تحميل رواية «عشقت فتاة المصنع» PDF
بقلم صفاء حسني
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
هو إنتوا متأكدين العزومة دي تبع المعرض؟ أنا على باب الله ومش معايا فلوس، مش عايزة أتحط في موقف محرج. ابتسمت بنت تانية شعرها ملفوف طرحه صغيرة وقالت بنبرة طيبة: يا بنتي إهدي! مدام نهال بنفسها قالت إنكم تعبتوا في رص الملابس وعرضها، وإن دي عزومة عشان تشكركم. يبقى كلي وانتي مطمّنة. يا زينب. ارتسمت ابتسامة صغيرة على وش زينب، مدت إيدها على العيش وبدأت تاكل وهي حاسة إن قلبها بيتطمن. وبعد لحظات، اتفتح الباب الخلفي للمطعم، دخل شاب في حدود التلاتين، طويل، لابس قميص بسيط بس شكله أنيق. عيونه لفتت على المكان...
رواية عشقت فتاة المصنع الفصل الحادي عشر 11 - بقلم صفاء حسني
في نفس الوقت، جيه اتصال لزينب من رقم غريب.
كان التليفون في الشنطة بتاعتها.
طلبت من الممرضة:
– ممكن الشنطة بتاعتي لو سمحتي؟
الممرضة هزت راسها وراحت تجيب الشنطة.
كان صوت التليفون مسموع لحد برّه.
زياد سمعه وهو واقف، فقفل مع مومن بسرعة وقال:
– طيب، أسيبك دلوقتي.
رد مومن:
– شوف شغلك واهدَى، وكل حاجة هتكون تمام.
سمع زياد صوت التليفون بيرن، فاتجه بسرعة إلى الغرفة، وكانت الممرضة بتدي التليفون لزينب.
سألها زياد بحدة هادية:
– مين على التليفون؟
ردت زينب وهي بتتلقى السماعة:
– أمي… ممكن أرد؟ أكيد البنات وخوشوشها.
هز زياد راسه بالموافقة، وطلب منها:
– افتحي الاسبيكر.
هزت راسها بضيق، ونفخت، لكنها فتحت الاسبيكر.
ردت زينب على أمها:
– أووي يا ست الكل.
زعقت الأم بصوت مليان غضب وقلق:
– إلا ست الكل وإلا زفت! إنتي فين؟ وإيه موضوع الخطف اللي بيقولوا عليه البنات؟
حاولت زينب تهديها وقالت:
– البنات فاهمين غلط يا أمي. ده ناس تبع الست ناريمان اللي كنت شغالة معاها في القاهرة، بعتوهم عشان ياخدوني… كانوا محتاجني في شغل.
اتنهدت الأم بارتياح:
– يعني إنتي بخير يا نور قلبي؟
زينب بتحاول تطمّنها:
– والله كويسة يا أمي، أغيب أسبوعين كده عشان الشغل… ومتلقلقيش، أبعتلك الفلوس أول بأول.
سألتها الأم بلهجة قلقة:
– شغلك حلال يا نور وإلا لأ؟ طمّنيني.
ابتسمت زينب وقالت بهدوء:
– أنا أسمى زينب يا ماما… مش نور.
الأم استغربت وقالت:
– في حد يخبي اسمه الحلو ده؟!
ابتسمت زينب بوجع خفيف وقالت:
– اسمي زينب… على السيدة زينب يا أمي.
الأم رفضت وقالت بإصرار:
– بس أنا كتبت اسمك في شهادة الميلاد "نور".
زينب بصوت مليان قهر:
– فين شهادة الميلاد؟ ضاعت يا أمي… مع كل أوراقنا.
في اللحظة دي، كان زياد واقف مصدوم، عيونه مثبتة عليها، وقلبه بيتقلب جوه صدره… اكتشف إن اسمها الحقيقي مش زينب.
كان محمد ماشي جنب مومن وسمع الكلام، فسأله باستغراب:
– مين ده اللي مضايق كده؟
ابتسم مومن وقال:
– مش هتصدق… زياد.
انصدم محمد وهو يفتح عينيه:
– إنت بتهزر صح! زياد؟! ده من أكفأ شباب الشرطة، ومفيش قضية إلا بيقدر عليها. وعشان كده، رغم صغر سنه، اتاخد في أمن الوطن… فاستحالة يكون ده السبب.
استغرب مومن ورد:
– طيب، إنت في رأيك إيه السبب؟
ابتسم محمد وهو يهز راسه بثقة:
– الود ده وقع في الحب… من فتاة المصنع. هى إسمها ايه؟
اتسعت عيون مومن من الصدمة، وهو يتمتم بذهول:
– وقع في حب زينب؟!
قفلت زينب التليفون مع أمها، ولما رفعت عينيها لقت زياد بيبصلها بغضب، وقال لها وهو مكتم:
– مش بقولك وراك لُغز كبير ومحدش فاهمه؟! يا والله ما أعرف أقولك إيه… أسميك "فتاة المصنع" أحسن عشان أريح دماغي.
ضحكت زينب بسخرية:
– ليه بقى إن شاء الله؟ فين الغريب؟ بتحصل في أحسن العائلات. وكمان عندكم في الشرطة سمعت إن أساميكم مش بتكون حقيقية… عشان "دواعي أمنية"!
ضحك زياد بخفة وهو يهز راسه:
– وانتي بقى غيرتي اسمك عشان دواعي أمنية؟
ضحكت زينب وقالت بنبرة متحدية:
وقبل ما يكملوا كلامهم… رن التليفون تاني.
المرة دي كان الرقم غريب.
بصت له زينب وقالت:
– رقم غريب… أرد؟
هز راسه زياد بحذر وقال:
– افتحي الاسبيكر.
فتحت زينب الاسبيكر وحطت السماعة قريبة منها وقالت:
– ألو… مين معايا؟
جالها صوت راجل من السماعة، واثق وهادي:
– عصام… معاكي يا "نور"، ولا أقولك يا "طماطم"؟
ضحكت زينب بسخرية:
– أولًا… كانوا بيقولوا عليّا "طمطم". إنما "طماطم" كانت اختنا زينب… الله يرحمها.
سكت عصام لحظة، وتنهد وقال بنبرة حزينة:
– الله يرحمها… متصورتيش انك تاخد اسمها من وقتها وانا بدور عليك.
اتنهدت زينب:
– اخدت اسمها عشان ورقها كان معايا وانت عارف لما ماتت اندفنت من غير ما يطلع ليها تصريح دفن وكل ورقي ضاع.
تنهد عصام وسألها:
– إنتي فين دلوقتي؟ طمّنيني عليكي… أنا نزلت وراكي بعد الوغد ده واللي عمله.
اتنهدت زينب وهي محتارة، عينيها تلمع بارتباك ما بين خوف وثقة، وزياد واقف بيراقبها بنظرة كلها شك.
وقبضت أيده بتزيد.
نظرت زينب إلى زياد، وكان واقفًا متضايق، وهي مش فاهمة هو مضايق ليه.
وجالها خاطر عشان ما يتشكش فيها، فقالت:
"أنا رايحة المول القريب من الفندق، بعد ما ابن الحرام قطعلي هدومي ارتحت، اقفل بقى يا عصام وانسى إنك تعرفني."
ترجاها عصام:
"نور بالله عليك، لازم تسمعيني… أنا عندي ليك سر خطير عرفته ولازم تعرفيه."
أشار الضابط زياد لها إنها تكمل، فاستغربت ونفخت وقالت:
"سر إيه إن شاء الله؟ أنت عايز نتقابل عشان تشغلوني معاكم، صح؟ ما أنا عرفت إنك معاهم وكمان صاحب المصنع… يعني طابخ كل حاجة معاهم."
تنهد عصام وقال:
"أقسم بالله العظيم أنا ماليش شغل معاهم، ولسه مشتري المصنع من شهر بس… والأصح إن أبوي هو اللي اشتراه."
انصدمت زينب وسألت:
"ولدك؟! إنت يا ابني مش كنت يتيم؟"
تنهد عصام وقال:
"ما هو ده اللي اكتشفته…"
وكمان اكتشفت مين السبب في ضياع ورقك.
وكمان اكتشفت مين السبب في ضياع ورقك المهم… أنا قابلك هناك. أوعى تمشي، مسافة السكة، وقفل."
ارتفعت نبرة زياد فجأة وهو يصرخ بغضب، وعروقه بارزة من شدة التوتر:
"إنتِ إيه اللي عملتيه ده؟! حد قالك تحددي المكان؟"
اتسعت عينا زينب بصدمة، وارتبكت وهي تقول بصوت خافت:
"هو إحنا بعيد قوي عن المول؟"
هز زياد رأسه بعصبية، وأسند يده على خاصرته:
"قومي يا بت … يلا معرفش اسمك! أقولك يا بت يا بتاعة المصنع! يلا عشان تلحقي توصلي… وإوعي تلعب بذيلك… مفهوم؟"
احمرّ وش زينب من الغضب، وعينيها لمعت بحدة وهي تضغط على أسنانها وقالت بصوت متقطع من العصبية:
"بت بتاعت المصنع! وأنا أقولك يا جريتي."
اتجمد زياد من وقع الكلمة، انصدم وبصاله بحدة:
"إيه جريتي ده يا بت إنتي؟!"
زادت عصبية زينب، رفعت حواجبها باستفزاز وردت بسرعة:
"! أنا كمان معرفش اسمك... هتقوللي بت؟ أقولك جريتي! ممكن تفهم؟"
"أخرج من هنا إزاي؟! أنتم خلعتم قميصي وكمان البادي متقطع!"
لحظة صمت اتعلقت بينهم، زياد حس بالدم بيغلي في عروقه من طريقة كلامها، وزينب في نفس الوقت قلبها بيدق بسرعة، مش عارفة ليه كلماته بتوجعها أكتر من أي حد تاني.
أطلق زياد زفرة طويلة وهو يشيح بوجهه بعيدًا:
"خدي الجاكيت بتاعي وخلصيني يلا."
مدّت يدها بتردد وأخذت الجاكيت، فشعرت أنه واسع عليها بشكل مبالغ فيه، كأنه يغطيها مثل البحر.
رفعت نظرها إليه وقالت بهدوء ممزوج بالحرج:
"طيب… ممكن أدخل الحمام ولا ممنوع؟"
لوّح بيده بعصبية وهو ينفخ بضيق:
"اتفضلي بسرعة."
انحنت زينب تحمل الجاكيت والشنطة ودخلت الحمام.
جلست على القاعدة، أخرجت دبابيس صغيرة وخيوط وإبرة ومتر دقيق، وبدأت بحركة ماهرة تخيط وتضبط أطراف الجاكيت.
كانت أصابعها ترتجف قليلًا من التوتر، لكنها تماسكت، وفي النهاية أعادت للقطعة شكلًا أنيقًا.
وقفت أمام المرآة، غسلت وجهها بالماء البارد، وحاولت أن تخفي آثار التعب من ملامحها، ثم تنفست بعمق وخرجت.
وما إن فتحت الباب، حتى تجمّد زياد في مكانه، حدّق فيها مذهولًا، وارتفع حاجباه بدهشة حقيقية.
حتى الممرضة التي كانت تراقب بصمت شهقت بخفة، واضعة يدها على فمها غير مصدّقة أن هذه الفتاة هي نفسها التي دخلت منذ دقائق مهلهلة.
كانت زينب واقفة أمامهم بثبات، والجاكيت على جسدها مرتب بشكل غير متوقع، ووجهها يلمع بندى الماء، كأنها شخص آخر تمامًا.
زياد وقف متسمّر في مكانه، عينه بتلمع بدهشة مش قادر يخفيها.
كان متعود يشوف زينب في صورة بنت عادية، متوترة ومندفعة، لكن دلوقتي المشهد قدامه مختلف تمامًا:
جاكيت واسع اتخيط بمهارة، ملامح هادية ووش مغسول، ونظرة فيها ثقة غريبة.
شدّ نفسه بسرعة كأنه خايف يبان ضعفه قدامها، وقطّب حواجبه يحاول يخفي ارتباكه:
"إيه ده؟!… إنتِ عملتِ كل ده في وقت قصير كده؟"
حاول يحافظ على نبرته القاسية، لكن صوته اتغيّر من غير ما يقصد، وبقى فيه لمسة اندهاش.
الممرضة بصّت له بخبث، كأنها شايفة إنه اتأثر، وده زوّد غضبه الداخلي.
اقترب منها خطوة، وقال بصرامة متعمدة:
"ما تفتكريش إن شطارتك دي هتنفعك… إنتِ لسه تحت المراقبة. فاهمة؟"
لكن وهو بيقول كده، كان قلبه بيدق بسرعة، مش فاهم إزاي شخصية زيها قدرت في لحظة تغيّر صورته عنها.
دخلت الممرضة بخطوات مترددة، لكن عينيها كانت مليانة إعجاب، وقالت وهي تبتسم بصدق:
"فعلاً… والله مبدعة بجد!"
ارتبكت زينب من كلماتها، واحمرّ وجهها، وابتسمت بخجل وهي تخفض نظرها قليلًا.
ثم رفعت عينيها بثبات وقالت بصوت دافئ:
"حضرتك… أنا بشتغل في المصانع من وأنا عمري ١٢ سنة. كنت أنتقل من مصنع لمصنع… وكل مرة أتعلم حاجة جديدة.
وكمان كنت أشتري كتب عن الخياطة والتطريز وأقعد أتعلم منها. عندي ماكينة خياطة صغيرة في البيت… وكل هدوم الحارة بخيطها أنا والبنات."
توقفت لحظة، كأنها تستجمع شجاعتها، ثم أضافت بنبرة فيها فخر ممزوج بالشجن:
"وحتى سبب مجيي للقاهرة… إني كنت عايزة أشوف ناريمان، وهي بتصمّم."
سادت لحظة صمت في الغرفة.
الممرضة ظلت واقفة مبتسمة بإعجاب، بينما زياد وقف متجمد، عينيه بتتحرك ببطء ما بين ملامحها وكلامها.
كان واضح عليه الصراع… بين قسوته المعتادة كضابط، وإعجابه اللي حاول يخفيه ويفشله.
زفر أنفاسه بقوة، ثم قال بنبرة متقطعة فيها غلظة مصطنعة:
"يعني… كل ده من تعبك ومجهودك؟"
لكن نظراته خانته، وفضحت إنبهاره بيها.
قطع اللحظة زعيق زياد وهو بيفوق من انبهاره، صرخ بصوت حاد:
"يلا… عشان نلحق قبل ما يروح قابلك!"
هزّت زينب رأسها بتفهم، وما قالتش ولا كلمة.
خرجت معاه بخطوات سريعة، وركبت عربية المراقبة.
ما إن جلست في المقعد الخلفي حتى رفعت نظرها للشاشة المثبتة قدامها.
اتسعت عيناها بدهشة، شاشة فيها مشهد دخولها للعربية من كاميرا مخفية، والشاشة التانية بتعرض غرفة الفندق بالتفاصيل.
شهقت زينب ووضعت يدها على فمها:
"هو… هو أنتم حطيتوا في إيده هو كمان جهاز؟!"
ضحك واحد من الضباط اللي قاعدين، ضحكة خفيفة كلها سخرية.
فتدخل زياد بصرامة وهو ينظر لها:
"لأ يا أذكى… إخواتك حاطين كاميرا عادي في قلب الترابيزة، وشغلوا كل المتابعة القديمة. شايفة؟… إنتِ في أمان، ومحدش سابك لحظة."
ارتجف قلبها وهي تتابع الصور على الشاشات، انبهرت من كم المراقبة، لكنها لسبب غريب شعرت بثقة فيهم، كأنها لأول مرة تحس إنها مش لوحدها.
العربية وقفت قدام المول.
نزلت زينب مسرعة، قلبها بيدق من التوتر.
دخلت من البوابة الكبيرة، والجري شدها للسلالم.
من شدة ارتباكها ما أخدتش بالها إن السلم متحرك للأسفل.
فجأة، رجعت رجليها لورا وكادت تفقد توازنها وتطيح أرضًا.
لكن قبل ما تقع، امتدت يد قوية وثابتة أمسكت بذراعها في اللحظة الأخيرة.
رفعت رأسها بسرعة… لتلاقي شخص واقف قدامها، ملامحه غامضة، لكن عينه بتلمع بنظرة مش سهلة.
بدأت تنتبه زينب وهي تركز في ملامح الشخص اللي مسكها، وفجأة اتسعت عينيها بدهشة:
"… عصام!"
ابتسم عصام ابتسامة واثقة، وفيها لمسة مكر، وقال بهدوء:
"واضح إنك كنتِ عاوزة تهربي مني قبل ما أوصلك."
بلعت زينب ريقها بخوف، قلبها بيدق بسرعة، وحاولت تخفي ارتباكها وهي ترد:
"يعني… حاجة زي دي؟! المهم، سبني أجيب هدومي عشان أروح."
لكن نظراته انتقلت للجاكيت الرجالي اللي لابساه، فرفع حاجبه باستغراب وسألها:
"إيه ده يا نور؟! جايباه منين؟"
تنهدت زينب، وهي تحس القلق بيخنقها:
"من… من فين؟ هو فين؟"
قهقه عصام وهو يهز رأسه:
"إنتِ لسه بتهيسي… كل ما بتتلخبطي بتغلطِ."
هزّت زينب راسها بتوهان، عقلها بيدور بسرعة عشان تلاقي كذبة مقنعة تنقذها، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
"أقولك… بس سر في بير."
ضحك عصام بخفة واقترب منها خطوة:
"قولي…"
وفي نفس اللحظة، داخل عربية المتابعة، كان زياد قاعد قدام الشاشات، عينيه مثبتة على تفاصيل المشهد.
إيده اتشدت على طرف الكرسي بعصبية، قلبه مش مرتاح.
كان متوتر جدًا، خايف زينب تغلط في أي كلمة وتكشف نفسها.
لكن اللي كان محيره أكتر… الإحساس اللي مولّع جوه صدره، نار حارقة كل ما يسمع ضحكة عصام معاها.
ضغط على أسنانه بعنف وهو مش فاهم… هل ده غيرة؟ ولا بس خوف مهني إنه يفقد الخطة؟
رواية عشقت فتاة المصنع الفصل الثاني عشر 12 - بقلم صفاء حسني
ضحكت زينب وهي تحاول تثبت روايتها وقالت بثقة ممزوجة بدهاء:
"لما نزلت من عند الوغد، وأنا ماشية شفت حاملة ملابس مع عاملة. عملت نفسي تعبانة ووقعت، وهي ساعدتني. طلبت منها ميه… ولما راحت تجيب، أخدت الجاكيت وحطيته في الشنطة. رجعت، شربت الميه، وسألتها عن باب تاني غير ده.
وحكيتلها إن صاحب الشغل حاول يتعدى عليّا… وهي بما إنها بنت زيّي، أول ما عرفت إنه جاسر ساعدتني بسرعة. خرجتنا من الجراج، وقعدتني لحد ما جات عربية تانية وخليتني أركبها. عربية الأكل.
وأنا في العربية، فضلت خيط البطالة بالشكل ده ولفت بالبطالة."
ارتسمت ابتسامة إعجاب على وجه عصام وهو يومي برأسه:
"والله برافو عليكي… هي دي نور اللي بتتصرف في أي حاجة."
في نفس الوقت، داخل عربية المتابعة، جلس زياد يتابع الشاشات.
زفر أنفاسه بارتياح أول ما سمع الكذبة المقنعة اللي قالتها زينب.
ارتخت عضلات وجهه المتشنجة، وكأنه تخلّص من ثِقل كان كابس على صدره.
لكنه رغم الارتياح… لم يستطع يمنع نفسه من ابتسامة خفيفة، ابتسامة ما عرفش إذا كانت بسبب نجاحها في الكذب، ولا لأنه اكتشف قد إيه عندها ذكاء وجرأة تخليه يحس إنها مش مجرد "فتاة مصنع" زي ما كان بيقول.
في نفس الوقت، كان زياد قاعد في عربية المتابعة.
انبسط من ذكاء زينب في تبرير موقفها، لكن في قلبه غصة غريبة.
ضحكها مع عصام كان بيشعل جواه غضب مكتوم، مش فاهم سببه… هل غيرة؟ ولا مجرد خوف إنها تضعف وتكشف نفسها؟
داخل المول، فضلت زينب تلف مع عصام على المحلات.
كل ما تدخل محل وتشوف الأسعار، تنصدم وتفتح عينيها بدهشة، كأنها أول مرة تشوف أرقام بالشكل ده.
ضحك عصام وقال بنبرة فيها مزيج من الدعابة والاستغراب:
"إيه يا بنتي؟! مفيش حاجة عجبتك؟ إحنا خلاص لفينا محلات المول كلها!"
وقفت زينب فجأة قدام فستان بسيط مع جاكيت صغير فوقه.
مدّت إيدها للشَنطة بتاعتها عشان تطلع فلوس… لكن فجأة اتسعت عينيها، وقلبها وقع في رجليها.
الشنطة فاضية! لا المحفظة ولا البطاقة الشخصية موجودين!
شهقت بصدمة وقالت بصوت مرتعش:
"محافظتي… اتسرقت!… البطاقة الشخصية والفلوس… يا ترى وقعت فين؟!"
قطّب عصام حاجبيه وهو يحاول يهدّيها:
"ممكن تكوني سبتّيها في الفندق؟ إنتِ أصلاً سحبتي شنطتك بسرعة ومشيتي."
رفعت زينب إيديها على راسها وهي تحاول تفتكر، ملامحها متوترة ومشوشة.
وفجأة قالت وهي تضرب جبهتها بكفها بصوت وبتسمع زياد من جهاز الا فى ودنها:
"يا نهار أبيض… نسيتها في حمام العيادة! اتصرّف بالله عليك يا جيرتي سامعنى"
سألها زياد واتكلم في ودنها وهو بيهمس مستغرب:
"مالك يا بت؟"
مش فاهم حاجه
اتنفضت زينب من الغضب:
"مش هعرف اعلي صوتى … نسيتها في حمّام العيادة! اتصرّف بالله عليك يا جريتي، سامعني؟"
عصام اللي كان قاعد جنبها بصّ عليها بقلق وسألها:
"مالك يا بنتي؟ أهدى… لو في الفندق أجيبها ليكي."
زياد كان متابع المشهد، في الأول مش فاهم حاجة.
طلب زياد منها بخبث:
"انتى شاطرة فى الكذب عالي صوتك يا بت."
لكن لما زينب رفعت صوتها وقالت بتوتر:
"الحمّام… أنا تعبانة، جريتي افهمني، أبوس إيدك!"
ساعتها استوعب زياد، وافتكر جملتها اللي قالتها له قبل كده: "هتقوللي بت… أقولك جريتي."
ابتسم بخبث وهو بيتصل بالممرضة بسرعة وطلب منها تدور في الحمام على محفظة جلد.
رجع لها بنظرة ماكرة وقال وهو يضحك بخفة:
"لون البطاقة إيه يا بت؟"
اتعصبت زينب وعضّت شفايفها من القهر وردت بعناد:
"لونها أسود… زيك يا جريتي!"
ضحك زياد أكتر، واللي زاد جنون زينب إن الضحكة دي كان فيها استهزاء، لكن جواها حسّت بحاجة غريبة إنها مش قادرة تفهمها.
ضحك زياد وهو بيتابع من غرفة المراقبة، ضحكة قصيرة فيها استهزاء واضح.
لكن الغريب إن الضحكة دي، رغم إنها جرحت زينب، ولّدت جواها إحساس غريب مش قادرة تفهمه… حاجة بين القهر والانجذاب.
وفي اللحظة دي، كان صوت زياد بيتسلل ليها وهو بيقول بحزم من الجهاز:
"سامعاني يا بنت؟ إلهي في أي حاجة لحد ما أتصرف… فاهمة؟"
فعلاً، بعد ما زينب حسّت إن أعصابها مش قادرة تتحمّل، قالت لعصام بصوت هادي وهي بتحاول تخفي ارتباكها:
"الجو حار… نطلع نشرب حاجة، يمكن أفتكر وأركز… النهاردة كان صعب عليا."
بص لها عصام بنظرة كلها قلق، وهز راسه بالموافقة:
"ماشي يا نور… زي ما تحبي."
اتجهوا ناحية كافيه شيك في المول، ريحة البن والڤانيليا مالية المكان، والأنوار الهادية مديّة الجو إحساس بالهدوء… بس جواها كان فيه عاصفة.
قرب الجارسون وسأل بابتسامة:
"تحبوا تشربوا إيه يا فندم؟"
زينب كانت سرحانة، عينيها مش ثابتة، عقلها بيفكر: يا ترى هتصرّف إزاي؟ أكمّل اللعبة ولا أواجهه بالحقيقة؟
قبل ما تلحق ترد، عصام سبقها وقال بثقة وهو بيبص للجارسون:
"عصير فراولة… هي بتحبه، صح يا نور؟"
زينب اتفاجئت، قلبها دق بسرعة، ولسه عاوزة تعترض، لكن لقت نفسها ساكتة، والكلمة دي "يا نور" رجعت لها ألف ذكرى متلخبطة.
دخلت آنسة ماسكة شنطة فيها بطاقة وفستان.
قربت من زينب بابتسامة وقالت:
"يا آنسة… إنتِ اخترتِ الفستان ده، وبعد ما حسبتيني… نسيتِ الحاجة وخرجتي."
تنحت زينب وهي بتاخد منها الحاجة باستغراب:
"هه؟ إمتى ده؟!"
ابتسم زياد بخبث وهو بيبص عليها.
في اللحظة دي، جه صوت زياد من الجهاز الصغير اللي حاطه في ودنها، صوته جاد وفيه نبرة أمر:
"خدي الحاجة بسرعة… مفهوم؟ هو مش ناقص هبل دلوقتي."
هزّت زينب راسها بتوتر، ومدّت إيدها وهي بتحاول تخفي ارتباكها.
أخدت الشنطة ونفسها بيتسحب بالعافية، صوتها متقطع وهي بتكح بصعوبة، كأن صدرها مش قادر يستحمل الضغط.
زينب ما كانتش سامعة زياد من الجهاز أصلًا.
فجأة بدأ صدرها يضيق، وبَدَت تكح بعنف.
زياد افتكر إنها بتمثل ببراعة عشان تغطي على توترها، وابتسم بإعجاب… لكن فجأة اتجمد مكانه لما شاف عصام يمسكها بسرعة بخوف حقيقي، ويقعدها على كرسي خشب قديم في أقدم كافيه في المول.
رفع عصام يده للجرسون بسرعة، صوته فيه قلق:
"مَيّة… وعصير حالًا!"
ثم التفت لزينب بعصبية، وصوته ارتفع:
"حد قالك تتوتري؟! إنتي عارفة لما بتتوتر نفسك بيضيق… وممكن يغمى عليكي؟!"
ارتشفت زينب الميه ببطء، وبعد شوية بدأ نفسها يهدى، لكن عينيها فضلت معلقة في عصام وهي تقول بصوت متقطع:
"إنت… إنت اللي قولت عندك سر… وأنا عايزة أعرفه. إنت عارف… لو ما عرفتش، ممكن يغمى عليّا من التوتر."
تنهد عصام، وصوته نزل درجة وهو يمسح جبينه:
"ولو عرفتيه… برضه هتتوترى."
امتلأت عيناها بالدموع، ونزلت دمعة غصب عنها وهي تهمس:
"إنت بتلعب بأعصابي… وبتضيع وقت… لحد ما تسلمني للناس اللي معاك، صح؟"
رفع عصام عينيه لها وسأل بهدوء:
"عاوزة تعرفي إيه؟"
أخذت زينب نفسًا تقيلًا، عينيها مغرّقة دموع، وقالت بصوت مبحوح:
"بصراحة… أنا حتى مش متأكدة. إنت عايز مني إيه؟"
تنهد عصام ببطء، وكأنه بيستجمع شجاعته:
"أنا لما اتسجنت أنا وأصدقائي، جه محامي من المحكمة عشان يترافع عنّا. وقتها حكينا له كل حاجة… وبعد ما بحث عن معلومات عني، اكتشف الحقيقة.عرف إني ابن رجل أعمال كبير، ضاع مني وأنا صغير. قدر يوصل لأهلي، ووقتها طلعت براءة. وبعدها… دورت عليك، ورجعت للدار اللي كنا فيه. ومع البحث… اكتشفت السر ده."
شهقت زينب وهي ترفع عينيها في خوف:
"سر إيه؟! انطق بقى!"
تنهد عصام مرة تانية، وصوته نزل بنبرة حزينة:
"الست اللي ربتك… للأسف مش أمك."
في نفس اللحظة، اتصدم زياد وهو متابع من الشاشة، عيناه اتسعتا بدهشة والعرق تصبب من جبينه.
أما زينب، فانفجرت بضحكة هستيرية مليانة صدمة ورفض:
"إيه؟! يعني إيه مش أمي؟! إنت بتهزر صح؟!"
ضربت كفها على صدرها بقوة، والدموع نزلت من عينيها وهي تهمس:
"مش أمي؟… مش أمي؟!"
ارتعش صوت عصام وهو بيحكي، كأن الكلام بيطلع من قلبه غصب عنه:
"كانت… ممرضة في مستشفى حكومي"
ابتسمت زينب بسخرية
"ده مش معلومة جديدة"
وضح عصام.
"وولدت طفلة… سمّتها نور. لكن نور ماتت وهي لسه في حضّانة المستشفى. الست انهارت… عقلها اتلخبط من الصدمة، وجوزها خاف عليها تتجنن من الوحدة. فاتفق مع واحدة في مستشفى تانية… يجيبولها بنت صغيرة شبه نور، عشان تعيش وتفتكر إنها بنتها."
نظرت له زينب وهى فى حالة لا مبالية
"القصة حلوة كمل"
توقف عصام لحظة، وابتلع ريقه قبل ما يكمل:
"مش قصة والله ده حقيقي"
"وفي يوم… خطفوك. وأنتي لسه رضيعة."
من محافظة تانى
تسمرت زينب مكانها، عينيها متسعة والدموع سايحة على خدودها.
همست بصوت متقطع، يكاد ما يطلعش:
"يعني… يعني أنا… اتخطفت؟!"
ارتجفت شفايفها وهي تحط إيديها على ودانها كأنها عايزة تهرب من الكلام:
"لا… مستحيل… الست دي… أمي… هي أمي… مش ممكن…"
أما زياد، فكان قاعد قدام الشاشة مبهوت، كل خلية في جسده مشدودة.
إيده اتقبضت بقوة على طرف الطاولة، عينيه مش قادرة تتحرك من على وجه زينب وهي بتنهار.
وشعر لأول مرة إن القضية دي مش مجرد شغل… دي حياة إنسانة اتسرقت من البداية.
اكمل عصام
"وبعد كده لما ربنا رزقها ب أخوكى سعيد ولدك حطك فى الدار وقال ل ولدتك عشان الدار تهتم بيها وأنتى زوريها"
أكمل عصام كلامه، صوته بيتقطع وهو بيحاول يوصل الحقيقة:
"وبعد كده… لما ربنا رزقها بأخوكِ سعيد… جوزها – يعني أبوكِ الحقيقي – حطك في الدار.وقال لمراتُه: خلي الدار تهتم بيها… وإنتِ روحي زوريها من وقت للتاني.
كده بس… عشان يبعد الشك عن قلبها."
رفعت زينب عينيها ليه، بملامح ضايعة، وكأنها مش سامعة ولا مستوعبة.
صوتها خرج واهي:
"يعني… حتى وجودي في الدار… كان خدعة؟!"
تنفس عصام ببطء، وعينيه مليانة حزن:
"للأسف… أيوه."
انهارت ضحكة مريرة من بين شفايفها، دموعها نازلة وهي تهمس:
"سنين… كلها كدبة كبيرة… عايشة في وهم… حتى الأم اللي بحلف بيها كل يوم… مش أمي؟"
غطت وشها بإيديها وهي بترتعش، صوتها مختنق:
"أنا… أنا إيه بالظبط؟ طفلة مسروقة؟ لقيطة؟ ولا لعبة في إيد ناس مجانين؟"
في غرفة المتابعة، زياد حط إيده على سماعة الجهاز بعنف، كأن نفسه عايز يوقف كل اللي بيحصل.
عينيه اتلمعت، قلبه كان بيتقبض مع كل كلمة، وحس لأول مرة إنه عايز ينزل بنفسه، يمسكها، ويقول لها: "إنتِ مش لوحدك."
لكن صمته طال… وهو عارف إن لحظة زي دي ممكن تغيّر مصيرها كله.
عند ياسمين حسَّت الغرفة كلها بلحظة صمت خافت، والهوى بتاع المستشفى مالوش غير رائحة المطهِّر، وياسمين قاعدة على الكرسي، الدفتر اللي مومن سلّمهولها مفتوح قدامها.
كانت عينها مبتلسة في السطور اللي كتبتها رهف، لكن الصفحة الأخيرة كانت مختلفة — سطور مكتوبة بخط مضغوط، وفي هامشها تعليمات غريبة: «لو عايز تعرف السر يا مومن… اقطع الجلد على الدفتر وهتشوف السر».
لفّت حواليها ياسمين ، شافت مشرط صغير مرمي جنب الأدوات، مسكته بيد مرتجفة وقصّت طرف الغلاف الجلدى للدفتر.
كلّ قصّة تكشف سرّ.
طلع من تحت الغلاف ورقة مطوية وصورة إشاعة — صورة مجسّمة لرحم وفيها توأم، جنبها ورقة مكتوب عليها بخط رقيق: «الصورة دي تخص طنط ياسمين».
قلب ياسمين وقع.
خفضت صوتها بالكاد قادرة تقول:
"إنتِ… إنتِ مستغرِب يوم ما ربنا رزقك بتوام عشان إنت طلعت توأم ؟ بس مامتك زمان جابت توأم بنت وولد…"
عيونها تشوّهت من الألم ياسمين وهي تكمل بصوت يكاد يفتّ من تحت:
"عمّتي خطفت البنت، زي ما خطفت ايمان بالظبط."
الصحفة التالية كانت رسالة قصيرة، مرقّمة، فيها عبارة واحدة تقطع النفس: «المطلوب: قتل أطفالكم علشان يتعاقب النائب والقاضي».
الورق وقع تحت رجليهم.
شعرت ياسمين بدوخة، ماسكة راسه بيده من الصدمة.
… لكن لما قرأ ت السطور استحالت الصورة واضحة: التنظيم استخدم الخطف كأداة ضغط سياسي — ولعبوا بورقة الأطفال علشان يضربوا نفوذ القضاة والسياسيين.
وحدها جملة في الركن فضحت أكتر من مليون دليل اكملت: «لما اتخطفت أختك، جيه حد وخافت الممرضة واستخبت… الممرضة خدت مومن وقالت للدكتور: لو عرف القاضي هتكون سين وجيم. فخافوا وبلغوا إن عندكم طفل واحد مش اتنين… وتم التوزيع».
التوزيع؟ الكلام قسى في ودان ياسمين.
إنها اكتشفت إن واحد من توأميها تم توزيعُه على مكان تاني —
اكملت رهف: «أنا مع ماما منى وبنتك اتوزعت في إسكندرية»، همست الكلمات كأنها بتتحرّك من نفسها.
صرخت ياسمين صرخة انفجار — مش صوت بس، بل زلزال فى صدرها.
الصوت جَرَّ الممرّات، ومنى وسعاد سمعوه.
منى طرعت ناحية باب الغرفة، سعاد فضلت جانب إيمان ومع الاطفال
منى وقفت جنب أم مومن، عينها كأنها هتطيح من الخوف.
منى واقفة، كل الخوف متجمّع على شفتاها، وحاولت تمسك إيد ياسمين اللي كانت تنهار.
ياسمين قدّمت الصورة والجواب لمنى، وعيونها بتتلوّح بين الصدمة والغضب: «بيقولوا إن الانتقام بالشكل ده…»، وجرّة الدمع كانت بتسيل من خدودهم كلهم.
الممرّات حوالينهم بقت ضوضاء بعيدة — أصوات أجهزة، همسات طواقم، لكن جوا القاعة دي كان في عالم اتقلب: أكتر من أسرار اتكشفت، أكتر من حياة انسلخت من بعضها.
كان رجع مومن هو وابوها وشاف إلا بيحصل.
أخد نفس عميق ، وشد دفتر رهف من إيد أمه ، وصوته اتكسر وهو بيقراء كل كلمة وبعد كده صرخ:
"لازم نعرف كلّ التفاصيل. لازم نرجّع اللي اتاخد. ومين اللي ورا ده؟ مين اللي استغلّ الأطفال؟"
محمد كان مكسور متصورش ان اتسرقت بنت منه.
الأسئلة اتكدّست في الهواء، لكن الإجابة لسه بعيدة — وكل خطوة جايه دلوقتي لازم تكون بحذر، لأن اللي قدامهم مش شوارع عادية ولا عصابات صغيرة… ده شبكة ليها نفوذ، ولها أدوات، ولها قدرة على تغييب أطفال وطمس هويّات.
المشهد قفل عليهم وهم في حالة واحدة: صدمة، حزن، وغضب بيترسخ.
الخطوة الجاية؟ كانت تبدا بالتحري، بالبحث في سجلات الدار، بمراجعة كل ورقة ضايعة، وبفتح ملفات مش مصرح بيها — لأن لو الكلام ده صحّ، إنقاذ طفل مش مسألة شرطي واحد بس، ده حرب على شبكة كبيرة.
ونفس زينب اتكتم فى نفس الوقت إلا نفس ياسمين.
رواية عشقت فتاة المصنع الفصل الثالث عشر 13 - بقلم صفاء حسني
قومي بسرعة، غيري هدومك وتعالي… أنا مش واثق في الولد ده، وبيلعب بيّا.
كانت زينب بتحاول تسيطر على نفسها، النفس بيطلع متقطع وصدرها بيتألم من كل كلمة، لكن صوت زياد في ودنها جه واضح وصارم. الكلمات رجعتها من عالم كله كذب وأسرار لعالم الواقع.
زينب غمضت عينيها لحظة، حاولت تركز في صوت زياد، كأنه هو الحبل الوحيد اللي ماسكها من الوقوع.
بصّت لعصام وقالت بصوت واطي:
– أنا هدخل ألبس الفستان… حاسة إني مخنوقة من البدلة دي.
عصام اتغيرت ملامحه للحظة، كأنه حس إن في حاجة غلط، لكنه أخفى قلقه بابتسامة باهتة وقال باعتذار:
– أنا عارف إن الموضوع صعب عليك… ادخلي اغسلي وشك وغيري الفستان، وأنا هافهمك كل حاجة بعد كده.
هزّت راسها وهي بتخفي رجفة في إيديها، وقامت بخطوات تقيلة باتجاه غرفة التبديل. قلبها بيدق بسرعة، عقلها مشوش ما بين عصام اللي قدامها، وزياد اللي صوته في ودنها بيشدها للواقع.
كانت اللحظة دي فاصلة… خطوة واحدة هتحدد هي ما زالت في فخ الكذب، ولا فعلاً خارجة للنور.
أول ما طلب زياد من زينب تروح على الحمام فورًا، ميعرفش ليه طلب الطلب ده، كان عايز يكون هو معاها مش عصام.
وهى متجهة للحمام، اقترب منها زياد وسحبها على الأسانسير اللي في المول.
وهى من الصدمة كانت هتصرخ، لكن لما شافت زياد شعرت بالراحة.
دخل الأسانسير وصوته معدي بين دوشة المول، وزينب واقفة ماسكة نفسها والدموع نازلة من غير قدرة تكتمها.
لما قرب منها زياد وسألها بصوت خافت:
– آنتي كويسة؟
الكلمة دي كانت الشرارة؛ انطقت منها تنهيدة طويلة وبكت بقوة، وقعت في حضنه من غير ما تحس.
رحت دموعها تجرّ، والكلام خرج من جوّاها كله مرارة وألم:
– أنا عشت حياتي كلها كذبة… اتخطفِت وأنا طفلة من أهلي… تصدق الكلام ده؟! أنا مش مستوعبة… مرات كنت بحلم يكون ليا عيلة وسند. كنت بحس إن الراجل — جوز أمي — مش أبوي أصلًا، ومعاملته معايا وحشة وكان دايمًا يفضل ابنه عليّ.
زلّت الكلمات واحدة ورا التانية، وهي تفضفض:
– متخيلش… لما قالولي خدّوني الدار وأنا عندي ست سنين، قلت ده حضانة هتعلمنا وتقوّي حياتنا. كنت فاكرة كل الأطفال ليهم أهل بيربوهم، وكنت مستنية سعيد لما يوصل لسني. بعدين مات… وأنا عندي 11 سنة. وابتدت الدنيا تتقل.
تنهدت، وصوتها راجع خفيف:
– ولما مات… حسّيت حاجة.. يمكن غريبة، يمكن ارتياح من حد… مش لقيت غير إنّي طلعت أعيش مع أمّي اللي كانت موجودة بس في ورق؛ ولما عرفنا الحكاية إن في توأم اتسرق… الدنيا وقفت.
زياد ماسكها بحنان، كفي إيده على ظهرها كأنه عايز ينقللها من البرد الجواها:
– خدي نفس. إنتِ دلوقتي هنا، ومفيش حد يقدر يزعجك.
رفعت وشها في وشه، عيونه فيها حزن. أكمل حديثه:
– اسمعي، أنا معاكِ. مش بس كلمة. دلوقتي هنطلع وتقولي ل عصام إنك هتروحي عشان تعبانة.
إستغربت زينب:
– أروح فين أنا في القاهرة وهو عارف انى مخطوفة يعني إنت كدة بتكشف خطتك.
تنهد بجد:
– وميفرقش معايا أنا هقدر أوجه أي حاجه خطوة خطوة. بس الأول لازم ترجعي تبصي لنفسك، تشربي مية، وتلبسي الفستان اللي أشتريته ليكي. أنا واقف برا، ومحدش يقدر يمس شعرة منك.
زنّور الأسانسير فتح، وصوت الناس في المول رجع أزير حوالينهم، لكن في اللحظة دي كانت الدنيا بسيطة: امان ، وعد، وخطة صغيرة تبدأ من خطوة واحدة.
زينب مسحت دموعها بصعوبة، شدّت نفس، وبلعت كلمة لكن عينها قالتها:
– أنا خايفة.
زياد بادرها وهمس:
– أنا معاكي. بس محدش هنا هيلعب بيكي تاني.
طلعت من الأسانسير وهي ماسكة شنطتها، ورجليها لسه مرتعشة. زياد واقف بجنب باب الحمام، كأنه حارس وراها — مش فاضح ولا متسلط، بس حاضر.
لكن افتكرت حاجه زينب وقفت متسمّرة مكانها، المية لسه بتنقط من وشها:
– انت هنا ليه؟!
ابتسم زياد بخبث هادي وهو بيقرب خطوتين وقال:
– قبل ما تخلعي هدومك لازم تضغطي زر تقفلي بيه الكاميرا… أو تبلغيني.
عينيها اتسعت بصدمة:
– حضرتك قولت لي أغيّر هدومي… فـ أكيد قفلت الفيديو!
ضحك زياد وهو بيهز راسه بالنفي:
– صعب يا هانم… القصة مش كده. لازم أكون قريب منك وأبلّغهم يقفلوا الكاميرات. وخصوصًا والشخص ده… موجود حوالين المكان.
اتسمرت زينب لحظة، حسّت إن كل حاجة حواليها بتتسحب منها، وإن زياد هو الوحيد اللي واقف كأنه خط الدفاع الأخير.
رفع إيده بهدوء ناحية الباب وقال بنبرة جادة:
– يلا، أنا واقف برا. البسي الفستان بسرعة… وبعدها هتفهمي الموضوع كله.
سابت نفسها تاخد نفس عميق وهي بتحس إن خطواتها مش ثابتة، لكن جوّاها إحساس غريب بالاطمئنان لأول مرة من ساعة ما دخلت المكان.
الممر فى المستشفى هدى من حوالينهم، وورق الدفتر في إيد ياسمين كان بيترعش. مومن خد الصورة من إيديها وقَرَأ الإشاعة والورقة اللي طلعوا من تحت الغلاف الجلدى، وشه اتغيّر قدامهم كلهم.
ياسمين شالت نفسها وصوتها هادئ لكنه مليان حزن وندم وقالت بصوت كاد يتحطم:
– أنا عندى بنت يا محمد عندنا بنت.
محمد كان مصدوم. بداء يقرأ مع مومن الورقة:
– أنا خوفت الدفتر يوقع في إيد حد منهم… عشان كده خبّيت السر جوّه الغلاف الجلدى.
مومن بتركيز قرا السطور، وبترتجف إيده وهو يطالع في الجواب. بعد شوية رفع راسه وسألها:
– ليه؟ ما قلتيش لحد؟ ده ممكن يغير كل حاجة!
وكانها عارفة انه يسأل السؤال ده وردت في الرسالة:
– سبحان الله… ده اللى كنت بعمله زمان أنا وإيمان وإحنا صغيرين. كنا بنخبي حاجات مهمّة جوّه حاجات تافهة، عشان لو حصل أي حاجة ترجع.
– لما دخلت السجن وبدأوا وانا معا عمتى … عرفت منها الحقيقة وكنت خايفة أقولك وقتها — لو قلت يمكن يبقوا ضغطوا عليك أنك فى يوم ترجع ليا.
مومن مسك الدفتر بيده بقوة، وصوته بدأ يتهدّج.
عند ياسمين ومحمد وابنهم مؤمن، كانوا مصدومين من اللي قراوه.
مسك مؤمن الورق، فتح الأشعة وقرا الكلام اللي مكتوب بخط إيد رهف.
"الصدمة وقعت على التلاتة مرة واحدة.
مؤمن رفع عينه عن الورق، صوته مخنوق:
– يعني… رهف كانت عارفة من زمان وخبّت؟!
ياسمين مسكت راسها، وقلبها بيضرب بسرعة:
– لأ… دي مش رهف اللي نعرفها. دي كانت عايشة جواها نار.
محمد شد الدفتر من إيد مؤمن، عينه ضاقت وهو يقول:
– هى كتابه. "عمتي"؟… يبقى في سر أكبر من اللي مكتوب هنا.
فضلوا ساكتين لحظة، والجو اتقل عليهم، كأن صوت رهف لسه بيرن حوالينهم من بين السطور.
طلب مؤمن من الكل يهدي:
– إحنا لازم نروح دلوقتي ونشيل العيال من هنا. اللي خطفوا أختي زمان وخطفوا إيمان… ممكن يخطفوا أولادي كمان.
سكت لحظة، وبعدين كمل:
– استنوا… في حاجة مش داخلة دماغي. ليه خطفوا أختي الأول؟ وبعدها بخمس سنين خطفوا إيمان؟! وبعد كده… زي ما بيقولوا… حقنوا العينة اللي كانت في رحم إيمان في رحم رهف! طب ما كانوا خلصوا من الأول وقتلوا الأطفال قبل ما يتولدوا؟ ليه لعبوا اللعبة دي؟!… إلا لو في ندم، أو في لغز أكبر.
تنهد محمد، ووقف جنبه عماد، عينيهم بتلمع بذكريات الماضي.
قال عماد وهو متأثر:
– يبقى أكيد خطفوا كمان ابن محسن… هما بينتقموا عشان إحنا انشقينا عنهم وماكمّلناش معاهم.
مؤمن اتفاجئ بدهشة:
– مش فاهم!
ابتدى محمد يوضح:
– بص يا مؤمن… أنا وعماد وصديق تاني اسمه محسن… كنا مع بعض في الجامعة، في أول شبابنا. وقتها كانت السياسة في حياتنا زي الأكل والشرب. بعد النكسة واستعداد البلد للحرب… الأحزاب كانت شغّالة، والكل عايز يثور. إحنا في البداية انضمينا لتنظيم خطير، سنتين تقريبًا وإحنا جواه.
أخد نفس طويل وكمل:
– لكن بعدين فهمنا إن ده مش طريقنا. قررنا نشتغل على نفسنا ونبني حياتنا بعيد عن الحركات دي. أنا اخترت أكون قاضي… وتعبت على نفسي. عمك عماد دخل حزب الوفد، وفضل لحد ما بقى نائب وزير.
مؤمن سأل:
– والصديق التالت… محسن؟
محمد بص لتحت وقال:
– للأسف، محسن استمر معاهم فترة . بعدين اتقبض عليه واتسجن. ساعتها كنت لسه محامي، وهو طلب مني أكون محاميه. كنت عارف إنه ندمان، لإننا كلنا كنا في كلية حقوق… وهو اختار طريق غلط. وقفت معاه لحد ما خد براءة. وبعدها كره نفسه، وقرر يسافر يشتغل برا… عشان الناس تنسى إنه كان متورط في قضية بالشكل ده.
مؤمن أخد نفسه وقال بجدية:
– يبقى لازم أوصل ليه. مش مستبعد إنه لما سافر يكون فضل معاهم أو على الأقل يعرف أي حاجة. وأنا كمان لازم أروح السجن وأواجه الزفتة… عمة رهف.
وقف لحظة، وصوته اتغير وهو بيبص لهم:
– بس قبل كل ده… لازم إيمان وأولادي يكونوا في أمان. وكمان… لازم أعمل تحليل نسب لمراد وحياة. أنا بدأت أشك إنهم لعبوا في حياتنا أكتر مما نتخيل.
بالفعل، طلب مومن سيارتين إسعاف: واحدة تنقل أمه اللي تعبت، والتانية تنقل إيمان.
كان هو قاعد جنب إيمان ومعه الأطفال، بينما حياة ومراد كانوا مع منى وعماد.
استغربت منى وهي تبص لعماد:
– أنا مش فاهمة حاجة… ليه استعجل مومن ونقل إيمان قبل ما تفوق من البنج وتمشي على رجلها؟ وليه صمم يودّيها بيت أمه مش عندي؟
تنهد عماد وقال بهدوء:
– هاحكيلك… بس مش دلوقتي. يلا نركب وراها، ناخد حياة ومراد ونروح. بعد كده كل حاجة هتفهميها.
ركبت منى جنب عماد، وسعاد وحسن قعدوا ورا ومعاهم حياة ومراد. كلهم كانوا ماشيين ورا عربية الإسعاف لحد ما وصلوا الكمبوند.
السيارات وقفت قدام عمارة كبيرة.
نزل عماد من عربيته وهو مستغرب، وراح سأل محمد:
– إحنا جينا هنا ليه؟ مش المفروض على بيتك؟
محمد وضّح بابتسامة:
– دي فكرة مومن… قال لازم كلنا نعيش في عمارة واحدة. كل واحد في دور. كفاية اللي حصل… مش ناقص وجع قلب تاني.
سعاد طلبت بتردد:
– طيب حضرتك… أنا وابني نرجع بيتنا.
محمد بص لها وقال بهدوء:
– كل عفشك وحاجتك اتنقلت هنا يا أم حسن. ومتقلقيش… شقتك هتكون بفلوس شقتك اللي هناك.
هزت راسها بالرفض:
– بس المكان هنا غالي… عمر شقتي ما تجيب نص تمنه.
ابتسم محمد:
– مش زي ما متخيلة… ده كمبوند خاص بالشرطة. مومن كان مقدم على شقة ليه هنا، وبعدها طلب مني أشتري في نفس العمارة. وقدمت الطلب، دفعت الفلوس، وتمت الموافقة.
مد إيده بمجموعة مفاتيح:
– كل واحد ياخد مفتاح شقته. العمارة أربع شقق:
الدور الأرضي للحاجة سعاد وابنها.
الدور الرابع للأستاذ عماد ومراته وبنته.
تنهدت ياسمين من التعب وقالت:
– الرابع!… ده مفيهوش أسانسير.
ضحك محمد وهو يهزر:
– طبعًا فيه… أنا ومراتي هناخد الدور التاني. ومومن وأولاده في التالت، يبقى في وسطنا. الباب الحديد تحت، وكل واحد معاه نسخة. وبعد كده كل واحد يبيع شقته الأصلية ويجيبلي فلوسها. مفهوم؟!
قالها بطريقة فُكاهية خلت الجو يخف شوية.
في اللحظة دي بدأ التمريض يطلع إيمان على كرسي متحرك، وبعدها ياسمين برضه بالكرسي داخل الأسانسير.
ولما كل واحد دخل شقته… لاقى العفش واصل ومترتب كمان.
بص عماد لمحمد بإعجاب:
– امتى لحقت تعمل كل ده؟
محمد ابتسم وقال:
– أنا فوجئت إن مومن مجهز كل حاجة. جاب ناس من الشغل ساعدوه. هو كان شاري الشقق وطلب مني أبعت الفلوس على حسابهم، وده اللي عملته. وكمان طلب من مساعد عندي في المكتب يعلن عن شققنا القديمة للبيع. أول ما ييجي زبون… كل واحد منكم ياخد فلوسه. فاهم يا صاحبي؟
ضحك عماد وقال وهو يربت على كتفه:
– حاضر يا صاحبي.
بعد ما كل واحد استقر في شقته…
مومن طلع موبايله واتصل بزياد.
زياد كان واقف برة أقدم الحمام ، منتظر خروج زينب، والموبايل رن في إيده.
رد بسرعة وهو متحفّظ:
– أنا في مهمة يا مومن.
ضحك مومن من الناحية التانية:
– لسه مع زينب؟ المهم مش هعطلك… أنا بس كنت عايز أشكرك.
سكت لحظة وبص حواليه، وأضاف:
– والله مش عارف أشكرك إزاي… الخدمة اللي عملتها دي كبيرة. لولا وساطتك ماكنّاش خلّصنا ونقلنا بالسرعة دي.
زياد رد بجدية:
– خلينا في المهم… عاوز إيه دلوقتي؟
تنفّس مومن بعمق وقال:
– محتاجك تدور على اسم واحد… اسمه محمود السيد محمد رضا. ضروري جدًا.
في اللحظة دي اتغير صوت زياد، وانصدم:
– إيه؟! بتسأل عن الاسم ده ليه؟
مومن بدأ يحكي باختصار اللي قراه في الورق والصور اللي كانت مخبية رهف في دفتر ، وبعت نسخة لزياد عشان يشوف بنفسه.
زياد كان ماسك الموبايل عينه متسعة من الصدمة… وفي نفس اللحظة خرجت زينب من المحل.
وقف مكانه وهو شايفها، عينه رايحة جاية بينها وبين الموبايل، كأن الدنيا اتلخبطت فجأة بين السر اللي سمعه… والوجه اللي قدامه.
فكر زياد شوية، وبعدها قال لمومن بصوت هادي لكنه حاسم:
– ممكن خدمة يا صاحبي؟
ابتسم مومن وهو بيرد بحميمية:
– إنت تأمر يا زياد… مش كفاية إنك ساعدتني وقدرت أنقل في يوم واحد؟ دي كانت فكرة في دماغي مجرد حلم… إنت خليته حقيقة.
ابتسم زياد بخفة:
– أحلامك مجابة يا صاحبي… بس دلوقتي محتاج أجيب زينب عندكم.
اتسعت عيون مومن باستغراب:
– إيه؟! مش كده هتبوّظ الخطة؟
هز زياد راسه نافي:
– بالعكس… وجودها معاكم أمان. ومتخافش، أنا هتصرف. أنا أصلاً كنت عامل حسابي، لكن كنت هاسكنها مع بنت شغالة معايا. بس بعد ما ظهر "الزفت" ده… بوّظ كل خططي.
شد مومن نفسه وسأله باهتمام:
– مين "الزفت" اللي ظهر؟ فاهمني طيب.
تنهد زياد وقال بجدية:
– أجيلك وأحكيلك كل حاجة… وبالمرة أفهم القصة اللي إنت حكيتها. كمان أروح معاك عند العقربية… عمة رهف. واضح إنها عندها أسرار كتير… والخيوط كلها متشبكة عندها.
غسلت زينب وشها وهي بتترعش، ومسحت الكحل السايح وظبطت مكياجها بسرعة. بعد كده خلعت هدومها ولبست فستان حرير باللون الأحمر القاني، ضيق من عند الخصر وواسع من تحت لحد الركبة، بسيط وأنيق، وكتافه مكشوفة بشكل يخطف الأنظار. فوقيه لبست بوليرو أسود قصير من الدانتيل الناعم، مغطي كتافها ورقبتها بحركة رقيقة.
أول ما فتحت الباب، زياد اتصدم وهو بيشوفها، حس قلبه هيطلع من مكانه.
زياد بدهشة: إيه ده!.. مش هو الفستان اللي أنا اشتريته ليكي؟
شهقت زينب وهي حاسة الدم بيتسحب من وشها: نعم؟!
رواية عشقت فتاة المصنع الفصل الرابع عشر 14 - بقلم صفاء حسني
اتصدم زياد لما شاف الفستان. طلب منها تسكت وانسحب من المكان خالص.
خرجت زينب من البروفة وهي مش فاهمة حاجة. حاسة إنها تايهة ومش عارفة إيه اللي بيحصل حواليها.
زياد بدأ يتكلم في ودنها:
"الفستان فيه جهاز مراقبة."
عشان كده أنا خرجت.
زينب اتصدمت وهي بتبص على الفستان. الخوف بدأ يتسلل لقلبها.
صوت زياد كان حاد، مليان أوامر وغضب مكتوم:
"بقولك متتكلميش، وماتوضحيش حاجة لحد. اسمعي بس… هتروحي تقولي للواد ده إنك تعبانة ومحتاجة ترتاحي، وماتعرفيش حد هنا ممكن يوديكي فندق رخيص. وإحنا هنبقى متابعينك… تمام؟"
زينب حسّت إن النار مولعة جواها. شدت نفسها بالعافية ورددت بخفوت:
"تمام."
مشت زي ما قال لها، لكن جوّا عقلها عاصفة.
وقفها زياد بصوت حاسم من السماعة الصغيرة:
"إستنى الأول هتروحي المحل… وتسألي البنت. إزاي تم تبديل الفستان؟"
دخلت المحل، وعينيها بتدور بقلق. شافت بنت واقفة عند الكاونتر بابتسامة هادية. اقتربت زينب وقالت مرتبكة:
"حضرتك… أنا كنت مشتري فستان غير ده."
ابتسمت البنت ابتسامة طبيعية جدًا:
"جيه واحد وطلب نغيره… عشان تكون مفاجأة ليكي."
شهقت زينب بخفة، وقالت بابتسامة مجاملة:
"أكيد… الشاب اللي معايا. شكراً."
خرجت من المحل وهي تايهة ومش فاهمة حاجة، خطواتها مترددة، وقلبها بيرتعش من الريبة.
جالها صوت زياد من السماعة، صوته فيه نبرة رضا ممزوجة بالتحكم:
"كده تمام… هما فهموا إنك فاكرة عصام هو اللي بدل الفستان. وكمان اتأكدوا إنهم مش متابعينك دلوقتي."
بعدها بلحظات ظهر عصام، عينه وقعت عليها، وصوته مليان انبهار حقيقي:
"إنتي نزلت ليه؟… وإيه الجمال ده؟ ذوقك حلو… بس أهوه جايبها غالي."
اتنهدت زينب بخنقة، وهي ترددت قبل ما تقول:
"إنت… اللي بدلته أنا لما لقيته أتغير نزلت سالتهم وقالوا إن في شاب طلب يتبدل."
اتصدم عصام:
"بدلت الفستان إزاي؟ مش فاهم."
عصام حس بخوف. بدأ يحس إن فيه حاجة غلط.
"يبقى كده جاسر كان بيراقبني وعمل الحركة دي عشان يوصل لي رسالة."
وفعلًا وصلت رسالة لعصام:
"مش عيب يا أبن الباشا تاخدها مني؟ طب كنت قولت!"
عصام اتصدم وبغضب قفل التلفون وقالها:
"لازم نمشي من هنا."
زينب خافت:
"قولي فيه إيه؟"
عصام مرديش يتكلم وخرج من المول وركب هو وهي العربية. وفي وسط الزحمة، ساب العربية وطلب منها تنزل.
وفعلًا نزلت، وهي طبعا ما اتكلمتش عشان عارفة إن فيه جهاز متابعة. نزلوا واتسحبوا في وسط الزحمة وركبوا تاكسي فاضي كان زياد مجهزه ليهم.
التاكسي مشي وزينب كتبت لعصام على الموبايل:
"ممكن يكون فيه جهاز في الفستان."
رد عليها بالكتابة:
"احتمال كبير."
وكتب على موبايله وورى للسواق يقف قدام محل هدوم بنات على طول. السواق سمع الكلام.
زياد ابتسم، أن عصام ماشي معاهم في الخطة.
زينب نزلت واختارت فستان لبسته وسابت التاني في المحل.
خرجت زينب وهي بتتنفس وقالت:
"إيه اللي بيحصل ده؟"
مومن كان ماشي بخطوات تقيلة، قلبه مليان حزن ووجع، وهو داخل أوضة إيمان. عينه أول ما وقعت عليها وهي نايمة على السرير، شاحبة شوية، حس بخوف يجري في عروقه.
قرب منها وقال بصوت واطي وقلق باين فيه:
"أخبارك إيه… والتوأم عاملين إيه؟"
إيمان رفعت عينيها له، شافت الحزن متكسر في ملامحه. ابتسمت ابتسامة ضعيفة، بس جواها كانت حاسة بوجعه. مدّت إيدها له وقالت بهدوء:
"تعال يا مومن… إنت تعبت بالك يومين. تعال جنبي."
مومن ما قدرش يقاوم. بدأ يخلع هدوم الخروج بهدوء.
"طلع نام جنبها. ، اللي الشوق كان مالي قلبه ، طلبت منه: "ممكن تنام في حضني؟". كان الأول خايف يتعبها. سألها بقلق: "أخدتي الدوا؟".
ابتسمت إيمان ابتسامة رقيقة طمنت قلبه، وقالت:
"أخدت الدوا، متخافش. أنا أصلاً طلبتك جنبي عشان أستغلك قبل ما تهرب وتروح أوضة تانية".
مؤمن ابتسم على كلامها وضحك وقال:
"استغلال مرة واحدة؟ لا أنا أهرب بقى".
مسكت إيده بحنان، وقالت بتصميم:
"مش ينفع تهرب، أنت دخلت القفص خلاص، تعالى".
قرب منها ونام على رجلها وهو بيتألم. بدأ يتكلم بصوت موجوع:
"أنا ليا أخت توأم يا إيمان، تصدقي؟ كنت على طول عايش من غير روح، كنت حاسس إن ناقصني حاجة، بس مكنتش فاهم إيه هي. النهاردة كل الذكريات بترجع تروادني، والإحساس اللي كان بيلحقني وكان جزء مني مش موجود... وكنت مستغرب الإحساس ده، لكن النهاردة عرفت سببه".
وحسيت إن الجزء اللي كان ناقص ده ممكن يكون ليه علاقة باللي حصل.
نظر لها، عيناه بتلمع وبيضاها مسرح لألم وحزم مع بعض:
"يمكن اللي فقدته زمان كان وراه سبب أكبر… مش بس فقد، ده سر متورط في ناس مش طبيعيين. وأنا لما بصيت في العيون وسمعت الكلام — حسّيت إن لازم أعرف الحقيقة، علشان خاطر أولادي، علشان خاطر روحك، علشان خاطر أي طفل اتسرق من أهله."
ابتسمت إيمان بابتسامة ضعيفة من التعب، ماسكة إيده بقوة أكتر من أي كلمة:
"إحنا سوا يا مومن. إنت مش لوحدك في ده. أنا طلعت من العملية وبطني لسه مفتوحة لكن قلبي معاك، ومع أولادنا. لو هتدور، هتدور وأنا جنبك."
مومن تنهد، وخد نفس عميق:
"هبدأ خطوة بخطوة. هننظم الموضوع، هنأمن الأولاد، بعدين نرجع نفتح الملفات. مش هسيب حاجة معلّقة."
حط راسه بلطف على رجليها، وعيونه بتقفل شويه من التعب ومن الألم اللي اتحول لعزم:
"نامي دلوقتي. خليكي مرتاحة. أنا هادور، وهخلي عينى على الدنيا دي كلها."
إيمان مدت إيدها حوالين رقبته، مسكت خده، همست وهي تقفل عينيها:
"وأنت تفضل جنبي… متتحررش مني."
ضحك مومن بصوت خفيف، دموع صغيرة على خده من مزيج الحزن والأمل:
"دايمًا جنبي. وعد."
تدريجيًا نامت إيمان، ومومن فضل صاحي شوية، يتأمل ملامحها، ويهمس خطط صغيرة في قلبه قبل ما يغمض هو كمان.
عند زينب.
عصام اتنهد وقال:
"الزفت جاسر كان بيراقب حد، وكان متوقع إني ممكن أوصل لك وبعت لي رسالة كلها كلام وسخ، وهو اللي اشترى الفستان الواطي، بيقول لما تخلص مهمتك معاها رجعها لي، وأنا يا عم وجبت معايا وجبت لها فستان سواريه، وكمان حجزت لكم في مكان يجنن، كنت عايز أكون أول واحد، بس أنا وأنت واحد."
زينب اتصدمت وشَهقت وزعقت:
"والله كنت حاسة إنك شغال معاهم!"
عصام شرح لها:
"أقسم بالله ما ليش دعوة، هو شغال في الفندق اللي كنتِ فيه، وما كنتش أعرف إنه بيشتغل شغل من ده".
وفعلًا زياد أمرها في ودنها:
"سيبي الواد ده بسرعة واعملي اللي اتفقنا عليه، وكفاية كلام فاضي."
زينب بلعت ريقها وهي بتطلب:
"ممكن تسيبني يا عصام؟ أنا متلخبطة ومش فاهمة حاجة وخايفة، والدنيا ليل وعايزة أرتاح وأنام، شوف لي أي فندق في أي حتة يكون رخيص ممكن؟"
عصام هز راسه وقال:
"حاضر يا زينب."
وفعلًا ركبوا تاكسي ووداها فندق صغير في وسط البلد وقالها:
"ارتاحي دلوقتي وبكرة هاجي لك."
وبعد ما حجز الفندق ومشي عصام وركب تاكسي، خرجت زي ما زياد قالها، وعملت شوية "دوشة" مع السكرتيرة عشان ما ياخدوش بالهم، وخرجت زينب ودخلت بنت مكانها طلعت نامت مكانها.
زينب اتنهدت بضيقة ودموع وقالت:
"ممكن تعفوني من المهمة دي؟" الدموع بتنزل على وشها، حاسة إنها مش قادرة تستحمل أكتر من كده.
زينب استغلت الفرصة وزعقت فيه:
"ابعد عني يا عصام، أرجوك، أنت واحد مسلطينه عليا عشان تدمر لي حياتي، حكيت لي فيلم من شوية عشان أنهـار وتقدر تستفرد بيا، وبعد كده جاي تعمل نفسك الضحية؟ أنا ما أعرفكش عشان أثق فيك، ولو بتتكلم عن زمان... زمان كنا عيال، دلوقتي كبرنا وكل واحد راح في طريق وعاش حياة مختلفة، ولو على المصنع أنا مستقيلة."
وسابته ومشيت. ما بقتش واثقة في حد، حاسة إن كله بيحاول يستغلها.
عصام جري وراها ووقفها:
"أنتِ ليه مش مصدقاني؟ أنا اشتريت المصنع ده مخصوص عشان أنتِ شغالة فيه، كنت بدور عليكي زي المجنون."
زينب زعقت فيه وهي بتزقه بعيد عنها بعد ما مد إيده عليها وقالت:
"إيدك ما تتمدش عليا تاني، فاهم؟ وبتدور عليا ليه؟ أنت اللي اخترت تتسجن مكاني وأنا ما طلبتش منك تساعدني، صح؟ جاي دلوقتي تاخد تمن سجنك مني وتعمل الفيلم ده؟"
عصام زعق فيها:
"يا بنتي فوقي! أنا بعشقك، أنا بحبك من وإحنا صغيرين، وعشان كده اتسجنت بدالك، وجيت لك عشان أساعدك ندور على أهلك وأكون معاكي، أروح أرميكِ في الزبالة والقرف؟ أقسم بالله بحبك، بحلم باليوم اللي أشوفك فيه، كنت برسم لحظة اللقا، بس ما تخيلتش إنها هتبقى بالبشاعة دي وأبقى في نظرك متهم".
وفعلًا زياد أمرها في ودنها:
"سيبي الواد ده بسرعة واعملي اللي اتفقنا عليه، وكفاية كلام فاضي."
زينب بلعت ريقها وهي بتطلب:
"ممكن تسيبني يا عصام؟ أنا متلخبطة ومش فاهمة حاجة وخايفة، والدنيا ليل وعايزة أرتاح وأنام، شوف لي أي فندق في أي حتة يكون رخيص ممكن؟"
عصام هز راسه وقال:
"حاضر يا زينب."
وفعلًا ركبوا تاكسي ووداها فندق صغير في وسط البلد وقالها:
"ارتاحي دلوقتي وبكرة هاجي لك."
وبعد ما حجز الفندق ومشي عصام وركب تاكسي،
زياد بعد ناس تحجز وتسأل كتير عشان من الزحمة ميشوفش مين اللي طالع ومين اللي نازل صاحب الفندق.
دخلت زينب الأوضة الصغيرة في الفندق، قعدت على السرير. الكشاف الخافت المعلق في السقف كان بيطالع ملامح وشها المتعب. إيدها كانت ماسكة الموبايل من غير ما تاخد بالها، والأنفاس طالعة من صدرها متقطعة.
فتح زياد الباب بهدوء، ودخل بخطوات واثقة. قعد جنبها، وبصّ لها نظرة كلها جدية.
قالت بصوت مبحوح وهي بتحاول تستجمع نفسها:
"ممكن أفهم إيه اللي حصل؟"
شدّ زياد نفسه، وبصّ قدام كأنه بيرتب الأفكار قبل ما ينطق:
"دلوقتي… أنا ملحقتش أجيبلك الفستان."
اتسعت عينيها بدهشة، قلبها وقع:
"طيب… إيه اللي كان معايا واتبدل؟"
مد زياد إيده وطلع فيديو على موبايله. ظهر فيه زينب وهي ماشية، ووراها بنت غريبة، وشها مش واضح.
قال بهدوء مرّ:
"جاسر… هو اللي أخد المحافظة. كان عايز يقطع أي طريقة تعرفي بيها تتصرفي أو تروحي مكان."
اتجمدت زينب في مكانها، عينها معلقة على الشاشة، إحساس بالغدر والقلق بيخبط جواها.
أكمل زياد وهو صوته غليظ، فيه غيظ مكتوم:
"وقت ما بطاقتك وقعت، كنت عارف… إن مدام عصام هي اللي أنقذتك. يبقى أكيد هيبقوا متابعين عصام ويشكوا إنه ساعدك تهربي. وده… كان المنقذ لينا. وفعلاً تابعوا عصام."
حاول يقرب منها عشان يطمنها، لكن إيده ارتجفت وهو بيتكلم:
"وقت ما كنتي هتقعي… عصام وصل. واللي كانوا متابعينكم واحد واحد وراكم. لحد ما اكتشفتي إن البطاقة مش موجودة. ساعتها جاسر بعت بنت… بالفستان وبالمحفظة."
مدت زينب إيدها بخوف وفتحت المحافظة، وفعلاً لقت جواها فلوس كتيرة ورسالة مطوية. فتحتها، ولقت بخط إيده:
"ده فلوسك يا جميل… بتاعت شغلك. كنت عايز أسلمها ليك بنفسي ومعاهم لحظات رومانسية… لكن عصام قطعهم. وده فستان تعويض عن هدومك اللي اتقطعت."
صوتها اتكسر وهي بتهمس:
"يا نهار أبيض…"
كمل زياد بسرعة وهو بيبص جوا عينيها:
"أنا كنت عارف إن في ميكروفون في الفستان. فكرت أبدله… بس لو عملت كده، كانوا هيكشفونا. كان لازم عصام هو اللي يساعدك. وده اللي حصل."
قعدت زينب للحظة صامتة، عقلها بيصارع بين التصديق والصدمة. بصّت له باستغراب:
"بس… إنت كنت مصدوم وقت ما شفت الفستان، وقلت إنه اتبدل!"
ابتسم زياد ابتسامة خفيفة، بس عينه فضحت إنه لسه متوتر:
"كان لازم أعمل كده… عشان تقولي اللي قولتيه لعصام."
رفعت حاجبها بدهشة:
"طب في نقطة مهمة… أنا اتقبلت الهدوم عشان إنت طلبت مني. مش كده؟ جاسر مش هيشك؟"
ضحك زياد ضحكة قصيرة بس متوترة:
"ما أنا كنت عايز أوصل إن كانوا حاضنك تحت المراقبة، أو عصام. عملت حسابي. وقفت بنت في أول محل في المول. طبيعي أي حد يدخل، يدخل عليها. ولما واحد من رجالته دخل وقال للبنت إنك نسيتي البطاقة… وكمان الفستان… البنت مشت مع خطتي. وجات وادتهملك."
سكت زياد لحظة، عينه لامست عينها، وقال بصوت أهدى:
"كل خطوة محسوبة… بس إنتي لازم تصدقيني دلوقتي."
"كلمتك قبل كده: سيبي الود ده وسوي اللي اتفقتِ عليه. لكن واضح إن الموضوع أثر فيكي أكتر ما توقعت."
بلعت ريقها وبصوت متقطع:
"ممكن… ممكن تعيفني من المهمة دي؟ أنا تعبانه، يا باشا مش قادرة أتابع. خايفة أوقع حد أو أوقع نفسي."
رواية عشقت فتاة المصنع الفصل الخامس عشر 15 - بقلم صفاء حسني
وقف زياد قصاد زينب، نظرته كلها حزم وخوف، صوته فيه جدية ما بتقبلش جدال:
— قبل ما تطلبي تسيبي المهمة ولا لا، لازم تيجي معايا دلوقتي. أوديك مكان آمن عند ناس أعرفهم.
اتجمّدت زينب للحظة، قلبها بيخبط، بلعت ريقها وقالت بخوف:
— طيب… لو عصام حاول ييجي أو اتصل بيا؟
تنهد زياد بعتاب واضح، عينه بتلمع غيظ:
— إنتي مركزة مع عصام ليه؟! شغلك مش مع عصام على فكرة. آه ممكن يكون دخل في الخط، بس مهمتك حاجة تانية خالص… مهمتك إنك تكشفي الناس اللي بيشغلوا البنات في الدعارة. شغلك يبدأ مع مدام نهال، اللي طلبت منك تيجي. وكويس إنك قولت لعصام إنك استقلتي من المصنع، كده عندك مبرر تكوني قريبة من نهال وتكسبي ثقتها… ولما تبقي دراعها اليمين، نفهم هي شغالة تابع مين.
زينب سابت نفس طويل، وعينيها مليانة قلق:
— طيب… موضوع إني ليا أهل تاني؟ أعمل فيه إيه؟
ضحك زياد بسخرية وهو بيهز راسه:
— يا بنتي أنا ظابط كبير، مش أي كلام يعني. هعرف أجيبلك قرار بالموضوع ده. يلا…
وصاحب الفندق ملخوم بالزباين اللي دخلوا.
زينب رفعت حواجبها مستغربة، لمعت عينيها بعلامة استفهام:
— الناس دي… تابعك صح؟
زياد ابتسم ابتسامة فيها لا مبالاة مصطنعة، وضحك بسخرية:
— مش عارف الصراحة… المهم دلوقتي تقفلي أوضتك بالمفتاح، وتطلعي معايا من الباب الخلفي. ولو عصام سأل عنك، هتكوني دخلتي من نفس الباب تاني.
هزت راسها بالموافقة، قلبها بيتدق بسرعة. أخدها زياد وركبوا العربية. بعد وقت قصير، وصلوا قدام كمبوند قديم، وزياد اتصل بمومن.
في نفس الوقت، مومن كان نايم من التعب جنب إيمان. هو حاطط راسه على حجرها، وهي رغم الألم والتعب حسّت بدفا غريب يخليها ماتصحّهوش. التوأم صحوا، وهي عملت حركة ذكية بالحبل المربوط في السريرين؛ أول ما تهز الحبل، السريرين يهتزوا مع بعض، فيسكتوا الأطفال ويناموا.
صحى مومن على صوت تليفونه بيرن، رفع راسه فجأة وعيونه حمرا، اتفاجئ إنه نام على رجلها طول الوقت ده. بص لها بعتاب:
— ليه سبتيني أنام على رجلك كل ده؟ أكيد اتخدّلتي.
ابتسمت إيمان رغم التعب وقالت بمراوغة عشان تهون عليه:
— حلوة فكرة الحبل ده، صح؟ كنت عايزة أدبسك تشيلهم لما يعيطوا… بس أنت طلعت عامل حسابك.
ضحك مومن وهو بيعدل نفسه، عينيه مليانة حنية:
— عيب عليكي، أنا أفهمها وهي طايرة. وبعدين الصراحة مش عايز نفترق… أنا في مكان وإنتي في مكان. البُعد بيعمل جفاء مع الوقت. وكده كده شغلي بيخليني أسهر، فتبقي معاكي أمي أو… الأمهات بتوعك يا بنت المحظوظة.
ضحكت إيمان من قلبها رغم الألم:
— آه والله محظوظة. بس إنت نسيت عندك ٣ أمهات. وفكرة العمارة دي تجنن… نوزع الأولاد في الشقق وأنا أستفرد بيك وقت ما أحب.
ضحك مومن وهو بينظر لها بهيام:
— يبوي على التشويق في عز التعب. أنا عارف هتلعبِ بيا الفترة دي… ولازم أكتم جوّا.
رن تليفونه تاني، المرة دي انتبه:
— يا خبر… نسيت معادي مع زياد. أرد وأروحله، وأرجعلك نكمّل اللعب على المكشوف.
ضحكت إيمان بخفة:
— انسى… إنت هتصوم شهر كامل يا جميل. خلال الشهر ده اللعب هيبقى بالألفاظ وبس.
ضحك مومن بصوت واطي، وهو يحاول يخفف التوتر اللي حاسس بيه:
— ده البنج لسه مأثر فيكي، صح؟ حاسس إني الصبح هشوف الشويش إيمان أُقدّمي.
كشرت إيمان وهي بتضربه بخفة على كتفه:
— شويش إيه يا راجل؟! أغص عليك. بذمتك شايفني راجل؟… يشهد عليك التوأم دول. يعني جبتهم من السوق؟!
ضحك مومن بحرارة وهو يبص لها بحب:
— في الزمن ده… كل حاجة بقت مش غريبة.
رنّ تليفون مومن للمرة التالتة، وزياد على الناحية التانية كان بينفخ بغيظ، صوته مبحوح من العصبية:
= هو إنت نايم ولا ميت؟!
رد مومن وهو بيحاول يخفّي تعبه بابتسامة باهتة:
معلش يا زياد… كنت نايم.
زياد زفر بصوت عالي، صوته مليان ضيق:
= نايم؟! يعني أنا سايب شغلي وجاي أجري وراك، والبيه مستريح!
ضحك مومن بسخرية وهو يعدل جلسته:
ما إنت هتسيب شغلك عندي وتنام، فيها إيه لو ارتاحت شوية؟
عين زياد ضاقت، صوته بقى فيه وعيد واضح:
= ملحوق يا مومن… ماشي. يلا قوم وتعال خد البت اللي معايا، عشان ألحق أنام أنا كمان قبل ما نروح زيارة للزفت اللي في السجن.
سكت مومن لحظة، قلبه اتقبض لما افتكر الشخص اللي هرب منه زمان، الشخص اللي ممكن يكون مجرد ذكر اسمه كفيل يوقّف الدم في عروقه.
بص لمراته نايمة جنبه وابتلع خوفه:
خايف… خايف يقتلوها قبل ما نوصل ليها.
زياد صوته جِدي، لكن عينه فيها لمعة قلق:
= متقلقش، أنا مأمّنها. طلبت لها حراسة مشددة، وسجن انفرادي. حتى الأكل والشرب منعنهم إلا بعد ما يتفتشوا كويس… أنا مش ضامن إيديهم واصلة لحد فين.
قرب من الحيطة، صوته بقى أخفض كأنه بيتكلم مع نفسه:
= متنساش… دول حكموا البلد سنين، وليهم عيون في كل ركن. مهما وقعوا، لسه في شياطين بيلعبوا في الضلمة.
مومن شد على التليفون بإيده، وعقله رجع للوراء، لصورة "أبو إيمان المزيف" اللي عاش سنين باسم "عماد" وما حدش شك فيه. حس إن ظهره بيتقشعر.
ساعتها بس فهم معنى جملة زياد: "مدرب كويس… يعرف يستخبى في النور قبل الضلمة."
زياد بص لموبايله وهو بيكلم مومن بعصبية:
= المهم دلوقتي انزل خد معاك الأمانة عندك.
رد مومن بهدوء وهو بيحاول يخفّي ابتسامته:
حاضر… اديني دقيقة.
مومن لبس هدومه بسرعة، وهو بيربط زراير القميص وإيده بتترعش شوية من الاستعجال.
في نفس الوقت، زينب كانت واقفة قدام زياد، وشها بيحمر من الغضب وظهرها للباب:
قلتلك ألف مرة، هتقولي "بت" هقولك "جريتي"… متفتكرش إن حضرتك ظابط وكبير يبقى برحتك تهزق فيّ.
زياد نفخ بغضب، صوته بدأ يطلع من تحت لتحت:
= أنا على آخري ومطبق باليومين عشان ساعتك ومشبر ومش شايف قدامي… فتلمي كده.
فتح باب العمارة مومن وهو سامع الحوار وضحك:
تعالي يا بنتي، ليرتكب جريمة وهو مشبر كده!
زينب لفت بسرعة وهي بتضحك رغم عصبيتها:
آه والله مش بعيد… مش كفاية مشغلني معاه بالعافية وكمان عامل يعطني أوامر من الصبح. أقسم بالله أنا زهقت وعايزة أروح.
أول ما شافها مومن، حس كأنه يعرفها من زمان، كأنهم بيكملوا بعض.
ضحك وقال لها:
لو قولتي له كده مش هتشوفي نجوم الظهر، أنا عارفه.
زياد بص لهم بعصبية، صوته اتشد أكتر:
= هو أنتم هتغنوا وتردوا على بعض وتتسلوا عليّ؟ طيب إنسوا المشوار، أنا أجلته لبكرة.
مومن تنهد كأنه فاق على نفسه فجأة، عينه فيها قلق:
لأ… لازم النهارده عشان محدش يسبقني ويقتلها.
زينب فجأة اتسمرت في مكانها، قلبها دق بسرعة:
هو فيها قتل؟! هو أنتم عصابة؟
مومن قرب من زياد وبص لزينب وقال بهدوء:
متخافيش… الموضوع ميخصكيش.
(بعدين لزياد)
المهم… انت أجلت ليه المشوار؟
زياد ابتسم ابتسامة فيها سخرية وهو شايف مومن متردد:
= فين الجامدان اللي كنت بتتكلم بيه من شوية؟ في لحظة نخيت.
مومن نظر له بتحدي:
لا يا حبيبي، أنا ممكن أروح من غيرك. انت اللي أخرتنا، وقلت استنى لما أعمل تحريات وأكون جاهز.
زياد ابتسم وطمنه:
= متخافش، هي تحت الرقابة في سجن انفرادي من غير أكل أو شرب، عشان محدش يفكر يسممها.
زينب كانت واقفة مرعوبة من كلامهم، وشها شاحب، وقلبها بيضرب بعنف.
مومن لاحظ ده وبص لها:
إنتِ بخير؟
زينب هزت راسها وهي بتبلع ريقها:
لحد دلوقتي آه… لكن بعد شوية مش عارفة مصيري هيكون إيه.
زياد ضحك بسخرية:
= طلعت بتخافي أهوه! طيب نفشتي ريشك عليّ ليه؟
زينب نظرت له بحدة، صوتها مرتعش:
إياك تقولها… واقسم بالله ما يفرق معايا حتى لو موتّني.
مومن حس بخوف عليها وقال بهدوء:
بعد الشر عليكي.
(وبعدين لزياد)
روح انت دلوقتي وبكرة نتكلم، عشان وانت مشبر بتضيّع كل حاجة.
زياد ضحك وهو ماشي:
= واضح كده… تصبحي على خير يا بت.
وركب العربية وسابهم.
زينب نفخت بغضب وهي بتبص لمومن:
شايف عمايل صاحبك الجريتي ده؟
مومن ضحك وقال:
بصي، أنا هطلعك عند مراتي عشان لو دخلت بيك دلوقتي عند أمي وأبويا يشكوا إني اتجوزت على مراتي.
زينب ضحكت بسخرية:
يعني خايف توقع قلب أهلك… بس المسكينة عادي.
مومن ضحك وهو بيحاول يخفّي توتره:
هي دلوقتي تحت تأثير البنج عشان ولدت قيصري… وشايف ده أنسب وقت أعمل فيها مقلب.
حركت إيده بطريقة عفوية، وفي نفس اللحظة مومن عملها بطريقته وخبط كفه في كفه وهو بيضحك.
زينب استحت وبصت للأرض:
آسفة جدًا أصلًا…
زينب كانت لسه مكسوفة بعد ما خبطت كفها في كف مومن، رفعت عينيها وقالت بخجل:
أصلًا أنا متعود أعمل الحركة دي… عفواً بتطلع مني من غير ما أخد بالي، وأصحابي كانوا بيستغربوا.
ضحك مومن بصوت واطي وهو ماسك نفسه:
مش إنتِ لوحدك… أنا كمان دايمًا بعملها، بس أنا واخدها وراثة من السيد القاضي محمد… علامة مميزة عنده.
زينب استغربت، عينيها وسعت شوية:
مين سيد محمد القاضي ده؟
مومن ضحك بجد المرة دي، وصوته فيه مزاح وهو سايق:
سيد محمد القاضي ده طيب… إوعي يسمعك، يعلّقك.
(وقف لحظة، وبعدين كمل)
أنا هاخدك عند زوجتي عشان لو دخلت بيكي عليه من غير ما يعرف يفتكر إني اتجوزت للمرة التالتة ويقع فيها.
شهقت زينب بصدمة، حطت إيدها على خدها:
انت متجوز اتنين؟!
مومن ضحك بهستيرية، دموعه نزلت من الضحك:
يا بنتي حرام عليكي… أنا أموت من الضحك وأنا مش فاهم الحالة اللي أنا فيها دي… قلبت معايا ضحك.
(حط إيده على صدره وهو بيضحك)
واضح تأثير البنج بتاع مراتي أثر عليا.
زينب ابتسمت بخفة دم وهي لسه مستغربة:
وانت خايف توقع قلب القاضي… وعادي لما تصدم مراتك؟
مومن ضحك وهو بيهز دماغه:
ما هي تحت تأثير البنج والولادة… فالمقلب مينفعش غير دلوقتي، عشان أطلع كل اللي جواها. هي كتومة وبتشيل جواها كتير.
(بص قدامه للحظة، صوته بقى أهدى)
جوازنا وارتباطنا ليه ظروف… وحصلت حاجات كتير قبلها.
زينب بصلّه وهي أول مرة تحس إنه مش بس بيهزر… ورا الضحكة في حكايات تقيلة.
طلع مومن بسرعة على السلم، افتكر إن سايب إيمان لوحدها، عينه فيها لهفة وخوف على إيمان والأطفال. فتح الباب بإيده وهو بيقول بهدوء مضغوط:
– يلا يا زينب تعالى معايا.
دخلوا الشقة، والأنين الهادي لإيمان كان سابقهم. كانت قاعدة على السرير بتحاول تقوم، رجلها بتوجعها ومش قادرة، والأطفال على صرخة واحدة بيعيطوا. دموعها منزلة على خدها وهي بتحاول تمسك نفسها.
مومن أول ما شاف المنظر قلبه وقع، جري عليها وهو بيقول بلهفة:
– مالك يا قلبي؟! بتعيطي ليه؟
زينب لقت نفسها تتحرك من غير ما تفكر، قربت منها وساعدتها، نولتها الطفلة الصغيرة بإيديها المرتعشة وهي بتقول بهدوء:
– بسم الله ما شاء الله… ربنا يحفظهم. أولادك صح؟
هزّ مومن رأسه وهو بيبص على الأطفال بحنان وقلق مع بعض:
– آه… أولادي.
إيمان كانت بتحاول تمسح دموعها بإيدها التانية، صوتها مخنوق:
– مفيش… الأطفال عيطوا، وحاولت أعدل نفسي عشان أجيبهم لكن رجلي وجعتني ومعرفتش أقوم.
رفعت عينيها لزينب لأول مرة، ملامحها فيها استغراب وقلق:
– مين دي؟
مومن كتم الضحكة اللي عايزة تطلع منه، حاول يخلي صوته طبيعي وهو بيقول:
– جبتلك واحدة تساعدك.
إيمان كانت لسه مش مستوعبة، قلبها بيدق بسرعة، نظرت ليه وليها، وبصوت فيه رعشة قالت:
– واحدة تساعدني إزاي؟
(اتسعت عينيها فجأة وشهقت وهي بتحط إيدها على صدرها)
– إوعي تكون اتجوزت عليّا يا مومن… والله كنت حاسة إنك هتعملها.
مومن اتفاجئ من كلامها، وقف مكانه نص ثانية مش عارف يضحك ولا يرد، أما زينب فبصّت لتحت، حست إنها وقعت في وسط موقف ملغوم، ووشها سخن من الإحراج.
في العربية، كان زياد ماسك الموبايل وصوته كله جدية:
= وصلت ليك العينة؟
جاله صوت الراجل من الطرف التاني:
أيوة، وصلت.
زياد شد نَفَسه وقال بأمر حاسم:
= عايزك تعملي تحليل "دي إن إيه" بين العينة دي وعينات عيلة القاضي محمد، اللي عندك محفوظة… لسه عندك صح؟
الراجل رد بثقة:
طبعًا، محتفظ بيها من وقت ما شكينا إن في تسمم، وإنت ساعتها طلبت مني أخد عينات وأخليها في مكان مضمون لحد ما تجيبلي حاجة تانية.
ضحكة صغيرة ارتسمت على وش زياد وقال بهدوء:
= تمام… عايز النتيجة في أسرع وقت، وتكون بسرية تامة.
قفل الموبايل، قعد ساكت لحظة وهو يبص قدامه بعينين مليانين قلق وأمل، وبصوت واطي قال:
= يارب… يارب تكون هي يا مومن… وتكون أختك اللي بدوّر عليها… يارب أكون اتصرفت صح.
رواية عشقت فتاة المصنع الفصل السادس عشر 16 - بقلم صفاء حسني
مدّت زينب إيديها للطفلين وسلّمتهم لإيمان علشان تهديها، وعيونها كلها طيبة وهدوء:
– "حضرتك متخافيش مني، أنا لا خاطفة أطفال، ولا ليّا علاقة باللي حصل. ولادك هنا، جنبك. وعشان تطمني أكتر، كل خطوة ليا محسوبة ومتسجّلة فيديو وصوت."
إيمان اتجمدت مكانها، نظرتها بين خوف وصدمة:
– "متسجّل؟! ازاي؟!"
زينب بهدوء:
– "أيوه حضرتك، كل حاجة متسجلة... بس مش تجسس ولا كده، ده لأننا في مهمة، وزياد ركبلي جهاز في إيدي... قاللي إنه يقدر يحميني بيه، وقال كمان إن الموضوع أكبر مننا، وأنا صدقته، لأن دي كانت الحقيقة الوحيدة اللي فهمتها."
إيمان خدت الطفلين في حضنها بقوة، كأنها بتحاول ترجع ليهم الأمان اللي ضاع.
عينيها لسه فيها شك، لكن في نفس الوقت، لمحة ارتياح خفيفة لمحتها زينب.
إيمان بخفوت:
– "أنا مش فاهمة حاجة... بس حاسة إن في حاجة كبيرة ورا كل ده."
مؤمن حط إيده على كتفها بحنان وصوت مطمن:
– "وأنا كمان زيك، بس لازم أفهم كل حاجة من زياد... دلوقتي المهم تهدي."
زينب بصتلها بابتسامة فيها صدق وهدوء:
– "صدقيني، أنا مكنتش أعرف سبب وجودي هنا، بس أتوقع إن وجودي كان حماية ليكم وليا."
خرج مؤمن بخطوات سريعة، والغضب باين على وشه، واتصل بزياد:
– "اقفل الكاميرات فورًا! أنت بتهزر ولا إيه؟ جايبها عندي ليه مدام حاطط عليها جهاز تتبع؟ ولا أنا كمان بقيت تحت مراقبة المخابرات؟ ولا تكونوا شاكين في إيمان؟!"
زياد ضحك ضحكة قصيرة، ودخل بصوته الرزين اللي مفيهوش مجاملات:
– "اسمع يا مؤمن... إحنا كلنا تحت المراقبة، بس الموضوع بعيد خالص عن اللي في بالك. إحنا ركبنا الجهاز في إيد زينب علشان نتابع كل حاجة حواليها... لكن حصلت مستجدات، وكان لازم أبعتها عندك. بس بصراحة، متصورتش إنك تعمل مقلب في مراتك بالشكل ده! أنا كنت فاكرها هتقعد عند أهلك، إنت اللي جبتها عندك بنفسك!"
مؤمن اتنفس بحدة، بس سكت.
زياد كمل بنبرة أكثر هدوء:
– "وعلى العموم، متقلقش. أمرت يقفلوا شاشة الكاميرا طول ما هي عندك، و خلينا الصوت بس مفتوح... ده علشان نطمن على أولادك لحد ما نروح ونقابل محمود وسماح، ونفهم منهم مين ورا اللي بيحصل."
عند إيمان وزينب:
سألت زينب وهي بتحاول تكسر الصمت بفضول ناعم:
– "آسفة على التدخل، بس واضح إن جوزك بيحبك وبيخاف عليك، فليه شكيتي فيه؟ ومين رهف دي؟"
إيمان نزلت راسها، وصوتها كان مزيج بين وجع وتعب طويل:
– "مكنتش بشك... كنت محتاجة يبص في عيني ويقول الحقيقة من غير لف ودوران. حكايتنا غريبة جدًا... أنا ومؤمن اتقابلنا أربع أو خمس مرات في العمر كله، وكل مرة يا هو بيحميني، يا أنا بحميه."
زينب ابتسمت واهتمت، وقالت برقة:
– "سَمعاكي... كَمّلي."
بدأت إيمان تحكي، وصوتها مهزوز لكنه صادق:
– "حبيته لما اتصاب بالنار... كنت مجبورة أتجوز، بس كنت عايزة أطمن عليه هو ورهف. ولما رُحت شُفته بعد العملية، كان على الناقلة... ولما مسكت إيده، حسيت بإحساس غريب، كأنه بيطلب مني متسبهوش. كنت حاسة إنه بينادي عليا من غير صوت. فضلت جنبه، أتكلم وهو غايب عن الوعي، ولما خرجت، حسّيت كأني روحي بتنسحب معاه. كنت سامعة صوته بيقول: انتي رايحة فين؟ خليكِ... بس الواقع رجعني، العريس ندهلي... ومشيت، بين نار قلبي وعقلي. لكن أول ما قدرت، رسمت صورته، كانت هي الأمل الوحيد، الأمان في غربتي. كنت بحكي مع الصورة وأسأله كأني شايفاه قدامي."
زينب اتأثرت جدًا، دمعت عينيها وقالت بانفعال صادق:
– "كأنكم بتتخاطروا بأرواحكم."
إيمان لمحت لمحة ابتسامة صغيرة:
– "تقريبًا كده. حاولت أوصل لرهف عشان أطمن عليها، بس أربع سنين كنت بتتنقل من مخيم لمخيم ومن بلد لبلد... لحد ما البحر أنقذني ورماني على شواطئ تركيا. وأول ما قدرت أبعت رسالة... صدمتي كانت كبيرة."
زينب اتسعت عينيها بقلق:
– "ليه؟ حصل إيه؟"
إيمان بانكسار:
– "عرفت إنه هيتجوز... وصحبتي كمان."
شهقت زينب بدموعها:
– "يا خبر! اتجوز صحبتك؟!"
إيمان هزت راسها بالألم:
– "أيوه... ومن حقهم. كنت فاكرة إنه نسي، بس طلع هو كمان روحه كانت بتدور عليا."
في الوقت ده، رجع مؤمن بعد ما خلص مكالمته مع زياد، قرب منها بخطوة بطيئة، بصوته المليان ندم وصدق:
– "وقت الصراحة يا إيمان. صدقيني... حُبي ليك حقيقي، حتى لو غلطت في الأسلوب، كان قصدي الأمان مش الجرح."
زينب ابتسمت بخفة وهي بتقرب من سرير الأطفال:
– "يلا يا ستي، نطلع إحنا نديهم ساعة كده لوحدهم. نخلي العشاق يتكلموا بصراحة، وإحنا نقعد نرغي شوية برا."
ساعدها مؤمن وطلعوا السرير في الأوضة التانية، وسابوا إيمان ومؤمن لوحدهم.
إيمان خدت نفس عميق، ولسه جواها تردد... لكن في عينيها شرارة أمل خفيفة:
– "لو هتكون صريح... أنا هسمع."
مؤمن مسك إيدها بحذر، وعينيه بتلمع بوعد حقيقي:
– "صدقيني... الصراحة كلها، المرة دي."
كانت زينب قاعدة في الأوضة التانية، تهزّ السرير بإيدها بهدوء والطفلين نايمين، لكن ذهنها ساب المكان وراح في حوار مع نفسها بصوت واطي:
زينب: "شفتوا بقى يا حبايب الحب صعب ازاي؟ نصيحة محدش فيكم يحب لما يكبر، الحب وجع والله، شوفوا أهلكم تعبوا قد إيه علشان يتجمعوا، وبرضو الشك مزروع جواهم... ده لو الحب دواء، كان زمانهم خفّوا."
زياد كان سامعها من السماعة وبيتنهد بضيق:
– "انتي بتعلمي إيه للأطفال يا بنت؟! وهما أصلًا فاهمين حاجة من اللي بتقوليها؟ ومال الحب يا ست المفهومة، هو الحب ناقص حد يظلمه كمان؟!"
زينب ضحكت بخفة وقالت وهي تبصّ في الكاميرا:
– "شايفين يا حلوين؟ اللي بيتكلم ده اسمه زياد الباشا... روبوت بيتدرب على الجفاف، ولو مجرحش ميعرفش ينجح. جاي دلوقتي يسألني عن الحب؟ يا راجل دا أنت..."
رفعت حاجبها بمكر وقالت له بنغمة دلع خفيفة:
– "مش أنت من الصبح بتقول عايز تنام؟ طب منمنتيش ليه؟"
زياد نفخ وقال بتعب واضح في صوته:
– "أنام إزاي وأنا سامعك عمالة ترغي زي العصافير، والعيال بتزن، وليلة كلها زنة ونكد. ده مؤمن عمل فيلم دراما عشان يوزع العيال وينام، وأنا اللى اتزنقت أسمع التمثيلية بتاعتكم بالصوت والصورة!"
زينب انفجرت ضاحكة وقالت له بسخرية ناعمة:
– "طب وليه تاعب نفسك يا سيدي؟ اقفل السماعة ونام، ما انت صاحب التحكم الكبير! وارتاح من صوتي ومن نفسك كمان."
وبدأت تقلده بصوت خشن ومضحك وهي بتحرك إيديها كأنها بتقوده بالريموت:
– "زينب امشي كده يا بت! روحي هناك يا بت! تعالي هنا يا زينب! اسكتي يا زينب! اتكلمي يا زينب!"
قاطعها زياد بصوت متحكّم بس باين عليه بيكتم ضحكته:
– "زينب... ركّزي معايا، قبل ما أرجعك مكانك القديم!"
زينب ضحكت أكتر وقالت:
– "طب متزعلش يا سيدي الروبوت، أصل الضحك برضو علاج، وانت شكلك محتاج جرعة مضاعفة."
وسابت السماعة مفتوحة وهي تهمس للطفلين بهدوء:
– "ناموا يا حبايبي، النوم راحة من كل اللي حوالينا، حتى الروبوت بيتعب وبيحتاج يطفي نفسه."
عند إيمان:
قرب منها مؤمن بهدوء، لمس إيدها بحنان وربت عليها كأنه بيطمنها، وبعدها قبلها بخفة وقال بصوت مليان دفء:
مؤمن: "ممكن أنا وانتي نتولد من جديد؟ زي ملك ومالك... كأنها بداية حياة جديدة، من غير نفوس تعبانة ولا جروح تتفتح. عاوزك تثقي فيّ، زي ما روحي نادت عليك وحسّيتها... خلي قلبك يحس بيا، ويعرف إني مش أناني، ولا كل همّي راحتي. راحتي الحقيقية مش هتبقى غير وإنتِ معايا."
سكت لحظة، وبص ناحيتها بعينين فيها وجع وصدق وقال:
مؤمن: "اتعلمت من تجربة جوزي القديمة إن الحب الحقيقي بيخلي الإنسان ما يشوفش عيوب في حبيبه... بيكون رحيم معاه، مش بيتقل عليه. بس أنا في الماضي كنت متجوز بالعقل، فكانت في حرب بين عقلي وقلبي... لكن دلوقتي، أنا محتاجك جنبي. محتاج قوتك... عشان في حاجة شاكك فيها، وخايف أواجهها."
إيمان بصّت له بحنية، ومدّت إيدها تمسح شعره برفق وهي تقول بهدوء:
إيمان: "قولي وأنا معاك، ونفكر سوا... إوعى تشيل فوق طاقتك، يا مؤمن."
مؤمن تنهد تنهيدة طويلة، وقام طالع على السرير، فرد جسمه على ضهره، وعينيه معلّقة في السقف... كان بيفكر يقولها ولا يستنى يتأكد الأول... بين الخوف والصدق، قلبه بيخبط في صدره وهو بيحاول يقرر.
في بيت زياد:
ضحك زياد وقال وهو بيعدل المخدة تحت راسه:
زياد: "الله ينور عليكي، افصلي بقى أبوس إيدك، عايز أنام! وانتي رغي رغي رغي... والعيال يا تختار تنام يا تسمع صوتك. نامي بقى، عشان بكرة نشوف إيه اللي هيحصل."
قبل ما زينب ترد، التليفون رن... بصت على الشاشة، وشها اتبدّل، ملامحها اتشدّت فجأة.
همست بخوف:
زينب: "ده عصام..."
استغرب زياد وقال وهو بيحاول يفهم:
زياد: "مين؟"
زينب: "عصام... بيتصل."
زياد اتنفس بعمق، شعر بالضيق من غير ما يعرف ليه، وقال بحدة:
زياد: "افتحي الاسبيكر وإنتي بتتكلمي."
اتنهدت زينب بخوف وقالت:
زينب: "ولو سمع صوت الأطفال؟ لأ طبعًا... أنا هبقى أقولك اللي هيحصل."
حطّت التليفون على ودنها التانية، وقالت بصوت مبحوح كأنها لسه فايقة من النوم:
زينب: "مين معايا؟"
جالها صوت عصام هادي وواثق:
عصام: "واضح إن صحيتك من النوم... آسف، كنت عايز أطمن عليكي، مرتاحة عندك ولا لأ؟"
ردّت عليه زينب بنبرة تعب وضيقة:
زينب: "يا ريت كنت نمت... وانت أزعجتني. في حاجة مهمة؟"
اتنحنح عصام وقال:
عصام: "آه... ولدي كان عايز يقابلك، عشان يأكدلك اللي قولته قبل كده. هو عنده يقين إنه يعرف مين أهلك... بس قاللي: لما أشوفها، هاعرف هي بنت مين فيهم."
زينب رفعت راسها فجأة من على السرير، عينيها اتسعت بخوف وارتباك:
زينب: "مش فاهمة! يعني إيه بنت مين فيهم؟"
تنهد عصام وقال بصوت هادي، كأنه بيرجع لذكريات قديمة:
عصام: "اللي فهمته من ولدي إن كان ليه 3 أصحاب في الجامعة. كانوا شباب وقتها، دمهم حامي، وعقلهم في السياسة والحروب والهزيمة. انضمّوا لجامعة فترة من الزمن، لكن بعد حرب أكتوبر لما الجيش انتصر، عرفوا إنهم لازم يكونوا في ضهر بلدهم، فانسحبوا منهم... بس انسحابهم ده كان بالنسبالهم هزيمة كبيرة."
كمل بصوت أعمق:
عصام: "فقرروا ينتقموا بطريقة وجعة... كانوا بياخدوا أولاد الناس دي، يربّوهم وسطهم، ويزرعوا فيهم أفكارهم، ولما يكبروا... يفاجئوا أهاليهم بيهم."
زينب كانت بتسمع ودموعها بدأت تنزل من غير ما تحس، والعالم بدأ يلف حواليها.
عصام: "واحد منهم خلّف توأم... سرقوا بنت منهم. والتاني خلّف بنت، وده أبويا. فابني عايز يشوف ملامحك، عشان يحدد... إنتي بنت مين فيهم."
شهقت زينب، صوتها خرج متقطع وهي بتصرخ ودموعها بتغرق وشها:
زينب: "يعني... أنا! أنا ممكن أكون بنت مين فيهم؟!"
ويمكن لا
كانت زينب مرمية على السرير، ملامحها باهتة ودموعها مش بتقف، بتحس كأن الأرض بتسحبها لتحت.
نَفَسها تقيل، وكل حاجة حواليها بتدوخ.
كلمة “بنت مين فيهم” كانت بتخبط في ودانها كأنها طلقة!
زينب (بهمس وجواها ضياع):
"يمكن آه ... يمكن لأ! يمكن الكلام ده كله كدب..."
حطّت إيدها على صدرها، بتحاول تلم نفسها، بس الإحساس بالضيق كان بيزيد، دموعها نزلت أكتر، وبقت بتشهق من كتر البكاء.
الأطفال سمعوا صوتها... صوت بكاها الهلِع ملأ القوضة، فعيّطوا هما كمان، وصوتهم العالي دوّى في البيت كله.
صرخاتهم وصلت لحد غرفة إيمان ومؤمن، وكمان ياسمين ومحمد ومنى وعماد وسعاد وابنها — كلهم جريوا على الصوت.
طلبت إيمان بلهفة وقالت وهي بتنهج:
"مؤمن... ساعدني أقوم، العيال بيعيّطوا، في حاجة حصلت فوق!"
سندها مؤمن وطلع معاها بخطواته.
أول ما دخلوا أوضـة زينب، شافوها منهارة، قاعدة على السرير، شعرها مفكوك، وعينيها منتفخة من البكاء.
السرير مهزوز من صوت الأطفال اللي لسه بيصرخوا، فـ إيمان بسرعة بدأت تهديهم وهي بتطبطب على زينب.
إيمان: "اهدي يا بنتي... اهدي بالله عليكي، في إيه؟ مالك يا زينب؟!"
بس زينب ما كانتش سامعة... كانت شبه غايبة عن الوعي.
وفي نفس اللحظة...
رن جرس الباب بصوت عالي، وبعدها خبط حد بعنف!
قام مؤمن بسرعة وراح يفتح، بينما إيمان بتقعد جنب زينب وتهزها بهدوء:
إيمان: "فوقي يا زينب... فوقي، متخوفينيش!"
عين إيمان وقعت على التليفون اللي مرمي على السرير، وكان في صوت راجل بيقول من السماعة:
"ألو... زينب؟ سامعاني؟ زينب؟"
مسكته إيمان وردت بسرعة:
إيمان: "زينب تعبانة دلوقتي، ممكن تكلمها بعدين؟"
الراجل من الطرف التاني، عصام، صوته اتغير وقال باستغراب:
عصام: "إنتِ... إنتِ معاها في الفندق؟"
إيمان اتجمدت لحظة... حست إن في حاجة غلط في نبرة صوته، بس ردت بسرعة، وهي مش عارفة ليه بتقول كده:
إيمان: "آه... أيوه، أنا معاها..."
وسرعان ما قفلت المكالمة بإيد مرتجفة.
في اللحظة دي كان كل أفراد العيلة دخلوا الأوضة، وشافوا المنظر... زينب منهارة، ووشها شاحب كأنها فقدت الروح.
لكن الصدمة الحقيقية... كانت زينب غريبة جدًا عليهم.
امسكت الكل فجأة...
العيلة كلها واقفة مذهولة، والصمت خيّم على المكان، واللي سمعوه من بكاها لسه بيرن في ودانهم.
رواية عشقت فتاة المصنع الفصل السابع عشر 17 - بقلم صفاء حسني
مدّت زينب إيديها للطفلين وسلّمتهم لإيمان علشان تهديها، وعيونها كلها طيبة وهدوء:
– "حضرتك متخافيش مني، أنا لا خاطفة أطفال، ولا ليّا علاقة باللي حصل. ولادك هنا، جنبك. وعشان تطمني أكتر، كل خطوة ليا محسوبة ومتسجّلة فيديو وصوت."
إيمان اتجمدت مكانها، نظرتها بين خوف وصدمة:
– "متسجّل؟! ازاي؟!"
زينب بهدوء:
– "أيوه حضرتك، كل حاجة متسجلة... بس مش تجسس ولا كده، ده لأننا في مهمة، وزياد ركبلي جهاز في إيدي... قاللي إنه يقدر يحميني بيه، وقال كمان إن الموضوع أكبر مننا، وأنا صدقته، لأن دي كانت الحقيقة الوحيدة اللي فهمتها."
إيمان خدت الطفلين في حضنها بقوة، كأنها بتحاول ترجع ليهم الأمان اللي ضاع.
عينيها لسه فيها شك، لكن في نفس الوقت، لمحة ارتياح خفيفة لمحتها زينب.
إيمان بخفوت:
– "أنا مش فاهمة حاجة... بس حاسة إن في حاجة كبيرة ورا كل ده."
مؤمن حط إيده على كتفها بحنان وصوت مطمن:
– "وأنا كمان زيك، بس لازم أفهم كل حاجة من زياد... دلوقتي المهم تهدي."
زينب بصتلها بابتسامة فيها صدق وهدوء:
– "صدقيني، أنا مكنتش أعرف سبب وجودي هنا، بس أتوقع إن وجودي كان حماية ليكم وليا."
خرج مؤمن بخطوات سريعة، والغضب باين على وشه، واتصل بزياد:
– "اقفل الكاميرات فورًا! أنت بتهزر ولا إيه؟ جايبها عندي ليه مدام حاطط عليها جهاز تتبع؟ ولا أنا كمان بقيت تحت مراقبة المخابرات؟ ولا تكونوا شاكين في إيمان؟!"
زياد ضحك ضحكة قصيرة، ودخل بصوته الرزين اللي مفيهوش مجاملات:
– "اسمع يا مؤمن... إحنا كلنا تحت المراقبة، بس الموضوع بعيد خالص عن اللي في بالك. إحنا ركبنا الجهاز في إيد زينب علشان نتابع كل حاجة حواليها... لكن حصلت مستجدات، وكان لازم أبعتها عندك. بس بصراحة، متصورتش إنك تعمل مقلب في مراتك بالشكل ده! أنا كنت فاكرها هتقعد عند أهلك، إنت اللي جبتها عندك بنفسك!"
مؤمن اتنفس بحدة، بس سكت.
زياد كمل بنبرة أكثر هدوء:
– "وعلى العموم، متقلقش. أمرت يقفلوا شاشة الكاميرا طول ما هي عندك، و خلينا الصوت بس مفتوح... ده علشان نطمن على أولادك لحد ما نروح ونقابل محمود وسماح، ونفهم منهم مين ورا اللي بيحصل."
عند إيمان وزينب:
سألت زينب وهي بتحاول تكسر الصمت بفضول ناعم:
– "آسفة على التدخل، بس واضح إن جوزك بيحبك وبيخاف عليك، فليه شكيتي فيه؟ ومين رهف دي؟"
إيمان نزلت راسها، وصوتها كان مزيج بين وجع وتعب طويل:
– "مكنتش بشك... كنت محتاجة يبص في عيني ويقول الحقيقة من غير لف ودوران. حكايتنا غريبة جدًا... أنا ومؤمن اتقابلنا أربع أو خمس مرات في العمر كله، وكل مرة يا هو بيحميني، يا أنا بحميه."
زينب ابتسمت واهتمت، وقالت برقة:
– "سَمعاكي... كَمّلي."
بدأت إيمان تحكي، وصوتها مهزوز لكنه صادق:
– "حبيته لما اتصاب بالنار... كنت مجبورة أتجوز، بس كنت عايزة أطمن عليه هو ورهف. ولما رُحت شُفته بعد العملية، كان على الناقلة... ولما مسكت إيده، حسيت بإحساس غريب، كأنه بيطلب مني متسبهوش. كنت حاسة إنه بينادي عليا من غير صوت. فضلت جنبه، أتكلم وهو غايب عن الوعي، ولما خرجت، حسّيت كأني روحي بتنسحب معاه. كنت سامعة صوته بيقول: انتي رايحة فين؟ خليكِ... بس الواقع رجعني، العريس ندهلي... ومشيت، بين نار قلبي وعقلي. لكن أول ما قدرت، رسمت صورته، كانت هي الأمل الوحيد، الأمان في غربتي. كنت بحكي مع الصورة وأسأله كأني شايفاه قدامي."
زينب اتأثرت جدًا، دمعت عينيها وقالت بانفعال صادق:
– "كأنكم بتتخاطروا بأرواحكم."
إيمان لمحت لمحة ابتسامة صغيرة:
– "تقريبًا كده. حاولت أوصل لرهف عشان أطمن عليها، بس أربع سنين كنت بتتنقل من مخيم لمخيم ومن بلد لبلد... لحد ما البحر أنقذني ورماني على شواطئ تركيا. وأول ما قدرت أبعت رسالة... صدمتي كانت كبيرة."
زينب اتسعت عينيها بقلق:
– "ليه؟ حصل إيه؟"
إيمان بانكسار:
– "عرفت إنه هيتجوز... وصحبتي كمان."
شهقت زينب بدموعها:
– "يا خبر! اتجوز صحبتك؟!"
إيمان هزت راسها بالألم:
– "أيوه... ومن حقهم. كنت فاكرة إنه نسي، بس طلع هو كمان روحه كانت بتدور عليا."
في الوقت ده، رجع مؤمن بعد ما خلص مكالمته مع زياد.
قرب منها بخطوة بطيئة، بصوته المليان ندم وصدق:
– "وقت الصراحة يا إيمان. صدقيني... حُبي ليك حقيقي، حتى لو غلطت في الأسلوب، كان قصدي الأمان مش الجرح."
زينب ابتسمت بخفة وهي بتقرب من سرير الأطفال:
– "يلا يا ستي، نطلع إحنا نديهم ساعة كده لوحدهم. نخلي العشاق يتكلموا بصراحة، وإحنا نقعد نرغي شوية برا."
ساعدها مؤمن وطلعوا السرير في الأوضة التانية، وسابوا إيمان ومؤمن لوحدهم.
إيمان خدت نفس عميق، ولسه جواها تردد... لكن في عينيها شرارة أمل خفيفة:
– "لو هتكون صريح... أنا هسمع."
مؤمن مسك إيدها بحذر، وعينيه بتلمع بوعد حقيقي:
– "صدقيني... الصراحة كلها، المرة دي."
كانت زينب قاعدة في الأوضة التانية، تهزّ السرير بإيدها بهدوء والطفلين نايمين، لكن ذهنها ساب المكان وراح في حوار مع نفسها بصوت واطي:
زينب: "شفتوا بقى يا حبايب الحب صعب ازاي؟ نصيحة محدش فيكم يحب لما يكبر، الحب وجع والله، شوفوا أهلكم تعبوا قد إيه علشان يتجمعوا، وبرضو الشك مزروع جواهم... ده لو الحب دواء، كان زمانهم خفّوا."
زياد كان سامعها من السماعة وبيتنهد بضيق:
– "انتي بتعلمي إيه للأطفال يا بنت؟! وهما أصلًا فاهمين حاجة من اللي بتقوليها؟ ومال الحب يا ست المفهومة، هو الحب ناقص حد يظلمه كمان؟!"
زينب ضحكت بخفة وقالت وهي تبصّ في الكاميرا:
– "شايفين يا حلوين؟ اللي بيتكلم ده اسمه زياد الباشا... روبوت بيتدرب على الجفاف، ولو مجرحش ميعرفش ينجح. جاي دلوقتي يسألني عن الحب؟ يا راجل دا أنت..."
رفعت حاجبها بمكر وقالت له بنغمة دلع خفيفة:
– "مش أنت من الصبح بتقول عايز تنام؟ طب منمنتيش ليه؟"
زياد نفخ وقال بتعب واضح في صوته:
– "أنام إزاي وأنا سامعك عمالة ترغي زي العصافير، والعيال بتزن، وليلة كلها زنة ونكد. ده مؤمن عمل فيلم دراما عشان يوزع العيال وينام، وأنا اللى اتزنقت أسمع التمثيلية بتاعتكم بالصوت والصورة!"
زينب انفجرت ضاحكة وقالت له بسخرية ناعمة:
– "طب وليه تاعب نفسك يا سيدي؟ اقفل السماعة ونام، ما انت صاحب التحكم الكبير! وارتاح من صوتي ومن نفسك كمان."
وبدأت تقلده بصوت خشن ومضحك وهي بتحرك إيديها كأنها بتقوده بالريموت:
– "زينب امشي كده يا بت! روحي هناك يا بت! تعالي هنا يا زينب! اسكتي يا زينب! اتكلمي يا زينب!"
قاطعها زياد بصوت متحكّم بس باين عليه بيكتم ضحكته:
– "زينب... ركّزي معايا، قبل ما أرجعك مكانك القديم!"
زينب ضحكت أكتر وقالت:
– "طب متزعلش يا سيدي الروبوت، أصل الضحك برضو علاج، وانت شكلك محتاج جرعة مضاعفة."
وسابت السماعة مفتوحة وهي تهمس للطفلين بهدوء:
– "ناموا يا حبايبي، النوم راحة من كل اللي حوالينا، حتى الروبوت بيتعب وبيحتاج يطفي نفسه."
عند إيمان:
قرب منها مؤمن بهدوء، لمس إيدها بحنان وربت عليها كأنه بيطمنها، وبعدها قبلها بخفة وقال بصوت مليان دفء:
مؤمن: "ممكن أنا وانتي نتولد من جديد؟ زي ملك ومالك... كأنها بداية حياة جديدة، من غير نفوس تعبانة ولا جروح تتفتح. عاوزك تثقي فيّ، زي ما روحي نادت عليك وحسّيتها... خلي قلبك يحس بيا، ويعرف إني مش أناني، ولا كل همّي راحتي. راحتي الحقيقية مش هتبقى غير وإنتِ معايا."
سكت لحظة، وبص ناحيتها بعينين فيها وجع وصدق وقال:
مؤمن: "اتعلمت من تجربة جوزي القديمة إن الحب الحقيقي بيخلي الإنسان ما يشوفش عيوب في حبيبه... بيكون رحيم معاه، مش بيتقل عليه. بس أنا في الماضي كنت متجوز بالعقل، فكانت في حرب بين عقلي وقلبي... لكن دلوقتي، أنا محتاجك جنبي. محتاج قوتك... عشان في حاجة شاكك فيها، وخايف أواجهها."
إيمان بصّت له بحنية، ومدّت إيدها تمسح شعره برفق وهي تقول بهدوء:
إيمان: "قولي وأنا معاك، ونفكر سوا... إوعى تشيل فوق طاقتك، يا مؤمن."
مؤمن تنهد تنهيدة طويلة، وقام طالع على السرير، فرد جسمه على ضهره، وعينيه معلّقة في السقف... كان بيفكر يقولها ولا يستنى يتأكد الأول... بين الخوف والصدق، قلبه بيخبط في صدره وهو بيحاول يقرر.
في بيت زياد:
ضحك زياد وقال وهو بيعدل المخدة تحت راسه:
زياد: "الله ينور عليكي، افصلي بقى أبوس إيدك، عايز أنام! وانتي رغي رغي رغي... والعيال يا تختار تنام يا تسمع صوتك. نامي بقى، عشان بكرة نشوف إيه اللي هيحصل."
قبل ما زينب ترد، التليفون رن...
بصت على الشاشة، وشها اتغيّر، ملامحها اتشدّت فجأة.
همست بخوف:
زينب: "ده عصام..."
استغرب زياد وقال وهو بيحاول يفهم:
زياد: "مين؟"
زينب: "عصام... بيتصل."
زياد اتنفس بعمق، شعر بالضيق من غير ما يعرف ليه، وقال بحدة:
زياد: "افتحي الاسبيكر وإنتي بتتكلمي."
اتنهدت زينب بخوف وقالت:
زينب: "ولو سمع صوت الأطفال؟ لأ طبعًا... أنا هبقى أقولك اللي هيحصل."
حطّت التليفون على ودنها التانية، وقالت بصوت مبحوح كأنها لسه فايقة من النوم:
زينب: "مين معايا؟"
جالها صوت عصام هادي وواثق:
عصام: "واضح إن صحيتك من النوم... آسف، كنت عايز أطمن عليكي، مرتاحة عندك ولا لأ؟"
ردّت عليه زينب بنبرة تعب وضيقة:
زينب: "يا ريت كنت نمت... وانت أزعجتني. في حاجة مهمة؟"
اتنحنح عصام وقال:
عصام: "آه... ولدي كان عايز يقابلك، عشان يأكدلك اللي قولته قبل كده. هو عنده يقين إنه يعرف مين أهلك... بس قاللي: لما أشوفها، هاعرف هي بنت مين فيهم."
زينب رفعت راسها فجأة من على السرير، عينيها اتسعت بخوف وارتباك:
زينب: "مش فاهمة! يعني إيه بنت مين فيهم؟"
تنهد عصام وقال بصوت هادي، كأنه بيرجع لذكريات قديمة:
عصام: "اللي فهمته من ولدي إن كان ليه 3 أصحاب في الجامعة. كانوا شباب وقتها، دمهم حامي، وعقلهم في السياسة والحروب والهزيمة. انضمّوا لجامعة فترة من الزمن، لكن بعد حرب أكتوبر لما الجيش انتصر، عرفوا إنهم لازم يكونوا في ضهر بلدهم، فانسحبوا منهم... بس انسحابهم ده كان بالنسبالهم هزيمة كبيرة."
كمل بصوت أعمق:
عصام: "فقرروا ينتقموا بطريقة وجعة... كانوا بياخدوا أولاد الناس دي، يربّوهم وسطهم، ويزرعوا فيهم أفكارهم، ولما يكبروا... يفاجئوا أهاليهم بيهم."
زينب كانت بتسمع ودموعها بدأت تنزل من غير ما تحس، والعالم بدأ يلف حواليها.
عصام: "واحد منهم خلّف توأم... سرقوا بنت منهم. والتاني خلّف بنت، وده أبويا. فابني عايز يشوف ملامحك، عشان يحدد... إنتي بنت مين فيهم."
شهقت زينب، صوتها خرج متقطع وهي بتصرخ ودموعها بتغرق وشها:
زينب: "يعني... أنا! أنا ممكن أكون بنت مين فيهم؟!"
ويمكن لا
كانت زينب مرمية على السرير، ملامحها باهتة ودموعها مش بتقف، بتحس كأن الأرض بتسحبها لتحت.
نَفَسها تقيل، وكل حاجة حواليها بتدوخ.
كلمة “بنت مين فيهم” كانت بتخبط في ودانها كأنها طلقة!
زينب (بهمس وجواها ضياع):
"يمكن آه ... يمكن لأ! يمكن الكلام ده كله كدب..."
حطّت إيدها على صدرها، بتحاول تلم نفسها، بس الإحساس بالضيق كان بيزيد، دموعها نزلت أكتر، وبقت بتشهق من كتر البكاء.
الأطفال سمعوا صوتها... صوت بكاها الهلِع ملأ القوضة، فعَيّطوا هما كمان، وصوتهم العالي دوّى في البيت كله.
صرخاتهم وصلت لحد غرفة إيمان ومؤمن، وكمان ياسمين ومحمد ومنى وعماد وسعاد وابنها — كلهم جريوا على الصوت.
طلبت إيمان بلهفة وقالت وهي بتنهج:
"مؤمن... ساعدني أقوم، العيال بيعيّطوا، في حاجة حصلت فوق!"
سندها مؤمن وطلع معاها بخطواته.
أول ما دخلوا أوضـة زينب، شافوها منهارة، قاعدة على السرير ، شعرها مفكوك، وعينيها منتفخة من البكاء.
السرير مهزوز من صوت الأطفال اللي لسه بيصرخوا، فـ إيمان بسرعة بدأت تهديهم وهي بتطبطب على زينب.
إيمان: "اهدي يا بنتي... اهدي بالله عليكي، في إيه؟ مالك يا زينب؟!"
بس زينب ما كانتش سامعة... كانت شبه غايبة عن الوعي.
وفي نفس اللحظة...
رن جرس الباب بصوت عالي، وبعدها خبط حد بعنف!
قام مؤمن بسرعة وراح يفتح، بينما إيمان بتقعد جنب زينب وتهزها بهدوء:
إيمان: "فوقي يا زينب... فوقي، متخوفينيش!"
عين إيمان وقعت على التليفون اللي مرمي على السرير، وكان في صوت راجل بيقول من السماعة:
"ألو... زينب؟ سامعاني؟ زينب؟"
مسكته إيمان وردت بسرعة:
إيمان: "زينب تعبانة دلوقتي، ممكن تكلمها بعدين؟"
الراجل من الطرف التاني، عصام، صوته اتغير وقال باستغراب:
عصام: "إنتِ... إنتِ معاها في الفندق؟"
إيمان اتجمدت لحظة... حست إن في حاجة غلط في نبرة صوته، بس ردت بسرعة، وهي مش عارفة ليه بتقول كده:
إيمان: "آه... أيوه، أنا معاها..."
وسرعان ما قفلت المكالمة بإيد مرتجفة.
في اللحظة دي كان كل أفراد العيلة دخلوا الأوضة، وشافوا المنظر... زينب منهارة، ووشها شاحب كأنها فقدت الروح.
لكن الصدمة الحقيقية... كانت زينب غريبة جدًا عليهم.
همست الكل فجأة...
العيلة كلها واقفة مذهولة، والصمت خيّم على المكان، واللي سمعوه من بكاها لسه بيرن في ودانهم.
رواية عشقت فتاة المصنع الفصل الثامن عشر 18 - بقلم صفاء حسني
بعد لحظات من الصدمة.
الكل واقف مذهول، النظرات رايحة جاية بينهم وبين زينب اللي لسه دموعها ما نشفتش.
إيمان بتحاول تهديها، والعيال بقوا هاديين شوية، لكن التوتر في الجو كان خانق.
سعاد همست بدهشة:
— البنت دي مين؟ وجات إمتى؟ وليه بتعيط بالشكل ده؟
منى بصوت خافت، وهي ماسكة إيد ايمان بخوف:
— آنتى كويسة يا قلبي انا افتكرت آنتى إلا صرخت ... بس أنا مش فاهمة إيه اللي بيحصل.
الكل بيتكلم إلا محمد، والد مؤمن.
كان واقف في مكانه متصلّب، عيونه معلّقة بزينب كأنه شايف شبح من الماضي.
إيده راحت ببطء لجيبه، وطلّع محفظته القديمة اللي دايمًا شايلها.
فتحها بإيده المرتعشة... وطلع منها صورة صغيرة لـ ياسمين وهي طفلة.
الصورة كانت قديمة شوية، طرفها متقطع...وكأنها نص صورة!
وقف محمد وسطهم، صوته مليان لهفة ودموع:
— انت... انت لقيت أختك ومقولتليش يا مؤمن؟!
الكل اتصدم، ومؤمن فتح عينه على الآخر:
— أختي؟! إنت بتقول إيه؟
محمد ما استناش رد...
اتجه بخطوات سريعة ناحية زينب اللي كانت لسه قاعدة على السرير، وشكلها تايه.
ركع قدامها، وعينه فيها دموع كتير:
— أنا مش مصدق نفسي... قلبي كان بيتقطع من لحظات لما عرفت إن عندي بنت واتخطفت!
لكن ربنا كبير... في نفس اليوم اللي كنت بدعي فيه أشوفها، بعتك ليا!
طلّع الصورة ورفعها بإيده المرتعشة ناحية ياسمين:
— بصي يا ياسمين ... دي صورتك وإنت صغيرة، ودي... دي نص تاني منها!
(يبص لزينب)
وانتِ... انتى النص التاني يا بنتي!
اللحظة كانت كأنها زمن وقف...
ياسمين وقفت متسمّرة مكانها، بتبص لزينب بدهشة،
نظرتها فيها دموع، فيها ذهول، فيها إحساس مش قادرة تفسّره.
اقتربت خطوة بخطوة،
إيدها اترعشت وهي بتقرب من وش زينب،
ولما لفت خصلة شعرها على إيديها... اتصدمت، نفس الحركة اللي كانت بتعملها وهي صغيرة!
ياسمين بصوت واطي ومبحوح:
— دي... دي نفس الحركة... نفسى وأنا صغيرة كنت بلف شعري كده...
زينب وقفت تبص لها، ودموعها بتجري من غير ما تنطق.
كأن قلبها فهم قبل عقلها.
وفي لحظة... رمت نفسها في حضن ياسمين، وفضلوا يعياطوا الاتنين بصوت عالي،
كأن السنين كلها خرجت في اللحظة دي.
مؤمن كان واقف مذهول، مش قادر يصدق اللي شايفه.
عينه راحت على أبوه، اللي كان ماسك الصورة وبيعيط بحرقة.
مؤمن بصوت مخنوق:
— يعني... يعني زينب دي أختي فعلاً؟
قبل ما يسمع رد،
رن تليفونه فجأة — كان زياد!
رد بسرعة، صوته مضطرب:
— أيوه يا زياد؟
جاء صوت زياد من الطرف التاني متوتر:
— في إيه؟ الصوت عالي ليه؟ وزينب كويسة؟
مؤمن بصوت مبحوح ومليان دهشة:
— زياد... إنت كنت عارف إن زينب أختي؟!
سكت زياد على الطرف التاني شوية...
اتنهد، وصوته نزل بهدوء غريب:
— أنا... جاي دلوقتي. استناني، وما تخليش حد يعمل حاجة.
اتقفل الخط.
مؤمن فضل ماسك الموبايل بإيده، مش فاهم إذا اللي بيحصل حلم ولا حقيقة.
***
داخل شقة زياد — منتصف الليل.
زياد قام من على السرير مضايق، ملامحه مجهدة وعيونه فيها سهر وقلق.
مد إيده على شعره وهو بيتمتم بتعب:
— هى ليلة من أولها مش باين فيها نوم! كنت مأجل الموضوع لحد ما أنام شوية، بس خلاص... شكلها مش ناوية تهدى.
فتح الدرج بسرعة، وطلّع منه ظرف فيه أوراق...نتيجة تحليل.
فضل يبص فيها بثبات لحظة، وبعدين قفل الظرف بحذر، حطه في جيبه، وتنهد بعمق كأنه شايل هم جبال.
— يلا يا زياد، نامت راحتك خلاص... (همسها لنفسه).
ما قدرش يسوق، كان تعبان ومش مركز، ففتح الموبايل وطلب عربية أوبر.
بعد دقائق كانت العربية وصلت تحت.
***
داخل العربية — الطريق خافت الأضواء.
السواق، راجل بسيط في الخمسينات، بدأ يحكي بنبرة فيها وجع واعتياد:
— والله يا باشا، البلد دي بقت نار... البنزين كل يوم بيغلى عن اللي قبله، والأسعار مولعة!
بقينا أربع طبقات مش طبقة واحدة،
طبقة الناس اللي فوق السحاب،
وطبقة الأطباء والتمريض اللي بيشيلوا البلد على كتفهم،
وطبقة الجيش والشرطة،
وآخر طبقة... الشعب الغلبان اللي مش لاقي ياكل.
زياد كان ساكت، بيبص من الشباك، لكن الكلام بدأ يستفزه.
بص له بحدة وقال:
— ومين قالك إن ضابط الشرطة أو الجيش عايش في بلد تانية يا عم الحاج؟
أعمل حسابك الجيش والشرطة من الشعب نفسه...
الغلاء عليك زيه زينا.
بتاع الكهرباء لما يخبط على شقة ظابط جيش أو شرطة ما بيسألش على رتبته!
وفي ناس منهم ماشية بالعافية زيك بالظبط.
السواق، بابتسامة فيها سخرية بسيطة:
— هما بيقبضوا حلو يا باشا...
أنا أعرف واحد في الجيش، طلع عينه وبيكنز فلوس، بياخد 15 ألف في الشهر!
زياد اتنفس بقوة وضحك بسخرية:
— و15 ألف دي فلوس دلوقتي يا راجل يا طيب؟
ده نصهم بيطير على أقساط شقة واخدها،
والنص التاني على دخان ينسيه بعده عن مراته وولاده...
الظابط بيسيب بيته وشغله، وبينتقل من محافظة لمحافظة،
وبيقدم روحه قبل ما ياخد فلوسه...
ولو ابنه تعب، مراته بتجري بيه لوحدها!
السواق، مصرّ يكمل الجدال:
— ما هو عندهم مستشفيات ليهم ولأهلهم... بيتعالجوا ببلاش يا باشا.
زياد نفخ جامد وهو يشيح بوشه ناحية الشباك، صوته بقى مبحوح من العصبية:
— خلاص يا عم... كفاية!
اللي بيتكلموا في الكلام ده ناس مش فاهمة،
ولا عاشوا يوم واحد في الحقيقة دي.
ناس قاصدة تشوه كل حاجة حلوة في عيون الشعب.
زياد سكت لحظة، مسك ضميره بالعافية عشان ما ينفجرش، وبص في المراية بنظرة حادة:
— أيوه، مستشفيات… بس مش اللي في بالك، مش رفاهية، دي ضرائب خدمة!
إنت سامع كلام متسوق ومتلون عشان يكره الناس في بعض… بس الناس دي بتدفع تمن البلد كل يوم!
السواق سكت، والجو جوه العربية بقى تقيل، وصوت الموتور هو الوحيد اللي بيكسر الصمت.
زياد غمض عينه شوية وهو بيهمس لنفسه:
— اللهم الطف بينا يا رب، مش ناقص نقاشات دلوقتي…
بعد شوية، العربية وصلت عند المجمع، وزياد فتح موبايله واتصل بمؤمن.
— مؤمن، تعالى بسرعة… نسيت البطاقة ومش راضيين يدخلوني!
مؤمن (مستغرب وبيضحك):
— إنت بتتكلم جد يا زياد؟ ولا بتستهبل؟
زياد (منفعل):
— بهزر إزاي يا عم، انزل أبوس إيدك، السواق وجّع دماغي بالطبقات والجيش والشرطة والفساد، وأنا خلاص همفجر!
صدقتوصلت العربية قدام بوابة المجمع، نزلت بسرعة افتّش في جيوبى وبعدين لاقتينى — نسيت المحفظة وكل الفلوس جواها. ، ونزلت من العربية خايف اعمل مشكلة
مؤمن، اللي كان واقف من بعيد بيحاول يتمالك نفسه من الضحك، وقال وهو لسه مش مصدق الموقف كله،
وبعدها قام بسرعة ولبس جاكيت خفيف وخرج من البيت بخطوات سريعة.
محمد، اللي كان لسه مذهول من اللي حصل، ناداه بصوت عالي:
— "رايح فين يا مومن؟"
مومن وقف عند الباب، أخد نفس عميق وقال بنبرة فيها قلق:
— "زياد تحت... واضح إنه يعرف كل حاجة عن موضوع زينب."
محمد رفع حاجبه بابتسامة خفيفة وقال وهو بيحاول يفهم:
— "زىاد؟ هى ده زينب اللي كان متابع قضيتها؟"
هزّ مومن راسه بتأكيد:
— "آه، واضح إنه كان عارف كل حاجة من الأول."
ضحك محمد بخفة وقال بثقة:
— "قولتلك زمان إن زياد جامد في شغله... ده طلع ماسك كل الخيوط في إيده، وجابلي بنتي بعد السنين دي كلها."
وقف لحظة، وصوته اتبدل بنبرة شكر وتأثر:
— "انزل، جيبه يا مومن... جيبلي اللي ربنا جعله سبب يجمعنا ببنتي تاني."
مومن اكتفى بهز راسه، وطلع يجري على الباب الخارجي، قلبه بيخبط من القلق والترقب، مش عارف اللقاء بين زياد والعيلة المصدومة هيكون عامل إزاي، بس كان حاسس إن الليلة دي مش هتعدي عادي أبدًا.
ساق عربيته لحد باب المجمع. نزل، سلم على الأمن، وطلب منهم ياخدوا رقم السواق ويصوروا البطاقة بتاعته
كان السواق بيتكلم بحماس ووشه متأثر، وهو بيبص في المراية:
— ليه حضرتك؟ هو أنا عملت حاجة؟
ابتسم مؤمن بنبرة هادية وقال:
— لا خالص، مجرد إنك هنا في مجمّع خاص بأهلي من القضاء والشرطة والجيش... وعايزين نضيفك شوية ونوريك إحنا عايشين إزاي في الزمن الأخير ده.
ضحك زياد بخفة دم، وعمل نفسه بريء وهو يقول:
— آه يا ابن عمي النقيب... قوله بقى، بتدفع كام في الشهر قسط على شقتك، إنت وأبوك القاضي؟
تنهد مؤمن وقال بجدية ممزوجة بالسخرية:
— وللازم تفكرني... بندفع كل شهر خمسين ألف، غير الكهرباء والأكل والشرب. يعني كل المرتب اللي منبوّره علينا من الشعب، متاكل!
اتسعت عيون السواق بخوف وقال مرتبكًا:
— مش عايز الأجرة يا حضرتك... ربنا يكون في عونكم! أنا كنت بهزر مع الأخ ده، حسّيته نايم قولت أفوّقه، بدل ما نعمل حادثة.
ضحك زياد وقال وهو بيهز راسه:
— لو على كده، معلش براءة يا حضرة النقيب... أنا فعلًا كنت بتواب طول الطريق.
مدّ مؤمن إيده، ورجع له البطاقة، وحطله الأجرة وهو يقول بتحذير لطيف:
— بص يا صاحبي، بلاش تتكلم في اللي بتسمعه وانت مش فاهم، عشان متقعش مع ظابط أمن وطني يفهمك غلط... ويودّيك ورا الشمس!
ارتبك السواق، وقال بخوف وهو بيركب العربية:
— بعد الشر يا باشا... ربنا يكفينا شرّهم زوّار الليل دول! إحنا ماشيين جنب الحيط... ربنا ينصركم. سلام!
ضحك زياد وهو بيبص لمؤمن:
— حرام عليك، نشّفت ريقه... ممكن من الخوف يعمل حادثة!
ابتسم مؤمن وردّ عليه وهو بيحاول يمسك ضحكه:
— بزمتك، لو كنت معاك كل حاجة تخصك، مش كنت خده زيارة؟
ضحك زياد وقال وهو بيحرك راسه بأسلوبه المعروف:
— مش للدرجة دي... ده راجل غلبان، ومن كتر الغلب بيسمع القنوات المنتشرة على اليوتيوب اللي مفهّماهم إن البلد متقسمة وإن الشعب ملوش حق. للأسف، الإعلام عندنا محتاج تغيير جزري. لازم نجيب شباب واعي، يفهموا الناس إن مش كل كلام يتقال يتصدق، ولا كل واقع زي ما بيصوّروه.
هزّ مؤمن راسه بأسى وقال:
— فعلاً... مش كفاية خطفوا أختي وإيمان وغيّروا حياتهم... كمان بيشوّهوا فينا في كل مكان.
***
قال:
— بالحق، انت كنت تعرف إن زينب أختي من إمتى؟ وليه مقولتش؟
تنهد زياد وقال:
— كان لازم أتأكد، خوفت يكون كدبة من محمود عشان ينتقم منك، عشان حميت إيمان منهم ورجعتها لأهلها، قولت يمكن بيلعب بيّا.
تعال نروح عندهم، ولازم تحكي من الأول.
وفعلاً ركبوا ووصل على البيت، وفتح الباب وطلع على الدور الثالث عند إيمان، والكل كان بيتجمع.
أول ما دخل زياد، قامت زينب وراحت عنده وقالت بسرعة:
— هو كلام صح؟ ولا كلامهم هما اللي صح؟
قولي أنا مين؟ أهلي مين؟ وانت تعرف حاجة عنهم؟ أرجوك، فاهمني!
تنهد زياد وقال بهدوء:
— ردّ الإجابة موجود هنا.
وطلّع نتيجة التحليل.
سألته زينب وهي متوترة:
— إيه ده؟
وضح زياد:
— لما كنت بركب ليك الجهاز، أخدنا منك عينة عشان أعمل تحليل DNA ليك مع عمي محمد، وكنت طول الوقت بشتغل على القضية لحد ما النتيجة تطلع.
سأله محمد باستغراب:
— طيب وصلت لتحليل منى إزاي؟
رد زياد موضحًا:
— يوم خطف إيمان، أخدنا عينة من الكل، وطلبت منك إنت كمان عشان احتمال يكونوا حطوا حاجة ليك، رغم إنك كنت متأكد إنك لا شربت ولا أكلت حاجة، لكن كان لازم أعمل التحليل قبل ما أتكلم. ولسه التحليل واصل من نص ساعة، قولت أنام وبكرة أجيبه وامهد الموضوع ليكم... لكن الأحداث اتغيرت، وكان لازم تطمنوا.
مسكت زينب الورقة وهي إيديها بتترعش بشدة...
رواية عشقت فتاة المصنع الفصل التاسع عشر 19 - بقلم صفاء حسني
مسكت زينب الورقة بإيدين بتترعش، عينيها بتتنقل بين الحروف والخطوط، صوت نفسها بقى متقطع كأنها بتكتم شهقة.
رفعت عينيها على زياد وقالت بصوت واهي بين البكاء والخوف:
– يعني… يعني أنا بنتهم ؟!
قرب محمد منها، ودموعه بتنزل من غير ما يحس، مدّ إيده ولمس وشها بخفة:
– أيوه يا بنتي… بنتي اللي راحت ورجعتلي بعد سنين وجع.
صرخت ياسمين وهي مش مصدقة:
– يعني… زينب بنتى ؟!
بكت زينب أكتر، وقربت منها ياسمين وضمّتها، حضن كله دموع وفرحة وخوف ممزوجين ببعض.
أما مؤمن، فكان واقف مكانه، مش قادر يصدق اللي سمعه.
بصّ على زياد وقال بارتباك:
– طب ليه خبيت علينا ده كله يا زياد؟ كنت ممكن تغيّر مصير عيلة كاملة لو قلت من الأول!
تنهد زياد وقال بنبرة جادة وهو بيبص لمؤمن مباشرة:
– ما كانش ينفع أقول قبل ما أتأكد. محمود حاول يضحك علينا ويستخدم كل حاجة ضدك، وكان ممكن يلفقلك تهمة. أنا كنت متابع كل التفاصيل خطوة بخطوة، ولما التحليل طلع النهارده بس، فهمت الحقيقة. كنت عايز أمهّد الأمور بهدوء... بس الأحداث سبقتنا.
سكت لحظة، وبصّ في عيون زينب وقال بلطف:
– الحقيقة إنك مش بس بنت عم محمد ، إنتي كمان بنت البيت ده... بيت الأصول والكرامة، واللي كانوا ميعرفوش من سنين ان عندهم بنت .
انهارت زينب على ركبها من الصدمة، صرخة مكتومة خرجت منها وهي مش قادرة تستوعب اللي سمعته.
جرى ياسمين ومؤمن يشيلوها، دموعهم نازلة من غير وعي، وكل اللي في المكان كان بيبكي… لحظة غريبة، تجمع فيها الفقد والرجوع، الوجع والفرحة، الصدمة والأمل.
رفعت زينب وشها لزياد، نظرتها كانت كلها وجع وغضب وقالت بصوت مبحوح:
– يعني إنت عايز تفهّمني إن الست دي أمي؟!
وشاورت على ياسمين وهي بتترعش.
– والراجل ده أبوي؟!
وشاورت على محمد.
– وصاحبك أخوي؟!
صوتها ارتفع وهي بتكمل:
– طيب ليه كل الفيلم ده؟ ليه اخترعت القضية عشان تستغلّني وتعمل تحليل؟! وبحجة إنك بتحميني وعايزني أشتغل معاك؟! ما كنت تكون صريح من الأول وتقولّي عايز توصلني لأهلي!
كانت عينيها بتدمع وهي بتكمل بنبرة وجع حقيقي:
– وأنا اللي كنت بقول عصبيتك وإصرارك إنّي معرفش حاجة من عصام، رغم إن كلامه كان صح! طيب ليه قلت لي مصدقش حاجة؟! أنا دماغي هتتفرتك… ممكن توضيح؟!
وقفت بتلهث، صوت بكاها مكتوم، ومفيش في المكان غير أنين مكتوم من اللي حواليها…
الكل منتظر زياد يرد، لكن هو كان واقف، ملامحه جامدة، وصدره بيعلو وينزل من شدة التوتر، وعينيه فيها ألف كلمة قبل ما يتكلم...
وقف زياد قدامها، ملامحه كانت مشدودة وصوته فيه غضب مكتوم:
– هو إنتِ جالك زهايمر ولا إيه؟ بتتهميني بيه دلوقتي؟! عايز أفهم... مضايقة ليه إنّي بعدتك عن عصام؟!
نظرت له زينب بتحدي، عينيها فيها شرارة وجع وغضب وهي ترد عليه:
– كنت قولت الحقيقة من الأول، مش تشتغلني وتعرّض حياتي للخطر!
ضحك زياد بسخرية، خطو خطوة ناحيتها وقال بنبرة لاذعة:
– هو أنا بردو اللي عرّضت حياتك للخطر؟! ولا الشجاعة اللي جوّاك وفاكرة نفسك woman and man؟ وجرحتي الشاب وانا كنت بدافع عنك وهما فضلوا يطاردوكي؟!
بص ناحية محمد وقال باعتذار بسيط:
– معلش يا عمي من اللي هقوله… بس البت بنتك دي مصيبة من مصايب الزمن!
كمل وهو بيشير عليها:
– عاملة بطاقة باسم مزوّر، ومخبية نفسها وبتنزل ميدان القتال كأنها في فيلم أكشن! ومش بس كده… عاملة فريق اسمه نساء الكينج كونج ولا فريق مصارعة! لخبطتلي دماغي لدرجة بقيت مش عارف إنتِ إنسانة عادية ولا بطلة خارقة!
الكل ضحك، الجو اتغير للحظة رغم التوتر، وهما الاتنين واقفين قدام بعض زي ديوكين بيحدفوا كلام بدل ما يحدفوا نار.
ردت زينب بسرعة، ملامحها فيها حماس وعناد:
– ولا كينج كونج ولا مصارعة يا جريتى! أنا معايا حزام في الكاراتيه، وكان لازم نحمّي نفسنا أنا وبنات الدار! ومعلش يعني، فيها إيه لما أعمل بطاقة باسم تاني؟ كنت عايزنى أمشي من غير بطاقة شخصية يعني؟!
وقربت منه بخطوة، صوتها بدأ يتهز من العصبية:
– بس إنت اللي طلعت مش سهل! بتطردني من القاهرة للإسكندرية، ومش بعيد يكون جاسر تابعك! وعملت كل ده عشان تطلع البطل قدامهم، صح؟ بس تيجي على أعصابي والتوتر اللي عشته خلال أسبوع؟! إنت كنت بتلعب بيا، وكنت قاصد تخوّفني!
صمتت لحظة، نفسها بيتقطع، وعيونها مليانة دموع مكبوتة…
أما زياد، ففضل واقف مكانه، بيحاول يخفي ارتباكه، والضحكة الساخرة اللي كانت على وشه بدأت تختفي بهدوء.
اقترب محمد من زياد وهو يحاول يكتم تأثره، وقال بصوت هادي جادّ:
– ممكن هدوء، بعد إذنكم؟ اتكلموا عن اللي حصل عشان أفهم ليه الهجوم ده.
وبعدين التفت لزياد وشكره من قلبه:
– ربنا يجازيك خير يا ابني… لو ماكنتش ورا كل خطوة، كنا هنعيش عمرنا من غير ما نعرف الحقيقة.
ابتسم زياد بتعب، وردّ بهدوءٍ عملي:
– أنا عملت اللي المفروض أعمله… ولسه في ملفات لازم تتفتح. لأن ورا خطف بنتك—أم لسان طويل ومدام إيمان—قصة أكبر بكتير من اللي واضح دلوقتي.
نظرت زينب له بغضبٍ واندفاع، وصاحت:
– إنتو بتشكروه بدل ما تسألوه ليه خالي جاسر قرب مني وكان بيحاول يغتصبني؟!
الكل التفّوا على صوتها وانصدَموا.
ردّ زياد وهو يصفّق بيديه كأنّه عايز يكسر التوتر بالغضب:
– اقسم بالله العظيم! إنتِ مجنونة؟! أنا اللي عرضتك للخطر؟ ولا أنا اللي حميتك؟
التفت بعد كده إلى مؤمن بصوتٍ حازم ومباشر:
– الموضوع كله، أخوك مؤمن معرفه بيه ؟ أنا حكّيت لك خطوة بخطوة.
نظر له مؤمن باستغراب:
– انت حكيت لي على قضية زينب، وإنك عايز تكشف المافيا اللي بتتاجر في أعراض البنات؟
هز زياد راسه بإثبات، وقال بهدوء:
– صح، هو ده اللي كنت شغال عليه من وقت ما حققت مع محمود. وقتها حكيلي إن في بنت اتخطفت من أهلها قبل إيمان، وكانت تحت عيونهم وشغالة في مصنع ملابس في إسكندرية. استغربت إنه عارف تفاصيل بالشكل ده، وبدأت أتحرك.
اتنهد زياد وهو بيكمل:
– سافرت إسكندرية، وعملت تحريات عن تقريبًا كل المصانع اللي هناك. وقتها كان لازم وزارة الصحة تساعدني في الموضوع ده، لما أخدت عينة من البنات في المصانع كلها ضمن حملة فحوصات عادية — سكر وضغط وغيره. وفعلاً حاولت أشوف إن كانت واحدة من البنات دي أختك، بس وقتها ماطلعش أي نتيجة مؤكدة.
سكت لحظة، وبعدين قال بنبرة جادة:
– معاد مصنع واحد… المصنع اللي كانت شغالة فيه زينب. هم الوحيدين اللي رفضوا الحملة، وده خلاني أشك فيهم أكتر. تابعتهم أنا وضابط كان متعاون معايا قريب من المصنع، ولما سألته قال لي: لو عايز تعرف كل كبيرة وصغيرة عن المصنع ده، عليك وعلى زينب… بنت جدعة ومبتحبش الغلط. لو شافت شاب بيوزع مخدرات بتجيبه هي والفريق اللي معاها، ومش بيسيبو المنطقة لحد ما يصفّوها.
ابتسم زياد بخفة وهو بيكمّل:
– وفعلاً بدأت أدور على زينب واتتبعها، وكنت مستني أي فرصة أتكلم معاها… ووقتها…
شهقت زينب وهي بتقاطعه، وعيونها متسعة بدهشة:
– إنت… الكهربائي، صح؟!
صرخت زينب بصدمة، وصوتها كان بيرتعش من الذهول:
– إنت... ياسر الكهربائي! كنت حاسة، أقسم بالله كنت حاسة إن ملامحك مش غريبة عليّا، بس وقتها كنت متنكر بطريقة خلتني أصدق إنك كهربائي فعلاً!
الكل وقف مذهول، عيونهم رايحة جاية بينها وبين زياد، ماعدا مؤمن ومحمد أبوها، كانوا متبادلين نظرات فيها استيعاب للحقيقة.
سألتها إيمان باندهاش:
– إزّاي يعني اتنكر؟
تنفست زينب بعمق، كأنها بتحاول تلم شتات ذاكرتها، وبدأت تحكي وهي عايشة اللحظة من جديد، صوتها مليان انفعال ودموعها بتلمع:
– كنت وقتها شغالة في المصنع، وفجأة حصل عطل في كابل الكهربا… كل الماكينات وقفت، ولا واحدة شغالة، روحت للمدير وقلتله لازم نصلحه فورًا، بس هو بكل برود قالّي: الكهربائي مش فاضي دلوقتي. ساعتها صرخت فيه: يعني إيه مش فاضي؟ هو بيستهبل ولا إيه؟! المكنات كلها متعطلة، والشغل كله واقف بسبب الكهربا، هات العنوان وأنا هجيبه غصب عني!
وبالفعل، خدت العنوان وروحت هناك، ولما وصلت… شُفتُه. الباشا بنفسه… واقف قدامي! ظهره لي، وعيونه الزرق وقت ما لف، وشعره كان مكتم، ولبسه بسيط زي عمال الورش، بس ملامحه... ملامحه عمرها ما كانت ملامح كهربائي عادي. وقتها اتخنقت معاه وقلتله وأنا متوترة: إنت يا أستاذ! يعني إيه رافض تصلّح كهربة المصنع؟!
(فلاش باك – قبل شهور في مصنع الملابس بالإسكندرية)
كانت زينب واقفة قدام بوابة صغيرة مكتوب عليها "مكتب الصيانة"، والجو حرّ والمكان كله دوشة عربيات ومولدات، بس هي كانت مصمّمة تدخل وتشوف الكهربائي اللي "مش فاضي".
طرقت الباب بشدة وقالت بنفَس متضايق:
– يا أستاذ إنت ! افتح، المصنع واقف من الصبح!
فتح الباب بهدوء، وخرج زياد (المتنكر في شخصية ياسر الكهربائي)، لابس بدلة شغل زيتية ووشه عليه تراب خفيف، لكن عيونه الزرق كانوا يلمعوا بشكل غريب يخطف النظر، وشعره البني الغامق كان متكتم تحت الكاب، لدرجة إن زينب اتلخبطت أول لحظة وهي بتبص له.
اتنحنح وقال بنبرة باردة:
– هو إيه اللي واقف؟ أنا مش فاضي دلوقتي، عندي شغل تاني أهم.
اتنفسِت زينب بحدة، وحطّت إيدها على خصرها:
– هو في أهم من المصنع؟! كل المكنات وقفت، والعمال قاعدين، والمدير بيزعق لي كأني السبب! قوم معايا دلوقتي شوف الكابل، ولا أقولهم إن الكهربائي المحترم رافض يشتغل؟!
ابتسم زياد بخبث بسيط وقال وهو بيرفع حاجبه:
– واضح إنك حامية شغلك أوي يا أستاذة زينب، بس برضو... مش كل حاجة تتصلّح بالغُصب.
اتقدمت له وهي بتتكلم بسرعة:
– لأ، دي تتصلّح بالغُصب والرجولة كمان. الناس دي بتاكل من المصنع، والستات دي وراهم بيوت، يعني سيادتك لازم تتحرك بدل ما الشغل كله يتشل!
وقف لحظة وهو بيتأملها، مبهور بعنادها وعينيها اللي بتلمع بالحماس رغم العصبية.
قال بهدوء:
– تمام يا أستاذة، هاجي أشوف الكابل... بس لو طلع مش من الكهربا، هتحلّفي إنك تعتذريلي.
لفت وشها وقالت بإصرار:
– وإنت لو طلع من الكهربا، هتحلف إنك هتيجي تصلحه من غير تأنف تاني!
ضحك بخفة، ومسح إيده في الفوطة اللي كانت على كتفه:
– اتفقنا... وريني الطريق يا شجاعة.
كانت أول مرة عيونهم تتقابل فيها بشكل مباشر، لحظة قصيرة بس كأنها سببت شرارة خفية بينهم، هي شايفاه كهربائي مغرور، وهو شايفها بنت عنيدة مش شبه أي بنت شافها قبل كده.
ونجحت زينب تقنعه أو هي فاكرة كدة.
دخلت زينب قدّامه بخطوات سريعة، العمال كانوا واقفين على جنب، ووشوش البنات متوترة من الزعيق اللي طالع من المدير، لكن أول ما شافوا الكهربائي داخل، الكل سكت.
زياد رفع نظره للسقف وقال بهدوء:
– هاتوا لي سُلَّم وسلك نحاس... والمفتاح الكهربا فين؟
كانت زينب واقفة قريب منه، بتتابع كل حركة بيعملها بعينيها، مش قادرة تمنع نفسها من ملاحظة إن تصرفاته مش شبه أي صنايعي قبل كده، هدوءه، تركيزه، طريقته في مسك الأدوات، حتى طريقته في الكلام فيها ثقة غريبة كأنّه متعود يدي أوامر مش ينفذها.
قربت منه وقالت بنبرة شك:
– هو حضرتك متأكد إنك كهربائي؟ يعني شكلك حاسك جي من فيلم ولا إيه؟
وضحكت البنات كمان.
ضحك بخفّة من غير ما يرفع نظره وقال:
– ليه، أول مرة تشوفي كهربائي وسيم ولا إيه؟
اتسعت عيونها وقالت بسرعة وهي بتحاول تمسك ضحكتها:
– وسيم؟! لا مؤاخذة... بس شكلك مش طبيعي، يعني ما ينفعش تبقى بتصلّح كهربة وانت لابس ساعة بالشكل ده!
وقف، وبصّ في عينيها بنظرة طويلة وهو بيقرب منها خطوة:
– واضح إنك بتركزي أوي في التفاصيل يا أستاذة زينب، بس خدي بالك... اللي بيراقب كتير، ممكن يتكشف أسرع.
سكتت للحظة، قلبها دق بخضة مش مفهومة، مش عارفة هو بيهزر ولا بيهددها، بس في حاجة في نبرته خلتها تحس إنها لازم تبعد.
اتراجعت خطوة وقالت بخفّة دم مصطنعة:
– لا متخفش، أنا ماليش دعوة بأسرارك، كل اللي يهمني الكهربا ترجع والمكن يشتغل.
ابتسم وقال وهو بيبدأ يركب الكابل:
– تمام يا شجاعة... كله هيشتغل حالاً.
وبالفعل، بعد أقل من عشر دقايق، النور رجع والمكنات بدأت تشتغل تاني، وصوت الضجيج غطى على كل حاجة.
المدير دخل وقال مبسوط:
– برافو يا ياسر، أنت أنقذت اليوم.
بصّت له زينب بامتنان خفيف وقالت:
– ماشي يا أستاذ ياسر الكهربائي، المرة الجاية لما نندهلك، تيجي بسرعة، مش كل مرة أهددك بالشغل عشان تتحرك.
ابتسم ابتسامة جانبية وهو بيخلع الكاب:
– والمرة الجاية لما تتخانقي معايا، احفظي ملامحي كويس... يمكن تحتاجيلي تاني.
فضلت تبص له لحظة قبل ما يمشي، حاسّة إن فيه حاجة غريبة في طريقته، نظراته فيها لغز، فيها شيء مش مفهوم... بس وقتها كانت فاكرة إنه مجرد "كهربائي شاطر ومغرور".
بعد ما صلح الكهربا في المصنع من بعد اليوم ده، ماقدرتش زينب تنسى ملامحه.
كان بييجي للمصنع أوقات يراجع الكابل أو يشوف حاجة بسيطة، وكل مرة كانت تلاقي نفسها بتدور عليه بعينيها من غير قصد.
لحد ما بقت طريقها للمصنع دايمًا يعدّي جنب ورشة الكهربا.
كانت تمشي بخطوات مترددة، تبص من بعيد من غير ما توقف، بس قلبها دايمًا يسبقها.
كل مرة تشوفه فيها، تحس بنفس الدقة دي في صدرها... مفيش سبب، بس في حاجة جواه بتسحبها من غير إذن.
وفي يوم، وهي معدّية كالعادة، خرج من الورشة فجأة.
وقف قدامها وهو ماسك مفك في إيده وابتسامته فيها لمعة خفيفة من الدهشة.
ياسر (بنبرة ما بين المزاح والاستغراب):
– هو لسه في مشكلة في الكهربا في المصنع؟ كل يوم أشوفك ماشية من هنا!
اتجمدت زينب لحظة، وشها احمر وهي بتحاول ترد:
زينب (بتوتر):
– لا… لا خالص، كنت رايحة أجيب حاجات من السوق اللي بعد الورشة.
ضحك بخفة، بصوت دافي غصب عنها خلاها تبتسم رغم إحراجها.
بس فضولها غلبها، وبصت له وقالت:
زينب (بفضول واضح):
– بس… إنت مش باين عليك كهربائي عادي!
قبل ما يرد، خرج صوت من جوه الورشة.
صاحب الورشة (بنبرة فخورة):
– صح يا زينب، دا ياسر مش صنايعي، دا مهندس كهرباء متخرج جديد، بس مكنش لاقي شغل، فاشتغل معانا مؤقت لحد ما يلاقي فرصة مناسبة.
بصّت له زينب بانبهار، وعيونها لمعت فجأة، كأنها فهمت ليه دايمًا حسته مختلف… مفيهوش لا كسل الصنايعية ولا غلظتهم، فيه رِقّة وهدوء وثقة.
زينب (بصوت واطي كأنها بتكلم نفسها):
– كنت حاسة فعلاً إن فيك حاجة مش شبه الباقيين.
ابتسم ياسر وهو يرد عليها بنظرة طويلة، فيها غموض يخطف الأنفاس:
ياسر:
– ممكن تكوني حسيتي صح… وممكن لأ.
وسابها ومشي جوه الورشة، وهي وقفة مكانها، قلبها بيتخبط كأنها سمعت وعد مش مفهوم.