تحميل رواية «عروس السيد فريد» PDF
بقلم فاطمة الزهراء احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"محكمة" تلك الكلمة التي ظللت أكرهها طوال حياتي البائسة. فأنا من عائلة مهوسة بالقانون، لها تاريخ كبير في المحاكم. أمي كانت محامية، وأبي وكيل نيابة، وجدي وعمي قاضيان. وجميعهم ماتوا. لم يتبق لي سوى أخي الذي استطاع الفلات من تلك اللعنة، والتحق بكلية الطب. وهذا الخبر كان كالصاعقة للعائلة، وقد حاولوا إقناعه بتركها والالتحاق بكلية الحقوق. خرجت من أفكاري على نغزة مساعدي. نظرت له وكدت أن أتحدث، لكني استمعت إلى صوت القاضي يقول بصوت عالٍ: "الدفاع يتفضل" انتبهت لما يقول القاضي، لذا سارعت بالوقوف وقلت وأنا أ...
رواية عروس السيد فريد الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم فاطمة الزهراء احمد
"أهلاً أهلاً يا ابن أخويا العزيز، أخبارك إيه؟"
"إيه اللي جابك؟"
قال لي هذا الكلام بوجهه الجامد كالعادة، لاقول بحزن مصطنع:
"ينفع كدا المعاملة الوحشة دي؟"
قال بسخرية وهو يجلس على الكرسي، يضع قدم فوق قدم بكبرياء:
"معلش يا عمي، حقك عليا. أصل أبويا مكنش فاضي يربيني، أنت أكيد عارف ليه."
قالها بخبث. كدت أن أصرخ عليه. قال ببرود وهو يستعد للرحيل:
"شرفتني يا عمي. أتمنى مشوفكش تاني، لا أنت ولا ابنك."
كاد يرحل، قلت وأنا أستعطفه:
"كدا يا فريد يا ابني؟ دا أنا حتى ملحقتش أرتاح أو أشوف مراتك."
قال ببسمة سمجة:
"بس كدا يا عمي، حاضر من عنيا."
أمسك بيدي وخرجنا، حتى نزلنا فوجدنا اثنين يجلسان ويتناولان الطعام. والفتاة كانت تقول للشاب:
"يا ابني فريد جوزي دا متربي، بدل المرة أربعة، أنت متعرفـ..."
وما كادت تنهي الفتاة حديثها، قال فريد مقاطعًا وهو يشير للفتاة:
"أقدم لك يا عمي مراتي عدالة."
وقفت الفتاة وهي تبتسم لي، وما كادت تتحدث حتى قاطعها فريد ثانية:
"أديك اتعرفت عليها، أتمنى مشوفش وش حضرتك تاني."
ابتسم بعد هذه الجملة ورحل، وهو يقول:
"هبلغ الخدم يحضروا لك الشنط، ولو شوفتك وش حضرتك هنا بعد كدا، هضطر أموت حضرتك."
قال حديثه هذا ورحل. لا أشعر أنا بالغضب يتصاعد لأوردتي، حتى سمعت صوت الشاب يقول ساخرًا:
"لا ما شاء الله، الواد متربي متربي."
قالت بفخر غير لائق مع الموقف بتاتًا:
"شوفته حبيب ماما وهو بيقول لعمه هقتل حضرتك؟ بقي بذمتك شوفت أنت حد بيسأل إذن قبل ما يقتل؟"
هز رأسه بنفي. لتقول هي بفخر:
"شوفت بقي إنه متربي 4 مرات."
ضمت يديها لصدرها وهي تقول بحب:
"أنا فخورة بيه أوي."
شعرت أن هناك شيء غير طبيعي، بالتأكيد هناك حيلة. فلا يوجد في الحياة غباء كهذا، بالتأكيد هذه الفتاة ذكية وتحاول التمثيل لتخدعني، وخصوصًا أنها محامية، فالبتأكيد ستكون ماكرة. لذا علي أن أراقبها. كنت أفكر حتى شعرت بها تقف بجانبي وتقول بفضول:
"بقولك يا عمو، هو انت وفريد متخانقين ليه؟ يعني انت اللي قتلت أبوه؟ ولا أخدت ورثه؟ ولا في إيه؟ قول قول، أنا ممكن أصالحكم."
كدت أصرخ عليها، لاكني توقفت وقلت بخبث:
"لا يا حبيبتي، أنا مقتلتش أبوه. هو اللي قتله."
ثواني حتى استوعبت حديثي وتغير لون وجهها. ابتسمت بخبث ورأيت ابني يقترب، فأشرت له أن يلحقني لأعلى. وبالفعل صعدنا سويًا، وتركتها في صدمتها تلك.
***
لقد كان ما قاله أكثر من صدمة. شعرت بجسدي كله يرتعش. لم أفق من صدمتي إلا على ما قاله أخي بسخرية:
"لا ماشاء الله، نسب يشرف."
قلت بصدمة وأنا أستدير لقانون:
"أنت سمعت اللي قاله؟"
قال ببرود:
"باين أوي إنه بيكره جوزك، فيمكن بيقولك كدا علشان يكرهك فيه."
قلت بتوتر وأنا أحاول تصديق حديثه:
"صح، معاك حق."
كدت أجلس حتى وجدت فريد يخرج ملهوفًا بطريقة لم أراها. قلت بصوت عالٍ وأنا أحاول اللحاق به:
"فريد فريد، استنى."
نظر لي وقال بغضب:
"عايزة إيه يا عدالة؟ أنا مش فيق لك."
قلت بغضب من طريقته:
"أنت بتزعقلي ليه؟ أنا كنت عايزة أقولك حاجة."
نظر لي وهو يتنفس بصوت عالٍ ويضغط على يديه حتى برزت عروقه، وقال بهدوء مخيف:
"أنا مش فاضي لتفاهتك دي. لما أبقى أتزفت وأرجع، أنا مش فيق لك."
رحل. لا أشعر بسهم يخترق قلبي، فهذه أول مرة يحدثني فريد هكذا. دخلت للمنزل مجددًا، وكدت أصعد، سمعت أخي يقول:
"لحقتيه؟"
نظرت له وهززت رأسي بنفي، ثم صعدت لغرفتي بصدمة وأنا أحاول كتم دموعي، وأنا أفكر في سبب كره فريد لي هكذا.
***
طرقات الباب هذه أزعجتني للغاية، لذا ذهبت للباب بأرجل غاضبة وفتحت. وكدت أصرخ على الطارق، لكنني توقفت عندما وجدته فريد. تحولت ملامحي الغاضبة للجمود وسألته:
"خير؟"
ظل ينظر لي لثوانٍ، ثم دفعني للداخل وأغلق الباب خلفه. وأمسكني من مقدمة ثيابي وقال بغضب جامح:
"أنت إيه اللي تروح تجيب دناميت؟ أنت ناوي على إيه؟"
قلت ببرود:
"هموتكم كلكم."
ضربني بقبضته، لاكني وللعجب لم أشعر بألم. قال بغضب:
"أنت غبي؟ عايز تبوظ كل حاجة؟"
قلت بجمود، لاكني استشعرت بـنبرة الألم في حديثه:
"صَبي ماتت. عمك قتلها."
تركني وأمسك بالهاتف، ثم أجرى مكالمة وأنا مستسلم لكل شيء. ثوانٍ حتى سمعت صوتها الحنون واللطيف:
"رائف؟"
"صابرين."
قلتها بلهفة وأنا أمسك الهاتف بيدي مرتعشة. سمعت صوتها العذب يقول:
"عامل إيه؟"
قلت بدموع:
"أنت كويسة؟"
قالت بهدوء:
"أنا تمام، متقلقش عليا. فريد كان متفق مع الراجل اللي تبع عمي. أنا كويسة، هرجع قريب، متقلقش."
قلت وأنا أمسح دموعي:
"أنت بجد كويسة؟"
قالت:
"والله كويسة. بس أنت اسمع كلام فريد علشان كل حاجة ترجع كويسة يا رائف."
"حاضر."
أمسك فريد الهاتف مني وهو ينظر لي بنظرات لم أستطع فهمها، وظل يتحدث، ثم أغلق الخط وقال بغضب:
"أنا مش عايز مشاكل. قبل ما تعمل أي حاجة، قولي، فاهم؟"
هززت رأسي ولم أتحدث. ظل ينظر لي بنظرات غريبة. وبعد ثوانٍ ضمني له بقوة وهو يقول:
"كل حاجة هتكون كويسة."
كم تمنيت هذه اللحظة منذ زمن، أن يضمني فريد وأشعر بهذا الشعور أخيرًا. أفقنا من لحظتنا الجميلة على شهقة من شخص. نظرنا فوجدناها عدالة، التي قالت أغبى شيء يمكن سماعه:
"أنا فهمت كل حاجة."
ابتعد فريد عني وقال:
"عدالة، أنت إيه اللي جابك هنا؟"
قالت بنظرات غريبة، كانت نظرات مشمئزة:
"جيت علشان أفهم كل حاجة. دلوقتي بس فهمت ليه كنت بتتجوز كثير علشان تخبي على اللي، استغفر الله العظيم، بتعمله."
قال بتعجب:
"اللي استغفر الله العظيم بنعمله، هو إيه اللي بنعمله؟!"
نظرت لنا باشمئزاز وقالت:
"اللي بتعملوه، استغفر الله العظيم. أنا اللي كنت فاكرة إنك السيد فريد، طلعت ألوان."
أخذ يهمس بتعجب:
"ألوان... الو..."
ثم قال بصدمة:
"يا نهار أبوك أسود."
نظر لي ثم قال:
"هي فهمت إيه؟"
قلت بسخرية:
"هتكون فهمت إيه يعني؟ واحدة لقت اتنين رجالة بيحضنوا بعض وبتقولك ألوان، هتكون فهمت إيه؟"
نظر لي بصدمة ثم ركض ليلحق بتلك الحمقاء زوجته، تحت نظراتي الساخرة.
***
"استني يا غبية."
أمسكني من ذراعي بعد جملته تلك، لأنظر له باحتقار. فقال بغضب وهو يمسك فكي بيديه:
"بلاش البصة دي، لتندمي، فاهمة؟"
وهنا لم أستطع التحكم، وتساقطت دموعي. لاشعر به يخفف قبضته من على فكي ويمسح دموعي ويقول بصوته الحنون الذي افتقدته كثيرًا:
"طب بتعيطي دلوقتي ليه بس؟"
قلت وأنا أبكي:
"علشان بتزعقلي."
تنفس بصوت عالٍ، ثم قال وهو يضمني:
"خلاص، متعيطيش، حقك عليا."
ابتعدت عنه وأنا أقول بغضب:
"يا أخي، أنت كل شوية أحضن؟ أنت مش عاتق رجالة ولا ستات؟ اتقي الله."
ابتعد عني وقال بغضب:
"عايزة إيه يا عدالة؟ خلصيني."
قلت بتوتر:
"كنت عايزة أقولك على حاجة."
"لا."
قاطعني، لأوضح هو قصده:
"مش قصدي على كلام عمي. فالإجابة لا، مش أنا اللي قتلت أبويا. بصي، هو فيه مشاكل بيني وبين عمي، فهو حابب يوقع الدنيا بينا، والأحسن تفضلي بعيد، فاهمة؟"
قال كلمته الأخيرة بتحذير. لأقول أنا موضحة:
"لا، هو أنا مكنتش جاية علشان أسأل على كلام عمك. أنا كنت جاية أقولك حاجة."
نظر لي مترقبًا حديثي، لاكني خفت أن أتحدث وأخبره بذلك الأمر، وخصوصًا عندما رأيت غضبه كيف يكون. لذا سارعت في اختراع أي شيء تافه:
"ها؟ متقولي يلا، أنا لسا ورايا بلاوي."
قالها بضجر. لأقول أنا بتوتر ومحاولة أن أكذب عليه:
"أنا كنت جاية أقولك حاول تشوفلنا عروسة كدا حلوة، أصلي قررت أجوز الواد قانون بدل ما هو بار كدا ويعنس. أصله حرام يفضل قاعد في أربيزي طول العمر."
صمت. لم أسمع له حتى نفس. ونظراته لم تتغير أيضًا. مر على حالته هذه دقائق، حتى قال بهدوء:
"امشي يا عدالة، أحسن لك دلوقتي. تخفي من وشي، لأني بحاول أتحكم في نفسي إني ما أقتلكش أنت وأخوكِ الباير."
قال جملته ورحل. لاكن قبل أن يختفي تمامًا، قلت له بصراخ كي يسمعني:
"أنت بتعايرني بأخويا علشان عنس وما فيش واحدة راضية بيه؟ ماشي يا فريد، والله لأوريك يا بتاع فريق الكرة اللي اتجوزته."
صمت. لأقول في نفسي:
"صحيح، على رأي الأستاذ علي الحجار، لا بد من يوم معلوم تترد فيه المظالم. أبيض على كل مظلوم، وأسود على كل ظالم."
أخذت أردد الأغنية في رأسي، حتى قلت فجأة:
"إيه ده؟ إيه العنصرية دي؟ ليه الأسود هو اللي للظالم؟ ليه مش الأحمر مثلاً؟"
قلت بثقة:
"أول لما أرجع القاهرة، هرفع قضية على الفنان علي الحجار. هز، ما يعرفش إني من عشاق اللون الأسود ولا إيه."
***
كنت أجلس في الشرفة أفكر في القادم وما سأفعله. حتى سمعت طرقات على الباب. ارتسمت بسمة لا إرادية على وجهي، لأني علمت من الطارق بالطبع هو ذاك اللطيف، قانون. تنهدت، ثم سمحت له بالدخول. دخل علي بطلته الجميلة. هو وسيم جدًا، طوله المناسب مع شعره الناعم ولون بشرته القمحي ذاك، يزيده جمال وجاذبية. قال بصوته المعتاد:
"أسف لو قاطعتك."
قلت ببسمة:
"لا أبداً، أنا كنت زهقانة أصلاً."
ازدادت بسمته:
"أنت ليه دايمًا لوحدك؟"
قلت وأنا أنظر أمامي:
"علشان أنا كنت دايما لوحدي. حتى لما اتجوزت، كنت دايما لوحدي."
نظر لي بصدمة وقال:
"أنت متجوزة؟"
"كنت."
قلتها وأنا أنظر أمامي بوجه خالٍ من التعبير. ليقول لي:
"أنا أسف، أظن إني قلبت عليك مواجع."
نظرت له ودموعي بدأت بالنزول. لم أشعر بنفسي إلا وأنا أضمه، وصوت شهقاتي يعلو. حتى شعرت بيد قانون تضمني. نظرت من أعلى كتفه فوجدتها تنظر لي بحنق. لأبتسم لها بخبث. شعرت بغضبها يزداد وهي تشكل يدها على هيئة قبضة. وما فصلني عن حضن قانون صوتها الحانق:
"أستاذ قانون."
ابتعد عني بتوتر وقال لها:
"صَبي، أنت جيتي إمتى؟ دا أنا قعدت أسأل عليك."
قالت وهي تربع يديها وتقترب منا:
"معلش، كنت في مشوار مهم."
نظرت لي بخبث ثم قالت:
"وأديني جيت وفضيت."
قال قانون بتعجب:
"فضيتي لأيه؟"
نظرت لي بتحدٍ، لأقابلها النظرة بخبث:
"مش مهم دلوقتي. أنت مش وراك شغل ولا إيه؟"
قال بتوتر:
"آه صح، العيادة. دا أنا نسيتها خالص. معلش بعد إذنكم."
قالها بتوتر ثم رحل. تأكدت صَبي من رحيله، ثم قالت بغضب:
"ابعدي عنه يا زبالة."
ضحكت بصوتي كله وقلت:
"هي الصنارة غمزة ولا إيه يا صَبي؟"
قالت بنظرة احتقار لي:
"طول عمرك كنت زبالة وهتفضلي زبالة."
قلت بغضب بعدما فهمت نظرة الاحتقار تلك:
"الزبالة دي كانت ست القصر ده من زمان، وأنت وإخواتك كنتوا زي الخدم عندها."
قالت بسخرية:
"طب كويس إنك لسا فاكرة الخدم وشغلهم. هو برضه محدش بينسى أصله يا ليلي هانم."
نظرت لها وأنا أحاول كتمان غضبي. تنفست بهدوء ثم قلت:
"عرفتيني من إمتى؟"
قالت وهي تنظر لي باحتقار:
"من أول يوم جيتي، وأنا مرتحتلكش أبدًا. نظراتك لينا كلنا كانت حقد وكره. لما دورة وراك، عرفت إنك كذابة، وما جيتيش علشان تحققي في موضوع اختفاء عدالة. ولما دورت أكثر، عرفت كل حاجة وتأكدت أنت مين."
نظرت لي بخبث ثم قالت:
"آه صحيح، فريد ورائف هما كمان عرفوا أنت مين."
لم أستطع أن لا أخفي خوفي عندما قالت هذا الكلام. قالت بسخرية قبل أن ترحل:
"صحيح، نصيحة. حافظي على نفسك بقي، لأن اللي معرفوش يعملوه زمان، هيعرفوا يعملوه دلوقتي. سلام يا ليلي."
رحلت بعدما نجحت في مضايقتي وإخافتي. لقد علم فريد هويتي الحقيقية. أخذت أجذب خصلات شعري، أحاول التفكير في حل للخروج من تلك المشكلة. حتى ابتسمت بخبث. فما زالت أمتلك كارت رابح، وهي (عدالة).
***
بعدما أنهيت كلامي مع تلك الحرباء الملونة، ذهبت لأتففقدهم لأني اشتقت لهم. فوجدت الاثنين يجلسان بجانب بعضهما بصمت في المكان الذي كنا نلعب به ونحن صغار، حيث لا يوجد مكان للهموم والحزن. آه كم اشتقت لتلك الأيام، أيام الطفولة. ابتسمت بعدها، فهذه من المرات القليلة التي أجدهما بجانب بعضهما هكذا. ذهبت باتجاههما وقلت:
"في مكان أقعد؟"
نظر لي رائف وتزحزح قليلاً ليترك لي مكان على تلك الشجرة المقطوعة، فجلست. قلت لهم بطفولية:
"لا، أنا عايزة أقعد في النص."
رأيت شبه ابتسامة رُسمت على وجه فريد، لاكن سرعان ما أخفاها. ليتزحزح هو ورائف على أطراف الشجرة ليتركوا لي مكان في المنتصف. جلست بفرحة بجانبهم وسكتنا كلنا. حتى قاطعت أنا هذا الصمت وقلت:
"كنتم عارفين إن ليلي هي قرار؟"
هز الاثنان رأسهما. فقلت بحنق:
"طب مقولتوليش لي؟"
لم يتحدث أحد. حتى ظللت أضرب بإصبعي كتف فريد بطفولية وأنا أقول:
"مقولتليش ليه؟ ها؟ ليه؟ ها؟ ليه؟ ها؟"
ظللت هكذا حتى نفذ صبر فريد وقال بغضب وهو يضربني على رقبتي من الخلف:
"بس بقى."
ضربني لاقول بحزن:
"أنا غلسة."
فجأة قام رائف بإسقاطه وقال ببرود:
"متضربهاش."
نظر له أخي وقام هو الآخر بإسقاطه وقال ببرود:
"ملكش دعوة."
قام رائف وأيضًا فريد، وظل يضربان بعضهما البعض حتى سقطا الاثنان على الأرض. ومد كل واحد ذراعه لأذهب أنا وأنام بجانبهما على ذراعهما. واستمعت إلى ضحكاتهما. من لا يعرفنا سيظن أن هؤلاء الاثنين بالتأكيد مجانين، فقد ظلا يضربان بعضهما البعض ثم جلسا يضحكان. صمت الاثنان عن الضحك، ونزلت من عيني دمعة، وأظن أنها نزلت من عينيهما أيضًا. فقد تذكرت فريدة، والدة أخي، التي قامت بتربيتي وأنا صغيرة، وهي تصرخ على فريد ورائف عندما يتشاجران بسببي.
"فريد، رائف، بس بطلوا تتخانقوا."
توقف الاثنان عن المشاجرة، لتقترب تلك السيدة الجميلة ذات الشعر البني القصير منهما وتقول بحنان:
"بتتخانقوا ليه؟"
قال رائف الطفل بصوت غاضب:
"كان بيضرب صابرين."
قالت الطفلة الواقفة على مسافة قريبة منهما بغضب:
"اسمي صَبي."
ابتسمت فريدة لها. وقال فريد الممد على الأرض بحنق:
"عيلة غلسة."
قال رائف بغضب طفولي:
"ملكش دعوة."
قال فريد باستفزاز:
"وأنت كمان غلس."
قالت فريدة بحنق:
"طب تصدق بقى إن أنت اللي غلس."
ضحك رائف وصابرين على فريد، ليقوم من على الأرض بغضب. أشارت له ولصابرين بالاقتراب. اقترب الاثنان منها ومن رائف. نظرت للثلاثة وقالت بحنان:
"انتوا التلاتة أخوات، والأخوات مبيتخانقوش مع بعض. بيتخانقوا عشان بعض. أوعدوني إنكم لما تكبروا هتحموا بعض."
نظر الثلاثة لبعضهم وقالوا في نفس واحد:
"أوعدك يا ماما فريدة."
ابتسمت بحنان وضمتهم.
أفقت من ذاكرتي لأجد فريد ورائف قد ناما. ابتسمت وأغمضت عيني لأنام بين أحضان إخوتي، مثلما كنا ننام بعد اللعب ونحن صغار بعد التعب من اللعب.
***
أخذت أضع أغراضي بسرعة وخوف من أن يلحقني أحد. وبعدما تأكدت من أنني أخذت كل شيء وكل ما أحتاجه، كدت أرحل بسرعة. وجدته يتكئ على الباب، وعلى فمه ابتسامة خبيثة وقال لي:
"ياااااه، بقالنا سنين متقابلناش يا ليلي هانم."
صمت. ثم قال بخبث:
"ولا أقول يا مرات أبويا؟"
قلت وأنا أحاول أن أخفي خوفي:
"أنت لو فاكر إني هخاف منك يا فريد، تبقي غبي جدًا، غلطان. كمان، لا يا بابا، مش أنا اللي هخاف منك يا فريد. أنا ليلي هانم."
ضحك بصوته كله وهو ينظر ليدي التي كانت ترتعش:
"لا، واضح فعلاً إنك مش خايفة فعلاً يا هانم."
قلت بخوف:
"أنت هتعمل فيا إيه؟"
قال بخبث:
"ولا حاجة بصراحة. لسا مقررتش. فهتطري تقعدي معايا لحد لما أخلص اللي ورايا، وبعدين هفصلك يا هانم."
كاد يرحل. لاكني قررت أن أحرق قلبه وقلت له:
"طب على فكرة."
استدار لي لأقول بكل خبث:
"حبيبة القلب عارفة كل حاجة."
قال بصدمة:
"قصدك إيه؟"
قلت بخبث:
"عدالة مراتك، قبل لما تتجوزك أو تعرف عن موضوع الوصية، أنا روحت لها وحكيت لها على كل حاجة، وهي قررت تساعدني. علشان كدا هي وافقت تيجي وتتجوزك، مش علشان الوصية، علشان تساعدني أنتقم منك وأدخلك السجن."
ومثلما توقعت، جن جنونه:
"أنت كدابة."
قلت بخبث وأنا أجلس على حافة الفراش:
"لو مش مصدقني، اسألها."
نظر لي بكره ثم غادر وصفع الباب خلفه بغضب. اقتربت بسرعة من الباب لاسمع تلك الحمقاء صَبي تقول:
"اهدي يا فريد، أنا متأكدة إنها كدابة، دي شيطانة وعايزة توقع بينك انت ومراتك. اهدي."
ثم سمعت صراخها يعلو:
"يا فريد استنى."
ابتعدت عن الباب وابتسمت بخبث. يبدو أن خطتي لم تفشل. تفاجأت بباب يفتح، وكانت صِبي. يبدو أنها غاضبة. كدت أتحدث معها وأزيد غضبها، لاكن لم أستطع، لأنه جذبتني من شعري ووقعتني على الأرض وهي تشتمني وتضربني وأنا أصرخ. طلبت النجدة من الشخص الواقف، وقد كان رائف. ليبتسم ويقول ببرود:
"هستناك بره يا صَبي، متزوديش العيار، علشان لسا عايزنها عيشة."
رحل وأغلق الباب خلفه. لاقول بألم:
"ابعدي عني يا حيوانة."
قالت وهي تمسك رأسي وتضربها في الأرض:
"دا أنا هوريك النجوم في عز الضهر. دا أنا هطلع عليك القديم والجديد يا زبالة. كله إلا أخواتي اللي يجي عليهم أموته، فاهمة؟"
قامت من فوقي وقالت:
"بقي بتضحكي على البت اللي اسمها عدالة علشان عبيطة وتورطيها، وأنتِ عارفة إن فريد بيحبها؟ أما أوريكِ يا قرشانة."
ومجددًا انقضت علي لتضربني ضربًا مبرحًا.
***
أخذت أدعو على أختي الحمقاء بكل ما أعرفه من دعاء لتوريطها لي تلك الورطة. ما لي أنا ومال الطب؟ فأنا لا أفقه به شيئًا. فجأة دخلت الممرضة لتسألني:
"يا دكتور، أدخل المريض."
لم يكن بيدي شيء سوى أن أوافق. نادته الممرضة ليدخل، وكان رجلاً في العشرينات. ابتسمت له وطلبت منه الجلوس وسألته:
"أنت كويس يا حبيبي؟"
بادلني البسمة ليقول بود وهو يضرب بيديه على صدره:
"آه الحمد لله."
فجأة شعر بصفعة تنزل على جانب رقبته وأنا أقول بحنق:
"طب طالما أنت كويس يا حيوان، جاي عندي تعمل إيه؟ أنت متخلف يا ابني."
وقف بصدمة وقال بغضب:
"أنت أهبل؟ أنت بتضربني؟"
قلت ببسمة محاولاً تخفيف الجو بعد ما فعلته:
"يا راجل مالك كدا؟ أفوش؟ متأخدش الأمور بشكل جدي، خدها بشكل جدتي."
نظر لي بحنق وقال:
"تصدق إنك راجل مهزق، وأنا غلطان عشان جيت لواحد مهزق زيك."
قال جملته ورحل بغضب وهو يسبني بكل الشتائم التي وردت على جميع البشر. قلت بفخر وأنا أضع قدم فوق قدم:
"غبي، مستفدش من خبراتي."
دخلت الممرضة مجددًا لأقول أنا هذه المرة:
"دخلي اللي بعده."
قالت هذه المرة بحنق:
"اللي بعده إيه بقى؟ ما هو معدش."
قلت بتعجب وبصدمة مصطنعة:
"بجد؟"
قالت بحسرة:
"ما شاء الله عليك. مسبتش مريض إلا وكان خارج يشتمني زي الأستاذ اللي لسا كان بيهزق حضرتك."
قلت بحنق وأنا أرحل:
"طب وايه لزمتها حضرتك؟ على العموم، أنا ماشي. لو فيه أي مريض، كلميني أحضر، تمام."
هزت رأسها بحسرة. ابتسمت وأنا أرحل، وكل ما أفكر به الآن أن أذهب وأقتل عدالة على كل ما فعلته بي.
***
"عدالة عدالة عدااااالة."
كان هذا صراخ فريد الذي يبدو وأنه سيحرق الأخضر واليابس. قالت صَبي وهي تنزل من على الدرج مسرعة، وخلفها عيد ينزل بكل برود كأن الأمر لا يعنيه، ولاكن بالابتسامة المرسومة على شفايه يبدو وكأنه يتسلى. لم أهتم سوى لكلمات صَبي المرتعبة وهي تحاول أن تهدئ فريد:
"إهدي يا فريد، أنت أكيد فاهم غلط."
قلت بتعجب من وضع فريد الغريب:
"فيه إيه؟"
استدار لي فريد، بينما نظرت صَبي برعب، على عكس نظرات عيد التي يبدو أن بسمته اتسعت أكثر، يعني أنه يتسلى أكثر. اقترب مني فريد وقال بهدوء غريب:
"أختك فين؟"
كدت أتحدث وأخبره أنني تركتها في البيت، حتى سمعت صوتها خلفي يقول:
"أنا أهو."
نظرت خلفي فوجدتها تبتسم بكل بلادة كالعادة. نظرت للجميع مجددًا، وجدت فريد ينظر لها بغموض. لا أعلم ما هذه النظرة، لاكنها لم تكن مريحة بالنسبة لي. أما صَبي، والتي كانت لو تود وتلطم على وجهها. وأما عيد، والذي يبدو أنه يستمتع أكثر وأكثر، كأنه يشاهد إحدى المباريات وفريقه هو الفائز. انتبهت على فريد الذي اقترب من عدالة أكثر وأكثر، وقال بغموض:
"أنتِ كنتِ عارفة إن قرار هي ليلي؟"
نظرت له بصدمة. ليكرر هو حديثه:
"كنتِ عارفة من الأول كل حاجة؟ علشان كدا اتجوزتيني، صح؟"
لم تتحدث. حاولت صَبي أن تقول شيئًا، أوقفها هو بنظرته المرعبة، لتصمت. نظر لعدالة مجددًا، وقال ولكن هذه المرة بصوت جهوري وغاضب لدرجة أني خفت منه شخصيًا:
"كنتِ عارفة ولا لا؟"
والصدمة هي أن عدالة هزت رأسها بالإيجاب. لتشهق صَبي ونظرت لفريد، وجدته مصدومًا هو الآخر، كأنه كان يود أن تقول لا، لتريح قلبه. ولاكنها قامت بضربه بسهم قاتل في قلبه. شعرت بفريد يحاول أن يتماسك. قال وقد كان هناك غصة في حلقه، كأنه يقاوم أن لا يبكي:
"ليه؟ دا أنا اديتك ثقة، مديتهاش لأختي. عملتي فيا كدا ليه؟"
نظر بجانبه ثم للسقف، وكأنه يمنع دموعه:
"وأنا اللي زي الغبي كنت بحبك. كلهم قالوا لي بلاش، كلهم قالوا لي هتأذيك، وأنا اللي مشيت ورا قلبي."
صمت لثوانٍ، ثم قال وهو يجاهد كي لا ينظر لها، يبدو أنها مازالت نقطة ضعفه:
"أنا الغلطان. ربنا يسمحك يا عدالة على وجعة قلبي اللي وجعتينيها."
حاولت الكلام، وقالت بصوت مهتز:
"فريد."
أوقفها بيده عن الكلام وقال بهدوء غريب:
"خلاص يا عدالة، معدش عندي ثقة فيكِ. أنتِ طالق يا عدالة."
صُدمت من حديثه، وكذلك صَبي التي شهقت بصدمة. أما عيد، فكانت نظراته غريبة، فكان ينظر بتشنج مضحك لا يليق مع ما يحدث. أما عدالة، والتي يبدو أن حديث فريد قد نقلها إلى عالم آخر. أما فريد، فقد قال آخر حديثه قبل أن يرحل:
"أنا مش عايز أرجع بليل أشوفك تاني، أحسن لك، لآني ساعتها هعاملك كعدو، وأنتِ متعرفيش أنا بتعامل إزاي مع أعدائي."
قال حديثه بعدها، تخطاها. فجأة شعرت بعدالة لم تعد تستطع أن تتوازن. حاولت اللحاق بها، لاكنه كان جسدها أسرع مني، فقد وقعت على ركبتيها من الصدمة. لحقت بها وأنا أهدئها من البكاء، فقد انفجرت في موجة البكاء. أخذتها بين أحضاني على الأرض وحاولت أن أهدئها، وأنا مازلت لا أفهم ما يحدث. كل ما يهمني الآن هي أختي الصغيرة. نظرت أمامي، وجدت صَبي تجلس على السلم بصدمة وهي تضع يدها فوق فمها، تبكي بصدمة من ما حدث. أما عيد، فكان هو الآخر مصدومًا، لاكن تحولت ملامحه من الصدمة إلى الخُبث. نظرت لأختي الماهرة بحزن، ثم نظرت لعيد مرة أخرى، ووجدته قد تبخر، لا يوجد له أثر.
***
كان الأمر صادمًا بالنسبة لي. لم أشعر بنفسي إلا وأنا أسقط على الأرض من صدمة ما قاله فريد. لقد طلقني وتخلى عني، قال إنه لم يعد يثق بي. عاد شريط الأحداث يدور في ذهني، إلا أن توقف عند ذلك اليوم الذي جاءت به تلك الفتاة، قرار، والتي طلبت مساعدتي وهي تبكي.
"معاكِ المحامية عدالة، إزاي أقدر أساعدك؟"
قالت وهي تمسح دموعها بمنديل:
"أنا كنت متجوزة راجل، والراجل ده كان عنده بنت وولد. كان الولد اسمه فريد القاضي. شفته بعيني بيقتل أبوه، وكان عايز يقتلني، بس أنا هربت منه. هو دلوقتي بقى المسيطر على كل حاجة، الأراضي والقصر والفلوس وكل حاجة. وأنا هاربة باسم تاني وشكل تاني وحياة تانية. أنا بقيت مرعوبة يكتشف أمري ويموتني. دا أنا عملت عملية تجميل عشان خايفة منه."
قلت بصدمة:
"ياااه، لدرجادي؟"
قالت بحسرة:
"وأكثر. دا عنده نفوذ يوديني ورا الشمس."
ثم قالت ببكاء:
"ساعديني."
ركعت على ركبتيها أمامي وقالت بتوسل:
"أرجوكِ ساعديني."
أمسكتها لتستقيم ووعدتها أني سأساعدها. عدت للمنزل، وفي اليوم التالي جائني السيد حامد بالوصية، والتي كانت صادمة. وبعدها بدأت تخطيطي بالايقاع بالسيد فريد، لاكن لم أعلم أنني أنا من سأقع بحبه. لقد سرق قلبي بكل ما فعله لي، ببسمته وتحمله لحماقتي. لم أجد يومًا أحد يتحملني بعد أخي سواه. شعرت بدلو من الماء البارد يُسكب علي. فتحت عيني، وجدتني مقيدة بحبال في كرسي. أخذت أتذكر كيف جئت؟!
نعم، لقد كنت مع أخي وطلبت منه مياه قبل أن نستقل السيارة ونغادر، وبعدها لا أدري ماذا حدث وكيف وصلت لهذا المكان القذر. نظرت حولي بتشوش. لاحظت كيان شخص، لاكن لم أستطع تمييزه، فالرؤية كانت مشوشة بالنسبة لي. حاولت فتح عيني وإغلاقها عدة مرات لكي توضح الرؤية، وبالفعل وضحت، ولكني صُدمت حين وجدته عيد، مساعد فريد، هو الواقف أمامي. تعجبت، لاكن كل ما خطر ببالي:
"عيد، أنت بتعمل إيه هنا؟ هو أنت كمان مخطوف؟"
قال ببسمة:
"لا، أنا مش مخطوف. أنا الخاطف."
صدمت مما قال، فسألته:
"خطفني ليه؟ هو أنا عملتلك حاجة؟"
نظر لي بحاجب مرفوع وبمعنى (حقًا، هل أنتِ متأكدة؟). ابتسمت ببلاهة وقلت وأنا أحاول استعطافه:
"ياااه يا راجل، ميتبقاش قلبك أسود كدا يا عيد."
جلس على الأرض وابتسم بسمة أرعبتني وجعلت جسدي كله يرتعش:
"أولاً، أنا مش عيد. عيد دا مش اسمي."
تعجبت مما قاله وسألته:
"امال أنت مين؟"
قال ببسمة:
"أنا أبقى رائف، الابن الغير شرعي لعيلة القاضي، وأخو السيد فريد."
قلت ببسمة من الصدمة:
"يا حلاوة."
قال وهو يخرج سلاحه:
"وعشان أنتِ غبية وعرفتي حاجات كتير مكنش لازم تعرفيها، كان لازم تموتي."
أكمل حديثه وهو يعمر سلاحه:
"ولأن الغبي أخويا بيحبك، ومرضيش يموتك، فأنا عشان أحمي العيلة لازم أعمل كدا."
أكمل حديثه وهو يصوب السلاح اتجاهي:
"ها، تتمني حاجة قبل الموت؟"
ابتلعت ريقي وأنا أقول بصدمة:
"لا، بالله عليك ما تموتني. أنت كدا هتخسر أخوك. مش بتقول إن هو بيحبني؟ لما يعرف إنك قتلتني هيخصمك."
قال بلامبالاة:
"مش مهم. إحنا كدا كدا بنتخانق ونتخاصم، فمهتجيش عليك."
"1"
"2"
وقبل أن يكمل العد، قلت:
"لسة، خلّيها 1، 2، 3."
قال بتعجب:
"ليه؟"
قلت بلامبالة:
"غلاسة. أنا غلسة، أنت مالك."
ابتسم بحنق وقال وهو يصوب السلاح مجددًا لرأسي:
"وماله؟ 1، 2، 3."
وكاد يطلق. صرخت وقلت:
"لا لا، أنا بعترض. أنا عايزهم بالانجليزي، أنا مثقفة."
قال بنفاذ صبر وهو يصوب السلاح اتجاهي مجددًا:
"حاضر. 3، 2."
وكاد يكمل، قاطعته للمرة التي لا أعلم عددها:
"لا لا، طالما هتعد بالانجليزي، يبقى تقول 1، 2، 3."
قال بغضب ونفاذ صبر:
" هتفرق يعني في الموتة؟"
قلت بحنق:
"يا سيدي، بالنسبالي هتفرق. هو أنت اللي هتتقتل ولا أنا؟ إيه الغلاسة دي."
قال وهو يضع المسدس على جبهتي بغضب:
"حاضر. 1، 2."
وكاد يكمل. صرخت مقاطعة إياه:
"استنى، خلّيها بالعربي أحسن. أنا مصرية، مش مولودة في حواري لندن، يعني."
نظر لي بهدوء، لأقول ببسمة:
"إيه؟ غيرت رأيك؟"
هز رأسه. لأتأفف وأقول:
"الحمد لله. يلا نزل السلاح بقى."
ابتسم مجددًا وهو يشد زناد السلاح. لابتلع ريقي بخوف وأغمضت عيني وأخذت أتلو الشهادة. وآخر ما سمعته:
"سلام يا عدالة. أبقي سلميلي على أبويا الواطي."
قاطعته وأنا أقول:
"استنى، مين اللي قلك إني هقابل أبوك الواطي؟ مش يمكن أقابل أمك؟"
قال بلامبالاة:
"مش هتفرق، لأن أمي كانت واطية برضه."
قلت بصدمة:
"دا إيه العيلة الواطية دي."
نظر في عيني. ابتعلت ريقي ليقول:
"أنا معنديش طولت بال زي فريد. فموتي وأنتِ ساكتة."
لم أجبه. ليقول بصراخ:
"فاهمة؟"
ولا إراديًا مني هززت رأسي بالموافقة. ووضع سلاحه مجددًا، ولكن هذه المرة على قلبي وهو يقول:
"1."
"2."
"3."
"سلام يا عدالة........."
رواية عروس السيد فريد الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم فاطمة الزهراء احمد
سمعت صوت طلقات النار لكنها لم تصبني. لم أشعر بأي ألم، فتحت عيني وكنت أتمنى أن أجد فريد هو من حماني وأخذ الطلقة بدلاً عني، ويتحول الوضع من مشهد أكشن إلى درامي وأبكي بعد موته وأقتل نفسي.
لكن عندما فتحت عيني وجدت الغرفة فارغة، لا يوجد بها سواي أنا وعيد الذي لم يصبح عيد.
قال وهو يفك قيدي:
"أنا كنت بتسلى وبربيكِ على اللي كنتِ بتعمليه فيا."
أمسكت يدي أتحسسها مكان ربطه، وسمعته يكمل وهو يضع المسدس مجددًا على جبهتي:
"المرة دي أنا سبتك بمزاجي، مع إن كان ممكن أموتك ولا حد في الدنيا هيعرف لك طريق، حتى فريد نفسه. فـلمي نفسك واختفي من هنا، كفاية المصايب اللي عملتيها."
وضع سلاحه في جيبه، وقبل أن يرحل قال:
"لو الشمس طلعت بكرة ولمحتك، هموتك، فاهمة."
قال حديثه ورحل، لا أشعر بدموعي تتساقط. ضممت ركبتي إلى صدري وأنا أبكي. أحتاج إلى حضن فريد أو حضن أخي، أحتاج للأمان. كم تمنيت أن يأتي فريد الآن ويربت على ظهري ويبتسم لي بلطف كعادته، لاكن لم يحدث هذا.
مر وقت لم أعلم عدده، هل هو ساعات أم دقائق أم ثواني. لم أعلم عددها، لكني شعرت بشخص يفتح الباب بحذر. ضممت ركبتي إلى صدري أكثر، وأدعو الله أن لا يكون عيد وقد غير رأيه وجاء ليقتلني.
لاكن صوته، ذلك الشخص طمأنني، قد كان أخي الذي هرول إلي مسرعًا عندما وجدني. أخذ يتفحصني بعينيه ويضمني لصدره، تنفست براحة وها قد عاد الأمان والطمأنينة إلي مجددًا.
قال بلهفة:
"أنتِ كويسة؟ تعرفي مين اللي عمل فيكِ كدا؟"
قلت بصوت مهتز:
"ل... لا لا معرفش. هو إيه اللي حصل أصلاً؟ وأنت جيت هنا إزاي؟"
قال وهو يتنهد براحة، فيبدو من ملابسه أنه عانى الكثير ليصل لي:
"ياااه يا عدالة، دا أنا تعبت تعب. أنا يدوبك روحت أجيبلك ميه، ملقتكيش واتجننت أكتر لما لقيت تليفونك في العربية. قلبت الدنيا عليكي هنا وهناك، ولما قررت أروح لفريد أسأل عليكي، لقيت حد بعتلي العنوان ده وقالي إن انتِ هنا، فجيت جري أشوفك والحمد لله لقيتك."
هززت رأسي، وأخذ هو يمسح على شعري بلطف كعادته عندما أكون خائفة. لاقول بغصة، حاولت منعها:
"ممكن نمشي من هنا؟ عايزة أرجع بيتنا."
نظر لي بحزن وهز رأسه بالموافقة، وأسندني لنغادر ذلك المكان معًا. وقفت أمام السيارة المنتظرة أمام الباب، ولمحت عيد يختبئ بمسافة ليست ببعيدة وبيده هاتف يحدث معه شخصًا. ركبت السيارة وغادرنا. وقبل أن يختفي من أمامي، لمحته يبتسم بخبث. لم أهتم، وأرجعت رأسي على كرسي السيارة بتعب وأغمضت عيني، ولم أشعر بشيء سوى يد أخي وهي ترتب على شعري برفق. لابتسم وأريح رأسي وجسدي من كل ما يحدث.
***
"تمام يا فريد، هي خلاص مشيت. وأنا بنفسي اتأكدت إنها مش راجعة."
ابتسمت بخبث بعدما قلت حديثي، لأسمع بعدها حنق ذلك الأحمق، لأقول بسخرية:
"هكون عملتلها إيه يعني؟ حبستها وهددتها بسلاح مثلاً؟"
مجددًا ذلك الغبي يتذمر. كنت أعلم أنه مازال يحبها، لذلك قمت بخطفها لأضمن أنها لن تعود وتسبب المشاكل.
"تمام يا فريد، تمام. حاجة تانية حابب تضيفها؟"
قلبت عيني بملل وأنا أسمع نوبة توبيخ كل يوم عن أني أحمق و متهور ولا أفكر. أُفقت من عدم اهتمامي لحديثه عندما تحدث عن ليلي، قلت بحنق:
"حاضر يا فريد، عارف هتقول إيه. مجيش جنب ليلي ولا أقربلها، لأنك محتاجها. وكفاية اللي صبي عملته فيها."
ومجددًا يتحدث عن الأمر ويخبرني للمرة المليون أن أبتعد عنها. كنت أسير لمخزني وأنا أشعر بالغضب لعدم ثقته بي، لذا قلت بحنق:
"أنا نفسي مرة يكون عندك ثقة فيا يا فريد. قلت لك مش هقربلها."
قلت بحزن:
"نفسي مرة تثق فيا يا أخويا."
قلتها بتخاذل لأغلق الخط بعدما جرح مشاعري. لماذا لا يثق بي؟ أشعر بألم في صدري، لقد جرحني. هو دائمًا يفعل هذا. نظرت لتلك الجالسة على كرسي حديدي ومربطة بأقفاص حديدية خاصة بالمجرمين. أمسكت فكها بعنف لتصرخ، وأنا أقول بأسف:
"يرضيكي كدا يا مرات أبويا؟ مش عارف فريد مش بيثق فيا ليه؟ فاكر إني هعذبك من وراه؟ يرضيكي كدا؟"
هزت رأسها بنفي وهي تبكي. نظرت لوجهه الذي يشعرني بالتقزز، ثم إلى شعرها. أمسكتُه وقلت بغضب وكره:
"أول لما شفتك وشوفت شعرك البني القصير، افتكرتها. أنتِ قصدتي تعملي كدا عشان نفسك تبقي زيها، بس عمرك مهتكوني زيها. الهانم هانم، والخدامة بتفضل خدامة."
نظرت لي بكره وقالت بخبث:
"لو أنا كنت خدامة، فـ بيتنسي. بس اللي مبيتنسيش إنك ابن رقاصة، دا حتى أبوك مكنش طايقك، وأخوك بيعملك زي الخدم. مفيش غير صابرين أختك اللي بتعملك كويس، ولو فاكر إنها بتحبك، لا، تبقي غبي. هي بتعملك كدا عشان بتشفق عليك."
لقد داست على جرحي بكل تجبر، لاكن لن أسمح لها أن تفوز، تلك الحقيرة تحاول خداعي والإيقاع بي في مشاكل مع إخواتي، لاكني لن أسمح لها بذلك. أمسكت ماكينة الحلاقة واقتربت منها لتنظر لي برعب وتصرخ.
ثبت فكها بيدها، وبالأخرى أخذت أحلق شعرها كله ببسمة سعيدة، وكأنني أنجزت مهامي الدراسية وحان وقت اللعب. شعرت بسائل على يدي، أنظر لها وهي تبكي، قلت بسعادة:
"إيه دا؟ إبليس؟ أنت بتعيط؟"
لم أهتم وأكملت ما أفعله بكل استمتاع، حتى سمعت صوت خلفي يقول بسخرية:
"أنا نفسي مرة واحدة تثق فيا يا أخويا."
نظرت خلفي لأجده فريد، الذي أكمل حديثه بسخرية:
"طب تصدق، كنت هتأثر."
قلت ببسمة طفل مرحة وأنا أنظر له:
"شوف كدا، إيه رأيك؟"
حول نظره اتجاه تلك الجالسة، وقال:
"واو، إيه الجمال ده؟ لا دانتِ تسيب الشغل معايا ونفتحلك صالون تجميل."
قلت بضحك وأنا أنظر لرأسها الذي لم يبق به ولا شعرة:
"فيها شبه من روجينا."
قال بضحك:
"طب تصدق، صح."
أخرج هاتفه وهو يقول:
"ثبتها بقى كدا، لما أصورها وأبعت الصور لصابرين، هتحبها أوي."
ثم أخذ يصورها وضعيات مختلفة مضحكة، وحدثنا صبي فيديو كول، والتي شاركت هذا الضحك، وهكذا قضينا اليوم.
***
"وبس، فـ قررت أساعدها."
كنت أتحدث بدموع، ليقول أخي بغضب خفت منه:
"أنا شوفت منكِ معاملة حلوة ودلع، عشان كدا أنا هربيكِ من أول وجديد يا عدالة. أنتِ اللي عملتيه ده كارثة. أنتِ كنتِ رايحة عشان تتجوزيه ولا تحبسيه؟"
قلت وأنا أمسح دموعي:
"أنا كنت عايزة أساعدها."
قال بغضب وهو يهز قدمه:
"عشان كدا قولتي أعمل دكتور؟"
قلت بخوف:
"منا لو كنت قلت إنك وكيل نيابة، كان هيخاف منك. بس لما يعرف إنك دكتور عادي، كان ممكن يقع بلسانه معاك ويعترف. بس أنت اللي غبي ومعرفتش توقعه."
قال بصدمة وجنون:
"أنتِ عبيطة يا بنتي؟ وهو أنا كنت أعرف بالخطة العبيطة بتاعتك عشان أساعدك أصلاً؟"
قلت وأنا أحاول وضع اللوم عليه:
"ما أنت مش وكيل نيابة، المفروض كنت تعرف المجرم قبل ما تشوفه. وبعدين أنت غبي وكنت هتبوظ الخطة."
قال بصراخ وهو يجذب شعره:
"هعرفه من غير ما أشوفه إزاي يا غبية؟"
"وبعدين أنا اللي كنت هبوظ الخطة؟ واحدة رايحة تتجوز عشان تحبسه؟ بقي دي خطة؟"
رفع رأسه ويده للسماء وقال:
"كشفت رأسي ودعيت عليك يا بنت أمي وأبويا."
ثم نظر لي وقال:
"من هنا ورايح في معاملة غير. من هنا ورايح مفيش خروج من البيت. هربيكي من أول وجديد يا عدالة."
لم أكن سأهتم لحديثه، فهو هكذا كالعادة. فهو هكذا دائمًا يغضب قليلاً، لاكن ما فعله قفز بقلبي الزعر. لقد خلع حزامه وركض ورائي. دخلت لغرفتي مسرعة وهو خلفي يقول:
"والله لأكون مربيكِ من أول وجديد يا عدالة الكلب. أنا أنا طمرمطيني كدا؟ أنا أشتم بسببك؟ دا أنا لما اسمي كان بيتقال في السجون، الزنازين كانت بتتهز. أجي على آخر الزمن أتهزق بسببك؟"
قلت من خلف الباب:
"الحق عليا، كنت بحقق لك حلمك. مش كنت عايز تبقى دكتور؟"
قال بسخرية:
"حلم إيه؟ الله يخربيتك. ملقتيش غير دي؟ دا أنا لولا ستر ربنا كنت هموت الناس."
سمعت صوته يبتعد، لأعلم أنه رحل. وما كدت أفتح الباب حتى وجدته يمسكني من ملابسي الخلفية وهو يقول بشر:
"حان وقت الحساب."
قلت وأنا أحاول استعطافه:
"لا بالله عليك يا قانون يا حبيبي، دا أنا أختك."
لم يهتم لي، وابتسم بشر، لا أعلم أن مصيري محتوم ولا مفر منه.
***
ها قد حل الصباح. استيقظت بكسل وأخذت أشرب الماء البارد، فهذه عادتي في الصباح. عندما أستيقظ، أول شيء أفعله هو شرب الماء. نظرت في هاتفي وجدت أن تاريخ الإجازة التي أخذتها قاربت على الانتهاء. شعرت بباب غرفة تلك الحمقاء عدالة يفتح ببطء. أغلقت نصف عيني أرى ما سيحدث، فوجدتها تخرج رأسها من الغرفة تنظر هنا وهناك تتأكد من رحيلي. أخذت أشرب الماء باهتمام، أنتظر ما ستفعله. وعندما تأكدت من عدم وجودي حسب فكرها، أخذت تخطو بهدوء وأنا أقف خلفها. قالت:
"الحمد لله لسه مصحاش."
سكبت كوب الماء البارد على شعرها، فصرخت ونظرت خلفها. فضحكت بصوتي كله وأنا أنظر لشعرها الذي أفسدته. لتقول بغيظ:
"إيه يا حيوان اللي عملته دا؟"
أمسكتها من ثيابها وأنا أقول بشر:
"وأنت يا بهيمة، إيه اللي طلعك من أوضتك؟"
حاولت التخلص من قبضتي، لاكنها لم تستطع وقالت:
"رايحة مشوار مهم، فـ بعد إذنك ابعد."
قلت بتعجب وأنا ما زلت أمسكها:
"إيه يا بت الاحترام اللي نزل عليكِ مرة واحدة دا؟ ومشوار إيه ده اللي رايحاه؟"
قالت بحنق:
"ملكش دعوة."
قلت بحنق:
"رايحة تعملي مصيبة إيه تاني يا عدالة؟ أنتِ مش كفاية اللي حصلي بسببك؟"
شهقة بصدمة وابتعدت عني وهي تقول:
"آه، قول كدا. أنت خايف على نفسك مش عليا أنا."
قلت بسخرية:
"أخاف عليكِ إيه يا عدالة؟ دا أنتِ تموتي بلد."
وبسرعة منها قامت بضربي في ركبتي وركضت للخارج. ركضت خلفها وهي تقول:
"والله لأخرب بيتك يا فريد."
قلت بصراخ وأنا أركض ورائها على سلام العمارة:
"الله يخربيتك أنتِ، دا جزاء الراجل إنه سابك عايشة بعد لما كنت هتحبسيه."
وللأسف لم أستطع اللحاق بها، فقد ركبت سيارة أجرة بسرعة وغادرت. نظرت لنفسي وجدتني لم أرتدي حتى حذاء، ورغم هذا كنت سأذهب ورائها، لاكني لمحت سيارة. ذهبت ورائها ولمحت ذلك الراكب بها، لابتسم بخبث وأنا أصعد للمنزل، فقد تأكدت أنها بأمان وأن هناك من سيحميها أو سيحمي البشر من غبائها.
صعدت بكسل لأجد أن باب الشقة أُغلق والمفتاح بالداخل، ولا يوجد معي أي شيء حتى المال. جلست على الأرض وأسندت رأسي على الباب وأنا أقول بحسرة وأضع يدي على رأسي:
"منك لله يا بنت أمي وأبويا."
ولكي يكتمل حظي الأسود، خرجت ابنة جاري، تلك الفتاة اللزجة والتي تدعى سلمى. قالت بشهقة وهي تضرب يديها على صدرها:
"يا نهار أسود! أنت قاعد كدا ليه يا أستاذ قانون؟"
قلت بسخرية:
"مفيش، البيت بتاعنا زهق مني فـ قرر يطردني بره."
قالت بخبث وهي تمضغ العلكة وتتكأ على الباب:
"طب ما تيجي تدخل عندنا البيت وأصحابه مرحبين بيك."
قلت بخوف:
"لا متشكر، أنا حابب أقعد في الهواء الطلق."
قالت بنبرة الفتاة المدللة:
"طب ما تتفضل عندنا، طب دا حتى بيتنا يرد الروح."
قلت بخوف:
"لا متشكر، متشكر."
وفجأة صعد والدها المخيف، فهو يعمل جزار، وقال بصوته الغليظ:
"وقفة عندك، بتعملي إيه يا بت؟"
قالت بخوف:
"ولا حاجة يا بابا، دا أنا كنت برمي الزبالة ولقيت الأستاذ قانون مرمي كدا قدام الباب، فأنا كنت بسأله عن اللي حصله بس."
نظر لي وقال بصوته الغليظ:
"آه، طب اللي حصلك يا باشا؟"
قلت وأنا أنفض ملابسي وأعدل من مظهري، فقد تذكرت الآن ما هو عملي وما هي مكانتي:
"ولا حاجة، الباب اتقفل والمفتاح والتليفون وكل حاجة جوه البيت."
قال وهو يمسكني من ذراعي:
"طب اتفضل عندنا لما نجيب نجار يفتحلك الباب."
كدت أعترض، لاكنه أخافني بصوته الغليظ وهو يدفعني للداخل:
"يلا خش."
قلت بخوف:
"حاضر، هدخل أهو. منك لله يا عدالة، أشوفك وقعدة في مصيبة سودة متطلعي منها."
***
دخلت لتلك العمارة الكبيرة، وعندما وصلت للطابق الموجود في العنوان، قلت بكل خبث:
"أما أوريك يا فريد، مبقاش أنا عدالة."
نظرت للافتة المعلقة جوار الباب، وجدت مكتوب "أخصائي علاقات زوجية". تعجبت وقلت:
"هي البت سارة سابت المحاماة ولا إيه؟"
دخلت فتعجبت من كل هؤلاء النساء الموجودات، وقلت في نفسي:
"ما شاء الله، كل دول عايزين يجرجروا جوزاتهم في المحاكم. هي الرجالة جرالها إيه؟"
قاطع تفكيري صوت المساعدة وهي تقول:
"أقدر أساعدك في حاجة؟"
قلت لها:
"أنا جاية في موضوع خاص."
قالت ببسمة عملية:
"آه، أنتِ بتاعت الموضوع الخاص. تمام، اتفضلي ادخلي بعد الأستاذ والأستاذة اللي جوه."
هززت رأسي وجلست بجوار المكتب وسألتها:
"ما شاء الله، كل دول مطلقين؟"
نظرت لي بتعجب وقالت:
"مطلقين إزاي؟ لا، هما جايين عشان عندهم مشاكل مع جوازهم وعايزين يصلحوها."
وقفت من الصدمة وقلت:
"نعم؟"
نظرت لي بتعجب وقالت:
"في حاجة حضرتك؟"
قلت وأنا أجلس:
"لا أبدًا، مفيش حاجة."
أخذت أتحسر على حظي وقلت:
"يا عيني عليكي يا عدالة وعلي حظك الأسود، يعني أنتِ يا سارة مجتيش تغيري النشاط غير عليا أنا."
أفقت من حديثي على صوت الباب الذي خرج منه زوجان، فدخلت المساعدة لثواني وبعدها خرجت لتناديني. دخلت وأنا أنظر في أنحاء المكتب، فتفاجأت بوجود رجل جالس، كان وسيمًا جدًا، فقلت في نفسي:
"هي الرجالة احلوت فجأة ولا دا موسم البقلاوة؟"
قال بتعجب:
"أنتِ مش مدام وفاء؟"
قلت بتلقائية:
"وأنت مش سارة؟"
ضحك بصوته كله، لأجلس تلقائيًا أقول ببسمة على ضحكته الجذابة:
"يارب تتولع يا فريد."
قال وهو يضرب بخفة بالقلم على المكتب ويبتسم:
"أصل مدام وفاء كان عندها مشاكل مع جوزها فحجزت كشف ضروري. فلما السكرتيرة قالتلي إنك الحالة الخاصة، افتكرتك هيا."
قلت بتلقائية وأنا أحاول جمع ما يقوله:
"هو أنت بتشتغل إيه؟"
تعجب من حديثي وضحك مرة أخرى وهو يشير لتلك اللافتة الصغيرة الموضوعة على المكتب:
"ميكانيكي."
ابتسمت بحرج بعدما وجدت مكتوب على اللافتة "أستاذ مازن طارق، تخصص علاقات زوجية". قلت بحرج:
"آسفة، أصلي كنت جاية لسارة صحبتي. واضح إن حصل لبس."
قال بتفاجأ:
"أقصد المحامية سارة عصام؟"
هززت رأسي بالإيجاب. ليقول:
"آه، دي في وشي على طول. واضح إنك مأخدتيش بالك."
شعرت بالحرج الشديد لأقول وأنا أقف لأرحل:
"آنا آسفة أوي."
وقف هو الآخر وكاد يتحدث، قاطعتنا دخول مفاجئ، وكان لصديقتي سارة التي دخلت غاضبة، والمساعدة خلفها تقول:
"مينفعش اللي حضرتك بتعمليه دا."
أشار لها مازن بالرحيل، لتنظر لسارة بغضب وترحل وتغلق الباب. ابتسم هو لسارة بلطف، لتضرب المكتب بعصبية حتى شعرت أن عظم يدها كُسر.
"ممكن أعرف إيه اللي أنت هببته دا؟"
قال ببسمة لطيفة لا تناسب الموقف:
"عملت إيه؟"
قلت بدون شعور:
"يا سلام على الضحكة، الله يخربيتك يا فريد أنت وقانون وعيد اللي طلع مش عيد."
لم أستمع لشيء بعد حديثي هذا، فنظرت وجدت الاثنان ينظران لي بتعجب، لأقول بحرج:
"آسفة يا جماعة. قطعتلكم الخناقة."
قالت سارة بصدمة:
"عدالة؟ أنتِ بتعملي إيه هنا؟"
قلت ببسمة لا تناسب هذا الموقف أبدًا:
"لا، أصلي اتجوزا واطلقت، وكنت جاية عشان أجرجر جوزي في المحاكم."
قالت بهدوء غريب وهي تنظر لمازن:
"طب استنيني بره أخلص معاه وأجي أجرجلك جوزك في المحاكم."
هززت رأسي وكدت أرحل، لاكن أوقفني موقف مازن الذي قال وهو يقف باحترام وبسمة لطيفة لا تناسب البركان الذي سينفجر به:
"اتفضلي حضرتك."
قلت وأنا أرحل وأندب حظي:
"هي دي الرجالة؟ الله يحرقك يا فريد."
خرجت وسندت بظهري على سور الدرج أنتظر وأفكر في ما حدث لي في الأيام السابقة. هل حقًا كنت غبية ومتسرعة؟ هل حكمت بالخطأ على فريد وتلك الفتاة ليلي هي الكاذبة أم العكس؟ ولاكن فريد لم يثبت لي أنني كنت مخطئة، وأيضًا لم يثبت أنني كنت صحيحة. هل أحببت فريد؟ لا أعلم. لاكن كل ما أعلمه أنني حقًا أشتاق له. أتذكره بكل مواقفه اللطيفة، همساته، ابتسامته. كادت دمعة تنزل من عيني، لاكني أسرعت ومسحتها.
خرجت سارة من مكتب مازن بغضب، وبالخطأ ضربت كتفها في فكادت أنزلق من على السلم، لاكن بالصدفة كان مازن قد خرج ورأها، فأمسكني، فـارتميت بين ذراعيه. قلت في نفسي لو أن بالخلفية موسيقى، سيصبح الموقف مسلسل تركي. لاكن بدلاً من صدور صوت الموسيقى، صدر صوت آخر لم أكن أود أن أسمعه في هذا الموقف. لقد كان فريد.
"إيه اللي بيحصل دا؟"
يبدو أن هناك شخصًا قد دعا علي اليوم أن أقع في مصيبة سوداء. أيًا كان هو، فليذهب للجحيم الأبدي.
رواية عروس السيد فريد الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم فاطمة الزهراء احمد
نظرت له وأنا مازلت على وضعي هذا:
"طبعًا أنا لو حلفتلك إنك فاهم غلط مش هتصدقني صح."
قال بصدمة وهو يصعد درجات السلم ليصل لي:
"فاهم إيه؟ إنت بتعملي إيه هنا؟"
قلت بتأثر:
"أنا يا أستاذ كنت جاية عند دكتور أخصائي علاقات زوجية."
تعجب من حديثي هو ودكتور مازن، ومن حظي إن سارة كانت في الداخل عند قدوم فريد بعد أن جاها مكالمة، لذا سارعت بالكذب عليه وقلت بلوم وأنا أقلب الطاولة عليه مثلما يقولون:
"يا أستاذ فريد أنا كنت جاية هنا علشان بحاول أصلح علاقتنا اللي إنت دمرتها."
نظر لي بحاجب مرفوع، وبمعنى لم أهتم، وأكملت بتأثر وأنا أضع يدي على عيني وكأنني أبكي:
"جيت لدكتور مازن علشان أحاول أصلح علاقتي معاك بس واضح إن كل طرقنا مسدودة."
نظرت بعدها بطرف عيني، فلاحظت تأثره، وكنت شاكرة لذلك الطبيب أو المعالج النفسي، أيًا كان، أنه لم يفضحني. وعندما كنت على وشك الانتصار، دخلت تلك الحمقاء سارة وخربت كل شيء عندما قالت:
"ها يا عدالة، يلا بقي علشان تحكيلي حكاية طليقك اللي عاوزة تجرجريه في المحاكم."
بالطبع لم أحتاج أن أقول بأن مازن كان يسقط من الضحك، وفريد ينظر لي بشر وهو يقول:
"لا، واضح إنك كنت عاوزة تنجحي علاقتنا."
قلت ببلاهة:
"شوفت بقي بضحي إزاي."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"والله مقادر أبطل ضحك، يا لهوي!"
كنت أقولها بصعوبة بسبب ضحكي، حتى أنني لم أشعر بنفسي إلا وأنا أسقط من على الأريكة. ليقول فريد وكأنه يحمل تلال من الهموم:
"أضحك، أضحك، وهي جت عليك."
قلت بجدية وأنا أجلس ثانيًا:
"مالك يا عم؟ أنا مشوفتكش كدا من أيام القضية اللي كنا ماسكينها سوا."
لم يتحدث، وأخرج من جيبه سيجار. تعجبت مثيرًا من فعلته، لا فريد في العادة لا يشرب. أمسكت السيجار من يده وأنا أقول:
"إيه يا عم دا؟ إنت بتشرب من إمتي؟"
رمى علبة السجائر على الطاولة، ثم قال بحزن:
"لما ببقى مخنوق بطلع غلي فيها."
قلت بسخرية وأنا أعيد ظهري للخلف:
"يا سلام، كل دا علشان عدالة؟ يا ابني دي أتفه من التفاهة."
نظر لي بشر وأنا أبتسم بسماجة. ليقاطعنا دخول السيد حامد ومعه حاملة عليها مشروبات. ليقول وهو يجلس بسعادة:
"عملتلكم شوية عصير إنما إيه."
قلت له بشك:
"لا بس حلو الروب اللي إنت لبسه دا، مين اللي جابهولك يا شقي؟"
نظر لي بحنق، ثم قال لفريد وهو يتجاهلني:
"إيه مالك يا فريد يا ابني؟"
قال وهو يحاول أن يداري حالته:
"لا ولا حاجة، دا..."
لاكن قاطعه السيد حامد قائلاً بتصميم:
"لا بقي دا في، وفي كمان في إيه يا ابني؟"
قال بحزن وهو يضع يديه على خده:
"شوية مشاكل بس."
قال السيد حامد متعجبًا وهو يأخذ كوب العصير:
"مشاكل إيه؟ وإنت الحمد لله ماسك مرات أبوك وحاططها تحت إيدك، وعمك إنت ماسك عليه حاجات توديه ورا الشمس، فمتقلقش مش هيعرف بس يقربلك. دا غير إن أمور العمودية تمام وأهل البلد كلهم بيحبوك. ولو على شوية العيال اللي واخدين أرض العدل بيه الله يرحمه، فدول مسالمين ومش بيعملوا حاجة، فإنت مهموم ليه؟"
كان ينظر لنا باستأهزاء وكأنه يقول هذه الأمور لا تقارن بما أخفيه. منذ أن قابلت فريد أول مرة وهو ضابط شرطة، وأنا متأكدة من أنه يخفي تلال من الأسرار، وأيضًا أمر تركه للشرطة مرة واحدة وزعمه أنه سيفعل هذا من أجل عمودية أهله لم أصدقها. أنا متأكدة من أن هناك الكثير من الأسرار وراء هذا الفريد. خرجت من شرودي على مزحة السيد حامد وهو يقول:
"وبعدين يا سيدي، دا إنت طلقة عدالة، دا دي كانت كارثة مش بس مشكلة."
قلت بحنق:
"فيه إيه يا عم حامد؟ مالك كدا؟ دي أختي برده على فكرة."
قال بحنق وهو يرتشف المشروب:
"والنبي اتنيل، علشان إنت أصلًا مش طايقها."
كدت أدافع عنها، قاطعنا صوت جرس الباب. تحفز جسدي للأمام وأنا أقول:
"الله! أنا كنت شاكة من الأول، أول ما شفت الروب الأحمر دا، أه يا شقي ميبانش عليك برده."
نظر لي بحنق وكاد يوبخني، لاكن قاطعه فريد وهو يضع إصبعه على فمه بمعني أن نصمت. سار للباب ببطء. قال السيد حامد بهمس:
"طب ما ممكن يكون المكوجي."
لم يهتم فريد ونظر من فتحة الباب ليرى من الطارق. عاد للخلف بصدمة ليقول:
"يا نهار أسود، دي بتيجي على السيرة."
قال السيد حامد بتعجب:
"هو إيه اللي بيجي على السيرة؟ المكواة؟"
قال بهمس:
"مكواة إيه دي أختك."
قلت بصدمة وبصوت عالٍ لم أدركه:
"عدالة!"
وبسرعة انقض علي فريد يكمم فمي ويأخذني للداخل. دخلنا إحدى الغرف وفتحنا الباب، ففتحة صغيرة لننظر للخارج. وبالفعل كنا نرى غرفة الضيوف بوضوح. فتح الأستاذ حامد الباب ليقول بصوت عالٍ:
"أهلاً أهلاً يا عدالة يا بنتي، إيه النور دا."
دخلت عدالة لتقول:
"أزيك يا عمو حامد؟ لقيت نفسي زهقانة، قولت لما أشقر عليك."
ثم قالت بشك:
"هو أنا جيت في وقت غير مناسب ولا إيه؟"
قال بتوتر واضح:
"لا ابدًا، اتفضلي، ادخلي."
دخلت لتقول:
"لا بس واضح كدا من الروب دا إن جيت في وقت غير مناسب."
نظر إلى فريد وقال:
"فعلاً، أخوات نفس التفكير، الش*مال ما شاء الله."
قلت بحنق:
"مهو مفيش حد بيلبس روب أحمر وجايب شعره على جنب كدا إلا لما يكون هناك أنثى برده، ولا إيه؟"
وفي نهاية الحديث، غمزة له غمزة "نفادي" الذي يأتي في مسلسل الكبير. نظر لي بحنق ولم يتحدث، ونحن ننظر لتلك التي دخلت. ومن حظ السيد حامد أنه نسي أن يُدِخل المشروبات التي أحضرها لنا، لتقول بغمزة، لاكن ليست مثل خاصتي أو كخاصة نفادي، أيًا يكن، تلك الغمزة لمن:
"دا فيه 3 كوبايات عصير كمان، يعني اتنين مش واحدة."
قال بصدمة:
"إيه دا؟ اللي واحدة؟"
قالت بغمزة، لاكن هذه المرة كانت مثل خاصة نفادي:
"متعرفش برده يا شقي."
قلت بفخر لا يناسب الموقف:
"إنها أختي."
قال فريد بحنق:
"تفكير زبالة."
كانت ترتشف المشروب، أخذت تنظر في أحناء الشقة، إلى أن وقعت عينيها على تلك الغرفة والمواربة التي نحن وفريد موجودين بها. ليلاحظ السيد حامد ذلك ويقول مسرعًا:
"دا أنا اللي كنت بشرب."
قالت بمكر:
"هتشرب 3 كوبايات لوحدك برده؟"
قال بحنق:
"يا ستي أنا ضغطي عالي شوية، إنت مالك."
قالت وهي تشرب الكوب الآخر:
"طب لو سمحت اعملي واحد كمان."
نظر للكوبان الفارغان وهو يتمتم بحنق، ثم ذهب للمطبخ. وعندما اختفى، سارت بسرعة نحو الغرفة التي يقطن بها. أمسكت مقبض الباب تسحبه، وأنا من الجهة الأخرى أسحبه لكي لا تفتحه وأقول لفريد:
"شد معايا."
أخذ فريد يجذب معي المقبض وهو يقول:
"يا خربيت أختك، إحنا الاتنين مش قادرين عليها."
قلت بحنق:
"مهو مخروب، إنت ناسي إنك طلقتها."
قال بحنق منها لأنها تشده وتشتم من بالداخل، ألا وهو نحن، وتصفه (بالحيوانة) لأنها تعتقد أن من بالداخل أنثى:
"لا، ما أنا رديتها، بس شكلي هطلقها تاني."
قلت بصدمة وأنا أترك المقبض:
"إيه؟ من غير ما تقولي."
قال بحنق وهو يجذب المقبض بعدما كانت عدالة على وشك فتحه:
"إنت غبي."
قالت عدالة من الخارج:
"كنت عارفة إن في حد جوه، إنت مين يا بت وبتعملي إيه عندك؟"
كنت أعلم أنها لم تصمت إلا أن فتحنا، لذا قررت مجاراتها بدلًا من أن تفضحنا. فقلت بصوت حاولت جعله ناعم:
"إنت اللي مين وبتعملي إيه عند حمودي؟"
قالت هي وفريد وزوجة السيد حامد التي دخلت المنزل مع ابنه والسيد حامد الذي جاء من المطبخ في ذلك الوقت:
"حمودي."
نظرت عدالة له وهي تقول:
"وطلعت حمودي يا أستاذ حامد، أخس."
ثم نظرت لزوجته وأخرجت من حقيبتها بطاقة أعطتها لزوجته وهي تقول:
"دا كارت صحبتي سارة عصام، محامية خُلع، هتنفعك. سلام."
قالتها وهي تأخذ حقيبتها وتغادر. أما هو، كان في حالة صدمة تقريبًا لأنه لم يتحرك. فتحت الباب ببطء بعد رحيل عدالة لأخرج وأنا أبتسم لزوجته وأقول وأنا أنظر للكارت الذي تمسكه بصدمة:
"على فكرة سارة محامية شاطرة، بتجيب من الآخر."
ثم نظرت للسيد حامد بحنق:
"حمودي، أنا من الأول مكنتش مطمنة للروب الأحمر."
رحلت. ليخرج فريد خلفي وهو يقول:
"طب أستأذن أنا، سلام يا حمودي، أقصد يا أستاذ حامد."
رحلنا ونحن نكتم الضحك. قلت لفريد:
"تفتكر حمودي هيبقي كويس؟"
انفجر فريد من الضحك وأنا معه، حتى أننا جلسنا على السلم لنكمل ضحك. جلسنا لأقول:
"الله يخربيتك يا عدالة."
قال فريد وهو يضع رأسه على كتفي:
"وحشتني أوي."
نظرت له بطرف عيني وقلت:
"هي مين دي؟"
"أختك."
ضربت رأسه بكتفي الذي كان يستند عليه:
"احترم نفسك يا حيوان."
قال ببرود:
"على فكرة هي لسه مراتي، أنا رديتها."
قلت بحنق:
"حتى لو، متقولش كدا قدامي."
لم يحدثني، لأسأله بتوتر:
"هو إنت هتقولها إمتى؟"
قال بعد أن تنهد:
"مش عارف، لسه قلقان."
ابتسمت وأنا أقول:
"إن شاء الله خير."
هز رأسه وهو يعيد الكلمة:
"إن شاء الله خير."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"وبعدين يا ستي، طلقني."
قلتها لتلك الجالسة أمامي تحتسي القهوة. تركت الكوب ثم قالت بهدوء:
"تصدقي يا عدالة، أنا لو مكان جوزك وإنت عملتي فيا كدا، أنا مش هطلقك، لا دا أنا هموتك وأروح أعترف على نفسي عادي."
نظرت لها بتعجب، لتقول بعصبية:
"إنت عبيطة يا بنتي؟ يعني إنت راحة تتجوزي واحد علشان تحبسيه، تقومي تخربي حياته وتقرفيه وزعلانة إنه طلقك؟ دا إنت المفروض تفرحي إنه سابك عايشة."
قلت بحنق:
"نفس الكلام الألهبل اللي قانون قاله."
قالت باستخفاف:
"لا مش كلام قانون الألهبل، إنت اللي هبلة والله."
كدت أصرخ بها، قاطعني ذلك الشخص الذي لم أتوقع رؤيته، كان ذلك الطبيب أو المعالج النفسي مازن. نظرت له لأجده تعجب من وجودي، ثم ابتسم. لأنظر إلى سارة التي توترت. قال بعدما وضع الأكياس على الطاولة:
"أهلاً أهلاً، مقولتش ليه صرصور إن عندنا ضيوف."
قلت بتعجب:
"صرصور؟ الله! دا فيه حكاية."
قالت سارة بسرعة:
"مش هتروحي يا عدالة بقي، علشان أخوكي قلقان عليكي."
قلت بسماجة:
"لا، أنا أخويا أصلًا متبري مني."
قال مازن اللطيف:
"سارة، مينفعش تطرديها."
قالت بحنق وهي تقف:
"وإنت مالك؟ بتدخل في اللي ملكش فيه ليه؟"
قال بغضب:
"بنت، عيب، مينفعش تعلي صوتك على بابا."
قلت بصدمة:
"بابا؟ بابا إزاي يعني؟"
قال مازن ببسمة:
"نورتينا يا مدام."
ثم نظر لسارة بحنق وهو يشير لها بأن تلحقه للمطبخ. وبالفعل ذهبت ورآه بتذمر. لأضرب أنا يداي ببعضهم وأنا أقول:
"بابا إزاي؟ دا أصغر من فريد جوزي، بابا إزاي؟"
دقائق حتى جاءت تجلس بجانبي ويبدو على وجهها علامات الغضب. لأقول لها:
"لا بصي، حتى لو إنت شاطرة، هتقوليلي مين دا."
قالت بغل واضح:
"للأسف، جوز ماما."
صمت من الصدمة التي لحقت بعقلي:
"نعم."
نظرت لي بملل ثم قالت:
"عدالة، أنا مش في مقدرتي أقولك، أطلعي بره يلا."
أمسكت حقيبتي وطردتني للخارج. لأقول بحنق:
"فعلاً، الصحاب في إجازة."
أغلقت الباب في وجهي، لأبصق على الباب بعد غلقه. قلت وأنا أنزل من منزلها:
"جوز أمها؟ جوز أمها إزاي؟ بقى لهقط القشطة دا جوز أمها إزاي؟ هما العواجيز مالهم اليومين دول بيعيوا ليه؟"
كدت أركب سيارة أجرة، لاكن أوقفني صوت. نظرت خلفي لأراها، فقلت بحنق:
"افندم؟ عاوزة إيه؟"
قالت ببسمة:
"كنت عاوزاكي في خدمة."
قلت بعصبية:
"عاوزة إيه؟"
ابتسمت وهي تعطيني بعض الأوراق وهي تقول:
"اقرئي وهتفهمي."
أخذت تلك الأوراق وأخذت أقرأها، لأقول بصدمة:
"يا نهار أسود."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"إنت متأكد إن أختك مش هتيجي؟"
قلت له بملل:
"يا ابني، قولتلك، متقلقش."
هز رأسي لتدخل فجأة علينا عدالة. نظرت لنا، ليقول فريد بحنق:
"لا، مقلقش فعلاً."
قلت ببسمة متوترة:
"إيه دا؟ عدالة؟ إنت جيتي؟"
نظرت لنا لدقائق ثم دخلت غرفتها. نظرت لفريد بتعجب، وجدته مثلي متعجب منها. خرجت مرة أخرى وظلت تنظر لفريد هذه المرة. اقتربت منه ثم قالت ببسمة:
"أنا بلغت على أخوك رائف يا فريد."
قال فريد بصدمة:
"إيه؟!"
"بلغت على أخوك رائف، مش هو اللي قتل أبوك برده؟"
اقتربت منه بطريقة غريبة وقالت:
"ولا صابرين اللي قتلته؟"
ابتعدت عنه لأصاب بصدمة دماغية مما أسمعه. وفي، وبعدما استوعب فريد ما قالته، في ثواني أخرج سلاحه ووضعه على جبينها وهو يقول بشر:
"دا أنا أموتك فيها يا عدالة، إلا أخواتي، إنت فاهمة؟"
رواية عروس السيد فريد الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم فاطمة الزهراء احمد
قلت بسرعة وأنا أحاول أن أهدأه أو ألتقط مسدسي:
"اهدي يا فريد دي بتهزر."
قالت بعند:
"لا مش بهزر. سيبه، هو مش جديد عليه القتل، مهو زمان قتل أبوه هو وإخواته."
قال وقد بدأت الدموع في التجمع بعينه. هذه أول مرة أرى فريد هكذا:
"أنا كنت بعشقك مش بس بحبك، بس لو الحب ده هيجي على إخواتي، أقسم بالله هدوس على قلبي بالجزمة."
قالت وهي تقرب نفسها منه:
"طب اعمل كده، اقتلني زي ما عملت أنت وإخواتك مع أبوك."
ثبت المسدس على جبينها وأنا كل ما أفعله هو محاولة تهدئته. ظل يضغط بالمسدس على جبينها حتى وقع من يده، التي ظل ترتعش. بعد أن وقع مسدسه، نظر لنا أنا وعدالة من دون حديث وتركنا. وما كاد يرحل حتى ظهرت الشرطة والضابط يفاجئ الجميع بقوله:
"مطلوب القبض على السيد فريد صابر محمود القاضي."
قال فريد بهدوء:
"أنا المتهم."
تدخلت عدالة:
"هو متهم بإيه حضرتك؟"
نظرنا لها أنا وفريد بصدمة:
"مش أنتِ اللي بلغتِ عنه؟"
قالت:
"أنا ما بلغتش غير على رائف بس. هو متهم بإيه؟"
قال الضابط ببرود:
"الأستاذ متهم بتجارته للحشيش."
نظرنا لبعضنا بتعجب. قالت عدالة:
"معاك مذكرة اعتقال؟"
أخرجها بحنق ثم أمر العساكر بوضع الأقفاص بيده.
قلت بصدمة:
"مين اللي عمل كده؟"
قالت عدالة ببسمة:
"أنا عارفة مين."
قالتها ودخلت غرفتها. أما أنا فجلست ووضعت يدي على رأسي أحاول استجماع كل ما يحدث. سمعت صوت طرقات الباب بعنف. فتحت لأجد صبي أخت فريد. تعجبت من وجودها لاقول:
"صبي، أنتِ بتعملي إيه هنا؟"
قالت بلهفة وهي تنظر في جميع أنحاء الشقة:
"مش مهم دلوقتي، المهم هو فريد."
قلت بهدوء:
"اهدي بس."
خرجت عدالة على صوت انهيارها لا تقول:
"صبي، أنتِ عرفتي اللي حصل؟"
وقعت صبي على الأرض وهي تقول ببكاء:
"آه يا عدالة، فريد اتأبض عليه. كل اللي كنا بنخططله راح."
اقتربت منها وقالت:
"اهدي بس وكل حاجة هتتحل تمام."
قالت ببكاء:
"هتتحل إزاي بس؟"
قالت عدالة بثقة غريبة:
"أنا عارفة مين اللي ورط فريد."
قالت بسرعة:
"بجد أنتِ عارفة؟"
هزت عدالة رأسها. لأقول أنا وأنا أغلق باب الشقة، خاصة عندما فتحت الباب تلك اللزجة سلمي:
"وعرفتي إزاي يا أستاذة؟"
نظرت لي بحنق وقالت:
"إحنا لو حللناها هنقول مثلاً إن فريد أعداءه معروفين. لو على شوية التمردين اللي في القرية، ما يعرفوش يعملوا الحركة الشمال دي لأنه عيال هبلة. أما بالنسبة لليلى، فدي محبوسة عندكم، فميهفضلش غير واحد بس."
قال بسرعة:
"قصدك عمي؟"
قال عدالة بثقة:
"ابن عمك."
"وليد؟" قالتها صبي بصدمة. لتقول عدالة:
"على حسب ما عرفت منك، عمك ده أهبل. مش يمكن يكون هو اللي عمل وخطط وحبك اللحبكة السودة دي لفريد؟"
قلت بشك:
"وأنتِ عرفتي منين إنها حبكة سودة؟"
قالت بثقة:
"لأني كنت عارفة أصلاً إن فريد هيتحبس."
قلنا أنا وصبي بصدمة:
"نعم؟"
هزت رأسها لتوضح:
"ما ده بقى فايدة إن يكونوا حبيبك مجرمين. بتعرف الأخبار قبل ما تحصل. أنا مش بس عارفة إن وليد هو اللي دبر، لا وكمان عارفة مين اللي عملها ونوع الحشيش اللي اتحط كمان."
قالت صبي بصدمة:
"طب وليه ما منعتيش إن ده يحصل؟"
قالت بغموض:
"كله بأوانه."
ثم نظرت لصبي وقالت:
"مش أنتِ أمنتيني على أوراق تودي أخواتك في داهية وعوزاني أساعد رائف؟"
هزت رأسها لتقول:
"يبقى سبيني أنا أتصرف."
قلت بحنق:
"بقينا نخطط ونخبي على بعض؟"
قالت بشماته:
"مش أنتِ اللي بدأتِ. أنتِ وسيادة الظابط فريد."
سُعِقت من حديثها. لقد علمت بالأمر، ولكن منذ متى؟ رمت في وجهي تلك القنبلة. ثم ذهبت للداخل، أخذت حقيبتها وقالت قبل أن تغادر:
"أنا ورايا مشوار مهم وبعدها هروح لفريد. سلام."
رحلت وتركتني في صدمتي بما حدث.
بعد أن انتهيت من تلك الزيارة المهمة، ذهبت لأرى فريد. وبعد استخدام بعض الواسطات، استطعت مقابلته أخيرًا. دخل ليخرج وكيل النيابة والعسكري. جلس فريد وهو يضع قدمًا على قدم. يبدو أن الحبس لم يهزم كبرياءه. قال بثقة وغرور:
"جاية تشمتي فيا صح؟ ولا عاش ولا كان اللي هيشمت في فريد القاضي. أنتِ فاهمة؟"
لم أتحدث. ظللت أنظر له ببسمة تعجب. كثيرًا مما أفعله ليقول:
"جاية لي يا عدالة؟"
قلت بنفس البسمة:
"يا جدعان، هو الحبس بيحلي الواحد كده؟"
لم أحتاج أن أصف صدمته تلك بالطبع. لقد كنت أهدده بحياة أخوته من ساعات، والآن أتغزل به. قام بغضب وهو يقول:
"آه، أنتِ جاية تهزري وأنا مش فاضيلك. اطلعي برا."
قلت بحنق:
"مش فاضيلي إيه؟ عامل اجتماع مع المجرمين بتناقشوا في أهمية البانجو في رفع شأن المجتمع؟ وبعدين إيه اطلعي بره دي؟ أنت قاعد في صالة بيتكم."
جلس وهو يضع قدمًا على قدم بكبرياء. لأقول بتساؤل:
"ألا هو أنت اتقلبت ولا لسا؟"
صُدِم من حديثي ليقول:
"إيه اتقلبت دي؟"
قلت ببسمة:
"والله شكلك اتقلبت."
قال بتوتر:
"أنتِ اتجننتي؟ ده أنا فريد القاضي. اتقلبت إيه؟"
قلت بشماته:
"والنبي اتنيل. بلا فريد القاضي بلا فريد المحامي. والله شكلك اتقلبت."
لم يتحدث. لأقول:
"متقلقش، أنا معظم المساجين حبيبي. هخليهم يروقوك."
قال بحنق:
"جاية لي يا عدالة؟"
قلت بحزن مصطنع:
"كده يا فريد؟ كده في حد يعامل طليقته كده برده؟"
لم يتحدث وأدار رأسه للجهة المقابلة. قلت بغمزة وأنا أترك الكرسي الذي كنت أجلس عليه وذهبت لأجلس بجانبه على الأريكة الجلدية تلك:
"لا بس السجن ده طلع بيحلي أوي."
ابتسم، لكنه لم يرني تلك البسمة لأن وجهه كان للجهة الأخرى، لكني استطعت رؤيتها. لأقول:
"طب والله عسل."
قال بتوتر:
"إحترمي نفسك بقي يا بنتي."
قلت بنعومة:
"أعمل إيه بس؟ ما أنا قاعد جمبي وراجل زي القمر."
نظر لي واقترب مني:
"يا سلام. طب ما هو كان قدامك من زمان."
قلت بنعومة:
"كنت عبيطة."
قال وهو يقترب مني أكثر وأكثر حتى التقت أنفي بأنفه:
"طب ودلوقتي؟"
قلت بهمس:
"دلوقتي..."
وقبل أن أكمل، انفتح الباب. لأقول:
"بيتحرش بيا، بيتحرش بيا يا باشا. الحقوني، يا حكومة، هات لي حقي يا حكومة."
شعرت بيد توضع على فمي، وكان أخي الذي جاء وقال:
"الله يخربيتك، هتلبسي الراجل قضية آداب؟ هو ناقص؟"
نظرت لفريد الذي وضع يده على رأسه بيأس مني. ابتسمت بتوتر:
"طب أسف أنا بقي، وما تقلقش، هوصي أصدقائي المجرمين عليك."
قلت قبل أن أرحل:
"فري، أنت أقوى من المخدرات."
وبعدها ألقيت قبلة له في الهواء.
"أمشي يا بت." قالها أخي بحنق. لاخرج، ولاكن لم أرحل وقمت بغلق الباب مع ترك فتحة صغيرة لأسمع ما سيقولوه.
قال أخي:
"أنت كويس يا فريد؟"
قال فريد ببسمة بلهاء لاول مرة أراها:
"سمعت لما قالتلي يا فري وبعتتلي بوسة في الهوا."
استطعت كتم ضحكتي بصعوبة. لأرى أخي يقترب من فريد ويتفحص رقبته ليسأل فريد:
"في إيه؟"
قال أخي:
"لابس بتأكد إنها عضيتكش. الحمد لله. المهم متقبلهاش كتير، لأن واضح إن العبط بتاعها بينتشر بسرعة."
قال فريد بحنق لأخي:
"ملكش دعوة بيها."
دخلت مجددًا عليهم فجأة لينتفضوا. قلت بنعومة:
"معلش، نسيت شنطتي."
قال أخي بسخرية:
"إيه يا بت السهلوكة اللي أنتِ فيها دي؟"
نظرت له بحنق ولم أتحدث. أخذت حقيبتي وأنا أنظر لفريد وأبتسم، وهو يبتسم لي، وأخي ينظر لنا بتشنج. حتى قال:
"طب أمشي أنا وأبعتلكم اتنين لمون. ما تنجري بقي يا بت وتتلمي، ولا أنا أريل ولا إيه؟"
أخرجت من حقيبتي شريط دواء وقلت لفريد:
"خد ده، أنا عارفة إن اليوم كان صعب عليك. ده برشام صداع."
أمسكه ليقول بحب:
"متشكر."
وأما عن أخي، فظل ينظر لنا بحنق وملامحه تتشنج.
أخذ فريد حبة الدواء. ليدخل فجأة وكيل النيابة ليقول:
"أنت بتاخد إيه؟"
سارعت بقول:
"برشام يا باشا. ده بيبرشم، هو أصلاً تاجر. ودا..."
أشرت على أخي وأكملت:
"ده اللي بيسرحله البرشام يا باشا. وكانوا بيتحرشوا بيا."
نظر الثلاثة لي. لأبتسم ببلاهة وفريد يقول:
"هي مش هتسكت إلا لما تجبلنا إعدام."
أمسكت حقيبتي وعندما كنت سأرحل، همست لوكيل النيابة:
"على فكرة يا باشا، الواد ده..."
كنت أشير لاخي.
"شتمك. ودا اللي جنبه..."
كنت أشير لفريد هذه المرة.
"تف في كباية الشاي بتاعتك."
نظر لي بتعجب. لأكمل بهمس:
"متقولهمش إني قولتلك. سلام."
رواية عروس السيد فريد الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم فاطمة الزهراء احمد
كنت أجلس أمام البحر، كم هو جميل وصافٍ. تمنيت لو أن حياتي أصبحت صافية مثل هذا البحر. خرجت من تلك اللحظة الجميلة التي لن تتكرر علي صوت سمج مزعج.
"هلو هلو، أخبار مجرمنا إيه؟"
نظرت بطرف عيني أتأكد من صاحب الصوت، وبالفعل كان هو مثلما توقعت، تلك الحمقاء عدالة. قلت ببرود وأنا أنظر للبحر:
"هو أنا مش قولتلك لو شوفتك تاني هـ..."
وقبل أن أكمل، قاطعتني:
"عارفة عارفة، هتموتيني."
قلت بشر:
"كويس إنك عارفة."
قالت بغرور وهي تعيد شعرها للخلف:
"على فكرة، أنا اللي بلغت عنك."
نظرت لها بصدمة واقتربت منها بشر لتظهر فجأة صبي، لتقول وهي تقف أمامها:
"أنا اللي قولتلها تعمل كدا."
نظرت لها بصدمة، لتكمل ببسمة دافئة حنونة:
"أنت بتثق فيا صح؟"
هززت رأسي بالإيجاب، لتكمل:
"يبقى سبيني أتصرف."
سكت قليلاً أفكر قليلاً، لأقول بعدها ببرود لتلك الحمقاء:
"والمطلوب مني إيه؟"
قالت ببسمة سمجة:
"تسلم نفسك."
تنهدت بحنق، لتقول صبي وهي تضمني:
"عشان خاطري ثق فيا."
هززت رأسي وأنا أشتد من ضمها، لأقول لعدالة قبل أن أرحل:
"خلي بالك منها."
هزت رأسها وقالت بثقة:
"متقلقش."
لم أرتح لها، فأنا أعرف تلك الغبية تضع نفسها ومن حولها في المشاكل، لذا قلت لصبي التي كانت تمسح دموعها:
"ولا أقولك خلي بالك من نفسك أحسن، أصل دي الواحد ما يأمنلهاش."
هزت رأسها ببسمة، لأبتسم أنا أيضاً، خصوصاً عندما نظرت أنا لعدالة بحنق.
***
"وبس يا سيدي."
نظرت له بعدما قلت حديثي، لأجده يفكر بتمعن. سألته:
"بتفكر في إيه؟"
قال وهو يتنهد:
"أختك."
قلت بحنق:
"هو ده وقت رومانسيتكم الملزقة؟"
قال بحنق هو الآخر:
"يا غبي افهم، ليه عدالة منعتش موضوع المخدرات ده طالما هي عارفة مين اللي هيحطها ومين اللي وز اللي هيحطها؟"
قلت وأنا أحاول التفكير:
"والله أنا فكرت كتير وسألتها، بس ما لقيتش رد."
قال وهو يعيد رأسه للخلف:
"ربنا يسترها من أختك وأفكرها."
"طب أنت هتتعرض على النيابة إمتى؟"
نظر لي بملل وقال:
"بكرة إن شاء الله."
قلت وأنا أجهز للرحيل:
"تمام، هروح أنا أشوف عدالة هتهبب إيه وأعدي على الأستاذ حامد."
هز رأسه بالإيجاب، وما كدت أرحل حتى أوقفني:
"قانون."
التفت له ليقول:
"خلي بالك من صبي، هي دلوقتي لوحدها بعد لما لا أنا ولا رائف جنبها دلوقتي."
قلت ببسمة:
"متقلقش، دي زي أختي."
كدت أرحل لكني توقفت وقلت:
"فريد."
نظر لي بتعجب، لأقول:
"خلي بالك من المساجين، هما دلوقتي لوحدهم ولا أنا أو عدالة جنبهم."
نظر لي بتشنج وفهم أني أسخر منه، ليقول بحنق:
"أمشي يا لا جتك القرف انت وأختك."
***
دخلت بكل ثقة بعدما سمح لي ذلك الذي بالداخل. ابتسم بخبث وقال:
"مش معقول مرات إبن عمي بنفسها هنا، منوراني."
ابتسمت بخبث وقلت وأنا أجلس أمامه:
"لا بس عجبتني الحركة اللي عملتها."
قال بتعجب مصطنع:
"حركة إيه؟"
قلت بهدوء وأنا أضع قدم فوق قدم:
"اللي عملته مع فريد."
شهق وقال بصدمة مصطنعة:
"أنت ممكن تشكي إن أنا اللي عملت كدا في ابن عمي؟"
هززت رأسي بالإيجاب، ليقول ببرود:
"أنا فعلاً اللي عملت كدا."
اقتربت بجسدي قليلاً وقلت:
"برافو بجد، بس أنت نسيت وجودي."
قال بلامبالاة أشعلت الغضب في جسدي:
"وهو أنت وجودك مهم أصلاً؟"
قلت ببرود محاولة إخفاء غضبي:
"هتعرف لما تتزف بالكلبشات."
نظر لي بغضب، لذا أكملت:
"بس لو عايز تخرج نفسك، اكتبلي الأرض اللي ورثتها من مامتك."
نظر لي بصدمة، ثم أخذ يضحك، وضحك بسخرية. لم أتحمل سخريته تلك، وقلت وأنا أهم للرحيل:
"على العموم، أنا الوحيدة اللي زي ما حبستك، برضه أنا الوحيدة اللي هطلعك."
نظر لي بصدمة، ولم أمهله للتحدث، فرحلت وأنا على وجهي ابتسامة خبث.
***
"يعني أنت يا عباس اللي حطيت المخدرات للأستاذ؟"
هز ذالك الرجل رأسه، ليسأله وكيل النيابة بإهتمام:
"طب إيه اللي غير رأيك وخلاك تعترف على نفسك؟ إيه ضميرك صحي؟"
قال كلماته الأخيرة بسخرية، ليقول عباس وهو ينظر لي:
"اصل يا باشا، أنا ما كنتش أعرف إن الأستاذ يبقى جوز الأستاذة، أصل الأستاذة عدالة ليها فضل كبير عليا، دي اللي كانت بتاخد بالها من مصاريف أمي العيانة ومن مصاريف أخواتي و..."
كاد يكمل، أوقفه وكيل النيابة:
"تمام تمام، بس مين بقي يا عباس، مين اللي قالك تحط الحشيش؟"
نظر لي، ثم قال وقال:
"الأستاذ وليد مجدي القاضي."
نظر له وكيل النيابة بشك، لأنظر له بشراسة. ابتلع ريقه، فوجدت فريد ينظر لي بخبث. قال عباس بسرعة:
"أصلي سمعت الاسم من المعلم بتاعي، المعلم حمدي برشام."
هز وكيل النيابة رأسه وحكم على فريد بالإفراج واستدعاء وليد وحبس الأحمق عباس.
***
كنت أجلس في الخارج أنتظر حكم النيابة في قضية فريد، وبجانبي صبي المبتسمة. ولا أعلم في الحقيقة ما سر تلك الابتسامة، وأخويها الاثنان مسجونان. قالت ببسمة وهي تنظر لي:
"المكان لطيف صح."
نظرت لها بغرابة، ثم قلت بسخرية وأنا أنظر في وجوه العساكر والمجرمين الخطيرين:
"آه أوي."
قالت ببسمة وهي تضرب قدمها بتوتر:
"أنا عمري ما دخلت مكان زي دا."
قلت ببسمة:
"أنا بقى يعتبر عايش هنا."
انتظرت قليلاً، ثم قالت:
"تعرف الاختلاف ما بين اتنين بيبقى لطيف أوي."
قلت بتعجب:
"وده إيه علاقته باللي بنقوله؟"
نظرت لي بحرج، ثم قالت:
"تعرف، أنا طول عمري كان نفسي أتجوز وكيل نيابة."
نظرت لها بتعجب وقلت:
"آه، إيه علاقة ده برضه باللي بقوله؟ وبعدين أنا مالي، عاوزاني أشتغل لك خطبة؟ أدورلك على وكيل نيابة زميلي ولا إيه؟"
نظرت لي بصدمة، لأفهم أخيراً ما تحاول الوصول له، لذا قلت:
"لا يكونش بتكراشي على الواد إبراهيم صاحبي اللي مسؤول عن قضية أخوكي ده خاطب."
نظرت لي بصدمة، وقالت:
"أنت غبي أوي، أنت مش المفروض وكيل نيابة بتفهم بسرعة."
قلت بثقة:
"يا بنتي دا أنا بفهمها وهي طايرة، دا أنا كنت الأول على دفعتي في سرعة البديهة."
قالت بسخرية:
"آه، أنت هتقولي."
وما كدت أسأل عن قصدها، حتى فتح الباب وخرج فريد ومعه عدالة والسيد حامد. سارعت صبي بالذهاب في أحضان أخيها. أما أنا فسألت عما حدث في الداخل. أخذ السيد حامد يقص علي، وأنا ألاحظ نظرات فريد لعدالة. هذه نظرات مريبة، أعتقد أنها نظرات شك. وما كدنا ننتهي، حتى أبلغني العسكري أن إبراهيم صديقي يريدني في الداخل. لذا دخلت، تاركاً حرب نظرات تشتعل بين الأطراف.
"ممكن أفهم إيه اللي حصل عند وكيل النيابة؟"
قالها أخي وهو يوجه حديثه لي أمام الجميع.
قلت بتعجب مصطنع:
"حصل إيه؟"
قال فريد بسخرية:
"إحنا هنستعبط؟"
تدخلت صبي وهي تضع المشروبات:
"في إيه يا جماعة؟"
قلت بتعجب مصطنع:
"والله معرف يا بتي مالهم دول."
قال أخي بحنق:
"إبراهيم بيقول إنه شاكك إنك إنتي اللي وزيتي عباس يتهم وليد، صح ولا لأ؟"
أخذت المشروب وأنا أقول بصدمة:
"أنا؟ أنا أعمل كده؟ أخس، أخس عليه إزاي يشك فيا؟"
قال فريد بحنق:
"إنتي هتستعبطي، ما كان باين أوي إنكوا متفقين. وبعدين إنتي إيه اللي وداكِ امبارح عند وليد؟"
قلت بتعجب:
"وإنت عرفت مين؟"
صمت لاستنتج وأقول بصدمة:
"إنت بترقبني؟"
قال وهو يغير الموضوع:
"ده مش موضوعنا دلوقتي، المهم دلوقتي إنتي فعلاً خليتي الولد ده يعترف قصد ولا لأ؟"
قال السيد حامد، ولاول مرة يقف في صفي:
"أنا مش عارف هقول ده إزاي، بس إنتوا مالكم الصراحة. مش الحمد لله فريد بيه طلع من قضية صعبة وكمان وليد بيه اتحبس، والحمد لله شاغلين بالكم بقى ليه بأنها اتفقت مع المجرم يعترف ولا ما يعترفش. إنتوا ليكوا أكل ولا بحلقة؟"
قلت وأنا أدعي الظلم:
"قولهم، قولهم يا حمودي، قولهم."
نظر لي أخي بحنق ثم بغضب، لاخي الذي ابتسم بخوف. قلت وأنا أمدد جسدي:
"بقولكم إيه، أنا داخلة أنام لأني عندي قواضي مهم بكرة."
وما كدت أنهض حتى جاء اتصال لأخي من صديقه وكيل النيابة إبراهيم. اتسعت عيون أخي، يبدو أنه صدم بالفعل. توقعت مما صدم، وخصوصًا عندما نظر لي. وما كدت أرحل حتى أشار لي بسرعة بالجلوس. أغلق معه الخط قائلاً:
"ماشي يا هيما، سلام يا حبيبي، تشكر."
أغلق معه الخط وضيق عينيه وهو ينظر لي. ابتلعت ريقي ليقول فريد:
"في إيه يا ابني، مالك؟"
قال أخي وهو لم يحرك عينيه النصف مغلقة عني:
"وليد ابن عمك، بعد ما اتقبض عليه، عين الأستاذة المحامية بتاعته."
نظر الجميع بصدمة لي، فلابتسم بحرج. ليقول فريد:
"عشان كده كنتِ عنده امبارح؟ بتطبخوها مع بعض؟"
قلت بغضب:
"أطبخ إيه؟ إنت اتجننت؟"
قال فريد بغضب هو الآخر:
"متعليش صوتك، وقوليلي الوقتي كنتِ بتعملي إيه عنده؟"
قال السيد حامد:
"اهدي يا فريد يا ابني، اهدي بس."
قال أخي بجدية وهدوء:
"اهدي يا فريد."
ثم نظر لي بشر وقال:
"كنتِ عنده بتعملي إيه يا عدالة؟"
وما بان الوقت أصبح للجد وانتهى المرح والصخك. قلت بجدية:
"كنت بعمل معاه صفقة."
قالت صبي بصدمة:
"صفقة؟ وده بيجي من وراه حاجة؟ ده القرش أمه وأبوه."
قلت:
"بصوا، أنا هحكيلكم الحكاية من الأول."
قال فريد بغضب:
"ياريت."
نظرت لفريد وقلت:
"بس من غير عصبية."
هز فريد رأيه ببسمة، لكنها لم تكن لطيفة، كانت مخيفة أشبه بتلك التي يمتلكها ذلك القاتل المجنون رائف.
"بص بقى، أنا كنت قاعدة في حالي باكل لب لحد ما جالي اتصال من أم بلحة."
سألت صبي بتعجب:
"مين أم بلحة؟"
قلت وأنا أتجاهلها:
"المعلمة نبيلة."
سألت مجدداً:
"مين المعلمة نبيلة؟"
تأففت وقلت:
"يوه بقى، هنقعد نهري في المهري؟ ما تسمعي وإنتي ساكتة زي الباقي."
هزت رأسها وأنا أقول:
"خلاص، آسفة، كملي."
أكملت حديثي وقلت:
"المهم إنها كلمتني وقالتلي إنها لما كانت قاعدة مع المعلم حمدي برشام والمعلم صلاح الحرامي والمعلم حسنى المر والمعلم...."
قال فريد بحنق:
خلاص مش هنقعد نهري في المهري.
نظرت لصبي التي كانت تبتسم بنصر لفريد الذي أخذ حقها مني.
المهم، لما كانوا بيتكلموا عن انجازاتهم، دخل عليهم واحد وسأله على العنوان اللي المفروض يحط فيه الأفيون. فقاله على عنوان مكتبك اللي في القاهرة وكمان اسمك. مين اللي سمعه بقى؟
قلتها وأنا أضرب يدي ببعض. ليقول السيد حامد بسرعة:
ام بلحة.
قلت ببسمة:
عليك نور! يلا صقفوا للاستاذ حامد علشان هو الوحيد اللي مركز معايا. يلا سقفوا.
أخذنا نصقف جميعًا والسيد حامد ينظر بسعادة. لأقول لفريد بحنق:
في إيه يا فريد؟ ما تصقف معانا. انت غيران علشان الاستاذ حامد هو اللي جاوب؟
نظر لي بهدوء وملامح جامدة، لا أشعر بالخوف منه. قال لي بهدوء:
معلش يا جماعة. أصلي كنت بفكر في حاجة كدا. انت قولتي أفيون صح؟
هززت رأسي ليكمل:
أمال إيه موضوع الحشيش بقى؟
قلت ببسمة بلهاء:
ما هو انت لو كنت سبتني أكمل كنت عرفت.
قال بهدوء:
أنا آسف. كملي.
أكملت:
المهم المعلمة نبيلة سمعت اسم فريد القاضي. من هنا افتكرت إنه جوزي. فراحت مكلماني وحكيالي. فطلبت، فرحت كلمت المعلم حمدي برشام. علشان أنا وهو في كلام بينا بنبعت لبعض جمعة مباركة وكدا. المهم كلمته. قالي إن وليد كلمه يبعت حد من معرفه يحط لك في مخزن المكتب بتاعك بضاعة أفيون معتبرة علشان يخلص منك. أم بقي أي؟ لما أنا عرفت وعرفته إنك جوزي. طبعًا وجب معايا. وكان عاوز يرفض. بس أنا خليته بدل ما يحط أفيون يحط حتت حشيش معتبرة كدا.
قالها فريد وهو يضغط على شفتيه:
آه يعني بدل الأفيون حشيش؟
قلت بثقة:
شوفت بقى مراتك ذكية إزاي؟
قال ببسمة:
انت هتقولي؟ بدل ما تلبسي جوزك في أفيون لبستيه في حشيش. قد إيه زوجة صالحة. برافو عليك.
قلت بتعجب:
ليه؟ حاساه بيتريق؟
قال فريد بهدوء مخيف:
لا أبدا. أتريق؟ هو في حاجة تستاهل؟
قلت بثقة:
أنا قولت كدا برده.
قال السيد حامد:
طب ممكن أفهم عملتي كدا ليه؟
نظرت لفريد الذي كان ينظر لي كالصقر.
أصل أنا كنت عرفت إن وليد وارث من أمه حتت أرض تساوي 5 مليون. فكنت عاوزة أبين له إن فريد اتسجن. وبعدين أسجنه هو. علشان يعرف إن محدش هيقدر يطبعه غيري. فيسيب لي الأرض.
قال أخي بصدمة:
يا بنت الوطية.
قال فريد بعصبية:
قولها يا قانون! قولها بقي بتحبسي جوزك علشان أرض يا معفنة!
قال أخي بحنق:
يا أخي اتنيل. ما تتحبس. ولا تولع هي كدا هتاخد الأرض لوحدها.
نظر له فريد بصدمة وأمسك كتفه بألم. ليتسارع عليه صبي والسيد حامد.
آه آه كتفي. منكم لله. منكم لله.
قال أخي وهو يفكر:
المدة اللي قضيتها كدكتور. أظن إن دي أعراض أزمة قلبية.
قلت بتعجب:
تفتكر؟
هز رأسه لأقول بتعجب:
بس من إيه؟
قال أخي وهو ينظر لفريد:
مش عارف والله. بس هو بقاله فترة بياخد الأمور على قلبه.
قال أخي وهو يبعدهم عن فريد الذي فكوا له أزرار قميصه:
ابعدوا عنه. ابعدوا.
قالت صبي بتعجب:
مش انت وكيل نيابة؟ مالك ومال الطب؟ انت صدقت نفسك دكتور ولا إيه؟
نظر لها وقال:
إششش. مسمعش صوت. عاوز أشوف شغلي.
قال فريد والعرق يتساقط منه:
انتوا بتصدقوا الأهبل ده؟ دا كان بيسأل المستهمين بمصاصا. دا أهبل. اطلبولي إسعاف.
قال السيد حامد بخوف:
أنا طلبتها خلاص. وهما جايين في السكة. اهدي انت بس.
كان فريد يتألم كثيرًا حتى قال أخي:
لحد ما الإسعاف تيجي. لازم نعمل له إسعافات أولية.
قلت بخوف على فريد:
هي إيه؟
قال بثقة:
لازم نحسن حالته النفسية. علشان يكون مهيئ للي هيعملوه الدكترة.
قالت صبي باهتمام:
بجد؟ نعمل إيه؟
قال أخي بجدية:
صقفوا معايا.
نظرنا له بتعجب. ليقول بجدية:
يلا اعملوا اللي بقولكم عليه.
أخذنا نصقف. ليقول وهو يصقف:
الواد قلبه بيوجعه وعاوز حد يدلعه.
نظرنا له بتعجب. ليشير لنا بغضب أن نكمل تصفيق. لنكمل وهو يكمل:
الواد قلبه بيوجعه وعاوز حد يدلعه. الواد بيقول آه. اااه. اااه.
قال فريد:
ااااااااه. اااه.
قال أخي بفرحة:
آهو بدأ يستجيب.
قال السيد حامد بخوف:
دا بيموت.
قال أخي:
توتو. دا بيستجيب.
فجأة بدأ فريد يفقد الوعي. وآخر ما قاله:
منك لله يا عدالة.
رواية عروس السيد فريد الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم فاطمة الزهراء احمد
خرج الطبيب من الغرفة لأسرع وأسأله بخوف:
"هو فريد ماله يا دكتور؟"
نظر لي وقال:
"الحمد لله جت سليمة. إشتباه في أزمة قلبية، هو بس محتاج الراحة والأدوية اللي كتبتها للأستاذ."
أشار لأخي ثم أكمل:
"الرجاء منكم تدوا الراحة التامة وتدوا الأدوية بانتظام."
هززت رأسي وقام أخي والسيد حامد بمرافقته للخارج. لادخل أنا وصبي للغرفة. نظرت لفريد من بعيد وهو نائم على سريره ويغط في نوم عميق. خرجت بعدما تطمنت عليه. وجدت السيد حامد الذي قال:
"الحمد لله السيد فريد بخير. وقانون نزل يجيب الدوا بتاع فريد بيه. هو لازمله الراحة التامة زي ما قال الدكتور."
كان يقول آخر حديثه لي وهو يجز على أسنانه وكأنه ينبهني:
"أنا لازم أمشي بقي. لما فريد بيه يفوق ويتحسن شوية كلموني."
"تمام."
قلتها بهدوء. ليبتسم لي ويقول:
"هيبقي كويس."
هززت رأسي وابتسمت بألم. تركته يذهب وجلست على أقرب كرسي أشعر بالذنب بسبب ما حدث لفريد. ثواني حتى استمعت لرنين هاتفي. فتحت فوجدتها صديقتي سارة:
"أيوه يا سارة أخبارك إيه؟"
جأني الجواب لأقول لها:
"لأ والله مش فاضية."
تأففت بضجر عندما جأني جوابها لأقول بحنق:
"تمام خلاص. هشوفك العصر في الكافيه اللي كنا بنتقابل فيه مع زينة. سلام."
أغلقت الخط بعدها وأنا أضع يدي على جبيني أحاول التفكير في بعض الأمور.
ثواني حتى خرجت صبي من الغرفة تقول:
"عدالة فريد صحي وعاوزك."
نظرت لها بصدمة وأعين دامعة وقلت:
"عاوزني أنا؟"
هزت رأسها لأقوم من مجلسي وأدخل الغرفة تاركة إياها في الخارج. دخلت الغرفة ببطء شديد. لا أعلم هل هذا توتر أم خوف أم خجل. قال فريد ببسمة بعدما وقفت بجانب السرير:
"إيه مالك كدا؟ محدش سمعلك صوت."
لم أتحدث. كنت أحاول كتم بكائي. ليقول:
"شكلك وحش وأنتِ كدا على فكرة. ولو فضلتِ كدا هبص لبره وممكن أشوفلي واحدة تانية أتجوزها."
بعدما قال حديثه هذا أخذت أبكي وجلست على ركبتي. ليمسح بيده على شعري وهو يقول:
"مش ذنبك اللي حصل والله. أنا اللي الفترة دي عندي مشاغل ومشاكل كتير. أنتِ مالكيش ذنب."
رفعت رأسي لأقول:
"أنا مش بعيط عشان حاسة بالذنب. أنا أصلاً معنديش دم."
قال بتعجب:
"امال بتعيطي ليه؟"
قلت ببكاء:
"كنت خايفة تموت قبل ما آخد الشنطة البراند والـ 500 دولار."
نظر لي بصدمة وقال:
"اطلعي بره يا عدالة. اطلعي بره بدل ما أتشل المرادي."
مسحت دموعي وقلت وأنا أدفعه برفق:
"طب اتزحزح كدا شوية عشان أنام."
قال بحنق:
"تنامي فين؟ أنا تعبان."
قلت بتذمر:
"لأ يا عم مليش في دا أصلاً. سريري."
ابتعد وهو يقول:
"الله أما طولك يا روح."
ابتسمت وأنا أنام جواره. ثواني حتى قربني له لأنـام على صدره العريض. لم يكن لين كالوسادة لاكن بالنسبة لي كان أفضل من مئة وسادة. لأني أشعر بالأمان. يكفيني أنه بخير.
أخذت أدور في المنزل لا أعلم ماذا أفعل. ففريد وعدالة بالغرفة ولا أريد أن أزعجهم. وذاك عديم المشاعر قانون غير موجود. إذن ماذا أفعل؟ ذهبت للباب وفتحته فتحة صغيرة أنتظر قدومه. وبالفعل مرة بعض الوقت حتى جاء. كدت أبتسم لاكن توقفت بسمتي عن الظهور عندما فتحت تلك الفتاة الباب وقالت بنعومة زائدة:
"أستاذ قانون."
نظر لها لتكمل تلك الفتاة اللعوب:
"إيه ده؟ في إيه؟ كف الله الشر. أصلي لقيت دكتور خارج من عندكم. هي المدام عدالة كويسة؟"
قال بهدوء:
"لأ. هي الحمد لله بس جوزها اللي تعب شوية."
قالت بنعومة بخبث فتيات أعرف جيدًا:
"كدا أخس عليك. مش كنت تقولي؟ كنت وقفت جنبكم. مش الجيران لبعضيهم برده؟"
تلك الفتاة تستفز كل ذرة في صبري وسأقوم بضربها الآن إن لم تتوقف. أفقـت على حديث ذلك عديم المشاعر:
"احنا محبيناش نتعبكم."
قالت بتغنج:
"تعبك راحة يا سي قانون."
تشنجت ملامح وجهي كلها وأنا أسمعها تقول تلك العبارة المستفزة "سي قانون". تلك الفتاة اللعوب الماكرة سأقطعها لشرائح إن لم تتوقف. قال ذلك الأحمق بخجل:
"ربنا يخليك."
قالت هي بنعومة:
"ويخليك يا سي قانون."
لم أستطع تحمل ذلك وفتحت الباب على مصراعيه لينتفض الاثنان بسببي. اقتربت منه لأجده ملامحه تحولت لرعب. أخذت كيس الدواء منه وأنا أنظر له بأعين من شرار ووجه محمر من الغضب. حتى أنني لمحت على وجهه علامات الرعب. أخذت الكيس منه وأغلقت الباب في وجهه متناسية أن ما فعلته وقاحة وأن هذا في الأصل هو بيته.
ياااااه يا بنت الايه يا عدالة.
قلت بحنق لتلك الغبية:
هو إيه اللي يا بنت الايه يا عدالة؟ هو أنا جبت جون؟ دا أنا جبت أزمة قلبية للراجل.
قالت بغل:
آه لو أعرف أجيبها لمازن، بس دا تنح ومستفز، هو اللي هيجيبلي جلطة وشلل والله.
ضحكت وأنا أقول:
الأ صحيح يا بت، هو جوز أمك فعلاً؟
قالت بحنق:
وطّي صوتك، إنتِ عايزة تفضحيني؟ آه، وللأسف جوز أمي.
قلت بتعجب:
طب دا حصل إزاي؟ مش أمك كانت بتحب أبوك ورفضت تتجوز بعده لما اتقدملها عرسان ياما زمان؟ جت على دلوقتي لما كبرت وإنتِ كبرتي؟
قالت بحنق:
تقولي إيه بقى؟ مش همها شكلي قدام الناس، لا والهانم بعد لما صدمتني صدمة العمر دي، أخدت أجازة وراحة تستجم.
قلت بضحك:
على النعمة أمك دي رايقة.
قالت بحنق:
احترمي نفسك.
نظرت لها بحنق لتقول:
خلينا في المهم.
قاطعتها:
لا، الأول قوليلي إنتوا عايشين مع بعض؟
نظرت لي بصدمة لتقول:
لا طبعاً! إنتِ اتجننتي؟
قلت بخبث:
أمال كان بيعمل إيه عندك؟
قالت بحنق:
هو كدا، ساعات بيجي يشقّر عليا، بيعملي أكل، بيوضّب البيت، كدا يعني.
قلت ببسمة بلهاء:
يا سلام، أما زوج أم بصحيح! رقة إيه وجمال إيه، يا حلاوة لو كان دا جوز أمي.
قالت بحنق:
عدالة، مش هنتناقش في المهم.
انتبهت على نفسي لأقول:
أيوه صحيح، مش إنتِ كنتِ عايزاني ليه؟
نظرت لي بحنق، ويبدو أن رصيد صبرها نفذ، لتقول:
بت انتِ هتجننيني! أمي! مش إنتِ اللي قايلالي عايزة مني خدمة من البت ندي؟
قلت وقد تذكرت:
أيوه صحيح، هو فين الورق؟
قالت وهي تخرجه من الحقيبة:
اهو خديه، بس قوليلي بقى ليه اللفة دي؟ ما كنتِ حبستي اللي اسمه وليد بالمخدرات وخلاص.
قلت بخبث:
إنتِ عبيطة يا بت؟ وأضيع على نفسي حتة الأرض؟
قالت بتحسر:
طول عمرك وطية.
لم أهتم وأنا أنظر في الورق، أو يمكننا أن نقول أنه كنز، كنز ثمين يمكن أن يبيد عائلة القاضي كلها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أسمع صوت طرق الباب الهادئ وأشعر بالخوف والخجل الشديد، فأنا لم أكن بوعي عندما فعلت ما فعلته، فقد كنت وقحة وفظة بعض الشيء، لذا أتمنى أن لا يكون هو الطارق، ولاكن من سيكون سواه؟ اقتربت بخوف وفتحت الباب وأنا أغلق عيني، لأسمع صوت أخي يقول:
مالك عاملة زي الكتكوت المبلول كدا ليه؟
فتحت عيني بصدمة لأجد رائف يقف أمامي ببرود كعادته.
لاقول بصدمة:
رائف؟
هز رأسه وهو يزيحني بوقاحة كعادته، كـ (رائف) وليس كـ (عيد).
قلت وأنا مازلت بصدمتي:
إنت بتعمل إيه هنا؟ مش إحنا اتفقنا تسلم نفسك؟
قال وهو ينظر للمكان ولم يهتم للنظر لي:
آه، بس وأنا في القسم شفت الأستاذ حامد بالصدفة، وعرفت منه اللي حصل لفريد، هو فين صحيح؟
نظر لي لأقول بحزن:
فريد نايم جوه، تعبان، جاله أزمة قلبية.
رأيت في عينه لمحة خوف، لاكن داراها سريعاً كعادته، واحتل البرود مكانه مرة أخرى ليقول:
هو فين؟
أشرت للغرفة التي يقطن بها أخي، ليدخل ببرود ويتجاهلني. أعلم أنه يحاول تجاهلي ليخبئ خوفه علي، لاكني أعلم إخوتي جيداً. ابتسمت وأنا أتذكر أيام طفولتنا، ثم تنهدت وأنا أغلق الباب، وعلى آخر لحظة قاطع غلقه قدم شخص، وضعت فجأة لتكون الحاجز الذي يمنع غلق هذا الباب، وكنت أتمنى أن لا يكون هو، ولاكن للأسف كان هو، عديم المشاعر، قانون، الذي كان ينظر لي بشر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دخلت إليه وجدته نائم. جلست على الكرسي المقابل للسرير ليقول:
سمعت إنك هتسلم نفسك، ومع ذلك جيت للدرجة دي؟ مش قادر على بعدي.
ابتسمت بسخرية لأقول:
ياااه، وإنت للدرجة دي بتعشقني؟ عرفتني من غير ما أتكلم.
فتح عينه ليقول:
لا خالص، دا أنا سمعت كلامك مع صبي مش أكتر.
دخل قانون ليقول بحنق:
هو في إيه؟ ات انتوا احتليتوا البيت ولا إيه؟
تجاهلناه لأقول لفريد:
ليلي هربت.
قال بعد تنهيدة:
عرفت.
أكملت:
والملف الأزرق اتسرق.
قال:
عرفت.
أكملت:
والمخزن ولع.
قال:
عرفت.
قال قانون:
ليه الحق يجيله أزمة قلبية؟ إيه يا ابني كمية المصايب اللي جايبله دي؟
لم أهتم لأمره، حتى سأل:
ألا هو إيه الملف الأزرق ده؟
نظرت لفريد نظرة هو يعلمها. نظر هو الآخر لي بنظرة غامضة لم أستطع فهمها، ولاكنها كانت مخيفة بعض الشئ، لأن هذه النظرة لم أرها سوي في ذلك اليوم الذي مات فيه أبي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دخلت إلى المنزل مرهقة بعض الشئ بسبب عملي وكثرة مشاغلي اليوم، وخصوصاً ما قمت به من أجل صديقتي، فقد تعبت إلى أن أحضرت لها تلك الأوراق، لاكن لا بأس. ابتسمت بسعادة وأنا أرمي على الأريكة، لاكن تحولت سعادتي لصدمة عندما سمعت صوتاً أعرفه جيداً، كان صوت:
بنت انت إزاي تدخلي بالجزمة على السجاد كدا عادي؟
فتح عيني بصدمة، نعم، كان زوج أمي. ابتسمت باتساع وأنا أنظر إليه. عاد هو للوراء بخوف من بسمتي التي كانت أشبه ببسمة قاتل مختل.
أهلاً أهلاً، يا ترى إيه أخبار جوز أمي؟
ابتسم بتوتر وقال:
الحمد لله كويس، وإنت؟
نظرت له وقلت بنبرة مخيفة قصدت أن تصدر مني:
ليه شايفاني مجنونة؟
عاد للوراء بخوف وأنا أقترب منه.
لا يا حبيبتي، مجنونة إيه؟ بعيد الشر عليكِ من الجنان، اهدي بس.
قلت بصراخ وأنا أضرب المزهرية بقدمي:
أهدي ليه؟ شايفني متعصبة؟
قال بخوف أكبر من حالتي وهو يعود للوراء:
لا يا حبيبتي، أنا اللي متعصب.
قلت بصراخ وأنا أمسك شعري بتهور:
وإنت متعصب لي؟ هو أنا عملت حاجة تضايقك يا جوز ماما؟
قال بخوف وهو يعود للوراء:
أنا آسف، مش هتعصب تاني.
أخذت أقول:
جوز ماما جه، جوز ماما جه، هاي هاي.
نظر لي بخوف، لاقول بصراخ وغضب:
غني معايا يلا.
نظر لي بخوف، ثم صرخت به ثانية ليغني:
جوز ماما جه، جوز ماما جه.
ثم دخلت لغرفتي وأنا أغني تلك الأغنية، وهو يرددون خلفي بصدمة وخوف مني، إلى أن دخلت غرفتي وأغلقت الباب ورائي، وقلت بخبث:
أما البت عدالة دي عليها شوية أفكار، وربنا لهجننك وما بقاش سارة إلا لما أوريتك يا جوز ماما.
رواية عروس السيد فريد الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم فاطمة الزهراء احمد
خرجت من الغرفة أحاول ارتداء جاكيت البذلة وخلفي قانون يحاول منعي. أما أخي فيسير ببرود كعادته، لا يهتم لأحد.
خرجت صبي من المطبخ لتتفاجئ بي.
"أنت بتعمل إيه يا فريد؟"
قلت وأنا أعدل من وضعية ملابسي:
"زي ما أنت شايف، خارج."
شهقت بصدمة وقالت:
"خارج فين؟ والكلام اللي الدكتور قاله دا إنك لازم ترتاح، يا بني أنت كنت هتروح فيها لولا ستر ربنا."
قاطعها قانون بثقة:
"وبفضل إسعافاتي الأولية، ولا نسيتوا؟"
نظرت له بحنق، فأنا لم أنسَ بعد ما فعله عندما جأتني النوبة، لكن ليس وقت ذلك الأحمق الآن. عدت بالنظر إلى صبي وقلت:
"إهدي، أنا هروح مشوار بسرعة وراجع، وهاخد معايا رائف يعني متقلقيش."
قالت بخوف:
"هتسبوني في البيت لوحدي؟"
نظرت لقانون ليسارع:
"أنا ورايا شغل ولازم أروح، وإلا هترفد ومش هلاقي فلوس أدفع إيجار السكن اللي أنت فيه دا."
قلت بملل:
"خلاص، خدها معاك."
اتسعت عيناها وقالت بفرح:
"بجد؟"
هززت رأسي وقلت:
"آه، يلا بقي يا حبيبتي روحي البسي."
قالت قبل أن تدخل الغرفة:
"فوريرة."
ذهبت ليقول:
"إنت بتقول إيه؟ تيجي فين؟ إنت أهبل؟"
قلت بحنق:
"امال عايزني أسيبها في البيت لوحدها، ولا آخدها معايا."
نفخ بحنق ثم قال بسرعة:
"عندي حل."
"إيه هو؟"
قال بثقة وخباثة:
"إحنا نروّح."
قال رائف بصدمة:
"تت..."
اي يا اخويا.
"نتويها نقتلها ونتويها هنا اي رايكم"
قلت وانا اقترب منه واحاول التحكم في أخر ذره صبر لدي:
"أقسم بالله انت لو ما بعدت عن خلقتي دلوقتي انا اللي هتويك هنا انا معدش عندي صبر لا ليك ولا لاختك"
كدت أرحل وخلفي أخي لاكني توقفت فجأة ليصتدم بي رائف ثم شتمني لاكني لم أهتم وعدت لاسأل قانون وكأني الان تذكرت أمر هام:
"الا اختك فين صحيح"
ظل يفكر لثوني ثم افتعل بكتفه اشارة انه لا يعرف لاقول بغضب:
"يا تري بتعملي مصيبة اي تاني يا عدالة"
***
"وعند المصيبة التي تفتعلها عدالة"
خرجت من النيابة وانا اقول بسعادة:
"اهو وفيت بوعدي وخرجتك فاضل انت توفي بوعدك"
نفخ بحنق ونظر للمحامي الخاص به الذي اخرج ورقة لاخذها منه ببسمة واقول:
"ايوه كدا هو دا الشغل"
كاد أن يرحل لاكنه توقف ليقول بمكر:
"علي فكرة متفرحيش اوي بالورقة اللي معاك دي لان محدش هيرضي يشتري الأرض لانها بتاعت وليد القاضي ومحدش يجرأ انه يقف قدامي فورقة الارض دي ذي قلتها"
قالها بمكر ورحل لاقول في سري بخبث:
"ودي حاجه تفوتني برده يا ابن القاضي"
***
صبي:
أسير خلفه وانا احاول السير بسرعة لأجاري خطواطه الجميع يلقي عليه التحية بإحترام وهو جامد الوجه يرد التحية للبعض احيانًا ويتجاهل البعض أحيانًا من يراه الأن لا يراه فيما بعد. عندما علمت انه وكيل نيابة لم أكن أصدق الأمر فهذا المجنون المرح لايمكن تصوره وكيل نيابة ابدا لاكن بعدما رأيته الأن يمكن أن أقول أن الشرطة وضعت لتكون لذالك الشخص او بالاصح لتلك الشخصية الجادة التي أمامي.
دخلنا سويا فجلست علي الاريكة وهو جلس علي مكتبه ثواني حتي دخل العسكري ليقول له قانون:
"عوزك تجبلي بقي شوية شبسيات متنوعة كدا مع مصاصات بقي وكنزات تمام"
قال الأخر بصرامة وجدية وكأنه سيقوم بمهمة خطيرة:
"تمام يا فندم"
رحل وانا ابتسمت بحرج فهو الان سيشتري لي بعض المقرمشات لاتسلي فالواقع لم أعلم انه حنون هكذا يبدو انني سأكتشف أشياء كثيرة فيك يا قانون.
مرت دقائق وانا اجلس ساكنة اشعر بالملل وهو يصب كل تركيزه علي تلك الاوراق اعتقد انها لقضية ما تقريبًا دخل العسكري بالاكياس ليقول بدون أن يرفع نظره عن الاوراق:
"حطهم عندك واندهلي حاتم والمتهم في قضية حريق المصنع"
قال وهو يؤدي التحية:
"تمام يا فندم"
رحل وانا انظر لقانون ببسمة خجلة بعض الشئ انتظر ان يعطي لي الاكياس لاكنه صدمني عندما فتحها وبدأ يأكل بنهم متناسي وجودي تماما اخذت أحمحم كي يلاحظ وجودي علي الأقل لاكن لا حياة لمن تنادي. وقف فجأة لاقف أنا أيضًا لاكني جلست مجددًا عندما وجدته يفتح باب ويدخل لابد وانه الحمام جلست وانا اشعر بغضب من تجاهله لي ذلك البغيض قانون. شعرت بالملل لذلك وقفت وجلست علي الكرسي الخاص به والذي كان يدور أخذت أدور وأضحك بفرحة وكأنني ألعبة في ملاهي وليس علي كرسي في مكتب وكيل نيابة حتي أنني لم ألاحظ ذلك الدخيل الذي كان ينظر بتعجب إنتفضت عندما قال بصرامة:
"ايه اللي بيحصل هنا انت بتعملي اي هنا"
اوقفت الكرسي بقدمي وفقحت عيني بإتساع عندما سمعت صوت غريب إقترب ذلك الغريب وهو يقول بشك:
"انت مين يا بت"
قلت بصدمة:
"بت انا بت"
قال بغضب:
"مش عجبك يا روح ماما"
قلت بغضب:
"انت انسان وقح"
أخذ يتفحصني من أعلي إلي أسفل ثم مال بجزعه علي ووضع يديه علي الكرسي وهو ينظر الي عيني ثم قال:
"باين عليك بنت ناس صح"
هززت رأسي ليكمل:
"انت مين"
كدت اتحدث قاطعني خروج قانون وما كاد ينظر لنا حتي ابتعد عني ذلك المختل بعدما دفع الكرسي بتجاه الحائط ليتصدم جسدي بالحائط أخذت أصيح بألم اقترب مني قانون وهو يسأل بقلق سعدت انه خرج منه:
"انت كويسه"
قلت بآلم أحاول إخفأه:
"اه تمام متقلقش"
صدح صوت ذلك المختل وهو يسأل:
"مين البت دي"
ساعدني قانون علي الوقوف وهو يقول:
"أخت نسيبي يا جدع"
سأل الأخر مجددًا بحنق بعدما جلس علي الكرسي تامقابل للمكتب بعدم اهتمام:
"واخت نسيبك جيبها هنا تهبب اي"
قال قانون بسخرية:
"جاي افسحها انت مالك"
قال بعدم اهتمام وهو يأكل بعد رقائق الشيبسي:
"ها عوزني في اي"
أجلسني قانون علي الأريكة برفق ثم قال وهو يعطيه ملف أمسكه الأخر بهتمام ثم قال:
"تمام"
ورحل ولم يهتم حتي بأن يعتذر او النظر لي حتي وبمجرد خروجه حتي أخذت أصيح:
"حيوان ووقح"
"هو اي اللي حصل"
نظرت لقانون الذي سأل هذا السؤال وما كدت احاول التهرب من السؤال حتي سمعت طرقات علي الباب فسمح قانون للطارق بالدخول وكان العسكري الذي قال انه احضر المتهم ليسمح له قانون بالدخول وبالفعل دخل رجل في عمر الاربعين يبدو عليه تعب والارق حالته مدمرة كليًا ويبدو من عينه انه بكي كثيرًا دخل الرجل ليقف أمام قانون الذي تغيرت ملامحه مئة وثمانون درجة فلم يعد ذلك بشوش الوجه بل أصبح اكثر جمودًا جلس قانون علي المقعد بكل إرياحية وهو ينظر للرجل الذي يبدو واضحًا جدًا رغبته في الجلوس وبالفعل سمح له قانون بالجلوس جلس بهدوء و يبدوا انه يعاني من آلام في العظام.
قال قانون:
"ها تحب تشرب اي"
قال الرجل بخوف:
"لا ولا حاجه يا باشا"
قال قانون بهدوء:
"لا انا عوزك تشرب حاجه تفوقك كدا علشان اللي جاي ولا اي"
لم يتحدث الرجل لينادي علي العسكري الذي دخل فقال له:
"2قهوة"
ثم نظر للرجل وسأله:
"قهوتك اي"
قال الرجل بتوتر:
"مظبوطه"
ابتسم قانون وطلب فنجانان من القهوة المظبوطة وحتي لم يكلف خاطره بأن يطلب لي ولو كوب شاي.
أعاد نظره مجددًا لذلك الرجل الذي سأله:
"ها بقي نبدأ من ايه"
كاد يتحدث قاطعه العسكري الذي دخل ومعه القهوة وبطاقة ايضًا اعطاها لقانون وهو يقول:
"محامية الاستاذ بره"
نظر قانون بتمعن في البطاقة ثم قال ببرود:
"دقيقتين ودخلها"
خرح العسكري ليمسك قانون الهاتف ويبعث رسالة الي شخص ما ثم يضع هاتفه أخذ يشرب القهوة واشار للرجل ان يشرب قوته ايضًا وانا اتابع الموقف بنقم عليهما انتبهت لطرق علي الباب ليسمح قانون للشخص بالدخول والذي وللحظ كانت عدالة ما كدت احدثها حتي تفاجأة بها تقول:
"المحامية عدالة عدل العادل اللي هتتولي الدفاع عن المتهم"
قال الأخر بسخرية:
"عدالة عدل العادل اي اللاسم دا"
تعجبت كثيرًا وددت لو ان اقول اوليس هذا اسم عائلتك ايضًا حتي ان الرجل نفسه تعجب فهو قد لمح اسم قانون الموضوع علي الافتة الصغيرة علي المكتب لاكنه لم يتحدث جلست عدالة علي الكرسي المقابل وهنا رأتني لاشير لها بلأهلا تعجبت ونظرت لقانون ثم اشارة لي راني قانون ثم وضع يداه علي رأسه وهو يقول:
"اه نسيتها معلش يا صبي روحي مع العسكري يفسحك شوية في المكان"
تعجبت من حديثه لاكنه لم يتح لي الفرصة وفي ثواني امر العسكري الواقف في الخارج بأخزي للتنزه في المكان ويبدو انه لم يتعجب وكأنه يعتاد علي الأمور الغريبة هنا خرجت مع ذاك العسكري تاركة حرب مشتعلة بين الإخوة في الداخل.
***
رائف:
لا أعلم لما فريد أصر علي أن نأتي لذاك الأحمق دخلت معه علي ذلك الاحمق الذي انتفض بمجرد أن رأنا لاكنه وبسرغة تمالك نفسه وقال بسماجه:
"معقولة ابن عمي جيه يباركلي علي خروجي من السجن"
ابتسم فريد بسخرية ومثلما توقعت يريد ان يثير غضبنا لذا قال بخبث:
"متقلقش مراتك عملت الواجب وزيادة ولا ايه"
ثم قهقه بسخرية لذا قال فريد ببرود أنا متأكد انه ظاهري ولاكن من داخله يود إحراق المكتب بمن فيه:
"لا مهو انا أصلا اللي قيلها وانا كمان اللي قيلها علي موضوع الأرض"
يبدو من وجه وليد أنه غضب كثيرًا ولكي يبرد ناره أراد إستفزازي ولكي يفعل ذلك ضغط بكل قسوة علي جرح:
"صحيح عامل اي يا رائف أخبارك اي وأخبار ماما ألا صحيح هي لسا بتشغل ولا بطلت"
لم اتحرك ساكننًا ولم أرمش حتي أعلم أنه يثير غضبي لا أكثر قال فريد:
"علي العموم أنا كنت جاي أطمن عليك وأقولك الف حمدلله علي السلامة وقريب قوي هاجي أشوفك بس المرة الجاية هتبقي في السجن"
قال الأخر بحنق:
"شرفتني يا فريد وانت يا ابن الــ...
قصدي يا ابن عمي.
رحلنا وأنا أشعر بنار تلهب صدري.
وقف فريد فجأة ونظر لي وقال:
"ها، إيه رأيك؟"
قلت بتفكير:
"مش معاه، باين جدًا إنه مش معاه."
قال فريد بخبث:
"معاك حق."
قلت بملل:
"طب إيه اللي جاي دلوقتي؟"
نظر في هاتفه وابتسم بخبث ثم قال:
"فاكر العض اللي عدالة كانت بتعضولك؟ أنا هجبلك حقك."
قلت بتعجب:
"قصدك إيه؟"
قال بخبث:
"هتعرف، بس لما الأول نروح نجيب المدام بتاعتي."
***
صبي:
أخذت أمشي مع العسكري الذي أخذ يعرفني على الأماكن. تأففت وقلت بحنق:
"على فكرة أنا مش غبية، أنا بعرف أشوف الأسماء اللي على الأبواب، مش كل شوية تشاور لي على باب وتقول لي دا مكتب المأمور، دا مكتب الإدارة، دا مش عارف إيه. طب ما كله مكتوب أصلاً."
تنهد ثم قال وهو يفكر:
"طب عاوزة إيه دلوقتي؟"
قلت بخبث:
"عاوزة أروح الحبس."
"نعم؟"
قلت بصوت منخفض:
"عاوزة أروح الحبس أتفرج عليه، أصل أنا مش بشوفه غير في التلفزيون بس."
قال الآخر:
"إنتِ هبلة يا بنتي، هو حد يروح للأماكن دي برجله؟"
نظرت له بحنق، وما كدنا نتحرك حتى سمعت صوت ذلك الأحمق الذي كان في مكتب قانون يقول:
"إنت بتعمل إيه عندك؟"
قال العسكري بتوتر:
"كنت بفرج الأستاذة على القسم."
قال الآخر بحنق:
"آه، إنت سايب اللي وراك وقاعد تفسح الهانم؟"
قال الآخر بخوف وهو ينظر للأسفل وكأنه طفل يحدث والده الشرير:
"دي أوامر قانون باشا."
وقبل أن يتحدث كان قد طفح بي الكيل، لذا قلت بحنق:
"بقولك إيه، إنت عمال تعمل فيها كبير ومعرفش إيه، احترم نفسك وخليك في حالك."
سمعت صوت شهقة العسكري. ومن ثم قال الآخر:
"أنا مش محترم؟"
قلت بتحدي:
"آه مش محترم ووقح كمان."
وما كدت أستدير لأرحل حتى أمسك ثيابي من الخلف وهو يقول بجانب أذني بشر:
"دا أنا هوريكي النجوم في عز الضهر."
قلت بخوف حاولت إخفاءه:
"هتعمل إيه يعني؟"
قال الآخر بشر:
"مش كنت عاوزة تدخلي الحبس؟ أنا هدخلك يا حلوة، ولا يهمك."
***
قانون:
خرجت تلك الحمقاء بعدما عرضت أدلتها، وقررت أن أعرض المتهم على المحكمة ولنرَ من سيفوز. وما كادت تخرج حتى أوقفتها وقلت بحدة:
"أقدر أعرف كنت فين؟"
قالت بلامبالاة:
"عادي، كنت عند سارة، ما أنا قيلالك."
قلت بعصبية لم أستطع التحكم بها:
"إنت عاوزة تفهميني إنك بقالك 5 ساعات عند سارة؟ هي بتولد؟"
قالت بصدمة:
"إيه دا، هي اتجوزت أصلاً؟"
قلت بعصبية بصوت جهوري وأنا أضرب المكتب بيدي حتى ألمتني:
"عدالة، أنا مبهزرش."
انتفضت من عصبيتي ورأيت في عينيها الخوف. أخذت أستغفر ثم قلت بعد تنهيدة:
"عدالة، أنا خايف عليك وعاوزك تتهدي شوية، وعلى فكرة جوزك مش نويلك على خير."
قالت بحنق:
"متقولش جوزي، بس إنت ناسي إنه طلقني."
قلت بسخرية:
"لا يا ختي، مهو ردك وأنتِ عارفة إنه ردك لعصمته. بطلي استهبال."
قلت بهدوء وأنا أجلس وأشرب بعض المشروبات الغازية:
"خدي بالك، جوزك مش ناوي على خير."
قالت بتذمر:
"هيعمل إيه يعني؟"
قلت بحنق:
"شوفي إنتِ بقي، ونصيحة متروحيش البيت بدل ما يولع فيك."
قالت بتحدي:
"طب والله لأروح، وهنشوف هيعمل إيه."
خرجت وأرجعت رأسي للخلف وأنا أستمتع بالطعام وأفكر أنني قد تاه عن بالي شيء لاكن لا أتذكره.
***
(وعند ذلك الشيء الذي تاه عن باله)
"خشي يا بت."
قالها ذلك العسكري وهو يدفعني بقسوة. أخذت أصرخ أنني جئت إلى هنا بالخطأ وأن ذلك الضابط الحقير هو من أحضرني إلى هنا واستغل نفوذه. وأخذت أبكي وأصرخ حتى سمعت صوت امرأة تقول:
"ما خلاص يا بت، جبتي لنا صداع. إيه الهم دا؟"
استدرت بخوف لأنظر لجميع النساء الموجودات هنا، والتي كانت نساء منهن من على وجوههن ندبات، وأخرى بثياب كاشفة، وأخرى يبدو عليهن الكسرة والحزن، وأخرى يبدين عليهن القسوة. سرت بخوف ثم جلست على الأرض بعيدة عن جميع النساء حتى اقتربت مني امرأة وهي تقول بعدما أخذت تنظر لي ولثيابي:
"الآه، الحلوة جاية في إيه؟"
قلت بخوف وأنا أتزحزح بعيدًا بهدوء:
"لا حضرتك، أنا ضابط، وهو استغل نفوذه وجابني هنا ظلم."
قالت بسخرية وبضحكة نسائية عالية:
"ظلم؟ ما سمعتش الكلمة دي من مدة."
نظرت لي مجددًا وهي تقترب من المسافة التي ابتعدت بها عنها لتصبح ملاصقة لي:
"إلا هو مين الضابط اللي سجنك ظلم دا يا ختي؟"
قلت بخوف منها:
"أنا معرفوش، بس هو طويل شوية وأسمراني ومكشر على طول."
وبمجرد أن قلت تلك الأوصاف حتى وضعت أصابعها على ذقنها ثم قالت:
"ليكونش قصدك حاتم بيه؟"
وبمجرد ذكرها الاسم تذكرت قانون عندما كان يأمر العسكري بأن يستدعي ذاك حاتم بيه. لذا قلت:
"آه، هو دا صح."
قالت وهي تحرك شفتيها يمينًا ويسارًا مثل تلك النسوة التي يفعلن تلك الحركات في الحارات:
"وإنت إيه اللي وقعك مع دا يا حزينة، جتك نيلة."
قلت بخوف من حديثها:
"ليه، هو ممكن يأذيني؟"
قالت بشفقة:
"دا ممكن يلبسك قضية يوديك في ستين داهية. أنا عارفة إيه اللي وقعك معاه."
قلت بصدمة:
"يا نهار أسود."
***
عدالة:
عدت إلى المنزل وأنا أؤمن نفسي بنوم عميق وراحة. لا أعلم لما دخلت إلى المنزل. أول ما خطر ببالي حديث قانون عن فريد وما سيفعله، لاكن أخرجت تلك الفكرة من رأسي فورًا بعدم اهتمام وقلت بسخرية:
"هيعمل إيه يعني؟"
وبمجرد أن وضعت يدي على زر الإضاءة حتى سمعت فريد يقول:
"أهلاً أهلاً بالهانم اللي مقرطسة جوزها."
نظرت له ورأيت الجحيم كله ينصب في عينه. لذا قلت ببسمة مرتعشة:
"إيه دا، فري عامل إيه يا حبيبي؟"
"إريل."
قلت بعدم فهم:
"نعم؟"
تحدث هو ليوضح حديثه:
"قوليلي يا إريل، مهو لما واحدة تكون سايبة جوزها قاعد مش عارف هي فين ولا بتهبب إيه، ويعرف أخبارها من الناس، يبقى إيه؟"
قلت ببلاهة:
"إيه؟"
قال بحدة جعلتني أرتد للخلف:
"إريل، يبقي راجل إريل يا روحي."
قلت بخوف:
"لا يا فري، ما تقولش على نفسك كدا."
قال بغضب:
"لا أقول، لما مراتي تبقى قاعدة 5 ساعات بره معرفش عنها حاجة، ومكلفتش خطرها حتى تتصل عليا تستأذني، أمسح كلمة راجل من البطاقة بقي."
قلت بخوف وأنا أحاول تهدئة الأمور:
"ما تقولش على نفسك كدا يا حبيبي، وبعدين إنت لسه مريض، العصبية وحشة على شانك، وكمان الحق عليا يعني، كنت بنقذ شرف عيلتك وطلعت لك ابن عمك من السجن."
تنهد بهدوء أخافني، وما زاد خوفي أكثر هي ابتسامته وحديثه:
"لا، كتر خيرك والله، وعشان كدا أنا لازم أكافئك يا زوجتي العزيزة."
قلت بخوف:
"لا، ولا يهمك يا فريد."
قال ببسمة مخيفة:
"لا إزاي، دا لازم طبعًا... رائف."
وبمجرد أن نادى حتى ظهر رائف من المطبخ وهو يمسك تفاحة مع سكين. ثم قال له فريد:
"أنا داخل أريح شويتين، اتصرف إنت بقي."
وبمجرد أن قال ذلك حتى رمى رائف التفاحة ونظر لي ببسمة مختلة ومخيفة تشبه التي نشاهدها في أفلام الرعب، ثم قال:
"من عنيا الاثنين."
رواية عروس السيد فريد الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم فاطمة الزهراء احمد
رائف:
إبتسمت لها بشر بعدما تركتني لي فريد، وللأسف قد أنذرني عدة مرات أن أخيفها فقط وأن لا أقترب منها.
إبتسمت بشماتة وقلت:
"يااه وأخيرًا وقعتي في إيدي يا حلوة"
قالت بخوف:
"يااه عامل إيه يا سلفي، وحشتني يا جدع، كل دي غيبة"
قلت لها ببرود:
"آه معلش بقى كان في جثة وبتويها، بس الحمد لله خلصت منها"
قالت بتوتر:
"الحمد لله ربنا يعينك، بتتعب كتير"
قلت بتسلي وقد أعجبني خوفها:
"آه طبعًا بنتعب جدًا، هما بقا عقبال لما أراقب وبعدين أخطط وأنتظر اللحظة وبعدين أقتل، وبعدها أخطط أوي الجثة بعيد عن الحكومة إزاي، ياا تعب بجد"
قالت بتأثر:
"يعني وأنا اللي كنت بدعي على قتلة القتلة، طلعوا غلابة أوي وبيتعبوا في شغلهم"
نظرت لها بدقة أحاول فهم هذه الغبية، هل تحاول أن تسخر مني؟ ولاكن للعجب وجدتها متأثرة بصدقه. قلت في نفسي:
"مستحيل تكون دي بن آدمة طبيعية، أكيد دي عبيطة"
ابتعدت عنها وابتسمت بسخرية.
نظرت لها عندما فاجأتني بسؤالها:
"هو انت بتكرهني ليه"
نظرت لها بغربة من ذلك السؤال المفاجئ وقلت:
"بالعكس، أنا مش بكرهك، أول لما عرفت إن فريد اتجوزك كنت مبسوط إني هشوفك"
قالت بتعجب:
"هو انت تعرفني"
قلت بمكر:
"لا، بس أعرف أبوكي ومامتك"
قالت بلهفة:
"انت تعرفهم إزاي"
قلت بمكر وأنا ألعب على أوتارها:
"أعرف مامتك أكتر، هي اللي ربتني بعد موت أم فريد"
قالت بصدمة:
"ربتك إزاي، وهي تقرب إيه لأم فريد وأبو فريد"
لم أتحدث، تركتها لخيالها. لم تمر دقائق وهي تفكر، ثم قالت بصدمة:
"معقول أمي كانت متجوزة أبوك"
نظرت لها بتعجب من حديثها، لكن لم أتحدث.
قالت هي بدراما:
"علشان كده فريد اتجوزني علشان بنتقم مني"
قلت وأنا أحاول فهم أفكار تلك الفتاة:
"ينتقم منك ليه"
قالت بتأثر:
"علشان أمي كانت متجوزة أبوه، وأكيد علشان أمي زي أي زوجة تانية شريرة أصيلة فضلت تقهر في أم فريد لحد ما ماتت بسبب أمي، ولما أمه ماتت بسبب أمي، فضل طول ما هو صغير يكبت في نفسه لحد ما كبر واتجوزني علشان يقهرني، اااه ليه يا فريد تعمل فيا كده، ليه أنا ذنبي إيه إن أمي كانت كده"
ظللت أحاول أن أفهم حديثها. انتظرت لدقائق وأنا أحاول أن أجمع حديثها في رأسي، ثم قلت بصدمة:
"يا خربيت خيالك الواسع، إيه الفيلم الهندي ده"
جلست على الأريكة وبيدي زجاجة ماء، حتى صدمتني بتحليلها الثاني والذي أكد لي أن تلك الحمقاء لم تدرس حتى الابتدائية.
"طالما أمي كانت متجوزة أبوك، معنى كده إن أنا وفريد إخوات"
بصقت الماء من فمي ونظرت لها وأنا أقول بصدمة وسخرية:
"يا بنت اللعيبة، عرفتي إزاي"
قالت بصدمة:
"أنا كنت شاكة فيكم من الأول، أكيد وراكم حاجة، بس عمري ما تخيلت إنكم عيلة زبالة"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فريد:
استيقظت من النوم بعدما نمت حوالي، اممم، لا أعلم، ولاكن الذي أعلمه أنني أخذت كفايتي منه جيدًا. خرجت وأنا أتثاءب لأجد عدالة مقيدة على كرسي وتبكي. لا أعلم لما، فقد أخبرت ذلك الأحمق أن يخيفها فقط، لاكن لما هي تبكي؟ هل يعقل أنه آذاها؟ اقتربت منها وأنا أقول بلهفة:
"مالك يا عدالة، بتعيطي ليه؟ رائف عملك حاجة"
قالت من بين دموعها:
"إبعد عني، إبعد عني يا ابن الناس، تحرم عليا حُرمة امتحانات الكلية"
قلت بعدم فهم:
"حُرمة إيه يا أختي"
قالت بتأثر:
"أختك، ياااه، فعلاً ما كدبتش، أنا فعلاً أختك"
لم أستطع فهم حديثها، لذا نظرت لرائف الذي كان يضع يديه على وجهه وأشرت برأسي بأني لا أفهم، ليقول بهدوء:
"شوف يا أخي، أنا شفت غباء كثير، عمري ما شفت في غباء مراتك"
نظرت لها لأقول بعدم فهم:
"إيه اللي حصل، أنا مش فاهم"
أجاب وهو يضع يديه على جبينه:
"بقولك أنا جالي صداع من غبائها ومعتش قادر، خليها تقولك هي إيه اللي حصل"
نظرت لها لأقول:
"في إيه يا عدالة، إيه اللي حصل"
قالت ببكاء وتأثر:
"أنا أخيراً فهمت كل حاجة"
قلت بعدم فهم:
"فهمتي إيه بالظبط"
قالت بعدما توقفت عن البكاء:
"عرفت أنت مخبي عني إيه"
نظر لرائف وأنا أرجوه بنظراتي أن لا يكون وقع بلسانه وأخبرها أي شيء، لاكن كل ما صدر منه هو أنه ابتسم بسماجة وبسط يده للأمام وكأنه يقول (شوف هتقول إيه).
وبالفعل، نظرت لها لأجدها تقول بصراخ:
"أنا عرفت إن أنا وأنت إخوات ومنتزوجش لبعض"
"نعم يا أختي"
هذا ما استطعت قوله بعدما تشنجت معالم وجهي. نظرت لرائف لعلي أفهم ما قاله لها. ليقول:
"آه، أنا كنت قاعد بقالي ساعتين في العبط ده، إلبس بقى"
نظرت لها لتقول:
"أنا مش قادرة أصدق إنك خدعتني يا فريد"
قلت بصدمة:
"خدعتك في إيه يا عدالة، أنت عبيطة"
وما كادت تتحدث حتى دخل علينا قانون لأقول:
"آه، أخوك جه، تعالي شوف أختك"
نظر لي وقال ببرود وهو يضع كلتا يديه في جيبه:
"مالها أختي، طب ماهي مربوطة متكتفة في الكرسي وزي العسل أهي"
قالت بتأثر:
"قانون، تعالي فكني، عاوزة أمشي، مش عاوزة أشوف وشه"
قال بعدم فهم وهو يفك الحبال:
"إيه اللي حصل، عملك حاجة أذاك"
قالت ودموعها تنساب، فأوجع هذا قلبي:
"أنا عرفت كل حاجة، عرفت إنه خدعني"
نظر لي قانون وكأنه يسألني ماذا عرفت. أخشى أن لا تكون عرفت بذلك الموضوع.
ولاكني طمأنت قلبه بأن هززت رأسي بلا، ليزفر براحة ثم يقول:
"عرفت إيه يا عم كونان"
قالت بتأثر:
"عرفت إن أنا وفريد منفعتش لبعض"
قال بسخرية وهو يفك الحبال من عليها:
"ليه يا أختي، رضعتين على بعض"
قالت وهي تنظر للفراغ:
"لا، لأننا إخوات، أنا وأنت وفريد إخوات"
قال بسخرية:
"يا سلام، وعرفتي إزاي يا عبقرية زمانك"
هزت رأسها بنعم ودموعها تنساب:
"آه يا قانون، أنا اتجوزت أخويا"
وقبل أن أتحدث وأصرخ، قال رائف بعدم اهتمام:
"أنا داخل أنام"
أمسكته من تلابيب قميصه:
"بقولك إيه، أنت هتحكيلي دلوقتي، أنت قولتلها إيه"
نظر ليدي ببرود ثم قال ببسمة لا تليق مع حديثه:
"أنت مش عاوز تخسر دراعك، صح"
قلت ببسمة:
"وأنت مش عاوز تخسر حياتك، صح"
نظر لنا قانون بحنق وقال:
"وأنتم مش عاوزيني أبيّتكم انتو الاثنين في الحبس، صح"
نظرنا له بغضب، ليبادلنا النظرة بلامبالاة، ثم قال لعدالة بعدما فك حبالها:
"وأنت عرفت إزاي يا عم كونان"
قالت وهي تمسح دموعها بكم قميصها كطفل صغير:
"هقولك"
جلست وأنا أنتظر لتقول:
"دلوقتي أنا من خلال ذكائي ورتي على التحليل، اكتشفت إن أمي كانت متجوزة أبو فريد"
نظر لي قانون لأكمل بعمق:
"وبعدين أمي اتجوزت أبويا وخلفتنا، يعني دلوقتي أنا وفريد إخوات، يعني أنا اتجوزت أخويا، لإن أبوه اللي خلفه"
نظر لي قانون فوجد ملامحي متشنجة وأشعر أنني سأعاني من أزمة قلبية. لم يهتم وقال وهو يعيد الحديث وكأنه يفكر مع نفسه:
"دلوقتي أمي كانت متجوزة أبوه"
هززت رأسي بنعم.
أكمل وهو مازال يفكر:
"وبعدين اتجوزت أبويا"
ومجددًا هززت رأسي ليكمل:
"وبعدين خلفتنا من أبويا، وهو أصلاً كان مخلف أولاده، فلا كان متجوز أمك، اللي أصلاً في الوقت ده كانت مخلفاك، لسا، يبقي أنا وأنت وفريد ورائف وصابرين إخوات"
قالت وهي على وشك البكاء:
"آه"
لم أعد أتحمل هذا الكم من الغباء، لذا قلت بإنفعال:
"ده إيه، إخوات إزاي يا متخلفة"
قال قانون بغضب:
"أنت بتزعق ليه، طب هي عندها حق، كدا إحنا إخوات فعلاً"
قلت بإنفعال:
"لا، كده أنتو وهي اللي إخوات، لأن الغباء واضح إنه وراثة"
وما كدت أرحل بغضب، حتي رأيت أخي يضع يديه على ذقنه وكأنه يفكر في شيء. قلت بتعجب:
"وأنت بتفكر في إيه"
قال بهدوء وكأنه يفكر في شيء خطير كاختراع قنبلة نووية مثلها:
"هما فعلاً ممكن يكون عندهم حق، ممكن فعلاً إحنا بنقي أخوات"
حاولت أقسم إني حاولت أن أتماسك، لاكن كان هذا أصعب من قدراتي، لذا قلت بغضب لم أستطع كتمه:
"لا، فعلاً واضح إنك أخوهم، الله يخربيتكم، ابعد من وشي"
قلتها بعدما أبعدته عن وجهي وخرجت وأنا أغلق الباب في وجههم بغضب، فلم أعد أتحمل هذا الغباء. وبعدما تنفست عدة مرات، دخلت للمنزل مرة أخرى وقلت لذاك الأحمق الذي كان يواسي تلك الحمقاء أخته:
"أنت يا زفت، أمال صابرين مجتش معاك ليه"
قال ببلاهة:
"صابرين مين"
قلت بحنق:
"صابرين أختي، صابرين"
شهق بفزع لأقول بغضب:
"أنت نسيتها"
قال مسرعًا:
"أبدا، دا أنا سبتها تلعب هناك وجيت أجيب ورق مهم، ومكنتش أعرف إنكم رجعتوا، هروح أجيبها"
وما كاد يرحل حتى قلت بتعجب:
"والورق اللي كنت عاوزه"
قال بتوتر:
"آه، الورق، آه، هدخل أجيبه حاضر"
دخل لدقائق ثم خرج ومعه بضعة أوراق وخرج بتوتر:
"أنا رايح أجيبها"
قلت بهدوء:
"أنا جاي معاك"
قال بإنفعال:
"لا، لا، خليك، أنا هاجي بسرعة"
قلت له:
"يا ابني، هروح معاك أجيبها علشان متأثرش على شغلك"
قال بتوتر:
"لا، لا، أنا أصلاً هروح أجيبها وأجي، معتش ورايا حاجة خلاص، ماشي"
قالها وهو يركض على السلم. تأكدت من أنه يخفي شيئًا، لكني لست في مزاج لتحقيق. زفرت بقوة وأنا أحاول تهدئة أعصابي. نظرت من الباب، وجدتها مازالت تبكي. هززت رأسي بيأس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قانون:
عندما وصلت ناديت علي العسكري الخاص بي وسألته عنها وصُدِمة عندما فاجأني بأن ذلك الأحمق حاتم وضعها في الحجز كدت أصاب بشلل لبعض الثواني ذهبت بسرعة للحجز ورأيتها متكورة تضم قدميها علي صدرها أخذت العن ذلك الأحمق حاتم ومن ثم أمرت العسكري بأن يخرجها وعندما رأتني أمامها ركضت لي تضمني وتبكي لاأعلم ماذا أفعل في ذلك الموقف سوي أنني حاولت أن أخبرها ببعض الكلمات اللطيفة علها تهدأ وبالفعل مر وقت طويل ثم أخيرًا هدأت أخذتها إلي مكتبي وأجلستها وطلبت لها عصير لتهدأ وبالفعل وأخيرًا بعد أن هدأت كدت أرحل أمسكتني بسرعة وكأنها غريق وجد طوق نجاة وقالت بصوت باكي:
"رايح فين وسايبني تاني "
شعرت بالذنب ولاكني قلت ببسمة هادئة:
"هروح ثواني وأرجعلك متقلقيش مش هتأخر متخفيش "
نظرت لي لدقائق ثم تركت يدها التي كانت تتمسك بي رحلت وقبل أن أغلق باب مكتبي إمتحت تلك البسمة الهادئة لأُخرج البسمة التي أكرهها ويكرهها كل من يرها.
(ولو أنك يا عزيزي القارئ موجود هناك الأن ستري كم أن الجميع يكره وبشدة تلك البسمة ولم يتوقف الأمر علي الكره بل الخوف حتي أن بعض المجرمين الذين رأوه سارعوا بالاختباء في المكاتب التي في وجوههم لايهتمون لمن هي او لما هي كل ما يهتمون به هو الاختباء من ذلك الضابط الذين يعلمونه حق المعرفة أما عن زمالائه فستري الخوف أيضًا أستوطن وجوههم لثواني ثم تبدلت للحزن والشفقه علي ذلك الشخص الذي أطلق شياطين إبن العدل الذي إذا خرجت فهذا يعني أن ذلك الشخص أصبح فقيد الشباب)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قانون:
تنفست بهدوء وأخفيت بسمتي بعدما طرقت الباب بهدوء وبمجرد أن سمح لي بالدخول حتي ترحمت عليه في سري ودخلت ثم أغلقت الباب لم يرفع عينه في وجهي بل كان منكبًا علي ألاوراق التي أمامه جلست علي الاريكة بأرياحية قلت بهدوء:
"اي الهباب اللي عملته دا"
قال وهو مازال يحدق في تلك الأوراق:
"اه قصدك اللي عملته في قربتك "
لم اتحدث فقط انظر له بجمود
ليكمل:
"اي هو انت بتحبها "
نظرت له بتعجب وسرعان ما فهمت ما يرمي اليه ذلك الأحمق الذي أعرفه حق المعرفة:
"اوعي تكون معجب بيها ياض "
واخيرًا نظر اي وهو يبتسم بخجل:
"يعني مجرد إعجاب "
قلت بصدمة:
"تقوم حبسها امال لو كنت بتحبها كنت هتعدمها "
نظر لي وعلي علي وجهه الحنق:
"كنت عاوز ألفت نظرها واخليها تفكر فيا "
شعرت بوجهي يتشنج من حديثه فقلت بغضب:
"دي بتدعي عليك وبتلعن سلسفيل أهلك يا متخلف "
تنفست بهدوء ثم اقتربت منه وقلت:
"حاتم حبيبي "
هز رأسه وقال:
"نعم "
أمسكته من تلابيب قميصه وقلت:
"أترحم علي نفسك "
(لا أريد يا عزيزي القارئ لن أخبرك ما الذي فعله قانون به لكي تظل صورة الفتي المرح اللطيف الوسيم هي الصورة المبادرة دائمًا لذهنك.)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في أحد المطاعم:
جلست أنتظر سارة كما اتفقنا إلي وأن أخيرًا جاءت لاكن كانت علي ملامحها الخوف من شئ غريب جلست بعدما أخذت تنظر بشك هنا وهناك ثم قالت بهمس:
"في حد كان ماشي وراك وانت جاية "
قلت بنفس الهمس:
"متلقيش البضاعه في أمان جبتي الفلوس"
نظرت لي ببلاهة ثم قالت:
"فلوس اي وبضاعت اي "
قلت:
"اي مش دا فيلم البطنية "
قالت بصدمة:
"بطنية اي يا و احنا تجار مخدرات "
قلت بحنق:
"طب طالما إحنا مش تجار مخدرات موطية صوتك كدا ليه وكنا اننا بتجار فيهم "
قالت بخوف وهي تنظر علي الطاولات التي بجانبنا:
"مازن "
"جوز امك "
قلتها بعدم ادراك للمكان او ان صوتي مرتفع
لتقول بحنق:
"اه الزفت"
قلت وانا اتناول ايس كريم الفاناليا:
"اي الخطة اللي قولتلك عليها منفعتش "
قالت بخوف:
"لا يا ختي نفعت فعلا وبقيت بتعامل معاه زي المجانين وفعلا خاف وبعد عني الحمد لله بس حصلت بعدها مصيبة"
كانت نبرتها الخائف جعلتني اتحمس وانا اتناول الايس كريم واردف بحماس:
"حصل اي"
قالت بخوف وبنبرة هامسة اكاد لا اسمعها:
"هقولك"
F. B
كانت في مكتبها تعمل علي إحداث القضايا لاكنها انتفضت عندما إستمع إلي صوت صراخ كانت تعتقد أنها لربما لإحداث النساء الحوامل التي تذهب للطبيب علي الذي يقطن في الدور الخامس لم تكن لتعطي للموضوع إهمية إلي أن إستمعت إلي صوت مازن ولم يكن كصوته المعتاد الهادئ الرزين بل صوت وحش قام أحدهم بإيقاع من نومه لم تستطع عدم تمالك نفسها لذا قامت لتري ما يحدث وعندما خرجت من باب مكتبها رأته خالي من أي كائن بشري وعلي عكس مكتب مازن كان مزدحم وكأنه يعرض أحد مباريات كرة القدم حاولت الدخول من خلال هذا الجمع الغفير وبعدما تمكنت من الدخول وجدت صوت صراخ إمرأة ورجل والمرأة تقريبًا تصرخ بالرجل لأنه قام بخياتها وما كادت تحاول الدخول حتي سمعت ساد الصمت فجأة ولم نستمع لصوت شئ وفجأة فُتح الباب وخرج منه الرجل والمرأة بكل هدوء وكأنه لم تكن هناك حرب مشتعلة منذ قليلا وبعد خروج الاثنان خرج الاخير والذي كان حالته مُدمرة فكان يرتدي قميص مفتوح ازراره العلوية وأزرار يديه مكان شعره مبعثر علي جبهته ووجه كله متعرق وكأنه كان يقود حرب وما كدت أتحدث حتي قال بنبرة جامدة :
"كله علي مكانه يلا "
وبالطبع لم يستطع أن يتحدث أحد من الصدمة ليقول بغضب:
"انا قولت كله برا يلا "
وما كاد يرحل حتي عاد ونظر لسكرتيرته وكان عينيه قناصة استطاعة صيدها من هذا الجمع الغفير ليقول لها:
"كل الحجزات بتاعت النهاردة تلغيها واي حد اداك فلوس يرجعها"
وبمجرد ان انهي حديثه واغلق الباب مجددًا حتي بدأت الهمهمات من حديث الرجال والنساء عن يا تري ما الذي جعل ذاك الطبيب المحترم بهذا المنظر فهناك من يقول انه طبيب فاشل ومنهم من يقول ان الحق كله علي المرأة ومنهم من تقول ان ذاك الرجل الوغد هو من دمر المرأة بسبب كثرة خيانته وهكذا حتي جمعت المساعدة شتات نفسها وقامت بإخراج البعض وقامت بإنهاء حجز بقية المرضي وقفت للحظات ثم قررت ان ادخل لذلك الأحمق الذي تسبل بإزعاجي وما كدت افتح الباب بقوة وقلت:
"هو اي اللـــ..... "
وما كدت اكمل حتي توقف لساني عن التحرك عندما جدته عاري الظهر ولاكن ما صدمني ذاك الوشم الموضوع علي فكان أشبه بوشم خاص برجال العصابات فكان الوشم عبارة عن الجانب الايسر كله عبارة وشم كلمة(Hell 2) وعلي رقبته من الجانب رسم ثعبان لم أشعر بنفسي سوي وانا اشهق استدار لي وكان عاري الصدر أغمضت عيني بخوف حتي شعرت بصوت أنفاسه الساحنة علي وجهي ومن ثم سمعت صوته بجانب أذني يقول:
"أطلعي بره "
شعرت بأن جسدي كله تخدر من فعلته وما كدت أن افتح عيني حتي شعرت به يسحبني للخارج وبالفعل كان ما فعل.
back:
"ها وبعدين "
قلتها بلهفة:
لتقول:
"ولا حاجة بعدها روحت البيت وانا مرعوبة"
قلت ببرود:
"مرعوبة ليه وهو لمسك "
قالت:
"لا بس هو مجرد الموقف بس بحس برعشة كدا وبعدين الوشم دا اللي خوفني منه أكثر"
وبمجرد ذكر الوشم حتي قلت:
"طب مهو ممكن يكون من معجبين فان دام مش فان دام كان عمل فيلم الجحيم مش يمكن يعني...."
توقفت عندما وجدت الشر يتطاير من عينيها لذا صمت قليلا اتناول أخر معلقة من الآيس كريم ثم قلت:
"طب أنت شكة في اي"
قالت بحماس وصوت منخفض بعدما نظر بجوارها للمرة التي لا اعلم عددها:
'انا شكة انو بيشتغل في عصابة "
نظر لبلاهتها بحنق وقلت:
"يخربيت الافلام اللي بتتفرجي عليها اي يا بت الخيال دا لا مش للدرجادي يعني عادي واحد عامل وشم عادي مش كل اللي عملين وشم شغلين في عصابات"
قالت الاخري بتصميم علي افكارها:
"لا بس مازن غريب اصلا عنده ثبات نفسي غريب جدا وظهوره اصلا غريب وفي حجات تانيه مخلياني شكة فيه"
قلت بلامبالاة:
"ايوه هتعملي اي يعني"
قالت الاخري بخوف:
"معرفش بس أنا خايفة أوي "
قلت بحنق وأنا انظر في هاتفي:
"اتهدي وبطلي تتفرجي علي mbc 2،أنا لازم امشي علشان ظهرلي موضوع مهم لازم اخلصه"
هزت رأسها فقمت بتوديعها وذهبت أتصلت بأخي وأنا أسير لاصل لسيارتي:
"أيوه يا قانون في موضوع مهم عوزه اكلمك فيه"
وما كدت أكمل حديثي حتي توقفت أمامي سيارة أجرة وبها إمرأة عجوز تقول:
"معلش يا بنتي تعرفي فين......."
قلت لاخي:
"ثواني خليك معايا"
واقتربت من العجوز احاول شرح الطريق لها وما كدت اقترب حتي شعرت بأحد يلمس ظهري بشئ لانظر فوجدت مسدس ليهمس الشخص الذي يمسك المسدس لي:
"إركبي أحسن أفرغه فيكي "
نظرت له بصدمة لم استطع حتي الصراخ انفاسي كانت تتلاشي من تلك الصدمة وأخر ما سمعته كان صوت أخي عبر الهاتف يصيح بإسمي لاكن كان هذا قبل أن يأخذ مني ذلك الشخص الهاتف ويلقيه.
أنا عارفة إني اتأخرت أوي، وليكوا كل الحق إنكم تتضايقوا، بس كان بسبب ظروف نفسية ولأن كمان شغفي كله ضايع ومش قادرة أكتب كلمة واحدة. أنا أصلاً كاتبة البارت ده بالعافية، فاياريت تعذروا نفسيتي، لأن كلنا بنمر بفترات بتبقى صعبة علينا، ويارب يعديها على خير.
رواية عروس السيد فريد الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم فاطمة الزهراء احمد
عدالة:
عندما فتحت عيني وجدته أمامي يجلس وعلي فمه بسمة خبيثة.
قلت بصوت ناعس:
"اي دا مش انت ابن عم فريد؟"
وكل ما صدر منه هو هزت رأس صغيرة.
قلت:
"وانت بتعمل اي هنا وانا فين؟"
قال بهدوء وهو ينظر في هاتفه:
"متقلقيش انت هنا في الحفظ والصون لحد ما فريد يجيب اللي انا عوزه."
وما كدت أتحدث حتى رحل من أمامي وأنا أشعر بالخوف يسير في أوردتي.
أغمضت عيني على أمل أن أستيقظ من هذا الكابوس، لاكن لا أظنه أنه حقاً كابوس.
رائف:
أجلس وأنا غير مبالٍ لذلك الأحمق الذي يسير في أروقة المنزل يتحدث مع نفسه:
"متخلفة، اقسم بالله أنا متجوز متخلفة، أخلص بس كل حاجة وهطلقها وأخلص من غبائها. أنا مش عارف إيه بس اللي رماني الرمية السودة دي."
لم أهتم أو أنظر له حتى.
لاكن ما جعلني أنتفض من مكاني كان ذلك الفيديو الذي بعث لي.
أنظر لفريد الذي كان نازلاً يتحدث مع نفسه.
قلت له في هدوء:
"فريد، مراتك اتخطفت."
نظر لي بحنق ثم قال:
"مش وقتــ...."
ثم أظنه استوعب الأمر لينظر لي في صدمة وهو يقول:
"بتقول إيه؟"
أعطيته الهاتف ليأخذه وهو ينظر لفيديو الاختطاف بصدمة ليقول بغضب:
"مفيش غيره هو اللي يلعب اللعبة الزبالة دي."
قلت بإهتمام:
"وهتديه اللي هو عاوزه؟"
قال بغضب:
"ده بعينه."
قلت:
"طب ومراتك؟"
قال بخبث:
"أنا هعرف أرجعها بطريقتي."
نظرت في أثره بعدما دخل غرفة زوجته.
ثم أعدت النظر في هاتفي بعدم اهتمام.
صبي:
جلست في المكتب مثلما قال لي أنتظره، أشعر بسعادة.
كلنا تذكرت خوفه من أن يصيبني شيء.
لاكن اختفت بسمتي عندما ظهر مجدداً وعلى فمه بسمة لطيفة كعادته.
وقفت لاكنه أشار لي بالجلوس وذهب لمكتبه وهو يقول:
"في ملفات هاخدها البيت أخلصها هناك، هجبها ونروح."
هززت رأسي بموافقة.
ليبتسم هو بعدما وجد مبتغاه.
قال لي:
"يلا نروح."
وما كدنا نرحل حتى سمعنا طرقات على الباب.
ليأذن هو للطارق بالدخول.
وما كان سوى العسكري ليقول:
"صاحبة المصنع اللي اتحرق بره يا فندم وعاوزة تقابلك ضروري."
نظر لي لأقول له:
"مفيش مشكلة، نستنى كمان شوية."
هز رأسه وأمر العسكري بإدخالها.
بعد دقيقتين جلس على مكتبه وأنا على الأريكة.
ليقول:
"معلش يا صبي، أنا آسف بجد تعبتك معايا النهاردة."
قلت ببسمة وبصوت حاولت جعله لطيف:
"لا مش مشكلة."
قاطع حديثنا دخول تلك المرأة والتي بالفعل كانت امرأة بمعنى الكلمة.
فكانت جميلة وفاتنة لدرجة كبيرة لم أتصورها هكذا.
دخلت بكل ثقة وجلست وهي تضع قدم فوق الأخرى.
نظرت لي باشمئزاز وبالفعل كان لها الحق، فكانت حالتي يرثى لها.
فكان شعري مبعثر وعيوني حمراء وكحل عيني يسيل على وجهي من بكائي.
اخفضت وجهي وأنظر في الأرض بإحراج.
قاطع تلك النظرات صوت قانون:
"اتفضلي حضرتك."
قالت المرأة بدلال:
"سوري يا حضرت الضابط، مكنتش أعرف إن عندك مجرمين."
نظرت لي وهي تقول كلماتها.
ليقول قانون بهدوء وبلهجة احترام:
"لا يا فندم دي مش متهمة، دي قريبتي."
نظرت له بصدمة، هل يعقل أنه لم يخجل مني حقاً؟
نظرت له بإمتنان ليكمل:
"أتمنى يكون كلامك مختصر علشان لازم أمشي دلوقتي."
قالت بنبرتها تلك:
"متقلقش حضرتك كلامي هيكون مختصر خالص."
قلت وأنا أقلدها بسخرية:
"خالص إيه؟ المياعة دي، جتك القرف في حلوك."
فريد:
كل ما يدور في رأسي الآن هو كيفية إنهاء تلك اللعبة التي طالت.
لذا قررت أن أنهيها الآن.
خرجت من الغرفة فوجدت رائف جالس مجدداً كما هو على الأريكة، لم يتحرك.
سألته بإهتمام:
"لسه معرفتش طريق ليلي؟"
قال بلامبالاة:
"لا، عرفت وقتلتها."
نظرت له بصدمة ثم قلت:
"ومقولتليش ليه؟"
قال ببرود كعادته:
"مجتش مناسبة."
كدت أشد شعري من بروده ذاك، لكنني تمالكت نفسي وقلت:
"طب حد عرف حاجة؟"
قال ببرود:
"لا، أنا دفنتها في مقبرة ومحدش هيعرفلها طريق."
قلت له بخبث:
"بس أنا عاوز يتعرف لها طريق."
وأخيراً تخلى عن بروده ونظر لي بإهتمام.
لأقول:
"أنا عاوز أخلص اللعبة دي علشان زهقت."
قال بإهتمام شديد لحديثي:
"وأنا ناوي تعمل إيه؟"
قلت بخبث:
"ناوي أضرب عصفورين بحجر."
نظر لي بعدم فهم.
لأقول:
"عاوز أخلص من موضوعها وموضوع اللي بعتها من الأول علشان السكة تفضل، أعرف أتعامل مع ابن عمي الغالي."
ابتسم بخبث وقد فهم حديثي.
ليقول:
"وماله، دماغ حلوة برضه."
ابتسمت له، وبدأ هو يستعد ويحدث أتباعه.
أما أنا فقررت أحدث قانون وأخبره بما حدث لشقيقته قبل أن تسوء الأمور.
أما عند عدالة والتي كانت تشعر بالخوف الشديد، فهي أكثر ما تخاف منه الظلمة.
ابتلعت ريقها ودموعها تنساب.
وقالت بصوت باكي:
"طب حد يولع لمبة، أنا خايفة أوي."
بكت أكثر ثم قالت وهي تحاول أن تخرج الكلام:
"أنت فين يا قانون؟ أنا خايفة."
ومجدداً أخذت تبكي.
لعل أحد ينقذها، ويبدو أن الله استجاب لتلك المسكينة.
عندما دخل أحد الرجال والذي دخل وأضاء المصباح.
أغمضت عينيها بسبب النور الذي أضاء في عينيها فجأة.
حاولت فتح عينيها عندما شعرت بذلك الرجل يحاول فك ذاك الحبل المربوطة به.
وبالفعل نجحت في ذلك لتفتح عينيها فتجد ذلك الرجل الذي نجح في فك الحبل ينظر لها ببسمة ويعطيها زجاجة ماء.
نظرت له بشك وخوف.
ليطمئنها عندما قال:
"أنا من طرف السيد فريد."
وكأن تلك الجملة كانت هي طوق نجاتها.
فقالت بلهفة:
"بجد، فريد هو فين؟"
قال بخوف:
"وطي صوتك، ما تقلقيش، هو هيجي ويخرجك، متخفيش، خدي اشربي الماية دي."
أخذت الزجاجة بفرحة.
وقبل أن تفتحها نظرت للرجل بشك:
"وأنا إيه اللي يضمني إن كلامك ده حقيقي؟"
نظر الرجل لها بحيرة، فهي معها حق.
لذا أخرج هاتفه وقام بالاتصال بالسيد رائف.
هو بالأصل من أتباع رائف، ورائف هو من أخبره أن يقول له أنه من طرف فريد.
وبعدما جاء الرد قال الرجل:
"أيو، إزي حضرتك؟ البنت عاوزة تتأكد إني من طرف السيد فريد."
جاءه الإجابة من الطرف الآخر.
ليقوم بإعطاء الهاتف لعدالة التي أمسكت به بخوف.
ليأتيها صوته من الهاتف.
لقد كان صوت فريد، وبمجرد سماعها لصوته انهارت من البكاء.
وقالت:
"فريد."
جأها الرد:
"أيوه يا حبيبتي، اهدي."
قالت بصوت باكي لم تستطع إزالته:
"حبك برص، اهدي إيه؟ أنا مخطوفة."
سمعت صوت ضحكاته.
لتقول بغضب:
"بتضحك يا معدوم المشاعر، تصدق إن إني غلطانة إني بكلمك."
ثم أغلقت الهاتف في وجهه.
لينصدم كلا من فريد وكذاك الرجل الذي أعطته الهاتف.
لتقول بحنق:
"رجالة معندهاش دم، ما بتحسش صحيح."
أخذ الرجل الهاتف منها وهو ينظر لها بغربة.
أما هي فلم تهتم وهي تأخذ زجاجة المياه تشرب منها بلا اهتمام.
هي لم تكمل الحديث مع فريد لأنها منزعجة منه، ولاكنها لم تود أن تواصل الحديث كي لا تبكي أكثر وهي لا تحب أن تبين أنها ضعيفة.
فكانت دائما تلجأ للمزاح لتداري خوفها.
أغلقت زجاجة المياه وقامت بإعطائها للرجل الذي كان يراسل رائف.
أخذها منها وقام يربط حبال يدها وهو يقول:
"أنا هربط الحبل وهمشي، متعرفيش أي حد إني معاك، أنا لسه الأوامر مجتليش إني أعمل حاجة، بس متقلقيش هتخرجي من هنا قريب."
هزت رأسها ليرحل.
تنفست براحة لأنها اطمأنت أنها في أمان وأن فريد لن يتركها.
أجلس بجانبه بعدما دخلت أحد الحمامات وضبطت نفسي قليلاً، ولكن كل ما كان يشغل بالي هو كيف كان قانون يعامل تلك المرأة بكل رسمية. كانت لتقول إنه أمر عادي، لاكن نظرات الإعجاب من جميع الرجال في قسم الشرطة تؤكد أن الأمر ليس طبيعياً، وأن المشكلة في ذلك الجالس بجانبها. لذا سألت:
"إيه رأيك في الست اللي كانت عندك؟"
نظر لي بعدم فهم، فأكملت:
"بتاعت المصنع اللي اتحرق؟"
قال بعدما تذكرها:
"آه افتكرتها، مالها؟"
نظرت له بصدمة:
"مالها إيه؟ إيه رأيك فيها؟"
قال بلامبالاة:
"كويسة."
قلت بحنق:
"كويسة إيه؟ هو أنا بسألك عن صحتها؟"
قال بعدم فهم:
"آه رأي فيها إزاي يعني؟"
قلت بحنق، وأعتقد أنني سأجن من غبائه:
"رأيك فيها كست، إيه رأيك فيها كامرأة، إيه؟"
قال بفهم:
"آه يوه، عادية، عادي زي أي ست عادية."
نظرت له بصدمة. عادية! أيعقل أن تكون تلك المرأة متفجرة الأنوثة عادية؟ ماذا عن نظرات الرجال لها؟ هل هي عادية؟ قاطع أفكاري وهو يقول:
"إيه مالك؟ وشك عامل كدا ليه؟"
تمالكت نفسي قليلاً ثم قلت:
"لأ، ولا حاجة. أنا تمام، بس استغربت إن الست دي عادي. أصلها كانت حلوة أوي."
قال بلامبالاة:
"أصلي ليا مواصفات معينة."
ابتسمت وقلت بفرحة تعجب منها:
"وهي إيه بقى مواصفات البت اللي عاوزها؟"
صمت قليلاً ثم قال:
"مش عارف."
اختفت بسمتي وقلت بحنق:
"نعم؟ مش عارف إزاي؟"
قال بهدوء:
"بصي، أنا معرفش، بس أنا لما شفتها، متأكد إني هعرفها. هحس إن دي فتاة أحلامي."
نظرت له بتعجب من شخصيته الغريبة تلك. أخرجني تفكيري صوت اهتزاز هاتفه. قال بعدما نظر للمتصل:
"دا أخوك، ردي إنتي عشان أنا سايق."
أمسكت الهاتف وفتحته:
"أيوة يا فريد، أنا مع قانون، هو سايق العربية."
قال لي إنه يريده في أمر ضروري، لذا فتحت مكبر الصوت لأقول:
"هو معاك أهو يا فريد."
قال قانون وهو يقود وينظر للطريق:
"أيوة يا فريد."
جاء الرد الصادم من فريد الذي قال:
"أيوة يا قانون، تعالي للبيت حالا، أختك اتخطفت."
توقفت السيارة فجأة، حتى شعرت أنها ستقفز. أخذ قانون الهاتف وهو يقول بغضب، وقد تحول ذلك الهادئ المرح إلى آخر:
"أقسم بالله، انت لو بتهزر، هيكون آخر يوم في عمرك يا فريد."
قال فريد:
"أقسم لك ما بهزر، وتعالى يلا عشان عاوزك."
أغلق الهاتف وقال بصوت هادئ، ولكنه مخيف في نفس الوقت:
"اربطي الحزام."
وبالفعل فعلت ما قاله، ليبدأ بقيادة السيارة والتي كانت تسابق الريح، فلم أكن أرى المباني من شدة سرعة السيارة. فأخذت أدعو الله أن نعود سالمين للمنزل.
***
بعدما رحل الرجل، كنت سعيدة أنني استطعت التواصل مع فريد. لاكن ما عكر سعادتي هو دخول ذلك الأحمق، ابن عم فريد، الذي لا أتذكر اسمه. دخل ومعه رجاله، ومن ضمنهم الرجل الذي جاء لي سابقاً وقال إنه من طرف فريد. لذا ابتسمت بثقة.
جلس ابن عم فريد ثم أشار لرجاله بالرحيل، ومن ضمنهم ذلك الرجل. ليسأل ابن عم فريد:
"غريبة، شايفة مش خايفة زي ما كنتي في الأول."
قلت بثقة:
"أنا فعلاً مش خايفة منك يا... ألا صح، انت اسمك كان إيه؟"
ابتسم بخبث ثم قال:
"أنا مش جايبك عشان أأذيكي، أنا جايبك نفضفض شوية مع بعض."
نظرت له بحنق:
"يا راجل، نفضفض؟ طب لما هو نفضفض، كان لازمتها إيه الخطف والحبل والرمية السودة دي؟ طب ما كنت بعتلي على الواتساب."
قال بأسف ظاهر:
"أنا آسف بجد، أنا آسف، معلش عليا دي."
ثم قال:
"دلوقتي نتكلم في الجد."
نظرت له بخوف ثم قلت:
"إيه هو اللي نتكلم فيه؟"
ابتسم ثم قال:
"فريد."
قلت بشك:
"ماله؟"
قال بخبث واضح:
"إنتِ تعرفي إيه عن فريد؟"
قلت بمكر:
"بقولك إيه، انت عاوز إيه بالظبط؟"
قال بعدما رسم شبه بسمة على شفتيه:
"أوراق قصر الوالي."
قلت بحنق:
"وبعدين؟"
أكمل حديثه:
"عايزك تجبهالي، انتِ الوحيدة اللي تقدري."
تفاجأت من حديثه ليكمل:
"فأنا عاوزك تجيبي لي أوراق القصر."
قلت بحنق:
"وأنا إيه اللي هيخليني أجيب لك الأوراق؟ وأنا مالي أصلاً بيها."
قال الآخر:
"أنا هقولك على السر اللي مخبينه عنك."
"سر؟!"
قال بخبث:
"أيوة، إيه اللي خلي أرض تبقى بـ 17 مليون؟ إيه؟ أرض مدفون تحتها آثار ولا إيه؟"
علت الصدمة على وجهي. هذه أول مرة أفكر في الأمر. كيف لقطعة أرض أن تكون بهذا السعر؟ حقاً؟ أكمل هو مجدداً:
"هوفر عليك الصدمة، وهقولك إن أخوك وجوزك لاعبين عليك لعبة يا عدالة."
قلت بصدمة:
"لعبة؟ لعبة إيه؟ وليه؟"
أكمل:
"علشان قصر الوالي."
قلت بحنق:
"يادي قصر الوالي، طب أنا مالي؟"
قال بقوة وغضب:
"علشان فريدة هانم، والدة فريد، قبل لما تموت كتبت القصر باسمك."
رواية عروس السيد فريد الفصل الثلاثون 30 - بقلم فاطمة الزهراء احمد
عدالة:
"انت بتقول إيه؟ انت أهبل؟"
ظهرت ملامح الضيق على وجهه ليقول:
"لا يا عدالة، أنا مش أهبل. الحقيقة إن جوزك كان لاعب عليكي من الأول، هو وأخوكي. مفيش أرض أصلاً، لإن الأرض بتاعت أبوكي صحيح، إداها لشوية المتمردين. أما الأرض اللي فريد قالك إنها بـ 17 مليون، فدي ملهاش وجود أساسًا. يا عدالة، فريد زور وصية علشان يتجوزك وياخد القصر، وده طبعًا بمساعدة المحامي بتاعه اللي اسمه حامد، والأستاذ قانون."
شعرت بصدمة ثم قلت:
"انت بتقول إيه؟ قانون هيكذب عليا ليه؟ وأنا إيه علاقتي بالقصر علشان يتكتب باسمي؟"
جلس وقال بمكر:
"لا دي حكاية طويلة أوي. لو عاوزة أحكيها لك، تساعديني."
قلت وما زلت في حالة صدمة:
"أساعدك إزاي؟"
قال بخبث:
"عاوز القصر."
قلت بحنق وغضب لم أستطع كبته:
"يادي القصر اللي قرفني في عيشتي يا ابني! هو أنا فاهمة، هو بقى بتاعي إزاي علشان أديهولك أساسًا؟ وبعدين إيه حكاية القصر ده؟ هو فيه آثار؟"
وكانت هذه أول مرة أرى بها الكسرة والحزن في عيني وليد، فكلما رأيته أجد الخبث والكره. كانت هذه أول مرة أرى الدموع تتجمع في عينه. فقال بألم:
"أنا عاوز أكسر فريد زي ما أنا اتكسرت زمان. فريد عاوز يعمل أي حاجة علشان يرجع الأقصر اللي أمه ضحت بالكثير علشانه. ضحت بنفسها، وبحياتها، وبحب عمرها."
ثم نظر لي بخبث، وكأن شخصيته تحولت لآخر، وقال:
"مش عاوزة تعرفي هو مين حب عمرها ده؟"
لم يمهلني أن أتحدث ليصدمني أكبر صدمة في حياتي عندما قال:
"حب عمرها يبقى أبوك."
مهلاً، لحظة. هل قال أبي؟ هل قال ذلك حقًا؟ يستحيل ذلك. يستحيل! لقد كان أبي يعشق أمي. كيف يمكن أن يكون له حب سابق؟ يستحيل! لقد كان دائمًا يخبرها أنها الحب الأول والآخر في حياته. هل كان يكذب؟ ربما هذا يفسر دائمًا قوله لي سابقًا:
"بصي يا عدالة، أحيانًا بيكون أحسن لنا لو كذبنا كذب أبيض علشان نمشي المراكب. تمشي من غير عواصف."
إذًا، لقد كان يقصد بحديثه هذا كذبه على أمي، وليس القضايا. يا إلهي، كم كنت مغفلة! خرجت من أفكاري على صوت وليد وهو يقول:
"عزيزتي عدالة، أرجو ما كانش صدمتك."
قاطعته بغضب:
"أنا عاوزة أعرف حالًا كل اللي حصل وإزاي القصر ده اتكتب باسمي أنا."
قال وقد ارتسمت بسمة على وجهه. لم أهتم لتفسيرها، إن تكون بسمة خبث أو انتصار. لم أهتم لشيء سوى الاستماع لما حدث:
"الحكاية بدأت من زمان جدًا في قرية الوالي جنب قصر الوالي الكبير العظيم. ده بيت بسيط مبني من الطين، مغطيه من فوق غصون أشجار. ومدرس غلبان شغال في مدرسة الصبح، وبعد الظهر بيدي دروس خصوصية. الراجل كان كل حلمه إن يعلم بنته. بس بسبب تقدير الدولة للمدرسين والمهية البسيطة اللي كان بياخدها، اللي مكانتش تكفيه هو وعيلته، اضطر يدي دروس خصوصية زي باقي المدرسين، رغم إن ده كان ضد مبادئه. بس اضطر علشان مصاريف بنته. كان كل حلمه تدخل كلية طب. بنته كانت فريدة، أم فريد جوزك. فريدة هانم، كانت حتة بت ريفية معندهاش غير طقمين بتغير فيهم. وكانت مستحملة فقرها وعيشتها الغلب دي على أمل ربنا يكرمها بواحد تقيل وغني من الجامعة ينتشلها من فقرها ده. لحد ما أخيرًا حققت حلمها وحلم أبوها وأمها ودخلت كلية صيدلة. وكانت على كلام الناس بتجيب كل سنة امتياز. بس ده ممنعش إن الطلاب اللي كانوا معاها كارهينها بسبب فقرها وإنها من الأرياف. ورغم ده استحملت علشان تتخرج. بس كانت مبتدفعش المصاريف بسبب فقر أهلها ولإن أبوها كان باع اللي وراه واللي قدامه علشانها. مكنش في إيدها حاجة غير إنها تشتغل. ومن حظها، أو من مكرهـا الحقيقة، اشتغلت مكان واحدة صحبتها عند وكيل نيابة لسه شاب. واللي كان طبعًا أبوك. وكان المرتب خيالي، فقدر يكفيها. فهي عرفت بمكرها تسرق الوظيفة من صحبتها واشتغلت عند أبوك. واللي مكانتش تتصور إنه لسه شاب. هي كانت تسمع إنه محامي كبير وتقيل ومعظم قضاياه بيكسبها، فكانت متصورة إنه عجوز. علشان كدا هو خبره في مجاله. بس اتصدمت إنه شاب ووسيم وغني. فالمكر اشتغل علشان تعرف توقعه. وبجمالها وذكـائها، وقعته فعلًا. وبقي بيعشقها. لحد ما إجازتها بدأت وكان لازم تسافر وترجع لأهلها. ومن كثر حب أبوك فيها، كان بيترجاها إنها تفضل وما تسافرش. بس ماكنش ينفع، كان لازم تسافر. ولما رجعت قرية الوالي، كانت راجعة بـ دهب جديد وتسريحة هوانم وشكل تاني خالص. وطبعًا كل ده من فلوس أبوك اللي كان قاعد على نار مستني فريدة تكلمه وتقوله إن أهلها مستنينه يخطبها. مكانش عرف إنها مستغفلاه وبتلعب على كبير."
قلت وأنا أحاول التماسك من كل تلك الصدمات:
"إزاي؟ هي مش حققت اللي نفسها فيه؟ وقعت أبويا الغني وكمان هتسكن في مدينة؟"
قال بعدما ضحك بملء صوته:
"أنت طيبة أوي زي أبوك يا عدالة."
نظرت له بحنق، ولكنه لم يهتم وأكمل:
"أنا هكملك. فريدة مكانش حلمها إنها مجرد تتجوز علشان تبعد عن الفقر. هي كانت عاوزة تضمن إنها مترجعلوش تاني. وأبوك كان ساعتها لسه وكيل نيابة صغير. هو أه كان تقيل، بس برده التقيل في الأتقل منه. هي كان حلمها حاجة أكبر."
"قصر الوالي."
نظر لي بعدما قلتها ليهز رأسه:
"زي ما قولتلك، قصر الوالي كان جنب بيت الطين اللي ساكنة فيه فريدة وأهلها. كان حلمها من وهي صغيرة تشتريه ويبقى بتاعها. القصر ده مش مجرد قصر عادي."
قلت:
"امال إيه؟"
قال وهو يحاول أن يلهيني:
"مش مهم دلوقتي تعرفي هو مهم ليه."
وهنا أيقنت أن هناك سرًا آخر أنا لا أعلمه. لم أهتم وقلت:
"كمل. إيه اللي حصل؟ هي عملت إيه؟"
أكمل هو:
"في الوقت اللي رجعت فيه فريدة القرية وأبوك مستنيها تبعتله إنها فاتحت أهلها، جه أبو فريد اللي كان مسافر بره. وكان أي جنتل مان في نفسه، ممكن تقولي كدا رشدي أباظة زمانه. كان كل البنات بتعشقه، مال وجمال ونسب. وأبوه كان هو عمدة القرية ساعتها، وكانوا ساكنين في قصر الوالي بعد لما امتلكوه من زمان. فبقي القصر بيتورث من ابن لإبن. ومن المفترض وزي ما العادات بتقول إن الابن الكبير هو اللي ياخد ويورث مكان أبوه. فكان عمي هو اللي مفروض يورث. ورغم إن أبويا هو اللي كان شغال ليل ونهار وطالع عينه مع الفلاحين والأرض، إلا أنه مكنش عنده مانع إن عمي هو اللي يتولى العمدية ويورث القصر. المهم إنه ياخد حق تعبه وشقاه في الأراضي. وعمي الله يحرقه مطرح ما راح، كان مقضيها خمرة وستات ومروق على نفسه. فلما جدي شاف إن ابنه بقى كدا وفضايحه هنا وهناك، قرر يجوزه. وطبعًا ملقاش أحسن من البنت الغلبانة اللي متعلمة في كلية كبيرة وجميلة، فريدة هانم. طبعًا وفريدة، أول ما عرفت، وافقت من غير نقاش. وفقعت أبوك خزوق وبعتتله إن أهلها هيجوزوها غصب عنها علشان متبانش قدامه زبالة وبتاعت فلوس. وبالفعل اتجوزته. وبعد أول أسبوع جواز، كان خاينها. لأ والكبيرة بقى إن في رقاصة من اللي عمي كان بيمشي معاهم جابتله ولد وقالتله إنه ابنه وهو اللي يربيه. وعمي علشان أصيل، قالها مش ابني. بس هي هددت جدي، فعمل تحليل DNA وطلع ابنه رائف. وعمي علشان أصيل وبيتحمل المسئولية، سجله باسم واحد تاني وخده حطه في القصر زي الخدامين. كل ده وكان بينزل واحدة واحدة على نفوخ فريد. سبحان الله. كأن ربنا كان بيخلص حق أبوك. اللي في الوقت ده اتعرف على محامية لسه صغيرة وكتكوته كدا في بدايتها، اللي هي مامتك. ربنا عوضه."
نظرت له بعدما توقف صوته عن التحدث، لأهز رأسي كي يكمل. وبالفعل أكمل:
"وبعدها فريدة وعمي خلفوا فريد. وعمي طبعًا مبطلش خيانة وصرمحة هنا وهناك وسايب كل حاجة. وهنا كانت فرصة فريدة هانم اللي استغلت نفوذ جوزها وبقت هي اللي بتدير كل حاجة، بس تحت اسم عمي. وأبويا مكانش طايقها، لأنها كده بتخرب عليه. هو عاوز الأراضي علشان كانت قوة، واللي معاهم الأراضي والفلاحين معاهم الوالي. وكان أبويا عاوز يرشح نفسه في مجلس الشعب مش العمودية وخلاص. بس بنت الـ... فريدة كانت دماغ وفهمت دماغ أبويا. علشان كده بدأت هي تاخد الفلاحين في صفها واحدة واحدة. وبقت من الفلوس اللي جدي كان حاططها في البنك باسم فريد، كانت بتشتري بيهم أراضي الفلاحين المتعثرين وتسبهالهم من غير ما تاخد حتى ربع المحصول. فكانوا شايفينها ملاك. وعلشان جدي ميقلبش عليها علشان بقت بتملك أراضي، كانت بتسجلهم باسم فريد اللي كان ساعتها لسه خمس سنين. ورائف كان ثمان سنين. وعلشان رائف كان الكبير، خافت لما يكبر يسحب البساط من تحت ابنها. فبقت تعطف عليه وتديله جروحه وتضرب مكانه لما أبوه يجي يضربه. كل ده مش حبًا فيه، بس علشان تكسبه لصفها. ولما يكبر ميطلبش حقه من فريد. وبالفعل، بقى زي الخاتم في صباعها. ولو طلبت منه يقتل، هيقتل. وهو كان..."
قلت بصدمة:
"يعني إيه؟ اهو كان..."
قال بخبث:
"هقولك. الحكاية لسه مخلصتش. ده لسه بتبدأ. وبعدين، وقفنا لفين؟"
افتكرت لما فريدة عملت كل اللي نفسها فيه وبقت هي اللي بتحكم الوالي وجدي وأبويا وعمي ما لهمش أهمية، وبقت هي الكل في الكل. وبقت بتعمل قوانين منها إن ما فيش حد في الوالي مسموح له يشتغل أي حاجة إلا لما هي اللي توقف له يشتغل. ومنها قوانين كتير وغريبة.
المهم اللي عملته بعد كده. لما جت واحدة أجنبية تبع حقوق الإنسان، وطبعًا وحدة جميلة مش هتفلت من إيد عمي. خلف منها طبعًا صبي أو صابرين، وهما طبعًا عادي يخلفوا ويكتبوا اسم الطفل من غير جواز. مهم أجانب بقى.
وهي أخدت بنتها وسافرت بعد ما اتفقت معاه على كل حاجة، وإنه ما ياخدش بنتها منها. لأن الولية دي كانت هتموت وتخلف، وكل الرجالة اللي عرفتهم ما خلفتش منهم. فبعد ما جابت العيل اللي كان نفسها فيه، خدته وسافرت على طول وسجلته هناك بره باسمه. ومحدش عرف عن البنت حاجة.
لحد ما نزلت مع خالها الأجنبي ده. واللي قال إن أمها عندها السرطان، وإنه مش قادر يخلف باله منها. وهو أصلًا كان مدمن خمر. فسبلهم البت. وطبعًا اللي ربتها الملاك الطاهر فريدة هانم. وخلت بالها منها لأنها كانت عارفة إن هيجي وقت وتستفاد من أمها.
ولما أم البت خفت وجت تاخدها، وعرفت إن فريدة كانت بتشيلها من على الأرض شيل، استجدتها وبقوا أصحاب. وهي كانت عارفة إن هيجي وقت وتحتاجها. وبالفعل لما أبو فريد اتقتل.
قلت بسرعة:
"أيوه بقى مين اللي قتل أبو فريد؟"
قال بهدوء:
"عمري ما هنسى اليوم اللي كنت فيه رايح أشرب وسمعتها وهي بتكلمه وبتتخانق معاه. وبعدين زقته وقع من ظهره على تمثال كان ماسك سيف صغير. فضل يترجاها تطلب له إسعاف. بس هي فضلت تبص له لحد لما دمه اتصفى وروحه طلعت."
تخيلت هذا المشهد في رأسي وشعرت باشمئزاز. فمن حديث فريد ورائف وصبي عنها، اعتقدت أن تلك المرأة ملاك ليست بشر.
"وجريت على أوضة رائف وقالت له وهي بتعيط إنها قتلت أبوه بالغلط. وعشان رائف كان روحه فيها، قال إنه هو اللي قتله يومها. وهي كانت مظبطة كل حاجة عشان تلبسهاله. وهو فعلًا اللي لبسها. وجدي ما كانش فيه خلق ساعتها يشوف هل العيل ده اللي زقه ولا مين. كان موت ابنه كسرة ليه وقوة لمرات عمي. وهي بكده قدرت تمسك كل حاجة في إيديها. جدي كان سهل، هو خلاص انكسر. وما كانش قدامه إلا أبويا اللي بحتت حشيش ودته في ستين داهية وحبسه. وجدي لما فاق من صدمة ابنه الأول، اتفاجأ بالتاني وعرف إنه دخل على بيته حية عمالة تلدغ في الكل. وبعدها مرت سنين وبقى جدي العمدة بالاسم بس. اللي بيدي الأوامر وليه كلمة كانت مرات عمي. واستغلت مرض جدي وأخدت أوراق القصر وسافرت لأبوك. ما عرفش حصل بينهم إيه، بس هي عرفت إنه كان اتجوز وخلف ولد وبنت صغيرة. فكتبت القصر باسمك، ويروح لفريد لو اتجوزك. ولو حصل طلاق يرجع لك القصر تاني، إلا إذا اتنازلتي أنتِ عنه بإرادتك من غير إجبار. وكل ده حصل بمساعدة المحامي اللي اسمه حامد. واللي كان صاحب جدك وأبوك. وبس يا ستي. فريدة ماتت بعد ما عملت الوصية بثلاث أيام. وأمك هي اللي خدت بالها من فريد وكملت إجراءات سفره. أصل الداهية كانت بمساعدة أم صبي هتسفره بره في الخفا علشان كانت خايفة عليه من أبويا. بس ماتت قبل ما تكمل. وبعدها أمك اللي خدت بالها منه ومن رائف."
أنهى حديثه وهو ينظر لي لأقول:
"وأنت عايزني أتنازل عن القصر صح؟"
هز رأسه لأبتسم ودموعي تنهار:
"حاضر."
***
صبي:
لم أعرف كيف وصلنا من دون حادث. كنت أتوقع أن نموت في الطريق، لاكن بفضل الله وصلنا. عندما توقفت السيارة وجدت قانون يهرول منها ويركض بسرعة جنونية نحو الداخل. وبسرعة دخلت. بضرب الباب بقوة حتى إن تلك الجارة اللعوبة التي تدعي صباح عندما فتحت باب شقتهم ووجدته، سارعت بغلق الباب ثانيتًا من خوفها. لم أعرف ما سأقوله. لقد خفت أن أتحدث معه وهو في تلك الحالة. ثواني وفتح رائف الباب ليدخل ذلك الثور الغاضب بسرعة ويلكم فريد لكمة أوقعته أرضًا. ركضت ناحية فريد وأنا أصرخ بغضب في قانون:
"أنت متخلف!"
أوقفني فريد وذهب ناحية قانون باستسلام ليمسكه الآخر من ياقته وهو يقول:
"أنا أمنتك عليها ووافقت ألعب اللعبة الزبالة دي عشان أحميها من عمك وابن أختي. لو حصل لها حاجة مش هيكفيني فيها أنت وعيلتك. أنت فاهم؟"
قال آخر حديثه بصراخ حتى إن عروق رقبته قد ظهرت من شدة الغضب. لأقول:
"اهدّي يا قانون وكل حاجة هتتحل."
لاكن يبدو أن غضبه قد أعماه. ليتدخل رائف ويلكمه لكمة قوية. ويبدو أنه زاد هذا من غضبه. ليمسك رائف ويكيل الاثنان الضربات لبعضهما بقوة. وفريد يحاول الفصل بينهما ليأخذ هو الآخر بعض الضربات. الجميع يتشاجر وأنا أنظر لهم بخوف. الشئ الذي أوقفهم جميعًا وشعرنا بدخول منه هو دخول عدالة من باب الشقة بهدوء تام. نظرت نحو الثلاثة بلا اهتمام ودخلت تحت أنظار الجميع. ليندخل جميعنا مباشرة للغرفة ما عدا رائف الذي بقي في الخارج. دخلنا وجدناها تحضر ملابس. ليسارع قانون باحتضانها وهو يقول بلهفة ودموع وكأنه شخص آخر تمامًا عن ذاك الآخر:
"أنتِ كويسة؟ أنا كنت قلقان عليكِ."
لتقول بهدوء:
"أنا تمام. وأنت؟"
ليقول بنفس اللهفة:
"أنا كويس لما شفتك."
سارع فريد يقول:
"أنتِ كنتِ فين؟"
لتقول من دون النظر له:
"كنت مع سارة. وبعدها حسيت نفسي مخنوقة، فا اتمشيت شوية."
ابتعدت عن قانون وهي تقول:
"أنا تعبانة، عايزة آخد دوش وأنام بعد إذنكم."
كانت غريبة. لم تكن نفسها عدالة التي نعرفها. كانت امرأة أخرى. خرجنا بعدما دخلت الحمام. ليقول رائف:
"عرفت كل حاجة. وليد حكالها على كل حاجة."
شعرنا جميعًا بالصدمة وكأن دلو ماء مثلج سقط علينا. نظر قانون لفريد بغضب وهو يقول:
"كل ده بسببك انت وأمك. يوم ما دخلتم حياتنا وهي بقت خرابة."
وهنا لم يتحمل فريد أي شيء عن والدته. ليلكم هو قانون. وما كاد الآخر يفعل شيئًا حتى جاء اتصال لفريد من السيد حامد. أمسك رائف الهاتف ليفتحه وصوت السيد حامد يقول:
"فريد. مراتك اتنزلت عن القصر ليك."
وها هنا نتفاجأ جميعًا. ليمسك فريد الهاتف بسرعة ويقول:
"إزاي؟"
أتاه الجواب من السيد حامد يقول:
"أنا معرفش. هي فجأة جاتلي ومكنتش في البيت. وأدت لمراتي ورقة وقالت دي لفريد. ببص فيها بعد لما رجعت البيت لقيتها ورقة تنازل عن القصر."
قال فريد وهو يحاول كتم غضبه:
"تمام يا حامد. تمام."
أغلق الهاتف وجلس على الأريكة وهو يضع يديه على جبهته. وكأنه يفكر في أمر. وقانون يبتسم بانتصار.
انتظرنا أكثر من ساعة حتى دق الباب. فتحته لأتفاجأ بوليد يقف بانتصار. نظرت له باحتقار ليقول:
"توء توء ليه كدا يا بنت عمي، دا أنا قولت إنك أكتر وحدة حنينة فيهم."
وقبل أن أرد عليه، شعرت بشخص يسحبني للداخل، والذي كان بالطبع حارسي منذ الصغر، رائف. ليقول:
"غريبة، انت بتعمل إيه هنا؟ دا أنا قولت إنك هتكون عند أبوك دلوقتي."
نظر له بتعجب، ليقول رائف بشماتة:
"إيه دا، انت متعرفش؟ مش الوالد مقبوض عليه في قضية قتل ليلي مرات أبويا، الله يبهدله."
توسعت عيون وليد بصدمة، ليقول بغضب:
"أنت بتقول إيه؟"
قال الآخر بصدمة مصطنعة:
"إيه دا، أنت متعرفش؟ لا، دا أنت لازم تلحق تروحله بقى بعيش وحلاوة في سوبر ماركت تحت، انزل هات منه."
ثم نظر لقانون يقول:
"هو السوبر ماركت اللي تحت بيقفل الساعة كام؟"
ليقول الآخر بجدية:
"يعني على الساعة عشرة، عشرة ونص كده. متقلقش، إن شاء الله هيلحق يجيب عيش وحلاوة وجبنة رومي كمان."
قال أخي بسعادة:
"طب الحمد لله طمنتني."
كانا يتحدثان مع بعضهما وكأنهما لم يكونا سيقتلان بعضهما منذ قليل.
ضحك وليد بملء صوته ثم قال:
"ماشي، مقبولة منكم الحركة دي. بس أبويا، وهعرف أخرجه. الدور والباقي على القصر، هتعرف ترجعه يا فريد؟"
كان حديثه موجهاً لفريد، الذي ما زال على وضعه، لم يرفع رأسه حتى ليكمل:
"أصل أنا اتفقت مع عدالة إنها هتكتب القصر باسمي بشرط أقولها على كل حاجة تخصكم."
كان يتحدث بنظرات شامته لفريد، ليقول قانون:
"غريبة، مع إن الأستاذ حامد لسه مكلمني وقايل إن عدالة عملت تنازل لفريد."
قال الآخر بصدمة:
"يعني إيه؟"
"زي ما سمعت."
كان هذا صوت عدالة، التي خرجت من الغرفة أخيرًا، ويبدو أنها كانت تبكي. نظرنا جميعنا لها، وفريد، الذي بمجرد سماع صوتها، نظر لها بلهفة كأنه كان يرجو مجرد نظرة منها. ويبدو أنها حرمته منها، فلم تنظر لأحد. ليقول وليد لها بغضب:
"يعني إيه، إحنا مش متفقين؟"
لتقول ببرود:
"أنا فعلاً كنت هعمل كدا، بس فكرت هتعمل إيه بالقصر ده وأنت في السجن."
قال الآخر بغضب:
"سجن إيه؟"
قال الآخر بصدمة مصطنعة:
"إيه دا، أنت متعرفش إنك هتدخل السجن؟ نسيت أقولك إن ليلي قبل ما تموت كانت بعتتلي فلاشة توديك أنت والوالد في ستين داهية."
وما كاد يتحدث، حتى سمعنا صوت الباب يدق وصوت شخص يقول من الخارج "بوليس". ليدب الرعب في قلب وليد. فتح قانون الباب، وكان ذاك الضابط الذي سجنني، ذاك حاتم، لاكنه كان غريبًا، كأن شاحنة ضخمة استضمت به. فكان على يديه جبيرة، وهناك لكمة قوية على عينه، ولكمات أخرى متفرقة على وجهه. فكان غريبًا ومضحكًا عندما قال لقانون وهو يضع الأساور الحديدية في يديه:
"وليد القاضي، أنت مقبوض عليك."
قال قانون بحنق:
"أنا قانون يا أعمى."
قال الأخر:
"بجد والله، أحسن والله لا هبيتك في الحبس. مش كفاية اللي عملته فيا ومطلعني مأمورية بسبب أختك كمان؟ والله لأوريك بعد لما أخف."
قال الآخر بحنق:
"طب روح روح، شوف شغلك يلا."
ذهب ناحية رائف وهو يقول:
"وليد القاضي، أنت مقبوض عليك. معلش بقى، مكنش معايا غير كلبش واحد، حطيته في إيد قانون. لما نروح القسم هجبلك واحد."
نظر أخي لقانون وكأنه يقول: "حقاً، هل هذا الحمق؟" ضابط. هز قانون رأسه بنعم. ليقول قانون:
"طب ما تفكني وخد الكلبشات حطها فيه."
ليقول حاتم وهو ينظر لفريد الجالس:
"مش هفكك يا قانون لو عملت أي حاجة."
ليقول قانون:
"الله يخربيتك، هما ملقوش غيرك يجبوه؟ فين العساكر؟ ولا أنت جاي تقبض على الجرم لوحدك؟"
ليقول الآخر وهو يمسك في رائف ظنًا منه أنه وليد:
"لا، مهو أنا كنت عند دكتور قريب من هنا، فلما جتلي المأمورية قولت أسبقهم أنا علشان ميهربش."
ويبدو أن وليد سئم من كل هذا. ليمسك المسدس الذي كان في جيب حاتم، ليمسكه ويصوبه باتجاه عدالة. ليقف فريد بسرعة ويقول بغضب:
"نزل المسدس ده أحسنلك."
قال حاتم الذي كان لا يدري شيئًا:
"في إيه؟ اللي بيحصل؟"
ويبدو أن صبر رائف نفذ، ليضربه على رأسه فيفقد الوعي. وفي ذلك الوقت، استغل قانون انتباه وليد لما فعله رائف، ليخنق قانون وليد باستخدام يديه المكبلة، ثم عثر عليه في قدمه ليسقط أرضًا بحركة متقنة ورائعة مثل أفلام الأكشن. وبهذه الحركة أخذ قانون قلبي للمرة التي لا أعلم عددها. دخل بعدها العساكر، ليقول قانون:
"اقبضوا عليه وخدوا الأبل المرمي على الأرض ده."
وبالفعل نفذوا كل شيء ورحلوا. ليستلقي قانون على الأرض يحنق، ثم اكتشف أنه لم ينزع الأساور الحديدية. ليزفر بحنق وهو يقول:
"منك لله يا حاتم."
قالت عدالة وهي تنظر لنا:
"أظن إن وجودكم هنا معدلوش لازمة، أنت أخدت اللي أنت عايزه يا فريد، تقدر تاخد أخواتك وتمشوا بعد إذنك."
قال فريد:
"عدالة بس، عاوزك تسمعــ..."
لم تمهله أن يكمل حديثه، لتغلق الباب. ويقول قانون المستلقي:
"أظن سمعت."
جلس فريد ليقول:
"بس أنا بحبها، وأنت عارف إني بحبها من زمان، أنت عارف كل حاجة يا قانون."
قال الآخر بحزن:
"عارف، بس أنت عارف إني قولتلك إن ده قرارها، وأي كان أنا هحترمه وهنفذه. وهي عاوزاك تمشي."
هز فريد رأسه بحزن وهو يقول:
"حاضر، همشي."
مر أسبوع على هذا الفراق. أشعر بقلبي انفطر. دموعي التي أكبتها لسنوات منذ موت أمي انسابت. أشعر بألم واختناق. الفتاة التي أحبها تركتني، ثاني امرأة أتعلق بها بعد والدتي رحلت هي الأخرى. وما أقسى فراق الحبيب.
نزلت بعد أسبوع لأرى الفلاحين وشكواهم التي كثرت في فترة غيابي. فوجدت أختي تقول:
"فريد، أنا لازم أسافر."
نظرت لها بصدمة، لتكمل:
"فريد، أنا آسفة، بس خالو تعبان جدًا، محجوز في المستشفى ولازم أكون جنبه."
هززت رأسي وقلت بصوت حاولت إخراجه:
"روحي يا صابرين."
احتضنتني وهي تقول:
"رجعها يا فريد، متسمعش كلامها، هي عبيطة ومتعرفش مصلحتها، متعرفش أنت بتحبها قد إيه، مطلقهوش، لسه عندك فرصة."
هززت رأسي، لتأخذ حقيبتها وترحل من باب القصر الضخم، وخلفها الخدم يأخذون باقي الحقائب.
وبعدها نزل رائف من على السلم وبيده حقيبة ظهر يرتديها. لأقول:
"أنت كمان ماشي؟"
هز رأسه ليقول:
"مش عاوز أكون عيد الخدام، ولا أدرى بالجبان اللي بيضرب وبيتهان. أنا هرجع مكاني."
قلت بسخرية:
"هترجع لهم؟ هترجع للعصابة بتاعتك؟ مش كانوا اتحبسوا زي الكلاب؟"
قال بضجر:
"لا، مهم رجعوا تاني، وبنوا خلية في لبنان هيكنوا شوية وهنرجع نحط على الكل تاني."
وما كاد يرحل، حتى قلت له:
"رائف، ابقى تعالي شوف أخوك."
توقفت قدماه بعد كلماتي، لينظر نحوي ويبتسم، ثم يهز رأسه ويرحل من نفس ذلك الباب الضخم. بعد خروجهم، نظرت حولي. هذا القصر الذي دمرنا جميعًا، من أول ذاك الوالي الذي سكنه، إلى والدتي، ثم أنا. كدت أذهب لغرفتي ثانية، لاكن أوقفني دخول أحد الفلاحين وهو يقول:
"يا سيد فريد."
نظرت له وقلت بحنق:
"أنا مش فايق لمشاكلكم دلوقتي، هبقى أخلي السيد حامد يسمعكم يجبلي مشاكلكم."
ليقول الرجل:
"لا يا فريد بيه، مهو الله يباركلها، سيدة الوالي الأولى بتحل كل حاجة. بعتاني أجيب منك عشرين جنيه حق الأندومي."
قلت بصدمة:
"أندومي؟"
ليقول الآخر:
"أيوه يا فريد بيه، هات حقه بقى."
قلت بصدمة وأنا أعطيه النقود:
"طب وهي فين؟"
ليقول:
"في القهوة مجتمعة بالفلاحين والتجار والعطارين وكل الناس."
تركته وذهبت للمكان، لأجدها نعم، هي مالكة الفؤاد. تجلس مربعة القدم وبيدها كوب تأكل منه الأندومي، وبجانبها قانون يمسك بعود من القصب يأكله بشراهة، وهما يستمعان لحديث الرجلين.
"امم، يعني الجاموسة بتاعت مين؟"
تحدث أحد الرجال:
"الجاموسة بتاعتي أنا."
ليقول أخي:
"طب مهي اتحلت أهي، طالما الجاموسة بتاعت مخلص."
فتدخل الرجل الثاني:
"أيوه يا بيه، هي بتاعته بس عاوز يدفعني فلوس."
تدخلت وقلت:
"وهو يدفعك فلوس ليه طالما بتاعته هو؟"
قال الرجل:
"مهو علشان إحنا جيران، ولادي كانوا بيشربوا من لبانها، فهو عاوز يدفعني فلوس اللبن، تخيلي."
قال أخي بقرف:
"اخص، اخص، دا أنت بخيل أوي."
تدخل الرجل صاحب الجاموسة:
"مهو كان دفعني قد كده في محصول القمح."
قال الرجل:
"يا سلام، أنت عاوزة تقارن المحصول بشوية لبن؟ وبعدين الجاموسة دي مش زي أم ولادي في الرضاعة."
قال صاحب الجاموسة:
"أمهم إزاي يعني؟"
قال الرجل:
"مش ولادي شربوا منها، تبقى أمهم."
قال أخي بهمس:
"يا راجل، طب اللي كان بيشرب لبن نيدو نظامه إيه؟"
قلت له بنفس الهمس:
"مش عارفة، بس هسألك."
قلت وأنا أفكر:
"يعني أنت مراتك جاموسة؟"
قال:
"لا، أنا مراتي سماح، بس مفرقتش، الاتنين واحد."
همست لأخي:
"عندك هنا قضية سب وقذف."
أشار لي بعلامة تمام.
وما كدت أكمل مشكلة الجاموسة، حتى شعرت بشخص يقف بجانبي. نظرت له فوجدته صاحب الشعر البني والبسمة اللطيفة. وما كاد يتحدث، حتى بصق أخي قطعة القصب التي امتصها في وجه فريد وهو يقول:
"إيه دا، فريد عامل إيه؟"
أغمض فريد عينيه بقرف وبنفس القرف قال لأخي:
"إيه اللي أنت بتعمله ده؟"
قال أخي ببسمة:
"القصب ده فظيع يا فريد، بالله عليك وأنا راجع البيت حملي شوية قصب."
قال فريد:
"أنت بتعمل إيه هنا؟"
تدخلت أنا وقلت له:
"بنحل مشاكل الغلابة اللي أنت سايبهم وعمال تتسرح."
قال بعدم فهم:
"أتسرح؟"
لم أهتم وأكملت للقهوجي:
"هات أربعة أندومي والحساب على فريد بيه."
قال أخي:
"وعودين قصب والحساب على فريد بيه."
قلت له:
"لازم تجرب الأندومي هنا، جامد."
قال لي وهو يفكر:
"في أندومي بالقصب؟"
قال الرجل صاحب الجاموسة:
"طب وأنا أعمل إيه يا فريد بيه؟"
قلت له بصراخ:
"فريد بيه مين؟ دا أنا هنا الكل في الكل، أنا سيدة الوالي الأولى، يعني أنا اللي وأنا اللي أحكم. فين الأندومي يابني؟"
قال أخي:
"والقصب يلا."
قال فريد:
"تعالوا ندخل جوة."
قلت بصدمة:
"جوة فين يا فريد بيه؟ إحنا أه فقراء، بس أهم حاجة عندنا شرفنا. وبعدين لسه في قضية بطة، وفي اتنين مطلقين، وفي مشاكل كتير أوي، دا أنا هاخد شوية قضايا هنا."
قال فريد:
"جوة في أندومي يا عدالة."
قلت بفرحة:
"بجد؟"
قال أخي:
"في قصب؟"
قال فريد:
"آه يا حبايبي، فيه كل حاجة."
قلت بفرحة:
"في جلي كولا؟"
قال بنفاذ صبر:
"آه، يلا ندخل بقى."
ذهبنا أنا وأخي، لأقول فور دخولنا بشموخ:
"بص يا فريد بيه، مش معنى إني رجعتلك يبقى خلاص، لا. أنا كنت هرفع عليك قضية وأبيعك اللي وراك واللي قدامك، وآخد نص ثروتك."
ثم قلت بحزن:
"بس."
قاطعني ببسمة لطيفة وبصوت حنون قال:
"ما هونتش عليك صح؟"
رفعت رأسي وقلت بلامبالاة:
"لا أبدًا، أنا معنديش دم. أنا بس ملقتش محامين فاضيين، باين كدا مصر كلها بتتطلق، حتى البت سارة المعفنة مش فاضيالي."
نظر لي بصدمة ثم قال:
"مش مهم، أنت مش هتسبيني صح؟"
قلت بحزن:
"بعد اللي عملته يا فريد، بتسأل؟ بعد لما خنت ثقتي."
قال بسرعة مبررًا:
"لا والله، أنا عملت كدا علشان أحميك، صدقيني. حتى اسألي قانون، أنا بحبك قد إيه وعملت إيه عشانك."
قلت بحنق:
"تحميني من إيه يا فريد؟ أنا قصدي على الـ 500 دولار والشنطة البراند اللي كنت مواعدني بيهم أنت والأستاذ حامد، وخلعت منهم ومجبتليش حاجة."
قال أخي بعدما بصق قطعة القصب التي امتصها:
"ونسي الكوتشي بتاعي."
قالت له:
"والكوتشي بتاع قانون، عاوزني إزاي أثق فيك؟"
قال بهدوء وبهمس كاد لا يسمع:
"كان دماغي فين وأنا بجوزها؟"
ثم ضرب رأسه وقال:
"كان دا فين يوم ما حبتها؟"
ثم قال بحنق لأخي:
"يا ابني بطل تتف على الأرض."
قال أخي بلامبالاة:
"أنا بتف في قصر أختي، أنت مالك؟"
نظر لي لأقول:
"أنا غيرت رأيي ورحت لعمو حامد ورجعت القصر باسمي، بعد إذنك، لازم أطلع فوق في أوضتي في القصر بتاعي."
صعدت أنا أشعر بفرحة عندما قابلت فريد. لقد أحببته من كل قلبي. نعم، لم أوضح ذلك، ولكني أحببته. وعدت له بعدما أخبرني أخي كم أحبني وكم اتبعني في كل قضايا الخاصة بي، وكم عرض نفسه للخطر من أجلي. لقد عدت من أجله ومن أجل اكتشاف سر هذا القصر الذي عرض الجميع نفسهم للخطر من أجل امتلاكه. لقد عدت لفريد لأني أحبه حقًا. ولاكن لن أسامحه فورًا. سألعب على أعصابه قليلاً، سأستنزف صبره، ولنرى من منا لديه نفس أكبر، السيد فريد أم عروس السيد فريد.
لقراءة ومتابعة روايات جديدة وحصريه انضم الينا هنا: