم عصبيته قائلًا بتوعد وثقة:
"صرخي وشوفي مين هيقرب. هتجي معايا من سكات أفضل لينا إحنا الاتنين."
"سيب إيدي." مازالت تُعاند، لكن تبسم ولم يهتم وعاد يسير قابضًا على يدها. جعلها تمتثل عنوة، لكن لم تسِر خلفه، بل أسرعت بخطواتها تجاري خطواته وتسير لجواره، تنفخ أنفاسها غضبًا وإرهاقًا من سرعة خطواته. تنظر حولها إلى الموجودين بالبنك. بالتأكيد لو صرخت لن يهتم أحد. بمجرد معرفة هوية سراج لن يتدخل أحد. لكن لن تستسلم لاحقًا. بينما هو، تبسم لذلك بزهوة نصر مؤقت.
***
بالمشفى
أنهى ذاك التقرير الطبي الخاص بأحد المشتبه بهم بسبب وفاته. كانت وفاته حقًا غير طبيعية بسبب نسبة سموم مميتة ابتلعها. هكذا دون التقرير. ثم ترك القلم، واضطجع بظهره على مسند المقعد، يزفر نفسه بزهق، أو شعور آخر هو الاشتياق. إلى تلك الصيدلانية التي منذ أن رآها أول مرة شعر بخفقان في قلبه الذي كان يعتقد أنه أصبح يابسًا بسبب عمله كطبيب شرعي، يرى الموتى فقط. لكن هي أحيت تلك القطعة مرة أخرى. لا يتلاعب بها حقًا، أحبها ويتمنى الارتباط بها. لكن أيضًا برأسه هدف آخر. لا يعلم قرارها هل هي مستعدة لمرافقته إذا اتخذ القرار وسافر للخارج يكمل أبحاثه الطبية كطبيب يكتشف أسباب الموت ويحاول تجنبها أو تقليلها باكتشافات طبية تكتشف أسباب المرض وربما تستطيع علاجه. إرهاق يشعر به. وضع رأسه بين كفيه. بنفس الوقت سمع طرقًا على باب المكتب. سمح بدخول الطارق وأزاح يديه عن وجهه.
سرعان ما رفع ذاك التقرير قائلًا:
"تقرير التشريح أهو وصله لإدارة المستشفى تتصرف في التحقيق."
أخذ الآخر التقرير وغادر. بينما نفض إسماعيل ذاك الإرهاق ونهض واقفًا، ذهب نحو شباك مكتبه. رأى تلك التي تغادر. تنهد بأسف على حاله وحيرته. فمنذ ذاك اليوم وهو يراها من بعيد وهي تدخل أو تغادر المشفى. لا ترد على اتصالاته الهاتفية ولا رسائله. ربما لو تحدث معها كان اتخذ قرارًا حاسمًا. تنهد يشعر بحيرة بين القلب والعقل.
القلب عاشق لا يتسلى، وإلا لما كان هذا الشعور يجعله حائرًا ومشتاقًا.
العقل: هناك هدف آخر، انتظار فرصة قد تكون قريبة.
فرصة من شأنها تعلية شأنه كطبيب ناجح.
زفر نفسه بضجر، واتخذ قرار مغادرة المشفى. عليه تصفية ذهنه من كل ذلك الصراع بين العشق والطموح.
***
بالاسطبل مساءً
كان آدم يتروض بالمضمار على إحدى المهرات. تشعر بالحرية رغم ذاك اللجام الموثوق بعنقها، لكن تسير كما تشاء دون توجيه منه أو شد لجام. تهرول سريعًا وببطء كأنها تفهم عليه. لاحظ دخول سيارة إلى الاستطبل. عرف هوية صاحبها. إنه إسماعيل. لمعت عيناه ببسمة. وجود إسماعيل هنا خلفه سبب. لا يأتي بغير ذلك.
ترجل من فوق المهرة، وربطها بإطار المضمار الخشبي. ذهب نحو إسماعيل الذي يقترب منه. يحل أزرار قميصه من فوق ساعديه ويشمر عنهما كذلك لمنتصف صدره. استقبله ببسمة ومرح قائلًا:
"دكتور التشريح إيه اللي جابنا على دماغك النهاردة؟"
تبسم إسماعيل قائلًا:
"كنت معدي قولت أكيد الروائي بتاعنا هنا، قولت أجي أرفه عن نفسي شوية في عالم الأحياء."
ضحك آدم قائلًا:
"عيبك يا دكتور إنك مش بتعرف تكذب. يمكن ده الحاجة اللي اتعلمتها من دراسة التشريح. 'الموتى لا يكذبون'. تعالى تعالى هنادي عالسايس يجيب لك فرسة هادية ونتسابق."
ضحك إسماعيل قائلًا:
"فرسة هادية ونتسابق إزاي بقى، وإنت مروض الخيول دي وأكيد عارف قدرة كل واحد فيهم. على العموم أنا موافق، بس لو غلبتك إحنا آخر الشهر والمرتب بخ... هتغديني على حسابك."
ضحك آدم قائلًا:
"ابن عمران العوامري، بيعتمد على مرتب الحكومة برضه. على العموم كده كده هغديك متقلقش."
بعد قليل تسابقا سويًا. كل منهما يتبارى بإجادة لركوب الخيل. فهما منذ نعومة أظافرهما كانا لا يهابون من الخيول.
توقف الاثنان بنهاية المضمار، ينظران لبعض. حين رأوا سيارة أخرى تدخل إلى الاستطبل. سريعًا علم آدم هوية قائد السيارة، فهي إحدى سيارات الاستطبل بالأساس. تبسموا حين رأوا سراج يترجل منها. ضحك الاثنان، وهو يقترب منهما. حتى توقفا بالخيول. تبسم آدم قائلًا:
"الفرسان الثلاثة في الاستطبل، من زمان متجمعناش هنا."
أوافق إسماعيل:
"من سنين. فاكر مين اللي كانت تقول علينا كده 'الفرسان الثلاثة'؟"
ضحك سراج قائلًا:
"خالتي رحيمة."
تبسموا وهم يترجلون من فوق الأحصنة. سار الثلاثة وجلسوا تحت إحدى المظلات. في البداية تحدثوا بذكريات طفولتهم الذي شبه قضوها هنا لهوايتهم الثلاث في حب الخيل. فهذا الاستطبل أُنشئ من أجلهم الثلاثة. تجارة أخرى اكتسحها عمران العوامري مع تجارة الكتان الشهيرة بها عائلة العوامري. لكن الفرسان لم يهووا غير الخيول.
وضع أحد العاملين أمامهم الطعام الذي التهموه. ثم نهضوا يتسابقون الثلاث. كان الأمهر فيهم كالعادة منذ الطفولة. سراج. توقف بالحصان الخاص به وانتظرهم حتى أصبحوا لجواره. ضحك إسماعيل وهو ينظر لـ آدم قائلًا:
"كل قوي في الأقوى منه. سراج كسبنا بكل سهولة، متمارس."
ضحك سراج، بينما آدم هو الآخر أثنى على إجادة سراج قائلًا:
"الحصان اللي مع سراج ده هو اللي روّضته في أيام، رغم إني بقالي شهور بروض فيه."
ضحك سراج بزهو، بينما تبسم إسماعيل قائلًا:
"تعرف يا آدم بستغرب إنك إزاي لسه بتحب الخيول بعد ما كانت السبب إنك توصل لمرحلة الموت، وكمان...."
شعر إسماعيل بالندم كيف يقول ذلك ويذكر آدم بحادث الماضي الذي وصمه بكلمة "الأعرج". لكن آدم لم ينزعج من ذلك ورّبت على كتف إسماعيل قائلًا:
"أنا بحب التحدي وبعاند دائمًا عكس التيار، لأن لو استسلمت هغرق. وده اللي حصل معايا. قاومت جبروت وقدرت أخرج منه حي. الإعاقة مش مؤثرة على عزيمتي."
"خلونا يا شباب نقعد، في موضوع هام عاوز أتكلم فيه معاك يا سراج. وإنت يا دكتور من فضلك خبّي لسانك زمان لما كنت تحب تاخد فرصة على قفانا وتفتن لأبوي علينا. لسانك يتلم لحد ما أنا اللي أفتح أبوي بالأمر اللي نويت عليه."
ضحك إسماعيل وهو يشير بيده على فمه بإشارة أنه سيصمت ولن يشي بذلك. كذلك سراج ضحك قائلًا:
"أنا كمان في قرار مصيري أخدته لازم تعرفوه."
نظر لهما إسماعيل قائلًا:
"النهاردة يوم القرارات المصيرية لفرسان العوامري."
بعد قليل كانوا يجلسون أرضًا تحت ظلال إحدى أشجار الصفصاف. كل منهم يحكي ما نوى عليه.
اندهش إسماعيل من ما قالوا أنهم نووا الزواج، وكل منهم يقول الفتاة التي سيرتبط بها. ازدادت دهشته أكثر بمعرفة هوية هاتين الفتاتين، أو بالأصح فتاة وامرأة تعادي عائلة العوامري علانية. وأخرى مازال هناك بصيص نار تحت رماد الثأر. تهكم على نفسه هو صاحب الطريق الأسهل بينهم، فمن يهواها فتاة بسيطة لا يوجد أي سور بينهم. السور موجود بعقله فقط. لكن مازال لا يمتلك قرارًا حاسمًا مثلهما.
***
بين المغرب والعشاء
بمحل البقالة
كانت تجلس رغد تنظر إلى ذاك الكتاب الذي بيديها تقرأ بعض سطوره وتشعر بعدم الفهم. تزفر نفسها بغضب، تحدث نفسها:
"مش فاهمة حاجة، كأنها طلاسم مش كتاب جامعي."
أنهت قولها وألقت الكتاب بقسوة، بدلًا من أن يستقر على تلك الطاولة أمامها، استقر على الأرض أمام قدمي ذلك الذي توقف. ثم انحنى يجذب الكتاب، ثم نظر إلى رغد التي لمعت عيناها، ولم تهتم بشأن كتابها. تبسم قائلًا بمرح على غير عادته:
"كده ترمي العلم في الأرض؟ إيه اللي مضايجك أوي كده؟"
خفق قلبها يضرب صدرها وهي تراه يبتسم هكذا. كان وسيمًا للغاية. ليته يظل هكذا مبتسمًا. ظلت تنظر له للحظات تائه بتلك البسمة قبل أن تسمع نحنة والدها الذي دلف إلى المحل. تبسم لممدوح قائلًا:
"كيف يا ممدوح؟"
تبسم له ممدوح وأخبره:
"أنا بخير يا عم راضي."
تبسم له راضي يربت على كتفه وهو ينظر إلى ذاك الكتاب الذي بيد ممدوح، قائلًا:
"برضه مش فاهمه اللي في الكتاب يا رغد؟ قلت لك شوفي حد من المدرسين اللي كانوا في مدرستك يفهمك اللي مش فاهماه."
ارتبكت رغد وخجلت. لولا نحنة والدها لظلت هائمة بممدوح. الذي قال:
"وإيه اللي صعب في الكتاب ده ومش فاهماه؟"
رد راضي بدلًا عنها:
"مش عارف مع إنها شاطرة بس كل المادة دي بتجول عليها صعبة."
قرأ ممدوح ما هو مدون بعنوان الكتاب ووافق رغد قائلًا:
"فعلًا المادة دي فيها شوية دروس صعبة ومعقدة محتاجة فك تشفير، بس بسهولة ممكن تفهميها."
قال هذا وللصدفة العابثة قرأ اسم مدرس المادة على الكتاب. تهكم ببؤس. هذا كان زميله بالدفعة، وكان هو متفوقًا عليه. لكن هو تم تعيينه معيدًا وأصبح أستاذًا. وهو... هو ماذا... مجرد شريك في مقهى صغير بالبلدة يقدم مشروبات باردة وساخنة، بدلًا من أن يقدم العلم. لمعت عيناه بحسرة قلب. سرعان ما نفضها يكفي. بينما نظرت رغد له وأومأت برأسها. ودت أن تخبره: "العرض مساعدتك عليّ منذ أيام، هل تراجعت... أم نسيت؟"
هو فعلًا قد نسي، أو تناسى غصبًا ليس لمشاغل الحياة، بل كي لا يأسف على حاله أكثر. هو كان يستحق أن يكون أستاذًا جامعيًا. لكن لا يمتلك وساطة مثل ذاك الأستاذ. تنهد قائلًا:
"قولي لي إيه اللي صعب جدامك وأنا هاخد الكتاب أقرأها وبإذن الله بكرة هكتب لك ملخص يبسط الأجزاء اللي مش فاهماها."
انشرح قلبها وأخبرته بتلك الأجزاء التي تستصعب استيعابها.
ابتسم وأخذ الكتاب منها قائلًا:
"تمام إن شاء الله الليلة هكتب لك الملخص وبكرة هجيبه ليكِ."
تبسمت له بعيون سعيدة. لاحظها راضي لكن لم ينتبه أنها غرامًا بممدوح، بل ظن أنها فقط مجرد امتنان. بينما غادر ممدوح ترافقه نظرات رغد. لكن انتبهت لوقفته والدها الذي قال:
"ممدوح ابن حلال بس يا خسارة حظه سيئ."
وافقت رغد قول والدها.
بينما أثناء سير ممدوح وبيده الكتاب تذكر أنه نسي أن يشتري السجائر من البقالة كما كان ذاهبًا. لكن نظر للكتاب. كم كان يهوى الكتب وقراءتها. وأمنية قديمة حين كان يقرأ كتب زملاءه يُصحح لهم أخطاءهم كأنه معلم. تنهد بأسف فالأماني تعصف بها الحقيقة.
***
بدار عمران العوامري
عقل ولاء يكاد يشتعل، وهي تقول بذهول:
"إنت بتتكلم جد؟ سراج جالك كده؟ ركز يا أخوي."
نظر لها بغضب قائلًا:
"يعني هكدب عليكِ؟ آياك؟ ولا مفكراني خرفت؟ بجولك هو جالي كده هيتجوز من بت الحناوي."
نظرت له عينيها تقدح شررًا:
"ده مستحيل يحصل، وإنت جلت له إيه؟"
أجابها:
"جلت له كده، أنا مستحيل أوافق عالبت دي."
وقفت ولاء تدق يديها ببعضهما بغيظ وغضب جارف:
"أكيد سراج مش في وعيه وهو بجولك كده. بجى سراج اللي تتمناه بنات أكبر العائلات في البلد يفكر في الكلبة دي، اللي مستعنهاش تغسلي رجلي. طب جولنا غيث كان هوائي ومجدرناش نخليه يتراجع، والنتيجة أهي قدامنا عملت لنفسها سعر في سوق الحريم بالارض اللي خدتها مننا غصب. جلت لـ عبد المقصود بلاش تضعف وتعطيها لها، جالي معاها حكم محكمة بميراثها في المرحوم غيث، ولو مسكتهاش بأي عضمة هتشنع بعيلة العوامري. لو كان وافجني كنت عرفتها مجامها... لكن لاه. أوعاك توافق وتساير سراج في الجنان اللي في عقله ده، وسيبني أنا أتحدت وياه هقنعه."
زفر عمران نفسه ببغض هو الآخر قائلًا:
"ياريت تعرفي تقنعيه، ده حتى مسمعش لرفضي وسابني وجال حداه مشوار مهم وهيتأخر عليه."
بقمة غضب ولاء، دلف الثلاثة إخوة إلى المنزل. كان باب تلك الغرفة مفتوحًا ورأتهم ولاء التي زفرت نفسها بغضب وخرجت نحوهم. نظرت لهم باستهجان قائلة بغضب:
"إنتم التلاتة داخلين للدار مع بعض قدام الناس."
لم يستغرب أحدهم قول ولاء الذي يعلمون أنها آفاقة. لكن تحدث سراج:
"وفيها إيه لما ندخل سوا للدار."
"هتتحسدوا." هكذا سبق عمران وأجابه:
"أنتم زينة شباب والعين تحسدكم."
تهكم آدم قائلًا:
"دي تخاريف يا أبوي..."
قاطعته ولاء قائلة:
"لاه مش تخاريف يا واد أخوي. مذكور في كتاب الله سيدنا يعقوب قال لولاده: 'وادخلوا من أبواب متفرقة'. إحنا مش ناقصين كل كم سنة يفارق شاب من شباب العوامرية."
لم يجادل أحدهم، يعلم أن ولاء بالنهاية لابد أن يُنفذ ما تقوله. لكن للاختصار في الحديث تفوه إسماعيل:
"حاضر يا عمتي دي آخر مرة."
نظرت له بسخط قائلة:
"مش كفاية النحس وعيون الناس اللي بتصيب شباب العيلة. فقدنا شابين في أقل من سنتين سكنوا التراب في عز شبابهم يا حسرة قلبي عليهم."
رد سراج بتأفف من رياء ولاء، فمنذ متى كان بقلبها الحنان لأحد. هل تعتقد أنه نسي أنها يومًا كانت معارضة لدراسته في الكلية الحربية:
"ده قدر، والعمر عند ربنا مكتوب. أنا...."
قاطعته ولاء:
"أنا عاوزة أتحدت وياك في موضوع هام." نظر سراج نحو والده لا يحتاج إلى تخمين، بالتأكيد أخبرها بما قاله لها. لم يعترض قائلًا:
"تمام."
نظر إسماعيل وآدم لبعضهما وانسحبا بهدوء. بينما قالت ولاء:
"خلونا نتحدت في المندرة هنا، الخدمين رايحين جايين."
على مضض وافق سراج وذهب خلفها إلى تلك الغرفة، التي ظلت واقفة إلى أن دخل وأغلقت خلفه الباب، تنظر له باستهجان سائلة:
"إنت كنت بتتحدت جد لما جلت لـ عمران عن رغبتك في الجواز من بت الحناوي؟"
أجابها ببرود وهو ينظر نحو والده الذي جلس غير مبالٍ لتحكم ولاء:
"أيوه بتحدت جد، دي حياتي وأنا حر في اختيار شريكة حياتي."
"شريكة حياتك؟" قالتها بتعقيب واستهزاء. ثم أكملت بفحيح:
"إزاي عاوز تتجوز عازبة وإنت شاب ومسبقش لك الجواز؟ إنت راجل ودي أول فرحتك ولازم تتجوز من بنت بكر تليق بمقام 'سراج العوامري'. وتحسسك برجولتك."
قالتها ولاء بنبرة نهي كأنها تتحدث عن وباء لابد أن يبتعد عنه، تناشد رجولته.
فهمها سراج ونظر لها متهكمًا وتحدث بوقاحة:
"مش نقطتين الدم هما اللي هيفرحوني أو يضيعوا رجولتي. أنا قولتها كلمة وانتهيت."
ابتعلت تلك العصبية وحاولت إثارة رجولته بنفس طريقة وقاحته قائلة:
"مش بس النقطتين الدم هما اللي يخللوك متتجوزش من عازبة، كمان إنك تكون الراجل التاني في حياتها. هي سبق لها الجواز وعاشرت جوزها، أكيد كانت بتنام في حضنه عريانة، يد غيرك لمست جسمها."
نظر لها بسخط قائلًا بعناد:
"قولتيها كان جوزها، يعني كان حلال، مش حرام. قولت الموضوع انتهى، وجوازي من ثريا يوم الجمعة الجاي."
"والفرح هيبقى شد الطرفين؟" هكذا تهكمت ولاء بنبرة استنكار:
"هي عازبة، بس عينها قوية وبجحة ومش هتنكسف تجعد بين الحريم وتتحنى كمان."
أجابها بحسم:
"مش أنتم اللي عاوزين تفرحوا وأنا أهو بفرحكم."
ازداد غضبها قائلة:
"دي كأنها سحرالك ولا تكون عاشجها، زي جوزها الأولاني كان متمسك بها زيك كده. ياريت في الآخر صانت ذكراه، يا دوب مر على موته سنة ونص وأهي هتتجوز تاني."
نظر لها عيناه بها شرر وقال بقطع:
"كفاية يا عمتي وفري مجهوده للتجهيز للفرح وكمان استقبال العروسة."
ضغطت على آخر زر في عقله قائلة:
"إنت ناسي إنت كنت خاطب بنت مين."
تعصب قائلًا:
"الموضوع ده انتهى من فترة إحنا دلوقتي..."
قاطعته:
"لاه منتهتش! إنت عارف إنها هي وأبوها يتمنوا إشارة منك. وعشان كده بجولك اعقل واتأني عشان مش بعد فترة تجول الموضوع مش على هواك. ثريا معندهاش أخلاق ولا أدب، كل هدفها تصيد راجل. أنا كنت مفكرة إنك فاهمها وعندك وعي أكتر من كده. إنت تشيل الموضوع ده من راسك وأنا هتحتت ويا والد خطيبتك إنكم ترجعوا من تاني، وتتجوزوا في أقرب وقت. هي خلاص عرفت غلطها ومش هتكرره تاني، كانوا شوية جلَع (دلع) وطيش بنات."
زفر نفسه بتصميم قائلًا:
"قولت الموضوع ده انتهى من وقت إحنا دلوقتي..."
قاطعته ولاء بيأس غاصبة بتهديد:
"أنا مستحيل أروح دار المحتالة دي وأطلبها لك."
زفر نفسه قائلًا:
"اطمني وفرت عليكِ المشوار يا عمتي أنا اتفقت على كل حاجة وزي ما قلت الفرح يوم الجمعة الجاية يعني بعد أسبوع من دلوقتي... أنا مرهق وطالع أنام ومحدش يصحيني عالأكل."
غادر سراج، وترك ولاء تكاد تحترق. تفوهت بغضب ساحق:
"كأنها سحرالهم، يتشعلجوا بها."
حاول عمران تهدئتها قائلًا:
"بس سراج مش زي غيث هوائي."
زفرت بغضب نفسها ملتهب يشبه لهيب البركان الثائر تقول:
"ده اللي مجنني. غيث كان هوائي ويمكن هي لعبت على مشاعر رجولته. لكن سراج لعبت عليه بالسهوكة. دلوقتي اتأكدت إن حكاية اللي كان هيغتصبها دي حكاية من تخطيطها عشان توقع سراج فيها وتظهر قدامه إنها ضعيفة ومحتاجة لـ راجل يحميها."
كان سراج مازال جوار الغرفة وسمع فحيح ولاء وتهكم مستهزئًا. هو الذي يعلم تلك الحقيقة الكاذبة.
صعد إلى غرفته، توجه إلى المرخاض مباشرةً، أخذ حمامًا باردًا ثم خرج. بنفس الوقت رأى إضاءة شاشة هاتفه التي ضوت. جذبه وتنفس بزهق من كثرة تلك الرسائل الذي أصبح يتضايق منها. بالتأكيد حين تعلم أنه تزوج بأخرى ستكف عن مطاردته وتقطع آمالها. تعلم أنها كانت نزوة ماضي. جلس على الفراش يجفف شعره بتلك المنشفة ثم ألقاها وتمدد على الفراش بظهره ينظر إلى شباك غرفته المفتوح يسرب ضوءًا للغرفة، كذلك نسمة هواء ساخنة. تلك النسمة الساخنة ذكرته بلقائه مع ثريا قبل ساعات.
[بالعودة قبل ساعات]
أمام البنك توقف سراج أمام سيارته، فتح أبوابها عبر جهاز تحكم بيده الأخرى، ثم فتح باب السيارة وأرغم ثريا أن تصعد إليها عنوة، أو ربما استجابت بمزاجها. أغلق التحكم بابواب السيارة إلى أن استدار للناحية الأخرى، فتحه وسرعان ما صعد إلى السيارة وانطلق سريعًا. تهكمت ثريا قائلة باستهازاء واستبياع واستغلال من سراج:
"إيه خطة النسوان بتاعة المرة اللي فاتت فشلت؟ قررت تخطفني المرة دي بنفسك، بس يا ترى المرة دي هتجيب لي مين يغتصبني يا حامل راية الشهامة."
شعر بغضب ونظر لها بعصبية بأمر قائلًا:
"اخرسي يا ثريا."
ضحكت ثريا باستهازاء قائلة:
"مكنتش أعرف إن صوتي كمان بيضايقك، عالعموم أنا سكت أما أشوف إيه الجديد عندك المرة دي. اغتصاب ولا هتجيب من الآخر ويبقى قتل."
ضغط على أسنانه بقوة جعلت ثريا تضحك غصبًا.
بعد قليل بمكان صحراوي شاسع خلفه من بعيد هضاب عالية، توقف سراج بالسيارة وترجل منها. ظلت ثريا بالسيارة قليلًا تنظر له وهو جالس على مقدمة السيارة. في البداية لم تهتم ولكن طال وقت وقوفه لأكثر من عشر دقائق. بفضول منها ترجلت من السيارة وذهبت نحوه تقول باستهزاء:
"إيه اللي هينفذ المهمة المرة دي؟ اتأخر ولا يمكن تاه في المكان."
بسبب نعومة الرمال وعدم انتباه ثريا كادت تتعثر، لكن قبض سراج على ساعد يدها سريعًا حتى استقامت واقفة. سحبت يدها سريعًا سائلة:
"عاوز مني إيه؟ عاوز الفلوس اللي في البنك خدها متلزمنيش، لكن مش اتنازل عن الأرض يا سراج."
ضحك ساخرًا:
"الفلوس ما تهمنيش، وبعدين هو في راجل عنده نخوة بياخد فلوس من مراته يا ثريا."
لم تفهم حديثه. في نفس الوقت كانت نسمة هواء قوية رغم سخونتها، جعلت ثياب ثريا تنحصر بضيق تلتصق بجسدها وأظهرت أنوثة جسدها للحظات. اشمأزت من نظرة عين سراج، رغم أنه لم ينظر لها بوقاحة. تحدثت بعصبية:
"ابعد عني يا سراج وكفاية بلاش...."
قاطعها بحسم:
"إحنا هنتجوز يا ثريا... واعتبري المبلغ اللي في رصيدك مهرك مني."
فهمت معنى قوله. لوهلة ظلت مشدوهة قبل أن تنفجر ضاحكة وهي تنظر أمامها إلى تلك الصحراء. ربما لا يعلم ذاك الوغد المتعالي أن بها بلا روح مثل تلك الصحراء الجرداء التي تمتد أمامه. لو توغل لن يجد بها شيئًا نافعًا سوى بعض الأعشاب، حتى تلك الأعشاب لن تنفعه فهي "أعشاب جافة".
رواية عشقت طالبتي الفصل التاسع 9 - بقلم منار حسين
بعد مُضي خمس أيام وها هو اليوم السادس.
خبر زواج سراج وثريا ما زال المفاجأة التي أذهلت دوي صداها ليس بالبلدة فقط، بل المدى كان واسعًا.
بين حاسد وحاقد، وغير مستوعب كيف حدث هذا فجأة، بالأخص العريس لم يسبق له الزواج سابقًا ليتزوج من أرملة أحد أقاربه، وربما هذا هو السبب.
والأغرب هو احتفال العُرس الذي امتد سبع ليالٍ، تقترب على الانتهاء، وها هو اليوم السادس، أو كما يُلقب "ليلة الحناء".
صباحًا بمنزل ثريا، فتح ممدوح عينيه بإنزعاج بسبب تلك الأصوات العالية لأغاني الأعراس المرحة التي تصدح بالمنزل.
يصفع الوسادة على أذنيه مُتأففًا، لكن لا فائدة.
نهض جالسًا يتنفس بضجر، ثم نهض من فوق الفراش وخرج من الغرفة.
كان ما زال يشعر بالنعاس، لكن لوهلة انتفض بخضة حين قامت إحدى النساء بإخراج صوت عالٍ وهي على مقربة منه.
فاق من الخضة على تلك الضحكة التي جلجلت.
نظر نحوها، سرعان ما ابتسم بإنشراح قلب عكس ما يشعر به من عدم قبول لزواج ثريا من شخص آخر من عائلة العوامري.
لكن لم يُبدي اعتراضًا.
هي صاحبة الشأن، وهي من عانت بسببهم.
ما زال يتذكر أن لولا دماؤه ما كانت ما زالت تعيش إلى الآن، ولا يعلم بذلك السر سوى هو وخالته سعدية فقط.
وهي من تعود لبراثنهم مرة أخرى، ولا يعلم سبب لذلك.
يعلم جيدًا أن ثريا ليست ممن يستهويهن لا المال ولا السُلطة.
اقتربت تلك التي ضحكت تقول بحياء:
صباح الخير يا أستاذ ممدوح. معلش صوت الزغاريد صحاك من النوم.
تبسم لها قائلاً بمرح:
صباح الخير يا رغد، فعلًا مش بس صحاني من النوم ده كمان خضني.
بإبتسامة عذبة تفوهت:
عقبالك.
لأول مرة يُلاحظ عذوبة بسمتها فوق ثغرها، وذاك الحياء الواضح على وجنتيها اللتان شبه ظهر عليهن احمرار فاتن.
سرعان ما غض بصره، لائمًا نفسه وتنحنح قائلاً:
هروح آخد دُش وأسيب البيت كله ستات.
تبسمت له نفس البسمة، وتتبعته بعينيها تنظر له بهيام.
في نفس اللحظة كانت تدلف سعدية ولاحظت ذلك.
تبسمت لذلك وتمنت أن تكون تلك رغد.
كاسمها، تعود برغد الحياة لقلب ممدوح البائس التعيس الحظ.
كذلك تمت لـ ثريا أن يكون سراج هو العوض بداخلها.
شعور مختلف من ناحية سراج، لكن رغم ذلك عارضت وتتمنى أن لا يخيب حدس قلبها.
***
ظهرًا بمنزل رحيمة.
فتحت باب الدار بادعاء الزعل قائلة بلوم:
مش معاك مفتاح للدار ليه مدخلتش من غير إزعاج. وبعدين إيه اللي آخرك كده، الحنة فاضل عليها كام ساعة. أنا قولت أبوك جالك، بلاها خالتك تحضر الحنة.
ضحك إسماعيل قائلاً:
والله أنا كنت مناوب في المستشفى، وجاي منها عليكِ، حقك عليا. ومتخافيش معايا العربية هنوصل بدري.
تبسمت بحنان له قائلة:
أنا اللي هحنّي العروسة بيدي. قولي يا لاهي حلوة زي ما سراج قالي، حسيت إنه مش بيقول الحقيقة.
صمت، ثم عاودت الحديث بتقليد لطريقة رد سراج عليها:
"آه حلوة، عادي يعني أنا من امتى بيفرق معايا الجمال، أهي زي أي ست والسلام".
ضحك إسماعيل قائلاً:
والله يا رورو أنا ما خدتش بالي منها أوي، شوفتها مرة أو اتنين ومركزتش. بس كلها كم ساعة وتشوفيها وتحكمي بنفسك.
إبتسمت بتوافق قائله:
عقبالك يا واد يا إسماعيل. جلبي حاسس إنكم هتتجوزوا ورا بعض "كر فر" (بسرعة) و تفرحوا جلبي بزينة الصبايا.
أومأ لها موافقًا، فهو الآخر اتخذ القرار، وبقي التنفيذ في أقرب وقت، لن يتمهل كثيرًا.
***
مساءً بالحناء.
كم كان حضورها الليلة لهذه الحناء أمرًا صعبًا عليها.
تجلس بين النسوة ترسم بسمة قبول، ولو بيديها.
لنهضت وذهبت نحو تلك المحتالة ثريا وصفعتها، لا بل قامت بخنقها أمام النسوة دون اهتمام.
لكن من وضعها بهذا الموقف هو إصرار سراج.
عارضت في البداية، لكن تقبلت على مضض.
تتلاعب حتى لا يفهم سراج نواياها البغيضة.
أخفتها، لديها يقين أن ثريا لن تحصل على قلب سراج، هي مجرد زهوة أو رغبة شعر بها نحوها، بسبب إنقاذه لها، حين حملها بين يديه، ربما أثارت رغبة بداخله.
سرعان ما ستزول بالحصول عليها.
عناده واضح أنه ليس عشقًا، والتأكيد على ذلك هو إصراره على إقامة حناء وليلة عُرس يعرضها لتلامز ومغامز النساء أنها ليست عروسًا بِكر.
غامت عينيها بلمعة يقين، ورسمت بسمة قبول أمام النسوة حتى لا تثير أنظارهن نحوها، ويتركن النظر إلى ثريا يحرقنها بتلك النظرات.
سرعان ما غامت نظرة عينيها بنظرة غِل وحقد حين رأت تلك السخيفة رحيمة تحمل إناء الحناء وذهبت نحو ثريا تبتسم لها.
بادلتها ثريا البسمة.
لأول مرة ترى تلك السيدة، لكن شعور بالألفة نحوها جعلها تبتسم لها رغم ضيقها من ذاك الموقف البغيض.
انزاحت والدة ثريا، جلست مكانها رحيمة وجذبت يد ثريا قائلة بإصرار وهي تنظر نحو ولاء بنظرة كيد وإغاظة قائلة:
"مرت سراج، ولد أختي رحمة الله يرحمها، الليلة بعمل بوصيتها إني أحني مرته بيدي".
كادت تعترض ثريا، لكن رغمًا عنها تركت يدها لرحيمة التي رسمت لها الحناء بعناية.
ثم نهضت تحمل إناء الحناء وقامت بحركات راقصة تشغل عقل النساء عن التدقيق بالنظر نحو ثريا.
أثارت حقد ولاء بعد أن نجحت بإلهاء النساء لبعض الوقت، وركزوا بالغناء والرقص غير منتبهين للعروس، مما جعل ملامحها تنفرج قليلًا.
لكن عادت لمعة عين ولاء بعد أن هدأ الصخب وعادت تلك النظرات.
لكن رأفت رحيمة بـ ثريا التي تجلس بين النساء تشعر كأنها مسخّتهن يتغامزن ويتلامزن عليها.
سبب آخر كي يزيد حقد وكره قلبها لـ سراج، هو من وضعها بهذا الموقف السخيف الغليظ على قلبها.
كأن رحيمة شعرت بها، نهضت واقفة وسحبت يد ثريا وجذبتها كي تنهض معها.
كانت نجاة لها، نهضت معها بطواعية، سارت خلفها إلى أن توقفن أمام صنبور الماء، وقالت لها:
الحنة نشفت، اغسلي يدك.
امتثلت ثريا، وغسلت يديها.
كان أثر الحناء واضحًا بيديها.
تبسمت لها رحيمة وجذبتها معها وذهبن إلى تلك الغرفة الصغيرة التي تستخدمها ثريا، غرفة مكتب المحاماة.
كان الباب الآخر مفتوحًا.
قبل أن تسألها ثريا عن سبب مجيئهم إلى هنا، كان الجواب هو دخول سراج إلى الغرفة عبر الباب الخارجي.
عبس وجهها، بينما تبسم سراج لـ رحيمة التي جذبته من يده.
نظر إلى ثريا.
كانت عابسة بوضوح، رغم ذلك كانت جميلة بزي الحناء.
كأن عبوسها أعطاها جمالًا.
بالتأكيد تُخفض وجهها ليس حياءً منها، فهو على يقين هي لا تمتلك ذلك.
بينما هي حقًا أخفضت وجهها ليس حياءً بل كي تكبت دمعة عينيها التي من الجيد أنها ما زالت متماسكة بين أهداب عينيها.
لا تود النظر لأي أحد، كل ما تود أن تنتهي الليلة.
لكن جذبت رحيمة يدها اليسرى، كذلك يد سراج اليسرى.
ثم ضمتهما بين يديها للحظات، ثم أبعدت يديها عنهما، وضعتها بصدرها وأخرجت علبة صغيرة كانت تشبه علب الحلوى الصغيرة.
وشعرت بغصة وهي تفتحها، تنظر إلى ما بداخلها قائلة:
"كانت آخر أمنية لـ رحمة هي تزور الكعبة وإتحققت قبل موتها بفترة صغيرة. وجدتها بعد ما رجعت، عطتني صندوق صغير وقالت لي: ده أمانة عندك يا رحيمة، أنا عارفة عمري هيبجي قصير، دي دبل جبتها من الحجاز لأولادي الثلاثة، أمانة عندك تعطي لكل واحد منهم الدبلة اللي مكتوب عليها اسمه. كمان فيه تلات دبل دهب تبجي لعرايسهم".
غصبًا سالت دمعة عينيها بمأساة.
سريعًا جففتها بيديها وتبسمت حين ضمها سراج وقبل رأسها.
بينما تفاجئت ثريا بفعلة سراج تلك، لكن لم تُبالي، بالتأكيد هي لديها مكانة خاصة لديه، فهي مقام أمه الثانية.
رفعت رحيمة وجهها وتبسمت لـ سراج وأعطته إحدى الخاتمين قائلة:
خُد لبس عروستك الدبلة.
نظر سراج إلى الخاتم ثم إلى رحيمة التي تبسمت له بإيماءة تحثه على فعل ما طلبته.
تنهد بوضوح، كاد... لكن لم تُعطيه رحيمة فرصة للإعتراض حين قالت:
مش إنكتب كتابكم تبجي مراتك ومش حرام تمسك يدها.
غصبًا عن ثريا انفلتت شفاها بضحكة، تهكمت بداخلها، فعن أي حرام تُحدث هذا الحقير بنظرها.
بينما لاحظ سراج بسمة ثريا، اغتاظ منها وبلا انتظار جذب يدها اليسرى مرة أخرى وقام بوضع الخاتم في بنصرها.
لكن تحدثت ثريا:
الدبلة واسعة عليا.
تبسمت رحيمة قائلة:
مفيش مشكلة، سراج يبجي ياخدها للصايغ يضيقها على مقاس صباعك، وبكره بعد الجواز والخلفة هتربي ومش بعيد تضيق عليكِ وجتها.
ضحكت ثريا غصبًا.
ظن سراج أنها ضحكت من حديث رحيمة، بل هي كانت ضحكة حسرة في قلبها.
بينما مدت رحيمة يدها بالخاتم الآخر لـ ثريا قائلة:
لبسي سراج الدبلة وبلاش يدك ترتعش.
تبسم سراج مُتهكمًا وهي ترعش يد تلك الوقحة.
بلا اعتراض أخذت الخاتم منها وتماسكت وهي تضعه بينصر سراج بصعوبة لضيق الخاتم قليلًا.
ضحكت رحيمة قائلة:
هي بالعكس، دبلتها واسعة وإنت دبلتك ضيقة. إن شاء الله ربنا هيعوضكم ببعض.
تهكمت ثريا، هي لم تعد تنتظر عوضًا بعدما نالت من خيبات أمل.
بينما سراج أومأ غير مبالٍ، هو لا ينتظر سوى شئ واحد من ثريا، وهي تعلمه جيدًا.
***
بدار العوامري.
بعد انتهاء الحناء.
بالمندرة جلست ولاء تزفر نفسها بغضب ساحق قائلة:
لا واللي غاظني أكتر رحيمة، بتتصرف كأنها أم العريس قدام النسوان، بس أقول إيه، كله من سراج معرفش سبب لكده. لو عاشجها كنت عذرته، حاساه بيعمل كده عناد فينا.
أومأ عمران يشعر بحسرة قائلاً:
ومعرفش ليه بيعند، مع إن كان ألف بنت من أعيان تتمنى منه إشارة وهو...
قاطعته ولاء بلوم عليه:
لو واحد غيره كان اتعظ منك، زمان عملت كده وفي الآخر...
توقفت ولاء بعد أن أصابت هدفها وهي تذكره بما لم ينساه يومًا أنه كان فعب مثل سراج، وتمسك بالزواج ممن دون المستوى، لكن هنالك فرق بينهم، هو كان عاشق عن حق، سراج ليس مثله، والدليل حين تجادل معه قبل أيام وحاول إقناعه بالعدول عن ذلك الهراء، بل الغباء.
[بالعودة إلى صباح ثاني تلك الليلة الذي أخبرهم فيها بقرار زواجه من ثريا خلال أسبوع]
كان الوقت باكرًا.
شعر عمران بأرق، بسبب شبه عدم نومه طوال الليل.
نهض وخرج من غرفته، ذهب إلى غرفة سراج، فتحها كما توقع.
سراج قد استيقظ ويمارس بعض التمارين الرياضية.
توقف عنها يلهث وهو ينظر إلى والده.
لديه يقين عن سبب مجيئه إلى غرفته بهذا الوقت الباكر، فبالكاد الشمس أشرقت.
تفوه بلهث:
صباح الخير يا أبوي.
أومأ له عمران قائلاً:
كفاية تمارين لحد كده، وتعالى نقعد نتحدث شوية.
ترك سراج تلك التمارين وذهب خلف عمران، وانتظر أن يجلس أولًا ثم جلس خلفه.
زفر عمران نفسه بضجر قائلاً:
بص يا ولدي أنا مش هلف وأدور، إنت تنسى الحديث الماسخ اللي قلته عشية امبارح.
رغم فهم سراج، لكن راوغ سائلاً:
أني مش فاهم قصدك حديث إيه اللي ماسخ يا أبوي.
نظر له عمران قائلاً بنهي:
حديث جوازك من بت الحناوي، دي مش من مقامك ولا من مقام نسب عيلة العوامري، وإن كان عالأرض أنا أقدر أجبرها تتنازل عنها غصب عنها. بلاش تعس نفسك بجوازة....
قاطعه سراج:
بس جوازي من ثريا مش هدفي الأرض، وطالما تقدر ترجع الأرض منها ليه ما عملتش كده من زمان.
زفر نفسه بضيق وضجر مفسرًا:
مش راضي أفرض عليها غصب عشان الناس ما تقولش إني بستقوي (بستقوي) على ست. لكن إنك تتجوزها عشان كده لاه.
نظر له سراج قائلاً:
ومين اللي قال إني بتجوزها عشان كده، مش يمكن فيه سبب تاني.
تساءل عمران:
وإيه هيكون السبب التاني.
أجابه سراج وهو يركز بالنظر إلى عينيه:
واضح إنها وراثة يا أبوي. ثريا..... توقف للحظة قبل أن يعاود القول بتلميح: عجباني وداخلة مزاجي.
فهم عمران تلميح سراج أن ثريا لا تفرق عن والدته، وهو لا يفرق عنه، لكنه لم يبوح بعشقها، طريقة حديثه تثبت أنها مجرد اشتهاء لا أكثر.
انتفض عمران واقفًا بغضب قائلاً بإمتثال:
إنت حر، أنا قلت أنصحك. متنساش إنها أرملة ولد عمتك اللي لما تعرف جلبها هينجرح مهما كان، كانت مرات ولدها الوحيد.
خرج عمران مسرعًا يشعر بغضب، لكن سرعان ما هدأ وهو يعاود طريقة سراج في الرد عليه، تيقن أن ثريا ليست أكثر من نزوة وقت، وهو ليس ساذج ليقع بفخها، ليعثر منها على ما يريد وتنطفئ زهوتها لديه دون خسائر.
بينما نهض سراج وتوجه ناحية شباك الغرفة.
داعبت قسوة أشعة شمس الشروق عينيه، لوهلة أغمض عينيه ثم فتحها وعاد ينظر أمامه.
من بعيد كان هناك طيف سرعان ما اختفى.
لم يهتم بذلك وزفر نفسه وعاود مرة أخرى لممارسة تلك التمارين الشاقة.
[عودة]
عاد عمران من ذلك على ذم ولاء لزوجة عمران قائلة بتوبيخ:
جيبالي شربات، فرحانة قوي، روحي هاتيلي قهوة سادة، راسي هتتفرتك.
امتثلت زوجته لذلك تكبت دمعة عينيها، بينما لم يبالي عمران بذلك، وظل الصمت لدقائق إلى أن دلفت إيمان تحمل صينية صغيرة بين يديها وتوجهت نحو عمتها قائلة عن قصد:
أمي، فيه ستات لسه في الدار بيباركون، فرحانين بحنة أخوي سراج، قولت أجيب لحضرتك القهوة، عشان أكيد الصداع واجع راسك.
تبسم عمران لها بمودة، بينما زغرت لها ولاء بضيق.
تلك الصغيرة تثير غضبها الذي ازداد إلى شياط حين ادعت إيمان رعشة يدها وهي تمد يدها بصينية القهوة وعمدًا سكبتها على فخذ ولاء.
التي انتفضت واقفة بغضب تسب إيمان التي ادعت بالكذب أنها لم تقصد وبررت ذلك كثيرًا، تثير غضب ولاء، تخطئ أمام عمران الذي احتوى الموقف قائلاً:
حصل خير، معلش يا ولاء، خلاص يا إيمان روحي هاتي أي دهان مرطب لعمتك.
وافقت إيمان وهي تعتذر بكذب قبل أن تخرج من الغرفة، ثم وقفت على جانب الغرفة تركت عنان ضحكاتها.
ردًا على استقلال ولاء من شأن والدتها.
بينما قسوة ألم فخذ ولاء جعلها تقول بغضب:
يوم أسود من أوله، من الصبح أصحي على نواح أختك على ولدها وجباحة أرملته اللي هتتجوز من العيلة، ودلوقتي على حرق القهوة.
تنهد عمران قائلاً:
هدي أعصابك يا ولاء، بلاش تتعصبي كده، جلبي حاسس إن الجوازة دي مش هتستمر كتير، وسراج هيزهق منها زي ما غيث ندم، ولو مش عمره القصير كان طلقها قبل ما تكمل أربعين يوم. اللي زي ثريا ما يعمرش.
***
بمنزل ثريا.
عادتها حين تشعر بأرق تجلس خلف ذاك الشباك تسند يديها فوق الحرف، تضع رأسها فوق يديها، تنظر نحو ذاك القمر الذي أصبح يتقلص حجمه لاقتراب نهاية الشهر وبداية شهر آخر.
كان رغم ذلك هلالًا بازغًا.
تذكرت ليلة حنائها الأولى.
كان هنالك أمل بقلبها وقتها، لكن سرعان ما انطفأ مثل ذاك الهلال الذي ينطمس أسفل بعد السحاب قبل أن يبزغ مرة أخرى.
ذكريات مريرة تمر برأسها، كذلك همس وتلامز النساء يطن بأذنيها.
مواقف تفرضها عليها الحياة التي لا تعلم تسير بها إلى أين، مثل تلك الثريات التي تحاوط الهلال تسير بلا معرفة لأي اتجاه منها.
من يقترب من الهلال ويشكل منظرًا رائع، وأخرى تنطمس خلف السحب المظلمة.
هكذا مثلما يفعل معها القدر.
بدار العوامري...
نظر سراج إلى ذاك الخاتم الذي ببنصره.
حاول خلعه لكن لضيقه استصعب ذلك، تركه دون محاولة أخرى، يستطيع خلعه بسهولة، لكن لم يبالي بذلك، وتذكر وعيده بتأديب ثريا عن ما تفوهت به بوقاحة حين أخبرها أنه سيتزوجها.
[تذكر قبل أيام]
في البداية لم تنتبه ثريا إلى قوله الآمر، لكن سرعان ما ضحكت بهستريا قائلة:
أكيد بتهزر يا سراج.
تنرفز سراج قائلاً:
لأ مش بهزر يا ثريا.
ضحكت أكثر قائلة:
تبقى اتجننت، أو مخك طار يا سراج، راجع دكتور نفساني.
قاطعها بغضب وهو يقبض على عضد إحدى يديها بقوة ينظر لها بغضب قائلاً:
ثريا.
قطبت على ضحكتها ونظرت لعينيه بغضب من قبضة يده على عضدها وحاولت نفض يده بغضب قائلة:
إبعد عني يا سراج بلاش.
-بلاش إيه... عاوزة قد إيه مهر.
حاولت نفض يده، لكن هو ما زال متمسكًا بعضدها.
نظرت لعينيه شعرت بارتجاف في قلبها.
كانت مثل نظرة عين "غيث" لها.
كأنها تراه أمامها، بسبب رياح قوية أثارت بعض الغبار، انحرفت عينيها، أغمضتهما.
لحظات كانت مثل دهر من الزمن ترا نظرات بغيضة لها وهي تقف عارية بغرفة النوم والنوافذ مفتوحة بأوجع أيام البرد ترتعش.
حدث ذلك بعد أن جردها غيث من ثيابها عنوة، ينظر لها بنظرات ليست رجل لزوجته بل لعاهرة أو صورة بغلاف مجلة فاحشة.
نظرات تجعلها تشعر بالغثيان وتود لو تحترق في الحال وتصبح رمادًا.
شعرت بهزة في جسدها، كذلك دوخة طفيفة قبل أن تفتح عينيها وتجد سراج ينظر لها، وقد تبدلت نظرته وهو يشعر بارتجافها أسفل يده، كذلك عينيها اللتان توهجا بإحمرار.
لم يشفق بذلك وظل ينظر لها، بينما هي تفوهت بإدعاء الوقاحة:
عاوز تتجوز من ست سبق نامت في حضن راجل غيرك.
ضغط بقوة فوق عضد يدها يكاد يسحقه قائلاً بنفس الوقاحة:
يمكن رغبة ولما أنولها تنتهي بسرعة، بس وقتها بأكدلك هتطلعي خسرانة يا ثريا.
عاودت الضحك غصبًا.
أي رغبة لديه بها، هي هيكل أنثى فقط، وأي خسارة ستخسرها أكثر مما خسرته سابقًا.
فكر عقلها سريعًا، لما لا تنتقمي من ما فعله بكِ سابقًا حين أمر ذاك الوغد بإغتصابك وخرج من ذلك بشهامة يتحدث عنها الجميع بعد أن تبدلت الحقيقة لصالحه.
هو يستحق امرأة مثلك خاوية الإحساس والجسد، مجرد هيكل.
نظرات كل منهم للآخر تحدي واحتداد وانتظار لرد فعل الآخر.
خالفت ثريا توقع سراج وقالت بإستبياع:
موافقة أتجوزك يا سراج.
خفف سراج من قبضة يده.
توقع أن تساوم أو تدعي الرفض قليلاً تعزيزًا لنفسها.
تبدلت نظرته إلى زهو، هو يعلم أنه تظن بزواجها منه لن يطالبها بإعادة قطعة الأرض.
رياح عاصفة أخرى هبت جعلتهما الاثنين يغمضا عيناهما لحظات، ثم فتحا عيناهم.
سحبت ثريا يدها من قبضة سراج، وسارت لبضع خطوات تعطيه ظهرها.
قبل أن يقول سراج:
متفقناش على تفاصيل الفرح اللي بعد أسبوع يا ثريا، ولا إنت اتراجعتي.
توقفت، تغمض عينيها للحظات ثم فتحتهما بغضب واستدارت تنظر له قائلة بسؤال:
فرح مين؟
اقترب بخطوات بطيئة:
فرحنا أنا مش لازمه إشهار، أنا راجل عازب ومن حقي أهلي يفرحوا بيا بعُرس سبع ليالي.
تهكمت بضحك واستقلت قائلة بقصد:
سبع ليالي بس؟ إنت حفيد العوامري المفروض تعمل شهر بحاله، ولا أقوله تمانية وتلاتين ليلة كويس، هما نفس عدد الليالي اللي عشتها مع غيث.
صك على أسنانه قائلاً:
بكفي سبع ليالي، أوفر الباقي مش يمكن...
أجابته هي:
يمكن تطلع جوازة خسرانة، بلاش أوهام، أنا وافقت على جواز مجرد إشهار، مش هيصة وفرح.
أجابها بمكر:
وهو فيه إشهار أكتر من الهيصة والفرح. قدامك سبع ليالي بحالهم قبل ما....
نظرت عينيه، أكملت بقية حديثه الفج، وإن كانت أسوأ من الحديث.
أومات رأسها وتبسمت بإغاظة:
فهمت دماغك يا سراج، إنت عاوز تكمل دور الشهامة، وأنا موافقة. أهو الغلابة هيدعولي بعض ما ينوبهم نصيب من خير السبع ليالي. يا ريت غيث كان عمل كده، كان نفعه ثواب في آخرته يكفر عن سيئاته.
"غيث" تتعمد ذكر اسمه كي يشعر أنه يأخذ فتات ما تبقى من غيره.
بينما هو يشعر بغضب من ذكرها لـ غيث، كأنها كانت تكن له مشاعر.
بالتأكيد كانت تخدعه، والدليل عدم مكثها بمنزله حتى انتهاء أيام العزاء، بل سارعت بالمغادرة، وكذاك طلب ميراثها منه.
ابتلع كل منهم ريقه الجاف وأومأ برأسه بموافقة.
[عودة]
على صوت رنين هاتفه، عاد ينتبه.
أخرج الهاتف من جيبه، ونظر إليه.
تنهد بآسف وهو يقرأ تلك الرسالة الرومانسية.
حسم أمره، كي ينهي آمالها الواهية.
وأرسل لها رسالة مرفقة بصورة له وهو يجلس بين الرجال، ونص أسفلها:
"لقد تزوجت بأخرى والليلة كانت الحناء والعُرس غدًا".
لم يهتم بعد ذلك وأغلق هاتفه وألقاه على الفراش وتمدد عليه، يضع يديه أسفل رأسه يشغل عقله صورة ثريا العابسة قبل قليل.
***
انتهت الليلة.
وسطع نهار آخر جديد.
بنهاية اليوم سيتم الزفاف.
بدار سهيل.
دلفت إحدى النساء تحمل صندوقًا كبير قائله:
أنا "عدلات"، بشتغل في دار عمران بيه العوامري. سراج بيه بعتني مخصوص بالصندوق ده ليكِ.
تبسمت لها قائلة:
عارفك يا عدلات، ناسيه إني كنت متجوزة من غيث العوامري والبيوت جنب بعضها.
تبسمت لها قائلة بهمس:
أنا عارفة شوية عن طباع المرحوم غيث بيه. سراج بيه عكسها خالص، فرق السما من الأرض.
ضحكت ثريا، فهي لا ترى فرق، بل غيث كان يخفي مساوؤه عنها، لكن سراج واضح جدًا أمامها.
تهكمت سائلة:
بس إيه اللي في الصندوق ده.
أجابتها عدلات:
والله ما أعرف، افتحيه وشوفي، أنا لازم أرجع للدار. إنتِ عارفة زحمة شغل الفرح. أنا جلبي ارتاح لك والله، الست "راضية" مرات عمران بيه زيك كده ملهاش في اللوع، وزي البلسم عالجرح. هتنوري الدار.
تبسمت ثريا.
بينما قبل أن تغادر عدلات قامت بالزغاريد كثيرًا.
لم تهتم ثريا وذهبت نحو ذاك الصندوق قائلة:
أما أشوف سراج باعت إيه في الصندوق، يمكن تكون قنبلة وتنفجر فيا وأرتاح منه.
فتحت الصندوق.
لها كانت قنبلة مثلما قالت، كان أهون.
ضيقت عينيها بغضب مستعر قائلة:
مفكرني بـِـت بنوت، باعت لي فستان فرح، بالتوكيد قاصد يحرق في دمي، لما الخلق تسخر مني وتاخدني متله في لسانها. مش مكفيه إني كنت مسخّة النسوان عشية امبارح، وماله، إنت اللي اخترت يا سراج.
***
مساءً.
بدار العوامري.
بشقة بمساحة المنزل الواسعة.
كانت غير مجهزة بها سوى غرفة نوم فقط وبضع مقاعد بالردهة.
كان الثلاث شباب مجتمعين معًا.
تحدث آدم:
خالتي رحيمة صحيت من بدري وطلبت مني تروح دار أهل مراتك.
"مراتك" اهتز قلبه لتلك الكلمة التي تخصه بملكية لتلك المحتالة.
بينما تساءل إسماعيل:
مش كنت تستنى شهر على الأقل وتجهز فرش الشقة دي وتتجوز فيها، واسعة وكمان مش زي الأوضة بتاعتك اللي تحت.
أجابه سراج:
أنا عجبتني أوضتي، كمان واسعة، وبرتاح فيها أكتر.
ضحك آدم وغمز بعينيه قائلاً:
براحتك، بس الشقة كانت هتبقى أوسع، ومقفولة عليك إنت ومراتك، محدش هيزعجكم.
نظر له سراج قائلاً:
بطل غمز منك له وكفاية رغي ويلا اتفضلوا شوفوا طريقكم، عاوز أجهز، خلاص بقينا العصر وقت الفرح قرب.
غمز إسماعيل وهو يضع يده على وجنة سراج قائلاً:
متنساش تحلق دقنك عشان تبقى ناعمة تحت إيد العروسة.
غمز آدم هو الآخر قائلاً:
وشعرك كمان ابقى سرحه، إحنا ممكن نساعدك ونـ...
نظر لهما بغيظ.
بنفس الوقت صدح رنين باب الشقة.
ذهب إسماعيل وفتح الباب.
رحب بـ إيمان التي دلفت تحاول إصدار أصوات مرحة قائلة:
فين العريس؟ كنت عاوزة....
قاطعه سراج وهو يدفع كل من آدم وإسماعيل وجذب يد إيمان قائلاً:
وفري زغاريدك اللي شبه صوت السلعوة. ويلا خدوا بعض كده وكل واحد يشوف طريقه، مش عاوز إزعاج، عاوز دماغي يبقى رايق.
قام بدفعهم نحو باب الشقة حتى غادروا بضحك، وتركوه يستعد لليلة عرسه.
بعد صلاة العشاء بوقت قليل.
أمام منزل ثريا.
نزل سراج من سيارته، نظر إلى تلك السيارات التي رافقته بالتهليل، ثم ذهب إلى نحو داخل المنزل.
بمجرد أن دلف من الباب وقف مشدوهًا للحظة.
بـ «صدمة مذهلة».
رواية عشقت طالبتي الفصل العاشر 10 - بقلم منار حسين
في دار مجدي السعداوي
كانت تجلس سناء وحنان تشاهدان أحد الأفلام، إلى أن جاء مشهد عُرس بالتلفاز. تبسمت سناء وبلا قصد منها قالت:
"إمبارح كنت في حِنة ثريا، اللي هتتجوز واد عمران العوامري الكبير. مش عارفة ليه لما بصيت في وشها حسيت إنها مضايجة، قلبي وجعني عليها جوي... أكيد من نظرات الستات لها، وكمان عمة جوزها شكلها ست حرباية حسيت كده. رغم إني أعرفها اسم وشكل بس، بس مرتحتش لها."
نظرت حنان لها بإستفهام سائلة:
"أنا شوفت الست دي كذا مرة في البلد حسيت وهي ماشية نافخة نفسها كده، بس ليه زعلتي العروسة عليها."
تنهدت بآسي قائلة:
"مش عارفة، صعبت عليا وهي طول الوقت تبص على إيديها، خايفة ترفع راسها زي اللي مكسوفة أو مضايقة. يمكن عشان اتجوزت قبل كده. سمعت همس النسوان بيقولوا عليها عينيها جِبحة مع إنها مرفعتش عينيها، بس يمكن عشان عازبة. حديث الناس كتير... بس البلد كلها بتتحاكي على العُرس سبع ليالي طبعًا مش العريس من عيلة العوامري أغنى عيلة في الصعيد كله تقريبًا."
قبل أن تُكمل سناء حديثها، دلف مجدي متهكمًا وهو ينظر ناحية التلفاز ثم إلى زوجته بإستهجان قائلًا:
"مين اللي أغنى عيلة في الصعيد اللي بتتحدتي عنها دي؟"
إرتبكت سناء وتوترت، تجلى صوتها بنحنحة. تهكم مجدي قائلًا:
"مالك صوتك راح؟ كنتم بتتحدتوا عن مين؟ ولا أقولك، بالتوكيد عن عُرس واد عمران العوامري اللي مسيطر على عقول ولسان الناس... بس أنا مش شايف حاجة حصلت قبل كده. هما عيلة العوامري كده طبعهم بيحبوا الفشخرة الكتير. سبق في عُرس عمران العوامري الأول أنا فاكر إنه كان كده دي فشخرة معروف هدفهم من وراها. يلا همي منك ليها حضروا العشا أنا جعان، طول اليوم كنت مع أخوي في المستشفى، معرفش حفظي راح مصر ومش عاوز يرجع. بتصل عليه قالي لساه الشغل منتهاش قدامه أسبوع كمان. ربنا يسهل ويعاود عشان ننجز في شؤون العمل هنا. أخوه زي ولدي وياريته حتى نافع في العلم. شباب العيلة دي مفيش من وراهم منفعة، مفيش غير حفظي ياريت بقية شباب العيلة زيه، نفسي يتعلموا من شباب عيلة العوامري ببجي بينهم نار وفي وقت الجد يلتفوا جنب بعضيهم، ويبقوا يد واحدة عشان كده لهم سطوة."
شعرت حنان برجفة وهي تنهض خلف سناء. لابد أن تتحدث مع آدم قبل أن يعود حفظي كي يتقدم لها رسميًا، لا داعي للتأجيل أكثر.
***
في سفح الجبل
كانت هناك راقصة غانية تتمايل أمامه بخلاعة بزي فاضح، وهو ينفخ دخان تلك الآرجيلة شبه مسطول. عيناه تنظر نحو تقاسيم جسدها بإشتهاء بفكر سارح يتشوق أن تكون من تتمايل هي من سلبت قلبه منذ أن قابلها أول مرة بمكتب أحد المحامين.
[عودة إلى قبل ثلاث سنوات ونصف تقريبًا]
بمكتب أحد أشهر المحامين كان على موعد سابق معه من أجل إحدى القضايا الخاصة بشآن أمر كتابة عقد لقطعة أرض اشتراها من أحد الفلاحين من أجل توسيع أحد مجاري الكتان. كان بموسم الصيف وتأخر عن ميعاده لوقت قليل. ربما هذا كان لسوء حظه، فأثناء دخوله إلى مكتب المحامي كاد يصطدم بتلك التي تغادر المكتب. توقفت قبل أن تحتك به وأخفضت وجهها بخجل. كان له مفعول السحر عليه، وهو ينظر لها تنحنح قائلًا:
"معلش، كنت مستعجل ومخدتش بالي."
رفعت وجهها قليلًا، لم تنظر له، لكن وضحت ملامح وجهها الجميلة في الحال. اخترقت قلبه. سرعان ما غادرت دون حديث. في البداية لم يظن أنها إحدى المتدربات مع المحامي، ظنها إحدى الموكلات له. كان هنالك موظفًا في الاستقبال لاحظ ذلك. نهض واقفًا بترحيب يقول:
"قابيل بيه، الأستاذ موسى في انتظار حضرتك من بدري."
تبسم وعيناه مازالت تتابع خروج ثريا قائلًا:
"كان عندي شغل كتير، بس جالي مين الصبية الحلوة اللي خرجت دلوقت دي."
تبسم الموظف:
"دي ثريا، متخرجة من كلية الشريعة الإسلامية، وجاية تدرب تحت إيد الأستاذ موسى."
لمعت عين قابيل سائلًا:
"من عندنا من البلد هنا."
أومأ له الموظف:
"أيوه، خالها الحج مختار الحناوي هو اللي اتوسط ليها عند الأستاذ تدرب معاه... حتى محذر عليه بلاش تتأخر في الرجوع للدار، بنت بجي وخايف عليها من الشباب اللي بتسهر عالجهاوي."
لمعت عين قابيل بشعور يتمكن من قلبه لاول مرة. ظل ينظر في أثرها، لكن فاق ذلك على نحنة الموظف. نفض ذلك مؤقتًا لوقت لاحق. ظلت دفينة قلبه يتابعها من بعيد ينتظر فرصة ولن يتوانى أن يتقدم لها. لكن كان هنالك عقبة، هي خطبته لابنة عمه المفروضة عليه بكلمة العادات والتقاليد البالية. مرت فترة كان يتحجج ويذهب إلى مكتب المحامي، لكن لم يحدث حديث بينهم نهائيًا، فقط نظرات. ربما لم تنتبه لها. كان هذا خطؤه الأول. والخطأ الثاني كان ذهابه مع غيث بإحدى المرات. غيث كان الأوفر حظًا، استطاع الحديث معها بسهولة دون قيد. بدأ يتوغل ويشغل عقلها بمعسول كلامه ورقة أفعاله، جعلها توافق ببساطة على الزواج به. خطفها من أمامه بكل سهولة.
فاق من سكرة هيامه العقلي على لمسات تلك الغانية التي أخذت من يده خرطوم الآرجيلة تتنفس منها وتزفر الدخان بوجهه. غامت عيناه بالنظر لها وقد فاق على حقيقة تلك الغانية وزال صاحبة الخيال. قرر عقله لا داعي للانتظار، لما لا تفعل مثلما فعل غيث سابقًا وتحاول إشغال عقلها بنفس الطريقة. نهض بترنح كاد يقع، لكن تماسك بأحد جدران الكهف. نهضت تلك الراقصة خلفه تحاول إثارته بدون حياء. نفضها بعيدًا عنه وخرج من ذاك الكهف. استنشق نسمة هواء. ربما هي ما ساعدته على العودة للوعي مرة أخرى وهو يسير بدروب الجبل، حاسمًا عقله بكل خطوة. انتهى زمن التعقل، وإن أرادت إيناس ذاك الجنين الذي برحمها سيتزوج بأخرى وتكون مساومة عادلة.
***
بدار ثريا
تهدلت بسمة سراج وتبدلت إلى غيظ وغضب وهو يرى تلك المحتالة ترتدي ثوبًا يشبه عباءة عربية باللون العسلي المزخرف بالتطريز كذلك بعض اللولو المذهب. لم ترتدي ثوب العُرس الذي أرسله لها. بالتأكيد فعلت ذلك عنادًا به. صك أسنانه بغضب، لولا الواقفون لكان صفعها. لا، في البداية كان شق ذاك الثوب أولًا وقطعه قطعًا صغيرة يستطيع شنقها بها لاحقًا، لكن تمالك ذاك الغضب حين خرجت رحيمة من خلفها تصفق وتغني بمرح، تسحبها من يدها تسير بها نحوه، وجذبت يدها وضعتها بيده. أخذها منها وسط تجمع نسائي يشدون بالأغاني الفلكلورية. غادر المنزل وهي برفقته إلى أن توقفا أمام تلك السيارة المزينة بالزهور. قبضة يد سراج على يدها جعلتها رغم تألمها ضحكت بعد أن كانت عابسة. فتح لهما السائق باب السيارة، دخلت ثريا وهو خلفها جلس إلى جوارها يزفر نفسه قائلًا:
"اطلع عالدار."
تبسمت ثريا قائلة:
"مش كنت بتقول إن هنروح قاعة زفاف."
ضغط على أسنانه ورمق ذلك الزي عليها بإزدراء وتعمد الوقاحة قائلًا:
"لأ، غيرت مزاجي. العباية دي مثيرة أوي عليكِ، مالوش لازمة نضيع وقت في مظاهر فارغة."
رغم مغزى حديثه الوقح التي فهمته، لكن لا تعلم لما لم تشعر بالرهبة وابتسمت، مما زاد في غيظ سراج. الذي التزم الصمت دقائق إلى أن توقفت السيارة أمام دار عمران العوامري. ترجل من السيارة، وقف يتنفس الهواء لثوانٍ قبل أن ينحني ويمد يده لـ ثريا كي تترجل هي الأخرى من السيارة. بالفعل، لم تتردد ووضعت يدها براحة يده، لم تخفي بسمتها وهي تشعر بقبضة يده على كف يدها بقوة. تعمدت الذهاب نحو مقدمة السيارة، وجذبته خلفها. سار بضيق وتعجب حين أخذت بعض الزهور التي كانت تزين بها السيارة، جمعت منها شبه باقة صغيرة. صك أسنانه وجذبها مرة أخرى حين اقتربت منهم رحيمة وسعدية ونجية والدة ثريا كذلك. التف حولهم بعض النساء مرة أخرى وهو يدلف إلى داخل المنزل يهللون للعرسان. توقف قبل أن يدلف إلى داخل المنزل لصعوبة السير البطيء بسبب تلك النساء المحيطات لهما. شعر بإختناق من ذاك الموقف كأنه مدبر منها عمدًا. على يقين أنها نفسها تبغض ذلك، لكن عنادًا فيه ترسم بسمة قيادة.
بعد دقائق بطيئة، دلفا إلى ردهة دار عمران. كان في استقبالها كل فهمية زوجة عمران، كذلك استقبال فاتر ولاء التي تعمدت ذهبت نحو سراج واحتضنته تهيمن كأنها هي والدته وسلمت عليها بفتور. ترحيب من إيمان البشوشة وخادمات المنزل، كذلك كل من آدم وإسماعيل التي تعرفهما سابقًا، كذلك عمران الواقف بعيدًا. ذكريات تمر أمام عيناه يومًا كان هكذا يدلف بزوجة عشقها، لكن لم يكن العشق كافيًا لنيل السعادة. دقائق أخرى لو زادت ستختنق ثريا رغم بسمتها المستفزة لبعض من حولها. بالفعل، انتهت تلك الدقائق وصعد بها إلى غرفة نومه. فتح لها الباب، دخلت ثم هو خلفها يغلق الباب بقوة. أخفت بسمتها، ووقفت بمنتصف الغرفة تدعي البرود وهي تقرب تلك الزهور من أنفها تستنشق عبقها بإستفزاز لـ سراج الذي يتقدم نحوها بخطوات بطيئة تفترس ملامحها بغضب. وهي تستنشق تلك الوردات، تغفلها وجذبها بقوة من عضدي يديها وضغط عليهما بقوة ينظر إلى وجهها التي تبدلت ملامحه من إستفزاز إلى ترقب. بالأخص، شعرت برهبة قديمة عادت لقلبها. كانت تلك القبضة نفس قبضة يدي غيث. إرتعشت. ندمت. ذمت نفسها كيف وافقت تعود لتلك المشاعر الرهيبة مرة أخرى. نظرت حولها بريبة لوهلة قبل أن يخفف سراج قبضتي يدها عن عضديها قائلًا بغضب. بقوة عليه أرغمها أن تنظر له. تنفس بغضب قائلًا:
"ملبستيش الفستان اللي بعته ليكِ مع عدلات ليه؟"
رغم تألمها من قبضة يد سراج، لكن تبسمت تنظر لعينيه دون رد. احتدمت نظرة عيناه كذلك قبضة يده على عضدها قائلًا بإستفهام:
"قصدك إيه؟ إنتِ وافقتي عالجواز محدش غصبك."
حاولت نفض يده عنها لكن هو مازال متمسكًا بها بقوة. نظرت لعيناه مرة أخرى قائلة:
"إنت قولتها وافقت بمزاجي، ومزاجي ملبسش فستان زفاف."
عاود السؤال بغضب وإحتقان:
"ملبستيش فستان الزفاف اللي بعته ليكِ مع عدلات ليه؟"
إزدردت ريقها وحاولت الثبات قائلة:
"هو في حد بيلبس الكفن مرتين يا سراج."
نظر إلى عينيها كان بها لمعة خاصة. لم يستطع تفسيرها وكاد يسألها ماذا تقصد، لكن خفض بصره نحو شفاها اللتان تضمهما وهي تبتلع ريقها. لوهلة لم يفكر وانحنى وكاد يقبلها، لكن... بينما هي تحجرت الدمعة بعينيها آبت النزول من بين أهدابها. ضمت شفتاها تحاول كبت مشاعر الغضب بداخلها. ثم رفعت وجهها رأت انحناء رأس سراج واقترابه من شفتاها. كانت لن تسمح له. لكن كان هنالك عقبة أخرى أمام سراج وهو صدوح رنين هاتفه الذي أفاقه من ذاك الشعور. ترك عضديها وأخرج هاتفه نظر له ثم لها. فتح الاتصال وضع الهاتف على أذنه يسمع ثم قال بإمتثال:
"تمام، ساعة بالكتير وأكون عندك."
أغلق الهاتف ونظر نحو ثريا التي تمسد عضديها بيديها وتحدث بأمر:
"أنا خارج دلوقتي، وإياك تخرجي من باب الأوضة لحد ما أرجع ولينا حساب عالجلابية اللي إنتِ لبساها دي."
تهكمت بإحتقان ولم تبالي بتهديده. زفر نفسه وهو يتوجه ناحية باب الغرفة ثم عاود رمقها بوعيد. غادر الغرفة وأغلقها خلفه بالمفتاح من الخارج. استغربت ذلك وذهبت نحو باب الغرفة وكادت تتحدث، لكن لم تبالي وهي تتمعن بالغرفة ذات الأثاث الوثير، غرفة واسعة بمساحة منزل والدتها لا بل أكبر منها. لم يلفت نظرها أي شيء بالغرفة. لم تعد يذهلها أي شيء سابقًا، مع غيث عاشت في شقة واسعة كانت سجنًا بشع. تهكمت برأسها تنهدت بغصة قائلة:
"هنا سجنك الجديد يا ثريا."
ذهبت نحو خزانة الملابس فتحت ضلفة خلف أخرى إلى أن وجدت ثياب نسائية. جذبت منامة حريرية صيفية بنصف كم. ذهبت إلى الحمام أنعشت جسدها بحمام هادئ وخرجت. نظرت إلى صينية الطعام الموضوعة بالغرفة لم تبالي، لا تشعر بجوع هي تود النوم فقط منذ ليالي لم تنام جيدًا، وبالأخص الليلة الماضية كانت كلما تذكرت نظرات النساء لها تسبب لها أرق. لكن الليلة انتهت تلك المحنة التي وضعها بها سراج. نظرت بالغرفة كان هنالك فراش كبير، كذلك أريكة أسفل ذاك الشباك الزجاجي، وعدة مقاعد. فكرت أن تنام فوق الفراش. ذهبت نحوه وتمددت عليه رغم ليونته الواضحة لكن شعرت أنه جامد. حاولت النوم لكن لم تستطع. نهضت من فوقه بضجر ذهبت تجلس على تلك الأريكة وتمددت بساقيها، فتخت تلك الستائر، تنظر إلى السماء. كانت ليلة شبيهة بليلة زفافها الأولى، نجوم ولا قمر ظاهر، أو ظاهر بعيدًا. تذكرت ليلة زفافها على غيث. هو الآخر تركها بعد أن دخل بها إلى الشقة الخاصة بهم.
[بالعودة إلى تلك الليلة]
استغربت ترك غيث لها بعد أن آتاه اتصال هاتفي. بعدما كان يحاول استمالتها بوقاحة فجة منه كي تمتثل إلى رغبته بها، وهي تشعر بالخجل والرهبة والنفور بنفس الوقت. ابتعد عنها وقام بالرد على الاتصال ولاحظت تبدل ملامحه الرائقة السابقة إلى غضب وتجهم. أغلق الهاتف ولم ينظر لها وغادر الشقة. عاد بعد وقت طويل ظلت فيه هي ساهدة تنظر من الشرفة بين الحين والآخر تستشعر قلقًا عليه، والظنون تتلاعب بها. بعد وقت طويل أذن الفجر. نهضت تتوضأ وقامت بالصلاة ثم عادت تنتظر إلى أن سمعت صوت فتح باب الشقة. خرجت من غرفة النوم توقفت تنظر له بصدمة وهي ترى ملابسه شبه اختفى لونها بسبب الدماء الكثيفة عليها. في البداية اقتربت منه بقلق ولهفة سألته:
"غيث، إيه الدم اللي على خلجاتك ده، إنت كويس؟"
دفعها عنه بغضب قائلًا:
"أنا كويس، روحي حضري لي الحمام عشان أستحم."
بفضول أو بإرادة معرفة سبب تلك الدماء عادت تسأله:
"إيه سبب الدم اللي مغرقك ده؟"
دفعها بعنف كادت تقع أرضًا قائلًا بإستهجان:
"قلت لك حضري لي الحمام، إنتِ مين عشان تفتحي لي تحقيق."
صمتت وامتثلت. ذهبت نحو الحمام حضرت له الحمام، وعادت للغرفة لكن وقفت مصعوقة حين سمعت حديث غيث على الهاتف وهو يؤكد بشرر:
"خلاص مش هيقدر يتكلم تاني، أنا قتلته ورميت جثته لديابة الجبل، سبق قلت ثمن الخيانة الموت، وهو كان خاين وكان بيساوم بس ميعرفش إنه بيساوم مين. كلب حقير كان ثمنه رصاصة في الراس، عشان يبقى عبرة لغيره يفكر يغدر بينا. يعرف إن محدش هيتاوى جثته، هتبقى أكل للديابة."
قطب على بقية حديثه حين سمع شهقة ثريا الخافتة التي سقطت تلك المنشفة من يدها أرضًا. وجه نظره لها بنظرة كفيلة بجعلها تغيب عن الوعي. أغلق الهاتف بدون اهتمام، وذهب نحوها بخطوات متمهلة. عيناه تنضب بشرر ناري، وهي مثل التي تيبس جسدها في محله. رغم ذلك يبتسم بوحشية. جذبها من خصرها عليه بعنف ينظر لها يلعق شفتاه بإشتهاء مقزز قائلًا بغضب:
"إنتِ سمعتي إيه؟"
تلجلجت وارتجفت وتعثمت بسؤال أبله منها:
"إنت قتلت؟"
"قتـ قتلت مين وليه؟"
لم يهتم بذلك وهو يضع رأسه بعنقها يلتثمه بأنفاسه، لكن هي شعرت باحتراق عنقها. حاولت الفكاك من أسره، لكن كان متمسكًا بقوة يديه تضغط على خصرها تكاد تتوغل إلى عظامها. حاولت الفكاك تلوت بين يديه، ما كان هذا إلا أن يزيده إثارة واشتهاء. بصعوبة استطاعت الفكاك من أسره وخرجت من الغرفة مسرعة توجهت إلى غرفة أخرى بالشقة. دخلت وأغلقت باب الغرفة عليها بالمفتاح من الداخل. إنهارت ساقيها وجلست تستند بظهرها على باب الغرفة تكبت شهقاتها مع دموعها. بعد أن لحقها غيث لكن كانت الأسرع وأغلقت على نفسها. وقف يطرق الباب قائلًا ببرود:
"هسيبك الليلة بس على ما تقدري تفهمي كويس، بس بلاش تسوقي فيها أنا مش بصبر كتير، يلا تصبحي على خير يا حلوة."
لم تستطع الرد عليه كأنها فقدت صوتها، أو حقًا خافت من نظرات عيناه المتوحشة.
[عودة]
عادت حين شعرت بهزة قوية في جسدها وارتجفت، ليس شعورًا بالبرد بل شعورًا بالضياع ما زال يلاحقها حتى في أحلامها وصحوتها. تركها هيكل أنثى خاوية خالية من المشاعر باردة. لفت نظرها ذاك الشهاب الذي شق السماء. قديمًا كانت حين تراه تغمض وتتمنى أمنية واحدة هي السعادة فقط. السعادة بعلم يرفع من شأنها، درست القانون أرادت الدفاع عن من يستحق. السعادة برجل يصونها. لم تجد ذلك في زيجاتها الأولى بل حطمها وها هو آخر يأخذها محطمة، لكن يستحق ذلك هو مثل غيث. الليلة نفسها تتكرر مرة أخرى. سأل عقلها:
أين ذهب؟ وهل سيعود ملابسه ملوثة بالدم كمثل غيث.
أجابها عقلها:
"غار في داهية إن شاله ما يرجع، أنا شاغلة راسي بيه ليه. غلطتي يا ثريا لما وافقتي عالجواز منه، بس هو يستحق ست زيي تمر في حياته تكرهه في الصنف كله بعد كده."
***
بين شقوق تلك الجبال، كانت كاشفات بأيدي جنود وضباط يصعدون بأصوات هامسة كي لا يثيروا الانتباه و يفر المجرمون الماثلون بأمان بسفوح ذاك الجبل. صعدوا إلى بداية الجبل، لكن كان المراقب الذي يحرس الجبل، رأى بعض تلك الأنوار الخافتة، وهرول ناحية رئيس الجبل وحذره، مما سبب صدمة وفقد الإدراك. هرول كي ينجو بعمره تاركًا خلفه البقية بعد أن أطلق بوق الإنذار. هرولوا جميعًا يخرجون بين السفوح إلى الشقوق التي قد يستطيعوا الهرب منها، لكن كانت بدأت المداهمة. وحدث تراشق بين هؤلاء الفارون الخارجون عن القانون، ورجال الجيش وقائدهم الذي كان معهم. دقائق ساعات تراشق والغلبة كانت للجيش الذي صفى عناصر كثيرة من عتاد الإجرام وقبض على آخرون.
بعد وقت قبل الفجر بدقائق، بمكتب مديرية أمن قنا. وقف اللواء يمدح في بسالة سراج قائلًا:
"العملية تمت بنجاح. تعاون بين رجال الجيش والشرطة، تم القبض وتصفية عناصر إجرامية كانت واخدة الجبل مأوى لها، ضربة قوية صحيح في بعض المجرمين أكيد هربوا بس على الأقل نجحنا إننا نحرز كميات سلاح كمان ممنوعات كبيرة كانت هتضر البلد. طبعًا سبب رئيسي في نجاح العملية هو القائد سراج. مبروك الترقية مقدمًا، واضح إن وش العروسة عليك حلو. بس طبعًا إياك تسامحك إنك سبتها ليلة الدخلة وطلعت مداهمة، أكيد هتحتاج لمجهود عشان تصالحها."
تهكم سراج لنفسه، فالبتأكيد لن يفرق مع ثريا هذا، لكن تبسم لقول اللواء:
"تمام كده، مازالت مهمتك مستمرة هنا في الصعيد، محتاجين مجهودات ضابط كفء وجسور زيك، بس طبعًا رجعت لأجازتك وأي معلومات طبعًا الوسيط موجود."
تبسم سراج قائلًا:
"الوسيط مصاب يا أفندم وأعتقد هيحتاج هو كمان فترة نقاهة، العملية تمت في فترة وجيزة جدًا."
تبسم القائد قائلًا:
"تمام، أنتم الاتنين في أجازة بس بلاش تتعودوا عالانتخة، لسه قدامكم مهمات كتير ناجحة لصالح أمن البلد."
تبسم سراج وأدى التحية العسكرية وغادر ذاك المبنى الحكومي عائدًا لتلك المحتالة بترقب من عقله. ترا هل مازالت ملتزمة ولم تغادر الغرفة.
دقائق وكان الجواب.
***
تسلل إلى المنزل خلسة كما خرج منه سابقًا، الجميع يظنه مع زوجته في الغرفة يقضي وقتًا ممتعًا، بينما هو يشعر بإرهاق بدني بعد تلك المداهمة التي استمرت لساعات. فتح باب الغرفة ودخل يضع إحدى يديه على عنقه يمسدها من الألم. تفاجأ بضوء بالغرفة ساطع، في البداية استغرب ذلك وظن أن ثريا مازالت مستيقظة. نظر نحو الفراش لم يجدها. بالتبعية جالت عيناه بالغرفة، رآها غافية على تلك الأريكة تقوس ساقيها، بمنامة ناعمة ومحتشمة. تبسم بإستهزاء. ذهب نحو تلك الأريكة، نظر لها وهي نائمة لوهلة فكر في إيقاظها، لكن فكر بالتأكيد لن يسلم من سلاطة لسانها، وهو مرهق وغير قادر على مجادلتها. ذهب نحو حمام الغرفة، خلع ثيابه التي بها آثار دماء. ألقاها بتلك السلة الخاصة بالملابس غير النظيفة. شعر بألم حين لامست المياه جسده بسبب بعض الخدوش والكدمات. وضع بعض المراهم المسكنة على جسده وخرج من الحمام يرتدي سروالًا فقط عاري الصدر. نظر نحو تلك الغافية على الأريكة والتي زمّت ربما بسبب عدم راحتها بالنوم على تلك الأريكة. رغم إرهاق جسده اقترب منها وحملها. ظن أنها قد تصحو. بالفعل فتحت عينيها للحظات ثم أغمضتها مرة أخرى ظنًا أنها تحلم، حتى الحلم حدوث ذلك مستحيل. عادت للنوم دون وعي ولا اهتمام. وضعها فوق الفراش وسرعان ما انضم لجوارها غافيًا هو الآخر.
***
بعد مرور عدة أيام
ما زال حديث البلد كلها عن زواج سراج وثريا. وربما صدفة قدرية أفضل من ميعاد سابق. أثناء سيره بالبلدة عائدًا من المشفى بعد زيارته اليومية لأخيه المحجوز بالمشفى، تقابل مع ذاك الشاب الذي قطع الطريق وتوقف أمامه. رمقه لوهلة بلا اهتمام، وكاد يكمل طريقه، لكن رفع آدم يده له مصافحًا يقول:
"أنا آدم عمران العوامري."
نظر مجدي ليد آدم لوهلة قبل أن يمد يده ويصافحه. تبسم آدم قائلًا:
"في موضوع مهم لازم نتكلم فيه سوا."
نظر له مجدي بإستخبار سائلًا:
"وإيه هو الموضوع المهم ده؟"
أجابه آدم بإيجاز:
"موضوع مهم مش هينفع نتكلم فيه وإحنا واقفين في الشارع كده... عارف إنك مش هتستقبلني في دارك، ممكن نقعد في أي مكان."
وافق مجدي قائلًا:
"تمام، في استراحة في المحلج ممكن نتحدث فيها بـ..."
قاطعه آدم:
"الأفضل نتحدث دلوقتي."
استغرب مجدي من إصرار آدم وزاد فضوله لمعرفة ذاك الأمر الهام وأومأ موافقًا.
***
بدأت إيمان العودة للدراسة مرة أخرى، لكن بعد انتهاء محاضراتها ذهبت إلى مركز الشباب كما تعودت، وبالأخص الفترة الماضية بعد غياب جسار الذي قال أن إجازته ليومين فقط وإمتدت لوقت أطول من ذلك. لم يتلاعب بها الفضول، وشعرت بانبساط. لكن استغربت أثناء دخولها إلى داخل مركز الشباب بسماع أصوات تمرينات الكاراتيه. كان ذلك في البداية قبل أن تزفر نفسها بالتأكيد عاد ذاك الغليظ مرة أخرى. دخلت إلى قاعة التمرين، لكن تفاجأت به يجلس على مقعد وإحدى يديه معلقة بعنقه بحامل طبي. لم تستطع إخفاء بسمتها وهي تقترب منه سائلة بشبه شماتة:
"خير، إيه اللي حصلك يا كابتن؟ إنت خبطت في موتوسيكل؟ لأ مش حادثة موتوسيكل اللي تسبب الإصابة والتشوهات اللي في وشك دي، أكيد حادثة توكتوك."
رف قلبه حين رآها ولا يعلم سبب لذلك، لكن حين سمع قولها الواضح به التشفى، تفوه بتفسير:
"واضح جدًا إنها لا حادثة موتوسيكل، ولا توكتوك، أنا كنت في ماتش Street fight (قتال شوارع)... والماتشات دي معروفة."
نظرت له بإستفسار سائلة:
"وإيه يجبرك تدخل ماتشات من النوعية الرخيصة دي، كل شيء فيها مباح ضرب في أي مكان في الجسم وبأي شيء."
أجابها ببساطة عن عمد:
"كنت في رهان وكسبته وخدت من وراه مبلغ مالي كويس."
تبدلت نظرتها إلى ازدراء قائلة:
"بلاش تتكلم في النوعية دي من الماتشات قدام الأطفال... أنا بعلمهم إن الرياضة أخلاق مش استقواء وحرب شوارع قذرة."
نظر لها بنظرة إعجاب وأخفى بسمته.
***
بدار العوامري
رغم مرور أيام على زواجهم لكن كان هنالك هدنة بينهم. كل منهم يحاول، ألا يثير اهتمام الآخر. حتى سراج ظن أن ثريا قد تلجأ للإغراء كي تجذبه لها. لكن هي تلتزم بزي بسيط من منامات شبه محتشمة رغم أنها أحيانًا تكون مفسرة لمعالم جسدها، لكن تتعمد الابتعاد عنه حتى نومهم بفراش واحد تلتزم الطرف بعيدًا عنه، وهو يفعل ذلك متعمدًا منه. خرج من الحمام متعمدًا بسروال فقط عاري الصدر. كانت تقف أمام المرآة تضع كحلاً بعينيها حين رأت انعكاس وقوفه خلفها. لم تحايد النظر لإنعكاسه بالمرآة. أكملت وضع كحل حتى شعرت بأنفاسه قريبة من عنقها. استدارت تنظر له لم تحايد بصرها عنه. لكن هو نظر إلى عينيها اللتان رسمتهما بكحل رفيع أظهر أهدابها الكثيفة. لكن تخابث قائلًا:
"شايف إنك مش مكسوفة وأنا واقف قدامك."
ضحكت سائلة:
"وهنكسف ليه؟ هي أول مرة أشوف راجل نصه عريان، سبق وشوفت راجل عريان بالكامل، ناسي إني كنت متجوزة قبل كده وعادي يعني."
نظر لها بغيظ وجذبها من عضديها قائلًا:
"واضح إن معندكيش حيا، تمام يا زوجتي الوقحة. اعملي حسابك المسا هنتمم الناقص في جوازنا."
فهمت حديثه نظرت له وسرعان ما ارتبكت وشعرت بتوتر، لكن لم تظهر ذلك، وأومأت رأسها بلا مبالاة. بينما شعر سراج بغيظ أقوى، وهو يفكر بطريقة يستطيع بها "كسر عِصيانها".