تحميل رواية «عشق الصقر» PDF
بقلم سارة حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى المحافظات في صعيد مصري، يجلس هو، حفيد عائلة الجارحي، أقدم عائلات الصعيد وأكثرهم تواجدًا في المجالس العرفية، نظرًا لشدتهم في الحق ونصر المظلومين. ينزل بطلنا على الدرج بطول فارِه، فهو طويل القامة، عريض المنكبين، يتميز بالبشرة السمراء لتعرضه للشمس. يزين وجهه هذه اللحية، وتزيد عليه الوسامة بإحدى الغمازتين لتزين وجهه الرجولي. بجلبابه الصعيدي المعتز به جدًا، وهو في العقد الثالث من عمره، ينزل بكبرياء وثقة لا تليق إلا به، فهو حفيد عائلة الجارحي. (صقر رحيم عتمان الجارحي) توجه إلى الإفطار مع عائلت...
رواية عشق الصقر الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سارة حسن
دخل البيت الكبير، خطواته توحي باندفاعه وحفيف عباءته من حوله ترفرف لسرعته.
قال صقر متسائلاً بقلق: "خير يا جدي؟"
التفت إليه عتمان وقال: "مش خير يا صقر، مش خير يا بني."
انقبض قلبه ودارت عيناه في وجوه الموجودين، لم يجدها.
قال بتوجس: "إيه اللي حصل؟"
أجابه جده قائلاً: "كارما مش لاقينها، دورنا عليها في البيت كله مالهاش أثر."
قضب جبينه بارتياب وتساءل: "محدش شافها وهي خارجة مثلاً؟"
نفى رحيم وقال: "سألنا الموجودين هنا محدش شافها."
اضطرب للحظة وتسرب القلق إليه. نظر لشقيقته وقال: "إمتى آخر مرة شوفتيها يا زهرة؟"
أجابته على الفور: "العصر تقريباً، كنت عندها في أوضتها وبعدين دخلت..."
صمتت. وعيناها على إيناس بشك.
هتف بها صقر بنفاذ صبر: "وبعدين؟"
"دخلت علينا إيناس وقالت إنها عايزة تتكلم معاها لوحدها وأنا خرجت، ومن بعدها مشوفتهاش."
التفتت جميع الأعين لها. ارتبكت إيناس واهتزت وهي ترى خطوات صقر إليها.
عيناه لم تنذر بالخير أبداً. ثم قال بصوت خشن أجش: "عملتي إيه؟"
تلجلجت الكلمات على لسانها وأجابته بارتباك: "عادي يعني، وأنا هاعملها إيه؟"
احتدت عيناه وصرخ بوجهها مما جعلها تنتفض مكانها خوفاً: "مش هاعيد سؤالي تاني."
"من هذا؟ هل هذا صقر الذي تعرفه؟"
"الذي أمامها رجل يكاد يجن من غيابها عن عينيه. تنظر إليه باستغراب وحنق لما كل هذا، ماذا حدث له ولهدوئه المحتفظ به دائماً، متى وصل صقر لتلك الحالة؟"
"اللمعت عيناها بالحقد وقالت مشددة على كلماتها: 'قولتلها اللي المفروض يحصل، قولتلها إننا مكتوبين لبعض من وإنت عيل صغير وأنا كنت بظواهر، وإن البلد كلها عارفة إني هاكون مرات الكبير، قولتلها إنها حرامية زي أمها.'"
"ثم صرخت بوجهه وقالت: 'قولتلها إنك حبيبي ومش هاتكون لحد غيري.'"
شهقت كل من زهرة ووالدتها. ولطمت سعاد على وجهها من اندفاع ابنتها.
قبض صقر على يده بقوة وكان على وشك صفعها عدة صفعات متتالية لعلها تفيق من هواجسها.
جذبها من ذراعها حتى كاد يتهشم بيده وهزها وصرخ بها بغضب: "يا ويلك مني لو حصل لكارما حاجة بسببك يا إيناس. كلامك ده ها تتحاسبي عليه بعدين، لكن بعد ما أرجع بيها."
ثم تركها واهتزت مكانها. ركضت عليها والدتها محتضنة إياها وهي كالمتخشبة بين ذراعيها.
مسح رحيم على وجهه بأعصاب متعبة وقال لوالده الهادئ بريبة: "إنت كويس يا با؟"
استند عتمان على عكازه وتحرك لخارج البيت قائلاً: "هاستناهم بره، مابقتش أعرف آخد نفسي هنا. اللطف من عندك يا رب."
اتجه للغفير وسأله: "كارما خرجت من البوابة الكبيرة؟"
أجابه الغفير: "لا يا بيه، الست هانم رايحة ناحية الإسطبل."
توجه سريعاً للإسطبل، بحث عنها ولم يجد لها أثراً أيضاً.
التفت حول نفسه يحاول تهدئة أفكاره المتزاحمة. يخشى خروجها بمفردها مرة أخرى ويحدث ما حدث المرة الماضية.
أزاح عمامته عن رأسه ومسح على شعره. توقفت يداه عندما وقع نظره على مكان إحدى الفرس الفارغة. لم يفكر مرتين وهو يفك سرج سلطان ويصعد فوقه.
منطلقاً به لذلك المكان لعله يجدها به.
انطلق بفرسه بسرعة عالية، ممسكاً بلجامه بقوة والفرس وكأنه يطير على السحاب دون أي عوائق. كان أقرب للفارس الممتعض، حصانه يبحث عن الأميرة.
الأميرة التي وجدها مستندة على تلك الشجرة العتيقة. نزل من على حصانه وهرول إليها ثم وقف أمامها، يأخذ أنفاساً متتالية براحة لرؤيتها أمامه.
"كارما."
كان ندائه هادئاً وخافتاً، به من الخوف والعتاب أيضاً.
رفعت رأسها لأعلى ونظرت إليه. وجثى أمامها. ضيق عينيه من بكائها وعينيها الحمراء المنتفخة. شعر بتلك الوخزة لرؤيتها بتلك الحالة.
قال وهو يتفرس ملامحها بقلق جلي على ملامحه: "ليه كده؟"
مسحت عبراتها بظهر يدها بقوة واستقامت واقفة دون أن تجيبه. اتجه إليها ووقف أمامها مانعاً مرورها.
قالت له بضيق: "مالكش دعوة بيا."
هتف بها صقر: "إيه اللي حصل وصلك لكده؟"
صرخت بوجهه قائلة: "اللي وصلني لكده! كذبك اللي وصلني لكده."
أشار لنفسه وقال مستنكراً: "كذبي أنا؟"
كادت أن تتركه دون إجابة، لكنه لأول مرة يحذبها من ساعدها وقال بانفعال: "لما أكلمك تقفي وتكلميني."
هدرت به وهي تدفع يده بعيداً عنها: "أنا ما بنفذش أوامر."
لوح بيده وقال بصبر نفذ صارخاً بها: "أي أوامر يا كارما؟ فيكي إيه؟ طايحة وواخدة في وشك. خرجتي برة الدار من غير إذن حد ومحدش عارف ليكي طريق. وقدامك أهو بعد كل غضبي منك وخوفي عليكي مستنيكي تهدي وأسمع منك حصل إيه. وإنتي كل اللي بتفكري فيه أوامر! أوامر إيه، ده لو حد غيرك اللي عمل كده كنت عرفته إزاي ينفذ أوامر صقر الجارحي."
لم ترمش بعينيها حتى انتهى، ولم تخفض عينيها عنه طوال حديثه، حتى بعد ما تنتهي، ما زالت تحدق به بتلك الطريقة المحيرة له.
خرج صوتها وقالت كارما: "جدي اللي طلب منك تتجوزني."
أجاب على الفور: "جدي ما يعرفش بالقاعدة، وكلامي حصل من غير ترتيب حتى مني."
ابتلعت ريقها واهتزت العبرات بمقلتيها: "أختي بتحبك."
بهتت ملامحه للحظة. واستعاد صقر طبيعته مجيباً عليها: "عمري ما اتعاملت معاها بطريقة غير زهرة."
أغمضت عينيها لبره وأردفت: "كرهها ها يزيد ليا أكتر."
أخذ نفساً عميقاً وقال وهو يرفع يده ويمسح على شعره: "مش بإيدي، إيناس طول عمرها قدامي من قبل ما إنتي تظهري بسنين. أهالينا زمان قالوا إنتوا لبعض، بس لما كبرنا كل حاجة بتتغير."
قاطعته وقالت بتعب: "ماتغيرش يا صقر، إنت كنت عارف."
"أنا عمري ما وعدتها ولا حد من البيت اتكلم في الموضوع ده، هي اللي اختارت تفضل عايشة في وهم. عمري ما عاملتها أكتر من معاملة زهرة."
مسحت على وجهها وقد بلغ منها الإرهاق. ألقى عليها نظرة حانية. ود لو يهدئها بين ذراعيه، لو له الحق في أن يزيح تلك العبرات عن وجهها.
انتبه على صوتها المتسائل بحيرة: "تفتكر قرار رجوعي كان غلط؟"
"حتى لو ما كنتيش موجودة ما كنتش ها أتجوزها."
حاوطهم الغروب، وأضاف للمكان حولهم لمسة من السحر. تركها ثم وقف على ذلك الحجر الكبير، الذي أوضح له رؤية البلدة بأكملها، وكأنه فارس يطمئن على حاشيته من أعلى.
نظرت لظهره المتصلب وكأنه يفكر بشيء جذب انتباهها.
تساءل صقر دون أن يلتفت لها: "ليه كلام أختك أثر فيكي كده؟ يعني.. إنتي لسه ما قولتيش رأيك موافقة أو لا؟"
زاغت عينيها بارتباك والتفت لها دون أن يتقدم لها قائلاً: "هو شعور إيناس فارق معاكي ليه؟"
ضمّت شفتيها وأجابته بخفوت: "مش سهل تكون أختي بتحبك."
هتف صقر بها بصوت هادئ ولكن قوي مسيطر: "وأنا بحبك.. ليه مصعبة الحقيقة دي؟"
رفعت عينيها إليه وأجابته معترفة بصوت مهتز: "عشان لقيت نفسي.. بحبك."
"لحظة.. لحظة.."
"هل ما استمعه صحيح؟"
استغرق منه الأمر بضع لحظات، مجرد لحظات حتى تقدم ووقف أمامها بأعين لامعة عاشقة. ضحك بخفوت وقال وكأنه يتأكد مما استمعه: "إنتي قولتي صح."
أومأت برأسها وارتسمت ابتسامتها رغم ملامحها المنهكة.
تقابلت عيناها وكأنها خيوط ذهبية تشبه تلك التي في وقت الغروب، في سماء تشبه عينيه، واسعة وبها من البراح ما يجعلها تحلق به. تلك العيون السوداء التي تنظر إليها الآن باحتواء في أكثر أوقاتها هشاشة.
اتسعت ابتسامته وقال بعد أن تنهد بعمق: "أنا راضي جداً بعد الفرهدة دي، تكون دي مكافأتي."
صمت لبره وقال وعيناه تؤكد على حديثه أمام عينيها: "أوعي في يوم أي حد يشككك في حبي ليكي أو يخوفك مني، كارما لما بتغيبي عن عيني و بكون مش عارف طريقك، برج من دماغي بيروح و ببقى مش شايف قدامي."
قالت له بصوت غلفه الهدوء: "حسيت إني مخنوقة ومش عارفة أروح فين، أول مكان فكرت فيه، المكان ده، مكانك."
"مكاننا." قالها برقة قاطعاً حديثها.
فا ضحكت بخفوت وهتفت بخجل: "يعني ماحدش جه هنا معاك قبلي؟"
"ولا من بعدك."
ابتعدت بعينيه عنه، غير قادرة على كل تلك الأحاسيس تجاه، كل تلك الجاذبية التي يمتلكها، دون أن يفعل شيئاً، فقد يحدثها ويبتسم وينظر إليها بتلك الطريقة التي تشعرها أنها الأنثى الوحيدة على الأرض.
انتبهت على صوته الأجش المسيطر برنته قائلاً: "خير البر عاجله."
ارتفعت حاجبيها للسماء وقالت بدهشة: "بسرعة كده؟"
مال للأمام ونظر لتلك الدموع المازالت عالقة بعينيها ووجنتيها. وبصعوبة قيد فكرة أن يزيلها وهمس لها: "مش عايز حواجز بيني وبينك."
ابتعدت خطوة للخلف وغزا الحمرة وجنتيها وهتفت قبل أن تتجه للفرس وتركبه برشاقة: "هافكر وأبعتلك الرد مع جدي."
"تتدللي!"
ضحك صقر وركب سلطان بقوة وأشار لها بتلك الطريقة التي يعرف أنها تستفزها وفعلها عن قصد، تسابقوا معاً للوصول وتركك لها المجال أن تكون الرابحة، فأي سباق سيحدث وهي قد كسبت وهو قد أعلن رايته لها.
رواية عشق الصقر الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سارة حسن
اختفى عن الأنظار ليومين.
في رسالة خاصة أن ترسل له جوابها.
وها قد طلب الجد رؤيتها، متأكدة من سبب طلبه لها.
استقبلها كعادته بتلك البسمة الحانية وجلست بجواره.
ودون مقدمات منها، وجدت نفسها تسرد على مسامعه كل ما يجيش بصدرها اتجاه شقيقتها.
تخشى ألمها وازدياد كرهها لها أكثر، كرهها التي قابلته من أول يوم لها دون أن تفعل ما تستحق ذلك.
تحكي خوفها من القادم معها وما كانت تمني نفسها به اتجاهها.
استمع لها عتمان بأنصات وصبر.
ولكنها قالت بعتاب: "ليه ما اتقبلتش أمي وجوازهم؟ يمكن كنا دلوقتي أحسن من كده."
أجابها بعدما انتهت.
التفت لها برأسه وقال بهدوء: "يوم ما أبوكي قابل أمك قالي يابا أنا لقيت نصي التاني، مع إنه كان متجوز ومخلف... بس عشق.
وأنا عارف إنه ما حبش سعاد وأنا اللي فرضتها عليه.
كنت عايز أربطه هنا مع اللي أنا شايفها مناسبة ليه.
أنتي مالكيش ذنب، ده غلطتي أنا.
أنا اللي كنت المفروض أتقبل قرار ابني ونتائجه، لكن غضبي من عصيانه ليا هو اللي وصلنا لكده."
ثم تنهد وقال بصوت مختنق: "حتى لما طلب منه يرجع، اتهرب بحجة حياته اللي هناك وإن أمك مش هترتاح هنا.
كل واحد شاف الصح بطريقته.
الحاجة الوحيدة اللي ما قدرتش ألوم أبوكي فيها إنه ما حبش سعاد أو هي ما عرفتش تخليه يحبها.
لكن هو أداها حريتها وهي اختارت تفضل هنا."
صمت كلاهما ولم يعد هناك المزيد من الحديث لذلك الشأن.
مسح على رأسها داعياً لها بالصلاح وأن يحفظها الله من كل سوء.
ابتسمت له كارما وقالت: "ليه بحسك خايف عليا طول الوقت؟"
أجابها عتمان: "علشان فعلاً خايف عليكي.
أقولك حاجة بس ما تفكريش إني بقولها علشان توافقي على صقر."
أومأت برأسها تحثه على الاسترسال.
"ما حستش إني هاكون مطمئن عليكي، غير بعد صقر ما طلبك.
يومها قلت له حفيدتي لو رفضت أنا كمان مش هاوافق ورأيها اللي هايكون."
ثم أكمل بحنو: "يوم ما مشيتي وشوفته وهو هايتجنن من غيابك، عرفت إنك هاتكوني بأمان معاه.
أصل الراجل منا ما يتهزش من غياب ست غير لما يكون حاببها."
أخفضت رأسها بخجل وتلك الابتسامة تداعب ثغرها برقة.
قال عتمان لها: "صقر مش ناوي يرجع غير بعد ما تقولي رأيك.
ها، تقولي دلوقتي ولا نسيبه كام يوم كمان؟"
عضت على شفتيها وقالت ضاحكة بمشاكسة: "حرام كفاية عليه كده."
تعالت الزغاريد المتتالية من قبل أمل التي احتضنت ابنها فور دخوله المنزل.
لم يستغرق المزيد من الوقت بعد ما أعطى له جده البشارة وآتى لتلك التي تركته يومان يتقلب على الجمر.
أقبلت كل من كارما وزهرة لاستكشاف سبب تلك الزغاريد المفاجأة.
توقفت كارما عن ركضها فور ما أبصرته وعادت خطوتين للخلف.
لم تدري بوجوده ولسوء حظها رآها باندفاعها وحالتها الفوضوية وحجابها التي ألقته على شعرها كيفما اتفق.
ابتسم بخفوت فور أن أبصرها ورأى اندفاعها ومن بعده ارتباكها من رؤيته.
قال عتمان بفرحة جلية على ملامحه: "كريم طلب يحدد ميعاد كتب الكتاب، إيه رأيك يا عروسة؟"
شهقت زهرة بمفاجأة.
قد فعلها دون يخبرها ليجعلها في ذلك الوضع من الخجل أمام أسرتها.
توعدت له فور أن تحدثه، رغم قلبها الذي يدوي بداخلها من الأفراح.
ضحكت كارما وقالت بفرحة: "يعني الزغاريد دي ليكي وأنتي مش عارفة؟"
نظر صقر لجده فضحك عتمان مستعداً للقادم: "وليكي كمان يا كارما."
ثم نظر لصقر ولها وقال: "إيه رأيك نخلي الفرحة فرحتين؟"
اتسعت عينيها وتساءلت بترقب: "إزاي؟"
كان جواب صقر ما أن وقف قبالتها بصوته الذي يزلزل كيانها ويخلق بداخلها شعوراً بالرهبة: "كتب كتاب كريم وزهرة، وأنا وأنتي."
صفقت زهرة بحماس وسعادة.
بينما رمشت كارما بعينيها عدة مرات وتسارعت دقات قلبها من تأثيره عليها.
اندفعت هاربة من أمامه واتجهت لجدها شبه مستغيثة: "جدو هو الجواز عندكم سريع كده ليه؟ أنا لسه موافقة الصبح."
ربت على وجنتها وقال بهدوء: "انتوا الاثنين قاعدين في بيت واحد، ماينفعش يبقى متكلم عليكي والبلد عارفة وتفضلوا في نفس البيت من غير رباط بينكم.
وبعدين ده كتب كتاب بس."
صمتت للحظة والتفتت ببطء مستشعرة تلك النظرات المصوبة في ظهرها.
ينظر لها... بتوعد!
وكأنه يمنع نفسه بشق الأنفس من إقناعها بنفسه، ولكن احتراماً للحضور، قليل من الصبر لن يضر.
تساءل عتمان لكل من زهرة وكارما قائلاً: "ها يا عرايس نتوكل على الله؟"
حركت زهرة رأسها بخفة بخجل.
نظرت كارما لصقر بوداعة فا ضيق عينيه مترقباً.
وقفت كارما ببطء وضمت يديها ببعض، وكما الأفلام الأبيض والأسود القديمة قالت: "اللي تشوفوه يا جدو."
وركدت مع زهرة لأعلى.
لم يستطع أن يسيطر على ضحكته، متوعداً لها بعد أن يدخل لعرينه...
لم تيأس إيناس.
لم يهدأ عزمها عن هدم تلك العلاقة.
كل ما تزداد تلك النار من خسارتها لكل شيء.
علا رنين هاتفها، ولم يبق أمامها سواه.
لم تعد تملك ما تفعله بيدها.
أجابته بعينين حادتين تنظر للشيء أمامها، تستمع بأنصات لما يخطط له....
قبل عقد القران بيومين.
"غير الولعة يا ض، وخد حط الحتة دي كمان."
كلمات قالها مجد بلسان ثقيل.
في تلك الجلسة الليلة المليئة بمخدر الحشيش، تخدر عقله وثقل لسانه واحمرت عيناه وأصبحت كالدماء.
ترك عيد أرجيلته وقال: "ما كفاياك لحد كده يا مجد."
أشار برأسه بلا وما زال ينفخ من أنفاس أرجيلته قائلاً كلماته ببطء وهو يشير إلى رأسه: "عايز أشغل دي."
هتف عيد به ناصحاً: "يا واش يا واش يا مجد، متتخليش الكيف يغلبك."
هتف به مجد وهو يجاهد أن يفتح عينيه: "صقر الجارحي هو اللي هيتغلب."
انتبه له عيد وشعر بريبة حديثه، فتساءل مجارياً حديثه: "هيتغلب إزاي؟"
كان مجد في حالة من عدم التركيز لذلك استرسل قائلاً: "لما أنا اللي آخدها، لما يعرف إنها خلاص بقت بتاعتي."
لم يفهم عيد حديثه، حتى ظن أنه يهذي من الحشيش، لكن تساءل بفصول محددة: "هي مين يا صاحبي؟"
"كارما."
ردد عيد من خلفه باستغراب: "ودي تهمك في إيه؟"
"تهمه هو، عايز أكسر قلبه، وأحرقه.
البیه طلع حبيب وعامل فيها شجيع السيما وفرد صدره أوي.
وقال تخصني لما عرف إني عايزها، وما هداش غير لما حدد كتب كتابه بكرة."
قال عيد بدهشة من حديثه: "وإيه ناوي على إيه؟"
ارتسمت تلك الابتسامة الخبيثة على محياه، ولمعت عيناه ببريق الانتقام والحقد.
واستمر استرساله على مسامع عيد، المندهش من مدى خطته وما سينتج عنها من دماء.
أغلقت الباب من خلفها وكل ما بها يرتعش، جسدها ينتفض وجبينها يتصبب منه العرق.
يداها ممتلئتان بالدماء تحاول مسحهم بطرف جلبابها الأسود.
تحركت قدماها بصعوبة وأنين بكائها مكتوم خوفاً من أن يسمعها أحد.
لا تصدق أنها فعلت ذلك، لا تصدق أنها وصلت لتلك النهاية.
جلست سعاد على طرف فراشها وعيناها متسعة على آخرهما، واللحظات الأخيرة بينهما تمر أمام عينيها.
غضبه واندفاعها، كلماته اللاذعة وتوسلها المريض.
مرت أمام عينيها لحظاتهم ومشاداتهم الأخيرة.
"يوووه مش هانخلص من الحكاية اللي مالهاش طعم دي."
ظلت تندب سعاد وقالت لكامل رداً عليه: "ما خلصت ومقصوفة الرقبة جات وكوشت على كله وبتي طلعت من المولد بلا حمص."
رد بها كامل وقال: "إنتي اللي عملتي في بتك كده، إنتي اللي عشمتيها."
عضت على يدها بغيظ وقالت: "بلاش طريقتك دي والنبي مش ناقصة."
ثم ضربت على فخذيها وقالت بغيظ شديد: "يعني في الآخر هتبقى مرات الكبير.
تعالي شوف أمل واللي عاملاه هناك من فرحتها، طبعاً عيالها الاثنين بيتجوزوا مرة واحدة، وبتي أنا اللي بختها مايل، آه الهي ما تفرحي بيهم يا أمل."
صرخ كامل بها بغضب وهدر: "ما كفاياكي بقى، إيه كمية السواد ده؟ سودة من كل الناس حتى أختك وعيالها."
هدرت قبالته قائلة بانفعال مريض: "أيوه ما أنت لازم تتحمق عليها أوي ما هي حبيبة القلب."
جذبها من ذراعيها بقوة واشتعلت عيناه بغضب: "إنتي مش طبيعية، أختك أنا ماشوفتهاش من سنين، ولا تعرف عني حاجة ولا تعرف باللي بتقولي عليه، أنا عمري ما قربت حتى من طيفها."
ثم هزها بعنف وقال: "كلامك ده يطير فيه رقاب وإنتي زي الوابور، بطلي غل بقى، ما تجيش هنا تاني والدار دي أنا ها هدها."
خرجت عن شعورها وأمسكته من ياقة جلبابه هادرة بغضب أعمى: "دلوقتي بقيت أنا الغلاوية وعايز تهرب؟"
"أهرب من إيه يا خرفانة أنا ما عليّش أي حاجة، إنتي اللي كنتي سهلة زيادة عن اللزوم.
ما همكيش العار اللي هايحل على راس عيلة الجارحي، من الآخر كده أنا مابقتش عايز أكمل في الوساخة دي، اتسترت معايا كتير بكفاية كده."
اشتعلت عيناها بلهيب جهنم ودون ذرة تفكير جذبت السكين الموضوع على المنضدة واندفعت عليه وغرزتها من خلفه حتى تناثرت دماؤه مع تأوهاته الموجعة وسقط على الأرض.
تسمرت مكانه وكأنها تمثال من شمع ترى الدماء النازفة منه بعينين جامدتين....
يتبع
رواية عشق الصقر الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سارة حسن
ارتكزت عيناه على والده، وكتفه الملتف بالشاش الطبي راقدًا على فراش المشفى.
بعد ما استطاع كامل بصعوبة الاتصال بولده حتى ينقذه وهو على وشك الموت، لم يستغرق عيد الكثير من الوقت وكان والده يستند عليه حتى وصلوا للمشفى.
رغم ريبة عيد وقلقه وفضوله لم يتحدث، حتى بعد ما استمع لأقوال والده أنهم أحد قطاع الطرق ما تسببوا بإصابته، آثر الصمت حتى أصبحوا بمفردهم.
وللغرابة لم يخفِ كامل عن ولده شيئًا، الذي شحب وجهه وكأن دلو ماء مثلج وقع على رأسه.
اتجه عيد للباب وقال لوالده:
تخرج من المستشفى بالسلامة ومالناش قعاد في البلد هنا.
أومأ له كامل بتعب وقال:
عارف إني غلط وحاولت أصلح غلطي ده.
التفت له عيد مؤنبًا:
غلطك كبير أوي يا بابا.
قال كامل بتقرير:
سعاد ما كانتش هاتمشي غير بالدم.
رد عيد:
انتو الاتنين غلطانين، الشرف ما يتدايسش عليه.
تساءل كامل بقلق:
انت رايح فين؟
تنهد بثقل وقال:
رايح لصقر، رايح ألحق أوقف مجزرة ثانية هاتحصل. هتف والده قائلاً:
بعد اللي عمله معاك.
رد عيد:
اللي عمله أنا أستاهله، والقلم لو كنت أخدته منك أنت من زمان، كنت اتعلمت جبر خاطر الغلابة.
ثم خرج من المشفى عازمًا على إخبار صقر بكل ما انتواه مجد، ربما تأخر قليلاً ولكن وقت التنفيذ لم يأتِ بعد.
***
لم يتبقَّ على عقد القران سوى يوم واحد، ودار الجارحي أصبحت كخلية النحل، لتجهيز حفل يليق بأبناء عائلة الجارحي وكبيرهم مستقبلاً.
لم تخفِ زهرة سعادتها وهي تدور هنا وهناك فقالت كارما:
يا بنتي اهدي بقى شوية.
أجابتها زهرة بعينين متلهفتين:
فرحانة. فرحانة أوي يا كارما، حاسة إني بحلم.
شاكستها كارما قائلة:
طبعًا، ما هو حبيب القلب، الله يرحم النظرات ووقفة الشباك.
ألقت عليها الوسادة وجلست قبالتها قائلة:
هو انتي مش فرحانة يا كارما؟
ابتسمت بحالمية وشغف:
إحساس غريب يا زهرة، ملخبطني وموترني كده، بس كل ما أشوفه بحس إني مبسوطة ومتحمسة كده.
صفقت زهرة بيديها وقالت مهللة:
أخويا ده مش سهل يا جدعان أنا عارفة.
***
اندفع عيد متجهًا لصقر، انتبه له صقر ظانًا أنه أتى للمباركة، لكن ملامح عيد المتهجمة أثارت ريبة صقر.
لم ينتظر عيد المزيد من إهدار الوقت، يكفي الوقت الذي قضاه ملازمًا والده في المشفى.
وقف عيد قبالته وألقى على مسامعه ما جعل الدماء تقف في عروقه.
***
قطعت الخادمة حديثهم وقالت لكارما:
صقر بيه عايزك تحت يا ست كارما.
كارما باستغراب:
تحت فين؟
أجابتها الخادمة:
عند الباب الوراني.
هتفت زهرة بشقاوة:
ماشي يا عم، ماشية معاكي، إيه تيحي بالسلامة يا كيمو.
أخرجت لها كارما لسانها وركضت لأسفل تبحث عنه، لم تجده في الفناء الخلفي للدار، فا فتحت بوابته والتفتت الجهتين ولم تجد له أثرًا.
استدارت لتعود للداخل، شهقت واضعة يدها على صدرها هاتفة:
مجد!
بادلها بتلك الابتسامة السخيفة قائلاً:
يا أحلى اسم سمعته في حياتي.
تحركت خطوتين لتتخطاه، لكنه وقف أمامه وحاصرها قائلاً:
رايحة فين، مش تشوفي هديتك يا عروسة؟
ألقى بوجهها رذاذًا من تلك الزجاجة المخدرة، جعلت رأسها تتثاقل رغم محاولتها لتبقى واعية، خوفًا من خطر محيط بها، لم تستغرق الكثير وأصبحت بين يديه غائبة عن الوعي.
***
بخطوات راكضة لداخل الدار، كان صقر ينادي بصوت جهوري عليها، تجمع كل من في البيت متسائلاً ومن بينهم زهرة، التي قالت باندهاش:
انت بعت لها أم محروس تبلغها إنك مستنيها في الجنينة اللي ورا.
لم يقف لثانية أخرى وركض للخارج متمنيًا أنه لم يفوت الأوان.
اتسعت عيناه وهو يرى مجد يحملها بين ذراعيه لسيارته وانطلق بها بسرعة عالية، حتى خلف من ورائه غبار كثيف لا ترى يدك من قوته.
ارتسم على وجهه ضحكة شامته، ونظرة عليها من الخلف وعيناه تحمل من الانتصار ما يعزز شعوره بالنشوة، راسماً أحلاماً للحصول عليها.
سيستمتع بها على مهل، سيجعله يتجرع ظنونه عن ما سيفعله بها ببطء، سيعمل على أن يجعل كرامته فتات على الأرض.
اندفع فجأة للأمام بقوة حتى اصطدمت رأسه بالمقود، نظر في المرآة وبرزت عروقه وازدادت سرعته هربًا من صقر الذي لحقه، يعرف ويدرك جيدًا أنه لو أصبح في قبضته لن ينقذه أحد من براثنه.
اشتدت يداه على المقود، عيناه حمراء كالدم وعروق رقبته تكاد تنفجر من شدة غضبه، هاذرًا من بين أسنانه:
هاطلع روحك في إيدي يابن الـ...
صدم بسيارة مجد من الخلف بقوة ليجبره على التوقف، لكن الآخر يحاول تفاديها، يسرع للهروب ولكن صقر باغته بضربة أخرى بجانبه وأخرج سلاحه منتظرًا استخدامه في الوقت المناسب.
مر وقت ليس بالقصير على تلك المطاردة العنيفة، صوب صقر سلاحه بمهارة وأطلق عدة طلقات على سيارته من الخلف وب باغته بصدمة مفاجأة جعلته يصطدم في جدار منزل قديم وانقلبت سيارة صقر على جانبها.
عم الهدوء المكان بعد ذلك الاصطدام، خرج صقر من سيارته ببطء متحاملًا على نفسه من شدة الآلام.
فتح باب سيارة مجد الفاقد لوعيه وتنزف رأسه الدماء وجذبه على الأرض بقوة أسفل قدمه بعنف، ثم استدار لكارما المازالت في غيمتها السوداء، أحاط وجهها البارد بين يديه وعيناه تتفحص كل إنش بها، لم تخلُ أيضاً من الإصابات من الاصطدامات التي حدثت، فذلك الجرح في جبينها ينبئه أنه سيحتاج لعدة غرز.
وضع رأسه على جبينها آخذًا أنفاسه بصعوبة، يتمتم بالحمد أنها مازالت معه وكل شيء من بعد ذلك يهون.
توقفت عدة سيارات، من بينهم عيد الذي ركض على صقر بعد رأى بعينيه انقلاب سيارته وتهشم سيارة مجد، قائلاً بقلق:
صقر أنت كويس؟
أومأ له برأسه ونزلوا رجال صقر من سيارتهم بأسلحتهم وحاوطوا سيارة مجد، فقال عيد مجددًا:
يلا على المستشفى أحسن.
نظر صقر لرجاله قائلاً بعينين مشتعلتين:
خدوا الـ... على المخزن مش عايزة يغيب عن عنيكم لحظة.
نفذوا الأمر على الفور، انتشلوه من على الأرض وقوه في سيارتهم.
مسح صقر على وجهها ووضع يده أسفل رأسها والأخرى تحت ركبتيها، وبصعوبة متجاهلاً ألم كتفه، حملها وشدد عليها بين أحضانه ليؤكد لنفسه أنها بين يديه، اتجه لسيارة عيد الذي فتح له الباب وقاده للمشفى.
وعيناه لا تفارق تلك الغائبة عن الوعي غير مدركة بذلك الذي أقام حربًا فقد من أجلها.
***
وصل الخبر لبيت الجارحي على الفور، ضربت أمل على وجهها صارخة:
ابني يا رحيم!
هتف بها وهو متجهًا لأسفل رغم القلق الذي يعتريه:
خير يا أمل إن شاء الله.
لم تخرج كلمة واحدة من سعاد المشاهدة بصمت وكأنها تبلدت، بينما تمنت إيناس أن تزف غريمتها للموت بدلاً من العرس.
ركضت من خلفه كل من أمل وزهرة الباكية:
طمني عليهم يا بابا والنبي.
وقف رحيم عندما قابل عتمان بوجهه قائلاً بصلابة رغم قلقه:
مش عايز حد يعلم بحاجة.
حاضر يا حاج.
***
خرج الطبيب من غرفة الكشف قائلاً بتقرير:
الإصابات مش خطيرة، مجرد كدمات وغرزتين في جبينها، وهي بدأت تفوق من المخدر.
تنفس الصعداء وبدأ في التقاط أنفاسه، قال الطبيب:
لازم كتفك يتطرد ماينفعش يفضل مخلوع طول الوقت ده.
أجابه صقر قائلاً:
عايز أشوفها.
نفى الطبيب وقال:
مش هاتدخل غير لما أشوف كتفك الأول.
أيده عيد وقال:
خلينا نطمن عليك أنت كمان يا صقر.
امتثل لهم وعملوا له اللازم، حتى أثار استغراب الطبيب أنه حتى لم يحتاج لبنج موضعي، متحملًا الألم بصمت، ولكن في الحقيقة عقله كان في مكان آخر.
تفاجأ بدخول والده وجده، انسحب عيد فور قدومهم، وطمأنهم صقر ببعض الكلمات.
هتف به عتمان متسائلاً:
انت كويس يا صقر، حفيدتي فين حصلها إيه؟
أجابه صقر مطمئنًا:
كارما بخير يا جدي، ماحدش قدر يمس شعرة منها.
وضع يده على كتفه السليم قائلاً بقلق:
إيه اللي بيدور يا صقر؟
أجابه صقر بعينين مشتعلتين:
جاء على اللي يخصني يا جدي، عارف إني مش هيكفيني دمه وبرضو عملها.
صمت عتمان لبرهة مدركًا أن ما من شيء سيردعه عن ما ينتويه، وأن مجد تخطى كل الخطوط الحمراء.
تحدث بهدوء لحفيده بقلق:
أوعى لحالك يا ابني، أوعى غضبك يخسرك إنك تبعد عن عيلتك وحبايبك، خايف عليك تتهور.
لم يجبه صقر وإنما قال مبتعدًا:
هادخل أطمن على كارما.
***
دخل غرفتها بهدوء وجلس على مقعد أمام فراشها، لم يتفوه بشيء، فقط ينظر إليها وهي كذلك، ترى في عينيه خوفه عليها وأيضًا غضب مكبوت، لا تعرف كل التفاصيل للان، كل ما همها فور أن استيقظت أن تبحث عنه، طالما هو في محيطها يعني أنها بأمان.
تساءلت كارما وقالت:
انت كويس؟
_طول ما أنا شايفك قدامي أكيد كويسًا.
أجابها وعيناها على ذراعه المعلق على صدره:
بيوجعك مش كده؟
ارتسمت بسمة بسيطة على ثغره مجيبًا:
مافيش حاجة توجعني غيرك يا كارما.
أهدته تلك البسمة الحانية الرقيقة:
انت عارف رغم خوفي، بس كنت عارفة إنك هاتلحقني، أنا بطمن طول ما أنت موجود حواليا، أول ما فقت وعرفت إنك واقف برة هديت، كل حاجة مش مهمة، المهم إنك معايا.
خفق قلبه من كلماتها الغالية التي تفوهت بها دفعة واحدة، أثلجت صدره وهدأت من ضيقها.
استقام ومال مقبلاً رأسها فوق حجابها وقال صقر بخفوت:
طول ما فيا نفس محدش يقدر يمس طرفك.
ده انتي كارما الجارحي وهتبقي مرات صقر الجارحي.
خجلت من لقبها الجديد وابتسمت لتلك الحمرة التي غزت وجنتيها بعد شحوبهما.
تركها بعد أن أبلغها بوجود جده ووالده.
والده الذي استوقفه متسائلاً:
رايح فين يا ابني، استهدي بالله يا صقر وحقنا هنجيبه.
أجابه صقر بغضب مكتوم:
مش هاسيب حقي وحق كارما، هاحاسبه على اللي عمله واللي كان ناوي يعمله، هخليه يبكي زي النسوان طالب رحمتي ومش هينولها...
رواية عشق الصقر الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سارة حسن
فتح الباب الحديدي علي مصراعيه بقدمه، توحشت عيناه و اشتدت عروقه فور رؤيته، رغم انه مقيد و الدماء تنزف من رأسه و فمه و بحاله يرثي لها، الا انه لم يشفي غليله او يهدء من غضبه.
فتح مجد عينيه بتثاقل و ما ان ابصر صقر امامه، ادرك انه خسر معركته، لم يظهر له ذلك بل بالعكس، اظهر له تلك الابتسامه الساخرة ، الذي تلقاها صقر مهتزه مضطربه.
نظر مجد للخراب من حوله و الحبل الذي يقيده في المقعد قائلا بأستفزاز:
ده اللقا نصيب يا جدعان، بس المكان مش قد المقام يا صقر.
اجابه صقر قاصدا اهانته:
مقامك يا مجدلوي.
مجد شفتيه بأستياء:
طول عمرك مغرور.
ابتسم صقر ساخرآ:
انت اللي شايف نفسك قليل جمبي.
ثم اشار للغفير الواقف ان يفك قيد مجد ، و ما ان فعل حتي اشار له صقر بالخروج.
مسد علي معصمه و اثار القيد ملتفه عليه، احتدت نظرات مجد و امتلئت بالكراهية:
انت اللي عايز تبقي الكبير في كل حاجه ، البلد و عيلتك و الشغل و السوق، كل حاجه اكون فيها لازم تدخلها و تكوش علي اللي فيها، و تطلعني انا اللي فاشل.
قتمت عينيه بحقد:
ماترددتش لحظه اخد حقي منك و اوجعك و هافضل عايش بس عشان اشوفك مكسور قدامي.
قال صقر:
انت خايب، اه والله خايب ، ده حتي محاولة قتلي فشلت فيها ، انت جبان يامجد ، انا كنت عارف انك اللي وراها و سبتك تجيب أخرك بس طلع وس# بزياده.
اشتدت عروقه من إهانته مجيبآ:
المرة الجايه هاتصيب.
تعالت ضحكات صقر المكان قائلا:
ده لو خرجت من هنا علي رجليك.
ثم اشمئزت ملامحه قائلا:
سوادك طفح علي وشك، اللي زيك عمره مايشغلني، بس وقت ماتقرب من حاجه تخصني يبقي بتطلع اسوء ما فيا.
امتلئت ضحكاته المكان من حولهم و قال مجد باستفزاز متلذذآ:
كارما.
خطأ كان نطقه لاسمها امامه خطأ، و قد اكتفي صقر لاخطاء ذلك الارعن.
دفع كرسيه بقدمه حتي سقط علي ظهرة بقوة، ثم جذبه جانبآ و انحني عليه و لم يتوانى في تسديد اللكمات بوجهه، تعالت آهات مجد و تأوهاته بألم ، دفعه مجد عنه بصعوبة ثم وقفوا الاثنين امام بعضهم.
هتف مجد من بين لهاثه ساخرآ:
حريم دارك عايزين يتشد عليهم ، ماتسبش لهم الحبل علي الغارب كده.
خرج صوت صقر قاذفآ به ببعض الالفاظ و هجم عليه و لم يتصدي مجد هجمته، ضربه اسفل معدته و دفعه ارضآ، كاد ان ينحني عليه و لكن دفعه مجد بقوة، اندفع صقر عليه مره أخري صارخا بغضب:
اقطع رقبتك لو حبت سيرة حريم دار الجارحي يابن اا$$$
اختنقت انفاس مجد قائلا:
بت خالتك اللي كلمتني و هي اللي اتففت معايا علي كل حاجه.
توقف صقر لبره ، ثم استقام عنه ، كان جلبابه مليئآ بالغبار، لم يشعر حتي بألم كتفه ،وجهه مشدود و مخيف ، شعره مشعثآ و عينيه تكاد تحرق كل ما تطوله بنظراتها.
صدر منه صوتآ متوحشآ و أنهال عليه ضربآ مبرحآ، لم يتوقف صقر و لم يصدر سوي صوت مجد و تأوهاته المتألمه في المكان ، حتي بات علي وشك ان يلفظ انفاسه الاخيرة.
شعر صقر بمن يقيده من ظهرة محاولا إثناءه، التفت اليه بوجهه فا قال له عيد لردعه:
الحكومه علي وصول بكفاياك يا صقر.
نظر صقر له ثم لمجد ، بصق عليه و الاخر لم يعد به ماينفع او يصلح لشئ، و ما ينتظره سوي الاسوء...
***
صرخ بصوت اهتز له جدران البيت الكبير، انتفضت كارما لصوته الجهوري و اندفعت لتستكشف ماذا يحدث، حتي ايناس الجالسه علي صفيح ساخن لاتعرف ما ينتظرها ، انتفضت آثر الباب الذي انفتح علي مصراعيه و صقر الواقف بحالته الشرسه.
فزعت و جف حلقها و بتلعثم قالت:
في ايه.
قال صقر:
، جاي اقولك ان اا## اللي اتففتي معاه ماعرفش يمس من اختك شعره واحده، و طول مانا موجود ماحدش يعرف يمسها.
زاغت عينيها و شحب وجهها و قالت ايناس:
و انا ايه علاقتي.
قال صقر و جذبها من خلف حجابها صارخآ:
وصلت معاكي لكده ، وصل شيطانك تسلميها لل## اللي متفق معاكي.
صرخت ايناس بألم و تدفقت عبراتها ،اندفعوا كل من في البيت لتلك الاصوات، صوت صقر الغاضبآ الجهوري و صريخ ايناس المتألم.
بينما اشتدت يد صقر هادرآ بها:
هانت عليكي ازاي و انتي عارفه كاان ناوي يعمل ايه فيها.
قالت أمل بغير فهم:
في ايه يابني مش كده، ايه اللي حصل.
التفت لوالدته و اليهم جميعأ قائلا:
كانت عين مجد في دارنا، كانت بتوسع له الطريق و تخطط، هي اللي سلمت له اختها يخطفها و يطلع فيها غله و سواده ووساخته.
ارتسمت الصدمه علي ملامح الجميع، شهقت أمل و لطمت سعاد علي وجهها و زهرة التي لوله شعرت انها استمعت خطأ، اما كارما فا تصنمت مكانها بعينين جامدتين.
هدرت ايناس من خلفه صارخه:
كنت بدافع عن حقي فيك، ليه هي و انا لا، انا الاولي بيك، ليه عمرك ما شوفتني، وجودها كان غلط من الاول.
لم يجاوبها سوي بصفعه سقطت علي وجنتها هاتفآ:
ده الحمد لله اني عمري ماشوفتك ، اللي تعمل كده في اختها و بالجحود ده تعمل اوسخ من كده عشان مصلحتها ، انتي تستاهلي الحرق.
دفعها و سقطت علي فراشها باكيه بإنهيار، ثم غادر للخارج كالعاصفه ، اكتسي الصمت المكان الا من اصوات بكاء ايناس و والدتها.
استند عتمان بيديه علي عكازة ثم حرك رأسه و كأنه يحدث نفسه أسفآ:
ياريتك كنتي وعيتي بتك يا سعاد من الاول، كبرتي شيطانها لحد مابقت قدام مصلحتها ماتفرقش معاها صلة الدم.
التفتت اليه سعاد بكره قائله:
بتظلموا بنتي زي ما ظلمتوني زمان.
هدر بها بحده:
محدش ظلمك يا سعاد، من وقت ما ابني عطاكي حريتك و خيرتك، كنت بخيرك في كل عريس يجيلك، و عمري ماقولتلك اترهبني و امنعي الجواز ،حتي ايناس مافيش غيرك حط في دماغها جوازها من صقر، طلعتيها انانيه مؤذيه.
توحشت عينيها و وقفت امامه و قد خرجت عن طور عقلها:
كنت عايزاها تعمل اللي ماعرفتش اعمله ، تبقي مرات الكبير ، ليه انا جوزي يطفش ثم اشارت بيدها علي شقيقتها و اكملت: و هي تبقي تحت جناح جوزها و ابنها يبقي الكبير و لما سكت و تدور الايام و برضو بتي تطلع خسرانه ، مشيرة الي كارما هاتفه بها: و هي اللي تكسب في الاخر.
وضعت امل يدها علي فمها باكيه علي ما في قلب شقيقتها اليها، حرك رحيم رأسه أسفآ و ربت علي كتف زوجته بينما خرج صوت الحاج عتمان مقررا دون نقاش:
وجودك انتي و بنتك في الدار بعد اللي حصل بقي مستحيل ، هاتتنقلوا لدار اللي علي اليمه التانيه.
ثم القي كلماته قبل ان يخرج:
صلحي اللي عملتيه في نفس بنتك، الله يرحمك يابني كان داري ان عتبت داره مايله.
***
اسدل الليل ستائرة و انتصف الليل، لم يأتي للان، حتي لم يجيب علي اتصال احد، تملك منها القلق و التعب ، فامن وقت الحادثه صباحآ ، و حدوث تلك المواجهه من بعدها لم تتمالك اعصابها و لم تأخذ اي قسط من الراحه ، و ها هي جالسه علي السلم منتظرة قدومه لتطمئن عليه رغم جسدها الذي يآن من التعب.
انتبهت علي صوت خطواته فا شبت برأسها و رأته يصعد بخطوات بطئيه مرهقه.
وقف امامها متسائلا بقلق:
ايه مصحيكي لحد دلوقتي.
اجابته و هي تنظر لملامحه المجهدة:
مستنياك، اتاخرت جدا قلقت عليك.
اجابها بابتسامه خفيفه قائلا:
انا كويس ما تقلقيش.
سكتت تبحث عن حديث آخر قائله:
شكلك تعبان اوي و متبهدل.
توي ثغره ببسمه و وقال:
هانام و ان شاء الله هاصبح كويس.
اومات برأسها و اشارت له بيدها و بعد ماتحركت خطوتين_كارما التفتت اليه فقال:
عايزة تقولي ايه.
نفخت ومسحت علي جبينها و قالت:
مش عارفه بس، متلغبطه اوي، و زعلانه و حاسه اني خايفه.
جلس علي الدرج ، و استند بساعديه علي فخذيه، فعلت كارما المثل و جلست بجانبه.
فقال لها مقدرآ:
اليوم فعلا كان صعب و طويل و شوفتي حاجات و اتقال كلام انتي مالكيش اي ذنب فيه.
ثم نظر اليها بتلك الطريقه الحانيه:
عايزة تزعلي حقك، ازعلي ، و انا اراضيكي ، انما تخافي، فا ابدا اوعي تخافي طول مانا موجود.
التهبت و جنتيها بسخونه ، و اضطربت انفاسها، دارت عنه بوجهها و ابتسامه داعبت ثغرها رأها و اثلجت صدرة.
استمعت لتنهيدته فقالت له:
طب روح استريح.
وجدته يخرج من جيبه تلك الورقه وفتحها علي مهل ، نظرت اليه و اخذتها بفضول ، ثم اتسعت عينيها و شهقت قائله:
يا نهار اسود.
اوما براسه و قال ساخرا:
ماهي المصايب ما بتجيش غير مع بعض.
اغمضت عينيها و طبقت ورقه الزواج العرفي بأيدي مرتعشه، تعرف جيدا انها لو وصلت لعتمان و رحيم ستنتهي بالدماء.
تفاجئ بها امامه، جلست علي ركبتيها و مسكت ساعديه قائلا برجاء:
صقر ارجوك ماتقولش لجدي.
تسعت عينيه و وقال علي الفور رافضآ:
انتي بتهزري جدي لازم يعرف ، ده عار يا كارما ، جواز و عرفي من ورانا انتي فاهمه هي وصلتنا لايه.
ضغطت علي يديه هاتفه به:
علشان عارفه بأرجوك ماتقولش ، جدي ممكن يموتها، انت عارف هاتوصلنا لايه يا صقر، غير الفضيحة و كلام الناس و البيت اللي هايتدمر، و ايناس عمرها ما هاتسامحكم ابدا لو امها جرالها حاجه.
ادار وجهه عنها عابس الوجه، فا بجراءة، مدت يدها و حركت رأسه اليها و قالت برجاء شديد:
جدي حكم النهارده ان بعد اللي حصل ، وجودنا كلنا في بيت واحد هايبقي مستحيل ، فا ها يروحوا البيت التاني ، يعني هايبعدوا عن هنا ، ارجوك ارجوك يا صقر كفايه لحد كده، انا مش عايزة مشاكل تاني انا تعبت.
ثم لمعت عينيها بالدموع و قالت بصدق:
عايزة افرح باللي جاي ، و افرح معاك.
دارت عينيه بين عينيها الراجيه و يدها المرتعشه علي ساعده، استمعت لصوت خروشة و رأت الورقه بيده اصبحت وريقات صغيرة الحجم.
ضحكت و بكت في آن واحد، كانت لوحه فريده الجمال، و عينيها تنظر اليه بحب لا يستهان به، مسحت طرف عينيها بكمها ، كانت ابتسامتها المتناقضه لدموعها العالقه بعينيها قائله:
انا محظوظه بيك ، لو كنت اعرف ان رجوعي هنا هايكون مكفأتي فيه انت، انا كنت جيت من زمان اوي.
رفع يده في رغبه شديده منه ان يلامس وجنتها ، و لكنها توقفت بالهواء و قبض كفه بعيدا عنها قائلا لها:
اطلعي اوضتك و ارتاحي اليوم كان صعب.
فهمت عليه و استقامت قائله:
و انت كمان ارتاح، تصبح علي خير.
همهم من خلفها هاتفآ لنفسه و هو يمسح علي وجهه:
و هي الراحه هاترافقني منين و انتي بعيده.
ثم صبر نفسه متمتمآ:
هانت هانت.