تحميل رواية «عقاب ابن الباديه» PDF
بقلم ريناد يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عادت معه وهي مرغمة على ترك روحها وفلذة كبدها في الصحراء، تذرف دماء روحها عليه وهي تحاول تقبل فكرة أنها لن تراه بعد اليوم، وأنها نفت قطعة منها بيديها وبكامل إرادة عقلها، ولم تخضع لقلبها الذي جادلها بإستماتة حتى يثنيها عن قرارها هذا ويجعلها تقف في وجه الخوف معترضة. ولكن للأسف خوفها من فقدان دائم جعلها تتقبل فكرة الفقد المؤقت، وأن عزاءها الوحيد أنه حي يرزق، حي يتنفس، حي بقلب ينبض. نظر إليها محمود زوجها بشفقة واردف: - مش كفاية عياط يا عايدة بقالك ساعات عيونك ما أخدوش هدنة، كفاية يا حبيبي عشان عنيكي،...
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم ريناد يوسف
غادر سالم المجلس وتبعه كل من عقاب ورابح.
ركب حصانه وشرد به وتبعه الاثنان.
ابتعد كثيراً ثم وقف في الخلاء يصرخ بقهر وكأنه ذبيح يحتضر.
هل سيخسرها بهذه البساطة؟ هل سيقترن اسمها بغيره ولا حق له فيها بعد الآن؟ هل تربت على يديه ليأخذها غيره؟
تماماً كمن أعد وجبة طعام لنفسه واستدار فوجد غيره التهمها!
اقتربا منه وأنزلوه من فوق حصانه بالقوة.
تخشب جسده وهو يقاومهم، ولكن في النهاية تمت السيطرة عليه.
تعجب آدم لحاله وقهره، وهو من كان يعرضها عليه قبل ساعات بنفس راضية!
أكان يكتم كل هذا الألم من أجلها؟ وكان سيمضي بقية عمره يكتم ألمه إن تزوجها ورضخ لتوسلاته؟
رابح: خلاص ياسالم طير وشرد منك. ماتزعل عليه. لو كان لك فيه نصيب كان عشش باحظانك وما ضرب بجناحه وطار.
سالم: بس هاد طيري يارابح، طيري ومربيه بيدي. أنا اللي علمتها الطيران. ليش لما تعرف تطير تهروب مني؟ ليش وأنا اللي كنت أشيلها على كتافي من خوفي على رجولها من سخونة الرمال؟ أنا اللي كنت أشربها وأوكلها بيدي وجبتلها كل اللي طالته يدي. نبتت مني وعطيتها من رووحي وأني اللي كنت مستعد أعطيها الروووح والعمر. ليش ماحبتني يارابح؟ ليش تتركني وتدور المحبه من غيري؟ بيش أنا قصرت؟ بيش؟
آدم: ياسالم أنت ماتعرف وين مربط الفرس. أنت مشكلتك مو أنك قصرت، فلا ترمي اللوم على قلة التقصير. أنت مشكلتك أنك عطييييت وما قصرت. عطيت بلا حدود، عطيت بلا إحتياج، عطيت واااجد وزايد لمن ملت رجوه من عطيتك. دوم الشي المتاح بكميات كبيرة يشبع النفس. وأنت شبعتها محبه ودلال لما نفسها جذعت منك. كل مطلوب مرغوب وأنت ما عطيتها فرصه تحتاج شي منك ولا تتمناه. دوم تحن وتداري وتدادي وتدلل وتعطي وتعطي وتعطي.. إيش تحتاجه منك رجوه بعد كل اللي خدته؟ أيش تتمناه وأنت قبل ماتتمنى تلبي؟
سالم: ياناس أحبها. أحبها. أنتم ليش ماتفهمون؟
آدم: وإذا تحبها ياسالم؟ الحب ما يذل ما يكسر. ماننساق بسببه متل البهايم ونروح شمال ويمين حسب هوى المحبوب. الحب عزه وكرامه. وإذا الحبيب ما حافظ على كرامة حبيبه خساره فيه الحب.
رابح: قول لسالم شي. أنت حبيت وتحس بيا. إذا أخذوا منك معزوزه كنت راح تتحمل؟ كنت راح تسكت؟ تكلم يارابح وفهمه هاد ما حب ولا يفهم.
رابح: لا حبيت ياسالم. بس الحب بيختلف من شخص لشخص. بيختلف من شخصية لشخصية. أنا لما اتأكدت أن حبي رح يأذيني ويأذي غيري تخليت عنه ودست على قلبي.
سالم: ماتقارن حبك بحبي. ماتقارن حب شهور بعشق سنين. ماتحط هي قبال هي لأنهم ما يتساوون. أبداً ما يتساوون.
رابح: ياسالم أنا أحس بيك وأفهمك. بس ياخوي عوف اللي عافك. تخلى وتحمل الوجع شوي. اتقوى على وجعك بمرتك بشغلك وصدقني مع الوقت بتنساها.
سالم: (همس بوجع وقد تهدلت أكتافه) شلون أعوف؟ شلون؟ وهي معجونه فيا ومقترنه بعروقي وتنضخ مع الدم لقلبي. كيف أعوف اللي ضميتها برووحي؟ أنتم تطلبون من أب يعوف بنته، ومن أخ يعوف أخته، ومن إبن يعوف أمه. رجوه عندي كل هادول. ارحموا قلبي شوي. أنتم ماتحسون. والللله ماتحسون.
آدم: أييي بس هي باعت وتخلت وعافت. اصحى ياسالم وشوف الصورة زين. أنت داخل الإطار لهيك ماتشوف. أخرج وابتعد وراح تعرف أنك كنت بالمكان الغلط ومع الشخص الغلط.
سالم: نفسي. والله نفسي وأتمنى بس ما أقدر. كيف أسويها؟ دلني. خد بقلبي وعرفني الطريق. ساعدوني متل ما دوم تساعدوني. أنا أخوووكم.
قالها ثم خر راكعاً وتراقصت الدموع في عينه.
آدم: (فهمس له وقد صك على أسنانه غضباً) دير بالك إذا نزلت دمعاتك على مره لا أنت خوي ولا أعرفك. لا مجلس يضمنا ولا طريق تجمعنا. أنا ما أرافق ضعاف. ياسالم فهمت.
قالها وقفز على حصانه وغادر المكان مسرعاً. غادر قبل أن يضرب سالم الذي لم يتوقع أنه ضعيف لهذا الحد، وخاصة تجاه من باعته وفضلت عليه غيره. هو يعلم أن الحب موجع، ولكنه يرى الذل أكثر وجعاً. يعذره ويشفق عليه وبنفس الوقت يريد انتشاله من كل هذا المستنقع والخروج به لبر. ولا يعلم كيف.
توقف بالحصان أخيراً، على مسافة من القبيلة ونزل من فوقه. جلس فوق حجر كبير وأخذ يتفقد المكان من حوله بضجر ويشعر أن كل شيء لم يعد كما كان. ثم أخرج هاتفه وبعد تردد ضغط على إحدى الأرقام. وفور أن فتح الخط تنهد وقال:
ليش الله خلق الحب؟ إيش فيه ميزة؟ والله إني أشوفه كله عيوب. وانخلق لجل يذل ويوجع ويكسر ويعذب.
أجابته بصوتها الحنون: مش في كل الحالات. أحياناً بيطمن ويداوي ويطيب ويعوض ويسعد. الحب بيتلون على حسب القلوب وعلى حسب ظروف أصحابه يا آدم. الحب زي أي حاجة في الدنيا بيحكمه الظروف.
تنهد ثم رد عليها هامساً: أي والله. هي الظروف اللي تتحكم بكل شي.
صمت قليلاً ورآها هي الأخرى صمتت فأردف: إشتقتلك واجد يا حياة واااجد.
حياة: إحنا مش اتفقنا يا آدم؟ واخدنا قرارنا. بترجع ليه فيه دلوقتي؟
آدم: أنا ما رجعت بشي. وأنا عند كلامي. بس هاد ما يمنع أني اشتقت. أنت ما اشتقتي؟
حياة: وليه نبوح بالشوق مادام الوضع مش هيتغير؟ أرجوك يا آدم، عايزين نساعد بعض على النسيان.
آدم: نسيان؟ نسيان يا حياة؟
حياة: طيب على التظاهر بالنسيان يا آدم لو المسميات هتفرق معاك.
آدم: إيش فيك؟ كلامك فيه مرارة.
حياة: لا أبداً. أنت اللي متضايق وشكل فيه حاجة تاعباك ومأثرة عليك. أنفاسك وكلامك ونبرة صوتك كله بيقول كده.
آدم: ااااخ يا حياة. والله تحسين بي برغم بُعد المسافات. أقول يا حياة...
حياة: لا أنا اللي هقول يا آدم، اسمح لي. أنا وبنقل أوراقي للجامعة هنا جنبنا. واحد جيران عمتي شافني وأعجب بيا وطلب إيدي. وأنا بفكر جدياً في الموضوع.
استقام في جلسته وتجهم وجهه، وشعر بألم في يسار صدره. وبعد مدة من الصمت أردف: حياة لا تتعجلين. لا تأخذي قرارات وأنت تحت تأثير أي مشاعر سلبية. تأني وشوفي قلبك إيش يقولك.
حياة: آدم أنا بعرف أفصل كل حاجة عن بعضها. وبعدين قلبي ما عادش له رأي في القرار ده. حالياً عقلي بس هو المسئول. القلب اتقفل على سكانه وانتهى الأمر.
آدم: حياة.
حياة: نعم يا آدم.
آدم: ديري بالك على حالك. وحطي ببالك إن لولا الظروف ما تركتك. ولو على جثتي.
حياة: عارفة يا آدم ومش محملاك أي ذنب ولا بعتب عليك في أي حاجة. وأنت خلي بالك من نفسك عشان خاطري. أوعا توجع قلبي عليك فيوم من الأيام. خليك فاكر إن فيه حد لو أنت اتألمت هو هيتألم قصادك أضعاف.
آدم: الله يبعد عنك الألم والوجع يا أجمل شي مر علي بحياتي. استودعتك الله الذي لا تضيع ودائعه.
انتهت المكالمة التي جعلت آدم يهدأ قليلاً من ناحية سالم. فقد اختبر إنه لأمر مؤلم للغاية أن تعرف بأن حبيبك على وشك الضياع منك للأبد. ولكن الاختلاف هنا بأن الأمر تم بغاية الهدوء. ولم يأخذ من آدم نفس ردة الفعل. وحياة أيضاً كانت مستسلمة للغاية وهادئة هدوء المغلوب على أمره. لم تختلق المشكلات أو تلجأ لحلول شبه مستحيلة للحصول على حبها مثل قليلة العقل رجوه.
وقف وركب حصانه وعاد للقبيلة. وهناك وجد معزوزه على مشارفها تنتظر. عرف من ملامحها بأن الأمر يخص رجوه. وأن الخبر نزل عليها كالصاعقة دمرها.
وقف قبالتها وسألها: إيش فيك يا معزوزه؟ ليش واقفة هالوقفة؟
معزوزه: عقاب انجدني. رجوه غمضت عيونها وماتنطق ولا تحس. متل ما تكون غادرت الدنيا وما باقي منها غير جسدها.
عقاب: ربنا يسمع من خشمك وتكون غادرت. وجسدها ماهو مشكلة. نوارو عليه الرمل ونرتاحو.
معزوزه: حيييه عليا وعليها. ليش كل اللي أجيب له سيرتها ما يدعيها إلا بالموت؟ حرام عليكم والله حرام.
عقاب: ليش حرام؟ الموت راحة ونحن نريدوها ترتاح. ردي لخيمتك واتركي بلوة الحين بتطيب لحالها. شيعي على خطيبها صياح يجلس جوارها شوي وهي بتتحسن.
معزوزه: (ردت عليه بغضب) هو بالأصل صياح هاد سبب كل المشاكل. الله لا يوفقه. هي سمعت اسمه وانه رهنها من هين، وطبت ساكته من هين.
عقاب: هاي طبة الفرحة. طلعيها من بالك يا معزوزه واشقي بروحك. رجوه متل القرود ما يصير عليها شي.
أنهى آخر كلماته وهو يتحرك مبتعداً، ولم يبد أي اهتمام برجوة أو تعبها. فوقفت معزوزه تراقبه متعجبة وهي تقارن بينه وبين سالم في نفس الموقف. فلو سالم لكان جن جنونه عليها. أما هذا فمضى وكأنها شيئ ليس له أية قيمة! وسخطت على رجوة التي تركت ذاك من أجل هذا!
عادت إلى الخيمة، فوجدت رجوه على حالها، غائبة عن الدنيا ولكنها تتنفس. ظلت تحاول معها هي ومايزه وكل من علم بأمرها. وبعد الكثير من المحاولات بدأت تسترد وعيها. تلفتت حولها بوهن وأردفت حين وقعت عيناها على معزوزه: ليش يا معزوزه ليش؟ ليش يعملوا فيا هيك؟ أنا بيش أذيتهم؟ بيش أذيت أبوي؟ يعني مالقوا إلا صياح ويزوجوني ليه؟ صياح اللي دون عيال القبيلة ما كنت أطيقه. صياح ياناس؟ ومن اللي قال أني أريد أتزوج من الأساس؟ يابه أنا خلاص ما عاوزه أتزوج ولا شي. قولي لأبوي لا صياح ولا غيره. رجوه ما تريد زواج. الله لا يوفقك ياسالم لو ما أنت بحياتي ما كان جرالي كل هاد.
معزوزه: وايش ذنبه سالم يا رجوه؟ يعني فوق ما قدملك كل شي هي تكون جزاته؟
رجوه: قدملي الحنظل اللي راح يعيش طعم مراره بحلقي لاخر العمر. يعني إذا ما أخذ مني حق اللي قدمهولي يرميني للكلاب ولا يهتم؟ وين محبته ووين حنانه علي؟ ولا كله كان لجل يطالني وإذا ما طال يروح كل شي!
مايزه: هدي يا رجوه وارضي بنصيبك وعيشي الحياة اللي انفرضت عليكي متلك متل غيرك. كافي كثر التمرد ما رح يجيبلك غير وجيعة وتعب أكثر. انسي كل شي مضى وعوفي عنادك وعيشي متلك متل بنات القبيلة. لا لهم رأي بزواج ولا نهوه. والوحدة تروح خيمة زوجها من خشم مصكر.
رجوه: الله ياخده زوجي وياخد خيمته إذا راح يكون صياح. والله والله إذا زوجوني ليه لأخلي أيامه سود بلون غرابيب الصحارى وأندمه على اليوم اللي فكر فيه ياخذني. والله لأصلبه بليلة غبره على جزع نخله وأخلي الذيابه تنهش بلحمه حي.
مايزه: ششش أكتمي أكتمي. أم صياح خارج الخيمة وكل نساء القبيلة. ماتبدئيها بعداوات. هاد راح يصير راجلك وابو عيالك.
رجوه: لا تجننيني بكلامك هاد. مين اللي يصير راجلي وابو عيالي؟ الله لا يرزقني بعيال إذا هو أبوهم. وأمه إذا بره خليها تجيني. قوليلها رجوه تريدك وأنا أفرجك العداوات كيف بتكون.
أم صياح: (صوت نسائي يقول) أنا أمامك يارجوه. هااا إيش راح تسوي يعني قوليلي.
رجوه: أنتِ من خشم ساكت تروحي تقولي لصياح ولدك نهايتك على يد رجوه بتكون إذا تميت زواجك منها.
أم صياح: أنا ما أقدر أقوله هاد الكلام. وتالي أنا وليدي رجال وما يخاف من حرمة. وإذا تحسبين روحك ذيبة هو أسد. ومن البداية كلنا نعرف أنك فانص وعلى عيبك جيناك. يعني تعملي إيش ماتعملي عذرك معك ومسامحينك أنا وولدي. بس لجل عيون مكاسب أمك وعيون أبوكي قصير.
رجوه: الله يخزق عيونك وعيون مكاسب أمي وعيون أبوي قصير معكم ويعميكم كلكم ماتشوفون طريق ولا تميزون شي.
أم صياح: الله يسامحك يا رجوه. والله فرحتي وفرحة وليدي اليوم ما تخليني أزعل منك لو إيش ماسويتي وإيش ما قلتي.
رجوه: امشي اطلعي بره الخيمة الحين لأقوم أدنك بأرضك. يلا وليي بره.
معزوزه: يارجوه إيش هاد اللي تقولينه؟
رجوه: وانتي يلا ولي معها. ما أريد حد قبال عيني. خذي أم نباح هي واغربوا عن وجهي.
مايزه: يا أم صياح رجوه مريضة وما تعرف إيش تحكي. أقول تتركيها الحين وبس تطيب يبقالكم قعدة وكلام. الأيام جاية. روحي لخيمتك وافرحي مع وليدك.
أم صياح: أعرفها مريضة وتخربط. أنا الحين بمشي وعلى قولتك يا مايزه الأيام جاية. وطوال.
غادرت أم صياح الخيمة وتركت رجوه تتخبط. فهذه العائلة برمتها لا تطيق أحد منهم. وخاصة صياح وأخته خَوله، التي لا تطاق، والجميع ينفر منها.
عادت معزوزه إليها بعد أن أوصلت أم صياح لخارج الخيمة وتبعتها مايزه وغادرت هي الأخرى. وجلست بجوارها وهمت أن تتكلم ولكن رجوه قاطعتها بغضب عارم: معزوزه إذا تحكين شي نقوم نحرق روحي وقبلها نحرق خيام القبيلة كلها باللي فيها وأخليهم رماد. وأذبح أبوك وأخوك ومعهم مكاسب أمك وأريح الدنيا كلها منكم.
معزوزه: هدي هدي. أنا ماراح أحكي شي.
اغمضت رجوه عينيها وعقلها عاجز تماماً عن التفكير أو الاستيعاب. ولا تقوى على مجرد تخيل أن تكون زوجة لصياح وكنة لعائلته. فواست نفسها بأن هذا لن يحدث. وبالتأكيد سالم لن يسمح بذلك أن يحدث. ستلجأ إليه كالعادة ولن يخذلها.
تبسمت فور أن تذكرت سالم وشعرت بأنها في مأمن من كل شيء. لازال هو أمانها من كل شيء وركنها الآمن الذي تلجأ إليه ولا يلفظها.
فأغمضت فهربت من هذا العالم كله وهي تنتظر الذي لا يخيب فيه أملها أبداً.
أما أم صياح فوصلت لخيمتها وسمعت من الداخل صياح واحتفال. دخلت فإذ بهم أولادها وبنتها الوحيدة خوله يقفزون ويغنون. فهدرت بهم: إيش فيكم يا المخابيل؟ ليش مسوين حفل بالخيمة؟
خوله: (اقتربت منها واحتضنتها وهي ترد عليها) يمه فرحانين وااااجد. فرحانين لصياح خونا اللي رهن بت الشيخ وبيتزوجها. أنتِ ماتعرفي هاد إيش معناه يعني؟ هاد معناه أني غدوه أروح للشيخ أقوله زوجني. وهو راح يؤمر زينة شباب القبيلة إنه يرهني. أي ما أنا أخت زوج بته ولزوم عليه يلبي طلباتي. ولا أقول. أنا بنفسي بنقعد أنوازي بين شباب القبيلة وأختار منهم شب وأشاور له عليه وهو يأمره يتزوجني. بس أنا عرفت من بطلبوا من الشيخ قصير. راح نطلب عقاب.
أنهت كلماتها المتلاحقة فدفعتها أمها بعيداً عنها وهي تقول: عقاب؟ لا يا زينة الصبايا. أنا أقول عقاب قليل عليكي. شوفيلك شيخ قبيلة ولا ولد شيخ وشاوري عليه والشيخ قصير يجيبه لك راكع ومذلول.
صياح: (وهنا رد عليها الذي دلف للخيمة بعد أمه) بالله أنتِ ما عمرك نظرتي بمراية يا خوله؟ يعني ما بيوم سألتي حالك ليش ما حدا جايك يطلبك للزواج وحطيتي اللوم علي شكلك؟
خوله: لا نظرت وأعرف قدر نفسي زين. أنا ست صبايا القبيلة كلهم وأجملهم. بس المشكلة ما عندي حظ متلهم. ربنا عطاني كل شي إلا الحظ.
ضحك جميع أشقائها. فهي دوماً تتحدث بجدية حول جمالها. ومقتنعة تماماً أنها مميزة وفريدة من نوعها، وجميلة ولكن حظها هو ما يعيق زواجها. فهدرت بهم: ليش تضحكون يا صخول البوادي؟ ماتعرفون قيمة اختكم انتوا؟ أنا ما عارفة كيف انتوا أخواتي ومن أم وأب واحد. لو ما أعرف أمي كنت قلت خطفتني من بيت ملك وأنا صغيرة وجابتني ربتني وسطكم لنها ماتجيب بنات.
رحال: يمه أبوس يدج إذا جد خطفتيها رجعيها للملك أبوها. كافي علينا هالقدر وخلي هو يتحمل الباقي. أرجوك التاج والمملكة والأمير بإنتظارها. وديها وديها.
صياح: صكروا خشمكم واسكتوا شوي. راسي يوجعني. حوله سويلي قهوة.
خوله: قلت حوله ماني مسوية شي.
صياح: روحي يا خوله سوي لي ولا أخوكي قهوة، وخدي هادول الصخول معك. ولا تعاودون للخيمة الحين. أريد أرتاح.
خوله: أنا بسوي القهوة وأروح يم رجوه شوي أقعد معاها وأشوف إيش عندها بخيمتها ينوكل أو ينلبس. الحين صارت مرت خوي واللي بخيمتها حقي.
صياح: اقعدي راحة. لو رحتي يم رجوه الحين بتاكلك عظم ولحم ومانلاقي فيكي شي.
خوله: ليش انكلبت؟
الأم: والله يمه انكلبت وصارت مسعورة تاكل ناس.
صياح: لا وانتوا الصادقات. مو انكلبت، انغصبت.
نظرت الأم لخوله بعد أن غادر أشقائها الخيمة وقالت لها: يلا يا خوله روحي عالقهوة سويها.
خوله: أعرف تريدون تطلعوني لتحكون أسرار. بس أحب أقولكم أني أدري كل شي والكل يدري. رجوه تحب عقاب. حالها حال كل بنات القبيلة. وسالم يحبها والكل يدري. ولما سالم فك النهوة وعقاب خوه مارضي بيها. أبوها عطاها لك لجل ما بَقت تسوى بين بنات القبايل شي. متعافية ومرفوضة. وأنت إذا بيك خير ما كنت رضيت تاخدها. بس أعرفك واخدها لجل س...
وقبل أن تكمل الكلمة، قفز صياح ووضع يده على فمها يمنعها من المواصلة. وقام بدفعها للخارج وهو يقول لها: صكري خشمك واغربي ولا عاد تحكي هالحكي قدام أي حد من الحين. ولا حتى مع حالك. فهمتي.
أومأت له برأسها فأطلق سراحها وغادرت على الفور. وعاد هو لأمه وجلس بجوارها فقالت له: ياصياح، والله بت مكاسب شديدة وما راح تقدر تحكمها. إذا أبوها ما قدر ولا حتى الشيخ منصور الله يرد غيبته وقت كان موجود. ولا الشيخة عوالي. وربيت بين الوديان على ظهور الخيل ووسط الشباب. كيف فيك تحكمها أنت؟
صياح: تجي بس على خيمتي وأنا أنوريك كيف الرجال تحكم. المهم الحين اتركينا من رجوه أمرها سهل وهين. بس أنا الحين أنريدك تتجنبيها وتنبهي على خوله تتجنبها. ما أريد تاخد علينا حجة. أريدكم تحايلونها. وأريد منك تهاديها دوم حتى تحس أنها ما جايه لخيمة جياع. وإذا عالقروش خدي من قروشي اللي عندك. اصرفي ولا تهممي والعوض جاي.
تنهدت أمه وصمتت. فسألها: إيش فيك يا أم صياح؟ ليش التناهيد؟ اللي يشوفك يقول ما تعرفي البذرة ومن زرعها وما مفهمك شي؟!
الأم: تريد الحق. أخشي عليك منها يا ولدي وأخشى على روحي بعد. أنت ماشفتها قبل شوي وشفت كيف كانت مكلوبة.
صياح: لا ما تخشي علي ولا على روحك. بعد الزواج إذا فتحت فمها بسففها رمل الصحرا كلو. بس خلي كل شي بأوانه.
صمت الإثنان وهم يسمعون صوت خوله من الخارج: انتي وياها ليش مارات بجوار خيمتنا؟ مافي طريق تاني؟ يعني أنا أروح أنمر من أمام خيامكم وأتسمع على اللي ينقال فيها؟
خوله: يا خوله وين أتسمعنا؟ نحن فايتات نعاود المعيز الشاردات؟
الأم: والله ما في معيز شاردات غيركن. تدرون إذا شفت وحدة قريبة من الخيمة لأكسر رجولها وسنونها. هيا يا فانصات اغربن.
دخلت الخيمة وإذ بأمها تصيح بها: الله لا يوفقك صايرة متل كلب مسعور قاطع طريق. محرمة أهل القبيلة يقربوا علينا وخلّيتي الكل يكرهنا وحتى بالمجالس الناس تنفر منا.
خوله: يولون، مانريد حد ولا نريد محبة حد. خذوا القهوة خلي أنروح لرجوه حبيبتي.
صياح: خوله وقفي. أقول حبيبتي لا تروحين لرجوه الحين وخليكي بعيدة بهالفترة. مانريد البنت تتضايق منا من البداية وتحكي علينا حكي مو زين. بس تيجي لخيمتي وتصير مرتي شيلي منها اللي تطيب عليه نفسك. خذي كل ملابسها وزينتها ونعالها بعد. خليها تمشي حافية الأقدام بس مو الحين.
استدارت خوله وتحركت نحو الخارج، فسألها صياح: على وين يا خوله؟
خوله: رايحة على خيمة رجوه حبيبتي.
قالتها وغادرت الخيمة ولم ترد على نداءات أخيها المتكررة. ولما تأكد أنها ابتعدت نظر لأمه وقال لها بغضب: عاجبك اللي تسويه بتك؟ احكي معاها ماترد علي؟
الأم: أختك وتعرفها. عقلها من زماااان ركب ناقة وشرخ ما عاود. وما تسمع حكي. عوفها هي ورجوه ند بعضهن. فخار يكسر بعضه. وكمان لجل ياخذون على بعض من الحين والفانص تعتاد المهبولة.
صمت صياح وحمل كوب شايه وبدأ يرتشف منه وقد تعلقت عيناه على نقطة ثابتة وسرح بخياله وترك أمه تحدثه وهو غائب بعقله عنها وكأنها تتحدث مع نفسها.
صياح: رجوه يابدويه، ارفقي بي يابدويه يالعنوده الغشمريه، يالجميلة اليوسفيه، ارفقي بي يابدويه، ارفقي بصياح خوي يابدويه يابدويه.
كانت هذه خوله أمام خيمة رجوه تصفق وتغني بصوتها العالي قبل أن تدخل الخيمة دون استئذان وتقف فوق رأس رجوه وتكمل الأغنية والتصفيق وبدأت في الرقص أيضاً. وهي تقول:
ودي يارجوه جلابيه وودي نعالين وصوفيه. وكم قنعه وبرقع مشغول بقروش ذهبية. يا بت الشيخ يا بدويه. افتحي صندوقك إليا. أنا اخت زوجك وكل الحق ليا.
اعتدلت رجوه وهي تنظر لها بغرابة. وقبل أن تنتهي خوله من وصلتها الغنائية قفزت عليها رجوه ولفت غطاء رأسها حول رقبتها وأخذت تخنقها. فصرخت خوله مستنجدة: حييييه عليا انجدووووني رجوه تريد تموتني. واااااك اعليكي يا بت مكاسب وااااااااااااك.
وعلى صياحها تجمعت النساء ودخلن الخيمة، وبالكاد استطاعوا تخليص خوله من يدها، وأخرجوها من الخيمة. أما رجوه فلم تكف عن السب والصراخ على صياح وأخته وكل القبيلة. حتى وصل صياحها لخيمة الشيخة عوالي، فغادرت خيمتها متوجهة لخيمة رجوه. وقبل أن تصل الخيمة وقفت بجانب الموقد. أخذت منه بعض الجمرات في وعاء حديدي، وسكين كانت بجانبه ودستها وسط الجمر وأمرت مايزه أن تحمله وتتبعها.
دخلت على رجوه الخيمة بعد أن أمرت النساء بالانصراف وإخلاء الخيمة. واشارت لمايزه بالاقتراب. كل هذا ورجوه لم تصمت، بل ازدادت في الشتائم. فأمسكتها عوالي من ضفيرتها وهمست بجانب أذنها: أشوف أنك مارح تسكتين إلا بطريقة من اثنين يا بت مكاسب. يابقطع لسانك أو بالموت. وأنا هي بيدي وهي بيدي وأنت تختارين أي طريقة تحبي.
رجوه: إذا راح تحكمون علي أتزوج نباح وأرموني رمية الكلاب وتريدون أسكت؟ أقول موتيني أحسن يا عمة. موتيني لأن اللي تريدونه مارح يجرا إلا على جثتي.
عوالي: وأنتِ حكمتي وأنا علي التنفيذ. بس قبل الموت فيه حساب وعقاب لجل تكوني عبرة. مايزه.
أشارت لمايزه بعينيها فاقتربت منها بما تحمله، فأخذت عوالي السكين والتي احمر لونها من شدة السخونة، وقالت لمايزه: قيديها معي يا مايزه هي الفانص.
فأنزلت مايزه الوعاء وقامت بتقييد رجوه التي أخذت بالصراخ فور أن كشفت عوالي إحدى ساقيها. فصرخت معزوزه: لا يا عمتي بربك ماتسويها. رجوه مريضة ماتدري إيش تقول ولا إيش تسوي. ما صاحية لأفعالها يا عمتي.
عوالي: صكري خشمك يا معزوزه وغادري الخيمة. تعالن يا بنات خدوا معزوزه وإذا فلّت منكم ودخلت بكويكم كلكم.
فأمسكوها النساء وأخرجوها. وعادت عوالي تنظر لرجوه بشر. وفوراً وضعت السكين على جلدها فصرخت رجوه صرخة رجت القبيلة بأكملها: سااااااااالم انجدنيييييي.
كان قد عاد مع رابح للتو، وبمجرد أن سمع اسمه بهذه الطريقة منها. نزل من فوق حصانه وجرى بكل سرعته نحو خيمتها. رأى الجميع أمامها. بدأ يفرقهم يريد الدخول. ولكن حين بلغ باب الخيمة وأمسك بطرفه امتدت يد لتمنعه. فنظر وإذ به صياح يطالعه بندية وقال له: وقف ياسالم. من اليوم هي الخيمة بيها شي يخصني. بيها رهينتي ومرتي. وأنا ما أرضي حريمي يدخل عليهم أغراب.
رجوه: (سمعت اسمه فصاحت مرة أخرى) سالم تعااال شوف إيش يسوون فيا. تعال ياسالم ليش تاركني.
ازاح يد صياح ولم يتحمل أن يستمع لصوتها الذي يحمل كل هذا الألم وهي تناجيه ولا يُلبي. فمنعه صياح بكامل جسده هذه المرة حيث وقف أمام باب الخيمة وعقد يديه على صدره. ولم يكن هو الوحيد الذي اعترض على دخول سالم للخيمة. بل هلال انضم إليه ووقف بجانبه وقال لسالم: سالم روح من هون. ومن الحين رجوه ما عادت تربطك بيها صلة. ومهما نادت اسمك لا ترد. عوفها.
نظر للجميع حوله وابتلع غصته. واستدار كي يغادر، وخاصة أن رابح وصل عنده وأمسك ذراعه وجذبه برفق. ولكن صرخة ألم أخرى منها جعلته يفقد صوابه. فهجم عليهم في جزء من الثانية. دفع صياح وضرب هلال ودخل إليها. فوجد السكين على ساقها ودخان الشواء ملئ الخيمة. وعلامتين أخريين غير التي سيتركها السكين. فأمسك السكين من يد عوالي وألقاه بعيداً. وأنزل ملابس رجوه ونظر لعوالي وبغضب قال لها: تكوينهاااا بالناار ياعمتييي؟
عوالي: أي كويتها ياسالم. والحين بأمرهم يحفرولها حفرة وتنوئد مانريدها بينا من هي الساعة. وإنت ولي من هون وما تدخل خيام الحريم بهي الطريقة مرة تانيه. تحشم ياسالم ما عدت صغير. أنت الحين رجال متزوج وتعرف إيش يعني حرمة خيمة. وإذا ما يقبل صياح يدخل على مرتك خيمتها دون استئذان لا تدخل على مرته.
كاد سالم أن يتكلم ولكن قاطعه رابح: عمتي مو بس سالم اللي ما يتحمل برجوه الألم. حتى أنا ما أتحملك تأذيها. رجوه بعيد عن أي شي أختنا وربيناها بأيدنا وما تهون. كل شي بالحِن يا عمتي ومع الوقت يصير اللي تريدونه بس اصبروا عليها. وانتِ يا رجوه من الحين ماتحكين غير نعم وتم وأبشروا. ما في طوله لسان ولا عناد مفهوم.
تجاهلته رجوه فقد كانت تنظر لسالم. نظرات لم يفسرها. احتياج أو عتب أم ماذا؟ وبأي حق تطلب منه حمايتها وهي التي باعت وتخلت. فخرج مع رابح دون أن يتكلم. غادر الخيمة ولكن قلبه رفض المغادرة وظل معها. ابتعد بخطواته وهو غير راضٍ عن تركه لها وحيدة بين يديهم. ولكنه اطمأن قليلاً حين حرر رابح معزوزه من قبضة النساء وهرولت إليها.
ازاح يد رابح القابضة على ذراعه وابتعد عنه. ابتعد كثيراً وجلس بمفرده فوق حجر بعيد. أغمض عينيه فرأى أمامه آثار السكين على ساق رجوه ولحمها المهترئ وشم رائحته مرة أخرى. ضم قبضة يده وهو يتوعد لكل من آذاها. ولكنه تذكر أن يده أصبحت مغلولة من ناحيتها. ولم يعد له سلطة من أي نوع يحميها بها. وهي من وضعت الأغلال بيديه. وبكامل إرادتها. وسجنته خلف أسوار العادات. بعد أن كسر لأجلها كل العادات.
أما آدم، فكان يجلس بعيداً، عند البئر، يراقب ولم يقترب. يعرف أنها زوبعة ولكن ليست بفنجان. إنها زوبعة في قلب رفيقة ولن تنتهي بسهولة. بل إنها زوبعة في القبيلة بأسرها. وتلك الملعونة مدللة سالم هي من افتعلتها. ولو كان أمرها بيده لقبض عليها وألقاها بعيداً عن القبيلة بأسرها. حتى يعود الهدوء والسكينة والاستقرار للجميع.
مرت ساعتين، هدأ فيهم كل شيء. عاد كل إلى خيمته. حتى معزوزه ذهبت مع رابح لخيمتها. وبقيت رجوه في خيمتها هي وأخواتها البنات.
مسك: رجوه أريد أقول شي بس وربك ماتضربيني. أنا أحبك وأريد مصلحتك ويعز عليا حالك.
نظرت رجوه لها ولم تنطق. فتابعت مسك وقد افترضت أن السكوت موافقة: أنتِ خسرتي كثير يا رجوه. خسرتي سالم اللي وقت صرختي ما طلع غير اسمه من جوفك. وما حد قدر يخلصك من يد عمتي عوالي غيره. خسرتي السور اللي كان بينك وبين الأذى وأصبحتِ متل قلعة مكشوفه ما يحاوطها سور. ويقدر يرميها أي رامي بسهام الوجع. ردي لسالم يا رجوه وتزوجيه. هو بس اللي يقدر يرد صياح وأبوكي وعمتك وكل القبيلة عنك. رجوه حطي ببالك، ياسالم يا قهر ماينتهي.
رجوه: عقاب. عقاب وما راح اتنازل. ويا أنا يا هي القبيلة. وإذا يظنون أني راح أرضى بأحكامهم وأطاطي راسي وأتزوج نباح يحلمون.
مسك: إيش بتعملي يعني يا رجوه؟
رجوه: أشرد من القبيلة.
جملتها جعلت شهقة جماعية خرجت من الأفواه. فالأمر يشبه بأنها استسلمت للموت. وتخطت نحوه بقدميها.
انتصف الليل، بل واقترب موعد الفجر. سالم في نفس مكانه لم يبارحه. وهناك من تراقبه من بعيد ولا تجرؤ على الاقتراب. عاهدت نفسها ألا تطلب مرافقته لها أو تدعوه لخيمتها ولن تسأله قربه. ستتركه حتى يعود من نفسه، حتى وإن طال الانتظار.
وبينما تراقب من بعيد، رأت رجوه تخرج من خيمتها. ثم ذهبت نحو شجرة النخيل خاصتها. لم تنتبه لوجود سالم إلا حين وصلتها. فاقتربت منه. كان يراقبها وهي تقترب. رآها منذ خروجها من الخيمة. وقفت أمامه وبعتب قالت: عاجبك حالي ياسالم؟
سالم: إيش أسويلك يا رجوه. ما عاد بيدي شي عليكي.
رجوه: كيف ما عاد بيدك شي علي وأنا اللي أعانيه كله الحين أنت السبب فيه ياسالم. إذا نفذت طلبي ما كان صياح نهى علي ولا كان أبوي حكم علي بالموت. بس لأني ما رضيت أتزوجك حلفت تندمني وتكسرني. والظاهر نسيت مين رجوه وأنها ماتندم على شي ولا تنكسر.
سالم: رجوه إيش تريدين مني الحين؟ ردي لخيمتك. وقوفك معي يسببلك الأذى. وأنتِ ماناقصك. روحي أنتِ تخربطين من المرض.
رجوه: ما يهم. تعودت الأذى. وإذا تريدني أعوفك وأغرب عن وجهك جاوبني. ليش ما خليت عقاب ينهي علي وأدري أنك تقدر.
سالم: أي أقدر وما قلت. مو أنا اللي أتوسل شخص لجل شي. ومو أنا اللي أشحت لحد محبة. روحي أنتِ اشحتي محبة واقفى على أبواب القلوب وقولي أريد محبة لله يا ولاد الحلال.
رجوه: أنت اللي تقول هكي ياسالم وأنت اللي طول عمرك واقف على أبواب القلب تطلب محبة؟
سالم: ديري بالك لكلامك يا رجوه. أنا ما وقفت أشحت. وقفت أعطي. وقفت أشتري. وقفت أقايض المحبة بكل عمري. وكنت مفكر بعد كل اللي قدمته أني كسبت القلب وأصبح لي فيه سكن وبيت. بس وقت حسيت أن صاحب البيت ما يريدني عوفت ومشيت. وما وقفت بالباب أستجدي يا رجوه. ومو سالم اللي يستجدي.
رجوه: يعني الحين إيش أفهم من حكيك ياسالم؟
سالم: تفهمي أن سالم ما عاد له علاقة برجوه. ولا رجوه عاد ليها عشم بسالم. ومثل ما باب المحبة اتسكر يتسكر باب العشم. وحطي ببالك أني عايفك وأنا لي وأنتِ عليكي. أنا داين وأنتِ مديونة. بس أنا ما أريد منك شي.
رجوه: تذلني ياسالم؟
سالم: أذكرك لجل ماتعيشي دور الضحية المظلومة وأنتِ الظلم يمشي على رجول.
رجوه: أنا ظالمه ياسالم؟ بيش ظلمتك! يعني لو ما وافقت أتزوجك أكون ظالمه؟
سالم: راجعي أفعالك وشوفي بيش ظلمتيني. لما تطلبي مني أزوجك لأخوي بيدي وأنتِ تعرفين أني عاشقك ما ظلمتي. لما تهديني كل شي بنيته طول سنين عمري وتريدي تعمري مكان ثاني مع غيري ماتكوني ظالمه؟ إيش الظلم من وجهة نظرك إذا ما كان اللي سويتيه في ظلم.
رجوه: لا مو ظلم. أنت اللي بنيت وحلمت ورسمت من دون ما تسألني. ليش افترضت أني أحبك؟ أنا بيوم صرحت لك بمحبتي لك ياسالم؟ من وقت كنت صغيرة تكلمت معك بزواج ولا تعمير بيت؟ أنت ليش ماتعترف أنك أناني ياسالم. قدمتلي مساعدة وتريد بالمقابل تأسرني وتسجني وما اهتميت بمشاعري ولا سألتني بيوم يا رجوه أنتِ إيش تحسين تجاهي؟ راجع أفعالي معك ماراح تلاقيها أكثر من أفعال اخت مع أخوها. أخوها اللي دللها وحست أنها منه وهو منها. ماتشوف الأخوات كيف قراب من بعضهم ويتمازحون والاخ يجيب لأخته اللي تشتهييه وما يحرمها من شي إذا مقتدر؟ يعني إذا الأخ قدم كل هاد لأخته يصير يطلب منها مقابل؟ لا ياسالم يكون يعمله بالمحبة ومن باب المحبة. غلطتك ما عرفتني من البداية أنك تريد مقابل محبتك لي محبة من نوع ثاني. محبة غير محبة الاخت لخوها. وقتها كنت قلتلك كافي ياسالم ما أريد محبة بعد.
صمتت تلتقط أنفاسها وظل يراقبها. دقائق من الصمت ثم تابعت: والحين ياسالم بتصلح أغلاطك معي.
سالم: أغلااااطي؟
رجوه: ايييي أغلاطك. غلطتك بأنك رهنتني بدون شوري وخليتني متعافية وما حد يقدر يجيني لجل ما تزعل أنت. وغلطتك بأنك عرفت عقاب بأنك تحبني وخليته يشيلني من كل حساباته لجل خوتك. وغلطتك بأنك ما رديت عني ظلم أبوي وهو يعطيني لصياح. وغلطتك لما خليت عوالي تكويني بالنار وأنا كل اللي سويته إني كنت أدافع عن حقي وعمري الجاي. كل شي بيصير معي ياسالم أنت سببه وأشوفه غلطك.
سالم: أي والحين كيف تريديني أصلح أغلاطي يا ست رجوه؟
رجوه: تزوجني عقاب. يأما بشرد من القبيلة.
سالم: واللله إذا تفكري تخطي برجلك خارج القبيلة لأذبحك بيدي وأخليكي عبرة لكل بنات القبايل يا رجوه.
رجوه: زين،، خلص راح أموت حالي.
سالم: موتي حالك ما عدتي تهميني بشي. وفضل مني كمان أنا اللي راح أدةنك بيدي.
رجوه: تم ياسالم. راقب موتي بعيونك لأنه ماراح يتم بالطريقة السهلة. أنت لابد تتعذب بذنبي. ومن الحين يبدأ عذابك.
يتتبع.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم ريناد يوسف
عادت رجوه لخيمتها، وجلست تخطط لما ستفعله، وكيف ترد الصاع صاعين لسالم، ولكل القبيلة.
تعلم أنها إن ماتت سيتألم هو، وإن تألم لن يترك أحد ممن أذوها دون عقاب.
تثق به وبمحبته وأخذه لثأرها حتى بعد موتها، فقررت أن تريح الجميع منها وتستريح هي أيضاً، فلن تعيش حياة فُرضت عليها أبداً.
نامت وأغمضت عينيها، ونوت أن تبدأ التنفيذ من الغد.
أما سالم فنهض أخيراً وقرر العودة لخيمته.
وفور أن رأته مزيونه من بعيد ينهض، نهضت هي أيضاً وهرولت تسبقه نحو خيمتها.
أبدلت ملابسها سريعاً ورشت عطرها وأشعلت البخور، ثم استوت على الفراش تمثل النوم.
دلف للخيمة، اقترب منها وجلس بجوارها.
فتحت عينيها وكأنها استيقظت للتو، سألته بهدوء:
- هلا سالم، جوعان؟ انقوم نجيبلك وكل؟
- لا يامزيونه مو جوعان، ردي نامي.
- لا مافي نوم، طار النوم بجيتك. اذا انت رايد تنام نام، وأنا بقوم أحوص بالخيمة وأشوف ايش فيه وما فيه، ولا تخاف ماراح تسمع مني أي صوت يزعجك.
- لا لا أبقي لا تقومين، خليكي معي شوي.
قالها ثم نزع جلبابه ونام بجوارها واحتضنها بكلتا يديه ووضع رأسه فوق رأسها وأغمض عينيه.
يعلم أنها تعرف كل ما يحدث، ولكن صبرها وهدوءها لا حدود لهما، وهذا ما يعجبه فيها ويشعره بالارتياح، فلا يصدر منها ما ينغص عليه حياته ويزيد من همه.
هي وخيمتها أصبحت راحته بالفعل كما طلب منها.
أما مزيونه فدفنت رأسها بصدره وطوقته بذراعيها، تشعر به وبمدى جرحه وتلتمس له الأعذار.
فهي اختبرت الحب من طرف واحد وتعرف جيداً كم يؤلم.
ولكن عزاءها أن الله عوضها به.
نعم، لم تحصل عليه كاملاً، وتعلم أنه معها جسد بلا قلب، ولكنها راضية وحامدة.
وستفعل ما باستطاعتها كي تحصل على مكان ولو صغير في قلبه.
أغمضت عينيها واستسلمت للنوم أخيراً على دفء أنفاسه، فهو بجوارها ولا داعي لمزيد من القلق.
أما هو فعرف من استسلامها السريع للنوم بأنها لم تكن نائمة كما كانت تدعي، ولم تنم من الأساس.
وكانت محاولة منها لجعله يعتقد أنها لا تبالي بكل ما يحدث.
وهذه طريقتها لفصله عن العالم الخارجي، وكانت ستنجح، ولكن في موقف آخر غير هذا.
فما حدث اليوم كثير جداً على النسيان أو التخطي.
أما عند آدم، بعد أن صلى الفجر جماعة جلس مع عمه قصير وباقي الرجال المسؤولون عن استلام شحنات السلاح، ومن ضمنهم صياح.
- عقاب، أقول لزوم تنتظر لتستلم هي الشحنة بنفسك، سالم مافي عقل ورابح لحاله ما يقدر.
قفز صياح أمامه وقال:
- أنا نقدر ياعمي، جربني وشوفني واذا ما استلمت الشحنة لحالي ووزعتها برفة عين ماتحسبني من ضمن الرجال.
- اجلس ياصياح، الشحنة هالمرة كبيرة وما ينفع فيها لعب، هي فيها كل مالي وحالي.
- وأنا أخاف على مالك وحالك أكثر منك ياعمي، هاد أصبح مال أم مرتي، بس انت اترك كل شي علي أنا وهلال وبتشوف ايش راح نسوي.
آدم:
- ياصياح، القصة مو عافية ولا بالدراع تنحل، السلاح بالذات ما فيه لعب.
- أعرف ياعقاب، وأعرف زين أن الممر لازم ينفتح غير ساعة وحدة وبيوم معين من الشهر وبليلة معينة.
أعرف كل شي ومو أول مرة أسويها، أنا لي سنين معكم.
انت سافر ياخوي، اشق بأشغالك وشركاتك واترك السلاح لينا ونحن سدادين.
نظر آدم لقصير ولم يرد على صياح، فهو بالفعل يريد السفر.
فمله في بدايته وإن غاب عنه سيخسر كثيراً.
فيفهم قصير بأن آدم واقع في حيرة من أمره، فقال له:
- خلاص يا عقاب، روح انت لأشغالك متل ما قال صياح وأنا وهو وهلال ورابح بنستلم الشحنة ونوزعها.
بس تابع معنا بالنقال وتابع مع الموردين وما تكف إلا والسلاح بالممر داخل علينا.
- أبشر يا شيخ، أنا ماراح أترك الشحنة إلا وهي بين أياديكم.
والحين اسمحلي أنا بأخذ أهلي وأسافر غدوة، وبأقرب وقت نرد وان شاء الله تكون كل أمور القبيلة تحسنت.
واذا قدرت أجي وقت استلام الشحنة باجي، وراح أعمل كل جهدي لأكون موجود وربك يسهل الحال.
تنهد قصير وقد فهم ما يرمي إليه آدم ورد عليه:
- بتتحسن، لا تحط ببالك، هاد كله لعب وليدات صغار وبينتهي.
المهم انت دير بالك على روحك وأهلك وشغلك، لا تغفل ولا تتغافل يا عقاب وأوعاك تحط على الأرض، راح تلاقي الذياب بإنتظارك.
خليك دوم محلق فوق، ماتطالك يد ولا ناب.
- الله يسترها يا عمى. يلا بخاطرك.
- الله معاك يا وليدي.
عاد آدم لخيمته يخبر أبوه وأمه بأنهم سيغادرون القبيلة غداً.
واستلقى على الفراش يستريح قليلاً.
فسألته أمه:
- طمني يابني شفت البنت اللي اسمها رجوه اللي انكوّت بالنار، ياترى عاملة إيه دلوقتي؟
- ما أعرف ولا أريد أعرف.
بس هي ما تموت ولا يجرا عليها شي، كام يوم وتقوم تفرفر بالبوادي وتنعق بحسها مثل غراب أكحل.
- يبني حرام عليك، دي البنت صعبانة عليا أوي من ساعتها.
- لا تاخذك فيها شفقة، رجوه فانص والفوانص ما تجوز عليهم الشفقة.
والحين جهزي حالنا يا أمي نريد نتحرك بالصباح الباكر.
- حاضر يا حبيبي، إحنا نعتبر جاهزين، مفيش إلا أخرج أسلم على ستات القبيلة وأودعهم.
- وين أبويا نايم؟ تصدقي من وقت رجله حطت القبيلة ماشفته غير بس مرتين وكانوا عابرين.
أشوفه مندمج مع عمي قصير وباقي الرجال كثير.
- فرحان يبني باللمة والدفا اللي عاش عمره كله محروم منهم.
طول عمره لا له حبايب ولا بيأمن لأصحاب.
عمك الله يسامحه خلاه فقد ثقته في كل الناس، وما صدق لقى الناس الطيبين اللي هنا.
تنهد آدم وأردف:
- تعرفي يا أمي، أنا بالبداية كنت وااااجد زعلان وعاتب عليكم لأنكم تركتوني وما سألتوا، وااااجد بكيت بالليل وأنا أحس بالوحدة.
بس شفت الأم بالقبيلة شلون تقسى وتتحمل فراق وليدها وانفصاله عنها، وتشوفه مثل الضيف من الحين للحين وهاد لأجل مصلحته ولأجل يصير قوي.
قلبي برد شوي.
ومع الأيام، ومع معرفتي للسبب اللي بعدتوني لأجله حسيت إنه أصوب قرار أخذتوه بخصوصي.
جبتوني للمكان اللي طلعت منه بكل شي حلو.
والحين أقولك لو رجع بينا الزمن ما بتاخذوا غير هذا القرار.
تبسمت عايده وهي تقترب منه، وأخذته بين أحضانها.
أما هو فدفن رأسه بين ذراعيها وأغمض عينيه، وكأنها واحة حنان ارتمى على أرضها بعد عمر من التعب.
أما عند صياح بالخيمة.
أخذ يندم وهو يشعل سيجارته الثالثة على التوالي.
فهدرت به خوله:
- كااافي دخان كااافي.
- خايفة علي يا خولة؟
- لا خايفة ولا شي، بس الخيمة صارت كلها دخان وما عاد نعرف نتنفس.
قوم اطلع للخلا واشرب اللي تشربه بس غادر.
كتمت أنفاسنا.
- لا ما طالع، أنا جالس مع أمي.
اطلعي انت لخيام البنات وعوفي الخيمة.
- لا والله ما أطلع ولا أروح، ما يبطلون ضحك وغشمرة علي ويحكون بالعشق ويتغزلون بشباب القبيلة وأنا أستحي.
- أقووول يا خولة، لمن يتغزلون بشباب القبيلة ما يجيبون سيرتي؟
ما في بنية تقول صياح كذا.
مثلاً صياح جميل، صياح حلو، صياح زينة شباب القبيلة.
ضحكت خولة ولم ترد عليه.
ففتح عينيه على وسعهما، وخاصة وهي تعود للضحك كلما صمتت قليلاً.
فقال لها:
- خلص كافي ضحك عرفنا الجواب.
- زين عرفت، يلا قوم روح لخيام الشباب ونام حدهم ولا تيجي الخيمة.
أنا نريد ناخذ راحتي بالنوم وأنت طابق على أنفاسي بقعدتك ودخانك.
يلا روح وغدوه تعال لأمك، هي موجودة وين بتروح؟
تنهد ثم استسلم لأمره وغادر الخيمة.
فخولة لن تسكت حتى يفعل ما تشاء.
أما خولة فبعد خروجه نظرت لأمها وقالت:
- أقول يا أمي، أريد أجيب ملابس جديدة تليق بمقام سلفة بت الشيخ.
أريدهم ملونات ويظهرن جمالي، أنا من الحين كل العيون بتصير علي.
- روحي لأبوكي مناحي وجيبي منه قروش.
أعطيهم للشيخة عوالي وهي تجيب لك من الحضر اللي تريديه.
- حيّي عليا، أبوي يعطيني قروش؟ ومرته الخايسة تخليه يعطيني.
هي لو شافته واقف معي تخرب الدنيا.
إيش تسوي لو طلبته قروش؟
- دزي عليه وخديه بعيد وما تطلبي منه قدامها.
- أقول يا أمي، هو أبوي له حق يتزوج عليكي وكل شي.
وأنا لو منه بتزوج عليكي ثلاث، بس يعني إنت ليش ما كنتي مرة مفتحة وطالبتي بحقك وحقنا وشكيتيه للشيخة والشيخ؟
وكان جاب خيمتنا غصبن عنه وعطانا قروش متل الخلق والناس، وصرف علينا متل ما يصرف على خيمته الثانية ومرته وعياله؟
- لأن يا خايبة لو أنا سويت هاد الشي كان بوك رما لي قروش ما تكفيكم ولا تكفيني.
لكن لما تركته واشتكيت بس جوعي وجوعكم للشيخ منصور تكفل بيكم وبأكلكم وشربكم وثيابكم، وعطاني حلال وساعدني أربيكم.
وحتى الشيخة عوالي ما قصرت، وأبوك ما تعدل حاله غير بس من كم سنة من وقت اللي مات أبو مرته وفات له حلال وهوايش وكام رأس جمال ومنهم عاشوا.
- أييييه... طيب أقول يا أمي إنت ما تشتاقي لأبوي؟
يعني ما يهفّك الشوق يجيك ليلة ويبات بخيمتك؟
تنهدت أمها وقالت:
- ااايييه، كان يهفني الشوق، بس مو كل الشوق مُلبى يا خولة.
يلا الحمد لله، هي كانت مرحلة ببداية زواجه والحين نسيته ونسيت أيامه ونسيت الشوق.
- تعرفي يا أم خولة، أنا من اللي أشوفه منك ومن أبوي ما أريد أتزوج، وأرفض كل اللي يجوني.
- أهووه... ليش إنت حد جا لك وطلب يدك ورفضتي؟
اسكتي يا خولة ونامي وكافي حكي ماله داعي وبطلي أحلام.
- يا أخ اتركيني أتخيل، هو حتى الخيال ممنوع؟
- تخيلي بس غدوه، الحين نريد ننام.
- نامي يا أمي نامي.
أقول يا أمي، إيش رأيك أروح لرجوه نقعد معاها شوي وأخطف منها ملابس وأجري؟
- حيّي عليكي، والله ما راح تجيبها لبر إلا ورجوه مخلصة عليكي.
يا بهيمة مالك كم ساعة كنتي بتروحي فطيسة بيدها!
- بس ما موتت، وماراح أحلاها والله.
تنهدت أمها واستغفرت.
فهي تعلم أن ابنتها ستفعل ما نوت عليه على أية حال، ورجوه لن تتهاون هذه المرة وستقتلها، ولا دية لها.
في الصباح الباكر.
غادر آدم بعد أن ودع رابح والبقية، وترك سالم ليستريح.
ولكنه لحقه عند السيارة وودعه.
ووقف يراقبه وهو يغادر القبيلة مع عائلته.
وتمنى لو يستطيع المغادرة مثله وترك كل شيء وراءه.
فلو كان ذلك متاحاً لترك كل شيء وهرب بعيداً.
عاد لخيمته ووجد مزيونه مستيقظة.
استقبلته بابتسامتها المعتادة ونهضت لتلبس ملابسها.
فتقدم منها سالم وسألها:
- ليش تلبسين؟ وين رايحة؟
- طالعة أجيب الفطور والمي ياسالم.
- وليش انتي تجيبي؟ ليش ما تعطي أمر لأي حد غيرك يجيب.
انتي عروس ولا نسيتي؟
- ضحكت بتهكم لأول مرة وهي ترد عليه:
- عروس؟ لا أنا أقول كافي معرّسة وأطلع أتهيأ بالشغل وأضيع الوقت الطويل.
صمت وهو ينظر إليها.
فأدركت خطأها وقالت له:
- اعتذر منك يا ابن عمي، مو بقصدي.
أنا أقصد وقت تطلع لشغل أنا أضل لحالي و...
- ششش، لا تبررين، حقك يا مزيونه، والله حقك.
تعي يا مزيونه واقعدي أنا ما أريد وكل مو وقته.
- ليش مو وقته ياسالم؟
انت من الليلة الماضية ما ذقت شي.
- قبل الأكل يا مزيونه، إنت لك حق علي وأنا أحب أرد الحقوق لأصحابها.
تعي يا مليحة واقربي علي.
ضحكت وهي تراه يطوقها بيديه واردفت ممازحة:
- هااا تضحك علي وتقول ما أريد أكل وأنت تريد تفطر لصيمة؟
ضحك هو الآخر وضمها عليه وبدأ يعتذر لها بطريقته الخاصة عن كل الألم الذي سببه لها بالأمس.
وهي تقبلت كامل اعتذاره وغفرت، وهذا كان جلياً على وجهها وابتسامتها التي لم تفارق شفتيها.
أما في خيمة رجوه.
- يلا يا رجوه قومي افطري معنا.
- ما أريد، اتركوني بحالي.
- كيف ما تريدين يعني؟ انت مريضة والوكل اللي راح يخليكي تشدي حيلك.
- مسك اشق بروحك وحلّي عني، وكلمة زايدة بتركلكم الخيمة وأروح أقعد براها.
أو أقوم أدقك.
- لا لا وعلى إيش، هاك صكرت فمي وأنت حرة تاكلين ماتاكلين ما يهمني.
- شاطرة.
بعد دقائق دلفت معزوزه من باب الخيمة وهي تقول:
- هااا نهاركم باااهي يا صبايا قصير يا زينة صبايا البوادي.
ان شاء الله أموركم مليحة.
إيش أخبارك يا رجوه اليوم؟
- أخبار الهم والغم، إيش أخباري يعني، شو اللي تغير بالساعات اللي تركتيني فيهم؟
اقتربت منها وجلست بجانبها وقالت لها وهي تمسد على شعرها:
- يا حبيبة قلبي، يا روح الروح إنت، هوني على نفسك وكل الأمور بتنحل.
- ما في شي بينحل يا معزوزه، الأمور كل يوم تتعقد أكثر.
حياتي ما عاد لها لزوم ولا أنا المحبوبة.
ما في حد حبني بكل القبيلة غير سالم، بس خسارة حبني بطريقة ما كنت أريدها.
- وليش ما تريدينها؟ أنا سمعت مسك وهي تنصحك وأنا أريد أعطيك نفس النصيحة.
الفرصة ما زالت أمامك لا تضيعيها.
سالم يحبك وإذا شاورتي بروحه يلبي.
قولي له أنك وافقتي تتزوجيه وهو الوحيد اللي راح يخلصك من كل اللي تعانين.
- يا ناس افهموني، أنا ما أحب سالم هذاك الحب.
ما أقدر أتخيله زوجي ومعي بخيمة وحدة ونفعل متل المتزوجين.
سالم عندي متل هلال.
تخيلي روحك مع هلال تجمعكم خيمة وحدة وراح تعرفي شعوري.
- شعور كذاب وعقلك ما رد براسك وقلبك ما أدرك بيش ضحى.
سالم مو متل هلال وإنتي تحبي سالم، ومع الأيام يا رجوه بتشوفي.
- معزوزه قومي اغربي عن وجهي، ردي لخيمتك وما تجيني.
أنا لا أريدك لا انت ولا سالم ولا أريد أشوف أي بشر.
- تم يا رجوه، أنا الحين بمشي بس شوي وأعاود ولنا كلام كثير، والكلام ما خلص.
وتذكري إن الفرصة ما راح تطول، سالم أمامك وصياح خلفك.
- وأنا ما راح أكون لهذا ولا لذاك يا معزوزه.
غادرت معزوزه وهي تشعر بالشفقة على أختها وتسخط عليها أيضاً.
فهذه العنيدة سوف تتعذب بعنادها ولن تستطيع النجاة إلا بسالم.
ولكنها لا تريد الاعتراف أو الاستسلام.
مر اليوم ولم تتذوق رجوه طعم الزاد.
أضربت عن الطعام وكانت هذه خطتها البطيئة للضغط على سالم.
أما سالم فكان يسأل عنها من بعيد.
علم بأمر رفضها للطعام وفطن لخطتها، ولكنه قال لنفسه بأنها لن تستطيع الصمود، ستضعف وتأكل إما اليوم أو الغد.
أما في القاهرة.
وصل آدم أخيراً وذهب لشركته فور وصوله، بعد أن أوصل أبويه للقصر.
ووجد مدحت بانتظاره في مقر الشركة.
راجع كل شيء فوجد مدحت فعل كل ما أوصاه به وأتم العمل على أكمل وجه.
فرح آدم كثيراً وتأكد أن مدحت شخص يعتمد عليه وبدايته موفقة.
جلسوا حتى وقت متأخر من الليل في الشركة هما الاثنين يتباحثان في أمور العمل.
وبينما هم كذلك سمعوا دقات على باب المكتب.
فأذن آدم لمن بالباب بالدخول.
وفوجئ آدم بحارس القصر والمسؤول عن الحديقة هو الطارق.
فدعاه آدم للدخول.
وهم أن يسأله عن سبب مجيئه وما هذا الصندوق الذي يحمله.
ولكن قاطعه رنين هاتفه، وكانت أمه المتصلة.
فأجابها على الفور:
- إيه ياحبيبي معقول كل ده في الشركة.
بالراحة على نفسك يا آدم وقسم الشغل على الأيام يا نور عيني مفيش حاجة بتخلص مرة واحدة.
- والله يا أمي ما انتبهت للوقت، آسف، الحين بنهي كل شيء وأرد للقصر.
- طيب أنا عملت لك لقمة وبعتها لك مع البواب، تسيب كل اللي بإيدك وتاكل يا آدم وتبقى بعد ما تخلص ترجع للشغل مفهوم.
- أبشري.
والله الأكل جه بوقته، قلبي حس بوليدك وبجوعه يا أم آدم.
- وأنا قلبي له غيرك يحس بيه يا نبض قلبي إنت.
سمع آدم أباه يتنحنح بجوار أمه، ففهم أن كلامها أثار غيرته، فضحك وأنهى المكالمة.
واستدار ينظر لحارس القصر فلم يجده.
ووجد مدحت قد فتح الصندوق وأخرج الطعام وبدأ في تناوله.
متى حدث كل هذا لا يعلم.
فقال له:
- أنت لازم تعمل تحديات وكل متل اللي يعملوها الصينيين وراح تكون أشطر وأفجع واحد بينهم كلهم.
- اقعد اقعد الأكل جميل أوي وأنا كان واحشني أكل مرات عمي.
- ع أساس ما كنت تاكل كل يوم من المجمدة؟
- والله الأكل خلص من امبارح واضطريت آكل من أكل فريال مرات عمك، ودا مش أكل دا تكفير ذنوب.
ضحك آدم وجلس يشارك مدحت في تناول الطعام، أو يخطف من أمامه بعض الطعام قبل أن ينهي مدحت عليه كله.
في شقة يحيي الجديدة.
- يا يحيي أنا حاسة إني بتخنق في القمقم ده، أنا اتعودت على القصر والعيشة فيه ومش قادرة أتكيف مع الشقة دي شوفلك حل بقى.
- وأنا أعمل إيه يعني يا فريال، إنتي شايفة كل حاجة بعينك.
ابن محمود خلانا عالحديدة، والقصر أخده ومبقاش باليد حيلة.
- بص بقى يا يحيي أنا مش هستنى ياسين لما يخطط وينفذ والخطه تفشل وكل اللخبطة اللي بيعملها دي.
أنا هتصرف وهخلص الموضوع بمعرفتي.
- هتخلصي إزاي وهتعملي إيه؟
- ملكش فيه، إنت ليك النتيجة وملكش دعوة بالتدبير.
- اعملي اللي تشوفيه يا فريال، ولو عرفتي تخلصي من الكل اخلصي.
- اعتبره تم.
عاد آدم للقصر في نهاية الليل، وعاد مدحت لشقتهم الجديدة.
ولولا غارات أمه المتكررة لبات في القصر مع آدم، ولكنه لا يحب الصدام معها.
كانت فريال في انتظاره، وبمجرد دخوله أضاءت الضوء وسألته بغضب:
- كنت فين للساعة دي يا مدحت أفندي؟
- مساء الخير يا ماما كنت في الشركة مع ابن عمي بنخلص شغل.
- خلي بالك أنا سايباك بس عشان تعرف الشغل في الشركة ماشي إزاي، لأنها قريب أوي هتكون شركتك وإنت اللي هتديرها.
- شركتي إزاي يعني مش فاهم؟
- مش مهم تفهم.
المهم دلوقتي اتعشيت ولا أحضر لك العشا؟
- سيبك من العشا وردي عليا، هتبقى شركتي إزاي؟
أقسم بالله يا أمي لو آدم ابن عمي جرى له حاجة بسببكم أنا ما هسكت ولا هسامحكم.
سيبوه في حاله بقى هو وعمي ومرات عمي كفاية عليهم كده إنتوا إيه؟
- إنت تخرس خالص وصوتك مسمعهوش.
اتفضل على أوضتك.
تحرك مدحت مبتعداً من أمامها فسألته مجدداً:
- ما رديت علي اتعشيت ولا أجيب لك تطفح؟
- طفحت مع آدم في الشركة.
- جبتوا أكل دليفري من بره يعني؟
- لا مرات عمي بعتتلنا أكل بيتي.
صمتت فريال وأخذت تفكر بعمق، ثم تبسمت وكأنها وجدت الحل.
مرت الليلة على الجميع، وفي الصباح استيقظ سالم وغادر خيمته بعد أن شعر بوخزات في قلبه، وذلك بعد أن رآها في منامه.
كانت متعبة وتئن من الحروق وتطلب مساعدته، تنادي باسمه.
فهب من نومه وأخذ يتلفت حوله.
ثم ارتدى ملابسه وخرج سريعاً غير آبه لأسئلة مزيونه حول ما حدث له وأين ذاهب.
وصل خيمتها وبالفعل سمع صوت أنين مكتوم.
دار حول الخيمة حتى أصبح عندها تماماً وصوت أناتها أصبح أعلى.
تحدث من خلف قماش الخيمة بصوت منخفض ولكنه متأكد من أنها ستسمعه:
- رجوه إيش فيك، يا رجوه ليش تأني جاوبيني، بشو حاسة يا نبض هالقلب.
- ابتعد ياسالم، مالك علاقة بي ولا تسأل عن أوجاعي.
متلك متل اللي ذبح شخص وجاي يمشي بجنازته.
عوفني ياسالم ولا تشغل بالك وأشق بروحك ومرتك.
- ما أقدر أعوفك وانت تعرفين.
والحين أنا ما أقدر أدخل عليك الخيمة وحد يشوفني طالع منها ويحكي كلمة عاطله.
بس أريد أطمن عليكي ولزوم أشوفك بعيني.
اطالعي يا رجوه من الخيمة بالله عليكي.
- لا.. ماني طالعة ولا رادة وحل عني.
حل عنييييي أنا أكرهك أكرهك يا أكثر حد أناني بالدنيا كلها، يا اللي ما تحب إلا روحك.
- أنا يا رجوه؟
- أي أنت ياسالم.
والحين اغرب ما أريد أسمع صوتك.
صمتت وصمت هو، لا يعلم ماذا يفعل.
لا يستطيع المغادرة دون الاطمئنان عليها، ولا يستطيع المكوث بجوار خيمتها أكثر، فهذا سيجلب له المتاعب.
فذهب لخيمة رابح، أيقظه وطلب منه أن يرسل معزوزه لرجوه.
فذهبت معزوزه على الفور بعد أن عرفت من سالم أن رجوه تتألم.
دلفت للخيمة وصاحت بها بغضب:
- قلت لك اللي تسوينه ماراح يجيب نتيجة ولا راح تجني منه غير الوجع والألم.
- ما حد له علاقة بي، كل واحد يشق بروحه.
عوفوني أنا ما فيا حيل أجادل ولا أريد أشوف حد.
- زين، قومي كلي لقمة وبعدها ما حد راح يقرب عليكي لا يجادل ولا يحكي شي.
- لا والله ما آكل ولا أحط الزاد بخشمي.
- لمتى يا رجوه؟
- لحين الله يأخذ أمانته يا معزوزه، أنا خلص ما بدي هالحياة كلها، ما أريدها.
- يا رجوه هاد اسمه كفر وقلة دين وقلة عقل بعد.
- سميها كيف ما تريدين، بس عوفيني الله يخليك.
غادرت معزوزه الخيمة وهي غاضبة.
فهي تعلم أن هذه العنيدة لن يثنيها عن قرارها أي شيء، إلا رحمة من عند الله بها.
أخبرت سالم بأنها مضربة عن الطعام منذ الأمس فجن جنونه.
أمر معزوزه بتجهيز الطعام وفور أن فعلت أخذه وذهب به لخيمتها وقد ضرب كل شيء عرض الحائط.
تنحنح ودخل بعد أن رأى أخواتها كلهن بالخارج.
وبمجرد دخوله أدارت وجهها بعيداً.
اقترب منها ووضع الطعام بجوارها وجلس هو أيضاً.
همس لها بحنو بالغ:
- ليش تسوين بروحك هيك يا رجوه.
يعني حياتك رخيصة عندك لهالدرجة يعني؟
- وايش تسوى الحياة والعمر واحنا ما نطول اللي نتمناه يا سالم.
ايش أسوي فيها الدنيا وأنا انرهنت لنباح وأمامك وانت ما تكلمت ولا منعت وتعرفني أموت ولا يجرا هالشي.
معناها أنت تعرف إني هيك أو هيك بموت، بيش تفرق الطريقة والتوقيت؟
- أنا ما طلع بيدي أرفض أو أعترض يا رجوه، على أي أساس أعترض زواجك ها؟
بس قولي لي بربك على أي أساس؟
- على أساس أني بت عمك، رباية يدك وأنت بمقام خوي.
أغمض عينيه وسحب نفساً عميقاً واستغفر بداخله قبل أن يرد عليها:
- هاد عندك إنت، أما بين أهل القبيلة أنا كنت راهنك، وأي تصرف راح يتفسر أنه تحت بند الغيرة والحقد، وتعرفين زين أنا آخر واحد يحق لي أتكلم بأمر زواجك.
- إنت ما تقدر بس عقاب كان يقدر، ليش ما خليته يتكلم ويمنع عني حكم الموت ليش؟
أقولك ليش، لأنك واحد أناني.
- كافي ظلم يا رجوه واسمعيني زين، أنا ما كنت رايد أجرحك، بس أنا فاتحت عقاب وقولتله، عرضت محبتك عليه وهو رفضها.
ترجيته لأجلك وهو قال على موته ولو إنت آخر بنت بالكون ما يتزوجك.
- كذاب ياسالم.
- وغلا رجوه عندي ما كذبت بحرف، هاد اللي تم واللي صار.
ولو ما تصدقيني إسألي رابح هو يعرف كل شي صار.
- رفضني.
طيب ليش رفضني؟
- يحب غيرك يا رجوه، متل ما إنت تحبين غيري ورفضتيني.
حجتك إن هاد حقك، طيب ليش ما تشوفي إنه حقه هو كمان.
مو كل واحد حقه يقبل محبة الشخص اللي يحبه أو يرفضها، ولا تحللين لروحك وتحرمي على غيرك وتكيلي بمكيالين؟
- لا ياسالم ما أكيل بمكيالين، بس البنت غير الولد، البنت واحد بس اللي يملكها وما يحق لها غيره، ولهيك لازم ما تاخذ إلا شويقها.
أما الولد يحق له يتزوج ٤، منهم شويقة ومنهم اللي تعجبه ومنهم اللي يتزوجها مصلحة بدون سبب.
وإنا مستعدة أتزوجه ويتزوج بعدي، أو قبلي ما تفرق.
سمع كلماتها وهدر بها قهراً:
- كافي يا رجوه كافي، كافي لا تذلين نفسج وقلبك وتنزلين من روحك.
الحب ما يذل لهالدرجة يعني، إي يعذب ويوجع بس ما يذل.
محبتك لعقاب ما توازي نص محبتي لك، ووقت حكيتي ما أريدك وقلبي تعلق بغيرك بعدت، ماتوسلت ولا ترجيت ولا حطيت حلول تحط من قدري وكرامتي ولا قبلت على نفسي.
- أي ماهاد اللي توا نحكي فيه، إنت رجل والرجال غير.
- العشق ما فيه رجال وبنت، العشق واحد ومتل ما ينزل قلب النساء ينزل قلب الرجال.
بس الفرق إن الرجال لازم يتحملون، يتحملون برغم الوجع اللي ما ينحمل، يتحملون وإلا يركبهم العار ويصيروا بين الناس ضعاف وحفنة مشاعر بعثرتهم وهزت ثباتهم.
يعني فوق ضيم القلب ضيم الخوف من وصمة الضعف.
صمتت واغمضت عينيها.
فهو لم يخطئ بشيء ونعم هذه هي الحقيقة، ولكنها الآن لن تتعامل بالمنطق أو تقتنع.
هي ترغب بشيء وتريد أن تقول له كن فيكون.
ساد الصمت قليلاً، وظن سالم بأنها اقتنعت بكلامه، فقرب منها الطعام وأخذ منه القليل ومده لها وهو يهمس:
- يلا افتحي خشم السحلية وكلي كافي عناد.
يلا وأنا بأكل معك، اشتقت لما كنا ناكل سوا وتخطفين من يدي الأكل وما تهنيني بلقمة.
أغمضت رجوه عينيها وأدارت وجهها عنه.
حاول معها مرة تلو مرة ولكن بلا جدوى، فاستشاط غضباً وغادر الخيمة وأخذ حصانه وانطلق به في الصحراء لعله يهدأ.
أما في القاهرة.
- آدم استنى باباك هيصلي الضحى ويروح معاك الشركة، هو قالي خلي آدم يستناني.
- تم يا أمي، أنا فايت عال مكتب أشوف شيء عاللابتوب لحين ينهي صلاته.
دلف داخل المكتب وبدأ في مراسلة بعض الشركات ومتابعة التطورات.
وفي هذه الأثناء سمع صوت يحيي يصيح في الخارج:
- مرات عمي أنا جعااان وعايز من إيدك العجة اللي بعشقها ومعاها المخلل بتاعك وياسلام على كباية شاي مظبوطة جنبهم.
- من عنيا يا حبيبي.
- تسلم عيونك يا أحن وأطيب ست في الدنيا.
قالها واقترب منها يقبل جبينها.
وهمس لها ممازحاً:
- أنا مش عارف ليه ما جبتيش بنت شبهك كده كنت اتجوزتها وبقت نصيبي الحلو من الدنيا!
- هههه معلش بقى نصيب وربنا ما أراد لي يكون لي بنت مع أني كنت أتمنى.
- وأنا كمان والله كنت أتمنى.
قاطعهم آدم وهو يقول بصوت عالٍ:
- أشوف وصلة الغزل طولت، بس أبوي يتشطر علي وقت تحكي لي كلمة حلوة!
وهنا رد عليه أبوه الذي خرج من الغرفة بعد أن أنهى صلاته:
- لا بقولك إيه يا حبيبي إنت وهو، إلا مراتي أديني بقولكم اهو، اتجوزوا وكل واحد فيكم يجيب له وحدة يغازلها طالما بتحبوا الغزل.
إنما مراتي ليا أنا وبس.
قالها واقترب منها يقبل جبينها ويدها، فتبسمت عايده وهي تشعر بأنها أميرة وسط ثلاث ملوك ويتقاتلون على محبتها.
وغادرت على الفور تعد طعام الإفطار لمدحت الذي تزداد محبته في قلبها يوماً عن يوم دوناً عن عائلته، وخاصة منذ أن عاد آدم وأصبح الاثنان مثل الإخوة.
تناول مدحت الإفطار، وهموا جميعاً بالمغادرة، ولم تنسى عايده أن ترسل معهم صندوق الطعام البلاستيكي المليء بكل ما هو شهي ولذيذ من صنع يدها، والذي تمضي أغلب الليل تعده بمحبة ونفس راضية لأحبتها.
فاحتضنه مدحت وتولى هو مهمة حمله ورعايته حتى مقر الشركة.
وهناك سيكون تحت ناظريه حتى يحين موعد الغداء.
مر يومان.
ساءت فيهما حالة رجوه كثيراً، بلا طعام أو شراب، وأصبحت على حافة الموت.
أما سالم فامتنع مثلها عن تناول الطعام، وأقسم ألا ينزل جوفه الزاد قبل أن ينزل جوفها.
وإن كان الموت هو قرارها، فليذهب معها أينما قررت الذهاب، فلا حياة بعدها تطيب ولا للعمر قيمة.
وصل الخبر بالتأكيد للشيخة عوالي.
حاولت مع رجوه مرة باللين ومرات بالشدة ولم تجد أية نتيجة لا لهذا ولا لذاك.
فكانت تطلب من مايزه أن تنقط لها بضع قطرات من الزيت في فمها من حين لآخر، حتى لا يجف حلقها ويتشقق.
أما صياح وعائلته فكانوا أشد الناس حزناً على رجوه وحالها.
ليس حباً فيها وإنما حرصاً على أحلامهم التي بنوها على هذه الزواج ويبدو أنها لن تتحقق.
أما مكاسب فلأول مرة يرق قلبها على ابنتها وهي تراها تموت أمامها.
دخلت عليها الخيمة واقتربت منها وجلست بجوارها، وهمست لها وهي تمسد على شعرها:
- طول عمري يا رجوه أسب فيك وماراضية عن أفعالك، بس للحق كنت من جواتي أغار منك وفرحانة بيك.
أغار لأنك أخذتي حرية ما طولت أنا ربعها، وعشق سالم لك العشق اللي يخلي أي وحدة من نساء القبيلة وأي قبيلة تحسدك عليه، حتى أمك.
أمك اللي قضت طول عمرها تجري ورا أبوك وتحاول بكل حيلها وقوتها تخليه بخيمتها وتضل حلوة بعيونه وما يعوفها مثل الخيمة المهجورة بس تلفها الرياح.
سالم كان يتوجك ملكة على كل نساء القبيلة بمحبته، وما كنتي مضطرة تقيدي أصابعك شموع ليرضى عنك.
كان القليل منك راح يخليه ممنون.
بس لأنك غبية ضيعتي كل المحبة ورمحتي ورا السراب، السراب اللي حطك على طريق الموت يا رجوه.
يا خسارة وألف خسارة، كنت أشوفك بالجايات فوق جريد النخل عالية، بس إنت اخترتي تكوني تحت الرمال مدفونة ومنسية.
نظرت رجوه لها بضعف.
فليس هذا ما توقعته منها، وكالعادة خلفت توقعها.
كانت تمني نفسها بضمة منها واستعدت لها بكل جوارحها حين جلست بجوارها، ولكن قسوتها غلبت أمومتها مجدداً.
وغادرت مكاسب خيمة رجوه بعد أن أتت تخبرها بأنها غبية وضيعت نفسها.
فاغمضت رجوه عينيها ورغبتها في مفارقة الحياة صارت أقوى من بعد لقاء أمها.
وحتى أبيها الذي لم يأت لرؤيتها ولو لمرة واحدة وهو يعلم حاله حال الجميع بأنها تحتضر.
وحتى هلال يسأل عنها من بعيد ولم يقترب.
أما معزوزه فكانت تتعذب ولا تملك عليها حيلة، حالها حال سالم.
ولكن الفرق أن معزوزه يرغمها رابح على تناول الطعام بالقوة من أجل الطفل الذي داخلها، ومن أجلها هي أيضاً.
أما سالم فأنتهت معه كل حلول الأرض على يد مزيونه، واستسلمت تنتظر حلول السماء تنتشله مما هو فيه، لدرجة أنها ذهبت لرجوه بنفسها داخل خيمتها وحاولت معها أن تأكل، فقط لأجله.
في القاهرة.
استيقظ مدحت على هزات من يد أحدهم، وكانت أمه تقف فوق رأسه.
اعتدل وسألها وهو يفرك وجهه:
- صباح الخير يا أمي، خير فيه حاجة ولا إيه؟
حضرتك مصحيني بدري عن ميعادي بساعة ليه؟
- مصحياك عشان أقولك متروحش الشركة عند عمك وابنه النهارده أنا عايزاك توصلني البلد، خالك تعبان وعايزة أروح أزوره.
- هو خالي ده مش من فترة قالوا إنه مات باين ورحتي البلد تعزي فيه؟
- لا كان تعبان تعب جامد مماتش.
المهم متخرجش من البيت النهارده ولا تروح الشركة.
غادرت الغرفة وظل هو يراقبها بعينيه وقد تولد في قلبه تيار من الخوف.
شعر بأن أمه تدبر لشيء واليوم ستنفذ، وهو لن يسمح لها بذلك أبداً.
نهض وتحمم وارتدى ملابسه وخرج عليها، فهبت صارخة حين رأته:
- أنا قلت إيه ولا كلامي ما بيتسمعش؟
فرد عليها وهو يجلس على طاولة الطعام:
- مش رايح الشركة بس ورايا مشوار مهم هروح لواحد صاحبي في محافظة تانية، فرحه النهارده وكان داعيني وناسي، هرجع على بالليل خلي ياسين يوصلك أو بابا.
- صمتت قليلاً وهي تراقبه يتناول طعامه وقد تأكدت بذلك أنه لن يذهب بالفعل، فهو كف عن تناول الطعام في المنزل نهائياً منذ عمله في شركة عمه.
وقالت له بنبرة يغلفها الهدوء:
- ماشي بس خلي بالك من نفسك، هاخد أبوك معايا ياسين مش فاضي.
تلفت مدحت حوله وأردف:
- هي كارمن فين؟
- بايته عند صحبتها ساره من امبارح.
تغيرت ملامح مدحت وترك الطعام من يده ونظر لها وتحدث بغضب:
- أنا مش سبق ونبهت عليها قدامكم متباتش مع البنت دي ولا حتى تصاحبها واني مرتحتلهاش من ساعة ما شفتها؟
- البنت كويسة بطل أوهام، إنت بس اللي بتفكر بعقلية رجعية متخلفة.
خرج يحيي من غرفته على أصواتهم وقد سمع كل ما قيل.
فنظر لمدحت وقال له محاولاً إنهاء هذا الجدال الصباحي:
- ملكش دعوة بأختك يا مدحت، وطالما أنا عايش محدش يقولها تروح فين ومتروحش فين غيري.
- ماشي بس كمان وقت ما تحصل حاجة محدش هيكون عليه لوم غيرك يا بابا.
بعد إذنكم أنا ماشي يا دوب الحق أشوف لي مواصلة.
خرج ونظرت عايده ليحيي وأردفت:
- النهارده هنخلص من آدم وهندق أول مسمار في نعش عيلة أخوك كلها يا يحيي، استعد.
- مستعد وجاهز لكل حاجة.
غادر مدحت المنزل وتوجه للشركة مباشرة، فقد قرر أن يؤمنها جيداً.
وأعطى خبراً لرجال الأمن أن ينتبهوا جيداً اليوم.
وهاتف آدم واخبره بأن ينتبه لنفسه في الطريق.
ومكالمته أثارت الشكوك والخوف في نفس آدم، فرفض مرافقة أبيه له اليوم وتحجج بأن العمل قليل.
وأوصاه هو وأمه بعدم مغادرة القصر.
وهاتف شركة الأمن التي تأخرت كثيراً في مهاتفتها بأن ترسل له أربعة حراس على القصر وأعطاهم العنوان.
وغادر القصر وهو متوخي الحذر وعينيه كعيون عقاب تراقب كل صغيرة وكبيرة في طريقه، إلى أن وصل الشركة.
أخبره مدحت بأن اليوم من المحتمل أن تكون هناك مؤامرة ضده وستنفذ.
ولم يصرح أكثر، فعرف آدم بأن المؤامرة من عمه وزوجته ومدحت في موقف لا يحسد عليه.
انقضت الساعات سريعاً وقد اطمأن الاثنان بأن ليس هناك أية خطر، وأن مدحت كان متوهماً ليس أكثر.
فانكب آدم على بعض الأوراق ينهيها.
أما مدحت فلم يتحمل أكثر، لقد كان جائعاً وزوجة عمه كالعادة أعدت ما لذ وطاب.
وهو لم يتناول فطوره جيداً، فنادى عامل البوفيه وطلب منه تسخين الطعام.
فنفذ العامل وعاد بالطعام مسخن.
فتح مدحت الصندوق وبدأ في تناول الطعام دون انتظار آدم.
وما كاد ينتهي منه حتى شعر بألم غريب وشديد في بطنه، وكأن أمعائه تذوب.
أمسك بطنه ونظر لآدم وهمس له بوجع:
- آدم إلحقني بطني بتتقطع.
رفع آدم رأسه فوجد مدحت في حالة يرثى لها، يتألم ويتلوى، فأسرع إليه يس
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم ريناد يوسف
صرخت فريال وألقت الهاتف من يدها وأخذت تجري فى كامل الشقة يميناً ويساراً كمن لدغتها عقرب، لا تعرف أين تذهب أو ماذا تقول.
يحيي هو الآخر تصنم ولا يعلم ماذا يفعل. أخيراً استطاع التفكير، هاتفه ابنه ياسين وأخبره بما حدث لأخيه، وأمره بالإسراع للمشفى قبلهم.
نظر لفريال وقال لها بأمر:
"مش وقت صويت، اتصلي بأختك وقوليلها تجيب الترياق معاها وخليها تسبقنا على المستشفى وتدي مدحت الترياق بسرعة."
أمسكت فريال الهاتف واتصلت على أختها، وبدون مقدمات صرخت بها:
"مدحت أكل السم! خدي الترياق واتصلي بياسين واعرفي هما في أنهي مستشفى وروحي وراهم قوام، الحقي الولد يا فاطمة، الحقي مدحت."
أغلقت فاطمة السماعة وأخذت الترياق وذهبت مسرعة نحو المشفى في سباق مع الزمن. إن مرت أكثر من ساعة لن تستطيع إنقاذه.
وصلت المشفى التي أخبرها ياسين بموقعها، وجدت هناك ياسين وآدم فقط. اقتحمت غرفة الطوارئ وهجمت على مدحت تحاول سكب الترياق في فمه، ولكنها لم تتمكن من فتح فمه؛ فقد صك على أسنانه وبدأت نوبات التشنج التي تسبق الموت.
أمسكت إبرة وملأتها وحقنته بها سريعاً، ولكن سقط قلبها عند أقدامها حين رأت جسده يتراخى، وأدركت أنها تأخرت. المادة التي أضافتها للتركيبة مؤخراً أضافت لها قوة أكبر مئات المرات. مدحت أخرج من فمه رغوة ممزوجة بالدماء وكأن أمعاءه لم تتحمل السم فذابت!
رأى الطبيب ما تفعله فاطمة مع المريض، فشك في أمرها، حتى بعد أن أخبرته بأنها طبيبة وسوف تعالجه. فالسم أنواع، وهي أتت بزجاجة فيها ترياق! إذاً هي تعرف نوع السم وكيف تناوله. والمسألة بها جريمة أكيدة، فأخذ منها الزجاجة عنوة وقام بإبلاغ الشرطة على الفور بعد أن فارق المريض الحياة.
أما فاطمة فكانت تنظر لمدحت ولا تصدق بأنه فارق الحياة فعلاً، فبرغم كل شيء هذا ابن أختها بعيداً عن كل الأطماع والخلافات وللموت رهبة.
سمعت صوت فريال في الخارج فأرتعدت أوصالها، ماذا ستفعل الآن حين تعلم أن ابنها مات بالسم الذي صنعته لها بيدها. خرجت من الغرفة ووجدتها تصارع كي تدخل لإبنها. لم يخبرها أحد بخبر وفاته الآن والكل يظن بأنه يتم إسعافه، ولكنها قرأت غير ذلك على وجه فاطمة.
صرخت وهي تدفعها وتدخل كي تتحقق مما رأته على ملامح أختها من صدمة، وضربتها صاعقة القهر وهي تراه ممدداً أمامها، بطوله الفارع ووسامته. لقد كان هادئاً جداً ورحل في هدوء.
اقتربت منه واحتضنته وأخذت تهمس باسمه وتهزه كي يصحو من غفوته وقلبها يُعتصر ألماً. وها هي ترتشف من الكأس الذي ظنت بأنها تُعده فقط ولن يطال شفتيها. غصت وإختنقت الكلمات في جوفها، فقطعة منها فارقت الحياة الآن ولن يعد له وجود وكأنها لم تكن. دمعة نزلت محملة بشعور لا تحتمله.
وابتعدت عنه بجذبة قوية من ذراعها. كان يحيي الذي أراد أن يجرب حظه مع ابنه هو الآخر، فاقترب ينادي باسمه ويحاول إيقاظه غير مصدق بأنه فارق الحياة. ياسين وكارمن، فاطمة وأولادها، الكل تجمع على قلب واحد يقطر ألماً.
ولكن أكثرهم ألماً كان آدم، فقد تعلق بمدحت بدرجة كبيرة وبرغم قوته يتحمل أي شيء إلا الفراق ولحظات الوداع لمن أحب. عقدة صنعت بداخله من وقت طفولته حين ودعته أمه ولم تعد لسنوات، وها هو يودع حبيب آخر.
أما محمود وعايدة فوصلا المشفى وقاما بإحتضان آدم خوفاً وهم يسألونه عما إذا كان يشعر بشيء. فطمأنهم عليه وقص عليهم ما حدث. وتحسباً أحضر معه صندوق الطعام. فصرخت عايدة بفزع:
"وإيه جاب السم للأكل؟ دانا عاملاه بإيدي ومتأكدة من نضافته وكل مكوناته، وغير كده أكلت منه أنا وأبوك عالغدا ومحصلناش حاجة، من نفس الأكل والله."
فرد عليها آدم:
"السم أنا المقصود بيه يا أمي، وإذا تسألين كيف وصل للأكل، فهذا شي يسير على اللي يريد الأذى.. بس خايبين ما يعرفون إني محمي بدعواتك وما يصيبني أي أذى."
كان يتحدث وهو ينظر لفريال، ثم فتح العلبة وتناول من الطعام أمام عينيها وهو يقول:
"هاك الطعام، هاك سمك، الشيء اللي ما تعرفينه يا زوجة عمي إني ما يأثر في سم، ولا أي سم من أي نوع. يمكن لو كنتي تعرفي هالشي ما كنتي تعبتي وخططتي ودبرتي وراح ولدك، أنظف إنسان فيكم.. بس تمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين."
ياسين:
"انت فرحان في أخويا، فرحان وشمتان في الموت يا حيوان؟"
آدم:
"يشهد ربي علي إن قلبي ينزف دم عليه وزعلان على موته يمكن أكثر منك، وأنا ما أشمت بالموت، بس ما أنكر لو إنت اللي رحت فيها بدل هالمسكين كنت فرحت واااجد؛ لأنك معجون من نفس الطبع المسموم، طبع أمك وأبوك."
رفعت فريال عينيها على آدم وعلت أنفاسها وصرخت بجنون:
"إبعد من وشي أنا مش طايقة أشوفك، غور بقى ربنا يأخدك وإن مأخدكش أنا اللي هخلص عليك بإيدي، بقى ابني أنا يموت وإنت عايش وبتتنفس؟ بعد كل ده ابني أنا اللي يموت؟"
احتضنت عايدة آدم وهي تعيذه بالله من دعوات فريال وترقيه بكلماتها التامة من تمنيها الموت له. وجذبته من ذراعه تريد المغادرة به من هذا المكان. نعم هي حزينة على مدحت، ولكنها ليست على استعداد لخسارة ابنها وسماع شخص يتمنى له الموت أمامها والحي أبقى من الأموات.
أما آدم فرفض التزحزح إلا بعد أن يدفن جثمان ابن عمه. حتى وإن طالت الإجراءات، فمدحت لا يستحق منه إلا التكريم. تنحى هو وأمه وأباه جانباً وتركوا مجالاً لفريال تودع ابنها بصرخاتها وتخبطها، ويحيي جالس بجوار جثمان ابنه يمسد على كامل جسده ويتأمله بحسرة، وكأنه يراه كثيراً على الموت!
أما فاطمة فتاهة بين شعورها بالحزن وشعورها بالخوف، تبكي تارة وتتلفت حولها تارة وكأنها تريد الهروب. انتبهت لها فريال فأجهزت عليها وامسكتها من تلابيبها واخذت تصرخ بها بعدم وعي:
"ليه، ليه تعملي كده في ابن اختك، ليه تعملي التركيبة اللي مبتديش فرصة دي وبتموت فوراً، ليه تديني السم اللي أسم بيه ابني ليه ليه، دي جزاتي، دي جزاتي إني خليتك سنين في بيتي انتي وولادك وتاكلوا من خيري، دي جزاتي إني تستر عليكي لما سميتي جوزك ومبوحتش لحد بجريمتك حتى أولادك، دي جزاتي منك بعد كل ده يا فاطمة؟"
هنا شعرت فاطمة بأن أختها أزاحت من فوقها غطاء الستر وستدفع ثمن كل شيء بمفردها، فقررت أن تصوب هي الأخرى وتسدد وترمي، فهدرت بها بكامل صوتها:
"لا بقولك إيه انتي هتهبلي ولا إيه؟ أنا مسمتش جوزي ولا ليا يد في موته واللي يقدر يثبت غير كده يوريني، وأنا آه عملت السم بس انتي المسؤولة عن موت ابنك مش حد تاني، ولو عايزة ترمي بلاكي عليا أنا عندي كل بلاويكي.. مرة لما سممتي انتِ وجوزك ابن اخوه، ومرة لما سممتي أخت جوزك، ومرة لما دبرتوا حادثة لمحمود ومراته وكانوا هيروحوا فيها، وغير المؤامرات اللي فشلت، انتي لو هتفكري تأذيني فانتي هتأذي نفسك للأسف، لاني أنا مفيش عليا أي دليل.. والحكومة مش هتعرف تاخد مني حق ولا باطل، أنا دكتورة صيدلانية وبعمل تركيبة سم وارد إني أبيعها لأي سبب، لقتل الحشرات أو الحيوانات اللي بتعاني من مرض مزمن، أو الكلاب المسعورة، وكل ده لو اتحاكمت عليه هاخد فيه عقوبة عبيطة، أما انتي فبأيدك بتقتلي بني آدمين."
هنا لم تتحمل فريال وأجهزت على أختها بالضرب، وبادلتها فاطمة الضرب، وكل هذا أمام الجميع، وكان الأمر أشبه بأفعين تتقاتلا. أما آدم فلم يفوت أن يصور كل هذا بهاتفه صوتاً وصورة، واحتفظ بالدليل الذي لا يقبل التشكيك.
حضرت النيابة وتم فتح محضر وأُخذت جميع الأقوال، وتم القبض على فاطمة وفريال وتم إحالتهم للنيابة واحتجزتهم النيابة ثلاث أيام على ذمة التحقيق.
كانت الصدمة كبيرة للجميع، موت وخسارة حياة، صدمة لأولاد فاطمة في أمهم التي قتلت أباهم ويتساءلون عن السبب؟ خِذي شعرت به حياة من أمها وما فعلته، بل وقهر أيضاً. نظرت لآدم طويلاً كي ترى من خلال عيونه بماذا يشعر، ولكنه لم ينظر إليها إلا نظرة عابرة لم يكررها، وكأن عيناه أيدت اليوم قراره بالابتعاد وثبت بأنه القرار الأصوب الذي اتخذه بشأن علاقتهما، وأنها لا تستحق محبته وهي تمتلك هذه الأم.
تمت إجراءات دفن مدحت بعد تشريح الجثة واكتشاف سبب الوفاة بمساعدة أمه، فقد أعطتهم زجاجة السم بما تبقى فيها، ولولا ذلك لما عُرف سبب الوفاة، فهي نفس أعراض الذبحة الصدرية. دفنه آدم وعاد لقصرة، جلس على فراشه يتأمل كل ما حدث ويتساءل، هل النقود تستحق أن يفعل الناس كل هذا لأجلها؟ أتستحق أن تُزهق الأرواح وتُقطع الأرحام وتنتهي العلاقات وتُدنس جميع القيم؟
سمع عدة طرقات على باب غرفته فانتبه من شروده وأجاب:
"فوت يا اللي بالباب."
فتحت أمه ودخلت الغرفة وتقدمت منه، ودون مقدمات احتضنته وأجهشت بالبكاء. صمت لبرهة ثم همس لها:
"لا تخافي علي يا أمي أنا بخير ما متت."
"كل ما أتخيل إني كان ممكن أخسرك أحس إن قلبي هيقف ومش بقدر أتنفس."
"سلامة قلبك ودقاته يا غالية.. كفي بكاء أنا قلبي رجيج ما يتحمل دمعاتك."
"صعبان عليا مدحت أوي وزعلانة عليه، ولما شفته ميت قدامي افتكرت أخوك مروان، مات بنفس الطريقة واتخطف من بين إيديا خطف. أصعب حاجة في الدنيا هي موت الحبايب وأنهم يفارقونا فجأة من غير مقدمات، ومش هتصدقني لو قولتلك برغم كل اللي حصل صعبت عليا فريال وهي واقفة فوق ابنها تقلب فيه ومش مصدقة إنه مات، اللحظة دي تشبه طلوع الروح وأنا عشان جربتها متمنهاش حتى لعدوي، بس هو ده عدل ربنا، إن كل واحد يدوق من نفس الكاس اللي سقى منه غيره، واللهم لا اعتراض على حكمك وحكمتك وعدلك."
"واني أقول من وين لي القلب الرجيج خاد اللي ما يتحمل.. طلع موروث منك!"
"هنعلم إيه ربنا رزقنا بلين القلب."
"قصدك ابتلينا."
"لا يا حبيبي ده رزق ومش كل الناس ربنا بيمن عليها بيه، إحنا بإذن الله من ضمن أصحاب القلوب اللي اتحرمت على النار."
صمت آدم وإستسلم لحضنها الدافئ المُحب، ولم يمر الكثير من الوقت حتى انضم إليهم أبيه وأخذ نصيبه من احتضان آدم. ضمه لصدره وقبل جبينه في صمت، لم ينطق حرف واحد فلا كلام لديه، فالآن قد نُبش الماضي وظهرت الدفائن جلية للعيان. وعادت ذكرياته مع ابنه الأول تراوده ويشعر بقلبه يعتصر من الألم، فلو كان موجوداً الآن لكان سنداً لأخيه وأشتد به عضده بدلاً من أن يقف وحيداً في مواجهة تيارات الحياة الجارفة.
أما في البادية..
"وينه زوجك؟"
"بالخيمة يا شيخ."
"روحي اعطيه خبر بأني أريده على وجه السرعة."
"هو.. الحقيقة يا شيخ سالم ما يقدر يجيك، اليوم له أربع أيام ما حط بجوفه غير المي وبالغفلات أكبها بخشمة، سالم يموت قبال رجوه وأنا ما بيدي شي عليه."
"اللي يموت ورا حرمة قلته أحسن، الحين تقوليله امشي للشيخ قصير وإلا بأخذ شعلة نار وأحرق الخيمة وهو جواها.. إحنا مانلفي بينا رجال رخوة."
"تم يا شيخ الحين أروح أقوله."
ذهبت مسرعة نحو الخيمة تحاول أن تخرج سالم لعمه بأية طريقة، فهو لا يتفوه بكلمة إلا ونفذها. أما قصير فبعد أن غادرت مزيونة توجه مباشرة لخيمة بناته، سعل بصوت عالٍ ينذرهم بقدومه ثم دخل الخيمة. وجد رجوه ممددة في الفراش، شاحب لونها ووجهها غادرته معالم الحياة. اقترب منها وتفحصها قليلاً ثم أردف:
"من يوم اللي جيتي عالدنيا وعكرتي كل شي، صرتي شوكة بضهري وما أعاني وصبرني عليك غير سالم. سالم اللي كان راضي بيك بكل عيوبك. تعرفي يا بلوة زماني أنا ما تمنيت لحد الموت بقدر ما أتمناه لك الحين، صدقيني بموتك كل شيء راح يتحسن، سالم يواصل حياته وما يخسر رفيق عمره وما يتحسر كل ما شافك بالقبيلة أمام عيونه.. أنا ما جاي أقولك طيبة يا رجوه، أنا جاي أقولك موتي، موتي إذا بيك خير وتريدين الكل يضل بخير ويعيش بسلام، موتي لأنك صرتي تشبهين غراب أسود ينعق فوق جريد نخلة بنص القبيلة وعلى حسه يجي فال الشوم وكل شيء يصير أسود مثل لون ريشه.. الله ياخدك ويرحمنا كلنا منك وأولنا سالم."
أنهى كلماته وغادر الخيمة، غادر وكانت كلماته هي القشة التي قطمت ظهر البعير. حاولت البكاء فلم تجد دموع تنزل منها، فقد جف جسدها تماماً، أغمضت عينيها وبكت دون صوت، دون دموع، ودون أن يشعر أحد بأنها تبكي.
خرج قصير من الخيمة فوجد سالم جالس في مكان المجلس أمام خيمته ينتظره ومعه مزيونة زوجته التي صاحت حين رأت قصير:
"هاك سويلم جبتك لك يا شيخ متل ما أمرت."
ذهب إليه وأول ما فعله هو أن رفع عصاه وقام بضرب سالم بها على ذراعه. تألم سالم في صمت ولم يتحدث، بل نظر لقصير بنظرة عدم مبالاة. فأعاد قصير الكرة مرة بعد مرة حتى أسرعت مزيونة التي كانت تشهق مع كل ضربة بألم وكأنها تنزل على قلبها، وأرتمت على سالم تحميه بجسدها، حينها كف قصير عن ضربه ووقف شامخاً أمامه وقال له:
"أنا من يا ولد؟"
أجابه سالم بضعف:
"عمي وشيخي وشيخ قبيلتي."
"حكمي يمشي عليك ولا لا؟"
"يمشي علي يا شيخي ونعلك فوق راسي."
"الحين، يا تاكل وتقوم وتصير واحد من رجالي اللي ربيتهم على يدي وعلمتهم المرجلة كيف تكون، يا تلم متاعك وتاخد زوجتك وتغادر قبيلتي وبلا رجعة، ولا انت ولا نسلك تنتمون ليها، وراح أكتب مرسول لكل شيوخ القبائل ما يستقبلونك، وأجردك من لقب قبيلتنا، وتغروب عنا وتهيم على وجهك في البلاد، لا لك أهل ولا عزوة ولا تقرب نواحينا."
نظر له سالم بعدم تصديق وأردف بضعف:
"إيش هاد اللي تقوله يا عمي؟"
"أنا قلت وانتهى قولي."
"بس أنا أقسمت قسم ويميني ما فيه تراجع وانت تعرف يا شيخ."
"القسم على معصية الله باطل يا سالم باطل، وانت أقسمت أنك تموت كافر وتتعذب وترمي بروحك للتهلكة، عن أي قسم تتكلم انت وعن أي يمين؟"
نظر سالم بعيداً ورد عليه:
"زين.. أمرك مُطاع يا شيخ."
"أي أمر منهم يا سالم؟"
"بجمع متاعي وأرحل من القبيلة."
جحظت عينا قصير، فلم يكن يتوقع أن يكون هذا هو جوابه، ودون تفكير نزل عليه بعصاه يضربه في أي مكان وكل مكان حتى أدماه، وكل هذا وسط صرخات مزيونة التي على أثرها أتى الجميع مسرعين، وشاركتها أم سالم في الصراخ وهي ترى وليدها يتعرض لمثل هذا الضرب المبرح لأول مرة في حياته. تكاتف الجميع ونجحوا في إبعاد قصير عن سالم، ولكن بعد أن آلمه ذراعه من كثرة الضرب، وإرتمى الآخر على جنبه دون حراك.
فصرخت مزيونة في الجميع:
"يا أهل القبيلة غيثونا، الشيخ أمر سالم بأنه يغادر القبيلة وراح يحرمه من نسبه واسم القبيلة، وين نروح؟ انت تعرف يا عمي إن هاد كله من ورا رجوه بتك الفانص وتدري إن سالم يموت وراها إذا ماتت، وبدل ما تروح تأمرها هي تاكل جاي تنفي ولد خوك وتتبرى منه؟"
"أنا ما أحاسب حريم يا مزيونة ولا أجادل ناقصات العقل، أنا أحاسب الرجال واللي يفقد صفة من صفات الرجولة ماله مكان بقبيلتي، وسالم فقد كل صفات الرجولة وما ضل فيه غير ضعف ما يشرفنا يكون صاحبه واحد من قبيلتنا.. خذي زوجك وردي لخيمتك ولمي أغراضكم وغدوه بجيب سيارة كبيرة تاخد كل شي يخصكم وتاخدكم انت وهو وتغادرون بلا رجعة."
أنهى كلماته وغادر وترك الجميع في حالة هرج ومرج، فهذه المرة الأولى التي يتعرض فيها أحد من قبيلتهم لمثل هذا الموقف، ومن.. سالم؟!!!
أخذت أم سالم ومزيونة يقنعانه بعد أن عاد لوعيه بتناول الطعام وعدم تحدي الشيخ، فالأمر سيكلفه كثيراً، ولكنه رفض رفضاً قاطعاً، وأطبق فمه أمام كل المحاولات، وأخذ يردد في نفسه:
"يا نعيش معها ونشوفها قبال عيني حية حتى لو بعيدة، يا أما أموت معاها، فلا الدنيا بلا رجوه دنيا ولا العمر له قيمة."
جلس رابح وباقي شباب القبيلة حول سالم بعد أن فرقوا النساء وجربوا هم حظهم معه، ولكنه ظل على رفضه وعناده. فضرب راجح الأرض بيده ونهض وهو يشعر بالانهزام من هذا الغبي، وهاتف آدم، فهو أملهم الأخير. شرح له الوضع وأخبره بكل شيء، وتفاجأ هو أيضاً بما حدث معه، وعلى الفور ترك آدم المدينة وتوجه للقبيلة بعد أن وضع على أبويه الحراسة التي جعلت قلبه يطمئن، فهذا سالم؛ لا تأخر في أمره ولا تردد في مساعدته.
وصل القبيلة في وقت قياسي، لم يهتم بأمر السرعة ولا الرادارات التي سجلت العديد من المخالفات، وبمجرد أن حطت قدمه على رمالها حتى علمت مزيونة وذهبت إليه مسرعة تترجى وتتوسل:
"يا عقاب، يا خوي رجيتك وأعرفك ما ترد لحد رجى.. استحلفك بكل عزيز وغالي تساعد سالم باللي تقدر عليه، سالم استسلم للموت مع رجوه، ما يهتم بيا ولا بحياته ولا بقبيلته ولا بشيء غيرها، وأنا نريده، والله أموت إذا صار على سويلم شيء."
أنهت كلماتها وسمع صوت عوالي من خلفه تقول:
"أظن إنها نهاية الزوز يا عقاب، لا تلوم روحك إذا حاولت مع سالم وما فلحت، روح سالم مربوطة بروح رجوه وإذا فارقت فارق."
"أنا انكسر راسه ونوكله غصبن عنه.. لو لازم الأمر أنشق بطنه ونحطله الأكل بأمعائه ولا تحكم عليه هي الفانص بالموت وهو التيس تابعها بلا عقل ولا فهم."
"حاول يا عقاب حتى ما تندم، بس كمان إنا نريد نفهمك إنك إذا فشلت ما تتعذب ولا تحمل روحك ذنبه.. هاد واحد فانص عشق وحدة فانص وهاي هي نهاية الفوانص.. قبلها عبلة سوت بعنتر الأهوال وساقته على بلاد الملك النعمان يجيب نيقان لجل عيونها، ورجوة الحين سايقة سالم عالموت وهو ما معترض."
ذهب آدم لسالم وهو مستشيط غضباً، صعق مما رأى، هل هذا سالم حقاً! سالم القوي، سالم رفيقه الذي كان يستمد منه قوته؟! اقترب منه وبعد النظر في وجهه قليلاً أغمض سالم عينيه استعداداً لوابل من الشتائم، ولكن كل ما تلقاه من آدم بثقة على وجهه كانت أصعب من كل كلام الدنيا. اقتربت مزيونة وبطرف كمها مسحت لسالم وجهه وهي تنظر لآدم بلوم، أما آدم فنظر لها وبأمر قال:
"روحي جيبي أكل وما أكون عقاب إذا ما وُكلته اليوم حتى يطفح الأكل من زوره."
نهضت مزيونة ونظر له سالم وأردف بضعف:
"ما تتعب روحك، أنا حالف يمين."
فرك آدم وجهه بقلة صبر وهمس له وهو يصك على أسنانه:
"سالم إذا تكلمت نص كلمة وأنا على آخري منك وربي ما أخلي أمك اللي ولدتك وربتك تتعرف على ملامح وجهك."
"عقاب ما تتعب حالك، سالم عاهد روحه ومو سويلم اللي ينقض لعهود."
عادت مزيونة مسرعة بالطعام، وقفت تنتظر أوامر آدم فأخذ الوعاء من يدها وجلس بجوار سالم وحاول إطعامه بكل الطرق، بالقسوة واللين، بالعنف والمحايلة، ولكن دون جدوى. نظر إليه والشرر يتطاير من عينيه وقد تبخر صبره، نظر حوله فتبسم سالم لهوجة ضرب جديدة آتية على يد عقاب، وستكون أقوى من هوجة عمه قصير. ولكنه فوجئ بآدم يترك الوعاء من يده ويحمله هو بدلاً عنه بحركة سريعة على كتفه وأمسك الوعاء وخرج بهما من الخيمة. تبعتهم مزيونة وهي لا تعرف ماذا سيفعل عقاب بسالم؟ وتبعه رابح أيضاً ومعزوزة إلى أن وصل أمام خيمة رجوه، وأنزل سالم وأمره بالبقاء هنا مع الجميع.
أخذ الوعاء واستأذن في الدخول. سمعت صوته فظنت أنها في حلم، أو ماتت ودخلت الجنة وها هي أمنياتها تتحقق. ولكنها أدركت أنه حقيقة حين نادى اسمها ففتحت عينيها بوهن فوجدته أمامها! أرادت أن تصرخ باسمه ولكن صوتها وقوتها لم تسعفاها.
اقترب آدم أكثر إلى أن جلس بجوارها، نظر إليها بتمعن ولم ينطق، أما هي ففي نظراته هذه عاد قلبها للحياة ونبض من جديد، بل وعاد الدم يضخ في جسدها وكأن آدم وصوته وقربه إكسير الحياة. همس لها أخيراً بهدوء ونبرة لم تعهدها منه:
"سمعت إنك قاطعه الزاد يا رجوه، قالوا لي رجوه تريد تموت؟ قلت إذا ماتت رجوه مات معها كل شيء حلو بالقبيلة."
نظرت في عينيه وهي لا تصدق ما تسمع، فأكمل وهو يرى حركة بؤبؤ عينيها غير المنتظم وعرف أنه بدأ يضرب على الوتر المطلوب:
"تحبيني صدق يا رجوه؟"
تعالت أنفاسها وأومأت برأسها فاقترب بوجهه منها وهمس بصوت أذابها:
"طيب إذا تحبين عقاب أثبتي له يا رجوه محبتك."
قطبت حاجبيها بدون فهم فأكمل وهو يمد لها وعاء الطعام:
"كلي من يدي وقومي وارجعي متل ما كنتي، غزالة برية ما يقدر عليها صياد ولا يصيبها رامى مهما سدد، قومي وخليني أشوفك قديش قوية وتقدري تواجهي الدنيا لو لا، قومي وعلى قدر قوتك على قدر ما تزيد غلاتك بقلبي."
لم تكن قادرة على استيعاب هذا الكم الهائل من الغزل، بل ولا تصدق أن عقاب نطق بهذا الكلام من الأساس! مهلاً، أهو أعطاها وعداً صريحاً للتو بأنه سيحبها بقدر قوتها؟ أيعقل أن يكون أتى لإعطائها الفرصة التي تتمناها؟ وهل هذا بفضل سالم ونجحت أخيراً في الضغط عليه، أم أن آدم بالفعل خاف أن يخسرها وتموت بسببه؟ همست لنفسها:
"مو مهم.. مو مهمة الأسباب، المهم إنه جاني."
رأى صمتها وتوترها فعرف أنها لانت، بل وصدقت أيضاً، فدس يده في وعاء الطعام وأخذ منه القليل وقربه من فم رجوه وهو يقول:
"هاك يا رجوه، هاد اختباري لك وهاد إثبات محبتك لي."
فتحت رجوه فمها ببطء فوضع آدم الطعام فيه، لمست يده شفتيها فشعرت بقشعريرة تسري في كامل جسدها، مضغت الطعام على مهل وساعدها بأن قرب من فمها وعاء الماء وسقاها بيده أيضاً. أكلت وشربت من يده ولا تزال لا تصدق، وكأنها في حلم وتدعو ألا تفيق منه.
وبعد أن اكتفت من الطعام نظرت لآدم وهمست له:
"عرفت الحين يا عقاب قديش أحبك.. سل أهل القبيلة كلهن وشوف كم مرة حاولوا معي وبس إنت اللي فتحتلك خشمي وكلت من يدك متل ما فتحتلك قلبي، بس إنت يا عقاب اللي حلقت بسما الروح وعششت على أغصاني."
صمت آدم وهو ينظر لها ثم نهض دون أن يرد عليها، فسألته في لهفة:
"لوين رايح؟"
"رايح أعطي صحن الأكل لتيس جوعان شفته بالطريق وأنا جايك."
"بس ما تغيب على يا نبض هالقلب."
"لا ماراح أغيب، أنا رديت القبيلة لجلك، والحين قومي تحممي وبدلي ملابسك واقلعي عنك ثوب المرض والضعف، انت رجوه القوية اللي من يومها ما حد يقدر عليها ورقدتها عار على اللي تربت عليه وشب عودها."
غادر الخيمة ونظر لسالم الذي كان يستمع لكل حرف ونكس عينيه للأرض حتى لا يلتقيا بعيني آدم، فمد آدم له الوعاء وقال له بكلمات لازعة وكل كلمة تشبه ضربة سوط على قلبه:
"هاك يا سالم، خد كل بواقي رجوه، أعرفك صرت ما تاكل ولا تنتظر إلا البواقي، صرت ترضى بالفضلات وتاكل اللي يعافه غيرك وتقف على أبواب الخيام تنتظر الشفقة، وأنا اللي عرفتك عزيز النفس بس ما أدري ايش غيرك؟ سمعت بودانك يا سالم وحسيت، حسيت بالقهر وإنت تريد تموت روحك على وحدة ما يهمها موتك من حياتك.. ولك اصحى ورد لهيبتك وقيمتك يا سالم كافي نزلت من كل العيون وبساط الرجولة انسحب من تحت رجولك واللي سحبته عيلة ربيتها بيدك وكنت تلاعبها وبس كبرت لعبت هي لعب بيك."
دفس آدم الوعاء بيد سالم بالقوة وغادر وقد أعطاه درساً أقسم بينه وبين نفسه إن تجاهله هذه المرة فسيُنهي حياته بيديه ويطلق عليه النار في منتصف قلبه وينتهي الأمر. ذهب إلى خيمة الشيخة عوالي، وقد كانت بانتظاره، دخل الخيمة وجلس بجوارها فتبسمت له وقالت:
"الشيخ منصور قال ماراح يحلها إلا عقابي."
"أنت اللي خبرتيه يا عمتي؟"
"أي أنا، لازم يعرف كل شيء يصير بالقبيلة، فيه واااجد أمور ما تنحل إلا على يده يا وليدي، وقصير مهما بلغت معرفته جاهل ببعض الأمور، ولسه أمامه سنين طوال حتى يعرف يدير القبيلة بحكمة متل الشيخ منصور."
"بس يا شيخة هو مريض وعمي قياتي قال الطبيب مشدد إن ما حد يزعله أو يزعجه."
"لا ماتخاف، منصور ماينزعج من هيك أمور، هاد لعب وليدات صغار ما يأثر. بس أقول.. كيف أقنعت الفانص تاكل؟"
تذكر آدم هاتفه للشيخ منصور له في الطريق.
"هلا يا شيخي يا مية هلا وغلا، كيفك وكيف صحتك ان شاء الله مليح؟"
"اتركني واترك صحتي ولزوم تروح عالقبيلة وتتدخل الحين، سالم فلت زمام عقله وصار مضحكة بين القبيلة وعن قريب راح تصير قبيلتنا بسببه مضحكة كل القبائل وحديث مجالس الشيوخ وسهرات السمر.. الحين تروح يا عقاب وتنهي كل المهازل اللي تحصل بقبيلتي."
"أي يا شيخ بس إنت ما تعرف رجوه إيش تريد وسالم ماشي وراها متل التيس."
"أدري تريدك.. عشقتك الفانص وباعت الغالي رخيص لجلك واعرف إن زواجك منها أمر مستحيل. بس يا عقاب في الحروب دوم نلتجئ للحيلة والمكر، وانت بحرب إذا خسرت فيها راح تكون خسارتك واااجد كبيرة، راح تخسر رفيق عمرك وأنيس مشوارك وما تضمن الأيام تعوضك خسارتك ليه، ولا يجود عليك زمانك برفيق متله، وإذا ربحت الحرب راح تربح سند وضهر وساعد يشيلك ويشيل معك وقبل ما تطلبه يلبي. أعرفك تحب سالم وادري المحبة تولد التفكير، فكر وخطط ونفذ وأريد أشوف مكر ثعالب الصحاري فيك.. واعرفك قد الثقة يا مرباي يدي."
انتبه آدم للشيخة عوالي التي أعادت عليه سؤالها مجدداً، فقص لها ما حدث بينه وبين منصور وما فعله مع رجوه، فتبسمت عوالي وهي تنظر إليه وهمست:
"صدق منصور وقت قال ما يجيبها إلا عقابي."
أما سالم فبمجرد أن غادر آدم نظر للوعاء في يديه وتذكر كلمات رجوه لآدم ورفع الوعاء وضربه على الأرض بغضب، ونظر لمزيونه وأردف:
"تعي اسنديني ووديني خيمتنا وجيبيلي أكل، وكل جديد ما حد أكل منه قبلي، خلص من اليوم ماراح ياكل سالم بواقي حد، ولا راح يتسول طعام."
تنفست مزيونة الصعداء، وأخيراً سيعود إليها حبيبها، ولعل ما سمعه هذه المرة هو آخر مسمار يُدق في نعش محبته لرجوة وتنتهي هذه المعاناة للأبد. غادر آدم خيمة عوالي بعد الكثير من الكلام، وذهب لعمه قصير وجلس معه ورأى فرحة قصير بقدومه، حيث أن الشحنة ستصل للممر بعد غد، وبما أنه هنا سيتسلمها معه ويعتقه من هذا الهم الكبير.
مر الوقت وخيم الليل، وكانت رجوه قد استعادت القليل من صحتها، أكلت وشربت، تحممت ومشطت شعرها ووضعت الكحل في عينيها، وجلست في خيمتها تنتظر أن ينتصف الليل فتخرج من خيمتها وتبحث عنه، فهي حلمت حلماً جميلاً وتريد إكماله ومعرفة نهايته. وبينما هي جالسة دخلت عليها خوله دون استئذان ووقفت أمامها وضحكت بفرحة ثم وضعت يدها على فمها ولما أبعدتها قالت:
"سبحان اللي يحيي الموتى، والله يا رجوه لو شفتي حالك من يومين وانتي فاتحة خشمك وريحة عفنة معبية الخيمة تظني إنك متي وبطنك عفنت من الداخل."
نظرت لها رجوه ولم تنطق، فجلست خوله بجوارها وأكملت وهي تتأمل ثيابها:
"رجوه أقول أنت ليش ماتحبيني؟"
ظلت رجوه محافظة على صمتها وتركتها تثرثر، فهي لا تقوى الآن على أية مقاومة من أي نوع حتى بلسانها. ولاحظت نظر خوله لملابسها، فقامت بوهن وذهبت لصندوقها واخرجت منه ملابس مثل التي ترتديها واعطتهم لخوله. احتضنت خوله الملابس بفرحة ونهضت فوراً وغادرت الخيمة وهي تقول:
"تعيشي وتعطي يا رجوه واعيش وآخذ، غدوه أجيك آخد باقي الأشياء، النعال والبرقع وهي المكحلة الحلوة اللي خلت عيونك صارن واااجد حلوات."
أغمضت رجوه عينيها وتركتها تعبر عن فرحتها وتغادر، فهي قررت أن تتخلى عن بعض ما تحب لتكسب القليل من الهدوء.
بعد أن أنهى آدم حديثه مع قصير ذهب لخيمة سالم، فقد شعر بأنه قسى عليه كثيراً، استأذن بالدخول وجلس بجواره ولاذ الاثنين بالصمت، ففهمت مزيونة أنهم حتى إن تعاتبوا فلن يكون أمامها، فتحججت بصنع القهوة وغادرت الخيمة لتترك لهما المجال.
نظر آدم لسالم وقال:
"هاااا-إيش تريد؟"
"أريد أعرف موقفك الحين."
"ما فيه مواقف ولا شيء."
"زين أريد أعرف قرارك."
"بخصوص؟"
"سالم لا تمثل دور المجذوب الحين."
"خلص يا عقاب ما فيه شيء من كل الخرابيط اللي كانت بعقلي وقلبي.. رجوه من الحين أنا طلعتها من قلبي وتشهد علي الأيام الجايات ما تربطني بها أي صلة.. كافي."
"ومرتك؟"
تنهد ثم قال:
"مرتي؟ مرتي هي العوض اللي ربي عوضني بيه سلفاً وأنا بقلة عقلي كنت أغرز كل شوي بقلبها خنجر مسموم، ومن الحين نحاول نعوضها عن كل اللي سويته بيها."
"وعد رجال؟"
"وعد رجال يا عقاب."
"يعني رجوه ما عاد لك دخل بها يا سالم؟"
"ولا أي دخل يا خوي."
"وإيش ماسويت أنا أو أي حد غيري ماراح تتدخل ولا تزعل؟"
"لا ما أتدخل ولا أزعل.. بس قلي إيش تريد تسوي؟"
"أريد أنهي عليها."
"إيش؟"
"هاااا، إيش من شوي حكيت يا سالم؟"
"بس اريد أفهم."
"لا ماتفهم، أنا راح أنهي على رجوه وأتزوجها، وانت وعدتني إنك رميتها من قلبك وإنها ما عادت تهمك، خلص قررت أحقق لك رجاء سابق وأتزوجها، بس لأجل تشوف ثقتي فيك وإني أعرفك ماتتعدى على حريم أخوك ولا تنظر لهل بيتي بعين خبث يا سالم."
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم ريناد يوسف
نظر سالم لآدم ولم ينطق.
فسأله آدم:
- ليش ماقولت شي؟
- ايش اقول يعني ياعقاب، إذا تريد تنهي عليها هاد قرارك، انا ما عاد لي رأي بهالأمر.
- أي بس فيه شرط.. رجوه راح تصير شي خاص بي، وانا الشي الخاص بي ماحد يتدخل فيه.. بمعني إذا شفتك تعترض على أمر بيني وبينها ماتلوم إلا روحك، تمر من أمامها إذا شفتني صالبها على نخله ماتتدخل وتكمل طريقك ولا كنك شفت شي.
- اقول صارحني ياعقاب على ايش ناوي، وايش راح تسوي بنهوة صياح على رجوه وعمك قصير بروحه عطاها له؟
- ماتشغل بالك، إشقى أنت بروحك وانا بعرف أحل مشاكلي لحالي.. والحين انا طالع، باكل لقمة واركب فرسي واطلع للقنص، إذا ذراعك مازال ذراع قناص وعينك للحين تعرف ترصد اهدافها بعز الليل وتقدر تشيل قوسك وسهامك حصلني، أنا بالوادي انا ورابح.
خرج من الخيمة واخذ رابح، وهلال لم يفوت الفرصة ورافقهم، ونزلوا الوادي البعيد المليء بالغزلان البرية والأرانب، وبدأو يقنصون تحت ظلام الليل الخداع ويتبعون الحركة فقط واحياناً إنعكاس الضوء في العيون.
ولحقهم سالم.
وكان لآدم نصيب الأسد من الصيد، أما سالم فلم تساعدة قوته الخائرة وإرتجافة يده على أن يسدد رمية واحدة صحيحة، حتي شعر بالخزي وهو لأول مرة يعود خائب القنص بدون صيد.
عادوا للقبيلة عند الفجر، كُل ذهب لخيمته، اما آدم فذهب لغرفته وهاتف أمه وأبيه ثم هاتف الشيخ منصور بعد ان صلى الفجر؛ فهو يعلم انه يكون مسستيقظ في مثل هذا الوقت، وقص عليه ماحدث، وقال له على ماينوي فعله وطلب منه المساعدة.
- أي ياوليدي بس أنت تريدنا نخالف لاعراف وإذا القبايل شمت خبر وصياح أو غيره راح اشتكى علينا عند شيوخ القبايل العار يلحقنا ويصير غلطنا ماله دوا.
- بس انا فهمتك ياشيخ وشرحت لك أسبابي، وادري إنها مستحيلة وماحد راح يقدر يسويها غيرك، أنت اللي بتقدر على عمي قصير وغيرك مايقدر.
تنهد الشيخ منصور وصمت قليلاً يفكر، وأخيراً تحدث:
- أبشر ياعقاب، انا بحكي مع قصير وربك يدبر الأمر، لكن دير بالك اللي تريد تسويه جايز يرد عليك بنتيجة عكس اللي توقعته، هي فانص القبيلة وماتأمن عقلها الخربان وتصرفاتها.
- وإذا هي فانص القبيلة انا عقاب القبيلة، اريد اعرفها العقاب يقدر يحكم الفوانص ولا يروح يطم روحه تحت الرمال، واريد اشوف كيف راح تسوي شي من دون رضاي وماتمشي رهن إشارتي.
- بس مااريد الأمر يطول ياعقاب.. واتمنى يتم بدون فظايح.
- ماتخاف ياشيخ، انت تكلم عقاب مو وليد صغير..بس اريد انا اللي ابلغ رجوه بالأمر بطريقتي.
أنهي آدم المحادثة مع منصور وتنهد بتعب ونام وهو يفكر هل ماسيفعله صحيح أم خاطئ.
امسك هاتفه وبحث عن رقم حياة ووقف أمامه يتأمله، يشعر بإحتياجه لمهاتفتها الآن جداً، ولكننه لا يعرف ماذا سيقول لها، أيخبرها بما هو مقدم عليه أم يخبئه ويخبرها بانه مشتاق فقط، وأعظم أمنياته في هذه اللحظة أن يتسمع لصوتها الحنون الذي يبث فيه الطمأنينة ويشبه تهويدات أمه له وهو صغير.
أطفأ هاتفه بعد أن تغلب عليه النوم، فأغمض عينيه وهرب بعيداً.
.......
طلع النهار وأستيقظ الجميع، خرج آدم من غرفته علي صوت مرسال من الشيخ قصير، فعرف أن الشيخ منصور هاتفه. فذهب إليه مباشرة.
- حياك الله ياشيخ.
- تعال ياعقاب اريد احكي معاك.
- تحت امرك ياعمي وكلي أذان.
- الشيخ منصور كلمني وقالي شي الحقيقة انا مامقتنع بيه.
- من بعد إذنك ياعمي انا لي وجهة نظر، شرحتها لعمي منصور والحين اشرحها لك.
قص عليه كل شيئ فصمت قصير ثم أردف:
- بس انا اقول كل اللي تريد تسويه ماله داعي، رجوه بتتزوج صياح غصبن عنها، وإذا قطعت الزاد وماتت تموت ماراح يجرا شي، لكن تعيش وتخلى رجال تقف على شنابهم الصقور يحتاروا فامرها هي ماجرت ولا تجرا.
- لا ياشيخ مو حيرة بأمر رجوه، بس خوف على سالم، انا اريد احافظ على خليل عمري ورفيجي واردله عقله براسه، واعرف زين إذا رجوه صابها مكروه ولا تعبت بحياتها سالم بيترك الدنيا ومافيها ويقعمز قبالها. وانت تدري إيش سالم وأهميته وسطنا وإيش تعلم على يدك، ومافي حد بينا كلنا له طولة باله وكلنا راميين الأمل عليه إنه هو اللي بيدرب وليدات القبيلة من بعدك ويعلمهم كل الفنون وبنفس صبرك وجلدك وطولة بالك.
أماء قصير برأسه موافقاً على ماقاله آدم وفكر قليلاً ثم قال:
- وصياح ايش راح اسوي معاه؟
- صياح خليه علي، ماتقوله شي واترك الأمور متل ماهي.
غادر آدم من عند قصير ومشى في القبيلة بين الخيام، فوجدها واقفة من بعيد تنظر إليه ومن الواضح أنها تنتظره.
ذهب إليها وكلما إقترب رأى إبتسامتها تتسع أكثر، وقف امامها وقال:
- حياكِ الله يارجوه، ليش واقفه هين؟
- انتظرك ياعقاب.
- ليش تنتظريني؟
- اريد اعرف ايش ورا الكلام اللي حكيته بالأمس، انت طلبت مني اثبتلك محبتي وتم، الحين بعد ماعرفت إني انحبك وعلى استعداد اسوي اي شي لاجلك على ايش ناوي؟
- ولا شي.
تجهمت ملامحها بعد جملته وسألته متعجبة:
- كيف يعني ولا شي ياعقاب؟
- يعني ولا شي يارجوه، انا عرفت انك تحبيني.. بس انا ما أحبك، ايش اسويلك يعني، وبعدين أنا حكيتلك إني احب حياة، إيش اسوي بمحبتك لي.. هاد شي يخصك وانت إشقي بيه.
- بس... بس إذا ماناوي تعمل شي ليش جيت خيمتي ووكلتني بيدك وشفت منك هداك الحِن؟
- هاد لأنك غاليه علي.. غاليه علي واااجد..ونحبك يارجوه، بس انحبك متل اختي، محبة اخ لخته..المحبه اللي ماتنفع تنتهي بزواج.
ردت عليه بحده:
- بس انا مو اختك ياعقاب، ومافي شي إسمو اختك وماينفع زواج، طوال مااحل لك ينفع الزواج، وما اختك الا اللي تيجي من بطن أمك.
- غريب أمرك يابت مكاسب، مو هاد كلامك لسالم، ولا انتِ مبادئك تتغير حسب مصالحك؟
- ماتخلط الأمور ياعقاب ولا تدخل سالم بينا، انا وسالم شي وانا وانت شي ثاني.
- نفس الشي يارجوه بس تغالطين روحك.
- اريد أسألك سؤال وتجاوبني بالصدق ياعقاب.. أنت بعد كل اللي جرا بتتزوج حياة؟
- ماادري.. الزواج قسمة ونصيب وما كل اللي عشق ياخذ شويقه.
- طيب اقول.. اعطيني فرصة، اعطيني فرصة وقرب مني وشوفني بعين ثانيه غير اللي طول عمرك تنظر لي بيها، شوفني بعين محبه واختبرني وشوفني انفع لك مره ولا لا.
- عن أي فرصه تحكي يارجوه وانت منهي عليكي وسالم خوي يحبك؟
- اذا عالنهوة ماتشيل هم، انا بخلي صياح بروحه يقول مااريد رجوه ويفك نهوته عني.. واذا على سالم انا اخليه يكرهني ويشوف العمى ومايشوفني.. وإذا عليك أنت بتشوف ايش مستعده رجوه تسوي لاجلك.
تنهد وهو ينظر إليها، فحقاً حالتها صعبة وشيطان العشق تلبسها كلياً، وبنظرة الإصرار والتحدي التي يراها داخل عينيها الآن.. هي مستعدة لفعل اي شيئ وكل شيئ، والخوف كل الخوف ممن وضع قلبه على كفه وقرر أن يحارب الدنيا لأجله.
رد عليها اخيراً:
- موافق يارجوه، بعطيك فرصة.. بس ماراح اتزوجك إلا ومسألة زواجي بحياة انلغت، وغيرها اكون تأكدت إنك طلعتي من قلب وعقل وروح سالم بالمرة، اما صياح فاتركي أمره الحين، مو وقته مانريد صِياح منه ومشاكل الحين، انت إبدي بسالم وصياح امره سهل.. وهاد الحكي يضل بيني وبينك، إذا عرف به مخلوق اعتبري اتفاقنا لاغي؛ لان مو عقاب اللي ينجاب طاريه بشين وينذكر بالسوء وينقال إنه خرب نهوة رجال لينهي هو على نهوته.
ردت وهي لا تصدق ماسمعته للتو:
- لا لا، ماتخاف يانبض القلب والله ماحدا يعرف شي، وكل اللي قولته اعتبره تم.. أبشر ياعقابي من الحين كل حرف يخرج من جوفك إعتبره أمر علي وملبى من خشم مصكر.
أومأ لها برأسه ونظر بعيداً للفراغ دون ان يتحدث ففعلت هي:
- عقاب خدني للوادي.. والله اشتقت للوديان والقنص وركوب الخيل، بس اللي اشتقتله اكثر إني أسوي هالشي معك، وانت جواري.
صمت قليلاً ثم اردف:
- لا.. من الحين.. لا فيه وديان ولا قنص.. ولا ركوب خيل.. ومافي طلعة من القبيلة لأي سبب.
صمتت قليلاً تستوعب هذا القرار المتعسف ثم اجابته بهدوء:
- تم ياعقاب، مافي كل شي.
- ومن اليوم مااشوفك إلا بمجالس الحريم وقدام المواقد، تطبخي وتنفخي وتسوي الوكل بيدك وتتعلمين كل شي تسويه البنيات.. كحل بعيونك ماتخلي، حُمره بشفافك ماأشوف، تيابك اذا شفتهم مخصرات عليكي بشعل النار فيهم وانتي لابستهم.. فهمتي علي يارجوه؟
- أي اي فهمت.
صمت وصمتت هي وبلعت لعابها ثم تبسمت وأردفت:
- اروح فدوه للي يغار.
نظر لها آدم بطرف عينه ثم نظر بعيداً مرة أخرى.
لم تريده ان يصمت، هي تتمني سماع صوته فلم الصمت، فاردفت قائلة:
- بخصوص سالم، من اليوم ماراح اخلي مكان يجمعني به ولا راح اخليه يشوف طرف ثوبي، اعرفك تغار وانا مااريد اجرح شعورك.
- مين حكم بهالاحكام؟ انا قلت هيك شي؟.. اسمعي يارجوه، انا اريدك تتعاملين مع سالم عادي، لا تبعدي اكثر من اللازم ولا تقربي القرب الاول، اريد التعامل بينكم يكون في حدود الاخوة، تجتمعون بالمجالس وليالي السمر وتحكي معو وتردي عليه إذا حكى معك.. اريده يعتاد وجودك امام عيونه.. اريدك تصيري له شي عادي، وزوجته رافقيها، خليها متل معزوزه لان انت تعرفين إن علاقتي بسالم ماراح تنقطع وراح تتلاقون واااجد.. واريد كل شي مضي يتنسى ويروح.
- أمرك.
- والحين ردي لخيمتك وشوفي ايش بتسوي اليوم، هي النخله مااريدك تجلسي تحتها مره ثانيه ولا تبتعدي عن الخيام.
- ابشر.. يلا بخاطرك يا عطية ربي.
غادرت رجوه ووقف يراقبها وهو يشعر بشعور سيئ، يخدعها وهو الذي تربى على الصدق ويبغض الخداع، لقد جعلته تلك الشيطانه الصغيرة يتخلى عن الكثير من مبادئه ويخالف ماتربى عليه، ولم لا فهي في النهاية حواء، وحواء اخرجت آدم من الجنة وانسته كلمات ربه.
عادت لخيمتها، سعيدة تشعر بأنها ملكت العالم، اخذت فرصتها التي تتمناها وستغتنمها حق الإغتنام.
أبدلت ثيابها بأخري فضفاضة وخرجت، ولأول مرة تجلس امام الموقد وتساعد في إعداد الطعام وبكل رضى.
كانت معزوزه تراقبها في صمت، حزينة على سعادتها المؤقتة، ولكنها بنفس الوقت سعيدة لعودتها للحياة مرة أخرى، حتى ولو بالحيلةَ.
اما في خيمة سالم.. عاد من الصيد ودخل علي مزيونه واشتكى لها قلة حظه هذه المرة وانه لم يتوفق في الصيد، فإقتربت منه وأثبتت له بطريقتها أنه إن لم يكن له حظ في الصيد، فله حظ وفير في أشياء اخري، ومزيونه من ضمن أجمل حظوظه.
غادر الخيمة اخيراً.. وقف وهو يراها من بعيد، جالسة أمام الموقد تضحك وهي تقلب الطعام وتساعد باقي الفتيات والنساء في الطبخ!
إنها مرته الأولي التي يرى يديها يصنعان شيء غير القبض علي لجام حصان أو الإمساك بالقوس والسهم والتصويب بهما!
إنها حقاً بدأت تتغير، وحتى لو تغيرها من أجل غيره فهو سعيد، يكفي انها امام عينية حية ترزق، ولتعيش مثلما تعيش.. مع عقاب او غيره لا يهم..هذا ماقرره، إو هذا مايحاول أن يقتنع به.
تخطاها ومر من جانبها ولم يُلقي حتى السلام، وكانه لا يراها.. وهذه أيضاً مرته الأولي التي طاوعته عيناه فيها ولم يتمردا وينظران إليها.
ويبدوا أن اليوم هو يوم البدايات الجديدة.
اما آدم فكان يراقب الوضع من بعيد، وكم شعر بالرضى لأول خطوة خطاها سالم في طريق البعد والتخلي، وقريباً سيقطع شوط كبير ويصل لخط النهاية، عند نقطة النسيان التي ستكلل رحلته الصعبة بالنجاح.
بينما هو جالس رن جرس هاتفه، فأخرجه من جيبه وإذ بمدير الشركة الروسية للأسلحة؛ يخبره بأن الشحنة ستدخل الليلة الممر، وفي الغد ستصلهم فى القبيلة.
انهي المكالمة واعاد هاتفه وذهب لعمه قصير يخبره بوصول الشحنة بعد غد، ويحثه ويحث الرجال على الإستعداد ويهاتف أصحاب طلبيات الاسلحة ليستعدوا للإستلام ويدبروا نقودهم وينتظروا منه مهاتفه.
تحرك قصير على الفور وهو يدعوا الله ان تتم هذه الصفقة على خير، فهي الاكبر في تاريخ صفقاته أجمع.
اما آدم فجلس يهاتف أبويه ليطمئن عليهم، وتحدث مع ابيه في امور العمل وطلب منه عدم الذهاب للشركة و طمأنه بأنه يتابع كل شيء بالهاتف من القبيلة ولا يوجد عمل معطل، وكافة الأمور على مايرام.
اغلق هاتفه وإذ بخيال شخص يقف بجواره، نظر فوجده صياح!
- صياح! اجلس ليش واقف؟
- حياك الله ياعقاب.
- بارك الله فيك، اجلس اجلس، مبين عندك واجد حكي.
- إذا تريد الصدق.. اي عندي واجد كلام ياعقاب.
- قول وانا كلي أذان.
- السلاح ياخوي، اريد اعرف من وين تجيبه ومع اي شركات تتعامل وكيف تتواصل.. ادري إن السلاح روسي، بس يجي من بلاد الروس ولا من اي بلد؟
- ليش تسأل ياصياح؟
- شوف ياخوي انا ماراح ادس عنك، انا بصراحه اريد اشتغل بالسلاح بس لصالح روحي، يعني اجيب على قد قروشي وابيعهم بمعرفتي ومكسبهم لي وحدي.
- أي بس الشركة اللي نتعاملوا معاها ماتشتغل إلا بالكميات الكبيره وطلبياتها بمليارات، شغل الكام قطعة هاد ما عندهم.
- زين.. ماتعرف شركات تانيه توافق ترسل لي الكمية اللي أريدها؟
- ياصياح.. انت قديش معاك قروش؟
- يعني قول مليون.
ضحك آدم ثم اردف:
- هاد المليون تروح السوق تجيب به بواريد من حق الوليدات الصغار اللي يسوي اصوات وبس.
- ليش يعني هو المليون قليل؟
- بتجارة السلاح لا يُذكر؛ المليون ندفعوه حلوان للي يعدون الصفقة من الممر.
صمت صياح وتنهد بيأس، فأردف آدم:
- اقول.. ليش ماتاخد بالمليون سلاح من الحموله الجايه، يعني تاخده متلك متل التجار اللي يشترون منا ويبيعون السلاح بسعر اغلي ويكسبون فيه.
- كنت طامع بمكسب اكثر، وخاصة اني اعرف السعر اللي تشترون به من الشركة.
- أي بس لا تنسى هي ضريبة المخاطره؛ لأن بأي وقت الشحنه وارد إنها تنمسك بالطريق إذا حدا مكر علينا والعيون اللي زارعينها بكل مكان غفلت منها عين..
زين اقول إيش رأيك انا بحكي مع عمي قصير يخفضلك شوي بالسعر، وانت رحت ولا جيت يعني ولدنا ولك حق علينا.
- هاه.. اي.. لا؛ ناجلها الحين ووقت اكون مستعد اجيب سلاح على اسمي من الشركة وقتها بس اجيب واعمل اللي خططلته ايام طويله.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم ريناد يوسف
نهض صياح بعد أن شكر آدم وغادر وهو غارق في التفكير.
أما آدم فشعر بعدم الراحة لصياح منذ أن رأى لمعة الطمع في عينيه، ولمس عدم رضاه بالقليل، وأنه يود أن يقفز مرة واحدة بدلاً من أخذ السلم درجة درجة.
وهذا أول خطأ يقع فيه التاجر، والذي نبهه له عمه قصير، وحتى الشيخ منصور شدد عليه في هذا الأمر وعلمه عدم الاستعجال أبداً في أي شيء، وأن في التأني السلامة.
فقرر أن يبعده عن صفقات الأسلحة وألا يجعله يحضر استلام أو تسليم شيء من الآن وصاعداً طالما ينظر للبضاعة بعين الحقد.
وصل صياح عند مجمع النساء، وكانت رجوه بينهم.
نظر لها وابتسم ابتسامة عريضة وغمز لها في محاولة منه لمناغشتها.
ولم يكن يتوقع منها ردة الفعل التي رآها منها، ولا تخيل أنها ستمسك حجراً وتضربه به في رأسه ليسيل دمه كالنافورة وتجعله أضحوكة وسط النساء!
غادر صياح وهو يستشيط غضباً وذهب رأساً للشيخ قصير.
فوقف أمامه وهو يضع يده على رأسه كي يمنع الدم وتحدث بقهر:
- ياشيخ شوف بتك ايش سوت فيا، دجتني بالحجر بدون ما أسويلها شي، وضحكت علي نساء القبيلة كلهن.
نظر له قصير بسخط ولم يرد عليه ولكنه أرسل في طلب رجوه على الفور.
وما أن حضرت حتى هدر بها قصير:
- ايش سويتي بوليد عمك الله يكسر يدك.
- ماسويت شي.
- ودمه اللي سال بوي اللي دجه بالحجر ورمح نام بقبره مرة ثانية؟
- يستاهل الذبح مو بس ضربة حجر.
- والله ما حد يستاهل الذبح غيرك، ايش سوي لك الرجال يافانص؟
- غمزني قدام كل نساء القبيلة وسوالي حركات.. حركات استحي حتى أحكيها لك ياشيخ.
صرخ صياح بفزع:
- حركات ايش الله ياخدك، والله ماسويت حركات أنا، هي بس الغمزة وياريتني ماسويتها ودجتني بعدها رأساً.
- لا سويت حركات ياصياح وإذا كنت رجال ماتكذب الكذب مو للرجال.
- لا يبه الكذب للحريمات، والله الكذب انخلق بس ليكم.
صمت قصير قليلاً وهو ينظر لهما وأغمض عينيه وزفر بديق.
فلا تناسب بين صياح ورجوه من أي زاوية، هي قوية وتنظر له مثل نمْرة شرسة تريد أن تجهز عليه، وهو يتفادى نظراتها وينظر لها بخوف، وفي المستقبل ستجعل منه رجوه أضحوكة القبيلة كلها.
فتح عينيه ونظر لصياح وقال له بأمر:
- صياح، الحين تاخد حقك منها أمامي؛ لأن الحرمة ماتمد يدها على زوجها لو أيش ماسوى، تقدم وخذ حقك حتى لا تعيدها بت مكاسب وتتطاول عليك.. أمسك حجر ودجها بنص راسها وخلي دمها يسيل متل ماسال دمك.
صُدم صياح من طلب قصير ونظر لرجوه التي نظرت لأبيها بتحدي وقالت بنبرة جادة لا تقبل جدال:
- ورب الكون إذا سواها ومد يده علي لأفوت على خيمته وهو نايم وأذبحه من الأذن للأذن، وأهرب من القبيلة ماتعرفون لي طريق. وإذا مستغني عن عمره ولد صالحه يمد يده علي.. ورجوه ماتهدد ولا تقول حرف هي مو قده.
نظر قصير لصياح يحثه على التقدم من رجوه وعدم المبالاة لكلامها وأخذ ثأره منها.
ولكنه صُدم وهو يستمع لكلمات صياح:
- أ أقول ياشيخ المسامح كريم، وهي أول غلطة لمرتي وأنا سامحتها وأعرفها ماتعيدها.. وأعترف إني غلطت وقت غمزتها أمام النساء وما حسبت حساب لحياءها وخجلها وأنها مامعتادة على هي الحركات.
- سمعت.. سمعته بأذني يقول حركات، عرفت أني ما أكذب.
ضرب قصير كف بكف وقال:
- روح الله لا يعطيك العافية.. وأبشرك ياصياح من الحين دمك راح يعبي القبيلة كلها وتشرب منه الرمال حتى ترتوي.
- اغرب، اغرب عن وجهي سود الله وجهك.
غادر صياح في عجلة من أمره.
ونظر قصير لرجوه بغضب وقال لها:
- وأنتِ يافانص ياعااار، تمدين يدك على راجلك وتسيحي دمه؟ والله ما واقف بينك وبين الموت على يدي غير بس سالم.. سالم اللي لولاه كنتي اليوم تحت الرمال منسيه.
- إذا تريد تسويها سويها الحين وما تخليها بنفسك ياشيخ.
- قلت لك السبب اللي مانعني عنك.. سالم اللي ماتسوي التراب اللي يدعس عليه بأقدامه.
- والله إذا سويلم حاكم عليك وحكمه ماشي أنا مالي ذنب وما تحملني مَنيه ولا تشيلني جميلته، أنا ما طلبت منه حماية، وإذا هو يحمي ويدافع من روحه ويرد أذى أهلي عني فهاد من طيب أصله وكرم أخلاقه.. والكريم يجود دون ما ينتظر جزاء ولا شكوراً.
- رجوه اغررربي عن وجهي الحين لأن إذا ضليتي أكثر ماتلومي إلا حالك، اغررربي يافانص يابت الفانص ياطويلة اللسان ياعديمة الحيا ياغراب البين.
أسرعت رجوه بالإبتعاد من أمامه، فهي تعلم أنها رمت حجراً كبيراً في فوهة البركان والآن بدأ الفوران.
مرت على خيمة عوالي فلم تنظر وتخطتها، ووقفت تزفر بضيق حين سمعت صوت عوالي ينادي عليها:
- يافانص تعي.. أنت يابلوه ردي أريدك.
دخلت الخيمة على مهل، فهي تعلم أن وصلة توبيخ أخرى قادمة ولا مفر من الاستماع.
وقفت أمام عوالي وقالت:
- كيفك ياعمتي نهارك باهي.
- نهار زفت على راسك وراس أمك ياعمتي.
- اهووووو بدينا.
- ها أقوم أخلي مايزه تكتفك وأجيب السكين وأكويك؟ وهالمرة أكوي لسانك اللي مايلوقله إلا القطع؟
- ايش سويت لك أنا ياشيخة؟
- سوايتك سواية الشوم.. تضربي زوجك يافانص وتسيلي دمه وتضحكي عليه نساء القبيلة كلهن وتخلي أمه تفترش الأرض وتشيل وتحط الرمال على راسها من قهرتها على وليدها؟
- أي هو يستاهل غمزني وسوالي حركات وقحة.
- الله لا يوفقك يافانص ياكذابة، حركات ايش اللي سواها؟
- استحي أقول.
مايزه:
- كذابة أنتِ ماتستحين وهو ولا سوى حركات ولا شي، وليداتنا ما تسوي هيك شي، هو بس حظه العاثر اللي وقعه بين إيديكي ياغراب الشوم.
- أي حظه.. يروح يلوم حظه أنا ما علي لوم.. والحين أريد أمشي أرد لخيمتي أندفس وأنام تعبت اليوم واااجد.
- أي روحي اندفسي دفسة بلا قومة إن شاء الله.
غادرت رجوه وهي لا تهتم بكل ما سمعته، فاليوم هو يوم سعادتها ولن تسمح لأحد بتعكيره.
وصلت خيمتها فوجدت أمامها تجمهر غريب، وحين اقتربت فهمت سببه، كانت صالحه أم صياح وابنتها خوله.
صالحه جالسة على الأرض تأخذ من الرمال وتضع فوق رأسها وتنعي حظ ابنها، وصالحه واقفة وتنوح على أخيها ودماءه التي سالت.
ومعزوزه ومكاسب وسدينه وشقيقاتها حاضرون جميعاً يحاولن تهدئة الوضع.
وبمجرد رؤية صالحه لها زادت في النحيب وهي تقول:
- جات الفانص، جات بتك يامكاسب.. اليوم أشوف مين اللي يخلصها من يدي على سوايتها بوليدي.
وقفت رجوه وتلفتت حولها وبدأت بجمع الأحجار والضرب عليهم عشوائياً، فتفرق الجمع سريعاً.
وقامت صالحه وجرت مبتعدة ولم يتبقى في المكان إلا رجوه وخوله، والتي بدأت هي الأخرى بجمع الأحجار والتصويب على رجوه، وأصبحت حرباً بالأحجار بينهم انتهت بسيلان دم خوله.
فمن هي لتتغلب على رجوه في التصويب؟!
فأخذت صالحه ابنتها الغارقة في دمائها وعادوا لخيمتهم وهم يموتون قهراً، فقد أتوا يطالبون بالقصاص العادل وعادوا بضحية أخرى وبقناعة أن لا قصاص من رجوه ولا حق يؤخذ منها حتى لو خلفه ألف مُطالب.
مر باقي اليوم بسلام.
سالم سمع بما فعلته رجوه حاله حال جميع القبيلة، ولكنه صمت حين علم أن لا أحد تعرض لها بمكروه.
فهو في انتظار أن يرى حماية آدم لها، وهل سيستحق أن يحمل عنه لواء حمايتها كاملاً، أم يستمر سالم في حمايتها خفية.
فمهما حدث هي ابنته التي ربى، حتى وإن تقطعت جميع الصلات الأخرى وتلاشت العلاقات، ولن يسمح لأحد بإيذائها.
جلس سالم مع رابح، وتحدث معه في ما قاله آدم، وعرف منه أن الشيخ منصور شخصياً تدخل في الأمر وطلب من قصير أن يعطي رجوه لآدم متجاهلاً جميع الأعراف.
وأن آدم ينتظر فقط الوقت المناسب ليفعل ذلك ريثما يبعد صياح عن طريق رجوه أو تبعده هي، وها هي بدأت الحرب.
فصمت سالم وقد أيقن بأن الأمر بات حقيقياً، وآخر ذرة شك بداخله بأن آدم غير صادق قُضي عليها.
وزواج آدم برجوه أصبح واقعاً يلزمه فقط بعض الوقت ليتم وعليه التقبل الكامل.
خيم الليل وخرجت رجوه من خيمتها بعد يومها العصيب.
أخذت تبحث عنه فوجدته يقف بعيداً بجوار السيارات التي تأتي كل فترة في موعد استلام شحنة الأسلحة.
لا أحد من أهل القبيلة يعلم سبب مجيء السيارات سواها هي بحكم ملازمتها لهم والرجال الذين ينقلون السلاح فقط.
انتظرت حتى ابتعد آدم عنهم وبدأ يتحدث في هاتفه.
اقتربت منه بعد أن خلعت خفيها حتى لا تصدر صوتاً فيراها آتية ويبتعد.
ولما اقتربت سمعت منه ما مزق قلبها:
- أي يانبض القلب ياحبيبة الروح، اشتقت لك واااجد وأتمنى أرجع لحضنك ودفو أنفاسك.. هانت ياغالية كلها يومين وأجيك وأكحل عيني بشوفتك.. هههههه فدوه للي يغار.
ضربت خفيها على الأرض وبدأت تلبسهما بغضب فانتبه لها وأنهى المكالمة، ونظر لها بحاجب مرفوع وقال:
- تتنصتين علي؟
- ولا أتتنصت ولا أتزفت، رديت أفاجئك بحضوري فاجأتني أنت بوصلة الشوق والمحبة.
- أي وأنت إيش خصك؟
- ايش تقول أنت ياعقاب مو على أساس...
- أساس ايش يارجوه؟ أنا كلامي كان واضح.. قلت لك بعطيك فرصة إذا قدرت أتقبلك كان بها ما قدرت مابالقلب حيلة، وهاد كلو إذا مانفع أني أتزوج حياة، أما إذا قدرت وتزوجتها أعذريني ماتت كل الفرص لك بعيوني وقلبي.
- أي بس هاد مو اتفاقنا؟
- ما اتفقنا على شي، طلبتي فرصة وأنا عطيتك، وماتظني أني غافل عنك، أنا أراقبك وأراقب كل شي يخصك، وقولت لك صيري آدمية شو سويتي بالآدمية.. بطحتي صياح، وبطحتي أخته وخليتي أمهم تشيل رمال الصحرا فوق راسها، جلطتي أبوك والشيخة عوالي بعد.
- بس هو اللي غمزني و...
- هو ما زال قدام الكل راهنك وبحكم زوجك وهي مو غلطة يستحق عليها اللي سويتيه يارجوه.
- أقول الحق أنا أريد أبعده عني بأسرع وقت.
- بس مو بهذه الطريقة.. تعرفي إن القبيلة كلها مالها سيرة غير سوايتك وعملتك اليوم؟ طيب إذا جيت أنا ارتبط فيكِ ايش راح تحكي الناس عني، يقولون عقاب خد الفانص اللي مارضي بها صياح؟
- وأنا ايش أسوي يعني، مو أنت حكيت أن صياح من ضمن العقبات؟
- أنا اللي بشيله من طريقك مو أنت.
- زين وحياة؟
- ايش بها؟
- هي مو عقبة ولزوم تنزاح، أتركها علي وأنا أزيحها.
- والله أزيح راسك من فوق جسمك وتظلين بلا راس، إلا حياة مالك دخل فيها.
- وإذا صار وتزوجتها ياعقاب، وأنا عملت كل اللي أمرتني بيه وطعتك.. بالاخير ما أحصل شي؟
- وقتها أشوف، بس يعني لا حياة بتقبل المشاركة ولا أظن أنت تقبلينها.
صمتت رجوه؛ فهي بالفعل لن تتحمل أن تشاركها فيه أخرى، ولذلك ستفعل أكثر من المستحيل حتى تفوز هي به أولاً، وستبدأها من النقطة التي ستعزز فرصتها مع آدم أكثررر.
غادرت وتركته، فعاود هو الاتصال بأمه وأكمل معها حديثه، فقد رأى رجوه من بعيد وهي تراقبه، ولمحها وهي تتسحب نحوه، وشعر بها حين وقفت خلفه ولذلك غير مجرى الحديث ليوهمها بما أراد.
فسمع صوت الشيخ من خلفه:
- ياعقاب ليش شيعت على السيارات بكير؟
- لأن الشحنة بتوصل الليلة ياعمي.
- بس أنت قلت...
- من الحين مافي موعد ينعرف بالتحديد، ولزوم ندير بالنا أكثر، الأطماع بدت تزور النفوس ياعمي والنفس أمارة بالسوء.
- ايش تقصد ياعقاب؟
- أقصد صياح.. اليوم حكالي يريد يسوي تجارة لنفسه ويستورد بروحه سلاح، وإذا سواها وداق المكاسب راح يزيد طمعه ومو بعيد يوصل لأنه يسوي أي شي يعطل به أشغالنا ويكبر هو.. وإذا صياح سواها الكل بيتبعه وتصير حرب ومنافسات يجوز تضيع بها القبيلة كلها.
- صياح ما يحضر استلام ولا شحنة من الحين.
- غلط ياشيخ ومو الشيخ قصير اللي يغلط.. علمتني نخلي العدو أقرب من الحبيب وعيوننا ترافقه، ليش الحين تنسى تعاليمك؟
صمت قصير وأخذ يفكر ثم أردف:
- وأنا أقول ليش نهى على رجوه وهي اللي ما حد ينظر صوبها.
- وغير هيك ما عمل حساب لزعل سالم وهو رفيقه، واللي يخون صاحبه ويتجاهل علاقة لأجل مصلحته يتجاهل جميع العلاقات ويدعس عليها برجوله.
- أريد أفض نهوته على بتي.
- مو الحين، بعد الشحنة تلبسه غلطة وعلى أساسها ينفض الرهن.
- أي أي... يصير خير... عقاب لا تتركني أنا الظاهر كبرت وخرفت وما عدت أقدر أحكم على الناس ياولدي.
- لا ياشيخ، حاشاك.. أنت بس بالك مشغول بألف شي وألا ما يسقط شي من فكرك.. طمن حالك أنا ما أتركك إلا على الموت.
- الله يطول بعمرك يا عزيز العين والقلب، يا ولدي اللي ما خلفته.
غادر قصير لخيمة عوالي التي أرسلت في طلبه وعاد آدم للجلوس وحيداً.
وشرد في تِلك التي لا يعلم عن حالها شيء، يريد الاطمئنان عليها ولكن يخشى ضعفه حين يستمع لصوتها، يخشى زلزلة قلبه وهيّاجه على الوضع، واعتراضه التام والمطالبة بها مهما كانت الظروف.
- بيش الجميل سارح؟ فدوه لأبو البال مشغول.
- أشوفك تغازل وأنا ما أقبل الغزل إلا من شويقي.. رد عليه بضحكة وهو يجلس بجواره:
- يعني ما يصير تخون شويقي شوي؟
- ولا على قص الرقبة أخون.
- احكي الصدق بيش سارح وعقلك مفارق؟
- والله يارابح أفكر بأني على آخر الزمان صرت أسوي أعيب وليدات صغار وأفكر كيف أسس أم عقل خربان، عقاب بات يخطط خطط ما يحطونها غير بمسلسلات الهنود.
- ههههاي صرت سيندورا ياخوي؟
- أي بالضبط.
- أقول ياعقاب، تخيل إذا رجوه عرفت إنك تخدعها والكل متفق معك إيش راح تسوي؟
- أبسط شي بتجيب نفط وتدخل علينا وإحنا نيام وتصب وتحرقنا كلنا، ونفيق نلاقي روحنا بقلب الجحيم نذوب.
- يايبه والله ترا إني خفت.. لا ورجوه تسويها وربي وما يرفل لها جفن.. أقول ياعويقب أنا أقترح تاخذني أنا ومرتي نبيت معك بغرفتك، ووعد مانزعجك ولا تحس بوجودنا.
- فكرك إن الحيطان تمنعها يعني؟ والله تفجر الغرفة باللي فيها.
ضحك رابح وضحك آدم أيضاً وصمت آدم وهو يرى سالم آت من بعيد.
فنظر له رابح وأردف:
- ياحيف قلبي على الأبطال اللي بهدلهم العشق.
- بس ماتقول أبطال.. مافي بطل يضعفوا شي ولا يأثر عليه حتى قلبه.
اقترب سالم وجلس بجوارهم فغمز له رابح وضحك فأمسك الآخر حجراً وقال ساخراً:
- وإذا دجيتك بنص راسك وسيحت دمك تروح تشكي لامك؟
ضحكوا جميعاً ورحب رابح وآدم بعودة ضلع المثلث الغائب من جديد، وعادوا يتحدثون في أمور القبيلة والتجارة، الصيد والاستثمار.
وكل هذا لم يمنع سالم من التفكير في أن هذا المجلس ينقصه شيء.
فلو كانوا في الماضي ما تركته يجلسون بمفردهم ولشاركتهم المجلس ولم تكف عن مداعبتها له وضربه وعض يديه والبحث في جيوبه وأخذ النقود التي نسي أن يخبئهم منها وخرج بهم من خيمته.
نعم هو أقسم على التخطي، ولكن الحنين يراود وما ألعن مراودته.
وكم كانت مشاغبتها جميلة.
مر بعض الوقت وانضم إليهم هلال وانتقلت دفة الحديث على شحنة الأسلحة.
ويبدو أن هلال بدأ يتحضر لقيادة السفينة وحفظ الخرائط حتى إن حان الوقت وأبحر بمفرده لا يخطئ الطريق ويرسي على الميناء الصحيح.
حانت الساعة، وأعطى آدم إشارة للشباب فقاموا بنصب خيمة فوق مدخل الممر.
وحين سمعوا إشارة الوصول أعطوا الإشارة للسيارات أن تتقدم.
وفتحوا الممر وبدأ الرجال في إخراج الصناديق، وكل هذا في حضور صياح الذي كانت عيناه تلمع أكثر مع كل صندوق يخرج من الممر.
وكأن الصناديق وما فيها ملك له.
ولأول مرة قصير ينتبه له ولحركاته ونظرة الطمع التي احتلت عينيه!
وقرر أخذ كل الحيطة والحذر من ناحيته، ولام نفسه لأنه لم يكتشف هذا الطبع فيه سابقاً، وهو الذي يقرأ البشر وكأنهم كتاب مفتوح!
تم استلام الشحنة بنجاح، وأُغلق الممر وأُزيلت الخيمة وأعاد الشباب الرمال فوق فتحة الممر كما كانت.
وبدأت السيارات في التحرك، وكذلك السيارتين المتوجهتين للمخزن الخاص بقصير.
فصعد صياح في إحداهن، فسأله قصير:
- لوين ياصياح؟
- أروح مع السيارات للمخزن ياعمي وأطمن بروحي إن السلاح بأمان.
فرد عليه قصير:
- لا انزل من السيارة وتعال، أنت لك عندي مهمة أكبر وأهم.. اترك الشباب يهتمون بالأمر وأنت اتبعني.
نزل صياح من السيارة وتبع قصير، فأوكل إليه مهمة جمع النقود من التجار وإحضارها له، وبهذا أبعده عن السلاح حتى لا يتعرف على موقع المخزن الجديد.
فخطة الحرص بدأت منذ اليوم، وذهب هلال فقط مع السيارات وبعض الشباب الأمناء جداً والذين يكتمون الأسرار في أجواف آبار الروح للموت.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم ريناد يوسف
تدهور حال الشيخ منصور بين ليلة وضحاها، فأصبح لا يقوى حتى على الحركة.
قياتي تفرغ له بالكامل وترك جميع أشغاله، بالرغم من أن هذا فيه خسارة كبيرة له، فهو لا يثق في أحد إلا نفسه، ولا يولي أحد أي مهام في عمله إلا تحت إشرافه ومراقبته.
بينما هو جالس بجوار أبيه يتفقد حرارته ويدلك له قدميه، أن منصور وتحدث بصوت متعب:
- قياتي.. أريد أندفن بقبيلتي، وسط ناسي، وتحت رمال أرضها اللي عشت عمري كله بأحظانها.
- بس يابوي السفر به مشقة عليك وصحتك ما تتحمل.
- ماتشيل همي أنا أتحمل أي شي بس أروح لحبابي، ردني لقبيلتي أريد أودعها قبل ما أفارق.
نظر قياتي لزوجته وبناته الملتفين حول جدهم وكأنه يستشيرهم في أمره، فنطقت أوسطهم:
- يبه الشيخ أمر وأمره ما ينرد، رده للقبيلة وحققله أمانيه.
- بس يا عفراء أنت تشوفين حالته.. إيش فايدة تحقيق الأماني إذا تقتل صاحبها؟
- يابوي هي أمنية فراش.. ولابد تتحقق، أو متل ما نقول وصية.
- ياعفراء أنت تعرفين وهو يعرف إني ما أقدر أسافر الحين، هذا وقت قاتل بالنسبة لشغلي، وما أقدر أأجله.
- ووقت قاتل لجدي وما يتعوض إذا فات أوانه، والندم اللي راح تحس بيه بكرة ما راح يهنيك على شي.
- والعمل؟
هدر به منصور بضعف:
- العمل تردني لقبيلتي، أريد أموت فيها والموضوع ما به نقاش ياقياتي.
- يابوي حتى ولادي الزوز صغار وما يفهمون شي، كنت اعتمدت عليهم بشغلي أو خليتهم ياخذونك للقبيلة.
- ما أريدك ولا أريد وليداتك، أنا أدز على رجال من القبيلة يجي ياخذني، وتعرف أنت وقت منصور يشاور ويأمر القبيلة كلها تلبي.
- أدري يابوي، بس عيبه تكون عندي وتدز علي اللي ياخذك.
ردت عليه زوجته:
- يومين ما يأثروا على شي ياقياتي.
- وين يومين يا ريانه، يعني تظني أوديه وارد وأتركه بهي الحالة؟
- أي اتركني وما عليك بي، إشقى بروحك، أنا بس أكون وسط أحبابي ما أريد منيتك.
- يابوي منية ايش؟
- منيتك بأنك توديني القبيلة وتقعد معاي.
- أوهوووو جينا للكلام اللي يصعد الدم للنافوخ.
- صكر خشمك ياقياتي ولا ترد علي.
وهنا تحدثت زوجة قياتي لإنهاء الجدال:
- نروح أنا والوليدات معه ونبقى بالقبيلة وأنت رد لأشغالك ياقياتي، ما تصعب الأمور وهي.
صاحت عفراء بفرحة:
- وأخيرررراً رايحين القبيلة.
لتهتف أختها الصغيرة نوف ذات الثلاث عشر عاماً:
- لا لا، أنا ما أريد أروح قبايل، إذا انتوا تروحون أنا أبقى مع بوي هين، أنا ما أحب حياة القبايل ولا عاداتهم.
فردت عليها أختها الأكبر بينهم وتدعى العنود:
- لا كلنا بنروح وما في شي اسمه أبقى وما أروح.
قياتي:
- يعني عقدتوا العزم على السفر؟
ردت عليه زوجته:
- أي ياقياتي، الشيخ أمر ووجب علينا التنفيذ.
أومأ برأسه دليل على موافقته، وعقد النية على أخذهم للقبيلة في أقرب وقت حتى لا يحدث ما يندم عليه لاحقاً، وخرج على الفور يرتب أمور عمله ويحجز تذاكر الطيران له ولأبيه وزوجته وبناته الثلاثه وولداه الصغيران الحسن والحسين. وأبلغ في طريقه عمه قُصير بخبر عودته بأبيه وكانت الفرحة في القبيلة لا توصف.
أما في القاهرة:
- ياياسين إنت سامع نفسك بتقول إيه، دي أمك اللي بتتكلم عليها دي.
- لا مبقتش أمي ولا بقيت عايز اعرفها، دي وحدة وصمتنا بالعار وخلاص بقت رد سجون ومش بعيد يعدموها قريب، عارف دا معناه إيه؟
- معناه إنها هتكون نقطة سودة فحياتي وكل ما تيجي سيرتها قدامي هطاطي راسي في الأرض، أنا مش عارف إزاي هقدر أواصل حياتي بالعار اللي هي جابتهولي ده، قولتلها اصبري أنا هخلص الموضوع بطريقتي، بس إزاي تصبر الست هانم، لازم تجري وتاخد السبق، وادي النتيجة، أخويا الوحيد راح وهي اتسجنت وأنا واختي مستقبلنا اتدمر.
- وهي يعني يابني كانت بتعمل كل دا عشان مين، مش عشانكم؟
- أنا مليش دعوة غير بالنتيجة اللي وصلنالها، لا ليا دعوة هي كانت بتعمل كده ليه ولا عشان مين.
- طيب ما علينا واللي حصل حصل واللوم مش هيقدم ولا هيأخر، بس دلوقتي أمك عايزة تشوفك وكل ما أروح لها تبكي بالدموع وهي بتسأل عليك وتترجاني آخدك معايا المرة الجاية.. فعشان خاطري روح لها وشوف هتقولك إيه وطيب خاطرها، دي تعبانة أوي من ساعة موت أخوك مدحت.. ودي مهما كان أمك وليها حق عليك.
صمت ياسين وزفر بضيق ثم تلفت حوله وأردف متسائلاً:
- هي كارمن فين؟ البنت دي مبقتش أشوفها في البيت إلا بالليل متأخر! هي بتروح فين كل يوم كده وبتقضي الوقت دا كله مع مين؟
- بتقعد مع صاحباتها يبني وبتفك عن نفسها.. كارمن دي صعبانة عليا أوي اتحرمت من أمها والبنت من غير أمها بتحس إنها تايهة.. فبقول خليها تشغل وقتها بدال ما تقعد في البيت تكتئب.
- اااه تشغل وقتها.. طيب ابقى فتش ورا بنتك وشوفها بتشغل وقتها في إيه بالظبط عشان أنا مش فاضيلها، وربنا يستر ومتكونش هي كمان سبب كسرة ضهر جديدة أحسن الواحد مبقاش عارف يلاقيها من فين ولا من فين.
- ياسين لاحظ إن كلامك فيه إهانة ليا أنا شخصياً، دي بنتي وتربيتي، واكيد مش هتعمل حاجة توطي بيها راسي، أنا بنتي واثق فيها كل الثقة وعلى الأساس ده مديها الحرية الكاملة.
- تمام انت حر، بس لو بنتك عرفت عنها حاجة بطالة هقطع خبرها وقد أعذر من أنذر.
تحرك مبتعداً فور أن أنهى كلماته، فسأله يحيي:
- طيب إيه أعمل حسابك في تصريح الزيارة المرة الجاية؟
نظر له ياسين ولم يجبه فعرف أن السكوت يعبر عن خضوعه للأمر أخيراً.
دخل ياسين غرفته وسمع يحيي صوت قفل الباب، فإذ بها كارمن.
- إيه يا كرملة كل دا تأخير بره؟ وبعدين يابنتي غيابك بره البيت بيدايق أخوكي، وأنا كمان بقلق عليكي، مش نخف شوية يا ماما؟
ألقت كارمن المفاتيح من يدها وذهبت للأريكة وارتمت عليها وأجهشت بالبكاء، فاقترب منها والدها وهو مذعور يربت عليها ويسألها بخوف:
- مالك يا حبيبة بابا فيكي إيه بتبكي كده ليه؟
لترد عليه من بين عبراتها المزيفة:
- لا أبداً بس أنا كل ما أدخل البيت دا بفتكر ماما وأخويا مدحت، بفتكر إني خسرتهم ومش هشوفهم تاني، غصب عني بحس إني مشتاقالهم وخصوصاً أمي اللي من بعدها مش عارفة أترمى في حضن حد وأشتكيله همي.. أنا يابابا بهرب من البيت عشان بتخنق كل ما أدخله وأحس إني عايزة أطلع منه جري وأهرب من كل الحنين اللي جوايا.. وبفضل بره مع صاحباتي بيضحكوني ويسلوني ويحاولوا ينسوني اللي أنا فيه، ولو أنت وياسين هتبدأوا تجبروني على قعدة البيت والحبسة فيه عشان أمي مبقتش موجودة ومليش حد، يبقى تعملوا حسابكم إني هدخل في حالة اكتئاب دكاترة الدنيا كلها مش هيعرفوا يعالجوها.
صمت يحيي وقد شعر بغصة في حلقه، فهذا الألم كثير حقاً على صغيرته، فاخذها في أحضانه وأخذ يمسد عليها وهو يهمس لها:
- طيب بس خلاص متبكيش، محدش هيقولك حاجة ولا يمنعك من حاجة واللي يريحك إعمليه، إحنا كل المسألة إننا خايفين عليكي وبس، إنما طول ما انتي بخير وقعادك مع صاحباتك بيريحك وينسيكي مفيش أي مشكلة معانا.
أخذ يهديها ويتحدث معها بلين محاولاً رسم البسمة على شفتيها إلى أن نجح، وبعد مرور بعض الوقت استأذنت منه لتدخل غرفتها وتستريح قليلاً.
أما يحيي فبعد دخولها ذهب إلى المطبخ ليحضر لها شيئاً خفيفاً تتناوله، فمن المؤكد في ظل هذه الظروف تنسى نفسها بدون طعام.
فأحضر لها قطعة من الكيك وبعض العصير الطبيعي الذي أعده بيديه، وذهب بهم إليها.
اقترب من باب الغرفة ومد يده ليدق بابها فإذ بصوتها يتهادى لأذنيه مما جعله يتراجع ولم يده:
- أيوه يا معاذ اتزفتت ورحت للدكتور النهاردة واتفقت معاها إني هروح لها بكرة وأنزل الطفل.. بس عايزاك تكون معايا ربما تحصل مضاعفات.. مالها الفلوس؟ ومن إمتا أنت بتدخل في موضوع الفلوس ولا بأي يوم كان معاك فلوس أصلاً من يوم ما عرفتك!.. لا أنا مش بعايرك بفقرك أنا بفكرك بس.. وخلي بالك دا الإجهاض التاني ليا والدكتور حذرني وقالي ممكن المرة الجاية نشيل الرحم مع الإجهاض.. ماعرفش بقى إيه آخرتها أنا قوللتلك ارتباط رسمي مش هينفع لأنك لا من مستوايا ولا مناسب ليا.
- هه الحب؟ الحب دا نضيع بيه وقت لكن ما نبنيش بيه بيت وأسرة.. أيوه ما كانش دا كلامي في البداية لأني كنت داخلة على حاجة جديدة ومش فاهمة أنا داخلة على إيه.. عموماً مش وقته الكلام ده لأني تعبانة ومجهدة وعايزة أرتاح دلوقتي.. بكرة لما نتقابل وإحنا رايحين للدكتور نتكلم ونرغي في الهيافات بتاعتك براحتنا.
أنهت المكالمة وزفرت بضيق وقالت:
- لا أنت كده وقتك معايا انتهى رسمي ولازم تاخد استمارة ستة بقى ونشوف غيرك.
وهنا سقطت الصينية من يد يحيي وتراجع بأقدام متراجفة وقد طُعن في قلبه تواً وهمس وهو لا يصدق ما حدث:
- مديحة.
سقط على الأريكة وهو يشعر بثقل في كامل جسده، وعلى الجانب الآخر مع سقطة الأواني على الأرض سقط قلب كارمن؛ فهي تأكدت بهذا أن أحد ما سمع مكالمتها، وشعرت بأن قيامتها على وشك أن تقوم.
أما ياسين فخرج من غرفته على صوت التكسير، ونظر لأبيه وهرع إليه وهو يراه في هذه الحالة، وهو من تركه للتو في حال غير الحال، جلس بجواره يتفقده وإذ به فاقد النطق لا يجيب، وسرعان ما غاب عن الوعي، فحمله ياسين وأسرع به للمشفى، أما كارمن فأبت مرافقته، وبعد أن غادر بأبيه لملمت هي أهم أشياءها وأخذت كل مصوغاتها والنقود التي تحصلت عليها وغادرت المنزل على الفور وقد اتخذت قرار بعدم الرجعة، فهي تأكدت الآن أن رجوعها يعني موتها.
أما في القبيلة..
صياح:
- هلال، ياهلال أقبل تعال أريدك.
ترك هلال رابح الذي كان يقف معه وذهب لصياح وألقى عليه التحية:
- حياك الله ياصياح، قول ياخوي إيش تريد؟
- الله يحيي أصلك يا النسيب.. أقول ياهلال، ليش أبوك غير مكان مخازن السلاح، ووين المخازن الجديدة اللي حط بيها البضاعة؟
- وأنت ليش تسأل ياصياح، أظن هالشي ما يخصك!
- ا.. أنا أسأل بس من باب الاطمئنان والخوف على المصلحة ياهلال، بحكم إني الحين واحد منكم ومصلحتكم مصلحتي وأخاف عليكم مثل ما أخاف على روحي.
- لا ياصياح ماتخاف، الشيخ قصير ماينخاف عليه، إشقى بروحك، والحين أنا بمشي لبوي دز علي من دقايق وطلبني بالإذن منك، وإذا تريد تسأل عن شي إسأل الشيخ بنفسه لأني ما أملك إجابات على شي.
رد عليه صياح بتهكم:
- ماتملك إجابات وأشقى بروحي! زين.. روح للشيخ وشوف إيش يريد منك.
- أي رايح.
غادر هلال وشعر صياح بأن هناك حاجز بدأ يقيمه الشيخ قصير في وجهه يمنعه من رؤية الأمور بوضوح كما كان يحدث من قبل، وهذا لا يبشر بالخير، فهو نسج شباكه حول تسلم زمام كل شيئ، والمسافات التي بدأت تتكون بينه وبين أحلامه الآن لن تجعل المخطط يُنفذ كما هو.
غادر وذهب لخيمة أمه، وجلس بجوارها وأشعل سيجارة وبدأ ينفث دخانها بغضب، فسألته أمه:
- إيش بيك يا وليدي ليش تنفخ من روحك ضجر مع الدخان اللي طالع من جوفك؟
- دبريني ياصالحة الشيخ بدأ يحط سلك شائك بيني وبينه وولده هلال أرنب البراري أحكي معه ما يرد ورافع علي راية الحرب.
- حيييييه علينا.. وليش قصير يسوي هكي؟
- ما أدري، بس أحسه مخبوص وراسه ملعوب فيها من يمي.
وهنا ردت عليه خولة التي كانت مشغولة في غزل الصوف:
- وليش مستغرب عمايلهم إذا المخبولة اللي ناهي عليها بطحتك وبطحتني وفرجت علينا القبيلة كلها؟ والله والله إذا تركوني عليها بوقتها كنت قطعتها بسنوني ومضغت لحمها مضغ.
- صالحة: صكري خشمك ياحولة ياعوبة، وبطلي لغي، إذا تركوني وإذا فكوني، ليش هو من كان مقيدك وماسك ايدك، مو كنتي واقفة قبالها وتضربي عليها أحجار متل ما تضربي عليكي، بس الفرق إن ضربتك كانت تروح يمين وشمال وما حجر وصلها، بس هي ولا ضربة منها خابت وخلتك متل شوال تصويب مليان رمل ومن كتر الضربات صار يخر رمال من كل جهة.
- أي وأنت كنتي واقفة بعيد تشوفي بتك وهي تنبطح ولا جابك حِنك تحوشي عني وتصدي مني ضربة، والحين لك عين تحكي وتصرخي علي.
- صياح: أنا بس أريد أفهم كيف بنية وحدة تغلبكم انتوا الزور وتخليكم فرجة للقبيلة.
- خولة: متل ما غلبتك وخلتك تجري من أمامها متل الصخل ورحت للشيخ تصيحله وما طلع بيدك تدجها بحجر أو تعطيها كف تبلعها سنونها، بس بهي الخيمة الكل أبطال، تطلعون منها تصيرون صخال.
- صكري خشمك يا خولة ولا أقوم أسففك رمل القبيلة كله.
- أي هاد اللي تقدر عليه، خولة وبس، وعند بومة الوديان تنضرب منها وتمشي من خشم ساكت.
- يمااا سكتي بتك.
- حيييه عليك وعلى بتي وعلى أيامكم اللي ما طالع بيها ضو، قوم إشقى باللي يصير من حولك وجالس الشيخ ورافقه متل ضله وخليه يأمنلك ولا تقعد كيف النسا بأرض الخيام تعدد وتعبي الرية دخان وسموم.
- قايم قايم.. والله الخيمة صارت ما تنطاق، متى يحين الوقت وأصير لي بخيمة وما أجي صوبكم مرة ثانية.
- أبشر يا خوي، من قريب ننصبولك خيمة ونقفوا قدامها نعدوا البطايح ونسمعوا صوت الدج وما ينسمع إلا صراخك والناس يقولون هاك صياح تفطره رجوه، هاك غدته وهاك عشته عشوة دسمة.
- أهووووو.. قالها وغادر الخيمة على الفور، فهدرت أمه بها:
- إيش فيك انكلبتي تسمي بدن أخوك؟
- إي انكلبت وإذا ماسكتي أقوم أعضك.. هو هو هو.
عدت ساعات النهار وخيم الليل، وفي الصباح الباكر كانت القبيلة كلها مستيقظة، والجميع خارج الخيام متأهبين لمن خرج شباب القبيلة كلهم يستقبلونه، وما هي إلا دقائق ووصل الموكب فهلل الجميع بفرحة. أما منصور فحين رأى المشهد تبسم وزفر براحة؛ فها هو أخيراً وسط أحبته وعلى أرض قبيلته التي ظن أنه سيستطيع الموت بعيداً عنها، ولكنه عرف مدى صعوبة الأمر، فعادت الشجرة لمنبتها.
أما في السيارة التي تلي سيارة الشيخ منصور:
- اقول يارابح إذا ضربت بنت عمك قياتي الكبيرة بيها شي؟
- لا ما بيها شي ياخوي، اضرب أشوف، ضرب البنات صار عندك عادة.
- ليش إنت ماشفت إيش سوت وإيش قالت، والله أنا دمي من المطار يفور.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم ريناد يوسف
تقدمت عوالي الجميع وأصبحت في صدارة الجمع؛ لتحظى بالضمة الأولى لشقيقها ورفيقها الأكبر، أخيها منصور. وحين فُتحت أبواب السيارة، نزل منها قياتي أولاً، ثم أمال بجزعه وحمل أبيه على يديه. ورأت حالته وعينيه المغمضة بتعب، هنا أدركت عوالي أن لا ضمات ولا أحضان أخرى، وأن السلام والوداع باللسان والعين. ومن صوت أنينه المتواصل، تأكدت أن النهاية اقتربت جداً.
طلبت عوالي من قياتي أخذ منصور لخيمتها؛ حتى يكون تحت رعايتها المتواصلة. أما خيمته، فهي الآن من حق قياتي وأسرته.
تقدم قياتي بين أهل القبيلة، والكل يعرض عليه أن يحمل الشيخ عنه، ولكنه أبى وواصل السير حتى خيمة عمته ووضع أبيه في الفراش. وحينها تلفت لعوالي وألقى عليها السلام واحتضنها، وبادلته الحضن بشوق كل السنوات الماضية التي لم يروا بعضهم فيها.
ثوانٍ معدودة، وكانت الأصوات تتعالى خارج الخيمة مطالبة بالدخول للشيخ. ففتح الشيخ منصور عينيه ببطء وهمس لقياتي:
"طلعني خارج الخيمة ياقياتي، الخيمة ماراح تكفي الناس والكل مشتاق ويريد يطمن، وأنا بعد ما جاي أقعد داخل خيام.. طلعني في الهوا يا وليدي."
غادرت عوالي الخيمة وأخذت معها مايزه وفراش وثير، وبدأت تصنع لمنصور متكأ أمام الخيمة وفي ظلها. وفور انتهائها، حمل قياتي أبيه وأخرجه وأجلسه فيه. واجتمعت القبيلة كلها أمامه، مواسين ومودعين، يخيم عليهم الحزن وهم ينظرون لحال شيخهم الذي يفصله عن الموت خطوات قليلة.
فتح منصور عينيه بعد أن حمله قياتي وأخرجه، ورأى القبيلة كلها تقريباً أمامه، جالسون على الرمال وقد فاض الدمع من أعينهم على حاله. فتبسم لهم مطمئناً وهمس:
"يايباه لو تعرفون قديش اشتقتلكم ياهلي وناسي وربوع قلبي.. عساكم دوم مجتمعين في الخير وع الخير، وقبيلتنا تضل لآخر العمر مخيم عليها الفخر والعزة بشبابها وشيابها ووليداتنا ضي العيون."
بدأ الجميع في الدعاء له والإعراب عن فرحتهم برجوعه، وبث الأمل الكذاب في نفسه بأنه سيتحسن وسيسترد صحته. فما كان منه إلا أن بدأ يومئ لهم برأسه وكأنه يصدق كذباتهم الحنونة.
أما في ناحية أخرى، وتحديداً عند السيارات.
نزل الشباب من السيارات، وتقدم رابح وآدم نحو سيارة آدم رباعية الدفع التي استقلها قياتي وبناته وزوجته والشيخ. ونظر للعنود التي نزلت هي الأخرى من مقعد السائق، ووقفت تمسح المكان بعينيها. قال لها بغضب وهو يمد لها يده:
"اعطيني المفتاح حق سيارتي من رخصتك، ولا لك به شغل ثاني؟"
مدت له يدها بالمفتاح وهي مستغربة هجومه غير المبرر عليها، ولم تتحدث. وتحركت مبتعدة عن عبوس الوجه هذا، الذي منذ الوهلة الأولى التي رأته فيها، تشعر وكأنه يريد الاقتصاص منها، لماذا وعلى ماذا لا تعلم!
وبينما هي واقفة، أشار رابح لمعزوزة التي أتت مهرولة وتحمدت لهم على سلامتهم. وأشار لها على العنود وقال:
"يا أم غنيم، هي العنود بت عمك، خديها للخيام وما تتركينها، وما أوصيكي يا أم الكرم والجود."
"ماتشغل بالك يارابح، في عيوني الزوز نشيلها ونشيل الكل وبرمش العين نخدم."
"أصيلة يابت العم وأصلك غلاب."
فاقتربت معزوزة من العنود وأمسكت يدها وأخذتها معها. وعفراء ونوف سبقوهن بعدة خطوات.
أما آدم، فوقف مع سالم ورابح وهلال معهم يراقبون تقدم الفتيات من الخيام. فنظر رابح لآدم وسأله:
"ايش فيك ياعقاب الموقف كله ما يستحق كل ردة الفعل هي؟"
"أنت تشوفه ما يستحق، بس أنا أشوف حرمة مشت كلمتها علي وحكمت ونفذت."
"كل هادا لجل سواقة السيارة؟"
"لا، كل هادا لجل إني قلت لها أنا اللي راح أسوق وهي قالت ما حدا راح يسوق غيري، وبثانية خطفت المفتاح ونطت جوا السيارة متل السعدان وتحركت، ولا ردت علي وتركتني واقف متل عمود النور.. واليجلط إنها سيارتي، سيااارتي."
"خلص انسى وفوت نروحوا للشيخ نقعدوا معاه شوي، ما اشتقت لشيخنا ولا ايش أنت؟"
"لا كيف ما اشتقت، وربي اشتقت له واااجد، بس والله مشكت كلمتها علي يارابح ياخوي!"
ليرد عليه سالم:
"بسيطة، ردها لها وما تخليها تحط رجولها بسيارتك مرة ثانية، ركب الكل وهي قولها اركبيلك جمل وحصلينا، وهيك تكون حرقت دمها."
ليصرخ بهم رابح بصوت عالي:
"يامشالله عليكم وحولكم، هيا نجلسوا نتناقشوا وندبروا كيف نحرقوا دم البنيات ونكايدوهم، ونهملوا شيخنا واشغالنا ونقعدوا للهيافات، يلا سير أمامي أنت وياه."
"قهرتني قهر والله يارابح."
ضربه رابح على مؤخرة رأسه ودفعه ليتحرك. فتحرك أمام رابح، وتبعهم هلال الذي كان في عالم آخر وهو يراقب بنات عمه قياتي ودخولهم للقبيلة.
(نوف) الصغيرة وهي تمشي على أطراف أصابعها وتتلفت حولها بضيق، وكأنها تبغض المكان أو لها به ذكريات سيئة ولم تكن ترغب في زيارته مرة أخرى!
على عكس أختها (عفراء) التي بدأت تتنقل بين الخيام بفرحة، وكأنها فراشة أُطلق سراحها للتو. وليست فراشة في الحركة فقط، بل فراشة في الجمال أيضاً.
فسبحان من خلق فسوى فأبدع في هذا الخليط الليبي البدوي الجميل.
أما العنود، فكانت عيناها طائرتين في كل مكان؛ وكأنها آتية في رحلة استكشافية للمكان!
اقتربت العنود مع معزوزة من خيمة الشيخة عوالي لتجلس فيها مع الجميع لحين انتهاء الشباب من نصب خيمة لها ولشقيقاتها. وسألتها أثناء السير:
"أقول ياجميلة.. إيش اسمك قلتي لي؟"
"إسمي معزوزة بت عمك الشيخ قصير."
"ي هلا بعمي وبنته."
"هلا فيك حبيبتي."
"أقول يامعزوزة إيش قصة الشاب اللي يفتعل العرايك هادا اللي تقولوله عقاب؟"
نظرت لها معزوزة بغرابة وردت عليها:
"يفتعل العرايك! عقاب؟"
"أي سمعت زوجك اللي صاح لك يناديه باسم عقاب."
"أنا ما أفهم شي، مع مين عقاب تعارك؟"
"هو ما تعارك بالمعنى الحرفي، هو من لحظة وصولنا وركوبنا السيارات وطلبت إني أنا اللي أسوق السيارة وصممت وهو مخنزر علي بعيونه وأحسه على لحظة يريد يهجم علي ويفتك بي، إيش فيه هادا؟"
"أي تقولي لي سويتي السيارة وصممتي بعد.. هو من هيك يريد يتعارك معك، أنت تعرفين بالقبيلة ما في بنية تسوق سيارة أو تمشي كلمتها على رجال، وأنت الحين سويتي الزوز."
"أي بس أنا متعودة أسوق سيارتي بليبيا وأحب السواقة وااااجد!"
"هادا بليبيا مو عندنا، أنت الحين بالقبيلة ولزوم تمشي بأعرافها، ووقت تردي لبلدك عاودي لأفعالك اللي تعودتي عليها."
وصلت عند خيمة الشيخة عوالي، وكانت أمها منشغلة في مصافحة نساء القبيلة. أما أختيها، فنظرت تبحث عنهم وسألت أمها:
"(ياتبره) وينهن بنياتك ما أشوفهم، وين راحوا؟"
"(تبره): ما أدري، بس هين الكل بأمان، اتركيهم ما عليهم خوف واشقي بروحك، شوفيلك خيمة اجلسي فيها لحين ينصبوا الشباب خيمتكم أو انضمي لنا، تعي تعي سلمي على عماتك يسألون عنك.. هي بتي البكرية العنود، أول فرحتي أنا وقياتي والغالية واااجد."
تقدمت العنود منهم وبدأت في مصافحتهم جميعاً، ولم تستطع منع البعض منهم من احتضانها عنوة رغم رفضها التام. هي لا تحب الاقتراب الزائد، ولكنها هنا في القبيلة ولا أهمية لما تحبه وتكرهه، وعلى عاداتهم يتعاملون.
وبعد أن انتهت من المصافحة والتعارف، تلفتت حولها بحثاً عن أختيها، فرأت إحداهن شردت بعيداً تطوف في القبيلة وسط الخيام وتنتقل من مكان لمكان والسعادة ظاهرة جلياً على ملامحها. والأخرى جالسة على حافة البئر تتأمل المكان حولها بغرابة، وكأنها آتية من الفضاء؛ على الرغم من أن أبيهم كان دوماً ينقل لهم صورة القبيلة كاملة ويصف كل شبر فيها، ووجدوه تماماً كما وصفها.
مر بعض الوقت وبدأ الجمع حول الشيخ منصور يقل، وذهب معظمهم لمواصلة أشغالهم بأمر من الشيخ منصور. أما قصير، فأخذ هلال وبعض الرجال وذهبوا كي يذبحوا الذبائح، فاليوم عيد بقدوم شيخهم وعلى شرفه تقام أكبر الولائم.
وبقي منصور مع القليل من الناس. وهنا فقط استطاع التركيز، وكم تراقص قلبه وهو يرى صقوره الصغار ملتفين حوله. ميز من بينهم عقاب بسهولة وتبسم له وهمس بضعف:
"عقاااب ياعزيز عيني، اشتقتلك واااجد واشتقتلكم كلكم ياربوع قليبي.. كيفكم وكيف أحوالكم؟"
ردوا عليه في صوت واحد:
"بخير ياشيخنا وصرنا أحسن بشوفتك ولقياك."
"عسااااكم دوووم بخير وما ينقص عليكم شي يا وليداتي.. طمنوني عن أحوالكم.. وأنت بالذات ياسويلم كيفك وكيف حال نابضك، طلع منه الأذى ولا بعده تسكنه الأوجاع؟"
"أنا زين ياشيخي، زين ونابضي بيتحسن مع الوقت ماتشيل همي أنا الحين بأفضل حال."
"دوم يا وليدي، وأنتوا يا جوارح قبيلتي، كل واحد يسمعني حسه ويطمني على أحواله، اشتقت لأصواتكم وكلامكم."
فبدأ الجميع يتحدثون إليه واحداً تلو الآخر وهو ينصت، إلى أن أتت إليه رجوه مع باقي فتيات القبيلة بعد أن أفسح لهم الرجال والشباب المجال. فميزها من وسطهم وكذلك مزيونة، فأردف مرحباً:
"هلا هلا بقناديل القبيلة وشموع نورها. هلا ببنياتي.. ثم نظر لرجوة وخصها بالحديث: هلا هلا بفانص القبيلة هلا."
اقترب منه الفتيات يقبلن يده ورأسه ويدعون له بالشفاء. وعندما حان الدور على رجوه، أسهبت في تقبيل يده ورأسه حتى لاحظ الجميع. وهمست له بامتنان:
"أشكرك ياعمي على الفرصة اللي عطيتها لي، ولك مني عهد من الحين ما تشوف مني إلا اليسر، ما في فنص ولا شي، رجوه تغيرت والفضل لك."
ليهمس لها هو الآخر وعينه على سالم:
"هي مو فرصة ياقليلة العقل، هي تسميها مرحلة إعادة تكوين مخك، ومن بعدها راح يصير التغيير أكيد.. بس أريد أقولك شي قبل لا أفارق.. وقت ياكل الندم قلبك لا تلومين غير روحك، وتذكري إن قرارات الفوانص تخسر ماتكسب."
اعتدلت رجوه ونظرت إليه وهي لا تفهم ما يرمي إليه، فاعتبرتها خترفات مرض ولم تهتم وغادرت.
أما منصور، فرأى سالم وهو يجاهد كي لا ينظر لرجوة، وعرف أنه بدأ رحلة الجهاد التي أرغمه عليها عقاب ولن يتركه إلا وقد شُفي تماماً من الداء الذي يسمى رجوه.
مرت الساعات وحان وقت الغروف ونضجت الوليمة، وقامت النسوة بوضع الطعام أمام الشيخ منصور بجوار خيمة الشيخة عوالي. وعلى الرغم من أنه لا يأكل، رؤيته لأولاده وأحفاده وهم يأكلون فرحين وملتفين حوله جعله يشعر بأنه تناول خروف كامل بمفرده.
وبعد الانتهاء من الطعام، بدأت الوفود من القبائل الأخرى تأتي فور سماعهم بعودة الشيخ منصور. ونسي هو مرضه وألمه وهو يستمع إليهم ويرى المحبة الصادقة في عيونهم له وترحيبهم الحار بابنه قياتي. وهذا ما جعله يشعر بالارتياح، فهذه هي الثروة الحقيقية التي جمعها خلال سنوات عمره وليس المال، فالمال زائل والمحبة باقية.
انتهت الجمعة الجميلة وانفض الجميع من حوله، وبقي هو مع عوالي. ومايزه ذهبت للنوم في خيمة الفتيات. وقياتي وزوجته ذهبوا لخيمة منصور القديمة. العنود وعفراء ونوف ذهبوا لخيمتهم التي تجهزت لهم من كل شيء في وقت قياسي. أما الحسن والحسين، فانضموا لأطفال القبيلة في خيمتهم. وكم كانوا سعداء بسلة الثعابين، الكنز الذي عثروا عليه وأنسهم كل شيء. ولأن قياتي حواهم وحصنهم من السم، كانوا يلعبون بالثعابين وكأنها صيصان صغيرة بين يديهم الصغيرة.
في خيمة بنات قياتي:
عفراء:
"يااايبه على السعير اللي ماينحمل، خففت ملابسي حتى صرت مالابسه شي، اقلع جلدي بعد ولا أسوي إيش؟"
نوف:
"هي حياة القبيلة، إيش كنتي منتظرة تشوفين يعني؟"
عفراء:
"ليش ما يجيبون مكيفات إذا يعرفون مواتير الكهربا وشفت موتور فوق البناية اللي بالقبيلة؟"
"اتركي الموتور هسة واسألي حالك ليش إذا يعرفون البنايات ما يبنون بيوت بدل الخيام اللي عادي تطير مع هبة ريح قوية ويطير معها كل شي فيها؟"
لتقاطعهم العنود وهي تغلق هاتفها وتقلع نظارتها:
"ما يبنون وما يجيبون مكيفات لأن هي حياتهم اللي تعودوا عليها، اللي مثلهم ما يرتاحون إلا بالخيام، وإذا جربوا هوا المكيفات ماراح يعرفوا يعيشوا بالجو الطبيعي، بمعنى إنهم ما يغيرون بالطبيعة لاجل ما يشوفون عيشتهم صعبة."
"زين.. ليش عندهم بناية ومولد كهربا فوقها وايش يسوون به؟"
نوف:
"يشغلون به مكيف.. الظاهر إنهم طبقات هين، وفيهم اللي حب التغيير وواكب التطور."
قالتها بسخرية ونظرت للعنود التي صمتت. فقفزت عفراء على الفور:
"بربك فيه في البناية مكيف؟ عاينتيه بعيونك متأكدة؟"
"أي وغلاتك بعيوني الزوز ريته."
نهضت عفراء وبدأت ترتدي ملابسها، فسألتها العنود:
"على وين ياخبله؟"
"بمشي للبناية وأطلع اللي فيها لو مين ما كان وأنام أنا حد المكيف، أنا ضيفة وأعرف آخذ ضيافتي من عيونهم."
غادرت الخيمة على الفور وأسرعت نحو غرفة آدم ودقت الباب باستعجال، فأجاب على الفور:
"أي أي تكه وبفتح."
أعادت الكرة والطرقات، ففتح آدم الباب متعجلاً وقد كان بالبنطال فقط وعاري الصدر ظناً منه بأن من بالباب إحدى الشباب. فصدم وتراجع للخلف وأغلق الباب مرة أخرى في وجهها وهو يسمعها تقول:
"إنت واحد ما تستحي، إيش هادا المنظر اللي تفتح به الأبواب، ما تخاف الله إنت؟"
ليرد عليها بغضب وهو يرتدي ملابسه:
"أي أنا ما أستحي وأنت إيش تريدين وإيش جابك الحين لغرفتي بهالليل؟"
"جايه أتغزل بجمالك شوي تسمح لي؟"
فتح الباب بعد أن ارتدى جلبابه وهدر بها:
"إنت تقولي إيش تريدين الحين ولا ردي لخيمتك وانطمري واتركيني أنفس وأنـام ماني فاضي."
"أريد أبـات بغرفتك."
"إيش؟"
"لا تفهم الحكي مغلوط واسمعني، أنت حداك مكيف وأنا ذوبت من الحر وااا...."
"تمام فوتي بس لا تلمسي شي من أغراضي، ترا كلهم أغراض مهمة وضياع أي شي يسوي لي مشكلة مو هينة."
استغربت عفراء موافقته السريعة؛ فهي كانت تتوقع بعضاً من الجدال والرفض ولكنه فاجأها بذوقه فأجابته بنبرة أهدأ:
"لا ما تخاف ماراح يضيع شي، أنا أي أتفرج وأنبش كل شي نبش بس ما أغير مكانه."
تبسم آدم وهو يرد عليها:
"ثرثارة.. لا تلمسي شي ماراح أعيدها، وخاصة اللابتوب.. أنا بمشي لخيمة الشباب أنام فيها وأنتي جيبي خوياتك ينامون معك تحت المكيف."
"أقول يا شسمك أنت.. أقول إنت ليش دوناً عن القبيلة تمتلك غرفة ومكيف؟"
"-- ما تسألي عن شي، جيتي بطلب ولبينا، صكري خشمك وفوتي لجوه ما يصير وقفتك ببابي بهالوقت."
غادر آدم وعادت هي مسرعة لخيمة أختيها تبشرهم بأنها أتت لهم بالرحمة من الحر، فرفضت العنود وذهبت معها نوف. وفور أن أغلقتا باب الغرفة بدأت حملة التفتيش في جميع أغراض آدم من قِبل عفراء.
ومرت الليلة بسلام، وأتى صباح جديد.. فاستيقظ الجميع بما فيهم عفراء التي لم ترد أن يفوتها شيء من مشاهدة الروتين اليومي لأهل القبيلة. فخرجت من غرفة آدم وهي ترتدي ربطة رأسها، فرأتها التي كانت متوجهة نحو البئر لملء المياه، فتصنمت في مكانها وألقت الوعاء الذي بيدها وهمست:
"نهار ما طالعة له شمس ولا زايرة ضل.. إيش تسوي هي بخيمة رجلي؟"
أخيراً تحررت قدماها فأسرعت نحو عفراء وجذبت منها ربطة رأسها وألقتها أرضاً ثم أمسكتها من شعرها في حركة مفاجئة منها وقالت لها بغضب:
"إيش كنتي تسوين بخيمة رجلي يافانص؟"
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم ريناد يوسف
حاولت عفراء تحرير شعرها من يد رجوة، ولكنها كانت كالشرطي الذي قبض على مجرم خطير متشبثة بها بكل قوتها، فما كان من عفراء سوى اللجوء لمهاراتها في فض الاشتباكات، فهي درست رياضات الدفاع عن النفس وتتقنها جيداً، وقد تلقتها على يد أمهر المدربين في ليبيا، فبدأت بحركات بهلوانية جعلتها نجحت في التخلص من قبضة رجوة، وحين رأتها تعاود الهجوم عليها مرة أخرى بدأت في ضربها بحركات لعبة الكاراتيه الشهيرة.
فلم تستطع رجوة مجاراتها، فقد كانت أسرع حتى من تفكيرها، وأسرع من الأحجار التي كانت تنوي التقاطهم والتصويب عليها، وها قد فشلت وسيلة الهجوم الوحيدة لدى رجوة والتي تعتمد عليها في كل معاركها ولا تخطئ أبداً.
أما في الجانب الآخر كان هناك متفرجون لا يفهمون ما الذي يجري بين رجوة وعفراء، ومن بينهم خولة التي لم تكن تهتم بالسبب لحدوث ذلك، بل اهتمامها وفرحتها بانتصار عفراء على رجوة وفوزها الساحق، وأخذت تهلل وترقص وتقول:
"ياحليله رفستها.. ببطنها رفستها، بظهرها رفستها، بوجهها رفستها.. تسلم رجولك اللي ترفس وتعطي بنص الهدف يابت عمي قياتي.. هااا يلا اعطيها كمان رفسة.. يمين رفسة، شمال رفسة.. أيوه."
انتهى النزال برجوة على الأرض وعفراء واقفة فوقها تلتقط أنفاسها بتعب، فاقتربت خولة من عفراء وقبلتها بفرحة وقالت:
"ولك اللي يسلم البطن اللي شالتك.. أقول يابت عمي علميني الرفس مثلك."
نظرت لها عفراء بسخط ونظرت لرجوة وتخطتهم وذهبت إلى خيمة الشيخة عوالي تسأل عن حال جدها وتطمئن عليه، وحين عادت وجدت مرسال من أمها، فعرفت أنها ستوبخ الآن، فذهبت في اتجاه مرابض الخيل وقامت بفك حصان بعد وضع السرج عليه وامتطته وانطلقت به بسرعة فائقة، ومرت في طريقها على الشيخ قصير وابنها وسلة من الشباب، وتخطتهم، فنظر قصير لابنه هلال وقال له آمراً:
"هلال اتبع بت عمك؛ هي ما تعرف المكان زين ولا حافظة الطرقات والوديان وأخاف عليها يصيبها شيء، أو يطلع عليها شيء يخوفها. بنيات الحضر قلوبهن رقيقة ما تتحمل."
رد قياتي:
"لا تتركوها عفراء ما تهاب شيء، وبناتي بنات حضر أي بس أنا مربيهم ترباية قبايل وعلمتهم كل أطباعنا."
قال الشيخ قصير:
"لا ما تترك البنية من أول طلعة، هيا ياهلال اتبعها ليش واقف تناظر؟"
ذهب هلال وركب فرسه وأسرع به خلفها إلى أن لحقها، فصاح بها بصوت عالٍ:
"هي.. أنت وقفي عندك لا تتقدمي أكثر."
توقفت عفراء واستدارت نحوه وسألته بغرابة:
"إيش فيك ليش تصرخ أنت؟"
قال هلال:
"أقول وقفي، بوي أمرني أتبعك وأدير بالي عليك وأردك للقبيلة."
سألته عفراء:
"ليش يعني إيش راح يصير علي؟"
قال هلال:
"ولا شيء بس يجوز ما تردي للقبيلة مرة ثانية.. الوادي هذا مليان بالوحوش الجوعانة اللي ما تهاب ضو النهار وإذا شافت لحم تهجم وياكل يقاتل، وأنت جاية لا قوس ولا سهم ولا حتى بارودة، يعني صيدة ولا أسهل أنت وفرسك بعد."
قالت عفراء:
"لا ما تخاف علي، أعرف أدبر حالي، عاود أنت وما عليك بي، واللي يسألك عني قول لهم ما رضت تعود معي."
قال هلال:
"زين يلا أنا رايح والله معك، يرحمك إذا ما رديتي ويعينك لو تركت فيك الوحوش جروح تعذبك قبل موتك."
ردت عفراء:
"أنا لا أهاب شيء ياهلال ولا تظن إنك خوفتني وهزيت قلبي، روح أنت رد للقبيلة واشقى بروحك ولا تفكر في، وأنا إذا متت أو حييت هي إرادة الله وعمر محسوبة أيامه، ولو ألف مثلك حراس علي ما يمنعون قدر.. روح يبه الله معك، ودير بالك أنت على حالك، ولا تريدني أرد معك لأحرسك من الوحوش؟ إذا خايف وجيت بس لجل ما تزعل بوك وتعصى أمره قول وأنا بوصلك للقبيلة بروحي."
قال هلال:
"مقبولة منك يابنت الأجواد.. لاحظي إن لسانك ينقط حنظل."
ردت عفراء:
"أنا ما مضطرة أزوق الكلام، أنا أقول الكلمة على نيتي والناس تفهم اللي تفهمه حسب نيتها."
قال هلال:
"قصدك تدجيها دج وما يهمك تعور لو لا."
ردت عفراء:
"احسبها هيك ما يهم."
قال هلال:
"طبعك مو زين."
ردت عفراء:
"أنا زينة الطبع غصبن عنك ومن ورا خشمك."
قال هلال:
"أقول طبعك مو زين وعمي قياتي مبين انشغل بشغلة وترككن بيد الحضرية دللتكن وما قصبت لسانكن يابنيات عمي."
ردت عفراء:
"اصكر خشمك ولا تجيب طاري أمي إلا بكل احترام، أم الحسين مافي زيها مرة ولا ترباية يدها حد يتحصلها، ودير بالك الحكي اللي يطلع منك أنا أقدر أخليك تتحاسب عليه بنص مجالس الرجال ويتحط عليك حق عرب، إذا ما تحترم مرت عمك وبنياتها تكون ما تحترم عمك."
قال هلال:
"أقول ردي للقبيلة وبلاها كل شيء."
ردت عفراء:
"إذا تريد أنت ترد رد، أنا أعرف طريقي وأعرف أروح وأرد بروحي، وتذكر أني ما طلبت رفقتك ولا طلبت يد العون من أحد، وأنت اللي لحقتني."
قال هلال:
"هيك الحكي صار يعني؟"
ردت عفراء:
"أي هيك."
أنهت كلماتها وانطلقت بحصانها نحو الوادي بلا ذرة خوف أو تردد، أما هو فوقف في محله لا يعلم من أين أتت هذه الحضرية بكل هذا الثبات والجرأة وكيف لها أن تمتطي الحصان بهذه المهارة وكأنها ولدت فارسة وهي التي تربت بين الجدران وسط البنايات، محاطة بالسيارات!
ثم رفع صوته وهو يودعها بكلماته الأخيرة:
"روحي عساكِ ما تردي ولا نعثروا منك غير على كومة عظام ونسويلك قبر ونكتب عليه شهيدة لسانها الطويل."
عاد هلال للقبيلة وربط حصانه وجلس عند البئر بجوار بعض الشباب وشاركهم الحديث، وبعد قليل رأوها قادمة من بعيد على صهوة الحصان فأردف أحدهم:
"يااااخ دقاقه والعود مزامير تطرب الناظر."
فرد عليه آخر:
"لا وخياله بعد.. شوف شوف شلون ثابتة على الحصان مثل ما تكون مولودة بيدها اللجام!"
فقاطعهم هلال قائلاً:
"اصكر خشمك أنت وإياه وتحشم، هدول بنات عمنا، وبعدين لا دقاقه ولا خياله، هي وحدة مهبولة ما تعرف الله وين حاططها."
قال أحدهم:
"والله ما مهبول غيرك يا هليل.. بس اعترف، البنت زينة ولا أنا أتوهم؟ ياخ أشوف بنيات القبيلة يموتون قهر من زينها والله."
فرد عليه لينهي هذا الجدال:
"يايبه والله تذبح ذبح بس ما يصير نتغزل، طمها بقلبك واصكر خشمك الرمال لها آذان."
أما في خيمة عوالي، جلس قياتي بجانب أبيه يطمئن عليه، بالرغم من معرفته بأنه أصبح في مأمن الآن بين يدي عمته وسألها وهو يبتعد عنه حتى لا يستمع لما يقول:
"طمنيني ياعمتي كيف كان ليله؟"
قالت عوالي:
"عز الله عينه ما ذاقت النوم ولا انقطع ونينه دقيقة."
قال قياتي:
"يا عمتي ماينام إلا البدن خالي من الوجاع، وخوك كل جسمه يتوجع، ادعي له ربك يخفف ويرحم ويسترد أمانته بلا عذاب."
قالت عوالي:
"عز عيني عليك يا خوي، ما أصدق جاء اليوم اللي نطلبولك الموت."
قال قياتي:
"رحمة به ياعمتي مو كراهة، الله يخفف عنه ويرحمه دنيا وآخرة إن شاء الله."
قالت عوالي:
"إن شاء الله يارب."
أما عند يحيى في المشفى...
"كا.. من.. ك.. ك.. كا..."
كانت حروف متقطعة ينطقها وهو ينظر لياسين بدموع منهمرة، ولا يكف عن محاولة الكلام مهما طلب منه الأطباء ذلك أو حتى ياسين، فزفر ياسين بحنق وهدر به:
"ما خلاص يابابا الدكاترة بيقولوا بطل كلام وأنا من الصبح بحاول أسكتك عشان العلاج يأخذ مجراه، ليه اللي طالع عليك كا وكو، مالك عايز تقول إيه؟"
قال يحيى:
"اخ.. اخ.."
سأله ياسين:
"اختي؟"
هز رأسه بصعوبة وأكمل:
"كا.. كا.."
قال ياسين:
"اختي كارمن مالها بقى.. لو عايزها هجيبهالك حاضر بس بتصل عليها تليفونها مقفول، أطمن عليك ونشوف الأشعات فيها إيه وأروح أجيبهالك حاضر بس اهدى."
صمت وهو يحاول التقاط أنفاسه المختنقة وحتى هذه اللحظة لا يستوعب ما سمعه منها، أيعقل أن تفعل ابنته الصغيرة كل هذا! متى وكيف.. أغمض عينيه بتعب فرأى أخته مديحة أمامه تضحك بشماتة، صوت ضحكاتها العالية يكاد يصم أذنيه، فأخذ يهز رأسه يميناً ويساراً كي تصمت وتختفي، ولكن ما حدث أنها توقفت عن الضحك وهمست له في أذنه:
"كنت متأكدة إن اليوم دا هييجي واللي عملته فيا هيتردلك، حاربتني عشان حبيت واتجوزت بالحلال وفرقتني عن حبيبي، لكن شوف القلم اتردلك أقوى وأشد إزاي،، بالحرام يايحيي، بنتك بتحمل بالحرام يايحيي، شوف بقى العار اللي على حق مش عار جوازي من ابن الساعي.. ودلوقتي أنا مستنية كارمن متخليهاش تتأخر عليا.."
أنهت كلماتها وعادت تضحك بنفس الطريقة وهي تتراجع للوراء وتختفي شيئاً فشيئاً، وما كان من يحيي إلا أن زاد نحيبه وهو يعود لنطق اسمها بصعوبة، ومع زيادته بدأ ياسين يشك في الأمر، فأخرج هاتفه وحاول الاتصال بأخته كارمن مجدداً، ووجد الهاتف لا يزال مقفولاً، فهب واقفاً وترك المشفى وذهب للمنزل بحثاً عنها.. وعندما وجد المنزل فارغاً وأبواب خزانتها مفتوحة وملابسها ملقاة بعشوائية عرف أنها هربت.. وأن حالة أبيه هي السبب فيها، ومثل هذا الوضع لا يبشر بالخير ومدعاة لكل شكوك الأرض أن تستوطن القلب والعقل، ويبدو أن ما كان يخشاه قد حدث بالفعل.
وعلى الفور هاتف أحد رجاله وكلفه بأخذ رجل آخر معه والبحث عن كارمن أخته وأخبره من أين يبدأ، وفور وجودها يقبض عليها ويأتي له بها على الفور، ثم عاد للمشفى مرة أخرى.
وما هي سوى سويعات وتم تشخيص حالة يحيي بجلطة دماغية، ومن بعدها اتاه اتصال يخبره بأن أخته تم العثور عليها في منزل إحدى صديقاتها وأنها بحوزتهم، فأمرهم بالذهاب بها لمكان بعيد خالي من الكاميرات وأن يبلغوه به ينتظراه هناك.
أما في سجن النساء..
إحدى المسجونات:
"أنتِ ياحجة تأخري كذا خذيني فريال، عايزة آخذ راحتي معاكي في الكلام شوية وأفكك بدال ما أنتِ قايمة على نفسك كذا."
ردت فريال:
"ابعدي عني ياست أنتِ أنا مش ناقصاكي."
قالت السجينة:
"لا مش هبعد وهتحكيلي بالذوق أو بالعافية بقى، أنتِ وأختك ليه واخدين جنب من بعض.. وصحيح مثل ما سمعنا إنكم جايين في جريمة قتل؟"
صمتت فريال، فضربتها السجينة على ذراعها تحثها على الإجابة فردت عليها فريال باقتضاب:
"آه."
قالت السجينة:
"طيب مين دا اللي قتلتوه ولا قتلتوها يا قادرين وربنا مكملهاش معاكم بالستر وجابكم هنا؟"
ردت فريال:
"ابني.. قتلنا ابني."
صمتت السجينة وهي غير مصدقة لما سمعت، ونقلت عينيها بين فريال وفاطمة واردفت بتعجب:
"لا دا الظاهر القطة أكلت عيالها يا ولاد.. قتلتِ ابنك يا ولية وخليتي أختك تساعدك؟ ولسا عايشة مموتيش من القهر والندم؟! لا دا أنا هستنى اليوم اللي تطلعوا فيه علينا بالأحمر بفارغ الصبر.. أوعي كده غوري دا أنتِ مش بني آدمة.. سمعتوا يا نسوان الولية قتلت ابنها!"
وعلى الرغم من أن أغلب النزيلات مجرمات، إلا أن ما سمعوه جعلهم يشهقون بصدمة، لأنهم مهما بلغ بهم الجرم لا يصل لقتل فلذة الكبد بتاتاً.
أما فاطمة فكانت تنظر لفريال في صمت، هي تورطت معها وكل ما حدث كانت تخدم به مصلحة فريال أولاً، ولكنها في النهاية أنكرت كل شيء وحملتها هي الجرم الكامل، وأصبحت تعلنها للجميع بأنها ساعدتها بقتل ابنها، وكأنها كانت تقصد قتله أو أعطتها السم لهذا الغرض، وتعلم أنها لو اعترضت أو نطقت بحرف واحد فستكون بهذا أشعلت فتيل القنبلة التي ستنهي حياتها على يد فريال؛ التي تريد أن تقتص لموت ابنها من أي أحد، وليس أمامها سواها الآن.
وصل ياسين للمكان الذي أخبره به رجاله، وقام بأخذها من سيارتهم لسيارته، ونظراً لحالة الرعب التي كانت فيها ودموعها وارتجافة جسدها عرف بأنه على مشارف صدمة.
أغلق أبواب السيارة بعد أن صعد فيها واستدار بجزعه نحو كارمن وهمس لها بفحيح أفعى مراوغة:
"أبوكي قالي على كل حاجة وأنا دلوقتي عايزك تحكيلي كل حاجة وبصراحة."
ابتلعت غصتها وتحت تهديد عينيه المشتعلتين بدأت في سرد كل ما حدث من البداية للنهاية وعند انتهائها نطقت الشهادتين في سرها وهي تراه ينظر لبطنها وهو غير مصدق لما سمعته منها، وبعد دقائق من صمته المطبق وأنفاسها المتلاحقة نظر أمامه ثم أنطق بالسيارة على أقصى سرعة، فعلمت كارمن أنه مسرع بها نحو نهايتها، فاحتضنت حقيبتها وبدأت تبكي بصوت عالٍ وهي تنادي على أمها أن تأتي وتنقذها، وكلما ذكرت أمها زاد غضب ياسين وزادت سرعته.
إلى أن وصل بها لمصنع مهجور بعيداً عن العمران، ونزل من السيارة وأنزلها منها عنوة وأدخلها المصنع وهي تتشبث بأي شيء في طريقها وتحاول الهروب، وما أن أصبحا داخل المصنع حتى ضربها على رأسها بقبضة يده أفقدها توازنها؛ فسقطت أرضاً وجلس فوق بطنها وطوق رقبتها بكلتا يديه وبدأ في قطع الهواء عنها وخنقها، ولم يتركها إلا بعد أن تأكد أنها فارقت الحياة.
تلفت حوله وسحبها وقام بوضعها في حوض كبير فارغ ووضع فوقها كل شيء طالته يده واستطاع حمله حتى غطاها تماماً، ثم خلل أصابعه في شعره وهندم ملابسه وذهب لسيارته ركبها وغادر المكان كأن لم يفعل شيئاً.
وذهب رأساً للمحامي المتولي قضية أمه وطلب أن يجلب له تصريحاً لزيارتها في موعد الزيارة القادم، ولحسن حظه كانت الزيارة في اليوم التالي، فعاد للمنزل واستلقى على الأريكة بعد يومه الشاق هذا وأغمض عينيه وهرب بالنوم من العالم.
أما في القبيلة..
كانت تغزل الصوف في الزاوية المقابلة له من الخيمة، وتنظر إليه بين الفينة والأخرى وتطمئن أنه لازال على قيد الحياة من أنفاسه وارتفاع صدره وهبوطه، وفي إحدى المرات نظرت للمغزل وأعادت النظر إليه فرأت أن صدره ساكن لا يتحرك، رمت المغزل وزحفت على الرمال حتى وصلت إليه، وضعت يدها على صدره واقتربت من فمه تسمع صوت أنفاسه، ونظرت لمايزه وقد تلألأ الدمع في عينيها وأردفت بحزن بالغ:
"فارق يامايزة، راح وخلاني بروحي من بعده وأنا اللي دعيت يعيش لحين يدفني بيده ويعززني وأنا اللي مالي ولد ولا سند غيره.. راح حزام ظهري راااااااح.."
لتصرخ مايزة بأعلى طبقات صوتها:
"واااااااك عليك واااااااااك ياشيخ ما جابتك لبطون الولادة، واااااك ياشيخنا واااااك."
وبعدها خرجت من الخيمة وبدأت في حمل التراب من الأرض ووضعه فوق رأسها، وعلى صوتها تجمعت القبيلة كلها وتعالت الأصوات بالصراخ وارتجفت القلوب ونزفت حزناً على فقيد القلوب.. أعظم من جادت به القبيلة منذ نشأتها..
أما عوالي فاحتضنته وأسندت رأسها على صدره وأخذت تهمس بصوت مختنق:
يا عين هلي الدمع يا عين هليه
لا تبخلي بالدمع في شخص غالي
ما بكيتي اليوم على اللي فقدتيه
ما أظن غيره ينفقد في الرجال
راح الأخ والصاحب اللي مخاويه
مات الصديق اليوم وافي الخصال
حين ينزلونه القبر وترابه يغطيه
وفارق حياة آخرتها زوالي
أبكي عليه ومن يعرفه بيبكيه
وحزني عليه أيهد عالي الجبال
مات الصديق اللي نحبه ونغليه
راع الوفاء والطيب زين الفعال
يا ما فزع من دون ما أحد يناديه
ذخر الرفيق أليا بلته الليالي
ما صك بابه دون من جاه ناصيه
يسعى معه بالروح ويا الحلال
قبله فقدنا من نحبه ونبغيه
لكن موت خوي هو اللي أثر بحالي
رواية عقاب ابن الباديه الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم ريناد يوسف
خيم الحزن على سائر القبيلة، فموت شيخهم كان فاجعة كبرى.
لم يقتصر الحزن على القبيلة فقط، بل شمل كل القبائل المجاورة، وكل من يعرف الشيخ منصور أتى للعزاء.
تحولت القبيلة لأضخم عزاء رأته العين.
حضره القاصي والداني، أكبر رؤوس رجال الشرطة والجيش.
وفود تأتي ووفود تغادر، والولائم لم تنقطع.
كل من في القبيلة أتى بكبش أو باثنين، ومنهم من أتى بجمال صغيرة السن وذبحها.
ومن لديه أكثر جاد.
والشيخة عوالي أمرت بذبح جميع الكباش التي تمتلكها، وكانوا فوق الـ 20 كبش، ولم تترك سوى الإناث من أغنامها.
هذا غير الذي أتت به شيوخ القبائل الأخرى ومحبين الشيخ منصور.
لم تتوقف النساء عن الطبخ، وانضم إليهن نساء القبائل القريبة يساعدن.
وحين الانتهاء من الطبخ وتوزيع وإطعام الطعام على روح الشيخ منصور، تتجمع كل القبيلة ليلاً.
ويشاركوا الدموع على كلمات رثاء الشيخة عوالي لأخيها ومايزه، وكهولة القبيلة من الحافظين لرثاء الموتى والكلمات التي تجعل القلوب تنزف وجعاً.
ومر أسبوع على هذا الحال، وبعدها انقطعت الأرجل شيئاً فشيئاً، وبدأت الأمور تعود إلى طبيعتها.
أما في خيمة خولة وأخواتها، جالسة في الخيمة ناظرة للسقف، وابتسامتها العريضة لم تفارق وجهها حين تختلي بنفسها.
فهدرت بها أمها:
- اقول يالمهبولة، متى تصحين على روحك وتبطلين توهة وتبسم؟ اللي يشوفك يقول فرحانة بموت الشيخ وتركبيننا عار ما بعده عار.
- اتركيني يا أم خولة أتبسم، انتِ ما تدرين كيف أنتشي وأفرح كل ما يجي على بالي اليوم اللي عفره غالت به رجوه.
- أهووو.. ما راح تنسي أنتِ قتلة رجوه؟
- أبدددد، والله بردت ناري بت عمي قياتي الفانص الرفاسة.
ثم اعتدلت في جلستها وأكملت بجدية:
- أقول يومه.. تشوفين الحين أروح أفاتح الشيخة عوالي بمسألة جوازي ولا أصبر شوي؟
- اتحشمي يا خولة، ما تدور لروحها عريس إلا الفانص البايرة العانس.
- زين وأنا ايش؟ ما أنا كل اللي ذكرتيه.
- حييييه عليج حييييه، والله لتتركبيننا العار يا عار.
- أي يعني الوقت مناسب ولا الشيخة تشوفني قليلة ذوق؟
- يعني بعد ما قريتي إن كل العبر فيكِ يفرق معكِ إذا طلعتي قليلة ذوق؟
- إي صح معكِ حق، والله ما تفرق.. غدوه أمشي لخيمتها وأقولها زوجيني بأقرب وقت.
نفضت صالحة يديها بيأس من ابنتها ثم غادرت الخيمة بحثاً عن أحد أبنائها، وحين وجدت أحدهم صاحت:
- (يابرق).. تعال أريدك.
- لبيكِ يا أمي، إيش تريدين؟
- خذ هاد الماعون وجيب لي شوي من حليب الماعز أسوي به ثريد وآكل، معدتي ما تتحمل الدسم بالعشا.
- وليش أنا اللي أروح أحلب الماعز! وينها بتك الخايسة الهاملة الداشرة؟
- بتي بالخيمة تتطلع للسقف وتتبسم، زايد عليها لهبال، اتركها.
- ديري بالك عليها تكون عشقانة ونحن ماندري ويجينا بسببها العار.
- روح روح يا برق، خولة وعشق وشويق ما يركبون على بعض، طمن حالك.
غادر برق بعد أن أخذ السطل، وعادت صالحة للخيمة فوجدت خولة تضحك بصوت عالٍ وتضرب على فخذها، ولا تتحكم بضحكاتها حتى سال لعابها من فمها.
فجلست أمها بعيداً عنها ووضعت يدها على رأسها بقلة حيلة وهي ترى حالتها المذرية.
أما خولة فكل ما يضحكها هو ذاك اليوم الذي وقفت عنده ولا تستطيع تخطيه، وخاصة وهي آتية تزف الخبر لصياح أخيها بمنتهى السعادة.
(عودة بالزمن لقبل موت الشيخ بأيام قليلة)
- اصحي اصحي يا صياح، رجوه رجوه يا صياح، خذت كم رفسه يا صياح وطاحت طاحت يا صياح، سفت لرمال يا صياح، وضحكنا عليها يا صياح، وعفره الحلوة يا صياح جابتها الأرض يا صياح.. والحين الحين يا صياح أنا واااجد فرحانة يا صياح.
- ولك سدي فمك، إيش هالخبال من على بكرة الصبح، يقصف عمرك بحق جاهه وسلطانه.
اقتربت منه وجلست بجواره وهي تحاول السيطرة على ضحكاتها المتواصلة:
- أقول يا خوي رجوه مسكتها عفره بت عمي قياتي، عجنتها وخبزتها وسوتها خبزة تنور وأكلتها.
- تكذبين؟
- وربي ما أكذب.
- ليش؟ إيش صار لكل هاد؟
- ما أدري، بس أنا كنت ماشية للبير وشفت رجوه رمت الجدح من يدها وهجمت على لبنيه، وبس دنكت تجيب أحجار وعينك ما تشوف إلا الرفس، والله عفره كانت مشغلة رجولها الزوز مثل بغل بوك حين يروحوا صوبه الوليدات الصغار، وخلتها خرت على الأرض تتلوي مثل حنيش انضربت بارودة براسه.
- تمزحين!
- أعدمك أنت وياها إذا أكذب أو أمزح.. هيا انهض وتعال ملي عيونك منها وهي مسجية عالرمال وتبكي.. والله شوفتها تبرد القلب يا خوي.
نهض صياح ولبس خفيه وهو لا يصدق كل ما تفوهت به خولة، فهذه رجوة نمرة القبيلة كيف لها أن تُغلب؟
أما عند رجوه في هذا الوقت:
- والله الحين إذا ما عمي قياتي جاب لي حقي لعشيه لاحرق الخيمة اللي نايمين فيها بناته الثلاثة وما يلاقوا منهم الصبح غير رماد.
سمعت زوجة قياتي كلام رجوه، فوضعت يدها على قلبها خِيفة من أن تنفذ رجوه تهديدها وهرولت إليها وجلست بجوارها وأخذت تهدئ بها وتقول:
- حقك على راسي يا بنيه، أنا بعتذر لك نيابة عن عفراء بتي ومنك السماح، هي مهبولة ما تعرف إيش تسوي.. أنا ما أدري شو اللي صار معكم ووصلكم للقتال، بس الأكيد أن عفراء ما تتعصب هيك إلا من شي قوي.
- أي شي قوي وأقوى من القوي، بتك كانت مبيته بغرفة رجلي... آ أقصد رجال غريب، وبس عاتبتها سوت في اللي عينك تشوفه، أريد أعرف باي حق ووين الحيا؟
شهقت زوجة قياتي ووضعت يدها على فمها وهي غير مصدقة للتهمة التي قذفت بها هذه الفتاة ابنتها للتو، ولكن صوت الشيخة عوالي أنقذ الموقف حين قالت لرجوه بغضب:
- صكري فمك الله يلعنك ويلعن لسانك اللي ينقط حنظل؟ يا أم حسين أرجو منكِ السماح، هي لبنية فانص مهبولة ومضيعة عقلها ما تعرف وين الله حاططها ولا ايش تقول.
نهضت زوجة قياتي وتلفتت حولها ثم دلفت لغرفة آدم لتكتشف ماحدث، فوجدت ابنتيها نوف والعنود نائمتين بالغرفة، فضربتهم وهي تصيح بهم:
- قومن وقولولي إيش جابكم هين، وليش تركتوا خيمتكم، جبتوا لنا وجيج راس ماله أول من آخر.
نهضت الفتيات بفزع فسألتها نوف:
- إيش فيكِ يا أمي وإيش تقولين؟
- أقول فيه بنية بالخارج غالتها اختكم عفراء والحين البنت تطعن بشرفها وتقول شفتها خارجة من غرفة راجل ومبيته حده، أريد افتهم الحين إيش جابكم لهي الغرفة؟
ردت عليها العنود وهي ترتدي خفيها:
- كل القصة يا أمي إن عفراء ما تحملت سخونة الجو بالأمس وعرفت إن هالمبنى به مكيف، فجات وطلبت من راعيه إنه يتركه لنا نبيت فيه؛ لأننا ما واخدين على هي المصامط، وهو ترك الغرفة لنا وراح وقال خذوا راحتكم.
- ولك الله ياخذكن انتوا وراحتكم بعد.. الحين بسبب حفنة هوا صرتوا عار وتبيتون بغرف الرجال، قولولي إيش أقول لأبوكم وأهل القبيلة الحين؟
نوف:
- لا تقولين، إحنا نقول، هيا يا عنود نشوف مين هي البنية، وإن لزم الأمر نكمل اللي بدأته عفراء.
وخرجتا الفتاتين أمام أمهم ليجدوا رجوة جالسة على الأرض ومعزوزه بجوارها تحاول تهدئتها، أما عوالي فتريد الهجوم عليها ولكن مايزه متشبثة بها منعاً للمزيد من الفضائح، وحتى لا يكبر الموضوع ويصل للرجال.
ولكن هيهات، فلا أمر يحدث في القبيلة وخاصة بين النساء إلا وعرف به الصغير والكبير.
غادر قياتي المجلس ومعه قصير وآدم ورابح والجميع فور سماعهم بأن رجوة تقاتلت مع ابنة قياتي.
قصير:
- يا قياتي ما توجع راسك بأشغال النساء واتركها لـ عمتك عوالي هي تحلها.
- لا لا، بناتي طرف فيها وأخاف ما تنحل وتزداد سوء، هم يعرفون أعراف القبيلة، بس ما تعاملون بها من قبل وواثق إنهم الحين يشوفون الأمور غريبة واجد.
وصل قصير وقياتي للمكان، ووصل معه أيضاً رابح وسالم، وآدم الذي بمجرد اقترابه ورؤية رجوه بهذا المنظر علم أن كارثة حدثت، فتقدم على الجميع ووصل لرجوة أولاً وبصوته العالي تحدث قبل أن تفتح هي فمها وتحدث المزيد من الفوضى:
- انت! إيش تسوين أمام الغرفة؟ أنا مو مشدد إن ما حدا يقترب من غرفتي وخاصة أنتِ يا مهبولة؟
وهنا ردت عليه رجوه وهي غير مصدقة لما قاله:
- إي مشدد ما حد يقترب، بس الفوانص الغرب يبيتون بها ويصير شي عادي معك ومقبول.
- رجوه صكري فمك وقومي غادري الحين وما أشوف رجولك تقترب من غرفتي مرة ثانية.
نظرت له بعتب، فها هو يكسرها أمام الجميع وهي من خاضت معركة وهي تظن أنه ملكها ويحق لها الدفاع عنه.
وهنا أتى صوت قياتي متسائلاً:
- أنا أريد أعرف إيش اللي صار بالضبط؟
رد عليه آدم سريعاً:
- ولا شي يا عمي، بالأمس كريمتكم سألتني المبيت بالغرفة لأن بها مكيف، فتركت الغرفة لها ولأخواتها ومشيت على خيمة الشباب قضيت الليل بها، ولأن غرفتي ممنوع حد يقربها أشوف هي المهبولة ماسكتت وقادت بها نار الغيرة.
قصير:
- بارك الله فيك يا آدم، من يومك نشمي يا وليدي وصاحب مروة.
صاحت به رجوه:
- نشمي وصاحب مروة إذا الأمر يتعلق ببنيات غيرك، لكن إذا سويتها أنا وبتت بغرفته يوم أصير أفنص من على الأرض، والفنص اللي بي ما شالته بنيه قبلي.. كثرت مكايبلك اللي تكيل بها يا شيخ.
قياتي:
- مين هي يا قصير؟
نظر قصير للأرض وأجاب قياتي بخجل حقيقي:
- هي فانص القبيلة.. بتي رجوه.
تبسم قياتي على صراحة قصير وأردف:
- مبين عليك دللتها واااجد يا قصير حتى صاير لسانها هيك طوله!
ردت عليه رجوة متهكمة:
- دللني حتى طفح الدلال مني وغرق القبيلة بكاملها.
قصير:
- والله يا خوي أنا لا دللت ولا أعترف إن البنت تدلل، بس هي بالذات الدلال خرب أخلاقها وخلاها شوفة عينك، والله يسامحه اللي دلل.
قالها ونظر لسالم الذي كان ينظر لرجوة غير مهتم لأي شيء أو لأي كلام يقال سوى بضع قطرات الدماء التي على وجهها، وجرح جبهتها الذي يجاهد كي لا يقترب منها ويضع يده عليه ويسألها إن كان يؤلمها كثيراً أم لا، فمنذ نعومة أظافرها وهو لا يتحمل أن يرى بها خدش أو شوكة تخترق أقدامها الترفة.
انتبه لنفسه على ضغطة بكفة يده فنظر ليرى رابح ينبهه بأن الجميع ينظر له في هذه اللحظة، فابتلع ريقه وغادر المكان على الفور.
أما قياتى فرأى عفراء ابنته آتية من بعيد بعد أن ربطت الحصان في مكانه، فنظر لقصير وقال له بجدية:
- قصير، أريدك تدعى للمجلس شباب القبيلة وتقول إن بنيات قياتي وصلوا لسن الزواج واللي يريد من أولاد عمومتهم ينهي على بنية منهم يتفضل.
والجاهز للزواج يشيل.
- يصير خير يا خوي.. خلص أعطني فرصة أخبر القبيلة كلها ووليداتنا اللي بالخارج وقت يصير عند الكل علم ينعقد مجلس رهن بنياتك.
سمعت نوف هذا الكلام وترنحت وهي على وشك فقدان الوعي، أما العنود وعفراء فتسمرتا كتمثالين، فهما يعرفان أن زواجهما لابد وأن يكون من شباب القبيلة، ولكن ليس بهذه الطريقة ولا بهذه السرعة!
كان صياح حاضراً وسمع كل هذا، وحين وصل الحديث لرهن بنات قياتي انفجر قلبه من الحسرة، فقياتي يمتلك أضعاف ما يمتلكه قصير، وتجارة السيارات مربحة أكثر من تجارة الأسلحة وأقل خطراً وهذا بجانب الميراث الذي تركه له أبيه منصور.
وهذه صفقة عظيمة خسرها صياح وكل الذي كان سيفعله لكسبها هو رهن إحدى بنات قياتي والزواج منها.
عاد للخيمة محمل بخيبة كبيرة، وهو من كان ذاهباً يتشمت، فعاد متحسراً وترك رجوة لم يتفوه معها بكلمة أو يسألها عما حدث وسببه، وترك خولة واقفة على مسافة منها تراقب وتكاد تجن من فرط السعادة ولم يريد أن يقطع عليها متعتها.
في الخيمة:
- إيش فيه يا صياح، أشوف وجهك ما يتفسر، لتكون عفره أذت رجوه واجد؟
- تأذيها، للجهنم رجوه وأذاها، أنا الحين مو ببالي رجوة ولا زفت، أنا اللي ببالي الملايين الطايرة بالهوا وكان بأمكاني أمد يدي وأكبش بس حظي الشين ما خلاني أتروى.
- إيش هالأحاجي يا وليدي، أجلس أجلس وأحكي إيش مناسبة هالكلام؟
- اليوم.. اليوم قياتي ود الشيخ منصور عرض بناته للرهن، بنيات مال وجمال وكل وحدة فيهن أضرب من الثانية، وأني من حظي الحنظل رايح أرهن رجوة الفانص.
وهنا ردت عليه خوله التي دخلت الخيمة تواً:
- يا صياح ما تطمع، وهو من كل عقلك قياتي يعطيك إذا طلبت؟ إذا رجوة وبألف دعوة أبوها وافق، ولو ما إنها فانص وعايفها سالم ما كنت تحلم تمسك جدايلها، جاي الحين تتحسر؟ أنت ما تسمع بنيات القبيلة إيش يقولون عنك، والله يقولون صياح أبو رجول طوال، ووقت سباقات الهجين يسألوني ليش ما شاركتوا بأخوكم صياح يا خولة بالسباق يجيبلكم المركز الأول.
وتريد الصدق يا خوي أنت رجولك طوال واجد وأقدامك كبار وتحس رجولك بادية من عند صدرك.
- الله يلعنك ويصب غضبه عليك يا مكسرة مجاديفي وحابطه عزيمتي يا بهيمة الوديان.
- صكري خشمك يا قليلة الحيا ولا تقولي لأخوك كلامك العلقم مرة ثانية وإلا بربي أقص لسانك.. وربي إن عيني ما تشوف أحلى ولا أجمل من صوييح حبيب عين أمي.
- أي ومن يشهد له غيرك يعني؟
صالحة:
- خوله روحي يم البنات وشوفي إيش يسوون وساعديهم، روحي حركي حالك وخلي العين تشوفك معدلة وتشتغلين مثل البنات.
- زين رايحة.. بس قبل بمشي للشيخة عوالي أجيب من عندها كحل وحُمرة.
صاح بها صياح بغضب:
- ولك الله ياخذك أخذ عزيز مقتدر، الشيخ يموت وأنت تريدين من أخته تعطيك حمرة وكحل! عرس بوك هو؟
- كنت أتركها ليش تنبهها، لجل كانت الشيخة عوالي كوتها بالنار فخشمها اللي تريد تحط فيه حُمرة وخلت حمرته رباني.
حكت خولة في رأسها وقد تداركت أنه بالفعل ليس الوقت المناسب، وغادرت الخيمة تفعل مثلما قالت لها أمها، وتكمل تشمتها في رجوة فهي لم تكتفِ بعد.
مر اليوم وبنات قياتي كانوا في محزنة حقيقية، وبدا الأمر وكأنهم أتوا للقبيلة لقضاء لم يتوقعوا حدوثه.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الخمسون 50 - بقلم ريناد يوسف
ايش فيك يا أمي وإيش تقولين؟
اقول فيه بنية بالخارج غالتها اختكم عفراء والحين البنت تطعن بشرفها وتقول شفتها خارجه من غرفة راجل ومبيته عنده. اريد افتهم الحين إيش جابكم لهي الغرفة؟
ردت عليها العنود وهي ترتدي خفيها:
القصة كلها يا أمي إن عفراء ماتحملت سخونة الجو بالأمس وعرفت إن هالمبنى به مكيف. فجات وطلبت من راعيه إنه يتركه لنا نبيت فيه؛ لأننا ما متعودين على هالزحمة. وهو ترك الغرفة لنا وراح وقال خذوا راحتكم.
ولكن الله ياخذكن انتوا وراحتكم بعد. الحين بسبب حفنة هوا صرتوا عار وتبيتون بغرف الرجال. قولولي ايش أقول لأبوكم وأهل القبيلة الحين؟
نوف:
لا تقولين إحنا نقول. هيا يا عنود نشوف مين هي البنية، وإن لزم الأمر نكمل اللي بدأته عفراء.
وخرجتا الفتاتين أمام أمهم ليجدوا رجوة جالسة على الأرض ومعزوزة بجوارها تحاول تهدئتها. أما عوالي فتريد الهجوم عليها ولكن مايزة متشبثة بها منعاً للمزيد من الفضائح، وحتى لا يكبر الموضوع ويصل للرجال.
ولكن هيهات، فلا أمر يحدث في القبيلة وخاصة بين النساء إلا وعرف به الصغير والكبير.
غادر قياتي المجلس ومعه قصير وآدم ورابح والجميع فور سماعهم بأن رجوة تقاتلت مع ابنة قياتي.
قصير:
يا قياتي، لا توجع راسك بأشغال النساء واتركها لـ عمتك عوالي هي تحلها.
قياتي:
لا لا، بناتي طرف فيها وأخاف ما تنحل وتزداد سوء. هم يعرفون أعراف القبيلة، بس ما تعاملوا بها من قبل. وواثق إنهم الحين يشوفون الأمور غريبة واجد.
وصل قصير وقياتي للمكان، ووصل معه أيضاً رابح وسالم. وآدم الذي بمجرد اقترابه ورؤية رجوة بهذا المنظر علم أن كارثة حدثت، فتقدم على الجميع ووصل لرجوة أولاً وبصوته العالي تحدث قبل أن تفتح هي فمها وتحدث المزيد من الفوضى:
آدم:
انت! إيش تسوين أمام الغرفة؟ أنا مو مشدد إن ما حد يقترب من غرفتي، وخاصة أنتِ يا مهبولة!
وهنا ردت عليه رجوة وهي غير مصدقة لما قاله:
إي مشدد ما حد يقترب، بس الفوانص الغرب يبيتون بها ويصير شي عادي معك ومقبول.
آدم:
رجوة، صكري فمك وقومي غادري الحين وما أشوف رجولك تقترب من غرفتي مرة ثانية.
نظرت له بعتب فها هو يكسرها أمام الجميع وهي من خاضت معركة وهي تظن أنه ملكها ويحق لها الدفاع عنه.
وهنا أتى صوت قياتي متسائلاً:
أنا أريد أعرف ايش اللي صار بالضبط؟
رد عليه آدم سريعاً:
ولا شي يا عمي. بالأمس كريمتكم سألتني المبيت بالغرفة لأن بها مكيف، فتركت الغرفة لها ولأخواتها ومشيت على خيمة الشباب قضيت الليل بها. ولأن غرفتي ممنوع حد يقربها، أشوف هي المهبولة ماسكتة وقادت بها نار الغيرة.
قصير:
بارك الله فيك يا آدم، من يومك نشمي يا وليدي وصاحب مروءة.
صاحت به رجوة:
نشمي وصاحب مروءة إذا الأمر يتعلق ببنيات غيرك، لكن إذا سويتها أنا وبتت بغرفته يوم أصير فنص من على الأرض، والفنص اللي بي ما شالته بنية قبلي. كثرت مكايبك اللي تكيل بها يا شيخ.
قياتي:
مين هي يا قصير؟
نظر قصير للأرض وأجاب قياتي بخجل حقيقي:
هي فنص القبيلة.. بتي رجوة.
تبسم قياتي على صراحة قصير وأردف:
مبين عليك دللتها واجد يا قصير حتى صاير لسانها هيك طوله!
ردت عليه رجوة متهكمة:
دللني حتى طفح الدلال مني وغرق القبيلة بكاملها.
قصير:
والله يا خوي أنا لا دللت ولا أعترف إن البنت تدلل، بس هي بالذات الدلال خرب أخلاقها وخلاها شوفة عينك. والله يسامح اللي دلل.
قالها ونظر لسالم الذي كان ينظر لرجوة غير مهتم لأي شيء أو لأي كلام يقال، سوى بضع قطرات الدماء التي على وجهها، وجرح جبهتها الذي يجاهد كي لا يقترب منها ويضع يده عليه ويسألها إن كان يؤلمها كثيراً أم لا. فمنذ نعومة أظافرها وهو لا يتحمل أن يرى بها خدش أو شوكة تخترق أقدامها الترفة.
انتبه لنفسه على ضغطة بكفه يده فنظر ليرى رابح ينبهه بأن الجميع ينظر له في هذه اللحظة، فابتلع ريقه وغادر المكان على الفور.
أما قياتي فرأى عفراء ابنته آتية من بعيد بعد أن ربطت الحصان في مكانه، فنظر لقصير وقال له بجدية:
قياتي:
قصير، أريدك تدعى للمجلس شباب القبيلة وتقول إن بنيات قياتي وصلوا لسن الزواج واللي يريد من أولاد عمومتهم ينهي على بنية منهم يتفضل. والجاهز للزواج يشيل.
قصير:
يصير خير يا خوي. خلص أعطيني فرصة أخبر القبيلة كلها وأولادنا اللي بالخارج. وقت يصير عند الكل علم ينعقد مجلس رهن بنياتك.
سمعت نوف هذا الكلام وترنحت وهي على وشك فقدان الوعي. أما العنود وعفراء فتسمرتا كتمثالين، فهم يعرفون أن زواجهم لا بد وأن يكون من شباب القبيلة، ولكن ليس بهذه الطريقة ولا بهذه السرعة!
كان صياح حاضراً وسمع كل هذا، وحين وصل الحديث لرهن بنات قياتي انفجر قلبه من الحسرة، فقياتي يمتلك أضعاف ما يمتلكه قصير، وتجارة السيارات مربحة أكثر من تجارة الأسلحة وأقل خطراً، وهذا بجانب الميراث الذي تركه له أبيه منصور. وهذه صفقة عظيمة خسرها صياح، وكل الذي كان سيفعله لكسبها هو رهن إحدى بنات قياتي والزواج منها.
عاد للخيمة محمل بخيبة كبيرة، وهو من كان ذاهباً يتشمت، فعاد متحسراً وترك رجوة لم يتفوه معها بكلمة أو يسألها عما حدث وسببه. وترك خولة واقفة على مسافة منها تراقب وتكاد تجن من فرط السعادة ولم يريد أن يقطع عليها متعتها.
في الخيمة:
إيش فيه يا صياح، أشوف وجهك ما يتفسر. لتكون عفراء أذت رجوة واجد؟
صياح:
تؤذيها؟ للجهنم رجوة وأذاها. أنا الحين مو ببالي رجوة ولا زفت. أنا اللي ببالي الملايين الطايرات بالهوا وكان بأمكاني امد يدي وأكبش بس حظي الشين ما خلاني أتروى.
خولة:
ايش هالأحاجي يا وليدي؟ اجلس اجلس واحكي إيش مناسبة هالكلام؟
صياح:
اليوم.. اليوم قياتي والشيخ منصور عرض بناته للرهن. بنيات مال وجمال وكل وحدة فيهن أضرب من الثانية. وأنا من حظي الحنظل رايح أرهن رجوة الفانص.
وهنا ردت عليه خولة التي دخلت الخيمة تواً:
يا صياح، لا تطمع. وهو من كل عقلك قياتي يعطيك إذا طلبت؟ إذا رجوة وبألف دعوة أبوها وافق. ولو ما إنها فنص وعايفها سالم ما كنت تحلم تمسك جدايلها. جاي الحين تتحسر؟ أنت ما تسمع بنيات القبيلة إيش يقولون عنك؟ والله يقولون صياح أبو رجول طوال، ووقت سباقات الهجين يسألوني ليش ما شاركتوا بأخوكم صياح يا خولة بالسباق يجيبلكم المركز الأول.
وتريد الصدق يا خوي أنت رجولك طوال واجد وأقدامك كبار وتحس رجولك بادية من عند صدرك.
صياح:
الله يلعنك ويصب غضبه عليك يا مكسرة مجاديفي وحابطة عزيمتي يا بهيمة الوديان.
خولة:
صكري خشمك يا قليلة الحيا ولا تقولي لأخوك كلامك العلقم مرة ثانية وإلا بربي أقُص لسانك. وربي إن عيني ما تشوف أحلى ولا أجمل من صويح حبيب عين أمه.
صياح:
اي ومن يشهد له غيرك يعني؟
صالحة:
يا خولة، روحي يم البنات وشوفي ايش يسوون وساعديهم. روحي حركي حالك وخلي العين تشوفك معدلة وتشتغلين مثل البنات.
خولة:
زين رايحة.. بس قبل بمشي للشيخة عوالي أجيب من عندها كحل وحمرة.
صاح بها صياح بغضب:
ولك الله ياخذك أخذ عزيز مقتدر! الشيخ يموت وانت تريدين من أخته تعطيك حمرة وكحل! عرس بوك هو؟
خولة:
كنت أتركها ليش تنبهها، لأجل كانت الشيخة عوالي كوتها بالنار في خشمها اللي تريد تحط فيه حمرة وخلت حمرته رباني.
حكت خولة في رأسها وقد تداركت أنه بالفعل ليس الوقت المناسب، وغادرت الخيمة تفعل مثلما قالت لها أمها، وتكمل شماتتها في رجوة فهي لم تكتفِ بعد.
مر اليوم وبنات قياتي كانوا في محزنة حقيقية، وبدا الأمر وكأنهم أتوا للقبيلة لقضاء لم يتوقعوا حدوثه.
العنود:
يا أمي أنا ما أريد أي نهوة علي الحين. أنا ما زال قدامي عام بجامعتي ومن بعدها أريد آخذ الدكتوراه وأشتغل بشهادتي. هي أحلامي منذ الطفولة وانت تعرفين إن الزواج مقبرة الأحلام. زين ليش أبوي يعلمني إذا بالنهاية يقبر أحلامي ويقبرني بالقبيلة؟
نوف:
والله والله إذا تحكمون علي أتزوج بالقبيلة لأصعد فوق أعلى بناية بليبيا وأرمي حالي وأموت أهون لي ولا أعيش كل عمري بين الهوايش والبهايم وأموت مسموطة بنار جهنم اللي هين أو أتحنط من برد الشتا اللي ما يحول بينه وبين الناس غير قطعة قماشة ما تحوش صقيع. وأصلاً أنا ما أحب القبيلة ولا عيشتها ولا ناسها ولا اللي يسوونه ولا اللي يقولونه.
ردت عليها أمها بقلة حيلة:
يا نوف، أبوك علمك الأعراف وما يصير تـ...
نوف:
الله يلعن أبو الأعراف وعلى اللي سوى الأعراف. ياااخ أنا أكره الأعراف.
الأم:
شششش اصمتي يا نوف ما أريد حد يسمعك. ما أريد أهل القبيلة يقولون مرت قياتي وقت سكنت الحضر ما عادت تعرف الأصول ولا علمتها لبناتها. ما أريد تنزلون راسي وراس أبوكم.
العنود:
زين يا أمي أقول.. ما يصير تأجلون قرار الدفن هذا، يعني اعطونا وقت نستعد. ندري إننا مانملك حق الاختيار، بس عالأقل نملك حق التأجيل.
الأم:
ما أدري يا عنود، أشوف أبوك وأرد عليك، أو نوجد حل.
نظرت الأم لعفراء التي كانت جالسة تأكل في خبزة ساخنة أحضرتها من النساء وهي آتية للخيمة وسألتها بإستغراب:
أقول يا عفراء، ماسمعت رأيك بالموضوع يعني؟
عفراء:
ليش هو الموضوع به رأي.. اللي يحكم به الحجي قياتي يصير. ثم إنكم تعرفون إن أموت على حياة القبيلة وأحبها واجد، يعني ما عندي مشكلة إذا عشت فيها.
نوف:
يارب يا عفراء يرهنك أبو شاب أبشع شاب بالقبيلة كلها وتعيشين هين عيشة الكلاب، وتتصلين تطلبين الغوث وماتلاقين، وتبلعك رمال الصحراء المتحركة. ولك يا غبية أنتِ هي حياة بدائية، تخيلي معي وأنتِ تتحممي بخيمتك والهوا طيّر الخيمة إيش وقتها تسوين بروحك وأنتِ ما تشوفين روحك إلا جالسة بمجلس الرجال من دون ملابس مثل ما ولدتك أمك والقبيلة كلها تنظر لك؟
سرحت عفراء في الموقف ولم ترد عليه سوى بضحكة مجلجلة عقبتها ضحكة من أمها واختها العنود. وانقلبت المناقشة الجدية لنوبة من الضحك لم تشارك بها نوف ولا حتى بابتسامة صغيرة، فهي تتحدث في أمر هام من وجهة نظرها ولا تعرف هؤلاء المعاتيه علامَ يضحكون؟!
أما في خيمة الشيخة عوالي:
قياتي:
يابوي من رخصتك أنا فتحت باب الرهن على بناتي. تعرف إني ما أجي للقبيلة إلا كل حين، وما أملك الوقت والبنات كبرن وصارن بسن زواج، وأنا ما أريد أنساهم بزحمة أشغالي.
الشيخ:
خير ما نويت يا وليدي، ستر البنية حمل ولزوم ينزاح من فوق كتفاك. بس يا قياتي ما تعطيهم إلا للي يشبههم، بناتك ما يوالمهم أي رجال.
قياتي:
أعرف يا شيخ، والحين أنا قررت أخلي الاختيار بيدهم هم؛ لأني ما أريد أشيل وذرهم ولا أشوف اللوم بعيون وحدة منهم بيوم من الأيام. بمعنى إنهم يعرفون إن ما يصير يتزوجون إلا من القبيلة، بس يعني مو أي شخص بالقبيلة يقول رهنت أعطيه، ولا أنا غالط يا شيخ؟
الشيخ:
لا يا وليدي ما غالط ولا شي، بس أنت لو عملت هيك بتفتح عيون بنيات القبيلة على الاختيار وتعطيهم حق ومثال للرفض. ونحن ما عندنا رأي لبنية بأمر زواجها وأنت تعرف هالشي زين.
قياتي:
أدري يا شيخ بس هذا لا شرع ولا دين. الزواج عرض وقبول ورأي لبنية من قواعده وشروطه، ولزوم تشوف راهنها وهو يشوفها وتوافق عليه قبل ما نحكي تم.
الشيخ:
تدري يا قياتي.. أحمد الله إنك ما صرت شيخ للقبيلة من بعدي. كنت خليت الفنص فيها يوصل لعنان السما، وضحكت كل القبائل عليك وعلى القبيلة.
قياتي:
ليش أنا حكيت شي غلط يا بوي؟
الشيخ:
من شرع الله مو غلط، بس بشرع القبائل أبو الغلط. طيب احكي لي يا قياتي، إذا أنت ماناوي تعمل بأعرافنا وتمشي عليها، ليش جايب بنياتك يتزوجون من القبيلة؟
قياتي:
لأن ما يصير يا بوي يتزوجون إلا من أولاد عمومتهم.
الشيخ:
زين.. مين اللي قال يصير وما يصير؟ الشرع والدين قالها يا قياتي ولا أعرافنا؟
قياتي:
لا يا بوي أعرافنا.
الشيخ:
ودامك تعرف لا ليش ما خالفتها وزوجتهم من غير البدو؟
قياتي:
لأن ما يصير يا شيخ ولا أخلي دم أحفادي ينخلط بدم أغراب وما ينتمون لينا.
الشيخ:
أشوفك تاخذ من الأعراف اللي على هواك يا قياتي وترمي الباقي! يا ولدي هي الأعراف انوجدت للحفاظ على قبيلتنا، على دمنا وأصولنا وعلى نسلنا. وما يصير ناخذ منها شي ونرمي شي.
قياتي:
يعني يا بوي ما أخيرهم بمسألة زواجهم؟
الشيخ:
ما حكيت هيك. بس فيك تتحايل حتى ما تخرب وتضرب حجر بالمي الراكد تعكر صفوه ومن عندك تبدأ شرارة التمرد. شورهم بس بينك وبينهم وخلى الأمر وكأنك أنت صاحب القرار والراي والكلمة العليا.
هز قياتي رأسه بموافقة على كلام أبيه، وأبيه بحكمته المعتادة أكمل:
لا تنسى يا قياتي تعلم بناتك إن مشاركتهم بقرار زواجهم استثناء حتى يحسون بتميزهم وعلو شأنهم عندك. ولجل ما يطمعون بحرية أكثر بباقي أمور حياتهم مع أزواج تربوا على الأعراف وما يملكون عقلية مثل عقليتك، ولا تفكيرهم مثل تفكير بناتك الفوانص.
رد عليه قياتي بضحكة:
ههه يا بوي وين فوانص بناتي؟
الشيخ:
فوانص واجد يا قياتي. وأنت بعد صرت فنص من بعد غربتك عن القبيلة.
أمال قياتي على أبيه وقبل رأسه ويده وهو يضحك على مزحته الجميلة والتي تخفي خلفها لفت نظر بأن أفعاله باتت لا تعجب أبيه.
أما عوالي فكانت في هذا الوقت تستعد لمغادرة القبيلة وشراء احتياجات النساء الشهرية، فبرغم مرض منصور إلا أنها لا تنسى واجباتها، واليوم سيأخذها سالم بسيارته. فرابح خرج للصيد وآدم أخبرها بأن هناك أشغال تراكمت عليه يجب أن ينهيها اليوم.
مرت عوالي من أمام خيمة مزيونة فدخلت عليها تسألها عن أحوالها وإن كانت تريد شيئاً:
عوالي:
يا مزيونة.
مزيونة:
هلا هلا بعمتي تعالي يا الغالية فوتي وباركي خيمتنا بخطواتك الطاهرة. قالتها وأسرعت تقبل يد عوالي بمحبة فربتت عوالي على ظهرها وهي تقول:
عوالي:
يا زين حسنك وزين أخلاقك وزين ترباية أمك فيك يا زينة بنيات القبيلة. قولي لي يا مزيونة بنفسك شي أجيبه لك من الحضر؟
مزيونة:
لا والله يا عمتي ولا أي شي أريد بعد ما أخذت اللي بنفسي وحمدت ربي عليه.
عوالي:
مرتاحة يا مزيونة؟
مزيونة:
واجد مرتاحة يا عمتي وكل ما قلبي يفكر أنه يعترض ويثور أضربه بعصى الرضى وأقول له نص العمى يا منكر النعم ولا ظلام الحرمان.
عوالي:
الله يكملك بعقلك ويديم عليك نعمة الرضى يا زينة الصبايا. زين قولي لي اللي تشتهين تاكليه أو ثياب تشتهين تلبسيها لسلومة، ولا أجيب لك أنا على عجب عيني؟
مزيونة:
والله يا عمتي كل شي ما أريد. ولا أقولك.. جيبي لي سفرجل روحي رايحة له.
عوالي:
قولتي لي سفرجل! بس السفرجل ما تروح له إلا النفس الوحمانة يا مزيونة. لتكون سويتيها؟
تبسمت مزيونة ونظرت للأرض بخجل وأومأت برأسها تؤكد شكوك عوالي، فصاحت بها عوالي:
ياااا كلبة من متى تعرفين وما قلتي لي لا أنت ولا سويلم الردي اللي كل الوقت بخيمتي ما جاب لي سيرة؟
مزيونة:
لا ماتظلميه يا عمتي والله بعده ما يدري ولا قلت له شي. أنا من يومين تأكدت من عمتي جنديه ونبهت عليها ما تقول شي. وكل ما أجى أبشر سالم أشوف الوضع مو تمام، وما أريد أزف له الخبر إلا بالوقت اللي أحس أنه راح يفرق معه ويعطي الخبر حقه من الفرحة.
عوالي:
زين.. الله يتمم حبالك على خير يا بنيتي وتجيبي اللي يأكل عقل سويلم وعلى وجهه يشوف كل الخير. بس إذا وليد ما تعطيه عيونك الناعسات ماناقصنا فنص من بنيات القبيلة وهم يتعاركون عليه.
ضحكت مزيونة وضحكت معها عوالي وهمت تغادر الخيمة فقالت لها مزيونة:
ما تنسي السفرجل يا عمتي. سمعت أنه يزيد جمال المولود وإذا بنية أريدها تكون أجمل بنيات القبيلة.
عوالي:
أعرف إن السفرجل يزيد جمال الوليدات، وما هنسى أجيب لك وبس يعرف سالم راح يعبيلك الخيمة سفرجل. أبشري.
ذهبت عوالي للسيارة وركبت في المقدمة وكانت مايزة تجلس بالخلف، وانطلق بهم سالم، وكان طول الطريق متعجباً من نظرات عوالي له وابتسامتها التي لم تختفِ!
وصلا المكان وبعد أن اشترت عوالي كل اللازم وقفت أمام ملابس الأطفال ونادت لسالم وقالت له:
عوالي:
سويلم تعال نقي معي ملابس لوليد صغير.
سالم:
أنا يا عمتي؟ ومن وين أنا أعرف بملابس الصغار؟
عوالي:
يا ولد جرب ايش بتخسر. وبعدين من يدري يجوز فال زين والله يرزقك عن قريب بوليد، ووقت تيجي تختار ملابسه تكون عارف إيش تختار.
سالم:
لا يا عمتي إذا عالوليد ما راح أختار ملابسه غير أمه، هي أبسط حقوقها وفرحتها وأنا عاهدت نفسي إني ما أحرمها من شي طول ما أنا قادر أسويه.
عوالي:
والله إذا هيك يا سويلم، حتى اللي كنت أريد أختار لها ملابس وليدها ما راح أختارهم، وتبقى تجي بروحها للسوق تختار وتفرح.
سالم:
زين ما تسوي يا عمتي، والحين بالأذن بمشي لدكان الحلويات أريد أجيب شي حلو لمزيونة.
عوالي:
أقول يا سويلم هات لها سفرجل، هي وصتني على سفرجل وأخاف أنسى.
سالم:
عيوني لها، أطيب سفرجل بالسوق يجيها. قولي لي أنت نفسك بشي أجيبه لك؟ خالة مايزة نفسك بشي حلو أجيبه لك؟
أجابته عوالي:
من وين لنا سنون للحلو يا وليدي، جيب الحلو للحلو وتوصى. قالتها وتبعتها بغمزة من عينها، فضحك سالم عليها وغادر المكان وترك عوالي تنظر إليه بمحبة وهي حائرة في أمره! فحين يتعلق الأمر بمزيونة يبدو عاشقاً حتى النخاع، وحين تُدار الدفة على رجوة لا يخفى على الناظر أنه يذوب عشقاً. فعلى أية قبلة نوى قلبه الاستقامة، أم أنه سيظل يتخبط بين القبلتين لا توبة له ولا استقامة؟
انتهوا من كل شيء وعادوا للقبيلة، وصُدمت عوالي بتعب منصور المفاجئ وتدهور أحواله وهي من تركته يتحدث ويجادل قياتي ويعطيه دروس في الأعراف والعادات والتقاليد. ومن ساعتها وانقطع منصور عن الحديث وتدهورت أحواله وتأجلت كل خطط أهل القبيلة، وحتى آدم أبى الرجوع للقاهرة في ظل هذه الظروف، وأرسل لوالديه أحضرهم للقبيلة تحت حراسة مشددة حتى يودعوا الشيخ منصور. ولم يبرحوا القبيلة إلا بعد أسبوع كامل من وفاته.
(عودة للوقت الحاضر)
صالحة:
يا صالحة، خذي الحليب ولا تعطي خولة منه شيء.
أخذت صالحة سطل الحليب من ولدها ونظرت فيه ثم نظرت لبرق وصاحت به:
وهو وين الحليب من الأساس اللي أعطي منه لخولة إذا ما يكفون حتى أتسمم أنا؟
برق:
يما والله حلبت ثلاث معزات بالسطل، ايش فيك تريدين برميل حليب؟
ردت عليه خولة بضحكة:
أي أمك ما تشبع، أصلاً دورت بطنها كله على ظرف قلت أكيد إلا ما ألاقي بطنها مظروف وينزل منه الأكل بس ما لقيت. اسمع يا برق وقت تروح تجيب لها حليب انتبه لأي معزة تبول وخذ بولها بالسطل يزود الحليب وأمك تشبع، أنا دوم أسويها.
سمعت صالحة كلمات خولة وجحظت عيناها وصاحت بصوتها العالي:
حيييه عليكي وعلى أبوك وعلى اليوم اللي بشرتني القابلة بيك وقالت جبتي رزية. جد تسويها ولا تمزحين؟ انطقي الحين يا خولة.
خولة:
وربي ما أمزح، لكن من وين أملأ السطل اللي يكفي كل القبيلة حليب أنا كل يوم؟ وأنا اللي لو حلبت كل معزة القبيلة بأغنامها بنسوانها المرضعات ما أملاه!
صالحة:
ملاكي الجرب اللي يخليك تتمرغين بالرمل مثل الثعبان المشطوش راسه يا معدومة الضمير يا اللي ما تخافي الله. وأنا أقول ليش أشرب الحليب وانكفئ على بوزي ما أشوف من الدنيا شي لن يطلع النهار. والله اليوم يا أنا يا أنت، امسكها لي يا برق، امسك وإذا فلتت منك أدج راسك بحجر أشقه نصفين وتاخذ أنت العقاب بدالها. امسك الفانص اللي ذبحها اليوم على يدي.
هجم برق على خولة فأخذت تراوغ داخل الخيمة وهي تقول لأمها:
يا صالحة ايش مشكلتك إذا تأكلين وتشبعين. وبعدين ماهي غريبة يعني شرب البول مانحن نشرب بول الإبل والناس تجي لقبيلتنا مخصوص تأخذه للعلاج وتشربه هو وحليب الإبل ويخلطونه، إيش فرق بول الإبل عن بول الغنم والماعز؟
صالحة:
صكري خشمك ولا كلمة أريد أسمع، تعي اقتربي ومن دون نفس تتحملي اللي تقدر ذراعي عليه من ضرب. وبالأخير أذبحك وما أريدك ترفعي يد ولا رجل ولا حتى يرفلك جفن.
خولة:
والله؟ ليش يعني مفكرة روحك تذبحين دجاجة ميتة أنت؟ وربي ولا أتحمل ذراعك ولا رجولك، وفايت لك الخيمة وهاجرة وما أرد إلا وقت تهدين وعيونك الحُمر اللي صايرة عيون غولة يرد لها اللون الأبيض.
قالتها ثم انطلقت للخارج، ولم يجد برق بُداً من أن يغادر الخيمة مسرعاً هو الآخر خلفها خوفاً من أن ينال العقاب بدلاً عن خولة، ولم يكف عن اللحاق بها ومحاولة إمساكها حتى وهي تقع وتنهض إلى أن وصلت خيمة الشيخة عوالي فوضعت إصبعها أمام وجهها وقالت له محذرة:
والله إذا اقتربت أشكيك للشيخة وأخليها تقتص لي منك. هيا غادر هي منطقة خيام لبنيات وما يحق لك تكون فيها بهالوقت من الليل.
تلفت برق حوله وخاف أن تنفذ تلك المجنونة تهديدها فغادر وتركها، وهو لن يعود لخيمة أمه إلا في الصباح على أية حال.
أما خولة فوقفت أمام خيمة عوالي وطلبت الإذن بالدخول. ولما أُذن لها دخلت، وبخطوتين كانت فوق رأس الشيخة عوالي المتكئة على الفراش وتحدثت بإندفاع:
خولة:
يا شيخة زوجيني أريد أتزوج الحين.
إعتدلت الشيخة عوالي في جلستها ونظرت لخولة بإستغراب ولاحظت أنفاسها العالية وحبيبات العرق المتجمعة على جبينها وثيابها المتربة وقالت:
يا منجي نجي، إيش جاك بهالليل يا بت صالحة ووين كنتِ ومع من وايش قاطع أنفاسك؟ مايزة قومي الظاهر قيامة القبيلة بتقوم الليلة. قومي وشوفي اللي عيني تشوفا!
مايزة:
إعتدلت وهي تفرك عينيها لتتضح الرؤية ثم نظرت لخولة وسألتها:
ايش فيك يا خولة وايش جايبك بهالوقت؟
صالحة:
قولي لها يا بت صالحة إيش جابك وعيدي عليها اللي قلتيه لي.
خولة:
أنا قلت للشيخة أريد أتزوج.
عوالي:
وقلتي الحين.
خولة:
اي إذا أمكن الحين.
وهنا همست مايزة بصوت خائف:
ياااأرض انشقي وابلعي الفوانص. وليش هبت عليك الهبة يا خولة. إيش جرالك ومن ايش ثيابك معفرات؟
خولة:
تيابي معفرات من طيحتي عالرمال وأنا أرمح من أخوي برق وهو يريد يمسكني لأمي لجل تذبحني.
وهنا صرخت عوالي:
واااااك عليكي يا بت صالحة. وصلت للذبح. هاد يعني إن اللي خطر ببالي هو الصواب. قومي يا مايزة جيبي الخنجر المسنون وامسكي لي هي الفانص اللي هاربة من الذبح لخيمتي مفكرة إني أستر عليها وما أذبحها أنا بيدي. قومي يا مايزة قومي. قومي كتفيها وأنا أجيب الخنجر.
حكت خولة في رأسها بعدم فهم، ونهضت مايزة وعوالي معاً وأمسكتها مايزة بإحكام. أما عوالي فآحضرت الخنجر ووقفت أمام خولة وأمسكتها من تلابيبها وسألتها وهي تجز على أسنانها:
انطقي من اللي سواها وتريدين تتزوجيه الحين. قري واعترفي يا فانص.