تحميل رواية «عشق الفيروز "لا تظلمني"» PDF
بقلم ولاء رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كيف حبيبي تكون عشقي وعذابي؟ كيف تكون لي القاضي وجلادي؟ ياليتني كنت قطرة مياه في بحر هادي، كنت حينها لن أعرفك ولا أعشقك ولن كان عشقك احتل عرش حياتي. بداخل دار القضاء العالي، وفي إحدى قاعات المحكمة، ينادي الحاجب بصوت قوي: "محكمة!" ليدلف القاضي والمستشارون الذين معه. وهي كانت تنظر بعينيها التي تحولت من لون البحر إلى لون الدم من كثرة البكاء من الظلم والقسوة، فتمسك بيديها قضبان القفص الحديدي التي بداخله داعية ربها أن ينجدها من هذا البلاء كما أنجد يوسف عليه السلام من غياهب السجن، تنتظر حكم القاضي وكأن...
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم ولاء رفعت
بداخل مشفى السويفي الاستثماري...
وصلت هي وهو أمام المشفى بعد أن عادا من السفر بعد عدة ساعات. ركضت إلى الداخل بخطوات متعثرة لتذهب إلى الاستعلامات وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة:
"لو سمحتِ، بابا محجوز فين؟"
الفتاة:
"حضرتك مين وعايزة إيه؟"
سيلين وهي تحاول أن تتنفس بانتظام:
"أنا سيلين صلاح السويفي."
انتبهت الفتاة للاسم بالكامل:
"اتفضلي يا فندم اقعدي، وأنا هنده حد من الممرضات تاخدك للغرفة اللي هو فيها."
سيلين بعصبية:
"أنتِ ما بتفهميش؟ أستريح إيه؟ قولي لي الزفت رقم الأوضة ولا الدور كام!"
نظرت الفتاة لشهاب الذي يقف خلف سيلين:
"شهاب بيه، أهلًا وسهلًا بحضرتك، ممكن تاخد مدام سيلين تستريح في أي غرفة فاضية."
رمقتها بغضب وصاحت بصوت مدو:
"فين الدكاترة اللي هنا؟ حد يرد عليَّ!"
شهاب الذي لم يتفوه بكلمة، فبداخله نيران مستعرة، لكنه قرر تأجيل خوض أي أسئلة أو ردة فعل بسبب مرض عمه الذي يرقد في الفراش. اقترب منها قائلًا:
"سيلين، اهدئي. المستشفى مليانة عيانين واللي بتعمليه ده غلط. أنا دلوقتي رايح للدكتور المسؤول عن حالته."
جاء صوت آخر من الرواق الذي يؤدي إلى المصعد:
"إيه الدوشة دي يا جماعة؟ إحنا في مستشفى محترمة ما يصحش كده."
قالها الطبيب.
الفتاة:
"معلش يا دكتور، دي مدام سيلين بنت صلاح بيه ومعاها..."
الطبيب نظر لشهاب:
"أهلًا أهلًا شهاب بيه."
"لو سمحت يا دكتور، عايزين ندخل لعمي. اتصلوا بينا وإحنا كنا بره مصر وقالوا لنا إنه في العناية المركزة."
قالها شهاب بهدوء.
ابتسم الطبيب:
"إيه ده؟ مش فرح حضرتك كان الأسبوع اللي فات؟ ألف ألف مبروك يا شهاب بيه."
جز على أسنانه من سماجة هذا الطبيب البارد:
"الله يبارك فيك. عمي فين؟"
الطبيب:
"بصراحة ممنوع الزيارة عشان حالته ما تسمحش."
"والله العظيم؟"
قالها شهاب بسخرية واستهزاء.
الطبيب:
"وحضرتك مش مصدقني؟"
قالها متسائلًا.
جاءت ممرضة تركض من ناحية المصعد:
"دكتور عبد الرحمن، صلاح بيه فاق وعمال يقول عايز يشوف بنته و..."
"بابا حبيبي! أنا طالعة له بسرعة."
قالتها سيلين بلهفة وخوف.
الطبيب:
"ثواني يا هانم، أنا هاخدكوا فوق."
قالها ثم أشار إليهما ليتجها نحو المصعد.
بداخل المصعد، يقف الطبيب وهو يتفحص تقريرًا طبيًا عن حالة والد سيلين، بينما سيلين كانت تنظر للأسفل بتوتر شديد، وعيناها لم تلاحظ النظرات النارية التي يرمقها بها شهاب الذي يجول إعصار بداخله.
وصلوا عند الطابق الرابع الذي توجد به غرف العناية المركزة الخاصة وعلى أعلى مستوى. مشى أمامهم الطبيب بعد أن خرجوا جميعهم من المصعد، فظلوا يمشون خلفه في رواق طويل ثم إلى ردهة شديدة الاتساع تتفرع منها الغرف وبين كل غرفة والأخرى مساحة شاسعة.
وقعت عيناها من خلف الزجاج لترى والدها المتصل بكل أجهزته الحيوية، أسلاك بلاستيكية وجهاز التنفس الصناعي، لكن يفتح عينيه ويغلقها بوهن شديد. ذرفت عيناها عبراتها لتشهق:
"حبيبي يا بابا... حصل لك إيه؟"
الطبيب:
"ما ينفعش اللي حضرتك بتعمليه ده، كده مش هينفع تدخلي لصلاح بيه، هتتعبيه أكتر. ولا أنا غلطان يا شهاب بيه؟"
زفر بضيق ليقول بنبرة جدية:
"سيلين، الدكتور عنده حق. حاولي تبطلي عياط عشان تدخلي تشوفيه، وأنا هبقى أدخل بعدك."
"وأنت مش هتدخل معايا؟!"
قالتها وهي تمسك يده.
"لأ، قلت هدخل لوحدي، واتفضلي يلا."
قالها وهو يلقي بيدها جانبًا وبنبرة جافة تعجبت لها.
نظرت له بحيرة لكنها في موقف لا يجعلها تهتم لشيء سوى بوالدها المريض.
دلفت إلى الغرفة وبخطوات هادئة وتحاول أن تكتم شهقات بكائها وهي تنظر لوالدها الذي فتح عينيه متجهم الوجه. فرفع يده بصعوبة ليزيل الكمامة المتصلة بأنبوب الأوكسجين من على أنفه وفمه، وبصوت واهن وبصعوبة بالغة:
"تعالي يا سيلين."
ركضت نحوه وهي تمسك يده وتقبلها:
"حبيبي، ألف ألف سلامة عليك. مالك؟ أنت كنت لسه مكلمني أول إمبارح وبتطمن علينا، إيه اللي حصل؟"
صلاح:
"أنا عايزك تسمعيني كويس... أنا يعتبر بين الحياة والموت دلوقتي."
شهقت لتصيح:
"بعد الشر عليك يا حبيبي!"
أشار لها بالسكوت:
"لو سمحتِ ما تقاطعينيش وسيبيني أكمل كلامي."
سيلين:
"اتفضل اتكلم."
قالتها بإحراج.
صلاح:
"أنا خلاص يا سيلين، في أي لحظة هموت وأقابل وجه كريم... أنا بقالي فترة كبيرة عندي كانسر في مرحلة متأخرة."
اتسعت حدقتاها فشهقت وهي تضع كفها على فمها لتكمل الاستماع إليه، فأردف قائلًا:
"فسامحيني إن أنا خبيت عليكي... ومحدش يعرف غير شهاب بس."
قالت بنبرة باكية:
"وليه ما قلتليش؟ أنتِ مش عارف أنا بحبك وبخاف عليك قد إيه؟ ورايح تقول لشهاب ما تقوليش! أنا بنتك يا بابا."
ابتلع غصة حلقه ليكمل حديثه:
"ما دام بتحبيني وبتخافي عليَّ، ليه عملتِ فيا وفي نفسك كده يا بنتي؟!"
سيلين:
"عملت إيه؟ مش فاهمة."
تنهد ليردف:
"دي آخرتها يا سيلين... آخر شيء كنت أتوقعه منك... كنت طول عمري أقول عليكي عاقلة على الرغم الجنان اللي كنتِ بتعمليه، بس ببقى مطمن عليكي لأن عارف أخلاقك كويس وواثق فيكي."
سيلين بخوف وقلق:
"في إيه بالضبط؟"
صلاح بسأم:
"في إني اكتشفت إني ما عرفتش أربيكي وأعلمك إزاي تحافظي على نفسك... في إن حضرتك جه ظرف قبل فرحكوا بيومين وكان لشهاب، ومن ستر ربنا ما فتحوش ونسيت أحطه مع الأوراق... ولما كلمتك آخر مرة أول إمبارح فتحت الظرف، لقيت فيه..."
صمت ليتجهم وجهه أكثر ولم يستطع أن يتفوه، فتنفس بصعوبة ليردف:
"صقر يا سيلين!!! اللي كنت بعتبره زي أخوكي واتربيتوا سوا مع بعض."
نظرت له بذعر وصدمة غير مصدقة وهي تومئ له برأسها نافية ما يقوله:
"كذب والله العظيم كذب، أنا مظلومة والله يا بابا... واحد اسمه باس..."
أسكتها احتقان وجه والدها الذي انقطع عنه النفس وقد انخفضت معدلات ضربات القلب ليشير بها الجهاز.
سيلين:
"بابا... مالك؟"
قالتها بصياح مصحوب بذعر. ركضت للخارج لتنادي الطبيب لتجده مسرعًا هو والممرضون ليقوموا بفحصه، فأمسك الطبيب جهاز التنفس ويضعه على فمه تحت صرخات سيلين التي جذبتها إحدى الممرضات للخارج حتى يستطيع الطبيب العمل. تفاجأ بصفير جهاز القلب فقام بتشغيل جهاز الصدمات ليصيح في الممرضة:
"ناوليني الجهاز بسرعة."
فتناولته منها على مضض ليضعه على صدر صلاح فينتفض جسده لأعلى ثم كررها مرة أخرى ثم مرة ومرة... عدة مرات وصدمات لقلبه حتى يستعيد حيويته ويخفق مرة أخرى، لكن كل المحاولات باءت بالفشل لتصعد الروح إلى بارئها.
سيلين بالخارج شاهدت الطبيب يفصل الأجهزة عن العمل وتقوم الممرضة بإزالة كمامة التنفس وتدثر جسده كاملًا بالغطاء.
وبصرخة مدوية اهتزت لها كل جدران المشفى بأكمله:
"باباااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا... باباااااااااااااا... ما تسيبنيش يا باباااااااااا.... لازم تعرف كل حاجة لاااااااااااااااااااا أعااااااااااااا..."
ظلت تصرخ وتتلوى بين ذراعي شهاب الذي لا يتحمل حالتها تلك، فذرفت عيناه بالدموع على وفاة عمه الذي كان بمثابة والده... وعلى قلبه الذي ينزف من آلام الغدر والخيانة.
***
في منزل فيروز...
آمال بنبرة باكية:
"حرام عليكي افتحي الباب وكلي لك لقمة، أنتِ ما أكلتيش من إمبارح."
فيروز بصياح من داخل غرفتها:
"مش واكلة... وياريت ما تتكلميش معايا."
آمال:
"مش أنتِ سمعتِ كل حاجة؟ أظن إنك فهمتِ ليه عملت كده وما قلتلكيش الحقيقة."
فجأة فتح الباب لترمقها فيروز بغضب:
"هقول لك فهمت إيه... فهمت إن أمي اللي طول عمري بتباهي بيها وبأخلاقها طلعت لا مؤاخذة ومخلفاني من الحرام!"
صفعتها والدتها بقوة:
"اخرسي يا سافلة، يقطع لسانك... أنا كنت متجوزاه وما سلمتلوش نفسي غير لما كتب عليَّ عند المحامي."
وضعت يدها على الصفعة لتزداد غضبًا:
"طيب لما أنتِ زي ما بتقولي كده، ليه مش مسجلاني باسمه!!!!... ليه ما اعترفش بيا!!!!"
آمال:
"عشان طلع واحد ندل وواطي وحقير... كان كل همه الفلوس والطمع عمَّى عينيه وخان الراجل اللي بيأكله عيش ومأمنه على بيته ومراته وعياله."
فيروز:
"قصدك مامة صقر؟!!!"
آمال:
"أنا مش عايزة أفتح سيرة، دي واحدة ميتة وحرام نخوض في أعراض حد ميت."
رن جرس المنزل... لتذهب آمال وتفتح الباب لتجد رنيم التي اندفعت ودلفت إلى الداخل ووقفت بمنتصف الردهة بعينيها المتورمتين من كثرة البكاء. أوصدت آمال الباب من الداخل والتفتت إليها بقلق:
"خير يا بنتي؟ مال عينيكي؟"
رنيم بنبرة حادة:
"بصي، أنا جيالك عشان تحكي لي كل حاجة. أنا ما نمتش من إمبارح، وأول ما صقر مشي من البيت جيت لك على طول لأن مش عايزاه يعرف إن أنا جيت."
آمال:
"حاضر، مش هقول له حاجة."
رنيم:
"ممكن تقولي لي علاقة ماما إيه بالراجل اللي خلفتي منه فيروز؟!"
نظر كل من فيروز وآمال لبعضهما بصدمة متسعة حدقاتهم...
آمال بتردد:
"آآآ... إيه اللي أنتِ بتقوليه ده؟ مش فاهمة حاجة."
رنيم:
"أنا كنت في الأوضة اللي جنب الأوضة اللي كنتِ فيها أنتِ ودادة سهيلة، وكنتوا عاملين تزعقوا جامد، فوقفت في البلكونة المفتوحة على البلكونة اللي كانت عندكم، وسمعت كل حرف وعرفت إن فيروز عرفت لما صرختِ باسمها."
فيروز بخوف:
"رنيم أرجوكي، كل اللي سمعتيه إمبارح ياريت صقر ما يعرفش بيه. دي حاجة تخص ماما و..."
رمقتها رنيم وهي ترفع إحدى حاجبيها:
"إيه يا فيروز؟ خايفة لأقول لصقر إن خطيبته والبنت اللي بيحبها طلعت بنت زعيم العصابة اللي طول عمره عايز يقبض عليه... ولا بنت الراجل اللي مامي كانت بتخون بابي معاه؟"
قالتها لتجهش بالبكاء.
اقتربت فيروز لتعانقها:
"معلش يا رنيم، اهدئي بس وإحنا هنتكلم."
آمال:
"خلاص يا بنتي، ما لهاش لازمة نفتح سيرة مامتك عند اللي خلقها، وبكلامك ده بتعذبيها."
صرخت رنيم وهي تبكي:
"اسكتي خاااالص... أنتِ ومامي زي بعض... هي خاينة وظلمتنا معاها، وأنتِ ظلمتِ بنتك لما سلمتِ نفسك لواحد زي ده."
آمال:
"حرام عليكوا ارحموني، كفاية اللي أنا فيه... أنا استحملت فوق طاقتي، لو كنت جبل كان زماني اتهديت."
فيروز كانت في حيرة بين رنيم وبين والدتها التي انهارت في البكاء.
حتى رن جرس المنزل مرة أخرى لتذهب فيروز لتفتح فتجد أمامها محمد وهو يلهث من الركض وهو يصعد الدرج.
فيروز:
"خير يا محمد؟ مالك بتنهج ليه كده؟"
محمد وهو يلتقط أنفاسه:
"بتصل عليكوا من بدري ومحدش فيكوا بيرد."
انتبهت آمال له بعدما مسحت عبراتها:
"تعالى يا محمد، واقف على الباب ليه؟"
فيروز:
"سوري يا محمد، أنا نسيت أقولك اتفضل."
محمد:
"ولا يهمك."
لاحظ وجود رنيم: "أهلاً آنسة رنيم."
رنيم: "أهلاً وسهلاً."
فيروز وهي ممسكة بهاتفها: "إيه ده، الفون بتاعي فاصل شحن!"
آمال: "وأنا موبايلي ما بصيتش عليه، وسيباه في الشنطة من إمبارح."
محمد: "طيب عايزكوا تلبسوا حالا عشان هتسافروا معايا على أسيوط."
شهقت آمال: "أبويا فيه حاجة؟!"
نظر بتردد: "بصراحة جدي تعب إمبارح، والصبح النهاردة حالته اتدهورت ونقلناه على المستشفى."
انتفضت لتنهض بفزع، ودلفت إلى حجرتها وارتدت ثيابها على مضض... وكذلك فيروز ذهبت إلى غرفتها لترتدي كنزتها ذات اللون الأزرق على بنطال من الجينز بسرعة وإنجاز.
خرجا من غرفتهما بصوت واحد: "خلصنا."
رنيم: "طيب عن إذنكوا أنا هاروح قبل ما صقر يرجع."
آمال: "اتفضلي يا حبيبتي."
غادر الجميع، وذهبت آمال وفيروز برفقة محمد إلى أسيوط... وعادت رنيم إلى منزلها.
____________________________
في حي زيزينيا من الأحياء الراقية في الإسكندرية بمصر. ويقع حي "زيزينيا" في منطقة الرمل بين منطقة جليم ومنطقة جاناكليس وحي سان ستيفانو، وآخر جنوبها حي باكوس.
حيث توجد مدافن عائلة السويفي فهم من أشهر العائلات هناك....
يقول الشيخ الذي يقف بجوار القبر: "اللهم ثبته بالقول الثابت في الدنيا والآخرة، اللهم ثبته على الصراط، اللهم لقنه حجته، اللهم ثبته عند اللقاء."
قالها في وسط بكاء وشهقات سيلين المتشحة بالسواد، وعلى رأسها حجاب أسود قصير، حيث تقف تستند على ساعد مربيتها يسرية التي كانت تدعو بصوت يكاد مسموع بالرحمة والمغفرة.... بينما شهاب يساعد الرجلين في إلقاء حفنات التراب فوق القبر بعد الانتهاء من الدفن، فأتي رجل آخر بدلو من المياه وقام برش المياه على التراب بعدما تساوى تمامًا، فتقدم الحاضرون بوضع الأزهار فوق اللحد الرخامي المحفور بواجهته الرخامية...
"بسم الله الرحمن الرحيم"
"(( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي)) صدق الله العلي العظيم"
صلاح يحيى السويفي.... وبأسفل الاسم تاريخ الميلاد (28 أبريل 1960).... وبجوارها بمسافة تاريخ الوفاة (28 أبريل 2018).
أخذ الشيخ يتلو بعض آيات القرآن وعقب بأدعية للمتوفى والحاضرين يرددون خلفه، وانتهى أخيرًا بذلك الدعاء: "اللهمّ أبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلاً خيرًا من أهله، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، ومن عذاب النار."
"اللهمّ عامله بما أنت أهله، ولا تعامله بما هو أهله، اللهمّ اجزه عن الإحسان إحسانًا، وعن الإساءة عفوًا وغفرانًا."
"اللهمّ إن كان محسنًا فزد من حسناته، وإن كان مسيئًا فتجاوز عن سيّئاته. اللهمّ أدخله الجنة من غير مناقشة حساب، ولا سابقة عذاب."
وبعد الانتهاء بدأت الناس تغادر واحدًا تلو الآخر وهم يواسون كلا من سيلين وشهاب.... ركضت نحو القبر لتجثو بجواره واضعة يديها وذراعيها عليه وهي تصرخ: "بابااااااااااااااا... ما تسيبنيش يا بابا... لازم تعرف كل حاجة..... والله مظلومة والله العظيم مظلومة.... بابااااااااااااااا."
يسرية وهي تجذبها لأعلى من ذراعها: "حرام عليكي يا بنتي، أنتي كده بتعذبيه في تربته. ادعيلوا بالرحمة والمغفرة."
نظرت لمربيتها بعينيها الحمراوتين وعبراتها التي تغطي وجنتيها وشفتيها ترتجف من البكاء: "بابا مات يا داده.... بابا سابني لوحدي... بابا مات وزعلان مني.... عاااااااااااااااااااا."
احتضنتها بقوة وهي تبكي على بكائها.... وكان شهاب يتحدث في الهاتف ليؤكد على تجهيزات العزاء بالمنزل ثم أغلق الهاتف واتجه نحوهما.
"يلا يا داده هاتيها واطلعوا العربية عشان نمشي..." قالها شهاب بجمود.
يسرية: "يلا يا حبيبتي عشان نروح. قعدنا هنا مش هيفيده بحاجة."
سيلين بصراخ وعويل: "عاااااااااا سيبوني وامشوا أنا هقعد معاه."
نظرت يسرية إلى شهاب بسأم... فتقدم نحو سيلين قائلاً: "روحي أنتي يا داده على العربية وأنا هاخدها وهحصلك...." قالها لتفعل ما أمرها به.
"سيلين، يلا قومي عشان الناس زمانها هتيجي على الفيلا......." قالها بصوت أجش.
لم تجب عليه وأخذت تبكي في شهقات متقطعة ثم نظرت له: "بابا... بابا يا شهاب... بابا مات."
زفر بضيق لأن قلبه يتألم على رؤيتها بتلك الحالة لكن عقله يقول له: "هي تستحق تلك المعاناة"، وظل ذلك الصراع بداخل رأسه، فاشتد انفعاله ليقول بعصبية وبنبرة قوية: "قومي يلا وبطلي دلع."
نهضت وهي تنظر له بغضب: "مالك بتزعقلي ليه كده؟؟... روح أنت وسيبني هنا ومالكش دعوة بيا."
جز على أسنانه في محاولة لكتم حنقته فأمسك بيدها بقبضة قوية وسحبها خلفه وهي تصرخ: "سيب إيدي مش عايزة أروح."
"اخرسي خاااااااالص..." قالها بصياح في وجهها حتى سكتت ليفتح باب السيارة وتدلف إلى الداخل وعينيها لا تفارق الضريح....
وصلوا جميعهم إلى المنزل الذي أعده الخدم لاستقبال الوافدين الذين جاءوا ليقدموا التعازي..... صعدت سيلين إلى غرفة والدها... بينما شهاب دلف إلى المكتب ليأتي خلفه أحد حراسه وهو يطرق على الباب المفتوح: "شهاب بيه... البقاء لله."
شهاب: "الدوام لله... تسلم يا شرنوبي."
شرنوبي: "أنا كنت عايز أقول لحضرتك إن أستاذ عيسى أيوب المحامي منتظر حضرتك بره."
اقتضب حاجبيه فقال: "خليه يتفضل...." قالها ليذهب شرنوبي لمناداته فدلف الرجل على الفور.
عيسى: "السلام عليكم."
شهاب: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته... اتفضل يا متر..." قالها وهو يشير إلى أن يجلس بالمقعد الشاغر أمام مكتبه... بينما جلس شهاب خلف مكتبه.
عيسى: "أولاً أقدم خالص التعازي في صلاح بيه الله يرحمه ويغفر له يا رب."
شهاب: "يا رب."
عيسى: "والأمر الثاني أنا عارف إنه مش وقته... بس المرحوم أوصاني إن لما حضرتك تخلص مراسم الدفن أجيلك وأسلمك الوصية اللي كتبها بخط إيده..." قالها وهو يضع أمام شهاب ملف ورقي.
فتح شهاب الظرف الموصد فوجد عدة أوراق ليقرأ الأولى وهي كما يلي:
"عزيزي شهاب،"
"يعلم ربنا يا ابني أنا بحبك قد إيه وحسيت إن ربنا عوضني بيك كابن ليا... عشان كده أمنتك على سيلين وجوزتهالك وأنا مطمن... أرجوك تاخد بالك منها... أوعى تبعد أو تتخلى عنها يا شهاب... هي دلوقت بقى ما لهاش حد غيرك وأنت مالكش غيرها وربنا يرزقكوا بالذرية الصالحة اللي تملي عليكوا حياتكوا.... أنا عارف إن طلبي صعب عليك وهتفهم قصدي بعدين... بس بالله عليك خلي بالك منها دي مهما كان بنت عمك قبل ما تكون مراتك... وطبعًا مش هوصيك على الشركة وفروعها، دلوقت أنت بقيت بدالي وأستاذ عيسى المحامي هيشرحلك كل حاجة..... وخدها نصيحة من واحد رايح لربه خليك عادل وما تظلمش حتى لو مع نفسك."
"صلاح يحيى السويفي"
"27/4/2018"
___________________________
في قصر يوسف الهواري.....
كان يجلس بداخل غرفة المكتب الخاصة بوالده الراحل يتأمل الإطار الذهبي المعلق على الحائط حيث يحتوي على صورة بها يوسف وزوجته شيرين التي تحمل طفلة رضيعة على ذراعيها وهو كان يقف أمام والده وبيده بندقية صيد ومبتسم..... ظل شاردًا في ذكريات طفولته حتى انسدلت عبرة على وجنته لتتوغل في لحيته فلم ينتبه عندما شعر باهتزاز هاتفه فأخرجه من جيب سترته ونظر إلى الشاشة ليجد اسم المتصل إياس.
تنهد ثم مسح عبرته وأجاب بهدوء: "ألو، إزيك يا إياس."
إياس: "أنت فين كده يا صقر؟"
صقر: "في القصر جيت أشوف حاجة ومروح تاني."
إياس: "أنت ما عرفتش اللي حصل؟"
صقر: "خير؟"
إياس: "صلاح السويفي تعيش أنت."
تسمر مكانه واتسعت حدقته بذعر: "بتتكلم جد؟؟؟"
إياس: "يا ابني ده الخبر نزل الجرايد والمجلات وعلى النت."
صقر: "حاضر أقفل دلوقت أنا رايح لهم بالتأكيد شهاب وسيلين في الفيلا."
إياس: "طيب خلاص عدي عليا وخدني في سكتك عشان أعزيهم أنا كمان."
صقر: "أوك أنا جايلك دلوقت..... سلام..." أغلق المكالمة ثم غادر المكتب مناديًا: "داده سهيلة."
سهيلة خرجت من المطبخ: "نعم."
صقر: "أنا ماشي حالًا خدي بالك وخليهم يرجعوا الجنينة زي ما كانت وبعد كده روحي اقعدي مع رنيم وأنا هبقى أطمن عليكوا."
سهيلة: "ما تقلقش يا ابني... بس مش هتفطر؟؟ ده أنا حضرتلك فطارك وفنجان القهوة."
صقر: "لأ شكرًا تسلمي... معلش ما ليش نفس... هامشي أنا بقى سلام."
سهيلة: "سلام يا ابن شيرين....." قالتها بسخرية بصوت غير مسموع... تلفتت حولها بحذر فاتجهت نحو غرفة المكتب فدلفت إلى الداخل فأخرجت هاتفها ثم ضغطت على زر الاتصال.
سهيلة بصوت منخفض: "ألو، أيوه يا باشا..." قالتها باستهزاء.
"خير يا سهيلة، في جديد؟؟؟؟"
سهيلة: "آه طبعًا ده اللي أنا هقولهولك مقابله مبلغ محترم تحوله لحسابي في البنك."
"إيه ما بتشبعيش مش لسه مديلك 100 ألف المرة اللي فاتت."
سهيلة: "لأ يا باشا المرة دي خبر بمليون جنيه."
"نعم يا أختي؟؟؟؟؟!!!! كتك مليون عفريت يجننوكي."
سهيلة: "طيب ليه الغلط.... عمومًا هطلع أحسن منك وهقولك... استنشقت الهواء ثم زفرت وأردفت: فاكر آمال الأسيوطي؟"
"آمال!!!! أوعى تكون إ...."
سهيلة: "آه هي كانت في القصر إمبارح."
"وبتعمل إيه دي وجاية ليه؟"
سهيلة: "ما هو حضرتك لو متابع الأخبار هتعرف إن بنتها خطبها صقر إمبارح."
"انجزي وقولي أنا مالي ومال الهري ده كله."
سهيلة: "بنتها اللي مخلفها منك يا شوقي ولا نسيت."
"إيه؟؟؟؟؟؟؟" قالها بذعر ثم ابتلع ريقه فأردف: "بنتي إزاي؟؟؟ مش أنتي قولتيلي إنها أجهضت."
سهيلة بارتباك: "إيـ... آه ما هي طلعت كانت بتضحك عليا."
"سهيييلة..." قالها بزمجرة.
سهيلة: "هقولك الحقيقة بس اديني الأمان."
"انجزي قولي."
سهيلة: "أنا قولتلك كده وقتها عشان تسيبها في حالها وما تأذيهاش عشان سمعتك كنت بتكلم عدنان وبتقوله لو ما أجهضتش هتقتلها."
"طيب وأنا إيه اللي يضمنلي إنها بنتي."
سهيلة: "أنا عشان كنت معاها لما كانت بتولد وقولتلها هتسميها إيه قالتلي فيروز ومن بعدها اختفت هي والبنت وما شفتهاش غير إمبارح."
"فيروز...." قالها وهو يفكر ثم أردف: "معاكي صورتها؟"
سهيلة: "آه كنت مصوراها هي وصقر إمبارح."
"طيب ابعتيلي الصورة حالًا... وأنا مستني... سلام."
_____________________________
عند شوقي بالقصر كان ينتظر إرسال الصور فجاء له تنبيه الرسالة ليفتح ليدقق النظر بعدما ارتدى نظارته الطبية وتأمل الصورة بعينيه التي ورثتها فيروز عنه.... تفاجأ من ملامحها التي تشبه والدته كثير فذهب إلى غرفته ودلف إلى الداخل متجهًا إلى خزانته الكلاسيكية الضخمة ففتح إحدى الضلف وتناول من على الرف صندوقًا من خشب السنديان فقام بفتحه فأخذ صورة قديمة بالأبيض والأسود لسيدة في العقد الثالث وتمسك طفل صغير بيدها.
بدت على وجهه علامات الاندهاش والذهول عندما وجد تشابهًا كبيرًا بين فيروز ووالدته.
تنهد بعمق ثم أخرج هاتفه ليتصل بمساعده الذي لم يستغنِ عنه أبدًا حتى وهو بخارج البلاد.
شوقي: "ألو، إزيك يا بيبرس؟"
بيبرس: "ألو باشا... ليك وحشة والله."
شوقي: "سيبك من جو السلامات ده دلوقتِ، وعايزك تعمل لي خدمة وترد عليا دلوقتِ."
بيبرس: "أؤمرني يا بوص."
شوقي: "فاكر البنت اللي خطفتها في الواحات وكنت بتحكي لي عنها؟"
بيبرس: "هو أنا نسيتها أصلًا؟ مالها؟ أنا أصلًا مراقبها."
شوقي: "يعني تعرف بيتها؟"
بيبرس: "آه طبعًا... ليه، في جديد في القضية؟"
شوقي: "لأ، القضية اتقفلت زي ما أنت عارف."
بيبرس: "طيب، في إيه؟ قلقتني."
شوقي: "فيروز تبقى بنتي وبنت آمال اللي كانت شغالة زمان عند يوسف الهواري."
بيبرس: "نعم!!!"
شوقي: "قول لي عنوانها بسرعة عشان عايز أروحلهم."
بيبرس: "بس استنى، إزاي بنتك؟ وهي اسمها فيروز أحمد سراج الدين!"
شوقي: "أحمد كان يبقى صاحبي ويبقى من بلدي، وكان بيجي لي كتير الفيلا، فشاف آمال وكان بيحبها، وأنا كنت عيني منها وقتها، فقدرت أضحك عليها بورقتين عرفي وحصل اللي حصل، ولما عرفت إنها حامل هددتها لو ما أسقطتش هأبلغ أهلها عن مكانها عشان كانت هربانة منهم، فقطعت الورقتين قدام عينيها، ومن بعدها اختفت هي وأحمد وما عرفتش عنهم أي حاجة أو شيّلت الموضوع من دماغي."
بيبرس: "طيب لو طلعت بنتك هتعمل إيه؟ إذا كان أنت أنكرتها زمان... جاي تعترف بيها دلوقتِ؟"
شوقي: "في كتير، في إن الثروة دي كلها مش عايزها تبقى لباسل الواطي ناكر الجميل، هيضيعها هدر، وأنت عارف الحادثة اللي حصلت لي زمان أثّرت عندي على موضوع الخلفة واتحرمت منها."
بيبرس: "طيب يا باشا، اكتب عندك في ورقة العنوان."
جلب شوقي ورقة وقلم وهمَّ بالكتابة.
شوقي: "ها، قول."
بيبرس: "اكتب عندك..."
شوقي: "حاضر، تسلم يا بيبرس... مش ناوي ترجع؟"
بيبرس: "نفسي أرجع خصوصًا مصر وحشتني أوي، ووحشتيني دلوقتِ أكتر كمان."
وبعدما دار حديث طويل بينهما حول الصفقات المشبوهة، أغلق شوقي المكالمة.
ليترك بيبرس المقيم بمدينة صفد بفلسطين: "شكلي كده هرجع بقلب جامد..." قالها بابتسامة ماكرة وتجرع رشفة من كأس النبيذ الذي يمسكه بيده، ويده الأخرى يمسك بها هاتفه وعليه صورة فيروز.
وصل صقر بسيارته أمام بوابة منزل صلاح السويفي ليجد العديد من الحراس، فبعدما تحقق الحارس من هويته تحدث مع شهاب الذي كان قد أمرهم جميعًا ممنوع دخول صقر إلى المنزل.
ظل صقر منتظرًا لدقائق حتى شعر بالضيق.
إياس الذي يجلس بجاوره: "هو في إيه؟"
صقر بضيق: "مش عارف إيه كمية الحرس دي! ولا كأننا داخلين القصر الرئاسي."
إياس: "ممكن عشان الناس اللي جاية تعزي منهم كبارات البلد."
صقر: "ممكن."
جاء إليهما الحارس ليتحدث بهدوء من نافذة السيارة: "صقر بيه، معلش عندنا أوامر ممنوع حضرتك تدخل."
صقر بسخرية وعلى وشك الغضب: "أنت أكيد بتهزر."
إياس: "استنى يا صقر..." ثم نظر للحارس وأردف: "يا ابني ده صقر الهواري يبقى ابن صديق صلاح السويفي الله يرحمه ويبقى شريكه."
الحارس: "والله يا باشا مش بإيدي، هي التعليمات كده."
صقر بعصبية: "ومين إن شاء الله اللي أمركم بكده؟"
نظر إليهما الحارس بأسف: "شهاب بيه اللي أمر بكده."
تلوّن وجه صقر بالاصفرار، فالذي حدث الآن دليل على معرفة شهاب بما حدث، لكنه وقع في حيرة، هل سيلين أخبرته؟ أو أنه علم من مصدر آخر وحدث سوء فهم.
إياس: "صقر، إيه يا ابني عمال أكلمك وأنت متنح؟"
صقر: "ها؟ ما فيش، تعالَ نمشي دلوقتِ وهنرجع تاني."
تعجب إياس: "طيب ليه شهاب مش عايزك تدخل؟"
زفر بضيق: "ما فيش، هو بدأ بس يظهر وشه التاني ليَّ."
إياس: "ليه، عملت له إيه؟ أظن خلاص اتجوز سيلين وبيحبوا بعض والعالم كله شاهد بكده، وأنت كنت بتعاملها زي أختك... ولا هو غيران؟"
صقر: "خلاص يا إياس، قفل الموضوع ده دلوقتِ..." قالها ليشغل السيارة وانطلق بسرعة عائدًا إلى منزله.
في محافظة أسيوط، بداخل أكبر مستشفى خاص حيث يوجد الحاج عبدالرحيم بغرفة كبيرة مثل الغرف الفندقية، وصل أخيرًا كل من محمد وفيروز وآمال بعد مرور ست ساعات في السفر. وبعد أن سأل محمد الاستعلامات ذهبوا إلى المصعد ودلفوا إلى الداخل حيث توقفوا عند الطابق السابع ومَشوا في رواق طويل إلى أن وصلوا إلى الغرفة المنشودة، فطرق محمد الباب ليتلقى الإذن بصوت والده الرخيم: "اتفضل."
فتح محمد ليدلف أولًا فنظر إلى والده الذي أومأ له بعينيه بأن يسمح لعمته أن تدلف: "اتفضلي يا عمتو."
كانت تخشى ردة فعل أبيها لكن عزمت أمرها بأن تراه مهما كان الثمن... دلفت على خطوات واستحياء، وبنبرة راجية السماح والعفو: "ألف سلامة عليك يا بابا."
تحركت عيناه التي تحاوطها التجاعيد بأكملها لينظر إليها وغير قادر على أن يتفوه بحرف واحد من الوهن والتعب... اكتفى بإشارة من يده إليها لتتجه نحوه... فاستجابت على الفور وركضت لتنحني وتجثو على ركبتيها وهي تمسك يد والدها تطلب منه العفو: "حقك عليا يا بابا، أرجوك سامحني، والله كان غصب عني."
نهضت زهرة التي كانت تجلس على المقعد وتؤدي فرضها، وبعد أن انتهت اقتربت من ابنتها وهي تربت على ظهرها وبنبرة حانية: "ما تبكيش يا بتي، هو كده ولا كده مسامحك، وكان نفسه يجي خطوبة بتك بس أديكي شايفة راقد ومش قادر يتحدث."
آمال: "ولا يهمكم يا أمي، أهم حاجة بابا يقوم بالسلامة."
نظر لها والدها بحنان فرفع يده ليمسد على رأسها فأمسكت بيده لتقبلها: "ربنا يقومك بالسلامة يا رب."
حماد: "كفاياكي عاد بكي يا خيتي، أبوكي مش مستحمل."
زهرة: "أومال فين فيروز؟"
آمال: "أندهلها يا محمد خليها تدخل."
خرج محمد ليجدها تقف شاردة فوقف أمامها: "فيروز، تعالي عايزينك جوه..." قالها وعيناه مليئة بكلمات كثيرة لتتحاشى هي تلك النظرات، فدلفت إلى الغرفة لتنظر إليهم بخجل لتلقي نظرة على جدها الراقد، فعندما رآها بدأ لسانه في التفوه: "ت...ع...ا...ل...ي، تعالي يا بتي."
نظر الجميع بتعجب شديد وترتسم الفرحة على وجوههم عندما نطق أخيرًا.
بعد مرور أيام العزاء، ظلت الأوضاع كما يلي: سيلين تمكث بداخل غرفة والدها وتحتضن قميصه وصورته الموجودة بداخل إطار خشبي وترتدي الثياب باللون الأسود... وفي محاولات عديدة ظلت مربيتها بالتحايل عليها أن تتناول طعامها فكانت لا تأكل إلا لقيمات حتى تستطيع أن تقف على قدميها وتستقبل من يأتي إليها.
وبالأسفل شهاب كان يجهز بعض الأوراق ويضعهم في حقيبة جلدية... فتذكر بعض الأوراق الهامة التي يضعها عمه في الخزنة ذات الأرقام السرية، فلا يعلمها أحد سوى عمه وهو فقط... فقام بفتحها بعدما ضغط الرقم السري... تفاجأ بظرف أمامه مماثل تمامًا للظرف الذي رأى به الصور عندما كان بالسفر فتعجب ليلتقطه ويقوم بفتحه ليجد نفس الصور التي تجمع سيلين وصقر، جزَّ على شفته السفلية بأسنانه واقتضب حاجبيه بحدة وحاول التحكم في أعصابه حتى لا يرتكب جريمة كما أن الوقت غير مناسب... ظل يجول الغرفة ذهابًا وإيابًا حتى أهداه عقله بمغادرة المنزل ليبتعد عنها حتى لا يتهور، لكن قلبه يعتصر بالألم ويوسوسه شيطانه بأن يصعد إليها ويسحلها من شعرها وأن يعاقبها على ما فعلته، لكنه تذكر وصية عمه التي تتردد في مسمعه... حتى انتبه فجأة ليدرك الجملة التي قرأها بالوصية وهي:
"أنا عارف إن طلبي صعب عليك وهتفهم قصدي بعدين."
فأخذ يضرب بكل قوته على المكتب عندما فهم مقصد تلك الجملة وهي أن عمه قد علم بهذا وربما يكون سبب تعبه ووفاته أيضًا... اتشحت عيناه بالسواد المظلم واشتدت عروق عنقه النابضة ليقول بداخله: "أقسم بالله يا سيلين لأذوقك المر بكل أنواعه وهأخليكي تبكي بدل الدموع دم... وعلى قد ما حبيتك الحب ده كله على قد ما هيكون عذابي ليكي..." قالها ليأخذ أشياءه وأغلق الخزنة ثم غادر الغرفة فتقابل مع يسرية بالخارج.
يسرية: "شهاب بيه، الغداء جاهز بس هأحطهولك عند سيلين هانم عشان..."
لم تكمل جملتها ليصيح بوجهها: "ما تنطقيش اسمها قدامي فاهمة! وعنها ما أكلت، وخليها ترتاح اليومين دول عشان تستعد للي جاي..." قالها وهمَّ بالمغادرة.
يسرية: "يا شهاب يا ابني، أنت ماشي رايح فين؟"
رمقها بغضب وبنظرات مرعبة: "مسافر وراجع بعد يومين بس."
يسرية: "تروح وتيجي بالسلامة يا ابني."
لم يجِب فغادر المنزل بأكمله بعد أن استقل سيارته وانطلق.
في منزل ليلى، انطلقت الزغاريد بصوت عالٍ عندما دلف المأذون الذي سيعقد قران خالد وليلى.
خالد يرتدي سترة باللون الأزرق القاتم وبأسفلها قميص أبيض وبنطال باللون الأبيض فكان شديد الوسامة وأنيقًا للغاية... يجلس على الأريكة الجالس عليها والد ليلى وفي المنتصف يجلس المأذون الذي يحتفظ بالعادات مرتديًا جلبابًا وعمة وقفطانًا.
والدة ليلى وهي تطرق باب غرفتها: "اخرجي يا حبيبتي يلا، المأذون جه."
فتحت الباب لتطل عليهم بثوبها ذي اللون السماوي ويتكون من الدانتيل ومطرز بالورود التي تحاوط خصرها والفصوص البراقة ويزينها حجابها الحريري وكان نفس لون الثوب، وقد قامت فيروز بوضع لمساتها الفنية لتبرز جمال عينيها الكحيلة ورموشها الكثيفة وجمال شفتيها المكتنزة ووجنتيها الممتلئتين... خرجت ووراءها فيروز... نهض خالد واقفًا عندما رأى ليلى بجمالها الآخاذ ونظر لها بهيام وحب وشغف بعينيه المبتسمتين غير مصدق أنه أخيرًا ستصبح زوجته.
المأذون: "يلا يا جماعة عشان نكتب الكتاب ورايا ثلاثة عرسان غيركم."
والد ليلى: "ربنا يزيد ويبارك."
حافظ: "ربنا يتمم لكم على خير يا حبايبي."
والدة خالد وهي تشير لليلى: "تعالي يا عروسة، اقعدي جنبي يا حبيبتي... بسم الله ما شاء الله والله أكبر... ربنا يحرسك من العين يا رب."
مشت ليلى بخطوات هادئة حتى جلست بجوار والدة خالد.
بدأ المأذون في مراسم عقد القران وظل خالد يردد خلفه وعيناه لا تفارقان ليلى مبتسمًا لها وكذلك والد ليلى وهو يعقد يده بيد خالد...
انتهى المأذون أخيرًا قائلًا: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما على خير إن شاء الله."
ليردد جميع الحاضرين ثم انتهوا لتتعالى الزغاريد والأغاني... ثم قام خالد بتلبيس ليلى الحلي الذهبية حيث الأساور وعقد ذهبي (كوليه) وخاتم وخاتم وعليه جزء ملحق به مرصع بفصوص ذات بريق لامع... وكذلك هي وضعت في إصبعه خاتم الخطبة الفضي... وعندما انتهى وضع كفيه حول وجهها وقرّب رأسها وقام بتقبيل جبهتها في وسط تصفيق وتهليل.
والكل صافح العروسين بالأحضان والقبلات والتهنئة والمباركات.
فيروز: "معلش يا طنط إن ماما ما قدرتش تيجي، أنا سيباها قاعدة مع تيتا وخالي في المستشفى مع جدي وجيت عشان خاطر ليلى وخالد."
والدة ليلى: "يا حبيبتي أنا عارفة ظروفها وكلمتني الصبح وباركت لليلى... ربنا يشفي جدك ويقومهولكم بالسلامة يا رب."
فيروز: "يا رب."
والد ليلى: "قوم يا خالد وادخل البلكونة واقعد مع عروستك، خلاص يا ابني بقت مراتك وعقبال الزفاف يا رب."
خالد: "يا رب يا عمي وقريب إن شاء الله."
دلفا برفقة ليلى إلى الشرفة...
فاجأها وهو يمسك يديها ليقبلهما قائلًا:
"ألف مبروك يا حبيبتي."
ليلى بمنتهى السعادة والفرح:
"الله يبارك فيك يا حبيبي، أخيرًا بقينا لبعض."
خالد:
"وهنفضل طول العمر مع بعض، ومش هيفرقني عنك غير الموت يا حبيبتي."
ليلى:
"بعد الشر عليك يا خالد، ده أنا مقدرش أعيش من غيرك."
خالد:
"يا بركة دعاكي يا حجة مش قادر على الكلام ده... كل اللي بتمناه من ربنا إنه يبارك لي فيكي ويزيد محبتي في قلبك زي ما أنا بحبك يا ليلى."
ليلى بعيون لامعة ببريق من دموع الفرحة:
"قلت إيه؟!"
خالد همس بعشق:
"بحبك يا لي لي."
قالها ليندفع نحوها وجذبها بين أحضانه لتشعر هي بحبه وقلبه الذي ينبض في أذنها ليخبرها بعشقه وهيامه بها.
في ذلك الحين تذكرت فيروز هاتفها الذي قد تركته بمنزلها، فصعدت للأعلى ودلفت إلى المنزل ثم أوصدت الباب. تنهدت ودلفت إلى الغرفة تبحث عن هاتفها فاقتربت لتأخذه من فوق المنضدة البلاستيكية لتشهق:
"يا نهار أبيض... ١٥٠ ميسد كول... أنا اتلهيت مع ليلى من الصبح ونسيت الموبايل."
قالتها لتفتح سجل المكالمات فتجد مكالمات من والدتها ثم من صقر، فضغطت للاتصال به أولًا فأجاب:
"ألو، أيوة يا حبيبي."
صقر بنبرة غاضبة:
"إيه يا فيروز كل ده من الصبح؟! أنا هتجنن وأكلمك ومش عارف أستأذن من الشغل وأجيلك، يدوب لسه طالع من القسم."
فيروز:
"آسفة والله يا حبي، أنا كنت ملهية مع ليلى، ما أنت عارف بقى."
صقر:
"ما أنا بكلمك عشان تقوليلهم إني هاجي أباركلهم متأخر شوية."
فيروز:
"خلاص تعالى وأنا مستنياك، أنا في الشقة وأول ما هتيجي هنزلك."
صقر بنبرة ماكرة:
"إيه ده ماما آمال مرجعتش معاكي؟"
فيروز:
"لأ، مع جدي زي ما أنت عارف."
صقر:
"أشطا."
فيروز:
"أشطا إيه؟"
صقر بضحك:
"الشقة فاضية والحاجة راضية."
شهقت فيروز بخجل:
"بطل قلة أدب... ومين قالك إن لو طلعت هدخلك الشقة، انسى يا بابا."
صقر:
"ههههههههههه حبيبة قلبي السكر اللي لما بتتكسف ترمي دبش."
فيروز:
"طيب شكرًا... وأنجز تعالى بقى عشان تسلم عليهم."
صقر:
"حاضر، مسافة السكة هاروح الأول أفول العربية وهاجيلك دلوقت."
فيروز:
"وأنا مستنياك يا قلبي."
صقر:
"سلام يا روحي."
فيروز:
"سلام يا حبيبي."
أغلقت المكالمة لتذهب لتتأكد من أناقة مظهرها وأن كل شيء على ما يرام. فمر حوالي ١٠ دقائق، لتسمع طرقات على باب المنزل:
"هو أنت لحقت يا صقر؟"
قالت بتعجب فنظرت للمرآة على مضض، ثم ذهبت تركض نحو الباب لاعتقادها أنه هو وكانت مبتسمة، ففتحت الباب لتتحول ابتسامتها إلى وجوم ثم إلى خوف ورعب، فكادت تغلق الباب في وجهه ليسبقها هو بدفع الباب لتندفع هي إلى الخلف. ليتقدم هو بخطوات ثابتة وابتسامته التي يتميز بها.
لتنطق هي اسمه بذعر:
"بيبرس!"
ذهبت تركض نحو الباب لاعتقادها أنه هو وكانت مبتسمة، ففتحت الباب لتتحول ابتسامتها إلى وجوم ثم إلى خوف ورعب، فكادت تغلق الباب في وجهه ليسبقها هو بدفع الباب لتندفع هي إلى الخلف. ليتقدم هو بخطوات ثابتة وابتسامته التي يتميز بها.
لتنطق هي اسمه بذعر:
"بيبرس!"
"ماي برنسيس آي ميس يو."
قالها مبتسمًا وهو يفتح ذراعيه.
تملكها الغضب وصاحت به:
"اطلع بره بدل، وأقسم بالله هبلغ عنك البوليس وييجوا ياخدوك، يا إما هصوت وعمي وابن عمي هيطلعوا يعملوا مع الواجب."
قالتها بتهديد.
رفع حاجبه بسخرية:
"واو بقيتي قطة بتخربش يا فيروزة... وبعدين لو اتصلتي بالبوليس مش هيعمل حاجة... هو أنا مقولتلكيش القضية اتقفلت خلاص... أما بقى بالنسبة للي بتقوليه عمك وابنه مش هيقدروا يعملوا حاجة لأن هقولهم أنا جاي آخد فيروز لباباها الحقيقي شوقي جلال ضرغام."
قالها وابتسم بمكر بجانب فمه.
اتسعت حدقتيها بذهول حيث لم تستوعب أنه من أين علم بذلك:
"أنت بتقول إيه؟ أنا بابا أحمد سراج الدين."
قالتها باستنكار.
بيبرس بنبرة استفزازية:
"لأ، أنتِ فيروز شوقي جلال ضرغام اللي هو البوص بتاعي وأنا أبقى مدير أعماله، شوفتي القدر بيجمعنا إزاي يا حب!"
فيروز:
"ده بعينك أنت والمجرم ده، روح قوله أنا أصلًا مستنضفش إنه يكون بابا لأن اللي زيه ميعرفش يعني إيه أبوة ولا عنده مشاعر أصلًا."
بيبرس:
"أوبس... عيب كده في بنوتة جميلة زيك تقول كده على باباها!"
قالها ليزيد من حنقها.
فيروز:
"طيب لو سمحت امشي اطلع بره."
بيبرس:
"وأنا مش ماشي غير لما تيجي معايا... هو كان هيجيلكوا بس للأسف جاتله سفرية تبع شغل وأمرني آخدك القصر."
فيروز:
"استغفر الله العظيم يا رب... اتفضل امشي من هنا لو سمحت أنا مش ناقصة مصايب."
قالتها لتتجه نحو الباب الذي أوصده هو عندما دلف إلى الداخل، فأسرع هو وجذبها من يدها ليحكم قبضته عليها، فيمسك باليد الأخرى ثم يثنيهما إلى خلف ظهرها حيث جعلها ملتصقة بصدره وحدق في عينيها بنظرات قد دبت الرعب في أوصالها.
بدأت تتعالى دقات قلبها المسموعة، والخوف متملك من تعابير وجهها وهي تبعد رأسها للخلف.
ابتسم نصف ابتسامة وبصوت كالفحيح:
"إيه موحشكيش حضني يا فيروز؟ ها ردي عليا؟"
فيروز:
"أوعى سيب إيدي وبطل اللي بتعمله ده، أنا واحدة مخطوبة وبحب خطيبي، خلي عندك دم."
بيبرس ليرفع يدها التي ترتدي بها الخاتم فنظر بسخرية:
"أنا لو مكانه هشتريلك كل الألماس اللي في العالم وأحطه تحت رجليكي... عارفة ليه؟"
كانت تتحاشى نظراته وهي تحاول تبتعد وتفك يدها من قبضته، فأردف قائلًا:
"عشان بحبك يا فيروز."
قالها ليمسكها من مؤخرة رأسها ليقربها نحو شفتيه وأخذ يقبلها عنوة عنها وهي كانت تدفعه في صدره وتضرب بيديها بقوة لكن لم يتأثر قيد أنملة، بل ترك يديها ليحاوطها من خصرها ليحملها لأعلى متجهًا إلى غرفتها. ظلت تصرخ لكن لا أحد يسمع صراخاتها بسبب الأغاني التي تعمل بالأسفل.
ألقى بها على تختها وهو يقول بنبرة شيطان متملك منه:
"أنتِ ليه مش قادرة تفهمي أنا بحبك قد إيه ها؟!"
فيروز وهي تبكي:
"واللي بيحب حد بيأذيه؟"
قالتها لتستعطفه ويبتعد عنها.
بيبرس:
"أنا بعبرلك عن حبي يا فيروز."
قالها وهو يقترب منها وهي تتراجع إلى الخلف وهي تفكر بأن تنهض وتركض من فوق التخت ليقرأ هو أفكارها فأسرع هو وأمسك ساقيها ليجذبها نحوه وهي تصرخ بوجهه وتحاول ركله:
"ابعد عنيييي!"
صاح بها بأنفاس مرتفعة:
"مش هبعد وهتكوني ليا أنا وبس."
قالها ليعتليها وأخذ يقبلها وهي تلتفت يمينًا ويسارًا فثبت رأسها بقبضته على عنقها لتشعر بالاختناق فاقترب منها أكثر وهم بتقبيل شفتيها ليوقفه رنين جرس المنزل.
ليلتفت برأسه نحو الصوت وهي صاحت:
"صقر!"
اشتد حنقه وقال بتهديد:
"أنا هاسيبك تفتحيله بس ورحمة أمي يا فيروز اللي ما بحلف بيها كذب لو فتحتي بوقك وقولتيله إن أنا هنا هطلع أبلغه بأن حبيبة القلب تبقى بنت الراجل اللي حلم حياته إنه يقبض عليه ده غير فضيحة الست الوالدة قدامه طبعًا... ها؟ قولتي إيه؟"
أومأت برأسها بالموافقة.
بادلها بابتسامة نصر:
"يلا قومي بسرعة وأنا هستنى هنا."
نهضت بخوف وهي تعتدل من مظهر ثوبها وترتب شعرها، فاتجهت مسرعة وهي توصد باب غرفتها ثم اتجهت إلى باب المنزل وقامت بفتحه.
صقر:
"إيه يا فيروز رنيت عليكي وبرضه مبترديش، قلت هستناكي تحت لاقيتك أتأخرتي... مالك وشك أصفر كده ليه؟"
فيروز بقلق وارتباك:
"لأ مفيش، كنت هنام واتخضيت و..."
ابتسم وقال:
"أنتِ خايفة لأدخل يعني! متخافيش يا حبيبتي طول ما حدش معاكي مينفعش أدخل الشقة... عشان بحبك وبخاف عليكي حتى من نفسي."
ابتسمت له وكانت عينيها كمن يطلبن الاستغاثة، فشعر هو بالقلق:
"مش عارف قلبي بيقولي إنك فيكي حاجة ومش راضية تتكلمي."
فيروز بابتسامة مصطنعة:
"لا يا حبيبي أنا بخير، انزل أنت تحت هتلاقي خالد وعمي وأنا هعمل حاجة كده وهحصلك."
صقر:
"لأ، روحي أنجزي وأنا مستنيكي قدام الباب."
زفرت بضيق:
"معلش يا حبيبي اسمع كلامي عشان خاطري."
صقر:
"ماشي أمري لله هستناكي تحت بس متتأخريش."
فيروز:
"حاضر."
فكادت تغلق الباب ليوقفها:
"بقولك إيه؟"
فيروز:
"نعم؟"
نظر حوله ثم همس وهو يقترب من أذنها:
"ما تجيبي بوسة."
قالها بمزاح.
اقتضب حاجبيها بغضب واشتدت حنقها:
"امشي يا صقر من هنا أحسنلك."
ضحك وقال:
"مااااشي يا حبي بكرة نتجوز وشوفي هعمل فيكي إيه."
ابتسمت بخجل:
"طيب يلا امشي بقى."
صقر:
"متتأخريش عليا."
فيروز:
"حاضر."
قالتها وأوصدت الباب خلفه وتتنفس الصعداء لتذهب إلى ذلك الشيطان القابع في غرفتها.
في إحدى الملاهي الليلية، يجلس شهاب بجوار الطاولة الرخامية (البار) وأمامه الكثير من الكؤوس الفارغة التي تجرعها جميعها.
قال بصوت ثمل:
"كمان كأس تاني."
البارمان:
"كفاية كده يا شهاب بيه، حضرتك تقلت جامد."
شهاب بعصبية:
"وأنت مالك؟ هتخاف عليا أكتر من نفسي يعني؟... خليني أشرب وأنساها."
نظر الرجل له بسأم:
"حاضر اتفضل."
قالها ليسكب له كأسًا آخر.
جاء بجواره مجموعة من الشباب وجلسوا بالمقاعد المجاورة فأخذوا يتسامرون بصوت مسموع له وهم يسخرون حيث قال أحدهم:
"شوفتوا آخر الأخبار؟"
فأجاب الآخر:
"أشجينا يا سيدي."
"كان في واحد معرفه كده كان بيحب بنت عمه قوي وهي كانت بتضحك عليه ومفهماه إنها بتحبه وصاحبنا العبيط صدقها، أتاريها بتحب واد ظابط وعاملين أحلى شغل مع بعض... فجاء واحد ابن حلال حب يوعيه ويعرفه إنه خرونج وخد على قفاه وخطيبته خانته قبل الفرح ب٣ أيام... تفتكروا ابن الحلال ده عمل إيه؟"
رد الآخر:
"عمل إيه يعني؟"
"صورها مع الواد الظابط وهم بيلعبوا عريس وعروسة."
أجاب ثالثهم بتصنع:
"يا دين النبي إيه الفجور ده، وعمل إيه صاحبك؟"
"عادي خد على قفاه ولسه مكمل معاها."
فأطلقوا ثلاثتهم ضحكات استفزازية. أحس شهاب أنه المقصود بهذا الحديث فغليت الدماء بعروقه فنهض من على مقعده ووقف أمامهم وأطلق أفظع السباب والشتائم عليهم جميعًا وأخذ يضربهم لكن ثمالته جعلتهم يتمكنوا منه وقاموا بتوجيه اللكمات والركلات إليه بكل قوة.
كان هناك شخص آخر يرتدي قبعة يتابع كل ما حدث فأسرع للدفاع عن شهاب فصاح فيهم:
"جرى إيه يا زفت منك ليه، أنتم التلاتة بتستقووا عليه أكمنه لوحده وسكران؟"
"وأنت مالك يا عم أنت... يرضيك تكون قاعد في حالك ويجي عيل و... زي ده ينزل ضرب فيك وشتايم ولا الكلام بتاعنا جاء على الجرح بتاعه؟"
أدرك الرجل أنهم يقصدون بالفعل من حديثهم شهاب فقام بالدفاع عنه وقام بكسر قنينة من الخمر لتصبح شفرات حادة فأمسكها من العنق وقام بإشاحتها أمامهم وهو يصيح بغضب:
"وقسمًا بالله اللي هيقرب منه لأدبحكوا من رقابيكوا واحد ورا التاني."
نظر ثلاثتهم لبعضهم البعض فشعروا أن يكفي ما فعلوه فتركوا شهاب وألقوه على الأرض ليلتقطه الرجل على ذراعيه فساعده على الوقوف:
"باشا أنت بخير؟"
شهاب بثمالة:
"آه أنا مش بخير أنا عا...يز أمشي."
الرجل:
"لا حول ولا قوة إلا بالله... ده شكله مدهول على عينه خالص وكلام العيال ده صح."
قالها لنفسه.
فأردف:
"تعالى يا باشا روح معايا بيتي تحت أمرك ولما تفوق أبقى روح."
أشاح شهاب بيده بغير اهتمام:
"أي حاجة."
بس مشيني من هنا.
أخذه ذلك الرجل وأسنده، حيث قام بلف ذراعه حول كتفيه، وأخذه ليغادر بعد أن ترك الحساب لعامل البار.
بينما بالخارج يقف هؤلاء الشباب في انتظار أحدهم ليأتي إليهم بإطلالته الشيطانية، ليسألهم: ها عملتوا إيه؟
_ عيب عليك يا باسل باشا، إحنا خليناه طلع دخان من ودانه.
باسل: يعني غضب أول ما سمع الحوار؟
_ أهًا، ونزل فينا شتايم وضرب، بس إحنا روّقناه لولا جاء عيل جثة كده وأنقذه مننا، ما حبّناش نوسّع الموضوع فسبناه ومشينا.
باسل: يبقى فعلًا شافهم.
قالها بابتسامة خبيثة ثم أردف: طيب ليه ابن الـ... ده ما طلّقهاش؟
_ بتقول حاجة يا باسل بيه؟
باسل: لأ ما بقولش... بس اتبسطت منكم لأنكم أكدتولي حاجة كنت هاموت وأعرفها.
قالها ثم أخرج من سترته العديد من الأوراق النقدية فأعطاها لهم.
_ خيرك سابق يا باشا.
باسل: تسلموا يا رجالة.
_ إحنا في الخدمة لو احتجتنا.
باسل: متشكر.
قالها واستقل سيارته ثم انطلق وغادر.
_____________________
بعد أن تحايلت عليه كثيرًا وهي تبكي وتترجاه بأن يغادر، ولم يوافقها سوى أخذ منها وعدًا أنها سوف ستأتي بذاتها إلى القصر ولا داعي لمجيء أحدهم إليها أو لوالدتها.
فغادر منزلها وهو يهبط الدرج مسرعًا قبل أن يشاهده أحد.
وفي ذات الوقت كان صقر قد مل الانتظار وكاد يخرج ليصعد إليها، فلمح بصره رجلًا يهبط للأسفل، وعلى ما يبدو كان بالأعلى ولا يوجد بالبناء سكان سوى فيروز وعائلة ليلى.
انتبه الشك فأسرع الخُطى وصعد لأعلى.
فوجد فيروز تفتح الباب وتخرج لتتفاجأ به فانفزعت وهي تشهق.
_ مالك اتخضيتي كده ليه أول ما شوفتيني؟!
قالها ليلاحظ رائحة عطر رجالي فأخذ يستنشق حتى وجد كلما اقترب منها تزداد الرائحة.
ابتعدت للوراء بتعجب: في إيه؟!
_ مش غريبة إنك حاطة برفان رجالي؟
قالها بشك مما جعلها تتوتر.
ابتلعت غصتها المريرة فأجابت بتوتر: لأ مش حاطة حاجة، ممكن ده البرفان بتاع ليلى لما كنت بحضنها.
_ وهي ليلى هتحط Dunhill icon Fragrance (عطر رجالي من أشهر ماركات العطور)؟
ازداد توترها أكثر فقالت بحنق: عايز مني إيه يا صقر؟ ولا وحشك النكد؟ قولت ما أنكد عليها شوية.
قالتها بصوت مرتفع.
_ مش أنا حذرتك كذا مرة من الصوت العالي يا فيروز، ولا أنتي بقى اللي وحشك الوش الثاني مني ونفسك تشوفيه؟
قالها بنبرة تحذيرية.
فيروز: أنت شوف أصلًا طريقتك المستفزة معايا وكأنك بتحقق مع مجرم. هي عادتك ولا تشتريها يعني!
قالتها بسخرية.
زفر بضيق وجز على أسنانه ورمقها بنظرة أخافتها فقال: لما أطلع لك وألاقي واحد نازل من فوق ومحدش أصلًا ساكن غيركم في العمارة أنتِ وأهل ليلى يبقى عايزاني أعمل إيه؟!
فيروز: وو واحد مين ده؟ ما شوفتش حد... يا نهار أسود أنت بتشك فيا يا صقر!!!!! هو وصلت لكده؟!!!
_ أوووف استغفر الله العظيم... بقولك إيه، انزلي أنتِ للناس تحت وأنا هاروح عشان اتخنقت.
رفعت إحدى حاجبيها: هو ده اللي ربنا قدرك عليه؟!! ماشي متشكره يا سيادة النقيب.
قالتها وهبطت الدرج وتركته.
أخذ يمسح كفيه بوجهه ويزفر بقوة فشعر بالاختناق، فغادر البناية بأكملها واستقل سيارته وغادر، لكن ظل عقله في دائرة شك.
________________________
في حي الجمالية بمدينة القاهرة.
بداخل مسكن قديم ومتهالك يدلف الرجل الذي يسند شهاب على كتفيه إلى منزله، واتجه به إلى غرفة نومه ثم وضعه على تخته المتهالك ثم رفع قدميه على التخت ليتمدد وتغفو عينيه في النوم.
وقف يتأمله جيدًا ويقول لنفسه: يا ترى شوفتك فين قبل كده؟!!! شكلك رجل أعمال من لبسك وعربيتك اللي جبتك فيها دي....
فصمت ليردف: أوباااا، العربية دي ممكن العيال يبهدلوها في الشارع... لما هاروح أجيب لها غطا عربية الواد هيما وأغطيها...
خرج ونزل الدرج وذهب نحو السيارة وقام بتغطيتها بالقماش الثقيل حتى أخفاها تمامًا.
وعاد إلى المنزل ليجد صديقه مناديًا وهو يصعد الدرج وراءه: كنت فين يا واد؟ بدور عليك من بدري.
الرجل: كنت في الكباريه يا صاحبي ولسه جاي ومعايا ضيف فوق.
_ هو إحنا ناقصين ضيوف يا جدع؟ دي العملية مقشفة والحالة ضنك على الآخر.
الرجل: طيب تعالى نطلع وهافهمك يا حيلتها.
صعدوا إلى المنزل فدلفوا ليجلسا حول منضدة خشبية قديمة يعلوها زجاجات خمر فارغة وقشور لب مبعثرة وأكياس بلاستيكية شاغرة وصحون بها بواقي طعام.
الرجل: صحصح معايا وفكك من اللي أنت شاربه على المسا ده.
_ أنا لو صحصحت هبقى هاضيع النفسين اللي كيفوني.
الرجل: افهم يا أبو مخ تخين، الراجل اللي متلئح جوه ده شكله رجل من الناس العليوي قوي، ده العربية بتاعته كنت لسه شايفاها في إعلان شركة مرسيدس على النت.
_ وأنا مالي يا جمال؟ أنا آخري أبيع سيجارة محشية حتة حشيش، لكن سرقة عربيات والكلام من ده ماليش فيه يا عم.
جمال: تصدق يلا اكتشفت أنك منبع الغباء نفسه... افهم يا إبراهيم وحياة أمك العيانة... أنا بافهمك عشان أجيلك في الموضوع....
وظل يسرد ما حدث بالملهى.
إبراهيم: قولتلي بقى.... فعلًا صدق اللي قال اللي يشوف بلاوي الناس تهون عليه بلوته، وأنا اللي كنت فاكر إن أنا اللي اتخانت لوحدي... ده طلع كاس وداير يا صاحبي.
جمال: ما أنت اللي تستاهل، سبت البنات المحترمة ورايح تمشي مع سماح تكاتك.
إبراهيم: ما تفكرنيش يا صاحبي، أنا كل ما أفتكر ما أقفشتها مع الواد حنش في التوكتوك ورا الخرابة الدم بيضرب في نفوخي، وكان نفسي أدلق على جسمها مية النار زي ما شوّهت وشها.
جمال: وش إجرام يا صاحبي.
إبراهيم: عيب عليك، العبد لله ما بيسبش حقه ولو على موته.
جمال: ده أنا اللي نفسي آخد حقي من الزفت اللي اسمه صقر، حتة العيل اللي فاكر نفسه سليم الأنصاري... بس هانت وهانت قوي كمان.
إبراهيم: طيب قوم يلا عشان مش قادر وها موت وأنام، وعشان حضرتك تصحى قبل الباشا وتعمل معاه الواجب وتفطره قبل ما يمشي، يمكن نطلع منه بمصلحة ولا حاجة.
جمال: أيوه كده، بدأت تفهمني... تصبح على خير يا هيما.
إبراهيم: وأنت من أهله يا جيمي.
_____________________
قد مرت ثلاثة شهور مليئة بالأحداث على الجميع... وكانت كما يلي:
صقر وفيروز: فيروز في غضون تلك الشهور كانت تجتهد في المذاكرة حتى انتهت من الاختبارات وتفوقت كعادتها.
بينما على صعيد الجانب الاجتماعي فكانت علاقتها بوالدتها متوترة مقتصرة في الحديث معها، وقررت أن لا تأخذ شيئًا من المعاش وتذهب للعمل وتنفق على نفسها.
لكن صقر كان لا يعلم ذلك، ولاحظ عدم وجودها عدة مرات بالمنزل، وكانت تختلق الكذبات فتارة تقول له إنها لدى صديقتها ليلى، وتارة أخرى تقول إنها ذهبت لزيارة الطبيب، لكن لم تنطلِ عليه معظمها.
وعلى الرغم أنه كان يسامحها لكن كان الشك يكبر بداخله من ناحيتها أكثر فأكثر، وخاصة وجدها تدلف إلى إحدى القصور وهو يراقبها، فسأل إحدى الحراس بعدما قام برشوته فقال له إنها ابنة شوقي ضرغام، فجن جنونه وعدم تصديق ذلك.
فأكد ذلك الخبر عندما تشاجرت معه رنيم بأنه لم يخبرها عن ما ارتكبته والدتهما، فأحبت أن ترد له الصاع صاعين، فأخبرته من شدة حنقها منه بما سمعته بالكامل كما باستجواب مربيته التي أنكرت في بادئ الأمر ثم اعترفت له بكل ما لديها، ليصبح في دوامة وإعصار داخلي لم يتمكن حبه وعشقه لها أن يتغلب على ما يجول بداخله من نيران ستحرق كل ما يقابلها وفيروز ستكون أولهم.
شهاب وسيلين: كان ينوي أن يبتعد يومين فقط لكنه أراد أن يجعل قلبها يحترق شوقًا إليه، لكنه كان يحترق قبل منها فابتعد عنها كل تلك المدة.
وكان يباشر عمله حيث عين نائبًا له في الشركة يديرها بدلًا منه وهو يتابع كل هذا من خلال الهاتف والحاسوب المتنقل خاصته.
كما توطدت علاقته بالمدعو جمال وخاصة بعدما علم بما حدث له وهو ثمل بالملهى، وكيف دافع عنه وأكرمه بمضيافته في منزله، فقام بتعيينه الحارس الخاص به ومساعده في ذات الوقت.
وكان أيضًا يتابع أخبار سيلين من يسرية المربية لكن بدون أن تخبرها بشيء.
وعلى الرغم من العشق الذي يكنه لها لكن نيران الانتقام سيطرت عليه، فقرر العودة لكنه عقد النية بالانتقام منها بطريقة سيقهرها بها.
وسينتقم من صقر لكن سيجعله يتذوق من نفس الكأس لكن بمرارة أفجع من التي هو يشعر بها.
بينما سيلين وفاة والدها جعلتها تنظر للحياة بمنظور آخر، حيث انعزلت عن الجميع خاصة بعد ابتعاد شهاب عنها ولم تعلم بمكانه، وقام بتغيير شريحة هاتفه بشريحة أخرى حتى لا يمكنها الاتصال به فأيقنت ربما علم بالحادثة التي وقعت فيها ضحية.
لكن ما أرهقها أكثر أن شهاب حكم عليها بدون أن يستمع إليها أو يعطيها فرصة للدفاع، مما جعلها تفقد عنصر الأمان والثقة تجاهه فكثيرًا تبكي كلما اشتاقت إليه وأحيانًا تحاول أن تتماشى مع الوضع وأن تتعود، لكن بالنهاية تفشل وتستسلم للبكاء والوجع.
ربما الأيام الأخيرة تقربت من ربها وساعدتها في ذلك مربيتها، فقامت بتشجيعها على الصلاة وقراءة القرآن وداومت على ذلك لتشعر بطمأنينة وراحة نفسية بقرارة ذاتها.
وأخيرًا اتخذت قرار أن تلتزم بالزي الإسلامي وهو الحجاب والثياب التي لا تشف ولا تحدد المفاتن ولا يظهر منها سوى كفيها ووجهها فقط، وذلك القرار بعدما كانت تحضر دروس دينية في دار لتحفيظ القرآن ومواظبتها على أداء الفرائض والتلاوة اليومية لآيات الذكر الحكيم.
إياس ورنيم: بسبب حالتها النفسية غير المستقرة قام إياس بتأجيل زفافهما إلى حين تكون هي على استعداد.
وعانى الكثير وهو يقف بجانبها ويواسيها دائمًا، فكثيرًا تحدث بينهما مشاجرات عديدة لكنه يذهب ويكون البادئ في المصالحة، فهو يعشقها ولا يستطيع أن يجعلها تنام يومًا وهي حزينة.
خالد وليلى: كانا يقضيان أسعد أيام حياتهما معًا، فكان كل أسبوعين يأتي إليها ليطمئن ويأخذها ويخرج للتنزه ويجلب لها العديد من الهدايا، وكان يشجعها دائمًا على التقرب من الله بالصلاة وحفظ القرآن، حيث قال لها كلما تحفظ جزء فيجلب لها ما تحب وهي كانت كالطفلة تحب أي هدية منه حتى لو كانت بسيطة جدًا.
وهي قد أنهت دراسة السنة الرابعة وتفوقت عن جدارة وتبقى له سنة أخرى.
وبالنسبة لعمله بالخارج في الإمارات فقد تأجل إلى عدة شهور، وبناء عليه سيتأجل زواجهما حين تصبح الظروف ملائمة لكليهما.
أيمن وسلمى: أيمن ما زال في دوامة الظلم التي وقع فيها، وكل فترة تتجدد المحاكمة ويصبح الأمر أكثر سوءًا ومعاناة.
لكنه لم ييأس فكان كثير الصلاة والدعاء ومناجاة ربه، وكان يشعر ببارقة أمل ستحدث في يوم ما.
بينما سلمى كانت تهتم بطفليها اللذين قد كبروا قليلًا، وأصبحت تعيش تلك الفترة لدى خالتها وتترك لها طفليها وتذهب للعمل في مكتبة صغيرة لبيع الأدوات المدرسية وتصوير وطباعة الأوراق لتساعد في الدخل، ولم تيأس هي أيضًا فأخيرًا وجدت من يقف لها وجعلها تستطيع زيارة زوجها، فتذهب إليه وتعد له العديد من الأطعمة التي يفضلها ودائمًا تواسيه بالصبر وعدم اليأس وأن الله لا ينسى عباده في محنتهم وخاصة المظلومين.
آمال وعائلتها: أخيرًا تصالحت مع عائلتها وأصبحت علاقتهم قوية، لكنها أبت مساعدتهم المادية فلديها ما يكفيها فهي لديها عزة نفس قوية.
كما تعافى والدها تمامًا وخاصة بعدما عادت إليه وتعرف على حفيدته.
لكن ظلت هي وفيروز بمسكنهما وتذهب كل فترة لزيارة عائلتها بأسيوط.
بينما محمد كان ينهمك في العمل دائمًا في محاولة أن ينسى حبه.
وشقيقه الذي لا يهتم لشيء بتاتًا ويعيش حياته كما يحلو له. بينما والدهم حماد كان يعلو ويكبر في استثماراته وشركاته.
بيبرس كان دائمًا يطارد فيروز في كل مكان تحت تهديداته، لكنها ذهبت للقصر مرة واحدة لتخبر شوقي أنها لا تريده ولا تريد منه أي شيء، فأباها الحقيقي الذي قام بتربيتها وأعطاها حبه وحنانه هو أحمد سراج الدين، بينما هو فلا يعنيها شيئًا. بينما بيبرس سافر مرة أخرى عندما أخبره صديقه ضابط المخابرات الإسرائيلي إبراهام أنهم يريدونه بالموساد في مهمة سرية.
باسل ومايا. كان يراقب سيلين ويحاول أن يتعرض لها، لكنه دائمًا يفشل بسبب الحراسة المشددة التي تسير معها بكل مكان بناءً على طلب شهاب، على الرغم من ابتعاده عنها. ومايا أصبحت حاملًا في شهرها السادس وما زالت تمكث في العزبة التي كان يمتلكها والد باسل، ولم يعرف مكانها أي أحد.
فارس بالخارج دائم الشجار مع إيميلي التي أصبحت مهووسة به لدرجة الجنون، لكن قلبه يحتفظ به لواحدة فقط ويتمنى أن يلتقي بها يومًا من الأيام.
هايدي كانت دائمة السؤال على سيلين، لكن سيلين كانت ترفض مقابلتها ومقابلة أي شخص آخر حتى مللت منها، وبعدما أنهت دراستها سافرت بالخارج إلى أمريكا للعمل.
وهكذا كان ملخص كل ما حدث لنأتي إلى الجزء الذي قد بدأنا به الرواية لكن بترتيباته الصحيحة.
بداخل سيارته عقد العزم أن يذهب لرؤيتها، فهو لم يراها منذ أسبوع، وكلما تحدث معها تختصر في الحديث. فإنه لا يعلم أنها عادت للعمل في مركز التجميل التابع لفارس الشامي الموجود بالخارج، لكنه يتابع كل شيء من مكانه إلى أن يعود، ولم يعلم بأن فيروز قد عادت للعمل مرة أخرى. وصل بعد ازدحام السير إلى أمام البناء وصعد إلى المنزل ليجد والدتها.
آمال: يا أهلاً يا أهلاً، إيه غبت وبتقول عُدولي؟
ابتسم فقال: لا أبدًا، بنتك هي اللي بعدت عني، قولت لما أجي أشوف مالها في إيه.
توترت لتقول بتردد: مم، ما لهاش يا ابني، هي بس كانت تعبانة شوية وكده.
حدق بها لتفهم أنه لا يصدقها فقال: طيب هي فين؟
آمال: لسه نازلة عند ليلى هتقعد معاها شوية.
نهض متضايقًا: خلاص على العموم بلغيها إن أنا كنت هنا عشان أطمن عليها.
آمال: حاضر هقولها. بس أنت رايح فين؟ اقعد اتغدى معانا.
صقر: لا متشكر أنا اتغديت بره. عن إذن حضرتك.
قالها ثم غادر.
آمال: ربنا يستر يا رب، شكل في حاجة حصلت وأنا مش عارفاها، ليكونش عرف موضوع شوقي. بس لو عارف إيه اللي مسكته.
كان ينزل الدرج ويمسك بهاتفه ليضغط على الاتصال بها وهو يقف أمام منزل ليلى، فلا يسمع نغمة رنين هاتفها التي كانت مقطوعة من موسيقى لعمر خيرت. فتعجب ليسايره الشك. فجاء ينزل فتقابل مع ليلى التي كانت تصعد.
مدت يدها للمصافحة: إزيك يا سيادة النقيب، ما عدناش بنشوفك ولا بنشوف خطيبتك.
قطب حاجبيه بتصنع: ليه هي مش بتجيلك خالص؟
ليلى: دي نادلة، كذا مرة تقولي هاجيلك وتوعدني وفي الآخر ما ألاقيهاش. هي فوق؟
صقر: لاء هي بره بتجيب حاجات.
قالها حتى لا يبدي لها شيئًا.
ليلى: أوك خلاص أبقى سلم لي عليها وقولها تسأل.
صقر: حاضر إن شاء الله.
قالها على مضض ثم غادر وهو من داخله يشتعل من الغضب.
وظل يتصل بها وهي لم تجب بسبب انشغالها بالعمل.
وصل بسيارته الفارهة أمام مبنى الشركة بعد غياب طويل. ترجّل منها في زهو وكبرياء مرتدِيًا بذلة أنيقة ونظارة شمسية تختبئ بأسفلها عينيه الحادتين. دلف إلى الداخل بعد ترحيبات حراس الأمن والموظفين بالداخل وهو يتهامسون فيما بينهم عن رجوعه المفاجئ. دخل المصعد بوجهه المتجهم حتى وصل إلى الطابق الذي يوجد به المكتب الخاص بعمه. دلف إلى الداخل في سمو وترحاب من بعض الموظفين لأنه أصبح الآن رئيس مجلس الإدارة أو بالمعنى الصحيح أصبح مالك الشركة من بعد عمه.
جلس خلف المكتب ثم زفر بملل وأخرج سيجارة فاخرة من العلبة التي بأعلى المكتب ثم أشعلها بقداحته التي ظل يشعلها ويطفئها، وكان انعكاس اللهب في داخل عينيه يمثل تمامًا الانتقام الذي يشتعل بصدره. أمسك هاتفه وأجرى مكالمة.
شهاب: ألو، أيوه يا جمال، أنت فين؟
جمال: باشا، صباح الخير. معلش كنت في مصلحة بقضيها وجاي لحضرتك على طول.
شهاب: طيب يا ريت ما تتأخرش عشان عايزك في موضوع مهم.
قالها شهاب بجدية.
جمال: حاضر تحت أمرك يا كبير. في ربع ساعة وهاكون عندك.
شهاب: وأنا مستني. سلام.
أغلق المكالمة ثم تصفح بعض مواقع الأخبار لتقع عينيه على خبر الموسم الذي جاء له في أنسب وقت. وهو تصريح رجل الأعمال كامل الزيان بانفصاله عن زوجته كاميليا منذ ثلاثة شهور والآن أعلن ذلك. قرأ ذلك الخبر والتمعت عينيه بفكرته التي كان يدبر لها منذ فترة وقد قدمت إليه الآن على طبق من ذهب، فإنه على علم جيدًا أن كاميليا معجبة به كثيرًا لا سيما حاولت كثيرًا التقرب منه. فقاطع شروده صوت طرقات على الباب.
شهاب: ادخل.
السكرتيرة: شهاب بيه، في واحدة بره عايزة تقابل حضرتك وقالت لي أديلك الكارت ده.
تناوله من يدها باقتضاب ليقرأ محتواه لتنفرج أساريره بالسعادة. يا لها من صدفة فمخططه قد جاء بقدمه إليه.
شهاب: خليها تتفضل وما تخليش حد يدخل طول ما هي موجودة. ولو جه جمال خليه يستنى بره وما يمشيش.
السكرتيرة: تحت أمرك يا فندم.
قالتها بعدما أشار إليها بيده بالمغادرة، وبعد بثوان دلفت إليه كاميليا بدلال لتقع عيناه على شعرها الأصهب وعينيها التي ترتدي بهما عدسات لاصقة باللون البحري وحمرة شفتيها التي جعلتهما أكثر إثارة. ترتدي ثوبًا باللون الأسود عاري الكتفين ضيقًا بشدة ليظهر قوام جسدها الذي يشبه الساعة الرملية وينتهي إلى أعلى ركبتيها. كما التفتت أذنيه إلى قرع كعب حذائها الأحمر القاني وهي تخطو نحوه وهي تتمايل بخصرها.
لاحظت نظراته المتفحصة لتبتسم بتباهي، فأخيرًا قد حصلت على نظرة إعجابه بها طالما كانت تتمناها، لكنها لا تعلم ما بداخله وإلى أي شيء يخطط. اقتربت منه وهو لم يتحرك من مقعده لكن عينيه لا تفارق عينيها. توقفت أمامه لتجلس فوق المكتب وانحنت بجذعها نحوه وهي تهمس بجوار أذنه: أنا بقيت حرة.
قالتها وهي تلف ذراعيها حول عنقه.
نظر إليها بسكون ثم قال ليفاجئها: تتجوزيني!
لو كنت أنا المياه فأتمنى أن أجعلك ترتوي مني كيفما شئت. لو كنت نسمات الهواء فأتمنى أن تستنشقني بأنفاسك. فلا أريد سوى أن أكون بالقرب منك، أشعر بكل ما تشعر به وأفرح لفرحك وأحزن لحزنك. لكن كيف حبيبي وأنت تبتعد عني وتجافيني ولا ترى عبراتي التي تواسيني. أرجوك كفاك بعد وجفاء فقلبي لك دائمًا إليك مشتاق. وبالنهاية أريد أن أخبرك أن ليس لي حبيب سواك. أحبك 💜💜💜💘💘
بعدما أخبرها رئيس الحرس بقدوم زوجها اليوم شعرت بالسعادة والفرحة ولم تصدق، أخيرًا سيأتي إليها بعد كل هذا البعد والاشتياق. قامت بمناداة مربيتها لتصعد إليها.
سيلين: داده أخيرًا شهاب هيرجع أنا فرحانة أوي.
قالتها وهي تعانقها بفرح.
يسريه: ربنا يفرح قلبك دايمًا يا حبيبتي ويهديه ليكي ويبعد عنكم الشيطان.
سيلين: يااااارب يا داده يااااارب. بصي بقى خليهم يعملوا كل الأكل اللي بيحبه ويزينوا السفرة بالشموع والورد، وبعد ما يخلصوا خليهم ياخدوا إجازة وأنتِ كمان يا داده خدي إجازة وابقى تعالوا الصبح.
يسرية: يا سيدي يا سيدي على الحب وعمايله، ربنا يهنيكم ببعض يا حبيبتي.
سيلين: تسلمي لي يا داده ربنا يخليكِ ليا. هاسيبك دلوقتِ وهطلع أشوف هلبس إيه أنا محتارة. إيه رأيك أفاجئه وألبس طقم من اللي جبتهم وعليه الحجاب بتاعه.
يسريه: وهتقابلي جوزك بحجاب يا سيلي!
قالتها بتعجب.
سيلين: أديكِ شايفة ما ينفعش أنزل تحت من غير ما ألبس التحجيبة عشان الحرس داخلين خارجين.
يسرية: ما تقلقيش هاخلي شرنوبي يديهم إجازة النهارده ويسيب بس اثنين على البوابة.
سيلين: يا ريت بجد. خلاص روحي أنتِ دلوقتِ خليهم يجهزوا اللي قولت لك عليه وأنا هاروح أجهز حالي وهاشوف ألبس إيه.
قالتها فغادرت يسرية ونزلت للأسفل فأمرت الخدم بإعداد أشهى المأكولات التي يفضلها شهاب. وفعلت كل ما طلبته.
بينما سيلين دلفت إلى المرحاض لتغتسل في حوض الاستحمام التي سكبت به العطور والصابون ذو الفقاقيع لتسترخي بداخله. بعدما انتهت خرجت بعدما جففت جسدها وتوضأت ارتدت إسدال الصلاة وأدت فرضها. ثم ذهبت أمام المرآة وقامت بتجفيف شعرها بالمجفف ثم قامت بتصفيفه. دلفت إلى غرفة ثيابها لتنتقي ثوبًا من الحرير باللون الزمردي بأكمام من التول الشفاف وعليه فصوص براقة. وبدأت تستعد وفي داخلها تنوي أن تسرد له كل ما حدث بدون خوف وأنها ليس عليها ذنب بل هي الضحية وهو قام بمعاقبتها بدون أن يعطيها حق الدفاع. فاليوم هو الفرصة التي ستعيده إليها ولا تجعله يبتعد عنها أبدًا. لكن انتقامه كان له رأي آخر.
بداخل المكتب يجلس المأذون وأمامه دفتره الكبير وعقد الزواج فكان يدون به كل ما طلب منه ثم أعطاه إلى شهاب الجالس خلف مكتبه.
المأذون: اتفضل امضي حضرتك هنا وفي الورقة اللي بعدها في نفس المكان.
قالها المأذون.
قام شهاب بإمضاء العقدين. ثم أعطاهم لكاميليا التي لم تصدق حتى الآن أنه يعقد الزواج عليها. قبل أن تمضي ألقت نظرة على بند مؤخر الصداق فقالت: عايزة 5 مليون جنيه مؤخر صداق.
شهاب بامتعاض: نعم؟؟؟؟؟؟؟؟
كاميليا: ليه مش جواز على سنة الله ورسوله وليا حقوقي.
شهاب: ما أنا لسه كاتب لك شيك بـ 5 مليون.
كاميليا: ده المهر يا بيبي. لكن المؤخر عشان لما تيجي تطلقني.
زفر بضيق ونظر لها بحدية فكان مضطرًا أن يرضخ لطلبها فقال: موافق. اكتب حضرتك المؤخر 5 مليون.
قالها ليدون المأذون ذلك. فتناولت منه العقود ومضت وابتسامتها مرتسمة على وجنتيها وشفتيها.
بعدها أمر سكرتيرته بأن يأتي جمال ومعه أحد من الموظفين ليكونوا شهودًا على عقد الزواج فقاما بالإمضاء وتسجيل أرقام بطاقاتهم الشخصية.
جمال: ألف مبروك يا باشا.
شهاب مبتسمًا: الله يبارك فيك يا جمال.
المأذون: بالرفاء والبنين إن شاء الله ألف مبروك.
كاميليا: الله يبارك فيك.
قالتها بسرور ثم أردفت: طيب أنا هاروح البيت دلوقتِ عشان هاجيب شنطة هدومي وحاجتي.
شهاب: لاء مش هتروحي في حتة غير معايا على الفيلا.
قالها بنبرة آمرة.
كاميليا: ما أنت فاجئتني وأنا ما كنتش عاملة حسابي.
شهاب: وإحنا في الطريق هنشتري كل حاجة تلزمك. خلاص؟
كاميليا: أوك اللي تشوفه وتؤمر به يا بيبي.
قالتها ثم عضت على شفتها السفلى بدلال.
جمال: أحم أحم، طيب همشي أنا بقى.
شهاب: لاء خليك عايزك في موضوع.
ثم نظر لكاميليا وأردف: اتفضلي سيبنا لوحدنا واستنيني بره عشان هاخدك ونمشي على طول.
قالها لتنهض وتغادر بخطواتها المغناج. وقبل أن توصد الباب خلفها نظرت إليه: ما تتأخرش عليّ يا حبي.
قالتها وألقت له قبلة في الهواء ثم أغلقت الباب.
جمال وهو شارد يقول لنفسه: يخربيت جمال أمك يا مزة.
يابختك يا شهاب بيه، ده أنت هتهيص النهاردة.
وفي أثناء شروده كان شهاب يناديه: جماااال!
التفت إليه بذعر: أيوه يا باشا، معلش كنت سرحان.
شهاب: لأ، أنا عايزك منتبه ليا واسمع اللي أقولك عليه وتنفذه حرف حرف من غير أي غلطة... أنت فاهم؟
جمال: اتفضل أؤمر يا باشا، وأنا كُلي آذان صاغية.
***
في منزل فيروز...
ليلى وهي تدلف إلى المنزل بعدما فتحت لها فيروز: أهلًا بالندلة المعفنة.
فيروز: شكرًا يا ذوق. قالتها بسخرية.
ليلى: هي طنط آمال مش بتقولك بسأل عليكي ديمًا ومش بلاقيكي وبتصل عليكي وكمان ما بترديش؟
زفرت بضيق: والله طالع عيني في البيوتي سنتر زي ما أنتِ عارفة إن ده سيزون الأفراح وببقى مشغولة وساعات بروح متأخر بالليل.
ليلى: وليه عاملة في نفسك كده؟ خالك ومحمد ابن خالك اتحايلوا عليكي إنك تشتغلي معاهم في الشركة وأنتِ اللي دماغك جزمة وما وافقتيش.
فيروز: لأ طبعًا، أنا عايزة أعتمد على نفسي وغير كده مش ناقصة مشاكل وغيرة من صقر؛ لأنه عارف إن محمد معجب بيا واستحالة هيخليني أشتغل معاه في الشركة.
ليلى: ده على أساس إنه عارف إنك رجعتي البيوتي وبتشتغلي؟
فيروز: أنتِ بتقولي فيها! على طول طريقة كلامه معايا فيها شك واستجواب وكأن قلبه حاسس، بس هو اللي اضطرني للكذب ومش عايزاه يصرف عليا طول ما بقتش مراته.
ليلى: ربنا يستر يا فيروز ويعرف ويقلب عليكي؛ لأن أكتر حاجة بيكرهها أي راجل الكذب، بيخليه يفقد الثقة في اللي قدامه، مع إن يا سبحان الله بيجري في دم معظم الرجالة.
فيروز: هههههههه، وربنا أنتِ رايقة... ما قلتليش عاملة إيه مع خالد؟
ليلى: الحمد لله بخير... ادعيله إنهم ما يأجلوش السفر بتاعه المرة دي ويبعتله.
فيروز: قصدك عشان ما يتأجلش جوازكوا... هههههههه.
ليلى: أيوه، نفسي ربنا يجمعنا أنا وهو في بيت واحد، أعمله الأكل بإيديا وأغسله هدومه وأكويها وأخليه بيتنا جنة.
فيروز: ربنا يسعدكوا يا قلبي ويتمملكوا على خير.
ليلى: ياااااارب آآآمين... وأنتِ كمان يصلحلك الحال أنتِ وصقر ويهدي ما بينكوا.
فيروز: يااارب.
رن هاتفها لتجد رقم غير مسجل فقالت: ده ممكن يكون أوردر فرح ولا خطوبة، بس أنا قايلة لهم في السنتر مش بروح لحد لما أشوف... ألو.
_ ألو سلام عليكو، حضرتك فيروز الميك آب أرتيست اللي في بيوتي سنتر فارس الشامي؟
فيروز: أيوه أنا، مين؟
_ أنا شوفت شغل حضرتك على الصفحة بتاعة البيوتي وعاجبني أوي، ونفسي حضرتك تعمليلي الميك آب بتاع فرحي.
فيروز: للأسف معلش يا جميل أنا ما بروحش بره البيوتي، ممكن حضرتك تيجي.
_ ماهو أنا بصراحة مش في مقدرتي الفلوس اللي هدفعها في البيوتي عندكوا خصوصًا عرفت إن الموضوع هيعدي جامد... وأنا ظروفي على القد وبابا متوفي وعايشة مع خالتي... فأنا أرجوكي تقبلي طلبي وهدفعلك برضه مقابل تعبك بس في حدود إمكانياتي... قالتها بنبرة استعطاف.
تنهدت فيروز فشعرت بالإشفاق على تلك الفتاة فقالت: حاضر يا قمر، هجيلك وأعملك أحلى ميك آب بس عن شرط مش هاخد ولا جنيه، اعتبريها هدية مني.
_ بجد!!! ربنا يخليكي ويباركلك... طيب الفرح بتاعي إن شاء الله بعد يومين والعنوان هبعتهولك في رسالة ماشي؟
فيروز: حاضر يا قمر وأنا هتابع معاكي ما تقلقيش... سلام.
أغلقت المكالمة فزفرت بضيق: أوووف، على الرغم إنها صعبانة عليا وظروفها تشبه ظروفي بس خايفة مش عارفة ليه.
ليلى: دي عروسة؟
فيروز: آه، عايزاني أروحلها عشان ظروفها المادية زي حالتنا واترجتني إني أعملها الميك آب بتاع فرحها.
ليلى: خلاص يا فيرو روحلها واكسبي ثواب.
فيروز: ما أنا هاروح إن شاء الله... قالتها لتأتي إليها رسالة بها العنوان.
***
على الجانب الآخر في شقة يمارس فيها البغاء والعهر وروائح الأدخنة والخمور وأصوات ضحكات فتيات الليل تعج في كل الأرجاء.
بدرية: إيه رأيك يا جيمي... شوفت البت هنون ظبطتلك الكلام؟
جمال: حلو أوي يا بدارة... عشان كده هحلي بوقك... خدي دول... قالها وهو يعطيها رزمة من النقود.
بدرية: دول يجولهم كام يا جيمي؟
جمال: دول مية ألف جندي يا مزة، والباقي بعد تنفيذ العملية، وما تخافيش هتخشي السجن وهتطلعي هديكي قدهم الضعف.
بدرية بعيون متلهفة وكأنها ستلتهم النقود: قول للباشا بتاعك أنا وكل البنات تحت أمره، ولو عايزني أخد تأبيدة ما فيش مشكلة.
جمال: هههههههههه، ده أنتِ كلبة فلوس يخرب عقلك.
بدرية: هيهيهيهييييي، بأمن مستقبلي يا جدع الله.
جمال: طيب يا أختي مبروك عليكي... أنا ماشي بقى وهبقى أتابع معاكي.
بدرية: استني طيب، هتمشي قبل ما نعمل معاك الواجب... نادت على إحدى الفتيات: بت يا شهيرة.
شهيرة التي ترتدي ثوبًا فاضحًا يظهر معظم جسدها: نعم يا أبلتي... قالتها بميوعة.
بدرية: خدي سيدك جمال وعايزاكي تروقي عليه.
شهيرة: هيهيهيهيييي بس كده؟ ده أنا هدلعه وهاشهيصه.
جمال بنظرات شهوانية ويمسح شفتيه بلسانه: يا وعدي يا وعدي... أموت أنا... طب عن إذنك يا بدارة أراكي لاحقًا.
بدرية: هيهيهيهيهيييي خدي وقتك يا غالي البيت بيتك... قالتها ثم نظرت للنقود بين يديها: وأخيرًا اتفتحتلك طاقة القدر يا بدرية.
***
في منزل السويفي...
بعدما انتهت من ارتداء ثوبها وتصفيف شعرها بتموجات ليصبح مظهره غجري وأطلقت له العنان، فإنه يحب مظهر شعرها ذلك... ووضعت القليل من مستحضرات التجميل لتبرز ملامحها بجمال وإثارة... غادرت الغرفة لتنزل الدرج وذهبت إلى غرفة المائدة لتشرف وتتأكد بأن كل شيء على ما يرام.
جاءت إليها يسرية: كل حاجة تمام يا سيلي هانم؟
سيلين: تمام يا داده، تسلم إيدك وإيد كل اللي عمل الأكل وزين السفرة.
يسرية: الله يخليكي وبالهنا والشفا يا حبيبتي.
سيلين: خلاص روحوا أنتوا بس سيبي خبر إنهم يبلغوه بره إن أنا مستنياه هنا.
يسرية: حاضر... مش عايزه أي خدمات مني قبل ما أمشي؟
ابتسمت بعينيها: تسلميلي يا داده.
يسرية: في رعاية الله... سلام.
سيلين: سلام.
مر من الوقت حوالي عشرون دقيقة والكل غادر ولم يتبق سواها بالمنزل في الداخل والحراس يقفون بالخارج عند البوابة وحول السياج المحيط بالمنزل من الداخل.
وصل شهاب بسيارته ليفتح الحارس البوابة الإلكترونية له... فدخل بسيارته حتى وصل إلى المرآب فترجل منها برفقة كاميليا، وقد أمر الحارس بأن يأخذ كل الحقائب التي في السيارة في الخلف يحملها ويصعد بها للأعلى في غرفته الخاصة... بينما أخبره الحارس بأن سيلين تنتظره في غرفة المائدة ليبتسم بجانب فمه وكأنه سينتصر في معركة.
دلف إلى الداخل محاوطًا لخصر كاميليا بيده وظل يهمس لها بكلمات تجعلها تقهقه بصوت مرتفع... وصل إلى غرفة المائدة وقبل أن يدلف تنفس بعمق وأطلق زفيرًا فما سيفعله الآن سيحرق قلبه قبل أن يحرق قلبها ويؤلمها.
سيلين كانت شاردة في ضي الشموع فالتفتت إلى مصدر الصوت الأنثوي الصادر من كاميليا: هاي سيلي آي ميس يو... قالتها وهي تحرك أصابعها في الهواء.
رفعت عينيها لتتسع حدقتيها فنهضت وهي تنظر لشهاب فتفوهت وقلبها تتسارع دقاته: إيه ده يا شهاب؟؟؟؟؟؟ إيه اللي جاب الأشكال دي في الفيلا؟؟؟؟
شهاب وابتلع ريقه بثبات وقد ارتدى قناع الجمود ليلقي عليها كلمات أشد من السوط: لو سمحت اتكلمي عن مراتي باحترام.
غرت فاها بعدم تصديق في ذهول وصدمة وهي تشير بازدراء إلى كاميليا وهي تقول: دي مراتك!!!! إزاااي!!! بتتكلم بجد ولا بتهزر!!!؟؟؟؟؟
كاميليا وهي تمسك ربطة عنقه بدلال: ماهو قالك مراته إيه ما بتسمعيش، ده حتى إحنا لسه عرسان جداد صح يا بيبي؟... قالتها وهي تطبع قبلة على وجنته.
تبادل النظرات معاها لكنه لم يتحرك له رمشًا واحدًا بينما هي تجمعت عبراتها بداخل عينيها: شهاب بليييز أنت اتجوزت عليا؟؟ قولي إنك بتضحك وعامل فيا مقلب عشان تعاقبني.
شهاب بصوت أجش: أيوه مراتي يا سيلين... أظن الشرع محللي مثنى وثلاث ورباع كمان ولا إيه؟؟؟
وقعت كل كلمة عليها كأنه قام بإلقائها من فوق جبل شاهق الارتفاع لتقع في وادٍ مظلم ليس له نهاية... فظلت تنظر لكل ما يحيط بها فلم تتحمل أكثر من ذلك حتى ساد الظلام بعينيها لتفقد وعيها وتقع على الأرض.
انتهت الحلقة كاملة بالجزء الأول والثاني... وانتهى الفلاش باك... ونرجع للأحداث اللي بدأت بيها الرواية في أول 3 حلقات، لكن هبدأهم بالترتيب؛ لأن ما ذكرتش أحداث حصلت؛ لأن ما كنتش هتبقى واضحة ليكوا عشان مبنية على أحداث الفلاش باك... بس دلوقتي عرفتوا مين اللي ورا اللي حصل لفيروز... وهنعرف من بداية الحلقة الجاية إزاي وقعت في الفخ ده وإزاي اتقبض عليها وردود أفعال صقر لحد ما اتحكم عليها بالسجن وهتترحل على سجن النسا، وبعد ما قدم صقر طلب كشف العذرية عليها واتوافق على الطلب هياخدوها للطب الشرعي وساعتها هتهرب... يا ترى هتهرب إزاي؟ ومين اللي هيساعدها؟ وهل في حد ورا هروبها؟ وإيه اللي هيحصل معاها بعد كده؟
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم ولاء رفعت
يصعد الدرج وهو يحملها على ذراعيه، ودقات قلبه تتسابق مع عقرب الثواني. هل ما فعله في حقها ظلم أم عدل؟ عقاب أم انتقام؟ كلما صعد درجة تطلّع إلى وجهها الشاحب فيشعر بدماءه تنسحب من جسده. وصل أمام غرفة والدها الراحل، فإنه يعلم أنها تمكث فيها منذ وفاته. دلف إلى الداخل واتجه بها نحو التخت فوضعها على مهل، ثم وضع وسادة خلف رأسها لتشعر بأريحية. ظل يتأملها بعينيه التي تخبئ بداخلهما عشقه الكامن لها. فعلى الرغم من قسوة انتقامه منها، فهو ما زال معشوقها الذي تمتلك هي قلبه.
جاء الطبيب على الفور بعدما قام بالاتصال به، وبرفقته يسرية التي كانت على وشك الوصول إلى منزلها، لكن اتصال شهاب عليها أيضًا وإخبارها بالأمر جعلها تعود إليهم. دلف كلاهما، فأخذ الطبيب يتفحصها جيدًا لتبدأ تستيقظ. وقبل أن تفتح عينيها، انسدلت عبرة من بين أهدابها، فالمشهد الذي رأته منذ قليل ليس سهلًا أو هينًا على أي امرأة أن تستوعبه أو تتقبله، فإنه كالذي يطعنها بخنجر في قلبها ويضغط عليه بكل قوة.
انتهى الطبيب من الفحص وهو يخلع السماعة الطبية من أذنيه، وكاد ينطق جملته فقاطعه صياح سيلين التي استيقظت فجأة وهي تصرخ:
"بابااااااااااااااااا!"
قالتها بصياح وهي تشهق بشدة.
اندفع إليها بدون تفكير وضمها نحو صدره وهو يمسد على ظهرها ليهدئ من حالتها:
"بس... بس اهدي... أنا جنبك ما تخافيش."
الطبيب:
"أظن أن المدام في حالة صدمة نفسية، والعلاج هو الراحة وعدم تعرضها لأي ضغط نفسي."
يسرية كانت تتابع ما يحدث بحزن وألم، لأنها علمت عند عودتها من أحد الحراس أن شهاب قد تزوج بأخرى.
أردف الطبيب:
"أنا هكتب لها على مهدئ هيساعدها في التحسن إن شاء الله."
هدأت من شهقاتها وتوقفت عن البكاء حتى أدركت ما يحدث من حولها، فوجدت أنها بين أحضانه. على الرغم من اشتياقها إلى ذلك العناق، لكن سيطر عليها مشهد دخوله مع تلك الصهباء التي تمقتها بشدة. دفعته في صدره بغضب قوي وهي تصيح به:
"ابعد عني وإياك تلمسني!"
رمقها باقتضاب لتتحول ملامحه من القلق إلى الحنق. حدّق بها بعينيه الحادة.
الطبيب قام بتدوين الدواء تواً فأعطاه إلى المربية فقال بإحراج:
"عن إذن حضرتك."
قالها وغادر، فتنحنحت يسرية لتتركهما، لتغادر الغرفة وتوصد الباب خلفها.
سيلين بنظرات قوية ترمقه بغضب لتفاجئه:
"طلقني."
اشتد حنقه لتبرز عروق عنقه ليجيب عليها بهدوء قاتل بعكس ما بداخله:
"وأنا مش هطلقك."
نهضت من أمامه لتغادر التخت وتقف وهي تعقد ساعديها أمام صدرها:
"هتطلقني يا شهاب بمزاجك أو غصب عنك."
قالتها بنبرة تحدٍ.
أغمض عينيه ليضغط على قبضة يده بقوة في محاولة كبح غضبه، ثم فتح عينيه ليتقدم نحوها بخطوات جعلتها ترتعب وتفك ساعديها وترجع للوراء حتى اصطدم ظهرها بالحائط. وضع يده في جيب بنطاله، والأخرى استند بها على الحائط، فاقترب بشفتيه بالقرب من أذنها ليحرق وجنتها لهيب أنفاسه، فهمس لها قائلًا:
"ما اتخلقتش لسه اللي تجبر شهاب السويفي على حاجة مش هيعملها. وصلت الرسالة؟"
قالها بنبرة تهديد.
ابتلعت ريقها بصعوبة ثم جمعت قواها فقالت:
"وأنا برضه ما اتخلقش اللي يغصبني على حاجة أنا مش عايزاها وبكرهها."
قالتها وهي تنظر في عينيه تنتظر ردة فعله.
ضحك بصوت مكتوم حتى تعالت قهقهته الساخرة ليخرج يده من بنطاله ويضعها على وجنتها يتلمسها قائلًا:
"مش قادرة على بعده وعايزة ترجعين له؟"
يقصد صقر، قالها بسخرية.
ألقت بيده من على وجنتها وقد أدركت ما يرمي إليه فقررت أن تغضبه فقالت:
"إيه؟ هو حارق دمك قوي كده؟"
قالتها لتشعر بالندم للتو عندما وجدت الظلام يسود بداخل عينيه، لتتحول ملامحه إلى الوجه التي رأته من قبل فتعالت أنفاسها من الخوف.
فأنقذتها من بين يديه كاميليا التي دلفت بدون أن تطرق الباب:
"إيه يا بيبي؟ ينفع تسيب عروستك كل ده لوحدها؟"
قالتها بنبرة خبيثة وهي ترتقب سيلين بطرف عينيها.
لتصيح فيها الأخرى:
"أنتِ مين اللي سمح لك تدخلي الأوضة من غير استئذان! امشي اطلعي بره."
كاميليا بمكر:
"يرضيك كده يا شيبو؟ على فكرة أنا مش جايالك، أنا جاية لجوزي حبيبي."
شهاب بصوت أجش:
"كاميليا روحي على أوضتي وأنا جاي وراكي."
كاميليا:
"حاضر تحت أمرك يا روحي. ما تتأخرش عليا بقى."
قالتها وهي تغمز بعينها، فاستشاطت الأخرى غضبًا لتصيح به:
"طلقني يا شهاب وإلا وقسمًا بالله هـ..."
لم تكمل جملتها حيث أمسك بمعصميها ضاغطًا بقوة ليقول من بين أسنانه:
"طلاق مش هطلق يا سيلين وهتفضلي على ذمتي وهتنفذي كل اللي هآمرك بيه. ويكون في علمك كاميليا مراتي زيها زيك يعني تحترميها سواء في وجودي أو غيابي. أنتِ فاهمة؟"
قالها وهو يلقي بمعصميها، ثم اتجه نحو الباب وكاد يغادر فأوقفته جملتها:
"وما لقيتش غير كاميليا اللي كانت بتخون جوزها مع طوب الأرض!!!"
ابتسم بجانب فمه وهو يوليها ظهره فقال:
"زيك بالظبط."
قالها ثم غادر وصفق الباب خلفه بقوة ليتركها في صدمتها غير مصدقة لتظل هكذا لدقائق. فقررت أن تذهب له وتضع لإهانته وظلمه لها حدًا وستخبره بالحقيقة. غادرت الغرفة متجهة إلى غرفته وكادت تطرق على الباب فتوقفت وهي تسمع صوت كاميليا وهي تقهقه بضحكة رقيقة وتقول:
"هيهيهيهيهييي كفاية بقى يا بيبي أنا مش قدك."
قالتها عندما رأت ظل سيلين من أسفل الباب وهي تقف بالخارج لتضع يدها على فمها لتمنع شهقاتها فركضت إلى غرفة والدها لتصفق الباب من الداخل وتستند بظهرها وهي تبكي بشدة وأقسمت بداخلها أنها ستتركه كما يظن بها لأنها تعلم جيدًا أنه يحترق قلبه والدليل زواجه بتلك الحية حتى ينتقم منها.
بينما بداخل غرفته، خرج من المرحاض بعد أن قام بالاستحمام عاري الصدر، حول خصره منشفة قطنية كبيرة قال لها متسائلًا:
"كنتِ بتكلمي مين؟"
كاميليا بنبرة ماكرة وهي تضع ذراعيها حول عنقه:
"كنت بقولك يلا يا شيبو يا حبيبي عشان وحشتني قوي... إيه بتغير عليا؟"
تجهم وجهه ونفض ذراعيها من على عنقه:
"الظاهر أنك نسيتي اتفاقنا."
كاميليا بسخط:
"لاء ما نسيتش يا شهاب بس ما تقنعنيش إن أنا وأنت هننام على سرير واحد ومش هيحصل بينا حاجة."
رفع حاجبه لأعلى باستنكار وقال بسخرية:
"ومين قال لك إن أنا هنام جنبك؟ حضرتك هتنامي على السرير وأنا هنام على الكنبة. وياريت ما أسمعش رغي تاني."
اشتد حنقها لتتركه وتدلف إلى المرحاض وهي تقول بداخل نفسها: "وديني وما أعبد يا سيلين لبكرة هخليه يطلقك بالثلاثة ويكون ليا لوحدي أنا وبس. إنما أنت يا شهاب اصبر عليا لأخليك تيجي تترجاني بنفسك."
يمسك قداحته ليشعل السيجارة التي ما بين أصابعه ثم أخذ نفسًا عميقًا وزفر دخانه في الهواء ليملأ الغرفة. اقتربت منه بطريقة مغناج ودلال وهي تلتقط سيجارته وهي تقول:
"اتبسطت يا جيمي؟"
رمقها بامتياض:
"هو أنا كنت مبسوط بس بعد ما أخذتِ السيجارة نكدتِ عليا."
شهيرة:
"هيهيهيهييي يا لهوي عليك يا جيمي ما عرفتش أنك بخيل كده."
جمال:
"أنا ما باحبش حد يأخذ حاجة مني غصب."
نهضت بجذعها وهي تلف الملاءة عليها:
"أنت هتقولي عليك ده أنت اللي يدوس لك على طرف يبقى يقول على نفسه يا رحمن يا رحيم... عمومًا خذ سيجارتك أهي اشبع بها."
قالتها وهي تنهض.
أخذها ليلقي بها في المنفضة الزجاجية:
"لاء يا أختي ما باحبش آخذ حاجة من ورا حد."
شهيرة:
"آهااا قولتيلي بقى... يبقى البنت الكوافيرة بتاعة المصلحة كان عينك عليها وهي ادت لك على دماغك وراحت لغيرك فأنت حبيت تنتقم وعايز تعلم عليها."
جمال:
"ده تار ما بيني وبين الواد خطيبها يبقى يوريني هيكمل معاها إزاي ولا هيوري وشه للناس بعد ما هتبقى فضيحتها بجلاجل."
شهيرة:
"بوريه منك ومن سواد قلبك يا شيخ ده فعلًا كيد الرجال غلب كيد النسا."
جمال:
"ألف يعني أنتِ ملاك يا أختي... إيش حال هتلفي 50 ألف من ورا المصلحة."
شهيرة:
"ما هو المقابل مش سهل يا عنيا لما يتعمل كبسة ويجي رجالة المباحث يسحلوك من شعرك ويعملوا حفلة عليك في القسم ساعتها هتعرف إن الخمسين ملطوش دول ولا ليهم أي عزاء قدام المرمطة."
جمال:
"ما تقلقيش الظابط بتاع مباحث الآداب واد ابن ناس وهيبقى حنين معاكوا خصوصًا لما هيلاقي معاكوا ربة الصون والعفاف."
شهيرة:
"ماشي يا جيمي خلينا ماشيين وراك وهنشوف آخرتها إيه... قوم يلا عشان زمان الزباين مستنية بره."
رمقها بازدراء فقال:
"رخيصة."
ضحكت بسخرية:
"هيهيهيهييي... ده على أساس أنك كنت بتلعب معايا كوتشينة من شوية."
نهض وهو يرتدي ثيابه:
"ماشي يا شوشو... وشوفي مين اللي هيجيب لك كيفك اللي بتتحايلي عليا وبوصلهولك مجانًا كمان."
شهيرة:
"متشكرين يا أخويا أنا بقيت أتعامل مع ديلر بيجيب لي أحلى مزاج وعامل لي ديسكونت كمان."
جمال بسخرية:
"ديسكونت!!!! الله يرحم أبوكي... أنا ماشي... ومن غير سلام."
قالها وغادر الغرفة وهو يغلق أزرار قميصه.
يرتدي قميصه ذو اللون الأسود ثم التقط زجاجة العطر ويرش منها نحو عنقه وعلى كفيه ليربت على وجنتيه ولحيته بالعطر. فتح أحد الأدراج ليتناول ساعة اليد المصنوعة من البلاتين الخالص. غادر غرفة ثيابه فوجد شقيقته تقف في منتصف الحجرة ويبدو من تعابير وجهها أنها تريد منه شيئًا ما.
تنهد ثم قال:
"خير يا رنيم؟"
رنيم:
"أنا كنت عايزة أستأذنك من امبارح بس كان شكلك متضايق."
صقر:
"انجازي عايزة إيه عشان نازل."
رنيم:
"أنا خارجة مع إياس النهاردة."
صقر:
"وهو ما قاليش ليه؟"
رنيم بقلق:
"أصل بصراحة بقالي فترة منكدة عليه وهو مستحملني وما بيرضاش يزعلني... والنهاردة عيد ميلاده وعايزة أعمل له مفاجأة."
ابتسم فأخرج من جيب بنطاله محفظته الجلدية وأخذ منها البطاقة الائتمانية ثم أعطاها لها:
"اتفضلي اعملي له أحلى عيد ميلاد... وخفي عن الراجل شوية وبطلي نكد أحسن ما يطفش منك وترجعي تعيطي."
ابتسمت بفرحة ثم قامت بمعانقته:
"ربنا يخليك ليا يا أجمل أخ في العالم كله."
صقر:
"هههههههه فعلًا الفلوس بتعمل العجب."
ابتعدت برأسها وزمّت شفتيها كالطفلة فقالت:
"كده يا صقورتي!!! والله أنت ظالمني."
صقر بسخرية مازحًا:
"عارف يا قلب أخوكي... يلا بقى عشان الحق أروح القسم قبل ما الطريق يبقى زحمة."
رنيم: حاضر.
صقر: سلام يا حبيبتي.
قالها وهو يقبل جبهتها بحنان، ثم تركها وغادر المنزل، ودلف إلى داخل المصعد وهو يمسك هاتفه ليضغط على زر الاتصال بفيروز، التي خرجت من منزلها تواً تمشي متجهة نحو الطريق الرئيسي لكي تستقل سيارة أجرة من هناك.
أجابت على اتصاله: ألو صباح الخير.
قالتها بتوتر.
صقر: صباح النور، عاملة إيه؟ وحشتيني.
ابتسمت بخجل: وأنت كمان.
صقر: وأنا كمان إيه؟
قالها بصوت جذاب وهو يخرج من البناية متجهًا نحو سيارته المجاورة للرصيف.
فيروز: وأنت كمان وحشتني أوي يا حبيبي.
صقر: ولما أنا وحشتك أوي كده مش عايزة تشوفيني ليه؟
قالها وهو يستقل سيارته بعدما دلف إليها.
فيروز: ما فيش أبدًا، لو عايزنا نتقابل قول لي ونخرج عادي يعني.
وقبل أن يتحدث هو، سمع صوت شاب كان مارًّا بجوارها وهو يقول: يا لهوي على الأحمر على جسمك القشطة يا صاروخ أرض جو.
احمرت وجنتاها بشدة ليخفق قلبها بقلق، ليرعبها صوت صقر الذي كاد أن يشغل محرك سيارته: مين ابن الـ... اللي بيعاكسك ده؟ وبعدين بتعملي إيه في الشارع على الصبح؟
قالها بغضب مرعب.
تلعثم لسانها: مم مين؟ لا، ما أعرفش.
صقر: أنتِ فين يا فيروز؟
قالها بنبرة مرعبة.
أجابت بارتباك وقد اضطرت للكذب: أنا رايحة أشتري حاجات من السوبر ماركت.
صقر: وما قلتِ ليش ليه قبل ما تنزلي؟
فيروز: مالك يا صقر؟ أنت ناقص تقول لي استأذنيني قبل ما تدخلي الحمام.
صقر: بتتريقي عشان بأبقى عايز أطمن عليكي؟
قالها بعتاب.
فيروز: أبدًا يا حبيبي بس ده مشوار عادي يعني مش مستاهلة.
زفر بحنق فقال: ماشي يا فيروز، يلا انجزي وخلصي مشوارك وترجعي على البيت على طول. وآه صح، أنتِ لابسة إيه عشان العيل الـ... ده يعاكسك؟
فيروز: لابسة دريس أحمر غامق وواسع وبكم كمان.
بنبرة آمرة: ما يتلبسش تاني، وبعد كده وأنتِ نازلة لوحدك البسي غوامق.
اندهشت من أوامره: على فكرة الشباب بيعاكسوا أي واحدة حتى المنتقبة مش بيسيبوها في حالها يعني مش باللبس.
صقر بنبرة حادة: سمعتي اللي قلت لك عليه؟
شعرت بأن لا فائدة من الجدال معه فزفرت بضيق: حاضر يا صقر.
صقر: أنا حاسس إن الكلام مش عاجبك.
فيروز: أنت مش عاجبك أي حاجة كده ما قلت لك حاضر.
صقر: مااااشي يا فيروز، يلا هأقفل معاكِ عشان أركز في الطريق، وأول ما تروحي كلميني وبلاش التنطنيش.
فيروز: هههههه حاضر يا حبيبي.
ابتسم رغماً عنه: سلام يا روحي.
فيروز: سلام يا قلبي.
قالتها وأغلقت وهي تتنفس الصعداء لتقول لنفسها: يا ربي إيه الرعب ده؟ أنا لازم كده أقول له عشان لو قافشني بأكدب عليه هيقلب عليا وأنا مش ناقصة.
قالتها لتتوقف على الرصيف، فتوقفت أمامها سيارة أجرة جماعية فسألها السائق: هرم يا آنسة؟
أومأت له بالموافقة، فوجدت لا يوجد مكان شاغر سوى بجانب السائق فزفرت بضيق متأففة، ففتحت الباب ودلفت وجلست وهي تخرج من حقيبتها الأجرة، فأعطتها للسائق وهي تقول: لو سمحت يا أسطى عايزة أنزليني في أقرب حتة أركب منها لمدينة نصر.
السائق: بصي يا مزمزيل، أنا هأنزلك عند جامع الفتح ولو إنه مش طريقي بس عشان خاطرك، ومن هناك هتلاقي ميكروباصات رايحة رابعة وعباسية ومدينة نصر.
ابتسمت قائلة: متشكرة يا أسطى.
ابتسم لها بأسنانه المرعبة: العفو يا أبلة أي خدمة.
أشاحت بوجهها نحو النافذة والهواء يداعب خصلات شعرها ووجنتها لتشرد وهي تتحاور مع نفسها: لو كان معايا فلوس كنت ركبت أحسن تاكسي من أوبر بدل البهدلة على الأقل ما أشوفش الأشكال دي.
تنهدت ثم أردفت: آه لو تعرف أنت واحشني قد إيه يا صقر.
توقفت عن شرودها عندما نادى السائق: يا آنسة يا آنسة.
انتبهت إلى صوته: نعم يا أسطى؟
السائق: وصلنا اتفضلي.
فيروز: شكرًا.
قالتها ثم ترجلت من السيارة فلم تجد أي سيارة أجرة جماعية في الموقف فزفرت بحنق: أستغفر الله العظيم وده وقته؟ أنا كده هأتأخر ومستر شادي هيسمعني كلمتين وأنا على آخري منه.
اتجهت نحو سيدة تقف على جانب الطريق: لو سمحت هي الميكروباصات اللي هنا راحت فين؟
السيدة: مش عارفة يا بنتي، أنتِ عايزة تروحي فين؟
فيروز: عايزة أركب لمدينة نصر.
السيدة: بصي هو الظاهر نقلوا الموقف فالحل إنك تعدي الطريق وتركبي توك توك يوديكي لمكان الميكروباصات هم بيبقوا عارفين.
فيروز: طيب شكرًا لحضرتك.
السيدة: العفو يا حبيبتي.
قامت بعبور الطريق وانتظرت قليلًا فلم تجد أي موصلة شاغرة (توك توك) فقررت أن تتمشى قليلًا.
في هذه الأثناء كان صقر يمر بسيارته من هذا الطريق ويقود بتركيز وهو ينظر أمامه وعلى جانبه ليتفادى السيارات التي تنطلق بسرعة جنونية. شعر بحاجته إلى التدخين ليزفر فيه حنقته، فوجد العلبة شاغرة. اتجه إلى جانب الطريق ليركن سيارته جانبًا ثم نزل متجهًا إلى متجر صغير ليبتاع علبة بدلًا من الفارغة، وبعد أن انتهى عاد لسيارته، وقبل أن يفتح الباب لمح تلك التي تتمشى على بعد أمتار قليلة وترتدي ثوبها الأحمر القاني وشعرها الفحمي المنسدل على ظهرها، فإنه يميزها بأن الآلاف بقلبه قبل عينيه. فكاد ينادي عليها، فوجدها توقفت لتدلف إلى سيارة أجرة. جن جنونه ليلحق بها، فدلف إلى سيارته وشغل المحرك بسرعة وانطلق خلف السيارة، وكان لا يركز في الطريق الذي يعرفه من قبل فكل همه الآن أن يعرف لماذا كذبت عليه وإلى أين هي ذاهبة. ظل يقود خلفهم.
توقف المرور لازدحام السير، هي كانت بالمقعد الخلفي تفتح سحاب حقيبتها لتأخذ منها النقود لدفع الأجرة، فسقط هاتفها من يدها فكادت تنحني لتلتقطه من تحت قدميها، تشابك ثوبها من عند ظهرها بشيء في الخلف فالتفتت لترى ما هذا حتى وقعت عينيها في عينيه عبر الزجاج الخلفي للسيارة، اتسعت حدقتاها فدفعت نفسها للأسفل لتختبئ فانقطع الجزء المتشابك من ثوبها.
أخذ هو يضغط على زر التنبيه بغضب، فانتبه سائق السيارة التي هي بها وأراد أن ينزل ماذا يريد، فأوقفه صوتها: بالله عليك لو سمحت اعمل نفسك مش واخد بالك.
السائق: هو يعرفك الجدع اللي في العربية اللي ورا دي؟
ابتلعت ريقها فلا تفقه ماذا ستقول فاختلقت كذبة: ده ده واحد كل شوية بيمشي ورايا بيعاكسني.
زفر السائق بسأم: لا حول ولا قوة إلا بالله، معلش يا بنتي أنتِ خدي بالك من نفسك ولاد الحرام كتير.
فيروز: تسلم يا عمو.
قالتها فوجدت قد فتح الطريق لينطلق السائق وصقر خلفه، وكلما زاد سرعته زاد السائق سرعته أكثر حتى لا يلحق به.
صقر بحنق شديد: بتكدبي عليا، بتكدبي عليا يا فيروز! يا ترى مخبية إيه ولا بتهببي من ورايا إيه؟
وكان الشيطان يهيئ له مخيلات كلها تجعل رأسه يغلي فيه الدماء، فيضرب على المقود بعصبية.
في السيارة الأخرى.
السائق: عايزة تنزلي فين يا بنتي؟
فيروز: حاول تدخل في أي شارع ضيق وهأنزل فيه.
السائق بصفاء نية: إحنا ممكن نتصل على البوليس ونخليهم يجوا ياخدوه.
فيروز: لا لا لا ما فيش داعي.
قالتها بذعر.
تعجب السائق من ردة فعلها المبالغة، فاكتفى بالصمت.
حاول أن يدخل إلى شوارع وأزقة ليصعب على صقر ملاحقته، فعبر شارع ضيق وصقر قد اقترب منه، فجاءت سيارة صغيرة عبرت من التقاطع فأخذ يطلق السباب واللعنات.
فيروز: اقف على جنب يا أسطى.
قالتها ثم أعطتها الأجرة، فنزلت على مضض تتلفت من حولها لتلاحظ سيارته القادمة على بعد، فأتت فكرة أن تدلف إلى بناية قديمة لتختبئ تحت الدرج وتراقب من مكانها ما يحدث، أما البناية فوجدت صقر بنفسه يركض والغضب ينطلق من عينيه كالشرار ليضرب على السيارة قائلًا: فيرووووووز، افتحي أنا شايفك من ساعة ما ركبتي العربية.
نزل السائق: عيب يا ابني اللي بتعمله مع بنات الناس ده.
صقر لم يعره أي اهتمام وفتح باب السيارة وأخذ يبحث بعينيه عنها ليقع بصره على قطعة القماش الحمراء المتعلقة بظهر المقعد. فجاء صوتها يتردد في أذنه وهي تقول: (لابسة دريس أحمر غامق وواسع وبكم كمان).
فاقترب من السائق وهو على وشك أن ينفجر غضبه: هي فين؟
السائق بمكر: هي مين يا ابني؟
اشتد حنقه: مش عيب عليك راجل في سنك يكذب؟ أنت بس لولا إنك راجل كبير لكنت عرفتك إزاي تكذب عليا.
السائق: الله يسامحك يا بيه.
قالها ثم استقل سيارته ورحل، تاركًا صقر يتلفت من حوله يبحث عنها. وهي تراه من مكانها وهي ترتجف من الخوف، فضمت ذراعيها من حولها لتتحسس يدها ذلك القطع بالثوب فتضايقت كثيرًا. وأخيرًا التقطت أنفاسها بتهدج عندما رأت سيارته تتقدم للأمام لكي يغادر ذلك الشارع الضيق، فانفرجت أساريرها فأمسكت هاتفها واتصلت بمدير عملها وأخبرته أنها لا تستطيع أن تأتي للعمل اليوم بسبب ظرف طارئ لديها.
خرجت من البناء وركضت نحو الطريق فاستقلت سيارة أجرة لتعود إلى منزلها، فوصلت وطلبت منه أن ينتظرها حتى تأتي إليه بالنقود، فأعطتها له بعدما قامت باستعارتها من ليلى.
في منزل السويفي.
ارتدت ثوبها الأنيق ذو اللون الأزرق القاتم (كحلي) وحجابها الوردي التي قامت بلفه حول رأسها بشكل جميل لتترك الطبقة الثانية منسدلة على وجهها لتصبح آية من الجمال. دلفت إليها مربيتها لتقول: سيلي هانم أنا...
لم تكمل جملتها فشهقت بخوف لتردف: إيه ده يا سيلي؟
سيلين بابتسام: ما فيش، هأروح الشركة بتاعت بابا الله يرحمه.
قالتها وهي ترتدي حقيبتها على كتفها.
يسرية: ست سيلين أنتِ نسيتي أوامر شهاب بيه؟
سيلين بتحدي: لا فكراها بس هو نسي أنا مين، أوامره دي يروح يأمر بيها الحيزبون اللي متجوزها عليا.
يسرية: نصيحة مني بلاش أنتِ متعرفيش أكتر حاجة بتنرفز الراجل لما مراته بتعند معاه وبتتحداه كمان.
ضحكت بسخرية: ههههههه مش لما يعتبرني مراته الأول؟ عمومًا أنا أصلًا خليتهم يبعتوا لك عشان عايزة منك خدمة وهتشاركيني في ثوابها.
يسرية: اتفضلي يا بنتي وأنا معاكِ.
سيلين: عايزاكِ تاخذي حد معاكِ وتشتري هدوم خروج وبيتي من سن شهر لسن 10 سنين بناتي وأولادي ولعب كمان من النوعين وتأخذيهم في عربية وخدي معاكِ شرنوبي للأمان.
وتروحي ع العنوان ده.
قالتها لتعطيها بطاقة إعلانية.
فنظرت يسرية وهي تقرأ: "دار الرحمن للأيتام!".. ربنا يجازيكي بكل خير ويفرحك ويسعدك زي ما هتسعدي الأيتام يا رب.
ابتسمت لتربت على كتف يسرية وقالت: مفيش أجمل من الخير يا داده، وأنا كان نفسي أروح بس هروح في وقت تاني لما أكون مستعدة نفسيًا.. وادعيلي يا داده.
يسرية: ربنا يسعدك ويهنيكي يا بنتي ويبعد عنك الشيطان ويهديلك شهاب بيه يا رب.
سيلين: يا رب أمين.
غادرت المنزل واتجهت إلى المرآب لتستقل سيارتها التي لم تقودها منذ زمن. وعندما انطلقت بها لتصل إلى البوابة، أوقفها الحراس.
الحارس: أنا آسف يا هانم، أوامر الباشا إن حضرتك ممنوع تخرجي.
رفعت إحدى حاجبيها بامتِعاض لتتمتم مع نفسها: أستغفر الله العظيم، هيخلوا الواحد بعد ما ربنا هداه أرجع وأغلط.
الحارس بعدم فهم: بتقولي حاجة حضرتك؟
ضيقت عينيها وهي تجز على شفتها السفلية: ممكن تفتحلي عشان أنا مش قدامي غير حل واحد إني هنزل وأنط من على السور أو البوابة، وطبعًا محدش فيكوا هيقدر يجي جنبي ويمنعني ولا إيه؟!
رمقها الحارس بحيرة من أمره فزفر بسأم: افتح البوابة يا ابني وخلي الهانم تعدي.
فُتحت البوابة على مصراعيها من جهاز التحكم لتعبُر بسيارتها خارجًا متجهة إلى الشركة.
_______________________
وصلت بسيارتها أمام المخفر، مقر عمل خطيبها. نزلت منها واتجهت لتدلف إلى الداخل، حيث أنها خططت من قبل بمفاجأته وهي أن تأتي إلى عمله وتأخذه إلى المفاجأة الأخرى التي أعدت لها قبل أن تذهب إليه. وقفت تتلفت من حولها، فهي أول مرة أن تدلف إلى مخفر فهي تشعر بالقلق وربما الخوف لتسمع أصوات مجموعة من النساء من خلفها وهم يصيحن فتقول إحداهن: جرى إيه يا شويش ما تتلم ولا أنت بتصدق!!!
العسكري: ما تتلمي يا مرة أومال لو مكناش مجرجرينك بالملاية.
قالت أخرى: لما أنتم عينكوا فينا بتقبضوا علينا ليه؟
الضابط: جرى إيه منك ليها يلا على جوه من غير ما أسمع صوت.
قالها ثم نظر لرنيم بنظرات مرعبة فانتفضت ليردف: مش قولت انجروا على جوه.
رنيم: أنا مم..
قاطعها العسكري الذي جذبها من يدها: يلا يا هبابة لسه واقفة تتهتهي وتردي على حضرة الضابط يلا انجري على المكتب.
لم تستطع أن تتفوه من حماقة ذلك العسكري أو الضابط الذي ما زال يحدق بها بنظرات مرعبة. وصل بها في رواق ووقف أمام المكتب وطرق على الباب ليأتي صوته من الداخل: ادخل.
دلف العسكري أولًا وخلفه رنيم الممسك بيدها: صباح الخير يا باشا، الستات بتاعت الشقة إياها بره وفي واحدة شكلها مش مظبوط قولت إن تبدأ حضرتك التحقيق معاها.
كان إياس ينظر في هاتفه وهو يتصفح الأخبار: دخلها يا عوض.. ده نهارهم أسود معايا النهاردة.
دفع العسكري رنيم إلى الداخل وكانت ترتجف وتنظر للأسفل.. ثم أوصد الباب.
إياس بدون أن ينظر لها: انجزي يا بت وقولي أنتم تبع مين وإلا وربنا ما هرحمكوا وهخلي العساكر تنزل فيكوا بالخرزانة لغاية ما تعترفوا.
قالها بصوت هادئ ومرعب لكنه منشغل بقراءة الأخبار.
هي من خوفها لم تجب ولم تستطع النظر إليه.
ترك هاتفه بغضب ورفع بصره إليها وكاد يصيح بها لتتسع عينيه قائلًا: رنيم!!!!!
نظرت إليه لتتفاجأ به: آآآ إياس.
نطقتها لتجهش بالبكاء فأسرع واتجه نحوها: حبيبتي اهدي بالتأكيد الأغبياء دول دخلوكِ غلط.
رنيم ببكاء: أنا معملتش حاجة عااااااااااااا.
إياس أخذها بين أحضانه ومسد على ظهرها: خلاص يا روني ما تعيطيش بالله عليكي.
رنيم: أنا كنت عاملالك مفاجأة وجتلك شغلك عشان أخدك لأن عاملالك مفاجأة تانية.
قالتها وهي تكفكف عبراتها.
ابتسم بحب إليها: لأ ده أنا كده محدش قدي النهاردة، روني حبيبتي جايالي بنفسها القسم وعاملالي مفاجأة.
ابتسمت له فقالت: أيوه وقبل أي حاجة أنا آسفة وما تزعليش مني أنا عارفة كنت مطلعة عينيك الأيام اللي فاتت بس كان غصب عني.
ضمها أكثر قائلًا: عارف والله يا روحي.. بس أنا بعدت الأيام دي عشان أسيبك على راحتك وما تضايقيش.
رنيم: لا يا حبيبي أبدًا عمري ما اتضايقت بوجودك جنبي بالعكس لما بتكون معايا بحس إن أنا مش خايفة من حاجة أبدًا.
إياس: لأ ده أنا كده لازم أضرب نفسي جوزين أقلام يمكن بحلم ولا حاجة.
رنيم: بتتريق عليا.
قالتها بنبرة طفولية.
إياس: ههههههه أنا أقدر.. وبعدين تعالى نطلع من المكان ده ونشوف إيه المفاجأة اللي بتقوليلي عليها.
رنيم بابتسامة: يلا يا حبيبي.
قالتها ليثني ساعده وهي تضع يدها عليها، فالتقط هاتفه من على المكتب ثم غادرا الغرفة. شاهدهما العسكري لينظر إليهما بذهول فغر فاهه ببلاهة.
حدق به إياس بنظرات متوعدة له وهو يقول: أنا هعديهالك المرة دي عشان أنت ما كنتش تعرف إن الآنسة رنيم تبقى خطيبتي.
قالها ليرتجف عوض ثم أردف: وتبقى أخت النقيب صقر الهواري.. فأنا لو سمحت فما أعرفش أخوها ممكن يعمل فيك إيه؟!
عوض بنبرة مرتعبه: أنا آسف يا إياس باشا والله ما كنت أعرف.. ولو عايز أحب على إيد الهانم وأتآسف بس بلاش صقر باشا والنبي.
تستمع له رنيم وهي تكتم ضحكاتها فقالت: خلاص يا عوض أنا سامحتك بس قبل ما تمسك حد فرق كويس.
عوض: حاضر يا هانم وأنا آسف كمان مرة.
إياس: خلاص يا عوض خطيبتي قلبها أبيض وخلاص سامحتك.
ثم نظر لرنيم المتعلقة بساعده وأردف: يلا يا حبيبة قلبي؟
رنيم بابتسامة: يلا.
غادرا المخفر ثم استقلوا سيارتها وانطلقوا.. وبداخل السيارة.
إياس: هموت وأعرف واخداني على فين؟
رنيم وهي تقيد وتنظر أمامها: بعد الشر عليك يا روحي اصبر وأنت هتعرف.
إياس: خليني وياك يا حبيبي وين ما تروح.
قالها وهو يقلد كلمات إحدى الأغاني.
ابتسمت بخجل: بس بقى خليني أركز في الطريق بدل ما نلبس في الرصيف.
إياس: لا وحياة عيالنا اللي لسه ما شافوش الدنيا خدي بالك أنا لسه ما دخلتش دنيا.
قالها مازحًا.
ضحكت من مزاحه.. فنظر إليها بعشق ثم أمسك يدها وقبلها قائلًا: ربنا ما يحرمني منك أبدًا يا حبيبتي.
______________________
في شركة السويفي للمِعمار بداخل غرفة الاجتماعات، يترأس شهاب الطاولة وعلى جانبيه مدير الحسابات وعلى الجانب الآخر المدير التنفيذي وباقي الموظفون يتجمعون حول الطاولة.
شهاب: طبعًا زي ما أنتم عارفين إن الأوضاع اتغيرت خصوصًا بعد وفاة صلاح بيه السويفي الله يرحمه.. وأنا أصبحت محله دلوقتي وده طبعًا معناه إن فيه أوضاع هتتغير وشوية حاجات في النظام هنغيرها بس للأحسن.
قاطع حديثه طرق السكرتيرة الخاصة به على الباب فدلفت: أحم سوري يا فندم مدام كاميليا عايزة تقابل حضرتك.
قالتها لتدفعها كاميليا من طريقها ودلفت إلى الاجتماع بدون استئذان تحت أنظار الموظفين والمسؤولين الذين يتهامسون فيما بينهم عن تلك الصهباء ذات القوام الملفوف المرتدية جونله سوداء قصيرة تصل إلى فوق الركبة بقليل وأعلاها كنزه باللون الأبيض والأسود مفتوحة باتساع من عند الصدر لتبرز جزء من مفاتن أنوثتها.. تمشي بصوت قرع كعب حذائها الذي يصل إلى 18 سم ليجعل خطواتها تتمايل كعارضات الأزياء.. بينما شهاب كان يحدق بها بنظرات مخيفة لو كانت رصاصًا لأردتها قتيلة توا. وقفت بجواره: هاي بيبي وحشتني قولت أعملك مفاجأة.
قالتها لينظر الجميع لبعضهم البعض فهم لا يعرفون أنها زوجته فهي أدركت ذلك لتلقي بجملتها مثل الحية: إيه يا شهاب مش هتعرف الموظفين على مراتك؟!!!
تعالت الهمسات كلها بأسئلة التعجب فهم يعلمون لا زوجة له سوى سيلين ابنة عمه.
انتباه.. قالها بصوت مدوي عندما رأى الوضع قد زاد عن حده فأردف عندما سكت الجميع: الاجتماع هيتأجل وفي نفس الميعاد ويا ريت كل واحد يخليه في حاله واللي عنده كلمة يجي يقولها ليا وجهًا لوجه.. عشان لو حصل العكس أظن أنتم عارفين إيه اللي هيحصل.
قالها بنبرة تهديد حاسمة.
غادر الجميع تحت ابتسامتها الماكرة وهي تقف خلف المقعد الذي يجلس عليه حتى أصبحا بمفردهما. نهض ليلتفت إليها وهو يبعد المقعد بعنف ثم جذبها وهو يغرز أصابعه بذراعها وبنبرة غاضبة: إيه اللي أنتي عملتيه ده؟ هو ده اتفاقنا؟ هه؟ ردي عليا؟
شعرت بالألم الشديد لتخلص ذراعها وهي تزيح يده بقوة عنها: في إيه؟ هو أنا أجرمت يعني؟! أنا مراتك والكل لازم يعرف.
قالتها بصوت مرتفع.
شهاب: وأنا متفق معاكي إنك مراتي على الورق بس.. لكن شغل العوالم اللي بتعمليه ده يا ريت ما يتكررش.
رمقته بسخط وكادت تصيح في وجهه لكنها تجنبت غضبه فهي ستلاعبه بهدوء حتى تصل إلى مبتغاها.. تصنعت البكاء: حرام عليك ليه بتعامليني وحش كده.
قالتها بنبرة باكية بتصنع.
رمقها بازدراء: أنتي اللي بتخليني أعاملك كده.. ويلا اتفضلي روحي الفيلا أنا ورايا شوية شغل هخلصه جاي على طول.
لوت فمها جانبًا فقالت: أوك هستناك على الغدا.
شهاب: لأ كولي أنا اتغديت هنا.
كاميليا: إني واي.. أنا ماشية بس هعدي على المول هعمل شوية شوبينج كده وهاروح على طول.
قد فهم ما تقصد فقال: مش لسه شاريين إمبارح كل اللي محتاجاه.
كاميليا: لسه في حاجات ناقصة ما اشتراهاش ونسيتها إمبارح.
زفر بضيق فقال: تعالي ورايا.
قالها ليغادر تلك الغرفة ويذهب إلى مكتبه وهي خلفه.. دلف إلى الداخل أولًا وكادت تدلف خلفه فلاحظت سيلين القادمة عبر الرواق الطويل.. فهي قد رأتها صباح اليوم مرتدية الحجاب وهي تجلس بالحديقة.
دلفت مسرعة إلى الداخل لتجد شهاب يخرج من درج المكتب عدة بطاقات ائتمانية.. جاء إليها فكرة شيطانية حتى تكيد الأخرى.. مشت خطوتين فتصنعت أن قدمها التوت فأطلقت آآه بصوت قد أفزعه ليسرع نحوها وهو يمسك بذراعها ليسندها حتى لا تقع: مالك في إيه؟
سألها بقلق.
كاميليا بتألم مصطنع: آآآه يا شهاب رجلي مش قادرة حاسة إنها اتكسرت.
اقتضب حاجبيه متضايقًا: تعالي اقعدي على الكرسي دلوقت.
قالها وهو يسندها نحو المقعد فجلست.. جثا أمامها على إحدى ركبتيه وهو يمسك بكاحلها وهو يخلع حذائها ليرى موضع الألم.
كاميليا: آآآه براحة يا بيبي.
قالتها عندما ضغط قليلًا بأنامله على كاحلها.. فانفرجت أساريرها بسعادة الانتصار عندما وجدت مقبض الباب يتحرك لتدلف سيلين لترى ذلك الوضع لتجز على أسنانها وتحاول كبت غضبها وغيرتها التي جعلت وجهها سينفجر من الدماء المحتقنة به.
التفت إليها شهاب ليقف معتدلًا، فكاد يتحدث لتسبقه كاميليا:
"ده إيه قلة الذوق دي؟ مش المفروض تخبطي قبل ما تدخلي؟"
أسكتها شهاب بنظرة دبت الرعب بداخلها لتتصنع الألم مرة أخرى:
"آآه يا رجلي هموت."
________________________
وصلوا أمام بوابة ضخمة فأتى رجل مسرعًا وهو يركض إليها حتى وصل لديها قائلًا:
"أهلًا وسهلًا بحضرتك."
رنيم:
"كل حاجة تمام يا عم طلعت؟"
طلعت:
"كله زي ما حضرتك أمرتي."
ابتسمت فقالت:
"الأمر لله... تسلم يا عم طلعت."
قالتها ثم نظرت لأياس وهي تنظر إليه بمكر:
"ايسو حبيبي خد دي وغمي عيونك."
قالتها وهي تعطيه شريطة من القماش.
نظر إليها بتعجب:
"أنتِ ناوية تخطفيني يا روني؟"
قالها مازحًا.
رنيم:
"بصراحة آه هاخطفك وهسرق من الزمن أجمل لحظات هنعيشها أنا وأنت وبس."
اياس وهو يأخذ الشريطة من يدها:
"لأ ده أنا بعد الكلام الحلو ده هلبس الشريطة واخطفيني براحتك واعملي اللي أنتِ عايزاه فيا، ولو تحرشتي مفيش مشكلة."
قالها بمزاح.
رنيم:
"هههههههههه... طيب بطل لماضة بقى والبس البتاعة عشان ننزل."
ارتدى ليكون معصوب العينين فأمسكت يده حتى لا يتعثر ودلفت من البوابة إلى مدخل كبير متفرع منه ممرات كثيرة يكسو جانبيها أرض خضراء مليئة بالأشجار والأزهار بمختلف الأشكال والألوان. مشت وهو ممسك بها إلى الممر الأوسط حتى وصلت عند شجرة كبيرة فتركت يده.
اياس بقلق:
"أنتِ روحتي فين؟ رنيم إياكِ تعملي فيا مقلب، أنا خدي بالك قلبي رهيف ومبيستحملش الخضة."
قالها وهي تحاول أن تكتم ضحكاتها.
وكاد يتحدث مرة أخرى فصمت عندما شعر بيديها تمتد لتفك الرابطة من عينيه وتعلقت بذراعه كالطفلة وهي تبتسم له:
"ها إيه رأيك بقى؟"
رمش عدة مرات وهو يضيق عينيه بسبب أشعة الشمس لتضح له الرؤية كاملة وهي أنه يقف أمام شجرة ضخمة مزينة بالحروف الإنجليزية لامعة على لوحة كبيرة محيطة بفروع من الورد وكانت الجملة:
Every year you are my darling
Happy BirthDay Eyas
والتفتت إلى الأرجوحة المتدلية من غصن الشجرة فقاعدتها قطعة كبيرة من الخشب المصقول وحبالها من الجريد الملتف حوله فروع من الأزهار وبصفح الشجرة مائدة خشبية مستطيلة يوجد بأعلاها قالب الكيك المزين بالكريمة والشوكولاتة ومغروز أعلاه العديد من الشموع... ويوجد أيضًا كأسين وبجوارهما زجاجة من المياه الغازية وأدوات زينة لأعياد الميلاد وصحون فارغة.
بعد أن رأى كل ما قامت بتحضيره له التفت لها بعينيه اللامعة بالحب والعشق:
"ده كله عاملها عشاني؟"
أومأت برأسها بالموافقة فقالت:
"كل سنة وأنت طيب وبخير... كل سنة وأنت معايا... كل سنة والعمر كله وإحنا مع بعض ولا تفارقنا لحظة يا حبيبي."
قالتها لتركض نحو إحدى المقاعد حول المنضدة فأخذت صندوقًا كبيرًا وحملته بيديها وتقدمت نحو اياس الذي لم يصدق عينيه.
رنيم:
"افتح الصندوق يا حبيبي."
قالتها ليقوم بفتحه وهو ينظر إليها ثم ألقى نظرة على محتواه لتتسع عينيه من الفرح وابتسامته تصل لأذنيه ويصيح بفرح:
"أعاااااااااا بلايستيشن فور والإصدار الحديث كمان."
قالها ثم حاوطها من خصرها وحملها لأعلى ثم ظل يدور بها وهو يصرخ:
"حبيبتي بحبك يا روني... بحباااااااااااااك يا رونيييي."
ظلت تطلق ضحكاتها بسعادة فنزلت لتعانقه... ثم ضغطت على زر مشغل أغاني وكان عبارة عن سماعة كبيرة لتشتغل أغنية "شو حلو" لزياد برجي:
شو حلو حبيبي شو حلو
هالقمر شوفو ما أجمله
بس أنا على بالي دلله
وحياتي ما حدا بقى يزعله
شو حلو حبيبي شو حلو
هالقمر شوفو ما أجمله
بس أنا على بالي دلله
وحياتي ما حدا بقى يزعله
وإسمحوا إذا بتسمحوا
وإستحوا ما بقى تجرحوه
لو زعل أنا بصالحه
حبيبي بالقلب صاير مطرحه
وإسمحوا إذا بتسمحوا
وإستحوا ما بقى تجرحوه
لو زعل أنا بصالحه
حبيبي بالقلب صاير مطرحه
ما إلي غيره أنا إلي
وما إله غيري أنا إله
بقبله بلا محل له
صراحة بعشقه ما بقى تسألوا
وإسمعوا إذا بتسمعوا
حبيبي رأسه بيوجعه
واسكوتوا بلا كتير حكي
ما بقى تطرحوا ما بقى تجمعوا
وإسمعوا إذا بتسمعوا
حبيبي رأسه بيوجعه
واسكوتوا بلا كتير حكي
ما بقى تطرحوا ما بقى تجمعوا
وفي ظل الأغنية كانا يلتقطان الصور معًا تارة... وقاما بارتداء قبعات ملونة ونظارات مضحكة فقامت بتصويره وهما يضحكان... ثم أخذا يركضان خلف بعضهما... جلست على الأرجوحة وهي تدفعها ذهابًا وإيابًا لتنطلق ساقيها في الهواء وهي تصرخ بكلمة:
"ايسوووووووووووو بحباااااااااااااااك."
وقاموا بتبديل الوضع ليجلس هو على الأرجوحة وهي تدفعه بقوة فيصيح:
"بت يا رنييييييييييييم بحبااااااااااااااااااااك يا بت."
قالها بطريقة مضحكة.
نتركهم معًا في لحظات سعادتهم التي لا توصف فقلوبهما محلقة في سماء العشق والحب يحاوطهما بجناحيه ليشعرَا بالدفء ويغمرهما الفرح.
______________________
هي ما زالت لم تتفوه بل اكتفت بالنظر إليهما... بينما هو ظل يحدق بها لكن بنظرات كانت عنوة عنه فأول مرة يراها بالحجاب وكأنها ملاك في هيئة إنسانة... رأى في عينيها أنها قد شعرت ما بداخله فقال:
"أحم... أنتِ إيه اللي خرجك من الفيلا؟ مش محذرك ومنبه على الحراس ممنوع الخروج؟"
رفعت حاجبها لأعلى بتحدٍ وعقدت ساعدها أمام صدرها:
"وإشمعنى الأوامر دي عليا والهنم اللي قاعدة دي لأ؟"
كاميليا:
"أنا ليا..."
سكتت عندما أشار إليها شهاب بعدم التحدث.
وبصوت أجش:
"أنا أقول اللي أنا عايزه والمفروض الكلمة تتسمع بدل ما هتلاقي تصرف تاني مش هيعجبك أنتِ فاهمة؟"
قالها بنبرة تهديد.
سيلين:
"وأنا محدش يفرض كلامه وأوامره عليا حتى لو كان أنت."
قالتها بقوة عكس ما بداخلها من خوف من ردة فعله.
حاول كظم غضبه بقوة وهو يشتد على قبضة يده فقال بهدوء عكس ما بداخله:
"طيب يا سيلين أنا ولا كأني سمعت حاجة... واتفضلي دلوقت روحي وأنا هخلي حد من السكيورتي اللي هنا يروح معاكي."
تنهدت في محاولة أن لا ترتكب خطأ تتفوه به:
"ممكن كلمة على انفراد؟"
حاول أن يعاقبها على طريقة حديثها معه منذ قليل فقال:
"أتكلمي براحتك مفيش حد غريب وكاميليا مراتي ما أنتِ عارفة."
ابتسمت لتخبئ العبرات التي تأبى أن تأسر بداخل عينيها:
"أوك يا شهاب بيه أنت اللي طلبت فمتلومنيش."
أنصت إليها جيدًا لتردف هي:
"أنا جاية شركتي اللي ليا فيها زيي زيك وطبعًا باقية المجموعة نفس الحكاية... يعني ملكش إنك تقولي امشي لأن أنا هنا صاحبة الشركة."
قالتها بصوت مرتفع.
ابتسم ساخرًا وهو يصفق بكفيه:
"برافو... ده أنا شايف تطور جامد وبقينا نتكلم ونتحدى ونعند وصوتنا يعلى."
كاميليا:
"معلش يا بيبي اعذرها هي لسه صغيرة ومتعرفش حاجة."
قالتها بنبرة استفزازية لتزيد من حنقها.
سيلين وقد فقدت صبرها على تلك الحمقاء:
"ما تلمي نفسك يا زفتة أنتِ، أنا سكتالك وماسكة نفسي عنك بالعافية."
كاميليا بخبث الأفاعي:
"شايف يا شيبو بتهزئني قدامك إزاي؟ أومال من وراك هتعمل فيا إيه؟"
الأخرى اشتد حنقها خاصة بعدما سمعتها تناديه بالاسم الذي كانت تقوله له.
شهاب بنبرة شبه غاضبة:
"سيلين... اعتذري لها."
سيلين:
"نعم؟ اعتذر لمين لدي؟"
قالتها وهي تشير عليها باحتقار.
زمجر بصوت مرعب:
"سيليييييييييييين... اعتذري لها بدل ما أخليكي تعتذري غصب عنك."
لم يوجد أمامها حل سوى أن تلبي ما أمرها به فجاءت إليها فكرة تدعو أن تنفد منها على خير... تقدمت نحو كاميليا الجالسة وترمقها بنظرات انتصار تكيدها... فاقتربت سيلين ولم تمر ثوان حتى دوي في كل أرجاء الغرفة صوت الصفعة التي ألقتها سيلين على وجه تلك الحية لتشفي غليلها... وقبل أن يلتفت إليها شهاب التي ظنت أنه سيفتك بها لا محالة رفعت طرف ثوبها قليلًا وبكل قوتها ركضت إلى الخارج من الباب الذي ما زال مفتوحًا واتجهت نحو المصعد وهي تركض بخوف من صوت الذي يركض خلفها وهو ينادي عليها بغضب... دلفت المصعد لتضغط على زر النزول وهو يركض نحوها فكاد يدلف ليوصد باب المصعد أمام وجهه وهي تنفست الصعداء... فنظر إلى الدرج فهبط مسرعًا... أصبحوا محط أنظار لكل من في الشركة... وصلت أخيرًا فخرجت واتجهت وهي تركض نحو الباب الذي يؤدي إلى الخارج فرآها شهاب ليلحق بها فأسرعت نحو سيارتها لتفتح الباب ودلفت إلى الداخل وأوصدته وقامت بتشغيل المحرك لتبدأ بالتحرك لتفاجأ بمن يفتح الباب الآخر ويجلس بجوارها لتتسع حدقتيها وهي تشهق بفزع.
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم ولاء رفعت
دلفت المصعد لتضغط على زر النزول، وهو يركض نحوها فكاد يدلف ليوصد باب المصعد أمام وجهه، وهي تنفست الصعداء. فنظر إلى الدرج فهبط مسرعًا. أصبحوا محط أنظار لكل من في الشركة. وصلت أخيرًا فخرجت واتجهت وهي تركض نحو الباب الذي يؤدي إلى الخارج، فرآها شهاب ليلحق بها. لكن أوقفه صوت إنذار الحريق الذي دوى في كل أرجاء الشركة، فعاد إلى الداخل ليجد الجميع يركضون في الأروقة وصراخ وصياح. بينما هي فأسرعت نحو سيارتها لتفتح الباب ودلفت إلى الداخل وأوصدته وقامت بتشغيل المحرك لتبدأ بالتحرك لتتفاجأ بمن يفتح الباب الآخر ويجلس بجوارها، لتتسع حدقتاها وهي تشهق بفزع عندما وجدتها تخلع القبعة (الكاب) لينسدل شعرها ونظارتها الشمسية التي أخفت عينيها الواهنتين أسفلها، فكانت ترتدي ثيابًا رجالية.
سيلين بصياح غاضبة: وليكي عين كمان؟ عايزة مني إيه؟ مش مكفيكي اللي عملتيه فيَّ أنتي والحيوان بتاعك؟
مايا بنبرة باكية ترجوها: أبوس إيدك اطلعي بسرعة على أقرب مستشفى، وأنا هحكيلك على كل حاجة.
رمقتها باحتقار، لكن لفت أنظارها بروز بطنها المنتفخة وقطرات العرق التي تتكاثر على جبينها، فسألت بريبة: أنتي...
مايا: آه يا سيلين، حاسة إني هولد، أنا شكلي بقيت في السابع وعندي مغص وشكله الله أعلم طلق.
بدى على ملامحها الفزع لتشغل محرك السيارة وانطلقت مسرعة نحو المشفى الخاص التابع للسويفي جروب.
سيلين: أنا عايزة أعرف حاجة واحدة بس، أنتي عرفتي مكاني دلوقت إزاي؟ ولا دي لعبة جديدة؟
قالتها وهي ترمقها بسخط.
مايا التي تلتقط أنفاسها بصعوبة: أنا أنا عارفة إن ليكي حق ماتسامحيني وتكرهيني، بس عايزة أقولك أنا زي زيك ضحية ويمكن اتعذبت أكتر.
صمتت حتى تمسح قطرات العرق التي تزداد على جبهتها ووجهها، فأردفت: متخافيش أنا هربانة من المكان اللي كان حابسني فيه، وزمانه قالب الدنيا عليَّ، جيتلك الصبح الفيلا لكن لقيت عربيتك خارجة فأستغربت إن لقيتك لابسة حجاب، ركبت تاكسي وفضلت مستنية تطلعي من الشركة.
توقفت عن الحديث مرة أخرى لتظهر علامات الألم على ملامحها لتصرخ: آآآه آآآآآآآآآه.
سيلين توقفت فجأة بالسيارة: مالك؟
قالتها بذعر.
مايا: الحقيني يا سيلين باين بولد، أنا بموت آآآآآآآآه.
سيلين: اهدي اهدي خلاص قربنا نوصل.
قالتها لتتحرك مسرعة في القيادة.
ظلت تطلق آهات ألم الولادة لتشعر بتدفق المياه من بين فخذيها.
مايا بخوف: الحقيني يا سيلين.
قالتها وهي تنظر إلى بنطالها المبتل.
سيلين: أنتي كده بتولدي.
قالتها بصياح.
دقائق معدودة ووصلت أمام المشفى لتنزل مسرعة وهي تصيح في رجال الأمن: حد يجي يلحقنا بسرعة، معايا واحدة بتولد.
ثوان وهرول إليها الممرضات يحملون سريرًا متنقلًا ومعهم طبيب من الطوارئ. قاموا بحملها تواً ودلفوا بها إلى الداخل مسرعين وبجوارها سيلين تركض للحاق بهم.
الطبيب: حضروا غرفة الولادة بسرعة وكلموا دكتورة علا.
ثم نظر إلى سيلين فقال: ولو سمحت ممكن تستنيها بره عشان ممنوع.
صاحت مايا بألم: لاء لاء سيبها خليها تيجي، أنا عايزاها. آآآآهااااا.
قالتها ليلحق بها آلام الولادة التي تتزايد أكثر لتصبح فوق تحملها.
ركضت نحوها وهي تمسك بيدها على الرغم مما تحمله إليها من غضب وكراهية بسبب ما فعلته بها هي والشيطان الآخر، لكن قلبها النقي أشفق على حال من كانت صديقتها في يوم من الأيام.
سيلين: خدي نفس وخرجي براحة.
مايا وهي تجز على أسنانها وشفتاها: مش قادرة هموت يا سيلين، أنا حاسة بكده. آآآآها.
سيلين: حرام عليكي ماتقوليش كده، ادعي ربنا يقومك بالسلامة أنتي في ساعة استجابة دلوقت.
ابتسمت بسخرية وهي تتألم: هيستجيب من واحدة هتولد من الزنا يا سيلين!!
سيلين: ربنا غفور رحيم، ولو طلبتي المغفرة وأنتي بتدعي بإذن الله هيستجاب.
مايا: آآآآآه..... بجد؟؟؟... ياااااارب اغفرلي وسامحني.
ثم نظرت لسيلين: سامحيني يا سيلين.
نزلت عبراتها لتنسدل على وجنتيها وهي تربت بيدها على يد مايا: أنا مسامحاكي يا مايا، قومي أنتي بس بالسلامة.
لم تستطع الإجابة عليها لتشعر باحتقان وجهها، غير قادرة على تحمل الألم أكثر من ذلك. فدلفت إليهم الطبيبة علا لتقول للممرضات أن ينقلوها على السرير المعدني المتنقل ويذهبوا إلى غرفة العمليات. وهما يدفعان السرير للخارج لم تفارق نظرات مايا سيلين التي تسمرت مكانها وهي تشهق وتبكي بشدة واضعة يديها على فمها. فذلك المشهد لم تنساه من قبل عندما كانت صغيرة في سن السابعة ووالدتها كانت ستلد وهم يأخذونها للغرفة، نظرت إليها نفس تلك النظرة وبعدها توفيت هي والجنين الذي كان سيصير شقيقها. فشعرت بغصة في قلبها خشيت بأن صديقتها سيكون نفس مصير والدتها. ولم تمر دقيقتان ودلفت إليها إحدى الممرضات وهي تلهث بشدة لتلتقط أنفاسها.
الممرضة: يا مدام يا مدام حضرتك تبع المدام اللي جوه؟
سيلين بخوف ورعب: آه.. ولدت؟
الممرضة: آه بس هي عايزاكي بسرعة.
قالتها بقلق.
سيلين شعرت بالفرح لكن انتابها شعور مفجع، فذهبت مع الممرضة وهي تخطو مسرعة حتى دلفت إلى غرفة الولادة. وقفت بجوار مايا الذي وجهها شاحب وعيناها زائغة.
سيلين: ألف مبروك يا مايا حمد الله على السلامة.
مايا وهي تحاول أن تتنفس: خلي بالك من ابني يا سيلين. أوعي تديه لباسل. خليه عندك وأبقي اديه لماما لما ترجع من السفر وقوليلها تسامحيني هي وبابا.
سيلين: ماتقوليش كده إن شاء الله هتكوني بخير وأنتي اللي هتربيه.
مايا ويزداد الشحوب فشعرت بجفاف حلقها: أنا أنا عايزة... أشرب.
سيلين بصياح: هاتولها مايه بسرعة.
ناولتها الممرضة كوب ماء. فرفعت رأس مايا لأعلى بقليل بيدها فوضعت الكوب نحو فمها لترتشف القليل.
وكادت تضع الكوب جانبًا فالتفتت إليها بذعر عندما وجدت ملامحها تجمدت بعد أن صعدت روحها إلى الخالق عز وجل.
اتسعت حدقتاها غير مصدقة أخذت تهز فيها: مايااااا... ماياااااا.. اصحي أنا مسامحاكي.. والله سامحتك.. ماياااااااااااااااااااااااا....
أطلقتها صرخة مدوية ليأخذوها خارجًا فأتت نحوها الطبيبة: وحدي الله وادعيلها بالرحمة.
ظلت تبكي بشدة لتتجمع كل الذكريات المؤلمة أمام عينيها... وفاة والدتها بنفس الطريقة... وفاة والدها... اعتداء باسل عليها... زوجها عندما جاء إليها بزوجة أخرى... فأطلقت صيحة مدوية: ياااااااااااااااااارب.
في الشركة قد هدأت الأوضاع. وهو بداخل مكتبه يجول ذهابًا وإيابًا في انتظار أحدهم. وكاميليا تجلس على الأريكة الجلدية وهي تمسد على كاحلها بتصنع: آآه يا رجلي... شوفت يا شيبو اللي حصل، أنت سبتني والدنيا اتقلبت وأنا مقدرتش أجري.
زفر بضيق وغضب ليرمقها بنظراته الحادة. فطرق باب الغرفة وبعدها دلف أحد الموظفين قائلًا: تمام يا شهاب بيه، مفيش أي حاجة الرجالة آمنوا على كل مكان في الشركة، طلع إنذار كاذب.
شهاب: يعني إيه؟
قالها بحنق.
الموظف بقلق: يعني في حد قاصد يعمل كده.
شهاب متسائلًا: وبالنسبة للكاميرات اللي في كل حتة؟
الموظف: مستر عبيد المسؤول عن نظام الأمن والكاميرات راجع التسجيلات لقى لقى...
قالها مترددًا.
صاح بغضب: ما تقول خلص!
الموظف: لقى عم مهنا بتاع النضافة كان ماسك ولاعة وولع في ورقة وقربها من جهاز الإنذار وبعدها جري بسرعة.
جز على فكيه فصاح: هاتوهولي بسرعة.
قالها لتبتلع كاميليا ريقها بخوف وتوترت. فأمسكت هاتفها بدون أن يلاحظ.
الموظف: إحنا قلبنا عليه الدنيا ومش لاقينه.
شهاب بنبرة آمرة: تبعت حد من رجالة الحراسة يروحوا يجيبوه من بيته بسرعة.
الموظف: تحت أمرك يا فندم.
قالها ثم غادر.
التفت إلى كاميليا بملامحه الغاضبة. فرفعت عينيها إليه وهي تخفي توترها فحاولت أن تنهض قائلة: طيب أنا هاروح بقى.
شهاب: استني عندك، أنا اتصلت بدكتور يجي يشوف رجلك.
قالها بصوت أجش.
كاميليا بخوف وريبة: ليه.. ده أنا حسيت بتحسن حتى بعد ما دلكتهالي بأيديك.
قالتها وهي تقترب منه لتضع يديها على صدره بدلال.
قبض على يديها بقوة: مش قولتلك بطلي طريقتك دي معايا؟ المرة الجاية هكسرلك إيديكي.
قالها محذرًا إياها.
انتفضت بخوف لتتراجع للوراء: ماااشي يا شهاب.
قالتها بسخرية. ثم اتجهت نحو الباب وهي تعرج قليلًا بتصنع.
شهاب: خليكي ثواني هنا، هاروح أعمل حاجة وجاي بسرعة وهنروح مع بعض.
ابتسمت بخبث: حاضر أمرك يا شيبو.
رمقها بازدراء وغادر المكتب. تنهدت بقوة لتمسك هاتفها وقامت بالاتصال: ألو أيوة أنا... لو أنت روحت على بيتك اهرب بسرعة، بعتلك الرجالة هيجيبوك... ماتقلقش هحولك بقية المبلغ وهبلغك قبلها... يلا سلام.
دلف شهاب وهو يرتدي سترته ويلتقط هاتفه ومفتاح سيارته الإلكتروني: يلا.
قالها ليجدها تقف في مكانها قائلة: هتسيبني أمشي على رجلي كده؟
شهاب: تعالي اسندي عليَّ.
زفرت بحنق مصطنع: ماشي.
فاتجهت نحوه لتستند عليه فغادرا الشركة واستقل سيارته وهي بجانبه. وفي أثناء القيادة اتصل على شرنوبي قائد الحرس ليسأله على سيلين هل وصلت إلى المنزل أم لا. فأجابه بالنفي فاشتد غضبه فقام بالاتصال عليها ليجد هاتفها مغلق.
في منزل فيروز... مازالت تحبس نفسها بداخل غرفتها وهي تبكي بأنين مكتوم مدثرة جسدها بالغطاء. تلوم حالها على ما فعلت وفي ذات الوقت سئمت من أفعاله وطباعه الحادة مثل الغيرة الزائدة وعدم الثقة والشك الذي زاد بالتأكيد بعد ما فعلته اليوم عندما اختبأت عنه. بدأت عيناها بالإغلاق رويدًا لتغفو.
آمال كانت بالغرفة الأخرى تؤدي صلاة المغرب فانتهت قائلة: السلام عليكم ورحمة الله.
قالتها لتلتف يمينها.
آمال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ثم التفتت إلى يسارها. فنهضت وهي تمسك بسجادة الصلاة وتقوم بطيها ووضعتها جانبًا. فالتقطت السبحة من فوق المنضدة الخشبية الصغيرة وأخذت تسبح وتستغفر وتحمد الله سبحانه وتعالى وهي تلمس بأناملها كل خرزة.
رن جرس المنزل لكن باستمرارية بدون انقطاع فاقتضب حاجباها بتعجب.
ذهبت وقامت بفتح الباب فوجدته يقف أمامها وعيناه تحولتا إلى ظلام دامس، لا يرى أمامه من غيمة الغضب التي تحجب ناظريه.
_ اتفضل يا صقر.
قالتها بتوجس.
أجاب بصوت هادئ ومرعب: هي فين؟
_ نايمة جوه في أوضتها، استنى هأصحي...
لم تكمل جملتها حيث اندفع بالداخل بهمجية متوجهًا نحو غرفتها، أدار المقبض لم يفتح الباب حيث هي أوصدته من الداخل.
آمال بصياح: أنت بتعمل إيه! عيب اللي بتعمله ده وراعي حرمة البيت.
لم يجبها فدفع الباب بجسده بكل قوته فانفتح الباب وانكسر المقبض مما أصدر صوتًا أفزع تلك النائمة من غفوتها.
_ في إيه؟
قالتها عندما استيقظت بذعر لترى الواقف أمام تختها والشر يتطاير من عينيه التي انعكس عليها ضوء خافت صادر من الردهة مما أعطاه شكلًا مرعبًا.
بنبرة هادئة لكن تخفي إعصارًا في طياتها: كنتي فين يا فيروز؟
صوته وهيئته كفيلين بجعلها ترتعب منه ولم تكن قادرة على النطق، فاشتد غضبه، فضغط على زر الإضاءة واقترب منها، هي نهضت بجذعها وأزاحت الغطاء من فوقها وهي تبتلع ريقها بخوف.
آمال دلفت بقلق وريبة: مش عيب تدخل أوضتها وتصحيها بالطريقة دي؟
أشار لها بيده لتصمت قائلًا: لو سمحت أنا بتكلم معاها وبسألها سؤال وعايز إجابته وهمشي.
قالها وهو يحاول كبت جموح غضبه الذي لو أطلقه فستهلك فيروز لا محالة.
زفرت بضيق: ماشي يا خطيب بنتي بس أرجو يكون الحوار ما بينكو بأدب.
قالتها بسخرية ثم تركتهم.
لم يبالِ بحديثها وما زال محدقًا بفيروز بنظرات حادة أرعبتها أكثر: ها أعيد سؤالي تاني! كنتي فين يا فيروز؟
لم تشعر بعبراتها التي انسدلت على وجنتيها فانفعلت من طريقته وأسلوب استجوابه لها، فنهضت من على التخت لتقف في مواجهته.
_ أنت إزاي تدخل عليا الأوضة وأنا نايمة وتكسر الباب بالطريقة دي؟ إيه فاكر نفسك بتعمل كبسة على تاجر مخدرات!
قالتها بسخرية.
فلم يشعر بحاله فقبض على معصميها بقبضتيه: لما ألاقيكي صريحة معايا وتبطلي تكدبي عليا ساعتها هأتعامل باحترام.
نفضت يديه بقوة لتصيح في وجهه بغضب: لما تبطل أنت الأول طريقتك الزفت دي معايا، هأبقى أتعَدِّل معاك وهأبقى صريحة.
صاح بصوت مرتفع وكأنه بركان ينفجر: عايزاني أبقى هادي إزاي وأنتي حضرتك بتقوليلي أنا بجيب حاجات وطالعة البيت، وبعدها أشوفك بتركبي تاكسي والله أعلم رايحة فين وخليتي السواق يجري بالعربية مني ويوصلك في حتة وبعد كده ألاقيكي اختفيتي، كل ده ومش عايزاني أشك فيكي!!!
سيطر العناد عليها فقالت: ومين قالك إن اللي في العربية دي أنا؟
صقر: أنتي يا فيروز بأمارة فستانك الأحمر، ولما شوفتيني لما المرور كان واقف وعينك جت في عيني، وبأمارة دي.
قالها ليخرج من جيبه القطعة المتمزقة من ثوبها التي كانت بمقعد السيارة.
اتسعت حدقتاها وأصرت على الكذب: لأ مش أنا واللي عندك اعمله.
قالتها بتحدٍ فجعلته يجز على أسنانه لتبرز عروق عنقه فهو لا يريد أن يصفعها حتى لا يزيد الأمر سوءًا ولا ينقض وعده معاها.
_ ماشي بس افتكري كويس إنك أنتي اللي اخترتي وخلي كذبك وعنادك ينفعوكي.
قالها بنبرة تهديد ووعيد وهو يشير إليها بسبابته.
فوقعت عيناه على المشجب المعلق عليه ثوبها ذو اللون الأحمر وبسرعة البرق التقطه ليقوم بوضعه أمام عينيها ليقع بصرها على مكان القطعة الممزقة وهو ينظر إليها بنظرات قاتلة ولم ينبس ببنت شفة واكتفى بإلقاء الثوب في وجهها وهو يرمقها باحتقار، ثم غادر المكان فأدركت ما حدث فركضت خلفه تناديه.
_ صقر يا صقر استنى بس اسمعني.
قالتها وهي ترجوه.
وقبل أن يفتح باب المنزل ويغادر التفت إليها قائلًا: قولتلك قبل كده أكتر حاجتين مش بأغفر ولا بأسامح فيهم الكذب والخيانة وأنتي أصريتي إنك تكدبي عليا فلوميش دلوقت غير نفسك.
قالها لترى عبرات آسرة بداخل عينيه حتى فهمت مقصده لتسمع صوت صفق الباب فأسرعت خلفه وهو يركض على الدرج لأسفل وهي تناديه وهي تبكي: صقر يا صقر استنى اسمعني والله هأحكيلك كل حاجة.
هو لم يلتفت إليها حتى وصل إلى سيارته فدلف إلى الداخل وكاد يغلق الباب فوجدها تمنعه فدفع الباب لتتراجع هي للخلف بدون أن ينظر إليها فأوصد الأبواب من الداخل وشغل المحرك وهي تضرب بكفيها بقوة على الزجاج تترجاه بأن يستمع إليها وعبراتها كالشلالات تنهمر نادمة على ما فعلت. انطلق بالسيارة ليتركها وهي تبكي وتنادي عليه بصوت يكاد يسمع من شهقات بكائها، فلم تشعر سوى بأيدي حانية على كتفيها لتجدها والدتها التي أخذتها وصعدا إلى منزلهم.
________________
في قصر شوقي ضرغام:
يقف في بهو القصر من الداخل وشيطان شره يسيطر عليه ليصيح في جميع الحراس المتراصين بجوار بعضهم بعض أمامه.
_ قدامكو ساعة زمن وتجيبوها راكعة قدامي.
قالها باسل بنبرة آمرة فتحرك الجميع وذهبوا ليبحثوا عنها.
هبط عمه الدرج وهو يسخر منه: أهلًا بالصايع الضايع اللي ما لوش كبير يلمه.
التفت إليه وهو يحذره: خليك في حالك يا شوقي أحسنلك.
أسرع خطواته ليصفعه بقوة قائلًا: جرى إيه يا سافل يا منحط جاي في قصري وبتهددني وتعلي صوتك عليا.
ثار غضبه بشدة: مش قولتلك قبل كده ما تمدش إيدك عليا، وقسمًا بالله لأندمك على القلم ده.
شوقي: غور اطلع بره وما تجيش هنا تاني، برررررررررره.
قالها صارخًا بوجهه.
نظر إليه بعينيه الحمراوتين: أنا طالع بره بس كلها أيام وهأبقى أنا بدالك هنا وأنت حاجة من الاتنين، يا تتقابل مع أبويا في تربته يا إما مشرف السجن.
قالها مهددًا إياه ثم غادر القصر.
صاح شوقي مناديًا: أميييييين.
فركض نحوه أحد الحراس.
أمين: نعم يا باشا.
شوقي: خلي الكلب ده تحت عينيكو ودبة النملة أعرفها قبل ما تحصل.
أمين: تحت أمرك يا باشا.
بعد أن استقل سيارته وانطلق بسرعته الجنونية، سمع صوت رنين هاتفه فألقى نظرة على اسم المتصل فأجاب: إيه الأخبار؟
الرجل: طلعت من الفيلا الصبح وراحت على الشركة بعدها بشوية نزلت وكان فيه مش عارف ده راجل ولا ست اللي ركب معاها وطلعوا على مستشفى السويفي.
سمع ذلك ليتوقف فجأة حتى صدر صرير الإطارات من احتكاكها بالأسفلت: وما قولتليش ليه من بدري يا حتة تور.
الرجل: والله قعدت أتصل على حضرتك وأنت مش بترد.
باسل بغضب: خليك عندك يا حيوان وإياك تتنقل من عندك وأنا جاي حالًا.
قالها وأغلق ليشغل المحرك وهي يرجع بالسيارة إلى الخلف ثم أدار اتجاهها متجهًا إلى طريق المشفى بأقصى سرعة.
____________________
في مشفى السويفي:
تقف خلف لوح الزجاج الكبير الذي يفصل بينها وبين غرفة الحضانات وهي تبكي لرؤية ذلك الصغير الذي حرم من والدته وكلما سمعت بكاءه قلبها يعتصر ألمًا.
_ مدام سيلين.
قالتها الممرضة.
التفتت إليها: نعم.
قالتها وهي تمسح عبراتها.
_ عايزين نعرف من حضرتك أهل المتوفية هيجوا يستلموا الجثة إمتى غير المصاريف؟
قالتها الممرضة بإحراج.
سيلين: المصاريف أنا متكفلة بكل حاجة، شوفوا الحساب كله إيه وأنا هأروح للحسابات دلوقت، وأهلها أنا كلمتهم وهيوصلوا بعد 5 ساعات وهيجوا يستلموها.
الممرضة: إحنا آسفين يا فندم معلش حضرتك صاحبة المستشفى بس دكتور ماهر المدير ماشي بنظام.
ابتسمت: لا خالص ما فيش حاجة أنا عارفة، بس قوليلي فين الدفع؟
الممرضة: الدور الأول آخر الطرقة على إيدك اليمين.
سيلين: شكرًا.
قالتها لترى الطبيب المسؤول عن حالات الأطفال المبتسرين فاتجهت نحوه: لو سمحت يا دكتور البيبي اللي دخل عندكوا من شوية عامل إيه؟
الطبيب: هو طبعًا زي ما حضرتك عارفة وزنه قليل وعنده صفرة مرتفعة شوية فممكن يقعد معانا كام يوم.
سيلين: طيب شكرًا لحضرتك.
الطبيب: العفو يا فندم.
قالها وغادر.
اتجهت إلى المصعد لتهبط إلى الطابق الأول فذهبت لدفع كل تكاليف عن طريق البطاقة الائتمانية خاصتها، ثم خرجت متجهة إلى ردهة الاستقبال فتذكرت هاتفها، فأخرجته من حقيبتها فنظرت إلى الشاشة وهي تزفر بضيق عندما وجدت هاتفها قد فرغ من الشحن فوضعته بالحقيبة مرة أخرى فقررت أن تغادر قبل أن تحدث كارثة عندما لم يجدها شهاب بالمنزل عندما يعود.
وكادت أن تخرج فتراجعت إلى الخلف عندما رأت القادم نحوها بملامحه التي تمقتها بشدة، فاتجه ليمسك بذراعها وهو يصيح بها: هي فيييييييييين؟
انفعلت بقوة لتقوم بركله وضربه وهي تصرخ: يا حيوااااان يا قذر يا زبالة وربنا لأوريك.
ركض الحراس نحوهما وأمسكوا باسل قال أحدهما: في حاجة يا مدام سيلين.
سيلين بغضب وهي تنظر له وتريد أن تقطعه إربًا بأسنانها: أهًا خدوا الحيوان ده واتصلوا على البوليس ده مجرم.
_ أنا حيوان يا بنت الـ... أوعى يا واد منك ليه ما تعرفوش أنا مين.
قالها باسل.
الحارس: ما تلم نفسك يالا هتكون مين غير من المقاطيع اللي بيلئحوا جتتهم.
استغلت الفرصة لتركض وتغادر المشفى وفي اعتقادها أنهم سيسلمونه إلى الشرطة، ولم تعلم أنه قد فلت من بين أيديهم عندما دفعهم بقوة وهرب وهو يقفز من فوق السياج المعدني ليختفي بعدها.
نادى الحارس عليها قبل أن تستقل سيارتها: سيلين هانم خلي بالك الواد البلطجي ده هرب وبيقلبوا عليه الدنيا مش لاقينوه.
شعرت بالخوف فقررت المغادرة على الفور قبل أن يلحق بها ذلك المجنون، فقامت بتشغيل المحرك وانطلقت بسيارتها.
___________________
وصلت بعد مرور نصف ساعة في الطريق ليفتح لها الحراس البوابة وقلبها يخفق بخوف فهي ليس لديها استعداد في خوض شجارات مع زوجها أو مع غريمتها الحرباء.
وصلت إلى المرآب فنزلت من السيارة فدلفت من الباب الخلفي لتدلف إلى الداخل لتجد الهدوء يعم كل الأرجاء فظنت أنه لم يأتِ بعد فصعدت الدرج مسرعة واتجهت إلى الغرفة لتفتح الباب وتدلف إلى الداخل وهي تلتقط أنفاسها، ضغطت على زر الإضاءة لتشهق بفزع عندما وجدته يجلس على الأريكة واضعًا ساق فوق الأخرى ودخان سجائره يتصاعد من حوله.
_ لما أنتي بتخافي كده بتكسري أوامري ليه؟
قالها بهدوء قاتل بعكس مابداخله
تصنعت القوة لتجيب قائلة : انا مبخافش غير من الي خلقني وبس .. وارجوك اطلع برة عشان هغير هدومي
انحني نحو الطاولة المستطيله ليدفس السيجارة المشتعلة لتنطفئ ف المنفضة الكريستالية ... ثم نهض ليتجه نحو الباب ليوهمها بالمغادرة لكن تفاجئت عندما أوصد الباب بالمفتاح فوضعه ف جيب بنطاله
تراجعت للخلف وهي تشعر بالخوف من داخلها لكن حاولت ان لاتبدي ذلك ...اقترب نحوها وهو يشمر عن ساعديه
_ ااا انت بتعمل اي؟ وقفلت الباب بالمفتاح ليه؟؟... قالتها بتردد مرتعدة اوصالها.. وهي تتراجع الي الخلف حتي اصتدمت بالتخت فوقعت جالسه عليه
_ مش بتقولي انك مش خايفه وعايزة تغيري هدومك!!!؟؟ قالها وترتسم ع محياه ابتسامة الذئب عندما يحاصر فريسته
ابتلعت غصتها لتنظر له وهي تتراجع زاحفه وهي تستند ع يديها الي الخلف ع فراش التخت : والله العظيم ياشهاب لو فكرت تقرب مني او تمد ايدك عليا شوف هيحصلك مني اي وقتها... قالتها بتهديد لكن الخوف بائن من ثنايا كلماتها
اطلق قهقهات مرعبه ثم ابتسم : اي ده برافو سيلين حبيبتي بقت شرسة ... لما نشوف هتعملي اي ... قالها ليهجم عليها فأحكم قبضته ع يديها بيد واحدة وهي تصرخ بأن يبتعد عنها ... قام بنزع حجابها وهو يسخر منها : لابسالي تحجيبه ..فاكرة نفسك رابعة العدوية !!
_ ملكش دعوة بيا ابعد عنييييييي... قالتها وهي تحاول ان تركله
_ انا صبري نفذ منك ومن عمايلك ولازم تتحاسبي ع الي عملتيه النهاردة ف المكتب وع خروجكك من الفيلا وتأخيرك بره... قالها وهو ينزع عنها ثوبها بفك أزراره التي انقطعت
سيلين : بقولك ابعد عني احسنلك ... آآآآآآه .. اطلقتها متألمة عندما انقض ع جيدها وانهال بقبلات عنيفه وهو يطبق بأسنانه لتتألم .... فحاولت ان تقوم بأبعاده عنها لكنه احكم ساقيها بحاصرهما بين ركبتيه
فكاد يبتعد عنها ليكمل تمزيق الثوب فنجحت ف افلات احدي يداها فقامت بصفعه بقوة ... ليدوي صوت الصفعه بالغرفة
اخرج زمجرة قوية لتسود عينيه بشكل مخيف وهو يتحسس بيده ع أثر الصفعه
_ وربنا لهدفعك حق القلم ده غالي ....قالها ليطبق ع فمها بيده ليكتم صراختها ليكمل ما عزم عليه فأمسكت معصم يده المطبقة ع فمها بيديها وقامت بعضة لتنغرز اسنانها بقوة بكفه
شهاب :آآآآآآآآآآآآآآآآه ... تألم بشدة وهو ينهض من فوقها ويمسك بكفه .. فقامت مسرعه لتلتفت الي بريق مفتاح الغرفة الذي وقع من جيبه فألتقطته وبسرعة الريح ركضت نحو الباب وقامت بفتحه فركض ليلحق بها ليجذبها بقوة من ظهر ثوبها ليتمزق بيده فصاحت به وهي تلتفت اليه : انت بقي الي جبتو لنفسك ... قالتها لترفع ثوبها لأعلي فركلته بركبتها ف منطقة اسفل الحزام فأطلق صرخة اهتزت لها جدران المنزل ... فأسرعت نحو غرفتها فتحت الباب واوصدته خلفها ... والاخر واقف ف مكانه بملامح وجهه المتألمه بشدة وهو يضم ساقيه من الألم وهو يصرخ : سيلييييييييييييييييين... قالها وحاول ان يتغلب ع وجعه وركض نحو غرفتها ... وف ذلك الوقت خرجت كاميليا من غرفته بعد ان استيقظت من ثباتها بفزع من صوته
_ ف اي ياشهاب بتصوت ليه؟؟.... قالتها بقلق ثم اتسعت عينيها بخوف عندما رأت ملامحه المخيفه وهو يصيح بها : خشي جوه
فدلفت الي الداخل واغلقت عليها الباب
بينما هو اخذ يضرب بقوة ع الباب : افتحي الباااااب ... افتحي بقولك
سيلين من الداخل : مش فاتحه ولو فتحت انا مش مسؤلة عن الي هعمله فيك
اشتد غضبه ليزمجر كالزئير : انتي فاكرة هديعلك الي عملتيه ده بالساهل ... هخلي ايامك اسود من شعر راسك ياسيلين
سيلين ع الرغم من الرعب التي تشعر به لكنها ضحكت ع مافعلته به : وانا مش هسيب حقي ياشهاب وابقي قرب مني تاني وانا هفتحلك دماغك المرة الجايه
قام بركل الباب بقدمه من شدة غيظه فألمته قدمه ليتأوه ... فأطلقت ضحكه طفولية من الداخل وهي تقول : أحسن ...شوف الي بيجي عليا مبيكسبش
_ مااااشي اما خليتك تبوسي ايدي عشان ارحمك عن الي هعملو فيكي مبقاش انا شهاب السويفي... قالتها متوعدا اياها
سيلين : طز فيك ولا يهزني ولا يهمني حتي... قالتها وهي تكتم ضحكاتها
غادر من امام غرفتها وهو يهبط الدرج وهيئته مخيفه شعره اشعث وعينيه مظلمة والدماء ستنفجر من وجهه من الغضب .... خرجت كاميليا وقفت عند الطرابزون فقالت : شيبو رايح فين..... قالتها لينظر لها نظرة جعلتها تعود من حيث أتت ... ثم غادر المنزل بأكمله
وسيلين بالداخل تقلد صوت كاميليا بسخريه : شيبو رايح فين ... الهي يمسكك من زمارة رقبتك ويطلع روحك ونخلص منك ياشيخة
__________________
_ في اليوم التالي ... بداخل اشهر معارض الموبيليا والأثاث بمحافظ دمياط التي تشتهر ف هذه الحرفة......
والدة ليلي : احنا عايزين خشب نضيف كده حاجه من الأخر
البائع : والله ياحاجه احنا الحمدلله سمعتنا مسبقنا والكل عارف حاجتنا كويس وعندكو المعرض ونقو الي انتو عايزينو وانا تحت أمركو
نظرت ليلي الي خالد وهمست له : اي رأيك ف اوضة الاطفال الي هناك دي
خالد : حلوة اوي شكلا بس مش عمليه
زفرت بضييق : ابتدينا الغلاسه
خالد : ههههههه والله ما بغلس ياقلبي انتي عارفه انا بحب اعملك الي نفسك فيه بس ف نفس الوقت بقولك الصح
ليلي: ماشي ... خلاص تعالي نشوف الاوضة الي جمبها
ابتسم بمكر فقال : لاء تعالي اوريكي حاجه غيرها احسن ... قالها ثم اخذها من يدها تاركا والدتها تتأمل ف الطاولات .... سار معها ف رواق صغير ثم انعطف الي قسم غرف النوم فأردف : احنا ننقي المهم الاول
رفعت احدي حاجبيها ثم ابتسمت بخجل : كل حاجه ف العفش مهمه يعني مش اوضة النوم بس... يعني مثلا عندك المطبخ مهم عشان هعملك كل الاكل الي بتحبو بأيديا
خالد : وبعد الأكل؟؟
ليلي تصنعت كأنها لم تفهم مقصده : هنروح نغسل ايدينا
ابتسم بخبث : وبعد مانغسل ايدينا؟؟
بنبرة طفوليه قالت : نشرب الشاي
تنهد ومازال مبتسما : انا مبشربش الشاي انا هشرب حاجه تانيه
ليلي بغباء متصنع : خلاص خلينا ف العصير
خالد : هههههههه لاء هشرب عسل من دول ... قالها وهو يهمس ف أذنها ممسك شفتيها بأنامله
توردت وجنتيها من شدة الخجل : يامامااااااا... قالتها وهي تركض مبتعدة عنه
اصتدمت بوالدتها : ف اي يابت بتجري كده ليه؟
_ انا عارف مالها ياطنط بقولها انا مبحبش الشاي وهشرب بداله عصير لقيتها جريت ... قالها خالد الذي يقف خلف ليلي
نظرت له بأندهاش فمد يده الي يدها قائلا : تعالي يا لي لي نشوف اوضة السفرة... اسرع خطواته ليقفا بعيدا عن والدتها فأردف : مالك انتي اتضايقتي عشان بهزر معاكي؟
ليلي : اصل بتكسف
خالد : حبيبتي احنا خلاص اسبوعين وهنتجوز عشان السفر .. يعني انا وانتي هنبقي ف بيت واحد وهتبقي ف حضني كمان
ليلي : بس بقي عيب
خالد : هههههههه طيب يالي معذبني ومش ديني حته فرصة اعبر عن مشاعري ع الرغم ان انا جوزك ومكتوب كتابنا
ليلي : لما نبقي ف بيتنا انا وانت ابقي عبر براحتك بس دلوقتي لاء
خالد : ماشي يالي لي هانت كلها اسبوعين ياروحي
_ يلا كل ده بترغو ... قالتها والدتها
ليلي: يلا نشوف الحاجه عشان ننجز ونروح... قالتها لخالد
_ ظلو يتفحصون كل الغرف والاثاث واستقرو ع غرف نوم واطفال حديثة وغرفة المائدة كذلك من الطراز الحديث لكن الصالون كان من الطراز الكلاسيكي المدهب ... فكان اختيار والدة ليلي التي أصرت عليه
وصلو جميعهم عند مكتب الدفع .... والدة ليلي اقتربت من خالد لتهمس قائله : انت مقدرتك اي يابني؟
خالد : مش مشكله الفلوس اهم حاجه ليلي تكون مبسوطة من الحاجه
ليلي ابتسمت لتجيب بتلقائيه : انا كل الي عيزاه هو انت عندي اهم من اي حاجه
رمقتها والدتها بتوعد .. خالد نظر لها غير مصدق بحب وعشق ... هي شهقت ووضعت كفها فوق فمها عندما ادركت ماتفوهت به فأطلقت ضحكه : ههههههههه اي رأيكو ف المشهد ده انا كنت شيفاه ف فيلم امبارح
والدتها : طيب ادامي ياحلوة لما نروح هبقي اشوف الفيلم الي بتقولي عليه ده ... قالتها بسخريه
خالد اقترب منها ليهمس ف أذنها : وع فكرة انا بحبك اوي واهم حاجه عندي انتي مش مهم اي حاجه
ليلي : بس بقي امي شكلها هتنكد عليا لما نروح
خالد : متخافيش مش هتلحق لان هاخدك هفسحك النهاردة
ليلي : طيب والعفش ؟ هتسافرو ازاي؟
خالد : بابا زمانه جاي وهيستلمو
ليلي : ماشي ياحبيبي الي تشوفو
_ بعد جدال وفصال بين والدتها وصاحب المعرض اخيرا دفعو ثمن الاثاث فقامو بتحميله ف شاحنة كبيرة جلبها والده الذي جاء ليأخذ الاثاث ويسافر به عائدا الي بلدهم
_____________________
_ استيقظت من نومها من كابوس مرعب وهو الذي كان يراودها من قبل وهي الغرفة المظلمة الآسيرة بداخلها وسجانها هو صقر ويمكن سبب ذلك الكابوس بعدما ظلت طوال الليل تبكي حتي اشرقت الشمس فغفت حينها ... شعرت بألم ف رأسها فقامت بفرك عينيها ثم نظرت ف ساعة هاتفها لتحاول تزكر الاحداث ....
انتابها الشعور بالبكاء، لتجهش به حتى دلفت والدتها وهي تحمل صينية الطعام إليها.
آمال: صباح الخير يا حبيبة ماما.
ابتسمت والحزن في عينيها: صباح الخير.
آمال وهي تربت على كتفها: عايزكي تخلصي الأطباق دي كلها.
زفرت بسأم: مليش نفس يا ماما.
آمال: عشان خاطري كلي حتى على قد نفسك كده، وكفاية شغل بقى، أديكي شايفة الشغل والكذب وصلوا بيكي لأي.
صاحت بنبرة على وشك البكاء: هو اللي اضطرني لكده، أعملو إيه وهو مربي لي الرعب ولا بيثق فيا وعلى طول شكاك... أنا كان بإمكاني أقول له كل حاجة بس طريقته الزفت دي خلتني أعند وأسيبه على ناره.
آمال: وأديكي بتدفعي تمن كذبك يا فيروز.
حاولت أن تهدأ من حالتها وهي تمسح عبراتها: أنا لازم أروح له.
آمال: هتروحي له فين؟
فيروز: هروح له البيت وأحكي له على كل حاجة وهقوله أنا بنت مين عشان مش قادرة أكدب أكتر من كده.
آمال: وأنتي فكرك إنه ميعرفش الحكاية دي؟
تعجبت فقالت: تقصدي إيه؟
آمال: أقصد إن هو عارف... أنتي لو شوفتي بصته ليا إمبارح وأنا بفتح له الباب وبكلمه هتعرفي إن اللي بقوله صح.
فيروز: طيب لو عارف إيه اللي خلاه يسكت!!
آمال: معرفش، ممكن سيبك أنتي اللي تحكي بنفسك.. وممكن في دماغه حاجة تانية... واحد زي خطيبك واللي اتعرض له من عمايل أمه ومجال شغله كظابط ده كفيل يخليه بطباعه الحادة دي... بس بإيدك أنتي اللي تغيريه لو عايزة تكملي معاه.
نهضت من على الفراش مسرعة نحو الخزانة قائلة: أنا هلبس ولازم أروح له وأحكي له على كل حاجة وكفاية كذب لحد كده، أنا قلبي تعب ومش قادرة أستحمل.
تنهدت آمال بسأم: روحي يا بنتي وربنا يصلح ما بينكم... بس أوعي تدخلي البيت وأخته مش موجودة.
فيروز: متقلقيش يا ماما أنا مش هطلع غير لما أكلم رنيم الأول.
قالتها ثم ارتدت ثوبًا باللون الأسود وعليه حقيبة يد باللون الأزرق وكذلك الحذاء بنفس اللون... ارتدت في رأسها طوقًا باللون الأزرق أيضًا ووضعت بعض اللمسات الخفيفة من الزينة ثم غادرت.
استقلت سيارة أجرة خاصة وبعد مرور أقل من ساعة وصلت أمام المبنى الشاهق الذي يقطن فيه... ترجلت من السيارة ثم أخذت هاتفها من الحقيبة وأجرت الاتصال برنيم.
فيروز: ألو يا رنيم.
رنيم: أيوة يا فيرو عاملة إيه وحشتيني.
فيروز: الحمد لله وأنتي كمان.
رنيم: ماله صوتك هو أنتي وصقر متخانقين؟
فيروز: مفيش... تعبانة شوية.. بقولك أنتي في البيت؟
رنيم: لا يا فيرو أنا في النادي عندي تمرين تايكوندو بعد شوية.
فيروز: طيب صقر فين؟
رنيم: صقر نزل من بدري بالتأكيد راح شغله.
فيروز: طيب ماشي.. مع السلامة... قالتها وأغلقت ثم وقفت تستند على الحائط وهي تمسح عبرة قد انسدلت منها فشعرت بالاختناق... فمشت قليلًا حتى تهدأ... كانت تفكر هل تذهب إلى عمله لكن خشيت أن تذهب إلى هناك فيزداد الأمر سوءًا لاسيما أنها تكره تلك الأماكن كالمخفر... لا تدري أنها ستدلف إليه عنوة ورغمًا عنها.
أفاقت على رنين هاتفها لتجد المتصل باسم مسجل بـ "هناء العروسة" فتذكرت أن اليوم هو زفاف الفتاة التي ترجتها لتأتي إلى منزلها.
فيروز: ألو أيوة يا جميل معلش أنا نسيت ميعادنا بسبب شوية مشاكل عندي.
هناء: ولا يهمك يا فيروز أنا اتصلت عليكي عشان أفكرك وأقولك تعالي مستنياكي.
فيروز: بس أنا معيش الميك آب لسه هأروح السنتر الأول أجيبه.
هناء: تعالي أنا جايبة كل حاجة وخامات نظيفة كمان، يلا بقى مستنياكي أوعي تتأخري.
فيروز: حاضر أنا جاية إن شاء الله... سلام.
_____________________
بداخل شقة في حي مجاور للمنطقة التي تقطن بها فيروز...
جمال وهو يغلق سحاب بنطاله: عفارم عليكي يا بت يا نوءة.
هناء: هيهيهيهيييي ما يجيبها إلا نسوانها يا جيمي.
جمال: قومي البسي هدومك وظبطي حالك زمان السنيورة جاية.. ومتنسيش زي ما فهمتك أكدي على الزفت اللي اسمه توني ده إنه هيتصور معاها بس فقط.
هناء: عارفة متخافش مش هيلمسها وأنا اللي هصورهم بنفسي.
ربت على وجنتها: شطورة... أخلع أنا بقى... قالها وهو يرتدي حذاءه الرياضي.
هناء بدلال سافر: عارف لولا إن دي مصلحة ما كنتش سبتك أبدًا.
ابتسم لها كالثعلب: الجايات أكتر من الرايحات يا نوءة.
هناء: مقولتليش صح البتاع اللي أنت جايبه وأحطه لها في العصير ده أحط كام نقطة؟
جمال: هم 5 نقط أقصى حاجة وعقبال ما تخلصي تصوير ونبعت الصور وتحصل الكبسة هتكون فاقت.
هناء: أشطا يا جيمي.
جمال: سلاموز يا موز.
قالها فغادر الغرفة وهي نهضت لترتدي ثيابها... وفي الردهة بالخارج.
بدرية: ما ترمي السلام يا جيمي ولا عشان مصلحتك ضمنتها خلاص نسيتنا.
جمال: هو أنا أقدر يا بداره ده أنتي ست الكل ده لولاكي ما كنتش أدوق الطعامه ولا الجمال... قالها وهو ينظر لهناء التي خرجت من الغرفة وهي تتمختر بخصرها.
جاءت من خلفه شهيرة وهي تضربه بقوة في ظهره: آه يا خاين يا اللي ما طمرش فيك ليلة إمبارح ولا الليالي اللي قبلها.
جمال: آآآه إيدك مرزبة الله يخرب بيتك.
بدرية: هههههههه ده من خيري يا جيمي لازم أغذيهم كويس عشان يسدوا مع الزباين.
جمال: أحلى حاجة بتعجبني فيكي ضميرك في الشغل.
بدارة: هيهيهيهييييي.
جمال: سلام أنا بقى عشان لو البت طبت وشافتني يبقى كله باظ.
___________________
لم تشعر بنفسها وهي قطعت مسافة طويلة وهي تتمشى فتذكرت العنوان الذي أرسلته إليها تلك الفتاة فأمسكت هاتفها لتقرأ محتوى الرسالة فانتبهت أن المنزل بالمنطقة المجاورة للمنطقة التي تقطن بها... تنهدت بارتياح فأشارت إلى سيارة أجرة تأخذها إلى العنوان فهي تشعر بالحر الشديد وبجفاف حلقها والمكان الذي به لا يوجد أي متجر تشتري منه مياه معدنية أو عصائر.
وصلت السيارة التي بداخلها أمام البناء المريب التي شعرت بالريبة عندما نزلت وألقت نظرة عليه.
فيروز بداخلها: مش عارفة قلبي مش مطمن ليه... قالتها ثم زفرت بضيق.
دلفت إلى فناء البناية المتهالكة وصعدت الدرج ذو الدرجات الضيقة التي يكاد يعبر منها شخص فقط ومع كل درجة قلبها يخفق... فوصلت إلى الطابق الثالث كما في الرسالة فطرقت على الباب وانتظرت لثوان.
فتحت لها هناء وهي تبتسم بزيف: فيروز؟؟
أومأت لها فيروز بالموافقة: آه أنا.
هناء: أهلًا وسهلًا.. بسم الله ما شاء الله ده أنتي قمر أوي.
فيروز بخجل: تسلميلي.
هناء: ادخلي واقفة ليه... ده مفيش غيري أنا وخالتي وبنت خالتي.
دلفت إلى الداخل لتجد بدرية تستقبلها بالزغاريد المصطنعة: لولولولوللللي.. يا دي النور يا دي النور... أهلًا يا حبيبتشي.
نظرت لها فيروز بريبة من ترحيبها المبالغ... فوكزتها شهيرة تهمس في أذنيها: إيه الأوفر ده يا أبلتي اهدي شوية البت هتشك فينا.
بدرية: هههههه معلش يا حبيبتي أصل أنا بآخذ على الناس بسرعة وأنتي دخلتي قلبي كده آه واللهي.
اكتفت فيروز بابتسامة وتطالعت إلى شهيرة وفتاة أخرى.
هناء: تعالي يا قمر نقعد في أوضتي.. بس أعرفك الأول دي خالتي الرغاية بدرية... ودول بناتها شهيرة وبندلعها يا شوشو ودي صفاء وبندلعها صفصف.
فيروز: أهلًا وسهلًا.
صفاء وهي تتشدق بالعلكة: أهلين وسهلين يا عينيا... ثم قالت بصوت غير مسموع: آه دي لو بتشتغل معانا كنا زمانا عدينا.
شهيرة: لمي نفسك لتسمعك.
بدرية: يلا يا نوءة روحوا عقبال ما أعملكم عصير.
هناء: استني يا خالتي أنا هعمله مظبوط... قالتها ونظرت لها بنظرة ذات مغزى ففهمت ما تقصد.
دلفت فيروز إلى الغرفة التي ستنقلب حياتها رأسًا على عقب عندما تخرج منها... جلست على مقعد لتنظر من حولها وجدت تخت كبير... ومقاعد من الخشب.
مرت دقيقتان ودلفت إليها هناء وهي تحمل صينية أعلاها كأس من العصير الطازج.
اتفضلي يا عسل بالهنا والشفاء... قالتها هناء.
أخذت فيروز الكأس وتجرعته على مرة واحدة فإنها كانت تشعر بالظمأ الشديد: الحمد لله.. تسلم إيديكي أنا كنت عطشانة أوي بصراحة.
هناء: يا حبيبتي... ثواني وهجيبلك مايه بس ما تتحركيش من عندك وأنا جيالك على طول.
فيروز: حاضر.
غادرت هناء الغرفة وتعمدت أن تتأخر حتى يبدأ مفعول المخدر... بينما فيروز كانت تنظر بهاتفها فحاولت الاتصال بصقر لكنها تراجعت فإنها تعلم لم يجب عليها كالعادة... فقالت بداخل نفسها: إن شاء الله هخلص مع البنوتة دي وهأروح له الشغل... المهم يعرف كل حاجة... قالتها ليبدأ يداهمها الشعور بالدوار وهي تحاول أن تقف وتعتصر عينيها حتى تفيق... لكن كان مفعول المخدر أقوى منها فخارت قواها لتقع على التخت التي كانت تستند عليها... بعد ثوان دلفت هناء مرة أخرى فرأتها نائمة فتأكدت من ذلك ثم نادت على توني ليدلف وهو يرتدي سروالًا داخليًا فقط وبيده آلة تصوير رقمية فأعطاها لها ثم جلس على التخت.
هناء: خليك مكانك أنا هقلعها هدومها.
توني: ما أساعدك يا هنون؟
هناء: لا يا أخويا كفاية عليك أنك تتصور معاها.
توني: طيب مينفعش تسيبني معاها شوية؟
هناء: اتلم يا توني دي متوصي عليها من جمال وأنت عارفه ده ما بيرحمش وإحنا مش ناقصين قرفه.
توني: طيب يا أختي انجزي قلعي الصاروخ.
قامت بوضع الغطاء على فيروز وبدأت تخلع ثيابها بالكامل فأصبحت عارية تمامًا... لكن دثرت جسدها حتى جيدها.
هناء: خلصت تعالي نام جنبها وخدها في حضنك بس اتغطى واعمل اللي أقولك عليه.
قالتها وهي تحذره.
توني: مب راح أطيب.
التقطت هناء لهم العديد من الصور بأوضاع حميمية وتلك المسكينة لا تدري بما يحدث معها، انتهى التصوير.
هناء: قولي نمرة موبايلك.
توني: ليه؟
هناء: يا ذكي عشان أتصل عليك من عندها ونعمل العكس عشان الحكاية تتظبط صح.
توني: ده أنتِ دماغ متكلفة يا نوءة.
هناء: البركة في الحشيش بتاعك، أنجز يا حيلتها اعمل اللي قلت لك عليه وأنا هأدي الكاميرا للواد اللي باعتُه جمال عشان يطبعها ويبعتها القسم.
في المخفر بداخل مكتب صقر.
يطالع بعض أوراق القضايا المستمرة وهو يزفر بحنق ليشعر بالضيق فقام بفك رابطة عنقه، دلف إليه إياس غير مستأذن.
إياس: السلام عليكم يا صاحبي.
صقر: وعليكم السلام، نعم؟
إياس: نعم الله عليك يا أخويا، مالك؟ رنيم لسه مكلماني وبتقولي فيروز بتسألها عنك وقالت لها إنك هنا.
تنهد فقال: مفيش. قالها بضيق ثم نظر للأوراق.
إياس: براحتك لو مش عايز تحكي، بس أنا متأكد إن رجعت ريمة لعادتها القديمة وشكلك مطلع عين البنت معاك، ما أنا عارفك.
صقر: إياس لو عايز تقعد معايا اقعد ونقطني بسكاتك غير كده ورينا عرض كتافك عشان أنا مش طايق نفسي وعلى آخري.
نهض إياس متضايقًا: تصدق إنك راجل خنيق وأنا لو مكانها هأطفش منك، عبو شكلك يا أخي. قالها وهو يضحك بداخله وغادر المكتب.
اشتد حنقه ليضرب على المكتب بقبضته، فدلف إليه العسكري بعد أن طرق الباب.
العسكري: صقر بيه الظرف ده جاء لك دلوقتِ واحد أداه للعساكر بره وطلع يجري.
أخذ صقر الظرف وتطالع لاسم المرسل فتعجب لأنه مبهم ليس عليه أي معلومة.
صقر: اتفضل أنت يا عوض. قالها فغادر العسكري.
تناول من فوق مكتبه سكينًا صغيرًا ليفتح به الظرف الموصد وهو يزفر بضيق: لما نشوف ده إيه إن شاء الله. أفرغ محتواه ليشعر بالدماء تغلي بعروقه ورأسه سينفجر واتسعت حدقتيه بذهول، فنهض من على مقعده وهو يقلب الصور واحدة تلو الأخرى ويدعو أن هذا لا يكون حقيقيًا ولتكن صورًا مركبة، لم يبرح مكانه فارتدى سترته وأخذ هاتفه ليذهب إلى صديق له خبير في ذلك المجال حتى يتأكد من حقيقة الصور.
بعد مرور ساعتين جاء إلى إياس بلاغ بأن هناك شقة يمارس فيها البغاء في الحي التابع للقسم وأكد بعض المخبرين تلك المعلومة، فأمر القوات مسرعًا وأخذ سيارات الشرطة (البوكس)، وذهب هو ومجموعة من الضباط والعساكر والمخبرين يرتدون ثيابًا عادية.
وصلوا أمام البناية لتدرك بدرية وبقية الفتيات أن الضباط لحظات وسيقحمون المكان، ظل توني بجوار فيروز وهو يحاول إفاقتها وهو يعانقها لتستيقظ هي بفزع خاصة عندما سمعت صرخات من بالخارج وكادت تصرخ في وجه توني فداهم بعض رجال القوات الغرفة.
الضابط: قومي يا بنت الـ... أنتِ والـ...
لم تستوعب عندما رأت جسدها عاريًا من تحت الغطاء لتصرخ: يا لهوي يا لهوييييي والله العظيم مظلومة.
المخبر اقترب منها ليصفعها عدة صفعات: مظلومة يا بنت الـ... قومي يا بت يلا.
بينما توني أخذوه بسرواله وجعلوه يلتف بالغطاء: ما عملتش حاجة يا باشا هي اللي جرتني للرذيلة سعادتك.
الضابط: يلا يا ابن الـ... ده أنا هأطلع عين اللي جابتك في القسم.
فيروز أجهشت بالبكاء والصرخات والضابط والمخبر لم يرحمها وجذبها أحدهم من شعرها وهي تصرخ: سيبوني أستر نفسي هألبس هدومي.
المخبر: لا يا روح أمك أنتِ هتيجي بلفة الملاية يا حلوة عشان تتحرز، لما أنتِ مش قد الوساخة بتعملوها ليه وتقرفونا يا بنت الـ... قالها وهو يشد قبضته على خصلتها ويصفعها على كل مكان على جسدها.
ظلت تصرخ وتتوسل إليهم حتى أخذوها وهي تلتف بالغطاء ونزلت معهم تحت أنظار الجيران وهم يلقون عليهم الشتائم والسباب.
قالت إحداهن: ربنا يستر على ولايانا، ربنا يأخذكم مليتوا البلد وجبتوا للشارع شبهة.
والأخرى: يلا يا و... منك ليها خلي الحكومة تلمكم والشارع ينضف.
وظل البعض يلقي بالحصى فصاح فيهم إياس الذي كان ينتظر في السيارة فنزل منها ليتفاجأ وهو يحاول أن يستوعب ما تراه عينيه: فيروز!!!
غادرت سيارات الشرطة فوصلت أمام المخفر فقام العساكر بإنزال السيدات حتى جاء الدور إلى فيروز وهي تنزل من السيارة تبكي ولم ترَ أمامها ليدفعها المخبر وهو يضربها على ظهرها لترتطم بالتي تسير أمامها وكاد يضربها مرة أخرى فأمسك بيده إياس الذي صاح فيه: إيدك يا حيوان ما تتمدش عليها.
المخبر: أمرك يا باشا، بس دول نسوان و... ولازم يتربوا.
زمجر إياس فارتعب الآخر: حاضر يا باشا تحت أمرك.
دلفوا إلى الداخل فمشى بجانبها: فيروز تعالي ورايا المكتب وبطلي عياط. قالها وهو ينظر أمامه لأنه ما زال لم يصدق ما حدث ولم يعلم ما سيحدث بعد ذلك خاصة عندما يعلم صقر، صقر!!! قالها بداخله نفسه ليلعن ذلك الحظ السيئ الذي أوقعها في تلك الكارثة.
وصل إلى مكتبه ودلف إلى الداخل لينادي على المخبر: أنت يا زفت ما تدخلش حد خالص جوه.
المخبر: حاضر يا باشا.
فنظر لفيروز: تعالي ادخلي. قالها لتدلف وراءه وشهقات بكائها تتعالى.
أردف وهو يخلع سترته ويضعها على كتفيها: اقعدي هنا. قالها وهو يشير إلى المقعد الجلدي بركن في غرفة المكتب.
أمام المخفر وصل مرة أخرى بسيارته بعدما تأكد من حقيقة الصور فكان كالمجنون يستشيط غضبًا قرر أن يذهب إلى صديقه خاصة عندما بعث أحدهم إليه برسالة منذ قليل وكان محتواها كالتالي:
(خطيبة حضرتك بتستغفلك ومدورها في شقق مفروشة ولو مش مصدقني روح اسأل ظابط مباحث الآداب إياس صاحبك).
دلف إلى الداخل ومع كل خطوة له قلبه يخفق بشدة فتخيل أنه لو رآها أمامه الآن فلا يعلم ماذا سيفعل حينها.
في مكتب إياس كان يجلس خلف مكتبه يغمض عينيه ويرجع رأسه إلى الخلف وهو يدعي أن هذا يكون ليس إلا كابوس.
هي ما زالت تبكي وتقول بين بكائها: والله مظلومة والله العظيم مظلومة يا إياس أنت مش بترد عليا ليه؟ أنا...
لم تكمل حينما وجدت الباب يدفع على مصراعيه لتجد الهلاك بعينيه أمامها: صقر!!!
انتهت الحلقة.
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم ولاء رفعت
في مكتب إياس، كان يجلس خلف مكتبه يغمض عينيه ويرجع رأسه إلى الخلف، وهو يدعي أن هذا ليس إلا كابوس.
هي ما زالت تبكي وتقول بين بكائها:
"والله مظلومة، والله العظيم مظلومة يا إياس، أنت مش بترد عليَّ ليه؟ أنا..."
لم تكمل حينما وجدت الباب يدفع على مصراعيه، لتجد الهلاك بعينيه أمامها:
"صقر!!!!"
قالتها ودقات قلبها يسمعها من في القبور. أكثر من كانت تخشاه ها هو آتٍ إليها، فهل سيكون منصفًا أم ظالمًا؟ ليغلق دائرة الظلم التي وقعت بداخلها ضحية تصفية حسابات لا ذنب لها فيها.
تسمّر مكانه عندما وقعت عيناه على التي تحاول أن تخبئ وجهها بخصلات شعرها المتدلية على وجهها. تضم تلابيب السترة التي ترتديها بخوف، وقلبه كمن رشق فيه آلاف الأسهم عندما رأى ذلك الغطاء الذي يلتف حول جسدها، لتأتي في ذهنه صورة والدته وهي ملتفة بالغطاء، ووالده كان يسحلها بسبب خيانتها له.
نهض إياس من مقعده واتجه نحو صديقه لأنه تنبأ بما سيحدث حتمًا الآن.
"صقر، تعالَ بس نتكلم بره..."
قالها إياس وهو يضع يديه على ساعدي صقر الذي يحدق بها بنظرات قاتلة.
ثم أردف عندما وجده كالجدار لم يتزحزح "أنشًا":
"صقر، ممكن نتكلم في..."
لم يعطه الآخر فرصة حيث دفعه بقوة وألقى الظرف الذي كان بيده.
"والله العظيم ما عملت حاجة... أنا مظلومة..."
قالتها وهي تصرخ باكية عندما اندفع نحوها يغرز أصابعه في ذراعها وعينيه ينطلق منها الغضب كالشرار.
"كلكوا صنف واحد... صنف خاين و... ما يتمرش فيكوا حاجة... لكن قسمًا بربي لأدفعك حق خيانتك دي غالي يا فيروز... أنتِ فاهمة؟"
قالها وهو يعنفها لتشعر كأن ذراعها سينخلع في يده، فوقعت السترة من على كتفيها.
جذبه إياس من ذراعه وهو يصيح فيه:
"كفاية حرام عليك... أنت إيه يا أخي، داخل زي القطر من غير ما تسمع؟"
قالها ثم التقط سترته من على الأرض ووضعها عليها.
صاح غاضبًا:
"أسمع إيه؟ أنت كمان... قول لي... أسمع إن الهانم كانت بتكدب عليَّ؟ أسمع إنها ما كانتش بترد على تليفوناتي وكل ما أروح لها البيت ما ألقاهاش... أسمع لما شوفتها بعيني وهي راكبة تاكسي ونزلت في حتة واختفت وأواجهها تقول لي مش أنا؟ جاوب عليَّ أنت، قول لي أنت لو مكاني هتعمل إيه؟ ولا الثقيلة بقى الهانم بنت شوقي ضرغام."
"أولًا أنا لما كنت ما بردش عليك ومختفية عشان بشتغل... ثانيًا موضوع اللي بتقول عليه أبويا ده أنا ما ليّ ذنب فيه..."
قالتها وهي تدافع عن نفسها.
ضحك بسخرية وهو يصفق:
"هو من جهة إنك بتشتغلي فده واضح جدًا من الملاية اللي عليكِ... ومش هستبعد إنك أنتِ كده لأن الست الوالدة ما شاء الله ماضيها مشرف، كفاية إنها مخلفاكي من واحد ومسجلاكي باسم الثاني، يعني أنتوا عيلة تشرف بجد..."
قالها بسخرية وهو ينظر إليها بازدراء.
اقتربت نحوه لتفاجئه بصفعة على وجهه وهي تصرخ به:
"ما تجيبش سيرة ماما على لسانك!"
اشتد غضبه من تلك الصفعة التي كانت بمثابة سكب الزيت على النار. فلم يشعر بنفسه ليرفع كفيه لأعلى ليهويان على وجنتيها بصفعات متتالية وكأنه ينتقم منها ويشفي غليله.
جذبه إياس بعنف ليبتعد عنها وهو يصيح فيه:
"لا أنت كده زودتها أوي."
قالها ليوجه له لكمة كادت توقعه إلى الوراء، فاستشاط غضبه أكثر.
"أنت بتضربني عشان واحدة زي دي؟"
قالها بغضب وهو يشير إليها باحتقار ويده الأخرى يضعها على أثر اللكمة.
إياس بنبرة غاضبة:
"وممكن أقطع علاقتي بيك لو فكرت تمد إيدك عليها ثاني."
قالها بتهديد.
رمقه صقر من أسفل لأعلى بسخط وهو يعتصر قبضته. ثم نظر إلى تلك التي تبكي بشدة وترتجف بخوف فقال:
"على قد ما أنا نفسي أقتلك وأشرب من دمك، على قد ما أنا قرفان أوسّخ إيدي فيكِ... لأنك واحدة خاينة وما تستاهليش الواحد يضيع نفسه عشانك."
قالها وهو يمسك بخاتم الخطبة الخاص به ويخلعه ليلقي به بقوة في وجهها، ثم بصق جانبًا كدليل على شدة احتقاره لها. ثم غادر الغرفة كالعاصفة التي تركت خلفها حطام قلب مظلوم من كم الإهانات وكبريائها وكرامتها التي دعس عليها بكل قوة. شعرت كأنها وقعت في قاع الجحيم، لا تستطيع أن تتحمل كل ذلك لتقع على الأرض مغشيًا عليها.
"فيروز!!!"
صاح بها إياس وهو يركض نحوها.
______________________________
تمكث في غرفتها منذ أمس فلا تريد أن تغادرها خشية أن تلتقي به ويحدث ما لم يحمد عقباه. بعد أن انتهت من أداء فرضها، أخذت من على إحدى الرفوف المعلقة على الحائط كتابًا صغيرًا لأذكار الصباح والمساء. شرعت بفتحه لتقرأ فيه فأوقفها طرقات على الباب.
"مين؟"
قالتها سيلين.
يسرية:
"أنا يسرية يا سيلي هانم."
تركت الكتاب على التخت واتجهت نحو الباب وهي تفتح سحاب صدرية إسدال الصلاة لتخرج المفتاح الذي تعلقه بسلسلة ترتديها حول عنقها، ففتحت الباب على حذر. وجذبت يسرية للداخل.
"ادخلي بسرعة..."
قالتها لتوصد الباب، فأوقفتها قدمها التي وضعتها لتمنعها من إغلاقه.
زفرت بحنق:
"عايزة إيه يا كاميليا؟"
قالتها سيلين.
دفعت الباب لتدلف إلى الداخل تحت سخط سيلين التي تود أن تحرقها حية.
"ما تخافيش يا حلوة هو ما رجعش من إمبارح والبركة فيكِ."
قالتها كاميليا بسخرية.
"وأنا مالي يرجع ولا ما يرجعش... ولا أنتِ صعبان عليكِ نفسك يا حرام، سابك وأنتِ لسه عروسة."
قالتها سيلين لتكيدها.
"لاء وحياتك أنا صعبان عليَّ المسكينة اللي ما كملتش 3 شهور جواز وجوزها اتجوز عليها، أكثر واحدة مرارتها بتتفقع منها."
قالتها كاميليا ليشتد غضب سيلين.
فلم تجب عليها سوى بأنها انقضت عليها وهي تجذبها من شعرها.
كاميليا بصراخ:
"آآآآآه أوعي يا متوحشة شعري آآآآه."
سيلين وهي تشد من قبضتيها على شعر كاميليا وتركلها:
"أنتِ لسه شوفتي مني حاجة والله لأخليكِ تندمي إنك شوفتيه أصلًا."
تدخلت يسرية بينهما:
"سيلي هانم خلاص كفاية كده... ما تجيبيش لنفسك الكلام."
سيلين:
"مالكيش دعوة أنتِ يا داده، أنا عارفة أتعامل إزاي مع الأشكال الضالة دي."
نجحت كاميليا في التخلص من قبضتيها وهي تصيح:
"أنا أشكال ضالة يا زبالة فعلا، عنده حق يتجوز عليكِ وقريب هخليه يرميكِ زي الكلبة في الشارع."
دوّى صوت صفعة قوية على وجنتها من كف سيلين التي على وشك أن تفقد أعصابها وتفتك بتلك الحرباء.
"إيه اللي حصل ده؟!"
قالها بصوت مرعب لينتفضوا كلهن.
ركضت نحوه وهي تبكي وتدس وجهها في عنقه:
"آه... شوفت يا شيبو بنت عمك الشريرة عملت فيَّ إيه... شدتني من شعري وضربتني بالقلم."
قالتها كاميليا بتصنع.
كان يحدق بها بنظراته الحادة لترتعب من داخلها لكنها تظاهرت بالقوة فتفوهت قائلة:
"أيوه ضربتها وجرتها من شعرها عشان لسانها الطويل، ولو ما احترمتش نفسها معايَّ يبقى هي اللي جنت على روحها."
كاميليا:
"يا مامي... إيه ده يا شيبو دي متوحشة خالص."
رمقتها سيلين بتوعد. بينما شهاب ما زال يحدق بها فقال بصوت أجش:
"روحي يا كاميليا على أوضتك..."
قالها آمرًا إياها.
كاميليا:
"ما ليّ دعوة مش هامشي غير لما تاخد لي حقي القلم اللي ضربته لي في مكتبك واللي عملته فيَّ دلوقت."
زمجر بغضب:
"كاميليااااااااااا!"
ارتجفت بذعر فأكملت تمثيلها:
"آهئ آهئ أنا رايحة على أوضتي بس يكون في علمك أنا مش هاستحمل الإهانات دي..."
قالتها ثم ركضت إلى غرفتها.
شهاب بنبرة تكاد هادئة بعكس ما تخفيه:
"لو سمحتِ يا داده سيبنا لوحدنا."
نظرت يسرية لسيلين بسأم وخوف عليها فغادرت وهي تقول بداخلها:
"ربنا يستر عليكِ يا بنتي."
____________________
أوصد الباب ثم خلع سترته وألقاها بعيدًا لتهوي على الأريكة المخملية. خلع ساعته. وكل ذلك وهو ينظر إليها وهي تنظر له بقوة عكس ما تشعر به من رعب يدب في أوصالها.
سيلين:
"ممكن تطلع بره دي أوضتي."
لم يجب واكتفى بالنظر إليها بوجهه المتجهم، فقام بفك أزرار قميصه ليخلعه ويلقي به أرضًا، فأصبح عاري الصدر. ابتلعت ريقها بتوتر لتشيح ببصرها بعيدًا عنه.
اقترب منها ليمسك ذقنها لتنتفض فقال:
"لما أكون ببص لك ما توديش وشك للناحية الثانية."
"لو سمحت ما تلمسنيش لأني بكرهك..."
قالتها وهي تزيح يده من على ذقنها.
فأراد إغضابها:
"عادي ما يفرقش معايَّ... الحاجات دي مش شرط فيها الحب أو الكره."
نظرت له بعدم فهم فقالت:
"حاجات إيه؟"
أمسك بطرف حجابها وهو يخلعه عن رأسها:
"هتعرفي دلوقت."
أمسكت بيده بعدما فهمت مقصده:
"أنت شكلك ما حرمتش من اللي عملته فيك..."
قالتها وهي ترمقه بنظرات قوية.
جز على أسنانه لكن لم يظهر حنقته:
"أنا لو عاقبتك على كل اللي عملتيه غير اللي عملتيه في كاميليا من شوية لكان زمانك متجبسة في السرير لا حول لكِ ولا قوة."
قهقهت بضحكات ساخرة:
"بجد!!! تصدق خوفتني و..."
لم يدعها تكمل جملتها فقام بمعانقتها بقوة لتشهق وهي تصيح فيه وتضربه بقبضتيها:
"أنا بكرهك ومش طايقاكِ... روح للزفتة اللي متجوزها عليَّ اعمل اللي أنت عايزه معاها..."
قالتها بنبرة غاضبة ليدرك مدى حنقتها التي تشعر بها من زواجه بأخرى. ابتسم بنصر فابتعد عنها ثم جذبها من مؤخرة رأسها وذراعه الآخر يحاوط خصرها لتلتصق بصدره فأنهال على شفتيها يقبلها بنهم وكأنه عبر صحاري الكون ركضًا بدون رشفة ماء.
هي لم تتوقع ما يفعله بها الآن فعقلها يصرخ بها بأن تبتعد لكن قلبها ومشاعرها قاما بخيانتها لتشعر بالاستسلام بين يديه. فهل لأنه ما زالت تعشقه على الرغم من قساوته؟! أم إنها تموت اشتياقًا له وبالقرب منه وتريد أن تنعم بدفء عشقه لها في معانقته؟! أم شفتاها قد ظمأتا فاستسلمت لترتوي من رحيق شفتيه وتستنشق عبق عطر جسده الذي يأسرها في مملكته؟!
هو ما زال لم يكتفِ من الارتواء... لكن عقله دق بناقوس الخطر ليخبره بصوت صدح في أذنيه كالرعد:
"تبًّا لك أيها الغبي، كيف لك أن تقترب منها وهي قد طعنتك بآلاف الطعنات، أم أنك تهوى أن تصبح بين يديها كالدمية الخشبية تحركك كيفما تريد؟!"
بينما قلبه صاح بداخله:
"لا تستسلم لعقلك الذي لا يميز بين الحقيقة والكذب فهي لم تخونك ولا تعرف معنى للحياة من دونك... هي تتفوه بترهات لإغضابك لكنني أسمع قلبها الذي يناديك بلهفة واشتياق..."
ظل الصراع بين القلب والعقل يشعل نيرانًا بداخله حتى اعتلت جسده بحرارتها التي تعلن عن غضبه الذي سيحرقها.
فلم يعد قادرًا على السيطرة حتى تحولت قبلاته من قبلات عاشقة إلى قبلات دامية. فلم يتركها وهي تتألم بأنين حتى شعر بطعم دمائها بفمه، ثم دفعها لتقع على تختها ذي الفراش الوثير. تحدق به بنظرات ألم وعتاب وكراهية وحب، تضع أطراف أناملها على شفتيها.
اقترب منها فانحنى بجذعه ليهمس في أذنها بنبرة كالفحيح:
"أنا لما حضنتك وبوستك دلوقتي مش حبًا فيكي.. لاء ده عشان أثبتلك إن مهما أهانتك أو بعترت بكرامتك الأرض فهتلفي تلفي وتيجي تترمي في حضني."
قالها ليقف معتدلًا ثم اقترب نحو الباب، وقبل أن يغادر ألقى عليها ابتسامة ساخرة قائلًا:
"تصبحي على خير يا مدام سيلي."
قالها تاركًا إياها تجلس على التخت وكأن ملامحها قد تجمدت، فسمعت صوت صفق الباب لتعود إلى الواقع وتستعيد كل ما تفوه به إليها لتجهش بالبكاء، لتتعالى صرخاتها الغاضبة وهي تحطم كل ما يقابلها بغرفتها وتفرك شفتيها بعنف وهي تلعن قلبها الذي جعلها تخضع له.
بعد مرور من الوقت من تحطيم وتكسير كل شيء، وقفت أمام بقايا المرآة المحطمة مثل قلبها لتنظر لانعكاس هيئتها، وظلت تصرخ كالتي فقدت عقلها:
"بكرهك.. بكرهك.. بكرهك."
بتجرحني وبرجعلك ومن تاني بتجرحني
ولا فكرت تسعدني ولا بكلمه تفرحني
كتير بتقول وتوعدني هيجي اليوم تريحني
ولو نفسك تساعدني ما تقتلني ده أريح لي
يا مستقوي وناسي إن القوي في الأقوى منه
يا واحد عاش حياة بس الحياة مش راضيه عنه
بتظلم فيا للآخر وجاي عليا على الآخر
وقلبي يا عيني مش قادر يكمل من اللي داق منه
يا مستقوي وناسي إن القوي شاهد وعالم بيمهل بس مبيهملشي هو وأنت فاهم
وروح منك خلاص لله على كل اللي أنا عايشاه
ويا بخت اللي بات مظلوم ولا نامش في يوم ظالم
بتجرحني وأنا عارفه لكن نفسي بكدبها
بقول يمكن يكون فيك خير ونفسي بلاش تعذبها
سنين عدوا وأديني معاك عمري ما كنت بحسبها
ومش عارفه وصلت لفين وقولت على الله يحسبها
في مستشفى السويفي، تركض تلك السيدة الأربعينية الشقراء في الرواق المتفرع من نهايته غرفة التبريد التي بها ثلاجة حفظ الموتى، ممسكة بيدها زوجها الذي خطى الشيب بجميع خصلات شعره.
"يا ما قولتلك يا رأفت ما تسمعش كلام بنتك وناخدها تعيش معانا وأنت اللي أصريت إنها تبقى في مصر.. والنتيجة بنتنا اللي حيلتنا ضاعت."
قالتها جيلان والدة مايا وهي تبكي.
رأفت:
"يعني كان هيبقي عاجبك لما تعرف إن باباها فاتح كازينو قمار؟"
جيلان:
"وأي الفرق على أساس إنها ما عرفتش يعني.. مفيش حاجة بتستخبى ولعلمك كانت بتكرهك بسبب جفائك وأسلوبك معاها كأنها مش بنتك."
رأفت بضيق:
"ولو كانت سافرت كندا معانا ما كانتش عملت اللي عملته؟! بالعكس كانت هتبقى منحلة أكتر."
جيلان:
"اخرس حرام عليك.. ربنا يرحمها ويغفر لها."
قالتها فوجدت أنهما أمام الغرفة، فطرقا على الباب ففتح لها المسؤول عن الغرفة الذي يرتدي زي المستشفى الخاص باللون الزمردي وعلى صدره شعار مستشفى السويفي.
"أيوه يا فندم.. أي خدمة؟"
قالها المسؤول.
جيلان:
"أنا بنتي كانت والدة عندكم امبارح و..."
لم تكمل لتغلبها عبراتها وأجهشت بالبكاء.
نظر الرجل بأسف:
"اتفضلي يا فندم إحنا غسلناها وكفناها بس حطيناها في التلاجة عشان الجثث زي ما حضرتك عارفة مش بتستحمل الحر."
قالها ليفتح الباب لهما ليدلفا إلى الداخل. دقات قلبها تتعالى وشعرت برجفة في جسدها عندما شعرت بالصقيع الموجود بالغرفة ورأت ثلاجة حفظ الموتى المصنوعة من الستانلس ستيل التي تبدأ من الأرض إلى أعلى. اقترب الرجل من الباب الأوسط وقام بفتحه ليتصاعد بخار غاز الفريون ثم سحب المزلاج للخارج فشهقت لتجد ابنتها راقدة عليه ملفوفة بالكفن الأبيض بدلًا من أن تراها بثوب زفافها الأبيض.
اقتربت بخطوات متثاقلة تشعر بألمها وعذاب قلبها المفتور على ابنتها وحيدتها. لعنت بداخل نفسها المال الذي جعلها تبتعد عنها وتفقدها.
وصلت لتقول بنبرة مرتعشة وهي تكفكف دموعها:
"ممكن أشوفها؟"
تضايقت ملامحه فقال:
"هو ما ينفعش بس برضه حضرتك ما تهونيش عليا أنتي مهما كان أمها."
قالها فقام بفك الرابطة التي تعلو رأسها وحاول كشف وجهها لتنصدم من ذلك الشحوب الذي يملؤه وعينيها التي تداخلت لتجويفهما من الضعف.
أردف الرجل:
"أنا حبيت أبلغ حضرتك بحاجة لأن دي أمانة وهتحاسب عليها.. المغسلة اللي غسلتها لقت آثار كدمات وتعذيب على جسمها.. كنا عايزين نبلغ البوليس بس ما رضيناش عشان دي تبع مدام سيلين السويفي صاحبة المستشفى فقولت لما حضراتكم تشرفوا أبلغكم وأنتم أحرار في الأول والآخر دي بنتكم."
تنهدت جيلان وكأنها ستفقد وعيها فجلب لها الرجل مسرعًا مقعدًا فجلست عليه:
"شكرًا.. أنا مش هبلغ كفاية اللي حصلها مش ناقصة أدخل في متاهات ويشرحوا جثتها خليها مرتاحة.. مش عايزة حاجة غير إنها تكون مسامحاني.. آه يا حبيبتي يا بنتي."
قالتها بنبرة باكية.
رأفت:
"خلاص يا جيلان وقومي عشان نشوف هنعمل إيه نطلع تصريح الدفن وناخدها على مدفن العيلة في السيدة عائشة."
رمقته بازدراء فصاحت به:
"لاء مش هدفنها في وسط عيلتك السبب في بعدي عن بنتي.. عمري ما أنسى أبوك اللي ظلمك ووزع الحق في الورث على إخواتك وخلاك فلست وشركتك قفلت فاضطرينا نسافر عشان الفلوس.. الفلوس اللي ضيعت بنتي وحرمتني منها."
رأفت:
"يووووو.. مش هنخلص من الأسطوانة دي.. اطلعي شوفي ابنها هاتيه وأنا هخلص الإجراءات."
جيلان:
"بس بنتك هتدفن في مدافن عيلتي في المنصورة."
زفر بغضب:
"خلصي يا جيلان مش وقتك خالص."
ذهبت إلى الطبيب المسؤول عن غرفة الحضانات، أخبرها أن الطفل يحتاج إلى المكوث بالحضانة حوالي أسبوع بسبب ارتفاع الصفراء لديه.
في منزل فيروز، داهمها التوتر والقلق عندما لم تعد ابنتها، وما زاد خوفها هو هاتفها الذي لم تجب عليه بعد مهاتفتها أكثر من مائة مرة، فهو أصبح الآن من ضمن الأحراز لدى المخفر.
آمال بداخل نفسها:
"يا ترى اتأخرتي ليه يا بنتي وليه ما بترديش على تليفونك!! يا رب جيب العواقب سليمة يا رب."
فقررت أن تتصل بصقر فلم يجب عليها أيضًا. شعرت بغصة في قلبها وأيقنت أن هناك أمر سوء قد حدث لابنتها. ضغطت على زر الاتصال لتختار من قائمة الأسماء (محمد حماد).
آمال:
"ألو إزيك يا حبيبي عامل إيه؟"
محمد بصوت ناعس:
"الحمد لله يا عمتو.. أنتي عاملة إيه؟"
آمال:
"معلش صاحيتك من النوم يا ابني.. بس كنت طالبة منك خدمة."
محمد:
"ولا يهمك يا عمتو أنا تحت أمرك."
آمال:
"الأمر لله وحده.. كنت عايزاك تديني عنوان صقر."
محمد بنبرة تعجب:
"خير في حاجة ولا إيه؟!"
توترت قليلًا:
"لاء مفيش.. أصل أصل..."
قالتها بتردد.
محمد:
"عمتو اقفلي دلوقتي وأنا هلبس وجايلك بسرعة."
آمال:
"أنت مش في أسيوط؟!"
محمد:
"لاء أنا في القاهرة عندي شوية شغل وراجع على أسيوط بعد بكرة."
تنهدت بسأم:
"ربنا يوفقك يا ابني.. خلاص أنا مستنياك ما تتأخرش."
محمد:
"حاضر.. سلام."
بعد مرور نصف ساعة من القلق والتوتر، وصل أمام المنزل ليدلف بعد أن ضغط على زر الجرس. تصافحا بالعناق.
آمال:
"اتفضل يا ابني عقبال ما أجيب شنطتي وننزل."
محمد بقلق:
"أفهم بس في إيه؟ وعايزة نروح لصقر ليه؟"
آمال:
"مش وقته يا محمد هحكيلك في السكة."
محمد:
"هي فيروز عنده؟"
قالها ولم يستطع إخفاء غضبه من نبرة كلماته. لم تجب ودلفت إلى غرفتها لتحضر حقيبتها.
زفرت متضايقة:
"يلا عشان ننزل."
رمقها بسخط:
"ماشي يا عمتو لما نشوف إيه اللي بيحصل."
نزل كلاهما فاستقل سيارته وركبت بجواره. سردت له كل ما حدث في الطريق.
تفوه بامتياض:
"فيروز فعلًا غلطت لما كدبت عليه وده يخلي أي راجل يفقد الثقة لأن الكدب دايمًا بيوقع في مصايب وكوارث الواحد في غنى عنها.. لكن هو غلطان بسبب فرض سيطرته عليها بطريقة تخنق وغيرته الزيادة.. هو الطبيعي إنه يغير عليها عشان بيحبها بس الشيء لو زاد عن حده بينقلب لضده وأهو خلاها تلجأ لطريق الكدب.. يعني الاثنين غلطوا."
آمال بسأم:
"والله يا ابني أنا يا ما قولت الكلام ده ليها.. وكنت عايزة أقعد أفهمه بس هي اللي كانت بتمنعني وخايفة ليحصل ما بينا مشكلة."
محمد:
"إن شاء الله خير.. سيبيها على الله."
آمال:
"ونعم بالله."
وصل بسيارته أمام البناء الموجود به صقر. وقبل أن يصعدا ظل يهاتف فيروز فلم تجب وكذلك صقر. استقل كلاهما المصعد حتى وصلا الطابق المنشود.
ضغط زر الجرس، فتحت لهما رنيم لتنظر باندهاش وتعجب:
"ماما آمال!!!"
آمال:
"مساء الخير يا بنتي معلش لو أزعجتك."
رنيم:
"لا خالص تعالي اتفضلي."
آمال:
"هي فيروز عندك؟"
اقتضب حاجبيها:
"لاء ما جتش.. هو فيه حاجة حصلت؟!"
آمال:
"كانت جاية لكم وما رجعتش من وقتها من بدري.. طيب صقر هنا عشان بتصل عليه ما بيردش؟"
رنيم:
"لا والله لسه ما جاش وأول مرة يتأخر في شغله وما يردش.. تعالي اتفضلي وأنا هكلم إياس يشوف ما بيردش ليه."
محمد:
"أحم.. طيب يا عمتو أنا نازل وهستناكي تحت."
ابتسمت رنيم له قائلة:
"تعالى اتفضل يا محمد أنت مش فاكرني ولا إيه؟"
ابتسم مجاملًا:
"لا عارفك طبعًا.. بس ما ينفعش أدخل طول ما أخوكي مش موجود إحنا اتربينا على كده معلش."
نظرت له آمال بإعجاب:
"ربنا يحميك لشبابك يا ابن أخويا.. خلاص يا حبيبي استناني تحت وأنا مش هتأخر."
محمد:
"عن إذنكم."
قالها وغادر. دلفت آمال إلى الداخل وأجلستها رنيم في غرفة الصالون.
رنيم:
"ثواني يا ماما آمال هاجيب الفون من على الشاحن وأتصل على إياس عشان فعلًا صقر اتصلت عليه كذا مرة وما بيردش."
آمال:
"خدي راحتك يا بنتي أنا مستنية."
أخذت هاتفها من على المائدة فضغطت على زر الاتصال باسم (MyLove). لم يجب عليها لانشغاله بالحدث الذي صار.
فأعادت الكرة مرة أخرى حتى أجاب عليها أخيرًا.
رنيم: إيه يا إيسو كل ده عشان ترد عليّ؟
إياس بنبرة جدية: معلش يا حبيبتي.. أنا كنت هتصل بيكي شوية كده عشان عايزك تجيلي القسم وهاتي معاكي طقم من عندك.
انكمشت ملامحها متعجبة: مش فاهمة حاجة هو في إيه؟؟
إياس: رنيم اسمعي اللي بأقولك عليه وخلاص ويا ريت بسرعة.
رنيم: طيب صقر عندك؟ أصل بأكلمه ما بيردش.
زفر بحنق: انجزي ولما تيجي هتعرفي كل حاجة.
رنيم: طيب هأجيب هدوم إيه بالضبط وليه؟
إياس: هاتي هدوم خروج وهدوم بتتلبس من تحتها خلاص ولا أشرح بالتفاصيل؟
رنيم بفضول: طيب ليه برضه؟
إياس بسأم من فضولها القاتل: أستغفر الله العظيم... لفيروز يا رنيم خلاص ارتحتي؟
شهقت واتسعت حدقتاها وهي تضع يدها على فمها: هو صقر عمل فيها إيه يا إياس؟؟ أوعي يكون...
قاطعها بغضب: لأ مش اللي في بالك وبطلي فتي بخيالك الأهبل ده وتعالي بسرعة.
رنيم: كده؟؟ ماشي يا إياس والله زعلت منك شكرًا.
تنهد فقال: خلاص حقك عليّ ما تزعليش.. أنا مستنيكي... سلام.
نظرت لشاشة هاتفها فقالت: آه يا جزمه تصالحني وتقفل السكة في وشي بعدها.. ماشي لما أشوفك بس.
قالتها ثم اتجهت إلى غرفة الصالون حيث آمال التي رأتها فقالت: ها قالك حاجة؟
توترت ولم تعرف ماذا ستقول، لا بد أن الأمر سيئ للغاية فقالت: أنا هألبس ورايحة القسم هأشوفهم عشان إياس ما بيردش عليّ.. وحضرتك روحي ارتاحي وأنا هبقى أطمنك.
آمال نظرت لها بضيق: بتكدبي عليّ يا رنيم؟؟ هو أنا عيلة قدامك تضحكي عليها بكلمتين؟
رنيم: لا خالص يا ماما آمال أنا...
قاطعتها قائلة: أنا أصلاً كنت رايحة القسم أشوف الحلو أخوكي عمل إيه في بنتي.... قالتها بغضب وهي تغادر الغرفة متجهة لباب المنزل.
رنيم وهي تمسك بيدها: يا ماما استني بس أنا أصلاً رايحة هناك.
حدقت بتمعن في عينيها: هو في إيه بالضبط يا بنت شيرين مخبياه عليّ؟؟ قالتها بسخرية وامتعاض.
نظرت بحزن: بنت شيرين!!! طيب شكرًا حضرتك.
شعرت بالندم على ما تفوهت به: ما تزعليش مني أنا مش قصدي حاجة والله بس اعذريني بنتي ما أعرفش عنها حاجة وهأتجنن.
رنيم: وأنا عذراكي.. ويلا تعالي هنروح أنا وأنتِ.. بس ثواني هأغير بسرعة وأجيب حاجة وجاية.
انتهت رنيم من ارتداء ثيابها وأخذت في حقيبة صغيرة ثيابًا من أجل فيروز... ثم غادرت المنزل برفقة آمال...
______________________________
طلبت آمال من محمد أن يغادر وهي ستطمئنه عندما تجد فيروز لكنه أبى أن يتركهما وأصر بأن يذهب معهم إلى المخفر فاستقلوا جميعًا سيارته.... وبعد مرور من الوقت وصلوا أمام المخفر.
رنيم: ممكن تخليكوا هنا وأجيلكوا ثاني؟
آمال: أنا نازلة ورجلي على رجلك.
محمد: استني يا رنيم أنتِ مع عمتي وأنا هأدخل أشوف صقر وأسأله.
رنيم بقلق وتوتر: معلش يا محمد عشان خاطري خليكوا هنا وبعدين ده قسم مش ناقصين كلمة من حد جوه.
محمد: طيب اتفضلي روحي بس ما تتأخريش علينا أديكي شايفة عمتي.
ابتسمت إليهما: حاضر.
قالتها لتدلف مسرعة إلى الداخل.. فأوقفها أحد العساكر: رايحة على فين يا آنسة هي وكالة من غير بواب ولا إيه؟
رنيم: خليك في حالك أحسنلك ولا أنت مش فاكرني؟... ولا أجيبلك إياس وصقر يفكرّوك؟
لينتفض بذعر عندما تذكرها: يا لهوي.. أنا آسف يا ست الكل اتفضلي مكانك ومطرحك.
رنيم: مطرحي في عينك بعد الشر عليّ... قالتها لتتركه متجهة إلى مكتب إياس فتعجبت وانتابها القلق عندما رأت تلك السيدات اللاتي يبدو من ملامحهن أنهن فتيات ليل فشعرت بقبضة في قلبها... طرقت الباب.
إياس من الداخل: مين؟؟
رنيم: أنا رنيم.
فتح لها الباب بالمفتاح حيث كان موصدًا من الداخل: اتفضلي.
دلفت إلى الغرفة لتنظر كمن صعقتها الكهرباء عندما وقعت عيناها على فيروز في هيئتها المزرية تجلس على المقعد أمام المكتب شاردة في الفراغ وكأن روحها ذهبت إلى عالم آخر...
رنيم: إيه ده؟!!!
إياس يهمس لها: جبتِ اللي قلتلك عليه؟
أومأت برأسها بالإيجاب وعيناها مسلطة على فيروز... أردف قائلًا: أنا هأفهمك بعدين على كل حاجة.. المهم دلوقت اقعدي معاها وخليها تلبس الهدوم دي.. وأنا هأستنى بره ولما تخلصوا اندهي عليّ... وبأقولك إيه ما تكلميهاش في حاجة دي كان مغمى عليها وفوقناها بالعافية.
رنيم: حاضر.
غادر الغرفة ثم أوصد الباب من الخارج... اقتربت من فيروز وهي تقول بحذر: فيروز... قالتها وهي تضع يدها على كتفها... لتنتفض فيروز من شرودها لتصيح بخوف: ما عملتش حاجة والله مظلومة... وظلت ترددها تكرارًا فأجهشت بالبكاء... فوقعت السترة من على كتفيها.
لتشهق رنيم وهي تضع يدها على فمها عندما رأت الغطاء الملفوف حول جسدها لتدرك ما وقعت فيه حتى استنتجت كل ما كان مبهمًا لديها... فقامت بضمها وهي تمسد على شعرها: اهدي يا حبيبتي أنا رنيم ما تخافيش... قالتها وظلت تربت على ظهرها بحنان حتى هدأت تمامًا.
نظرت إليها بفيروزيتها التي تحولتا إلى لون الدماء من كثرة البكاء.. ليعتصر قلب رنيم ألمًا عندما رأت آثار صفعات على وجنتيها فوضعت أناملها تتحسسها وعبراتها قد انهمرت فقالت: صقر اللي ضربك كده؟؟!!
لم تجب عليها سوى عادت لتبكي وهي تقول: مش عايز يصدقني... حكم عليّ من غير ما يسمعني.. قالتها لترتمي على صدر رنيم التي ضمتها بقوة وتبكي أيضًا فحاولت أن تهدأ وتهدئها أيضًا فابتعدت.
كفاية عياط بقى وقومي البسي أنا جبتلك هدوم البسيها واقلعي البتاعة اللي عليكي دي.. قالتها رنيم.
أخذت منها الحقيبة فقامت بوهن واتجهت في إحدى الأركان فألتفت رنيم مولية ظهرها إليها لترتدي ثيابها بدون أن تخجل.
وبعد دقائق: ها خلصتِ؟
فيروز: آه خلصت... قالتها وهي تغلق أزرار القميص ذي اللون الأحمر ثم عقصت شعرها لأعلى.
رنيم: أنا هأروح أنادي إياس عشان ده مستني.... قالتها لتطرق على الباب من الداخل فسمعها إياس ليفتح الباب ويدلف إلى الداخل وهو ينظر إلى كليهما.
إياس وهو يبتلع ريقه بتوتر من ذلك الموقف العصيب: فيروز أنا قبل ما تنطقي بأي حرف أنا واثق إنك بريئة وده بحكم خبرتي في شغلي غير إني أعرفك وواثق من أخلاقك بس ما تزعليش مني صقر كان عنده حق في بعض الحاجات وإنك كذبتي عليه بس أنا ضده في اللي عمله معاكي وفعلاً ما كنتش بأهزر لو كان مد إيده ثاني عليكي كنت قطعت علاقتي بيه.. يعلم ربنا أنا بأعتبرك زي أختي.
فيروز وهي تنظر بخجل لأسفل: شكرًا.
إياس: طيب دلوقت المفروض هأعمل تحقيق معاكي ومع اللي جيتي معاهم فأنا قبل أي حاجة عايز أسمع منك بالتفصيل كل حاجة وما تخبيش عليّ ولو حرف... عشان أقدر أساعدك لأن أنا شاكك إن في لعبة حصلت وأنتِ المقصودة.
فيروز: أحم.. أنا هأحكيلك كل حاجة......... ظلت تسرد له كل ما حدث وسبب كذباتها على صقر وهو ما جعلها تكذب.... رنيم كانت تستمع وتشعر بالخجل من ما فعله شقيقها وهي في موقف صعب الآن.
بعد انتهائها من السرد تنهد إياس: تليفونك متسجل عليه الرسالة وتواريخ المكالمات اللي حصلت ما بينك وما بين اللي اسمها هناء دي؟ وتعرفي شكلها؟
نظرت بتعجب: أنتم ما قبضتوش عليها؟
إياس: لأ ما كانش فيه غير 3 ستات وأنتِ والواد... وفي أوضة ثانية راجل وست.
بدأت عيناها تذرف عبراتها مرة أخرى: أنا ما أعرفش إيه اللي حصل كل حاجة حكيتها لك مش قادرة أفهم ليه عملوا معي كده؟!! قالتها بنبرة باكية.
إياس: خلاص بطلي عياط... قولي لها حاجة يا رنيم.
رنيم: فيروز خلاص يا حبيبتي لازم تشدي حيلك عشان نظهر براءتك لأنك بالوضع الحالي ده متهمة.
إياس بتفكير: أنا طبعًا هأعمل كل جهدي عشان أوصل للي عمل كده وليه... بس عشان ما تتسجنيش ما فيش غير حل دلوقت.
نظرت له كالغريق الذي يتعلق بقشة: إيه؟
زفر إياس بسأم: أحم إن الواد اللي كان معاكي يبقى جوزك أو بالمعنى الأصح يكتب عليكي عرفي وبكده تبقي في حكم القانون بريئة.
غرت فاها من الصدمة: استحالة أنت بتهزر صح؟! ... قالتها غير مصدقة.
رنيم: طيب ما ينفعش صقر يكتب كتابه عليها؟.... قالتها فخفق قلب فيروز بخوف.
طرق باب المكتب ثم دلف العسكري: إياس بيه.
إياس: نعم يا عوض؟
عوض: فيه واحدة ست وشاب معها بره بيسألوا عن صقر بيه.
رنيم: ده بالتأكيد طنط آمال ومحمد.
ارتجفت فيروز: ماما!!!! يا لهوي ماما لو عرفت... قالتها وهي تصفع وجنتيها.
إياس: ثواني يا فيروز... ثم وجه حديثه لعوض: طيب روح لصقر خليه يجيلي.
عوض: صقر بيه مشي من شوية وقدم على قرار إجازة.
إياس: نعم!!! إزاي يعني؟؟.... قالها ثم أخذ هاتفه واتصل به فوجد هاتفه مغلقًا.. زفر بضيق متأففًا ثم ألقى الهاتف على المكتب فأردف: طيب روح أنت يا عوض دلوقت.
فيروز وهي تكفكف عبراتها: أعمل إيه أنا دلوقت؟
إياس: لازم مامتك تعرف وأنا عن نفسي هأكلم لك محامي عشان موقفك في القضية وفكري في اللي قلتلك عليه عشان ما فيش غير الحل ده.
_______________________________
يقود سيارته ورفيق دربه عبراته التي لم تنسدل سوى من أجلها فقط.. مشاعره متضاربة.. أفكاره مشوشة.. ذهنه مثبت على هيئتها عندما دلف إلى المكتب ورآها بذلك الوضع... أراد أن يصرخ.. تمنى أن يكون هذا حلمًا وأن الحقيقة غير ذلك.. لم يعد قادرًا على التحمل وخشي عليها من نفسه فقرر الهروب مبتعدًا عن كل ما يتعلق بها.. بداخله لا يتحمل رؤيتها عندما تضع في يديها الأصفاد المعدنية.. لا يتحمل أن يراها خلف القضبان.. فبالرغم أنه يتمنى أن يكرهها لكن قلبه أعلن العصيان عليه فهو ملك لها ولا يستطيع التحكم به... تداهمه كل الذكريات عندما رآها لأول مرة..
وعندما أوصلها بعد حفل عيد ميلاد سيلين إلى المنزل واقتطف أول قبلة من شفتيها، تذكر كل الأوقات السعيدة التي مرت عليهما، لاسيما يوم الخطبة عندما انحنى أمامها وطلب منها الزواج أمام الجميع، وقام بوضع الخاتم بإصبعها، وتراقصا معًا على كلمات أغنية تغنت بكل الكلمات التي تحمل ما يُكنه لها من حب وعشق بقلبه.
تحول مسار ذكرياته إلى الظلام ليتذكر كذباتها وصدمته في كونها ابنة ألد أعدائه، وأخيرًا ما توصلت إليه الأمور. شعر بالاختناق وكأن الهواء ينسحب من رئتيه، فقام بالضغط على زر ففتحت النافذة المجاورة له ليستنشق نسمات الهواء لتذكره بعبيرها.
قام بالضغط على زر تشغيل المسجل.
(ساعدني أنساك يعني لو كلمتك بلاش بلاش ترد عليّ... ساعدني أنساك لو شفتني محتاج لك برضو متسألش فيّ)
اشتدت عبراته في الانهمار وهو يصرخ:
انساها بقى يا قلبي حرام عليك... كفااااااااااااااااايه.
(ولو افتكرت الذكريات افتكر لي بس القسية... ولو حد قالك إنه مات متجيش تسأل عليّ)
آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه... صرخة أطلقها من أعماقه.
(ولو افتكرت الذكريات افتكر لي بس القسية... ولو حد قالك إنه مات متجيش تسأل عليّ)
توقف على جانب الطريق ثم نزل من السيارة ليستند عليها، ثم نزل رويدًا حتى جلس على الأرض وكأنه سُلبت من قواه، فظل يذرف عبراته بقلب جريح.
(ساعدني أنساك)
بجد عايز أنساك الفترة دي من حياتي ومش عايز أفتكر فيها حد... مش عايز أبقى لسه حاسس إني بتذل والسبب إني حبيت بجد.
(ولو افتكرت الذكريات افتكر لي بس القسية... ولو حد قالك إنه مات متجيش تسأل عليّ... ولو افتكرت الذكريات افتكر لي بس القسية)
(ولو حد قالك إنه مات متجيش تسأل عليّ... ساعدني أنساك)
***
في المخفر...
إياس بغضب:
ما تنطقي يا سافلة منك ليها وقولوا مين اللي دفع لكوا عشان تعملوا فيها كده؟
بدرية:
ما قولنا لك يا باشا دي بنت كار زينا بس هي وجه جديد لسه ملفها أبيض وملهاش سابقة عندكوا...
قالتها وهي تتشدق بالعلكة.
إياس:
أنتِ هتستعبطي يا روح أمك، وقسمًا بالله يا بدرية لو ما قلتوا الحقيقة أنتِ وشوية الرمم اللي معاكي دول والكلب ده عارفة هاعمل فيكوا إيه؟
توني الذي يغلبه النعاس:
إيه يا باشا؟
إياس:
ده أنت بالذات ليك روءة معايا... بس الصبر بس.
توني:
طيب وحياة الميتين والصاحيين يا باشا البنت دي هي اللي كانت على طول بتتصل عليّ عشان بديها مبلغ محترم في كل مرة.
إياس:
فين بطايقكوا يا كلاب؟
بدرية:
في الحرز معاكوا يا باشا.
إياس:
روح يا عوض هات لي بطايقهم نشوف آخرتها مع العرر دول.
عوض:
أمرك يا باشا...
قالها فغادر المكتب.
إياس:
أنت يا توني الزفت اسمك إيه بالكامل؟
توني:
هتلاقيه عندك في البطاقة لما يجيبها الشاويش.
إياس:
اخلص يااض بدل ما أخليك تقوله غصب عنك.
توني:
اسمي توني يوحنا ميخائيل... 28 سنة... معايا دبلوم صنايع.
إياس بصوت غير مسموع:
ده إيه الحظ الزفت ده أعمل إيه دلوقت أنا كنت ناوي أخليه يكتب عليها عرفي... أهو طلع مسيحي وميتجوزش طبعًا.
توني:
هو اسمي مش عاجبك ولا إيه يا باشا؟
إياس:
لأ يا أمور مش عاجبني الاستهبال والاستعباط اللي شغالين فيه من امبارح وأنا عمال أحقق معاكوا يا شوية كلاب... يا عسكري عوض...
قالها بصياح مرتفع.
دلف مسرعًا:
جبت البطايق أهي لسعادتك....
قالها فأعطاها لإياس فقال:
اكتب يا ابني المحضر...
قالها لكاتب المحضر الذي يجلس بجوار مكتبه.
***
بالخارج أمام سيارة محمد...
آمال:
الحقني يا ابني مش قادرة أقف على رجلي...
قالتها بوهن حيث شعرت بفقدان الإحساس بساقيها، فكادت تقع فأسندها محمد ليحملها وأدخلها السيارة قائلًا:
تعالي نطلع المستشفى بسرعة.
آمال:
لأ أنا عايزة أشوف بنتي وأطمن عليها... هو مش عايز يخليني أقابلها ليه مش كفاية اللي جرى لها من تحت راس صاحبه منهم لله كلهم حسبي الله ونعم الوكيل.
زفر متضايقًا:
اهدي بالله عليكي يا عمتو... الموضوع كله أصلًا شكله حد بينتقم يا من صقر في فيروز يا إما ممكن...
نظرت له فقالت:
قصدك شوقي ضرغام؟... أنا مستبعدش عنه إنه يعملها بس هيستفاد إيه من يوسخ سمعتها... هي رفضت أي مساعدة منه وأي فلوس بعتتها ليها.
محمد:
مش عارف فيه لغز كبير في الموضوع وصقر ليه علاقة بيه بس للأسف سقط من نظري لما اتخلى عنها في محنتها حتى لو غلطانة في حقه.
آمال:
ربنا يظهر براءتها بس وساعتها قسمًا بربي إنه ما هيشوف ضفرها تاني الندل الخسيس.
محمد:
تعالي معايا دلوقت أوديكي للدكتور نطمن على رجلك.
زفرت بسأم:
ماشي يا محمد يلا بينا بسرعة عشان أرجع أشوف البنت أطمن عليها.
***
ذهبا إلى إحدى العيادات الشهيرة في تخصص المخ والأعصاب، فاصطدم كلاهما عندما أخبرهم الطبيب بأن ما لديها شلل نفسي وهو غالبًا ما يصيب أحد أطراف المريض فيجعله عاجزًا على الحركة، فلا ينفع مع هذا المرض دواء ولا أي شيء، لأنه ليس شللًا نصفيًا أو شللًا عضويًا، إنما هو في واقع الأمر شلل نفسي، ذلك أنه نتيجة لتراكم مجموعة من العوامل النفسية أهمها أن المريض يجد نفسه يعود إلى ما قبل الحركة.
***
في صباح اليوم التالي...
وقفت أمام المرآة وهي تتشح بالسواد مرتدية ثوب طويل باللون الأسود، تلف حجابها الأسود ثم ارتدت نظارتها الشمسية التي تخبئ عينيها المتورمتان من البكاء طوال الليل.
أمسكت هاتفها لتجري اتصالًا:
ألو إزيك يا طنط عاملة إيه؟ حمد لله على السلامة... أنا لبست وجاية هي المدافن فين؟... خلاص إن شاء الله جاية شدي حالك وادعي لها بالرحمة والمغفرة... ياااارب... سلام.
أغلقت المكالمة فأخذت حقيبتها الملقاة على التخت فوضعت بداخلها الهاتف... ثم أخذت مصحفًا صغيرًا فقامت بتقبيله ووضعته أيضًا في الحقيبة.
غادرت الغرفة فنزلت الدرج مسرعة واتجهت إلى الخارج فتوقفت عندما ناداها.
سيلين؟...
قالها شهاب الذي يجلس في الحديقة يتناول فنجان القهوة ويدخن سيجارته وتجلس قبالته كاميليا التي ترتشف النسكافيه ذو الرغوة (كابتشينو).
التفتت يمينًا فنظرت لهما من أسفل النظارة ترمقهما بسخط ثم اتجهت نحو المرآب... فظن أنها ستسافر لزيارة قبر والدها... فنهض من مكانه بعد أن ترك الفنجان على المنضدة الخشبية لكن ما زالت السيجارة بين أصبعيه... تقدم نحوها وهي تهم بفتح باب سيارتها الميني كوبر السوداء طراز هذا العام.
مش بنادي عليكي؟...
قالها بنبرة يخالطها الغضب.
التفتت بفزع لترى أنه في مواجهتها:
نعم؟...
قالتها وهي تجز على أسنانها.
اقتضب حاجبيه بحنق وهو يدخن سيجارته ثم ألقاها على الأرض ليدعسها بقدمه ثم نظر لها:
رايحة فين؟
سيلين:
مسافرة المنصورة.
المنصورة!!!...
قالها متعجبًا.
رايحة جنازة مايا صاحبتي...
قالتها وهي تنظر للجهة الأخرى متحاشية نظراته.
اقترب أكثر منها ليضع يديه على نظارتها وقام بنزعها لتنظر لأسفل فرفع ذقنها بيده:
قلت لك كذا مرة لما تكلميني ما تبعديش عينك عن عيني وبعدين إيه النضارة دي إن شاء الله!!!...
قالها لترفع عينيها لتنظر له بعينيها التي يملؤها الانكسار... فابتسم بسخرية وقال:
واضح إن كلامي امبارح أثر عليكي جامد...
قالها وهو يتلمس وجنتها... فقامت بإبعاد يده عنها بعنف.
حاوطها بذراعيه مستندًا على سيارتها ليحاصرها في المنتصف:
الحركة دي لو اتكررت تاني مش هقول لك هاعمل إيه وقتها... أنا صابر عليكي بطريقة لو حد غيري كان عمل فيكي كده...
قالها مشيرًا إلى سيجارته التي دعس بحذائه الأسود عليها.
رمقته بسخط:
أرجوك كفاية إهانات لحد كده بقى ويا ريت كل واحد فينا يروح لحاله... أنا مش مجبرة إني أكون على ذمة واحد مش طايقة أبص في وشه...
قالتها وهي تقصد إثارة غضبه.
اطلعي فوق مش هتروحي في حتة...
قالها مهددًا إياها.
اشتد حنقها فتعالى نبرة صوتها:
مالكش دعوة بيّ وامشي من وشي... وها روح يعني ها روح.
كاميليا كانت تراقب كل الأحداث بمكر وهي تبتسم كالأفعى وتقول بصوت غير مسموع:
أحسن تستاهلي ولسه بكرة لما تشوفي اللي هاعمله فيكي يا بنت صلاح السويفي...
قالتها لترفع الكوب نحو شفتيها فارتشفت القليل.
نعود لشهاب الذي لم ينبس ببنت شفة لكن نظراته الحارقة كفيلة بأن تدب الرعب بداخلها... فتفاجأت عندما جذبها من يدها ليجرها خلفه إلى الداخل ثم صعدا الدرج وسط صياحها:
سيب إيدي... عايز مني إيه... ده إيه القرف ده.
دلف إلى غرفته وهو ما زال ممسكًا بيدها فألقاها بقوة إلى الداخل فكادت تتعثر وتقع لكن استندت على المنضدة النحاسية الصغيرة التي يعلوها تمثال لسيدة إغريقية.
أغلق الباب فاقترب منها لتبتعد إلى الخلف:
حرام عليك بقى وكفاية أنا تعبت من حرب الأعصاب اللي معيشني فيها دي... اقتلني وريحني بقى...
قالتها وهي تصرخ بوجهه.
تعالت ضحكاته الساخرة ليقوم باستفزازها أكثر:
ما هو ده المطلوب يا حبي أعذبك نفسيًا وأخليكي تطلبي الموت بلسانك ومش هتطوليه... عارفة ليه؟...
قالها وهو يجز على فكيه لتبرز عروق عنقه وهو يقترب منها أكثر ثم أردف:
عشان ده اللي كل يوم بيتحرق ويتعذب بسببك...
قالها وهو يشير نحو قلبه.
أجهشت بالبكاء وتقول من بين عبراتها:
ليه؟... عملت فيك إيه عشان تعمل فيّ كده... أنت ما ادتنيش فرصة واحدة أدافع بيها عن نفسي وأقول لك اللي شفته بعينيك ده مش حقيقي... بس مش هريحك ولا هاعرفك الحقيقة يا شهاب وخليك تتعذب زي ما عذبتني ورايح تتجوز عليّ واحدة سوري في اللفظ عاهرة وزي ما خانت كامل اللي كانت متجوزاه بكرة هتخونك وتخليك لا مؤاخذة بقرون.
كلماتها نجحت في إثارة غضبه ليقبض على نحرها بقبضته فشعرت بالاختناق وصاح فيها غاضبًا:
أنا كان نفسي أموتك فعلًا لكن الموت خسارة فيكي ولولا وصية عمي الله يرحمه لكنت دفنتك معاه وقتها... وبالنسبة لكاميليا اللي بتقولي عليها عاهرة فأنتِ ما تقليش عنها كلكوا طينة واحدة...
قالها ليرى الدماء احتقنت بوجهها ولم تعد قادرة على التنفس فأبعد قبضته عنها فأخذت تسعل بشدة حتى انتظمت أنفاسها.
فركضت صوب الباب حتى تغادر تاركة له الغرفة فجذبها من معصمها:
أنا لسه ما خلصتش كلامي...
ثم أمسك بطرف حجابها لينتزعه قائلاً:
"يا ريت التحجيبة دي ما تلبسيهاش غير لما تكوني قدها، لأنها مش لايقة على واحدة زيك. ومشوفكيش لابسة أسود في أسود تاني غير لما أموت، ابقي البسيه عليا أنا بس."
جلست على ركبتيها على الأرض وهي تبكي وترجع خصلاتها المنسدلة على وجنتيها خلف أذنيها:
"امشي غور من وشي. مش طايقة أشوفك. أنا بكرهك، وكل يوم بكرهك أكثر من اللي قبله."
اقترب منها ودنا إليها وبصوت هادئ:
"معلش يا سيلي، نصيبك كده استحملي."
قالها بسخرية، فاعتدل واضعًا يديه في جيوب بنطاله، ثم أردف:
"بالمناسبة، من هنا ورايح هتباتي معايا في أوضتي."
قالها لتنظر إليه بدهشة، فابتسم عندما فهم سؤال عينيها، فأردف مرة أخرى:
"كاميليا برضه هتكون معانا، أصل أنا ناوي أرجع عصر الجواري، فهنام احنا الثلاثة على سرير واحد، أنتِ وهي كل واحدة فيكم على طرف، وأنا في النص. واللي هتعترض فيكم مش هتلاقي غير الرصيف هتنام عليه. وأنتِ عرفاني لما بأقول على حاجة بأنفذها على طول، حتى لو كانت على رقبتي. أشوفك بالليل يا... مراتي."
قالها بسخرية واحتقار ثم غادر الغرفة وتركها في أحزانها.
توقفت عن البكاء عندما وجدت اهتزاز هاتفها في الحقيبة التي وقعت منها جانبًا عندما دلفت. أخذت الحقيبة فقامت بفتح السحاب فوجدت رقمًا غير مسجل، فأجابت وهي تمسح عبراتها:
"ألو مين معايا؟"
"أهلاً وسهلاً بحرم شهاب السويفي."
قالها ساخرًا.
سيلين:
"مين معايا؟"
"معقولة نسيتي صوتي يا ماي لاف؟ ههههههه. أخص عليكي."
زفرت بحنق:
"عايز إيه يا واطي يا سافل يا زبالة؟ وربنا لو اتصلت تاني لـ..."
قاطعها:
"حيلك حيلك يا حلوة. داخلة فيا شمال كده ليه؟ مش تسمعيني يمكن يهمك الأمر."
سيلين:
"هتقول إيه غير حاجة شبه وشك اللي عايز مليون جزمة عليه."
"طب بصي بقى يا روح أبوكي المرحوم. أنا عايزك تقابليني وتجهزيلي حوالي نص مليون دولار عشان محتاجهم."
سيلين:
"نص مليون عفريت يسخطوك يا باسل الكلب."
باسل:
"طيب وليه الغلط؟ مش لما تعرفي ده مقابل إيه؟"
سيلين:
"إيه، ناوي تتجوز مايا اللي ماتت بسببك؟ ولا ناوي ترجعني زي ما كنت، ولا تصلح من بيتي اللي اتخرب بسببك؟"
باسل:
"إيه كل ده؟ حد قالك إني مصلح اجتماعي؟ لاء يا حليتها، دول مقابل حاجتين أظن إنهم غاليين عليكي قوي."
اتسعت حدقتاها بخوف:
"أنت قصدك إيه؟"
باسل:
"صورك العزيزة اللي هتبقى خبر الموسم ده أولًا. ثانيًا ميزو حبيب بابا اللي أنتِ موصية عليه في المستشفى."
سيلين:
"كداب ولا تقدر تعمل حاجة."
باسل:
"لو مش مصدقاني اتصلي على المستشفى واسأليهم بنفسك. وحاجة كمان، لو عقلك وزك إنك تقولي لعريس الغفلة حاجة، يبقى أنتِ كده بتحكمي عليه بالموت. اللهم بلغت اللهم فاشهد."
سيلين:
"آه يا حيوان، اللي زيك يعرف ربنا؟"
باسل:
"مش عايز رغي كتير، قدامك أسبوع بالظبط وتجهزيلي الفلوس، لأما ماهتشوفي ابن الغالية. ولا هتشوفي المحروس جوزك. عقلك في راسك تعرفي خلاصك. تشاو يا مزة."
قالها ليغلق المكالمة.
تنظر من حولها غير مصدقة ما سمعته، فقامت بالاتصال على المستشفى فأجابتها موظفة الاستقبال:
"أيوه يا مدام سيلين. جالنا الصبح والد الطفل مازن اللي والدته توفت واستلمه بشهادة ميلاده وبطاقته الشخصية."
سمعت سيلين حديث الموظفة فوقع الهاتف من أذنها لتتردد على مسمعها جملة مايا:
(مايا وهي تحاول أن تتنفس: خلي بالك من ابني يا سيلين. أوعي تديه لباسل. خليه عندك وابقي اديه لماما لما ترجع من السفر وقوليها تسامحيني هي وبابا.)
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم ولاء رفعت
بداخل مكتب إياس بالمخفر:
فيروز تبتلع غصتها بألم فقالت بنبرة مليئة بالألم:
يعني أنا هترحل ع النيابة دلوقت؟
محمد الذي يجلس قبالتها أمام مكتب إياس زفر بحنق:
يعني إيه اللي أنت بتقوله ده يا إياس، استحالة تتسجن في تهمة ما عملتهاش. اتصرف يا أخي.
إياس بسأم:
للأسف والله زي ما قلتلكوا كده، البنات اللي معاها والست اللي مشغلاهم معترفين، غير الواد اللي قبضنا عليه معاها عشان نثبت إنها متعرفهوش وأول مرة تشوفه. لاقينا رقمها متسجل عنده في السجل ونفس الأمر عندها، كان مكلمها كذا مرة.
فيروز بعصبية:
إزاي!!! أنا اللي كلمتني الزفتة اللي اسمها هناء و..
قاطعها إياس:
هي اللي كلمتك بس طلع الخط متسجل باسمه... ده غير إنه عشان يخرج نفسه من القضية شهد بأن دافع ليكي 400 جنيه مقدمًا ووصفهم إنهم كانوا عبارة عن 4 ورقات بمية... ولما عملنا تفتيش للأحراز لقينا المبلغ ده فعلًا في شنطتك.
محمد:
سهل جدًّا هما يحطوها في شنطتها، مش محتاجة ذكاء يعني.
إياس:
يا محمد إحنا في شغلنتنا للأسف بنعتمد على الأدلة والشهود، والمصيبة الاتنين ضدها، ده غير حالة التلبس اللي اتقبض عليها فيها.
فيروز:
يعني هتسجن!!!!
قالتها وعينيها تتسع خوفًا.
إياس:
أحم... المفروض دلوقت تترحلوا على النيابة وهم هيقرروا، بس لو فضلوا الأوباش دول على شهادتهم للأسف كده هتتحول لمحاكمة وفيها حكم من سنة لـ 3 سنين... والغير عادل في قانون مكافحة الآداب أن الست هي اللي بتتحبس لكن الراجل أو راغب المتعة بيبقى في نظر القانون شاهد وبيدفع غرامة فقط وما بيتحكمش عليه، وده اللي خلى كتير من الرجالة بتعمل كده من غير ضابط أو رادع، لكن نسيوا أن ربنا الحكم العدل، الراجل زي الست في الجزاء والعقوبة.
محمد بنبرة غاضبة:
طيب كتر ألف خيرك يا صاحبي، أنا هتصل بالمحامي وهخليه يروحلنا على هناك وهو هيتصرف.
تنهد بحنق:
أنت ليه محسسني أن أنا مش عايز أساعدها؟ والله حاولت معاهم بس شكل مدفوع لهم فلوس كتير وأنت طبعًا عارفني أنا ما ليش في جو التعذيب ده، آخري أهدد وأشد بالكلام وبعمل اللي يمليه عليا ضميري.
كانت تبكي فقالت:
خلاص يا محمد هو عمل اللي عليه، كتر ألف خيره إنه وقف جنبي على الأقل ما عملش زي صاحبه اللي باعني.
إياس بحزن شديد:
فيروز والله العظيم لو بإيدي حاجة كنت ما اتأخرتش عليكي بيها، يا عالم ممكن وكيل النيابة يقدر يعرف الحقيقة و...
صاح محمد مقاطعًا إياه:
خلاص يا حضرة النقيب مش عملت اللي عليك! سيبلي أنا الباقي... وياريت لو شوفت أو قابلت صقر بيه قوله إن شاء الله فيروز هنثبت براءتها وساعتها ينساها لأن اللي ما يصونش النعمة اللي في إيديه يبقى ما يستاهلهاش.
لم يجيب عليه إياس بل نظر لأسفل بحزن عميق... بينما فيروز ما زالت تبكي وهي تشعر كأن الدنيا أقسمت أن تعاقب على ذنوب لم تقترفها بتاتًا.
غادر محمد على مضض ليعجل في حضور المحامي حتى يجد أي ثغرة في القانون يخرج بها فيروز من ذلك الظلم الأسود الذي سيلحق بها وصمة عار ستلازمها لأبد الدهر إن لم تثبت براءتها.
_____________________
في منزل السويفي:
كاد يصيبها الجنون من كثرة التفكير كيف ستتصرف مع ذلك الشيطان المدعو باسل... حول حياتها لجحيم والآن يساومها على سمعتها وعلى الأمانة التي تركت لديها... رأسها توقف عن التفكير... قررت مغادرة الغرفة وأن تتصرف على الفور وتذهب إلى غرفة المكتب لتأخذ رقم محامي العائلة حتى يساعدها في تلك المحنة بدون أن يعلم شهاب بشيء فهي تخشى عليه من غدر ذلك اللعين.
هبطت الدرج ليقابلها رئيس الحرس بصوته الأجش:
رايحة على فين حضرتك؟
نظرت له بفزع وبغضب في ذات الوقت:
نعم!!! وأنت مالك أروح فين؟ ده بيتي وأنت هنا مجرد سكيورتي.
نظر لأسفل:
أنا آسف لحضرتك لو طريقة سؤالي ضايقتك بس دي أوامر شهاب بيه، حدودك جوه الفيلا وممنوع تخرجي حتى لو الجنينة.
صاحت بغضب:
أنا هنا صاحبة الفيلا وأنا اللي أؤمر فاهم ولا هفهمك!!
شرنوبي:
بترجى حضرتك بلاش تحطيني ما بينك وبين شهاب بيه، أنا مجرد زي ما قلتي ساعدتك سكيورتي فمش ناقص مشاكل.
دفعته من أمامها:
أوعي من وشي.
قالتها بتأفف.
شرنوبي:
طيب حضرتك رايحة فين؟
جزت على أسنانها بغضب:
رايحة المكتب فيه مانع!!!
شرنوبي:
شهاب بيه مش موجود لسه طالع بعربيته من ربع ساعة.
سيلين:
أفادكم الله يا سي شرنوبي.
قالتها بسخرية.
تقدمت بخطوات هادئة نحو المكتب وقبل أن تدير المقبض سمعت همهمات آتية من الداخل لكن بصوت تعرفه جيدًا فأمعنت لتسترق السمع.
كاميليا بداخل المكتب وهي تتحدث بصوت هادئ في هاتفها وتتلفت من حولها:
قولي أعمل إيه؟ أنا بقالي ربع ساعة وأكثر بدور على الفايلات دي ومش لاقياها حتى لما كنت في المكتب اللي في الشركة ما لقيتش حاجة، بالتأكيد ليه مخبأ سري بيحط فيه الأوراق دي والعقود.
الطرف الآخر:
ياريت تخدي بالك شهاب السويفي مش سهل ولو عرف ممكن يمحيكي من الوجود.
كاميليا:
ما تخافش يا بيبي ده ولا هو ولا كامل الزيان بجلالة قدره يقدروا يعملوا حاجة ولا أنت ناسي أنا مين!!
الطرف الآخر:
بمناسبة كامل الزيان تعرفي لما عرف أنك اتجوزتي شهاب كان هيتجنن ومستحلف ليدمرك ويدمره.
شعرت بالارتباك:
وأنت عرفت منين؟
الطرف الآخر:
عيب عليكي يا كوكي أنتي مش واثقة في حبيبك ولا إيه؟ ده أنا بعرف الخطوة قبل ما تحصل سواء لشهاب أو كامل.
كادت تتحدث حتى لاحظت وجود ضلفة لها مقبض بمفتاح خاص:
ثواني يا بيبي خليك معايا.
في إيه؟
اقتربت من تلك الضلفة الموجودة بداخل الجدار وتتوسط مكتبة خشبية بها العديد من الكتب... حاولت فتحها لكن كانت موصدة.
أنتي يا هانم مش بتردي ليه؟
كاميليا:
ما فيش شكل البيه عنده خزنة وعامل عليها ضلفة مقفولة بمفتاح... شبه اللي كانت عند كامل في مكتبه.
خلاص لو متأكدة حاولي بأي طريقة تعرفي مكان المفتاح والخزنة لو بسيكريت نمبر طبعًا أنتي عارفة هتعملي إيه زي ما علمتك.
كاميليا:
طبعًا عارفة... أومال مين اللي جابلك أوراق كامل لحد عندك وعرفت ترجع حاجتك... بس بصراحة صعب عليا مصعب المساعد بتاعه لما عرفت إنه قتله لأنه فاكر أن هو اللي سلمك الأوراق دي.
ما يصعبش عليكي غالي يا حلوة.
سيلين تقف مشدوهة متسعة حدقتيها فلم تدرك ما سمعته فأدارت المقبض لتدلف إلى المكتب لتفاجئ كاميليا التي خبأت الهاتف في جيب ثوبها القصير.
سيلين:
بتعملي إيه هنا؟؟
قالتها بتساؤل وتحذير.
كاميليا وتتظاهر بعدم الارتباك:
قاعدة في مكتب جوزي ليكي فيه يا حلوة؟!!
قالتها لتكيدها.
قهقهت سيلين بسخرية ثم أردفت:
نعم يا حرباية هانم.... ده مكتب بابي الله يرحمه.
كاميليا:
حرباية!!! ميرسي ده من ذوقك... أنا أصلاً كنت جاية عشان أعمل لشيبو مفاجأة بمناسبة عيد ميلاده...
قالتها وهي تمسك بيدها علبة زرقاء من المخمل.
نظرت إليها بنظرات كقذائف الحمم البركانية ولم ترد أن تجيبها فهمت بمغادرة المكان فأوقفها صوت كاميليا:
شوفتي بقى مين اللي بيحبه أكثر فينا يعني أنتي يا اللي عايشة معاه طول عمرك ونسيتي عيد ميلاده وأنا يدوب اللي عرفاه بقالي كام يوم فاكرة تاريخ ميلاده من وقت كتب كتابنا.
رمقتها سيلين بازدراء ثم تركتها وصعدت لأعلى.
بداخل غرفته تجول ذهابًا وإيابًا وهي تشعر بالمصائب تتفاقم فوق رأسها فهي موعودة بالشيطان باسل الذي يطاردها... وشهاب وقع في براثن حية تحوم من حوله وتريد إيذاءه... جاءتها فكرة بأن تبحث في دفتره الذي يسجل به الأرقام الهامة... جلست على التخت فدنت لأسفل قليلًا وهي تجذب أحد الأدراج في الكومود فوجدت الكثير من المفكرات والدفاتر... أخذت تقلب فيهم جميعًا حتى وجدت مبتغاها... بحثت بنظريها ليقع على اسم عيسى أيوب وأمامه أرقامه الأربع التي يمتلكها.
قامت بمهاتفته وطلبت منه الحضور إلى المنزل لتريد مقابلته بخصوص أمر هام.
___________________
في سراي النيابة:
بعد مرور أكثر من ساعة على تحقيق رئيس النيابة مع كل من فيروز وبدرية وشهيرة وصفاء والمدعو توني وفتاة وشاب آخرين لكن قاموا بتقديم ورقة عقد زواج عرفي بتاريخ قديم.
خرج المحامي الذي كلفه محمد بالدفاع عن فيروز بالتحقيق... ركض محمد نحوه بقلق:
عملت إيه يا متر؟
توفيق:
والله يا محمد بيه ما كدبش عليك أنا عملت كل ما يمكن يتعمل لكن موقف الآنسة فيروز ضعيف جدًّا واللي زاد من كده شهادة الواد اللي كان معاها... أنا جيت أبلغك وهدخل أتابع هشوف هيسري قرار المستشار على إيه.
محمد:
ربنا يسترها وتخرج منها على خير.
دلف توفيق المحامي إلى الداخل بعدما استأذن ليجد ما يلي:
رئيس النيابة:
بعد الاطلاع على أوراق المحضر والذي به اعتراف كل من المتهمات بدرية حسين وشهيرة السيد وصفاء عويس بممارسة الدعارة... كما أكد المدعو توني يوحنا بأنه أتى إلى الشقة بهدف الحصول على المتعة وذلك بمقابل 400 جنيه وهذا بمسبق اتفاقه مع المتهمة فيروز أحمد... لذلك قررت نيابة القاهرة برئاسة المستشار إلهامي عبد الغفار رئيس النيابة... بحبس كل من فيروز أحمد سراج الدين وبدرية حسين السمنودي وشهيرة السيد السماحي وصفاء عويس جاد الله... وإخلاء سبيل توني يوحنا ميخائيل بعدما ضبط مع إحدى السيدات وإكرام حسين السمنودي وعباس حسن قورة وذلك بموجب عقد الزواج العرفي... غرامة مالية قدرها 500 جنيه لكل شخص على حدة.
قالها لتجهش فيروز بالبكاء... وصاح توني:
يحيا العدل... يحيا العدل.
المستشار:
سكوت بدل ما أحبسك معاهم.
توني:
آسف يا باشا الفرحة واخداني بس.
المستشار:
يا عسكري خضر.
دلف العسكري إلى الداخل:
تحت أمر ساعدتك.
المستشار:
خد المتهمات دول على الحجز لحد ما يترحلوا للمحكمة بكرة.
أخذهم العسكري إلى الخارج... رفعت عينيها لتجد محمد ينتظرها بلهفة وخوف فعلم أنه لا محالة... جاءها صوت يلهث وهي تركض نحوها.
فيروز حبيبتي... معلش اتأخرت عليكي...
قالتها رنيم التي صمتت بعدها عندما رأت العسكري يضع الأصفاد المعدنية بمعصمها.
فاخذت تبكي وتعانقها.
محمد: متقلقيش يا فيروز أنا مش هسيبك، وهخلي المحامي يحاول في المحكمة إن شاء الله.
نظرت له بيأس شديد وهي تبكي: متتعبش نفسك يا محمد، أنا عارفه اللي هيحصل، هيتحكم عليا بالسجن ظلم.
العسكري: يلا يا ست مش وقته الرغي.
محمد: خدي بالك من نفسك. قالها وكادت عبراته تنسدل.
فيروز: هي ماما فين؟
محمد بحزن: عمتي تعبانة شوية، هتبقى تيجي تزورك.
فيروز: قولها إن أنا بريئة ومظلومة.
محمد: هي عارفة يا فيروز وكلنا عارفين.
ابتسمت بسخرية وعينيها حزينتان إلى رنيم حتى فهمت ما ترمي إليه. فقالت رنيم: على فكرة والله صقر بيحبك بس صدمته كانت كبيرة.
لم تجب فيروز واكتفت بالصمت وسارت بمحاذاة العسكري.
____________________
يترأس المائدة وع يمينه سيلين الشاردة في الصحن الفارغ، وع شماله كاميليا التي تمضغ الطعام بلذة وهي تنظر لسيلين بنظرات خبيثة.
شهاب: هو الطبق شكله حلو أوي كده؟ قالها بسخرية.
كاميليا: ههههههه لا دي شكلها عاملة دايت يا بيبي.
نظر إليها شهاب بنظرة حادة فصمتت للتو. ثم نظر إلى سيلين وهو يضع يده على يديها قائلًا بهدوء: مالك سرحانة في إيه؟
انتفضت وهي ترمقه بسخط: لو سمحت ايدك متلمسش إيديا.
ترك الشوكة التي كانت بيده الأخرى، ثم تناول المنشفة الورقية، ثم مسح شفتيه من آثار الطعام، وكان محدقًا بعينيها التي تتحدث له بآلاف الكلمات، فقام من المقعد لينظر الاثنتين له.
شهاب: قومي عايزك فوق. قالها شهاب آمرًا سيلين.
سيلين: أنا لسه بتعشى.
انحنى نحوها فأمسك الصحن الشاغر فرفعه أمام نظريها وقال بسخرية: ماهو واضح.
سيلين: لو سمحت سيبني في حالي. أنا أصلًا مكنتش عايزة أتعشى معاكو وأجبرتني قعدت غصب عني. وكمان عايزني أاكل غصب كمان!!!
لم يعقب بكلمة واكتفى بجذبها من يدها لتنهض عنوة عنها ويسحبها خلفه كالعادة.
سيلين بغضب: هو أنت بتجر كلبة وراك سيب إيدي بقي. قالتها وهي تحاول أن تتملص من قبضته وهي تركض خلفه وهما يصعدا الدرج.
دلف بها إلى الداخل. ثم وقف أمامها وهو يعقد ساعديه أمام صدره.
شهاب: ممكن أفهم في إيه؟ مش عايزة تاكلي مش عايزة تشربي، أتحايل عليكي تنزلي تتعشي معانا. هو لازم أتعامل معاكي بشدة عشان تسمعي الكلام!!!
رمقته باقتضاب: وليه التعامل أصلًا وإحنا مش طايقين بعض.
شهاب: مزاجي كده. قالها وهو يشير بإصبعه إلى جانب رأسه.
سيلين: وأنا مش تحت أمر مزاجك. ويكون في علمك أنا لما برضخ لأوامرك مش عشان خايفة منك. أنا ببقى مش عايزة أدي فرصة للحرباية اللي تحت تتشفي فيا.
شهاب: احترمي نفسك وأنتِ بتتكلمي عليها. قالها محذرًا إياها.
سيلين: حامي لها يا شهاب بيه. وأحب أعرفك إن اللي اتجوزتها عشان تغيظني دي عمالة تخطط من وراك مع حد عشان يوقعوك.
ابتسم بسخرية: قولي كدبة جديدة. أصل دي كدبة فيك أوي واتهرست في مليون فيلم. ياريت تحاولي تبتكري.
رفعت أحد حاجبيها بامتِعاض: أنا مبكدبش ولا بقول كده عشان متضايقة منها. روح اسألها كانت عمالة تدور في مكتبك ليه النهاردة. ومين اللي عمالة تقوله في الفون يا بيبي.
تجهم وجهه بدون أي تعابير فقال ببرود: تعمل اللي هي عايزاه براحتها. ملكيش أنتِ دعوة وخليكي في حالك.
نظرت له بصدمة فهل وصل به الحقد إلى هذا الحد: خلي غضبك يعميك لحد ما تقع على جدور رقبتك. وبكررهالك والله العظيم بكرة هتندم أشد الندم لما تعرف الحقيقة. وعارف! ساعتها مش هسامحك لأنك كل يوم بتكسر حاجة جوايا من ناحيتك لحد ما بقى بينا خط ضعيف أوي. إفضل شده على أقل من مهلك لحد ما يتقطع وأنا هختفي ساعتها من حياتك كلها.
شعر من كلماتها بغصة في قلبه. التمس صدق حديثها كلمة كلمة. وعندما ذكرت بأنها ستختفي من حياته سيطر عليه شعور الخوف والرعب لكن الظلام المسيطر بداخله يأبى ذلك. وبعد مرور من الوقت لم يشعرا به وكلا منهما يحدق بالآخر.
لم تشعر بخطواته وهو يقترب منها ليأخذها بين ذراعيه في عناق بث من خلاله إليها مدى عشقه لها واشتياقه. لا يبالي بأي حدث كان فأراد أن يسترق من الزمن لحظات دفء لجسده الذي يشعر بالبرودة طوال بعدها عنه. فلم لا فهي حواءه وهو آدمها. هي كادت تستسلم لذلك العناق لكن أيقظها عقلها فقامت بدفعه ليبتعد عنها.
فألقت كلماتها ذات المغزى: متحاولش تلم الإزاز المكسور لأنه مينفعش يتصلح ولو حاولت استحمل الجروح اللي هيسببهالك!!!
قالتها فغادرت الغرفة مسرعة نحو غرفة والدها وبداخلها مشاعر تتصارع على البقاء بجواره أم البقاء بعيدة عنه. لتبدأ الحرب ما بين القلب والعقل.
________________________
في اليوم التالي.
أمام دار القضاء العالي، ينزل من سيارته بخطى هادئة يرتدي نظارته الشمسية التي يخفي أسفلها عينيه المرهقتين. بعدما قرر أن يقطع غيابه الأيام الماضية. أراد أن يراها تعاقب وتدفع ثمن كذباتها لكنه لا يعلم أنه يعاقب نفسه. صعد الدرج خطوة تلو خطوة يسبقها دقات قلبه الذي يخفق خوفًا وغضبًا وحبًا وكراهية لكن مازال بداخله تلك البقعة المنيرة المحتفظة بعشقه لها. لكن سواد الظلم والغضب يحيطها بهالة من الظلام ليمنعها أن تبث شعاع العشق والأمل بداخله.
وقف لبرهة ثم أسرع مبتعدًا عندما رأى الصحفيين والمصورين يقتنصون أي خبر أو تصريح. وكان يقف أمامهم إياس ومعه العديد من العساكر الذي أوقفوهم.
قال أحدهم: سيادة النقيب ممكن تقولنا فعلًا قبضتو على خطيبة النقيب صقر الهواري في حالة تلبس بداخل أحد شقق الدعارة.
نظر بحدية فقال بنبرة يخالطها الغضب: مفيش الكلام ده وقبل ما تكتبوا أي حاجة اتأكدوا الأول بطل ما تعرضوا نفسكم للمساءلة القانونية بتهمة التشهير بالسمعة.
الصحفية: يا فندم الخبر موثوق فيه ميه في الميه خاصة إن جاي من جوه سراي النيابة.
إياس بنبرة تهديد: طيب اسمعوني بقى وقسمًا بالله لو حد فيكم كتب حرف وحب يعمل شو وسبق صحفي لأقفل له الجريدة أو المجلة اللي بيشتغل فيها. أظن كلامي واضح.
تراجع الجميع إلى الخلف فغادر معظمهم ما عدا صحفية شابة وبرفقتها مصور اكتفت بالاختباء بالخارج عن عيون إياس والعساكر وهي تصر أن تعلم ما يدور بالداخل.
نعود إليه وهو يدلف إلى الداخل وهو يعتصر قبضته كما يعتصر قلبه حتى وصل أمام القاعة التي سيتم بها المحاكمة فتقدم نحو الداخل ليوقفه الحارس حتى علم هويته ليعتذر له وهو يشير إليه بالدخول.
بداخل القاعة اتجه إلى المقاعد الخشبية العريضة وعينيه من أسفل نظارته تراقب الأوضاع خاصة عندما نظر إلى القضبان الحديدية التي يقف خلفها المتهمون.
من خلف القضبان تقف فيروز وأمامها محمد ورنيم وبجواره توفيق المحامي الذي يعد بعض الأوراق الخاصة بالدفاع.
محمد: ما تخافيش إن شاء الله ربنا هيظهر الحق. وأنا هفضل جنبك ومش هسيبك أبدًا حتى لو قدر الله اتحكم عليكي.
فيروز وهي تبكي: أنا عايزة أشوف ماما هي ما جتش ليه؟؟ طبعًا هتلاقيها زعلانة مني وغضبانة عليا.
نظرت رنيم بأسف إلى محمد حيث علمت بحال السيدة آمال التي فقدت الحركة مؤقتًا.
رنيم: ماما آمال تعبانة شوية يا فيروز. والله بتصلي وتدعيلك بس إحنا اللي منعناها تيجي عشان ما تتعبش في الطريق أكتر. قالتها رنيم.
فيروز: ما تكدبيش عليا يا رنيم أنا قلبي بيقولي في حاجة وأنتوا مخبينها عليا.
محمد: مفيش حاجة وبعدين إحنا مش كفاية؟؟
رنيم: والله يا فيروز حتى إياس جاب قوة وواقف بره عشان يمنع أي صحفي أو مصور يدخلوا القاعة وعمال يزعق فيهم.
تبسمت بسخرية: صحفيين!! ومصورين!!!
محمد: ما تخافيش أنا بابا وأخويا وجدتي وجدي ما يعرفوش حاجة.
فيروز بتهكم: مفيش حاجة بتستخبى يا محمد خاصة الفضايح. قالتها وهي تشيح بوجهها للجهة الأخرى والعبرات تجري على وجنتيها كمجرى النهر. فتوقفت فجأة من البكاء لتتسع حدقتيها بذهول عندما وقعت عينيها عليه فخفق قلبها بقوة حتى تأكدت أنه هو فهي تستطيع التعرف عليه في وسط الآلاف من الرجال.
انتبهت إلى صوت مناداة الحاجب: محكمة. ليذهب الجميع إلى الجلوس بالمقاعد ويعم السكون. ودلف المستشارون ليجلسوا بمقاعدهم الخاصة خلف المنصة. وبعد دقائق بدأت المرافعة.
____________________
في مكان آخر يجلس على المقعد الجلدي الضخم يرتدي نظارته الطبية للقراءة فقط. ينحني للأمام يتصفح بعض المواقع الإخبارية العالمية على حاسوبه المتنقل الموجود بأعلى الطاولة التي أمامه. شعر باهتزاز هاتفه ليعلن عن رنين رسالة واردة فأخذ الهاتف ثم نظر للشاشة بتمعن ليجدها رسالة صوتية مرفقة بصورة. وقبل أن يضغط على الصورة قام بتشغيل الرسالة فسمع كالآتي:
(إزيك يا كبير. أنا حبيت أبعتلك التقرير اليومي. النهاردة المحاكمة بتاعة القضية وبعتلك صورة وهي نازلة من عربية الترحيلات وهي داخلة المحكمة ويا عيني إيدها الناعمة كانت في الكلابش. أنا دلوقت مستني لما يخلص الهري اللي جوه ده وأول ما هعرف الحكم هبلغك إن كان اتحكم عليها ولا لأ. وبالمناسبة لقيت الواد الظابط خطيبها جه بس كان بيحاول يتدارى عن الأنظار شكله الله أعلم إدلها صابونة وبعد عنها زي ما أنت كنت عايز بالظبط. شالوم يا باشا وألقاك في فويس آخر.)
بعدما استمع إلى ذلك قام بفتح الصورة وقام بتكبيرها ليطلق تنهيدة ثم قال: خلاص هانت القدر لعب لعبته وهتيجي في مصلحتي وقريب هخلصك من اللي أنتِ فيه وتبقى معايا أنا. قالها ليلاحظ ظل شخص ما يأتي من وراءه.
إبراهام: أنا مستغرب جدًا إزاي بتحبها! وإزاي ما حاولتش تساعدها لما عرفت إن اتلعب عليها لعبة وهتتسجن ظلم. قالها إبراهام.
التفت له وهو يرجع للخلف بأريحية: القوة والنفوذ مش كل حاجة يا صديقي لازم أستعمل الذكاء والحكمة خاصة لما القدر جه في صالحي وأديني خلصت من أكبر عقبة في طريقي ليها. أهو تخلى عنها زي ما توقعت بالظبط لأن اللي زيه ما يقبلش على كرامته كراجل حاجة زي كده وعرفت الأيام الأخيرة ما بينهم كترت المشاكل.
إبراهام وهو يمسك بكأس من النبيذ: صدق اللي سماك رأس الأفعى بيبرس. ومن عندي أنا هسميك داهية.
قالها وأطلق قهقهة ساخرة.
بيبرس ببرود أعصاب مبتسمًا بمكر:
"طول عمري واخدها قاعدة في حياتي، وهي حكمة قالها نابليون بونابرت زمان: (أعرف حين اللزوم أن أهجر جلد الأسد لألبس جلد الثعلب)."
إبراهام:
"أنا كده أبتدي آخد حذري منك يا صديقي."
قالها بسخرية مازحًا.
بيبرس:
"وماله الحذر واجب برضه."
قالها بطريقة مازحة، لكن لا تخلو من الجدية التي تلمسها إبراهام، فنظر إليه بقلق حتى تجرع آخر رشفة بالكأس.
فقال:
"طيب يلا تعالى معايا عشان عايزينك في الجهاز (الموساد) ولازم أكون معاك."
نظر في هاتفه مرة أخرى وهو يقول:
"اعتذر لهم بالنيابة عني عشان مش فاضي لعمليات دلوقتي، احتمال أنزل بكرة مصر."
إبراهام:
"أنت أكيد بتهزر، عارف مين اللي عايز يقابلك هناك؟"
ضحك بسخرية وقال:
"هيكون مين يعني؟ نتانياهو بنفسه!"
إبراهام:
"يخربيت برودك، وده هيقابلك يعمل بيك إيه؟"
بيبرس:
"نتكلم بجد بقى، أنا فعلًا مش فاضي، واتفضل بقى شوف رايح فين عشان هحضر حالي."
زفر بحنق وقال بنبرة غاضبة:
"براحتك يا بيبرس، وقسمًا بالرب ما هتصدرلك في حاجة بعد كده."
قالها وركل بقدمه المقعد ذا القوائم الثلاثية المجاور للطاولة الرخامية (البار)، ثم غادر المنزل.
لم يعره بيبرس أي اهتمام قط، بل قام متجهًا صوب غرفته حتى يجهز أشياءه استعدادًا للسفر غدًا. وحينما دلف إلى الغرفة، أتاه صوت رنين رسالة أخرى وهو ما كان ينتظرها. فركض مسرعًا إلى الردهة ليأخذ الهاتف من على الطاولة وقام بفتح الرسالة، ليتجهم وجهه ثم انفرجت أساريره بابتسامة الثعلب عندما يخطط لشيء ما.
***
بعد الانتهاء من المرافعة، وبعد محاولات عديدة من المحامي للدفاع عنها بشتى الطرق واستغلال ثغرات القانون، لكن كان تقرير النيابة بما يحتويه من أدلة وشهادة المتهمين واعترافاتهم أقوى من الدفاع، فغادر المستشارون بعدما قال أوسطهم: "الحكم بعد المداولة."
وبعد مرور بعض الوقت لنسترجع ذلك المشهد مرة أخرى.
بداخل دار القضاء العالي، وفي إحدى قاعات المحكمة، ينادي الحاجب بصوت قوي:
"محكمة."
ليدلف القاضي والمستشارون الذين معه. وهي كانت تنظر بعينيها التي تحولت من لون البحر إلى لون الدم من كثرة البكاء من الظلم والقسوة، فتمسك بيديها قضبان القفص الحديدي التي بداخله داعية ربها أن ينجدها من هذا البلاء كما أنجد يوسف عليه السلام من غياهب السجن. تنتظر حكم القاضي وكأنها تنتظر ملاك الموت وهو آتٍ إليها ليقبض روحها، ليقاطع انتظارها صوت القاضي الرخيم وهو يدوي في القاعة.
القاضي:
"بعد الاطلاع على أوراق القضية واستماعنا لتقرير وكيل النيابة وشهادة الشهود، قررنا نحن سيادة القاضي والسادة المستشارون بالحكم على كل من شهيرة السيد وبدرية حسين وفيروز أحمد سراج الدين بالحبس لمدة عام مع الشغل والنفاذ، رفعت الجلسة."
فيروز:
"لاااااااااا... عااااااااااااا!"
بدرية:
"لا لا لا، اجمدي كده يا حلوة ماتخافيش دي كلها سنة."
شهيرة:
"معلش يا عينيا بكرة هتتعودي هيهيهييي."
نظرت إليهما وقالت بصوت تخالطه الدموع:
"حسبي الله ونعم الوكيل فيكم، ربنا ينتقم منكم."
يخرج هو من المحكمة ليقف في بهو الدار ويضع كفيه على وجهه وعينيه التي ستنزف دموعًا وهو يقول لنفسه:
"ليه كده؟! ليه يا فيروز عملتي فيا كده؟! ليه بس؟! وربي وما أعبد، زي ما عملتي فيا كده لأخلي أيامك الجاية كلها عذاب وجحيم، وزي ما عيشتك أجمل أيام حياتك لأعيشك أسود أيام عمرك برضه."
صمت قليلًا ليردف:
"ياااااارب الهمني الصبر، ولو كان ده كابوس صحيني منه، ليه بخسر أقرب الناس لقلبي وبأيديهم كمان."
***
تسارع في الأحداث، وهي المشاهد التي تم ذكرها في الثلاث الحلقات الأولى، وهي عندما فقدت الوعي بعد إطلاق الحكم ودلفت إلى المشفى، وذهاب صقر إليها والغضب يعمي بصيرته وقلبه بالحقد والانتقام، ثم قاموا بترحيلها بالشاحنة إلى سجن النساء بالقناطر الخيرية في اليوم الذي يليه، وهناك تتفاجأ بمجيء صقر وتبدأ المواجهة بينهما، وانتهت بالموافقة على طلبه من قبل مأمور السجن وهو أخذها إلى مصلحة الطب الشرعي لعمل كشف عذرية، وهو أكثر ما يهين كرامة أي امرأة خاصة عندما تكون فتاة عذراء، وعلى الرغم من شجار إياس معه بسبب ذلك الأمر لكنه أصر على ذلك ولا يعلم أحد ما يجول بداخله.
جاء اليوم الموعود. دلفت سعاد السجانة في صباح ذلك اليوم تنادي بصوتها الجهوري:
"المستجدة فيروز أحمد."
فيروز حينها كانت تغفو في سبات عميق بعد بكاء استمر طوال الليل، لا سيما بعدما تأكدت أنهم سيأخذونها حقًا ويفعلون بها ذلك عنوة عنها، وكيف هذا وذلك بأمر من ما أحبته يوم ما، فكان كالخنجر الذي ينحر به جيدها بلا رحمة أو شفقة.
أشجان وهي تلكزها في كتفها:
"فيروز؟! اصحي يا بنتي متجيبيش لنفسك الكلام."
استيقظت بذعر تتلفت من حولها:
"أنا أأأنا...."
ما تدري بما تتفوه به فصمتت وهي تبتلع ريقها عندما رمقتها سعاد بغضب، فنهضت من على الفراش مسرعة ووقفت أمامها تنظر لأسفل بأسى.
فيروز:
"نعم."
سعاد:
"نعم الله عليكي يا أختي، روحي اغسلي وشك وجهزي نفسك ويلا بسرعة."
ذهبت لتنجز ذلك حتى انتهت ثم أمسكتها سعاد وهي تضع الأصفاد بيدها وتسير بمحاذاتها في الرواق الطويل حتى خرجت إلى الفناء الخارجي لتقابل العساكر والضابط المسؤول عن تلك المهمة، ثم خرج الجميع أمام بوابة السجن الضخمة لتقع عينيها على شاحنة ترحيلات أقل حجمًا من السابقة.
واتسعت عينيها بصدمة وذعر عندما وجدت السيارة القادمة فهي تعرفها جيدًا، نحو الشاحنة لتتوقف، فترجل منها بهيبته المعتادة لكن تلك المرة مرتديًا الزي الرسمي ذا الشريطتين المعلقتين فوق كتفيه وكل منهما بها ثلاث نجوم ذهبية وهي رتبة النقيب. اقترب من الضابط المسؤول ليتحدثا بصوت غير مسموع لديها حيث تقف على بعد أمتار تنظر له لكي ينظر إليها. لكنه رأى تلك النظرات بطرف عينيه فلم يعيرها اهتمامًا، فهو خشي أن تتلاقى نظراتهم فيرق قلبه لها الذي يسيطر عليه بقوة.
انتهيا من الحديث فأمر الضابط:
"يلا يا سعاد تعالى المستجدة العربية."
سعاد:
"أمرك يا فندم، يلا امشي بسرعة."
قالتها فأخذتها خلف الشاحنة وهي تفتح الباب الحديدي الصغير من القفل فأردفت:
"هو أنتِ حكايتك إيه بالضبط؟ أول مرة يجيلنا أمر بالموضوع ده (كشف العذرية) بعد السجن، ومتوصى عليكي من سيادة النقيب وكمان جاي معانا بنفسه، أنتِ تعرفيه؟"
انتابها التوتر الذي بدا على ملامح وجهها فابتلعت ريقها وقالت:
"لاء معرفوش."
قالتها ثم دلفت إلى داخل الشاحنة هي وسعاد حيث يربطهما الأصفاد بأيديهما. اتجهت فيروز بخطوات قليلة نحو نافذة التهوية الصغيرة الموضوع عليها سلك معدني وهي تجلس على المقعد المعدني العريض. تلتفت لتنظر من تلك النافذة لترى يقود سيارته بمحاذاة الشاحنة. لن تستطيع السيطرة على خفقات قلبها الذي عندما رآه أراد أن يخرج من بين ضلوعها ويذهب إليه. لا تشعر بمسافة الطريق فتوقفت الشاحنة للتو أمام مصلحة الطب الشرعي بالقاهرة وتحديدًا بمنطقة السيدة زينب.
سعاد:
"يلا يا هانم عشان وصلنا."
قالتها بسخرية.
***
بداخل منتزه ترفيهي يجلس خالد وليلى كل منهما على أرجوحة.
خالد:
"ينفع كده؟! على آخر الزمن أركب مرجيحة زي العيال."
قالها بمزاح.
ضحكت ليلى بصوت عذب:
"وفيها إيه يا خالودة، عيش اللحظة يا حبيبي."
نظر لها باقتضاب:
"ممكن بعد كده لما تضحكي توطي صوتك؟"
ابتسمت من حديثه ونزلت من على الأرجوحة واقتربت منه وهي تقرص وجنتيه:
"ده حبيب قلبي بيغير يا ناس."
أمسك يديها وتأمل عينيها ثم قال مازحًا:
"أنتِ قد الحركة دي؟"
ليلى:
"آها."
قالتها ثم أخرجت لسانها لإغاظته. ثم سحبت يديها على الفور عندما نهض وهم بالركض خلفها فلم تستطع لأنه جذبها وقام بحملها على كتفه. وهي تصيح بضحكات:
"نزلنيييييي، هتوقعني."
خالد:
"عشان تحرمي تطلعي لسانك وتغيظيني، ومش هنزلك غير لما تقولي أنا آسفة يا دكتور خالد ومش هعمل كده تاني."
ليلى:
"نعم يا أخويا! ده عندها يا بيبي."
خالد:
"أخويا! وعندها!... طيييب."
قالها ثم فاجأها وهو يركض بها في كل الأرجاء وهي تصيح وتضحك في آن واحد.
خالد:
"ها، قولي آسفة يا دكتور."
ليلى:
"نزلني يا خالد أنا دوخت والله وهرجع كل اللي في بطني."
توقف ثم أنزلها ووجهه انكمش باشمئزاز:
"في واحدة تقول لجوزها هرجع!"
ليلى:
"أنا فعلاً دوخت وبطني قلبت ووجعتني."
قالتها وهي تضع يدها على بطنها.
خالد بقلق:
"معلش يا روحي أنت كنت بهزر معاكي."
ليلى بابتسامة خبيثة:
"وأنا كمان."
خالد وينظر لها بنصف عين:
"وأنتِ كمان إيه؟"
كان خلفه مسبح لكن للأطفال.
نظرت له ثم قالت وهي تدفعه نحو الخلف:
"وأنا كمان كنت بهزر."
فوقع في المسبح ليجد الأطفال يضحكون ويسخرون منه.
خالد:
"كده يا ليلى!... آآآآآه يا رجلي آآآه."
تأوه بتألم.
ليلى بقلق:
"مالك يا خالد؟"
خالد:
"رجلي اتلوت في الميه وهموت مش قادر ومش عارف أطلع."
ركضت نحوه وهي تمد يدها إليه:
"امسك في أيدي جامد وهطلعك."
إحدى الأطفال:
"نيجي نطلعك يا عمو."
خالد:
"شكرًا يا حبيبي، طنط هتطلعني."
قالها ومد يده ليمسك بيدها متصنعًا الألم.
حاولت تجذبه نحوها فقام هو بجذبها بقوة نحوه فوقعت في المسبح وهي بين ذراعيه، فابتلت ثيابهم وظل الأطفال يضحكون عليهم وقاموا برش المياه عليهما فبادلهم خالد وليلى رش المياه، فمن يراهم كأنهما طفلين.
***
في متجر لبيع الثياب. خرج كلاهما فتقابلا معًا.
ليلى:
"ياااه ده أنا كنت هنشف من البرد."
خالد:
"أنتِ السبب مش اللي وقعتيني في البيسين."
ليلى:
"ما أنت أخذت حقك مني يبقى كده خالصين."
لف ذراعه حول كتفيها فقال:
"طيب تعالي يا أم لسان عشان ألحق أروحك قبل ما حماتي تقيم عليا الحد وبقية أيام الأسبوع."
ليلى:
"ههههههههههههه آها يا جبان."
نظر لها متضايقًا، فخجلت من ما تفوهت به فقالت:
"آسفة يا خالد."
ابتسم وهو يقبل رأسها فوق الحجاب:
"خلاص يا روح خالد أنا مش زعلان، بس يا ريت قبل ما نتكلم نفكر في الكلام قبل ما نقوله."
أومأت رأسها بملامح طفولية.
فأمسك بيدها هامسًا في أذنيها:
"يلا بقى وأنتِ قمر وحلوة كده والفستان عليكي يجنن."
توردت وجنتاها خجلًا:
"طيب يلا أدفع حساب الحاجة عشان نمشي."
ابتسم من خجلها فقال:
"ربنا يخليكي ليا وما يحرمني منك أبدًا يا حبيبتي."
قالها وهو يشابك أصابعه بداخل أصابع يدها بتناغم وحب.
ليلى وكأنها تذكرت شيئًا:
"ده أنا نسيت صح أسألك، بقى لي كام يوم مشوفتش فيروز ومحدش موجود في الشقة وتليفونها مقفول وطنط آمال مبتردش."
خالد:
"ممكن تكون في الشغل ومش عارفة ترد."
ليلى بقلق:
"مش عارفة أنا قلبي مقبوض وبيقولي فيه حاجة."
خالد:
"خلاص يلا تعالي نروح لهم ولو مش موجودين نتصل عليهم، ولو محدش رد فيهم هتصل على صقر أسأله."
ليلى:
"صقر؟ لا بلاش."
خالد:
"اشمعنى؟"
ليلى:
"أصل هو وفيروز مش بيكلموا بعض ومتخانقين خناقة جامدة."
خالد:
"هي اللي حكتلك؟"
ليلى:
"لا دي طنط آمال اللي كانت حكيالي."
خالد:
"طيب يلا نروح بسرعة ونشوف فيه إيه، لأن فعلاً الموضوع يقلق."
قالها فذهب إلى محاسب المتجر ودفع ثمن الثياب التي ارتدوها بدل المبتلة التي أخذوها بداخل أكياس بلاستيكية. ثم غادرا المتجر. فأوقف سيارة أجرة فانطلقت بهما بعدما دلفا إلى الداخل متجهة بهم إلى مسكنها.
***
خرجت سعاد بعدما فتح لها العسكري بالخارج ويليها فيروز التي تألمت من احتكاك الصفد بمعصمها. أخذت تفرك بيدها على مكان الألم وهم يقفون ينتظرون تصريح الدخول. فانتبهت لرائحة عطره الفواحة التي اشتدت عندما رفعت عينيها لتجده يقف أمامها وجهًا لوجه محدقًا بفيروزيتها بنظرات حادة وملامح متجهمة كجلمود صخر.
لكن نظراتها عكسه تمامًا، كانت تصرخ بأن يرحمها من ذلك العذاب ويتراجع عن قراره هذا، وكأنها تقول له:
كيف لك أن تفعل بي هذا وأنا كنت لك عشقك وموطنك؟ كيف أن تسمح بإهانة كرامتي وأنا كنت جزء منك في يوم من الأيام؟ هل إلى هذا الحد غضبك قد أعماك؟ أو هذا انتقامك الذي يريد إذلالي أمام عينيك حتى تشفي غليلك وتنعم بالراحة عندما تنجح في ذلك؟
"ودلوقتي هنعرف إن كنتي بتكدبي ولا لأ."
قالها بجمود وبكل برودة أعصاب.
"دلوقت بس أثبتلي إنك أحقر بني آدم عرفته في حياتي."
قالتها بنظرات غاضبة تبث له كراهية وضغينة، لكن بالطبع ليس تلك الحقيقة فقلبها عكس ما تظهره تمامًا.
أخذتها سعاد بعدما رأت نيران الغضب المستعرة بعينيه كأنه يود أن يحرقها حية. دلفت مسرعة إلى الداخل.
لكنه سيطر على غضبه وتركها لما سيحدث معها الآن، فذلك كفيل بمعاقبتها على ما تفوهت به له.
بعدما مر الجميع من الساحة الخارجية فعبروا رواقًا طويلًا ثم وصلوا أمام المصعد فدلفوا إلى الداخل. وصل إلى الطابق الذي به غرفة الكشف.
قامت سعاد بفك الأصفاد وكادت تدلف معها فقامت إحدى العاملات بمنعها:
"لو سمحت ممنوع دخول حد مع الحالة."
سعاد:
"إزاي حضرتك؟ دي نزيلة وأنا المسؤولة."
العاملة:
"معلش دي أوامر الدكتور حضرتك وعمومًا يعني جوه فيه مساعدات فمتقلقيش مش معقولة هتهرب وحضراتكم واقفين بره."
زفرت بسأم:
"أمري لله، اتفضلي يا ست فيروز."
همت بالدخول لكنها ألقت نظرة ازدراء واحتقار على الذي يقف مبتعدًا يراقب ما يحدث. فجز على أسنانه واعتصر قبضته حتى لا يركض نحوها ويصب غضبه عليها. فتركهم وهبط إلى أسفل لينتظرهم بالخارج حيث شعر بالاختناق.
بداخل غرفة الكشف شعرت بهروب دمائها وجف حلقها، لكن رأت سيدتين يرتدين زي السيدة التي بالخارج ولم ترَ أي طبيب بالداخل.
قالت إحداهما:
"يلا بسرعة خدي البسي النقاب واللبس ده واخرجي كأنك شغالة هنا أنتي فاهمة."
نظرت فيروز بعدم استيعاب وهي مشدوهة:
"أنتوا مين؟"
قالت الأخرى:
"مش وقت أسئلة يا آنسة فيروز، واطمني أول ما تنزلي وتخرجي هتلاقي عربية هوندا سودة مستنية بره هتاخدك على المطار بسرعة، وهناك هتعرفي كل حاجة، بس بسرعة عشان لو اتكشفنا هنضيع كلنا."
أخذت من يدها الثياب فارتدتها خلف الستارة البيضاء التي توضع بجوار سرير الفحص. انتهت.
فيروز:
"أنا لبست خلاص بس مش عارفة البس النقاب."
السيدة:
"تعالي وأنا ألبسهولك."
قالتها لتجعلها ترتديه بشكل صحيح ثم نظرت لها.
فقالت الأخرى:
"يا بطة دي عينيها ملونة وباينة أوي وهيعرفوها منها."
السيدة:
"نزلي البيشة على عينيكي أأمن لك أحسن."
انتهت من ذلك لتفتح الباب وهي تتنفس بصعوبة من الخوف فنظرت للجهة المعاكسة وأسرعت الخطى. وظن الجميع بالخارج أنها إحدى المساعدات.
وصلت إلى أسفل في زمن قصير وهي تخرج من الباب حتى تصل إلى الشارع اصطدمت وكادت تتعثر في صقر الذي كان يتحدث في الهاتف.
"آآآه."
قالتها متأوهة من أثر الاصطدام في قدمها.
نظر لها صقر وبالطبع لم يعلم من هي لأن وجهها متخفي بالكامل حتى عينيها التي كانت تلتمع من أسفل ذلك الغطاء الأسود الشفاف لكنها أشاحت بنظريها قبل أن يحدق بها.
صقر:
"معلش أنا مكونتش أقصد."
لم تجب عليه وركضت نحو السيارة التي وصفتها لها تلك السيدة وخاصة عندما التمع شعار ماركة السيارة التي ذكرتها لها.
ففتحت الباب ودلفت مسرعة ولم تنظر للسائق الذي انطلق بسرعة جنونية.
كادت تكشف عن وجهها وهي ترفع النقاب لأعلى فأتاها صوت تميزه جيدًا.
"أوعي تخلعيه قبل ما نوصل للمطار."
نظرت إلى الذي يقود السيارة في المرآة الأمامية فشهقت بدهشة:
"أنت!!!!!"
***
في غرفة سيلين.
دلفت إلى الداخل مربيتها وسيلين تجذبها بهدوء من يدها.
سيلين بصوت منخفض:
"حد شافك؟"
يسرية:
"لا، بس فهميني أنتي عايزة تعملي إيه بالظبط؟"
قالتها وهي تعطيها حقيبة جلدية.
أخذتها سيلين وقامت بفتحها:
"هفهمك بعدين، بس كل اللي طلباه منك دلوقتي إنك تنزلي تحت وتلفي ورا الفيلا عند الجراج المهم تصوتي وتقولي حرامي بصوت عالي."
يسرية:
"وليه كل ده؟"
سيلين:
"يا داده بالله عليكي اسمعي اللي بقولك عليه أنا رايحة أجيب أمانة حد عزيز عليا أأمني عليها وأخلص من هم تاني، ادعيلي والنبي يا داده."
زفرت بسأم:
"ربنا معاكي يا بنتي، بس أنا من رأيي تاخدي حد معاكي من السكيورتي."
سيلين:
"يعني أنتي متعرفيش حكم قرقوش."
ضحكت يسرية:
"ههههههه الله يجازيكي يا سيلي، مسمية شهاب بيه قرقوش!!!"
سيلين:
"ده أنا بس أخلص من المصيبة اللي رايحة لها وصبروا عليا وربنا لأوريه النجوم في عز الضهر إن كان هو ولا الحرباية اللي اسمها كاميليا، بالمناسبة هي مخفية فين؟"
يسرية:
"قعدت تعوم في البيسين وبعدين طلعت أوضتها وطلبت عصير وشربته ونامت."
سيلين:
"اللهي تنام ما تصحى، كده حلو أوي يلا بقى انزلي وأول ما تكوني في المكان اللي قولتلك عليه رني عليا."
يسرية:
"حاضر أمرك يا بنتي."
قالتها وغادرت.
ذهبت أمام المرآة وتعتدل من ثيابها، وتحكم من ربطة حجابها جيدًا ذو اللون الزمردي. ومر من الوقت بضع دقائق قليلة.
رن هاتفها فأجابتها:
"أيوه يا داده أنا هخرج دلوقتي عدي 5 ثواني وصوتي أوك، سلام."
وبمجرد أن خرجت من الغرفة حتى سمعت صراخ يسرية التي ركض نحو صوتها جميع الحراس ليروا ماذا حدث. لكن ما كان لا تضعه في الحسبان هو استيقاظ تلك الحية على الصراخ فخرجت إلى الشرفة.
حتى رأت التي تتسلل إلى الخارج متجهة نحو البوابة.
فقالت بداخل نفسها:
"دلوقتي فهمت سبب الصريخ ده، ده أنتي طلعتي مش سهلة يا سيلين، متفقة مع يسرية عشان تلهي الجاردس وتخرجي، إم خليت ليلتك سودة مع شهاب مبقاش أنا كاميليا."
فدلفت إلى الغرفة لتأخذ هاتفها من على الكومود فضغطت على زر الاتصال بشهاب فلم يجب وظلت تكرر الاتصال.
بينما سيلين بعدما دخلت الغرفة الصغيرة الشاغرة التي بها لوح التحكم بفتح البوابة الإلكترونية فضغطت على زر الفتح لتسرع بالركض نحو الخارج وهي تلتقط أنفاسها من الخوف. ومن حسن حظها وجدت سيارة أجرة تتجه صوبها.
سيلين:
"اطلع بسرعة لو سمحت."
قالتها لتدلف إلى داخل السيارة وانطلقت بها.
ولد كاميليا أخيرًا أجاب عليها شهاب بعد 10 مرات من الاتصال المتكرر.
شهاب بحنق:
"أيوه عايزة إيه؟"
كاميليا بدلال:
"كده يا بيبي أنا كنت بطمن عليك بس."
زفر بضيق:
"انجازي يا كاميليا عايزة تقولي إيه؟ وإيه الدوشة اللي عندك دي؟"
كاميليا بخبث:
"أصل أنا كنت نايمة وصحيت على صويت دادة يسرية بتقول حرامي جيت أبص من البلكونة لقيت كل السكيورتي بيجروا ناحية جراج العربيات، وكمان لقيت مين؟"
قالتها لتصمت.
شهاب بغضب:
"ما تخلصي كملي."
كاميليا:
"لقيت ست سوسو بتجري ناحية البوابة وخرجت شوف بقى هربت راحت فين."
أغلق المكالمة على الفور ليصيح بغضب:
"نهارك أسود معايا يا سيلين لو طلع الكلام ده صح."
فقام بمهاتفة شرنوبي والذي أكد له ذلك الحديث بعدما بحث في كل مكان بالمنزل وبالحديقة عن سيلين فلم يجدها. ثار بغضب عارم، فغادر الشركة متجهًا نحو المنزل حتى يستجوب يسرية بنفسه فأنه يعلم جيدًا أنها الأقرب بها فمنذ مدة وتعلم ما تفعله سيلين.
وفي أثناء قيادته وهو في الطريق جاءت إليه مكالمة من البنك أنه تم سحب حوالي 500 ألف دولار بأمر من سيلين والتي استلمت الأموال يسرية بعدما هاتفت سيلين مدير البنك الذي يكون من معارف والدها. وكان المتحدث من أحد أصدقاء شهاب.
اشتد غضبه كالقنبلة التي على وشك الانفجار فضغط أكثر بقدمه فزادت سرعة السيارة كالصاروخ.
وفي سيارة الأجرة.
السائق:
"إيه يا مدام بقى لي نص ساعة سايق ومش عارف رايحين فين."
سيلين:
"ثواني بس هقولك دلوقتي."
قالتها لتقوم بالاتصال على رقم باسل فأجابها:
"ماي لاف، أخيرًا، رجعتي نفسك؟"
سيلين:
"انجز يا متخلف أنا جبتلك الفلوس أنت فين؟"
باسل:
"أشطا عليكي، أنا هقولك وتابعي مع السواق."
زفرت بحنق:
"حاضر."
يلا قول
ظل يوصف لها العنوان لكن بطريقة ملتوية، حتى يضمن أنه لو راقبها أحدهم، فلن يقدر على اللحاق بها.
مر أكثر من خمس عشرة دقيقة حتى وصلت كما وصف لها أمام مبنى مخيف، على ما يبدو مهجور. قامت بدفع الأجرة للسائق ثم ترجلت على خطى حذرة.
***
في منزل السويفي
تبكي يسرية بخوف: والله يابيه ما أعرف حاجة، كل اللي طلبته مني أجيب لها الفلوس وروحت جبتها لها من البنك... والباقي أنت عرفته.
شهاب الذي يجلس على المقعد خلف المكتب: يعني إيه اختفت؟ ولا تكون هربت وأنتي عارفة مكانها؟
يسرية: والله ما أعرف، وحياة عيالي ما أعرف.
شهاب: عارفة يا يسرية لو جرى لها حاجة... أنا لحد الآن بعتبرك في مقام والدتي... لكن لو حصل حاجة لسيلين وقسمًا بربي لأخلي أيامك أنتي وشوية الحمير اللي بره أسود من السواد... امشي من وشي. قالها بغضب.
دلف إليه شرنوبي: باشا... قلبنا عليها كل المنطقة، ما لهاش أثر، بالتأكيد ركبت تاكسي.
قام من مجلسه بغضب واتجه نحو شرنوبي، فأعطاه لكمة قوية: أنا مشغل شوية حمير... يا أغبية!
شرنوبي الذي يضع يده على أثر اللكمة: والله يا باشا غصب عننا.
شهاب: طيب روح اجمع 10 كلاب (يقصد الحراس) من اللي بره وتعالوا معايا ندور عليها.
بعدما دلفت إلى ذلك المبنى المخيف نادت بخوف: باسل... أنت فين؟؟؟
لم تجد رد سوى صفير أرعبها صادر منه... ظلت تتلفت من حولها فتعثرت قدمها في شيء ما لتجد جرذًا صغيرًا فصرخت بقوة: آآآآآآآآآآآآآآها!
فالتفتت خلفها لتجده واقفًا أمامها فشهقت بذعر.
باسل وهو يدنو إلى أسفل ممسكًا بالجرذ من ذيله: إيه يا سيلي، ده فار صغنن خايفة منه... ده حتى شكله كيوت. قالها فألقاه نحوها.
فتراجعت إلى الخلف بعدما صرخت وكانت ستقع، فجذبها من يدها لترتمي على صدره فأحكم ذراعيه محاوطها.
سيلين: الله يخرب بيتك، ابعد عني حرام عليك مش كفاية اللي عملته فيا.
باسل بابتسامة الذئب: أعمل إيه في قلبي مجنون بيكي.
سيلين: على فكرة شهاب زمانه عرف إن أنا مش في البيت وهيقلب الدنيا.
باسل: يا ريت يعرف وأهلًا وسهلًا بيه، أنا نفسي أشوفه من زمان عشان أخلص منه.
سيلين: ما تبطل حقد بقى، ده أنت الشيطان جنبك ملاك.
باسل: طيب عشان طولت لسانك دي هتيجي معايا ومش رايحة في حتة.
اتسعت عينيها بخوف: قصدك إيه؟؟؟ وبعدين فين مازن؟؟؟
أطلق ضحكة أرعبتها: أنتِ طيبة أوي يا سيلي، خصوصًا بعد ما استشيختي ولبستي الحجاب وبقيتي مزة أكتر، يخرب بيت جمالك... قالها وهو يعض على شفته السفلى.
صفعته على وجهه ثم بصقت عليه... ففك ذراعيه ليبعدها عنه وهو يمسح وجهه من بصقتها: كده يا سيلي تضربيني بالقلم!!! وبتتفي على خلقة ربنا!!!... قالها بهدوء وخلفه بركان غضب ليفاجئها بصفعة قوية جعلتها وقعت على الأرض مغشيًا عليها.
انحنى ليأخذ منها حقيبة النقود ثم أخذ حقيبتها الشخصية وأخذ منها هاتفها، فقام بمهاتفة شهاب الذي كان يتصل عليها في نفس الوقت.
باسل: ألو، عريس الغفلة؟... قالها بسخرية.
شهاب بغضب: أنت مين يا حيوان؟
باسل: لحقت تنساني يا شهاب يا سويفي... أنا اللي سيادتك أخذت حاجته وأنا اللي ياخذ مني حاجة أنسفه.
زمجر بغضب: يا ابن الـ....... وربنا لأموتك.
باسل: خليك أغلط براحتك عشان ما تشوفش مراتك خالص... وبالمناسبة دي بقت مزة في الحجاب أكتر.
شهاب: والله العظيم لو لمست شعرة منها هقتلك.
وفي أثناء حديثه عادت إلى وعيها لتفاجئه من الخلف بضربة على رأسه بحجرة تناولتها من الأرض.
باسل: آآآآآآآآآآآآآآه... قالها ليلقي الهاتف... فأسرعت بأخذه: ألو، الحقني يا شهاب، باسل خطفني وأحنا في بيت مهجور في طريق مصر إسكندرية عند.......
لم تكمل حيث قام الآخر بأخذ الهاتف ليتطاير الشر من عينيه وجذبها من تلابيب حجابها فشعرت بالاختناق فقامت بركله فتأوه لكن كان أشد منها قوة فقام بإعطائها لكمة قوية فجعلتها يغشى عليها تمامًا... فحملها وغادر المكان واتجه نحو سيارته وألقى بها إلى الداخل ثم انطلق.
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم ولاء رفعت
وصل أمام المخفر والغضب يتطاير من عينيه كالنيران المشتعلة. ترجل من السيارة ودلف مسرعًا إلى الداخل حتى وصل أمام مكتب صديقه، وبدون أن يطرق على الباب اندفع كالعاصفة.
صقر: وقسمًا بالله لو عرفت أنك أنت اللي ورا هروبها لأنسى أنك صاحبي خالص.
قالها صقر وهو يمسك بتلابيب قميص إياس الذي ينظر له مشدوهًا.
أمسك إياس بيدي صديقه وهو يبعدها عنه: أنت بتتكلم على إيه؟ أنا مش فاهم حاجة.
صقر: أوعى تكون فاكرني عيل أهبل أصدق تمثيلك ده. أنت الوحيد اللي تعرف أنهم واخدينها عشان تعمل موضوع الكشف.
قالها صقر بصياح وبنبرة غاضبة.
نظر له إياس باقتضاب حتى أدرك مقصد حديثه: أنت قصدك فيروز هربت؟ إزاي؟
قالها بتعجب.
صقر: بطل أم الاستهبال ده وقول لي وديتها فين؟
إياس بحنق: ما تبطل الغباء اللي أنت فيه ده إزاي أهربها يعني! وبعدين محدش يعرف بالموضوع ده غيري أنا وأنت ورنيم.
فاتسعت حدقتاه وقال في نفسه: ينهار أزرق ده أنا باين عكيت الدنيا.
توقف مكانه متسمرًا وضيق عينيه وهو يردد: قلت لي بقى رنيم.
قالها ليغادر. أسرع إياس خلفه.
إياس: تعالى هنا رايح فين؟
قالها إياس وهو يجذب صقر من ذراعه.
صقر: أوعى يدك دي عني.
قالها وهو ينظر له محذرًا.
إياس: مش هسيب دراعك غير لما تقول لي أنت ناوي على إيه؟ وعارف لو عملت حاجة في أختك أو زعلتها، هتزعل أنت مني جامد.
صقر: وخايف عليها ليه؟ يبقى هي تعرف فيروز فين.
قالها بنبرة جدية متأكدًا.
إياس بتوتر: وهي هتعرف إزاي!
قالها فأحس صقر بالكذب في حديثه.
دفعه ليترك ذراعه وحدق في عينيه بحدية: عارف لو عرفت أنك ورا الموضوع أو الهانم أختي، أنا بقى اللي بقولهالك المرة دي، هقطع علاقتي بيك يا صاحبي، لأنكم كده بتضروها مش العكس.
إياس يرمقه بسخط: اللي يعني هي فارقة معاك ما أنت حكمت عليها بقسوة وظلم وعارف من جواك هي بريئة بس كبرياء باشا بتاعك مش متقبل الحقيقة أهم حاجة ترضي غرورك حتى لو هتدوس على قلبك.
لمس حديث صديقه قلبه فلم يجبه واكتفى بأن يرمقه من أسفل لأعلى ثم تركه وغادر مسرعًا متجهًا إلى منزله.
______________________
أربعة سيارات ذات الدفع الرباعي يسيرون خلف بعضهم متجهين نحو طريق مصر إسكندرية الصحراوي. وفي المقدمة يقود شهاب السيارة بنفسه. ينظر لهاتفه حيث ما يبدو يتصل على أحدهم.
زفر بغضب: رد يا جمال الزفت.
شرنوبي الذي يجلس بجواره: مش هيرد عليك يا باشا من ساعة ما استأذن حضرتك إنه هيسافر ومن وقتها مش بيرد على التليفون.
شهاب: هيكون اختفى فين؟
زم شرنوبي شفتيه بإيماءة تعني أنه لا يعلم.
وفي الجانب الآخر في سيارة باسل، ينظر إلى التي مغشي عليها بالمقعد المجاور له. ممسك بهاتفه: ألو يا توربيني، جهز لي الرجالة وتعالوا لي على المصنع القديم بسرعة، عايزكم تسبقوني على هناك، سلام.
أغلق المكالمة، ثم توقف ليبحث عن هاتفها لكي يتصل بشهاب فتذكر أنه هناك بالمبنى القديم. فأمسك بحقيبتها وأخذ يفتش فيها ليجد محفظتها الجلدية التي تحتوي على بطاقات ائتمانية وبطاقات أخرى لتقع عينيه على إحدى تلك البطاقات فوجدها خاصة بشهاب وعليها رقمه الخاص وأرقامه بالشركة.
أسرع بكتابة الرقم على هاتفه وضغط زر الاتصال، وظل ينتظر حتى أجاب.
باسل: ألو.
شهاب: أيوه مين؟
باسل: أنت لحقت تنسى صوتي ولا إيه؟
شهاب: هو أنت يا ابن الـ.......
باسل: توء توء عيييييب. ما تنساش مراتك بين يديي دلوقت يعني لو طولت لسانك مرة تانية ما أوعدكش على اللي هأعمله فيها.
شهاب بغضب جلي: والله لو فكرت تلمسها هقطعك بسناني أنت فاهم!
باسل: طيب هأعمل معاك ديل (اتفاق) حلو تيجي لي على العنوان اللي هأقول لك عليه بس تحضر لي 20 مليون. قلت إيه؟
جز شهاب على أسنانه بغضب: اتفاقنا. فين؟
بعد مرور نصف ساعة بعدما سحب شهاب المال من حسابه الخاص ووضعهم في حقيبة كبيرة، ذهب برفقة حراسه اتجاه العنوان الذي أخبره باسل به.
وصلت السيارات الأربع أمام مصنع قديم وما يبدو أنه مهجور منذ فترة كبيرة. ترجل من سيارته يحمل سلاحه بيده فوجد الهدوء والسكون يعم المكان. نزل الحراس من السيارات الأخرى كل فرد منهم كان كالجدار البشري يحمل سلاحًا آليًا على وضع استعداد إطلاق الذخيرة.
أشار إليهم شهاب بأن ينتشروا بداخل وخارج المصنع ليؤمن دخوله، وتبقى معه شرنوبي وحارسين برفقته.
دلف جميعهم بحذر إلى الداخل، فوجد قد أشعلت الأضواء التي تسلطت إحداها على عينيه لتنكمش أهدابه وحدقتيه.
شهاب بصياح: أنت فين يا حيوان، مراتي فين!
أجابه بصفير سيمفونيته المرعبة فقاموا بشد أجزاء الأسلحة ليصوبوها نحو كل الاتجاهات، فظهر أخيرًا على بعد أمتار لكن يمسك شيئًا بيده وعندما كان يقترب ظهر ذلك الشيء وكان حبل يسحب به. ما هذا! إنه يقيد سيلين التي أفاقت منذ قليل، يكبلها بالحبل حول معصميها واضعًا لاصقة عريضة على فمها.
____________________
أخذ هاتفه مسرعًا ليضغط على الاتصال بها.
إياس: ألو يا رنيم؟
شعرت بخطب ما عندما ذكر اسمها بجدية: حبيبي إزيك؟
إياس: أنتي عارفة أن فيروز هربت؟
رنيم: إيه؟ إزاي؟
إياس: رنيم محدش يعرف الموضوع بتاع زيارتها النهاردة عشان الكشف إياه غيري أنا وأنتي وصقر، وأخوكي قالب الدنيا ولسه ماشي من عندي وجاي لك هينفخك.
رنيم بتوتر: ليه وأنا مالي؟ وبعدين هو يعرف منين أن أنا عارفة؟
إياس: معلش زلة لسان مني.
رنيم: ماشي يا إياس وقعني في مصيبة مع أخويا المتهور ده وقول لي زلة لسان.
إياس: طيب ممكن أسألك سؤال وتجاوبيني بصراحة؟
رنيم: أتفضل.
إياس: أنتي ليكي علاقة بهروب فيروز أو عندك علم بيه؟
انتابها القلق والتوتر وقبل أن تتفوه بشيء فوجدت رقم يهاتفها على الانتظار.
رنيم: حبيبي سلام دلوقت معايا فون على الويتينج باي، هأكلمك بعدين.
قالتها لتغلق مسرعة، فشعر بريبة وشك حيال هذا الأمر.
نعود لرنيم التي أجابت: ألو؟
فيروز: بجد بشكرك وعمري ما هأنسى وقفتك جنبي ربنا يخليكي ليا يا أختي اللي ما جابتهاش ماما.
رنيم: عيب مفيش ما بينا شكر أنا بعتبرك برضه زي أختي. المهم طمنيني عليكي، أنتي معاه دلوقت؟
فيروز: آه وداخلين على المطار أهو.
رنيم: خلاص يا حبي هو هيفهمك هتعملي إيه كويس، وأتمنى لك رحلة سفر ممتعة.
فيروز: متعة إيه وأنا هربانة. كان نفسي أثبت براءتي لكن الدنيا كلها واقفة ضدي وأولهم أخوكي.
زفرت بسأم: معلش يا حبيبتي إن شاء الله ربنا هيظهر حقك، خلي بالك من نفسك، لا إله إلا الله.
فيروز: محمد رسول الله، سلام.
__________________
شهاب بصياح عندما رأى ذلك: نهار أبوك أسود وربنا ما أنا سايبك.
ضحك باسل بصوت عال ليتردد صدى ضحكاته بشكل مرعب. فقال: ده أنت شكلك مش خايف عليها خالص.
قالها ساخرًا وهو يقترب نحوهم وهي تسرع خطواتها خلفه لتلحق به بسبب الحبل الذي يؤلم معصميها المضمومتين معًا، فاتسعت حدقتاها بالخوف والرعب.
وجه سلاحه صوبه هو وحراسه ليسبقهم صوت شد أجزاء أسلحة أخرى مصوبة نحوهم وكانت لرجال باسل الذين حاصروهم من كل صوب.
توقف باسل لتصبح المسافة بينهم 5 أمتار وظل يسحب الحبل إلى أن أمسك بذراعها ليحاوطها من ظهرها.
فصرخ شهاب: أبعد يدك عنها وربنا هأقتلك.
ابتسم له باسل باستفزاز فقال: ما تقلقش أنا خلاص أخذت اللي كان نفسي فيه ورميت لك البواقي.
اقتضب حاجبيه ثم اتسعت حدقتاه بغضب: عملت فيها إيه؟
قالها شهاب.
جذبها نحوه أكثر ليصبح ظهرها ملاصقًا لصدره ووضع رأسه فوق كتفها فكانت تتلوى من بين ذراعيه لتبتعد عنه فأخرج سلاحه بسرعة البرق ووضعه بجانب رأسها: هشششش اهدي وبطلي حركة بدل ما أفرغ فيكي الرصاص في دماغك الحلوة وقبلها في الطرطور اللي أنتي متجوزاه.
شهاب: قلت لك أبعد عنها أنت ما بتفهمش.
باسل: أنت غلبان وصعبان عليّ أوي يا ابن السويفي، عارف ليه؟ لأن سبقتك أنا واستمتعت بحبيبة القلب قبل منك.
شهاب: قصدك إيه؟
قالها والشرار يتطاير من عينيه.
باسل: قصدي أن قبل ما تتجوزوا بكم يوم خليت صاحبتها المرحومة مايا ألف رحمة ونور تنزل عليها كانت مسكينة وغلبانة.
قالها بسخرية ثم أردف: المهم خليتها اتصلت على سيلين تقول لها أنها تعبانة فطبعًا قلبها الرهيف على صاحبتها ما استحملش وجت عشان تنقذها، فأول ما جت لاقت مين! لاقت باسل اللي هو أنا فانتظرها وخدرتها، بعد كده حصل إيه!
كان يسرد ما حدث ودقات قلب شهاب تتعالى وأراد أن يفتك به لكن أراد التصرف بحكمة حتى لا يخسر أحدًا من رجاله أو يخسر زوجته على يد ذلك المجنون.
أردف مرة أخرى: أخذتها على الأوضة وربطها في السرير وعملت معاها أحلى شغل طبعًا مش محتاج أفسر لك أكثر من كده.
شهاب: آه يا و...... يا قذر يا ابن الـ....
باسل: ما قلنا بلاش غلط، واستنى أبقى أتكلم في الآخر لما أخلص لك الحدودتة، طبعًا كل ده فاكر أن صقر اللي عمل كده، بس أنا بقولهالك أنا اللي عملت فيها كده وبكل فخر، عشان مش باسل ضرغام اللي تتاخذ حاجة منه غصب، ولا إيه يا سيلي؟
قالها وهو يهمس في أذنها.
فقامت بدعس قدمه بحذائها فتأوه فاشتد غضبه: كده؟ يبقى استحملي اللي هتشوفيه دلوقت.
قالها ليصوب سلاحه نحو شهاب، فتفاجأ بوجود حراس شهاب يحاوطون رجاله بالأسلحة.
فأطلق رصاصة في الأرض، ثم ركض وهو يحاوط سيلين بذراعه حول عنقها.
وبدأ إطلاق النار بين الحراس والرجال، وركض شهاب خلف باسل.
شهاب: روحت فين يا جبان، والله ما أنا سايبك!
قالها ليلتفت إلى يمينه فوجده يصعد بظهره على درج معدني، وما زال ممسكًا بسيلين.
باسل: عارف لو فكرت تعمل حركة كده ولا كده هفجر لك دماغها، أو...
صمت لينظر نحو لوحة تحكم ليضغط على زر تشغيل ماكينة الفرم العملاقة لتبدأ في العمل بصوت مرعب، فهي ذات قواطع معدنية تتداخل في بعضها البعض، حيث لو أُلقي بها أي شيء يصير فتاتًا حتى لو كان معدنًا.
شهاب ينظر بذعر إليه: أنت بتعمل إيه يا مجنون؟!
باسل وقد ارتسمت على محياه ابتسامة ماكرة: عشان لو فكرت تعمل حركة كده ولا كده... أقوم رامي حبيبتك في المفرمة.
قالها كالذي أصابه الجنون.
اتسعت عينيه بفزع: اديني بحذرك للمرة الأخيرة، سيبها أحسن لك.
قالها شهاب.
باسل: ده على جثتي. وبعدين فين الفلوس اللي قلت لك عليها؟
شهاب: بره في العربية.
باسل: عبيط أنا عشان أصدقك؟
شهاب: سيب مراتي وروح بنفسك خد الفلوس.
كان ما زال يصعد بظهره فلم يرَ الدرجة المتهالكة فتعثر ليقع للخلف على ظهره، فأفلت طرف الحبل من يده فركضت بسرعة الريح نحو شهاب.
شهاب وهو يزيل اللاصق من على فمها: أنتِ كويسة؟
أومأت له بالإيجاب فلم تقدر على التحدث من الخوف. أوقفتهم طلقة مصوبة اتجاههم. دفعها شهاب لتبتعد فتبادل إطلاق النار مع باسل. ركض شهاب نحوه والآخر صعد ليصبح فوق الجسر المعدني.
سيلين بصياح: شهاااااب!
شهاب: امشي أنتِ واجري على بره وادخلي العربية. أنا مش هسيب الكلب ده غير لما آخد لك حقك منه.
قالها وهو ينظر إليها.
فاتسعت حدقتاها بذعر صارخة: شهااااااااااااااااب!
_بعدما أغلقت المكالمة أرجعت ظهرها للخلف بأريحية تتنهد بقلق وخوف، تنظر بفيروزتيها من النقاب إلى الطريق عبر النافذة المجاورة لها.
_مالك؟ طبعًا زمانه قالب عليكي الدنيا ده غير البوليس.
قالها محمد الذي ينظر إليها من خلال المرآة.
فيروز: لاء ما جبتش سيرة، بس أنا عارفاه كويس زمانه بيدور عليا زي المجنون. خلاص قلبي مات من ناحيته وعمري ما هسامحه.
_محمد: بصي يا فيروز، أنا هقول لك كلمة الحق، أنتِ غلطتِ فعلًا لما وصلتيه لدرجة إنه يشك فيكي لما كذبتِ عليه. لكن هو غلط أكتر منك لما صدق اللي حصل وأنه إزاي بيحبك وإزاي مش واثق فيكي؟!
صمت عندما رأى عبراتها بعينيها فأردف: خلاص ما تعيطيش عشان خاطري، ما حصلش حاجة.
زفرت بسأم فقالت بنبرة ساخرة: هيكون حصل إيه أكتر من حياتي اِتدمرت والدنيا واقفة ضدي كأنها حالفة إني ما أشوفش يوم حلو. حتى الإنسان الوحيد اللي حبيته وكان عندي بالدنيا دي كلها إداني ضهره وعمال ينتقم مني كأني عدوة ليه. عمري ما هأنسى نظرات عينيه ليا يوم ما اِتقبض عليا ولا يوم ما جالي المستشفى وكله كوم ولما جالي السجن يتشفى فيا وقرر إنه يهينني ويجرحني لما قدم طلب الكشف عليا. خلاني ألعن اللحظة لما شوفته صدفة وألعن قلبي اللي مش عايز ينساه. لكن والله بحق كل لحظة ألم وعذاب أنا عيشتها معاه عمري ما هسامحه وهمحيه من حياتي.
على الرغم من السعادة التي تسللت بداخل قلبه من سماع كلماتها، لكنه لم يعطِ نفسه أي أمل فهو يعلم أن ذلك الحديث نابع من قلب جريح.
_لسه بتحبيه؟
فيروز بغضب: أرجوك محمد اقفل على الموضوع ده.
قالتها ثم نظرت للجهة الأخرى متحاشية نظراته. فأردفت قائلة: آه صح رنيم قالت لي إنك هتفهمني على كل حاجة.
ابتسم بعكس الألم الذي بداخله فتوقف بالسيارة على جانب الطريق وقال بنبرة جدية: دلوقت زي ما أنتِ عارفة، اِحمم... هربانة وعليكي حكم سنة بالتأكيد اسمك في قائمة الممنوعين من السفر عشان كده جهزت لك باسبور باسم واحدة فرنسية اسمها روزلين روبرت آرثر نفس عمرك، لكن عندها مشكلة في النطق.
نظرت له باستغراب: مين دي؟ ومشكلة نطق إيه اللي عندها؟
محمد: روزلين دي كانت أخت واحد صديقي من الأم بس مفقودة بقالها سنتين والمشكلة اللي عندها إنها ما بتتكلمش.
فيروز: يعني يوم ما أهرب يا ربي يتحكم عليا أعيش خرساء؟
ابتسم قائلًا: مش على طول، هيبقي قدام الناس بس وما تخافيش، صاحبي ده حكيت له على ظروفك وأول ما عرف ساعدني وبعت لي الباسبور والأوراق اللي تثبت إنك روزلين.
قالها وأعطاها جواز السفر.
أخذته لتلقي نظرة على محتواه: دي فيها شبه مني جامد بس هي شقراء.
محمد: أنا عامل حسابي وجبت لك حاجات في الشنطة دي هتلبسيها قبل ما ندخل المطار.
قالها وهو يشير صوب حقيبة ملقاة بجوارها بالمقعد.
فيروز: طيب أنا كنت أتكلم مع ماما.
محمد: مش هينفع دلوقت خالص، وبعدين هي لسه ما تعرفش إنك هربتِ. إن شاء الله أول ما توصلي بالسلامة هخليها تكلمك.
___________________________
قالتها لترى باسل قد وجه لكمة إلى شهاب. فقام شهاب بتفاديها ثم وجه إليه لكمات وقام بركله وبادله الآخر كذلك، فاختل توازن شهاب من فوق الجسر وكاد يسقط لينظر إلى أسفل. فوجد إذا سقط فسيسقط في ماكينة الفرم.
ظلت تصرخ وتبكي منادية باسمه. اقترب منه باسل ليدفعه للسقوط، لكن كان الآخر متمسكًا بالدرابزين المعدني للجسر وبحركة سريعة أعاد توازنه ليركل باسل في بطنه. فتأوه باسل واستشاط غضبًا فركض نحوه ليوجه ضربة له فاستعد شهاب له بوضع الدفاع. فشاء القدر بأن تنزلق قدماه بسبب سلاح شهاب الذي سقط منه. فاختل توازنه ليسقط من أعلى الجسر فتمسك بالدرابزين بيديه لكن جسده متدلٍ.
رمقه شهاب بتشفٍ ليقهقه باسل بسخرية: حتى لو موت دلوقت هفضل عايش جواك. كل ما تقرب من مراتك هتفتكرني.
زمجر شهاب بغضب: اخرس يا حيوان.
باسل كان يحاول أن يتسلق لأعلى وهو يضحك: حيوان أفضل من أكون مغفل.
قالها بسخرية فاستمر بالضحك لتسكته رصاصة أتت له من بعيد لتصيب ذراعه.
التقط شهاب سلاحه الملقى على الأرض فوجهه نحو مصدر الرصاصة.
وجد رجلًا يصيح: وقف ضرب النار. أنا مش ضدك.
تعجب شهاب: أنت مين؟
الرجل: إحنا مش جايين نأذيك أنت ورجالتك. إحنا جايين تصفية حسابات.
نظر باسل لصاحب الصوت وهو ما زال متمسكًا لكن بذراع واحدة: توربيني؟
توربيني: أيوه أنا يا باسل. معلش ده أمر من عمك إن إحنا نخلص عليك وبعت لك السلام وبيقول لك هو ما عرفش يربيك فهيبعتك لأبوك هو اللي يربيك.
باسل: لاااااااااااااااا!
قالها ليطلق الرجل رصاصة نحو يده التي يمسك بها الجسر فسقط على الفور في الماكينة لتجذبه القواطع المعدنية بشكل تقشعر له الأبدان فتطحن عظامه قبل لحمه وتتناثر دماؤه بشكل مرعب كأنها نافورة مياه تتقاذف لأعلى. صاحت سيلين بصراخات لم تتحمل رؤية ذلك. فابتعد شهاب ليركض ويهبط الدرج حتى يتحاشى النظر لذلك المشهد المروع.
_وأخيرًا كانت نهاية ذلك الشيطان اللعين الذي لم يرحم أحد. فما حدث له أقل شيء يستحقه.
خرج الجميع من المصنع ووصلت سيارات الإسعاف لتأخذ المصابين من رجال شهاب ومن رجال باسل. وجاءت الشرطة للتحقيق فيما حدث. فعثروا على الطفل الرضيع مازن موجود بالمقعد الخلف بسيارة باسل. وقاموا بتسليمه إلى جدته والدة مايا التي لم تسافر بعد بل قررت أن تستقر في مصر وزوجها تركها وعاد إلى كندا. وأخيرًا علم شهاب بالحقيقة فشعر باحتقار وازدراء اتجاه نفسه. وأنه قد ظلم زوجته وحكم عليها بدون أن يعطيها حق الدفاع عن نفسها. فقرر أن يطلب منها السماح والغفران. لكن لا يعلم أنها تحولت لشخص آخر أقوى من ذي قبل. لا يمكن أن تسامحه بسهولة فلابد أن يدفع ثمن كل العذاب والآلام النفسية التي تسببها لها. فماذا ستفعل؟
_______________
_في منزل صقر....
رنيم تتجول في غرفتها ذهابًا وإيابًا وهي تحاول أن تبدو على سجيتها حيث لا ينكشف أمرها أمام شقيقها الذي على وشك الوصول.
ظلت تتحدث مع نفسها: طيب أتصرف إزاي دلوقت؟! إياس طبعًا أكيد اِتأكد أنا السبب وليه يد في الموضوع. المصيبة بقي أخويا المجنون ده مش بعيد يسجني لأني هربتها. أعمل إيه في قلبي الرهيف اللي هيوديني في داهية ده.. مش مشكل...
قاطع حديثها صوت فتح باب المنزل بمفتاحه الخاص. أخذت شهيقًا وزفرت بروية وارتدت قناع الجدية وكأن لم يحدث شيئًا. أسرعت تجلس بمخدعها وأمسكت بحاسوبها المتنقل وتصنعت أنها تتصفح البريد الإلكتروني خاصتها.
دلف بهدوء مميت بعكس ما يجول بداخله من غضب مثل أجيج النار المشتعلة، وخطى نحو غرفتها فوجد الباب مفتوحًا. طرق باستئذان.
رنيم: صقر؟
قالتها بابتسامة تخفي وراءها ارتباك ورعب يجري كالدماء في عروقها.
ضيق عينيه ثم رفع إحدى حاجبيه: ومالك اِتخضيتي ليه؟!
استمرت بالابتسام: ولا اِتخضيت ولا حاجة أبدًا أصل مش عادتك ترجع بدري، بقالك فترة بترجع متأخر فاستغربت بس.
تقدم خطوات نحوها ثم جلس بجوارها على التخت وتصنع بأنه يتأمل ساعته البلاتينية فقال: سبب إن أنا جيت بدري النهاردة هو إن في حد ابن حلال هرب فيروز.
قالها ليرفع عينيه ويحدق في عينيها ليرى التوتر بداخلهما.
رنيم: إيه ده هربت؟ إزاي؟
قالتها باستغراب متصنع.
مد يديه نحو الحاسوب ليأخذه منها فقال: ما أنا هقول لك إزاي دلوقت.
ازداد توترها وخوفها فابتلعت ريقها بصعوبة: هو أنت ناوي تعمل سيرش على جوجل بمين هرب فيروز؟
قالتها بمزاح فأطلقت ضحكة فتحولت ضحكاتها إلى ملامح قد ارتعبت من نظراته المخيفة فنهضت على الفور فأمسك بيدها.
_تعالي هنا رايحة فين؟
قالها ليلقي بها بجواره.
لم تجب عليه فنظرت إلى الأسفل. فأردف هو: رنيم.. أنا مش هتنرفز ولا هزعق بس عايز إجابة واحدة بس.. فيروز فين؟
رنيم بخوف وتردد: وووو أنا مالي.. هأعرف إزاي.. مش أنت ظابط ودي شغلتك؟
ضغط بقبضته على يدها بقوة فتألمت: فيروز راحت فين؟
رنيم: ما أعرفش.
قالتها باستنكار.
تعالت أنفاسه الغاضبة فصاح بصوت دب الرعب في أوصالها إلى حد النخاع: وقسمًا بربي لو ما قلتي هي فين لأكون حابسك في أوضتك ومش هتشوفي الشارع ولا خطيبك كمان.
ده غير هتشوفي مني أسوأ معاملة.
قالها بنظراته التي جمدت دماءها من الخوف.
رنيم: أنا هحكي...
قاطع جملتها رنين هاتفها، وقلبها كأنه سقط من فوق الجبل، فهي تعلم من دون أن تنظر في الهاتف من المتصل.
ترك يدها ليسبقها، فأخذ هاتفها ليجد اسم المتصل.
__________________
منذ قليل...
وصل أخيرًا أمام مطار القاهرة الدولي، نزل من السيارة، فتبعته هي الأخرى لتفتح باب السيارة ونزلت بثقة تخفي خلفها خوفًا وقلقًا من أن ينكشف أمرها بالداخل. داعبت نسمات الهواء خصلات شعرها الأشقر المستعار، وارتدت النظارة الشمسية لتخفي ذلك التوتر أسفلها. فهي الآن من يراها يقسم أنها امرأة فرنسية بالفعل. ترتدي جُونلة سوداء ضيقة تصل إلى أسفل ركبتيها، يعلوها قميص حريري باللون النبيذي الأحمر، ممسكة بيدها حقيبة يد باللون الأسود.
محمد: كل حاجة تمام؟
أومأت له برأسها بالإيجاب ولم تتفوه كما أمرها، فأثنى ساعده لها لتضع يدها مستندة عليه. دلف كلاهما إلى داخل المطار، فاتجهوا نحو كاونتر الخطوط للتمكن من إنهاء خطوات السفر والتفتيش الأمني الكامل، بعدما تفحص الضابط المسؤول جواز السفر الخاص بها ونظر لصورتها الشخصية به وإلى ملامحها، فكانت هي وصاحبة الصورة كأنهما شخص واحد، فأشار إليها بأن تكمل مسيرتها لتذهب إلى اتجاه بوابة المغادرة. وقبل أن تغادر:
محمد: أنا خلاص آخري هنا معاكي، خدي بالك من نفسك، وأنا هفضل متابع معاكي، ومتقلقيش من هناك أول ما هتوصلي هتلاقي صاحبي مستنيكي، هو مش مصري بس عربي زينا.
ابتسمت فهمست له: تسلم لي يا محمد، ربنا يخليك ليّ.
أشار إليها وقال هامسًا: هوس، متتكلميش، المفروض أنتي فاقدة النطق.
أومأت له مبتسمة، فأردف وقال: ربنا عالم أنا بعزك قد إيه، ومش عشان اللي في دماغك، بالعكس أنتي بنت عمتي ومن دمي قبل أي شيء تاني، والحب الحقيقي إنك تشوف اللي بتحبه سعيد وفرحان حتى لو بعيد عنك أو مع شخص غيرك.
قالها لكن نظراته لها كانت تقول أنه يعشقها ولم يعشق غيرها.
أعلنت موظفة الإعلام بالمطار: على السادة المسافرين التوجه للطائرة التي ستقلع إلى باريس.
ثم أعلنت مرة أخرى باللغة الإنجليزية ثم الفرنسية.
مد يده ليصافحها مودعًا إياها: مع السلامة يا بنت عمتي.
اكتفت بالمصافحة وابتسامة وداع لتغادر الصالة وتذهب للطائرة.
حاول منع عبرته التي أرادت أن تنسدل عنوة عنه، خاصة عندما رأى الطائرة قد أقلعت لتحلق في نحو السماء متجهة إلى مدينة النور والجمال.
غادر المطار فاستقل سيارته متجهًا نحو الشركة، وفي طريقه هاتف رنيم ليطمئنها، فتذكر شيئًا ما ليقول لنفسه: ده أي الزهايمر اللي أنا فيه ده، ليه ما قلتلهاش إن صاحبي ده هي تعرفه كويس.
__________________
نعود مرة أخرى للاتصال الوارد لرنيم.
ضغط صقر على علامة فتح المكالمة وعلى علامة السماعة المكبرة (السبيكر).
محمد: ألو يا رنيم.
أشار لها صقر بأن تجيب.
رنيم بتردد: أيوه يا محمد.
قالتها وهي تعتصر عينيها بخوف.
محمد: خلاص وصلتها والطيارة طلعت، وإن شاء الله بعد 5 ساعات هتكون في باريس، وأنا طالع على الشركة دلوقت، وبعدها هعدي على عمتي أطمنها عليها عشان ما تعرفش إن هربتها وسافرت.
رنيم: طيب... سلام.
تطايرت نيران الغضب من عينيه بعدما أغلق المكالمة، فأمسكها من ذراعها بغضب: أنتو صنف إيه! مش هتبطلوا أم الكذب اللي بيجري في دمكم ده!
رنيم: آآآه دراعي هيتخلع في إيدك... خلاص أهي سافرت عشان تترحم من ظلمك وقساوتك ليها.
ألقى ذراعها فصاح بغضب: هو أنتو ليه كلكم مش حاسين باللي جوايا وعمالين تعاتبوني كأني أنا اللي عملت فيها كده... هي كدبت وفضلت ماشية ورا دماغها لحد ما ودتها في داهية... واللي حضراتكم ما تعرفوهوش أنا كنت هساعدها بعد ما تعمل الكشف ده.
رمقته بامتِعاض: تساعدها! ماهو باين... قصدك تقول تذلها تقهرها.
لم يجب عليها ورمقها من أعلى لأسفل ثم غادر مسرعًا وركضت خلفه.
رنيم: أنت رايح له؟!
قالتها لتجده فتح باب المنزل ثم خرج وصفق الباب خلفه بقوة، فأردفت: لما أتصل بيه وأبلغه قبل ما صقر يوصله.
قالتها لتهاتف محمد لكن وجدت هاتفه مغلق.
___________________________
في شركة الأسيوطي جروب...
محمد يجلس بمكتب والده الذي سافر لإتمام صفقة بالخارج، كان يتفحص بعض الملفات ويقوم بمراجعتها، طرق باب المكتب.
محمد: ادخل.
دلفت السكرتيرة ثم أغلقت الباب خلفها وتقدمت نحوه تحمل أوراق وملفات ورقية: أنا خلصت وطبعت كل التقارير اللي حضرتك قلت لي عليها، ما فاضلش غير عقود الصفقات المشتركة ما بينا وما بين مجموعة السويفي.
محمد: طيب اتفضلي اقعدي دلوقت، وأنا هراجعهم معاكي.
ابتسمت فقالت: تحت أمرك يا فندم.
لم تمر ثوان حتى اندفع الباب بقوة ليدلف إليه مثل الثور الهائج، فوقف محمد بذهول ليجد الآخر يتقدم نحوه وقام بتوجيه لكمة قوية.
صاحت السكرتيرة: آآآه، أنا هاروح أبلغ السكيورتي بسرعة.
قالتها فأوقفها محمد بإشارة من يده فقال وهو يمسك بفكه أثر اللكمة: اخرجي دلوقت واقفلي الباب وممنوع حد يدخل.
تمثلت لأوامره وركضت بالخارج وأوصدت الباب خلفها.
صقر: ليه عملت كده، ليييييييييييييييه؟
قالها بصياح غاضبًا.
محمد: عشان أبعدها عنك وعن الظلم اللي أنت معيشاها فيه.
صقر: أنت تعرف إن الدنيا مقلوبة وبيدوروا عليها، ولو عرفوا إنك أنت اللي ورا الموضوع ده هتتسجن.
محمد بتحدي: أثبت!
صقر: أقدر أثبت وبكل سهولة وأخلي المساعدين بتوع مصلحة الكشف الطبي يعترفوا عليك بأنك خليتهم يهربوها.
ابتسم محمد بتهكم: أنت فاكرني عبيط للدرجة دي، مش أنا اللي اتفقت معاهم بنفسي... رجالاتي كتير... روح دور على مين اللي عمل كده.
صقر: على فكرة أنا كنت هثبت براءتها بس بعد ما أتأكد من حاجة في الكشف، وده لسبب شخصي لي أنا... لكن بغباءك ده ثبت التهمة عليها أكتر.
محمد: ما تقلقش يا صقر إن شاء الله هثبت براءتها بس وهي برة السجن، بعيد عن الأشكال اللي جوه... مش حفيدة الأسيوطي هي اللي تتسجن وسط عاهرات.
صقر: ونسيت تضيف حاجة كمان، بنت شوقي ضرغام...
قالها ظنًا منه أنه لا يعرف.
فاجأه محمد وقال: أنا عارف كل حاجة وده موضوع قديم وهي ما لهاش ذنب فيه.
صقر: عمومًا أنا مش هسكت، ولو هتوصل إن هسافر لها باريس وأجيبها من هناك.
محمد: اتفضل سافر، حد ماسكك... بس يكون في علمك هي بقت بتكرهك ومش طايقة تسمع اسمك، وكل اللي جواها من ناحيتك اتحول لكراهية وحقد.
صقر: أنا عارف فيروز أكتر من نفسها كويس... ودي حاجة تخصني أنا وهي بس.
محمد: خليك أحلم براحتك بس هي خلاص بقت واحدة تانية غير اللي تعرفها.
تقدم نحوه ليحدق به: مالك؟ متضايق أوي كده ليه؟ ولا عشان اختارتني وحبتني أنا... وأنت يا حرام بتحبها ومش قادر تحب غيرها... ولا تكون فاكر إني مش فاهم نظراتك يوم خطوبتي أنا وهي، كانت دموعك بتلمع جوه عينيك وأنت شايفها واقفة جنبي إيدها في إيديا ولما كنت حاضنها وإحنا بنرقص.
جز محمد على أسنانه وكان يمسك بقلم فانكسر بين قبضته: آه بحبها وهفضل هحبها حتى لو مش هتبقى ليّ... يكفي بس أشوفها سعيدة وبخير حتى لو بعيدة عني... مش أظلمها وأقسي عليها وأقول إن أنا بحبها.
أثارت كلماته غضب صقر فضرب على المكتب بقبضة قوية: أنا كنت عامل خاطر لحساب العِشرة اللي ما بينا... بس أنا اللي بقولها لك استعد للجاي يا محمد وما تلومنيش على اللي هعمله... وهاجيب بنت عمتك حتى لو كانت في سابع أرض.
قالها ثم غادر المكتب.
ظل محمد في مكانه ينظر نحو الباب: إذا رجعت لك تاني أصلًا.
قالها بتهكم.
_______________
تهبط الطائرة على أسفلت أراضي باريس بمطار شارل ديجول، وبعد رحلة استمرت 5 ساعات، وصلت فيروز إلى نقطة تحول حياتها إلى الأفضل... لكن عليها أن تلتزم بقواعد وأهمها أنها بكماء لفترة قصيرة.
فتح باب الطائرة ليهبط الدرج، ونزل العديد من الركاب بمختلف الجنسيات منهم فرنسي الجنسية ومنهم الآسيوي ومنهم المصري وأيضًا من المغرب والجزائر وتونس.
أخيرًا ظهرت من بينهم وهي تنزل الدرج بحذائها الأحمر القاني المخملي ذو الكعب المرتفع، فتقدمت إلى ردهة الاستقبال الذي ينتظر فيها الناس ذويهم الذين وصلوا للتو بعدما انتهت من الإجراءات الأمنية للدخول.
ظلت تتلفت يمينًا ويسارًا تبحث عن الذي ينتظرها بتوتر... وجاء صوت من خلفها قائلًا: روزلين!
التفتت إليه لتتسع حدقتيها مشدوهة وتفوهت عنوة عنه باسمه: مسيو فارس!
تسمر بمكانه يتأمل بعينيه غير مصدق، لم يتوقع أنها هي فهو لا يعلم بأنها من أقارب محمد صديقه... كما صدم في التشابه الكبير بينها وبين شقيقته المفقودة منذ سنتين، خاصة بعد ارتدائها الشعر المستعار ذو اللون الأشقر المنسدل... وبعض اللمسات التي تجعل وجهها كالشقراوات تمام، وفيروزتيها أكملت ذلك المظهر على أكمل وجه.
ابتلع ريقه بتوتر ثم انفرجت أساريره بسعادة: فيروز!
قالها لتدفعه مشاعره وقلبه الذي يشتاق إليها دائمًا إلى معانقتها... وأردف: اشتقت لك كتير حبيبتي.
تلون وجهها بحمرة الخجل: مسيو فارس أنا...
لم تكمل عندما ابتعد وملامحه يبدو عليها الإحراج: بعتذر منك لا تأخذيني، شو أعمل بقلبي مو مصدق اللي صار.
أرادت تغيير مجرى الحديث: غريبة إن محمد ما قاليش إنك أنت اللي مستنيني.
فارس: أحم... أي نفس اللي صار معي أنا... هو حكى لي شي شغلات عن السجن والتهمة والظلم اللي صار معك... لكن مو إلي إنك أنتي... أنا بعت الأوراق والباسبور الخاص بشقيقتي وتركت له باقي الإجراءات.
فيروز: شكرًا لحضرتك.
فارس: ليكي... أنا هيك بزعل... ما في بيناتنا كلمة شكر، أنتي هون ببلدي وفي حمايتي.
فيروز: بلدك؟ مش حضرتك من سوريا؟
فارس: يلا هي قصة كبيرة بحكيها ليكي وإحنا بالسيارة.
غادرا المطار ليستقل كلاهما سيارته الفيراري الفارهة.
فارس: بمناسبة أنك هتبقى معي لفترة كبيرة بباريس، شو تريدي أحكي معك بالمصري ولا بالسوري وفرنسي؟
قالها مازحًا.
ابتسمت لتظهر غمازتيها ليزداد جمالها الذي شرد فيه.
فيروز: كيف ما بدك أنت مسيو فارس.
فارس: ما شاء الله وبقينا نحكي سوري.
فيروز: التركي والهندي المدبلج الحمد لله خلوا عندنا قاموس كبير من اللهجة السورية.
فارس: يعني بتفهمي سوري منيح؟
فيروز: طبعًا.
فارس: بنشوف؟ قليلي.. شو معنى أواعي؟
نظرت له بتمعن وهي تفكر.
فيروز: امممم... أنا فكراها كويس بس نسيت.
فارس: يعني....
قاطعته فيروز: يعني هدوم أو ملابس.
فارس: برافو عليكي.... أنتِ شطورة كتير.... بس بدي أحكيلك الأول عن المسكن والشغلات اللي هتحصل معك إيه؟
فيروز: محمد قالي إنه أنتِ هتفهمني اللي هيحصل.
فارس: بعرف.. أولًا أحكي مصري شوي معك عشان تفهميني منيح.... أنا دلوقتي هاخدك ونروح نتغدى في مطعم قريب وبعد كده نروح نشتري ملابس ليكي وكل المستلزمات اللي هتحتاجيها.
فيروز: طيب ممكن تحكيلي عن روزلين وعنك أنت كمان؟ وإزاي أختك فرنسية ومن اسمها فيه اختلاف في الديانة وحاجات كتير مش فاهماها.
بداخل مطعم باسكو، يجلس فارس وفيروز حول الطاولة الخشبية المستديرة تحاوطهم الجدران ذات الطراز الكلاسيكي والخشب المعلق فهو من أشهر مطاعم باريس التي تقدم أطباق البحر المتوسط وجنوب فرنسا.
تنهد فارس الذي يجلس مقابلها.
فارس: أولًا روزلين شقيقتي من الأم... الماما الله يرحمها كانت فرنسية اسمها ناتالي مارسيل... انفصلت عن بابا وأنا عندي 3 سنين كنا لساتنا بسوريا... رجعت على بلدها فرنسا وهون اتجوزت رجل الأعمال ألبرت آرثر بابا روزلين... وبالتالي روزلين على نفس الديانة تبع باباها وأنا مسلم مثل بابا.
فيروز: دلوقتي فهمت... بس هي فعلًا مبتتكلمش؟
فارس: أي فقدت النطق من قبل ما تختفي بشهور... أخدتها لأطباء كتير هون وبأمريكا كلهم أجمعوا أن حالتها ترجع للعامل النفسي... وكانت ما بتحكي شو اللي زعلها.
فيروز: معلش أنا عارفة إني صدعتك بأسئلتي كتير بس محمد كان قايلي إنها ما بتتكلمش.
فارس: في حالات معينة بس... لما يكون معي حدا بيعرف روزلين وأنا هعرفك عليهم ما تخافي.
ابتسمت له ليبادلها ببسمة مليئة بالحب فأردف.
فارس: ونسيت أقول لك شيء.. أنتِ هتعيشي بالمسكن تبعي.
فيروز: إزاي!!!
ابتسم فقال: أنا مو هعيش معك بمسكن واحد... هو بيتي وأنتِ هتعيشي فيه وأنا بروح على بيت تاني تبعي بس هيكون في نفس البناية.
فيروز: لو جيران ماشي.
فارس: هههههه.. أحلى جيران والله.
جاء النادل ليضع أمامهم الأطباق المليئة بمختلف الأطعمة... فتناولوا طعامهم على أغنية المطربة الفرنسية الشهيرة إيدث بياف (لا تتركني).
تركت طفليها إلى خالتها لتقابل المحامي صديق زوج ابنة خالتها الذي سيأخذها لزيارة زوجها... كما يريد بأن يسمع كل تفاصيل القضية حتى يظهر براءته.
بعد أن استقلوا سيارة أجرة أوصلتهم أمام سجن طرة... حيث إنه مسجون لكن لم تنطق المحكمة بالحكم النهائي بعد.
دلفوا إلى الداخل بعدما قدم تصريح الزيارة... فسمح لهم بزيارة أيمن بداخل مكتب المأمور.
سلمى: مش عارفة أشكرك إزاي يا أستاذ باهر.
باهر: الشكر لله يا مدام سلمى أنا أهم حاجة عندي أن تظهر براءة أستاذ أيمن لأن كل الناس عارفة إنه مظلوم وقضيته بقت قضية رأي عام.
سلمى: ربنا ينصره على الظالمين يا رب ويظهر الحق.
باهر: ياااااااا رب.
دلف العسكري بعدما طرق على الباب... فدلف خلفه أيمن الذي كبرت لحيته وشعره نما كثيرًا يرتدي الزي الأبيض لأنه ما زال على ذمة القضية ولم يحكم عليه بعد.
نظرت له سلمى باشتياق... أحس باهر المحامي بذلك فتركهما مستأذنًا للخارج فغادر.
ركضت سلمى نحو زوجها لترتمي بين أحضانه.
سلمى: وحشتني قوي قوي يا أيمن.. الدنيا وحشة من غيرك يا حبيبي.
أيمن: وأنتِ كمان وحشاني قوي يا حبيبتي... أنا مستحمل كل ده عشانك وعشان العيال... قالها وهو يشتد في معانقتها.
سلمى: أنا عارفة بس كان نفسي تقول الحقيقة.. وربنا معانا.
أيمن: ونعم بالله بس مش هستحمل عليكوا أي حاجة أنتِ والولاد اللي باقيين ليا في الدنيا وإن شاء الله ربنا هيظهر الحق قلبي حاسس بكده.
سلمى: يااا رب يا حبيبي يااا رب.
أيمن: آه صح مين الأستاذ اللي كان قاعد ومشي بره.
سلمى: ده أستاذ باهر المحامي يبقى صاحب جوز مروة بنت خالتي.. الله يباركله لما عرف بقضيتك قرر إنه يبقى المحامي بتاعك وهيدافع عنك في الجلسات الجاية وبدون أي أتعاب.
أيمن: وأنتِ عاملة إيه وعمر وسليم وخالتك كلكوا عاملين إيه؟
سلمى: الحمد لله كلنا بخير وبندعيلك إنك ترجعلنا بالسلامة.
طرق الباب فدلف باهر... وبعد أن تصافح مع أيمن بالأيدي وإلقاء السلامات.
باهر: أستاذ أيمن عايزك تحكيلي كل التفاصيل واللي حصل معاك من غير كذب ولا تحوير عشان أقدر أساعدك.
أيمن: حاضر والله هحكيلك كل حاجة بصدق... وظل يسرد له كل شيء.
باهر: تمام قوي كده... يبقى هنبتدي من الشنطة اللي حضرتك شلتها دي دليل إثبات يدين شوقي ضرغام ورجالته.
أيمن: إزاي؟
باهر: سيبلي الموضوع ده دي لعبتي.
أخذ المحامي يتحدث معه ويفهمه ما سيتخذه من إجراءات... ثم أخرج ورقة وقال: ودلوقتي عايزك تمضيلي على التوكيل ده... قالها فأخذ أيمن الورقة والقلم وخط اسمه أسفل الورقة (أيمن محمود).
بعد ساعات من التسوق والتنزه في شوارع باريس السياحية... وصل أمام البناء الذي يقطن فيه... نزلوا سويًا فدلفوا إلى الداخل ليصعدا الدرج حيث يقطن في الطابق الثاني... فتح الباب بالمفتاح الخاص.
فارس: خطي برجلك اليمين يا شابة... قالها مازحًا.
فيروز: ههههههه ده كده قلبت على ريا وسكينة.
فارس: يا حفيظ يا الله... بتشبهيني بهي المجرمين.
دلفت خلفه وتركت الباب مفتوحًا فتفهم ذلك.
فيروز: سوري مسيو فارس.
فارس: أنا بقبل الاعتذار لكن بشرط واحد.
فيروز: اتفضل.
فارس: ما تقوليلي مسيو مرة تانية وأنا قبل هيك كنت متفق معك لما كنا بمصر ولا نسيتي؟
ابتسمت ولم تصل بسمتها إلى عينيها.
فيروز: لا فاكرة.
تنهد فقال: أنا اللي بعتذر منك لو فكرتك بأشياء ضايقتك.
فيروز: لا خالص مش زعلانة ولا متضايقة أنا بس تعبانة شوية من الأيام اللي فاتت ونفسي أرتاح شوية.
فارس: على راحتك.. وعندك كل شيء بالبيت ولو احتجتيني أنا ساكن قدامك... نسيت شيء ثواني... قالها ليخرج من إحدى الحقائب: اتفضلي.
وجدت هاتفه بيده فأخذته.
فيروز: ده ليا؟
فارس: أي ليكي.. عشان تتطمني على إمك وتطمني محمد عليكي أنا مسجل رقم محمد عندك ورقمي... يلا سلام أتركك لترتاحي شوي من السفر ولما تصحي دقيلي وهتلاقيني عندك على طول.
فيروز: بجد مش عارفة أقول لحضرتك إيه... ربنا يخليك ويباركلك.
فارس: الله يكرمك فيروز.. يلا أورفوار.
قالها فغادر المنزل وذهب إلى المنزل المقابل حيث قام بإعداده ليسكن فيه.
حملت الحقائب لتدخلها إلى الغرفة التي ستمكث فيها... وظلت تتجول في المنزل لتنبهر بهذا الطراز المختلط ما بين الكلاسيكي والحديث.... بحثت عن المرحاض بعد أن تناولت المنشفة القطنية التي سترتديها بعد الاستحمام... وكادت أن تدلف إلى داخل المرحاض.. فسمعت رنين جرس المنزل.
فيروز: بالتأكيد نسي يقولي على حاجة أو عايز حاجة من هنا... كويس مرنش الجرس وأنا باخد شاور.
اتجهت نحو الباب لتفتح فوجدت التي تفاجأت بها: روزلين!!!!!!!!!!
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم ولاء رفعت
اتجهت نحو الباب لتفتح فوجدت التي تفاجأت بها: روزلين!!!!!!!!!!
نظرت فيروز إليها بإقتضاب ولم تتفوه بكلمة...
إيميلي باستغراب:
"(كيف ذلك؟) Comment?"
فيروز أدركت مقصد سؤالها فهي تعلم القليل من اللغة الفرنسية...
بدي ع ملامحها التوتر فأسرعت نحو باب المنزل المقابل لها..
وضغطت ع زر الجرس....
فتح فارس الباب وكان يرتدي بنطالا فقط وعاري الصدر...
أشاحت بنظرها بخجل.
فارس:
في...
لم يكمل عندما رأى التي تقف وراءها...
تغيرت ملامحه للإنزعاج فأردف:
أتفضلي روزلين...
قالها مشيرا لفيروز بأن تدلف بداخل منزله والأخرى دلفت من غير استئذان.
بينما هو ذهب إلى غرفته ليرتدي قميصه..
ثم خرج مسرعا.
زفر بضيق:
شو؟؟
إيميلي:
أنت من تسأل؟ أنا التي يجب أن تسأل روزلين كيف عادت ومن دون أن تخبرني؟
فارس أحس أنه سيقع ف مأزق لأن شقيقته كانت صديقة إيميلي
لكن حدثت ما بينهما خلافات الآونة الأخيرة قبل اختفاءها....
فارس:
بخبرك بعدين إيميلي... اتركيها لهلا... هي تعبانة كتير من السفر...
حدقت إيميلي ف فيروز ولاحظت القلق والتوتر التي تشعر به:
وماذا بها لما لاتتحدث معي؟
فارس:
نسيّتي إنها ما بتحكي؟!
إيميلي:
أعلم ذلك.. لكن أقصد لما لاتتحدث معي بلغة الإشارة؟
نظرت فيروز إلى فارس وأشارت له بأنها تريد ورقة وقلم..
فعندما لاحظت أن إيميلي تتحدث باللغة العربية فجاءت لها فكرة
أن تجيب عليها بالكتابة باللغة العربية أيضا لكن لاتعلم أنها سترتكب خطأ الآن.
أحضر فارس لها الورقة والقلم ونظر إليها بقلق
ث أخذتها منه فكتبت مايلي:
أعذريني أتعرضت لحادث جعلني لم أتذكر أشياء كثيرة سوي عائلتي فقط....
انتهت من الكتابة فأعطتها لتقرأها إيميلي.
نظرت للورقة ثم نظرت لفارس بإقتضاب وقالت:
أنتِ كاذبة... أنتِ ليست روزلين...
صديقتي لم تجيد اللغة العربية وتجهل كتابتها...
قولي من أنتِ؟؟؟؟
توترت الأجواء لتنظر فيروز لفارس بخوف لا تستطيع أن تتصرف.
فارس:
شو بدك إيميلي خلصنا بقا... ليش راميه حالك وبتدخلي بحياتي...
قالها بغضب.
إيميلي:
لأنك تعلم جيدا ماذا تعني لي أنت....
لكن كل مايهمني الأن من تلك الفتاة؟؟
فارس بحنق:
بيكفي بقي ليش عم توجعي راسي بحكي فاضي...
أنا خبرتك ألف مرة تتركيني بحالي.
نظرت له بغضب ثم تقدمت نحوه حتى أصبحت قريبة جدا منه:
أنا لا أتركك أبدا أتفهم!!
لأنك ملك لي أنا فارس....
قالتها بتهديد وتملك...
ثم رمقت فيروز بنظرات متوعدة وغادرت المنزل.
تنفست الصعداء لتلاحظ نظرات فارس إليها فشعرت بالتوتر:
ااحم.. فارس.. مين إيميلي دي؟ واصدها اي؟
جلس فارس ع الأريكة وانحني بجذعه للأمام وهو يزفر بين كفيه
ثم خلل أصابعه بين خصلات شعره ليرجعه إلى الخلف:
أنا بحكيلك لكن مابدي تخافي بنوب...
هي البنت تبئي رفيقة روزلين لكن صار بيناتهم مشاكل كتير مابعرف شو هي..
هي من أب روسي فرنسي وأم فرنسية..
يعني في علائه اجتماعية مابين عيلتها وعيلة بابا روزلين..
وشقيقتي كانت قريبة مني جدا كنا مثل الرفقات
بتحكي لي كل اسرارها وانا هيك..
لكن بالأيام الاخيرة من وقت مابلشت ماتحكي وهي بعدت عن كل الناس حتى أنا بعدت عني.
فيروز:
يعني أفهم من كده ان إيميلي كشفتني؟
فارس:
أي... إيميلي ذكية كتير... وهلا راح تفكر أن بينتنا شئ.
فيروز:
شكلها بتحبك أوي.....
قالتها ليشعر هو بالضيق.
فارس:
فيروز خلاص سكري ع هاد الحكي... وماتخافي هي مو هتعمل شئ لإلك...
قالها بنبرة غاضبة.
شعرت بالإحراج فهمت بالمغادرة:
عن أذنك...
قالتها متجهة صوب الباب ثم خرجت وذهبت إلى منزلها الحالي
فأوصدت الباب من الداخل جيدا.
شعر بالغضب من حاله..
جز ع أسنانه بحنق:
الله يلعنك إيميلي... خلتيني أتعصب ع المخلوئه.
_________________
بداخل قصر شوقي ضرغام....
يجلس في مكتبه مع محاميه عدنان الحاروني.
عدنان متصنع الحزن:
البقاء لله ياباشا.
ابتسم بمكر:
الدوام لله وحده يا عدنان... يلا اهو خد شره وراح.
عدنان:
بس كان ممكن تتخلص منه بطريقة تانيه يعني كنت لابسته مصيبه واتسجن.
رفع إحدى حاجبيه متعجبا:
جري أي ياعدنان!
ده الظاهر انك كبرت فعلا وهتروح عليك...
عايزني البسو مصيبة ويتسجن واتفضح انا ومركزي يضيع.
عدنان:
ههههههههه ده أنت فعلا باشا... اعذرني بقي الدنيا ملغبطة معايا اليومين دول.
رمقه شوقي بخبث:
أصدك تقول بقالك يومين صايع ف الكباريهات وعمال تجري ورا راقصات من دور عيالك.
توترت ملامحه وقال بتردد:
ااانا؟؟؟
شوقي:
أومال ابويا... خد بالك من حالك ياعدنان مش عايز شوية هلس يجولك ع كبر يضيعوك...
ده بيضربو بيك المثل ومسمينك العقرب... بنظامك الجديد ده مش هتحصل سحليه.
عدنان وهو يفك رابطة عنقه:
سحليه!!! الله يسامحك ياباشا.
شوقي:
انا مش أصدي أقل منك.. انا بنبهك بس...
المهم سيبك من كل ده عملت اي ف الي قولتلك عليه.
عدنان:
كله تمام زي ما أمرت حضرتك... بس ف حاجه عرفتها وخوفت أبلغك.
شوقي:
مدام خوفت تبلغهالي تبقى مصيبة.
ابتلع ريقه ثم قال:
فيروز اتحكم عليها بسنة سجن ف قضية أداب.
اتسعت حدقتيه غير مصدق:
نعم؟؟؟؟؟
عدنان:
ده انا لسه عارف امبارح الموضوع عليه تكتم شديد
ومانعين أي جريدة او مجلة تكتب عليها حرف
خاصة انها خطيبة صقر الهواري زي ما حضرتك عارف.
نهض من مقعده وشعر بالجفاف بحلقه...
تناول كوب الماء الموضوع أمامه ع المكتب أخذ يرتشف منه حتى ارتوي.
عدنان بقلق:
باشا حضرتك بخير؟؟؟
شوقي وهو يلتقط أنفاسه:
وهيجي الخير منين... بنتي ضاعت مني خلاص.
عدنان:
ع فكرة هي هربت والبوليس قالب عليها الدنيا
وشكلهم هيحققو مع الي كانو معاها ومع خطيبها
عشان كان معاهم ومشتبه فيه إنه الي هربها.
كان يستوعب الكلمات...
فدلف إليه إحدى رجاله.
توربيني:
سلامو عليكو ياباشا.
شوقي:
وعليكم السلام ياسيدي ف أي انت التاني؟؟؟
توربيني:
قلبنا كل مكان كان قاعد فيه المرحوم باسل حتي بيت المزرعه
ملقناش الورق ساعدتك.
شوقي بغضب ثائر:
نعم ياروح امك!!!
توربيني وهو ينظر لأسفل:
والله ياباشا زي ماقولت لحضرتك مخلناش مطرح ليه.
شوقي:
انا مياكلش معايا الكلام ده تأب وتغطس
انت والرجالة ومترجعوش غير والورق معاكو.. فاهم يازفت!!
توربيني:
تحت أمرك ياباشا...
قالها وغادر ع الفور.
زفر بغضب وقال:
انا عارف المصايب كلها لازم تجيلي كلها مرة واحده...
قالها شوقي.
عدنان:
اهدي ياباشا غلط عليك الانفعال الزايد.
شوقي:
كلملي البيه الي من ساعت ماشرف مصر وهو مختفي...
خليه يشوفلي بنتي هربت فين...
وانت طبعا من غير ما اقولك شوفلي موضوع القضية ده.
____________________
في باريس....
كانت تغط ف ثبات عميق ولم تتركها الأحلام المزعجة مابين الحين والأخر....
حتى أستيقظت ع صوت رنين الهاتف التي وضعته بجوارها ع التخت..
بحثت عنه بيدها وهي مستلقية ع بطنها وعينيها مغلقتان..
عثرت عليه ثم نظرت إلي الشاشة بجفون ثقيلة...
فأجابت ع المتصل.
فيروز بصوت ناعس:
ألو.. ازيك يامحمد....
محمد:
لسه نايمة؟ ياكسلانه.. أصحي وفوقي عشان عمتي عايزة تكلمك فيديو كول.
نهضت ع الفور من مخدعها:
ماما؟
محمد:
اه جهزي حالك عشان 5 دقايق وهتصل عليكي فيديو عشان عايزة تشوفك.
فيروز:
حاضر.. سلام.
أنتهت المكالمة ودلفت مسرعة إلي المرحاض..
قامت بغسل وجهها بالماء الفاتر...
ثم أسرعت نحو الحقائب لتأخذ من أحداها ثياب محتشمة ترتديها
بدلا من المنامة العاريه التي ترتديها...
ومالبث الا 5 دقائق... عاود الأتصال بخاصية الفيديو.
ضغطت ع علامة الرد ثم أبعدت شاشة الهاتف لتصبح ف مواجهتها...
لتجد والدتها تحدثها صوت وصورة.
آمال:
حبيبة قلبي ياضنايا وحشتيني ياروحي....
قالتها بحنان ومحبة أم تشتاق لرؤية إبنتها
يصاحبها عبرات سعادة تتساقط من أهدابها.
فيروز بفرحة:
ماما ياقلبي أنتي الي وحشاني كتير ياحبيبتي....
قالتها لتبدء عينيها بذرف عبراتها.
تدخل محمد ف المكالمة جالسا بجوار عمته:
بقولكو أي أنتو هتقضوها ياحبيبتي وياروحي ودموع... ومفيش أزيك يامحمد ول.
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم ولاء رفعت
_ طلقني!
قالتها سيلين وهي ترمقه بنظرات لو كانت نيرانًا لأحرقته حيًا للتو.
ابتسمت كاميليا ابتسامة خبيثة جانبية وهي توزع نظراتها بينهما.
شهاب متسمرًا بمكانه، لم يصدق أذنيه.
_ أنتِ بتقولي إيه؟!
قالها بنبرة تخرج من أعماقه.
ابتلعت ريقها بتوتر عندما لمحت تلك العبرات الأسيرة بداخل عينيه، لكن كبرياءها كان المسيطر في تلك اللحظة. تقدمت بخطوات واثقة نحوه، اقتربت منه حتى أصبحت في مواجهته.
كاميليا بنبرة استفزازية: واو، وأخيرًا.
قالتها ليرمقها الاثنان بنظرات حادة، خاصة نظرات سيلين التي دبت الرعب بداخلها، فأردفت وهي تنهض فقالت بسخرية: طيب أسيبكوا على راحتكوا تولعوا في بعض.
قالتها وغادرت.
نعود لشهاب الذي يحدق بسيلين وكأنه يرى امرأة غير التي يعرفها من قبل.
_ وأنا قلتلك قبل كده مش هطلقك.
قالها بنبرة هادئة بعكس ما يجول بصدره.
سيلين بتحدٍّ وإصرار: هطلقني يا شهاب بمزاجك أو غصب عنك. انسى سيلين اللي كنت تعرفها. اللي واقفة قدامك دي واحدة ظلمك وجبروتك هم اللي عملوها. تحب أفكرك؟
_ أي راجل مكاني يشوف صور مراته مع واحد تاني هيبقى دي ردة فعله خصوصًا لما كنا وقتها بقالنا أسبوع متجوزين وكل ما أقرب منك تبعدي.
قالها شهاب.
ابتسمت بسخرية: لا والله! أنت بتقول أي كلام تبرر بيه اللي عملته معايا؟! أنت متعرفش أنا كنت عايشة في عذاب إزاي من ساعة اللي حصلي وكان نفسي أجري وأترمي في حضنك ساعتها وأحكيلك وتاخد لي حقي. لكن أنت خوفتني منك.
شهاب: أنا؟!
سيلين بنبرة على وشك البكاء: أيوه أنت. ولا ناسي كنت بتتعامل معايا إزاي وقتها؟ ولا الليلة السودة اللي عيشتهالي يوم ما جيت لقيتني عند سيف وتفكيرك صوَّرلك إني بخونك. عمري ما أنسى لما خدتني على الشقة وحبستني في الأوضة ومن غير ما تديلي فرصة واحدة أدافع بيها عن نفسي. إيديك ما سابتش حتة في جسمي غير لما اتمادت عليها بالضرب. شعري اللي كان بيتقلع في إيدك وأنا بصرخ وبقولك كفاية، حرام، اسمعني، ألاقيك تشده أكتر وإيدك التانية نازلة فيا تلطيش. ها أكمل؟ أفكرك لما كنا في المالديف وحضرتك راجعلي سكران وعايز تاخد حقك بالقوة والغصب؟! ولا لما سبتني 3 شهور غايب عني عشان بتعاقبني على حاجة ما عملتهاش ويوم ما عرفت إنك جاي الفرحة ما كانتش سايعاني وقلت لازم نبدأ صفحة جديدة وأحكيلك عن اللي حصل. ألاقيك داخل عليا متجوز أكتر واحدة بكرهها في حياتي وما شاء الله الناس كلها عارفة تاريخها المشرف. وكل ده عشان تنتقم مني وخلاص عشان تكسرني وتذلني.
_ كفااااية!
صرخ بها شهاب.
سيلين وكأنها فقدت أعصابها: لا مش كفاية. لما تظلم إنسانة بريئة وتشهّر بسمعتها وتتسجن ظلم كل ده عشان تنتقم من خطيبها.
قاطعها شهاب مدافعًا عن نفسه: أقسم بربي ما عملت فيها كده. كل اللي قلته لجمال إني أخلي واحدة تضحك عليها وتفهمها إنها عروسة ولما تروحلها يخدروها ويصوروها مع واحد نفس الصور اللي...
لم يكمل حين فاجأته بصفعة مدوية على وجنته. أوصد عينيه بقوة ويجز على فكيه حتى لا يقدم على فعل سيندم عليه.
لتصيح فيه: بذمتك مش مكسوف من اللي بتقوله؟! إيه الفرق ما بينك وبين القذر اللي عمل فيا كده؟! يا خسارة... يا خسارة يا شهاب لو تعرف شكلك دلوقتي في نظري إزاي هتكره نفسك أوي.
قال بصوت أجش: على فكرة أنتي شريكة معايا في كل اللي حصل.
قالها فنظرت له باندهاش.
فأردف: أيوه أنتي السبب لو كنتي حكتيلي وفهمتيني من الأول اللي حصل ما كنتش عملت معاكي أي حاجة بالعكس كنت أخدتلك حقك وما كنتش هنتقم من صقر في خطيبته. يعني زيك زيي بالظبط.
_ ما تقلقش ما أنا ناوية أصلح غلطي بإذن الله.
قالتها سيلين.
_ بمعنى؟
قاله شهاب بتساؤل.
_ أولًا هطلقك. ثانيًا هاروح لصقر عشان يعرف إن خطيبته وقعت ضحية لانتقام كان هو المقصود منه.
قالتها سيلين.
تعالت خفقات قلبه عندما تأكد من نظراتها إنها بالفعل تريد الانفصال عنه. اقترب منها بنظرات تطلب الغفران وقال: أنا مستعد أعمل أي حاجة تقوليلي عليها و هاروح لصقر بنفسي وهاحكيلو وأعتذر كمان. وها دور على جمال حتى لو كان في آخر العالم عشان أثبت براءة فيروز. بس اللي ما أقدرش أعمله وأطاوعك فيه الطلاق يا سيلين.
قالها فاقترب أكثر ليعانقها وتساقطت عبرة من عينه.
دفعته بقوة وهي تصيح به: كل اللي هتعمله ده غصب عنك لازم تعمله عشان أنت غلطان فيه ولازم تصلح غلطك. لكن بالنسبة ليا أنا انسى إني أتراجع عن القرار ده. عشان لو ما طلقتنيش هخلعك يا شهاب.
قالتها وهي تحدق في عينيه بقوة ثم همت بالمغادرة وقبل أن تغادر الغرفة أردفت: وياريت النهاردة بالليل تجيب المأذون في الفيلا عشان رايحة آخد حاجات ليا وبالمرة أخلص من القرف ده.
قالتها وهي تولي ظهرها له حتى لا يرى ندم عينيها على ما تفوهت به من كلمات قاسية ألمت قلبها قبل أن تؤلمه. صفقت الباب خلفها بقوة ليصدر صوت مدوٍّ كقرع دقات قلبه التي تعتصر من الألم. لم يشعر بحاله غير وهو يصيح بزمجرة دوت في المكان بأكمله وأخذ يلقي كل ما فوق مكتبه ويقلب ويحطم كل ما يقابله رأسًا على عقب.
____________
_ تستند على المسند المعدني ذو الأربع قوائم (المشاية) بروية وبمحاذاتها أخصائية العلاج الطبيعي.
آمال بنبرة شبه متألمة: كفاية يا دكتورة أنا تعبت مش قادرة أمشي أكتر من كده.
الطبيبة تربت على كتفها وقالت: معلش يا مدام آمال استحملي وبعدين إحنا الحمد لله وصلنا لمستوى متقدم بسرعة وما تنسيش اللي عندك ده نفسي مش عضوي الحمد لله.
آمال: الحمد والشكر لله بس دراعاتي وجعتني من حمل جسمي وأنا بسند على المشاية.
محمد الذي دلف للتو من باب المنزل: الله عليكي يا عمتو أيوه كده ويلا عشان أشتركلك في النادي عشان تلفي التراك.
ضحكت آمال: هههههههه نادي؟ وألف التراك خلاص يا محمد حتى لو رجعت مشيت تاني العضمة كبرت.
نظرت الطبيبة لها بابتسامة مندهشة: أنا من معلومات حضرتك اللي عندي في العيادة إنك داخلة في الـ 48 سنة يعني لسه شباب.
آمال: يسلم لي ذوقك يا دكتورة هم 48 بس بصحة 84 سنة.
محمد مازحًا: جرى إيه يا عمتو إيه اليأس ده... وأنا اللي كنت ناوي أجوزك أبو واحد صاحبي.
آمال: يوه يخرب عقلك يا محمد... جواز مين يا ابني أنا خلاص البنت ترجع وتظهر براءتها وأطمن عليها وها روح أقعد في بلدنا لغاية ما أقابل وجه كريم.
محمد: بعد الشر عليكي يا عمتو ليه بتقولي كده!!! ده أنا ما صدقت ربنا عوضني عن أمي اللي توفت وإحنا صغيرين.
آمال بحنان العمة والأم معًا: ربنا ما يحرمني منك يا ضنايا.
اقترب منها ليقبل يدها فقال: ويخليكي لينا يا أحلى آمال في الدنيا.
_ رن هاتفه فأخرجه من جيب بنطاله ثم نظر لشاشة الهاتف وقطّب حاجبيه: وده بيرن عليا ليه؟
آمال: في حاجة يا محمد؟
محمد: ده مصطفى أخويا عن إذنك يا عمتو هارد عليه.
قالها ليذهب بعيدًا وأجاب: أيوه يا زفت كنت غطسان فين بقالك أسبوع.
قالها بحنق من بين أسنانه.
مصطفى: ما تهدى يا حمادة عليا شوية... كنت في دهب مع أصحابي دي سيزون المصايف والجو بيس واشطا بالحلاوة.
قالها وهو يحدق بفتاة تسير بمحاذاة سيارته.
محمد: مع أصحابك برضه يا صايع ولا مع بنات؟! وربنا لما أشوفك بس.
مصطفى: أوبا رجعنا لجو أنا أخوك الكبير ولازم تحترمني وتسمع الكلام.
محمد: والله يا مصطفى لو ما اتعلمتش الأدب لأعدلك.
مصطفى بسخرية مازحًا: أرجوك لو سمحت اسمي ديشا... وبعدين ما بقتش عيل صغير تقولوا تعمل إيه وما تعملش إيه... فاهم يا حمادة.
محمد بغضب: حمادة في عينك مش حذرتك من الاسم ده برضه بتقوله؟
مصطفى: هههههههههه وماله حمادة اسم دلع وطعم وجامد أوي... أموت أنا.
قالها وهو يتغزل بفتاة أخرى تسير مع رفيقتها.
محمد: أنت بتعاكس واحدة يا مصطفى؟
مصطفى بمزاح استفزازي: أومال أعاكس واحد!!! أنت غريب يا أخي... بقولك إيه سيبني أرغي معاك وننسى اللي كنت عايزك فيه.
زفر بضيق: نعم؟!
مصطفى: نعم الله عليك يا أخويا... أنا معزور في قرشين وأخوك مقشفر والكريديت بتاعتي فينش... وأنت عارف لسه واخد من بابا مصروف الشهر ولو عرف إنه خلصتهم في أسبوع هيشنيرني (هيقطعه).
محمد: هو أنت مش مكسوف على دمك لما واحد في سنك عنده 25 سنة ولسه بياخد المصروف؟! وبعدين إيه هيشنيرك دي؟ بذمتك دي ألفاظ واحد عاش عمره في فرنسا؟!!!
مصطفى: أنجز يا محمد وحياة أبوك مش وقت محاضرات دمها تقيل.
محمد: طيب ماشي يا أبو لسان طويل والله لما تجيلي بس... هبعتلك اللوكيشن (الموقع) وتعالى عليه.
مصطفى بمكر: لوكيشن!! أنت فين يا نجم؟ أوعى يا محمد تكون شاقط واحدة!
قالها بسخرية مازحًا.
محمد: يا رب صبرني... قلتلك احترم نفسك... رصيدك قل أوي معايا وبعد كده هتلاقي تعاملك مع بابا.
مصطفى بنبرة خوف: لالالاء خلاص كله إلا بابا... مش ههزر معاك تاني... واقفل بقي عشان أنا عمال أسوق زي السلحفاة عشان أعرف أكلمك... سلام.
____________
أغلق المكالمة ليلقي الهاتف على المقعد المجاور له وكاد يرفع ناظريه إلى الطريق ليجد سيارة تسرع نحوه: إيه ده إيه الغباء ده...
قالها وهو يضغط على الإنذار ذو الصوت المرتفع، وأخذ ينعطف يمينًا ويسارًا حتى يتفادى تلك السيارة التي تقودها فتاة على ما يبدو أنها غير ماهرة بالقيادة.
أخرج رأسه من النافذة ليصيح: أنتي يا بت ما تفتحي الله يخربيت اللي علمك السواقة.
وبعد أن كانت أوشكت على الابتعاد فتراجعت بسيارتها للخلف حتى وقفت بمحاذاته وكانت ترتدي نظارة شمسية وأقراطًا من الريش.
الفتاة: بتزعق ليه يا بتاع أنت.
قالتها بصياح.
مصطفى بعصبية: أنا بتاع؟! طيب لم لسانك أحسنلك عشان كنتي هتموتينا دلوقتي وأنتي غبية ما بتعرفيش تسوقي.
شهقت باندهاش: نهارك مش فايت... أنا غبية؟
قالتها ثم ترجلت من سيارتها فأردفت: انزل لي هنا ومش سايباك غير لما أعملك محضر.
مصطفى على الرغم من نظراته المتفحصة لها لكن أغضبته كلماتها: نعم يا اختي!!!! محضر؟!
لا ده أنا كده هنزلك وأعلمك إزاي تتكلمي مع...
لم يكمل جملته عندما وجدها تخلع نظارتها لتنكشف عينيها الساحرتان ذات اللون العسلي، وأشعة الشمس تتسلط على حدقتيها لتزيدهما جاذبية وسحرًا آخاذًا.
مصطفى بداخل عقله: يخربيت جمال عيونك... معقول فيه كده... أنا شوفت عيون بجميع الألوان لكن ما شوفتش الجمال اللي موجود في عينيها ده.
أشاحت بيديها في وجهه بصياح: أنت يا أخ مالك متنح ليه؟ مش بكلمك!
مصطفى وقد عاد من شروده: بتقولي حاجة؟
أرجعت خصلات شعرها خلف أذنيها وقالت: بقول إنك إنسان قليل الأدب ومعندكش ذوق.
حدق بها باقتضاب: بنت أنتِ أنا ماسك نفسي بالعافية عنك، لو طلعت جناني والله لأمسكك وأقوم ربطك فوق عربيتك وأشغلها من غير سواق وأنتِ ونصيبك... مقطورة تيجي تشيلك ونرتاح.
قالها فكادت تضحك من حديثه الذي تفوه به بطريقة مضحكة.
سيطرت على نفسها وقالت: أنت مبلبع حاجة يا ابني؟
زفر بحنق: طيب ودي أعمل معاها إيه يا ربي؟
اقترب منها لتبتعد إلى الوراء فاصطدم ظهرها بسيارتها، لتجده يمد يده نحو أذنها فأمسك بقرطها وأخذ يبتسم ببلاهة فقال ساخرًا: أنا طول عمري أسمع بيقولوا ده على راسه ريشة بس أول مرة أشوف اللي في ودنه ريشة.
أبعدت يده: أنت متخلف! إزاي تمد إيدك وتلمسني!
مصطفى: لاء ده أنتِ مجنونة رسمي أنا ما لمستكيش على فكرة... أنا مسكت ريش البط اللي معلقاها في ودنك.
استشاطت غضبًا منه فولجت بداخل السيارة وتركته وهي تتمتم: بني آدم مستفز، كتك أرف.
مصطفى: سمعتك على فكرة... ماشي يا أبو الريش.
قالها بصياح عندما انطلقت بسيارتها. هم بالمغادرة ليجد سلسلة ذهبية ترتدي في معصم اليد (أنسيال) لمعت في الأرض. دنا بجذعه ليلتقطها ثم أخذ يتفحصها، وجد أنها سلسلة يتدلى منها حروف بالإنجليزية مكونة اسم (بوسي).
أوصد عليها راحة يده وابتسم لتظهر غمازتيه... ثم دلف إلى السيارة وأغلق الباب وهو يردد الاسم: بوسي... مش بطال.
قالها ثم انطلق.
__________________
حل المساء ليكتمل القمر في السماء حتى أصبح بدر التمام، لتبتعد الغيوم من حوله لتكشف نوره الساطع ليتسلل عبر الشرفة ويولج إلى الغرفة... حيث يمكث في غرفتها بين طيات الظلام وسط عتمة حزن قلبه وعبراته المنسدلة التي تذرفها عينيه لأول مرة في عمره، يحاوطه دخان سجائره التي دخن الكثير منها حتى امتلأت المنفضة الكريستالية التي أمامه على الطاولة... ولما لا، إنه يرى حب عمره سوف يذهب من بين يديه... يمسك بيده الأخرى قطعة ثياب خاصة بها مليئة برائحتها التي يعشقها إلى حد الإدمان... يتخيلها إنها بين يديه ويعانقها بشدة... أوصد عينيه ليسبح في خياله حتى تسلل إلى أذنيه صوت...
سمع خطوات قرع حذائها تتجه نحو الغرفة فانتفض قلبه... ثم سمع صوتها الذي أذابه عشقًا.
دادة بليز روحي قدمي حاجة للضيوف اللي تحت عقبال ما أحضر حاجتي عشان ألحق أخلص وأسافر قبل ما الوقت يتأخر.
قالتها سيلين التي تقف أمام الغرفة بالخارج.
يسرية: شرنوبي بلغني وقالي حاجة كده مش عارفة أسألهالك إزاي هو أنتِ فعلًا ناوية تطلـ...
قاطعتها سيلين: أيوه يا دادة ومش هتراجع عن قراري، كفاية بقى لحد كده... لو فضلت ماشية ورا قلبي هفضل عايشة مذلولة ومقهورة وأنا خلاص ما بقتش قادرة أستحمل.
قالتها بحزن وسأم.
نظرت إليها يسرية بحزن وأسى: ربنا يقدم لك اللي فيه الخير يا بنتي.
كادت عينيها تدمع فأحست بالاختناق: عن إذنك.
قالتها لتدلف إلى داخل غرفتها وهي توصد الباب خلفها ثم استندت بظهرها عليه وهي تكفكف عبراتها التي انسدلت... لم تلاحظ الذي يجلس فوق الأريكة ما زال بثيابه منذ الصباح لكن بدون سترته ورابطة عنقه، بل قميصه منفتحة أزراره بأكملها لتكشف عن صدره العاري.
شهقت بذعر عندما رأت ضوء السيجارة المشتعلة واستنشقت الدخان الكثيف المنتشر في أرجاء الغرفة.
أنت بتعمل إيه في أوضتي؟
سألته بحزم.
أثنى جذعه إلى الأمام ليدفس السيجارة في المنفضة... ثم اعتدل لينهض ثم وقف يحدق بها.
هي لم ترَ سوى عينيه الحادة التي يتسلط عليها ضوء البدر... أشاحت بصرها جانبًا حتى لا تضعف من رؤيته.
أنا بعشقك وماقدرش أستغنى عنك.
قالها بصوت دافئ ليصل إلى أوتار قلبها فاهتزت من عزف كلماته عليها.
لم تجب عليه سوى بارتداء قناع الجمود حتى لا تخضع لعذوبة مشاعره نحوها.
وأنا ما بقتش قادرة أعيش معاك.
قالتها بقوة بدون أن تنظر إليه... سمع صوت خفقات قلبها التي تعلن عن كذب ما تفوهت به.
تقدم نحوها لتتعالى أنفاسها من التوتر... وضع يده على كتفها واليد الأخرى أسفل ذقنها ليرفع وجهها حتى تنظر إليه.
عايزك تقولي الكلام ده وأنتِ عينك في عينيا.
قالها بنبرة مليئة بالحب والتحدي.
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة لترمش عدة مرات وازداد توترها من لمساته لها... فبالرغم من سيطرة كبريائها على عقلها وكيانها لكن قلبها ما زال يمكث في معبد عشقه متربعًا في محرابه.
ها؟ ما بتقوليش ليه؟ عايز أسمع كل كلمة وكل حرف وأنتِ عينيكي في عينيا.
قالها وهو يمرر أنامله على ذقنها ثم وجنتها ليلامس شفتيها ليشعر برجفتهما... وما زالت لم تنظر إليه.
رفعت يديها لتضعهما على صدره لتدفعه بعيدًا... فأحست بلمسة صدره العاري الذي يشتعل من نار عشقها... ليتسمر كفيها على صدره... وعينيها عنوة عنها نظرت إليه لتلتمع عبراتها كحبات اللؤلؤ بداخلها... لتعلن له عن مدى شوقها إليه تناديه عشقًا... فقام بتلبية ذلك النداء ليبعد كفيها ويجذبها ويعانقها بقوة... فشعرت باعتصار جسدها بين ذراعيه... أعلن قلبها العصيان على كبريائها الأحمق.
أخيرًا بعد شوق وحنين استنشق عبق عطرها ليرفع يده بدون أن تشعر هي وجذب طرف حجابها فقام بخلعه ليهوي شعرها المنسدل على ظهرها بعدما وقع مشبك الشعر... أرجع تلك الخصلات التي تزعجه لينكشف له عنقها المرمري الذي يعشق كل أنش به... عرفت شفاه طريقها ليبدأ مسارها من بداية أسفل جيدها صعودًا لأعلى ليشعر بالقشعريرة التي جعلت جسدها يرتجف بين ذراعيه حتى علم أنها تشتاق إليه أيضًا لكن كبرياءها اللعين هو المسيطر عليها.
ما زال ينهال بقبلاته المشتاقة على عنقها حتى وصل إلى وجنتها ليشعر بالدفء ليبتعد برأسه ليرى أنها تغمض عينيها... أحب أن يتأكد من استسلامها وإذعانها له إنها ما زالت تعشقه... ألقى على مسمعها كلمات بأنفاسه الحارة.
فقال وهو يهمس بأذنها: أنا وأنتِ ما نقدرش نستغنى عن بعض... عارفة ليه؟ لأن أنا الهوا اللي بتتنفسيه.
قالها ليطبع قبلة على عنقها... ثم أردف: وأنا بالنسبة ليكي الدم اللي بيجري في عروقك عشان يوصل لقلبك ويغذيه بعشقه.
قالها ليطبع قبلة على فكها ثم أردف: أنا روحك اللي ما تقدرش تفارق جسمك ولو لحظة.
قالها ثم اشتد في معانقتها وكأنه يريدها أن تخترق ضلوعه ويصبحا جسدًا واحدًا... فأردف مرة أخرى: أنا الماية اللي بتروي عطش قلبك بحبي ليكي وقبلها بتروي جفاف شفايفك اللي اتخلقت عشاني.
قالها ثم التقم شفتيها بنهم يتجرع رحيق عسلها الذي حرم منه منذ أيام عدة.
هي كان حالها كالثلج الذي وضعته على معدن متوهج ليذيب على الفور... لكن هيهات كانت دقات عقارب الساعة تنذرها بما هي فيه الآن... استعاد عقلها إدراكه ليستيقظ من ثباته ليصيح بداخل رأسها... ابتعدت عنه وهي تدفعه كأن مستها الصاعقة.
تلتقط أنفاسها بصعوبة... صدرها يعلو ويهبط... تحسست بيدها أثر قبلاته على عنقها... شعرت بالخزي من جسدها وقلبها اللذان استسلما إليه.
صاحت به وهي تبكي: امشي اطلع بره أنا مش هكون على ذمتك من اللحظة دي أنت فاهم!
قالتها وهي تحذره بسبابتها.
اتسعت حدقتيه غير مصدق هل هذه التي كانت منذ ثوان بين يديه؟
فوقي من الكلام الأهبل اللي بتقنعي بيه نفسك... أنتِ ما تقدريش تعيشي من غيري وبتحاولي تظهري العكس.
صاح بها شهاب.
هطلقني يا شهاب... المأذون مستني تحت وعيسى أيوب المحامي عشان يخلص إجراءات فض الشراكة وتمضي على الورق عشان زي ما أنا مش عايزة أعيش معاك مش عايزة أكون معاك في شغل واحد... لأنها بصراحة قرفت منك ومن العيشة معاك.
تفوهت بما لا تحمد عقباه.
رمقها بنظراته التي تعهدها عندما يتأجج الغضب بداخله... اتجه مسرعًا نحو الطاولة ليلتقط مفاتيحه الخاصة وهاتفه... ثم توجه نحو الباب ليدفعها من أمامه وكادت تسقط حتى استندت على طاولة صغيرة من المعدن المزخرف يعلوها مزهرية اهتزت وسقطت ليفزعها صوت الحطام... غادر الغرفة متوجهًا لأسفل.
____________________
ترتدي قميصًا شفافًا... يدثرها الغطاء إلى خصرها تمسك بين إصبعيها سيجارة مشتعلة تستنشق منها الدخان ثم تزفره إلى أعلى ثم ابتسمت بدهاء.
ها إيه رأيك يا بيبي؟
قالتها كاميليا لتنظر إلى عز الدين الذي يتجاوز الخمسين عامًا وهو يتفحص أوراقًا عديدة وترتسم على شفتيه ابتسامة عارمة.
فقال: ده أنتِ تستاهلي على الورق ده عقد ألماس يتحط حوالين رقبتك اللولي دي.
قالها وهو يضع يده حول عنقها فوجد خدشًا في جيدها فأردف: إيه الخربشة اللي في رقبتك دي؟
كاميليا وهي تتحسس ذلك الجرح: ده الحيوان اللي تتقطع إيده شهاب لما هددته بصور مراته فضل يخنق فيا وكانت روحي هتطلع في إيده.
عز الدين: وربنا لأدفعه حق اللي عمله فيكي ده غالي... دلوقتي روحه بقت في إيديا... بس لما تتطلقي منه الأول.
كاميليا: أطلق بس لما يديني حقي الأول والمقابل بتاع الصور.
عز الدين: خفي اللعب شوية يا كاميليا... هو طبعًا مشغول بخنقاته مع مراته زي ما بتقولي بس شهاب ده حويط ولدغته للقبر يا حبيبتي... اديله الصور أحسن وخدي مؤخر الصداق واتقي شره.
كاميليا بحقد وحنق: لاء وألف لاء يا عز... مش كاميليا اللي يتجوزها واحد عشان يكيد بيها واحدة تانية وعايشة معاه زي أي قطعة ديكور في الفيلا عنده.
رمقها بخبث: بذمتك يا شيخة أنتِ مصدقة اللي بتقوليه ده؟ أنتِ اللي حارق دمك أنه ما استسلمش لجمالك ولا لمسك... مش ده اللي كنتِ عايزاه من ساعة عينك وقعت عليه من أيام صفقاته مع كامل الزيان؟
كاميليا وهي تزفر الدخان بغضب: لم لسانك يا عز ولا حتى اللي بتقوله ده صح مش جوزي على سنة الله ورسوله! ولا ديمًا حظي كده أقع في كامل العاجز ولا شهاب اللي متجوزني على ورق.
ربت على وجهها بخفة: بقيتِ جريئة وسافلة أوي يا كاميليا... أومال يا حبيبتي كنت بعمل إيه معاكي من شوية؟
ابتسمت لترتمي على صدره العاري وتنظر له: أنت يا زيزو ماي بيبي اللي ما أقدرش أستغنى عنه حتى لو كنت مرات الجن الأزرق.
وبدليل كده سلمت لك رقبة كامل وشهاب.
تنهد ثم حاوطها بذراعيه: عارفة يا كاميليا أنا نفسي أطمن على الواد سيف ابني ده وأشوف عياله وأحس إن أديت رسالتي خلاص وأتفرغ لك يا جميل.
كاميليا: يعني بعد ما أطلق من شهاب وتمر شهور العدة هتتجوزني يا زيزو؟
تحركت عيناه بتوتر فقال: آه يا حبيبة زيزو هتجوزك بس أخلص شوية حاجات بس عقبال ما تطلقي.
نهضت لتطبع قبلة على وجنته: بموت فيك يا بيبي.
ابتسم لها بمكر: طيب تعالي أقولك أنا بموت فيك إزاي.
قالها ثم ضغط على زر إغلاق الإضاءة بجواره، لينغمسا الاثنين في عالم المحرمات التي سيؤول بهم إلى الهاوية.
بينما بأسفل تلك البناية، يقف أحد الرجال مرتدياً بدلة سوداء يتحدث بهاتفه: ألو يا باشا هي عنده دلوقت.
تمام سعادتك أنا هفضل مراقبها وهبلغ حضرتك أول بأول.
التقطت حجابها الملقى على الأرض ثم ركضت نحو المرحاض لتدلف إلى الداخل وتفتح صنبور المياه لتملأ كفيها بالماء وتغسل وجهها وعنقها وشفتيها التي كانت تفركها بقوة كأنها تعاقبها على رضوخها لقبلاته.
نظرت لصورتها المنعكسة في المرآة وهي تستند بيديها على الحوض الرخامي، تتأمل حالها بدموع منهمرة تخالطها المياه التي اغتسلت بها توًا.
التفتت للوراء وهي تأخذ منشفة قطنية من المشجب المعلق بالحائط لتجفف قطرات المياه وتكفكف عبراتها.
ارتدت حجابها مسرعة، واتجهت إلى الخارج لتغادر الغرفة ثم هبطت الدرج لتتجه إلى غرفة الصالون الكلاسيكي المذهب.
سوري يا جماعة اتأخرت عليكم.
قالتها بابتسامة مصطنعة.
المأذون: ولا يهمك يا سيلين هانم، بس بسرعة يا ريت تنادي على زوج حضرتك عشان ورائي مشوار ومش عايز أتأخر عليه.
كادت تلتفت إلى خلفها لتنادي على مربيتها لتذهب وتنادي شهاب، لكن هو الذي فاجأها عندما دلف إليهم كالبركان الذي انفجر لتوه ليقذف حممه وجمراته المشتعلة.
وقف الجميع بفزع لتصرخ الأخرى وهي تبتعد من أمامه، يقف أمامهم كالذي فقد عقله مصوبًا سلاحه نحو المأذون والمحامي.
عيسى برجاء وتوتر: أي ده يا شهاب بيه؟ الي أنت بتعمله ده غلط؟
صاح شهاب بغضب: اخرس خالص يا محامي الغبرة أنت بدل ما أخلص عليك دلوقت.
المأذون: خاف الله يا ابني، ربنا بيقول في كتابه العزيز: بسم الله الرحمن الرحيم (سرحوهن بالمعروف ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه) صدق الله العظيم.
مش عايز أسمع صوتك يا شيخ المنصر أنت، وطلاق مش هطلق.
قالها شهاب بصياح.
المأذون: الله يسامحك يا ابني.
صرخت سيلين: أنت إيه يا أخي خلاص ما عندكش كرامة عايزني أعيش معاك بالعافية!!!!
رمقها بنظرات قد أحرقتها ودبت الرعب في أوصالها، رفع فوهة سلاحه لأعلى ليطلق رصاصة دوى صوتها بصوت مفزع: مش عايز أشوف حد هنا كله بره.
ركض المأذون للخارج ليلوذ بالفرار، وكاد يلحق به عيسى المحامي.
استني عندك يا أستاذ عيسى.
صاحت بها سيلين.
شهاب: أنا قولت كله يطلع بره أنتِ ما بتسمعيش؟
قالها بغضب قد أصم أذنيها.
سيلين: مش هيمشي غير لما تمضي لي على الأوراق اللي معه أحسن لك.
قالتها بتحذير.
عيسى بتوجس: عادي يا سيلين هانم ممكن في وقت ثاني الدنيا ما طارتش يعني.
قالها وهو ينظر بطرف عينيه لشهاب ذو الهيئة المرعبة.
شهاب وهو ينظر لسيلين لكن يوجه كلماته لعيسى: الأوراق دي تبلها وتشرب ميتها ومفيش فض شراكة ومش همضي على حاجة أظن كلامي واضح.
قالها بنبرة تهديد.
رمقته سيلين بغضب جلي لتقع عينيها على طبق الفاكهة الموجود بأعلى الطاولة حيث التمعت السكين الموضوعة بداخلها وبدون أن يدرك شهاب، ركضت نحو الطاولة لتلتقط السكين وتضعها على موضع قلبها.
والله لو ما مضيت على الورق لأدب السكينة دي في قلبي وأموت وأريحك مني.
قالتها بنظرات تهديدية.
أنزل سلاحه جانبًا: أي يا مجنونة اللي بتعمليه ده ارمي السكينة من إيدك.
صاح بها شهاب.
والله ما راميه حاجة غير لما تمضي لي على الأوراق، وبالنسبة للطلاق مش عايزة بس بكرة الصبح هاروح المحاكمة وها أرفع عليك قضية خلع وها أنولك لقب المخلوع.
قالتها سيلين.
اعقلي يا سيلين وتعالي نتفاهم.
قالها شهاب.
أنت خليت في عقل ولا خليت فيها تفاهم، أنا خلاص تعبت من كل حاجة ومنك أنت شخصيًا فأرجوك كفاية بقى.
قالتها وما زالت تمسك بالسكين نحو قلبها.
يعني إمضتي على الورق هتريحك نفسيًا؟
قالها شهاب.
آه وها ارتاح أكثر لما أخلعك.
قالتها بنبرة استفزازية.
زفر بضيق وقال: حاضر أنا هامضي على الورق بس سيبي السكينة.
سيلين: لا لما تمضي الأول.
استسلم لأمرها فرمق المحامي بسخط: هات الزفت أمضي عليه.
أخرج عيسى من حقيبته ملف ورقي وأخرج ورقات عديدة وقلم حبر أعطاها له.
أخذهم شهاب ثم توجه إلى الطاولة ليسند عليها الأوراق، ثم خط اسمه أسفل كل ورقة ونظراته لم تفارقها بحذر.
خلصت.
قالها شهاب ليجمع الأوراق ويعطيها للمحامي الذي أخذها مسرعًا ولاذ بالفرار هو أيضًا.
أردف وقال: ارتحتي أنتِ دلوقت كده؟
قالها ثم قام واقفًا: عشان يكون في علمك أنتِ انفصلتي عني في العمل، لكن اللي عمرك ما هتقدري عليه ولا هاسمح لك به انفصالك عني، لأنك ملكي يا سيلين ويوم ما يحصل ده هيكون في حالة لما أموت.
قالها ثم ترك لها المكان بأكمله وغادر كالخيل الجامح قبل أن يفقد أعصابه عليها.
أوقعت السكين من يدها لتجهش بالبكاء وظلت تصرخ بآهات من أعماقها لتجثو على الأرض وتستند على كفيها وتتساقط عبراتها بسأم على السجادة لتتشكل بقع المياه وكأنها أمطار تنهمر فوق الأرض.
أشرقت الشمس في سماء عاصمة الجمال، على أصوات موسيقى الجاز الكلاسيكية التي تعيشك أجواء باريس الساحرة.
استيقظت وهي تتثاءب وتمدد ذراعيها بضجر عندما أيقظها صوت منبه الساعة الرقمية التي توجد أعلى الكومود المجاور للتخت.
نهضت من مخدعها لتقوم بالروتين الصباحي، ثم غادرت الغرفة واتجهت نحو المطبخ المطل على الردهة.
الواحد قايم جعان أوي كده ليه؟ الظاهر عشان ما اتعشتش كويس إمبارح.
قالتها ثم ابتسمت وهي تفتح باب الثلاجة لتجد العديد من الجبن والخضروات والبيض المتراص في الرف الخاص به، وهناك عصائر ومشروبات غازية والعديد من أنواع الشيكولاتة الداكن منها والأبيض.
الله تشوكليت هو عرف منين إن أنا بحبها!!
قالتها لتتناول قطعة ثم قامت بفتح الغلاف لتقضم منها وهي تتلذذ بمذاقها الذي جعلها تغمض عينيها باستماع.
قاطع تلك المتعة رنين جرس المنزل، اتجهت مسرعة ثم فتحت الباب.
فارس بابتسامة عذبة: بونجور مون شيري.
قالها ليقف يحدق بمظهرها ثم أشاح بصره جانبًا: أحم خلاص بجي في وقت ثاني.
قالها لتنظر لثيابها فشهقت بذعر أنها كالحمقاء ذهبت تفتح الباب وهي لم تبدل منامتها التي تصل إلى نصف فخذيها وعارية الذراعين.
عن إذنك ثواني وراجعة.
قالتها بخجل شديد لتركض نحو غرفتها.
انتهت وخرجت لتجده ما زال يقف أمام الباب، تأملها بحب عندما رآها مرتدية ثوب باللون السماء فهي تشبه الحور بداخله.
أتفضل مسيو فارس.
قالتها لتشير إليه بالدخول.
دلف إلى الداخل واقتضب حاجبيه: هيك اتفقنا؟
فيروز بعدم فهم: أنا آسفة بجد ما كنتش عارفة إنك هتخبط وكنت بأكل شيكولاتة.
لم تكمل فقاطعها: مو قصدي هيك؟ عادي خذي راحتك بالبيت لكن انتبهي قبل ما تفتحي لحدا، لكن اللي مزعلني هلا، إنك رجعتي تقولي لي مسيو.
ابتسمت بخجل: سوري مش ها أكررها ثاني.
اقترب منه ليمد يده نحو شفتيها ثم مسح بإصبعه آثار الشيكولاتة على شفاها: خلاص ما في شيء.
تلون وجهها بالحمرة، فتفهم ذلك فأردف: أنا كنت بمسح آثار الشوكولاتة على تمك، ليش خجلانة هيك؟
توترت لتفرك يديها معًا: ما فيش، فطرت؟
فارس: مو بتناول فطوري بكير، بدي منك فنجان قهوة بدون سكر وأنا بستناكي في البالكون.
كادت تذهب فأوقفها: وقفي، بتعرفي وين أطرميز القهوة؟
فيروز: قصدك برطمان القهوة؟
قالتها بابتسامة.
فارس: أي، برافو عليكي، موجود بثاني رف بالخزانة.
قالها ثم ابتسم بمكر لأنه يعلم ما سيحدث.
ذهبت لتبحث عنه فوجدته لكن الرف كان مرتفع عن مستوى يداها، ظلت تحاول أن تجذبه لكن فشلت، لتمد يدها مرة أخرى لتجد يد أخرى سبقتها وأخذته، لتلتفت خلفها لتجده قريب منها لدرجة أنها شعرت بأنفاسه، توترت بشدة.
عن إذنك.
قالتها لتبتعد وذهبت إلى الشرفة، شعر أنها تضايقت من فعلته تلك، ترك ما بيده فأسرع ليجدها تولي ظهرها له وتستند على درابزون سياج الشرفة وهي تبكي.
شعر بغصة في قلبه: فيروز، أنتِ عم تبكي؟
حاولت أن تكفكف عبراتها وبدون أن تنظر له: لا ما فيش حاجة.
فارس: أنا بعتذر منك، ما بقصد شيء.
فيروز: فارس، أنا عايزة أروح بيت ثاني وعايزة أشتغل.
قالتها بإصرار.
فارس: ليش فيروز؟ أنا بعتذر مرة ثانية، ولو بتريدي إن ما أجي عندك هون عادي مو بزعل.
فيروز: لا ده بيتك وتدخله وقت ما تحب، بس أنا مش عايزة أتقل على أحد وعايزة أشتغل وأصرف على نفسي من حر مالي.
فارس بسأم: لو بتريدي إنك تشتغلي، الشغل تحت أمرك، وأنا كنت ناوي أخبرك إنك تيجي معي على البيوتي سنتر تابعي، لكن المسكن هون ما تتركيه.
انتابها حالة من البكاء فأجهشت به وهي تتمتم: أنا وحشتني ماما ووحشتني بلدي، وواحشني أوي كمان.
قالتها لتبكي بشدة.
شعر بالأسى من أجلها فهو يعلم مقصد جملتها الأخيرة وهو حبيبها التي اشتاقت إليه على الرغم ما فعله بها، لم يجد سبيلًا سوى أن عانقها ليواسيها ويربت على ظهرها: خلاص اهدي حبيبتي.
ما في شيء.
رفعت رأسها مبتعدة عن صدره وقالت من بين شهقاتها:
"عارف، على الرغم من النار اللي جوايا من ناحيته، لكن واحشني أوي."
رمقها بسأم، فهو يعلم شعورها جيدًا، فهو يعيش فيه:
"بعرف شو أنتي حاسة، لكن أنا ما بعرف شو حصل بيناتكو."
قالها فأمسك يدها لتجلس على المقعد وجذب آخر ليجلس عليه.
فيروز:
"ممكن أفضفض باللي جوايا من غير ما تزعل مني؟"
أومأ لها بالموافقة فقال:
"وليش بزعل؟ فيروز أنا مشاعري تجاهك خاصة فيني، فأحكي حبيبتي عادي وأنا بسمعك واللي بشوفه لصالحك بخبرك إياه."
مسحت عبراتها لتبدأ بسرد كل ما حدث لها الآونة الأخيرة من أخطاء بسيطة ارتكبتها ودفعت ثمنها أضعافًا مضاعفة من ذل وظلم. كان ينصت إليها باهتمام حتى انتهت.
فيروز:
"هو ده كل اللي حصل."
قالتها فتنهدت بحزن.
نظر نحو السماء ثم قال وهو يشير إلى سرب الطيور المحلقة:
"شوفي فيروز هي الطيور، أتأملي فيها كيف بتطير بحرية فاردة جناحتاه، كيف لو أخذت طير مثل هيك وحبسته بالقفص وساكرت عليه شو هيكون إحساسه؟"
فيروز بتلقائية:
"هيتخنق وهيتعذب وأول ما هتجيله الفرصة إنه هيهرب من القفص هيهرب ومش هيرجع تاني."
فارس وما زال يحدق في السرب الذي ابتعد لمسافة كبيرة:
"هيك لكان. أممم، طيب كيف لو كان هاد الطير متعلق بحبيبه، بقصد باللي سجنه بالقفص، يا ترى الطير يرجع مرة تانية للسجان؟!"
قالها ثم حدق بعينيها منتظر الإجابة، فأدركت ما يقصده.
"أنا الطير وصقر السجان!"
قالتها وهي تبتسم بسخرية وسأم.
تنهد فقال:
"أي فيروز، صقر بتحكماته وغيرته الزايدة خلاكي كيف الطير اللي انحبس، وأول ما أجتك فرصة هروبك فعلتيها، لكن سؤالي هون، هل ممكن ترجعيله؟"
ابتلعت ريقها لتشعر بصعوبة السؤال. اعتصرت عينيها بوهن. نظر إليها بتمعن.
فارس:
"شو فيه؟"
فيروز وقد بدا عليها أعراض تعب لتظهر قطرات العرق على جبهتها:
"لاء، ما فيش، عطشانة وهقوم أجيب مايه."
نهضت من المقعد ومشت خطوتين حتى شعرت بضعف جسدها وعدم الرؤية لتهوي على الأرض.
فارس بذعر وخوف:
"فيروووووووووز!"
في سجن طرة، قابع بداخل زنزانته أسير الظلم والظلام. يجلس على الأرض بأحد الأركان يمسك بيديه دفترًا ورقيًا صغيرًا وقلمًا. لديه موهبة كتابة الشعر العامي قد غمرها منذ زمن فعاد إليها عندما شعر بالاحتياج بأن يلخص قصته في أبيات تعبر عنه حقًا فكتب الآتي:
عايش في حالي في دنيا أكتر ما فيها الوحوش
بظلل علي بيتي وامرأتي ووردتين ما تفتحوش
ماشي جنب الحيط وباكل من عرق جبيني
ومهما بردت الدنيا حضن بيتي يدفيني
مش عاوز من الدنيا فلوس عاوز أمان يحميني
يكفيني من غدر الزمان وراعي ربي وديني
جيتِ يا دنيا عليّ وعذرك طول سنيني
دخلتيني برجليّ لعقل الشياطين ودتيني
ما طلبتش غير أمان يحمي ولادي
دانا طول حياتي بطاطي ودادي
حاولت أخرج منها وبكل قوة وبنادي
طالب أمان يا عالم دا الظلم هنا سادي
خرسوني وعايش من غير صوت
قصدي ميت منا من غيرهم بموت
ما حدش حاسس بيّ وتعدي أيام وتفوت
والظلم بيجي عليّ عمال يباصي ويشوط
ولما جيت أتكلم خادوا مني ولادي
سيبوني في الضلمة بصرخ من الظلم وأنادي
بحرقة قلب أم خدوا ولدها من حضنها
ويتمسخروا الناس ويقولوا دا حظها
جوزها قتل ولادها وما فضلش حد في ضهرها
راح الأمان مهي دي الدنيا والظلم قضى عليها
الدفا.
قصيدة بقلم: إيمان حمدان.
انتهى من الكتابة وعبراته تتساقط على الورق لتصبح الورقة مبللة بالدموع مع حزن الكلمات فشكلت لوحة عنوانها: الظلم لا دين له.
قام السجان بفتح الباب الحديدي ودلف مناديًا:
"أيمن محمود."
أيمن:
"أفندم."
السجان:
"قوم الباشا المأمور عايزك."
اندهش أيمن فهذه المرة الأولى طلب فيها مأمور السجن رؤيته فأحس أن هناك شيئًا. ذهب برفقة السجان في رواق طويل وانعطف ليسير رواقًا آخر متفرع منه غرف متعددة أكبرها غرفة المأمور.
طرق الباب فدلف وممسكًا بأيمن:
"المسجون أيمن يا باشا."
المأمور:
"اتفضل يا أيمن."
قالها فجلس أيمن على المقعد أمام المكتب لينظر متعجبًا من صقر الذي يحدق به وعلامات الحزن بعينيه.
أردف المأمور:
"طيب عن إذنكو هسيبك يا صقر بيه معاه."
صقر:
"اتفضل يا فندم."
قالها فغادر المأمور.
أيمن:
"صقر بيه؟"
صقر:
"طبعًا أنت مستغرب زيارتي، بس أنا جيت عشان أطمنك وأقولك دليل براءتك معايا."
انفرجت أساريره:
"بجد يا فندم؟"
صقر بابتسامة:
"أها، بس لازم تساعدني."
عادت ملامحه لكن للحيرة:
"أساعد حضرتك إزاي؟"
صقر:
"أنا معايا ملفات تودي شوقي ضرغام واللي معاه في ستين داهية، بس محتاج دليل مادي ملموس، كل اللي عايزه منك تقولي كان رجالة شوقي وبيبرس بيشيلوا البضاعة فين بالضبط."
زفر أيمن بقلق:
"سيبك من الأماكن بتاعتهم لإنك مش هتلاقي حاجة فيها، أنا ممكن أساعدك."
صقر بانتباه:
"إزاي؟"
أيمن:
"هكتبلك عنوان فيه شنطة أخدتها من الشنط اللي كان فيها بضاعة آثار وفيها حوالي أكتر من 2 كيلو هيروين."
صقر:
"حلو أوي، بس إيه الدليل إنها تبعهم؟"
أيمن:
"فيها سلاحين بالذخيرة بتاعتهم، نفس نوع اللي مسكتوها معاهم في جبل الحلال."
صقر:
"متأكد يا أيمن؟"
أيمن:
"ورحمة بناتي زي ما بقول لحضرتك، بس خد حذرك عشان دول ما بيرحموش."
صقر:
"تسلملي يا أيمن، وما تقلقش ده شغلنا وهاخد حذري طبعًا، بس إن شاء الله أول ما يتقبض عليه هتكون براءتك لإني هفتح عليه كل أبواب جهنم لحد ما يوصل لحبل المشنقة على إيدي."
ابتسم أيمن بأمل:
"يسمع من بوقك ربنا يا بيه."
صقر:
"يلا يا بطل اكتبلي العنوان."
قالها ليعطيه قلمًا وورقة شاغرة ليدون فيها أيمن ثم أعطاها لصقر الذي قرأ العنوان بصوت مسموع:
"ترب اليهود!!!"
بعد انتهاء الزيارة ذهب ليستقل سيارته متجهًا في طريق المخفر الذي يعمل به. وكانت هناك أعين تتربص به ليتصل صاحبها.
"ألو يا بيبرس باشا، الزبون كان في سجن طرة الظاهر بيزور جماعة حبايبه."
قالها حبشي.
بيبرس:
"وبيعمل إيه هناك ده؟ لا يكون بيزور أيمن؟"
"مش ده الواد اللي مسجون في قضية قتل بناته يا باشا؟"
بيبرس:
"طيب اقفل أنت لما أكلم رجالاتي اللي في القسم وأشوف إيه الدنيا ولو الواد الظابط ده ناوي على إيه."
"سلاموز يا باشا."
قالها ثم أغلق المكالمة فأشار إلى سيارة أجرة جماعية.
السائق:
"جيزة هرم."
قالها بنداء متكرر.
حبشي:
"عايز أروح إمبابة يا أسطى."
السائق:
"اركب يا نجم وهوصلك عند الموقف واركب أنت من هناك."
صعد حبشي ودلف بجوار السائق:
"تشكر يا عمونا، يلا اطلع."
قالها لينطلق السائق.
بداخل الغرفة يتفحصها الطبيب وبعد أن انتهى.
فارس بقلق:
"خير دكتور؟"
فيروز بوهن:
"كنت جعانة ولقيت شوكولاتة في التلاجة وكلتها."
الطبيب زفر بضيق:
"كيفاش تاكلي شوكولاتة؟"
فيروز:
"مش فاهمة حضرتك."
ابتسم فارس:
"فيروز، دكتور ظافر رشيد من أكفأ الأطباء هون بباريس وهو من تونس."
ظافر:
"يعيشك برشا مسيو فارس، بس حبيت نقول إغماءها على خاطر (بسبب) السكري."
فارس:
"شو؟ عندها سكري؟"
تنهدت بضيق فأجابت:
"لسه عارفة من قريب."
نظر إليها فارس وتفهم سبب هذا المرض لديها.
ظافر:
"ما في قلق لكن ممنوع أكل السكريات برشا، وكيفاش تقدري تاكلي دايت، توا أكتبلك تحاليل للاطمئنان ونشوف مستوى السكري، وإن شاء الله أراك غدوة وتأتي مع مسيو فارس على الصبيطار (المشفى) بنكون غادي (هناك) الساعة 9 صباحًا."
قالها ثم أخرج من حقيبته دفترًا ورقيًا وقام بتدوين أسماء الأدوية والتحاليل المطلوبة ثم نزعها من الدفتر وأعطاها لفارس.
فارس وهو ينظر للورقة:
"هيدي إبر؟"
ظافر:
"نعم مع الأسف تحتاج لأنسولين وكل شيء بيظبط لو أخدت بالها مزيان من أكلها."
فارس:
"ميرسي لألك دكتور."
ظافر:
"العفو مسيو فارس بيكون عملي، عالسلامة (حمد لله على السلامة) مودموازيل فيروز."
فيروز:
"الله يسلمك يا دكتور."
غادر الطبيب بعد أن جمع أشياءه فأوصله فارس عند الباب وأعطى له أجرة الفحص. ذهب إلى المطبخ وفي غضون دقائق قام بإعداد فطور صحي ووضع الأطباق فوق صينية خشبية مستطيلة. ودلف إليها تحت نظراتها المشدوهة.
فيروز:
"أنا مش جعانة."
فارس بزمجرة مازحًا:
"هممم فيروز، شو قال الدكتور؟ إنك لازم تاكلي منيح مشان تاخدي العلاج وما يصير معك إغماءات مرة تانية."
فيروز بضيق:
"معلش عشان خاطري ما ليش نفس للأكل والله."
فارس:
"لكي يا بنت اسمعي الكلام ومشان هيك أنا اللي بآكلك بإيدي."
ابتسمت بخجل لتجده يقطع قطعة من الخبز ويضع عليها قطعة من الجبن بالسكين ووضعها بالقرب من فمها وقال:
"هيّ افتحي تمك."
تناولت القطعة كالطفلة وصار يضحكان ويتبادلان الأحاديث المضحكة إلى أن انتهى من إطعامها.
فيروز:
"ميرسي على كل حاجة."
فارس:
"ما في ميرسي بيناتنا."
ولو بدك أي شيء بتقولي لي، إلا بزعل منك.
فيروز: حاضر.
فارس: شو حاسة هلأ؟
فيروز: الحمد لله بقيت أحسن.
فارس: خلاص ناطريني هون، وأنا بروح أشتري العلاج وباجي على طول، مو هتأخر عليكي.
فيروز: ممكن أجي معاك؟
فارس: كيف وأنتي لساتك مريضة؟
فيروز: الحمد لله بقيت كويسة.. نفسي أشم شوية هوا وأغير جو.
فارس: ماشي.... خلاص ناطرك بالبالكون لتجهزي حالك.
فيروز: أوك.
***
في إحدى مراكز التجميل الشهيرة بمنطقة وسط البلد بالقاهرة:
الفتاة: كده نحط اللمسات الأخيرة وخلاص خلصنا.. فتحي عينيكي يا قمر.
فتحت ليلى عينيها وهي تنظر لانعكاسها بالمرآة: إيه ده! دي مش أنا... إزاي؟!
الفتاة: حضرتك ما شاء الله قمر من غير أي حاجة.
ليلى بفرح: تسلم إيدك على الميك آب ولفة الطرحة تحفة. قالتها وهي تقترب من المرآة تتفحص مظهرها.
والدتها التي تجلس على مقعد بالقرب منها تتمتم: يعني هي عملتهولك ببلاش، ما واخدين على قلبهم فلوس قد كده.
رمقتها ليلى فصاحت بها: مامااااا!
الفتاة شعرت بالإحراج، فأجابت بأسلوب مهذب: إحنا يا فندم أسعارنا كده، عشان زي ما أنتي شايفة موقع البيوتي سنتر في منطقة راقية جداً، غير بندفع إيجار أضعاف اللي بناخده من أي عروسة، ده غير الكهربا والمايه اللي بالآلافات، وأجور اللي بيشتغلوا، غير إحنا المتريال بتاعتنا كلها ماركات عالمية بنستخدم ماك وراميل لندن و...
لم تكمل لتقاطعها والدة ليلى بحدية: خلاص يا أختي، أنتي هتحكي لي قصة حياة الكوافير بتاعكوا... ده إيه ده؟ هتقعد تبرطم لي بالأفرنجي عشان تبلفني بكلمتين.
زفرت ليلى بضيق ونظرت بخجل للفتاة فهمست لها: سوري معلش، حقك عليا أنا، أمي حماقية حبتين، وطبعًا زعلانة عشان بنتها الوحيدة هتتجوز وتسافر.
الفتاة بطيف ابتسامة: ولا يهمك يا فندم، إحنا متعودين على المواقف اللي زي كده.
دوت بالخارج أصوات إنذارات السيارات بألحان تعبر عن الفرحة.
والدتها: يلا عشان ده خالد وصل بره، لإنه بيرن على المحمول بتاعك اللي معايا.
نهضت من على المقعد وهي تعتدل من الثوب، فأخذت هاتفها لتجيب بصوت هادئ: إزيك يا حبيبي؟
خالد الذي بالخارج وأضواء السيارات تضيء وتنطفئ من حوله مع التهليل والتصفيق والصفير: إيه يا روحي خلصتي؟
ليلى: أيوة، تعالَ يلا مستنياك بس غمض عينك.
خالد: أغمض إزاي يا حبي؟ افرضي روحت مسكت في واحدة من البنات اللي بيشتغلوا جوه؟
ليلى بحنق: خاااااالد! اتلم!
خالد: خلاص سماح يا باشا المرة دي.
ابتسمت: ماشي، هعديها لك المرة دي.. ويلا بقي عشان ماما عمالة تكسفني قدام البنت بتاعت الميك آب، وشكلي بقي وحش أوي.
خالد: هههههههههه، أنتي هتقولي لي عن حماتي، ربنا يهدي... طيب سلام وأنا داخل دلوقت.
ليلى بالداخل تتنفس بانتظام لتزيل التوتر الذي تشعر به: اهدي اهدي يا ليلى، مالك متوترة كده ليه... خلاص أخيراً هتبقوا مع بعض.
رفعت عينيها لتجد من يحدق بها بتأمل وهو يغر فاه غير مصدق، هل كل هذا الجمال سيصير ملكه؟
وقعت عيناه على لفة حجابها التركية التي تدلي منها طرحة الثوب على ظهرها... يعلو حجابها تاج من اللؤلؤ تتدلى منه بعض اللآلئ فوق جبهتها... وجهها كالبدر المنير تضع حمرة باللون الأحمر القاني... عينيها كحيلتان وفوق أهدابها خطين ترتفع نهايتهما لأعلى قليلاً (آيلاينر)... والماسكارا التي زادت من جمال رموشها التي رفرفت عندما رأت زوجها... أكمل تأمله على ثوبها ذو اللون الأبيض الهادئ المتكون من الدانتيل المطرز والمطعم باللؤلؤ صغير الحجم للغاية... كانت كالأميرات حقاً.
بينما هو يرتدي التوكسيدو ذات اللون الأسود وأسفلها القميص ذو اللون الأبيض... شعره مصفف بعناية فكان وسيماً كالأمير الذي يليق بأميرته.
تقدم نحوها وأمسك بيديها فقبلهما بحب ويقول: ألف مبروك يا روحي وأخيراً هنبقى مع بعض.
ليلى بسعادة وخجل: أنا مش مصدقة يا خالد.
خالد: صدقي يا روحي، لإنه كلها 3 ساعات ونكون في الطيارة ونروح دبي يا قلبي... يلا بينا؟ قالها ثم أثنى ساعده لتمسك بيدها عليه... فانطلقت الزغاريد من الحاضرين والتهليل والمباركات.
غادرت السيارات في وسط التهليل والفرح... حتى وصلوا جميعهم أمام مرسى للنيل ينتظرهم مركب ذات طابقين مجهزة لحفل زفاف العروسين ويعلو مدخلها (خالد وليلى) مكتوبة بالورود الحمراء والبيضاء.
ترجل الجميع من السيارات.... وقفت ليلى بجانب خالد وهي تمسك بساعده: الله يا خالد، ده أنا كنت فاكرة هنطلع على المطار.
ابتسم خالد: لاء طبعاً يا روحي، لازم أفرحك زي أي بنت بتفرح اليوم ده، وما جتش من ساعة ونصف نهيص فيهم.
ليلى: ربنا ما يحرمني منك يا قلبي.
جاء صوت والدتها من جانبها فهمست: ينفع كده تتجوزي من غير ما أعزم حد من الجيران، لما هروح هياكلوا وشي.
ليلى بحنق: جيران مين يا ماما دلوقت، كفاية أنتي وبابا وأهل خالد وكلها كام ساعة وطالعين على المطار.
والدتها: يا دي الكسوف، هقول إيه لأم بندق وأم سيكا لما يعرفوا أنك اتجوزتي من غير ما أعزمهم.
زمجرت ليلى: هممم ماما، طيب بذمتك دي أسماء جيران تتعزم على أفراح بندق؟ وسيكا! حرام عليكي اللي بتعمليه فيا ده.
قاطع حوارهم والدة خالد: بسم الله ما شاء الله والله أكبر، وحصوة في عين اللي ما يصلي على النبي... لولولوللللللي... ألف مبروك يا بنتي... قالتها وهي تعانق ليلى وتقبلها من وجنتيها.
ثم عانقت نجلها بالمباركات وتقبله من وجنتيه: مبروك يا ضنايا، وعقبال ربنا يرزقكم بالذرية الصالحة.
خالد: آمين يا أمي... قالها بابتسامة.
وكذلك أتى والد ليلى وخالد وصافحا العروسين بالعناق والمباركات.
وصلت سيارة محمد بعدما تواصلت آمال مع والدة خالد... ترجل محمد ثم التف ليفتح باب السيارة لعمته التي استندت عليه واليد الأخرى استندت على عصا معدنية تجاهد سيراً حتى وصلت لتبارك للعروسين.
ليلى: طنط آمال وحشتيني... قالتها لتعانقها بحب.
آمال: ألف ألف مبروك يا بنتي، ربنا يتمم لكوا بخير ويرزقكوا بالخلف الصالح... مبروك يا خالد يا ابني.
خالد: الله يبارك فيكي يا مرات عمي.. أومال فين فيروز؟ ما جتش ليه؟
آمال بتوتر: أأصل....
محمد قد ألحق بها: معلش ما قدرتش تيجي تعبانة خالص.
ليلى نظرت لآمال بتفهم فهي على دراية بكل ما حدث لكنها لم تخبر خالد أو عائلته فهمست لآمال: هي بتكلمك؟
آمال هامسة: كلمتنا مرة وهي كويسة الحمد لله.
ليلى: أبقي سلمي لي عليها كتير دي وحشاني أوي وربنا يظهر براءتها يا رب وترجع بالسلامة.
آمال: يا رب يا بنتي ياااااارب.
***
أمام محكمة الأسرة يقف عيسى أيوب ليهاتف سيلين التي تنتظر مكالمته.
عيسى: ألو سيلين هانم... كله تمام سعادتك، رفعت الدعوة ولسه أول ما تتحدد الجلسة هبلغ حضرتك.
سيلين: شكراً ليك يا أستاذ عيسى.
عيسى: العفو يا فندم ده شغلي حضرتك.
سيلين: طيب أنا هقفل دلوقت عشان ورايا مشوار مهم.
عيسى: حاضر يا فندم... سلام.
سيلين: سلام... قالتها لتغلق وهي تتنهد.. فشعرت بدقات قلبها تتعالى والدموع تجمعت بعينيها فقال لنفسها: مالك بتعيطي ليه مش ده اللي أنتي عايزاه!!!!! مش عايزة تقهري قلبه؟!!! استحملي لإنك عارفة من البداية قبل ما تألميه أنتي اللي هتتوجعي.... كان ذلك عقلها الذي يتحاور معها.
استمرت بالبكاء بداخل سيارتها حتى أفرغت... فأخذت المناشف الورقية وظلت تجفف عبراتها فقالت بصوت مسموع: أنا لازم أعمل الخطوة دي عشان ما يحصلش كارثة، لازم أفهمه قبل ما يعرف منه ويعمل فيه حاجة... أعمل إيه على الرغم زعلي منه لكن ما بستحملش عليه حاجة... آآآآآه.
أطلقت آهة بتنهيدة ثم ترجلت من السيارة لترفع بصرها نحو اللوحة الكبيرة المكتوبة أعلى مدخل المخفر ثم دلفت إلى الداخل.
***
أتى نحوهم المصور وقال: ممكن تجهز حضرتك أنت والعروسة عشان الفوتو سيشن... والنهاردة الجو جميل وضوء النهار هيساعدنا في التصوير.
والدة ليلى: أنا عارفة إيه يا أخويا الأفراح اللي بالنهار دي.
زوجها والد ليلى لكزها يهمس إليها: ما تبطلي برطمة يا ولية واتهدي، عاملة تلقحي بالكلام وقلبة خلقتك كأن بنتك في جنازة مش جوازة.
أجهشت بالبكاء: أصل بصراحة البت هتوحشني ومش عارفة هقعد من غيرها إزاي... غصب عني.
زوجها: قصدك تقولي أخيراً البت هترتاح منك وهتشوف حياتها وسعادتها مع جوزها... أنكتمي بقي وبطلي عياط مش ناقصين نكد خلينا نفرح قبل ما نودع البت قبل ما تسافر.
أخذ المصور يلتقط لهما العديد من الصور فالكثير منها على ضفاف النيل الذي أضفى على صورهم سحراً وجمالاً وكأنه نهر العشق... وأخيراً دلفا إلى المركب بعدما دلف الجميع... بدأت أغنية رقصة العروسين ليتراقصا بالطابق العلوي وسط نسمات الهواء العليل التي جعلت طرحتها تتطاير على وجهها... قام خالد بضمها بحب فحاوط خصرها بيديه وهي حاوطت عنقه بيديها ليبدءا الرقص معاً.
أغنية: تسمحي لي بالرقصة الأولى - أمير يزبك
هلا عمري زين فيكي.. زين فيكي
أهلي وأهلك فرحوا فيا.. فرحوا فيكي
اسمح لي من الرقصة الأولى
أوصلك إحساسي فيكي
تسلمي لي ما أحلاكي التوب الأبيض شو محلاكي راح أكمل حياتي معاكي وأقضي عمري غنج فيكي
راح بتصيري أم أولادي ونعمر بيت السعادة من فرحة قلبي راح نادي خليكي بعمري خليكي
اسمح لي من الرقصة الأولى
أوصلك إحساسي فيكي
زينتي عمري وأيامي... عمري وأيامي
صارت حقيقة أحلامي... حقيقة أحلامي
زينتي عمري وأيامي...
عمري وأيامي
بدي أهنيكي بغرامي.. بدي تتهني بغرامي، بدي تتهني بغرامي، بدي تتهني بغرامي.
وأعمل كل اللي بيرضيكي.
تسلميلي ما أحلاكي، التوب الأبيض شو محلاكي، راح أكمل حياتي معاكي، وأقضي عمري غنج فيكي.
راح بتصيري أم أولادي ونعمر بيت السعادة، من فرحة قلبي راح ننادي خليكي بعمري خليكي.
اسمحلي من الرقصة الأولى.
أوصلك إحساسي فيكي.
انتهت الأغنية ليحملها من خصرها ثم يدور بها وسط الحاضرين ليصفقون ويهللون بسعادة.
وبعد انتهاء الحفل، غادر الجميع ليستعد كل من خالد وليلى إلى السفر على الطائرة المتجهة إلى مطار دبي، وبعد وداع الأهل والأحباء، صعد الاثنان إلى الطائرة، فجلسا على مقاعدهما المخصصة لتتخل أنامله بأناملها ويتبادلان الابتسامات ونظرات العشق.
_______________________
بداخل مكتب صقر، يجلس أمام مكتبه يتفحص كل أوراق الملف قبل أن يدلف إلى المقدم منصور مدير القسم ليفتح ملف القضية مرة أخرى.
طرق عوض العسكري باب الغرفة فدلف: صقر بيه، فيه واحدة عايزة سعادتك.
اقتضب حاجبيه: مين؟
دلفت سيلين: أنا يا صقر.
صقر: اتفضلي يا سيلين... وأنت يا عوض خلي الساعي يجيب لنا 2 قهوة... ولا تشربي إيه؟
سيلين بامتنان: ميرسي مش قادرة أشرب.
صقر: ماهو مينفعش، أنتي أول مرة تجيلي المكتب.
سيلين: خلاص خليها واحد ليمون.
صقر: قولوا واحد ليمون وواحد قهوة مظبوط.
عوض: تمام يا فندم... قالها ثم غادر.
سيلين بتوتر: أنت مستغرب زيارتي ليك؟
صقر: أنتي تزوريني في أي وقت، ما خلاص بقينا شركاء غير عشرة الصداقة والعمر اللي بينا.
ارتسم طيف ابتسامة على محياها: ميرسي يا صقر، ربنا يخليك.
صقر: فيه حاجة بخصوص العقود؟
سيلين: لأ كله تمام... بصراحة أنا جيالك بخصوص فيروز... قالتها بتوجس وتوتر شديد.
انتبه لها كمن لدغته أفعى: فيروز؟ قصدك إيه؟ هو أنتي عرفتي؟
سيلين بأسف: أها، مفيش حاجة بتستخبى خصوصًا أن أنا عارفة مين اللي عمل فيها كده.
وقف فجأة ليقترب منها لترتعب من مظهره الذي تحول إلى وحش كاسر.
انطقي أنتي تعرفي إيه ولا مين؟... قالها بصياح غاضبًا.
سيلين بخوف: أهدي بس عشان تسمعني... يا الله عليك مش عايزاك تتهور.
صقر: أهدي إزاي؟ أنتي تعرفي إنها هربت وحققوا معايا... وطبعًا هروبها هيثبت التهمة عليها.
سيلين: ما أنت لو قبضت على اللي عمل فيها كده هتثبت براءتها.
صقر: ومين ده؟
سيلين: واحد اسمه جمال.
صقر بدهشة: جمال!!!!
سيلين: كان شغال مع شهاب من فترة و.......... ظلت تسرد له كل ما تعرفه، لكن كانت ترجوه بأن لا يمس شهاب بشر.
دلف الساعي بالصينية فأقترب صقر بجنون ليقلب من يده الصينية لتقع الأكواب ويتناثر حطامها وغادر المكتب كالمجنون وسيلين تركض خلفه حتى وصلا أمام سيارته.
سيلين ببكاء: صقر أرجوك سيبك من شهاب دلوقتي وامسك جمال وساعتها شهاب هيساعدك.
صقر بغضب: أنتي بتستهبلي يا سيلين! جوزك دمر حياة خطيبتي وسمعتها وكمان سلمها لواحد رد سجون عمل فيها العملة السودة دي وعايزاني أبقى هادي... أنا فعلًا همسك جمال وهطلع عينه بس لما أصفي حسابي مع جوزك الأول... قالها ثم فتح باب سيارته فدلف إلى الداخل وبعد ثوان انطلق بها.
أسرعت هي الأخرى خلفه بسيارتها حتى تمنع ما سيحدث من كوارث.
___________________
في شركة السويفي...
يمكث في مكتبه منتظر العاصفة التي ستأتي له... يعلم جيدًا كل تحركاتها وما تفعله... ترك لها الحرية ليفعل ما يرضيها حتى لا تبتعد عن عينيه...
سمع صوت شجار بالخارج وتركض السكرتيرة لتمنع صقر الذي يصيح غضبًا: هو فييييييييييين؟... قالها ليدفع السكرتيرة من أمامه حتى دلف إلى المكتب ليجد الآخر يجلس خلف مكتبه لينتظره.
اتجه نحوه كالمجنون: وربنا لأربيك يا شهاب يا سويفي الظاهر وحشك علقات زمان اللي كنت بديهالك... صاح بها صقر وهو يمسك شهاب من تلابيب قميصه وظل يوجه إليه اللكمات بقوة... لكن عجبًا كان شهاب مستسلم وكأنه يريد عقاب نفسه على كل ما اقترف.
وجهه يرتطم يمينًا ويسارًا أثر دفعات اللكمات الموجهة له ليجثو على الأرض عندما وجه إليه صقر لكمة في بطنه جعلته ينزل على ركبتيه والدماء تغرق وجهه وتخرج من فمه... مستسلم بطريقة كانت تثير غضب صقر أكثر يحسب أنه يستهزئ به.
دلفت سيلين وهي تصرخ برجاء: صقرررررررررر... أرجوك سيبه ده هيموت في يدك.
صقر بغضب: خليه يموت ويكفر عن اللي عمله فيها أنتي متعرفيش حصل إيه ليها بسبب الزفت ده.... قالها وهو ما زال يقبض على تلابيب قميص شهاب الذي بدأ يفقد إدراكه ويعم الظلام أمام بصره ليقع مغشيًا عليه.
شهقت بذعر وتصرخ: شهاااااااااااااااااااااااااب.
وقف صقر بذهول عندما رأى الملقى أمامه وسيلين تصرخ وتحتضنه... جاء إليهم الحراس.
فصاحت فيهم: حد يطلب الإسعاف بسرعة.
الحارس: والله دي كانت أوامر شهاب بيه إن لما النقيب صقر يجي محدش يتعرض له.
أخرج هاتفه على الفور وقام بمهاتفة الإسعاف الخاصة بمستشفى السويفي فجاءوا مسرعين في غضون 15 دقيقة... وقام بأخذ شهاب وخلفهم سيلين.
وذهب خلفهم صقر الذي قرر ألا يتركها بمفردها.
______________________
في دولة الإمارات العربية المتحدة... وتحديدًا بداخل إحدى الفنادق بإمارة دبي...
دلف إلى الغرفة التي أوصى بإعدادها لهما كعروسين... كان يحملها على ذراعيه مبتسمًا.
ليلى: ها أفتح عيني؟
خالد: لأ استني.
ليلى: خلص بقى مش مرتاحة في الشعبطة دي.
خالد: يعني أنا أعمل إيه في ظهري اللي اتقطم وأنا شايلك من أول ما خرجنا من الأسانسير.
زمت شفتيها كالطفلة: كده أنا سحلانة؟ ها... بس.
خالد: متأكدة أنك سحلانة؟
ليلى: أه ومش هفتح عينيا وهفضل قفلاهم.
ابتسم بمكر فقال: ماشي يا روحي براحتك.
أحست وهو يضعها فوق التخت بحنان ففتحت عينيها مبتسمة وفجأة صرخت بذعر: أعااااااااااااا.
وجدته يعتليها وكاد يقبلها... لينهض من فوقها بسبب صرخاتها.
خالد بخوف: فيه إيه؟
نهضت ووقفت على الأرض: إيه اللي حضرتك بتعمله ده؟
خالد وقد تنهد: حرام عليكي خضتيني.
ليلى: أيوة عشان أنت قليل الأدب.
خالد: مش قولنا نبطل طولت اللسان دي؟
خجلت ونظرت لأسفل: أنا آسفة.
خالد: خلاص... مفيش حاجة... أنا داخل الحمام هغير هدومي وأتوضأ... وهسيبك تغيري هدومك... قالها فشعرت بأنه تضايق.
ليلى: خالد أنت زعلان مني؟
خالد: لأ يا لي لي.
ليلى: طيب ممكن طلب؟
خالد: اتفضلي.
ليلى: ممكن تفتحيلي سوسة الفستان عشان مش هعرف أفتحها؟
ابتسم فاقترب ووقف وراءها فقام بسحب السحاب لأسفل ثم تركها ودلف إلى المرحاض بدون أن تشعر به.
ليلى: ها خلصت؟
لم تجد إجابة فالتفتت لم تجده ووجدت باب المرحاض مغلق... مااااشي يا خالد... قالتها بغضب.
انتهت من تبديل ثوبها بمنامة حريرية باللون الأحمر وقامت بتمشيط شعرها المنسدل على كتفيها... بينما هو خرج من المرحاض مرتدياً تيشرت وبنطال من القطن باللون الرمادي الفاتح.... ولم يعطيها أي اهتمام... فدلفت هي إلى المرحاض بحنق من تجاهله وذهبت لتتوضأ وأخذت من حقيبة السفر إسدال الصلاة.
انتهت من الوضوء وارتدت الإسدال ثم توجهت إليه: يلا عشان نصلي.
خالد: ومالك بتقوليها من غير نفس كده؟
ليلى: مفيش اسأل نفسك.
تنهد فقال: طيب يلا... قالها فقام بفرد سجادة الصلاة ورفع النداء: الله أكبر......
انتهيا من أداء الصلاة..... كان ينظر إليها بطرف عينيه وهو سينفجر من الضحك بداخله.
وجدها تمددت على التخت ودثرت جسدها بعدما خلعت إسدال الصلاة.. فظلت بالمنامة.... وولت ظهرها إليه وهي تزفر بسخط.
تسحب على التخت ليتمدد بمحاذاتها ثم فاجأها بضمها من ظهرها... اتسعت حدقتاها.
اقترب من أذنها هامسًا: روح قلبي زعلان مني؟ على فكرة أنا كنت بهزر معاكي وسبتك زعلانة عشان أصالحك.
ليلى بسخرية: يا سلاااااااااام؟
خالد مازحًا: وحياة عبد السلام يا روحي.
التفتت له لتصبح بين ذراعيه وملتصقة بصدره: بطل رخامة وسيبني عشان تعبانة وعايزة أنام.
خالد بمكر: ما تنامي حد ماسكك؟
وجدت نفسها في ذلك الوضع: أوعى أبعد عني... بدل ما أمسكلك النضارة الفرحان بيها دي وأكسرهالك ميت حتة.
خالد وهو يخلع نظارته الطبية ثم وضعها جانبًا فقال: لا الموضوع كده وصل للنضارة ودي فيها رقاب تطير... قالها بمزاح.
ليلى: ورقبة مين اللي هتطير دي إن شاء الله؟ قالتها وهي تجلس على ركبتيها تضع يديها على خصرها.
نظر خالد نحو السقف وقال بذعر: إيه ده؟
لتنظر هي الأخرى فعانقها على الفور ثم سحب الغطاء فوقهما ليختفيا بأسفله.
ليلى: على فكرة أنت رخم.
خالد: أنا رخم؟
قالها ليفاجئها بقبلة سريعة على شفتيها.
ليلى: بس بقى، عيب.
خالد: يا روحي ده أنا جوزك.
ليلى: برضه عيب.
أتت له فكرة: خلاص عندي فكرة، هنلعب لعبة دلوقت، واللي خسران ينفذ حكم الثاني.
ليلى بتحدي: موافقة.
قام بأخذ ورق للعب من حقيبته، وقام بترتيبه عدة مرات.
ليلى: هنلعب كوتشينة؟!
خالد: أه، والخسران هينفذ الحكم.
ظل يلعبان أكثر من ساعة حتى انتهيا، وكانت الخسارة من نصيب ليلى التي لم تدرك أنه قام بالغش أثناء اللعب.
ليلى بحزن: أنا سحلانة تاني عشان خسرت.
خالد: ما تخافيش، حكمي عليكي هيصالحك.
نظرت له بعدم فهم، فاقترب منها وقام بضمها لتشعر بالدفء. فقامت بدس وجهها بصدره وقالت بصوت مكتوم: أنا مكسوفة.
ابتسم خالد لها وهو يرفع وجهها ممسكًا بذقنها: تتكسفي من جوزك حبيبك يا ليلي؟
نظرت لعينيه الرماديتين لتتوه في عشقهما. تعالت دقات قلوبهما معًا ليسود الصمت، وكان صوت الحب هو الأعلى في تلك اللحظات.
اقترب بشفتيه ليقبل جبهتها بحنان فشعر باستسلامها. ظل يهبط بشفتيه ويقبلها على وجنتها ثم ذقنها ثم شفتيها، كان يقبلهما وكأنه يعزف سيمفونية العشق والهيام. أحس بأنها تبادله قبلاته ليشتد في معانقتها أكثر، ليهبط بشفتيه إلى عنقها لتذوب بين يديه غارقة في بحور حبه الدافئ.
لم يكتف بذلك عندما رأى عينيها مغلقتين بإذعان ورضوخ لحبه. قام بمعانقتها مرة أخرى يتراجعا للخلف فاستلقت على ظهرها وهو يعتليها. وأخذ يقبل شفتيها ثم يهبط ليقبل عنقها وجيدها خطوة تلو الأخرى لتذهب يديه إلى أزرار منامتها. وبعد لحظات ودقائق شهقت وكادت تصيح ليسكتها بقبلة عشق ويضمها بقوة، ليسبحا معًا في بحر العشاق، فما أجمل الحب الحلال!
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم ولاء رفعت
في مشفى السويفي...
يتمدد على سرير المرضى، يرتدي ثياب المشفى وحالته يرثى لها من الوهن. معلق بيده إبرة محلول وإحدى ساعديه بالجص. حول عينيه كدمات زرقاء مختلطة باللون الأحمر والأرجواني، وشفتاه بها جروح.
تبكي بجواره وهي تمسك يده وتضعها على وجنتها، وتقول من بين شهقات بكائها:
"أنا آسفة والله ما كنت أعرف أن هيحصلك كده يا حبيبي... عشان خاطري قوم ده أنا ما ليش غيرك في الدنيا... قوم وأنا هسامحك... رد عليّ يا شهاب."
قالتها سيلين بنحيب بكاء.
على الرغم مما تكنه له من غضب عارم بداخلها، لكن قلبها لم يتحمل رؤيته في تلك الحالة. مهما كان، فهذا زوجها التي ما زالت تعشقه.
دلف الطبيب وقال:
"مدام سيلين لو سمحت، غلط اللي حضرتك بتعمليه... أنتي كده هتصحيه وإحنا إدينا له مهدئ ومسكنات عشان ينام، لو صحي هيحس بألم صعب في دراعه ومنطقة الفك بسبب الرضوض اللي حصلت له من أثر الضرب."
رفعت عينيها الداميتين من البكاء وقالت:
"طيب حالته دي هتستمر لأي مدى؟"
الطبيب:
"حوالي أسبوع بالكتير، بس طبعًا دراعه هيفضل في الجبس لثلاث أسابيع... بس أرجوكي بعد إذنك ممكن تسيبيه دلوقت يرتاح، وأول ما هيفوق هنبلغ حضرتك."
لم تجب على الطبيب، بل اكتفت بتأمل ملامح شهاب الذي تمزق قلبها من أجل رؤيته هكذا، ثم أخذت حقيبتها وركضت مغادرة الغرفة لتنتظر بالرواق. مشت عدة خطوات لتجد الجالس على مقاعد الاستراحة يثني جذعه للأمام، مطأطئًا رأسه، واضعًا كفيه عليها، مسندًا بكوعيه على فخذيه.
"أنت بتعمل إيه هنا؟"
قالتها سيلين بحدية يخلطها الغضب.
رفع رأسه لينظر، ليمسح عبراته على الفور قبل أن تراها. ثم نظر إليها بعينيه الحمراوتين وتجاهل غضبها فقال:
"هو عامل إيه دلوقت؟"
سألها صقر.
"أنت ليك عين تسأل! كنت هتموته في إيديك وبتقولي عامل إيه!..."
قالتها سيلين بصياح.
تجهم وجهه ليقول:
"مش هو اللي خلاني أعمل فيه كده! يعني كان عاجبك اللي عمله اللي اسمه جمال ابن الـ... بأمر من جوزك اللي بتدافعي عنه! مش حرام الإنسانة اللي ظلمها وأنا كملت عليها بجبروت لحد ما هربت ومش عارف أراضيها فين، كل ده بسبب غباء والحقد اللي مالي قلب سي شهاب... ومجيتي معاك عشان أطمن عليكي مش أكتر."
سيلين بسخرية:
"لأ كتر خيرك متشكرين يا سيادة النقيب... زي ما حضرتك شايف إحنا أصحاب المستشفى، متشكرين لخدماتك... بس كل اللي أقولهولك من اللي فهمته من كلامك، أنا أتمنى أن فيروز تكون بعيدة عنك أحسن ليها إنها تعيش وتتجوز واحد ما عندوش عقل يفكر بيه... أنت عملت بالضبط زي ما شهاب عمل معايا، حكمتوا علينا من غير ما تسمعوا الحقيقة اللي حصلت... وعمالين تبرروا ظلمكوا لينا بحجج فارغة... دلوقت شهاب يمكن دفع جزء من اللي عمله... فما بالك أنت لسه الدور جاي عليك ما تقلقش."
قالتها لتبتسم بسخرية وعيناها بها آثار عبراتها.
جز على أسنانه حين تلمس حديثها ما يجول بصدره. شعر وكأنه سيختنق، فغادر مسرعًا المشفى ثم استقل سيارته واتجه إلى المخفر، وبداخله غضب وانتقام لو كانا نيرانًا لأحرقت الأخضر واليابس.
______________________
في نادي ضباط الشرطة... بداخل صالة تدريب ألعاب القوة.
يمارس إياس تمارين الإحماء... كان يلهث وهو يرتفع ويهبط مسندًا على الأرض بأطراف أنامل قدميه ويسند على كفيه.
رنيم:
"خلاص يا إيسو يا حبيبي، ده أنت عامل 60 حركة ضغط لغاية دلوقت."
إياس ويلتقط أنفاسه:
"أنتي شايفة كده كفاية؟"
رنيم:
"أه."
قالتها ثم نهض ليقترب منها وعينيه نظرات ماكرة.
رنيم تتراجع للوراء وقالت بريبة:
"أنت ناوي على إيه؟"
وكادت تركض ليمسك بها وقال:
"خليكي واقفة مكانك ما تتحركيش."
رنيم بقلق:
"هتعمل إيه؟ أبوس إيدك مش عايزة جنان، عندي ماتش تايكوندو بعد ساعة."
إياس:
"ما تخافيش... خليكي واقفة... وابعدي رجلك شوية عن بعض."
قامت بإبعاد ساقيها فقالت:
"ها وبعدين هـ..."
لم تكمل فوجدت الذي أنزل رأسه من أسفلها حيث قام يحملها، ساقيها متدلية على كتفيه. شعرت بالخوف من أن تقع، ظلت تصيح:
"يا مجنووووووون هقع حرام عليك!"
قالتها وهي تمسك برأسه وخصلات شعره بين قبضتيها.
"آآآآآآآآآه شعري يا بنت."
قالها بتأوه.
رنيم:
"نزلنيييييي... أنا خايفة."
إياس:
"طيب سيبي شعري من إيدك وهنزلك."
رنيم:
"بجد ولا بتضحك عليا؟"
إياس:
"لأ يا روحي أنا بتاع كده برضه."
نظرت له بشك فتركت يداها فأمسكهما... ثم ركض مسرعًا وهي تصرخ بذعر:
"عااااااااااااا نزلنيييييييي... يا مجنووووووون."
إياس يضحك بشدة:
"ههههههههه وضحكت عليكي وأنتي هبلة كده وبتصدقيني على طول."
رنيم:
"بكرهكككك يا إياس... نزلني."
توقف فجأة وقال بتوعد:
"بتكرهيني!!!! طيييب..."
قالها ليجري بها وهي من الخوف ألتفت ساقيها حول رقبته.
"بس يا بنت هتخنقني."
قالها بصياح.
ظل يركض بها ومن حولهم يشاهدونهم بضحكات متعالية على ذلك الثنائي الفكاهي.
"يخربيتك يا إياس أنا دوخت... هقع."
قالتها ليشعر أن توازنها بدأ بالاختلال... فتوقف ثم أثنى ركبتيه لأسفل ثم نزلت من فوق كتفيه... توجهت نحو أدوات رياضية معلقة على الحائط لتأخذ مضرب خشبي.
"تاني ما بتحرميش!!!"
قالها وهو يهم بالركض مبتعدًا عنها.
"والله ما هسيبك المرة دي."
قالتها فركضت خلفه.
ظل كلاهما يركض حتى غادرا الصالة ليصبحا عند المسبح وسط نظرات وضحكات الأعضاء الحاضرين.
توقفت فجأة عندما رأت الضابط الذي أمسك بها من قبل، فألتفت للجهة الأخرى وهي تخبئ المضرب خلف ظهرها.
بينما على الجانب الآخر عند البوابة... تدلف إلى الداخل بعدما نظر رجل الأمن إلى بطاقة عضويتها، وكان الآخر دلف خلفها يحمل بيده كوبًا من القهوة الجاهزة في كوب من الورق المقوى... لكن لم يلاحظها بعد... مشت خطوتين ثم تذكرت شيئًا لتلتف وراءها بدون سابق إنذار لتصطدم به فسكبت القهوة على صدره وثيابه.
"آآآآآه الله يخربيتك."
قالها مصطفى الذي يبعد قميصه المبتل بالقهوة.
بوسي:
"يخربيت مين يا..."
صمتت لتردف:
"أنت!!!!"
قالتها باندهاش لتعقد حاجبيها.
مصطفى:
"هو أنتي ورايا ورايا... ينفع اللي حصل ده؟"
قالها ليشير لقميصه.
بوسي:
"وأنا مالي أنت اللي ماشي أعمى."
مصطفى:
"ده أنتي تخرسي خالص، ولا بتعرفي تسوقي ولا بتعرفي تمشي وعمالة تدوسي على الخلق ولا همك."
بوسي:
"أنا؟!"
قبل أن ينطق ليلاحظ ارتدائها سلسلة يتوسطها طائر البومة يتكون من فصوص براقة فقال:
"لا حول ولا قوة إلا بالله... أنا كان عندي حق."
قالها وهو يحدق بالسلسلة.
اشتد حنقها عندما اعتقدت أنه ينظر لمفاتنها وليست السلسلة.
فصاحت:
"بتبص على إيه يا سافل يا حيوان!"
قالتها لتضربه بحقيبتها.
أمسك الحقيبة بغضب:
"أنتي اتجننتي في عقلك يا بنت أنتي ولا إيه؟ أنا كنت ببص على البومة اللي وشها شبه وشك."
صاحت:
"أنا بومة يا اللي شبه الغراب أنت!"
مصطفى:
"والله لو ما لميتي لسانك هنفخك."
بوسي:
"ولا تقدر ها..."
قالتها لتخرج لسانها له لتكيده كالطفلة.
ابتسم عنوة عنه من حركاتها:
"فعلاً هنتظر إيه من واحدة كانت معلقة ريش في ودانها ودلوقتي لابسة بومة."
بوسي:
"قصدك إيه؟"
مصطفى:
"يعني أنتي مجنونة وعبيطة وأم بدوي."
قالها ليضحك فاستشاطت غضبًا.
زمجرت بغضب:
"هممم... وربنا لأوريك."
قالتها ثم لتنهال بكفها وصفعته وركضت مسرعة.
مصطفى بغضب:
"يا بنت الـ... والله ما هسيبك."
قالها فركض خلفها وعينيه يتطاير منها شرار متوعدًا إياها.
______________________
بدأت تستيقظ من ثبات دام لساعات... شعرت بثقل في رأسها لتغلق عينيها لكن اتسعت حدقتاها فجأة لتجد رأسها تتوسد صدره العاري... رفعت عينيها لتنظر إليه... ظلت تتأمله بحب وشغف وخصلات شعره المتناثرة على جبهته... إلى أن شعرت بتحريك مقلتيه تحت أهدابه المغلقة فعلمت أنه سيستيقظ الآن.
شهقت بخجل عندما أدركت إنها من دون ثياب تحت الغطاء الذي يدثرها... نهضت مسرعة وهي تسحب الغطاء لتلتف به ودلفت مسرعة إلى المرحاض.
تقلب ويمد ذراعه ليعانقها لكن وجد الوسادة خالية بجواره. تحسس بيده لم يجدها... فتح عينيه ليبحث عنها وبصوت ناعس مناديًا:
"لي لي يا لي لي."
قالها خالد.
بينما كانت بداخل المرحاض تجلس على حافة حوض الاستحمام تبكي من الخجل الذي انتابها عندما تذكرت أحداث ليلة البارحة... نهض من مخدعه عندما سمع أنين بكائها بالمرحاض... كان يرتدي بنطالًا قطنيًا قصيرًا يصل إلى ركبتيه وعاري الصدر... بحث عن نظارته بسبب شعوره بألم في رأسه... أخذها من بجواره من فوق الكومود وارتداها حتى اتضحت له الرؤية جيدًا... اتجه نحو المرحاض فقام بطرق الباب.
"لي لي أنتي بتعيطي؟"
انتبهت لطرقات الباب وسؤاله فأجابت:
"عايز إيه؟"
قالتها بنبرة حادة وهي تبكي.
اقتضب حاجبيه بتعجب فقال:
"مالك يا روحي إيه اللي مضايقك؟"
قامت من مجلسها لتتوجه وتجيب عليه من خلف الباب بصياح:
"أنت اللي مضايقني."
خالد بنبرة هادئة:
"ليه يا حبي أنا عملتلك حاجة؟ كنت نايم في حالي إزاي ضايقتك؟"
قالها ليبتسم بمكر لأنه أدرك سبب بكائها.
"أيوه أنت قليل الأدب وضحكت عليا."
قالتها ليلى.
خالد:
"يا قلبي أنا والله العظيم جوزك مش مصدقة ليه واللي حصل إمبارح ده طبيعي بين أي اتنين متجوزين ولسه عرسان بيحبوا بعض... أطلعلك القسيمة وأعلقهالك على الحيطة يعني!!! يلا اطلعي بقى عشان عايز أدخل الحمام."
ليلى:
"لأ مش فاتحة... مش عايزة أشوفك واطلع بره."
زفر بضيق:
"افتحي يا ليلى بسرعة عايز أدخل الحمام."
ليلى:
"ليه؟"
قالتها بخبث.
خالد بسخرية:
"هيكون ليه بذكائك الخارق ده... واحد صاحي من النوم عايز يدخل الحمام."
هيكون يعمل إيه يعني؟ زي ما الناس بتعمل.
تفهمت ما يريد فقالت لتثير حنقته:
لاء... روح اعملها في أي حتة.
خالد وبدأ الغضب في حديثه:
افتحي يا ليلي مش وقت عناد... لأما هاكسر باب الحمام عليكي.
ليلي بتحدي:
مش هتقدر.
خالد:
بقى كده؟ طيب أنتِ اللي جبتيه لنفسك.
قالها فابتعد من أمام المرحاض.
وظلت هي بالداخل تترقب ماذا سيفعل. وانقطع تيار الكهرباء وهي بداخل المرحاض. شعرت بالخوف والرعب يدب في أوصالها وخاصة أن لديها خوف شديد من الأماكن المظلمة. ليشتد خوفها عندما قال لها:
فاكرة صاحبي اللي حكيتلك عنه لما كان بيعيط في الحمام والنور قطع عليه؟
_ برضو مش هفتَحلك.
قالتها ومازالت خائفة تمسكت بمقبض الباب من الداخل وتوصد عينيها.
خالد:
ما أنا مكملتش ليكي باقية القصة. يا عيني بعد ما النور قطع عليه فجأة سمع أصوات مش طبيعية.
قالها ليضغط على شاشة هاتفه لمقطع صوت مرعب ثم أردف:
ويا عيني جه يفتح عشان يخرج من الحمام ويجري لقى الباب مش عايز يفتح.
قالها لتفتح الباب مسرعة لكن عندما أوصدته منذ قليل تعلق المقبض ولم يفتح.
_ خااااالد!
قالتها بصياح خائفة.
خالد بتصنع:
مالك يا روحي؟
_ الباب مش عايز يفتح أنا خايفة أفتح أعاااااااا...
قالتها وهي تحاول تدير المقبض على عجلة من أمرها بخوف ثم أجهشت بالبكاء بطريقة هيستيرية.
أحس بالخوف عليها. ركض نحو لوحة الكهرباء الذي قام بفصل التيار منها فأعاد تشغيل الكهرباء. وركض نحو المرحاض في محاولة فتح الباب لكن لن يفتح.
خالد:
ليلي متعيطيش أنا هفتَح الباب أهو.
قالها بنبرة قلق وخوف عليها.
_ خااااالد أنا خايفة افتح بسرعة.
قالتها في وسط بكائها وشهقاتها من الخوف الذي سيطر عليها.
خالد:
طيب ابعدي عن الباب.
قالها لتبتعد وتتكور على حالها وتدثر جسدها بالكامل بالغطاء ما عدا وجهها وهي مازالت تبكي.
دفع الباب عدة دفعات بجسده من الجانب بقوة وفي الدفعة الخامسة انفتح الباب على مصراعيه ليبحث عنها فوجدها في إحدى الأركان تبكي وتنتفض بذعر. تقدم نحوها على الفور وأثنى ركبتيه ليضمها إلى صدره يمسد على ظهرها:
خلاص أهدي يا حبيبتي الباب اتفتح أهو خلاص أنا كنت بهزر معاكي.
لم تجب عليه واستمرت في البكاء. زفر بضيق من نفسه. قام ليدنو منها ليحملها على ذراعيه ويخرج بها إلى الغرفة ليضعها على التخت واستلقى بجوارها وقام بمعانقتها:
بسسس خلاص اهدي يا روحي مفيش حاجة أنا جنبك أهو.
قالها ويضمها بقوة ثم ابتعد برأسه لينظر إلى عينيها الدامعتين فأخذ يكفكف عبراتها ثم طبع قبلة حانية فوق جبهتها.
_ عيونك الجميلة دي حرام دموعها تنزل. وأنا آسف والله حقك عليا.
قالها ثم أمسك بكفها المرتجف ليطبع بداخله قبلة ليبث بداخلها شعور الطمأنينة حتى بدأت أن تهدأ قليلاً وصمتت عن البكاء وعادت تتنفس بانتظام وهي بين ذراعيه كالطفلة التي تشعر بالأمان.
_ دلوقتي أحسن؟
قالها خالد.
أومأت له وهي تدس وجهها في صدره. فأردف:
هو اللي حصل خوفك للدرجادي؟
ابتلعت ريقها ثم قالت بنبرة متوترة:
أنا عندي فوبيا من الضلمة خاصة لو المكان مقفول.
ضمها أكثر قائلاً:
حقك عليا يا حبيبتي مش هاكررها تاني مكنتش أعرف. ده أنا قولت هتطلعي تجري ورايا ومش هتخافي. بس متقلقيش أنا هساعدك تتحدي خوفك وتغلبيه عشان لو حصَلك موقف زي ده غصب عنك متستسلميش وتفضلي خايفة وتعيطي.
ليلي ببراءة:
وأنت هتعرف إزاي؟
عقد حاجبيه فابتسم:
إيه يا لي لي هو أنا بتاع بطاطا ولا إيه!
قالها بسخرية مازحًا فأردف:
أنتِ ناسيه إن ده شغلي.
حدقت به بذعر:
يعني أنا مجنونة؟
ضحك لتتعالى ضحكاته:
والله أنا اللي هتجنن على إيدك قريب. لاء يا قلبي اللي عندك ده عادي اسمه في الطب النفسي وعلم النفس رهاب يعني زي اللي بيخاف من الأماكن العالية واللي بيخاف من الحشرات وأنواع كتير وعلاجها سهل وبسيط إن شاء الله.
ليلي:
إزاي؟
خالد:
إزاي دي هقولهالك بس لما نرجع من خروجة النهاردة.
ليلي بابتسامة:
إيه ده هنخرج؟
أومأ لها بالموافقة:
أه ومكان نفسك كنتي تروحيه. فاكرة الفيلم اللي دخلناه سينما ثري دي أنا وأنتِ؟
نهضت بابتسامة كادت تصل لأذنيها:
أوعي تقول فيلم The Meg.
خالد:
أيون عليكي نور. هوديكي الأكواريوم. وبعدها هنروح في كذا مكان هيعجبك أوي. من الآخر سيبي لي نفسك النهاردة وأنا هابسطك فسح.
من شدة سعادتها عانقته محاوطة ذراعيها حول رقبته وقالت بحب وفرح:
بحبك أوي يا خلودي يا روح قلبي. ربنا يخليك ليا يا حبيبي.
قالتها ثم طبعت قبلة على وجنته.
_ يلا بقى عشان ناخد شاور ونجهز وننزل نفطر بعد كده نخرج.
قالها خالد.
ليلي:
أنت قولت ناخد شاور!
ابتسم بمكر:
آه فيها إيه؟
قالها ليرى حمرة خجلها تكسو وجنتيها فأردف:
لا ده أنا كده هاعالجك من فوبيا تانية.
ليلي:
وإيه ده إن شاء الله؟
قام وفاجأها بجذبها ليحملها:
فوبيا الكسوف يا حبي.
ليلي وهي تركل قدميها في الهواء وتصيح:
نزلني... أنت اللي عايز تتعالج.
اتجه بها نحو المرحاض وقال:
أتعالج من إيه يا لي لي؟
ليلي:
من قلة الأدب.
خالد:
طولة لسانك هتوديكي في داهية يا حبي.
قالها ليدلف إلى داخل المرحاض ثم أوصد الباب عليهما.
تبحث في الأرجاء عن صديقتها ثم دلفت إلى صالة الألعاب حتى وقعت عينيها عليها. ركضت نحوها.
_ روني يا روني.
قالتها بوسي منادية.
التفتت إليها رنيم التي تتجهز لخوض مباراة:
بوسي.
قالتها مهللة بفرح. ثم ركضت في اتجاهها لتعانقها بقوة.
بوسي:
وحشتيني أوي يا جذمة كده متسأليش عليا وأنا مسافرة.
رنيم:
والله أنا في مشاغل كتير ومشاكل مخليني عندي زهايمر وناسيَة ناس كتير.
بوسي:
مخلينك ناسيه الناس ما عدا سي إياس خطيبك.
قالتها بسخرية.
جاء إليهم إياس:
إيه ده أنا سامع اسمي.
ضحكت رنيم فقالت:
تعالى يا عم شوف بوسي بتغير منك عليا.
بوسي بحنق مازحة:
بصراحة أه من ساعة ما اتخطبتي ليه وأنتِ منفضالي.
إياس:
طيب ما تعملي زيها.
بوسي:
قصدك اتخطب والجو الممل ده. لا خليني بعقلي أحسن أعيش حياتي فسح وخروج وسفر وميجيش واحد غلس ورخم يقيدني بقى ويفرض سيطرته عليا والعقد والكلاكيع.
إياس:
ههههههههه إيه يا بنتي كل ده؟ ده أنتِ معبية خالص.
رنيم:
أوي يا إياس ده آخر واحد اتقدملها عارف عملت فيه إيه؟
رمقتها بوسي بتحذير:
خلاص يا روني إن الله حليم ستار.
إياس:
مليش دعوة عايز أعرف.
رنيم:
خلاص يا إيسو هبقى أقولك لما نبقى وحدنا.
بوسي:
يا مان واطي أنت.
رن هاتف إياس ثم نظر لشاشة هاتفه:
طيب أسيبكو أنا ورايح أشوف واحد صاحبي هاجيبه وجاي. متتحركوش من هنا.
رنيم:
حاضر.
بوسي:
صاحبه مين اللي جايبه ده؟ أنا مليش في الحوارات دي.
رنيم:
ههههههه. لاء خالص والله ده واحد صاحبه من زمان لما كان بيسافر فرنسا اتعرف عليه هناك.
بوسي:
واو يعني مز فرنساوي؟
رنيم:
أه يا مجنونة ومالك قلبتي كده ليه؟ مش من شوية كنتي رافضة الفكرة.
بوسي:
أديكي قولتيها الفكرة لكن المبدأ موجود بس عن شرط يكون وسيم ورومانسي وكيوت.
رنيم:
ههههههههههه ده جو المراهقة اللي أنتِ فيه ده.
بوسي:
ليكي حق تتريئي. ما أنتِ ضمنتي حالك واتجوزتي ظابط طول بعرض وقمر.
رنيم:
ده أنتِ كده بتلعبي في عداد عمرك.
قالتها بمزاح وهي تشمر عن ساعديها.
بوسي وهي تتراجع للخلف:
خلاص يا كبيرة مش هتتكرر تاني.
لم تجب عليها رنيم وحدقت إلى القادمين خلف بوسي لتلتفت هي الأخرى. فزعت واختبأت خلف رنيم. عندما التقت عينيها بعينيه رأت نظرة الشر المتوعد لها.
رنيم:
في إيه يا بنتي مالك؟
بوسي:
أنا في حمايتك يا روني الحقيني.
أسرع مصطفى الذي يلحقه إياس.
_ وأخيرًا لقيتك يا بومة والله ما هاسيبك.
قالها مصطفى وهو يسرع نحوهم.
أمسك إياس من ذراعه وقال:
في إيه مش فاهم حاجة.
أفلت ذراعه ليحاول أن يمسك بوسي وظلت تصرخ:
أعااا... الحقيني يا رنيم.
وقفت رنيم حائل بينهما وقالت:
في إيه مالكو فهموني.
مصطفى:
في إن الهانم اتجرأت ومدت إيديها عليا.
إياس:
عملتي كده يا بوسي؟
بوسي:
أها رزعته قلم طرقع على وشه. ولم ما لمش نفسه هديله على قفاه.
قالتها وتتشبث بثياب رنيم من الخوف.
مصطفى بحنق:
مين يا بت اللي تديله على قفاه! ده أنا ممكن أشيلك بصباع واحد وألفك زي سلسلة الميدالية وأرميكي في أي مقلب زبالة.
بوسي:
أهو أنت اللي زبالة.
إياس صاح فيهما الاثنين:
خلااااااااااااااص أنتِ وهي وبطّلوا هبل. ده أنتُ ولا كأنكو في ابتدائي.
مصطفى:
يعني عجبك اللي حصل ده يا إياس؟
رنيم:
خلاص بقى حصل خير.
بوسي:
كتك أرف عيل ملزق بتتريئي على الحلق الريش بتاعي وأنت عاملي عورف الديك فوق دماغك.
قالتها بتهكم.
مصطفى بحنق:
أستغفر الله العظيم يا رب. أقصري الشر وابعدي عن وشي.
رنيم:
بس بقى يا بوسي إيه شغل الأطفال ده.
بوسي:
عشان ده واحد متخلف وفاكر نفسه بني آدم.
انفجر إياس في الضحك من أسلوب بوسي الفكاهي.
في مدينة الحب والجمال.
وتحديدًا في شارع الشانزليزيه، تدلف إلى داخل المركز التجميلي الشهير الخاص به مغمضة العينين.
قالت فيروز: أفتح عيوني؟
فارس الذي يسير بمحاذاتها ويمسك ساعدها حتى لا تتعثر: أيوه، فتحي عيونك.
فتحت عينيها لتجد نفسها بداخل مركز تجميل أقل ما يقال عنه كلمة رائع، حيث الأرضية من البورسلين والحوائط المبطنة ومعلق عليها ديكورات توحي بالحضارة الفرنسية. إطارات خشبية معلقة بداخلها صور لعارضات أزياء وملكات جمال، بينما المرايا المنتشرة في كل مكان محاطة بمصابيح إضاءة تشبه التي توجد بغرفة تبديل ثياب الممثلين. أمام كل مرآة قطعة رخامية عريضة متراصة عليها أدوات ومساحيق التجميل. يوجد أمامها مقعد مبطن من الجلد ذو قاعدة تجعله يلتف 360 درجة.
يعمل بالمكان الكثير من الشباب والفتيات مختلفي الجنسيات.
فيروز بانبهار: ما شاء الله، ربنا يبارك، ده أجمل وأفخم من البيوتي سنتر اللي في مصر.
ابتسم فارس: عجبك السنتر؟
فيروز: كلمة عجبني دي قليلة على اللي أنا حاساها.
فارس: يسلموا حبيبتي، كل شيء تحت أمرك. واعتبري نفسك من هاليوم بتكوني صاحبة السنتر.
فيروز: ميرسي لذوق حضرتك.
فارس: العفو فيروز، تعالي بعرفك على عائشة، أكثر بنت برفيكت هون وحاصلة على شهادات في مسابقات بتنظمها شركات التجميل مثل: إيف سان لوران وشانيل ولوريال وكوتي وشانيل.
نظرت له باهتمام فقالت: طيب عبارة عن إيه المسابقة؟
فارس: ما بعرف كل قواعد المسابقة، بس هي عبارة عن كل شغلات الميك آب وتصفيف الشعر. ومشان تعرفي كل شيء منيح اسألي عائشة، هي خبرة بكل هي الشغلات.
قالها ليتقدما نحو الفتاة ذات الشعر الأسود المسترسل، منشغلة بترتيب بعض الأشياء.
فارس: بونسوار عيوشة.
التفتت إليه بمرح: بونسوار مسيو فارس. توحشتك بزاف. فين هاد الغبور؟ (أين هذه الغيبة؟)
فارس: كنت مشغول شوي، بعرفك على رفيقتك بالعمل، فيروز من مصر. ثم نظر لفيروز وأردف: عائشة من المغرب العربي.
فيروز: أهلًا وسهلًا.
عائشة: واو مصرية، وزوينة بزاف ما شاء الله عليها. كنبغي (بأحب) مصر بزاف. كنخدم (اشتغلت) فيها depuis un an (منذ سنة).
قاطعها فارس عندما لاحظ اقتضاب ملامح فيروز، أدرك أنها لم تفهم شيئًا من حديث عائشة فقال: حاجتك بقى يا عيوشة، البنت مو فاهمة شيء من الحكي تبعك.
فيروز بإحراج: بصراحة آه مش بفهم مغربي.
عائشة: أوك، نتكلم مصري أحسن. ما تقلقيش، بنعرف مصري من ماما وجدتي مصرية.
فارس: فيروز بتركك مع عيوشة، هي تحكي لإلك كل شيء عن المسابقة، وأنا بروح أطمن كيف صار الوضع بغيابي.
عائشة: Ne vous inquiétez pas (لا تقلق)، مسيو فارس، غنفهم فيروز كل حاجة.
فارس: هيك لكان، بتريدوا مني شيء ثاني؟
عائشة وفيروز في صوت واحد: ميرسي.
عائشة: آجي فيروز، نقصد تعالي فيروز معايا. لا تؤاخذيني هتلاقي فلتات مني، بس هتفهميني مزيان إن شاء الله.
أومأت لها فيروز مبتسمة فقالت: مسيو فارس حكالي عن مسابقة بتنظمها شركات التجميل، كنت عايزة أعرف شروطها إيه؟ والنظام؟
عائشة: هقولك، المسابقة بتقام في السنة مرتين، وحظك أنها تكون الأسبوع الجاي. لكن ما تخافيش، غنحكيلك كل حاجة.
ظلت فيروز تستمع لعائشة باهتمام وهي تخبرها عن المسابقة التي سوف تحول حياتها من مسار لمسار أفضل، كما تجول كلاهما في مركز التجميل تشرح لها كل شيء وكيفية العمل.
اشتد حنق مصطفى الذي هم بالإمساك بها، لم يتمكن حيث ركضت فذهب وراءها حتى وصلا نحو المسبح العميق.
مصطفى: يعني فاكراني مش هعرف أجيبك! يا أنا يا أنتي النهارده يا بومة.
بوسي توقفت للتو ثم التفتت له: أنا بومة يا بني آدم يا براس ديك! قالتها لتهم بالركض لتنزلق قدماها على حافة المسبح ووقعت.
أخذ يسخر منها ضاحكًا: أحسن، شفتي ربنا عمل فيكي إيه؟ قالها ليتركها ولم يلاحظ التي لم تستطع السباحة والتنفس.
بوسي: ألحقوووووني!
جاء إياس ورنيم إليهما، صاحت رنيم: ألحقها يا إياس، دي بتغرق.
إياس: ثواني، هاروح أنادي على الكابتن ييجي يلحقها، ما أنتي عارفة ما بعرفش أعوم.
استمع مصطفى لحديثهما فقام بخلع قميصه وبنطاله على الفور ليصبح بثيابه الداخلية، فقفز بداخل المسبح بمهارة فأمسك بها ليجدها تستسلم للغرق. حاوط خصرها بذراعه ليسبح نحو الحافة. قامت رنيم بمساعدتها لتمسك بصديقتها تجذبها حتى أخرجتها من المسبح وتمددت على الأرضية لكن غائبة عن الوعي.
رنيم: بوسي فوقي يا حبيبتي فوقي. قالتها رنيم بذعر وهي تربت على وجهها.
مصطفى: عن إذنك يا رنيم. قالها لتنهض رنيم، فقام مصطفى بالضغط على بطنها بيديه لتخرج الماء التي ابتلعته. تركها عندما أخذت تسعل وخرجت المياه من فمها لتنظر إليهم جميعًا وإلى تلك الأعين التي تترقبها بقلق وخوف عليها.
إياس جاء يلهث: ما لقيتش الكابتن، إجازته النهارده. ثم وجد مصطفى الذي يجلس على ركبتيه يحدق في بوسي التي تنهض بجذعها، فأردف هامسًا في أذن رنيم: بقولك إيه، تعالي هنا وسيبيهم.
رنيم: استني عايزة أطمن على صاحبتي.
إياس: ما هي كويسة قدامك، تعالي بس وأفهمك. قالها ليجذب رنيم من يدها ويبتعدا.
مصطفى بهدوء: حمد لله على السلامة، كنتي هتموتي غرقانة. يلا ولسه ليكي عمر يا بومة.
اقتضب حاجبيها بغضب ثم لكزته في صدره: ما تلم نفسك يا واد.
أمسكها من يدها وقام بلوي ذراعها خلف ظهرها محذرًا إياها: عارفة لو ما لميتيش أنتي لسانك معايا مش هيحصلك كويس.
هي كانت في عالم آخر، أول مرة تشعر برجفة في قلبها لتسمع دقاته التي تعالت عندما وجدته على مقربة منها لهذه الدرجة. سرحت في عينيه الخضراوين التي تبرز جمالهما سمرة بشرته الجذابة وشعره المبتل المتساقط على جبهته وعينيه. وكان الحال لديه جاء إليه نفس الإحساس الذي شعر به أول مرة عندما رآها وظل يحدق بعسلتيها الساحرتين. تراخت قبضته من يدها ليتركها.
شعرت بتوتر من نظراته، نهضت مسرعة لتغادر المكان بدون أن تتفوه بكلمة.
صاح مصطفى مناديًا: يا آنسة بوسي، هتمشي إزاي بهدومك المبلولة دي؟ قالها حتى اختفت عن أنظاره. دنا لأسفل ليلتقط ثيابه ثم ابتسم وهو يقول: شكلك وقعت يا ديشا ومحدش سمى عليا.
دلف إلى مكتبه كالعاصفة الهوجاء التي تدمر كل ما يقابلها. توقف أمام خزانة معدنية بها عدة أدراج كبيرة الحجم، قام بفتح إحداها. تتراص فيها ملفات ورقية عديدة بشكل عمودي. أخذ ينظر إلى كل تاريخ مدون على الملف من الخارج. سحب أحدهم وأخذ يتفحصه حتى وصل إلى مبتغاه. قام بغلقه ثم وضعه بمكانه مرة أخرى.
اتجه إلى مكتبه ورفع سماعة الهاتف الداخلي للمخفر.
قال صقر آمرًا: أمين سليمان، حضرلي قوة بسرعة عشان طالعين دلوقت. ثم فتح درج مكتبه وأخذ سلاحه وقام بإعداده ووضع به عدة رصاصات حتى انتهى ثم وضعه أمامه على المكتب، وجلس منتظرًا.
بعد مرور دقائق قليلة دلف إليه الأمين وقال: القوة جاهزة يا فندم. قالها ثم نهض صقر على الفور ليغادر الغرفة وهو يضع السلاح خلف ظهره.
استقل شاحنة الشرطة التي بها العديد من العساكر وبرفقته الأمين سليمان.
لم يمر الكثير من الوقت حتى وصلوا أمام مسكن من طابق واحد مظهره قديم.
ترجل صقر من السيارة ثم أمرهم بالمجيء وراءه. ودلف جميعهم إلى فناء ذلك البناء، لم يجدوا سوى باب من الخشب المتهالك. طرق الباب بقوة.
قالت امرأة من داخل المنزل: أنت مين يا اللي بتخبط؟ ثم قامت بفتح الباب لتتفاجأ بذهول من وجود الشرطة.
صقر بصوت أجش: فين جمال؟ ثم أردف للعساكر: فتشوا البيت.
اقتضبت ملامحها فأجابت باستنكار: جمال مين يا ابني؟
صاح فيها صقر بغضب: أنتي هتستعبطي يا وليه! فين ابنك بدل ما أهد البيت ده على دماغك أنتي والراجل النايم ده. قالها مشيرًا نحو رجل مسن يتمدد على أريكة قديمة.
السيدة بخوف: والله يا باشا ما اعرف عنه حاجة، بقى لي أكثر من شهرين، آخر مرة جه هنا ما قعدش يومين على بعض، كان بيطمن على أبوه العيان وبعدها اختفى.
صقر: وإزاي أمه وما تعرفيش مكانه!
قالت بتهكم: والله يا باشا زي ما حضرتك شايف، إحنا عايشين في أوضه في بيت ممكن يتهد فوق دماغنا في أي وقت. وجوزي راجل كبير ومريض ما بيقدرش يتحرك، وابننا اللي حيلتنا بييجي لينا زيه زي الغريب. ياما اتبهدلنا في الأقسام بسببه. والله ما بايدي حاجة، أنا يا دوب بجري على أكل عيشي وببيع شوية جرجير قدام البيت عشان أخد بالي من جوزي.
استمع صقر لكلماتها شعر بالحزن والألم فقال: خلاص يا ابني أنت وهو، يلا على العربية. ثم نظر إلى السيدة وأخرج من جيب سترته عدة ورقات من المال وبطاقة ورقية وقدمها نحوها: اتفضلي يا حاجة، ولو محتاجة أي حاجة اتصلي بيا. قالها ليعطيها بطاقة بها رقم هاتفه.
نظرت له بإحراج وخجل فقالت بعزة نفس: خلي فلوسك معاك يا ابني، الحمد لله مستورة، ربك ما بينساش عباده.
صقر برجاء: اعتبريني زي ابنك وخديهم، دي حاجة بسيطة.
ربتت على كتفه وقالت: تسلم يا باشا وربنا يباركلك ويخليك لأهلك، معلش ما تزعلش مني، أنا ما أقدرش أقبلهم.
زفر بسأم وهو يرجع المال بداخل جيبه: حاضر يا حاجة بس خلي الكارت معاكي وزي ما قلتلك في أي وقت أنا تحت أمرك. سلام عليكم. قالها ثم غادر مسرعًا إلى الخارج.
الأمين سليمان: صقر بيه، إحنا كده هنرجع القسم؟
صقر: لا، اطلعوا على الجمالية، بالتأكيد هنلاقيه عند الزفت اللي اسمه إبراهيم صاحبه. قالها لتنطلق السيارتان خلف بعضهما.
بينما على الجانب الآخر، بداخل غرفة أثاثها قديم وحوائطها ذات دهانات عتيقة، يجلس على الأرض ممسكًا بالنرجيلة يزفر بالفحم المشتعل ليتوهج أكثر، مرتديًا ثيابه الداخلية. ثم يحدق بالتي تتراقص أمامه بغنج ودلال، ترتدي ثيابًا فاضحة وتتمايل بخصرها على نغمات إحدى الأغاني الشعبية.
الله عليكي يا هنون يا جامدة، أيوه بقى!
قالها إبراهيم الذي يبدو عليه علامات الثمالة.
_ هيهيهيههييي رقصي عجبك ياهيما؟ قالتها هناء بدلال ونبرة تثير الغرائز.
إبراهيم: ده أنتي تعجبي الباشا يا قشطة باللوز.. تعالي جنبي بقى أنا جهزتلك حجرين عليهم حتة من اللي قلبك يحبها هتكيفك وتخليكي تطيري فوق السحاب.
هناء: لا يا عم مليش في النوع ده وبعدين الشيشة بتاعتك دي بتكتم نفسي.
إبراهيم: اممم لاء عندك حق يابت.. وأنا عايز نفسك للجاي ده أنا هـ...
قاطعه صوت طرقات باب المنزل القوية.
هناء: يا ساتر مين ده؟ قالتها بفزع.
إبراهيم: روحي افتحي شوفي مين الحمار اللي بيخبط ده... ممكن يكون الواد جمال.
هناء: وده مين اللي هيجيبه بعد الفترة دي كلها؟!
إبراهيم: إنجزي يا حاجة وروحي افتحيله مش ناقصين قرف على المسا.
هناء وهي تغادر الغرفة: حاضر يا أخويا... قالتها لتجه نحو الباب ثم قامت بفتحه شهقت لتردف: يالهوي!!!! قالتها بذعر وهي تتراجع إلى الخلف.
دلف صقر وهو يرمقها بغضب وازدراء وقال: فين جمال؟
هناء: أنا أنا.
_ مين يابت يا هناء... قالها إبراهيم من غرفته... فتردد صدى اسمها في ذهن صقر الذي اتسعت حدقتيه بشرر اقترب منها ليجذبها من شعرها وصاح بها: وأخيرًا وقعتي في أيدي يا روح أمك.
هناء: آآآآآه شعري يا باشا حرام عليك.
صقر: حرمت عليكي عيشتك يا سافلة.. انطقي يابت عملتوا فيها كده ليه؟
هناء: والله ما فاهمة حاجة يا باشا.
اشتد من قبضته أكثر لتصرخ بصياح... فقال هو: تحبي أخدك على القسم وأخليهم يفهموكي بطريقتهم هناك والكرباج نازل سلخ على جسمك؟ قالها بتهديد.
ابتلعت ريقها بخوف: طيب ورحمة أبويا ما فاهمة حاجة يا باشا.
ابتسم بشر وقال: فيروز يا هناء؟ أي الاسم ده مش بيفكرك بحاجة؟
هناء بتردد وخوف: أنا أنا مليش دعوة كله بأمر من جمال.
خرج إبراهيم من الغرفة فقال: مين يا بـ... لم يكمل لتتبدل ملامحه إلى الخوف والذعر فأردف: والله ما عملت حاجة يا باشا.
تتوقف بدراجاتها النارية أمام مركز التجميل... ثم قامت بخلع خوذة الحماية ليتدلى شعرها الأشقر المجعد ثم أخرجت هاتفها من جيب سترتها الجلدية السوداء... ضغطت على علامة الاتصال بأحدهم.
Alo_
salut chérie الطرف الآخر:
(مرحباً عزيزتي)
Bien sûr elle est ici_
(أمتأكد إنها هنا؟)
(نعم) Oui الطرف الآخر:
d'accord, au revoir_
(حسناً... مع السلامة)
أغلقت المكالمة ثم نزلت من فوق الدراجة والحقد والغضب يتملكان منها... دلفت إلى الداخل وعيناها تبحث عن التي تقف ممسكة بيديها كتاب المسابقة... اتجهت نحوها بسرعة الفهد وتقبض على ذراعها.
_ أنا منذ بادئ الأمر وأعلم أنكِ لستِ هي... هيا قولي لي إذن من أنتِ أيتها العاهرة؟ قالتها بحنق إيميلي.
فيروز بفزع من قوة الكلمات جذبت ذراعها: أنتِ قليلة الأدب ومش محترمة عايزة مني إيه.
استشاطت غضباً: ماذا؟ أعيدي على سمعي كلماتك مرة أخرى.. الآن أصبح لكِ لسان تتحدثين به.. وعندما كنا بالمنزل حينها القطة قد أكلت لسانك أيتها القذرة.
أثارت غضب فيروز لتصيح بها: اخرسي قالتها فيروز وهي تصفعها بقوة.
وضعت إيميلي يدها على أثر الصفعة وتتمتم ببعض الكلمات الغير مسموعة وهي تجز على أسنانها ثم فاجأت فيروز بجذب خصلات شعرها.
_ حسناً سأريكي أيتها العاهرة... صاحت بها.
فيروز بتألم في محاولة تخليص خصلات شعرها من قبضتها: آآآآآآه.
تجمع كل العاملين... أمسكت عائشة بإيميلي لتبعدها عن فيروز.
Restez loin d'eux_
(ابتعدي عنها) صاحت بها عائشة.
Qu'est ce qu'il y a?_
(ماذا يحدث؟) ... قالها فارس بصياح... ابتعد الجميع حتى التقت عينيه بعينين إيميلي التي ترمقه بغضب جلي.
_ هذه هي إذن عزيزي فارس!! أتتركني من أجل تلك العاهرة البغيضة!!!
قالتها إيميلي بصياح وغضب... لتتحول ملامح فارس إلى وجه أول مرة تراه فيروز هكذا.
_ حاجتك بقى... شو اللي جابك وكيف فوتي هون؟ ... قالها فارس بغضب.
إيميلي: جئت من أجل أن أكشف كذبك وكذب تلك الـ...
قاطعها فارس بغضب: وقفي... حكي تاني وبفرجيكي.. الله يلعنك.. يلا انقلعي من هون ولو شفت وجهك مرة تانية بمسح فيكي الأرض... قالها وهو يعنفها ويهزها ممسكاً بذراعها ثم دفعها بعيداً.
_ هكذا إذن!!! استعد إلى ما سأفعله بك أنت وتلك المصرية... قالتها إيميلي بتهديد ثم غادرت.
لم يعايرها أي اهتمام اتجه نحو فيروز وقال للجميع:
Allez tous à votre travail
(اذهبوا جميعاً إلى عملكم)
قالها آمراً... فقال لفيروز: أنتي بخير؟
فيروز وهي تعتدل من مظهر خصلات شعرها: آه.
فارس: بعتذر من اللي صار... ما كنت بعرف إنها تيجي وتفوت لعندك وتعمل هيك... وما تحطي في راسك الحكي تبعها هيدي وحدة بلا أخلاق.
فيروز: خلاص حصل خير مسيو فارس.
زمجر بمزاح: هممم ليكي يا بنت شو حكيت معك؟
ابتسمت فقالت: سوري نسيت يا فارس.
فارس: ما تهتمي حبيبتي.. كنت بمزح معك... قولي لي شو سويتي؟
فيروز: عيوشة شرحت لي كل حاجة عن المسابقة وإزاي باشترك فيها لكن في حاجة شكلها هتقف عقبة قدامي.
فارس: شو هي؟
فيروز: هقدم في المسابقة إزاي وأنا ما معي غير باسبور روزلين.
فارس: ما تحملي هم أنا بحله... لكن هلا تبدأي تاخذي كورسات وتتدربي مشان المسابقة.
فيروز: كورسات فين؟
فارس: معي فيروز... أنا اللي بعطيكي الكورسات وبدربك... وما تخافي إن شاء الله كل هي الشغلات بتمرق في وقت قصير جداً خصوصاً إنك شاطرة وذكية كتير... تحبي نبلش هلا؟
فيروز مبتسمة: يا ريت.
_ بينما بالخارج في مكان آخر تجلس على مقعد استراحة بحديقة عامة... تبكي بشدة وتمسك هاتفها وتكتب رسالة إلى أحدهم.
(هيا أيها المشاكس إنني اشتقت لك كثيراً... لماذا لم تأتِ لزيارتي كما كنت تفعل من قبل... أو أنك تعاملني بذنب أبي وما اقترفه في حقك... أقسم لك لم أعرف أنه سوف يقتلها... ولا تنسى إنها كانت صديقتي الوحيدة... ومنذ ذلك الوقت وأنا ابتعدت عنه ولكن كالعادة يطاردني في كل مكان ويرسل لي العديد من رجاله.. لكن تعرف جيداً ابنة عمك... لم أدع أحداً يلحق بي فأنا ماهرة في ذلك... هيا إنني أحتاجك أكثر من أي وقت... مع السلامة عزيزي بيبرس......
_ فوق سطح بناء في إحدى المناطق العشوائية.. يجلس على ركبتيه ليطعم الكلب الذي يمتلكه ويتحدث معه.
_ عجبتك اللحمة يا ماكس؟... قالها جمال إلى كلبه الذي يلتهم اللحمة بشراهة ويصدر صوت كالزمجرة.
أردف: تعرف إني مليش صاحب وافي غيرك كل اللي عرفتهم واطين وأندال... مش بإيدي اللي أنا فيه الظروف اللي اضطرتني أعمل كده... يعني ينفع أسكن في حتة أوضة عاملة زي عيشة الفراخ والناس التانية تسكن في فيلل وقصور... كان لازم ألجأ لسكة أعرف أجيب القرش الكتير منها...
قالها وابتسم بتهكم وسأم وأردف: حتى البت اللي كان نفسها فيها الدنيا استكترتها عليا وراحت للواد الظابط وهو ما رحمنيش عمري ما أنسى إهانته ولا ذله ليا... توقف عندما رفع الكلب رأسه ليكشر عن أنيابه إلى الذي يقف خلف جمال مصوباً فوهة السلاح فوق رأسه.
_ ولا عمرك هتنسى اللي هعمله فيك دلوقتي يا روح أمك.. قالها صقر ويقف خلفه العساكر.
نهض جمال ليبتسم بشماتة: أهلاً.
صقر: امشي قدامي من غير ولا كلمة لإما هفرغ كل اللي في المسدس في دماغك.
جمال: وفين التهمة يا باشا؟ سأله بسخرية.
صقر: ده اعتراف يا حيلتها باللي عملتيه في فيروز ولا ما كنتش عارف إن هوصلك بالسرعة دي؟
جمال: أنا كنت عبد المأمور حتى اسأل ابن الناس اللي زيك شهاب السويفي.
صقر: ما تقلقش هو خد نصيبه بس النصيب الأكبر معاك أنت بس بعد ما تعترف باللي عملته قدام النيابة ويتحكم ببراءتها.
قهقه جمال وتعالت ضحكاته ثم صمت ليفلت من يده الحبل الذي يتصل بالطوق حول رقبة الكلب.
_ ماكس.... صاح فيه جمال ليهجم الكلب نحوهم فتفرق العساكر في محاولة تفادي الكلب الهائج... بينما جمال ركض ليهرب لكن صقر تتبعه.
وثب من فوق السطح إلى سطح آخر وخلفه صقر الذي كان يقفز بمهارة... ظل يلاحقه من سطح إلى آخر حتى هبط كليهما بداخل زقاق ضيق.
_ سلم نفسك يا جمال أحسنلك.. صاح صقر الذي صوب نحوه سلاحه.
جمال: لاء... خليك بقلبك المحروق وأنت شايفها مسجونة ظلم ده غير سمعتها اللي اتبهدلت وبقى ليها ملف عندكم يا حكومة.
قالها ثم ركض ليلحق به صقر ويطارده من زقاق لآخر ومن شارع لشارع... وفي أثناء المطاردة اصطدم جمال بشاحنة ليرتفع جسده لأعلى ويقع مرتطماً على الأرض... ركض صقر نحوه ليلحق به ويرى ماذا حدث له.
جثى على ركبتيه يتفحصه ويصيح به: أنت مش هتموت فاهم!!!! مش هتموت غير لما تظهر براءتها.... قالها لجمال الذي كان يغلق جفنيه ليفقد الوعي والدماء تسيل من جانب فمه.
أمسك صقر بهاتفه واتصل بالإسعاف على الفور... لتأتي في غضون 15 دقيقة وتم نقله إلى المشفى في حالة خطرة.
_ مر أسبوع على الجميع وحدث في خلاله الآتي.
فيروز مكثت طوال الأسبوع في التدريب واكتساب الخبرة التي ستساعدها في الفوز بالمسابقة وكان مدربها فارس الذي لم يفارقها سوى في أوقات النوم فقط هي تعلقت به كصديق وأخ عزيز.
بينما هو ما زال حبها يجري بداخل دمائه، لكن كان متحكمًا في مشاعره معها. وإيميلي كانت تراقبهم بقلب متألم وتنتظر قدوم ابن عمها الذي تعتبره في مقام شقيقها الكبير وصديقها.
إياس ورنيم في مطاردات مضحكة وحب متناغم، ويدبر كلاهما دائمًا مقابلات تجمع بين بوسي ومصطفى، الثنائي الذي لا يطيق أحدهما الآخر ودائمًا ينتهي لقاؤهما بشجار.
خالد وليلى كانت أيام الأسبوع من أجمل أيام حياتهم، حيث التنزه والخروج والمرح واللحظات الرومانسية والمضحكة. لكن غالبًا الأوقات السعيدة تنتهي بسرعة، فدراستها على وشك البدء بعد أيام وعليها الرحيل والعودة إلى موطنها.
وصقر كان مهتمًا بحالة جمال الذي يمكث في حالة حرجة في المشفى، ينتظر أنه يتعافى حتى يجعله يعترف ويظهر براءة فيروز.
آمال في تقدم وتحسن حتى أصبحت تسير بدون مساعدة، وتحسنت حالتها لاسيما بعد معرفتها بحال فيروز، وأخبرتها رنيم أن ما بقي القليل وستظهر براءتها بعد إلقاء القبض على من فعلوا بها ذلك.
ونأتي أخيرًا إلى سيلين وشهاب الذي تعافى وخرج من المشفى منذ يومين. ذهب إلى الشركة ليتفقد عمله جيدًا. كان بمكتبه يراجع بعض الملفات. دلفت إليه كاميليا بهدوء.
كاميليا: أديني جيت نعم؟
قالتها وهي تعقد ساعديها أمام صدرها.
نهض شهاب من مجلسه واتجه إليها مبتسمًا بعكس ما بداخله: اتفضلي اقعدي واقفة ليه؟
نظرت له بشك ثم جلست وقالت: أي فكرت في كلامي كويس؟
شهاب وهو يجلس مقابلها: بصراحة معييش سيولة عشان أديكي المبلغ اللي أنتِ عايزاه.
كاميليا: يعني أفهم من كده مش هتدفع ولا هتطلقني؟
شهاب: أنا ما قولتش كده، بس ممكن أديكي حاجة بتمن الفلوس دي.
نظرت له بتوجس فأردف: هكتبلك فيلا باسمك كنت شاريها لسيلين قبل الجواز وكنت عاملها مفاجأة. وبما أنك عارفة كل حاجة ما لحقتش طبعًا أدهالها، فهكتبها باسمك.
قالها وابتسم بمكر.
انفرجت أساريرها وقالت بسعادة: بجد يا بيبي ولا بتضحك عليا؟
شهاب: عمري قلتلك كلمة وما نفذتهاش؟
كاميليا: بصراحة لأ. طيب امتى نمضي العقود؟
شهاب: لو عايزة نروح وتتفرجي عليها ونكلم المحامي يروحلنا على هناك ما عنديش أي مشكلة.
كاميليا قد تملكها الطمع وأعماها: من غير كلام يلا بينا.
شهاب: بس أي اللي يضمنلي إنك ما تكونيش عاملة نسخ للصور؟
كاميليا: ماتخافش يا بيبي أنا عملت عليها نسخة واحدة بس ودي هسلمهالك وقت ما تديني مفتاح الفيلا في إيدي.
تنهد فقال: أوك يا كاميليا يلا بينا.
غادرا المكتب والشركة حتى وصل أمام سيارته.
كاميليا: ثواني أنت هتسوق إزاي ودراعك في الجبس؟
شهاب ويرفع يده السليمة: متخافيش ليه إيد تانية.
قالها بسخرية.
دلف الاثنان إلى داخل السيارة لينطلق. وصل بعد مسافة كبيرة أمام منزل كبير يشبه القصر مليء بالحراس من الداخل والخارج.
ترجل شهاب من السيارة وكاميليا معه التي شعرت بريبة.
كاميليا: شهاب أي كل الحرس دول؟
شهاب: متخافيش دول حراس عشان أنا مجهز الفيلا من كل حاجة وطبعًا ماينفعش أسيبها من غير حراسة.
تنفست الصعداء فابتسمت: أها طيب والحاجات اللي جوه هتاخدها؟
شهاب: لأ دي كادو مني ليكي.
كاميليا: ميرسي يا بيبي.
دلف كلاهما إلى الداخل ليتمشيا ممر طويل حتى وصلا أمام باب المنزل. فتح لهم الحارس من الداخل: اتفضل يا شهاب بيه الباشا في انتظار سعادتك.
أومأ له شهاب بابتسامة. تشبثت كاميليا في ذراعه: شهاب مين ده اللي منتظرك؟
شهاب: مالك خايفة ليه تعالي.
رضخت لأمره فالطمع قد غشّي بصيرتها ليفتح أمامهم باب كبير وخلفهم حارسان كالجدار.
شهقت بفزع عندما رأت المنتظر هو كامل الزيان الذي يجلس على مقعد مثل كرسي العرش. أمسكها الحارسان من ذراعيها.
كاميليا: لا لا لا لا، مش ممكن. إزاي!
قالتها كاميليا التي كادت تفقد صوابها.
شهاب: أظن كده نفذت اتفاقي معاك فين حاجتي بقى؟
أشار كامل لأحد الحراس ليذهب في الخارج وبعد ثوان أتى يحمل ملفات عديدة ويعطيها لشهاب.
نظر شهاب بتعجب: أي ده؟ أنا عايز الظرف والنسخة أي الورق ده؟
نهض كامل من مقعده وتقدم نحو شهاب: دي ملفات كانت هتضيع تعب السنين اللي بنيته أنت وعمك الله يرحمه. الهانم كانت سارقها من خزنتك مع ظرف الصور وسلمتها لعز الدين اللي ضاربته أنت في البورصة وخسرته الأسهم بتاعته. ده طبعًا نفس اللي عملته معايا قبل ما أطلقها وخلتني أشك في واحد من رجالاتي ذراعي اليمين وقتلته بسببها.
كاميليا: كذب كل ده كذب ما عملتش حاجة.
قالتها كاميليا صارخة باستنكار.
سيلين: لأ ده صح وأنتِ اعترفتي بنفسك لما كنتي بتكلمي الزفت بتاعك في المكتب.
قالتها سيلين التي دلفت للتو.
اندهش شهاب: سيلين!
سيلين: أيوة أنا سيلين على الرغم اللي عملته معاها ما رضيتش تسيبك تقع في شر الحية دي وتتأذي زي ما هي آذت ناس كتير. وكامل بيه راجل محترم ما يستاهلش اللي عملته فيه حتى لو عدو ليك. أنا مشيت بمبدأ عدو عدوي صديقي.
كاميليا: أنتِ كذابة ومعكيش دليل على كلامك.
صاحت بها كاميليا.
ابتسمت سيلين بثقة فأشارت للحارس الذي يحمل حاسوب متنقل ثم أخرجت (فلاشة) من حقيبتها فوضعتها في الحاسوب بعد تشغيله وضغطت على ملف فيديو لتظهر فيه كاميليا صوت وصورة مكالمتها مع عز الدين.
ذلك تحت أنظار شهاب المدهوشة، وابتسامة كامل الزيان وصراخ كاميليا بالإنكار.
كامل: ونسيت أقولك يا بيبي إن لياليكي الحمرة والسودة مع عز الدين كلها متصورة فيديو بعد ما خليت رجالاتي يزرعوا كاميرات في الشقة اللي كنتوا بتتقابلوا فيها.
قالها كامل. ثم أردف: حتى جايبلك هدية بسيطة كده يا رب تعجبك.
قالها ليشير إلى حراسه. ذهبوا ثم جاءوا يمسكون بعز الدين الذي أصبحت ملامحه مليئة بالدماء من كثرة الضرب وألقوا به تحت أقدام كامل.
شهاب: على الرغم أني استغربت مساعدتك ليا بس دلوقتي فهمت كل حاجة. شكرًا لحضرتك.
كامل: ما تشكرنيش أنا. أشكر مدام سيلين بصراحة ربنا رزقك بجوهرة يا ريت تكون عارف قيمتها وتحافظ عليها زي ما حافظت على بيتك وعلى مالك في غيابك قبل وجودك. الزوجة الصالحة نعمة كبيرة يا شهاب بيه. اسأل واحد كان بيحاول يرضي ويسعد واحدة طلعت ألعن من الشيطان نفسه.
اقترب شهاب من سيلين وحاوطها بذراعها: تسلم يا كامل بيه. عن إذنك إحنا بقى.
قالها ليغادر برفقة زوجته.
بينما كامل توجه نحو كاميليا بابتسامة شر يمسك ذقنها وهي تحاول أن تفلت من بين ذراعي هذين الجدارين.
كامل: عارفة يا كوكي أنا كنت هسيبك في حالك فعلًا وما كنتش هأذيكي. ولما طلقتك عشان ما أظلمكيش وتفضلي مع واحد عاجز جنسيًا زي ما كنتي بتعايريني. لكن طبعًا الشر اللي جواكي لازم يرضي غروره، وخلاكي عملتي أكتر حاجة ما بأسمحش فيها وهي شغلي يا كاميليا. شغلي اللي يجي جنبه أو عايز يوقعه أنا أنسفه وما أخليش ليه وجود. لكن طبعًا أنتِ عزيزة على قلبي وما يهونش عليا الجسم الجميل ده يأكله الدود.
قالها ليبتسم بابتسامة قد أرعبتها.
كاميليا بخوف: أنت هتعمل أي؟
لم يجبها وقال للحارس: نادي شرف من الصالون.
الحارس: أمرك يا كامل بيه.
قالها وذهب ليأتي إليه رجل طويل وعريض مثل الجبل يبدو على وجهه الشر ومن يراه يرتعب منه وخلفه رجلان أرعب منه في الهيئة.
كامل: معلش يا شرف أني اتأخرت عليك أصل كنت برجع الحقوق لأصحابها.
شرف بصوت غليظ: ولا يهمك يا باشا.
كامل وهو ينظر لكاميليا: عارفة يا كوكي شرف ده يبقى مين؟ ده اللي هيوديكي للي كنتِ بتعمليه مع كل واحد كنتِ بتخونيني معاه. أو بمعنى أصح هيصدرك بره لأكبر شبكة دعارة دولية. أصل النوع بتاعك مطلوب عندهم جامد خاصة لرجال الأعمال والمافيا اللي عندهم ميول سادية.
كاميليا: لاااااااااااا والنبي يا كامل لأ أبوس جزمتك.
قالتها كاميليا بصراخ فأشار إليهم كامل ليتركوها. فركضت تنحني لتقبل حذاءه قائلة: أبوس رجلك خليني أعيش خدامة عندك لكن ما تعملش فيا كده.
قام برفصها بقدمه لتقع إلى الخلف ونظر لها باشمئزاز: ده الخدامة أنضف وأشرف منك لكن أنتِ واحدة القذارة بتجري في دمك وأحمدي ربنا ما قطعتش جثتك ورميتها لكلاب الحراسة يأكلوها. لكن ده أنا أخاف على الكلاب تتسمم من لحمك الرخيص.
قالها وهو يجذبها من شعرها، ليحدق بوجهها بازدراء ثم بصق على وجهها وألقاها لترتطم بالأرض وقال: خدوها.
قام حارسا شرف بأخذها في وسط صراخاتها وتوسلاتها.
بينما قال كامل للحارس: شيفا أكلت إمتى؟
يقصد النمر الأنثى التي يمتلكها.
الحارس: بقى لها يومين ما أكلتش وقلابة الدنيا في القفص.
ابتسم بشر وقال: خذوا لها عز الدين بيه على الرغم لحمته عجوزة بس يلا مش مشكلة أهم حاجة تاكل وتشبع.
صاح عز الدين بخوف هستيري والرجال يأخذونه.
أمسك كامل بسيجارته الفاخرة ويدخن في الهواء وقال: ده مصير اللي يخون كامل الزيان.
رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الخمسون 50 - بقلم ولاء رفعت
بداخل الملهى الليلي...
لا يوجد أحد سوى إياس ورنيم والعاملين بالمكان. السقف في الردهة مليء بالبالونات المرتفعة في الهواء، ويتوسط المكان طاولة كبيرة متراصة بأعلاها العديد من الأطباق الفارغة بشكل منتظم، وكؤوس شاغرة حيث كل كأس مجاور للطبق. ويتوسط الطاولة قالب الكيك المزين بالفواكه والشوكولاتة والكريمة، ويتوسطه صورة بوسي وشموع من اللون الذهبي اللامع على شكل رقم 24.
بدأ أصدقاؤهم يتوافدون واحدًا تلو الآخر.
رنيم تمسك هاتفها وتنظر فيه بتوتر: مش عارفة إيه اللي أخرها دي.
إياس: أنتي قايللها إننا عاملين ليها عيد ميلاد؟
رنيم: لأ طبعًا، قايلها أنا هستناكي في النايت خروجة بنات وأكدت عليها.
رفع حاجبه: نعم يا أختي تروحي النايت لوحدك مع أصحابك؟
زفرت بضيق: أنت دماغك فيها إيه، بأقولك بأضحك عليها... إيسو ركز معايا الله يخليك... المهم قولي أكدت على مصطفى صاحبك يجي؟
إياس: أهـا، قلت له إنها مستنياه في النايت قاعدة شباب.
رنيم: يا سلااااااااام!!! أبقى أعملها وروح مرة النايت مع أصحابك كده لوحديكو وشوف هأعمل فيك إيه.
إياس: وفيها إيه لو حصل ونسهر مع نساء ونحتسي الخمر... قالها بسخرية مازحًا.
حدقت في عينيه بتحذير وتقول: شايف دي؟ قالتها لترفع أمام عينيه سكينًا من البلاستيك. ثم أردفت: هأقطعك بيها حتت وهأعبيك في أكياس سودة زي ليلتك وهأولع في جثتك المتقطعة لغاية ما تتفحم وتبقى رماد وكده مش هيبقي ليك أثر وهتبقى الجريمة الكاملة... قالتها بتهديد بتعابير وجهها المضحكة.
إياس بخبث وهو يقترب من شفتيها: وأهون عليكي يا قلبي... ده أنا إيسو حبيبك وروحك و... صمت عندما أفزعه الذي صاح فيه من خلفه.
أيوة كده يا وديع... قالها مصطفى ليتنفس إياس الصعداء وشعرت رنيم بالخجل والإحراج.
عن إذنكو... قالتها رنيم وعيناها لأسفل وابتعدت عنهما.
مصطفى: إيه ده روني اتضايقت ولا إيه؟
أمسكه إياس من تلابيب سترته: أنت ياض لم لسانك لأنفخك، محدش بيقولها روني غيري أنا. وبعدين مش شايفني واقف معاها بتخضنا ليه عبو شكلك.
مصطفى: بصراحة كنت مراقبكو من بدري. وبالمناسبة بتصيع عليا وتقولي تعالي قاعدة شباب برضه... إيه رأيك أنا عارف إن عيد ميلاد بوسي النهاردة.
نظر له إياس مدهوشًا. فأردف: أنت ناسي إنها عندي على الفيس وعيد ميلادها عارفه من بالليل ولما لقيتك بتكلمني وقتها عشان السهرة قلت بالتأكيد عشان عيد الميلاد. بس شكلها متعرفش عشان بقى لها يومين مش بتفتح.
إياس: طبعًا مش هتفتح عشان حضرتلك مترخمش عليها زي آخر مرة وهي اشتكت لرنيم ورنيم جت قالتلي أقولك لم نفسك وخف عن البنت شوية كلامك معاها دبش.
مصطفى بحنق: يعني هي اللي ملاك لسانها أطول منها، وبعدين أنا خناقتي معاها بسبب منزلة صورتها على البروفايل بتاعها وجه عيل ابن... عاملها لاف وكتبلها كومنت عيناكِ كالعسل الذي يشفيني. دخلت هزأته ما لقيتوش رد لقيتها اتصلت عليا ماسنجر وقعدت تقولي أنت مالك والجو ده... اتعصبت ودخلت فيها شمال وأديت لها كلمتين محترمين.
عقد حاجبيه وقال بخبث: أنت بتغير عليها يا ديشا؟
مصطفى باستنكار: مين ده اللي يغير ولا تهزني وبراحتها. دي عيلة أصلًا... صمت وظل محدقًا في اتجاه ما فالتفت إياس ليرى ما يحدق به صديقه.
تهبط الدرج وهي ترجع خصلات شعرها المنسدل والمتطاير خلف أذنها وتبحث بعينيها عن صديقتها بعينيها الكحيلتين مبتسمة بشفتيها ذات الحمرة الوردية القاتمة. ترتدي ثوبًا حريريًا أخضر غامق بدون أكمام لكن له أحبال باللون الذهبي تلتف حول عنقها، ضيق من جهة الصدر وينزل باتساع من الخصر لينتهي طوله إلى قبل ركبتيها.
يا نهارك أسود... قالها مصطفى الذي على الرغم من انبهاره بجمالها الساحر لكن اشتد حنقه من ثوبها الذي يكشف ساقيها وذراعيها، وما أغضبه أكثر عندما التفت وهي تعانق رنيم فكانت تولي ظهرها إليه ليجد أن الثوب يكشف ظهرها الموشوم بطائر البومة وكأنه ثلاثي الأبعاد.
كان بجواره مجموعة من الشباب يتهامسون بالتغزل في جمالها وثوبها. اشتد على قبضته وجز على أسنانه.
مالك يا ديشا ده الدخان طالع من وشك كده ليه؟ بصراحة مالكش حق تزعل القمر ده يوم عيد ميلاده... قالها إياس بضحك.
لم يجب عليه مصطفى الذي اتجه نحو بوسي ليجذبها من ذراعها لتشهق بفزع ويقول من بين أسنانه وهو يضغط على فكيه: إيه قميص النوم اللي أنتي لابساه ده!!
بوسي بغضب وهي تبعد ذراعها من قبضته: وأنت مالك، مالكش دعوة بيا أنت فاهم. ثم نظرت لرنيم وقالت: إيه اللي جاب البتاع ده هنا؟
رنيم: وطي صوتك يا بوسي الناس هتتفرج علينا.
قام مصطفى بخلع سترته ليضعها عليها وقال: البسي البليزر ده بدل ما أخليلك عيد ميلادك ده أسود عيد ميلاد في حياتك.
نظرت بوسي لرنيم: عيد ميلادي!!!
رنيم بابتسامة مصطنعة وتوتر وقلق: أهـا يا حبي، دي مفاجأة عملناها لك أنا وإياس ومصطفى... صح يا مصطفى؟
مصطفى بغضب: مش صح، أنا أصلًا لو كنت أعرف إنها هتيجي بمنظرها ده ما كنتش جيت.
اشتد حنقها: وماله منظري إن شاء الله!!!! بأقولك إيه خد البليزر بتاعك أهو وألبس اللي أنا عايزاه براحتي إن شاء الله أمشي من غير هدوم وأنت مالك... ألقت كلماتها في وجهه وتركته ليرمقها بنظرات قاتلة وظل كالمتجمد في مكانه.
ذهب إليه إياس ليهدئه: ما تهدى يا ديشا هي هتسمع كلامك بناءً على إيه.
لدى طاولة أخرى...
رنيم: هدي الجو شوية يا بوسي وبلاش تستفزيه أنتي عارفة كويس ليه بيعمل معاكي كده.
بوسي: اسكتي أنتي خالص أنا لو أعرف إنه هنا ما كنتش جيت، ده عامل لي فضايح عندي على البروفايل بتاعي واتخانق مع قرايبي وأصحابي، ولقيت الناس بتكلمني وتسألني عنه... ده إيه المصيبة دي يا ربي... قالتها ليشتد توترها أكثر.
رنيم: طيب خلاص أهدي وأنا آسفة يا ستي إني فاجأتك وعملت لك عيد ميلاد... قالتها بحزن.
زفرت بوسي بضيق: يا روني والله ما أقصد عليكي بحاجة أنا مخنوقة منه وربنا يخليكي ليا يا حبي وما يحرمنيش منك ومرسي على البارتي اللي شكلها هتبقى جميلة بس من غير الكائن اللزج ده.
رنيم: ماشي يا بوسي.
تقدم نحوهم شاب فقال: بوسي إزيك وحشتيني أوي فينك يا بنتي مختفية ليه؟
انفرجت أساريرها مهللة: وائل... عامل إيه وحشتيني أوي ده أنت اللي فينك يا ابني؟ قالتها وهي تعانقه ولاحظت العينين التي ترمقها بغضب متطاير كما لو يود الفتك بها... فنظرت له بتحدي.
وائل: أنا بأشتغل هنا منظم حفلات. ولما عرفت من آنسة رنيم وهي بتحجز إن عيد ميلادك قلت أعملهالك مفاجأة.
بوسي مبتسمة: أحلى مفاجأة طبعًا.
وائل وهو يخرج من جيبه علبة صغيرة فقام بفتحها وأخذ سلسلة صغيرة من الفضة يتوسطها طائر البومة: أنا عارف إنك بتحبي البومة أوي فجبت لك حاجة بسيطة كده.
بوسي وهي تنظر إلى السلسلة بانبهار: وااااو حلوة أوي تسلم إيدك.
وائل: تسمحيلي؟ قالها يقصد بأن يضعها حول عنقها. التفت وأعطته ظهرها وهي تجمع خصلات شعرها على كتف واحد وكاد يضع السلسلة حول عنقها فتدخل الآخر الذي يجذب وائل من يده ويوجه إليه العديد من اللكمات.
مصطفى بصياح وغضب: بتعمل إيه يا...
صرخت رنيم وبوسي. وركض إياس ليمسك به.
إياس: أهدي يا مصطفى إيه اللي بتعمله ده.
مصطفى بصياح: محدش ليه دعوة... خليك في حالك يا صاحبي.
توجه وائل نحوه ليرد إليه ضرباته فأمسك مصطفى قبضته ولوى ذراعه خلف ظهره ليدفعه نحو المائدة ويدفس وجهه في قالب الكيك وقال: عشان تبقى تفكر تلمس شعرة منها... قالها ليتجه نحو بوسي التي ارتعدت أوصالها من ملامحه الغاضبة المخيفة فتراجعت للخلف فجذبها من معصمها ليصعد الدرج ويغادرا.
لكن في الملهى انقلب الحفل إلى مأساة فغادر الجميع. وظل إياس يعتذر إلى وائل الذي تفهم الوضع. فغادر إياس وبرفقته رنيم حتى استقل سيارته.
رنيم: أنا خايفة لصاحبك يعمل في بوسي حاجة.
إياس: متخافيش مصطفى دماغه لاسعة بس مش غبي.
نظرت إليه بتعجب: واللي عمله في الراجل ده إيه؟؟؟
إياس: صاحبتك اللي قعدت تستفزه وهي عارفة إنه بيحبها.
ابتسمت رنيم لتضم يديها وتضعهم على كتف إياس الذي يقود السيارة: عارف يا روحي الموقف ده بيفكرني لما جيتلي النايت ولقيت واحد بيرخم عليا وأنت طحنته ضرب... بصراحة وقتها كنت هاموت من الفرحة لما شوفتك بتغير عليا أوي كده.
حاوطها بذراعه حول ظهرها ليجذبها على صدره: ربنا ما يحرمني منك أبدًا يا حبيبتي.
في مرسى إحدى الموانئ البحرية...
توقفت شاحنة ضخمة ليترجل منها شرف بهيئته الضخمة وملامحه المرعبة ويتشح بالسواد، ينتظر سيارة الحراس حتى وصلت ونزل الجميع منها فاتجه أحدهم ليفتح باب الشاحنة الذي يوجد بالخلف وهو باب حديدي ضخم عليه العديد من الأقفال. انتهى من فتح تلك الأقفال ليفتح الباب الذي أصدر صوت صرير مرعب. بداخل صندوق الشاحنة العديد من الفتيات والنساء التي تتراوح أعمارهن من 15 إلى 30 سنة يبدو على وجوههم الرعب والفزع.
صعد الحارس لداخل الصندوق الضخم يبحث بعينيه عن التي تتكور في مكانها وجسدها يرتجف من الرعب والخوف، تقدم نحوها ليجذبها من ذراعها وقال بصوت غليظ: قومي شرف بيه عايزك.
نظرت له بعينيها الحمراوتين من كثرة البكاء ولم تجب عليه والكحل ينسدل أسفل عينيها. لم تستطع الصراخ فأحبالها الصوتية مجهدة للغاية من كثرة الصراخ منذ البارحة.
أخذها وأنزلها من الشاحنة ووقف منتظرًا بمكانه ممسكًا بها. وبعد قليل وصلت سيارة ذات دفع رباعي ترجل منها حارس ضخم البنية. قام بفتح الباب الخلفي للسيارة نزل منها شهاب المرتدي نظارة شمسية وخلفه الحارس الذي يمسك بحقيبة سوداء.
تقدم شهاب نحو كاميليا ليتأمل حالتها بوجه متجهم وهي تنظر له بتوسل.
أنا جيت عشان أديكي ورقتك وأقولك أنتي طالق طالق طالق...
قالها وهو يعطيها وثيقة الطلاق.
أعطاه الحارس الخاص به الحقيبة السوداء فأخذها منه ليقدمها إليها وقال:
"وده مؤخر الصداق بتاعك عشان مباكلش حق حد، أهو ينفعك ف المرحلة الي أنتي داخله عليها."
قالها ليرمي ابتسامة تهكم بجانب فمه، ثم نظر إلى شرف وأومأ له برأسه يقصد أن الأمر انتهى، ثم ذهب إلى سيارته هو والحارس وغادر المكان.
شرف:
"خدها وأرميها جوه الصندوق بسرعة، زمان السفينة ع وصول."
قالها ليفعل الحارس ما أمره به ثم أغلق الباب الذي توجد خلفه العديد من الحكايات المأساوية التي ستبدأ مع هؤلاء الضحايا الذي ينتظرهم المجهول.
توقف بالسيارة أمام متجر لبيع الحلويات.
"أنا نازل أجيب حاجة بسرعة وجاي."
قالها مصطفى إلى بوسي التي تكفكف عبراتها، لتجده ترجل من السيارة وأوصد أبوابها بجهاز التحكم لديه.
مرت دقائق قليلة وفتح باب السيارة ودلف إلى الداخل بجذعه ليضع علبة من الكرتون المقوى مغلفة بأشرطة بشكل فني ومدون عليها اسم المتجر بالمقعد الخلفي بحذر، فأغلق الباب ثم فتح باب السيارة وجلس بمقعد المقود وانطلق في صمت وهو ينظر إليها من طرف عينيه.
وصل في مكان هادئ، والتفت إلى الخلف ليأخذ القالب ثم وضعه بينهما بشكل معتدل، تناول قداحة من أمامه، قام بسحب طرف الشريط وفتح العلبة ليظهر قالب حلوى على شكل قلب بالكريمة وتحاوطه قطع الفراولة على شكل ورود حمراء ومدون بالشيكولاتة داخل القلب:
"كل سنة وأنتي طيبة يا حبيبتي"
ديشا بيحبك.
ارتسم على محياها الفرح عندما قرأت تلك الكلمات، ثم نظرت له وهو يشعل الشمعة التي على شكل رقم 24 في منتصف القالب.
"أيوه بحبك من أول ما شوفتك وبصيت ف عينيكي، كنت دايماً بقول عمري ما هحب ومليش ف الكلام الفاضي ده، لكن أول ما شوفتك قلبي دق وقالي هي دي الي هتشاركك حياتك، هي دي الي هتكون حبيبتك وخطيبتك ومراتك وأم عيالك."
قالها وجد نظرات الاندهاش من عينيها.
فأردف:
"متستغربيش يا بسنت، أنا ممكن أكون شاب طايش ميعرفش المسؤولية بس حاسس على إيدك ممكن أبقى إنسان تاني، إنسان هيبقي ناجح ف حياته طول ما معاه حبيبته الي هتقف جمبه وتغيره للأحسن، وعشان يحصل كل ده تقبلي تتجوزيني؟"
ابتلعت ريقها بتوتر ونظرت له بريبة:
"أنا.. أنا..."
قاطعها مصطفى:
"مش عايزك تجاوبي دلوقتي هسيبك تفكري على مهلك وتاخدي وقتك، أنا عارف أنه قرار مش سهل وفاجئتك بيه، بس يعلم ربنا أنا بحبك قد إيه وعايزك تكوني معايا دايماً وطبعاً ده لازم يكون بشكل شرعي وحلال."
بوسي:
"أنا كنت عايزة أقول أنت تعرف عني إيه عشان تحبني أوي كده وتطلب الجواز كمان؟"
مصطفى:
"أنا شاب يا بوسي عرف بنات أشكال وألوان، يعني عارف الفرق ما بين البنت المحترمة المتربية وبين البنت الي معرفش الاحترام ليها طريق، وأنا بقولها لك بإذن الله على إيديكي هكون واحد تاني."
ابتسمت ثم تنهدت وقالت:
"بس أنا مش مستعدة للجواز دلوقتي وخايفة."
مصطفى:
"متخافيش هنعمل فترة خطوبة والمدة الي أنتي تحدديها وبعدها الجواز."
قالها ليتبين له الراحة والاطمئنان في عينيها.
فأردف:
"يلا عشان نطفي الشمعة قبل ما التورتة هتسيح، بس قبل كل ده مين الواد الي ضربته ومين كمان الي عملك كومنت سخيف زيه؟"
بوسي باقتضاب:
"الي عملي كومنت ده يبقى خالي وهو شاعر، والي سيادتك ضربته ف النايت ده يبقى وائل ابن عمتي وأخويا ف الرضاعة."
مصطفى:
"طيب بالنسبة لخالك أنا بعتذرلك وهبعتله مسدج اعتذار، بالنسبة لسي وائل ده لو شوفت إيدك لمست إيديه بالسلام مش هقولك هيحصل إيه، أنا مليش ف جو أخويا ف الرضاعة والحوارات دي، وحاجة أخيرة ياريت الفستان ده مش تلبسيه تاني بلاش مسخرة."
قالها بملامح مقتضبة.
أخذت تضحك على هيئته:
"حاضر يا ديشا يا غيور، يلا نطفي الشمعة الي ساحت جوه التورتة."
قالتها لتغمض عينيها وتهمس بصوت غير مسموع ثم أطفأت الشمعة.
مصطفى:
"كل سنة وأنتي طيبة يا حبيبتي."
بوسي بخجل وابتسام:
"وأنت طيب."
أخرج من جيب سترته علبة مغلفة بالمخمل فقام بفتحها ثم أخرج منها قلادة من الذهب يتوسطها اسمها بالعربي (بسنت)، فقام بوضعها حول عنقها تحت نظرات الحب الذي يكنه قلبه لها.
"ممكن تغمضي عينك؟"
قالها مصطفى.
بوسي:
"ليه؟"
مصطفى:
"متخافيش مش هبوسك طبعاً."
قالها فشعرت بالخجل لتوكزه في صدره.
فأردف:
"عشان خاطري غمضي عينيكي."
بوسي:
"أهو."
قالتها لتغمض عينيها.
ليفاجئها هو بصوته العذب وهو يغني لها تلك الكلمات:
لو خايفة أضمك تلاقي الأمان
لو تايهة في قلبي تلاقي الحنان
آه أجيلك لو أنتي في أبعد مكان
لو خايفة أضمك تلاقي الأمان
حبيتك وفي بعدك قلبي معاك
حبيتك مش ممكن أنسى هواك
أجيلك لو أنتي في أبعد مكان
لو خايفة أضمك تلاقي الأمان
أنا حاسس كأني قابلتك زمان
أنا عايز أقولك بحبك كمان
قوليلي حجِيلك أنور سماك
حكايتنا حكاية كتبها ملاك
أنا جمبك وحياتي مكان ما تكون
وملكتك خلتني ملكت الكون
أجيلك لو أنتي في أبعد مكان
لو خايفة أضمك تلاقي الأمان
وبعد أن انتهى من الغناء ضغط على زر تشغيل المسجل لتبدأ الأغنية بصوت تامر حسني وشيرين.
في منزل السويفي:
أدت فرضها للتو، وانتهت من تحية السلام، رفعت يديها إلى الأعلى في وضع الدعاء وأخذت تردد:
"اللهم أقر عيني بهداية زوجي وصلاحه وتقواه.
اللهم اجعله لي كما أحب واجعلني له كما يحب واجعلنا إليك كما تحب ربنا وترضى.
اللهم اجعلنا قرة عين لبعضنا البعض يا رب العالمين.
اللهم اقسم له من خشيتك ما تحول به بينه وبين معصيتك ومن طاعتك ما تبلغه به جنتك."
"آمين."
قالتها ثم ظلت تستغفر الله.
طرق باب الغرفة فقالت سيلين وهي تنهض وتتناول سجادة الصلاة لتقوم بطيها ووضعها جانباً:
"اتفضل."
دلفت إليها يسرية:
"صباح الخير يا بنتي."
سيلين مبتسمة:
"صباح النور يا دادة."
يسرية:
"أستاذ عيسى المحامي مستني حضرتك تحت، قدمت له فنجان قهوة عقبال ما حضرتك تنزلي له."
سيلين:
"طيب أنا هغير هدومي ونازلة له حالاً."
يسرية:
"عن إذنك."
قالتها لتغادر الغرفة.
بعد دقائق قليلة، تهبط الدرج وتتجه لغرفة الصالون.
"السلام عليكم يا راجل يا طيب."
قالتها سيلين بابتسامة هادئة.
عيسى:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
قالها وهو ينهض من مكانه واقفاً.
سيلين تشير إليه بالجلوس:
"اتفضل اقعد يا متر واقف ليه؟"
ابتسم الآخر ثم جلس على الكرسي فارتشف ما تبقى من القهوة ثم ترك الفنجان على الطبق الخاص به على المنضدة.
"أنا جيت لحضرتك عشان أقولك بنفسي الحمد لله كل شيء جاهز وفي خلال كام يوم هنعمل حفلة افتتاح مجموعة سيلي ديزاين، وكل العاملين بالمجموعة أصبح عددهم مكتمل فاضل بس التعاقد مع مصممين أزياء، وأستاذة هالة الي عينتيها مديرة أعمالك رشحت كذا اسم من المشهورين في فرنسا."
قالها عيسى.
سيلين:
"ميرسي كتير لحضرتك يا أستاذ عيسى مش عارفة من غيرك كنت عملت إيه."
عيسى:
"يا هانم البركة في التوكيل الي حضرتك عملتهولي سهل عليا أخلص لك كل حاجة بسرعة وإنجاز."
سيلين:
"لأن أنا مش بثق في حد غيرك يا متر، والي طمني حضرتك كنت محامي بابا الله يرحمه."
عيسى:
"تسلميلي يا هانم، في حاجة تانية عايز أقولك عليها وهي دعوة الخلع، المحكمة حددت الجلسة بكرة، خلاص آخر قرار لحضرتك؟"
شعرت بانقباضة في قلبها وقالت:
"اسحب الدعوة بسرعة."
في المخفر:
ينظر في ساعة هاتفه ويزفر بضيق ويقول:
"وقد أقفل المحضر في ساعته وتاريخه، تعالي يا أستاذة منك ليها امضوا هنا."
قالها إياس الذي يجلس خلف مكتبه.
ثم أردف:
"خدهم يا عوض على الحجز."
عوض:
"تحت أمرك يا فندم، يلا انجري يا بت منك ليها قدامي."
غادروا المكتب وكاد الباب ينغلق خلفهم، ليقوم أحدهم بدفعه.
"يعني بقالي نص ساعة مستني حضرتك عشان نروح الجلسة الي بعد ربع ساعة وأنتي قاعدلي ف مكتبك."
قالها صقر بامتياض.
إياس:
"يعني بلعب!!! عموماً أنا خلصت يلا عشان نلحق."
قالها وهو يضغط على جانبي أنفه من أعلى.
صقر:
"ده إيه الحقد ده يا عم بدل ما تدعيلنا وتنجز وتحددلنا ميعاد الفرح."
إياس:
"هو البعيد معندوش دم ولا إحساس مش لما أخلص من موضوع النهاردة ده ويصدر الحكم وأشوف الهانم الهربانة راحت فين."
زفر بحنق وهو يرمقه بسخط ثم أخذ سترته من فوق الكرسي ويرتديها وهو يقول:
"طيب يلا عشان نلحق ومتقلقش المحامي الي ماسك القضية كلمته قالي أنه هناك من بدري."
غادرا المكتب والمخفر ليستقل كل منهما سيارته على حدا.
بداخل قاعة المحكمة يجلس في مقدمة المقاعد الخشبية محمد وعمته آمال وبجوارها رنيم، دلفت للتو ليلى التي جلست بجوار رنيم.
ليلى:
"عاملين إيه يا جماعة؟"
آمال باندهاش مبتسمة:
"ليلى!! حمد الله على السلامة يا عروسة عاملة إيه يا حبيبتي؟"
قالتها وهي تعانقها.
ليلى:
"الحمد لله يا طنط، أزيك يا أستاذ محمد."
محمد:
"الله يسلمك."
ليلى:
"أزيك يا رنيم."
رنيم:
"الحمد لله."
أنا زعلانة منك عشان ما عزمتنيش ع فرحك.
ليلى: والله ما عزمت حد، ما كانش فيه غير أهلي وأهل خالد وطنط آمال ومحمد بس، طبعًا عشان هي مرات عم جوزي زي ما أنتِ عارفة.
رنيم بابتسامة: عمومًا ألف مبروك يا حبيبتي، وعقبال لما نبارك لك ف ذريتك يا رب.
ليلى: يا رب... تسلمي لي يا رنيم، وربنا يتمم لك ع خير أنتِ وإياس.
رنيم: يا رب... قولي لي صح، مش المفروض أنتِ مع جوزك ف دبي؟
ليلى: لأ، أنا لسه راجعة إمبارح بالليل عشان أحضر للدراسة اللي هتبدأ بعد كام يوم، وخالد طبعًا بدأ شغله وهسافر له إن شاء الله ع إجازة نص السنة.
_ محكمة... صاح بها الحاجب ليدلف هيئة القضاء المستشارون واحدًا تلو الآخر... وف نفس الوقت دلف إياس وصقر ع الجانب الآخر.
كانت آمال ترمق صقر بنظرات حادة وساخطة، وهو لم يعر لها أي اهتمام، فكل ما يشغل باله حاليًا الحكم النهائي...
_ محامي الدفاع يتقدم... قالها المستشار بصوته الرخيم... لينهض المحامي من جوار إياس ويتجه نحو المنصة ويضع ملفًا ورقيًا أمام القاضي، ثم ذهب إلى مكانه مرة أخرى.
آمال تهمس ف أذن محمد: هو إيه اللي حصل ده؟ أومال فين المرافعة اللي قالها؟
محمد هامسًا: يا عمتو، ما هو قدم مذكرة بالمرافعة واعترافات المتهمين، وهم هيبصوا فيها وهيقَرَّروا الحكم.
_ الحكم بعد المداولة... قالها المستشار لينهض هو ومن معه يدلف ثلاثتهم إلى غرفة المداولة.
بينما كان جمال يجلس ع كرسي متحرك خلف القضبان في حالة يرثى لها، وملامحه يملؤها الندم ع ما اقترفه من آثام، وتقف بجواره هناء التي تقف كالمتجمدة.
وبعد مرور الوقت كرر الحاجب صياحه مرة أخرى، ثم خرج الجميع ليجلس كل مستشار بمقعده الخاص.
فقال أوسطهم: بعد الاطلاع ع اعترافات المتهمين نحو المدعوة فيروز أحمد سراج الدين، وما نُسب إليها من اتهامات باطلة... قررنا نحن السادة المستشارين ف قضية رقم (....) لسنة 2018 الحكم على جمال عويس السيد وهناء محسن جمعة بالسجن لمدة عام، وببراءة فيروز أحمد سراج الدين... رفعت الجلسة.
تعالت الزغاريد والفرح....
احتضنت رنيم آمال التي بكت من الفرح واحتضنتها ليلى أيضًا.
محمد: ألف مبروك يا عمتي.
آمال: ألف حمد وشكر ليك يا رب... قالتها لتخرج من بين المقاعد الخشبية فجثت ع الأرض وسجدت إلى ربها بالحمد والشكر.... ثم نهضت ووقفت لترى الذي يقف أمامها يمد يده مصافحًا.
_ ألف مبروك... قالها صقر... ليرمقه محمد بنظرات ازدراء، وكل من ليلى ورنيم وإياس يتبادلون نظرات القلق والخوف من ردة فعل آمال.
رمقته بسخط ونظرات حادة وقالت: أنا عمري ما يكون بيني وبينك مباركة ولا سلام... وإن شاء الله بنتي لما ترجع بالسلامة هجوزها للي يستاهلها ويشيلها جوه عينيه ويحافظ عليها، مش يهينها ويذلها.... قالتها فأنزل يده بجانبه وهو يشد ع قبضته بحنق ولم يرد، وتركهم لتوقفه قائلة: استنى عندك، اتفضل حاجتك أهي... قالتها وهي تمد يدها بخاتم الخطبة، أخذه منها ورمقها من أسفل لأعلى وغادر القاعة.
رنيم بأسف: أنا عاذرة حضرتك، بس ع فكرة هو اللي سعى لموضوع براءتها وساعد إياس وقبض ع المتهمين.
آمال: ولو عمل إيه، عمري ما هنسى قهرة قلب بنتي ولا موضوع الكشف اللي كان عايزها تعمله، ولو هو مش واثق فيها، كده ليه خطبها أصلًا؟!
محمد: يلا بينا يا عمتو... قالها ليذهبا... ولحقت بهم ليلى.
إياس: بتعيطي ليه يا قلبي؟ هي خلاص ظهرت براءتها... ورد فعل مامتها طبيعي.
رنيم وهي تمسح عبراتها: أنا بعيط ع اللي هيحصل بعد كده يا إياس، ربنا يستر يا ترى فيروز هتعمل إيه لما ترجع.
______________________
_ خرج من قاعة المحكمة واستقل سيارته لينطلق بدون أن يحدد اتجاهه... ظل يقود لساعات حتى وصل أمام مقابر عائلته... ترجل من السيارة وأخرج سلسلة المفاتيح الخاصة به، فاختار إحداها ليقوم بفتح البوابة الحديدية الصدئة ليدلف إلى ضريح العائلة.
توقف أمام قبر والدته ليجثو ع ركبتيه ويرمق القبر بغضب وعينيه بدأت بالدمع.
_ عجبك كده!!! أنتِ السبب... أنتِ اللي كونتِ الشك جوايا وعدم الثقة ف أي واحدة... بسبب اللي عملتيه ف حق بابا وف حقي أنا وأختي.... والسبب ف إني أدمر حبي الوحيد وأظلم أكثر إنسانة حبيتها، ويا عالم هي لسه بتحبني ولا لأ..... صمت لتذرف عينيه عبراته بألم وأسى بصوت بكاء رجل مقهور بداخله طفل يشعر بعدم الأمان والخوف من فقدان حبه.
جاءت لتنحني خلفه وهي تمسد ع كتفه وذراعه: أنا جنبك ومعاك يا حبيبي... قالتها رنيم التي تألم قلبها من رؤية شقيقها بتلك الحالة.
كف عن البكاء وهو يكفكف عبراته حتى لا تراها شقيقته، ثم نظر إليها بضعف لم تره من قبل بداخل عينيه... جثت ع ركبتيها أمامه لترتمي ع صدره وهي تبكي وتشتد ف عناقها له، وهو نفس الحال اشتد ف معانقتها ليشعر بالأمان الذي فقده من والدته... ظل الشقيقان هكذا حتى انتهيا من البكاء.
نهض كلاهما ليقرآ الفاتحة ع والديهم، ثم خرجا ليجد صديقه ينتظر بالخارج.
إياس كان ينظر لرنيم بنظرات متسائلة عن صقر وما حالته تلك؟؟
أومأت رأسها يمينًا ويسارًا بعدم معرفتها، فإنها لا تريد أن تتحدث بأي شيء وشقيقها بتلك الحالة.
كاد صقر يدلف لمقعد مقود سيارته فأوقفته رنيم: لأ يا حبيبي، لف أنت اركب الناحية الثانية وأنا اللي هسوق... وإياس هييجي ورانا.
لم ينظر إليها وهمّ بأن يدلف إلى الداخل ليسقط مغشيًا... صرخت رنيم وركض إياس نحوه ويسنده ويحاول أن يجعله يستيقظ... ربت ع وجهه لم يفق...
_ رنيم هاتي من عربيتي أزازة الميه بسرعة... قالها لتجلبها ف أقل دقيقة وأعطتها له: اتفضل... أخذها فقام برش الماء منها ع وجهه لكن لا فائدة، ما زال فاقدًا للوعي... قام بقياس نبضه ليجد النبض ضعيف.
صاح برنيم: بسرعة افتحي العربية، هنروح أي مستشفى.
فزعت من الخوف ع شقيقها... وضعه إياس بالمقعد الخلفي وجلست بجواره رنيم التي وضعت رأسه ع فخذيها وتحدق فيه بقلق وخوف... انطلق إياس بالسيارة متجهًا نحو المشفى.
__________________
_ تجلس ف الحديقة تمسك بدفتر ورقي وقلم تكتب فيه ما يلي:
"بابا حبيبي... دي أول حاجة أكتبها ليك، وبصراحة عمري ما فكرت أكتب لك قبل كده... بس أنا حسيت عايزة أكتب لك وأحكي لك إن بنتك الحمد لله قدرت تحافظ ع بيتها وجوزها... هو أنا لسه مش بكلمه لحد دلوقت، بس من جوايا مسامحاه... عايزة لما أرجع له يكون عارف قيمة غلطه من ناحيتي ويعرف قبل ما يتخذ قرار يفكر الأول ويكون واثق فيا مهما قابلنا من ظروف ومشاكل.
تعرف أنت واحشني أوي ونفسي أشوفك... أصلك واحشني أوي يا حبيبي."
توقفت عن الكتابة عندما تساقطت عبراتها فوق الصفحة... أغلقت الدفتر ووضعته ع الطاولة التي أمامها وأخذت تكفكف عبراتها وتتلو سورة الفاتحة بصوت يكاد مسموع... أخذت الدفتر وكادت تتجه إلى الداخل فاستوقفتها كلماته.
_ أنا آسف وهفضل طول عمري بندم ع كل لحظة خليتك تتألمي فيها وتنزل دموعك بسببي... تعرفي أنا مش قادر أعيش من غير ما أسمع صوتك... قالها شهاب بنبرة ندم واعتذار.
لم تعره اهتمامًا وأكملت سيرها... أسرع نحوها ليجذبها من يدها لتتقابل نظراتهما معًا.
هو يحدق ف عينيها بحب واشتياق ولهفة عاشق متيم... هي تحدق ف عينيه بنظرات لوم وعتاب يختبئ ف ثناياها حب وشوق وحنين.
_ وحشتيني أوي يا حبيبتي وروحي وعمري وقلبي يا زوجتي وكل مالي... أنا بعشقك يا سيلين ومش قادر ع البعد أكثر من كده... إيه اللي يرضيكي وأنا هعمله لك مهما كان الثمن حتى لو قولتي لي أموت نفسي.... قالها حتى رأى ترقرق عبراتها ف عينيها وتفاجأ بضمها إليه وتشتد ف معانقتها.
_ أنا كمان بعشقك وبموت فيك ومقدرش أعيش من غيرك... طول الفترة اللي فاتت كانت بتمر عليا ليالي كل يوم بموت فيها وأنت بعيد عني... كنت بتظاهر قدامك بأنك مش فارق معايا لكن جوايا العكس... أرجوك يا شهاب ما تعملش فيا كده تاني... قالتها وهي تجهش بالبكاء وتعالت شهقاتها.
أمسك وجهها بكفه ونظر إليها وقال: مش هعمل كده تاني يا روح شهاب... أنا خلاص ملكك أنتِ بس ومش عايز حاجة من الدنيا دي كلها غير أشوف السعادة ف عينيكي... قالها ليطبع ع جبهتها قبلة عاشقة ثم أردف: أنا طلقت كاميليا وأديت لها ورقة الطلاق ومؤخر الصداق بتاعها.
ابتسمت وقالت: أنا كمان سحبت قضية الخلع.
شهاب بعتاب مازحًا: كنتِ عايزة تخلعيني!!! وتبعدي عن روحك.
أمسكت وجهه بكفيها: من غيرك أموت يا حبيبي.
ضمها إلى صدره وقال: بعد الشر عليكي يا حبيبتي... ربنا يديكي طولت العمر وربنا يرزقنا بالذرية الصالحة ونكبرهم ونجوزهم ونشوف عيالهم.
ضحكت وقالت: يااااااه وأنا لسه هاعيش لغاية ما أشوف أحفادنا.
حاوطها بذراعه واتجه بها نحو الداخل وقال: إن شاء الله يا حبيبتي ربنا هيبارك ف عمرك عشان تشوفي وتحسي باللحظة دي... وبمناسبة العيال أنا نفسي ف نونو صغنن يقولي يا بابا.
توترت من نظراته وحديثه فقالت: إن شاء الله يا حبيبي اللي ربنا كتبه هيكون.
ابتسم ليرى الخجل الظاهر ع وجنتيها: تعرفي نفسي أرقص معاكي سلو زي زمان.
نظرت من حولها وقالت: حبيبي الخدم والحراس ف كل حتة.
شهاب: طيب يلا بينا ع أوضتنا.... قالها ليأخذها إلى الداخل ويصعدا الدرج متجهًا نحو الغرفة التي أعدت إليهما قبل الزواج... أدار المقبض قائلًا: تفضلي عزيزتي، ليدي فيرست.
ضحكت من طريقته فدلفت إلى الداخل وهو خلفها فأوصد الباب من الداخل واتجه نحو مشغل أسطوانات مضغوطة (سي دي) فوضع واحدة ف المسجل وقام بالضغط ع زر التشغيل لتبدأ الموسيقى وقام بمد يده إليها ليضمها إليه ويتراقصا معًا ع تلك الكلمات:
تعرفي بحلم إيه دلوقت تعرفي بحلم إيه
بحلم يكون لي ابن منك نفضل نحضن فيه
نظرة عيونه تنسي الهم نحضنه ويفضل فينا يضم
شايفك أطيب آه وأحن
يا حبيبتي يا حبيبتي يا حبيبتي لما تبقي أم
هتبقي أم..
هيبقى شبهي وشبهك
هيبقى عمري وعمرك
هيبقى روحي وروحك
وتجمعوا في قلب ودم
هيكبر بيني وبينك
وأشوفه بعيني وعينك
وأتباها إنه على إيدك أنتِ
هيبقى أحسن مني وأهم
نتركهما معًا ف عالمهما الخاص...
عالم تتراقص فيه دقات القلوب على نغمات العشق لتطرب الروح.
في مدينة النور والجمال، قاعة كبيرة شاسعة المساحة. الأجواء مثيرة للغاية، فالإضاءة من كل حدب وصوب، وأصوات التقاط الصور الفوتوغرافية للمصورين والصحفيين تتسارع مع أصوات ضحكات وهمسات الحاضرين. همهمات باللغة الفرنسية. يتخلل كل ذلك ممر طويل للعرض، في نهايته حائط تنتشر عليه أسماء شركات التجميل الفرنسية التي تنظم الحفل، يتفرع منه رواقان يؤديان لغرفتين، إحداهما لتبديل ثياب العرض لكل عارضة من عارضات الأزياء، والغرفة الأخرى تنتظر فيها العارضة لتدلف إلى صالة العرض، ويوجد بها المشتركات والمشتركين بالمسابقة، كل منهم يحمل حقيبة مساحيق وأدوات التجميل.
قالتها عائشة: ما تقلقي فيروز إن شاء الله هتفوزي وهتبقي مشهورة بزاف.
فيروز: أنا خايفة أوي، أول مرة أعمل ميك أب قدام ناس وكاميرات ولجنة تحكيم، ويا ريت ميك أب عادي، دي حاجات عمري ما سمعت عنها غير هنا.
عائشة: ركزي في تعليمات مسيو فارس، ولا تخافي.
في القاعة، صعدت مقدمة المسابقة، وهي سيدة ذات قوام فرنسي ممشوق، ترتدي ثوبًا طويلًا أسود ببريق لامع يعكس الأضواء. تخطو بحذائها ذي الكعب المدبب. ترفع شعرها الأسود لأعلى على شكل زهرة وتفرقه على الجانبين. ترتدي أقراطًا من الكريستال الأسود تتدلى إلى كتفيها. تبتسم بشفتيها المطلية بالأحمر القاني وعينيها كلون السماء، يحددهما الرموش الكثيفة وخط رفيع فوق أهدابها لتكتمل إطلالتها الكلاسيكية.
صعدت لتقف في منتصف الممر تحت تصفيق الحاضرين، حتى توقف الجميع عندما تحدثت:
Mesdames et Messieurs
سيادتي وسادتي
Bonsoir مساء الخير
Enfin, le jour viendra où le jury déterminera qui est ou est le gagnant du titre de la maquilleuse la plus efficace.
وأخيرًا جاء اليوم الذي ستحدد فيه لجنة التحكيم من هي أو هو الفائز بلقب أكفأ ميك أب أرتيست.
Après trois étapes وذلك بعد القيام بثلاث مراحل وهي:
Première maquillage au XVIIIème siècle أولًا الماكياج في القرن الثامن عشر.
Deuxièmement, maquillage dans les années 1940 et 1950 ثانيًا الماكياج في فترة الأربعينات والخمسينات.
Troisièmement, les derniers cris de maquillage de la période en cours
ثالثًا أحدث صيحات الماكياج في الفترة الحالية.
Maintenant, le premier coureur doit monter sur le podium.
والآن على المتسابق الأول التقدم إلى المنصة.
قالتها ليدلف شاب بمنتصف العشرينات وبرفقته عارضة أزياء ترتدي ثياب تمثل القرن الثامن عشر. وضع حقيبته على الطاولة المجاورة له. جلست العارضة على كرسي يمثل تلك الحقبة. فتح الحقيبة ذات الأدوار المتعددة ويأخذ منها أدواته ويبدأ في وضع المساحيق بمهارة وسرعة، حيث من شروط المسابقة الوقت المحدد لكل مرحلة لا يقل عن 10 دقائق. كان أعضاء لجنة التحكيم يترقبونه حتى ينتهي.
على الجانب الآخر، في أحد شوارع باريس الشهيرة والمليئة بشاشات العرض على الأبنية الضخمة، تقف إيميلي تنتظر أحدًا ما أمام مطعم يقدم طلبات الزبائن بالخارج على طاولات ومقاعد، حيث يستمتع الزبون بتناول الطعام أمام تلك الشاشات الضخمة التي تعرض أهم البرامج التليفزيونية وأهم الأحداث وإعلانات لشركات عديدة.
توقفت سيارة أجرة المختصة بالتوصيل من وإلى المطار، ليترجل منها بثيابه المفضلة لديه، وهي سترة جلدية باللون الأسود ذات السحاب البرونزي، وبأسفلها قميص أسود من القطن، ويرتدي بنطالًا من الجينز الأسود، وحذاء جلدي ذو رقبة (هاف بوت). يسحب حقيبة ذات عجلات.
لم تره بعد، لكن هو يراها ليتقدم نحوها وهي مولية ظهرها له، فاقترب من أذنها وقال:
Puis-je t'embrasser blonde?
أيمكنني أن أقبلك أيتها الفتاة الشقراء؟
تلقّت الكلمات ليثار غضبها، واعتقدت أن أحدهم يتحرش بها. رفعت يدها لكي تلتفت وتصفعه، ليسبقها ويمسك يدها وينظر لها بابتسامته الماكرة.
صاحت إيميلي بسعادة: بيبرس أيها الوغد، اشتقت إليك كثيرًا. قالتها وهي تعانقه وتقبله من وجنتيه.
قالها بيبرس: وأنتِ وحشتيني أكثر يا بنت عمي المجنونة.
إيميلي: هيا تعال نجلس بذلك المطعم. إنني جائعة جدًا ولم أتناول الطعام حتى أتناوله معك.
بيبرس: يا سلام على الحب. قالها بسخرية مازحًا.
إيميلي: كف عن المزاح وقل لي ماذا ستأكل. هل ما زلت تتناول طبق لحم البقر بالبورغيغون؟
بيبرس: ده أنتِ لسه فاكرة. آه من ذاكرتك اللي ما بتنساش. أها، هاكل طبق اللحمة. وأنتِ؟
إيميلي: أنا نباتية كما تعلم عزيزي. هذا صحي.
بيبرس: أوك. قالها ثم أشار للنادل ليأتي إليهما.
نعود للمسابقة، ما زالت تنتظر بالغرفة.
عائشة: فيروز ممكن أسألك سؤال، كيف بتكوني اسمك فيروز وبالمسابقة اسمك روزلين؟
فيروز: دي حكاية طويلة هشرحهالك بعدين.
عائشة بفرح: Oh mon Dieu
(يا إلهي) كنبغي (أحب) هذه الهدرة (الحديث).
فيروز بتوتر: الله يبارك لك يا عيوشة، سيبيني في حالي أنا على أعصابي. قالتها لتسمع صوت رسالة صوتية واردة. ابتعدت جانبًا لتضع الهاتف على أذنها لتستمع إليها.
(ألف مبروك يا ضنايا أخيرًا ظهرت براءتك (صوت آمال)).
(ألف مبروك يا فيروز وعقبال المسابقة، إحنا ما رضناش نكلمك بس قولنا نديكي دافع للفوز، بالتوفيق إن شاء الله (صوت محمد)).
لم تصدق ما تسمعه لتعيد تشغيل الرسالة مرارًا وتكرارًا لتصيح مهللة بفرح وسحبت الوشاح الذي يلتف حول رقبتها لتخبئ شعرها بأسفله لتجثو على الأرض ثم تسجد وتشكر الله بعبرات الفرح.
عائشة اقتربت منها: أشنو وقع؟ أقصد إيه اللي حصل؟
احتضنتها فيروز بفرح وهي تقول: الحمد لله والشكر لله.
عائشة: فيروز لا تقلقيني عليك وترتيني بزاف.
فيروز بفرح: عيوشة حبيبتي إن شاء الله تخلص المسابقة وهحكيلك كل حاجة وهنحتفل كمان أنا وأنتِ والمسيو. آه صح هو ما جاش ليه؟
عائشة: ممنوع فيروز. ممكن في مقاعد الانتظار بالقاعة موجود.
جاءت إليهما فتاة تنادي بالفرنسية:
روزلين.
انتبهت فيروز لتجيب: Oui نعم.
J'arrive (أنا قادمة).
توقفت للحظات قبل أن تدلف إلى القاعة وهي تدعو بداخلها العديد من الأدعية. ثم أسرعت وخرجت. ليبدأ الحضور في التصفيق لتقع عينيها على الذي يجلس في وسط الحاضرين بإطلالته الجذابة، ينظر لها بنظرات تشجيع وتحفيز. تقدمت بخطى واثقة وبرفقتها العارضة. الجميع ينظرون بانبهار لإطلالتها حيث ترتدي عباءة باللون الأبيض من الطراز المغربي قد أهدتها إياه عائشة. ترتدي عليها شريطة تحاوط جذعها من الكتف مدون عليها اسم روزلين بالفرنسية ورقمها بالمسابقة وجنسيتها الفرنسية.
نذهب إلى المطعم حيث إيميلي وبيبرس.
يتناول قطع اللحم بالملعقة ويتلذذ بمذاقها حتى ابتلع الطعام وقال: على فكرة أنا ما سمعتش منك ولا كلمة من اللي قولتيها، عمالة ترغي وأنا باكل.
إيميلي: أهكذا! حسنًا يا بيبرس، لن أعيد لك الكلام مرة أخرى، قد أزعجتني منك حقًا.
انتهى من طعامه ليتناول المنشفة الورقية ويمسح فمه وقال: طيب عقبال ما تزعلي لك شوية هاروح أغسل أيدي وجاي. قالها ثم ضحك ساخرًا فاستشاطت غضبًا من أسلوب حديثه الساخر.
دلف إلى مرحاض الرجال فقام بغسل يديه ثم سحب منشفة ورقية من الأسطوانة المعلقة بالحائط. وغادر وقبل أن يصل للطاولة جذب نظره صورة فيروز المثبتة على شاشات العرض ومكتوب بأسفلها بالفرنسية، المتسابقة روزلين رقم 8. اتسعت حدقتيه غير مصدق يتأمل صورتها بدقات قلبه الذي سيخترق ضلوعه.
بيبرس: فيروز! ثم عاد لإدراكه مرة أخرى واتجه نحو إيميلي ليجذبها من يدها ويضع ورقات من العملة الفرنسية ثم سحبها خلفه.
قالتها وهي تصيح به بغضب: أأنك مجنون أم ماذا؟ ما الذي تفعله بي أيها الأحمق؟
توقف فجأة ليلتفت إليها يرمقها بنظرة قد أرعبتها.
قالها بيبرس: فين الموتوسيكل بتاعك؟
إيميلي: ليس هنا. إنه بساحة انتظار في الشارع المقابل.
بيبرس: طيب هاتي لي المفاتيح بسرعة.
إيميلي: ماذا!
بيبرس: مش وقت أسئلة هاتي. قالها بنبرة حادة. لتخرج المفتاح الخاص بدراجتها وألقت به في وجهه. أخذه وأسرع خطواته حتى وصل إلى ساحة الانتظار ليستقل الدراجة النارية وينطلق بها. كانت تلحق به لكن لم تتمكن منه فأشارت لسيارة أجرة ودلفت إلى داخلها وطلبت من السائق بأن يذهب خلف بيبرس.
ذهنه يعرض من ذاكرته تسلسل أحداث تجمعه بحبيبته القديمة روزلين التي عاش معها أجمل أيام حياته. تذكر تلك المسابقة التي كانت تذهب لحضورها دائمًا وتصطحبه معها عندما كان شقيقها يشترك بالمسابقة منذ سنوات.
لأول مرة تتساقط عبراته التي التمعت من أسفل غطاء الخوذة البلاستيكي الشفاف الذي يرتديها. إنه يعلم جيدًا الموجودة حاليًا هي فيروز خاصة ظهرت بشعرها الأسود الفحمي الذي يميزها.
نعود مرة أخرى للمسابقة.
انتهت من وضع اللمسات الأخيرة لوجه العارضة التي بدت حقًا كأنها من القرن الثامن عشر. استغرقت 7 دقائق فقط. صفق لها الجميع وخاصة فارس. فرفع أعضاء لجنة التحكيم جميعهم أوراق عليها رقم 10 من 10 بالفرنسية. ابتسمت وهي تشكر ربها بداخلها. غادرت العارضة لتأتي أخرى ترتدي ثياب حقبة الخمسينيات. بدأت على الفور وضع لمساتها الفنية التي تمتاز بالبساطة ليأتي في ذهنها صورة للفنانة ليلى مراد واقتبست المظهر العام لإطلالتها. وبعد مرور 6 دقائق من البدء انتهت. تنفست الصعداء عندما رأت إنها انتهت من قبل الوقت المحدد. صفق لها الجميع لتنظر لجنة التحكيم للعارضة باندهش، تبدو كالسيدات في فترة الخمسينيات.
رفعت اللجنة أوراقها أيضًا بعلامة 10 من 10.
دلفت العارضة الأخيرة، وكانت فتاة ذات ملامح حادة ومن الصعب أن تبرز جمالها من خلال اللمسات الفنية؛ كان التحدي الأصعب لها.
التقت عيناها بتوتر بأعين فارس الذي أومأ لها برأسه يقصد أنها ستنجح في ذلك الاختبار. أخذت شهيقًا وأخرجته رويدًا رويدًا. تذكرت كل نصائح وتعليمات فارس لها في المحاضرات، ثم بدأت وفي غضون 7 دقائق انتهت لتبتعد من أمام العارضة، لينظر الجميع بإعجاب لفنها. جعلت من ملامح العارضة الحادة ملامح جذابة وناعمة وكأنها ملاك.
أشارت إليها رئيسة لجنة التحكم بأن تغادر، فهم لا يرفعون العلامات النهائية. اتجهت نحوهم مقدمة المسابقة ليعطوها ظرفًا باسم الفائز بالمسابقة.
انتظر الجميع النتيجة النهائية بعدما تجمع المتسابقون على المنصة وبجوارهم العارضات، وكان الجميع في توتر وقلق.
قالت المقدمة بعدما ألقت نظرة على اسم الفائز:
"Le gagnant du concours" والفائز في المسابقة
"Elle est roslyn" هي روزلين.
قالتها بصياح وتهليل، فصفق الجميع. دمعت عيناها من الفرح، فكم من السعادة والفرح التي تشعر بهما الآن! إن الفرج يأتي إليها على دفعة واحدة؛ براءتها التي طالما انتظرتها وفوزها بالمسابقة.
قدمت إليها لجنة التحكيم جائزة مالية تقدر بـ 250 ألف دولار وعروض عمل من جميع شركات التجميل المنظمة للمسابقة.
انتهت المسابقة لتبدأ أحلامها بالتحقيق، فهي لم تحقق جميعها بعد.
غادرت القاعة لتجد فارس الذي ينتظرها بفرح عارم.
فارس: ألف مبروووووووك يابنت.
فيروز: بجد أنا بشكرك من كل قلبي على وقفتك معايا وجنبي لغاية ما وصلت لجزء من أحلامي وحققتها.
فارس: أنا اللي بتشكرك كتير، هيك العروض تيجي للمركز تبعي، ويوصل للعالمية.
فيروز: ربنا يوفقك وتوصل للعالمية يا فارس.
عائشة: هيااااااااي فرحانة بزاف ليكي يا فيروز.
قالتها عائشة التي تهلل بالفرح وتحتضن فيروز.
فارس: يلا بنروح على شيء مكان نحتفل بهي المناسبة والخبرية الحلوة.
نظرت له فيروز: خبرية إيه؟
فارس: ليكي يابنت كيف ما تخبريني إنك أخذتي براءة؟ محمد خبرني برسالة. ألف مبروك مرة ثانية حبيبتي.
ابتسمت له: الله يبارك فيك يا فارس. كده الحمد لله ها أرجع مصر وأنا مطمنة.
اقتضبت ملامحه فأردفت: طيب عن إذنكم رايحة مشوار وجاية.
قالتها ليتفهم أنها ستذهب إلى المرحاض.
دلفت إلى المرحاض وكان شاغرًا. قامت بغسل يديها من أثر المساحيق، واغترفت بكفيها المياه لتضعها على وجهها وهي مغمضة العينين. سمعت صوت فتح باب المرحاض لترفع وجهها في المرآة لترى انعكاس صورته.
شهقت بفزع واتسعت حدقتاها.