تحميل رواية «عراك التماسيح» PDF
بقلم منه عماره
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أرتمت بثقلها جواره ورددت اسمه بنحيب: عاصم. رد عليها بأنفاس متقطعة: سرين.. ألحقي بنتي يا دينا قبل ما يعملوا لها حاجة. لطمت هي على فخذها وأردفت بصراخ ونحيب: ياااااااااااااااااااااااااه سرين. نظرت له ثانية لتجده قد فارق الواقع، فقالت بتوهان: طب أعمل إيه دلوقتي.. يارب خليك جنبي. قامت بسرعة، مدت يدها إلى جيبه وأخرجت هاتفه وأجرت اتصالاً. في البداية لم تساعدها الشبكة في هذا الطريق شبه المهجور أو المقطوع، ولكنها لم تيأس وأعادت المحاولة ثانية. كان يجلس هذا الشاب خلف مكتبه فخم المنظر في هذه الشركة الضخمة...
رواية عراك التماسيح الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم منه عماره
بقصر الشرقاوي
أنهت مليكة حديثها مع والدها الذي لم يتعد الخمس دقائق.
وتوجهت صوب غرفتها مجددًا لإكمال ما بدأته.
جلست على الفراش أمام اللابتوب وسرعان ما فتحت فمها بذهول عندما لم تجد الفلاشة.
حكت رأسها بعدم استيعاب ورددت:
- راحت فين دي؟ دا أنا حطاها بإيدي في الجهاز قبل ما أخرج. امممم يمكن وقعت. أحسن حاجة أقوم أدور عليها.
وبالفعل قامت لتبحث عنها بأرجاء المكان.
أخذ منها البحث عنها أزيد من خمسة عشر دقيقة.
وقفت بمنتصف الغرفة بضيق وهي تضع يدها بمنتصف خصرها، وتمتمت بضجر:
- وبعدين بقى؟ هاتكون راحت فين يعني؟
وقعت ناظريها على أدراج المكتب فذهبت لها وأخذت تبحث عنها مليًا بين مقتنيات الأدراج.
لمعت عينيها بذهول عندما أخرجتها من أحد الأدراج وأردفت وفاه مفتوح بصدمة:
- انتِ إيه اللي جابك هنا؟ دا أنا متأكدة إني حطيتها في الجهاز بإيدي. البيت دا أكيد فيه عفاريت.
أردفت آخر كلماتها وأخذت الفلاشة واضعة إياها بجهاز اللابتوب لتظهر لها منها عدة صور لها مع رفيقاتها.
اعتلت ابتسامة ثغرها وبدأت بفعل ما طلبته منها صديقتها.
زفر بضيق وغضب وهو يخرج من الغرفة بعد أن تركها بها حبيستها.
كاد أن يتوجه للخارج، ولكن أوقفه صوت أخته المنادية إياه برفق.
التفت لها رامقًا إياها بحنو وهو يردد:
- نعم يا حبيبتي.
ابتسمت له برقة وأردفت:
- عاوزة أتكلم معاك شوية.
ارتسمت ابتسامة حانية على وجهه وأردف وهو يتجه إليها:
- ياسلام. أوامر سموك. اتفضلي.
ضحكت سارين بخفة وهي تسير معه إلى أن وصلا إلى الشرفة.
وقفا ناظرين منها برهة وهما يستندان على السور الخاص بها.
التفتت له وأردفت على حين غرة:
- ما بالك بقى؟!
التفت هو الآخر ليقف أمامها وأردف وهو يعقد ما بين حاجبيه باستغراب:
- مالي إيه؟ مش فاهم!
بجمود رددت: لأ فاهم بس بتستعبط.
تقدمت منه وأمسكت كفيه مرددة: أنت مش إياس أخويا اللي أعرفه، مالك؟ بتعمل في نفسك وفيها كدا ليه؟ صدقني يا إياس شاهي طيبة وجميلة جدًا من جواها بلاش تكسرها أرجوك. صعب أوووي تكون مكسورة.
تنهد تنهيدة طويلة تحمل في طياتها الكثير، وأردف بغموض: أنا بعمل كدا علشان ماتكونش مكسورة.
عقدت ما بين حاجبيها بعدم فهم، وأردفت باستفهام متعجب: قصدك إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة!!!
ردد بغموض: مش لازم تفهمي يا سارين، كل حاجة في وقتها كويس.
سارين: آآآ
قاطعها: خلاص يا سارين، ماتضغطيش عليا.
رأت الأرهاق بادٍ عليه فاقتربت منه تضمه بحنان أخوي فطري وهي تقول: شكلك تعبان جدًا، روح ارتاح شوية.
تنهد بتعب وردد مؤكدًا: فعلًا محتاج أنام ساعتين بس أريح عقلي فيهم، عشان عندي عملية مهمة.
ابتسمت له برقة وأردفت: ربنا معاك يا حبيبي ويوفقك.
قررت الذهاب إليه وإخباره بكل شيء عله يساعدها ولو قليلاً.
ستخبره بأفعال ابنه الهوجاء وقسوته وتجبره عليها، فإلى هذا الحد فاض الكيل.
كفى ذلاً.
كفى قهراً.
كفى ظلماً.
كفى حزناً.
رفعت رأسها بثقة عارمة وهي تتجه نحو غرفة مكتبه.
رفعت يدها وكادت أن تقرع الباب، ولكن توقفت في الهواء عندما استمعت إلى هذه الكلمات التي صدمتها.
سيرين بهدوء: ممكن أعرف أنت متضايق ليه يا بابا؟ مش طنط ناهد قبل ما تموت وصتك إنك ترجع شاهي وتجوزها لإياس؟
أجابها بحزن: أيوا يا بنتي يتجوزا، بس مش بالطريقة دي. بس أنا اللي عاوز أفهمه، مش شاهي كانت مخطوفة إزاي رجعت متجوزة أخوكي؟
سيرين بحيرة: مش عارفة بقى! بس كدا وصية طنط ناهد ليك تبقى اتنفذت وقُضي الأمر.
وصلت دينا إلى الطابق المنشود وتوجهت صوب مكتب رئيس مجلس الإدارة.
وقفت أمام السكرتيرة مرددة بابتسامة: دينا الشرقاوي، المصممة الجديدة.
ابتسمت لها السكرتيرة بتكلف، وأردفت:
- أهلاً وسهلاً بحضرتك يا فندم.
استأنفت وهي تشير لها على المقاعد الوثيرة: حضرتك ممكن تتفضلي تستريحي، لحد ما أدي لمستر علي خبر إنك وصلتي.
- تمام آوي. ميرسي.
أردفت دينا بهذه الكلمات وتوجهت نحو أحد المقاعد وجلست عليه.
بينما رفعت الأخرى سماعة الهاتف لتبلغ رب عملها بوصول المصممة الجديدة.
بداخل، كان هو يصب كل تركيزه على الأوراق أمامه إلى أن قاطعه صوت الهاتف الذي صدح في المكان.
رفعه ليأتيه صوت السكرتيرة مرددة: المصممة الجديدة وصلت يا فندم.
نظر إلى ساعته، وسرعان ما ردد بعنجهية: خليها شوية عندك وابقى دخليها.
- تمام يا فندم، حضرتك تأمر بحاجة تانية؟
بغلظة أجابها: لأ، وركزي في شغلك.
استقبلت هي بحرج من كلماته وسرعان ما أغلقت الهاتف بغضب.
نظرت لدينا محاولة رسم ابتسامة على ثغرها وهي تجيبها:
- مستر علي معاه شغل مهم يا فندم حضرتك هاتضطري تنتظريه شوية.
ابتسمت دينا بضيق وأردفت: تمام.
- انتِ يتعمل لي إيه عندك؟!
أردفت مليكة بهذه العبارة بحدة بوجه شاهي، عندما رأتها تقف خلف مكتب عاصم.
نظرت لها الأخرى بغضب وصاحت بها: وانتِ مالك؟!
هاتان الكلمتان كانتا كفيلتين بجعل مليكة تتأجج غضبًا، وخاصة أنهما من هذه التي سرقت منها ما تحركت مشاعرها نحوه.
صرخت بوجهها بهياج: مالي إزاي بقى؟ انتِ واقفة بتتصنتي على أنكل عاصم وبنته؟
على أثر صوت صراخهما اجتمع الجميع لرؤية ما الذي يحدث بقلق.
صرخت بها شاهي بغضب: أتصنت إيه يا بتاع انتِ؟ دي مش أخلاقي، دا نسيب اللي زيك!!
- شــــــااااااهـــــــي.
انتفضت في وقفتها من صوته الذي هدر بها على حين غرة.
اعتلت ابتسامة واثقة وساخرة على وجه مليكة وقامت بتربيع يديها ببعضهما وهي تنظر لها رافعة حاجبها الأيسر.
هئيتها هذه كانت كفيلة بجعل شيطان الإنس والجان يتقافز أمام وجه شاهي كما يقولون.
رمقتها باحتقار، وتوجهت إلى الأعلى دافعة إياها بقوة عندما مرت بجوارها.
تنهد إياس بتعب، وصعد خلفها بعد أن رمق مليكة الذي احتل الضيق والحزن وجهها بأسف.
بالأعلى، دفع الباب بقوة ودلف إليها ممسكًا إياها من ذراعها بقسوة مقربًا إياها منه، وهو يقول بغضب: بتعملي كدا ليه؟ أنتِ ماينفعش معاكي اللي يسيبك بحريتك، ماينفعش معاكي إلا البيت اللي كنت محبوسة فيه من الأول.
كرر نفس الجملة، ولكن بغضب أكبر: بتعملي كدا ليه يا شاهي؟ متصورة إني ممكن أسيبك لما ألاقيكي عاملة مشاكل هنا مع الكل، والكل كارهك؟ بيتهيألك. قولتلك قبل كدا إني مستحيل أسيبك.
أكمل صائحاً بقوة: مـــســـتــحــيــل.
لم تكن هي لتشعر بكل ما يقوله، كانت بعيدة كل البعد عن هذا الواقع.
تكاد تموت من قربها المهلك منه. عيناه المسلطة عليها بقوة لتلقي بسهامها على عينيها.
أدركت بوضعها هذا كم أن حجمها ضئيل بالنسبة إليه، وكم هي قصيرة أمامه.
رأها هو على وضعها هذا، فشقت ابتسامة تلقائية جانب فمه.
وأردف وهو يتفحص ملامحها: ما كنتش أعرف إني حلو كدا.
أفاقت من شرودها به على صوته مرددًا هذه الكلمات، شعرت بسخونة وجنتيها فأدركت أنها الآن أصبحت مثل الفراولة من فرط الخجل.
ابتعدت عنه سريعًا، وأردفت بلخبطة: هـ ها.. لا مـ مش حلو ولا حاجة.
ضحك بخفة وردد: ماشي يا شاهي.
استأنف بتحذير: بس أنا بحذرك تعملي أي تصرف غبي.
قال جملته وتركها وذهب متجهًا إلى عمله بمشفى جده.
جلست هي بتهاوٍ على الفراش واضعة يدها على قلبها تشعر بنبضه ورددت بعد أن ابتلعت ريقها بصعوبة: هو فيه إيه؟ أنا قلبي بيدق كدا ليه؟
أغمضت عينيها في محاولة فاشلة منها لتهدئة روعها، ولكن لم تجد في مخيلتها سوى صورة عينيه.
نظرت دينا بساعتها للمرة التي لا تعرف عددها.
زفرت بضيق وهي جالسة منذ أكثر من ساعتين، وسيادته لم يتفضل عليها بعد بدخولها إليه، حقًا لم تخطئ عندما نعتته بالوقاحة وقلة الذوق.
هكذا رددت بعقلها الغاضب.
رأتها السكرتيرة بهذه الحالة، فرددت بتحرج: تشربي حاجة يا فندم؟
نظرت دينا أمامها على الطاولة إلى فنجاني القهوة اللذين شربتهما، ورددت: مالوش لازمة.
أكملت بضجر غاضب وضيق وبسخرية في آن: هو مشغول أوووي يعني؟
صمتت السكرتيرة لا تعرف لماذا ترد عليها.
أنقذها من هذا الموقف صوت الهاتف التي رفعته سريعًا مجيبة: أيوا يا مستر..... تمام حضرتك.
وأغلقت الهاتف، وأردفت لدينا الذي يحتل الضيق ملامحها: اتفضلي يا فندم مستر عمر منتظرك.
أمسكت دينا حقيبتها بضيق وتوجهت صوب الداخل.
طرقت الباب بخفوت ليأتيها صوته الحاد سامحًا لها بالدخول.
دَلفت بخطوات متمهلة تحت نظراته العنجهية الدونية.
أشار لها أن تجلس، فجلست بهدوء بينما أكمل هو تفحص الملف الذي بيده.
ظلت على هذه الوضعية دقيقتين، إلى أن ملأ الضيق صدرها من قلة ذوقه وغروره، فأردفت بسخرية ونبرة تهكمية: هو حضرتك مشغول أوووي كدا؟ لو وجودي مضايقك مثلاً ممكن أمشي وأجي وقت تاني، عادي.
أغلق الملف الذي بيده بقوة، وأردف وهو يرمقها باحتقار: غلط... بداية غلط يا أستاذة، وواضح كدا إنك مش هاتعمري هنا كتير.
أغمضت زرقاوتيها محاولة كبح جماح غضبها، لكي لا تتصرف بحماقة تؤدي إلى تخريب كل شيء.
رمقها بسخرية مرددًا: الـ C.V بتاعك.
فتحت عينيها على صوته الآمر، فقامت بإعطائه السيرة الذاتية خاصتها.
تطلع فيها بنظرات شمولية، وهو يحاول جاهدًا إخفاء صدمته عندما علم سنها الذي لا يظهر عليها.
أغلقه وقام بإلقائه بإهمال على سطح المكتب وردد بعنجهية: مش بطال.
اتسعت مقلتاها وهي تستمع إلى كلمته التي تعمد التقليل من شأنها بها.
هي دينا الشرقاوي الابنة الكبرى المدللة لهذه العائلة المعروفة، معها أعلى الشهادات والكورسات وشهادات خبرة وغيرها، يأتي هذا الشخص اليوم ويتعامل معها هكذا.
صرخ كبرياؤها وكاد أن ينفجر.
لبت هي له.
فقامت من جلستها بهياج وأردفت بغضب جم وهي تضرب بيدها على المكتب بقوة: على فكرة بقى إنت إنسان قليل الذوق.
نظر لها ببرود رغم فوران دمه بسبب سبتها له، وأردف وهو يرمقها باحتقار: مش قولتلك مش هاتعمري هنا؟
استشاطت غضبًا من نظرته الاحتقارية لها وأردفت وهي ترفع حاجبيها: لأ وبارد كمان.
- بـرالو
بإمكانها لأن لقامت بقتله، فكلمته تلك كانت كفيلة بجعل دمائها تغلي بعروقها.
وأردفت صارخة بوجهه: أنت بتطردني أنا، دينا الشرقاوي. إنت مش عارف أنا مين ولا إيه. دا انت اللي محتاجلي مش أنا.
تقوس فمه للأسفل، وردد بوقاحة: طــظ.
- إيييه.
رددت بهذه الكلمة المصدومة ليكمل: إيه ماسمعتيش؟ تحبي أعيدهالك تاني؟ طــظ.
انتفضت هي من جلستها كمن لسعته عقرب وأخذت حقيبتها مرددة له بصراخ قبل خروجها: انت إنسان وقـــح وعديم الذوق والاحترام، وأنا اللي جبتوا لنفسي أما فكرت إني هاشتغل مع ناس محترمين عليهم القيمة.
وخرجت ووجهها يكاد ينفجر من الحمرة الغاضبة.
بينما ضغط هو على القلم بيده بغضب حتى سقط مهشمًا قطعتين.
وأخذ يسبها بأبشع السباب بسر.
صدح بأرجاء الأقسام والأخبار بالصحافة.
خبر قتل رجل الأعمال المعروف كمال الشناوي، ليصيبهم جميعًا في مقتل.
كانت شاهي تسير شاردة بالحديقة الخلفية للقصر ولم تنتبه أنها تسير على أعتاب حوض السباحة.
رأتها مليكة التي كانت تتحدث بالهاتف مع إحدى صديقاتها فسارعت بإغلاق المكالمة.
وهي تراقبها بحقد لا يلائم شخصيتها أبدًا.
تطلعت حولها جيدًا لتتأكد من عدم رؤية أحد لها وقامت بسحب هذا السلك الطويل أمامها بطريقة خاطئة.
فسقطت شاهي على أثرها بحوض السباحة غارقة.
صرخت باسمه بزعر عندما وجدت نفسها تسقط كليًا بحوض السباحة.
أخذت صرخاتها تتعالى بهلع وهي تحاول فعل أي شيء داخل المياه ولا تستطيع.
أغمضت رماديتيها مدركة أنها النهاية فهي بالفعل تغرق، وما من منقذ لها.
رواية عراك التماسيح الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم منه عماره
ركد إياس عندما رأها تغرق بحوض السباحة العميق.
اجتمعت العائلة على صرخات شاهي، وأصابها حاله من الخوف فور رؤيتهم لها بهذه الحالة المُهلكة.
وبدون أدنى تفكير قفز إياس بقوة بداخل الحوض، وبدأ بالسباحة سريعاً متجهاً إليها.
وصل إليها، وقام بسحبها من ذراعها بقوة مقرباً إياها منه.
وسريعاً ما قام بحملها بيد وبدأ السباحة بالأخرى، دفنت هي رأسها برقبته بخوف، غير مصدقة أنها كانت على وشك فقدان حياتها للتو.
شعر هو باطراب أنفاسها على رقبته، فزاد من ضمها بقوة، إلى أن خرج من المياه.
لم يقف ليستمع أي كلمة من العائلة بل حملها سريعاً، ودلف بها إلى الداخل راكداً بعد أن ظهرت حالة من الإعياء على ملامحها.
دفع باب الغرفة الموصود بقدمه وهو يضمها لصدره بشدة.
وضعها على الفراش برفق، وكاد أن يقوم، ولكنها تشبثت به أكثر رافضة تركه كالطفل الصغير المتشبث بوالدته، واعتلى صوت شهقاتها المرعوب.
شعر هو بوخزة داخل قلبه بمجرد التفكير، ما الذي كان سيحدث إن تأخر عنها ولو دقيقة.
وتلقائياً رفع يديه يربت على رأسها وظهرها بحنو مردداً بجانب أذنها بخفوت:
"ششش أهدى، إنتِ كويسة ما حصلش حاجة... أنا معاك ومش هاسيبك."
بثت كلماته الطمأنينة بداخل قلبها قليلاً.
إبتعدت عنه تكاد تموت خجلاً ودقات قلبها تتعالى، ونكست رأسها بإحراج، بينما أتاها صوته الحاني:
"قومي غيري هدومك عشان ما تبرديش! وأنا كمان هادخل أغير."
وبالفعل قام من جلسته جوارها وأولاها ظهره، كاد أن يدلف لغرفة الملابس، ولكن أتاه صوتها:
"إيــااس."
تصلب موضعه عندما سمعها تردد اسمه منادية إياه بخفوت خجل.
بينما أخذت دقات قلبه تتعالى مثل قرع الطبول بعد استماعه لاسمه من بين شفتيها.
إلتفت لها مردداً:
"نعم."
أخفضت رأسها مرددة بخفوت خجل:
"شكراً."
تشكلت ابتسامة جذابة على ثغره، وأردف بحنان:
"إنتِ مراتي يا شاهي، أكيد ما فيش بينا شكر."
أنهى جملته وبعدها اتجه إلى غرفة الملابس لتغيير ملابسه.
بينما ظلت هي أنظارها معلقة في طيفه، وبعدها قامت لتغير ملابسها سريعاً.
***
ذهبت سرين على عجالة إلى القوات الخاصة فور أن وصل لها خبر مقتل كمال.
إرتعشت وهي تجلس أمام التمساح المستغرق بتفكيره.
وأردفت بخوف وهي تبتلع ريقها:
"قدروا يوصلوا لكمال... وهو في السجن... واحنا كنا مأمنينه كويس... أكيد قتلوه بعد ما روحتله... بعد ما عرفوا أنا كنت عايزة منه إيه."
نظر إلى حالة الخوف البادية عليها، واقترب منها مردداً ليبث الطمأنينة بداخلها:
"أهدى يا سرين، بلاش الخوف دا. في شغلنا دا لازم تجمدي قلبك، وبعدين هما بدأوا يصفوا اللي منهم ودي خطوة لصالحنا."
سألته بتفكير:
"تفتكر؟"
أجابها بثقة:
"أكيد."
طرق الباب عدة مرات فسمح كنان للطارق بالدلوف، فتقدم منهم علاء مردداً بشحوب:
"إسلام يا جماعة."
انتفضت من جلستها، مرددة بحذر ودقات قلبها تتعالى:
"مـالو؟"
بلل علاء شفتيه بطرف لسانه وهو يجيبهم:
"حصلتله حالة تسمم، والدكاترة لحقوه في آخر لحظة... بس الموضوع اغتيال."
شهقت بقوة واضعة يدها على فمها من هول الصدمة، أردفت ودموعها تتسابق:
"بسببي... أنا السبب!! أنا اللي دايماً بعمل مشاكل للي حواليا."
نظر لها مبتسماً بحزن، فأميرته لا تزال حساسة أقل شيء يحزنها رغم عنادها.
أردف لتهدئتها:
"لا إنتِ مالكيش ذنب في حاجة."
رددت ببكاء:
"إزاي وأنا اللي بعتُّهم عندهم، بعتُّ لتماسيح زي دول."
بحركة تلقائية أمسك يدها وأردف:
"اسمعي، إحنا بنبقى خارجين من بيوتنا مش ضامنين هانرجع تاني ولا لأ. شغلنا مليان مخاطر، فهمتي؟"
استأنف بسخرية:
"بلاش بقى دراما."
علاء:
"إحنا كدا محتاجين نودي إسلام مكان أمان وخصوصاً إن في خطر على حياته."
أخذ كنان يحك ذقنه وهو يفكر ملياً بالأمر، وسرعان ما تساءل بحذر:
"بس إسلام فاق من بدري إيه اللي خلاهم يفكروا يقتلوه دلوقتي؟"
سرين بتفكير:
"اممم ممكن كانت محاولة يشوشوا بيها على تفكيرنا."
علاء:
"بس إحنا برضو لازم نفكر في كل الاحتمالات ونأمن إسلام."
كنان:
"أكيد، بس في كل الأحوال دا بيدل إننا سابقينهم بخطوة، وخصوصاً الفلاشة."
انتفضت من جلستها كمن لسعته عقرب مرددة:
"الفلاشة!! أنا نسيتها خالص، أنا رايحة البيت... سلام."
وخرجت راكضة من المكان متجهة إلى القصر، وخاصةً لمليكة.
***
وصلت دينا إلى القصر وهي تسب وتلعن به بغضب شديد.
احمر وجهها من فرط الغضب والغيظ وهي تسير تحدث نفسها:
"عديم الذوق أووووف."
ارتطمت بطريقها بسيرين التي تسير على عجالة هي الأخرى، فأردفت بحدة:
"مش تفتحي إنتِ كمان..!!"
عقدت الأخرى ما بين حاجبيها بعدم فهم، وأردفت:
"مالك يا دينا؟ متعصبة ليه؟"
استأنفت بحماس:
"وعملتي إيه في شغلك؟"
ردت:
"اسكتي يا سرين هاطق، هافرقع من الغيظ، بقا أنا واحد رابش زي دا يتعمل معايا بالطريقة دي."
عقدت سرين ما بين حاجبيها بعدم فهم وقلق، وسرعان ما قامت بسحبها من يدها خلفها، وهي تردد:
"تعالي احكيلي اللي حصل معاكي!"
وبالفعل توجها إلى غرفة دينا، لتبدأ بسرد عليها ما حدث معها منذ دخولها للشركة إلى خروجها.
سرين بإستنكار:
"إيه الأسلوب المتعجرف دا، أمّال لو كنتِ اشتغلتِ معاه، كان هيعمل إيه؟!"
دينا بغيظ:
"نفسي اقتله، بقا أنا دينا الشرقاوي بنت الحسب والنسب، اللي البشوات بيتمنوا نظرة مني، ييجي الوقح دا يبصلي باحتقار ويعاملني بالأسلوب الديرتي دا."
أكملت بغيظ أكبر:
"دا... دا أنا لو طلبت من بابا ولا عاصم ولا إياس، في خلال أربعة وعشرين ساعة يقدروا يجبولي شركة قد بتاعته دي مرتين."
حاولت سرين تهدئتها مرددة:
"إهدي طيب... شخص زي دا ما يستاهلش تحرقي دمك عليه كدا، إيه يعني فرصة وراحت!!!"
استأنفت بثقة:
"بكرة ييجي أحسن منها ميت مرة...."
***
انتهى إياس من تبديل ثيابه إلى بدلة سوداء داكنة، ومشط شعره، ونثر عطره الجذاب، وخرج من حجرة الملابس ليجدها أبدلت ملابسها هي الأخرى.
نظرت له متأملة ملامحه الرجولية الجذابة بإعجاب واضح.
لم تشعر به عندما اقترب منها وجلس أمامها على الفراش بعد ملاحظته نظراتها.
تطلع بملامحها لوهلة وأردف بعبث بعد أن غمز لها:
"مش بقولك حلو."
شهقت بخفة، وأخفضت نظرها تماماً بعد أن احمرت وجنتيها وأرنبة أنفها من فرط الخجل.
اتسعت ابتسامته حتى وصلت من الأذن للأخرى، ورفع ذقنها بطرف أصابعه.
فتعلقت أعينهما ببعضها، ظلا على هذه الحالة برهة من الزمن.
وبدون إرادة أخفض رأسه مقبلاً وجنتها المتوردة وهو يردد لها بخفوت:
"أنا رايح الشغل يا حبيبتي، خلي بالك على نفسك."
وهب من جلسته متجهاً إلى الباب وخرج منه متجهًا إلى عمله.
وضعت هي يدها على وجنتها موضع قبلته، وأخذت دقات قلبها تتعالى بقوة لتصبح مثل قرع الطبول.
تمتمت بصدمة:
"هو باسني وقالي حبيبتي!!!!!!!! هو ده إياس اللي أعرفه؟!!!!"
***
أنهى مروان الأخر الأكبر لعاصم أعماله بالشرقية، وبدأ يستعد هو وزوجته إيمان للذهاب إلى القاهرة، بناءً على طلب والده.
"الشرقاوي الكبير."
***
طرقت سرين غرفة مليكة، ودلفت بعد أن سمعتها تسمح لها بذلك.
سرين بتساؤل:
"طمنيني يا مليكة، لقيتي الفلاشة؟"
نكست مليكة رأسها بحرج وهي تقول:
"للأسف لأ."
أستأنفت سريعاً بعد تذكرها شيئاً ما:
"بس هو في حاجة غريبة أوي حصلت معايا امبارح."
"حاجة إيه؟"
أجابتها:
"بصي هو أنا صاحبتي كانت مدينيالي فلاشة أنقل عليها شوية حاجات، وأنا جيت وأكملت وهي تشير إلى أحد الأدراج:
"وحطيتها في درج هنا، امبارح بقا طلعتها عشان أنقل عليها الحاجات، حطيتها في اللابتوب، وطلعت أرد على بابي لما سمعتكم
نديتوني، رجعت مالقيتهاش.. دورت عليها كويس جداً لحد ما لقيتها في درج مختلف تماماً عن اللي لقيت فيه التانية."
نصبت سرين تركيزها كاملاً عليها.
ابتلعت ريقها بخوف، وهي تسألها:
"ركزي معايا يا مليكة ارجوكي، الفلاشة اللي طلعتيها للمرة التانية، كانت فاضية؟ ولا كان فيها إيه بالظبط؟"
أجابتها:
"كان فيها صورنا أنا وأصحابي."
تعالت دقات قلب سرين بخوف وهي تردد:
"تبقى الفلاشة الأولانية دي اللي بندور عليها."
وضعت يدها على مقدمة رأسها وهي تقول بتوهان:
"هاتكون راحت فين؟ ومين اللي خدها؟"
بيأس أكملت:
"حلها بقى ياااارب."
***
بعد برهة.
دق باب غرفة مليكة فتوجهت لفتحه.
تشكلت ابتسامة سريعة على محياها وهي ترى إياس يقف أمامها.
أردفت بسعادة:
"إنت جايلي بنفسك."
أفسحت له المجال ليدلف مرددة وهي تشير للداخل بيدها:
"اتفضل."
أردف بجمود:
"وهو يصح إني أدخل أوضتك، وإنتِ لوحدك؟!"
رمقته بعبوس ورددت:
"آمال إنت جاي ليه؟!"
رفع يده عالياً وهو يهوي بها على وجه مليكة بصفعة أسقطتها أرضاً.
وضعت يدها على وجهها بصدمة موضع صفعته، وقامت قائلة بصراخ:
"إنت إزاي تسمح لنفسك تمد إيدك عليا؟! إزاي تتجرأ....؟!"
تجاهل قولها تماماً، وقبض على ذراعها بعنف مردداً بقسوة:
"شاهي خط أحمر. واللي يفكر يقرب منها أو يؤذيها يبقى هو الجاني على نفسه معايا....!!!"
ابتلعت ريقها بتوتر وخوف.
سألته بتوجس:
"قصدك إيه؟"
تركها بقوة مردداً:
"إنتِ فاهمة قصدي كويس يا مليكة، فبلاش تلعبي معايا أحسنلك."
وتركها وذهب.
بينما تخشبت هي موضعها، وشحب وجهها تماماً متخيلة معرفته أنها من أسقطتها بحوض السباحة.
دلفت للداخل سريعاً صارخة الباب خلفها بقوة، وهي تسب وتلعن بهم جميعاً.
***
"إنت بتستعبط ياااا علي."
أردف بهذه الكلمات شاب في أواخر العقد الثالث من عمره.
نظر له علي شذراً وردد بحدة:
"إلزم حدودك يا ياسر."
هدر به المدعو ياسر بغضب:
"حدود إيه وزفت إيه اللي ألزمها، شكلك نسيت إني شريكك في المخروبة دي، وده ما يديلكش الحق إنك تتصرف من نفسك في أي حاجة غير أما ترجعلي."
أغلق على عينه وفتحها أكثر من مرة بملل ورد بنبرة تهكمية:
"اممم... نفس الأسطوانة المشروخة... خلصت ولا لسه؟!"
صاح ياسر بغضب:
"إنت إيه يا أخي ما عندكش دم؟!"
صاح علي هو الآخر بغضب:
"اوووووه ما خلاص بقى، كل ده عشان واحدة متسواش تلاتة تعريفه في سوق الحريم."
بغضب أردف ياسر:
"بقـا دينا الشرقاوي ماتسواش تلاته تعريفه في سوق الحريم اللي البشوات بيتمنوا منها نظرة، ماتسواش تلاته تعريفه في سوق الحريم... هو إنت البعيد بجح... بغبائك ووقحتك ضيعت كل تعبي وكمان اسم زي الشرقاوي كان هينقلنا نقلة تانية خالص."
علي ببرود:
"أنا اللي وقح ولا هي اللي قليلة أدب."
ياسر بغضب:
"لا يا علي هي مش قليلة أدب، إنت اللي معقد وبتطلع عقدك على أي واحدة بتشوفها قدامك."
تصنم على موضعه وهو يستمع إلى كلمات صديقه الجارحة.
أردف وهو يبتلع غصة مريرة بحلقه:
"إيه اللي إنت بتقوله ده يا صاحبي؟!"
ياسر بغضب:
"بقول الحقيقة اللي حضرتك مش شايفها أو بالأحرى مش عاوز تشوفها ومغمض عينك عنها، فوق بقى ضيعت شبابك بسبب عقد ملهاش لازمة."
أكمل بصياح:
"مش كلهم رانيا، مش كلهم خونه، فوق بقى من الهدر اللي إنت فيه ده... فوووق."
وتركه وغادر المكان.
بينما انهار جسد علي، على أقرب مقعد وهو يتذكر رانيا بنت الحسب والنسب اللي حبها وفنى عمره لأجلها.
زرع لها الورد، ولكن لم يحصد منها سوى الشوك.
أغمض عينيه بألم، وكلمات صديقه المؤلمة تتكرر بذهنه مراراً.
رواية عراك التماسيح الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم منه عماره
كانت شاهي تجلس بغرفتها بيدها إحدى الروايات تقرأها بإندماج تام.
قاطع تركيزها صوت قرع الباب.
ثنت هى الورقة التي كانت تقرأها، وتركت الكتاب وتوجهت صوب الباب لتفتحه.
تسمرت موضعها عندما وجدت عاصم يقف أمامها.
تنحنح هو بحرج مردداً:
- ينفع أتكلم معاكي شوية؟
تنحت جانباً، تاركة له المجال للدخول، وهي تقول بتحرج:
- آه طبعاً يا أنكل، اتفضل.
دلف هو وجلس على أحد المقاعد الموجودين بالداخل، بينما جلست شاهي أمامه.
فبادرها:
- قبل ما أتكلم أو أقول أي حاجة، أنا عاوزك تحكيلي كل اللي حصل معاكي من ساعة ما خرجتي من النادي مخطوفة.. لحد ما رجعتي متجوزة ابني.
- اختفاء أكرم ده مش مريحني.
أردف علاء بهذه العبارة وهو يجلس أمام كل من التمساح وسرين.
ضيقت هي عينيها بنقطة ما بالفراغ، وأردفت بتساؤل:
- تفتكروا يكون بيخطط لحاجة؟
ردد التمساح مستنكراً عبارتها:
- لا ما أعتقدش، بس في احتمال يكون هربان.
نظر له علاء برهة وسرعان ما ردد:
- هربان من البوص؟
أردفت بذهول:
- مش معقول، يعني دلوقتي حياة أكرم في خطر هو كمان.
قال كنان بثقة:
- أكيد، وخصوصاً بعد اللي حصل مع كمال.
أردفت بحيرة:
- يعني إحنا دلوقتي هنعمل إيه؟
أجابها بابتسامة واثقة:
- ولا أي حاجة، إحنا نهدي اللعب الفترة الجاية، وخلينا نتفرج هما هيعملوا إيه.
صفعه صفعة قوية على وجهه إياس الذي اتسعت مقلتيه على أثرها.
تسمر بصدمة بعد تلقيه هذه الصفعة من والده، بينما شهقت هي بقوة واضعة يدها على فمها بعد أن رأت هذا المشهد وهي تدلف إلى الغرفة.
ردد بذهول:
- بابا.
قاطعه والده بصرامة وحزم:
- اخرس، ما تقولش بابا، اللي قدامي ده واحد غير اللي أنا ربيته وتعبت عليه.
أشار إلى شاهي المتسمرة موضعها وردد:
- هو ده اللي أنا علمتهولك؟ تخطف بنات الناس وتجبرهم يتجوزك، تقبلها على أختك؟ تقبل حد يعمل كده في سرين؟
أردف آخر كلماته بصياح وغضب مضاعف:
- اسمع يا إياس، أنت هاتطلقها.
قاطعه مردداً بصدمة:
- لأ.. مش هاطلقها.
استأنف موجهاً حديثه لها:
- مستحيل أطلقك.. أنتِ ليا وبس.. فاهمة.
وخرج وترك لهم المكان.
بينما اقتربت منه شاهي مرددة:
- ليه بس رد الفعل العنيف ده يا أنكل؟ إحنا ما اتفقناش على كده.
قال عاصم بصرامة:
- اللي غلط لازم يتعاقب يا شاهي، وأنا ابني غلط كتير.
أكمل بعد أن اعتلت ابتسامة خبيثة وجهه:
- وبعدين انتِ متضايقة ليه؟
أجابته:
- يا أنكل إياس زي أي راجل شرقي، مش هيتقبل إنّه يتهان بالشكل ده قدام مراته.
قال عاصم بتساؤل:
- شاهي.. أنتِ بتحبي إياس؟
تخشبت من سؤاله بصدمة.
هي لم تتوقع مثل هذا السؤال وخاصة من عاصم.
كيف ستجيب وهي لا تعرف الإجابة من الأساس؟
فإياس لم يكن بالنسبة لها سوى الشخص العنيف الذي اقتحم حياتها بدون إذن ليسلب منها العديد من الأشياء.
أخرجها من شرودها صوت عاصم المردد:
- ما جاوبتيش يا شاهي! أنتِ بتحبي إياس؟
احمرت وجنتها خجلاً من تكرار عاصم لنفس السؤال على مسامعها.
ردت بلخبطة:
- لأ.. مهو.. لأ.. أصل، يوووه بقا مش عارفة!
ضحك عاصم ملء فمه عليها، وتساءل مجدداً بنبرة خبيثة:
- يعني أنتِ دلوقتي عاوزة تطلقي ولا لأ؟
ردت بتلقائية:
- لأ.
اتسعت ابتسامته، فأردفت سريعاً بحرج:
- أصل دي يعني كانت وصية مامتي الله يرحمها، غير إني مش عاوزة أبعد عنكم.
ابتسم لها عاصم بود وقال:
- صدقيني يا شاهي، إياس إنسان كويس، مش بقول كده عشان هو ابني لأ.. بس كل اللي هطلبه منك حالياً تديله فرصة وتخليكي جنبه.
- فكري كويس يا بنتي، وتأكدي إنك لو اخترتي الطلاق محدش هايجبرك على حاجة حتى إياس نفسه.
ابتلعت غصة مريرة بحلقها وهي تردد بنبرة تشوبها الألم:
- صعب.. صعب يا أنكل، أنا ماشوفتش من إياس قليل أبداً، إياس بهدلني وأهانى جامد وأخرتها مش هاشوف أمي تاني.
أردفت آخر كلماتها وسرعان ما ترغرقت عيناها بالدموع.
ربت عاصم على كتفها مواسياً إياها.
هو يشعر بحزنها تماماً، فقد آلمه من قبل مرارة الفقد.
أردف بمرارة:
- أنا حاسس بيكي يا بنتي.. حاسس بيكي جداً.. لأني جربت قبل كده.. جربت أخسر حد كان بالنسبالي هو الحياة نفسها.
نظرت له بعدم فهم عاقدة بين حاجبيها، ليبتسم لها بحزن وهو يقول:
- الحياة زي ما بتاخد زي ما بتدي، اصبري واحتسبي، وما تيأسيش من رحمة الله.
ردت باقتناع:
- ونعم بالله.
قال عاصم:
- فكري كويس في اللي قولتهولك عليه، بس لازم تعرفي إن ابني ما كانش عنيف كده، إياس مر بصدمة عصبية هي اللي خلته بالشكل ده، لو كملتي يا شاهي لازم تكوني قوية.
أردفت بتساؤل:
- صدمة إيه؟
ابتسم لها مردداً:
- هو يبقى يحكيلك.
أردف كلماته تلك وخرج من المكان.
تمددت هي على الفراش وأخذت تفكر بكلمات والده.
اعتلت ابتسامة رقيقة على ثغرها وتمتمت:
- ماشي يا دكتور، ماهو يا أنا يا أنت، وهاوريك القطة تقدر تروضك ولا لأ.
أنهت شذا عملها بالمشفى، وخرجت للذهاب إلى منزلها.
وقفت بالطريق مترقبة قدوم الحافلة التي ستستقلها إلى المنزل.
وقفت سيارة سوداء كبيرة أمامها ثوانٍ.
احتل الخوف قلبها وهي ترى هذين الرجلان يترجلان من السيارة.
ارتجعت خطوة للخلف بخوف وهي ترى هذين الرجلان يتقدمان منها ببنيتهم القوية حاجبين عنها أشعة الشمس.
أردفت بخوف:
- انتوا مين؟
لم يرد أحد عليها.
وإنما اقترب منها أحدهم مكمماً فمها وأنفها بمنديل ورقي، جابراً إياها على استنشاق ما بداخله.
حاولت الصراخ أو الاستغاثة بأحد، ولكنها فشلت.
حاولت مقاومتهم بكل قوتها، ولكنها شعرت بخدر يسري بداخل جسدها وثقل برأسها وجفنها.
خرت غائبة عن الوعي وهي تشعر بأحدهم يحملها.
وضعها بداخل السيارة، وانطلقا بها إلى ما سيقلب حياتها رأساً على عقب.
كانت دينا تجلس بغرفتها تتابع أحد مواقع التواصل الاجتماعي.
إلى أن تعالت أصوات قرع الباب، فأذنت للطارق بالدخول.
دلفت الخادمة جيسيكا إلى الداخل ورددت:
- سيدة دينا، هناك ضيف بانتظارك في الأسفل.
عقدت دينا ما بين حاجبيها متسائلة:
- مين هو؟
ردت:
- لم يخبر أحد باسمه، فقط أراد رؤية حضرتك.
قالت دينا:
- حسناً، اذهبي أنتِ لمضايفته وأنا سآتي بعد دقائق.
وبالفعل انصاعت جيسيكا لها، بينما قامت دينا لإبدال ملابسها لملاقاة الضيف.
نزلت بخطوات متأنية وهي ترسم ابتسامة بسيطة على ثغرها.
اختفت تماماً فور أن رأت ياسر يجلس بأحد المقاعد.
فور أن رآها هب من جلسته راسماً ابتسامة لطيفة على وجهه.
وقفت هي أمامه راسمًة ابتسامة فاترة على وجهها.
فمد يده لمصافحتها وهو يردد:
- إزيك برينسس دينا؟
مدت يدها تصافحه مرددة:
- تمام مستر ياسر.
رفع هو كفها مقبلاً إياه بعملية وهو يقول:
- أتمنى زيارتي ما تكونش جت في وقت غير مناسب.
ردت:
- لا أبداً، اتفضل.
أردفت آخر كلمة وهي تشير له على المقعد.
جلس وهو لا يزال محتفظاً بابتسامته.
وسرعان ما أردف بحرج:
- أنا جاي دلوقتي لعدة أسباب وأولهم إني أعتذرلك عن تصرف علي السخيف، واللي حصل في الشركة، وثانياً بسبب الشغل، أنتِ عارفة إننا محتاجينك جداً في الشركة كمصممة محترفة وكمان وجود حد من عيلة الشرقاوي ده لوحده مكسب لينا، أرجوكي تقبلي وما تكسفنيش، هاسيبلك فرصة تفكري وتردي عليا.
نظرت له برهة وسرعان ما رددت:
- مستر ياسر، حضرتك ما غلطتش عشان تعتذر ودي أول نقطة، نيجي بقى لتاني نقطة واللي هي الشغل.
أخذت نفس عميق لتكمل:
- أنا موافقة أشتغل معاكم، بس عندي شروط.
رد بسرعة وسعادة:
- أشرطي براحتك، أهم حاجة إنك وافقتي.
ابتسمت دينا بتهكم، وأردفت:
- طب مش تسمع شروطي الأول يا مستر ياسر، مش يمكن ما تعجبكش.
نظر لها بتوجس مردداً:
- إيه هي شروطك؟
دينا:
- هما 3 شروط بس.
قال:
- اتفضلي!
- أول شرط أنا عاوزاه هو اللي يعتذرلي على تصرفاته الوقحة والسخيفة معايا، مش حضرتك.
نظر لها برهة دون أن يتحدث، يفكر ملياً فيما قالته.
أخرجه من شروده صوتها الذي ردد:
- تاني شرط، أنا مش هاجي أشتغل عندكم زي أي موظف، هدخل شريك بالربع، عشان لو فكر بس يتطاول ما بقاش شغالة عنده وبيتحكم فيا.
بهت ياسر فور أن استمع إلى شرطها الثاني، وأردف بذهول:
- أيوه يا دينا بس الربع.
قاطعته سريعاً مرددة:
- قليل صح؟ خلاص يبقى التلت عشان أكون زيه بالظبط.
نظر لها بعينين متسعتين لتكمل:
- الشرط التالت، مش عاوزاه يحتك بيا نهائي ولو في أي احتكاك عملي يبقى معاك أو مع أي موظف في الشركة، لكن هو لأ، وما يبقاش فيه بينا كلام أصلاً.
استأنفت باستهجان:
- ويا ريت صباح الخير كمان ما يقولهاش، يكون أحسن!
نظر لها بصدمة من هذه الشروط التي أملتها عليه للتو.
لترد سريعاً بحزم:
- أنا كده قلتلك شروطي مستر ياسر، وأنت حر الاختيار، يا تقبل.. يا ترفض.
كان يجلس هذا المدعو سمير بأريحية، وهو يصب كامل نظراته وتركيزه على هذه الفلاشة بيده.
نعم.. إنها هي نفس الفلاشة، التي فعلت سرين ما بوسعها لاستعادتها.
أخرجه من تركيزه صوت قرع خطوات تقترب بخطوات متمهلة.
رفع رأسه لتقع عينه على هذه الأجنبية المبتسمة بإغراء.
زادت ابتسامته الخبيثة في الاتساع تدريجياً مردداً اسمها:
- جــيــســيــكـا.
ابتسمت له جيسيكا بإغواء وأردفت باللغة العربية التي ظهر أنها تجيدها:
- أمرك سمير بيك.
أردف وهو لا يزال يحتفظ ببسمته الخبيثة:
- إيه آخر الأخبار عندك؟
أجابته:
- ما فيش أي جديد غير فلاشة بين إيديك.
عاود هو النظر للفلاشة مجدداً بنظرات غامضة، وأردف لها:
- جبتيها إزاي؟ وكانت فين؟
أجابته:
- تلصصت عشان أعرف أجيبها، وكانت في غرفة مليكة.
عقد ما بين حاجبيه وسألها بتوجس:
- مين مليكة؟
- هي بنت سيد لطفي صديق عاصم.
عاود سألها بقلق:
- هي شافتها؟ عرفت محتواها؟ هانحتاج نصفيها؟
أومأت جيسيكا برأسها بنفي ورددت:
- كانت هاتشوف بس أنا لحقت موقف.
***
وضعت مليكة الفلاشة بجهاز الكمبيوتر المتنقل وخرجت سريعاً لترى والدها.
وقفت أمام الغرفة تحدث والدها الذي طلب منها مهاتفة والدتها التي انفصل عنها منذ فترة.
بينما فور أن وضعت الفلاشة بداخل الجهاز بدأت معلومات قاتلة بالظهور.
كانت جيسيكا تمر من جانب غرفة مليكة، لكنها لمحت اسم سمير يضيء الشاشة.
تلصصت لتستطيع الدلوف إلى الداخل.
وفور أن جلست أمام الجهاز، اتسعت مقلتاها مما رأت.
لم تعطِ لنفسها فرصة تفكير أو ضياع للوقت، حيث قامت بسحب الفلاشة سريعاً من الجهاز وخرجت تلتفت حولها لتتأكد من عدم رؤية أحد لها.
***
نظر لها سمير بإعجاب، وسرعان ما نظر إلى نقطة ما في الفراغ، وأردف بكره وتوعد:
- سرين الشرقاوي.. أنتِ كده تخطيتي كل الحدود الحمرا.. استعدي للي هايجرا لك.
رواية عراك التماسيح الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم منه عماره
فتحت شذا عينيها بتثاقل وهي تشعر بألم فج يحتل رأسها.
وضعت يدها على رأسها متأوهة من هذه الآلام الحالكة.
وزعت أنظارها بتمهل على المكان المتواجدة به، وسرعان ما انتفضت بذعر فور أن تذكرت ما حدث معها.
أخذت دقات قلبها تتعالى تدريجياً إلى أن أصبحت مثل قرع الطبول وهي تبتلع ريقها بتوجس وخوف.
دخلت فتاة الغرفة تحمل بيدها صينية طعام صغيرة، وهي تنظر لشذا بتفحص.
اقتربت منها واضعة الطعام أمامها فبادرتها الأخرى:
- أنا فين، وأنتِ مين؟
ردت الفتاة:
- ما عنديش أي أوامر أرد عليكِ، اتفضلي كُلي، وخليكي هادية لحد الباشا ما يجي.
بدأ الخوف يتسلل لقلبها من كلمات هذه الفتاة المقتضبة وهي تتخيل هذا الشخص الذي تتحدث عنه.
صرخت بها بجزع:
- باشاااا مين؟! وأنا فين هنا؟!
ردت الفتاة بتهديد:
- قلت لكِ ما عنديش أي أوامر إني أرد عليكِ، وياريت صوتك يفضل واطي، دا أحسن لكِ.
وخرجت وتركتها بمكانها تفكر بهذا الرجل؟ وبماذا يريد منها؟!
***
- لا بقااا دااا أنت شكلك اتجننت يا ياااسر، مــيــن دى اللى عاوزني أعتذرلهاااا!
صاح علي بهذه الكلمات بغضب جم بعد أن انتفض من جلسته فور سماعه لكلمات ياسر التي تضمنت أول شروطها.
بينما لم يتحرك ياسر قيد أنملة من موضعه، وأردف ببرود:
- دينا الشرقاوي.
صاح علي بغضب:
- بلاش جنااان ياااسر.
أكمل بتهكم:
- مابقاش غير دي اللي أعتذر لها كمان.
أخرج ياسر من حقيبته العملية عدة ملفات، وقام بإلقائها بوجهه على الطاولة، وهو يصيح بغضب:
- أحوال الشركة في النازل علطول، ولو استمرينا بالوضع دا كلها سنة ولا سنة ونص ومش بعيد الشركة تفلس، لــــــيـــــه، عشان سيادتك واخداك العظمة أوي.
استأنف بتهكم:
- وخلاص كبريائك هايتدمر وينهار لو اعتذرت، صح؟!
نظر له علي بنظرات قاتلة، بينما عم الصمت المكان.
يعي جيداً أن حديث صديقه صحيح، ويعرف عائلة الشرقاوي جيداً، لما لا وأخته متزوجة ابن هذه العائلة الأكبر مروان الشرقاوي.
لا يهم ياسر سوى أوضاع ومستقبل الشركة، واتضح هذا جيداً عند ذهابه إليها معتذراً منها على تصرف صديقه الأخرق معها.
قطع الصمت صوته القائل ببعض الغضب:
- طيب متزفت موافق، اللي بعده!!
ياسر:
- تدخل شريكه بالتلت.
جحظت عيناه فور أن استمع إلى هذه الكلمات التي رددها صديقه لتوه، وأردف بذهول مصدوم:
- شريكه بالتلت، يعني نصيبها قد نصيب كل واحد مننا أنا وأنت؟!!!!!!
رد بثبات:
- بالظبط.
ضرب علي بيده على المكتب بغضب صائحاً:
- على جثتي اللي بتقولوا دا، هو شغل لوى دراع ولا أيــه، هيا عشان عارفة إننا محتاجينها.
ياسر:
- بص، هو الصراحة كُنت مسترخم الفكرة، بس لما فكرت عرفت إن دا فيه مكسب لينا.
اعتلت ضحكة سخرية على وجهه علي، بينما أكمل ياسر موضحاً:
- وجود اسم زي دينا الشرقاوي معانا وحط مِية خط تحت الشرقاوي دي، دا هايبقا مكسب ممتاز، دا غير إن العلاقات العامة بالشركة هاتزيد ودا هايترتب عليه حاجات كتير أوي.
علي بضجر:
- غيره!
ياسر:
- مش عاوزة أي احتكاك بيها، شغلها هايكون يا معايا يا مع أي موظف في الشركة، أنت لأ.
اتسعت ابتسامة الساخرة، وهو يردد بنبرة تهكمية:
- ماشي مش هانقرب لـ "مارلين مونرو"، أي أوامر تانية؟
***
دخلت سرين القصر لتجد العائلة مجتمعة ومعهم عمها وزوجته.
توجهت صوب عمها محتضنة إياه، راسمًة ابتسامة رقيقة على وجهها، وأردفت:
- حمدلله على سلامتك يا عمو، الدنيا نورت.
ابتسم لها عمها بود وأردف:
- بنورك يا حبيبتي.
وبعد جلسة زادت عن النصف ساعة، صعدت إلى غرفتها بتعب وبدأت بالعمل على القضية.
لعنت غباءها ألف مرة، فسرقة الفلاشة التي باتوا متأكدين من كونها مع هذا البغيض سمير الآن، أذهب كل تعبهم سُدى.
فتحت جهاز الكمبيوتر المحمول خاصتها وأخذت تتمتم بحنق:
- غبية، إنتِ غبية يا سرين، كان زمان القضية انتهت.. ياريت كنان كان هو اللي أخدها.
كنان... وعند نطقها لأسمه لا تعرف لماذا شعرت وكأنها تعرفه منذ زمن.
ذهبت بفكرها لأميرها الذي اختفى فجأة، وتمتمت بهدوء:
- أمتى هاترجع بقا يا أميري، أنت وحشتني أوي...
***
مساءاً.
ظلت شاهي تجوب غرفتها ذهاباً وإياباً، أصبحت الآن الثانية عشر بعد منتصف الليل ولم يعد.
تسلل القلق إلى قلبها، وهي تراودها أفكار سيئة.
حاولت نفض هذه الأفكار من رأسها وتوجهت صوب المرحاض الملحق بالغرفة بدأت بالوضوء للصلاة.
وهي تدعو ربها أن يحفظ لها زوجها.
الذي اعترفت به أخيراً كـ زوج...!!!!!
***
كانت سرين تنام بهدوء بغرفتها إلى أن تعلى صوت رنين هاتفها النقال.
عقدت ما بين حاجبيها بإنزعاج وهي لا تزال شبه نائمة.
حركت جفنيها بعصبية، وأخذت هاتفها مجيبة دون أن ترى هوية المتصل.
أجابت بصوت ناعس:
- الو.
وجاءها صوت غليظ من الجهة الأخرى مردداً بتساؤل:
- سرين الشرقاوي؟
جلست من نومتها سريعاً بقلق، ونظرت إلى الهاتف لتجد اسم أخيها يعتلي الشاشة.
ابتلعت ريقها بقلق وأردفت سريعاً:
- أيوا أنا سرين الشرقاوي، انت مين؟ فين إياس؟ بتتكلم من تليفونه ليه؟
أجابها:
- حضرتك أنا بتكلم من مستشفى (..) السيد إياس عمل حادث سير وهو دلوقتى بداخل غرفة العمليات.
جحظت عينا سرين بصدمة، بينما تعالت دقات قلبها لتصبح مثل قرع الطبول هلعاً على أخيها.
وأردفت سريعاً:
- حادث سير! .. هـ هو عامل إيـه دلوقتى؟
أجابها:
- لسه في غرفة العمليات.
أغلقت الهاتف سريعاً بعد أن شكرت الرجل، وخرجت من غرفتها ركضاً إلى غرفة أبيها.
لتخبره بما حدث.
انتفض عاصم من جلسته كمن لسعه عقرب، أردف بخوف:
- وأخوكي أخباره إيه؟!
أردفت وهي تلتقط أنفاسها:
- في العمليات، يالا يا بابا بسرعة نرحلوا.
وبالفعل ارتدى عاصم ثيابه على عجالة وخرج هو وابنته سريعاً.
في هذه الأثناء توجهت شاهي لإخبار عاصم بتأخر إياس، لتجده يخرج هو وسرين.
توجهت صوبهم سريعاً وأردفت بخوف:
- خير يا جماعة في إيه؟!
ردت عليها سرين على عجالة:
- إياس عمل حادثة واحنا رايحين له المستشفى.
شهقت شاهي بقوة واضعة يدها على فمها من هول الصدمة.
وبدأت خفقاتها تتعالى بعنف رافضة تصديق هذا الخبر.
خرج عاصم وابنته وبالتأكيد هي معهم.
جلست سرين خلف المقود وبجانبها والدها الذي ينهش الخوف قلبه على فلذة كبده.
وجلست شاهي التي لم تمنع عباراتها بالهطول في الخلف.
وانطلقت سرين سريعاً إلى المشفى.
دقائق.. وكان كل منهم يقف بمكان أمام غرفة العمليات المتواجد بداخلها.
خرج الطبيب من الغرفة، ليهرولوا إليه سريعاً، ليسمعوه يردد بعملية:
- ما تقلقوش هو الحمدلله بخير قدرنا نسيطر على جرح دماغه، وعنده بس كسر في الرجل الشمال والإيد اليمين دا غير الكدمات.
أردف عاصم بقلب يتأكل من الخوف على ولده:
- يعني هو كويس يا دكتور؟!
أردف الطبيب:
- هو كويس، بس طبعاً محتاج الراحة التامة عشان الكسور.
أردفت شاهي بصوت أشبه للباكي:
- طيب نقدر نشوفه؟
أجابها:
- أكيد هاننقله أوضة عادية وتقدروا تشوفوه، بعد إذنكم.
ردد أخر كلماته وذهب تاركاً إياهم يلتقطون أنفاسهم بصعوبة.
سرين:
- الحمدلله يارب إنه بقى كويس، كنت هاموت من خوفي.
توجهت شاهي إلى عاصم، وأردفت وعباراتها تهبط بهدوء على وجهها:
- أنا عايزة أشوفه، عايزة أطمن بنفسي.
تنهد عاصم تنهيدة قوية تحمل بطياتها الكثير، وقال بنبرة تحمل القلق:
- أيوا يالا نشوفه، عايز أطمن على ابني!!
وبالفعل توجه ثلاثتهم إليه.
وقف والده أمامه يرمقه بنظرات متحسرة على ما آلت إليه حالته.
وزعت هي نظراتها بين قدمه الملفوفة بالجبس ويده كذلك، وجهه المليء بالكدمات والشاش حوله.
خرج عاصم لتسديد حساب المشفى، بينما توجهت سرين للخارج مجيبة على نهلة التي اتصلت بها.
اقتربت شاهي من الفراش المسجى عليه إياس وجلست على المقعد أمامه.
أخذت تتأمل ملامحه عن كثب وهي تناظر هذه الكدمات بحزن.
هبطت عبرة من حديقتها على الحالة التي وصل إليها.
شعرت بأناملة الخشنة على وجنتها تمسح عبارتها.
فرفعت أنظارها سريعاً لتجده قد فاق من غيبوبته المؤقتة.
نظرت له بدهشة ورددت:
- ألف سلامة عليك.
ابتسم لها بوهن وهو يردد بضعف:
- الله يسلمك.
دلف عاصم بصحبة سرين إلى الداخل.
ركضت سرين إليه ورددت مبتسمة:
- حمدلله على سلامتك يا حبيبي.
عاصم بقلق:
- سلامتك يا ابني، طمني انت كويس، وايــه اللي حصل؟ عملت الحادثة دي إزاي؟
ابتلع إياس ريقه بصعوبة شديدة وهو يجيبه بصوت ضعيف، يكاد يكون مسموع:
- عربية نقل طلعت قدامي، حاولت أوقف العربية أو أتفاداها، بس ما عرفتش.
فور أن أنهى آخر كلماته، فوجئوا جميعاً بمن تقتحم الغرفة متوجهة صوب هذا المصاب بالفراش وجلست جواره مرددة بنبرة باكية:
- حبيبي حصل لك إيه؟.. سلامتك.
اغتصب إياس ابتسامة واهنة على محياه ورفع يده السليمة رابتاً على خصلاتها بضعف وهو يردد:
- الله يسلمك يا حبيبتي، حادثة بسيطة والحمدلله عدت على خير.
نظرت إليه بتفحص وسرعان ما رددت اتسعت مقلتيها من كم الجروح بجسده، أردفت بلهفة:
- عدت على خير إزاي بس يا إياس انت مش شايف نفسك عامل إزاي؟!.
رد مؤكداً:
- يا نهلة يا حبيبتي أنا كويس ماتقلقيش.
وجه نظراته لزوجته ليجدها ترمقه بنظرات باردة، فرمقها هو الآخر بالمثل.
قاطع كل هذا، قرع الباب وبعدها فتحه.
نظرت سرين خلفها لتجد مجموعة من الضباط يدلفون إلى الداخل.
توجهت صوبهم بقلق ليبادرها:
- مع حضرتك المقدم رائد الهلالي.
صافحته مرددة:
- أهلاً يا فندم، سرين الشرقاوي.
ابتسم لها وأردف:
- أهلاً يا سيادة النقيب، اتشرفت بمعرفتك.. في الحقيقة إحنا جايين علشان نتكلم مع د. إياس بخصوص الحادثة اللي اتعرض لها.
سرين:
- الحادثة آآه.
قاطعها:
- الحادثة بفعل فاعل، إحنا لقينا الفرامل مقطوعة.
توالت نظرات الصدمة بين من بالغرفة جميعاً، أردف عاصم بخوف على فلذة كبده:
- بفعل فاعل إزاي، يعني حد كان قاصد يموت ابني؟
اقتربت منه نهلة مرددة:
- عمي ارجوك اهدى عشان نعرف نوصل للي عمل كدا.
نظر إليها بتوهان وهو يقول بألم:
- اهدى إزاي يا بنتي، انتِ مش سامعاه بيقول إيه، كانوا قاصدين يموتوا ابني!
أردف إياس بوهن:
- بابا ارجوك اهدى، أنا كويس.
اقتربت منه سرين ضامة إياه وأردفت:
- حبيبي ماتقلقش أوعدك كل حاجة هاتكون كويسة.
نظر إليها والدها برجاء وبعدها أخذته ليرتاح قليلاً، بينما جلس المقدم رائد أمام إياس، مبادراً إياه:
- ازيك دلوقتي يا دكتور؟
أجابه بتعب:
- الحمدلله بخير.
سأله رائد:
- بتشك في حد؟ يعني ليك أعداء ممكن يكونوا هما سبب اللي حصلك؟
أجابه بخفوت:
- لا.
نظر إليه برهة وردد:
- متأكد؟
إياس:
- أيوا.
ربت المقدم رائد الهلالي على كتفه غير المصابة وأردف:
- تمام يا دكتور، حمدلله على سلامتك.. ومش عاوزك تقلق، أنا شخصياً هافضل ورا الموضوع لحد ما أعرف مين اللي عملها.
ابتسم له إياس بضعف وأردف:
- شكراً يا سيادة المقدم.
وبعد إنهاء الحوار الدائر بينهما، خرج المقدم رائد من الحجرة بل من المشفى بأجمعها.
***
كانت شذا تنام بسلام، وأثناء نومها، فتح أحدهم الباب ليصدر صريراً خافتاً.
ليظهر من خلفه هذا الشاب طويل القامة، ذو ملامحه شرقية إلى حد كبير، من يراه يظن أنه من أبطال المصارعة.
اقترب من هذه النائمة بسلام، بخطوات باردة، لا حياة فيها وجلس جوارها بهدوء.
أخذ يتطلع لملامحها الهادئة بنظرات لها العديد من المعاني، كره، قسوة، حقد.
ورمقة باشتقار وبعدها قام وتوجه للخارج مثلما أتى، وعيناه تطلق نظرات تكفي لإحراق العالم أجمع.
***
صباح جديد تعلن عنه أشعة الشمس الحارقة، عند سطوعها.
ليستيقظوا جميعاً على خبر كفيل بتحجرهم، ألا وهو "موت أكرم الشناوي".
رواية عراك التماسيح الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم منه عماره
ظلت تجوب المكتب ذهاباً وإياباً، وبالمقابل لها علاء، الذي يكاد عقله ينفجر من التفكير.
بينما يجلس التمساح بثبات، ينظر أمامه في اللاشيء بشرود تام.
موت أكرم كان بمثابة صفعة قوية لهم جميعاً، أو بالأصح قتله.
فبعد فحوصات الطب الشرعي أثبت أنه قد تم سمه بسم قوي وفعال.
لا ينكر أنه لم يزعجه أمر إطالة القضية، بل كان الأمر محببًا لقلبه، لاستطاعته البقاء معها لأطول فترة ممكنة، هذه التي لم تتعرف إليه إلى الآن.
سؤال يجوب خاطرهم جميعاً.
لماذا تم قتل أكرم؟ فهو بالأحرى لم يعاديهم أو يخطئ بشيء يخصهم.
أفاق من دورة شروده على صوتها الصارخ:
- لا بقااا... كدااا كتير!!!
جاءها صوت علاء مردداً بضيق من هذه القضية المعقدة:
- أنا حاسس إننا بنلف في متاهة ملهاش آخر، دي لو مسألة هندسة كانت اتحلت بما أن بما أن أذن، دا إيه المرار دا؟
توقفت سرين عن المشي مرددة:
- أنا خلاص قربت اتشل، يعني إيه أكرم يموت دلوقتي، يعني القضية ضاعت من إيدينا؟
رد كنان بنبرة هادئة:
- مين اللي قالك إن القضية ضاعت من بين إيدينا؟
أجابته: كمال كان أول الخيط، واتقتل، كملنا مع أكرم واتقتل والفلاشة ضاعت، كل حاجة ضاعت.
ضيق عين التمساح مردداً:
- سمير.
نظروا إليه بعدم فهم ليقول:
- سمير هو اللي أخد الفلاشة.
رددت ببرود: عارفة.
ارتسمت ابتسامة تهكمية على ثغره مردداً بسخرية:
- ويا ترى عارفة إن جيسيكا هي اللي أخدت الفلاشة؟
الآن يكاد فاها يصل للأرض من صدمتها، أردفت بعدم تصديق:
- جيسيكا...؟
أكمل بجدية: سمير اللي بعت جيسيكا من البداية عشان تنقلوا أخبارك يا سيادة النقيب.
ابتلعت ريقها بتوتر ملحوظ، ليقول هو:
- أنا عايز البنت دي يا سرين تجيبهالي هنا في أقرب فرصة.
تأوه إياس بألم وهو يتسطح على الفراش بمساعدة والده وشاهي:
- آآه براحه.
عاصم بضيق وقلق:
- مش كنت قعدت في المستشفى يا إياس يا ابني عشان نطمن عليك.
رد بتعب:
- ما انت عارف إني مش بحب قعدة المستشفيات دي يا والدي.
جاءه صوتها مردداً بحنق:
- أنا مش فاهمة أنت مكبر راسك ليه.
أستأنفت بنبرة ساخرة:
- إيش حال شغلك كله في المستشفيات يا دكتور.
تجاهل هو سخريتها الواضحة وأردف لأبيه:
- بابا بعد إذنك كلم لي طارق خليه يجي ويجيب معاه أوراق صفقة (...).
تدخلت بحوار مرددة بضيق:
- صفقة إيه وشغل إيه وانت في الحالة دي، وبعدين انت إيدك اليمين مكسورة يعني مش هتعرف ولا تكتب ولا تعمل حاجة.
التجاهل... سلاح ذو حدين، له مفعول سريع كالبرق، ويتضح هذا على محيا شاهي التي تكاد تنفجر من الغضب والغيظ، ليردد هو بعند:
- كلم طارق يا والدي وخليه يجي زي ما قولتلك.
أومأ عاصم برأسه وخرج وهو يكتم ضحكاته عليهما بصعوبة.
إنتظرت هي حتى غادر والده الغرفة وجلست أمامه مرددة بغضب:
- ممكن أفهم بقا مالك، بتتجاهلني ليه؟ وهو مين اللي المفروض يزعل من التاني أنا ولا انت؟
رمقها ببرود وسرعان ما ردد:
- انتِ عايزة إيه بالظبط؟
سؤال لا تعرف هي إجابته، فمشاعرها الآن متضاربة بحد كبير، باتت لا تعلم هل هي تكره أو تحبه.
فرقع بأصابع يده السليمة أمام وجهها الشارد مردداً:
- هاااااي بكلم روحتي فينو.
وجهت أنظارها إليه بتركيز:
- هاه... مـ معاك.
عاود سألها:
- سألتك عايزة إيه بالظبط؟
نظرت له بلخبطة ورددت:
- هاتصدقني لو قولتلك مش عارفة.
نظر لها برهة وسرعان ما نظر أمامه ببرود جاف.
إستشاطت هي من بروده فقامت بدون إرادة بضربه على قدمه المصاب.
مرددة:
- ماترد عليا وأنا بكلمك.
صاح بعد أن شعر بهذه الألم تكاد تفتك بقدمه:
- آآآآآآهـ.
"آهـ منك لله يا شيخة، آهـ."
إتسعت مقلتيها بخوف بعد أن أدركت ما فعلته فرددت:
- آسفة، آسفة صدقني ما أخدتش بالي.
زمجر بها بغضب:
- أمشي أطلعي برا يا شــاهي.
رسمت ابتسامة بلهاء على وجهها ورددت:
- هاروح أجيب ليك أكل وأجي.
وقفت دينا ترفع رأسها بكبرياء مغتر، بينما يسبها الآخر بنفسه سباب لاذع.
مقرته بنظرة جانبية مغترة منتظرة اعتذاره كما اتفقت مع ياسر، ليأتي صوته التي بث بداخلها شيء من التوتر:
- حقك عليا يا آنسة دينا ماتزعليش.
إبتسمت بسخرية، فهذا العلي يتكبر أن يقول بصراحة "أنا آسف"، يبدو واضحاً كموضوع الشمس أنه مجبور على هذا، وبتأكيد لا تحتاج لسؤال لمعرفة أن من أجبره على هذا هو ياسر.
تم مضى العقد بينهم والتزمت هي مكتبها التي أعده لها ياسر في الأونة الأخيرة لتبدأ بالعمل.
حالة من الهرج والمرج تسود هذه الفيلا الفخمة.
الخدم يركضون من هنا إلى هناك، فرب عملهم الآن مثل الليث الهائج، ولكن ما لا يعلوه أنه مثل الليث المجروح.
أخذ يُلقي ويحطم كل ما يأتي أسفل يده إلى أن أصبحت الغرفة الفخمة عبارة عن خرده، خرابة.
زمجر صائحاً بغضب:
- هاااااتووووهااااالى هنا، عاوزها تحت رجلياااااا.
بعد أن استمع كل من بالقصر إلى صياحه الغاضب توجهت إحداهن، لغرفة هذه التي تكاد تموت خوفاً مكانها.
اقتربوا منها لتتراجع إلى الخلف مرددة بهلع:
- انتوا عاوزين مني إيه، ابعدوا.
وكأنها لم تتحدث، أمسكاها جيداً وأخذا يجراها قسراً.
ابتلعت شذا ريقها بخوف حقيقي، لا بل ذعر، إلى أن أدخلوها غرفة هذا الرجل.
دفعتها المرأة بقوة لتسقط أسفل قدميه واتجهتا سريعاً للخارج قبل أن ينالهما من غضبه.
سندت شذا بكفيها على الأرضية الصلبة بألم يكاد يفتك بها، وسرعان ما رفعت رأسها ليتخشب جسدها فور رؤيته.
همست بصدمة:
- أدهم...؟
دَلفت نهلة غرفة إياس بدون أن تطرق الباب مرددة:
- يعني ينفع أعرف من برا أنك خرجت وسبت المستشفى وكمان وانت بالحالة دي يا إياس.
ابتسم لها مردداً:
- تعالي يا أوزعة.
ضيقت نظراتها عليه، وسرعان ما صرخت بغضب:
- ماتقولش أوزعة.
ضحك ملء فمه عليها وردد:
- هههه، امال أقول إيه؟
مطت شفتيها للأمام بضيق، وأردفت وهي تتجه للجلوس جواره:
- ماعرفش، بس ما تقولش أوزعة.
ضمها إياس بيده السليمة مردداً:
- خلاص ماتزعليش يا أوزعة.
فتحت فاها بغضب مرددة:
- اياااااااسوه.
وهنا لم يستطع كبت ضحكاته بل انفجر ضاحكاً وبشدة عليها، وهو يراها غاضبة هكذا، ووجنتيها وأرنبة أنفها محمرة من فرط الغضب.
لتتعالى ضحكاته المستمتعة.
دَلفت شاهي الغرفة تحمل بيدها صينية بها العديد من الأطعمة التي أعدتها له، لتراهم هكذا.
لمحها هو بطرف عينيه ليزيد من ضم نهلة إليه وهو ينتظر منها أي ردة فعل، ولكن لم يجد من نظراتها ومنها سوى البرود والتبلد.
وضعت الصينية أمامه مرددة:
- الأكل.
نظر إليها برهة وردد ببرود ولم يبتعد عن نهلة أنشأ حتى:
- شكراً.
مدت نهلة يدها للصينية وأخذتها على قدمها، نظرت له بحنان، وأردفت بحماس:
- أنا هاأكلك عشان دراعك.
ابتسم لها بنفس الحنان مردداً:
- تسلمي.
وجه أنظاره إلى هذه التي تقف ترمقهم ببرود سقيعي، لتبادله:
- عن إذنكم، هانزل أتمشى تحت شوية.
لم تنتظر أن تستمع لردهم بينما خرجت سريعاً.
عقدت نهلة ما بين حاجبيها بإستغراب مرددة:
- هيا مراتك مالها؟
نظر موضع طيفها بضيق وردد:
- سيبك منها، مش هاتأكليني.
استمعت شاهي إلى كلمته فأكملت طريقها للأسفل بغضب يكاد يحرق من يقف أمامها.
بينما رددت نهلة بحنان:
- هاأكلك طبعاً، بس بجد، حساها متضايقة مني.
أكملت بحذر:
- أوعى تكون ما تعرفش إننا أخوات.
نظر لها إياس بتسلية مردداً:
- لأ، ما تعرفش.
شهقت نهلة بخفة مرددة:
- وسيادتك بقا بتستغل النقطة دي عشان تخليها تغير صح؟
رد بضيق:
- وهيا دي بتغير ولا عندها دم؟
للمرة التي لا يعرف عددها حاول جمال الوصول إلى شذا التي اختفت فجأة وبدون سابق إنذار.
نظر إلى هذه الفتاة التي تجلس جواره مردداً:
- أنا هاتجنن يا أسماء، بقالها يومين مختفية، هاتكون راحت فين يعني.
رددت المدعوة بأسماء بتفكير:
- طب ما تروح للأستاذة سرين يمكن تساعدك تلاقيها يا حبيبتي.
نظر لها برهة بشرود، كيف غفلت عنه هذه الفكرة، سرين... بالتأكيد هي لن تتردد بمساعدته للعثور عليها.
قام سريعا متجهاً صوب خزانته يخرج منها ثياب، لتسأله:
- الله! انت رايح فين يا جمال؟
أجابها:
- رايح للأستاذة سرين زي ما قولتي.
نظرت له مرددة:
- طب مش تعرفها الأول إنك رايح لها!
أبدل هو ثيابه على عجالة وهو يرد:
- هي في الوقت دا بتكون في المكتب.
توجهه إليها مقبلاً جبينها وهو يقول:
- سلام يا حبيبتي، خلي بالك من نفسك.
لم ينتظر أن يسمع ردها، وأنما اتجه صوب الباب مغرداً على عجالة.
بينما قامت هي من جلستها لتبدأ بالأعمال المنزلية وهي تدعو الله له ولشذا، هذه التي تعتبرها أكثر من أخت لها.
زفرت شاهي بغضب وهي تجلس بالحديقة تفكر ما الذي يحدث معهما الآن.
وكأي امرأة مصرية أصيلة جائها صوت من داخلها مردداً بصراخ:
- انتِ هاتفضلي قاعدة هنا وسايبة جوزك للهانم اللي فوق دي تأكله.. آه يا ناري.. بيهزروا وبتأكله والباشا مبسوط أوي والضحكة من الودن للودن... بقا بتحاول تخليني أغير بالبورصة دي، طب والله ما أنا منولةالك يا إياس، يوووووه أنا هافضل أهرى وأنكت في نفسي كدا والباشا فوق عايش الحياة على الآخر ومبسوط.
رددت آخر كلماتها بغضب وسرعان ما قامت متجهة إلى الداخل.
في هذه الأثناء، كانت نهلة متجهة إلى الأسفل بيدها هذه الأطباق الشبه فارغة بعد أن تناول إياس بعض ما فيها.
وضعتها بالمطبخ وخرجت لتصطدم بطارق الآتي من الخارج، ابتسمت مرددة:
- ازيك يا طارق؟
رددت بضحك:
- أهلاً بالأوزعة.
عبست ملامح وجهها بضيق وأردفت بغضب:
- بطلوا تقولوا ليا أوزعة بقا.
ضحك طارق ملء فمه عليها وتركها وصعد لإياس.
بينما وقفت شاهي أمامها ترمقها بإحتقار، وصعدت هي الأخرى.
نفخت نهلة بضيق مرددة:
- اوووف، ودي مالها دي كمان؟
مرت عدة أيام بهدوء تام.
بدأت سرين بالبحث عن شذا بصحبة علاء مع شكهم بأن سمير له يد باختفائها.
بدأت حالة إياس تتحسن تدريجياً إلى أن أصبح معافى تماماً، وهو لا يزال يعاملها ببرود تام.
توقفوا فترة عن العمل بالقضية بأمر مباشر من اللواء مهاب.
الأمور مع دينا تسير على ما يرام، هو لا يحتك بها، وهي لا تعيره أدنى اهتمام.
بينما شاهي تكاد تموت كمداً من تجاهله لها ووجوده أكثر أوقاته بصحبة نهلة.
بقصر الشرقاوي.
وقفت مليكة بجانب والدها الذي يودع عاصم.
عاصم بضيق:
- يا عدلي ما تخليك، هو حد ضايقك في بيتي.
رمق مليكة شاهي وإياس نظرة جانبية متهكمة ليأتي رد والدها:
- ما انت عارف يا عاصم أنا جيت لحد ما الفيلا بتاعتي تتشطب، وأديهم خلاص كملوها.. مالهوش لزوم إننا نتقل عليكم أكتر من كدا.
عاصم بزعل:
- اخص عليك يا لطفى، احنا أكتر من أخوات.
ابتسم له لطفى بحب واقترب منه ليعانقه وهو يردد:
- أكيد طبعاً، ربنا يديم المحبة.
وبعد الانتهاء من السلامات، توجه لطفى مع ابنته منزلهما الجديد.
رفع سمير الهاتف ليجيب على اتصال "البوص".
أصغى بإحترام بعد أن جاءه صوته الغليظ من الجهة الأخرى مردداً:
- أنا راجع مصر قريب يا سمير.
أستأنف بأمر:
- عاوز أرجع ألاقيك صفيت الدكتورة.
وأغلق الهاتف.
لم يتخذ سمير الكثير من الوقت لفهم أن "الدكتورة" ما مقصود منها سوى "سرين".
لتزداد ابتسامته الخبيثة اتساعاً وهو تلمع عينيه بمبيض الشر.
رواية عراك التماسيح الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم منه عماره
أشرقت الجوناء لتعم المكان بلونها الذهبي الساطع، معلنة عن إشراقة يوم جديد بأحداث جديدة.
كانت شذا تجلس على أرضية الغرفة الصلبة، تسند رأسها وظهرها على الحائط متجاهلة البرودة التي تنبعث منه، وهي تضم ركبتيها إلى صدرها، تتذكر ما حدث معها منذ أن رأته.
**Flash Back**
حالة من الهرج والمرج تسود هذه الفيلا الفخمة.
الخدم يركضون من هنا إلى هناك، فرب عملهم الآن مثل الليث الهائج، ولكن ما لا يعلوه أنه مثل الليث المجروح.
أخذ يُلقي ويُحطم كل ما يأتي أسفل يده إلى أن أصبحت الغرفة الفخمة عبارة عن خرده، خرابة.
زمجر صارخاً بغضب:
- هاااااتووووهااااالى هنا، عاوزها تحت رجلياااااا.
بعد أن استمع كل من بالقصر إلى صياحه الغاضب، توجهت إحداهن، لغرفة هذه التي تكاد تموت خوفاً مكانها.
اقتربوا منها لتتراجع إلى الخلف مرددة بهلع:
- انتوا عاوزين مني إيه، ابعدوا.
وكأنها لم تتحدث، أمسكاها جيداً وأخذا يجراها قسراً.
ابتلعت شذا ريقها بخوف حقيقي، لا بل ذعر، إلى أن أدخلوها غرفة هذا الرجل.
دفعتها المرأة بقوة لتسقط أسفل قدميه، واتجهتا سريعاً للخارج قبل أن ينالهما من غضبه.
سندت شذا بكفيها على الأرضية الصلبة بألم يكاد يفتك بها، وسرعان ما رفعت رأسها ليتخشب جسدها فور رؤيته.
همست بصدمة: ادهـم.......!!!!!
لم يعطها فرصة للتفكير أو الصدمة، بل رفعها من خصلاتها التي سقط عنها الحجاب بقوة.
فصرخت بألم وهي تضع يدها بتلقائية على يده المغروزة بشعرها.
أردف بفيح بجانب أذنها:
- أهلاً بيكي في جحيمي.. يا بت عمي.
صدمتها الأن أكبر من خوفها بمراحل.
آدهم.. الشاب الوسيم، الذي أتى يوماً ما إلى المشفى التي تعمل بها محمولاً على أكتاف أصدقائه محاولين إسعافه وإيقاف النزيف بجسده.
الشاب التي مرضته، الشاب الوحيد الذي استطاع نيل إعجابها، الشاب التي تهافتت عليه الممرضات بالمشفى ليحظون بنظرة واحدة منه.
الآن يصدمها بقوله، أنه (ابن عمها) أكرم الشناوي، ثاني أكبر عدو لها بعد أخيه ووالدها.
اشمئزت منه ومن المدعو بوالدها ومن عمها ومن نفسها.. لأنها ابنة هذه العائلة، لأن دماءهم تسري بدمائها.
لا تعلم من أين أتتها القوة، ولكن لن تصمت كمداً أو خوفاً بعد اليوم.
دفعت يده عنها بقوة وأردفت بصراخ:
- انتواااا عااااوزين مـــنـــى ايــه، ابعدووووووا عـــنـــى بقاااا، أنــااا بــكــرهـــكــم كلكوووووا .... دمـــرتوووووا حــــــيــــااااتى، أنا بـقـرف منكم كلووا ومن نفسى لأنى مـنـكـم .... بــكــرهــكــم.
أردفت آخر كلماتها ببكاء حار.
صُدم هو من ردة فعلها هذه، لم يكن يتوقع مثل ردة الفعل هذه.
أكملت بصوت ضعيف واهن:
- بكرهك.
لتسقط بعدها مغشياً عليها.
**Back**
أفاقت من شرودها، لم تتذكر ما الذي حدث بعد ذلك.
ولكن عندما قامت من غيبوبتها لم تجده، ومر يومان إلى الآن وهي لم تره.. فهي مسجونة بغرفتها.
مسحت هذه العبرة التي انسابت على وجنتها بدون أن تشعر.
وجدت شيئاً يسد عليها ضوء الشمس المنبعث من أحد نوافذ الغرفة.
رفعت رأسها لتجده يقف أمامها بطوله الفارع.
ابتلعت ريقها بخوف وهي تردد بصوت مهزوز:
- عاوز إيه؟؟!.
¤¤•¤¤•¤¤•¤¤•¤¤•¤¤¤
- أيوااا يعني انتِ عاوزة إيه دلوقتي؟!
أخذت أنفاسه تتعالى بلهث بعد أن أردف كلماته تلك بصياح غاضب.
وقفت أمامه بغيظ، وسرعان ما رددت بصراخ:
- عــااااااوزه أطــلــق.
لو كانت النظرات تحرق، لألهبتها نظراته حريقاً، ولو كان بحالة صحية تسمح له لقام بلفك بها.
ارتعدت هي داخلها من نظراته الحارقة الموجهة عليها.
ولكن هذا لا يهم، هي تريد إنهاء هذه العلاقة بشتى الطرق.
قام من جلسته مستنداً على عكازه، وتوجه للوقوف جوارها مردداً بأذنها بفيح:
- كلمة طلاق دي تشيليها من قاموسك نهائي، وإلا ورحمة أمي يا شاهي لآتشوفي أيام سودة.
ابتلعت ريقها بتوتر، وابتعدت عنه سريعاً تحاول لملمة شتات نفسها.
حاولت إخراج صوتها، ولكنه خرج مبحوحاً، رمقها هو برهة وتوجه إلى موضعه مرة أخرى بألم.
نظرت له بأعين متسعة وصرخت:
- انت يا بارد، انت فاكر إنك كده بتخوفني، طب إيه رأيك بقا إنك هاتطلقني يعني هاتطلقني.
أظلمت عيناه بدرجة كبيرة وهو يستمع إلى هذا الهذو الذي تلقيه.
لصاح بوجهها:
- اخرسي.
دلف عاصم وسيرين الغرفة بخوف أثر هذه الأصوات المرتفعة والضجيج.
عاصم بخوف:
- في إيه يا ابني انت كويس؟
بدأت أنفاسه تهدأ قليلاً من اللهث وأردف:
- أنا كويس يا بابا متقلقش.
سرين بقلق:
- متأكد يا إياس؟
ابتسم لها مؤكداً:
- آه يا حبيبتي.
جاءهم صوتها الغاضب:
- بس أنا بقا مش كويسة.
التفتوا لها جميعاً لتقول بغضب:
- أنا عاااوزه الطلاق، طلقني!!
عقد عاصم ما بين حاجبيه بضيق، وأردف:
- ليه يا بنتي؟
سألتها سرين:
- ليه يا شاهي، هو حصل حاجة؟
ابتسامة ساخرة تشكلت على محيا شاهي وهي تردد بنبرة تهكمية:
- وهايحصل إيه يعني.
أكملت بصياح:
- جواز من الأول غلط ومجبوووورة عليه.
- شااااااااهــى.
أخذا يتبادلان النظرات الحارقة.
بهذه اللحظة هو يود قتلها لتصمت.
رددت بقوة:
- مش هاطلقك يا شاهي، انتِ ملكي وبس، فاااهمه، انتِ ماينفعش تخرجي من البيت ده.
ردت بصراخ:
- لــيــه، هو انت فااااكر نفسك اشتريتني، ولا أنا جارية عندك.
إلى هنا وكفى، طفح الكيل من هذه الخرقاء، أردف بصراخ يكفي أن يسمعه من بالقصر جميعاً:
- ماااااشــى يـا شاااهـي، هاطلقك وامشي، خلي الزفت اللي اسمه حازم اللي بيدور عليكِ من ساعة ما اختفيتِ ياخدك وياخد اللي عاوزه منك وبعدين يرميكي في الشارع، ولا أقولك روحي لأهل أبوكي وأخواتك.. اللي برضو بيدوروا عليكِ بس عشان يقتلوكي.
أردف آخر كلماته بصياح أعلى، وصمت يلتقط أنفاسه بلهث بسبب هذا المجهود الذي بذله.
تخشبت هي موضعها، نعم تتذكر حازم.. من حاول التودد إليها مراراً.. الشاب السمج اللذج من يفرض نفسه عليها باستمرار.
وأخوانها، عند هذه النقطة هبطت عباراتها تحمل العديد من المعاني، حزن، يأس، ألم، خذلان.
فاقت على صوته يردد ليزيد جرحها:
- انتِ في كلا الحالتين كنتِ ميتة واللي أنا عملته هو اللي أنقذك.
شفقة يشفق عليها لذا تزوجها.
أغمضت عينيها بألم بعد أن تهاوى جسدها على أقرب مقعد جوارها، تتمنى بهذه اللحظة أن تنشق الأرض وتبتلعها.
دائماً ما تشعر بالألم ممن حولها، وخاصة هو، وتكتشف الآن أنه فعل كل هذا لحمايتها.
ويأتي السؤال هنا (لماذا؟).
مشاعرها الأن هائجة لا تجد لها مسمى.
أفاقت على صوت عاصم مردداً بصرامة:
- يبقا تعملوا حسابكم مفيش حاجة اسمها طلاق، وآخر الأسبوع هانعمل حفلة كبيرة وهانعيد كتب الكتاب بعقد صحيح.
توجهت سرين صوب شاهي وأردفت وهي تأخذها:
- تعالي معايا يا شاهي.
وك مسلوبي الإرادة، قامت شاهي معها وسارت بهدوء.
جلس عاصم جوار ابنه وأردف بهدوء:
- ليه قسيت عليها كده؟
رد بغيظ وضيق ووحدة في آن:
- عــشــاان تقف وتبطل تقول كلمة طلاق، لازم تعرف إني مش متمسك بيها عشان سواد عيونها.
أغمضت سرين عينيها بسبب حماقة أخيها، فتحتها لتجد هذه البائسة، عاودت دمعاتها في الهبوط مرة أخرى.
هو لا يفعل شيئاً سوى جرحها، وبارع بهذا وبجداره.
تركت يد سرين متجاهلة ناظراتها المشفقة وتوجهت للأسفل بخطوات بطيئة، بينما توجهت الأخرى لغرفتها عازمة أمرها أن تصلح زمام الأمور.
عند إياس،
استمع والده إلى ما قاله محاولاً فهم منه أي شيء.
عاصم بتساؤل:
- أما هو مش عشان سواد عينيها.. عملت كده من البداية ليه؟
أجابه بسخرية:
- عادي، حالة إنسانية.
نظر له والده برهة وقال:
- لو كانت أي بنت غير شاهي، كنت هاتعمل كده برضو؟
سؤال عجز عن الرد عليه، لماذا فعل معها هذا؟ هي تحديداً، لو كانت غيرها، لكان فاعل مثلما فعل.
طال صمته بينما ارتسمت ابتسامة هادئة على وجه عاصم.
نظر لوالده ليجده يناظره متفحصاً، ليقول بتلجلج:
- لو كانت بنت غيرها أكيد كنت هآآآ.
قاطعه:
- ماتكذبش على نفسك يا إياس، أي بنت غيرها كنت نبهتها حذرتها، ماكنتش هاتعمل معاها زي ما عملت مع شاهي، ظاهر إن مش هيا بس اللي محتاجة تفوق.. انت كمان محتاج تفوق قبل ما تضيع منك.
أردف آخر كلماته رابتاً على كتفه برفق، وخرج وتركه عائماً ببحر من الفكر.
هو يتذكر شاهي ذات الضفيرتان، كانت تأتي مع والدتها عندما كانت تأتي لزيارة والدته، ولكنه لم يحتك بها أو يتحدثا يوماً.
تنهد بتعب مردداً:
- وبعدين؟
سؤال ستجيب عليه الأيام.
¤¤•¤¤•¤¤•¤¤•¤¤•¤¤
وصلت دينا للشركة لتلتقي معه على البوابة.
تجاهلها تماماً مكملاً طريقه للمصعد تحت همهمات الموظفين والموظفات.
دلف المصعد، لتدلف هي الأخرى بعده.. ليقوم بالضغط بعدها على زر الطابق العاشر.
احتل الصمت المكان إلى أن أعطى المصعد صوت الوصول إلى الطابق المنشود.
فُتح الباب ليخرج سريعاً لتتمتم بغيظ:
- قليل الذوق.
وبعدها ذهبت لتأدية عملها.
بعد دقائق، دلفت السكرتيرة مخبرة إياها على اجتماع أعده ياسر لرؤساء الإدارة.
أنهت أعمالها سريعاً وتوجهت صوب القاعة المعدة للاجتماعات.
أخذت نفساً عميقاً وطرقت الباب دالفة بعدها لتجد ياسر يجلس وبجانبه علي، التي تجلس أمامه من الجهة الأخرى فتاة بقمة جمالها وأناقتها، وعلى جهة أخرى تجلس امرأة أربعينية العمر ورجل في عقده الخامس.
قام ياسر مرحباً بها وبدأ بتعريفهم مردداً:
- أعرفك يا دينا.
أشار على الرجل مردداً:
- عامر باشا.
أكمل مشيراً على الفتاة:
- آنسة علياء ابنته.
ابتسمت لهم مجاملة ليكمل مشيراً على المرأة:
- مدام ليلى والدتي.
ابتسمت لهم جميعاً مرددة:
- تشرفت.
أشار إليها ياسر مردداً:
- أحب أعرفكم يا جماعة دينا الشرقاوي الشريك الرابع معانا في المجموعة.
ومن هنا بدأوا العمل تحت نظرات علي الساخطة لكل من دينا وعلياء.
¤¤•¤¤•¤¤•¤¤•¤¤¤
- اممم يعني هما عاملين حفلة بنهاية الأسبوع.
هكذا ردد سمير بعد استماعه هذه الكلمات من جيسيكا بالهاتف.
ردت بصوت يكاد يكون مسموع وهي تتلفت حولها لتتأكد من عدم رؤية أحد لها:
- سمير فرصة جات آندك، موش تضيعيها.
تشكلت ابتسامة خبيثة على ثغره، وأردف بخبث:
- وهي دي فرصة ينفع تتضيع يا جيسي.
ردت:
- سلام سمير عشان موش هاد يشوفني.
أغلق الهاتف بيده، وردد بخبث:
- هانت.
¤¤•¤¤•¤¤•¤¤•¤¤¤
- عاوز إيه؟
لم يجيبها، وإنما امتدت يده قابضاً على ذراعها وأوقفها أمامه عنوة.
ردد بفحيح:
- انتِ تعرفي إن عمي اللي هو أبوكِ مات، بسببك.
هزت رأسها بالنفي بهستيرية مرددة:
- لأ لأ مش بسببى، بسبب جرائمه وأفعاله.. كل اللي زرعه طول حياته حصده.. دا إنسان مجرم وقاتل ومغتصب.. المفروض كان يموت عشان الناس ترتاح من شره.
صفعة قوية تلقتها على وجنتها.
أغمضت عينيها بألم ومهانة ليأتيها صوته المزمجر:
- اخرسي يا****، عمي ده هو اللي رباني، كان راجل بجد.. دا ماكنش بيفوت فرض.
استمعت كلماته وبعدها انفجرت قهقهة، لا تصدق ما يقوله، كيف لمغتصب أن يصلي، كيف لمن يتاجر بأرواح الأبرياء أن يصلي، كيف لقاتل دام لسنوات على القتل والخراب في الأرض أن يصلي؟!!!.
رمقها ببرود حتى انتهت من الضحك ليردد:
- انتِ عارفه إيه أكتر حاجة ممكن تخليني ما أقتلكيش دلوقتي؟
ظلت صامته تستمع له ليكمل:
- إنك بنت الراجل اللي رباني بحب وإخلاص طول عمري، وعاملني بحب ما لاقيتهوش مع أبويا.
ابتسمت بسخرية، فكيف لرجل مثل كمال الشناوي يعرف الحب.
رددت:
- كلامك ودفاعك وحبك ده ليه، جريمة جديدة تضاف لـ لاستة جرائمه.
ضربت بأصابعها على صدره مرددة:
- روح دور وراه، وفَتح المتأفل لسنين يا أدهم، صدقني وقتها مش هاتكره حد قد كمال وأكرم الشناوي.
ظل يقف أمامها يناظرها بنظرات غير مفهومة برهة، وخرج تاركاً إياها.
¤¤•¤¤•¤¤•¤¤•¤¤¤
مرت الأيام ببطء تام على الجميع مع تجاهل كل من شاهي وإياس إلى بعضهما.
وتحضيرات الحفل تسير على قدم وساق.
حتى جاء هذا اليوم، موعد الحفلة، والذي سيغير حياة جميع أبطالنا.
رواية عراك التماسيح الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم منه عماره
اشراقة يوم جديد تعلن عنها الشمس بلونها الذهبي الساطع.
تحضيرات تسير على قدم وساق والجميع يركض من هنا إلى هناك من أجل إنهاء ترتيبات هذا الحفل سريعاً.
وبالفعل انتهت الترتيبات سريعاً ليحل الليل حاملاً معه ما لم يتوقعه أحد.
ارتدت شاهي فستان سواريه أسود اللون محتشم وفوقه حجاب زادها جمالاً من اللون الذهبي.
بينما ارتدت سارين فستان جميل يصل إلى كاحلها (كب) باللون الأزرق الفاتح (تركواز)، فزادها جاذبية.
بدأ المدعوون بالتوافد واحداً تلو الآخر.
بينما وقف إياس، الذي أصبح بحالة جيدة في الآونة الأخيرة، يستقبل الضيوف بطريقة لبقة ومهذبة، بجانبه هذه التي تركز على كل تصرف أو حركة له.
فمنذ ما حدث وعندما أفصح لها عن الحقيقة، يتجاهلها تماماً.
حيث يذهب إلى عمله صباحاً ويعود في المساء يخلد إلى النوم بدون أن يفعل أي شيء آخر.
دلف كنان من الباب بجانبه والده وعلاء. رمقهم إياس بنظرات فاترة لا مشاعر فيها.
بينما تقدم منه مهاب مصافحاً إياه بود، بينما لاقاه الآخر ببرود.
تقدم منه كنان مردداً بسخرية:
- مبروك يا صاحبي.
نظر له إياس بفتور مردداً باقتضاب:
- شكراً.
وبعدها دلفوا إلى الداخل جميعاً.
كان علاء يقف يتابع من بالحفل وهو بيده أحد المشروبات المتواجدة بالمكان. وسرعان ما اتسعت مقلتيه بذهول، وهو يطالع هذه التي تترجل من الأعلى بهدوء.
اقترب منها وجذبها من يدها مردداً بذهول:
- يخرب عقلك عملتيها امتى دي.
- أفندم.
رددت مليكة هذه الكلمة بغضب وهي تنزع يده عنها بقوة.
ابتسامة بلهاء ارتسمت على محياه، وهو يتأملها مردداً:
- بس تصدقي كدا أحلى يا بت.
- بت في عينك، هو أنت تعرفني أصلاً؟!
نظر لها بضيق غاضب، وأردف:
- طب ليه طولة اللسان دلوقتي، كل دا عشان بقولك.
أشار بيده إلى حجابها مستأنفاً:
- إنك فيه أحلى.
الآن أدركت ماذا يقصد، أغمضت عينيها بضيق وغباء، وبعدها فتحتهما وأشارت بيدها تجاه سارين التي تحدث أحد الضيوف.
وردت: اللي أنت بتدور عليها اهيه.
نظر هو في الاتجاه التي أشارت عليه، لتتسع عيناه وهو يجد سارين تقف تحدث أحدهم.
نظر إليها سريعاً، ولكنه لم يجدها. ذهبت سريعاً وكأنها تبخرت في الهواء.
توجه صوب سارين وسحبها من يدها معتذراً ممن كانت تحدثه.
وقف بعيداً وردد بذهول:
- طب إزاي دا انتِ كنتِ واقفة جنبي.
أشار إلى خصلاتها مكملاً:
- وبحجاب...
قاطعته مبتسمة:
- أنت شوفت مليكة؟
عقد ما بين حاجبيه، وأردف مستفهماً:
- مليكة مين؟!
أشارت سارين بإصبعها عليها من بين المتواجدين مرددة:
- دي.
اتسعت مقلتيه مجدداً وهو يوزع أنظاره بينهما، قائلاً بحيرة وذهول:
- طب إزاي!!!!!!!!.
سردت له ما حدث منذ قدوم لطفي، ومكوثه عندهم إلى أن ينتهي العمال من منزله، وذهابه بعد فترة.
نظر علاء تجاه مليكة التي تقف جوار والدها ورجل آخر، وأردف بشك:
- بس دي فيها شبهة كبيرة منك، إزاي دا؟!
ردت بحيرة:
- ما هو دا اللي هاموت وأعرفه، دا أنا حتى بعت إسلام بنفسه يتأكد، البنت فعلاً اتولدت برا.. بعد ميعاد ولادتي بسنة واحدة والأوراق كلها مظبوطة، دا حتى فيه شهود على ولادتها في المستشفى، الدكتور اللي ولدها أنا رحت قابلته بنفسي، وما سبتش ثغرة غير ودورت وراها.
عاود علاء بنظراته مجدداً إلى مليكة وأردف:
- مش مطمن.....!!!!!!
استقبلت دينا ياسر ووالدته مرحبة بهم بحفاوة، تحت سعادة ياسر فتطور العلاقة بينه وبين هذه العائلة سيفيده كثيراً.
نظر لدينا برهة وارتسمت ابتسامة ماكرة على محياه وهو يذهب بفكره للبعيد.
ابتسمت شاهي بسخرية على هذه الأجواء المحيطة بها.
تشعر أن كل ما يمر حولها، ما هو إلا خدعة، كذبة لا أكثر.
حاولت رسم ابتسامة على وجهها وهي ترى كل هذه العيون المسلطة عليها.
وزعت أنظارها بين الجميع، لا تشعر أن هذه الابتسامة المرسومة على أوجههم صافية ناقية.
تذكرت هذا المنزل البسيط التي كانت تقطن به بصحبة والدتها.
كم تشتاق إليه وتشتاق إلى الحب والدفء اللذان افتقدتهما منذ خروجها منه.
لم تكن لتتخيل بأحلامها حتى أن يحدث معها كل هذا.
هي فتاة بسيطة مثل باقي الفتيات.. أحلامها فستان زفاف أبيض اللون ترتديه بسعادة وحب لفارس أحلامها، بعد أن تنهي دراستها.
لم تكن تتمنى هذه الحياة التي هي بها الآن، ولكن ما باليد حيلة، هي الآن تحت تحكم الظروف....!!!!!!!
كان مروان يجلس بجوار علي الذي دعاه للحفل وأبيه يحدثهم بشتى الأمور ونظراته معلقة على دينا بين الحين والآخر.
رأى علي تشتته فذهب بنظراته إلى ما ينظر إليه مروان ليجد كل من دينا وياسر ومدام ليلى والدته يتحدثون ويضحكون.
دنى مروان من أبيه الذي يجلس جواره، وردد له بأذنه بخفوت:
- هو مين اللي دينا واقفة معاه دا يا حاج؟!
نظر الشرقاوي الكبير إلى ابنته وأردف:
- دا الأستاذ ياسر ووالدته، اللي أختك دخلت معاهم في شراكة.
أردف مروان بنفي الخفوت وقد تطايرت حبيبات الشر من أعينه:
- ودا جاي يعمل إيه، وهيا إزاي تسمح لنفسها تعزمه أصلاً.
نظر له والده شزراً وأردف:
- مروان أختك استأذنتني أنا أنها تعزمه، ولا أنا مش مالي عينك.
أردف سريعاً:
- لأ طبعاً.. العفو يا حاج أنت على راسي.
وقفت نهلة بجوار إياس بتوتر وهي تطالع طارق الذي يقف مع هذه الفاتنة الحسناء.
نظر إليها إياس وأردف بترقب:
- مالك يا نهلة؟ انتِ كويسة؟؟
تشكلت ابتسامة متوترة على ثغرها وهي تردد:
- ماليش، أنا كويسة أهو.
رمقها بشك مردداً:
- متأكدة.
أومأت هي بتوتر زاد وهي تقول مشددة على كلماتها:
- أكــيــد.
بينما رمقتهما شاهي بسخرية وذهبت بعيداً عنهما.
لطفي براحة:
- أحسن حاجة عملتها يا عاصم، خلي ناهد ترتاح في تربتها.
عاصم بجدية:
- كان لازم أعمل كده وإلا ما كانوا كملوا.
- امــــــيـــــر.
تخشب جسد كنان موضعه وهو يستمع لهذا الاسم.
التفت ليجد إياس يقف خلفه واضعاً يده في جيبه، يرمقه ببرود.
لتظل حرب النظرات هي المشتعلة بينهم.
كان عاصم يهاتف أحد رجال الأعمال، ابتعد عنه قليلاً راسماً ابتسامة مصطنعة على وجهه.
توجه صوب ابنته مردداً:
- فين أخوكي يا سارين.
نظرت هي حولها، وأردفت بحيرة:
- مش عارفة يا بابا.. كان هنا دلوقتي.
عاصم:
- طب شوفي فين، رشدي باشا عاوز يباركله بنفسه ويتعرف عليه.
ردت مبتسمة:
- حاضر يا بابا.
إياس بجمود:
- ابعد عن سارين يا كنان.
مط كنان شفتيه للأمام وهو يقترب منه مردداً:
- وإن ما ابعدتش؟!
أظلمت عينين الآخر، وأردف بغضب:
- هتبعد وإلا هانسى إننا كنا صحاب في يوم.
بينما كانت سارين متجهة للبحث عن إياس لمحته يقف مع أحدهم خلف أحد الأعمدة.
اقتربت منه راسمة ابتسامة مشرقة على محياها.
لتختفي تدريجياً فور أن سمعت ما يهتفان.
ابتسامة سخرية ممزوجة بالحزن اعتلت ثغر كنان، وأردف:
- ليه، وهو أنت لحد دلوقتي ما كنتش نسيت.. نسيت أكتر من 15 سنة في لمح البصر.. 15 سنة صداقة لا أخوة، 15 سنة عشرة مع بعض على المرة قبل الحلوة، اختفوا في غمضة عين لمجرد غلطة أنا ماليش ذنب فيها.
رد إياس بمرارة:
- بس أنت ابنه.. ابنه يا أمير.
وهنا تخشب جسد سارين، وحالة من الشحوب اعترتها عند ذكره لـ "أمير".
كيف، كيف.. كنان هو أمير، ضربة قوية تلقتها فوق رأسها، أمير.. أميرها كان معها طيلة هذه المدة ولم تتعرف عليه.
أفاقت على صوته مردداً:
- مش ذنبي يا إياس وانت عارف كده كويس.
صاح به إياس بغضب:
- كنت عاااوزني أعمل إيه وأنا شايف أختي بتتعلق بيك يوم بعد يوم.. ولحد دلوقتي مستنية أميرها يرجع تاني، ما تفكرنيش أهبل يا كنان، أنا عارف قد إيه سارين بتحبك ومتعلقة بيك بس على إنك أمير مش كنان.. فـ ياريت تبعد عنها نهائي.. مش هانعيد قصة دينا تاني.
اقترب منه واردف بتهديد:
- لو قلب أختي اتكسر بسببك يا أمير، صدقني مش هاتكفيني فيك روحك.
ابتسم كنان بألم وردد:
- ماتقلقش يا إياس، أنا ماقولتلهاش إني أمير.
أخذ نفس عميق وأكمل بصعوبة:
- ومش هاقولها.
أخذت دمعاتها تهبط على وجنتيها كشلالات غزيرة. تشعر أن قلبها سقط أرضاً بقوة. تكاد تقسم الآن أنها تستمع إلى صوت تهشيمه وتناثره.
التفت إياس ليجدها على حالتها تلك ليدرك بلا منازع أنها قد استمعت إلى حديثهم.
رأى كنان حالة التجمد الذي أصبح عليها. فـ التفت هو الآخر ليجدها هكذا.
نظراتها المعاتبة المليئة بالخذلان والألم. تكاد تحرقهما وتحرق قلبيهما.
رحلت سريعاً من أمامها ليذهب الاثنان خلفها سريعاً.
كانت تسير بخطوات أشبه بالركض إلى غرفتها. وهي تحاول مسح عبراتها التي لا تتوقف، تذرفها لا إرادياً.
رأى كنان هذا السلاح بيد الملثم الموجه لمعشوقته لإنهاء حياتها، فلم يشعر بنفسه إلا وهو يزيد من ركده إليها وهو يصرخ باسمها بكل قوته.
جذبها من ذراعها بقوة لتقع بأحضانه ساكنة على صدره، ويخرج صوت رصاصة قوي خرج من هذا السلاح بيد الملثم...!!
ليتصلب الجميع موضعهم لا يعلمون من أصابت.
ثوانٍ مرت بصدمة خشبت الجميع.
أخرجها كنان من حضنه، وحاوط وجهها مردداً بلهفة وخوف:
- أنتِ كويسة؟ حصلك حاجة؟ جات فيكي؟ ردي!!!!
صمتها كاد يقتله، ولكن عقلها لم يكن ليستوعب كل ما يحدث حولها.
أفاقت على يد والدها وهو يجذبها من يدي كنان ويقول بهلع:
- سارين أنتِ كويسة يا بنتي؟ حصلك حاجة؟ طمنيني.
أومأت برأسها مجاهدة نفسها على رسم ابتسامة ورددت بخفوت:
- أنا كويسة يا بابا ماتقلقش يا حبيبي.
- أمير.. كتفك بينزف.
أردف إياس بهذه الكلمات بخوف وهو يقترب من صديقه، بينما التفتت هي متوجهة إليه بلهفة وهي ترى جرحه.
عاودت دمعاتها بالهطول مرة أخرى.
حاوط هو وجهها بين يديه وأردف وهو يتأمل زرقاويتيها:
- ماتقلقيش أنا كويس، الرصاصة جات في كتفي.
جذبه إياس من يده واردف بخوف:
- يلا نروح المستشفى بسرعة.
ولم ينتظر أن يستمع إلى رده بل أخذه وخرج بينما ركضت هي خلفهم، ومهاب الذي كاد أن يموت خوفاً على ولده، وعلاء معه.
صعد إياس أمام المقود بينما جلس مهاب جواره، وصعدت هي بالخلف بجوار أميرها.
بدأت عيناه في الانغلاق وهو يشعر بسخونة هذه الرصاصة لا تزال بيده والدماء تنهمر منه.
أمسكت هي ذيل فستانها وشقته نصفين.. وقامت بربطه على جرحه، عله يوقف النزيف ولو لدقائق.
وبدون أدنى تردد ضمته إليها بحب وحنان وذعر جميعهم في آن وهي تنساب عبراتها بألم.
دقائق وأوقف إياس السيارة أمام المشفى، وترجل سريعاً هو ومهاب وعلاء الذي ذهب خلفهم بسيارته سريعاً وبدأ بمساعدته في حمل هذا الذي غاب عن الوعي وهي خلفهم بهلع وبكاء.
وبالفعل دلف لغرفة العمليات.
جلست هي على أقرب مقعد وأخذت تبكي بصمت.
بينما يقف كل من مهاب وعلاء وقلوبهم تتأكل.
دلف عاصم بصحبة والده وشاهي إليهم ووقفوا جميعاً منتظرين.
مر الوقت عليهم ببطء شديد.
أخذ إياس حوالي ساعة كاملة وبعدها خرج إليهم ليهرع الجميع إليه متسائلين ما عداها هي ظلت واقفة موضعها، ليجيبهم:
- الحمد لله قدرت أخرج الرصاصة بس بصعوبة شديدة، ظاهر أن اللي ضرب كان عارف هايضرب فين ولولا أن كنان كان بيلاحق سارين الرصاصة ما صابتهوش صح وجات في الكتف.
مهاب بخوف:
- يعني هو كويس.
ابتسم له إياس محاولاً طمأنته ونسيان ما مضى، وهو يقول:
- كويس ماتقلقش.. هايشرفنا يومين بس نتطمن عليه ويرتاح فيهم وبعدها يقدر يخرج.
علاء:
- طب نقدر نشوفه؟؟
أجابه:
- حالياً لا، لأنه لسه تحت تأثير المخدر، هايتنقل أوضة عادية وشوية كدا وتقدروا تشوفوه.
وذهب لإبدال ملابسه، بينما شكر الجميع ربهم على كونه بخير.
انتفضوا جميعاً ملتفين حولهم عندما سمعوا هذا الارتطام القوي.
ليجدوها ملقاة أرضاً تعتريها حالة من الشحوب، وفستانها ووجهها ملطخين بدمائه.
رواية عراك التماسيح الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم منه عماره
فتحت عيونها بتثاقل، واغلقتها وعاودت فتحها وإغلاقها مجدداً حتى تعتاد على إضاءة الغرفة.
هرع إليها والدها سريعاً فور أن وجدها أفاقت من غيبوبتها المؤقتة، وأردف بقلق:
- انتِ كويسة يا بنتي؟
ابتلعت ريقها بصعوبة ورددت:
- أنا كويسة يا بابا، ماتقلقش. هو إيه اللي حصل؟
أجابها إياس الذي دلف الغرفة فجأة:
- ولا حاجة، حضرتك وقعتي من طولك لأنك مهملة.
عقدت ما بين حاجبيها بعدم فهم ليكمل:
- أيوه سيادتك مهملة، تقدري حضرتك تفهميني ما أكلتيش ليه بقالك يومين؟
أخفضت ناظريها وهي تتمتم بصوت يكاد يكون مسموع:
- عادي يا إياس، ماليش نفس.
أكملت بتساؤل:
- أمير عامل إيه؟
مط إياس شفتيه للأمام، وأجابها:
- كويس.
باغته عاصم فجأة:
- استعدي يا سارين عشان ها ترجعي مع جدك الشرقية.
عقدت ما بين حاجبيها بعدم فهم، بينما تعالت دقات قلبها، وهي تردد:
- ليه يا بابا؟ هو حصل مشاكل؟
صاح بها بغضب:
- من غير ليه، الكلمة اللي أقولها تتنفذ من سكات، فاهمة؟
ألقى كلماته بوجهها وخرج صافعاً الباب خلفه بقوة، بينما تجمعت الدموع بمقلتيها.
اقترب منها إياس ضاماً إياها برفق وأردف:
- طب الجميل بتاعنا ماله بقى؟
رددت بنبرة على وشك البكاء:
- انت شفت بابا زعق لي إزاي؟
رد هو مبرراً:
- معلش يا حبيبتي، ده من قلقه وخوفه عليكِ. انهارده لولا ستر ربنا، وإنقاذ أمير ليكي في آخر لحظة كان زمانك للقدر الله حصلك حاجة.
عند ذكره لاسم أمير، عاودت الدموع بالتجمع بمقلتيها مجدداً.
وسرعان ما أردفت متسائلة بنبرة منتحبة:
- ليه خبيتوا عليا؟ أنت كنت عارف إني مستنية أمير يا إياس، ليه ما قولتليش؟
أجابها بحِدة خفيفة:
- سبق وأبوه خان ثقتنا فيه بعلاقته بدينا اللي من المفروض قد بنته، وفي النهاية حصل إيه غير كسرة قلبها. انتِ بقا مش عايزاني أخاف عليكي منه وخصوصاً وإنا شايفك كل يوم بتتعلقي بيه أزيد من اللي قبله، ردي عليا يا سارين، عايزاني أقف وأتفرج عليكي انتِ كمان وانتِ قلبك بيتكسر... لأ طبعاً.
أخذت دمعاتها تتسابق على وجنتيها وهي تستمع كلمات أخيها. أنهى كلماته لترد هي:
- عمي مهاب مش خاين، وانت عارف كدا كويس، هو حب دينا بجد.
بابتسامة ساخرة اعتلت ثغره وهو يردد:
- دينا اللي قد ابنه في العمر؟
نظرت له برهة وأردفت بمرارة:
- الحب ما بيعرفش عمر ولا شكل ولا طبقات، الحب بيفضل حب يا إياس... زي حبي لأمير، وحبك لشاهي.
كاد أن يتحدث معترضاً، ولكنها أكملت:
- ما تعترضش، أنت بتحب شاهي... ومن لما كانت بضفاير كمان، ولأنك أخويا أنا عرفت دا... أنا تقريباً قرياك. أنت استغليت الفرصة عشان هي تكون معاك.
قامت من السرير واتجهت صوبه مرددة:
- واجه نفسك بالحقيقة، قبل ما تخسرها وتخسر قلبك معاها.
أنهت كلماتها، وتوجهت صوب الباب، وخرجت تاركة إياه يتخبط بأفكاره.
***
أفاق كنان من غيبوبته المؤقتة أثر الأدوية والمحاليل، وزع أنظاره على المكان حوله بتقطيب حاجب، يحاول معرفة أين هو؟ أو تذكر أي شيء.
ثوانٍ... وهاجمت مخيلته الأحداث الماضية، انتفض من موضعه وهو يتذكر ما حدث.
تنفس بعمق عند إدراكه أن الرصاصة لم تصبها بل أصابته هو.
أفاق من دوامة أفكاره على صوت صرير الباب، الذي يفتح بهدوء... يعقبه دخول إياس.
تقدم منه بهدوء، وسرعان ما ردد بتساؤل متوتر:
- ازيك؟
نظر له الآخر برهة وسرعان ما أجابه ببرود:
- كويس.....!!!!!
حمحم إياس بتوتر ملحوظ وهو يعاود سؤاله:
- مش حاسس بحاجة بتوجع؟
نظر له كنان طويلاً ولم يجيب، مديراً وجهه للجهة الأخرى.
بينما تطلع إليه إياس برهة، وأردف منادياً:
- كنان.
زفر بحدة، وهو يزمجر بضيق:
- هااا... في حاجة تاني حضرتك؟
رد عليه بجدية:
- أيوا... احم، كنت عايز أشكرك على اللي عملته مع سارين، لولاك كان زمانها اتصابت وخصوصاً إن اللي كان بيضرب ده قناص.
أظلمت عينا التمساح فور استماعه إلى كلمات إياس الذي زادت من اللهيب الذي ينهش قلبه.
ولو كان الفكر يسمح، لمات هذا الذي حاول اغتيال حبيبته، مسموماً من الطريقة السوداوية الذي يفكر بها التمساح به.
أخيراً أفاق من أفكاره على صوت إياس منادياً باسمه... نظر له برهة ليردد بمرارة:
- أنا ما عملتش غير واجبي، وأي حد مكاني كان هايعمل كدا.
أنهى كلماته مديراً وجهه أمامه، وعلق نظراته الجامدة في اللاشيء.
بينما حمحم إياس بحرج مردداً:
- طيب حمدلله على سلامتك.
أردف آخر كلماته وبعدها توجه للخارج.
بينما أغمض كنان خضراوتيه بألم...
***
- غبية... أنتِ عارفة يا همارة، سمير هايعمل فيكي إيه أما يعرف إنك فشلتي.
أردفت جيسيكا هذه الكلمات بلغتها العربية الركيكة، وبغضبٍ جَم.
ابتلع الملثم ريقه بصعوبة خوفاً من بطش هذا سمير فور معرفته أنه فشل في مهمة قتل سارين.
كاد أن يتحدث، ولكن أردفت جيسيكا بخفوتٍ مترقب:
- امشي من هنا بسراعة قبل ما حد ييجي يشوفك يا همارة.
فور أن استمع الرجل إلى كلمتها فر هارباً فوراً.
***
كانت شاهي تقف بالمشفى لتجد من يسحبها للخلف بغتةً مكمماً فمها بمنديل ورقي.
حاولت المقاومة والصراخ، ولكن هذه المادة بالمنديل جعلت قواها تتهاوى وتسقط مغشياً عليها.
بعد عدة ساعات...
فتحت مقلتيها بتثاقل، لتجد نفسها ملقاة أرضاً بإهمال بمكان لا تعرفه.
ثوانٍ ووجدت الباب يصدر صريراً نتيجة عن فتحه...!!!!
اتسعت مقلتيها بهلع عندما وجدت حازم يتقدم منها مطلقاً أسهم نارية من عينيه.
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تسمعه يردد:
- يعني اتجوزتي؟ بتعانديني يا شاهي؟ أنا مش قايلك إنك بتاعتي أنا!
أردفت بخوف:
- أنت...
قاطعها بغضب:
- أنا ماتعودتش أعوز حاجة وماخدهاش، وأنا بقا عايزك.
اتسعت مقلتيها بهلع وهي تسمعه يردد كلماته ويقترب منها بهدوءٍ أمامها.....
***
وقف الجميع ببهو القصر بقلق على شاهي التي اختفت منذ سويعات.
حاول إياس الاتصال بها مراراً ولكن هاتفها مغلق.
سارين بتساؤل قلق:
- هاتكون راحت فين يعني؟
إياس:
- مش عارف، ودا اللي هايجنني.
شد على خصلاته بعنف ليجد من يربت على كتفه برفق، ألتفت خلفه ليجد كنان يقف ينظر له محاولاً طمأنته بقوله:
- اهدى يا إياس، هانلاقيها إن شاء الله.
إياس بتعب:
- خايف يكون جرالها حاجة يا كنان.
اقتربت منه أخته ضامة إياه برفق، محاولة تجاهل وتحاشي نظرات كنان لها بقدر المستطاع.
***
- آآآ... أنت هـ هاتعمل إيه؟
أردفت شاهي هذه الكلمات بخوف وهي تراه يقترب منها بهدوء أمامها.
أخرج من جيب بنطاله هاتفاً ومد لها يده مردداً:
- امسكي التليفون ده واتصلي بالباشا بتاعك وقوليله ما يدورش عليكِ وإنك مشيتي بمزاجك عشان تجيلي.
اقترب منها أكثر حتى أصبحت أنفاسه تلفح صفحة وجهها البيضاء.
شعرت بالغثيان لتسمعه يكمل:
- وقوليله إنك بتحبيني.
رفعت يدها تدفعه ليبتعد عنها وهي ترمقه باحتقار، وأردفت بغضب:
- مستحيييييييل أعمل كدا.
ردد بجمود:
- هاتعملي!
ضحكت بسخرية وأردفت:
- وإيه اللي يجبرني؟!!!!!
لم يجبها بل أخرج من جيب (جاكت البذلة) مسدساً صغيراً، لتتسع مقلتيها بزعر وتتعالى أنفاسها بهلع، وهي تراه يوجه فوهة هذا السلاح القاتل على مقدمة رأسها.
دفع رأسها به وهو يقول جازاً على أسنانه:
- هااا، هاتتصلي ولا أطير دماغك الحلوة دي؟
أغمضت عينيها تعتصرها بخوف، لتردد بصوت متحجر من البكاء:
- مش هاتصل، لو هاتموتني.
صوت طلقة نارية خرج بقوة من هذا السلاح بيده.
حبست هي أنفاسها معتقدة أن هذه الرصاصة أصابتها.
ثوانٍ لتدرك أنها بخير ولم يصبها شيء لتفتح عينيها بسرعة لتجده ما زال يضع هذا السلاح على رأسها.
أردف بشر:
- هاتتصلي، ولا الضربة الجاية تبقى في نفوخك، واللي بعدها في نفوخ حبيب القلب.
تعالت دقات قلبها وهي تتوقع من هذا الحقير إيذاء زوجها. ابتلعت ريقها بصعوبة مرددة بصوت مبحوح:
- هاتصل.
أخذت الهاتف بأيدٍ مرتعشة لتبدأ اتصالها به وهي تذرف دموع ألم، حزن، غضب جميعهم في آن.
***
كان يجلس مثلما كان ليستمع إلى صوت هاتفه يصدح في المكان معلناً عن ورود اتصال.
نظر إليه ليجده رقماً خاصاً.
ألقى الهاتف جواره مجدداً وهو يشعر بالخذلان، فكل تعبه ومحاولاته للحفاظ عليها الفترة الماضية باتت بالفشل.
أنزلت هي الهاتف ونظرت للآخر بكره مرددة:
- مش بيرد.
أردف بجمودٍ أمر:
- اتصلي تاني.
ودت بهذه اللحظة أن تأخذ منه هذا السلاح وتقتله به. إنسان فظ غليظ، ولو جمعت كل معاني الكره والحقد بجملة تهديها إياه لما وفته حقه من المشاعر البغيضة التي تكنها له بقلبها.
عاودت الاتصال مرة أخرى راجية من الله أن لا يجيب هذه المرة أيضاً.
ولكن خاب أملها عندما استمعت إلى صوته من الجهة الأخرى مردداً:
- الوو.
كلمة واحدة ولكنها شعرت بالحزن العميق المدفون بصوته.
ظلت صامتة ثوانٍ لتشعر بهذا البغيض ينكزها بالسلاح بجانبها.
حاولت إخراج صوتها قوياً وهي تردد:
- إياس.
فور أن استمع إلى صوتها تنبهت جميع حواسه، أردف لسانه اسمها تلقائياً بلهفة وخوف:
- شاهي، أنتِ فين يا حبيبتي؟ انتِ كويسة؟
ردت بألم:
- أكيد كويسة طول ما أنا بعيد عنك دا، غير إني في المكان اللي المفروض أكون فيه، مع حبيبي.
تكاد تقسم أنه يتضرع ألماً الآن وهي أضعافه.
صوت تنفسه المرتفع يكاد يقتلها وهي موضعها. لم تعطيه فرصة للتفكير أو الرد لتقول:
- أنا مع حازم يا إياس، حبيبي اللي أنت حرمتني منه، وياريت تطلقني وتنساني، لأنك بنسبة لي ولا حاجة، ورقة وهاقطعها من كشكولي.
لم يشعر بنفسه إلا وهو يصيح بها ودمعاته تتسابق على وجنته:
- أكيد هااااااطلقك لأنك زبالة، وأنااا أسف لنفسي إني عرفت إنسانة و*** زيك، لأ وحاولت أحميها كمان.
أنهى كلماته بصراخ حاد ليغلق الهاتف بوجهها ويقذفه بالحائط.
ليستقط متهشماً مئة قطعة تتناثر شظاياه بقوة كقلبه الذي تهشم لتوه من قساوة كلماتها.
وضع يده موضع قلبه وعاود الجلوس مرة أخرى وهو يشعر أنه بالكاد يستطيع التقاط أنفاسه.
وجد من يجلس جواره يضمه بحنان أخوي.
رفع رأسه لتلتقي عيناه بعيني صديق دربه، الذي اتهمه بالخيانة مسبقاً.
آآآآه قوية خرجت من صدره المثقل بالهموم تتبعها دمعات ألم، حزن، خذلان.
ومن قال إن الرجل لا يبكي؟ أليس بشراً يمتلك قلباً يشعر به.
هدأ قليلاً ليبتعد عنه كنان، نظر له برهة ليعاود إياس الانفجار باكياً مرة أخرى وهو يقول بحزن عميق:
- أنا آسف يا صاحبي، آسف على كل حاجة وكل كلمة، سامحني... أنا بس كنت خايف على أختي... ما كنتش عايزها تحس نفس اللي أنا حاسه دلوقتي لو أنت مشيت وسيبتها.
عاود كنان ضمه مرة أخرى وهو يردد:
- إياس، إحنا طول عمرنا أكتر من إخوات، وأنا عمري ما أزعل أو أكره أخويا......
تابعتهم هي بقلب منفطر على أخيها وما حدث معه.
ودت لو ترى شاهي الآن لتلقنها درساً لن تنساه أبداً، هذه المحتالة. نظرت لهذا الأمير بعشق وهي تردد لنفسها:
- يا ترى بتحبني، ولا أنا بس اللي بعشقك؟!!....
،،، على الجانب الآخر،،،
أغلقت الهاتف لتسقط باكية بحرقة. قسوتها هشمت قلبها قبل قلبه. احمر وجهها من أثر البكاء الحاد.
راقبه حازم بعينين باردتين جامدتين، لتصرخ به:
- بـــــــــكــــــرهـــــــك، ربنااااا يااخدك... بـكـرهكك يااا حااازم.
ضحك بسخرية، وخرج وتركها.
تنتحب موضعاً.
شعرت هي بثقل برأسها وجفنيها، وأنها على وشك مفارقة واقعها.
لتهذي بطريقة غير مفهومة:
- ماتسـ بنيش، سـ سامحني، بـحبك.
لتسقط بعدها بعالم السواد فقط هو سيده.
رواية عراك التماسيح الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم منه عماره
ظلت الأيام تدور بملل دون جديد يُذكر.
أنكب إياس بعمله سواء بالمشي أو بالشركة، لاجئاً إليه لينسيه ما حدث.
بينما حازم لا يزال محتجزاً.
شاهي، تحسنت حالة كنان وتعافى كتفه، بينما سرين تتحاشاه بقدر استطاعتها.
إلى أن جاء هذا اليوم التي كُشفت به الحقائق.
(صباحاً)
كان يقف ببهو القصر يراها وهي تتسابق كلماتها بحزن، من قرار والدها الصارم.
فهو ببساطة قرر أنها لن تعمل بمجال الشرطة مجدداً، وستذهب مع جدها إلى الشرقية للإقامة معه فترة كبيرة.
إياس بضيق:
- لازمتها إيه بس السفرية دي يا والدي؟
عاصم بغضب:
- عاوزني أقعد أتفرج على بنتي وهي بتتقتل وماعملش حاجة يا أستاذ؟
تنهد إياس بتعب ليقول بهدوء:
- أكيد مش قصدي يا بابا، حياة سرين وسلامتها عندي بالدنيا.. بس دا مش معناه إنها تسيب شغلها وتهرب زي الأطفال.
أومأت برأسها سريعاً مؤكدة على كلمات أخيها، وهي تتمتم بخفوت:
- أيوا صح..
أكملت ببكاء وهي تتشبث بذراعه مثل الأطفال:
- أنا قدامي هدف وعاوزة أحققه يا بابا، أرجوك ماتحرمنيش إني أكمل.
مسحت دموعها بعنف وهي تكمل بشراسة:
- مش معقول هنسيب الراجل ده يدخل سمومه البلد والبلاد العربية ونقف نتفرج، أنا دلوقتي بقا حلمي إني أوصله.
حك لطفي ذقنه وأردف وهو يطالع عاصم بجدية:
- سرين بتتكلم صح يا عاصم، مهو مش معقول يسيبوا مجرم زي ده هربان ويسافر الشرقية.
صاح بهم بألم:
- اسكتوااا كلكوااا، محدش فاهم حاجة.. ولا حد يعرف حاجة.
امتلأت مقلتيه بالدموع الساخنة التي تحمل الكثير، وهو يكمل صراخه بحرقة:
- محدش شاف اللي أنا شفته، نفس القضية من أكتر من خمسة وعشرين سنة أنا كنت بحقق فيها كان نتيجتها إيه.. دبحوهم.
بدأت دموعه تتساقط وهو يصيح بألم يكفي العالم:
- دبحوا لينا قدام عيني.. ودبحوا معاها أختك.. توأمك.. انتهكوا روحهم بدون وجه حق ولا رحمة.
بدأت دموعها تنساب بقهر ليكمل هو:
- نفس الراجل.
صمت برهة ليكمل بمرارة:
- نفس الراجل اللي كان السبب إن لينا وسادين يموتوا، بيحاول يموتك دلوقتي، عشان بتعملي نفس اللي أنا كنت بعمله زمان.
صاح بحده:
- عرفتوااا بقاا أناا سـبت الـشـغـل لـيـه؟! ماكنش عندي أي استعداد إني أخسر إياس وسيرين كمان بعد لينا وسادين.
صاح بها بحده:
- حياتك مش ملكك يا سرين، مش من حقك تغامري وتخاطري بيها.
اقتربت من والدها بخطوات واهية وضمته مرددة ببكاء:
- أنا آسفة يا بابا، آسفة يا حبيبي على كل الهموم اللي جواك دي، حاضر هاسيب القضية بس بلاش دموع... دموعك غالية أوي يا بابا.
ضمته إليها مرددة بنحيب:
- دموعك دي بتحرقني.
ضمه إليه بشدة خوفاً من فقدانها.
بينما ضمته هي الأخرى، تحولت عينيها لأشد درجات الأزرق الداكن.
ابتعدت عن والدها ممسكة يده وأردفت:
- تعالى معايا يا حبيبي عشان ترتاح.
وبالفعل صعد معها إلى غرفته، وتسطح على فراشه بينما دسّته هي جيداً، وظلت بجواره إلى أن ذهب بثبات عميق.
قبلت رأسه بحنان، ورددت بخفوت لا يُسمع، بعد أن تحولت عينيها لكتلة جمر:
- وحياتك عندي وحياة دموعك الغالية، لأجيبه راكع تحت رجليك، وأجيب حق أمي اللي قتلها وحرمني منها وأنا بنت شهور بس وحق أختي اللي لسه عارفة بأمرها من دقايق.
عاودت تقبيل رأسه مرة أخرى وخرجت من الغرفة متجهة للأسفل.
¤¤•¤¤•¤¤•¤¤•¤¤•¤¤
بالأسفل،،
نزلت بخطى هادئة لتجد الصمت يسود المكان.
أخرجت تنهيدة حارة من صدرها تحمل بين طياتها الكثير والكثير.
رددت بصوت هادئ:
- نام.
أقترب منها جدها رابتاً على ظهرها بحنان وهو يردد:
- ماتزعليش من أبوكي يا سرين يا بنتي.. هو زي أي أب خايف على ولاده.
قبلت هي يد جدها واردفت:
- مش زعلانة يا جدو، أنا مقدرة الحالة النفسية بتاعة بابا.
ربت جدها على رأسها مردداً:
- ربنا يكملك بعقلك يا حبيبتي.. المهم إحنا لازم نمشي دلوقتي، خلي بالك من نفسك ومن أبوكي.
أردف إياس بمرح:
- واياس لأ.
الشرقاوي مبتسماً:
- ومن سي الدكتور إياس.
وبعد العديد من السلامات والتوديعات، انصرف الشرقاوي بصحبة ابنه وزوجته، وذهب لطفي ومليكة إلى بيتهم ولم يبق سوا مهاب والتمساح يقفان بصحبة إياس.
مهاب بجدية:
- انتِ هاتسيبي القضية فعلاً يا سرين؟
نظرت له برهة، ثم أجابت بجدية:
- أكيد لأ يا انكل، مش معقول بعد اللي سمعته من بابا أتراجع.. لازم أكمل عشان أرجع حق أمي وأختي.
إياس بتعب وهو يمسح وجهه بيده:
- بس ده خطر عليكي يا سرين.
أخيراً أردف هو، ولكن بجمود:
- إياس معاه حق، انتِ ممكن تسيبى القضية وأنا وعلاء نكملها.
نظرت له شزراً وأردفت بسخرية:
- لا كتر خيرك، مستغنين عن خدمات سعادتك.
نظر لها نظرة أبتلعتها لسانها، ليخرج بعدها صوته يقول بجدية:
- سرين والدك عنده حق، هو خايف عليكي وده حقه.
صرخت بوجهه:
- أنا عارفة إن ده حقه، بس اللي مش من حقك بقا إنك تتكلم معايا أصلاً.
استطاعت كلماتها البسيطة إشعال فتيل غضبه، فزمجر بوجهها بحده:
- اتكلمي كويس وإلا وربى يا سرين آآآآ.
قاطع كلماته صوت إياس مردداً بمرح لتخفيف حدة الأجواء:
- إيه يا تمساح هاتبلع أختي ولا إيه؟
وجه حديثه لها وهو يضربها على مؤخرة عنقها:
- اهدى على نفسك شوية، إيه بتوجاز...!!!!
وجه حديثه لمهاب مردداً:
- عاوز أتكلم معاك شوية.
أومأ مهاب برأسه، واتجه معه للمكتب، لرؤية ماذا يريد.
بينما يقف الاثنان أمام بعضهما.. نظراتهم فقط هي من تتحدث.
ألم، حب، ندم والعديد من المشاعر الأخرى التي تكن فقط بالقلوب.
خرج صوتها مبحوح متسائل بألم:
- ليه؟.... ليه ماقولتليش؟... انت ماتعرفش إني كنت بنام كل ليلة أمنيتي إن أمير يرجعلي، حب الطفولة، ولا دي أوهام عندي، وأنا بالنسبة ليك مجرد طفلة، أخت صاحبك وخلاص.
نظر لها برهة وأردف:
- كنتِ مستنية إيه، أرجع أقولك بحبك عشان إياس يبعدنا نهائي ويقول إني خاين ولا أؤتمن، على الأقل كنت بشوفك بشوف أميرتي.
تسابقت دموعها بصمت، ليقول هو:
- أنا عرفتك من أول نظرة يا سرين عرفت إن دي أميرتي واتأكدت لما تعبتي بعد الملاكمة وإياس جه يشوفك، بس انتِ ماعرفتنيش.
رددت بنحيب:
- أنا ماعرفتكش بس انت عرفتني، المفروض انت كنت قلت.
أردف بغضب:
- تاني هاتقولي كنت قُلت.
نكست رأسها بأسى وأردفت:
- انت عاوز إيه دلوقتي؟!.
صمت تماماً هو نفسه لا يعلم ماذا يريد.. كل ما يعلمه أنه يحبها، لا بل يعشقها فهو قد تخطى مرحلة الحب بمراحل.
رددت بضيق من صمته:
- أنا بحب أمير، مش كنان.. والاتنين استحالة يجتمعوا في شخص واحد.
أردفت آخر كلماتها وخرجت من المنزل.
صعدت سيارتها وبدأت كلماتها بالأنسياب مع بداية قيادتها.
¤¤•¤¤•¤¤•¤¤•¤¤•¤¤
- يعني أنت ماتقدرش تحدد مكانها؟
أردف إياس بهذه الكلمات بتسائل وهو يحدث مهاب الجالس أمامه.
أجابه:
- أيوا بس لما تتصل بيك تاني، ماقدرش أحدد مكانها من خلال الشبكة غير لو هيا متصلة بيك وإلا الموضوع هايكون صعب أو شبه مستحيل.
مسح على خصلاته بعنف مردداً:
- أنا لازم أوصلها، أنا عارف إنها مش بتحب حازم زي ما قالت، لأنها قبلت تكمل معايا لمجرد إني هاحميها منه.
مهاب:
- ومدام أنت بتحبها وقلقان عليها كدا، سبتها تضيع منك ليه؟
رد:
- عشان غبي.. أرجوك يا عمي ساعدني ألاقيها.
ربت مهاب على كتفه وأردف بصدق:
- ماتقلقش، إن شاء الله هانلاقيها...
¤¤•¤¤•¤¤•¤¤•¤¤•¤¤•
- انت اتجننت، انت بتقوووول ايييييه؟؟؟!!!
زمجر علي بهذه الكلمات الغاضبة بوجهه ياسر الذي يجلس ببرود وكأنه لم يلقى كلمات حمقاء استطاع بها إشعال فتيل غضب الآخر.
ياسر ببرود:
- اتجننت ليه يعني، هو الواحد لما يحب يتجوز يبقى اتجنن؟
علي بفظاظة:
- لا ده انت بتستهبل بقا!!
ياسر بحده:
- الزم حدودك يا علي أنا ماسمحلكش.
- ماتسمحليش بـ إيه، اعمل حسابك يا ياسر أنا أول واحد هايقف في وشك لو عملت الجنان اللي بتقول عليه دا.
ياسر بصياح:
- أنا مش عارف انت متضايق ليه، واحد وهايتجوز، أنت مالك؟؟؟؟؟
علي بصياح:
- انت عايز تجنني يا ابني، ما انت متنيل متجوز ومخلف كمان.
رد الآخر ببرود:
- عادي الشرع محلل ليا أربعة.
- ماشي يا ياسر أكلم بقا ريماس أقولها البوقين دول.
أردف علي بهذه الكلمات وهو يأخذ هاتفه على وشك مهاتفة زوجة ياسر.
جذب منه الآخر الهاتف بحده وهو يزمجر بغضب:
- انت الظاهر اتجننت!!!! بس عمتاً يا علي أنا عارف انت متضايق ليه.. انت متضايق لأني قولت إني عاوز ارتبط بدينا، لو كنت قولت على أي بنت تانية ماكنتش انت عملت اللي أنت عملته ده.
صمت علي تماماً، فربما كلمات صديقه صحيحة، شعر بالنيران تتأجج داخله لمجرد التفكير أنها قد تكون ملك لغيره.
لن يكابر بعد ذلك.
قام من جلسته واردف بحده:
- أيوا يا ياسر عشان دينا، وعشان بحبها ولو انت حاولت تقرب منها هانسى إنك صاحبي.
بتر آخر كلماته وخرج وتركه محله، سرعان ما ارتسمت ابتسامة ماكرة على ثغر ياسر وهو يردد:
- وأخيراً.
¤¤•¤¤•¤¤•¤•¤¤•¤•¤¤•
بعد غياب يومين،،
دلف أدهم غرفة شذا ليجدها تجلس على الفراش تنظر أمامها بشرود.
تنهد تنهيدة طويلة وأردف فجأة:
- حريتك بين إيدك.
نظرت له سريعاً لتسمعه يردد:
- أنا فعلاً كنت زي ما قولتي، بس فوقت أخيراً.
أكمل بمرارة:
- كان صعب أوي، صدمتي فيهم ماكنتش سهلة، صدمة نسلت روحي.
ردت بألم:
- أنا عشت طول عمري في الصدمة دي.. بتألم وبتوجع على أمي والشخص اللي ياريت كان أبويا بجد مش مجرد جوز أمي.
اقترب منها وجلس أمامها، وأردف:
- تعالي ننسيهم وننسى هما عملوا فينا إيه ونبدأ من جديد، كأنهم مش موجودين في حياتنا.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وأردفت:
- صعب.. حاولت كتير، صدقيني صعب!
رد بأمل:
- هانحاول تاني وتالت وهانقدر صدقيني.
نظرت له تستشف النظرات الصادقة المملوءة بالأمل في عينيه، لتبتسم بهدوء مرددة:
- هاحاول.
ابتسم هو الآخر، وأردف بجدية:
- تتجوزيني؟
¤¤•¤¤•¤¤•¤¤•¤¤•¤•¤¤
- غبية، غبية يا سرين.. أنتِ لسه بتعاتبيه.. بتعاتبيه على إيه، على خوفه ولا إيه بالظبط.. أنتِ أصلاً معرفتيهوش اشتغلتي معاه شهور يا غبية وماعرفتيهوش.
أردفت سرين هذه الكلمات الغاضبة لنفسها وهي تقود السيارة.
لاحظت هذه السيارة التي تسير خلفها منذ فترة.
فتوجهت ناحية اليمين لتجدها خلفها، لفت مرة أخرى لجهة اليسار لتجدها كما هي تسير خلفها.
لتتأكد حينها أن هذه السيارة ليست عادية وأنما تتبعها لهدف ما.
وبالتأكيد سؤال إجابته واضحة كوضوح الشمس.
فالـ "بوص" لا يريد سوى حياتها.
¤¤•¤¤•¤¤•¤¤•¤•¤¤•
ظلت متسمرة موضعها فور أن استمعت إلى كلمته.
هل طلب حقاً الزواج منها؟
أردفت بتقطع:
- اا انت قـ قولت إيه؟
أردف مبتسماً:
- تتجوزيني؟
ابتسامة سعيدة شقت وجهها فالشاب الوحيد، من استطاع نول قلبها يطلبها الآن لتكمل معه دربه.
لم تجبه وانما ألقت نفسها بين ذراعيه تضمه بقوة.
بالدلها هو العناق بقلب يرقص طرباً، يعاهد نفسه أمام الله أن يحبها ويعوضها عن أيام الشقاء.
لتغلق الستار عن هذان العاشقان، ليبدآ حياة جديدة مليئة بالحب والتفاهم.
❤¤¤•¤¤•¤¤•¤¤•¤¤•¤¤•¤•¤
ظلت تركض بالسيارة، ولكن لسوء حظها، وشك الوقود على النفاذ.
أخرجت هاتفها واتصلت به دون تردد.. ليجيب هو سريعاً فور أن رأى اسمها ينير هاتفه.
ردت بصوت شبه باكي:
- الحقني يا أمير.
سألها سريعاً بقلق:
- انتِ فين وإيه اللي حصل؟
- أنا في العربية وفي عربية بتجري ورايا والبنزين قرب يـ آآآآآآ.
صرخت بقوة عندما ارتطمت السيارة بالسيارة التي تطاردها.
لتسقط فاقدة وعيها....!!!
¤¤•¤¤•¤¤•¤¤•¤¤•¤¤•¤•
بعد ساعتين،،
فتحت عينيها بتثاقل لتجد نفسها جالسة فوق مقعد خشبي هزيل مربوطة الأيدي والأرجل.
دلف آخر من كانت تتوقعه إلى هذا المكان المهجور ووقف قبالتها.
فقالت بصدمة:
- أنت.
ارتسمت ابتسامة ساخرة على وجهه وهو يجيبها:
- إيه رأيك في المفاجأة دي، أظن محدش فيكم توقع إني أنا البوص.......!!!!
...................!!!!
................................!!!!!
رواية عراك التماسيح الفصل الثلاثون 30 - بقلم منه عماره
ظل يجوب المكان ذهاباً وإياباً يشعر بالنيران تتأجج بداخل صدره تحرقه كلياً.
منذ أن سمع صوت صراخها عبر الهاتف وهو كتلة من النيران تشتعل بقلبه.
دام البحث لساعات قاطعها دخول علاء المفاجئ.
أردف وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة:
- كنان، عرفت مكان سارين فين!
فتحت عيونها بتثاقل لتجد نفسها جالسة فوق مقعد خشبي هزيل مربوطة الأيدي والأرجل.
دلف آخر من كانت تتوقعه إلى هذا المكان المهجور ووقف قبالتها.
فقالت بصدمة:
- أنت!
ارتسمت ابتسامة ساخرة على وجهه وهو يجيبها:
- إيه رأيك في المفاجأة دي، أظن محدش فيكم توقع إني أنا البوص.
شعرت بدلو ماء بارد ينسكب على رأسها وهي ترى "طارق" يقف أمامها يفصح عن هويته وأنه هو البوص.
لم تتوقع بتاتاً أن يكون هو من يبحثون عنه.
ليخرج صوتها متحشرجاً من الصدمة:
- مش معقول.. أنت البوص!
لم يرد ولكنه اكتفى بابتسامة تصل من الأذن إلى الأخرى.
فقالت هي متصنعة الثبات والشجاعة:
- ومش خايف بعد ما عرفت إن انت اللي كنا بندور عليه أقول للوا!
رد بفحيح أظهر رائحة فمه الكريهة:
- دا لو خرجتي من هنا عايشة.
كانت جملته كفيلة بدب الرعب بأوصالها.
ابتلعت ريقها بتوتر.
وبعدها بثوانٍ ولج هذا الشاب إلى الداخل قائلاً بتساؤل:
- هيا دي يا باشا؟
أجابه:
- أيوا هيا.
نظر لها الآخر متفحصاً قائلاً:
- خسارتك في الموت يا مزة.
رمقتهم باحتقار وخوف.
فأردف طارق:
- عجبتك يا حازم؟
رد وهو يتفحصها بنظرات شهوانية جعلتها ترتعش وهي جالسة محلها:
- جداً يا باشا.
- وأنا مش هاستخسرها في أوفى رجالي ودراعي اليمين وهاجوزهالك.
اتسعت مقلتاها بخوف.
فقال حازم:
- جد يا طارق؟
رد طارق:
- جد.
ثم وجه حديثه لرجاله قائلاً بخبث:
- يالا علشان نسيب العرسان مع بعض.
خرج الجميع من المكان بينما اقترب منها الآخر.
تعالى خفقان قلبها واتسعت مقلتاها بزعر قائلة:
- أنت هاتعمل إيه؟ إياك تقرب لي وإلا آآآآ.
نظر هو إلى رباط يديها وساقيها، وأردف بسخرية مقاطعاً إياها:
- وإلا إيه.. هاتعملي إيه يعني؟
نظرت هي إلى نفسها بعجز.
وردد قلبها اسمه بطريقته الخاصة، هذا الذي تكبرت عليه مؤخراً.
وقالت بنفسها مستنجدة به ودمعاتها قد أخذت مجراها على وجهها:
- أنت فين تعالى بسرعة أرجوك..
اقترب منها الآخر مناظراً إياها برغبة جلية على محياه.
وقام بجذبها لتسقط أرضاً بين ذراعيه.
أغمضت عينيها تعتصرها بقوة منتظرة خطوته التالية.
ولكنه لم يقترب منها.
ظلت ثوانٍ هكذا وسرعان ما فتحت أعينها لترأه، من يأسر قلبها.
أعينه جمرتين من نار.
وجهه يصرخ غضباً واحمراراً.
يمسك هذا الحازم من رقبته بقوة يود قتله.
أزرق وجهه الآخر دلالة على اختناقه.
فأردفت هي ببكاء:
- كنان هايموت في إيدك.
أكملت بصراخ:
- ماتضيعش نفسك على واحد زي دا.
أفاق من دوامته السوداوية على صوتها وأيدي العساكر الذي يحاولون تخليص حازم من بين يديه.
ليلقيه إليهم كأنه وباء وهو يزمجر بغضبٍ:
- خدووووه واوعووا يهرب منكم.
وبالفعل أخذه العساكر.
ليهرول لها كنان سريعاً.
حل وثاقها لتلقي نفسها بين أحضانه مرددة ببكاء مرير:
- اتأخرت ليه؟ أنا كنت هاموت.
زاد من ضمها بقوة بين ذراعيه وهو يردد بحب:
- بعد الشر عنك يا حبيبتي.
أكمل بشر وغضب:
- والله لا اخليهم يندموا على اليوم اللي اتولدوا فيه.
ابتلعت ريقها ورددت بنبرة يملؤها الخذلان:
- عرفت مين البوص.
نظر لها بلهفة لتردد:
- طارق.
صعقة قوية تلقاها فور أن أفصحت عن اسم أحد أصدقائه.
نظر لها برهة بتوهان، وأردف بتساؤل ذاهل، مصدوم:
- طـ طارق.. طارق؟
أومأت رأسها بحزن.
ليقول كنان:
- إياس لو عرف هايتصدم.
أغمضت هي عينيها بحزن على أخيها.
فطارق لم يكن مجرد صديق له، بل كان أكثر من أخ.
ساعدها كنان على الوقوف للخروج من هذا المكان.
وبالفعل أمسكت يده بأيدي مرتعشة وتوجهت للخارج وهي متشبثة به.
خرجت لتجد العساكر وعلاء ألقوا القبض على حازم وطارق.
التفتت على صوت أخيها الذي يقترب منها بلهفة.
أمسك وجهها بين يديه وهو يقول بقلق:
- حصلك حاجة؟ أنتِ كويسة؟
أومأت برأسها مرددة:
- أنا كويسة يا حبيبي ماتقلقش.
لمح إياس طارق يقف ويحتجزه العديد من العساكر.
ليعقد حاجبيه بعدم فهم واستعجاب وهو يردد لسرين:
- هو إيه اللي حصل يا سرين؟ هما ماسكين طارق كدا ليه؟
استأنف موجهاً حديثه لطارق، بحده:
- عملت إيه يا زفت!
أقتربت سرين من أخيها، واضعة يدها على كتفه ورددت بحذر:
- إياس..
نظر لها بإستفهام.
لتكمل بنفس النبرة:
- طارق.. هو آآ البوص.
تيبس جسد إياس موضعه، شعر بدلو ماء بارد يُسكب على رأسه.
لا يصدق ما تفوهت به أخته للتو.
فكيف لصديقه افتعال كل هذه الجرائم.
صداقة دامت لسنوات، يكتشف لتوه أنها لم تكن سوى خدعة.
اقترب منه وهو لا يزال تحت تأثير الصدمة، وأردف بصوت يحمل من الخذلان:
- ليه... ليه يا صاحبي؟؟؟؟؟!!
كشر طارق عن أنيابه وهو يرد بشراهة:
- ليه؟
نقل أنظاره بينه وبين التمساح وهو يكمل:
- طول عمركم أحسن مني في كل حاجة من وإحنا عيال، أهاليكم بيحبوكم غير أبويا، كان دايماً يقولي شوف أصحابك.. كنان وإياس واحد دكتور والتاني ظابط..
نظر إلى سرين ليكمل:
- دا حتى البنت اللي حبيتها بجد.
وجه أنظاره التي التمساح مردداً بشراسة:
- حبيتك أنت.. واختارتك أنت.. وفضلتك أنت.
نظر إليها موجهاً حديثه لها، وأكمل بشراهة:
- من ساعتها وأنا كرهتك أضعاف حبي.
حلفت لأكسرك زي ما كسرتي قلبي وأكسر قلبه معاكي.
دا غير طبعاً شغلكم اللي هاتخسروه.
أكمل لإياس بسخرية:
- دورك أنت بقى يا صديقي يا حبيبي.. أنا اللي ألفت قصة حازم وبغبائك صدقت وروحت خطفت شاهي وخبيتها في شقتك وكنت بتضربها وبتأذيها علشان ما تهربش وحازم يعرف يوصلها ويأذيها.
أنت بتحبها من وهي عيلة بطفاير، وأنا كنت عارف دا.
بس عرفت إزاي تكرهها فيك بغبائك ووفرت عليا مشوار كبير.. يااااا غـــبـــي..
وأقولك كمان.. أنا اللي خطفتها وخلت حازم يهددها لو ماكلمتكش وقالتلك تطلقها وإنها بتكرهك هايموتها ويموتك.
كانوا يقفوا جميعاً بصدمة جلية على وجوههم.
طارق، صديق العائلة من أحبوه من قلوبهم.. يتضح أنه بهذه الندالة والخسة.
آآآآه يكاد إياس يقسم بأنه يستمع الآن إلى تأوهات قلبه الحادة.
اقتربت منه سرين بخطوات هادئة ورددت بتساؤل:
- إزاي أنت البوص؟ والبوص دا راجل كبير في السن من ساعة ما بابا هو اللي كان بيحقق في القضية.
رد بلا مبالاة:
- عادي.. أنا بس بكمل مسيرة أبويا وعمي.
أقترب منه إياس واردف بنبرة عدائية وهو يلكمه ويقبض عليه من تلابيب ثيابه:
- ورحمة أمي ما أنا سايبك يا *** *** *****.
وبصعوبة شديدة استطاعوا جميعاً تخليص طارق من بين يدي هذا الليث الهائج المجروح.......!!!
توجهوا جميعاً صوب القوات الخاصة لإنهاء هذه القضية التي استنزفت من قواهم وقدرتهم.
دَلفت مكتبها لتجد علاء يجلس بانتظارها.
هرولت إليه بلهفة متسائلة:
- ها يا علاء عملت إيه؟
أجابها:
- ما تقلقيش، جبتلك كل المعلومات اللي أنتِ عاوزاها.
سألته بلهفة:
- أهم حاجة نتايج تحاليل الـDNA.
نظر لها برهة ليجيبها:
- غير متطابقة.. سادين فعلاً ماتت.
تأخذ نفس عميق وهي تتذكر ما حدث معها منذ ساعات.
Flash Back
صعدت سيارتها وبدأت عباراتها بالأنسياب مع بداية قيادتها.
نظرت أمامها برهة ليبدأ عقلها بالذهاب إلى البعيد.
انتفضت من جلستها كمن لسعته عقرب وسرعان ما أمسكت هاتفها متصلة بعلاء.
جاءها صوته لترد عليه مطالبة بلقائه.
وبالفعل التقى بأحد المطاعم.
لتردد سريعاً:
- علاء عاوزاك تسمعني كويس وتنفذ اللي هأقولك عليه بالحرف.
عقد ما بين حاجبيه وأردف بقلق:
- خير!
ردت:
- بابا قالي إن ليا أخت توأم اتقتلت من زمان مع أمي بسبب تحقيقه في القضية دي.
رد بتفكير:
- وبعدين.....!!!
أردفت بجدية بحتة:
- أنا شاكة أن مليكة تكون أختي.
اتسعت مقلتاه بصدمة، وأردف ذاهلاً:
- أختك إزاي يعني؟؟!
أغمضت عينيها مستاءة منه، وأردفت:
- يا ابني افهم أنت بنفسك مش لما شفتها افتكرتها أنا.
أجابها:
- حصل.
أردفت بتفكير:
- طب تفسر إيه اختفاء لطفي بعد موت ماما وسادين بأيام.. وراجع دلوقتي ليه؟
اتسعت مقلتاه فور أن توصل إلى تفكيرها الثعلبي، وأردف بصدمة:
- أنتِ قصدك تقولي إن مليكة دي ممكن تكون سادين أختك، ولطفي واحد من رجالة البوص.
رد:
- دا لو ماكنش البوص نفسه.
هز رأسه نفياً، دلالة على اعتراضه وهو يقول:
- لا يا سرين ما أعتقدش، طيب لو هو فعلاً زي ما بتقولي إيه اللي رجعه؟ وجايبها معاه ليه؟ يعني عاوز يثبت إيه؟
هزت رأسها بحيرة، وقالت:
- أنا مش هحير نفسي كتير.
أنهت كلماتها، وبعدها أخرجت منديل قماشياً.
فتحت ليظهر به عدة خصلات شقراء فأعطتها له.
عقد هو ما بين حاجبيه بعدم فهم وهو يتساءل:
- إيه دا يا سرين؟
أجابته:
- دول خصلتين من شعر مليكة.
رفع حاجبه الأيسر دلالة على استغرابه، ليسألها باستعجاب:
- أنتِ جبتي الخصلتين دول إزاي؟
ردت:
- من مشطها، المهم.
قامت بإمساك طرفي خصلتي من شعرها، وشدتهم بعنف.
فكانت النتيجة، انقطاعهم وأنفصالهم عن باقي خصلاتها.
مدت يدها بهم له وأردفت:
- ودول من شعري.. روح المعمل دلوقتي.. واعمل DNA عشان نتأكد.
تساءل:
- ولو طلعت أختك يا سرين؟
نظرت له برهة وأردفت بعدها:
- يبقى لطفي ليه علاقة بالبوص.. وشكوكى كانت في محلها.
Back
أفاقت من شرودها على صوته مردداً بقلق:
- روحتي فين؟
ردت:
- معاك.
استأنفت باستغراب:
- أنا بس عاوزة أفهم.. أدام هيا مش أختي، إزاي شبهي كدا؟
أخذ هو نفساً عميقاً وأردف:
- من أربع سنين تقريباً، مليكة عملت حادثة بالعربية.. أزاز العربية كله اتكسر وطار عليها وعلى وشها.. فـ .... تقريباً كدا اتشوّهت.
شهقت بصدمة وهي تسمعه.
ليكمل:
- فـ اضطروا يلجأوا لعمليات التجميل المستمرة، ولأن فيها شبه كبير منك وخصوصاً عينيها طلعت نسخة طبق الأصل عنك.. سبحان الله حكاية يتعجب لها العجب.
ظلت تنظر له ولم تتحدث بكلمة، بينما شرد عقلها بالبعيد.
ومن جهة أخرى تم القبض على كل من جيسيكا وسمير بواسطة التمساح.
لتنتهي هذه السلسلة الإجرامية أخيراً.
ويسقط جميع التماسيح تحت أنياب تمساح واحد فقط.
لا يعلم لماذا قال لصديقه هذا.
ولكن ما يعلمه أنه يعتبرها ملكية خاصة به.
فلم يتحمل ولو ثانية كلمات صديقه التي تعبر عن رغبته بها.
يشعر بشعور جديد يتولد بداخله.
شعور يخاف منه ويهابه.
فهو لا يريد الدخول بعلاقة جديدة ومع امرأة أخرى.
فهم بالنسبة له يتلخصون بكلمة واحدة ألا وهي "الخيانة".
تناقض شديد بينه وبين نفسه.
فهو يُريدها ولا يُريدها.
يحبها ولا يحبها.
ولكن... مهلاً لحظة، فهو قد اعترف بداخله الآن أنه يحبها حتى ولو كان متردداً.
دار حوار بين عقله وقلبه.
ليستمع لصوت عقله يردد بقسوة:
- إيه يا علي ما حرمتش من مرة، عاوز تتلدغ تاني من جنس حوا.
ليرد قلبه بهدوء:
- جنس حوا كله مش زي بعضه، ما في رجالة كتير خاينين، ومع ذلك مش كل الرجالة زي بعضها.. ودينا مختلفة.
ليرد عقله بصرامة:
- أنت تخرس.. يا كلب يا جزمة ياللي مودينا في داهية.. جنس حوا كله زي بعضه، تعابين وثعالب!!
ليردد قلبه له بصياح:
- لأ أنت غلطان مش كلهم زي بعض، حوا اتخلقت لآدم.. مش علشان واحدة وحشة يبقى الكل وحش.
العقل بغضب:
- هاتندم.
القلب بتزمر:
- ماشي أنا عاوز أندم، ابعد أنت عني.. دينا مش زي رانيا.. دينا مش رانيا.
هب على من جلسته سريعاً وهو يردد مستمعاً لكلمات قلبه:
- دينا مش رانيا.. دينا مش رانيا.
توجه صوب مكتبها، ليقتحمه فجأة.
فزعت هي عندما وجدت من يقتحم مكتبها بدون إذن.
استشاطت غضباً عندما وجدت هو من دلف بهذه الطريقة الوقحة، فصرخت بوجهه بغضب:
- مش تستأذن يا بني آدم، حد يدخل كدا!
أردف فجأة، ليصدمها، جاعلاً إياها تبتلع لسانها:
- تتجوزيني؟؟؟؟!!!!.......