تحميل رواية «عشق الحور» PDF
بقلم مروه شحاته
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
لماذا هي..... هناك المئات من الفتيات في بلدتهم. لماذا وقع اختياره عليها.. كل أحلامها صارت سراب. حلمها باستكمال تعليمها انتهي. حلمها أن تحب شاب من عمرها انتهي. كل طموحها اغتيل بفضله. والآن ماذا... ستتزوج؟ نعم ستتزوج من رجل عمره ضعف عمرها. ومتزوج بأخرى وجميع البلد تعرف قصة عشقه لها. رجل لم يكلف نفسه حتي بالنظر إليها. ولماذا قد يفعل؟ فهي مجرد جارية اشتراها السيد لتحمل بطفل. وهذا الطفل هو من سيحررها من العبودية. كما في العصر الجاهلي. هذه هي مهمتها أن تنجب وحسب. إنه حتى لم يكلف نفسه بالذهاب إليها. لق...
رواية عشق الحور الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم مروه شحاته
اغلق جاسر الهاتف وانفجر ضاحكا على شكل حور التي تلف حول نفسها.
"اهدّي انتي حامل."
جلست على ساقه وقالت بنعومة:
"انت طلعت لئيم بشكل."
"بقي... انا اللي لئيم ولا ابن عمك هو اللي مقفل؟"
قربت وجهها منه:
"عيشة هتصنفر وتشيل الصدا وتفتح القفل."
"مش عارف آخرة مشيي ورا كلام العيال دي هيوديني لفين."
لثمت شفتيه:
"انت لو مش مقتنع كنت هتمشي فيها لا و... ايه بتحرجم على بسمة كمان هبعت غيث معاها مش كده."
انفجر ضاحكا:
"ديما... لعلمك لولا اني شايف سليم راجل بجد ويستحقها وهيخاف ربنا فيها ماكنتش عملت كده."
"مانا عارفة... طب وغيث؟"
تنهد بقوة:
"عمل زي بسمة بالظبط دفن نفسه مع سما... انت مش متخيلة كان بيحبها قد إيه ياحور. غيث فضل سنة بحالها مش قادر ينطق ولا مصدق إنها ماتت... بس يمكن غيث كان عنده ذكريات شوية، قصة حب سنتين وجواز ست شهور... الاتنين شبه بعض أوي ياحور."
تنهدت بقوة:
"بسمة دي كانت ضحكة البيت كله... كل حاجة تقلبها هزار... بابا بيقولي سماها بسمة عشان أول ما اتولدت مكنتش بتعيط كانت نايمة بتبتسم.... اتبدلت بعد الجواز.... هي ملحقتش تتجوز أصلاً.... عملت زي غيث... دفنت نفسها بس من غير ذكريات."
"انا ليه مشفتهاش ولا مرة روحت فيها عندكوا؟"
"تقعد في بيتها وتيجي على النوم... تفتكر ممكن تخطيطنا ينجح ويتجوزوا فعلاً؟"
"نصيب بتاع ربنا وكل اللي يجيبه ربنا حلو."
"قولي بقي مش هنقول لماما زينب اللي الدكتور قاله؟"
هب واقفا:
"هنقول لماما زينب بس لما تولدي بالسلامة يبقي الباقي يعرف تمام كده."
قبلت خده:
"ياجسورتي يا عسل انت."
"يابت بتدلعي عيل صغير."
لدغت خده وقالت ضاحكة:
"ابني وأبويا وأخويا وصحبي وحبيبي و..."
"حلو أوي عدي قدامي واعمل حساب إنك حامل هاه."
تحركت أمامه للخارج ليستوقفهم صوت عائشة وغيث.
"جاسر جيت ياعيشة."
"غيث ياسيدي السواق اللي جيبهولكوا باباه. اقعد استنى الست هانم في العربية خمس ساعات."
"عائشة بضيق: بقي ياغيث دي مكنتش توصيلة دي."
"جاسر: ياغيث يعني كنت أسيبها تروح لوحدها؟"
"غيث بغيض: ماسيادتك مبلط في البيت أهوه تروح لوحدها ليه؟"
"حور: برضه ياابيه وأنا اللي بقول عليك طيب وحنين، عايزة يسبني تعبانة ويمشي."
"غيث: تعبانة أوي انت هتقوليلي بامارة..."
كتم جاسر فمه: "خلاص بقي."
أبعد يده وزفر بضيق:
"اتخرست أهوه."
"جاسر: نفسك الساعة ستة عشان هتحضري عملية في عيادة سليم. في إيه ياعيشة متنحة كدا ليه؟"
حركت رأسها بقوة ثم قالت بثبات:
"طبعاً اللي قلتله. معلش ياابيه أنا محبش أبقى حمل تقيل على حد."
"جاسر: عبيطة يابت... على فكرة بقي هو اللي اتبرع، أنا قلتله هبعتها تدرب عند الدكتور عبد الحميد قبل عملية مرجان."
حدقت بوجهه:
"بجد؟ يعني هو اللي قالك كده؟"
عقد ذراعيه:
"هو اللي قالي."
"حور: والح إلحاحك إنك لازم تطلعي من تحت إيده."
مال جاسر على أذنها:
"كده وسعت منك أوي."
"حور: المهم دلوقتي انتي هتروحي ياعيشة مش كده؟"
"عائشة بحيرة: عارفة أنا محتاجة التدريب ده فعلاً بس..."
"حور: بس ابيه غيث هيوديكي ويجيبك."
"غيث بغيض: مراتك عن وشي دي راحت تعمل تحاليل في خمس ساعات هعيش حياتي كلها جوة العربية."
"حور: لأ عربية إيه بس ياابيه... انت هتوصلها وتعد في بيتنا مع بابا ويونس لحد ما تخلص."
"غيث بحرج: في بيتكم إزاي يعني مينفعش طبعاً."
"حور: بسرعة بس ياابيه ولا يعني عشان بيتنا مش قد المقام."
"غيث بحرج: والله ما أقصد كده بس يعني ميصحش أصلاً، متتكلم ياجاسر."
"جاسر: مديني فرصة أنطق... عادي ياغيث لو مش عاوز تدخل خد الواد يونس يسليك."
ضربت حور قدمه:
"طبعاً مينفعش وبعدين بابا أصلاً مستنيك، دا هما كلهم تلت تيام بس يعني هيعدوا. هوا وانت قدها وقدود ياابيه."
همس جاسر في أذنها:
"بشكل."
"عائشة: ياجماعة متتعبوش نفسكوا أنا مش راحة أصلاً."
"حور: ياابيه انت واقف في طريق مستقبلها وسادد السكة إزاي."
"غيث ضاحكا: أنا دلوقتي اللي واقف في طريق مستقبلها. خلاص ياست عيشة أنا موافق وأهو أشوف الواد يحيي أصله وحشني."
ابتسامة بلهاء مرسومة على وجه حور. دفعها جاسر برفق وقال هامسا:
"ادامي هتفضحينا يخرب عقلك."
قالت بحماس:
"فل حطينا البنزين جنب النار نستنى بقي لما الدنيا تولع عشان نطفيها، هاه هاه هاه ها."
جاسر بحنق:
"يارب... هو أنا هربيكي ولا هربي العيال؟"
"الاتنين ياحبيبي."
قالت جملتها وفتحت الباب دون طرق لتطل برأسها للداخل.
"حبيبتي صاحية؟"
"جاسر بحنق: لو قطعت راسك أنا مش مسؤول."
"ياشقية وحشتيني."
همس: "نفسي أفهم هي عملتها إيه بالظبط."
تبعها للداخل ليرى حور بين ذراعها وأمه تربت على كتفها بحنان. رفعت وجهها:
"وفاهمة هاه."
"حور: بقي يازوزو ميبقاش قلبك أسود."
"زينب: ياجاسر."
تقدم جاسر ليجلس على طرف الفراش من الناحية الأخرى.
"الحمد لله إنك افتكرتيني."
"زينب: أقدر أنساك... هاه جينلي انتوا الاتنين في إيه؟"
"جاسر: امبارح روحنا لدكتورة في البلد هي هتابع معاها وطمنتنا على الحمل."
"زينب: بطلي تنطيط بقي واركزي ماشي، وأي حاجة يبقي نفسك فيها تقولي على طول... ربنا يتمم بخير يارب."
"حور: يخليكي لينا يازوزو ويتربوا في عزك إن شاء الله وتحطي على الحجر ده أنيس وعلى الحجر ده يونس."
"جاسر بحنق: وعشق."
"حور: أنيس ويونس."
"زينب: انتوا الاتنين... انتي حامل في توأم ياحور."
هزت حور رأسها وهي تحتضن بطنها بحنين:
"لك الحمد... يارب يتمملك بخير وتقومي بالسلامة بس مش عاوزاكي تتكلمي كتير في الحكاية دي، سيبيها مفاجأة زي ما ربنا خفيهم عن عنينا سيبهم مخفيين."
"جاسر: قلتلها كده برضه بس قالت نقول لماما."
"زينب: يسعد قلبك سبحان الله. معوض مخلف... تفضل عشر سنين مع عزة من غير عيال عشان ربنا كاتب إن عيالك تبقي من حور مش منها... وصلت معاها لفين؟"
"جاسر: قدامي شوية عشان أخلص الموضوع كله... متقلقيش انتي."
"يوفقك للي فيه الخير."
رواية عشق الحور الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم مروه شحاته
أهلاً وسهلاً يابني، منور البيت، اتفضل اتفضل.
تنحنح غيث بحرج ليعبر للداخل وقال بارتباك:
في داعي؟ أنا كنت هستناها عادي في العربية.
محمود بعتاب:
كده يابني؟ ده إحنا عيلة. البيت بيتك، اتفضل. ده أنا حتى ملحقتش أتكلم معاك يوم العزومة. ولا إنت مش عايز تعرفنا بقي ولا إيه؟
قاده محمود إلى غرفة الجلوس رغماً عنه. بحثت عيناه عن البسمة الحزينة، ولكن ليس لها أثر. انتبه على صوت خديجة المرحب:
يابني، منور البيت.
بِنورك ربنا يخليكي.
بقي أنا عامله أم علي بس إيه...
محمود:
يونس ياخد جايزة نوبل في أم علي.
غيث ضاحكاً:
طالما جايزة نوبل يبقي لازم أدوقها.
انصرفت خديجة ليسأل هو بفضول مقيت:
فين يونس ويحيي؟
تنهد محمود وقال بأسى:
راح يجيب يحيي وأمه من بيتها، زمانهم على وصول.
قطب بين عينيه، الفضول سيقتله يوماً.
هما مش عايشين معاكوا؟
مش عايشين... يعني بيقضوا النهار هناك، بس بيبيتوا هنا عشان مينفعش تبات لوحدها ويحيي لسه صغير.
استشعر ألم ومرارة الرجل. حزنه على ابنته التي أصبحت أرملة وهي في ريعان شبابها.
أبو يحيي ميت من امتى؟
السنتين كمان كام يوم... الحمد لله على نعمة ربنا. المهم بقي بتعرف تلعب طاولة؟
نظر للرجل باستغراب:
... آه، ليه؟
يعني ولا زي سليم.
ابتسم.
المية تكدب الغطاس، هاتي الطاولة يا أم يونس.
دخلت خديجة بابتسامة بشوشة.
على الأول.
كان يأكل باستمتاع. هذه العائلة محاطة بهالة من الدفء الغريب. جلس أمام محمود وبدأ اللعب. غيث:
أسألك سؤال.
يابني.
كنت بره لما جاسر اتجوز حور. انت وافقت ليه مع إن الفرق بينهم كبير أوي في السن؟
ابتسم محمود:
حور ويونس أمانة محمد الله يرحمه في رقبتي. قبل ما يموت وصاني عليهم وربنا يعلم إنهم عندي زي سليم وبسمة، ويمكن أعز. جاسر أنا عارفه كويس أوي. مش عشان كبير البلد بس...
لأ، أنا عارفه شخصياً. راجل عارف ربنا وبيتقي الله في كل حاجة. ودا دلوقتي مش موجود. الكل عارف إن جاسر عنده مشاكل مع مراته اللي بيحبها، خصوصاً إن موضوع إنها قالتله يتجوز دا كان اتعرف. بالعقل كدا، لما واحد زي جاسر يسيب كبرات البلد كلهم ويطلب ينسبني أنا عشان يخلف عيل، هيطلب مين؟ حور ولا بسمة؟
غيث:
عشان هي اللي خلفت قبل كده.
محمود:
الكبيرة وهي بنتي أنا. طيب لما هو بقي يطلب حور ولما يعرف إنها رافضة... يقولي هتجوزها بالعافية. يبقي إيه؟ نزوة. مش طبع جاسر. والبلد كلها تشهد إنه راجل نظيف مش بتاع السكة دي. يبقي إيه؟
غيث:
محمود وهو ده اللي...
خلاني جوزتهاله. مش هبقى فرحان لما تتجوز واحد من سنها وتجيلي بعيل وهي مطلقة. أنا جوزت بنتي لراجل أنا بثق فيه إنه هيحافظ عليها وهيصونها. مبصتش للحظة إنه من عيلة الراوي وكبيرها. والحمد لله كل يوم بثبت إن كان حكمي ورأيي صح.
جاسر بيحبها جداً.
سعيدة، ودا المهم. أنا فاهم إنها صغيرة وصعب عليها تتقبل وجود واحدة تانية في حياته، بس حور قوية جداً فوق ما تتخيل. هتصبر، وآخره صبرها خير إن شاء الله. فهمت يابني؟
غيث:
في محلها. جاسر مفيش زيه في الدنيا.
محمود:
إنكوا متعلقين ببعض عن علاء.
غيث:
علاء هو اللي كان على حجر بابا. كان مدلعه بزيادة شويتين، بس إيه. الحجة كانت بتعوضنا أنا وهو.
يخليهالكوا يارب.
آمين. إنت محبوس في إيه يا جميل؟
محمود:
نصاب على فكرة، بتغفلني يا غيث.
انفجر غيث ضاحكاً.
كنت مندمج أوي.
شاركه محمود الضحك.
منتاش سهل، وأنا اللي بقول عليك طيب. قلي بقي انت متجوز؟ في إيدك دبله؟
نظر إلى طوق سما بيده وقال بألم:
... بس الموت اختارها هي واللي بطنها وسابني.
محمود بتأثر:
يابني حقك عليا، مكنتش أعرف.
غيث بابتسامة باهتة:
حاجة... خلاص أنا صدقت إنها سبتني، بس خدت وقت شوية عشان أستوعب. بس أهي ماشية.
محمود:
يابني الدنيا مبتوقفش على حد. لما ماتت أم العيال كنت عامل زيك كده، شايف الدنيا اتقفلت ومعدلهاش لون ولا طعم. كنت عايش بس عشان بسمة وسليم. لحد ما محمد مات، زي يامكون ربنا بيقولي فوق. حملك تقيل، مش على قد سليم وبسمة وبس، لأ كمان حور ويونس وأمهم. اللي أبوها كان مصر يجوزها بعد العدة. إنت عارف إحنا بلد أرياف وكلام الناس كتير. واتجوزتها. عارف يمكن لو سألتني وقتها هقولك دي عرض أخويا ولازم أصونه. بس لو سألتني دلوقتي هقولك خديجة تبقي نصي التاني اللي ربنا قسمهولي.
أسند غيث رأسه إلى كفه وقال باستغراب:
... يعني إنت كنت بتحب أم سليم؟
قصة حب رومانسية. وأخرج من الكلية، أقفلها تحت المدرسة لحد ما محمد أخويا يقفشني. انضربت علقة سقع. محمد كان ملتزم ومتشدد أوي، بس كنت أنا الصغير وهو اللي مربيني. قالي عايزها يبقي بالحلال. رحت خطبتها. الترعة والساقية القديمة كنا بنتقابل هناك.
غيث ضاحكاً:
كنت خلبوص كبير.
يسامحنا بقي طيش شباب. واتجوزتها. إيمان كانت كل حاجة في حياتي. عشت معاها دنيا بحالها، زوجة، ولد، وبنوته. حياة مستقرة، عايش في جنة. وراحت إيمان في لحظة. كل أبواب الجنة اتقفلت، معدش فيها غير سليم وبسمة وبس. خديجة بقي حاجة تانية خالص. خديجة علمتني إن الحب هي وبس. أخدتني شبح إنسان، عملت مني بني آدم جديد، قادر يدي الحب للي حواليه، مش محروم منه. أو إوعى تقفل باب دنيتك وتقول إنها خلصت على كده. دور يابني على اللي تحيي قلبك. مش خيانة لحبيبتك إنه يدخل قلبك غيرها. عارف ليه؟
لو ربنا أراد واتجوزت تاني يبقي التانية كمان نصيبك، عشان ربنا هيجمعك بيهم.
الاتنين في الجنة.
ابتسم غيث:
حسبتها كده إزاي؟
محمود:
متتحسبش أكده، مهي الست بتبقى زوجة آخر راجل. ماتت وهي على ذمته. يعني أم يونس كان أول بختها محمد، بس هي مراتي أنا. ربنا كتبهالي في الجنة. فليه تقفل قلبك وهي كده كده مستنياك في الآخر. سواء روحت لها لوحدك أو روحت لها بعزوة زوجة وأولاد في الجنة. مفيش غيره.
أغلق محمود اللعبة، فقال غيث:
حدوته ياعم محمود.
ولا حاجة. يابني الحياه ماشية، ليه نعيشها أبيض وأسود؟ وربنا محلل لنا الألوان.
ماهي...
بسمة. يعني... بسمة أصلاً ملحقتش تفرح بأي حاجة. حسام كان معيد عندها في الجامعة. اتقدملها، وفي خلال شهر كانوا متجوزين. شهر كمان وسابها. قدر ربنا، محدش يقدر يعترض عليه. لما فاقت من الصدمة عرفنا إنها حامل. عاشت كل حاجة لوحدها.
اللهم لا اعتراض. بسمة لسه مجال الكلام معاها ما جاش. لسه وقته. بسمة لسه مش عارفة تخرج من الصدمة. بس ربنا قادر يخفف عنها. شوف شكل العملية معقدة والموضوع هيطول معاهم. تعالي أما نتمشى شوية ونشوفهم.
غيث:
اااه، يونس كده مش اتأخر ولا البيت بعيد؟
محمود:
البيت قريب، بس ممكن تكون أقنعته يبيت معاها عشان السنوية. بس متقوليش لسليم لحسن يقيم عليها الحد.
ضحك غيث بقوة.
ليه كده؟
بدعة. بس أنا اللي مش عاوز أقرص عليها. تعدي السنوية وربك يدبرها.
ترجل للخارج بجواره.
أسألك، هتعمل إيه؟
البيت بتاعها، لازم تعرف إن ده معتش بيتها عشان تفوق. طول ما هي دافنة نفسها في وسط الذكريات هتفضل ميتة بالشكل ده.
دخل محمود من البوابة ليهب شاب من خلف مكتبه واقفاً.
أبويا الحج.
يا أشرف، أمال الدكتور سليم لسه قدامه كتير؟
قرب يخلص. الدكتورة اللي معاه بتقفل خلاص.
غيث:
إيه؟
دي العملية كبيرة أوي.
يا أشرف، إحنا هنستنى الدكتورة جوه.
يابابا الحج.
ترجل محمود وغيث للداخل ليقول غيث بإعجاب:
متخيلتش إن عيادة بيطري تبقى بالشكل ده.
يابني اتخيلتها بتنهق.
ضحك غيث:
مش الفكرة، بس أصل مفيش حد في البيت مقتنع إن عيشة دكتورة برغم إن مجموعها كان جايب بشري، بس هي كانت حبة بيطري.
جلس محمود وقال:
أما أفهمك. سليم كمان كان جايب بشري، بس هو حابب البيطري. تعرف إن البيطري أصعب من البشري؟
بقي؟
في البشري، إنت بتدرس تخصص واحد على نوع واحد اللي هو البني آدم. يعني بيتخصص باطنة، جراحة، قلب. صح؟
بقي... إنت عارف فيه كام نوع حيوانات وحشرات؟ دا غير إنه بيدرس نبات. يعني بيدرس الدنيا كلها تقريباً وبيعالج كل حاجة. باطنة وقلب وجراحة وعظام.
غيث بإعجاب:
فكرة ياعم محمود، إنت فيلسوف بجد.
ولاحاجة، أنا بس بشوف الحاجة بطبيعتها. دا صوت سليم، الظاهر خلصوا.
ترجل سليم إلى الغرفة ليلقي السلام على الموجودين، وترتمي عيشة على المقعد.
أنا اتهديت. سليم، دي بس أول عملية تقفي فيها.
غيث:
العملية كانت إيه؟
سليم:
بنركب شريحة ومسامير لحصان عنده كسر مضاعف.
غيث:
هو الحصان لما بيتكسر مش بيموت؟
عائشة:
بيت الجهل! هتفضحني! لأ مبيموتش يا آخر صبري. بيتعالج وبيقوم زي الحصان.
غيث ضاحكاً:
حصان أصلاً يا ذكية.
عائشة:
إن عمليات الخيل مكلفة أوي، عشان كده لما بيتكسر بيضربوه بالنار.
محمود:
زي الحصان اللي راقد جوه ده، كان صاحبه هيضربه بالنار. سليم صعب عليه واشتراه وعالجه.
سليم:
بس عشان أنا لحقته. المشكلة إن رجله اتكسرت بسبب الأحمال الزيادة اللي بيشيلها.
غيث:
شكلك طيب أهو، غير الصورة اللي خدتها عنك خالص.
قطب سليم:
إخت صورة عني؟ شكلها إيه؟
غيث:
متنشن بزيادة شويتين.
ضحك سليم ومحمود.
"أنا شكلي شرير أوي كده، أصل بسمة بتقول عليَّ كده برضه."
"عائشة يا غيث، هتشوف الوش الطيب بتاعه."
"طالما مانتاش مؤنث."
سليم بغيظ: "إيه بقي يادكتورة؟"
غيث: "عندها حق، ده إنت بتتحول بجد، إنت مش طالع لابوك خالص."
عائشة: "عم محمود دا راجل عسل على راي حور."
نظرة سريعة على وجهه سليم.
سليم: "إنتي اللي عسل يابنتي، حق حور تحبك كده."
عائشة: "يحفظك يارب، غيث أنا هسلم على طنط خديجة ونمشي، ماشي؟"
محمود: "يا خديجة، يتقلك طنط من العسل دي..."
غيث: "أختي قدامي يا عم محمود."
محمود: "آه، بعكسها عندك مانع؟"
غيث: "خالص على فكرة."
محمود: "يلا يا بت، هتجيبلنا العار، عدي قدامي."
محمود ضاحكًا: "نتعشى يابني..."
غيث: "هينفع دا، إحنا قربنا على نص الليل."
محمود: "ده إنتوا لو مشيتوا، خديجة تطردنا من البيت، يلا يا سليم خلي الواد أشرف يروح لعياله بقي."
سليم بعصبية: "هينفع أسيب الحصان لوحده؟"
محمود: "يابني كل وابقي ارجعله، عدي متضيقش خلقي."
تحرك الجميع للخارج لتستقبلهم خديجة.
خديجة: "لسه جايه أندهلكوا، العشا جاهز، يلا يابنتي، دا إنت شكلك مهدودة، خف عليها ياسليم، حرام عليك."
ترجل الجميع للبيت ليقول سليم بجمود: "عايز يتعلم يتحمل التعب."
التفتت له عائشة لتقول بغيظ: "مش مشتكش على فكرة."
سليم: "مش وجهتلك كلام."
عائشة: "قليل الذوق... عمال تشخط وتنطر، هو في إيه بالظبط؟"
عقد ذراعيه.
سليم: "أشخط وأنطر أحسن ما أتمايص."
قالت بحده: "اللي بيتمايص أنا مسمحلكش، إنت فاهم ولأ لأ؟"
سليم: "تسمي المسخرة اللي كانت جوه من شوية دي إيه؟ إنت عسل؟ لأ، إنتي اللي عسل."
حدقت بوجهه وقالت بحنق: "مجنون... وبعدين ميخصكش، خليك في حالك، ماشي؟"
سليم: "إنتي فين؟"
عائشة: "يا غيث جايه أهوه... أقسم بالله لو اتكلمت معايا تاني بالأسلوب ده... مهيحصل، طيب، والعلم اللي يجي من وشك يغور، مش عاوزاه."
قالت جملتها لتتحرك بعصبية للداخل.
زفر بضيق. هي محقة، ماذا فعل ليحتد عليها هكذا وليتهمها بهذا الاتهام؟ لن ينكر أنها تلميذة نجيبة بشدة وشعر بمتعة حقيقية وهو يشرح لها وهي تساعده. حسناً، ما كان يجب أن تتساهل بالحديث مع أبيه. لقد فقد عقله بالكلية.
زفر بضيق ودخل إلى غرفة الطعام. وقعت عيناه على فحمها الدامع ثم أشاحت وجهها.
سليم: "فين بسمة ويونس؟"
خديجة: "اتصلت بيه وقلتلي هتبيت النهارده في بيتها ومعاها يونس، متقلقش."
سليم بعصبية: "يابا، تسيبها تبات تاني هناك؟ مش قلنا؟"
قاطعه محمود: "إنتوا، انتهينا."
سليم: "تشوفه حضرتك."
خديجة: "ياسليم، فترة وهتعدي."
محمود بحزم: "مش قلت انتهينا."
حاولت عائشة تخفيف الأجواء.
عائشة: "برضه يا عم محمود، وأنا اللي بقول عليك طيب، اتبيك بتتحول إنت كمان."
محمود: "مبحولش ولا حاجة."
غيث ضاحكًا: "يا أم يونس، عيشة هتاكل منك الجو."
خديجة ضاحكة: "قلبي زي العسل، ده أنا بحب عيشة كأنها واحدة من ولادي."
غيث: "ضاحكة، لبستك في الحيطة، قلتلك واحدة من ولادها."
ضربت عائشة جبهتها وقالت بطريقة مسرحية: "العريس يا خوي."
تشارك الجميع بالضحك. في حين ترك سليم أدوات المائدة وقال بغضب: "إذنكم."
قال جملته وانصرف للداخل.
غيث: "ماله؟"
عائشة: "في بالك عنده حساسية هيسترية من الضحك."
محمود ضاحكًا: "يابنتي والله دا على طول بيضحك."
عائشة: "هو تلقيه بيضحك معاك بس عشان إنت معاك الكتالوج."
خديجة ضاحكة: "أبدا..."
خديجة: "هو بس تلقيه في حاجة ضاغطة على أعصابه."
عائشة بحنق: "أنا واقفه في زوره بالعرض."
غيث: "اللي بتقوليه دا يازفتة إنت."
عائشة: "يلا بقي... شكراً جداً يا جماعة على الاستضافة الهايلة دي، وإن شاء الله هبقى آجي مع حور عشان أشوف بسمة. عن إذنكوا بقي."
نظر غيث إلى محمود.
غيث: "مش فاهم حاجة، على العموم كان يوم حلو بصراحة."
وضع يديه بجيبه وأخرج بعض الحلوى ليناولها لخديجة.
غيث: "ليحيي، معلش ابقي اديهومله إنت بقي... كان نفسي أشوفه."
محمود: "مفتوح يابني، تعالي شوفه في أي وقت، وهو أخلص طاري منك في الطاولة."
محمود: "تصبحوا على خير يا جماعة."
رواية عشق الحور الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم مروه شحاته
جلس غيث بالسيارة حيث تجلس عائشة تكاد تنفجر غضباً.
"افهم إيه الحكاية بقى."
"عائشة بغضب: بني آدم معندوش ذوق ولا إحساس."
"تهدي وتفهمني إيه اللي حصل."
زفرت عائشة بقوة وقالت:
"ساعة ما جيت وهو كل أما يبص في خلقتي يستغفر ربنا زي ما أكون بفكره بذُنوبه. قعدت أنا واقفين جوة العمليات بناوله الآلات عادي، عارف أقسم بالله لو عندي جرب ما هياخد الحاجة بالشكل ده. الحصان بينزف، مسكت الآلة وقلت أوقف النزيف، إيدي خبطت غلط في إيده. ياربنا! كان ناقص يغسل إيده سبع مرات، مرة منهم بالرمل."
"غيث: كلب؟"
"عائشة: يا غيث أنا متنرفزة. وآخر المهزامة البيه بيقول عليَّ بتمايص. طب بذمتك أنا قلت إيه في المكتب عشان يقول كده؟ أنا بضحك وبتمسخر، وبعدين حتى لو بعمل كده هو ماله؟ هاه؟ إنت متنح كده ليه؟"
ابتسم غيث وقال:
"كده فهمت."
"إيه؟ طب هو بيكرهني كده ليه؟ فهمني أنا عملت له إيه؟"
ربت غيث على كتفها وقال:
"إني ماخدتش بالي إنك كبرتي أوي دلوقتي."
أشاحت بيدها:
"بقول إيه وإنت بتقول إيه يا غيث؟"
أدار مقود السيارة وقال باسمًا:
"متزعليش نفسك. ده بيعرف يعتذر زي البني آدميين. ياعيشة اللي زي سليم متشدد بزيادة حبيتين."
قاطعته عاقدة ذراعيها:
"حد قالك إني بتحرش بيه ولا حاجة؟ أساسًا أنا لبسي واسع ولبسة حجاب شرعي، يعني مش فتنة من الأصل."
"إيه؟ هو شايفك فتنة؟"
"بالنسبة له."
حدقت بوجهه:
"بتقول إيه يا غيث؟"
أوقف السيارة أمام الباب وقال باسمًا:
"هو بيعمل كده ليه؟ مش ده اللي منرفزك؟"
حركت يدها أمامه وقالت:
"...مفتكرتش خالص. ووبعدين دا لسه جاي من باريس، يعني ساب بنات باريس كلها وجاي لختك اللي شبه السحلية العمشاء تعمله فتنة."
غيث ضاحكًا:
"وعمشاء؟ إنتِ مستهينة بنفسك كده ليه؟ ده إنتي زي القمر. وبعدين ياحبيبتي بالعقل كده، لو الحكاية غير كده إيه اللي يخليه يغير من أبوه؟ وكان عاوز يولعني وأنا واقف قبل ما يعرف إني أخوكي. بس المهم، إنتي إيه؟"
حركت يديها بارتباك:
"إيه؟ إيه؟ إزاي يعني؟"
لدغ خدها وهمس:
"وبينك ومش هقول لحد، يعني حاسة ناحيته بحاجة؟"
"ولالاء."
"بقي؟"
"ااا تصبح على خير يا غيث."
قالت جملتها وخرجت ركضًا إلى غرفتها. أغلقت الباب لتقف خلفه. همست:
"بيحبني."
تحركت ناحية المرآة لتطالعها صورتها. عيون سوداء فحمية واسعة مكحلة، رموش طويلة، خدود مرتفعة نسبيًا وشفاه مكتنزة. هي لا ترى تلك الصورة جميلة. أزاحت خمارها وفردت شعرها لينهمر ليل أسود يصل لركبتيها تقريبًا. تنهدت بقوة.
"هي حبني على إيه؟ أكيد غيث فهم غلط. لو بيحبني كان قالي كلمة حلوة. ده كل ما يشوف خلقتي يستغفر ربنا. والله كل ما أشوف خلقته هستغفر ربنا وأوريله إنها بتحرق الدم. هه بس... منك لله يا سليم يا ابن عم محمود. هو بس يلوي فكها شوية. يعني يبطل يكشر كده، دا عينيه جميلة أوي... وضحكته حلوة وعنده غمزات. استغفر الله العظيم! إيه اللي أنا بقوله ده؟ فوقي يارب نزّال الله يهديكي. أنا أقوم أصلي أحسن منك لله يا غيث. مانا كنت متنرفزة، أحسن أهو بقي الفتنة بتاعتي كده."
"منكم لله كلكم وأنا معاكم. يلا افرحيلي يا أمي بنتك الوحيدة لحس عقلها بنت الدسوقي."
رواية عشق الحور الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم مروه شحاته
مخاصمني لامتي يعني؟
ادري ياعزه.
قلتلك أنا آسفة، مكنتش أقصد. عاوز إيه أكتر من كده؟
عقد ذراعيه ووقف أمامها.
اللي عاوزه إيه ياعزه؟
رفعت يدها ولكنه ابتعد للخلف، فقالت:
معنتش طايقني.
أنا الراجل اللي يجري ورا متعته، وإلا كنت اتجوزت عليكي من زمان. بس أقول إيه بقي، نصيبي.
عقدت ذراعيها وقالت بغيظ يشتعل في عينيها:
ماشي ياجاسر، نبقى خالصين.
ما هنبقى خالصين.
هتفضل مقاطعني كده؟
هز كتفه.
إزاي بس؟ انتي مش لسه واخدة فلوس امبارح؟
تبعيتها مع عيشة. قلتلك أنا آسفة ياجاسر.
قال بتفكير:
قبلت اعتذارك. هيحصل إيه؟
لبعض؟ انت بقيت قاسي أوي ياجاسر، معنتش فارقة معاك. بقيت عادي تبقي بعيد عني.
اللي اخترتي دا ياعزه. عن إذنك عشان عندي شغل.
قال جملته وخرج من المكتب ليتوجه إلى السيارة، ولكنه لم يجد مفاتيحه. عاد مرة أخرى ليفتح ليحمل مفاتيحه، ليجدها بيد عزه. قال:
ماسكة المفاتيح كده ليه ياعزه؟ بتدوري على حاجة؟
ألقت المفاتيح بسرعة على المكتب وقالت بارتباك:
هعوز منها إيه يعني... كككنت اااااا بشوفها بس وعجبتني شكل سلسة المفاتيح.
سحب المفتاح وقال:
قلتيلي عجبتك. على العموم ده ذوق حور، دي هديتها.
قالت ببرود:
دفعة حقها، ماهي أكيد بفلوسك.
آه، دفعة حقها من فلوسها.
حلتها حاجة؟
كتير أوي ياعزه، بس حاجة انتي متفهمهاش طبعًا.
قالت بإصرار:
جوزي وليه حق عليك، ولا نسيت؟
فرك ذقنه تاني.
ي اعزه، انتي عاوزة إيه؟
... عاوزة أنام في حضن جوزي.
هي الحكاية كده يعني.
لمعان يعرفه جيدًا بعيون عزه عندما تقترب من هدفها.
مشتاقاله. أقولها لك أوضح من كده؟ كفاية بقي تذلني أكتر من كده. شهر أهو وانت مخصمني.
أرجع ياعزه، نبقى نتكلم.
سلام.
قال جملته وخرج، يعلم أنها فقدت الأمل في الحصول على شيء إضافي منه وستنفذ تخطيطها فقط. ليكشفها أمام الجميع. جلس خلف مكتبه.
بالمصنع شارد عقله، يدافع الأفكار.
الأفكار... وجود عزه لم يعد له أي معنى في حياته. بالعكس، يضغط على الصغيرة وحسب. الصغيرة التي يتلاعب أولاده بهرموناتها، فتتلاعب هي به. تبكي بلا سبب، ثم تضحك بلا سبب. وكأن مسها الجنون. لحظة تروقها بطنها التي انتفخت بروعة، ثم تبكي لأن شكلها أصبح قبيحًا. يعشق كل تقلباتها المجنونة وذراعيها الدافئتين المليئتين بالحياة.
برغم بدء الدراسة وانتظامها في الجامعة، ولكنها لم تهمل لحظة بشؤونه. تهتم بكل شيء به: عائشة وغيث ويونس وأمه. وتود حرق وتفجير عزه. تقيم الدنيا إن جاء اسمها ولو خطأ على لسانه. يصيبها هوس العشق حتى تسقط نائمة بين ذراعيه.
لم ير جميلته من الأمس، والدتها مريضة. لقد بات ليلته بالمكتب حتى دخلت عليه عزه في الصباح. اشتاق إليها بشدة، وإلى ملمس بطنها والشعور بحركة أولاده الرائعة بداخلها. تنهد بقوة.
فين ياجاسر؟ بقالي ساعة بكلمك.
ياغيث، في إيه؟
مش شايف إن سليم بيستعبط أوي؟
آه، بقاله شهر بيقول هيعمل العملية الأسبوع الجاي. لاء، هأجل أسبوع في أسبوع، لما كمل شهر أهو.
أنا مابكلمش على مرجان. أنا عايز أفهم، طالما بيحبها، متهبب مستني إيه؟ نروح إحنا نخطبه.
ابتسم جاسر.
هو كده استوى أوي. هنديله زقة، وزمان حور قامت بالواجب.
فاهم.
عقد ذراعيه. حور هتلمح إن جيلها عريس. واهي بسمة كمان.
هب واقفًا.
مالها؟
مالك اتنطرت مرة واحدة كده ليه؟
ياجاسر، بسمة مالها؟
عرفته إن فيه واحد متقدملها، ابن عمها تقريبًا.
قال بشرود.
ويحيي؟
يحيي ياغيث. هيبقاله أب على الأقل.
لو لازم تتجوز، هتجوزها أنا. أنا مش هقدر أستغنى عن يحيي، أنا بحبه أوي واتعلقت بيه أوي ياجاسر.
انت عايز تتجوزها عشان خاطر يحيي بس؟ مفيش جواك أي مشاعر ليها؟
مش بتكلم معاها يعني، بس أنا مرتاح لها وبحب أبوها وأمها أوي.
أنا كده كده رايح عشان أجيب حور ونمهد الموضوع ونشوف رأيهم. تمام؟ بس صلي استخارة على ما أخلص الشغل.
يلا.
خرج غيث ليضحك جاسر.
برضه اللي لئيم يا حور، ده انتي مصيبة.
رواية عشق الحور الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم مروه شحاته
تمدد سليم على الفراش، شيء ما يطبق على أنفاسه. ما كان يجب أن يستمع إلى هذا الحديث بين بسمة وحور. إنها معها يوميًا، يتابع رسائلها، ولا ضير من نظرة خاطفة لعيناها. منذ يوم العملية، لم تشاركه أي واحدة. اعتذر عنها جاسر، هو من تعصب بدون سبب واضح. تهرب من أي حديث معه، لم تحدثه إلا عندما بدأت أبحاثها وفي حدود الدراسة وحسب. لقد كفت حتى عن السؤال عن أبيه وأمه وبسمة، وليس هذا وحسب، إنها تستغفر كلما رأته. في البداية، ضحك على استغفارها، ولكنه أحبه. لقد أحب صاحبة عيون الغزال المكتحلة التي ستلقيه حتمًا في النار. ولكن ما يشعره الآن نار حقيقية تغلي بقلبه. كيف تكون لرجل غيره؟ ينظر بعينيها، يتلمس يدها البيضاء كحمامة.
سلام. شفتيها المكتنزة بروعة. لن يكون هذا.
"نفسك ليه يا سليم؟"
اعتدل جالسًا ليقول:
"يا بابا."
جلس على طرف الفراش.
"نفسك ليه يا سليم؟"
"يا بابا، مفيش حاجة."
"يا سليم، أنا طول عمري بعاملك مش ابني بس، لأ، وصاحبي كمان. وانت صغير عمك محمد رباك على دين ربنا، كنت فرحان بيك وانت بتختم القرآن على إيده. وانت لسه بسبع سنين، أنا عارف هو غرس إيه جواك، إن النساء فتنة لازم نبتعد عنهم، بس كنت بتضايق لأنك متشدد زيادة. بس أما سافرت، كنت مطمن عشان عارف إن دينك هيحميك. بس اللي انت مش عارف تشوفه إن انت غرقان في الفتنة وانت اللي بتغرق نفسك فيها."
"طب ليه؟"
ربت على كتفه.
"بتحب واحدة وبتشتهيها وبتكتم جواك، على الرغم من إنك تقدر تعمل كل ده من غير فتنة، إنك تتجوزها."
قال بارتباك:
"عيشة أصلاً تلميذة عندي، ودي بنت الراوي."
ابتسم محمود:
"مجبتش سيرة عيشة على فكرة. وبعدين يا حبيبي، بيت الراوي مناسب منا. لو عيشة راحت منك، هتعيش طول عمرك ندمان."
زفر بقوة:
"افهميني، الفرق المادي بينا وبينهم كبير."
"مستواك المادي مرتاح يا سليم، حتى الأرض اللي اشتريتها بنيت عليها بيت."
"... أنا مش هستحمل مراتي تتعالى عليا أو إني أنزلها عن مستوى هي عايشة فيه، يبقى بظلمها يا بابا."
"الجواز نور. أنا هكلم جاسر وأشرحله موقفك، وهو هياخد رأي أخته وهما يابني اللي يقرروا. إحنا مش هنقرر نيابة عن الناس."
"اللي انت عاوزه، بس خليك عارف، أنا لو اترفضت مش هدخل البيت ده تاني، وممكن تحصل مشاكل لحور، وهي دلوقتي حياتها مستقرة."
"على الله. وقوم كده خد حمام سخن وغير هدومك وتعالى جوز أختك، زمانه جاي."
"يا بابا."
تابع أبيه يخرج. هل يعتقده أباه أنه لم يفكر لـألف ألف مرة في أمر الزواج؟ ولكن عقبات عدة تقف دائمًا بطريقه. نعم، هو ليس بالفقير، ولكن ليس بمستواهم المادي. تنهد بقوة. بعد قليل، كان يرحب بالضيوف.
"يا غيث، أهلاً جاسر بيه."
"جاسر بيه دي بقي..."
"اقعد يا سليم عشان تحضر الكلام."
"سليم، بابا لحق يتكلم معاكوا؟"
"محمود، أنا مقلتش حاجة لسه."
"غيث، انت كنت عاوز تقول حاجة يا عمي؟"
"محمود، بس المفروض مش في بيتنا الكلام يبقى في بيت الراوي. بس عشان نحط النقط على الحروف قبل أي حاجة. الحكاية يابني إن سليم عاوز يتجوز عيشة و..."
قاطعه غيث:
"اسجد سجدتين شكر يا جدع، دا أنت خنيق."
حدقه سليم بذهول. وكزه جاسر.
"تخرس خالص، تمام."
"كتفي، ماشي، سكت أهو."
"محمود، يابني، كلنا شايفين دا مش غيث لوحده. اللي منع سليم إنه يتقدم حاجة واحدة بس."
عقد جاسر ذراعيه وقال:
"بقي السبب؟"
"سليم، مستوانا المادي مختلف تمامًا... يعني مش هقدر حاليًا أوفر لها مستوى مادي زي اللي هي عايشة فيه و..."
قاطعه جاسر وقال:
"ربنا فيها."
"إن شاء الله."
تنحنح سليم. غيث ضاحكًا:
"يا جاسر، الواد أحمر. انتي بتتكسفي يا بيضة؟"
رمقه سليم بنظرة حارقة قال:
"أنا بهزر. دا أنت بتقلب في لحظة."
"جاسر معاك يا غيث، متتهد بقي."
"غيث، أختي الصغيرة بتتخطب."
"جاسر، عليه يا سليم. بتحبها؟"
"على فكرة، انت حاليًا بتخطبها."
"سليم."
"جاسر، أنا موافق. الماديات دي بتاعتك انت وهي، مليش فيها. جهازها وفرشها زي أي عروسة، ودا العادي، ميقللش منك ولا يعيبك في حاجة. ربنا قال: (وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ). وأنا مش هتلاقي لأختي راجل زيك يا سليم. هسألها وهرد عليك، ولو موضوعنا تم إن شاء الله، نخلي الفرحة فرحتين."
"محمود، عايز تتجوز يا جاسر؟"
"دا اللي هيتجوز."
دخلت حور للداخل وعيناها تشتعل غضبًا.
"محمود، فرحتين إيه يا ابني؟"
"جاسر جاي عشان أطلب بسمة لغيث."
غيث لسليم:
"ضغائن وانسي الكلام اللي قلتهولك من شوية، ماشي."
محمود بجدية:
"يا غيث، ربنا يعلم أنا بعزك قد إيه وعارف إنك راجل وهتصون بنتي، بس بسمة ظروفها مختلفة. إحنا يا دوبك بس قدرنا نبعدها عن بيتها القديم."
"غيث، اتكلم معاها."
"محمود، يا حور، اندهي لبسمة."
جاءت حور ومعها بسمة.
"يا بابا."
"عايز يكلمك كلمتين، اقعدوا هناك على السفرة."
رواية عشق الحور الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم مروه شحاته
جلس غيث على المقعد مولياً ظهره.
"يابسمة."
جلست على المقعد تفرك يديها بتوتر.
"متوترة كده ليه؟"
قالت بتوتر: "الموقف مش أكتر... مش متعودة أقعد مع راجل غريب لوحدنا."
قال بمرح: "إيه ده، إحنا أمه لا إله إلا الله بتبص علينا بس، أنا طلعت لئيم، اديتهم ظهري."
كتمت ضحكاتها، فقال:
"فكرة ضحكتك حلوة، إنتِ بسمة، مينفعش تخبيها... وغمازاتك جميلة أوي... وعنيكي."
قالت بحرج: "زودتها أوي."
"خلاص، أنا بحاول أفكك بس، افتكريني فكيتي... اسمعيني بقى، أنا وجاسر اللي ربنا عمى اللي هو أبو جاسر... كان شديد أوي لدرجة القسوة، يمكن مكنش بينولني من قسوته كتير... بس قسوته دي اللي طلعتنا رجالة نشيل المسؤولية... منكرش، كنت بلعب بديلى شوية وأنا في الجامعة... لحد ما شفتها... سما كانت زميلتي في الكلية، رحت لبابا عشان يخطبهالي، رفض... قالي: 'لما تبقي راجل معتمد على نفسك ابقي اتجوز'... فضلنا نحب في بعض تلت سنين... وبعدين اتجوزنا... عشت معاها أحلى دنيا، أربع شهور وقالتلي: 'أنا حامل'... كانت بتنطط زي أي عيل صغير، أنا بعشق الأطفال... عدى شهرين وأنا عايش في حلم، كنت بقعد بالساعات أتكلم مع بطنها عشان ابني أو بنتي اللي جوه تسمعني وتعرف صوتي، كل يوم آخدها في حضني وأنام، أحلم بيه مرة شبهي، مرة شبهها... لحد ما صحيت من الحلم على أسوأ كابوس... أول مرة مرحش معاها عند الدكتورة، كنت تعبان أوي وسخن ونايم في السرير... قلتلها: 'هاخد علاج وأبقى كويس ونروح سوا بكرة'... قالتلي: 'لأ، هروح عشان معادي'... سواق ترلة ضارب حشيش هرسها تحت العجل."
فرك جبهته ومرر يده في شعره وأكمل بتمزق حقيقي وهو يرفع يده:
"فيها حتة سليمة؟ كانت حتت... معرفتش أغسلها، مودعتهاش... كنت بموت وأنا بحطها في التراب، حبيبتي بتخاف من الضلمة، سيبوني أنزل معاها عشان متخافش... مفوقتش إلا وجاسر بيضربني بالقلم وبيصرخ في وشي: 'فوق حرام!'... وقعت واتخرست، جاسر جابلي دكتور نفسي وهو اللي قرر إن أسافر باريس في مؤسسة هناك بتعالج حالات الاكتئاب دي... فضلت سنة في المؤسسة، صورتها وهي متقطعة مش عايزة تروح من عيني... مع الوقت بدأت حالتي تستقر وخرجت... بس مقدرتش أرجع هنا، كنت خلاص اتأكدت إني عايش وهي راحت... بس أنا مش حي... فضلت أتنقل من بلد لبلد... كنت بشتغل أي حاجة وكل حاجة، كنت عايز أنسى وبس... أنسى أنا مين عشان لو افتكرت هفتكرها... يمكن قدرت أنسى غيث، بس مقدرتش أنساها... رحت للباب اللي هجرته، وقفت عليه وقلت: 'يارب خفف عني الوجع، اكتبلي الصبر، معنتش قادر'... بقيت حاسس إني بغمض عيني مش هفتحها... قلت أرجع عشان لما أموت أتدفن جنبها... ورجعت... أول حد قلبي اتعلق بيه كان يحيي... معرفش اتعلقت بيه أوي ليه، حبيته بجد... وبعدين أم يحيي، كل أما أفكر فيها أحس إني خاين... بس غصب عني، بتعلق بيها كل يوم وبتعلق أكتر بيحيي... أنا قلت الكلام ده مش عشان أصعب عليكي ولا أشوف دموع حلوة في عينيكي، لأ... أنا بقولك كده عشان أنا أكتر واحد عارف وجعك وحاسس بيه... بس الوحدة وحشة أوي... عشان كده أنا جيت بطلب منك تحطي وجعك على وجعي ونداوي بعض... أنا محتاجلك... وإنتي كمان محتاجالي... جيت أطلبك من أبوكي... عاوزك زوجتي في الدنيا، وعاوزك إنتي وسما في الجنة... تقبلي... تقبلي تعافري مع قلبي وتسيبني أعافر مع قلبك... تقبلي نبني سوا حياة جديدة؟ نعوض بعض عن اللي راح، وأكون أب لابنك... قلتي إيه؟"
"ياما، مالك؟ في إيه؟"
هبت واقفة وانصرفت إلى الغرفة. تحرك جاسر نحوه ووضع يده على كتفه.
"هببت إيه؟"
"عارف بقى شكلي طينت الدنيا، كلمتها بصراحة."
هب غيث واقفا واقترب من محمود وسليم.
"ياسليم، سواء بسمة وافقت أو موافقتش، ده ملوش أي علاقة بيك إنت وعيشة، إحنا مش عيال صغيرة، ده نصيب تمام."
"سليم..."
"جاسر، ياسليم، يبقى هنستناك بعد العشا عشان تتكلم إنت كمان معاها... وربنا يتمم لكوا بخير، ممكن بقى تندهلي حور عشان عاوز أروح أنام."
هب سليم واقفا، فأعطاه غيث بعض الحلويات.
"اديهم ليحيي عشان مش شفته النهارده."
"محمود نايم."
بعد قليل ترجل الجميع إلى البيت... وما إن خطى للداخل، التقى بعيون حادة مزعجة ذكرته بحوار الصباح، زفر بقوة وألقى التحية وقال باقتضاب:
"ياعيشة، عاوزك."
قال جملته ودخل جناح حور ليغلق مجال الحوار بينه وبين عزة، فصفيرته مجهدة ولن تحتمل ضغط الآن.
"جاسر، ياعيشة."
"عائشة، إيه ياحور؟ إنتي تعبانة؟"
"حور، أنا كويسة."
"عائشة، إيه يابيه؟"
"جاسر، ياستي، إحنا كنا رايحين نطلب بسمة لغيث."
هبت واقفة وقالت بسعادة:
"جاسر، اتهدي، لما أكمل كلامي... كنا لسه هنتكلم، خرج علينا سليم من الأوضة، افتكر إن أبوه فاتحنا في كلام تاني، هو كان عايز يقوله، فدخل في الخط غلط."
"عائشة، فاهمة؟"
"حور، سليم عاوز يجوزك."
اتسعت عيناها ببلاهة جعلت جاسر وحور يتساءلان:
"إيه ياعيشة؟"
هزت رأسها بقوة.
"عاوز يتجوز مين؟"
ربت جاسر على كتفها وقال:
"عاوز يتجوزك إنتي ياعيشة، هو إحنا عندنا بنوتة غيرك؟"
قالت بغيظ منفعل:
"من إمتى ده؟ مش بيطيق يشوف وشي."
جاسر بثقة: "وافهمي اللي هقولهولك كويس... سليم بيحبك بجد... واللي كان مخليه مش عايز يتكلم إنه شايف إن مستواه المادي أقل مننا، وعلى قد ما أنا كنت مخنوق منه، على قد ما احترمت كلامه جدا... سليم راجل ومش عايز يحس إن مراته أعلى منه."
قالت بحيرة:
"قالك كده؟ بس أنا عمري ما اتنططت على حد ومش بفكر بالطريقة دي من أصله."
جاسر: "عارف، بس هو حاسس إنه هينزلك من مستوى لمستوى أقل، وهو ده اللي كان مخليه ساكت."
عائشة بحيرة: "وإيه اللي حل عقدة لسانه فجأة؟"
"حور... أصل سمعته إن اتقدم لكِ عريس... ياقلب أمي، دا سمع من هنا جاب ألوان الطيف كلها ودخل أوضته وزرزر الباب في وشي أنا وبسمة... والله ياعيشة، مش عشان هو أخويا اللي مربيني، بس بجد سليم راجل وبيحبك، وده بقي أضمن لك إنه صفحة ناصعة البياض، لسه ظبط المصنع، يعني هتشيلي التكت وتحطيه في الفيشة، هيشتغل فل."
أمسكها جاسر من ملابسها.
"اللي إنتِ بتقوليه ده؟"
انكمشت: "أنا... يعني أقصد إنه عمره ما عرف واحدة قبل كده، يعني ومش هيبص لحد."
تركها وقال بغيظ:
"وضحي كلامك يازفتة..."
زفر بقوة:
"ياعيشة، سليم جاي بكرة عاوز يكلمك في ظروفه، قبلتي يبقى تمام، رفضتي دي حريتك... روحي صلي استخارة وربنا يكتب لك الخير."
"ياابيه."
رواية عشق الحور الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم مروه شحاته
تحركت عائشة للخارج لتدخل غرفتها بشرود.
لن تنكر أن سليم استحوذ بالفعل على مشاعرها بطريقته المتجهمة الدائمة.
أحياناً كانت تفكر بكلمات غيث أنه يحبها، ثم لا تلبث أن تنفض تلك الفكرة جملة وتفصيلاً.
سليم لا يراها، وهناك المئات بل يتمنون نظرة واحدة منه.
مع بداية الدراسة بدأت ترى الصورة واضحة.
تهافت الفتيات عليه وصدّه الدائم لهن.
أحياناً تشعر بالندم لأنها أخبرته أن يشارك الفتيات، ثم تبعد الفكرة عن رأسها.
إنه فقط خشي حساب الله وكتمان العلم، ليس أنه استمع لها.
ولكن ماذا الآن؟
سليم يريد الزواج منها.
قلبها يرفرف وتكاد تقفز للأعلى، ولكن بداخلها خوف ورهبة لا تعلم سببها.
هل سيخبرها أنه يحبها؟
أنه يسهر ليلاً أمام أوراقه وأبحاثه، ظناً منه أنه يعمل، وفي النهاية يجد نفسه شارداً ليخط قلمه اسمها دون وعي، كما يحدث معها.
هل لهذا السبب كان يماطل في العملية؟
لقد تعمدت البعد عنه.
ولكن كانت تتعمد كذلك أن تكون مع مرجان عندما يقوم بالكشف عليه.
احتضنت الوسادة لتهمس:
اجمع بيني واجعلني أملك قلبه كما هو ملك قلبي.
طرق على باب غرفته جعله يعتدل جالساً.
"يا بسمة!"
فتحت الباب وقالت: "باسمك."
"عرفت منين إني أنا؟"
"خبطتك. تعالي يا بسمة."
جلست على طرف الفراش وقالت:
"جيلك نوم حيران، مش كده؟"
ابتسم: "قلقان. انتي اللي حيرانة. إيه اللي محيرك؟"
تنهدت بقوة:
"عارفة يا سليم. مش عارفة ممكن أقدر أدخل التجربة دي تاني."
"مدخلتيهاش أول مرة عشان تدخليها تاني. يا بسمة انتي اتجوزتي شهر واحد، يعني ملحقتيش تتعودي على شكل جوزك، مش الحياة الزوجية."
بسمة بدموع:
"بس حسام كان طيب، وأنا كنت بدأت أحبه فعلاً و..."
قاطعها:
"تتعودي عليه، مش تحبيه. يمكن ربنا سبحانه وتعالى مخليكيش تتعلقي بيه عشان ليكي نصيب في غيره. غيث راجل يا بسمة، هو صحيح مهرج، وكل حاجة عنده هزار."
قاطعته:
"غلبان قوي يا سليم، بيداري وجعه بالضحك. عارف وهو بيتكلم معايا، قلبي وجعني عشانه. كان بيحب مراته أوي بجنون. صعب عليه أوي وهو بيتكلم."
"مرتاحاله، مش كده؟"
"منكرش، بس..."
"متخافيش. غيث عارف ربنا. انتوا الاتنين ظرفكوا زي بعض ومحتاجين بعض يا بسمة."
"قالي كده، بس مش عارفة أطمن."
"خايفة من غيث ولا من التجربة نفسها؟"
"الاتنين. غيث غريب عني، وخايفة أتعود عليه يروح هو كمان."
"ربنا يا بسمة. محدش يعرف عمره ولا يقدر يزوده لحظة."
استغفرت وقالت:
"مقصديش، بس غصب عني خايفة."
"وربنا يطمن قلبك."
"انت شايف إني أوافق؟"
"إنك توافقي، بس الموضوع كله في إيدك. اللي انتي عاوزاه أنا في ضهرك. وعلى فكرة هو طلب يكلمك عشان أبوكي قاله إنك رافضة الجواز. ومتخليش الصلة بتاعت حور أو إن ربنا قسم لي مع عيشة ده يأثر عليكي. غيث نفسه قالي كدا قبل ما يمشي. بس قولي لي بقى انتي سبتيه ومشيتي ليه؟ ده اتصدم."
احمر وجهها وقالت بخجل:
"مش عرفت أرد. سيبك مني، انت قلقان ليه؟"
"عادي. انتي عارفة يا بسمة فرق المستوى بينا وبينهم، ومكنتش حابب... إنها تحس بفرق و..."
قاطعته:
"فكرة عيشة مش كده خالص."
"من ساعة ما عرفتها وأنا حاسة إنها واحدة مننا، زي ما تكون متربية في وسطنا. انت بتحبها صح؟ على فكرة الكل ملاحظ الحكاية دي."
هرب بعينيه منها:
"إزاي يعني؟"
لدغت خده:
"على بسمة برضه، ده انت كان ناقصك دقيقة واتقوم تضرب غيث قبل ما تعرف إنه أخوها. نظراتك."
"أنا مش ببصلها، حرام."
"يا سليم، ده انت بتاكلها بعينيك، ودا مش طبعك."
دفعها فكادت تقع وقال بغيض:
"بره، انتي إيه اللي مقعدك معايا؟"
"دست على الجرح. مش عيب عليك يا شيخ سليم يا أبو عين زايغة على عيشة، بس..."
قالت جملتها وتحركت راكضة ناحية الباب، فقال بحنق:
"برررررره يا جذمة!"
"سليم بيشتم! الله العظيم! ده انتي اللي يقعد معاكي يخسر دينه."
أشاحت بيدها وقالت:
"هروح آكل الشيكولاتة اللي جايبها غيث."
"بتاعة الواد يا طفسة!"
"مانا اللي باكلها. ده بيجيب شوية شيكولاتة إيه رهيبة."
تحرك خلفها: "ما تجيبي حتة."
"ياسلم، دي الشيكولاتة اللي جايبها ختشيبي."
ضرب كفيه:
"خطيبك عشان لوح."
"شيكولاتة!"
"ده أنا أبيعك شخصياً بلوح شيكولاتة."
أشاح بيده وقال ضاحكاً:
"يا هبلة! بت يا بسمة، هو انت متعرفيش عيشة بتحب الشيكولاتة لأ لأ؟"
"مفيش أنثى مبتحبش الشيكولاتة. يلا يا عم سلام بقى، أنا هدخل آخد يحيى في حضني وأنام."
عاد سليم ليستلقي على فراشه مرة أخرى، وعقله يرسم أحداث يوم الغد.
رواية عشق الحور الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم مروه شحاته
ترجل إلى البيت بخطوات بطيئة.
ألقى بنفسه على الأريكة وأراح رأسه للخلف.
لم يشعر بهذا الحزن من قبل. هل استعجل قراره؟
يشعر بارتياح عندما يراها. لعلها حركت جزءًا من مشاعره الميتة.
ولكن... باقي مشاعره ما زالت ملك زوجته. نعم، سما ستظل زوجته رغم غيابها.
ستظل المرأة التي أعطاها قلبه دون منازع.
كاذب هو الآن، يبحث عن امرأة تنازعه هذا القلب.
ما حقيقة مشاعره تجاه "البسمة الحزينة"؟
لماذا جذبتْه رغم أنها لا تشبه سماه بأي شيء؟
نعم، فتلك البسمة مختلفة، جملة وتفصيلاً.
سماه كانت أروع امرأة مشت على الأرض في عينيه.
جسدها الممشوق الرياضي، طولها المميز، بشرتها الخمريّة بروعتها، عيناها بلون العسل النقي، وشعرها الأسود القصير.
نعم، لقد أنهى عهدًا بحب الشعر الطويل معها.
سما لم تحب يومًا الشعر الطويل.
فتاة متحررة، منفتحة، أيقونة نشاط الجامعة.
يذكر جيدًا لقاءهما الأول. كان في عامه الثالث وهي مستجدة.
كان يجلس هو وجاسر كالعادة في كافتيريا الكلية بين المحاضرات.
عندما تحدثت إليهما:
"سمحت، فين المدرج؟"
السؤال في حد ذاته مبهم بشدة.
لذا رفع عينيه لها. توقفت ملامح وجهها.
حتى وكزه جاسر وهمس: "بصرك يا جزمة."
تنحنح بقوة وهب واقفًا.
"عاوزة مدرج إيه بالظبط؟"
"معماري تالتة."
"تعالي وأنا هوديكي."
تم التعارف، وشيئًا فشيئًا أصبح يذهب للجامعة ليرى سما وحسب.
نهرَه جاسر بشدة وأنبهه، وظل يعاتبه.
ولكن قلبه تمرد لتملكه سماه الرائعة بضحكتها المبهجة.
سما كانت ابنة ضابط بالجيش تم نقله إلى بلدهم حديثًا.
سقط في هواها، وهي بادلته الحب بجنون.
كل ما حدث بينهما كان جنونًا.
منذ اقترب منها، منذ أعلنت الحب:
"بـحبك، معرفش حبيتك إمتى وإزاي، بس بحبك."
وتعاهدًا على الزواج.
وجاء رفض أبيه كسِكّين ليشق صدره.
ما زال أمامه عام كامل حتى ينتهي.
زاد تعلقه بسماه أكثر فأكثر، حتى باتت هي محور كل شيء.
حتى آخر يوم في امتحاناته.
يومها لم يتحدث إلى عمه. ذهب مباشرة إلى زينب.
وقتَها كانت ما تزال في عنفوانها.
ولكن يعرف جيدًا أن نقطة ضعفها جاسر، وهو.
لذا أخذ جاسر معه.
"زينب، إنتوا الاتنين أكيد في كارثة."
"جاسر إيه بس يا ست الكل، في موضوع كده عاوزينك تفتحي باب فيه."
"موضوع غيث باشا عايز يتجوز، صح كده؟"
غيث فهمها وهي طارت.
"زينب بحدّة: اتكلم بأدب!"
"جاسر: فكرة، وأنا كمان عاوز أتجوز..."
زفرت بضيق. "على عزة برضه؟ عزة متنفعكش يا جاسر."
"قبل يديها: ليه مش بتحبها يا أمي؟"
"زينب: طبعها يا جاسر. طباع عزة متناسبكش."
"أنا بحبها يا أمي."
"مربوط بيها، مش بتحبها."
"غيث بحنق: جبتك يا عبد المعين... هو في إيه يا جدعان! خلّيكوا بس معايا خمسة."
"زينب: اتكلم بأسلوب كويس، ولا فاكر نفسك طولت لك حتتين هتكبر؟"
جلس أمامها وأمسك يدها ليقبلها.
"أنا عمري ما أكبر عليكي... بس أبوس إيدك هتجوز على روحي... هننحرف، يرضيكي ابنك ينحرف؟"
أمسكت أذنه وقالت بتأنيب:
"... دا على أساس إنك مش كل يوم معاها وبتتقابلوا في ورا الإسطبل؟ أنا لما بعدي، بعدي بمزاجي، ها؟"
بلع ريقه وهتف: "يا فتان."
"جاسر بصدمة: ما قلت لها حاجة... إنتي عرفتي منين يا ماما؟"
هبّت زينب واقفة وعقدت ذراعيها.
"فكرني نايمة على وداني إنتوا الاتنين... دا انتوا هتشوفوا مني أيام طين. ... فين غيث يا جاسر؟ معرفش. بريء أوي. وانت باااااا... ولابلاش."
وكز جاسر كتفه. "كده يا زفت."
"غيث بحنق: دا بقي هو أنا جاي أتجوز ولا أضرب؟"
ربّتت زينب على خده، ولكن بقوة، وقالت بتحذير:
"مش عندك أخت وعارف حدود ربنا، إزاي تعمل كده يا غيث؟"
"محصلش حاجة."
"بتكذب يا غيث، أنا شيفاك بعيني امبارح."
بلع ريقه بصعوبة.
"محصلش حاجة أوي يعني..."
"زينب: تخرس خالص... سما مش ملتزمة يا غيث. بنت متحررة زيادة عن اللزوم."
قال برجاء: "عشان خاطري، أنا بحبها أوي... دا أنا كنت بعد الأيام عشان الامتحانات تخلص... والنبي كلميلي هولاكو، ربنا يخليكي للشباب المعذب... والله أنا والغلبان دا شوية وهننحرف."
"جاسر: عن نفسك يا زفت... معلش يا ماما، كلمي بابا، بدل ما يعمل لنا مصيبة، اللي فضحني دا."
"زينب بتحذير: هقوله بس بشرط إنك تشوف تاني أوااااانت فاهم طبعًا، قبل الكتاب، لأ."
قبل يديها وقال بلهفة: "أنا هقطعها."
"يا حلو انت وهي عشان تبدأوا حياتكوا على نضافة... أنا واعية إنها مش ملتزمة... وقاهرية والحكايات دي عادي عندهم، بس إحنا مسلمين يا غيث، دينا اللي بيحكمنا... فاهم؟"
هز رأسه موافقًا.
"يا أمي."
"اتصل بأبوها وخد منه الميعاد بكرة بليل."
قفز في الهواء.
"يااااه! يعيش! يعيش!"
"جاسر: يلا هتلم علينا البيت، طب وأنا يا ماما؟"
ربّتت على كتفه.
"متقلقش، أنت لابس لابس... أبوك كلمني، هياخدك ويسافر آخر الأسبوع، وابقي خد معاك الأهبل دا."
"إنتي مش هتيجي معانا؟"
"يوم الفرح، لكن دخول بيت سهير مش هيحصل... يلابقي امشوا من وشي، صدعتوني."
وفي بوعده، ووفّت زينب بوعدها. حرَم من رؤية سماه والتنعم بدفئها بين ذراعيه حتى يوم زواجهما، الذي ترتب أن يكون بعد زفافهم بأسبوع.
فعزة أبت أن تقيم زفافها معهم. هي تريد زفافًا أسطوريًا بالإسكندرية. وسما تريد زفافها بالقاهرة حيث أهلها.
ولكن تقرر سفرهم جميعًا بعد زفاف جاسر.
هو ما كان يهمه أي شيء سوي أن يجتمع بسماه.
شوقه إليها فاق حدود التعقل. ووالدته أصرت أن يكون الكتاب يوم الزفاف.
شهرَان لا يراها، لا ينفرد بها كما تعود، لا يمسك يدها، لا يضمها إلى صدره، لا يتلمس شفتيها الصغيرتين.
كان يكتوي بنيران لا تطفئها سوى الغرق في فتنة سماه وروعتها في ثوبها المجنون الذي أطاح بعقله تمامًا.
حتى حملها بين ذراعيه وصعد غرفته في الفندق الذي حجز لهم لأسبوع.
الشوق لم يكن يكويه وحده.
كانت مميزة في كل شيء.
تبادله شوقًا بشوق.
منذ تلك الهمسة التي أطاحت به تمامًا فور أن أنزلها في الغرفة.
"أوي يا غيث، وحشتني أوي."
همسة بمبادرة رائعة.
لمسة شفاه مجنونة، ليشتعل كل شيء.
سما كانت تعرف مفاتيحه جيدًا، حفظته، وهو حفظها.
لذا كانت ليلتهما ممتعة، لينسى كل شيء.
ولا يصلي بها ركعتين البناء إلا في اليوم التالي.
أسبوع مر كلمح البصر.
أطفأ شوق سنين.
ليأتي يوم زفاف جاسر، يسافرا معًا.
للإسكندرية.
حسنًا، كان هذا أول خلاف بينهم.
سما مُصرّة أن ترتدي ثوبًا مكشوفًا مثل ثوب عزة.
"افتكر إني سيبتك تعملي اللي انتي عاوزاه يوم فرحنا، بس تفكري تنزلي بالمسخرة دي مش هيحصل، كويس."
"يا غيث، أنت عارف كويس أوي... طريقتي في لبسي ومش جديدة عليك."
"دلوقتي مراتي وشايلة اسمي، مينفعش تمشي كل واحد يبص عليكي شوية."
"يا غيث، أنا مش رايحة من أصله."
"فرح أخويا، مش هتروحي إزاي يعني؟"
أصر على نزولها، وأصرت هي على موقفها.
وفي النهاية، ردخت لِرأيه، لتنزل معه بثوب أكثر احتشامًا، ولكنه أيضًا عارٍ.
كانت معظم خلافاتهم بسبب الثياب.
ولكنه يعلم تحررها الزائد، هذا ما جذبه لها من البداية. فتاة عكس كل ما تربى عليه.
ولكن كان يعشقها بجنون.
وما كان واثقًا منه أنها أيضًا تعشقه.
والآن سيترك ذكرياتها، سيلقي كل شيء خلف ظهره، ليبدأ حياة جديدة.
لماذا هذا القرار أثار شجونه هكذا؟
لماذا أثار بداخله كل تلك المشاعر والذكريات؟
همس باختناق:
"محتاجاك أوي يا سما."
هذا كان قراره.
في التاسعة، كان يترجل من البيت.
يذهب إلى الأرض ليجمع بعض الزهور ويذهب إليها.
إلى حبيبته الراقِدة تحت هذا التراب.
منذ خطفها هذا التراب بداخله.
لم يراها.
جلس أمام شاهد قبرها.
مقابر عائلته.
هناك يرقد أباه ووالدته.
الذي لم يذكر أحدهما هنا.
يرقد أبيه أو عمه الذي قام بتربيته.
هنا عمه مراد وعمه منصور.
وفي هذا القبر ترقد حبيبته وجنينها الصغير.
مرر أصابع مرتعشة على اسمها المحفور وهمس:
"أوي يا سما، عشر سنين وإنتي سايباني لوحدي... عارفة؟ مستحملتش أجي هنا زي ما مستحملتش أدخل أوضتك وأشوف. سريرك وفرشتك وهدومك... أنا مش عارف أنا بتصرف صح ولا غلط. بس كمان مش عارف إشمعنى هي اللي شفتها وقدرت أحس بوجعها. يمكن عشان شبهي، وجعنا زي بعضه. بس هي وجعها قريب. مش عارف ليه هي بالذات اللي حركت حاجة جوايا. ولا عارف إيه اللي اتحرك. بس أنا عارف إنك مستنياني، انتي وابننا. عارفة لو شفتي يحيى هتحبيه أوي. أنا تعبان أوي يا سما. مش عارف. أنا آسف... آسف أوي. بس معنتش قادر أعيش لوحدي... الوحدة وحشة أوي. عارفة يمكن تكون أول واحدة تحرك حاجة جوايا، بس مش زيك. أنا عارف إنك زعلانة مني عشان من ساعة ما رجعت مش شفتكِ ولا مرة. استكترتي عليّ حتى الحلم؟ عمرك ما كنتِ بخيلة يا سما. عارفة بسمة عكسك في كل حاجة. بنوتة صغيرة، قلبها مكسور. يمكن دا اللي شدني ليها. حزنها، كسرتها، فكرتني بنفسي وأنا مقهور عليكي. عارفة أنا من امبارح مش عارف أنام. مش عارف حاسس بالذنب ولا خايف. خايف أفشل في التجربة اللي حطيت نفسي فيها. خايف أكون فسرت الصورة غلط. مش عاوز أظلمها. وفي نفس الوقت مش عاوز أتسلى عنها. أو يمكن خايف إنها متوفقش. بس اللي فهمته إنها مكنتش بتحب جوزها. اتجوزت جواز صالونات وجوزها مات بعد شهر بس، ساب لها يحيى. بس هي ملحقتش تحبه، أو يمكن تكون حبيته. عشان كده كانت بتروح كل يوم تعيش وسط ذكرياتها معاه. عارفة ساعات بحسها أقوى مني، مهربتش زي ما أنا عملت. بالعكس. عارفة يوم ما عم محمود قال لها إنه هيأجر بيتها، انهارت. كانت صعبة عليا أوي، كان نفسي آخدها في حضني وأطبطب عليها. هو أنا كنت بروح كل يوم ليه؟ عشان أشوف عم محمود ويحيى، ولا عشان أشوفها صدفة وهي بتعدي؟ هو أنا حبيتها يا سما؟ تفتكري ممكن واحدة غيرك تاخد مكانك في قلبي؟"
أسند ظهره إلى الشاهد، ليريح رأسه للأعلى ويترك العنان لدموعه، وكأن حبيبته رحلت الآن.
ستخرج من حياته للابد.
ألم الفراق لن يستطيع أن يحدث.
صورتها. صورتها يقص عليها يومه كما اعتاد طوال عشر سنوات.
هل قلبه خائن لم يفِ بالعهد؟ كان غارقًا بأحزانه، ولكنه لم يعلم أن هناك عيونًا خضراء باكية تشاركه دموعه الحزينة. للمرة الثانية تشعر بقلبها يؤلمها من أجله. تشعر بمدى ألمه وافتقاده لحبيبته التي حُرم منها، كما حُرمت هي من زوجها. لعل ألمها أخف وطأة من ألمه. هو كان عاشقًا، وهي كانت زوجة وحسب، حتى أنها لم تعتد على تلك الصفة.
ترى، هل جاء يودعها كما فعلت هي؟ لقد قررت خوض التجربة من أجل يحيي، أو من أجل نفسها. لعلها أحبت شخصيته المرحة، لم تعتقد أبدًا أن خلفه كل هذا القدر من الحزن. لن تنكر، لقد أحبت حزنه، وفاءه، عشقه لزوجته الراحلة. انتبهت إلى يحيي الذي يجذب يدها.
تنهدت بقوة. ما ذنب طفل كهذا ليُمكث بالمقابر؟ تنهدت بقوة.
"يا يحيي، قول لبابا باي."
"... أوبح بمه."
رفعت الصغير بين ذراعيها وكادت تتحرك، ولكن الصغير للأسف رآه. وفي لحظة، كان ينفلت منها ليجري نحوه.
"بيبي!"
تحركت بسرعة حتى تمسك بهذا المشاغب. ما كان يجب أن يراه، ولكن توقفت قدماها لتراه. وكأنه كان يحتاج للصغير لينتشله من بئر حزنه. احتضنه، والغريب أن الصغير وكأنه يشعر به، ضم رأسه وربت على كتفه وبكى. رفع رأسه وقال:
"بتعيط ليه دلوقت؟"
مط الصغير شفته ومسح بيده وجه غيث.
"عيط يحيي، عيط."
تنهد بقوة ومسح وجهه.
"مش بعيط أهوه... انت جيت هنا إزاي؟"
"... عيط بابا."
هب واقفًا وقال:
"تعالى، زمانها قلبه عليك. الدنيا يحيي، حلو، مش يسيب إيد ماما تاني، ماشي؟"
تعلق الصغير بعنقه وقال:
"حب غيث دنيا كولها."
"كمان بحبك أوي يا يحيي."
تقدمت بسمة خطوات حتى ظهرت، ليقف هو. خفضت بصرها.
"آسفة، بس هو شافك طلع يجري، معرفتش أوقفه..."
قبل خد يحيي.
"يحيي ديما بيجي في وقته... انتي هنا لوحدك؟"
"يحيي."
رفع وجهه لينظر لعيناها التي ماتزال عليها آثار الدموع. قال:
"تيجي هنا لوحدك تاني؟ المقابر على طرف البلد ومش أمان إنك تمشي لوحدك جواها."
هزت كتفها.
"أول مرة أجي هنا لوحدي، بس سليم ملبوخ ويونس في الكلية، وعلى كل أنا كنت ماشية. يلا يا يحيي."
"أنا هوصلكوا."
"معلش، مينفعش طبعًا."
تقدم خطوتين فصار في مواجهتها.
"بقى... دا أنا حتى في مقام خطيبك."
"لو كنت مينفعش برضه. أمشي معاك عن إذنك، عشان مينفعش كمان الوقفة دي. يلا يا يحيي، قلت."
"بمن ديده."
فرك شعره وقال:
"بسمة بتحب يحيي."
"طب اتفضلي، وأنا همشي وراكي لحد ما تطلعي بره وأطمن إنك ركبتي."
تنهدت بقوة.
"اتفضل حضرتك الأول، وأنا همشي وراك."
"ليه كده؟ حتى السيدات أولاً."
"عند المسلمين الكلام ده."
ورغمًا عنه، ابتسم بإعجاب لتلك الجميلة. تحرك خطوتين ليقول:
"تقرري، ولا محتاجة وقت تفكري؟"
"دخلت البيت واتكلمت مع رجالة، وأكيد هما هيبلغوك القرار."
تلك البسمة تصر على إثارة إعجابه بها، بعقلها، اتزانها.
"ممكن أسألك سؤال؟"
"بتعملي إيه هنا؟"
طال صمتها ليتوقف ويلتف.
"ولا مش عاوزة تردي؟"
"إذنك."
قالت جملتها لترفع يحيي وتوقف أول سيارة مارّة لتركبها وتنطلق.
"غريبة أوي... بس الغريب إني معجب أوي بغرابتك دي... حببها، يمكن عشان متدينة بزيادة، بس جيتيلي في وقتك فعلاً." تنهد بقوة ليركب سيارته وينطلق للبيت.
رواية عشق الحور الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم مروه شحاته
توقفت قدماه ليلتف إلى عزة التي تهبط الدرج.
توجهت نحوه لتقف أمامه.
"أنا عاوزاك."
"بنا كلام مخلصش، استنيتك إمبارح بس أنت مأجتش."
"وقته يا عزة، أنا عندي شغل ومشغول."
قالت بحدة:
"مش ملاحظ إنك بقيت مشغول عني أنا وبس؟"
"عاوزة إيه يا عزة؟"
عقدت ذراعيها:
"حقي فيك ولا معدليش حق خلاص؟"
ربت على خدها:
"يا عزة، إنك أنتِ اللي اتخليتي عن الحق ده."
قالت بغيظ:
"يبقى ده جزائي إني فكرت فيك ومفكرتش في نفسي وبس... جزائي إني قولتلك اتجوز عشان يبقى لك طفل... تنبهر بحتة عيلة صغيرة وتهجرني بالشكل ده."
ابتسم بسخرية:
"جديدة أوي النغمة دي... على فكرة أنا مش بتكلم على الجواز... أنا بتكلم على اللي أنتِ قولتيه، ولا نسيتي إنك قلتي إني مبيهمنيش إلا السرير وإنك يا حرام بتستحملي ده."
"عاوزة أغايظك وبس عشان أنت ضحكت عليّ وفهمتني إنك هتكتب لي الجنينة."
"وعدتك بحاجة؟"
"بس قلت هتفكر... وأنت عمرك ما كذبت عليّ."
نظرت إليه بشك:
"إيه يعني؟"
"يا عزة، أنتِ عاوزة إيه دلوقتي؟"
"أقعد وأتكلم معاك، تخرجني زي زمان، نروح نسهر بره شوية، اتخنقت من القعدة في أربع حيطان... إيه كتير عليّ دا كمان؟"
"مش كتير ولا حاجة، بس يا ترى وراه إيه؟"
قالت بعصبية:
"إيه وراه إيه؟ هو أنا لازم أقرب منك بسبب؟"
هز كتفه:
"منك على كده."
"بقي حتى التفاهم معاك صعب جدا."
"إيه، عاوزة تطلقي؟ أنا معنديش مانع."
حدقت بوجهه بصدمة:
"معنتش فارقة معاك؟"
"بالظبط، مانا مش فارق معاكي."
"أنتِ بنت عمي وأمانته ليه قبل ما يموت، هاتي آخرك يا عزة عشان أنا زهقت."
"بقت كده يا جاسر؟ أوكي، بس متنساش أنا عزة الراوي."
"دي الحاجة الوحيدة اللي مش ممكن أنساها يا بنت الراوي... صدقيني، العبي على المكشوف تكسب... هتلفي وتدوري... مش عاوز أقولك ممكن أعمل إيه."
"إيه بكلامك دا؟"
"فهمتيه، وابقي سلميلي على أمك. سلام."
خرج جاسر من البيت. لقد سئم من كل شيء، من وجودها، حديثها، تلاعبها. ولكنه واثق من شيء واحد فقط، أن عزة ستنفذ مخططها عما قريب. كان في سبيله للوصول لسيارته عندما رأى سيارة غيث تعبر البوابة.
أوقفها الأخير، قال بدهشة:
"إنت إيه اللي مبهدلك كده؟"
تنهد بقوة:
"حاجة، كنت محتاج بس أتكلم مع سما."
ربت على كتفه:
"إن دخول واحدة في حياتك بعد الوقت ده كله صعب عليك، بس لازم تعيش حياتك يا غيث."
قال بألم:
"أوي أنساها، وخايف أوي متوفقش... عارف عينيها كانت بتقول إني صعبان عليها، مش نظرة حب يا جاسر."
"غيث، بتتكلم على مين بالظبط؟ خايف تنسي مين؟ وشوفت إيه في عينين مين؟ أنا مش فاهم حاجة."
قص عليه ذهابه للمقابر ثم رؤية بسمة. قال:
"كده فهمت. وأنت بقى متخيل إن واحدة زي بسمة هتقف تتكلم معاك وتفتح مواضيع وكده؟"
"حتى مسألتش."
"مش من حقها، زي ما مش من حقك تسأل سؤال زي ده... غيث، بسمة غير سما... سما كانت متحررة زيادة عن اللزوم... لكن بسمة برغم إنها خريجة جامعة برضه، بس لسه عندها الخجل الفطري... بسمة ملتزمة بالدين جدا، دي تربية عمك محمود وأخوه اللي هو أبو حور... وده بقى كان أسوأ من سليم... يعني شغل الهبل اللي كان بيحصل مع سما تنساه خالص، حتى لو وفقت... اتقي الله فيها عشان ربنا يحفظ لك عليها، فاهمني؟"
تنهد بقوة:
"هتوافق."
"أنا شايفة إنها هتوافق، وليك عليّ أروح آخد حور من المحاضرة وأخليها تجس النبض وكده كده أبوها وسليم جايين بليل."
"عم محمود هيجي مع سليم؟"
"ادخل خد لك شور سخن وغير هدومك دي، وابقي حصلني. أنا اتصلت بعلاء وقالي هيرجع النهارده بليل."
"كويس، ده بقاله شهر مسافر. معرفتش حكاية إيناس؟"
"بيهرب بس خلاص، عزة بتجيب آخرها معايا... وقريب أوي هكشفها."
"عارف. لسه أفضّي دماغي بس من حكايتك أنت وعيشة وأفوق لها."
"حاجة من الألْماظ."
"بس بتحاول تعمل المستحيل عشان أروح لعندها... على العموم، أنا رايح دلوقتي الشغل، هتمم على المكن وهكون هنا على المغرب."
"هدخل أنام ساعتين وبعدين أجلك."
"فكرت لو بسمة وفقت هتتجوز فين؟"
"في بيتي."
"آآآآه، هتغير حاجات سما، هتفرش على ذوق بسمة."
حدق في وجهه للحظة:
"عارف. هقدر أشيل حجتها. ده أنا مش قادر أدخل الأوضة بتاعتنا يا جاسر."
"بيداوي ويلم... اسأل أخوك."
"أنا بحبها فعلا."
"خايف ليه متوفقش؟ شوف، أنا عارف إنك كنت بتحب سما، بس حبك كان طايش مجنون. أنت دلوقتي في عمر تاني، محتاج حب من نوع تاني، ودا اللي هتحسه مع بسمة... بسمة برغم إنها مخلفة بس تعتبر متجوزتش، يعني هي كمان هتبقى خايفة."
"كنت شفتها النهارده مكنتش قلت كده... أنا تعبان أوي يا جاسر، عارف نفسي آخد الواد يحيي في حضني وأنام."
"ولا أم يحيي؟"
"يا جاسر، من وشي أنا غلطان إني واقف أتكلم معاك. أنا هروح أتخمد."
تحرك جاسر ليهمهم غيث:
"وأمه أكيد. ولو أمه لوحدها يبقى كويس. أوبس، أنا بدأت مرحلة الانحراف... يا ترى ست بسمة شعرها لونه إيه؟ أسود زي شعر سما؟ وقصير؟ لأ مش هيليق عليها الأسود، برغم إني مشوفتهاش بغيره... ممكن يكون لون شعر الواد يحيي أشقر... اممم، شكلي انحرفت خلاص. ياهيست من قلة النوم، أنا أروح أنام أحسن."
رواية عشق الحور الفصل الأربعون 40 - بقلم مروه شحاته
ترجل جاسر من سيارته أمام بوابة الجامعة لينتظر حور الصغيرة ككل يوم. تذهب صباحًا مع يونس، ويقلها هو إلى البيت، لعله يتخذها حماية من عزة. ابتسم، لقد تبدل حاله منذ دخول حور ببراءتها وعشقها لحياته.
"عليكم."
التفت إلى الشاب الواقف أمامه.
"السلام خير."
"عمر المهدي، معيد وبيدرس للفرقة الأولى. وفي الحقيقة كنت عاوز رقمك، أجيب ولدي وأزور حضرتك في البيت."
عقد جاسر ذراعيه وقال: "أنا في البيت، طب ممكن أعرف السبب؟"
"الحقيقة أنا كنت عاوز أطلب إيد الآنسة حور."
هو بطبعه ليس بالرجل المتهور العنيف، ولكن للحظة لم يدركها، وجد قبضته تضرب هذا الأحمق ليرفعه من ملابسه ويقول بغضب: "جزاء اللي يطلب واحدة من جوزها."
اجتمع الناس حولهم، معظمهم من الطلبة، ثم سمع صوتها: "في إيه؟"
ليترك هذا المتطفل ليسقط أرضًا.
وبلا وعي يسحبها من ذراعها خلفه لينطلق بالسيارة دون كلمة واحدة. تجاهل كلماتها. اللعنة على ملابسها المتسعة التي تخفي أطفاله عن عيون عزة، واللعنة على عزة، وألف ألف لعنة على هذا المتطفل الذي أخرجه عن وقاره وجعله يفقد كل أعصابه. وصل إلى البيت ليسحبها خلفه إلى غرفتها أمام أعين الجميع. عائشة وعزة، أغلق الباب بقوة وقال بغضب: "مش معرفة حد في الجامعة إنك متجوزة."
قالت بخوف: "ممكن تهدى شوية، أنا ملييش صحاب وأنت عارف."
رفع يده وقال بغضب راعد: "فين يا ست هانم؟ ولا أنتي عاوزاهم يقولوا مش متجوزة، وأتلقى واحد غبي جاي يخطبك مني؟"
سقطت دموعها وقالت باختناق: "مش عاوزة حد يقول حاجة، والدبلة ضاقت عليا شوية... عشان الحمل."
فتحت أزرار ثوبها لتظهر دبلتها بجوار حرفها وحرفه معلقة برقبتها.
"أنا مش بقلعها من رقبتي لحد ما أولد."
بلع ريقه بصعوبة. تلك الحمقاء قادرة على إشعاله بلحظة. اقتربت وقالت: "آسفة، بس أنا معملتش حاجة عشان تزعل مني."
زفر بقوة: "آسف، حقك عليا... محسيتش بنفسي وهو جاي يقولي أطلب إيد الآنسة حور... أنتي بتاعتي أنا وبس، أنتي فاهمة؟"
تعلقت بعنقه وهمست: "هكون غير لجاسر بتاعي وبس... عارف أنا فرحانة أوي، أصل أول مرة أحس إنك بتغير عليا بجد. عش..."
لن يحتمل، لن يستمع. هو يريدها وحسب. يلتهم شفتيها، يعتصر جسدها إليه... يطبع علامات ملكيته على رقبتها بجوار سلسالها المميز.
"بتاعتي أنا، بعشقك يا حور. عارف يعني إيه عشق؟ يعني بتنفسك، مبحسش إني حي إلا أما خدك في حضني."
تأوهاتها الناعمة ممتزجة بهمسة العاشق... إنها ملكه، ملكيته الخاصة جدًا. يريد وشمها بوشمه الأزلي. احتجازها على صدره لا يراها غيره. تلك المعتوهة التي لا تفهم مقدار غيرته عليها. يغار من كل شيء وأي شيء. والدته وعائشة وغيث، من يونس وسليم، وبسمة ووالدتها وعمها. إنه يغار حتى من فرسه الأدهم أن يئن لها. نعم، يغار. شدها بين ذراعيه ليبعد تلك الخصلات الملتصقة بجبهتها الحارة ويهمس:
"بغير... لا نقصان ولا ضعفان ولا مسطول ولا سكران."
"ولا زيغ من عيني الضي."
"ولا حد أحسن مني في شيء، بس بغير."
"واللي يقول لك غيره الراجل قلة ثقة أو قلة فهم... خلق حمير."
قبل كفها الصغير على قلبه: "الراجل ناااار في مراجل."
"نار بتنور مبتحرقش... إحنا صعيدة، شمسنا حامية وطبعنا حامي وعرقنا حامي."
"واللي تحب صعيدي يبقي..."
همست: "...اللي يعشقها جاسر يبقى يابختها... هتبقي ملكت الكون كله بنظرة عشق حلوة في عينيه. حور مبتشوفش غير جاسر وبس، عشان هو مالي دنيتها كلها. غيره العشق مجنونة وأنا بعشق... وبغير بجنون. أنا بس عشان بلبس هدوم واسعة زيادة عن اللزوم محدش ملاحظ بطني... بس والله أنا ما اتكلمت مع حد ولا..."
وضع أصابعه على شفتيها: "ومتاكدة وبثق في حوريتي جدا، بس غصب عني. مستحملتش. عارفة ساعات بحس إني ظلمتك لما اتجوزتك. أنتي لسه صغيرة أوي، من حقك تعيشي سنك، تتنططي وتجري زي باقي البنات، تعيشي حب مجنون و..."
ارتفعت لتلامس شفتيه بشفتيها وهمست: "بعيش عمر بحاله في حضنك، مش عاوزة غير حبك وبس. يكفيني عن الدنيا كلها."
أبعد خصلات شعرها لخلف أذنها: "عمرك ماهتندمي."
نظرت بعينيه الحائرتين وهمست: "بتحبني بجد؟"
"مش بحبك بس..."
"بتحبني؟ مش هتقول كده عشان هتبقى متأكد إن أنا بعيش معاك كل حاجة. كل لحظة في عمري بقرب منك هي عمر بحاله."
أمسكت يده ووضعتها على بطنها وقالت: "يشهدوا عليا وعليك."
ابتسم ليتحسس بطنها المنتفخ ويقول: "أنا بعشقهم من غير ما أشوفهم عشان هما حتة منك."
اعتدلت في مواجهته وقالت بجدية: "بقي من اللي حصل وفهمني أنت فيك إيه؟"
نظر ببندقه اللامع وقال: "إيه؟ مانا كويس أهوه، ولولا الغبي اللي حرق دمي ده كنت خدتك ورحنا البيت عشان تجسي نبض بسمة عشان غيث قلقان."
"كلمتني الصبح وأنا رايحة الكلية قبل ما تروح لحسام عشان تودعه، هي موافقة، بس متقولش لغيث، بابا اللي هيقوله، عشان كده هييجي مع سليم. بس مش هو ده اللي فيك، عنيك فيها خوف وقلق من إيه؟"
ضمها إلى صدره، الصغيرة تقرأه ككتاب مفتوح. تنهد بقوة، فقالت: "مش كده؟"
"خلاص، بتجيب آخرها يا حور. أنا عارف هي عاوزاني ليه، تطلع عندي. عاوزة تاخد مفاتيح المكتب، معنتش عارف أعمل إيه... قلقان منها، وخايف عليكي وعلى اللي في بطنك. مش عارف يا حور."
تنهدت بقوة ورفعت الأغطية حتى رقبتها لتعتدل: "عارفة إنك مش عاوز تطلع لها علشاني... بس كمان أنا ميرضنيش تفضل حيران ومضغوط بالشكل ده."
ابتسم وسحبها لتستلقي ومال عليها: "أطلع لها وأشوف هتعمل إيه."
"قدمنا حل تاني. جاسر، أنا مش عيلة صغيرة، أنا حاسة بيك وعارفة كويس أوي إنك بتهرب من المواجهة، مش عاوز تتأكد. زي ما أنا عارفة كمان إنك معنتش بتحبها، بس مكرهتهاش. وعارفة إنك مش عايز تكرهها، صعبانة عليك العشرة. ومش بطلب منك تكرهها ولا حتى تطلقها. أياً كان دي بنت عمك، قبل ما تكون مراتك. أيوه قلبي بيوجعني وبغير، بس بديك مليون عذر."
"ومتنساش اللي في دمنا كلها ظنون مينفعش نحكم بيها. بس اطمن، حتى لو اتأكدت وحبيت تسيبها على ذمتك أنا مش هعترض."
منفعل لدرجة أدمعت عيناه الصغيرة، تخرج ما بداخله بسلاستها المعهودة، تخرج ما لم يستطع هو مواجهة به نفسه. محقة بكل ما قالته.
احتضنت خده وأكملت: "أوي إني بقيت متأكدة إن قلب جاسر ليا لوحدي."
مسح وجهه بيدها وهمس بانفعال: "إيه بالظبط؟ حور؟ ولا ملك من مليكة الجنة ربنا نزلها الأرض عشاني؟ إزاي بتقدري تخرجي من جوايا اللي أنا مش عارف أخرجه؟"
"إنت قلبي، بحس باللي بتحس بيه."
ابتسم وتلمس شفتيها وهمس: "قلبك حاسس بإيه دلوقتي؟"
تعلقت بعنقه وهمست: "حاسس إن حبيبي عاوز يلعب بالعروسة بتاعته، بس بالراحة لعيالك، مرمطني معاهم."
نظر في عينيها وانفجر ضاحكًا ليدغ خدها: "يا عروستي."
نعم، غارق حتى أذنيه في جنته التي تصنعها صغيرة ضئيلة تبنيها وتشيدها حوله، لينفصل عن كل شيء، حتى عن أفكاره وآلامه، ويبقى فقط هي... واكفيني.