الفصل 25 | من 33 فصل

رواية عشق خالي من الدسم الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم فاطمه سلطان

المشاهدات
20
كلمة
2,097
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 76%
حجم الخط: 18

في صباح يومٍ جديد في الإسكندرية عروس البحر المتوسط كانت تسنيم تجلس بمفردها بعد هبوط مروان إلى المطعم. رن هاتفها وكان المتصل تعرفه جيدًا، والدتها. أجابت عليها تسنيم بلهفة لم تستطع إنكارها مهما كذبت. -الو. -إيه يا تسنيم عاملة إيه؟ -أنا كويسة، إنتِ عاملة إيه؟ -الحمد لله يا بنتي. أنا اتصلت أطمن عليكي وأقولك متزعليش مني يا بنتي على آخر مكالمة ما بينا، أنا كنت زعلانة في وقتها وللأسف جت فيكي، آسفة يا ضنايا.

كانت تتحدث كريمة بنبرة أوخزت قلب تسنيم، لتشعر بانزعاج شديد بسبب نبرة كريمة التي كان يظهر فيها شهقاتها وحزنها الطاغي عليها. لأول مرة تستشعر هذا الحزن وراء نبرة والدتها. -خلاص الموضوع عدى. قالتها تسنيم بنبرة باردة بعض الشيء، رغم شعورها بالحزن ولكن لم تستطع أن تقول أنه ليس هناك شيء أثر بها، ولا يمكنها القول أنها سامحت أو نست. -ماشي يا تسنيم.. أنا اتصلت أشوفك عاملة إيه.. مع السلامة يا بنتي.

أغلقت كريمة دون قول كلمة واحدة مفيدة، ولكنها حملت بين طيات كلماتها المعتادة والمبعثرة والتي لم تخلو من الكثير من الندم. لم تبكي تسنيم بعد تلك المكالمة، ولكن ظل عقلها مشغولًا فيما حدث وجعل والدتها تتحدث بهذا الضعف، فمن المؤكد بأنه ليس طلاقها فقط. تنهدت ونهضت من جلستها وذهبت إلى المرحاض لتتوضأ وتصلي العصر قبل أن يُغالبها الشيطان ويجعلها تسهو. *** في القاهرة تحديدًا شقة أشجان الجديدة.

-مروة متخلنيش أقوم أولع فيكي وأنتِ قاعدة كده متعصبنيش.. أنتِ لسه مشتكيتهاش بالوصل يا روح أمك. قالتها أشجان بغضب شديد وهي تعود لسحب أنفاسها من تلك الأرجيلة الموجودة أمامها لتخرج الدخان من فمها بغضب شديد. فصاحت مروة بها قائلة بسخرية: -حاسة إنك مش واخدة بالك إن أخويا لو حبستها هيعرف وهيجي يكلمني أنا. انطلقت منها ضحكات أنثوية رنانة ومائعة، ثم هتفت أشجان بحدة بعض الشيء:

-سلامات يا أخوكي.. هو أخوكي لو كان دايب في دبايب أمها خلاها تكتب وصل الأمانة ليه؟ كان فاكرنا هنسمي عليها.. بقولك إيه يا مروة أخرجي معايا أسبوع، لو معملتيش اللي قولنا عليه أنا زعلي هيكون وحش وأوحش مما خيالك يوديكي. توترت مروة من عين أشجان التي لا تبشر بأي خير، فهي قتلت زوجها حتى ترثه، فهل ستشفق عليها؟ أردفت مروة بخفوت وتوتر شديد: -ماشي، هعمل اللي تعوزيه بس افرضي عمي عرف وهكون أنا في الوش.

-لما يعرف هتصرف معاه أنا. وبعدين يا مروة أخوكي مش هيقتلك لو عرف إنك حبستي مراته.. بس أنا اللي هزعلك ومش بعيد أقتلك لو ضايقتيني، أنا مبسميش على حد. قالتها أشجان بسخرية وهي تعود لشرب تلك الأرجيلة وهي تعي كل كلمة قالتها ولا يهمها شيء. ***

في المساء بعد أن قضى مروان أغلب الوقت في مطعمه ويقوم بحل تلك المشكلات التي صادفت في تواجده وغياب صديقه، يشعر بمدى التقصير معها كونه يتركها في أولى أيامهم وبداية حياتهما. فقرر أن يتلافى هذا التقصير في هذا المساء بأن يدخلا السينما لمشاهدة أحد الأفلام الأجنبية (الرعب)

صعد إلى المنزل ليخبرها بهذا الخبر، وبالفعل هبطت معه بعد أن فرحت لفعلته خصوصًا بسبب تفكيرها طوال اليوم بمكالمة والدتها والتي لم تخبر مروان بها، ليس لأنها تريد إخفاءها فقط، لأن والدتها لم تقل شيئًا هامًا إن كان سيئًا أو جيدًا، فهي مجرد تحليلات تخرج منها. حينما وصلوا إلى صالة السينما هتفت تسنيم بحنق مقلدة إياها:

-هخرجك يا تسنيم، بصي هبهرك.. جايبني فيلم رعب يا مروان هتجلطني قريب.. يعني على أساس إني ببقى مبسوطة في البيت وأنت بتتفرج عليهم. -يعني أنا بخرجك مش عاجبك؟ قالها بشيء من الضيق الذي استطاع رسمه على ملامحه ببراعة، فهتفت تسنيم وهي تكلزه بخفة: -آه طبعًا مخرجني.. أنتَ مخرج نفسك، أنا ممكن منامش 3 أيام بسبب فيلم رعب.

-خيرًا تعمل شرًا تلقى.. وبعدين هتنامي متقلقيش من النقطة دي، بتاعتي أنا هنيمك قتيلة.. استمتعي باللحظة خلاص الفيلم هيبدأ. قال كلماته بشيء من المرح ليعتدل في جلسته ويخرج نظارته الطبية التي يرتديها أحيانًا لترمقه تسنيم بهدوء. كيف له أن يكون وسيمًا هكذا في كل أحواله؟

لا تدري هل هذا الأثر يقع على كل من يراه، فهل يراه الجميع جذابًا وأخاذًا لتلك الدرجة ولافتًا للأنظار، أم عيناها المُحبة من تدفعها لأن تشعر بأن لا يوجد على الأرض شخص يتخطى جماله؟ فهتفت تسنيم بضحكة تلقائية خرجت منها: -تحس بالنضارة دي إنك دكتور.. مهندس.. حاجة في الرينج ده، في وقار غير طبيعي. جلس بأريحية ومتصنع الغرور على أكمل وجه:

-عارف عارف.. أنا روحت للراجل قولتله عايز نضارة فخمة تخليني أستاذ أحمد زويل أو أستاذ مجدي يعقوب، أخليها لبروفايل الإنستا بتاع المطعم بس قلبت على مجدي شطة.. بس كله خير. ضحكت تسنيم على طريقته، ثم هدأت قليلًا حينما بدأ الفيلم. ***

كانت قد أغلقت عيناها حتى لا تشاهد تلك المناظر المخيفة المتواجدة في هذا الفيلم الذي أثار رعبها. لا تدري هل هو يريد أن يقوم بالتنزه معها أم يفزعها، بينما هو كان يشعر بالسعادة وتجلي على ملامحه الانبهار، فلما لا؟ فهذا هو النوع المفضل لدى مروان. لا تدري لما وافقت على ذلك، فهي تخاف وبشدة من تلك الأفلام، يا ليتها لم تأت.

كانت تجلس على المقعد وكانوا بالصف الأخير، وحينما أغلقت عيناها وتارة تفتحها وتعبث في هاتفها وتغلق عيناها مرة أخرى حتى غفت في الربع ساعة الأخيرة من الفيلم. لتستيقظ على تلك الأصوات الضاحكة، أحدهما صوته الرجولي التي تميزه وتعرفه جيدًا، والآخرين أصوات أنثوية. لتفتح عيناها وبشدة حينما سمعت مروان وهو يهتف: -آه ده الرقم. رفعت رأسها التي كانت تميل بها على كتفه أثر غفوتها، فصاحت وعلي ما يبدو قد انتهى الفيلم: -أنتَ بتعمل إيه؟

-أعرفكم مراتي. قال مروان تلك الكلمات ببسمة واسعة وهو يشير لها. رحبت بها الفتاة وصديقتها وقد نهضا على الفور بعد أن صافحا أياها بحفاوة شديدة، فهتفت تسنيم وهي تجز على أسنانها: -ملحقتش أقفل عيني، أصحى ألاقيك بتشقط ولا بتتشقط، أيهما أقرب. تركته وخرجت خارج صالة السينما، فأردفت حينما أمسك يدها: -سيب إيدي. -هو أنا جيت جنبك، وطّي صوتك.

قالها بشيء من المرح والحدة التي لا يجيد أحدهما التحدث بهما في آن واحد سواه. حاوطها بذراعه خارجًا من المكان بأكمله حتى وصلوا إلى الكورنيش محاوطًا إياها بذراعيه ليضحك تلقائيًا وهو يسمعها تتمتم بغيرة شديدة كلمات فهم بعضها والبعض الآخر لم يفهم منه شيء. فهتف بسخرية: -يعني بذمتك يوم ما هروح أشقط.. هشقط وأنتِ جنبي.. يعني هكون خاين وغبي كمان، والله إهانة في حقي مش مسموحة. -متستعبطش، ده أنتَ كنت بتديها الرقم، أنا سمعاك بودني.

قالتها بغضب شديد، فهتف مؤكدًا: -أيوه وادتها كمان الإنستا. كادت على وشك أن تخنقه وتكتم أنفاسه، ولكن ما منعها وجودهما في الشارع فقط. فهتف وهو يمسك يدها قائلاً بمرح: -بنشط الشغل عشان الراجل الغلبان اللي لسه متجوز، مش عشاني لا، بضحي بنفسي عشان دخلنا يزيد. أبيع نفسي لأول شخص طالب كريب أو بيتزا. أتيبيشبهوا عليا. ولما عرفوا إني بعوزه رقم المطعم عشان الدليفري.. هخونك وأنتِ جنبي؟ أنا أخلاقي متسمحليش أعمل كده.

ارتخت ملامحها قليلًا ثم هتف بمرح: -لما متكونيش موجودة عادي. لا تدري هل تضحك على مرحه أم تغضب بسبب غيرتها. ظلوا يمشون متشابكين الأيادي رغمًا حتى عن غيرتها وحنقها. يكفي لمسة يده المطمئنة لها، وكأنه حتى بذلك الفعل البسيط يستطيع بث بها دفء مشاعره واحتوائه. لأول مرة تصف نفسها بأنها محظوظة بعثورها عليه، أو بالأحرى تعثرها به. كانت سعيدة الحظ به، وكأن القدر يقول لها قد جاء ذلك العوض الذي ظننته خرافة يومًا ما.

ذهبوا إلى المتجر المتواجد بجانبهم لشراء بعض المعلبات والأشياء التي يحتاجها المنزل، ثم صعدا وكانت تسنيم تحاول رسم الانزعاج على ملامحها. فتحت الشقة وتوجهت إلى الغرفة، وكانت على وشك غلق الباب ليأتيها صوته الذي يقترب منها: -خلاص مبقاش في قفل بيبان يا قطة. كتمت حنقها منه وخجلت في نفس الوقت، وحتى خجلت من حماقتها، فأي باب ستغلق إذا كان قد فسد جميعًا الأقفال، حتى ذلك الساخر فتح وأفسد قفل قلبها المُحكم.

فهتفت بانزعاج وقد ولجت إلى الغرفة أثناء حديثها وفتحت حقيبتها لإخراج الملابس: -طب بذمتك يا شيخ ده ينفع.. يعني في حاجة تقول إن حتى باب الحمام ميقفلش؟ افرض جت ريهام ولا جه حد ويلاقي المنظر ده، اسمه إيه؟ خلع سترته السميكة وذلك الوشاح الذي كان يحاوط عنقه وهو ينظر لها نظراته الماكرة والشغوفة:

-هنقوله كان عندنا حبة مشاكل مع البيبان كده وربنا كرمنا. ثم إحنا محدش يدخل في البيبان بتاعتنا، إحنا بنحب الطراوة ونفتح البيبان على بعضها. كفاية قفلة وخنقة. ما أن انتهى من تلك الكلمات خلع ساعته، فتمتم بمكر وهو يقترب منها: -أنتِ شكلك لسه زعلانة مني، أعمل إيه يا تسنيم؟ أنا بحب النشاط الاجتماعي وعايز أنشط السياحة الداخلية في مصر. -قد إيه أنتَ راجل عظيم. أمسكته من ياقته بدلال قليلًا، هاتفه بشراسة لا تليق

بها ولكنها حاولت تصنعها: -عايزك تعمل اللي انتَ عاوزه، مش هاممني. -فعلاً مش هامك، باين عليكي صادقة يا غالية.. أصل يا بت يا تسنيم أنا بحب أنشط السياحة الداخلية أوي لغاية ما أقدر أنشطها خارجيًا بقا... بس قبل ما أتنشتط برا نبدأ نشاط اجتماعي صغنن كده ما بينا، مهو أنا مؤمن بمقولة أبدا بنفسك أوي. قالها وهو يميل مقبلًا شفتيها برقة تسبق جنونه، فهتفت بخجل وخفوت ولا بأس أن كانت نبرتها مرحة قليلًا: -بنفسك يا حج.. بنفسك.

-ولو ولو.. أنا اعتبرتك نفسي أومال أنتِ فاكرة إيه؟ وبعدين اسكتي عشان النشاطات اللي من النوع ده تحب الصمت. كادت أن تتحدث ليبتلع ما في جوفها بعدما لثم شفتيها بعشق شديد وشغف وكأنه لم يمتلكها قط. ما زال مفتون بها فوقع تحت أشد أنواع السحر، سحر الحب.. فهو يدرك ما معنى أن تحبك امرأة دون شروط أو قيود، تحبك وكأنك وطنها الوحيد وعائلتها ومعارفها.. وكأن أحدهم يعشقه للمرة الأولى.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...