تحميل رواية «عشق الصقر» PDF
بقلم سارة حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى المحافظات في صعيد مصري، يجلس هو، حفيد عائلة الجارحي، أقدم عائلات الصعيد وأكثرهم تواجدًا في المجالس العرفية، نظرًا لشدتهم في الحق ونصر المظلومين. ينزل بطلنا على الدرج بطول فارِه، فهو طويل القامة، عريض المنكبين، يتميز بالبشرة السمراء لتعرضه للشمس. يزين وجهه هذه اللحية، وتزيد عليه الوسامة بإحدى الغمازتين لتزين وجهه الرجولي. بجلبابه الصعيدي المعتز به جدًا، وهو في العقد الثالث من عمره، ينزل بكبرياء وثقة لا تليق إلا به، فهو حفيد عائلة الجارحي. (صقر رحيم عتمان الجارحي) توجه إلى الإفطار مع عائلت...
رواية عشق الصقر الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سارة حسن
في عتمة الليل والسكون المحيط بهم بعد ساعات من منتصف الليل، ينفث من أنفه وفمه ذلك الدخان الكثيف من تلك الأرجيلة المليئة بالحشيش، في ذلك المكان السري الذي لا يتوافد عليه سوى القليل.
هتف أحد الرجال وهو يشعل الفحم:
- طولت غيابك علينا يا معلم عيد.
زفر عيد الدخان ولم يجيبه، فمال عليه رجل آخر قائلاً بهمساً:
- من ساعة القاعدة إياها وهو كده مش طايق نفسه ولا طايق حد.
أجابه الآخر:
- حقه برضو يا جدع، وهي سهلة عليه ياكل قلم على وشه كده قدام كبرات البلد.
انتهى من إشعال الفحم وقال:
- ما عرفش يعلم عليه غير صقر.
هتف عيد بهما بغضب:
- بتقولوا إيه يا ض انت وهو.
أجاب أحدهم:
- ولا حاجة يا معلم، بسأل على مكان المعسل.
اقتحم جلستهم وتمدد على الأريكة الخشبية وهتف بحماس:
- لافيني ولعه يا ض خرمان.
ضحك أحدهم قائلاً:
- الله ومعلم مجد كمان وصل، دي الليالة صباحي يا رجالة.
هتف مجد لذلك الشارد:
- إيه يا عيد مش تمسي.
أجابه عيد بتأفف:
- دماغي مش ريقالك يا مجد الساعة دي.
قال له:
- دماغك مش رايقة من ساعة القاعدة إياها وكده مش صح، لازم تظهر وتقفله تاني أه عشان محدش يستقل بيك.
اسودت عيني عيد وقال:
- أنا يوقفني زي العويل عشان راجل ما استعناش أشغله عندي يمسحلي جزمتي.
أخذ أنفاساً متتالية من أرجيلته وقال مزوداً البنزين على نيران عيد:
- أه يا أخي هاتقولي على صقر، ده قادر ودايم يحب يعمل نفسه كبير على حساب أي حاجة، واللي يطاطيله ها.
قاطعه عيد منفعلاً بغضب:
- اللي يطاطيله يا مجد، ما عاش ولا كان اللي يقل مني.
أشار له مجد مؤيداً بقوة وقال مؤكداً:
- أمال يا جدع، عشان كده بقولك حقك ما تسيبهوش، بس على الهادي.
انتبه إليه عيد وقال:
- إزاي.
نفث الدخان مجدداً وقال بابتسامة خبيثة:
- ها قولك...
السلام عليكم ورحمة الله.
تلك الكلمات التي ألقى بها صقر تحيته على التجمع العائلي الذي وجده في بهو البيت الكبير عند دخوله، رددوا جميعاً من خلفه التحية، تقابلت عينيه بتلك الجالسة بجانب جده والتي أخفضت عينيها عنه بارتباك من حضوره الذي أصبح يربكها مؤخراً.
قال عتمان:
- حمد الله على السلامة يا صقر، كنت هكلمك تيجي بدري بس أنت سبقتني وجيت.
جلس صقر قبالته منتبهً:
- خير يا جدي.
أجابه عتمان:
- خير يا بني إن شاء الله، في عريس جاي لبنت من بناتنا وعايزك تسأل عليه.
لا إرادياً توجهت عينيه إليها ثم قال بترقب:
- لمين.
كانت إجابة والدته هذه المرة:
- أختك يا صقر.
وأكملت ضاحكة:
- كبرت وخطابها بقوا على الباب.
ابتلع ريقه وقال بأنفاس هادئة:
- خير إن شاء الله، من عيلة مين.
أجاب رحيم:
- من عيلة همام، أنا أعرف أبوها وأعمامه بس العريس لا، ودي مهمتك يا بني.
أومأ برأسه وقال:
- بسيطة، اللي فيه الخير ربنا يقدمه.
قال عتمان من خلفه:
- ونعم بالله يا بني.
قالت سعاد بابتسامة مبالغ فيها:
- شوفتي البنات هايكبرونا يا أمل، دي إيناس منين ما أخدها في حته، أم ده تكلمني وأم ده تلمحلي، وأنا أقولهم بنتي ما تخرجش برة العيلة أبداً.
ثم خاطبتها وهي تلوح لها بيدها ضاحكة:
- عقبال ما نفرح بيهم عن قريب يا أختي.
أخفضت إيناس وجهها قائلة بخجل مصطنع:
- بس بقى يا ماما.
لم يعجب الجميع بتلميحات سعاد المبطنة بزواج إيناس لصقر، رغم أنهم لم يتحدثوا في ذلك الموضوع إلا في صغرهم وكانت إيناس وقتها في عمر الطفولة وكذلك صقر، وعندما كبر صقر أبدى رفضه معللاً أنه لا يراها سوى ابنت عمه ومثل شقيقته، لكن استمرت سعاد في زرع تلك الفكرة في عقل إيناس حتى تصبح زوجة كبير العائلة.
قال الجد وهو يهم بالوقوف:
- إيناس حفيدتي مش هاديها غير للي رايدها ويصونها يا سعاد، ونصيبها لسه ما جاش، يوم ما يجي ويخبط على دارنا صقر هو اللي هيسأل عليه.
ثم تحرك مستغفراً متجهاً إلى غرفته مستنداً على صقر.
هبت إيناس واقفة بضيق من حديث جدها، بينما نظرت سعاد لشقيقتها نظرة معاتبة فأخفضت أمل عينيها عنها بقلة حيلة فما بيدها لتفعله وابنها لا يريد زوجة ابنتها.
وانفض الجمع كل في اتجاه.
مالت كارما برأسها لزهرة متسائلة:
- هو الجو اتكهرب كده ليه.
نظرت إليها زهرة وقالت:
- هو أنتي ما فهمتيش.
ذمت شفتيها وقالت:
- كلامهم كله تلميحات، ما فهمتش.
ضحكت زهرة بخفوت وقالت:
- أحسن برضو.
قضّبت حاجبيها متسائلة:
- ليه.
تنهدت زهرة وقالت بشرود:
- في حاجات بتبقى أحسن لما تفضل مستخبية يا كارما.
- هو أنا ليه حاسة إنك مش مبسوطة من العريس.
نظرت لها وقالت بيأس:
- مش فارقة خلاص.
- زهرة.
تنهدت بعمق وقالت بخفوت:
- ها حكيلك يا كارما.
دثر صقر بالغطاء وقال له:
- ما تبصليش كده يا جدي.
أجابه عتمان قائلاً:
- بما إنك فاهم نظرة عيني أكيد أنت عارف كمان أنا عايز أقولك إيه.
مسح صقر على وجهه وقال:
- غصب عني يا جدي، مش عارف أشوفها غير إنها زي زهرة.
تنهد عتمان وأردف:
- لامتي يا صقر، عايز أفرح بيك وأشوف عيالك قبل ما أموت.
هتف على الفور:
- بعد الشر عليك يا جدي.
- أنت عارف رغم إن ما بيعجبنيش كتير من تصرفات سعاد وطولة لسان إيناس، بس كان عشمي تاخدها تحت جناحك وأطمن عليها جارك.
تنهد صقر بتعب وقال:
- قلبي مش رايدها.
أومأ له عتمان بتفهم:
- والحب بالرضا مش بالغصب.
ابتسم صقر وتساءل:
- كنت هتعمل إيه يا جدي لو كانت جدتي ضحى مش رايداك.
غامت عينيه بالحنين مجيباً:
- لو كان قلبها خالي، كنت هاعمل كل اللي أقدر عليه عشان يتملى بيا، كنت هاحاوطها بقلبي وأصبر عليها لحد ما تحبني.
صمت صقر قليلاً وقال بتردد:
- حتى لو كانت شايفاك بصورة تانية، واخدها عنك صورة مش فيك، أو يمكن فيك بس دي طبيعتك ومش هتعرف تغيرها.
نظر له عتمان بتمعن وأجابه:
- لو واخدة صورة غلط أصححها، ولو الطبع مخليها تنفر (تبعد) عني، يبقى أتحكم فيه، ما الشاري لازم يتعب شوية.
أومأ له صقر واستقام واقفاً معللاً إرهاقه، اصطحبته نظرات الجد من خلفه وشعور بداخله إن حفيده على مشارف الهوى.
بتحبي يا زهرة.
وضعت كفها على فم كارما التي هتفت بتلك الكلمات بعد الاستماع لحديث زهرة.
- اشش اسكتي هاتفضحيني.
حركت رأسها وقالت كارما بخفوت:
- معلش أصل اتفاجئت، إزاي وإمتى، أنا من وقت ما جيت ما شوفتش تقريباً رجالة غير الغفر اللي برة.
أخفضت زهرة عينها وقالت بتوتر:
- صاحب صقر.
رددت كارما من خلفها باستفهام:
- صاحب صقر؟ وده فين.
- أوقات كتير بيجي هنا في شغل، كلامنا ما يتعداش السلام، بس بحس من عينيه حاجة غريبة رغم إنها بتبقى ثواني وينزلها الأرض، غصب عني يا كارما قلبي اتعلق بيه.
أجابتها كارما بتأثر:
- عشان كده مش مبسوطة بالعريس المتقدملك.
ردت زهرة عليها بحزن:
- كان عندي أمل، بس يظهر خلاص نصيبي كده.
شعرت كارما بالحزن لأجلها قائلة:
- أنتي ممكن ترفضي يا زهرة، ما أعتقدش عمي أو جدي وحتى صقر يغصبوكي على الجواز، ويمكن العريس ده يبقى كويس ولما تعرفيه تحبيه.
ترقرقت العبارات بعيني زهرة فأدركت كارما إن الفعل أصعب من الحديث، احتضنتها مؤازرة شاعرة بالحزن لأجلها.
جلست تقضم في أظافرها ووالدتها تفكر بحل لتلك المعضلة.
هتفت إيناس بضيق:
- خلاص كده يا ماما صقر طار من إيدي.
جذبتها والدتها من ذراعها هاتفة:
- لا طبعاً، اصبري بس بفكر في حل.
قالت إيناس:
- حل؟ حل إيه ده جدي رماها في وشنا وجابهالنا على بلاطة.
فكرت سعاد قليلاً وقالت:
- زودي العيار معاه حبتين.
نفخت وقالت:
- بيصدني يا ماما هاعمل إيه، أرمي نفسي عليه.
اتسعت عيني سعاد وقالت بغضب:
- لالا إن شاء الله مش اللي في بالي.
انتبهت لها إيناس مستفهمة:
- هو إيه اللي في بالك يا ماما.
جلست سعاد ببطء وعقلها يعيد بعض الأحداث سريعاً:
- يوم ما صقر جه من السفر كنا بنفطر ولما عمي سأل عليه كارما قالت إنه رجع إمبارح، عرفت منين وهو كان جاي بعد نص الليل.
ضيقت إيناس عينيها بريبة وهتفت:
- يعني إيه.
- يعني تفتحي عينك يا قلب أمك، شكلنا نايمين على ودانا ومقصوفة الرقبة ما بتضعيش وقت.
ابتلعت إيناس ريقها خوفاً من فقدانه، واشتعلت عينيها غضباً من وجودها الجبري في حياتها.
رواية عشق الصقر الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سارة حسن
في بداية يوم جديد، استعد صقر للخروج، وقبل أن يذهب قال لوالدته:
"صباح الخير يا أم صقر."
التفتت إليه أمل وأجابته بابتسامة:
"يسعد صباحك يا حبيبي."
ابتسم لها وقال، مرّبتًا على كتفها:
"عايزك تعملي حساب كريم في الغدا معانا النهارده."
تحدثت بترحاب:
"عنيا يا حبيبي، يا مرحب بيه."
ثم تساءلت:
"عملت إيه في موضوع أختك يا صقر؟"
أجابها صقر:
"العريس كويس ومحترم، وأهله ناس يعرفوا الأصول."
ابتهجت ملامحها وقالت:
"ربنا يقدم اللي فيه الخير ويفرحني بيك يا حبيبي."
ابتسم لها وقال:
"كله بآوانه يا أم صقر."
انتبه للخطوات القادمة من خلفهم، تطلع للحظات لمحياها وهي تهبط الدرج بهدوء كأميرة متوجهة، لكنه تنبه لنفسه وغض الطرف عنها، حتى اقترب منهم وقالت بابتسامة مشرقة:
"صباح الخير."
قالت أمل بابتسامة واسعة:
"إيه الصباح اللي يشرح القلب ده، والنبي ده أم ودعاله اللي هايصبح بوشك يا كارما."
تنحنح صقر وهتف وهو يهم بالرحيل:
"بالإذن أنا يا أمي… السلام عليكم."
تحركت عينيها معه باستغراب من تجاهله لها، وحتى لم يرد على تحيتها، نظرت لأمل مبتسمة وقالت:
"ممكن أساعدك النهارده؟"
رحبت بها أمل وقالت:
"تعالي يا حبيبتي، فين زهرة؟"
أجابتها كارما:
"بتقول تعبانة وعايزة تنام شوية."
تحدثت أمل وقالت:
"وماله، ساعة كده ونبقى نصحيها، تعالي بقى هاقولك على شوية أسرار في الطبيخ ماتقوليش لعدوك عليها."
ضحكت كارما وجارتها في حديثها رغم عقلها المشغول بذلك المتقلب.
***
في النهار الساطع والشمس الحارقة فوق رؤوسهم، كان كريم وصقر يتابعان بعض الأعمال والحسابات الخاصة بالأراضي، عاد به صقر للمنزل واستقبلته أمل بحفاوة:
"حمد الله على السلامة، عاش من شافك يا ابني."
ابتسم له كريم وأجاب:
"الله يسلمك يا ست الكل، أخبارك صحتك إيه؟"
"في نعمة يا حبيبي، الحاجة عاملة إيه؟"
"سلم لي عليها."
"يوصل إن شاء الله."
قالت له مؤكدة:
"أوعى تمشي قبل ما نتغدا، ده أنا مجهزة لك الأكل اللي بتحبه."
جابها بعفوية وقال:
"أمشي ده إيه، هو أكل الصعيد ده يتفوت؟"
ضحكت وقالت:
"ألف هنا على قلبك."
اصطحب صقر صديقه لغرفة المكتب حتى يجهز الغداء، فانشغل بمكالمة هاتفية جعلت ذلك القابع على الكرسي مستمعاً لحديثه ومنتظراً انتهاءه بفارغ الصبر، وما إن انتهى صقر.
تساءل كريم بترقب:
"سمعتك بتقول عريس وبتسأل عليه، لمين العريس ده؟"
أجابه صقر بهدوء:
"لـ زهرة."
بهتت ملامحه وردد من خلفه:
"زهرة أختك؟"
عقد صقر ما بين حاجبيه قال:
"أيوه أختي."
اخفض رأسه أرضًا عن أنظار ذلك الذي يتفحصه باستغراب من تبدل ملامحه وحاله الذي انقلب، لا يعرف بعشقه لها، لا يعرف بخوفه من تلك الفروقات بينهما المادية وبخوفه على علاقته به كصديق وأخ، لا يعرف بذلك الوعد الذي قطعه لنفسه أن ينحت في الصخر حتى يكون جدير بها، لكن يبدو القدر رأى آخر وأنها كبرت حتى صار من يريد الفوز بها.
"كريم يا كريم."
انتبه إليه من شروده فقال صقر:
"إنت مش معايا خالص."
تحدث كريم بصوت باهت:
"وإنتوا وافقتوا؟"
أجابه صقر متفحصًا:
"بنسأل عليه لسه."
ابتلع ريقه وقال بترقب:
"وهي… وافقت؟"
عاد صقر بظهره للخلف وقال بوضوح:
"إيه يا كريم… وشك قلب فجأة ليه؟"
قبض كريم على كفيه وهتف فجأة وبدون مقدمات:
"أنا عايز أتجوز زهرة."
والآخر لم يبد أي رد فعل مما جعله يترقب قلقًا.
***
فتحت غرفتها وأزاحت عنها الغطاء هاتفة بها:
"قومي بسرعة، شكلي عرفت مين حبيب القلب."
اعتدلت زهرة بسرعة وقالت:
"إنت بتقولي إيه يا كارما؟"
مالت عليها كارما ضاحكة:
"أستاذ كريم تحت… مش ده اللي حكتيلي عنه؟"
نهضت من فراشها وقالت بفرح:
"يعني هو هنا؟"
أومات كارما برأسها:
"أيوه تحت في المكتب."
أسرعت زهرة بارتداء ملابسها وحجابها، بالتأكيد لن تنزل لأسفل، لكن يكفيها أن ترى محياه أثناء مغادرته أو بسلام متحفظ بينهما.
***
"إنت هتفضل باقي كده كتير؟"
شبك صقر بيديه أمامه وقال:
"وإنت فجأة كده حسيت إنك عايز تتجوز أختي؟"
أجابه كريم بوضوح:
"لأ يا صقر مش فجأة، من زمان."
ردد من خلفه متعجبًا:
"من زمان! وإيه آخرك؟"
ابتلع ريقه وحاول جاهدًا أن يصل إليه صدق حديثه ونيته:
"عشان مش عايز آخدها وتعيش في مستوى أقل من اللي كانت فيه، عشان كان عندي مشوار طويل إني أجهز نفسي وأكون قادر أفتح بيت، وإنت يا صقر مش عايز أخسرك أخويا وصاحبي، ويعلم ربنا إني صنت دخلتي في بيتك."
استغرق صقر عدة لحظات مستشعرًا صدق كلماته ثم قال بعدها:
"هاشاور الحاج وجدي وهي طبعًا وأبلغك."
فتساءل كريم متلهفًا:
"يعني إنت موافق؟"
ابتسم له صقر وقال بارتياح:
"موافق يا سيدي، وأنا يعني هالاقي أحسن منك، بس رأيها الأول."
ضحك كريم متفائلاً شاعرًا أن حلمه على وشك أن يتحقق.
***
طرقت باب مكتبه وأذن لها بالدخول، ابتسمت إيناس وقالت:
"ممكن أدخل يا صقر؟"
رفع عينيه عن الأوراق بين يديه وقال:
"اتفضلي يا إيناس."
خطوات هادئة وعينين ترسل لها آلاف الإشارات ويتجاهلها هو كعادته، قالت ما إن جلست:
"سألت على عريس زهرة."
نظر لها وقال صقر:
"وإنت جاية لحد هنا عشان تسألي عن عريس زهرة؟"
أجابته على الفور:
"مش بنت خالتي وعايزة أطمن عليها، إنت ماتعرفش غلاوتها في قلبي قد إيه."
ثم تنهدت وقالت بحزن مصطنع:
"مع إني زعلانة منها واخده على خاطري منها."
تساءل وقد ألقى بالقلم على سطح مكتبه محاولًا إظهار اهتمامه ومعرفة غرضها من القدوم:
"ليه؟"
"من وقت ما جت كارما وهي واخده جنب مني، طول النهار معاها، حتى لما نزلوا السوق محدش منهم كلف نفسه يقولي وأروح معاهم، حتى كارما اللي قولت أختي وهاتبقى جنبي بتتجاهلني ومش حاسة إنها بتحبني خالص وخايفة تكون بتكره زهرة فيا."
مسح على وجهه بتعب وقال:
"ماتكبريش المواضيع يا إيناس، زهرة بتحبك وأختك، بكرة تقربوا من بعض، ويا ستي على خروج السوق ابقي روحي معاهم المرة الجاية."
تساقطت عبراتها بتمثيل مقنع وقالت:
"حاسة إني لوحدي يا صقر، كل واحد في دنيته، محدش بيفكر فيا."
استقام واتجه إليها وقال بهدوء:
"أبدًا يا إيناس، كلنا هنا بنحبك."
وقفت قبالته بلهفة وقالت:
"بجد يا صقر؟"
عاد خطوة للخلف وقال موضحًا:
"طبعًا، إنت عندي غلاوتك من غلاوة زهرة."
تساقطت دموعها بصدق هذه المرة وقال بخفوت:
"مش عايزة أخوك يحبني زي زهرة، أنا مش زهرة، إنت مش أخويا."
ظهر الضيق على ملامحه من وضوح حديثها المحرج وقال:
"إيناس اطلعي على أوضتك."
اخفضت عينيها أرضًا وأدار هو بظهره للنافذة وضيق حاجبيه لرؤية كارما المتجهة للاسطبل.
تخشب مكانه عندما استمع لصوتها قائلة:
"أنا بحبك يا صقر."
التفت إليها وأشار لها بإصبعه بغضب:
"إنتي اتجننتي ولا إيه، اتحشمي يا إيناس."
حركت رأسها بالرفض وقالت بانفعال:
"أيوه بحبك، هاتفضل لامتى مش واخد بالك أو عامل نفسك مش واخد بالك؟"
هدر بها بانفعال غاضب:
"على أوضتك حالاً… يالا."
انتفضت إثر صرخته بها وركضت لأعلى تاركة إياه يمسح على وجهه بغضب منها ومن جرأة حديثها، ثم تذكر تلك التي خرجت دون علمه وكأنه لا وجود له في الدار.
تحرك بخطوات غاضبة متجهاً للاسطبل.
وفي منتصف طريقه وجدها عائدة، تمثلت بجلسة مع الخيول لكن الظلام المحيط بها جعل الخوف يتسلل إليها وعادت مرة أخرى.
كانت تسير واضعة يديها في جيبي الجاكت، ناظرة للأسفل غير منتبهة لوجوده.
"إنتي استأذنتي قبل ما تخرجي؟"
انتفضت إثر صوته المفاجئ والغاضب وظهوره فجأة أمامها.
أجابته كارما وقد شعرت ببوادر نقاش محتد بينهما:
"اللي عرفته إني أستأذن لو خرجت برة بوابة البيت، لكن أنا ماخرجتش، الاسطبل في محيط البيت."
يهتف بها صقر أمرًا:
"تستأذني برضه وماينفعش تخرجي بالليل كده لوحدك."
هتفت به في ضيق وصوتًا مرتفع:
"يوه، إنت كل ما تشوفني يا تتجاهلني خالص يا تكون متعصب وتديني في أوامر كده، يا سيدي لو مش طايق وجودي إنت كمان أرجع أنا ما طرح ما كنت."
قال من بين أسنانه بغضب:
"إياكي صوتك يعلى عليا تاني، احمدي ربنا إنك ست، لو كنتي راجل كنت عرفته إزاي يتكلم معايا."
أصرخت به لطريقته المتسلطة والمستفزة:
"هاتعمل إيه يعني، هاتضربني مثلاً، أصدق إنك تعملها، ما اللي زيك ممكن يمد إيده على بنت عادي."
قبض على يديه بقوة وبرزت عروق رقبته بغضبًا:
"اللي زيك لو ماكنش يعرف الأصول كنت أدبتك من أول وجديد."
اتسعت عينيها وهدرت به:
"أنا مسمحلكش، أنا متربية كويس أوي."
يهتف بها بغضب:
"والمتربية تخرج من غير ما تعرف حد من اللي موجودين، وفي الليل كمان ولوحدها، لو عمي ماعرفش يربيكي أنا هأربيكي."
اتسعت عينيها وترقرق بهم العبرات غير قادرة على الرد عليه، ورغم غضبه وضيق إلا أنه ندم أنه تطرق لتلك النقطة بتهور منه.
تساقطت دموعها وقالت له بصوت مختنق:
"لو أبويا كان عايش ماكنش هايسمحلك تكلمني كده."
انقبض قلبه من صورتها الباكية وظهر على وجهه إمارات الندم.
في مكان قريب منهم للغاية، هناك من يترصد بفوهة سلاحه بين الأشجار الكثيفة مصوبًا على اتجاه بعينه منتظرًا الوقت المناسب لإطلاق رصاصته.
تحركت من أمامه عائدة للبيت غير قادرة على كتم نشيجها الذي استمع وأنظاره عليها من خلفها، وفي لحظة كان صوت العيار الناري يدوي بصوت عالٍ وصوت ارتطام قوي بالأرض، التفت بسرعة للخلف وجدته ملقى على الأرض وتلك البقعة الحمراء تزداد، ثم صرخت باسمه وهي تركض إليه:
"صقر…"
رواية عشق الصقر الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سارة حسن
تخشّب جسدها بأكمله بصدمة، وتوقف عقلها للحظة، ثم استعادت تركيزها وركضت عليه.
جثّت على ركبتيها، واضعة يدها على كتفه النازف، صارخة باسمه: "صقر… صقر أنت سامعني؟"
حرّك رأسه، وخرجت منه تأوهات بألم شديد.
التفتت برأسها من حولها لعلها تجد ما تستنجد به، لكن لم يقابلها سوى الفراغ.
بكت بخوف وقالت بصوت مرتعش: "صقر.. صقر رد عليا."
أجابها بصوت مكبوت بألم: "اهدّي.. متخافيش."
هتفت به وهي تجذب الشال الذي يحيط برقبتها وتضعه على جرحه: "اهدّي إيه، أنت بتنزف."
أجابها مطمئنًا: "بسيطة."
حرّكت رأسها بالنفي وصرخت به: "بسيطة إزاي، النزيف مش بيقف."
ثم تابعت باقتراح: "حاول تقوم معايا لحد البيت، أرجوك، اتسند عليا لحد ما نوصل."
حاول الاستقامة رغم الألم الشديد المرسوم على وجهه، وساعدته على الوقوف.
تمسكت بذراعه المصاب تحاول مساعدته، وتحامل هو على نفسه حتى لا يرمي بثقله كله عليها.
خطواتهم بطيئة، وأنفاسها عالية مرتبكة ومرتعشة من صعوبة الموقف برمته.
انتاب كل من في البيت الكبير القلق من ذلك الصوت المدوي لطلقة نارية قريبة منهم للغاية.
خرج رحيم مناديًا على الغفر يتفقدوا ما حول الدار.
اقتربوا من البيت، وقد بدأ يشعر بذلك الدوار اللعين.
استمع لصوتها برجائه الذي لمس قلبه: "ارجوك كمل شوية، خلاص قربنا."
ثم صرخت مستنجدة بأحد الغفر، الذي هرول عليها.
ركض رحيم برعب اتجاههم فور ما أبصر ابنه مستندًا على كارما، وإحدى كتفيه نازفًا الدماء.
صرخت أمل بهلع على بكيّها ضاربة على صدرها بقلب كاد أن يتوقف.
بينما استند الجد على عكازه خشية من أن يخذله ويسقط أرضًا.
ابتعدت كارما فور ما حملوه لأعلى البيت الكبير.
التفتت حولها وشعرت بارتعاشة لكامل جسدها.
انتبهت لأحد الغفر قائلًا: "ادخلي جوه يا ست هانم، الدنيا مش أمان."
تحركت للداخل، وجميع من في البيت على أعصابهم، والقلق والخوف مسيطر على الجميع.
استدعوا الطبيب الذي أتى على الفور، وتحولت الدار رأسًا على عقب.
"ما اتفقناش على الدم يا مجد."
نفخ الدخان من أنفه وفمه من أرجيلته قائلًا: "متنشف شوية يا عيد الله."
صرخ به عيد خوفًا: "الدم لا يا مجد، أنت قلت قرصة ودن مش تقتله."
ألقى بمبسم أرجيلته وقال: "ومين قالك إنه مات، مع إني كنت أتمنى، بس عمره بقى، هانعمل إيه."
جلس عيد قبالته وقال بقلق: "يعني هو ما ماتش، أنت متأكد؟"
"عيب عليك يا جدع."
تنفس عيد الصعداء ومسح حبات العرق التي ترقرت على جبينه، ثم هدر بمجد: "وافرض اللي بعته فتن علينا وعرف إننا..."
قاطعه مجد بنفاد صبر: "زمانه طلع الجبل وراح مطرح ما جه."
وقف عيد وقال: "الحمد لله إنها جات على قد كده، أنا بشيل إيدي يا مجد، آه بكرة صقر بس ما يقتلوش."
أخذ مجد أنفاسًا عميقة، وبدأت المخدرات تدخله في تلك الحالة من الانتشاء، وتمتم ساخرًا: "أحسن برضه، اللي جاي مش تبعك، اللي جاي عايز دندنة على الهادي."
ثم ضحك لتلك الخيالات التي بدأت تتزاحم بعقله، ومن بينهم صورة تلك التي أوقعه حظه بها، وكعادته جاء من انتشلها منه، مؤكدًا لنفسه أن الحرب بينه وبين صقر قريبًا جدًا ستكون على أشدها.
بعد مرور ذلك الوقت العصيب، طمأنهم الطبيب على استخراج الرصاصة وتضميد جرحه وطلب الراحة المشددة له.
كانت ما زالت جالسة في بهو البيت، دون القدرة على الوقوف، فقط ما استمعت لحديث الطبيب.
تنفست الصعداء وهدأت أنفاسها.
"إيه اللي حصل يا كارما؟"
نظرت لعمها، وبصوت متحشرجًا أثر صراخ، سردت له ما حدث.
قال عتمان: "ما شوفتيش اللي ضربه؟"
حرّكت رأسها بالنفي وقالت: "الدنيا كانت ضلمة."
هتفت بها إيناس بضيق: "وأنتِ إيه وداكي الأسطبل بالليل كده؟"
أجابتها كارما: "كنت عايزة أتمشى، ولما لقيت إن مافيش نور رجعت."
قال رحيم باستنتاج: "إزاي مافيش نور، يبقى حد فصل كشافاته."
هتفت إيناس بها قائلة: "عاجبك آخر دلعك، لو ما كنتيش خرجتي بالليل ما كانش كل ده حصل."
ردت عليها كارما بانفعال: "صقر ما كانش يعرف إني هناك."
قالت الأخرى بغضب: "كان عارف وشافك من الشباك."
ضرب عتمان بعكازه على الأرض بقوة قائلًا بصوت جاد وحاد: "مش عايز أسمع صوت.. كله على أوضته."
التفتت إليه كارما وهي على وشك البكاء: "جدي أنا..."
قاطعه عتمان قائلًا: "بعدين يا كارما، اطلعي أوضتك ارتاحي، كله مقدر ومكتوب."
صعدت لأعلى، وغشاوة دموعها تتأرجح بمقلتيها تهدد بانهيارها.
دخلت غرفتها، ثم انهارت في نوبة بكاء.
ليلة عصيبة، وحديث إيناس زاد إحساسها بالذنب.
بالتأكيد لم تقصد كل ذلك، رغم نقاشاتهم المحتدمة دائمًا، إلا أنها لا تتمنى له السوء، ولا حتى أن تكون سببًا غير مباشر به.
نظرت ليديها المليئة بدماءه وملابسها أيضًا.
ببطء وأعصاب مهتزة تحممت وارتدت ملابس أخرى، تدثرت تحت غطائها لعله يبث بها بعض الدفء.
طرق الباب وانفتح، وقابلتها أم محروس بكوب من الحليب وبعض السندوتشات، قائلة لها بابتسامة طيبة: "كلي لقمة قبل ما تنامي."
قالت كارما بخفوت: "مش قادرة والله."
وضعتهم على طرف الفراش وقالت: "ابدئي، ده كفاية الخضة ووشك اللي زي الليمونة ده."
ابتسمت لها كارما وقالت بحزن: "أنتِ عارفة إنك الوحيدة اللي اهتميتي بيا، أنا مقدرة اللي هما فيه، بس أكتر حاجة وجعتني إني أكون السبب في اللي حصل."
نفت أم محروس على الفور وقالت: "ماحدش قال إنك السبب، وست إيناس هي على طول كده، لامؤاخذة يعني بتحب تصطاد في المية العكرة، ده قدر يا بنتي مافيش حد بيهرب من قدره."
مدت لها بكوب الحليب وقالت بحنان: "يالا اشربي بقى ما تكسفيش."
تناولتها منها كارما وتجرعته، ثم دثرت نفسها مرة أخرى، ولم يمر الكثير وغلبها سلطان النوم.
"حمدلله على سلامتك يا ابني، وقعت قلوبنا عليك."
طمأنها صقر قائلًا: "أنا بخير يا ماما ما تقلقيش."
قال رحيم مربتًا على كتفه السليم: "قدر ولطف يا ابني ربنا عالم بحالنا."
تحدث عتمان: "وعيت له يا صقر؟"
صمت صقر للحظة وقال: "الدنيا كانت ليل يا جدي."
أومأ عتمان برأسه وقال: "حد فصل الكشافات، الغفر لقوا السلك مقطوع."
تلف رحيم بقلق: "مين قصد يعمل كده؟"
هدرت أمل: "حسبي الله ونعم الوكيل، ربنا ينتقم منها."
اقتحمت إيناس ووالدتها الغرفة، ومن خلفهم زهرة.
قالت إيناس بلهفة: "حمد الله على سلامتك يا صقر."
أجابها صقر: "الله يسلمك."
أقبلت عليه زهرة مقبلة رأسه ببكاء: "بركة إنك بخير يا حبيبي، شكلك وأنت جاي مع كارما وغرقان في دمك نشف دمي."
دارت عيناه بحثًا عنها ولم يجد لها أثر.
مسك لسانه بقوة ألا يسأل عنها، ولكن انتبه لوالدته التي قالت: "فين كارما؟"
قالت زهرة بحنق: "من ساعة كلام إيناس وهي في أوضتها مش عايزة تطلع."
ارتبكت إيناس وقالت مبررة: "كلنا كنا على أعصابنا وغصب عني قلت كلمتين من خوفي عليك، ما تكبريش هي الموضوع."
قال رحيم مؤنبًا: "أديكي قولتي يا بنتي كلنا كنا على أعصابنا، محدش فينا قدر يتهمها إنها السبب."
ضيق صقر عينيه وتساءل مستفهمًا: "تتهموها بإيه؟"
ابتلعت إيناس ريقها بخوف، وقالت زهرة: "إيناس صرخت فيها إنها خرجت بالليل وقالت لها إنها السبب، لأنها لو ما كانتش خرجت ما كانش انت هاتطلع وراها ويحصل اللي حصل."
لامتها أمل قائلة: "ليه بس يا إيناس، وهي ذنبها إيه؟"
خفضت إيناس عينيها أرضًا هروبًا من نظرات صقر الغاضبة، الذي هتف بضيق: "أنا لولا كارما كان زماني لسه سايح في دمي، ده يمكن من حسن حظي إنها خرجت عشان تساعدني أجي لهنا، ما يبقاش ده كلام الشكر اللي المفروض يتقالها."
عم الصمت المكان، وكسر الجد عندما وقف ببطء وقال: "نهايته، كل واحد يروح يشوف حاله وسيبوه يرتاح."
قالت أمل: "أنا هاروح أعملك شوية شوربة يعوضوا الدم اللي نزل منك يا ضنايا."
خلت الغرفة من حوله، عاد برأسه للخلف بتعب وضيق.
ود لو استطاع أن يذهب إليها ويطيب خاطرها من حديث إيناس اللاذع، وقسوة حديثه الأخير معها أيضًا، والتي في المقابل كان يشعر بارتجافها وهي محيطة بذراعه لتساعده على العودة للبيت.
وقعت عيناه على الشال الخاص بها والمليء بدماءه، متذكرًا بكائها وهي تضغط على جرحه النازف، كانت هشة للغاية وخائفة، ورغم ذلك حاولت مساعدته بقدر ما استطاعت.
تنهد بقلب منقبض من عزلتها التي فرضتها، مقررًا عدم السماح لها باختفائها عن عينيه لوقت طويل، ورغمًا عنه تاركًا ذلك الشعور الملح عليه لرؤيتها والاطمئنان عليها، منتويًا التدخل بنفسه.
رواية عشق الصقر الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سارة حسن
لم ترغب في النزول للإفطار، كل ما تريده فقط هو بعض الروايات، لعلها تساعد في مرور ذلك الوقت البطيء.
ارتدت حجابها كيفما اتفق، خرجت من غرفتها وتوقفت أمام غرفته وبابها الموارب، والذي ظهر منه صقر جالسًا على حرف الفراش ويبدو متألمًا.
لا تنكر تلك الرغبة الملحة عليها في الاطمئنان عليه، ولكنها فضلت الابتعاد.
حتى رأته الآن…
فتحت الباب على مصراعيه ودخلت.
لم يشعر هو إلا بعباءته التي كان يحاول ارتدائها ملقاة على كتفيه فوق جلبابه.
التفت صقر، وما إن أبصرها وقف أمامها قائلًا بلهفة:
كنت جايلك…
ثم تلعثم لتهوّره وقال:
أقصد كنت عايز أطمن.
صمت مرة أخرى وقال بصوت خافت:
أنا مديون لكتير.
طلعت كارما ملامحه وعينيه المنخفضة عنها كعادته، ومظهره المختلف دون عمامته التي سقطت عنه وقت الحادثة.
تساءلت كارما بخفوت:
ليه؟
زفر أنفاسه وأردف:
من كلام إيناس، عارف إنه زعلك.
اخفضت عينيها أرضًا وضمت شفتيها تمنع بكائها:
عندها حق أنا…
قاطعها ناظرًا إليها وقال بصوت لا يقبل الجدل:
لا، أنتِ مالكيش ذنب. أنتِ كان ممكن من خوفك تجري من المكان، لكنك وقفتي وساعدتيني لحد ما وصلنا لهنا. أنتِ كمان كان ممكن تتصابي. أنا المفروض أشكرك.
رفعت عينيها مقابل عينيه وتلك الغلالة المحيطة بها:
ماكنش لازم أخرج.
أجابها بصوت هادئ لاول مرة تسمعه:
ده قدر وكان هايحصل هايحصل. كله مقدر ومكتوب.
أردفت بصوت ناعم:
حمد الله على سلامتك. الحمد لله إنك بخير.
كانت رقيقة بطريقة جعلته ناسيًا أن يخفض عينيه عنها، منجذبًا لتلك العينين الذهبيتين والتي لأول مرة يراها بذلك القرب.
انتبه على سؤالها:
مين اللي عمل كده؟
غض الطرف عنها مجيبًا بعد أن أجلى صوته:
الله أعلم.
_ بلغتوا الشرطة؟
_ أيوه، وبيعملوا اللازم.
أومأت برأسها وتحركت لخارج الغرفة.
استوقفها صوته قائلًا:
أنا مديون لكِ كمان مرة.
التفتت إليه هذه المرة بابتسامة عذبة:
معقولة صقر الجارحي مديون ليا مرتين في ساعة واحدة؟
ابتسم لها تلك الابتسامة التي أظهرت غمازته لها، ولأول مرة تسمع اسمه منها:
المرة دي مديون لكِ عن كلامي آخر مرة.
ضحكت كارما وهتفت:
امممم، لا في دي عندك حق بصراحة.
ثم تابعت وقالت:
وأنت كمان ماتزعلش مني.
حرك رأسه وقال:
حصل خير يا بت عمي.
تتبعها حتى اختفت عن أنظاره، مرتاحًا لتلك الهدنة غير المعلنة بينهما…
انتظرها وهو يدخن بشراهة.
كاد يصاب بالجنون من وقت معرفته من ابنه ما دبره مجد في محاولة قتل صقر.
يخشى أن تأتي سيرة ابنه ويدفع هو ثمنها.
استمع للطرقات الخافتة وفتح بابه على الفور.
دخلت سعاد بأنفاس لاهثة:
إيه يا كامل ده وقت تطلبني فيه، ما انت عارف المصيبة اللي في الدار.
جذبها من ذراعها وقال:
أيوه عرفت، المهم صقر عامل إيه؟
أجابته باستغراب:
انت جايبني تسألني عن صقر يا كامل؟
زجرها وقال:
اخلصي يا سعاد.
قالت له:
كويس، الدكتور خرج له الرصاصة، والنهاردة بدأ يتحرك.
سأل مرة أخرى مترقبًا:
وعرفوا مين اللي عمل كده؟
_ لا، ما حدش يعرف، بس مش هايسيبوه. ما انت عارف صقر مش هايسيب حقه.
رمى على مقعده بقلق:
عارف… عارف.
اقتربت منه وقالت:
مالك يا كامل في إيه؟
هب واقفًا وأجابها:
مافيش يا سعاد، ارجعي عشان محدش يحس بحاجة. بس لما أكلمك في التليفون تردي عليا طول.
نفذت أمره دون مناقشة كعادتها وقالت:
حاضر يا كامل.
دي أقولك يا صقر إيه؟
كلمات قالها المحقق لمركز الشرطة التابع للمركز، أثناء تحقيقه مع صقر لمعرفة من حاول قتله.
أجابه صقر بثبات:
أيوه يا حضرة الظابط.
وقف المحقق وقال:
أتمنى ما يكونش في حاجة ما قولتهاش في التحقيق.
قال صقر بهدوء:
وهو في حاجة تخفى على الحكومة؟ برضو، تلاقيه عيار طايش.
حرك المحقق رأسه بعدم اقتناع:
ياريت لو حصل جديد تبلغونا.
انصرف المحقق.
تطلع عتمان لحفيده قائلًا:
انت عارف مين اللي عمل كده؟
صمت صقر لبره وقال بوضوح:
شاكك يا جدي، ما أقدرش أقول حد بعينه، يمكن أكون ظالمه.
هتف عتمان متسائلًا بترقب:
ولو اتأكدت؟
احتدت عينيه وقال:
اكيد هاسيب الحكومة تجيب حقه.
قال عتمان وقد انتابه القلق:
أوعى لوحدك يا صقر… مش عايز ضهري يتقسم بيك، كفاية اللي راح.
أجابه صقر على الفور:
بعد الشر عليك يا جدي….
أردف عتمان:
خد بالك على نفسك يا ابني.
ابتسم له صقر يطمئنه:
ما تقلقش عليا.
حرك الجد رأسه واستقام واقفًا.
فاتساءل صقر:
رايح فين يا جدي؟
أجابه على تسائله:
رايح لكارما أطيب خاطرها بكلمتين. اتشغلت فيك وعارف إن كلام إيناس زعلها.
_ لا، ما أنا راضيته.
رفع عتمان حاجبيه وقال:
راضيتها!
اخفض صقر عينيه عنه وأجاب:
أيوه، كنت بشكرها على اللي عملته معايا، وطيبت خاطرها بكلمتين كدا.
أخفى الجد ابتسامته وهتف:
كويس إنك عملت كده، ما هي زي زهرة برضو.
ارتفعت عينيه على الفور لجده، الذي رأى بهما الرفض والذي لم يستطع صقر أن يعلنه بعد.
ضحك الجد وتسرب ذلك الأمل بداخله، متمنيًا أن يخطو حفيده أولى خطواته نحو العشق.
جافاها النوم في ذلك الوقت المتأخر.
فتحت شرفتها واستندت بساعديها على السور، تتطلع لمكان الاصطبل الذي يحيطه الأنوار من كل اتجاه، بعد ما كان في ظلام معتم أول أمس فقد.
استمعت لذلك الصوت الذي أصبحت تعرفه جيدًا حتى بتقلباته، مثل الآن.
يتحدث في هاتفه ملقيًا أوامره كعادته، نبرته لا تحمل النقاش حتى.
انتهى ثم وضع هاتفه على سور شرفته.
التفت برأسه وجدها تنظر إليه كاتمة ضحكتها.
فقال متسائلًا:
في إيه؟
ربعت يدها على صدرها وقالت:
صعبان عليا اللي بتكلمه، أدته شوية أوامر ورا بعض. الله يكون معاه ويفتكرهم.
ابتسم بجانب فمه وقال:
ده شغل ومش بحب الغلط في الشغل.
لفت اهتمامها قائلة بمغزى وصل إليه:
مش في الشغل بس موضوع أوامرك ده.
ضحك بخفوت وقال لها:
شكلك لسه شايلة مني.
رفعت كتفيها وقالت بإقرار:
ده طبعي.
نظر للمدى المظلم أمامه وقال بصوت هادئ:
يمكن عشان من صغري نزلت الأرض واتعاملت مع عمال وتجار ومعلمين. الكلمة واحدة والغلط يخسرنا سمعة.
تساءلت كارما بفضول:
وطفولتك؟
ابتسم صقر وقال:
ماكنش في وقت للعب، في عيلة مافيهاش ولد غيري وهو اللي هايمسك كل ده.
ضيقت حاجبيها بتأثر وتساءلت:
المسؤولية صعبة.
أجابها:
يمكن وأنا صغير، دلوقتي لا.
ضمت شفتيها وقالت:
غريبة إني شايفاك متسلط ومع ذلك محبوب… ما عدا اللي ضربك طبعًا.
رفع إحدى حاجبيه قائلًا:
متسلط! أنتِ صريحة جدًا.
أكملت قائلة:
ومغرور… كمان.
هتفت كارما بترقب:
زودتها أنا صح؟
حرك رأسه وقال ضاحكًا بخفوت:
لا خالص.
التفت برأسها الجهة الأخرى كاتمة ضحكة كادت تنفلت منها.
عم الصمت بينهما وكلا منهما ينظر للأمام.
لا تنكر أنها ألفت حديثه واسترساله اليوم في حديثه معها رغم شعورها بالاضطراب الذي دائمًا ما تشعر به في حضرته.
نظر لذلك الكتاب الملقي على الكرسي المجاور لها متسائلًا:
بتقري إيه؟
جذبت الكتاب وقالت له:
كتاب من مكتبتك على فكرة. بصراحة حاسة إني لقيت كنز لأني بكون زهقانة.
_ أنتِ الوحيدة اللي سمحت لها تدخل المكتبة.
اخفضت عينيها بخجل وابتسمت له وقالت:
متشكرة.
شعرت بتلك النسمات الباردة.
قالت له:
الجو برد، ادخل أنت لسه تعبان.
رغم شعوره بالتعب من فترة، إلا أنه لم يريد أن يقطع ذلك الحوار الهادئ لأول مرة بينهما.
إلا أن بدأت النغزات في الازدياد بألم.
فقال صقر:
وأنتِ كمان… تصبحي على خير.
_ صقر.
توقف وأغمض عينيه لصوتها المنادي وتلك الخفقة التي أحدثها قلبه، التي بدأت تقلقه بحضور تلك التي تنطق اسمه بطريقة خاصة بها.
_ أنت زعلت لما قولت إنك متسلط ومغرور؟
نظر لها هذه المرة مطولًا مما أربكها وقال بخفوت:
عمري ما كنت بهتم برأي حد فيا….
نظرت إليه بعينين ذهبيتين تسحرانه.
_ بس أنتِ الوحيدة اللي مش عايزها تشوفني كده.
ارتبكت كارما وزاغت عينيها.
أشار لها بالدخول، ولم تنتظر المزيد ودخلت.
ألقت بنفسها على فراشها وابتسامة رقيقة زينت ثغرها، واضعة يدها على ذلك الذي يخفق بتسارع دقاته ويبدو أن هناك حدث جلل على وشك الحدوث.
رواية عشق الصقر الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سارة حسن
طرق باب غرفتها، وعندما فتحت شهقت لمرآته ويده المصابة معلقة على صدره.
فقالت زهرة: "ما ندهتش عليا ليه وأجيلك؟ كده تتعب نفسك."
أجابها وهو يدخل: "عايز أعرف رأيك في العريس."
تبدلت ملامحها واخفضت وجهها، فتساءل صقر: "الحادثة اللي حصلت أجلت كلامي معاكي في حكاية العريس وما سألتكيش. إيه رأيك يا زهرة؟"
أجابته بتردد: "مش عارفة."
انحنى بنصفه العلوي للأمام وقال بهدوء: "أنا مش عايز أحيرك أكتر، بس فيه عريس تاني متقدملك."
تكتفت بضيق ونبرة لا تمتلك من الحماس ذرة: "كمان! … مش فارقة يا صقر، اعمل اللي انت شايفه."
"أعمل اللي أنا شايفه إيه؟ هو أنا اللي هتجوز؟ يابنتي ما تكلمي، هو في حد هايغصبك على حاجة؟"
ماذا تقول… ورغبة الزواج أمر كان مؤجلاً بالنسبة لها على أمل أن يتقدم ذلك البعيد وينالها قبل أن يمتلكها آخر.
اختلجت أنفاسها وقالت باختناق: "مش عارفة، أنا ما أعرفش حد فيهم."
"لا، في حد منهم تعرفيه؟ مين؟"
أجابها صقر موضحاً: "كريم صاحبي."
رمشت بعينيها عدة مرات، وكأن أصابها الصمم، ثم رددت من خلفه وقالت بعقل مشوش: "مين؟"
تفرس صقر ملامحها وقال: "كريم."
لم تسيطر على تغير ملامحها التي ابتهجت لذلك الخبر، وقالت بصوت حاولت التحكم به: "وبعدين؟"
أردف لها: "جيت أسألك وأعرف رأيك."
لم تملك الكثير من التفكير وقالت له: "وانت قلت إيه؟"
تنهد وقال بصبر: "يا زهرة، أنا جاي أسألك. لو حد فيهم وحش كنت هارفض من غير ما أرجعلك."
اضطربت خوفاً من إدراكه لمشاعرها، وقالت: "بس أكيد رأيك يهمني."
"العريس الأولاني مش صاحبي بس عندي علم به، وهو ما يتعيبش. لكن كريم صاحبي وعارفه وعارف معدنه، وشاريِكِ، وهاطمن عليكي معاه."
اكتسى الخجل جنتيها وتقول: "خلاص اللي تشوفه يا أخويا."
ابتسم لها وتساءل رغم علمه بإجابتها: "أبلغ الموافقة لكريم؟"
وضعت كفها على فمها بخجل مانعة تلك البسمة التي شقت ثغرها. ضحك صقر وجذبها بذراعه السليم وقال: "كبرتي وها تتخطفى مني يا زهرة.. ياويله مني لو بس فكر يزعلك."
ربتت على ظهره بحب وقالت: "ربنا يخليك ليا يا حبيبي… وانت يا صقر مش هانفرح بيك؟"
استمعت لتنهيدته وقال: "كله بأوانه."
اندست في صدره بسعادة ظنت أنها لن تمتلكها يوماً. والآن أصبحت على مشارف الحصول عليها.
توالت الأيام بين اتفاقات حتى جاء يوم قراءة الفاتحة.
تزينت زهرة وملامحه المبتهجة تعبر عن مدى سعادتها. شاركتها كارما تفاصيل يومها وترتيبها إلى أن حضر أهل كريم الذي كاد أن يتوقف قلبه من قرب الوصال.
من فتحات السلم جلسن في الخفاء يتابعن الحديث الذي يدور في الأسفل.
في جلسة رجالية بين العائلتين، كانت تراه جالساً يتحدث بهدوء ورزانة، يتجاوب مع الحديث الدائر، أو يخرج صوته المهيمن بهدوئه فينصت الجميع له.
قالت زهرة هامسة فأخرجتها من شرودها: "حاسة قلبي هيقف يا كارما."
ضحكت كارما ووضعت يدها على فمها حتى لا يصدر عنها صوت: "لا استني، ده لسه فيه قاعدة بينكم يا عروسة."
انتبهت زهرة وتساءلت بلهفة: "بجد؟ عرفتي منين؟"
ضحكت كارما وقالت: "سمعت طنط أمل بتقول لام محروس تحضر العشا عشان تتعشوا بعد الاتفاق."
ثم تابعت غامزة: "عايزاكي ما تنسيش فتفوته تحكيهالي، فاهمة ولا لأ."
قبل أن تجيبها هتفت زهرة قائلة بخوف: "يالهوي.. صقر طالع أجري بسرعة يا كارما."
ارتبكت كارما وما إن وقفت وصعدت درجتين حتى تعثرت في طرف فستانها من الأمام، سقطت على يديها بثقلها، فتأوهت بألم. استمعت لصوت صقر من خلفها باستغراب: "في إيه؟"
اعتدلت جالسة على أول الدرج خلف الدرابزين: "اتعكبلت."
رفع حاجبيه باستغراب وقال: "انتي كنتي بتعملي إيه؟"
ارتبكت من إحراجها وقضبت جبينها من ألم يدها. نظر صقر لموضع يدها التي تدلكها بألم متسائلاً: "انتي كويسة؟"
اخفضت رأسها وقالت بخجل: "وقعت على إيدي."
مد يده السليمة، ومسك معصمها وحركها ببطء أمام عينيها المتسعة لفعله، وقال دون أن ينظر لها: "التواء بسيط."
ثم رفع عينيه لها، أخذ نفساً عميقاً وقال بهدوء: "ما تقفيش هنا."
وقبل أن تجيبه أكمل موضحاً لها: "مش أمر قبل ما دماغك تروح في حتة تانية، بس مش عايز حد من الرجالة اللي تحت يلمحك."
أومأت برأسها بالإيجاب. ترك يدها ببطء وعيناها تدور في كل اتجاه عداه. ركضت لغرفة زهرة. وقف هو قليلاً وعقله يعيد كلمة قالها جده (الشاري لازم يتعب شوية) وهو شاري ويسعى لتغيير تلك الصورة التي اتخذتها عنه. انتبه لنفسه متذكراً لما أتى لهنا، بعد ما أنسته سبب صعوده. ضحك بخفة ودخل غرفته وحفيف جلبابه من خلفه. تناول هاتفه ونزل لأسفل مرة أخرى.
أغلقت الباب واستندت من خلفه. رأته يصعد، فا ظنت أنها ربما الفرصة سنحت لها للحديث معه بعد ما تهرب لأيام من أن يحدثها، وعيناه كل ما تقابل عيناها المتلهفة يجيبها بلا شيء.
جلست إيناس وعيناها متسعة غاضبة، مكبوتة. رأته كما لم تراه من قبل، يتناول يدها برقة وينظر إليها بتلك الطريقة التي تمنتها لنفسها.
ما الذي تمتلكه ليس عندها؟ هل من العدل أن تستولي عليه وهي من أتت من أشهر قليلة دخيلة عليهم؟ أم هي التي تربت أمامه ونشأت أمام عينيه ولم تر غيره رجلها.
توحشت عيناها هاتفة لنفسها بعزم، أن لا سبيل لصقر سواها وستفعل على ذلك بكل قوتها.
استمرت في فرك يديها ببعضهما من خجلها وارتباكها، وهو لا يراعي أبداً ذلك بنظراته الوالهة الثابتة عليها، وكأنه غير مصدق جلوسها أمامه بعلم عائلتها وبملء إرادتها.
ابتسم كريم وقال بقليل من المرح: "بطلي فرك في إيدك.. هو أنا بخوف أوي كده؟"
حركت زهرة رأسها بالنفي ولم تجب بشيء، فقال بعد تنهيدة مرتاحة استمعت إليها: "أخيراً يا زهرة."
يا الله، اضطربت أنفاسها من نطقه الأول لاسمها وتوهجت وجنتيها بحمرة جذابة.
"ممكن تبصيلي؟"
حركت رأسها بالنفي بارتباك، وكأنها فقدت القدرة على الحركة.
فقال كريم: "شكلك مش موافقة، أنا هاطلع أقول لصقر."
رفعت وجهها إليه فجأة، فا أمسك بعينيها وقال مبتسمًا بعذوبة: "مدارية وشك عني ليه، بصيلي وخليني أصدق إنك قدام عيني يا زهرة."
عضت على شفتيها حتى كادت تدميها، بينما لم يتهاون هو وهتف: "عايز أسمع صوتك."
خرج صوتها متحشرجاً: "أقول إيه؟"
"عايز أسمع موافقتك يا زهرة، ليا لوحدي."
أجابته زهرة قائلة بخفوت: "ما أنا قولت لصقر."
"زهرة."
رفعت عينيها لندائه الخافت باسمها، فا لم تستطع أن لا تمنحه تلك الأمنية، التي لا يعلم كم تمنتها وأثرتها في نفسها.
فقالت: "رايدك."
اتسعت ابتسامته وقال مهللاً: "الله.. الله دي أحلى من كلمة موافقة اللي كنت عايز أسمعها منك."
ثم أكمل بسعادة: "وأنا كمان رايدك يا زهرة… رايدك من زمان."
أدخلت سعاد غرفة ابنتها بعدما انتهت من مكالمتها الهاتفية، تساءلت سعاد: "بتكلمي مين؟"
جلست إيناس واضعة يدها على رأسها غير محتملة ذلك الصداع: "اخت مجد."
ضربت سعاد على صدرها بخوف وقالت: "نهار أسود، اخت مجد اللي نعرفها يا إيناس؟"
أجابتها إيناس بإيجاز: "أيوه يا ماما."
"مجد؟ ليه؟ وجبتي رقمها منين؟ إيه بينك وبينهم عشان تكلميها؟"
انتصبت واقفة وهتفت قائلة: "عشان الزفتة اللي تحت دي، عشان صقر اللي بيروح من إيدي، عشان مش هافضل واقفة أتفرج عليهم كده."
اقتربت منها سعاد وقالت بمهادنة: "طب بتعملي إيه؟ نوريني."
"واحدة صحبتي تعرف اخت مجد، قالتلها على اللي حصل بين كارما ومجد يوم ما تاهت. داخل دماغه وعاجباه، وطبعاً خايف يقرب من صقر. وصلتلها أنه كمان عاجبها وقدامه فرصة يقرب ويصلح اللي هببه معاها أول مرة."
استنكرت سعاد فعلتها وقالت: "وده هايدخل على صقر؟"
ابتسمت إيناس بخبث وقالت: "الشوف غير السمع، وهو وشطارته."
"تقصدي مين؟"
رفعت إحدى حاجبيها وقالت: "مجد."
هتفت سعاد بقلق قائلة: "يا خوفي يا إيناس تعك على دماغنا."
أجابتها إيناس وقالت: "يحصل اللي يحصل، أنا مش هاسيب حقي."
رواية عشق الصقر الفصل السادس عشر 16 - بقلم سارة حسن
في وقت الغروب، وقد أوشك الليل على إسدال ستائره لحجب الشمس بنورها، تقف ناظرة لسلطان الذي يركض في المحيط المتاح له. ومن حوله ذلك السور الخشبي والمستندة عليه تتأمله.
تنهدت وعيناها تنظر لأبعد من ذلك السور الخشبي. تحاول أن تكسب شقيقتها، ولكن نظراتها العدائية دائمًا ما تظهر لها كرهًا لم تصنعه يومًا.
رغم محيطها الهادئ، إلا أنها تشتاق لمكان مولدها، عائلتها الصغيرة، والدها ووالدتها. ذلك الدفء الذي افتقدته، رغم محاولة جدها وعمها بتعويضها ذلك. إلا أنها تشعر بتلك الانقباضة في يسار صدرها دون سبب.
ابتسمت لسلطان الذي أصدر صهيلًا عاليًا مستمتعًا بحركته الحرة. كم يشبه صاحبه! قوي ومسيطِر، هادئ ومتورط. تراه مغرورًا، لكن مع من يطلب المساعدة يكون في منتهى اللين والرحمة. عينيه في غضبه كليل سماء ملبدة بالغيوم، أما هدوءه صافية في ليلة مقمرة.
ضربت على جبينها بخفة، تخشى على نفسها من وصولها إن أصبحت تتغنى به في فكرها.
زاد صهيل سلطان وازدادت حركته غير المعتاد. التفت خلفها ووجدته قادمًا. تحفزت مستعدة لاعتراض منه على خروجها ككل مرة.
وقف بجانبها بمسافة كافية ومد يده لسلطان بقطع السكر التي التهمها الآخر بسعادة.
قال صقر بهدوء:
واقفة بقالك كتير أوي، حتى ما اتحركتيش من مكانك.
التفتت برأسها إليه ولهيئته. ذلك الجلباب وتلك العباءة حول كتفيه وعمامته. لم تكن تتخيل في أحلامها أن تنجذب لرجل مثله يومًا ما.
خرجت من شرودها على صوته مجددًا:
إيه اللي واخد تفكيرك أوي كده؟
قال صقر وأجابها:
من وقت ما وصلت.
تسائلت كارما:
غريبة ما شوفتكش.
أجابها وهو يمسح على رأس فرسه:
كنتي غرقانة في تفكيرك، ما حبتش أقطع قعدتك مع نفسك.
ابتسمت بهدوء وقالت:
وإيه اللي خلاك تقرر تظهر دلوقتي؟
نظر إليها وقال صقر:
إيه اللي شاغل بالك ومخليكي واقفة لحالك كده؟
بادلته النظر بعينين حائرتين وقالت:
مش عارفة.
قبض جبينه وهتف:
مش عارفة إيه؟
تنهدت واحتارت في إجابتها، ثم قالت باندفاع:
وتفتكر انت الشخص المناسب اللي ممكن أحكيله؟
أجابها على الفور بنبرته الواثقة:
أنا أكتر شخص هاتلاقيه فاهم.
ارتبكت قليلاً وقالت مستنكرة:
مش صح على فكرة.
ابتسم بجانب فمه وقال صقر:
كل واحد أدرى بحاله.
استدارت له بكامل جسدها باندفاعية غير مبررة:
مش هتبطل غرورك ده؟
فعل المثل ووقف قبالتها مجيبًا:
تبقي بتكذبي على نفسك لو مصدقة إنه غرور.
قبضت بيدها على السور وهتفت:
يعني إيه؟
نظر لها تلك النظرة التي زلزلتها، وكأنه يقر بشيء لم ينطقه لسانه بعد، شيء لم يظهر للنور، لم يخرج من بين ثنايا قلبه، ولكن ظهر في عينيه بلغة أبلغ من الحديث.
اخفضت عينيها ودارت برأسها عنه، ولم تسيطر على تلك الرعشة الباردة التي أصابتها.
خلع صقر عنه عباءته الصوفية وألقاها على كتفيها ثم عاد لوقفته مرة أخرى.
أغمضت عينيها لا تعرف تأثرًا بدفء عباءته أم رائحته التي تغلغلت لأنفها دون رحمة.
مر وقت قصير، قالت كارما بصوت خافت:
يلا نرجع.
أومأ برأسه وصارت بجانبه. في نفس الطريق الذي شاهد إصابته. نظرا لبعضها وعادت هي برأسها مرة أخرى ولم تري تلك الابتسامة النادرة والخاصة بها. وعند اقترابها من البيت خلعت عباءته قائلة في خفوت:
شكرًا.
ولم تنتظر إجابته وهي داخلة للبيت الكبير.
***
أنا عاتب عليك يا بن رحيم.
ضحك صقر مقبلًا رأس جده وقال:
كله إلا عتابك يا جدي ما أقدرش عليه.
لوي عثمان فمه وقال:
غايب ليه عني.
جلس صقر قبالته وقال:
بشوف الشغل المتأجل من وقت الحادث.
نظر له عثمان وقال:
وأنا مش واعيلك يا بن رحيم.
اخفض صقر عينيه وقال:
مافيش حاجة تتقال يا جدي.
ثم التقط تلك الصورة بجانب جده وقال مبتسمًا:
كل ما أدخل عليك لوحدك تكون بتقرا قرآن أو ماسك صورة ستي الله يرحمها.
أخذها منه عثمان ووضعها بجانبه بحرص قائلًا بخفوت:
دي اللي بتصبرني لحد ما يجي معاد اللقاء.
تساءل صقر وقال:
لو كانت عايشة، كنت هاتفضل تحبها كده؟
تنهد عثمان وقال بحنين:
لو كانت عايشة عمر ما حبي ليها كان ها يقل، مهما عشت.
تكلم صقر متحيرًا:
إمتى عرفت إنك عشقت؟
قال عثمان:
لما القلب يتنفض وقت ما تشوفها، لما تحس بحزنها من غير ما تحكيه، وعينيك تدور عليها في كل مكان، لما تعرف إنها الشق التاني لروحك.
تأثر صقر بحديث جده، وشعر أنه أُلقي في ذلك السحر.
هو الذي دائمًا ما كان قلبه ملكه ولا سبيل ليهبه لأي من كانت من بنات حواء، حتى أنه كان يتعجب من أقوال البعض عن العشق والهوى. ولكن الغريب أنه لأول مرة يستمع لحكاوي جده ويشعر أنه يتفهمها ومدرك معانيها، يشعر أنها توصف تلك الأحاسيس بداخله، التي تحدث معه لأول مرة.
***
خرجت للحديقة تقطف بعض من وريقات النعناع، فجاءة سقطت تلك الكرة بجانبها وتعالى صريخ الأطفال على الجهة الأخرى من السور لفقدانهم الكرة.
ضحكت كارما وجذبتها وتوجهت لهما من البوابة والتي كانت مفتوحة. هلل الصغار بفرح لعودة كرتهم مرة أخرى.
ألقاها كارما إليهم فاندفعوا مرة أخرى باللهو بها كـ مباراة بينهم.
التفتت للداخل ولكن توقفت لذلك الذي وجدته قبالتها قائلًا:
حظي حلو إني شوفتك.
عادت بخطوتها للخلف وقالت بضيق:
عايز إيه؟
قال مجد متعمدًا أسلوبًا مهذبًا:
كان نفسي أشوفك تاني عشان أعتذرلك، أنا فعلاً كان أسلوبي وحش جدًا.
قالت كارما باختصار:
حصل خير.
هتف مجد مجددًا:
مش حابب يكون في بينا أي عداوة أو سوء تفاهم.
ردت كارما بإيجاز:
خلاص مافيش حاجة.
مجد…
انتفضت كارما مكانها من ذلك الصوت القوي الغاضب من خلفها. التفتت لصقر الذي أتى بخطوات واسعة هاتفًا:
إيه اللي بيحصل هنا؟
ابتسم مجد وقال ببرود:
كنت بعتذر للآنسة كارما على اللي حصل المرة اللي فاتت.
تعالى صوت صقر جهوريًا مناديًا على إحدى الغفر معنفًا:
أنا قلت أكتر من مرة البوابة ما تتسبش مفتوحة وماحدش يسيب مكانه على البوابة.
تلجلج الغفير أمام غضب سيده. التفت صقر لكارما آمرًا:
ادخلي جوه.
لم تستخدم كارما عنادها الآن، دخلت دون جدال من غضبه.
قال مجد ببرود متعمد:
إيه اللي بتعمله ده يا صقر، دي مش أصول.
احتدمت عينيه وهتف به غاضبًا:
والأصول إنك تقف على باب الدار تكلم الحريم، لو انت يا مجد ما تعرفش الأصول أنا أعلمهالك.
أجابه مجد قائلًا:
أنا عشان عارف الأصول جيت أستأذن أصحاب الدار وأبلغهم إني جاي أبويا وعمامي الليلة.
قبض صقر جبينه وقال:
خير.
ابتسم مجد باستفزاز:
إيه ما بتستقبلوش ضيوف؟
هتف صقر بعينين كادت تحرقه:
دار الجارحي مفتوحة لأي حد.
وما له مجد وأشار بأصبعيه تحية وتحرك من أمامه.
نظر صقر من خلفه بغضب واندفع للداخل. قابلته كارما التي مازالت واقفة على درج باب البيت. وقف قبالتها هاتفًا بها بحدة:
إيه اللي طلعك من الدار؟
رفعت سبابتها وقالت بحذر:
ممكن تهدي شوية.
احتدم صوته أكثر قائلًا:
إيه اللي طلعك برة، وإيه وقفك معاه؟
رمشت بعينيها عدة مرات من اندفاع كلماته وقالت:
إيه بينك وبينه بتكره كده؟
كاد يجن منها ومن أسألتها في ذلك التوقيت الغير مناسب كليًا.
انفعل صقر أكثر قائلًا:
أكره ولا أحبه يخصك في إيه، كنتي واقفة معاه ليها؟
أجابته كارما وقالت:
ما كنتش واقفة، كنت بطلع الكورة بتاعت الولاد اللي بيلعبوا برة ولاقيته في وشي. كان بيعتذر عن طريقته آخر مرة.
قال صقر من بين أسنانه:
ولما شوفتيه ما دخلتيش ليه، وتطلعي ليه من الأساس؟
هتفت قبالته قائلة:
صقر أنا مش محبوسة على فكرة، إيه يعني لما أخرج برة البوابة. أنا ما اتحركتش من قدامها.
صمت قليلاً، فا ظنت أن نوبة عصبيته لم تنتهي، وسي طولها بعض من غضبه أو كلماته اللاذعة. لكن اندهشت عند همسه الخافت لها:
أنا خايف عليكِ.
رفعت عينيها إليه وتساءلت بقلب مضطرب:
من إيه؟
كانت إجابته الصادقة:
من كل حاجة، من أي حد ممكن يفكر إنه يمسك، من أي أذى ممكن يطولك، من نظرة خبيثة تشوف طرفك.
اضطربت وتبعثرت الكلمات هنا وهناك، لم تنتظر أكثر وركضت أمام عينيه للداخل الدار، وعينيه تبصرها يتمنى لو اتخذت بين جفونه مسكنًا.
رواية عشق الصقر الفصل السابع عشر 17 - بقلم سارة حسن
بتردد أجابت زهرة على هاتفها،
هتف كريم على الجانب الآخر بمرح:
"يا صباح الزهور يا زهرة حياتي."
ضحكت وتلبستها تلك الحالة من الصمت عند كل مكالمة هاتفية تدور بينهما.
قال كريم مجدداً بغزل:
"أموت أنا في الخدود اللي زي التفاح دي."
وبخته وقالت بخجل:
"اتحشم كده."
أجابها وقال:
"اتحشم؟ هاتحشم أكتر من كده إيه، وبعدين يا زهرتي يعني ينفع كل ما أكلمك تبقي على وضع الصامت كده، خدي ودي معايا، عايزك تفكي واحدة واحدة كده."
تحدثت زهرة:
"أنا عارفة إني مش بتكلم معاك كتير، بس أنت بتقول كلام حلو أوي وأنا مش ببقى عارفة أرد أقول إيه."
استمعت لضحكته الخفيفة وأجاب:
"مش عايزك تردي بكلام حلو، مع إني بحلم باليوم اللي أسمع منك كل اللي نفسي تقوليه ليا، بس كمان مش هاقدر أوعدك إني أبطل أقول اللي جوايا، غصب عني بلاقي نفسي بقول اللي بيمليني عليه قلبي."
ابتسمت على الجانب الآخر وقالت:
"أفرض كل الكلام الحلو خلص، هاتعمل إيه بعد الجواز."
كان رده عليها بصدق:
"أبدًا يا زهرة، عمر الكلام الحلو ما يخلص، طول ما ناح لسه قلبي بيدق بحبك، هافضل أقولك اللي نفسي أقوله من زمان."
عضت على شفتيها وارتسمت ابتسامة واسعة على ثغرها بحالمية وقالت:
"من زمان؟"
أجابها مؤكداً:
"من زمان يا زهرة، كنت عايز أبني نفسي وأحدد طريقي عشان أستحقك، ماكنتش عايز أحس إني قليل و"
قاطعته وقالت:
"ما عاش ولا كان اللي يحسسك إنك قليل، أنت راجل والراجل ما يعيبوش إيه حاجة مادام عارف الأصول، ودخل من بابه."
_ "خوفت أخسرك وتروحي من إيدي."
أجابته وقالت:
"أنت في عيني سيد الرجالة، وراضية طول ما أنا معاك."
ابتسم على الجهة الآخرى قائلاً:
"ده أنا أمي دعيالي بقى."
ضحكت واستندت على نافذتها،
اتخذت معه في الحديث،
وتجاوبت معه في رسم مستقبلهم وترتيباتهم لحياتهم الزوجية القادمة،
ولم يخلو حديثهم أيضاً من إلقاء بعض كلمات الغزل وتخفي هي خجلها الذي يعشقه.
عادت في الظلام متخفية كعادتها،
تتلفت من حولها بخوف،
بعدما انتهت من مجونها الخفي،
دخلت من الباب الخلفي للمطبخ وأغلقته من خلفها بهدوء،
لم تكمل أخذ أنفاسها اللاهثة وشهقت وهي ترى كارما واقفة أمامها،
تنظر إليها بريبة واستغراب.
هتفت بها سعاد بارتحالك:
"واقفة كده ليه؟"
أجابتها كارما بريبة:
"أنتي كنتي فين، وليه جاية من باب ده؟"
لوحت سعاد بيدها تخفي خوفها من انكشاف أمرها:
"كنت بشم شوية هوا، إيه أنتي هاتحققي معايا ولا إيه؟"
ثم أشارت لها بيدها:
"أوعي كده من قدامي."
ابتعدت كارما عن طريقها،
تشعر إن هناك شيء مريب وراءها.
عادت كارما مرة أخرى إلى ذلك التجمع العائلي وقد غابت سعاد عنه متعللة بتعب مفاجئ أصابها.
تمتمت زهرة واستمعتها كارما:
"ماهي سايبة رادار هنا، بيسجل كل حاجة."
ابتسمت كارما ثم نهرتها بعينها أن تصمت.
دخل صقر بهو الدار،
دارت عينيه بحثاً عنها وعندما تلاقت عينيهما أخفضتهما هي على استحياء.
قال عتمان وهو مستنداً على عكازة:
"أتأخرت ليه يا صقر؟"
جلس مقابله وقال:
"كنت في فرح وبعمل الواجب يا جدي."
هتف عتمان له داعياً:
"عقبالك.. ربنا يفرحني بيك يا بني."
ألقى نظرة سريعة عليها ثم أخفض عينيها مردداً:
"كله بأمرك يا جدي."
تحدثت زهرة بابتسامة هادئة:
"صقر، عايزة أخرج مع كارما السوق، ناقصني شوية حاجات للجهاز."
ألقى على كارما نظرة سريعة ثم وجه اهتمامه لشقيقته وقال:
"عرفيني اليوم عشان أبعت معاكم حد من الغفر."
قالت كارما باعتراض:
"ليه الغفر، شكلنا كأننا في فيلم أبيض وأسود وهو ماشي ورانا كده."
ضحكت زهرة بينما أخفى صقر ابتسامته قائلاً:
"مافيش خروج لوحدكم."
ذمت شفتيها غير قادرة على الاعتراض،
خصوصاً وإن الجميع نفس الرأي،
كادت تخرج تلك الضحكة الخفيفة منه على ضيقها واستسلامها دون جدل كعادتها معه.
رسمت على وجهها تلك الابتسامة الوديعة وقالت إيناس:
"كده يا ابن عمي تدخل من غير سلام ولا كلام."
فقال صقر بهدوء:
"عاملة إيه يا إيناس؟"
أجابته مبتسمة بتودد:
"بخير يا صقر طول ما حسك في الدنيا."
أخفض وجهه الجهة الآخرى،
غير راضٍ عن حديثها معه وتلك الكلمات المتوارية،
وهو الذي أصبح يتجنبها من آخر حديث بينهما.
قضبت كارما جبينها ووزعت نظراتها بين صقر وإيناس،
شاعرة إن هناك ما خفي أُوينهما.
أتت أم محروس قائلة:
"لامؤاخذة يا بيه.. بس الغفير بيقولي إن في جماعة برة عايزين يقابلوا الحاج عتمان ورحيم بيه وصقر بيه."
تساءل عتمان وقال:
"مين دول؟"
كانت إجابة صقر الذي قال بضيق:
"مجد وأبوه يا جدي، قابلني النهاردة وقال جاي في موضوع."
ضرب عتمان بعكازة بالأرض بخفة قائلاً:
"وده هايجي من وراه خير."
هتف رحيم وهو يهم بالوقوف:
"يا خير بفلوس يابا."
ثم قال لأم محروس:
"خليهم يدخلوا المضيفة يا أم محروس."
أومأت برأسها في طاعة قائلة:
"حاضر يا بيه."
كانت كارما المنتبهة للحديث بفضول،
مستشعرة تلك العداوة بينهما،
التي رأتها في المرتين التي قابلت بهما مجد وصادف تواجد صقر بهما.
وقف صقر يعدل من عباءته فقال له عتمان مؤكداً:
"أي كان جايين في إيه، هما في دارنا، ياخدوا واجبهم ويمشوا."
أومأ له صقر دون أن يجيب،
تتبعتهم عيني إيناس تُمني نفسها بانتصار قريب.
دخل عتمان متكئاً على عكازة وبجانبه رحيم وصقر…
الذي ألقى التحية بصوته الأجش الذي يسيطر على من حوله:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
رددوا التحية من خلفه،
ألقى صقر بتلك النظرة الحادة لمجد بينما تقبلها هو باستخفاف.
جلس الجد واتخذ الآخرون أماكنهم.
رحب بهم الجد فقال والد مجد:
"طبعاً أنت مستغرب سبب جيتنا يا حاج."
أجابه عتمان بوقار:
"دار الجارحي مفتوحة دايماً، ويارب تكون جيتكم بالخير."
ابتسم والد مجد وألقى نظرة على ابنه وقال بتردد:
"خير يا حاج إن شاء الله، جايين لك في طلب وعشمنا فيك ما تردناش."
تحدث عتمان:
"خير."
وضع مجد يده على فخذ والده قائلاً:
"عنك يا با، أنا اللي هاتكلم."
ثم اعتدل للحاج عتمان وقال بهدوء:
"طالبين القرب منك يا حاج."
قال رحيم موضحاً:
"والله يابني زهرة أتقرات فتحتها من كام يوم."
رد والد مجد قائلاً:
"لا يا حاج رحيم مش القصد، ولو إن نسبك يزيدنا شرف، بس القصد بنت أخوك."
تحفزت خلايا صقر مترقباً الآتي،
ولو إن الرؤية بدأت تتضح شيئاً فشيئاً،
خصوصاً عند إجابة مجد وعينيه المركزة على غريمه قائلاً يتحدى:
"نقصد بنت أخوك… كارما."
انتفض صقر مكانه،
ثم هب واقفاً وهتف به:
"أنت جننت في مخك ولا إيه؟"
ارتسمت علامات الحيرة على وجه والد مجد قائلاً:
"في إيه يا بني، احنا قولنا حاجة غلط؟"
قال مجد ملتزماً بهدوء:
"إيه الجنان في إني عايز أكمل نصيبي ديني؟"
هتف به صقر بانفعال بدأ في الخروج عن السيطرة:
"الجنان إنك تفكر مجرد التفكير إنك تجي وتطلب طلب زي ده."
وقف مجد قبالته وقال بحدة:
"ليه، وأنا إيه يعيبني؟"
اشتدت عروقه وقال بغضب:
"فاشل وبتاع نسوان ومخسر أبوك ملايين، وسمعتك زي الزفت، كل ده كوم واللي بيحصل في الدارة ده كوم تاني."
ثم أشار ناحية الباب في إشارة واضحة لطرده وقال:
"ما عندناش بنات للجواز."
تكلم الحاج عتمان المتابع لحديثهم وقال:
"اقعد يا صقر، مهما كان دول ضيوفنا."
تحدث والد مجد:
"هو في إيه يا حاج، ده داخلين بالأصول."
قال رحيم ناهراً ابنه بعينيه خفية:
"عداكم العيب يا حاج."
قال مجد:
"طب ما تاخدوا رأي العروسة."
كاد أن يهجم صقر عليه غيظاً ولكن عيني جده الجمته،
فَقال له بحدة:
"هو إيه اللي مش واضح في كلامي، بقولك ما عندناش بنات للجواز."
هتف مجد قبالته بتحدي:
"لا فيه، وهي لا متجوزة ولا مخطوبة."
عم الصمت إلا من أنفاس صقر الغاضبة وملامحه المشدودة وعيني مجد الكريهة الغاضبة والمتحدية.
لانت ملامح صقر وعاد لمكانه جالساً وارتسمت تلك الابتسامة المريبة على ثغره قائلاً:
"ومين قال إنها مش مخطوبة وهاتتجوز؟"
ضيق مجد حاجبيه مترقباً:
"يعني إيه؟"
فتح صقر يده وقال بهدوء محتفظاً بابتسامته وقال:
"أكيد عارفين العرف، البنت لابن عمها، لو كنتوا صبرتوا شوية كنا هانبلغكم بقرب الفرح."
عم الصمت المريب المكان،
وتلاقت نظرات الجميع بين مستنكر ومندهش وغاضب…
وكأن الحرب بينهما تأججت الآن.
رواية عشق الصقر الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سارة حسن
عم الصمت المكان، ينظرون لبعضهم باندهاش.
ثم تنتقل أعينهم على صقر المستريح بجلسته بعد ما ألقى بكلمته القاطعة والناهية.
قال عتمان محتفظًا بهدوئه ووقاره:
طبعًا عرفتوا السبب، متأخذوناش على اللي حصل، وإن شاء الله نعزمكم في الليلة الكبيرة.
التفت مجد لوالده هاتفا بغضب مكبوت:
يالا يا باثم.
اقترب من صقر وعيناه تقدح شر، قائلا من بين أسنانه:
مبروك يا صقر.. هديتك في رقبتي يا عريس.
ابتسم له ساخرًا ولم يعقب، فقد اكتفى بغضبه المكتوم ونظرته المتحسرة.
أصابه الحنون أم ماذا؟ من بين كل نساء الأرض يختارها، من بين كل الصبايا يفكر بها زوجته.
والله لولا وجود جده ووالده وأنهم في ضيافة منزلهم، لكان أبرحه ضربًا وأوسعه غضبه الذي سيطر عليه، حتى يجعله يلغي فكرة الزواج نهائيًا.
خرج من شروده على صوت والده غير الراضي:
إيه اللي أنت عملته ده يا صقر؟
لم يملك إجابة ولم يفكر مرتين في إلقاء تلك المفاجأة.
قال رحيم مجددًا معاتبًا:
إيه، بتتصرف كده وكأن مالكش كبير ترجع له وتشوره عليها؟
أجابه صقر على الفور قائلاً:
العفو يا با، أنت على راسي. أنا بقالي فترة فعلًا بفكر آخد الخطوة دي، بس كنت مستني شوية بنت عمي تاخد علينا وعلى الحال عندنا.
ألقى صقر نظرة على عتمان متحيرًا من صمته.
فقال صقر:
جدي.
وقف عتمان مستندًا على عكازة وقال:
خدت رأي بنت عمك.
حرك صقر رأسه بالنفي.
فقال عتمان دون نقاش آخر:
ما فيش حاجة هاتحصل غير لما آخد رأي حفيدتي الأول.
قال صقر بخفوت:
طبعًا يا جدي.
فأكمل مشددًا:
أي كان قرارها يا صقر.
أما له صقر بعينين تأبى خسارتها، عازمًا على إدخالها محراب عشقه راضية.
***
اقتحمت زهرة غرفة كارما قائلة:
شكل القاعدة ما كانتش تمام.
اعتدلت لها كارما قائلة:
ليه؟
مجد وأبوه ماشيين وشهم جايب ألوان، وحتى جدي وأبويا وصقر طالعين وشهم متغير. ما تعرفيش حصل إيه فيها.
حركت كتفيها وقالت:
لا ماعرفش.
تساءلت كارما:
إيه سبب العداوة دي بينهم؟
أجابتها زهرة:
في حاجات أنا ماعرفهاش. كل اللي أعرفه إن مجد بيغير من صقر جدًا من وهما عيال، وبينهم مواقف كتير مش تمام.
أومات كارما برأسها، بينما علا رنين هاتف زهرة، فا زينت ثغرها تلك الابتسامة.
شاکستها كارما وقالت غامزة بإحدى عينيها:
يا سلام يا سلام، بقينا نتصل في المملكة وقت أهو، الله يرحم أيام الوقفة في البلكونة، حتى بلكونتي دي تشهد.
ضحكت زهرة وألقتها بوسادتها قائلة:
بكرة تيجي على سكتي ووالله ما هارحمك.
أشارت لها كارما بيدها وقالت:
اجري اجري قبل ما يقفل.
لم تكذب زهرة خبر وهي تركض لغرفتها، لتختلي بهاتفها وذلك المتصل الملِح والذي على قلبها أحلى من العسل.
***
سرد رحيم على مسامع زوجته المنتبهة لحديثه ما حدث في المضيفة.
استقبلت أمل الخبر بابتسامة هادئة مستمرة في الإنصات إليه.
تغلب عليه الفضول وقال متسائلاً:
غريب رد فعلك يا أمل.
أجابته أمل قائلة:
ليه يا رحيم؟
توقعت أن تزعلي من تصرفه اللي عمله من دماغه، ولا تخافي على زعل أختك.
أجابته أمل وتحدثت:
يا حاج، تصرفه ما يقللش منك أبدًا لا سمح الله. أنت عارف صقر دايمًا يشورك ويشاور جده.
ثم استطردت مستكملة بابتسامة:
صقر بيحبها يا رحيم، لما لقاها هاتروح لحد تاني وقف وقال أنا أولى بيها.
فتساءل رحيم:
مش خايفة على زعل أختك، وأنتي عارفة إنها رايداه لبنته؟
ردت عليه أمل موضحة:
وهو الحب بالعافية. سعاد أختي وماله، إيناس متربية معانا زيها زي زهرة، بس سبحان الله قلبه ما مالاهاش، هانغصبه اسم الله عليه.
ابتسم له رحيم وقال بحنان:
طول عمرك عاقلة يا أمل، وعمر العيبة ما طلعت منك.
ابتسمت له وقالت:
ياياه يا رحيم، إمتى يجي اليوم ده، وكارما بت حلال من يوم ما جت ما شوفتش منها حاجة وحشة، الشهادة لله البنت أدب وجمال، ده يوم المنى يوم ما نشوف البكري عريس ونشيل عياله.
مال عليها رحيم وقال:
والله لو بقيتي جدة لميت عيل، عمر عيني ما تشوفك غير أحلى الستات.
على الرغم من سنوات زواجهم التي تعدت الثلاثين، إلا أنها ما زالت تخجل كصبية عروس.
قالت له موبخة برقة:
يوه يا رحيم، خلاص كبرنا بقينا.
فقال بلين قلب حبها وعشرتها:
أبدًا، ده إنتي الحب الأول والأخير، واللي يوم عن يوم يزيد من أول يوم شوفتك فيه لحد ما اتكتبتي على اسمي وجبتيلي صقر وزهرة، لحد النهارده، عشرتك طيبة وأصيلة يا أمل.
ربتت على صدره بحب كبير:
ده إنت حب عمري يا رحيم، والحمد لله عشرتك كانت دايما ليها نصيب من اسمك.
***
ركعت على قدميها وقالت متوسلة:
وبعدين يا كامل، هافضل كده لأمتى؟ كارما كانت هاتكشفني وخايفة حد من الدار ياخد باله.
نفث دخان أرجيلته وقال:
عايزاني أعمل إيه يعني يا سعاد؟
أجابته بلهفة:
اكتب عليا رسمي.
تشدق ساخرًا:
وإجي أطلبك بقى من الحاج عتمان ولا جوز أختك؟
ابتلعت ريقها وهتفت:
من غير ما يعرفوا، مش مهم.
تلجلجت كلماتها وقالت:
لو حد شم خبر مش بعيد الحاج عتمان يدبحني.
قال بلا مبالاة:
وما فكرتش في كده ليه من الأول؟
ضغطت على شفتيها بقوة وهتفت:
إنت عارف ليه.
تحدث كامل ومازال يأخذ أنفاسًا من أرجيلته:
ما غصبتكيش على حاجة.
أجابته بترجٍ معترفة:
كنت محتاجاك، محتاجة لراجل يحسسني إني ست ومرغوبة.
رفع إحدى حاجبيه وقال:
كنتي ممكن تتجوزي.
استقامت ببطء واتقدت عيناها بحقد خفي:
كلهم قليلين، مطلقة ومعايا بت، ماكنش حيلتهم حاجة، وأنا مش هانزل لعيشة قليلة بعد العز اللي شوفته في بيت الجارحي، بس إيناس هاتعرف تعمل اللي ما عرفتش أعمله وها تبقي مرات الكبير.
ثم التفتت وقالت صارخة بغضب:
مش هاخد حد قليل يحسرني بقيت عمري كل ما أشوف أمل وجوازتها اللي ما فيهاش غلطة. مش هافضل أتحسر على حب رحيم ليها وأنا اللي جوزي سابني وطافش.
على ذكر أمل لمعت عينا كامل بذلك العشق القديم الخفي بين قلبه، ولم يعرف يومًا غيره، حتى بعد زواجه ووفاة زوجته كانت هي الحب الأول.
جاء صوت كامل خافتًا:
ما تدخليش أمل في الحكاية يا سعاد، أمل طول عمرها في حالها.
ضاقت عيناها وقالت بابتسامة تهكمية:
أمل! الحب القديم هاه.
هب كامل واقفًا ناهرها بغضب محذرًا:
سعااااد.
عضت على شفتيها كاتمة حقدها وغيظها قائلة:
فاكرني مش عارفة، مش واخدة بالي من اسمها اللي بتقوله وأنت نايم في حضني.
أسرع إليها وجذبها من ذراعها بغضب:
إياكي تتكلمي عليها كده، ولا تفكري تتكلمي معايا بالطريقة دي، فاهمة ولا.
نظرت له وقالت بغيرة واضحة:
فيها إيه زيادة عني؟
يهتف بها كامل وقال:
عمر ما كان بيني وبين أختك حاجة، وعمري ما اتكلمت معاها ولا تعرف عني أكتر من اللي الناس تعرفه، ما كانتش نصيبي وسبتها لحالها، وعمري ما فكرت ولا هافكر إني أذيها.
ضيقت عينيها وتساءلت ساخرة:
والله ما طلعت سهلة، أمل مدوبة الرجالة في حبها.
اشتعلت عيناه وكاد أن يصفعها على وجهها وهدر بها بأعصاب ثائرة:
أختك شريفة مالهاش في الغلط، أما إنتي أنا ما غصبتكيش على حاجة، كان في إيدك تقولي لأ، أو حتى تشتكيني لعتمان، ما تفكريش نفسك ضحية، إحنا الاتنين أوسخ من بعض، بس أنا ما بأذيش في خلق الله مادام ماحدش جه على سكتي، بس إنتي ممكن تاكلي اللي منك عادي، لا نك جاحد.
خفضت رأسها ولم تستطع قول المزيد.
زجها للخلف قائلاً:
روحي يالا، امشي من قدامي.
تغيرت تعبيرات وجهها في لحظات وهتفت بتذلل:
كامل والنبي ما تاخد على خاطرك مني، دا أنا.
قاطعها بانفعال:
قلت أخفي من قدامي الساعة دي يا سعاد.
وضعت حجابها الأسود على رأسها وغطت بطرفه نصف وجهها حتى لا تظهر معالمه، وابتعدت عن محيطه الغاضب.
غير مدركة لتلك العينين التي تدقق بها وبسيرها الحذر والتفاتاتها حول نفسها خشية من أن يراها أحد، ولم ترَ ذلك الجالس على فرسه يتابعها بعينين صقر قاتمتين ومريبتين.
رواية عشق الصقر الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سارة حسن
نار، نار تكوي مجد من مقابله صقر له. كان يُملي نفسه بأنتصاره الوشيك، لكن صدمة غريمه بفوزه بها وعينيه الساخرة منه وإهانته امام الجميع دون ان يراجعه احد.
رفع هاتفه وأجرى اتصاله، جاء الرد المتلهف على الجهه الأخرى.
قالت إيناس: حصل ايه قول بسرعة.
أجابها مجد بسخرية رغم غيظه: لا ياشيخة، وانتِ ماتعرفيش اللي حصل؟
هدرت به بنفاذ صبر: مجد، أنا أعصابي بايظة من ساعة ما مشيتوا ومش قادرة أسأل حد عن حاجة، خايفة يحسوا إن عندي علم بـ جيتك، فـ قول حصل ايه.
سرد على مسامعها ما حدث في الجلسة بالتفاصيل. كانت عينيها تتسع شيئاً فـ شيئاً، وتقبض على طرف فستانها بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعها. ارتسمت على ملامحها معاني الغيظ والشر معاً.
هدرت إيناس فور ما انتهى سرد مجد بأنفعال وأعين مشتعلة: مستحيل أسيب صقر ليها، مستحيل أسيبها تتهني بيه، مستحييييييل،،،،،،،،،،،،
طرقت كارما على باب غرفة جدها، ما أن سمعت سماحه بدلوفها وفعلت. قابلت وجهه الأول جالساً بجانب جدها، بكامل هيبته ورزانته.
لا تنكر بحثها عنه اليوم، خصوصاً مع غيابه عن مائدة الإفطار اليوم، حتى عندما تقابلت معه على الدرج أسرع هي في خطواته لأعلى دون أن تحدثه.
اقتربت من الجد وقبلته بعفويتها وألقت عليهما التحية.
تساءلت كارما وقالت: خير يا جدو طلبتني؟
أومأ لها عتمان وقال بهدوئه المعتاد: خير يا بنتي إن شاء الله.
ألقت نظرة سريعة على ذلك الجالس وقدمه تضرب الأرض من تحته بحركة مهتزة. متوترة!
انتبهت كارما لحديث جدها بريبة وقال: في موضوع عايز أكلمك فيه.
هب صقر واقفاً وقال دون أن ينظر إليهما: أنا خارج يا جدي، عندي شغل.
ودون انتظار أكثر، خرج بخطواته السريعة وتتبعته هي بعينيها باستغراب، ثم التفتت لجدها بفضول شديد.
حتى بدأ في سرد ما حدث في الجلسة على مسامعها دون أن يخفي عنها أي شيء، كان كل شيء أمامها واضحاً.
انتهى عتمان وانتظر منها إجابتها، ولم يجيبها سوى صمتها ورأسها المنخفضة لأسفل.
ناداها جدها بهدوء مترقباً: كارما.
رفعت رأسها إليه وعينيها الداكنة وملامحه المشدودة بكبت قائلة بنبرة ساخرة: طيب، قوله شكراً.
تساءل باستفهام: شكراً على إيه يا بنتي؟
_ على إنه مشي العريس، مع إنه كان ممكن يقول أي سبب غير ده، كان ممكن يختصر ده بـ إني رافضة الزواج وخلاص.
_ صقر ما عملش كده علشان...
قاطعته كارما واقفة واتجهت للنافذة وقالت: جدو.. أنا وصقر دايماً مختلفين، ومش شبه بعض، صقر قال كده بحكم الشهامة مش أكتر.
ردد عتمان من خلفها بتعجب: شهامة!
أجابته مؤكدة وهي تكبت تلك الغصة بداخلها: على حسب ما سمعت مجد شخص مش كويس ومؤذي، فـ كان رد صقر كده بدافع الحماية يعني.
ثم ابتسمت بتصنع وقالت وهي تنوي الخروج أمام نظرات الجد المتعجبة: على العموم هبقى أشكرة بنفسي.
خرجت كارما مندفعة، دون أن تنتبه لذلك الذي وقف يستمع لرأيها والذي رجح بنسبة كبيرة أن يكون كذلك.
تنهد بتعب يفكر في حديثها عن اختلافهم الذي لا يراه سوى أنها الجزء الثاني منه، ابنة عمه متيبسة الرأس تُرهقه وتصعب عليه الوصول إليها. أخذ نفس عميق منتوياً معها الوضوح، إن كانت تريد الحقيقة فـ سيلقيها على مسامعها.
اندفعت لغرفتها وتلك العبرات المكتومة تحرق عينيها، في لحظة تهور منها كادت أن تبحث عنه وتوبخه وتلقي عليه حفنة من بعض الكلمات التي تقبض على صدرها، لكن تراجعت في اللحظة الأخيرة، خوفاً من أن تندفع دموعها أمامه مثل الآن.
نزعت حجابها وألقته بعنف، غير متقبلة طريقته تلك، غير راضية عن إقحامه لمبدأ الزواج بها بهذه الطريقة، والذي من الممكن أنه قالها في لحظة تهور كعادته، أو بدافع الحِمية الكبيرة التي يمتلكها كابنة عم.
كيف يفكر بذلك، كيف يفكر أنها ستقبل بذلك العرض الذي أتى بتلك الطريقة!!!
توقفت عن الدوران حول نفسها وقد عصف بعقلها ذلك السؤال.. هل لو كان طلبه الزواج منها بطريقة أخرى كانت وافقت؟؟؟
جلست على طرف فراشها ببطء وقد علا اضطراب انفاسها وقلبها يخبرها بدقاته.
كانت ستفكر، تحتار قليلاً، تربتك وتخجل، وتطلب عدة أيام للتفكير، ربما أيضاً كانت ستدلل وتختفي عن أنظاره عدة أيام.
لكن بالتاكيد لن يكون حالها مثل الآن.
حزينة وغاضبة وغير واثقة من ذلك الذي رأته بعينيه يوماً، وأيضاً الذي فرض نفسه عليها وباتت على وشك الاعتراف لنفسها أنها في الحقيقة... وقعت في حب ابن عمها الصعيدي.
آتى الليل وتقلبت على فراشها وبأعين ناعسة نظرت لشرفتها وأدركت أنها غفت مكانها لا تدري كم الوقت مر عليها، لكن العتمة من حولها والهدوء توحي بحلول الظلام.
قامت كارما بتكاسل ووضعت على رأسها حجابها الملقي على طرف فراشها، وكما اعتادت اتجهت لشرفتها مستنشقة عبير الزهور المختلفة، استندت بيديها على السور، وانتبهت للأنوار الفرح الآتي من بعيد وأصوات الموسيقى والغناء الفلكلوري يصل إليها عبر الرياح، غير مدركة كلماته بوضوح.
كان جالساً في الهواء يأخذ أنفاساً متتالية لعله يسترخي ويحصل على نوم عميق، لكن ابنة عمه لها رأي آخر.
عندما رآها تطل من شرفتها، مستندة على السور متأملة الأنوار البعيدة بسكون.
التفتت برأسها بسرعة لجهة شرفته بعد أن استمعت إليه وهو يجلي حنجرته لينبهها لوجوده.
كادت أن تدخل لكنه استوقفها وأشار لها بيده وقال صقر: استني.
ربعت يديها أمام صدرها تخفي تلك الارتجافة التي أصابتها في حضرته: متهيألي مافيش كلام جديد بعد اللي اتقال.
استند بظهره على السور وعقد يديه أمام صدره كما فعلت وقال بهدوء: وانتِ عرفتي ازاي إن مافيش كلام، يمكن في كلام أهم من اللي اتقال.
التفتت عنه ووقفت أمام السور وقالت بخفوت: مش عايزة أعرف.
عم الصمت بينهما وصوت الغناء يلوح لهما من البعيد.
نظر لها وقال بصوته الرجولي الخشن: تعرفي بيقولوا إيه؟
نظرت إليه ولمعت عينيها بالفضول وقالت كارما: لا مش عارفة.
ابتسم لها وقد لمعت عينيه بنجاح لإثارة فضولها وقال: دي أغاني فلكلور صعيدي قديمة، كانت بتتغنى زمان في الموالد والأفراح، واتغنت من مطربين كبار، ولحد دلوقتي مافيش أفراح من غير الأغاني دي.
جذبها بحديثه الهادئ وتساءلت بفضول تغلب عليها: طيب بيقولوا إيه؟
صمت صقر للحظة وخرج صوته بتلك النبرة ليفعل بقلبها الأفاعيلي: حنا يا حنا يا قطر الندى... يا شباك حبيبي يا عيني جلاب الهوى.
استني واستني... لما تفوت على بستانا.
وتصبح وتمسي... تطلب مفتاح الجنة.
وأهديك شال الأفراح... مليان ورد وتفاح.
والفرحة الكبيرة يا عيني. نقسمها سوي.
وأخبيك في عيني يا عيني من نسمة هوى.
عينيها كانت مأخوذة بسحر كلماته بصوته الأجش ونظراته المصوبة اتجاها. ارتسمت بسمة ناعمة على ثغرها، مستمتعة إلقاءه الكلمات على مسامعها، وأعينهما كأنها متصلة بخيط غير مرئي. يحاوطهما سكون تام إلا من أصوات الغناء البعيدة.
اخفضت عينيها وعضت على شفتيها بخجل، استمعت لتنهيدته العميقة فـ أضاء وجهها لأنوار الفرح، وذلك الشعور يدغدغ أوصالها ويزيد من خفقان قلبها.
خفقان قلبها الذي لا يقل عن ذلك الذي يضرب بصدره بقوة، وتلك الكلمة باتت على طرف لسانه وشيكة الاعتراف بها.
خرج صوته على غير عادته مرتبكاً قائلاً: كارما.
رفعت عينيها إليه فجأة من نداءه الأول لها، كانت عينيها الذهبية تلمع كالذهب الخالص وتاه هو في تخبطه.
قالت كارما بخفوت: أول مرة تناديني باسمي.
أجابها بعد لحظة قائلاً: عشان عارف نفسي، يوم ما أنطق اسمك على لساني، هو اليوم اللي هكون فيه مش قادر أخبي اللي جوايا.
تابعت عينيها بعينيه منتظرة المزيد عندما أكمل هو: من يوم ما قابلتك وأنا حاسس إنك مش هاتكوني بنت عمي وبس، أنا راجل صعيدي وغصب عني طبعي ناشف، بقف قدامك حالي يتلغبط وأطلعه في عصبيتي وأكمنك كمان عنادية.
ابتسم بخفوت وتابع لها: كلامي في القاعدة ما كانش فض مجالس لأ، دي نية بايته عندي وكنت مستني الوقت المناسب وأقولها، مش أنا اللي هاجي قدام رجالة أقول أي كلام.
صمت متابعاً ردود فعلها وطمأنته عينيها الحانية والمنتظرة استرساله، مما شجعه على استكمال حديثه وقال صقر: أنا مابقتش عارف حالي يابت الناس، عمري ما دورت على الحب واستغربت من حكايات جدي عليه، لكن فجأة ألاقيني فاهم كلامه وحاسس بيه وبحالي قدامك....يبقى حصل.
صمت عن استكماله الحديث فا خرج صوتها هامساً المتسائل: حصل إيه؟
ابتسم لها بحنان وعينيه تلمع كقمر في سماء صيفية صافية: عشقتك.
رواية عشق الصقر الفصل العشرون 20 - بقلم سارة حسن
دندنت كارما ببعض الكلمات أمام مرآتها وهي تضبط حجابها، وعلى ثغرها تلك البسمة واللمعة في عينيها تحكي أثر ليلة أمس عليها.
ألقت على نفسها قبلة في الهواء، وبحماس شديد انتوت النزول لأسفل.
أغلقت باب غرفتها، ألقت نظرة على غرفته وابتسمت لا إرادياً على حالها.
نزلت الدرج بخطوات أشبه للركض، اتجهت للجد المترأس المائدة كعادته وقبلته من وجنته، وجلست في مكانها.
على غير العادة خلت المائدة من إيناس، إلا والدتها.
لمحته بطرف عينيها قادماً، وادعت انشغالها بتناولها للطعام.
على غير عادته كان مزاجه رائق، يضحك مع الجد ويناغش زهرة.
لم تستطع الاستمرار في الادعاء كثيراً وتحركت عيناها إليه، وتقابلت بعينيه والذي يبدو أنه كان في انتظارها.
اضطربت ووضعت رأسها في طبقها مرة أخرى، ولم تستطع محو تلك البسمة على ثغرها الذي رآها.
قالت زهرة بضيق موجهة حديثها لكارما:
"عرفتي تنامي امبارح من صوت الفرح؟ خلص متأخر أوي ونمت منه بالعافية."
أجابتها كارما بارتباك متعمدة عدم النظر إليه:
"آه آه."
نظرت لها زهرة مستغربة:
"فعلاً!"
حركت كارما رأسها بنعم، بينما قال صقر:
"هو كل يوم فيه فرح يعني يا زهرة؟"
أجابته شقيقته معللة:
"ما عرفتش أنام يا صقر والأغاني شغالة لحد الفجر."
أردف وهو يلوك الطعام بهدوء:
"ده حتى كانت الأغاني حلوة، من التراث يعني."
هتفت والدة صقر وقالت:
"آه ما أنا عارفة إنك بتحب الأغاني القديمة يا حبيبي."
أجابها وعيناه على تلك المنشغلة بلا شيء في طبقها الفارغ:
"مش كله يا يااما... قطر الندى ليها مكانة تانية."
غصت كارما بطعامها واحمر وجهها، انتبهت إليها زهرة ومدت إليها يدها بكوب ماء وقالت لها أمل:
"اسم الله عليكي يا حبيبتي."
ضحك لها بخفوت وهي تنظر إليه شرزاً، استقام واستأذن للذهاب لعمله بعد أن ألقى عليها نظرة أخيرة.
كانت عينان الجد تتابعهما وابتسم بخفوت عليه، يبدو أن حفيده لم يضيع الكثير من الوقت.
بينما توجست سعاد وشعرت أن هناك شيء خفي يحدث دون أن تعرفه، نظرت لشقيقتها وانتوت على الاختلاء بها بعد الإفطار.
***
اقتحمت زهرة غرفة كارما دون أن تطرق بابها.
استقامت كارما بقلق وقالت:
"فيه إيه؟ إيه اللي حصل؟"
رفعت زهرة حاجبيها وهتفت بها:
"إيه اللي حصل؟ اللي حصل عندك يا ختي، بقيت صقر يتقدم لك وأنا ما أعرف؟"
ضمت كارما شفتيها وقالت بتبرير:
"أنا ما أعرف إنك مش عارفة يا زهرة، وبعدين أنا عرفت امبارح وأنتي من الصبح مشغولة مع سي كريم في التليفون ومش فاضيالي."
اقتربت منها زهرة بتمهل وقالت بابتسامة بلهاء:
"الصنارة غمزت صح؟ قلبي كان حاسس والله."
ضحكت كارما بينما هتفت زهرة بفضول:
"إيه بقى؟ احكيلي يلا."
أجابتها كارما بخجل وقالت:
"أحكي إيه يا زهرة بس."
شاكستها زهرة ضاحكة:
"والنبي صقر ده مش سهل، أخويا يا بنتي، هو يبان تقيل بس ما تستهونيش بتقله ده، يا ما تحت السواهي دواهي."
كتمت كارما ضحكة خافتة وكادت تؤكد على ذلك، فبعد ما حدث أمس وصدمتها بحديثه واعترافه وكلماته التي اخترقت قلبها، تأكدت أن له جانب لم يظهر لأحد قط.
***
شهقت كمن لدغتها حية، صرخت إيناس في والدتها بغضب:
"أنتي بتقولي إيه يا ماما؟ بتقولي إيه؟"
عضت سعاد على يدها بغيظ وقالت:
"اللي سمعتيه يا أختي، كل اللي قولته طالع من لسان أمل."
تحجرت العبرات في عينيها واندفعت للخارج، لا ترى أمامها سوى غريمتها والتخلص منها.
فتحت غرفة كارما فجأة، توقفت كارما باندهاش من اقتحامها غرفتها وملامحها الغير مبشرة.
تساءلت كارما بقلق:
"فيه إيه يا إيناس؟"
لم تجبها، ولكن قالت لزهرة وعيناها لا تحيد عن كارما:
"اطلعي بره يا زهرة."
أجابتها زهرة بتوجس:
"فيه إيه يا إيناس؟ ما تقولي قدامي."
هتفت بها إيناس:
"إيه يا زهرة؟ وأنا ها آكلك؟"
قالت كارما:
"سيبنا يا زهرة."
خلت الغرفة إلا من كلاهما، نظرات إيناس العدوانية مقابل كارما التي تحاول أن تفهم سبب حالتها تلك.
قالت كارما بهدوء:
"مالك يا إيناس؟"
اتسعت عينا إيناس وابتسمت بسخرية:
"مالي! أنتي بتسألي عن حالي اللي مال من ساعة ما جيتي برجلك لهنا."
ضيقت كارما حاجبيها وقالت بحزن:
"وأنا عملت لك إيه يا إيناس؟ من ساعة ما قولتيلي ابعدي عنك وأنا فعلاً بعيدة."
ربعت إيناس يديها على صدرها وقالت بغيرة واضحة:
"آه صحيح نسيت أقولك... مبروك يا عروسة."
لم تجبها كارما، فأكملت إيناس هاتف بها:
"بعدتي عني آه، بس قربتي منه هو."
تساءلت بترقب:
"قصدك إيه؟"
صرخت بوجهها مما جعلها تنتفض مكانها:
"صقر، الكبير، ابن عمي، حب عمري اللي سرقتيه مني، كان لازم أعرف إنك حرامية زي أمك."
شعرت كارما وكأن أحد ما ضربها بقوة على رأسها، تلعثمت في بداية حديثها وما أن استوعبت هتفت بها محذرة:
"أمي مش حرامية يا إيناس، ما اسمحلكيش تتكلمي عليها كده."
صرخت الأخرى بها حتى احمر وجهها هادرة:
"سرقت أبويا مني ومن أمي، عادا الدنيا كلها عشانها. اختار يعيش معاكم مش معانا، مشي وما بصش وراه."
صرخت أيضاً كارما بها دفاعاً:
"أبوكي مشي من هنا من قبل ما يعرف أمي، وقابلها بعد ما قعد هناك بـ ثلاث سنين، حاول يرجع رفضتوه وحكمتوا عليه لو رجع يرجع لوحده، اتعاملتوا معاه وكأنه عمل خطيئة لا تغتفر، بعده عنكم ما كانش سهل."
اقتربت منها إيناس ببطء وقالت من بين أسنانها بغضب جلي على وجهها:
"اللي حصل مع أمي مش ها يتكرر معايا يا كارما."
ابتلعت كارما تلك الغصة في حلقها وبدأت العبرات تتجمع في عينيها وقالت:
"ما كنتش أعرف إنك بتحبيه."
أجابتها مؤكدة كأنه أمر مفروغ منه أو غير قابل للنقاش:
"صقر ملكي، مكتوبين لبعض من واحنا صغيرين، بس أنا عاذراه."
مسكت خصلة ذهبية من شعرها وقالت:
"يمكن عجبه إنك ملونة شوية، نوع جديد لفت نظره مش أكتر، هما يومين وها يرجعلي. صقر عمل اللي عارف إنه ها يفرح جدي عشان يرتاح من تأنيب ضميره إنه بعد عنه ابنه."
صمتت متأملة نتائج حديثها على وجه الأخرى التي باتت كالورقة البيضاء وأعين تشبه التمثال.
ألقت باقي حديثها دون اكتراث:
"أنا بوعيك، اللي عايزة توصليله مش هيحصل وتكوني أنتي الخسرانة في الآخر. ... سلام يا... يا أختي."
ترنحت كارما حتى كادت أن تسقط أرضاً، استندت على حرف المقعد وكل ما بها ينتفض، والعرق يتصبب من على جبينها رغم شعورها ببرودة أطرافها.
شهيق اتخذته مع غصة بكائها وكلمات شقيقتها تتردد على أذنيها.
قد ظنت أن الحياة بدأت في إظهار ألوانها الزاهية، وأن القادم منثور بالورود والحب يلوح لها بالأفق لتشعر اقترانها به بالكمال.
كانت متقبلة كره شقيقتها رغم صعوبته، ولكن كان عندها بريق من الأمل، أن تتركه للأيام ربما تداوي ماليس لها يد به.
لكن تأتي الطامة الكبرى، حب شقيقتها له، من بين كل الرجال تعشق من أرادته شقيقتها زوجاً لها، أي حظ عاثر تمتلكه.
نظرت حولها وقد شعرت بالاختناق وهناك ما يجثم على صدرها يكاد يكتم أنفاسها، جذبت حجابها وركضت خارج غرفتها بل لخارج البيت الكبير بأكمله.
***
قد شارف الليل على الدخول، لاحظ الجميع اختفاء كارما الغير مبرر، بعد البحث عنها في أرجاء البيت.
وقف عثمان في منتصف الدار ضارباً بعكازه الأرض بقوة:
"يعني إيه مش موجودة؟"
قالت أمل:
"مش عارفة يا عمي، مالهاش أثر في البيت كله."
قالت إيناس بلا مبالاة:
"ما تقلقش يا جدي، يعني هي دي أول مرة؟ ما كل ما يجي على بالها تخرج تاخد في وشها وتعملها."
ألقى عليها عثمان نظرة جعلتها تخفض عينيها عنه بخوف، بينما هدر عثمان وقال:
"حد ينده لي صقر بسرعة."
أومأت زهرة بالإيجاب، وهاتفت صقر دون أن تخبره بشيء، ولكنها شعرت بريبة صوتها.
وعثمان يضرب بعكازه الأرض برتابة غير قادر على تجاهل ذلك الانقباض في قلبه على حفيدته.