تحميل رواية «عرف صعيدي» PDF
بقلم تسنيم المرشدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
هل تسمعني؟ هل تكترث لأمري؟ أنا هنا أحتاجك وبشدة، لقد خُلقت من ضلعك، فأنا المغلوبة على أمري أناديك من ثنايا قلبي، مُد يدك لتخرجني من تلك البقعة التي إنحدرت داخلها أصبحت شريك حياتي إذاً فلتحقق لي أهدافي، لطالما حلمت بالحرية أنت كنت ملجئ الوحيد ها أنا أمامك الأن فهل سنغدوا سوياً إن أمنت لي حقوقي؟ *** صدحت أصوات الزغاريد عالياً في أرجاء السرايا، تعالت هتافات الشباب وازدادت المباركات مهللين بسعادة. يتوسط أدراج سُلم السرايا شاب في مقتبل العشرين من عمره يرتدي جلباب صعيدي ناصع البياض يعلوه عباءة سوداء،...
رواية عرف صعيدي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم تسنيم المرشدي
تمايلت بجسدها، محاوطة حوله منشفة قصيرة مفتوحة من الجانب الأيمن. أمسكت بخصلاتها ورفعتها للأعلى بحركة مغرية، وهي تتابع رقصها بتأنٍ وثقة.
ابْتَلَعَ ريقَه وهو يتابع حركاتها باهتمام شديد. لم يسبق له أن رأى رقصًا بهذا الشكل. شعر بضعف قوته البدنية التي يتحلى بها، خار ثباته أمام ما تفعله تلك الفتاة.
"بربك، ألا ترحمي ضعفه وقلة حيلته؟"
حَلَا له ما تفعله، ولا يريد رؤية شيء آخر يعكر جمال ما رأته عيناه. عليه الانسحاب الآن. فإن مرت عليه دقيقة أخرى، حتمًا سيحدث عواقب يمكن أن يندم عليها في وقت لاحق.
انسحب بهدوءٍ تام إلى أن خرج من الغرفة. استنشق الصعداء ما أن أغلق باب الغرفة، ومر الأمر مر الكرام. توجه إلى غرفته مباشرةً، فهو في حالة لا يُرثى لها، ولن يستطيع إكمال السهرة معهم.
نهض ضيف قاصدًا المغادرة حين تأخر مصطفى في عودته. بالتأكيد لن يأتي في ذلك الوقت المتأخر من الليل. أوقفه عسران بقوله:
"على فين يا ضيف؟ لسه السهرة طويلة."
رد عليه بنفسٍ غير سوية:
"السهرات جاية كتير. أني تعبان ورايد أفرد جسمي."
أنهى جملته وغادر السرايا، وعقله لا يزال يفكر في طريقة ما يقنع بها عائلته بزواجه من صفاء. لا يصل إلى أي حلول، وهذا ما يزيد الأمر سوءًا. نفخ بضجرٍ بيّن وصاح بتذمر:
"يارب! أني بحبها ورايدها في الحلال، متصعبهاش عليا يارب."
عاد إلى منزله ليريح عقله تلك الليلة، وفي اليوم التالي حتمًا ستطرق الحلول بابه.
***
عاد طاهر إلى المنزل على مضضٍ. فالعودة إليه باتت ثقيلة على قلبه للغاية، ويتمنى ألا يعود مرةً أخرى إليه. حسم أمره على قبول ما يرفضه عقله وتأباه مشاعره، لكن ما باليد حيلة. ربما هذا أفضل له.
كانت صباح في انتظاره لكي تفاتحه في زواجه من مروة، فهي لن تهدأ قبل أن تسير الأمور كما تريد. نهضت مسرعة واقتربت منه قبل أن يفر هارباً كعادته. لكنها تفاجئت به يقترب منها ويقول:
"أني موافق."
قطبت جبينها بغرابة وسألته بفضول:
"موافق على إيه؟"
أخرج تنهيدة مليئة بالهموم وأجابها بتجهم:
"موافق على مروة!!"
ألقى بحديثه ثم أولاها ظهره وصعد إلى غرفته، وتركها تستوعب ما قاله بمفردها. لم ترفع بصرها عن طيفه الذي بدأ يختفي رويدًا من أمامها. تطالعه بعدم تصديق. أحقًا وافق على ما تريده؟ كان الحظ حليفها تلك المرة، ونجحت في شيء تخطط له. وها هي نجحت في أولى مخططاتها التي رسمتها لكي توقع ضيف في شر أعماله. فهو من جني على نفسه بالتسلية بها، إذا فليتحمل قذارتها التي تنوي فعلها.
دقت أسارير السعادة قلبها من خلف موافقة طاهر. تقوس ثغرها ببسمة عريضة انعكاسًا لسعادتها الداخلية. نظرت حيث اختفى وهتفت بحماس:
"سيب الموضوع ده عليا يا خوي."
أخفضت من نظرها وواصلت حديثها هامسة وهي تكز على أسنانها بحقد:
"متجَلجلش، هيمشي كيف ما رتبت له صح!!"
***
في اليوم التالي، استيقظت ورد من الصباح الباكر. ارتدت إحدى عباءتها الملونة التي تليق مع بشرتها، وضفرت خصلاتها التي أضافت لوجهها بهجة وجمال. ترددت في وضع بعض المساحيق التجميلية، لكنها رفضت. فجمال ملامحها الطبيعية أحلى بكثير من أن تعكرها بمساحيق صناعية. فاكتفت بوضع مرطب شفاه أضاء من شفتيها الوردية.
هبطت السلم وهي تدندن بنشاط وحيوية على غير العادة، وولجت للمطبخ المقصود الوصول إليه. رحبت بها صفية بحفاوة:
"طلتك ولا الجمر يا ورد."
ابتسمت لها ورد بحياء وأردفت برقة:
"ربنا يخليكي يا صفية."
بحث ورد بعينيها يمينًا ويسارًا وسألتها باهتمام:
"فينها صفاء؟ السرايا ملهاش حس عاد."
قهقهت صفية وأخبرتها بمكانها:
"والله عندكِ حج يا بنتي. الهدوء موجود مطرح ما تكون غايبة عني. هي في جامعتها وزمناتها راجعة."
دعت لها ورد بحب:
"ترجع بالسلامة. بس جوليلي فين الأكل عشان ناوية أحضر الفطور النهارده بإيدي."
ابتسمت لها صفية وبدأت تحضر ما تطلبه ورد. وكانت مساعدتها اليوم تتابعها باهتمام. على الرغم من كونها طباخة يشهد لها الجميع، إلا أنها أعجبت بطريقة تحضير ورد للفطور ورسمه في الصحون كأنه تحفة فنية. حتمًا سيحرص الجميع في الاقتراب منه خشية أن يمحو جماله.
***
في الأعلى، استيقظت السيدة نادرة قبل زوجها. وعزمت بأن تحادث مصطفى وتعارض تصرفاته الحمقاء التي فعلها بالأمس. طرقت بابه بخفة وولجت للغرفة حين سمح لها.
كان قد انتهى من ارتدائه للجلباب. استدار إليها قائلاً:
"صباح الخير يا أما."
ردت عليه بنبرة جامدة:
"صباح النور يا مصطفى."
أضاق عينه عليها لتلك اللهجة المريبة التي تحادثه بها. جلست هي على طرف الفراش وبدأت حديثها معاتبة بوجه محتقن:
"اللي حصل قبل اليوم ده مش على هوايا. دي وعدك ليا إنك هتخليها! بدل ما تبعدها عنك، تقوم تخليها وشاحك وتشوفها كماني؟ لاه! واللي يفور الدم إنك تمنع الغفر من دخول السرايا إلا بإستئذان. وديه من مِتى إن شاء الله؟ كأنك اعتبرتها مراتك بحج وحجيجي!!"
أسرع مصطفى بالرفض لتوقعها:
"لاه، حديث إيه اللي بتتكلمي عنه ده؟ كل الحكاية إني رايد أرضي أبوي. أنتِ مشوفتيش فرحته كانت مش سايعاه كيف لما عملت اللي عملته؟"
نهضت عن مقعدها وتابعت رفضها الجلي للأمر:
"ولو، البت دي مينفعش معاها حنية واصل. أني مطيقهاش من وقت ما أخوك هرب منها ليلة دخلته وبعدها بيوم اتقتل. وهاه لساتنا موصلناش للقاتل وهي عايشة حياتها 24 قيراط مش هاممها حد واصل. وبلي عملته ده هتديها فرصة تزود في عمايلها."
وقف عقل مصطفى عند تذكيرها لمشاركة رجل غيره فيها. لقد دعست على جرحه ولم تكترث. شعر بالنفور من ورد. فهي لم تخلق له وحده، بل كان الرجل الثاني في حياتها. ضغط على أسنانه بعصبية، فقد تعقدت الأمور بفضله بعد أفعاله بالأمس. بالتأكيد خُيّل لها أنه تقبلها زوجة له. لكن لا، سيذكرها بمن تكون هي حتى تعود إلى رشدها وتعرف مكانتها جيداً.
هبط كلاهما إلى الطابق الأول وفوجئوا بإحضار ما لذ وطاب ووجود جميع الأصناف التي يحبونها قد مُلئت الطاولة بشكل حضاري رائع. انتبهوا لصوته المتحشرج من خلفهم:
"واه إيه كل الأكل اللي يفتح النفس ده؟ مين اللي راضي عنينا النهارده؟"
أجابته صفية وهي تضع آخر صحن قد أعدته ورد:
"ده كله تحضير ورد. أني مليش صالح عاد بيه."
ظهرت ورد من خلفها مبتسمة بحياء يكسو وجهها بالحمرة. خفق قلب مصطفى بطلتها الجميلة التي لا تفشل في قلب كيانه. بينما لم تهتز خصلة للسيدة نادرة. بل نظرت إلى صفية وأمرتها بحدة:
"جيبيلي صحن مالح وفوقيها طماطمايه همي."
ردت عليها صفية بعفوية:
"ورد أصرت تعرف أنتِ بتحبي إيه عشان تعملهولك بإيديها. والعجة اللي بتحبيها أهي."
نهرتها نادرة بعصبية شديدة:
"جولتلك هاتيلي صحن مالح. يبقي مترطريش حديث ملوش لازمة."
رمقتها صفية مستاءة من تصرفها وعادت إلى المطبخ تحضر ما طلبته. بينما لم تبعد ورد نظريها عنها، فهي تشعر بالحرج الشديد من طلبها التي أعلنت به رفضها لتناول طعامها. خرجت من شرودها على شكر خليل لها:
"تسلم يدك يا بنتي. الأكل جميل. اجعدي كُلي."
رسمت بسمة متهمكة على محياها ثم اقتربت من مقعدها وجلست أعلاه. رفعت بصرها على مصطفى في انتظار جلوسه بجوارها، لكنها تفاجئت به يتوجه إلى باب السرايا. هو يريد مشاركتهم المائدة، لكن حديث والدته لا يقتلع من عقله ويتردد صداه بداخله كلما وجد لنفسه حجة يقترب بها منها.
"مصطفى"
نادتْه بنبرتها المبحوحة التي أربكته، وتوقف إثرها. اقتربت منه ووقفت أمامه حين لم يستدر لها، وحادثته بحزن مرسوم على تقاسيمها:
"رايح على فين من غير ما تفطر؟ مرايدش تاكل من يدي؟"
تبخر تمرده حين شعر بالحزن الذي يشع من زرقاوتيها، ناهيك عن نبرتها التي نجحت في محو أي ذرة غضب بداخله. أهذا هو مصطفى، عقل الحجر الذي لا يلين ولو انقلبت السماء على الأرض؟
لم يشعر بنفسه سوى وهو يجيبها بنبرة هادئة:
"كنت هشوف الغفر لو محتاجين حاجة."
انعكست تعابيرها تمامًا عن ذي قبل، حيث ظهرت سعادتها لكونه لم يرفض مشاركتهم الفطور. دقت طبول قلبه بتلك الابتسامة التي ابتسمتها فقط من أجله. عادت ورد إلى مقعدها وهو خلفها دون تفكير.
رفعت السيدة نادرة حاجبيها مستنكرة عودته بتلك السهولة. لم تستطع المشاهدة دون تعكير صفو تلك اللعينة وخرجت عن صمتها، موجهة حديثها إلى مصطفى:
"كأنك عاودت تاني يا مصطفى؟"
أجابها مختصراً:
"هفطر يا أما جعان."
اتسعت مقلتاها بذهول ورددت بتهكم:
"كُل يا جلب أمك كُل. تلاقيك هفتان."
تدخل خليل ناهيًا سخافاتها:
"اجعدي كلي يا نادرة وبلاها حديث معرفينش ناكل لقمة."
أخذت نادرة الصينية من صفية وقالت وهي توليهم ظهرها:
"المكان ضيق قوي. هفطر في أوضتي فيها هوا يرد الروح."
حرك خليل رأسه باستنكار لتصرفاتها الخرقاء التي لا تنتهي. لكنه لن يعكر صفوه، فهناك أطعمة كثيرة لابد من تناولها بشهية مفتوحة.
انتهوا من تناول الطعام واستأذن مصطفى للذهاب إلى عمله. نادت ورد على صفية قائلة:
"هاتي اللي حضرناه يا صفية."
حضرت صفية ومعها كيس بلاستيكي وناولته لورد التي لحقت بمصطفى قبل أن يغادر وأوقفته بقولها:
"اتفضل. أنت بتتأخر وأكيد بتتعب في الشغل. لازم تاكل حاجة عشان تقدر تصلب طولك."
عارض تصرفها مستاءً:
"لاه مهينفعش أكل وسط الفلاحين وهما معاكلوش."
أسرعت ورد بإلقاء حل سريع:
"ثواني نحضر لهم كلهم أكل."
لحق بها مصطفى قبل أن تغادر بمسكه ذراعه. أخفضت ورد بصرها على قبضته، فأسرع هو بسحب يده إلى جانبه وأوضح تصرفه:
"الفلاحين كتير فوق الـ 300 فلاح بيشتغل في الأرض. مينفعش تحضري أكل لكل دول. متشغليش نفسك بيا. أني زين."
رمقته بحزن، فهي من أحضرت له الطعام والآن هو من يرفض أخذه. أولاها مصطفى ظهره وسار نحو الباب عدة خطوات ثم استدار إليها فرأى معالم الخيبة على تقاسيمها. عاد إليها وأخذ العلبة من بين يديها ثم غادر دون إضافة المزيد.
دقت طبول السعادة قلب ورد لفعلته وتقوس ثغرها بابتسامة عذبة. عادت إلى أرض الواقع على صوت نادرة التي دوى في الأرجاء:
"كأنك باللي بتعمليه ده مفكرة هتكسبيه لصالحك!!"
استدارت إليها ورد لتتابع نادرة حديثها معنفة:
"تبجي بتحلمي. أني ولدي راجل ومهيخيلش عليه حركات البنتة البطالة ديي."
أولاتها السيدة نادرة ظهرها وقبل أن تخطو للأمام، أوقفتها ورد متسائلة بفضول:
"صدر مني حاجة وحشة تخليكي تعامليني أكده؟"
حركت نادرة رأسها لليمين قليلاً وأجابتها باستعلاء دون أن تنظر إليها:
"مش شايفة كِ لِقة بمجام ولدي!!"
لم تتفاجأ ورد بما قالته، فقد سبق وقالت الحديث نفسه، لكنها لا تفهم لماذا رضيت بها في بادئ الأمر؟
شعرت بعدم الرغبة في شيء. فقدت رونقها وحماسها لطالما تحلت به منذ استيقاظها إلى أن عكرت تلك المرأة صفوها. عادت إلى غرفتها بخيبة أمل سكنت قلبها وأطفأت من روحها. لا تدري ما الخطأ الذي اقترفته لتنال كل هذا النصيب ذو الحظ السيء.
***
أسرعت في خطاها والابتسامة لا تختفي من على وجهها بانتصار لنجاح أولى خطتها وسيرها على ما يرام. فتحت بوابة المنزل الصغيرة ورمقت المنزل بوجه مليء بالدماء النشيطة من فرط حماسها. فهي لا تطيق السنتيمرات التي تبعدها عن إكمال خطتها الداهية.
قرعت الجرس وانتظرت أمامه بفارغ الصبر. فُتح لها الباب من قبل "ضيف" الذي انعكست تقاسيمه وتحولت إلى الغضب ما أن رآها أمامه. التفت برأسه للخلف يتفحص المكان جيدًا ثم أعاد النظر إليها وهمس لها بوجه محتقن تفور به الدماء:
"إيه اللي جابك هنا يا وجه البرص إنتي؟"
لم تعره صباح اهتمامًا ودنت منه هامسة بفتور:
"سبق وجولتلي ملكيش صالح عاد بيا، وأني دلوك اللي بجولك ملكش صالح بيا."
رفعت ذراعها ووضعته على كتفه مُبعدة إياه لكي تمر للداخل. نادت بعلو صوتها ما أن توسطت الردهة:
"مروة يا مروة."
حضرت مروة إلى مصدر الصوت فتفاجئت بصباح. رسمت بسمة على وجهها واقتربت منها مرحبة بها:
"الدار نورت. إلك زمن ما جيتيش عندنا."
بعتاب زائف أجابتها الأخرى:
"كنتي أنتِ سألتِ يعني يا ندلة. يلا ممنوش العتاب دلوك، أني رايدة أتحدت معاكي في موضوع."
أضاقَت مروة عينيها بغرابة ولم تستطع الصمود وسألتها والفضول يتآكلها:
"إيه هو الموضوع؟"
نظرت صباح إلى ضيف الذي يتابع حوارهما باهتمام بيّن وأردفت:
"مهينفعش هنا. تعالي في أوضتك."
تعلقَت صباح في ذراع مروة ثم ساروا معًا إلى غرفة مروة، بينما كز ضيف على أسنانه بضيق شديد، فتصرفاتها لا تروق له وبالتأكيد لن يأتي من خلفها سوى المتاعب.
لمح طيف والده وهو يهبط الدرج متكئًا على عصاه. فلم يرد المغادرة قبل أن يعيد تكرار طلبه، لعله يؤثر عليه تلك المرة في عدم وجود والدته.
انتظر حين جلس في مقعده الخاص في الردهة. ثم سحب شهيقًا عميقًا وهو يستعد لتلك المواجهة الحاسمة. أخرج زفيره على بطء ثم توجه نحوه بخطى متأنية. ألقى عليه التحية ومن ثم بدأ فيما يريده بنبرة متلعثمة:
"حديثنا مخلصش يا بوي، لساتني عند كلامي ورايد أتجدم لصفاء."
حرك والده رأسه وطالعه بملامح جامدة. فأسبق ضيف بالتأثير عليه قبل أن يتلقى رفضه:
"يا بوي صفاء بنت زينة وأخلاقها عالية وتعليمها كمان عالي. يعني دي اللي تليق بيا وبعيلة الحمايدي، مش واحدة من عيلة كبيرة وهي نفسها صفاتها ونعتها وحشين!!"
نفخ الحاج حنفي بامتعاض وبفتور قال:
"جولت لاه يا..."
قاطعه ضيف حين ركع أمامه وهو يتوسله بنبرة لحوحة:
"أبوس إيدك مترفضش قبل ما تعرفها. أني جلبي مرايدش غيرها. ولو رفضتها صدقني مهاشوفش واحدة غيرها واصل."
انتفض الحاج حنفي من مقعده وضرب بعصاه الأرض مبديًا غضبه وهتف بإنفعال بالغ:
"اعتبر ده تهديد ولا إيه يا ولد الحمايدي؟"
اعتدل ضيف في وقفته وطالعه بنظرات تتوسله بإشاراته التي يتمنى أن يرفق به من خلفها وأجابه بنبرة منكسرة:
"مش تهديد يا بوي، بس أني مش شايف غيرها تنفع تكون مرتي وعلى اسمي. وأني مش هينفع يتغصب عليا الجواز كيف البنت."
بقِامة منتصبة أردف بتمرد:
"أني آسف يا بوي. لا هي، لا بلاها جواز من أساسه."
أولاه ظهره وتوجه نحو الباب، بينما صاح والده شزرًا:
"بلاها جواز! عنك ما شفت غيرها. كان اللي خلقها مخلجش غيرها."
بصق أرضًا ثم مسح على فمه وتابع انفعاله بغضب:
"مناقصش إلا العيال كمان اللي بيهددونا!!"
حرك رأسه باستنكار ثم عاد لمقعده متثاقلاً وهو يتوعد لتمرد ضيف عليه.
في الطابق العلوي وبالتحديد غرفة مروة، رفعت صباح يدها أمام مروة وأشارت لها لكي تجذب انتباهها. نجحت صباح في استعادتها إليها وسألتها باهتمام:
"ها جولتي إيه في اللي سمعتيه عاد؟"
احمرت وجنتا مروة بخجل، ناهيك عن فركها لأناملها بارتباكٍ محرج. لقد فاجئتها صباح بذلك الحديث الذي لم يكن على البال. ابتلعت ريقها وأردفت بنبرة خافتة:
"مخابراش أجول إيه؟"
عقدت صباح ما بين حاجبيها بتهكم ثم لكزتها في كتفها بخفة وأردفت مازحة:
"جولي رأيك إيه؟ موافقة ولا لاه؟"
أخفضت مروة بصرها في حياء وأجابتها مختصرة:
"مخابراش يا صباح. متضغطيش عليا. خليه يكلم أبوي هو أدري مني."
وضعت صباح سبابتها على ذقن مروة ورفعت وجهها للأعلى لتري عينيها وهي تحادثها:
"أكيد طاهر هيكلم أبوكي. بس لأول هو محتاج يعرف رأيك موافقة عليه ولا لاه. متعرفيش هو متحمس لجوازه منكِ كيف. رايح جاي يجولي كلميها أساليها هتوافقي عليا ولا لاه. يطلع وينزل على اسم مروة لما جبهالي في مخي."
قهقهت صباح عاليًا لتضيف للحديث لمسة حتى تؤثر على قرار مروة التي لم تهدأ نبضات قلبها كلما أضافت صباح حديثًا عن طاهر وتمسكه بها.
تأففت صباح بضجرٍ بيّن وسألتها بتهكم:
"يا بنتي انطقي وجولي أجوله يطمن ولا إيه؟"
التوى ثغر مروة للجانب بتهكمٍ معانق للحياء الشديد، فهي تخجل التصريح بموافقتها علنًا أمام صباح. فحتماً ستخبر شقيقها بقرارها ولن تستطيع النظر في عينيه إن صادفته يومًا. جف حلقها وهي لا تعلم ما عليها قوله في تلك الأثناء. شعرت بالاضطراب والضياع كلما ضغطت عليها صباح في انتظار ردها عليها. وأخيرًا نطقت بنبرة سريعة غير مفهومة:
"ماشي، موافقة."
انشرح قلب صباح للغاية. فتلك الخطوة الثانية التي نجحت في تنفيذها وكانت أكثرهم سهولة. فغرت فاها ببلاهة وقلبها يتراقص على أنغام السعادة. دنت من مروة وهللت بحماس:
"الود ودي أزغرط بس لولا العيبة. على العموم، أني هروح أفرحه بالخبر ده وهو يبقي يتكلم مع أبوكي بقى. العوافي."
"الله يعافيكي" همست بها مروة بنبرة خافتة لم تصل إلى آذان صباح التي قفزت الدرج بشعور سيطر عليها وهو الانتصار. لم يعد هناك إلا القليل على وصولها إلى مرادها. أطلقت ضحكة عالية ما أن دلفت خارج المنزل وهي ترتب أفكارها بعناية لكي تأتي بضيف راكعًا يتمنى أن ينال استحسانها.
***
مساءً. انتظرت عودته حتى نفذ خزان صبرها. لماذا تأخر اليوم عن سابق أيامه؟ تأففت بضجر وقررت أن تسأل أحدهم عن سبب تأخيره.
التوى ثغرها للجانب مشكلة بسمة متهمكة، فهي ستسأل الخادمات عن سبب تأخير عودة زوجها! أخرجت تنهيدة مليئة بالهموم والإرهاق ثم حركت قدميها للأمام حتى وصلت إلى الطابق الأول.
استقبلتها هويدا بترحيب على باب المطبخ قائلة:
"وجهك ولا الجمر. اتوحشت طلتك."
بادلتها الأخرى ابتسامة صافية حين رأتها وهتفت:
"ربنا يخليكي يا هويدا. وأني كمان اتوحشتك جوي. ليه ما بتجينيش كل يوم؟"
أوضحت هويدا سبب عدم وجودها باستمرار في السرايا:
"أني باجي الأيام اللي بيكون فيها الضغط كبير عشان أساعدهم، لكن مجدرش أسيب بيتي وزوجي وأقعد هنا اليوم كامل."
حركت ورد رأسها بإيماءة حين تفهمت الأمر. ترددت لوقت قبل أن تردف متسائلة:
"العمدة لسه معودش ودي مش عادته. حد يعرف ليه؟"
طالعتها صفاء بمكر من خلف هويدا بطرف عينيها وهي من تولت الرد بمزاح:
"النهاردة يوم القبض، يعني بيتأخروا عشان بيقبضوا الفلاحين."
نهضت عن مقعدها واقتربت منهن وهي تتمايل بجسدها حتى وصلت بجوار هويدا. أسندت مرفقها على كتفها وواصلت حديثها بمكر:
"بس على حد علمي يعني إن العمدة يدوب بيشرف على اللي بيحصل بس وممكن يعود في أي لحظة. لكن سي مصطفى هو اللي بيقبض الفلاحين بيده عشان يعرف مين أخد ومين مخدش. يعني سهره طويل ويمكن معادوش غير وش الصبح!!"
اتسعت مقلتا ورد بذهول مرددة:
"واه ده مأكلش حاجة من وقت الفطور!"
غمزت إليها صفاء وتابعت مزاحها بخفة أسلوبها:
"واه تصدقي عندكِ حج يا حرام. طيب ما تاخديله أكل وروحي له!"
ردت عليها ورد بعفوية:
"بجد ينفع؟"
من بين ضحكاتها أجابتها الأخرى بتلقائية:
"أومال. بس منعرفوش إذا كنتِ هتعودي من غير رجبة ولا دراع!!"
صُدمت ورد بآخر كلماتها واستشفت أن الأمر ما هو إلا لعبة من ألاعيبها المعتادة. أضاقَت عينيها بغيظ عارم وأردفت بحنق:
"بجا كده يا صفاء بتتمسخري عليا. ماشي."
لكزتها هويدا في ذراعها بخفة معاتبة:
"اتركي البنية في حالها يا صفاء. مش كده ألاعيبك ديي."
أخفضت ورد بصرها وقد سرق الحزن حيوية بشرتها التي بهتت للغاية وتشكلت على تعابيرها بسهولة استشفنتها الأخريات. ورددت بنفاذ صبر:
"حياتي دي غريبة قوي كأنها فيلم هندي."
"لا وانتي الصادقة دي ولا كأنها رواية كيف اللي بجراهم" هتفت بها صفاء ردًا على حديثها. رفعت ورد بصرها عليها وطالبتها بلطف:
"ابقي جيبيلي رواية من رواياتك دي أضيع وقتي فيهم بدل الزهج اللي مأنسني ده."
أشارت صفاء على عينيها مرددة بحب ظاهر:
"من عنيا الاتنين."
ابتسمت ورد ممتنة لها:
"تسلم لي عنيكي."
قفزت صفاء في الهواء مهللة بسعادة حين راودتها أحد الألعاب التي سيشاركنها ثلاثتهن:
"جاتني فكرة بما أن ورد زهقانة وهويدا لسه على وقت مراوحها هباَبه إيه رأيكم نلعبوا لعبة؟"
وافقنها الفتيات فبدأت هي بشرح اللعبة بسلاسة:
"هكتب كلمة واحدة في ورقة صغيرة وأطويها ونحطها في لجَن غويط وكل واحدة تختار ورقة وتجول الكلمة دي بتعني لها إيه، هيكونوا تلت حاجات إما (خوف) وإما (فرح) وإما (شجن). زين؟"
رددت الأخريات في نفسٍ واحد:
"زين."
افتتحت ورد اللعبة وبدأت تلقف إحدى الأوراق الصغيرة بعد أن انتهت من كتابتهم صفاء. لَقِفت إحداهن وقامت بفتحها فتفاجئت بالكلمة المدونة بها: (انتظار). نفخت بصوت مسموع فهي تهاب تلك الكلمة كثيراً. نظرت إليهن وقالت موضحة:
"الإنتظار بالنسبة لي خوف. أخاف عمري يمضي وأني مستنية كل اللي بتمناه يتحقق. يومي بيضيع وأني مستنية جُرب مصطفى مني. بخاف أمي متطمنش عليا وأقعد أستنى مكالمتها بفارغ الصبر. أني خايفة أموت وأني لساتني بستنى!!"
كانت تطالعهن بتأثر وشفقة مرسومان على تقاسيمهن. ابتسمت لهن ورد وأردفت مازحة:
"بطلوا بحلجة فيا وكملوا يلا."
جاء دور صفاء فالقِفت ورقة أخرى وقامت بفتحها وقرأت ما بها بصوت عالٍ:
"الوعد"
أخرجت تنهيدة مهمومة وأوضحت ماذا تعني لها الكلمة:
"خوف بردك. بخاف اللي يوعد يتخلي وميوفيش بوعده، أو حتى ميقدرش ينفذه!"
صمتت لبرهة ووعد ضيف قد حضر في ذهنها وتمنت بداخلها بأن ينتهي خوفها عاجلاً. أعادت هويدا تكرار ما فعلنه الفتيات قبلها وقرأت المدون في الورقة التي لقفتها:
"البيت"
تبسمت بشغف وهي تردد:
"البيت طبعًا فرح. بحس بطعم الدفا في بيتي وسط جوزي وعيالي وبفرح بردك لما بزور بيت أهلي. بالنسبة لي البيوت دي جنة، مش بس فرح!"
واصلن لعبهن حتى قرع صوت رنين هاتف هويدا معلنًا عن انتهاء وقت عملها. فاستأذنتهم وغادرت السرايا سريعًا قاصدة العودة إلى منزلها. بينما نفخت ورد بتذمر وهي تطالع النافذة بفتور لعدم ظهور مصطفى إلى هذا الوقت المتأخر من الليل بعد. ولم تشعر بأعين صفاء التي ترمقها بتردد كبير. تود الإفصاح عما بداخلها لعلها تشعر بالراحة إن شاركتها مخاوفها.
ابتَلَعَت ريقها وسارت نحوها بخطى بطيئة، تقدم قدم وتؤخر الأخرى خوفًا من ردة فعل ورد إذا علمت. كانت تطمئن قلبها بأن ورد ذو عقل متفتح وقلب رقيق وبالتأكيد لن تشي بها وستساعدها في الوصول إلى الراحة الداخلية التي تفتقر إليها منذ معرفتها بضيف.
وصلت إليها وخبطت على ظهرها بخفة فاستدارت إليها ورد متسائلة حين رأت فركها لأناملها بارتباك:
"نعم؟ كأنك رايدة تجولي حاجة؟"
أومأت لها الأخرى مؤكدة فقالت لها ورد بغرابة:
"تحبي تتكلمي هنا ولا في أوضتي؟"
اختارت صفاء الصعود لغرفة ورد حتى تطمئن بأن لن يسمعها أحد. قصت عليها بدايةً من تبادلهما النظرات ثم توطدت علاقتهما وتودد ضيف إليها أكثر فأكثر. وحدث بينهما حوار تحول مع الوقت إلى لقاءات خفية يسرقنها حين يأتي هو إلى السرايا. أخبرتها باعترافه لها وأنه يكن لها من المشاعر قدرًا ووعده بأنه سيتزوجها. وأنهت حديثها بنبرة بتوجس:
"خايفة جوي ميوفيش بوعده أو ميقدرش ينفذه كيف ما بيحصل في الروايات والأفلام."
حركت ورد رأسها مستنكرة تفكيرها الساذج وأردفت متهكمة:
"يحرج الروايات اللي لحست عقلك. سيبنا من الروايات والأفلام دلوك. أنتِ واثقة فيه يعني وواثقة في حبه ولا بيتسلى وخلاص؟"
أخرجت صفاء زفيرًا مرهقًا وأجابتها بقلة حيلة:
"أوقات بجيب واثقة من حبه ليا لما بتفكر كلامه الحنين وتسبيله عنيه اللي ميعرفهاش واصل طول ما هو واقف قصادي. وأوقات تانية بحس أنه بيتسلى بيا. مهو مفيش جوازة تمت وكان قبلها بيحصل المقابلات دي دايمًا الراجل بيتخلى عن البنت اللي حبته لمجرد أنها كلمته، فبيشوفها إنها مش زينة ومتليقش بيه."
حاولت ورد تلوين أفكارها السوداوية بتوقعاتها الوردية:
"أني معرفوش بس يمكن مختلف عن الباقي. يكون راجل صح ويوفي بوعده. العيال اللي بيتهربوا من الجواز دي دايمًا بيتهربوا من الحديث فيه هو أكده؟"
أسرعت صفاء بنفي سؤال وردت مجيبة إياها بشغف وحب يشع من عينيها:
"بالعكس هو اللي بيفتح الحديث عيني. على طول يجولي مِتى تجيني مرتي حلالي وأخلف منك دستة."
رققت من نبرتها كما أخفضت بصرها خجلًا وتابعت قول كلماته على لسانها:
"على طول يجولي رايد ألاقي بمجام الدكتورة. بشوف الفخر في عينيه الاتنين وهو هيتكلم عني وعمره ما حسسني إني أقل منه على الرغم إنه من عيلة كبيرة قوي وأني يدوب لا رحت ولا جيت."
لوت شفتيها للجانب بتهكم، فحاولت ورد تغيير الحوار عن مساره الذي أخذه:
"زين اللي بتتكلمي ده بس سؤال أخير عشان أطمن وهو اللي هيحسم إذا كان هو راجل ولا عيل."
حملقت بها صفاء باهتمام فهي في أشد الحاجة إلى الاطمئنان من علاقتها المعقدة تلك. ابتسمت ورد لانتباهها بهذا الشكل وألقت بسؤالها الحاسم:
"بيحاول يتجرب منك يعني لمس يدك قبل كده أو..."
قاطعتها صفاء بنفي ما قالته بلهجة سريعة:
"لاه لاه محصلش. هو بيحاول دايمًا يحافظ عليا. حتى إني اللي أوقات بتوحشه وبطلب منه ييجي السرايا يشوفني. بس هو بيرفض عشان محدش يشوفني معاه وياخد عني فكرة وحشة."
تنهدت ورد براحة وهتفت:
"يبقى هو كده راجل صح وزين وإن شاء الله عن قريب يبقى من نصيبك."
"اللهم آمين يارب" آمنت عليها صفاء بتمنٍ ورغبة شديدة. نظرت إلى ساعة الحائط فشَهِقَت لتأخر الوقت ورددت وهي تنهض من مقعدها بذعر:
"الوقت اتأخر قوي. أمي هتموتني. تصبحي على خير."
"وإنتي من أهل الخير" قالتها ورد وهي تقهقه على تصرفاتها الطفولية. بينما التفتت إليها صفاء معدلة حديثها:
"جولي وانتِ من أهل ضيف."
لم تستطع ورد تمالك نفسها وانفجرت ضاحكة، لكن سرعان ما اختفت ضحكتها حين تذكرت مصطفى وتأخيره عن ميعاده المعتاد عليه. نهضت وتوجهت إلى الشرفة لعلها تحظى برؤيته التي ستطمئن قلبها. طالت مدة انتظاره على أمل رؤيته حتى غفت على سور الشرفة وتبخر أملها وذهب مع الرياح.
***
عاد إلى منزله أخيرًا بعد انتظار طال مدته. ركضت نحوه مهرولة لكي تلقي عليه بذلك الخبر السعيد. وقفت أمامه وعاتبته بهجوم:
"اتأخرت أكده ليه؟ غفيت وأني بستناظرك."
قطب جبينه بتهكم وسألها بجمود:
"ليه حصلت مصيبة رايدة تخبريني بيها؟"
قلبت عينيها مستاءة منه وأوضحت سبب انتظارها له حتى الآن:
"لاه يا خفيف، بس أني رحت لمروة وجولت لها إنك رايد تتجدم لها والبت عينك ما تشوف إلا النور. مكنتش مصدقة حالها. بجد يا صباح احلفي يا صباح. تجوليش كانت مستنياك تتجدم!!"
لم تهتز له خصلة، فهذا الهراء لا يعنيه. وبفتورٍ أردف:
"زين."
مر بجوارها دون إضافة المزيد، فامتعضت هي لفعلته واستدارت بجسدها في نفس اتجاهه وسألته بتجهم:
"أفهم إيه من زين ديي؟"
أجابها وهو يكمل صعوده للدراج:
"رايداني أجول إيه عاد؟"
تقدمت نحوه وقالت وهي تسير خلفه:
"تجولي هتطلب يدها من أبوها مِتى؟"
أخذ طاهر شهيقًا عميقًا وأخرجه بصوت مسموع:
"أوف."
وقف أمام باب غرفته وحرك رأسه لليسار قليلاً حيث تقف صباح وأردف على مضض:
"بكرة أروح له."
أنهى جملته ثم اختفى خلف الباب وهو لا يرضي ما ينوي على فعله، لكنها الطريقة الوحيدة التي سينسى بها ورد. في الخارج توجهت صباح إلى غرفتها وهي تتغنج بجسدها فرحًا لدهائها التي أوصلها إلى تلك النقطة.
***
عودًا حميدًا مع فجر الفجر. ركن سيارة العمل الربع نقل جانبًا ثم ترجل منها وهو لا يرى أمامه. فاليوم كان شاقًا وثقيل للغاية كثقله من كل أسبوع.
رفع عينيه تلقائيًا على شرفتها فتفاجأ برأسها التي تستند بها على حافة السور. عقد حاجبيه متعجبًا لتصرفها الأرعن. أسرع خطاه نحوها ونادى عليها بنبرة خافتة يجذب انتباهها له:
"ورد يا ورد."
لا يريد أن يصدق حدسه الذي يخبره بأنها غافية. لم يتوقف مكانه لحظة وركض مهرولاً إلى الأعلى حيث غرفتها التي اقتحمها دون سابق إن إنذار. وكما توقع تمامًا أنها غافية على سور الشرفة. حرك رأسه باستنكار واقترب منها دون تردد.
خبط برفق على كتفها مع ندائه المتكرر الخافت لكي لا يتسبب في فزعها:
"ورد جومي اصحي."
مع تكراره لنطق اسمها الذي تردد داخل عقلها، فانتفضت هي بذعر إثره ورددت بتلعثم:
"هاا، أنت جيت."
خفق قلب مصطفى بشدة حين رأى ذعرها ورجفة جسدها المتسبب بهما. حاول تهدئة روعها بكلماته الرقيقة:
"اهدي. أيوة جيت."
ساعدها على الدخول إلى الغرفة وأجلسها على الفراش ثم أحضر لها كوبًا من الماء ترتشفه ليهدئ من روعها. لم يصبر وألقى بسؤاله معاتبًا:
"كيف تغفين على السور أكده؟ ممكن لا قدر الله تقعي."
أجابته بنعاس مسيطر عليها:
"اتأخرت الليلة فكنت بستنظر رجوعك."
شعر بتأنيب الضمير تجاهها، فلماذا لم يخبرها بتأخره اليوم؟ هو لم يكن لديه علم بانتظارها لعودته، فلا إثم عليه. تنهد بعد برهة من الصمت وأردف:
"بتأخر النهارده عشان بَقبض الفلاحين."
أومأت له برأسها فهي على علم بذلك. وضعت الكوب بجوارها أعلى الكومود ونهضت من على الفراش ووقفت مقابله، فأسبق هو بالحديث يريد إنهاء الحوار معها:
"ابقي نامي أنتِ وملكيش صالح برجوعي لأن مواعيدي مش ثابتة."
اقتربت بخطواتها أكثر منها فشعرت بأنفاسه الحارة التي يحاول حشرها بداخله كلما اقتربت منه. ثبتت قدمها على الأرض وأردفت برقة مبالغة تعكس مشاعرها التي تكمن بداخلها:
"مبيفرفش ليا جفن قبل ما أطمن عليك!"
رباه! على تلك النبرة التي همست بها كلماتها التي فاجئته. لم يكف قلبه عن التسارع والتخبط بين نبضاته التي حتمًا ستفضح أمره أمامها.
يريد الفرار من أمامها، لكن زرقاوتيها تجذبه إليه كأن بهما سحرًا لا يعرف كيفية إبطال أثره. فالوضع يزداد سوءًا، فسوداوتيها لا تكتفي بالنظر إلى عينيها. لقد أخفض بصره على برقوتيها بعد أن تفحص معالم وجهها باهتمام.
شفتاها تحثه على التودد معها أكثر كأنهما يناديان غريزته التي بحاجة إلى الارتواء. لم يقاوم جوارحه التي لبت ندائها برحب وتلمس وجهها بأنامله. انخفض قليلاً وملس على ترقوتيها بنعومة.
ابتَلَعَ ريقَه في محاولة بحثه عن ثباته الداخلي، لكن أي ثبات سيتحلى به أمام جمالها الخلاق. خارت قواه تمامًا وضعفت نفسه فتودد لها أكثر، شاعرًا بحرارة أنفاسها التي تضرب وجهه دون رأفة.
بنبرة خافتة قشعر لها بدنها همس:
رواية عرف صعيدي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم تسنيم المرشدي
"تصبحي على خير يا ورد."
هذا ما همس به مصطفى بجانب أذنها. أي خير يتمناه لها بعد أن أنهى بجملته أي سُبل للوصال إليها. تراجعت للخلف قليلاً لكي ترى ملامحه جيداً وتكتشف ما إن كان يمازحها أم يحادثها بجدية. أولاها مصطفى ظهره سريعاً، فلن يقدر على مواجهة زرقاوتاها التي تعاتبه في صمت. أسرعت ورد بمسك ذراعه قبل أن يفر هارباً منها كما يفعل دوماً، ثم توقفت أمامه فقطعت كل السُبل له في الخروج وأردفت متسائلة:
"كانك لسه معتبرني مرت خوك إياك!"
انتظرت إجابته بفارغ صبر. نبضاتها تتحدث عن توجسها من سماع إجابته التي قد لا ترضيها. ازدردت ريقها وهي تتابع حدتيه التي يطالعها بهما بوجه بارد يعكس نواياه السيئة اتجاهها. بملامح جامدة أجابها بتجهم:
"عمري ما شوفتك غير مرت أخوي يا ورد، رايدك تفهمي أكده عشان متصعبيش الأمور بيناتنا."
تلقت صفعة صادمة بحديثه الذي لم يرأف بمشاعرها وهو يدلي به بكل برود. ارتخت قبضتها عن ذراعه، فلم يتردد عن مغادرة الغرفة التي شُيدت بناء جدران سجنها، بعدما هدمت ورد بعضاً منه على أمل قد تبخر مع خروج كلمات مصطفى من فمه.
تعجبت من حزنها لرفضه لها على الرغم من أنها لم تكن المرة الأولى. وضعت راحة يدها اليمنى أعلى يسار صدرها وأخرجت زفيراً بطيئاً وهي تتساءل في نفسها: ماذا يحدث هنا؟
لما كل ذلك الحزن الذي تبدد داخله؟ يخفق قلبها ألماً وليس نبضاً. أمعقول أنها أحبته بتلك السرعة؟ كيف وهي لم ترَ سوى الرفض والنبذ الدائم منه!
تراجعت للخلف وهي على نفس وضعها حتى وصلت إلى الفراش التي اعتلتته وظلت منكسة الرأس تتخبط بين عدة ذكريات تراودها لعقلها الحجر ذاك. من بين الذكريات كانت إحداهما يوم زفافهم، حين انسحبت من بين المعازيم بعدما كثرت وقاحتهم في الهمزات واللمازات ووقفت في إحدى نوافذ السرايا التي تطل على حديقتها، ومنها رأته يرقص بعصاه بثباتٍ وثقة عمياء. تذكر جيداً تلك الابتسامة التي رُسمت على محياها رغماً عنها لاستيعاب عقلها أن تلك الجاذبية والوسامة الطاغية ستكون لها في النهاية. عجرفته التي يُعرف بها هي من نالت إعجابها وجذبتها إليه.
انتقلت إلى الذكرى التالية في نفس اللحظة حين لمحتها إحدى النساء وألقت عليها كلمة غير مفهومة، لكنها استشفت سوء نيتها من خلف نظراتها. أرادت الهروب من السرايا بأكملها، لكن أين المفر؟
حسناً، ستختبئ برهة من الوقت في المطبخ بالتأكيد لن تزعجها إحداهن هناك. سارت بخطى مهرولة قاصدة المطبخ، وهناك تلقت مفاجأة من العيار الثقيل وهو وجود مصطفى في تلك الأثناء. كانت المرة الأولى لها أن تقف أمامه بالحالة التي كانت عليها، فشعرت بالارتباك يسيطر على خلاياها بسبب ذلك الوضع المُريب، وخصوصاً أنه لم يخفض بصره من عليها وكأن لنظراته معانٍ يود الإفصاح عنها.
تبخرت أحلامها الوردية مع إصدار حكمه بعدما صعدا كلاهما معاً ذاهبين إلى عُشهم الجديد بأنه لن يضعها في اعتبار الزوجة، وهي ليست سوى زوجة أخيه!
عادت من شرودها على زقزقة العصافير التي ترى طيفها يحلق عالياً في السماء من خلف باب الشرفة. نهضت وتوجهت إليها وأغلقت بابها، ثم ألقت نظرة على خزانتها وفكرة واحدة تتردد في عقلها ما بين التنفيذ والإقلاع عنها.
***
على الجانب الآخر، أزفر مصطفى أنفاسه بارتياح ما أن نجح في هروبه من أمامها قبل أن يقع في براثين جمالها. توجه إلى غرفته وعقله مشوش تماماً، فهو يلوم ضعف رغبته أمامها، وفي الوقت نفسه يتمنى لو لم يتذكر هلال في تلك اللحظة وواصل ما بدأه.
لا يتركه هلال وشأنه، كلما شعر بالسكينة تجاهها يظهر هلال ويخرب سكينة بحضوره للأفكار السوداوية داخل عقل مصطفى، كأنه يُذكره بأمتلاكه لها أولاً!
قطعت حبال شروده بصوتها الجهوري الذي دوى في الأرجاء:
"خارج من عنديها في وجت متأخر ليه يا مصطفى؟ ضعفت جدامها؟ نجحت في خطفك يا ابن الجبلاوي!"
أوصد عينيه لثوانٍ قبل أن يستدير إليها ويقول بهدوء ما قبل العاصفة:
"لاحظي إنك بتجللي مني ياما في كل مرة تتحدتي معايا عنها!"
التوت شفتيها للجانب بتهكم وأردفت ساخرة:
"على أساس بلي بتعمله ديه مش بتجلل من نفسك يا مصطفى! دخولك وخروجك عنديها وفي الآخر تاجي تاكل بعجلي حلاوة وتجولي برضي أبوي، شايفني مخبولة إياك؟"
فرك ذقنه بعصبية وارتباك، فهو وقع في حيرة من أمره لا يدري بأي حجة سيخبرها بها تلك المرة. فضل الصمت عن حديثه الذي لن يجدي نفعاً، فنادرة لن ينطلي عليها هرائاته مطلقاً.
"مش لاجي حاجة تتحجج بيها المرة ديي؟ زين عشان متصغرش في عين أمك اكتر من أكده."
هتفت بهم بندم شديد لتربيتها التي تجني ثمارها الفاسدة. أولته ظهرها وعادت إلى غرفتها مهمومة حزينة، تتحسر على كلتي أبنائها، فالصغير تأكله الدود أسفل التراب والبكري تمرد على أوامرها ويفعل عكس ما تريده دون خجل ولا حياء.
"اااه." مكلومة بقلبٍ يعتصر حزناً على فلذات أكبادها التي لم تذق للنوم طعم من أجلهم، وفي نهاية المطاف لم تجد التعويض التي كانت تنتظره ويرضيها. قلق خليل على صوت نحيبها، فأعدل من وضعه ثم أضاء المصباح من جانبه والتفت إليها في قلق:
"في إيه يا نادرة؟ عتبكي ليه؟"
مسحت عبراتها براحة يدها وأجابته بصوت متحشرج:
"بفتكر دم ولدي اللي راح هدر ولا أنت ولا ولدك بتوصلوا لحاچة واصل. يا تري مستريح في جبرك يا ولدي ولا عتنازع على روحك اللي منعرفش مين السبب في جتلها. يا حسرتي عليك يا ولدي وعلى شبابك."
لم تتوقف عن النواح والندب، متعمدة عدم ذكر مصطفى وقربه من ورد، فهي على دراية تامة بأن خليل يريد أن تسير علاقتهم على يُرام. بينما أخرج الآخر تنهيدة مكلومة، فلقد دعست على وتر حساس للغاية. يشعر بانعدام رجولته وبعدم استحقاقه للقب الأبوة لعدم عثوره على قاتل ولده بعد مضي تلك المدة الطويلة.
لم يعقب على حديثها، فلا يوجد للرد سبيل في تلك اللحظة. كما هرب النوم من عينيه، فقرر النهوض ومغادرة الغرفة وعدم مواجهة إيلام نادرة الموجه له، بينما لم تتوقف هي عن العويل متحسرة على حالها.
في غرفة مصطفى، لم يترك المجال لأفكار ما قبل النوم أن تحضر وتشتت عقله، فبدنه بحاجة إلى الراحة لكي يقف صامداً أمام العقبات التي لا تتركه وشأنه.
***
ارتفع ذلك الرنين المزعج الذي يكره سماعه، فهو يقطع عليه أجمل مراحل يومه. مع رنينه المتكرر، استيقظ بعدما فشل في استعادة سلامه الداخلي والنوم مرةً أخرى. مد يده إلى جواره وأغلقه على مضض.
استمع إلى مأذان المساجد وهي تصدح عالياً معلنة عن بداية خطبة الجمعة. انتفض من مكانه وهم بدخول مرحاض غرفته وتوضأ سريعاً، ثم انسحب للخارج وبدل جلبابه بآخر أبيض اللون، ثم أسرع للخارج بخطى مهرولة لكي يلحق الصلاة قبل بِدأها.
قابل والده على باب السرايا فرافقه إلى المسجد، لكنه شعر بأن هناك خطبً ما، فتقاسيمه جامدة وأسلوبه فظ، على الرغم من أنه لم يرد سوى التحية، لكنه استشف ضيقه بسهولة، فهو جدير بأحوال والده. عزم على سؤاله، لكن بعد أدائهما للصلاة التي على وشك البدأ.
أديا الصلاة في جماعة وانتهوا من التسليم على بعض أهالي البلدة، ثم خرج كلاهما من المسجد. ولم يصبر مصطفى أكثر، فسأله ما أن ابتعدا أقدام عن المسجد:
"مالك يا بوي؟ كانك مهموم، حوصل حاچة؟"
أخرج الأخير تنهيدة مهمومة وصلت إلى أذان مصطفى التي أكدت حدسه بوجود مصيبة كبيرة. وأعاد سؤاله متوجساً خيفة:
"خير يا أبوي، شكل الموضوع كابير."
توقف خليل عن السير ونظر إلى مكانٍ ما وعبراته تتلألأ في عينيه مهددة بالنزول، لكنه تماسك قدر المستطاع. صوب مصطفى بصره على الجهة التي ينظر إليها والده، فإذا به مكان الحادث يظهر من على مقربة منهم. أصدر هو الآخر تنهيدة موجوعة، وهي يعيد مشهد هلال وهو ينازع الألم إلى أن سرقه الموت منهم.
انتبه على صوت والده المتحشرج:
"خوك مات أهنكه وإحنا واجفين محلك سر معارفنيش نرجعوله حجه. أني مستاهلش أكون بوه، مستاهلش اكون أي حاچة واصل!!"
كلماته كانت كالذي يطعن في صدره بخنجر ذو سن حاد. لم يكن أمامه سوى مواساته، فإنهما لا يمتلكَ سوى مأزرة بعضهما البعض إلى أن يجد جديد في قضية قاتل هلال. اقترب منه مصطفى وربت على ظهره مواسياً إياه:
"هون على حالك يا بوي، إن معطرناش عليه اليوم هنعطر عليه بكرة."
حرك خليل رأسه بقلة حيلة، ثم سارا معاً عائدين إلى السرايا. قرع مصطفى الجرس ففتحت له صفاء بعبوس. انقضت عليه ما أن رأته أمامها كأنها كانت في انتظاره، حيث قالت متلهفة:
"إلحج يا سي مصطفى، ورد رايدة تهمل السرايا وأني مجدراش أمنعها."
قطب مصطفى جبينه بغرابة ووجه بصره على تلك المتمردة التي تقف ممسكة بحقيبتها حاسمة أمرها على المغادرة. اقترب بخطاه منها متسائلاً في حيرة من أمرها:
"واخدة شنطتك وعلى فين أكده من غير إذني؟"
قلبت عينيها كما التوى ثغرها للجانب بتهكم ورددت ساخرة:
"بعد عني، الله يرضيك. أني منجصاش مجلسة على المسا."
استشاط مصطفى غضباً من أسلوبها الساخر وصاح بإنفعال:
"مين اللي عيتمجلس على مين دلوك؟ واظبطي أكده وأنتِ عتتحدتي معايا."
تأففت ورد متذمرة وهتفت بنفاذ صبر:
"ماشي يا سيدي. بعد عني بجا خليني أمشي."
تدخل العمدة في تلك الأثناء بسؤاله حين رأى إصرارها على المغادرة، ناهيك عن لهجتها المريبة التي تحادث بها مصطفى:
"مالك بس يابتي؟ إيه اللي حوصل عاد عشان تهملي السرايا؟ يعني هو يتعدل أنتِ تتمردي!"
أوصدت ورد عينيها لبرهة في محاولة استعادة سلامها النفسي، فلابد من محادثة حماها بذوق وأدب. ازفرت أنفاسها ثم رفعت رأسها بعزة نفس وأجابته بثبات:
"معاودة دار أبوي. أني جوزي مات الله يرحمه وجعدتي إهنه ملهاش عازة."
فغر خليل فاهه بصدمة من وراء حديثها، لم يستوعب عقله ما قالته بسهولة. حل الصمت لوقت قبل أن يواصل خليل حديثه محاولاً إيفاقتها:
"واللي جدامك ديه يابتي معيجبكش ولا إيه؟ كيف يعني ممعتبرهوش چوزك؟"
شدت ورد بقبضتها على حقيبتها وبعبوس ونبرة باردة أردفت:
"هو اللي ممعتبرنيش مرته وجالها كتير وأني مهجدرش على العيشة اللي مش عيشة ديي. وكيف ماهو مراضيش بيا أني كماني مرضيهوش في حياتي، بكفيايي جلة جيمة من وجت ما عتبت السجن ديه."
رمقها خليل بذهولٍ لتسميتها للمنزل بالسجن. استشفت هي سكوته المذهول وتابعت موضحة بنبرة قوية:
"إيوة يا عمدة، السرايا ديي سجن بالنسبة لي، معارفاش اتحرر منه ولا عارفاش الإفراج هيبجي ميتي. دخلته وأني جوايا أمل مات واندفن مع موت هلال. جعدت بين أربع جدران مههملهمش واصل لما كانوا بيضيقوا كل يوم عليا اكتر عن اليوم اللي جبليه. جطعت الوكل والشرب والكلام وجضيت شهور العدة وأني بجسد هزيل وروح ميتة. الأمل اتتجدد تاني وجولت خلاص حكم الإفراج صدر وهيتنفذ. جومت جيت أنت يا عمدة وأجبرتني أعاود من تاني لسجني. جولت وماله هانت بردك. وبعدها فاجئتنا بطلب يدي للمحروس ولدك اللي جولت أكيد ده عوض ربنا ليا ورضيت وجدران السجن اتهدمت وأتبني مكانها جدران جاديدة رسمت عليها صورة ولدك اللي اختفت أول ما رماني وجالي أنه مشايفنيش غير مرت خوه. بدأت أول حيطة تجع وست نادرة بتتشفي فيا من ورا عملة ولدها. والحيطة التانية انهدمت لما أمي سافرت وبجيت لحالي وباجي الحيطان اتهدموا جبل اليوم لما ولدك رفضني تاني."
صمتت ورد وقهقت بتهكم وأضافت ساخرة:
"أو تالت ورابع ممتذكراش."
رفعت بصرها عليهم وشدت على قبضتها الصغيرة حول حقيبتها وأردفت بتحدٍ:
"معتش حدايا حديت أجوله عن اذنكم."
تقدمت نحو مصطفى فكان الأقرب إليها ومرت بجواره دون أن تلتفت له، لكنه أبي ذهابها وأوقفها برجوعه للخلف وشكل أمامها حاجزاً يمنعها من إكمال طريقها للخارج. حاول سحب حقيبتها من بين قبضتها، لكنها شدت عليها بكل ما أوتيت من قوة لكي لا يأخذها. رفعت زرقاوتيها في سوداياه وهتفت بحنق:
"سيبني لحالي وروح لحالك بجا، مش ديه اللي أنتِ رايده وأني هريحك مني وهرتاح منيك بردك!"
بقوته التي فرضها على قوتها الضعيفة، نجح في التقاط الحقيبة من بين يدها وألقاها بعيداً وقال بأمر موجهاً حديثه إلى صفاء:
"رجعيها الاوضة تاني."
أومأت له صفاء بطاعة، بينما أسرعت ورد لتستعيد حقيبتها، لكنه شد على ذراعها حتى يمنعها من الوصول إليها. انحنى عليها وهمس لها بجمود:
"همي جدامي رايد اتحدت معاكي."
أعادت النظر إليه باحتقار ورددت معنفة إياه بتجهم:
"مريداش اسمع منيك حاچة واصل، بكفياك اللي جولته واللي حسستني بيه."
حسناً، لن تليق الحسنة معها ولن تجدي نفعاً مع عنادها في تلك الأثناء. فرض مصطفى قوته عليها للمرة الثانية وانحنى عليها وقام بحملها، لتتفاجئ هي بتصرفه المتهور ولم تكف عن ضرب الهواء بقدميها مرددة:
"نزلني، بجولك نزلني!"
لم يكترث لها واستدار بجسده متوجهاً نحو باب السرايا، فصرخت هي بحياء:
"رايح بيا على فين علي حالتي ديي جدام الخلج، نزلني يا مصطفى!"
تفاجئت ورد بحدتي رجال الغفر يرمقانها وهم يتبسمون على حالها. تباً لذلك العنيد الذي لا يكترث لمظهرها أمام الجميع. لم يكن أمامها سوى تخبئة ذاتها من أعين المتطفلين بسكونها داخل صدر مصطفى. أخفت وجهها في كتفه وتابعت إيلامه:
"منك لله يا مصطفي على حطتي في الوضع ديه."
لم يعقب على قولها بل ترك نفسه يستمتع بذلك الوضع المحبب لقلبه. سكونها بين ذراعيه كان بمثابة سلاح قوي، ضعفت قوته أمامه. لقد ظن لوهلة أنه يشعر بصدى قوة نبضاتها داخل صدره.
تبخرت مشاعره الجميلة لوضعها في مقعد السيارة الأمامي. أغلق الباب ومن ثم أكد توصيده بضغطه على زر ما في مفتاح سيارته. التف هو للجانب واستقل خلف مقوده ثم دعس بقدمه على المحرك وتحرك مبتعداً عن السرايا.
لم تكف هي عن الأسئلة منذ إجباره لها بركوب السيارة:
"جولي إحنا رايحين على فين؟ انطج ورد عليا متسبنيش أكلم في روحي أكده."
لم يرد عليها، فهو لا يعلم ماهي وجهته. يسير بالسيارة على أمل يرادوه مكانٍ ما يذهبان إليه. بعد مدة صف سيارته أمام مكانه الخاص الذي يأتيه كل يوم جمعة من كل أسبوع، وكذلك الأوقات التي لا تساعه الأماكن فيها، فهذا المكان يربت على قلبه بحنان ولا يسمح بمغادرته قبل امتصاص كل همومه وتحولها إلى سلام داخلي يساعده على الاستمرارية.
ترجل من السيارة وتوجه إلى تلك العنيدة التي رأى فيها عناده الذي يشبهها تماماً. فتح لها الباب وأردف بهدوء:
"انزلي."
نفخت ورد متذمرة وعقدت ذراعيها بتمرد:
"منزلاش جبل ما أعرف احنا فين وليه؟"
تأفف مصطفى بصوت مسموع، فلقد بلغ ذروة تحمله على سخافتها التي لا تنتهي وصاح عالياً:
"انزلي لاول وأنتِ تعرفي جايين إهنه ليه."
رمقته بطرف عينيها ثم عاودت النظر أمامها بعناد طاغي عليها. حرك مصطفى رأسه بعدة إيماءات وهو يكز على أسنانه بعصبية، ثم انحنى بجسده عليها قاصداً حملها، فأسرعت هي بالصراخ في وجهه قائلة:
"هنزل لحالي، بعد عني."
رفع مصطفى بصره عليها وهو داخل السيارة، فاستشفت هي غضبه من تقاسيمه التي تهدد بالانفجار بها. ازدردت ريقها خوفاً من حدتيه التي يطالعها بهما وحاولت الفرار منه بقولها:
"رايدة أنزل، هتفضل تبحلج لي كاتير؟"
بهدوءٍ أخرج مصطفى نفسه من السيارة وأولاها ظهره وتقدم للأمام دون أن يلتفت. ومع شعوره بترجلها من السيارة، ضغط على زر في مفتاحه أوصد به السيارة بالكامل للأمان وواصل سيره في صمت.
سارت خلفه وهي تتفحص المكان بزرقاوتاها جيداً متعجبة من وجودها في طوالة الخيل. وصلت للداخل ووقفت تتابع مصطفى وهو يملس بنعومة على أحد الخيول السوداء ذات اللمعة المضيئة والشعر الكثيف الذي يتطاير مع نسمات الهواء.
تابعت ما يفعله باهتمام واضح، فعلى ما يبدو أنه عاشق للخيل وتلك هي خاصته، فاهتمامه بها زائد عن بقية الخيول. تنهدت بصوت عالٍ لكي تجذب انتباهه وأردفت بتهكم:
"جايين إهنه عشان توكل حصانك؟"
لم يلتفت إليها مصطفى بتلك السرعة التي توقعتها، بل تابع إطعام الخيل في هدوء. وما أن انتهى من إطعامه بالكامل، سار نحو بئر يتوسط الطوالة وغسل يديه جيداً ثم عاد إليها.
أحضر لها مقعداً خشبي قديم، لكنه أفضل حال مما أحضره لذاته. أعتلى مقعده ثم أمرها بالجلوس قائلاً:
"اجعدي."
لم ترض أسلوبه الأمر لها، فأعاد مصطفى حديثه مازحاً:
"جعمزي يابه."
استشاطت ورد غيظا من بروده ولم تلبي أمره. أوصد مصطفى عينيه لثوانٍ قبل أن يردف بنفاذ صبر:
"أباه عليكي من ميتي وأنتِ بتعندي ويايا إكده؟"
رفعت ورد إحدى حاجبيها وأجابته بلهجة سريعة حادة:
"ممتحملنيش ساعة وأني شوفت منيك اللي أكتر من أكده!"
نظر مصطفى في الفراغ جواره وهو يحك مؤخرة رأسه بعصبية، فلقد نفذ صبره ولم يعد لديه ذرة تحمل لسخافة أخرى ستصدرها هي. شعر بتحركها، فأعاد النظر إليها، فإذا جلست وأخيراً. حمداً لله.
جلست أعلى المقعد وانتظرت بِدأه للحديث. بعد برهة لم يطيل عنها، بدأ حديثه بنبرة هادئة لا تشبهه:
"أني خابر زين أنك متستاهليش كل اللي بيصدر مني وأنك ضحية في العلاقة ديي، بس أني كمان ضحية كيفك تمام. أبوي أجبرني على جوزاتي منك وأني مرايدش."
تفاجئت ورد بحديثه الذي أحاطها بسور خجل شديد. صاحت معارضة حديثه بإزدراء:
"وانت لساك صغير عاد عشان تتجبر على حاجة كيف ديي؟"
سحب شهيقاً وأخرجه بتمهل وقال متوسلاً:
"اسمعيني للآخر ومتجاطعنيش تاني."
هدأت ورد من روعها سامحه له بمواصلة ما يريد قوله، فتابع هو ما يدور في عقله:
"أني كيف أي شاب رايد واحدة على كيفي، أني اللي اختارها اكون شايفها وراضي بها شكلاً وموضوعاً، مش أي واحدة والسلام ومتتكشفش عليا غير ليلة دخلتي عليها كيف البطيخ اللي بنتفاجئ بيه بعد ما نكون اشترناه ومينفعش نعاوده تاني. أني كنت رافض عُرف عيلتنا لحد ما أبوي جبرني على الجوازة اللي معارفش لدلوك ليه أجبرني. أسبابه كانت وضيعة متتصدجش، جالي إنك أمانة أخوي ميعرفش إن بلي جاله ديه بني حاجز بيني وبينك حتى لو كان فيه أمل أني أرضي بالجوازة! بجيت شايف هلال جدامي مطرح ما أشوفك. وجت ما الحرب اللي جواتي تبتدي تهدي هبابة، حديت أبوي يتردد جوا مخي والجيامة تجوم والحرب تبتدي من تاني."
حمحم مصطفى ليتخلص من تجمع البلغم في حلقه لكي يواصل حديثه دون عائق:
"كل حاجة تشعلل جوايا وناري مهتهداش واصل كل ما افتكر إني مكنتش رايد جوازتي تتم بالشكل ديه. أجل حجوجي كنت اختارت اللي عحبها وأكمل معاها بجيت عمري، كنت اختارت واحدة اتخجلت لمصطفى الجبلاوي ملمسهاش راجل غيري، جلبها ممالش لغير جلبي. كل دول اتبخروا مع جبر أبوي للجوازة. رايدة مني أعاملك كيف؟"
مالت ورد للأمام قليلاً بعد أن صغت إلى كلماته بعناية. وضعت كلتي يديها أمام وجهها في محاولة بائسة في البكاء، لكن تلك أيضاً فشلت بها ولم تجدر بفعلها كسابق أيامها. أين البكاء الذي كانت تتسابق عبراته في النزول؟ أين المفر التي تلجئ إليه الأن؟ فصدرها يطبق على رئتيها ويحشر أنفاسها بداخلها ولا يود الإقلاع عنها لتستعيد روعها المضطرب.
أزاحت يديها عن وجهها ورمقته لبعض الوقت وأردفت بنبرة محتقنة:
"اني مخنوجة جوي، معرفاش حتى أطلع البكا يهدى من خنجتي ديي."
وضعت يدها اليُمنى على صدرها الأيسر ورددت بأنفاس لاهثة:
"إهنه واجعني جوي، صدري هيطبق عليا معارفاش اتنفس زين."
نهض مصطفى من مقعده واقترب منها. مد لها يدها فرفعت بصرها عليه بغرابة من أمره متسائلة في فضول:
"في إيه؟"
بثباتٍ قال:
"تعالي معايا."
طالعت سوداياه لثوانٍ قبل أن تمد له يدها. شعور قوي داخلها حثها على الرحيل معه دون سؤاله عن وجهتهم. سارت بجواره وعلقت عينيها على يدها التي اختفت تماماً بين قبضتيه الغليظة. شعور السكون قد أحست به حينها، لا علم لها من أين أتى تحديداً، لكنها ليست مزعوجة من الأمر.
اقترب بها مصطفى من جواده الحبيب. رفع يدها برفق لألى تتأذى ورد منه لكونها دخيلة لا يعرفها جواده وملس بيدها على ظهره بنعومة. لم ترفض ورد ما يفعله، بل كانت ساكنة وراضخة لما يفعله إلى أن وضع يدها على وجه الحصان، فنفرت هي متوجسة خيفة منه وازدادت رعباً حين صغت إلى صهيل الحصان مع رفعه لأقدامه الأمامية.
حاول مصطفى تهدئة روع الجواد وطمأنته بوجوده. ثم مد ذراعه باتجاه ورد وأردف بلطف:
"تعالي متخافيش."
أومأت له برفض تام موضحة سبب خوفها:
"لاه أني خايفة منيه."
ردد ببعض الكلمات التي تطمئنها منه:
"مُهرة طيبة ومعتأذيش، بس هي مش واخدة على حد غيري عشان إكده كنت بمشي يدك عليها عشان تعرفك، بس لما أنتِ خوفتي منيها هي خافت منك وعِملت اللي عملته."
أحبت ورد التحدث معه أكثر، فلم تحظى بحوارٍ ثمين معه هكذا من قبل. تنهدت وأردفت متسائلة:
"شكلك بتحب الخيل!"
رد عليها مصطفى تلقائياً دون تفكير:
"دول عشجي وخصوصاً مُهره لأنها من أحسن سُلالات الخيول من سلالة مورجان والسلالة ديي كيف ما أنتِ شايفة أكده جميلة وجسمها متناسق وعنديها بِنية جوية وضخمة."
أعاد مصطفى مد يده لها ما أن انتهى من حديثه محاولاً طمأنتها:
"تعالي وملسي عليها براحة وهي مش هتأذيكي، متخافيش أني موجود."
لن تنكر أن وجوده بث فيها الطمأنينة وسكنت قلبها. توجهت نحوه وأمسكت في يده، فرجف جسدها بقوة استشفها مصطفى. أوقفها أمام الحصان ووقف خلفها حتى يعتادها الجواد. رفع ذراعها ووضعه على مُهرة بحذر، ثم سحب يده ما أن شعر باعتياد ورد على الحصان دون خوف، لكنه لم يبتعد عنها بل ظل واقفاً ملاصقاً لظهرها ليمنع حدوث أي خطر قد يصيبها.
اعتادت ورد على ملامسة الجواد حتى شعرت بالراحة في ذلك، لكنها شعرت بالذعر ما أن ابتعد عنها مصطفى، الذي أسرع بتوضيح سبب ابتعاده:
"متخافيش أني هجيب له وكل."
أحضر له بعض الأطعمة الخاصة به وعاد إلى ورد ليطعموه معاً. شعر مصطفى بصدى تنهيدتها التي خرجت لتوها، فسألها باهتمام:
"مالك عاد؟"
أجابته بشعور من الاختناق مختصرة:
"رايدة أصرخ بعلو حسي يمكن أرتاح."
"غالي والطلب رخيص." هتف بهم مصطفى، فافترضت أنه يسخر منها. التفتت له وهي ترفع وشاحها عن وجهها لكي توبخه، لكن سوداياه قد لمعت ما أن تقابلا مع زرقاوتاها، فانعقد لسانها ولم تعرف للحديث سبيل.
صمت قد حل بينهما، لم يتجرأ أحدهم على قطعه، فاللحظة فريدة من نوعها وخلقت منها مشاعر جديدة بداخلهما.
ابتعد عنها مصطفى، ثم فتح الباب لجواده وأخرجه من طواله ومد له يدها مردفاً:
"تعالي."
عقدت ما بين حاجبيها بغرابة وصاحت متسائلة:
"أجي فين؟"
أجابها بنبرته الرخيمة:
"هنركبوا الحصان."
اتسعت حدقتي ورد بذهول ورددت برفض تام:
"لاه لاه."
ترك مصطفى جواده وتوجه إليها. أمسك بيدها وأردف ببعض الكلمات مشجعاً إياها ولكي يطمئنها أيضاً:
"تجربة مهتندميش عليها واصل، وأني معاكي متخافيشي."
ابتلعت ريقها وهي ترى وميض عينيه اللامع منتظراً ثقتها فيه بفارغ صبر. مدت يدها لتملئ أناملها فراغ يده، وكأنها خلقت هي لتملئ تلك الفراغات. سارت بجواره إلى الحصان ثم تأكد من مُتن الرِكاب وهي حلقة من حديد جهتها السفلى مفلطحة معلقة بالسرج يضع فيها الفارس قدميه لكي يظل مثبتاً وهو يمتطي جواده. أشار لها مصطفى على الِركاب حين تأكد من متانته:
"حطي رجلك إهنه واطلعي."
فعلت هي ما قاله، لكنها لم تثبت قدمها جيداً فانزلقت من على الرِكاب وكادت أن ترتطم بالأرض، إلا أن لقفها مصطفى بذراعه قبل أن تلمس الأرض. أعادها بحركة سريعة إليه فباتت هي أسيرة ذراعيه.
انتبه مصطفى على ضحكاتها التي صدرت من أسفل وشاحها. انعقد حاجبيه عفوياً على ضحكاتها المبهمة وسألها بنبرة متحشرجة:
"بتضحكي على إيه؟"
تراجعت للخلف وهي تجيبه من بين ضحكاتها:
"ديي علامة أني منفعش أركب أحصنه، يدوب اتفرج عليهم من بعيد."
حرك رأسه رافضاً ما يدور حول كلماتها مردداً بإصرار:
"لاه هتركبيه يلا حاولي تاني بس ثبتي رجلك كويس على الرِكاب وامسكي في الحزام اللي فوج وأنتِ هتعرفي تطلعي."
أخرجت ورد زفيراً مرهقاً ثم أعادت تكرار فعلتها إلى أن نجحت بعد المرة الثالثة. ظهرت ابتسامة لم تتعد شفتي مصطفى حين امتطت ظهر الجواد أخيراً، ولم يأخذ ركوبه ثوانٍ حتى امتطاه هو الآخر.
أمسك باللجام الجلدي بقوة وقبل أن يسير به أكد عليها:
"امسكي فيا زين."
حاوطته ورد بذراعها جيداً ومالت برأسها على ظهره محتمية فيه من تلك التجربة الجديدة التي تخشاها.
شهيقاً وزفيراً فعل مصطفى، فتلك المرة الأولى لمشاركته أحدهم الركوب على الخيل. لكن ليست كأي شخص، إنها ورد من تحتضنه بقوة وتحتمي به.
أمر جواده بالسير هادئاً، ثم بدأ الخيل في الركض ببطئ، ثم متوسط، وأخيراً بسرعة فائقة خشتها ورد وشدت من تمسكها في مصطفى خوفاً من سرعته المفاجئة. مال مصطفى برأسه للجانب وهتف عالياً:
"جت لك الفرصة صرخي وطلعي كل اللي جواكي."
قطبت ورد جبينها متعجبة منه، فهي ظنت أنه يسخر منها. لم يكن في مخيلتها أنه جدي في تلك المسألة. ابتعدت عنه قليلاً لكنها مازالت محاوطة إياه بذراعيها. تفحصت المكان من حولها. شعرت بالراحة لخلوه، ثم أوصدت جفنيها وبأعلى نبرةٍ تمتلكها حنجرتها صرخت وصرخت. لم تكف عن الصراخ لمدة طالت ما يقرب العشر دقائق إلى أن فقدت صوتها بالكامل وباتت حنجرتها هزيلة لا تقدر على التحدث بقوتها السابقة.
أوقف مصطفى الخيل وترجل منه، ثم ساعد ورد على الترجل. أعاد مُهرة إلى منزلها وعاد بأدراجه إلى ورد وسألها في فضول:
"ها بجيتي زينة ولا لساتك كيف ما كنتي؟"
حركت رأسها بإيماءة خفيفة وأجابته بنبرة خافتة ضعيفة:
"بجيت أحسن كاتير، ارتحت جوي."
فوجئ مصطفى ببحة صوتها التي يستطيع بالكاد سماعها. حرك رأسه باستنكار وأردف معاتباً بلطف:
"أني جولت لك صرخي بس مش للدرجة دي، صوتك اختفي خالص."
سحبت ورد بعض النسمات العليلة الذي شعرت بدفئهم وعادت ببصرها عليه متسائلة:
"لساك معتبرني مرت خوك؟"
رمش مصطفى بأهدابه مرات تليها مرات أخرى يفكر فيما يجيبه عليها، وبنبرة رخيمة قال:
"لساتك رايدة تهملي السرايا؟"
أخفضت رأسها في حيرة من أمرها، فإجابته عليها هي من ستحدد بقائها أم ذهابها. لكنه دوماً يتركها تتخبط بين أفكارها اللعينة التي لا تأتي بفكرةٍ في آخرهم. جذب مصطفى انتباهها بقوله:
"لو جولت لك متهمليش السرايا، هتمشي بردك؟"
علقت بصرها على سوداياه بامتنان لـ لُطفه الذي حل به تعقيدات أفكارها. أخرجت تنهيدة ولازالت مثبتة زرقاوتاها عليه وبرقة وحياء تحدثت:
"لاه مهمشيش!!"
التوى ثغره ببسمة سعيدة لقرارها التي أخذته من أجل خاطره، على الرغم من رفضها للبقاء في السرايا معهم. مد لها يده للمرة التي لا تعلم كم اليوم لتحتضن هي يده بدون تفكير، ثم عادا بأدراجهم إلى السيارة التي أوصلتهم بعد مدة ليست بطويلة إلى السرايا.
ولجوا للداخل وهم متشابكين الأيدي. تعمد مصطفى دخولهم بهذا المظهر الذي يليق بأزواج جُدد. قابلتهم السيدة نادرة على باب السيارة وبيدها حقيبة ورد التي تناولتها من صفاء من أجل المغادرة التي لم تتم، وألقتها في وجه ورد التي صعقت من فعلتها كذلك مصطفى لم يكن أقل منها صدمة!
بجبروتٍ وقامة شامخة هدرت بها شزراً:
"لو عندك كرامة، مع اني أشك، غوري من إهنه ومتوريناش خلجتك ديي تاني!!"
تتلقى صفعات متتالية تنسدل على قلبها التي ينفطر ألماً بسبب كلماتها المؤذية. سحبت يدها من بين قبضتي مصطفى وانحنت على حقيبتها لَقِفتها، ثم أولتهم ظهرها تريد المغادرة. إلى هنا ويكفي إلى هذا الحد.
لحق بها مصطفى بترديده لكلماتها التي قالتها قبل عدة دقائق:
"أنتِ جولتي مهتمشيش."
برزت عروق السيدة نادرة واستشاطت غيظاً من تمسكه بها وصاحت به بإنفعال:
"هملها تمشي من إهنه وتعاود مطرح ما جت."
شد مصطفى على يد ورد وأجبرها على الالتفاف والوقوف إلى جواره وأفصح بكل ثبات وشموخ:
"ورد مرتي ومطرحي هو مطرحها وكيف ما أكون تكون هي، ولو هي مشت صدجيني همشي جبلها!!"
اتسعت مقلتا نادرة بصدمة ممتزجة بالذهول الشديد، فلم يستوعب عقلها ما أفصح به ولدها. لقد وقف أمامها يصرح بأنها زوجته، لطالما خشيت حدوث ذلك. ها هي تتجسد مخاوفها وتخرج للنور بدون وجه حق. لن ترضخ لهذا الوضع الذي تأباه كل جوارحها، ستنهي تلك السخافة حالاً، لكن أين يذهب بها ذلك الغبي؟
تحرك مصطفى برفقة ورد مبتعداً عنها وصعدا سوياً إلى الطابق العلوي قبل أن تردف بقية الحديث. تأججت النيران داخل قلبها وهي تراه يرافقها إلى غرفتها التي باتت فيها وحيدة لمدة. لم تستطع السيطرة على غضبها الذي كان من نصيب خادماتها.
أوصد مصطفى الباب بقدمه وسار بورد نحو الفراش ثم أجلسها على طرفه وجلس إلى جوارها. انهارت قوة ورد تماماً وضعفت نفسها، فلم يعد للتماسك مجال الأن. جهشت بالبكاء الشديد وكلمات نادرة لا تقتلع من عقلها.
لم يتحمل مصطفى بكائها الذي مزق قلبه إلى أشلاء، فعلى ما يبدو أنها أسرت قلبه وتمكنت من عقله، فألمه الذي يشعر به بمثابة دليل قاطع أنها تربعت على عرش قلبه!!
حاوط ظهرها بذراعه وضمها بهدوءٍ إلى صدره وكأن الوقت يمشي بالتصوير البطيء. شد على ظهرها بقوة لتستكين أكثر بين أضلعه. شهقاتها التي يتردد صداها بقرب قلبه تزيد من ضيقه. لم يستطع التحمل لأكثر وأردف بتوسل:
"بكفياكي بُكا عاد يا ورد."
رفع رأسها بسبابته لينظر إلى زرقاوتيها التي انطفئ وميضهم من كثرة عبرات عينيها التي تهبط بغزارة وهمس بتريث:
"مرت مصطفى خليل الجبلاوي متبكيش واصل. اوعديني أن مفيش دمعة تنزل من عنيكي طول ما أني عايش علي وش الدنيا."
مسحت ورد بأناملها أنفها وأردفت بتلعثم:
"ديه وعد كابير جوي أني مهجدرش أوعدك بيه."
سحب نفساً عميقاً وأصر على أخذ وعده منها:
"لاه رايد منك الوعد وتكوني كده. وأني طول مافيا النفس مهسمحش لأيتها حاچة تبكيكي."
تقوس ثغرها بتهكم ورددت ساخرة:
"كان الحديت ديه كابير جوي، فيه حاجات مش بيدنا نعملوها!"
رمقها بطرف عينيه وهتف مستاءً:
"يبجي متعرفيش مين هو مصطفى عاد. أني كلمتي واحدة عمري ما خالفت حديتي واصل. يلا إوعديني وخليكي واثقة فيا هبابة أنتِ متجوزة مصطفى الجبلاوي يا ورد."
سألته للتأكيد بنبرةِ رقيقة:
"اعتبرتني مرتك صوح؟"
سمح ليده في التسلل خلف أذنها حيث مرر أنامله عليها بنعومة بالغة. مالت ورد بحنان على قبضته التي سببت لجسدها القشعريرة. أوصدت عينيها تستمتع بتلك اللحظة الثمينة لربما لن تتكرر مرة أخرى.
دنى منها مصطفى وأسند جبينه على جبينها وأجاب على سؤالها بثبات:
"اعتبرتك مرتي من أول لحظة شوفتك فيها يا ورد، من جبل ما أعرف ان اللي شوفتها في المطبخ ديي نفسها انتي!!"
اتضح لورد مدى رومانسيته التي لم تتخيله عليها قط. حسناً، ربما يجدر عليها الاعتراف لكونها مازالت تحتفظ بعذريتها.
نهضت مبتعدة عنه، فركت أصابع يدها بإرتباك وتوتر، فهي في أكثر الأوقات صعوبة. ماذا إن لم يسعد بذلك الخبر؟ ماذا إن كانت ردة فعله عكس توقعاتها؟ لكنه من أخبرها بتمنيه لملكيته لامرأة خلقت فقط من أجله!
حسمت أمرها على الاعتراف بما تخفيه عنه. استدارت إليه ونظرت إليه لبرهة قبل أن تردف:
"مصطفى أني......"
رواية عرف صعيدي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم تسنيم المرشدي
عُرف_صعيدي
الفصل الثالث عشر ..
( جرأة )
______________________________________
_ وقفت أمامه في حيرة من أمرها فهي لا تريد الإفصاح عما يتردد داخل عقلها أو ربما لا تتجرأ على فعل ذلك، ليست متسعدة على مواجهة أسئلته التي حتماً ستنهيها.
_ تعجب مصطفى من صمتها الذي طال انتظار قطعه وبدأ الحديث متسائلاً:-
رايدة تجولي إيه ومترددة بالشكل ديه؟
_ شكلت بسمة على محياها وهي تجيبه بنبرة غير مبالية:-
كنت رايدة أجولك إني فرحانة جوي أنك جولت جدامهم إني مرتك!
_ نهض من مقعده واقترب منها بخطى متريثة وقال بنبرته الرخيمة:-
يمكن اتأخرت على ما جولتها جدامهم بس طول الوجت كنت معتبرك مرتي.
_ اتسعت ابتسامتها ورمقته بعذوبة، مائة وثلاث وثمانون سنتيمترات من الوسامة تقف أمامها، بنيته العريضة التي تختفي هي ما إن وقف قبالتها تشعرها بالجاذبية نحوه ناهيك عن شعور الإنتماء الذي قد أُضيف لقائمة شَعْرواتها ما أن أدلى بكونها زوجته أمام من سبق وأدلى بعدم وضعها في اعتبار الزوجة.
_ انسحب مصطفى للخارج معللاً سبب خروجه بأن لديه أمر ضروري عليه إنهائه قبل أن تغرب الشمس، وافقته ورد دون تفكير فهي تريد الإنفراد بذاتها قليلاً لتعطي هُدنة لعقلها حتى يستوعب الأحداث التي حدثت اليوم.
______________________________________
_ أخذ طاهر ميعاداً من الحاج حنفي بعد صلاة الجمعة، ذهب إلى منزله وكان هو وولده ضيف في استضافته، رحبوا به بحفاوة شديدة فهما على صلة ببعضهما كما يَكِن الحاج حنفي له الإحترام والتقدير لمعرفته بشخصيته الخلوقة.
_ جلس طاهر مقابلهم لا يدري بأي حديث يبدأ وأي حديث يُقال، يفعل ما لا تهواه نفسه ولا يرضاه قلبه، إذاً لما سيرضخ لتلك الزيجة المنتهي أمرها لديه؟ لا يوجد مفر أمامه فلقد جاء ولابد من مواصلة ما حضر لأجله.
_ حمحم ثم أردفت بنبرة متحشرجة:-
كنت رايد بعد اذنك طبعاً يا حاج حنفي إني اتجدم لطلب يد بنت حضرتك
_ فؤجئ ضيف ووالده بطلب طاهر فكان أبعد ما يكون عن مخيلتهم أن ما خلف ذلك الموعد هو أن يتقدم لخِطبة إبنتهم المصون.
_ شكل الحاج حنفي بسمة لم تتعدي شفاه وردد بصوت غليظ:-
_ بوك مچاش وياك ليه عاد؟
_ رمقه طاهر في توتر بائن فهو لم يحسب لسؤاله مطلقاً، لقد طوى صفحة والده من حياته ويُكمل فيها باعتبار أنه قد دُفن ولم يعد يوجد شيئ اسمه حمدان المنشاوي.
_ وزع أنظاره بين الجالسين وبثباتٍ أجابه:-
أبوي ميعريفش عن مجيتي إهنه..
_ تبادل الحاج حنفي وإبنه النظرات متعجبين من كلماته الجريئة، لاحظ طاهر نظراتهم المحملة بعشرات من الأسئلة الذي أجاب عنها بقوله:-
أكيد هخبره بس جولت أشوف رأيكم لاول إذا كان فيه جبول أجيب العيلة كلاتها وناجوا، ها ايه جولك يا حاج حنفي؟
_ أزفر الحاج حنفي أنفاسه ببطئ شديد قد أرتبك طاهر أثره، فلم يسبق وأن حضر جلسه مشابهة لتلك الذي يجلس بها وخصيصاً أنه بمفرده لا رفيق ولا قريب يسانده.
_ أخرج حنفي تنهيدة وصلت لأذان الجالسين وبعد مفاوضة ولده بإشاراته الموحية إليه دون تحدث أخبر طاهر عن رأيه بشموخ:-
إبخطاروا يا طاهر موافج على طلبك ليد بتي المهم تخبر بوك لاول دي الأصول يا ولدي
_ شعر طاهر وكأن أحدهم قد نزع قلبه من مكانه بعد موافقته على طلبه، ما الذي كان يظنه بعد تقدمه الرسمي لطلب إبنته؟ الرفض!! وماذا عن الموافقة التي لم يحسب لها وظن أن الحياة ستجبر خاطره ويلقي الرفض منهم وبهذا تنتهي مسألة الزواج إلى الأبد.
_ عاد لأرض الواقع بإيماءة خفيفة من رأسه متمماًّ بها على حديث الحاج حنفي وهو يقنع عقله أن هذا هو الصواب، استنشق بعض الهواء وسأله مردفاً:-
في العشية زينة ناجوا فيها؟
_ أماء له الحاج حنفي مرحباً:-
تاجوا في أي وجت يا طاهر الدار هتنور بوجودكم
_ أجبر طاهر ثغره على التبسم ثم استأذن وغادر وهو يلعن حيرته التي وقع فيها، أغمض عينيه لبرهة يحاول إقناع ذاته أن ما فعله ليس إلا الصواب والحل المؤكد لتعويض قلبه عن حرمانه لخوض الحب مع من يدق لها الفؤاد عشقاً.
''ورد''
_ نطق إسمها وهو يردد مستاءً:-
طُرجنا مش واحدة يابت عمي افترجنا من جبل ما نتجابلوا!!
_ أخرج همومه مع تنيهداته الحارة التي خرجت من أعماق جوفه ثم تابع سيره عائداً إلى المنزل على مضضٍ لكي يخبر عائلته بطلبه من الزواج بمروة.
______________________________________
_ إبتعد مصطفى عن السرايا لكي يمنع أعين المتطفلين من التجسس عليه فبعدما فعله في منتصف السرايا اليوم ستعلق الأنظار عليهم من ذلك الحين .
_ قام بالاتصال على والدة ورد، وانتظر إجابتها بفروغ صبر، بعد ثوانٍ قليلة أجابته بقلق فلم يسبق له وأن هاتفها مرددة بتوجس:-
مصطفى! كيفك يا ولدي؟
_ رد عليها بلهفةٍ كالطفل الذي لقى ما يسعده بعد وقتٍ طال:-
زين يا أم ورد أحوالك إيه العيشة في مصر كانها أحلى من إهنه لأنك نستينا تمام
_ أسرعت بالرد عليه موضحة:-
العيشة كانت حلوة يا ولدي بوجود الحبايب لكن بعد ما راحوا مبجتش عيشة يلا الحمد لله، المهم انتوا بخير ورد زينة؟ لسه متحدتش وياها
_ طمأنها مصطفى علي ورد بقوله:-
ورد زينة متجلجيش عليها.
_ صمت مصطفى فالحديث بات أصعب الأن لا يدري بأي وجه يسألها فهذا لا يشبه طباعه ولم يفعله من قبل، أخذ يزفر أنفاسه المتهدجة التي وصلت لأذان السيدة سنية وأسرعت بالسؤال بتوجس:-
ساكت ليه يا ولدي اتحدت انت جلجتني إكده
_ ألقى حديثه دفعة واحدة قبل أن يتراجع عن قوله:-
كنت رايد أعرف ايه الحاجات اللي ورد عتحبها زي إيه يعني خلجات، وكل ، حاجات البنتة اللي مفهمش فيهم دولهما!
_ قهقهت سنية على آخر ما أردفه ثم سيطرت على ضحكاتها وقالت بسعادة قد غمرت قلبها لاهتمامه في إدخال السرور على قلب ورد:-
ورد معتميلش لخلجات ولا أيتها حاچة بعينها بس بتفرح جوي لما حد عيفتكرها بحاجة مخصوص ليها تلاجيها طارت من الفرحة، كان بوها الله يرحمه لما يحب يفريحها كان يجبلها مشبك كانت تشوفه من إهنه وترجص من إهنه ومتبطلش عبط ولا بوس فيه ..
_ يصغي بعناية لكلماتها إلى أن ذكرت عناقها وقبلاتها لوالدها، تقوس ثغره رغماً عنه وهو يتخيل نفسه مكان والدها، أنهيةىالمكالمة سريعاً ثم عاد إلى سيارته واستقل خلف مقودها، دعس بقدمه على المحرك وتحرك مبتعداً عن المكان وهو لا يطيق الإنتظار في العودة
_ لم يتوقف عقله عن رسم بعض المواقف لهما حين يفاجئها بالمشبك كما لم ترتخي عضله فمه مطلقاً إثر ابتسامته التي تتسع عن ذي قبل كلما تعمق في رسم مواقف أكثر جرأة بينهم.
_ عاد إلى السرايا بعد حوالي ستون دقيقه فلم يستطيع الحصول على المشبك بسهولة فكان يوجد في بقالة من بين أكثر من عشرون بقالة، لا يهم فالاهم الأن أنه قد حصل عليه.
_ وقف خلف الباب لثوانٍ يستعد فيهما لمواجهتها ثم طرق بخفة على الباب فاستمع لنبرتها التي تشبه الكروان سامحة للطارق بالدخول، أدار مقبض الباب وولج للداخل بأعين باحثة عنها.
_ بحماسٍ يتدفق في الادرينالين خاصته، اقترب منها عاقداً كلتى ذراعيه خلف ظهره إلى أن وصل إليها فاستقبلته هي بابتسامة عذبة رقيقة وسألته في فضول:-
عتخبي إيه ورا ضهرك؟
_ أخرج أنفاسه سريعاً وأعاد وضع يده للأمام فتفاجئت ورد بمسكه لأحد الاكياس البلاستيكيه فأعادت سؤال مرة أخري وعينيها معلقة على ذلك الكيس الذي بيده:-
ايه اللي عتمسكه ديه؟
_ أجابها مختصراً:-
افتحيه وشوفي بنفسك
_ مدت يدها وأخذت منه الكيس وقد خمنت ماهو فهي تحفظ ذلك المنظر المحبب لقلبها كثيراً، فتحت تلك الأوراق وأبعدتها عن بعضها، إلتوى ثغرها للجانب مُشكلة بسمة عريضة فلقد صدق حدسها، قفزت بطفولة في الهواء مهللة بصياح:-
كنت عارفة أنه مشبك
_ انتبهت ورد لوجوده معها ونظرت إليه في سعادة قد دقت طبول قلبها وسألته ممتنة:-
أنت عرفت كيف إني بحبه؟
_ لم يريد مصطفى إخبارها بطريقة معرفته وحاول جذب انتبهاها بعيداً عن السؤال:-
مبسوطة بيه؟
_ هتفت في حماس:-
جوي جوي
_ جلست ورد على طرف الفراش وتابعت تمزيق الأوراق عن المشبك لكي تحصل علي قطعة بينما وقف مصطفى مذهولاً فهذا ما لم يتخيله قط، أين العناق والقُبلات التي تحدثت عنهم والدتها؟
_ لا يعلم أي شعور قد انتابه في تلك اللحظة لكنه مزعوج من عدم حدوث ما رسمه طيلة مدة عودته إليها، حسناً فليقترب هو منها ربما يعطيها فرصة في فعل ما يتمني فعله ..
_ صعد الفراش مقابلها لم تكن هناك مسافة بعيدة بينهم فلقد تعمد عدم ترك مسافة بينهم حتي يُسهل الأمر عليها، كان يتابع تناولها للمشبك بشراهة مستمتعاً بعفويتها، وأكثر ما يجذبه فيما تفعله مشهد العسل الذي يسيل على فمها الوردي، لم يعد يستطيع التمالك أمام ما تفعله بعفويتها
_ خارت قواه من خلف تصرفاتها غير المقصودة بالمرة، انحني عليها دون تردد يريد مسح العسل على طرف فمها بطريقته الخاصة، تفاجئت ورد بقربه لتلك الدرجة لكنها لم تمنعه، تركت آخر ما تبقي من القطعة التي بيدها على بقيتهم ثم رفعت يدها التي وُضعتها بارتباك خجل على صدره فاتسخت جلبابه من بقايا العسل الذي يملئ يدها.
_ شهقت ورد قبل أن يقترب منها ويحظى بتجربة فريدة من نوعها معها بعدما أدركت ما فعلته به، عاد مصطفى لوضعه مفزوعاً بشهقتها فأسرعت هي بالإعتذار وعينيها مثبتة على جلبابه المتسخ:-
أني اسفة مكنتش أجصد
_ أخفض مصطفى بصره على الجهة التي تنظر إليها ثم أردف بلا مبالاة:-
محوصلش حاجة لكل ديه بسيطة
_ نهضت ورد عن مقعدها متأثرة بما فعلته وهتفت نادمة:-
محوصلش حاچة كيف الجلابية هتبوظ لو متغسلتش، اجلعها اغسلها بمية بسرعة وأعاود
_ حاول مصطفى أن يرفض بلطف لكنها أصرت على تنظيف الجلباب ربما يقلل ذلك من شعورها بالخذي فيما تسببت به، أعطاها مصطفى جلبابه فهرولت راكضة داخل المرحاض تنظفه قبل أن يجف عليها العسل ويصعب تنظيفه.
_ تعاملت مع صنبور المياه بقوة لكي تنهي الأمر سريعاً فاقتلع في يدها، صعقت ورد من المياه التي انفجرت فجاءة في وجهها وقد تبللت ثيابها إثرها، حاولت إيقاف المياه بيدها لكن هيهات لشدة تدفق المياه فيديها لن تجدي نفعاً في ذلك الحين، أضطرت إلى أن تنادي مصطفى لكي يساعدها فليس أمامها سواه
_ تعجب من ندائها المتلعثم، اقترب منها بخطى متريثة تحولت إلى هرولة ما أن وقع بصره على المياه المتدفقة من الصنبور، أسرع نحوها محاولاً حل الأمر لكنه لم ينجح فقال:-
حطي الجلابية على الحنفية على لما اجفل المحبس من تحت الحوض
_ أماءت له وفعلت ما قاله فهدأ تدفق المياه قليلاً ما أن كتمت الصنبور بالجلباب، شعرت بسكون الماء أسفل يدها فتيقنت أنه قد أغلق المحبس، أزاحت الجلباب بعيداً وهي ترمقه بتحسر فهي أرادت تنظيفه وها هو الأن يتساقط منه قطرات المياه دون توقف.
_ تناول مصطفى منها الجلباب وألقاه بعيداً حين استشف ذاك الحزن من خلف بريق عينيها المنطفئ وقال بلُطف:-
جت سليمة
_ لم يستطع إبعاد نظريه عنها في تلك الحالة المذرية، فلقد تبلل قميصها القطني الذي يصل طوله إلى ركبتيها بالكامل وإلتصق بجسدها
_ مررت ورد بصرها عليه بالكامل وهي تلعن غبائها الذي وضعهم في ذلك المأزق، فثيابه قد تملكت منها المياه بالكامل، اقتربت منه بندم شديد وهتفت بخذي واضح:-
خلجاتك محتاجة تـ..
_ لم يدعها تُكمل حديثها، يكفي سخافات لا يود سماعها، فهو الأن غريق في بحورها التي سمح لنفسه بخوضها في تلك اللحظة الغير مرتبة بالمرة.
_ كتمت ورد أنفاسها بفعلته التي فاجئها بها، شعرت بنبضاتها تكاد تخترق ثيابها من شدة تدفق الدماء بهم، رجف جسدها مطالباً بالهواء التي افتقرته رئتيها لوقت..
_ شعر مصطفى بأنفاسها اللاهثة التي تحاول التقاطهم بصورة مضطربة، أبعد خاصته عنها لكنه مازال وافقاً مقابلها، تفحص معالم وجهها التي تحول لونها إلى الحُمرة وسار كالبندورة حديثة الجني، خفق قلبه بشدة وهو يراها تعض على شفاها بارتباك واضح، أسند جبينه على جبينها وتلمس خلف أذنها بنعومة، أوصد عينيه يستمتع بأنفاسها التي تضرب وجهه ودقات قلبها المتحمسة التي ازدادت عنفواناً وحيوية
_ أفكار عدة قد رادوته، هل ذلك التوقيت المناسب لجعلها امرأته فعلياً أم...
_ قطعت هي تفكيره حين أسندت رأسها على صدره، فلم تعد تتحمل مواجهة عينيه أكثر من ذلك فحيائها قد تغلب على صمودها وكاد أن ينهيها ما لم تسرع في الهروب منه.
_ قطعت كل محاولات التماسك التي يحاول أن يتحلى بها بتشبثها به بتلك الطريقة المفتقرة، حاول أن يخلع عنها قميصها لكنها شدت على يديه الموضوعة على ثيابها فأجبرته على التوقف عما يفعله عاقداً حاجبيه بغرابة من أمرها وهمس متسائلاً بنبرة متحشرجة:-
مالك عاد؟
_ كيف تخبره بخوفها من خوض مرحلة لم يسبق لها عيشها، ازدردت ريقها محاولة تلبس ثوب اللامبالاة لكن أمرها قد فضح من قِبل نبضاتها العنفوانية التي لا تكف عن النبضات المضطربة
_ في تلك الأثناء كانت قد تسللت صفاء إلى الطابق العلوي هاربة من الأعمال المنزلية التي لا تنتهي منذ الصباح، هربت إلى غرفة ورد وهي تتلفت حولها ببطئ حذِر ثم طرقت الباب وولجت للغرفة قبل أن تصغي لسماح ورد لها بالدخول.
_ تفاجئ كليهما بدخول أحدهم الغرفة لكن لم تتعجب ورد فهي على علمت بهوية الدخيل عكس مصطفى الذي ابتعد عنها وهو يتوعد لمن اقتحم الغرفة دون استئذان
_ أولاها ظهره ووقف علي باب المرحاض ليُظهر نفسه لذلك الدخيل اللعين الذي أفقده لذة الموقف، تفاجئت صفاء بظهور مصطفى على حالة غير مهندمة أمامها، اتسعت مقلتيها بصدمة وقد تلعثمت في الحديث معللة وجودها:-
كنت .. جاية .. أطمن على.. على ورد بس الظاهر هي مش، العوافي
_ أولاته ظهرها فأوقفها هو بنبرة حادة قوية:-
اوجفي عندك
_ وقع قلب صفاء في قدميها خوفاً من نبرته الحازمة معها، استدارت إليه وقد تشكل الخوف على تقاسيمها فتابع هو مضيفاً بتحذير:-
بعد إكده استأذني جبل ما تدخلي أي اوضة في الدار إهنه مفهوم!
_ أماءت له برأسها عدة مرات ثم انسحبت من الغرفة سريعاً دون أن تنظر خلفها لاعنة تلقائيتها التي تعاملت بها، لم تريد مواجهة إيلام والدتها في تلك الأثناء فخرجت بقلبٍ منكسر فما حدث ليس بهين لقد دعس على وتر حساس لطالما حاولت هي طويلاً أن تتناساه لكن لابد من تذكره لعدم تعديها الحدود بعد ذلك فهي خادمة ليست إلا.
_ انسدلت بعض العبرات من مقلتيها وهي تعتصر ألماً كلما تذكرت حجمها الضئيل بجانب من ترافقهم وتحبهم، جميعهم ذو طبقات عالية ومكانة مرموقة لن تصل هي إلى سماء دنياهم مهما ارتفعت قامتها!!
_ مسحت عبراتها التي لن تجدي نفعاً ولن تغير أمراً فهذا واقع لا مفر منه وعادت إلى أرضها التي تنتمي إليها لكنها لم ترحب بعودتها الى السرايا قبل أن تشعر بالتحسن
_ عودة لغرفة الحبيبان، استدار مصطفى إلى حيث تقف ورد فهو لم يحصل على إجابته للأن وقبل أن يعيد سؤاله أسبقت هي بطلبها:-
مصطفي ممكن أطلب منك طلب صغير!
_ حرك رأسه متسائلاً:-
اؤمري
_ ترددت في طلبها لكنها بحاجة كبيرة إليه فهتفت قائلة:-
رايدة أعاود دار أبوي
_ عبس مصطفى بعدم ترحيب لطلبها فأسرعت هي موضحة ما تقصده من خلف طلبها:-
جبل ما تسوء الظن أني اتوحشت دار أبوي جوي ولو رايد الحجيجة أني محتاجة اشحن طاجتي شوية بجعادي إهنكة يوم وأعاود من تاني لاهنه
_لم يريد إبداء الرفض فهي كانت منبوذة طيلة الأشهر الماضية من الجميع وهو أولهم وإن كان طلبها سيحسن من حالتها المزاجية فيا مرحبا لن يرفض حتى وإن كان على غير هواه.
_ أبدي موافقته قائلاً:-
موافج بس مش يوم هوديكي في طريقي للارض وأني معاود هخدك
_ رحبت ورد بفكرته فالمهم الأن أنها ستذهب إلى منزلها، تنفست بحماس ظاهر استشفه مصطفى وشعر بالسعادة لعدم تسرعه في رفض طلبها فتلك الإبتسامة تمحي القليل فيما اقترفه في حقها سابقاً.
_ إذاً لم يعد هناك داعٍ لوقوفه على تلك الحالة، أخذ شهيقاً وأخرجه على مراحل عدة ثم انسحب بهدوء:-
هعاود أوضتي أبدل خلجاتي
_ وافقته ورد فهي بحاجة إلى تجميع شتاتها الذي تفرق تماماً، استنشقت الصعداء ما أن اختفي طيفه خلف باب الغرفة، أوصدت باب المرحاض ولم تخطوا خطوة بعد حتى أعاد عقلها ذكرى قُبلتهم الأولي في المكان نفسه.
_ فرت هاربة من أفكارها التي لا تسبب لها سوى الهياج في نبضاتها، أبدلت ثيابها سريعاً ثم هرولت للخارج وهي تجفف شعرها بالمنشفة، تذكرت صفاء وحوارها الأخير مع مصطفى حتماً أحزنها بكلماته الفظة، أسرعت في إنهاء ما تفعله لكي تراها وتراضيها فهي ونعمة الشقيقة لها ولا ترضي حزنها مطلقاً.
______________________________________
_ وصل أخيراً إلي منزله على مضضٍ، لا يحب الالتقاء مع والده صدفة فكيف له أن يخبره بتقدمه للزواج من فتاة، كيف سيواصل الحديث معه دون شعور بالنفور منه أو اشمئزاز؟!
_ ضغط على نفسه لكي ينهي تلك المسألة البغيضة سريعاً، ولج للمنزل ولم يتعب في النداء عليه فلقد رآه يقف أمام خزانته يضع بها حزمة من الأموال، اقترب قليلاً لكنه حافظ على مسافة بينهم ليست بقصيرة، حمحم لكي يجذب انتباهه فندائه بلقب الأبوة بات ثقيلاً على لسانه
_ أنتبه حمدان لصوت طاهر فالتفتت يتأكد منه ثم أوصد خزانته وأردف ساخراً:-
زين إنك خابر أن ليك أبو تسأل عنيه فيك الخير
_ لم يعقب طاهر وتحدث مباشرةً دون إطالة:-
أني طلبت يد بت الحاج حنفي الحمايدي وأخدت منيه ميعاد بليل نروح نتجدم رسمي ونجروا الفاتحة
_ تبسم حمدان بتهكم وردد مستاءً:-
مُبارك عليك يا ولدي بس كانك جايلي من بدري مستنظرتش ليه تخبرني يوم الفرح؟
_ استشف طاهر سخريته فلم يتحملها وهدر به شزراً :-
أني زين إني خبرتك بالموضوع من أساسه اني لو عليا فاعتبرتك مت واندفنت من يوم اللي عملته بدم بارد اللي يجتل روح ميبجاش باجي على حد واظن يعني مش هتفرج إمعاك جريت فاتحة أو كتبت كتاب أنت معتحبش غير روحك وبس!
_ رفع حمدان حاجبيه متعجباً من حديثه وتوجه حيث يقف في محاولة منه على أن يستعطفه ويؤثر عليه بكلماته:-
يا ولدي أني ميهمنيش أيتها حاچة في الدنيا ديي واصل غيرك أنا وخيتك أني...
_ قاطعه طاهر بصرامة وحزم:-
مرايدش أسمع حديت ملوش عازة أني جولت اللي عيندي وياريت على بليل تكون جاهز لو يهمك صوح كيف ما عتجول
_ أولاه ظهره وسار خطوات معدودة فتقابل مع والدته ثم تبعتها شقيقته فأخبرهن بطلبه من الزواج بمروة التي اقترحتها له صباح، لم تسع السعادة قلبها من فرطها ولم تشعر بنفسها سوى وهي تزغرد عالياً مهللة بسعادة:-
أيوة أكده الفرح مزارش دارنا من زمان
_ لم تتوقف عن الزغاريد بينما باركت له ثريا في هدوء:-
ربنا يتمم لك على خير يا ولدي
_ عاد طاهر لغرفته يشكوا بثه وحزنه إلى الله ودعاه أيضاً أن يكتب له الخير في حياته القادمة، عكس صباح التي ركضت إلى غرفتها ولم تتوقف عن التغنج والرقص بجسدها شاعرة باقتراب نصرها في المعركة التي بدأتها هي.
______________________________________
_ رفض ضيف الجلوس مع والده أكثر من اللازم وغادر قبيل مغادرة طاهر، قادته قدماه إلى حبيبة فؤاده لا يدري كيف سيلتقي بها لكن لا يهم، ترك الأمر لله هو من يدبره.
_ على الرغم من اقتناع ضيف بأن الله لن يساعده علي فعل ما حرم فعله إلا انه كان لديه يقين بأن الله سوف يسامحه ويسهل عليه الأمر لحُسن نواياه اتجاه صفاء.
_ دخل من البوابة فرحب به رجال الغفر ومن ثم عسران قائلاً:-
بطلت تاجي تسهر حدايا ليه يا وِلد؟
_ أجبر ضيف شفتيه علي الإبتسام وأجابه بتهكم:-
مشاغل بجا الحياة يوم ليك ويوم عليك، نعوضها في الأيام الجاية كاتير
_ ربت عسران على ذراعه وسأله في فضول:-
جاي لصاحبك؟
_ أماء له مؤكداً ثم تابع عسران قائلاً:-
هنادم على صفاء تبلغه بوجودك
_ اتسعت ابتسامة ضيف فهذا ما أراده وجاء لأجله، سار عسران نحو باب المطبخ الخارجي وطرقه ثم دخل حين سمحت له صفية فقال:-
صفاء فين تنادم على مصطفى، ضيف صاحبه إهنه ورايده
_ عقدت صفية ما بين حاجبيها بضيق بائن ورددت مستاءة من أفعال إبنتها البلهاء:-
مخابراش هي فين من صباحية ربنا وهي مش موچودة
_ نفخت صفية بتزمجر وقالت وهي توليه ظهرها:-
هنادم أني عليه.
_ نظرت إلى حيث تقف هويدا وأمرتها بلطف:-
معلاش يا هويدا اجفي مكاني على الوكل على لما أعاود
_ أماءت لها بقبول ومن ثم همت صفية بإبلاغ مصطفى عن حضور ضيف بينما عاد عسران للخارج وعينيه تذهب يميناً ويساراً لا يترك ركن ولا زاوية تخرج من أسفل حدقتيه دون أن يتفحصها جيداً لعله يلمح طيف تلك الفتاة المشاكسة.
_ لاحظ ضيف أنه يبحث عن شئ فسأله باهتمام ربما يمكنه المساعدة:-
بدور على حاچة؟
_ عاد عسران ببصره عليه وأجابه باختصار:-
ها.. لاه مفيهش حاچة
_ تركه ودلف للخارج لعله يعثر عليها لكن دون جدوى فلا يوجد لها أثراً بالقُرب، هبط مصطفى للطابق السفلي حين أخبرته صفية بحضور صديقه ضيف.
_ رحب به بوجه مشرق ملئ بالحيوية على غير العادة، تعجب ضيف من استقباله الحافل فهو لم يكن كذلك منذ فترة بعيدة، بادله السلام ولم يتمالك فضوله لأكثر وألقى بسؤاله في الوسط:-
ربنا يزيد من فرحتك بس هو إيه اللي جد؟
_ عبس مصطفى بوجه بغرابة من سؤال ضيف ورد عليه بسؤال آخر:-
إيه اللي جد في إيه مفاهمش؟
_ دنى منه ضيف وهمس بقرب أذنه مازحاً:-
هي البطيخة طلعت حمرة؟
_ تراجع مصطفى للخلف ليتأكد مما استشفه من سؤاله، قهقه ضيف عالياً وكانت ضحكاته بمثابة دليل قوي على تأكيد حدس مصطفى الذي لكزه بقوة في ذراعه معنفاً إياه:-
اتوحشتك العُلج أني خابر
_ لم يقف أمامه ضيف أكثر من الثانية وهرول للخارج وهو يقفز لكي يفر هارباً منه، وقف مصطفى يتابع هرولته بإستنكار فلا يليق به كِبر العمر مطلقاً وتمتم ساخراً:-
عجل عيل صغير في جسم حمار كابير
_ أنتبه مصطفى لعدم معرفته بما وراء حضور ذلك المخبول، حرك رأسه مستاءً من تصرفاته الخرقاء وعاد للداخل يبحث عن سبباً ما يقضي به يومه إلى جانب ورد!
______________________________________
_ ابتعد ضيف عن السرايا قليلاً فتفاجئ بها تقترب منكسة الرأس تسير في الجهة المعاكسة له وكأنها مهمومة وحزينة.
_ لم يتردد في الإقتراب منها قبل أن تصل هي إليه ثم همس إليها ليجذب انتباهها له دون أن يلاحظهم أحد:-
صفاء تعالي دجيجة.
_ استدار بجسده وتوجه إلى يمينه حيث تلك الشجرة الضخمة، وقف خلفها فلحقته هي بعدما تفحصت المكان من حولها، وقفت أمامه تاركة بعض المسافة بينهما وسألته بنبرة خافتة تعكس ما خلفها من خذي كبير:-
رايد مني إيه؟
_ عقد ما بين حاجبيه بغرابة من جفاء أسلوبها التي لم يسبق لها التعامل معه به، هو يعهد حماسها وحيويتها التي تشعل نيران العشق في قلبه فما هذا الأن؟
_ اقترب منها خطوة فتراجعتها هي للخلف وسألته بقوة:-
اتحدت مع بوك عن موضوعنا؟
_ تفاجئ ضيف بسؤاله وحاول أن يبدو طبيعياً أمامها لكي لا تستشف ما يدور داخل عقله، رسم بسمة على محياه وأجابها بشغف زائف:-
أني كنت هفاتحه بس جه عريس لمروة وانشغلنا وياها جولت هستني لما نخلص منيها لاول وبعدين أفاتحه في چوازي منك..
''متفاتحوش في حاچة واصل"
_ هتفت بهم وقلبها ينفطر حزناً فهي غير راضية عما قالته لكنه حتماً الصواب، ذُهل ضيف مما تفوهت به وردد بعدم استيعاب لكلماتها التي لم يستطيع مدغها:-
إيه اللي عتجوليه ديه يا صفاء؟ استغنيتي عني إياك؟
_ رفعت بصرها لبرهة قبل أن تردف متحسرة:-
هتجوله إيه يا ضيف؟ هتجوله رايد أتجوز خدامة أمها بتخدم في سرايا العمدة اللي كابيرتها صاحبة أمي؟ بلاها عاد تخجل روحك جدام بوك أنت تستاهل واحدة تليج بمجامك ومجام عيلتك مش خدامة!!
_ فارت الدماء في عروق ضيف فتسببت في برزوها من فرط غضبه الذي كظمه طيلة سماعه لهرائاتها لكنه فقد أعصابه مع انتهاء آخر ما أردفته، اقترب منها وقبض على ذراعها بكل ما أوتي من قوة وأردف من بين أسنانه المتلاحمة بغضب شديد:-
أني مهتجوزش واحدة غيرك فاهمة ولا مخك الضلم ديه ميهفاهمش بالحديت!، رايدة أفهمك كيف؟ بالفعل انتِ تؤمري
_ أجبرها ضيف على الالتفاف وتبديل أماكن وقوفهم ثم أسندها على جزع الشجرة واقترب منها أسفل حدقتيها التي تتسع بصدمة لقربه منها، حاولت التحرر من بين قبضتيه لكنها فشلت فلقد تبخرت قواها بسبب خوفها منه.
_ لم تسمع تلك الكلمات التي همس بهم بغضبٍ تتقد نيرانه داخله:-
انتِ أحسن منيهم كلاتهم، أنتِ مخابراش جيمة نفسك، أحسنها عيلة في البلد ميعرفوش يبجوا كيفك!!
_ لم تشعر صفاء بأنفاسها التي حُشرت داخلها ما أن لمس شفتيها، أفرغ شحنة غضب في تلك القُبلة القاسية فلم يرأف بذرية مشاعرها لقد كان أناني في تصرفه، فهو فقط من يشعر بالتغير الجذري التي نتج عن قبلته لها، فبات أكثر سكوناً وراحة الأن.
_ شعر ضيف برجفة جسدها أسفل قبضتيه فأبعد خاصته عنها لتسرع هي في إلتقاط أنفاسها التي فرت من رئتيها، لم تقدر على رفع بصرها عليه ومواجهتة بعد تصرفه الأرعن!!
_ ابتلع ريقه وردد بنبرة متحشرجة:-
اللي حوصل ديه وعد لازم يتوفي بيه وأني قدها!
_ أحقاً قام بتقبيلها وليست تحلم!، حقاً إنها حقيقة مريرة! دفعته صفاء بكل قوتها في صدره ومرت بجوراه وعقلها خاوياً من أي أفكار، ظهر عسران أمامها ما أن عادت للطريق العمومي، چحظت عينيها بصدمة وخفق قلبها رعباً كلما اقترب منها بهيئتة التي لا تبشر بالخير
_ سرت رجفة قوية في أوصالها فهي لم تجمع شتات عقلها بعد فجاء هو بسؤاله الذي هتف به بنبرة صارمة:-
كنتي غايبة فين من صباحية ربنا أكده؟
_ ازدردت ريقها بصعوبة، حاولت مسايرته في الحديث حيث أجابته بتلعثم:-
موجودة .. بس كنت بشم شوية هوي طهجت من السرايا وشغلها اللي معيخلصش.
_ حرك رأسه باستنكار وردد معاتباً:-
ابجي خبري أمك جبل ما تمشي عشان الجلج اللي بتكون فيه ديه أو على الأجل عرفي عمك يابه
_ اكتفت بإيماءة خفيفة من رأسها ثم سارت إلى جواره وهي تحمد الله داخلها أن حوارهم قد مر بسلام دون تعقيدات، عاد إليها شعور التقزز والنفور من ذاتها عادت بذاكرتها إلى سؤال ورد التي تردد صداه داخل عقلها حين سألتها عن محاولتة للتقرب منها وهي أسرعت بالنفي، ها هي الأن قد تحققت مخاوفها بفعلته اللعينة.
_ لم تشعر بعبراتها التي انسدلت على مقلتيها رغماً عنها، شعرت بحرارتهم على وجهها فأسرعت في مسحهم قبل أن يراهم أحدهم، ولجت للمطبخ فاستقبلتها والدتها بالسُباب معنفة إياها:-
١٠٠ مرة جولتلك متمشيش على كيفك، أعطيني خبر لاول أنا من حجي أعرف بتروحي وتاجي منين وفين ولا أنتِ مبتفهميش الحديت كيف البهايم؟
_ لم تكن كلماتها هينة في تلك الأثناء فالحزن قد ازداد أضعافاً وتبدد في قلبها، شهيقاً وزفيراً فعلت هي محاولة أن تتلبس ثوب التماسك، ستنهار قوتها قريباً إن لم تبتعد عن ذلك المكان سريعاً، استدارت وعادت إلى الباب مرة أخرى فأوقفتها صفية متسائلة بحزم:-
على فين تاني؟
_ أجابتها مختصرة بنبرة تهدد بالبكاء:-
معاودة دارنا.
_ اختفت صفاء فور الإنتهاء من جملتها، تأففت صفية بضجر بائن ودعت الله أن يهدي لها إبنتها ويرد لها رشدها عاجلاً لأن طاقتها تحملها قد أوشكت على النفاذ.
_ تعجبت ورد من عدم انتباه صفية لوجودها، حمحمت لتلفت انتباهها، التفتت إليها صفية متسائلة:-
بتنادمي من زمان؟
_ حركت ورد رأسها بنفي وسألتها باهتمام وهي تبحث عن تلك المشاغبة:-
صفاء لساتها معاودتش؟
_ تشكل الحزن على تقاسيم صفية وأجابتها مستاءة:-
عاودت للدار يابتي مخابراش حالها متبدل أكده ليه؟
_ عبست ورد بحزن فهي على دراية بسبب تبدل أحوالها حتماً من أسلوب مصطفى الفظ معها، سحبت نفساً وعزمت بأنها ستحادثه لكي يعتذر من صفاء حتى تنهي أي ذرة حزن داخل قلبها.
_ رأته يهبط السُلم ما أن استدارت بجسدها مولية ظهراه للمطبخ، في التوقيت نفسه ظهرت السيدة نادرة من خلفه ولم تعيرهم أي إهتمام، مرت بجوار ورد وولجت للمطبخ وأمرت صفية بصرامة:-
حضري الوكل العمدة رايد يتعشي
_ أماءت لها بطاعة ثم أسرعت في تحضير الطعام بمساعدة ورد التي أصرت أن تمد لها يد العون حين رأتها بمفردها، انتهوا من وضع الأطباق مع جلوس آخر فرد في العائلة وهو العمدة، اعتلت ورد المقعد المجاور لمصطفى في صمت.
_ تفاجئ الجميع بنهوض السيدة نادرة ما أن رأت ورد تشاركهم الطاولة، استشفت ورد سبب تصرفها ولم تتردد في النهوض لكنها فوجئت بيد مصطفى تعيدها إلى مكانها مرة أخرى وقال بتريث:-
خليكي أنتِ إهنه أني هعاود طوالي
_ تبع مصطفى والدته إلى غرفتها، أوصد الباب من خلفه وتوجه نحوها بخطى متريثة وبدأ حديثه بنبرة هادئة:-
لساتك متجبلتهاش ليه ياما؟
_ نظرت يسارها متذمرة لسيرتها التي لا تحب سماعها، اقترب منها مصطفى واعتلى الفراش بجوارها، سحب نفساً عميقاً ثم واصل حديثه بنبرة تميل إلى اللين:-
أني اتجبلتها زوجة ليا ديه معتفريجش وياكي؟
_ صوبت بصرها عليه بحدة وأجابته رافضة لتغيره المفاجئ:-
لاه متفريجش يا مصطفى، مكنش ديه اتفجانا عاد، كنا متفجين أنك تطليجها وتشوف لك واحدة تليج بمجامك مش ديي اللي تكون مرت ولدي أبدا
_ حاول مصطفى أن يتحلى بالصبر الممتزوج بالهدوء لكي يحاول إقناعها بوجهة نظره وعلق مازحاً:-
بلاها عرج الحنفاوة يطلع دلوك، ورد ميعبهاش حاچة وأني راضي بيها وندمت كماني على الايام اللي بعدتها عني بكيفي كل دول معيرضوكيش؟
_ انتفضت من مقعدها وحدثته بعصبية ووجه محتقن:-
معحبهاش يا مصطفى هتحببني فيها عافية إياك!!
_ نهض مصطفى ووقف مقابلها وأوضح مقصده من الحوار:-
محدش هيجبرك تحبيها ياما بس اجبليها على إنها بجت مرتي لو رايدة تزعليني صوح خليكي على حالتك ديه معاها
_ رفعت نادرة إحدي حاجبيها ورددت بعدم إعجاب لنبرته:-
هتهددني يواد؟
_ رد عليها بسرعة البرق ينفي ما قالته:-
ما عاش اللي يهددك ياما بس أني مهكونش مرتاح طول مافي خناج بيناتكم
_ دني منها مصطفى وتابع بتوسل:-
أنى رضيتها في حياتي ياما إرضي بيها أنتِ كمان عشان خاطر والدك يا أم مصطفى
_ نبرته المُلحة ونظراته المتوسلة لم تختبرهم من قبل، فهي تعهد مصطفى وصرامته مع الجميع حتى معها لم يكن بذلك اللين من قبل، وإن رفضت طلبه فحتماً ستخسره في النهاية وهي لن تحتمل ذلك مطلقاً.
_ لم يكن أمامها سوي الرضوخ فيعز عليها رفض له طلب لكنها لن تفعل أكثر من مشاركتهم الطاولة فقط لا غير ولن تزيد عن ذلك فقط من أجل ولدها البكري الحبيب.
_ هبط معاً متشابكين الأيدي، ابتسم خليل لنجاح مصطفى في إقناع والدته بالعودة وتناولها للطعام معهم، جلس مصطفى أعلى مقعده وأراد المُزاح مع ورد قليلاً فأسرع باللحاق بمسك يدها قبل أن ترفعها أعلى الطاولة وتبدأ في تناول الطعام.
_ رمقته ورد متعجبة من تصرفه الغريب فتفاجئت بإبتسامته التي يخفيها عن أعين الجالسين، حاولت سحب يدها من بين قبضتيه دون أن تُشِعر أحدهم بما تفعله لكنها فشلت فكان يُشد من قبضته حتى يصعُب عليها الانفلات منه.
_ لاحظ خليل عدم تناول ورد لأية أطعمة إلى الآن فسألها باهتمام:-
مبتاكليش ليه يا ورد؟
_ تجمدت تعابير ورد ما أن ألقى خليل بسؤاله، فلم تعرف للإجابة سبيل، حاولت سحب يدها بقوة أكبر عن ذي قبل لكنه دوماً يقابلها بقوة مضاعفة لقوتها الصغيرة فتفشل في استرداد يدها
_ تدخل مصطفى قائلاً وهو يطالع زرقاوتيها بتحدٍ:-
صحيح مبتاكليش ليه يا ورد الوكل معيعجبكش!
_ استشاطت ورد غيظاً من سؤاله البغيض وضحكته السمجة التي يبادلها بها، بجرأة تحلت بها أردفت وهي تطالع سودتاه بتحدٍ أكبر:-
لو سيبت يدي اللي عتعبط فيها هعرف أكل
_ ويحك يا فتاة! لم يرفع مصطفى بصره عنها وهو يقنع عقله بأنها لم تفضح أمره أمامهم، تشكلت بسمة منتصرة على شفاه ورد وهي تطالعه بتشفي فـ لُعبته قد انقلبت ضده الأن.
_ أخرجهم خليل من نظراتهم المتبادلة التي يتوعد لها مصطفى بهما بإصداره لحشرجة صوته التي انتبهوا له إثرها ، لم يعقب خليل على تصرفهم الطفولي على الرغم من سعادته المفرطة التي يشعر بها داخله فهذا ما يريده تماماً أن تتوطد علاقتهم وما يفعله مصطفى بداية مبشرة لإصلاحه لما اقترفه في حقها مسبقاً.
_ شرع الجميع في تناول الطعام في صمت ساد بينهم، يعد مصطفي الثوانِ لكي يختفيا عن الأنظار و يلقنها درساً خاصاً تفكر قبله في فضح أموره معها.
_ انتفض الجميع من أماكنهم في ذعر إثر طرقات أحدهم على الباب بأسلوب لا يبشر بالخير، نهضت ورد مسرعة واختبئت في غرفة الضيافة بأمر من مصطفى الذي تولي مهمة فتح الباب بنفسه استعداداً لتلقي مصيبة فاجعة.
_ چحظت عيني عسران ما أن رأى مصطفى أمامه وهتف:-
إلحج يا باشمهندز ....
______________________________________ عرض أقل
رواية عرف صعيدي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم تسنيم المرشدي
خفق قلبه بشدة من بعد استغاثة أحدهم به.
فآخر استغاثة قد قلبت السرايا رأساً على عقب، بل وحولت حياتهم إلى نقطة مظلمة بشعة لم ينسوها إلى الآن، وهي وفاة "هلال".
على الرغم من الرجفة التي لم تتوقف داخله خشية أن يلقى مصرع آخر، إلا أنه تلبس ثوب الثبات.
وبمشوخٍ سأل عسران:
"على إيه الهوجة ديه كلها؟"
أجابه عسران بلهجة لا تسمح بالانتظار:
"البهايم جالها عدوة، كلها طافحة على جلدها. وشيعنا جبنا الداكتور، جال الجاموس اللي لجط العدوي مهينفعش يدبح، لحمه بيجي فاسد."
انسدلت كلمات عسران كالصاعقة، محملة بخليط من عدم الاستيعاب والصدمة.
أسرع خليل خطاه نحوه وهو ينوح بعجالة:
"هم بينا على الغيط نلحقوا اللي محتاج يتلحق."
دلف خليل للخارج أولهم، ومن ثم تبعه عسران ومصطفى، الذين ركضوا في عجالة من أمرهم لعلهم يلحقوا تلك الكارثة.
ظهرت ورد من خلف باب غرفة الضيافة بعدما تأكدت من خلو المكان من الرجال.
لوت السيدة نادرة شفتيها وألقت حديثها بامتعاض:
"جولت جدم شؤم محدش صدقني."
أولاتها ظهرها وعادت إلى غرفتها بتريث، فلم تسمح لتوترها الذي تمكن منها بالكامل في الظهور أمام تلك البغيضة لكي لا تستضعفها.
بدأت تفقد صوابها ما أن أوصدت باب غرفتها وانهارت تماماً.
هرولت راكضة إلى الشرفة وهي تتمتم داعية:
"سترك يارب، استرها معاهم ومتخيبش آمالنا واصل."
لم تتحلى بالشجاعة في الدخول وترك الأمر للوقت، تعلم عواقبه من أحدهم.
فضلت المكوث مكانها إلى أن يظهر ما يطمئنها بسيطرتهم على تلك المصيبة المفجعة.
في الأسفل، لم تحرك ورد قدميها التي باتت ثقيلة، ولم تنجح في رفعها عن الأرض بعد سماع كلمات السيدة نادرة التي وقعت على أذنها، ألجمت لسانها وشتت عقلها.
كلما نجحت في تعديل صفوها وعدم التأثر بما يدور من حولها، تأتي هي وبكل سهولة تبخر عدم مبالاتها وتعكر صفوها المزاجي.
جائتها صفية تواسيها على ما بدر من تصرف السيدة نادرة.
ربتت على ذراعيها مرددة:
"متشليش في جلبك يابتي."
التوى ثغر ورد ببسمة متهكمة، ثم حولت مسار الحوار بسؤالها مستفسرة:
"متشغليش بالك أنتِ، المهم معناته إيه أن البهايم جالها عدوة؟"
نكست صفية رأسها في حزن وأجابتها متحسرة:
"ربنا يستر يابتي، دي مصيبة واعرة جوي. الغيط فيه ميجلش عن الخمس تلاف بهيمة، وشوفي بجا لما تاجي لبهيمة واحدة عدوة ومتتلحقش، ده إذا كان ينفع تتلحق. تبجي الخساير كاتيرة وياما، عشان أكده بجولك ربنا يستر."
رمقتها ورد متأثرة بحديثها ورددت بتمني:
"ربنا هيسترها إن شاء الله."
عادت ورد إلى غرفتها تجر أذيال خيبتها خلفها.
كلما شعرت بتحسن الأوضاع، تأتي رياح عاتية مصحوبة بعواصف قوية تضرب وتخرب كل شيء، ويصبح الوضع رماداً ليس إلا.
كعادتها في غياب مصطفى، لا تنجح في النوم قبل أن تطمئن عليه، وخصيصاً أنه في حالة لا يرثى لها.
دعت الله بأن يلقى مصطفى عاقبة الأمر هينة وليست مفجعة.
***
اجتمعت العائلتين في منزل الحاج حنفي، وقد افترقت النساء عن الرجال في مجلسهم ليكن أكثر راحة.
رحب الحاج حنفي بحمدي وولده طاهر بحفاوة شديدة، عكس ضيف الذي كان جسداً بلا روح، لا يقدر على النطق.
فذهنه شارد تماماً ولا يفكر في شيء سوى كيفية إصلاح خطأه الفادح الذي اقترفه في حق صفاء.
في مجلس النساء، رحبت والدة ضيف بهم، ثم أمرت خادمتها بضيافتهم على أكمل وجه.
شكلت ثريا بسمة ممتنة وأردفت:
"دايماً داركم عامرة يا أميمة."
بادلتها الأخرى ابتسامة سعيدة وهتفت مرحبة:
"الحلو كله يتعمل لكم يا ثريا."
وجهت بصرها على صباح التي لم ترفع نظريها عن مجلس الرجال، تتابع ما يحدث باهتمام بالغ.
حمحت أميمة لتجذب انتباهها وأردفت:
"ربنا يفرحك بصباح عن جريب يا ثريا، اسم الله عليها كبرت وبجت جمر."
تصنعت صباح الحياء وأخفضت رأسها مع رسم بسمة خجولة، بينما ردت عليها ثريا ممتنة للطفها:
"ربنا يخليكي يا حبيبتي ويباركلك في ولادك."
مالت أميمة على أذن ثريا وهمست لها بفرحة ظاهرة في نبرتها:
"البت بسمة حِبلة بجالها شهرين، وأنتِ والله من أوائل الناس اللي تعرف."
رمقتها ثريا بسعادة مهللة:
"ربنا يتمم لها على خير يارب."
وضعت أميمة يديها على يد ثريا وأردفت مطالبة بشيء:
"خلي الموضوع بيناتنا دلوك على لما تعدي الشهور الأولى دي، أنتِ خابرة زين إنها بتبجي شهور كلها تعب وخوف."
أسرعت ثريا بالرد عليها وهي تشير إلى فمها قائلة:
"ولا كاني سمعت حاجة واصل، متجلجيش."
انشغلن السيدات في الحديث، كذلك صباح التي لم تكف عن الثرثرة مع مروة وشقيقتها الكبرى.
في الخارج، تبادلا الرجال أطراف الحديث، من بينهم زوج بسمة "إبراهيم"، عدا طاهر وضيف اللذان حلقت عقولهم في سماء دنيا خيالهم.
انتبه طاهر لقول والده الذي كان يردد مازحاً:
"اللي واكل عقلك يتهني به يا ولدي."
أضاف إبراهيم للحديث لمسته المرحة:
"هي كلته من دلوك بعد الجواز بجا هتطيره خالص."
قهقه حمدان والحاج حنفي على داعبة إبراهيم، بينما اكتفى طاهر برسم بسمة لم تتعد شفاه.
استمع جميعهم لتوعدها له من على مقربة منهم:
"بجا اكده يا إبراهيم، ماشي لينا دار نشوفوا فيه الحكاية دي."
رد عليها مستاءً:
"طب كبريني جدام الخلق، مش لازم تفضحيني."
تدخل حمدان داعياً لهم بمحبة متصنعة:
"ربنا يخليكم لبعض يا ولدي."
لكز طاهر في ذراعه ما أن أنهى جملته لكي يخرجه من شروده الواقع بينه وبين حضوره، ثم وجه حديثه إلى الحاج حنفي بتريث:
"بجا يا حاج حمدي، إحنا إهنه النهاردة عشان نطلب يد مروة زينة البنتة لولدي طاهر، ها إيه جولك؟"
تشكلت بسمة سعيدة على محيا الحاج حنفي وأجابه بصدر رحب:
"وإحنا في ديك الساعة لما ننسابوا ولد حمدان المنشاوي، إني مهلاجيش لبتي راجل زين كيف طاهر وأخلاجه."
ربت حمدان على فخذ الحاج حنفي حاسماً أمره بألا يطيل الأمر، ربما بفعلته يكسب محبة ولده ثانيةً:
"يبجي نعلي الجواب ونجروا الفاتحة، والخميس الجاي كتب الكتاب والدخلة."
تفاجئ الجميع بسرعة قرار حمدان الذي اتخذه دون رجوع لأياً منهم، كما صدم طاهر لتهور والده في اتخاذ قرار لم يحسم له وللأن، لا يعرف للهروب سبيل.
تدخل حنفي معترضاً:
"بس يا حمدان، الخميس الجاي بدري جوي، مهنلحقش نجهزها في سبوع، وعلى حد علمي أن طاهر ملوش دار."
رمقه حمدان بطرف عينيه وأجابه معاتباً:
"إحنا مرايدنيش منك أيتها حاجة يا حاج حنفي، كفاية هي ياراجل. وبعدين إحنا سرو عيلتنا، الواد ميخرجش برا دار بوه. إحنا هنحجز الأوضة من أول وجديد، حاجة أكده تليق بالعرسان، ولا أجدعها أوضة في سرايا العمدة. وافج أنت لأول واحنا نتفج على حل يرضينا."
تحدث الحاج حنفي بعزة نفس وتعالي:
"لاه يا أبو طاهر، إني هجهز البت كيف ما جهزت أختها، وموضوع الدار ديه يرجع ليها، توافق أو لاه. وديي مفيهاش عيب ولا إيه؟"
أجابه بلهجة سريعة:
"لا عيب إيه، لا سمح الله، اسألها طبعاً."
ارتفعت نبرة الحاج حنفي وهو ينادي بصوته الأجش:
"مروة، تعالي يابتي رايدك."
جاءته تمشي على استحياء منكسة الرأس، لا تجرؤ على رفع بصرها في وجوه الجالسين.
وعلى الرغم من أنها لم تنظر إلى أحدهم، إلا أن وجنتيها قد تلونت بالحمُرة الصريحة خجلاً من الموقف الواقعة فيه.
ألقى والدها بسؤاله حين وقفت أمامه ملبية ندائه:
"عمك حمدان عيجول أنه هيجهزلك أوضة طاهر على كيفك، موافقة ولا تحبي يكون ليكي دار لحالك؟"
صمتت مروة فلم تتحلى بالشجاعة لتجيبه أمام الجميع، بينما خفق قلب صباح خوفاً من أن تعترض مروة على بقائها معهم في المنزل نفسه، وخطتها التي رتبت لها طويلاً تكون هباءً منثوراً.
"اللي تشوفه حضرتك يا أبوي."
أردفت بهم مروة بنبرة خافتة بالكاد سمعها الجميع، ثم هرولت عائدة حيث جاءت.
فقال حنفي مرحباً:
"على بركة الله نجروا الفاتحة."
قام حنفي بتنبيه زوجته قائلاً:
"هنجروا الفاتحة يا أم ضيف."
ارتفعت أيادي الجميع يقرأون الفاتحة لكي تُبارك العلاقة.
كان يتابع طاهر ما يحدث في صمت مريب، يكاد يصغي إلى صدى نبضاته التي تحثه على الفرار من تلك الزيجة اللعينة.
عاد إلى واقعه حين ارتفعت الزغاريد في المكان، كما هم الجميع في مصافحة بعضهما البعض فرحين بتلك المناسبة السعيدة.
جاءت خادمة المنزل حاملة لأكواب الشربات "المشروب المتعارف عنه في مثل تلك المناسبات"، وقامت بتقديمه مع إطلاق الزغاريد من آن لآخر، ثم انسحبت إلى المطبخ حين انتهت من مهمتها.
تذكرت ثريا بأن ولدها لم يحضر من الحُلي شيئاً، فالمتعارف في المناسبة كتلك أن يقدم العريس حُلي فاخر لعروسه.
نهضت من مكانها ودون تردد، فكت عقدها الفاخر ومن ثم سوارها وخاتمه ليكتمل الطقم.
اقتربت من مروة وأردفت بحنو:
"الطقم ديه هاديتني بيه أم زوچي لما جم يتجدموا لي، وأني نويت إني أقدمه لمرت ولدي."
قامت ثريا بمساعدة مروة على ارتداء الحُلي، ثم قالت متتممة بعدما ألقت نظرة متفحصة على طاقهما العزيز:
"تتهني بيه يا حبيبتي."
نهضت أميمة وبدأت تزغرد عالياً معللة سبب إبدائها للزغاريد:
"ست ثريا لبست مروة الشبكة يا حاج حنفي، ين يا أم ضيف مبروك عليها."
هتف بهم الحاج حنفي بنبرة متريثة، بينما تفاجئ طاهر بحديثهم الذي تناولوه لتوهم، فهو لم يحضر أي حُلي، إذاً عن ماذا يتحدثون هم؟
ظهرت مروة برفقة صباح التي لا تسعها السعادة بسبب سير خطتها على النهج الصحيح، كما تبعتها ثريا وأميمة، وأخيراً بسمة.
چحظت عيني حمدان حين رأى طقم الحُلي الفاخر العائد لزوجته على مروة بصدمة جلية قد حلت على تقاسيمه، كذلك لم يكن طاهر أقل منه صدمة، فهو على دراية بحب والدته لذلك الحُلي وعدم رضاها بأي أطقم أخرى غيره.
لعن تناسيه للأمر الذي أجبر والدته في إهداء ما تحبه لغيرها.
كز على أسنانه بعصبية ولعن نفسه مراراً داخله.
شعر بالاختناق الشديد يجتاحه وتمنى أن تنتهي تلك الزيارة سريعاً، ربما يشعر بالتحسن ما أن فر من بينهم.
انتبه الجميع لرنين الجرس مع طرقات أحدهم على الباب بصورة غير لائقة.
نهض الحاج حنفي من مقعده وقد احتدت تعابيره ومالت إلى الغضب لتلك الطريقة المريبة وردد مستاءً:
"واه مين اللي عيخبط بالطريقة ديي؟"
علم بهوية الطارق بعدما فتحت له الخادمة، فأسرع حنفي في نهره بغضب:
"أنت كيف يواد أنت تخبط على الباب أكده؟"
أجابه الآخر بلهجة غير قابلة للنقاش:
"معلش يا حاجة حنفي، بس فيه مصيبة حلت علينا."
دنى منه حنفي وهدر به شزراً:
"مصيبة إيه يا جلوص الطين انت انطق."
وضح الآخر قصده مردداً بتلعثم:
"فيه عدوة مسكت في البهايم وعتنتقل وسطيهم بسرعة البرق، ومعارفينش نتصرفوا كيف."
اتسعت حدقتي الحاج حنفي بصدمة قد حلت عليه، ثم التفتت إلى حيث يقف ضيوفه وقال بإرتباك حرج:
"معلش يا حمدان، هروح أشوف المصيبة اللي حلت على روسنا ديي، الدار دارك."
أعاد النظر إلى عامله وأمره بغضب:
"هم بينا ياواد."
استغل طاهر الفرصة ووجه حديثه إلى ضيف:
"روح ويا بوك يا ضيف، إحنا هنمشي، ربنا يجيب العواقب سليمة."
اصطحب طاهر عائلته وغادروا بعدما استأذنوا من الآخرين، بينما لحق ضيف بوالده برفقة إبراهيم.
في الخارج، لم يكف حمدان عن التذمر موبخاً زوجته:
"أنتِ كيف تتصرفي من دماغك وتدي البت طقم غالي بالساهل أكده؟"
رمقته ثريا بنظرات مشتعلة وأجابته بحدة:
"وأنت إيه اللي مضايجك؟ ديه من مال أبوي، أعطيه للي على كيفي، والبت هتبجي مرت ولدي يعني هتاخد حتة من جَلبي، استخسر فيها حبة دهابات."
ربت طاهر على كتف والدته ممتناً لها، بينما نهرها حمدان بإنفعال شديد:
"ولدك اللي يجيب لعروسته مش..."
صمت حمدان من تلقاء نفسه حين انتبه لأصوات وحركة مريبة في الأرض الذي يدس أسفل ترابها سلاحه.
أسرع خطاه لكي يعلم حقيقة الأمر، اتسعت مقلتيه بصدمة كبيرة حين رأى آلة البلدوزر وهي تدفع التربة بعيداً عن موضعها.
شعر بانتهاء عصر فرض ظلمه وقوته وهو يرى بأم عينيه ضياع سلاحه الذي حتماً سيقع بين أيدي أحدهم وسيسلموه لرجال الشرطة.
استدار نحو طاهر وجذبه من يده أبعده عن المكان وأردف بنبرة مرتجفة:
"إلحقني يا ولدي، بوك هيروح في شربة موي."
قطب طاهر جبينه لعدم استيعابه وسأله بفتور:
"تجصد إيه بحديتك ديه؟"
ألقى حمدان نظرة على الآلة التي تحفر الأرض دون توقف، ثم أعاد النظر إلى طاهر وأجابه بتوجس شديد:
"أني داسس السلاح اللي اتجتل بيه هلال في الأرض ديي!!"
رمق طاهر المكان من خلفه بجمود وردد بلامبالاة:
"وأني مالي عاد؟"
خرج حمدان عن هدوئه وانفجر فيه منفعلاً:
"بجولك الدليل اللي يديني ممكن يقع في يد حد، وأنت تجولي أني مالي عاد. أنت ولدي ومجبور تدور معايا عليه جبل ما حد يعثر عليه وأروح في طيس."
تراجع طاهر للخلف ثم أولاه ظهره وتحدث بجمودٍ مميت:
"غلطتك وأنت اللي تتحمل عواقبها، مش أني."
تركه وعاد إلى والدته وشقيقته واصطحبهم إلى المنزل، بينما وقف حمدان يتابع ما يحدث وقلبه ينخلع رعباً كلما حملت الآلة من التربة قدراً آخر.
انتظر بفارغ صبر انتهاء عملهم لكي يذهب إلى الرمال الملقاة على الجهة الأخرى ويستعيد سلاحه في حال أنه لم يقع في أيدي أحدهم.
بعد ساعات قضاها حمدان في البحث عن سلاحه المختفي، لم يصل إليه بالأخير.
علم بأن نهايته على حافة الاقتراب.
عاد إلى منزله يجر خيبته خلفه، ولج للمنزل بذهن شارد لا يرى أمامه.
أوقفته ثريا وهي تضع إحدى ذراعيها في منتصف خصرها، رافعة حاجبها مستاءة من تأخيره:
"راجع وش الفجر ليه يا حمدان؟ كنت بتجتل واحد كمان، ما أنت بجيت جاحد ولا يهمك عقاب ربنا."
لقد جنت على نفسها تلك اللعينة بكلماتها التي ألردفتهم في وقت غضبه الذي يتقد بداخله.
رفع بصره عليها وهو يكز على أسنانه بغل، اقترب منها وحاوط عنقها بيده وشد من قبضته عليها.
بدأت ثريا في الاختناق وحاولت التملص من بين قبضته، لكنه كان أقوى منها ولم يرأف بحالتها المذرية التي باتت عليها.
حدثها من بين أسنانه المتلاحمة بغضب:
"معنديش مشكلة تبجي أنتِ التانية حتى نرتاحوا منك."
التف حمدان حول نفسه إثر دفعة أحدهم القوية له.
عاد لاتزان جسده بصعوبة وبحث بسودتاه على من قادته شجاعته وفعل ذلك، حتماً هو ليس غيره "طاهر".
نطقها حمدان ببغض واضح واقترب منه يريد صفعه.
منعه طاهر من الوصول إليه بتقيده لحركة ذراعيه هاتفاً بحنق:
"يدك المعلونة ديي متتمدش على أمي تاني واصل، أني اللي هجف جصادك بعد إكده والعين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم يا أبوي."
استشف حمدان بأن من يقف قبالته ويحادثه ليس طاهر الوديع الذي كان يأمره فيلبي أمره بطاعة دون اعتراض.
لقد خلق منه وحشاً خالٍ من الرحمة اكتسب جحوداً في صفاته الجديدة.
لم يعقب عليه، فرونقه لا يسمح له بالمشادة معه أو ربما لتأكده من خروجه منهزماً إن تعارك معه.
جر قدميه بثقل إلى غرفته، بينما اصطحب طاهر والدته إلى غرفته لكي يسترد لها أمانها، لطالما سرقه منها حمدان بتصرفه المتهور.
***
يحاول الأطباء البيطريون السيطرة على الأوضاع الصحية للمواشي التي انتقلت إليها الحمى.
ظل مصطفى طيلة الليل يؤمر العمال ببعض الأوامر التي تساعد على إنقاذ أكبر قدر من الحيوانات بفصلهم عن بعض بعد إجراء فحص شامل يدل على تمام صحة الماشية.
بعد عدة ساعات، لم يغفل له جفن حتى ساهم في إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
توجه إلى خزان المياه الذي يتوسط المزرعة.
فتح صنبوره فانسدلت المياه بغزارة.
مد يده وغسلها جيداً، ثم حاول جمع قطرات المياه في يديه وانحنى عليها يرتشف منها الكثير ليروي زمئه.
استدار بجسده ولم يتقدم خطوة للأمام.
وضع كلتا يديه في منتصف خصره ووقف يتابع هرولة الفلاحين والأطباء الذين يحاولون إنقاذ المواشي.
أوصد عينيه لبرهة ثم أعاد فتحهما على الجهة المعاكسة متحسراً على هذا الكم الهائل الذي لم يلحقوا بمعالجته وقد مات في الحال، فلقد تملكت منهم العدوى قبل أن يلاحظوها.
أزفر أنفاسه بضجر بائن، فالخسارة ليست هينة وسوف تأتي بعواقب عدة.
قطع حبال شروده صوت والده المتعب:
"أني معاود السرايا يا مصطفى، مجدرش أجف أكتر من أكده. هتاجي معايا؟"
حرك مصطفى رأسه رافضاً وردد بنبرة مستاءة معانقة للإرهاق:
"لاه، أني هقعد إهنه عشان لو حد احتاجني في حاجة."
أومأ له خليل بتفهم ثم أولاه ظهره وغادر وهو يتوكأ على عصاه التي تتحمل ثقل بدنه بصعوبة، بينما عاد مصطفى إلى الأطباء يتابع ما يفعلوه باهتمام.
***
حاولت ورد التغلب على نعاسها باستمرار إلى أن تغلب هو منها مع بزوغ الفجر وسماعها لزقزقة العصافير.
وبعدها مباشرةً بدأت تشرق الشمس في أجواء هادئة أضافت لمسة ساحرة أزادت من عدم تماسكها أمام النوم.
غفت وهي جالسة على طرف الفراش مستندة برأسها على جداره.
لم تمر خمس دقائق حتى انتفضت بذعر على صوت يتردد صداه في أرجاء الغرفة.
كانت تلك السيدة نادرة من اقتحمت الغرفة دون سابق إنذار برفقة صفية التي نكست رأسها بحزن شديد بعدما تقابلت أعينها مع زرقوتي ورد المذعورة.
نهضت ورد عن مقعدها ولازالت تحت تأثير الذعر.
لم تهدأ نبضاتها المتزايدة بعد.
حاولت فهم ماذا يجري لكن لم تعطيها السيدة نادرة فرصة السؤال وأردفت هي بنبرة أمرة:
"همي ننضف الأوضة اللي بجالها ياما متنضفتش ولا شافت ريحة النضافة ديي."
اقتربت السيدة نادرة من ورد وتعمدت دفعها بقوة مرددة بنظرات ساخطة:
"بعدي أكده خلينا ننضف الأوضة جبل ما ولدي يعاود."
أمسكت ورد بجدار الفراش لكي تضبط خلل توازنها التي تسبب به نادرة وعادت لوقفتها بقامة منتصبة.
لم تتحمل ما يحدث ودلفت للخارج، تاركة لهم حرية التصرف في غرفتها التي من المفترض لها أحقية خاصة في استخدامها.
بعد مرور ساعتين، انتظرت ورد بفارغ صبر انتهائهم مما يقمن به لكن لا شيء ينتهي، كأن نادرة متعمدة ذلك.
صغت إلى حكة أصدرتها إطارات إحدى السيارات.
اقتربت من النافذة فتفاجئت بعودة مصطفى.
توجهت نحو الباب لتكون في استقباله، ولكن عزول علاقتهم قد حضرت أولاً ووصلت قبلها.
"حمد الله على السلامة يا ولدي، الأمور كيفها؟ معرفتش أتحدت ويا بوك كان تعبان ونام أول ما فرد جسمه على السرير."
أردفتهم نادرة متسائلة باهتمام.
أجابها مصطفى بحزن يكسو وجهه:
"الخساير كابيرة جوي ياما، ربنا يستر ونجدر نسطير على باقي المواشي جبل ما العدوى توصل لجلبها كيف ما حصل للمواشي اللي ماتت."
رفعت نادرة كلتا يديها داعية الله بقلب سليم:
"يارب أرفع غضبك ومقتك عنا يارب، استرها معانا يارب."
فرك مصطفى عينيه بتعب وردد:
"هصعد أبدل هدمتي وأعاود تاني."
تبعته ورد إلى الأعلى لكنه قد اختفى خلف باب غرفته.
كادت أن تولج خلفه لكن خروج صفية من غرفتها أوقفها حين أردفت بندم شديد:
"أني أسفة يابتي، حكم الجوي مجدرتش أقولها لاه."
اقتربت منها ورد مشكلة ابتسامة عذبة على ثغرها الوردي.
ربتت على ذراعها وحدثتها بلين تثبت لها عدم انزعاجها منها:
"عارفة إن ملكيش ذنب، بس هنعملوا إيه عاد؟"
أخرجت ورد تنهيدة مرهقة مليئة بالهموم وواصلت حديثها:
"فينها صفاء مش ظاهرة؟"
رفعت صفية عينيها على ورد وكأنها ذكرتها بشيء قد غفلت عنه وهتفت:
"واه لتكون لسه نايمة ومراحتش جامعتها، لما أروح أكلمها في المحمول عن إذنك."
غادرت صفية مهرولة بينما توجهت ورد إلى الطريق الذي يفصل بينهما.
تفاجئت بخروجه قبل أن تهم هي بالدخول.
بادلته ابتسامة خجولة وقالت بحياء:
"صباح الخير."
رد عليها مصطفى بمزاج غير سوي:
"صباح النور."
حمحت قبل أن تتابع ما تريد قوله مردفة:
"سمعتك وأنت بتجول الخساير كابيرة، جلبي عندك."
أجابها مختصراً:
"ربنا يستر."
ابتلعت ريقها وبتردد أخبرته:
"كنت رايدة أروح دار أبوي كيف ما جولتلك ليلة امبارح."
أومأ لها بقبول وردد بلامبالاة، فذهنه شارد في الفاجعة التي تركها خلفه وعاد إلى السرايا:
"ربنا يسهل يا ورد."
ألحقت به قبل أن يغادر وقالت مصرة:
"إيوة ميتي يعني؟"
تأفف مصطفى بضجر بائن وأجابها بإنفعال شديد:
"مخابرش ميتي، أنتِ شايفة إن وجته الحديت في الموضوع ديه؟ ولا أنتِ مش شايفة حجم المصيبة اللي وجعت على روسنا، معتحسيش إياك!"
لم تتفاجئ ورد بحديثه بل صعقت بسبب إهانته لها.
رمقته بنظرات محملة بالخذلان التي شعرت به حينها.
تمالكت عبراتها التي تهدد بالنزول ثم انسحبت من أمامه بهدوء تحول تدريجياً إلى هرولة إلى أن اختفت خلف باب الغرفة اللعينة التي لا تعلم أن كانت ملكها أم لا.
أوصد مصطفى عينيه لثوانٍ يلعن زلته التي تسببت في إحزانها.
فتح سودتاه ورمق الباب خاصتها ثم حرك رأسه مستنكراً وتابع سيره إلى الأسفل ومن ثم ركب سيارته وغادر بها عائداً إلى المزرعة.
وقفت ورد خلف الباب تكتم شهقاتها التي خرجت رغماً عنها وتحولت إلى بكاء غزير.
نظرت إلى معالم الغرفة بنفور شديد مختلط بشعور عدم الانتماء لهذا المكان.
لم تشعر يوماً بأنه وطنها، لطالما عليه حمايتها، وإن لم تشعر بالأمان والطمأنينة في وطنها، فبتأكيد ليس موطنها الحقيقي!
تقدمت إلى الأمام باحثة عن هاتفها المحمول ولم تتردد ثانية في مهاتفة من تبقي لها من العائلة.
انتظرت قليلاً فأتاها صوته المتحشرج الذي يدل على عدم استيقاظه بعد:
"مين؟"
ردت عليه بنبرتها المبحوحة التي تزداد وقت البكاء:
"إني ورد يا طاهر."
لم يتسلل صوتها إلى شحمة أذنه بل صوب داخل صميم قلبه مباشرةً.
انتفض من نومته وأجابها بنبرة ولهانة:
"ورد! كيفك يابت عمي؟"
مسحت عبراتها براحة يدها كما أخذت شهيقاً عميق لكي تواصل مكالمتها وبعد لحظات أردفت بتردد:
"أني زينة بس رايدة منك طلب."
لم يطيل الصمت وأجابها بلهفة:
"أنتِ تؤمري."
نظرت ورد بتفحص للمكان التي تود الفرار من سجنه وأردفت بحسم:
"..................."
***
اجتمع كبار القرية في مبنى خاص قد قام العمدة بتشيده ليقام فيه الجلسات العرفية بين أهالي البلدة يتناقشون فيه لحل مشكلاتهم.
جلس خليل يتشاور مع أهل قريته في تلك الحمى التي سيطرت على أغلب ماشية البلد.
تبادلوا أطراف الحديث كما يبحثون عن حلول قاطعة لتلك العدوى المتسببة في خسائر كبرى.
الجميع منتبه ويصغي باهتمام ربما يصلوا إلى طريقة ما يعوضون بها الخسائر الباهظة التي وقعت على عاتقهم دون سابق إنذار.
عدا مصطفى، فلم يسمع أي من الأحاديث التي تناولها الجميع من حوله، فعقله لا يتوقف عن إيلام نفسه على تصرفه الأخير مع ورد.
يلعن زلة لسانه تارة وتارة أخرى يحاول إيجاد تبريرات لتصرفه، لكن في النهاية يصل إلى نقطة مشتركة بين تضاد أفكاره وهي اللوم.
يشعر بالاختناق والتعصب كلما تذكر نظراتها التي أرسلت إليه فيهما إشارات معاتبة وكأنه خذلها!
"مصطفى يا مصطفى."
انتبه لنداء والده المتكرر الذي أخرجه من شروده وردد بذهن شارد:
"بتجول حاجة يا بوي؟"
قطب خليل جبينه بغرابة من أمر ولده المريب وردد مستاءً:
"أبااه أديلي ساعة بنادم عليك وأنت ولا إهنه."
نهض مصطفى عن مقعده وأردف بنبرة متعبة:
"معلش يا بوي، من جلة النوم هستأذن إني."
سمح له والده، بينما مرر مصطفى أنظار على الجميع وأخذ منهم إذن المغادرة ثم هرول للخارج مسرعاً بخطى متريثة.
عاد إلى السرايا وهو يعد الثواني لكي يلتقي بورد حتى يصلح ما اقترفه.
كانت والدته واقفة بقرب من الباب في استقباله عاقدة ذراعيها ووجهها لا يبشر بالخير.
ألقى عليها مصطفى التحية ثم سألها متلهفاً وهو يبحث بسودتاه على ورد:
"ورد لسه في أوضتها ياما؟"
رفعت نادرة حاجبيها للأعلى ورددت بتجهم:
"وااه أنت متعرفيش إن مرتك مشت مع واد عمها!"
لوهلة توقف عقل مصطفى عن الفهم وأعاد ما أخبرته به بعدم استيعاب:
"مرت مين مشت مع مين، بتجولي إيه ياما مفاهمش حاجة."
دنت منه والدته وأعادت تكرار حديثها ليكون أكثر وضوحاً:
"مرتك ورد مشت مع واد عمها طاهر من جيمة ساعة أكده، ولا عملت حساب لكبير الدار ولا لچوزها راجلها اللي عيجف جصاد أمه عشانها."
كانت تلدغ سمها كالثعبان ولا تبالي، فالمقصود تخريب علاقتهم المبجلة.
لم تدري ماذا أصابت فيه من وراء كلماتها اللعينة.
برزت عروق يد مصطفى من شدة قبضته على أنامله دون شعور منه.
أولاها ظهره سريعاً وتحرك مبتعداً عنها بخطى غير مستقيمة إلى أن استقل خلف مقود سيارته وهو يتوعد لها أشد الوعود.
لم يعلم كيف وصل إلى منزلها بتلك السرعة، لكن لا يهم الآن.
ترجل من السيارة وتوجه مباشرة إلى منزلها.
طرق بابها بعنف ووقف خلفه ينتظر ظهورها على أحر من الجمر، فعقله يرفض بتاتاً سيرها مع رجل غيره.
كست وجهه الحُمرة القاتمة من فرط غضبه الذي انفجر عليها ما إن ظهر طيفها أمامه.
دفع الباب بعنف وولج بخطاه كالثور الهائج الذي يود الفتك بضحيته.
حالة من الذعر سيطرت على ورد لاقتحامه المنزل بأسلوبه الهمجي ذاك.
حاولت تلبس ثوب الشجاعة أمامه، فعلى ما يبدو لا يعجبه مغادرتها للمنزل دون إذنه وخاصة مع ابن عمها.
صاح بها مصطفى بكل ما أوتي من قوة بغضب لا يسعه الكون:
"أنتِ كيف تهملي الدار من دون إذني وكمان مع راجل غريب؟ جبتي الجرأة منين تعملي أكده من غير ما ترجعي لي ولا تحترمي رجالة الدار اللي عتجد في جدرانه؟"
رمقته بنظرات احتقارية مشتعلة ولم تصمت بل انفجرت به وأخرجت كل ما يكمن في جوفها بعدم خوف:
"جصدك سجن مش دار، سجن محبوسة بين جدرانه ومخابرةش الإفراج هيبجي ميتي؟ كل ما يتخلق أمل جاديد جواتي تاجوا كلاتكم تموتوا كل ذرة أمل عيندي بعمايلكم."
لوى مصطفى شفتيه للجانب بتهكم، فهرائتها لم تقنعه ولم تهدئ من شعوره بالغضب بل ضاعفته بنبرتها المنفعلة التي تحادثه بها وهدر بها مستاءً:
"أسباب تافهة بتحصل في كل دار بين أي راجل ومرته، مش أسباب لعملتك اللي عملتيها، ديي عاملة متتغفرش."
قهقهت ورد عالياً بسخرية وقالت:
"اديك جولتها بين راجل ومرته، أني لا مرتك ولا أنت جوزي وكل اللي بينا حتة ورجة ملهاش عازة، لا في عشرة ولا رصيد يخليني اتغاضى عن اللي بيحصل لي منكم بالعكس إني من وقت ما عتبت السرايا وأني اتجل مني وكرامتي انداست بأقذرها بلغة ولحد إهنه وكفاية جوي أني مهتحملش أكتر من أكده حتى لو كنت بحبك."
صرحت ورد بحبها له دون ترتيب سابق، خرجت كلماتها عفوية صادقة بدون زيف أو تجميل.
لم تشعر بالندم لأنها اعترفت بحبه الذي يختبئ داخل قلبها، ربما ذلك الأفضل أن تبوح بكل مشاعرها سواء كانت سيئة أو كانت نبيلة، فلقد شعرت ببعض الراحة ولو عاد الزمن بها لن تتراجع عما تفوهت به.
بحث مصطفى بين خلايا جسده عن غضبه فلم يجد له أثراً.
تبخر تماماً ما أن صرحت بحبها له، يا حبذا عيش شعور الاعتراف بالحب للمرة الأولى.
لن ينكر أنه سمع من قبل عن جمال تلك اللحظة لكنه لم يعلم أنها بتلك الروعة.
لم يتردد لحظة في الاقتراب منها بقلبٍ خالٍ تماماً من أي مشاعر غير سوية.
لقد نجحت ورد في إشراق قلبه وإعادة حيويته وعنفوانه من جديد.
تراجعت ورد للخلف حين رأيته يتقدم نحوها غير قابلة أي تصرف منه في تلك الأثناء وحاولت إيقافه بنبرة صارمة:
"متحاولش تجول أو تعمل أي تصرف عشان هيكون مجاملة مش أكتر."
توقف مصطفى عن السير وعقد ما بين حاجبيه بحيرة وقع فيها وردد متسائلاً:
"هو فيه بين المتزوجين مجاملة؟"
أومأت له مؤكدة وأردفت بعناد:
"أيوة فيه."
أخذ مصطفى يزفر أنفاسه المتهدجة في صعوبة، فلقد أغلقت في وجهه جميع السبل لإرضائها، فردد بقلة حيلة:
"مخابرش أعمل إيه عشان أرضيكي، أنتِ مجفلة عليا كل الطُرج، جوليلي أعمل إيه وأني هعمله."
نفخت ورد بتذمر وأجابته بفتور قاسٍ:
"مخابرش، كل اللي أعرفه اني مريداها اتراضي دلوك عشان كل اللي هتعمله عحسه مجاملة وإنك بتعمل أكده بعد ما نبهتك لزعلي وسبب مضايجتي."
حاول مصطفى تلين عقلها بقوله:
"طيب همي نعاود السرايا نتحدتوا إهنه."
أبدت ورد رفضها التام للعودة إلى هناك مرة أخرى:
"لاه مهعاودش إهنه تاني واصل، الدار مش داري، أني إهنه مرتاحة."
چحظت عيني مصطفى بذهول قد سيطر على تقاسيمه وهتف مستاءً:
"كيف يعني؟"
أبعدت ورد نظرها في الفراغ الماثل جوارها مجيبة إياه بجمود:
"اسأل سيدة القصر وهي تجولك."
لم يمنع مصطفى ضحكاته التي خرجت رغماً عنه حين استشف أن سيدة القصر نفسها والدته.
توقف عن الضحك بصعوبة بالغة لكي لا يزيد الطين بلة، فيكفي تذمرها وعنادها المتمسكة بهما، فعلى ما يبدو أن هناك ثمة أمور لا يعلمها وعليه أن يهدئ من التوتر الناشئ بينهما.
أوصد الآخر عينيه كما أخرج تنهيدة بنفاذ صبر.
أعاد فتحهما وهو حاسم أمره على قول شيئاً ما لعلها ترضاه في النهاية:
"خلاص يا ورد، أنتِ طلبتي تجضي يوم في دار بوكي وأنتِ اهاه موجودة فيه، هسيبك لحالك تريحي عقلك وععاود أخدك وجت ما الشمس تغرب ومهجبلش أي اعتراض منك."
عقدت ذراعيها هاتفة بحنق:
"ربنا يسهل."
غادر المنزل على مضضٍ، فلم يريد تركها بمفردها لربما يحدث أي نقاش بينها وبين ابن عمها.
تساءل مصطفى كثيراً عن سبب ضيقه المستمر من طاهر، على الرغم أنه يعلم بحسن خلقه، لكن المسألة بعيدة كل البعد عن أخلاقه الحسنة، فهو لا يتخيل قرب رجل آخر بجوار حبيبته.
فسرها مصطفى على إنها غيرة الحب، وماذا ستكون إن لم تكن غيرة؟
تقوس ثغره بابتسامة عذبة بعدما تأكد من مشاعره اتجاهها وعزم على ألا يطيل الأمر ويوطد العلاقة بينهما في أقرب فرصة لديه.
نعود إلى ورد التي توجهت إلى النافذة بعدما تأكدت من مغادرة مصطفى لإختفاء صوت السيارة فتفاجئت بما يسرها وابتهج قلبها إثره ولم تتردد في الإسراع إلى الخارج لكي تنضم إلى...
رواية عرف صعيدي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم تسنيم المرشدي
"متجولش أنك بتصليحها" أردفت بهم ورد متلهفة لتأكيد حدسها.
رفع رأسه للأعلى مشكلاً ابتسامة مليئة بالحيوية وأجابها بحماس:
"عارف إنك بتحبيها جولت أحاول أصليحها مدام أنتِ إهنه".
ابتهجت ورد للغاية وازدادت تلهفاً لإسراعه في إعادة صنعها من جديد مرددة:
"متعرفش أني بكيت كد إيه يوم ما حبالها دابت واتجطعت لدرجة أن أبوي جالي هيعملي واحدة چديدة بس".
أخفضت رأسها في حزن جلي وتابعت مضيفة بآسى:
"اتوفي جبل ما يعملهالي".
فرت دمعة موجوعة على مقلتيها حزناً على فراق والدها. استشف الآخر بكاءها وعزم بأن ينهي تصليح تلك الأرجوحة مهما كلف الأمر. عادت ورد تنظر إلى حماسه ولهفته الذي يعمل بهما محاولاً إصلاح التالف بها.
مر ما يقرب الستون دقيقة قد نجح في إبدال الحبال التالفة بأخرى متينة يصعب إتلافها. خرجت ورد حاملة لأكواب الشاي وقامت بإعطائه كوب مردفة:
"اتفضل الشاي يا طاهر".
أخذه منها وشكرها بإمتنان بالغ:
"تسلم يدك".
التوى ثغرها ببسمة خجولة لم تصل إليه بسبب وشاحها الذي يشكل حاجزاً يمنعه من التمعن بها. أشار إلى الأرجوحة وقال متلهفاً لرؤية ردة فعلها:
"جربيها يلا".
أسرعت ورد متوجهة إليها وسألته بتوجس قبل أن تجلس:
"أجعد ولا هجع؟".
أضاق بعينه عليها موحياً إليها بإشارات معاتبة في لهجته:
"عيب عليكي وأني مش هتوكد منيها جبل ما أجولك تجعدي بردك".
سحبت نفساً وجلست أعلاها. دقت أسارير السعادة قلب الطفلة التي استيقظت بداخلها ما أن توسطت الأرجوحة. العودة لأرض الوطن التي تنتمي إليها شعور لا يمكن وصفه بأي كلمات، لن تكفي حقه مهما حاولت. شهيقاً وزفيراً فعلت ثم استندت برأسها على حبالها. صوبت زرقاوتاها على منزلهم بشغفٍ مرددة:
"ياريتنا ما كبرنا وفضلنا عيال صِغيرة".
شعر طاهر بأن هناك خطبً لا يعلمه. بحث بعينه سريعاً على شيئ يجلس عليه ثم سحب صندوقاً خشبياً هزيل وجلس أعلاه بحذر. أخرج تنيدة وطالعها لوقت فتلك اللحظة محببة إليه للغاية. كم تمنى أن يتوقف الزمن ويُكمل بقية عمره جالس أمامها لا يفعل شئ سوى التطلع بها.
"حمحم وسألها باهتمام:
"مريداش تجولي بردك عن سبب مجيتك لهننه وخصوصاً معايا، متفهميش غلط بس يعني مصطفى وافج إنك تمشي معايا؟".
اعتدلت ورد في جلستها وارتشفت القليل من الشاي وأجابته بهدوء:
"ومهيوافجش ليه عاد؟ أنت كيف أخوي وأني أمانتك".
لم تنجح ورد في إقناع طاهر بكلماتها. ضاق بنظره عليها بعدم اقتناع فاستشفت ما وراء نظراته وواصلت حديثها المسترسل:
"مش لازم أزور دار بوي بسبب يا طاهر اتوحشت الجاعدة فيها ومصطفى كان مشغول في المصيبة اللي حلت على أهل البلد ديي ملجتش غيرك أجي وياه".
حرك طاهر رأسه متفهماً وأبدى سبب سؤاله:
"أني بطمن عليكي مش اكتر عشان متفهميش حديتي غلط".
صمتت ورد لثوانٍ ثم تابعت مرددة:
"يابختها بيك اللي هتتجوزك".
تعجب طاهر من كلماتها المريبة فأوضحت هي قصدها برقة:
"هتاخد راجل حنين وجلبه طيب ومهاتهونش عليك تزعيلها، لو رايد نصيحة مني عاملها زين وإياك تجلل من جميتها حتى بينها وبين نفسها، خلي زعلها إمهم وميهونش عليك وصدجني وجتها هتجيدلك صوابعها العشرة شمع".
التوى ثغر طاهر بتهكم فهي جاهلة عن حبها الذي يسكن فؤاده وكان ليفعل أكثر مما قالته لو كانت هي من حملت اسمه لكن هيهات للدنيا وأقدارها التي جائت على غير هواه.
هرب طاهر بأنظاره بعيداً عنها وأردف مستاءً:
"خابرة إن الحياة ديي أوجات أحسها ظالمة، نتمنى حاچة واحد مفيهش غيرها وتاجي هي تدعس عليها وتطلع لنا لسانها وتعند معانا، نفضل نعافر معاها وأخرة المعافرة نلجى سراب!".
تأثرت بحديثه فيبدوا أن هناك ثمة أمور يحتفظ بها تسبب له الضيق. حاولت التخفيف من على عاتقه بقولها:
"في مجولة جريتها بتجول ':أحياناً يمنع عنك الله ما تريد ليعطيك ما تحتاج''خليك مؤمن دايماً إن عوض ربنا جميل وهياجي في أكتر وجت محتاجه بس أنت أصبر".
تقوس ثغرها بتهكم مستاءة من نفسها التي تنصح غيرها بحكمة لم تتخذها في حياتها. خرجت من شرودها على مجيئ صباح التي ألقت عليهم التحية وبعد مدة ليست بطويلة تعمدت إخبار ورد بزيجة طاهر حتماً لم يخبرها بعد:
"مش تباركي لطاهر يا ورد كتب كتابه ودخلته الخميس الجاي".
تفاجئت ورد بهذا الخبر السار ورددت بفرحة بالغة:
"بچد يا طاهر ألف مبروك".
عاتبته بمشاكسة أخوية:
"بجا جاعد معايا كل الوجت ديه ومتجوليش ماشي يا سيدي هعديهالك عشان الخبر يستاهل وأخيراً هنفرحوا من تاني".
لا تدري بأنه لم يخبرها لأن الأمر منتهياً لديه ولم يكن عالق في ذهنه من الأساس. سحب شهيقاً وأخرجه على مراحل ورد عليها بفتور وهو ينهض من مقعده:
"الله يبارك فيكي يابت عمي، عن إذنك ورايا مشوار ضروري لازمن أعمله لو احتجتي لحاجة كلميني على المحمول".
أماءت له بقبول ثم اختفى من أمامها سريعاً فهو ليس مستعداً لمواصلة الحديث عن زيجته معها خصيصاً يكفي سخافة إلى هذا الحد. كذلك عادت صباح إلى المنزل بعد أن قطعت عليهم خلوتهم الهادئة وباتت ورد وحيدة لكن بشعور مختلف عن ذي قبل. لقد شعرت بالراحة بعدما قضت وقتاً ممتعاً في منزل عائلتها بعيداً عن نادرة وتصرفاتها البغيضة.
استأذنت صفية من السيدة نادرة لمغادرتها السرايا وقتاً قصير لكي تطمئن على وحيدتها التي لا تجيب على مكالمتها.
عادت إلى المنزل بقلبٍ يعتصر خوفاً عليها. توجهت إلى غرفتها مباشرةً وتفاجئت بوقوفها في النافذة مستندة بمرفقيها على سور المنزل. اغتاظت من عدم مبالاتها وتوجهت نحوها بملامح غاضبة لا تبشر بالخير.
أمسكتها من ذراعها وأجبرتها على الالتفاف إليها واندفعت بها هادرة:
"معترديش على تلافونك ليه وجعتي جلبي حرام عليكي هطب ساكتة في مرة بسبب عمايلك ديي".
لم تكترث صفاء بغضب والدتها وبجمودٍ قالت:
"همليني لحالي ياما أني مجدراش أتحدت".
قطبت صفية جبينها متعجبة من أمرها وهتفت بعصبية:
"مالك يابه حالك متبدل أكده ليه، في إيه جوليلي وريحي جلبي".
حررت صفاء ذراعها من قبضتي والدتها وهتفت بحنق:
"جولتلك همليني لحالي مريداش أتحدت".
أولاتها صفاء ظهرها وعادت للوقوف أمام النافذة كما كانت عليه بينما انتظرت صفية على أملٍ أن تحادثها بعدما يهدئ روعها لكنها لم تفعل فعادت بأدراجها إلى السرايا حاملة الهم فوق اكتافها لا تدري كيفية التعامل مع تلك الفتاة المشاغبة التي تسبب لها المتاعب ليست إلا.
حل المساء سريعاً ولم تبتعد ورد عن الأرجوحة، بل فضلت المكوث أعلاها وتركت العنان لافكارها في الذهاب والإياب ربما تصل إلى حل قاطع مع نسمات الهواء العليل من ذلك الوقت.
انتبهت على صوت حكة إطارات السيارة التي وقفت أمام المنزل. ظهر مصطفى من خلف باب سيارته وولج بخطاه للحديقة. قطب جبينه بغرابة لرؤيتها في الخارج في هذا الوقت المتأخر من الليل.
دنى منها متسائلاً باهتمام:
"جاعدة برا الدار لدلوك ليه عاد؟".
نظرت إلى الفراغ أمامها وأجابته بفتورٍ قاسٍ:
"عشان أني رايدة أكده".
فهم مصطفى أنها لم تصفى بعد منه بسبب نبرتها الجامدة التي تحادثه بها. شهيقاً وزفيراً فعل لكي يتسع صدره مع الحوار الذي سيخلق بعد بينهم وأردف بهدوء:
"همي بينا نعاود السرايا وجبل ما تعترضي افتكري إني جولت لك معايزش اعتراض".
طالعته ورد فأسرع هو يغلق في وجهها أي رفض سيقابله منها بقوله:
"ولو جولتي لاه معنديش مشكلة أشيلك بين يدي التنين وأعاود بيكي لحد السرايا وسبج وعمِلت حاجة شبيه ليها".
تأففت ورد بضجر بائن وصل إلى أذان مصطفى ثم هبطت من على الأرجوحة وأدلفت للمنزل. وقف مصطفى يتابع تحركاتها ولا يعلم أي وجهة ستذهب فهي لم تخبره. عادت إليه بعدما جلبت حقيبتها وتوجهت مباشرة إلى السيارة دون تردد الكلمات.
رفع مصطفى حاجبيه عفوياً منه، فتصرفها الهادئ أخر شيئ كان يتوقع فعله منها. عاد هو الآخر إلى سيارته وتحرك بها عائداً إلى السرايا.
صف سيارته جانباً وترجل منها لكن خطوات ورد كانت أسرع منه ففي أقل من الثانية كانت اختفت من أمامه وصعدت إلى غرفتها. تبعها إلى الأعلى دون تردد. طرق بابها ثم ولج خلفها قبل أن تسمح له. تعجبت ورد من وجوده لكنها لم تعقب فهي ليست في مزاج سوي يسمح لها في خلق حوارً معه الأن.
لاحظت أنه يخلع جلبابه ويضعه على حامل الثياب الواقف خلف الباب ثم بدأ في خلع بقية ثيابه فلحقت به متسائلة بغرابة:
"بتعمل إيه؟".
رد عليها مصطفى متابعاً خلع ثيابه وكأن الأمر عادياً:
"بخلع خلجاتي عشان أعرف أنام زين".
عقدت ورد ما بين حاجبيها ورددت بعدم فهم لما يدور حول حديثه:
"تنام!!".
حرك رأسه بإيماءة من رأسه مردفاً بنبرته الرخيمة:
"أيوة هنام إهنه من إهنه وجاي".
تفاجئت ورد بقراره كما ازدردت ريقها بصعوبة، فلم تنم بجانب رجلاً من قبل وتحديداً هو فالعلاقة بينما متوترة كيف ستشاركه الفراش إذاً؟
حاولت التخفيف من عليها بترديد بعض الكلمات داخلها. استدارت بيدها مولياه ظهرها وتوجهت إلى المرحاض بدلت ثيابها إلى ثياب النوم خاصتها والتي تشعر فيهم بالراحة.
اعتلت الفراش ما أن دلفت خارج المرحاض مباشرةً دون أن تنظر إليه وكأنه نكرة لا تراه. سحب مصطفي نفساً عميقاً وسار بخطى ثابتة إلى فراشه العزيز الذي افتقده كثيراً. عودة حميدة له وأي عودة فإنه سوف يتشارك معها الفراش نفسه. يالا سعادة قلبه المفرطة!
أولاته ورد ظهرها ما أن أعتلى الفراش هاربة من نظراته التي يخترقها بحدتيه. سمح مصطفى ليده في التسلل من أسفل ذراعها محاوطها بذراعه. كتمت ورد أنفاسها حين تفاجئت بتصرفه، چحظت عينيها بذهول حين إلتصق بها وباتت حبيسة بين ذراعيه.
دفن مصطفى رأسه في عنقها وأوصد عينيه يستمتع بتلك اللحظة الثمينة. شعر برجفتها بين يديه مما زاده رغبةً بها لكنه حكم عقله وتريث، فهو يريد خوض تجربته الأولى معها وهي راضية تمام الرضا عنه.
رفع يده وبسلاسة فك قيد خصلاتها التي تحررت ووقعت على ذراعه. تغلغل بأنامله خصلاتها المموجة ثم هبط للأسفل قليلاً وحرك أصابعه على ذراعها بحركات عمودية سببت لها القشعريرة. كانت تضعف قوة تماسكها كلما مرر أنامله على موضع مختلف.
لم تهدأ نبضات قلبها المتزايدة قط منذ وقوعها في ذلك الموقف المخجل. حسناً، لن تتحمل لأكثر فهي تفقد صوابها تدريجياً مع تصرفاته التي يتقن فعلها كأنه متعمداً ذلك.
حاولت النهوض لكنه أبى وشد على خِصرها لكي يقيد حركتها هامساً بقرب أذنها:
"متبعديش عني".
جف حلقها من شدة الإرتباك والتوتر فابتلعت لعابها لكي تعود إلى طبيعتها. أجبرها مصطفى على الالتفاف إليه لكنها لم تقدر على النظر في عينيه. رفع وجهها بسبابته ليتمعن في جمال زرقاوتيها. تبادلا النظرات لبرهة فعصفت بهم مشاعر عدة لم يذقوا لذتها من قبل.
لم يكن أمامها مفر سوى الاختباء في صدره الذي رحب بوجودها فيه. شد مصطفى من محاوطته على خصرها وأوصد عينيه فيكفيه ذلك العناق الليلة حتى بات كليهما في ثُبات عميق.
صباحاً،
قلقت على رنين الهاتف المزعج الذي قطع عليها أحلامها الوردية. فتحت عينيها وتفاجئت بالظلام الذي داهمها يقطعه صوت نبضاتٍ ما. أعادت رأسها للخلف فبدأت صورته في الوضوح.
اتسعت مقلتيها بذهول لقد قضت الليلة كاملة على ذلك الوضع. انتبهت على رنين الهاتف الذي أخرجها من شرودها فيه. حاولت أن تصل إليه بيدها لكنه كان أبعد من طول ذراعها. تملصت من بين ذراعيه بهدوء لكي لا تسبب في إيقاظه، إلتقطت هاتفها المحمول وابتعدت عنه حتى تجيب والدتها.
"صباح الخير ياما" قالتها ورد بنعاس مسيطر على نبرتها. تلقت الرد من والدتها بلهفة:
"صباح النور يا جلب أمك كيف أحوالك؟".
أخرجت ورد تنيهدة مهمومة وأردفت بحاجة إليها:
"أني بخير، اتوحشتك جوي ياما اتوحشت أيامنا الجديمة".
أسندت ورد رأسها على باب الشرفة وواصلت حديثها مفتقدة إياها:
"فاكرة لما كنت اجعد تحت رجليكي وتضفريلي شعري؟!".
شعرت السيدة سنية بالقلق حيال كلمات ورد المبهمة ورددت متسائلة في اهتمام:
"وااه، إيه اللي خلاكي تفتكري الحاجات ديي دلوك أنتِ فيكي حاجة؟".
كذبت عليها في ردها لكي تطمئن قلبها:
"زينة زينة، بس اتوحشتك مش أكتر".
تبادلن أطراف الحديث لوقت لم يطول، فلم تلاحظ ورد تلك الأعين التي تتابع ما يحدث منذ نهوضها من جانبه ناهيك عن إصغاء أذنيه باهتمام لذكرياتها مع والدتها التي تفتقد إليهم.
أنهت ورد المكالمة واستدارت بجسدها لتتفاجئ به يقف خلفها. شهقت بذعر فأسرع هو بالإعتذار:
"أني آسف معريفش أنك محستيش بوجودي".
وضعت راحة يدها على يسار صدرها بذعر لم تخرج منه بعد. اقترب منها مصطفى وبكل هدوء ضمها إلى صدره الذي امتص ذعرها في ثوانٍ قليلة.
أبعدها عنه واردف بنبرته الهادئة وهو يعود نحو الفراش:
"تعالي معايا".
جلس على طرفه ورفع سودتاه عليه مردداً بحماس:
"إجعدي".
أشار إليها على الأرضية. قطبت جبينها بغرابة استشفها هو من خلف نظراتها وهتف مُصراً:
"إجعدي لاول وأنتِ هتعريفي رايد إيه".
جذبها من ذراعها وساعدها على الجلوس. رمق خصلاتها ولا يعي من أين يبدأ. سحب شيهقاً عميقاً ودس يده في خصلاتها حاسم أمره بأن يفعلها من أجلها.
وقعت ورد في حيرة من أمره فهي لم تدرك ما يفعله بخصلاتها لكنها لم تكن مزعوجة. لماسته عليها تسبب لها القشعريرة في ثائر بدنها. أغمضت عينيها تستمتع بذلك الشعور الجميل الذي وصل لأوتارها من فرط لذته.
انتبهت على صوته وهو يقول:
"خلصت جومي شوفي أكده".
نهضت ورد بمساعدته وتوجهت نحو المرآة. وقفت أمامها بزاوية معينة لكي تري شعرها بوضوح. عقدت ما بين حاجبيها بغرابة حين لم تصل لمُسمى لما فعله، فهي فقط تري بعض الخصلات المعقدة. حمحمت ونظرت لصورته المنعكسة في المرآة وسألته بفضول:
"ديه يطلع إيه؟".
دني منها وأجابها بنبرة مليئة بالحيوية والحماس:
"مش كنتي رايدة تضفري شعرك!".
أعادت ورد النظر على خصلاتها ربما تجد ضفيرته التي عقدها لأنها لم تجد سوى الخصلات المتشابكة البعيدة كل البعد عن الضفيرة. وميض عينيه اللامع أجبرها على شكره فهي حتماً ستشعره بالإحباط إن أدلت بكلماتها التي تتردد داخلها. ابتسمت بعذوبة وأردفت ممتنة بنبرة لطيفة:
"حلوة جوي تسلم يدك".
اتسعت ابتسامته بسعادة بائنة فشكرت الأخرى ربها بأنها لم تسخر منه وتدلي بما كان يدور داخلها. حاولت الفرار من أمامه إلى المرحاض فهي إلى الأن لم تصفوا من أخر تصرف قام به معها.
منع مصطفى هروبها بمحاوطته لذراعها وقام بسحبها إليه ومن ثم توجه إلى الفراش جلس أعلاه وأجلسها على قدميه. لم يري منها ردة فعل بل كانت ساكنة تماماً وهذا ما يضايقه فهو لا يعلم إن كانت متخذة منه موقفاً أم لا.
أعاد بأنامله خصلة شاردة خلف أذنها وبدأ حديثه قائلاً بصوته الأجش:
"خابر أني وعدتك متبكيش دمعة واحدة وموفتيش بوعدي، بس كان غصب عني يا ورد خارج إرادتي، المصيبة اللي حلت علينا واعرة جوي وخسرتنا كاتير ولسه لدلوك بنخسر في أرواح وفلوس، وأنتِ كان لازم تجدري الظروف اللي أني فيها ومتتحدتيش في حاجة زي ديي وعشان تعريفي حُسن نيتي أني كنت ناوي اوديكي كيف ما اتفجنا بس أنتِ اللي سبجتي بحديتك في وجت كنت مخنوق ومضايج فيه، الست لازم تجف جار چوزها في المواجف الصعبة وتهون عليه بأي طريجة بحديتها بجا بدلعها أيتها حاجة المهم تحسسه أنها معاه وجاره مهما حوصل".
أزفر أنفاسه محاولاً التحلي بالهدوء لكي يواصل حديثه معها دون أن يظهر غضبه في نبرته وتابع حديثه مضيفاً:
"مش هجولك أني مضايجتش من طلبك في الوجت ديه بس أنتِ جولتيلي حاجة هدتني شوية لما فهمتها، مفيش بينا عشرة ولا رصيد يخليكي تتغاضي عن تصرفاتي، حديتك في محله يا ورد وأني رايد أخلچ بينا عشرة ومواجف تخليني مهونش عليكي والعكس صوح".
رفع رأسه للأعلى قليلاً ليكون في نفس مستواها. سمح ليده بالتسلل إلى خلف أذنها وملس على بشرتها بنعومه مفرطة رجف جسدها إثر لمساته عليها. ابتلع مصطفى ريقه وهمس أمام شفتيها ط:
"بحبك يا ورد".
تفاجئت ورد بتصريحه لحبها. خفق قلبها بشدة وهي تطالع حدتيه الذي لانت تماماً ولم تكن تراه مصطفى جامد المشاعر كما قبل ذلك. قطع حبال شرودها فيه بمتابعتة للحديث:
"صوت الجلب العادي بيعمل دق دق إلا جلبي هينطُج ورد!".
لمعت عينيها بوميض الحب. تفاجئت بكلماته التي يصرح بها لمرته الأولي من أجلها هي. اقترب منها شيئاً فشيئ إلى أن وصل إلى مراده المطلوب الوصول إليه. تمكن من شفتيها بجرأة لم يتحلي بها معها من قبل.
مال بها على الفراش فتفاجئت الأخرى بفعلته. ازدردت ريقها في خوف وحاولت إيقافه قبل أن يتمكن منها أكثر مرددة بتلعثم:
"مصطفى، رايدة أجولك حاچة".
أبى أي مناقشة الأن فلن يتراجع عما نوى فعله. ألا ترأف بجوارحه التي تطالب بها امرأته؟ أعادت هي تكرار قولها بتوسل:
"حاچة مهمة يا مصطفى..".
لم يكترث لها فلا يوجد أهم من لحظته الثمينه معها. فحاول جذب عقلها له هامساً:
"مرايدش أعرف حاجة واصل ركزي معايا وسيبك من أيتها حاجة دلوك".
عاد يلثم عنقها بقبلاته الرقيقة التي سلبت عقلها من أي افكار سوداوية داخله. ارتخي بدنها تماماً بفضله مطالبة به فلبى طلبها على الرحب والسعة.
تراجع للخلف في ذعر وهو يطالع الملائة. خفق قلبه بشدة ظناً منه أنه قد قام بإيذائها وردد متسائلاً:
"إيه ديه؟".
كانت ورد في حالة لا يرثى، واقعة ما بين حيائها المصحوب بالتوجس الشديد خشية من ردة فعله إن علم حقيقة الأمر.
لم يجرأ مصطفى على تقدم خطوة واحدة فالخوف قد تملك منه وسألها في قلق:
"انتِ زينة عتتوجعي من حاچة؟".
لاحظت ورد خوفه البادي على تقاسيمه وظاهر بوضوح في نبرته المرتجفة فقررت توضيح سوء الفهم له فلن تتحمل رؤية حالته المذرية بهذا الشكل طويلاً.
شيهقاً وزفيراً فعلت ثم نهضت من مكانها والتقطت قميصها ارتدته سريعاً واقتربت منه موضحة له حقيقة الأمر:
"اهدي وأني هجولك على الحجيجة بس سايج عليك النبي ما تتهور بعد اللي هتسمعه مني".
قطب مصطفى جبينه بعدم فهم ما ترمي إليه. أضافت ورد هاتفة بتوجس شديد:
"محدش لمسني جبلك!!".
كلماتها كانت بمثابة تراهات بالنسبة له فكيف سيصدقها وهناك أدلة قاطعة تعكس ما قالته. رمش بأهدابه عدة مرات متتالية وردد بذهن مشتت:
"وهلال! والزيطة اللي حوصلت في السريا يوم الصباحية بلاش ديي، أني وصلتكم المستوصف بنفسي يبجي كيف؟".
ثقلت أنفاسها فالأمر بات صعباً عليها مواصلته. حاولت تهدئة روعها والإمساك بزمام الأمور. حل السكون لدقائق معدودة ثم تراجعت بخُطاها للخلف وجلست على الفراش ثم رفعت ثوبها للأعلى وأشارت إلى تلك الندبة اعلى ركبتها وهتفت موضحة:
"أني روحت المستوصف عشان ديي..".
عاد مصطفى بذاكرته إلى يوم زفاف أخيه حين رآه من النافذة يقف في الخلا ناهيك عن ضيق نبرته التي حادثه بها حينها. كذلك أيضاً في اليوم التالي حين اصطحبهم إلى المشفي وكان في حالة تعجب بالغة من طلب أخيه لطبيبة جراحية وليست تخصص طب النساء. عاد لواقعه ومازال عقله مشوش ولم يصل إلى ضوء ينير ظلمة أفكاره فأردف متسائلاً:
"وليه كل اللي حوصل ديه؟".
أخفضت ورد رأسها في حياء وقصت عليه بقية الأمر الذي يجهله:
"اني منعت هلال يجرب مني، كنت متعمشة فيه أنه يرجع لي حجي من عمي".
رفعت بصرها عليه وتابعت مضيفة بنبرة منكسرة:
"كنت مفكرة إني لو سمحت له يجرب مني مش هيهتم للموضوع لكن لما أمنعه من حجه هيعمل المستحيل عشان...".
صمتت من تلقاء نفسها حين لم تجد ما يصف بقية حديثها حتماً قد استشفه هو. أخذت نفساً عميق ونكست رأسها مرة أخرى وواصلت وهي في حالة لا تحسد عليها:
"ديه اللي كنت رايدة أخبرك بيه".
أعادت النظر في سودتاه التي تخترقها مضيفة:
"كنت رايدة أجولك إني بنت بنوت!!".
الكثير من التفاصيل والأحداث الجديدة التي لم يستوعبها عقله بعد. تقدم نحوها وجلس بجوارها يحاول هضم ما أخبرته به. وضع راحتي يده على جانبي رأسه مستنداً بمرفقيه على فخذيه. أوصد عينيه لثوانٍ يجمع شتات عقله المشوش.
توجست ورد خيفة في نفسها من سكونه المريب. لم ترفع بصرها عنه في انتظار عاصفة ما بعد ذلك الهدوء. نهض مصطفى من مكانه فانتفضت هي في ذعر إثر نهوضه المفاجئ.
التقط مصطفى جلبابه ثم توجه للأمام فأسرعت ورد باللحاق به وقلبها ينخلع رعباً متسائلة:
"على فين؟".
أجابها مختصراً وهو يبعدها عنه:
"خليكي أهنه".
تابع تقدمه تحت أنظارها المهددة بالبكاء. ولج داخل الشرفة ونادي بنبرته الجهورية:
"عسران...".
خفق قلب ورد رعباً مع منادته المتكررة على شيخ الغفر وعلمت بأنها نهايتها لا محال بينما جائه عسران راكضاً فأشار إليه مصطفى بإبهامه وسبابته معاً في حركة ما فاستشف عسران ما يقصده.
تفاجئت ورد بصوت إطلاق النيران التي بدأ صداها في الإقلاع دون توقف. شعرت بوخزة قوية في صدرها لتلك الحالة المريبة التي عليها مصطفى. وضعت راحة يدها على صدرها تعد الدقائق الأخيرة لها هنا.
قبل أن يعاود مصطفى للداخل أمر رجال الغفر قائلاً:
"متوجفوش واصل".
ولج للداخل ومن ثم توجه لباب الغرفة وسار خارجها منادياً بنبرته الرخيمة عالياً:
"صفية..".
ركضت صفية مهرولة إليه. رفعت نظرها للطابق العلوي فحدثها مصطفى من الأعلى:
"زغرطي يا صفية".
قطبت صفية جبينها بغرابة ورددت بعدم استيعاب:
"أزغرط؟".
أماء لها مؤكدا طلبه:
"إيوا، ومتوفجيش زغاريط".
حملقت صفية فيه بذهول فإنها المرة الأولى لطلبه منها أمراً كهذا. نهرها مصطفى بحدة:
"ما تزغرطي يا ولية".
انتبهت صفية على أمره الحاسم فاصدرت الزغاريد المتتالية دون توقف. بادلها مصطفى ابتسامة راضية وعاد بأدراجه إلى غرفته مرة أخرى.
كانت ورد تتابع ما يحدث في حيرة من أمره. انتظرت عودته وسألته بتردد لتأكيد حدسها:
"يعني أنت مش مضايج؟".
رفع مصطفى حاجبيه تلقائياً على سؤالها الساذج. اقترب منها وحاوط خِصرها بذراعيه ثم حملها في الهواء ودار بها حول نفسه والسعادة لا تسعه مردفاً بنبرة حماسية:
"أني اسعد راجل النهاردة، النهاردة فرحي صوح!".
أنزلها مصطفى وأعاد لها خصلاتها الشاردة وسمح لنفسه في التمعن بزرقاوتيها وعقله يعيد مشهد اعترافها بكونها لازالت عذراء ولم يمسسها رجلاً غيره بينما استنشقت ورد الصعداء وهدأت من روعها تدريجياً إلى أن اختفي تماماً.
ازداد تدفق الأدرينالين في الدم فتسبب في إفراز هرمون السعادة التي اخترقت قلبها. جذب مصطفى انتباهها إليه بقوله:
"يلا روحي ادوشي وتعالي".
أماءت له بطاعة وهي تعض على شفتيها بحياء مختلط بالإرتباك. أولاته ظهره وتقدمت خطوتين للأمام ثم عادت إليه وطبعت قُبلة سريعة على وجنته ثم هرولت داخل المرحاض هاربة منه.
تفاجئ مصطفى بتصرفها الجرئ وهلل عالياً بسعادة:
"يا سعدك يا هناك يا مصطفي يا جبلاوي".
تسللت كلماته إلى آذانها فإلتوى ثغرها تلقائياً مُشكلة إبتسامة مليئة بالإثارة. توجهت نحو المرآة وطالعت صورتها المنعكسة لبرهة. لاحظت إشراقة وجهها الذي عاد إلى رونقه كما تبدل لون بشرتها وسارت بها الدماء وانتعشت فيها الحيوية.
أخرجت تنهيدة بطيئة متعمدة إخراج كل شعور سيئ قد تبدد داخلها فالحياة قد ابتسمت لها من جديد وربما تلقي عوض الله فيما عاشته في الأيام القادمة.
استدارت بجسدها نحو المغطس الرخامي ووقفت أسفل المياة المتدفقة بشدة من الصنبور الذي يعلوها تاركة العنان لعقلها محلقاً بعيداً في سماء خيالها الخاص.
هرولت للخارج على أصوات الزغاريد والطلقات النارية التي لم تتوقف عاقدة حاجبيها بغرابة. أستندت بمرفقيها على سور السُلم وسألت صفية في فضول:
"ايه سبب الزغاريط اللي على الصبح ديه؟".
توقفت صفية عن الزغاريد وأخبرتها بأمر مصطفى:
"ديي أوامر سي مصطفى".
قطبت نادرة جبينها ورددت بعدم استيعاب:
"أوامر مصطفى!!".
عادت إلى واقعها حين لم تصل إلى ما يرضي فضولها ونظرت إلى صفية أمرة إياها بصرامة:
"طب بطلي اللي بتعمليه ديه وهمي حضري الفطور سيدك عيبدل خلجاته ونازل".
هتفت صفية بطاعة:
"أمرك ياستي".
استدارت السيدة نادرة بجسدها ورمقت باب غرفة الضيافة بحيرة من أمر مصطفى. توجهت إلى الغرفة بخطى متريثة لكي يكن لديها علم بحقيقة الأمور. طرقت بابه لكنها لم تجد إجابة.
أعادت الطرقات بقوة أكبر والإجابة نفسها لا يوجد رد. أمسكت بمقبض الباب وأدارته ثم ولجت للداخل فتفاجئت بخلو الغرفة. وقفت في منتصفها هاتفة بحنق:
"فينه مصطفى ديه؟".
نفخت بضجر بائن ودلفت للخارج أثناء خروج خليل من غرفتهم فهبط معاً للطابق الأول وسألها باهتمام:
"إيه الزيطة اللي حوصلت في السرايا فجاءة ديي؟".
أجابه نادرة بتهكم:
"صفية بتجول أن مصطفى اللي أمر بكده روحت أشوف إيه الحكاية ملجتلوش أثر".
أعتلى خليل مقعده على الطاولة ومن ثم جلست نادرة إلى جواره في إنتظار إنهاء صفية من تحضير الفطور.
حاوت جسدها بالمنشفة ثم مالت برأسها يميناً ويساراً ناثرة بقية المياه المعلقة في خصلاتها فأخذ شعرها وضعه للجانب وباتت جميلة المظهر. توجهت للخارج باحثة بزرقاوتاها عليه. لم تبحث كثيراً فلقد جاء إليها متلهفاً حين استمع لحكة التي أصدرها الباب.
التوى ثغره ببسمة إعجاب لمظهرها التي لم يفشل في سلب عقله من فرط حلاوته. صاح عالياً مبدي إعجابه بها وهو يقترب منها:
"أها، أها هنا سأسكت قليلاً، هنا سأسكت قليلاً احتراماً وتقديراً لهذا الجميل".
لم تسطيع تمالك ضحكاتها التي خرجت بميوعة مبالغة. شاركها مصطفى في الضحك وبعد برهة نجحت ورد في السيطرة على قهقهتها وأردفت بدلع محبب:
"أني ممتعوداش على الدلع ديه كلاته أصل اتعود عليه..".
دنى منها مصطفى ولف ذراعه حول خصرها جاذباً إياها إلى صدره وهتف بثقة:
"من إهنه وجاي مفيش إلا دلع وبس، هتوني أدلع ليكي لما الكل يكرهك بسبب دلعك وأني بس اللي أحبك، أنتِ تشاوري ومصطفى ينفذ طوالي، أنتِ حبيبة الجلب يا وردتي!".
تزايدت دقاتها بإعلانه لملكيتها حتى في اسمها. عضت على شفاها السفلى بخجل ورددت بفرحة:
"وردتك!!".
حرك رأسه بإيماءات مؤكداً ما ترمي إليه وقال بنبرته الرخيمة:
"وردة مصطفى الجبلاوي مرته حجه وحلاله".
لم تتردد لحظة في التعلق بعنقه معانقة صدره بكل ما أوتيت من قوة لكن قوتها الصغيرة لم تحتويه فشد على ظهرها فارضاً قوته عليها وهمس بنبرة متحشرجة وهو يدفن رأسه في عنقها:
"الحضن بيكون إكده يكسر الضلوع مش حضن الخواجات حجك".
على الرغم من شعورها بالألم التي بالكاد تتحمله إلا أنها لم ترفضه فهي مرحبة به بقسوته وعنفوانه كما هو عليه. تشعر بالراحة وهي بقرب قلبه. خفف مصطفى من قبضته قبل أن تنكسر ضلوعها بين ذراعيه وهتف:
"هدوش علة السريع وننزلوا نفطر تحت".
رمقته بنظرات متوسلة حيث هتفت برجاء:
"بلاها النزول وناكلوا إهنه".
أوضح لها وجه نظره من نزولهم:
"النهاردة بالذات لازمن ننزلوا وهتفهمي بعدين".
انحنى عليها وطبع قُبلة على طرف شفتيها ثم أدلف للمرحاض بينما توجهت هي إلى الخزانة لكي تستنقي واحدة من عبائتها الجدد وقامت بارتداء أحدهم وجلست على الأريكة في انتظار خروج مصطفي.
ظهر طيفه بعد دقائق قليلة واصطحبها إلى الأسفل معاً متشابكين الأيدي. اتسع ثغر خليل مشكلاً ابتسامة سعيدة عند رؤيته لمصطفى برفقة ورد. لاحظت نادرة عيني خليل التي صُوبت على نقطة ما خلفها ثم ظهرت ابتسامة عريضة على محياه. رسمت ابتسامة هي الأخرى عفوياً مع ابتسامته والتفتت برأسها للخلف لكي تري ما ينظر إليه وسبب له السعادة.
سرعان ما اختفت ابتسامتها وتحولت إلى غضب اشتعلت نيرانه دخلها لهطول والدها مع الفتاة ذات الحظ التعيس. ألقى عليهم مصطفى تحية الصباح بنبرة مشرقة على غير عادته:
"صباح الخير يا أبوي، صباح الخير ياما".
أجابه والده بحب بينما لم تنطق نادرة بشيئ:
"صباح النور يا ولدي، صباح الورد يا ورد".
بادله ورد ابتسامة خجولة ورددت متجنبة النظر في عينيه:
"صباح النور يا بوي".
سحب مصطفى المقعد الخشبي ليسهل على ورد الجلوس أعلاه ثم جلس جوارها تحت نظرات نادرة المذهولة على تصرفاته البلهاء. من هذا حباً في الله حتماً ليس نفسه مصطفى ذو العقل الحجري والطباع الحادة. جزمت داخلها بأن من يجلس أمامها ليس بولدها وانما هو رجلاً عاشقاً لورد.
سكون ليس إلا حل لوقت تناولهم للطعام وبعدما انتهوا منه صدر صوت خليل موجهاً سؤاله إلى مصطفى:
"موصلتش لحل يهون المصيبة اللي حلت علينا فجاءة ديي؟".
مسح مصطفى فمه بالمنشفة الورقية وبتريث وثبات أجابه:
"أني بجول يا بوي إننا منبيعيش الكميات الكابيرة لتاجر واحد، يعني اللي كان بيشتري منينا عشر رووس نديله خمسة عشان نبيع لنفس عدد التجار بس بكميات جليلة ومنخسرهمش وبالحسبة ديي هيتبجي عندينا بهايم بزيادة تكفينا لتجار الألبان".
ربت خليل على يد مصطفى الموضوعة أعلى الطاولة مردفاً بفخر:
"تسلم أفكارك يا ولدي، هستأذن أني عشان أبلغ بجيت أهل البلد بالحل ديه أكيد كلاتهم هيعملوا أكده، هتاجي معايا ولا أسبجك أني؟".
نهض خليل من مقعده فور إنتهاء حديثه وكذلك تبعه مصطفى هاتفاً:
"لا أني يا بوي كنت رايد إجازة سبوع إكده ولا حاچة".
عقد خليل حاجبيه بغرابة وسأله مستفسراً:
"إجازة ليه يا ولدي عمرك ما طلبتها".
شكل مصطفى بسمة عذبة على محياه وأجابه بشموخِ مصحوب بالخجل:
"مش العريس بردك من حجه إجازة يا بوي؟".
تفاجئ الجميع بما أدلى به مصطفى، فحديثه ذاك كان بمثابة تصريح بائن لتوطيد علاقته مع ورد الذي قبل بها زوجة!
فهمت نادرة الأن سبب الزغاريد والطلقات النارية التي استيقظت إثرها. مشاعر عدة قد اختلطت على الجميع فمنهم من تملكه الخجل وآخر من استشاط غيظاً، كما ابتهج خليل لصلاح تلك العلاقة التي فقد الأمل فيها ناهيك عن شعور الإنتصار المصحوب بالشموخ اللذان تملكا من مصطفى.
قطع حبال شرودهم خليل بترحيبه لطلب مصطفى:
"خدلك سبوع تنين إن شالله شهر اعمل اللي على كيفك يا ولدي".
بادله مصطفى ابتسامة راضية بينما غادر خليل ثم مد الآخر يده لوردته متلهفاً في العودة لغرفتهم:
"بينا نعاودوا الأوضة يا ورد".
تلونت وجنتي ورد بالحُمرة لتصرفاته التي لم تعهدها من قبل. مدت له يدها بحياء فلا يوجد أمامها سوى إمتثال كل ما يؤمره أو يفعله وعادت معه إلى عُشهم الزوجي الجديد.
نهضت نادرة بصعوبة قابلتها فساقيها لم تعد تتحملها ورددت مغتاظة:
"بجا أكده يا مصطفى تعصي كلمة أمك عشانها! ماشي.".
رواية عرف صعيدي الفصل السادس عشر 16 - بقلم تسنيم المرشدي
تراجع مصطفى عن الدخول للغرفة واستأذنها بلطف:
-ثواني هعاود طوالي..
أولاها ظهره ونظر إلى والدته الواقفة مكانها بجوار الطاولة وصاح عالياً:
-بجولك ياما
رفعت السيدة نادرة رأسها للأعلى في انتظار سماع ما يريد فتابع هو قائلاً:
-جولي لكل جرايينا ياجوا يباركولنا كيف ما بيعملوا في المناسبات أني محدش جالي كاني مش مالي عينهم وياريت يبجي النهاردة
أنهى اخر جملته ثم عاد إلى ورد التي حملقت فيه مذهولة فـ تلك اللحظة لم يستوعب عقلها التغيرات المفاجئة التي حدثت فجاءة في حياتها.
لاحظ مصطفى نظراتها التي تطالعه بها وسألها في فضول:
-مالك عتبحلجي فيا ليه، معجبة؟
إلتوى ثغرها بإبتسامة أسرته ورددت بدون تصديق:
-حاسة إني بحلم وخايفة أفوج منيه جوي
عبس مصطفى بوجهه وأكد لها مدي صدق نواياه:
-مفيش أحلام تاني واصل، فيه حجيجة نعيشها وبس!
برقت عينيها بوميض العشق وأخرجت زفيراً بتمهل لتعطي فرصة لعقلها في استيعاب كامل الأمور، ولج كليهما للغرفة فأمسك مصطفى بذراعها يريد سؤالها عن شيئ ما لطالما شغل تفكيره، حركت ورد رأسها للخلف لتعلم مراده فسألها هو دون تردد:
-جولتي إن ليكي حق عند عمك، إيه هو؟
أزفرت ورد أنفاسها بتهكم وأجابته بفتور:
-حجي عند ربنا متشغلش حالك بالموضوع ديه
طالعها مصطفى مستاءً من ردها الذي لم يرضيه وأصر على معرفة حقوقها الذي يجهلها:
-كيف يعني مشغلش حالي بحق مرتي اللي عمها واكله حسب ما فهمت!!
اقتربت منه ورد محاولة تغير مسار الحوار بنبرتها الناعمة:
-أني مريداش منيه حاجة خلاص و..
قاطعها مصطفى بإصرار بالغ:
-ورد.. جولت إيه هو حجك اللي عند عمك جاوبي على سؤالي وبطلي رطرطة في الحديت ملهاش عازة
لم تتوقع أن الأمر يهمه لتلك الدرجة، اعتقدت بأنها يمكن أن تُنسيه ما يريد معرفته بسهولة لكنها أدركت أن الأمر بات أكثر تعقيداً وصعوبة فالإصرار الذي تراه في نظراته دليلاً على عدم تراجعه قبل أن يصل إلى مراده.
لكنها لا تريد تكرار فعلتها فهي إلى الأن تعيش في تأنيب الضمير اتجاه هلال وكأنها هي من تسببت في قتـله، لا تعلم لما تربط بين وفاته وفيما طلبته منه لكنها تحمل نفسها كل اللوم فيما حدث ولن ترضي تحمل عبئ آخر على عاتقها.
طال صمتها فاضطر مصطفى لتكرار سؤاله بنبرة أكثر صرامة:
-إيه هو الحق ديه يا ورد انطجي
أخرجها من شرودها على نبرته الحدة، سحبت نفساً عميق وأخرجته بتمهل ثم أردفت بلا مبالاة زائفة:
-حتة أرض مهياش كابيرة يعني
دنى منها مصطفى مردداً بتجهم:
-حتى لو متر واحد المفروض يتقي ربنا ويديكي حجك مش ياكله بس ملحوجة سيبي الموضوع ديه عليا
أسرعت ورد رافضة لتدخله وهتفت متوسلة:
-لاه لاه أحب على يدك ملكش صالح عاد بالموضوع ديه أني مريداش أرض ولا حق أني راضية وجولتلك جبل سابج حجي عند ربنا
تجمدت تعابير مصطفى وصاح متذمراً:
-وأني مرتي ميباتش حجها برا واصل، وبعدين مالك خايفة أكده ليه هو مهددك بحاچة؟
نفت ورد سؤاله بتحريك رأسها يميناً ويساراً بسرعة قسوة وأوضحت سبب مخاوفها:
-أني لحد دلوك بعيش عذاب الضمير أني طلبت من هلال ياخدلي حجي منيه، معرفاش ليه بس موته خلى ضميري يأنبني كاني السبب ومن وجتها وأني حسمت أمري أوكل ربنا يجيب لي حجي منيه هو أقوى من الكل، بلاها تدخل أنت يا مصطفى لو ليا عنديك خاطر
لم يقتنع مصطفى بحديثها الساذج ورد عليها بتريث معانق للعجرفة:
-معذورة لساتك متعريفيش أنتِ متجوزة مين ولا يقدر يعمل ايه وحجك د...
أنهارت ورد تماماً وضعفت قوة تماسكها وهتفت عالياً برجاء وهي توليه ظهرها:
-مرايدهوش، حجي وأني اللي بجولك مرايدهوش
شعر مصطفى بمدي خوفها ولم يريد إطالة الأمر، توجه نحوها ووضع كلتى يديه على ذراعيها وأردف بنبرة تميل إلى اللين محاولاً التخفيف من ذعرها:
-خلاص عاد انسي الموضوع المهم متبجيش حزينه
وضعت ورد كلتى يديها أمام وجهها وأطلقت العنان لعبراتها في النزول ما أن اطمئنت بعدم تدخل مصطفى في الأمر.
شعر مصطفى بحرارة عبراتها التي سقطت على يده فأجبرها على الإلتفاف إليه وقال محذراً:
-إوعاكي أشوف الدموع ديي تاني واصل
مسح لها عبراتها بأنامله ثم انحنى عليها ووضع قُبلة رقيقة على جفنيها ومن ثم هبط قليلاً وطبع قُبلة أخري على طرف شفتيها، شعر برجفة جسدها بين قبضتيه فسألها هامساً:
-لساتك عتخافي مني؟
ازدردت ورد ريقها بإرتباك حرِج، عضت على شفاها بتوتر بائن وأجابته بهمس:
-لاه، بس بتوتر من قُربك
أضاق مصطفى بسودتاه عليها موحياً إليها بإشارات معاتبة وردد:
-بلاها التوتر ديه أني معحبوش واصل أني رايدك تاخدي عليا بسرعة
رفعت ورد كتفيها عالياً بقلة حيلة قبل أن تردف:
-مخبراش كيف!
غمز إليها مصطفى بعينه عازماً على تعليمها ثقافة التعامل معه كيفما يريد، خلع جلبابه سريعاً ومن ثم خلع صدريته أسفل نظراتها المحملة بعشرات من الأسئلة عليه.
تجرد مصطفى من ثيابه عدا بنطاله، رفع ذراعها ووضعه على صدره، تعمد عدم تركها إلا بعد أن يشعر بتبخر توترها ناهيك عن فعلها لما يعلمها به بمفردها، مرر راحة يدها الناعمة على صدره ثم رفع يدها بقُرب فمه وطبع قُبلة أذابت قلبها من فرط نعومتها.
عاد مصطفى لوضع ذراعه إلى جواره في إنتظار تطبيقها لدرس اليوم، لم تتحرك خُصلة بعد من ورد فهي لا تدري ما الذي عليها فعله، عقد مصطفى مابين حاجبيه بتزمجر وقال:
-هتجفي تبحلجي فيا كاتير طبجي الدرس كيف ما علمتك
رددت الأخري كلمته بتعجب:
-درس!!
أومأ رأسه بتأكيد وعاد لسكونه ثانيةً حتى يترك لها المساحة في تطبيق الدرس كما لقنه لها.
شهيقاً وزفيراً فعلت ورد وبصعوبة بالغة قابلتها رفعت يدها على صدره، لوهلة شعرت بثقل حركة يدها كأنها شُلت، ساعدها مصطفى على فعلها بوضعه لراحة يده على يدها ومررها مرة أخرى على صدره ثم أزاح يده فطالعته بزرقاوتيها مترددة فشجعها هو بنظراته التي تحثها على فعلها.
وأخيراً بدأت في تحريك يدها عليه بصعوبة قابلتها في بداية الأمر بدأت تختفي رويداً رويداً إلى أن أتقنت ورد ببراعة دون خجل.
ارتفعت بيدها قليلاً حتى لمست خشونة ذقنه، ملست على ثائر وجهه بنعومة شديدة أسرت قلب مصطفى ونجحت في سلب عقله تماماً والأدهى تلك القُبلة المفاجئة التي شعر بحلاوتها دون سابق إنذار.
لم ليكن يفوت الفرصة دون وضع لمسته الخاصة التي لن يفعلها سواه.
بدأت الشمس في الغروب، الأجواء هادئة الى حد ما، صلاة المغرب على وشك الأذان، في منزل حمدان وبالتحديد غرفة طاهر.
وقفن النساء يشاهدن أثاث الغرفة الجديد وأيضاً أوراق الجدران المنقوشة بالنقوش الزاهية الكلاسيكية التي تليق بالعروسين كما عُلقت الستائر المطرزة بالجوبير الفاخر ذات اللون الابيض التي أضافت لمسة ساحرة للغرفة.
قطعت ثريا مشاهدتهم بسؤالها:
-إيه رأيك يا مروة في الأوضة والله دي جاية من دمياط مخصوص، معلوم الغالي ميجيش إلا للغالي اللي زيه
أخفضت مروة رأسها في حياء وردت عليها ممتنة بنبرة خافتة:
-تسلمي
أضافت أميمة والدة مروة بفرحة عارمة:
-تسلموا يارب الأوضة زينة والحيطان والستاير جميلة جوي، أكده معتش إلا السجاد وديه علينا بجا كيف ما الحاج حنفي اتفج مع جوزك وإحنا بإذن لله هننزلوا بكرة من بدري نشتريه هو وبجيت جهازها
ربتت ثريا على ذراع أميمة بسعادة:
-على بركة الله يا حبيبتي، يتهنوا فيها أن شالله
آمنت أميمة على دعائها:
-أمين يارب
انتبهن جميعهن على حمحمة طاهر الذي أصدرها قبل ولوجه للغرفة، خفق قلب مروة ما أن شعرت بوجوده قبل حتى أن يدور حديث متبادل بينهم، رحبت به أميمة قائلة:
-أهلاً بالعريس كيفك يا ولدي؟
أجابها طاهر على مضضٍ:
-بخير يا خالة، كيفكم أنتوا والحاج حنفي وطاهر كيف أحوالهم؟
أعدلت أميمة من وضعية حقيبتها أعلى كتفها وأجابته بود:
-كلاتهم بخير يا ولدي
تدخلت ثريا فور انتهاء أميمة من الحديث:
-بجولك إيه يا أميمة فات البت صباح حضرت لنا الشاي تعالي لما ننزلوا نشربوه جبل ما يبرد
أشارت ثريا بعينها على طاهر ومروة فاستشفت أميمة أنها تريد ترك بعض المساحة لهم فأردفت بقبول:
-وماله يلا يا حبيبتي
ترجلن إلى الأسفل بينما تفاجئ طاهر بخلو الغرفة إلا من كليهما، رمق الغرفة بجمودٍ وألقى بسؤاله حتى يمضي الوقت سريعاً:
-الأوضة عاجبتك؟
تجرأت مروة على رفع عينيها عليه وأماءت له مؤكدة مدي إعجابها:
-أيوة جميلة
حرك طاهر رأسه بإيماءات عِدة ثم قال:
-هتنزلي ولا واجفة عِندك؟
أجابته بحياء مختصرة:
-لاه هنزل
أولاها ظهره وأسبق بالنزول بينما تبعته هي وقلبها لا يكف عن التراقص فرحاً لذاك الحديث القصير، جلست بجوار والدتها التي تفاجئت بنزولهم سريعاً ولم تكن ثريا أقل منها مفاجئة، مالت عليه وسألتها بنبرة خافتة:
-واه إيه اللي نزلك طوالي أكده أني جولت هتجفوا ويا بعضيكم تتحدتوا هبابة
خرجت نبرته بجمودٍ مختلط بالتهكم:
-هنتحدتوا في ايه؟
تراجعت ثريا للخلف ورمقته بنظرات مغتاظة من أسلوبه البارد الذي يتعامل به مع الجميع، عاودت الانتباه إلى ضيوفها وتناولت معهم أطراف الحديث عن تحضيرات الزفاف في حين أن طاهر كان معهم جسدا خالياً من الروح.
بعد تفكيرٍ طال حسم بأن يفعل ما يخبره به قلبه ويترك العقل جانباً فما الذي أتخذه من العقل طيلة أعوامه الثمانية والعشرون.
ذهب قاصداً السرايا ليري صغيرته التي لم تغيب عن عقله منذ آخر لقاء بينهما، وقف برفقة عسران وصوب عينيه على المرر الجانبي الذي يتوسطه باب المطبخ على أمل خروجها.
ظهرت صفية من خلف الباب وتوجهت إليهم، لم يشعر ضيف بالإطمئنان لتعابيرها الجامدة، دعى داخله بألا تكون صفاء قد فضحت أمره، وقفت صفية على مقربة منهم ونادت بصوت متعب:
-عسران..
توجه لها بعدما استأذن من ضيف وقال بنبرة خشنة:
-رايدة حاجة يا مرت أخوي؟
ارتخت تقاسيمها وأجابته بنبرة مرهقة:
-صفاء مجلعة عنيا التنين وبسببها معارفاش أشوف شغلي زين، رافضة تروح جامعتها ومريداش تعتب برا الدار واصل أني طهجت ومعتش عارفة اتصرفوا معاها كيف، أني جولتلها إن عمك رايد يتحدت وياكي وهي زمانتها على وصول، حاول تعرف منيها حالها متشجلب أكده ليه؟
أماء لها عسران بقبول وأردف بصوت متحشرج:
-روحي شوفي اللي وراكي وأني هشوف الموضوع ديه متحمليش هم
عادت صفية إلى المطبخ بينما تفاجئ عسران بعدم وجود ضيف كما تركه، بحث بسودتاه عنه في الأرجاء لكنه لم يراه فسأل أحد رجاله:
-مشوفتش ضيف يا عيد؟
أجابه عيد قائلاً:
-لساته خارج من إهنه
جلس عسران على أقرب مقعد وصلت إليه قدميه في إنتظار مجئ ابنة أخيه التي في مثابة ابنته.
في الطريق العمومي، سار ضيف متوجهاً إلى منزل حبيبته الصغيرة فهو لن يتراجع قبل أن يحادثها، تفاجئ بقدومها وعليطى ما يبدو أنها شاردة الذهن فلم تلاحظ مروره بجوارها، تعجب ضيف من أمرها وعاد إليها منادياً إياها بنبرة خافتة:
-صفاء..
توقفت صفاء إثر نطقه لإسمها الذي أخرجها من حالة تشويش عقلها، التفتت إليه وتفاجئت بوجوده فعلياً أمامها فلقد شعرت لوهلة أنها تحلم من فرط اشتياقها له.
كادت أن تلين معاملتها لكن لذاكرتها رأي آخر، فلقد تنشطت تلقائياً مذكرة إياها بفعلته الوقحة معها، كزت أسنانها بغضب شديد ثم أولاته ظهره وتابعت سيرها، لحق بها ضيف بمسكه لذراعها فسحبتها منه بكل ما أوتيت من قوة ونهرته معنفة:
-إوعاك تفكر تلمسني تاني إما واللي خلق الخلق أفرج عليك البلد كلاتها يا غشاش
صعق ضيف من تلقيبها له بغشاش، فمتى غشها تلك البلهاء؟ عبس بوجهه مستاءً وهتف متسائلاً:
-غشاش! أني غشاش؟
أضافت على حديثه مؤكدة بصرامة:
-إيوة وكبير الغشاشين كماني، جلة أدبك معايا واللي عملته إسمه غش، أنت غشيتني عملت لي البحر طحينة لحد ما اطمنت لك واتمكنت مني وأخدت اللي رايد توصله يا غشاش
كلماتها كانت تثبت له مدي سذاجتها، حرك رأسه مستنكراً ما تفوهت به، لم يتمالك نفسه وانفجر بها منفعلاً:
-أني لما جربت منك كنت رايد أثبت لك إني بحبك وجولتلك إن اللي حوصل ديه وعد عشان أوفي بيه، الطريجة كانت غلط بس ديه اللي فكرت فيه وجتها، كنت مغلول من الدنيا كلاتها، أولهم أبوي اللي رافض الجوازة وآخرهم أنتِ لما جولتي حديت ماسخ معناته أنك هتبعدي عني، أني متحملتش كل ديه وطلعت كل الغل اللي حابسه جوا مني فيكي ولو كنتي لساتك شيفاني غشاش فإني هثبت لك إني راجل صوح وميهمنيش موافجة أبوي ولا غيره المهم تبجي مرتي في الآخر
اقترب منها ضيف فتراجعت هي للخلف خشية أن يعيد تكرار تصرفه الجرئ لكنه مر بجوارها دون أن ينظر إليها، تابعته بعينيها لتعلم وجهته فتفاجئت به يولج للسرايا.
چحظت عينيها مذهولة من أفكارها السوداوية التي عصفت بها دفعة واحدة وتخبطت بينهم دون الوصول لنقطة ترضي أسئلة رأسها، أسرعت خُطاها إلى الأمام حتى وصلت إلى السرايا ووقفت في زاوية لم يلاحظها أحد وبحثت بعينيها على ضيف المجنون لتري ماذا سيفعل؟
قطب عسران جبينه بحيرة:
-واه اختفيت فين فجاءة أكده؟
لم يعقب ضيف عليى سؤاله بل ألقى ما عاد لأجله بثباتٍ دون تردد أو خوف:
-أنى رايد اطلب يد صفاء بت أخوك
تفاجئ عسران من طلب ضيف فأخر ما يمكن توقعه كان طلبه للزواج من إبنه أخيه فالفارق الإجتماعي بينهما لا يمكن وصفه ببعض الكلمات، ربما يمكن أن نشبه بالمسافة التي بين السماء العُليا وبين الأرض وإن لم يكن باطنها أشد تعبيراً.
تريث عسران في حديثه وأردف بحكمة:
-الحاج حنفي مجاش وياك ليه يطلب بت أخوي؟ مش ديي أصول بردك يا ولدي البت ياجوا كلاتهم يطلبوا يدها في دارها!!
علم ضيف بأن الأمور باتت أشد تعقيداً كما أدرك أن تبريراته التي سيعلل بها موقفه لن تنطلي على عسران فهو أدهيى ذكاءاً من أن يصدق هرائاته، أخذ شهيقاً عميق وأخرجه بتمهل وهو يرتب كلماته بعناية:
-عارف إن اللي هجوله مش أي حد يتجبله بس اعتبرني ولدك كيف ما عتناديني، أبوي مموافجش بس أني ميهمنيش موافجته في حاجة أني راجل راشد بصرف من حُر مالي محدش بيصرف عليا، أجدر أامن لـ بتكم دار ويمكن قصر كمان بس أنتوا توافجوا
أشار له عسران بالجلوس وجاوبه بحكمة الخمس وخمسون عاماً الذي عاصرهم واكتسب منهم خبرات كُثر:
-بص يا ولدي أنت كيف ولدي صوح بس هي كمان بتي وربنا يعلم إني عمري ما اعتبرتها بت أخوي واصل، يمكن ربنا مأردش ليا الخلفة عشان أجدر أعطيها حبي وحناني كيف ما أكون ابوها تمام، الأصول بتجول لازم الواد ياخد موافجة أهله لاول ولو رفضوا يجولهم سمعاً وطاعة، ولنفترض أن في حالات مستثنية بس بيكون بيناتهم توافق وإحنا مش شبهكم يا ولدي انتوا عيلة كبيرة حسب ونسب وإحنا ناس غلابة على باب الله، انتوا من طينة وإحنا من طينة تانية خالص، يعني لو رايد رأيي أسمع حديت أبوك!
رفض عقل ضيف الرضوخ لما يريده عسران منه تقبله مبدي استحالة قبوله:
-أنتوا وحديكم اللي شايفين الفرق ديه أني مشايفهوش، صدجني أني كل اللي رايده أنها تكون مرتي حلالي وهسعدها وعمري في يوم ما هزعيلها ولا هسمح بكده
استنشق عسران أكبر من قدر من الهواء حتى يواصل حواره مع ضيف بنفس الهدوء الذي يتحلى به:
-غصب عنك هتزعيلها مش بمزاجك، لو مش منك فالزعل هيكون من أهلك لأنهم مش متجبلينها ووجتها الزعل هيحوصل هيوحصل، وأني يا ولدي مرايدش لجلبها الحزن، خد واحدة من توبك حتى تجصر على نفسك الزعل اللي هيحوصل بينك وبين بوك، وخدها نصيحة مني بلاش تعصاه رضا الأب من الجنة
انتفض ضيف من جلسته ناهياً الحديث بقوله:
-لاه مهرضخش لحكمكم الظالم واصل أني أهاه والزمن بينا طويل
هرول للخارج بخطى غير مستقيمة وعقله رافض لحكمهم بالإعدام لعلاقتهم التي لم تبدأ بعد، لمح طيف صفاء الواقفة في زاوية صغيرة تبكي بأنين صامت يقطعه شهقات قوية تحاول هي إخفائها بيدها.
لم يتحمل ضيف رؤيتها على تلك الحالة المذرية، توجه نحوها وحاول إيقاف عبراتها بكلماتها:
-متبكيش عاد يا صفاء، خليهم يرفضوا براحتهم أني بردك مهتجوزش غيرك حتى لو قاطعت طوب الأرض كلاتهم عشان خاطرك هعملها بس أنتِ متبكيش تاني واصل مفهوم!!
اكتسبت صفاء بعض الطمأنينة من ثقة كلماته، مسحت عبراتها بأناملها وأردفت حديثها التي ترفض الإدلاء به:
-مش يمكن يكونوا هما اللي صوح وإحنا اللي لازمن نبع...
قاطعها ضيف بحدة:
-ششش متنطجيهاش
دني منها محافظاً علي سنتيمرات قليلة بينهم وتابع مضيفاً:
-طول ما فيا النفس هعافر لغاية ما اكتبك على إسمي حتى لو علي حساب الكل، أني رايدك من إهنه لغاية ما اللحظة اللي بنتمنوها تاجي متحمليش هم لأيتها حاجة ولا تبكيش اضحكي بس.
أماءت له بقبول دون أن تردف شيئاً بينما هتف هو قائلاً:
-يلا عاودي السرايا ومتجفيش وحديكي في وجت متأخر أكده تاني
مرت بجواره وعادت إلى السرايا بينما غادر هو بعدما تأكد من سلامة وصولها قاصداً طوالة الخيل العائدة لمصطفى حتى يختلي بذاته بضعة من الوقت يرتب فيه أفكاره بعناية.
خرج من المرحاض بعد أن تنعم باستحماماً بارداً أعاده إلى رونقه من جديد، لاحظ شرودها الغارقة بين طياته، اقترب بخطاه منها محاولاً جذب انتباهها بغنائه:
-إيه يا ستو أنا..
رفعت بصرها عليه ولازالت معتلية الفراش فأسرع هو بسؤاله في فضول:
-مالك يا جمر غايب عننا فين؟
نهضت ورد من جلستها ووقفت مقابله وبتوجس جلي على تقاسيمها قالت:
-خايفة من المجابلة ديي ما بلاها يا مصطفى
رمقها مصطفى بطرف عينيه وهتف بتجهم:
-وااه هيعضوكي ولا ايه؟
أخفضت بصرها مستاءة من سخريته دون أن تجيبه، رفع مصطف وجهها بوضعه سبابته على ذقنها وطالع زرقاوتيها وأعاد تكرار سؤاله فهو لم يفهم نقطة خوفها بعد:
-لا بجد ايه اللي مخوفك؟
ابتلعت الأخريى ريقها وبتلعثم أردفت:
-خايفة من.. حديتهم عليا .. أكيد مش هسلم من لسانهم ورميهم للحديت العفش، أنت متعريفش الحريم تفكيرهم كيف أني اللي جاعدت وياهم وعارفة زين!!
لم يحب مصطفى ضعف لهجتها ولا رجفة نبرتها، بشموخٍ وتعالي قال:
-مرت مصطفى الجبلاوي متخافش من حاچة واصل، مرتي تجوي جلبها وتحط صوابعها العشرة في عين أي حد يرطرط بالحديت الماسخ، وأني أصلا جبتهم واصريت على المباركة ديي عشان أوريهم أنك حبيبتي ومحدش يجدر يتحدت في حجك واصل
إلتوت شفتيها للجانب بتهكم مرددة:
-حبيبتك مرة واحدة! طب جول مرتك لاول
رد عليها موضحاً:
-كلاتهم عارفين جبل سابج أنك مرتي يوم كتب كتابنا، أما لساتهم ميعرفوش إنك حبيبة جلبي، جلب مصطفى ودي وحديها كبيرة جوي
لاحظت ورد عجرفته التي يحادثها بها كما أنها ليست المرة الأولى، رفعت حاجبيها متعجبة من أمره مرددة:
-يسلام..
غمز إليها بعينه واثقاً من حاله وقال:
-لساتك متعريفش مين مصطفى الكل هيعمله حساب الكبير جبل الصغير
أصدرت ورد شهقة خافتة وأردفت مستاءة منه:
-وااه يعني أنت رايد الخلج تتجبل إني حبيبتك عافية!!
قطب جبينه بغرابة وبعبوس أجابها:
-عافية! لاه طبعاً
عقدت ذراعيها متسائلة في فضول:
-كيف أومال لو مش عافية؟
ابتعد عنها مصطفى وجاب الغرفة يمينا ويساراً وهو يفكر في طريقةٍ ما ثم ردد ما يدور في عقله:
-مخابرش بس أكيد مش عافية يعني، ويلا بجا بكفيانا حديت الخلج كلاتهم تحت بيستنونا..
أماءت له بقبول وأسبقت بالسير فلحق بها مصطفى بقوله:
-راحة فين علي حالتك ديي؟
عقدت ورد ما بين حاجبيها متعجبة من حالتها التي تجهل أمرها ورددت في حيرة:
-مالها حالتي عاد؟
وضح لها سبب تعليقه على حالتها:
-شعرك اللي رمياه علينا ديه لميه مرايدش حد يشوفوا، تاخدي عين يابه
لم تمنع ورد ضحكاتها في الخروج بنبرة مرتفعة ثم جمعته في يديها وحاوطته بخصلات منه لينسدل على ظهرها في وضع ذيل الحصان، رمقها مصطفى بتفحص واهتمام ثم أردف بعدما اقتنع بتسريحتها:
-تمام أكده همي يلا..
أخذت ورد شهيقاً عميقاً قبل أن تخرج من الغرفة برفقة حبيب دربها الذي لم يترك يدها التي تحتضن يده ثانية وهبط معاً إلى ضيوفهم لينالوا المباركات منهم.
شدت على يده التي تحتضن يدها قبل أن تخطوا للداخل، أصدرت إحدى النساء بعض الزغاريد ما أن ظهروا أمامهن.
تلقوا المباركات المختلفة فمنهم من هنئهم بالكلمات الطيبة ومنهم بالمصافحة والقُبلات الحارة وآخرين قد دعوا لهم بالتوفيق في حياتهم القادمة.
بحث مصطفى عن والدته التي تجلس في زاوية غير مرئية للبعض، توجه نحوها متعمداً إظهار حبه لها والإرتقاء بها أمام الجميع لربما ترضي عن علاقتهم، وقف أمامها وطبع قُبلة على كفها ثم وضع قبلة أخرى على جبينها بإحترام وحب ظاهر مردفاً:
-ربنا يخليكي ليا ياست الكل
نجح مصطفى في أسر قلبها بتصرفه أمام النسوة، تقوس ثغرها ببسمة سعيدة ونهضت من مكانها، احتضنته بقوة وقالت ممتنة لكونه ولدها:
-ربنا يبارك في عمرك يا ولدي
ضغط مصطفى على يد ورد الواقفة خلفه مشيراً إلى والدته فأطاعته ورد بود واقتربت من السيدة نادرة مُشكلة بسمة خجولة على محياها، انحنت على يدها التي أسرعت نادرة بإبعادها عنها مستنكرة قربها.
تفاجئت ورد من تصرفها، كست الحُمرة وجنتيها خجلاً من فعلتها الوقحة، كز مصطفيى أسنانه بضجر بائن وعينيه يحملنها الإيلام والخزي من تصرفها، لاحظت نادرة فداحة ما اقترفته فحاولت إصلاح الأمر حيث شكلت بسمة متهكمة على محياها وربتت على يد ورد التي ردتها عنها وأردفت بحبٍ زائف:
-أنتِ بتي مفيش بيناتنا الشكليات ديي
أجبرت ورد شفتيها على الإبتسام رغم الشعور المؤذي الذي سببته لها، جلست بجوار مصطفى على الأريكة التي تتوسط الغرفة في محاولة منها على استعادة رونقها.
خلع مصطفى عبائته واكتفى بجلوسه بالجلباب، قطعت لمزات النسوة عمة مصطفى بقولها:
-لايجين على بعض جوي ربنا يحرسكم من العين
آمن عليها مصطفى مردداً:
-آمين يارب يا عمامة تسلمي
تابعت عمته حديثها بمرح:
-حتى فيكم شبه كبير من بعض
تبادلا مصطفى وورد النظرات لبرهة ثم انفجرا ضاحكين، رد عليها مصطفى من بين ضحكاته:
-لا ديي بعيدة جوي يا عمامة أني فين جنب الجمر ديه كلاته!
شعرت ورد بالخجل من وراء كلماته التي يغازلها بها أمام الجميع، نكست رأسها في إرتباك حرِج بينا قالت عمته:
-ربنا يخليكم لبعض يا ولدي هي فعلاً جمر بس ابننا بردك حيلوة ويتحب
شكرها مصطفى على لطفها فتابعت مضيفة:
-صالح برا يا ولدي كان رايد يبارك لك بنفسيه
رحب مصطفى بوجوده مهللاً:
-يا مرحب بيه يا عمامة هخرج له حالاً
نهض مصطفى من مقعده وقبل أن يغادر انحنى على ورد بقرب أذنها وهمس بنبرة خافتة:
-راجع لك يا وردتي مهتأخريش
قابلته بإبتسامة عذبة دق قلبه أسرها بينما تدخلت إحداهن بقولها:
-يابختك بيه يا ورد مصطفى زينة الشباب
أسرع مصطفى بالرد عليها وهو يطالع زرقاوتي وردته بهُيام:
-أني اللي يا بختي بيها يا خالة، ورد كيف إسمها تمام هي بهجة حياتي!!
خجلت المرأة من رد مصطفى فنواياها كانت إحراج ورد لكنها هي من خجلت بالأخير فقررت إلتزام صمت طيلة فترة مكوثها.
أعدل مصطفى من وضعية وقوفه ثم توجه نحو الباب وقبل أن يغادر تذكر عبائته فاستدار بجسده وأشار لورد عليها، لبت طلبه مسرعة وساعدته على ارتدائها، ملست على طرف العباءة من عند صدره لكي تكون حالته مهندمة.
شعرت ورد بحرارة القبلة التي اخترقت جبينها بنعومة شديدة، رفعت بصرها عليه في خجل من تصرفه المفاجئ فوجدته مُشكلاً بسمة جذابة على محياه، بادلته إبتسامة خجولة وعادت إلى حيث مكانها بينما توجه هو للخارج لكي يرحب بإبن عمته.
جلست ورد تتابع باهتمام بعض الأقاويل التي تناولنها النسوة معها:
-''يابختك بيه يا ورد''''واضح أنه بيحبك جوي''''متصورتش أن مصطفى بجلالته يكون حنين أكده على مرته''''ورد شكلها سحراله''
لاحظت ورد تبديل أسلوبهم وتحول أحاديثهم فلم ترى منهن مثلما فعلوا يوم زفافها، كان مصطفى محقاً في استضافتهم والأن فهمت ماذا يقصد بقوله سيريهم أنها باتت حبيبة وليست فقط زوجته.
انتهت الزيارة ووقفت ورد تودع الجميع حتى بات المنزل خالياً إلا منها ومن السيدة نادرة التي استغلت فرصة خلو الوسط من البشر وأردفت بتجهم:
-اوعاكي تفكري إمي اعتبرتك بتي صوح كيف ماجولتلك، لاه ده حديت ملوش عازة جدام الخلج وبس!
أماءت لها ورد برأسها دوت أن تعقب على كلماتها الفظة فلقد اعتادتها ولن تساعدها في تعكير صفوها، استشاطت نادرة غيظاً من عدم ردها عليها وحاولت استفزازها بإلقاء الكلمات المهينة:
-متفكريش إن اللي في ولدي ديه حب فيكي لاه ده بس بيتمرد عليا إكمني جولتله يطليجك هو أكده طول عمره معيحبش الأوامر ويتمرد عليها بس في الآخر بيعمل اللي بيتجاله لأنه بيلاجيه هو الصوح، كلها يومين ويعرف إنك لا من جيمته ولا من جيمة عيلته متفرحيش كتير!!
صمتت نادرة حين رأت طيف ولدها يطل عليهم بقامته المنتصبة وشكلت إبتسامة زائفة على ثغرها، توجه مصطفى مباشرةً نحو ورد مردفاً:
-أني جعان جوي مأكلتش زين
أسرعت نادرة بالرد عليه بتلهف:
-ثواني يا حبة عيني وأحلى وكل يكون جاهز لاجل عيونك
انصرفت نادرة سريعاً لتمنع جميع السُبل أمام ورد في تلبية طلب زوجها وتكون هي الأم حنونة القلب التي تسرع في تغذية ولدها رغم أنه من مسؤليات زوجته وليست هي.
تابعتها ورد بعينيها وأعادت النظر إلى مصطفى بخزي:
-أني اسفة محلجتش ااا...
قاطعها مصطفى بقوله:
-الوكل جدامي أهاه هي مفهمتش الحديت صوح
قطبت جبينها بغرابة فلم تستوعب كلماته فأوضح لها ما يقصد:
-تعالي وأني جولك فوق جصدي إيه بالتفصيل الممل
سارت ورد بجواره على استحياء دون تعقيب، لمحت طيف خروج السيدة نادرة من المطبخ فأحبت أن ترد لها الصاع صاعين، توقفت عن السير وبميوعة مبالغة همست أمام شفاه مصطفى:
-شيلني يا مصطفى..
لم يتحمل مصطفى سماعه لنطقها إسمه بتلك اللهجة المائعة التي حركت فيه مشاعره وأسرع بالإنحناء عليها وحملها بين ذراعيه برحب وهو يردد:
-بس أكده من عنيا التنين أشيلك وأبوسك كماني
قبلها في عنقها فكان أقرب مكان وصلت إليه شفتاه لحظتها، أطلقت ورد ضحكة تردد صداها في المكان فهتف مصطفى عالياً:
-اااه يا جلبي مهتحملش اكده
تابع صعوده للأعلى مالت ورد على كتفه ورمقت نادرة بطرف عينيها ورأت نيرانها المتقدة التي تنعكس على تقاسيمها الغاضبة.
إلتوى ثغرها بإبتسامة عريضة فلقد ردت عليها بسهولة دون أن تتعب في فعل شيئ يمكن أن يدينها فيما بعد، ولج بها مصطفي للغرفة ووضعها برفق على الفراش ثم قال وهو يخلع عنه ثيابه:
-حاسس إني محتاچ أتأوت أكتر من أكده أكلتي بجت ضعيفة جوي
مال عليها مجبراً إياها على خوض تجربته الخاصة والفريدة من نوعها معه..
أستاذنت أميمة في الذهاب لتأخر الوقت، وقف الجميع أمام الباب يودعون بعضهم البعض حيث أردفت ثريا بحزن:
-والله الوجت عدي بسرعة والجاعدة كانت جميلة
تنهدت أميمة لمرور الوقت سريعاً وأردفت:
-الأيام الجاية كتيرة تيجي بس ونجعدوا كتير ويا بعض، عن إذنكم عشان الوجت اتاخر
حركت ثريا رأسها للجانب موجهة حديثها إلى طاهر:
-روح وصليهم يا طاهر الليل ليل يا ولدي متسيبهموش يمشوا وحديهم
أماء لها طاهر بقبول فانشرح صدر مروة وشعرت بالسعادة تدق طبول قلبها لأنه لم يحين الوقت بعد لأن يفترقا، سار معهم طاهر والتزم الصمت طيلة مدة سيره معهم فقط يجيب على حديث أميمة من حين لآخر ويعود إلى صمته من جديد..
عاد حمدان إلى منزله بعدما تأكد من مغادرة ضيوفهم في حالة لا يرثى لها، فهو بات شارد الذهن منذ واقعة حفر التربة التي كانت تأؤي سلاحه بين رمالها وإلى الأن لم يجده.
جلس على طرف فراشه مهموماً ظل عقله في الذهاب والإياب محدثاً نفسه في بعض الأوقات لدرجة أن ذات مرةٍ اعتقدت ثريا أنه قد ذهب عقله وجن لتصرفاته المريبة في الأوانِ الأخيرة.
أنتبه على صوت أصدره الهاتف معلناً عن وصول رسالة ما، جذب هاتفه بنفسٍ غير متزنة وتفاجئ بما رآه فور فتح الرسالة...
رواية عرف صعيدي الفصل السابع عشر 17 - بقلم تسنيم المرشدي
الأجواء هادئة للغاية، يتسلل ضوء القمر من ثغرات النافذة، إضاءة خافتة تأتي من ظُلة المصباح التي على يمينهم وأخرى على يسارهم أعلى الكومود.
صوت أنفاسهم يتردد صداها في الأرجاء من فرط السكون المسيطر على الغرفة، تجلس هي مستندة على جدار الفراش وهو مستلقي على طول الفراش مستند برأسه على قدميها يستمتع بتلك القشعريرة المتسببة هي فيها بتخللها لخصلاته بأناملها.
قطعت هي ذاك الصمت بنبرتها المبحوحة:
- تعالي نلعبوا لعبة.
جاوبها وهو على نفس وضعه:
- نلعبوا إيه؟
- الشايب.
هتفت بها ورد بحماس طفولي.
رفع مصطفى رأسه ورمقها بعدم ترحيب لاقتراحها:
- وشغل أحكام ماسخة من ديي معحبهاش شوفي غيرها.
أصرت ورد على لعبتها مرددة:
- لا هنلعبوها جوم اجيب الكوتشينه بتاعتي.
رفع مصطفى حاجبيه متعجباً من ثقة حديثها وقال:
- أنتِ عاملة حسابك بجا.
اتسعت شفتيها مُشكلة إبتسامة عريضة وهي تومئ برأسها مؤكدة:
- إيوة ديي بتاعتي من وأنا عيلة صغيرة.
نهضت من جلستها واقتربت من خزانتها الخاصة وجذبت الكوتشينة وعادت إليه متلهفة للعب معه.
لم يعترض مصطفى على الرغم من عدم موافقته لتلك اللعبة فهو لا يحب أحكامها ودوماً ينتهي به المطاف بالمشاجرة مع خصمه، لكنه سيفعلها تلك المرة من أجل ورد.
بدأت ورد في بدأ اللعبة مباشرة فهي لا تطيق الإنتظار، واثقة من أنها ستهزمه فهي تحترف لعبها.
بدأوا الجولة الأولى التي انتهت بتحقيق انتصار عظيم في مرمى ورد التي لم تكف عن السخرية لخسارته، ناهيك عن تغنجها بجسدها مبدية مدى سعادتها في رقصتها التي كانت بمثابة الدرع الحامي لها من انفعاله عليها.
لم يرفع بصره من عليها بإعجاب شديد لحركاتها العفوية التي تحرك فيه جوارحه.
حان دور إخباره بحكمها لطالما يبغض تلك اللحظة من اللعبة، حيث قالت دون تفكير وكأنها حاسمة حكمها من البداية:
- البيت اللي جنبنا فيه شجرة مانجة يا أبوي على جمالها روح جيبلي واحدة وتعالى.
لم يعقب على تلك السخافة وأردف بتهكم:
- خلصي وجولي حكمك إيه؟
أجابته مستاءة:
- ما أني جولت!
انتفض مصطفى من مقعده وهدر فيها بانفعال:
- نعم؟ مانجا إيه اللي هجيبها، ديي اسمها سرقة!
حاولت ورد أن تريه الموضوع من نظرة أخرى بميوعة:
- واحدة مش هتفرج ومسمهاش سرقة، أني اشتيهت المانجا وأنت جبتلي منها بس أكده.
حرك مصطفى رأسه مستنكراً ما تقوله وكأن الأمر بتلك السهولة التي تتحدث بها وحاول أن يغير الحكم بقوله:
- بكرة أجيب لك جفص مانجا. لا جفص إيه، إني هاخدك تجعدي في الأرض نفسها وتاكلي على كيفك بس إني مهعملش أكده.
ألقت ورد بالاوراق التي بيدها أرضاً ثم توجهت نحو الفراش واستلقت عليه وهتفت بجمود في نبرتها:
- خلاص انسي الموضوع يلا عشان نناموا.
طالعها مصطفى بضجر بائن فهو لا يحب ذلك الوضع الذي اتخذته كما أنه لن يفعل ما تريده، ستصبح فضيحة بكل المقاييس إن تم الإمساك به من قِبل أهل المنزل.
تأفف بضيق وهو واقع في حيرة من أمره، لا يدري ما عليه فعله الآن، ما يجيد إدراكه أنه مزعوج من حزنها التي تسبب به.
كانت تنتظر ورد عودته إلى جوارها لكنه لم يفعل.
مر الوقت لكن دون جدوى، صغت إلى صوت إغلاق الباب فرفعت رأسها لتعلم ما الأمر، تفاجئت بخلوا الغرفة إلا منها، نهضت باحثة عن مصطفى من شرفة الغرفة.
رأته يتسلل داخل المنزل المجاور لهما بحذر شديد لكي لا يشعر به أحد.
غزت الإبتسامة شفتيها بحماس وسعادة ووقفت تتابعه باهتمام وحرصت بألا يصدر منها صوت.
وقف مصطفى على أطرافه بخفة لكي يلتقط فاكهة المانجا بحرص شديد حتى لا يجذب الانتباه عليه، وبمجرد أن التقط إحداهن حتى تفاجأ مصطفى بسقوط أخواتها خلف بعضهم مصدرين ضجة إثر سقوطهم على الأوراق الجافة.
- هين هناك.
هتف بهم أحد الرجال فخفق قلب مصطفى رعباً لما هو مقبل عليه، لعن نفسه على سماعه لصوت قلبه وإلقائه لنفسه في التهلكة من أجل ذات الأعين الزرقاء.
ركض مصطفى للخارج بسرعة قصوى لم يتحلى بها من قبل متخذاً مقولة الركض نصف الجدعنة في الاعتبار.
في ثوانٍ قد عاد إلى السرايا لاعناً غباءه الذي أوقعه به في ذلك المأزق، صعق حين استمع إلى إطلاق النيران على بعد مقربة منه وكأن الصوت يأتي من حديقة منزلهم.
لم يتوقف لأكثر وصعد الأدراج بأنفاس لاهثة يكاد يلتقطها، ولج لغرفته ووقف يستنشق الصعداء ما أن أوصد الباب خلفه دون أن يراه أحد أو كذلك ظن.
لم تجرأ ورد على نطق حرف، فهي شاهدت ما حدث من خلفها بأم عينيها ولن تذهب للنار بقدميها.
كاد أن يمسكون به لولا لطف الله في استطاعته على الهروب وعودته إلى هنا دون أن يقع مكروهاً من خلف حكمها الغبي.
توجه مصطفى نحو الفراش واستلقى عليه بإهمال، طالع السقف لبرهة ثم دس يده في جيبه جلبابه وأخرج المانجا ووضعها جانبه.
تعجبت ورد من سكونه المريب، حتماً ذلك هدوء ما يسبق العاصفة، لم تبرح مكانها في انتظار انفجاره بها في أي لحظة.
اعتدل مصطفى في جلسته وطالعها لثوانٍ قبل أن يردف بنبرة هادئة:
- تعالي كملي اللعب.
لوهلة ظنت ورد أنه يسخر منها، طالعته بطرف عينيها بعدم تصديق.
فأعاد مصطفى تكرار حديثه:
- مش كنتي رايدة مانجا اهيه، تعالي كملي لعب بجا.
حركت ورد ساقيها إلى الأمام إلى أن وصلت إليه ولا تزال أسفل تأثير ذهولها من لامبالاته الغريبة، حتماً لم تكن تلك ردة فعلها لو كانت في مكانه.
حاولت تصفية عقلها من تلك الأفكار الغبية ثم عادت لتلعب معه كما أراد.
لاحظت شدة تركيزه تلك المرة ولا يسمح بترك الفرص لها في التغلب عليه مطلقاً، وعلى ما يبدو هذا ما يريده تماماً، انتصار.
بعد عدة دقائق مرت عليهم لم يضيع مصطفى أي فرصة تمر من بين يديه حتى فاز عليها في تلك الجولة، بهدوء نهض وتوجه إلى الخزانة والتقط منها شيئاً وعاد إلى ورد التي تطالعه بفضول.
جذبها من يدها وأجبرها على الوقوف أمامه ثم حاوط خصرها بإحدى الأقمشة وقام بعقدها جيداً حتى لا تسقط أسفل نظرات ورد المذهولة عليه.
تراجع للخلف بعدما أنهى ما يفعله وأردف بنبرة خالية من أي روح:
- ارقصي.
چحظت عيني ورد بصدمة لطلبه الجرئ، فغرت فاها واعترضت قائلة:
- لا ااا...
قاطعها مصطفى بنبرته الصارمة:
- اعتراض No، جولت ارقصي!
سحب هاتفه الموضوع أعلى الكومود وقام بتشغيل موسيقى خاصة للرقص واعتلى الفراش مستنداً برأسه على جداره واضعاً كلتي ذراعيه خلف رأسه في انتظار تلبيتها لطلبه.
شعرت ورد بالخجل الشديد الذي اجتاحها حينها، كيف لها أن تتمايل أمامه وخاصة أنه ينظر لها بحدتيه، حتماً ستفشل قبل أن تبدأ.
إصراره الذي تراه في عينيه كان يجبرها على امتثالها لطلبه، فقد سبق وحكمت عليه حكماً كاد أن يوقع به في مشاكل، والآن حان دورها في تنفيذ الحكم الذي أصدره.
أوصدت عينيها هاربة من سودتاه المعلقة عليها لكي تبدأ رقصتها لكنها فوجئت به يقول:
- افتحي عيونك.
بالتأكيد يمازحها، طالعته بنظرات مشتعلة ثم هدأت من روعها وبدأت تتمايل بخفة حتى تمكنت من رقصها على إيقاع الموسيقى بإتقان شديد متعمدة عدم النظر إليه حتى لا تتراجع عما تفعله.
هدأ تمايلها تدريجياً مع إيقاع الموسيقى حتى انتهت الرقصة.
نهض مصطفى وتوجه نحوها بخطى متريثة، بجمود قاسٍ أردف:
- بجا أني كنت هتعكش بسببك أنتِ!!
تنشطت ذاكرتها تلقائياً فور قوله لكلماته، لم تستطع تمالك قهقهتها المتواصلة التي لم تتوقف قط وهي تعيد مشهد هرولته لكي لا يُمسك به، وقعت أرضاً من فرط الضحك.
فشاركها مصطفى ضحكاتها ولا يزال لا يستوعب عقله أنه فعل ذلك من الأساس.
تابعوا لعبتهم بعدما انتهوا من فقرة الضحك، وكان مصطفى أشد انتباهاً عن ذي قبل حتى يغلق أمامها سُبل الفوز ويحكم عليها ما تشتهيه نفسه وهي ما عليها سوى السمع والطاعة.
صباحاً،
استيقظت ثريا في ميعادها من كل صباح، هبطت للطابق السفلي لكي تحضر الفطور قبل استيقاظ الآخرين.
تفاجئت بجلوس حمدان أسفل النافذة يطالع هاتفه باهتمام بالغ.
اقتربت منه وهتفت ساخرة على وضعه:
- لو مكنتش خابرة أنك متعرفش تفك الخط كنت جولت قاعد على أبصر إيه ديه اللي اسمه الفيس.
رفع حمدان بصره عليها وهو يعيد تكرار كلماتها في عقله، اتسعت مقلتيه بصدمة وانتفض من مقعده مذعوراً.
انقض عليها كالفهد الذي استطاع صيد غزالة أرهقته في الركض.
شد خصلاتها بكل ما أوتي من قوة وردد من بين أسنانه المتلاحمة بغضب:
- يبجى أنتِ اللي بعتي الصورة رايدة تخوفيني بيها، معلوم انتي اللي خابرة أني مبعرفش أقرأ فجومتي بعتالي الصورة أسهل، بس على مين دا أني حمدان المنشاوي.
صرخت ثريا بألم وحدثته بتوسل:
- صورة إيه يا راجل أنت، اتجننت في مخك إياك، سبيني يا حمدان أني بتوجع من يدك.
وضع حمدان هاتفه المحمول أمام عينيها مردداً بتوعد:
- الصورة ديي، صورة السلاح!!
هتفت ثريا عالياً بنبرة تميل إلى الرجاء:
- سلاح إيه، مخابرش حاجة عن اللي بتتحدت عنه ديه واصل، سيبني يا حمدان يدك تجيلة جوي.
جاب حمدان المكان من حوله وعقله يكاد يجن وهو يحاول الوصول لمن في مصلحته أن يهدده بتلك الطريقة:
- هيكون مين يعني، محدش يعرف باللي حصل غيركم إهنه، يبجى مين اللي بيهددني!!
لم تتحمل ثريا لأكثر فلقد شعرت لوهلة أن خصلاتها ستقتلع في يديه من شدة قبضته وصرخت مستعينة بولدها:
- يا طاهر، غيتني يا ولدي.
دفعها حمدان أرضاً بقوة حين رأى نزول طاهر، وترك لهم المنزل وغادر وعقله ملئ بالافكار السوداوية التي لا تنفع مطلقاً.
جلس طاهر القرفصاء أمام والدته وسألها باهتمام:
- إيه اللي حصل ياما عمل فيكي إيه؟
أزفرت ثريا بعض الدمعات بألم ثم أجابته بتلعثم من بين بكائها:
- مخابرش سلاح إيه اللي بيتحدت عنه، بيجولي انتي اللي بعتي لي السلاح وبتهدديني، مخابرش أيتها حاجة يا ولدي وغلاوتك عندي.
حاول طاهر أن يهدئ من روعها، جذبها برفق إلى صدره وملس على خصلاتها بحنان مردداً:
- خابر ياما خابر اهدي أنتِ بس.
ظل طاهر جانبها إلى أن نجح في تهدئتها ثم ساعدها على الصعود إلى غرفتها، توجه إلى النافذة التي تتوسط ممر الغرف ووقف أمامها بملامح جامدة وهو يعيد حديث والدته عن ذاك السلاح.
لم يرف له جفن طيلة الليل، كلما حاول النوم تبوء محاولاته بالفشل فأفكاره اللعينة لا تتركه وشأنه، يحاول إيجاد حلول ليفي بوعده بطريقة يرضاها الجميع لكن لا يوجد، فآخر ما يصل إليه يرضيه هو فقط دون غيره.
نفخ بصوت مسموع لعله ينجح في إخراج الهموم التي تطبق على صدره مع زفيره ذاك، هبط إلى الطابق الأول وتفاجئ بجلوس والده بمفرده، استغل تلك الفرصة وأسرع في عمل كوب شاي له ليجد ما يبدأ حديثه به.
حمحم بصوته الأجش ليعلن عن وجوده، وضع الشاي أمام والده مردداً بلطف:
- اتفضل يا بوي.
قطب والده جبينه بغرابة وأبدى استيائه لتحضيره كوب الشاي:
- هو في شاي جبل الفطور يا بلاصي المش أنت؟
أخفض رأسه بتهكم لأسلوب والده الفظ معه ولم يعقب.
علم والده بأن هناك خطب ما من وراء تحضيره للشاي، تنهد قبل أن يسأله بتريث:
- خرج اللي في جوفك يا ضيف وبلاها لف ودوران.
رفع ضيف بصره عليه وبنبرة متوسلة هتف:
- اللي هجوله سبج وجولته وأنت رفضت بس الموضوع ديه يهمني يا بوي، أحب على يدك وافج إني اتجوز صفاء، ولدك بحبها يا بوي وعدم موافجتك ديي خنجاني جوي ومعرفش أشوف مصالحي بسببها.
أخذ الحاج حنفي شهيقاً عميقاً وأخرجه بتمهل، طالع ضيف لوقت قبل أن يقول بنبرة جامدة:
- فرح أختك ينتهي وبعدين نفكروا في الموضوع.
انتفض ضيف من جلسته وهو يخشي أن يصدق حدسه وردد متلهفاً لتأكيد والده بما شعر به من خلف كلماته:
- أفهم من أكده أنك موافق!
أسرع حنفي بالرد عليه بوجه محتقن:
- إني مجولتش موافق أني جولت هفكر.
قفز ضيق في الهواء فرحاً، فكلماته كانت بمثابة باب أمل جديد قد فتح له، لابد من الانتظار حتى يحين الوقت ويأخذ الموافقة التامة للأمر.
شكره ضيف مراراً ثم انصرف من أمامه بسعادة لا تسعه وعاد إلى غرفته يرسم عدة مشاهد له مع حبيبة دربه في تلك الغرفة التي ستزداد شرفاً بأولى خطوات حبيبته فيها أو ربما عليه شراء منزل جديد يليق بها.
اجتمعوا معاً حول الطاولة الذي يترأسها خليل وإلى جواره زوجته جامدة الملامح وإلى جانبه الآخر ولده مصطفى ووردته كما يلقبها.
انتهت هويدا من وضع الفطور ثم انسحبت في هدوء عائدة إلى المطبخ.
شرع الجميع في تناول الطعام في أجواء صامتة.
تذكر خليل شيئاً ما فحرك رأسه إلى مصطفى ليخبره ما علمه منذ قليل:
- سمعت أن كان فيه حرامي ليلة امبارح بيسرق المانجا من أرض عمك عزت.
شرق مصطفى حين صغي لكلمات والده وارتفع سعاله بشدة، كتمت ورد ضحكاتها وحاولت أن تساعده يعود إلى صوابه، ناولته كوب من المياه ارتشفها مصطفى دفعة واحدة حتى شعر بالتحسن القليل.
تدخلت ورد بحديثها ساخرة:
- الظاهر أن الحرامي كان جعان.
انفجرت ضاحكة ما أن أدلت بكلماتها وهي تعيد مشهد هروب مصطفى البارحة، شاركها خليل الضحك بقوة حتى دمعت عينيه وقال من بين ضحكاته:
- ديه اللي جولته يابتي والله، أعرف الحرامية تسرقوا دهبات أو فلوس أو حتى فروج إنما حرامية المانجا ديي موضة جديدة.
كان يطالعها مصطفى بنظرات مشتعلة لكنها لم تكترث لنظراته فالحديث في ذلك الموضوع يضيف لها متعة خاصة من المرح.
لم تشارك معهم السيدة نادرة في سخافتهم بل اكتفت برمقهم بنظرات احتقارية متهكمة.
خارج السرايا في مكان ما بعيد عن أعين المتطفلين، يجلسون برفقة بعضهم يخبرها بطلب ضيف للزواج من صفاء ورفضه للأمر معللاً أسباب رفضه.
- زين ما عِملت، يروح ياخد واحدة من توبة.
قالتها صفية مؤيدة رأي عسران الذي أضاف ما يدور في عقله:
- بس الواد كان بيتحدت معايا بعشم كبير كن الموضوع في إِنه يا أم صفاء، تمسكه بيها وهجومه لرفضي وراه حاجة، أي واحد غيره هيترفض هيستحي على حاله ويمشي بس ديه كان مُصر جوي إني أوافق، إني جلبي بيجولي إن فيه حاجة بتحصل إحنا منعرفش عنها حاجة.
عادت صفية بذاكرتها لبعض المرات التي صادفت فيها صفاء برفقة ضيف أمام باب المطبخ الخارجي، أبى عقلها أن يصدق حدسها وأن ما رأته ماهو إلا صدفة باحتة، لكنها لن تترك الأمر يمر دون أن تعلم ما تخشى سماعه.
نهضت من مكانها وعادت إلى المطبخ وطالعت صفاء لثوانٍ ثم توجهت إليها والشر يشع من عينيها، جذبتها من ذراعها بعنف ذعرت صفاء إثره وسألتها بتوجس:
- وااه مالك ياما هتسحبيني كيف الجاموسة أكده ليه؟
ابتعدت صفية بها متعمدة عدم الظهور أمام أي رجل من الرجال المتناثرين في كل زاوية في ردهة السرايا، أوقفتها أمامها ومن بين أسنانها المتلاحمة تحدثت بإنفعال:
- إيه اللي بينك وبين ضيف ولد الحاج حنفي؟
خفق قلب صفاء برعب من خلف سؤال والدتها، ازدردت ريقها بصعوبة بالغة وحاولت أن تظهر طبيعية وكأنها تجهل هويته بقولها:
- ضيف مين؟
قابلتها صفية بنظرات مشتعلة فأسرعت صفاء مجيبة إياها بلا مبالاة:
- آه تجصدي صاحب سي مصطفى، وأني مالي بيه عاد إيه اللي هيكون بيني وبينه!!
رفعت صفية حاجبيها للأعلى هاتفة بحنق:
- لو مفيش بيناتكم حاجة هيتجدم لك ليه عاد؟
تصنعت صفاء الذهول لكي تقنع والدتها بعدم معرفتها له:
- وااه هو اتجدم لي!
نهرتها صفية معنفة إياها فلم تنطلي عليها تلك الحركات البلهاء:
- بت مهيخليش عليا عبطك ديه انطجي وجولي بيناتكم إيه عشان ياجي يتجدم لعمك ولما يترفض ميتجبلش الرفض.
وضعت صفاء كلتى يديها في منتصف خصرها مرددة بتهكم:
- وهو أي واحدة يتجدم لها واحد يبجى فيه بيناتهم علاقة سابجة؟!
رمقتها صفية لوقت وعقلها يتخبط بين تضاد أفكارها التي لا تعلم أيهم تصدقه، أخفضت رأسها بقلة حيلة وهي تردد:
- أومال متجبلش أن عمك يرفضه ليه عاد؟
استغلت صفاء الفرصة وأوضحت لها الحقيقة المزيفة:
- ضيف ابن الحاج حنفي من كبرات البلد أكيد مهيتجبلش أن حد كيف عمي على كد حاله يرفضه، وبعدين ياما خليكي واثقة في بتك اكتر من أكده شوية مش كل ما يحصل حاجة يبجي أني ليا يد فيها أني جبت أخري.
تركتها صفاء وغادرت وقد نجحت في قلب الطاولة لصالحها، حركت صفية رأسها متابعة تحركات ابنتها وحديثها يتردد صداه داخل عقلها، شعرت بالندم حيالها فهي رمتها بالباطل ولم تقدم لها اعتذار بسيط تسامحها من خلفه، عزمت بألا تصغي لشيطان عقلها الذي يتلاعب بها دوماً وأن تثق في ابنتها أكثر من ذلك.
مرت الأيام وها هو جاء اليوم المنتظر من نهاية الأسبوع، الخميس، يوم زفاف طاهر ومروة.
انتهى طاهر من ارتدائه للعباءة ذات اللون البني التي تعتلي الجلباب الأبيض حسن المظهر.
دق بابه وظهرت من خلفه شقيقته حين سمح لها بالدخول ترتدي فستاناً ذهبياً يظهر انحناءات جسدها من فرط ضيق قماشه عليها، لا تظهر ملامحها الأصلية من خلف مساحيقها التجميلية المبالغ فيها.
رسمت ابتسامة عريضة على ثغرها الذي لونته بأحمر الشفاه الفاقع وهللت بسعادة:
- اخيراً شوفتك عريس يا أخوي.
لفت حول نفسها متسائلة بفضول:
- شكلي إيه؟
طالعها طاهر من أسفل لأعلى بتفحص ثم أجابها بعدم إعجاب لمظهرها الذي يشبه الراقصات:
- خفي الدهان اللي حطاه ديه ولا الرقاصات في زمانهم.
عبست صباح بإمتعاض وهتفت معاتبة:
- رقاصة! أني بجيت رقاصة ماشي يا طاهر على العموم أني جاية ابلغك أن صاحبك اللي كان مسافر ديه تحت ورايد يشوفك.
عقد طاهر جبينه بعدم تصديق وردد إسمه:
- تجصد مين محمود؟
أومأت له بتأكيد فأسرع طاهر في الدلوف للخارج فمحمود صديقه المقرب والوحيد وكان مسافر خارج البلاد منذ عامين لم يحظى برؤياه.
لم يصدق طاهر بؤبؤة عينيه التي تراه أمامه بوضوح، خرج من شروده على صوت الآخر وهو يمط ذراعيه في الهواء مرحباً به:
- بالباط يا عريس.
هرول طاهر إليه محتضناً إياه بشوق مختلط بالافتقاد الشديد إليه.
بعد مدة ليست بقصيرة ابتعد عنه طاهر مردداً بعدم تصديق بعد:
- ممصدجش عنيا، وصلت ميتي؟
أجابه محمود بحماس:
- لساتني واصل دلوك جيت من المطار عليك طوالي.
ربت طاهر على ظهره بحب واضح وقال:
- حمدالله على سلامتك يا حبيب أخوك بس مش كنت تعرفني.
أخبره محمود بقصة عودته باكراً:
- إني كنت ناوي انزلوا السبوع الجاي بس لما جولتلي أن فرحك اخر السبوع ديه حجزت تذكرة بدري شوية عشان أكون معاك في يوم إمهم كيف اليوم ديه.
بسعادة بالغة أردف:
- زين ما عملت انت أحلي حاجة هتحصل النهاردة.
أضاق محمود عينيه عليه بتهكم وأردف:
- ده الحلو كُله هيحصل النهاردة، كفاية أنك عريس ديي لوحدها حاجة تانية يا ابن المحظوظة.
التوى ثغر طاهر بسخرية وردد:
- حظ جرود بعيد عنك.
قطب محمود جبينه بغرابة من أمره وسأله بقلق:
- وااه إيه اللهجة اللي بتتحدت بيها ديي أنت مش فرحان أنك هتتجوز ولا إيه.
أخرج طاهر تنهيدة مرهقة مليئة بالهموم فازداد الفضول في قلب محمود إثرها وسأله ليعلم ما أمره:
- دا انت شكلك إمعبي جواك يا صاحبي تعالى احكيلي.
ابتعدا كليهما عن الجميع وقصي عليه طاهر الأمر كاملاً وأنهي حديثه قائلاً:
- بس يا سيدي ديي كل الحكاية، المهم أني رايد خدمة صغيرة محدش هيعملهالي غيرك.
بأذن صاغية قال محمود:
- اطلب يا غالي عنيا ليكي.
أخبره طاهر بما يريد لكي يحضره له عاجلاً بينما لم يرحب محمود بتلك الفكرة وأبدى رفضه للأمر معللاً أسباب رفضه:
- ما بلاها اللي رايده ديه يا طاهر أنت ملكش خبرة في الحاجات ديي وممكن تجلب ضدك، سيبها تمشي وحديها أكده عشان متندمش في الآخر.
أصر طاهر على طلبه ولم يكن أمام محمود سوى الرضوخ لطلبه فبالأخير هو صديقه ويفعل أي شيئ يطلبه حتى وإن طلب منه أن يلقي بنفسه بين نيران متقدة سيفعله من أجله.
مساءاً في أحد غرف السرايا، تقف ورد تتزين أمام مرآتها بوضع لمسات خفيفة من المساحيق التجميلية التي برزت ملامحها الجذابة.
كان يتابع ما تفعله بفتور غير مرحب بزينتها التي أصرت على وضعها، فهو لا يحب أن يُأسر بها أحداً غيره حتى إن كانت من نفس جنسها.
أخرج تنهيدة متهكمة وأردف بتجهم:
- شايف ملوش عازة اللي بتعمليه ديه يا ورد مهواش فرحك يعني.
أنهت ورد اخر لمساتها ثم استدارت إليه وأجابته بدلع:
- فرح واد عمي اللي في مجام أخوي أكيد هتزين في يوم مهم كيف النهاردة وبعدين أنت غيران ولا إيه؟ محدش هيشوفني غير الحريم.
أسرع في الرد عليها مصراً على رفضه:
- ولو، إني بخاف عليكي من عيون الخلج كلها ومرايدش حد يشوف الجمال ديه غيري إني.
غزت الإبتسامة شفتي ورد بسعادة أسرت قلبها من خلف كلماته.
جلست أعلى قدميه وتشبثت في عنقه مردفة برقة مبالغة:
- تعرف إني بحبك جوي جوي كد الكون بحاله.
أجابها بثقة عمياء:
- خابر خابر.
انفجرت ورد ضاحكة على ثقة نبرته بميوعة.
عاتبها مصطفى لميوعتها التي لا تفشل في تبخر قواه:
- لازمتها إيه المواعة ديي دلوك هتخليني مودكيش الفرح.
أسرعت ورد بالابتعاد عنه وبلهجة حاد قوية قالت:
- لا جوم اديني بعدت عنك اهاه.
نهض مصطفى على مضضٍ، ورافقها إلى الخارج، توقف في منتصف الممر ونادى بنبرة جهورية:
- ياما.
ظهر طيف السيدة نادرة من خلف باب غرفتها وجائته تمشي بخطى متريثة فسالها باهتمام:
- جهزتي نمشوا؟
أماءت له برأسها مردفة ببرود في نبرتها:
- إيوة يا ولدي.
هبط ثلاثتهم السلم في خطى متساوية حتى افترقت عنهم نادرة بخطوات أسرع منهم إلى أن وصلت إلى سيارة مصطفى واستلقت على المقعد الأمامي لتكون بجوار والدها مغلقة أي طريق لورد في الجلوس بجانبه.
لم يكترث الآخرون لفعلتها فهذا ما كانوا سيفعلونه حتى وإن لم تسبق بتصرفها.
فتح مصطفى الباب الخلفي لورد التي استلقت أعلى المقعد سريعاً.
غمز إليها مصطفى كما أرسل لها قبلة في الهواء لَقِفتها هي بحركة من يدها ثم وضعتها على شفتيها كأنها شيئاً ملموساً.
أغلق بابها واستدار إلى الجهة الأخرى حتى يركب السيارة.
صوت والده دوى في المكان وأجبره على التوقف:
- استني يا ولدي خدني وياك العربية اتعطلت وعسران راح يصلحها.
رحب به مصطفى ولم يستطع إخفاء ضحكته التي ظهرت فور خروج والدته من السيارة وتوجهها إلى الخلف بجوار ورد التي رفضت أن تترك لها مجالاً في الجلوس بجانبه، فهي بالأخير جلست على المقعد ذاته ولم تسير خطتها على النهج المرسوم في نواياها.
استلقى أمام مقوده ثم دس على المحرك متوجهاً إلى منزل حمدان عم ورد.
وصلا بعد دقائق معدودة وصف سيارته بجوار السُرادِق الذي أقيم منه اثنتان، واحدة للرجال والأخرى للنساء.
أوصل مصطفى والدته وورد إلى السُرادِق الخاص بالسيدات ثم عاد لوالده بعدما تأكد من ولوجهم للداخل بأمان.
حمحم قبل أن يقول له:
- ادخل أنت يا بوي إني نسيت المحمول في العربية هجيبه وأعاود طوالي.
أماء له خليل بقبول وسبقه للداخل بينما ابتعد مصطفى عن تلك الضجة الصاخبة وقام بمهاتفة أحد رجاله:
- اجهز وجت ما أبص لك تعمل اللي اتفجنا عليه.
أجابه من الجانب الآخر:
- أمرك يا باشمهندس.
أغلق مصطفى الهاتف ثم سحب نفساً عميق وعاد إلى حيث يجلس الجميع داخل السُرادِق، بحث بسودتاه على ما جاء لأجله، لم يرهق نفسه في البحث كثيراً فلقد وقعت عينيه عليه قبل أن يبدأ في البحث عنه.
توجه إليه بقامة وصدر منتصب وقام بمصافحته بود زائف:
- مبروك يا أبو العريس.
أجابه حمدان ممتناً:
- الله يبارك فيك يا ناسيبي، اتفضل اجعد.
أشار إليه حمدان بالجلوس جانبه فجلس مصطفى وحرك رأسه يساراً حتى وقع عينيه على رجاله الذي أشار لهم بحركة من أهدابه على بدأ ما اتفقوا عليه.
انتبه المدعوين على طلقات الرصاص التي أحدثت ضجة مفاجأة من أسلحة عديدة مختلفة الأنواع، نهض حمدان قاصداً التوجه إليهم ليعلم هويتهم فأسرع مصطفى بالوقوف أمامه وتوعد له بنبرة صارمة:
- ديه رجالي واخدين أمر مني يجوبوا بسلاحهم، بس بعد عشر دقايق من دلوك لو مجبتش الورج اللي يثبت حق ورد في ورث بوها الفرح ديه هيجلب ميتم.
چحظت عيني حمدان بصدمة وردد بعدم استيعاب:
- إيه اللي هتجوله ديه يا مصطفى.
بجمود وحدة أجابه:
- كيف ما سمعت، وعلى فكرة الوجت مش في صالحك يعني يدوب تروح تجيب الورج وتعاود.
كز حمدان أسنانه بغضب عارم وهدر به شزراً:
- معنديش حجوج لحد روح شوف أنت رايد تعمل إيه واعمله.
تقوس ثغر مصطفى بإبتسامة سمجة وأردف:
- أنت اللي جولت أهاه متلومش إلا نفسك.
استدار مصطفى أمراً رجاله بتكرار فعلتهم بصورة أكثر رعباً، أدرك حمدان بأن مصطفى لا يمازحه وأنه لا يشبه أخيه في ضعف قوته ولن ينطلي عليه تهديداته كما سبق وهدد هلال.
لاحظ حمدان الخوف البادي على تقاسيم المدعوين فوافق على مضضٍ:
- خلاص هروح اجيبهم وأعاود خليهم يوقفوا اللي بيعملوه ديه.
أشار مصطفى بحركة من يده توقفوا رجاله إثرها، رمقه حمدان ببغض شديد ثم انصرف من أمامه ليجلب له ما يريد، تبعه أحد رجال مصطفى لكي يغلق أمامه أي مجالاً للهرب.
عاد حمدان ومعه جميع الأوراق التي تثبت حق ورد في إرث والدها وناوله له وداخله يستشيط غيظاً فلم يسبق لأحد وأن قام بإبتزازه والأدهى أنه رضخ بكل سهولة.
التقط منه مصطفى الأوراق ثم انسحب برفقة رجاله من المكان في هدوء وكأنهم لم يفعلوا شيئاً، وضع الأوراق في سيارته ثم عاد للحفل مرة أخرى لكن تلك المرة ليقف مع صديقه في انتظار انتهاء حفل الزفاف سريعاً حتى يفاجئ ورد بما أحضره لها.
انتبه على صوت ضيف حين أردف:
- بس إيه الغاغة اللي عملتها دي أنت فزعت الخلج مش وجبت معاهم.
قهقه مصطفى عالياً وأحاط كتف ضيف بذراعه قائلاً:
- أنت حبيبي مش أي توجيب يتوجبوا معاك أكده وخلاص.
حرك ضيف رأسه بعدم تصديق وانشغل في أخذ التهنيئات والمباركات من المدعوين.
على جانب آخر من الحفل، توجه محمود إلى طاهر بعدما جلب له طلبه وقبل أن يعطيه له حاول منعه للمرة الأخيرة:
- بلاها يا طاهر تاخد الممنوعات ديي إني خايف عليك أسمع مني.
لم يكترث طاهر لحديثه والتقط منه الحبوب المخدرة وردد بفتور:
- مرايدش أحس بأيتها حاجة النهاردة، عايز اغيب عن الدنيا كلها.
أزفر الآخر أنفاسه مستاءً من عناده وقال:
- تبجي تاخد نص جرعة منيه سامعني متكترش عن أكده عشان انت لساك اول مرة.
أماء له طاهر بقبول وعاد إلى ضيوفه الذين لا يتوقفون عن الحضور.
مضى حفل الزفاف بسلام وعاد الجميع إلى دارهم عدا عائلة مروة التي وقفت تودعها أمام المنزل لكن لم يكن من بينهم ضيف فكان يحضر السيارة التي سيعودون بها.
اقتربت منه صباح وبقلب جرئ همست له بنبرة خافتة:
- عجبالنا.
قلب ضيف عينيه بضجر فهو يكره صاحبة ذلك الصوت، استدار إليها وحدثها بنبرة جامدة:
- ياااه دا إني فكرت بجا عندك كرامة بس لساتك عتتمحكي في الرجالة عادتك ولا هتغيريها.
تجمدت تعابير صباح وتحولت إلى الغضب وصاحت به منفعلة:
- حاسب على حديتك معايا عشان متندمش عليه لما أبجي على اسمك!
لم يتمالك ضيف ضحكاته التي لم تتوقف فور خروجها فتابعت هي مضيفة بثقة:
- اضحك دلوك لكن إني اللي هضحك في الآخر، سبج ووعدت نفسي إني هجيبك راكع تطلب السماح مني وأهاه خلاص روحك بجت في يدي.
ارتخت تقاسيم ضيف بلامبالاة ثم قال بفتور:
- إيه الحديت الكبير ديه كنتي بتتفرجي على فيلم هندي ولا إيه؟
دنت منه صباح وعينيها تطق منهم الشرار وهدرت به حاقدة من بين أسنانها المتلاحمة:
- الفيلم الهندي لساته هيبدأ يا ضيف، أختك بجت في يدي ألعب بيها كيف ما إني رايدة، جادرة أكره أخوي فيها بإشارة من يدي كيف ما أجدر أطلع عليها سمعة بطالة البلد كلها تحكي وتتحاكي عن سيرتها!!
صعق ضيف من تهديدها الوقح، غرز اظافره في ذراعها وصاح بغضب شديد:
- متجدريش تهوبي منيها يبجي اخر يوم في عمرك يا صباح لو فكرتي بس تمسي أختي أنتِ فاهمة!!
تأوت بألم بسبب أظافره التي تشعر بحدتهم في ذراعها، سحبت يدها من بين قبضته بعنف ونظرت في عينيه بتحدٍ:
- إني فكرت ونفذت من زمان، إني السبب أن الجوازة دي تتم، أخوي لا بيطيجها ولا رايدها من أساسه إني اللي عملت له البحر طحينة عشان تدخل داري وأعمل فيها ما بدالي، إني مش ساهلة كيف ما أنت مفكر يا ضيف، إني أوديك المالح وارجعك عطشان!
سكون مريب حل لثوانٍ يستوعب فيها ضيف كلماتها اللعينة التي يأباها عقله، كيف خدعته دون أن يشعر؟ انتبه على كلماتها الاخيرة وهي تقول:
- إني مهصبرش كتير يكون في علمك، سلام يا... يا ضيف.
غادرت من أمامه وتركته بمفرده في حالة لا يرثى لها، قطع حبال شروده مجيء والديه وهم بتوصليهم وبات عقله مشوش تماماً.
صعدا العروسين إلى عُشهما الجديد بمشاعر مضطربة وأخرى خجولة، أوصد طاهر الباب ثم نظر لها وهو لا يعلم ما عليه فعله في تلك الأثناء، سحب نفساً عميقاً وهو يرتب كلماته التي سيقولها:
- ادخلي بدلي الفستان في الحمام على يدك اليمين أكيد شوفتيه جبل سابج.
أومأت له بطاعة ثم ولجت على استحياء شديد للمرحاض.
أسرع طاهر بتناول الحبوب المخدرة لكي يبدأ مفعولها في الحال.
مر ما يقرب الثلاثون دقيقة قد أبدلت فيهم مروة فستانها بثياب خاصة للغاية لتلك الليلة الفريدة من نوعها، ارتدت روبها الستان وعادت إلى الغرفة على استحياء.
في تلك الأثناء بدأت الحبوب تهلوس عقل طاهر إلى أن فقد وعيه بالكامل وبات يتخيل أشياء أمامه لا توجد سوى في محيط عقله.
التوى ثغره ببسمة عريضة حين اقتربت منه مروة وردد بنبرة متيمة:
- أخيراً بجيت لبعض، تعرفي إني كان نفسي في اللحظة دي من ميتي؟ يا أبوي من زمان جوي، حلمت بيكي في ليلي واتمنيتك في نهاري، ممصدجش إن خلاص ربنا رضى عني وكتبك ليا بعد كل الصبر اللي صبرته.
جذبها من ذراعها وضمها إلى حضنه بكل ما أوتي من قوة بسعادة الدقيقة الأخيرة التي يحرز بها الأهلي هدفاً بعد تسعة وثمانين دقيقة من إتلاف عقول الجماهير متمتماً بنبرة تائهة:
- بحبك جوي جوي يا ورد!
رواية عرف صعيدي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم تسنيم المرشدي
ضحكاتهم المرتفعة التي تهتز لها أرجاء المنزل تدوي من جديد في آذانها. صورتها المتحركة تُعاد أمام عينيها وهي تركض هاربة من والدها حريصة بألا يمسك بها فتخسر اللعبة. صوت والدتها يتردد صداه في عقلها وهي تحثهم على المجيء سريعاً حتى يتناولوا الخبز المنزلي الساخن التي انتهت من صنعه للتو مع الجبنة البيضاء القديمة من صنع يديها. تكاد تشعر بأنها تشم الرائحة ذاتها من فرط حنينها إلى الأيام الماضية برفقة والديها.
أخرجت تنهيدة حارة فالزمان لن يعود يوماً. اعتدلت في نومتها ورفعت بصرها على والدتها التي تستند هي برأسها على قدميها مرددة بشوق:
"فاكرة ياما الكماج الطري اللي كنتي بتعمليه ونتعشوا بيه."
قهقت والدتها متذكرة تلك الأيام الجميلة وأجابتها مازحة:
"كنت أعمل العيش يكفي سبوع ميباتش لتاني يوم."
نهضت ورد عن مقعدها وشاركت والدتها الضحك مرددة:
"كنا نجعد نتسامروا الليل بحاله ومنبطلش وكل فيه."
تنهدت بحزن وتابعت حديثها بإفتقاد شديد لمن رحل عنهم منذ زمن طويل:
"ربنا يرحمك يا بوي اتوحشتك جوي."
أعادتها والدتها إلى حضنها وسألتها في قلق:
"مالك عاد يا ورد بتفتكري الحاجات ديي كتير الأيام ديي، مالك يا حبيبتي فضفضي لامك يا حبة عيني."
لم تجد ورد ما تخبرها به فقالت لتطمئنها:
"مفيهش حاجة بعينها تتجال بس أوجات الواحد عيفتكر أيام زمان وكد ايه كان مبسوط ومشايلش هم لأيتها حاجة."
ملست سنية على شعرها بحنو أمومي وأردفت بحكمة ناضجة:
"كل مرحلة وليها وجتها وتنتهي. مرحلة طفولتك انتهت، بعديها مرحلة مراهقتك انتهت وأديكي أهاه عروسة وديي بردك هتنتهي وهتبدي مرحلة الأمومة. كل مرحلة غير اللي جبليها. وجبل ما تدخلي مرحلة جاديدة بتكوني خدتي منيها حاجة. ممكن جمال، ممكن حكمة، ممكن نضج، ممكن حنية جلب، ويمكن صبر! المهم إنك تتعايشي مع كل مرحلة بحلوها ومرها من غير ما تجعدي تعيدي في الماضي وتجولي كنت بعمل وكنت بسوي لانك مش هتستفادي أيتها حاجة غير الحزن لانك مش هتجدري ترجعي اللي فات. بس ممكن تعملي الأحلى."
تراجعت ورد للخلف وأجبرت أذنيها على الإصغاء جيداً فتابعت والدتها بإبتسامة عفوية:
"تبني اللي جاي، تشكلي مرحلتك على كيف كيفك، ترسمي طريجها زي ما تحبي. اني زمان كنت بضفرلك شعرك فيه دلوك مصطفى اطلبي منيه. كنا نسهروا نتسامروا ويا بعض، أعملي أكده معاه وابني اللي سبج وبنتيه أني وابوكي وأنتِ كبرتي عليه ولحد دلوك بتحلمي بيه. ابني حياتك كيف ما تحبي يا ورد عشان لما تاجيكي بت أو واد يطلعوا يحبوا دارهم الدافي كيف ما أنتِ بتحبي دارنا أكده."
شعرت ورد بالراحة المفرطة التي سكنت قلبها وتبخرت كل ذرة ضيق كانت تكمن داخل صدرها من خلف حديث والدتها. وجهت بصرها في الفراغ أمامها واستنشقت عبير الذكريات التي تحول حولها في كل ركن في المنزل.
انتبهتن على صوت رنين الجرس. همت ورد بفتح الباب حتماً أنه غاليها من يطرق بابها. بالتأكيد لم يعرف للنوم سبيل في غيابها. غزت الإبتسامة شفتيها بسعادة مبالغة حين رأته أمامها ورددت بثقة:
"كنت متوكدة أنه انت."
رفع مصطفى إحدي حاجبيه بغرابة من ثقتها وسألها مستفسراً:
"وإيه اللي خلاكي متوكدة أكده؟"
أجابته بدلال مبالغ:
"النوم في حضني له سحر خاص مينفعش اللي اتعود عليه يجيله نوم من غيره."
اقترب منها مصطفى إلى أن إلتصق بها وهمس لها أمام شفتيها:
"لا وأنتِ الصادجة اللي يدوج العسل اللي بيشر من البرقوقتين دولهما ميعرفش للوكل طعم."
اتسعت ابتسامتها وهي تعض على شفتيها فلم يستطع مقاومة حركتها العفوية وانحنى عليها. لكن أسرعت هي بالإبتعاد عنه مرددة في حياء:
"امي جاعدة ورايا."
عدل مصطفى من وقفته وضبط من وضعية ياقة جلبابه ثم أردف أمراً:
"طيب يلا نعادوا السرايا أني سيبتك تجعدي مع أمك إبراحتك أهاه."
رفعت ورد حاجبيها للأعلى هاتفة بحنق:
"إبراحتي! اللي فين ديي أنت يدوب وصلت أهلك وعاودت ملحجتش حتى اشرب بوء مية."
لوي مصطفى شفتيه بتهكم وقال:
"عندينا المية كتيرة في السرايا ابجي اشربي على راحتك."
أولته ورد ظهرها وأسرعت خطاها متوجهة نحو والدتها مردفة بتوجس من ردة فعله:
"هملني أبات الليلة إهنه."
اتسعت حدقتي مصطفى برفض تام وأبدى رفضه في إيماءاته التي أجابها بها لعلها تتراجع عما قالته فهو لن يستطع إبداء رفضه أمام والدتها.
لم تهتم ورد لرفضه وأصرت على ما تريده قائلة:
"هي ليلة واحدة اللي أمي هتجضيها أهنه هملني الليلة ديي بس."
تدخلت السيدة سنية بقولها:
"لاه أني هجعد لآخر السبوع وأعاود تاني على جراية فتحة أسماء بت خالك."
رمقتها ورد بذهول مرددة بعدم تصديق:
"أسماء هتتخطب محدش جال يعني ولا أني آخر من يعلم!!"
تقوس ثغر والدتها بإبتسامة وأجابتها موضحة:
"ما أني أهاه بجولك، المجابلة كانت لساتها امبارح والعريس حدد مع خالك يجروا الفاتحة الجمعة الجاية."
غزت الإبتسامة شفتي ورد بسعادة مهللة:
"وأخيراً بجا ربنا يسعدها يارب."
التفتت ورد حيث يقف مصطفى الذي يتابع حديثهم بإمتعاض فهو للأن لم يتقبل طلب ورد وهتفت بحماس:
"إيه جولك تسيبني بجية السبوع مع امي؟"
بتذمر أبدي رفضه:
"لاه يا ورد أكده كتير."
وجه بصره إلى سنية مطالباً بتدخلها:
"جولي حاجة يا أم ورد."
وزعت سنية أنظارها بينهم وأردفت مشاكسة مصطفى:
"وماله ما تسيبها ديه كلاته سبوع وبعدين تعاود لك من تاني."
أسرعت ورد في معانقتها بحبٍ مفرط بينما ذهل مصطفى من ردها الذي لم يأتي في صالحه وفضل الصمت فلن يعارض من تكبره عمراً لكن الرفض يتجلى في عينيه وبشدة.
خرجت السيدة سنية عن سكونها مازحة:
"أني بهزر إمعاك كنت رايدة أشوف غلاوة ورد عنديك."
نكسى مصطفى رأسه في خجل فهو لم ينطق ويرفض بقلب جرئ بل صمت احتراماً لها وعلى ما يبدوا أنها فهمت خطأ. أخرج تنهيدة مستاءة وردد بتهكم:
"وأني سكت."
قاطعته سنية بنبرة مليئة بالحيوية واللهفة:
"بس عيونك فضحتك!"
رفع مصطفى بصره عليها مذهولاً فانفجرت سنية ضاحكة وهتفت من بين ضحكاتها:
"مشوفتش عملت كيف لما جولتلك تسيبها، مش لازم تتحدت عشان اللي جواتك يبان العيون عتفضح على طول، وعموماً يا سيدي خدها من الليلة كمان أني راضية المهم تكونوا مبسوطين في حياتكم يا حبيبي."
تراجعت ورد للخلف حتى تري وجه والدتها بوضوح مرددة بعدم استيعاب:
"إيه ياما اللي بتجوليه ديه."
أضاف مصطفى على حديث ورد مبدي رفضه بحرج بائن:
"لاه خليها الليلة بس الليلة ديي بس."
حسمت الأمر السيدة سنية بقولها:
"ولا ليلة واحدة تباتها البت برا بيت جوزها."
وجهت بصرها لورد وواصلت مضيفة:
"وديه من اللي الحاجات اللي تجدري تبنيها يا ورد متهمليش دارك لأي سبب وأني أهاه جاعدة معاكي السبوع كلاته نشوفوا بعض في أيتها وجت بس الليل يابتي يحب الونس."
تبادلا مصطفى النظرات مع ورد بمشاعر سامية اجتاحتهم من خلف كلمات السيدة سنية الناضجة والتي في محلها. نهضت ورد في صمت وارتدت وشاحها ثم أقبلت على والدتها وطبعت قُبلتين على وجنتيها مودعة إياها والتفتت إلى حيث يقف مصطفى.
طالعت ملامحه التي تود الضحك ويحاول قدر المستطاع إخفائها. أضاقت عينيها عليه بغيظ شديد وهتفت بتزمجر:
"أيوة حديتها جه على هواك."
خرجت ضحكاته التي حاول جاهداً السيطرة عليهم فور قولها عالياً. تشاجر كليهما بمزاح ثقيل بعض الشيئ فأسرعت سنية مصدرة تنبيه:
"وطي حسك يا ورد خالك نايم وعيصحي من بدري عشان يمشوا."
لكزته ورد في كتفه بقوة وأردفت مغتاظة منه:
"امشي جدامي وبطل ضحكك اللي عيستفزني ديه."
مال مصطفى برأسه لينظر إلى سنية مودعاً إياها ثم أسبق بخطاه إلى الخارج كذلك ودعت ورد والدتها وغادرت معه في جو ملئ بضحكات مصطفى التي يصدرها فقط ليشاكسها.
قُضي اليوم وفي بداية اليوم الجديد عانق مصطفى ورد إلي أن غفيا على وضعهم وكانَ خير أنيس لبعضهما.
أشرق ضوء النهار معلناً عن أحداث جديدة في حياتهم. ظل يعاند النوم الذي يسيطر عليه بالكامل. تثائب عدة مرات متتالية ثم شعر بذلك الصداع اللعين الذي يجتاح رأسه بألم مبالغ فيه.
نهض بحذر لكي لا يزيد من ألمه. فرك عينيه بأنامله حتى يعتاد إضاءة الشمس المتسللة من زجاج النافذة. ابتعد عن الفراش بكسل مختلط بالتعب والإرهاق الذي يشعر بهما.
توجه نحو المرحاض فتفاجئ بنحيب مسموع يأتي من الداخل. توقف عقله في تلك اللحظة ولا يعي ما الذي يحدث أهذا حلم أم حقيقة؟
طرق الباب بخفة فلم يجد إجابة بل لاحظ توقف صوت البكاء فجاءة. أعاد طرقاته مرة أخرى بقوة أكبر ولكن دون جدوى.
فلم يكن أمامه سوى اقتحام المرحاض ليعلم ما الأمر. أدار مقبض الباب ثم ولج بهيئته. تفاجئ بها تجلس على حافة المغطش الرخامي متكورة في نفسها تكاد تظهر أمام عينيه. ارتجفت هي ما إن رأته أمامها. طالعته بنظرات متوجسة لبرهة ثم أخفت وجهها براحة يديها ما أن رآته يقبل عليها.
اقترب منها وجلس القرفصاء حتى يكون في نفس مستوى طولها وأزاح عنها يديها وفوجئ بتورم جفنيها ناهيك عن إحمرار عينيها وكأنما انفجرت بهم أحد عروقها.
بهدوء سألها متلهفاً:
"عاملة في نفسك أكده ليه؟"
تراجعت للخلف متوجسة منه ولم تجرأ على محادثته. شعر الآخر بالإختناق يطبق على صدره لحالته المذرية وأعاد سؤاله بنبرة محتقنة:
"انطجي يا مروة إيه اللي حوصل عشان تخافي مني أكده؟"
فغرت فاها وأجابته بنبرة خافتة لم تصل إلى أذناه:
"أنت مفاكرش اللي حوصل!"
صمت لبرهة محاولاً استعادة ذاكرته ليعلم ما الذي اقترفه ليسبب لها الذعر منه لكن لا يتذكر. عقله واقفاً تماماً ولا يذكر شيئاً. حاول جاهداً السيطرة على أعصابه التي على وشك التلف وأعاد النظر إليها وأردف بنبرة حنونة لكي يبث فيها الطمأنينة منه:
"مفاكرش أيتها حاجة. جوليلي أنتِ إيه اللي حوصل أني أذيتك؟ مديت يدي عليكي؟"
أماءت له نافية ما قاله فواصل هو أسئلته بضيق شديد:
"أومال إيه اللي حوصل؟"
شهيقاً وزفيراً فعلت مروة وقالت بنبرة متحشرجة تهدد بالبكاء:
"طول الليل كنت بتناديلي بورد، كانك شايف واحدة غيري جدامك، خلتني أكره الليلة اللي أي بت عتحلم بيها بيوم."
أجبرها حيائها علي عدم تكملة الحديث وجهشت باكية كلما تذكرت الألم النفسي والجسدي الذي عانته بسببه. لعن طاهر غبائه الذي أوصله إلى تلك النقطة. فهو لم يتوقع فعل ذلك مطلقاً فأخر ما جاء في مخيلته أنه سيفقد صوابه ولا يشعر بوجودها معه في تلك الليلة.
كاد أن ينفجر غاضباً إلا أنه تحلى بالهدوء لكي لا يزيد من خوفها منه. نهض من وضعه الذي سبب له ألم في ثائر جسده وجذبها برفق من يديها أوقفها أمامه ثم أردف بنبرة تميل إلي اللين:
"ادوشي وبدلي خلجاتك وتعالي رايد اتحدت وياكي."
ملس بيده على وجهها بنعومة وقال:
"تمام."
أماءت له بقبول ثم أولاها هو ظهره وانسحب للخارج ولم يكف عن السُباب لتهوره اللعين. أوصد الباب وانتظر أمامه حتى يرى إن كانت ستفعل ما أمرها به أم لا.
تأكد من سماعها للحديث حين صغى إلى ارتطام قطرات المياه علي أرضية المغطس. سحب نفساً عميق وتوجه إلى الفراش محاولاً تذكر أي شييء لكن بالأخير تبوء محاولاته بالفشل فهو لم يستمع إلى تنبيه صديقه وأخذ القرص كاملاً ظناً منه أن سيفقد صوابه بتلك الطريقة أسرع لكنه قد فقد صوابه وإنسانيته.
كور قبضته بغضب حتى بزرت عروق معصمه. كاد أن ينفجر في تحطيم الغرفة إلا ان ظهورها قد منعه من فعل ما يتمنى فعله. حاول ضبط أنفاسه المتهدجة ليتحلى بالسكينه داخله ويُصلح ما اقترفه في حقها دون وعي منه.
أقبل عليها مشكلاً بسمة زائفة لكي تشعر بالراحة من وجوده. وقف مقابلها وبدأ يشرح لها سوء التفاهم الذي حدث:
"أني آسف عارف اللي إن الأسف ميكفيش بس أني كنت غايب عن الوعي أني حتى مفاكرش إيه اللي حوصل."
رقق من نبرته وواصل حديثه المسترسل بنبرة حنونة:
"في اليوم اللي كيف ليلة إمبارح ديه صحاب العريس بيوجبوا معاه ببمنوعات طبعاً غلط أنه ياخدها بس بتبجى الجلالة واخداه كيفي إكده يعني كل اللي جولته ديه من خيالي الباطن أني معرفش عنيه حاجة واصل بتكون هلوسة مش حجيجة فهمتي؟"
ارتخت ملامحها ببعض الراحة التي اكتسبتها من حديثه. رفعت بصرها عليه وعينيها تترقرق فيهما العبرات. وبنبرةٍ تميل إلى الشجن سألته:
"يعني مفيهش ورد؟"
فوجئ طاهر بسؤالها الذي اخترق صمام القلب مباشرةً فسبب له ارتفاع في معدل نبضاته. ابتلع ريقه وطالعها بإيلام فلن يقدر على قول ما تأباه كل ثغرة فيه. تطلعاتها عليه في انتظار إجابته ترغمه على التفكير جيداً في انتقاء كلماته لكي لا يؤذي مشاعرها فيكفي ما تسبب في فعله.
هرب بسودتاه بعيداً عنها وبصعوبة بالغة قابلها في إخراج كلماته التي ترفض النطق أردف:
"مفيش ورد."
كز علي أسنانه بضجر. كم يود الصراخ عالياً ويصرح بأن القلب لا يدق إلا لإسمها. لكن لا يسمح الزمان ولا المكان وما عليه الأن سوى الرضوخ لتلك الزيجة ومعاملة زوجته بحُسنة.
تقوس ثغر مروة ببسمة بريئة عذبة ثم فاجئته بعناقها الهادئ الذي لمس شيئاً مختلف فيه. لا يعلم أي وصف يصف تلك اللحظة لكنه يجزم بأن غضبه قد تبخر من خلف عناقها المفتقر.
أحاطها طاهر بذراعيه ليكتمل عناقهم الأول. أخذ نفساً عميقاً ورفع وجهها بسبابته ليقابل عينيها وسألها مستفسراً:
"بتتوجعي من حاجة؟"
تلونت وجنتيها بالحُمرة الصريحة بسبب سؤاله الجرئ. عادت إلى صدره دون أن تجيبه فاستشف طاهر خجلها لكنه لن يتراجع قبل يعلم إلى أي درجة قد مسها أذاه:
"طمنيني عليكي، أنتِ زينة؟"
اكتفت مروة بإيماءة خفيفة من رأسها فتسللت الراحة إلى قلب طاهر. انتبهوا كليهما على طرقات الباب الخفيفة. ابتعد عنها وتوجه نحو الباب ليعلم هوية الطارق. أدار مقبض الباب فإذا بها والدته. شكلت إبتسامة عريضة على محياها ما إن رأته وهللت بسعادة:
"صباحية مباركة يا ولدي."
أجابها طاهر مختصراً:
"الله يبارك فيكي تسلمي ياما."
مالت ثريا برأسها لتلتقط العروس الواقفة خلف طاهر هاتفة:
"كيفك يا عروستنا؟"
جائتها مروة تمشي على استحياء شديد. وقفت خلف طاهر من فرط حيائها وشدت على ثيابه فسببت له القشعريرة إثر لمستها وبنبرة تكاد تصل إلي أذان ثريا هسمت:
"الحمد لله."
اتسعت ابتسامة ثريا وأخبرتهم بما جائت لأجله:
"أهلك تحت يا مروة ورايدين يطمنوا عليكي."
أماءت لها مروة بينما قال لها طاهر:
"هنبدل خلجاتنا وننزلوا وراكي ياما."
وافقته ثم انصرفت من أمامهم ترحب بضيوفها لحين حضور طاهر مع زوجته الحبيبة. عاد طاهر إلى مروة وبتردد طال لبرهة أردف بإرتباك حرِج:
"ينفع محدش يعرِف باللي حوصل ليلة امبارح، خليها بيناتنا."
أماءت له بطاعة ثم شرعا كليهما في تبديل ثيابهم سريعاً وهبط معاً حيث توجد عائلة مروة. رحبت أميمة بإبنتها بحفاوة شديدة وكأنهن مفترقين منذ زمنٍ بعيد وليست سوى ساعات قليلة.
لاحظت أميمة تورم جفن مروة الواضح كذلك لاحظها الجميع. نظرت أميمة إلى ثريا واستأذنتها بلُطف:
"متواخذنيش يا ثريا ينفع أعاود مع مروة الأوضة؟"
اتسعت حدقتي ثريا بذهول ورددت معاتبة:
"أباه أنتِ بتستأذني يا أميمة الدار دارك يا حبيبتي اعملي فيها ما بدالك."
شكرتها أميمة ممتنة:
"تسلمي يا غالية عن إذنكم."
وجهت أميمة بصرها على إبنتها الأخرى وأمرتها:
"تعالي ويانا يا بسمة."
نهضت بسمة بتعب ورافقتهم إلى الأعلى. بينما ظل طاهر متابعاً لتحركاتهم غير مطمئن لتلك الجلسة النسوية ودعى داخله بأنها لا تشي بفعلته.
أعاده انتباهه إلى ضيف ورحب به مراراً ثم سأله بفتورٍ:
"فينه الحاج حنفي مچاش وياكم ليه؟"
رد عليه ضيف معللاً سبب عدم مجئ والده معه:
"أبوي ملوش في الحديت ديه بيجول أنه يخص الحريم ملهوش صالح بيه."
طالعه طاهر لثوانٍ فاستشف ضيف الهدف الذي أحرزه في مرماه فانفجرا كليهما ضاحكين. توقفوا عن الضحك حين تدخلت صباح بقولها:
"عربيتك ديي يا ضيف اللي عتجفل الطريج، فيه ربع نقل رايد يعدي."
رمقها ضيف بإمتعاض شديد ثم استأذن وهم بالخروج لكي يزيح سيارته عن الطريق. فوجئ فور خروجه بعدم وجود سيارات أخرى في الارجاء. لعن تلك البغيضة التي يكرهها وكاد أن يلتفت إلى حيث جاء لكنها منعته من العودة بوقوفها أمامه.
كز ضيف أسنانه بغضب عارم وبرغم نبرته المنخفضة إلا أنها كانت أشد قساوة وغضباً:
"أنتِ مهتجيبهاش البر أبدا يابت حمدان بعدي عن طريجي عشلن سكتي واعرة وأنتِ مش كدها."
لوت شفتيها بتهكم بائن وهمست له بانتصار:
"كانك مشوفتش عيون أختك المورمة."
دنت منه وواصلت هامسة:
"ديي البداية يا أخوها."
ابتعدت من أمامه مسرعة وعادت إلى الداخل. بينما لم يجرأ ضيف على رفع ساقيه كأنهما التصق في الأرض. خرج من شروده على طيفها الذي اختفى من أمامه حين غطت والدته وشقيقاته عليها. استأذنت أميمة من أهل المنزل ثم غادرت برفقة بسمة وضيف الذي لم يتحلى بالصبر حتي يبتعدوا عن المنزل وألقى بسؤاله متلهفاً لسماع إجابته:
"مالها مروة عاد ياما؟"
توقفت أميمة عن السير ورمقته متعجبة من سؤاله المريب ورددت متسائلة بحيرة:
"مالها مروة يا ضيف؟"
أسرع بقوله بنبرة حادة:
"عيونها مورمة كانها كانت بتبكي الليل كلاته، هو عملها حاجة عفشة؟"
ربتت أميمة على كتفه مهدئة إياه بكلماتها الخجولة:
"محوصلش حاچة عفشة يا ولدي، حوصل كيف ما بيحوصل العادي يعني وفيه بنتة بيتحملوا وبنته تانين لاه متشغلش عجلك أنت بالحاچات ديي، ركز في حالك ويلا هات لنا عروسة عشان نفرحوا بيك أنت كمان."
تذكر ضيف وعد والده في إعادة التفكير في زيجته من صفاء وهذا ما خفف القليل من غضبه. استقل خلف مقوده وانتظر حتى ركبن الأخريات وتحرك بهم مبتعداً عن المكان عائد بهم إلى منزلهم لكي يفاتح والده في الموضوع نفسه لعله يلقي ما يسُر خاطره.
داخل المنزل، بحث طاهر بعينيه في الأرجاء المجاورة لعله يلمح طيف والده لكنه لم يراه. وجه بصره على والدته متسائلاً عنه في فضول:
"أبوي فين ياما؟"
قلبت ثريا عينيها بإمتعاض ممتزج بالبغض لسماع سيرته التي باتت تكرهها وبفتورٍ قاسِ أجابته:
"مخابراش، أصلا الواحد معتش فاهم له حال من وجت ما صورة السلاح ديي ما اتبعتت له على المحمول وهو كل يوم بحال شكل، مرة هادي وسرحان ومعيحسش بلي يمشي جدامه ومرة غضبان وعيكسر كل اللي ياجي جدامه، الواحد طهج يا ولدي بس سيبك أنت من الموال ديه عاود لمرتك أنت عريس متهملهاش واصل."
حرك رأسه موافقاً ثم انصرف من أمامها بخطى متمهلة. لا يريد العودة لكن ضميره يرغمه على مجاراة الحقيقة التي بات فيها فما ذنب مروة فيما لم يستطع تحقيقه.
أشرف عليها بجسده في انتظار استيقاظها بفروغ صبر. شعرت هي بثقل يقيد سهولة حركتها ففتحت أهدابها بتمهل وهو يتابعها باهتمام. تماماً كالزهور المغلقة التي حان وقت تفتحها.
تفاجئت ورد بظله يعلوها. تبسمت في سعادة مرددة بنبرة متحشرجة:
"صباح الخير."
رد عليها بعذوبة:
"صباح الفل يا وردة جلبي، جومي اصحي يلا هنعمل picnic النهاردة."
قطبت ورد جبينها فلم تفهم ما يرمي إليه مرددة بعدم استيعاب لكلمته:
"اييه بيك أبصر إيه ديه؟"
قهقه مصطفى عالياً ووضح لها معناها:
"يعني نزهة يا جاهلة."
عبست ورد وهتفت بحنق:
"يعني اكمنك باشمهندز هتشوف حالك عليا!!"
چحظت عيني مصطفى مذهولاً من مما سمعته أذنيه وأردف ساخراً:
"باشمهندز إيه عاد، ده أني بوست يدي وش وجفا يوم لما خدت الإعدادية."
ذهلت ورد مما أخبرها به وأسرعت في سؤاله بفضول أنثوي:
"أباه أومال عينادوك باشمهندز في الراحة والجاية ليه عاد؟"
نهض مصطفى مبتعداً عنها وجلس على طرف الفراش وبدأ يقص عليها حقيقة الأمر التي تجهلها:
"مفيش ياستي في يوم حصل مشكلة واعرة جوي في التربة بسبب الكيماوي كان فاسد وكان المحصول كلاته عيفسد فأني اقترحت حل وكنت وجتها صغير لأن حد يسمع مني وياخد حديتي على محمل الجد بس كل كبرات البلد بشنباتهم ديي مكنش عنديهم حلول فأبوي اقترح الحل اللي جولته عليهم ووافجوا لأن مكنش جدامهم غيره."
اقتربت منه ورد وجلست بجواره واضعة راحتي يدها أسفل ذقنها منتبهة بأذان صاغية فتابع مصطفى بقية حديثه وهو يطالع الفراغ أمامه:
"بس الحل نفع ومن وجتها عينادوني باشمهندز وأني لا اشبهُ لا من جريب ولا من بعيد."
مال مصطفى برأسه إلى الجانب ناظراً إليها فتفاجئ بها تدقق النظر فيه وكأنها تتأكد من معالم وجهه. عقد ما بين حاجبيه متعجباً من حالتها المريبة وسألها بفضول:
"عتبحلجي فيا أكده ليه ؟"
دنت منه ورد حتى جلست أعلى ساقيه ولم ترفع بصرها عنه قط. أصدرت شهقة مرتفعة وهي تقول:
"عنيك لونها اتغير يا مصطفى، دي بجت كيف عيوني كاني شايفة نفسي فيك!!"
حسناً، لقد علم الآن حقيقة الحالة التي كانت عليها. تقوس ثغره بإبتسامة عريضة وهو يردف:
"حبيت أشاركك عيونك يا وردتي."
أضاقت عينيها عليه بعدم استيعاب بعد:
"كيف يعني مفهماش؟"
سمح مصطفى ليده في التسلل الي ما بين عنقها وخلف أذنها وهمس بقرب شفتيها:
"ديي لون عيوني الحجيجي البني اللي كنتي عتشوفيني بيه ديي عدسات."
رفُع حاجبيها تلقائياً ما أن اخبرها للتو بالحقيقة وقالت متسائلة في فضول:
"وااه وليه تخبي لون عيونك؟"
نظر مصطفى إلى سقف الغرفة كأنه يفكر في رد يجيبها به. أعاد النظر إليها مردداً بمرح:
"عشان مبحبش أجف وسط الأرض أحرثها أو وسط المواشي أشرف على وكلها وتطعيمها ويكون ليا هيبة وسط الفلاحين والكل يعملي حساب ومن ورايا يتمسخروا ويجولوا أبو عيون ملونة عيتحكم فينا."
طالعته بعدم اقتناع لوجهة نظره العقيمة وعارضته ساخرة:
"يعني هما عيحترموك عشان لون عيونك مش ملونة! ربنا يكملك بعجلك يا حبيبي."
لكزها مصطفى بخفة في ذراعها رافضاً أي سخرية في ذلك الموضوع الحساس بالنسبة له:
"بطلي مجلسة يا ورد متخلنيش أندم إني جولتلك."
ابتعدت عنه واحترمت عدم تقبله لمزاحها في تلك المسألة وحاولت تغير مسار الحوار بسؤالها:
"كنت بتجول نزهة، تجصد ايه؟"
بدأ يقص عليها حول النزهة التي رتب لها جيداً وهي رحبت بالفكرة بسعادة بالغة لأنه اهتم لأمرها وفعل ذلك من أجل إدخال السرور على قلبها. بدأت تحضر نفسها سريعاً فور انتهائه من الحديث لكي تكون أول من ينصرف من المنزل بحماس شديد.
وصل بهم مصطفى إلى طوالة الخيل بعد الإنتهاء من صلاة الجمعة مباشرةً. صف سيارته في الخارج ثم ترجل منها فتبعنه السيدات الذي حرص مصطفى على تجميعهم سوياً في نزهة عائلية لكي يوطد العلاقات بينهن. بينما رفض والده التواجد معهم تاركاً لهم الحرية ففى النهاية لن ينضم إلى جلسة نسوية.
تفاجئن بالخيمة المنصوبة في منتصف المكان بأمر من مصطفى لكي يجلسن على راحتهن وخصيصاً ورد.
ابتسمت ورد بسعادة مهللة بطفولة:
"المكان تحفة والشوي إهنه هيبجي جميل جوي."
بادلها مصطفى ابتسامة راضية ثم التفت إلى حيث السيدتات الأخريات وسألهن باهتمام:
"ايه رأيكم جولت مكان باعيد عن عيون الخلج ناخدوا فيه راحتنا ونجضوا فيه النهار كلاته."
أسرعت السيدة سنية في الرد عليه بفرحة عارمة:
"فكرة جميلة يا ولدي ربنا يخليك لينا."
بينما لم تجيبه والدته فهي جائت على مضضٍ بسبب ضغطه وإصراره على حضورها. لكنها غير راضية عن مشاركة يوم من عمرها مع هؤلاء البشر الغير مرغوب بهم لديها.
ولج جميعم معاً حيث استلقت السيدتان داخل الخيمة التي تشبه خيمة البدو. بينما لم تفارق ورد مصطفى وساعدته في تركيب الشواية ومن ثم بدأت في وضع قطع الدجاج عليها بعدما رأت تطاير الأدخنة من الفحم المشتعل.
تعمدت نادرة عدم الإحتكاك بالسيدة سنية بقدر المستطاع مكتفية بردودها الجامدة إن وجهت لها حديثاً. انتهوا من شواء الدجاج واجتعموا حول طاولة تكاد يرتفع طولها سنتيمترات قليلة عن الأرض وشرعا في تناول الطعام في صمت.
أسبقت نادرة بالنهوض لغسل يديها ما أن أنهت طعامها. تبعها مصطفى لكي يساعدها دون أن تقابل صعوبة في الأمر فهي تجهل معالم المكان. أزفرت ورد أنفاسها بضجر بائن وأردفت بإزدراء:
"يا بوي على تجل دمها سِم، شوفتي بتتعامل معانا كيف، ديي أسخم من أكده في السرايا أني معتش متحملة الوضع ديه وحاسة أني هنفجر فيها من كتر غيظي اللي كتماه جوايا."
في تلك الأثناء قد عادت نادرة ووقعت كلمات ورد على آذانها. شعرت بالغضب الشديد يجتاحها من خلف وقاحتها وكادت أن تخرب كل شيئ على رؤوسهم إلا أنها تريثت لتسمع رد والدتها على وقاحة ابنتها. هل ستكون وقحة مثلها أم ماذا؟
نظرت السيدة سنية إلى ورد بأسى وأردفت متسائلة بعتاب:
"إيه يا ورد اللهجة ديي من ميتي وإحنا عنتحدت عن حد بالطريجة العفشة ديي؟ عيب يابتي."
تأففت ورد بخنقة فصبرها على تحمل نادرة وأفعالها الغبية على وشك الانتهاء. طالعت والدتها وحاولت أن تصف لها مدى ضيقها مما تفعله:
"ياما والله أنتِ لو مكاني كنتي هتجولي أكده، محدش داس لها على طرف ودايما تبصلي بصات غريبة وتجولي إني مش من جيمة والدها ومبتسيبش أي فرصة تجدر تضايجني فيها إلا وتعملها، أني اتحملت كتير بس جربت أطرشج من جنابي، أني بيجي عليا أوجات ببجي رايدة مصطفى يطربج السرايا على اللي فيها من كتر خنجتي."
دمعت عيني ورد وتحشرجت نبرتها فظهر صوتها أكثر اختناقاً عن ذي قبل. لوت سنية شفتيها بحزن مختلط بالشفقة على ما وصلت إليه ورد الوديعة فلم تكن هكذا من قبل. لم يسبق وأن تركت لشيطان عقلها التلاعب بها لكن على ما يبدوا أنها بلغت ذروة تحملها بالفعل. لكن ما عليها سوى نُصحها فذلك دورها. حمحمت سنية قبل أن تردف:
"تجاهليها يا ورد، سبيك منيها كانها مش موجودة يابتي اوعاكي تردي الإساءة بالاساءة واصل، أني مربتكيش على أكده، اني ربيتك على احترام الصغير جبل الكبير ما بالك بأم چوزك!"
لم تتمالك ورد عبراتها التي سقطت على مقلتيها بعد محاولاتها الجاهدة في إخفائها. احتضنت سنية كفوفها الصغيرة بين يديها التي ظهرت فيهما التجاعيد وواصلت مضيفة:
"ديي أم چوزك يا حبيبتي، يعني زعلها من زعله تمام، ترضي أنه يزعل منك عشان ضايقتي أمه بكلمة أكده ولا أكده؟"
حركت ورد رأسها برفض فتابعت الأخرى مسترسلة:
"ولا تجولي حرف واحد من اللي عتعمله عشان ما يشيلش من أمه ويعاملها بجفا وهي تغضب عليه وتبجي خربتي بيناتهم يابتي والدنيا دوارة مسيرك هتبجي أم في يوم ووالدك هيعمل فيكي كيف ما اتسببتي أنتِ فيه!!"
صعقت ورد مما تفوهت به والدتها وأسرعت بسؤالها متوجسة خيفة:
"طيب أني أعمل ايه دلوك ياما؟"
إلتوى ثغر سنية ببسمة سعيدة لنضج عقل ورد وتقبلها لحديثها دون اعتراض. ربتت على يدها التي بين يديها وقالت بنبرة طيبة:
"تردي الإساءة بالحُسنى، متحاوليش تسلمي لشيطانك أبدا يا ورد هيخرب عليكي، عامليها كيف ما تحبي مرت ولدك تعاملك، وهي أكيد لما تشوف أنك تتمني لها الرضا هترضى وإن مرضتش يابتي هي حرة نفسها المهم متزعليش مصطفى منك في الآخر هو بيحبك يا ورد وأني إن مكنتش متوكدة من حبه ليكي مكنتش جولت لك اتحملي عشان خاطره."
شعرت ورد بالراحة الداخلية لكلمات والدتها الحكيمة والتي أضافت لافتة طيبة داخلها. بينما لم تبرح نادرة مكانها مذهولة مما وقع على شحمتي أذنيها. فهي إن كانت في مكان السيدة سنية لم تكن لتنصح إبنتها برد الإساءة بالحُسنى بل كانت شاركتها الإساءة فلا تتحمل أن هناك من يمكنه إيذاء صغارها دون أن تأكله بشراهة!
يبدوا أنها كانت مخطئة في الحكم عليهم سابقاً. فلقد أخجلتها السيدة سنية بكلماتها الطيبة وشعرت بالندم حيال أفعالها معهم. أخذت نفساً عميقاً وتقدمت إليهم في خجل شديد وقعت بين ثناياه.
انتبهن لها ولاحظن إبتسامتها التي تغزو شفتيها على غير العادة. تبادلن النظرات المتعجبة من أمرها المبهم لكنهم لم يعقبوا. استأذنت ورد وانصرفت لكي تري أين مصطفى إلى ذلك الحين لم يعود.
وجدته داخل طوالة الجياد يصنع قهوة على نار هادئة للغاية. انضمت إليه محدثة ضجة لكي ينتبه لوجودها. قابلها بإبتسامة عفوية لمجيئها وسألها باهتمام:
"بتحبي الجهوة؟"
أسرعت ورد بالنفي:
"لاه مبحبهاش واصل ولا أطيج ريحتها."
تعجب من ردها السريع وهتف مبدي حبه للقهوة:
"ريحتها ديي أحلى مافيها كيف مبتحيبهاش!!"
توجهت ورد إلى مُهرة حين أثارت انتباها خصلاتها الطويلة الناعمة عينيها وأجابته موضحة:
"بتجلب معدتي وأحس إني بصدع أول ما أشم ريحتها."
قطب مصطفى جبينه لعدم رؤيته لما تفعله في حصانه وسألها باهتمام:
"بتعملي إيه عندك؟"
"بضفرلها شعرها."
أردفتهم بحماس وحيوية وتابعت تجميع خصلات الحصان معاً عاقدة ثلاثتهم معاً إلى أن تنتهي من العقدة الأولى فتبدأ بالثانية ثم الثالثة إلى أن انتهت من العقدة الرابعة عشر.
تراجعت للخلف لترى ما فعلته بوضوح فتفاجئت بجمال مظهر الحصان بتلك التسريحة حديثة الصنع. كان قد انتهى مصطفى من طهيه للقهوة فأقبل على ورد وهو يرتشف القليل منها.
تفاجئ بحُسن مظهر حصانه الجديد وأبدى إعجابه قائلاً:
"عملتي."
توقف مصطفى من تلقاء نفسه حين صرخت ورد بذعر وابعدته عنها في حركة عفوية يملئها الرعب. تأوه مصطفى بألم فتسبب في ذعرها. انسكب فنجان القهوة على يده شاعراً بسخونة حرارتها كذلك لطخت جلبابه الأبيض.
أسرعت ورد نحوه بندم شديد ولم تكف عن الاعتذار بنبرة مرتجفة:
"أني آسفة، مكنتش أعرف إنك واجف ورايا."
حاول مصطفى أن يهدئ من روعها:
"محوصلش حاجة أني زين."
كان يعقد حاجبيه كلما شعر بالألم فقالت هي لاعنة غبائها:
"محوصلش حاجة كيف أنت بتتوجع، تعالي اغسل يدك."
اصطحبته إلى صنبور المياه ووضعت يده أسفله وملست عليها برفق تزيل بقايا القهوة. رفعت بصرها عليه بأسى مختلط بالندم حياله فتفاجئت به يطالعها بحب لخوفها الظاهر.
أغلق صنبور المياه واقترب منها ولم يتردد مطلقاً في شكرها بأسلوبه الخاص الذي يبتكر في فنونه. لم يتمالك سيطرته حين لمس شفتيها وأطبق عليهم بشراهة مستمتعاً بيدها التي تشد على جلبابه مطالبة بعض الهواء الذي نفذ منها.
ابتعد عنها برفق وبنبرة لاهثة قال:
"عشجك يا ورد!!"
التقطت هي أنفاسها ورمقته بخجل مختلط بالإمتنان لحبه الذي لم يفشل في سرقة قلبها كلما صرح به.
أمسكت بيده الموجوعة ووضعتها أمام فمها ثم أوصدت عينيها لبرهة وهمست بنبرة خافتة:
"بقوة ورد السحرية إتعافي."
وضعت قُبلة رقيقة على مكان آلامه ثم عاودت النظر إليه فتفاجئت بنظراته المبهمة متسائلاً:
"المفروض إيه اللي يحوصل دلوك؟"
أجابته ورد بثقة عمياء:
"يدك تتعافى."
لم يستطع مصطفى الصمود أمام تصرفها الأبلة وانفجر ضاحكاً تحت نظراتها عليه. حاول السيطرة على قهقهته لكنه يفشل دوماً كلما عاد إلى ذاكرته تصرفها الاخرق.
لكزته ورد في كتفه بتزمجر هاتفة بحنق:
"أنت عديم الرومانسية، أني المفروض أعمل أكده أنت تتصنع أنك اتعافيت مش تتمجلس عليا."
عادت إليه ضحكاته من جديد على سذاجة حديثها الذي يثبت تأثرها بالأفلام الكرتونية. أولاته ورد ظهرها بضجر بائن وكادت أن تغادر الطوالة إلا أنه لحق بها وأعادها إليه بعد أن حاول جاهداً السيطرة على قهقهته.
أستنشق شهيقاً عميق لكي يعود إلى هدوئه. حاوط خِصرها بيده وشد عليها فباتت هي حبيسة ذراعيه شاعرة بحرارة أنفاسه التي تضرب وجهها المحتقن فمازالت مغتاظة منه.
طبع مصطفى قُبلة ناعمة على طرف شفتيها هامساً بنبرته الرخيمة:
"ديي بجا الرومانسية على أصولها!"
دفعته ورد بعيداً عنها فلم تتقبل سخريته منها مرة أخري وهدرت به شزراً:
"ديي مسمهاش رومانسية ديي اسمها جلة حيا."
أولاته ظهرها مرة أخرى ووهرولت للخارج والغضب يكسوا وجهها. تبعها مصطفى وابتسامته لم تختفي بعد من على وجهه. عادوا إلى عائلتهم فشهقت نادرة على مظهر مصطفى الغير لائق وسألته مهتمة لأمره:
"أباه إيه اللي حوصل عاد؟"
رد عليها وهو يرمق ورد بطرف عينيه بغيظ:
"البركة في ورد!"
چحظت عينيها بذهول ورددت بعصبية:
"أنت فزعتني وأني مكنتش أعرف انك واجف ورايا."
تدخلت سنية مهدئة شحنة التوتر الناشئ بينهم بقولها:
"اهدوا يولاد محوصلش حاجة دلج الجهوة خير، المهم يلا بينا نمشوا من أهنه الناموس كل يدي وأني عندي حساسية وبدأت اتورم أهاه."
رد عليها مصطفى دون تفكير مازحاً:
"خلي ورد تبوسها هتتعافي طوالي."
إلي هنا ويكفي سخافة إلي هذا الحد. استدارت إليه ورد بوجه محتقن تفور به الدماء. لم يتوقف مصطفى مكانه بل هرول بعيداً عنها وكذلك لم تتوقف هي بل ركضت خلفه بسرعة قسوة لكي تمسك به لكنه كان أسرع منها أضعافاً.
تعمد مصطفي الخروج من الباب الرئيسي وتوجه إلى سيارته جذب منها شيئاً ما وانتظر مجئ تلك البطيئة إليه ثم رفع ما بيده أمام عينيها لكي تكون منقذاً له من غضبها.
رواية عرف صعيدي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم تسنيم المرشدي
أوشكت الشمس في الغروب، أجواء ساكنة للغاية، تعلوا تغريدات العصافير على الأشجار القريبة. لم يصدر أي نقاش بينهم منذ عودتها، تعابيرها مشدودة فانتبهت لها السيدة سنية وسألتها مهتمة لأمرها:
- مالك يا ست نادرة كانك مهمومة، خرجي اللي في جوفك يمكن ترتاحي هبابة.
انتبهت نادرة من سؤالها المفاجئ فشعرت سنية بخطئها الذي اقترفته من خلف نظراتها وأردفت معتذرة:
- مجصدش أدخل اني كنت..
قاطعتها نادرة ببكائها الذي انسدل كالشلال على مقلتيها دون توقف. شهقت سنية بذعر من تحول حالتها المبهمة، اقتربت منها دون تردد وربتت على ظهرها محاولة تهدئة روعها:
- استهدي بالله يا ست نادرة إيه اللي حوصل فجاءة أكده لا حول ولا قوه الا بالله؟
مسحت نادرة عبراتها بأناملها وبنبرة موجوعة وقلب يعتصر حزناً أردفت من بين بكائها:
- جلبي عيتمزع على ولدي اللي هملني، من يوم موته مدوجتش طعم الراحة، مخابراش كيف يعني أكل وهو يا حبة جلبي مياكلش، كيف أدوج الفرح وهو في جبره مردوم بالتراب، تعرفي يا ست سنية اني مش أول مرة أجول الحديت ديه أني مموافجاش على جوازة مصطفى من ورد!
تفاجئت سنية بتصريحها بعدم رضاها لزيجة ولدها من ورد. استشفت نادرة ما يدور في عقلها فأدلت موضحة أسبابها:
- بس اللي محدش يعرفه إن جلبي مراضيش إن حد ياخد مكان ولدي ، حتى لو كان ولدي التاني، عجلي ممتجبلش أن هلال يروح وغيره ياخد حاجة كانت تخصه، ورد مرت هلال عجلي واجف على أكده، جلبي هيوجعني كل ما أتخيل أن ولدي مات واندفن وحجه راح لغيره، يمكن تشوفيني بحب هلال أكتر من مصطفى بس لاه ربنا يعلم أن معزتهم عندي واحدة، بس هو ضميري اللي مبينمنيش يا تري ولدي موافج على حوصل؟ يا تري راضي؟ ولا حزنان على مرته اللي ملحجش يفرحوا بيها.
أوصدت السيدة نادرة عينيها هاتفة بأااه مكلومة من شدة حزنها المتبدد داخل قلبها. عادت لتواصل حديثها بنبرة متحشرجة أشد ألماً:
- نار جايدة في صدري مبتنطفيش واصل، مرضياش عن اللي بعمله في مصطفى وورد من جيهة ومن جيهة تانية صورة هلال وهو يا حبة عيني عريس مبتفارجش عيوني التنين، أني عايشة في مرار محدش شايفه ولا حاسه، شايفين نادرة الجوية وجحود جلبها، ميعرفوش إني بعمل أكده من جهرتي وجلة حيلتي، ميعرفوش إن نار جلبي مبتبردش واصل واللي يزيد ويغطي إن حج ولدي راح هدر واللي جاتله عايش إبيتهني ولا على باله وولدي مرمي تحت التراب عياكله الدود!
كلماتها كانت بمثابة خنجر تغرزه في قلبها كلما تعمقت في حديثها ووصفت مآساتها التي تعيشها بسبب إنسان بلا رحمة لم يفكر في قلبها ولا الحزن الذي سيتدد داخلها بفعلته الدنيئة. شعرت بمشاركته في القتل بعدم الإبلاغ عنه وتسليمه إلى رجال الشرطة. لم تستطع حتى التخفيف من حزنها وآلامها فهي تعلم الجاني ولا تشي عليه فكيف ستنافقها وتربت على قلبها بكلمات طيبة وهي عامل أساسي في حالتها تلك.
شعرت نادرة بالراحة ما أن أخرجت ما تخفيه طيلة الشهور الماضية داخل جوفها. التقطت أنفاسها لكي تعدل من حالتها المزاجية السيئة ثم وجهت بصرها نحو السيدة سنية قائلة:
- الواحد حس براحة لما اتحدتت وخرج اللي في جوفه، بس رايدة منك ياريت متبلغيش ورد بالحديت اللي جولته ديه مريدهاش تزعل مني.
أخفضت بصرها وابتسمت بتهكم وتابعت مضيفة وهي تفرك أصابعها:
- هي أصلاً شايلة مني ياما.
أعادت النظر إلى سنية ممتنة لسعة صدرها التي تقبلت تراهاتها دون انزعاج ورددت:
- أني خابرة زين أنك مهتجوليش اللي جولته ديه لاي مخلوج عشان أكده أني فضفضت معاكي بس سايج عليكي النبي تسامحيني.
هربت سنية بنظريها بعيداً عنها فلن تجرأ على مواجهة حزن عينيها وهي تحمل كل الذنب على عاتقها. أخرجت تنهيدة مهمومة ورددت بآسى:
- مسامحينك يا ست نادرة مسامحينك.
بعدم استيعاب للأمر بعد سألته في فضول:
- وااه إيه الأوراق ديي؟
غمز إليها مصطفى بتعالي موضحاً لها:
- ديه الورق اللي يثبت حجك في ورث بوكي، ديه حجك يا ورد عاودلك من تاني!
رمقته بطرف عينيها غير مصدقة ما أردفه للتو. أخذت شهيقاً عميق وأخرجته بتمهل وهي تعيد كلماته في ذهنها بصوت عالٍ:
- حجي! عاودلي من تاني!
كتمت ورد شهقتها المندهشة براحتي يدها التي وضعتهم أمام فمها حين استشفت الأمر كاملاً ومازالت تطالعه بعدم تصديق. تحولت تعابيرها إلى الخوف الشديد وأسرعت في سؤاله بتوجس:
- أنت زين، عملك حاجة؟
أضاق مصطفى بسودتاه عليها وهتف مستاءً من عدم معرفتها لما يستطيع فعله بعد:
- كاني عيل صغير عشان يعملي حاجة، فوجي يا ورد أني مصطفى وِلد خليل الجبلاوي على سِن ورُمح محدش يجدر يطلع فيا مش يفكر يعملي حاجة، وبعدين عمك ديه أجل من أنك تخافي منيه ديه مخدتش في يدي خمس دجايج حتى وكان ناخخ وجايب لي الورج!
غمز إليها بعجرفة وواصل قائلاً:
- عشان تعرِفي بس إني جامد.
قهقهت ورد عالياً وهي تنظر إلى مصطفى بنظرة مختلفة تماماً عن ذي قبل. كانت المرة الأولى لتلاحظ مدى قوة صنيعته ونفوذه. نظرتها له مليئة بالامتنان والفخر. شعور قوي داخلها يرغمها على معانقته.
انتبهت على نبرته التي قطعت عليها حبال شرودها بقوله:
- ساكتة ليه عاد؟ ديه من تأثير الصدمة ولا الفرحة؟
أجابته بحماس مختلط بلهفةٍ مشرقة وهي تشير بيدها على ذاتها:
- حاسة إني رايدة احضنك.
إلتوى ثغر مصطفى بإبتسامة عذبة ثم مد ذراعيه في الهواء مرحباً بها في حضنه:
- يا أهلا بيكي اتفضلي.
انفجرت ورد ضاحكة ولم تتردد لحظة في تضيع تلك الفرصة الثمينة وأقبلت على صدره متشبثه بعنقه بكل ما أوتيت من قوة. شد مصطفى على ظهرها بذراعه لكي يشعر باحتواء عناقها الصغير.
قطع عليهم لحظتهم رنين الهاتف الممل. حاولت ورد الإبتعاد عنه لكي يجيب على مكالمته الواردة لكنه أبى تراجعها. دس يده في جيب جلبابه وأجاب:
- فينك يا مصيبة راسي مختفي ليه؟
أجابه الطرف الاخر بجمودٍ:
- اني رايح الاسطبل تعالي جابلني.
بهدوءٍ قال:
- أني هنكة هروح الجماعة اللي معايا وهعاود لك.
أنهى المكالمة فسألته ورد بفضول أنثوي:
- مين اللي هعتاود ليه؟
سحب نفساً وضاق بعينه عليها متسائلاً:
- ديه فضول المتزوجين بدأ بجا.
أصدرت ورد شهقة قوية وبحركة عفوية أزاحت وشاحها عن وجهها مبدية تزمجرها من حديثه لكنها فوجئت بتلك القُبلة على شفتيها فتجمدت مكانها بصدمة. طالعت المكان من حولها تتأكد من خلوه فظهر التهكم على تقاسيم مصطفى فلم يكن يفعل ما فعله إذا لم يتأكد من بُعد الأناس منهم بقدر مسافة بعيدة.
عادت ورد بنظرها عليه حين شعرت بالراحة تجتاجها من عدم وجود مارة على مقربة منهم مستاءة من تصرفه:
- أنت كيف تبو..
لم تكمل جملتها بعد حتى فاجئها بقُبلته الثانية على التوالي. اتسعت حدقتيها مذهولة من وقاحته فقابلها هو بغمزة متشفية من حدتيه. دنت منه ورد متوعدة له بأن ترد له قبلاته لكن بواحدة أكثر نعومة لتضعف من قواه أمامها.
عاتبته بضيق زائف حتى تصل إلى مرادها:
- أنت مبتختشيش اا..
قطعت كلماتها بقُبلتها التي طبعتها في عنقه أسفل أذنه وطالت مدتها حتى أوصد مصطفى عينيه مستمتعاً بتلك اللحظة الرائعة يا حبذا تصرفاتها العفوية التي تأسر قلبه.
فتح مصطفى أهدابه بتهمل تحول إلى سرعة فائقة حين رأى هطول السيدتان عليهم. دفع ورد بعيداً عنه مردداً بصدمة:
- امي وامك..
خفق قلب ورد رعباً فور سماعها لكلماته. چحظت عينيها بذهول وهي لا تجرأ على الإلتفاف ومواجهتهم بعد ما فعلته هي بوقاحة في منتصف الطريق.
- عتعملوا ايه يولاد.
هتفت بهم السيدة سنية فأجاباها كليهما في نفسٍ واحد:
- هو..هي..
تبادلا النظرات غير مصدقين أنهم قد فتن كليهما على الآخر. لم تتقبل ورد وصاحت بتذمر بالغ:
- أنت اللي بديت.
أسرع مصطفى في تحسين صورته أمامهم بقوله:
- أنتِ اللي ما صدجتي!
إزدادت بؤبؤتي ورد في الاتساع بصدمة من هجومه وكأنها السبب. كادت أن تجيبه إلا أن السيدة سنية تدخلت لتنهي تلك السخافة:
- أباه مالكم عاد مين اللي بدأ إيه ومين اللي مصدج إيه مفهمينش حاجة واصل.
مالت برأسها للجانب حيث تقف نادرة وسألتها بحيرة من أمرهم:
- فاهمة حاچة منيهم يا ست نادرة؟
أماءت نادرة نافية فألقي مصطفى سؤاله ليتأكد من حدسه:
- يعني أنتوا مشوفتوش أيتها حاچة؟
هتفت نادرة بنفاذ صبر:
- حاجة إيه اللي كلتوا عجولنا بيها؟
حاول مصطفى إنهاء الحوار بهروبه إلى السياره وهو يتمتم:
- أني بجول يلا نعادوا الليل داخل علينا.
وافقته ورد الرأي وهي تفر هاربة من نظراتهم المحملة بعشرات من الأسئلة حول تصرفاتهم الخرقاء. لحقت بها نادرة بقولها:
- اركبي أنتِ جدام يا ورد سبيني أني جار أمك.
عقدت ورد ما بين حاجبيها بغرابة، فالأمر بدا مريب بعض الشيئ لكنها لم تعقب وامتثلت ما قالته سريعاً فهي في حالة لا تحسد عليها بالمرة. صغت إلى تمتمت مصطفى فور استقلالها إلى جواره:
- اركبي يا واكلة ناسك..
كانت متفاجئة من إلقائه للحديث في الوسط والذي يزيدها غضباً أنها لا تستطيع الرد عليه فكلتاهن قد ركبن في الخلف وقُطعت أي سُبل لها في إيقافه عما يردفه.
وصلا بعد عشر دقائق، صف مصطفى سيارته أمام باب السرايا من الداخل بعدما قام بتوصيل السيدة سنية إلى منزلها. انتظرت ورد ترجل نادرة من السيارة ثم التفتت بثائر جسدها نحو مصطفى هاتفة بحنق:
- بجا أني اللي ماصدجت! بجا أني واكلة ناسي! معتش فيه بيني وبينك حديت تاني واصل جلبي جفل منك يلا عاود لصاحبك.
ترجلت من السيارة بعبوس مرسوم على تعابيرها وتابعت سيرها إلى الداخل دون أن تلتفت. تفاجئت بجسدها الذي يعلوا عن الأرض وساقيها التي حلقت في الهواء بحركة سريعة منه كانت بين ذراعيه.
رمقته بذعر فعقلها لم يستوعب بعد تصرفه المفاجئ. طالعته لبرهة وأردفت معاتبة:
- وجعت جلبي في رجليا يا مصطفى حرام عليك حد يعمل أكده بردك!
ابتسم لها بعذوبة مردفاً بأسف:
- أني آسف يا وردتي مهانش عليا أسيبك مضايجة.
تبخر حزنها فور تصريحه بعدم تحمله لحزنها، فما يمكن أن يكون هناك أجمل وأسمى من ألا يهون زعلك على أحدهم ويفعل مافي وسعه لكي يطيب خاطرك ولا يبيت قلبك حزين مكسور.
وضعها على الفراش برفق ثم طبع قُبلة على جبينها وهو يطالع زرقاوتيها اللتان ظهرا بوضوحٍ لعينيه بعدما أزاح عنها وشاحها. أخرج تنيهدة حارة وهو لا يطيق الإبتعاد عنها هاتفاً بقلة حيلة:
- أدخلي أبحثي على جوجل أكده عن كيفية ابتعاد مصطفى عن وردته مُهجة جلبه!!
حتماً يمازحها! لن تستطيع الصمود أمام كلمات الغزل التي تخرج من فاهه فقط لها وحدها دون غيرها. عضت على شفتيها مُشكلة إبتسامة ناعمة على ثغرها تليق مع رقة ملامحها. حاوطت عنقه بذراعيها وردت عليه بنبرة مُتيمة:
- جوجل بيجول أن مفيش طريجة واصل لبُعد مصطفى عن ورد، بيجول الطريجة الصحيحة أنه ميهملش حضنها واصل.
لم يكن هناك داعي لأن يبتعد عنها في تلك الأثناء. حاوط ظهرها بذراعيه وجذبها لصدره ومال برأسه على كتفها يشم عبيرها الذي بات يعشق رائحته ولا يقدر العيش بدونه.
مرت مدة ليست بقصيرة لم يتغير وضعهم حتى ألقت ورد سؤالها في الوسط قائلة:
- حضنك حلو جوي.
باختصار أردف:
- لأنه حجك وحدك.
رفعت ورد بصرها في عينيه تريد أخذ وعداً قاطعاً منه:
- إوعدني يا مصطفى أن حضنك ديه محدش يدوج حلاوته غيري.
قطب مصطفى جبينه بغرابة وسألها مستاءً:
- عندك شك ولا ايه؟
حركت رأسها يميناً ويساراً نافية سؤاله وأوضحت سبب أخذها لوعده:
- لاه بس وعد الحر دين عليه والدين ميسدهوش إلا الرجالة وأني رايدة أطمن أكتر.
لم يرفض لها طلباً بل ظل يردد كلماته بنبرة رخيمة:
- أوعدك إن مفيش واحدة هتعرف ريحة ولا طعم حضن مصطفى وِلد خليل الجبلاوي.
لا شيئ يضاهي تلك اللحظة. تفشل في وصف مشاعرها حينذاك لكنها تشعر بإمتلاكها للأرض بمن عليها. سكنت قلبها السكينة والطمأنينة بعناقه المختلط بتصريحه لعدم سماحه لآخرى في حياته.
شعرت ورد بإهتزازة مريبة تكاد تشعر بقوتها في يمينها. تراجع مصطفى للخلف وسحب هاتفه من جيبه. قطب جبينه مستاءً من تناسيه لأمر لقائهم وأجابه بحرج:
- جاي لك طوالي معلاش.
بنبرة تميل إلى الإختناق هتف بتجهم:
- جوام يا مصطفى أني مطايجش روحي.
قلق مصطفى من لهجته المحتقنة ورد عليه مختصراً:
- مسافة السكة هكون جدامك.
أغلق الهاتف ثم عاود النظر إلى وردته معاتباً إياها بلُطف:
- ناسيت حالي ومالي وصحابي بسبب عيونك الزرج دولهما هتوديني على فين تاني يابت الناس؟!
غزت ابتسامة العجرفة ثغرها وهمست ببحتها الأنثوية التي يعهدها الآخر:
- من حضني وإلى حضني تعود يا صاصا.
رفع حاجبيه متفاجئاً من ذاك الإسم الجديد:
- كماني!!
نهض مبتعداً عنها وهو يردد مازحاً:
- ألحج أني بجا أنفِد بجلدي، سلام.
هرول للخارج والإبتسامة تغزو شفتيه غير مصدق ما يعيشه حقاً. من حياة عازب حاد الطباع إلى زوج مراهق تناديه زوجته ''صاصا''.
انفجر ضاحكاً حين تردد ذاك الإسم في مخيلته ولم يتوقف إلا على صوت تغريدها وهي واقفة خلف الباب لا تُظهر سوى رأسها فقط:
- مصطفى يا مصطفى أني بحبك يا مصطفى.
التفت بجسده وركض نحوها فأسرعت هي بإغلاق الباب فعاد إلى وجهته التي كان يسير عليها قبل أن يصغي لنداء آخر منها.
- مصطفي يا ولدي رايدة اتحدت معاك.
أردفت بهم السيدة نادرة بهدوء معانق للندم. رد عليها مصطفى وهو يطالع الوقت في ساعة يده:
- مينفعش بعد ما أعاود ياما ضيف مستنظرني.
أماءت رأسها بقبول وقالت:
- ماشي يا ولدي المهم تبجي تفوت عليا أني مهانمش.
ردد مصطفى مختصراً:
- تمام.
تابع هبوطه للاسفل ومن ثم إلى الخارج حتى استقل في سيارته وتحرك بها مبتعدا عن المكان قاصداً طوالة الخيل لكي يلتقي بصديقه ويعلم ما يوجد خلفه.
شعرت بالضجر يتغلغل داخلها رويداً رويداً إلى أن سيطر على خلاياها بالكامل. تشعر بالملل الشديد يجتاحها من لا شيئ. لا تملك فعل أي شيئ سوى مشاهدته وهو نائم.
أيعقل أنها عروس لم يمر على زفافها سوى عدة ساعات! هل هذا ما يفعلانه العروسين في أولى أيامهم؟ فقط يشعرون بالملل لعدم فعلهم أي شيئ. أهم يقضون أغلبية أوقاتهم في النوم وعدم خلق أي محادثة طيلة اليوم كما يحدث معها أم هناك ثمة امورٍ تجهلها.
نفخت بضيق يعتلي صدرها وبحثت ببندقيتها على ماء في الغرفة لكن الزجاجة قد نفذت. تعالت أصوات زمجرتها فجميع متطلباتها بها خلل يمنعها من ممارسة حياتها على النهج الصحيح.
نهضت مروة مبتعدة عن الفراش وأبدلت ثيابها بعباءة مطرزة يدوياً ودلفت للخارج بعدما تناولت الزجاجة لكي تعيد ملئها.
خرجت صباح هي الأخرى مهرولة فور سماعها لحكة باب غرفة أخيها الذي أصدره أثناء فتحه وغلقه. تهللت أساريرها بسعادة حين رأت مروة وليس طاهر كما تمنت تماماً. أقبلت عليها مُشكلة بسمة عريضة على محياها وأردفت متسائلة:
- على فين أكده يا عروستنا؟
بادلتها مروة إبتسامة خجولة وأجابتها بإرتباك حرِج:
- المُية خلصت راحة أملاها.
أماءت لها صباح بتفهم ثم استأذنت مروة في الهبوط للطابق الأول. حاول صباح التفكير سريعاً مستعينة بشيطان أفكارها الخبيث في إيجاد أي فكرة داهية تفعلها حتى تأتي بضيف في أقرب فرصة.
حمحمت وهتفت قبل تغادر الأخرى قائلة:
- ابجي تعالي اجعدي ويايا لو طاهر مش موجود او نايم نتسلوا ويا بعض.
كانت كلماتها فقط لتجذب أنتباه مروة إليها لحين استطاعتها من رفع طرف البساط بأطرافها. تنهدت بانتصار حين نجحت في ذلك وانتبهت على رد مروة مرحبة بفكرتها:
- أكيد طبعاً هعمل أكده.
أولاتها مروة ظهرها وخطت بقدميها للأمام فانحشرت إحداهن داخل الثغرة التي فعلتها صباح وبمجرد أخذها للخطوة الثانية انزلقت قدميها وتعثرت في الدرج ولم تستطيع إمساك طرابيزين السُلم من هول سرعة الموقف حتى توقف جسدها من تلقاء نفسه فور أنتهاء درجات السُلم على بقايا حطام الزجاجة التي تناثرت أشلاؤها في الوسط حين لم تجيد مروة مسكها.
أصدرت صباح شهقة قوية متصنعة الخوف عليها. هرولت إليها وهي تصيح عالياً:
- يا واجعة مربربة غيتونا يلي في الدار.
تجمع من في المنزل إثر استغاثة صباح بهم. صعق طاهر بوقوع مروة وهرول إليها في ذعر كذلك ثريا لم تكن أقل منه صدمة.
انحنى طاهر عليها وجلس القرفصاء أمامها بعدما أزاح قطع الزجاح الصغيرة من الأرض بقدميه متسائلاً باهتمام ممزوج بالقلق حيالها:
- إيه اللي حوصل، أنتِ زينة بتتوجعي من حاجة؟
أمسكت مروة ساقها اليُسرى متألمة منها بينما شرحت لهم صباح ما حدث ببرائة طاغية على نبرتها:
- كنا وافجين نتسامروا وهي كانت راحة تجيب مُية ويا حبة جلبي رجليها اتعسرت في السجادة ووجعت ملحجتش حتى ألحجها.
آنت مروة بألم شديد يجتاح ثائر جسدها وكأن قطع الزجاج باتت داخل جلدها. صرخت بنبرة موجوعة حين لمس طاهر يدها مرددة:
- الإزاز في يدي ااه.
شعر طاهر لوهلة بإنهيار قوته التي تضعف أمام أنينها الموجوع. سحب شهيقاً وقال متوسلاً:
- حاولي تتحملي معايا يا مروة على لما اشيلك من إهنه.
أوصدت مروة عينيها وسمحت لعبراتها في الإنطلاق خشية الألم الذي ستعيشه ما أن ضغط طاهر على جسدها لكن لا يوجد في يدها سوى الرضوخ لكي تنهي ذلك الأمر سريعاً فأماءت له بقبول.
بحذر شديد حملها طاهر عن الأرض فصرخت مروة بكل ما أوتيت من قوة حين شعرت بالألم يتضاعف كلما ضغط بيده على أماكن بها زجاج.
عاد بها إلى الغرفة ثم وضعها برفق علي الفراش فأنت هي بألم. حاول طاهر جمع شتات وجدانه لكي يمسك بزمام الأمور. جلس أمامها وسألها بشفقة:
- فين المكان اللي بتتوجعي منيه؟
أجابته بتلعثم من بين بكائها المرير:
- ضهري ورجليا.
أمسك طاهر بطرف ثوبها حتى يري قدميها أولاً فأسرعت هي باللحاق به ممسكة بيده وأشارت بعينيها على ثريا وصباح الواقفتين خلفه فاستشف هو ما ترمي إليه وتردد في إخراجهم فحتماً لن يفعل ذلك.
بحكمة عقله الناضجة تعامل مع الموضوع بسلاسة. سحب نفساً عميق ثم نهض وحملها بحذر بين ذراعيه موجهاً حديثه إلى والدته بحرج:
- خدي راحتك ياما مروة لازم تخلع خلجاتها جوا الحمام.
بلهفةٍ قالت لكي تمحي الحرج بينهم:
- على راحتك أنت يا ولدي المهم نطمنوا عليها.
ولج بها طاهر للمرحاض وأوقفها أرضا فشعر بألمها ما أن ضغطت على ذراعه بقوة. حاول أن يهدئ روعها بقوله:
- أهدي، وحاولي تتحملي معايا.
رمشت بعينيها فبدأ هو بخلع عبائتها وهو لا يستوعب ما يفعله، فحيائه يمنعه لكن الموقف يحتم عليه فعل ذلك. تفاجئ طاهر بالجروح التي تتناثر في ثائر ظهرها وذراعيها.
حرك رأسه بآسى ثم اقترب منها وحاول يلتقط شظايا الزجاج من جسدها بأنامله وبعضهم بالملقاط الحديدي لصغر حجمهم. كان جسدها يرتجف بشدة كلما أخرج قطعة زجاج فزادته تأثراً بحالتها المذرية وكان يحاول تخفيف يديه قدر المستطاع.
أنهى ما يفعله وأخبرها بذلك:
- خلاص أكده.
جهشت مروة باكية بشدة فور انتهائه، فلقد تماسكت فقط لكي لا تفقده تركيزه وينهي عمله سريعاً. فوجئ طاهر ببكائها الذي انفطر قلبه الحنون إثره. التفتت إليه مروة بحركة من يديه وطالعته بأعين تترقرق فيهما العبرات. مد أنامله ومسحهم برقة مردداً بشفقة:
- خدي بالك بعد أكده ياورد وانتبهي أكتر لحالك.
طالعته بحزن جلي على تقاسميها ورددت بنبرة منكسرة:
- بس أني مش ورد!
فغر طاهر فاهة بصدمة. ازدرد ريقه بصعوبة وهو يفكر في كلمات ما يبرر به خطئه الفادح. هرب بعينيه بعيداً عنها وحاول جاهداً أن يصلح ما اقترفه وحين فشل في إيجاد الكلمات حاول نفي ما قاله:
- أني مجولتش ورد أنتِ سمعتي غلط!
أصرت مروة على حديثها فلن تكدب أذنيها وتصدقه:
- لاه أنت جولت ورد أني متوكدة كيف ما أني متوكدة انك واجف جصادي دلوك.
أوصد طاهر عينيه هارباً منها مستاءً من زلة لسانه اللعينة التي أوقعت به في ذاك المأزق. أنتبه على كلماتها التي خرجت متلعثمة:
- بينك كنت بتحبها جوي.
لم يرغب طاهر في الخوض عن سيرتها ونفي ما تحاول مروة الوصول إليه بنبرة صارمة:
- أني محبتش حد وجفلي على الموضوع ديه.
لم تكترث مروة لطلبه فلن تتراجع قبل أن تكن على دراية تامة بحقيقة الأمور. دنت منه وأردفت خشية من إجابته:
- ورد ديي نفسها ورد بت عمك صوح؟
لم يتحمل طاهر سماع اسمها يتردد مرة أخرى فلقد قطع عهداً مع ذاته بأنه يقتلعها من عقله ويحاول قدر المستطاع أن يتعايش مع حياته الجديدة مهما كانت درجة نفوره منها.
تفاجئت مروة بدفعه لها حتى وصل بها إلى الحائط وأجبرها على الإستناد عليه وصاح غاضباً:
- جولت مفيش ورد.. مفيش ورد!
سمح لنفسه بإفراغ شحنة غضبه في تلك القُبلة التي آلمت الأخرى كثيراً من قوتها. ومن بين قبلاته كان يردد بإنفعال شديد:
- مفيش ورد.. مفيش مكان ليها.
اعتقدت مروة أنه يثبت لها بتلك الطريقة عدم وجود مكاناً في قلبه لورد لم تكن تعلم أنه يردد الحديث لنفسه على أمل إخراجها من عقله وقلبه مع خروج كلماته.
ابتعد عنها حين طالبت رئتيها بالهواء كذلك هو قد انحشرت أنفاسه داخله في هذا الوضع الحابس للأنفاس. إلتقط أنفاسه وبنبرة تميل اللي اللين المختلط بالهدوء همس أمام شفتيها:
- سيرة ورد متجايش على لسانك بعد أكده يا مروة لو ليا خاطر عنديكي.
لم يكن أمامها سوى الرضوخ أمام نبرته التي يتوسلها بها ناهيك عن قُبلته التي مازال أثرها لم يختفي بعد. ضبط طاهر من حالته ثم أولاها ظهره واقترب من المغطس الرخامي وقام بفتح صنبور المياه فانسدلت قطراته مرتطمة بالارضية.
أعاد النظر إليها وهو يقول:
- ادوشي عشان الدم اللي علي جسمك ديه يروح على لما أجيب لك مرهم يعالج الچروح ديي.
أولاها ظهره وتوجه إلى الخارج ما إن أنهى كلماته وتفاجئ بخلوا الغرفة فحمد الله على عدم وجودهم فحتماً لم يكن يستطيع النظر في أعينهم بعد فعلته المتهورة مع مروة.
حرك رأسه يطرد أفكاره التي ليست في وقتها وتوجه نحو درج الكومود التي سحبه للخارج وبحث عن أحد المراهم التي سيضمد بها جروح مروة. التقطه وجلس على الفراش في انتظار خروجه إليه.
إلى الأن لم يهضم ما أخبره به صديقه. المفاجأة المختلطة بالصدمة مسيطرة عليه بالكامل. حرك الآخر رأسه مستاءً حين تأخر عن الرد عليه هاتفاً بحنق:
- هتفضل ساكت أكده لميتي؟
خرج مصطفى من ذهوله وتمتم بدون تصديق للأمر:
- مخابروش أجول ايه يا ضيف، أنت جاي تجولي بعد كل الوجت ديه ورايدني أعملك ايه يعني مفاهمش؟
ألقى ضيف ما في جوفه بإنفعال شديد فهو لا يحتمل أي عتاب الأن فقط يريد حلول قاطعة يحسم بها أموره:
- رايد مني أخبرك إني على علاقة بصفاء عشان تكون نظرتك ليها كيف نظرتك لصباح! لاه يا مصطفى أني مهسمحش لأيتها حد يفكر فيها حاجة عفشة أو يبص لها بصة مش اللي هي، صفاء أني رايدها مرتي حلالي ولا يمكن أتحدت عنيها وأجيب في سيرتها حتى لو معاك أنت!!كيف اكده ما أنت مبتسمحش لحد يجيب سيرة مرتك لأنها مينفعش تتجاب من أساسه، فهمت دلوك ليه مجولتش طول المدة اللي فاتت ديي، أني حكيت لما فاض بيا لما كل الأبواب اتجفلت في وشي، صباح من جيهة ومروة من جيهة وأبوي من جيهة وأني مخابرش أعملوا إيه جيت لك يمكن ألاجي عنديك الحل.
جاب مصطفى المكان من حوله ذهاباً وجيئا وهو عاقد ذراعيه خلف ظهره محاولاً إيجاد فكرة ما ترضي صديقه. توقف عن سيره وأردف متسائلاً:
- رايد تسمع مني أي حديت يرضيك ولا رأيي الشخصي؟
أسرع ضيف مجيباً إياه على مضضٍ:
- خلص يا مصطفى وجول رأيك.
أزفر مصطفى أنفاسه وسحب مقعده الخشبي وجلس أعلاه ثم وضع قدم على الأخرى تحت نظرات ضيف المغتاظة التي لا تحتمل الإنتظار وبدأ حديثه مردفاً بنبرة رزينة:
- اللي أنت فيه ديه أنت تستاهله يا ضيف.
چحظت عيني ضيف بصدمة وهتف بتجهم:
- أستاهله كيف يعني؟
رد عليه مصطفى بنبرة جامدة:
- كيف ما سمعت إكده، أنت لعبت بصباح ومشاعرها فاللي بيحوصل ديه عقابك من ربنا.
سحب ضيف مقعداً آخر ووضعه أمام مصطفى مباشرةً وجلس أعلاه بعنف في طريقة جلوسه وصاح به هدراً رافضاً تحمل ذنب تلك الدنيئة:
- على يدك كانت هي اللي بتاجي لي الغيط محدش ضاربها على يدها وجالها تعالي صاحبيني.
بصرامة وحزم قاطعه مصطفى:
- بس كان ممكن تصدها بس أنت كان عاجبك أنها هي اللي بتركض وراك، معلوم الرجالة اللي بتركض ورا الحريم فلما الوضع اتبدل جاريتها أنت في غلطها وياريتها على كد المجابلات يا ضيف شكل فيه وعود أنت وعدتها يا ضيف!!
اتسعت حدقتي ضيف بدهشة فلقد أصاب مصطفى ولم يخطئ. لاحظ مصطفى ذهول ضيف من سماعه لما قاله للتو وواصل مصطفى بثقة أكبر قد استمدها من خلف نظراته:
- متتعجبش أوي أكده، أصل يعني إيه اللي يخليها متمسكة بيك للدرجة ديي إلا إذا أنت وعدتها بحب أو جواز! حوصل ولا محوصلش؟
نكس ضيف رأسه بخذي وأجابه بنبرة خافتة:
- حوصل..
إلتوى ثغر مصطفى للجانب بتهكم وتابع ما يحاول توصيله لصديقه:
- شوف يا ضيف مينفعش نحلل الحرام ونزيدوا فيه لانه بيجرنا لحاجات تانية كتيرة، يعني أنت استحليت ركضها وراك وديه أول إثم وبعدين جومت مجرور لوعد وعدته ليها وموفتش بيه وديه الإثم التاني والإثم التالت لما هربت منيها وهي مسكورة الخاطر وكسر الخاطر من سهل أبدا عند ربنا، ديه ربنا سبحانه وتعالى نزل أية لما كُسر خاطر السيدة عائشة في حادثة الإفك{إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ}فاللي بيحوصل ديه عقاب من ربنا يا صاحبي.
وضع ضيف كلتى يديه أمام وجهه بقلة حيلة. تملك منه الضيق كذلك انتابه شعور الإختناق الذي أطبق على صدره لعدم وصوله إلى حل لمشاكله بعد بل تعقدت الأمور بتوضيح مصطفى لذنبه الكبير.
أزاح يده عن وجهه وأخرج تنهيدة مهمومة وبنبرة خافتة قال:
- بس أني مبحبش صباح ديي أخر واحدة ممكن افكروا فيها وهي مسكاني من يدي اللي بتوجعني معارفش اتحرك خطوة واحدة وأني ممطمنش على أختي اللي معاها في دار واحدة، وصفاء لا يمكن اتخلى عنيها حتى لو أبوي رفض تاني أني مستعد أكتب عليها من غير موافجة لا أبوي ولا عمها بس أطمن علي أختي لاول!!
سكون مريب سيطر على الأجواء قطعه مصطفى بقهقهته غير مصدق ما يتحدثان فيه:
- بجا ضيف بجلالة جدره اللي مدوخ بنتة البلد غرجان لشوشته في العسل، والله عجايب يا زمن.
حك ضيف مؤخرة رأسه بعصبية وأضاف ساخراً على حديث مصطفى:
- البطيخة مبينلهاش شج يا صاحبي.
ازدادت ضحكات مصطفى أضعافاً وردد من بين ضحكاته المتواصلة:
- مش لما تشتريها لاول يا ناصح، لاه وأنت بالصلي على النبي جدامك بطيختين وخابر زين انهين الحمرة وانهين الجرعة والخيبة أنك وافج تتفرج عليهم ومخابرش تشتري انهيين فيهم.
حرك ضيف رأسه مستنكراً تشبياته الغريبة وشاركه مزاحه:
- يخربيت أم البطيخ اللي وكلت دماغنا بيه ديه، أومال لو مانجا كنت عملت فينا ايه؟
توقف مصطفى عن الضحك وانعكست ملامحه إلى الضيق معلقاً على آخر قاله:
- متفكرنيش بالمانجا.
قطب الآخر جبينه بغرابة وسأله مستفسراً:
- ليه عاد؟
بفتورٍ أجابه مصطفى:
- أكده جالي فوبيا من سماع إسمها، جول فاكهة تانية إلا ديي.
أصدر ضيف ضحكات متهكمة على حالة مصطفى الغير مفهومة، ثم تابع كليهما تناول أطراف الحديث الذي لا يعرفون له نهاية فور بِدأه.
عاد مصطفى بعد مدة ليست بقصيرة بعد أن قضى سهرةٍ لطيفة مع صديقه. كاد أن يولج لغرفته إلا أن كلمات والدته ترددت في عقله في اللحظة الأخيرة. تراجع عن الدخول وتوجه إلى غرفة والديه وبرفق حذِر طرق بابهم ووقف في انتظار إجابة أحدهم.
لم يحتاج لتكرار فعلته فلقد فتحت له والدته واستقبلته بإبتسامة هادئة. خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها ثم دعته إلى غرفة الضيافة وبدأت حديثها بتردد بعد أن اعتلت طرف الفراش:
- أني اسفة يا ولدي.
قطب مصطفى جبينه بغرابة من أمر اعتذارها التي قدمته دون أسباب واضحة. عدل من وقفته وسألها مستفسراً:
- بتتأسفي على إيه ياما؟
فركت السيدة نادرة أصابعها بخجل شديد وأجابته بنبرة لا تشبهها إطلاقاً:
- أني غلطت في حجك كتير، أني كنت أنانية معاك ومفكرتش غير نفسي وبس، أني رفضت جوزاتك من ورد رغم انك جولتلي أنك راضي بيها وأني بنفسي شوفت أنك بتحبها وبرده مبطلتش مرازية فيكم أني أسفة جوي يا ولدي سامحني.
سقطت عبرات نادرة وكأنها سكيناً غرزت في قلب مصطفى. انفطر قلبه حزناً ببكائها الذي لم يعتاده فتلك كانت المرة الثانية على التوالي يراها تبكي من بعد وفاة هلال.
أسرع نحوها وجلس القرفصاء أمامها ثم طبع قُبلة على يدها معاتباً إياها بلُطف:
- متبكيش ياما، نادرة الحفناوي تبكي متبكيش، أني مسامحك ياما بس وغلاوتك عندي بلاها الدموع ديي بضايجني.
مسحت نادرة عبراتها وشكلت إبتسامة راضية على محياها. ربتت على يده الموضوعة على يدها وأردفت بحنو:
- جوم عاود لمرتك وتاني مرة متعوجش عليها وتسبيها لحالها كل المدة ديي، خلي مجابلاتك في النهار والليل تكون جارها.
وضع مصطفى قُبلة أخرى علي راحة يدها وعلق بمرح:
- سمعاً وطاعة يا سيدة الجصر.
قهقهت نادرة عالياً فشعر مصطفى بالراحة تتغلغل داخله حين نجح في إستعادة ضحكاتها من جديد ثم نهض من جلسته وانحنى بقامته على جبينها وضعاً قُبلة عليه مردداً:
- تصبحي على خير ياما.
ردت عليه متمنية له كل الخير:
- وأنت من أهل الخير كلاته يا ولدي.
أولاها مصطفى ظهره وعاد بأدراجه إلى غرفته بخطى مهرولة فهو لا يطيق الإنتظار لرؤية وردته. اختفت إشراقة وجهه حين رآها غافية. لوى شفتيه بتزمجر متمتماً:
- وااه أنتِ نمتي يا ورد.
أزفر أنفاسه بملل وتجرد من الثياب إلا من سروال قطني قصير. أستلقى بجوار ورد وجذبها برفق إلى حضنه ثم دفن رأسه في عنقها وأوصد عينيه هامساً بلوعة الشوق:
- لو خابرة أني عاشجك كد إيه!
ترك العنان للنعاس في التغلب عليه حتى بات في ثُباتٍ عميق غير آبه لما يدور حوله فلتحترق النجوم فالسكينة التي تبددت داخل قلبه بقربها تكفيه.
قلق من نومته على رنين الهاتف المستمر الذي لا يتوقف. أعدل وضعية جلوسه وسحب هاتفه من أعلى الكومود فإذا به رقم مجهول. تردد في الإجابة أولاً وفي النهاية قرر الإجابة فيمكن أن يكون هناك خطبً ما. أجاب على المكالمة بتوجس شديد لما سيقع على آذانه متسائلاً:
- مين معايا؟
صغى إلى نبرة من الجانب الآخر يكاد يسمعها بسبب الضجة من حوله:
- إلحج يا سي طاهر...
رواية عرف صعيدي الفصل العشرون 20 - بقلم تسنيم المرشدي
انتفض من مكانه بذعر بعد أن أنهى المكالمة.
تبعته مروة بقلق شديد من هرولته وسألته بتوجس:
- في حاجة حوصلت عفشة يا طاهر؟
لم يجيبها وتابع ارتدائه للثياب تحت نظراتها المنتظرة رده بفروغ صبر.
انتهى مما يفعله ثم هرول للخارج دون أن يجيبها ويطمئن قلقها.
لَقِفت روبها وولجت للشرفة لتتابع تحركاته لعلها تستشف وجهته.
أخذ يمينه إلى أن اختفى من أمامها بسرعة البرق لهرولته التي تؤكد أن هناك ثمة مصيبة كبيرة.
أخذت شهيقاً عميق وعادت إلى الداخل حين شعرت بألم قدمها الذي ازداد ما أن وقفت عليها.
جلست أعلى الفراش وطالعت قدمها اليسرى بتفحص.
شهقت بذعر حين رأت بشرتها تميل إلى الاحمرار ناهيك عن تورم كاحلها.
حاولت لمسها بأناملها لكنها لم تتحمل وضعها أكثر من ثانية.
ترقرقت الدموع في عينيها فهذا ليس وقت الإنهيار، عليها التحلى بالتماسك إلى أن تطمئن على طاهر.
وصل إلى ذلك المقهى الذي جائه الإتصال منه.
لم يبحث عنه كثيراً فالمكان قد انقلب رأساً على عقب وهو يتوسطه يصيح عالياً بنبرة ثقيلة:
- أني حمدان المنشاوي.
تشجأ وهو يتمايل بعدم تركيز وواصل هتفاته:
- اللي محدش يجدر عليه واصل!
لم يتوقف طاهر لأكثر بعد مشاهدته لتصرفاته الدنيئة المخجلة.
توجه نحوه وتعابيره مشدودة وأسنانه تكاد تُفتك بسبب كزه الغاضب عليها.
وقف أمامه وأمره بحنق:
- امشي جدامي يا أبوي وبكفيانا فضايح.
قهقه حمدان حين رأي ولده وقال بدون وعي:
- توك افتكرت أن ليك أب، بس أني مرايدش أعاود، أني مبسوط إهنه.
تمايل حمدان يميناً ويساراً بعدم اتزان وبسعادة هتف عالياً:
- مبسوط جوي، هملني لحالي.
لم يكن أمام طاهر سوي إجباره على الخروج حتى لو اضطر إلى استعمال قوته معه، فيجب عليه إنهاء تلك المسألة عاجلاً.
سحب منه زجاجة الخمر وألقاها بعيداً فصدح صوت بقايا تحطيمها عالياً.
اقترب منه وأمسكه من كلتى ذراعيه وأجبره على السير أمامه هاتفاً بإنفعال شديد:
- أمشي فرجت الخلج علينا.
أوقفه عامل القهوة وهو يهتف باقتضاب:
- تمن الحاجات اللي اتكسرت ديي على مين؟
حرك طاهر رأسه للخلف ورمقه بنظرات احتقارية مشتعلة.
ثم دس يده في جيب جلبابه وأخرج حزمة أموال وألقاه أرضاً بقرب قدم عامل المقهي ثم تابع سيره دون أن يلتفت.
حرر قبضته عن والده ما إن ابتعد عن أعين المتطفلين.
وقف قبالته وعاتبه ببغض واضح:
- رايد تعمل ايه تاني عشان تزيد من كرهي ليك! بجيت أكره طلتك أو ابص في وشك بسبب عملتك اللي بتحاسب عليها لدلوك، مجادرش أعيش حياتي كيف أي شاب في سني بسببك د.
ضيعت من يدي الحب اللي لساتني عايش بحلم بيه ومشايفش غيره.
موت ضميري وسكتني على عملتك ولدلوك كل ما أنام اخاف اموت وأجابل وجه كريم وأني كاتم شهادة!
مكمل في الحياة بجسد روحه ميتة لا عارف أدوج طعم الفرح ولا الراحة كل ديه بسببك أنت، أنت عقبة حياتي يا ابوي!
اتسعت حدقتي حمدان بصدمة وطالعه لوقت لم يصدر منه أي تصرف أو ردة فعل.
إلتوى ثغره للجانب مشكلاً إبتسامة تحولت إلى قهقهات مرتفعة غير واعٍ لما تفوهه طاهر لتوه.
نفخ طاهر بضجر بائن وحرك رأسه مستنكراً سذاجته وهتف بتهكم:
- بتحدت مع مين أني.
عاد إليه وأمسك بذراعه مجبراً إياه على العودة إلى منزلهم.
بعد عدة دقائق قليلة وصلا كليهما إلى المنزل.
توجه به طاهر فور دخولهم إلى المرحاض المنفرد وغسل رأسه بالماء البارد حتى يعيده إلى رشده.
دفعه حمدان بعيداً عنه ما إن استعاد جزءاً من عقله ونهره بغضب:
- بتعمل ايه يا واكل ناسك؟
كز طاهر أسنانه بعصبية وهو يطالعه بكُره واضح في عينيه.
دنى منه وهمس محذراً:
- خليك متوكد إن المرة تانية لما تشرب الجرف ديه ههملك لحالك يمكن تعترف جدام الخلج على عملتك ويبغلوا عنيك ويبجوا خلصوني من تأنيب الضمير اللي عايش فيه!
مر بجواره فخبط في كتف بقوة لصغر المساحة.
عاد إلى غرفته بينما وقف حمدان يراقب طيفه الذي يختفي رويداً إلى أن اختفى تماماً.
بصق في الحوض بغل وهو يردد:
- كن اللي بتعمله يا حمدان شياطينك بيطلعوه عليك!
غسل وجهه بالماء عدة مرات لكي يستعيد رونقه بالكامل.
صغي إلى قطرات مياه تأتي من الخارج لكن الصوت واضحاً لديه وكأنه ملتصق به.
فغر فاهه بسعادة مفرطة حين تذكر سنية.
بالتأكيد لم تغادر البلدة بعد، عزم بألا يفوت الفرصة قبل أن ينال ما تمنى حصوله منذ زمنٍ بعيد.
أسرع إلى الخارج بخطوات مهرولة لا تطيق الإنتظار حتى وقف أمام منزلها وطرق عليه بعد أن تفحص المكان من حوله جيداً ووقف ينتظر ظهور طلتها عليه بفروغ صبر.
كانت تعتلي الفراش ممددة ساقيها أمامها لا تجرأ على تحريك ساقها اليسرى بسبب الألم الذي تعاني منه إن حركتها من مكانها.
تتابع خلعه لجلبابه وإلقائه إياها بقوة على الأريكة التي تتوسط الغرفة.
كان يشاجر ذاته بعصبية ولم يغلق فمه قط دون أن يصدر منه صوتاً.
حاولت فهم ما يقوله من قرائتها لشفتيه لكنها فشلت فمن الواضح صعب فهم شخصية غاضبة.
نهضت عن مكانها وتوجهت نحوه محاولة مشاركته همومه:
- ليه مبتشاركنيش همومك ومشاكلك؟
استدار إليها طاهر وطالعها لبرهة فلم يكن لديه إجابة واضحة على سؤالها فلم يتعاد مشاركة أحداً همومه فالوضع بالنسبة له اعتياد فقط.
اخرج تنهيدة حارة من جوفه وأردف موضحاً:
- مسألة تعود مش أكتر متهيأليش إني شكيت لحد جبل إكده همي.
عاتبته مروة بعينيها أولاً ثم بكلماتها ثانياً:
- أني مش حد يا طاهر أني مرتك، المفروض تفتح لي جلبك، اني غير أي حد غير أمك غير بوك غير خيتك غير صاحبك، أني اللي ربنا جالي فيها وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا.
مدت يدها وتناولت يديه بين كفوفها الصغيرة وواصلت مضيفة:
- أني سكنك يا طاهر.
بنبرة هاشة ضعيفة سألها:
- يعني ايه؟
تشكلت على محياها بسمة رقيقة وأوضحت له معني الكلمة:
- يعني نفسك تطمن لي وتسكن لي، أني ضلع من ضلوعك يا طاهر اتعامل معايا كاني مطرحك ودارك فهمت يعني ايه؟
أوصد طاهر عينيه وصاح بنبرة منهمكة:
- أني تعبان جوي.
محت يديها داعية إياه على أخذ عناقاً يطيب خاطره ويجبر قلبه المنكسر هاتفية بصدر رحب:
- وأني حضني موجود، طلع غُلبك كلاته فيه.
عاد طاهر لينظر إليها لثوانٍ وبدون تفكير قبل دعوتها وقام بعناقها كطفل فقد والديه ويريد العودة إلى الوطن.
فتحت له بعد وقتاً طال، فلقد كانت تحظى باستحمام دافئ لعل حكة جسدها تهدأ فلقد هاجت حساسيتها بسبب ناموس الطوالة.
عقدت ما بين حاجبيها بغرابة لوقوفه أمام بابها في ذلك الوقت المتأخر من الليل.
تنهدت بضيق وسألته بتجهم:
- رايد حاجة يا حمدان؟
حمحم وأجابها بصوته الخشن وهو يرمق المنزل من خلفها بتفحص:
- كنت جاي أطمن عليكي، أخوكي مشي ولا لساته إهنه؟
لا تدري لما تسلل القلق من خلف سؤاله وكأنه ثمة خطب ما ورائه.
سحبت نفساً وردت عليه تريد إنهاء الحوار معه سريعاً:
- لاه مشى عن اذنك عشان هنام تصبح على خير.
كادت أن تغلق الباب في وجهه إلا أنه لحق به قبل أن يوصد فتفاجئت هي من تصرفه وهتفت بحنق:
- في حاجة رايد تجولها يا حمدان.
أماء لها برأسه ثم تقدم نحوها والرغبة فيها تشع من عينيه.
هاجمها وأجبرها على الدخول ثم ركل الباب بقدمه فأغلقه وردد بشوق:
- رايد أجول كاتير جوي، جوايا نار مشعللة مبتنطفيش، حبك جايد في قلبي اللي عيتمزع وأني شايفك مع اخوي العجوز اللي الفرج بيناتكم مجدرش أعده من كتره.
حياتك راحت مع واحد ميشبهكيش أني اللي أليج بيكي، أني اللي بحبك ولحد دلوك حبك ساكن في جلبي مخابرش أخرجه كيف، بس لاه أني مرايدهوش يخرج اني هعمل اللي مجدرتش أعمله زمان واخد حجي منك.
فرد قوته عليها تحت صدمتها التي ألجمت لسانها وصعقت عقلها.
لم تخرج من هرائه بعد فوجدته يتهجم عليهم بوحشية شرهة.
رفضت بكل قوتها أن تسمح له بالتقرب منها.
تراجعت للخلف بخطى مهرولة وهي تناديه متوسلة:
- اعجل يا حمدان بدل ما ألم عليك البلد كلاتها.
لم يكترث فمن سيهتم لتهديد سخيف أمام أمنيته لطالما أراد تحقيقها.
رفع طرف جلبابه ووضعها بين أسنانه لكي يسهل عليه التنقل خلفها.
لم يكف قلب سنية عن النبض بعنف، شعرت لوهلة بأنه يكاد يُشك على التوقف من فرط قوة أدائه في تلك اللحظة.
ركضت وركضت وهي تصرخ عالياً مستغيثة بأحدهم:
- يا ناس يا خلج غيتوني.
تعسرت قدميها بين مرات من الركض ووقعت أرضاً.
علمت بأنها نهايتها ما إن تقيدت حركتها من قِبل ذاك الثور الهائج الذي لا يرى سوى أن ينال منها ويتمكن من جسدها برغبة قوية.
لم تأثر فيه ركلاتها التي تحاول إبعاده عنها ناهيك عن عبراتها التي تتوسله بلين أن يتركها وشأنها لكن هيهات لعقل حمدان الذي ذهب تماماً واستحل عرض أخيه بعدما استحل سفك الدماء من قبل.
دوى في المكان صوت إطلاق إحدى الرصاصات فخشاها حمدان ونهض مذعوراً ليرى من افتعل ذلك.
صعق حين رآها ثريا واقفة أمامه بعدما أطلقت الرصاصة على مقبض الباب وهمت بالدخول إليهم.
رمقته ثريا بإزدراء وبغض شديدين، فإنها والله تكرهه لكن ماليد حيلة فوالدها من أجبرها على تلك الزيجة البغيضة أملاً في رجولة حمدان ظناً منه أنه سيؤتمن على عرضه ويحافظ على أمواله.
وجهت ثريا نحوه وجه البندقية وصاحت بتقزز مفرط منه:
- أني جرفت منك، طهجت من وساختك اللي مبتنتهيش، مصونتش جلب مرتك ورايح تجري ورا مرت أخوك يا عديم الرجولة والنخوة!
مالت ثريا برأسها ناظرة إلى سنية التي تكورت على نفسها ولم تتوقف عن البكاء غير مصدقة أن الله قد سمع استغاثتها وأرسل إليها من ينقذ شرفها من منتهك العرض ذاك.
تنهدت ثريا بتهكم وحادثتها موضحة سبب كرهها لها:
- أني بكرهك يا سنية بسببه، كنت بكرهك كل ما بشوف لمعة عنيه وأنتِ واجفة جصاده، كنت بكرهك وأني شايفاه بيركض وراكي ويحاول يرضي الهانم بحجة أن جوزها مات، ده حتى لما نهب الأرض بتاعتكم كان مفكر أنك بكده مش هتهملي البلد وأنه ماسكك من يدك اللي بتوجعك!
صُدم حمدان من كلمات ثريا التي أكدت له بهم معرفتها الكاملة لعشقه لسنية ولم تتحدث طيلة الأعوام الماضية لكنه كان غبي لم يرأف بمشاعرها يوما.
حكمت ثريا مسكتها للبندقية وصوبت وجهها في صدر حمدان مباشرةً مرددة:
- نفسي أجتلك بيدي يمكن أشفي غليلي منك كل المدة اللي عشتها جارك.
تفاجئت ثريا بدفع سنية للبندقية بعيداً عن حمدان.
عقدت ما بين حاجبيها بغرابة فأسرعت سنية في الهتاف بحنق:
- اجتلوا بعض برا داري، يلا غورو من إهنه.
استجمعت جميع قوتها حتى دفعت بكليهما خارج المنزل ثم أغلقت الباب بعنف في وجوههم وأحكمت غلقه.
وقفت خلفه تستنشق الصعداء.
انحنت بجسدها وسجدت لله شاكره فضله:
- الحمد لله، الحمدلله.
حاولت صلب قامتها كما كانت لكنها فشلت فالخوف قد سيطر على خلاياها وباتت منحنية الظهر.
حركت قدميها بصعوبة بالغة إلى أن وصلت إلى غرفتها.
استلقت على الفراش بتعب منهمك حاسمة أمرها على المغادرة من تلك البلدة ولن تعود إليها مرة أخرى.
زقزقة العصافير فور شروق الشمس.
أبعدت أهدابها المتلاصقة عن بعضهم فكانت رؤياها مشوشة بعض الشيء.
اتسعت مقلتيها بصدمة قد حلت على تقاسميها حينما رأته يقف أمامها يبتسم لها.
تعالت أنفاسها وازدادت اضطراباً.
ابتلعت ريقها وهي تهمس بحروف إسمه:
- ه.. هلال!
اقترب منها محافظاً على نفس ابتسامته الهادئة فخشيت هي من تقربه وصرخت بأعلى حنجرتها:
- لاه لاه متجربش، بعد عني.
شعرت بإهتزازة جسدها القوية التي تعيدها إلى واقعها.
شعرت بالظلام الحالك الذي حل فجاءة ومازال بدنها يهتز بقوة.
تكاد تسمع صوتاً من بعيد يريد اختراق عقلها الباطن.
بدأ الصوت في الوضوح تدريجياً فصغت إلى إسمها الذي يردده:
- ورد، اصحي يا ورد ديه حلم.
أنه مصطفى من يحثها على الاستيقاظ.
إذاً فهي تحلم وما رأته ليس حقيقياً.
أعادت فتح عينيها ولكن تلك المرة رأت مصطفى أمامها.
أزفرت أنفسها حين أدركت أنه فقط كان حلماً.
نظرت إلى مصطفى حين سألها متلهفاً:
- أنتِ زينة؟
اما ءت له مؤكدة ثم أردفت ما حلمت به بنبرة متحشرجة:
- أني شوفت هلال!
تفاجئ مصطفى بحديثها كما تضاعف ذهوله بسؤالها الذي ألقته:
- أنت لساك ناوي تاخد بتاره؟
تجمدت تعابير مصطفى ونظر في الفراغ أمامه وهو يكز أسنانه بغضب.
أعادت ورد تكرار سؤالها متلهفة لسماع إجابته:
- رد عليا يا مصطفى لساك ناوي تاخد بتاره؟
أجابها هاتفاً بإنفعال شديد:
- أكيد ومفيش حاچة في الدنيا تخليني اتراجع عن جتل اللي جتله!
أخفض مصطفى من نبرته لكنها خرجت حادة صارمة:
- بس ألاجي ابن الفرطوس ديه وأني هجطعه نثاير نثاير وأشرب من دمه جبل ما أجتله عشان يعرف هو جتل مين!!
أسرعت ورد بالإقتراب منه محاوطه ذراعه بيدها الصغيرة متوسلة إياه بخوف:
- أبوس يدك يا مصطفى تشيل الطار ديه من راسك أني مهتحملش خسارة تانية وخسارتك أنت بموتي، سيب الحاكومة تتصرف هي بمعرفتها أنت متدخلش.
رمقها مصطفى شزراً وردد بإمتعاض:
- تار أخوي محدش هياخده غيري وجفلي على الموضوع ديه يا ورد عشانه منتهي عندي.
كادت أن تعارضه لكنه أشار إليها بسبابته محذراً:
- جولتلك جفلي على الموضوع ملكش صالح بيه عاد.
نهض من جانبها ودلف للمرحاض بينما أغلقت جفنيها بضجر لعقله الحجري الذي لا يصغي لأحد.
أخذت شهيقاً عميق ودعت الله مرددة:
- يارب اللي جتل هلال ميظهرش واصل يارب.
تذكرت شيئاً ما قد نسيته في حقيبتها.
توجهت إليها وتناولت أوراق الميراث العائد لها من والدها وابتسمت بسعادة كلما تذكرت أنه عاد إليها والفضل يعود إلى غاليها الحبيب.
توجه مصطفى إلى الخارج ورمقها دون أن يعقب.
لاحظت ورد الأجواء المشحونة بينهما فحاولت تلطيف العلاقة بينهما بقولها:
- كنت رايدة أشكرك، مكنش فيه فرصة أشكرك امبارح.
انعكست نبرة مصطفى إلى اللين فالحدة لم يعد لها مكان الأن وأجابها مختصراً:
- حجك ورجع لك مفيش حاجة تستحج الشكر.
أولاها ظهره باحثاً عن هاتفه المحمول ثم بتردد عاد إليها مردفاً بنبرة رخيمة:
- بعد أكده لما يكون ليكي حج عند حد تحطي صوابعك العشرة في عنيه التنين وتجلعيه منيه، ولو مجدرتيش أني موجود جولي يا مصطفى وأني عليا الباجي.
إلتوى ثغرها للجانب ببسمة ممتنة وأردفت بعذوبة محببة إليه:
- يسلم راجلي.
ضيق مصطفى عينيه عليها لوقت فلقد شعر بالسخرية في حديثها وسألها مستفسراً:
- بتتمسخري إياك؟
أسرعت ورد بنفي سؤاله وهي تقترب بخطاها منه:
- لاه معاش اللي يتمسخر عليك يا حبيبي.
ملست على كتفه بنعومة وأضافت من بين شفتيها الوردية:
- معلوم مجولتش الحديت ديه جبل أكده.
رفعت زرقاوتيها لتقابل زرقاوتاه وبميوعة مبالغة تابعت:
- أنت راجلي وتاج راسي وسيد الخلج كلاتها، ربنا يخليك ليا يا مصطفى وتفضل جابر بخاطري وحنين عليا أكده على طول.
تحسس وجهها الناعم بأنامله فكلماتها أسرت قلبه وضاعفت ثقته وعجرفته لطالما يتحلى بهم.
دنى منها وكاد أن يُقبل شفتيها لكن طرق الباب قد منعه من ذلك.
نفخ بصوت مسموع وردد بعناد ذكوري:
- هاخدها بردك.
قَبل طرف شفتيها ثم همس أمامهم:
- أني معاود شغلي سبوع العسل خلص يا يا عسل.
اتسعت حدقتي ورد بذهول فالأيام مرت سريعاً ولم تشعر بهم، لم تكتفي منه بعد.
عقدت حاجبيها بتذمر وقالت بحنق:
- لساتني مشبعتش منك شغل إيه عاد دلوك وبعدين بيكون شهر عسل مش سبوع!
تكررت طرقات الباب فتوجه مصطفى إلى الباب وهو يردد:
- مش محتاجين شهر عسل يا ورد وأني معايا الخلية كلاتها.
التفت برأسه وغمز إليها ثم فتح الباب فإذا بها صفية تقف على استحياء:
- العمدة رايدك ياسي مصطفى.
تبسم في وجهها حين استشف حيائها وأردف:
- جوليله نازله أهاه.
أماءت له بطاعة ثم انصرفت من أمامه سريعاً فعاد مصطفى بنظره إلى وردته قائلاً:
- يلا بدلي خلجاتك عشان ننزلوا.
أبت ورد أن تطيعه قبل أن تضع لمستها الأنثوية التي تضعف برجولته أمامها.
أخذت شهيقاً ثم أخرجته بتمهل وحركت قدميها متوجه إليه وهي تتمايل بجسدها الذي يظهر بوضوح من خلف قميصها الشفاف.
وقفت أمامه وتشبثت في عنقه وبدلال واضح في نبرتها همست له:
- اتوحشتك جوي.
تقوس ثغره بإبتسامة سمجة حين فهم ما تحاول القيام به.
رفع كلتى يديه وأزاح يديها من عليه هاتفاً:
- مش وجته يا ورد أبوي رايدني وكماني أني متأخر.
عبست ورد بحاجبيها فلم تتوقع رفضه أبدا، فلم يسبق وأن رفض قربها.
طالعتها بزرقاوتيها معاتبة إياه بإشارات موحية من عينيها.
تراجعت للخلف وعلامات الغضب مرسومة على تعابيرها.
لحق بها مصطفى وبكل هدوء دفن رأسه في عنقه ووضع قُبلة حارة عليها ثم همس بقُرب أذنها:
- حاولي تفرجي بين الوجت اللي بكون فاضي لك فيه وبين الوجت اللي ورايا فيه شغل عشان متزعليش كل شوية.
ابتعدت عنه ولازالت عابسة الوجه.
عقد مصطفى حاجبيه محاولاً تقليدها مازحاً:
- أنتِ طايجة بوزك ديه كيف ديه حتى حنكك يوجعك.
حاولت ورد السيطرة على ضحكاتها قدر المستطاع فل تضحك بتلك السهولة لابد من أن يبذل قصارى جهده لكي يرضيها.
تنهد مصطفى ثم أردف بنبرة رقيقة:
- زعلك ميهونش عليا يا وردتي.
لن تنكر أن تلك الكلمة هي مفتاح رضاها، لها سحراً يأسر قلبها ويرغمها على الإبتسام وعدم المماطلة في الحزن وكأنه لم يحدث من الأساس.
تبسمت في وجهه بعذوبة فهلل مصطفى عالياً:
- يا أبوي أني علي الضحكة الجمر ديي.
لم تستطيع السيطرة على ضحكتها التي خرجت بميوعة فأسرع مصطفى محذراً:
- وطي حسك السرايا كلاتها سمعت ضحكتك، يلا همي البسي حاجة تسترك بدل خلجاتك اللي مش خلجات ديي.
لم تكف ورد عن الضحك ثم أولاته ظهره وتعمدت التغنج بجسدها لكي تندمه علي رفضه لها.
هتف مصطفى وهو يراها تتمايل أمامه:
- بتندميني إياك، ماشي.
انفجرت ورد ضاحكة ودخلت المرحاض لكي تبدل ثيابها.
هبطوا معاً متشابكين الأيدي فرحب بهم خليل بوجه بشوش لكن المفاجئة كانت ترحيب السيدة نادرة بهم:
- صباح الخير يا ورد صباح الخير يا مصطفى.
توقفت ورد لبرهة تستوعب أنها ألقت التحية عليهم والآحر أنها بدأت بها قبل مصطفى، تغير جذري مفاجئ في شخصيتها لا تعلم سببه لكنها حتماً ليست مزعوجة.
ردت عليها التحية وهي تجلس أعلى مقعدها:
- صباح النور يا ست نادرة.
أسرعت نادرة بالإعتراض على تلقيبها المتكلف:
- بطلي تجولي ست نادرة ديي جولي ياما كيف ما مصطفى بيناديلي.
بالتأكيد هناك ثمة أمور لا تعلمها ورد، تريدها أن تناديها بأمي دفعة واحدة؟!، كم أرادت ورد وبشدة أن تتحسس جبينها ربما لديها حرارة وليس لدي الجميع علم!
اكتفت ورد ببسمة رقيقة لحين هضم الأمر واستعيابه.
شرع جميعهم في تناول الفطور حيث قطع ذلك الصمت خليل بحديثه الذي وجهه لمصطفى بحرج:
- معلاش يا ولدي رايدك تعاود الشغل الدنيا ملخبطة من غيرك.
أماء له مصطفى بقبول وأدلى بما كان في نواياه:
- أني أكده ولا أكده كنت معاود النهاردة.
ربت خليل على يد مصطفى الموضوعة أعلى الطاولة مردداً بإمتنان:
- ربنا يجويك يا ولدي.
نهض الرجال لكي ينصرفوا إلى أشغالهم بينما ركضت ورد خلف مصطفى قبل أن يهم بالمغادرة قائلة:
- هي أمك مالها عاد، كانت لساتها جبل اليوم مطيجناش في الاسطبل إيه اللي جد؟
رفع مصطفى كتفيه فليس لديه علم بتحول شخصيتها وأردف مجيباً إياه:
- مخابرش ليلة امبارح بردك جعدت تتأسف لي وتجولي حجك عليا وحديت غريب أكده المهم مش وجته دلوك أني ماشي خلي بالك على حالك.
أماءت له بقبول فانحنى عليها بعدما تأكد من خلوا المكان وطبع قُبلة سريعة على طرف شفتيها ثم غادر بينما تجمدت هي مكانها خشية أن رآها أحدهم.
شعرت بدغدغة يد أحدهم لها من الخلف فصرخت عالياً:
- واااه.
انفجرت الأخرى ضاحكة فعرفت ورد هويتها من قبل أن تراها فهي تحفظ نبرتها جيداً.
استدارت إليها فتبادلا عناق ملئ بالاشواق والافتفاد إلى بعضهم البعض.
تراجعت ورد للخلف عاقدة ذراعيها ورددت بعض الكلمات المعاتبة:
- أنتِ فين يا صفاء إديلك سبوع مختفية.
غمزت إليها صفاء بشقاوة عابثة:
- كنت سيباك تتمرمغ في العسل يا جميل.
تلونت وجنتي ورد بالحُمرة خجلاً وسألتها بحياء:
- انتِ عرفتي؟
طالعتها صفاء بطرف عينيها مرددة بمرح:
- عرفت من البوسة الطياري اللي في وسط السرايا ديي.
وضعت ورد كلتى يديها أمام وجهها بخجل مفرط قد وقعت في براثينه.
قهقهت صفاء وحاولت التخفيف من حيائها:
- ديه جوزك يا هبلة بتخجلي من إيه.
نكست صفاء رأسها بحزن ممزوج بالخجل وأضافت بخذي ظاهر:
- أومال اللي اتباست من واحد غريب عنيها تعملوا ايه ط؟
أزاحت ورد يديها من على وجهها عاقدة حاجبيها بغرابة فلا تريد تصديق حدسها وأردفت متسائلة:
- تجصدي مين؟
فرت دمعة على مقلتيها مسحتها سريعاً بأناملها حين تذكرت حديث ضيف الذي يحثها على عدم البكاء وقالت بأسى:
- تعالي نتحدت بعيد عن إهنه.
رحبت ورد بفكرتها مردفة:
- تعالي نطلعوا الأوضة.
أبدت صفاء رفضها التام فآخر موقف حدث فيها لا يقتلع من عقلها ويسبب لها الحرج كلما تذكرته:
- لاه تعالي نجعد إهنه أحسن.
استشفت ورد سبب الرفض ولم تريد الضغط عليها.
توجه إلى غرفة الضيافة وجلسن بها وبدأت صفاء تقص عليها ما فوتت إخبارها به.
لطمت على صدرها مصدرة شهقة قوية وصاحت متسائلة بتوجس:
- يا مصيبتك يا أميمة حوصلك كل ديه يا نن عين أمك وأنتِ عاملة ايه دلوك؟
اختلست النظر إليه تتأكد من استمرار نومه وحاولت أن تطمئنها بقولها:
- إطمني ياما أني زينة، طاهر جابلي مرهم وعلاج وحاسة أني بجيت أحسن.
جلست أميمة بجوار زوجها وولدها اللذان يتسامران وأردفت متحسرة على حالة إبنتها:
- ديي عين وصابتك يابتي أني متوكدة أرقي نفسك يا حبة عين أمك وأرقي جوزك عشان العين تبعد عنكم.
شعرت مروة بتحركات طاهر الذي يصدرها ببطئ فحاولت إنهاء المكالمة سريعاً:
- ماشي ياما هكلمك بعدين، سلام.
أغلقت الخط فسألها زوجها باهتمام:
- عين إيه وصابت مين يا أميمة؟
أخرجت أميمة تنهيدة مهمومة وقصت عليه حادث مروة التي سبب لها الجروح في أماكن متفرقة في ثائر بدنها.
جحظت عيني ضيف بصدمة وهو يصغي لما ترويه والدته وما أكد له أن تلك اللعينة وراء الحادثة ذكر والدته لها في بداية الأمر وأنها من كانت برفقة شقيقته.
كز على أسنانه بغضب شديد كظمه لحين الهروب من أمامهم.
أنهت أميمة حديثها فكان رد الحاج حنفي كذلك:
- أباه خليها تاخد بالها من حالها أكتر من أكده هبابة، المرة دي ربنا سترها الله أعلم المرة الجاية العواقب هتكون إيه.
أزفرت أميمة أنفاسها حاسمة أمرها على فعل ما يتوجب عليها فعله مرددة:
- لاه أني مهسكتش واستني حاجة تانية توحصل لبتي، اني هكلم الشيخ عبدالسلام يجرالي الرؤية الشرعية على مية واخليها تتدوش بيها هي وجوزها عشان يبعد عنك أي عين مصلتش على النبي.
وافقها زوجها الرأي فنهضت هي مبتعدة عنهم لتفعل ما عزمت عليه بينما لم يقتنع ضيف بالعين والحسد وما إلى ذلك فهناك شيطان لعين معهم في المكان نفسه واجب عليهم أخذ الحذر منه.
لم يحتمل المكوث مكانه دون أن يفرغ غضبه الذي على وشك الإنفجار بأول من سيحادثه.
لم يأخذ الإذن من والده وهم بالمغادرة بخطى مهرولة إلى أن ابتعد عن المنزل.
سحب هاتفه من جيبه وهاتفها متوعداً لها.
قلقت صباح على اهتزاز الهاتف القوية الموضوع على وضع الصامت.
مدت يدها وجذبته من أعلى الكومود.
رمقته بفتورٍ تحول إلى لهفة كبيرة ممزوجة بعدم التصديق.
أعدلت من وضعية نومها وأعادت النظر تتأكد من رقمه المدون على شاشة هاتفها.
لم تنتظر لأكثر وأجابته.
لم يعطيها ضيف فرصة الرد وهدر بها شزراً:
- أنتِ كيف تتجرأي وتعملي عملتك يا قذرة، أنتِ متعرفيش بتلعبي مع مين يا واكلة ناسك ولا ايه، ده أني ضيف الحمايدي يعني أفعصك بيدي ولا يكون ليكي دية عندي، تبعدي عن مروة وملكش صالح بيها وإلا..
قاطعته صباح ببرود:
- وإلا ايه يا ضيف! وإلا ديي بتاعتي أني مش بتاعتك، هديك مهلة لآخر النهار تكون جايب بوك وعيلتك كلاتهم يطلبوا يدي وإلا اللي حوصل ديه هيكون جنة حصاد الخراب اللي هعمله! وأنت عارفني زين مش بتاعت حديت أني بنفذ على طول ولو مش مصدج عندي استعداد اجوم اغرزلك سكينة في جلب اختك اللي خايف عليها ديي ومحدش هيجدر يجولي تلت التلاتة كام، الشيطان اللي لعب في عجلك وجالك تتسلي بيا ووجت ما تزهج تبعد عني وأني يا حرام هكش وهخاف ديه تلميذ من تلمذتي وكل شياطين راسك ميجدروش يجفوا جصادي واصل! بفكرك أن أخرك معايا النهاردة، سلام يا ضيف يا حمايدي.
أردفت إسمه ساخرة متعمدة التقليل من شأنه.
ألقت الهاتف على الفراش وهي تنظر في الفراغ أمامها مرددة من بين أسنانها المتلاحمة:
- الصبر نفد وانت اللي جنيت على نفسك يبجي اتحمل بجا.
مازال يقف يضع هاتفه علي أذنه وكلماتها تتردد في عقله.
خشي أن يصيب شقيقته مكروهاً من خلف سذاجته التي افتعلها، فلم يتوقع أن الأمور قد تتعقد إلى هذه الدرجة.
فعلى ما يبدوا أن التلاعب بمشاعر الفتيات ليس هيناً كما ظن!!
أعاد ذراعه إلى جواره وضغط على عاتقه بقوة كادت أن تفتك به.
أخذ شهيقاً عميق ثم تابع تحركاته سيراً على الأقدام دون الاستعانة بسيارته لا يدري إلى أين يذهب وإلى أي وجهة يسلك لكنه فقط يريد الهروب من نفسه وحماقتها التي أوصلته إلى ما وقع به.
قادته قدميه إلى الشجرة نفسها التي حدث أسفلها أول تودد بينه وبين حبيبته.
لم يشعر بنفسه سوى وهو يهاتفها لعله يعود إلى رونقه فور رؤيتها.
هاتفها دون تردد وانتظر سماع نبرتها على أحر من الجمر.
تفاجئت صفاء برنينه فهو لا يفعلها إلا للضرورة.
رفعت بصرها على ورد فسألتها بفضول:
- مين اللي بيطلبك؟
ابتلعت صفاء ريقها وأجابتها بتلعثم:
- ديه ضيف!
لم تتعجب ورد فهي أخبرتها بأنه يهاتفها إن كان بحاجة ضرورية إلى ذلك.
سحبت الأخرى نفساً ثم أجابت على مكالمته متعمدة عدم النظر إلى ورد لكي لا يزداد خجلها:
- الو..
بنبرة متلهفة أردف:
- رايد أجابلك تعالي عند الشجرة إياها.
رفضت صفاء بتزمجر:
- لاه مهاجيش أنت خدت عليها ولا إيه؟
أخرج ضيف تنهيدة مهمومة مختلطة بالخذلان لرفضها:
- على راحتك كنت حابب أشوفك، سلام..
لاحظت صفاء نبرته المختنقة ناهيك عن تركها على حريتها وهذا بعيداً كل البعد عن شخصيته فدائماً يتوسلها حتى توافق على مقابلته و الحديث معه فأسرعت قائلة:
- جاية متمشيش..
أنهت المكالمة فور إخباره بمجيئها ثم نظرت إلى ورد بتردد قابلتها الأخرى بنظرات جامدة.
لحقت بها صفاء قبل أن تتحدث وأردفت أولاً مبررة سبب ذهابها إليه:
- صوته باين أنه مضايج هروح أشوفه بسرعة وهعاود طوالي.
أمسكت ورد بيدها محذرة إياها:
- خدي بالك على حالك يا صفاء وبلاها المجابلات اللي في الخفي ديي اديكي شوفتي تهوره معاكي وصل لإيه.
نفخت صفاء بصوت مسموع وهي تردد بنفاذ صبر:
- أني زهجت يا ورد ومرضياش الطريجة ديي حاسة أني بسرج، بسرج مجابلته وبسرج الحديت وياه كل حاجة بعملها بتاخد من روحي وأعصابي على لما تنتهي، اللي مصبرني إنه رايدني في الحلال وأني شوفت ديه بعيني وسمعته بوداني وهو بيتجدم لعمي بس عمي رفضه.
قاطعتها ورد مستاءة:
- كيف ما بوه رفضك يا صفاء، عمك عزز من كرامتك يا حبيبتي.
ترقرقت العبرات في عيني صفاء مردفة بنبرة متحشرجة لمحاولة سيطرتها على عدم البكاء:
- عارفة، عن اذنك.
تبعته ورد وأسرعت بعناقها ربما تهون ما عليها، بادلتها صفاء عناق قوي ولم تستطيع تمالك نفسها وجهشت باكية بمرارة.
شدت ورد على ظهرها قائلة بحنو:
- ربنا هيحلها من عنده متزعليش.
تراجعت صفاء مُشكلة بسمة لم تتعدي شفاها ثم مسحت عبراتها براحة يدها وخرجت من الغرفة متوجهة إلى الشجرة التي يقف أمامها ضيف.
وصلت إليه بعد دقائق بسيطة، استقبلها ضيف بملامح جامدة غير التي تعتادها صفاء، فاستقباله يكون حافل وكأنه رأى شخصية مهمة أمامه.
تأكدت أنه هناك ما تخشى سماعه بسبب تقاسيمه التي لا تبشر سوى بالسوء.
لم تتحلى بالجرأة لكي تسأله عن سبب حالته المبهمة وفضلت الصمت فبالأخير ستعلم منه.
طالعها ضيف لوقت وهو يأبى ما يحثه عقله على فعله لكن هذا الخيار الوحيد أمامه، لقد أخطأ بالتلاعب بالفتيات فعاقبه الله بوضعه في ذلك الامتحان المعقد.
تمنى لو تنتهي حياته قبل أن يردف كلماته هذه.
شهيقاً وزفيراً فعل ثم هتف بهدوء مريب:
- ................................