تحميل رواية «عشق الفيروز "لا تظلمني"» PDF
بقلم ولاء رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كيف حبيبي تكون عشقي وعذابي؟ كيف تكون لي القاضي وجلادي؟ ياليتني كنت قطرة مياه في بحر هادي، كنت حينها لن أعرفك ولا أعشقك ولن كان عشقك احتل عرش حياتي. بداخل دار القضاء العالي، وفي إحدى قاعات المحكمة، ينادي الحاجب بصوت قوي: "محكمة!" ليدلف القاضي والمستشارون الذين معه. وهي كانت تنظر بعينيها التي تحولت من لون البحر إلى لون الدم من كثرة البكاء من الظلم والقسوة، فتمسك بيديها قضبان القفص الحديدي التي بداخله داعية ربها أن ينجدها من هذا البلاء كما أنجد يوسف عليه السلام من غياهب السجن، تنتظر حكم القاضي وكأن...
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم ولاء رفعت
دلفت إلى المرحاض وكان شاغرًا. قامت بغسل يديها من أثر المساحيق، واغترفت بكفيها المياه لتضعها على وجهها وهي مغمضة العينين. سمعت صوت فتح باب المرحاض لترفع وجهها في المرآة لترى انعكاس صورته.
شهقت بفزع واتسعت حدقتاها، فالتفتت إليه ترمقه بنظرات غاضبة وحادة: "أنت بتعمل إيه هنا؟"
"وحشتيني." قالها بيبرس بنبرة هادئة.
رمقته بسخط وقالت: "أمشي من هنا بدل ما أصوت والسكيورتي والبوليس ييجوا ياخدوك." قالتها بتهديد.
ابتسم بهدوء وقال بمكر: "نادي السكيورتي والبوليس براحتك، بس يا ترى هتقوليلهم إيه؟ ولا هتعملي محضر بأنهي اسم ليكي؟ روزلين! ولا فيروز!" قالها وهو يقترب منها.
"عارف لو قربت مني خطوة هموتك." قالتها وهي تمسك بمنفضة سجائر معدنية.
التفت خلفه عندما طُرق باب المرحاض وسمع صوت إدارة المقبض الذي أوصده من الداخل.
"فيروز، أنتي بالداخل؟" قالتها عائشة التي تقف بالخارج.
أشار بيبرس لفيروز بتحذير.
قالت: "أيوة يا عائشة، أنا جاية حالًا."
عائشة: "وشنو (ليه) تأخرتي؟ خلعتيني (خوفتيني) عليكي بزاف... مسيو فارس قلقان عليكي بالخارج." قالتها ليدخل على مسمع بيبرس اسم فارس وضيق عينيه.
فيروز وهي تنظر لبيبرس بتوجس فقالت: "روحي طمنيه وأنا جاية."
عائشة: "أوك." قالتها لتبتعد خطواتها.
بيبرس: "هو فارس ده يبقى فارس الشامي؟"
فيروز وقد شعرت بشيء ما: "وأنت مالك؟"
اقترب منها والغضب يسيطر على ملامحه فأمسكها من معصمها بعنف لتسقط من يدها المنفضة وقال: "أنا لما أسألك تجاوبي على طول."
"آآآه أيدي." قالتها ليظهر على وجهها علامات الألم. ترك معصمها وزفر بضيق.
وقال وهو يرفع كفيه باستسلام: "معلش أنا آسف، بس طريقتك اللي استفزتني. يا ريت تجاوبيني بسرعة، صاحبتك تقصد فارس الشامي؟"
فيروز: "آه، في حاجة؟"
تغيرت ملامحه إلى الخوف والقلق: "فيروز، لازم تمشي حالًا وتسافري على مصر."
فيروز: "وأنت مالك، أسافر ولا ما أسافرش."
بيبرس: "فيروز، لازم تسافري ومش بهزر، حياتك في خطر."
فيروز: "يعني سيبتلكوا البلد وجاي ورايا، عايز مني إيه؟ لو اللي اسمه شوقي ده بعتك ليا، قولوا ينساني ويشيلني من دماغه."
بيبرس وهو يحاول أن يكظم غضبه: "بصي، مفيش وقت إني أشرحلك. باختصار، روزلين اللي أنتي عاملة نفسك هي اتقتلت على إيد أكبر رئيس عصابة مافيا ورجالته هنا في فرنسا كتير. وطبعًا زمان يوري شافك في التليفزيون وأمر رجاله يا يخطفوكي عشان يتأكد إنك هي ولا لأ، أو يقتلك ويخلص عليكي."
فيروز بعدم تصديق: "كذاب... روزلين ما اتقتلتش، هي اختفت من سنتين وأخوها بنفسه اللي قايلي كده."
بيبرس: "أخوها ما يعرفش حاجة، كل اللي يعرفه إنها اختفت بس، ومحدش يعرف إنها اتقتلت غيري أنا وحد تاني. أرجوكي اسمعي اللي بقولك عليه، مفيش وقت."
في أثناء انشغاله بالحديث معها، دفعته ليرجع للخلف وكاد يتعثر، وفي لحظة التقطت المنفضة المعدنية لتهم بضربها في رأسه. أسرع بمسك معصميها لتركله بركبتها في منطقة أسفل الحزام ليتركها ويتأوه. ركضت مسرعة تفتح الباب وغادرت تبحث عن فارس وعائشة.
في الخارج كانت إيميلي تبحث عن بيبرس في الأرجاء حتى اصطدمت برجل ضخم البنية. وكادت تعتذر له لتتسع حدقتاها عندما رأت على يده الوشم الخاص وكان عبارة عن جمجمة يخرج من إحدى عينيها ثعبان ملتف حولها. رمقها الرجل بنظرات مرعبة، ركضت من أمامه لتختبئ في مكان بعيد عنه وأخرجت هاتفها وقامت بالاتصال على بيبرس.
"هيا أجب أرجوك، لا وقت سيقتلونك أيها الأحمق." قالتها إيميلي وهي تزفر بغضب. لم يجب فأعادت الاتصال مرة أخرى لتأتي لها رسالة صوتية أن الهاتف غير متاح بالفرنسية.
بينما لدى فارس وعائشة، أخيرًا عثرت عليهم فيروز التي تلهث وتلتقط أنفاسها بصعوبة.
فيروز: "يلا نمشي بسرعة من هنا."
فارس بقلق واقتضاب: "شو فيه؟ ليش خايفة ومذعورة هيك؟"
فيروز: "هقولك بعدين بس أرجوك يلا نمشي." قالتها لتمسك بيده فأوقفها لتلتفت إليه وقال: "بدي أفهم شو اللي صار."
فيروز: "مفي..." لم تكمل لتتسع حدقتاها بذعر عندما رأت القادم نحوهم والشر يتطاير من عينيه ليلتفت فارس خلفه ليرى.
"بيبرس!!!!" قالها فارس لتلتقي عينيه بعين بيبرس. ترك يدها واتجه صوبه عازمًا على أمر ما.
عائشة: "يا ربي أشنو واقع؟ فهمني فيروز."
فيروز لم تجب وركضت خلف فارس.
"فاااارس، استنى." قالتها فيروز.
هجم فارس على بيبرس وأمسكه من تلابيب سترته: "شو بدك منها؟ اتركها، مو هي حبيبتك... حبيبتك اختفت يا أجدب."
بيبرس: "فارس، ابعد عني دلوقت، فيروز في خطر ولازم تمشي من هنا حالًا."
قام فارس بتوجيه لكمة في وجهه وهو يقول: "مو مكفيك المصايب اللي صارت لشقيقتي بسببك."
بيبرس بغضب وأمسك بقميص فارس: "عارف أنا لولا مش فاضي لك دلوقت كنت علمتك الأدب." قالها ليدفعه من أمامه تاركًا إياه وجذب فيروز من يدها ويسحبها خلفه وهو يقول: "وأنِتِ حسابك معايا بعدين."
ذهب فارس خلفه ليجذبه من ذراعه ويوجه إليه لكمات متتالية ويصيح فيه: "أنا اللي بفرجيك يا واطي... اترك إيدها."
اشتد حنق الآخر ليرد له الضربات وأخذ يتعاركان في ساحة فارغة من الحاضرين.
فيروز بصياح: "عائشة، روحي نادي السكيورتي." قالتها لتركض عائشة وتفعل ما أمرتها به فيروز.
ذلك كان تحت أعين ذلك الرجل التي اصطدمت به إيميلي ليقول في السماعة اللاسلكية التي بأذنه: "سيد يوري، لقد وجدناها هي وهو. Maître Yuri, Nous avons trouvé que c'est."
ليجيب عليه الآخر: "Allez-y et faites ce que je vous ai commandé mais la fille l'a enlevée." هيا نفذ ما أمرتكم به لكن الفتاة قم بخطفها.
الرجل: "Votre commande est monsieur أمرك سيدي."
قالها ليرفع سلاحه صوب اللذين يتعاركان معًا. وفي نفس التوقيت وصلت إيميلي التي تركض نحو فارس وهي تصرخ.
"فااااااااااااااااااارس، ابتعد..."
انطلقت الرصاصة نحو هدف لتصيب هدفًا آخر لتصرخ فيروز. توقف فارس بمكانه تتسع عينيه بذعر. يجثو بيبرس على الأرض.
جاءت الشرطة لينتشر الرجال بالمكان ويقول إحداهم: "Restez à votre place et personne ne bougera." قفوا في أماكنكم ولا يتحرك أحد. "Sinon je vais tirer." وإلا سأطلق الرصاص.
كان المشهد كما يلي: تم القبض على الرجل الذي لم يلحق أن يلوذ بالفرار. فيروز تضع يدها على فمها مما تراه. بيبرس كالمتجمد في مكانه. فارس يجثو على ركبتيه وبين ذراعيه إيميلي التي اخترقتها الرصاصة من الظهر لتستقر في جسدها الذي هوى.
قالت بصوت وتلتقط أنفاسها بصعوبة بين كل كلمة: "فارس... أريد... أخبرك... شيئًا... يوري... قتل... شقيقتك... لينتقم... من بيبرس... إنه... يعتقد هو المسؤول... عن... مقتل... والدتي... في حادث صحيفة شارلي إبدو منذ ثلاث سنوات... كانت تعمل هناك..." صمتت وهي تشهق وانتابها السعال.
كان يستمع إلى كلماتها وتمنى أنه في كابوس وليس حقيقة.
"كلمة أخيرة فارس... أنا أحبك... وعندما ابتعدت عنك من قبل ذلك خوفًا عليك من أبي الذي أكرهه... والآن أتمنى أنه يفرح من كل قلبه كما قتل رصاصه الكثير من الأبرياء... قتل أيضًا ابنته الوحيدة."
فارس وقلبه يعتصر ألمًا: "بيكفي إيميلي، راح تعيشي... خليكي قوية."
ابتسمت له... أغمضت عينيها... فقدت الوعي.
جاءت سيارة الإسعاف ليأخذ الممرضون إيميلي على السرير المتنقل. أخذت الشرطة فارس وبيبرس وفيروز حيث يدلون بشهادتهم على الحادث المسجل على الكاميرات.
يجلس على الشاطئ، يبني قصرًا من الرمال ويتأمله بعد الانتهاء منه. جاءت من خلفه تضع كفيها على عينيه.
"كل ده غياب؟ أنا زعلان منك." قالها صقر بنبرة هادئة.
"خلاص، أنا جيتلك بنفسي أهو عشان أقولك وحشتني أوي يا حبيبي... لسه زعلان بقى؟!" قالتها فيروز وهي تحاوط عنقه بذراعيها.
ابتسم وقال: "لأ مش زعلان... تعرفي وحشني حضنك أوي، حاسس كأني طفل تايه من غيرك."
قامت بمعانقته بحب وحنان: "أنا مش هبعد عنك تاني لأن اكتشفت مفيش حياة من غيرك."
صقر: "آسف حبيبتي... آسف على كل لحظة ألم عيشتيهالك... آسف على كل كلمة جارحة قولتهالك... آسف على كل دمعة حزن نزلتهالك."
ضحكت وتعالت ضحكاتها بدلال وقالت: "إيه ده، إحنا بقينا نقول شعر؟" قالتها بسخرية مازحة.
رفع حاجبه وقال: "أنا حاسس بتريقة في كلامك."
أخذت رمالًا مبتلة بكفيها ووضعتها على وجنتيه وهي ما زالت تضحك: "واحشني شكلك وأنت متعصب يا حبيبي."
"أنتي قد الحركة دي؟!" قالها صقر.
نهضت لتبتعد من أمامه وأومأت برأسها: "أنا قد أي حركة." قالتها ثم قامت بهدم قصر الرمال بقدميها.
"يخربيتك، القصر بقالي ساعة أعمل فيه وأنتي تهديه... طيييب، أنتي اللي جبتيه لنفسك." قالها ونهض ليركض خلفها.
لم يكن أمامها سوى أن تجري بداخل البحر، وذهب خلفها ليلاحقها وكاد يمسكها ليجد أنه يمسك الهواء. خفق قلبه ذعرًا وظل يتلفت حوله.
أخذ يناديها بصياح له صدى: "فيرووووز... فيرووووز."
لم يجبه سوى صدى صوته. شعر بقدميه لم تتلمس الأرض ليجد نفسه في عرض البحر وجسده متسمر لم يستطع تحريكه حتى يسبح وبدأ يغرق ولم يستطع إنقاذ نفسه حتى استسلم للغرق. يفتح عينيه أسفل الماء ليجدها أمامه تدفعه بقوة حتى يهوي إلى القاع تحت نظراتها وهي تبتسم بانتصار.
يرتجف جسده في مكانه، جبهته تتصبب عرقًا. يطلق شهقات كالغريق الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة.
"صقر... صقر... اصحى يا حبيبي... صقر..." تناديه شقيقته ليدخل صوتها في مسمعه لكن بصوت حبيبته، وصورتها أمامه وبدأت تتلاشى.
شهق بفزع وهو ينهض بجذعه وينظر أمامه.
رنيم بقلق وخوف: مالك يا حبيبي؟
ظل يحدق بها... اعتصر عينيه ليعود إدراكه للواقع... كاد يمسح قطرات العرق عن جبينه ليلاحظ الأنبوب المنغرز بواسطة إبرة في ظهر كفه، ومتصل بكيس محلول مغذي معلق على مشجب معدني.
نظر من حوله ثم نظر لشقيقته: أنا فين؟
رنيم: إحنا في المستشفى من إمبارح وأنت كنت نايم من وقتها... ينفع كده يا صقر؟! ما تاكلش ليومين لغاية ما جالك هبوط ووقعت من طولك!
أنزل ساقيه على الأرض وهو يقول: أنا لازم أخرج.
رنيم: رايح فين؟ أنت متعلق لك محاليل ولسه تحت المتابعة... والدكتور اللي يقرر خروجك... قالتها وهي تمسك ذراعه.
دفع يدها بعيدًا وزمجر بغضب وقال: أنا قلت هامشي يعني هامشي... ومش كلام حتة دكتور هيمشي عليا.
زفرت بضيق: نفسي تبطل عنادك اللي هيوديك في داهية ده.
لم يبالِ لكلماتها حتى أسند يده على التخت لينهض... خانته ساقيه ليهوي متعثرًا على الأرض.
صرخت رنيم: صقرررررر!
دلف إياس مسرعًا والممرضة والطبيب ليروا ما يحدث.
صاح فيهم بغضب: مش عايز حد هنا، كله يطلع بره... فاهمين برررررره!
الطبيب وهو يدنو إليه قال: صقر بيه مينفعش تقوم مرة واحدة كده، جسمك ضعيف بسبب إنك ما كنتش بتاكل و... لم يستطع إكمال حديثه بسبب صقر الذي قبض على عنقه ويصيح فيه بغضب: مين ده اللي ضعيف؟ تحب أوريك قوتي وأنا بطلع روحك في إيدي دلوقت؟ قالها والدماء محتقنة في وجهه من الغضب كالأسد الثائر.
أمسك إياس قبضة صديقه ليبعده عن الطبيب: مينفعش اللي أنت بتعمله ده، الدكتور هيموت في إيدك... أرجوك سيبه وأنا بنفسي هعملك اللي أنت عايزه.
نظر لإياس حتى بدأت تتراخى قبضته ودفع الطبيب الذي أخذ يتنفس بصعوبة.
رنيم: إحنا آسفين يا دكتور، هو بيمر بظروف نفسية.
صقر بصياح: مش عايز أشوف حد بره، الكل بره!
الطبيب: اديله حقنة مهدئة... قالها الطبيب لتنظر الممرضة بتوتر وخوف.
إياس: معلش ممكن تسيبي الحقنة دلوقت وأخته هتديها له... قالها خوفًا على الممرضة من غضب صديقه.
غادر الطبيب والممرضة.
- مش قلت كلكوا بره، عايز أبقى لوحدي.
رنيم: حبيبي حرام اللي بتعمله في نفسك ده... قوم بس اقعد على السرير... قالتها وهي ترجوه وعبراتها انسدلت حزنًا على حال شقيقها.
- اطلعي بره يا رنيم... قالها بصياح قد أرعبها لتنهض... ونظر إياس إليها بإيماءة من عينيه... غادرت الغرفة وخلفها إياس وقبل أن يذهب قال: لو عايز حاجة أنا ورنيم قاعدين بره... قالها وألقى نظرة أسف وحزن على صديقه الذي يجلس على الأرض بضعف ووهن... غادر وأوصد الباب خلفه... تاركًا صقر الذي أجهش بالبكاء... هو يبكي على حاله الذي وصل إليه... على حبيبته التي لا يعلم هل ستسامحه أم لا... على قلبه الذي لا يتحمل البعد أكثر من ذلك... فهو مشتاق لرؤيتها للمسات يديها... مشتاق لمعانقتها بقوة حتى يصبحا جسدًا واحدًا حتى لا يفترقا مرة أخرى... عقله غير قادر على استيعاب الواقع... ظل مستسلمًا للبكاء... تحمل على نفسه ونهض يستند على التخت بصعوبة حتى نجح في النهوض وارتمى بجسده على التخت يغمض عينيه حتى يأتيه النوم ويراها في أحلامه مرة أخرى.
_____________________
في مخفر الشرطة التابع لأحد أحياء باريس.
أصوات تنبيه سيارات الشرطة بالخارج وأصوات تنبيه المكالمات المتبادلة بين أفراد رجال الشرطة عبر الأجهزة اللاسلكية.
ينتظر كل من فارس وفيروز خارج مكتب المحقق الذي أخذ شهادتهم بالمحضر، لكن ما زال بالداخل بيبرس... خرجت لهم المحامية التي تدعى (كلير) فرنسية الجنسية لكنها تتقن اللغة العربية.
- مسيو فارس يمكنك المغادرة الآن أنت ومدموزيل فيروز... لكن مسيو بيبرس سيظل معهم بالداخل للتحقيق حول والد القتيلة إيميلي يوري... قالتها كلير.
نظر كليهما بفزع وقال فارس: قتيلة!! بتقصدي...
كلير: أجل، إنها توفت فور وصولها إلى المشفى... والرجل الذي أطلق الرصاصة تأكدت الشرطة أنه من رجال يوري... وربما الآن قد قبض على يوري وجاري التحقيق معه.
فارس: شكرًا لإلك مدام كلير.
كلير: العفو مسيو فارس... إننا معرفة قديمة قبل أن تكون موكلي... لكن نصيحة لك وبالأخص مادموزيل فيروز يجب أن تغادر وترجع إلى بلدها قبل أن تكتشف الشرطة بوجودها في البلاد بجواز سفر ليس لها... أنا أستأذنكم تنتظرني مرافعة بالمحكمة يجب أن أرحل الآن... مع السلامة.
فارس: سلام... قالها فارس ليغادر هو وفيروز المخفر... استقل كليهما سيارة أجرة حتى وصلا أمام البناء وصعدا معًا.
توقف أمام باب منزله وقال بوهن وحزن: بتريدي مني شيء فيروز؟
نظرت له بقلق عليه: مش عايزة أسيبك في الحالة دي.
فارس: بعتذر لإلك... باريد أكون لحالي... قالها والتمعت عبرات بداخل عينيه.
فيروز: حاضر هسيبك على راحتك... قالتها لتدلف إلى المنزل المقابل التي تمكث فيه وأوصدت الباب من الداخل.
وهو دلف إلى منزله بقلب مقهور ومتألم على شقيقته التي قتلت بدافع الانتقام بسبب أنها أحبت شخص لا يأتي من خلفه سوى الدمار والمصائب.
___________________
- تجلس على تختها وتمدد ساقيها وتضع وسادة صغيرة تسند عليها الحاسوب المتنقل الخاص بها... تتأمل صور حبيبها الموجودة على صفحته الشخصية بموقع التواصل.
له العديد من الصور الذي يرتدي فيها قلنسوة ونظارة السباحة كما يرتدي فيها أيضًا ميداليات فضية وبرونزية وذهبية وأخرى يمسك بها كأس ذهبي... وصور أخرى قد جعلتها تستشيط غضبًا منه... وهي صور تجمعه مع العديد من الفتيات الشقراء والصهباء وذوات البشرات الحنطية يرتدون ثياب السباحة.
- والله عال أوي يا مصطفى باشا لما أشوفك... قالتها بوسي بداخلها.
فتح بأسفل الشاشة دردشة من مصطفى وكانت المحادثة بينهما كالتالي:
مصطفى: مساء الحب والجمال.
بوسي: أهلًا.
مصطفى: أهلًا!! وإيموشن غضبان!! مالك؟
بوسي: أنت ليه سايب الصور بتاعتك مع البنات الصايعة دي.
مصطفى: هههههههههه دول أصحابي في فرنسا ومعايا في النادي اللي بتدرب فيه سباحة.
بوسي: وأنا مالي محتفظ برضه بصورهم ليه؟
مصطفى: عادي يا بوسي دي صور عادية.
بوسي: يعني أنت شايف إنها صور عادية؟
مصطفى: بالنسبة عندهم صور عادية وبعدين عندك كتير في شرم والغردقة والساحل والجونه والأماكن اللي زيهم بيلبسوا كده.
بوسي: يعني ترضى إني ألبس كده وأتصور مع واحد صاحبي؟
مصطفى: نعم يا أختي!!!! ده أنا كنت أدبحك... ده يا سبحان اللي خلاني أمسك نفسي وما اتهورش عليكي يوم عيد ميلادك بالقميص النوم اللي كنتي لابساه.
بوسي: لو سمحت لم لسانك اسمه فستان ارتقي شوية.
مصطفى: بوسي مالك على المسا؟ قافشة معايا كده ليه؟
بوسي: عايزاك تمسح الصور دي.
مصطفى: وده أمر ولا طلب؟
بوسي: افرض إنه أمر مش هتمسحها؟
مصطفى: أنا حر ودي صفحتي وأنزل اللي أنا عايزه.
بوسي: يعني كده؟
مصطفى: على فكرة أنا كنت عايز أطمن عليكي وأنتي نازلة فيا استجواب... اقفلي أحسن ما نتخانق وأنا عايز أنام ورايا تدريب بكرة.
بوسي: تدريب إيه؟
مصطفى: سباحة زي ما أنتي شايفة في الصور.
بوسي: طيب ممكن طلب؟
مصطفى: اتفضلي.
بوسي: ممكن تدربني على السباحة عشان ما يحصلش معايا زي قبل كده.
مصطفى: ماشي طيب تيجي معايا بكرة؟
بوسي: أوك أمتى؟
مصطفى: 9 بالدقيقة تكوني جاهزة أعدي عليكي بالعربية وآخدك عشان عندي تدريب الساعة 10 ونص وقبلها هاعلمك.
بوسي: حاضر... شكرًا.
مصطفى: العفو يا حبي أنا تحت أمرك يلا بقي روحي نامي عشان تصحي بدري.
بوسي: تصبحي على خير.
مصطفى: وأنتي من أهله.
أغلقت الحاسوب وهي تبتسم بمكر وتقول بصوت مسموع: ماشي يا مصطفى والله لأعلمك الأدب بس يجي بكرة... قالتها ثم وضعت الحاسوب على الكومود وجذبت الغطاء القطني لتدثر جسدها وهي ما زالت تبتسم وكأنها تخطط لشيء ما.
________________
- في نور الصباح تنتشر رائحة الندى المتساقط على أوراق الشجر والأزهار لتنبعث روائح عطرية من وحي الطبيعة الساحرة بداخل الحديقة... يقف في الشرفة يستنشق الهواء بابتسامة وتفاؤل... دلف إلى الحجرة ليجدها ما زالت نائمة وجهها كالملاك... خصلات شعرها الغجري تتناثر على الوسادة... ظل يتأملها غير مصدق أنها أصبحت أخيرًا زوجته شرعًا.
اقترب منها بخطى هادئة وجلس بمحاذاتها على التخت... يمرر أنامله على خصلات شعرها ثم يزيحها من فوق جبينها ووجنتيها حتى يستمتع برؤية وجهها... اقترب أكثر حتى تلامست أنفاسه بشرتها، قام بتقبيل جبهتها ثم وجنتها... توقف عندما رأى ملامحها منزعجة.
- هتفضلي نايمة كده وسايبة حبيبك صاحي وقاعد لوحده؟ قالها شهاب بالقرب من أذنها هامسًا.
فتحت عينيها وابتسمت: صباح الخير يا حبيبي.
شهاب: صباح الجمال والورد على أجمل عيون وخدود وشفايف في الكون.
سيلين: دي أنا!!! بلاش مجاملة.
شهاب بنبرة رومانسية: أنتي في عيوني شايفك كده... أنتي بقي شيفاني إيه؟
سيلين: شيفاك أجمل وأجدع راجل في الدنيا دي كلها.
أمسك يدها وقام بتقبيل كفها وقال: ربنا ما يحرمني منك ويخليكي ليا يا قلبي.
جذبت يده أيضًا لتضع كفه على شفتيها وقامت بتقبيله وقالت: ويخليك ليا يا روح قلبي.
قالتها ثم نهضت بجذعها وقامت بضمه إليها.
شهاب: آآآه!
ابتعدت بخوف: آسفة يا حبيبي ما كنتش أقصد أخبط الجبس.
شهاب: ما تفكرينيش! أنا عايز أخلعه بأي طريقة، كان قارفني طول الليل إمبارح.
نظرت له بخجل وقالت: طيب أنا قايمة هأروح أتوضأ عشان أصلي الصبح، وممكن عشان خاطري تصلي معايا؟
نظر لها بخجل جلي وقال: بصراحة عمري ما صليت.
نظرت له باستغراب: إزاي يا شهاب!!! ده حتى أونكل ومامتك الله يرحمهم ما كانوش بيقطعوا فرض، أنا فاكرة ده كويس.
شهاب: هم حاولوا معايا كتير بس أنا اللي كنت بأعاند.
تنهدت وقالت: طيب يا حبيبي انسى كل اللي فات وتعالى نبتدي حياة جديدة كلها طاعة، خلي ربنا يكرمنا في حياتنا... وما تقلقش أنا هأعلمك... وهنبدأ بالوضوء.
اقترب منها فطبع قبلة على جبهتها وقال: الحمد لله ربنا رزقني بيكي.
سيلين: وأنا كمان بأحمد ربنا إنه رزقني بيك... أنت جواك أبيض يا شهاب أوعى تخلي الدنيا تاخدك لسكة الشيطان... طول ما بتنمي جواك الإيمان بربنا وتقرب منه خطوة... هتلاقي ربنا معاك دايمًا.
شهاب: أنت اتعلمتي كل ده فين وإمتى؟
تنهدت بسأم: لما سبتني 3 شهور لوحدي بعد وفاة بابا الله يرحمه... ربنا يبارك لها ويجعله في ميزان حسناتها دادة يسرية... وقفت جنبي في محنتي وخلتني أقرب من ربنا وأغير كل حاجة في حياتي للأحسن، بدأت بالصلاة أول حاجة وكنت بأروح المعهد الديني أحفظ قرآن على قد ما أقدر وأحضر دروس دينية فادتني كتير في حياتي.
شهاب: آسف يا حبيبتي كان المفروض أبقى جنبك الوقت ده.
سيلين: خلاص يا شهاب ارمي الماضي ورا ضهرك وما تبصش عليه عشان ما تتعبش... ويلا بقي تعالى معايا أعلمك الوضوء.
ابتسم لها: يلا.
نهضت لترتدي المعطف الحريري فوق القميص الخاص به... وأخذت تشرح له كيفية الوضوء وكيفية أداء الصلاة بأركانها تحت نظرات إعجابه وانبهاره بها... انتهت من الشرح.
ها خلاص حفظت هتعمل إيه؟ قالتها سيلين.
شهاب: تمام يا فندم. قالها بمزاح.
سيلين: خلاص أنا هأدخل آخد شاور وأتوضأ بسرعة وأدخل أنت بعدي أكون حضرت الفطار.
شهاب: لاء استنيني نصلي مع بعض جماعة.
بعد مرور من الوقت.... قام بفرد سجادة الصلاة على الأرض مرتدياً ثياب قطنية وهي ترتدي إسدال الصلاة... تقدمها خطوة وهي رجعت خلفه على يمينه.... وبدأ بالتكبير: الله أكبر... كانت تردد خلفه بخشوع وقلبها يتراقص من السعادة أخيراً نجحت في أن تجعل زوجها يعود لها ويهدي طريقه بالتقرب من الله.... فكل سجدة لها كانت تدعو له وتدعي بأن يرزقهم الله بالذرية الصالحة.
انتهيا من الصلاة... فقالت: حَرَمًا.
نظر لها باستفهام فضحكت وقالت: لما حد يقولك حَرَمًا ترد تقول جمعًا إن شاء الله.
شهاب: ماشي يا سيلي، بتضحكي على جوزك!
سيلين: يا خبر! لاء خالص يا روحي ما كانش قصدي.
طرق باب الغرفة وأتى من خلفه صوت يسرية: الفطار يا عرايس.
سيلين: نزليه الجنينة يا دادة هنفطر تحت.
شهاب: استني يا دادة هنفطر هنا.... ثم قال هامسًا: تحت مين أحنا مش طالعين النهاردة من الأوضة ولا أسبوع كمان... قالها لتضحك على كلماته وذهب وفتح الباب وأخذ العربة المتراص عليها أطباق الطعام وإبريق الشاي وإبريق الحليب وكأسين من العصير الطازج.... أغلق الباب ثم قام بجر العربة نحو التخت وجلس وقال: تعالي يلا.
اقتربت لتجلس بجواره فقام بجذبها من خصرها لتجلس على فخذيه.
شهاب: يكون في علمك مكانك هنا على طول كل ما ناكل... قالها ليشير إلى موضع مجلسها.
سيلين: هو أنا طفلة عشان تقعدني على رجلك؟
شهاب: آه طفلتي أنا... بنوتي وحبيبتي ومراتي وأمي كمان... قالها وطبع قبلة على وجنتها.
سيلين: حاضر يا بابا.
قام بأخذ قطعة من خبز التوست وقام بغمسها في طبق العسل الأبيض وقام بوضعها بالقرب من فمها.
شهاب: اللقمة دي رايحة فين؟
فتحت فاها لتلتقم اللقمة وقامت بمضغها... ظل يكرر إطعامها.
سيلين: كفاية الحمد لله شبعت.. وأنت ما أكلتش ليه؟
ابتسم بخبث وقال: بصراحة مش عايز آكل دلوقت.
سيلين بعدم فهم: ليه؟ قالتها بعدما نهضت.
شهاب: هتعرفي دلوقت.. قام بإبعاد العربة قليلًا من أمامه ليجذبها من يدها لتقع على التخت وهي تضحك من فعلته بعدما أدركت مقصده... قام بفك الحزام الذي يرفع يده التي يحاوطها الجص.
سيلين: بتعمل إيه؟
شهاب: أنا اتخنقت من البتاع.... قالها ليعتليها وينظر لها بحب وأردف: ما لكيش دعوة بأي حاجة ركزي معايا أنا بس.
لم تجب بل أغمضت عينيها خجلًا وتوردت وجنتيها وجزت على شفتيها السفلى... أثارت مشاعره.. اقترب من وجهها وهمس على شفتيها: عجبك طعم العسل؟
أومأت له مبتسمة: اممم.
شهاب: طيب ممكن أدوقه؟
سيلين بدلال: عندك في الطبق يا حبيبي.
شهاب: عيب في حقي لما هأروح آكل من الطبق وأنا قدامي منبع العسل...
قالها لينهال على شفتيها بحب وكأنه بالفعل يتجرع رحيقها الذي يذوب في فمه ومذاقه كالعسل وأشهى من العسل ذاته.... ظل الاثنان يحلقان معًا في سماء العشق ثم يغرقان في بحور الحب ليعيش كليهما معًا أجمل قصة حب لا تعرف الاستسلام ولا اليأس أمام المصاعب التي واجهتهم طيلة الأيام الماضية.
______________________
ظلت تنتظره منذ نصف ساعة حتى شعرت بالملل وأخذت تتأفف... حتى وجدته أخيرًا يقف بسيارته أمامها.
ترجل من السيارة وقال: بونجور.
بوسي بابتسامة تصنع: بونجور يا حبي... مش شايف إن لسه بدري؟ قالتها بسخرية.
مصطفى: معلش الطريق كان زحمة ووقف شوية... يلا بينا عشان ما نتأخرش.
جزت على أسنانها وأخذت تتمتم بدون أن يسمع: ماشي يا مصطفى هانت.
دلفت إلى الداخل ليلتف هو ويجلس بمقعد القيادة ثم انطلق...
مرت نصف ساعة من القيادة حتى وصل أمام النادي... نزل كليهما وأوصد أبواب السيارة.... ثم دلفوا إلى الداخل بعدما تأكد حارس البوابة من بطاقة عضويته بالنادي والدعوة الخاصة بمرافقة بوسي معه.
مصطفى: تحبي نروح الكافتيريا نفطر الأول؟
بوسي: لاء مش بحب أفطر على الصبح.
مصطفى: ماشي.. تعالي أوديكي عند الأوضة اللي بنغير فيها، أنتِ روحي بتاعة السيدات وأنا هأروح الثانية وهأستناكي عند البيسين.
بوسي: حاضر... قالتها لتبتسم.
ذهبت إلى الغرفة ووضعت الحقيبة على المقعد الخشبي العريض وقامت بفتح السحاب وأخرجت ثياب السباحة ثم دلفت إلى المرحاض لتبدل الثياب التي ترتديها بالتي بيدها.
ينتظرها بالخارج وهو يقوم بتمارين الإحماء على حافة المسبح مرتدياً ثياب السباحة وهو عبارة عن سروال يصل إلى منتصف فخذيه وعاري الصدر.... كان ذلك اليوم مزدحم بكثير من الشباب والفتيات...
أوقفه أحدهم: إزيك يا ديشا عامل إيه؟
مصطفى: الحمد لله بخير.
الشاب: إيه يا ابني مالك مختفي ليه؟
مصطفى: ما فيش كنت مشغول شوية.
الشاب: طيب تعالى ده الرجالة كلها متجمعين هناك... قالها ليشير إلى طاولة يتجمع من حولها أصدقائه الشباب.
سئم من تأخيرها فذهب لدى أصدقائه ينتظرها وعندما يراها سيذهب إليها.
خرجت من الغرفة بثياب البحر الفاضحة.. ترتدي قطعتين من الثياب التي تخبئ مفاتنها فقط وباقي جسدها عارٍ.. التفتت الأنظار إليها وكل من يقابلها من الشباب يلقي كلمة إعجاب بها... تظن إنها ستؤدبه وتعلمه درسًا لكن لا تعلم هي من التي ستتأدب.
يتبادلون الأحاديث... قال أحدهم: ما قلت لناش يا ديشا أنا لسه واخد بالي إمبارح من الريليشن شيب (الحالة الاجتماعية) بتاعتك إمبارح على الفيس كاتب مرتبط يا ترى مين اللي أمها داعية عليها وهترتبط بواحد زير نساء؟
مصطفى: ما تبطل خفة واستظراف، على الأقل لما أكون زير نساء أحسن من القولة الفخار.... قالها ليضحك الجميع على تشبيهه فاشتد حنق صاحبه ورمقه بغضب.
قال الآخر: إيه يا جماعة مالكم مش طايقين بعض كده ليه... صمت لينظر خلفهم وأردف: أوبااااااا يا لهوي على الغزال اللي بيتمشى عند البيسين ده... قالها وأطلق صفير إعجاب.
التفت مصطفى خلفه لتتسع حدقتيه بالغضب... نهض من مقعده ليلقي به بقوة على الأرض.
الحقوا يا رجالة ده رايح يعلق الغزال... قالها أحدهم.
تقدم نحوها وهي لم ترَ البركان الثائر الذي يقترب منها....
إيه اللي أنتِ لابساه ده يا هانم!!! قالها وهو يقبض على ذراعها بقوة.
تصنعت الابتسام لتثير غضبه فقالت ببرود: عادي ده بيكيني وبأنزل بيه البحر والبيسين كمان... مش اللي حضرتك متصور معاهم كانوا لابسين كده!!!!
زمجر بغضب وصاح: أنتِ بتستعبطي!!!! بتشبهي نفسك بدول!!! أنا لو كنت عايز أرتبط من النوعية دي كنت أرتبط من زمان.... بس الظاهر اتسرعت وغلطت لما أرتبط بواحدة ممكن العند يوصلها تعري جسمها للي يسوى واللي ما يسواش... حاجة تقرف... قالها وهو يترك ذراعها ويرمقها بنظرات احتقار ثم غادر.
أوجعتها كلماته كأنها سياط تهوي على جسدها لتشعر بقشعريرة وبرودة.. ركضت لتذهب إلى الغرفة لترتدي ثيابها وتغادر المكان ورفيقتها عبراتها التي انسدلت من جراح كلماته.
_________________________________
خرجت من البوابة لتنتظر سيارة أجرة.. لكن المكان نائي وقلما يعبر منه تلك السيارات... تمشت قليلًا حتى تصل للطريق الرئيسي... توقفت أمامها سيارة نقل بها سائق وصاحبه يبدو على ملامحهم الشر.
السائق: رايحة على فين يا حلوة ما تيجي نوصلك في سكتنا.
رمقتهم بريبة: لاء متشكره... قالتها لتبتعد فترجل السائق من السيارة وأخرج سلاح أبيض من جيب بنطاله وركض نحوها ليمسكها من يدها عنوة عنها ليشهر سلاحه في وجهها.
هتيجي معانا بالذوق ولا هأخلي المطوة دي تشرح وشك الجميل ده وبرضه هناخدك غصب عنك...
قالها السائق بتهديد.
كادت تصرخ فوضع يده على فمها:
هتصرخي هشقك ونرميكي في الصحرا اللي هناك دي الديابه تاكلك.
نظرت له برعب وأومأت له برأسها.
السائق:
يلا أمشي قدامي على العربية.
توقف السائق عندما سمع صوت عجلات سيارة تقترب. ركلته بوسي في ساقه ليترك فمها.
_ الحقيني يا مصطفى.
قالتها بصراخ.
نزل من سيارته ليتوجه إلى السائق، فقام الآخر بفتح باب السيارة النقل ليمنعه حاجزًا إياه.
وقال:
على فين يا ننوس؟ أبعد من هنا أحسن لك.
رمقه مصطفى بغضب ليخرج من جيبه سلاحًا يشبه سلاح السائق ويهدد به الرجل:
أبعد يا واد من وشي.
قالها وقام بدفع الرجل بارتطام رأسه في رأس الآخر بقوة ليقع الرجل على ظهره. أسرع نحو السائق وصاح فيه:
أبعد عنها بدل ما أشرحك.
تعالت ضحكاته وقال:
تشرح مين يا واد؟ ده أنت عيل توتو من بتوع بابي ومامي، آخرك تشرح صرصار.
اقترب مصطفى ليجذب الرجل من ثيابه وركله في يده ليقع منها السكين.
أخذ الاثنان يتعاركان فخارت قوى السائق. جاء صاحبه من خلفه يحمل أسطوانة معدنية.
صرخت بوسي:
حاسب يا مصطفى.
قالتها لينهض على الفور لتأتي الضربة في رأس السائق ويقع مغشيًا. تناول مصطفى صخرة صغيرة من الأرض مسرعًا وقام بضربها في رأس الرجل من الخلف ليقع هو الآخر مغشيًا عليه.
نظر لها بقلق وخوف وغضب وقال:
تعالي يلا اركبي.
قالها فألحقت به ليدلف كليهما سيارته وانطلق بها. أخذت تبكي بجواره، ترقرق قلبه لها على الرغم من غضبه تجاهها.
فقال:
خلاص بقى بطلي عياط.
بوسي وهي تبكي:
أنت كلامك جرحني قوي.
مصطفى:
ما أنت اللي وصلتني لكده. ينفع اللي عملتيه ده؟
نظرت لأسفل بخجل وقالت:
لأ مينفعش.
أوقف السيارة ثم رفع ذقنها بأطراف أنامله لتنظر إليه ثم مسح عبراتها بيده الأخرى وقال:
متزعليش مني حقك عليا أنا لما بتعصب برمي كلام زي الدبش. لسه زعلانة؟
هزت رأسها بالنفي:
لأ خلاص مش زعلانة.
مصطفى:
طيب تعالي أصلحك وهفسحك في أي حتة عايزة تروحيها.
انفرجت أساريرها بالفرح فقالت:
أنت عرفت مكاني إزاي؟
قال باقتضاب:
أنا كنت مراقبك من قبل ما تخرجي من البوابة وعارف إنك مش هتلاقي تاكسي في المنطقة. ما تفكرنيش أنا كان نفسي أقطعهم حتت.
بوسي:
أنت السبب.
مصطفى:
أنا السبب؟ ولا دماغك اللي متركبة غلط هي السبب؟
قالها ليجدها ستبدأ بالبكاء مرة أخرى فأردف:
مش كفاية عياط بقى. مش عايزة أشوف دموعك تاني.
قالها لتبتسم له وتكفكف عبراتها، ثم انطلق بسيارته.
بعد عناء يوم دراسي طويل وازدحام السير والاختناق بداخل وسائل المواصلات المزدحمة، وصلت أمام البناء التي تقطن فيها وكادت تدلف إلى الفناء فأوقفها ذلك الصوت.
_ حمدالله على السلامة يا عروسة.
قالتها شقيقة علي.
التفتت ليلى إليها:
عبير! إزيك؟
قالتها وهي تشعر بالحرج.
عبير بتهكم:
الله يسلمك يا أختي. إحنا سمعنا إنك اتجوزتي وسافرتي مع جوزك، أومال اسم النبي حرسه سابك عند أهلك ليه؟
ليلى:
لو سمحت خليكي في حالك ملكيش دعوة بيا أو بجوزي.
عبير:
هو حد داس لك على طرف يا أختي؟ أنا قلت إن الحتة كلها مستغربة رجوعك لبيت أهلك من بعد جوازك بأسبوع، يبقى الظاهر اللي كان بيقوله أخويا طلع صح.
ليلى بغضب:
ما تلمي نفسك يا وليه أنت وأخوكي الحيوان ده ولا هو محروق عشان رميته رمية الكلاب وروحت للي جزمته برقبة ألف واحد من عينته.
عبير:
نعم نعم يا حلوة؟ لأ يا عين أمك عند أخويا اقفي عوج واتكلمي عدل. أنت فاهمة يا بت؟
قالتها بنبرة ردح.
ليلى:
طز فيكي وفي أخوكي وفي عيلتكم كلها. اتفوو.
قالتها ثم بصقت وركضت مسرعة لتصعد الدرج.
عبير بصوت صياح:
طيب ماشي يا ليلى يا بنت أم ليلى، أما وريتك حق اللي عملتيه دلوقت ما بقاش أخت الأمين علي.
قالتها ثم ابتعدت وأخرجت هاتفها وقامت بالاتصال:
ألو... أيوة شوفتها وقعدت أستفزها بالكلام... هي ما قالتش جوزها فين بس الولية أم بندق صاحبة أمها قالت قدامي إن جوزها في إعارة في دبي وهي هتروح له في الإجازة... اقفل يلا أنا هاجيب الأكل وجاية حالًا سلام.
بداخل غرفتها تخلع ثيابها لتبدلها بعباءة منزلية مزخرفة وتترك لشعرها العنان، ذهبت إلى المطبخ.
_ مسا مسا عليكي يا أم إسلام.
قالتها ليلى.
والدتها:
مساء العسل يا ضنايا.
عانقتها ليلى بحب وقالت:
يا سلام على حنيتك لو كنت أعرف إن لما أتجوز هتحبيني كده كنت اتجوزت من زمان.
والدتها:
بصراحة البيت من غيرك كان زي المهجور. أنت اللي كنت مالية عليا البيت حتى لو بنكش فيكي وبضايقك... أنت مهما كان بنتي ونور عيني.
ليلى:
يا سلام الله الله عليكي يا ماما وعلى كلامك الحلو. يا رب ما تقلبي عليا.
والدتها:
ههههههه آه منك أنت.
رن هاتفها بالنغمة التي وضعتها له خاصة به عند اتصاله عليها وكانت مقطوعة من أغنية (أجمل إحساس لإليسا).
ليلى:
ده خالد.
والدتها:
روحي يا أختي اديله تقرير كل يوم.
قالتها بسخرية.
ليلى:
ده أنا لسه بدعي بقول يا رب ما تقلبي... هاروح أكلمه وراجعالك تاني.
قالتها لتدلف إلى غرفتها.
_ ألو وحشتيني قوي يا خالودي.
قالتها ليلى.
خالد على الجانب الآخر:
أنت اللي وحشاني قوي قوي يا روح خالودك... ها حبيبة قلبي عملت إيه النهاردة؟
ليلى:
زي كل يوم روتين الصحيان بدري والمواصلات والمترو اللي بتفعص فيه الصبح وبالليل كالعادة مفيش جديد ولسه راجعة.
خالد:
حمد لله على السلامة يا قلبي.
ليلى:
الله يسلمك يا حبي. عامل إيه في العيادة؟
خالد:
الحمد لله كله تمام.
ليلى:
كان في سؤال رفيع كده كل مرة ببقى عايزة أسألهولك وأنسى.
خالد:
اسألي.
ليلى:
هو أنت بتعالج ستات؟
خالد:
ههههههه هو المرض النفسي مقتصر على الرجالة بس يا لي لي؟ أنت دكتورة وعارفة.
ليلى:
يعني إيه؟ بتقعد مع واحدة ومقفول عليكوا الأوضة ونايمة قدامك على الشيزلونج وهي تفضفضلك وأنت طبعًا الصدر الحنين.
خالد:
ههههههههه يخرب الأفلام اللي واكلة دماغك دي... يا بنتي ده شغل وبعدين أنا عمري ما هبص لواحدة وأنا معايا اللي مالية عيني وقلبي وعقلي.
ليلى:
بجد يا خالودي؟
خالد:
أيوه يا لي لي يا عيون خالودك... هسيبك أنا دلوقت عشان ميعاد الزيارات ابتديت هبقى أكلمك لما أخلص دوام... سلام يا حبي.
ليلى:
سلام يا حبيبي.
أغلقت المكالمة وقالت بسخرية مازحة:
تخلص دوام! بعد كده هلاقي تتكلم زي فواز في فيلم عندليب الدقي.
في دبي بداخل عيادة الطب النفسي.
المساعد يدلف:
دكتور خالد الشيخة ميثاء أجيت.
خالد وهو يجلس خلف مكتبه:
خليها تتفضل.
دلفت ميثاء ذات الأربعين عامًا لكن جمالها الفتان جعلها كالفتاة في بداية العشرينات. ترتدي حجاب يصل لمنتصف رأسها ويظهر منه نصف شعرها الذي يتدلى على هيئة خصلات تحيط وجهها. ترتدي عدسات لاصقة باللون العسل ويحيط الكحل عينيها التي تشبه عيون المها. شفتيها منتفختين يبرزهما لون الحمرة. بشرتها خمرية. ترتدي عباءة سوداء يتوسطها حبل يتدلى جانبًا. تخطو بكعب حذائها المرتفع وتقول:
السلام عليكم دختر (دكتور).
خالد:
وعليكم السلام. اتفضلي حضرتك استريحي.
قالها ليشير إلى المقعد.
ميثاء وهي تجلس أمام مكتبه وتضع ساق فوق أخرى بتوتر:
شكرًا... الله يريحك.
خالد:
حضرتك تحبي تتكلمي ولا ندردش الأول في كلام عادي؟
قالها عندما شعر بالتوتر على ملامحها.
ميثاء:
أنا تعبانة وايد وايد يا دختر... ما بعرف من وين أحكي لك السالفة (الحكاية).
خالد:
ممكن حضرتك تتفضلي تستريحي على الشيزلونج وتحكي كل اللي أنت عايزاه بس أتعرف بحضرتك الأول.
ميثاء:
اسمي هو ميثاء.
مرت الأيام على الجميع كالمعتاد، حتى جاء اليوم الحاسم الذي ستتأجج فيه الأحداث.
أمام مطار القاهرة الدولي بالخارج.
_ اشتقت لهي البلد كتير.
قالها فارس وهو يستنشق الهواء.
فيروز:
فعلًا وحشاني قوي هي وماما وأهلي كلهم والبت ليلى صاحبتي.
فارس:
هانت بتشوفيهم. لكن ليش ما قلتي لمحمد ولأمك إنك جيتي؟
فيروز:
عايزة أعملهم مفاجأة وعشان يتقبلوا اللي هيحصل.
فارس:
متأكدة من هي الخطوة وواثقة من حالك منيح؟
فيروز:
فارس فيروز القديمة خلاص راحت زي ما كل شيء راح. خليني في اللي جاي لسه ليه أحلام وطموحات ما حققتهاش.
فارس:
كيف وأنت بتخطي أول خطوة هلا؟
ابتسمت بتحدي:
مش ده طموحي برضه؟ حلمي أبقى صاحبة أكبر شركة تجميل في الشرق الأوسط.
ابتسم إليها بإعجاب:
إن شاء الله بتكوني هيك وأكبر من هيك كمان.
فيروز:
يا رب.
فارس:
يلا أجيت السيارة.
توقفت أمامهم سيارة تابعة لأحد الفنادق الفاخرة.
دلف كلاهما بعدما قام السائق بتحميل الحقائب وصعد لينطلق بالسيارة.
فيروز: هي الساعة كام؟
فارس: فاضل ساعتين ع الحفل... ما تقلقي.
فيروز: يا دوب ألحق أستعد.
فارس: إن شاء الله.
_ في منزل الهواري الكبير...
إياس يطرق ع باب الغرفة: أي يا عم بقالك ساعتين بتلبس، دي حفلة افتتاح مش رايح تتجوز.
يفتح صقر الباب ببرود: نعم؟!
إياس: لو ما بطلتش البرود اللي معيشنا فيه بقالك فترة ده، يبقى مش داخلكم الفيلا تاني.
رنيم خرجت من غرفتها: أي يا إياس صوتك عالي كده ليه؟
إياس: ما فيش... خلصتي؟
رنيم: أها خلصت، فاضل بس ألبس الإكسسوارات بتاعة الدريس.
إياس: وأنتِ رايحة إن شاء الله بالدريس ده؟
رنيم: ماله؟!
إياس: دراعاتك تتغطى يا رنيم بدل ما أخليكي تلبسي بليزر البدلة بتاعتي طول الحفلة.
رنيم: أنا ألبس اللي أنا عايزاه.
زفر بضيق: اللهم يا طولك يا روح... أنت شايف أختك؟
رمقهم بنظراته الباردة التي اعتاد عليها منذ أيام، وتركهم ليهبط الدرج وهو يطلق صفيرًا هادئًا.
إياس: لأ مش ممكن، أنا هأتشل من العيلة دي وربنا... قالها بحنق.
_ بعد قليل... يقف إياس منتظر رنيم التي ترتدي ثوبًا آخر بأكمام ومحتشم ويناسب أجواء الحفل بلونه الزمردي اللامع.
رنيم: ها كده استريحت؟
إياس: كده قمر يا روحي ما فيش أجمل من اللبس المحترم.
زمتت شفتيها لأسفل بسخرية.
أردف: طيب يلا اركبي... عشان نلحق أخوكي اللي سابنا ومشي لوحده.
رنيم: هو ما استناش ليه، كنا روحنا مع بعض؟
إياس: أخوكي ده شكله عايز يتضبط من أول وجديد.
رنيم: يا رب فيروز ترجع بقى يمكن لما تشوف حالته يصعب عليها وتسامحه ويرجعوا لبعض.
قالتها ودلف كلاهما إلى السيارة وانطلق.
_ في أكبر قاعة احتفال مكشوفة تتلاقى الأضواء وأصوات الموسيقى الهادئة... بدأ المدعوون بالتوافد من رجال أعمال وزوجاتهم والعديد من نساء المجتمع المخملي الذين جاءوا لاحتفالية افتتاح أكبر سلسلة شركات لتصميم الأزياء... أصوات الضحكات والهمسات تملأ الأجواء... الصحفيون والمصورون بكل مكان.
بداخل بهو الاستقبال تقف سيلين تستقبل المدعوين بالترحاب والابتسام... جاء يهمس من خلفها:
حبيبي عامل شغل جامد ده، أنا متجوز سيدة أعمال جميلة وذكية... قالها شهاب.
سيلين: عشان تعرف كان عندي طموحات وأخيرًا هأحققها طول ما أنت معايا.
شهاب وهو يقبل يدها: أنا العمر كله معاكي لحد ما أموت.
سيلين: بعد الشر عليك يا روحي.
ابتسم ليحاوطها بذراعه ويستقبل الوافدين معها.
سيلين بتوتر: مش عارفة ليه اتأخر لحد دلوقت.
شهاب: مين؟
سيلين: ده المتعاقدة معاه عشان الديفيليه بتاع الأسبوع اللي جاي.
شهاب: مش المسؤول عن التجميل؟
سيلين: أيوه.
_ مدام سيلين المدعوين كلهم في انتظار حضرتك... قالتها منظمة الحفل.
سيلين بسأم: حاضر أنا جاية.
شهاب: اهدي وبلاش توتر، إن شاء الله كل حاجة هتمشي زي ما أنتِ عايزة.
ابتسمت له لتزفر بأريحية ثم دلفت إلى داخل القاعة تعبر ممرًا طويلًا تحت تصفيق وترحاب الحاضرين... صعدت إلى المنصة حيث مرمى أنظار الجميع وخلفها شاشة عرض ضخمة تعرض دعاية افتتاح المجموعة التي تحمل اسم (سيلي ديزاين).
وقفت أمام الميكروفون وقلبها يخفق بتوتر:
أحب أرحب بالسادة الحضور وأشكركم جميعًا ع تلبية الدعوة... قبل ما نبدأ... أولًا أهدي النجاح اللي وصلت له لحد دلوقت إلى روح بابا الله يرحمه، كان نفسي يبقى معايا في اللحظة دي... ثانيًا أهدي نجاحي لزوجي شهاب السويفي... ولكل من ساهم في مجموعة سيلي ديزاين...
في وسط الحضور يقف إياس مع رنيم حول الطاولة.
رنيم: لسه ما بيردش؟
إياس: لأ.
رنيم: ده بيستهبل، أعمل إيه شوية وهتنادي سيلين علينا عشان تقدمنا للناس كشريك ومساهم معاها.
إياس: مش عارف بقى.
_ الناس اللي ما بتسألش... قالها محمد الذي حضر للتو.
رنيم: أزيك يا محمد عامل إيه؟
محمد: الحمد لله أديني عايش.
إياس: يا عم لو شوفتلك مزة وخطبتها هتعيش أكتر.
محمد: ههههههه مزة! أنت متأكد أنك نقيب يا ابني؟!
رنيم: بس بقى عشان نسمع.
_ ع المنصة....
سيلين: ودلوقت هنرحب ع المنصة بالسادة المساهمين في المجموعة كشركاء أساسيين وهم السيد محمد الأسيوطي مدير الأسيوطي جروب.
قالتها ليتجه في وسط تصفيق الحاضرين وصعد المنصة.
وأردفت: والآنسة رنيم يوسف الهواري وشقيقها سيادة النقيب صقر الهواري..... اتجهت رنيم نحو المنصة لتتفاجأ بشقيقها الذي تواجد أمامها ولم يعايرها أي اهتمام، صعد كلاهما المنصة.
سيلين: والمفاجأة النهاردة هي إن... لم تكمل عندما وجدت باب القاعة ينفتح ع مصراعيه ليدلف إلى القاعة.
فارس الذي يرتدي التوكسيدو ذات اللون الرمادي الغامق ورابطة العنق باللون ثوبها الأحمر القاني ذو البريق اللامع يشبه ثوب حورية البحر بأكمام تصل إلى معصميها... ترتدي حذاء باللون الأسود يكسبها طولًا وجاذبية... شعرها منسدل ع كتفيها... تسند يدها ع ساعده... تمشي معه في سمو كأنهما ملك وملكة... الجميع ينظرون بدهشة...
بينما الآخر يقف مشدوهًا هل هي التي أمامه أم هذا وهم ليبتلع ريقه ويتسمر بمكانه....
وصل الاثنان إلى المنصة لتصعد هي أولًا ثم هو... يمسك يدها تحت نظرات اللهب التي ستحرقهما أحياء.
أخذ الميكروفون الآخر وقال: برحب بكل الموجودين وبعتذر كتير عن التأخير، والسبب هو حبيت أنكم تشاركوني كلكم هي اللحظة اللي بأكون أسعد مخلوق بالعالم وهي... صمت لينظر لفيروز ثم يضمها بذراعه بجواره وأردف: اليوم بأعلن أمام العالم خطوبتي ع الآنسة فيروز وزوجتي المستقبلية....
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم ولاء رفعت
وصل الاثنان إلى المنصة لتصعد هي أولًا ثم هو، يمسك يدها تحت نظرات اللهب التي ستحرقهما أحياء.
أخذ الميكروفون الآخر وقال:
"برحب بكل الموجودين وبعتذر كتير عن التأخير، والسبب هو حبيت أنكم تشاركوني كلكن هي اللحظة اللي بكون أسعد مخلوق بالعالم وهي..."
صمت لينظر لفيروز ثم يضمها بذراعه بجواره وأردف:
"اليوم بعلن أمام العالم خطوبتي على الآنسة فيروز وزوجتي المستقبلية."
قالها ثم أخرج من جيبه علبة مغلفة بالمخمل الأسود وقام بفتحها ليظهر أمام الأنظار خاتم يتوسطه ألماسة على شكل دمعة وخاتم من الفضة. أمسك يدها اليمنى وألبسها الخاتم ذو الألماسة في إصبعها البنصر وقام بتقبيل يدها على مرأى الجميع تحت تصفيق الحضور.
تتسمر رنيم بمكانها وهي تفتح فاها غير مصدقة ما تراه عيناها، بينما إياس يترقب ما يحدث في صمت وينظر بطرف عينيه إلى صديقه الذي كانت ردة فعله عكس المتوقع تمامًا، حيث ترتسم على محياه ابتسامة لم يرها عليه من قبل. بينما محمد كان يرمقهما باقتضاب محاولًا ألا يبدي شعوره من الداخل مما يراه.
أخذت هي الخاتم الفضي وقامت بوضعه في إصبعه البنصر بيده اليمنى أيضًا.
سيلين انتابها القلق والخوف، خاصة أنها أكثر شخص يعلم قصة العشق التي بين صقر وفيروز. تعالت دقات قلبها عندما تقابلت نظراتها مع صقر الذي كان يرمقها في موضع الاتهام، لكن طمأنها شهاب الذي يقف بمحاذاتها يشابك أنامله بداخل أناملها.
"أحب أبارك وأهني الأستاذ فارس الشامي وخطيبته الآنسة فيروز، وبتمنالهم من قلبي الخير والسعادة."
قالها صقر في الميكروفون ليرمقه فارس متجهمًا، لكن هي التوتر قد سرى في جميع عروقها. تبتلع ريقها بصعوبة، تشعر بالقشعريرة تسري بجسدها من أثر الكلمات التي تلقتها أذنيها بنبرة مليئة بالبرود عكس ما توقعت، وتتلاقى عينيه بعينيها التي ظلت ترمش لعدة مرات بتوتر.
لاحظ فارس رعشة جسدها ليمسك يدها ضاغطًا على راحة كفها وكأنه يبث بداخلها القوة والعزم. رأت رنيم ذلك رمقتها بسخط وازدراء.
بدأت تعمل الموسيقى الرومانسية الهادئة. اقترب منها وقال بصوت لا يسمعه سوى هي:
"خليكي واثقة بحالك، هو بدو يحرقلك أعصابك، تعي نرقص سوا."
قالها فارس ليأخذها ويهبط كلاهما من المنصة ويذهبان إلى ساحة الرقص، لينزل الجميع من فوق المنصة.
"فارس أنا عايزة أمشي من هنا."
قالتها فيروز وتلتمع عبراتها بداخل عينيها، فقام بوضع يده على خصرها والأخرى يمسك بها يدها ليرفعهما للأعلى بقليل ويقربهما نحو صدره.
"وين القوة والعزيمة تبعك؟ أنا معك ماتخافي."
قالها هامسًا في أذنها ويقترب منها أكثر ليرى العينين التي تحدق بهما ببرود بعكس ما تكن خلفها من بركان نيران مشتعلة، فأردف هامسًا:
"تعرفي، هو عامل حاله بارد لكن جواته نار بدها تحرقني أنا وإياكي."
اقتربت منه وما زالا يترقصان فهمست إليه:
"عارفة بس أنا مش قادرة أستحمل نظراته ليا."
قالتها ثم أحست بدوار خفيف لتعتصر عينيها.
فارس بقلق:
"شو بكِ فيروز؟"
فيروز بنبرة وهن جلي:
"نسيت آخد حقنة الأنسولين."
فارس:
"تعي بنروح من هون ونفوت بأي صيدلية."
فيروز:
"لاء خليك هنا، أنا معايا في شنطتي حقنة جاهزة هاروح آخدها في التويليت وجاية على طول."
زفر بسأم:
"ماشي وأنا ناطرك هون، ولو في شي دقيلي."
فيروز:
"أوك، عن إذنك."
قالتها وابتسمت لتغادر في هدوء تتجه للخارج حيث البهو تسأل عن مكان المرحاض ليشير لها أحد العاملين بأن تسير رواق طويل وفي نهايته على اليمين مرحاض.
مشت بخطوات هادئة فالوهن يداهمها. وصلت أمام المرحاض وهي تقوم بفتح حقيبتها لتأخذ الحقنة.
"حمد الله على السلامة."
قالها صقر الذي يقف خلفها لتتفاجأ وشعرت بذعر، فسقطت من يدها الحقنة بدون أن تشعر ولم تجب عليه لتضع يدها على المقبض حتى تدلف، وضع يده على يدها ليجذبها نحوه وتلتفت إليه.
وقال وهو يحدق في عينيها بقوة:
"حلوة أوي الفيلم اللي عاملينه أنتي وفارس."
استجمعت قواها لتسحب يدها من يده وقالت:
"أبعد عني وملكش دعوة بيا، أنا دلوقت واحدة مخطوبة وبحترم خطيبي."
قالتها لتثير حنقته.
ابتسم ببرود ساخرًا:
"بذمتك أنتي مصدقة نفسك، أو بتحبيه؟!"
فيروز بابتسامة استفزازية:
"أها بحبه وهو بيحبني، وبعدين أنت مالك محروق دمك أوي كده ليه؟! ولا تكون فاكرني مش هقدر أعيش من غيرك، بالعكس أنا اكتشفت أن كل لحظة عيشتها معاك كانت على الفاضي وبندم أني ضيعت الوقت ده مع واحد ما يستهلش."
قالتها بنبرة قوية وهي ترمقه بسخط.
جز على فكيه بغضب فاقترب منها يسند بكفيه على الباب وهي محاصرة في المنتصف لتتراجع بحذائها خطوة للخلف، دعست الحقنة التي تحطمت بدون أن تدرك هذا. التصق ظهرها بالباب.
اقترب منها ليهمس في أذنها:
"أنتي عمرك ما حبيتي ولا هتحبي ولا هتكوني لحد غيري."
قالها لتبتلع ريقها بتوتر وتنظر لأسفل لتتحاشى نظراته.
دفعته في صدره وصاحت به:
"كفاياك بقى، عايز بعد ظلمك ليا وقسوتك اللي شربت منها كاسات أرجعلك؟! أنت بتحلم، أنا وفارس بنحب بعض، هو اللي حسيت معاه بالأمان والثقة المتبادلة، مستعد يفديني بروحه، مش زي واحد مجرد وقعت في مشكلة كان أقسى واحد عليا وطعني في سمعتي وشرفي. أنا عمري ما هنسى نظراتك ليا يوم ما كنت في القسم ولا يوم ما جيتلي السجن واللي قهرني أكتر لما خلتهم يعملولي كشف عذرية ونظراتك ليا اليوم ده الموت عندي أهون منها."
قالتها ثم التقطت أنفاسها.
كانت نظراته لها وهي تتحدث مليئة بالشوق واللهفة لم يعر لأي كلمة مما تفوهت بها أي اهتمام ليجذبها من كتفيها ويلتهم شفتيها بحب وشغف ويحاصرها بأصابعه التي انغرست بين خصلات شعرها خلف رأسها ليتمكن من السيطرة عليها ويرتوي من رحيق شفتيها.
هي كانت تضربه بيديها ليبتعد عنها وظلت تقاومه، حتى تمكن منها في تلك اللحظة التعب. أحس بارتخاء جسدها ليبتعد عن شفتيها، وجد أهدابها توصد بارتعاش، أدرك أنها ستفقد وعيها. حملها على ذراعيه بخوف:
"فيروز... فيروز..."
قالها ليرى ذراعها تراخت في الهواء والشحوب يتملك من بشرتها.
لم يجد أمامه سوى أن يركض بها ليغادر ويذهب إلى أقرب مشفى. تقابل مع فارس الذي صاح فيه بغضب:
"الله يلعنك، شو عملت فيها؟!"
صقر:
"غور من وشي."
قالها ليدفعه بجسده وركض بالخارج متجهًا نحو ساحة الانتظار حيث سيارته، ذهب فارس خلفه لكن لم يلحق به.
فتح صقر باب السيارة ليقوم بوضعها على المقعد ويضع حزام الأمان عليها، التف ليدلف إلى الداخل، وأوصد الباب ليسرع وينطلق بالسيارة.
في دبي.
يجلس خلف مكتبه يتفحص بعض الأوراق. يحتسي القليل من القهوة. ترك الأوراق ثم أطلق زفيرًا بارتياحية وهو يرجع ظهره إلى الخلف وهو يمسك بهاتفه. يضغط على علامة ملف المعرض يتأمل صورة زوجته باشتياق. ترك الهاتف على المكتب وخلع نظارته. يضغط على أعلى أنفه من بين عينيه بأطراف أنامله. نهض من مقعده ووقف ينظر من الحائط الزجاجي الذي يطل على الشارع. أمامه منظر مهيب من المباني شاهقة الارتفاع، لا سيما ذلك البرج الأشهر في الشرق الأوسط وهو برج خليفة. ظل شاردًا حتى انتفض من طرقات الباب التي أزعجته.
"اتفضل."
قالها خالد باقتضاب.
دلف المساعد وقال:
"دكتور خالد انتهت ساعات الدوام ممكن أذهب الحين؟"
خالد:
"اتفضل يا بلال واقفل كل حاجة عندك قبل ما تمشي."
المساعد:
"حاضر."
قالها ليغادر وأغلق الباب خلفه ولم تمر ثوان ووجد طرقات على الباب مرة أخرى زفر بضيق وقال:
"اتفضل يا بلال."
قالها وهو يولي ظهره للطارق.
"بلال غادر الحين."
قالتها ميثاء.
التفت على الفور وقال باقتضاب:
"أنا خلصت زيارات وماشي دلوقت وكمان حضرتك ميعادك لسه بعد 3 أيام."
اقتربت ووضعت حقيبتها على المكتب وقالت وهي تبتسم بدلال:
"هذي استقبالك لي يا دكتور؟!"
خالد بنبرة توتر:
"أحم... مش قصدي حاجة بس فعلًا وقت الدوام انتهى وأنا فعلًا كنت مروح."
ميثاء وهي تقترب منه وأمسكت برابطة عنقه:
"اها على كل حال لو تبي (تريد) نذهب مكان غير العيادة تعال معي على البيت نكمل الجلسات."
خالد بنبرة حادة:
"لو سمحت يا شيخة ميثاء أنا دكتور محترم مليش في الحوارات بتاعتك دي وحذرتك قبل كده."
"خالد أنا أصبحت ميهودة (مريضة) بيك... قولي إيش أسوي من دونك... أنا أحبك وايد وايد (كثيرًا) وما أبيي (لا أريد) غير سواك."
قالتها وهي تحاوط وجهه بكفيها وتنظر له بشغف.
أزاح يديها بعنف من على وجهه وصاح بها:
"عيب عليكي أنتي واحدة متجوزة وجوز حضرتك رجل أعمال له وضعه ومكانته."
اجهشت بالبكاء وقالت:
"أنت لا تعرف إيش اللي بيصير معي... أنا حكيت لك نص السالفة وما كملت لك الباقي (الباقي)... جوزي رجال (رجل) عقيم غير معاملته الجافة لي... ووايد طلبت منه أنه يطلقني لكن ما يبي (لا يريد) هذا وأنا مثل أي ست في العالم أبيي (أريد) يكون عندي ولاد من حقي أكون أم."
تنهد متضايقًا واتجه نحو المكتب ليأخذ منشفة ورقية وأعطاها لها:
"أنا مقدر حالتك النفسية وشعورك بس ده ما يديكيش الحق إنك تخوني جوزك... اتناقشي معاه بهدوء وفهميه مشكلتك."
كفكفت عبراتها بالمنشفة وقالت:
"اتكلمت أكثر من مرة وكان الحوار بينتهي أنه بيضربني ويهيني ويشتمني (يشتمني)."
خالد:
"روحي اشتكيه في مركز الشرطة وارفعي قضية طلاق."
ابتسمت بسخرية وسأم وقالت:
"احنا (نحن) بدبي ما بمصر... أبيي أعقد (أعقد) معك اتفاق وهو..."
صمتت لتبتلع ريقها بتوتر ونظرت له بقلق وأردفت:
"بنسوي علاقة سرية وما أحد يدري وأعطيك من مالتي (مالي) ما تبغاه (ما تريده)... أنا لا أبيي سوى أن أكون حامل."
اشتد حنقه لتتسع عينيه غضبًا مما تقوله ولا يدري بحاله وهو يهوي كفه على وجنتها بصفعة مدوية وهو يصيح بها:
"اخرسي."
رمقته شزرًا وهي تضع يدها على أثر الصفعة وقالت:
"أقسم لك بخالق الكون لأدفعك ثمن الصفعة هذي يا دكتور (دكتور)."
قالتها بسخرية وغضب وتهديد ثم أخذت حقيبتها وغادرت وهي تتوعد له بالشر.
زفر بضيق وأسند بيديه على المكتب وظل يستغفر ربه. ألقى نظرة على هاتفه ثم أخذه وقام بمهاتفة زوجته.
"ألو إزيك يا حبيبتي وحشتيني أوي."
قالها خالد.
ليلى بصوت ناعس:
"وأنت كمان واحشني أوي أوي."
خالد:
"معلش صحيتك من النوم."
ليلى:
"لا يا روحي كويس إنك صحتيني أنا نايمة من ساعة ما جيت من الكلية."
هقوم دلوقتي أصلي اللي فاتني، وأعمل لي مج نسكافيه باللبن وأقعد أذاكر.
خالد: ربنا يوفقك يا حبيبتي.
ليلى: يا رب... أنت فيك حاجة؟
خالد بتوتر: لا خالص، ما فيش، كان عندي زيارات كتير النهاردة فمصدع شوية.
ليلى: ألف سلامة عليك يا خالودي.
خالد: الله يسلمك... خدي بالك من نفسك.
ليلى: حاضر.
خالد: هقفل معاكي بقى عشان أروح... عايزة حاجة؟
ليلى: تسلم لي يا حبيبي.
خالد: لا إله إلا الله.
ليلى: محمد رسول الله.
خالد: سلام.
قالها لتجيب عليه بذات الكلمة، وأغلق المكالمة وقال لنفسه: ربنا يستر من اللي جاي... قالها ثم ارتدى نظارته وأخذ متعلقاته وغادر المكان.
أفعلي بي ما شئتِ وماتريدين
لكن لا تبتعدي عني وتذهبين
أنتِ كالدماء تسير في وريدي وعروقي
أنتِ الروح في جسدي لا تتركيني أرجوكِ
يا من رسمتِ البسمة على محياي
وتهمس حروف اسمك شفتاي
أموت فيكِ عشقًا إلى حد الثمالة
سأكون مثل ظلكِ لا محالة
بقلمي: ولاء رفعت علي
بداخل إحدى المستشفيات الخاصة:
تغرز الممرضة الإبرة في ذراع فيروز التي اعتصرت عينيها بألم، حيث ترقد على تخت المرضى، ويقف صقر يرى ما يحدث بقلق وخوف.
الطبيب: آنسة فيروز، آخر جرعة أنسولين حضرتك أخذتيها امتى؟
رمقته بتوتر جلي وقالت: بصراحة بقى لي 3 أيام ما باخدهاش.
زفر الطبيب بضيق وقال: طيب ممكن حضرتك تهتمي بعلاجك وتاخدي الحقنة بجرعاتها اللي هكتبها لك؟ عشان الإغماء اللي حصل لك ده كانت غيبوبة سكر، ولولا الأستاذ اللي معاكي جابك لا قدر الله كانت حياتك هتبقى في خطر.
قالها لتنظر بمحاذاتها لتجده فرمقته بسخط.
فقالت بنبرة حادة: هو أنا ممكن أمشي يا دكتور؟
الطبيب: أنتِ دلوقتي حاسه بإيه؟
فيروز: الحمد لله بقيت كويسة.
الطبيب: ممكن.
نهضت من التخت وقامت لتشعر بدوار خفيف فأمسكت بمسند التخت المعدني ليسرع صقر نحوها ويساندها فقامت بسحب ذراعها من يده وهي ترمقه بنظرات حادة.
الطبيب: أنتِ كده حضرتك لازم تستني شوية لحد ما مفعول الحقنة يبتدي يشتغل. عن إذنك.
قالها ليغادر هو والممرضة.
أي مالك مستغرب ليه؟ ومش مصدق؟ لا عايزك تصدق اللي سمعته، أنا جالي السكر بسببك وكنت ممكن أموت دلوقت برضه بسببك... عايز أي مني تاني؟ مش هتستريح غير لما تلاقيني جثة قدامك عشان ترتاح.
قالتها بصياح جلي.
صقر بنبرة دفاع عن نفسه: أنا...
لم يكمل عندما دلف فارس.
شو فيه يا حضرة الشرطي؟ مو بكفي اللي عملته فيها؟
قالها فارس بسخرية وغضب.
صقر ثار غضبه ليمسك فارس من تلابيب سترته وقال: أنت تخرس خالص وأحمد ربنا إنك لسه عايش وواقف على رجلك لحد دلوقت.
دفعه فارس متخلصًا من قبضتيه: ابعد عني ولاه... شو مفكر حالك؟! هي بتكون خطيبتي، يا ريت ما تنسى هيك.
قالها ليقترب من فيروز ويمسك بيدها.
رمقهم بغضب لو كانت نظراته رصاصًا لأردتهم صرعى للتو.
أنت فاكرني عبيط ولا أهبل عشان أصدق لعبتك أنت وهي؟ لا يا حضرة المسيو ويكون في علمك حتى لو خطوبتكوا دي بجد، هي لسه حبها ليا بيجري في دمها وعمرها ما هتحب غيري وأنا عارف كويس إنها عايزة تعاقبني.
قالها وهو ينظر لعينيها بتحدي.
فيروز: ومين قالك إن أنا لسه بحبك، بالعكس كل ذرة حب جوايا ليك اتحولت لكره، واتفضل امشي من هنا مش طايقة أكون معاك في مكان واحد.
قالتها بنظرات قد أتقنتها حتى تؤثر كلماتها فيه حيث نجحت بالفعل.
أنا كنت ماشي فعلًا بس يا ريت تستحملي اللي جاي... إما أنت بقى خليك عايش في الوهم اللي أنت فيه.
قالها ثم غادر وهو يصفق الباب خلفه بقوة.
أجهشت بالبكاء وهي تقول: أنا ما بقتش قادرة خلاص أستحمل.
قالتها بنبرة باكية، اعتصر قلبه ألمًا من حالتها فقام بضمها وأخذ يمسد على ظهرها ليهدأ روعها.
وفي الجانب الآخر بداخل سيارته:
انطلق ولا يحدد الدرب الذي يسير فيه، كانت كل مشاعر الغضب والحب والحقد تتصارع بداخله، أخذ يضرب بقبضته على عجلة القيادة ثم توقف فجأة وأخرج هاتفه وقام بمهاتفة أحدهم.
وقال: إيه الأخبار؟
الطرف الآخر: مدام آمال في الشقة ومحمد نزل من بدري، ركبت تاكسي وراه لقيته راح...
قاطعه صقر: عارف، أنا كنت في الحفلة دي... بقولك تعرف تجيب لي من البواب رقم صاحب العمارة؟
الطرف الآخر: عيب عليك يا صقر بيه، الفلوس بتخلي الحجر ينطق.
صقر: خلاص 10 دقايق وهتصل بيك تكون جبت لي النمرة بسرعة.
الطرف الآخر: أعتبره حصل سعادتك.
صقر: سلام.
أغلق المكالمة ثم قال: أنتِ اللي بدأتي اللعب يا فيروز معايا لما نشوف قوة تحملك لحد فين!
في محافظة أسيوط... بداخل منزل الحاج عبد الرحيم الأسيوطي:
زهرة: والله يا ولدي كبرت وبقيت عريس وعايز تتجوز كمان.
مصطفى: يعني يا تيتا هتقفي معايا وأنا بقول لبابا؟
زهرة: ما تخافش يا ولدي أبوك بيحلم باليوم ده وإن شاء الله هيوافق.
دلف إلى الغرفة حماد وهو يحتسي كوب الشاي وقال: هو مين ده اللي هيوافق يا أمي؟ بتتحدثوا على مين؟
نظر مصطفى إلى جدته لتبدأ الحديث.
زهرة: بص يا حماد يا ولدي، ولدك ما شاء الله كبر وبقى راجل.
حماد بسخرية: راجل كيف وهو لسه بياخد المصروف مني زي العيل الصغير ومش عايز يشيل المسئولية مع أخوه؟
جز على أسنانه ثم تنفس بروية: يا بابا أنا مش بفهم حاجة في الشغل بتاعكوا ده، أنا راجل بحب الغنى وعايز أبقى فنان.
حماد بغضب: غنى إيه وكلام فارغ إيه! على آخر الزمن ولد حماد الأسيوطي يبقى مغنواتي، بلاش مسخرة عاد.
مصطفى: بابا أرجوك فكك من الموضوع ده دلوقت وخلينا في الموضوع اللي تيتا قالتلك عليه، أنا عايز أتجوز.
سمع حماد آخر كلمة فشعر بحشرجة في حلقه وظل يسعل... أسرعت زهرة وجلبت له وعاء من الفخار (قولة) وأعطتها له.
زهرة: اتفضل يا ولدي.
أخذ يبتلع الماء حتى هدأ وقال: شكرًا يا أمي... ثم تنهد وأردف: بص يا واد أنت واسمعيني زين... لتكونوا فاكريني داجج عصافير إياك... أنا أخبارك بتوصلني... وخابر صايعتك مع البت اللي جرستك في النادي وهي بتتمرجح بالمايوه كيف الخواجات.
مصطفى: أنت مشغل عليا جواسيس يا بابا!
حماد: أنا من غير ما أشغل جواسيس، أخبارك بتيجي لحد عندي.
زهرة: صح اللي بيقولوه أبوك ده يا مصطفى؟
مصطفى: يا تيتا أنتوا فاهمين غلط، الموضوع كله إن البنت دي محترمة جدًا و...
قاطعه حماد: مش عايز أعرف لأني خابر هتقول إيه وأنا بقولك مش موافق.
مصطفى بحنق: يعني إيه اللي حضرتك بتقوله ده!
صاح والده فيه: ولد صوتك ما يعلاش على أبوك وتسمع اللي بقولهولك، ما فيش جواز غير لما ينصلح حالك وتبقى راجل صح كيف أخوك محمد كده... راجل من ضهر راجل مهمل حاله ومركز في الشغل وشايل عني حمل كتير.
مصطفى: يعني لو اشتغلت معاكوا هتوافق على جوازي من بوسي؟
زهرة: واه! بوسي كيف! هتتجوز قطة إياك!
مصطفى: هههههههه، أنا عرفت خفة الدم دي ورثتها من مين... لا تيتا بوسي مش قطة، دي بنوتة رقيقة وجميلة ومحترمة اسمها الحقيقي بسنت وبوسي دلع.
حماد: أنا ما يلدش عليا الحديث ده واصل... أنا كل اللي يهمني تشتغل مع أخوك ولما أشوفك بقيت قد المسئولية ساعتها هفكر في موضوع جوازك.
مصطفى: وأنا إن شاء الله هكون قد المسئولية وبكرة هتشوف ديشا أحم قصدي مصطفى ده هيبقى أحسن من ابنك محمد كمان.
حماد: يا ريت ده أنا أتمنى.
زهرة: ربنا يوفقك يا مصطفى أنت وأخوك محمد يا ولاد ولدي يا رب.
في حي مصر الجديدة:
توقف بسيارته أمام مبنى شاهق الارتفاع يبدو على معماره الرقي والفخامة.
متأكدة منيح هي البناية تسكن فيها أمك؟
قالها فارس.
فيروز: أه محمد كان بعت لي العنوان قبل ما نسافر بكام يوم.
فارس: يلا انزلي وبنفوت سوا.
فيروز بتوتر: فارس معلش ممكن أطلع لوحدي، بالتأكيد محمد قال لماما على اللي حصل وأنا مش عارفة ردة فعلها هتكون إيه.
فارس: قولي لهم الحقيقة.
زفرت بضيق وقالت: لا ما ينفعش، لازم الكل يكون مصدق فعلًا أنا وأنت مخطوبين وبنحب بعض.
قالتها حتى حدق بعينيها بنظرات هي تعلمها جيدًا فشعرت بالتوتر والإحراج فأردفت: طيب أنا نازلة وهشوفك إن شاء الله بكرة.
ترجلت من السيارة وكادت تذهب لكن أوقفها صوته وهو ينزل من السيارة.
فيروز استني لعندك شنطايتك راح تنسيها.
قالها ليلتف خلف السيارة ويفتح الباب الخلفي وقام بأخذ الحقيبة وأنزلها لتتجه نحوه ووضعت يدها على المقبض لتسحبها... توقفت لينظر كليهما إلى السيارة التي تأتي نحوهم وتوقفت أمامهم مباشرة... نزل محمد من السيارة ووجهه متجهم.
صباح الخير... ولا أقول ألف مبروك أحسن.
قالها محمد بتهكم.
فارس: محمد أنت مو فاهم شيء كـ...
قاطعته فيروز: إحنا كنا عملناها مفاجأة.
محمد بنبرة عتاب: تتخطبي من غير علم عمتي ولا أهلك يا فيروز!
ثم نظر لفارس وقال:
هي دي الأصول يا صاحبي؟!
لم يكن قادرًا على قول شيء، فأخرجته فيروز من هذا الإحراج وقالت:
محمد أنا مبقتش صغيرة وعارفة أنا بعمل إيه كويس، وفارس كده كده هيجي لماما ويتكلم معاها بس لما أتكلم أنا الأول وأمهد لها الموضوع.
ابتسم بسخرية وقال:
اللي أنتِ شايفاه يا بنت عمتي اعمليه براحتك.
فارس:
محمد يا ريت ما تتسرع وراح تفهم كل شيء في أوانه.
قالها لترمقه فيروز بحنق فأردف:
عن إذنكم، سلام.
قالها ليدلف إلى سيارته ثم أدار المحرك وذهب.
تشعر بالتوتر والقلق من نظرات محمد الذي يحدق بها فقالت:
أنت طالع؟
محمد:
آه، أنا كل يوم بعدي على عمتي الصبح بفطر معاها وبروح الشركة، لو وجودي هيضايقك أنا ممكن أمشي.
فيروز:
إيه اللي بتقوله ده يا محمد؟! ده بيتك وتيجي في أي وقت وأنا عمري ما هتضايق منك... أنا عارفة كلامي ضايقك... أرجوك ما تزعلش مني.
محمد:
أنا ما بعرفش أزعل منك خالص... لو زعلت بيبقى عشانك.
فيروز:
طيب يلا بقى نطلع وكفاية وقفة الشارع دي، أنا جسمي تعبني من قلة النوم... أنا ما نمتش من امبارح.
قالتها لتسير وهو بمحاذاتها.
بعد قليل وصلا أمام باب المنزل ليضغط محمد على زر الجرس فقامت الخادمة بفتح الباب وقالت:
محمد بيه، اتفضل، مدام آمال مستنية حضرتك جوه.
قالتها ثم نظرت لفيروز التي برفقته.
فقال:
أعرفك يا سميحة بفيروز، تبقى بنت عمتي آمال.
سميحة:
أهلًا وسهلًا يا آنسة فيروز.
فيروز:
الله يخليكِ.
جاء صوتها من الداخل:
مين يا سميحة اللي بيرن الجرس؟
دلفت فيروز مسرعة اتجاه الصوت لتتفاجأ والدتها التي انفرجت أساريرها بالفرح والسعادة وهي تفتح ذراعيها لتعانقها:
حبيبتي يا ضنايا وحشتيني أوي.
فيروز:
أنتِ اللي وحشاني أوي يا ماما.
قالتها ليظل كليهما متعانقين.
محمد:
إشمعنى هي يا عمتي ولا اللي لقى أحبابه نسي أصحابه؟!
قالها بمزاح.
جذبته آمال من يده لتربت على كتفه:
أنتوا الاثنين حبايبي وولادي، ربنا ما يحرمني منكم يا رب.
محمد:
يلا عشان نفطر كلنا مع بعض لأن يا دوب نص ساعة والمفروض أكون في الشركة.
قالت سميحة:
اتفضلوا، الفطار جاهز.
قالتها ليذهب ثلاثتهم إلى غرفة المائدة لتناول الفطور.
غادرت المنزل مثل كل يوم معتاد من أجل دراستها... مشت حتى وصلت إلى موقف سيارات الأجرة الجماعية.
وهمَّت بالصعود وهي تسأل:
مترو يا أسطى؟
السائق:
آه يا آنسة، اتفضلي.
قالها لتصعد ولم يدلف بعد إلى الداخل سواها... جلست بجوار النافذة... لتجد السائق تحرك بالسيارة... شعرت بالخوف وقالت:
لو سمحت يا أسطى ممكن تنزلني؟
السائق:
ما تقلقيش، أنا هحمل من الطريق وأنا ماشي مش هخطفك.
شعرت بالخوف أكثر من ملامحه المثيرة للشك والريبة:
طيب لو سمحت أنا عايزة أنزل ممكن؟
لم يجب عليها لينعطف في شارع هادئ بعيد عن الأنظار، فاقتربت من الباب لتفتح المقبض من الداخل لتجد الذي يسبقها ويفتح الباب ذو المزلاق.
حمد الله على السلامة يا دكتورة.
قالها علي وهو يصعد للتراجع إلى الوراء بخوف وتوتر... ونزل السائق من السيارة وابتعد.
ليلى:
أنت... أنت عايز مني إيه؟
علي:
كل خير يا مدام، مش مدام برضه ولا آنسة؟
قالها بسخرية.
ليلى:
لم نفسك ومالكش دعوة بيا، وأرجوك ابعد عني، أنا واحدة متجوزة وبحب جوزي.
اقترب منها لتلتصق بالنافذة وصاحت فيه:
والله لو ما بعدتش عني وخلتني أنزل هصوت وألم الناس عليك أنت فاهم!!!
قهقه وتعالت ضحكاته وقال:
ليه كده وأنا اللي كنت جاي أسليكي بدل ما العريس اللي سابك بعد أسبوع جواز لوحدك.
أثار حنقتها لتهوي على وجنته بصفعة قوية:
أنت قليل الأدب وقذر وحيوان.
قالتها لتنهض في محاولة أن تنزل من السيارة.
ما أنا فعلًا قليل الأدب وهوريك القذارة على حق.
قالها ليجذبها من خصرها عنوة عنها وأجلسها بالمقعد وهو يقيد حركاتها وأخذ يقبلها رغماً عنها وهو يمسك وجهها بقوة... ظلت تقاومه وتضربه وتصرخ لكن كان يكتم صرخاتها بقبلاته... تمكنت من غرز أسنانها في شفته السفلى ليتأوه بشدة وابتعد عنها... استغلت انشغاله بشفته التي تنزف بغزارة ونزلت من السيارة مسرعة وهي تبكي وتركض لتبتعد عن ذلك المكان حتى وصلت إلى الطريق الرئيسي المزدحم بالمارة والسيارات، وظلت تركض في اتجاه الشارع حتى وصلت إلى منزلها وصعدت وهي تتلفت من حولها بخوف... صعدت الدرج... ضغطت على جرس الباب وفتحت والدتها.
نسيتِ حاجة ولا إيه؟
قالتها والدتها.
ليلى بتوتر:
لأ أصحابي كلموني قالوا لي اتلغت المحاضرات النهاردة.
قالتها ثم ذهبت إلى غرفتها وأوصدت الباب لتلقي بحقيبتها على التخت وارتمت عليه لتبكي وهي تكتم بكاءها في الوسادة.
رن هاتفها معلنا بالنغمة الخاصة بزوجها فانتفض جسدها... أخذت حقيبتها لتفتح السحاب وتناولت هاتفها وهي تكفكف عبراتها وأجابت:
ألو صباح الخير يا حبيبي.
خالد:
صباح النور على عروستي اللي دايماً وحشاني.
ليلى:
وأنت واحشني أوي يا خالد.
قالتها لتجهش بالبكاء حتى شعر بانقباضة بقلبه وقال:
مالك يا ليلى يا حبيبتي بتعيطي ليه؟
ليلى:
عشان واحشني أوي ومش قادرة أستنى لما الترم يخلص وأجيلك، يا ريتك كنت بتشتغل في مصر أحسن من الغربة دي.
زفر خالد وقال:
يا حبيبتي أنتِ عارفة الظروف كويس وكان على يدك كل حاجة... لازم أعمل قرشين وبعدها أرجع مصر وأفتح عيادة وساعتها مش هغيب عنك ولا ثانية... معلش استحمليني.
ليلى:
أنا آسفة يا حبيبي.
خالد:
ما تتأسفيش يا حبيبتي أنا عاذرك ومقدر مشاعرك وأنا كمان والله نفسي أكون جنبك، وبعدين أنا عايزك كده دايماً أي حاجة مضايقاكِ أو مزعلاكِ تفضفضي لي أنا، نفسك وسرك يا ليلى، ولو أنا بعيد عنك بس سايب قلبي معاكِ... خلاص اتفقنا؟
ليلى:
آه اتفقنا.
خالد:
أنتِ وصلتي فين كده؟
ليلى:
وصلت إيه؟!
خالد:
في المترو يا ليلى مش أنتِ رايحة الكلية دلوقت؟
ليلى:
لأ ما أنا ما روحتش النهاردة.
خالد:
أنتِ تعبانة ولا إيه؟
جزت على شفتها السفلى بتوتر وخوف لم تُرِد إخباره بما حدث معها فقالت:
آه دايخة شوية.
خالد:
خدي طنط وروحي للدكتور.
ليلى:
الموضوع مش مستاهل، كلها حبة صداع.
خالد:
أنا كده قلقت بالله عليكِ يا ليلى روحي للدكتور واطمني على نفسك، وأنا إن شاء الله على بكرة أو بعده هبعت لك فلوس عشان مصاريفك.
ليلى:
شكرًا يا حبيبي أنا لسه معايا الفلوس اللي ادتهالي قبل ما أرجع مصر... وبابا مش مخليني محتاجة حاجة.
خالد:
برضه يا قلبي مش عايزك تحملي على أهلك، أنتِ دلوقتي ملزومة مني أنا.
ليلى:
ربنا يخليك لي يا روحي.
خالد:
ويخليكِ لي يا نور عيني... لما تروحي للدكتور أبقى طمنيني عليكِ.
ليلى:
حاضر... سلام.
وفي مكان آخر يمسك علي بهاتفه ويقف مع السائق وشاب آخر:
عفارم عليكوا يا رجالة تسلم الأيادي.
السائق:
أنت تؤمر يا كبير.
علي:
تسلم يا أسطى... وأنت كمان تسلم إيدك يا تيكا على الصور دي.
تيكا:
أنا في الخدمة يا باشا.
علي:
اتكلوا أنتوا على الله دلوقت.
قالها ليذهبا بعد إلقائهما السلام.
أمسك علي بسلسلة من الذهب وهي في كفه ويقول:
أبقى وريني هتعملي إيه لما تشوفي صورك معايا والدليل السلسلة بتاعتك معايا.
قالها ليبتسم كالشيطان.
في المخفر.....
مش عاجبني حالك يا سيادة النقيب بقالك فترة مش منتبه لشغلك ولا حتى لأهم قضية شغالين عليها من زمان.
قالها العقيد منصور.
صقر:
مفيش يا فندم، شوية مشاكل بس وهتروح لحالها.
تنهد منصور وقال:
أنت عارف أنا بعتبرك زي ابني وأكتر وحاسس باللي أنت فيه... والحمد لله أظهرت براءتها بنفسك.
زفر بسأم وقال:
الحمد لله... المهم دلوقت زي ما قولت لحضرتك لما روحت زيارة لأيمن محمود قالي على دليل يثبت كل اللي في الورق على شوقي ضرغام.
منصور:
إيه هو؟
صقر:
صندوق كبير زي الشنطة مليان مخدرات وأسلحة زي اللي كانوا بيضربوا بيها علينا... وكمية المخدرات لوحدها تجيب له تأبيدة.
ابتسم منصور بسخرية:
وده مش دليل كافي برضه... أنت فاكرك شوقي مش هيعرف يطلع نفسه منها، ده كفاية المحامي العقرب اللي اسمه عدنان الحاروني هيطلعه منها زي الشعرة من العجين.
صقر:
أنا مراقبتي الأخيرة له ولرجاله لاقيت لهم تحركات غريبة آخرها زياراتهم المتكررة لقناة السويس... وبعد تحريات عرفت إن كانت في صفقة معدات ثقيلة متبادلة ما بينه وبين شركة روسية بس لسه هتتم بعد عشرة أيام.
منصور:
ده أنت ما شاء الله طلعت عارف كل حاجة.
ابتسم صقر:
حضرتك أنت عارف إن عمري ما بدخل حياتي الشخصية في شغلي... وأنا عايز في أسرع وقت نقبض على شوقي ورجالته عشان البريء اللي في السجن ده ملوش ذنب.
منصور:
أنا متابع القضية، آخر التطورات كان من يومين محاكمته لكن اتأجلت لشهرين، يا ريت في خلال شهر نعرف نثبت براءته.
صقر:
حضرتك شوفت آخر الأخبار الصبح؟
منصور:
أقصد القبض على أكبر رجال المافيا الفرنسي الروسي يوري دانييل.
صقر:
آه مش برضه قريب بيبرس الذراع اليمين لشوقي ضرغام؟
منصور:
بيبرس ده لوحده داهية كبيرة ومش قادرين نمسك عليه حاجة حتى جهاز المخابرات بذاته على الرغم من المعلومات اللي عرفوها عنه بس مش قادرين يمسكوا عليه دليل واحد.
صقر:
وده ملوش غير معنى واحد.
منصور:
أيوة زي ما أنت فهمت بالضبط، مسنود من بره وخاصة الموساد... بس على مين مصيره هيقع.
المهم سيبك من كل ده وخليك مركز في اللي جاي. أنت داخل على حرب مش مجرد مهمة، دي مافيا من النوع الثقيل، والدولة هتدعمنا بالقوات الخاصة، غير طبعًا الجيش هيكون مأمن الحدود بس بدون تدخل في المهمة، وده دورنا بقى.
صقر: إن شاء الله يا فندم قريب جدًا شوقي واللي معاه هيشرفوا السجن ويتحكم عليهم كمان، وأيمن براءته هتظهر إن شاء الله.
***
في المنزل الجديد...
آمال بصياح: أنا نفسي أعرف أنا إيه بقى بالنسبة لك عشان تروحي تتخطبي من غير أهلك ولا حتى كبرتي ابن خالك ولا خالك نفسه؟ بتتصرفي من دماغك كده وخلاص!
فيروز: ماما أنا مش صغيرة.
آمال: دي اسمها عدم احترام. ليه كده يا بنتي؟ ليه بتصغريني قدام واحد أنا معرفهوش أصلًا غير إنك أنتي كنتي بتشتغلي عنده.
فيروز: الواحد ده كان محافظ عليا لما كنت هربانة عنده، وقف جنبي وشجعني لغاية ما وصلت للي أنا فيه.
آمال: أنتي هتضحكي عليا يا بنت بطني! أنا فاهماكي كويس، أنتي عايزة تحرقي دم خطيبك الأولاني صح ولا أنا غلطانة؟
زفرت بحنق: ماما لو سمحتِ ما تجيبليش سيرته. وبالنسبة بتقولي أحترمك وأكبرك، ما تقلقيش فارس إن شاء الله هييجي يقابلك ويتكلم معاكي.
آمال بتهكم: بعد إيه إن شاء الله! يا ريتك حتى كنتي اتخطبتي لمحمد ابن خالك على الأقل ده عارفينه ومن دمنا.
فيروز: يووه يا ماما أنا مش عارفة أرضيكي إزاي. بصي يا حبيبتي إن شاء الله قريب هتفهمي كل حاجة وهتعذريني.
آمال وهي ترفع إحدى حاجبيها: آها قولتي لي بقى. ده أنا أمك اللي مربياكي. لو اللي في دماغي ده صح يا فيروز يبقى على جثتي لو رجعتي لصقر الهواري، إلا لو أنتي ما عندكيش كرامة وعايزة تتذلي وتتهاني.
فيروز بحنق: كفاية بقى! أنا غلطانة إني رجعت.
آمال: براحتك اعملي اللي أنتي عايزاه بس ما تجيش تبكي في الآخر، ساعتها مش هتلاقي محمد ولا غيره هيقف جنبك، حتى أنا عشان أصلًا أنا ما ليش قعاد هنا، هاروح أسافر عند جدك وستك في أسيوط ورجلك على رجلي.
فيروز: مش مسافرة في حتة، حضرتك عايزة تسافري روحي دول أهلك برضه. لكن أنا حياتي هنا وشغلي هيبقى هنا.
آمال باستغراب: شغل!
فيروز: أها. أنا كسبت في المسابقة مبلغ حلو هبدأ بيه حياتي، هفتح بيه شركة تجميل وفارس هيكون شريك معايا.
سميحة: مدام آمال آنسة رنيم جت ومستنية بره.
فيروز: قدمي لها حاجة عقبال ما أخرج لها.
سميحة: حاضر.
قالتها وذهبت.
آمال: طبعًا جاية تعاتبك على اللي بتعمليه في أخوها.
فيروز: تقول اللي تقوله يا ماما، هي أكتر واحدة عارفة اللي حصلي وأكيد هتعذرني.
آمال: لما نشوف.
***
خرجت فيروز إلى غرفة استقبال الضيوف مبتسمة وتمد يدها بالمصافحة: إزيك يا روني؟
رمقتها رنيم بامتِعاض: الحمد لله كويسة.
قالتها بنبرة حادة ولم تمد يدها.
أشارت لها فيروز بالجلوس: اتفضلي يا رنيم.
رنيم: أنا مش جاية أتضايف يا فيروز، أنا جاية أسألك سؤال واحد وماشية على طول.
فيروز: اتفضلي يا رنيم اقعدي ونتكلم بهدوء وعيب طريقتك دي معايا. أنتي أكتر واحدة شوفتي بعينيكي اللي حصلي، أنتي لو مكاني كنتي عملتي أكتر من كده.
رنيم: عارفة أنا اللي كان مصبرني على أخويا إني أنا عارفة هيكتشف كل حاجة وهيندم على اللي عمله فيكي. صقر كان بيتعذب وبيموت يا فيروز وأنتي بره، وصل بيه الحال وقع من طوله لإنه ما كانش بياكل غير نفسيته اللي اتدمرت. أنا أول مرة أشوف أخويا يعيط. أنتي عارفة يعني إيه راجل يعيط!
قالتها لتشعر فيروز بغصة في قلبها لكن تملكها الغضب.
فقالت بغضب: أنتي مالك بتكلميني كده كأني أنا اللي عملت فيه كل ده؟ كإنه هو المجني عليه وأنا الجاني. رنيم افتكري كويس اللي عامله أخوكي فيا، أنتي جيتي وشوفتي بعينك يوم ما اتقبض عليا. شوفتي علامات صوابع أخوكي وهي معلمة على وشي، سمعتي من خطيبك كم الإهانات اللي خدتها منه ونظرات الاحتقار ده غير حاجات كتير. يا ريت ما تقلبيش عليا المواجع.
شعرت بالندم من تسرعها فقالت: أنا مش قصدي حاجة بس اللي ضايقني إنك اخترتي الوقت والمكان وتعلنوا خطوبتكوا أنتي وفارس عشان تغيظي أخويا.
فيروز: أنا مش بغيظ في حد، أنا وفارس فعلًا اتخطبنا وبنحب بعض.
اقتربت منها وتحدق بعينيها: أنتي كدابة يا فيروز. لو بتحبي فارس ما كنتش أشوف نظرة الخوف والقلق اللي كانت في عينيكي لما حكيتلك عن حال أخويا. أنتي عينيكي فضحاكي.
فيروز بحنق واستنكار: حتى لو لسه بحبه، مش هرجع له ولا هاكون له، ويا ريت تفهميه الكلام ده.
نهضت رنيم وأمسكت بحقيبتها وقالت: أنا مش هاقول حاجة، لو عندك الجرأة والشجاعة وتقدري توجهيه بنفسك وتقوليله الكلام ده اتفضلي.
قالتها ولم تجبها فيروز بل نظرت لأسفل.
أردفت: ألف مبروك. بس مش على الخطوبة، على وجع قلبك اللي هتحسيه كل ما تشوفي صقر.
سميحة: اتفضلي يا آنسة رنيم.
دلفت سميحة بفنجان القهوة وقالت.
رنيم بسخرية: اديها لفيروز تشربها.
قالتها وغادرت على الفور.
سميحة: اتفضلي يا آنسة فيروز.
اشتد حنقها وقامت بقلب الصينية على الأرض وقالت: مش عايزة أشرب، ده إيه القرف ده!
قالتها ودلفت إلى الغرفة وهي تبكي من أثر كلمات رنيم التي وقعت على قلبها قبل مسمعها.
***
تنزل من السيارة معصوبة العينين يمسك يدها برفق.
شهاب: على مهلك أمشي واحدة واحدة.
قالها شهاب وهو يمسك بيد سيلين أمام بوابة كبيرة.
سيلين بتوتر: عارف يا شيبو لو عامل فيا مقلب هاعمل فيك إيه!
شهاب بنبرة ضاحكة: ههههههه أنتي تعرفي عني كده برضه!
سيلين: طيب عايزة أشيل البتاع اللي على عيني دي مضايقاني أوي.
قام شهاب بالإشارة لحارس البوابة بالضغط على زر الفتح لتفتح البوابة. ثم قام بحملها على ذراعيه.
صاحت بذعر: أنت بتعمل إيه؟
شهاب: بشيلك فيها حاجة؟
سيلين بقلق: يا حبيبي دراعك وأنت لسه شايل الجبس.
شهاب: ده كان مجرد شرخ يا سيلي، وبعدين مش واثقة في قدرات جوزك ولا إيه؟ ده أنا أشيلك وأشيل فيل كمان.
سيلين: ههههههههههه فيل مرة واحدة! متجوزة كينج كونج يا أخواتي.
شهاب وهو يلهث ويسير بها للداخل: اتريقي يا أختي هاوريكي مين هو الكينج كونج بس لما نوصل.
سيلين: نوصل فين؟
قام بإنزالها برفق ووقف خلفها ليقوم بفك العصبة وقال: فتحي عينيكي.
فتحت عينيها بانزعاج لتضيق حدقتيها ورمشت عدة مرات حتى تثنى لها الرؤية أخيرًا لتغر فاها: ما شاء الله جميلة أوي.
شهاب مبتسمًا وهو يحاوط خصرها من الخلف ويضع ذقنه على كتفها: عجبتك يا روحي؟
سيلين بفرح: جميلة جدًا الطراز بتاع المعمار تحفة كأنك في العصر الروماني.
شهاب: ما أنا قاصد تكون كده عشان عارفك بتحبي الديزاين الإيطالي. دي بقى كنت مجهزها لك من قبل ما نتجوز. هديتي ليكي يا حبيبتي وعلى فكرة باسمك.
التفتت له وحاوطت عنقه بيديها وقالت: يا روح قلبي كفاية أنت عليا، وجودك جنبي بمال الدنيا كله ومش عايزة حاجة غيرك أنت.
اقترب بشفتيه ليطبع قبلة حانية على جبهتها ثم أمسك يديها وقبلهما وقال: وأنا ما بقتش عايز حاجة غير أشوف الفرحة والسعادة دي في عينيكي. تعالي بقى أفرجك على الفيلا من جوه.
كان المنزل من الداخل أقل ما يقال عليه أكثر من رائع، مصمم على طراز مليء بالرقي والفخامة. الأثاث الإيطالي الفاخر الذي يجمع ما بين النظام الكلاسيكي والحديث كأنه تحفة فنية. الحوائط جميعها من الحجر الذي يوحي لك أنك تعيش في العصر الروماني. التحف والتماثيل البرونزية والذهبية. الأسقف كل سقف له ثريا خاصة به على حدة ذات الأدوار المتعددة وتعطيك إضاءة ساحرة.
صعد كليهما الدرج وهو يحاوط ظهرها بذراعه حتى وصلا إلى الطابق الثاني وكان عبارة عن رواق ذو مساحة شاسعة ملتف بشكل دائري حول درابزون الدرج يتفرع منه ممران. الأول يتفرع منه جناح كبير والثاني يتفرع منه 6 غرف كل غرفة ذات مساحة وله مرحاض خاص بها وتراس يطل على الحديقة.
وصل عند الجناح فقام بفتح باب ضخم الذي ينزلق على مجرى في داخل الحائط. كان شديد الاتساع. الأرضية من الباركيه، الحوائط باللون الأبيض ملحق به مرحاض كبير وبها غرفة ثياب كبيرة على أحدث طراز. التخت خلفيته عبارة عن صورة سيلين رسمت بالفسيفساء الملون يحيطها العديد من الإضاءات.
سيلين: دي أنا!
شهاب: إيه رأيك دي بنت فنانة موهوبة في الرسم بالفسيفساء، خليتها تعملك صورتك على الحيطة خلفية للسرير.
سيلين: حلوة أوي أوي يا شيبو. تسلم لي يا حبيبي على كل حاجة.
أحاط وجهها بكفيه: اللي زيك يا سيلي ولا كنوز العالم تقدرها، أنتي أغلى من كده بكتير يا روحي.
ارتَمَت بين ذراعيه ليقوم بضمها لينظر في عينيها بحب دفين. مد يده لطرف حجابها وبخفة يد قام بخلعه. نظرت لأسفل بخجل لتتورد وجنتيها. تأمل خصلات شعرها الغجري الذي يعشقه. يستنشق عبيره. قام بسحب مشبك الشعر التي تعقص به خصلاته لينسدل شعرها على ظهرها. غرز أصابع يديه في خصلات شعرها ليرجعه للخلف حتى يتمكن من رؤية عنقها المرمري. قام بتلثيم كل إنش به تاركًا أثر لكل قبلة عليه. صعد لشفتيها ليلتقم تلك الفروالتين اللتان يذوب فيهما عشقًا وولها. هنا أعلنت مشاعرهما الاستسلام ليخوضا معًا أجمل معزوفة حب مكونة من النظرات والهمسات واللمسات بداخل لقاء تحكمه مملكة العشق.
***
تضع الحقيبة على التخت لتفتح السحاب بحنق وتأخذ ثيابها من الخزانة وتلقي بها بداخل الحقيبة.
دلفت إلى الغرفة تبحث عنها. قالت بفزع: إيه ده يا ماما؟
آمال بنبرة حادة: هيكون إيه يعني؟ بألم هدومي عشان ابن خالك هياخدني على البلد.
فيروز: أنتي بتهزري!
ألقت قطعة الثياب بغضب وقالت: عايزة إيه مني تاني؟ مش ماشية بدماغك وبتقولي كبرتي خلاص؟ أنا ما بقاش ليا كلمة عليكي، لازمتها إيه بقى وجودي معاكي؟
فيروز بحزن: ليه بتعملي معايا كده!
أنتِ عمرك ما هتحسي باللي جوّايا، سيبيني أعمل اللي في دماغي وأستحمل نتايجه، بس متخافيش عليا... أنا عارفة إزاي أحمي نفسي.
حدقت في عينيها بتمعن وقالت:
مش لما تعرفي تحمي نفسك من نفسك الأول... وبعدين أنا أبويا وأمي وحشوني ونفسي أشوفهم، وأنتِ عندك شغل وشركة زي ما بتقولي.
فيروز:
يعني مصممة تمشي وتسيبيني لوحدي؟
آمال:
أنتِ مش لوحدك، معاكِ سميحة ومحمد هييجي يطل عليكي من الوقت للتاني.
فيروز:
ده حضرتك ناوية على إقامة هناك بقى؟
آمال:
الله وأعلم، حسب ما نفسيتي ترتاح، ولو حبيتي تيجي تعالي، ده بيت جدك برضه وهما نفسهم تروحي تزوريهم.
فيروز باقتضاب:
إن شاء الله... بقولك صح، هم يعرفوا اللي حصلي؟
تنهدت وقالت:
لأ الحمد لله، خالك كان في بلاد بره وقتها، وجدك وجدتك مالهمش في الأخبار... غير محمد ربنا يباركله بعلاقاته كتم الخبر ده ومحدش يعرف، وبعدين الحمد لله ظهرت براءتك وطبعًا أنتِ متعرفيش التفاصيل... اللي عمل فيكي الملعوب ده الواد جمال الله يحرقه، أهو ربنا انتقم منه وأتشل.
نظرت لها بذهول:
جمال!!!! ليه؟
آمال:
كان عايز ينتقم من صقر فيكي... يعني اللي جرالك بسبب الباشا اللي سيادتك لسه بتفكري فيه.
جلست على التخت غير مصدقة ما تسمعه وتقول لنفسها:
استحالة ده يكون السبب، بالتأكيد فيه حاجة تانية وأنا معرفهاش.
انتهت آمال من إعداد حقيبتها، وارتدت ثيابها.
آمال:
أنتِ لسه بتكلمي نفسك؟
رن جرس المنزل، فأردفت:
بالتأكيد ده محمد.
خرجت كلتاهما معًا في الردهة.
محمد:
جاهزة يا عمتي؟
آمال:
آه يا حبيبي وشنطتي أهي.
محمد مناديًا:
يا عم عثمان...
دلف إليهم حارس البناية، رجل يرتدي جلبابًا أبيض وعمامة بيضاء.
عثمان:
مساء الخير يا جماعة.
آمال:
مساء الخير يا عم عثمان... معلش هتعبك معايا، ممكن تنزلي الشنطة لحد عربية محمد.
عثمان:
أمرك يا هانم.
محمد:
خد المفاتيح أهي، حطها في شنطة العربية عقبال ما ننزل.
أخذ الحقيبة وهبط الدرج.
آمال:
يلا عايزة حاجة، خدي بالك من نفسك وأنا هبقى أطمن عليكي.
فيروز بسأم:
حاضر، وأنتِ كمان خدي بالك من نفسك.
محمد:
متقلقيش يا فيروز، أنا هوصلها وراجع تاني، هبقى أعدي أطمن عليكي ولو محتاجة أي حاجة كلميني.
فيروز:
تسلم يا محمد.
عانقت آمال ابنتها ثم غادرت برفقة محمد.
دلفت فيروز إلى الغرفة الخاصة بها وزفرت بضيق وتذكرت ميعاد الحقنة، فقامت بفتح حقيبتها وأخذت منها الحقنة وقامت بغرزها ببطء في ذراعها حتى أفرغت محتواها.
طرقت سميحة الباب وقالت:
أحضرلك العشا يا آنسة فيروز؟
فيروز من الداخل:
شكرًا يا سميحة، ماليش نفس أنا هنام.
سميحة:
خلاص أنا في أوضتي لو حضرتك محتاجة أي حاجة أبقى صحيني.
فيروز:
تسلميلي... تصبحي على خير.
سميحة:
وأنتِ من أهل الخير.
ارتمت على التخت بأريحية وظلت شاردة في السقف تتذكر نظراته وقبلته لها... قلبها كان يستمتع بنظراته بلهفة عينيه والشوق الذي يكنه لها... لكن عقلها كان كالضمير المستيقظ يحذرها منه... أوقف تفكيرها رنين الهاتف معلنًا عن رسالة واردة على (الواتساب)... قامت بفتحها لتجد فارس أرسل لها صورة له ويمسك كوبًا من القهوة بالحليب وكتب في أسفلها:
(يسعد مساكي فيروز... اشتقتلك كتير).
تنهدت وقالت:
وبعدين معاك يا فارس، بتحسسني بالذنب من ناحيتك ليه؟
ظلت تبادله الرسائل والنكات المرحة حتى غطت في النوم وتركت الهاتف بيديها... مرت ساعات حتى عم السكون في الأرجاء.
الساعة الثانية صباحًا...
استيقظت بفزع على صوت الدقاق (الشنيور) في الحائط... نهضت لترى ما يحدث... خرجت إلى الشرفة لتجد مصدر الصوت يأتي من الشقة المقابلة التي وشرفتها بجوار شرفتهم... قامت بمناداة الحارس.
فيروز:
يا عم عثمان... يا عم عثمان...
عثمان من أسفل:
نعم يا آنسة.
فيروز:
ينفع الإزعاج ده والناس كلها نايمة!!!
عثمان:
ده الساكن الجديد اللي قدامكوا.
فيروز:
ما تطلع تكلمه.
عثمان:
معلش مش هقدر أقوله أجدع... أنا عندي ولاد وعايز أربيهم.
زفرت فيروز بحنق وقالت:
ده إيه القرف ده، حتى النوم مش عارفة أتهنى عليه... لما أروح أشوف الزفت ده كمان...
قالتها لتأخذ معطفًا قطنيًا يصل إلى ركبتيها ارتدته على منامتها القصيرة... خرجت من غرفتها تقابلت مع سميحة.
سميحة:
رايحة على فين الساعة دي يا فيروز؟
فيروز:
هاروح أشوف الحيوان اللي مش مراعي حق الجيرة ده ومشغل شنيور الساعة 2 بالليل...
قالتها لتفتح باب المنزل ووقفت أمام المقابل لها... ضغطت على زر الجرس بعصبية.
فيروز:
افتح يا بارد يا اللي معندكش دم....
قالتها بصوت غير مسموع.
وبعد أكثر من دقيقتين فتح لها الساكن الجديد... مبتسمًا باستفزاز:
نعم؟
حدقت إليه بذهول غير مصدقة.
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم ولاء رفعت
ضغطت على زر الجرس بعصبية.
فيروز: افتح يا بارد يا اللي ما عندكش دم.
قالتها بصوت غير مسموع.
وبعد أكثر من دقيقتين، فتح لها الساكن الجديد مبتسمًا باستفزاز: نعم؟
حدقت إليه بذهول غير مصدقة.
فيروز باندهاش جلي: إزاي!
صقر بنبرة باردة ساخرًا: أي هو اللي إزاي؟ شايفاني بثلاث رجول قدامك يعني!
قالها فأثار حنقها.
زفرت بغضب وجزت على أسنانها وهي تشير له بإصبعها السبابة في وجهه: اسمع يا صقر، أنت لو جاي تسكن قدامي عشان اللي في دماغك، فده تنساه خالص؛ لأن اللي بيني وبينك انتهى. وهاكررهالك يمكن جالك زهايمر ولا حاجة، أنا مخطوبة وباحترم خطيبي وباحبه وباموت فيه.
قالتها وهي تحدق في عينيه بقوة، لم تعلم مصدر قوتها.
كل كلماتها وانفعالاتها كان يتمعن فيها وكأنه يراها لأول مرة، مما جعل قلبه يخفق بذلك العشق. يعلم كل ما تتفوه به مجرد كذب من مقلتيها التي تتحركان يمينًا ويسارًا بتوتر جلي.
لم يجب عليها وارتسمت على محياه ابتسامة ساخرة فأمسك يدها اليمنى.
صاحت فيه: بتعمل أي؟ أوعى!
قالتها وهي تجذب يدها من قبضته.
صقر بسخرية: معلش بأشوف خاتم الخطوبة.
نظرت في إصبعها لم تجده. أدركت مقصده فقالت بتوتر: عادي على فكرة قلعته وأنا بأغسل إيدي ونسيته على الحوض و...
توقفت باقتضاب وقالت: وأنت مالك وباشرح لك ليه أصلًا؟ وبعدين أنا كنت جاية في حاجة تانية. لو سمحت ما تشغلش الزفت اللي كنت مشغله ده، الناس نايمة وأنا تعبانة وعايزة أنام. إلا لو حضرتك عايز يتقدم فيك محضر إزعاج.
قالتها ثم عقدت ساعديها أمام صدرها.
كاد يضحك من كلماتها الأخيرة لكنه ارتدى قناع الكبرياء وتعجرف وقال بسخرية: محضر! تحبي أوصلك بنفسي لحد القسم؟
فيروز: أنت بتتريق؟ أنا ممكن آخذ شهود وأولهم عم عثمان هيشهد عليك.
قالتها بثقة.
رجع بضع خطوات للوراء ليضغط على زر (الإنتركم) وقال: عم عثمان.
أجاب عثمان: نعم يا صقر بيه.
نظر لفيروز مبتسمًا بسخرية وقال: اطلع عايزك.
عثمان: أمرك يا بيه.
فيروز بحنق: أنت فاكرني بأهزر!
صقر ببرود: وأنا ما بأهزرش.
صعد إليهما عم عثمان يلهث من صعود الدرج: أؤمرني يا صقر بيه.
اتجه إليه صقر وقال: آنسة فيروز عايزة تقدم محضر إزعاج فيا وعايزاك تشهد معاها.
توتر عثمان وبدا على ملامحه القلق والخوف: مـ... محضر كيف يعني! أنا مليش في الحاجات دي واصل. أنا راجل على قد حالي ماشي جنب الحيط وعندي كوم عيال عايز أربيهم. ابعدي عني يا هانم الله يخليكي.
رمقت فيروز كليهما بسخط ولم تتفوه ببنت شفة وتركتهما ودلفت إلى المنزل وصفقت الباب في وجوههم تحت ضحكات صقر الاستفزازية الساخرة ونظرات عم عثمان الحائرة.
تتجه نحو غرفتها وهي تتمتم بغيظ: ماشي، لما وريتك وحرقت دمك يا صقر ما بقاش أنا فيروز.
سميحة: آنسة فيروز عملتي أي؟
قالتها سميحة ولم تجب عليها فيروز. كررت سؤالها مرة أخرى بصوت مرتفع قليلًا.
فيروز بصياح: أييييي! سيبوني في حالي بقى!
قالتها بغضب ودلفت إلى غرفتها وأوصدت الباب.
زمتت سميحة شفتيها لأسفل باستغراب وقالت: هي مالها دي من ساعة ما جاءت ومش طايقة نفسها. الله يمسيكي بالخير يا ست آمال.
قالتها ثم دلفت إلى الغرفة الخاصة بها.
قد جافاها النوم وظلت تتجول في الغرفة ذهابًا وإيابًا. شتت عقلها وجوده بالقرب منها. شعرت ربما كل ما تخطط له ربما سيذهب سُدى.
تتحدث مع نفسها قائلة: لاء، أنا لازم أكون قوية. لازم أدفعُه ثمن كل لحظة عذاب وألم عشتها بسببه. أنا... أنا...
توقفت ثم ألقت نظرة على هاتفها الموجود بأعلى الكومود فاتجهت نحوه وأمسكت به لتضغط على علامة الاتصال ثم ضغطت على رقم مسجل باسم فارس بالإنجليزية.
وضعت الهاتف على أذنها اليسرى حتى أجاب عليها.
فارس بصوت ناعس: كيفك فيروز؟
فيروز بنبرة اعتذار: سوري فارس، أني صحيتك في الوقت ده بس... بس.
نهض بجذعه ليعتدل وقال بصوت عادي: ولا يهمك، أنا قلت لك من قبل دقي لي كيف ما بدك وفي الوقت اللي بدك إياه.
ابتسمت بتوتر: ميرسي. أنا كنت عايزة أقول لك ممكن تعدي علي بكرة تاخذني في طريقك وإحنا رايحين الشركة؟
ابتسم بترحاب: يا ريت. أمتى راح أجي لعندك؟
صمتت لتتذكر شيئًا ثم قالت: إن شاء الله ثمانية بالدقيقة هاكون مستنياك.
فارس: من عيوني فيروز... إن شاء الله راح تلاقيني عندك الساعة ثمانية.
فيروز: تسلم لي. هاسيبك بقى تكمل نومك وأنا يا دوب هاروح أخطف لي ساعتين. تصبح على خير.
فارس: وأنت من أهل الخير حبيبتي... سلام.
قالها ثم أغلق المكالمة ليشابك أنامله خلف رأسه وارتمى على ظهره وهو يتنهد وقال: وكيف يجي لي نوم وصوتك طير لي النوم من عيوني.
قالها وأطلق تنهيدة حارة مليئة بالحب والشوق.
فيروز: لما أنام بقى عشان أعرف أصحى بدري.
قالتها فيروز وهي تدثر جسدها بالغطاء القطني حتى شعرت بقشعريرة من الهواء الذي يولج من الشرفة ويلفح بشرتها.
نهضت متضايقة واتجهت وأمسكت بكلا البابين المتسلسلين لتوصدهما معًا. توقفت فجأة عندما سمعت صوت أغنية منبعثة من الشرفة المجاورة.
زفرت بضيق وقالت: أوووف، هي باينها ليلة زي لون أيامه معايا.
في الشرفة الأخرى، يقف ويمسك سماعة مكبرة (صب) متصلة بهاتفه.
(أنا عايش ومش عايش ومش قادر على بعدك ولا عارف في يوم أنسى ولا عايز حبيب بعدك
ما حبتش غيرك وأعمل إيه في شوقي وهوايا وليلي ونهاري بأفكر فيك ما ترجع كفاية) لعمرو دياب.
ابتسمت رغما عنها وهي تقف بالداخل ثم انتبهت وقالت بصوت غير مسموع: لا والله، إحنا فينا من شغل المراهقين ده. ماشي، أنت اللي جبته لنفسك.
قالتها ثم أمسكت بهاتفها وهي تقول: أخيرًا ألبوم الحزن اللي على موبايلي جاء في وقته.
قالتها ثم ضغطت على أغنية وقامت بتقريب الهاتف في الشرفة حتى يتسنى له سمع الأغنية:
(آسفة شوف لك غيري
مش هاتحمل تعبي معاك..
أنت عايز لك حد يضحي
مهما بتعمل فيه وياك
وأنا جربت ده كله معاك
تعبت وضعفي معاك قواك
بس لغاية أمتى أنا هأفضل أضحي
وقولي لغاية أمتى أنا هأبقى ملاك....) لأصالة.
وفجأة أفزعها صوت حطام قارورة زجاجية قام هو بإلقائها في داخل الشرفة لديها. علمت أن الغضب تملك منه. أوصدت أبواب الشرفة وهي تضحك بصوت منخفض وتقول: ولسه هتشوف مني لما أجننك.
في منزل الحاج عبد الرحيم الأسيوطي، وصوت أذان الفجر الذي يروي القلوب بالإيمان والروح بذكر الرحمن.
زهرة بنبرة ترحاب وبعيون تبكي من الفرح: يا مرحب يا مرحب، توحشتيني جوي جوي يا قلب أمك.
قالتها وهي تعانق ابنتها بفرحة عارمة.
آمال بنبرة حانية: حبيبتي يا أمي، أنت اللي وحشاني قوي، عاملة أي؟
زهرة: الحمد لله يا بنتي، واقفة ليه؟ اقعدي.
قالتها لتعانق محمد حفيدها وقالت: حمد الله على السلامة يا ولدي، إكده تغيب عن جدتك!
محمد مبتسمًا: معلش يا جدتي الشغل والله ما بيخلصش.
زهرة: ربنا يوفقك يا ولدي ويرزقك بالعروسة الزين بإذن الله.
محمد: يا رب يا جدتي.
آمال: أمال فين أبويا وحماد؟
زهرة: بيصلوا الفجر جماعة في المسجد.
محمد: والواد مصطفى مش معاهم؟
زهرة: أخوك يا دوب لساته نايم. كان قاعد طول الليل يتحدث على المحمول مع بوسي بتاعته.
ضحك محمد وقال: أخويا وأنا عارفه، طول الليل مكالمات في الموبايل وينام الفجر ويصحى الظهر.
زهرة: قومي يا بنتي أوضتك جهزتها لك أول ما محمد خبرني إنكم جايين.
لم تعقب آمال ونهضت من تلقاء نفسها واتجهت نحو الغرفة التي تركتها منذ سنين. فتحت الباب ودلفت إلى الداخل تستنشق عبق المكان وتتأمل كل جدار شهد على طفولتها وصباها. ما زال التخت والخزانة كما تركتهم.
زهرة: ما غيرت فيها حاجة واصل. كنت بأنظفها بنفسي على أمل إنك ترجعي. حتى أبوكي ما رضاش يغير الدار أو يهدها ونبني بيت بالمسلح. كان بيقول لي هأعيش وأموت فيها.
قالتها لتبتسم آمال.
آمال: ربنا يبارك في صحته وعمره.
زهرة: يا رب... أسيبك تغيري خلجاتك وتريح لك حبة على بال ما البت هنية تحضر الأكل.
قالتها ثم غادرت الغرفة.
تركت آمال غارقة في ذكريات كل ركن بهذه الغرفة والمرآة القديمة المعلقة على الحائط التي طالما وقفت أمامها وتجملت في صباها. فتحت ضلفة الخزانة التي تتكون من ضلفتين لتقع عيناها على صندوق من الخشب. ارتسم على محياها ابتسامة وأطلقت تنهيدة بأريحية. قامت بفتح الصندوق لتأخذ منه بعض الصور التي تعود إلى فترتي السبعينات حيث الصور ذات اللونين الأبيض والأسود والثمانينات حيث الصور الملونة. تأملت تلك الصورة الخاصة بها وهي ترتدي زي المدرسة الفنية الذي يتميز بالقميص الأبيض والجُونَلَّة ذات اللون الأزرق القاتم. وتجمع شعرها في جديلة ملقاة على كتفها وتحتضن بساعديها حقيبتها الجلدية السوداء.
ابنتها تشبهها كثيرًا في تلك الصورة ما عدا لون العينين والشعر. آمال تتميز بلون عينيها البني المائل إلى العسلي وخصلات شعرها مثل لون الكستناء.
صدى صوت نغمة المنبه في الهاتف ليعلن عن تمام الساعة السابعة صباحًا مع صوت بدء السير والحركة في الشارع وزقزقة العصافير التي تقف على سور الشرفة لتعلن عن بدء يوم جديد مليء بالأحداث.
تجاهد في فتح جفونها الثقيلتين فهي لم تنعم بساعات نوم كافية. نهضت بجذعها وهي تمد ذراعيها لأعلى وتتثاءب. أمسكت هاتفها الذي لم يكف عن التنبيه فقامت بإغلاقه وملامحها مقتضبة. أزاحت الغطاء وقامت متجهة إلى الخارج نحو المرحاض ودلفت إلى الداخل لتغتسل وتتوضأ ثم خرجت لتجد أمامها سميحة التي أفزعتها.
سميحة: صباح الخير يا فيروز.
فيروز باقتضاب: صباح النور يا دادا.
سميحة: أحضر لك الفطار؟
فيروز: اعملي لي فنجان قهوة بس عشان مصدعة، وممكن ساندوتش صغير خالص جنبه.
سميحة: حاضر.
قالتها لتتجه نحو المطبخ.
بينما فيروز عادت إلى غرفتها وهي تبحث في حقيبتها التي لم تخرج منها ثيابها بعد. أخذت إسدالًا للصلاة ثم ارتدته وتناولت السجادة المطوية على ظهر المقعد الموجود أمام مرآة الزينة وقامت بفردها اتجاه القبلة كما أخبرتها سميحة بالأمس، وبدأت بأداء فرضها.
انتهت لتلقي تحية السلام، ثم قامت وهي تخلع الإسدال وتضعه جانبًا مع السجادة التي أخذت تطويها ووضعتها معه.
"لما أتصل على فارس أشوفه صاحي ولا لسه نايم."
قالتها فيروز وهي تمسك بهاتفها وقبل أن تضغط وجدت أنه سبقها بالاتصال، فابتسمت وأجابت:
بونجور مسيو فارس.
فارس على الجانب الآخر وهو يرتشف من فنجان القهوة خاصته: بونجور على أجمل عيون.
فيروز بخجل: ميرسي، أنا كنت لسه هتصل عليك لقيتك سبقتني.
ابتسم وقال: بيقولوا بالمصري القلوب عند بعضها.
فيروز بابتسامة مصطنعة: أها، المهم على ميعادنا إن شاء الله.
فارس: أي إن شاء الله.
فيروز: أوك هسيبك بقى عشان أجهز نفسي، سلام.
فارس: سلام.
أغلقت المكالمة لتلقي بالهاتف على التخت وبدأت تخرج من حقيبتها بعض الثياب وهي في حيرة ماذا سترتدي؟
في المنزل المجاور، خرج لتوه من المرحاض وهو يجفف وجهه بالمنشفة القطنية وتوقف أمام المرآة يتفحص احمرار بياض عينيه من سهر الليالي يفكر في من اختطفت قلبه وعقله. زفر بضيق، ثم اتجه نحو حقيبة ثيابه وقام بحملها ووضعها على التخت ثم فتح السحاب خاصتها وتوقف وهو يفكر ماذا سيرتدي؟
نعود مرة أخرى لفيروز التي انتهت من ارتداء ثياب تبدو رسمية مناسبة لسيدة أعمال.
بدلة حريمي مكونة من سترة باللون الأسود ذات تصميم عصري أنيق أسفلها قميص من الحرير باللون الأحمر القاني وبالأسفل ترتدي بنطال باللون الأسود ذو الخصر المرتفع. وضعت وشاحًا حول عنقها وقامت بربطه بشكل أنيق ليعطي لمظهرها رونقًا وأناقة.
توقفت أمام المرآة وهي تصفف خصلات شعرها لتجعله منسدلًا بتموج خفيف. ترتدي قرطًا على شكل دائرة باللون القميص. وضعت بعض اللمسات التجميلية لاسيما حمرة الشفاه ذات اللون الأحمر الداكن. تذكرت زجاجة العطر التي جلبتها من باريس منبع العطور الساحرة. تناولت الزجاجة من حقيبتها وقامت برش القليل منها ذات رائحة ناعمة وهادئة مزيج من عطر اللافندر والياسمين. وارتدت حذاءً ذو فتحة أمامية (صندل) وكعب مرتفع باللون الأسود المخملي، وها هي أصبح مظهرها سيدة تنضح بالجمال والأنوثة الطاغية. تلقي نظرة أخيرة أمام المرآة وهي تضع يديها على خصرها.
يقف أمام المرآة بعدما انتهى من ارتداء سترة ذات اللون الأزرق القاتم وأسفلها قميص باللون الأبيض ليترك الأزرار العليا مفتوحة وأدخل أطراف القميص بداخل البنطال ذو اللون العاجي وارتدى حزامًا جلديًا ذو اللون الجملي. وارتدى حذاءه الجلدي نفس لون الحزام، وساعة يد جلدية بنفس لون الحذاء والحزام.
أخذ يصفف شعره بالفرشاة حتى أصبح مظهره جذابًا. وهندم من مظهر لحيته وشاربه بالمشط الخاص بهما. ابتسم بجانب فمه وهو يتذكر شيئًا ليأخذ من حقيبته زجاجة العطر الذي جلبها معه خصيصًا لأنه يعلم مدى عشقها لتلك الرائحة التي تخصه هو فقط وقام برش منها الكثير حتى امتلأ منزله منها.
بينما فارس خرج من الفندق الذي يمكث فيه متجهًا نحو المرآب مرتديًا بدلة سوداء عصرية أنيقة وأسفلها قميص باللون الرمادي لم يرتدِ رابطة عنق التي تزعجه. حذاؤه الأسود يلمع في ضوء الشمس. تكسو عينيه نظارة شمسية من تصميم (كلوب ماستر من راي بان).
وصل أمام سيارته الـ (بي إم دبليو) السوداء طراز هذا العام. استقل السيارة ليدير المقود بروية وخرج من ساحة المرآب واتجه للطريق الذي يؤدي للحي الذي تقطن به فيروز.
خرجت من غرفتها وهي تحمل حقيبة يد صغيرة سوداء تحملها على معصم يدها.
"القهوة جاهزة وعملت لك توست بالجبنة الفلامنك."
قالتها سميحة.
ابتسمت وقالت: ميرسي يا دادا.
قالت سميحة بداخل نفسها: "أخيرًا ضحكت يااه."
ثم أردفت بصوت مسموع:
ما شاء الله والله أكبر عيني عليكي باردة يا آنسة فيروز.
فيروز وهي تمسك بالشطيرة: تسلمي لي يا دادا.
قالتها ثم قضمت قطعة من الشطيرة ومضغتها بهدوء.
"تحبي أعمل لحضرتك أي على الغدا؟"
قالتها سميحة.
ابتلعت ما بفمها وقالت: لا شكرًا مش هتغدى هنا، ممكن أتأخر فهضطر أتغدى بره.
سميحة: تروحي وتيجي بالسلامة وربنا يوفقك يا بنتي.
ابتسمت فيروز وقالت: يا رب يا دادا تسلمي لي على دعوتك، وبالله عليكِ فضلي ادعي لي دايمًا كده خصوصًا براحة البال.
سميحة: ربنا يعلي مراتبك ويوفقك في حياتك ويعطيكي راحة البال يا فيروز يا بنت آمال.
فيروز: يااا رب.
قالتها ثم أمسكت فنجان القهوة وترتشف منه وهي تنظر في ساعة الهاتف وقالت:
كده تمام فاضل 5 دقايق زمانه على وصول.
قالتها لتنهض وتتجه نحو غرفتها وتدلف إلى الشرفة تنتظر فارس.
خطت أول خطوة لتأسرها تلك الرائحة التي تخللت ذاكرتها. أغمضت عينيها وهي تستنشقها باستماع وهي تسند على سور الشرفة.
"مسافة الطريق وهكون في الشركة إن شاء الله، النهاردة مجاز من شغلي."
قالها صقر وهو يتحدث في هاتفه حيث انفزعت واتسعت حدقتيها عندما رأته بالشرفة المجاورة.
"سلام."
قالها صقر وأغلق المكالمة ورفع عينيه حتى التقت بعيني تلك المتسمرة في مكانها. مقلتيه لم تستقر في الصعود والهبوط على مظهرها الذي سلب عقله وقلبه. أطلق نغمة صفير بإعجاب وقال:
Very exciting مثيرة للغاية.
رمقته بحنق وانحنت بجذعها لأسفل تتناول شيئًا من الأرض ثم اعتدلت لترفع يدها بجزء متبقي من القارورة المحطمة وألقتها في شرفته وهو يتفاداها، فقالت:
عشان نبقى خالصين.
قالتها ثم دلفت إلى غرفتها وتركته يجز على أسنانه وهو يتوعد لها.
رن هاتفها بنغمة رسالة واردة قامت بفتحها وقرأت محتواها:
(أنا أنتظرك أمام البناية).
ألقت نظرة أخيرة على مظهرها وهي تعتدل من ثيابها. تضم شفتيها لضبط توزيع الحمرة. أخذت حقيبتها وأسرعت نحو الباب وهي تقول:
أنا نازلة يا دادا باي.
سميحة: في حفظ الله يا بنتي.
فتحت الباب لتجد الذي فتح بابه هو الآخر وكأنه ينتظرها. لم تعره أي اهتمام ومشت نحو المصعد في خطوات سريعة وهو يلحق بها ويرتدي نظارته الشمسية ذات اللون البني ماركة (دولتشي آند غابانا) ذات إطار علوي عريض.
وقفت أمام المصعد وهي تضغط على الزر ليصعد إليها ثم توقف وفتحت الباب. علمت أنه خلفها من رائحته العطرية القوية. توقفت ولم تنظر إليه وهي تحاول السيطرة على أعصابها. تذكرت الخاتم لتأخذه من حقيبتها من دون أن يلاحظ وارتدته على الفور.
"اتفضلي."
قالها صقر وهو يشير إليها لتدلف إلى المصعد.
فيروز بدون أن تنظر له: لا هركب بعدين، اتفضل أنت.
ابتسم بتحدي وقال ساخرًا:
الجبن سيد الأخلاق.
قالها ليدلف إلى المصعد فأثار حنقها. جزت على شفتها السفلى بغيظ لتسرع وتدلف هي أيضًا وهي ترمقه بسخط وقالت:
وأنا هخاف من أي إن شاء الله.
قالتها لترفع أنفها لأعلى بكبرياء وهي تنظر أمامها.
ضغط على زر المصعد ولم تنتبه إلى أنه ضغط على زر الطابق الأخير صعودًا. اقترب منها. ارتجفت بخوف لتتراجع إلى الخلف ليلتصق ظهرها بالحائط المعدني للمصعد وهي تقول بنبرة تردد:
أأ، بعد عني أحسن هصوت.
وضع يده في جيبه في زهو وكبرياء واليد الأخرى خلع نظارته ووضعها في جيب سترته ثم استند بيده على الحائط الخلفي لها. يحدق في عينيها ويقول بصوت كالفحيح:
مش بتقولي إنك مش خايفة! مالك بتترعشي كده ليه؟
قالها وأنفاسه تلفح بشرتها التي شعرت بالقشعريرة وهي تتحاشى النظر إليه. ابتلعت غصتها. وقعت عينيها على الشاشة الرقمية لتجد الاتجاه في الصعود وليس العكس.
فصاحت وهي تدفعه في صدره:
أي ده؟
قالتها وهي تشير إلى اللوحة.
صقر: زي ما عينيكِ شايفة.
قالت بغضب: على فكرة أنت معندكش دم وأوعى من وشي.
قالتها لتهم بالضغط على زر النزول. أمسك بيدها بقبضته وجذبها نحوه لتلتفت له ويحدق بعينيها بنظرات أرعبتها وقال:
أنا مغلطتش فيكِ عشان تغلطي فيا، أنتي فاهمة!
قالت باستنكار وبدى على ملامحها الخوف:
أأنت أنت اللي مستفز.
قالتها لتجده يضغط بقوة على زر الوقوف ليتوقف المصعد فجأة فانفزعت.
"أوعى إيدي أنا عايزة أنزل هتأخر على شغلي وخطيبى مستنيني تحت."
قالتها بنبرة استفزازية فأثارت غضبه ليمسك بيدها الأخرى وقال:
مش هتنزلي ولا هتروحي في حتة غير لما تسمعيني الأول.
قالها بنبرة تهديد.
فيروز بغضب: مش عايزة أسمع وكفاية بقى لحد كده، أنت ما بتزهقش!
صقر: لا ما بزهقش وهفضل وراكي لغاية ما تستسلمي لقلبك اللي لسه بيدق لي أنا وبس.
"ده في خيالك وأحلامك وعمري ما هسامحك على اللي عملته فيا، فما تتعبش نفسك في محاولات فاشلة لأن مش هرجع لك."
قالتها وهي تحدق بقوة في عينيه ونجحت في إفلات يديها من قبضتيه.
صقر وهو يحاول كظم غضبه:
هتسامحيني يا فيروز وهترجعي لي لو كان برضاكي أو غصب عنك.
قالها بنبرة تملك وهو يحاوط وجهها بكفيه.
قامت بإزاحة يديه من على وجهها وقالت:
ده أنت بايع كرامتك على الآخر بقى.
قالتها بنبرة سخرية واستهزاء.
شعرت بالرعب عندما رأت تلك الظلمة المخيفة في عينيه. أدركت ما تفوهت به قد أثار الوحش الكاسر الذي بداخله، فهي قد أهانته بجملتها تلك.
أأأنا أنا.
لم تكمل حتى وقعت مغشيًا عليها. أمسك بها بذعر وخوف لتتحول ملامحه من الغضب إلى القلق عليها.
"فيروز، فيروز."
قالها وهو يربت على وجنتها. لم تفق بعد. ضغط على عدة أزرار على الفور حتى بدأ المصعد في الهبوط وعينيه لم تفارق وجهها وهو يسندها بذراعه.
وصل إلى الطابق الأرضي لينتبه إلى الباب وقام بفتحه.
فتحت عينيها قليلًا ثم اعتدلت على الفور وأسرعت تركض وهي ترتجف من الرعب لاكتشافه خدعتها. وقف في المصعد والدماء تغلي في عروقه. وصل إلى ذروة غضبه. ركض خلفها ليتوقف عندما رآها تدلف إلى داخل سيارة سوداء ليدرك أنه فارس.
فيروز برجاء وهي تدلف إلى السيارة وتوصد الباب مسرعة: اطلع بسرعة يا فارس الله يخليك.
فارس بقلق وهو ينطلق بالسيارة: شو اللي صار؟ مو فاهمان شي.
فيروز: مش وقت شو خالص. هفهمك بعدين بس خليك سايق بسرعة.
ذهب صقر نحو سيارته مسرعًا واستقلها لينطلق مسرعًا خلفهم.
***
في فيلا الهواري.
تمسك هاتفها وتزفر بضيق: أووف رد بقى. قالتها رنيم بحنق.
إياس: لسه ما بيردش عليكي؟
رنيم: ده الاتصال رقم 20 وبرضو مش بيرد.
إياس ويرفع حاجبه حائرًا: غريبة أنا برضو ما بيردش عليا من إمبارح.
رنيم: أنا من ساعة اليوم النحس بتاع الافتتاح ده وما شفتهوش.
إياس: أنا شوفته تاني يوم في القسم ولا كأن حصل حاجة، ما أنتِ عارفة أخوكي.
رنيم: طيب تقدر تفسر بأي اختفاءه من الحفلة بعد إعلان فارس خطوبته على فيروز وفيروز كمان وبعدها ما لقيناش فارس. أنا خايفة ليكونوا عملوا في أخويا حاجة.
أطلق إياس العنان لضحكاته وقال: آه مش قادر بطني هتموتني من الضحك.
رنيم: هو أي اللي في كلامي بيضحك يا أستاذ إياس!!!
إياس وهو يمسح دمعة عينيه من أثر الضحك: بصراحة يا رنيم كلامك وطريقتك وكلك على بعضك تضحكي بلد. قالها بسخرية مازحًا.
عقدت حاجبيها بحنق: الكلام ده ليا أنا؟؟؟؟
صمت وهو يبتلع ريقه ويكتم ضحكاته: لا يا روحي أنتِ عسل وسكر وست العاقلين.
رنيم بتحذير: إياااااااااس!!!
إياس: عيون إياس وقلبه.
رنيم: اتعدل.
إياس وهو يعدل ياقة قميصه: حاضر يا كبيره.
شردت في الفراغ وقالت: طيب يا ترى راح فين!!! ما تفكر معايا.
إياس: ثواني هاجرب أتصل عليه أنا تاني. قالها وأمسك هاتفه وأجرى الاتصال على صقر فأجاب الآخر.
صقر بنبرة غضب وهو يقود السيارة ويتابع سيارة فارس: نعم؟؟؟
إياس: أي يا ابني عاملين بنتصل عليك من بدري وما بتردش.
صقر: سايق العربية ومش عارف أرد ومش فاضي.
إياس: طيب يا عم. أنا عندكم في الفيلا.
صقر: نعم يا أخويا؟؟؟ أنتَ في الفيلا وأنا مش موجود.
إياس متضايقًا: شكرًا يا صاحبي على الثقة. على فكرة أنا قعدت أتصل عليك من إمبارح وأنتَ ما بتردش يا إما قافل تليفونك.
صقر بحنق: إنجز ولخص في الكلام عايز أي؟؟
إياس: أنا جاي هاخد رنيم عشان هنحجز الفرح اللي مش عايز يتعمل ونروح نبص على الفيلا نشوف مهندس الديكور عمل اللي طلبناه منه ولا لأ، وبعدها هنروح المعرض نشوف الأوض اللي حجزناها.
صقر بعدم اهتمام: طيب بس ما تأخرهاش. سلام. قالها وأغلق المكالمة بدون أن ينتظر رد إياس.
إياس ينظر للهاتف وقال: واطي.
رنيم: ها قالك أي؟
إياس: يلا اطلعي اجهزي عشان نلحق نخلص المليون مشوار اللي ورانا أنا النهاردة واخد إذن بالعافية.
رنيم: حاضر ربع ساعة وهكون جاهزة. خد راحتك. قالتها لتصعد الدرج مسرعة.
وهو ذهب نحو المطبخ ليدلف إليه وجد الخادمة تعد الطعام. شعر بالجوع ومعدته أصدرت صوتًا.
إياس: لو سمحت ممكن تعمليلي سندوتشات على السريع كده أنا ما فطرتش وجعان أوي.
التفتت إليه ورمقته باندهاش وقالت: حاضر.
***
بداخل سيارة فارس.
فارس بنبرة ضيق: فيروز بدي أفهم شو اللي بيصير. أنا حاسس حالي مثل الأجدب.
كانت تتلفت خلفها وتقول: بص أول ما هنوصل الشركة هقولك على روقان عشان أعرف أحكيلك.
توقف بالسيارة فجأة ليصدر صوت صرير العجلات من أثر احتكاكه بالأسفلت: لا ما فيني أصبر أكتر من هيك.
فيروز وصوتها مرتفع إلى حد ما: فارس لو سمحت أنا قولتلك هقولك بعدين.
رمقها بنظرات عتاب والتزم الصمت وأكمل السير.
فيروز بنبرة اعتذار: أنا آسفة والله ما قصدي أزعق.
فارس وهو مقتضب حاجبيه ويقود السيارة: خلاص فيروز ما في شي. قالها وظل صامتًا طوال الطريق حتى وصل أمام الشركة.
فيروز بخجل لأنها تعلم أنه ما زال متضايقًا: إحنا وصلنا؟؟
فارس وهو ينظر للجهة الأخرى: أي يلا انزلي وأنا راح أركن السيارة بالباركينج.
نظرت له بسأم فتنهدت وقالت: أوك هاستناك هنا. قالتها وهي تترجل من السيارة وانتظرت مكانها حتى جاء إليها وبدون أن ينظر لها مباشرة دلف برفقتها إلى الشركة. لكن بالطبع كان يتفحصها بطرف عينيه بمشاعر حب متأججة بداخل قلبه.
فارس ويسأل موظفة الاستقبال: لو بتسمحي يا آنسة سيلين خانم موجودة؟
الموظفة: مين حضرتك؟
قام بإخراج بطاقة ورقية من جيب سترته الداخلي وأعطاها إياها. فقامت بقراءته وهي تنظر إليها بابتسامة ونهضت من على مقعدها وأشارت له بيدها نحو المصعد وهي تقول: اتفضل فارس بيه تركب الأسانسير ده الدور الرابع هتطلع وتمشي طرقة طويلة. المكتب تالت غرفة على اليمين.
فارس مبتسمًا: ميرسي إلك. قالها واتجه نحو المصعد وفيروز تمشي بمحاذاته. ضغط على الزر حتى هبط إليه المصعد ففتح إليهم الباب المعدني الذي يفتح ويغلق أوتوماتيكيًا. دلف إلى الداخل أولًا ثم هي وراءه وتنظر له بملامح اعتذار طفولية. لم يعطها اهتمامًا على الرغم من النار المشتعلة بداخله. ضغط على زر الصعود على الطابق الرابع لينغلق الباب.
في نفس اللحظة يدلف بهيبته من البوابة الزجاجية ينظر في ساعة يده من أسفل النظارة الشمسية. ثم اتجه نحو المصعد ليضغط على الزر منتظرًا هبوط المصعد.
***
خرج كلاهما من المصعد ليمشيا في رواق طويل وتتبعا وصف الموظفة. حتى وصلا أمام باب زجاجي. دلفا بالداخل.
السكرتيرة التي تجلس خلف المكتب وأمامها الحاسوب: أي خدمة يا فندم؟
فارس: أنا فارس الشامي وهي بتكون الآنسة فيروز شريكتي.
السكرتيرة: طيب لحظة من فضلكم اتفضلوا استريحوا وها بلغ مدام سيلين بوجود حضراتكم. قالتها مبتسمة ثم طرقت على باب المكتب ثم دلفت وأوصدت الباب خلفها.
فيروز: طيب ممكن ترد على سؤالي لو مش عايز تتكلم معايا؟؟
زفر بضيق وقال: احكي فيروز أنا بسمعك.
فيروز بنبرة هادئة: إحنا مش المفروض رايحين الشركة بتاعتنا أنا وأنت؟
التفت إليها ويرمقها بنظرات لم تفهمها وأثارت القلق بداخلها وقال: أي إحنا هون بالشركة اللي أنا وأنتِ بنكون شركاء فيها.
تجهم وجهها لتنظر بدهشة وكادت تنطق حتى خرجت إليهم السكرتيرة وقالت: اتفضلوا سيلين هانم مستنية حضراتكم.
دلف كلاهما.
سيلين: أهلًا وسهلًا دي الشركة نورت بحضرتك مسيو فارس والآنسة فيروز.
فارس مبتسمًا: الله يخليكي يسلموا.
فيروز: آنسة أي بقى بلاش تكلفة يا سيلي. قالتها وهي تصافحها باليد.
سيلين: والله أنا فرحانة بوجودكم معايا و كشركاء كمان.
فارس: فيروز ما بتعرف موضوع الشراكة.
نظرت له فيروز باقتضاب وهي تقول: بصراحة اتفاجئت.
سيلين بابتسامة: وإن شاء الله هنكون أكبر جروب بينتج تصميمات أزياء على المستوى العالمي وفي نفس الوقت هنكون أنجح شركة تجميل في الشرق الأوسط.
فيروز بابتسامة زائفة: وهيكون اسمها سيلي برضو؟؟
سيلين: لا هسيب لكم حرية اختيار الاسم بما إنكم شركاء أساسيين وخبرة في المجال ده.
أوقفهم صوت طرقات على الباب.
سيلين: اتفضل.
دلف شهاب مبتسمًا ويحمل باقة أزهار وقال: ممكن أدخل؟
سيلين بضحك: ما أنت دخلت بالفعل.
تجهم وجهه لينظر لفارس وفيروز التي يعرفها وقال بتوتر: أهلًا وسهلًا.
فارس: أهلين شهاب بيك. قالها ليقف ويصافح شهاب باليد.
شهاب: أهلًا آنسة فيروز. قالها وهو يمد يده إليها وينظر لسيلين بتوتر.
فيروز: أهلًا بحضرتك. قالته وقامت بمصافحته باليد.
سيلين: طبعًا عارفين شهاب يبقى جوزي وابن عمي وشريكي الجديد في الجروب والمسؤول الخاص عن الوحدات بما أن ده تخصصه.
ابتسم شهاب وقال: اعذروني أنا ما ليش في مجال الفاشون والتجميل، أخري في المعمار والمقاولات والصفقات اللي تبع مجالي.
فارس: ولا يهمك يا بيك كل واحد إله تخصصه وكيف بيقولوا بالمثل ادي العيش لخبازه. قالها وهو مبتسمًا ونظراته لم تفارق فيروز التي سحرته بهيئتها الجذابة ونظرات عينيها البريئة.
سيلين: قبل ما نبدأ الاجتماع أحب اعتذر لكم بالنيابة عن أستاذ محمد الأسيوطي مش هيقدر يجي بسبب ظروف عنده.
فيروز: عارفة. هو في أسيوط مع ماما.
نظرت سيلين لها باستغراب لتردف فيروز وقالت: محمد يبقى ابن خالي. قالتها ليتبادل شهاب وسيلين نظرات توتر.
سيلين مبتسمة: سبحان الله الدنيا دي صغيرة.
فيروز: فعلًا.
سيلين: طيب على كل حال ناقص آنسة. قاطعها طرق على الباب مرة أخرى فأردفت: اتفضل.
دلفت السكرتيرة: سيلين هانم صقر بيه وصل ومستني بره.
اتسعت عيني فيروز لتلتقي بنظرات فارس المقتضبة. وسيلين زاد توترها أكثر من نظرات شهاب الذي كما أنه أراد منها أن تنقذه.
سيلين: خليه يتفضل.
قالتها سيلين.
دلف وسبقته رائحة عطرة فابتلعت ريقها وأشاحت ببصرها.
قامت سيلين وهي تقول:
"أتفضلوا حضراتكم هناك."
قالتها لتشير إلى طاولة الاجتماعات، ذهب شهاب وخلفه فارس الذي لم يترك فيروز بل أمسك يدها ليطمئنها بوجوده معها. صقر ظل واقفًا يرمقهم بنظرات نارية حارقة من أسفل نظارته.
"أتفضل يا صقر واقف عندك ليه؟"
قالتها سيلين.
تنهد وتقدم نحو الطاولة. وجلس الجميع بذلك الترتيب: سيلين تترأس الطاولة، شهاب على يمينها، فيروز على يسارها وبجوارها فارس الذي يجلس مقابله صقر. بعد مرور ثوانٍ تحبس لها الأنفاس، دلف مجموعة من الشباب والفتيات، المسؤولين عن التخطيط والتنظيم التي ستسير عليه مشاريع المجموعة في المجالين الأزياء والتجميل.
بدأ كل منهم يعرض أفكاره ويطرح مقترحاته والتي تخص مجال الإنتاج والاستيراد والتسويق وذلك عبر جهاز العرض البصري (البروجكتور).
وفي ظل ذلك كان هناك تبادل طلقات نارية عبر النظرات ما بين صقر وفارس. بينما فيروز لم ترفع عينيها حتى لا تلتقي بعينين صقر. شهاب يخشى من شيء ويتمنى ألا يحدث. سيلين تدرك كل ذلك وتجلس في توتر تهز قدمها بحركة عصبية من أسفل الطاولة ومع ذلك تنتبه للفريق الذي يعرض العمل.
"رائعة جدًا أفكاركم وأحييكم على إبداعكم في التصميمات والأنظمة اللي ماشيين بيها، وده اللي شجعني أبدأ بيكوا وأديلكوا مجال للإبداع وده طبعًا تحت إشراف المصممين اللي هيوصلوا بكرة إن شاء الله من فرنسا وإيطاليا. حد عنده أي استفسار؟"
قالتها سيلين.
أجاب أحدهم:
"لا يا فندم."
سيلين:
"طيب أتفضلوا دلوقتي على مكاتبكوا، ولو في أي قرارات متغيرة أو جديدة هبلغكوا في وقتها على طول. بالتوفيق يا شباب."
قالتها لينهض الجميع ويغادر ما عدا شركاؤها.
"ها يا جماعة أي رأيكوا في اللي طرحه فريق العمل؟"
قالتها سيلين.
شهاب:
"تمام."
فارس:
"حلو كتير ما شاء الله عليهم."
سيلين:
"فيروز؟"
فيروز:
"ها؟ نعم."
ابتسمت سيلين وقالت:
"إنتي مش معانا خالص."
فيروز بابتسامة تكاد ترتسم على محياها وهي تضع يديها على الطاولة وقالت:
"مفيش بس..."
قاطعها فارس وهو يمسك بيدها اليمنى ليلتمع بريق خاتم الخطبة في إصبعها وقال:
"أنا راح أشرح لها كل شيء وهي ما شاء الله عليها كتير ذكية."
ثم نظر لفيروز مبتسمًا:
"مو هيك حياتي؟"
أومأت له فيروز وهي تنظر بطرف عينيها للبركان الذي يوشك على الانفجار ليحرقها هي وكل من يجلس على تلك الطاولة اللعينة.
"وأنت يا صقر أي رأيك؟"
قالتها سيلين.
نهض من مقعده وقال:
"في الاجتماع الجاي إن شاء الله لما تيجي رنيم. عن إذنكوا."
قالها ونظراته لم تفارق الثنائي الذي يجلس أمامه. ارتدى نظارته ثم غادر. وتمنى لو يقتلع رأس ذلك الفارس ويقطع يده التي تتلمسها بحرية.
توترت الأجواء.
"عن إذنكوا رايحة مشوار وراجعة تاني."
قالتها فيروز.
فارس هامسًا:
"مشوار شو؟"
فيروز:
"نسيت آخد الحقنة هاروح آخدها وجاية على طول."
فارس:
"أوك راح نتضرك لا تتأخري."
فيروز:
"حاضر."
قالتها لتنهض وتغادر المكان. وعبراتها رفيقة عينيها. مشت مسرعة ولم تعرف إلى أين ستذهب. قلبها يحترق قبل قلب حبيبها الذي يعتصر من الألم كلما رآها مع غيره لا سيما الذي يعلم أنه يعشقها وليس مجرد تمثيل من ناحيته. لكن هي كانت كمن وقعت بين شقي الرحى. أرادت أن تعاقبه بالبعد وتحرقه بنار الغيرة لكن لفحتها تلك النيران.
شعرت بالاختناق. وجدت بابًا مكتوبًا على لوحة أعلاه (طوارئ) وبجوارها سهم يشير إلى أعلى. وجدت إحدى العاملين بالشركة وقالت:
"لو سمحت هو الباب ده بيودي فين؟"
العامل:
"بيودي على السطح يا فندم."
فيروز:
"طيب شكرًا."
ترددت قليلًا ثم وضعت يديها على مقبض الباب ولم ترَ القادم نحوها عن بعد مترين. صعدت الدرج حتى وصلت أمام باب قامت بدفعه لتجده مفتوحًا. مشت واتجهت نحو السياج المعدني الذي يحاوط السطح. كان المنظر مهيبًا. ترى الكثير من المباني الشاهقة. تتطاير خصلات شعرها في الهواء. عقدت ساعديها أمام صدرها. لتستمتع باستنشاق نسمات الهواء التي خالطتها رائحة للتو تميزها وتحفظها جيدًا بقلبها قبل ذاكرتها.
التفتت للخلف لتجده أمامها. ظل يتبادلا النظرات في صمت بدون أن تتفوه بكلمة وهو أيضًا. لغة العيون أقوى وأكثر صدقًا من لغة اللسان الذي كثيرًا يتفوه بالكذب. انسدلت من عينيها عبرة دون أن تشعر بها. اقترب منها ليمسح بأطراف أنامله تلك العبرة.
"أنت قدرت تمسح دمعة عيني تقدر تمسح دموع قلبي!!!"
تفوهت بها بنبرة اخترقت قلبه ليتألم بشدة.
"أديني الفرصة وهنسيكي أي لحظة ألم عيشتيها بسببي. بس عشان يحصل ده لازم أكون معاكي وقريب منك يعني..."
ابتلع ريقه بتوتر وقال:
"يعني نرجع لبعض."
قالها صقر بنبرة رجاء حانية.
"صعب يا صقر. صعب أرجعلك في يوم وليلة. عارف كل ما أبص لعينيك أفتكر نظراتك ليا في القسم كأنك كنت بتطعني بألف سكينة في قلبي. يمكن ألم الطعنة أهون من نظرتك. صعب أنسى إيديك اللي كانت بتطبطب عليا وتحسسني بحبك وحنيتك عليا بقت الإيد اللي كل كف منها علم في قلبي قبل ما يعلم على خدي. صعب أنسى نظرة الاتهام اللي في عينيك يوم الكشف اللي أنت كنت عايز تعرف منه إن أنا عذراء ولا لأ. حسيت يومها إن اللي قدامي وقتها ده مش صقر اللي حبيته وحبني، صقر اللي حبيته على الحلوة والمرة معاه. اللي كان ساعات بيجرحني وكنت برضه مقدرش أبعد عنه. أقول إيه ولا أحكيلك إيه. أنا لو فضلت أقولك على كل اللي جوايا هتكره نفسك أوي."
قالتها فيروز لتبدأ عينيها تذرف عبراتها.
جثى على ركبته والأخرى أثناها واستند بمرفقه عليها وأمسك يدها يقبلها وهو ينظر إليها وقال:
"أنا آسف. آسف على كل اللي أنتي حساه. آسف على كل اللي عملته معاكي. آسف إني مديت إيدي عليكي. أوعدك عمري ما هكرر أي حاجة من دي تاني. وربنا يقدرني وأسعدك طول ما أنا عايش."
قال كل كلمات الأسف والاعتذار أمامها في ذلك الوضع. أزاح كبرياءه وغروره جانبًا تجرد منهما في تلك اللحظة من أجل أن تغفر له وتسامحه. من أجل أن تعود له وتروي قلبه بنبع عشقها المشتاق إليه. هو جسدها وهي روحه الذي يعيش بها. كيف له العيش وهي بعيدة عنه قلبًا وقالبًا.
دقات قلبه كقرع الطبول ينتظر الحكم بالعفو بمسامحته أو حكم بالإعدام بالابتعاد عنه.
في المكتب. يجلس وكأن النار تشتعل في المقعد الذي يجلس عليه. ينتظرها على أحر من الجمر. ينظر في هاتفه. حتى وقعت عينيه على حقيبتها وهاتفها التي تركتهما. شعر بانقباضة في قلبه حينما علم بأنها كذبت عليه. نهض فجأة.
"عن إذنكن. راح أشوف فيروز وين راحت."
قالها ولم ينتظر إجابتهما ليغادر المكان تحت نظرات سيلين وشهاب المدهوشة.
وقف بالرواق يبحث يمينًا ويسارًا. قابل أحدهم وقال:
"لو سمحت. ما شفت آنسة مرآت من هون لابسة تياب باللون الأسود وبلوزة حمرة وعينيها باللون الفيروز؟"
نظر له الرجل وقال:
"معلش أنا لسه جاي من بره ممكن تروح تسأل عم شعبان الساعي وهو ممكن يفيدك."
فارس:
"شكرًا."
قالها واتجه لآخر الرواق باحثًا عن الساعي.
"أنا جهزت يلا بينا."
قالتها رنيم.
إياس:
"يا سلام يا جدعان على القمر اللي بحبه يا ناس."
قالها بنبرة غزل.
رنيم بخجل:
"بس بقى."
إياس:
"بعشق كسوفك ورقتك يا روحي. هيا سيدتي الجميلة أنكجشيني حتى نذهب لنحدد ميعاد الزفاف."
قالها ساخرًا بمزاح.
رنيم:
"هيا يا أميري العزيز."
قالتها بمزاح وهي تسند يدها على مرفقه.
توجها إلى الخارج ليستقل كليهما سيارته وانطلق بالسيارة.
بداخل السيارة.
رنيم:
"تفتكر الواد صقر بيعمل إيه؟"
إياس ضاحكًا:
"الواد صقر!!! آه لو سمعك."
رنيم بثقة:
"ولا يقدر يعمل حاجة."
إياس:
"يا لهوي على الفشر. ده لما بيشخط فيكي بتبقي شبه الكتكوت المبلول."
لكزته في كتفه وقالت:
"طيب ركز في السواقة بدل ما هخليك أنت اللي مبلول."
إياس:
"هههههههههههه. مجنونة."
قالها ليزيد سرعة السيارة.
توقف أخيرًا أمام إحدى الفنادق الشهيرة.
إياس:
"انزلي هنا وأنا هاروح أركن العربية في أي حتة."
رنيم:
"يعني هتسيبني أقف لوحدي؟"
قالتها وهي تضم شفتيها لأسفل كالطفلة.
إياس:
"انزلي يا رنيم إنتي تخوفي العفريت."
رمقته بتوعد وهي تضيق عينيها:
"حسابك تقل جوي جوي يا ولاد مني."
قالتها مازحة.
إياس:
"حاضر يا عم الخط. انزلي بقى."
فتحت الباب وترجلت من السيارة وهي تقول:
"ما تتأخرش عليا."
بعد قليل دلف كليهما إلى داخل الفندق متجهين نحو غرفة مكتب المسؤول عن حجز أكبر قاعة لحفلات الزفاف.
"أحم السلام عليكم."
قالها إياس. ليستقبله الرجل مبتسمًا.
وقال:
"وعليكم السلام أتفضل يا إياس بيه."
إياس:
"إيه أنت عرفت إزاي؟"
الرجل:
"والد حضرتك لسه قافل معاه حالًا."
إياس:
"آه بابا ماشي."
الرجل:
"أتفضلوا استريحوا. ونطلب لحضراتكم تشربوا حاجة. عقبال ما أشوف ليكوا الوقت والعروض المتاحة."
إياس:
"متشكر."
دلف إليهما النادل يضع أمامهما كؤوس العصير. تناول كل منهما كأسه. تجرعه إياس على مرة واحدة. وظلت رنيم تحدق فيه باندهاش وهي تكتم ضحكاتها وتركت الكأس ولم ترتشف من الإحراج.
أعطى لهما المسؤول كتيبًا صغيرًا فيه العروض ومواعيد الحفل المتاحة لهم حاليًا. وأخذ يتناقش معهم. وبعد مرور وقت.
خرج كليهما من الفندق وهم يتنفسا الصعداء.
رنيم:
"أنا صدعت من الراجل ده يا ساتر عليه ده رغاي."
إياس:
"ههههههههههه وطي صوتك. سيبك من الراجل."
مبسوطة يا روحي.
رنيم وهي تبتسم بفرح: أوي أوي يا قلبي، أخيرًا هنتجوز.
حملها إياس من خصرها وظل يلتف بها بشكل دائري: وأخيرًااااااا هنتجوز يا بت يا رنييييييييم.
رنيم: يخربيتك نزلني، الناس عمالة تبص علينا.
توقف عندما رأى الكل يرمقه بنظرات ضحك والأخرى ازدراء وحقد. أنزلها بروية، واعتدل من ثيابه وقال بصوت مرتفع: تعالي يا مراتي.
كتمت ضحكاتها ثم همست له: أهو بعد كلمة تعالي يا مراتي دي اتأكدوا العكس. الله يسامحك.
إياس: خلي اللي يتكلم يتكلم، خلاص كلها يومين وهنتجوز وهتبقي مراتي ومحدش ليه عندي حاجة.
رنيم: طيب يلا تعالي نتصل ع صقر ونفرحه بدل الكآبة اللي عايش فيها دي.
إياس: يلا.
دلف كلاهما داخل السيارة وظل يهاتف صقر الذي لم يجِب عليه.
رنيم: لسه مش بيرد؟
إياس: شكله مشغول، نبقى نتصل بيه في وقت تاني. يلا عشان نقضي بقية مصالحنا يا مسهل. قالها وانطلق بالسيارة.
**
نعود إلى فيروز وصقر الذي ما زال ينتظر منها كلمة من أجلها سيعيش، ومن دونها سيحيا كالميت، قلب بلا روح.
_ هفكر... قالتها فيروز باقتضاب.
على الرغم من قلبها الذي يصرخ بداخلها ويقول هيا سامحيه وبين ذراعيك وعانقيه وبعشقك أرويه، لكن العقل تحدّى القلب وقال: لا تغفري له مهما كان. ستتذكرين جراحه مهما أدركك النسيان، ستظل قسوته تاركة آثارها بداخلك مهما مر الزمان. بقلمي: ولاء رفعت علي.
نهض يبتلع غصته لكن لا يعلم من أين جاءته نقطة مضيئة التي أضاءت قلبه بنور الأمل وأن لا يستسلم ولا ييأس.
_ أفهم من كده إنك هتسامحيني بس بعد ما تاخدي وقتك؟ قالها صقر وهو ينظر بداخل عينيها الذي يرى بداخلهما صراع مثل الأمواج المتلاطمة التي لا تريده أن يستقر على شاطئ النجاة.
_ يمكن... سيب الوقت والزمن ينسيني بس إزاي وأنت قدامي طول الوقت؟ قالتها بنظراتها الجافة.
صقر: حاضر أنا همشي وهسيب الشقة ومش هضايقك وهبعد عنك طول الفترة دي بس أرجوكي ما تطوليش البعد، عشان روحي بتغيب طول ما أنتي بعيدة عني. قالها ثم أطلق زفرة كأنه تنفس الصعداء وأردف: أنا ماشي وهعمل اللي أنتي عايزاه بس خدي بالك من نفسك لأنها غالية عندي أوي.
أومأت له بالموافقة ولم تجِب، لتولي له ظهرها فعلم إنها بحاجة أن تنفرد بذاتها ويعطيها مجالًا لحرية التفكير. غادر المكان بدون أن تشعر وهبط الدرج مسرعًا وخرج من باب الطوارئ الذي بنفس الطابق الذي صعد منه.
رمقته تلك الأعين بنظرات حادة وهو يخرج من ذلك الباب مبتسمًا ولم يلاحظه، حتى وصل أمامه ليجد رجلًا يقف يعد أوراقًا من المال.
_ لو سمحت تعرف واحد اسمه شعبان؟ قالها فارس.
الرجل بابتسامة: أنا يا بيه، أؤمر.
ابتسم فارس براحة وقال: دخيلك ما تعرف وين بلاقي آنسة... ظل يسرد له مواصفاتها.
شعبان: آه يا بيه دي كانت بتدور ع مكان تشم فيه شوية هوا، قولتلها ع الباب ده بيودي ع السطح وهي طلعت ع طول.
اقتضب حاجبيه وقال: شكرًا لإلك، تسلم. الآن ربط كل شيء مع بعضه البعض. مغادرتها خلفه عندما ترك المكتب، كذبتها عندما قالت إنها ستأخذ الحقنة، تأخيرها من دون سبب، خروج صقر من ذلك الباب مبتسمًا. سيتأكد من كل ذلك ووجودها بالأعلى سيجيب عليه كل ما يجول بداخله. النيران المشتعلة في صدره، نار الغيرة على الرغم إنه يعلم ما زالت تحب غيره. صعد الدرج ليجدها تولي ظهرها وصوت أنين بكائها يصل إلى مسمعه. اقترب منها ووضع يديه على كتفيها، فالتفتت له وهي تقول: نعم يا صقر!!!!
حدّق بعينها بعدم تصديق ما تتفوه به الآن، هي لا تعلم لماذا انتابها الارتباك.
_ كنتي معه؟ قالها فارس بهدوء الذي يسبق العاصفة.
فيروز بتردد: لاء، أأه... بس.
_ جاوبيني بنعم أو لا... قالها بصياح ونبرة غاضبة لم تعهدها من قبل سوى عندما صاح في إيميلي أمامها.
فيروز: آه كنت معاه... قالتها بنفاذ صبر وهي تبكي.
فارس: ليش فيروز؟ ها؟ ردي علي. قالها وهو يمسك بذراعها لأول مرة بهذا العنف.
أجهشت بالبكاء وقالت: كفاية بقي ارحموني، كل واحد فيكو بيغرز سكاكينه جوايا لحد ما بقاش في مكان وقلبي عمال بينزف ومحدش حاسس بيا. سيبوني أعيش في حالي لوحدي من غير وجع قلب، ما بقتش أستحمل.
**
هبط الدرج بأكمله ليصل إلى البهو حيث مدخل الشركة. لا يعلم لماذا قلبه يتراقص من الفرحة، أخيرًا سينعم بالراحة. أمسك بهاتفه ليجد العديد من المكالمات، فقام بالاتصال على إياس.
صقر: ألو أيوه يا واد يا إياس... قالها مازحًا.
إياس: واد! ماشي يا عم مقبولة منك. ما بتردش علينا ليه؟
صقر: ما أنا لسه شايف المكالمات، كان عندي اجتماع والأهم منه لقاء تاريخي هينتهي بفرحة قريب إن شاء الله.
إياس: خير إشجيني؟
صقر: خير! وأشجيك!!! إيه التناقض اللي أنت فيه ده؟
إياس: أتريق أتريق وأنا اللي كنت ناوي أفرحك وأقولك إن فرحي على أختك بعد 3 أيام.
صقر: نعم!!!
إياس: زي ما سمعت، مفيش مواعيد غير ده والمواعيد التانية في الشتا وبصراحة أنا بكره الشتا بسبب التعب والبرد. خليني أتهنالي يومين مع المزة بتاعتي.
صقر: ده أنا اللي هخليك تتهنى بالبونيات في وشك لما أشوفك.
إياس: يعني دي كلمة ألف مبروك... شايفه أخوكي يا رنيم هيبتدي شغل الحموات؟
رنيم أخذت منه الهاتف وهي تضحك: هههههه إيه يا عم التقلان علينا، كده تسيب أختك لوحدها في تلك الأيام العصيبة.
صقر: ما أنا سايبك مع خطيبك بتخرجوا براحتكم، لولا أنا واثق فيه ومتربي معانا كنت زماني ما خليتهوش يشوفك غير في ليلة فرحكم.
رنيم: يا ساتر يا رب... طيب يلا ارجع بقي عشان محتاجينك في شوية حاجات.
صقر: حاضر أنا جاي إن شاء الله على بالليل... وعندي خبر حلو.
رنيم: ربنا يفرح قلبك يا حبيبي ها قولي؟
صقر: فيروز أخيرًا هنرجع لبعض، إحنا شبه اتصالحنا بس اديتها وقت تفكر.
رنيم: بجد؟؟؟؟ يا رب يهدي ويصلح ما بينكم وتتجوزوا على طول بقي.
صقر: يا رب يا رنيم يا رب.
رنيم: هي عندك؟
صقر: لاء هي فوق في الشركة.
رنيم: الشركة؟؟؟ ما علينا... طيب استغل الفرصة وروح اعزمها على الفرح بنفسك يمكن تهل بركتنا عليكوا وترضى عليك.
صقر: يعني أنتي شايفة كده؟
رنيم: آه.
تدخل إياس في المكالمة وقال بمزاح: وأنا شاهد ما شافش حاجة.
صقر: أخرص يا واد وخليك في حالك بدل ما هخليك ما تشوفش حاجة خالص وفرحك بعد 3 أيام أظن إنك فاهمني... قالها مازحًا.
إياس: إحنا آسفين يا صلاح.
صقر: هههههههههههه أيوه كده اتظبط..... وسلام بقي هاروح ألحق فيروزتي قبل ما تطير من على السطح.
إياس مازحًا: سطح!!! هي وصلت للسطح؟!!!
تدخلت رنيم: سطح إيه؟
إياس: ملكيش دعوة ده كلام رجالة وخليكي في حالك.
صقر: طيب أقفل يا أبو نية شمال... سلام... أغلق المكالمة ليطلق تنهيدة بأريحية وقال: إمتى بقي يجي اليوم ده وأعزم فيه كل الدنيا على فرحي أنا وأنتي.... قالها وابتسم ليتجه نحو المصعد ويدلف إليه ليصعد إليها.
**
_ أتركك!!! كيف أتركك وأنا عم بتنفس هواكي!! كيف أتركك وأنا ما بقدر أعيش لحظة بلاكي!! قلبي وروحي وعقلي كلون تاركهم وياكي.
بقلمي: ولاء رفعت علي.
قالها فارس وكأن قلبه يتغنى بكلمات عشقه لها.
فيروز وهي تكفكف دموعها وهي مصدومة بذهول من ما يتلقاه سمعها: إيه اللي أنت بتقوله ده استحالة.
اقترب منها وصاح فيها وهو يمسكها من مرفقيها: استحالة!!! ليش استحالة؟؟؟ عنجد أنا بشفق على حالك... تتركي اللي بيحبك وبيخاف عليكي وتجري ورا اللي بيدعس على قلبك كأنه ولا شيء بالنسبة إله... فُوقي بقي وشوفي مين عم بيحبك وعم بيتعذب في هواكي... أنا... صمت ليبتلع ريقه حتى يستمد شجاعة قلبه ويصرح لها فأردف: أنا بحبك فيروز... أنا عشقان وجانن ودايب فيكي... قالها بجنون العشق الذي اشتعل بداخله كنيران التنور.
جذبها من مرفقيها ليعلن عن حبه بقبلة يعبر من خلالها عن عشقه الذي جعله مجنون فيروز.
وفي نفس اللحظة والبرهة وصل إلى آخر درجة يصعدها حتى يتسنى له ويرى ما يحطم قلبه مثل القارورة التي ألقاها في شرفتها منذ الأمس.
تمنى ما يراه يكون كذبًا خيالًا ليس له بالواقع صلة. جن جنونه... لو تحرك قيد أنملة نحوهما ربما سيرتكب جريمة شنعاء، وهي إلقائهم من فوق السطح حتى يلقيا حتفهما ويلقي بنفسه خلفهما. تلك كانت وساوس الشيطان الذي يهيئ له ذلك. عزم أمره ليبتعد عن هذا المكان بدلًا من أن يرضخ لذلك الشيطان اللعين. ركض كالتائه والثائر لا يعلم وجهته... ركض وقلبه يتألم ويذرف دماءه وجعًا وقهرًا... لم يشعر كيف ومتى وصل إلى سيارته ليدلف إلى الداخل وانطلق بها.
**
_ دوي صوت الصفعة التي ناولته إياها وهي تصيح فيه: أنت بني آدم مجنون ولا يمكن أثق فيك بعد كده ومن النهاردة كل اللي ما بينا من شراكة وصداقة انتهى... قالتها فيروز في قمة الغضب من ما اقترفه الآن ومن كلماته التي وقعت كالصاعقة على مسمعها لتحيا بداخلها الوفاء والإخلاص التي ما زالت تحمله للإنسان الوحيد الذي عشقته ولم تعشق غيره.
اتجهت نحو الخارج لتغادر.
عاد إلى وإدراكه وقال: فيروز أنا أنا آسف... وقفي لعندك... اسمعيني... قالها ويلحق بها على الدرج.
توقفت ترمقه بسخط وقالت: خلاص يا فارس... أنت فضفضت كل اللي شايله جواك وقلته بكل صراحة... أنا مش هحاسبك على مشاعرك... لأن كل واحد فينا قلبه مش بإيديه... بس وجودي جنبك ببقى بظلمك... وأنا أكثر حاجة بكرهها في حياتي الظلم... اسألني أنا اللي عشت وعايشة فيه.... قالتها وتركته وغادرت المكان كله... تاركة خلفها قلوب محطمة.
هل سيعالج الزمن ذلك الحطام؟
يقود سيارته بجنون، يريد أي شيء يشتت انتباهه عما يدمر خلايا عقله من التفكير ويزهق روحه ويعتصر قلبه. ضغط على زر المسجل، لتأتي تلك الأغنية تعزف على أوتار جراحه الدامية.
"حاسس بخنقة وضيقة
حاسس إن أنا بتهد
في ناس من براها بريئة
بس من جواها تخض
هو إيه اللي حصل في الدنيا
حاسس إن أنا موجوع عمال بتعذب
أنا بنزف من برا ومن جوه دموع
بعدك مش هيموتني
لا بالعكس ده أنت حييتني
كل حاجة بيك ربطتني خلاص قطعتها
أنت بجد جرحك ليا علمني ما علّمش عليا
ووقفني على رجليا، خلاص كلامي انتهى
أنا كنت بعتبرك بجد كتير عليا
بس اكتشفت إن أنا اللي كتير عليك
وإن أنت أصغر من إنك تتسلى بيا
وأنا كنت نعمة كبيرة ضاعت من إيديك." (كلامي انتهى - أحمد سعد)
تجلس بالمقعد الخلفي بداخل سيارة أجرة قد استقلتها للتو بعدما اتفقت مع السائق على إعطائه الأجرة فور وصولها إلى منزلها.
تنظر من النافذة وعيناها رفيقتها العبرات، تتذكر كلمات صقر التي أذابت قلبها كما يذاب المعدن عند انصهاره، بينما كلمات فارس أوجعتها بمعنى الكلمة حرفيًا.
شعرت بإنها على محك الظلم، الذي تمقته بشدة لإنها تجرعت منه الكثير والكثير ولا تريد بأن تذيقه لأحد خاصة من المقربين إليها.
"وصلنا يا آنسة." قالها السائق فانتبهت وقالت: "طيب ممكن تستنى لحظة."
قالتها وترجلت من السيارة ونادت على الحارس: "عم عثمان... يا عم عثمان!"
ركض إليها: "نعم يا فيروز هانم."
فيروز: "معلش ممكن تطلع لدادة سميحة خليها تديلك 100 جنيه عشان أحاسب التاكسي."
عثمان: "وليه أروحلها أنا معايا والخير كتير." قالها ليخرج ورقة مالية بقيمة مائة جنيه وأعطاها للسائق: "اتفضل يا أسطى."
السائق: "متشكرين يا بلدينا... يلا سلامو عليكو."
عثمان: "وعليكم السلام... أي خدمة تاني يا هانم؟"
فيروز بابتسامة: "شكرًا يا عم عثمان.. تعالى اطلع معايا عشان أديلك فلوسك."
عثمان: "عيب يا فيروز هانم.. إحنا صعايدة وجدعان جوي... خلي فلوسك معاكي يمكن أحتاجك في يوم."
ابتسمت لطيبة قلب ذلك الرجل النقي: "تسلم يا عم عثمان." قالتها وصعدت درج الفناء ثم دلفت. دلفت إلى المصعد حتى وصلت إلى الطابق الذي تقطن فيه. خرجت وتوقفت أمام باب منزلها وهي تنظر خلفها إلى باب منزله وهي تتذكر عندما رأته الأمس. ابتسمت بسأم ثم ضغطت على الجرس. فتحت لها سميحة.
"سلام عليكم يا دادة." قالتها فيروز وهي تدلف إلى الداخل.
"وعليكم السلام يا بنتي." قالتها سميحة وهي تنظر باستغراب من حالة فيروز ولم ترَ بيدها أي من متعلقاتها.
اتجهت نحو غرفتها، لتلقي بجسدها الذي قد تخدر من الوجع النفسي الذي تشعر به على التخت الذي قد نظمته وقامت سميحة بترتيبه.
غطت في سبات عميق لتنفصل ذهنيا وبدنيا عن تلك الذوبعة التي مرت بها اليوم.
بعد مرور ساعات حتى أصبحت الساعة 12 منتصف الليل.
بداخل الملهى الليلي.
يجلس على المقعد ويسند رأسه على ساعده على الطاولة الرخامية (البار). يتمتم بكلمات غير مفهومة، لا يسمعه أحدًا بسبب تلك الموسيقى الصاخبة التي تهتز بسببها الكؤوس.
وفي إحدى الأركان تجلس فتاتان في مقتبل العشرينات.
"واخدة بالك يا يويو من اللي نايم عند البار ده؟" قالتها الفتاة.
لتجيب الأخرى وهي تزفر دخان السيجارة في الهواء: "فين ده؟"
الفتاة: "أنت حولة يا بنتي! مفيش غيره أصلاً وبقاله ساعات على الوضع ده."
نهضت وهي تطفئ السيجارة في المنفضة المعدنية وقالت: "خليكي هنا وجايلك."
الفتاة: "طيب ما تتأخريش."
اتجهت الفتاة التي تدعى آيات التي ترتدي ثوبًا باللون الأسود يلتصق بجسدها كأنه جلد آخر لها، يكشف عن ذراعيها وساقيها حتى منتصف فخذها. شعرها يصل إلى عنقها الموشوم برسمة أنثى الثعبان. عيناها اللوزيتيان ذات لون الزيتون الأخضر تعطيانك انطباع الغموض عندما تحدق بداخلهما.
"بسس يا كابتن." قالتها وهي تلكزه بخفة ليستيقظ.
استيقظ بفزع وهو يضيق عينيه بانزعاج وقال: "أنتِ مين؟"
آيات: "أنا نفسي أعرف جايلك نوم في الهبد والرزع ده إزاي؟"
صقر: "وده مضايقك في حاجة؟"
حدقت في عينيه ولم تجب على سؤاله. مدت يدها لتصافحه وتقول: "يويو أو يويا أو زي ما تحب تناديني... 23 سنة... خريجة ألسن شعبة اللغة العبرية."
حدق بها من أسفل لأعلى وهو يتناول علبة السجائر التي أمامه وتناول واحدة ويضعها بفمه، لتسبقه هي وتمسك بالقداحة وتبتسم له بمكر وهي تشعل له السيجارة التي بين شفتيه.
"وأنت مين؟" قالتها وهي تضع القداحة على الرخامة.
زفر الدخان جانبًا وظل يحدق بها وقال: "تاخدي كام؟"
"نعم؟ أنا زيي زيك هنا زبونة مش أكتر.. ولا أنت عشان جيت وقفت معاك فاكرني من الريكلام بتوع النايت؟" قالتها آيات بامتياض.
صقر: "ماشي يا يويو، طيب جيتي صحتيني ليه؟ تعرفيني مثلًا؟"
آيات: "بصراحة عجبتني.. بحب جو الراجل الغامض اللي عينيه غريبة مش مفهومة."
صقر بابتسامة جانبية ساخرة: "والمواصفات دي فيا أنا؟"
أخذت السيجارة من بين أصابعه لتسحب منها الدخان ثم تزفره في وجهه وقالت: "أنت كلك على بعضك عجبتني." قالتها بجرأة.
نزل من فوق المقعد المرتفع ليقف بطوله الفارع أمامها وأخذ من فوق الرخامة متعلقاته، وألقى بعض ورقات المال للبارمان. ألقى إشارة بأصبعيه تعني (سلام)، ثم جذب آيات من يدها.
صاحت به وهي توقفه: "رايح فين وسحبني وراك؟"
صقر بنبرة هادئة ونظرات جريئة: "أصلك عجبتيني وأنا عاجبك.. مستنية إيه؟"
آيات: "طيب خليك هنا هاروح آخذ الكروس (حقيبة) بتاعتي فيها موبايلي وفلوسي... وجايلك على طول." قالتها وهي تغمز له بعينها.
"رايحة فين يا مجنونة؟" قالتها رفيقتها.
آيات: "ملكيش فيه... لما تروحي وحد سألك عليا قوليلهم عندي شيفت إضافي وراجعة الصبح... يلا باي." قالتها وارتدت حقيبتها.
الفتاة: "يخربيت جنانك يا آيات مش هتسكتي غير لما تقعي في شوية عيال صيع يعملوا فيكي زي فيلم المغتصبون." قالتها ثم ارتشفت من النبيذ وأردفت: "وأنا مالي خليها تاخد فوق دماغها."
بالخارج استقل سيارته وهي تجلس بجواره، ثم انطلق بالسيارة.
"ما بتتكلمش ليه؟ ولا القطة كلت لسانك؟" قالتها آيات.
رمقها بنظرات حادة، صمتت ونظرت من النافذة وهي تلوي فمها جانبًا.
في منزل فيروز.
بدأت تستيقظ لتجد إنها تنام بثيابها، نهضت بملل وهي تتثاءب. أبدلت ثيابها بمنامة قطنية قصيرة، ذهبت أمام المرآة وهي تمسك بقطعة قطن بحجم كرة صغيرة تضع بها القليل من سائل مزيل مساحيق التجميل. تزيل الحمرة من شفتيها، ثم تركت ما بيدها أمام المرآة. خرجت متجهة إلى المرحاض لتغتسل.
خرجت من المرحاض وهي تمسك بمنشفة قطنية تجفف خصلات شعرها ووجهها. دلفت إلى غرفتها وهي تمشط شعرها المنسدل وتنظر إلى عينيها المنتفختين في المرآة. توقفت لتنتبه لصوت عم عثمان.
"أي خدمة يا صقر بيه؟"
لم يجب عليه صقر ليردف الحارس: "لا حول ولا قوة إلا بالله.. ربنا يهدي."
أسرعت نحو الشرفة لم تتمكن من رؤيته، أثارها الفضول لماذا رجع في ذلك الوقت، أصبحت الواحدة صباحًا.
ارتدت معطفها القطني وألقت المشط الذي بيدها وأسرعت نحو الباب وتقف خلفه تنظر من العدسة التي تتوسط الباب. انتظرت قليلًا، حتى اتسعت عيناها بالصدمة مما تراه. كادت تفتح الباب لتتردد وتسأل نفسها ماذا ستفعل وبأي حق ستحاسبه؟ أليس هي من طلبت الابتعاد!
لم تتحمل أكثر من ذلك، فتحت الباب في نفس اللحظة الذي قد دلف كليهما وأغلق الباب.
أسرعت متجهة نحو منزله وظلت تضغط على زر الجرس بيد واليد الأخرى تطرق على الباب بقوة.
وتصيح بصوت غاضب: "افتح يا صقر!"
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم ولاء رفعت
لم تتحمل أكثر من ذلك، فتحت الباب في نفس اللحظة التي دلفا فيها وأغلق الباب.
أسرعت متجهة نحو منزله وظلت تضغط على زر الجرس بيد واليد الأخرى تطرق على الباب بقوة، وتصيح بصوت غاضب: "افتح يا صقر!".
**في داخل منزله...**
"استنى شوف مين اللي بيخبط عليك الأول"، قالتها آيات وصقر يجذبها من يدها نحو غرفته.
لم يجب عليها بل دلف إلى داخل الغرفة وهو يضغط على زر الإضاءة.
آيات: "أنت يا عم الساكت ما تروح تشوف اللي عمالة تصوت على الباب دي!".
فيروز بالخارج: "افتح يا صقر أنا لسه شيفاك داخل ومعاك واحدة، افتح بدل ما أطلبلكوا بوليس الآداب!" قالتها بصياح وغضب الذي جعل وجهها محتقنًا بالدماء.
**بالداخل...**
اقترب من آيات وهو ينظر لحمرة شفتيها. ابتسمت له بمكر وقالت: "إيه على طول كده؟ مش لما ناخد على بعض؟".
"هوس"، قالها صقر وهو يشير لها بالصمت. خلع سترته وألقاها على الأرض. خلع الساعة من معصمه ووضعها جانبًا، ومازالت فيروز بالخارج تطرق الباب وتناديه ورنين الجرس لن ينقطع. خلع حزام بنطاله وألقاه أرضًا. كل ذلك تحت نظرات آيات التي جلست على التخت وتضع ساق فوق الأخرى وهي تحدق فيه بنظرات إعجاب.
قام بفك أزرار قميصه واحدًا تلو الآخر ليخلع القميص ويصبح عاري الصدر.
"واو... Very attractive"، قالتها آيات.
لم يُعرِ جملة الإعجاب أو نظراتها أي اهتمام. اقترب منها وهو يمد يده بقميصه إليها وقال: "أنا هطلع بره دقيقة وراجع تكوني مش لابسة غير القميص ده"، قالها بصيغة أمر.
وقفت وهي تمسك بقميصه بيد والأخرى وضعت اليد الأخرى على لحيته وهي تقول بنبرة لعوب: "أوك... مستنياك"، قالتها وتغمز له بعينها. وضع طرف إبهامه على شفتيها وهو يمسح الحمرة في إصبعه ثم تركها وغادر الغرفة متجهًا نحو باب المنزل. نظر في العدسة التي تتوسط الباب فوجدها مازالت تقف وتصيح غاضبة.
"افتح يا صقر... والله لو ما فتحت هنط من البلكونة على البلكونة بتاعتك"، قالتها فيروز بالخارج، بينما هو يتابعها من العدسة ثم وضع يده على مقبض الباب وقبل أن يفتح قام بلطخ شفتيه بالحمرة التي بإبهامه وهو يبتسم بمكر، ثم مسح ما تبقى في عنقه.
فتح الباب مواربًا إياه ليخرج إليها بصدره العاري والحمرة على شفتيه وعلى عنقه.
وبنبرة برود جعلتها تحترق بمكانها: "عايزة إيه؟ أنا مش فاضي".
اتسعت حدقتاها مما تراه لتقترب منه وكادت أن تلمس شفتيه لتتأكد مما تراه فأمسك بمعصمها وألقى بيدها بقوة في الهواء.
"أنت بتخوني؟!" قالتها فيروز بنبرة غير مصدقة.
ابتسم بسخرية وقال: "بخونك؟ ده على أساس إن في بينا حاجة؟!".
فيروز بنبرة على وشك أن تفقد أعصابها: "ووعدك ليا النهاردة؟! وكلامك؟! وطلبك إني أسامحك؟!... كل ده كان إيه؟".
زفر بضيق وقال: "كان تمثيل... وامشي من هنا يلا"، قالها بنبرة ازدراء وهو كاد أن يوصد الباب في وجهها.
لكن لم يستطع بسبب دفعة الباب بقوة لم تعلم متى وكيف أتت بها، لتدفعه من أمامها هو أيضًا وهي تصيح: "هي فين بنت الـ..... والله لأموتها لك!".
قالتها وهي تركض تبحث في الأرجاء عن آيات التي كانت بداخل الغرفة تغلق أزرار قميص صقر التي قامت بارتدائه.
أمسكها صقر من يدها وهو يجذبها لتغادر: "اطلعي بره مش عايز أشوف وشك هنا"، قالها بنبرة قوية.
رمقته بنظرات حارقة ولم تتمثل ما قاله لها بل سحبت معصمها بقوة من قبضته وصاحت فيه وقالت: "مش ماشية من هنا غير لما العاهرة اللي جايبها معاك دي تمشي الأول".
اقترب منها وعيناه لم تشاهدا سوى المشهد الذي رآه وفارس يقبلها. تحول لون عينيه لظلمة قاتمة. قبض على عضديها بقوة لتشعر باختراق أنامله جلدها وقال بغضب: "عايزة مني إيه؟! مش مكفيكي البوس والأحضان مع المسيو بتاعك؟!" قالها لتنظر له في ذهول.
"أنت قصدك إيه مش فاهمة حاجة"، قالتها بعدم فهم.
ظل يضغط أكثر بأصابعه على عضديها لتبدأ عبراتها في الانسدال من عينيها وقال: "أنت فاهمة قصدي كويس... بطلي بقى دموع التماسيح ودور البراءة اللي مش لايق عليكي ده... وأنا بقى اللي بقولها لك أنا مش...". لم يكمل ليقاطعه صوت آيات التي خرجت وتمسك سيجارة مشتعلة بيدها وتقول بنبرة دلال لتثير حنق فيروز.
"إيه يا حبيبي ده أنت عندك ضيوف ولا إيه؟" قالتها آيات التي تستند على الإطار الذي يحيط باب الغرفة وتزفر دخان السيجارة في الهواء.
رمقها صقر بنظرات جعلتها ترتعب وتصمت وتلقي السيجارة في الأرض لتعود إدراجها لداخل الغرفة. دفعته فيروز في صدره ليبتعد عنها وبسرعة البرق لحقت بآيات، تجذبها من خصلات شعرها وهي تصيح فيها: "اطلعي بره يا زبالة من هنا!".
آيات بصراخ: "آه سيبي شعري يا حيوانة أنتِ!".
فيروز بغضب: "أنا حيوانة؟ طيب!" قالتها بتوعد لتترك شعر آيات التي تقاومها لتبعدها عنها. أمسكتها من ذراعها لتغرز أسنانها بقوة.
"آآآآآآآآآآآآآآآآآه"، صرخة ألم أطلقتها آيات ثم أردفت: "آه يا..... يا بنت الـ..... والله ما أنا سايباكي!".
قالتها لتدفع فيروز التي وقعت على ظهرها على الأرض لتعتليها آيات وهي تحاول ضربها لكن فيروز تمسك كلتا يديها بقوة وهي تغرز أظافرها بيدي آيات.
ظل متوقفًا في مكانه بالخارج والغضب يعميه، لكن تحرك على الفور عندما وجد آيات نجحت في إفلات إحدى يديها لتقبض على عنق فيروز وهي تحاول خنقها. قبض على ذراعي آيات ويجذبها للخلف لتبتعد عن فيروز.
"سيبني آخد حقي من بنت العضاضة دي"، قالتها آيات بصياح.
صقر وهو يبعدها: "بس كفاية بقى أنتوا الاتنين... وأنتِ اطلعي بره"، قالها لفيروز التي نهضت وهي تحدق به. ثم نظرت يمينًا ويسارًا في عدم تصديق ذلك الموقف حتى وقعت عينيها على حقيبة ثيابه المفتوحة وبداخلها السلاح الخاص به في جيب داخلي بداخل الحقيبة. لمعت عينيها بدون أن تلفت انتباه كليهما إليها.
"أنا همشي يا صقر"، قالتها ثم اتجهت نحو الحقيبة وبحركة سريعة التقطت سلاحه وأردفت: "بس لما أفهم قصدك إيه والقذرة دي تغور من هنا"، قالتها وهي توجه فوهة المسدس صوبهم.
"أنتِ يا مجنونة سيبي المسدس"، قالها صقر بحذر وصياح. اختبأت آيات خلفه وهي تصرخ.
فيروز بتحدي: "مش هسيب حاجة غير لما تمشي الزفتة دي من هنا".
آيات بخوف: "طيب طيب أنا همشي بس اديني دقيقة ألبس الفستان اللي عندك ده"، قالتها بخوف وهي تشير إلى ثوبها الملقى على التخت التي فيروز بمحاذاته.
رمقتها فيروز بازدراء وهي تنحني لتأخذ الثوب وتلقيه بقوة نحوها لتلتقطه وهي تقول: "ممكن أدخل الحمام أغير وهمشي على طول؟".
فيروز ومازالت تشهر السلاح صوبهما: "يا ريت ما أشوفش خلقتك خالص"، قالتها لتركض آيات تغادر الغرفة وتتجه نحو المرحاض لتبدل ثيابها.
"سيبي المسدس يا فيروز أحسن لك"، قالها صقر وهو يجز على أسنانه ويقترب ببطء نحوها.
أرجعت يدها لتقلب فوهة المسدس وتغرزها في موضع قلبها وتصرخ فيه بغضب: "مش همشي غير لما أسمع منك الأول وتسمعني أنا كمان لأن زهقت من التسرع والظلم اللي بيجري في دمك".
اتسعت عيناه بالخوف وقال: "حاضر حاضر هعمل اللي أنتي كل اللي أنتي عايزاه بس أبعدي المسدس"، قالها وهو يلوح بيده باستسلام وخوف عليها.
---
**في سكون الليل ونسمات الهواء التي تبعث في روحك رائحة الطبيعة التي تأسرك في عالم آخر... وخاصة فوق منزل الحاج عبد الرحيم الأسيوطي التي تحاوطه الأراضي الزراعية...**
يتمدد على ظهره فوق حصيرة من الخوص يمدد ساق والأخرى يثنيها، يتحدث في الهاتف بصوت هادئ مليء بمشاعر الحب التي يحملها لها.
"وحشتيني أوي"، قالها مصطفى بنبرة اشتياق.
على الجانب الآخر بوسي تتمدد على تختها وفراشها الوثير: "شكرًا".
مصطفى بنبرة تهكم: "شكرًا؟! هو ده الرد اللي ربنا قدرك عليه؟!".
بوسي بحنق: "يعني عايز إيه في ليلتك دي؟".
مصطفى: "يعني عمال أغني لك من بدري وأقول فيكي أشعار وبأقول لك وحشتيني وتقولي لي شكرًا؟!".
بوسي بنبرة عتاب: "ما أنت عارف أنا بتكسف وما بأعرفش أرد ومتنساش أن دي أول مرة في حياتي أحب وأتحب والكلام ده".
مصطفى باندهاش: "أول مرة؟!".
بوسي: "آه مالك مستغرب ليه؟".
مصطفى: "أنا بصراحة كان نفسي أسألك لو ليكي تجربة حب قبل كده... بس قولت لنفسي يا واد يا ديشا... ما بلاش نتكلم في الماضي... الماضي ده كان كله جراح... ومادمت بأحبك أنا راضي... هاندور ليه على شي راح".
أطلقت ضحكة تردد صداها في مسمعه: "ههههههههه.... مش قادرة أبطل ضحك".
مصطفى باقتضاب: "بقى كده؟!".
بوسي ومازالت تضحك: "والله يا ديشا أنت اللي بتضحكني.... خلاص خلاص هبطل ضحك"، قالتها ولم تسيطر على ضحكاتها.
مصطفى بحنق: "والله لو ما بطلتِ ضحك هقفل السكة في وشك".
صمتت فجأة وانقلبت نبرتها إلى تهديد: "أبقى اقفل السكة كده وشوف مين اللي هيعبرك تاني... ومين اللي هيوافق عليك".
غر فاهه وقال: "إيه ده أنتِ وافقتي تتجوزيني؟!... احلفي!".
بوسي: "أومال إيه اللي مصبرني عليك لحد دلوقت؟" قالتها بسخرية مازحة.
انفرجت أساريره بفرح جلي وقال: "حبيبة قلبي أنا بأحبك أوي يا بوسي".
احمرت وجنتاها لتجز على شفتها السفلى بخجل.
أردف وقال: "وليا عندك خبر حلو إن شاء الله راجع كايرو النهاردة وهبتدي شغل في شركة بابا وهبقى بيزنس مان".
بوسي: "بجد يا ديشا؟!".
مصطفى: "آه طبعًا عشان لما أجي أطلب إيدك من باباكي ومامتك أبقى أتكلم بقلب جامد".
صمتت قليلًا ثم قالت بنبرة قلق: "مصطفى أنا كنت عايزة أقول لك على حاجة".
مصطفى باقتضاب: "قولي خير".
ترددت لثوان وقالت: "بصراحة مش عايشة مع بابا وماما".
مصطفى: "يعني إيه؟ هم مسافرين؟".
بوسي: "لأ... هم بصراحة منفصلين ومحدش يعرف الموضوع ده غير رنيم".
مصطفى: "وفيها إيه يا حبيبتي... إيه العيب في كده؟".
بوسي: "في حاجات كتير أنت متعرفهاش عني...".
يعني أنا عايشة لوحدي من بعد ما جدتي توفت من 4 سنين، وسبب إني معشتش مع حد من أهلي إن بابا متجوز واحدة من سني مبحبهاش، عمري ما استريحت لها. وماما متجوزة برضه، وأنت عارف بقى مينفعش أقعد معاها خصوصًا أنا مش بعرف آخد راحتي وحسيت بعدم ترحيب من جوزها.
مصطفى بنبرة حزن: يا حبيبتي، متخافيش أنا جنبك وعمري ما هسيبك. وبعدين أنا واثق فيكي وفي أخلاقك، أنا اللي كنت خايف إنك متوافقيش على جوازنا.
بوسي: عارف يا مصطفى أنا كنت طول عمري خايفة أحب وأرتبط والكلام ده، وفي الآخر ننفصل ونفسيتي تدمر، لأن بجد وقتها مش هقدر أستحمل. توعدني إنك تكون جنبي على طول ومتتخلاش عني؟
مصطفى: أوعدك يا روح مصطفى مفيش حاجة تبعدني عنك غير الموت.
بوسي: بعد الشر عليك يا حبيبي.
مصطفى: قلتي إيه؟
بوسي: بعد الشر.
مصطفى: لا اللي بعدها؟
بوسي وهي تجز على شفتيها ثم قالت: يا حبيبي.
مصطفى: لولولولييي، أخيرًا بلّيتي ريقي بكلمة حلوة.
بوسي: معلش يا مصطفى أنا معرفش أعبر عن اللي حساه.
مصطفى: ولا يهمك يا حبيبتي أنا حاسس باللي جواكي من غير ما تنطقي.
- وأنا كمان حاسس بيكو أنتوا الاتنين.
قالها محمد بصوته الذي أفزع مصطفى وأخذ يضحك.
مصطفى: ثواني يا بسنت خليكي معايا.
قالها ليضغط على علامة كاتم الصوت في الهاتف وقال بحنق: مش شايفني بتكلم!!!
محمد: ما تتكلم هو أنا ماسكك.
مصطفى: طيب عن إذنك انزل يلا.
محمد: أنا كنت جاي أقولك جهز نفسك عشان ساعة ومسافرين، إلا إذا لو مش عايز تشتغل وتتجوز بوسي.
قالها بسخرية وضحك.
رمقه بسخط وقال: طيب انزل وأنا جاي وراك.
ابتسم محمد وقال: سبحان مغير الأحوال. فعلًا صدق اللي قال الحب بيعمل المعجزات.
قالها ليغادر على الفور.
ضغط على شاشة الهاتف وقال: أيوه يا بوسي أنا هقفل بقى عشان رايح أجهز حالي عشان مسافر مع محمد أخويا. خدي بالك من نفسك.
بوسي: حاضر وأنت كمان تيجي بالسلامة.
مصطفى: حاضر يا حبيبتي. سلام.
بوسي: سلام.
___________________
- لا يوجد صوت أعلى من صوت أنفاسها المتلاحقة وهي ما زالت تمسك السلاح وتغرس فوهته في موضع قلبها. قاطع ذلك السكون صوت صفق باب المنزل.
- خلاص هي مشيت أهي.
قالها صقر وعينيه تلتمعان بالخوف عليها.
ارتخت قبضتيها ليقع السلاح على الأرض. فأسرع هو وقام بأخذه وألقاه بعيدًا. ليندفع بحبه لها ويجذبها بين ذراعيه يحتضنها.
- ليه بيحصل لينا كده؟ كل ما نقرب تحصل مشكلة أكبر من الثانية ونفترق.
قالها وهو يضمها بقوة وخوف وحب.
رفعت عينيها الدامعتين وتحدق في عينيه وتقول: أنت السبب.
قالتها ثم أزاحت ذراعيه التي كانت تحاوطها ثم أردفت: على طول شكاك ومتهور وبتحكم على طول من غير ما تسمع اللي قدامك.
قال بامتِعاض: أنا قلبي اتكسر لما شوفتك بين إيديه وبيبوسك يا فيروز، مقدرتش أستحمل لو كنت قدمت خطوة كنت هرتكب جريمة، نزلت على طول مش عارف أنا رايح فين.
ابتسمت بسخرية وقالت: وأنت صدقت؟ أنت لو كنت استنيت ثانية واحدة كنت شوفتني وأنا بوقفه عند حده عشان تجاوز حدوده معايا.
تنهد بسأم وهو يجلس على حافة التخت وقال: أنتي متعرفيش حاجة، عمرك ما هتحسي باللي جوايا.
فيروز: ومين قالك إن أنا مش حاسة بيك؟ أنا عارفة يمكن صدمتك في مامتك وأنت صغير ده سبب لك حاجز نفسي خلاك متثقش في أي واحدة. بس المفروض عندك عقل تميز بيه اللي قدامك ويكون قلبك واثق في الإنسانة اللي بتحبها.
- أنا بحبك وبعشقك يا فيروز لدرجة إن أنا مش بستحمل حد يبصلك.
قالها بنبرة غيرة عاشق.
فيروز: وإزاي بتحبني وأنت مش بتثق فيا؟ الحب يا صقر لو متبناش على ثقة واحترام متبادل، اعرف إنها علاقة محكوم عليها بالفشل.
نظر لها وكأنه ينتظر أن تكمل. فأردفت وقالت: لازم نبعد عن بعض فترة كل واحد فينا يعيد حساباته.
صقر باقتضاب: يعني أنتي شايفة كده؟
فيروز: أنا كل اللي أنا شايفاه عشان نرجع لبعض لازم تغير من نفسك ده لو عايزانا نرجع لبعض.
صقر: والفترة دي لحد إمتى؟
حدقت في عينيه بنظرات عميقة وقالت: لحد ما هحس إنك اتغيرت.
قالتها ثم غادرت الغرفة بل المنزل. تركته وهو متسمرًا في مكانه كأن سكب عليه دلو مياه مثلجة. فقال بنبرة تحدي: ماشي يا فيروز لما نشوف هتستحملي البعد لحد إمتى؟
______________________________
- تنسدل أشعة الشمس في جميع أنحاء المعمورة، مع إشراقة صباح يوم جديد لتبدأ أحداث وحكايا جديدة.
تمام الساعة الـ 9 صباحًا، في شركة الأسيوطي جروب.
يدلف محمد من البوابة الزجاجية الضخمة وبمحاذاته مصطفى الذي يخفي عينيه المسيطر عليهما النوم أسفل النظارة الشمسية. اتجه كلاهما ليدلفا إلى داخل المصعد حتى وصلا في الطابق الذي يوجد به غرفة المكتب.
- حمد لله على السلامة يا فندم.
قالتها السكرتيرة.
محمد بنبرة جدية: الله يسلمك. جهزتي الملفات بتاعت الصفقة المشتركة ما بينا وبين السويفي جروب؟
السكرتيرة: أيوه يا فندم. وفيه ميعاد بعد ربع ساعة مع نائب مجموعة المتحدين للصلب.
رفع معصمه أمام عينيه لينظر في ساعة يده الفضية وقال: طيب تمام. خلي عم ربيع يعملي واحد قهوة سادة وواحد إسبريسو.
قالها وهو ينظر لشقيقه الذي يقف ولم يتفوه بكلمة.
دلف إلى غرفة مكتبه ليسبقه مصطفى ويجلس على إحدى مقاعد طاولة الاجتماعات ويعقد ساعديه ويسند رأسه عليهما في وضع النوم.
- وده اسمه إيه إن شاء الله؟
قالها محمد بسخرية.
مصطفى بصوت ناعس: والنبي يا محمد سيبني أخطفلي ساعتين أنا هموت من قلة النوم.
محمد بامتِعاض: ومش مكفيك الـ 6 ساعات اللي نمتهم في العربية؟
مصطفى: حرام عليك هو أنا عرفت أنام من المطبات اللي كل شوية تترزع فيها وأصحى مخضوض أفتكر العربية اتقلبت بينا.
محمد: طيب قوم وروح اغسل وشك واتمشى شوية وأنت هتفوق.
مصطفى بإذعان للنوم: لا روح أنت وسيبني أنام.
محمد بصياح: مصطفى! قوم مبهزرش ده شوية وهيجي نائب من أكبر شركات الصلب.
مصطفى بسأم قام واعتدل وقال: يعني أنت عايز مني إيه يا أخي ما تقابله أنت.
محمد بنبرة تهكم: لا والله؟ وأنت جاي عشان تنام! اسمعني بقى كويس عشان لو معملتش اللي هقولك عليه هبعت لبابا فيك تقرير محترم هخليه يحبسك في بيت جدك ومش بعيد يجوزك هنية الشغالة.
مصطفى: لا وحياة عيالك يا محمد كله إلا بابا خليني علاقتي معاه كويسة لحد ما نروح عشان أتقدم لبسنت.
محمد: طيب اتلم بقى وصحصح.
طرق الساعي على الباب ودلف يحمل صينية بها فنجان قهوة وكوب ذو يد يحتوي على (إسبريسو).
- أي خدمة يا محمد بيه؟
قالها الساعي.
محمد: شكرًا يا عم ربيع.
قالها ليغادر الساعي.
دلفت السكرتيرة للتو. وقالت: نائب مجموعة المتحدين للصلب مستني بره يا فندم.
محمد وهو يرتشف من فنجان القهوة: خليه يتفضل.
- السلام عليكم.
قالتها فتاة في منتصف العشرينيات بنبرة رقيقة وناعمة.
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
قالها محمد وهو ينظر لصاحبة البشرة الحنطية ذات الوجه الدائري والشفاه الوردية الرفيعة. وعينيها اللوزيتيان ذات اللون الرمادي القاتم تحاوطهما رموش كثيفة. ترتدي حجابًا من الحرير الأسود وثوبًا باللون الأسود ليبرز جمالها الرباني الساحر.
مصطفى يخلع نظارته وهو يقف أمامها: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أنا مصطفى حماد الأسيوطي أخو محمد. أهلًا وسهلًا.
قالها وهو يمد يده ليصافحها.
ابتسمت بخجل وإحراج وقالت وهي تمسك حقيبتها بيديها وتقول: آسفة حضرتك أنا مبسلمش على رجالة.
قالتها ليبتسم محمد ساخرًا من موقف شقيقه. بينما مصطفى جز على أسنانه بحنق لم يظهره لها.
رن هاتفه ليخرجه من جيب بنطاله ليقرأ اسم المتصل (بوسي) بالإنجليزية.
- طيب عن إذنكوا طالع بره معايا مكالمة.
قالها بابتسامة متصنعة.
أشار إليه محمد بالخروج ليغادر توا.
اتفضلي حضرتك.
قالها محمد وهو يشير إليها للمقعد أمام مكتبه. تقدمت نحو مكتبه وتجلس بهدوء وهي تتحاشى النظر إليه بخجل.
- أنا اسمي بتول مراد الشيمي، نائب ومندوب عام عن شركة المتحدين للحديد والصلب.
محمد بنبرة ترحاب: أهلًا وسهلًا بحضرتك. بس مش غريبة يعني؟
ابتسمت وهي تدرك مقصد سؤاله وقالت: غريبة إن نائب مجموعة ضخمة زي دي يكون بنت؟
محمد: إحم.. مش قصدي بالظبط.
بتول: عادي أنا متعودة على الأسئلة دي. نيجي لموضوعنا المهم. طبعًا حضرتك عارف دراسة المشروع اللي بعتناه الأسبوع اللي فات محتاج لمهندسين معماريين من عندكوا ومن عندنا، خصوصًا في مرحلة التخطيط ومن بعدها التنفيذ.
محمد: تمام.
بتول: أنا إن شاء الله هكون مع حضراتكوا بصفة مستمرة وبصفتي مهندسة المعمار لمجموعة المتحدين.
____________________
- في كلية الطب البيطري جامعة القاهرة.
خرجت من إحدى القاعات مرتدية المعطف الأبيض وبيديها قفازات مطاطية متسخة بدماء العينة التي تتفحصها من أجل مادة التشريح التي تدرسها عمليًا ونظريًا.
تشعر بقليل من الدوار وهي تتنفس الصعداء.
- مالك يا لي لي بتاخدي نفسك بالعافية كده ليه؟
قالتها رفيقتها بالكلية.
ليلى بوهن: مش قادرة الريحة جوه فظيعة والفورمالين ريحته قلبت معدتي وحاسة هجيب كل اللي في بطني.
الفتاة: أممم قلتيلي. متكونيش حامل يا عروسة؟
ابتسمت بوهن: هو أنا لحقت ده يدوب مر على جوازنا 3 أسابيع.
الفتاة: طيب عشان نطمن أول ما تروحي اعملي اختبار منزلي.
ليلى: إن شاء الله.
المهم أنا هأروح التويليت دلوقت أغسل أيدي وأقلع البالطو ده، وبعد كده هأمشي.
الفتاة: طيب استنيني، هأمشي معاكي وأوصلك. باين التعب عليكي ووشك أصفر.
ليلى: ما تقلقيش عليا، هآخذ تاكسي من قدام البوابة.
زفرت الفتاة بسأم: ماشي اللي تشوفيه. خذي بالك من نفسك.
ليلى: حاضر. يلا باي.
قالتها لتتجه نحو المرحاض.
بعد قليل اتجهت نحو البوابة، لم تجد سوى سيارات الأجرة الجماعية فزفرت بضيق. وأخيرًا تقدمت نحوها سيارة أجرة خاصة.
ليلى: لو سمحت أنا عايزة أروح إمبابة.
السائق: اتفضلي حضرتك بس الأجرة هتبقى 50 جنيه.
ليلى: 50 جنيه ليه إن شاء الله؟
السائق: لو مش عجبك عندك الميكروباصات قدامك أهي.
ليلى: طيب شكرًا اتكل على الله.
قالتها بحنق وهي تتمتم بصوت غير مسموع: الـ 50 جنيه! قال راجل نصاب.
التفتت لليمين ثم لليسار حتى تعبر الطريق، وهمت بالعبور لتأتي يد تجذبها لتلتف إليه.
علي: أزيك يا ست العرايس.
قالها علي بسخرية وضحكته السمجة.
اتسعت حدقتاها وقالت: لو ما بعدتش عن وشي هأصوت وهألم عليك الناس.
قال بثقة وتحدي: صوتي وشوفي مين اللي مستغني عن نفسه وهيجي يتخانق مع أمين شرطة.
قالها ورمقها بتشفٍّ.
ليلى: أنت إيه يا أخي ما بتحسش ولا عندك دم؟ عندك البنات على قفا من يشيل، عايز مني إيه وأنا واحدة متجوزة؟
علي بنظرات ماكرة: عايزك.
وضعت يدها على فمها بصدمة وقالت: يا قليل الأدب يا سافل!
قالتها لترفع يدها وتصفعه فأمسك بمعصمها بقوة وهو يعنفها.
وبنبرة غضب: جرى إيه يا بنت أنتِ؟ فاكراني علي بتاع زمان؟ لأ يا حلوة لازم أدفعك حق اللي عملتيه فيا أنت والـ... جوزِك.
شعرت بالدوار ولم تستطع أن تجيب عليه لتوصد أهدابها المرتجفة، فأمسكها علي حتى لا تقع. أشار لإحدى سيارات الأجرة الخاصة فتوقفت السيارة وفتح الباب الخلفي ووضع ليلى ثم دلف وجلس بجوارها.
وقال للسائق: اطلع يا أسطى على العمرانية بسرعة عشان المدام تعبانة ومغمى عليها.
السائق: تحب أوصل لكو عند أقرب مستشفى يا بيه؟
علي: لأ هي هتفوق دلوقت، سوق أنت وملكش دعوة.
قالها بنبرة تحذيرية وهو يرمق السائق الذي خشي على حاله عندما رأى الزي الرسمي الذي يرتديه.
____________________
في إمارة دبي...
يجلس أمام طاولة خشبية يحتسي كوبًا من الشاي وهو ينتظر أحدهم بداخل أحد المطاعم الشهيرة.
أمسك بهاتفه لينظر في الساعة وقال: زمانها روحت لما أتصل وأطمن عليها.
قالها خالد وهو يضغط على علامة الاتصال ثم يضغط مرة أخرى على رقم زوجته ووضع الهاتف على أذنه لتأتيه رسالة صوتية بأن الهاتف ربما يكون مغلقًا. أحس بالقلق، فأردف وقال: طيب هتصل على عمي كده هأشوفها روحت ولا لأ.
قالها وكاد يضغط على الاتصال فتراجع عندما رأى القادم نحوه.
أبو طلال: السلام عليكم يا دكتور خالد. آسف إني تأخرت عليك.
وقف خالد ليصافحه وقال: أهلًا أهلًا يا أبو طلال، ولا يهمك. كيف الحال؟
ابتسم وقال: الحمد لله بخير. وأنت كيفك يا أخي؟
خالد: الحمد لله ماشي الحال.
أبو طلال بنبرة تردد: شوف أخي خالد والله ما أعرف من وين أبدأ أحكي. بس أبي (أريد) أقول لك أن القرار هذه ما بأيدي. حاولت معهم وايد لكن ما في فائدة.
تجهم وجه خالد وقال: ما تتعبش نفسك يا أبو طلال أنا فاهم أنت تقصد إيه وكنت متوقع إنهم هيستغنوا عني في أي وقت.
أبو طلال بنبرة حزن: لا تحزن أخي لا تعلم وين الخير.
خالد: خير إن شاء الله.
أبو طلال: أنا ذاهب الحين. تبي مني شيء؟
خالد: شكرًا لحضرتك.
أبو طلال وهو ينهض: طيب أخي السلام عليكم.
خالد: وعليكم السلام ورحمة الله.
قالها فغادر أبو طلال.
تنهد خالد وقال لنفسه: الحمد لله أهم حاجة ما أخسرش دنيتي وآخرتي. حسبي الله ونعم الوكيل.
أمسك هاتفه وقام بالاتصال: ألو سلام عليكم. أنا عايز أحجز في الطيارة اللي رايحة مصر بعد بكرة. تمام. باسم خالد حافظ سراج الدين.
____________________
في حي العمرانية...
بداخل بناء سكني قديم، في الطابق الأرضي. صوت البائعين، وأصوات همهمات المارة والأطفال الذين يلعبون بالخارج، وصدي صوت ارتطام المفتاح المعدني بأسطوانة الغاز ليعلن البائع عن من يرغب بشرائها.
تفتح عينيها ببطء لتخترق أهدابها الواهنة ضوء أشعة الشمس المتسلل من فتحات النافذة الخشبية المتهالكة، لتجد ذلك الوجه الذي تمقته بشدة وهو يقول لها: نورتي البيت يا دكتورة.
اتسعت عيناها وكادت تصرخ ليمنعها تلك اللاصقة التي على فمها، لتجد أيضًا يديها وقدميها مكبلتين في المقعد الخشبي الجالسة عليه. تومئ رأسها يمينًا ويسارًا وتقاوم بجسدها.
تعالت ضحكاته: ههههههه أنتِ لسه شوفتي حاجة، صبرك عليا.
قالها ثم اقترب منها وقال: أنا هشيل اللاصقة اللي على بوقِك بس عارفة لو صوتي هأخلص عليكي أنتِ فاهمة؟
قالها وهو يشهر فوهة سلاحه في وجهها.
أومأت رأسها بالموافقة، فأردف: كده تعجبيني.
قالها ليقوم بجذب اللاصقة.
أخذت تتنفس، وقالت بنبرة متهدجة: أأأنت أنت عايز مني إيه؟
جذب مقعدًا خشبيًا آخر ووضعه مقابلها وجلس وقال: عايز حقي. حقي من دكتور المجانين واللي عملوه فيا في البلد، وحقي منك.
ليلى بتوسل: أرجوك لو عايز فلوس حاضر هتصرف وأجيب لك بس سيبني أرجع لأهلي.
رمقها باستهزاء: أنتِ عبيطة ولا عاملة نفسك مش فاهمة؟ بأقول لك عايز حقي منك.
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت: عايز إيه بالظبط؟
ابتسم بشر: اللي أنتِ فهمتيه بالظبط. عارفة ليه؟ لأنك كنتِ حقي أنا وهو جه خدك مني.
ليلى بتلقائية: هو ما خدنيش منك أنا اللي هربت وروحت له.
اشتد حنقه وقال: ما فيش واحدة تعمل عملتك دي غير لما يكون اللي هربانة معاه أو ليه مشجعها، وهو عارف إنك مخطوبة وكان هنكتب كتابنا، وعشان هو خدك مني وأنتِ خطيبتي، أنا هآخذك منه وأنتِ مراته.
صاحت فيه بغضب: ولا تقدر تمس شعرة مني، وخالد لو عرف بأنك خطفتني هيجي يقطعك حتت.
ضحك بسخرية وقال: ده هيجي ينقذك على أول طيارة يعني؟ ما أنا عارف أنه مسافر. وده أحسن وفي صالحي عشان أعرف أتمتع بيكي براحتي.
قالها ويرمقها بنظرات شهوانية ويمرر لسانه على شفته العليا.
تعالت أنفاسها بخوف وهو يقترب منها حتى أوقفه صوت رنين هاتفه. أنا هأرد على التليفون ده وراجع لك يا مزة. مش هتأخر عليكي.
قالها ليقبلها في وجنتها وغادر على الفور.
ظلت تتأمل الغرفة التي بها بخوف ورعب. فقد اقتربت الشمس على المغيب والإضاءة منطفئة. تأخر ذلك الشيطان بالخارج أكثر من ساعة، ساعتين، حتى بدأ الظلام يعم المنزل، ليبدأ أكبر مخاوفها وهو الخوف من الظلام.
انتابها حالة من الذعر، ظلت تبكي وتصرخ لكن الأصوات التي بالخارج تغطي على صوت صرخاتها. شعرت بالاختناق، تتلفت برأسها كالتي فقدت عقلها وظلت تصرخ. لا تعلم من أين أتى صوت من تعشقه في عقلها وهو عندما كان يلقنها نصائح لتواجه ذلك الرهاب الذي تخشاه.
اعتصرت عينيها بخوف وظلت تقرأ آية الكرسي والمعوذات الثلاثة وتدعو الله بالأذكار والتحصين.
خارج البناء، ترجلت سيدة عجوز من السيارة وبرفقتها شاب أمام مدخل البناء.
الشاب: متشكرين يا أسطى.
قالها الشاب وهو يعطي الأجرة للسائق.
السيدة: واد يا أدهم، متأكد أن ده البيت اللي قال لك عليه السمسار؟
أدهم: أيوه يا تيتا.
السيدة: ده لو دق فيه مسمار هيقع.
أدهم: يا تيتا مش أنتِ هتهديه وتبني من أول وجديد؟
السيدة: مش عارفة قلبي مقبوض.
أدهم: تعالي بس ندخل نتفرج على مساحات الشقق والبيت من جوه يمكن يعجبك ونخلص فيه.
السيدة: أمممم. ماشي. آه منك أنت يا سوسة بتعرف تقنعني بأي حاجة.
أدهم: عيب عليكي يا تيتا ده أنا أدهومه حبيبك.
السيدة: طيب يلا بطل غلبة وتعالى نشوف البيت اللي شبه ضريح جدك ده.
دلف كلاهما إلى فناء المنزل. ليلى بالداخل استرقت السمع لتجد صوت السيدة العجوز وهي تقول: يا ساتر يا رب ده البيت ريحته تخنق كأن كلب ميت فيه.
انفرجت أساريرها لتبدأ بالصراخ: ألحقوني!
السيدة: أي الصوت ده؟ مش الراجل قال لك أنه ما فيش سكان؟
أدهم: آه.
السيدة: بسم الله الرحمن الرحيم اللهم احفظنا.
أدهم: ثواني يا تيتا.
قالها ليقترب من مصدر الصوت حتى وقع على مسمعه.
ليلى: ألحقونيييييييييي حد ينقذني أنا مخطوفة.
أدهم: ألحقي يا تيتا ده صوت واحدة بتستنجد بينا.
السيدة: ليكون جوه بلطجية ولا حد يعمل فيك حاجة يا ابني.
أدهم: ما تخافيش يا تيتا خليها على الله.
قالها ليبحث من حوله على شيء ليجد ملقى تحت الدرج أدوات خردة من الحديد فتناول أسطوانة صدئة.
دفع الباب بجسده فلم يفتح، دفعه مرة أخرى ثالثة رابعة حتى انكسر وانفتح على مصراعيه ليدلف إلى الداخل وهو يخرج هاتفه ويضغط على زر الإضاءة حتى رأى التي وقعت على الأرض ومقيدة بالمقعد تبكي وتستنجد به.
ليلى: أرجوك خدني من هنا بسرعة أنا مخطوفة.
قالتها ليلى بوهن.
اقترب منها أدهم بحذر وهو يطمئن بعدم وجود أحد سواها. جثا على ركبتيه ويفك قيودها وقال: ما تخافيش أنا معايا جدتي بره. أنتِ منين؟
ليلى: أنا من إمبابة.
أدهم وهو ما يزال يفك القيود: ومين اللي عمل فيكي كده؟
ليلى: واحد مجنون ما أعرفهوش.
خشيت أن تخبره أنه أمين شرطة فيأبى مساعدتها.
انتهى من فك قيودها.
نهضت على الفور وتأخذ حقيبتها الملقاة على الأرض وتمشي بصعوبة.
السيدة: واد يا أدهم.
أدهم: جاي يا تيتا.
ثم قال لليلى: أساعدك؟
ليلى: شكرًا أنا هعرف أمشي.
خرج ثلاثتهم حتى وصلوا أمام البناء، فأوقف أدهم سيارة أجرة ليدلفوا إلى الداخل.
السيدة: على مهلك يا بنتي، ربنا يجازي اللي عمل فيكي كده.
قالتها ثم انطلقت بهم السيارة.
بداخل قاعة الزيارات في سجن طرة.
أيمن: حبيب قلب بابا وحشتيني أوي، يلا أكبر أنت وأخوك عشان تبقوا سند لماما من بعدي.
قالها وهو يداعب ولده الصغير عمر ذو الوجنتين الممتلئتين وشعره الأسود المسترسل على جبهته.
سلمى بنظرات حزن دفين وابتسامة: إن شاء الله هتخرج وتربيهم معايا وهيبقوا سندك وسندي في الدنيا.
حدق بعينيها وقال: تعرفي يا سلمى أنا كل خوفي وهمي مش إنه يتحكم عليا بالسجن، أنا خايف عليكي أنتي والعيال، هتعملوا إيه من بعدي؟
حملت ولدها سليم وأسندت رأسه على كتفها وقالت: ليه بتقول كده؟ إن شاء الله هتطلع براءة والمحامي الحمد لله بيحاول يطول في عدد الجلسات عقبال ما يوصل لأي دليل.
تنهد بسأم وهو يحتضن ولده عمر ويربت على ظهره: ما تضحكيش على نفسك ولا عليا عمره ما هيوصل لدليل، أقولك على حاجة بس يا ريت تكون سر ما بيني وبينك.
نظرت له باهتمام وقالت: سرك هو سري يا أيمن، احكي وأنا سمعاك.
أيمن: فاكرة النقيب اللي حكيتلك عنه؟
سلمى: مش قصدك على صقر الهواري؟
أومأ لها بالإيجاب: آه هو جالي من فترة وقالي معاه أوراق تودي شوقي واللي معاه وراء الشمس وقولت له على حاجة تبقى دليل مع الأوراق دي.
سلمى بعدم فهم: طيب حتى لو اتقبض عليه هيثبت إزاي إنه اللي ربنا ينتقم منه ده هو السبب في موت البنات الله يرحمهم؟
قالتها ليرتسم الحزن على ملامحها.
أيمن: دي شغلتهم بقى، المهم عندي إنه يتقبض على الكلاب دول وياخدوا عقابهم.
سلمى: ربنا على الظالم، ربنا ينتقم منهم واحد وراء الثاني.
أيمن: هانت، كلها مسألة وقت مش أكتر، المهم الدنيا ماشية معاكي إزاي؟
ابتسمت بتصنع وقالت: الحمد لله أهو قرشين اللي باخدهم من شغل المكتبة على المعاش اللي بتقبضه خالتي والحال ماشي، ربك ما بينساش حد.
أيمن: ونعم بالله، ادعيلي بالله عليكي يا سلمى.
سلمى: بدعيلك يا حبيبي في كل أذان وكل صلاة ربنا يظهر براءتك وترجع لينا سالم يا رب.
أيمن: يا رب.
سلمى: شوفت قعدنا نتكلم ونسيت أديلك الحاجة.
قالتها لتحمل من بجوارها حقيبة مليئة بعلب حافظة للطعام وأردفت: خد عملتلك كل الأكل اللي بتحبه.
قالتها وهي تعطيه الحقيبة.
تناولها من يدها وقال: ربنا ما يحرمني منك أبدًا يا حبيبتي.
الزيارة انتهت يا حضرات.
قالها العسكري المشرف بصوت جهوري.
سلمى: عايز مني حاجة قبل ما أمشي؟
أيمن: تسلميلي يا حبيبتي، خدي بالك من نفسك أنتي والعيال.
سلمى: حاضر وأنت كمان خلي بالك من نفسك.
قالتها وهي تأخذ منه ابنهما.
أيمن: سمي الله عليه ده نايم.
ابتسمت وقالت: سبحان الله عمره ما نام في حضن حد كده على طول غير معاك.
انحنى نحو الصغيرين وقبلهما وقال: ربنا يخليهم لينا ويباركلنا فيهم.
سلمى: سلام يا حبيبي، لا إله إلا الله.
ابتسم لها وهو يضع يده على ذراعها: محمد رسول الله.
في منزل عائلة ليلى.
تحمل والدة ليلى صينية عليها أطباق مليئة بأصناف الطعام، تطرق على باب غرفة ابنتها.
والدة ليلى بنبرة رجاء: افتحي يا بنتي حرام عليكي أنتي من إمبارح ما حطتيش لقمة في بوقك، حرام اللي بتعمليه في نفسك وفيا ده.
ليلى من الداخل بصياح: قولتلك مش عايزة آكل، سيبيني في حالي بقى.
والدتها: عارفة يا ليلى لو ما فتحتيش وكلتي أنا هتصل على جوزك هخليه يسيب شغله ويجيلك على أول طيارة.
قالتها بنبرة تهديد.
فتحت ليلى باب غرفتها ورمقت والدتها بغضب: والله يا ماما لو حد فيكوا اتصل بخالد وقاله حاجة مش هقعد ليكوا في البيت ده ومش هتعرفولي طريق.
وضعت والدتها الصينية على الطاولة وقالت: أنتي هبلة يا بت! لازم جوزك يعرف، أبوكي من إمبارح قالب الدنيا على ابن... ومش لاقيه حتى في القسم اللي شغال فيه، الشاويش قاله إنه اتنقل من كام شهر، اللهي ينقلوه على مشرحة البعيد.
أجهشت بالبكاء وارتمت بين ذراعي والدتها، فأردفت وهي تمسد على ظهر ابنتها بحنان: خلاص يا ضنايا كفاياكي عياط عينيكي ورمت.
ليلى بصوت مكتوم في حضن والدتها: خالد واحشني أوي يا ماما.
زفرت بسأم وقالت: بإذن الله تخلصي امتحاناتك وتروحيله بالسلامة، يلا بقى عشان خاطري كوليلك لقمة.
قالتها وهي تجلسها على المقعد أمام الطاولة لتتناول الطعام.
وفي الأسفل أمام البناء وصلت سيارة أجرة خاصة، يفتح باب السيارة ويترجل منها وهو ينظر للأعلى نحو شرفة منزل عائلة زوجته، نزل السائق ليلتف خلف السيارة ويفتح الباب الخلفي ثم يخرج منه حقيبة السفر الخاصة بخالد وهو يعطيها له.
فقال: أتفضل يا دكتور خالد.
خالد مبتسمًا وهو يعطي بعض أوراق المال للسائق: تشكر يا عم عليش.
عليش: عيب اللي أنت بتعمله ده يا ابني، والله ما هاخد منك ولا شلن.
خالد: تسلم يا راجل يا طيب.
عليش: يلا هاسيبك تطلع لجماعتك، عايز حاجة؟
خالد: شكرًا.
عليش وهو يدلف إلى سيارته: سلامو عليكم.
خالد وهو يلوح له بيده بإشارة السلام: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
تنهد بأريحية مبتسمًا ثم دلف إلى الفناء وهو يسحب الحقيبة خلفه.
تمسك الملعقة وتقلب الحساء بدون أن تتناول شيئًا وهي شاردة في الطبق، حتى أفزعها صوت رنين جرس المنزل.
خرجت والدتها من الغرفة وهي تقول بصوت جلي: حاضر يا اللي بترن الجرس.
قالتها وقامت بفتح الباب لتنظر باندهاش: خالد!!!!
في منزل فيروز.
تقف بداخل الشرفة تتحدث في الهاتف.
فيروز: ما تقلقيش عليا أنا بخير محمد عدى عليا الصبح واطمن ونزل على طول.
آمال على الجانب الآخر: قلبي مش مطمن عليكي وحاسة من نبرة صوتك فيكي حاجة ومش راضية تحكيلي.
فيروز: ما فيش حاجة يا ماما، يمكن عشان كنت نايمة ولسه صاحية.
تنهدت آمال وقالت: طيب يا فيروز، خدي بالك من نفسك.
فيروز: حاضر، سلميلي على جدو وتيتا كتير وخالو.
آمال: يوصل إن شاء الله، عايزة حاجة؟
فيروز: شكرًا، سلام.
قالتها وأغلقت المكالمة وكادت تدلف إلى الداخل حتى وجدته يقف في الشرفة المجاورة ينظر إليها في صمت ويدخن سيجارته ويزفر الدخان في الهواء.
نظرت له بطرف عينيها ولم تتفوه بكلمة وهمت بالدخول إلى حجرتها.
لو سمحت استني.
قالها صقر لتتوقف بدون أن تنظر له.
اقترب من حافة السور الملاصق لسور شرفة غرفتها وقال: أنا خبط عليكي من نص ساعة فتحتلي مدام سميحة وقالتلي إنك نايمة.
قالها بنبرة هادئة ونظرات عشق.
رفعت عينيها لترمش عدة مرات وقالت: فيه حاجة؟
وضع السيجارة بين شفتيه ليسحب نفسًا عميقًا ثم أخذها وهو يزفر دخانها ثم ألقاها في أرضية الشرفة ودعس عليها، ثم قال: ممكن تخليكي هنا ثواني وجاي؟
نظرت له بتوتر فقالت: حاضر.
دلف إلى الداخل ولم يمر سوى ثوان معدودة ثم جاء إليها يحمل بيده اسطوانة من الورق باللون الذهبي ملفوف حولها شريطة من الحرير ذو اللون الأحمر ويمد يده إليها بها وقال: اتفضلي.
أخذتها من يده وقالت وهي تنظر لها باستفهام: إيه ده؟
صقر: دي دعوة فرح.
قالها بنبرة ماكرة ليتلاعب بأعصابها.
رمقته بقلق وقالت: فرح؟
قالتها ثم قامت بفك الشريطة وقامت بفرد الدعوة التي تشبه الرسائل الملكية في العصور القديمة وأخذت تقرأ بعينيها لترتسم البسمة على محياها.
ألف مبروك.
قالتها وهي تنظر للدعوة بيدها.
صقر: الله يبارك فيكي، عقبالنا.
قالها وهو يحدق في وجهها ليرى تأثير كلمته الأخيرة، توترت ولم تجب.
فأردف وقال: هتيجي الفرح؟
فيروز: طبعًا رنيم أختي وإياس أخويا، هم مالهمش دعوة بأي حاجة.
جز على أسنانه عندما أحس أنها ما زالت تفضل الابتعاد.
فقال بنبرة جدية: أوك، عمومًا الميعاد والمكان مكتوبين عندك في الدعوة، ولو حبيتي أخدك معايا في طريقي ما عنديش مانع.
قالت بنبرة متسرعة: لأ شكرًا، أنا هاخد تاكسي.
قالتها ليرمقها بامتعاض.
عن إذنك.
قالتها لتدلف إلى داخل غرفتها وهي تحبس أنفاسها لتجلس على التخت وهي تتنفس الصعداء، تنظر مرة أخرى لمحتوى الدعوة لتجد ميعاد الحفل غدًا.
طرقت سميحة على الباب فقالت فيروز: اتفضلي يا دادة.
فتحت الباب لتتقدم نحوها وقالت: اتفضلي يا بنتي ده طرد جالك من شوية مع ساعي البوسطة واستلمته بالنيابة عن حضرتك.
أخذته فيروز وقالت: ميرسي يا دادة.
قالتها وهي تنظر لاسم المرسل لتقطب حاجبيها عندما قرأت الاسم، قامت بفتح الصندوق لتجد محتواه حقيبتها التي تركتها في شركة سيلين وهاتفها وظرف بمحتواه رسالة.
نهضت على الفور ودقات قلبها تتزايد لتلتفت إلى الذي يدلف من باب المنزل، تقابلت أعينهم بنظرات الشوق والحنين، لا تصدق عينيها هل هو حقًا!! أمامها أم هذا وهم!! لا تشعر بساقيها التي أطلقتها راكضة نحوه لترتمي على صدره ويضمها بلهفة المشتاق، انسحبت والدتها إلى داخل إحدى الغرف بهدوء.
حمد لله على السلامة يا حبيبي.
قالتها ليلى وهي تجهش بالبكاء وتدس وجهها في صدره.
خالد بقلق: الله يسلمك يا لي لي.. مالك يا حبيبتي بتعيطي ليه؟
قالها وهو يمسك بذقنها ليرفع وجهها وينظر إليها مما زاده خوفًا وقلقًا.
ليلى بأعين باكية: أصلك كنت واحشني أوي.
خالد: ما أنا قدامك أهو... قولت أعملهالك مفاجأة... وهتتبسطي أكتر أنا خلاص مش مسافر تاني.
كفكفت عبراتها وهي تقول: إزاي؟
زفر بسأم وقال: تعالي نقعد بس وهأريح من السفر وهأبقى أحكيلك.
خرجت إليهم والدتها وقالت: حمد لله على السلامة يا ابني.
قالتها وهي تمد له يدها بالمصافحة.
صافحها قائلاً: الله يسلمك يا طنط... عاملين إيه وعمي عامل إيه؟
والدتها: الحمد لله بخير.. عمك تحت في مشوار وراجع... خدي يا ليلى خالد خليه يغير هدومه عقبال ما أحط له الأكل.
خالد: تسلمي يا طنط والله ما قادر لسه متغدِّي بعد ما خرجت من المطار.
والدتها: طيب على راحتك يا ابني... خلاص ادخل ريح لك حبة.
ابتسم وقال: حاضر ما أنا فعلًا هأدخل أريح شوية عقبال ما عمي يجي.
نهض وغمز بعينه لليلى ثم دلف إلى غرفتها وهي خلفه.
دلفت إلى غرفتها وأوصدت الباب من الداخل واتجهت نحوه وهو يخلع قميصه.
ليلى وهي تعقد ساعديها أمام صدرها: أنت حصل عندك مشكلة في الشغل؟
خالد وهو يرتدي قميص آخر قطني: يا حبيبتي قولت لك هأبقى أحكيلك بعدين لما نكون وحدنا.
حدقت بعينيه.. رمقها بنظرات استفهام وقال: هي في حاجة حصلت ومش راضية تقولهالي؟
توترت ملامحها وقالت بتردد: ممفيش.. بـ.. س.. آه.
خالد: مش فاهم حاجة منك... جمّعي كلامك عشان أفهم.
كادت تنطق لتتوقف عندما سمعت رنين جرس المنزل.
دلف والد ليلى بغضب وهو يقول: وربنا ما أنا سايب ابن الـ... روحت له بيت أخته لقيته هناك وأول ما شافني نط من شباك المنور وهرب الندل الجبان.
زوجته همست له: وطّي صوتك.. اسكت.
لم يفهم قصدها لتتعالى صيحاته: أسكت إيه عايزاه يعمل في بنتنا كده وجوزها سايبها أمانة عندنا وأسكت!!!!
اتسعت أعين خالد بغضب ويحدق في أعين زوجته وقال: حصل معاكي إيه؟
قالها بصياح وغضب.
أجهشت بالبكاء ولم تجب عليه... غادر الغرفة على الفور ليلتقي بوالد ليلى.
والد ليلى: خالد!! حمد لله على السلامة يا ابني.
خالد بغضب: إيه اللي حصل يا عمي بنتك ما بتردش عليا وعمالة تعيط.
والدتها بتوتر وقلق قالت: اهدى بس يا خالد يا ابني وإحنا هنحكيلك بس ريح أنت شوية لسه جاي من سفر.
خالد بصياح: مش مرتاح ولا متزفت غير لما أفهم الأول حصل لليلى إيه في غيابي؟
تبادلت والدة ليلى وزوجها نظرات القلق والخوف فقالت بصوت يكاد يُسمع: هأقولك يا ابني بس مش عايزك تتهور.
رمقها منتظرًا وملامحه ثائرة بالغضب.
ابتلعت غصتها وقالت: ربنا ينتقم منه دنيا وآخرة اللي اسمه علي.........
أخذت تسرد له كل ما حدث حتى غلت الدماء بعروقه وسيطر عليه الانتقام من ذلك الشيطان.
انتهت من الحديث... دلف على الفور إلى الداخل يبحث عن حقيبته... فوجدها ليحملها ويلقي بها على التخت وصوت بكاء زوجته يخترق أذنيه... فتح سحاب الحقيبة ثم فتح سحاب جيب داخلي بالحقيبة ويخرج منه سلاحًا وقام بشد أجزائه.
ليلى وهي تضع كفها على فمها بخوف: خالد هتعمل إيه!!!!!
صاحت بها ليلى.
حدق بها والشر يتطاير من عينيه وقال بنبرة مرعبة: أنا اللي يبص لك هأخليه أعمى طول عمره... ما بالك اللي حاول يعتدي عليكي!!!
ليلى بنبرة رجاء وهي تتوسل إليه: أرجوك يا خالد بلاش تودي نفسك في مصيبة عشان حتة كلب زي ده.
قالتها وهي تمسك بيده.
دفع يدها جانبًا وقال: ما بقاش راجل لو ما أخدتش حق مراتي وحقي.
قالها وغادر من أمامها مسرعًا.
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم ولاء رفعت
عينيها تقرأ في صمت تلك الكلمات التي تهتز لها القلوب، تقرأها وصوته في أذنيها.
عزيزتي فيروز،
عندما يصلك ذلك الطرد وتقرأين تلك الرسالة، فاعلمي أنني الآن على متن الطائرة المتجهة إلى باريس، ذهاب بلا عودة. أنا آسف على ما فعلته معكِ، أعلم أنني تعديت حدودي، لكن أقسم لكِ ذلك كان من دافع حبي ومشاعري تجاهك. لم أستطع السيطرة على قلبي حينها، لذلك سأفعل كما طلبتِ وهو الابتعاد. هذا أفضل حل من أجلك أنتِ، لكن بالنسبة لي سيكون أصعب ما يكون، لأنني لا ولن أنساكِ، حبك يجري في عروقي كمجرى دمائي.
اعذريني عزيزتي، لن أطيل عليكِ الحديث كثيرًا. أردت أن أشكركِ على تلك الأيام الماضية عندما كنا في باريس، كانت من أجمل أيام حياتي، لن أنساها بل سأعيش على ذكراها.
أتمنى لكِ كل السعادة من كل قلبي، وأن يوفقكِ الله في حياتك، وتحققي كل ما تتمنيه. ستجدين عدة أوراق مرفقة مع الرسالة بداخل الظرف، وهي عقود ملكية بكل الأسهم التي أمتلكها في مجموعة سيلي ديزاين. أرجو أن تقبليها هدية مني.
أتمنى أن أرى نجاحكِ في يوم ما وأنتِ صاحبة أكبر شركات التجميل في الوطن العربي كله بل العالم أيضًا. أنتِ تستحقين هذا وأكثر عن جدارة.
وفي الختام لن أقول لكِ وداعًا لأنني أكره الوداع، بل سأقول ربما في يوم من الأيام سنلتقي، لذا أقول لكِ إلى اللقاء يا فيروز القلب.
فارس الشامي
في تلك اللحظة ينظر من النافذة المستديرة في الطائرة وكأنه يودع قلبه وحبه الذي قرر أن يتركهما ويرحل حتى لا يتعذب أكثر من ذلك.
طوت الرسالة وعينيها قد لمعت بعبراتها. أمسكت الظرف لترى ما بداخله حتى وجدت عدة أوراق أخذت تقرأ كل منهم على حدة لتجدها حقًا عقود تنازل ملكية إليها. تركتها جانبًا وأخذت هاتفها وقامت بفتح ملف معرض الصور، تتأمل في الصور التي جمعتها بفارس عندما كانا في باريس.
ينزل على الدرج كالمجذوب، يقسم بداخله إنه سوف ينتقم شر الانتقام من ذلك اللعين، يضع سلاحه خلف ظهره.
قال والد ليلى مناديًا وهو يلحق به: استنى يا خالد يا ابني، أنت هتعرف مكانه إزاي؟
توقف خالد والتفت إليه وقال: لو سمحت يا عمي ده حقي وحق مراتي ومينفعش أتهاون فيه.
والد ليلى بخوف: أنت دكتور وعقلك يوزن بلد، تعالى نتكلم بالمنطق. أنت دلوقت هتروح له فين وأنت مش عارف هو ساكن ولا غار في أنهي داهية؟ وبعدين إيه السلاح اللي معاك ده؟
خالد بنبرة جدية: ما تخافش يا عمي ده مسدس مترخص.
رمقه بمكر وقال: يعني أنت ناوي تقتله؟
خالد باندفاع: وهشرب من دمه كمان.
والد ليلى: طيب لو عملت كده هتتسجن، وليلى هيهون عليك تكون بعيد عنها؟ قاله بنبرة هادئة وهو يراقب أثر كلماته على زوج ابنته.
صعد شاب في بداية العشرينيات الدرج وهو يركض، وقابل والد ليلى وقال: عم أبو إسلام.
نعم يا محمود؟
نظر محمود إلى خالد ثم نظر إلى والد ليلى وقال: إحنا عرفنا مكان اللي اسمه علي.
كاد خالد يهبط الدرج فأمسكه حماه من معصمه وقال لمحمود: هو فين؟
محمود: الواد عصام والواد بندق شافوه مستخبي في ميكروباص الواد تيكا ابن أم منة.
ومتـعرفش فين الميكروباص ده؟
محمود: في الحارة اللي جمب الموقف، قالها محمود حتى تأجج غضب خالد كالنيران فهو يعلم ذلك المكان. تركهم وغادر مسرعًا وهو يهبط الدرج.
والد ليلى بصياح: استنى يا خالد، يا خااااااااالد.
خرجت ليلى مسرعة من باب المنزل وهي ترتدي عباءة سوداء وحجاب.
قالتها والدتها وهي تلحق بها: أنتِ يا بت رايحة فين؟
ليلى بصياح: رايحة ألحق جوزي قبل ما يروح في داهية.
اقترب من موقف سيارات الأجرة الجماعية وهو يبحث بعينيه عن الزقاق الذي توجد به السيارة. لاحظ وجود سائقين السيارات. فكر مليًا ثم اتجه نحو السيارة وكاد يفتح الباب.
أوقفه سائق السيارة وقال: معلش يا نجم الميكروباص عطلان.
لم يجب عليه ليفتح الباب ذو المزلاق جانبًا، ليجد علي الذي يغط في النوم ممدًا على المقعد الأمامي وقدميه في واجهة خالد.
قام خالد بجذب علي من قدميه بقوة ليستيقظ الآخر بذعر ويصيح.
بتعمل إيه يا ابن الـ... قالها بصياح لترتطم بأرضية السيارة رأسه وخالد يقوم بسحله.
السائق وهو يشهر السكين في وجهه خالد ويقول بنبرة تهديد: جرى إيه يا واد جاي تاخده عيني عينك كده؟ قالها بصياح ليتوافد السائقون والمارون وتجمعوا ليروا تلك المشاجرة.
أمسك خالد بسلاحه الذي أخذه من خلف ظهره ورفعه لأعلى ليطلق رصاصة في الهواء وقال بصوت جهوري: اللي هيقرب من الكلب ده هخلص عليه زيه. ثم نظر إلى علي بازدراء وغضب وقال: وأنت لو قمت من مكانك هفرغ المسدس ده في نفوخك.
ضحك علي ساخرًا: شيل اللعبة دي من إيدك يا شاطر بدل ما أوديك أنت وعيلتك في ستين داهية.
رمقه بسخط ثم ركله بقدمه في بطنه ليتأوه ويتكور مكانه.
أنا هشهد الناس دي كلها عليك واللي هيحكموا بيه هعمله. قالها بصياح ثم أردف: لو حد جه خطف مراتك وعايز يعتدي عليها هتعمل في إيه؟
ارتفعت الهمهمات وقال أحدهم: ده أنا هقطعه بسناني.
وقال الآخر: ده أنا أشرحه حتت.
رمقه خالد بابتسامة وقال: أنا ما جبتش حاجة من عندي الرجالة شهدت بالحق. بس قبل كل حاجة لازم تتأدب. قالها ليجذبه من شعره لينهض الآخر ويدافع عن نفسه ويوجه له ضربة قوية في ساقه ليقع سلاحه جانبًا. فقام خالد بتوجيه لكمة في منتصف وجه علي الذي أمسك بأنفه التي تذرف دماء.
خااااااااااالد. قالتها ليلى وهي تخرج من بين الذين يقفون ويشاهدون ما يحدث.
توقف خالد وصاح فيها: أنتِ إيه اللي جابك هنا؟ روحي على البيت.
قهقه علي بضحكات استفزازية وقال: جاية خايفة لورييك الغراميات اللي ما بينا. قالها ليخرج هاتفه من جيب بنطاله ويضغط عدة مرات حتى أتى بصور وأردف: بص في الصور دي كويس وهتعرف إنها كانت بتستغفلك وعاملة عليك الشويتين دول عشان تداري خيانتها ليك معايا، ولو مش مصدقني. أخرج محفظته الجلدية وفتح السحاب الداخلي وأخرج سلسلة ذهبية وأردف: أهي السلسلة بتاعتها معايا.
تجهم وجهه وهو يتفحص الصور والسلسلة خاصتها.
والله العظيم كذاب وسافل وحيوان. أنا كنت بركب ميكروباص لقيت السواق طلع على طول من غير ما يحمل وخدني في شارع هادي وجيت أجري وأنزل لقيت القذر ده في وشي طلع الميكروباص وحاول يعتدي عليا. قالتها ليلى ثم أجهشت بالبكاء.
استغل علي ذلك ليأخذ السلاح الملقى جانبًا بدون أن يراه أحد وكاد يضرب طلقة نحو خالد، فأوقفه ذلك الصوت.
نزل السلاح يا أمين علي. قالها الضابط وهو يصوب سلاحه نحو علي الذي ألقى السلاح.
والله ما بتاعي يا منير بيه. قالها باستنكار.
الضابط: هنعرف كل ده في القسم. ثم نظر إلى العساكر وقال: خدوهم يا ابني على البوكس.
فتوجه العساكر نحو علي وخالد ليأخذوهما.
ما يصحش كده يا منير بيه أنا أمين شرطة لي وضعي. قالها علي.
الضابط: أنت بالذات تخرس خالص لأن متقدم فيك بلاغات قد كده غير خطفك لمدام ليلى وحاولت الاعتداء عليها.
أقسم كذبًا: والله ما حصل.
الضابط بصياح غاضبًا: اخرس ما تحلفش بالله كذب. دخلوه يا عسكري يلا في البوكس.
انطلقت سيارات الشرطة وخلفهم ليلى التي استقلت سيارة أجرة.
بداخل المخفر، في مكتب الضابط منير.
الضابط: أنت يا أستاذ علي ربنا كشف فضائحك لما قبضنا على المدعو طارق عويس والمشهور بتيكا. لقينا معاه مسروقات تشبه الأمانات اللي بناخدها من المتهمين قبل الحجز موبايلات وساعات. ده غير الموبايلات اللي فرزناهم ولقينا في واحد فيهم فيديو وحضرتك بتعتدي على واحدة في الميكروباص.
علي بذهول غير مصدق: أنا يا بيه؟
أمسك الضابط الهاتف وألقاه على المكتب: اتفضل شوف وتيكا بنفسه اعترف إنه مصور الفيديو ده بأمر منك وإنه يعمل منه لقطات عشان تهددها بها وتفضحها قدام جوزها. إحنا ما بنجيبش كلام من عندنا الأدلة أهي وصاحبة البلاغ بره وجوزها كمان ما رضيتش أدخله عشان لو دبحك قدامي ما أقدرش ألومه لأن أنا عندي ولايا وحاسس باللي هو فيه. بس للأسف فيه قانون لازم نحترمه ونعمل بيه.
علي بانهيار: طيب ممكن أطلب محامي للدفاع؟
رمقه الضابط بازدراء: ممكن طبعًا بس هيدافع يقول إيه؟ أنت متحول للتحقيق وموجه ضدك تهمتين سرقة واغتصاب وتشهير بسمعة واحدة بريئة. ده غير الرشاوي اللي متصور فيها بالصوت والصورة وأنت بتاخدها من الناس عشان تخلصلهم ورق وتطلع لهم الرخص المسحوبة من حبايبك بتوع المرور. أنا بجد مش عارف أقولك إيه اللي زيك هم اللي بوظوا سمعة الداخلية روح ربنا ينتقم منك. خذه يا عسكري على الحجز ونادي لي على دكتور خالد وزوجته.
العسكري: تمام يا فندم. قالها ليأخذ علي للخارج ليحدق فيه خالد بنظرات قاتلة وتمنى لو قام بإحراقه حيًا.
دلف خالد برفقة ليلى.
اتفضل اقعد يا دكتور خالد أنت ومدام ليلى. قالها الضابط.
جلس كلاهما أمام المكتب.
الضابط: أنا بصراحة مش عارف أبدأ إيه ولا أقول إيه بس كل اللي هقوله لك زوجة حضرتك ست محترمة جدًا وقعت ضحية لواحد شيطان كان عايز يدمر حياتكما بأي طريقة زي ما دمر وظلم حياة ناس أبرياء كتير. أنا كنت عايز أحكي لك بس توعدني تتحكم في أعصابك وأوعدك أنا مش هأسيبه غير لما هاخد لك حقك أنت ومدام ليلى.
زفر خالد بضيق: حاضر أوعدك.
قالها ليسرد له الضابط كل ما حدث وأعطاه الهاتف الذي مسجل عليه واقعة السيارة.
ليشعر بأن دماؤه ستنفجر من عروقه، وود قتل ذلك الوغد ويقطعه أربًا أربًا.
بعدما انتهى الضابط من السرد: هو ده كل اللي حصل، والباقي طبعًا المدام حكيتهولك، وهي قبل ما تروحلكوا الحارة جت واستنجدت بيا وحكت لي ع اللي حصل، وخافت عليك لتقع في شر الشيطان ده، زي ما لحقناه على آخر لحظة كان هيضرب عليك نار.
خالد: متشكر لحضرتك يا فندم... وإن كان ع السلاح ده مترخص.
الضابط: عارف وشفت الترخيص اللي لقوه في محفظة حضرتك... واتفضل حاجتك أهي... ومعلش ع اللي حصل، أنا عارف إن الشرف والعرض ما ينفعش فيهم كلمة آسف أو اعتذار... بس أقل حاجة أقدر أقدمها هي إني آخدلكوا حقكوا بالقانون.
خالد: وأنا أتشرفت بمعرفة حضرتك وشكرًا جدًا.
الضابط: الشكر ده لمدام ليلى، لولاها ما كناش لحقنا المجزرة اللي كانت هتحصل... للأسف اللي زي أمين علي، إن كان عسكري أو لواء فاسد، هم اللي مشوهين سمعة رجال الشرطة، وإحنا في بلد ماشية بمبدأ الحسنة بتخص والسيئة بتعم، على الرغم من وجود ظباط وعساكر وجميع الرتب ناس شرفاء وبيخافوا ربنا زي أي مهنة تانية.
خالد: ربنا يهدي الجميع.
الضابط: اتفضل امضي ع المحضر ده عشان ناخد الإجراءات ضد أمين علي، ولو في أي حاجة ممكن نبعتلكوا حد من عندنا من غير شوشرة.
خالد: تحت أمر سعادتك.
الضابط: اتفضلوا حضراتكوا تقدروا تروحوا.
قالها ليأخذ خالد متعلقاته وسلاحه ليوقفه الضابط، وقال: دكتور خالد، أرجو من حضرتك تاخد حذرك في استخدام السلاح لأن الرصاصة اللي هتخرج منه ممكن تضيع مستقبلك.
ابتسم خالد وقال: عارف، إن شاء الله مش هحتاجه بعد كده.
أومأ له الضابط مبتسمًا.
خالد وهو يمسك بيد ليلى التي ظلت صامتة طوال الوقت، وغادرا المخفر ليستقل كليهما سيارة ذات ثلاث إطارات (توكتوك) حتى وصل أمام المنزل وصعدا الدرج ليجدا والدتها ووالدها في انتظارها، وبعد الاطمئنان.
دلف خالد برفقة ليلى إلى غرفتها، ليوصد الباب ويتجه نحوها ويجذبها بعناق مزيج من الخوف والقلق والحب، وكلما تذكر ما حدث لها في غيابه تألم قلبه ويشد في عناقها بقوة وتنسدل من عينيه عبراته وكأنها تنسدل في داخله وتطفئ نار الغضب التي بداخله.
***
ولنبدأ صباح يوم جديد وأشعة الشمس تتسلل من الشرفة لتتجه صوب عينيها وهي ما زالت نائمة.
رنين هاتفها لم يتوقف منذ 10 دقائق، فتحت أهدابها قليلًا لترى نور الصباح، نهضت وهي تشهق بفزع، انتبهت لاهتزاز ورنين هاتفها فأخذته من فوق الكومود لترى من المتصل.
رنيم بصوت ناعس: ألو... صباح الخير يا إيسو.
إياس على الجانب الآخر وهو يقف في الشرفة في منزله: صباح الجمال على أجمل عروسة في الدنيا دي كلها.
ابتسمت بخجل وقالت: إياس.
إياس بنبرة رجولية جذابة: نعم يا نور عيون إياس.
رنيم بنبرة رقيقة: أخيرًا هنكون مع بعض.
إياس: شوفتي بقى أخيرًا هتبقي مراتي يا بت.
ضمت شفتيها كالطفلة وقالت: ما تقولش بت.
ضحك وقال: ده أنتِ بت البنات كلهم... روني أنا مش مصدق نفسي أخيرًا بقى.
قالها لترتسم على محياه ابتسامة بلهاء.
فصاح الاثنان بصوت واحد: وأخيرًا هنتجوز هاااااااااااااااااع.
نور الدين والد إياس: ربنا ما يحرمك من الهبل يا ابني.
إياس بفرح جلي: بابا... حمد الله على السلامة يا ملك.
قالها وهو يحتضن والده يعانقه بترحيب.
نور الدين: ملك يا بكاش... فرحك النهارده، ورينا هتطلع ملك ولا...
قاطعه إياس وهو يشير نحو هاتفه ويحرك شفتيه ويقول له هامسًا: رنيم ع التليفون.
أخذ منه الهاتف وقال: هات يا واد أصبح على عروستنا.
وضع الهاتف على أذنه وقال: صباح الخير يا حبيبتي.
رنيم: صباح الخير يا عمو... حمد الله على السلامة أنت وطنط.
نور: الله يسلمك يا حبيبة عمو... الواد إياس عامل معاكي إيه؟
رنيم: الحمد لله كويس.
نور: عمومًا يا قلب عمو أنتِ لسه فيها، قبل ما تدبسي ممكن نزحلق الواد ده وتتجوزيني أحسن.
قالها بمزاح لتضحك رنيم.
إياس مازحًا: إيه يا نور بتشقط مني خطيبتي عيني عينك كده؟
نور: أشقط!! ده أنت شغلك في الأداب بهت عليك خالص... لآخر مرة بقولك يا رنيم فكري في نور حبيبك.
رنيم: ههههههههههه يا حبيبي يا نور أنت الأصل.
إياس: لأ ده أنا هاروح أناديلك على ماما خليها تشوف الموضوع ده.
نور: احم... بس يا ولد أنت فاكرني بخاف ولا إيه... عيب عليك أنا مسيطر.
منى والدة إياس منادية من الخارج: يا نوووووووووووور.
نور: جايلك يا حبيبة قلبي.
إياس: هههههههههههه واضح السيطرة، روحلها يا نور وأنا جاي وراك.
نور: طيب ما تتأخرش عليا بالله عليك عشان نسيت في المطار الشنطة اللي فيها الفستان اللي هتحضر بيه فرحك وشكلها عرفت.
إياس: حبيبي يا بابا هتوحشني أوي... هههههههههههههه.
نور: بتتريق على أبوك ماشي يا واطي.
قالها ثم أردف بصوت جلي: جاي أهو يا روحي.
قالها وغادر الغرفة.
إياس: روني أنتِ معايا؟
رنيم: ههههههههههههههههه وربنا أنت وباباك مالكوش حل خالص.
إياس: طيب يا روحي هسيبك بقى تجهزي حالك عشان المفروض شوية وهلبس وهعدي عليكي نروح الفندق.
رنيم: ماشي يا حبي مستنياك... سلام.
***
استيقظت بنشاط وهي تمد ذراعيها لأعلى وتستنشق نسمات الهواء التي تولج من الشرفة، نهضت من التخت ثم قامت بإعادة ترتيبه، غادرت الغرفة ودلفت إلى المرحاض لتغتسل وتتوضأ.
بينما في الشقة المجاورة استيقظ مرغمًا بعد رنين المنبه المزعج، ليتثاءب ويفتح أهدابه بثقل، أمسك هاتفه الذي تركه على صورتها الذي ظل يتأملها طوال الليل ويحكي لها ما بداخله من مشاعر حبه لها، نهض من التخت ليقف ويفرد ذراعيه لأعلى ويحرك جسده بحركات رياضية، فتح الخزانة ليتناول منها منشفة قطنية كبيرة ثم غادر الغرفة ليدلف إلى المرحاض.
هي خرجت من المرحاض وهي تجفف وجهها وذراعيها من المياه، ودلفت إلى غرفتها تبحث عن إسدال الصلاة ذو اللون الأرجواني القاتم ومزخرف برسومات من الطراز البدوي، قامت بفرد سجادة الصلاة اتجاه القبلة لتؤدي فرضها، انتهت ثم جلست تردد أذكار الصباح وهي تدعو الله أن يهدي لها قلبها ويهدي لها من يعشقه قلبها.
خرج من المرحاض تلتف حول خصره المنشفة القطنية وجسده تتساقط عليه قطرات المياه المنسدلة من شعره المبتل، دلف إلى غرفته متجهًا نحو الخزانة وفتح ضلفتيها يبحث عن ثياب قطنية يرتديها، تناول فانلة بحمالات ذات اللون الأسود وبنطال قطني بنفس اللون.
نهضت وهي تطوي سجادة الصلاة ووضعتها جانبًا، شعرت بالاشتياق، ترددت بأن تقف في الشرفة أم لا، وهل هو قد استيقظ؟ أو ما زال نائمًا؟ اندفعت ساقاها نحو الشرفة وهي ما زالت مرتدية الإسدال التي كان وجهها كالملاك وهي محجبة، وقفت مستندة بكفيها على السور تتأمل الشارع الساكن والعصافير التي تغرد فوق أغصان الأشجار التي تصل إلى الشرفة، أوصدت عينيها عندما وصل إلى أنفها تلك الرائحة العطرية المتيمة بها، فبدا على ملامحها الانزعاج عندما خالط تلك الرائحة دخان السجائر التي تمقتها.
صقر بنبرة قد عزفت على أوتار قلبها: صباح الخير.
التفتت إليه وترتسم على وجهها ملامح الجدية وقالت: صباح النور.
قالتها وهي ترمش وتنظر لأسفل.
هو ظل متسمرًا في مكانه يحدق بها وكأنه يراها لأول مرة، رفعت عينيها ونظرت له عندما أحست بنظراته المثبتة عليها لتلتقي عينيها بعينيه ودقات قلوبهما تخفق وتدوي إلى مسامعهم، كما تعشق هي اللون الأسود عندما يرتديه، بينما هو قد أيقن بداخله أن الحجاب قد صُنع من أجلها، تهامست شفتاه وقال بصوت يكاد مسموعًا: تبارك الله فيما خلق.
أحست بتوتر جلي وقالت: عن إذنك.
قالتها لتدلف إلى الداخل.
بنبرة ذوقية: لحظة من فضلك.
فنظرت إليه ووجنتاها توردت من الخجل.
بصوت منخفض: نعم.
بنبرة غزل عفيف: شكلك ما شاء الله جميل أوي بالحجاب.
زاد توترها وهي تشيح بصرها جانبًا: شكرًا.
والله ما بجامل أبدًا... أتمنى إنك تلبسيه ديما.
فيروز: إن شاء الله أنا بفكر فعلًا ألبس الحجاب بس عن اقتناع من جوايا مش مجرد أن حد عايزني ألبسه.
قالتها وهي تراقب ردة فعله.
هو يعلم إنها تريد إثارة حنقته لكن هو لم يعطها الفرصة بل ابتسم وقال: طبعًا لازم تكوني أنتِ اللي عايزة كده من غير ما حد يفرضه عليكي.
ابتلعت ريقها بتوتر وقالت: طيب عن إذنك.
ابتسم بجانب فمه لأنه يرى التوتر على ملامحها فقال: أنا هاروح القاعة على المغرب كده إن شاء الله، تحبي تيجي معايا؟
أجابت بامتعاض: شكرًا أنا هركب تاكسي وعارفة مكان الفندق.
تنهد وقال: ماشي براحتك.
قالها فتركته ودلفت إلى الداخل وهي تضع يدها على صدرها وتشعر بدقات قلبها المتلاحقة واتجهت نحو المرآة ووقفت أمامها تتأمل وجهها المشرق بالحجاب، ثم قامت بخلعه وتأملت ملامحها وهي بخصلات شعرها التي تحيط وجهها، ثم لفت الحجاب مرة أخرى، ثم زفرت بحنق وقامت بخلعه وخلعت الإسدال بأكمله وقالت: مش هعمل أي حاجة لمجرد أنت عايز كده.
***
بداخل المجمع التجاري الشهير.
زفرت بوسي بضيق وقالت: قولتلك مش عاجبني ومش هلبس القرف ده.
قطب حاجبيه بامتعاض وقال مصطفى بحنق: اتعدلي يا بسنت أحسنلك... أنا مش كذا مرة حذرتك من أسلوبك في الكلام معايا؟
بوسي بنبرة اعتذار: أنا آسفة ما كنتش أقصد... بس أنا قولتلك ما بحبش اللون الأسود... مش بلبس اللون ده غير لما بكون نفسيتي زفت... وفستان مش ستايلي خالص وعايزني أدخل أقيسه بالعافية... وبعدين أنا نفسي أعرف أنت جيت معايا ليه؟
رفع أحد حاجبيه وقال: أنا قاصد أجي معاكي أشوف الفستان اللي هتلبسيه في الفرح النهارده...
عشان حضرتك ما تتفاجئنيش وألاقيكي لابسالي قميص نوم زي بتاع عيد ميلادك.
تأففت بضيق: أووف بجد بقى... أنا كان مالي ومال الحب والقرف والارتباط، ما أنا كنت عايشة حرة نفسي.
تفوهت بها لتجد ملامحه المتجهمة وحدّق بها وهو يجز على أسنانه.
مصطفى: أنا ما غصبتكيش على إنك ترتبطي بيا.. وإحنا فيها من دلوقتي يا بنت الناس.. لو مش عايزاني قوليها.. أنا مش هزعل خالص.. بالعكس هزعل أكتر لما هحس إنك غاصبة نفسك على حبي ليكي.
قالها بنبرة جدية صارمة.
شعرت بالندم من كلماتها فقالت: مصطفى أنا آسفة والله ما أقصد.
صاح فيها وقال بصوت جلِي: مش ملاحظة اعتذاراتك بقت كتير!!! ولا أنا عشان مش باخد معاكي موقف فتغلطي زي ما أنتِ عايزة!!!
اقتربت وأمسكت يده وقالت بنبرة اعتذار: والله يا مصطفى أنا كده أكبر عيب فيا لما بتعصب برمي كلام زي الطوب ما بعرفش أنا بقول إيه.
رمقها بسخط وقال: طيب لما أنتِ عارفة إن ده عيب مش ميزة ليه ما بتتغيريش للأحسن حتى عشان نفسك مش عشان حد تاني؟
وقد بدأت تلمع عبراتها بعينيها وقالت بصوت مختنق: عشان ما كانش فيه حد في حياتي يقول لي ده غلط وده صح.
تنهد بسأم وقال: طيب خلاص اهدي، ما حصلش حاجة... تعالي ونقي اللي يعجبك بس أتمنى تكون حاجة محتشمة.
صمت لتومئ له برأسها بالموافقة وهي تبتسم.
أمسك يدها وقبل كفها وأردف: يا بسنت أنا شايفك جوهرة ما ينفعش اللي رايح واللي جاي يتفرج عليها.. أنتِ فاهماني؟
أومأت له بالإيجاب وقالت: أممم فاهمة.
فقال بنبرة حانية: وبعدين من يوم ما صرحتلك بحبي ليكي وعرضت عليكي الجواز بعتبرك حتة مني وبخاف عليكي ومش بطيق حد يبص عليكي ولو بنظرة أنا ممكن أرتكب جريمة.
ابتسمت بخجل وقالت: ميرسي يا ديشا.
مصطفى: أنتِ فكراني بهزر... أنا راجل صعيدي ودمي حامي واللي يفكر يهاوب ناحية مرتي باعتبار ما سيكون إن شاء الله هأقتله وهأسيح دمه وهأتاويه والدبان الأزرق ما يعرفلوش طريق جرة واصل.
قالها بطريقة كوميدية باللهجة الصعيدية.
أخذت تضحك: ههههههههههه أنت مشكلة يخرب عقلك.
غمز لها بعينه وقال: إحنا نعجبوكي جوي جوي ولا إيه؟
ابتسمت بخجل وشعرت بالتوتر فقالت: طيب يلا نروح نشتري الفستان عشان لسه هأروح لروني على طول على الفندق.. لو اتأخرت عليها هتزعل مني.
مصطفى بنظرات خبيثة: ماشي.. ماشي بتهربي من سؤالي؟ ليكي يوم يا جميل.
______________________________
في إحدى المواقع السكنية التابعة لشركة الأسيوطي جروب.
تقف بجدية وهي تلقي التعليمات على العمال وهي تمسك بلوحة ورقية بها تصميم لبناء سكني على الطراز الحديث.
بتول: لا يا ريس ناصر السور لازم يكون عالي شوية ويكون محاوط الفيلا من جميع الجهات طبعًا ما عدا فتحات البوابات.
قالتها بتول التي ترتدي خوذة الحماية ذات اللون الأصفر.
ناصر بصوته الأجش: حاضر يا باشمهندسة تؤمري بحاجة تاني؟
بتول وهي تشير إلى الرسم وقالت: والمداخل يا ريت تراعي نقطة إنها تكون بحري مش شرقي عشان ما نكررش الغلطة بتاعت المرة اللي فاتت.. يلا وروني مهمتكو يا رجالة.
كان يقف على بعد مترين يراقب تلك الفتاة التي كانت تتعامل معه برقة في مكتبه، ها هي الآن تقف بجدية وعزيمة تلقي الأوامر والكل يستمع لها بدون نقاش... أثاره الفضول يريد أن يعرف أكثر عن شخصياتها التي جذبته بدون أن يدري.
التفتت لترى ذلك الشارد في عينيها.
بتول: باشمهندس محمد!
قالتها وهي ترتسم ابتسامة ترحاب على ثغرها.
محمد: إحم... صباح الخير يا آنسة بتول قصدي يا باشمهندسة.
بتول: صباح الخير إيه؟ إحنا بقينا بعد الظهر... وحضرتك جاي متأخر ساعة.
قالتها وهي ترتسم الجدية على ملامحها.
كتم ضحكاته وقال: أنا آسف يا فندم مش هتتكرر تاني.
قالها مازحًا.
حدقت فيه باقتضاب بمزاح: أنا ممكن أقبل أسفك بس في حالة واحدة لو فطرت معايا.
قالتها وقامت بخلع حقيبتها التي تحملها على ظهرها وفتحت السحاب وأخرجت علبة بلاستيكية.
ابتسم وقال بلباقة: شكرًا سبقتك بصراحة.
بتول: خلاص مش هأكل.
قالتها وهي تضع العلبة مرة أخرى في الحقيبة.
محمد: أنتِ زعلتي؟
أومأت له بالإيجاب وهي تزم شفتيها لأسفل بحركة طفولية.
ابتسم وقال: خلاص عشان خاطرك هآخد ساندوتش واحد.
تنهدت بسأم وقالت: ماشي هأعديها المرة دي لكن اعمل حسابك المرة الجاية هتفطر معايا على طول.
قالتها وهي تعطيه شطيرة.
قضم قطعة ويتذوقها ثم ابتلعها وقال: الله حلوة أوي الكفتة دي جايباها منين؟
رفعت إحدى حاجبيها بزهو وقالت: أنا اللي عملاها إيه رأيك؟
محمد: تسلم إيدك شكلك شاطرة في المطبخ زي ما أنتِ شاطرة في شغلك.
ابتلعت ما بفمها وقالت: مش قوي بصراحة يعني على قدي لولا تعليمات توتي ما كنتش هأعرف أعمل كوباية شاي.
ضحك وقال: توتي؟
بتول: أوبس.. ده أنا نسيت أعرفك على توتي... قالتها وأمسكت هاتفها وضغطت على الشاشة عدة مرات وقالت وهي تعطيه الهاتف: دي بقى يا سيدي مامتي حبيبتي بقولها يا توتي دلع تغريد.
محمد: بسم الله ما شاء الله اللي يشوفها يقول إنها أختك.
بتول: فعلًا حتى شخصيتها ما بأحسش إنها ماما خالص علاقتنا ببعض علاقة اثنين أصحاب مش مجرد بنت ومامتها.
محمد: ربنا يخليهالك.
بتول: يا رب... لما أعرفك على بقية العصابة...
قالتها لتجده مشدوهًا فأردفت: هههههه دي العائلة الكريمة مسميين نفسنا عصابة... أنا أبقى أكبر أخواتي عندي زوما في 2 هندسة مدني وروان في 3 ثانوي عام.
قالتها وهي تقلب الصور.
محمد: طيب وأستاذ مراد والد حضرتك؟
تبدلت ملامحها فجأة وقالت بحزن: بابا الله يرحمه توفي من سنتين.
محمد بحزن: البقاء لله الله يرحمه.
تنهدت وقالت: الله يرحمه... ارتسمت ابتسامة بتصنع وقالت: تعرف إنك شبهه جدًا.
محمد: أنا؟
ابتسمت وهي تنظر من حولها: هو فيه حد تاني معانا يعني؟
قالتها بسخرية مازحة فأردفت: كفاية كلام كتير بقى وتعالى أفرجك على آخر التطورات...
قالتها وهي تغلق سحاب الحقيبة وترتديها على ظهرها واتجها معًا نحو الأساسات التي شيدها العمال لبناء فيلا شاسعة المساحة.
محمد: ما شاء الله... دول قربوا يخلصوا الأساسات في يوم واحد.
ابتسمت بفخر وقالت: أومال أنت فاكر إيه أنا فوق دماغهم لحد ما يخلصوا بناء في خلال أسبوعين عشان نسلم الوحدة في المواعيد اللي اتفقتوا عليها مع العملاء.
حدّق بها باندهاش وإعجاب.. أدركت هي تلك النظرات فتوترت وكادت تلتفت للجهة الأخرى لكن لم تأخذ حذرها من أنها تقف على حافة قاعدة الأساسات فتعثرت قدماها لينثني كاحلها وأوشكت على الوقوع... ألحق بها وهو يجذبها من خصرها لتتشبث بياقة سترته... ليحدّق في عينيها لثوان... حتى لاحظ تورد وجنتيها... تركها على الفور بإحراج وخجل.
محمد: آسف أنا لقيتك كنت هتقعي فلحقتك.
قالها بدون أن ينظر لها.
ارتسم طيف ابتسامة على محياها فقالت: ولا يهمك.
قالتها وكادت تمشي فتأوهت: آآآآه.
انتبه لها بذعر: مالك؟
بتول وهي تعض على شفتها السفلى بألم: رجلي شكلها اتلوت ومش قادرة أمشي عليها.
اقترب منها وقال: طيب تعالي نروح لدكتور بسرعة.
بتول: ما فيش داعي أنا شوية وهأروح.
محمد: هتمشي إزاي برجلك وأنتِ مش قادرة تحركيها؟
بتول: معايا عربيتي.
محمد: بطلي عند وتعالي معايا أنا هوصلك وقبلها نروح للدكتور يشوف رجلك.
نظرت له باستسلام لتذعن لأمره: حاضر بس الشغل و...
قاطعها بصرامة وقال: الشغل مش هيطير يا باشمهندسة.. تعالي معايا واسمعي الكلام.
قالها ليذهب نحو سيارته ثم فتح باب السيارة ودلف إلى الداخل ثم قادها حتى أصبحت بمحاذاة بتول... نزل من السيارة ليثني ساعده حتى تستند عليه وفتح لها باب السيارة وجلست بحذر.. ثم التف ودلف وجلس على مقعد القيادة وأغلق كلاهما الأبواب... لينطلق بالسيارة.
________________________
دلف كلاهما إلى داخل المتجر... اختار كلاهما ثوبًا ذا لون ذهبي... أمسكت به لتدلف إلى حجرة القياس (البروفة)... وهو ينتظرها بالخارج... وفي أثناء الانتظار.
صوت أنثوي: هاي.. لو سمحت أنا كنت حاجز دريس عندكوا إمبارح باسم تمارا العسيلي.
قالها صوت أنثوي ليلتفت مصطفى إلى صاحبة هذا الصوت.
مصطفى: تمارا!!!
قالها مصطفى باندهاش لتلتفت هي إليه.
تمارا: مش معقول ديشا!!!
قالتها باندهاش وسعادة وهي تقترب نحوه.
بوسي بالداخل تسترق السمع لتقوم بفتح الباب قليلًا لترى صاحبة ذلك الصوت التي تعرفها جيدًا وتمقتها بشدة... وقعت عيناها على تلك المرأة ذات الشعر القصير الذي يصل إلى كتفيها يحاوط وجهها ذو الملامح الحادة.. اتسعت عيناها ليرتسم على وجهها الغضب.
مصطفى بنبرة زهو وكبرياء: أهلًا.
ابتسمت بتصنع وقالت: إيه مالك بتكلمني كده ليه؟ واضح إنك لسه شايل مني.
مصطفى باستنكار: وهأشيل منك ليه إن شاء الله!! أنتِ كنتي عملتي حاجة!!
قالها بتهكم.
تمارا: يبقى فعلًا عندي حق... عمومًا يا ديشا إحنا لسه فيها وممكن نرجع الماية لمجاريها تاني.
رمقها بازدراء وهو ينظر إلى خاتم الزواج التي ترتديه في يدها اليسرى.
فأردفت: أنت فهمتني غلط أنا أقصد نرجع نتصاحب... أنا جوزي رجل أعمال بيسافر كتير وبأزهق من القعدة لوحدي.
بوسي بالداخل تضع يدها على فمها غير مصدقة ما تسمعه فأبدلت ثيابها على الفور.
مصطفى: وحد قالك عني إن أنا بتاع ستات متجوزين!!!
قالها مصطفى بسخرية وهو يرمقها باحتقار.
خرجت مسرعة وهي تمسك بالثوب وتلقيه في الأرض بغضب، وترمق تلك المدعوة تمارا بنظرات نارية.
_ إيه ده بوسي!!!
قالتها تمارا بتعجب.
مصطفى ينظر لكليهما وقال: أنتو تعرفوا بعض؟
بوسي بنبرة سخط: دي مدام تمارا مرات بابا.
توترت تمارا، ومصطفى حدق باندهاش. رمقت بوسي كليهما بامتِعاض واحتقار، ثم أسرعت وغادرت المكان.
_ بسنت.. يا بسنت.
قالها مصطفى مناديًا وهو يلحق بها.
ركضت حتى وصلت إلى الخارج لتشير إلى إحدى سيارات الأجرة الخاصة ليقف أمامها، ودلفت إلى الداخل. قبل أن توصد الباب أمسك به مصطفى وقال: ثواني يا أسطى، ثم قال لها: نفسي أفهم اللي بيحصل ده؟
بسنت وهي تحاول تآسر عبراتها بعينيها قالت: مفيش، ولو سمحت ابعد عني وكفاية لحد كده.
_ أبعد عنك!!!
قالها باستغراب غير مصدق.
بوسي: اطلع يا أسطى لو سمحت.
حدق بها باقتضاب وقال: بسنت أنا...
لم يكمل لتقاطعه بحنق وقالت: مش قولتلك ابعد ولا أنت مبتسمعش!!!
قالتها بغضب وبنبرة صوت مرتفعة.
اشتد حنقه وتملكه الغضب فابتعد وهو يصفق الباب بقوة، لينطلق السائق بالسيارة. وهي أجهشت بالبكاء وهي تضع يدها على فمها لتكتم شهقاتها، وتنظر من النافذة التي تخترقها الشمس بأشعتها التي تنعكس على عبراتها المنسدلة التي تتلألأ على وجنتيها.
__________________
_ وبعد مرور الوقت... بداخل العيادة.
يغلق الطبيب الجبس حول كاحلها بإحكام، فقالت وهي تكتم الألم الذي تشعر به: وهتفضل الجبيرة دي لحد إمتى؟
الطبيب: لمدة 3 أسابيع.
غرت فاها ثم قالت: مينفعش يا دكتور ورايا شغل ومينفعش يتأجل.
رمقها محمد بنظرات أسكتتها فأردفت: ماشي.
الطبيب وهو ينتهي ثم يتجه لحوض المياه ويغسل يديه: أنا هكتبلك على مسكن وعلاج بس أهم حاجة الراحة ورجلك متلمسش الأرض ده لو عايزة تخفي بسرعة.
بتول: حاضر يا دكتور.
دون اسم العلاج بالورقة، ثم نزعها من الدفتر وأعطاها لمحمد وقال: أشوفكوا إن شاء الله بعد 3 أسابيع.
محمد: شكرًا يا دكتور.
الطبيب: العفو.
اتجه محمد نحوها ليسندها ثم غادرا العيادة.
وبعد أن قام بتوصيلها إلى أمام البناء الذي تقطن فيه وكان عبارة عن منزل من طابق واحد محاط بسياج معدني تنتشر من حوله الأشجار والزهور.
_ هو ده البيت؟
قالها محمد.
بتول: أه ده بابا اللي عمله ومصمم فيه كل ركن.
محمد: حلو أوي... يلا عشان أنزلك.
بتول: ميرسي أنا هكلم حازم أخويا.
قالتها ثم أجرت الاتصال وقالت: ألو يا زوما ممكن تخرج قدام البيت تيجي تاخدني؟... بعدين هتعرف... سلام.
مر ثوان وخرج إليهم حازم شاب في بداية العشرينات من عمره، شعره مجعد وأشعث، يمتلك وجهًا عبوسًا، توجه نحو السيارة ليرمق محمد بنظرات حادة ثم التفت لشقيقته وهي تشير له، ذهب نحوها وهو يمد يده إليها ويسندها.
_ زوما أعرفك بالباشمهندس محمد الأسيوطي مدير شركة الأسيوطي جروب.
ثم نظرت لمحمد وقالت: ده زوما أخويا اللي حكيتلك عنه.
محمد: أهلًا وسهلًا.
قالها ولم يجب عليه حازم سوى رمقه شزرًا.
بتول: ما تتفضل معانا يا باشمهندس؟
محمد: لأ شكرًا أنا ورايا كذا مشوار، هبقى أطمن على حضرتك في التليفون بعد إذن أستاذ حازم.
قالها فلم يجب عليه حازم مرة أخرى.
محمد بإحراج: طيب أنا أستأذنكوا... سلام... وألف سلامة على حضرتك يا باشمهندسة بتول.
بتول: ميرسي.
أوصد الباب ثم انطلق بالسيارة.
_____________________________
_ تقف في المطبخ وهي تعد الطعام الذي يفضله زوجها، وهي تغني بصوت عذب:
بتلوموني ليه.. بتلوموني ليه
لو شفتم عينيه.. حلوين قد إيه
دلف إلى المطبخ بخطى هادئة وهي مولية ظهرها إليه ولم تشعر به، ليحاوطها من ظهرها الذي يلتصق بصدره ويغني معها:
هتقولوا انشغالي وسهد الليالي
مش كتير عليه... ليه بتلوموني
التفتت إليه وهي تكتم ضحكاتها، فقال ويقطب حاجبيه: ماشي ماشي اضحكي على صوتي.
قاله شهاب.
سيلين وهي تكتم ضحكاتها: أولًا أنا اتخضيت بس مرضتش أضيع اللحظة الجميلة وأنا بسمع النشاز اللي دخل في الأغنية ده.
شهاب: بقي أنا صوتي نشاز؟
ضحكت ثم لفت يديها حول عنقه وقالت: لأ يا روحي أنت عسل وصوتك كروان.
شهاب: كده بتتريقي على جوزك حبيبك!!!
قالها بمزاح.
سيلين: أنا أقدر ده أنت حتى دخلت ولقيتني بغني بتلوموني ليه لو شوفتم عينيه حلوين قد إيه.
اقترب من أذنها هامسًا: ويا ترى عينيا فعلًا حلوة ولا دي تريقة؟
ابتسمت وقالت وهي تحدق في عينيه: أنت كل حاجة فيك حلوة كلك على بعضك حلو... تعرف بحب نظرة عيونك أوي زي النظرة اللي شيفاها دلوقتي... لكن لما بتقلب أجارك الله عليك نظرة بتخليني هموت من الرعب.
انفرجت أساريره وقال: لأ يا قلبي مش عايزك تخافي أبدًا طول ما أنا معاكي... والطبيعي إن في يوم من الأيام هتحصل مشاكل اللي ما بين أي زوجين... وبعدين نسيتيني المفاجأة اللي كنت محضرهالك.
سيلين بفضول: إيه هي؟
شهاب: ثانية واحدة.
قالها وهو يخرج من جيب سترته الداخلي جوازات سفر بداخلها كل منهما تذكرة وأردف: اتفضلي يا روحي.
أخذتها من يده وهي تفتح وتقرأ: هنسافر المالديف!!!
شهاب: هنقضي الهني مون اللي راح علينا.
ابتسمت وقالت: يا قلبي أنا كل أيامي معاك عسل طول ما أنت جنبي.
قالتها لتستنشق رائحة شيء يحترق فشهقت وقالت: اللحمة!!
لتلتفت إلى الموقد لتجد اللحمة التي تطهوها قد التصقت بالإناء واحترقت، قامت بإغلاق الإشعال.
_ يا خسارة اللحمة اتحرقت.
قالتها بنبرة حزن.
شهاب: ولا يهمك يا قلبي... نطلب دليفري بسرعة عشان نلحق نتغدى ونروح الفرح.
سيلين: أوبس ده أنا ناسيه خالص... ونسيت أحضر الفستان اللي هحضر بيه.
جذبها من يدها وقال: تعالي معايا.
قالها ليغادرا المطبخ ثم يصعدا الدرج ودلف كلاهما إلى داخل الغرفة وهو يشير إليها إلى حافظة سوداء ملقاة على التخت.
اقتربت منها وهي تفتح السحاب ليظهر منها ثوب بلون (الكاشمير) من الأعلى مطرز بالأزهار ذات اللون الذهبي ويبدأ من أسفل الصدر إلى بداية الخصر حزام فاصل من نفس خامة ولون قماش الثوب المتكون من الحرير الفاخر، ملحق مع الثوب حجاب بنفس اللون ونوع القماش.
_ الله حلو أوي يا شيبو.
قالتها سيلين بانبهار.
اقترب منها وأمسك بيديها وقال: عجبك يا روحي؟
سيلين: جدًا أنا بعشق اللون ده أوي.
شهاب: عارف... عشان كده اشتريتهولك.
سيلين: ربنا يخليك ليا يا حبيبي.
قبل يديها ثم قام بتقبيل جبهتها وقال: ويخليكي ليا يا قلب حبيبك.
_ بداخل الفندق...
ترتدي رنيم معطف قطني وتجلس على المقعد أمام المرآة وخلفها فتاة تقوم بتصفيف خصلات شعرها.
تدخل بوسي وهي تحمل حقيبة كبيرة.
_ مالسه بدري يا بوسي هانم... هو ده البدري اللي اتفقنا عليه!!!
قالتها رنيم.
بوسي بحنق: كنت بشتري الفستان اللي هلبسه.
رفعت إحدى حاجبيها وقالت: يا سلام!!! أومال بتعملي إيه حضرتك من بدري مع سي ديشا؟ ولا كنتوا بتصيعوا وقولتي مش مشكلة صاحبتي اللي مستنياني من بدري.
قالتها بسخرية.
زفرت بضيق وقالت: لو سمحت يا رنيم ممكن تقفلي على سيرة مصطفى لو عايزة اليوم يعدي من غير مشاكل.
قالتها بنبرة تحذير.
أشارت رنيم للفتاة للتوقف: عن إذنك ثواني.
قالتها لتنهض وتتجه نحو بوسي التي تستند إلى الحائط وتحدق بعينيها وقالت: مالك يا بوسي؟ أنتوا اتخنقتوا؟
بوسي: هو أصلًا موضوع فكسان من الأول... أنا قولتلكوا أنتي وإياس أنا مليش في الجو ده مش عايزة أحب ولا أتزفت فضلتوا تزنوا عليا.
قالتها وهي تكتم شهقات عبراتها التي انسدلت.
اقتربت رنيم لتحتضنها وقالت: خلاص يا قلبي متعيطيش أنا مش هسألك ولا هقولك حاجة... واللي أنتي شيفاه اعمليه... بس بقي عشان خاطري.
ابتعدت بوسي لتخرج من جيبها منشفة ورقية وهي تجفف عبراتها ثم تصنعت البسمة على ثغرها وقالت: بصي بقي إحنا عايزين نهيص النهاردة ونولع الفرح رقص وميوزك ده مش أي فرح ده فرح حبيبة قلبي وصديقة عمري أجمل روني في الدنيا دي كلها.
ضحكت رنيم وقالت: والله أنتي مسخرة ربنا واعدني باتنين مجانين إن كنتي أنتي ولا الواد اللي هتجوزه النهاردة ده.
بوسي: هههههههههه واد!!!
رنيم: تعالي أما أحكيلك البلوة اللي هستحملها عشان خاطره.
اتجهتا نحو المقاعد وجلست كل منهما.
بوسي: بلوة إيه؟
زمت شفتيها لأسفل وهي تقول: منى... حماتي ذات الوجه العابس.
ضحكت بوسي وقالت: يخرب عقلك يا رنيم لو إياس سمعك هيزعل منك.
رنيم: متخافيش مبجبش سيرتها خالص... وأحسن إنها عايشة برة وبتيجي مصر زيارات.
بوسي: هي عملت معاكي حاجة؟
رنيم: ييييييييه... دي حاجات يا أختي... يعني النهاردة وإياس بيعدي عليا عشان يجيبني على هنا لقيتها جاية معاه بعد كده لقيته وقف عند مول العرب ونزلنا...
خلتني ألف لما رجلي مبقتش قادرة أدوس عليها، كل ده عشان تجيب فستان تحضر بيه الفرح.
بوسي: وهي مش محضّرة الفستان من قبلها ليه؟
رنيم: اسكتي ده عمو نور بابا إياس نسيه ف المطار ف كندا، ونكدت عليه وبهدلته.
بوسي: هههههههه ياحرام.
رنيم: المهم قومي بصي ع الفستان وشوفي لو حاجة ناقصة فيه أعدلها ولا لأ، خلاص فاضل ساعتين وألبس وصقر الجزمة ده مش عارفة راح فين.
بوسي: هتلاقيه مع الجو بتاعه.
ابتسمت بتهكم وقالت: جو!! ده الجو اللي مبهدله، ربنا يهديهم ويصلح لهم الحال. أنا بعت لها معاه دعوة فرح، يارب تيجي عشان لو مجتش هزعل منها أوي.
بوسي: هي مين؟
رنيم بصياح: فيروز بنت عمة مصطفى.
بوسي بسخرية: أممم واضح جدًا إنهم قرايب... بيحبوا يبهدلوا اللي معاهم.
رنيم: كلمة حق هتحاسب عليها... بصراحة أخويا هو السبب، طلع عينيها وشافت مآسي معاه.
بوسي: ربنا يهديه ويهدي الجميع.
رنيم: ويهديكي إنتي وديشا وتتلموا بقي.
لم تجب واكتفت بنظرة سخرية.
***
تقف أمام الخزانة المعلق بداخلها ثيابها... أخذت ثوبين أحدهما باللون الأسود والآخر لونه أحمر قرمزي... نظرت لهما بعدما قامت بوضعهما ع التخت... ثم قالت: الأسود بصراحة شيك جدًا بس هلاقي كتير لابسينه ف الفرح... يبقى خلينا ف الأحمر أحسن. صمتت وهي تتذكر عندما حذرها صقر من ارتداء ذلك اللون الذي يظهر جمال بشرتها ويجعلها محط نظرات الإعجاب لكل من يراها... ابتسمت بمكر ليقع الاختيار عليه وتضع الآخر ف الخزانة.
***
يقف أمام المرآة التي تعلو حوض المياه يمسك بماكينة الحلاقة يشذب لحيته المتصلة بشاربه ثم ترك الماكينة جانبًا وفتح الصنبور ليغترف الماء بيده ويغسل وجهه من الرغوة التي تملأ لحيته... تناول المنشفة وأخذ يجفف وجهه وهو يتمعن النظر ف لحيته التي أصبح مظهرها جذاب... نظر إلى خصلات شعره وظل يعبث بها بأنامله كالأبله... ثم قطب حاجبيه وقال بسخرية: أي الهبل اللي بعمله ده!
غادر المرحاض وذهب إلى غرفته ليلقي نظرة ع التوكسيدو (بدلة مناسبات) التي جاءت إليه عبر الشحن حيث ابتاعها عن طريق التسوق عبر الإنترنت من الماركة الشهيرة (رالف لورين) وكذلك حذائه الأسود الجلدي الأنيق من الماركة العالمية (سالفاتور فيراغامو)... تأكد من تجهيز كل ما يحتاج إليه ليطلق صفيرًا بالانبهار وبدأ يخلع ثيابه ليبادلها بالأخرى.
***
ترتدي معطفًا قطنيًا (بورنوس) وتقف أمام المرآة وهي تضع مساحيق التجميل لاسيما مكياج يناسب ذلك الحفل... تضع ع أهدابها العليا ظلال العيون الدخاني بشكل تدريجي أنيق لتكمل إبراز جمال فيروزتيها بالرموش الصناعية الكثيفة... الحاجبان العريضان... حمرة الوجنتين ذات لون الخوخ التي أبرزت جمال عظام وجنتيها... ولأنها خبيرة ف ذلك المجال اختارت حمرة بلون هادئ حيث وضعت لون النيود (السيموني المائل للوردي)... انتهت من وضع اللمسات الأخيرة ثم بدأت في تصفيف خصلات شعرها حيث قامت بتركه منسدلًا ع كتفيها بتمويجات هادئة... بدأت بخلع المعطف لترتدي الثوب الذي أصبحت فيه مثل الأميرات... عاري الكتفين يظهر عظمتي الترقوة خاصتها... له أكمام ضيقة تصل إلى معصميها... ضيق من الصدر ويبدأ يتسع من بعد الخصر يتكون من الدانتيل يليه طبقات من التول... ارتدت أقراطًا متدلية تصل إلى كتفيها... فتحت العلبة الموضوعة بأعلى الكومود حذاء باللون الفضي يلمع ويتلألأ مثل الكريستال... كل ذلك قد اشترته من باريس من دور الأزياء عندما كانت هناك.
***
انتهى من ارتداء التوكسيدو ذات اللون الأسود القاتم وأسفلها قميص باللون الأبيض ورابطة عنق (ببيونة) باللون الأسود... أخذ زجاجة العطر وقام برش الكثير منها لتنتشر ف الأجواء وتولج الرائحة إليها من الشرفة... فأدركت إنه مازال موجودًا بمنزله ولن يغادر بعد.
***
رن هاتفها... فأجابت: ألو يا محمد.
محمد بالأسفل منتظرًا: أنا واقف تحت، خلصتي؟
فيروز: آه لبست وخلصت، أنا نازلة دلوقتي... سلام. أغلقت المكالمة.
رمشت عدة مرات... وصلت إليها رائحة دخان سيجارته التي يدخنها بالشرفة... تعالت خفقات قلبها... تشعر بوجوده حتى لو كان يفصل بينهما عدة أمتار... فقالت بداخل نفسها: لما نشوف يا حضرة النقيب، اتغيرت فعلًا ولا لأ. قالتها لتبتسم بمكر.
***
ياداده أنا نازلة، عايزة حاجة؟ قالتها بصياح حتى وصلت كلماتها إلى مسمعه حتى ابتسم عندما أدرك إنها افتعلت ذلك عن قصد... زفر آخر دخان ف السيجارة ثم دفسها ف حافة السور وألقاها... ودلف بالداخل ويأخذ مفتاح سيارته وهاتفه ومحفظته الجلدية... ثم اتجه نحو باب المنزل يضع يده ع مقبض الباب منتظرًا إياها.
***
فتحت باب المنزل ليقوم بفتح باب منزله ف نفس التوقيت... تلاقت أعينهم... هي لم تستطع إخفاء نظرات إعجابها به بل كان بداخلها تتمنى أن تركض نحوه وتعانقه... لكن حاولت أن ترتسم الجدية ع ملامحها وعينيها الساحرتين التي سلبت قلبه وعقله وهو يحدق بها... لكن مهلًا كاد غضبه الذي اشتعل بداخله بسبب ذلك اللون الأحمر الذي يبرز جمالها وجمال بشرتها الحليبية وكتفيها العاريين كل ذلك يضغط ع أعصابه... حاول كظم حنقه... فهي وضعت له شرطًا للعودة بأن يتغير أولًا.
***
ع فكرة مش هتلاقي أي تاكسي هيجي الشارع... قالها بنبرة خبيثة.
رفعت حاجبيها باندهاش: وليه إن شاء الله؟
كتم ابتسامته وقال: سمعت إن فيه كمين قريب والشارع مقفول.
أجابت بسخرية: عايزني من الآخر أركب معاك... صح؟
أومأ لها بابتسامة جذابة.
***
لأ شكرًا... قالتها لتصدمه بإجابتها واتجهت نحو المصعد وشعرت بشيء غريب ف ظهر الثوب لكن لا تعلم ماهو.
جز ع فكيه بامتياض وهو يتمتم بداخل نفسه: الصبر يا فيروز... قالها متوعدًا... لحق بها ليدلف خلفها ثم أغلق الباب ولم يضغط ع زر النزول... بينما هي تقف مولية ظهرها إليه لتتحاشى النظر ف عينيه ويرى ضعف حبها نحوه... لكن كانت تنظر بطرف عينيها ف المرآة التي بحائط المصعد لتجده يقف خلفها وعينيه تنظر لظهرها... توترت لتقول:
مستني أي؟ ما تدوس ع زرار الأرضي... قالتها بانفعال مبالغ.
ابتسم باستفزاز واقترب منها وهو يهمس ف أذنها بأنفاسه التي قشعرت جسدها وتعالت دقات قلبها حتى وصلت لمسمعه:
باقفلك سوستة الفستان اللي سايباها مفتوحة... قالها بنبرة ماكرة وهو يغلق سحاب ثوبها.
شهقت بخجل وهي تضع يدها ع فمها فالتفتت إليه ووجهها متورد من الخجل: أأنا أأنا... أنا نسيت أقفلها وماخدتش بالي... وبعدين مين سمحلك إنك تحط إيدك ع ظهري؟ قالتها وهي تشير له بإصبعها أمام وجهه.
اقترب منها لتتراجع إلى الوراء حتى استندت بالحائط المعدني للمصعد... وهو استند بكفيه ع الحائط ليحاصرها ف المنتصف وقال: أنا ما لمستش ظهرك خالص... يعني أنا لولا إني قولتلك كنتِ هتعرفي؟
رمقته بسخط ولم تجب... تعالت أنفاسها من التوتر.
مالك بتخافي ليه كل ما أقرب منك؟ ابتسم وأردف: أنا بقي عارف الإجابة وهي إنك خايفة ليبان شوقك وحبك ليا اللي بتحاولي تداريهم كل ما أقرب منك... بس اللي إنتي ناسياه إن عيونك زي الكتاب المفتوح سهل أعرف اللي إنتي حساه من غير ما تنطقي بيه ع لسانك... قالها وهو يحدق ف ملامحها ليرى أثر كلماته عليها.
ابتلعت ريقها وهي تحاول أن تهدأ من روعها... رجع إلى الخلف ليضغط ع الزر بصوت قد أفزعها... حتى تحرك المصعد لأسفل ووصل إلى الطابق الأرضي... فتح الباب وقال: اتفضلي.
خرجت ع الفور وهي تتنفس الصعداء وأسرعت لترى محمد الذي كاد يتحدث إليها لكن عينيه أطلقت نظرات حادة وقال بحنق: صقر كان بيعمل أي عندك فوق؟
ضربت يدها ع جبهتها وهي تتذكر بداخلها إنها قد نست إن محمد لا يعلم بأن صقر يستأجر المنزل المقابل لها.
فيروز: ماكانش عندي هو ساكن...
لم تكمل ليقاطعها محمد وقال: أزيك يا صقر، ألف مبروك لأختك.
صقر: الله يبارك فيك، عقبالك... أنت جاي الفرح... ما تيجوا اركبوا معايا؟
محمد: شكرًا، معايا عربيتي وجاي آخد فيروز.
فيروز: محمد ع فكرة صقر ساكن ف الشقة اللي قصادي.
محمد متعجبًا بسخرية: بجد!!
صقر: آه.
محمد: والفيلا بتاعتك مش عاجباك ولا أي؟
أحست بأن ربما ستبدأ مشاجرة ليس ذلك وقتها تمامًا... فقالت: تعالي يا محمد يلا نركب عشان ما نتأخرش... قالتها لتدلف إلى داخل السيارة... والتف محمد وهو يرمق صقر بسخط... ثم دلف إلى سيارته وبعد ثوان انطلق بالسيارة... وخلفهم صقر.
***
بداخل غرفة أخرى بالفندق...
ألف مبروك يا عريس يا عريس... قالها مصطفى وهو يتغنى بها.
ضحك إياس الذي يرتدي سترة التوكسيدو ذات اللون الأسود.
عقبالك يا ديشا... قالها إياس.
زفر بضيق وقال: إن شاء الله.
إياس: طالما قلبت سحنتك كده يبقى اتخانقتوا.
مصطفى: والله ما أعرف لها حاجة، بت مجنونة مرة تكون بتضحك وتهزر ومرة واحدة تقلب وتحدف طوب... طوب مين دي بتحدف صخور ومن اللي بتفتح الراس ع طول.
إياس: ههههههههه معلش كاس وداير يابا... كلهن مثل بعضهن صعب تراضيهم... وع رأي عمك أبو الليف....
قالها ليتغنى الاثنان بطريقة كوميدية معًا:
مستَهوِن بالستات يا أخويا... دولا مجانين.
دول كربونة وحياة أبويا... دولا مجانين.
هانم ولا بمنديل بأوية... دولا مجانين.
تنهد مصطفى وقال: أستغفر الله العظيم.
دوت طرقات ع الباب.
إياس: مين؟
أنا بوسي يا إياس... رنيم بتقولك خلصت ولا لسه عشان الفوتو سيشن... قالتها وهي تقف بالخارج... لينظر مصطفى نحو الباب بتجهم.
اتجه نحو الباب وهو يشير لمصطفى بأن يختبئ ثم قام بفتح الباب وقال: تعالي يا بوسي ادخلي جوه هنا.
بوسي: لأ أنا هاروحلها عشان عايزاني.
لم يعطها فرصة للحديث فجذبها من يدها لتدلف إلى الداخل فأوصد الباب من الخارج وهو يقول: محدش هيخرج فيكوا النهارده غير لما تتصالحوا مش عايز نكد ف يوم فرحي يا ولاد الكئيبة.
قالها إياس ثم أطلق ضحكاته.
تسمرت بمكانها وهي ترمقه بسخط ولم تتفوه، بينما هو ظل واقفًا يحدق بها بدون أي تعابير، ربما بعض الامتعاض يبدو على ملامحه. لكن ما لفت نظره أنها ترتدي ثوبًا باللون الأسود، على الرغم من أنه محتشم ولا يظهر من جسدها سوى كفيها وعنقها الطويل، لكن تذكر أنها تمقت ذلك اللون وأنها لا ترتديه سوى عندما تكون حزينة وتشعر بالاكتئاب.
اقترب منها حتى أصبح في مواجهتها وقال:
ممكن أفهم أنتي زعلانة ليه؟
أجابت باستنكار:
ومين قالك إني زعلانة؟ بالعكس أنا فرحانة جدًا... فرح صاحبة عمري النهارده، مفيش داعي للحزن والكآبة.
وضع مصطفى يديه في جيوب بنطال بدلته الرمادية القاتمة وقال:
واضح جدًا إنك فرحانة بإمارة الفستان الأسود اللي أنتي لابساه.
قالها ليجدها تجز بأسنانها على شفتها السفلى. بحث بعينيه حتى وجد مفرشًا باللون الأسود فوق منضدة مستديرة، قام بجذبه وأخذه وألقاه فوق رأسها كالحجاب وقال وهو يبتسم لها باستفزاز:
أنتي كده ناقصك خطين حُمر على قفاكي وتبقي شبه الأرملة السوداء.
اشتد حنقها فصاحت:
أنا أرملة سوداء؟!
مصطفى وهو يكتم ضحكاته قال:
أنتي تطولي تبقي زيها! دي أخطر وأقوى نوع في العناكب.
أشارت لنفسها وهي تصيح بغضب:
أنا عنكبوتة يا مصطفى؟!
مصطفى:
عارفة ليه سموها أرملة سوداء؟ عشان بعيد عنك بعد ما بتتجوز أي ذكر بعد ما بتحمل منه بتقتله.
اقتربت وهي تلقي بالمفرش في الأرض وأخذت قطعة خزفية وهي تقول:
وأنا هقتلك يا مصطفى.
قالتها لتلقي بها نحوه ليتفاداها.
يابنت المجنونة بتعملي إيه؟ قالها بصياح وهو يتفادى كل ما تلقيه عليه.
ركضت خلفه وتقول:
هقتلك عشان أنت خاين وغشاش... ما لقيتش غير الزفتة دي.
قالتها وهي تخلع حذاءها وتلقيه عليه فأمسك به.
يا بت اهدي هفهمك... بس وقفي اللي بترميله ده... فاكرة يعني مش هقدر عليكي وأمسكك! قالها بتحذير.
صاحت بغضب:
أبقى تعالى ناحيتي عشان أخليك ما تحصلش ذكر الأرملة السوداء... ها؟
قالتها بتهديد وهي تمسك بتمثال من الحديد صغير الحجم وكادت تلقيه، ليسبقها وينحني ويجذب السجادة من تحت قدميها لتقع للخلف على ظهرها. أسرع نحوها ليعتليها ويمسك معصميها مقيدًا إياها وقال:
ما تهدي بقى يخربيتك قطعتي نفسي معاكي.
صرخت بصوت قد اخترق طبلة أذنيه. قام بوضع يده على فمها واقترب بوجهه من وجهها وقال:
اتكتمي الله يخربيتك هتفضحينا، الناس يقولوا علينا إيه.
دلف إياس فجأة ليراهم بذلك الوضع:
لا لا لا أنا قلت تتصالحوا ما قلتش حاجة تانية... اللي بتعملوه ده!
قالها بمزاح.
نهض مصطفى وقام يعتدل من مظهره، لتنهض هي وتركض نحو إياس وهي تنظر لمصطفى بتوعد وتقول:
الحقني يا إياس صاحبك كان عايز يعتدي عليا ولما صوت كتم بوقي لولا إنك دخلت.
مصطفى غر فاهه وصاح:
والله العظيم كذابة أنا ما عملتلهاش حاجة.
إياس أدرك خدعتها لكنه يسايرها وغمز لصديقه بدون أن تدري:
كذابة إزاي يعني؟ ده صوتها واصل لآخر الطرقة بره... والأوضة مقلوبة والسجادة والتماثيل متكسرة، الله يخربيتكوا كل ده هتحاسب عليه.
أجهشت بالبكاء بتصنع:
يعني عجبك اللي عمله صاحبك فيا؟ يرضيك يا إياس؟
إياس وهو يكتم ضحكاته:
لا ما يرضينيش وعقابًا ليه هيحاسب على الحاجات اللي اتكسرت دي... وأنتي تعالي معايا عشان رنيم عايزاكي.
خرجت وقبل أن تغادر نظرت لمصطفى الذي يتطاير الشر من عينيه، رمقته بنظرة استفزازية وتخرج لسانها بحركة طفولية وقالت:
مع السلامة يا ذكر الأرملة السوداء.
***
أمام بوابة الاستقبال يدلف المدعوون لحفل الزفاف... الأقارب والمعارف وزملاء إياس بالعمل والعقيد منصور الذي يقف مع زوجته... ويقف كلا من نور الدين وزوجته منى والدي إياس في البهو بالداخل لاستقبال المدعوين.
مش ملاحظ أخو المحروسة خطيبة ابنك لسه ما جاش؟ قالتها منى في أذن نور الذي يبتسم لأحد المعازيم ويصافحه.
انحنى نور نحوها وقال من بين أسنانه:
اهدي يا منى خلي ليلة ابنك تعدي بخير.
منى بزهو وغرور:
طبعًا ليلته مش إحنا اللي دافعين وأخوها ما هنش عليه يدفع جنيه.
نور بامتياض:
أستغفر الله العظيم... بقولك إيه استقبلي أنتي المعازيم... أنا ماشي.
قالها وتركها.
يا نور... يا نور... قالتها منادية فلم يعرها أي اهتمام.
وصل صقر وهو يصف السيارة في مكان شاغر... ترجل منها وقام بإغلاقها عن طريق مفتاح التحكم الإلكتروني... وتقدم نحو البوابة ويبحث بعينيه عن سيارة محمد وعلى ما يبدو إنه لم يصل بعد... دلف بهيبته ليجد المصورين والصحفيين... يتهافتون نحوه.
حضرة النقيب ألف ألف مبروك على فرح أخت حضرتك أولًا... ثانيًا ممكن نعرف من حضرتك آخر الأخبار... هل صحيح إن آنسة فيروز سابتك وراحت اتخطبت لفارس الشامي المشهور بالمسيو وأصبحتم شركاء في مجموعة سيلي ديزاين؟ قالتها الصحفية ووميض الكاميرات ينعكس في عينيه مما سبب له الإزعاج.
صقر بنبرة جدية:
أظن أن الارتباط من عدمه دي أمور شخصية مش هتفيد الناس لو عرفوها.
قالها ورمقها بابتسامة صفراء.
الحقوا خطيبة فارس الشامي ومعها رجل الأعمال محمد الأسيوطي... قالها أحد الصحفيين ليترك حشد المصورين والصحفيين صقر ويحاوطون فيروز ومحمد.
لو سمحتِ يا آنسة فيروز... هل فعلًا كما انتشر في الآونة الأخيرة عن فسخ خطوبتك من صقر الهواري بسبب اتهامك في قضية ليها علاقة بالآداب وبعدها ظهرت البراءة... ورجعتي حضرتك من بره عشان فارس الشامي يعلن خطوبته عليكي؟ قالها الصحفي فرمقته بسخط.
قال محمد بنبرة جدية بالنيابة عنها:
كل اللي اتقال إشاعات مغرضة وصحف صفرا اللي بتكتب ده... أبقوا روحوا اتأكدوا من الأخبار الأول.
قالها ليحاوط فيروز بذراعه ويسرعا مبتعدين عن أولئك صائدين الأخبار. وصلت عند البوابة لتجد صقر يحدق بها وعينيه تقع على ذراع محمد التي تحاوطها... يتحكم في أعصابه بقوة على الرغم من البركان الذي على وشك الانفجار بداخله... دلف إلى الداخل ليجد والدة إياس.
أهلًا وسهلًا يا سيادة النقيب... قالتها منى بسخرية.
ابتسم لها بحنق وقال:
الله يسلمك يا طنط.
ممكن تيجي تقف تستقبل المعازيم عشان أنا رجلي تعبت من الوقفة... قالتها منى.
زفر صقر بضيق وقال وهو يجز على أسنانه:
حاضر اتفضلي حضرتك روحي استريحي.
قالها وما زال يتتبع بعينيه فيروز التي دلفت إلى الداخل وكل الأنظار تتلفت إليها وهي تتحاشى نظرات الجميع.
***
مالك يا فيروز... أنتي اتأثرتي بكلام شوية الحوش اللي بره دول؟ قالها محمد.
فيروز وهي تمسح عبراتها بالمنشفة الورقية:
يعني هم قالوا حاجة غلط... مفيش حاجة بتستخبى... حسبي الله ونعم الوكيل في اللي لفق ليا التهمة دي.
محمد:
خلاص يا بنتي اهدي كل العيون عليكي وأنتي عارفة الوسط ده مفهوش غير شوف فلان وشوف فلانة... اضحكي بقى.
ابتسمت لكن الانكسار يغلب الابتسامة... لتنظر نحو بهو الاستقبال وتلتقي عينيها بعيني صقر الذي شعر بخطب ما فكاد يذهب إليها فاستوقفه ذلك الصوت.
ألف ألف مبروك لرنيم يا صقر عقبالك... قالتها سيلين وبجوارها شهاب الذي يسند يدها على ساعده.
ابتسم صقر وقال:
الله يبارك فيكي.
شهاب:
يلا بقى عايزين نفرح بيك أنت كمان.
قالها وهو يبتسم.
رمقه صقر وقال من بين أسنانه:
شكرًا.
شعر شهاب بالإحراج فقطب حاجبيه بضيق وقال:
يلا يا سيلي تعالي نقعد.
سيلين نظرت لصقر بضيق ثم تركته وذهبت برفقة زوجها... ليجلسا معًا في طاولة بعيدًا عن الازدحام.
أنا هاروح أشوف رنيم عشان زمانها زعلانة مني... قالتها فيروز ثم نهضت.
محمد:
استني أنتي عارفة هي فين؟
فيروز:
اللي يسأل ما يتوهش يا محمد.
ابتسم وقال:
اتنصحنا أهو.
ابتسمت فقالت:
وحياتك الزمن اللي بيعلمك حاجات عايزة عمرين على عمرك... عن إذنك.
قالتها ثم غادرت متجهة نحو الباب الذي يؤدي إلى ممر ضيق... سألت إحدى العاملين بالقاعة ليشير لها نحو الدرج... وكادت تصعد لتجد يد تجذبها إليه.
***
مش كفاية بُعد بقى... قالها صقر الذي حاصرها وقف أمامها لا يفصل بينهم سوى مسافة قصيرة جدًا يشعران من خلالها بأنفاس بعضهما.
زفرت بضيق وقالت:
أنت ليه مش قادر تفهمني... أنا مش عايزة أرجعلك غير لما تكون فعلًا اتغيرت لأن لو رجعنا وفضلت زي ما أنت يبقى هنرجع لنقطة الصفر تاني وساعتها مش هيبقي فيها فرص للرجوع.
جز على فكيه وهو يحدق بها فقال:
وده قرارك النهائي؟
فيروز بنبرة جدية:
آه... ده لصالحنا إحنا الاتنين وبكره الأيام هتثبتلك صحة كلامي وإن أنا كان عندي حق.
صقر:
حاضر... حاضر يا فيروز.
قالها ليزفر في وجهها ثم تركها... وهي صعدت لأعلى... ظلت تسأل في الرواق عن غرفة رنيم حتى وصلت إليها... طرقت على الباب.
رنيم من الداخل:
مين؟
فيروز وهي تفتح الباب:
أنا.
قالتها وهي تبتسم وتتجه نحو رنيم التي تفتح ذراعيها وتعانقها.
رنيم بفرح وسعادة:
آه يا تيت يا نادلة أنا قلت إنك هتيجي من بدري.
فيروز:
معلش يا روني... ما أنتي عارفة... أخوكي أصلًا سايبني في حالي ده لازق جنبي 24 ساعة.
رنيم باستفهام:
إزاي!!!
فيروز:
يعني ما تعرفيش إنه ساكن في الشقة اللي قصادي؟!
ابتسمت رنيم وبوسي وظلا يضحكان.
بوسي:
واو أنا بحب أوي الجو ده.
طبعًا عملك فيها زي روميو ويغنيلك من البلكونة والجو ده.
ابتسمت بسخرية: أنا عايشة في حرب أعصاب مش عارفة هتخلص إمتى.
رنيم: صقر مش هيستسلم غير لما ترضي عليه وتسامحيه.
فيروز: أنا سامحته بس قولتله مفيش رجوع غير لما يتغير.
بوسي: فيروز عندها حق يا رنيم اسأليني أنا اللي في طبع مبيتغيرش.
رنيم: وأنتي يا سوسة لحقتي إمتى تعرفي مصطفى اتغير ولا لأ؟
بوسي: خلاص بقى بلاش السيرة دي.
رنيم: بقولكوا إيه أنتو الاتنين أنا فرحي دلوقتي هتنكدوا عليا ليه حرام عليكوا!
ابتسمت فيروز وقالت: يا قلبي ألف ألف مبروك ويسعدكوا ديما يا رب أنتي وإياس.
رنيم: يا رب يا فيرو وعقبالك أنتي وبوسي أشوفكوا كل واحدة متجوزة اللي بتحبه وبيحبها.
طرق على الباب من الخارج.
إياس منتظرًا بالخارج: يلا يا رنيم الفوتوجرافر جهز خلاص.
رنيم: أنا جاية أهو... إيه يا بنات شكلي حلو؟
فيروز: بسم الله ما شاء الله شكلك قمر أوي.
***
ألقت رنيم النظرة الأخيرة على ثوبها الذي يتكون من طبقة الدانتيل الشفاف من عند الذراعين وأعلى الصدر والظهر، بينما تليه طبقات من التل، ضيق من الذراعين والصدر وينزل باتساع مثل ثوب أميرات ديزني. شعرها مصفف بشكل فني رقيق حيث تجمع شعرها على جهة واحدة وتجمعه وردة بيضاء كبيرة مرصعة بفصوص لامعة من اللؤلؤ تعلق طرحة الثوب من أسفل الوردة فتدلي على ظهرها بمظهر رائع وجذاب. ترتدي أقراطًا من الألماس وعقدًا بنفس شكل الأقراط بشكل أزهار صغيرة. تضع لمسات جمالية بسيطة الحمرة الوردية وتتزين عينيها بالكحل فوق أهدابها التي وضعت عليهم القليل من ظلال العيون باللون الزهري الفاتح، وحمرة وجنتيها باللون الوردي الخفيف، والرموش الصناعية الكثيفة.
خرجت بخطوات هادئة لتطلق الزغاريد من كل من فيروز وبوسي التي صمتت عندما رأت مصطفى يحدق بها. نزل الجميع إلى قاعة جانبية يتم فيها جلسات التصوير للعروسين.
وميض الكاميرا الذي ينبعث بشكل متتالي على العروسين. كانت الصور كالتالي: الأولى إياس يمتطي درابزون الدرج كالحصان ورنيم تفتعل كأنها تصرخ وتصيح فيه. الثانية رنيم تقف في بداخل شرفة مثل چوليت سياجها معدني وإياس يرتدي معطفًا مثل الذي كان يرتديه روميو. وأخرى صورة يلتف حول عنق إياس حبل مثل المشنقة وطرفه معلقة بقبضة رنيم التي تقف على شيء مرتفع وكأنها تقوم بخنقه وهو يفتعل تعبيرات مضحكة بوجهه كأنه مشنوق بالفعل لكن بشكل مضحك. وصورة أخرى ترتدي رنيم فيها الأصفاد المعدنية وتجلس على الأرض وتفتعل تعبيرات خوف بملامح طفولية وخلفها إياس يصوب نحو رأسها فوهة مسدس ويضحك ضحكة شريرة بشكل مضحك. والعديد من الصور التي جعلت فيروز ومصطفى وبوسي لم يكف جميعهم عن الضحك.
***
المصور: ممكن حضراتكوا تيجوا تاخدوا صور جماعية مع العريس والعروسة؟
فتقدمت بوسي التي لحق بها مصطفى فحاوطها بذراعه ليقف بجوارها وهو يقف بجوار إياس. فيروز وقفت بجوار رنيم وهي تضع يدها على ظهرها لتجد يد أخرى تحاوط خصرها. نظرت بجوارها وكادت تصيح فيه.
صقر وهو يبتسم إلى الكاميرا: اتصوري وأنتي ساكتة.
فيروز بتحذير: شيل إيدك من وسطي أحسنلك.
صقر هامسًا: مش هشيل، ولو عملتي أي حركة هبوسك قدام الواقفين دول كلهم وأنتي عارفاني مجنون وأعملها.
اتسعت عينيها من صدمة كلماته الجريئة فصمتت عندما قال المصور: ثري تو وان. ليلتقط صورة تذكارية مليئة بالحب والسعادة على الرغم من الخلافات البسيطة التي توجد بين بعضهم.
***
اكتمل جميع المدعوين بالقاعة والكل في انتظار دخول العروسين إلى القاعة. وفجأة تبدأ الموسيقى ويبدأ الدخان ينبعث من فتحات بالسقف والأرضية. تتناثر ورقات ذهبية لامعة على ساحة الرقص وصوت باب يفتح حتى تتدلى من السقف أرجوحة تجلس عليها رنيم وتهبط لأسفل ليبدأ الحضور في التصفيق. وبدأت رنيم بالغناء.
رنيم:
يا سلام على حبي وحبك
وعد ومكتوب لي أحبك
ولا أنامش الليل من حبك
الذي يدلف من باب آخر بالقاعة ويغني في المايك الذي يحمله إياس:
يا سلام على حبي وحبك
ده ما كان على بالي أحبك
ولا أنامش الليل من حبك
يا سلام على حبي وحبك
رنيم:
يا حبيبي هواك جنني
والشوق ملاني جراح
وحياتك تبعد عني
وتسيبني علشان أرتاح
إياس:
وأنا يعني ماسك فيك
ما هو قلبي مشغول بك
رنيم:
حبك حيرني
إياس:
وأنا زيك برضه
رنيم:
ربي يصبرني
إياس:
أيوة أنا في عرضه
رنيم:
اعذرني لأني بحبك
ما بنامش الليل من حبك
يا سلام على حبي وحبك
إياس:
مش ممكن أعيش من بعدك
ده خيالك جنبي ليالي
وأقول لو ربنا ياخدك
كنت أعمل إيه يا حياتي
رنيم:
إن شاء الله أنت يا حبيبي
يا هنايا وكل نصيبي
هولع في روحي يا قبلي وعنيا
إياس:
لا أوعى يا روحي ده واجب عليا
رنيم:
من ساعة قلبي ما حبك
ما بنامش الليل من حبك
يا سلام على حبي وحبك
وعد ومكتوب لي أحبك
يا سلام على حبي وحبك
رنيم:
حبتني صحيح؟
إياس:
أمال!
رنيم:
أتاريني بقيت فرحانة
إياس:
عقبال كل العزال يتهنوا زي هنانا
رنيم:
شوف وشي اصفر إزاي من حبك
إياس:
شوفي جفني أحمر إزاي من حبك
رنيم:
هتعيش يا روحي معايا ده أنت حياتي ودنيتي
كفاية حب كفاية لحسن يضر بصحتي
رنيم وإياس:
يا سلام على حبي وحبك
وعد ومكتوب لي أحبك
يا سلام على حبي وحبك
كانا يتغنيان بشكل كوميدي وبتعابير وجه مضحكة حتى انتهيا من الغناء ليصفق لهما الجميع والصفير تتعالى من أصدقائهم.
جاء المأذون أخيرًا لتتعالى الزغاريد والفرح، وقام بإجراءات عقد القران وظل إياس يردد خلف المأذون، وكذلك صقر كونه وكيل العروس. وانتهى عقد القران بأجمل ما يتردد به الجميع:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما بخير."
توافد الجميع بترتيب ونظام ليقدموا المباركات للعروسين بالعناق والمصافحة.
وقام المصور بالتقاط صور لإياس ورنيم خاصة تلك الصورة التي يبرز كليهما فيها إبهامه الملطخ بالحبر الذي يطبع به بداخل وثيقة الزواج.
***
بدأت تنخفض الإضاءة لتبتدئ موسيقى هادئة لتعلن عن تقدم كل ثنائي للرقص معًا.
شهاب يجلس بجوار سيلين ويحاوطها بذراعه ويهمس في أذنها: فاكرة يوم فرحنا يا حبي؟
تبدلت ملامحها من السعادة إلى الوجوم فصمتت وارتسم طيف ابتسامة على ثغرها. أمسك شهاب بذقنها وينظر إليها.
وقال: مالك يا سيلي أنا ضايقتك؟
تألقت عينيها بعبراتها التي على وشك الانسدال فقالت: بصراحة اليوم ده كان المفروض من أجمل أيام العمر اللي أي واحدة بتتمناها لكن مر عليا زي الكابوس كنت خايفة أوي بسبب اللي حصل.
أمسك يدها بحنان وطبع قبلة حانية أطال فيها بداخل كفها ثم قال: إن شاء الله هخلي كل أيامك سعادة يا روحي... خلاص بقى عشان خاطري كفاية دموع. قالها وهو يمسح عبراتها بأنامله ثم قبل جبهتها ليجد وميض كاميرا لإحدى الصحفيين رمقه شهاب بحدية وهو يشير إليه ليأتي.
جاء إليه الصحفي ويبتلع ريقه بخوف وقلق: أنا آسف لو أزعجت حضرتك بس دي مجلة محترمة والله بنزل فيها أخبار المجتمع ورجال الأعمال، ولو عايزني أمسح الصورة خلاص، اللي حضرتك عايزه.
ابتسم شهاب وقال: لا ما تمسحهاش ونزلها بعنوان: قصة عشق شهاب السويفي وزوجته. قالها وهو ينظر بحب لسيلين.
انفرجت أساريره بسرور: حاضر يا فندم من عنيا وهعملكوا أحلى مقالة تحت الصورة.
شهاب: بس ابعتهالي قبل ما تنشروها.
الصحفي: طبعًا طبعًا يا فندم عن إذنكم.
شهاب: اتفضل.
ضحكت سيلين وقالت: بصراحة أنا خوفت عليه قولت شكلك مش هتسيبه.
شهاب: هو أنا شرير يا سيلي؟ بالعكس عايز العالم كله يعرف عن قصة حبنا. وبعدين بقى مش ناوية ترقصي معايا سلو؟
ابتسمت بخجل وقالت: السلو بتاعك يا حبيبي مينفعش هنا خالص ده عايز نبقى في بيتنا.
ضحك من كلماتها: أنتي نيتك شمال يا روحي.
رمقته بسخط: أنا؟
أومأ لها وقال: أومال أنا؟ على فكرة أنا قصدي أرقص معاكي زي الناس اللي بترقص دي.
سيلين بخجل شديد: طيب خلاص... وأنا أصلًا كان قصدي إن الرقص السلو بتاع بيقلب بعد كده.
شهاب مبتسمًا: خلاص ما تزعليش تعالي يلا نقوم نرقص. قالها وهو يجذبها من يدها ليتجها نحو ساحة الرقص ويحاوط خصرها بيديه وهي تضع يديها حول عنقه.
ليترقصا معًا على الموسيقى الهادئة، مثل حياتهما التي أخيرًا استقرت بعد عذاب.
توقفت الموسيقى فجأة ليقف مصطفى الذي تقع عيناه على بسنت التي تجلس بمفردها أمام طاولة في ركن هادئ. صعد على المنصة التي بها آلات الموسيقى و(الدي جي)، أخذ (المايك) وقال:
"النهاردة أجمل يوم عشان فرحة إخواتي وحبايبي إياس ورنيم. إياس ده أكتر من أخ، صاحبي الجدع، صاحب صاحبه زي ما بيقولوا. باقول له ألف ألف مبروك وعقبال لما نبارك لك في ذريتك إن شاء الله. وأحب أشكرك يا صاحبي لأنك السبب إني أتعرف على أجمل وأرق بنت شافتها عينيا، ومن مكاني هنا باقول لها أنا باحبك يا بسنت. وعلى الرغم إني مش عارف أنتي زعلانة مني في إيه بس أنا آسف يا حبيبتي. وباقول لك قدام الناس دي كلها أنا باحبك وهأفضل أحبك وهتكوني خطيبتي ومراتي وأم عيالي ومش هيفرقني عنك غير الموت... (باحبك يا بوسي)."
قالها لتتعالى الهمسات بانبهار وإعجاب الفتيات التي تمنت ذلك الشاب الوسيم ذو القلب العاشق، وتمنين أنهن يكنَّ بمكانتها. والأخريات كن يحقدن عليها بكراهية. أسكتهم فجأة ذلك الصوت العاشق الذي تغنى به مصطفى بعدما أشار للعازفين بقيامهم بعزف تلك الأغنية:
"وأنا بين إيديك
تهت في مكاني
ونسيت معاك
عمري وزماني
والوقت فات وياك ثواني
قربني ليك
سيبني أعيش إحساسي بيك
بأتحدى العالم كله وأنا وياك
وبأقول للدنيا بحالها إني أنا بأهواك
وإنت حبيبي وقلبي وروحي معاك
قربني ليك
سيبني أعيش إحساس هواك
أنا عشقي ليك
عشق القمر للنجمة والليل والسهر
وشوقي ليك
فوق الخيال، فوق احتمال كل البشر
من يوم لقائك
حلوة الحياة
بأتحدى العالم كله وأنا وياك
وبأقول للدنيا بحالها إني أنا بأهواك
وإنت حبيبي وقلبي وروحي معاك
قربني ليك
سيبني أعيش إحساس هواك
أتحدى بيك
كل الوجود
وياك أكون أو لا أكون
أنا مش هأعيش من غير هواك
أنا قلبي عاشق للجنون
من يوم لقائك
حلوة الحياة
بأتحدى العالم كله وأنا وياك
وبأقول للدنيا بحالها إني أنا بأهواك
وإنت حبيبي وقلبي وروحي معاك
قربني ليك
سيبني أعيش إحساس هواك"
وفي أثناء غنائه، تقدمت بسنت نحو المنصة لتقف بجواره ويتراقصا معًا وهو يغني لها من صميم قلبه.
بينما فيروز التي تجلس على الطاولة المقابلة للطاولة الذي يجلس عليها صقر، كانت عبراتها تنسدل وألمعت في الضوء الخافت حتى تلاقت عيناها بعينيه. نهضت على الفور لتركض مسرعة نحو الرواق الذي يؤدي إلى الخارج. لحق بها وقبل أن تغادر جذبها من يدها، وعلى ألحان الأغنية التي يتغنى بها مصطفى، كانا يتبادلان نظرات العشق واللهفة والاشتياق. لم يتفوه كليهما بأي كلمة فاللغة العيون كافية بقول المشاعر التي بداخلهما.
اندفعت ولا تعلم كيف حدث ذلك، ارتمت على صدره ليضمها بفيضان عشقه الآسر، ويعانقها بحبه المتيم بها. تشبثت به وهي تعانقه بقوة كالتائه الذي ضل سبيله وأخيرًا وجد ملاذه الذي يحتمي بداخله. قلوب تعذبت كثيرًا وها هي أخيرًا تريد أن تنعم براحة في مملكة العشق التي تحكم بقانون لا صوت يعلو فوق صوت الحب.
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل السادس والخمسون 56 - بقلم ولاء رفعت
في مدينة النور والجمال....
يتأمل من زجاج النافذة زخات المطر المتساقطة. يرتشف القهوة كعادته كل صباح. انتبه لاهتزاز هاتفه على الطاولة الخشبية. وضع الفنجان جانبًا وأمسك بالهاتف ليجد رسالة تذكير بعيد ميلاد شقيقته روزلين. ابتسم بانكسار وألم. اتجه نحو غرفته ليبدل ثيابه. خرج من الغرفة مرتديًا معطفًا من الصوف الثقيل (الجوخ الألماني) ذو اللون الأسود. يلتف حول رقبته وشاح من الصوف باللون الرمادي، وبالأسفل بنطال من الجينز الأسود. جلس على المقعد ليرتدي حذاءه ذو الرقبة (بوت)... وبعد أن انتهى من كل ذلك أخذ متعلقاته ثم غادر المنزل.
بالأسفل دخل إلى سيارته وبعد قليل انطلق بها... وصل أمام متجر لبيع الأزهار. ترجل من سيارته. ودخل المتجر وبعد قليل خرج يحمل باقة كبيرة من الأزهار ذات اللون الأبيض. دخل إلى سيارته ثم انطلق بها على الفور.
بينما يقف الآخر الذي يرتدي سترته الجلدية السوداء المفضلة لديه وبقية ثيابه متشحة بالسواد... أمام إحدى شواهد القبور المنتشرة في ذلك المكان. يمسك بيده باقة أزهار باللون الأحمر القاني.
عبراته أسيرة بعينيه، يأبى نزولها... تنهد بألم ثم قال:
كل سنة وأنتِ طيبة. طبعًا لو سمعاني هتقولي عليا مجنون. أنا فعلًا مجنون بيكي من ساعة ما روحتي من بين إيديا وعقلي وقلبي اندفن معاكي. مجرد شبح عايش في جسم بني آدم. عمري ما هسامح نفسي لأن السبب في اللي حصلك.
وهي ما بتسامحك بنوب لأنك واحد قاتل وسفاح.... قالها فارس الذي وصل للتو.
التفت إليه باقتضاب وقال: أنت بالذات ما تتكلمش... قالها بيبرس.
فارس بنبرة تهكم قال: ليش بقى؟
حدق بيبرس فيه بنظرات حاقدة وقال: عشان أنت اللي بعدها عني قبل ما تموت وقعدت تملي دماغها بأن أنا قاتل ومجرم.
فارس: وأنا ما بكذب، كل هالحكي مظبوط.
بيبرس بنبرة غضب قال: والنتيجة من كتر صدمتها فقدت النطق وبعدت عني وخليت كلب زي يوري استغل عدم وجودي وخلى رجاله دبحوها... قالها بألم دفين بداخل قلبه لتنسدل عبراته من عينيه رغماً عنه.
صاح فيه فارس بغضب وهو يمسك بتلابيب سترته وقال: بيكفي بقى... هي كانت عايشه في سلام بعيد عن عالمك الو....
أمسك بيبرس بقبضتيه يديه وألقاهما بعيدًا عنه وقال: أنا كنت بحبها على الرغم فرق السن اللي ما بينا، بس عمري ما حسيت بيه. عرفت معاها معنى الحب والحياة.
ضحك فارس بتهكم وقال: حب!! حياة!! أنت لو تعرف شيء عن الحب كانت روزلين بتضل عايشه لهلا... لكن كل حياتك دمار وقتل وخراب... ما بعرف كيف مستحمل حالك هيك... بعد عنها واتركها بحالها هي بتكون في عالم اللي مثلك ما إيلو وجود فيه.
رمقه بسخط وقال: ما تقلقش أنا همشي وسايبلك البلد كلها... قالها ثم تركه وغادر المكان.
جثى فارس على ركبتيه وهو يضع باقة الأزهار أمام الشاهد الذي علم بمكانه من خلال الشرطة في التحقيقات التي أجريت مع يوري.
آسف روز حبيبتي... آسف إن ما قدرت أحميكي من هالعالم... أنا أجيت اليوم لأحتفل معك بعيد ميلادك مثل كل عام... تتذكري؟... بدي أحكيلك عن حالي و..... صمت عندما سمع شهقات بكاء تتعالى من تلك التي تقف أمام شاهد خلفه. التفت إليها ليرى فتاة في أواخر العشرينات... ذات وجه مستدير وعينيها الخضراء التي تشبه أعين الهرة... ذات بشرة حنطية تمتلك شعر باللون خيوط أشعة الشمس الذهبية... مرتدية معطفًا طويلًا يصل إلى ركبتيها وبأسفله حذاء جلدي ذو رقبة تصل لمنتصف ساقيها... شفتاها الورديتان ترتجف من البكاء وتقول:
Tu me manques tellement mon père أشتقت لك كثيرًا أبي.
Pourquoi es-tu parti et m'a laissé avec ce diable?
لماذا رحلت وتركتني مع ذلك الشيطان؟
نهض ووقف ليتجه نحوها ويخرج من جيب سترته منشفة ورقية ويقدمها إليها.
نظرت إليه وهي تكفكف عبراتها وقالت:
Merci شكرًا.
هيا آنسة جوانا... سيد جوزيف ينتظرك في السيارة.
Jose Joanna vous attend dans la voiture... قالها رجل ضخم البنية متشح بالسواد مظهره مخيف ومرعب.
التفتت إليه بنظرات خوف وقلق وقالت:
Dis-lui que j'arrive dans une minute .. Je vais et je vais te frapper أخبره أنني قادمة خلال دقيقة... وأذهب أنت وسألحق بك.
أومأ لها وقال:
Bien je vais lui dire.
حسنًا سأخبره... قالها وغادر ليتجه نحو سيارة سوداء تقف بعيدًا.
جوانا برجاء وخوف قالت:
S'il vous plaît monsieur pouvez-vous m'aider ?? Je veux fuir et rentrer chez moi en Syrie أرجوك سيدي هل يمكنك مساعدتي؟ أريد أن أهرب وأرحل إلى موطني في سوريا.
فارس باستغراب قال: شو؟؟ أنتِ من سوريا؟
نظرت له باستيعاب وقالت: أي أنا من سوريا، جيت هون بباريس مع بابا في عمل... دخيلك ساعدني أهرب.
فارس: أنا مو فاهم شيء.
جوانا على مضض قالت: بحكيلك كل شيء بعدين... قالتها فحدق في عينيها متجهمًا ثم مد يده إليها بدون أن يتحدث وجذبها خلفه وركض كلاهما مسرعين... رأى ذلك الحارس الذي أسرع وركض خلفهم.
وصل فارس عند سيارته وقال: فوتي بالسيارة بسرعة... قالها ودخلت جوانا وأغلقت الباب... وكذلك فارس الذي أسرع وانطلق بالسيارة.
وقف الحارس وهو يرى السيارة تغادر ليرفع سلاحه وذلك يطلق بدون جدوى... ذهب إلى السيارة المنتظرة ليفتح الباب الخلفي وهو يقول:
Sir Joanna s'est enfuie سيدي جوانا هربت.
تجهم وجه ذلك الرجل ذو الملامح الحادة والمرعبة وصاح بغضب:
Plus vite, plus vite et passe derrière eux.
أسرع أيها الغبي واذهب خلفهم.
__________________________
استيقظ على صوت رنين هاتفه المزعج.... ليفتح جفونه بثقل ويمسك هاتفه ليرى من المتصل... نهض فجأة وهو يزفر بضيق وهو يتمتم مع نفسه وقال: يا نهار أبيض ده أنا ناسي خالص، قالها صقر وهو يضرب على جبهته كدليل على التذكر.
ضغط على الشاشة ليجيب وقال: ألو يا فندم صباح الخير.
على الجانب الآخر العقيد منصور قال: صباح النور يا سيادة النقيب، نومسيتك كحولي.
ابتسم صقر وقال: معلش يا فندم، حضرتك كنت إمبارح في الفرح وعارف بقى.
منصور: يا سيدي عقبالك أنت كمان.
صقر: الله يخليك يا فندم.
منصور: المهم عايزك تيجي القسم عشان أديلك الأوراق اللي هتفيدك في العملية بتاعت بعد بكرة... وتجهز نفسك عشان هتسافر بالليل.
صقر: تمام يا فندم.
منصور: يلا أنا في انتظارك.... سلام.
صقر: سلام... قالها وأغلق المكالمة وتنهد ثم ابتسم وهو يتذكر شيئًا ما.
$ فلاش باك
اندفعت ولا تعلم كيف حدث ذلك... ارتمت على صدره ليضمها بفيضان عشقه الآسر... ويعانقها بحبه المتيم بها... تشبثت به وهي تعانقه بقوة كالتائه الذي ضل سبيله وأخيرًا وجد ملاذه الذي يحتمي بداخله.
ابتعد ليحاوط وجهها بكفيه وهو ينظر إليها بعشق وقال بنبرة عاشق متيم:
أنا بحبك ومش قادر أبعد عنك أكتر من كده... أوعدك إن مش هآذيكي تاني وهتغير عشانك وعشان نفسي اللي مش بلاقيها غير وأنا معاكي... مسمحاني يا فيروز؟؟؟... قالها باللهفة وهو يحدق في عينيها برجاء.
أومأت له بفيروزتيها التي سلبت روحه بداخلهما... لترتسم على محياه السعادة والفرح أخيرًا فجذبها ليحتضنها بحنين وحب... ثم أمسك يدها وأردف: تعالي معايا... قالها وهو يجذبها خلفه.
فيروز: ثواني بس رايحين على فين؟؟
توقف ليلتفت إليها وقال: واثقة فيه؟؟
حدقت في عينيه فتنهدت وقالت: أنا لو ما كنتش واثقة فيك ما كنتش زماني واقفة معاك دلوقتي.
ارتسم على ثغره سعادة نابعة من قلبه... ترك يدها وحدق بها بنظرات ماكرة.
أنت ناوي تعمل أي؟؟ قالتها فيروز بتوجس مبتسمة.
ناوي أعمل كده... قالها ليفاجئها وهو يحملها على ذراعيه.
نزلني يا صقر... صرخت بها وهي تحاوط عنقه بيدها بخوف.
لم يجب عليها واكتفى بإطلاق ضحكاته على ملامحها الطفولية وهي تصرخ... أسرع متجهًا نحو سيارته بالخارج ليلتقط أحد المصورين صورة لهما وهو يقول بصوت غير مسموع: وأخيرًا طلعنا بحتة خبر... قالها وهو يبتسم بمكر وابتعد قبل أن يلفت الأنظار.
فتح باب السيارة ويدخلها لتجلس على المقعد ثم أغلق الباب... والتف نحو الباب الآخر ليدخل ويجلس في مقعد القيادة.
ريح قلبي وقولي واخدني على فين؟؟... قالتها فيروز وهي تنظر له.
التفت إليها بوجهه قبل أن يبدأ القيادة وقال: هتعرفي دلوقتي بس عايزك تطمني طول ما أنتِ معايا... قالها وهو يمسك يدها وقبلها بحنان.
توردت وجنتاها لتسحب يدها بهدوء وتنظر أمامها وهي تجز بأسنانها على شفتها السفلى.
ابتسم بجانب فمه بمكر ثم انطلق بالسيارة..... وبعد مرور بعض الوقت.
وصل أمام مطعم عائم في نهر النيل...
أي ده؟؟ قالتها فيروز لتتأكد من حدثها.
صقر ساخرًا بمزاح قال: ده بتاع بطيخ تعالي ننزل نشتري بطيخة... قالها وهو يفتح باب السيارة وينزل منها... وهي أيضًا ترجلت من السيارة وهي تضحك مما تفوه به وفي نفس الوقت داهمها الشعور بالتوتر.
مد يده إليها لكن وجدها تقف في مكانها ويرتسم على ملامحها القلق.
مالك يا حبيبتي؟؟ قالها صقر.
أنا خايفة... قالتها ويبدو عليها القلق والخوف.
ابتسم ليطمئنها ويمسك طرف ذقنها بأنامله وقال: أنتِ خايفة من ردة فعل مامتك ومحمد؟؟
ماما تقريبًا استحالة إنها توافق على رجوعنا لبعض... محمد ممكن يفهمنا ويقدر مشاعرنا... بس أنا خايفة لماما تخيرني بينك وبينها تاني.... قالتها بنظرات حزن لتلتمع عيناها بعبرات على وشك الانسدال.
اقترب منها ليضع كفيه على عضديها وقال: ما تخافيش يا حبيبتي أنا هخليني ورا مامتك وهستحمل منها أي حاجة لحد ما توافق.
ويلَّا بقي عشان بصراحة جعان وعايز أتعشى معاكي.
ابتسمت وقالت: طيب ما كلتش في الفرح ليه؟
_ أنا عايز أقعد معاكي لوحدينا بعيد عن الدوشة وعن الناس... قالها صقر.
_ على أساس إن المطعم مفهوش ناس؟! قالتها فيروز بسخرية.
ابتسم بمكر وقال: عيب عليكي أنا حاجز أصلاً آخر دور في الهواء الطلق ليا أنا وأنتي وبس.
رفعت إحدى حاجبيها وقالت: ده أنتَ مرتب كل حاجة بقي.
أجاب بثقة وقال: بصراحة آه... أنا قبل ما أنزل من البيت وأنا عاقد النية مش هسيبك النهاردة غير لما نرجع لبعض.
_ ماشي وهشوف آخرتها معاك إيه يا ابن يوسف الهواري... قالتها بمزاح ليصعدا معًا درجًا صغيرًا ومنه دخل كلاهما من بوابة صغيرة ليجدا في استقبالهم أحد العاملين.
_ لو سمحت أنا حاجز باسم صقر الهواري... قالها صقر بنبرة جدية.
قال العامل بترحاب: أتفضل يا فندم أهلًا وسهلًا بحضرتك، المكان جاهز وكل حاجة جاهزة زي ما حضرتك طلبت... والسلم آخر الممر ده يمين.
ابتسم صقر بمجاملة وقال: شكرًا... قالها ليمسك بيدها وهي تنظر له كالتائهة... اتجها لآخر الرواق ليجد الدرج ثم صعد كلاهما حتى وصلا آخر طابق في المطعم.
المنظر من الأعلى يسحر القلوب حيث الأضواء المنبعثة من المباني شاهقة الارتفاع... والأضواء التي تنعكس على مياه نهر النيل المظلمة... وموسيقى رومانسية هادئة... استقبلهم النادل.
_ أتفضل يا فندم... قالها النادل وهو يشير إلى الطاولة الخشبية ذات المفرش الأبيض ويعلوها كؤوس بداخلها شموع بيضاء متناثر حولها أوراق أزهار باللون الأحمر.
توقف صقر ليجذب المقعد وقال: أتفضلي يا أميرتي... قالها مبتسمًا لها لتبادله الابتسامة وقالت: شكرًا... قالتها ثم جلست.
التف هو ليجلس في المقعد المقابل لها... أسند مرفقيه على الطاولة ليضم يديه معًا ويسند عليهما ذقنه وأخذ يتأمل في عينيها التي تنعكس عليه الإضاءة لتتلألأ فيروزتيها الساحرتان.
شعرت بنظراته فابتسمت بخجل وهي تنظر لأسفل...
_ عينيكي كانت وحشاني أوي... قالها بصوت رجولي جذاب... ثم نهض واتجه نحوها ليزيح المقعد وهي جالسة عليه حتى يصبح وجهها في وجه... جثا على ركبته وأثنى الأخرى وهو يخرج من جيب سترته علبة صغيرة يكسوها المخمل الأزرق وقام بفتحها ليقدمها لها.
وبنظرات عشق وهيام قال: أنا قولتها لك قبل كده وبقولها لك تاني بس المرة دي إن شاء الله هيحصل وقريب أوي كمان... صمت ليتنهد بلهفة ثم قال: تتجوزيني؟!
نظرت للخاتم ثم نظرت له بدون أي تعبير... أخذت من يده العلبة ووضعتها على الطاولة فقالت: الخاتم ده عشان ألبسه عايز أطمن وأحس بالأمان ومترجعش صقر اللي بيتصرف بتهور... وقبل كل شيء عايزين نقعد قعدة صراحة وكل واحد فينا يخرج اللي جواه عشان نبدأ على صفحة بيضا من غير ما حد فينا شايل جوه قلبه حاجة من التاني.
قام ثم أمسك بيدها واتجها نحو السور حيث نسمات الهواء التي تجعل خصلات شعرها تتطاير على وجهها...
_ تحبي تبدأي ولا أبدأ أنا؟! قالها وهو ينظر لمياه النيل المعتمة.
_ أتفضل... قالتها فيروز وهي ترجع خصلات شعرها خلف أذنها.
تنهد بأريحية وقال:
أنا لما كنت طفل عشت لحظات خلت طفولتي مشوهة... طفل شاف أكتر إنسانة متعلق بيها وهي كل حياته بتخون باباه مع واحد كان المفروض دراع اليمين ليه... ما كنتش أقدر أتكلم... صمت ثم ابتلع ريقه بتوتر وأردف: في مرة لما كنت راجع من المدرسة بدور عليها شوفتها في مكتب بابا وهو واخدها في حضنه... أنا كان عندي 9 سنين بس فاهم إن اللي بيعمله ده غلط واللي أكد لي ده لما شافوني... قرب مني وخنقني من رقبتي بيهددني إن لو قلت لبابا على اللي شوفته هيقتلني وهيقتل رنيم طبعًا صدقته... كرهتها من ساعتها وفضل شعور الكره ده يكبر جوايا لحد ما في يوم من الأيام بابا اكتشف خيانتها ليه بعينيه شوفت بابا وهو بيجرها من شعرها قدامي أنا ورنيم واخدها وحابسها في أوضة في الجنينة ومن بعدها سمعت إنها تعبت وبابا وداها المستشفى وهناك ماتت... اليوم ده عمري ما هنساه لما رجع أخدني أنا وأختي في حضنه وفضل يعيط... على الرغم اللي عملته بس كان بيحبها أوي بس الخيانة كان وجعها أكبر خاصة عليا لأن هفضل شايل وصمة عارها للأبد... خلتني أفقد الثقة في أي واحدة وإن كلهم زي بعض.
صمت ثم حدق في عينيها وقال: بس أول ما شوفتك بدأت كل حاجة تتغير عرفت معاكي يعني إيه حب... بس للأسف كان ما زال جوايا صراع الماضي اللي بحاول أهرب منه... وأكتر حاجة جننتني لما اكتشفت إنك بتكدبي عليا وخلتيني أشك فيكي ما بقيتش شايف قدامي... كنت كل ما أبص لك ساعتها ببقى شايفك هي... وخاصة لما بفتكر إنك بنت الراجل اللي كانت بتخون بابا معاه.
ضحكت بتهكم وقالت: هو في حد فينا بيختار أهله؟! وأنا اتظلمت أكتر منك لما فضلت عايشة لحد فترة وعرفت إن أنا بنت واحد زي ده... وكنت خايفة لتكرهني لما تعرف عشان كده ما قلت لكش وقتها... وطبعًا الباقي عارفه.
_ خلاص ممكن ننسى اللي فات ونعيش حياتنا من أول وجديد؟! قالها صقر.
_ يا ريت ونفسي تكون اتغيرت فعلًا ومترجعش زي الأول وتعرف إن اللي بيحب بجد عمره ما بيخون اللي بيحبه... وإن لازم يكون حبنا مبني على ثقة... قالتها فيروز.
_ وده اللي هيحصل إن شاء الله بس بوجودك جنبي... وأوعدك هكون أمانك وسندك وكل دنيتك... قالها صقر وهو يمسك بيدها ويضمها نحو قلبه.
_ وأنا هفضل جنبك ومش هتخلى عنك... بس كل فيه حاجة صغيرة كده عايزة أقول لك عليها.
_ قولي يا حبيبتي... قالها صقر.
_ موضوع الغيرة الزيادة عن اللزوم يا ترى من ضمن التغيرات ولا إيه النظام؟!
تنهد وقال: أنتي حسيتي بإيه لما شوفتيني جايب واحدة وداخل الشقة؟! قالها منتظرًا ردة فعلها.
قطبت حاجبيها بضيق وقالت: ما تفكرنيش لأن فعلًا كنت ممكن أقتلك أنتَ وهي وقتها.
ابتسم بانتصار وقال: وده اللي بحسه بالظبط لما بشوف حد يجي جنبك زي المسيو ولا ابن خالك اللي ما شالش دراعه من على ضهرك وأنتوا داخلين القاعة... قالها وهو يجز على فكيه ويكور قبضته.
أخذت تضحك وقالت: فعلًا الطبع غلاب... هتفضل غيور وغيرتك هتودينا في داهية.
_ عشان بحبك وبخاف عليكي حتى لو واثق فيكي بس مش واثق في غيرك... قالها ثم نظر نحو الطاولة وأردف: ها... لسه مش عايزة تلبسي الخاتم؟!
ابتسمت وقالت بدلال: اللي تشوفه.
أسرع نحو الطاولة ليأخذ الخاتم وتقدم نحوها وأمسك يدها بحنان ووضعه بإصبعها... ثم قبل يدها وقال: بعشقك أوي يا فيروز.
جذبها من يدها ليقف كلاهما في ساحة شاغرة يترقصا معًا على كلمات تلك الأغنية بصوت وائل جسار:
حبيبتي ليه تعاتبيني؟
وقولتي الحب حرية وشايفاني يا نور عيني
في كل دقيقة شخصية
وبتوتر وأنا زعلان وبتنطط وأنا فرحان
وطفل جميل بيضحك لك وتاخدي الضحكة بالأحضان
أنا حنين وعرفاني... وبالغيرة واحد تاني
باخد موقف وبتهور... وبستسلم لأحزاني
بداوي الجرح مش عارف في نور الصبح مش شايف
لكن شايفك وأنا مغمض ومش خايف أقول آسف
أنا بدايتك وأنا نهايتك وروحي بشوفها في مرايتك
أنا مجنون لكن عاشق وبعشق حتى تكشيرتك
لامستي مشاعري من جوه أنا هو ومش هو
وهتغير عشان خاطرك وحبك يديني القوة
أنا حنين وعرفاني... وبالغيرة واحد تاني
باخد موقف وبتهور... وبستسلم لأحزاني
بداوي الجرح مش عارف في نور الصبح مش شايف
لكن شايفك وأنا مغمض ومش خايف أقول آسف
عاد للواقع... لينهض من تخته عاري الصدر... اتجه نحو الخزانة وفتح الضلفة وأخذ قميص قطني بنصف أكمام... وقد نسي أن ينظر بالمرآة ويمشط خصلات شعره المبعثرة بشكل مضحك... تناول علبة السجائر خاصته والقداحة وخرج إلى الشرفة ليسحب سيجارة من العلبة ويشعلها ووضعها بين شفتيه ثم يبعدها ويزفر دخانًا كثيفًا.
____________________
في رأس شيطان...
إذا كنت تحلم بالعيش وسط سلاسل جبلية تحيط بمياه لازوردية بين شطآن ووديان وكهوف طبيعية ولا تسمع سوى رقرقة أمواج البحر الأحمر... وصفير الدلافين... وتغريد الطيور مع نسمات هواء بالغ النقاء... فعليك الذهاب فورًا إلى (رأس شيطان)... تلك المنطقة الواقعة بين مدينتي نويبع وطابا في جنوب سيناء... وقطعًا سيثير اسمها الغريب فضولك... حيث يعود سر تسميتها إلى الأجانب الذين كانوا يداومون على زيارتها... فكانوا يجدون صعوبة في نطق اسمها الأصلي (رأس الشطآن) فتحولت مع الوقت إلى رأس شيطان.
وصل بسيارته أمام كوخ من القش وجريد النخل...
_ وأخيرًا وصلنا... قالها إياس وهو يخلع حزام الأمان ونزل من السيارة... نزلت رنيم خلفه وهي تتفحص المكان من حولها لتجد العديد من الأكواخ... ومخيمات بدوية... وأكواخ أخرى مبنية من الطوب ومغطاة بالجريد والقش أيضًا.
التف خلف السيارة ليفتح الباب الخلفي ويأخذ حقائبهم... ثم اتجه نحو باب الكوخ ليلتفت خلفه ويجدها ما زالت تقف بمكانها.
_ روني حبيبتي واقفة عندك ليه؟! قالها إياس لتلتفت إليه وابتسمت وهي تركض نحوه وقالت بسعادة تغمرها: المكان حلو أوي يا إيسو.
ترك الحقائب من يديه ليحاوط خصرها بيديه وقال: تعرفي كنت بحلم أول ما أجي مكان زي ده لازم يكون معايا شريكة حياتي.
حاوطت عنقه بيديها وقالت: وأنا كنت طول عمري بحلم إنك تكون شريك حياتي لحد ما ربنا حقق لي حلمي ما كنتش مصدقة نفسي.
رمقها بنظرة ماكرة وقال: يعني أنا كنت فتى أحلامك؟!
ابتسمت والخجل يرتسم على وجنتيها فأومأت له بالإيجاب... جذبها إليه أكثر ليقترب من وجهها وكاد يقبلها.
_ حضرتك يا فندم إياس نور الدين؟! قالها المسؤول عن إدارة المكان.
أغمض إياس عينيه ليتمتم بكلمات غير مسموعة... زفر بحنق والتفت إلى الذي يتحدث وارتسمت ابتسامة مصطنعة على محياه وقال: آه أنا.
أحس الرجل بالإحراج وقال: معلش يا فندم عايزين من حضرتك تملي شوية بيانات وتختار الـ
Programs البرامج
وهي لو عايز حضرتك والمدام تسلق الجبال وتشوف المنظر الطبيعي للمنطقة من فوق قمة الجبل...
وفيه عندنا سنوركلنج (غوص سطحي ترفيهي)، ده غير رحلات السفاري، وممكن تأجر يخت تتفسحوا فيه في خليج العقبة... وزيارة جبل موسى ودير سانت كاترين... والوديان الملونة في نويبع.
_ واووو... إيسو أنا عايزة أطلع الجبل وأركب اليخت...
قالتها رنيم بدلال ليرمقها بنظرة أسكتتها وتراجعت للوراء.
_ طيب ممكن أدخل الشنط وأجي وراك؟...
قالها إياس.
الرجل بابتسامة قال: طبعًا طبعًا يا فندم، خد وقتك وإحنا في انتظارك بالمكتب... عن إذن حضرتك.
قالها وغادر.
دخلت إلى الكوخ مسرعة وهو خلفها يحمل الحقائب... وحين دلف كلاهما ليجدا الكوخ من الداخل يوجد به تخت كبير بجواره مقعد من الوسائد ذات الطابع البدوي... والأرض رملية يكسوها الكليم السيناوي... الحوائط نصفها من القش والجريد والنصف الآخر من الحجر.. توجد نوافذ خشبية.. يتدلى من السقف المتكون من القش والجريد أيضًا مصباح للإضاءة... توجد منضدة مستديرة متوسطة الحجم حولها مقعدان.
جلست على التخت وهي تتحاشى النظر إليه فهي تعلم ما خلف ذلك الوجوم الذي يرتسم على ملامح وجهه..
ألقى الحقائب وهو يزفر بغضب... واقترب منها وقال: خليكي هنا ومتتحركيش عقبال ما هاروح أشوف الحوار ده وراجعلك على طول.
نظرت له ببراءة كالطفلة وقالت: حاضر.
لم يعقب وتركها بمفردها وغادر....
زفرت بحنق وقالت بسخرية وهي تقلده: خليكي هنا ومتتحركيش...
جزت على شفتها السفلى وأردفت: محسسني بيكلم طفلة في كي جي 2...
قالتها بنبرة ساخرة.. ثم نهضت لتأخذ حقيبتها وتضعها على التخت وشرعت في تبديل ثيابها.
بينما هو بعد أن انتهى من تدوين البيانات واختيار البرامج الترفيهية... غادر المكتب متجهًا نحو الكوخ... فتح الباب فلم يجدها... وقع على سمعه صوت ضحكاتها التي كانت بالخارج.. خرج من الكوخ لينظر إليها تلعب وتضحك مع طفل صغير لا يتعدى عمره عن الثلاث سنوات.. لكن الثياب التي ترتديها أثارت غضبه... حيث ترتدي (هوت شورت من الجينز) ومن الأعلى كنزة باللون الأبيض من القطن بدون أكمام.
_ يا نهارك اللي مش فايت...
قالها إياس الذي استشاط غضبًا واتجه نحوها وهي لم تراه حيث تولى ظهرها له.
_ فين مامتك يا صغنون أنت...
قالتها رنيم وهي تداعب ذلك الصغير وتضع يدها على وجنته ذات اللون الوردي وهي تحمله على ذراعها.
لم يجب عليها الطفل وظل ينظر لها وهو يبتسم كالملاك لتلتمع أسنانه البيضاء الصغيرة... لكن سرعان ما تلاشت تلك الضحكات وتحولت إلى خوف وأجهش بالبكاء عندما رأى القادم نحوهم والغضب يرتسم على وجهه.
_ مالك بتعيط ليه...
قالتها رنيم ليقاطعها صوت إياس الذي أرعب الطفل الأصغر.
_ ممكن أفهم إيه المسخرة اللي أنتي لابساها دي وخرجتي من الكوخ من غير إذن على الرغم إن منبه عليكي متتحركيش لحد ما أجيلك...
قالها إياس الذي جذبها من عضدها لتلتفت إليه.
أنزلت الصغير برفق وهي تربت على ظهره وتقول: متخافش يا حبيبي...
قالتها وهي تدنو إليه ثم اعتدلت لترمق إياس بسخط وأردفت: مالك بتكلمني كده ليه!!! أظن اللي أدامك ده بحر عايزيني ألبس إيه إن شاء الله!!...
قالتها بسخرية.
جز على أسنانه وقال: طيب قدامي على الكوخ وخلي يومك ده يعدي.
رمقته بتحدي وعناد وقالت: أنت اتجننت يا إياس!!!!! طيب إيه رأيك مش رايحة في حتة وهفضل مكاني هنا ولو مش عاجبك ادخل أنت جوه.
زفر بحنق وقال: ده الكلام ده ليا أنا؟...
قالها ويرفع إحدى حاجبيه باستنكار.
كادت تتفوه ليقاطعها الصغير بصوته الطفولي وهو يقول: بابا.
التف كلاهما ليجد شاب في بداية الثلاثينات من عمره... أسمر البشرة ذو عضلات مفتولة.. عاري الصدر يرتدي (شورت قصير) مبتل من مياه البحر الذي خرج منها للتو.. وشعره المتساقط منه المياه... حمل صغيره وهو ينظر إلى رنيم بتمعن والطفل يشير إليها ليتحدث إلى والده وقال: مامي.
لاحظ الشاب نظرات رنيم المتعجبة ونظرات إياس الحارقة وقال: معلش أصل حضرتك فيكي شبه كبير من والدته الله يرحمها.
_ الله يرحمها...
قالها إياس بنبرة جدية ونظرات الغيرة التي قد تفهمها ذلك الشاب فقال وهو يمد يده للمصافحة: أنا نائل الصواف.
Yacht leader قائد اليخوت.
واضح إنكم عرسان جداد وجايين تقضوا الهني مون في راس شيطان.. ألف ألف مبروك.
مد إياس يده ليصافحه وهو يقبض بقوة على يده ويقول بابتسامة صفراء: الله يبارك في حضرتك....
قالها ليجد صوت رنيم يرددها مع صوته فأمسك بيدها ليضغط عليها وقال: عن إذن حضرتك...
قالها ليترك نائل الذي مازال يتسمر في مكانه والصغير على ذراعه وينظر لرنيم التي يجذبها إياس وهي تلحق بخطواته وهي تتعثر في طريقهما إلى الكوخ.
بداخل الكوخ دفعها على التخت... ثم تجول ذهابًا وإيابًا وهو يهدأ من غضبه ثم نظر لها وقال: بصي يا بنت الحلال أنا بحبك وبموت فيكي وبنهزر ونضحك بس فيه حاجات معينة كده توقفي عندها مثلًا الكلمة اللي أقولهالك تتسمع.. لبسك العريان ده لو شفته عليكي تاني هقوم واخدك وراجعين على بيتنا ورجلك مش هتشوف الشارع تاني.. وحاجة كمان لما تشوفيني واقف مع واحد غريب مش عايز أسمع صوتك ده نهائي... أنتي فاهمة؟...
قالها بنبرة تهديد أرعبتها لتحدق في عينيه بخوف وأومأت له بالموافقة.
اقترب منها ليدنو منها ويقبل جبهتها ثم ابتعد وقال: أنا هستناكي بره عقبال ما تغيري هدومك عشان هاخدك ونروح نفطر...
قالها ثم غادر.
زفرت بحنق وقالت: يعني أخلص من تحكمات أخويا يطلع جوزي أسخن منه... أووووف.
_ استيقظت للتو وهي تستنشق ذلك الدخان التي تعلم مصدره... نهضت بجذعها وهي تتثاءب وتضع يدها على فمها ليلفت انتباهها الخاتم الموجود بإصبعها... فابتسمت... نهضت من التخت مسرعة.. ارتدت المعطف المخملي على منامتها الحريرية القصيرة... وألقت نظرة على مظهرها في المرآة ثم خرجت إلى الشرفة.
_ صباح الخير...
قالتها وهي تبتسم.
دس السيجارة في السور ثم ألقى بها وقال: صباح النور والجمال على أجمل عيون في الدنيا دي كلها.
احمرت وجنتيها وقالت بخجل: ميرسي... ثم نظرت له باقتضاب.
_ مالك قلبتي مرة واحدة وبتبصيلي كده ليه؟
زفرت بضيق وقالت: السجاير ممكن تبطلها؟
لوى فمه جانبًا وقال: صعب.
_ ولو قلتلك عشان خاطري؟
أومأ لها بالموافقة وقال: حاضر عشان خاطرك هحاول بس ما أوعدكيش.
_ ماشي هخليني وراك لحد ما تبطلها...
قالتها ليبتسم.
فقال: أنا ماشي..
قالها بنبرة جدية.
نظرت له باندهاش وقالت: ماشي!!
_ رايح الشغل طبعًا وبالليل مسافر...
قالها صقر.
_ هتسافر فين؟
_ لما هرجع هبقى أحكيلك بس كل اللي أطلبه منك إن تخلي بالك من نفسك لحد ما أجي بإذن الله..
قالها ليجد علامات القلق على وجهها فأردف: مالك؟ قلقانة من إيه؟
_ أنا حاسة فيه حاجة ومخبيها عليا..
قالتها بتوتر.
ارتسمت ابتسامة على ثغره وقال: مفيش حاجة يا قلبي هم كلهم يومين وجاي تاني إن شاء الله.. وأول حاجة هعملها هطلب إيدك من مامتك.
_ ترجع بالسلامة الأول يا حبيبي...
قالتها فيروز.
صوت طرقات على الباب... فقالت: ثواني يا حبيبي هشوف داده سميحة عايزة إيه وجيالك تاني.
_ طيب متتأخريش عشان داخل أغير هدومي وهنزل على طول.
_ حاضر...
قالتها لتتجه نحو الباب وقامت بفتحه.
_ يا آنسة فيروز مدام آمال جت بالسلامة بره..
قالتها سميحة.
_ ماما؟...
قالتها فيروز بقلق وتوتر ثم أردفت: روحي أنتي يا داده وأنا جاية وراكي..
قالتها لتوصد الباب من الداخل وركضت نحو الشرفة.
وقالت بقلق جلي: معلش يا حبيبي هسيبك دلوقت عشان ماما رجعت من السفر بره.
_ حمد الله على سلامتها.. وخلي بالك من نفسك..
قالها صقر.
_ حاضر يا حبيبي.. وأنت كمان خلي بالك من نفسك.. وهبقى أطمن عليك..
قالتها فيروز ثم تركته ودخلت مرة أخرى وغادرت الغرفة.
_ حبيبتي وحشتيني أوي.. حمد الله على سلامتك...
قالتها فيروز وهي تعانق والدتها التي تنظر لها بوجه عابس ولم تبادلها العناق.
ابتعدت فيروز وهي تنظر لها بتوجس وقالت: في إيه يا ماما؟؟ مالك؟
رمقتها آمال بسخط وقالت: لو كنت وحشاكي بجد كنتي سألتي عليا.. كأنك ما صدقتي إني أسافر.
_ يا ماما والله كنت مشغولة وبعدين حضرتك دول كانوا يومين ولا ثلاثة بالكتير...
قالتها فيروز.
ابتسمت بسخرية وقالت: فعلًا كنتي مشغولة... ويا ترى بقى خطيبك الجديد اللي مشفتهوش لحد دلوقت عامل إيه؟
نظرت لأسفل وقالت: كل واحد راح لحاله خلاص.
أثارت كلماتها غضب والدتها التي صاحت فيها: نعم يا حلوة!!! هو أنتي يا بت ملكيش أهل عمالة تتخطبي وتفسخي كأنك عايشة مقطوعة من شجرة... جرى إيه يا بنت شوقي؟!!
قالت جملتها الأخيرة لترمقها فيروز بنظرة حادة فنهضت ووقفت أمامها وقالت: أنا بنته بسببك.. مش تروحي تغلطي وتعايريني بغلطك..
قالتها بصياح وغضب.
نهضت والدتها وهي ترفع كفها التي هوت به على وجه فيروز بصفعة قوية وقالت: اخرسي.
وضعت فيروز يدها على أثر الصفعة ولم تتفوه بكلمة بل رمقتها بنظرات امتعاض وتركتها واتجهت نحو غرفتها.
رن جرس المنزل لتتجه سميحة وتفتح الباب... دخل محمد وقال بابتسامة: حمد الله على السلامة يا جميل.
ابتسمت آمال له وقالت: الله يسلمك يا ابني.
_ الله على كلمة يا ابني اللي بتقولهالي يا عمتو بحس إني أنا فعلًا ابنك...
قالها محمد وهو يجلس بجوارها.
ابتسمت آمال وهي تربت على ظهره وقالت: ربنا عالم أنا فعلًا بعتبرك ابني اللي مخلفتهوش.
رن جرس المنزل مرة أخرى لتفتح سميحة الباب وأخذت الأكياس البلاستيكية من حارس البناية وأعطى لها مجلة وقال: حاجتك كلها تمام؟
سميحة: شكرًا يا عم عثمان.
عثمان: العفو يا ست سميحة.. بالإذن أنا ماشي..
قالها ليغادر وتوصد هي الباب لتدلف إلى المطبخ وتضع الأكياس فوق الرخامة..
وأخذت المجلة واتجهت نحو الردهة وقالت:
"محمد بيه عم عثمان جاب الطلبات كلها وأداني المجلة دي."
أخذها محمد وقال:
"آه كويس جدًا إنه جابها."
"عن إذنك يا محمد، هقوم أغير هدومي عقبال ما سميحة تحضر الفطار ونفطر سوا..."
قالتها آمال ثم اتجهت نحو غرفتها.
"اتفضلي يا عمتي."
قالها محمد وأخذ يتفحص صفحات المجلة حتى وقعت عيناه على ذلك الخبر الذي يعلو صورة صقر وهو يحمل فيروز على ذراعيه.
جز على أسنانه بغضب وقال مناديًا:
"دادة سميحة!"
جاءت إليه مسرعة وقالت:
"نعم يا محمد بيه؟"
"هي فيروز صاحية ولا نايمة؟"
قالها وهو يقطب حاجبيه بضيق.
سميحة بقلق قالت:
"صاحية بس في أوضتها."
محمد بنبرة آمرة قال:
"روحي قوليلها محمد عايزك."
أومأت له وقالت:
"حاضر يا بيه."
فيروز بداخل غرفتها تطوي ثيابها وتلقي بها بداخل الحقيبة وهي تكفكف عبراتها.
طرقت سميحة على باب الغرفة وهي تقول:
"آنسة فيروز."
فيروز بغضب صاحت:
"نعم؟"
سميحة بالخارج:
"محمد بيه عايز حضرتك بره."
جلست على التخت وهي تزفر بسأم وبيدها قطعة ثياب خاصتها وقالت:
"حاضر قوليلو جايه."
ألقت القطعة في حقيبتها ثم أغلقت السحاب جيدًا. وغادرت الغرفة.
***
فتح الباب ودخل برفقتها إلى ذلك المنزل المعتم وهو يضغط على زر الإضاءة.
"شو منتظرة عندك؟ يلا فوتي."
قالها فارس.
دلفت جوانا بملامح قلق وريبة إلى المنزل ثم نظرت له وقالت:
"مو بعرف أتشكرك كيف، لكن جميلك هي ما راح أنساه بحياتي."
"العفو، أنتي متل شقيقتي، وأي شيء بدك إياه قوليلي عليه."
قالها فارس الذي تذكر لتوه عندما جاءت فيروز برفقته إلى ذلك المنزل.
جوانا بابتسامة:
"ميرسي كتير يا..."
صمتت ثم أردفت:
"لا تؤاخذني، شو اسمك؟"
"فارس الشامي."
قالها فارس.
مدت يدها إليه لمصافحته مبتسمة وقالت:
"جوانا زيدان الحلبي."
بادلها المصافحة وبملامح الاندهاش قال:
"بتكوني بنت زيدان الحلبي؟!"
"أي بكون لبنته، أنت بتعرفه؟"
قالتها جوانا.
تنهد مبتسمًا وقال:
"والدك ووالدي الله يرحمهون كانوا رفقات."
"أنا ما كنت بعيش مع بابا قبل هيك، هو وإمي منفصلين، وعشت معها بمدينة أعزاز بحلب. ولما صارت الحرب من 7 سنين تركناها ورحنا على الضيعة بدمشق. هنيك بتكون جدتي أم إمي. ضلينا هالسنين بالضيعة حتى ماتت إمي وجدتي بعدا بشهور، صرت وحيدة وكنت خايفة. بابا ما كان يعرف شيء. رحتلو بالمنزل تبعو بالمدينة. وضليت معه حتى أتعرف على رجال أعمال فرنسي، جوزيف أنطوان، شيطان في جسم بني آدم. بدو يتجوزني غصب، وأنا ما فيني أقبل، هو واحد قاتل والسبب في موت بابا، استولى على كل المصاري تبعو بالشركة وحولها لحسابه."
قالتها لتبدأ عبراتها في الانسدال من عينيها.
"بيكفي حكي ما تبكي، وبوعدك ما راح أتركك شو ما صار."
قالها فارس وهو يخرج من جيبه منشفة ورقية ويعطيها لها فأردف مازحًا:
"ليكي يا بنت، دموعك خلصت على المحارم تبعي."
ضحكت أثناء بكائها فقالت:
"ما بعرف شو اللي كان صار فيني لولاك."
اقترب منها ويربت على كتفها وقال:
"ما تحكي هيك مرة تانية، أنا هون بمحل والدك الله يرحمه."
حدقت فيه بعينيها الدامعتين لتقترب منه أكثر وارتمت على صدره وهي تعانقه وقالت:
"الله يخليلي ياك فارس."
تسمر مكانه لتنتابه القشعريرة التي سارت بكامل جسده. لتبتعد هي وقالت بإحراج:
"بعتذر منك."
ارتسم طيف ابتسامة على ثغره وقال:
"لا يهمك."
وكاد يغادر.
أوقفته بخوف وقالت:
"وين رايح؟"
التفت لها وقال:
"أنا ساكن بالبيت اللي قدامك ما تخافي."
اقتربت منه وقالت بنبرة رجاء:
"دخيلك ضل معي وما تتركني، أنا خايفة كتير بيكون جوزيف يعرف مكاني."
"كيف يعني ياخدك وأنا موجود؟ أنا بتصل على الشرطة وبخبرون."
قالها فارس بحنق.
"لا لا لا وحياة الله، كل اللي بدي إياه منك تساعدني أسافر لسوريا."
قالتها بنبرة رجاء.
رمقها بقلق وخوف عليها ولم يتفوه. بل أخذ يفكر واتجه نحو النافذة.
"فارس، ليش ما بتحكي؟"
قالتها جوانا بقلق ولم يجب عليها بل ظل ينظر من النافذة.
اتجهت نحوه وهي كادت تضع يدها على كتفه وتقول:
"فار..."
قاطعها وهو يلتفت إليها فجأة وقال:
"جوانا، تتجوزيني؟"
***
بداخل سيارة محمد.
"إحنا رايحين فين؟"
قالتها فيروز.
توقف فجأة حتى صدر صوت احتكاك إطارات السيارة بالأسفلت. وأمسك بالمجلة التي أخذها معه وقام بفتحها ويضعها أمام وجهها.
"ممكن تفهميني أي ده؟"
قالها محمد وهو يحاول يكظم غضبه.
اتسعت حدقتاها عندما شاهدت تلك الصورة فلم تجب وأخذت ترجع خصلات شعرها خلف أذنها ليلتمع الخاتم بإصبعها. نظر إليه وأردف:
"خلاص مش محتاج إجابة، الخاتم اللي في إيدك وضح لي كل حاجة. أنا ما رضيتش أكلمك فوق قدام عمتي."
زفرت بضيق وقالت:
"محمد أنت أكتر واحد المفروض تكون حاسس بيا وتقدر حبي لصقر وإن ماقدرش أ..."
قاطعها بغضب وهو يضرب على المقود وقال:
"المفروض؟! أنا فعلًا كنت حاسس بيكي وقت ما هانك وبهدلك وبعتر بكرامتك الأرض. قدرتك لما عارف وواثق إنك بريئة لما اتقبض عليكي ودخلتي السجن في نفس الوقت اللي اتهمك هو فيه وما صدقش براءتك. قدرتك لما عملت كل اللي في إمكاني وقدرت أهربك في الوقت اللي كان هو واخدك فيه عشان يعرف إنك شريفة ولا لأ."
"خلاص كفاية بقى!"
صرخت بها فيروز.
"لا مش كفاية! لما تدوسي على كرامتك وترجعيله وفرحانة، تقدري تقولي أي لعمتي لما تعرف أو تشوف صورتك اللي منورة المجلة؟"
"محمد أنا حرة ومحدش فيكوا اللي هيقرر حياتي بالنيابة عني. وشكرًا لوقفتك جنبي لحد كده."
قالتها فيروز بغضب.
"أنا مش هرد عليكي عشان خاطر صلة الدم اللي ما بينا، يا بنت عمتي."
قالها بتهكم معاتبًا إياها.
لم تتفوه بكلمة وأشاحت عينيها ونظرت للجهة الأخرى باقتضاب.
***
بداخل الخيمة ذات الطابع البدوي.
إياس يأكل بشراهة ورنيم تنظر إليه ولم تتناول شيئًا. ابتلع ما بفمه وتناول كوب الماء ليرتشف منه القليل ثم قال:
"ما بتاكليش ليه؟"
رمقته بنظرة جانبية وزفرت بحنق ثم قالت:
"ماليش نفس."
"لو مش عاجبك الأكل قوليلي وأنا هطلبلك أكل تاني."
قالها إياس ببرود.
رمقته بسخرية وقالت:
"لا شكرًا حضرتك، قمت بالواجب وزيادة."
قالتها لتنهض وتقف بخارج الخيمة وهي تعقد ساعديها أمام صدرها.
ترك ما بيده لينهض ويضع يديه على كتفيها ليجعلها تلتفت إليه وقال بنبرة جدية:
"هو أنا عشان بحبك وبغير عليكي تعملي معايا كده؟"
لم تستطع السيطرة على عبراتها أكثر من ذلك حتى أطلقت لها العنان لتنهمر من عينيها. تبكي مثل الطفلة. زفر بضيق وغضب من حاله.
"طيب بتعيطي ليه؟ مش قلتلك ما أشوفش دموعك دي تاني؟"
قالها وهو يمسح عبراتها بأطراف أنامله.
ارتمت على صدره وأخذت تبكي وتقول:
"أنت اللي خليتني أعيط."
حاوطها بذراعيه ليضمها أكثر إليه بحنان ويمسد على ظهرها وقال:
"حقك عليا، بس أنتي اللي استفزتيني لما بتعملي الحاجة وعارفة إنها بتضايقني."
ابتعدت برأسها وحدقت في عينيه ببراءة:
"أنا آسفة مش هعمل كده تاني."
ابتسم ووضع كفيه على وجنتيها واقترب من أذنها ويهمس قائلًا بنبرة ماكرة:
"أنا ممكن أقبل اعتذارك ده بس على شرط."
ابتسمت بطيبة ولم تفهم مقصده وقالت:
"أي هو يا حبيبي؟"
همس لها مرة أخرى وقال:
"تعالي نروح الكوخ وأنا هقولك."
ضيقت عينيها وحدقت به وقالت:
"أمّم بقي كده!!!"
أومأ لها برأسه وقال:
"أيوه اللي فهمتيه بالضبط."
نظرت لأعلى وقالت بفزع:
"الحق يا إيسو."
قالتها لينظر لأعلى ثم قامت بخداعه لتدفعه في صدره ويقع على ظهره وركضت بكل قوتها.
"آه يا مجنونة!"
قالها وهو ينهض ويرتب ثيابه وأردف مناديًا:
"يا بنت تعالي هنا أنا جوزك وربنا!"
قالها وهو يركض خلفها.
ظلت تركض حتى لم تسمع صوته لتنظر خلفها لم تجد أحدًا. التفتت يمينًا ويسارًا. وشعرت بأنها تائهة. معظم الأكواخ تتشابه في الشكل الخارجي. عادت من الطريق التي كانت تركض فيه وتبحث في كل الأرجاء عن زوجها.
"إياااااااااااس!"
قالتها منادية عليه ولم يجب عليها سوى صدى صوتها.
تنهدت بسأم ومشت حتى وصلت أمام الكوخ. أخرجت من جيب بنطالها المفتاح الخاص بالكوخ. لتقوم بوضعه في فتحة المقبض فوجدت الباب مفتوحًا لتدفعه وتدلف إلى الداخل وهي تضحك.
"أنت هنا يا إي..."
لم تكمل حيث قاطع جملتها ما تراه الآن. بالفعل هذا ليس الكوخ الخاص بهما. لكن الصور ذات الإطار الخشبي الموضوعة بأعلى المنضدة لفت انتباهها. اقتربت منها لتتمعن في الصورة. غارت فاها عندما وجدت صاحبة الصورة تشبهها كثيرًا. لديها نفس الملامح لكن مع اختلاف لون الشعر والبشرة والعيون. رنيم تمتلك شعرًا باللون البني المائل للذهبي وعيناها عسليتان وبشرتها خمرية. صاحبة الصور تمتلك شعرًا باللون البني القاتم وعيناها باللون البني ولكن بشرتها بيضاء.
"ماتت من 4 شهور لما كنا في رحلة على اليخت."
قالها نائل الذي دلف للتو.
***
في منزل عائلة ليلى.
يجلس الجميع يتناولون طعام الغداء.
لا سيما ليلى التي لم تتناول من الصحن الذي أمامها سوى ملعقة أرز فقط.
اقترب خالد وهمس في أذنها:
"مالك يا حبيبتي؟"
رجعت بظهرها للخلف وقالت:
"مش قادرة آكل، معدتي وجعاني، شكلي واخدة برد."
"طيب خدي كلي حتة الفرخة دي، عملهالك بالفجيتار زي ما بتحبيها."
قالتها والدتها وهي تضعها في الصحن.
اعتصرت عينيها وقالت:
"لأ، مش عايزة فراخ، أنا مش طايقة ريحتها."
نهض خالد من مقعده وقال:
"قومي يلا هوديكي للدكتور."
نظرت له بضيق وقالت:
"هو كل ما يجيلي حبة برد تقولي دكتور؟"
زفر بضيق وقال من بين أسنانه وهو يجز على فكيه:
"يلا يا ليلى اسمعي الكلام."
"قومي يا بنتي اسمعي كلام جوزك، هو خايف عليكي."
قالها والدها.
نظرت لكليهما بسأم، وفجأة انتابها شعور بالغثيان. نهضت على الفور مسرعة تتجه نحو المرحاض. جثت على ركبتيها وأفرغت بكل ما في جوفها بداخل قاعدة المرحاض. ثم نهضت بثقل وهي تستند على حوض المياه المحاذي لها. ضغطت على المكبس حتى اندفعت المياه وأغلقت غطاء القاعدة.
"ليلى، أنتي كويسة؟"
قالها خالد بخوف وقلق.
أجابت بوهن وصوت يكاد مسموعًا:
"آه كويسة..."
لم تكمل ليسمع زوجها صوت ارتطام جسدها حيث وقعت مغشيًا عليها.
دفع الباب بجسده بكل قوة حتى انفتح الباب ليجدها مستلقاة على الأرض. ركض نحوها ليحملها مسرعًا.
اتجهت نحوه والدتها وتحمل زجاجة عطر وتعطيها له. فقام برش القليل على يده ووضعها عند أنفها، وأخذ يربت على وجنتها.
"خليك معاها يا ابني عقبال ما هاروح أنادي على الدكتورة اللي في العمارة اللي قدامنا."
قالتها والدة ليلى.
أومأ لها خالد وقال:
"بسرعة يا طنط بالله عليكي."
ثم أردف وهو ينظر لها وقال:
"ليلى... فوقي يا ليلى."
قالها وما زال يربت على وجنتها.
التفتت إليه وشهقت بذعر وقالت:
"أنا آسفة والله كنت فاكرة إنه الكوخ بتاعنا، عن إذن حضرتك."
قالتها لتهم بالمغادرة لتجد ذلك السد المنيع يقف أمام الباب من الداخل.
نظرت له وقالت بامتعاض:
"ممكن توسع لو سمحت."
ابتسم بجانب فمه وقال:
"مش هينفع."
"عديني لو سمحت أحسن ما يكون ليا تصرف معاك تاني مش هيعجبك."
قالتها بنبرة تهديد وهي تشير له بإصبعها.
تنهد وابتعد عن الباب وقال:
"اتفضلي."
وكادت تفتح الباب لتخرج حتى أوقفتها كلماته ليردف:
"بس زوج حضرتك واقف برة وشكله بيدور عليكي."
التفتت إليه لتحدق بقلق وهي تتخيل ماذا لو خرجت وإياس رآها تخرج من كوخ نائل لربما يظن السوء.
"أتصرف وخرجني بأي طريقة."
قالتها رنيم بحنق.
قطب حاجبيه وقال:
"طيب ممكن حضرتك تهدي وأنا هخرج أشوفه وأرجعلك؟"
"طيب يا ريت تنجز بقى."
قالتها ليرمقها بتجهم وغادر الكوخ ولبث ثوانٍ معدودة وعاد مرة أخرى.
"اتفضلي، هو لسه داخل الكوخ بتاعكوا دلوقت، هتلاقيه رابع كوخ هيقابلك على ايدك اليمين لما تخرجي من هنا."
قالها نائل.
وكادت تغادر فقالت:
"سوري على أسلوبي معاك في الكلام... والبقاء لله."
أومأ لها بعينيه وقال:
"الدوام لله... ولا يهمك."
ارتسمت ابتسامة خفيفة على محياها ثم غادرت الكوخ على الفور، لترمقها أعين من فتحتي النقاب البدوي بازدراء.
وصلت أمام الكوخ وطرقت على الباب خشية من أن تخطأ مرة أخرى.
فتح الباب لها. دخلت وهي تبتسم له لكن التوتر يسيطر عليها.
"كنتي فين؟"
قالها إياس.
"لما جريت تهت ومعرفتش أرجع فسألت حد من اللي بيشتغلوا هنا... وجيت على طول."
قالتها وهي تحاوط عنقه بيديها.
"طيب يا روح قلبي تعالي بقى لما نتفسح شوية قبل ما الجو يليل ومش هنعرف نروح غير الخيمة نسهر هناك."
قالها وهو يقترب منها ليضع يديه حول خصرها وكاد يقبلها، فابتعدت بخجل وقالت:
"بس بقى يا إيسو."
حدق في عينيها وقال:
"بس إيه يا قلب إيسو؟ ده إحنا فرحنا كان إمبارح وكاتب كتابي عليكي وبتعامل بأدب معاكي."
رفعت إحدى حاجبيها وقالت:
"يعني إيه بقى؟"
صمت ويرمقها بخبث فحملها على ذراعيه فجأة وألقاها على التخت ثم أخرج من جيوب بنطاله الخلفية سكينتين صغيرتين لتقشير الفاكهة وقال وهو يقلد الفنان محمد سعد في فيلم اللمبي:
"حلال الله أكبر."
قالها وأطلق ضحكات بلهاء ثم ألقى ما بيده على الأرض.
صاحت بذعر وهي تضحك:
"يخربيتك يا مجنون."
"أنتي خليتي فيا عقل... بحبك آآبت."
قالها بصياح كالمجنون ليعتليها ويضمها إليه بحب وحنان وبدأ يرسم بشفتيه قبلات على وجهها بدأ من جبهتها ثم عينيها... وجنتيها... حتى وصل لمنبع الرحيق في شفتيها ليرتشف منه بنهم... ويبحرَا معًا في عالم لا يوجد فيه سوى العشق والجنون الذي جمع بينهما أخيرًا.
تخلع الطبيبة السماعة من أذنيها... ثم ارتسم على محياها ابتسامة.
"خير يا دكتورة؟"
قالها خالد بلهفة وتوتر.
"خير إن شاء الله... هو عشان نتأكد أكتر يا ريت تاخدها وتعمل تحليل دم."
خالد بذعر قال:
"تحليل؟؟؟"
ابتسمت له وقالت:
"ده تحليل بسيط جدًا... كل الأعراض اللي عندها بتقول إنها حامل."
"بجد يا دكتورة؟؟؟"
قالتها والدة ليلى بفرح غامر.
"إن شاء الله والتحليل اللي هيأكد ده... عن إذنكوا."
قالتها لتغادر الغرفة وخلفها والدة ليلى التي أطلقت الزغاريد من الفرحة.
اقترب خالد من ليلى غير مصدق من السعادة التي تغمر كليهما الآن.
"ألف مبروك يا روحي."
قالها خالد وهو يحاوطها بذراعه ويقبل جبهتها.
ابتسمت وقالت:
"هيبقى عندنا بيبي يا خالودي."
ضمها بين ذراعيه وقال:
"ربنا يخليكي ليا يا عمري وتقومي بالسلامة."