تحميل رواية «عقاب ابن الباديه» PDF
بقلم ريناد يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عادت معه وهي مرغمة على ترك روحها وفلذة كبدها في الصحراء، تذرف دماء روحها عليه وهي تحاول تقبل فكرة أنها لن تراه بعد اليوم، وأنها نفت قطعة منها بيديها وبكامل إرادة عقلها، ولم تخضع لقلبها الذي جادلها بإستماتة حتى يثنيها عن قرارها هذا ويجعلها تقف في وجه الخوف معترضة. ولكن للأسف خوفها من فقدان دائم جعلها تتقبل فكرة الفقد المؤقت، وأن عزاءها الوحيد أنه حي يرزق، حي يتنفس، حي بقلب ينبض. نظر إليها محمود زوجها بشفقة واردف: - مش كفاية عياط يا عايدة بقالك ساعات عيونك ما أخدوش هدنة، كفاية يا حبيبي عشان عنيكي،...
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ريناد يوسف
ذهب قصير إلى المشفى بالأوراق التي انتهت، الخاصة بسفر الشيخ منصور هو ومحمود، وأيضاً ليخبره بأمر صفقة الأسلحة.
واصطحب آدم معه، بعد أن عاد برابح متأخراً ليلة أمس، ورفض قصير عودته للمشفى بهذا الوقت من الليل.
فذهب آدم للاطمئنان على والديه، وجلس قصير مع عمه يخبره بكل شيء، وبكل ما حدث منذ غيابه للحين.
وبعد أن تحدثوا في كل هذه الأمور، نظر إليه الشيخ منصور وقال له:
- أي صحيح نسيت أن أخبرك.. رابح حكاني بالأمس ورهن مني معزوزة وأنا أعطيتها.
قصير هب واقفاً ورد عليه بصدمة:
- كيف يا عمي ترهن معزوزة لرابح وأنا رهنتها لمحراب بالأمس؟
منصور:
- صحيح، الاثنان سواء في كل شيء. إلا أني وأبو محراب أشغالنا مع بعض من وقت كنا صغار، وبكل صراحة نريد قربه. بالنسبة لرابح، الله يرزقه بنات القبيلة واجدات وفيهن اللي خير من معزوزة.
منصور:
- تتعدى على كلمتي يا قصير! عمرك ما درتها، ولا خلاص كبرت على عمك؟
قصير:
- العفو منك يا عمي، بس والله أعطيت كلمة.
منصور:
- وأنا أعطيت كلمة، وكلمتي فوق كلمتك. وفي شيء آخر، رابح مو مفرط في بنتك ويريدها من زمان وأنا واعية، ومحراب الكلب يعرف هذا زين.
منصور:
- موال بنتك هيطيح الخوت في بعضهم، وما صارت عندنا اثنين يتحاربوا على بنت.
قصير:
- ما راح يصير شيء يا شيخ، نقول إن محراب سبق بالرهن ورابح مقدور عليه.
منصور:
- وتطيح كلمتي على الأرض وتدوس عليها؟ من متى منصور يعطي كلمة ويرد فيها؟
قصير:
- يا عمي بس افهم علي.
منصور:
- قفل على هالحكي توا. وبس أعود من السفر نلقولها ألف حل بإذن الله.
صمت قصير، فهو الآن في مأزق كبير. بين أشغاله ومصالحه، وبين غضب عمه ومشيخة القبيلة. الأمرين لا يقلان أهمية عن بعضهم.
وأخذ يفكر كيف يمسك العصا من المنتصف ولا يخسر جبهة من الجبهتين، فوجد أنه أمر مستحيل، وأن الخسارة أصبحت من المسلمات.
خرجت عليهم الشيخة عوالي وأخبرت قصير بأنها ستعود معه للبادية، لأن آدم سيبقى مع أمه، وهو من أصر على مغادرتها.
ونظرت لسالم وأخبرته بأن آدم يريده. وهناك أخبره آدم بأن يعود مع عمه قصير وجدته عوالي للبادية، كي يستحم ويبدل ثيابه ويستريح قليلاً ويعود لاحقاً مع رابح.
وكل هذه أعذار واهية يعطيها آدم لسالم حتى يعود للقبيلة، فهو يعلم أنه يشتاق لتلك الماكرة الصغيرة التي سأله عنها قبل أي شيء فور أن رآه.
ولزيادة في الأسباب المقنعة للمغادرة، أعطاه آدم مفتاح غرفته وطلب منه أشياء يحضرها له معه.
فأخذ سالم المفتاح وخرج من الغرفة، وتركه مع أمه التي كانت تحتضن ذراعه وهي مغمضة العينين، وكأنه طوق نجاتها من كل الألم الذي تشعر به.
عايدة:
- كلمني عن نفسك يا آدم، اتكلم يا بني عايزة أسمعك. نفسي أفضل أسمع صوتك كده على طول، ما يغيبش عني. عوضلي كل السنين اللي مسمعتش صوتك فيهم. اضحك وسمعني ضحكتك، أصل صوتك وضحكتك اتغيروا وأنا عايزة أحفظ النبرة الجديدة. خليك قدام عيني يا آدم، ما تغيبش.
آدم تبسم وهو ينظر إلى عينيها تارة وإلى باقي ملامحها تارة أخرى. يتجول في وجهها وكأنه يتجول في وديان الجنة. ويشعر بالراحة وهي تنبعث من بين شفتيها مغلفة حروفها.
فهمس لها:
- ويش تريديني أقول يا جنة قلبي، ويش تريديني أحكي؟
عايدة:
- اتكلم في أي حاجة، اتكلم وخلاص. قول بتحب إيه، بتكره إيه. فاكر إيه من ذكرياتك معانا. إيه اللي بتتمناه ونفسك يتحقق. قولي كل حاجة عنك، عايزك كتاب مفتوح قدامي، أنا أمك، متتخبيش عني حاجة.
آدم:
- أنا كل حاجة عني واللي أحبها وأكرهها راح تعرفيها مع الوقت شوي شوي. بس تو أنا ودي أنت تحكي وتقوليلي كل شي حصل معاك أنتِ وأبويا من عمي. احكيلي الصدق هو اللي موت أخوي وحرمني يكون لي أخو. قولي لي ليش يسوي هكي ويش غايته؟ معقولة يكون يسوي كل هالشغلة بسبب لقروش؟ ولا العداوة ليها غير سبب؟
ابتلعت عايدة غصة تكونت في حلقها. في الآن بصدد نبش الماضي كله والعودة إلى أحلك اللحظات وأكثرها ألماً حتى تخبر بها ابنها. ولكن لابد من ذلك، فهذا حقه. ومعرفة الحقائق أمانة يجب أن ترد لأصحابها.
وبدأت في سرد كل ما حدث من البداية، من بداية كل شيء. من حيث كان يعمل محمود في شركة أبيها ومن حسن أخلاقه زوجها أبيها له لأنه وجد به الأمان لها من بعده. ومن بعد موته وموت أبو محمود كيف بدأ أخيه يحيي في التودد لهم هو وزوجته فريال حتى يسكنوا القصر معهم. ومن بعدهم مديحة التي تطلقت طمعاً في الرفاهية التي ستعيشها بفضل محمود.
ومع مرور السنين تحول التملق لكره وغيرة وحقد وتحول التودد لضغائن وخطط تُنسج في الغيب. وتحولوا من لاجئين لأصحاب مكان. وأصبح كل شيء حق مكتسب لهم. حتى أنهم نسوا وتناسوا من هي صاحبة الأملاك ومن هم الدخلاء. وقاموا بتزييف الحقائق واختراع الأكاذيب وتصديقها.
إلى أن وصلت لمروان ومقتله، فغصت واختنقت بعبراتها وتعالت أنفاسها. فاحتضنها آدم بعد أن أظلمت ملامحه بالكامل وهو يستمع لسنوات من القهر عاشتها أمه بسبب عمه وعمته. والمحزن أن أباه لا يقل عنهم ظلماً لها ولنفسه. فالراضي بالظلم والساكت عنه شريك.
❈-❈-❈
عاد الجميع للبادية وتركوا آدم والشيخ منصور بالمشفى.
وفي الطريق كان قصير شارد الذهن لدرجة أنه كاد أن يتصادم مع السيارات مرتين.
فقال له سالم:
- يا عم وقف السيارة وأعطيني أنا أسوق بدالك، أنت عقلك شارد.
توقف قصير وأعطى مسؤولية القيادة لسالم. فسألته الشيخة عوالي عن سبب شروده وضيقته. فأخبرها بالمعضلة التي وضع فيها بسبب معزوزة وأخذ يسب ويلعن فيها وفي كل بناته.
فانتظر سالم حتى أنهى قصير سبابه، وقال له:
- يا عم ودي أخبرك بشيء بما أنك هكذا هكذا معصب. حتى أنا رهنت رجوة بالأمس من جدي الشيخ منصور وهو أعطاني.
فأجابه قصير على الفور:
- لا أنت تأخذ رجوة وفوقها مني حوشة ماعز مهر لك ولو تريد حلي نجيب لك هههههه. رجوة إذا جاها كلب بعطيه.
سالم:
- الله يعزك يا عمي.
قصير:
- ما تواخذني يا سالم مو بقصدي. أنا قصدي خذها وانقلع أنت وياها ولجهنم تروحوا ما حدا سائل فيكم.
سالم:
- والله يا عمي ياريتنا ضلينا عالكلب وما بررت.
صمتت عوالي ونظر إليها قصير مترقباً لرأيها. فأبت أن تصارحه بميلها لرابح وبأنها معه قلباً وقالباً، خوفاً من أن يفكر قصير بأن الكل قد اتحدوا ضده، ولا أحد يهمه مصلحته مع أبو محراب.
فقالت له بحنكة عجوز:
- والله يا قصير صعيبة واااجد.. من يم أشغالك ومن يم عمك ومشيختك.. القرار صعب وبالحالتين أنت خسران.
قصير:
- يا عمتي إنحب على يدك ودي حل. أنت ما يصعب عليك شيء وعندك حلول لكل شيء، ديري لي حل يطلعني من ورطتي.
عوالي:
- اتركني أدورها براسي ولو لقيت لها مخرج راح أقوله لك. ما ودنا تخسر شيء يا قصير.
قصير:
- أيدي وإيدك يا عمتي. أنا ما بيدي حيلة.
وصمت الجميع بعد ذلك. ولم يقطع الصمت إلا سالم وهو يقف بالسيارة ويترجل ليشتري كيساً ضخماً من كل ما تحبه رجوة.
فصرخ عليه قصير فور رؤيته:
- ويش كل هاد؟ ما آدم جاب لها بالأمس كيس أكبر منها. كافي تجيبوا لها وتحطوا بكرشها، فجعتوها. والله لو بعرفك نازل تجيب لرجوة ما خليتك.
سالم:
- عمي العذر منك، أنت ما تدخل بيني وبين خطيبتي ويش ماسويتلها ولا سوت لي. ويش ما جبت لها لا تعترض. خلاص رجوة ما عادت تخصك.
قصير:
- أيوااااا يا عيني، تميت اتبجح في يا كلب يا صرماية رجوة. غدوة تطلع لك الشمس من الغرب وتقول عمي قالها.
سالم:
- ما حكينا شيء غلط يا عمي، لا تعصب.
عوالي:
- اترك أمر رجوة لسالم وما تيجي تو تسوي حالك عليها أب. وأنا من يوم يومك راميها على سالم. هو معودها على الدلال، ما تتدخل.
قصير:
- ما راح أتدخل، خلي يفسدها بدلاله. ما حدا راح يقول واااك غيره.
وصلوا البادية. وهناك استقبلت رجوة سالم بالصياح وأغاني الأفراح. وأخبرها بأنه أحضر لها كل ما تشتهييه نفسها. ولكنه تركه لها بالسيارة كي تأخذهم خلسة في غفلة الأولاد حتى لا يتقاسموه معها.
فاحتضنته بحركة لا إرادية، فاحمرت وجنتاه خجلاً لأول مرة من اقترابها منه. بالرغم من أنها ليست المرة الأولى. فابتعد بها عنه سريعاً وقال لها ناهياً:
- رجوة خلص عيب، ما يصير نتحاضن، إحنا صرنا كبار. وعيب الرجل والبنت يتحاضنون.
ضحكت رجوة وهي تشير إليه بإصبعها الصغير وترد عليه:
- أنت صرت رجال يعني؟ هيك فهموك بالمشفى؟ لكن خبرني وين شنبك؟ مو الرجال شنابهم تكون واخده نص وجههم.. ولحيتهم واصلة لتحت ذقنك. أنت وين شنبك؟ ووين لحيتك؟ والله شنب أختي معزوزة أكبر منه.
أنهت كلماتها وضحكت ضحك متواصل جعلت سالم يضحك هو الآخر. فهو منذ تعلمت الضحك للآن لم يسمع ضحكتها إلا وضحك معها.
ثم أمسكها من أذنها وهو يتقدم بها ويخبرها بأن تقصر هذا اللسان قليلاً، وإلا سيقتلعها لها يوماً ما. ولأنها تعلم أنه يمزح معها، وأن الأذى قد يأتيها من كل العالم إلا هو، استمرت في الاستهزاء بشاربه والضحك عليه. وتظن بهذا أنها تجاكره، ولا تعلم أن مجاكرتها له أحب إليه من كل شيء.
وصل قصير وذهب إلى خيمة مكاسب على الفور وأخبرها بما حدث، لعله يجد عندها حلاً. فهو هائم الآن يطرق كل الأبواب. فوقعت معه في نفس الحيرة، ولم تزده إلا تشتتاً وهي تضرب على فخذيها وتتفوه بعبارات قلة الحيلة.
فترك لها الخيمة وخرج في الهواء الطلق، فقد عجزت معه حلول الأرض، فنظر للسماء يرجو من الله حلاً.
أما مكاسب فأخبرت معزوزة التي لم تكن تعلم بأمر محراب أو بأمر طلبه لها، فتصدع قلبها من الخوف. وغادرت الخيمة على الفور تبحث عن رابح لتعرف منه إلى ماذا ستؤول الأمور الآن. ولم تجده.
فذهبت لخيمة عوالي على الفور طالبة منها العون والنجدة. فهي تعرف بقصتها مع رابح من البداية، وتعرف ما تكنه القلوب لبعضها.
معزوزة:
- عمتي.. يا عمتي.
عوالي:
- تعالي يا معزوزة، اقربي.
دلفت معزوزة من الخيمة ونظرت لعوالي. وقبل أن تتفوه بحرف تحدثت عوالي معها:
- أعرف أن رابح ومحراب رهنوك بنفس الوقت. لسه ما تقرر شيء. عاودي لخيمتك وما يصير إلا كل خير، لا تخافي.
معزوزة:
- أكيد يا عمتي. يعني ما راح تزوجوني إلا لرابح؟
عوالي:
- قولي يارب يا عمتي، والله كريم.
غادرت معزوزة وهي تشعر بالقليل من الاطمئنان، وظنت أن الأمر أبسط مما تصورت، وأن قلبها هول الأمور.
مايزة:
- ويش راح تسوين يا شيخة؟ رابح من سنين كلمك بأمر رهن معزوزة، وأنتي اللي عطلتِ عليه. الأمر صار بوجهك.
عوالي:
- أي وهادا اللي مخلي النار شاعلة فيا يا مايزة. إن رابح حط محبته لمعزوزة أمانة برقبتي وأنا شكلي ضيعت أمانته، وتأخرت وااجد. لكني ما راح أكل ولا أمل، وما نكون عوالي بنت الشيخ هلال إن ما حسمتها لصالح رابح. محال نتسبب في خسارته لمعزوزة بهالبساطة.
أنهت حديثها ثم نظرت لمايزة وأمرتها بحزم:
- مايزة، ذي لي علي رابح ياخذني للشيخ هالحين.
مايزة:
- تو رديتي يا شيخة، وما ريحتِ من تعب الطريق!
عوالي:
- ما في راحة إلا ترتاح القلوب العالقة برقبتي يا مايزة.
ثم أمرت رابح الذي أتى لها على الفور بأخذها للمشفى. وهو فور أن عرف بأن الموضوع يخصه هو ومعزوزة. وبعد أن أخبرته بموقف قصير منه، أخذها على الفور وهو يشعر بأن قلبه ينتفض خوفاً.
وصلا المشفى في وقت قياسي. فطلبت عوالي من رابح أن ينتظرها بالسيارة ولا يدخل معها حتى لا يسمع ما يؤذي قلبه.
فانصاع لأمرها وبقي في السيارة. ودخلت هي لمنصور الذي اعتدل بخوف وهو يراها آتية نحوه وهي قد غادرت تواً!
منصور:
- ويش فيه يا عوالي؟ طيحتي قلبي؟
عوالي:
- سلامة قلبك يا شيخ، لا تخاف. أنا جيت أحكي معاك بموضوع مهم.
منصور:
- ما كان فيك تأجليه يا خيتي وتوفري تعبك؟
عوالي:
- لا، ما يحتمل التأجيل.
كانت قد وصلت عنده وجلست بجواره وقالت:
- قولي إيش تريد تسوي مع رابح ومحراب؟
منصور:
- هادا هو الموضوع اللي ما يتأجل يا عوالي؟
عوالي:
- أي هو يا منصور، بس جاوبني.
منصور:
- والله الزوز ما يتعيبوا غير إن رابح سبق محراب وطلبها مني. حتى أنا رابح كلمني عليها يا شيخ وهو أحق بالبنت من محراب، والموضوع تم في وجهي. ونكون خيبت ثقة الوليد فيا. وهادا أنا عمري ما نرضاه. لكن قصير شكل الدنيا في بعضها.
منصور:
- شوري علي ويش الحل؟ مانريدها حرب ودم وعداوة ما تنتهي.
عوالي:
- أنا أقولك إيش حلها. البنت تريد رابح وبوها يريد محراب. ورابح أحق بها. لكن لو عطيناها لرابح، الخوت هيتقاتلوا ويبقى السبب بنت ويا فضيحتنا بين القبايل.
منصور:
- أي وهاد اللي أقول فيه.
عوالي:
- فالحل يصير حال معزوزة وقف، لين واحد فيهم يمل ويرتكها لأخوه سوا طال الوقت ولا قصر. وأنا عارفة من يصبر ومن ما يقدر عالصبر. وربك يقدم اللي فيه الخيرة.
هز منصور رأسه إيجاباً وإعجاباً بحل عوالي، فهو الحل الأمثل من وجهة نظره. وطلب منها أن تغلق الحديث في هذا الأمر وتطلب من الجميع إغلاقه لحين عودته من إيران.
فوافقته عوالي ونهضت كي تعود للقبيلة وهي مطمئنة القلب.
قصير:
- اسمعي يا أم هلال. الشيخ هيدذ لبنتك معزوزة يشورها ويخيرها ما بين محراب ورابح. أريدها توافق على محراب من صالحي وصالحها، تكون زوجة محراب.
مكاسب:
- أبشر يا أبو هلال، ما يصير إلا اللي انت تريده. هي ما تقدر تخالف لك قول.
وبعد أن أخبرت مكاسب ابنتها ما يريده أبوها، ذهبت معزوزة مسرعة للشيخة عوالي.
معزوزة:
- نجديني يا جدتي.
عوالي:
- ويش فيك؟ حد من هلك صار له شيء؟ وللا أنت صر لك شيه؟
معزوزة:
- بيصير لي يا جدتي لو تم مراد بوي.
مكاسب:
- وانطقي يا بنت مكاسب، إيش فيه بوك؟
معزوزة:
- يريد يزوجني محراب. وقال لأمي لو الشيخ منصور خيرني ما بين محراب ورابح، أوافق على محراب. وأنا ما أطيقه والله يا شيخة، وقلبي يريد رابح وما يتقبل غيره.
عوالي:
- هدي شوي واسمعيني زين. بعد يعاود جدك منصور، قوليله لا تريدين محراب ولا رابح. وأنك ما زال تربي في خياتك اللي أمك رمت طوبتهن. وخلي الباقي عليا. أنا أعرف كيف أمشي هالموال لصالحك. بس أوعديني تصبري وما تفتحي فمك مع حدا. لا تقيدي النار بين ضنا العم. ووقتها يقطعوا راسك. الموضوع مو بالهين يا بنيتي. وتو هيا ارجعي لخيمتكم وكوني هانية وشيعيلي أمك.
يتبع...
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ريناد يوسف
خير ياعمتي، دزيتيلي؟
أنتي اللي بيدك اتقولي خير وللا شر يابنت خوي، أنتي عارفه زين ليش دزيتلك، وعارفه ايش اللي أنا اريده منك، لكن دايرة عليا الحولة.
بتعجب، أنا دايرة عليك الحولة ياعمتي، لا عشت ولا كنت. وأن كان تقصدي موال معزوزة الرأي فيه لعمي منصور وبوها، أنا مالي شور.
بعرف مالك شور إلا بهلال وطاعة قصير العميه سوا في حق ولا ظلم، بس صدقيني مو من صالحك طاعته في زواج معزوزة من محراب. صالحك في زواجها من رابح. رابح وحيد بوه وامه، وعمرة ما هيبعد عنهم. لكن محراب ماشاء الله خوته واجدين، وهو كبيرهم، معناه بعد يتزوج هياخد زوجته ويسافر ليبيا يراعي مصالح واشغال بوه ونسيبه. قصير، وهادا يحتم سفر ابنك معاه. تمت شراكة ونسب، ووليدك وحيدك يلحق عما قياتي ويتزوج حرمة ليبية وخلاص ينسى القبيلة والصحرا وينساك حتى أنت. لكن بزواجها من رابح هيقعد خو لوليدك وزوج اخته، وما راح يفارقك ويقعد قبال عينكم.
ياحرقة قلبي، واااك علي، والله ننقلب لو هادا صار. دبريني ياعمتي وأنا طوعك، بس وليدي مايفارقني.
معناها توقفي مع بنيتك وتراعي هي ايش اتريد، وما تخافي من قصير. هو ماراح يديرلك شي، أنتي أم وليده الوحيد، ولابد تكون لك كلمة. وبالأخير قصير ماله كلمة مع كلمة الشيخ منصور، غير بس الشيخ منصور مايريد يصغره.
تم ياعمتي.
مايزه، دزي جيبيلي رابح ومعزوزه، بس قولي لرابح ايتخفى وما يخلي حد يوعى له وهو جاي، وخاصة محراب.
ذهبت مايزه وعادت بمعزوزه، وبعد قليل تبعها رابح. فأجلستهم عوالي أمامها، ونظرت إليهم وسألتهم:
أعرف قد ايش كل واحد فيكم رايد التاني وشاريه؟
قد السما والوطا وما بينهم من رمل ومي وحصا، وقد كل قلب ينبض ما بين الحشا. أنا عاشق بت عمي وشاريها ياعمتي.
تبسمت عوالي ثم نظرت لمعزوزه منتظرة منها الجواب. فنظرت معزوزه لرابح واردفت:
بقدر كل نبضة نبضتها القلوب اللي خلقت على الأرض من أول بونا آدم وامنا حوا لليوم ياعمتي.
تبسم رابح وهو ينظر لها وهمس:
ويلومون العاشق إذا عشقه ذهب عقله. والله إن العقل بكلمة من الحبيب يغيب، وبكلمة يرد ويطيب.
مادامكم متنيلين ومرمركم العشق، اسمعوني. كم من الوقت تقدر تنتظر معزوزه يارابح؟
العمر وعمر بعد العمر ياعمتي.
وأنت يامعزوزه؟
لنهاية الأجل انتظر ابن عمي.
زين اسمعوني. الشيخ منصور هيدز عليكي يامعزوزه قدام بوكي ويخيرك بين الاتنين.
فتحدثت معزوزه سريعاً:
بختار رابح من غير كلام.
صكري فمك يابهيمة واسمعيني. أنتي لا هتختاري رابح ولا محراب. أنتي هتقولي انك متريديش تتجوزي من أصله. هتقولي انك مش هتتجوزي إلا لما رجوه تكبر وتصير تعتمد على روحها بكل شي، لأن أمها رمتها وأنتي اللي شايلة همها. أنا اتفقت مع الشيخ منصور مايغصبك ولا يخلي بوك يغصبك، ووقتها يتعلق الأمر في انتظار كلمة منك. ومحراب الا مايجي يوم ويمل. بس أنا ودي منك إذا حاول يحكي معاكِ، لا تصديه ولا تعشميه. عدينه عابر سبيل، الرد على قد السؤال، فهمتيني؟
أي فهمت، يعني تصير معاملتي معه عادي، كيفه كيف أي حدا من أولاد عمومتي.
إذا حكى معاها ولا لفلف حولها، بكسر راسه. ونقلع عيونه.
هيعند يافالح ويتمسك بيها اكتر. أنت تبعد عنها، لا تخليه يحس إنك مراقبها وحارسها، حتى لا يعند معك. وإذا شفته يحاكيها، فوت من جنبهم ولا كأنك ريتهم.
ويش تقولي ياعمتي؟
اقعد ولا تتجحشن علي. أنا أنقولك اللي فيه صالحك. سمعت، كسبت. عاندت، تخسر.
اسمع كلام عمتك يارابح، وماتخاف. أنا ماراح انعاطيه الفرصة.
صمت رابح وهو ينظر لمعزوزه ويفكر في أنه من الآن سيتعامل معها على أنها غريبة عنه، لا ينظر لها كما يحلوا له ولا يحادثها وقتما شاء. وكم كره الأمر من مجرد التخيل. فنهض وغادر الخيمة وهو يضرب الأرض بأقدامه، وكأنه يريد أن يجعلها تنشق وتبلع محراب وتريحه منه للأبد.
طرقات على الباب، وأذن يحيي للطارق بالدخول. فإذا به مدير الحسابات يحمل جميع الدفاتر التي طلبها منه يحيي ويدخل بها. فجلس أمام يحيي وسأله وهو يضع الملفات على المكتب:
وادي الحسابات بتاعة الـ 3 سنين اللي فاتوا. مقولتليش يايحيي بيه، عايزهَا فأيه؟
الحسابات دي والميزانيات والكشوفات، فيه منها نسخ تانية؟
لا يابيه، مفيش نسخ. حضرتك عايز منهم حاجة معينة اطلعهالك، أنا حافظ كل الحسابات باليوم والساعة والتاريخ.
لا، أنا عايزك تسيبهملي وتمشي.
ازاي يافندم دي...
فأشار له يحيي بإصبعه السبابة أمام فمه بمعنى اصمت. فصمت الموظف يزدرد لعابه ونهض كي يغادر، ولكنه توقف ليسأل يحيي:
هو محمود بيه هيرجع الشركة امتا؟
مش هيرجع.
نعم؟
مش هيرجع دلوقتي، مسافر.
آه فهمت. وخرج الموظف وهو يضرب أخماساً بأسداساً على الملفات والميزانية وكشف الحسابات التي لو حدث فيها أي تلاعب، سيكون هو المتهم الوحيد بما أنهم في عهدته.
وبدون أن يفكر، ذهب للمهندس المسؤول عن جميع شغل المصنع وقال له ما حدث من يحيي. وقال له أمام جميع العاملين حتى يكونوا شهوداً على الواقعة إذا ما حدث حدث أي شيء.
الظاهر إن يحيي بيعمل حاجة من ورا أخوه. والمشكلة إن محمود بيه اختفى، وأنا مش قادر ولا عارف أوصله بأي شكل من الأشكال. سفر إيه اللي سافره فجأة دا ومن غير ما يقول لحد، وسايب حاجات كتير وراه متعطلة، أنا مش عارف.
بصراحة، أنا قلبي متوغوش على محمود بيه.
وأنا مش مطمن. أنا هروحله القصر وأسأل مراته عليه وأستفسر منها على كل حاجة.
خدني معاك لو رحت عشان أقولها على دفاتر الحسابات. وأنا هحاول أسجل كل حاجة في الدفاتر بشكل مختصر في أجندة وأديها لها. أنا عارف المبالغ الإجمالية كلها.
تمام، جهز نفسك. بعد الشغل هنروح القصر.
أما عند يحيى.
أخذ كل الدفاتر وخبأها أسفل مكتبه قبل عودة مديحة من دورية المرور التي تقوم بها عالشركة. ورجع يشتغل وينهي أمر جميع الصفقات التي تمت وما تبقى غير استلام باقي المبالغ المالية. وقام بحصرهم في كشف حساب واتصل على جميع العملاء يستعجلهم الدفع حتى قبل الميعاد المحدد في الاتفاق نظير تنازل عن مبلغ بسيط من النقود.
وبالتأكيد العملاء انتهزوا الفرصة، فالتاجر صائد فرص. وجمعوا المبالغ وقاموا بإرسالها على الحساب الذي أعطاه لهم يحيى. وبهذا جمع يحيى مبلغاً لا بأس به. ولم يتبقى أمامه سوى أمر واحد لجمع باقي السيولة، وهي السفر للبلدة ورهن الأرض.
عادت مديحة ودلفت إلى المكتب، ونظرت ليحيي بنظرات نارية وهي تسأله:
فين دفاتر الحسابات؟ مدير الحسابات بيقول إنك أخدتهم منه.
مفيش دفاتر معايا يامديحة. واللي فات مات من الحسابات، وأنا اتخلصت من دفاترها لأن فلوسها كلها راحت في حساب محمود. ومن النهارده هنبتدي بحسابات جديدة خاصة بينا. ولا حضرتك فاكرة إنك هتقدري تاخدي حاجة من حساب محمود في البنك؟
صمتت مديحة ولم تجبه، فهي متأكدة أن يحيي قد أخذ كل شيء طالته يده. وهي الآن لن تتحصل سوى على ما تنتزعه بمخالبها، فالحرب ضارية والفوز للأذكى.
انتهت مواعيد الشركة الرسمية، وعاد يحيي ومعه مديحة للقصر. وبعد دخولهم بدقائق تفاجأ يحيي بمهندس المصنع والمدير المالي قد أتيا للسؤال على زوجة محمود. فخرج لهما وأخبرهم بحدة بإن زوجة محمود قد سافرت معه، وأن الشركة كلها أصبحت تحت قيادته. وطلب منهم إخباره بالسبب الذي أتوا لأجله، والذي يعرفه جيداً. فقالا له إنهم أتوا للسؤال عن محمود بيه والإطمئنان عن صحته ليس إلا. ثم انصرفا. وفور انصرافهم، قرر يحيي أن هذين الاثنين ليس لهما عيش في الشركة من بعد اليوم. فمن يأتي وجع الرأس من ناحيته، سيتخلص منه دون تفكير.
أما في البادية.
معزوزه جالسة أمام الموقد تطبخ وتغني وهي شاردة وغير منتبهة لمن حولها، وتتمايل مع كلمات الأغنية بخفة وبحركة غير ملحوظة إلا من شخص يقتنصها بعينيه، كرابح الذي كان جالس عند البير وعينه عليها. فقام بكل غضبه، ورغم تحذيرات عوالي، وذهب إليها ووقف خلفها وقال لها وهو يصك على أسنانه:
ويش رايك إذا بحط راسك بالموقد هادا ونكمل بيها طياب الوكل بدال الحطب؟ أنا مش منبه عليكي الف مرة إنك ماتتسهوكي ولا تتمايلي بره خيمتك يامعزوزه، ليش ودك تقهري قلبي وقت أشوف الناس تتطلع عليكي وتشوفك تتغنجي وهادا وهاداك يتمناكي؟
حقك علي والله نسيت. الله يخليك ماتزعلش مني يارابح، زعلك عزيز علي.
وعلى قلبي.
لو زعلي عزيز عليكي ويهمك أمري، ماتكسري كلمتي وتخالفيها.
السماح منك وتوبة وماتنعاد. بس لا تزعل مني. عليم الله وقت تزعل مني شمسي تغيب ويخيم الليل على روحي، وما يعاود لها الضي إلا وقت تعاود ضحكتك الحلوة.
من قلبك تحكين هالحكي؟ يعني عنجد أنا غالي عندك يامعزوزه؟
معقول مازال تسأل وما عرفت أنت إيش عند معزوزة يارابح. أنت حبيبي وأنت غلا سيطر على وجداني. أنت اللي قلبي بلاك يعاني. وأنت حليلي غايتي. تبقالي ياروحى ويانبض قلبى وضي عيني ونظره. نظرة منك تساوي شمس هالدنيا وقمرها. انريدك دوم معاي. ياسعد قلبي وهناي.
أحمر وجه رابح ورفع يده يرجع خصلات شعره للخلف في حركة هوجاء منه للتخلص من هذا الشعور المهلك، أو لتخبئة تأثيره على الأقل، وتلعثم وهو يحاول إخراج الكلمات من فمه. ولأول مرة لا يعرف ماذا يقول، فبقلبه الكثير، ولكن لسانه لا يستطيع مجارات هذه الضليعة في عبارات الغزل، والتي تجعل حلقه يجف في كل مرة يحاول اتخاذ موقف حاسم معها وتغلبه هي بعباراتها المنتقاة بعناية.
والله انتوا ماراح تجيبوها لبر. تو الشيخة تقول تور تيجوا انتوا ودكم تحلبوه. والله أقول وااااك عليكم الحين ياشيخة وتعالي شوفي علامك وكلامك كيف قاعد يطيح بالارض.
هدي يامايزه، أنا جيت نسألها على الوكل إذا استوى ولا مازال.
دزي عليها أي وليد يسألها وبلا حجايج كذابة. وتو غادر ياربح وامشي ورا كلام الشيخة إذا تريد معزوزه دوم. أما إذا عنّدت انت وياها، ماتلومون إلا روحكم.
غاير رابح، غاير من البادية كلها وتاركها. الله ياخذ رابح. وتتريحي يامايزة انتي وكل القبيلة.
اسم الله عليك يابعد روحي، لا تدعي عليا ياكل حالي. ليش هكي يارابح؟ يعني ماتعرف إذا يصيبك الضيم يصيبني قبل منك؟
نظر إليها رابح بحسرة وغادر قبل أن يختطفها ويفر بها هارباً من البادية والقبيلة ومن محراب والقوانين والعادات ومن الدنيا بأسرها، ويبني لها عالماً خاصاً لا يسكنه غيره وغيرها.
أما هي، فاخذت تتلقى التوبيخ من مايزه أشكالاً وألواناً، وظلت صامتة وتحملت، فهي تعلم أن هذا لأجل مصلحتها.
***
كارمن بتعملي إيه عندك؟
داخلة أوضة طنط عايدة يامامي، اقعد فيها شوية. أصلها وحشتني أوي. هي هترجع امتى بقى هي وعمو محمود؟
هيطولوا، مش راجعين دلوقتي.
بس ياماما، هما لما كانو ماشيين قالوا إنهم هيغيبوا بس كام يوم. هما طولوا كده ليه؟
ردت فريال بضيق من أسئلتهم المتكررة عن عمهم وزوجته، فصرخت بهم:
عمكم ومراته مش هيرجعوا تاني، سافروا ومش راجعين. ويمكن هما وراجعين يعملوا حادثة ويموتوا. اعتبروهم ماتوا من دلوقتي. واللي هيجيب سيرتهم قدامي مرة تانية، أنا هعرف شغلي معاه. والإوضة دي محدش فيكم يجي ناحيتها أبداً لغاية ما أجيب حد يفضيها من كل اللي فيها. ودلوقتي اتفضلوا على أوضكم.
أنهت كلماتها بصراخ جعل كارمن تصرخ فزعاً، فاحتضنها أخوها ونظر لأمه بغضب، ثم تحرك بها نحوا غرفتها.
أما فريال، فوقفت تراقبهم وهي تضع يديها على خصرها وتتأفف بضيق من محبة أولادها غير الطبيعية لعايدة ومحمود، والتي تشعر بأنهم لا يحملون لها ولو نصف هذه المحبة، وكأنهم أولاد عايدة وليسوا أولادها!
تحركت على صوت رنين الهاتف، فذهبت إليه وأجابت المتصل، وكانت أختها:
التركيبة جاهزة يافريال، هتاخديها إزاي؟
هبعتلك حد يجيبها.
وهتبعتيلي معاه كام؟
عايزة كام انتي؟ قولي واخلصي عشان نوفر وقت.
أنا مش عايزة فلوس المرادي.
أمال؟
عايزة أوضتين ليا ولأولادي عندك في القصر. أنا نويت إني أسيب البلد وأجي أفتح عيادة عندك في القاهرة. ومش منطقي إن أختي يكون عندها القصر دا كله وأدورلي على مكان أسكن فيه، وأسيب ولادي مع ناس معرفهمش أو أسيبهم لوحدهم.
لم تعرف فريال بما تجيبها، فهي تضعها أمام ورطة، وتعلم جيداً مدى جشع أختها وصلفتها، وأنها إن أتت إلى القصر كزائرة، فسينتهي بها الأمر صاحبة القصر. هذه أختها وهي أكثر الناس معرفة بها.
هاه، بتفكري في إيه؟ على فكرة أنا توقعت رد فعل مختلف عن دا خالص منك. أخص عليكي يافريال، داحنااا دافنينه سوااا، قصدي سامينه سوا. وأهو عالأقل لما أبقى جنبك أعملك كل اللي انتي محتاجاه من غير ما تتعبي في المراسيل.
أنهت حديثها الودود وقالت بنبرة مهددة:
هاه يافريال، قولتي إيه؟
فردت عليها فريال وهي مرغمة على الموافقة:
ومالو ياحبيبتي، تشرفي وتنوري بيت اختك. وأهو تبقى فرصة الولاد يقعدوا مع بعض شوية لغاية ما تظبطي أمورك وتشوفيلك شقة خاصة وتكون تليق بمستواكي يادكتورة. ولا أقولك، سيبي موضوع الشقة دا عليا أنا.
لحظات من الصمت عند الطرفين، قطعتها مديحة وهي تردف بصوت جعل فريال تنتبه من شرودها:
إيه هي المكالمة دي مش هتنتهي ولا إيه؟ عايزة التليفون ياست فريال، ولا أخدتيه لحسابك!
أنهت فريال المكالمة مع أختها، وتركت الهاتف لمديحة وغادرت المكتب وهي تفكر في البلاء الجديد الذي سيحل عليها بحلول أختها لها.
أما مديحة، فأخذت الهاتف لغرفتها وشرعت في المحاولة التي لا تعلم عددها، لعل وعسى. وفور أن فُتح الخط، شعرت بأن أبواب الحياة تفتحت لها بعد أن دفنت حية. فاتاها الرد الذي أعادها للموت مرة أخرى، ولكن هذه المرة كانت الموتة التي لا حياة بعدها:
الوو.. مين معايا.. الوووو.
إنتي مين؟
إنتي اللي مين؟ إنتي اللي بتتصلي!
مش دا رقم شريف؟
أيوه دا رقم شريف ودا بيته، وأنا مراته. أي خدمة. حضرتك مين طيب الأول؟
أبعدت مديحة سماعة الهاتف عن أذنها ونظرت إليها، ثم نظرت للفراغ قبل أن تسقط منها السماعة وتنزل على ركبتيها وهي تشعر بأن العالم كله بدأ ينهار فوق رأسها. فسعادتها المؤجلة إلى حين قد سُرقت منها وهي غافلة مطمئنة، ونسيت أن دوام الحال من المحال.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ريناد يوسف
خرجت فريال من غرفتها على صوت نحيب مديحة. فتحت الباب عليها واطلت برأسها لتتقصى ماذا هناك. فاستدارت مديحة نحوها بعيون تزرف دمعاً وبكل قهر قالت لها:
- الحريق اللي جوايا دا محدش ولع فتيله غيرك يافريال. كان هيحصل إيه لو كنتي سبتيني مع الإنسان اللي بحبه زي ما انتي قاعدة وسط أولادك وفحضن جوزك. ليه تحبي الدمار يعم عالدنيا من حواليكي وانتي بس اللي تكوني سالمة ومفيش حاجة طايلاكي، ليه تحبي تعيشي لوحدك؟ شريف اتجوز يافريال. عارفة يعني إيه الإنسان الوحيد اللي حبيته واتمنيت أكمل عمري معاه يتجوز ويتبخر أملي في إني أجمع بيه في يوم من الأيام وانتي السبب؟
- لا غلطانة يامديحة، اوعي ترمي السبب عليا وعلى أي حاجة في الدنيا غير على نفسك. افتكري إنه كان واقف وسط اخواتك يدافع عنك زي الأسد الكاسر وكان هياخدك ويبعد بيكي وكان شريكي وبايع الدنيا كلها، بس انتي اللي اتخليتي عنه وكسرتيه قدام الكل. انتي اللي دوستي عليه وعلى كرامته عشان الفلوس، انتي اللي اتخليتي عنه ومحاولتيش حتى تبينيله إنك مغلوبة على أمرك وانتي بتتخلى عنه. دا طمعك ودا اختيارك وانتي اللي لازم تدفعي التمن مش حد تاني، والوجع اللي في قلبك دا انتي السبب فيه.
- بس الموضوع مكنش هيتعرف لولاكي، كان زماني أنا وشريف لسه مع بعض لولا مكرك ولؤمك.
- صدقيني مفيش حاجة بتفضل في السر فترة طويلة. أي حاجة لازم بيجي عليها وقت وتتكشف.
نظرت إليها مديحة وأطالت النظر وهي صامتة تماماً، فازدردت فريال لعابها بخوف، فهي أكيدة بأن مديحة تفاضل في مخيلتها الآن بين عدة طرق للانتقام منها وستختار منهم الأقوى. فغادرت الغرفة وهي تدعو أن تصل أختها بالسم سريعاً قبل أن تبدأ مديحة في تنفيذ انتقامها. وأول احتياط أخذته فريال كان بخصوص الأولاد، فجمعتهم وحذرتهم من أن يأكلوا أي شيء من يد عمتهم، وأن لا يقربوا طعاماً أو شراباً إلا وتحضره لهم هي بنفسها، وأن من يخالف تعاليمها سيتعرض لعقاب لم ير له مثيل من قبل.
فسمع الأولاد وتعهدوا بالطاعة وغادروا على غرفتهم. وخرجت فريال أحضرت لهم الكثير من الحلوى غير التي بالمنزل، ووضعتهم في خزانتها وأغلقتها عليهم بالقفل، وقالت للأولاد من يحتاج شيئاً يأتي لها ويخبرها ولا يقربوا الحلويات التي بالمنزل نهائياً.
أما مديحة ففكرت كيف تقهر فريال بقدر ما يشعر به قلبها من قهر، ولم تجد أشد قهراً لها من التخلص من روحها التي تمشي على قدمين، "كارمن" صغيرتها وغالية قلبها، فقررت أنها ستكون الانتقام من فريال.
لملمت شتات قلبها ونهضت وارتدت أفضل ما عندها. وضعت مساحيق التجميل ونظرت لنفسها في المرآة، فوجدت صورتها باهتة وعيونها ذابلة، ولكنها راهنت نفسها على ما كانت عيونه تخبرانها به في كل مرة ينظران إليها فيها "أنها أجمل امرأة في الكون" وأن نساء العالم اختصرت فيها. ثم غادرت المنزل ذاهبة إليه لتتأكد بنفسها مما سمعته، وتمنت في كل خطوة أن يكون كابوساً وتفيق من نومها تجد الحقيقة غير ذلك.
وصلت لمقر عمله القديم. دلفت إلى الداخل تسأل عنه وهي عازمة على ألا تغادر إلا وهي تعرف طريقه. سألت وسألت حتى وجدت من دلها على مكان عمله الجديد ومسكنه الجديد أيضاً. غادرت وذهبت مباشرة إليه في مقر عمله فلا زالت ساعات العمل الرسمية لم تنقض.
وقفت أمام المبنى وهي بالكاد تستطيع الوقوف على قدميها، فرؤيته بعد كل هذا الوقت ليس بالأمر الهين عليها. وقفت لبرهة تلوم نفسها فيبدو أنها هي المقصرة بالفعل، فهي حين عزمت على معرفة مكانه استطاعت ذلك، وكأن رغبتها السابقة في العثور عليه لم تكن حقيقية بالقدر الكافي مثل الآن. أخذت نفساً عميقاً ثم زفرته واستجمعت ضعفها فلا قوة لديها لتجمعها، وذهبت إليه.
وقفت ووضعت يدها على قلبها الذي صرخ منادياً عليه بمجرد أن رأته يجلس وراء مكتبه منكباً على دفاتره غير منتبه. فهمست لنفسها وهي تراه:
- آآآه يا شريف آآآه يا وجع القلب، يا ضعفي اللي محستش بيه غير وأنا معاك.
تقدمت نحوه فانتبه هو وجميع من في المكتب على صوت كعب حذائها. ورفع رأسه وأغمض عينيه فور أن رآها، وكأنه لم يحتمل رؤيتها. ثم ترك القلم من يده وأخذ يمسد على عظمة أنفه، وكانت هذه حركته المعتادة لدفع التوتر الذي يصيبه فجأة. ثم فتح عينيه حين اقتربت منه وهمست له:
- ازيك يا شريف.
- الحمد لله بخير، نعم يا مديحة جاية ليه؟
كان يتحدث وهو يهرب بعينيه في كل مكان وكأنهما لا يريدان الالتقاء بها. فهمست له مرة أخرى:
- بص لي يا شريف.
رفض أن يطيعها وظل على نفس هروبه وقال لها:
- لو سمحتي اتفضلي امشي، هنا مكان شغل. وكمان مراتي بتشتغل معايا في نفس الشركة ومينفعش تشوفك هتسببي لي مشاكل كده، وأنا مقدرش أجرح شعورها.
كانت كلماته كالسهام التي انطلقت تباعاً وجميعها استقرت في قلب مديحة، وخاصة كلمة زوجتي. تباً إنه ينعت أخرى بزوجتي، يخاف على شعورها، ينهرها من أجلها، كيف يحدث هذا؟
لم تتحمل أكثر فنطقت بصوت مختنق:
- هستناك بره يا شريف، عايزة أتكلم معاك، ضروري أتكلم معاك.
- امشي يا مديحة لو سمحتي مفيش كلام بينا.
غادرت على الفور بعد أن ردت عليه بكلمة واحدة:
- هستناك.
تركت المكتب وهو انحنى بتعب يدفن رأسه بين ذراعيه، فهو كان يجاهد في معركة لا يعرف حجمها غيره وهو يحاول قدر استطاعته أن يتجنب النظر إليها، خاصة وهو يشم رائحتها التي جعلت الحنين يدق روحه.
انتظرت مديحة أمام الشركة كثيراً، انتظرت ما يقارب الساعة، كانت تزرع المكان ذهاباً وإياباً. كانت تنظر إلى بوابة الشركة كل ثانية وهي تتوقع خروجه لها في أي لحظة، فهي لم تناديه قبل إلا وأجاب، لم تحتاجه إلا ولبى جميع احتياجاتها.
تفحصت جميع الخارجين حتى خرج الجميع تقريباً، ظنت أنه انتظر للنهاية حتى يتسنى له مقابلتها. ولكنها صُدمت وهي تراه يخرج عليها من البوابة وهناك من تتأبط ذراعه، يمازحها وتضحك له وهي واضعة يدها على بطنها المرتفعة إثر الحمل.
وقفا أمام سيارة حمراء صغيرة وقام بفتحها ومساعدة زوجته في الجلوس داخلها ثم أغلق الباب واستدار وصعد في مقعد السائق وقام بتشغيلها. تحركت السيارة ولم يكلف نفسه عناء الالتفات ليراها إن كانت باقية أم ذهبت. غادرت السيارة وهي لازالت تنتظر منه نظرة واحدة تخبرها بأنها لازالت تشغل جزءً من تفكيره. ولكن خابت جميع آمالها، ارتعدت شفتاها وانسابت عباراتها وهي تراه يختفي من أمامها بسيارته، وكأنه حلم جميل استيقظت من نومها فلم تجد منه شيئاً.
عادت للقصر وبدأت في تكسير كل شيء يقابلها، أحدثت الفوضى وأخذت تصرخ من كل قلبها. ولم تقابل نوبة جنونها إلا بالسكوت من فريال. فهي الآن تشبه أنثى ضبع فقدت زوجها وتريد الانتقام.
أما في المشفى:
- خلاص يا عقاب أنا مسافر مع بوك. انت رد بالك على أمك وكون هاني من يم بوك. أنا عمري ما هقصر معاه واللي يحتاجه من جنيه لمليار أنا سداد.
- الله يحفظك يا شيخ ويديم خيرك، والله جميلك معايا مالها عدد ولا حد. مو عارف كيف أردها.
- ما في جمايل يا عقاب، بوك غالي علي وخيره سابق. وانت بعد غالي علي واااجد وتعرف غلاك عندي. سيب الشكر والمنة للأغراب، إحنا أهل والاهل ما في بينهم شكر.
ولا رد مواجب. ودع آدم أباه وكذلك عايدة، وصعدوا به للطائرة وهو موصل بالأجهزة ولا زال في غيبوبته لا يسمع منه سوى صافرات تعلن عن أنه لازال حياً. وغادرت الطائرة به مصحوبة بدعوات الجميع. أما آدم فتحدث مع الطبيب بشأن أمه وعلم أنه يستطيع من بداية الأسبوع القادم نقلها للبيت تستكمل علاجها هناك. فقرر استئجار شقة لها والمكوث بها في الحضر كي تكون قريبة على الأطباء والمشفى تحسباً لأي شيء طارئ. وساعده قصير في ذلك. أما عن النقود فقد ترك له الشيخ منصور الكثير منها كي يصرف على أمه ولا ينقص عليها شيء لحين عودته.
أما في البادية:
- رجوة.. أنا جاية معاك.
- عاودي يارجوه ماتيجي اليوم، الحر شديد وصهد والرمل صاير يقلي قلي.
- لا ما نريدش نعاود، ما انت ورابح رايحين وهلال بعد. ولا مافي غيري راح يشويها الرمل، أنا ضاق خلقي من الخيام وودي أنشم هوا الخلا.
- يارجوه ليش ماتسمعي الكلمة، خايف عليكي أنا.
- لا ماتخاف ياسلومتي أنا معاك حتى لو رايح تنشوى بجهنم مو على الحصى والرمل. هيا هيا تأخر الوقت والحلال جياع وأنا نفسي بالتين الشوكي اليوم.
أنهت كلماتها وضحكت ثم وضعت يدها على فمها وكأنها تذكره. فأغمض عينيه وهو يتذكر ذلك اليوم وأردف لها:
- إذا تجيبين سيرة التين مرة ثانية قدامي بدفنك بأرضك يارجوه، والله بس أسمع اسمه أحس الشوك لسه باقي ما زال. الله يلعنك.
- خلص ياسلومتي ما ودي تين ولا عجين. ودي رفقتك وبس، عم. استاحشك بس تغيب يا تيس.
هي ألقت بهذه العبارات وتبسم سالم وهمس رابح وهو يطالعه:
- أي قالت سلومتي واتغنجت واتسهوكت وهداك فشخ ضبه وراح علينا اليوم. يلا يا هلال سوق الحلال سوق وخلي هداك. التيس لاختك تسوقه هي مربيته وتعرف من وين تجره.
تحركوا أربعتهم، وهناك كان رابح مكان آدم في تدريب هلال حتى لا ينسى الولد ما تعلمه. وكانت رجوة تتعلم معه كل شيء يعلمونه له، فكانت تتفوق عليه في التصويب والقنص وركوب الخيل وفي كل شيء يقدم عليه، وكأنها تخبر الجميع بأنها فتاة ولكنها تستطيع القيام بأعمال الذكور ولا يقف أمامها شيء، أو تثبت لنفسها بأن الولد لا يستطيع فعل شيء لا تستطيعه الفتاة. وكان المفاضلة المستمرة بينها وبينه خلقت بداخلها رغبة جامحة في منافسة هلال والتغلب عليه في كل شيء. هي لا تكرهه فهو أخاها، ولكنها تكره كل ما يحيطه من عناية ورعاية واهتمام كان لها هي من الأساس وسُلب منها.
- خلاص يارجوه انزلي من فوق الفرس كفاية عليكي.
- بس شوي ياسلومتي الله يخليك.
- يارجوه أنا سمعت عوالي واجد مرات تنبه علي البنات ما يركبون خيل وانتِ بروحك تسمعينها ليش ماتسمعين كلمتها حالك حال كل البنات؟
- لأن هي تقول البنت اللي تركب خيول تصير فحجة ورجولها متباعدة. وانت ورابح وآدم وحتى هلال تركبون خيول وأبوي والجميع وما في حدا صار أفحج. من هنا عرفتها تكذب علينا.
- بس لازم تسمعي كلامها وتطيعيها، يمكن عندها أسباب ما تريد تخبرك بيها لأنك صغيرة وبس تكبرين تفهمك كل شيء.
- أنا اللي ما يفهموني ويش أسبابه مانسمع كلمته لو على قص رقبتي.
أردف رابح ساخراً:
- أي لا تكوني رجوه إذا ما عنّدتِ وكبرتي راسك. والله الحمد لله إن أختك معزوزة ماتشبهك بشيء من قريب ولا من بعيد، كان المعارك وصلت للغيوم.
- معزوزة نعجة بس حدا يقولها هوووش توقف. هااا تمشي.
- نعجة بعينك يا عنزة يا بهيمة انتي، والله معزوزة ست البنات كلهن وما في منها، وانتِ لو تتحصلي على ربعها يكون الله عطاكي. ولك الروح هي الرووووح.
- راح نقول لبوي إنك تتغزل بأختي.
- أقطع راسك ونوكلها للضباع. يا كلبة.
- معناها صالحني إذا ما تريدني أقول. قوم جيب لي تين شوكي.
- والله إذا يطلع لك شوك بعيونك ما نجيب لك تين، يا أم كرش معفن مفكرة تيني سالم. غوري جاك غاير.
طأطأت رأسها للأرض بزعل بعد كلام رابح، فلم يتحمل سالم أن يراها بهذا الحال، فقام على الفور وإنزلها وامتطى الحصان وذهب حيث التين الشوكي، وخلع عقاله عن رأسه وبدأ في جمع التين به. وحين انتهى عاد لها بالتين، فنزل وفتح العقال أمامها لتصرخ بفرحة:
- والله إذا يخيروني بيني وبين العالم كله اختارك انت ياسلومة قلبي.
أنهت جملتها واحتضنت سالم وقبلته على خده. كانت تفعل هذا بطفولية، ولكن سالم استبغ وجهه بحمرة الخجل وخاصة بعد أن غمز له رابح بعينه، فصرخ بها:
- قلت لك لا تقربين ولا تحضنين جاي تحبحبين الله يلعنك يارجوه.
- تستاهل الحبحبه.
الفصل الثاني من ٥
مكاسب: معزوزة، يا زوز عيوني انتِ يا غلا روحي. يا بكرية قلبي.
عرفت معزوزة بأن أمها سوف تحدثها في أمر زواجها من محراب الآن وتحاول إقناعها به، ولكنها فاجأتها حين قالت لها:
- اسمعيني زين يا معزوزة يا بتي يا حبيبتي. أنا محراب ما ودي تتزوجينه.
فرحت معزوزة وقبل أن تكتمل فرحتها أكملت أمها:
- ولا رابح ودي تتزوجينه. أنا ودي تتزوجي واحد غيرهم الزوز، حتى لا تحطين أبوك بالحرج. محراب بيعرف إن رابح رايدك وهو طلبك بس ليجاكر رابح ويكيده، لكن إذا تزوجتي غير رابح ما راح تكون فيه عداوة وشغل أبوكي ما يتأثر.
- أنا لا راح أتزوج هاد ولا هاد ولا هداك. أنا ما راح أتزوج من الأساس. أنا قاعدة في عز أبويه أربي أخواتي، أنا ما ودي زواج.
- كيف يعني هتوري حالك؟
- لا هنور روحي ولا شيء، بس أنا مو حابة أتزوج تو. فياريت توفري على حالك موال إنك دايرة بالك على حالي.
- تخطيط عوالي أنا عارفته زين، وانتِ ماشية على تخطيطها يا سايبة.
- وحتى لو هادا تخطيط الشيخة تقدري تكسري كلامها تخالفيها؟
- لا ما فيا أخالف ولا نقدر نعترض ولا نحكي، بس ما ودي تخسري سنينك الحلوة وتخسري أبوكي معاك.
- ما تخافي ما فيه خسارة ولا شيء. الخاسر هو اللي ما يعرف ايش يريد، وأنا عارفة اللي نريده زين.
مرت أيام ومن بعدها تواصل آدم مع المشفى التي سافر إليها أبوه مع الشيخ منصور، وعرف حالة أبيه بالتفصيل منهم. واستطاع أن يتواصل من خلالهم مع الشيخ منصور والذي أخبره بأن أباه تتحسن حالته واستجابته للعلاج سريعة، فقد عرف الأطباء علته بالتحديد، ويتوقعون أنه سيستفيق من غيبوبته في غضون أيام قليلة. أما هو فقام بالانتقال مع أمه للشقة التي استأجرها له قصير، وبدأت رحلة علاجها، والشيخة عوالي كانت تزورها بين يوم ويوم، وأرسلت مايزة تقيم معها إقامة كاملة تساعدها وتعتني بها وبالبيت أثناء غياب آدم عنها وعودته للبادية.
أما آدم فهو وقصير ينتظران على صفيح ساخن وصول أول شحنة لهم بدون وسيط. لا يعلمون إن كانت الأسلحة ستتطابق مع ما طلبوا أم سترسل لهم أنواع أخرى غيرها أقل مواصفات وأكثر رداءة. وحتى بعد أن طمأن آدم عمه قصير إلا أنه هو نفسه أصابه القلق وقليل من الخوف كلما اقترب موعد الاستلام.
وها قد حانت اللحظة، واللّيلة هي ليلة الاستلام، فتجمع الكل عند النفق وانتظروا وصول الشحنة. وفور وصولها وإخراجها من النفق اقترب قصير وفتح صندوق عشوائي من الصناديق، وإذا به نفس السلاح الذي يستوردونه بنفس الجودة، بل وهناك أيضاً ستة صناديق إضافية من الذخيرة فوق الشحنة وهذه هدية تصرف لمن تتخطى مشترياتهم مبلغاً معيناً. وكان الوسيط يأخذهم لنفسه في كل مرة كما كان يأخذ أموالاً طائلة. فتهللت أسارير قصير واقترب من آدم وقال له:
- حيا الله عقابنا. حي الله وليدنا وتربية إيدنا. والله فيك وبيك رفعة الراس وعلو المقام.
قالها ورفع السلاح في الهواء علامة الفوز فهلل الجميع خلفه والتف الكل حول آدم يصيحون ويهتفون باسمه بفرحة عارمة، ففرق النقود خير سيعم على الجميع.
ومن بعدها قاموا بتحميل الأسلحة في شاحنات الجيش التي حضرت، واستلم قصير النقود منهم بنفسه هذه المرة نظراً لغياب عمه، وحسب الفارق بين الصفقات السابقة وهذه الصفقة والمبلغ لم يكن قليلاً أبداً.
أما في القصر:
- إيه اللي دشدش القصر كده يافريال؟
- دي مديحة أختك أعصابها تعبانة شوية.
- أعصابها تعبانة إيه دي اتجننت. مديحة، انتي يا زفتة يا اللي اسمك مديحة.
- لا لا سيبها مش مشكلة كلها حاجات تافهة مقدور عليها، المهم دلوقتي عايزة أكلمك في موضوع مهم. اختي وعيالها جايين يقعدوا في القصر معانا فترة لغاية ما تاخد لها شقة.
- تمام مفيش مشاكل، بس أهم حاجة متطولش حاكم أنا مش برتاح لأختك دي خالص ومش ببلعها.
- ما تقلقيش هتمشي قوام، بس أنا خايفة من مديحة وتصرفات مديحة قدامها، وخصوصاً إنها اليومين دول أعصابها دايماً تعبانة وتصرفاتها مش محسوبة.
- مديحة أنا هدخل أظبطها دلوقتي متقلقيش. جهزي بس انتي مكان لأختك ويا ريت متخليهاش تطول عشان أخلاق ولادها مش تمام وخصوصاً بنتها وأنا مش بحب أولادي يختلطوا بأولادها.
- حاضر هحاول.
وبعد عدة أيام كانت فاطمة أخت فريال تغزو القصر هي وأولادها، تاركة البلدة بمن فيها. فبعد موت زوجها في ظروف غامضة وبسكتة دماغية مفاجئة لم يتبقى لها بالبلدة غير أولادها، فحملتهم وقررت الانتقال لحياة جديدة، فهي طموحة وطموحها ليس له حدود.
وبعد أن انتهت من توضيب أغراضها وأغراض أولادها في غرفهم، ذهبت إلى غرفة أختها وأعطتها تركيبة السم وقالت لها:
- أعتقد دي لمديحة مش كده؟
- أومأت لها فريال برأسها، فتبسمت فاطمة وهي تقول لها:
- كده يبقى القصر نضف من الكل ومفيش غيرك انتي وولادك وجوزك. مبروك عليكي الأملاك.
صمتت فريال ولم تتحدث، فهي ترى في عيني أختها طمعاً لا تقوى على تخبئته، وهذا ما تعلمه فريال جيداً. فنظرت إلى زجاجة السم وهي ترى فيها الخلاص الوحيد من كل شيء، وحمدت الله على نعمة الموت التي لولاها لبقي البشر ينغصون الحياة دوماً.
أما يحيى فسافر إلى العزبة وهناك قام بالتحدث مع أحد وجهاء البلدة وقال له أن أخيه قد سافر للعلاج والشركة تحتاج للسيولة، وهو اليوم أتى ليرهنه له الأرض. فرفض الرجل أن يرهن منه الأرض دون ضمانات، فأخذ منه وصل أمانة بالمبلغ مقابل النقود وأخذ الأرض يذرعها، وبهذا ضمن حقه، ولم يبالِ يحيى بالوصل، فهو سيحصل على الأرض ويبيعها عاجلاً أم آجلاً.
وأخذ المال وعاد به للقاهرة ليتمم ما بدأه في مصنعه الخاص.
أما عن طاقم العمل فقد قرر أن يخفض لهم مرتباتهم للنصف، وزود ساعات العمل وأوقف نظام الساعات الإضافية. وفعل كل شيء يجعل العامل يشعر بالظلم ويغادر الشركة من تلقاء نفسه، وهذا ما حدث، فقد بدأت الناس بالمغادرة والانسحاب من الشركة بداية من أعلى الكوادر لصغار العاملين، إلا من لا حول لهم ولا قوة ولا يجدون مصدراً للرزق غير المصنع والشركة.
أما في القصر:
بدأت فاطمة تباشر عملها في إحدى الصيدليات الكبيرة كي تأخذ فكرة عن الأمر كيف يسير في القاهرة، وهل مثل البلدة أم لا، حتى إذا افتتحت صيدليتها الخاصة تكون على دراية بكل شيء. كانت تعود إلى القصر بعد عملها فتتجول به وتتفقده وكأنها تبحث عن شيء ما أو تعاين شيئاً ما وهذا الأمر أزعج فريال كثيراً، فلم تخطط هي وتتخلص كي تأتي أختها وتتملك كل شيء دون عناء، وكيف لها أن تتطلع لشيء لا ناقة لها فيه ولا جمل هذا الأمر الذي يكاد يقتل فريال غيظاً!
في هذه الفترة حاولت فريال وضع السم مرات عديدة في طعام أو شراب مديحة، ولكن كل مرة كان يحدث شيء يجعلها لا تتناوله، فقد سيطرت حالة من الاكتئاب عليها جعلتها شبه فاقدة للحياة، جثة هائمة في أرجاء المنزل، لا كلام ولا نشاط والقليل القليل من الطعام، والكثير من القهوة، وحتى التدخين الذي أصبحت تدخنه عياناً بياناً أمام الأولاد وحتى أمام أخيها يحيى، الذي كلما قرر أخذ موقف حاسم معها تمنعه فريال بحجة أنها مريضة ولا على المريض حرج. فيبتعد عنها ويتلاشاها مؤقتاً حتى تطيب أو حتى يصل لنهاية صبره ويكون العقاب مضاعف. وكل هذا كي لا يحدث تصادم بين يحيى ومديحة يصل لمسامع أحد ويرتاب في أمر موتها فيما بعد ويُشار ليحيى بأصابع الاتهام.
إلى أن أتى اليوم الموعود. اليوم الذي وضعت فيه فريال السم لمديحة في كوب قهوتها وهي شاردة، فأمسكته مديحة وقربته من فمها وارتشفت منه ثم نظرت لفريال التي كانت تمثل عدم الانتباه وقالت لها بهدوء:
- عارفة يافريال. الموت دا حاجة جميلة أوي ومش دايماً وحش. هو وحش بس لما بياخد حد عزيز علينا ويسيبنا نتعذب بعده. انما لما ياخدنا إحنا بنكون ارتحنا.
شعرت فريال أنها علمت بأمر السم، على الرغم من أن أختها أكدت لها مراراً بأن لا طعم له ولا يغير مذاق شيء. فازدردت لعابها بخوف، ولكن الطمأنينة عادت إليها وهي ترى مديحة تكمل قهوتها بتلذذ شديد، ترتشف وتبتسم، وعينها تلف المكان وكأنها تودعه. وفور أن انتهت من تناول قهوتها قامت للأولاد، احتضنتهم جميعاً وخصت كارمن بقبلات زائدة وهمست لها في أذنها شيئاً ثم غادرت نحو غرفتها.
اقتربت فريال من كارمن وسألتها بفضول:
- هي عمتك قالت لك إيه يا كوكي؟
- قالت لي سامحيني بس وهي أصلاً مش عملت لي حاجة.
انقبض قلب فريال وتعالت أنفاسها وفهمت الآن كلمات مديحة، فأسرعت نحو الهاتف واتصلت على أختها:
- الحقيني الظاهر إن مديحة سممت كارمن، تعالي بسرعة بسرررعة.
وما إن أنهت مكالمتها حتى نظرت إلى تلك التي هوت على الأرض وبدأت في التشنج. فصرخت وجرت عليها وكذلك صرخ الأولاد من حالة أختهم، والجميع اقترب منها وكانت أسرعهم فريال التي اختطفت ابنتها في أحضانها وهي تشعر أنها تختنق معها، وهتفت بحسرة:
- عملتيها يا مديحة الكلب.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ريناد يوسف
دخلت مديحة الغرفة وأغلقت الباب خلفها. كانت تعلم أنها تموت، علمت بأمر السم من أول رشفة ولكنها أكملت. فهي لم تجد في الدنيا ما تحاول البقاء من أجله. اكتشفت أن عالمها كله يدور حول شريف، والآن مع خسارتها له خسرت كل شيء. لم تعد الأموال ولا الأملاك تعنيها. ففي اللحظة التي رأته يتأبط غيرها وفي أحشائها قطعة منه، في اللحظة التي انتظرت منه التفاتة ولم تحصل عليها، تأكدت أن عالمها كله انهار ولم يبق منه سوى ركام.
فذهبت لخزانتها وأخرجت صندوقها الأزرق المخملي وفتحته وأخرجت منه أجمل ما عاشته مع شريف ووثقته بالصور. افترشتهم على تختها وبدأت تتأملهم واحدة واحدة وهي تبتسم. وأمسكت الأحب لقلبها من بينهم وقربتها من فمها وقبلتها مرة بعد مرة حتى ابتلت الصورة بالدموع. واستلقت في النهاية فوقهم واحتضنت منهم ما طالته يدها وهي تشعر بأن شيئاً بدأ يعتصر قلبها ويكتم أنفاسها، فعلمت أنها النهاية. فأغمضت عينيها بإستسلام للموت لم يسبق له مثيل.
أما فريال فكانت تواجه موتاً من نوع آخر. كانت تختنق وهي ترى ابنتها تصارع الموت. تحاول الصراخ ولكن صوتها حُبس داخل أحبالها الصوتية ولم يجد سبيلاً للتحرر. ضمتها إلى صدرها وأخذت الصغيرة تدفع الهواء بقدميها وهي تحاول التمسك بالحياة. وفي النهاية سكنت حركتها وتراخت أطرافها. وهنا تحررت صرخة فريال. وقبل أن تنتهي كانت فاطمة أختها تقف فوق رأسها شاهرة إبرة كبيرة ذات رأس طويل لم يحدث أن رأت فريال مثله من قبل. بداخله سائل أصفر وقامت بغرزها بكامل قوتها في قلب الصغيرة ودفعت ما بداخلها مرة واحدة. ثم اخذت بعدها تنعش كارمن لفترة من الوقت إلى أن شهقت كارمن وبدأت الرغاوى الصفراء تخرج من فمها وأنها. وهنا كفت فاطمة عن الضغط على قلبها وقامت بقلبها على بطنها ووضعت إصبعها داخل فمها وأجبرتها على التقيؤ. ثم بدأت في تركيب كانيولا في يدها لتعطيها المحلول الملحي المضاف إليه باقي الترياق.
ونجت كارمن من براثن الموت، ولكن فريال هي من أخذت مكانها. فقد بدأت تختنق هي الأخرى، وقلبها أوشك على التوقف لولا تدخل أختها في الوقت المناسب وإعطائها الدواء المناسب.
وخرج الموت من القصر بروح مديحة فقط. ونجت كارمن وأمها منه.
أما عند آدم وأمه. اليوم تلقيا المكالمة التي ردت بهما الروح، والتي كان مفادها أن محمود قد استيقظ من ثباته واستفاق من غيبوبته. وأخيراً عاد الضوء لعينيه وأبصر العالم. وكأن مديحة بموتها أفسحت له مجالاً للحياة.
بكت عايدة كثيراً، وحمدت الله كثيراً وحاولت السجود رغم كل ما فيها. فلم تستطع السجود إلا بعينيها. ولكن قلبها سجد لله آلاف السجدات.
أما آدم ففرحته بعودة أبيه للحياة ورجوع العافية إليه كانت تعادل العالم.
وخاصة حين تحدث معهم محمود في الهاتف وأخبرهم بأنه بخير الآن. وكان البكاء سيد الموقف. وأخبرهم الشيخ منصور بأن محمود قد تحددت له عملية جراحية بعد شهر، بعد أن يطيب كلياً من كسوره وجروحه ويصبح جسده قادر على تحمل المزيد من الألم.
فقررت عايدة اللحاق به فور أن تستطيع المشي لتكون بجانبه. وآدم أيضاً قرر الذهاب معها وعدم تركهم يغيبان عن عينيه مرة أخرى.
أما بخصوص محمود وعايدة من الناحية القانونية فقد أبلغ يحيي الشرطة عن غيابهم وفقدانهم في نفس اليوم الذي دفن فيه أخته مديحة. والتي حين علم ما فعلته بابنته لم يذرف عليها دمعة واحدة ولم يشعر تجاهها بذرة ندم أو شفقة. بل أخبر زوجته بأنها لو لم تفعل هي ذلك وسممتها لفعله هو بنفسه وسممها بيده نظير ما فعلته بابنته.
أما فاطمة فكانت جالسة تراقب الأوضاع وترى الساحة تخلوا من اللاعبين واحداً تلو الآخر. وتنتظر اللحظة المناسبة لنزول الساحة وإقصاء من تبقى.
نظرت لأولادها "كاظم، وقاسم، وحياة". وهم يلعبون. ورأت الاختلاف بينهم وبين أولاد أختها فريال. فقد كانوا أولاد أختها مثالاً للطبقة المخملية في كل شيء. مظهرهم وتصرفاتهم وحتى طريقة حديثهم. وأولادها كانوا متأثرين بالبيئة الريفية التي تربوا فيها والتي كانت تحاول جاهدة ألا تتركهم ينخرطون فيها. ولكن بحكم عملها وساعات الغياب، وبحكم أنهم محاطون بعائلة أبيهم المتخلفة من وجهة نظرها لم تستطع.
فقررت أن تقتلعهم من وسط هذه البيئة وتنقذ ما تبقى منهم وتحولهم للشاكلة التي طالما تمنت أن يكونوا عليها. ولم يكن هذا ليحدث لو بقيت هناك في البلدة.
أما في البادية.
محراب: ياعمي قصير مارديت علي بخبر ولا قلتلي ويش رأيك؟ وافقت على مطلبي ولا ما وافقت؟
قصير: والله يامحراب مانعرف ويش نقولك. انت صح رهنت معزوزة مني بس رابح بنفس الوقت رهنها من الشيخ منصور. وأنا عطيتك كلمة وهو عطى كلمة وما نعرف كلمة من فينا تنزل الأرض. وتوا الشيخ منصور قال الأمر أصبح بيد معزوزة وهي تختار بين ولاد عمها واللي ترتاح له وتقول ودي هذي تصير من نصيبه.
محراب: ويش هذي ياعمي ومن متى البنات ليها شور وقول؟ صرنا حضر احنا ولا إيش؟ أنا اللي أعرفها إن الراي والكلمة بيد الرجال واللي ينقال بمجالس الرجال يكون سيف على رقاب الحريم.
قصير: لو رهنتها وما في حدا سبقك لها كنت عطيتك من غير الرجوع لأي حدا، لكن هيك الأمور صارت. ووجعت روسنا. بسببك أنا أول مرة نصبي اقبال عمي وشيخي.
محراب: يعني اللي نفهمها توا إن ماعاد لك كلمة بالموضوع ياعمي؟
قصير: والله ياوليدي خرجت كل الأمور من يدي وصارت بيد الشيخ منصور.
محراب: أي بس أنت تقدر تميل الدفة صوبي صح ولا لا؟
قصير: يصير خير يامحراب، بس يعاود الشيخ وكل شي يصير سهل.
وعند رجوة وسالم ورابح:
رجوة: ياسالم ودي نطلب منك شي بس نخاف تخجلني. وتردني خايبة.
سالم: ومن متى أنا نخجلك وقت تطلبي أو أناخر عنك شي يا رجوتي؟
رجوة: طيب أنا ودي تاخذني معك المرة الجاية للحضر بس تروح لآدم وأمه. انريد أنشوف الشوارع والناس وودي أشتري واجد حاجات. أنا معاي قروش محوشتهن. وانريد نصرفهن كلهن.
سالم: أول شي أبشري هناخذك معاي من عيوني. وتاني شي ليش تشتري من قروشك؟ عزيت عنك شي أنا ولا منعت عنك شي طابت عليه نفسك بيوم؟
رجوة: لا والله ويشهد ربي إنك أحلى سالم بكل الدنيا وأطيب حد بالقبايل كلها. بس أنا انريد نجيب شي لأختي معزوزة ويكون من قروشي. ودي أفرحها بشي من عندي كيف ماهي دوم تفرحني.
سالم: وباقي أخواتك يا رجوة؟
رجوة: جاهن خوت يخوتهن مانجيب لحد شي. أنا أختي بس معزوزة والباقيين مالي علاقة فيهن. البنات بعيدات عني وما يحبوني وهلال أنت تعرف اللي بينا كيف اللي بين الحرامي وصاحب الديار المسروقة وشايف سريقته مع الحرامي وما قادر يتكلم.
سالم: خلي بقلبك حِن يا رجوة علي خواتك هم مالهم ذنب.
رجوة: أي وأنا مالي ذنب. وياسالم إذا ما قفلت ع هالحكي أنا هنمشي ولا انريد أنعدي للحضر ولا نشتري شي ولا نجلس معاك من الأصل. وهاه يلا سلام.
سالم: ارجي هنا يا مهبولة وين رايحة؟ أنا بس نحكي معاك لا تتعفرتي ولا تتركيني وتمشي مهما جرا فهمتي ولا لا. ولو اتكررت الفعله راح تشوفي من سالم وجه تاني ماتحبيه يا رجوة سمعتي؟
رجوة: والله سالم ما عنده وجه تاني ولا تالت. سالم ما عنده غير وجهه السمح هاد اللي بعمره ما يقسى ولا يعرف الجفا. فلا تمثل القسوة ياسلومتي.
هي نطقت "سلومتي" وانهارت حصون سالم. ونظر إليها بوله وأومأ لها وهو يتبسم. فضربه رابح بالعصا التي بيده على رأسه وهو يقول: أي قالت سلومتي وانتهي كل شي. اقفل ضبك. ضيعت الهيبة. وجع بطنك.
رجوة: جاك ضربة تفلقك يا غضيب. لا تضرب سلومتي. وإلا وربي اندقلك راس معزوزة وتصير راس براس. إلا سلومتي ما حدا يزعله ولا يمد يده عليه.
رابح: ماتعصبي يا نبض سلومتك وروحه. الكل فدا نظرة عالعيون.
هلال: الله ياخذك وياخذ سلومتك. والله لنقول لبوكي أنك تتسهوكي وتتمايصي ياسايبة وتحكي سلومتي وسلومتي.
سمعت رجوة ما تفوه به هلال. ونظرت إليه نظرة أسد مفترس. وتحركت نحوه ببطء. فهب سالم يمسكها قبل أن تصل إليه. ولكنها كانت كالسهم الذي انطلق. فقفزت على هلال وأبرحته ضرباً. ومهما حاولا رابح وسالم أن يخلصاه منها لم يستطيعا إلا عندما تركته هي بكامل إرادتها. وقالت له وهي تتطلع عليه وهو يبكي: أي إبكي كيف البنات يا ابن أمك يا ولد مكاسب. والله والله إذا بيوم عملت شي وقلت عليه لأمك أو لبوك لننتفك نتف. ونجرجرك على شوك الوادي. وقتها مارح يحلك مني لابوك ولا أمك ولا القبيلة كلها.
أخذ رابح هلال وابتعد. بعد أن نظر إلى سالم وقال له: وربي راح تاخذ مكلوبة. وراح نصحى بيوم نلاقيها أكلة لحمك وقرقة عظمتك. ووقتها لا عزاء عليك ولا زعل. لأنك أنت اللي جبته لروحك.
وحين ابتعد رابح بهلال، أخذ يفهمه بأن رجوة أصبحت في حكم زوجة سالم وهو المسؤول عنها. ولا دخل لأبيها أو لأي شخص آخر بينهم. وطلب منه ألا يخبر رجوة بذلك. وليتأكد من أبيه إن أراد. ولا يتعرض لرجوة مرة أخرى. وإلا سيلاقي نفس المصير في كل مرة إن لم يتجنبها.
ومنها لم يعاود هلال الاحتكاك برجوة أو محاولة الاعتراض على شيء تفعله. فقد أخبرته بطريقتها ما الذي تستطيع فعله به.
❈-❈-❈
مرت الأيام. واستطاعت عايدة أن تتحرك بمفردها. كل هذا وآدم نصب عينيها لا يغيب إلا قليلاً ويعود لها سريعاً يقوده شوقه. فتأخذه بين أحضانها وينهل مما حُرم منه سنوات حتى يرتوي. وهي أيضاً تشبع من قربه حتى ترتوي صحراء روحها التي تشققت عطشاً لسنوات عديدة. وها هي عادت تنبت من جديد مع عودته لها.
قررت السفر لمحمود. وأنهى لها قصير كافة الأوراق المطلوبة. أما بخصوص البلاغ الذي قدمه يحيي عن اختفاء أخيه وزوجته. فتم البحث والتحقيق فيه. واعتبر محمود وعايدة من المفقودين. وسيتم إعلانهم أموات بعد المدة التي تحددها المحكمة. نظراً لأنهم اعتبروا مفقودين في ظروف غامضة.
ورفض الجميع رفضاً تاماً سفر آدم مع أمه. فلم يأمن منصور انتقاله وسفره وبقاءه في إيران بمفرده دون حماية قصير. فحتى لو كان عقاب الآن، فهو عقاب صغير ولم يكتمل نموه ليحلق مجتازاً للبلدان وحيداً دون أن يكون وسط سرب يحميه.
وبعد وصول عايدة لإيران وإطمئنان آدم عليها وإطمئنانهم الاثنين على محمود. تحدد موعد العملية. وقبلها قام آدم بمهاتفة أمه وأخبرها بأن هناك جهاز طرح منذ فترة في الأسواق اسمه الهاتف المحمول. طلب منها شراء واحد وشريحة. وهو سيفعل بالمثل ويشتري واحداً. وبهذا سيسهل التواصل بينهم في أي وقت. وفور أن أخبر عايدة بذلك أرسلت في طلب الهاتف على الفور. وأخذت ثمنه من الشيخ منصور. وطلبت منه إحصاء جميع ما صرفه لترده له فور عودتهم للقاهرة. وهو قال لها إن هذا بينه وبين محمود ولا دخل لها به.
وتمت العملية أخيراً. وكان آدم مع أمه لحظة بلحظة على الهاتف. وسأل منصور الأطباء عن العملية. وقالوا له أن العملية ليست كل شيء. وهناك علاج فيزيائي لا يعلمون مدته. ولكن نجاح العملية لن تنجح من دونه.
ومنها تقرر بقائهم في إيران. وعودة منصور للبادية. وترك عايدة مع محمود لحين إكمال علاجه. وبقي الوضع كما هو عليه لحين عودة محمود سليم معافى. وحتى يتم آدم جميع علومه ويعود معهم ليحيي. وتبدأ المواجهة ويبدأ استرداد الحقوق.
❈-❈-❈
وبعد مرور ثلاثة أعوام.
عايدة بفرحة: خلاص يا آدم، خلاص يا حبيبي راجعين أنا وأبوك. خلاص هرجع آخدك فحضني تاني.
إختطف محمود الهاتف منها وأردف بصوت باكي: لا مش هسيبه لحد غيري. أنتِ حضنتيه وشبعتي منه. أنا محضنتهوش ولا شميت ريحته زيك. أنا اللي هاخدك في حضني يا آدم ومش هسيبك مرة ثانية. أنا راجع يا آدم، راجعين يا ابني وهنتجمع مرة ثانية.
وهنا انتفض قلب آدم ودقت بداخله طبول الفرح. فها قد حانت اللحظة التي طالما انتظرها. وهذا هو الخبر الثاني المفرح في هذا العام بعد دخوله كلية التكنولوجيا والحاسبات. التخصص الذي كان يحلم به وهو الشيء البارع به أيضاً. وانتقل آدم في الفترة الأخيرة من البادية للحضر. وأقام هناك بالقرب من جامعته. وأصبحت عودته للبادية في الإجازات وعطل نهاية الأسبوع. وفي هذه الفترة تغيرت أشياء عديدة. فلا عادت الأطفال أطفالاً، ولا عادت القلوب على ما شبت عليه.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ريناد يوسف
سالم: بالهداوة شوي يا آدم، السيارة صارت طيارة، باقيلها شوي وتنقلب بينا وتدمرنا يا خوي.
آدم: هادا قلبي اللي طاير مو السيارة يا سالم، هادول أمي وأبوي واللقا اللي تأخر واااجد. وزاد عن الحد، تعرف أنا لو نقدر ندير أجنحات كان درتها وطرت بكل كياني مو بقلبي.
رابح: أي بس لا تموتنا يا مهندس وتموت حالك، وقتها حتى الشوق يلعنك لعن، ونقعدو في دايرة المشافي.
لم يكترث آدم لأي مما قالاه، فقط أكمل الطريق على نفس سرعته، فقلبه هو من يتحكم به الآن، وما على القلب أحكام.
وصلوا المطار ودخلوا إلى صالة الوصول، ولاحت جنته من بعيد وهي تحت جناح أبيه الذي يستند عليها، فهو برغم كل هذه المدة وكل هذا العلاج لازال يجد صعوبة في الحركة ولا يستطيع مشي مسافات طويلة، ولكنه يمشي.
وأخيراً تلاقت الأرواح وتلامست الأبدان وتوحدت دقات القلوب في حضن ثلاثي، وكأن الطيور المهاجرة عادت إلى أعشاشها ووجدوا صغيرهم الذي تركوه لازال في عشه ينتظرهم.
أخذهم آدم بالسيارة وأكمل بهم إلى القاهرة كما خططوا، لم يعودوا إلى البادية أو لأي مكان. فغداً هو اليوم الموعود، اليوم الذي ستحكم المحكمة وتقر بموت محمود وزوجته رسمياً وتعطي ليحيى حق التصرف في كل شيء، وليس هذا كل شيء، بل ستقر بموت آدم أيضاً، فيحيى أبلغ عن اختفاء الجميع في ظروف غامضة.
نزلوا جميعاً في فندق، آدم مع أمه وأبيه، وسالم ورابح سوياً.
أما عند سالم ورابح:
سالم: والله إني حاسس بقلبي، بقلبي طاير من الفرحة برجوع أهل آدم، يمكن بقدر فرحته وأكثر، أنحس فرحتي منه وهو منير.
رابح: والله وأنا متلك، آدم خونا يستاهل الفرح كله، وربي عوضه هو وأهله بالجمعة من بعد الفرقة.
وتنهد ثم أكمل بوجع وحسرة: يارب ماتفرق حبيب عن حبيبه وجمع كل الحبايب سوا.
سالم: آآخ يا رابح، والله قصتك قصة وحكايتك وجيع قلب، يعني الكلب محراب صار له سنين وهو راكب راسه اليابس وقاعد قبالك أنت ومعزوزة وواخدها عنده، وما راضي يتزوج إلا أنت، وهذا كله مجاكرة وبس.
رابح: هادا كله غل وكره، من ساعة اللي كنا صبيان صغار وكان عمي قصير يدربنا ويقول بس رابح وحيوا رابح ورابح متفوق عالكل، وهو قلبه انملى عليا غيرة وكره وبغض.
ووده ياخد مني أي شيء ليقهرني، يريد ياخد مني أي شيء ليحس أنه أخيراً تغلب عليا، والله لو نعرف هيك راح يصير مانازلته ولا غلبته، وكنت فشلت حالي بكل الاختبارات وصرت الأخير.
سالم: إلا ما يمل ويزهق ويتزوج. أنا بالأساس سامع إن أبوه وأمه مجنين راسه زن وودهم يزوجوه بالغصب، وحتى هو بدا يسأل عن بنات القبيلة ويفرز فيهن ويوازي بينهن.
رابح: الله يسمع منك يا سالم، والله نقيم لفراح شهر بحاله وكل يوم نذبح ذبيحة ونعمل ليلة سمر، ويوم اللي ينكتب كتابي على روح الروح والله لنركبها فرس ونمسك لجامه ونلف بيها القبيلة كلها، ومع كل خطوة نرمي عليها الورود والحلوى لحتى تتلون رمال القبيلة كلها وتتحول لورود وحلوى، لو كلفني الأمر فدان ورد.
سالم: هاباااا هاباااا يا قيس القبايل، ويش كل هادا؟ شوي شوي علينا يا عمي.
رابح: أي نعرفك خايف رجوه تقولك انريد نسوي لك متل رابح بس تتزوجني، وقتها ما عندك مفر يا سلوومتي.
تنهد سالم وأردف متحسراً: رجوة! وهي وين رجوة ووين طلبها وقربها؟ وينها بنيتي مني؟ ما أدري ليش صايرة بعيدة عني بعد السما والأرض، حاسس إنها اتغربت وبعدت عني. بالأول قلت يمكن صارت تستحي لأنها كبرت وعرفت أنها مرهونة لي، بس القصة طلعت ما قصدت حيا. في سد انبنى بيني وبينها، وكل ما نحاول نهده ونعبر لها متل قبل نشوفها تتهرب مني وتشرد لابعد مكان مانعثر عليها فيه.
رابح: والله يا سالم ماندري ويش نقولك، حتى أنا سألت معزوزة واجد عن سبب تغير رجوة مع الكل وسبب العداوة والقساوة اللي صارت تتعامل فيها مع الكل، ما فادتني. بس قالت لي إنها انجلبت بجني وبدلت طباعها وسكتت.
صمت سالم وشرد بعيداً وهو يتذكر طفولتهم، قبلها أحضانها العفوية، يداها الصغيرتين، أحاديثها التي لا تنقطع معه، ملازمتها له، وقارنه بما هي عليه الآن ووجد أن كل هذا اختفى، لم يستمر سوى شراءة الحلويات لها وشراء كل ما يلزمها، وهذا هو الشيء الوحيد الذي تقبله منه ولا تجادله فيه.
أما في البادية:
أبو محراب: يا قصير، طال الأمر وباخ بعد، يعني ويش منتظر على بتك معزوزة، اللي بسنها ملت القبيلة صغار وهي راهبة جوار أمها، يا خوي أعطيها لمحراب وخلينا نفرحوا بيهم وبضناهم، الولد صار له سنين منتظرها وما يريد غيرها.
قصير: يا أبو محراب، يا خوي البت ما ودها تتزوج، أنا حابب أني أنزوجها وواجد حاولت أغصبها، بس عمي الشيخ منصور واخد حماها بهذا الأمر، وبكل مرة يقول اللي يغصب معزوزة عدوي.
أبو محراب: طيب إذا هيك أنا راح أزوج ابني حتى لو بالغصب، وراح تشوف أن عندنا الأب حتى على أولاده الرجال بيحكم، مو بس على البنات، واللي ما يحكم ضناه ما خرج يحكم قبائل يا قصير.
صب كلماته كالرصاص في آذان قصير وتركه وغادر، وهو على الفور توجه لخيمة مكاسب، وقام بتوبيخها والقصاص منها لكرامته التي جرحها أبو محراب، وكل هذا بسبب ابنتها التي خرجت عن طوعه وصغرته أمام شريكه، وبالطبع الآن ستتأثر شراكتهم وأعمالهم، فالناقم لا يتعامل بعدل أبداً، وفي النهاية قد حدث ما يخاف منه.
أما معزوزة فكانت تسمع حديث أمها وأبيها، أو شجارهم بالأحرى، وعلى الرغم من أن الشجار في العادة يكون مرتبط بالانزعاج، إلا هذا الشجار اقترن بطبول أفراح قرعت في قلب معزوزة تخبرها بأن نصر الله قريب وسينتهي الصبر وتُجبر القلوب، فخرجت من الخيمة متوجهة إلى خيمة الشيخة عوالي وهي تشعر بأن قدماها لا تلامس الرمال من السعادة.
وحين دخلت الخيمة قالت بفرحة: خلاص يا شيختي، خلص صبر المعاند وهيخلى الطريق لغيره، محراب الكلب بوه راح يزوجه وراح نفتك منه والقلوب ترتاح والوليف يحظى بوليفه.
عوالي: يهنيك يا بنيتي.
معزوزة: يا فرحة القلب، والله آن الآوان، عقبال اللي في بالي يهديها الله وينصف وسخ عقلها، والله دايرتلي وجع في راسي من يوم ما صرخت على هالدنيا.
عوالي: تقصدي قلبها يا عمة.
معزوزة: لا أقصد عقلها، القلب ماله ذنب واللي يجرا معها ماهو راعيه، اللي بيصير مع بلوة راعيه العقل والتفكير وفراغة العين، أما القلب فعارف حبيبه وما خيب طريقه، بس مع سطوة التفكير ساكت ومسلم.
عادت معزوزة وانضمت لصفوف النساء لتجهيز الطعام وهي تنتظر بفارغ الصبر عودة رابح لتزف إليه البشرى، فاليوم قد نزل الغيث على القلوب التي كادت تموت عطشاً.
وفي المساء كانت القبيلة كلها تتناقل خبر خطبة محراب لإحدى فتيات القبيلة، وصدق أباه حين قال أن الكلمة له ولا قرار إلا قراره وقد كان.
ظلت معزوزة في هذا اليوم تغني وتضحك من لا شيء، وسعادتها لم تخف على الجميع، حتى محراب الذي أكل القهر قلبه وهو يرى رابح يفوز مجدداً ومعزوزة تحتفل طرباً بالتخلص منه، ولكنه قال لنفسه أنه انتظر سنوات وهذا يكفي، وعليه الاعتراف بأن رابح تفوق عليه في معركة الصبر أيضاً.
ذهبت عوالي للشيخ منصور بعد أن تفرق الرجال وقالت له: هاه شايف الصبر انتهى والغريم رفع راياته، خبر رابح على النقال بتاع آدم يجي ليتزوج معزوزة، ونريحهم ونتريح احنا كمان، ونفطن لغيرهم.
الشيخ منصور: هدي يا عوالي، ما يصير رابح ومعزوزة يتزوجون إلا يتزوج محراب ويعدي على زواجه كام شهر، وإلا راح تنكشف الألاعيب ويصير الزعل اللي قصير خايف منه ويكون رفضها لمحراب كره مو لجل الأسباب اللي ذكرناها. وأنا ما أريد الخرايب بين الخوت وضنا خوتي يعادوني ويكرهوني.
عوالي: والله يا شيخ من فرحتي ما عاد قادرة أصبر.
الشيخ منصور: الله يكون بعون الصغار إذا أنت هيك، صبريهم وهوني عليهم وقولي لهم هانت، فات الكثير والفرح إن شاء الله قريب.
عادت معزوزة لخيمتها في آخر النهار وانضمت إليها رجوة ومسك وعنبر، والتفوا أخواتها حولها بما فيهم هلال.
رجوة: يا بارد، قوم من مجلس البنات واطلع اقعد عند الرجال، ويش بخصك بينا.
هلال: ما حدا بارد وكالح إلا أنت، أنا قاعد مع أخواتي، أنا مو معك.
معزوزة: اتركيه يا رجوة، ليش كل ما تشوفي وجهه تقلعه من جوارنا، أخونا هذا ومن حقه يجلس معنا. هادا هلالنا يا هبيلة.
رجوة: والله إني أحبك يا حنونة.
معزوزة: وأنا أحبك وااااجد يا سندي وراجلي من بعد أبوي.
رجوة: ورابح؟
معزوزة: رابح بعدكم يا نبض القلب وكحل العيون.
تبسم هلال واحتضن أخته معزوزة، ونظر لرجوة وأخرج لها لسانه يجاكرها، فوقفت ولمت ملابسها ورفعت رأسها وقالت: يا ولد، هات العطر.
فضحك الجميع وتجهم وجه هلال، فهذه جملة من فيلم سمعوه على كمبيوتر آدم جميعاً في ليلة سمر، ومن يومها تقولها له دليلاً على أنه رقيق كالفتيات ومدلل بشكل كبير.
كاد أن يقف ويتضارب معها ولكن معزوزة منعته وأسكتت رجوة وحذرتها من أن تجاكره مرة أخرى، ومن بعدها كفت المجاراة وبدأوا يتحدثون حول زواج معزوزة ورابح والكل أخذ يخطط ماذا سيرتدي وكيف سيحتفل.
شردت رجوة ذات الثلاث عشر عاماً وهي تتخيل نفسها هي من ستتزوج، ولكن عريسها لم يكن سالم، الذي من وقت أن علمت العام الماضي بأنه رهنها، وهي لا تعرف ماذا حدث لها، فقد انهارت جميع أحلامها، أحلامها التي نسجتها على غيره. ومنذ عام مضى وبدأ كل شيء، وتسلل شعور دافئ لداخلها لا تعرف كيف، وأخذ يراودها كلما رأته، إنه "عقاب".
حلم جميع فتيات القبيلة وأصبح حلمها هي أيضاً معهم، فلا مجلس للفتيات إلا ويذكر اسمه ويقترن بكافة عبارات الغزل، وحتى مجالس الرجال لا يذكر فيها اسم عقاب إلا وإقترن بعبارات الثناء والمدح، وكأن القبيلة لا يوجد فيها إلا عقاب. وحتى الشيخ منصور الذي لم يثني على أحد يوماً إلا قصير أباها، أصبح يتغنى في جميع المجالس وبين القبائل بعقاب، وحتى قصير لا يذكر ابنه بالمدح مثلما يذكر عقاب، الذي أتاه فرخاً صغيراً وتربى على يديه وأصبح عقاباً نقش اسمه بحروف من نار بين جميع القبائل.
فالأسلحة كلها التي تغذي البلاد أصبح هو من يستوردها، وفتح لقصير والشيخ منصور باب رزق وخير لم يحلم به أحدهم، ومن بعد أن كانوا تحت رحمة المستوردين أصبح الجميع تحت رحمتهم.
قبيلتهم أصبحت محمية حكومياً ولا يستطيع أحد الاقتراب منها وكأنها خط أحمر، وعلا مع هذا التميز اسم الشيخ منصور أكثر، فقبيلته أصبحت الملجأ الآمن للجميع.
وفي مجالس فض النزاعات، رأي الشيخ منصور أولاً ثم رأي قصير ومن بعدهم رأي آدم، الذي في كثير من الأحيان يجعل الاثنين يتراجعون في آرائهم حين يكتشفون أن رأيه هو الرأي الصائب.
بإختصار، عقاب أصبح نجم البادية، حتى أن البعض نسب القبيلة لاسمه ونحوا اسم الشيخ منصور، فأصبح السائل يقول: هون قبيلة عقاب؟
وهذا الأمر جعل شباب القبيلة كلهم له حاسدين، إلا ثلاثة: سالم ورابح وهلال. فهم يرون أن عقاب منهم وهم منه، ونجاحه نجاحهم وتفوقه فخر لهم.
أما في القاهرة:
أتى الصباح والجميع مستعدون للقاء الذي سيقسم ظهر يحيي. ذهبوا جميعاً بسيارة آدم ونزلوا أمام المحكمة واقتحموا القاعة، وكان القاضي يبت في أمر قضيتهم. وقبل نطقه بالحكم:
القاضي: اليوم وبعد مرور المدة المحددة ولم يُستدل على أثر من المدعو محمود عبد العزيز أبو عامر وزوجته عايدة أحمد مخيون وابنه آدم محمود عبد العزيز، حكمت المحكمة بأن ثلاثتهم...
محمود: عايشين يا سيادة القاضي.. أحياء نرزق.
هكذا قاطع محمود القاضي بصوت رج أركان قاعة المحكمة وزلزل كيان يحيي، الذي هب واقفاً وأخذت الدنيا تدور به وهو يرى أخاه وزوجته وشاب يقف معهم، ثلاثتهم أحياء أمامه وسقط مغشياً عليه، أما فريال فوقفت متصنمة وهاجمتها على الفور نوبة قلبية عنيفة جعلت الهواء ينقطع من الوصول إليها، ولولا أيدي فاطمة أختها لكانت رقدت على الأرض فوق يحيي.
تقدم آدم وقدم جميع الأوراق للقاضي الذي نظر بهم وتداولهم مع المستشارين، وبعد التأكد رفعت الجلسة وأُغلقت القضية. وركب الجميع سيارة آدم وهم متوجهين لقصرهم، ملكهم المسلوب وحقهم المنهوب.
وفور دخولهم القصر وكان آدم يتقدمهم اعترضه مدحت وهو يقول: هيي انت رايح فين وداخل كده ازاي هي وكالة؟
رفع آدم يده وأزاحه من أمامه وواصل العبور لداخل القصر، ومن بعده رابح وسالم وهم متأهبان لدفع أي أذى عن آدم وعائلته والدفاع عنهم بأرواحهم إن لزم الأمر. وما إن انكشفت عايدة ومحمود حتى صاح مدحت بفرحة: عمي.. مرات عمي.. انتوا عايشين؟
أنهى هتافه ثم هرول ليرتمي في أحضان عمه ويضمه وهو غير مصدق لما رآه. أما عايدة فكانت كارمن داخل أحضانها بسرعة البرق وهي تشهق باكية وتقول: ماما عايدة.. أنا افتكرتك متي بعد الشر انتي وعمي، انتوا كنتوا فين وليه ماما وبابا قالولنا إنكم موتوا؟
ضمتها عايدة ومن بعدها أخذت مدحت في أحضانها وسألت عن أخيهم فأخبرها بأنه في جامعته. واستغرب آدم من استقبال الأولاد لها واحتضانها لهم برغم كل شيء.
ولكن العجب الحقيقي كان لمحمود وعايدة حين رأوا ثلاثة أولاد يقفون بعيداً، بنت وولدين، البنت في سن كارمن أو أكبر قليلاً، أما الولدين فهم أكبر من أولاد يحيي.
فسأل محمود: انتوا مين؟
كارمن: دول أولاد خالتي فاطمة أخت ماما وعايشين معانا هنا.
نظر محمود لعايدة ونظرا لآدم الذي أردف بسخرية: أي ماهو كان قصر أمكم وقاعدة تستضيف فيه أهلها. اسمعوا كلمة واحدة وما نريد نكررها. خدوا أولاد خالتكم وخالتكم وانقلعوا من هنا. ومع ألف غارة مالها رجعة.
نظر الجميع لآدم وفحصوه من رأسه لقدمه وتساءل الجميع تُرى من هذا الذي يلبس الزي البدوي هو ومن معه وما الذي يقوله، وما علاقته بالقصر؟
فأتهم الجواب من يحيي الذي دخل القصر ومعه فريال وفاطمة، وثلاثتهم سحبوا الأولاد ورائهم بخوف. ونظر يحيي لمحمود وقال له: الولاد لأ يا محمود، إلا ولادي.
تجمعت الدموع في عيني محمود وهو يرد عليه: غالي الولاد يا يحيي مش كده؟ غالي الضنى والخوف عليه بيحرق القلب، أمال ابني أنا كان رخيص ليه؟ معتبرتوش ليه زي ولادك وحطيت نفسك مكاني؟ وأنا يا يحيي.. أنا إزاي أهون عليك.. أنت إيه يا أخي اللي في عروقك بيجري دا سم وغل مش دم أبداً؟
يحيي: أنا ما عملتش حاجة يا محمود للكلام ده، ابنك مات لوحده والحادثة بتاعتك مديحة أختك هي اللي دبرتها، ومستعد أحلف إني مليش يد فيها ولا أعرف عنها حاجة وإنك ظالمني.
نظر محمود إليه نظرة طويلة ولم يتحدث، فأخفض يحيي عيناه خجلاً، فأردف محمود: يحيي خد ولادك ومراتك واطلعوا بره بيتي. هي صحيح خطوة اتأخرت وقرار كان المفروض يتأخد من زمان والتأخير فيه كلفني كتير بس معلش، أديني أخدت درس وندمت ندم عمري.
يحيي: همشي أروح فين يا محمود أنا مليش مكان غير هنا، والولاد ميعرفوش يعيشوا غير هنا، الولاد اتعودوا ع القصر.
أنهى كلامه لتصرخ به عايدة هذه المرة: يتعودوا على مكان غيره، أشمعنى أنا ابني اتحرم من القصر والعيشة الهنية واترمى في الصحرا في البرد والحر ووسط التعابين والحشرات والوحوش واتعود عليهم. كفاية بقى خلي كل واحد يرجع لحياته والحق يرجع لأصحابه. خد ولادك واخرج بره قصري وخد ولاد اختك دول كمان معاك يلا.
نظرت كارمن لزوجة عمها بعدم تصديق لما تراه منها، فكيف لها أن تطردهم من المكان الذي تربوا فيه، ومن أين أتت بكل هذه القسوة؟ فأشاحت عايدة بوجهها بعيداً، فهي الآن تسترد حق ابنها المسلوب، ولا يوجد في هذه اللحظة من هو أحق بالشفقة منه.
صمت يحيي، وهنا تحدثت فريال وقالت بحزم: لا مش هنمشي ولا هنخرج، والقصر دا مش بتاعك ولا ليكي حق فيه، القصر دا بتاعنا إحنا وإحنا أصحابه، ولو ليكي كلام تاني المحاكم قدامك واثبتي.
أنهت كلماتها ونظرت للجميع بتحدي، وكأنها تخبرهم بأن حرباً جديدة قد بدأت، ولم تكن تعلم أن المحارب هذه المرة عظيم.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ريناد يوسف
نظر آدم لفريال وبدون مقدمات اختصر المسافة بينهم في خطوة، وهم أن يقبض على رقبتها ويعتصر أحبالها الصوتية التي تحدثت مع أمه وابيه بهذه النبرة، ولكن رجولته وماتربى عليه منعاه من أن يمد يده على امرأة، فبحركة واحدة قبض على رقبة عمه بيد وعلى رقبة مدحت ابن عمه القريب منه باليد الأخرى، وكانت قبضته كالفولاذ الذي انصب على رقابهم.
وجه نظراته وحديثه لفريال زوجة عمه قائلاً:
- الباين هادي عادتك مو أول مرة تتكلمي مع أمي بهالنبرة، بس هادي آخر مرة نسمحلك تتعدي حدودك وتتكلمي بيها معاها. كلامي للكل مو انتي بس، أي حدا يتكلم مع أم عقاب بطريقة ماتليق ويقلل من قدرها، والله نقطع لسانه ونوكله له. وتو غير مرحب بيكم في، هيا كيف الخلق المحترمين لملموا عيالكم وكرامتكم، لو كان تعرفوا إيش يعني كرامة وتغادروا القصر، وما تاخذوا ولا شي معاكم إلا الملابس اللي عليكم، خلوها تصير باليسر بدل ما تصير بالعسر.
أنهى آخر كلماته وكان عمه وابن عمه يختنقان من قبضته وتحول لون وجهيهم للأحمر وهم يحاولان التملص من قبضته الفولاذية ولا يستطيعان، فتقدم نحوه أبيه وأمسك ذراعه القابض على رقبة عمه ونظر إليه وهمس:
- مش عايز ابني يكون مجرم يا آدم، سيبهم يا ابني متضيعش نفسك.
فأرخى آدم قبضتيه على الفور، ونظر لعمه وأكمل أوامره:
- لو ما تريدوني أنصير مجرم وأنسوي أول جريمة لي، توا غادروا حالا.
نظر يحيي الذي كان يفرك في رقبته متأملاً إلى زوجته يرجوها حلاً، وأردفت هي بنفس الإصرار:
- مش هنمشي وهنبلغ البوليس يجي يثبت حاله، واللي معاه الأوراق اللي تثبت ملكيته للقصر يطلعها.
ولأن أوراق القصر كلها عرفية ولم تُسجل أدركت عايدة أن فريال استولت عليهم، وتتحدث بكل هذا الثبات وهذه القوة من هذا المنطلق، فنظرت لآدم وقالت له:
- استنى يا آدم عشان الظاهر إن فريال عملت حاجات كثيرة أوي في الـ 3 سنين اللي فاتوا دول.
آدم:
- كل شي انعمل راح تتحاسب عليه، هي دارت طريق ومشت فيه وأنا هنحاسبها على كل خطوة خطتها في هالطريق اللي آخره جحيم يسعرها. أنا هنا تو، وهنخلي كل واحد في مكانه اللي يحقله.
ردت عليه فريال بقوة لا تتناسب مع الموقف نهائياً:
- اعمل اللي تعمله، القصر دا قصري وقصر ولادي ومش هنمشي منه، واللي تقدر تاخده يا آدم خده، الساحة قدامك ووريني شطارتك، مبقاش إلا انت يا ابن إمبارح. ودلوقتي... كارمن... مدحت على أوضكم... وانتي يا فاطمة خذي أولادك ويلا على أوضكم، وأظن انتي كمان حان الوقت إنك تشوفيلك سكن بعيد عن قصري.
أردفت فاطمة وهي غير مصدقة لما تسمعه من أختها:
- سكن بعيد عن قصرك؟ هي بقت كده يا فريال؟
فريال:
- أيوه بقت كده يا فاطمة، واديكي شايفة إنها حرب وبدأت ومش هينفع تكون فيها أطراف كثيرة.
نظرت إليها فاطمة نظرة أخيرة قبل أن تأخذ أولادها وتذهب بهم تجاه غرفة مديحة، والتي أصبحت غرفة فاطمة، فزمجر آدم معترضاً:
- مافي حد هيبقى في القصر وقلتها كلمة انقلعوا بالذوق.
ليتحرك بعدها ويبدأ في جذب مدحت من ذراعه للخارج ومعه عمه، ولحقتهم فريال وهي تجذب يحيي باعتراض، وحينما لم تستطع منع آدم من سحبه هرولت على الهاتف وقامت بإبلاغ النجدة عن محاولة تهجم على بيتها من أخيه وابنه، وانتظرت قدوم المساعدة إليهم.
وبعد قليل من الشد والجذب، ومحاولات كثيرة من يحيي لاستعطاف محمود، وصلت عربة الشرطة، وقامت بأخذ الجميع، آدم وأبيه ورابح وسالم ويحيي ومدحت ابنه لقسم الشرطة.
وهناك تم تحرير محضر بالواقعة، وكاد الأمر ينتهي لصالح يحيي لولا أن عرف آدم عن نفسه وأظهر للضابط بطاقة بلون أسود لا تُعطى إلا لأشخاص يعدون على الأصابع في البلد، وتعني أنهم محصنون من قوات عليا، فانقلب الوضع رأسًا على عقب على الفور، وتفاجأ الجميع بمعاملة الضابط لآدم بمنتهى الاحترام والتقدير. وهذه كانت الضربة الأولى ليحيي وابنه، فقد علما جيدًا لأي مكانة قد وصل آدم، وأخذ السؤال يتخبط في عقولهم.. كيف ولماذا؟
وانتهى الأمر لأن المحضر يفض على الفور ويغلق، ولكن آدم قدم محضراً آخر مفاده أن عمه استولى على قصره بالقوة ووضع اليد.
وانتهى الأمر على يبقى الحال على ماهو عليه ويتقاسم الجميع القصر لحين عرض المحضر على النيابة، وعاد الجميع للقصر.
آدم:
- والله برفه من إصبعي الخنصر نقدر نوديك انت وأولادك ورا الشمس، وأظن إنك ريت العينة، ها تمشي ولا تجرب ويش نقدر أنسوي؟
وهنا كان يجب على يحيى استخدام ذكائه، فهو بالفعل رأى ما يمكن لآدم فعله، فأردف على الفور:
- هنمشي يا آدم بس ادينا فرصة يا ابن أخويا نرتب أمورنا، ادينا فرصة يا محمود نشوفلنا مكان وهنمشي.
نظر محمود لآدم بعد أن نظر لكارمن ومدحت ووجدهم مطأطئي الرأس بحزن وخزي فقال:
- خلاص يا آدم اديهم فرصة يدبروا نفسهم، حتى كرمال صلة الدم اللي عمرهم ما عملوها حساب.
آدم:
- يبقى كام يوم بس، وجيب مفاتيح الشركة وما عاد تخطيها.
فأخرج يحيي من جيبه المفاتيح وأعطاهم له وقال:
- تمام المفاتيح اهي.
أخذهم آدم منه ونظر حوله وقال لأمه:
- وين غرفتك يا غالية؟
عايدة:
- كانت فوق من 3 سنين معرفش دلوقتي لها وجود ولا فريال احتلتها.
يحيي:
- لأ موجودة زي ماهي محدش احتلها، مفيش بس غير أوضة مديحة أخدتها فاطمة.
تذكر هنا محمود أن أخته مديحة غائبة منذ وصولهم ولم تظهر، فسأل بغرابة:
- إلا صحيح فين مديحة مش ظاهرة؟ هي اتجوزت وسابت القصر ولا إيه؟
فريال:
- مديحة ماتت.
ضحك محمود وبعدها أردف ساخراً:
- طبعاً والسبب مجهول والأعراض سكتة قلبية والوفاة طبيعية، نفس الطريقة بنفس التكتيك، بنفس السم.
لم يتفوه أحد منهم بحرف، وانفض الجميع لغرفهم، ونظر محمود إلى غرفة أخته مديحة التي برغم كل شيء فعلته معه إلا إنه شعر بالحزن عليها، ولم يستغرب موتها أو الطريقة، فالأفاعي إن لم تجد ما تأكله تأكل ذيولها ولن تقف منظومتهم على صلة قرابة.
صعدت عايدة ومحمود لغرفتهم، وبدأت في تفقد أشياءها، وتأكدت من وجود كل شيء إلا العقود والأوراق الخاصة بالأملاك كما توقعت.
أما آدم فجلس في الحديقة مع رابح وسالم وأخذ يتفقد المكان من حوله، نعم هو يتذكره، ولكن المواقف التي عاشها هنا بهتت وأوشكت على أن تتلاشى، والباقي منها لا يكون ذكرى كاملة، فكل ذكرياته الآن هناك، في الصحراء وسط الصخور والرمال.
أما في القبيلة:
منصور:
- أنا خايف على عقاب والشباب واجد يا قصير، صوتهم بالنقال ما طمني، الوليد نبرته مقهورة. وعم ثعلب خبيث ما يأتمن.
قصير:
- لا تخاف يا شيخ، أولادنا رجال لا خوف عليهم، من ايش خايف عليهم، العمر في يد الله إذا ما انتهى وسقطت ورقته من الشجرة ماراح يضرهم شيء. وبعدين عقاب يخوف ماينخاف عليه. وعمه صحيح تعلب لكن جاله السبع اللي هياكل مصارينه.
منصور:
- وكل... دق لي عليهم وطمني ويش الأوضاع تو عندهم.
قصير:
- لسا من شوي دقوا علي وقالوا لي كل شيء زين والأمور طيبة، وطلب مني أقول لعمتي عوالي إنه وده حرمة تروح القصر تساعد أمو وتدير بالها عليهم بغيابه وتراقب كلهم وشربهم لحين يغادر عمه القصر.
منصور:
- قول للشيخة تشيعلهم مايزة، ماراح يسد غيرها، مايزة نويصحة وتعرف أمور الحناش وتعرف تتعامل معاهم.
قصير:
- هنعدي عليها ونعرفها حتى توي حالها وارد. أي صحيح يا شيخ وأنا بالوادي دق لي ولدك قياتي وقالي إنه ماراح يقدر يجي هالعام كمان، عنده شغل واااجد والأولاد مدارسهم بيها نشاطات بالصيفية.
منصور:
- أي يا قصير، بدأ الغياب يصير بالسنين من بعد الشهور، وشوي شوي بينقطع، بس لو دق لك مرة ثانية قوله بوك يقولك الله معاك ودير بالك ع الصغار وسلم لي على خيتك وصغارها. الله يساعده يارب.
غادر قصير الخيمة متوجهاً لخيمة عمته عوالي ليخبرها بطلب آدم وترك الشيخ منصور غارقًا في أفكاره وحساباته، فقد حان وقت تسليم راية المشيخة لغيره، وبدأ حنينه لأحفاده يتعب قلبه، نعم جميع أولاد القبيلة أحفاده، ولكن أولاد قياتي وأخته عريفة هم الأصل، هم الأقرب والأحب.
قصير:
- هاه ويش قولك يا عمتي هتبعتي منْ من الصبايا لعقاب عشان هناخدها وانتوكل نوصلها ونرد بيه، عندنا شغل ماينفع يتم من دونه؟
عوالي:
- والله احترت ومانعرف يا قصير، مايزة ما نستغني عنها، وبذات الوقت ما نأمن حدا غيرها على أم آدم وبوه، ويش هالحيرة يا ربي؟
قصير:
- اندزلهم مكاسب؟
عوالي:
- لا ما تنفع. خلص ودى اندزلهم مايزة وأنا اندبر حالي بهاليومين والله كريم.
وتقرر ذهاب مايزة للقصر، ولكن بعد أن تلقت جميع التوجيهات من الشيخة عوالي وأعطتها بعض الأشياء اللازمة. وبعض الأعشاب البدوية التي يعرفون بها هل الماكل أو المشرب به سم أم لا.
أما في خيمة مكاسب:
رجوه:
- امتى راجعين عالديرة الشباب والله ما يصير يطولوا ويغيبوا كل هالوقت، طيب ليش ما أخذوني معاهم؟ والله ودي أنعديلهم بروح.
معزوزة:
- اعقلي وصكري فمك ولا تخلي بوكي يختلي بيك ويكسر أعضامك وانت لحالك لا فيه سالم يحوش ولا يدافع.
رجوه:
- اااخ الشوق صعيب يا معزوزة وانت مجربته أكيد.
تنهدت الأخرى وأردفت:
- إلا مجربته يا خيتي، لكن مين اللي يحرقُه الشوق إذا ما كون أنا. الله يردك يا رابح يا نبض القلب ونضر العين، ويردك يا سالم لرهينتك ومرتك وأم وليداتك.
قالت كلماتها لتذكر أختها بأن سالم هو من يجب عليها الاشتياق له لا لغيره، فهي تعرف حق المعرفة أن سالم لم يعد يعني لرجوه أي شيء، والشوق والتفكير كله لعقاب، وهذا ما سيدمرها ويدمر سالم معها، وبالتأكيد سيدمر العلاقة الجميلة التي تربطهم إذ لم تتراجع شقيقتها في الوقت المناسب.
ولهذا ستظل تحاول لعلها تستطيع إعادة عقل رجوه إلى رشده.
غادر قصير بمايزة متوجهاً إلى قصر آدم، وهناك أخبره بأن هناك أمرًا طارئًا ولا يحتمل تأجيل ولا بديل لوجوده هو بنفسه، فالأمر يتعلق بالأسلحة، وهذا هو اختصاص آدم، فترك آدم أبواه على مضض وهو خائف عليهما، بل قلبه يرتعد خوفًا، ففكرة أن يخسرهم بعد أن اجتمعا أخيراً لا يستطيع حتى مجرد التفكير فيها، ولكن قصير طمأنه بأن عمه ليس بهذا الغباء الذي يجعله يؤذي أخاه وهو يعلم أن خلفه الآن ابنًا قادرًا على الانتقام بأبشع الطرق، وأيضًا وجود سالم ومايزة معهما ساهم في طمأنته عليهما أكثر. أما رابح ففر معهم فور أن سمع من قصير خبر خطبة محراب، لم يصدق في البداية وأخذ قلبه يتخبط في صدره وعقله يخبره بأنها قد تكون مزحة، ولكن ملامح عمه قصير الغاضبة أكدت له الخبر، فتمنى لو أن معزوزة أمامه الآن لأختطفها وهرب بها من بعد أن زالت القيود وتلاشت الأسباب التي تحول بينهم، وقرر ألا يضيع المزيد من الوقت ويطلب من الشيخ والشيخة الرحمة وتعجيل زواجهم.
وطوال الطريق كان قصير يشتعل غضبًا من رابح، فقد كان بين الفينة والأخرى ينظر إليه ويمسكه من تلابيبه ويسأله بعدم تصديق:
- قول والله يا عمي محراب الكلب خطب. احلف بربك الغمة انزاحت، وغلاة هلال يا عمي تحكي الصدق أنت ولا تمزح معي؟
ظل يكررها وقصير يجيبه بأن هذا هو الصدق إلى أن فاض به فصرخ به:
- الله يخبلك أكثر ما أنت مخبول يا رابح وجيت راسي، ويش فيك كل هادا الجنان لأن محراب خطب. أنا طول عمري أسمع عن الفرحة اللي تطير العقل بس أول مرة أشوفها بعيني. ياهبل العشق يقل قيمة الرجل ويضيع هيبته ويخلي المرأة تستصغره، وتو ياريت تعقل وتحط عقلك براسك ولا أحلف لا فيه زواج ولا يحزنون.
رابح:
- لا بالله عليك يا عمي أنا بعرضك وطولك لا تحلف ولا تحكي شي، سكتنا سكتنا، وعقلنا.
ثم صمت قليلاً ووجه كلامه لآدم:
- يا عقاب أنا سمعت صح إن محراب خطب ولا عقلي خرف؟ طيب عمي قصير يحكي الصدق ولا يمزح معي؟
انفجر آدم ضاحكًا وضرب قصير كفًا بكف وهو ينظر لرابح ويردف:
- والله إنهبل الوليد. الحمد لله يا ربي ما حبينا ولا إنهبلنا وإلا كنا صرنا مضحكة القبايل.
وصلوا جميعًا وترجل رابح من السيارة أولهم وأخذ يجري نحو خيمة معزوزة ووجدها تخرج من الخيمة فوقف أمامها يلتقط أنفاسه بصعوبة وهو ينظر إليها وكأنه يقف على مشارف بلدته التي تحررت أخيرًا بعد سنوات من الاحتلال، وأصبح يحق له سكنتها واللجوء إليها.
معزوزة:
- دريت يا نضر عيني؟
رابح:
- لكن إيش اللي جابني أنساب الريح لنشوفك ونشاركك الفرحة يا نبض قلبي.
معزوزة:
- فرحان؟
رابح:
- والله الكلمة أحسها قليلة وما توصف الفرحة اللي بقلبي يا حبيبة قلبي.
وهنا سمعا صوت هلال آتٍ من خلف معزوزة:
- والله لا أقول لأبويا إنك تتغزل في أختي.
أمسكته رجوه من الخلف كاللص المقبوض عليه وأخذت تهمس له وهي تهزه:
- قول لأبوك حرف وأنا أعرف ويش أسوي فيك يا هلال أمك.
هلال:
- اتركيني يا بلوة وإلا بخبر أبويا عنك وأقوله كل شوي تمسكني وتضربني.
رجوه:
- أي قول ويش ماسكك أنا مانخاف من حدا، ومادامك كل شيء تسمعه تروح تحكيه لأبوك راح أنسميك خباص القبيلة، مو عندنا الفهد والنمر والأسد والعقاب، ويصير الخباص بعد. والله والله لنفضحك بين القبايل يا شيخ خباص.
هلال:
- بقطع راسك وأرميها للذياب.
رجوه:
- تعال لنشوف مين بيقطع راس الثاني قبل.
أنهت كلماتها وقامت بسحبه للخيمة وبدأ القتال بينهم وأخذت مكاسب تصرخ على رجوه وهي تحاول إبعادها عن هلالها، ورجوة متمسكة بكل قوتها، وأما رابح فاستغل المعركة وانشغال الجميع وأخذ معزوزة وابتعدا عن الخيمة وجلسا بعيدًا عن منطقة الخيام وجلسا يخططان لعرسهم ولحياتهم القادمة، وحتى بدأوا في اختيار أسماء الأولاد. وكل هذا على مرأى من محراب الذي تأججت النيران فيه أكثر وأكثر وهو يرى فرحة رابح التي لا تخفى على الأعمى.
عند الشيخ منصور في خيمته:
قصير:
- ويش قلت يا شيخ منصور نعطي للرجل بضاعة ولا مانعطي؟
منصور:
- اسمعني يا قصير وإنت يا عقاب. أنا بالفترة الجاية مسافر عند ولدي قياتي، راح نقضي مع صغاره شهر وبعدها راح نطلع على الحج. القبيلة وأمورها والأسلحة وكل شيء متعلق بها صار بيدك انت وآدم يا قصير. الحين يا آدم للقروش اللي بحسابي اللي درته لي تحولهن لقياتي ولدي على حسابا بالبنك، والقروش اللي هانا هي اللي راح أحج منها وأصرف منها طول قعدتي بليبيا. حلالي وجمالي والخيول كلها برعايتك يا قصير وإذا ما رديت يصيرن صدقة جارية تصرف منها على فقرا القبيلة وتتصدق منهم على روحي. وعوالي راح أضيف لها كام شاة على حلالها من خوها، وملابسي وخيمتي وكل شيء فيها ملكك يا قصير من بعدي، وهاد الشيء راح أقوله لكل أهل القبيلة.
رد عليه قصير سريعًا:
- ويش كل هادا يا شيخي، وليش تحكي هكي متل ما تكون مودع؟ الله يعطيك العمر الطويل والصحة وما يغيبك عنا، القبيلة والدنيا كلها بلاك ماتسوى يا شيخنا وتاج راسنا.
منصور:
- مهما طالت اللمة لابد من الفراق يا وليدي، خلينا بس نرتب أمورنا وبعدها اللي كاتبه الله بيصير. والحين عدي اجمع لي عمامك واكبار القبيلة انريد نحكيلهم هالقرارات.
أومأ قصير له برأسه وخرج ينفذ أوامر شيخه.
أما آدم فاقترب حتى وقف أمام الشيخ منصور ونظر له وهو يشعر بقبضة في قلبه وخوف تسلل إليه وهو يتخيل القبيلة بدون الشيخ منصور وأردف له:
- يا شيخي وبوي وخلي وخليلي. تعرف أني ما فيا أتخيل الدنيا من دونك. تعرف أنك قوتي وسندي ودعمي. تعرف أنك الجناحات اللي يطير بيهم العقاب ويحلق بالسما. بالله عليك ما تتركني ولا حتى بالموت.
تبسم منصور ومد يده المتجعدة لآدم وهمس له:
- اقترب مني يا وليدي واجلس جواري.
اقترب منه آدم وجلس بجواره فحاوط منصور كتفيه بذراعه وقال له بحنو بالغ:
- تعرف أنك أكثر حدا حبيته متل عيالي. مفتاح رحمة الله عليه وقياتي ربي يحفظه. تعرف إن الضنا ماحد يوصل لغلاه بس انت وصلت لغلاهم. وسبحان من يوزع الغلا بالقلوب. عمري ما افتخرت بأحد متل فخري بيك، وعمر ما حدا ضاف لي متل ما انت ضفت لي وللقبيلتي وأهلها. طول عمر الشيخ منصور هو اللي يضيف ويعلي، بس أنت يا عقاب طرت فوق الكللل. منيتك على راسي وعلى قدر التعب اللي تعبناه عليك ومداراتنا ليك عطيتنا وزدت واااجد. وتو اسمعني زين يا وليدي. انت داخل حرب كبيييرة، ودي كل تعاليمنا تكون حاضرة بين عيونك، ماتخلي الشر اللي يباغتك يشل فكرك. راوغ ولائم واتعشى بعدوك قبل لا يتغدا بيك. أموالك كلها أصبحت بيد عمك. هاد الشي نعرفه من زمان بس مارضيت نقهرك وانزيد همك. كل قرش مع عمك هو ملكك رجع أملاكك واقطع روس الأفاعي. بس بعد ماتعلمهم درس ماينسوه. إذا حيين ويسوقهم بقهرهم على قبورهم إذا أموات.
إذا دارت الأيام وما اتكتب لنا اللقا كون بخير لأجلي ولا تنسى علومي، وتذكرني بدعوة زينة وفاتحة ترطب القلب من حمو الذنوب. وما تهجر القبيلة يا وليدي، لا تهجر سماك يا عقاب.
انت تميت ركن من أركان وطننا ولك خوت وأهل هنا ماتنساهم.
تأكد آدم أن الشيخ منصور يودعه بالفعل، فتجمعت دمعة على أهدابه ورد على منصور قائلاً:
- ماتخاف يا شيخ، العقاب انولد بسما القبيلة وما راح يعرف يطير بعيد عنها. أما أنت يا أحن وأطيب القلوب لا تخاف، والله تنتسى الروح ولا انت تنتسى، الله يردك لينا بألف خير وسلامة يا شيخ القلوب.
منصور:
- المكتوب راح يتم يا وليدي، بس أمانة إذا نمت وغابت النون الدعاء وصية بينا.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ريناد يوسف
مر يومان.. الشيخ منصور يتحضر للسفر وآدم وقصير يتابعان صفقة السلاح الجديدة، والتى وضع فيها قصير كل ما يملك من نقود وكل ما يحتكم عليه في صفقة افترض أنها صفقة العمر، ولكن لسوء حظه حدثت بعض العراقيل أجلت وصول الصفقة ولا يعلم الاثنان ما السبب.
يراسل آدم الشركة كل ساعة تقريباً، وترد عليه الشركة نفس الرد بأنها أخلت مسؤوليتها عن الصفقة منذ خروجها من المصانع.
وفي النهاية تبين أن الشحنة متوقفة من قبل سماسرة الطرق ولن يتم الإفراج عنها سوى بمبلغ كبير من المال. وقع قصير في حيرة من أين يأتي بهذا المبلغ وقد دفع كل ما يملك، وخشى طلب المساعدة من عمه منصور كي لا يعتقد بأنه غير كفؤ لإدارة أموره.
فطلب من آدم التصرف. فاقترح عليه آدم أن يأخذ من العملاء ثمن الأسلحة مقدماً ويدفع كي يفرج عن الشحنة. هذه مخاطرة أخرى لا يؤتمن عقباها، ومجازفة كبيرة. ولكنه لم يجد بداً من المجازفة، وقرر العمل بفكرة آدم.
وتم تحويل الأموال وانتظر الاثنان النتيجة التي قد تكون خسارة للشحنة والفدية معاً.
أما في تجمع نساء البادية كانت تتم التجهيزات لعرس محراب، والجميع يساهم ويقترح وتقسمت المهام. ولا زالت الشيخة عوالي تملي على النساء ما يفعلن.
فاستغلت معزوزة الانشغال التام وأنسلت من بينهم وتوارت خلف الخيام بمجرد أن رأت إشارة رابح لها، ولحقها هو من طريق أخرى، والتقيا بعيداً عن العيون.
جلس وأجلسها بجواره واستهل حديثه بتنهيدة وصفت مدى شوقه وعذابه وهمس لها:
"أمرايف عليك ارياف ذاد عن حده لو قلت قد السما والارض مداهن مايوصل لقده. هلكني الانتظار يامعزوزة القلب وماعاد فيه ينتظر أكتر. والله الساعة تمر كيف الدهر ناهيك عن اليوم. والليل ما أطوله من دون ونيس."
معزوزة:
"هانت ياقليبي، هانت ياعزيز الروح، تقوى واستعين بربك على الصبر."
رابح:
"انا هنبدأ تجهيز خيمتنا من توا، هنجهزها بأحسن التجهيزات وانجيب فيها اللي ما جابته الشيوخ بخيامها. هنجيب لك فراش متل اللي بقصر آدم، مرتبة اللي ينرقد عليها ويغوص بقلبها والغطا حراير من الغالي ماتليق الا للغالي، والوسايد من ريش النعام حتى لا تتعب راسك، مع إن دراعي راح يكون وسادتك وصدري محط راسك."
معزوزة:
"وانا مانريد غير ذراعك اوسادي وصدرك ودفو انفاسك فراشي وما نريد حراير ولا ريش نعام ولا أي شي. ما نريد ولا نتمنى غير قربك انت وبس حتى لو نرقد عالرمال ونتغطى بالخيش، أو نقعد حتى من غير غطا. صدقني ما يفرق عندي. المهم انكون معاك."
رابح:
"كافي يامعزوزة ولا تزيدي لهيب القلب وشوقه بكلامك المعسول، والله ما ناقصه اشتياق والله."
معزوزة:
"سلامة قلبك من اللهيب والشوق يانضر عيني ونورها. والحين يلا نعاودو قبل ما عمتي عوالي تلاحظ غيابي وتدور عليك بين الرجال وتلاحظ غيابك ووقتها تصلبنا كل واحد على نخلة."
رابح:
"خليكي شوي ما ودي أفارقك. اللي ما يرحم العاشقين الله لا يرحمه."
معزوزة:
"بس هي تريد شوية صبر وما راح يكون فيه فراق."
أنهت حديثها وسمعت صوت رجوة من بعيد يصدح:
"حيه عليكم يا زرازير الحب كافي، الشيخة راح تيجي تعلقكم من لسانكم اللي تتحبحبو وتتمعشقو بيه ويشم خبركم اللي ما بعينه نظركم وتفرج عليكم القبيلة كلها. ياعيني عليا، رجوة التفتت يمين ولا يسار ما يصدقوا الفانص والفانص وانتي ما حدا يفتح فمه عليكي."
رابح:
"ومن يقدر. والله اللي يحكي مع معزوزتي حرف لابلعه لسانه. يلا هيا ارجعن عالخيام وأنا هنعدي لعقاب وهلال بالوادي."
رجوة:
"هنعدي معاك."
رابح:
"رجوة ماتختبري صبر صرتي طولي تو ماينفع تلحقينا. انتي تبقى مع الصبايا اعملي لك شي من شغل العرس، صيري بنية مرة من نفسك."
أنهى حديثه وتحرك مبتعداً، فذهبت رجوة نحوا مكان الخيول وأطلقت سراح أحدهم وامتطته وسابقت الريح متخطية رابح دافنة كلامه تحت رمال الصحراء، وذهبت حيث عقاب الذي تحسدها الفتيات جميعاً على بقائها بجواره طوال الوقت وتحادثه ويحادثها، وهن اللاتي يختلسن النظرة إليه اختلاس.
وصلت حيث كان يقف هو وهلال يتنافسان على صيد غزالة بالسهام، كل منهم يقف في مكان بعيد عن الآخر ويوجه سهمه عليها. فنزلت من فوق الحصان وأمسكت بقوس كان ملقى بجوار أشياءهم وقامت بالتصويب نحوا الغزالة وسددت قبل منهم، فأصابت الغزالة واردتها على الفور.
فالتفت الاثنان نحوها. ولما رأوها أرخوا سهامهم واردف هلال بحنق:
"جات البومة وقنصت الصيدة."
آدم وهو يقترب منها:
"عاشت ايدج أحسنتي التصويب كالعادة."
رجوة:
"رباية يدك وتعاليمك ياعقاب، إذا ذراعي سددت وأصابت الرمية الفضل يرجع لك."
آدم:
"بس تعاليمي وربايتي؟ ووين رباية يد وتعاليم سالم يارجوه، وين اللي كان يشد الذراع ويعلم الأصابع من وهما صغار ما يعرفوا يمسكوا شي؟"
أغمضت عينيها واشاحت بوجهها بعيداً ككل مرة يذكرها آدم بسالم، وهو يتعمد تذكيرها به مراراً وتكراراً حتى يقضي على نظرات الإعجاب الغريبة التي يراها تنظر له بها مؤخراً كلما التقت عيناه بخاصتها. نعم هو معتاد على مثل هذه النظرات من كل فتيات القبيلة، لكن من رجوة لا يمكن ولا يجوز وغير مقبولة بالمرة.
وصل رابح أخيراً ونظر لتلك العنيدة وأردف بحنق:
"والله أنا لو من سالم لنكسر راسك ألف شقفة وشقفة يا أم راس كلب انتي ياللي ماينحكم عليكي يافانص على قول عمتي عوالي، لا وتزعل بعد من الكلمة. والله الكلمة ما انخلقت إلا لك يا سايبة."
تجاهلت رجوة كلامه وعادت للقنص والصيد، وكانت تنافسهم وتحاول البقاء في الصدارة، ولكن العقاب كالعادة لا يتصدره أحد مهما حاول.
وعلى آخر اليوم عادوا جميعاً بالصيد، وكانت عوالي في انتظار رجوة وتلقتها بكل أنواع الشتائم والمسبات، وعلى رأسهم لقبها المعروفة به لدى الجميع "فانص القبيلة".
وكالعادة رجوة لم تأخذ ايا من كلام الشيخة عوالي على محمل الجد ولم تضع اياً من تحذيراتها المستمرة لها من ركوب الخيل في حسبانها، ووقفت تستمع لها وهي صامتة مبتسمة حتى ملت عوالي من الحديث ومالت بجذعها على الأرض تأخذ حجراً لتضربها به عل الإحساس يعود لها.
وما أن رأت رجوة ذلك حتى أطلقت قدماها للريح هرباً من أمامها، وذهبت لخيمتهم تحتمي بمعزوزة من غارة عوالي، التي برغم محبتها لها إلا أنها لا تتهاون معها وقت استحقاقها للتوبيخ.
معزوزة:
"ماراح تسمعي كلام حدا وتجيبينها البر يابت أمي الله لا يوفقك."
رجوة:
"لا ماليها بر يامعزوزة، وما راح نسمع الا كلام مخي وبس، ويش يقولي سوي بسوي وما ارد على حد. ولا يحكم علي حد."
معزوزة:
"إلا ما يجي اليوم اللي يتكسر فيه هادا المخ وينعجن ويتكون من أول وجديد، ووقتها راح يتغير كل شي، وأنا وأنت والزمان بيثبت لك صدق كلامي يارجوه."
رجوة:
"ماعليكي بيا اشقي بروحك وبرابحك وتو اتركيني انام شوي انتي والزمان ولا تفيقيني تعبت واااجد اليوم."
أما في القصر كانت عايدة تجلس مع محمود في الحديقة، يتأملان إلى أين وصل الحال بأشجارهم المهملة وأزهارهم الميتة التي لم يبقى من أشجارها غير جذور في الأرض، وأغصان يابسة. سمعا صوت فريال تصرخ، فقاما بفزع يتحرون ماذا هناك.
قبل هذا بقليل في مطبخ القصر، كانت مايزة تعد الطعام البدوي الذي طلبه منها محمود، وأثناء انشغالها دلفت فريال للمطبخ وقامت بوضع السم في الطعام سريعاً، وأخذت تتجول في المطبخ تتفحص الأواني وكأنها ستعد الطعام لأولادها.
وفور أن تحركت مايزة نحوا طنجرة الطعام لتقلبها حتى قربت رأسها من الطنجرة ونظرت للطعام بتفحص، وأخذت ترفع في قطع اللحم وتنظر إليها عن كثب، وبعدها أعادتهم في الطنجرة ونظرت لفريال بغضب.
وبسرعة لا تتناسب مع عمرها اقتربت منها وقامت بالقبض على حنجرتها وبأسنان مصكوكة حدثتها:
"اخ منك ياحية بخيتك سمك بالطعام يا أفعى؟ ماراح تبطلي هي العادة، مفكرة روحك قباض الأرواح. تو راح انوكلك من سمك وانشربك من كاسك، كم روح تريدي تقبري يا كلبة، كم حياة بدك تنهيها وليش؟ افتحي فمك يا خبيثة افتحيي."
وهنا صرخت فريال بأعلى طبقة صوت لديها وهي ترى مايزة تسحبها نحو طنجرة الطعام وتخرج منها قطعة لحم وتقربها من فمها وعيونها تقدح إصرار على إطعامها.
دلف يحيي إلى المطبخ على صوت زوجته ووجدها بين يدي مايزة تحاول إطعامها، فاقترب وحاول أن يخلصها من يديها وهو لا يفهم لماذا تفعل بها هذا!
وما أن حاول حتى تركتها مايزة وأمسكته هو وأمسكت مغرفة طعام قريبة عليها وبدأت في ضربه بها دون توقف حتى هرب خارج المطبخ وتحولت بعده على فريال فأمسكتها من شعرها وبدأت في شده بعنف حتى بدأت خصلاته تتقطع في يديها، ومع كل خصلة يعلو صراخ فريال أكثر حتى تجمع كل من في القصر على صوتها.
ودلف سالم يخلصها من يدي مايزة وهو يسألها:
"ويش فيه ياعمة اتركي الحرمة راح تموت بيدك ايش عملت لك عشان تبهدليها وتشنحريها هيك؟"
مايزة:
"خلتني غافلة وبخت من ريقها بالوكل وسمماته، ودها تموت ٤ أرواح وانت واحد منهم، وأنا حبيت بالذوق اندوقها من سمها مارضت. ماتعرف إن طباخ السم لازم يذوقه؟"
نظر سالم إلى محمود وعايدة اللذان انسحبا من المطبخ بهدوء دون التفوه بكلمة، فقط نظرة من محمود نحو يحيي الذى لم يهتم له ولا لنظراته المشمئزة وكان همه الأكبر إنقاذ زوجته من يدي مايزة التي كانت تضرب فيها ضرباً سيفضي إلى الموت إن لم يتم إنقاذها.
أما كارمن ومدحت فذهبا خلف عمهم وزوجته، وجلست كارمن أمام زوجة عمها وأمسكت يديها وقالت لها بأسف:
"معلش حقك عليا أنا، حقكم عليا إنتوا الاتنين، أنا مش عارفه هما بيعملوا كده ليه، احنا بنحبكم والله أنا ومدحت، وإمبارح قلنا لبابا وماما إننا عايزين نمشي من القصر ونسيبهولكم بس هما اللي مرضيوش وقالوا إن دا قصرهم ومش هيسيبوه."
سحبت عايدة يديها من يدي كارمن وردت عليها وهي تنظر للفراغ أمامها:
"بس احنا عارفين هما بيعملوا كده ليه يا كارمن، بيعملوا كده عشان هما في الأساس آسفة مش بني آدمين وأُنتزعت من قلوبهم الرحمة ومعادش فيهم أي صفة من صفات البشر، ولا الحيوانات صدقيني، لأن حتى الحيوانات مبتعملش فبعضها كده. امك وابوكي شياطين يا كارمن، شياطين على هيئة بنى آدمين، لعنة وأنا وعيلتي اتصابنا بيها."
اخفضت كارمن عيناها للأرض وهي تشعر بالخزي الشديد، فلا أبويها هما الأبوان الذان كانت تتمناهما، ولا عمها وزوجته يستحقان ما يحدث لهما. وحتى مدحت لم يكن راضياً عن تصرفات أباه وأمه. ولكنهم لا يملكون إلا الاعتراض، واعتراضهم لا قيمة له.
أما ياسين فكان مع أمه وأبيه وخالته قلباً وقالباً، فهو الوحيد الذي تحققت فيه مقولة إن العرق دساس.
تركت مايزة فريال أخيراً بعد أن تطوع ياسين لإنقاذها، وسحبها من يدي مايزة بصعوبة وفر بها لبهو القصر هارباً. وجلست مايزة على الأرض تلتقط أنفاسها وهي تسب فريال بأبشع الشتائم.
وفي هذه اللحظات عادت فاطمة من الخارج ووقفت تتفحص فريال، ومن حالتها استنتجت إن أمرها قد كشف وقبضوا عليها بالجرم المشهود. وأكدت لها فريال شكوكها حين نظرت إليها نظرة ذات مغزى تخبرها بأنها فشلت فشلاً ذريعاً.
وتراجعت الاثنتين للوراء وهم يرون مايزة تخرج من المطبخ وتحمل طنجرة الطعام بين يديها ووضعتها على الأرض وبدأت في تناول الطعام أمامهم وهي تردف:
"الله لا يوفقك ياراس الحية، في حد يسمم النعمة هيك؟ خربتي طعمها تخرب بطنك وراسك ومايلقولك طب ولا دوا ياللي ماتخافي الله."
أما فاطمة فكانت تنظر إلى مايزة وهي غير مصدقة لما تراه، فتركيبة السم هذه المرة كانت الأشد فتكاً وقوة، وهذا الكائن يأكل السم دون أن يتأثر!
طلبت عايدة طعاماً من الخارج وتناولته هي ومحمود وسالم، أما مايزة فأكلت اللحم كله دون أن تترك منه شيئاً. وكمية السم جعلتها تشعر بالنعاس، فأوت للفراش وغفت وطلبت ألا يوقظها أحد.
أما في القبيلة أخيراً تلقى آدم خبر يفيد بأن الشحنة قد تم الإفراج عنها وهي في طريقها للممر، وتأكد من ذلك من حارس الممر في الجهة الأخرى، وخرج بعدها على عمه قصير يزف إليه البشرى.
وما أن أخبره حتى أخذ قصير يهلل والجميع من خلفه، وتعالت الصيحات باسم عقاب كالعادة. وعلى أثر الصيحات خرج الجميع من الخيام، ووقفت رجوة تراقب العقاب وهو باسط جناحيه فخراً ويحاوطه الجميع، وكم تمنت أن تدنو منه وتختطفه من وسط الجميع وتبتعد، ويصير العقاب ملكها هي فقط ولا عين تنظر إليه سواها.
مرو ثلاثة أيام ووصلت الشحنة وإستلمها قصير وآدم، وتأكد آدم من أنها الشحنة المطلوبة والأسلحة الموصى عليها ودون أية نقصان، وسلمها لعمه قصير، وطلب منه إعطاء نصيبه للشيخ منصور لسداد جزء من المال الذي دفعه لأبيه في إيران كما يفعل في كل شحنة.
وبعد هذه الشحنة لن يتبقى للشيخ منصور في رقبة آدم إلا ديناً بسيط، وبهذا يكون قد أوفى دينه النقدي، أما دينه المعنوي لن يوفيه للشيخ منصور حتى وإن دفع سنوات عمره جميعها في المقابل.
عاد آدم إلى القاهرة، عاد لأبويه وارتمى بين أحضانهما يتبادل بينهما في كل حضن سكنة. وبعد أن شبع منهما نظر إلى سالم الذي كان يستعد للرحيل وسأله بغرابة:
"على وين يا خال؟"
سالم:
"رادد لديرتي ياعقاب، ما أنا اشتقت لديرتي متل ما إنت اشتقت."
فهم آدم بأنه يتحدث عن رجوة، فتبسم له وودعه بعد أن شكره، وعاد سالم إلى القبيلة وهو محمل بالحنين، ومحمل أيضاً بكل ما تحبه رجوة وتشتهيه.
وفور وصوله كان يفترض أنها تشعر بنفس الشوق، ولكنها لم تقابل شوقه ولهفته إلا بفتور جعل قلبه يشعر بخيبة أمل كالعادة. اقترب منها بعد أن رأته من بعيد وانشغلت في حلب الماعز وكأنها لم تراه. فوقف خلفها وهمس لها معاتباً:
"ليش هيك يتقابل اللهيب بالجليد؟"
رجوة:
"هلا ياسالم حمد الله على سلامتك."
سالم:
"ما قلتي إشتقنا يعني!"
رجوة:
"ما صار لك كم يوم غايب من وين يجي الشوق؟"
سالم:
"يا رجوة فيكي تحكيلي ويش فيكِ، ايش اللي مغيرك من تلا سالم، مو أنا سالم رفيقك وحبيبك وصاحبك، ليش رجوة ما عادت قريبة من سالم، ووين كلمة سلومتي اشتقت لها وااجد؟!"
رجوة:
"احنا كبرنا وتغير كل شي، واللي كان يفرح الصغار ما عاد يفرحهم."
سالم:
"ويش اللي يفرحك يارجوة وأنا نعمله، بس احكيلي ايش بدك لتعاودي متل قبل، ويش اسوي لتعود المحبة؟"
نظرت إليه رجوة ورأت أنها فرصتها لتخبره بكل ما في قلبها فتحدثت إليه دون تردد كما تعودت:
"اذا ودك انحبك وانموت عليك صير بطل، صير حديث الناس في كل جلسات السمر، صير أمنية كل بنات القبيلة، صير صاحب اسم بس يتنطق الكل يقول والنعم منا، صير ذكي ومتعلم، البس متل أهل الحضر، أبني لي قصر وخليني نصير أميرة القصر. اذا ودك انحبك ياسالم صير عقاب. فيك تعمل هكي؟"
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ريناد يوسف
نظر إليها سالم ملياً يحاول أن يصنف ماسمعه منها. هل تقصد به المعنى الذي يفهمه أي شخص يسمعه، أم له معنى آخر؟ هل تقصد مثلاً أنها تريده ذا صيت زائع وتفتخر به؟ ونظراً لأنها تعرف أن عقاب لديه كل ما هو غريب ومثير في نظرها، تريد أن يمتلك مثله؟ أم ماذا؟
لأنها بالتأكيد لا تقصد المعنى الآخر، ومن سابع المستحيلات أن يخطر بخيالها. هي تعلم أنها في عداد زوجته، تعلم أنها رهينة على اسمه، وتعلم أيضاً أنه وآدم أخوان، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن تفكر. فألتمس لها عذراً، بل التمس لها ألف عذر كي لا يسمح بالاحتمال الثاني أن يتسلل لعقله ولو لجزء من الثانية.
فاقترب منها وجلس على حجر قريب منها وهمس لها بصوت حنون:
- رجوتي.. إذا ودك حياة الحضر، إذا ودك بيت حلو وحيطان وسقف، إنا نبنيلك أحلى بيت.. أما مسألة أني نصير حديث الجميع فهادي تقدري تسويها إنت يا رجوه. إذا تشوفيني أحسن واحد في الدنيا كيف ما أنا شايفك، إذا عيونك ما يعرفوا ينظروا غيري راح تفتخري بيا وتذكري اسمي بكل جمعة وتقاطعي به أي حديث، ووقت تنذكر الأبطال تذكريني. القلب وقت يعشق العين تكتفي واللسان يجود بالأشعار ويتغنى بالغزل، بس إنت ماندري ليش سكرتي قلبك من ناحيتي هيك، ليش بدت عيونك تطير وتقارن؟ ليش ما عاد سالم معبي عيونك من بعد ما كان كل دنيتك وتعرفي إنك كل دنيته؟ إنتِ ليش صايرة نكارة محبة؟
- أنا مانكارة ولا شي، ولا عندي فراغة عين إن كنت هيك ترمي علي بحكيك. كل القصة إنك سألتني وأنا جاوبتك. أنا ماننكر إنك عملت عشاني حاجات واجدة ما حدا من أهلي عملها. قدمت لي المحبة والرعاية اللي ماشفتها من حدا غيرك، وإذا قلت غير هيك وقتها يحق لك تقول علي نكارة. بس أنا يا سالم ماشايفه إن يكون مقابل هالحاجات يكون زواج. ليش مانفضل لآخر العمر رفقة، ليش ما تضل أخويا الكبير، ليش مانكفي العمر سوا بس رجوه وسالم، من دون زواج ولا يربطنا رباط يخرب محبتنا.
- تو الزواج أصبح يخرب المحبة بنظرك؟ مين فهمك هيكي؟
- أنا مو صغيرة لنستنى حدا يفهمني، إني كبيرة وواعية وفاهمة كل شي من حالي. ولا إنت مو شايف وواعي لي؟
- والله ولا كبيرة ولا شي، وبعده عقلك ما تخطى مرحلة القماط. وعشان هيك أنا ما راح أنحاسبك على أقوالك كيف ما نحاسبك على أفعالك، لأن الصغار ما يتحاسبون يا رجوه. هاك جبت لك شي حلو.. كلي وحلي فمك يمكن لسانك اللي ينقط مُر ينقط حلا حتى مرة.
ترك بجوارها حقيبة الحلوى، وغادر وهو يتمنى أن تكون هذه فترة المراهقة التي تتخبط فيها المشاعر وتتشتت، ثم يأتي بعدها الاستقرار النفسي الذي يعيد كل شيء إلى نصابه الصحيح.
ذهب إلى خيمة الشباب وجلس بجوار رابح بعد أن ألقى التحية على الجميع. فنظر إليه رابح وأردف:
- إيش فيك؟ اللي يشوفك يقول عاود لقى الضباع كلت صيده كله بعد يوم قنص!
- ما بيا شي، اشقَ بحالك إنت وبعروستك اللي ما تبالها واجد وتكون بخيمتك ويرتاح قلبك واترك المتعوب يقاسي. ويعاني مع روحه.
- أعوذ بالله من القر والحقد اللي ما قادرة الناس تداريه. إيش فيك يا سعدان البوادي؟ ما إنت كمان كلها عامين تلاتة وتصير مرتك بخيمتك. إنت ما زلت صغير وهي ما زالت طفلة.
- لا يا خوي لا، أنا صغير ولا هي ما زالت طفلة. اللي بسنها وسني يتزوجون ويعمرون خيام. السن مو مشكلتنا تو، مشكلتنا أنا ورجوه كبيرة واجد.
- أي ويش هي مشكلتكم الكبيرة واجد؟
- رجوه الظاهر إن دلالي فسدها كيف ما دوم تقولون إنت وعقاب، وتو بديت أنشوف إيش سوى فيها الدلال. صارت ما يشبع عينها اللي بيدها وصارت تريد كل شي، كيف وايش المقابل مادخلها، بس تريد اللي تريده يتحقق بأي طريقة.
- إذا ودك أنواسيك وأنقول لك إنك ما غلطت وقت دللتها للفانص هادي، فلا ما راح أنقول لك. وراح أنأكد لك أنه إي إنت السبب. وراح أذكرك بالمرات اللي لا تعد ولا تحصى اللي حكينا لك فيها أنا وعقاب أنه كافي دلال يا سالم. الدلال وقت يزيد عن حده ينقلب ضده يا سالم. وإنت كنت تقول بنيتي هي كيف للأب ما يدلل بنيته، يلا احصد ثمار دلالك وشوف كيف راح تداوي فساد الطبع اللي صار من وراه.
صمت سالم فهو لا يعلم بم يجيب. وأخذ يتساءل بينه وبين نفسه، هل الدلال فعلاً هو ما أفسد عليه حبيبته، أم أن الدلال بريء من هذه الاتهامات والسبب مختلف تماماً؟
بعدها تجمع الشباب وأخذوا يتسامرون في أمور القبيلة، وعلم سالم منهم بأن الشيخ منصور ذاهب للحج من بعد زيارة ابنه وأن غيابه سيطول. فغادر الخيمة قاصداً خيمته، وبعد الاستئذان دلف للداخل، فوجده متكئ على فراشه، ويبدو أنه يفكر في شيء. فألقى عليه السلام وتحمد له الشيخ على سلامة الوصول ونظر إليه وبفطنته علم أنه مهموم فقال له:
- اقترب يا سالم واجلس جواري هان.
اقترب آدم وجلس بجانبه وسأله:
- سمعت إنك مسافر يا شيخ وغيبتك راح تطول، قديش راح تطول؟ إنت تعرف إن القبيلة بلاك ما تسوى.
- الله العالم يا وليدي يمكن تطول أسابيع أو شهور، أو سنين طوال ماتنعد.
نظر إليه سالم بعيون انعكس عليها الخوف الذي بثته كلمات جده في قلبه. فتبسم منصور وأكمل:
- والقبيلة لابد تتعود ويتعود كل أهلها على غياب شيخهم، ما حدا يدوم ولا يخلد فيها يا وليدي وكلنا زوال. المهم تو احكي ويش فيك، قليبك ليش مهموم والهم طافح على عويناتك؟
- ما بيا شي يا شيخ سلامتك.
أنهى كلماته وتبعهم بتنهيدة حارة جعلت الشيخ يعتدل في جلسته وتكلم بجدية وكأنه سيخبر سالم بأمر خطير:
- شوف يا سويلم راح أنقول لك شي، يمكن آخر شيء راح نتركه لك قبل الرحيل. اللي يتعب قلبك ويولد التناهيد من الروح افتح بيبان قلبك وطالعه منه، حتى ولو محبته متل شجرة جذورها جواك ومفرعة بروحك. اقلع اللي يأذيك يا وليدي وطوحه بعيد وبعد شوي راح يبس ويموت، وفيك تزرع مكانه زرع جديد. وإذا ما ساع قلبك زرع ولا تحملت تربته اتركا خالي، ما أجمل القلب وهو خالي. صحيح راح يزوره الشوق من الحين للحين، لكن الزيارة أفضل من لما يسكن الوجيع.
- عن ايش تتكلم إنت يا شيخي؟
- إنت تدري عن ايش نحكي يا سالم، يجوز ما تقتنع توا، بس خلي كلامي بمخك لأنك راح تعوزه بعدين. لاني أعرف إيش يسوي عشق الفوانص وقاري من توا إيش اللي راح يجرا بعدين.
- لا تخوفني يا شيخ.
- أنا عم نعطي لقلبك دليل يا سالم راح تعوزه بعدين وقت تحتار بيك الطرق وتربد النصيحة وتدورها من الكل. خدها من شيخك وخليها لوقتها، وبس تعتازها وتشوفها إنها الأصح نفذها ولا تتردد. هي كرامتك والكرامة ما بيها تهاون.
نهض سالم وغادر خيمة الشيخ ليهيم بين الخيام وهو يفكر في حديث الشيخ منصور ويحاول أن يفهمه، وكأنه لغز ألقاه على مسامعه، لغز لم يفهم إلى ماذا يرمي، ولكنه يشعر بأن له علاقة بما يشعر به الآن من ضياع واختناق.
رأته أمه من خلف الخيمة، فخرجت وذهبت إليه وسألته بقلق:
- ويش بيك يا سالم، حالك مو عاجبني هاليومين، كيف ما تكون حامل صخور الصحرا كلها فوق كتافك والحمل ثقيل عليك، صارحني يا يومه إيش اللي مثقل عليك وتاعبك، أنا أمك وما حد يحس ولا يخاف عليك قدي؟
- ولا شي يا الغالية سلامتك، أنا بس عم أفكر أندير لي مشروع بالحضر وأنتقل هناك وأعمر لي بيت كيف عمي قياتي وكيف كثير من أهل القبيلة، اللي ربي عمر بيهم الحضر.
- أيواااا، هادا مو كلامك يا سالم ياللي تعشق الصحاري وتعرفها متل كف يدك وحافظ كل حبة رمل فيها، إيش تريد بالحضر؟ لاهو منا ولا إحنا منه ولا عندك ما تشتغل فيه فالحضر. لكن هنا حالك ومالك يا وليدي، لكن أنا عارفة إن هادا أكيد رأي الفانص ورغبتها. هاي علوم بت مكاسب وقصير.
- رجوه ما دخلها، إنتي تعرفي إن روحي متعلقة بروح عقاب وعقاب غادر، وإن كان عم يروح ويرد عالقبيلة بهاليومين شوي شوي راح يخف حضوره وتنقطع رجله من هان وراح يبلعه الحضر، وأنا ودي أنكون معاه وقريب عليه، من صوب مانقدر نفارقه، ومن صوب تاني ما نأمن عليه وهو لحاله بعيد عني وما نقدر نتطمن عليه بعيوني يوميه.
- لا والله وغلاتك عندي ما هاي الأسباب، السبب أنا نعرفه زين. كيف ماني أعرفك يا ضنا بطني، رجوه هي السبب وراح تكون السبب بكل شي راح يجرالك، رجوه بدت تفتح عيونها وتشتهي روحها اللي ما بيدك، وإنت كيف ما تعودت وعودتها ما ترد لها طلب ولا تقدر ما تحقق لها مطاليبها، بس دير بالك يا سالم إنت راح تضل طول عمرك تمشي هايم ببلاد الله بس لترضيها وتلحق كل اللي تتمناه. ولا هي راح تبطل تتمنى المحال ولا إنت راح تبطل تلحق مطاليبها وتحققها بأي شكل. والحين تعا للخيمة وتعشى مع بوك اللي من ساعة رديت من الحضر ماسلمت عليه ولا جلست جواره.
- عدي إنتي عشيه يا أمي وأنا بتمشى شوي وبرد، ضايق خلقي وما طايق أقعد بالخيام وشبعان لدرجة إني حاسس حالي واكل كبش بحاله.
- ع راحتك يا سالم، وقت تتعب من اللف والدوران بالقبيلة تعال للخيمة، راح انتظرك ماراح نرقد.
- أبشري يا الغالية ماراح أغيب.
غادرت أمه وهو أكمل جولته إلى أن وصل أمام خيمة الشيخة عوالي، ولاحظ أن ضوء القنديل لا يزال يضوي، ومعنى هذا أنها لازالت مستيقظة، فقصدها لعله يجد لديها ما يريح قلبه ويخبره بالحل الذي يعيد إليه رجوته.
نادى عليها فأجابته بصوتها الحنون الهادئ:
- ادخل يا سالم.. يا هلا ومية هلا، لحمد لله على سلامة وليدي الغالي.
- كيفك يا شيختي وكيف أحوالك، استحاشيتك واجد.
- استاحشتك العافية وجاتك من كل صوب يا عيون شيختك. كيفك وكيف اللي كنت عندهم وكيف مايزه، والله الخيمة والقبيلة بلاها ما تسوى وحسها كان مهون علي كل شي.
- الكل بخير اطمني، ومايزه صايرة متل الذيابة تاكل اللي يرف بقشوره.
- أي والنعم من مايزه والنعم. اقترب واجلس هان واحكي لي شو اللي ساق أقدامك لعندي وخلاك تقصد خيمتي بهالوقت؟
- والله يا عمتي ماندري ويش أقولك.
- الفانص أكيدا؟
- يا عمتي كافي من هاللقب والله رجوه كبرت عليه وما يصير تضلوا تقولولها فانص وفانص، هي راح تكون أم أولادي شو راح يقولهم الناس؟
- أولاد الفانص.
- يا عمه!
- اهوو سكتنا. شوف يا سالم إذا متل ما توقعت جيتك لهان بسبب رجوه فأنا راح أريح بالك وأنبهك.
رجوه بدت تكبر وما عادت رجوه الصغيرة محرومة الحنان واللي يجوز عليها الشفقة. رجوه الحين ما عاد ينفع معها الدلال يا سالم، إذا ودك رجوه تصير متل ما تحب وتتمنى تعلم تقسى عليها، إمنع عنها الدلال اللي خلى الطمع وفراغة العين استوطنوها.
- يا ناس ياهووو كافي كل اللي نحكي معاه يقولي دلالك ودلالك، أنا ويش سويت يعني، الكل يعرف إن رجوه كانت يتيمة أم وأب وماليها غيري.
- وإنت كفيت ووفيت وما حكينا إنك غلطت، بس يا سالم حتى الأم يجيها وقت وتفطم ابنها ورجوه ودها فطام من الدلال. إنت ربيت وعلمت وكبرت ودللت وكافي لحد هان، صارت القسوة واجبة.
- كيف تريدوني نقسى عليها ويش نعمل دبريني؟
- أول شي ماتجيب وتحط بحجرها وتملأ لها كرشها ومو كل ما تمنت تلاقيه. ثاني شي لا تبين لها خوفك عليها ولا محبتك ليها، اجفُ وبعد حتى لا تزهدك. ثالث شي حسسها بأن القبيلة فيها صبايا غيرها، وأن الحرمة مو بحلا وجهها، الحرمة تنحب لحياها وطاعتها وهدو صوتها. صب واحتك مع بنات عمامك واضحك معاهن، خلي كل وحدة فيهن تتمناك وتحكي لرجوه يابختك به. وتحسدك عليك. فيه نوع يا سالم يحب بودنا ويعشق من الحكي ويشوف بعيون الناس، اللي الناس تشوفه زين هو يشوفه زين ولو حتى كانت عيوبه واصلة للغيم.
صمت سالم بعد أن سمع كلمات عوالي التي لولا أن كان متأكداً بأن المكان لم يكن به أحد أثناء حديثه مع رجوه لكان أقسم بأنها كانت بالجوار وسمعت كل شيء.
- يا شيخة راح أسألك سؤال واحد بس وراح أمشي بعده. رجوه تحبني ولا لا؟
- سوي اللي قلت لك عليه وراح يبان مكنون القلوب لو بيه حب ولا ما فيه. وراقبها يا سالم. راقب عيونها وراقب لسانها. اقلع غمامة المحبة وشوف كل شي متل ما هو على حقيقته.
غادر سالم من خيمة عوالي وهو يحمل لغزاً جديداً، وكأنه يوم الألغاز العالمي، وكأن الجميع اجتمع اليوم كي يفجروا الحيرة في قلبه الذي أشعلت رجوه فتيله.
أما في القصر.
الجميع مجتمعون على نفس طاولة الطعام يتناولون الطعام. آدم وأمه وأبيه ومايزه معاً يأكلون من الطعام الذي أعدته مايزه، أما البقية فيأكلون من طعامهم الذي طهته فريال، ولأول مرة يجتمعون في ميعاد واحد. وكان الصمت والنظرات المحملة بكافة أنواع البغض هي المتبادلة، وكاد آدم ينفجر غيظاً وهو مضطر أن يجلس مع هؤلاء الأوغاد على طاولة واحدة. أما نظراتهم هم له فكانت كلها استهزاء وسخرية خفية، كانت عيونهم تتجول على الزي البدوي الذي رفض أن يرتدي غيره مهما ألحت عليه والدته، فهو يستريح فيه، ونشأ على أن راحته هي الأهم، وأن الذي يأكل على مزاجه يلبس على مزاجه أيضاً وتباً للناس جميعاً. هكذا أخبرها وبجملته هذه أحبط جميع محاولاتها الحالية وحتى القادمة في إقناعه بالعدول عن قناعة تربى عليها.
والسخرية الأخرى كانت على طريقة تناوله الطعام بيديه دون الاستعانة بأدوات تناول الطعام، فكانت الابتسامات المتبادلة كفيلة بأن تجعله يقلب الطاولة فوق رؤوسهم، ولكنه تحمل وأكمل طعامه متجاهلاً لهم، فالطعام له آداب، هكذا تعلم.
وفي هذه الأثناء ورد اتصالات من قصير فمسح يديه في محرمة وأمسك هاتفه وأجابه:
- هلا يا عمي. أي أبشر تو أراسلهم. لالا ما راح يجرا كيف المرة السابقة، راح أعدي البضاعة من غير طريق وناخذ كامل احتياطنا. لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين. ولو حصل هاد الشي على المؤمن هد الجحر وقطع راس الحية اللي تلدغ.
قال جملته الأخيرة وهو ينظر نحو عمه وزوجته وأختها وأولادهم، وينقل عيونه بينهم فرداً فرداً. وبمجرد أن أنهى حديثه نهض من على الطاولة وتوجه للأريكة القريبة وأمسك حاسوبه الموضوع فوق المنضدة القريبة عليها، فتحه وبدأ مراسلة شركة الأسلحة الروسية، وبعد دقائق أتاه اتصال عبر الماسنجر من المسؤول عن إبرام الصفقات في الشركة، وما إن فتح آدم وتحدث حتى تدلت جميع الأفواه بصدمة إثر الطلاقة في اللغة الإنجليزية التي سمع الجميع آدم يتحدث بها مع المتصل، وتبادلوا النظرات التي تبدلت كلياً من نظرات سخرية لنظرات استهجان وسؤال انبثق في عقول الجميع، كيف لهذا المتخلف الذي كان يأكل بطريقة بدائية منذ قليل ويرتدي مالا يليق لمجتمعهم بصلة أن يتحدث الإنجليزية هكذا؟
بل وأيضاً هناك بعض الجمل كان ينطقها بالروسية، وكأنه آتٍ من بلاد الغرب، وكأن أمريكا وروسيا موطنه!
هذا كان كل ما يشغل بال الجميع في هذه اللحظات، إلا شخص واحد هو الذي ركز في شيء آخر. إنه ياسين الذي كان يستمع لما يقوله آدم بإنصات شديد، وليس لطريقة قوله أو لبراعته اللغوية. والذي تبسم بظفر وهو يسمع آدم يبرم صفقة أسلحة أمامهم، وكأنه يشتري شحنة ألعاب أطفال. والغريبة أنه كان يتحدث بالمليارات! إذاً لماذا يهتم بعدة ملايين ليس لهم قيمة، ومصر على أن يسترجعهم منهم؟!
وأردف لنفسه أنه لا بأس، فالآن قد عرف كيف سيجعله يخسر كل شيء، فبغبائه المتناهي لف حبل القانون حول رقبته، وسيجذبه ياسين بمنتهى البساطة ويخنقه به ويتخلص منه بمنتهى السهولة.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ريناد يوسف
أنهى آدم محادثته مع المندوب وأغلق اللابتوب ونظر للجميع وتبسم ابتسامة جانبية وهو يرى نظراتهم المفهومة. أما أمه وأبيه فكانت نظراتهم مختلفة كلياً، فخر وتفاخر وسعادة بثمار ما غرسه به الشيخ منصور.
اقترب آدم من أمه ومال على رأسها وقبلها، ثم قبل رأس أبيه وقال له:
- بوي أنا معدي الشركة من غدوة، انريدك تيجي معي وتفهمني كيف كان يمشي الشغل.
تبسم ياسين وهو ينظر لأبيه، وهما يتخيلان منظر آدم وأبيه حين يذهبون لمقر شركتهم ولا يجدون منها شيئاً، مجرد حوائط وسقف وأرضية، لا شركة ولا عمال وموظفين، فقط الرياح تدور بداخلها وتخرج. وكذلك المصنع الذي أضحى مهجوراً ولا يستحق أن يطلق عليه لقب مصنع، وحتى المخازن مرهونة عرفياً.
أما فريال فكانت تنظر لآدم بغل وهو يقف خلف أمه وأبيه، رجل يحمل من صفات الرجولة ما يجعله محط الأنظار، بل يحمل كل صفات الرجولة إن ذُكر الصدق. فعلى الرغم من أن أولادها لا ينقصهم شيء، ولكنهم رقيقون كالفتيات بجانبه، من حيث بنية الجسم وخشونة الصوت وحتى في نظرة العين والثقة بالنفس التي تقطر منه.
فهمت عايدة نظراتها وأخذت تعيذ آدم في سرها من عينيها، بل ومن عيون الجميع. وطلبت منه المغادرة للحديقة وستتبعه هي وأبوه. ومايزه أخبرتهم بأنها سوف ترفع الطعام وتلحقهم على الحديقة بالشاي، وبدأت في إدخال الطعام لحجرتها التي تحمل مفاتيحها في قلادتها دوماً وتجلس أمامها ليل نهار، فقد أدخلت المجمدة والموقد وكل مواد الطعام داخلها، وأصبحت غرفة ومطبخ في آن واحد.
جلس آدم بجوار أمه وأخذها تحت جناحه، وهي أسندت رأسها على صدره العريض الذي يشبه حائطاً يشعر من يحتمي به بالأمان. ونظر آدم لأبيه الذي لاحظ نظراته القلقة له وأردف:
- ماتخاف علي يابوي، وليدك مو هداك الصغير صاحب الخمس سنوات اللي تركته بالقبيلة، وليدك صار عقاب كبير ماينقدر عليه، وما يغلبونه كومة فيران كل سلاحهم حفنة سم. كون هاني وطمن قلبك.
- دول تعابين يابني مش فيران.
- إي وأنا أكبر قانص للثعابين، وما يحوق في سمهم. قلتلك سابق ماتخاف علي.
عايدة:
- هتروح الشركة بكرة فعلاً يا آدم؟
- أي يا أمي أنا مانمزح بأمور الشغل بالذات.
عايدة:
- طيب ممكن أقول حاجة بس من غير زعل؟
- أوووف تستأذنين لتحكي يا أمي، والله انت تحكي ايش ما تريدين وقت ما تريدين ومانزعل منك لو اللي نطقتيته حكم بموتي.
عايدة بفزع:
- بعد الشر عنك يا حبيبي الشر بره وبعيد، أوعا تجيب سيرة الموت يا آدم تاني على لسانك، السيرة دي بتخوفني وتقبض قلبي.
- سلامة قلبك يا الغالية.. هااا هيا احكي ويش كان بدك تحكي؟
عايدة:
- كنت حابة أقولك إنك هتروح شركة، والشركة فيها عمال وموظفين، ومينفعش يا حبيبي تروح وسطهم وإنت لابس الزي البدوي والعقال كده.. هو انت قمر في كل حالاتك وبأي لبس، بس ياقلب أمك لكل مكان اللبس اللي ينفع فيه، خليني آخدك وننزل نشتري شوية هدوم على ذوقي وأشوف ذوق أمك، من زمان وأنا نفسي ألبسك على ذوقي.
آدم:
- شوفي يا غلا قلبي، تو أنا معك إنه ما يصير نروح الشركة بهالملابس وأنا عارف زين إيش اللي بينلبس بكل مكان، بس معذرة منك أنا معي واجد ملابس تنفع للحضر، ماتنسي أني بجامعة والجامعة ما يتعدالها بالزي البدوي. أما مسألة إنك تلبسيني ع ذوقك فهادي بسيطة. خدي مايزه وانزلوا للسوق واختاريلي ملابس بيتي كيف ما تريدين وأنا ايش ما تختاري هنلبس.. بس ماتختاريلي منامات عليها حيوانات وبدلة حمار وحشي وقرد بذيل قطعة وحدة كيف زمان، أنا كبرت الحين هااا.
ضحكت أمه وضحك أبيه أيضاً، وأخذا يملآن عيونهم وقلوبهم منه. وقطعت تأملهم مايزه التي أتت بالشاي ووزعته على الجميع، فشرب منه محمود أولهم وامتعضت ملامحه ونظر لمايزه وسألها:
- الشاي دا عامل كده ليه يا مايزه، طعمه غريب أوي؟
- إشرب يا أبو عقاب هادا شاي وعليه عشب من عشبنا ينضف الجسم ويحميه من السموم وينضف البطن وما يخلي بجوفك وصخ.
إرتشفت عايدة من كوبها وكانت ردة فعلها شبيهة لردة فعل محمود، وأعادت الكوب لمكانه وهي تقول:
- لأ أنا مقدرش أشرب الشيئ ده، دا طعمه مر أوي!
- ما في مجادلة والله لتشربيه ورغم أنفك تشربيه، أنا تعبت وسويتا وعمايل يدي ماتنكب. هادي وصفة نادرة وغالية.
نظرت عايدة لآدم فرد عليها وهو يرفع كوبه ويشرب منه:
- أنا مادخلني ولا نقدر نسوي شي، واللي مايزه تقوله الكل ينفذه من فم ساكت، لهيك اشربي شايك واتقي شرها..
أنهى كلماته وقام بشرب كوبه على ثلاث مرات متتالية وكأنه يشرب ماء، لا أعشاب مذاقها يشبه مذاق العلقم!
أما ياسين فبمجرد أن رأى الحزب المعادي كله غادر الحديقة، ذهب لحاسوب آدم المحمول وفتحه، وحاول أن يكتب كلمة السر عشوائياً كي يفتحه، ولكن كانت محاولاته عبثاً. فأغلقه كما كان، وذهب ليرتدي ملابسه، وفور انتهائه غادر القصر متجهاً لقسم الشرطة كى يعجل بالتخلص من ذلك الآدم.
في البادية..
رجوة:
- مسك.. يامسك تعالي هانا، تعالي جدليلي جدايلي.
- أي شوي ونجيك بس إنخلص اللي بيدي.
- لا اتركي اللي بيدك وتعالى أنا أبدا وأهم.
سدينة:
- خدي عنبر تسويلك جدايلك واتركي مسك وراها شغل، عنبر فانص متلك ماتسويلنا شي ولا منها عازه.
- لا أنا قلت مسك يعني مسك، اعملي انتي وبتك شغلكم ولا نحلف أجي أخرب كل شي اتعمل.
- اتركي اللي بيدك يا مسك وروحي مع المكلوبة أنا ماناقصة وجيج راس، جدليلها راس الجحشة وردي سريع.
- والله إنك لو ما زوجة أبي كنت حاسبتك وصلبتك على نخله، بس راح نسامحك كرمال القرابة.
- لا وعلى ايش مشكوره.
- يابنت مكاسب.
- أي بس لا تعيديها.
ذهبت مسك مع رجوة لخيمة مكاسب وبدأت تمشط لها شعرها وتجدله. وأثناء ذلك سألتها رجوة بفضول:
- مسك ودي نسألك عن شي وتجاوبيني وتعدمي سدينة أمك إذا ما حكيت الصدق..
- راح نحكي الصدق أكيد وليش لا أكذب يعني؟
- انتِ ماتحبين، يعني قلبك ما زاره العشق، عينك ماتشوف من شباب القبيلة شب وتتمنى يكون زوجك وتدعي ربك بسرك إنه يكون نصيبك؟
تبسمت مسك بخجل وصمتت لبرهة، فاستدارت عليها رجوة وهي تتبسم أيضاً وضيقت عيناها بخبث وأردفت متسائلة:
- ياااا مبين عليكي عشقانة والعشق مالي القلب، هيا قولي من هو واني ماراح أخبر حد وعد.
ترددت مسك لثوانٍ ولكنها نطقت أخيراً:
- ماراح أدس عنك يا رجوه انتي أختي حبيبتي وراح أنفضفض معاك، أنا أي عشقانة وكتير كمان، وعلى قولتك كل ما تنظره عيني أنتمناه وندعي ربي يكون من نصيبي وحقي، هو أحسن واحد بكل القبيلة ومو بس أنا اللي أشوفا هكي وأتمنى زوجي، كل صبايا القبيلة متمنياته، هو مافي متله اثنين، بطل مغوار ما يهاب شي والكل يعمله حساب وصاير وسط مجالس الرجال القُمر والباقي كلا نجوم.
رجوة كانت تسمع بإنصات ومع كل جملة من أختها تظلم ملامحها وتحاول أن تفترض أن أختها لا تعني ما فهمته، ولكن جملة مسك الأخيرة قضت على كل الافتراضات..
- هو عقاب القلوب يا رجوه، حبيب القلب هو عقاب.
أنهت جملتها وألقت المشط من يدها وبدأت بالتراجع زحفاً للخلف بخوف من رجوة التي تحولت عيناها للون الأحمر وبرزت عروقهم، واحتقن وجهها وبدأت تزوم وتزمجر وكأنها أسد غاضب، وسألتها بخوف:
- ويش فيك يا رجوه ليش صرتي هيك خوفتيني؟
انقضت عليها رجوة بحركة سريعة وأمسكتها من تلابيبها وبدأت تحدثها وهي تصك على أسنانها وتهز فيها بعنف:
- حيييه عليكي وعلى أمك يا عشاقة يا قليلة الحيا يا كلبة البوادي، والله إنك طالعة على أمك سدينة خطافة رجال، والله اليوم قتلك على يدي والله..
أنهت جملتها واقتربت من مسك لتغرز أسنانها في كتفها لتصرخ الأخرى بأعلى طبقة صوت وهي تقول:
- بعدي عني يا رجوه ايش أنا ايش سويت، يا يمه تعي انجديني يا عنبر يا خالة مكاسب يا أهل القبيلة وااااك عليا انجدوني رجوه انكلبت يا نااااس.
وعلى صراخها أتى الجميع، وصرخت أمها سدينة وهي تراها بين يدي رجوة كالدجاجة المذبوحة تتخبط والأخرى تضرب فيها بلا رحمة وتدخلت سدينة تخلصها من بين أيدي رجوة وهي تتساءل ماذا حدث؟
رجوة:
- اسألي بتك الفانص.. والله يا مسك إذا سمعتك تتفوهي باللي حكيتيه قبل شوي ولا حتى تفكري فيه لأذبحك ونحطك بمي مغلي وأنتفك وأشويكي عالسيخ متل الدجاجة.. مابقى إلا بت سدينة كمان والله هاد الناقص!
أنهت جملتها ونفضت ثوبها بغضب وغادرت الخيمة تاركة الجميع يسألن مسك ماذا حدث، ومسك تبكي ولا تقوى على الإجابة، ولا تفهم السبب الذي فعلت لأجله رجوة فيها هكذا، فبرغم كل شيء إلا أن رجوة كانت دائماً حنونة معها تسمعها وتنصحها!
أما رجوة فوقفت عند البير وأخذت تحاول تهدئة نفسها، فهي لم تعد تحتمل فكرة أن تذكر أخرى اسم عقابها، هو لها وستأخذه مهما كلفها الأمر، ومالها لا يحق لأحد غيرها مجرد التفكير به.
وفي هذه الأثناء اقتربت منها معزوزة وقالت لها دون مقدمات:
- مسك قالتلي ليش سويتي فيها هيك، يوصل بيكي لهبال يا رجوه إنك تضربي أختك لجل شي ماراح تحصليه بعمرك لا انت ولا هي، تضربيها لجل حلم مستحيل، تنتفي أختك هي النتفة لجل شاركاتك بحلم؟
- لا مو حلم وراح يصير حقيقة، وعقاب ماراح نخليه يعبر لخيال فانص من فوانص القبيلة من تو.
معزوزة:
- يا رجوه تتكلمين وكأنك جاهلة بقوانين القبيلة وقوانين كل القبايل، بناتنا ما يزوجها غريب ولا يوطاها لو على قص الرقاب، ماتحمل بناتنا دم غريب فحشاها ولا تختلط الأنساب.
- لكن ليش الرجال تتزوج غريبه وتخلط الانساب؟
- لا الانساب ما تتخلط إذا الراجل دارها، لأن وليده ليه ولأسمه وللقبيلة، أما البنت ابنها يصير لأسم أبوه وقبيلة أبوه ونسب أبوه.. ما صارت قبل يا رجوه وماراح تصير، وفوانص القبيلة اللي تتكلمين عنهم عارفين زين إن عقابهم بالنسبة الهن حلم وبس، والوحدة إذا جاها عريس بتوافق وتتزوج.. لأنها تعرف قوانين القبيلة زين.
رجوة:
- شوفي يا معزوزة أنا مالي دخل بكل اللي قلتيه، عقاب لرجوه ورجوه لعقاب، ورجوه من يوم يومها ماتخضع لقوانين والكل يعرفني.. انتي تعرفي أنا فانص كيف ما تقولون والفانص ما يوقفها شي، وراح افرجيكم الفوانص ايش تسوي.
- تلعبين بالنار وماراح يتحرق بيها غيرك.
- ولللك مرحب بالحرايق إذا لاجل عقابي.
معزوزة:
- وسالم؟ ما فكرتي فيه؟ ماسألتي حالك ايش راح يسوي بعد الكسرة اللي ناويه تكسريهاله، ما فكرتي ايش بيسوي بعد ما أبوكي يموتك ويقبرك وتبلعك رمال الصحرا.. ما قلتي لحالك كيف بيعيش وهو يحبني وما فيه بلاي؟
- سالم مالي دخل فيه، كلمنه يشقهو بروحا، أنا ما قلتلا يرهني ولا قلتلا يحبني، ومو لأنه اهتم بيا شوي ياخذني، مو كل من اهتم بحد يتزوجه.
- صايرة مكارة ونكارة وقليلة أصل.
- أي مو فانص.. هيك الفوانص تكون.
صمتت معزوزة فالصمت في حرم العند والغباء راحة.. وتحركت رجوة مبتعدة ما إن رأت سالم آت من بعيد. أما هو فتوقف مكانه حين رآها تفر منه، وعاد أدراجه إلى مجلس الشباب كى يشاركهم الحديث عله يلتفت قليلاً عن التفكير فيها.
وعادت معزوزة إلى خيمتهم وهي لا تعرف ماذا تفعل مع أختها التي نوت على خلق حرب ضارية لن يحمد عقباها.
أما في القاهرة..
بينما آدم جالس في غرفة مكتبه في القصر، والتي كانت لأبيه واستولى عليها عمه، ولكنه أعادها وتخلص من جميع متعلقات عمه، سمع ضوضاء في الخارج وصافرة سيارات شرطة. وقبل أن يفتح باب المكتب ويخرج فوجئ بالباب يفتح بعنف واثنان بالزي العسكري أمامه وأسلحتهم مصوبة عليه، وصوت أمه يتساءل ماذا هناك. فنظر للضابط من خلف رجال الشرطة وسأله بهدوء وثبات:
- ويش فيه يا حضرة الظابط، ليش مقتحمين القصر هكي، وليش أفواه أسلحتكم موجهة نحوي شو فيه؟
- إنت آدم محمود؟
- إي أني خير يا باشا؟
وبدون أن يجيبه أعطى أوامره للعسكر:
- أقبضوا عليه.
آدم:
- بأي تهمة؟
- هتعرف كل حاجة في القسم.. وهاتولي اللاب توب دا كمان.
خرج معهم آدم بكل استسلام ولم ينس طمأنة أمه التي تكاد تموت رعباً، وأبيه الذي شحب لونه في التو. ومن نظرة واحدة لياسين ورؤية السعادة التي على وجهه، والشماتة التي تشع من عينيه فهم أنه فعل ما كان يتوقعه، أو ما دفعه هو ليفعله. فتبسم له وهو يطالعه بنظرة أربكت ياسين ولم يفهم معناها، فقد كانت نظرة قوة وثقة في الوقت الذي يفترض به الموت رعباً!
وغادر آدم مع الشرطة في سيارتهم وتبعه أبوه وأمه، ويحيي وياسين أيضاً لم يريدا تفويت هذه اللحظة الفريدة، لحظة القبض على تاجر الأسلحة الصغير. أما مايزه فكانت تصرخ في جميع أنحاء القصر فور رؤيتها لعقاب قبيلتهم تكبله أيدي رجال الشرطة ويسوقونه للقسم وأخذت تهرول خلف فريال وفاطمة أختها تريد الإمساك بهم، ولأنهم يعملون ما سيحدث إن وقعت إحداهن في يديها كانوا يهربون منها بكل قوتهم. أما كارمن وحياة فكل واحدة منهم احتمت بغرفتها وأغلقت بابها عليها. وكان لفريال الحظ الأتعس، فقد تمكنت مايزه من الإمساك بها وأعطتها من الضرب ما جعل نيران قلبها تهدأ قليلاً. أما فاطمة فاستغلت انشغال مايزه بضرب أختها وهربت لغرفتها وأغلقت بابها عليها وهي تشعر بالرعب من تلك المتوحشة التي أعدمت أختها العافية للمرة الثانية.
في القسم..
دلف عقاب إلى غرفة الضابط، وظل واقفاً، وأمره الضابط بفتح قفل حاسوبه السري، ونفذ آدم وفتح الحاسوب، وبدأ الضابط في تفتيشه ولم يجد به شيئ! لا رسالة ولا حساب تم التواصل من عليه من الأساس.. فنظر لآدم وسأله:
- فين يابني المراسلات اللي بينك وبين العميل الروسي؟
نظر له آدم وأردف بدون ذرة خوف:
- حزفتهن.
رفع الضابط حاجبيه باستنكار، فكيف له أن يعترف أمامه بهذه البساطة! وقال له بنبرة تهديد:
- إنت يابني عارف نفسك بتقول إيه، طيب انت واعي للي بتقوله؟ أنت بتعترف أنك بتستورد أسلحة من روسيا فعلاً زي ما البلاغ بيقول!
- أي بعترف إني بستورد أسلحة من روسيا، وإذا بدك تعرف الراس الجبيره اللي عم تاخد مني الأسلحة اعطيني نقالي وأنا أهاتفه أمامك الحين.
نظر له الضابط ولا تزال الحيرة تأكل عقله، فمن أين كل هذه الجراءة آتية، على من يستند هذا الشاب في الدولة ليتحدث هكذا؟
وأتاه الجواب سريعاً حين أنهى آدم مكالمته مع المدعو الشيخ منصور، وبعدها بدقيقة واحدة أعلن هاتف الضابط عن اتصال جعله ينتفض واقفاً ويضرب التحية العسكرية وهو يجيب عليه:
- اهلاً وسهلاً معاليك التليفون نور، ياخبر ياباشا بس كده إنت تؤمر، إعتبره تم في الحال، حاضر سعادتك تؤمر، سلام يافندم، أمر جنابك، حاضر، حاضر، سلام، سلام، في رعاية الله وحفظه،، سلام.
أغلق هاتفه ونظر لآدم وهو يزدرد لعابه وسأله هامساً:
- إنت مين؟
فأجابه آدم:
- حيالله شخص.
الضابط:
- طيب اقعد اتفضل واقف ليه اقعد.
- قبل لا أجلس ولا شيء ودي أطمن بال أهلي اللي نشف قلوبهم القلق.. إذا بتسمحلي يعني هم بالخارج.
الضابط:
- طبعاً طبعاً، إتفضل أقعد وهجيبهملك هنا، وأهو بالمرة نتعرف على العائلة الكريمة ويحصلنا الشرف.
أنهى كلماته ونادى على الشرطي الواقف خلف الباب، ولما أتاه أمر الضابط:
- إطلع يابني قول مين تبع آدم بيه ودخلهم هنا.
نفذ الشرطي الأمر وذهب وعاد بعد دقائق بمحمود وعايدة ويحيي وياسين أيضاً، فالموقف لا يُفوت من وجهة نظرهم، والشماتة لا تقدر بثمن، ولكن كل هذه الأماني تبخرت وهم يدلفون خلف محمود وعايدة ويرون استقبال الضابط لهم، ولهم هم أيضاً، ولا سيما حينما أمر الضابط الشرطي بإحضار القهوة للجميع، وأجلسهم بعد ترحيب حار!
الضابط:
- أهلاً وسهلاً يابهوات، إهلاً ياهانم شرفتونا ونورتونا، إحنا آسفين على سوء التفاهم اللي حصل ده، وآسفين على إزعاجكم وإزعاج آدم بيه. الظاهر إن البلاغ كان كيدي، وطبعاً زي ما حضراتكم عارفين إننا لازم نتحرى عن كل حاجة دا أمن بلدنا ومينفعش التهاون فيه.
محمود:
- اه طبعاً طبعاً يا حضرة الظابط فاهمين.
عايدة:
- يعني ابني هيخرج من هنا؟
الضابط:
- ابن حضرتك ضيف عندنا لحد ما تشربوا قهوتكم وهيروح معاكم يافندم.
تبسمت عايدة وتنهدت براحة وهي تنظر لقرة عينها، وآدم نظر بطرف عينه على عمه وابنه ويكاد يقسم أنه يشم رائحة الحريق الذي بداخلهم من مكانه. مد يده للضابط وأشار له على حاسوبه، فأغلقه الضابط وأعطاه له، فاخذه آدم ونظر للضابط وأردف بتعالٍ مقصود:
- ياسيادة الضابط أرجوا بالمرة القادمة تتحرون زين قبل لا تتهجمون على بيوت الناس وتاخذوهم هكي.
- وعد مش هتتكرر تاني يا آدم بيه.
أحضر الشرطي القهوة وتناولها الجميع، ونهض آدم وأمه وأبيه، وغادروا القسم، ومن بعدهم يحيي وابنه اللذان كانا يمشيان وهم يشعرون بأنهم في حلم غريب، فمن أين لآدم كل هذا.. من أين حصل على كل هذه السلطة في قلب الصحراء الجرداء.. وهذا الدرس الثاني لهم من عقاب، بأن سلطة الحكومة ليس لها أي سطوة عليه، وسلاحها ذو نصل بارد.
عادوا جميعاً إلى البيت، وقص يحيي على فريال ما حدث، وما زاد كلامه إلا البغض داخلها لآدم، وأخذت تفكر ماذا ستفعل من أجل أن تنتهي هذه المهزلة، وتتخلص من محمود وزوجته وتلقي بهم خارج قصرها، ويعود ذلك الهمجي من حيث أتى ويعيش وسط الجمال في الصحراء.
في اليوم التالي في القصر..
كان الجميع جالسون حول مائدة الطعام لتناول الإفطار، وفجأة نظر الجميع لباب غرفة آدم الذي فُتح وفاحت رائحة عطر جعلت حواس الجميع تنتبه، وشهقات كُتمت حين وقعت العيون على آدم وهو واقف ببدلته السوداء ورابطة عنقه وساعته التي يرتديها، وشعره الطويل المصفف بطريقة ساحرة. وهمست حياة:
- مين ده؟
أما كارمن فهمست هي الأخرى:
- What The Hell?
والشباب الأربعة اكتفوا بالتصنم، أما عايدة فكانت تسمي وتصلي عليه في نفسها وتعيذه بكلمات الله التامة، ومايزه كانت تصدح بالصلوات، وفريال شعرت وهي تنظر إليه بأن مثله خُلق للموت لا للحياة وسط البشر.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الثلاثون 30 - بقلم ريناد يوسف
تقدم آدم من والديه قبلهما وجلس بجانبهم، مرر عيونه على الجميع وابتسامة جانبية لاحت على وجهه لتلك النظرات التي يرمقونه بها.
يعرف ذلك الخليط جيداً، كره، على غيرة، على حقد. ولكن هناك نظرات إعجاب من بينهم، عيون تتمنى وتشتهي، وهذه النظرات هو خبير بها، ولطالما رآها في عيون فتيات القبيلة.
فهتف في قرارة نفسه:
"وليش لا، والله يامراحبا بأبواب جديدة تنفتح وتعطى فرص أكبر."
وجه حديثه لوالده قائلاً:
"ها يابوي، تريد تيجي معاي عالشركة اليوم ولا مازال ماتقدر؟ بس وجودك بأول يوم لإبني بالشغل ضروري لتفهم كيف تصير الأمور فيها وكيف التعامل."
ضحك ياسين ضحكة عالية لم يستطع كتمانها، وهو يتخيل ردة فعل آدم وهو يدلف لشركته التي يظن أنها لازالت قائمة، ويجدها خاوية من كل شيء، وبعد أن تأنق ليراه الموظفون، سيذهب لمبنى مهجور لن يسمع فيه إلا صدى صوته.
نظر آدم إليه وتجاهله، ثم نظر لأبيه وأكمل:
"ها، ايش قلت يالغالي؟"
تحدث محمود مع آدم، وافترض أنه لا يعلم إلى أين آلت الأمور، فقال بحسرة:
"شركة إيه بس يابني اللي هنروحها، هي فين الشركة دي؟ الشركة والمصنع والمخازن بقوا هجاج، بقوا خرايب مفيهمش حد ولا فيهم حاجة."
ليأتيه رد آدم الذي صدم الجميع:
"ومين جاب سيرة شركتك القديمة؟ أنا نقصد شركة عمي، الشركة اللي انبنت على أنقاض شركتنا، وحيطانها قامت من هد حيطانا. إحنا رايحين لشركة 'كارمديا' للاستيراد والتصدير."
توسعت أعين الجميع، وهتف له ياسين ساخراً:
"إيه يا وسيم الصحراء، الظاهر إن عقلك لسع من كتر الشمس اللي بتقور فيه ليل نهار. شركة إيه يا حبيبي اللي عايز تروحها دي؟ هي وكالة من غير بواب ولا فاكرها سايبة؟"
"أي سايبة ومالها رداد متلك أنت وبوك. وإذا الشغل بشركات الغير سيابه، ليش كان بوك يشتغل بشركة بوي؟ ليش كان ممسكه كل شيء وحاطه فوق روس الخلايق؟ اسمعني زين يا ابن فريال، هادا وقت سداد الديون واسترداد الحقوق، وكل اللي خد شيء يرجعه لأصحابه."
"والله اللي ليه حاجة يشاور عليها وياخدها بالقانون."
"لا يا غالي، ابن عمك اللي اتاخد منه بالذراع ما يرجع إلا بالذراع. مع إن بالقانون نقدر نوديك ورا عين الشمس أنت وبوك وخوك. بس لا، أنا مانريد حدا يرجع لي حقي. العقاب مو ضعيف ولا قاصر. وتوا أنا معدي للشركة وراح نقعد خلف المكتب اللي يعجبني. واللي يفتح فمه منكم راح أصكره له بطريقتي، بمكالمة تلفونية بنفيه ورا عين الشمس وما يبقى منه غير ذكراه."
نظر ياسين لأبيه وتبادلا نظرات القلق مع فريال، فبعد الذي رأوه في قسم الشرطة، هو قادر على تنفيذ تهديده، ومن سيقف أمامه هو خاسر لا محالة.
فصمتوا جميعاً، وكان هذا الدرس الذي قصده آدم من وراء لعبة الأسلحة أمام ياسين والبقية، وهو أن يعرف الجميع لأي مرحلة قد وصلت سطوة آدم. وإن هدد فهو قادر.
ونهض آدم وغادر وهو يعرف وجهته جيداً. دلف مقر الشركة بخطوات واثقة تخبر الجميع بأن له شأن كبير في الشركة حتى دون أن يعرف أحد هويته. قرأ اللافتات المعلقة على أبواب المكاتب وتوقف عند لافتة مكتب المدير العام. أمسك مقبض الباب وأداره ودخل المكتب ووقف يتأمل الكرسي واسم عمه يحيى المكتوب بماء الذهب على لوحة فوق المكتب، وهمس لنفسه بأن هذا المكتب بكل ما ورائه من سلطة من حق أبيه، هو إحدى مسروقات عمه التي سطا عليها، والآن عليه استردادها.
تحرك نحو المكتب وامسك اللوحة وألقى بها بعيداً وجلس على المكتب. وما هي إلا ثوانٍ ودلفت سكرتيرة حسناء للمكتب باندفاع وصاحت به بغضب:
"حضرتك مين ودخلت المكتب هنا إزاي؟ اتفضل لو سمحت أخرج بره، دا مكتب المدير ودخولك ليه هيعرضني لمشاكل."
رد عليها آدم وهو يتفحصها:
"وين كنتي وقت دخلت المكتب؟"
"كنت في الـ WC حضرتك."
"إنتِ مهملة بعملك وصار لازم تنفصلين. وتوا تفضلي بره وانتظري مديرك القديم وقت يجي وقوليله مدير الشركة الجديد فصلني. وبالمرة قوليله يشوف له مكتب تاني غير هادا. وتوا انقشعي من قدامي وابعتيلي المدير التنفيذي للشركة والمهندس المسؤول عن المصنع ومدير الحسابات، ولا أقولك خبري الجميع إن فيه اجتماع طارئ من مدير الشركة الجديد لكل مسؤولي الشركة وخليهم يتجمعوا بقاعة الاجتماعات. وهي آخر مهمة إلك بالشركة، نفذيها لجل تاخذين مكافأة نهاية الخدمة."
نظرت إليه السكرتيرة وظلت صامتة تفكر ماذا تفعل، ومن هذا الذي اقتحم المكان وبدأ في إعطاء الأوامر. وخرجت بعد أن هدر بها آدم بغضب:
"ويش تنتظرين؟"
وفور خروجها هاتفت يحيى وأخبرته بما حدث، وهو أخبرها بأن تنتظر ولا تفعل شيء لحين وصوله، وأنه سيكون بالشركة في غضون دقائق.
وقد كان. فبعد دقائق معدودة كان يحيي وياسين ابنه يدلفان للمكتب بغضب عارم.
أما في القبيلة.
في الوادي عند مرعى الأغنام.
"ويش فيك ياسالم مهموم ومالك خُلق وتتعارك مع ذبان وجهك؟ زرعتها ورد طرحت شوك؟"
"والله ياخوي ما طاِيق حالي، من صوب رجوة وأفعالها معاي، أي زرعت ورد طرح شوك. ومن صوب عقاب وخوفي عليه، قلبي قايد نار وخايف من أيادي الغدر تطاله والقاصد غالب ياخوي."
"لا ياسالم لا تخاف عليه، هادا العقاب."
هم سالم أن يرد عليه ولكنهم سمعوا صوت أقدام خيل تقترب، فنظروا صوب الصوت وكانت رجوة وهلال يتسابقان. وصلت رجوة الأولى وترجلت عن الحصان واقتربت منهم، ومن بعدها هلال. ألقوا التحية عليهم وردها رابح. أما سالم فلم يرد وأشاح بنظره بعيداً عنها، فقد داهمته جيوش من المشاعر المختلطة فور أن رآها، مشاعر حنين واشتياق وغضب ورغبة عارمة في العتاب كظمها كي لا ينتقص من قدر كرامته أكثر.
جلست رجوة ولم تهتم لسالم ولا لغضبه ومشاعره. أما هلال فاخذ يتفحص المكان من حوله وأردف:
"والله الوادي والقبيلة كلها مالها عازه بلا عقاب. حاسس إن فيه شيء ناقص، استاحشته واااجد واشتقت لكلامه وعراكه معي. مانعرف ليش الله وضع كل هي المحبة ليه بقلبي. والله إني أحبه أكتر من هلي. والله إنحسه أبوي مو قصير."
تنهدت رجوة وقد كتمت في جوفها رداً لو ردته عليه لتصدع بدن سالم كلياً. كتمت حقيقة أن هلال باح بما في داخلها هي أيضاً، وكأنه نظر داخل روحها وعلم بماذا تشعر ونقله على لسانه. نعم، فهي مشتاقة وتشعر بالحنين والغربة بدونه، تشعر بأن كل شيء جميل في القبيلة رحل معه وأصبح المكان خالياً من الحياة.
نظر سالم لهلال ورد عليه بحسرة:
"ايش راح نسوي ياهلال حين يطول غيابه ونحن من كم يوم غياب بدأ الشوق يلعب بينا والخوف ياكل بقلوبنا عليه. ما نتوقع راح نعتاد الغياب."
"أنا أقول ايش قولك ياسالم لو نسافر أنا وانت نزوره ونطمنوا عليه ونعرفوا ايش أخباره. أنا صحيح نكلمه من نقال أبوي بس أنحس كلام النقال مو كافي."
وهنا انتفضت رجوة وتحدثت بلهفة:
"أنعدي معاكم رجولي قبل رجولكم. نفسي أغير جو القبيلة."
نظر لها رابح وتحدث بغيظ:
"أي ماهي كمان الصحراء وراح تسرحي وتمرحي فيها بكيفك؟!"
"يارابح ويش فيها، أنا أقول إذا رحتوا بتاخذوني معكم. والله اشتقت لمايزه وجاي ع بالي نزور أولياء الله الصالحين ونشوف قصر عقاب وأهله وعيشته، متمنية إني أشوف القاهرة اللي يحكون عليها."
"حضر مثل الحضر اللي هانا، ماتزيدين شي."
"بعد أشوف بعيوني أحكم يارابح."
"صكري فمك يارجوة ومو كل من حكى كلمة أنعدي معاكم. خدوني معاكم وحاسبي حالك راجل من ضمن الرجال. انقبري هانا وكوني مثل صبايا القبيلة ثقيلة وبطلي خفة."
نظرت إليه رجوة بغضب وتهديد ولكنها لم تتحدث، تركت مهمة الدفاع عنها لسالم كالعادة. ولكن كانت هذه المرة الأولى التي يسمع فيها شخص يتحدث معها بهذا الأسلوب ويسكت.
نظرت له معاتبة فتجاهلها أكثر، فقامت هي بالرد على هلال وتوبيخه. وما حدث أن رابح أيد كلامه، ووجدت نفسها وحيدة تحارب الكثرة، وتخلى عنها داعمها الوحيد فشعرت بأن درعها فقد. فما كان منها إلا أن تحاول استعادته. فنظرت لسالم وأردفت بنبرة هي واثقة تمام الثقة أنها ستأتي بثمارها:
"عاجبك هكي ياسالم؟ يعني هلال يشتمني وده يمشي كلمته على رقبتي وإنت موجود، وحتى رابح بعد. يعني هما ما يعرفون إن الكلمة الأولى والأخيرة بأمري لسلومتي ومن بعدها يموت كل الكلام. ما يعرفون رجوة لمن مرهونة حتى كل واحد يحكيلي حكي شكل. ما يعرفون إن ماحد له كلمة من بعد كلمتك على رجوه؟"
انتبهت جميع حواس سالم، فها هي رجوة تعود لسابق عهدها معه، ها هي تلاطفه حتى لو بكلام غير مباشر. والأهم من كل هذا نادته بأحب لقب لقلبه "سلومتي". فبإضافتها لتاء الملكية تملك قلبه في كل مرة من أول وجديد.
فرد على هلال وهو ينظر إليها:
"هلال مالك شغل برجوة، إذا بنروح للحضر رجوة تروح معنا ومافي قول بعد قولي."
"ياسالم هكي ما يصير، كون رجال أكتر من هيكي. أنحس رجوة تسوقك وإنت ماشي وراها كيف التيس."
هم أن ينهض له ليلقنه درساً عقاباً له على ما تفوه به، ولكن رجوة كانت أسرع وسبقته إليه، وبدأت في ضرب هلال بكل ما تملك من قوة. فتقاعس سالم وجلس ينظر إليها بفخر وفرحة وهو يراها تدافع عنه كالنمِرة، وارتوى قلبه أكثر وهو يسمعها تقول لهلال من بين الدفرات والضربات:
"والله ماتيس غيرك، سلومتي ينقال عليه تيس؟ ياتيس التيوس أنت، هاد سيدك وتاج راسك وراس القبيلة كلها."
نظر رابح لرجوة ونظر لسالم وضرب كفاً بكف وأردف:
"وهي انكلبت وهادا فشخ ضبه وراح فيها المسكين هلال. فنهض يدافع عنه ويخلصه من بين مخالبها وهو يقول لسالم: قوووم ياتيس رجوة جزها معاي راح يضيع الوليد بيد المكلوبة، هادا أمانة قصير عندي الله لا يوفقك ولا يوفقها. صدق من قال لو تفرط للصبايا الحبال يقيدوا بها الرجال."
انتهى القتال وأخذ سالم رجوته وأبتعد عن هلال ورابح، وجلس بها على ربوة وأخذا ينظران إلى البراح أمامهما. وبعد فترة من السكوت سألها بهمس مستغلاً هذه الفرصة النادرة:
"رجوة تحبيني؟"
نظرت إليه وأخذت تبحث في ملامحه عن عقاب فلم تجده. عادت للنظر بعيداً وأجابته باقتضاب:
"أي أنحبك ياسالم."
"قديش تحبيني يارجوة؟"
"واااجد أنحبك ياسالم."
"لكن ليش تعامليني هيك؟ ليش ماتحني على قلبي اللي ذايب فيك وترحمى شوقي وحنيني؟ ليش تغيرتي معي يارجوة؟ ليش أنحسك قاسية علي وماعدتي رجوة زمان؟ أنحسك ماعاد تحبي سالم ولا عاد يعنيلك!"
"تتوهم.. ليش ما أحبك يعني؟ إنت اللي ربيتني ياسالم وانت اللي قدمتلي اللي مافي حدا يقدمه لحد، وعشان هيك أنا أنحبك."
"ويش هادا يارجوة! معنى كلامك تحبيني حب امتنان، حب شكر ورد جميل، ومو هادا الحب اللي نقصده."
"كله حب ياسالم مافي فرق، من طول الواحد غالي على قلبنا معناها نحبوه، وما يهم نوع المحبة."
"لا لا يارجوة غلطانة أنت.. هداك الحب اللي نقصده حب المرة للراجل، حب البنت للولد، الحب اللي يخليك تحبي كل شيء أنا أحبه، الحب اللي يخليك تشوفيني بقلبك وتحسي بوجودي قبل عينك تلمحني. حب الزواج اللي يتعمر بيه بيت وتنولد بعده أولاد على هي الدنيا. معاكِ أنا كل هادول عادي يتموا بدون محبة، لكن بالمحبة غير يارجوة، بالمحبة تصير الحياة أحلى. فهمتي علي يابنت هالقلب؟"
"أي ياسالم فهمت عليك."
"طيب ايش قولك؟"
"في ايش؟"
"بأنك تحبيني مثل ما نريد تحبيني، تحبيني حب مختلف عن حب البنت لأبوها هاد اللي تحبيهولي."
صمتت ولم تجبه ودفنت رأسها بين ساقيها، فكيف لها أن تعده بما لا تملك منه شيئاً، فالقلب ليس باليد ولا يُعاهد بدوام مشاعره، فهو بيد مقلب القلوب.
انتظر طويلاً أن ترفع رأسها وتنظر إليه وتعاهده، ولكن طالت دفنت رأسها كالنعامة التي تهرب من الخطر، فغير دفة الحديث حينما افترض خجلها منه، أو افترض أن لسكوتها أسباب تود الاحتفاظ بها. وألتمس لها آلاف الأعذار وقال:
"هاه، قوليلي ايش بنفسك تجيبيه من الحضر من بلد آدم؟"
وهنا رفعت رأسها أخيراً وأجابته بفرحة:
"والله ما أريد شيء، ولااا شيء، بس خدني هناك وما تحمل هم. ماراح أنكلك ولا راح أدفعك قرش زايد عن حق المواصلات والسفر لا تخاف."
"ومن إمتى أنا أحمل هم القروش ولا أخاف تطلبين مني شيء؟ الخزي عليك يا كلبة القبيلة. أنا غاية سعادتي وقت تطلبين مني شيء وتتمنين علي وأنا أنحقق أمنياتك. وهو سالم لمن يجمع القروش هااا؟ مو عشانك وليكِ يا نبض القلب."
نظرت رجوة للفراغ وردت عليه:
"تعيش ياسالم والله إنك أبو الكرم والجود كله وأنا عارفة إنك ما تقصر معاي. بس أنا والله غير السفر مانريد. وإذا ودك تسعد هالقلب قولي إمتى هنشد الرحال للقاهرة. ينفع نسافر بكرة؟"
"لا ما يصير، تعرفين الشيخ منصور مسافر بعد يومين ولازم نودعه قبل سفره ونسلم عليه. هو أكد إن كل يوم سفره يكون متواجد كبير وصغير، بده كل القبيلة تكون حاضرة وما يغيب منها حدا."
"نصبر إحنا إيش عندنا غير الصبر نصبر. الله يجيبك يا صبر ويا طول البال."
وصمتت بعدها وهي تحدث نفسها بأنها تصل عنده فقط ولن تعود إلى هنا مجدداً، وستفعل معه المستحيل حتى ينتبه لها. فهذه فرصتها الأخيرة معه، فهو ابتعد ولن تراه إلا كل حين وحين، ومن الحين للحين لن تفلح المحاولات. فالأمر يشبه الطرق على الحديد يجب أن يتم تباعاً وأثناء سخونة الحديد، فإن توانت الضربة برد الحديد وصعب تشكيله والتأثير فيه. وكذلك الطرق على القلوب يجب أن يكون بلا توقف.
أما عند آدم في الشركة.
وصل عمه يحيى إليه وابنه ياسين أيضاً. دلفا للمكتب ورأوه جالس يقلب في الأوراق على المكتب. نظر يحيى إلى اسمه الملقى على الأرض وبغضب قال لآدم:
"هي إيه قلة الذوق دي؟ وبعدين مالمكاتب كتيرة إشمعنا مكتبي يعني؟"
"هادا اللي عجبني. خد ابنك واطلعوا بره المكتب وبلغهم يسولوا لي اجتماع طارئ ودي الكل هانا حالا، وما نريد مماطلة. لو انت حنش أنا ذيلك، يارب اتكون فاهم عليا."
"يابني إنت مجنون ولا إيه حكايتك بالظبط؟ جاي وقاعد على المكتب وبتتأمر فاكرها شركة أبوك ولا إيه؟"
أجابه آدم دون النظر إليه:
"لتكون شركة أبوك أنت وأنا ماندري؟ أي يا قلبي هي شركة أبوي، وأنا جالس على مكتب أبوي، وكل هادا اللي حولك ملك لأبوي. وهااا جهز القروش اللي أخذتها من المزارعين يايحيي لتعطيهم أرضي لأني من غدوة راح أسترد الأرض وأعرف كيف أنزعها من فم السبع، وبعدها راح يجولك اللي ودفعوه. تعرف هادول الناس ياكلوا أقروشهم، مافي شيء يحوشهم. ونصيحتي ماتتهاون بحقهم. والمخازن كمان راح أستردها، وكل شيء سرقته ياحرامي هترجعه. سوا بالهداوة أو بالقوة الأمر يرجعلك وياريت تحكم عقلك وما تسترعن وتسوي أمور العويل لأنه كله يصب في خزنتك السودا عندي."
"أعلى ما في خيلك اركبه يا ابن محمود. الناس اللي واخدة الأرض وضع يد اللعب معاهم بالموت، والمخازن اللي ماجرينها بلطجية ولو قدرت تطلعهم منها ابقي قابلني."
"راح نقدر وبتشوف. وأعلى خيلي إذا ركبته راح أدعك الكل دعك تحت أقدامه. وتو أصحاب المخازن البلطجية تبعك أعطيني بس كم ساعة وراح تسمع نواحهم وعويلهم كيف الصبايا على نقالك. بس بالأول راح أمر على المصنع وأشوف كيف شغلي ماشي."
أنهى حديثه ثم غادر المكتب تحت أنظارهم ونظراتهم الساخطة، وأخذ يتفقد كل شبر في الشركة والمصنع.
أما ياسين فقال لأبيه وهو ينظر إلى آدم:
"يابا اللي بيعمله الحيوان دا مش هينفع، إحنا لازم نتخلص منه بسرعة. أنا سمعتك قبل كده بتتكلم إنت وماما وبتقولوا إنكم سبتوه عايش عشان الوصية والفلوس. دلوقتي لا فيه فلوس ولا حاجة هتتأثر بموته. كام فدان أرض والشركة والمخازن ودول عملنا أكتر من تمنهم بكتير، والقصر أوراقه معانا وبقى بتاعنا ومحدش يقدر يقرب له. يبقى إيه بقى؟"
"لا مش دلوقتي يا غشيم. الواد راجع مسنود ومنعرفش مين وراه ولانعرف لما يموت هيعملوا فينا إيه وكل أصابع الاتهام هتتوجه لينا. إحنا نستحمله وكل حاجة تمشي عالهادي وقضاء وقدر، ولما يتم المراد يختفي زي الاختفاء الأولاني ومحدش يعرف لجثته طريق. وبكده لا وصية هتتنفذ ولا نخسر أي خسارة من أي نوع. إنت عارف الكام فدان والمخازن اللي بتتكلم عليهم باستخفاف دول يسووا كام دلوقتي؟ إنت غبي ياياسين ولا إيه؟"
"مش غبي بس مابحبش وجع الدماغ. واللي بيعمله الأخ دا معصبني."
"معلش نستحمله فترة بس وأنا هخطط له فحاجة متخرش الميه."
"بس بالله عليك ياشيخ بلاش سم الموضوع بقي فاكس أوي، خليها طلقة في نافوخه ونخلص مش لسه هنسمم ونستنى. بلاش طرق الأبيض والأسود في الموت دي."
"هسيبلك إنت المهمة وانهيها زي ما تحب، بس أهم حاجة مفيش شيء يتم إلا لما أديك أنا إشارة البدء."
"تمام."
لم يلبث الاثنان إلا ساعتين بعدها يتباحثان في أمور العمل داخل مكتب ياسين. ورد ليحيى اتصال من رقم مجهول، وحين رد عليه جاءه صوت مستأجر المخازن غاضب مستغيث:
"يحيي بيه فيه جيش هجم علي المخازن طلع كل اللي فيها رماها في الشارع وهددوني إني لو قربت ناحية المخازن تاني هيخلصوا عليا. هو فيه إيه؟"
"مفيش، ابقى تعالالي الشركة بكرة خد فلوسك وشوفلك مخازن تانية."
أنهى مكالمته ونظر لياسين وتحدث بنبرة ذات مغزى:
"مش قولتلك ابن الحرام دا مسنود سنده جامدة وكلامه مش مجرد تهديد."
صمت ياسين وهو يفكر في الطريقة التي سيتخلص بها من هذا المزعج الذي أتى ليحتل كل شيء ويعكر صفو حياتهم.
عاد آدم للقصر في نهاية اليوم، بعد عشرات المكالمات من أمه وأبيه للاطمئنان عليه، ومثلهم من عمه قصير ورابح وسالم، والشيخ منصور على رأسهم. وهو من تم الاستيلاء على المخازن بفضله، فقد أسند هذه المهمة لمن يعلم جيداً أن لا أحد لها غيره. وقد تمت كما أرادها هو وآدم. وعاد أول حق مسلوب لأصحابه.
والخطوة الثانية التي خطط لها آدم هي البدء في تعمير المصنع وإعادته كما كان، وأقسم على أنه سيلتهم به السوق ويجعل أباه يتربع فوق عرش السوق مجدداً ويجعل عمه وأولاده يموتون حسرة وجوعاً وقهرًا، قبل أن تأتي مرحلة القصاص الأخيرة، والتي ستكون كالسعير تحرق كل ما تبقى منهم.