تحميل رواية «عروس رغما عنها» PDF
بقلم سوليية نصار
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الامتحان كان صعب أوي يا عادل، أنا حاسس إني هسقط. قالها أحد الأولاد والذي يبدو أنه في المدرسة الإعدادية. أخذ عادل من صديقه ورقة الامتحان والكتاب ثم ألقاها للأعلى لتسقط أرضًا وقال: يا عم فكك، المهم إننا أخدنا الإجازة. روق يا صاحبي ويلا نروح البيت ونغير عشان نلعب كورة. هز هو رأسه وسار مع صديقه، تاركًا الكتاب ملقيًا على الأرض. فجأة تقدم مراهق طويل البنية ذو عينين زرقاوين تشعان ذكاء ولهفة، يرتدي تي شيرت أسود ملطخًا بالجبس وبنطال جينز بالي. التقط الكتاب بسرعة من الأرض ثم ورقة الامتحان. ابتسم وهو ينظر...
رواية عروس رغما عنها الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سوليية نصار
(سجن)
شعرت وكأن العالم يميد بها وهي تقرأ رسالته …لا تصدق …لا لا هذا حلم بكل تأكيد …لا لا…تراجعت قليلا وهي تضع كفيها علي اذنها….هذا كابوس ….هذا لا يحدث …مستحيل ان يتخلي عنها أحمد بتلك السهولة …مستحيل ان يحط*مها بتلك الطريقة الخسيسة….لا يمكن أن يكون عق*ابها هو احمد …هي تتحمل كل شئ الا هذا …
اقتربت من الشاب وقالت :
-فين احمد فين …
-معرفش …
رد عليها ببرود لتهتاج هي وتمسكه من قميصه وتصرخ:
-انطق فين …فين احمد مستحيل يسيبني في يوم زي ده …حرام عليه ..انا كده همو*ت.
توتر الشاب وهو ينظر إليها وقال وهو محاولا ابعاد كفها:
-انا معرفش …معرفش هو فين ….
-انطق والا هقت*لك….
صرخت به وقد شعرت ان العالم يدور بها …اقترب جلال.وابعدها عنه وهو يضمها اليه ويقول الشاب:
-امشي انت دلوقتي …وقول لأحمد يخاف علي نفسه لانه هيضطر يواجهني أنا ….
ذهب الشاب بسرعة لتنظر حياة الي جلال وتقول وهي تضحك ودموعها تنساب من عينيها:
-ده مش حقيقي يا عمو مش حقيقي …احمد مستحيل يعمل فيا كده…هو بيحبني مستحيل يعمل كده صح …
-حياة ..
قالها جلال وهو ينظر إليها بشفقة …
نهض المأذون وقال:
-طيب استأذن أنا بقا بما ان العريس والشهود مجوش ….
اقتربت حياة وهي تصرخ به :
-لا اقعد …اقعد …احمد هيجي دلوقتي …ده مقلب فيا …احمد بيحب يضايقني …بس أنا مش هسامحه بسهولة علي اللي عمله فيا …
اقترب جلال وهو يحاول أن يسيطر عليها …فحالتها ساءت كثيرا وبدأت تهذي …
-يا حياة …
قالها جلال لتقاطعه حياة وتقول وهي تمسح دموعها:
-الميكب باظ يا عمو …شايف مقالب احمد عملت فيا ايه …أنا لازم اروح اصلحه …لازم ابقي جميلة …احمد بيقول اني لازم ابقي جميلة…وانا جميلة أنا جميلة…مش صح يا عمو ..مش انا حلوة ؟!
التمعت عيني جلال بالدموع كان مصدوما وهو يراها في تلك الحالة… لم يراها مح*طمة بهذا الشكل من قبل …كأن احمد احر*ق حياتها وذهب …. نظر الماذون الى حياه المنهارة بتوتر وقال:
-يا بنتي وحدي الله بس …واضح أنه مش هيجي فخليني امشي ورايا كتب كتاب ..
-وكتب كتابي أنا أعمل فيه ايه !!!
قالتها حياة والدموع تطرف من عينيها …توتر المأذون أكثر وقال:
-ما هو مجاش يا بنتي …هكتب كتابك ازاي …
انسابت دموعها أكثر واقتربت منه وهي تقول بتوسل :
-يا شيخ ابوس ايديك اصبر شوية …هو جاي علي فكرة …انت متعرفش احمد …هو مش قا*سي للدرجادي …مستحيل يعمل فيا كده …عارف هتلاقيه جاي دلوقتي بس ابوس ايديك متمشيش …
جذبها جلال وهو يقول:
-حياة بنتي كفاية …كفاية ..
ذهب المأذون لتقف حياة متجمدة…الدموع تنساب من عينيها وهي تقول بصوت ميت؛
-عق*ابي كان أحمد …عقا*بي علي اللي عملته كان أحمد …
وضعت كفها علي قلبها واكملت وهي تشعر بالدوران:
-هو قدر يك*سرني …اخد حقها مني …
نظر إليها جلال بحيرة وقال:
-قصدك ايه يا حياة؟! …
-هو اخد حقها …احد حقها مني …احمد كان عقا*بي …كان عقا*بي …
اخذت حياة تهذي بتلك الكلمات وهي تتجه الي الحمام …كانت كمن يحتضر …
..
ولجت الي الحمام واتجهت الي الدش ثم فتحت الماء ليندفع عليها بقوة …كانت دموعها تختلط بالماء…كانت تبكي بعن*ف وهي تتذكر كلمات الحب التي اغدقها بها …هل كان كل شئ كذ*بة معقول …هل حبه مزيف…لمعة عينيه.وكلامه المعسول…رباه انها تمو*ت …تمو*ت
اخذت حياة تضر*ب وجهها وتقول بإن*هيار:
-مكنتش عايزة أنك انت تكون عقا*بي …كنت مستعدة اتحمل اي عقا*ب غير ده …غير العقا*ب ده يا احمد …
…….
كان يقف امام النهر …يشرب سيجارته بهدوء وداخله اعاصير …لقد خطط ان يكسرها بتلك الطريقة …كان يقصد…أذن ما هذا الشعور …لماذا يشعر بالإختناق …لماذا قلبه يؤلمه …هو حصل علي الشقة وقرر العمل بمكتب محامي آخر …حياته علي ما يرام فعليا …وحياة خارجها تماما …هو ابدا لا يكن مشاعر ناحيتها ولا يفكر بها من الاساس …ولا يمكن ان يفكر بها …لن يسمح لنفسه ان يغرق بالشعور بالذنب.؟.هي تستحق ما حدث لها….تستحق لانها غبية…كيف ظنت انها سوف تتزوج …كيف ؟!الفتيات مثلها لا يتزوجون بل هن مجرد تسلية الشباب وهو بالتأكيد لن يربط اسمه بإسم فتاة مثلها …هذا مستحيل ..
كان أحمد يحاول أن يدفع عنه الشعور بالذنب وهو يخبر نفسه بهذا …ولكن مع كل حرف كان يقوله لنفسه….كان حقا يختنق …يشعر ان شئ ثقيل يقبع علي صدره …ولكنه فكر ان هذا الشعور سوف يكون مؤقت …هو لن يغرق بالآسي عليها …هذا مستحيل …اغمض عينيه وعقله ينحرف الي ذكرياتهم سويا …تلك الذكريات التي أصبحت تكبله بقوة فجأة …رغم كل المبررات التي كان يضعها في عقله لتركه لها ولكن ما زال يختنق …يحاول أن يستنتج ما حالها الان …ولكنه كان يعرف أن حالها سئ للغاية …هو بفعلته دمرها تماما …وكان يعرف …يعرف أنه سوف يدمرها ولكنه استمر …استمر رغم الحب الذي كان يراه في عينيها !!!
……
انهي الكأس الذي يشربه ثم وضعه علي الطاولة بجوار الفراش…كانت عينيه السوداء. تبرق وهو ينظر إليها …كانت جميلة بشكل لا يصدق ….تشبه الملائكة …وجهها ابيض للغاية وشعرها الطويل ينتشر علي الوسادة …وجنتها حمراء بسبب الصف*عة …كان يشعر بالإنتشاء….بالإنتصار …فهذا هو شرف ادم …هذا هو ما سيك*سره …اتي الوقت الذي سوف ينت*قم من ادم منه …وهو سوف يستغل الفرصة تلك ….لن يتركها تضيع هباءا …ما زال مروان يتذكر كيف ضر*به ادم!!كيف اها*نه عدة مرات …يتصرف بغطرسة كأنه الشخص الاهم علي الاطلاق …ماذا يظن نفسه …هو مجرد شخص معدم وهو الآن سوف يد*مره …شقيقته تلك هي نقطة ضعفه…وهو سوف يضرب نقطة ضعفه بقوة ….
جلس مروان بجوار ليلي النائمة وهو يمرر يديه علي وجنتها …كانت جميلة …جميلة بشكل لا يصدق …سوف يستمتع بها كثيرا …فكر بسعادة وهو يبتسم …امسك شعرها وهو يداعبه …تلك الانثي مثالية …رغم صغر سنها ولكن جمالها ناضج للغاية …هي تعجبه بقوة …وبالتأكيد سوف يحب ان ينالها اكثر من مرة ….اقترب بشفتيه منها ولكن فجأة توقف وهو يراها امامه …تقف وعينيها لامعة بالدموع …تنظر إليه وكأنه خذلها بقوة ….لقد رأي تلك النظرة كثيرا …دوما تأتي عندما يهم بفعل.شيئا خاطئ….واغلب الأحيان يتراجع عن فعلته بسببها..ولكن ليس تلك المرة …اذ*ية ادم مهمة جدا بالنسبة إليه …هو يجب أن ينال ثأ*ره….انسابت دموعها امامه فاعتصر قلبه من الأ*لم واقترب منها وقال:
-ده مهم جدا بالنسبالي …مهم عشان عايز اعلم حد اذ*اني الادب …
مسحت والدته دموعها وقالت:
-بس دي طريقة خس*يسة يا مروان …معقول دي تربيتي فيك …معقول عايز تك*سرني بالشكل ده …اومال ازاي بتقول أنك بتحبني …اللي بيحب حد مش بيأ*ذيه وانت بتأ”ذيني يا مروان …بتأ*ذيني اوووي ..يتأ*ذيني لما تأ*ذي البنات التانيين …بتأذيني وانت بتتحول لشيطان…أنا قلبي بيتك*سر بسببك يا مروان وانا مش قادرة استحمل اللي بتعمله ده …ليه يا بني تضيع تربيتي فيك بالشكل ده …انا مش ربيتك عشان تطلع شيط*ان …أنا ربيتك كإنسان سوي فخليك سوي !!! سيب البنت دي …
-بس يا ماما ….
قاطعته وهي تقول :
-قولتلك سيبها يا مروان …انت فاهم ؛؛؛
ثم اختفت من أمامه كما اتت …اقترب مروان من ليلي وجلس بجوارها …مجددا لا يستطيع أن يؤ*ذي أحد … مجددا هو ضعيف …..لقد خطط كثيرا بما سيفعله بتلك الفتاة …خطط كيف سيك*سرها ويك*سر شقيقها ومهرا أيضا ..ولكن جميع خططه فشلت تماما …والان يجب عليه إعادة ليلي الي مكانها …
زفر بضيق وهو يمرر أصابعه علي وجنتي ليلي البارد بينما الدموع تنساب من عينيه …يشعر بالاختناق وكأنه سوف يمو*ت حقا …ماذا يفعل …ماذا …هل يصبح كما إرادته والدته ام يصبح ش*يطان …لأن الش*يطان علي الأرض هو الذي يعيش ….
تنهد بعمق …لتفتح ليلي عينيها وهي تشعر بالتشويش …اتسعت عينيها وهي تنظر إليه بصدمة …واخيرا تذكرت ماذا حدث!!!
-ابعد ابعد …
صرخت بها وهي تدفعه بقوة وتقول:
-انا ايه اللي جابني هنا …
أشار مروان بكفه وهو يقول بحذر:
-اهدي …اهدي بس هروحك …
-انت عملت فيا ايه انطق !!!
صرخت بها بعنف وهي تلقي عليه مزهرية وتقول بجنون:
-انطق والا هقتلك النهاردة ….انطق …
-معملتش حاجة …والله ما عملت …خلاص تقدري تروحي والله ما هأ*ذيكي.تاني …ومفيش حاجة حصلت بس امشي بسرعة لو سمحتي بدل ما اغير رأيي….
ما كاد أن يقول هذا حتي شدت حقيقتها وهي تخرج مسرعة بينما تدعو أن يكون الباب مفتوحا …وبالفعل كان مفتوحا لتهرب …وه*ربت هي وتحررت وهي تبكي بعن*ف !!!
………
-اتفضلي يا اختي الاكل …اتطفحي بسرعة ومتبهد*ليش الدنيا …كفاية اني لوحدي بخ*دمك يا برنسيسة زمانك …
قالتها.علياء وهي تنظر إليها بقر*ف…امسكت ميار الطعام ثم بدأت بالأكل بشراهة…لقد منعها والدها من الطعام لمدة يومين …يومين وهي تقا*سي الجوع وتبكي من الظ*لم…كانت علياء تنظر اليها بتشفي ….شعرها المقصوص بعشوائية …طريقة اكلها التي تدل علي انها تعاني …كل تلك الاشياء جعلت قلب علياء يرقص من السعادة …لا أحد يتخيل كم علياء تك*ره ميار …هي تك*رهها بشدة …تلك الفتاة المدللة التي تظن نفسها ملكة الكون وهي مجرد حشرة لا قيمة لها …ولكن علياء اتت وجعلت حياتها جحيم …جعلتها تعرف ان لا قيمة لها …وان ما تنال الآن هو بقايا طعام …هذا ما تستحقه …الغ*بية.د*مرت زواجها وركضت خلف ادم ولكن ادم أيضا تخلي عنها وهي الآن من تعاني …علياء لا تتواني لحظة عن تسميم عقل عثمان …ولن ترتاح حتي يطرد عثمان ابنته او يزوجها لرجل مسن بالإجبار لكي تتخلص منها وتري أيضا ميار تمو”ت كل يوم …
اقتربت علياء من ميار وامسكت شعرها القصير وقالت؛
-تؤ تؤ ..شكلك من غير شعر وحش اووي …عارفة بطريقة اكلك دي بتفكرني بالمشردين …
انسابت دموع ميار وهي تأكل الطعام ولم ترد عليها …تركتها تتحدث كما أريد …هي لا تريد أن تجادلها فيع*اقبها والدها مجددا …
ضمت علياء فمها وهي مغتاظة للغاية …سحبت منها طبق الطعام وصرخت:
-انتِ متستحقيش الأكل اللي بكرمي بديهولك …
ثم حاولت الخروج لتمسك ميار ذراعها وهي تبكي وتقول:
-ابوس ايديكي أنا همو*ت من الجوع …اديني اكل …ابوس ايديكي …
رفعت علياء كفها وقالت:
-يالا بوسي…
تراجعت ميار للاسفل ودموعها تنسكب علي وجهها اكثر …كانت لا تصدق انها تتعرض لهذا الاذ*لال …لا تصدق ان الحال وصل بها لتلك الدرجة انها تتوسل زوجة والدها الشر*يرة من أجل الطعام …كادت ميار ان ترفض ولكن معدتها قرصتها …انها تمو*ت من الجوع …جائعة بشكل كبير …وعليها الاختيار …اما كرامتها وتم*وت من الجوع واما تاكل وتتخلي عن كرامتها …تنهدت
وهي تمسح دموعها ونظرت الي الطعام ومعدتها تأن …كان قلبها يبكي بعن*ف …لم تتخيل ابدا ان تتلقي تلك المعاملة المه*ينة …وعرفت الان أنها تكبرت علي حياتها مع علي …علي الذي فعل المستحيل من أجلها …كاد أن يحضر العالم كله تحت قدميها …ويبدو أن هذا هو عقا*بها لأنها حط*مت قلبه…وكم هي نادمة علي هذا …فلو عاد بها الزمن سوف تقبل به كزوج وتعيش معه وهي شاكرة وراضية أيضا … فالحياة في منزل والدها أصبحت كالجحيم بسبب تلك المرأة التي تكر*هها …تري ماذا تفعل الان …الي متي سوف تتحمل تلك المعاملة الس*يئة…هل تستسلم لمصيرها أم تحاول الهروب لكي تعود لعلي …مئات الأفكار كانت تعج برأسها …ولكن توصلت الي أنها لا يمكنها ابدا ان تتحمل تلك المعاملة فهي يجب أن تهرب …مهما كلفها الأمر ستهرب…لكن الان هي جائعة للغاية …يجب أن تتنازل قليلا كي تسمح لها تلك الشر*يرة بأن تأكل…ابتلعت ميار ريقها ثم اقتربت من علياء…ابتسمت بسعادة وانتصار وهي تراها تخضع لها …كان هذا المشهد أحد أحلامها …لطالما ك*رهت تلك الفتاة وستظل تكرهها حتي الموت ..
أمسكت ميار كفها ثم قبلته ..ونكست رأسها ودموعها تنساب من عينيها …
-يالا دور رجلي يا حلوة …
اتسعت عيني ميار بصدمة ..لتزيح علياء عباءتها قليلا وتقول:
-يالا يا بت متنحيش …
-حرام عليكي يا مرات ابويا حرام …
-خلاص يا حبيبتي هاخد الاكل معايا…
-خلاص خلاص …
صرخت ميار بقهر ثم انحنت أكثر وهي تبكي بعن*ف وقبلت قدمها…
اعطتها علياء طبق الطعام وقالت:
-شطورة يا حبيبتي …كده تعجبيني!!!
……….
في الورشة الخاصة به …
كان يعمل وهو يغني مع ام كلثوم….
كنت بشتاق لك وأنا وإنت هنا
بيني وبينك خطوتين، خطوتين، خطوتين
شوف بقينا ازاي أنا فين
يا حبيبي وانت فين، إنت فين، إنت فين
والعمل إيه العمل ما تقول لي أعمل إيه
والأمل إنت الأمل تحرمني منك ليه
والعمل إيه العمل ما تقول لي أعمل إيه، إيه
والأمل إنت الأمل تحرمني منك ليه
عيون كانت بتحسدني على حبي
ودلوقتي بتبكي عليّ من غلبي
وفين إنت يا نور عيني يا روح قلبي فين
وفين إنت يا نور عيني يا روح قلبي فين
فين أشكي لك فين
توقف فجأة والاغنية تستمر…تنهد وهو يتذكر مهرا …مهرا التي تتمسك بكفه بكل قوة وهو مصر علي أبعادها عنه …مصر لإعادتها لحياتها…علي الرغم أنه يعرف أن هذا سوف يح*طمه ولكن سيفعل هذا …هو لن يتمسك بما ليس له …مهرا ليست له …يحب أن يفهم هذا جيدا …هي لديها حياة مختلفة عنه …هي كالأميرة المدللة كل طلباتها مجابة وهو لن يستطيع أن يسعدها …يعلم جيدا أنه يظ*لم نفسه وهو لا يريد أن يظل*مها معه …من حقها أن تكون سعيدة …لن يعيد خطأ ميار .. لن يلزم مهرا بأي شئ…علي الرغم من المشاعر التي بدأت تتكون من داخله نحوها إلا أنه لن يتمسك بها سيحررها وهو متأكد انها سوف تشكره لاحقا !….
عاد ادم الي عمله وهو يكتم حس*رته في قلبه …
-ممكن ادخل ؟!
أتاه صوتها الموسيقي الرائع …شعر ادم أن قلبه يخفق بقوة وهو يسمعها …لقد اتت الي هنا …الي هنا …رفع ادم عينيه لتشتعل زرقاوتيه بشغف وهو يراها جميلة كم لم تكن يوما … ترتدي فستان بنفسجي طويل بأكمام طويلة يليق بها كثيرا …بينما شعرها الرائع تلفه في ذيل حصان …وعلي وجهها ابتسامة رائعة مثلها بينما تمسك طبقا ما
أعطاها ابتسامة مترددة بينما ما زال قلبه ينبض بقوة …متي أصبح قلبه ينبض لها بكل هذا الع*نف هو حقا لا يدري …فكر بيأس
-اتفضلي يا مهرا …
ولجت مهرا الي الورشة وهي تقترب منه وتقول بحماس:
-عملتلك كشري وقولت اجيبه وادوقهولك …بصراحة مقدرتش استني لما انت تيجي …
ضحك وقال:
-يااه اخيرا نطقتي اسمه صح …كفارة يا شيخة …
-ما تأكل بقا وتبطل برود …
قالتها مهرا وهي تضربه علي كتفه بغضب …
ابتسم وقال:
-حاضر يا ستي هاكل…
اخذ الطبق منها ونزع الغطاء ليشحب وجهه ويقول:
-ايه ده يا مهرا …
-ده كشري …
أجابت ببساطة …نظر ادم الي الكشري الذي صنعته وقال:
-هو ليه الرز محروق ؟!
-لا لا …هو متحرقش مني هو اخد نار بس زيادة …
-فعلا …
قالها ادم بشك ولكنه لم يرد أن يغضبها ويجر*حها خاصة أنها تفعل هذا من أجله …امسك هو المعلقة وبدأ ياكل بها …تغير وجهه فجاة عندما تذوق مدي.سو*ء الطعام….ولكن لم يرغب أن يح*رجها بل اكمل تناول طعامه بهدوء…:
-علي فكرة أنا اهو بتعود علي حياتك بسرعة يا آدم .
بتعود عليها لاني عايزاها تكون حياتي عشان ابقي معاك …بس انت مش مقدر ده …انت عايز تبعدني عنك وخلاص كأني مر*ض …
هز رأسه وقال:
-والله العظيم ابدا يا مهرا …عمرك ما اعتبرتك كده …
-اومال ليه عايز ترجعني لجدي يا آدم …ليه ؟!
-عشان الاتفاق كده يا مهرا …اتفاقي مع جدك كان كده …
-الاتفاق اتفسخ لما حبينا بعض يا آدم …
ابتلع ريقه وقال:
-ب بطلي تقولي الكلام ده انا محب….
قاطعته وهي تقترب منه وتقول:
-بص في عينيا وقول انك محبتنيش …قولها عشان امشي …بس.بص في عيني يا آدم …
ابتلع ريقه وهو ينظر إليها …كان عاجز كليا عن الكلام وهي تنظر إليه بتلك الطريقة وكأنها حاص*رته… شعر أنه مسحور بها …اقترب هو بشفتيه من شفتيه بقصد.تقبيلها وقد أغلق عينيه الا ان فجأة بكاء ليلي جذبه …
ابتعد ادم عن مهرا وهو ينظر إلي ليلي التي اندفعت الي أحضانه …
-ليلي ..ليلي فيه ايه ؟!
قالها ادم.بر*عب …ابتعدت ونظرت إليه وعينيها حمراء من الدموع:
-اللي اسمه مروان خط*فني ووداني.بيته …ولولا أني صحيت وصرخت كان ممكن يد*مر حياتي …
اشتعلت عيني ادم بالدموع ولم يرد بل دفع ليلي وهو يخرج برا الورشة !
…………
ضمت مهرا ليلي المنه*ارة إليها وقلبها يخفق بع*نف بسبب الخ*وف …كانت الأفكار الس*يئة تدور في عقلها …لقد ذهب ادم الي مروان ولا يوجد شك أنه سوف يقت*له …مروان تجاوز حدوده كثيرا ولكن هذا ليس معناه أن يتورط ادم …فشخص كمروان لا يستحق أن يدخل ادم الس*جن بسببه …لا …لن تترك ادم يت*هور …ستوصل ليلي الي المنزل وتذهب خلف ادم …لا يمكنها أن تخ*سره بتلك الطريقة …وفكرت ودموعها تنساب علي وجهها …
-ليلي …ليلي فوقي…
قالتها مهرا لليلي التي ترتعش بين ذراعيها …ما زال الخوف مسيطر عليها …لا تصدق انها واجهت هذا الأمر …لقد كادت أن تتد*مر حياتها بالفعل علي يد ذلك الح*قير …انسابت دموعها وهي تشهق بخوف …ضمتها مهرا أكثر وهي تقول:
-اهدي ..اهدي يا ليلي بس انا لازم اروح الحق ادم …لازم …
لم تستوعب ليلي ما تقوله …كانت في عالم اخر …ما زالت تحت تأثير الصدمة عندما رأته قريبا لهذا الحد ارتعبت كثيرا وانه*ارت وهي تصرخ به…لقد كادت أن تق*تل نفسها…فهي مستعدة أن تق*تل نفسها علي أن يلمسها هذا الح*قير!!!
أبعدت مهرا ليلي عنها وهي تقول:
-ليلي ليلي بصيلي وفوقي…
ولكن ليلي ما زالت تبكي ….كانت في حالة إنه*يار غريبة …كانت مهرا تتفهم الأمر …فهي قد عانت بسبب حقا*رة مروان …لقد د*مر حياتها دون أن يشعر بالذنب …والان يريد أن يد*مر حياة ليلي ..ولكن ليلي قالت إنه لم يلمسها …قبضة باردة حطت علي قلب مهرا …هل معقول أن ليلي أخفت الحقيقة لأنها خائفة …هل لمسها ذلك الح*قير …هل د*مر حياتها معقول؟!التفكير في هذا فقط جعلها تشعر بالمر*ض والر*عب …لا لا ..لا تتمني أن تعيش ليلي ما عاشته مهرا …هذا قاسي جدا علي هذة الفتاة ….
حاوطت مهرا وجه ليلي لتجبرها علي أن تنظر بعينيها العسليتين ثم قالت:
– ليلي خليكي صريحة معايا ..ممكن ..قوليلي الحيو*ان ده لمس شعرة منك …قدر يأذ*يكي قولي ومتخافيش لأن ساعتها احنا هنوديه في ستين د*اهية …أنتِ مش عليكي لوم لازم تعرفي كده ..أنتِ الضح*ية …
لمعت عيني مهرا بالدموع وهي تتذكر شعورها وقتها …صحيح أجبرت نفسها علي تجاوز الوضع بسرعة جدا …ولكن لو لم تفعل هذا كانت لتق*تل نفسها بكل تأكيد ..لقد فكرت كثيرا أن تم*وت اشمئزت من نفسها …. كانت تشعر أنها خا*طئة رغم أنها الضح*ية …وجدها للاسف اول واحد اشعرها بهذا …وضع اللوم عليها دون أن يضع في اي اعتبار أنها تعرضت للخ*داع …ولكن اخيرا توصلت أنها ضح*ية …ضح*ية خد*عة حق*يرة من مروان ومن اعتبرتها صديقتها….هي تشعر بشعور ليلي …هي الوحيدة التي تعرف ماذا يدور بعقلها …هزت ليلي رأسها بالنفي وهي تقول:
-لا هو ملمسنيش …مقدرش حتي انا صحيت في الوقت المناسب ووقتها قدرت اقاومه ..وهو كان ضعيف بشكل غريب ….كان بيبكي…
تنهدت مهرا براحة رغم الغصة التي بقلبها لقد تمنت أن يحالفها الحظ كما حالف ليلي …تمنت لو كانت استيقظت في هذا اليوم واستطاعت مقاومته والهروب ….
مسحت دموعها وقالت:
-الحمدلله…الحمدلله …
تنهدت مهرا واكملت :
-يالا اوديكي البيت …لازم الحق ادم …ادم ممكن يتهور ويعمل فيه أي حاجة …
-سيبيه يا مهرا. ..الح*يوان ده يستاهل الم*وت …
هزت مهرا رأسها وقالت:
-مروان السويسي ابن واحد من أكبر رجال الأعمال في مصر يا ليلي لو ادم عمله حاجة ممكن ادم اللي يتأ*ذي …لازم الحقه …
-يا خبر ..صحيح أنا ازاي بفكر …ادم عصبي وممكن يق*تله في أيده …انا هروح لوحدي وأنتِ الحقيه يالا !!!
…………..
نظرت الي نتيجة اختبار الحمل وعلي وجهها ابتسامة رائعة ….هي حامل …كادت ان تقفز من السعادة …هي تحمل طفل منه …طفل من سامر …وضعت كفها علي بطنها وعينيها لمعت بدموع التأثر….كانت لا تصدق السعادة التي تطغي عليها …لا تصدق ان يحدث معها هذا …هذا الطفل سوف يربط بينها وبين سامر …هذا الطفل سيصلح كل الأخطاء في حياتهما ..عضت علي شفتيها بحماس وهي تفكر كيف تخبر سامر بهذا الخبر السعيد…هذا الطفل سيجعل سامر يقترب اكثر منها ويحبها …
….
امسكت الاختبار وهي تبتسم وخرجت من الحمام …نظرت الي سامر ووجدته جالس شارد يشاهد التلفاز …تنهدت بآسي …لابد انه يفكر بها الآن…رغم كل شىء …هي لم تستطع طر*د مرام من قلبه …احيانا تفكر أن مرام ستظل موجودة في حياتهما للابد …لن تستطيع التخلص من طيفها في حياتهما …هل يا تري قد تحدث معجزة ما ويحبها كما يحب مرام …ام انها تطلب المستحيل …المشكلة أنها تقول انها ستكتفي بما يقدمه لها ولكن هي تط*مع في عشقه …تريد قلبه….تريد أن تكون هي مالكة قلبه للأبد …تريد أن تنعم معه بحياة سعيدة ولكن ربما هذا الطفل الذي في بطنها سوف يكون اول رابط حقيقي يربط بينهما …ربما يحبها عندما تلد ابنه …هذا الرابط بينهما عندما تنجب طفله سوف يصبح اكبر …هي تحمست أكثر …بجانب أنها سوف تعيش امومتها وستنجب طفل من د*مها تهتم به وتقدم له ما لم تقدمه لها والدتها أيضا هذا الطفل سوف يقرب سامر منها …ابتسمت كارما وهي تتخيل حياتهم معا …بالطبع سوف يكونوا اسعد عائلة في العالم …
اقتربت هي من سامر وجلست بجواره ثم قربت منه وهي تقبله علي وجنته وهي تقول :
-جاهز تسمع خبر حلو …
-ممكن بعد الفيلم ..
قالها وهو يشاكسها ….ضر*بته علي كتفه وقالت:
-انت ليه بارد كده ؟!ده خبر مهم جدا …
نظر إليها وقال:
-هتفرحيني وتسيبي الشغل …
اكثر ما سيسعد سامر أن تترك العمل …فهو لا يريدها أن تعمل …داخله غيرة غريبة عليها لا يريد أن يجعلها تحتك بأحد …
ابتسمت وقالت:
-حاجة زي كده …قوم معايا عشان اقولك …
جذبته لتجعله ينهض … فقال:
-ها يا ستي ايه الخبر السعيد ده
اشرق وجهها بالسعادة وهي تضع كفه علي بطنها
-انا حامل يا سامر…
قالتها كارما وعلي شفتيها ابتسامة واسعة…كانت سعيدة جدا كما لم تكن من قبل !!!
بهت سامر وسحب كفه وهو ينظر إليها…كان جد مصدوم …لاحظت كارما رد فعله وقالت:
-مالك يا سامر انت مش مبسوط؟!
-انتِ حامل ازاي ؟! انطقي!
صرخ في كلمته الأخيرة لترتعش بقوة بينما تتصاعد الدموع في عينيها وتقول:
-هكون حامل ازاي يا سامر …حامل …زي أي واحدة متجوزة وحامل. .
احمر وجهه من الغضب وجذبها بعنف نحوه وقال:
-ومين اللي قال اني عايز عيال منك !!!!
ابتلعت ريقها وسالت دموعها ثم قالت وصوتها مخ*تنق بفعل البكاء:
-ازاي يعني مش عايز مني …اومال اتجوزتني ليه وقربت مني ليه ؟!
د*فعها بعن*ف وصرخ :
-طبعا يا هانم دي خطتك صح …تفضلي تتدحلبي لحد ما تربطيني بعيل صح …هي دي خطتك الح*قيرة وانا زي الح*مار صدقتك …يا سلام خطة ذكية بصحيح …
هزت رأسها بصدمة وهي تقول :
-انت بتقول ايه ؟!أنا مراتك ..مراتك !!سامع بتقول ايه …أنا مش عشيقتك عشان تقولي كده …يعني ايه اربطك بيا…احنا متجوزين يا سامر …
نظر إليها وقال بنبرة باردة:
-من الاخر لو عايزة تكملي معايا تنزلي الولد ده !!!
كانت لا تصدق ما يقوله ولكن ردها كان سريعا …حازما …كانت قد اكتفت منه …وضعت كفها علي بطنها وقالت:
-اسفة يا سامر هختار ابني …أنا مش عايزة اكمل معاك …
……
دموعه كانت تنساب علي وجنتيه …لقد فش*ل في أن يكسر اي احد سوي نفسه …هو يري نفسه حقير الان…لقد تخيل والدته مجددا …تخيلها وهي تو*بخه …تنظر إليه بصدمه كأنه قد خذ*لها…وبالفعل هو خ*ذلها….هو لا يريد هذا …لا يريد أن يصبح شخصا حقي*را ولكنه غاضب من العالم …يريد أن يد*مر اي احد أمامه لانه لا يشعر بالحب …يريد قت*ل اي بذرة خير داخل قلبه…لا يريد أن يكون طيب القلب وساذج …لا يريد الحب فهو توسله من والده مرارا وتكرارا ولكن لم يحصل عليه …هو يريد الكر*ه ..يريد أن يتشبه قلبه بالح*قد والكر*ه …يريد الانتقام من ادم …ادم الذي جعله أضحوكة أمام نفسه الانتق*ام من ليلي …ليلي التي رفضته عدة مرات وحتي من مهرا التي كانت تهيم به والان لا تطيقه ؛!!! ..لقد تخلي عنه الجميع …هو وحيد الان …وحيد للغاية … دموعه انسابت أكثر. هو يشهق …كم هو ضعيف…ضعيف وهش. ..لا يتحمل أي شىء …
جرس الباب أخرجه من شروده …مسح دموعه بسرعة ونهض بتكاسل ليفتح الباب ….فجأة شحب. هو يري ادم أمامه …عينيها الزرقاء تشتعل بها الني*ران وكأنه علي وشك إحراق العالم كله …للصدق ..مروان ارتعب منه وخاصة من عينيه التي تشتعلان بالنيران …
-ليه …اه …
كاد مروان أن يتكلم إلا أن ادم لكمه بعن*ف …ثم ادخله المنزل وهو يغلق الباب … اقترب منه ثم امسكه من رقبته وهو يضغط عليها حتي كاد أن يقتله وقال:
-انا مش قولت اللي يخصني متلمسهوش !!!…ازاي تتجرأ وتخط*ف اختي …انطق!!! ازاي جاتلك الجراءة تعمل كده !!!
احمر وجه مروان وشعر أن الأكسجين ينتهي من رئتيه… فجأة دفعه ادم حتي وقع علي الأرض وقال وهو يخلع حزامه :
-انا هوريك ازاي تقرب علي حد يخصني ازاي …أنا هوريك يا مروان …
نظر إليه مروان بر*عب …كان جسده يرتعش بقوة …عيني ادم تخبرانه أنه سوف يت*هور كثيرا …عينيه تخبره أن ادم الان لا يهتم بشئ …لقد اتي لمنزله كي يضربه …هذا شجاعة تحسب له ..وهو ليكون صريحا …خائف منه جدا الان…رفع ادم الحزام ثم حط به علي جسد مروان ليصرخ مروان بأ*لم وهو يشعر أن جسده يؤلمه بقوة …ظل ادم يرفع الحزام ثم يض*ربه بع*نف …كان يضر*به كالمج*نون …كان فاقد اعصابه جدا ….
-كفاية كفاية …
قالها مروان بصوت ضعيف ولكن ادم كان مستمر في ضربه …عندنا رأي ادم حالة ليلي أصابه الج*نون …شعر ببراكين العالم تنفج*ر داخله فلم يشعر بنفسه الا وهو يأتي هنا لكي يلقن مروان درس حياته ولن يذهب من هنا حتي يقت*له ويرتاح منه ومن شره . .هذا الرجل لعنة عليه بالاول زوجته مهرا والأخيرة هي ليلي ؟!!لا هو لن يسامحه علي هذا ..
كان آدم مستمر بالضر*ب ومروان مستمر في الصراخ …ابقي فجأة ادم الحزام وهو يلهث بقوة …كان العرق يغطي وجهه …جذب ادم مروان وقال وهو يلهث:
-اسمعني بقا يا حيلتها وحط ده حلقة جوه ودنك
..دي شدة ودن بسيطة ولكن اقسم بالله لو قربت من ليلي أو مراتي تاني وديني هقتلك انت فاهم !!!فاهم ولا لا …
علي الرغم التعب الذي يسيطر علي وجهه نظر مروان الي ادم وقال :
-انا مش هستسلم …هفضل اضايقك دايما واضايق اختك ….يمكن يعني عايز اجربها زي ما جربت مراتك !!!
اتسعت عيني ادم بغضب وقال:
-اه يا حقي*ر …
صرخ بها بقوة ثم أمسك ذراع مروان وهو يقول:
-انا هقت*لك النهاردة …
ثم بعنف ثني يديه حتي كُسر ذراعه !!!!
…..
بعد قليل …
شهقت مهرا وهي تنظر إلي ادم. الذي مكبل بالاصفاد….لقد.اتت بعد فوات الاوان !!!!
……
في شركة أنس….
كان انس جالس في مكتبه …قلبه يخفق بعن*ف …لقد طلب رؤيتها …قرر ان يتكلم معها اليوم ….صحيح لم يري الأمر صائبا وخاصة انه تكلم مع اخاها ولكنه كان يريد أن يعرف ما هو رأيها…يريد أن يعرف بماذا تفكر الآن …هل تراه شخص جيد ام احمق….كان يريد أن يعرف رأيها به …هذا التفكير يؤرقه …ابتسم أنس وهو يتذكر مقابلته مع آدم …لقد تفهمه ادم كما أنه تواصل معه هاتفيا وهو يعرض عليه حلول..اخبره ان يحاول لينال سعادته…لقد احب هذا الشاب فعلا …يبدو رجلا بحق ..وهو واثق ان ادم أيضا احبه ويتمناه زوج لشقيقته …من نظراته عرف هذا …
…..
اقتربت مرام من مكتب انس وقلبها يخفق بجنو*ن …ما تلك المشاعر التي تسيطر عليها كلما كانت قريبة منه…كيف القرب منه فقط يجعل قلبها يخفق بتلك القوة المجنو*نة…وكأنه يتحكم بدقات قلبها !!رغم السعادة التي تملأ قلبها الا انها كانت تشعر بخوف …تلك المشاعر قد تؤ*ذيها …هي تخاف الحب …تخاف ان تظهره فتتح*طم …مصا*ئب الحياة علمتها الا تثق بأحد الا عائلتها وهي لم تعطي ثقتها الكاملة لأحد ولا تريد أن تعطي قلبها بالكامل لأحد لا تريد أن تحب بكل مشاعرها لانها هي من سوف تتأ*ذي …كانت نظرة مرام للحب سلبية للغاية …فالحب يجعلك ضع*يفا…يترك مشاعرك تسيطر عليك …وهي لا تريد أن تكون ضع*يفة …لقد رأت كيف ادم تح*طم عندما تركته ميار وهي لا تريد أن تكون محطمة بهذا الشكل …
تنهدت وهي تطرق الباب بينما ترتدي قناعها الجليدي ..ارتعش قلب أنس داخل صدره وقال بصوت مخنوق بفعل المشاعر التي سيطرت عليه :
-اتفضل ..
ولجت مرام الي المكتب وهي تحافظ علي وجهها ثابت …لا يوجد أي انفعال عليه …خفق قلب أنس اكثر وهو يمنحها ابتسامة رائعة لم تردها هي وقال :
-ازيك يا انسة مرام. .
-كويسة يا فندم …حضرتك طلبتني خير …
ابتلع ريقه بتوتر وهو يتساءل كيف يمكنها ان تجعله يتوتر بكلمة …نظرة …ولكن كل ما في مرام يجعله
ما يشعر له نحو مرام كان نادر…نادر للغاية …
ابتسم وقال:
-اخوكي قالك علي ظروفي اللي كانت مانعاني اتقدملك ؟!
هزت رأسها دون أي كلام …كانت تخاف أن تتكلم فيظهر ارتعاش كلماتها وتُف*ضح مشاعرها …بالعكس هي تحكمت في نفسها تماما حتي لا يحمر وجهها أمامه …
ابتسم انس بتوتر وقال:
-طيب وايه رايك ؟!
نظرت إليه وهي ترد:
-رايي في ايه ؟!
شرح بتوتر:
-يعني رأيك في العرض بتاعي …ناوية توافقي ولا ايه ؟!تقدري تستني لما اخلص مشاكلي مع حالة بنتي …أنتِ ايه رايك …
قالت بهدوء:
-انا بفكر حاليا والرد ادم هيبلغك بيه …اظن هو قال لحضرتك كده …
ضحك متوترا وقال:
-طبعا هو قالي كده بوضوح يا آنسة مرام …بس انا عايز اعرف رأيك المبدئي…معندكيش مشكلة انك تستني صح … مستعدة تستحمليني شوية …
ربعت ذراعيها وقالت:
-استاذ انس مفيش حاجة اسمها رأي مبدئي أنا بفكر وهقول رايي النهائي لادم …ده جواز يعني حياة كاملة هقضيها مع حضرتك لو ربنا أراد يعني وحصل نصيب ..
-يارب يحصل نصيب ..
رد مقاطعا كلماتها لتكمل هي :
-عشان كده مضطرة افكر كويس يا استاذ أنس واخد وقتي كمان ..لازم اشوف نفسي واقيمها أن كنت هتحمل واستني ولا لا …ده جواز مش لعبة …
-يعني مفيش اي مشاعر من ناحيتك ليا؟!.
سألها فجأة. .عرف أن سؤاله خطأ تماما خاصة بعد أن تكلم مع شقيقها …حا*ربت مرام الاحمرار الذي بدأ يزحف الي وجهها وكادت أن ترد بالنفي إلا أن رنين الهاتف أوقفها …أمسكت هاتفها وقالت:
-عن اذن حضرتك هرد ..
هز رأسه فردت هي ليشحب وجهها بقوة وهي تقول:
-ايه!!!!ادم يا مصيبتي !!!
…….
كانت تدندن وهي تسقي الورود التي بحديقة الفيلا …تشعر بسعادة غريبة عندما بدأت تقترب من حسناء وأسرتها …شعرت أن هذا الشئ الذي كان يجثم علي قلبها انزاح …وكأنها تحررت من ذ*نب كبير …تشعر أنها خفيفة …خفيفة للغاية …
انتهت من ري الزرع ثم بدأت بلمس الورود وهي تتنهد بسعادة وتتذكر زوجها كريم …هو من علمها كيف تزرع الورود …صحيح جمعتهم الصدفة لا الحب …فكريم هو من تزوجها بعد أن رفض علي …صحيح وقتها شعرت بالإه*انة وأنها تح*طمت كثيرا لأنها كانت حقا تحب علي …أما كريم كان دوما بالنسبة لها شخص بارد متباعد لم تحبه ابدا …عندما تزوجته بدلا من شقيقه ظنت ان حياتها انتهت تماما ولكنها كانت مخطئة تماما ….فحياتها بدأت مع كريم …لقد رأت وجه جديد منه …ليس كريم البارد بل كريم العاشق …الذي ذوبها بحبه …احبها كما لم يحب أحد من قبل …دللها وعاملها كالأميرة حتي محا علي تماما من قلبها …لقد أحبته مروة …أحبته كما لم تحب أحدا من قبل …كان كريم الرجل المثالي لها …لم تصدق ان ربنا قد عوضها به …ولكن السعادة لم تدم…كريم غادر الحياة مبكرا …تركها هي وطفلتها …لقد انك*سرت بعد مو*ته وظنت أن حياتها انتهت تماما ..كانت وحيدة بعد أن ما*ت والديها أيضا …لم تعرف أين تذهب …وكيف ستعيش بمفردها …كل تلك الأسئلة كانت تدور بعقلها …ولكن جابر هو من مد يده لها …هو من ساعدها لكي تتجاوز تلك المحنة بسهولة …جابر وعد كريم قبل مو*ته أنه سوف يهتم بمهرا…لن يشعرها ياليتم ابدا …لن يتخلي عنها أو يتركها تحتاج اي شئ …بل عاهد نفسه أن يحقق كل أحلامها…هو من امسك بيد مروة وابنتها وجعلهما يعيشان في بيته واهتم هو بمهرا …هو من علمها ورباها حتي كبرت …حقق جميع أحلامها …لم يض*ربها يوما أو يقسو عليها…بل كانت مهرا هي روحه وكأنها حفيدته الوحيدة …دللها بشكل مبالغ فيه …حتي عندما رفضت أن تعمل بعد تخرجها لم يعترض بل تركها علي راحتها …كان دوما ينصحها بلطف لم يفكر يوما في ايذاءها …حتي هي …جابر عامل مروة بشكل جيد للغاية … أعطاها حنان الاب …كان يدعمها دوما …
تنهد مروة وهي تفكر أن في الوقت الذي كانت تنعم هي به بدعم جابر عزام …كانت حسناء وأطفالها يعانون من الفقر والحاجة ….علي الرغم من أن جابر عزام لديه الكثير من الصفات الحميدة إلا أنه ظ*الم …لقد ظل*م حسناء وأطفالها بسبب نظرته الطبقية للآخرين ….صحيح عندما تو*في علي انهار كثيرا وبكي حتي اشفقت عليه …ولكن لم يفكر بمساعدة أحفاده ولا أن يهتم بهم ….تلك الفكرة جعلتها تتضايق منه ولكنها اختارت الا تتدخل …كانت تخاف أن يتخلي عن حفيدته مهرا …فصمتت وهي تفكر يوميا في حال حسناء والاولاد …حتي نستهم في خضم صر*اعات الحياة التي لا تنتهي …
انتبهت فجأة عندما رن هاتفها. ..أمسكت الهاتف لتجدها مهرا تتصل بها …ابتسمت مروة ووجهها الجميل يشرق وهي ترد عليها وهي تقول:
-عمرك اطول من عمري يا ميمي كان في بالي اكلمك …
ولكن صوت مهرا المخنوق بالدموع جعلها تبهت بينما أصبح قلبها يدق بعن*ف وقالت بخوف:
-فيه ايه يا مهرا مال صوتك …
بهت وجهها أكثر وهي تصرخ وتقول:
-ادم ..يالهووي …طيب وهما اخدوه القسم …خلاص متقلقيش يا حبيبتي …هكلم جدك ويجيب محامي …
ثم ركضت مروة الي غرفة جابر وقلبها يرتج بعن*ف …فتحت الباب بسرعة وشحبت كالام*وات وهي تري جابر واقع علي الأرض ولا يبدو أنه يتنفس!!!!
رواية عروس رغما عنها الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سوليية نصار
فيه إيه؟!
قالها أنس بتوتر وهو يرى مرام التي دموعها تنساب دون توقف.
كانت تبكي وهي واقفة غير قادرة على الحركة، وقلبه تألم لرؤيتها هكذا.
أراد التخفيف عنها ولكن هذا ليس من حقه.
ليس من حقه أن يقترب أكثر من هذا.
أعاد السؤال مرة أخرى وقال:
مرام قولي فيه إيه؟
آدم حصله إيه؟
لم ترد مرام بل كانت في عالم آخر، غير قادرة تماماً على الحركة أو الكلام.
آدم.. آدم شقيقها ورفيقها دخل السجن!
كيف يمكن لآدم أن يدخل السجن وماذا فعل ليتم سجنه؟
كانت مرام محتارة للغاية وهي تشعر أن الصدمة قد شلتها تماماً فلا تستطيع الحركة أو الكلام.
تسمع من حولها ضوضاء، تشعر وكأن كل شيء باهت وللمرة الأولى تريد الصراخ.
تريد الانهيار.
لم تهتم بشكلها، أذابت كل الجليد من حولها ولم تهتم.
توتر أنس أكثر واعتصر قلبه بعنف وهو ينظر إليها.
أراد أن يقترب ويضمها إليه، رغم معرفته أن تفكيره لا يجوز أبداً.
ولكن ضعفها بتلك الطريقة كان له صدى مؤلم في قلبه.
لقد أحبها بطريقة يتمنى أن يأخذ منها الألم ويعطيها السعادة.
السعادة فقط.
فعيني مرام لم تخلق للبكاء بل للضحك والسعادة.
هو يتألم في كل مرة تبكي بها.
هذا ما حدث له عندما بكت أول مرة أمامه، شعر بألم في قلبه، وكلما حزنت يشعر بهذا الألم، وكأن ألمها يتضاعف في قلبه.
مرام بجد قلقتيني، قولي فيه إيه؟
إيه اللي حصل لآدم؟
ردي عليا وفوقي شوية.
قال جملته الأخيرة بصوت مرتفع لترتعش هي وتنفجر بالبكاء أكثر، ثم اتجهت إلى المقعد وجلست عليه بانهيار.
كان يجب أن تذهب وترى آدم لكي تساعده، ولكن انهيارها لم يسمح لها.
وكأن كل حزنها تجمع الآن لتنهار براحة.
اقترب أنس وجلس بجوارها وقال:
مرام اتكلمي، إيه اللي حصل؟
اتكلمي قلقتيني.
نظرت إليه وهي ترتعش.
كانت تريد أن تسيطر على نفسها ولكنها كانت أضعف من هذا.
أخيراً هدأت من بكائها ونظرت إليه.
كانت تريد أن تتكلم ولكن الكلمات كانت تهرب منها.
أخيراً سيطرت على نفسها وتكلمت بصوت مرتعش:
آدم.. آدم اتسجن!
مراته اتصلت دلوقتي وقالت إنها في القسم وعايزة تشوفه بس محدش راضي.
اتصلت وهي منهارة.
أكيد الوضع سيء.
أنا هعمل إيه؟
أعمل إيه في المصيبة دي؟
معندناش حد يساعدنا إلا ربنا وآدم طيب مستحيل يكون عمل حاجة غلط.
ده أكيد تلفيق.
ممكن تهدي طيب؟
قالها أنس وهو يعطيها محرمة ورقية وأكمل لكي يهدئها:
أنا روحت فين؟
أنا معاكم بس قوليلي هو إيه اللي حصل وخلاه يدخل السجن؟
هزت رأسها وقالت وهي تبكي:
معرفش، صدقيني معرفش.
مهما قالت مقالتش أي حاجة غير كده.
كانت منهارة جداً وبتعيط ومقدرتش تشرح.
أنا لازم أروح، لازم أشوف أخويا ماله لازم.
قالتها وهي تنهض إلا أن أنس أوقفها وقال:
طيب اهدي شوية، لازم نكلم محامي الأول عشان نعرف هنعمل إيه صح.
ابتلعت ريقها وقالت:
أنا معرفش أي محامي، مش عارفة أعمل إيه، حاسة إن دماغي واقفة.
وأنا روحت فين، أنا هكلم محامي أعرفه.
صحيح هو شاب صغير بس ممتاز أوي.
هو لسه عمله مكتب محاماة من يومين هو اداني رقمه وممكن أستشيره.
نظرت مرام إليه وقالت:
شكراً ليك يا أستاذ أنس، جميلك ده عمري ما هنساه أبداً، مش عارفة أشكرك إزاي.
متشكرنيش، صحيح شوفت آدم مرة واحدة لكن قلبي ارتاح له.
هو شخص كويس جداً ومتأكد إنه معملش أي حاجة غلط، عشان كده هساعده.
كرري اللي قولتي تاني!!!
قالها سامر وهو ينظر إليها بصدمة.
هل فعلاً قالتها؟ هل سوف تتركه؟
كان مصدوماً للغاية.
تلك ليست كارما، كارما لن يكون عليها أن تتركه.
هي تحبه، بالتأكيد لم تتركه.
هكذا صوره له عقله ولكن التصميم الذي رآه في عينيها صدمه.
كانت عينيها مصرة، حادة وكأن حبه جف من عينيها.
وكأنه انتهى وهذا التفكير حطمه للغاية.
رفعت كارما وجهها وهي تمنع نفسها من البكاء مجدداً.
حبست دموعها في عينيها جيداً وهي تنظر إليه بجفاف.
عينيها تلمعان بشراسة للمرة الأولى وقالت:
زي ما سمعت، أنا بختار ابني يا سامر.
أنا مش عايزاك انت، خلاص كفاية مشوارنا انتهى مع بعض.
لعبة الجواز السخيفة دي انتهت، وأنا مش عايزة أكمل مع واحد زيك!
أمسك ذراعها وشدها إليه بعنف وقال:
يعني إيه؟ انطقي يا كارما.
أبعدته ببرود وقالت:
إيه مبتفهمش؟ أنا بختار ابني.
أنا مش هقتل ابني بسبب يا سامر.
لو عايز تطلقني اتفضل طلقني.
خلاص أنا تعبت من إني أحاول أرضيك.
عملت المستحيل عشانك، وفي الآخر ده جزاتي.
انت عايز تموت ابننا وبتعاملني كأني عشيقتك اللي حملت منك وعايز تسقطني.
انت فاكر نفسك إيه؟ انت مين عشان تعاملني بالطريقة دي يا سامر؟
هو أنا رخيصة عشان أتعامل بالطريقة دي.
أنا عملت إيه لده كله؟ ده أنا مراتك، شرفك.
مفروض متعملش كده معايا!
مفروض تحترمني وتقدرني مش تجرحني.
أنا تعبت يا سامر منك، خلاص.
طلقني وسيبني في حالي.
انتِ كمان بتقلبي الترابيزة عليا؟
انتِ اللي روحتي من ورايا وحملتي حتى مسألتنيش.
كانت تنظر إليه بصدمة وتقول:
انت سامع نفسك بتقول إيه يا سامر؟
سامع الجنان اللي بتقوله.
لا أنت أكيد مش طبيعي.
مش طبيعي وأنا خلاص تعبت.
أنا مراتك يا بني آدم من الطبيعي إني أبقى حامل.
لا مش طبيعي، مش طبيعي إني أكون آخر من يعلم إنك بتخططي نجيب طفل.
مخططتش والله ما خططت.
انت إيه اللي بتقوله ده؟
بتكلمني كأني واحدة كذابة وخدعتك.
مش شايف إنك بتقتلني بالطريقة دي.
لأنك كذابة وبتخدعي اللي قدامك فعلاً.
ولا نسيتي إنك اتجوزتيني بعد ما سيبت صاحبتك!
تراجعت للخلف وهي تشحب بقوة.
دموعها كانت تنساب على وجهها.
لقد قتلتها فعلياً اليوم.
ألقى في وجهها كيف يفكر بها.
شعرت كارما في ذلك الوقت أنها حقاً تحتضر.
تموت!
وديني عند ماما.
قالتها بصوت ميت وهي تمسح دموعها.
نظر إليها سامر وهو يشعر بتأنيب الضمير، لقد أدرك خطأه.
اقترب منه وحاول لمسها وقال:
كارما أنا...
ولكنها ابتعدت عنه وصرخت:
قولت وديني عند ماما وإلا والله هسيب البيت وأروح لوحدي.
وديني هناك أنا خلاص مبقتش طايقة العيشة معاك خالص وتعبت.
وديني عند ماما وطلقني وخليني أرتاح، لأني خلاص تعبت ومش قادرة أتحمل، مش قادرة!
طيب اهدي وخلينا نتكلم.
قالها وهو يحاول تهدئتها فصرخت:
مش عايزة أتنيل أهدي، مش عايزة...
وديني عند ماما يا سامر.
كفاية كده تضغطني أنا تعبت.
حاضر هوديكي عند والدتك!
قالها سامر بحزن ثم أكمل:
روحي حضري شنطتك.
هزت رأسها وهي تدخل للغرفة وتضب أغراضها.
لقد انتهى الأمر، هي لن تعود إليه مجدداً.
لن تحبه مجدداً.
ستنساه وكأنها لم تراه.
ستفعل المستحيل لإخراج هذا الحب اللعين من قلبها.
فكرت ودموعها تنساب على وجهها.
كانت لا تصدق أن وصل بها الحال إلى هذا الأمر.
لقد ظنت أنها سوف تكون سعيدة ولكن لا.
انتهى الأمر.
عمي عمي!
قالتها مروة وهي تصرخ بفزع بينما ترى جابر واقع على الأرض.
كانت دموعها تنساب بقوة وهي شاحبة كالموتى.
للحظات توقفت تماماً عن التفكير.
شعرت أنها متجمدة في مكانها لا تستطيع الحركة.
كان قلبها يرتجف داخل صدرها وهي لا تعرف ماذا تفعل وبمن تتصل.
اقتربت منه بخوف وجلست بجواره وهي ترى مؤشراته الحيوية.
تراه هل يتنفس أم لا.
تنفست براحة وهي تجده يتنفس.
أمسكت هاتفها ويديها ترتعش بقوة ثم اتصلت بالإسعاف.
أخيراً أنهت الاتصال وامسكت كف عمها وهي تبكي.
رغم كل شيء هذا الرجل عاملها كابنته.
هي لا تستطيع أن تعيش من غيره.
لو حدث له شيء هي سوف تتحطم.
سوف تنتهي حرفياً.
ستعود يتيمة مجدداً!
عمي أبوس إيديك متسبنيش وتمشي.
اتمسك بالحياة عشاننا، عشان مهرا وعشاني.
وعشان آدم ومرام وليلى وحتى حسناء.
لسه قدامك حاجات كتير يا عمي، حاجات كتير لازم تعملها.
مينفعش تموت دلوقتي، مينفعش.
كانت تبكي بانهيار وهي تكلمه.
تشعر أن قلبها سوف يخرج من صدرها.
بعد لحظات كانت قد أتت سيارة الإسعاف وقامت بنقله.
كانت مروة تمسك كفه بالسيارة وهي تبكي وتدعو الله أن يكون بخير.
في المستشفى.
كانت تدور حول نفسها وهي تشعر بالرعب.
وتدعو أن يكون بخير.
في عقلها مئات الأفكار السيئة.
فجأة خرج الطبيب من غرفة الطوارئ.
اقتربت منه برعب وقالت:
ها يا دكتور طمني ماله؟
أزمة قلبية!
قالها الطبيب فجأة لتتراجع للخلف ودموعها تنساب على وجهها.
سيطرت على نفسها مجدداً وقالت:
طيب... طيب هييقي كويس و...
هز الطبيب رأسه.
وقال:
للأسف هنضطر نخليه في العناية النهاردة عشان نطمن عليه.
إن شاء الله هيكون بخير متقلقيش.
تنهدت وهي تقول بصوت مختنق:
يارب.. يارب يا دكتور.. بس دي الأزمة التانية وأنا خايفة.
خلينا نتفائل بالخير!
يا ستي لو سمحتي امشي من هنا.
جوزك مستحيل يطلع دلوقتي، روحي جيبي محامي لأن وضعه صعب جداً.
ده اتهجم على واحد في بيته وكسر إيده.
قالها الضابط وهو يحاول أن يجعل مهرا تذهب بالأدب.
ولكن مهرا لم تكن تستمع إليه من الأساس وقالت:
أبوس إيديك، طيب خليني أشوفه بس.
أشوفه وأمشي.
هز الضابط رأسه وقال:
مينفعش يا مدام، لازم محامي وإذن عشان تشوفيه.
امشي دلوقتي وشوفي محامي شاطر عشان يطلع منها.
ده طبعاً لو طلع منها بعد ما اتهجم على واحد.
بكت مهرا ولم تتحدث.
لقد اتصلت بوالدتها مراراً ولم ترد.
مرام أيضاً لم تأتي حتى الآن.
ماذا تفعل؟ وإلى أين تذهب؟
حقاً لم تعرف.
تشعر أنها ضعيفة للغاية.
عاجزة عن فعل أي شيء لآدم.
إذن هل ستقف وتنظر إليه وهو يسجن؟
ماذا تفعل؟
انسابت دموعها وبدأت تبكي بقوة.
تأفف الضابط بضيق.
أراد أن يطردها للخارج.
ولكنه حقاً مشفق عليها.
هي تبكي منذ وقت طويل وتتوسله لكي ترى زوجها ولكن هذا لا يصح.
لا تستطيع أن ترى زوجها الآن.
زوجها الغبي ورط نفسه كثيراً مع ابن واحد من أهم رجال الأعمال في البلد.
لقد اتصل وائل السويسي مخصوصاً بمديره لكي يتأكد أن آدم سوف ينال عقابه.
كان حقاً غاضباً وهو يتوعد أنه سوف يدمر حياة ذلك الشاب.
هو يعرف قسوة وائل السويسي.
يعرف أنه رجلاً لا يرحم ولن يترك الاعتداء على ابنه يمر مرور الكرام.
هو سيفعل المستحيل كي ينال آدم عقابه الكامل.
هو منذ الآن يشفق على هذا المسكين.
مهرا!
قالتها مرام بصدمة وهي تقترب من مهرا.
اقتربت مهرا منها وعانقتها وهي تبكي بعنف وتقول بصوت متقطع:
آدم جوا ومش راضيين يخلوني أشوفه.
مرام أنا عايزة أشوف آدم اتصرفي أبوس إيديكي.
أنا مش عارفة أعمل إيه.
آدم... آدم...
امسكت مرام كفها وقالت:
طيب اهدي، اهدي يا مهرا.
كل حاجة هتكون...
تمام …قالتها مرام لكي تهدئها رغم ان مرام أيضا تشعر بالرعب وغير متطمنة ابدا …ولكن انه*يار مهرا جعلها تتماسك قليلا …فهي يجب أن تكون قوية من اجلها …من أجل ادم وليلي ووالدتها أيضا …والدتها المري*ضة التي بالتأكيد سوف تنها*ر عندما تعرف ماذا حدث لأدم….-دلوقتي استاذ انس هيجي ومعاه المحامي وهما هيتصرفوا …بس احنا لازم نروح لان علي الاغلب مش هيسمحولنا نشوفه النهاردة …-بس يا مرام …حاولت مهرا ان تعترض وهي تبكي ولكن مرام كانت مصرة…مهرا كانت تبدو منهارة للغاية ولو بقت هنا مدة أطول بالتأكيد سوف يحصل لها شئ…يجب أن تخرجها من هنا …امسكتها وقالت:-هنروح البيت وبعدين هتواصل مع استاذ انس علي التليفون وباذن الله تتحل …متخافيش …وتعالي قوليلي كمان ايه اللي حصل بالضبط …هزت مهرا رأسها وخرجت مع مرام …كانت تشعر ان ساقيها كعيدان المكرونة لا تقوي علي حملها …ما كانت تشعر به داخل قلبها كان فظيع …كانت تتح*طم وهي تعرف ما سيواجه ادم بالداخل …بالطبع سوف يعاني …فكرت أيضا في حسناء المر*يضة التي سوف تن*هار عندما تعرف ما حدث …بالطبع الجميع سوف يلقي عليها اللوم ..فبسببها ادم في تلك الحالة السي*ئة….هي من ادخلت مروان لحياتهم…هي من فعلت هذا ويجب عليها ان تحل تلك المش*كلة …هي سوف تذهب لمروان اليوم …سوف تترجاه لكي يتنازل عن المحضر وان يترك ادم وشأنه…حتي لو اضطرت حتي ان تتوسل اليه لن تتواني عن فعل هذا !!……….وقفت امام قصر السويسي وهي ترتعش بقوة…عينيها مشبعة بالدموع …لا تصدق انها سوف تتوسل هذا الشخص من أجل زوجها…ولكن ادم يستحق …هي اخترعت حجج واهية لتخرج من المنزل فبعد ان اخبرتهم مرام ما حدث انه*ارت ليلي تماما واخذت تبكي وهي تقول انها السبب بينما ولجت حسناء لغرفتها وهي منك*سرة …كان الخبر صادم للجميع…وهذا طبيعي فآدم هو عمود البيت …هو الرجل الذي يعتمدون عليه …هو الاب لهذا المنزل…هو الاساس ومن دونه اسرته سوف تضيع …وهي التي تسببت في هذا ويجب أن تصلح خطأها …هي قررت ان تتوسل لمروان حتي يخرجه …ستحاول ان تستعطفه لن تستسلم حتي يوافق …لانها تعرف ان المحاميين لن يفعلوا شئ وخاصة مع وائل السويسي …هذا الرجل قاسي للغاية …هو لا يظهر الرحمة لابنه فكيف سيرحم ادم …ارتعش قلبها وهي تفكر في أسوأ الاحتمالات …ماذا ان رفض مروان طلبها وطردها …ماذا ستفعل ؟!هي حقا لا تعرف !!!تنهدت وهي تخبر حارس القصر بهويتها كي يخبر مروان …وما هي الا لحظات حتي ولجت الي القصر الكبير …لقد دخلته من قبل عندما كانت مرتبطة لمروان وقد اندهشت وقتها وشعرت انها يحلم جميل …ولكن الآن …الآن تراه الشعر مكان بالعالم…مكان بارد لا يوجد به الدفء الذي يوجد ببيت ادم …البيت في نظرها الان كان يشعر جدا لان مروان يعيش هنا …والده يعيش هنا …والاثنان نفس الحقارة وثقل الدم …-ميمي وحشتيني ..قالها مروان وهو ينزل الدرج …وجهه تش*وه من كثر ما ضر*به ادم …كان مروان ينظر الي مهرا وعلي وجهه ابتسامة شر*يرة …لقد اتت هنا …اتت بقدميها كي تتوصل إليه ليخرج ادم …ولكنه سيضع شروطه …سيذ*لها حتي يوافق ان ينقذ ادم …ولكن جل ما يسعده ان ادم انكسر بعد الدخول للسجن ..لقد تدمرت حياته تماما !!!ابتسمت وهو يقترب من مهرا-استنيت كتير انك تيجيلي تحت رجلي يا مهرا والحمدلله انتظاري جاب نتيجة …قالها مروان وهو يبتسم بتشفي بينما يري مهرا تقف أمامه وجسدها يرتعش من الخوف ….ابتلت عيني مهرا بالدموع وهي تنظر إلي أكثر رجل تكرهه في العالم …الرجل الذي دمر حياتها والان عاد ليدمرها هي وزوجها …-خرج ادم من السجن يا مروان …حرام عليك ادم عيلته هتموت عليه …ابتسم مروان وقال:-والله يا ميمي كان لازم يفكر في عيلته قبل ما يكسر أيدي هو يستاهل اللي حصله وانا هعمل المستحيل عشان اضمن أنه هيقضي حياته كلها في السجن …أو ممكن مثلا أاجر واحد من السجن يضربه ضربة كده ولا كده تجيب أجله ونرتاح…شهقت مهرا بالبكاء وقالت بتوسل :-ابوس ايديك يا مروان طلعه حرام عليك …أنا بعتذرلك بالنيابة عنه واي تعويض تطلبه أنا هدفعه …بس …ضحك مروان وقال:-هو أنا محتاج فلوس يا ميمي …اقترب منها وعينيه تبرق بخبث :-بس أنتِ صعبتي عليا …أنا هخرجلك ادم بس بشرط…ابتلعت مهرا ريقها فاقترب أكثر وهو ينزل لمستواها وقال:-جيبيلي ليلي لحد عندي ليوم واحد بس وانا هخرجلك ادم…اتسعت عينيه بصدمة وهي تنظر إليه وقالت:-انا بجد مش مصدقة أنك بقيت ح*قير للدرجادي …حرام عليك مش مكفيك اللي عملته فيا …كمان عايز تأذ*ي ليلي …تثاءب مروان بملل وقال:-ها امتي ناوية تخلصي الدراما بتاعتك عشان نتفق …وده شرطي الوحيد ..تجيبي ليلي اتنازل عن المحضر مش هتجيبيها يبقي خلاص ودعي حبيب القلب لانه مش هيخرج من السجن تاني ونبقي انتِ اللي جنيتي عليها!!……..كانت تضع اشياءها في الحقيبة بسرعة …لن تصح لها تلك الفرصة مجددا …لقد قرر والدها الافراج عنها اليوم وهي من قامت بشغل البيت كله اليوم …وايضا اعدت طعام العشاء ووضعت به الحبوب المنومة التي كانت تاخذها عندما كانت تشعر بالارق…ووالدها وزوجته ناموا …تلك هي الفرصة المناسبة كي تذهب من هنا …يجب أن تنجو بحياتها فإنه عاملها والدها بلطف يوما فهو سوف يق*سو عليها عشر ايام …لان للأسف تلك المرأة مسيطرة عليه بشكل مستفز ..هي تحركه كانه لعبة …يكفي ان تبخ في اذنه س*مها كي يهتاج عليها ويضر*بها ويعا*قبها…وهي لن تتحمل هذا ابدا …لن تتحمل ان تعامل كأنها ممسحة ..سوف تنجو بحياتها!….بعد ان انتهت من ترتيب حقيبتها …اخرجت ملابسها من الخزانة ثم ارتدها بسرعة …للمرة الاولي لم.تهندم نفسها جيدا ولم تهتم من الاساس …كل ما تريده هو الهروب من هنا …الهروب من جح*يم والدها وزوجته …امسكت الحجاب الطويل وهي ترتديه فوق شعرها المقصوص ….انتهت أخيرا من ارتداء ملابسها وحملت حقيبتها وخرجت …كانت تسير في المنزل ببطء وهي تشعر بالر*عب ….تتخيل ان في أي وقت سيمسك بها والدها ويقت*لها …رغم انها متأكدة انه نائم ومستحيل ان يستيقظ قبل الصباح …الا انها لم تستطع ان تمنع رعبها منهم …أخيرا ارتاحت وهي تخرج من المنزل .شعرت تلك اللحظة انها تحررت من قيود النا*ر التي كانت تلتف حول رسغها …أخيرا تحررت من تلك الحياة الكر*يهة التي تعيشها مع والدها وتلك الحر*باء علياء …تلك المرة التي لا تنفك عن محاولة تد*مير حياتها …خرجت مسرعة من الحي التي تعيش به …وكلما كانت تسير بعيدا عن منزلها بخطوة كانت تشعر انها تتحرر منهم …ارادت القفز بسعادة…كانت سعيدة انها نجت بحياتها…دموعها كانت تنساب وهي تتذكر الذ*ل الذي تعرضت له …تتذكر كيف انها قبلت كف علياء وقدمها أيضا كي تسمح لها أن تأكل …لن تنسي ابدا هذا الذ*ل ولن تسامحهم ابدا علي هذا ..ستظل تكر*ههم طوال حياتها …وقفت في الشارع الرئيسي وهي تنتظر عربة مواصلات عامة …ليس لديها ملجا الا هو سوف تذهب اليه …تعتذر وتتوسل ان يرجعها إليه …سوف تتحمل أي شئ منه المهم أن يعيدها إليه …تريد أن تعيش حياة كريمة بعد ان ذاقت الذ*ل علي يد زوجة والدها …أخيرا اتت العربة وركبتها وهي تنتظر بحماس ان تصل ……….بعد نصف ساعة تقريبا …كانت تقف.امام منزل علي الكبير وهي تزدرد ريقها …لا تعرف كيف سيقابلها علي …هل سيسامحها علي ما فعلته ام لا …هل سيرحب بها في منزله او سيطردها..كل تلك الافكار كانت تدور في عقلها تنهدت وهي تخرج هاتفها المحمول ثم اتصلت به …انتظرت بصبر ام يرد عليها …لم يرد في المرة الأولي …لكنها حاولت مجددا لم تستلم ابدا …رد عليها في المرة الثانية وصوته ناعس يقول:-مين ..انسابت دموعها وهي تغمض عينيها وتقول:-انا يا علي ميار …أنا مستنياك برة البيت…..بعد مرور خمس دقائق ….كان علي يقف امامها ينظر إليها ببرود ويقول:-خير ايه اللي جابك هنا في الوقت ده …انتِ اتجننتي يا ميار …عايزة تعمليلي مشكلة !كانت نبرته قا*سية …ارتعشت هي وقالت:-لا لا …أنا جيت عشان عايزاك ترجعني ليك….ابوس ايديك يا علي رجعني…انت متعرفش مرات ابويا ذ*لتني ازاي الايام اللي فاتت …-مبقاش ينفع للأسف يا ميار …ارجعي لبيت اهلك يسهلك …امسكت كفها وهي تقول بينما تبكي :-ليه مينفعش …أنا جاية وطالبة السماح حرام عليك أنا …ولكنه قاطعها وهو يقول:-فات الاوان يا ميار …أنا اتجوزت !!…….في غرفتهما ….كانت مهرا تضم قميص ادم إليها …كانت تبكي بع*نف وهي تشتم قميصه وتقبله …هي السبب …هي من ادخلت مروان حياتهم…هي من جعلته يضع ليلي في عقله وهي لن تسامح نفسها ابدا علي هذا …تشعر ان الشعور بالذن*ب يمز*قها …لقد د*مرت ادم …هي من د*مرت حياته …ليتها لم تدخلها …ادم المسكين يعاني في الس*جن بسببها هي …هي السبب …كانت مهرا تلوم نفسها بقوة وهي تبكي …تشعر ان قلبها يعت*صر من الأ*لم …حبيبها يعا*ني …ورغم توسلها لمروان الا انه عرض عليها عرض د*نئ مثله …ذلك الحق*ير !!كيف ظنت انها تحب انسان مر*يض مثله …هو غير متزن نفسيا …يتفنن في تد*مير حياة من حوله…يظن نفسه انه افضل من الجميع وهو مجرد حش*رة يحتمي بأموال والده …وهي متأكدة ان مروان لن يترك ادم …سوف يست*غل كل ثروته لكي يد*مر حياة ادم …فكرت مهرا وهي تبكي …رباه لقد وقع ادم فريسة لذلك الح*قير …بالتأكيد سوف يد*مر حياته …كانت ليلي ومرام يقفان امام باب الغرفة …ينظران الي مهرا التي تبكي بعن*ف …مسحت ليلي دموعها وقالت بشفقة :-المسكينة منها*رة اووي علي ادم-كلنا منها*رين يا ليلي …ادم هو سندنا …هزت ليلي راسها وقالت :-امي من أول ما عرفت وهي قاعدة في اوضتها …أنا خايفة عليها اووي…بس هي كل اللي علي لسانها ان ادم هيطلع …أكيد هيطلع …-يسمع من بوقك ربنا …مديري في الشركة بارك الله فيه بيساعد علي قد ما يقدر…هو حتي جاب محامي …وبكرة هيسمحولنا نشوف ادم كمان …نظرت ليلي الي مرام وقالت:-صحيح ايه اللي يخلي مديرك يساعدنا بالإصرار ده …الراجل في نفس الوقت جاب محامي وبيحاول يساعدنا …ليه ده كله يا مرام …هو مديرك خير للدرجادي …حاربت مرام الاحمرار الذي بدأ يزحف لبشرتها وقالت بنبرة ثابته وان كان من داخلها ترتعش:-فيه ناس بتحب تعمل خير عادي يا ليلي …المهم اخوكي يطلع …ادعي انتِ بس كويس …-يارب يطلع …متعرفيش أنا حاسة بالذ*نب قد ايه يا مرام …ادم بسببي …امسكت مرام كفها وشدت عليها وقالت:-اياكي تلومي نفسك …ده مش ذنبك ابدا يا ليلي …الشخص اللي بيلاحقك ده هو اللي ح*قير …..تنهدت مرام بحزن وقالت:-تعالي تدخل للبنت اللي هتم*وت نفسها من العياط دي …هزت ليلي رأسها ودخلوا لمهرا التي ما زالت تصم قميص ادم وتبكي بع*نف ….شدتها مرام وضمتها بقوة وقالت بنبرة واثقة:-هيطلع متقلقيش …بس لازم تكوني قوية يا مهرا عشانه …ابتعدت مهرا وهي تمسح دموعها وتقول:-سامحوني أنا السبب …أنا السبب ..-وانتِ ليه السبب يعني عشان هو خطيبك القديم ؟!ده واحد حق*ير كويس ان ربنا انقذك منه …مفروض متحسيش بالذنب والله كنت اتمني ادم يقتله …تنهدت ليلي واكملت :-لولا ستر ربنا كانت ممكن حياتي تتد*مر للأبد …الحيوان ده كان عايز يغت*صبني !!!انف*جرت مهرا بالبكاء وهي تشعر ان قلبها يتم*زق من الألم.
امسكت مرام يديها وقالت بشفقة:
- يا بنتي هتموتي نفسك… اهدي وتفائلي…
- أنا اللي دخلته حياتكم… أنا السبب…
رفعت ليلي حاجبيها بدهشة لتنظر إليهم مهرا وتقول:
- عايزين تعرفوا ادم اتجوزني ليه؟! عايزين تعرفوا إيه اللي يجبر ادم يتجوز واحدة زيي متدلعة وتافهة… ادم محبنيش… ادم اتجوزني عشان يغطي عليا…
شحبت مرام بقوة هي وليلي.
بينما أكملت مهرا وهي تبكي:
- أنا كنت بحب مروان أوووي… بس هو عمره ما حبني… وبمساعدة صاحبتي… خدروني و… و…
ضمّتها مرام إليها فجأة وهي تبكي وتقول:
- خلاص متكمليش…
- خدعوني… كسروني… قتلوني…
وقتها وضعت ليلي كفها على فمها وهي تبكي.
ابتعدت مهرا وما زالت الدموع تغرق وجهها وتقول:
- كان نفسي أصحى في الوقت المناسب زي ليلي… كان نفسي أقدر أنقذ نفسي…
بكت الفتيات معًا ثم ضمّتها مرام وليلي أيضًا وهم يبكون سويًا.
في اليوم التالي…
- أحمد!!!
بهتت مهرا وهي تنظر إلى أحمد، ذلك الشاب الذي كان يطاردها بإصرار ورفضته مرارًا من أجل حياة. هل أحمد هو المحامي الذي سوف يساعد آدم؟! هل حقًا سيساعده أم سيرفض عندما يعرف أن آدم يكون زوجها؟! كل تلك الأسئلة كانت تدور في عقلها.
من جهة أخرى كان يقف أحمد وهو ينظر إلى مهرا باستغراب. دهشته كانت بسبب أنه يقف أمام مهرا. من ظن يومًا أنه يحبها أكثر من الحياة ولكن لا يشعر بأي شيء. حاول أن يتذكر أيام عندما كان هائمًا بها ولكن مشاعرها نحوه الآن كانت عادية جدًا وكأنها مجرد عميلة يجب أن يترافع عن زوجها وليس مهرا الذي أضاع الوقت والأموال من أجلها!!!. كيف الآن مشاعره أصبحت جافة؟! أين مشاعره الآن؟! أين قلبه؟! أخذ يتساءل داخله عن مشاعره. ورغم أنه يعرف الإجابة إلا أنه رفض الاعتراف بها. كان عاجزًا على أن يعترف أن أخرى سلبت قلبي وسيطرت على مشاعري. لن يعترف بهذا أبدًا.
تكلم أحمد أخيرًا بعملية وقال:
- قدرت أجيب إذن لمدام آدم إنها تشوفه.
أشرق وجه مهرا وهي تقول بلهفة:
- طيب إمتى هشوفه إمتى؟
- هنروح دلوقتي أوضة الضابط وتشوفيه.
ابتسمت مهرا وهي تشعر بالسعادة. أخيرًا سوف تراه. لقد كادت تموت البارحة من الشوق إليه.
بعد مرور الوقت…
وقفت مهرا في مكتب الضابط وقلبها يخفق بعنف وهي ترى آدم أمامها. كان يبدو عليه التعب وأنه لم ينم جيدًا. اقتربت منه ودموعها تتساقط. شدها آدم إليه ثم عانقها بقوة وهو يقول:
- شش… أنا كويس أوي… متبكيش…
لكنها استمرت في البكاء. أبعدها وعانق وجهها وقبلها بعمق على جبينها وقال:
- هتمر يا حبيبتي صدقيني هتمر…
هزت رأسها بإصرار وقالت:
- أنا متأكدة من كده… أنس جاب محامي وبيحاولوا وممكن أكلم مرو…
ولكنه قاطعها وقال:
- لا يا مهرا إياكي… إياكي تروحي للحقير ده… إنتِ كده بتكسريني… لو بتحبيني فعلًا ومش عايزة تكسريني متروحيش ليه!! إنتِ فاهمة…
هزت رأسها برعب وهي تنظر إليه. يا ترى ماذا سيفعل لو عرف أنها ذهبت إليه بالأمس!!
في شقة حياة…
كانت تجلس على الأرض دموعها تنساب بتتابع. قلبها يعتصر من الألم بينما تحاول الاتصال بأحمد ولكن لا فائدة. لقد اختفى من حياتها. اختفى ببساطة!!! شعرت أنها في كابوس مخيف. تمنت أن يكون هذا مجرد كابوس ستستيقظ منه لتجد أحمد بجوارها ينظر إليها بحب ويمسك كفها كي يتزوجان. تشعر أن أحمد سوف يعود ويطلب منها السماح ويعتذر. جميع الأفكار والاحتمالات كانت تدور بعقلها ولكنها عرفت أن الحقيقة الوحيدة أنه تخلى عنها. تخلى عنها بإرادته وذهب. ذهب وتركها منهارة.
أمسكت حياة صورته التي احتفظت بها وقالت:
- ليه… ليه يا أحمد عملت فيا كده… ليه كسرتني بالشكل ده… ده أنا محبتش حد قدك… كنت مستعدة أتغير عشانك… عملت المستحيل عشان أرضيك… مع جزاتي في الآخر… جزاتي إنك تتخلى عني وفي يوم فرحنا…
وضعتها كلها على قلبها وقالت:
- إنت مش حاسس بالنار اللي في قلبي يا أحمد. أنا بموت… بموت كل أما افتكر أنك اتخليت عني بسهولة كده… ليه يا أحمد ليه… ده أنا اديتك كل حاجة… كل حاجة…
مسحت دموعها وهي تكمل:
- يا ترى إيه السبب اللي خلاك تتخلي عني بالشكل المهين ده… أنا عملتلك إيه عشان تأذيني بالشكل ده…
ارتعشت فجأة والباب يفتح. احتلت الحيرة وجهها وهي تتساءل من معه مفتاح شقتها. ولكن من ظهر جعل قلبها يخفق بقوة. نهضت حياة وهي تنظر إلى أحمد بصدمة. الدموع تنساب من عينيها بغزارة. بينما أحمد كانت ملامح وجهه باردة. عينيه جافة وكان دموعها لم تؤثر به.
اقتربت حياة منه راكضة ثم ضمته وهي تبكي بعنف وتقول:
- كنت عارفة أنك مش هتسيبني يا أحمد… كنت عارفة أنك بتحبني… وقولتلهم إن أحمد بيحبني وهيرجع بس مفيش حد رضي يصدقني… بس إنت خلاص رجعتلي… وأنا هتصل بالمأذون دلوقتي ونتجوز… إنت عارف لسه محافظة على الفستان و…
- بطلي هبل أنا مش هتجوزك!!
انسابت دموعها أكثر وقالت بصوت مختنق:
- ليه… ليه مش عايز تتجوزني… أنا عملتلك إيه يا أحمد… ده أنا حبيتك أكتر من حياتي و…
قاطعها وهو يمسك ذراعيها ويقول:
- بس أنا محبتكيش ولا عمري ما هحبك!
- إنت كداب! إنت بتحبني.
- أنا مبحبكيش… مبحبكيش افهمي…
صرخ بها وهو يهزها لتبتل عينيها بالدموع وتقول:
- إنت بتكدب صح… إزاي بعد ده كله تقول إنك محبتنيش… إزاي… متخدعنيش… إنت بتحبني بس مش راضي تعترف… لسه الماضي بتاعي مأثر عليك… لسه حاسس بالقر*ف مني… بس أنا اتغيرت عشانك ومستعد أعمل اللي إنت عايزه بس متبعدنيش عن حياتك… هعيش معاك في أي مكان تحبه… مش هخرج كمان من البيت لو حابب… اللي إنت عايزه هعمله لكن متنفينيش من حياتي ابوس إيديك…
شعر بضميره يجلده وأبعدها عنه وهو يقول:
- بطلي غباء وسذاجة بقى… بطلي انعدام الكرامة اللي إنتِ فيه ده. أنا محبتكيش.
دفعته وصرخت بانهيار:
- إزاي مبتحبنيش… وكلامك ليا ده إيه… حبك ليا إيه… نظراتك دي إيه…
أغمض عينيه وهو يقول بخجل:
- أنا كنت بستغلك عشان آخد فلوسك!!! عرفتي إيه قربت منك… عرفت ليه أوهمتك بالحب… لأنك غبية أنا استغليتك… وكان ممكن استغلك أكتر من كده بس الحمدلله أنا فقت لنفسي…
أمسكته حياة من قميصه وهي تقول:
- ليه أنقذتني… ليه مسبتنيش أموت في المقبرة… دي خطتك عشان تعيشني في عذاب… تنقذني عشان مستاهلش إن أموت براحة ضح… لازم أتعذب يعني…
لم يرد عليها لتكمل وتقول:
- وإنت بقا ليه جاي دلوقتي… إيه السبب اللي خلاك تفتكرني تاني.
ابتلع ريقه ونظر إليها وقال:
- عايزك تطلعي من البيت بما إنه بقى بإسمي!!!
في منزل أنس…
كان جالسًا وائل السويسي وهو يضع ساقًا على ساق. ينظر إلى المنزل بتقييم سريع بينما يرتشف قهوته بطريقة أرستقراطية تليق به. مط شفتيه وقال:
- مش مصدق يا أنس بيه واحد ملياردير زيك وصاحب شركات في كل أنحاء البلد وهتبدأ تفتح فروع برا يكون عايش في بيت بسيط زي كده.
ابتسم أنس وقال:
- ده بيت أخويا… ذكرياتنا كلها هنا… والذكريات لا تقدر بثمن يا وائل بيه… غير إني إنسان بسيط.
ابتسم وائل وقال:
- ما هو باين عليك… ده غير إنك مش بتحب تتكلم عن إنجازاتك كتير.
- لأنها مش إنجازاتي… بعد موت والدي الشركات دي كانت بتخسر وأخويا اللي قدر يقومها كويس… أنا مجرد محافظ على مستوى الشركات وفتحت كام فرع مش أكتر.
- بس عملت إنجازات كتير جدًا لازم تفتخر بها… لدرجة أنا وائل السويسي ذات نفسه متحمس إني أعمل معاك صفقة… وصدقني الصفقة دي هتكسبنا إحنا الاتنين.
- بس متقدرش تنكر إن مكسبك إنت أكتر!
قالها أنس بذكاء وهو يبتسم. وائل يظن أنه غبي. هو يفهمه جيدًا. يعرف كم وائل السويسي رجل خبيث للغاية. هو يكره أن يتعامل معه. ولكن من أجل آدم سوف يفعلها. وهو يقصد أن فعليًا يفعل هذا من أجل آدم. صحيح أن مرام أيضًا لها دخل بمساعدته ولكنه حقًا يرغب في مساعدته. فبعد ما سمعه من آدم وكيف أن آدم هو المظلوم ومروان هو الحقير الذي حاول تدمير شقيقته. منذ المرة الأولى التي رأى بها آدم وهو أعجب به كثيرًا. كان رجلًا بحق. يبدو من ملامحه أن يحمل المسؤولية جيدًا. كما أنه مستمع جيد. لقد استمع لمشكلته بصبر بل بحث معه على حل أيضًا. وهو سوف يساعد آدم. سيفعل المستحيل كي يخرجه من السجن. فالسجن ليس لأمثاله من الشرفاء. إن كان أحد يجب أن يذهب إلى السجن فهو مروان. مروان الذي يتمتع بإذية الآخرين. لولا أنه لا يمتلك دليلًا على أن ليلي تم خطفها لكان حقًا سجن مروان وتأكد بنفسه أنه سوف يُعاقب. ولكن للأسف لا يمتلكون أي دليل يدينه. هو ذكي للغاية. لهذا… هو مضطر للأسف أن يتعامل مع هذا الشخص. رغم أنه لا يطيق أبدًا هذا المدعو وائل ولكن من أجل آدم سوف يتفاهم معه. سيعرض عليه صفقة العمر. سيغريه لكي يخرج آدم من تلك الورطة.
كان وائل صامتًا. يحاول أن يقنع أنس بالصفقة. تلك الصفقة ستكون مربحة له كثيرًا وهو يجب أن يقنع أنس أن يمضي العقد. ولكن أنس ليس بهذا الغباء. بالطبع سوف يطلب مبلغًا خرافيًا. مبلغًا لن يستطيع وائل توفيره.
رفع أنس رأسه وقال:
- المحركات اللي حضرتك عايز تشتريها مني جودتها عالية جدًا. وتمنها هيكون كبير. الرقم اللي حضرتك عرضته عليا مينفعش يا وائل بيه.
ابتلع وائل ريقه وهو ينظر لأنس. إنه يخسر. رجل أعمال مخضرم يخسر أمام شاب صغير. ولكن أنس لم يكن كأي شاب. هو ذكي جدًا. يعرف قيمة ما يعرضه ولا يخسر في أي صفقة أبدًا. دائمًا هو الرابح. وتلك المجاملات السخيفة التي يطلقها وائل عليه لن تفيده. هو لن يقع في فخ المجاملات أبدًا. هو رجل عملي بشكل مغيظ.
أعطاه وائل ابتسامة رسمية وهو يقول بعملية:
- طيب يا سيدي قولي إيه السعر اللي في بالك. يمكن نوصل لاتفاق.
ابتسم أنس بانتصار وقال:
- إيه رأيك في نص السعر اللي قلته إنت.
نظر إليه وائل بصدمة وقال:
- يعني إنت عايز فلوس أقل كمان! طب إزاي.
هز أنس رأسه بتأكيد وقال:
- بس طبعًا مع الفلوس فيه حاجة تاني محتاجها ودي اللي متوقف عليها صفقتنا!
- إيه هي؟
تساءل وائل ليرد أنس ويقول:
- خلي ابنك يتنازل عن المحضر بتاع آدم عزام!!!!
رواية عروس رغما عنها الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سوليية نصار
(الليلة الاولي)
"انت عايزني اتنازل عن المحضر واطلع الإنسان اللي كسر ايد ابني يا أنس؟"
"الولد اللي اتهجم علي ابني لازم ياخد جزاؤه ..لازم يعفن في السجن عشان بعدين يفكر ميت مرة قبل ما يمد ايديه علي ابني …عايزه يتعاقب لحد ما يقول حقي برقبتي."
كان أنس هادئ للغاية. لم ينطق بحرف. هو يعرف أن وائل يماطله. هو يعرف لمعة الطمع تلك التي في عينه. يعرفها جيدا. استطاع انس بسهولة قراءة وائل. وائل لا يهتم بإبنه قدر اهتمامه بالربح. هو كان يريد أن يخفف أنس السعر أكثر.
ابتسم أنس له وقال وهو ينهض:
"مفيش مشكلة يا وائل بيه ..ملناش نصيب في الصفقة دي … نورتني."
بهت وائل وهو ينظر إليه وقال بتلكأ:
"ببساطة كده يا أنس بيه؟"
ابتسم أنس وقال:
"اكيد يا وائل بيه. أنا بيزنس مان وعارف قيمة اللي بعرضه واظنك عارف طبعي. أنا مبعرضش العرض الا مرة واحدة بس … عشان عارف ان شركات كتير نفسها تعمل صفقات معايا."
نهض وائل وهو يشعر بالتوتر. ابتسم أنس وهو ينظر إليه. توتره أسعده. لقد كان متأكد أن رفضه ظاهري. لولا أن مروان إنسان حقير غير سوي لكان أشفق عليه لأنه لديه والد مثل هذا. والد يهتم بمصالحه فقط. كان وائل محاصر وكأن لعبته انقلبت عليه. هو لا يهتم بقضية ابنه تلك. هو يعرف مروان ويعرف أنه هو المخطئ. فإبنه فتي مدلل فاسد. ولكن كان يريد أن يخفض السعر أكثر. كان يريد أن تكون تلك الصفقة لصالحه. ولكن أنس كان أذكى منه بكثير. لقد عرف ما يدور بعقله وبكلمة واحدة أنهى النقاش. كيف ظن وائل أنه سيستطيع أن يتغلب على انس في العمل. الرجل داهية. ذكي بشكل مخيف.
"طيب ممكن نقعد ونتفاهم يا انس بيه."
"رغم إني مبحبش أضيع وقتي كتير بس مش مشكلة. اتفضل اقعد وقول اللي في بالك. الله أعلم يمكن يعجبني."
ابتسم وائل عندما جلس أنس. ينظر إليه ووجهه خالٍ من التعابير. عرف انس أن لو وائل عرف أن خروج آدم مهم جدا بالنسبة إليه سوف يستغل هذا. لذلك قرر أن يلاعبه بذكاء. هو لن يظهر نقطة ضعفه لوائل السويسي.
"ممكن أعرف ليه خروج آدم عزام مهم أوي كده بالنسبالك؟ يعني على حسب ما دورت وعرفت إنه مجرد أخو موظفة عندك. ولا مش آدم اللي مهم. ممكن تكون مرام صح؟"
لم تتغير تعابير انس وقال:
"الأسباب تخصني يا وائل بيه. خروج آدم ونص السعر اللي عرضته وأقول ديل على الصفقة. مش موافق مش مشكلة. ميت شركة تتمنى تتعامل معايا وبالسعر اللي أنا عايزه كمان. قدامك دقيقتين عشان تفكر."
نظر أنس إلى ساعته وقال:
"وقتك بيبدأ من دلوقتي!"
ابتلع وائل ريقه وقال:
"طيب ربع التمن وأتنازل على المحضر و…"
"لا." قالها انس بسرعة ثم أكمل:
"قدامك دقيقة ونص يا وائل بيه. يالا فكر بسرعة. العرض ده مش هيجيلك دايما. متفتكرش عشان آدم هرضخ ليك. آدم ممكن أطلعه بأكتر من طريقة من غير ما أخسر. ففكر انت. قدامك تلاتين ثانية يالا."
تنهد وائل وقال:
"موافق. موافق."
ابتسم أنس بانتصار وقال:
"أهو هو ده الكلام. بكرة تخلي مروان يتنازل عن المحضر وبعدين نمضي العقود."
"وأنا إيه ضمني أن بعد ما اتنازل عن المحضر تلغي اتفاقنا؟"
ابتسم أنس وقال:
"أنا بديك كلمتي يا وائل بيه. وانت عارف أنس الصاوي عمره ما يخلف بوعده أبدا حتى لو كان هيموت!"
نزلت من الأتوبيس. أخيراً وصلت الإسكندرية. صحيح أخذت وقت طويل كي تقرر إلى أين ستذهب بعد أن تخلى عنها علي. ووجدت أن ليس هناك أنسب من الإسكندرية لكي تعيش في منزل خالتها. خالتها تحبها ولا بد أنها لن تمانع أن تبقى ميار عندها قليلاً حتى تدبر لها سكن.
كان قلب ميار يرتجف داخل صدرها. ترى ماذا ستفكر بها خالتها الآن. لقد هربت من منزل أبيها دون رجعة. هل يمكن أن تعيدها مجدداً إلى منزل والدها؟ لا لا. هزت ميار رأسها بقوة. خالتها لا تطيق والدها ولا زوجته. بالطبع لن تكلمه وتسلمه بتلك السهولة.
فكرت ميار. كان تتمنى أن يكون هذا الكلام سليم. فلو أعادتها خالتها لوالدها سوف يقتلها بكل تأكيد.
سارت إلى مكان خالتها الذي تحفظه منذ الطفولة. شعرت بالحنين وهي تسير في تلك الطرقات. تذكرت والدتها التي كانت تمسك كفها وتذهب إليها في إجازة الصيف. كان ميار تقضي أجمل حياتها هناك معهم. تمنت ميار أن يعود الزمن. تمنت لو لم تكبر. تمنت لو كانت والدتها على قيد الحياة. لم تكن تعاني لتلك الدرجة.
أخيراً وصلت إلى البيت وقلبها يرتجف. لا تعرف كيف ستقدم لهم نفسها. لقد مر زمن طويل. زمن طويل جداً لم تأتي إلى هنا. منذ وفاة والدتها تقريباً. أي عندما كانت في بداية فترة المراهقة وهي الآن تجاوزت منتصف العشرون. تنهدت واقتربت من المنزل وهي ترن الجرس. ثم انتظرت بصبر ليفتح لها أحد.
فتحت امرأة كبيرة في السن لا تستطيع السير جيداً. غزا الشيب رأسها. كانت تنظر إلى ميار بصدمة. ابتسمت ميار ابتسامة بسيطة وقالت:
"خالتي نوال أنا…"
لم تدعها نوال تكمل حديثها لتجذبها إليها وتقول:
"بنت الغالية بنت الغالية. وحشتيني يا ميار. انتِ شبه أمك بالضبط."
في الليل. كان متسطحاً على فراشه. ينظر للسقف بينما يشعر بألم كبير في قلبه. هو يشتاق إليها كثيراً. حاول كثيراً أن يتواصل معها ولكنها كانت تغلق الخط بوجهه. ولم يكن يمتلك الجراءة على أن يذهب إلى هناك بنفسه إلى شقتها بعد أن تركت شقة والدتها في نفس اليوم. يعلم أنه كان قاسياً عليها. لقد حطمها مراراً. رأى الانكسار في عينيها ولم يتوقف. هو يكره نفسه لأجل هذا. تمنى حقاً أن يسعدها ولكنه لم يسبب لها إلا التعاسة. وهو لن يسامح نفسه أبداً بسبب هذا. كيف طلب منها هذا الطلب. كيف طلب أن تجهض ابنهما! ولكنه عندما عرف أنها حامل فقد عقله كلياً. شعر أنه محاصر. شعر أنها تريد أن تربطه بها. وقال لها كلام لا يفتخر به. وهو الآن يحاول إصلاح خطأه وهي لا تريد وهذا حقها. لن ينكر الأمر. من حقها أن تغضب منه. ولكنه حزين على الطريق المسدود الذي وصلوا إليه.
تنهد سامر وأمسك هاتفه وقرر أن يتصل بها.
كانت كارما تجلس أمام التلفاز. نظراتها ميتة بينما عقلها مع سامر. مهما حاولت أن تنساه لا تستطيع. سامر مسيطر على عقلها تماماً. وضعت كفها على بطنها وعينيها لامعة بالدموع. كلما تذكرت أنه طلب منها أن تجهض طفلهما تشعر بالقهر. لقد قهرها فعلياً. حطم قلبها ببرود. لم يهتم بمشاعرها. لقد عرفت كارما أنها لا تمثل أي شيئاً له. ووجب عليها أن تكرهه بعد كل ما فعله. لكن الغبية ما زالت تشتاق إليه بقوة. ما زالت تحبه. هي غبية. غبية للغاية لأنها ما زالت تعشقه. وجب أن تكرهه وأن تخرجه من حياتها. لماذا ما زالت تحبه. ما هذا الحب الذي يسيطر عليها. فكرت بيأس وهي تمسح دموعها التي انسابت على وجهها.
انتفضت فجأة عندما رن الهاتف. نظرت إلى الهاتف لتجد سامر يتصل بها. لم تكن تريد أن ترد ولكن قلبها الغبي الذي يشتاق إليه لم يهتم ورفعت الهاتف وهي تفتحه وتضعه على أذنها وقلبها يخفق بقوة. ظلت صامتة تنتظر أن يتكلم أو أن يقول شيئاً. ولكنها أيضاً ظلت صامتاً. ظل الوضع هكذا لبضعة لحظات. تنهدت كارما بغضب وقالت:
"لو مش ناوي تتكلم قول عشان متضيعش لا وقتي ولا وقتك."
"وحشتيني!" قالها هو بحرقة.
ابتسمت بسخرية وقالت:
"بطل كدب. أنا عمري ما هصدقك تاني."
اعتصر قلبه بقوة وقال:
"صدقيني يا كارما. وحشتيني أوووي. البيت من غيرك ملوش لازمة. ارجعي البيت خلينا نتفاهم لو سمحتي. أنا هنفذ اللي انتِ عايزاه."
هزت رأسها وقالت:
"مستحيل يا سامر مش هرجع. أبداً مستحيل أرجعلك بعد اللي عملته ولو سمحت ياريت تطلقني بهدوء. أنا مش عايزة أعملك أي مشاكل."
سيارة الطلاق جعلت قلبه يعتصر من الألم. هو يعرف أنه أذاها. ولكنها تريد تركه دون أن تعطيه أي فرصة. تنهد سامر وهو يشعر بألم في قلبه وقال:
"اديني فرصة. فرصة بس يا كارما. أنا عارف إني اتصرفت غلط. بس اتوترت من فكرة إني يكون ليا ابن. أنا بخاف جداً من المسؤولية فلما بلغتيني بالخبر اتوترت. واتصرفت بالشكل ده. كارما أنا حاولت أوصلك كتير حتى إني جيت بيت مامتك اللي قالت أنك روحتي شقتك. أنا قادر أجيلك بس مش عايز أضايقك ولا أزعلك. كارما ارجعي البيت أنا مش متطمن عليكي وانتِ عايشة لوحدك."
ابتسمت بسخرية وهي تمسح دموعها وتقول:
"على أساس أنك بتخاف عليا أوووي؟!"
كانت تسخر منه فهز رأسه بسرعة وقال:
"والله بخاف عليكي يا كارما. انتِ متعرفيش انتِ عندي إيه أنا."
"بس بس مش عايزة أسمع حاجة ولا هرجع كمان. خلاص انساني يا سامر وريح نفسك!!"
ثم أغلقت الهاتف بوجهه.
كانت تلف ذراعيها حول جسدها ودموعها تنساب على وجنتيها. تشتاق إليه بقوة. تلك الدقائق التي قضتها معه في غرفة الضابط لم تكفي شوقها له. ترى ماذا سيكون مصيره! فكرت برعب. لقد أخبرها أحمد بصراحة أن من الصعب خروج آدم ما لم يتنازل مروان عن المحضر. كما أخبرها أن وائل السويسي بنفسه تدخل في الموضوع. وضعت كفها على فمها. هي تشهق بقوة وتفكر أن هذا الرجل أحقر من ابنه. هو لا يرحم حتى ابنه فكيف سيرحم آدم. سيفعل المستحيل كي يدمر آدم. قلبها المعتصر من الألم وهي تفكر في حال آدم المسكين. لا بد أنه سيواجه الكثير. لم تفكر بأدم فقط بل بأخوته أيضاً. والدته. البيت من دون آدم وكأنه مظلم تماماً. لا أحد يأكل ولا يبتسم حتى. الجميع حزين ينتظره كي يخرج. وضعت كفيها على وجهها وانفجرت بالبكاء. قلبها يؤلمها بقوة. تتمنى أن تفعل أي شئ كي تساعده. فكرت في الذهاب لمروان مرة أخرى والتوسل إليه ولكن آدم حذرها من هذا. لقد أخبرها صراحة أن هذا يؤذيه. لا تعلم ماذا سيفعل إن أخبرته أنها ذهبت إليه. لا بد أنه سيغضب منها كثيراً. لذا لم تذهب لمروان مجدداً. هو شخص لا يمتلك قلب. لقد طلب منها أن تجلب ليلي إليه. وهي مستحيل أن تفعل هذا. لن تجعل أي فتاة تعاني مثلما هي عانت. لن تكون بتلك الحقارة أبداً. حتى لو ماتت.
كانت ليلي تقف أمام باب غرفتها تنظر إلى مهرا الجالسة في الصالة وتبكي بعنف. كان قلب ليلي يعتصر من الألم. لقد صدمت عندما عرفت بما حدث لمهرا. ذلك الحقير اغتصبها. دمر حياتها. جعلها تعايش كل تلك الأحداث السيئة. حقاً لم تقابل أي شخص بهذا السوء من قبل. كيف يمكن أن يكون إنسان بلا رحمة هكذا. لولا لطف الله بها لكانت الآن تعاني مثل مهرا. وضعت كفها على قلبها. هي تشعر ولو بجزء بسيط مما تعانيه مهرا. تعرف بماذا تشعر الآن. اقتربت ليلي من مهرا وهي تقرر أن تواسيها. لن تتركها فريسة لأفكارها. ستقدم لها الدعم الذي تحتاجه.
ضمت ليلي مهرا التي تبكي. انتفضت مهرا قليلاً وهي تجد ليلي قد جذبتها. صمتت برهة بينما ليلي تربت على ظهرها. انفجرت مهرا بالبكاء وكأنها كانت منتظرة تلك اللحظة.
"وحشني أوووي يا ليلي!" قالتها مهرا بصوت يائس.
لترد ليلي بصوت حزين:
"وحشنا كلنا يا مهرا والله. وحشنا كلنا. أنا مش متخيلة إن أبيه مش معانا دلوقتي. هو كان سند الكل هنا. أنا حاسة إني من غير ضهر. من غير حماية يا مهرا. آدم ساب فراغ كبير جوانا. يارب يرجع عشان أنا حاسة إن روحي بتتتسحب مني طالما هو مش موجود."
ارتجف قلب مهرا وقالت:
"أنا مش عارفة أعمل إيه عشان أساعده."
جلست ليلي بجوارها وهي تمسك كفها. نظرت مهرا إلى ليلي وقالت:
"أنا روحت لمروان امبارح واترجته عشان يتنازل عن المحضر. بس رفض."
"ممكن نروحله تاني و…"
هزت مهرا رأسها وقالت:
"لا مش هنروحله ده إنسان حقير يا ليلي. مش هنروح تاني. آدم قالي متروحيش ونبه عليا."
"يا مهرا ممكن يوافق. اسمعي مني." أصرت ليلي لتبكي مهرا وهي تهز رأسها وتقول:
"صدقيني هو واحد حقير. حقير فوق ما تتخيلي يا ليلي. مستحيل يرضي مستحيل. انتِ متعرفيش مروان. مروان ده شيطان."
نظرت إليها ليلي بحزن وقالت:
"عارفة يا مهرا. بس مفيش ضرر من المحاولة."
بكت مهرا وقالت:
"أنا حاولت واترجيته. عارفة شرط عليا إيه عشان يتنازل؟ إني أوديكي بيته لحد عنده. عرفتي أد إيه هو حقير!!"
في اليوم التالي.
"أخوكي هيطلقني بسببك يا ليلي." قالتها مهرا وهي تشعر بالرعب. بينما تجذبها ليلي خلفها وقالت:
"متقلقيش يا مهرا. صدقيني الشخص ده جبان. مش هيقدر يعملي حاجة طالما أنا فايقة. أنا بس هعرفه حجمه وإنه مجرد حشرة عشان يطلع أخويا."
ارتعبت مهرا من جنون ليلي وقالت:
"وانتِ فكراك لما تقوليلوا كده هيطلع أخوكي. ده كده هيعاند أكتر. ليلي اهدي وارجعي عن اللي في بالك. ابوس إيديك آدم نبه عليا مقربش من الشخص ده. لو عرف أننا روحنا هيقتلنا احنا الاتنين."
"وايه بس اللي هيعرفه يا مهرا. انتِ ليه جبانة كده. متخافيش. ثقي فيا. كل حاجة هتمر تمام وهتشوفي إن مروان مجرد جبان وهيتنازل كمان."
ارتعشت مهرا وعينيها لامعة بالدموع. قلبها يخفق بتوتر. ليلي عنيدة. لن تسمع كلامها وهي خائفة من رد فعل آدم لو عرف. بالطبع لن يسامحها. كيف حدث ووافقت على جنون ليلي. كيف. وما الذي جعلها تتكلم. كانت مهرا تلوم نفسها وهي مرتعبة بينما ليلي تسير نحو شقة مروان بإصرار. بدت شرسة للغاية.
وقفا فجأة أمام الشقة وقالت:
"هي دي شقة مروان الزفت صح؟"
هزت مهرا رأسها بخوف. ابتسمت ليلي بشر وقالت:
"تمام أوووي. ثم فتحت شنطتها وقالت: سكين وفلفل رش وصاعق كهربي. تمام كده كله تمام. وديني لأوريك يا مروان عشان أعلمك تسجن أخويا مرة تاني."
"انتِ ناوية تعملي إيه يا ليلي؟"
ابتسمت ليلي بشر وقالت:
"كل خير بإذن الله يا حبيبتي."
ثم اتجهت إلى الشقة. امسكت مهرا ذراعها وقالت:
"أنا هاجي معاكي يا ليلي. مش هسيبك لوحدك و…"
قاطعتها ليلي وهي تقول:
"لا يا مهرا. أنا هطلع لوحدي. لو حصل لا قدر الله واتأخرت ابقي اطلعي وشوفي اللي حصل ماشي."
هزت مهرا رأسها وقالت:
"ربنا يستر."
"هيستر بإذن الله." قالتها ليلي وهي تبتسم. ثم صعدت لشقة مروان.
فتح مروان الباب ليبت به وهو ينظر إلى ليلي الواقفة أمامه.
"ايه مش هتقولي اتفضلي يا مروان؟" تساءلت وهي ترفع حاجبيها.
"اكيد أكيد." قالها مروان بابتسامة وهو يفسح الطريق لها.
ولجت ليلي إلى البيت بثقة وقالت:
"شقتك مش بطالة يا اسمك إيه." كانت تتحدث بلامبالاة مغيظة. ليكون صريحاً مع نفسه هو لم يتوقع أبداً أنها سوف تأتي بمفردها إليه. تلك الفتاة شجاعة حقاً.
نظرت إليه ليلي فجأة وقالت:
"امتى ناوي تتنازل عن المحضر. ضرب أخويا ليك رد فعل على قذارتك."
"مستعد اتنازل طبعاً. بس انتِ عارفة طلبي صح."
ابتسمت ابتسامة غريبة وقالت:
"سمعت إن والدتك متوفية. كنت بتحبها انت صح وهي بتحبك كمان مش صحيح الكلام ده يا مروان؟"
تجمد وجهه لتبتسم هي وتكمل:
"بس أنا بجد زعلانة عليها. تقدر تقول شفقانة عليها أوووي إنها جابت واحد زيك وافتكرت إنه راجل!!"
"احترمي نفسك!" صرخ بها بشرّاسة وهو يقترب منها فقالت ببرود:
"براحة على نفسك. أنا قولت إيه غلط. بقول الحقيقة. أنا شفقانة على الست الوالدة اللي افتكرت إنها خلفت راجل وهو طلع لا مؤاخذة واحد بيتشطر على الناس بفلوس أبوه. بجد أمك دي مسكينة. كويس إنها ماتت قبل ما تشوف قد إيه ابنها بقى حقير وتنقهر و…"
قاطعه وهو يصرخ بعنف:
"اخرسي. اخرسي. قلتلك اخ*رسي."
ثم اقترب منها وهو يمسك فكها بعنف ويقول:
"انتِ فاكرة نفسك مين هااااا. انطقي فاكرة نفسك مين. انتِ إزاي تتكلمي عن أمي بالشكل ده. اطلعي برة. برة."
ثم سحبها من ذراعها وفتح الباب ثم دفعها للخارج وقال:
"وأخوكي طول ما أنا فيا نفس مش هيخرج من السجن!!"
وضعت ليلي كفها على وجهها وقالت:
"ياربي أنا عملت إيه!!!"
في المشفي.
ما زالت حالة جابر غير متزنة. لقد رفضت مروة تماماً أن تكلم مهرا كي لا تقلقها. يكفي ما يحدث معها الآن بسبب سجن آدم. ولكن القلق بدأ ينهش بقلب مروة. الرجل لا يستجيب للعلاج ومنذ قدومه إلى هنا وهو فاقد الوعي. كانت مروة لا تعرف ماذا تفعل بالضبط. كيف تتصرف.
خرج الطبيب من غرفة الكشف فاقتربت منه وهي تقول بلهفة:
"ها يا دكتور طمني."
نظر إليها بيأس وهز رأسه وقال:
"للأسف زي ما هو يا مدام مروة. ادعيله. هو رافض يستجيب لأي علاج. إحنا بنحاول معاه وربما يستر."
ثم ذهب من أمامها لتجلس على الأرض وهي منهارة من البكاء. كانت لا تعرف ماذا سيحدث الآن. عمها حالته سيئة وهي عاجزة عن فعل أي شيء له. قلبها اعتصر من الألم. كانت حزينة من أجله. رغم ما فعله إلا أنها تحبه جداً لأنه لم يؤذيها أبداً. لو لا قدر الله مات سوف تنهار حقاً.
نهضت وبكت مروة وهي تقف أمام غرفته. تنظر إليه من الخارج. هي حتى ممنوعة من زيارته. لا تستطيع لمسه أو الكلام معه. لا تستطيع أن تمسك كفه وتطلب منه أن يحاول أن يقاوم من أجلها ومن أجل مهرا. تنهدت مروة وهي تمسح دموعها وتفكر أن لا بد أن مهرا سوف تنهار إن عرفت. هل ستغضب منها مهرا لو عرفت أن والدتها أخفت عليها الأمر ولكن جل ما كانت تريده ألا تقلق مهرا أكثر من هذا. يكفيها المصيبة التي لديها. تساءلت مروة داخلها بفضول. ماذا حدث في قضية آدم. حسب معرفتها بذلك الحقير مروان فهو سوف يفعل المستحيل كي يجعل آدم يتعفن في السجن. ذلك الشاب المكروه. كم تكرهه. تكرهه وستظل تكرهه طوال حياتها.
"ايه الحاجة المستعجلة اللي طلبتني عشانها؟" قالها مروان وهو ينظر لوالده عندما دخل إلى القصر. نظر والده إليه ببرود وقال:
"جهز نفسك هنروح القسم يالا. هتتنازل عن المحضر!"
"نعم بتقول إيه؟!" صرخ مروان وهو ينظر إليه. كان لا يصدق ما يقوله والده. كان يريد أن يطلق سراح آدم. آدم الذي كسر ذراعه! كيف يتنازل والده عن حقه بتلك السهولة. كان ينظر إليه بصدمة.
"زي ما سمعت يا مروان. هتجيني معايا زي الشاطر عشان تتنازل عن المحضر من غير أي مشاكل. وتبعد عن آدم وعيلته نهائياً. انت فاهم ولا لا."
هز مروان رأسه وقال:
"انت عايزني أسامح الراجل اللي عمل فيا كده. ده كسر دراعي!"
"انت تستاهل كسر رقبتك مش دراعك بس يا مروان. لأنك إنسان فاسد وتستاهل. كل فترة لازم تعملي مصيبة وأنا زهقت منك. انت اللي خطفت اخته الأول. وأنا مش هساعدك في جرايمك. عشان كده بهدوء يالا تعالي معايا عشان تتنازل عن المحضر."
كاد مروان أن يفقد عقله حقاً! هذا ليس والده الذي أقسم له أن آدم سوف ينال عقابه. ليس ذلك الرجل الذي تعهد أنه لن يترك من كسر ذراع والده. كيف يتنازل عن حقه بتلك السهولة. كاد حقاً أن يجن!
"أنا مش قادر أصدق إنك غيرت رأيك بالسهولة دي يا بابا. إزاي. ده انت وعدتني إنك هتاخد حقي منه." قالها مروان بحرقة.
"وغيرت رأيي خلاص يا مروان. واللي بقوله هتعمله من غير أي نقاش انت فاهم ولا لا!" رد عليه ببرود ليرفع مروان رأسه ويقول:
"أنا من حقي أعرف السبب اللي خلاك تغير رأيك. مش معقول حبك للحق اللي هيخليك تتنازل يا بابا. احكي الحقيقة إيه اللي خلاك تغير رأيك؟"
ابتسم وائل وقال:
"اتعرضت عليا صفقة هايلة. مش هتتاح ليا الفرصة دي تاني والشرط إني أطلع آدم. عشان كده بهدوء هنتنازل عن المحضر يا مروان من غير مشاكل. وهتوعدني كمان إنك مش هتتعرض لا لآدم أو أي حد من عيلته. بالاخص مهرا."
لمعت عيني مروان بالدموع وضحك بقهر وقال:
"مش مصدق. بجد مش مصدق. هتتنازل عن حق النوم عشان صفقة!!!"
صرخ في كلمته الأخيرة بقهر ثم أكمل:
"الصفقة أهم مني!!!"
نظر إليه وائل بملل وقال:
"أهو ابتدت الدراما الهندية المملة بتاعتك. يا ترى ناوي تخلصها إمتى عشان ورايا شغل مش فاضي."
كان مروان ينظر إليه بقهر. بحرقة. يريد تحطيم العالم من حوله. كان الشياطين تتراقص من حوله. ضم كفيه وقال:
"انت إيه. قولي انت إيه. انت معندكش قلب. معندكش إحساس. مستعد تدوس على ابنك عشان مصلحتك. للدرجادي الفلوس عمت عينيك. بتجبر ابنك يتنازل عن حقه. لو أجبرتني أعمل كده أنا عمري. عمري ما هسامحك يا بابا. سامعني. عمري ما هسامحك."
"طيب محدش مهتم بكلامك الفارغ ده. تعالي واتنازل عن المحضر يالا."
كانت نبرته باردة كالثلج. كاد مروان أن يموت من الغيظ. بعد كل ما قاله هو مصر. مصر على كسر ابنه الوحيد. كان مروان لا يصدق أن هذا والده. كتم دموعه وقال:
"أنا عايز أسألك سؤال. انت عمرك حبيتك. عمرك فكرت إن ده ابني اللي أهم من صفقاتي وأهم من فلوسي."
"لا عمري ما حبيتك." قذف الكلمة في وجهه ثم أكمل:
"أنا أصلاً مكنتش عايزك لما والدتك حملت فيك. كنت حاسس إنك هتكون مصدر قرف لينا."
بهت مروان ودموعه انسابت وهو ينظر لوالده فأكمل وائل:
"أنا بصرف عليك عشان خاطر والدتك الله يرحمها. والدتك وبس ودلوقتي ممكن تمشي عشان تتنازل عن المحضر."
هكذا قالها وبكل بساطة دون أن يعرف أنه قتل ابنه الآن بسبب كلماته.
خرج آدم من المركز وهو يغمض عينيه ويتنفس رائحة الحرية. لقد قضى يومين فقط في السجن وكان يشعر بالاختناق. لقد قدر آدم قيمة الحرية. وعرف أن الحياة دون الحرية لا تساوي أي شيء.
نظر آدم إلى أنس الواقف وهو يبتسم له. اقترب آدم أكثر منه ثم عانقه. ابتسم أنس وهو يربت على ظهره. ابتعد آدم وقال:
"عملت ده ازاي. إزاي خليت مروان يتنازل عن المحضر."
كاد أنس أن يتكلم ولكن صوت مرام الخارجة من سيارة الأجرة أوقفهم. اقتربت مرام من آدم وعينيها لامعة بالدموع. امسكت كفه وقالت:
"مكنتش مصدقة لما أستاذ أنس اتصل بيا وقال إنك طلعت. حصلت إزاي دي و…"
قاطعها آدم بابتسامة وقال:
"بعد ربنا أنس اللي ساعدني وخلى مروان السويسي يتنازل عن المحضر."
نظرت مرام إلى أنس بامتنان. لم تكن الكلمات كفيلة بشكره. أشاحت بوجهها فجأة عندما وجدت أنها تطيل النظر به وقالت بخفوت:
"شكراً لحضرتك أوووي."
"العفو يا آنسة مرام. يالا خدي آدم وروحوا. وكمان ارتاحي النهاردة مش لازم تيجي الشغل. احتفلوا بخروج أخوكم."
ابتسمت له مرام فدق قلبه. هو يحب أن يراها سعيدة لتلك الدرجة. هو ليس حزيناً من الصفقة التي خسرها ما دام سيرى ابتسامتها. ما دام سيدخل السرور القلب تلك العائلة الطيبة. هو ينتظر رد مرام. هو سيكون سعيداً إن انتمى لعائلة كعائلة آدم.
"طيب ما تيجي عندنا على العشا كده. أنا عازمك."
ابتسم أنس وقال:
"دي دعوة مقدرش أرفضها. بس للأسف أنا وعدت بنتي إننا نطلع النهاردة ونقضي اليوم سوا بعد الشغل. فصدقني مقدرش. خليها وقت تاني."
"براحتك يا سيدي. بس اعرف إني مش هسيبك إلا لما أعزمك عزومة معتبرة كده. أنا عمري ما هنسى جميلك اللي عملته معايا يا أنس. بجد شكراً."
ربت أنس كتفه وقال:
"أنا معملتش حاجة. انت اللي ابن حلال وربنا بيوقفلك ولاد الحلال في سكتك. ربنا بيحبك أووي يا آدم."
ابتسم آدم وأمسك كف مرام وقال:
"بس خلي بالك انت ليك عزومة عندنا وهزعل لو مجيتش."
هز أنس رأسه وقال:
"عيوني هاجي. نتفق على يوم وأجيلكم بإذن الله."
صافحه آدم وقال:
"تمام يا أنس هستناك. سلام."
"سلام." قالها أنس ليذهب آدم هو ومرام.
بعد ساعة إلا ربع تقريباً. في بيت آدم عزام.
كانت ليلي تجوب البيت بتوتر وهي تمسك هاتفها لكي تتصل بأدم ولكن فجأة رن جرس المنزل. ركضت ليلي وفتحت الباب لتجد آدم أمامها ينظر إليها بحب. انسابت دموعها المحبوسة في عينيها ثم ضمته وقالت:
"أبيه. أبيه. انت جيت!!"
ابتسم آدم وهو يربت على كتفها. كانت ليلي تضمه بقوة وهي تبكي. تشعر أن قلبها يؤلمها.
"آدم." قالتها حسناء بإشتياق واقتربت من آدم وهي تضمه بقوة وتبكي. كانت تبكي بعنف. ابتسم آدم وهو يضمها أكثر ويقبل رأسها وكفها ويقول:
"أنا جيت يا ماما. جيت خلاص ومش هبعد أبدا. متقلقيش مش هبعد أبدا."
أبعدها عنه وهو يمسح دموعها برقة. كانت مهرا تقف وهي تبكي وتراه وسط عائلته. تشعر الآن أن سعادتها اكتملت. تشعر وكأن قلبها عاد يخفق من جديد. آدم كان هنا أمامها. أرادت أن تذهب إليه وتضمه إليها وتبكي بعنف. تعبر عن اشتياقها له. ولكنها كانت تخجل أن تظهر مشاعرها القوية له. ابتعد آدم عن حسناء ونظر إلى مهرا. ابتسمت حسناء وقالت:
"دي مراتك كانت هتموت عليك يا آدم يا بني."
ابتسم آدم واقترب من مهرا ليشدها ويعانقها بقوة. كان يشدها بقوة داخل أحضانه كأنه يريد أن تتشكل داخل جسده. كأنه يريد أن تدخل قلبه لتري أنها أصبحت مالكته. هي فقط. أصبحت مالكة قلبه.
في المساء.
كان قلبه يرتجف داخل صدره وهو يدخل إلى المقبرة. لقد ولج إليها والليل أسدل ستائره. كان المكان مهيباً للغاية ولكنه مناسب جداً لانهياره. هو سوف ينهار هنا براحة. سوف يبكي حتى يرتاح. اتجه بخطوات بطيئة إلى قبر والدته ووجده. رغم حبه الشديد لوالدته إلا أنه لم يأتي هنا أبداً. كان لا يريد أن يعترف أنها ماتت وتركته. رغم مرور سنوات على موتها إلا أن الألم في قلبه ما زال كما هو. ما زال يشعر وكأن أحداً يعتصر قلبه بقوة. يشعر أنه يلهث طلباً للهواء فلا يجده. هو لم يتقبل موتها جيداً حتى الآن. ما زال يراها. ما زالت معه. صورتها الجميلة منطبعة في عقله وروحه. انهار بجوار قبرها وهو يبكي بعنف. كان يموت من الحزن. كان وحيداً جداً. يفتقدها حقاً. تؤلمه حقيقة أنها لن تعد معه. ليتها تعود ليحتضنها فقط للحظة. ليتها.
دموعه تدفقت بعنف على وجهه. شعر أن روحه تنسحب منه وهو يتذكر كلام والده القاسي. والده الذي لا يتوانى أبداً عن جرحه. والده الذي يكرهه بطريقة غريبة. حقاً مروان لا يعرف سبب هذا الكره. لماذا لا يحبه والده. هل الكلام الذي قاله صحيح. أنه لم يرغب أبداً به. وأن لولا والدته كان ليقتله قبل أن يولد ويرتاح. سماع ذلك الكلام منه هشّم قلبه بعنف. لقد شعر مروان أن قلبه تناثر بقوة من حوله. لم يتمنى شئ في العالم مثل تمنيه أن يحبه والده. أراد بقوة أن يحصل على حبه. ولكن الآن. الآن فقد الأمل تماماً. لا يوجد أب يحب ابنه يقول له هذا الكلام القاسي. أغمض مروان عينيه والدموع تنساب من عينيه.
"ياريتك كنتي معايا دلوقتي يا ماما. أنا محتاجك أوووي. على الأقل عشان يكون فيه حد بيحبني. الكل بيكرهني يا ماما. وأولهم بابا. بابا بيكرهني بطريقة فظيعة. وهو اللي قال كده في وشي. قالي أنا عمري ما حبيتك. قال إنه حاول يحبني كتير بس فشل. قال إنه بيصرف عليا عشانك انتِ بس. أنا حاسة إني بجد مش ابنه. مفيش أب يعامل ابنه بالطريقة دي يا أمي. أنا قلبي مكسور. مكسور أوووي."
صمتت وهو يشهق بالبكاء وتذكر أيضاً كلام ليلي. ليلي التي ألقت في وجهه كل الكلمات التي كان يخاف منها. اليوم هو انكسر بكل معنى الكلمة.
"أنا محتاجك يا ماما. ياريت أموت وأجيلك. كده كده أبويا مش عايزني ومش بيحبني. مش هيحس بإختلاف لو بعدت عنه. بالعكس هيفرح إنه اتخلص مني. ياريت يكون عندي جراءة إني انتحر وأجيلك يا ماما. ياريت أقدر. بس للأسف أنا ضعيف. أنا بخاف أذي نفسي. بس هتلاقيني في يوم اتخليت عن خوفي ده وبنتحر. بنت*حر عشان بس أشوفك. عشان أتنعم بحبك يا ماما."
نهض مروان فجأة وكاد أن يذهب إلا أن صوت بكاء ناعم أوقفه. ارتعش قلبه من الخوف ولكنه تغلب فضوله على خوفه واقترب من صاحبة الصوت. وجد فتاة عند قبر ما تبكي بعنف. اتسعت عيني مروان بصدمة. كيف يمكن لفتاة أن تأتي لهذا المكان في الليل. اقترب مروان من الفتاة وقال:
"يا آنسة."
رفعت حياة وجهها وهي تسمع صوت مألوف. بهت مروان وهو ينظر إلى حياة التي تبكي بعنف. نظرت إليه حياة وبدأت تبكي مجدداً بصوت أعلى. اقترب مروان منها بفزع وقال:
"حياة إيه اللي جابك دلوقتي هنا. تعالي معايا يالا."
أبعدت ذراعها عنه وقالت:
"مروان أنا عايزة أموت وأروح لأهلي. محدش حبني زيهم."
اللمعت عيني مروان بالدموع وقال:
"وأنا كمان عايز أروح لأمي!"
"ممم ريحة الأكل تجنن." قالها آدم وهو يخرج من غرفته بعد عدة ساعات قضاها في النوم. كان حقاً متعباً من نومة السجن وأراد أن ينام في سريره الناعم. ولم يشعر بنفسه إلا وهو ينام ثم ينهض ويستيقظ عندما أسدل الليل ستائره.
ابتسمت حسناء وقالت:
"مرام عملتلك المكرونة بالبشاميل اللي بتحبها يا آدم."
اقترب آدم من مرام وقبل رأسها وقال:
"تسلم إيديك يا بسبوسة."
تدخلت ليلي وقالت:
"وانا وانا يا أبيه. أنا اللي عملت عصير المانجا اللي انت بتحبه."
ضحك آدم وقبلها على رأسها هي الأخرى وقال:
"تسلم إيديك يا بسبوسة."
نظرت ليلي إلى مهرا بخبث وقالت:
"تعرف كمان إن مهرا عملت السلطة. أنا علمتها تعمل السلطة وعملتها كويس اوووي."
احمر وجه مهرا ليضحك آدم ويقترب منها وهو يقبل وجنتها ويقول:
"تسلم إيديك يا بسبوستي."
"ياريت جوزي يقولي يا بسبوستي زيك كده يا أبيه." قالتها ليلي بهيام. شدها آدم إليه وهو يقلبها رغماً عنها على وجنتها ويقول:
"آه يا عفريتة انتِ." ضحكت ليلي فقال آدم:
"يالا يا جماعة عشان ناكل."
اقترب الجميع من طاولة الطعام. وجلسوا جميعاً. مهرا جلست بجوار آدم وكادت أن ترفع كفها اليمين كي تأكل إلا أن آدم أمسك كفها فجأة من تحت الطاولة وهو يضغط عليه. اضطربت دقات قلب مهرا وهي تنظر إلى آدم الذي بدأ يأكل وكأن كل شيئ طبيعي. ذابت من الخجل وهو يمسك كفها بقوة. مهمة حاولت أن تشد كفها إلا أنه لم يسمح لها.
لاحظت حسناء أن مهرا لا تأكل.
"مهرا يا بنتي ليه مبتاكليش؟" قالتها حسناء وهي تنظر إلى مهرا التي لم تلمس طعامها. احمرت مهرا من الخجل وقالت بإضطراب:
"مليش نفس يا طنط. أنا بس هقعد معاكم."
ابتسم آدم بخبث وهو يشد على كفها اليمين من تحت طاولة الطعام. حيث أنه كان يمسك كفها اليمين بيده اليسار بينما يأكل باليد الأخرى. كان قلب مهرا يخفق بتوتر وهي تحاول سحب كفها كي لا يشعر أحد أنه يمسكها من تحت الطاولة.
"لا." قالها وهو يشاكسها ثم غرس شوكته في المكرونة وقربها من فمها قائلاً:
"ممكن تأكلي دي من ايدي؟"
احمرت أكثر وهي تجد حسناء ومرام وليلي ينظرون إليها ولكنها أكلت بسرعة. رفعت ليلي حاجبيها وهي تشعر بالريبة. ثم لمعت عينيها بإدراك وهي تفهم. ابتسمت بخبث وأوقعت شوكتها كي تجلبها من تحت الطاولة وتمسكهم بالجرم المشهود. نزلت ليلي لتجلب شوكتها ولكن آدم كان أذكى منها. ترك كف مهرا بسرعة لتتنهد هي براحة وتبدأ في الأكل.
نظرت ليلي تحت الطاولة بيأس وهمست:
"أنا إزاي نسيت إنه أذكى مني!!!"
أنزلت مهرا كفها لحظة عفوية. ليستغل آدم الفرصة ويمسك كفها مجدداً. أوقعت فجأة معلقة مرام ونزلت كي تجلبها فجأة تجمدت مكانها واتسعت عينيها وهي ترى آدم يمسك كف مهرا اليمين. لهذا لا تأكل المسكينة. جلست مرام على المقعد ونظرت إلى آدم الذي انتبه لها. احمر وجه آدم وهو يدرك أنها رأته. ترك كف مهرا وأكمل أكله بهدوء.
بعد أن انتهوا من الطعام.
كانت مهرا جالسة في غرفتها. قلبها يرقص من السعادة. أخيراً عاد إليها. لقد شعرت أن الحياة تعود إليها مجدداً. ولج آدم إلى غرفته وهو يجفف شعره. ابتسم لتبتسم له مهرا. ترك المشنف وجلس بجوارها وقال:
"وحشتيني اوووي يا مهرا!"
ابتسمت بسعادة وخجل. مرر هو أصابعه على وجهها الناعم. لقد تعلم الكثير بعد ما حدث. تعلم ألا يتخلى عن سعادته. وسعادته في حبها هي. اقترب بشفتيه وهو يقلبها بتمهل. يتمتع في كل لحظة وهو يقترب منها. قربها جنة يريد الاستمتاع به قدر الإمكان. ابتعد عنها بينما هي تغمض عينيها. قال وقلبه يخفق بقوة:
"أنا بحبك. بحبك اوووي يا مهرا."
فتحت عينيها وقد لمعت عينيها بالدموع ليقترب هو مجدداً ويقبلها بعنف في تلك المرة ثم برفق أرادها إلى الفراش ليجعلها له قولاً وفعلاً!!!
رواية عروس رغما عنها الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سوليية نصار
يجلس في منزله… بالأصح منزلها الذي سرقها منها… يتأمل كل ركن وهو يشعر بالاختناق… يشعر وكأن شيئا بغيض يجثم على صدره… مشاعره مشوشة كليا… عندما رأى مهرا أدرك أنه لم يعد يحبها… أو بمعنى أصح لم يحبها أبدا… مهرا كانت بالنسبة إليه تحدي… تحدي أراد أن يفوز به… أراد أن يكسبها بأي طريقة… حاول كثيرا أن يلفت انتباهها له… كانت تضايقه الطريقة التي كانت تعامله به… كانت تعامله بترفع وكأنها أفضل منه… كأنه إنسان حقير لا يستحق أنها تحبه… لذلك لاحقها بإصرار… لاحقها حتى أصبح مهووسا بها وظن أنه يعشقها… حاول كثيرا أن يتودد إليها ولكنها كانت ترده بإصرار… جعله يفقد عقله ويصر على أن يطاردها… ولكن الآن… الآن يشعر بجفاف من ناحيتها وكأنه لم يكن مهووسا بها من قبل… وكأنها شخص عادي جدا بالنسبة له… المدهش أن إنسانة أخرى تماما احتلت تفكيره بقوة… لم يتوقع في أكثر أحلامه سخافة أن حياة ستشغل تفكيره بتلك الطريقة… دموعها لا تتركه… نظراتها المنكسرة ترفض أن تحل عنه… أنه يتذكر جيدا آخر لقاء بينهما عندما طردها من هذا البيت… يتذكر انكسارها وصراخها… ثم قسمها الأخير الذي جعل قلبه يرتجف.
فلاش باك…
- بتقول إيه?!
قالتها حياة وهي تنظر إليه… وجنتيها ملطخة بالدموع وعينيها حمراء بلون الدم… كانت تلهث بسبب ما يحدث معها… كانت لا تصدق… لا لا… هذا ليس أحمد… أحمد لا يفعل هذا…
اقتربت منه أكثر ودموعها تنساب وقالت:
- أحمد انت أكيد بتهزر… انت بتعمل إيه؟! انت عايز تطردني من البيت!!!… ليه بتكسرني بالطريقة دي…
مسحت دموعها وقالت:
- أكيد انت بتهزر معايا… عايز تخوفني صح… طيب أنا استسلمت يا أحمد… كفاية بقا هزار سخيف… أنا بدأت أخاف منك… أنهي اللعبة دي لأن… لأن…
تقطعت كلماتها وهي تضع كفها على قلبها وقالت:
- قلبي بيتكسر من معاملتك دي… أنا تعبانة ومش متحملة… قلبي أضعف من إني أتحمل هزارك… فعشان خاطري كفاية…
كانت ملامحه متجمدة وهو ينظر إليها رغم الأعاصير التي بداخله… كان قلبه يؤلمه بشكل غريب ولكنه تجاهل الألم وقال:
- أنا مش بهزر يا حياة… أنا قربت منك عشان فلوسك واخدت شقتك وأنتِ ملكيش مكان هنا… يالا دلوقتي امشي… امشي يا حياة مش عايز أشوف وشك تاني…
تقلص وجهها من الألم والحزن… وضعت كفها على قلبها. دموعها تتدفق من عينيها… كانت تنظر إليه بصدمة… لا تصدق أننا نحب شخص لدرجة الجنون وهذا الشخص يتجرأ ويقتلها… لقد قتلها أحمد… نعم قتلها ولن تقوي على الحياة مرة أخرى… كم تمنت أن يكون هذا مجرد حلم سخيف من خيالها ولكن للأسف كان الحقيقة كاملة… الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أنه لم يحبها أبدا… بل هي كانت وسيلة لتحقيق أحلامه… وقد حقق أحلامه والآن انتهى دورها يجب أن تذهب من حياته…
اقتربت حياة أكثر وعينيها تلمع بطريقة غريبة… شيء شبيه بالقسوة أو التحدي… أمسكته من قميصه وهي تهزه بينما دموعها تتساقط وتقول:
- ليه مخلتنيش أموت…
نظر إليها بحيرة لتصرخ بشراسة:
- ليه مخلتنيش أموت لما كنت عند قبر أهلي… ليه أنقذت حياتي وانت أصلا كنت ناوي تقتلني ببشاعة أكبر… ليه يا أحمد… ليه!!! كنت سيبتني أموت كنت على الأقل مش هحس بالألم ده مش هحس إني بموت ومش طايلة الموت…
لم يرد عليها وهو يشاهد انهيارها… كان صامت تماما ولكن قلبه كان يغلي… أراد ضمها والاعتذار منها ولكن أوقف نفسه بصعوبة…
ابتعدت وهي تمسح دموعها ولمعت عينيها أكثر وقالت:
- مبروك عليك الشقة… ومبروك عليك إنك قدرت تخدعني بسهولة… انت كسبت الشقة والفلوس بس خسرتني… خسرت حبي للأبد… أنا هطلع من هنا واوعدك مش هوريك وشي تاني!!!
باك…
عاد من شروده وهو يلقي كوب العصير الذي يشربه ليتهشم الزجاج كتهشم روحه!……
- ادخلي يا حياة.
قالها مروان وهو يشير للداخل… ولجت حياة إلى شقة مروان وهي تمسح دموعها… تفحص مروان حياة جيدا وهو يفكر أنها تغيرت… تغيرت كي تنال حب أحمد ولكن يبدو أن أحمد قد خدعها وكسر قلبها… رغم كل شيء… شعر بالسوء من أجلها… شعر أن بطريقة ما حياة تشبهه كثيرا… هي تبحث بلهفة عن الحب مثله… تبحث بشراسة حتى تحطم قلبها… تحطم قلبها مثله…
اتجهت حياة إلى الأريكة الناعمة التي تحتل صالة المنزل ثم جلست عليها وهي تضم ساقيها إلى جسمها وترتجف بينما دموعها لا تتوقف عن الانسياب… منذ أن طردها أحمد وهي تجوب الطرقات دون هدف… قضت ليلتها في فندق ثم باليوم التالي ذهبت إلى المقبرة وقضت اليوم كله هناك… كانت بحاجة إلى والديها… كانت تريد أن تبث لهم حزنها وشعورها بالخيانة على يد من عشقت أكثر من أي أحد…
أخذت دموعها تتدفق بقوة وهي تشعر بقلبها يتمزق من الألم بينما شهقاتها تعلو بعنف… لقد تهدمت على يده… كيف يفعل بها هذا… كيف يكون بتلك القسوة لقد أحبته أكثر من أي شيء وهو كسرها… اتخذها وسيلة لتحقيق أحلامه دون أن يهتم بقلبها الذي تحطم على يده… كيف يكون بتلك البشاعة كيف… ماذا فعلت له ليفعل هذا… ولكن داخلها أدركت أنه ذنب مهرا… مهرا التي خدعتها بعد أن أعطتها ثقتها…
شهقت حياة وهي تضع كفها على فمها وتبكي بعنف… نظر إليها مروان بحزن… كانت حالتها تصعب على الكافر… رغم أنه أبدا لم يحب حياة… كان يحتقرها كأي رجل في حياتها يظنها سهلة المنال… ولكنه عرف أن حياة تشبهه إلى حد كبير… هي تعاني مثله من الوحدة والنبذ من الجميع…
احتشدت الدموع في عينيه وهو ينظر إليها… كان يراها تبكي… تبكي المعاناة التي يعيشها… هي فقدت والديها الذين أحبوها وهو فقد والدته… فقدها وحتى الآن لم يستوعب الأمر… جلس بجوارها بتعب وهي تبكي وقال:
- يمكن أنا أكتر واحد مقدر موقفك يا حياة… مقدر حزنك وعدم قدرتك على تجاوز موت أهلك… أنا للأسف مش قادر أتجاوز وفاة أمي… قلبي بيتحرق وأنا بفتكر إنها مبقتش موجودة… هي من أول ما متت ملقيتش حد يحبني ولا يهتم بيا… أبويا بيكرهني ولا كأني عدوه…
ضحك ودموعه تتدفق من عينيه وقال:
- تخيلي إنه قالي إنه عمري ما حبني… يعني أنا كنت عارف المعلومة دي… بس لما قالها بلسانه… وبنظراته وبالغل في كلماته… حسيت إن قلبي زي القزاز اللي انكسر خالص ومفيش أمل يتصلح… كان نفسي حتى يكدب عليا ويقول إنه بيحبني كنت هفرح والله… كان نفسي يحسسني ولو بالكدب إني ابنه… بس للأسف يظهر أن وائل بيه فاشل جدا في الكدب…
نظرت إليه حياة وهو يمسح دموعه… يسيطر على نفسه كي لا ينهار مثلها… ربتت على كتفه وهي تبكي… تبكي حالهما… تبكي عدم حصولهما على الحب… ارتجفت شفتيها وقالت:
- كنت فاكرة إني خلاص… ليا حق أحب وأتحب… ليا حق إني أبقى مبسوطة… افتكرت إن أحمد بيحبني وعملت المستحيل عشانه… لكن أحمد.
…أحمد كسرني يا مروان …اتخلي عني يوم فرحنا …بعتلي رسالة وقالي ببرود أنه مش جاي …وقتها أنا حسيت إني نفسي أموت بس مش طايقة الموت …وقتها اتمنيت أن بابا وماما يكونوا عايشين عشان أبكي في حضنهم …لكن لا، أنا في اليوم ده فضلت طول اليوم أبكي لوحدي …صحيح عمو جلال حاول يساعدني بس مقدرش …أنا مكنتش عايزة إلا أهلي في الوقت ده.
انفجرت حياة بالبكاء ليبكي مروان مثلها وسيطر صوت بكائهما على المنزل …كل منهم يبكي مرارة الفقد !!…………
- بنتك هربت …هربت وفضحتنا كل ده بسببك معرفتش تربي!
قالتها علياء وهي تدعي الانفعال …لكن من داخلها كانت سعيدة أنها تخلصت من تلك الفتاة المستفزة …كانت سعيدة وهي ترى عثمان ناكس الرأس منهار بسبب ابنته قليلة الحياء …ابنته التي فضحته وهربت …لقد ضغطت عليها علياء …تعترف إنها عاملتها بسبوء لكي تقدم على أي تصرف متهور فيعذبها والدها …حسنا هي لم تتوقع أن تصرف ميار سيكون بتلك الجرأة …أن تخدر عائلتها وتهرب …سيكون أفضل لو سلطت عثمان أكثر عليها حتى يتحكم به غضبه ويقتلها …فهي أبدا لا تريد لتلك الفتاة أن تأتي هنا …تتمنى موتها أو زواجها حتى طالما ستبتعد عنها ولن تعترض طريقها للحصول على المنزل الذي تعيش به مع عثمان !!…
كان عثمان جالس وهو يغلي …يفكر إنه يريد إنه يجد ميار بأي طريقة ويقسم إنه عندما يجدها سوف يقتلها …لن يرحمها أبدا …سوف يتخلص من تلك الفتاة التي ألحقت به العار…ولكن أين ذهبت …أين قد تكون …هو حقا سوف يجن …ذهب إلى كل الأماكن التي يمكن أن تقصدها فلم يجدها …حتى إنه ذهب لعلي ولكن علي لم يخبره أي شيء …كل ما يقوله إنه لم يراها أبدا …كما أن علي تزوج بالفعل من فتاة اختارتها والدته وأخبره بوضوح إنه لا يريد إنه يرتبط اسمه باسم ميار فهو يريد إنه يحافظ على منزله …إذ إنه بدا مرتاح معها …اغتاظت علياء وقالت:
- هو ده اللي فالح فيه يا عثمان …بنتك هربت وأنا قاعد ساكت وهادي …كأنها مش جابت لك الفضيحة والعار…
- أخرصي …أخرصي يا علياء …
قالها عثمان وهو يطحن أسنانه بعنف …كان كفه يؤلمه ..يريد إنه يفرغ غضبه …نهضت علياء وهي تضع كفيها في خصرها وقالت:
- نعم يا أخويا …أنت بتتشطر عليا بدل ما تتشطر على بنتك الفلتانة ..
نظر عثمان إليها وعينيه حمراء من الغضب وقال:
- قولتلك اسكتي يا علياء والا وديني ..وديني أنتِ اللي هتاخدي علقة مني لحد ما تقولي حقي برقبتي …أنا مش عايز أتغابي عليكي …فاحسنك اتعدلي بدل ما أعدلك ..
- لا مش هتعدل …مش هتعدل يا عثمان وريني هتعمل إيه …يعني أنت مش قادر على بنتك جاي تتشطر وتعمل راجل عليا …
نهض عثمان ببطء ثم شد علياء من شعرها وهو يصرخ بها:
- أنا هوريكي إني راجل يا علياء …
ثم أوقعها على الأرض وبدأ يضربها بعنف …كانت علياء تصرخ بشدة ولكنه لم يرحمها بل كان يشدها على الأرض من شعرها بعنف …أمسكت كفه وقبّلته وهي تقول:
- أبوس إيديك يا عثمان كفاية …كفاية أنا هموت في إيديك …
أوقفها وهو يجذبها من شعرها …شعرت بخصلاتها تتمزق …عينيه كانت حمراء وهو ينظر إليها ويقول:
- بعد كده تحطي لسانك في بوقك وإياكي تتكلمي … أنتِ فاهمة ولا لا …
هزت رأسها وقالت:
- حاضر والله ما هتكلم …والله ما هتكلم …
دفعها بعنف وقال:
- غوري جيبي حاجة أكلها …
ذهبت مسرعة إلى المطبخ وهي تبكي ..صحيح عثمان يحبها ولا يضربها ولكن عندما يفقد أعصابه لا يهمه أي أحد ..ما كان يجب عليها إنها تستفزه !!!………..
في منزل الخالة نوال….
وضعت ميار الصينية على الطاولة الصغيرة وقالت بابتسامة:
- يالا يا خالتو عملتلك العشا…
نهضت الخالة نوال وهي تشعر بالتعب ثم اقتربت من الطاولة وجلست عليها وهي مبتسمة وبدأت تأكل هي وميار …كانت ميار سعيدة جدا بصحبتها…كانت تشعر إنها مع والدتها …أمسكت فجأة نوال كفها وقالت:
- أنا فرحانة أوي بيكي يا ميار …بعد ما أولادي اتجوزوا محدش سأل عليا …
لمعت عينيها بالدموع واختنق صوتها ..واكملت:
- أنتِ جيتي ليا زي ملاك من السما…
ابتسمت ميار وضمتها وقالت:
- وهبقى معاكي دايما..
………..
في غرفة آدم ومهرا ….
كانت تضم الغطاء إلى جسدها ودموعها تنساب بينما آدم يجوب الغرفة وهو لا يصدق ما حدث …كيف يحدث هذا …كيف تكون عذراء وقد تعرضت للإغتصاب …شعر آدم إن عقله متوقف تماما عن العمل …نظر إلى مهرا وقال:
- ازاي ده حصل ؟! ازاي …
لم ترد عليه مهرا بل ظلت تنظر إلى الأسفل وهي تتمسك بالغطاء جيدا …تشعر وكأن كل السعادة التي كانت تشعر بها تبخرت الآن …تبخرت عندما ابتعد عنها وجعلها تشعر بالفراغ …
- مهرا انطقي ازاي ده حصل ؟!
قالها بانفعال دون أن يقصد إلا أنها شهقت وانفجرت بالبكاء وهي تقول بتلعثم:
- م..معرفش والله معرفش ..أنا …أنا ..
كانت كلماتها غير مترابطة …تتنفس بعنف ودموعها تتدفق بقوة …شعر بالشفقة عليها واتجه إليها وهو يشدها ويضمها إليه ..ليرتفع صوت بكاءها وهي تستلم لعناقه …فاحتواءه هو كل ما أرادته الآن …هي ضعيفة وتعاني …تخاف …وسكينتها هي ذراعيه … علاجها هو حبه ….تمسكت به كالغريق الذي يتمسك بالقشة وهي تبكي …تبكي كل شيء …وهو تركها تفرغ ما في داخلها….ويبدو إنه فهم الأمر لقد خدعها مروان أوهمها إنه اعتدى عليها ولكنه لم يبدو إنه لمسها …كان يجب إنه يسيطر على نفسه والا يسألها بتلك الطريقة التي تجرحها…ولكن الصدمة كانت كبيرة عليه …هو للحظات توقفت دماغه تماما عن العمل…ابتعد مهرا عنه وهي تبكي وقالت:
- صدقني يا آدم معرفش إيه اللي حصل وقتها..أنا كنت متخدرة ..لما صحيت لقيت نفسي من غير…من غير …
كلماتها تقطعت وانفجرت بالبكاء مرة أخرى ..ربت آدم على ظهرها وهو يقول بهدوء:
- خلاص اهدي ..اهدي معنى كده إنه مقدرش يعملك حاجة … المرض النفسي ده بس أوهمك عشان يكسرك …
أبعدها قليلا وهو يعانق وجهها ثم بدأ يمسح دموعها وابتسم وقال:
- أنا آسف ….أنا بحبك مهما حصل يا مهرا …بس كون إنه مش لمسك دي حاجة فرحتني أوي …متعرفيش قد إيه فرحت ..
ابتسمت له ليقترب هو منها مرة أخرى …يضمها إليه وينسيها العالم …يسكن ولو مؤقتا ذلك الألم الذي يقبع في قلبها !…………..
كانت تجلس على فراشها …ترجع ظهرها للخلف ..شعرها الأسود الطويل ينسدل على وجهها … كان عقلها مشغول به ….منذ الصباح وهي تفكر به …حاولت إخراجه من عقلها عدة مرات ولكنها فشلت تماما في هذا ….أنس استطاع إنه يسيطر على عقلها …استطاع كسبها لصفه…رغم هذا هي لا تريد إنها تركض خلف قلبها …يجب إنها تتبع عقلها …وترى هل أنس مناسب لها أو لا ..يجب إنها تقرر …تفكر على مهل ولكن داخلها كانت تريد إنها توافق بشدة …تريد إنها تكون معه….ولكنها خائفة…خائفة لو تزوجته ستحبه أكثر وحينها قد يتحطم قلبها إن قرر يوما تركها ….لا يعرف لماذا تفكر بالأحداث الحزينة فقط ….لا تعرف لماذا هي فاقدة الثقة بكل شيء لتلك الدرجة ولكن حياتها أبدا لم تكن سهلة ..طفولتها كانت صعبة …حتى من تزوجته تخلى عنها …كل ذلك يجعلها تخاف ولكن آدم مر بالأسوأ… يكفي إنه تخلى عن أحلامه ولكن رغم هذا أحب مجددا …العمى يستطيع يرى إنه يحب مهرا …رغم الصعوبات التي تواجهه للبقاء مع مهرا إلا إنه يحبها ولا يهتم أبدا بالأمر …أرادت حقا إنها تكون شجاعة كآدم ولكنها للأسف فشلت …لا أحد مثل آدم …لا أحد يمتلك قوته وإيمانه …تنهدت وهي تغمض عينيها بينما قلبها يرتجف وهي تتذكر أنس …أنس الذي يحتل قلبها يوما بعد يوم …أنس الذي يلاحقها بإصرار…يريد إنه يظهر حبها له …هي تعرف إن أنس لن يستسلم حتى تظهر حبها له كامل …ابتسمت وهي تتذكر ما فعله لأجل أخيها …أنس ببساطة استطاع كل مشكلة أخاها…ضحى بصفقة كادت تربحه الملايين من أجل آدم …حقا ما فعله جعله يكبر في نظرها..تسطحت على فراشها وقد اتخذت قرارها دون رجعة ستتمسك بسعادتها !!………..
في اليوم التالي …سحبت شعرها الطويل بين يديها ثم أمسكت دبوس الشعر وهي تلف شعرها لكي تبدأ في تحضير الإفطار…بعد الإفطار قررت إنها تتكلم مع آدم وتخبره بقرارها …نعم هي ستوافق على أنس …توافق على منحه فرصة …ليس ليكون زوجها فحسب بل ليكون كل حياتها …ليدخل قلبها وتحبه براحة دون أي خوف …عرفت إن هذا سيكون صعبا في البداية …من الصعب جدا إنها تبين مشاعرها بسرعة وكم تتمنى إن يتفهم أنس ذلك …تمنت إن يتفهم طبيعتها جيدا والا يتأفف منها أو يستسلم …ولكن لا تعرف لماذا هي واثقة إن أنس مختلف تماما عن سامر …هو صبور.و…ولكنها قاطعت أفكارها بحزم وهي تفكر إنها يجب إلا تنجرف بتفكيرها …يجب إنها تسيطر على نفسها أكثر من هذا …لن تريه بسهولة إنها تحبه…لن تسمح لأحد إنه يرى ضعفها حتى لو كانت تحبه….صفت مرام عقلها وبدأت في إعداد الإفطار بهدوء كما اعتادت …قررت بعد الإفطار إنها تتكلم مع آدم وتخبره بقرارها النهائي ! ولكن جل ما كانت تفكر به هو عندما تذهب إلى الشركة كيف ستواجهه …أخرجت البيض وهي شاردة ثم كسرته لتضعه على رخام المطبخ بدلا من الطبق…وضعت كفها على فمها وهي تتراجع لتسمع ضحكة خافتة وصوت آدم المتسلي يقول:
- إيه اللي واخد عقلك يا بسبوسة …
نظرت مرام إليه وقد احمر وجهها بقوة وقالت بإرتباك:
- مفيش حاجة …شردت شوية …
- مش مصدقاكي يا بسبوسة بصراحة شرودك ده غريب شوية …
حاولت السيطرة على انفعالاتها وقالت:
- فيه إيه يا آدم على الصبح …مالك؟!
- أنتِ متعصبة إيه يا بسبوسة …ده مجرد استفسار…أصل حالات الشرود دي أنا أعرفها كويس أوي …
احمرت بشدة وقالت بإنفعال:
- أنت شكلك فاضي ورايق وأنا مش فاضية يا آدم …فحل عني عايزة أعمل الإفطار …
كانت مرام تبذل مجهود خرافي لإخفاء خجلها …المشكلة إن آدم وجد الأمر مسلي ولن يتركها في حالها بل سيظل يضايقها …بدأت بتركيز في إعداد البيض بينما تشعر إن وجنتيها حمراء من شدة الخجل والانفعال … كان آدم ينظر إليها بتسلية وقد فهم إن مرام وافقت على أنس من نظرتها فبعد ما فعله أنس كبر في نظر الجميع …هو يتمنى حقا إن تتمسك مرام بسعادتها …يتمنى إنه يطمئن عليها …مرام أيضا عانت كثير وإن الآن إن ترتاح …إن الآن إن تنسى خيبة أملها مع سامر وتهتم بحياتها ومستقبلها …اقترب آدم ونظر بحنو إلى مرام وقال:
- حاسس كده والله أعلم إنك خلاص قررتي حاجة في موضوع أنس…يعني خلاص يا مرام أخدتي قرارك النهائي…
احمر وجهها بقوة وقالت بتوتر:
- وهو ده مكان نتكلم فيه عن الموضوع ده ..
- أيوة هو ده مكاننا المناسب للكلام يالا قولي قررتي إيه حرام عليكي الولد على أعصابه وكل شوية يكلمني …أنا حاسس عايز يتكلم بس مكسوف ..اديله رد يا مرام ..
- أنتوا قلتوا براحتي أفكر ..وأنا ما أخدتش وقت كتير فاستنوا شوية …
غمز لها وقال:
- عليا يا بسبوسة …لا خلاص أنا قفشتك أنتِ وافقتي على أنس …
نظرت إليه مرام بغضب وقالت:
- يا آدم هو أنا اللي هتجوز ولا أنت وبعدين مالك كده ماسك في أنس بالطريقة دي ..أول مرة تحصل يعني …ده أنت كنت بنفسك بتطفش العرسان اللي بتتقدملي.
ضحك وقال:
- أنا مطفشتش حد... هما بس مكانوش مناسبين ليكي... بس أنس مناسب جدا مش عشان ساعدني والله بس من أول ما قابلته واتكلمت معاه عرفت إن ده هو المناسب ليكي... ها يا ستي قولي رأيك الراجل مستني على نار...
دفعته مرام خارج المطبخ وقالت:
- موافقة يا آدم قوله إني موافقة عشان أنت أكلت دماغي!!!
كانت محمرة الوجه، الابتسامة لا تفارق شفتيها بينما تجلس معهم.
لم تتخيل أبدا أنها ستكون سعيدة هكذا يوما... بل لم تتخيل أن يكون رجل هو سبب كل سعادتها تلك!!!
كانت مصدومة من نفسها... ما تشعر به نحو آدم جنوني للغاية، هي تخطت مرحلة الحب منذ زمن... تشعر أن حبه يملأ حياتها... وكأنها لم تحب غيره أبدا...
اختلست النظر إليه وهو جالس بجوارها على الطاولة يشاكس ليلي.
لقد أحبته حقا... أحبت جانبه اللطيف... جانبه الغاضب... جانبه المشاكس... هي تحبه بمزاياه وعيوبه...
من كان يقول إنها ستحب آدم بتلك السهولة... آدم الذي كرهته قبل أن تراه... ظنت أنه مفروض عليها... ولكن عرفت أن آدم هو أجمل صدفة في حياتها...
هي تشكر الله يوميا إنه معها الآن... آدم وعائلته علموها الكثير...
لم تشعر بنفسها وهي تنظر إليه بحب يبرز في عينيها العسلية.
نظرت حسناء فجأة إليها وابتسمت بسعادة وهي تجد مهرا تنظر لآدم.
أغمضت عينيها وهي تتمتم:
- الحمدلله... قد إيه يا رب أنت كريم... أخيرا يا رب آدم هيبقى سعيد... أخيرا سعى بنفسه لسعادته... يا رب خليه سعيد دايما عوضه عن اللي حصله وعاشه... عوضه عن أحلامه اللي اتخلى عنها بسببنا...
ثم فتحت عينيها وهي تجد مهرا تنظر إليه.
كانت شاكرة لمهرا التي أعطت السعادة لابنها وأحبته... هي تعرف آدم جيدا... وتعرف إنه يحبها... ولكن كان يخاف من إن تمل من العيشة معه إذ إنها عاشت في مستوى معين هو لا يمكن توفيره لها...
لكنها تعرف مهرا جيدا... تلك الفتاة رغم ثرائها إلا إنها تتحمل المسؤولية بشكل مذهش... هي اعتادت على حياتهم حتى إنها تدخل المطبخ وتساعد مرام وليلي... هي ذكية تحاول التعلم بسرعة... كما إنها تسلب قلوب الجميع هنا...
كل من اتخذ موقف سلبي ضدها سواء مرام أو ليلي غير رأيه فهي تريد بناتها يتقربون من مهرا... يمزحون معها ويصادقونها...
كانت سعيدة وهي ترى تلك الألفة التي سيطرت على منزلها...
فجأة نظرت مهرا إلى حسناء بعفوية لتجدها تنظر إليها.
ذابت مهرا من الخجل ونظرت إلى طبقها... لقد أمسكتها حسناء وهي تحدق بآدم... ما هذا الإحراج... هي محرجة كثيرا... ماذا ستفكر حسناء الآن...
فجأة انقطع حبل أفكارها عندما وجدت آدم يمسك كفها من تحت الطاولة... احمر وجهها بقوة وهو يداعب كفها... ولكن رغم هذا كان قلبها يخفق بحب... لم تكن متذمرة أبدا بسبب حركته تلك!!!
ابتسمت ليلي بخبث وهي تشعر إن هناك شيء ما يدور وقالت:
- إيه يا مهرا مش هتأكلي ولا إيه؟! يا بنتي أنتِ خسيتي النص...
ابتلعت ريقها وقالت بتلعثم:
- أنا مش جعانة...
تدخل آدم وقال:
- أنتِ مالك بمراتي يا بت أنتِ... أنتِ ليه محسساني إنك خلفتيها ونسيتيها...
اتسعت عيني ليلي ببراءة مزيفة وقالت:
- أنا الحق عليا خايفة عليها...
- متخافيش يا أختي هي كويسة... مش كده يا حبيبتي...
هزت مهرا رأسها وهي متوترة.
بعد انتهاء الفطور... جهز آدم نفسه كي يذهب إلى ورشته، اليوم سوف ينهي التصميم الخاص بشقة المهندس رفعت وسينال مبلغ جيد...
وقفت مهرا أمام الباب لتودعه... ابتسمت بإشراق وقالت:
- خلي بالك من نفسك...
ابتسم لها وعينيه الزرقاء تبرق لها... نظر حوله فلم يجد أحد في الصالة ليستغل الفرصة ويقبلها على وجنتها بسرعة ويقول:
- هتوحشيني...
ذابت بخجل ليقترب أكثر ويقبل جبينها أيضا ليتجمد فجأة وهو يسمع صوت ليلي العالي يقول:
- هتتأخر على الشغل يا أبيه...
نظر بصدمة إلى ليلي التي خرجت من تحت الطاولة... بهت وهو ينظر إليها وقال:
- أنتِ بتعملي إيه تحت الترابيزة يا بنت أنتِ...
ضحكت وقالت:
- كنت بشوف الفيلم الرومانسي اللي أنتوا عاملينه في نص الصالة...
ضحكت مهرا وقد احمر وجهها بقوة ليقول آدم بيأس محدثا مهرا:
- عندك حق احنا محتاجين بيت لوحدنا بعيد عن المتطفلة دي...
فتحت الباب لتتنهد وهي تجد والدتها تقف أمام منزلها.
- أهلا يا ماما...
قالتها كارما بدون مشاعر.
- مالك كده زي ما يكون مش طايقاني يا كارما...
لم ترد عليها كارما وولجت للداخل.
دخلت والدتها خلفها لتجدها تجلس على الأريكة المريحة وهي تنظر إلى التلفاز حيث تتابع أحد أفلامها المفضلة.
تنهدت والدتها وقالت:
- ممكن أعرف ليه مبترديش على تليفونك يا كارما... ليه بتبعدي الكل عنك بالطريقة دي يا بنتي...
نظرت إليها كارما وابتسمت بسخرية وقالت:
- عايزاني أرد عليكي إزاي وأنتِ شوفتي جوزك بيطردني برة البيت ومتكلمتيش حتى... أنا قلبي اتكسر يا أمي... كنت فاكرة إنك هتدافعي عني... بس... بس أنتِ اتخليتي عني بكل سهولة... عايزاني إزاي أرد عليكي وأنتِ ولا مرة دافعتي عني...
ارتبكت مودة وهي تنظر إليها... شعرت بالذنب من أجل ابنتها... لقد تخلت فعلا عن ابنتها مرارا وتكرارا ولكن هذا بسبب خوفها من زوجها... هي تخاف إن يتخلى عنها... وهي اعتادت العيش في ظل رجل... لا يمكنها إن تخرب بيتها من أجل ابنتها... زوجها قد يتركها لو اتخذت جانب ابنتها وهي لا يمكنها إن تخسره...
كما إن كارما غبية جدا... تريد تدمير حياتها بسبب لحظة غضب من زوجها... ماذا لو غضب قليلا؟! المرأة الصالحة هي من تمتص غضب زوجها وتطيعه... كان يمكنها إن تراضيه بطريقتها ولكنها تتحدث عن ترهات كالكرامة... الغبية لا تريد إن تستوعب إن لا يوجد للمرأة كرامة مع زوجها... كارما يجب إن تفهم هذا.
نظرت مودة إلى كارما التي ما زالت تتابع الفيلم دون إن تبالي بوالدتها الجالسة تنظر إليها...
كانت كارما في تلك اللحظة لا تهتم بأي شخص... لا تهتم إلا بطفلها... تذهب للعمل يوميا ثم تعود وترتاح كي لا ترهق نفسها وتعرض نفسها لخطر الإجهاض... لا ترد على أي من مكالمات لا والدتها ولا سامر... هي لم تعد مهتمة بسامر... فما فعله معها جعلها تغضب منه... هي حتى لا تطيقه... تحبه صحيح... لكنها حقا لا تطيقه... تجبر نفسها على إن تكرهه وتنجح بالفعل ولكن دوما كراهيتها مرتبطة بحبها له...
قطع أفكارها صوت والدتها وهي تقول:
- إمتى ناوية ترجعي لجوزك؟!
- مش هرجع...
قالتها كارما بنبرة قاطعة.
- يعني إيه يا كارما؟!
قالتها والدتها ونبرتها ترتعش من الرعب فنظرت إليها كارما وقالت:
- إيه اللي مش مفهوم يا ماما... بقول مش هرجع.. مش هرجعله... كفاية قلة قيمة بقا... أنا مش مضطرة أستحمل معاملته دي...
تنهدت مودة واقتربت منها وهي تمسك كفها وقالت:
- يا بنتي وحدي الله بس... دي مشكلة صغيرة متكبرهاش... سامر اتصل بيا وهو زعلان على اللي حصل وعايز يصلح الوضع و...
- أنا مش مهتمة...
قالتها ببرود وهي تنهض تتجه إلى المطبخ.
ذهبت مودة خلفها وقالت:
- يا بنتي بطلي عناد!! هتعشي لوحدك يعني... الراجل عرف غلطه...
فتحت كارما الثلاجة ببرود وأخرجت عصير التفاح اللي تحبه ثم جلبت كوبين وصبت لها ولوالدتها ثم أعطتها كوبها وقالت:
- وأنا قولت مش عايزة أرجع يا ماما... مش هرجع أبدا... مستحيل... خليه يفقد الأمل... أنا خلاص فوقت لنفسي لما حسسني إني مجرد عشيقة رخيصة حملت منه في الحرام...
- غلطة يا كارما إيه هتمسكي للراجل على غلطة يا بنتي و...
ألقت كارما كوب العصير على الأرض ليتحطم الكوب وتصرخ:
- بطلي تبريريله... أنا مش رخيصة عشان أستحمل مرضه... أنتِ إزاي أمي وترضيلي بوجع القلب.. أنتوا عايزين إيه مني أنا بعدت عنه وعنك... سبوني في حالي بقا... ولو بيتصل بيكي ياريت تقوليله يطلقني ولا وديني أخلعه وأفضحه!!!
كان يقف أمام المراية يعدل من وضع قميصه الأبيض ثم يلتقط سترته الرمادية ويرتديها.
وقف أخيرا وهو ينظر إلى نفسه نظرة تقييمية وهز رأسه باستحسان.
وما كاد أن يغادر حتى رن هاتفه.
رفع حاجبيه بدهشة وهو يتساءل من سوف يتصل به الآن.
التقط هاتفه واتسعت عينيه وهو يرى إن المتصل آدم.
خفق قلبه لا يعرف لماذا... ولكنه شعر إن هذا الاتصال خاص بمرام...
ازدادت وتيرة أنفاسه وهو يفكر هل يا ترى رفضته أم وافقت...
كان متوترا للغاية وهو يبحث على إجابة داخل عقله... تلك المرأة بعثرت حياته تماما... جعلته مرتبكا بسببها وهو الذي لم يهتم بالفتيات أبدا ولكن هذا هو الحب... فكر...
فتح هاتفه ووضعه على أذنه وقلبه يخفق بقوة كادت إن تصم أذنيه:
- السلام عليكم...
ابتسم آدم على الجهة الأخرى وقال:
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته... أزيك يا أنس أخبارك...
- أنا الحمدلله وأنت...
ابتسم بسعادة وقال:
- أنا زي الفل... الحقيقة بقالي كتير مكنتش فرحان زي كده...
ارتجف قلب أنس ليكمل آدم ويقول:
- صحيح ليك عندنا عزومة يا أنس... تعالى في الوقت اللي يناسبك عشان أتقدم رسمي لمرام...
اتسعت عينه بقوة... وقد لهث بصدمة...
كان لا يصدق، أراد إن يصرخ من الفرحة ولكن مظهره العام كان مهم جدا بالنسبة له...
سيطر على انفعالاته وابتسم وهو يقول غير مصدقا:
- يعني هي وافقت بكامل إرادتها...
ضحك آدم وقال:
- يعني هنكون أجبرناها يا أنس... وافقت يا سيدي وبإرادتها الحرة وفي الوقت المناسب تعالى أتقدم...
ابتسم أنس وقد شعر بسعادة لم يشعر بها من قبل... كان مرام بموافقتها أدخلت لقلبه السرور...
- شكرا يا آدم شكرا أوي...
قالها مبتهجا ليبتسم آدم وهو يشعر بسعادة الأب الذي سيزوج ابنته... مرام شابة صالحة...
قوية وصادقة وتليق برجل كأنس… هو يتمني إن تتم هذه العلاقة على خير كي يطمئن على مرام ثم يبدأ التركيز على ليلي الشقية كي تنهي تعليمها ثم تتزوج وبهذا يكون أتم واجباته كلها بعد إن يطمئن على إخوته… عندها ينظر إلى نفسه… فجأة تجهم وجهه وهو يتذكر شخص نسيه… نسيه في خضم واجباته وهي مهرا… تنهد آدم وهو يدرك إنه يظلمها معه ولكن فات الأوان على تحريرها… هو يحبها بيأس… يحبها بطريقة لم يحب أحدا بها حتى ميار… هو سمح لميار بالذهاب لكنه لن يسمح لمهرا… يحبها ولا يدرك كيف أحبها بتلك السرعة والقوة… ولكنه كان يعرف إنه يحمي قلبه لذلك لم يسمح لنفسه بالانجراف بمشاعرها كتير ولكن الآن هو ضعيف… سمح لمهرا بالتسلل إلى أعماقه… سمح بنفسه إن يحبها وهو ليس نادم أبدا… حبها كان أجمل حدث في حياته… أغلق آدم الهاتف مع أنس ووقف للحظات وهو يفكر ولأول مرة بنفسه… يفكر إن تكون له حياة خاصة… ليس هناك ضرر من إن يفكر بنفسه قليلاً… هو طبعا لن يتخلى عن مسؤولياته ولكن يريد إن تكون له حياة خاصة… ربما لو اشترى بيت منفصل عن منزله مهرا سترتاح أكتر… هو يشعر بها… ويعرف إنه يظلمها معه… كان قد اتخذ قراره سيتحدث مع والدته اليوم… بدأ يعمل مجددا وبعد فترة قاطعه رنين الهاتف… التقط آدم هاتفه ليجدها مهرا تتصل به… ابتسم بحب وهو يجد اسمها يسطع على الشاشة… فتح الهاتف ليرد على الاتصال وقال بمشاكسة خاصة لها هي:
- إيه يا بسبوستي أنا وحشتك ولا إيه هحاول أجي بدري النهاردة…
صمت فجأة وهو يسمع صوتها الباكي ويقول:
- فيه إيه يا مهرا…
انتظر ردها ليقول بصدمة:
- إيه؟! جدك!!!………
في أحد المقاهي الراقية…
- هو الدكتور ده شاطر يعني؟!
قالتها حياة بتوتر وهي تفرك رقبتها… كانت الفكرة غريبة عنها… تذهب لطبيب نفسي وهي!!! حسنا هي لم تتخيل أبدا إن تلجأ لذلك الحل… دوما هي ظنت إنها متزنة نفسيا تستطيع اتخاذ قرارها ولكن بعد ما حدث… باتت تشك في نفسها… هي أبدا غير متزنة نفسيا… ربما موت والديها جعلها هكذا… ربما رفض أحمد المستمر أو الحقد على مهرا… عرفت إن يوجد أشياء في الماضي هي دفنتها في أظلم منطقة في عقلها وإنها لن ترتاح إلا عندما تتكلم مع أحد يفهمها دون إن يحكم عليها… أحد تتكلم معه دون إن ترى نظرات القرف بعينيه… أحد تتكلم معه براحة!… هي اقتنعت بحل مروان… عندما أخبرها مروان عن حل الذهاب إلى طبيب نفسي وافقته بسرعة….. بدا وكأن هذا الحل هو القشة التي سوف تتمسك بها… تنهد مروان وقال:
- بيقولوا عليه حلو أوي أنا سألت عليه يا حياة وهو شاطر أوي وممكن يساعدنا…
ابتسمت حياة وقالت:
- مين كان ممكن يقول إن احنا الاتنين نجتمع عشان نتعالج نفسيا…
ضحك مروان وقال:
- بصراحة أنا زيك مستغرب يا حياة.. احنا الاتنين اجتمعنا عشان نتعالج… زي ما تكون الحياة جمعتنا عشان تفكرنا بالغلط اللي عملناه وبتدينا فرصة تانية عشان نبقى كويسين…
تجهمت حياة وهي تنظر لكفها… قلبها يعتصر من الألم… ما زال ذنب مهرا يلاحقها… ما زالت تشعر بتأنيب الضمير بسببها… وكأن كل ما حدث في حياتها هو عقاب ما فعلته بمهرا… لقد عاقبها الله… والآن كل ما عليها هو الذهاب لمهرا وطلب العفو منها حتى ترضي… ولكن حياة كانت تخاف من رد فعلها… ماذا إن رفضت إن تسامحها… ماذا إن طردتها وسوف تكون محقة.. حياة تستحق أي شيء تفعله مهرا… نظرت حياة إلى مروان وقد انسابت دموعها على وجنتيها وقالت:
- ده ذنب مهرا يا مروان…
ارتبك مروان ونظر إليها لتكمل وهي تبكي:
- ربنا بيعاقبنا بسبب اللي عملناه فيها… أنا مكنتش مصدقة إني أبيع صاحبتي عشان غيرانة منها بسبب واحد زي أحمد… أنا من أول ما أحمد سابني وأنا اتأكدت إن طالما مهرا مسامحتنيش هفضل أعاني يا مروان…
لم يرد مروان عليها.. كان شارد بمهرا… يتذكر كيف أذاها… هو أيضا ضميره يؤجعه بسببها… هي لم تستحق منه هذا أبدا… كان يجب عليه إن يتركها… وللأسف لا يمكنه أبدا الاقتراب منها والاعتذار… فبعد ما حدث لو رآه آدم سوف يقتله بكل تأكيد.. تنهد مروان وهو يفكر بليلي… كلماتها الأخيرة التي جعلته يشيل العصابة عن عينيه ويرى الحقيقة بعد ما كان عمي لا يراها… هي جعلته يدرك إنه يؤذي والدته بتصرفاته المقيتة… قلبه أوجعه… هل صحيح والدته تتألم بسببه.. كان هذا التفكير يسيطر على عقله ويؤرقه… كانت حياة شاردة تفكر بشيء ما… فجأة نظرت إلى مروان الشارد وقالت:
- انتبه لها مروان…
- اتفضلي…
تنهدت بتوتر وقالت:
- أنا عايزة أشوف مهرا…
بهت هو بينما تكمل بتلعثم:
- أنا لازم أشوفها يا مروان… محتاجة أشوفها… عايزة أريح ضميري من ناحيتها أنا تذيتها كتير ومستحيل أسامح نفسي إلا لو هي تسامحني… انت عارف هي فين حاليا عشان أشوفها…
أمسك مروان كفها وقال:
- خلاص يا حياة صدقيني مش مهم خالص… احنا بس نروح للدكتور ده وهو أكيد هيساعدنا…
- بس يا مروان…
قالتها بضيق فرد وهو يشد على كفها:
- خلاص يا حياة قولتلك مش لازم هي مش هتسامح انسي…
- الله الله إيه المنظر الرومانسي ده..
شهقت حياة وهي تنظر إلى الصوت المألوف لترى أحمد واقف في المقهى ينظر إليها بغضب وغيرة مجنونة… أمال رأسه وقال:
- بتعرفي توفي أون بسهولة يا حياة!!!
رواية عروس رغما عنها الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سوليية نصار
دموعها تتدفق بقوة وهي تنظر من نافذة سيارة الأجرة. قلبها يؤلمها على جدها القابع بالمستشفى. لهذا اختفت والدتها وهي بغبائها لم تهتم. كانت منشغلة بمشكلة آدم ونسيت ذلك الذي رباها وأحسن إليها. هي لن تسامح نفسها أبدًا إن حدث له شيء.
فهي تعرف داخلها أنه مرض بسببها هي. ما قالته له كان قاسٍ جدًا، ولكن ما عرفته عن جدها كان أكثر قسوة. دائمًا كان جدها هو مثلها الأعلى. رغم ما بينهما من خلافات بسبب اختلاف التفكير، إلا أنها تحبه كثيرًا وتعتز به. ولكن ما عرفته هز صورته في عقلها.
حكت جبهتها بتعب وهي غير قادرة على التوقف عن البكاء. كانت تشعر بشيء ثقيل يجثم على قلبها.
بجانبها كان يجلس آدم ينظر إليها بحزن بالغ وهي تبكي بتلك الطريقة. لا يعرف كيف يخفف عنها. هو يعرف مرارة الخوف من الفقد. ألم يفقد والده من قبل وبسبب هذا تدمر كليًا؟ شعر أن ظهره انكسر وأن حياته انتهت. وأيضًا كاد أن يفقد والدته وهذا سبب له الرعب. على الرغم من الكراهية التي يكنها لجابر، إلا أنه لم يتمنى أبدًا أن يحدث له شيئًا. هو ليس بهذا السوء.
امتدت كفه إلى يد مهرا وأمسكها بقوة وهو يتمتم:
"هيكون كويس يا مهرا متقلقيش."
لم تخفف كلماته من ألمها، بل انفجرت بالبكاء. اعتصر قلب آدم بعنف وهو ينظر إليها. كان عاجزًا عن التخفيف عنها. كان عاجزًا للغاية.
وصلًا أخيرًا إلى المستشفى لتركض هي نحو المستشفى بينما توقف آدم. قبل أن تلج مهرا، نظرت إلى آدم بحيرة وقالت:
"ادم..."
ابتلع ريقه وقال:
"أنا هستناكي هنا يا مهرا. روحي اطمني على جدك."
"ده جدك انت كمان!!" هتفت بإنفعال لتبرق عينيه الزرقاء بخطورة ويرد:
"جابر عزام مش جدي يا مهرا. لو سمحتي روحي وأنا هستناكي."
لم تجادله أكثر من هذا ودخلت. كانت متعبة كثيرًا من أن تناقش. مصدومة منه للغاية. كيف يمكنه أن يكون قاس القلب بهذا الشكل؟ هذا جده أيضًا. كيف يحقد على رجل قد يموت؟ كانت حقًا غاضبة منه.
اقتربت مهرا من الاستقبال وهي تستعلم عن جدها.
كانت مروة تقف أمام الطبيب وابتسامة راحة تزين وجهها. لا تصدق أن عمها قد استيقظ من الغيبوبة. كانت تشكر ربها كثيرًا ودموعها تتدفق من عينيها الذابلتين.
"يعني يا دكتور هو كويس؟!"
تنهد الطبيب وقال دون راحة:
"بصراحة الوضع صعب. قلب أستاذ جابر ضعيف جدًا ومحتاج عملية. المشكلة أن جراحة القلب في سنه مش مضمونة والأدوية مش هتساعده. أنا قولتله الكلام ده قبل كده بس هو طنش ومهتمش."
وضعت كفها على فاها فأكمل هو:
"القرار يرجعلك يا مدام مروة. ليكي ولاستاذ جابر. شوفوا حضرتكم هتقرروا إيه وقولولي."
اختنق صوتها وهي تقول:
"حضرتك بتقول أن الحلين فيهم خطر. طيب، أنهي حل خطورته أقل؟"
"أننا نعمل العملية. عمومًا هو اتنقل دلوقتي لأوضة عادية. حاولي تقنعيه يعمل العملية."
قال بأسف ثم تركها لتتراجع وتستند على الحائط وهي تشعر أن العالم يميد بها بينما دموعها تزداد تدفقًا. لقد كان يعرف أن قلبه يحتاج لجراحة ولكنه رفض بعناد كبير. ماذا سيحدث الآن؟ فكرت بخوف وهي تمسح دموعها.
"ماما!!!" صوت مهرا أتاها كالمنقذ. نظرت مروة إلى مهرا وما زالت الدموع معلقة بأهدابها.
"مهرا!!" قالتها مروة بيأس لتقترب مهرا وتضمها بقوة وهي تبكي وتقول:
"هيكون بخير يا ماما متقلقيش. هيقوم منها. جدي قوي."
"كلام الدكتور مش مطمن المرادي!"
ابتعدت مهرا وامسكت كفها وهي تقول بقوة:
"هو كلامه دايما مش مطمن بس جدي بيقوم كل مرة. وهيقوم المرة دي متقلقيش."
وضعت مروة كفها على قلبها المتفق وقالت:
"أتمنى يا مهرا. أتمنى من كل قلبي أنه يقوم منها. أنا بجد مرعوبة عليه."
ولجت مهرا إلى الغرفة التي وضعوا جدها به وهي تمسح دموعها وتكافح لرسم ابتسامة رائعة على شفتيها. كان قلبها يخفق بقوة وهي تراه على الفراش شاحب الوجه. يبدو عليه التعب. غاص قلبها في صدرها وهي تشعر بالألم والذنب. هي من تخلت عنه. هي... لقد وصل إلى تلك الحالة بسببها.
كانت مهرا تلوم نفسها وهي لا تستطيع التوقف عن البكاء. كانت تريد أن ترمي نفسها بين ذراعيه وتطلب منه الغفران على ما فعلته. ولكن هل تستحق غفرانه بعد أن تخلت عنه؟
اقتربت من جدها وامسكت كفه ودموعها تتدفق. فتح جابر عينيه بتعب وقال:
"كان لازم أبقى في خطر وتعبان عشان تزوري جدك يا مهرا."
انفجرت مهرا بالبكاء وهي تردد:
"أسفة... أسفة يا جدي."
تحشدت الدموع في عيني جدها وقال:
"مهرا، أنا معنديش أغلى منك. أنا مبحبش قدك يا مهرا. وميهمنيش حد غيرك. أنتِ عارفة كده صح؟"
هزت رأسها وهي تخنُق. اختنق صوتها وقالت:
"وأنا عمري... عمري ما هتخلى عنك تاني يا جدي. عمري."
ثم قبلت كفه وهي تقول:
"أنا هفضل معاك دايما وهتطلع من هنا وتروح بيتك."
ابتسم جابر ودموعها تتدفق ثم قال بصوت متعب:
"ريحتيني يا مهرا. روحي دلوقتي ارتاحي عشان أنا كمان هرتاح."
هزت مهرا رأسها وهي تمسح دموعها وتخرج.
ودعت مهرا والدتها ثم خرجت من المستشفى ووجدت آدم في انتظارها.
في الطريق إلى المنزل لم تتكلم مهرا. فقط كانت تجيب باقتضاب على أسئلة آدم.
وصلا إلى المبنى التي تقبع بها شقتهم ثم صعد آدم وهي...
ما أن دخلا المنزل حتى قالت مهرا وهي تغلي من الغضب:
"أنا مش قادرة أصدق إنك بتحقد على واحد حالته خطيرة بالشكل ده وممكن يموت."
زحف البرود إلى ملامح آدم رغم البراكين التي انفجرت بداخله وقال:
"مهرا، ياريت متتدخليش في الموضوع ده. وزي ما قولتلك جدك هتزوريه دايما ومش همنعك منه أبدًا."
"طبعًا لا أنت ولا غيرك تقدر تمنعني أصلًا!" قالتها بتحدٍ ليحاول هو تهدئة نفسه مراعاة لوضعها ويقول:
"ادخلي دلوقتي يا مهرا الأوضة وارتاحي. قصتي مع جابر عزام أنتِ ملكيش دخل بيها."
"لا ليا دخل!!" صرخت بعنف وأكملت:
"لما ألاقيك بتكره جدي بالشكل ده يبقى ليا دعوة. أنت إزاي كده؟ إزاي ممكن تكره واحد وهو بيموت؟ إزاي مش قادر تسامح؟ إزاي... ده جدك. جدك اللي بتعامله بجحود ده. صحيح هو أذاكم وأنا بعترف بس حاول يعوضك وأنت رفضت."
امسك آدم ذراعها بعنف وقال:
"ده أنا. وأيوة أنا عمري ما هبطل أكره جابر عزام. عمري. أنتِ مش عاجبك الوضع ده امشي وسيبيني. غيرك عملتها وأنا نسيتها عادي. الحياة مبتوقفش. لكن تجبريني أسامح الشخص اللي كان السبب في موت أبويا ده مستحيل. متحاوليش تستخدمي حبي ليكي كورقة ضغط يا مهرا. لأن صدقيني كراهيتي لجابر عزام أكبر من حبك. أكبر من حبي لأي حد. لو أنتِ نسيتي إنه ذل أمي أنا عمري ما هنسى. المشهد ده هيفضل عالق في ذاكرتي لحد ما أموت. عمري ما أنسى ذل أمي ولا موت أبويا عمري."
انسابت دموع مهرا وهي تشعر بألم في قلبها. اقتربت حسناء ووضعت كفها برفق على كتف مهرا. نظرت إليها مهرا فجأة ثم انفجرت بالبكاء وهي تقول:
"شوفتي يا طنط... شوفتي بسهولة كده هيتخلى عني؟"
ربتت حسناء على ظهرها ثم ضمتها بقوة وهي تفكر بيأس أن رغم تربيتها الحسنة لآدم إلا أنها فشلت في إزالة الكره القابع بداخله نحو جابر عزام. الكره الذي سوف يؤذيه هو أولًا.
رواية عروس رغما عنها الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سوليية نصار
كان يغني… فعليًا يغني، ودقات قلبه تعزف ألحانًا رائعة يسمعها وتطرب أذنه. لم يهتم أن صوته بشع، ولا أنه عالٍ بشكل يثير الريبة في أنه قد جن. هو سعيد، لن يخفي سعادته أبدًا. كان يمسك بطرف سترته وهو يتحرك حركات خرقاء ويدندن أغنية "أغلى من روحي".
"يا أغلى من روحي علي، يا أحلى شيء وأغلى شيء
إن قلت أحبك شفتها، هالكلمة في حقك شوي
قلبي اللي من شوقه يجيك، يغار من حبي عليك
ما يحبك إلا يموت فيك، ويحسك أقرب مني لي
أتنفسك مثل الهوا، وأحتاجك لجرحي دوام
ما دمت أنا وانتي سوا، من دنيتي ما ريد شيء
خذيني من دنيا الأنام، خليني في حضنك أنام
دقات قلبي لك كلام، يحكي لك الشوق اللي بي
يا سارتي ودنيا الهنا، ما عرف بدونك من أنا
يا سارتي لنظر عيني سنا، صرتي لهجير عمري في
أحبك لحد الجنون، وأشيلك بوسط العيون
وأضلّك برمش وجفون، يا أغلى من عيني علي"
توقف فجأة وهو ينظر للمرآة وابتسامته تتسع. يتخيل اليوم الذي ستكون ملكه به، يتخيل كيف سيكون سعيدًا وقتها. ثم بدأ يدندن مجددًا ولم ينتبه لتلك التي تنظر إليه بعيون متسعة.
"بابي!"
قالتها ملك بصدمة ليتوقف أنس فجأة بتوتر وهو ينظر إليها.
"انت بتعمل إيه يا بابي؟!"
تساءلت بصدمة ليتوتر هو ويقول:
"مفيش يا ملك… أنا كويس أهو."
"كويس إيه يا بابي… انت كنت بتغني وترقص من شوية. أنا مش مصدقة… بابي انت كويس؟"
ابتلع أنس ريقه وهو يدري أنه في ورطة كبيرة. لم يعرف ماذا يفعل كي يبعد عنه الشبهة وكيف يحسن صورته أمام صغيرته. ابتسم وهو يقترب منها ويحملها ثم يقبلها ويقول:
"ده مجرد تمارين يا لوكا مش برقص ولا حاجة…"
رفعت ملك حاجبيها وقالت:
"أنوس انت شايفني عندي تلت سنين عشان أصدق الكلام ده. لا انت كنت بترقص وبتغني كمان. وده غريب عليك… انت دايما إنسان جد، ملكش في الكلام ده."
رفع رأسه بيأس وقال:
"ما تعديها بقا يا لوكا… كل إنسان وليه لحظة جنان. متحبيهاش بقا أبوس إيديكي."
ابتسمت له وقالت:
"تمام يا أنوس… نعديها عشان خاطر عيونك. هعتبرها لحظة غريبة ومرت، وهبقى زي أي بنت مؤدبة ومش هسأل عن أي تفاصيل تخصك."
ضحك أنس وهو يقبلها على وجنتها ويقول:
"أنا محظوظ إني عندي بنت ذكية زيك."
ضحكت وهي تقبله وتقول:
"وأنا كمان محظوظة إنك بابي. يلا دادة نعمة عملت الإفطار… عشان متتأخرش على الشغل."
"حاضر يا قردة."
***
على مائدة الإفطار، كان أنس يتناول طعامه، ابتسامة جميلة تغطي وجهه، قلبه يخفق بقوة، وحالة من الهيام الغريبة تبدو عليه. تركت ملك شوكتها وهي تنظر إليه بحيرة. رغم سنوات عمرها العشر، إلا أنها عرفت أن والدها بحالة غير طبيعية. هو يبدو سعيدًا للغاية. الغريب أنها لم تراه سعيدًا لهذا الحد أبدًا. بدأ وكأن السعادة تتدفق من قلبه وروحه. هي لم تراه هكذا أبدًا، والدها لم يغني أبدًا، لم يرقص أبدًا!
ترى ماذا طرأ بحياته ما يجعل ابتسامته من الأذن للأذن؟ ماذا طرأ لكي يرقص؟ أو يغني مثلاً؟
كانت تحاول حقًا أن تفهم. فتحت فمها لتسأله، لكن عينيها اتسعت بدهشة وهي تراه يمسك شوكة الطعام وينظر إليها وعلى وجهه ابتسامة بلهاء. رفعت حاجبيها وهي تكاد أن تجن. لا، لا هذا ليس والدها بالطبع. والدها لا يبتسم بتلك الطريقة المريبة. أكيد أنه تبدل مع شخص آخر، هكذا صور لها خيالها الواسع.
"هو انت بابا أنس؟"
قالتها ملك فجأة ببراءة وهي تخرجه من شروده بقوة. ترك فجأة أنس شوكته بعد أن أدرك ماذا يفعل. رباه ماذا حل به؟ هو يتصرف بحماقة أمام ابنته. كل هذا لأنها وافقت على الخطبة منه. ماذا سيحدث إذن لو تزوجته؟ هل سيصاب بنوبة قلبية؟ فكر ساخرًا، ثم أولى اهتمامه لابنته وقال:
"نعم يا ملك… بتقولي إيه؟"
"بقول هو انت فعلاً بابي ولا واحد غريب متنكر؟"
تساءلت مرة أخرى بريبة. رفع حاجبيه وقال:
"إيه الكلام الفاضي ده يا ملك… إزاي واحد متنكر يعني. لا أنا باباكي انس… أو أنوس أو أي اسم مايع من اللي إنتِ بتناديني بينهم!"
ضحكت ملك ونظرت إليه وهي تقول:
"اومال يا أنوس إيه الابتسامة الغريبة اللي مالية وشك دي؟ انت من الصبح ماسك الشوكة وبتبصلها بطريقة غريبة وعلى وشك ابتسامة واسعة. أنا بدأت أقلق عليك. ده غير إني قفشتك بترقص في أوضتك وبتغني. لا… لا في حاجة مش طبيعية. قولي يا أنوس فيه إيه؟"
توتر أنس وهو ينظر إليها وقال:
"أنا كويس يا بنت انتِ. مفيش داعي للقلق. إيه مينفعش أكون مبسوط شوية؟ لا لازم أبوز عشان أعجبك يعني."
"مش مصدقاك مش عارفة ليه. فيه حاجة جديدة طرأت مخلياك في المود الخرافي ده. ما تقول بقا يا أنوس. ده أنا زي بنتك حتى."
ارتبك أنس وهو ينظر إليها. لقد حاصرته تلك الشقية. هو الآن يتصرف بطريقة خرقاء أمام فتاة في العاشرة من عمرها، لكن سعادته أكبر من أن يخفيها. فكر وقلبه يخفق بقوة. ماذا يخبرها؟ هل ستفهم فتاة مثلها معنى الحب؟ هل ستفهم أنه غارق في الحب حتى أذنيه؟ هل ستفهم أنه يشعر كأنه ملك العالم كله؟
أمالت ملك رأسها وهي تنظر لوالدها مرة أخرى. لقد عاد لشروده مرة أخرى. لا، لا هذا ليس معقول.
"بابي!"
صرخت ملك بقوة لينتفض وهو ينظر إليها فتقول هي:
"مش معقول يا بابي. انت لازم تقول إيه اللي حصلك. شكلك غريب أوي النهاردة. بترقص وبتسرح كتير. مينفعش تخبي حاجة عن لوكا وإلا هزعل منك بجد."
تنهد هو ونظر إليها وهو يقول بصراحة. لقد انتهى الأمر. هو يجب أن يكون صريحًا معها.
"بصراحة كده يا لوكا أنا ناوي أتجوز."
اتسعت عينيها بدهشة وقالت:
"انت!!! وتتجوز؟!"
عقد حاجبيه وقال:
"أيوه أتزوج. متجوزش ليه هو أنا دكر بط!!! ما أنا إنسان وعايز ونس."
تصنعت الحزن بمهارة وقالت:
"إيه ده يعني أنا مطلعتش ونس ليك؟"
ضحك أنس وأمسك كفها وقال:
"آه يا نصابة انتِ. قبل كفها وأكمل: انتِ حياتي يا لوكا. معنديش أغلى منك. انت حتة مني ومكانتك محفوظة دايما."
ضحكت وقالت:
"مصدقاك يا أنوس. قولي بقا آنسة مرام وافقت عليك إمتى؟!"
اتسعت عينيه بصدمة وكاد أن يتكلم إلا أن ملك قرأت السؤال في عينيه وأجابت بذكاء:
"يا بابي أنا عندي عشر سنين مش تلاتة. وبعدين العيل الصغير يعرف مشاعرك. انت مبتشوفش نفسك بتبصلها إزاي؟ أنا لاحظت كده لما باجي معاك الشركة."
"بت انتِ. عرفتي الكلام ده إزاي؟ مشاعر دي كلما مينفعش تعرفيها إلا في سن العشرين."
"العالم اتطور يا أنوس. اللي أصغر مني دلوقتي في المدرسة بدأ كمان يحب ويرتبط. انت بس اللي دقة قديمة."
احمر وجهه ثم جذبها من أذنها برفق وقال بحزم:
"حب إيه يا مفعوصة انتِ. أنتِ بتروحي تتعلمي ولا تحبي ولا…"
قاطعته وهي تقول بسرعة:
"والله يا بابي مش أنا. أنا أصلاً في حالي. دول أصحابي بيقولولي كده."
أجاب عليها بحزم أكبر وقال:
"أصحابك دول متكلميهمش تاني يا ملك. فاهمة؟!"
"فاهمة يا بابي فاهمة!"
أجابت ملك بسرعة وهي تضحك.
***
كانت الشرر يتطاير من عينيه وهو ينظر إليها. جزء غبي داخله كان مرتاحًا لرؤيتها وكأنه اشتاق إليها، ولكن باقي الأجزاء تسيطر عليها الغيرة المريضة. كان غيورًا جدًا، غيورًا بطريقة غريبة، وحقًا هو لا يفهم سبب تلك الغيرة. أهو التملك؟
كانت حياة تنظر إليه برعب بينما الدموع تحتشد في عينيها. كانت لا تصدق وقاحته. أرادت أن تنهض وتصفعه بقوة، تضربه لعله يشعر بتلك النيران التي تشتعل بقلبها. رباه لماذا عاد لحياتها؟ ماذا يريد أيضًا؟ ألا يكفي أن أخذ منزلها ودمر حياتها؟ هل يريد أيضًا أخذ روحها؟ هل هو سادي لتلك الدرجة؟
دون أن تدرك، كانت الدموع تنساب لعينيها. شهقة من أعماق قلبها مزقتها وشعرت أنها مهددة بالانهيار في أي لحظة. شعر مروان بها، وكم أشفق على حالها. هو دومًا كان يعرف بعشقها لأحمد، ولكنه دومًا سخر من مشاعرها. لم يعرف أبدًا مرارة العشق. لم يعرف كيف يتعذب المرء عندما يعشق من طرف واحد. حسنًا، هو الآن يعرف كم أن هذا الشعور مقيت، فقد وقع في الحب. وقع في حب فتاة لن ينالها أبدًا.
تنهد مروان وعينيه السوداء تبرق بغضب وهو ينظر لأحمد وشد على كف حياة وقال:
"يلا يا حياة نمشي من هنا. الجو بقى خنيق لما جه حد كده وأنا بقيت قرفان فجأة. تعالي هنتكلم في مكان تاني بعيد شوية عن هنا."
رفع أحمد حاجبيه بغضب وهو ينظر إلى ذلك الحثالة. كان الغضب يتصاعد داخله كبركان على وشك الانفجار وتدمير ما حوله. كان يمقت هذا المدعي مروان، يمقتُه بشدة.
نهض مروان وهو يمسك كف حياة ليذهب، ولكن أحمد وقف أمامهما وعينيه السوداء يحيط بها الجليد.
"ابعد."
قالها مروان ببرود وهو على وشك قتل أحمد. كانت النظرات الباردة هي أداة الحرب بين الرجلين بينما حياة ترتجف بينهما. شعرت أنها ستنهار في أي وقت وهي ترى تلك النيران المشتعلة بينهما. هي لا تريد أن تحدث أي مشاكل لمروان بسببها. ماذا يريد أحمد منها؟ ماذا بعد؟
لم يماطل مروان في التحدي. لم يكن يريد أن يفتعل شجارًا وحياة معه، لذلك بهدوء انحرف وقرر أن يذهب بحياة، إلا أن أحمد وقف أمامه مرة أخرى. كان يغلي. لا يصدق أنه يشعر بهذا الشعور الغريب. يشعر أنها تتسرب من بين يديه وهذا يجعله يموت. لا يعرف لماذا يتمسك بها بتلك الطريقة. هو لا يعرف أي شيء. جل ما يعرفه أنه لا يمكن إفلاتها الآن دون أن يعرف السبب.
"عايز أتكلم مع حياة."
بسرعة أعطى مبررًا لمروان كي يحفظ ماء الوجه ولكي لا يتهمه أحد بالغيرة.
"وحياة مش عايزة تتكلم معاك."
أجاب مروان بعناد وهو يشد على كفها. كان أحمد يغلي وهو يراه يمسكها بتلك الطريقة. أراد أن يكسر كفه، ولكن بمهارة سيطر على نفسه وهو ينظر إليه ويقول وهو يجز على أسنانه:
"أظن القرار يخص حياة وحدها. انت مش الدادة بتاعتها." ثم بعنف مقصود أبعد كف مروان عن حياة وقال: "حياة لازم نتكلم."
ابتسم مروان بتسلية وقال:
"صحيح القرار قرار حياة. حياة أنا هستناكي بعيد لحد ما تخلصي كلام معاه."
نظرت إليه حياة برعب. لا يمكن أن يتركها معه. لا. هي ستنهار لو بقت معه. فما أن كاد أن يذهب مروان حتى أمسكت به حياة كطوق النجاة كأنها غريقة وسط بحر هائج. تشجعت لأول مرة وقالت وهي تبتلع ريقها:
"لا لا يا مروان أنا مش هتكلم معاه. خدني معاك لو سمحت."
ابتسم مروان بانتصار وقال:
"أهو للأسف هي مش عايزة تتكلم معاك. أهو قرار حياة سمعته. ممكن تبعد عنها بقا!!!"
تقلص وجه أحمد من الغضب. جل ما كان يريده أن يسحبها من شعرها ويأخذها من هنا ثم يحبسها في منزله حتى يتحدثا. ولكن كان يعرف أنه لو حاول أن يفعل هذا سيكون أضحوكة للجميع. لذلك بإستسلام ابتعد ليذهب كلا من مروان وحياة. لم تنظر حياة خلفها بينما أخرجت تنهيدة قوية من داخلها وهي تردد داخلها أن كل شيء قد انتهى. هي لن تسامح أحمد أبدًا عما فعله معها. لن تغفر له ولن تعود حتى لو طلب هو. هي الآن ستنظر إلى حياتها. ستصحح الأخطاء الفظيعة التي ارتكبتها بحق الجميع وبحق نفسها. ولكن أول خطأ يجب أن تصلحه هو الخطأ الذي ارتكبته بحق مهرا. هي لن تسامح نفسها أبدًا حتى تسامحها مهرا.
فكرت بصراحة. ثم نظرت إلى مروان وقالت:
"شكرا يا مروان."
ابتسم مروان وقال:
"أنا قررت أتغير يا حياة. ومبادئي الجديدة متخلنيش أشوف أحمد بيقرب منك وأذيكي وأسكت. احتل الحزن ملامح حياة مجددًا وقالت بنبرة منكسرة: "معرفش هو عايز إيه مني يا مروان. أحمد دمرني ف عايز إيه مني تاني. ليه مصمم يقتحم حياتي تاني."
ابتسم مروان بتسلية وقال:
"على حسب ما أنا شايف غضبه وإحباطه أحب أقولك أنه غاير!"
توقفت حياة عن التنفس للحظات وازداد معدل دقات قلبها. كانت لا تريد أن تصدق ما يقوله مروان. ألا يعلم أنه بكلماته يعطيها أمل وهي لا تريد أن يكون في قلبها أي أمل من جهة أحمد. تريد أن تقتنع نهائيًا أن أحمد لم ولن يحبها. تريد أن تقتنع أن أحمد كان يريد شقتها فقط وأخذها والآن هو عاد ليتلاعب بها لعله يأخذ شيئًا ما. لعله يريد أموالها. يريد أن يسلبها كل شيء. نعم التفكير في هذا أهون بكثير من أن تتعلق بأمل أنه أحبها وتعود للهاوية مرة أخرى. تعود لتستجدي حبه مرة أخرى. لا يجب أن تثق به أبدًا.
ضحكت فجأة بتوتر وقالت:
"بيغير!! لا يا مروان روحت لبعيد المرة دي. هو مش بيحبني أصلًا عشان يغير. تلاقيه عايز ياخد حاجة تاني مني غير الشقة وفاكر إني غبية وهرجعله وأديله الأمان عشان يخدعني تاني."
نظر مروان إلى حياة وقال:
"أنا راجل يا حياة. وأعرف الغيرة كويس. أحمد كان غاير عليكي مني. مش لازم الغيرة تكون حب بس. ممكن تكون تملك ف خلي بالك. واحد زي أحمد أكيد هيتضايق لما يشوف إنك بتتقدمي في حياتك وبتنسيه وممكن يعمل المستحيل عشان يرجعك ليه وساعتها ممكن تعاني. فهماني."
تصاعدت الدموع لعينيها حتى انسابت من عينيها وقالت:
"هو مش عايز يسيبني في حالي ليه يا مروان… عايز يعمل إيه فيا أكتر من كده. كفاية إنه دمرني. دمر حياتي وكسر سعادتي وأحلامي. محدش خالص هيحس باللي حسيت بيه وأنا لابسة فستان الفرح ومستنياه يا مروان. أنا… أنا…"
"ششش… اهدي."
قالها مروان وهو يلاحظ انهيارها.
"اسف."
صفقها فجأة لتنظر إليه وهي تمسح دموعها وترد:
"انت بتعتذر على إيه؟"
ابتسم مروان بسخرية وقال:
"عشان في يوم استهونت بمشاعرك. شعور الحب من طرف واحد بشع يا حياة. إنك تحبي شخص إنتِ عارفة إن مش هيحبك. ده لوحده عذاب!!"
كان مروان يبدو وكأنه يتحدث عن نفسه. شعرت حياة بالحيرة. هل أحب مروان من طرف واحد؟ معقول؟ هل اكتوى بنفس النار التي اكتوت بها؟ عجيب، هو يشبهها كثيرًا.
***
في مكتب أنس، كان يعمل في المكتب بنشاط مضاعف. ابتسامته لا تفارق شفتيه. كل العاملين كانوا مندهشين من سعادته الغريبة تلك. هو حتى لم ينفعل على أي عامل أخطأ. بالعكس تمامًا كان يتعامل بهدوء غريب على أنس الصاوي، رجل الأعمال الصارم الذي لا يقبل بأي خطأ. أما أنس فهو كان يعمل بنشاط والسعادة في قلبه تتسع حتى خرجت من جسده وانتشرت في المكان بأكمله. لا يصدق أنه سعيد لتلك الدرجة. هو سعيد لدرجة أن حتى المكتب الواسع لا يكفي سعادته. يريد الخروج والصراخ بقوة!!! لكن أراد الحفاظ على المتبقي من وقاره. حاول كثيرًا أن يسيطر على سعادته ففشل تمامًا. مرام أعطته السعادة بالموافقة عليه وهو سوف يفعل المستحيل كي يسعدها. سوف يجلب لها النجوم إن أرادت. صحيح، جزء منه خائف من اتفاقه مع ليل خاصة أن لو رفعت عليه قضية فسيكون وضعه أضعف. فهو الذي عقد الاتفاق منذ البداية ولكنه ترك هذا الأمر للمحاميين الخاصيين به. هم يفعلون المستحيل لإيجاد حل لهذا الموضوع وسوف يحاول أن تكون ملك تحت وصايته هو فقط. هو لن يتركها لليل أو والدتها. سوف ينفذ وصية شقيقه بالحرف. حاول أن يقنع نفسه بهذا. حاول ألا يفكر حتى باحتمال أنه سيفقد ابنته ملك. لا يمكن أن يفقدها. هو لا يتخيل الحياة بدونها. هي كل حياتها. وقد شاركتها مرام نفس الأهمية أيضًا.
"مرام…"
تذوق اسمها بين شفتيه، وهو لا يصدق أن قريبًا سوف تكون له. من كان يصدق أن تلك الشابة التي تحتمي بالجليد كي لا تبرز مشاعرها سوف تكون كل حياته!! نعم، هو يعرف مرام جيدًا. مرام ليست تلك الباردة التي تحاول أن تدعيها. فخلف قناع الجليد الذي ترتديه توجد أنثى حساسة تخاف من أن تجرح. وحسنًا، هو سيفعل المستحيل كي لا يؤلمها أو يحزنها. لقد أخذ عهدًا على نفسه ألا يؤذيها أبدًا ولن يفعل. لن يفعلها أبد.
انخرط هو في عمله بسعادة تامة وأنجزه بنشاط أكبر. كان يعمل وهو لا يشعر بأي جهد أو تعب. ولجت السكرتيرة الخاصة به وهي تعطيه أوراقًا ليمضيها.
"اتفضلي يا آنسة نسرين."
قالها بابتسامة مشرقة. ولجت نسرين إليه وهي تشعر بالدهشة منه اليوم. فتلك المرة الأولى التي لا يكون فيها متوترًا بسبب العمل. فأنس دوما كان حازمًا، صارمًا، لا يبتسم إلا نادرًا. تري ماذا حدث اليوم؟ أعطته الأوراق بهدوء ليمضيها هو ويقول:
"معلش يا آنسة نسرين اتواصلي مع مدير قسم الحسابات وقولي له أستاذ أنس محتاج آنسة مرام ضروري."
ابتسمت نسرين وهي تفهم الآن السبب. فلا يخفى على أحد الآن حب أنس لمرام. لا يخفى على أحد تلك النظرات الخاصة التي يرمقها بها أنس. حاول كثيرًا أن يسيطر على عينيه ولكن كانت سيطرة قلبه أكبر. خرجت نسرين بسرعة من المكتب لتحضر مرام.
***
بعد قليل، كانت مرام تتنهد وهي تقف أمام مكتبه بينما قلبها يخفق بعنف. بالطبع هو يعرف أنها وافقت عليه لهذا طلبها. هي الآن تذوب من الخجل. وجهها أحمر وانفاسها متلاحقة. لا تعرف كيف ستقف أمامه وتنظر إليه. كيف ستواجهه وتتكلم معه. فجأة هزت رأسها وهي ترتدي قناع الصرامة وتوبخ نفسها. هي ليست مراهقة بل هي في الثامنة والعشرين من عمرها. أي أنها راشدة. لا يجب عليها أن تذوب من الخجل بتلك الطريقة. يجب أن تسيطر على مشاعرها. تنفست عدة مرات بسرعة وحاوطت نفسها بالجليد وهي ترفع كفها كي تدق على الباب. أغمضت عينيها وصوت أنس الجذاب ينساب لروحها. تنهدت مرام وهي تدخل للمكتب ثم وقفت أمامه وهي تنظر إلى الأرض وتقول برسمية:
"طلبتني يا فندم."
ابتسم أنس وهو ينظر إليها ثم نهض. كان لا يستطيع أن يسيطر على سعادته. وقف أمامها وقال:
"آدم قالي إنك وافقتي عليا. متعرفيش قد إيه فرحتيني. أنا من أول ما سمعت وأنا مش قادر أخبي فرحتي. أنا… أنا…"
توترت هي أكثر من كلماته وقالت بنبرة جعلتها صارمة:
"الكلام هيكون مع أخويا آدم. بس حضرتك طلبتني ليه دلوقتي؟ عشان تقولي الكلام ده؟"
صمت أنس بتوتر ثم تنهد وقال:
"أنا آسف عارف إني مينفعش أتكلم معاكي خصوصًا إني اتكلمت مع أخوكي ولازم أحترمه بس بجد مش قادر أمنع نفسي من الفرحة. متعرفيش أنتِ فرحتيني إزاي بموافقتك عليا. بجد أنا مبسوط."
كانت عينه تلمع كالنجوم. كانت السعادة التي في قلبه أكبر من أن يسعها العالم بأكمله. حاربت مرام ظهور الابتسامة على شفتيها ولكن تلك الابتسامة هزمتها وهي تشرق على وجهها. بهت أنس وهو يراها تبتسم ولأول مرة بتلك الطريقة. يرى وجهها ينير بقوة كأن القمر بنفسه قد أتى إلى مكتبه. إن كان للجمال شكل محدد فستكون ابتسامتها هي. تراجعت مرام وذهبت من أمامه مسرعة وبسرعة اتجهت للحمام وهي تضع كفها على قلبها بينما ابتسامتها الرائعة تزداد اتساعًا.
***
في المساء.
"طلبتيني يا أمي؟"
قالها آدم وهو يلج لغرفتها وعلى وجهه ابتسامة هادئة تخفي اضطرابات قلبه وروحه. ولكن والدته عرفت. فهي تحفظ آدم. آدم التي ربته بنفسها وزرعت فيه القيم الجيدة وهي تشكر ربها أنه أصبح رجل صالح يتحمل المسؤولية. ولكن شيئًا ما كان يؤرقها. شيئًا ما بآدم تريد أن تقتلعه من قلبه. أعطته ابتسامة صافية وقالت:
"تعالي اقعد جمبي يا ابني."
اقترب آدم منها وهو يبتسم بلطف وأمسك كفها ثم قبله بلطف وقال:
"أخبارك النهاردة يا ست الكل؟ ليلي أدتلك أدويتك."
ابتسمت وهي تهز رأسها وقالت:
"أيوه يا سيدي اتعشيت وأخدت أدويتي وأنا زي الفل أهو. بطل تقلق عليا كده."
"وأنا ليا مين أغلى منك عشان مقلقش عليكي يا أمي."
تنهدت والدته وصمتت. تريد أن تصارحه بما تريد ولكنها خائفة من ردة فعله. تري هل سيقبل من أجلها أم سيثور ويغضب؟ هي تعرف ابنها جيدًا. قد يتنازل من أجلها ولكن قلبه سيحترق. سيشعر أن ما تفعله خيانة. كان آدم يراقب انفعالات والدته بحيرة. لا يفهم ماذا بها. ولم كل ذلك التردد الذي رآه على وجهها. ولكن بدا أن الأمر مهم جدًا. شد آدم على كف والدته وقال:
"أمي تقدري تقولي فيه إيه من غير توتر. لا قلق. أنا آدم."
ابتسمت له وقد انبسطت ملامحها وقالت:
"وده اللي مطمني شوية إنك آدم. آدم ابني اللي ربيته ومستحيل يزعلني ولا يكسر كلمتي. آدم العاقل اللي ربيته على الحب وتحمل المسؤولية وطلع زي ما أتمنيته تمامًا. وأنا كل ما أبصله أفتخر بنفسي إني طلعت إنسان سوي زيه."
ابتسم آدم وهو يقبل كفها ويقول:
"إيه الكلام الحلو ده يا ست الكل. أنا هتغر كده."
ضحكت حسناء وقالت:
"يا بني ده أقل حاجة أقولها عنك. انت بس مش عارف قيمتك."
"لا ده أنا كده اتكبر عليكم رسميًا يا ست الكل وبعدين أديكم مواعيد عشان تشوفوني."
قالها مازحًا إياها لتضحك هي من قلبها ولكن التوتر ما زال مسيطرًا عليها. هل يا ترى سيتقبل ما ستقوله الآن؟ تنهدت وقررت أن تتكلم الآن.
"آدم… يا بني."
قالتها بتلعثم ليقول وقد انبسطت ملامحه:
"قولي يا ست الكل."
"مهرا…"
نظر للجهة الأخرى وهو يغمض عينيه. منذ مشاجرتهما في الصباح وهما لا يتكلمان. هو أخطأ بحقها يعترف بهذا داخله ولكنها أيضًا لا تفهم. لا تفهم ما عاشه. تريده أن يغفر بسهولة. كيف يغفر لمن دمر حياته؟ كيف؟ نظر مرة أخرى إلى والدته وقال:
"عارف إني غلطت لما قلت الكلام ده بس هي كمان بتضغط عليا. هي عارفة الموضوع ده بيخليني أتجنن إزاي. فكرة إني أسامح جابر عزام بتخليني أتجنن. إزاي أسامح بسهولة كده. أنا خايف. خايف مهرا تيجي في يوم وتحطني قدام خيار إني أسامح جدها أو تسيبني. لما فكرت في الموقف ده بقيت زي المجنون. الاتنين بالنسبالي صعبين جدًا. كأني برمي نفسي في النار."
ابتسمت والدته وقالت:
"للدرجادي بتحبها."
ابتسم وقال:
"أيوه بحبها وبحبها أوي كمان. ونفسي تفهمني. نفسي تفهم إن اللي جوا قلبي لجابر عزام مستحيل ينمحي يا أمي."
"ده جدها يا بني."
قالتها حسناء بتوتر ليصمت هو لتستغل هي تلك النقطة وتكمل:
"صعب على مهرا تبقى معاك وإنت بتكره جدها بالشكل ده. متنساش إنه رباها و…"
"عايزة تقولي إيه يا أمي؟!"
قالها آدم بوجه متجمد وعينين تبرقان بعنف. لم تتراجع حسناء عن قرارها. قررت أن تكمل ما تريد قوله فقالت هي بشجاعة:
"عايزة أقول إن جه الأوان تنسي وتسامح يا آدم. ده برضه جدك."
نهض آدم كالملسوع وتصاعدت الدموع لعينيه وهو ينظر إليها بصدمة.
"أنا نسيت وسامحت خلاص يا آدم. مش هقضي كل حياتي أكره جابر بسبب الماضي. وإنت مفروض تعمل كده كمان عشان خاطر مراتك على الأقل. مراتك اللي استحملتك. واستحملت تعيش هنا بعد ما كانت عايشة في فيلا كبيرة وطلباتها كلها مجابة. عشان…"
"بس يا أمي!!!"
قاطعها بحدة.
"آدم اسمعني بس."
"قلتلك بس يا أمي!!!"
صرخ بحدة وهو يضرب الحائط الذي بجواره بكفه.
"مش هتفضل طول حياتك بتكرهه يا آدم. لا لازم تسامحه في يوم."
وكأن والدته أشعلت النيران به بكلماته ليصرخ هو بتوحش وهو يضرب على الحائط:
"قلت كفاية كفاية كفاية."
لم يتوقف حتى عندما وجد الدماء تندفع من كفه. كان قد فقد عقله تمامًا وكان والدته فتحت أبواب الجحيم. كان غضبه كبير، عظيم لا يمكن السيطرة عليه.
"آدم كفاية."
قالتها والدته برعب وهي تمسك كفه ليبتعد عنها ويصرخ:
"عايزاني أسامحه إزاي!!! أسامح الراجل اللي دمر حياتنا!!! "
لم تنتبه حسناء منذ البداية لمهرا ومرام وليلي الذين أتوا ووقفوا أمام الباب وهو ينظرون إليهما برعب.
"آدم وطّي صوتك! اتكلم بطريقة أهدى من كده!"
"أهدى إزاي!!! قوليلي يا أمي. بعد اللي قولتيلي عايزاني أتكلم بهدوء إزاي؟ شوفي حضرتك بتقولي إيه الأول؟!! عايزاني أسامح جابر. جابر اللي دمر حياتنا. السبب في موت أبويا!!! الراجل اللي ذلك. الراجل اللي اتخلى عننا وساب الدنيا تلـطم فينا."
وضعت مرام كفها على فمها وبدأت تبكي وهي ترى انهيار شقيقها. لقد عاصرت كل تلك الأحداث المؤسفة وتشعر بألم آدم. اقترب آدم من والدته وقال بصوت مجروح:
"أنا اتخليت عن حلمي وسيبت التعليم واشتغلت معاكي عشان أقدر أعيش. و…"
قاطعته والدته وقالت:
"إيه يا آدم. إنت هتذل أمي كمان عشان اشتغلت وصرفت علينا. يلا كمان ذلنا عشان ميار سابتك بسببنا!!! قول يالا."
هز رأسه وصرخ بانفعال:
"لا طبعًا. أنا اللي عملته مش فضل عليكم. ده واجبي. واجبي إني أشتغل لأني أنا راجل البيت وحلفت إني عمري ما هخلي أخواتي أو إنتِ تتذلوا لجابر تاني. مستعد أموت وأنا بشتغل لكن عمري ما هسمح إنكم تتذلوا للراجل ده تاني. أمي أنا مستعد أموت لو طلبتي مني كده لأنك أغلى حد على قلبي. إنتِ روحي. لكن إني أسامح جابر فده لا. جابر عزام هيفضل عدوي ليوم الدين وحتى يوم القيامة لو دخوله للجنة متوقف على مسامحتي ليه مش هسامحه برضه."
كانت حسناء مرتعبة وهي تنظر إلى كمية الكره التي يحتشدها آدم في قلبه نحو جابر عزام. يا الله ابنها لن يغفر بسهولة.
"إنت كده بتأذي نفسك بالكره ده يا آدم. إنت بتدمر حياتك."
"مش مهم. المهم إني مش هسامح."
قالها آدم ثم أكمل:
"مش هسامح عشان خاطر أي حد ولا حتى حضرتك يا أمي."
أحست حسناء بجرح غائر في قلبها وقالت:
"اطلع من أوضتي دلوقتي يا آدم. وعيش مع كراهيتك دي لحد ما تخسر الكل. اطلع برا يالا."
بالفعل خرج آدم وهو منفعل من الغرفة وسط ذهول الجميع ثم خارج المنزل.
"هو… هو رايح فين دلوقتي؟"
قالتها مهرا برعب لترد ليلي وهي تبكي:
***
في ورشة آدم، كان جالسًا على المقعد وجهه للأسفل بينما دموعه تتساقط بالتتابع. يشعر أن الوجع يتدفق من قلبه. يريد أن يبكي ويصرخ ولكن لا يستطيع. هو يعجز حتى عن الانهيار.
ارتعش جسده عندما حطت كف رقيقة على كتفه. استدار ليجدها مهرا. تنظر إليه بحزن والدموع تنساب من عينيها العسليتين. أوجع قلب مهرا وهي تراه في تلك الحالة. كادت أن تتحدث إليه أن آدم سحبها من خصرها وعانقها. لم يكن ليترك أي أحد يرى لحظات ضعفه النادرة، ولكن مهرا كانت شيئًا آخر. وكأنها خلقت لتحتوي لحظات ضعفه النادرة جدًا. هكذا فكر وهو يضمها بقوة كالتائه الذي وجد ضالته أخيرًا.
رواية عروس رغما عنها الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سوليية نصار
كانت تضمه بهدوء وهي تربت على شعره بينما هو يدفن رأسه في أحضانها.
يغمض عينيه وهو يشعر بالراحة تنساب لروحه المعذبة أخيرًا.
"أنا آسف..." قالها بإختناق ثم أكمل: "مكانش قصدي أبدا إني أقارنك بيها... أنتِ غالية عليا... أنتِ جزء من عيلتي وأنا مستحيل أقدر أتخلى عن أي حد فيكم سواء انتِ أو أخواتي أو أمي."
"وأنا مكانش لازم إني أضغط عليك يا آدم... أنا مقدرة اللي مريت بيه... عارفة إنه جدك أذاك... بس كان نفسي..."
ابتعد عنها وهو ينظر إليها بحرقة بينما الدموع تحتشد في عينيه.
"مين قالك إني مش عايز أسامح يا مهرا... مين قالك إني محاولتش أكتر من مرة أنسي وأسامح عشان خاطر نفسي وعيلتي... أمحي جابر عزام من راسي عشان أرتاح... مين قال إني محاولتش؟!"
كان آدم يتكلم بقهر وهو يسيطر على دموعه بصعوبة. كانت مهرا تربت على شعره بهدوء ودموعها تنساب وقلبها يؤلمها عليه.
أكمل آدم بإختناق: "بس كل أما أحاول أسامح أفتكر موت أبويا... ذل أمي وحلمي اللي ضاع... أفتكر إني اتكسرت في سن صغير لما خسرت أبويا... أبويا اللي غيابه دمرنا كلنا."
ابتعد آدم عن مهرا وقال بابتسامة مريرة: "أنا كان نفسي أتعلم... كان نفسي أدخل طب زي أمي بس بعد موت أبويا كان قدامي اختيارين أما أكون أناني وأسيب أمي تتبهذل لوحدها أو أعمل واجبي وأكون أنا راجل البيت... واخترت إني أكون راجل البيت ونسيت حلمي... نسيت إني من حقي أحلم."
مسح بسرعة الدموع التي انسابت على وجنته وقال: "مهرا أنا بحبك أوي... أكتر مما تتخيلي وانتِ لو بتحبيني بلاش تجبريني أسامح لأنه والله مقدرش... أنا عمري ما همنعك من جدك... شوفيه وقت ما تحبي... لكن متجيش في يوم تطلبي منه أسامحه لأن مش في مقدرتي أبدا إني أسامح... صدقيني مش قادر."
حاوطت وجنتيه وهي تردد بثقة: "أنا عارفة إن هيجي يوم وهتسامح... هييجي يوم وتشيل الكره اللي في قلبك لأنك إنسان أقوى وكريم... إنسان طيب وقلبه أبيض... هتعرف تسامح لما تقرر إنك تعيش حياتك من غير ما تلوث قلبك الأبيض بالكره... وأنا عمري ما هضغط عليك عشان تسامحه يا ادم وهفضل معاك دايما وادعمك."
ابتسم وهو يضمها مرة أخرى يشكر ربه على وجودها معه.
بعد قليل...
دخلا آدم ومهرا المنزل.
"أنا رايح أكلم ماما." قالها آدم بهدوء لتهز مهرا رأسها وتدخل لغرفتهما.
في الغرفة.
كانت حسناء تجلس على فراشها، تغمض عينيها وهي تتذكر انهيار ابنها. كانت تتألم عليه، تخاف عليه من الكره الذي يحتشد بقلبه. تريد له الراحة، تتمنى أن ينسى ما حدث بالماضي ويعيش مع مهرا سعيد. ولكن آدم لن ينسى بتلك السهولة. ما حدث له بالذات كان صعب جدًا. تنهدت وهي تمسح الدموع التي انسابت على وجهها.
انتفضت فجأة عندما دق أحدهم الباب.
"اتفضل..." قالت بصوت مبحوح.
دخل آدم بهدوء وهو ناكس رأسه. نظرت حسناء إلى يديه المضمدة وقلبها يؤلمها. أرادت أن تتكلم ولكن الكلمات توقفت في حلقها عندما اقترب آدم منها ونام على ساقيها. لم تتكلم حسناء واكتفت وهي تربت على شعره.
"آسف يا أمي... آسف..." كان يعتذر على طريقته معها وهي تقبلت، فهي أم مهما حدث لن تغضب على أبنائها وخاصة آدم الذي كان دوما معها، رفيق الكفاح. لقد قررت ألا تضغط عليه ليسامح جده. قررت أن تعطيه الوقت فربما حب مهرا ينتصر على الكره بداخله. ربما مهرا هي من ستنسيه خيبة الأمل التي عاشها.
في اليوم التالي.
كان يقف تحت الدش الماء يندفع عليه. لا يعرف هل ستكون تلك الخطوة سليمة أم لا. هل حل سليم أن يعري نفسه أمام شخص غريب؟ حسنًا، سيعترف أنه خائف. خائف من الماضي، خائف من النظرات التي سوف تلاحقه من الطبيب. ولكنه يعرف أن الطبيب النفسي بالعادة لا يحكم على تصرفات المرضى. ولكنه لا يمكنه منع نفسه من أن يخاف. ماذا يفعل؟
أغمض عينيه ورفع وجهه للماء ليتدفق بقوة إلى وجهه. ابتسم بحنين وهو يتذكر والدته الحبيبة. يتذكرها عندما كانت تقف تحت المطر رافعة وجهها بينما تدور وهي تضحك. ضحكاتها كانت مسكن قوي لروحه. والدته كانت الجزء الألطف في حياته السوداء القاسية. والدته هي من كانت تهون عليه قسوة والده. لقد أعطته الحب الذي فشل والده في إعطائه إياه.
تنهد بألم وهو يضغط على عينيه بقوة. لقد قرر ألا يفكر بوالده بعد الآن. قرر ألا يستجدي حبه. هو سيحاول إصلاح حياته بعيدًا عنه. ويجب أن يفعل هذا. يجب أن يكون شخصًا جديدًا تفتخر به والدته. سيصلح من حياته. لن يكون شخصًا مؤذي مرة أخرى. لن يتحجج بقسوة والده عليه بل سيصلح حياته. سيبحث عن سعادته بنفسه. هذا هو الوعد الذي قطعه على نفسه. لقد أقسم أن يفعل هذا. أقسم أن يسحب نفسه هو وحياة من الظلام القابعان فيه. سوف يسيران في طريق جديد. صحيح تأخرا كثيرًا في أخذ هذا القرار ولكن إن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي أبدًا.
فكر مروان والابتسامة على وجهه. فتح عينيه وهو يشعر بسعادة غريبة. طاقة غريبة تدفعه لفعل الكثير.
بعد قليل...
خرج مروان من الحمام وهو يجفف شعره جيدًا. كان يرتدي مئزر الحمام الأبيض بينما رائحة الصابون المعطر تفوح منه. كانت ذقنه حليقة وعلى وجهه ابتسامة رائقة. لم يكن سعيدًا هكذا منذ وقت طويل. لقد تصالح مع نفسه أخيرًا. قرر طمس غروره والاعتراف بأخطائه. قرر أن يتوقف عن أن يكون مؤذي من أجله ومن أجل والدته. لقد عرف أنه يؤذي نفسه أولاً وهذا ليس صحيحًا على الإطلاق.
وقف أمام خزانته وآخر القميص الأسود الذي جهزه بالأمس مع بنطال جينز أزرق داكن. دقائق وكان قد ارتدى ملابسه. التقط السترة السوداء وارتداها ووقف أخيرًا أمام المرآة وهو يصفر بينما يزرر سترته. ثم بدأ في تصفيف شعره. توقف أخيرًا وهو ينظر إلى شكله المرتب المضاد تمامًا للخراب الذي بداخله.
فجأة ابتسم وهو يراها خلفه تنظر إليه وعلى وجهها ابتسامة رضا. احتشدت الدموع في عينيه ووضع كفه على انعكاسها وقال بصوت مختنق: "أوعدك يا ماما إني هكون زي ما انتِ عايزة بالضبط... هخليكي تفتخري بيا مش هزعلك تاني ولا عمري هأذي أي بنت تاني. عمري ما هسمح إنك تزعلي بسببي أبدًا."
ابتسامتها أشرقت فابتسم هو معها ودموعه تنساب ثم وضع كفه على شفتيه وهو يقبله بقوة ثم يضعه على المرآة.
نزل مروان الدرج وهو يمسك مفاتيح سيارته. كان ينظر إلى الساعة. يجب أن يذهب الآن لكي يحضر حياة من منزلها الجديد الذي اشترته. صحيح ليس برقي شقتها القديمة ولكن لا بأس بها. قرر الذهاب وإحضارها ثم يذهبان إلى الطبيب كي يلحقا الموعد.
"رايح تعمل مصيبة جديدة." قالها والده وهو ينظر إليه ببرود.
انبسطت ملامح مروان وقال: "متقوليش إنك خايف عليا دلوقتي. أه سوري نسيت خايف على صورتك. بس متقلقش يا وائل باشا مش هعمل أي مشاكل تهز صورتك كرجل أعمال محترم. عن إذنك."
"اومال رايح فين؟!" كان يسأله بجدية. باهتمام غريب.
نظر مروان وكاد أن يسخر منه مجددًا ولكنه قرر أن يسيطر على نفسه وقال بنبرة جافة: "قولتلك متقلقش يا وائل بيه مش رايح أعمل مشاكل. واظن كمان إن حضرتك وراك شغل، مش معقول تسبب شغلك العظيم وتهتم بصعلوك زيي. سلام."
ثم تركه وغادر. تنهد وائل بحزن ثم جلس على الأريكة وهو يفكر أنه قد حصل على كراهية مروان أخيرًا.
مر مروان على منزل حياة وانتظرها حتى خرجت. خرجت هي من بنايتها وهي ترتدي ملابس سوداء وتضع على وجهها نظارة تخفي معظم تفاصيل ملامحها. استقلت سيارة مروان ليقول هو بدهشة: "إيه يا بنتي الحزن ده؟"
نظرت إليه وقالت بصوت متوتر: "بصراحة يا مروان أنا متوترة أوي!"
"ومين سمعك يا حياة." ثم قاد سيارته وانطلق. ولم يلاحظ أحدهم سيارة أحمد الصغيرة التي كانت قابعة تحت منزل حياة بينما النيران تشتعل في عينيه وقادرة على إحراق كل شيء.
في عيادة الطبيب النفسي.
كانت حياة تهز ساقيها بعنف. قلبها يكاد ينخلع من التوتر والخوف. فكرت كثيرًا أن تهرب من هنا بسرعة. تعرف أن ما ستخوضه ليس سهلاً. هي ستعري أسرارها بالداخل. ستتذكر أشياء لم تكن تريد أن تذكرها. لمعت عينيها بالدموع وشدت على كفها بعنف وهي تحبس دموعها بالقوة. لم تكن تريد أن تنهار هنا والآن.
نظرت بتوتر إلى مروان. مروان أيضًا لم يكن حالته أفضل من حالتها بل كان متوترًا للغاية. كفيه تتعرقان. تنهدت وهي ترغب أن يطمئنها ولكن يبدو أنه متوتر أيضًا. نعم، فتلك الخطوة جريئة للغاية من ناحيتهم، أن يقررا فجأة أن يعالجا اضطرابهم. هذا يتطلب شجاعة منهما.
ابتسمت حياة بخفوت وهي تشكر الله أن مروان في حياتها. لم تتخيل في أحلامها أنها سوف تشكر بالامتنان لمروان الذي انتشلها فجأة من الضياع الذي تعيش به. وقف أمام أحمد ودافع عنها. ونوعًا ما شعرت حياة بالأمان وهي بجواره.
أغمضت عينيها ودموعها تهزمها وتنزل. من كان يصدق أنها سوف تشعر بالتهديد من أحمد. أحمد الذي أحبته وظنته أمانها. ظنت أنها ستكون محمية وهي بجانبه ولكن اكتشفت أنه التهديد الوحيد الذي يحوم حولها.
مسحت دموعها بسرعة وأخرجت نظارتها الشمسية وهي ترتديها، تحتمي بها كي لا يدرك أحد أنها تبكي.
نظر مروان إلى حياة التي ترجف بجواره. أراد أن يهدئها ولكن هو أيضًا متوتر. هو أيضًا خائف. هو يخوض ما تخوضه حياة. الاثنان لديهما ماضي يرفضان البوح عنه. الاثنان لديهما آلام كبيرة. الضرر النفسي بكلهما كبير للغاية.
تنهد مروان وهو يمسك كفها ويشد عليه. نظرت إليه حياة وهي ترتجف من الداخل فابتسم مروان ليطمئنها قائلًا: "كل حاجة هتكون كويسة متقلقيش يا حياة."
ابتلعت ريقها بينما كلماته لم تطمئنها. كلماته أصلاً لم تطمئنه هو.
تنهدت حياة وقالت: "أتمنى... أتمنى إن كل حاجة تبقى تمام يا مروان. أتمنى إني أقدر أتكلم وأطلع اللي جوايا عشان أرتاح. حاسة بحاجة كاتمة على نفسي... حاسة إن فيه جبل على صدري مخليني مش قادر أتنفس."
كان ذلك هو إحساس مروان تمامًا. هو يشتركان في كل شيء. يشتركان في نفس الذنب، نفس الألم، والمعاناة.
شد مروان أكثر على كفها وقال: "صدقيني وأنا كمان حاسس بكده. وإحنا جينا هنا عشان الدكتور يساعدنا ومتقلقيش بإذن الله هتمر الجلسة على خير. شوفي يا حياة أنا خايف زيك صدقيني بس ده مش هيمنعني إني أحاول أعالج نفسي ولا ده هيمنعك كمان. اتفقنا؟!"
هزت رأسها بالإيجاب.
في مكتب المحاماة الخاص به.
كان أحمد جالسًا يطالع الملف الخاص بالقضية القادمة. قضية معقدة ويجب أن يدرسها جيدًا. هو يتقدم في شغله الآن، يكسب الكثير من الأموال ويجب أن يركز في قضيته. ولكن للأسف عقله لم يكن حاضرًا معه. جل ما يتذكره هو حياة ومروان ووجودهما الغريب معًا. شعور حارق داخل قلبه يجعله يرغب في تحطيم كل شيء. هو يشعر أن الأرض مزلزلة أسفله. الغضب الذي يشعر به كبير. هو غاضب منها ومن مروان. غاضب من نفسه لأنه ينساق لمشاعر مجهولة لا يعرف ماهيتها ولكنه يعرف بالتأكيد أنها سوف تدمره.
زفر بضيق وهو ينهض من مكتبه ويتجه إلى النافذة. يفتح أول زرين من قميصه كي يتنفس جيدًا وعينيه السوداء تشتعلان بالنيران.
"منك لله يا حياة... منك لله." قالها بغيظ يدعو عليها رغم أنها المظلومة في تلك القصة. ولكن تلك المشاعر التي كانت تبثها داخله غير مرغوب بها على الإطلاق.
شد على خصلات شعره حتى كاد أن يمزقه. أراد فورًا أن يتوقف عن التفكير بها ولكن حتى عقله، حتى عقله رفض أوامره. هي تحتله يومًا بعد يوم وإن لم يتصرف سوف يقع هو فريسة لها وحينها سوف تنتقم منه جيدًا على ما فعله بها.
اتجه إلى كرسيه وجلس مجددًا وأغمض عينيه وهو يتذكرها. يتذكرها. يتذكر الشمس التي تشرق في عينيها كلما رأته وابتسمت له. يتذكر الحب الذي يتدفق من عينيها. كل تلك الذكريات تجلده.
كانت ذكرياتهم السعيدة تتدفق لعقله. فلاش باك.
"كل سنة وأنت في حياتي يا أحمد. كل سنة وأنت سعيد وتحقق كل أحلامك." قالتها حياة والسعادة تشرق على وجهها. كانت قد جهزت له حفلًا صغيرًا بمناسبة عيد ميلاده في منزله مع والدته. ابتسمت والدة أحمد وقالت: "حياة هنا من الصبح بتجهز لحفلة عيد ميلادك."
ابتسم أحمد لتخرج هديته من حقيبتها وتقول: "ودي هدية بسيطة ليك."
أمسك أحمد العبوة وفتحها ليجد بها ساعة راقية. ابتسم بسعادة وقال: "شكلها حلو أوي شكرا أوي يا حياة."
ابتسمت حياة بحماس وهي تنظر إليها. كان الحب يشع من عينيها له.
بعد قليل.
كانت حياة تقطع الكيك بحماس بينما أحمد يجلس بجوار والدته.
"البنت دي شكلها بتحبك أوي يا أحمد. عينيها بتقول كده. الحمد لله اطمنت عليك يا ابني."
ابتسم أحمد وداخله مرتبك. لم يصدق أن تحب والدته حياة. ولكن حياة استطاعت أن تجذب والدته لها. وهذا ليس جيدًا لأنه لا ينوي أن يتزوج بها أبدًا.
"أنا عايزك تتجوزها!" فجأة قالتها والدته ليبهت هو فتكمل والدته: "هي دي اللي هتسعدك يا أحمد. دي المناسبة ليك!!"
باك.
عاد من شروده وهو يدعك عينيه بتعب ويفكر أن حياته تبعثرت تمامًا. ظن أنه عندما يتخلص منها سيعود سعيدًا ولكن السعادة غادرته عندما هجرها وفي يوم زفافها. وهي الآن تشق طريقها مع شخص آخر غيره وتلك الفكرة دمرته تمامًا. لأنه أدرك للأسف أنه يغار. يغار عليها والسبب احتفظ به. هو عاجز عن نطقه لنفسه، عن الاعتراف به فلو اعترف سوف تتعقد حياته أكثر.
أمام الدكتور صفوت عدلي. الطبيب النفسي المشهور.
كانت حياة تجلس وهي ترتعش بقوة. كانت الدموع محتجزة في عينيها ولا تسمح لها بالانهما. شعرت أنها متوترة جدًا. توتر كان كلمة باهتة تصف بما تشعر به. هي كانت مرعبة للغاية من التحدث إليه. لقد دخلت هي قبل مروان وكم شعرت بالرعب. الرعب أن تتكلم أو تنهار.
"مش مهم تتكلمي النهاردة. ولا المرة اللي جاية كمان. خدي وقتك. أنا عارف إن الموضوع صعب عليكي أوي وأنا مقدر كده. ببساطة يا حياة محدش هنا هيجبرك تعملي حاجة أنتِ مش عايزاها."
كان صوت الطبيب الدافئ ينساب لعقلها. انسابت دموعها وهي تنظر إليه بامتنان وقالت: "شكرا لحضرتك بس أنا لازم أتكلم. لازم أعمل المستحيل عشان أخف. أتخلص مع العقد اللي عملتها بإيدي في حياتي. لازم أشيل التقل ده من قلبي. لازم!!"
وبهذا بدأت حياة أولى خطواتها في العلاج. خطوة تأخرت كثيرًا ولكن أخيرًا اتخذتها.
خرجت من الصيدلية حيث تعمل وهي تسير ببطء. تشعر بالإنهاك التام. الشهور الأولى من الحمل متعبة للغاية. كان يجب عليها أن ترتاح على الأقل أول شهور ولكن من سوف ينفق عليها؟ فهي ترفض أي مال يبعثه سامر لها بإصرار وتعيد له نقوده. هي لا تريد أي شيء منه. تريد أن تمحيه من عقلها. ولكن كيف تنساه وجزء منه يقبع داخل رحمها؟
فكرت بيأس وقد تعلقت الدموع بأهدابها ووضعت كفها على بطنها. ذلك الطفل الذي هو من صلبه. الطفل الذي من أجله مستعدة أن تحارب الجميع حتى سامر. وقد حاربته بالفعل. قاتلته بشراسة ووقفت أمامه وهي تقول لا. وقالتها بقوة. ابنها من أعطاها القوة هي تبتعد عن سامر. تبتعد عن ذلك الشخص السام الذي أنهكها.
من بعيد كان هو يراقبها. لقد عرف مقر عملها وكان يطمئن عليها من بعيد. عقد حاجبيه بضيق وهو يلاحظ التعب البادي على محياها. كان غاضب لأنها لا تسمح له أن يعتني بها. لا تسمح له أن يقوم بواجباته نحوها. حسنًا هو لا يلومها. فما فعله كان حقيرًا جدًا. وهو نادم للغاية ولكن هي ترفض الغفران. وكان ذلك كانت فرصتها لتبتعد عنه. أراد الاقتراب منها وأخذها معه بالقوة للمنزل كي يهتم بها ولكنه خاف أن ترفض وتسوأ حالتها فهي لا تطيق رؤيته وهو لا يلومها على هذا. هو جرحها كثيرًا. ولكنه سوف يفعل المستحيل كي ينال السماح.
بشجاعة خرج من مخبئه واقترب منها.
كانت كارما تغمض عينيها بتعب. وشعرت فجأة أنها سوف تفقد الوعي ولكن فجأة كف قوية أمسكتها. نظرت لتجد سامر أمامها. كادت أن تبتعد عنه بضعف إلا أنه أمسكها بحزم وهو يقول: "شكلك تعبانة هوصلك البيت."
"مش عايزة!" قالت بعناد. ليشد سامر على ذراعها ويقول: "كارما بطلي عنادك ده ويالا معايا عشان منلمش الناس علينا. مش هوديكي بيتنا هوديكي شقتك متقلقيش."
تنهدت بتعب وقد استسلمت بسبب التعب الذي تشعر به. جذبها هو إليه ولم تمانع وهي تشعر بذراعيه تطوقانها ويسير بها إلى سيارته.
ركبت هي السيارة وسندت رأسها على نافذة السيارة وأغمضت عينيها. انطلق هو بسيارته متجهًا إلى منزلها.
بعد نصف ساعة تقريبًا.
كانت قد دخلت منزلها وقالت وهي تضع كفها على بطنها: "شكرا ليك."
كانت تطرده بالأدب ولكنه لم يذهب بل ولج إلى المنزل وهو يقول: "بما إنك رافضة ترجعي البيت خلاص أعيش معاكي هنا."
"نعم! أنت بتقول إيه يا بني آدم أنت؟!"
ابتسم سامر وقال وهو يقترب منها، يمسك خصلة من شعرها الذي استطال قليلاً ويقبله قائلًا بنبرة أجشة: "وحشتيني."
ابتعدت قليلاً عنه. لم تسمح لنفسها أن تضعف بل نظرت إليه ببرود وقالت: "عايز إيه يا سامر؟"
ابتلع ريقه وقال: "عايزك. أنتِ وابننا."
ضحكة ساخرة أفلتت من شفتيها وقالت: "ابننا! ابننا اللي كنت عايز تموته صح؟!"
ابتلع ريقه لتكمل هي: "مبقاش ينفع يا سامر خلاص. أنا مبقتش عندي حاجة تانية أقدمهالك ومبقتش عايزة منك حاجة. لا عايزاك أنت شخصيًا!"
"يعني إيه؟" قالها بصعوبة لترد بكبرياء: "يعني تطلقني!!!"
في اليوم التالي.
في المساء.
كان يصفر وهو يهندم نفسه. ابتعد أخيرًا وهو ينظر لنفسه بسعادة. كان الحلة السوداء تليق به تمامًا. صفف شعره جيدًا. ثم التقط عطره غالي الثمن ثم رشه عليه.
اليوم هو اليوم المنشود. سوف يطلبها من أخاها. صحيح أنه قرر أن ينتظر قليلًا ولكنه تراجع. يريد أن يأخذها. سيحل مشكلته بينما مرام في منزله. صحيح أن تلك أنانية منه ولكن حقًا لا يستطيع أن ينتظر أكثر من هذا ولتذهب ليل ووالدتها إلى الجحيم.
"بابي أنا جهزت!" قالتها ملك وهي تدخل لغرفته كأميرة صعثؤرة خرجت من إحدى القصص الخيالية. ابتسم أنس وهو يتأمل فستانها الأزرق التي ارتدته وذلك التاج الفضي الذي على رأسها. دارت ملك بالفستان وقالت: "بص يا بابي.. أنا سندريلا."
اقترب أنس وحملها ثم قبلها وقال: "وأحلى سندريلا يا روحي."
في منزل آدم.
"أنا بجد مش قادرة أصدق من امبارح يا أبيه. مرام يكون متقدملها واحد واحنا نعرف امبارح بس." قالتها ليلي وهي تتخصر بينما وجهها أحمر من الغضب.
ضرب آدم كفًا على كف وقال: "يا بنتي الراجل توي امبارح كلمني عشان يتقدم لمرام وأنا اديتله ميعاد النهارده وقولتلكم بترغي ليه كتير."
"لا يا حبيبي أنا مش بليدة أكيد هو كلمك قبل كده وانت خبيت علينا."
تنهد آدم بتعب وقال: "عشان كان مجرد كلام وقال إنه محتاج وقت يضبط نفسه ويتقدم."
"مش مهم أنا زعلانة برضه."
"اتفق" قالها آدم وهو يدفعها كي يدخل للحمام ويتحمم قبل قدوم أنس.
بعد ساعة تقريبًا.
كان آدم يفتح الباب وهو يبتسم ويقول: "نورتونا."
ابتسم أنس وهو يمسك عبوة شوكولاتة من أفخر الأنواع وبضعة هدايا أخرى. ولج ووضع الأشياء على الأرض ثم صافح آدم وعانقه وعلى وجهه ابتسامة مشرقة.
"دي لوكا بنتي." قالها أنس بعد أن ابتعد عن آدم. ابتسم آدم وهو يصافحها برفق ويقول: "أهلاً يا آنسة لوكا. طالعة زي الأميرة النهارده."
"ميرسي." قالتها بابتسامة لطيفة.
أدخل آدم ضيوفه على الأريكة المريحة. وبدأ في التحدث.
أبعدت ليلي الستارة الكبيرة التي تفصل بين المطبخ والصالة ونظرت إلى ذلك الشاب الوسيم وقالت: "بت يا مرام هو أنس ده معندوش أخ يتجوزني كمان ويرحمني من دراسة الطب اللي جابت أجلي."
ضحكت مهرا لتضربها مرام بخفة وتقول: "بطلي هزارك البارد ده. كله إلا التعليم."
مطت ليلي شفتيها وقالت: "محسساني إني هاخد جائزة نوبل يا ستي. آخري بيت جوزي."
ضحكت مرام وضربتها بخفة على رأسها وقالت: "أنا معرفش انتِ دخلتي طب إزاي بدماغك دي. يالا يا أختي بلاش غلبة وتعالي نطلع الجاتوه والحاجة الساقعة للراجل."
"حاضر يا باشا اطلع الحاجة. والله يظهر إن أنس ده اللي هينفع معاكي. عينيكي بتلمع أوي يا مرام كأنك يعني..."
ضربتها مرام مرة أخرى على كتفها وقالت بتوتر: "يالا يا ليلي عشان نجهز."
ابتسمت حسناء وهي ترى مشاكسة ليلي لشقيقتها وقالت: "عقبالك يا ليلي بإذن الله لما نلاقي اللي هيتحمل طولة لسانك."
ضحكت كل من مهرا ومرام وبدأوا في تجهيز واجب الضيافة.
تعلق أنس بمرام. لم يقصد أن يحدث بها بتلك الطريقة ولكنها بدت كحلم تحقق له أخيرًا. كانت بسيطة كالعادة ترتدي فستانًا كريميًا عليه خمار كبير من نفس اللون. وجهها خالي تمامًا من الزينة وابتسامة لطيفة تزين ثغرها بينما تمسك صينية المشروبات الغازية. وضعت الصينية على الطاولة بعد أن أعطت أنس وأخاها وملك. ثم جلست على الأريكة بجوار آدم بينما تنظر إلى الأرض وتفرك كفيها بتوتر.
اقتربت ملك منها وهي تقول بمرح: "شفتي يا آنسة مرام أنا زي سندريلا."
ابتسمت لها مرام وشدتها بجوارها ثم قبلتها وقالت: "وأجمل سندريلا يا روحي."
كان أنس ينظر إليهما وهو يشعر بالسعادة. لقد عرف منذ البداية أن ملك ومرام سوف ينسجمان مع بعضهما.
خرج أنس من شروده وقال: "طبعًا يا آدم أنت عارف أنا جاي هنا ليه."
ابتسم آدم وقال: "عارف يا سيدي ومرام عارفة والبيت كله كمان." نظر آدم إلى مرام وقال: "وهي كمان أدت موافقتها."
فركت مرام كفها بتوتر أكثر فقال أنس: "وهي لو حابة تسألني أي سؤال أنا جاهز."
"تحبوا نسيبكم مع بعض شوية عشان تتكلموا؟" قالها آدم موجها حديثه لمرام التي هزت رأسها بالنفي وقالت: "أنا معنديش أي أسئلة بس حابة تكون فترة الخطوبة كبيرة شوية."
"خطافة الرجالة دي أنا هوريها!" صرخت ليلي وهي تبقي بالمزهرية الكبيرة التي تزين غرفتها بينما تصرخ بقهر والدموع تتساقط من عينيها الخضراء. لقد عرفت بطريقتها أن أنس سيذهب ليتقدم لتلك الحقيرة مرام؟
ولجت والدتها الغرفة بفزع وهي ترى ابنتها في تلك الحالة. اقتربت منها ثم أمسكتها بعنف وهي تصرخ بها: "اهدي... اهدي يا ليل اهدي." ولكن ليلي كانت تهز رأسها، عينيها تتحرك بجنون. أنس ينسل من يديها. تلك الخبيثة استطاعت جذبه إليها بقناع البراءة الذي ترتديه. أرادت ليلي أن تقتلها. أرادت أن تقتله وتقتل نفسها. لقد انتظرته وتحملته كثيرًا وهو يفكر في الزواج من أخرى.
كانت النيران تضطرم في قلبها. تشعر أنها حقًا سوف تموت.
"هيتجوز... هيتجوز... هيتجوزها يا ماما! هيتجوزها... أنس خلاص ضاع مني... ضاع..." كانت تهذي بجنون بطريقة أخافت والدتها عليها.
أمسكت والدتها كفها وقالت: "متخافيش مش هسمح بكده. أنس هيكون ليكي. مستحيل نسيب الثروة دي كلها تفلت من بين أيدينا."
"أنا مش عايزة فلوس!" صرخت ليلي وهي تدفع والدتها وتبكي بعنف وتكمل: "مش عايزة فلوس. طز في الفلوس وطز في الثروة والشركات. أنا عايزة أنس. أنا بحبه. بحبه يا ماما."
لوت والدتها شفتيها وهي تنظر إلى ابنتها الحمقاء. هل قدر لها أن يكون كل بناتها بنفس الغباء. العاطفة تتحكم بهم. ابنتها الأولى أيضًا كانت تتكلم عن ترهات العشق والحب. لم تستفد أبدًا من الزواج من الوريث الأكبر لشركات الصاوي. بل عندما عانى زوجها من مشاكل كثيرة في العمل وقفت بجواره. لم تطلب أي شيء منه. حتى أنه لم يكتب لها أي من أملاك. وابنتها المعمية بعاطفة الحب قبلت بهذا. قبلت أن تكون زوجة ملياردير دون أن تحصل على أي شيء. والآن ليلي ترتكب نفس الخطأ الأحمق. تقع في حب أنس الصاوي. تجعل قلبها يقودها ولا تحكم عقلها. لقد ضاعت جهودها في تربية تلك الفتاتين سدى.
فكرت بقهر وهي تحك جبينها وأدركت أن حتى ليلي ليس منها فائدة. أمسكت هي ذراع ليلي وقالت وعينيها الخضراء تبرق بعنف: "اسمعيني يا بنت أنتِ. متبقيش غبية كده. حب إيه يا أم حب أنتِ. متبقيش حماره زي أختك الله يرحمها. الحب هيخليكي ضعيفة اسمعي مني. أنتِ هتتجوزي أنس متقلقيش بس مش قبل ما توعديني إنك هتقدري تخليه يكتبلك شركة من شركاته وكمان يشتريلك بيت كبير يكون باسمك. لازم تستفادي منه يا ليل متقلقيش غبية زي أختك. أنس يقدر يغير حياتنا كلها فخليكي ذكية كده وبطلي هبل. حبيه مقولتش لا بس اعرفي إن مصلحتنا الأول."
مسحت ليلي دموعها وقالت: "هو ضاع من إيدي يا ماما."
ابتسمت نيرمين بخبث وقالت وعينيها الخضراء تبرق بشدة: "مين قال إنه ضاع. هو أنا هخلي حتة سكرتيرة زي دي تاخده مننا. لا مستحيل يا حبيبتي. أنس هيبقي ليكي."
تهادت نحو فراش ابنتها وهي تقول بإستمتاع: "جه وقت نضرب أنس الضربة القاضية. اتصلي بالمحامي خليه يعدي علينا بكرة."
... أيوه شمندورة منجنا بهر جاسكو مينجناسجرى مالا واينا مورتنا نا واينا علي الشط أستني رايحة فين دانا ليكي بغني غنوتينغنوة عن الآهة والحنين وغنوة لعنيكي ياحنينآه يا شمندورة لابسة توبيا اجمل من الصورة دوب يا دوبيا اسمر يا سمارة دوبت دوبيا عيون قدارة ع القلوبآه يا شمندورة صبري طال ردي وجاوبيني ع السؤال...
شغلت ليلي تلك الأغنية بعد ذهاب أنس وبدأت في إطلاق الزغاريد.
"بس بس يا بت إيه المهرجان ده." قالتها مرام وهي تضحك.
لترد ليلي: "أختي هتتجوز يا ناس ومش عايزني أفرح."
ضربها آدم على رأسها وقال: "دي مجرد اتفاق ده حتى لسه الخطوبة."
"يا عم تفائل. أنا بصراحة عجبني العريس ده شكله جنتل وابن ناس لو مرام مش عايزاه أنا آخده عادي."
ضحك آدم وهو يجذب ليلي إليه ويقول: "طيب إيه رأيك مفيش جواز ليكي بالذات إلا لما تخلصي طب يا بنت أنتِ."
"يخربيت الظلم." قالتها ليلي ثم أكملت: "مش مهم هفرح برضه بمرام. ارقصوا يا ناس ومتبقوش نكديين."
ثم بدأت ليلي تردد أغنية محمد منير وهي تجذب مرام وترقص معها بينما حسناء تجلس بجوار مهرا وهو يضحكان بشدة.
أيوه شمندورة منجنا بهر جاسكو مينجناسجرى مالا واينا مورتنا نا وايناع الشط أستني رايحة فين دانا ليكي بغني غنوتينغنوة عن الآهة والحنين وغنوة لعنيكي ياحنينآه يا شمندورة لابسة توبيا اجمل من الصورة دوب يا دوبيا اسمر يا سمارة دوبت دوبيا عيون قدارة ع القلوبآه يا شمندورة صبري طال ردي وجاوبيني ع السؤال.
كانت ليلي تتمايل وهي تردد تلك الكلمات وترقص مع مرام التي تحاول أن ترقص مثلها ولكنها تفشل تمامًا.
كان آدم مبتسمًا وهو ينظر إليهما. فجأة نظر إلى مهرا واقترب منها ثم شدها لكي ترقص معه.
"لا لا أنا مبعرفش أرقص يا آدم."
ابتسم آدم وهو يجعلها تقف بقدميها على قدميه ويرقص (سلو) رقصة لا تليق تمامًا بكلمات الأغنية الحماسية.
كان يرقص وهو ينظر إلى عينيها وكأنها هي جنته على الأرض. بينما توقفت مرام وليلي وهما ينظران إلى شقيقهما بسعادة. وقد عرفوا أن حبه لمهرا مختلف تمامًا عن أي حب عاشه من قبل. مهرا الحب الحقيقي لآدم وستظل دومًا هي الحب الحقيقي له وسبب خفقان قلبه.