تحميل رواية «عقاب ابن الباديه» PDF
بقلم ريناد يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عادت معه وهي مرغمة على ترك روحها وفلذة كبدها في الصحراء، تذرف دماء روحها عليه وهي تحاول تقبل فكرة أنها لن تراه بعد اليوم، وأنها نفت قطعة منها بيديها وبكامل إرادة عقلها، ولم تخضع لقلبها الذي جادلها بإستماتة حتى يثنيها عن قرارها هذا ويجعلها تقف في وجه الخوف معترضة. ولكن للأسف خوفها من فقدان دائم جعلها تتقبل فكرة الفقد المؤقت، وأن عزاءها الوحيد أنه حي يرزق، حي يتنفس، حي بقلب ينبض. نظر إليها محمود زوجها بشفقة واردف: - مش كفاية عياط يا عايدة بقالك ساعات عيونك ما أخدوش هدنة، كفاية يا حبيبي عشان عنيكي،...
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ريناد يوسف
إنطلق الإثنان يحيي ومحمود نحو غرفة مديحة أختهم.
ولم تمر سوى دقائق معدودة ودوى صراخ مديحة في أرجاء القصر.
فتبسمت فريال بإنتصار وهي تنتظر أمر من اثنين على وشك الحدوث.
إما أن تقتل مديحة على يد إخوتها أو تطرد خارج القصر، وهذا الاحتمال الأقرب.
وبعد حوالي النصف ساعة هدأ صراخ مديحة وإستغاثتها.
ولم تسمع سوى صوت عايدة وهي تولول وتنادي بإسم مديحة ولا مجيب.
فوضعت إبنتها في فراشها ونهضت لترى إلى ماذا آلت الأمور.
فوجدت مديحة ملقاة على الأرض غارقة في دمائها وإخوتها فوق رأسها يزمجرون كأسدين غاضبين.
فاقتربت تتفقد أحوالها فوجدتها لازالت على قيد الحياة تتنفس.
فنظرت لمحمود فهي تعلم أنه هو صاحب الحزم والعزم الآن وليس زوجها الذي تحثه على إتخاذ إجراء منذ شهور بخصوص أخته وهو يتخاذل.
أما محمود فبكلمة واحدة هد المعبد فوق رأسها.
فقالت له:
"دلوقتي انتوا بتحاسبوا طرف واحد من طرفين مشتركين في نفس الجريمة بنفس القدر.
دلوقتي دور إبن الساعي.
روحوا وعلموه الأدب وعرفوه جزاء اللي يتطاول على أسياده ويبص لفوق."
فنظر يحيي ومحمود لبعضهما البعض وتحركا على الفور وكأنهم تلقوا إشارة بالتحرك.
وفور خروجهم نظرت إليها عايدة التي كانت ترفع في رأس مديحة لتضعها على إحدى فخذيها وقالت لها:
"انتي إيه ياشيخة، مفيش حد يسلم من أذاكي خالص حتى اللي مواليس معاكي.
مكانش ينفع تنصحيها بينك وبينها لما لقيتيها بتعمل حاجة غلط، ولا لازم تضيعي الكل بضربة وحدة.
دانتي حتى جوزك أبو أولادك مش خايفة عليه من السجن لو مديحة أو ابن الساعي مات على إيديه.
وكأنك مبقاش يهمك حد في الدنيا أبداً غير نفسك، وكأنك عايزة تعيشي فيها لوحدك."
ردت عليها فريال وهي تجلس على الأريكة:
"لا فيه اللي يهمني ياعايدة، ولادي أغلى حاجة في دنيتي.
ولادي اللي بحضنهم كل يوم وبشم ريحتهم وشايفاهم بيكبروا قدامي يوم بعد يوم.
ولادي اللي مستعدة أبيع الدنيا كلها وأدوس عليها عشان خاطرهم وعشان يفضلوا جنبي وقدام عيني."
لمست بعباراتها موطن الألم داخل عايدة وكأنها غمست يدها في جرحها.
فشاحت روحها وجعاً، فجاهدت أن تزرف العبرات وردت عليها:
"عارفة إن الأولاد أغلى حاجة في الدنيا يافريال.
وزي ما فيه اللي مستعد يدوس على الدنيا عشان ولاده يفضلوا في حضنه وبخير، فيه اللي بيدوس على قلبه ومشاعره ويتحمل وجع الفراق عشان برضو أولاده يفضلوا بخير.
لكل واحد في محبته طريقة ولكل طريقة ظروف.
وأحياناً التخلي بيكون أسمى درجات التضحية."
أنهت كلماتها وعادت تحاول أن ترد لمديحة وعيها بالضرب على وجنتها وتحريك رأسها يميناً ويساراً متجاهلة تلك التي تحاول نفث سمومها في الجميع.
وكأنها حية خرجت من قلب الجحيم أو شيطانًا تجسد على هيئة بشر ليدمر كل من حوله.
ساعة تقريباً وعاد يحيى ومحمود بشريف مكبلاً ومضروباً.
وكانت مديحة قد عادت لوعيها ولكنها لازالت جالسة على الأرض حيث كانت.
وفور رؤيتها لشريف أغمضت عينيها بوجع فقد كانت رؤيته بهذا المنظر آخر ما تود رؤيته في الحياة، وأيضًا أن يراها بهذا الوضع.
هدر محمود بها سائلاً:
"صحيح انتي متجوزة الحيوان ده زي ما بيقول؟"
هزت رأسها إيجابًا وهي تنظر لشريف الذي يجاهد حتى يفلت من قبضة يحيي ويقترب منها وعيونه تصف مدى تألمه لمنظرها.
وصرخ بهم قائلاً:
"أيوه مراتي على سنة الله ورسوله ومعملناش حاجة عيب ولا حرام ومش هسمح لحد يأذيها من الساعادي.
واتفضلوا فكوني وأنا هاخدها ونمشي من هنا."
نظر له يحيى بغضب وضم قبضة يده وسدد له ضربة في منتصف وجهه وهو يرد عليه:
"فاكر الموضوع بالسهولة دي حضرتك، ده موتك وموتها أسهل من إن ده يحصل وإسمنا يتحط في الوحل بسبب الحيوانة دي وبسبب واحد جربوع زيك."
تألم شريف ولكنه رد عليه رغم ألمه:
"على فكرة أنا مش جربوع، أنا بني آدم بس عيبي الوحيد إني فقير ومعنديش شركات ولا قصور.
عيبي إن والدي ساعي في شركتكم زي ما كان أبوكم الله يرحمه فلاح بسيط ومكنتوش بشوات أب عن جد عشان يكون ده موقفكم.
ثم نظر لمحمود وأكمل:
ومتقلقوش أنا مش متجوز أختكم طمع في فلوسها ولا أنا اللي أقبل إني أكبر بفلوس مراتي، وأصلاً عارف إنها معندهاش حاجة.
وإن لقب هانم بس هو الحاجة اللي أخدتها من علاقتها بيكم.
أنا صحيح معنديش أي حاجة بس عندي قلب بيعرف يحب ويصون ويحافظ وميخونش حد مهما كان.
قلب ميعرفش يعمل خطط وألاعيب على أقرب الناس ليه.
أوعوا تفتكروا إني اتجوزت أختكم طمع فيكم وفي نسبكم، لأن نسبكم ميشرفنيش."
كان يقذف كلماته كطلقات البارود غير آبه لأي شيء سوى تلك المتكومة على نفسها ودمائها تلطخ وجهها وتغطي ملامحها الجميلة.
فقرر أن يدافع عنها كأسد يدافع عن زوجته مهما كانت العواقب.
أنهى حديثه وتلقى صفعات متتالية على وجهه من يحيي حتى طرحه أرضًا وبدأ في ضربه بأقدامه في كل مكان في جسده.
فتلقى الضربات وعينه على تلك التي تنظر إليه وهي صامتة تمامًا ولا يعلم لم عينيها بدا خاليتين من أية مشاعر.
وحتى فمها لم ينطق بأي اعتراض على ضرب أخيها له مثلما تفعل تلك التي أتت مسرعة تدفعه بعيدًا عنها وهي تصيح:
"كفاية حرام عليك هتموته، هو عمل إيه لدا كله دا حبها واتجوزها."
فصرخ بها بغضب:
"عايدة اطلعي انتي من الموضوع ده، محمود قول لمراتك تبعد دلوقتي."
نظر لها محمود وأمرها بالابتعاد.
ثم نظر لشريف ورغم أن كلامه لامس قلبه وجرد علاقته بإخوته من أي ستر وكأنه يعلم كل ما يدور بينهم وأمره قائلاً:
"وانت ارمي عليها اليمين دلوقتي حالاً وانسى إنك عرفتها في يوم من الأيام، وأبوك مشافش وشه في الشغل، وانت لو قابلتك صدفة في طريقي هفرمك.
والكلبة دي هعرف أعيد تربيتها من أول وجديد."
رد عليه شريف بتحدي:
"لا مش هطلق ومراتي هاخدها، وأبويا اعتبره ساب الشغل ومتقلقش مش هتشوف وشي ولا وشها لآخر العمر.
أنا مراتي لا يمكن هتخلى عنها لو على موتي."
نظر إليها ليرى وقع كلماته عليها فوجدها على حالها صامتة زائغة العينين.
فوجه لها كلامه قائلاً:
"متخافيش يامديحة مش هسيبك وحقك عليا أنا عشان أذوكي ومقدرتش أحميكي منهم.
بس لو سمعتي كلامي من زمان وعرفناهم بجوارنا مكنتش ولا حاجة من دي حصلت."
نظرت لعينيه مباشرة بعد كلامه وأخيرًا نطقت:
"لا هتطلقني ياشريف زي ما أخواتي أمروا.
أنا غلطت ومش عارفة عملت كده إزاي بس مش هستمر في الغلط.
أنا أخواتي عندي أغلى من أي حاجة في الدنيا، وأغلى من مجرد نزوة."
صُدم شريف مما تفوهت به وهمس مرددًا:
"نزوة؟"
مديحة:
"أيوه نزوة ياشريف وجوازي منك كان غلطة هفضل أكفر عنها لإخواتي العمر كله."
صمت شريف لثوانٍ يتأملها ليتأكد أنها هي التي أمامه، مديحة زوجته بشحمها ولحمها، بمحبتها التي كان يلتمسها في كل حرف وكل نفس وكل نظرة عين منها له.
هي نفسها من كانت تمنيه بقرب قريب وبرفقة تدوم لآخر العمر.
هي من تخلى عن حلمه بالأبوة لأجلها وفي المقابل وعدته بسعادة لا تنتهي.
وللأسف وجدها هي، هي ولكن بدون أي شيء مما سبق.
وكأن كل ما رآه منها كان سرابًا كاذبًا حينما اقترب منه لم يجده.
فنطق وهو ينظر لعينيها مباشرة:
"انتي طالق يامديحة."
أغمضت عينيها بألم وجاهدت نفسها حتى لا تصرخ وجعاً وهي ترى جميع أحلامها قد انهارت مرة واحدة.
ولكن أي بوح بألم في هذه اللحظة سيكشف ضعفها.
وضعفها آخر ما تود إظهاره أمام فريال الآن.
فهي واثقة تمام الثقة أنها هي وراء كل هذا.
وأقسمت على ألا تجعلها تنال مبتغاها وتقصيها من ملعبها وتنفرد هي بكل شيء.
وستظل حجرًا على قلبها حتى يحين الوقت وتقتص لها وللطعنة التي طعنتها لزوجها دون شفقة، ولكل مخططاتها التي فشلت بسببها.
فك محمود وثاق شريف وحرره وهو يؤكد عليه أن يرسل ورقة طلاق مديحة في سرية تامة ودون أن يعلم مخلوق بما حدث.
ووعده شريف بذلك وغادر على الفور وهو يترنح.
ليس بسبب الضرب الذي تلقاه من يحيي، ولكن بسبب القذيفة التي خرجت من مديحة واستقرت في قلبه أفقدته الرشد والتركيز.
بل أفقدته الحياة، فوجع الخذلان يفوق أي وجع.
نهضت مديحة بعد أن دخلا أخويها المكتب.
وقفت أمام فريال واردفت بتحدي:
"من النهارده فيه حاجات كتير أوي هتتغير.
لا الناس هتكون بنفس المكانة ولا بنفس الترتيب.
والضرب على الكيف واللي لعب بالنار الأول ميزعلش لما النار تمسك فيه وتحرقه."
أنهت كلماتها وتحركت بضعف نحو غرفتها وتركت فريال تستشيط غضباً بعد أن فشلت خطتها بالتخلص منها.
وأكدت لها أنها خصم لا يستهان بها، وأنها ليست عايدة لتفلح عليها مخططاتها.
وأن الطيور ليست جميعها للأكل.
ومن هذه الساعة جبهتها خسرت مساند واكتسبت عدوًا صريح العداء.
وبعد مرور شهر تقريبًا على هذه الحادثة، لم تخرج فيه مديحة من غرفتها إلا للضرورة منذ أن وصلتها ورقة طلاقها من شريف وعقد انتهاء كل شيء.
ودائمة التخطيط متى وكيف سيبدأ انتقامها من فريال.
ولكن قبل ذلك متى ستحصل على مبتغاها من أخيها محمود حتى تستطيع الفرار بعد أن تُنهي انتقامها وتذهب لتصلح ما أفسدته في قلب شريف الذي انقطعت أخباره ورقم مغلق منذ اليوم الذي اعتبرته أسوأ يوم مر عليها.
ولا سبيل لمعرفة أي شيء عنه سوى بالخروج، والخروج من البيت أصبح من سابع المستحيلات.
ولكنها اهتدت في النهاية للحل الذي سينهي كل هذا، ولا يتبقى أمامها سوى إيجاد وسيلة التنفيذ.
أما في القبيلة...
سدينة:
"قولي كلام غير هكي ياخالة الله يخليكي ليش تتفائلي عليا؟"
القابلة:
"نكذب عليك يعني ولا إيش.
وتيجي وقت الولادة تقولي وين الولد اللي قولتي عليه ياخالتي الكذابة؟
ما فيكي صبي وبطنك شايلة بنية."
سدينة ببكاء:
"حيييه أعليا وما صار بيا، حيييه عليكي ياسدينة وعلى حظك الطايح، وطيرك الناااايح.
وأنا اللي راجية إني أجيب الوليد اللي يرفع راسي ونشد به ضهري ويرجعلي هيبتي قدام قصير ومكاسب.
يجي حظي مسخوط؟"
أم سدينة:
"يابنت قولي لا إله إلا الله واحمديه على ما جاب ولا تتفائلي على اللي في فحشاك بالسخط بعدين تسخط عن جد."
سدينة:
"اسكتي يمي واتركيني بهمّي وخيبتي الثقيلة، ويش أقول لقصير إذا سألني، ووين أودي وجهي منه ومن مكاسب.
والله يامكاسب شماتتك فيا راح تعبي القبيلة وتتوزع على باقي القبايل."
القابلة:
"والله مكاسب مافيها الخبث ولا الشماتة، بس كل واحد يشوف الناس بعين طبعه.
وعشان خبيثة ونيتك سودا وكان ودك تجاكري بالوليد الله ما أعطاهولك."
أنهت كلامها سدينة بكل غل وقهر:
"جندية يامبلية هي غوري قومي قامت قيامتك ياخبارة الشوم ياوجه البوم."
القابلة:
غادرت خيمة سدينة وتركتها تندب حظها كما لو أنها تلقت خبر فقدان عزيز.
أمها:
"كيف تريدني ربي يطعمك ولسانك ينقط سم كيف الحية أم جنيب؟"
عاد قصير للخيمة ووجدها تبكي وأمها تحاول إسكاتها.
فسألها عما حدث لها فقالت له أمها:
"القابلة خبرتها فيها بت وهي من وقتها تبكي."
قصير:
"ذيب ياكلها هي وبتها إن شاء الله، اتركيها تبكي لتموت من البكي.
ولا خديها عندك لحين تجيب، إني ما فيني راس عمران لنواحها.
يلا قومي ياسدينة مع أمك الله ياخدك وياخد مجايبك."
ثم خرج وترك لها الخيمة واخذ ينادي بصوته العالي:
"هلال.. ياهلاااال.. تعال ياحبيب بوك استاحشتك اليوم ماشفتك.
تعال ودي ترقد جواري اليوم يا عزيز القلب والعين."
نظرت سدينة لأمها وزادت في البكاء.
فما كان يصبرها على دلال قصير لهلال ابنه أنها أوشكت على إنجاب من سيتقاسم معه الدلال مناصفة.
ولكن الحين سيبقى الحال كما هو عليه بل وسيسوء بعد أن تربع هلال على عرش أبيه دون منازع.
امتثلت سدينة لأمره وذهبت مع أمها، فهذا أكرم لها وأيضًا لن تستطيع تحمل الشماتة في عيون مكاسب أو الكره في عيون قصير هذه الفترة، فقررت الابتعاد.
جلست تستريح قليلاً في خيمة أمها، وهمت أن تستوي على الفراش فنهرتها أمها:
"ليش بتنامين هالحين؟ قومي عبّي موي بوك جاي يتسبح."
سدينة:
"حيييه أعليا وعلى بوي معاي، كيف إني أعبي موي وأني بطني على خشمي؟"
أمها:
"قومي وبلا هالمياعة بلا بطنك ويش راح يجيه بطنك هي بت لتكوني خايفة تطيح.
ماتخافي البنيات مايطيحون اتقوليش مربطات بسلاسل حديد.
إذا صبي بيطيح من نسمة هوا أما البت إذا اتشلتي واتحطيتي باقية.
انهضي عبي الموي وبلا كثر لغي."
نهضت سدينة وهي تشعر بأن قلبها يتمزق ألماً.
فها هي أمها تتعامل معها وكأنها ستنجب بلوة.
فالعذر كل العذر لقصير زوجها إذًا.
ملئت الدلو وهمت أن تحمله فوجدت بد تسبقها إليه.
فرفعت وجهها لترى صاحبها، فإذ بها مكاسب تحمل الدلو عنها وهي تقول لها:
"خلي عنك ياخيتي، كيف تشيلي وانت بهالحال.
أنا أشيل بدالك، انتي عاونتيني وشلتيني في حبلي وتعبي وليكي دين عليا وحان وقت رده.
عاودي لخيمتك ومويتك عليا وكل خدمتك لحين تجيبين وتقومين بالف خير وسلامة انت واللي بحشاكي."
سدينة بحزن:
"ريتها ماتيجي لا بخير ولا سلامة."
مكاسب:
"معليش جيبيها وافطميها واحبلي عليها سريع والمرة الجاية الله يطعمك الصبي بأمره وكرمه متل ما طعمني."
سدينة:
"الله يسمع منك ياخيتي."
وسارت الاثنتان معًا يتجاذبن أطراف الحديث بعد أن أعطتها مكاسب خطة الحمل السريع وهونت عليها الأمر.
ومرت الأيام سريعًا وها هي سدينة تشعر بآلام المخاض.
فأرسلت للقابلة وبعد ساعات كانت صرخات صغيرتها تختلط مع صرخاتها.
فهُدأت هي وتولت الصغيرة أمر الصراخ.
نظفتها جندية وأعطتها لسدينة وهي تقول لها:
"إمبارك ما جالك ياسدينة بنية سمحة يتعارك عليها شباب القبايل.
يلا ودي الحلوان."
سدينة:
"يبرك عليكي وعليها ذيب ما يبقى فيكن شي.
حلوان اللي أوزعه على روحك بأربعينك يا وجه الشوم إن شاء الله."
جندية:
"يبرك عليكي وعلى بتك وعلى أمك ه اللي ما عرفت تربيك يا الفانص.
أتفي عليكي وعلى بتك، والله لو ربي عطاني عمر ما أخلي واحد يقرب عليها ونبورهالك واللي يجيها أنقله جربانة، وخاربة عقل وتعديك."
أنهت حديثها وخرجت من الخيمة وهي تسب وتشتم وتركت سدينة تولول.
ونظرت لصغيرتها وهمست لها من وسط عبراتها:
"ياريتك جيتيني ولد كان فرحتي القلب شوي."
اقتربت منها أمها وأخذت الصغيرة منها وضعتها على الفراش وساعدتها كي تنظف نفسها.
ثم البستها ثيابها وقالت لها قبل أن تتركها وتخرج:
"يومين وتردي لختيمتك ولزوجك، يكفيكي قعاد عندنا."
سدينة:
"يعني انت شايفه حالك أم الحين؟"
أمها:
"- ويعني انت اللي أم؟ متل ما تكرهي بتك أنا نكرهك.
يا عادية يا عار البنت."
أنهت حديثها وغادرت الخيمة وتركت سدينة مع ابنتها.
التي تأملتها قليلاً ثم شعرت بشعور جميل ورق قلبها للطفلة وحملتها وتبسمت لها وبدأت ترضعها واغمضت عينيها لشعور الأمومة الذي بدأ يغذي روحها.
وندمت على كل ما تفوهت به لها وضمتها عليها أكثر وهمست لها:
"سامحيني والله من قهري وكيدي.
كان ودي تيجي ولد، بس مادامك جيتي يا هلا وكل الهلا فيك.
وقربتها من أنفها تشم رائحتها واردفت:
ريحتك حلوة وواجد تشبه المسك.
يامسك."
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ريناد يوسف
مر يومان وفي اليوم الثالث اقترب قصير من الأولاد وأمر أحدهم:
- يا ولد، خذ أحدًا معك واطلعوا جيبوا لي ملكة الأفاعي، بس ما تكون عفيه وعجوز، ودي بوحدة صغيرة توا، اسمها جديد، مو واجد فيها سم.
رابح:
- راح تحوي من يا عم؟
- راح أحوي هلال ورجوة، يا رابح، حان الوقت. تعرف إحنا بصحرا والحناشة والعقارب هايمة في كل شبر، وكل ساعة في احتمال إن أحدًا منهم ينلدغ. ودي أحويهم ليطمئن قليبي.
انتفض سالم فور أن سمع أنه سيحوي رجوة، فهي صغيرة وهو لا يتحمل أن تتألم، وقال له:
- اترك لي رجوة يا عمي، أنا أحويها.
قصير:
- وليش أنت تحويها؟
- لأن رجوة رجيجة، ما تتحمل، وأنت قاسي، ومو بعيدة تزيد عليها السم تموتها.
- سم يسمك قليل الحيا، وبعدين لا، ما تخاف، البنات أعمارهم طويلة، ما يموتن.
- مو قصدي نغضبك يا عمي، بس أنا عارف رجوة تخاف منك، وبلكي تكرهك، فيا ليتك تعطيني مهمة حوي رجوة.
قصير:
- أحويها وماتوجع راسي، أنا ما ناقصني وجيع. ابدأ معها من اليوم بس تيجي الحية.
سالم:
- لا، راح أبدي من غدوه، وراح أبديها بعقرب موش بحية. اترك أمر الحوي لي واشقى أنت بهلال.
وغادر مع رابح وآدم وهم يسوقون الأغنام للمرعى. وقبل أن يغادرون الخيام، كانت رجوة ذات الست سنوات تنادي عليهم وتلحقهم.
اقتربت منهم وأمسكت بيد سالم وأخذت تطوح بها بسعادة وهي تغني. فنظر لها هو وقد انتفض قلبه لفكرة أنه سيؤذيها بيده. فازدرد لعابه بصعوبة. فلاحظ ذلك رابح حالته وقال له:
- اتركها لأبوها، قلبك رجيج عليها، ماراح تتحمل، ولا راح تعرف، ولا راح تحويها زين. ولو ما حويتها عمك بيقطع راسك.
سالم:
- أبوها ما يحبها، ويجوز يأذيها. وقتها ويش أسوي أنا؟
رابح:
- ولا تسوي شي. أخذت الشر وراحت.
نظر إليه سالم بغضب، فضحك رابح ولكز آدم بكوعه وهو يهمس له:
- شفت لي اللي مرمرة العشق كيف يكون شكله يا عقاب؟
آدم:
- اتركه يا رابح، خوي يغوي ويعشق براحته. وبعدين بنت عمه، هو ما عشق غريبة. ولو على العشق، الكل عاشق وغاوي من ساسة لراسه. تحب نقول ولا نخلي الطابق مستور؟
وضع رابح يده على فم آدم وهو يهمس له:
- صكر فمك، بتفضحنا، الله يفضح سرك. سوق الشواهي، سوق. أنا الغلطان، دايرك راجل ونعاطي فيك سري.
انتهى اليوم وعاد الأربعة في نهايته، وتفرقوا كل على مكان. سالم ذهب لخيمة أبويه ورابح أيضاً. أما آدم، فرأته يدلف إلى مبناه الغريب، والذي ينتابها فضول دائم لاكتشاف ما خلف بابه.
فتلفتت حولها وتسحبت، رغم أنها تعلم جيدًا أنه منطقة محظورة على جميع أهل البادية، وكأنه عالم خاص به هو فقط. وفضولها الطفولي أبى إلا أن تلقي نظرة على هذا العالم وتكتشف ما فيه. ولحسن حظها، وجدت الباب مفتوحًا قليلاً، فقامت بدفعه بروية، فأصدر الباب صريرًا جعل آدم ينتبه لها. فضم حاجبيه ونهرها بغضب وهو يقول لها:
- رجوة، إيش جيبك هنا؟ ردي خيمتكم هيا.
رجوة:
- أرجى بس أريد أشوف مرة، بس مرة إيش هانا.
أنهت جملتها وفتحت الباب أكثر، ومدت قدمها للداخل في محاولة منها لعبور الباب الذي يفصلها عن عالمه الغريب.
آدم بعصبية:
- رجوة، قلت لك وخري وما تتقدمي خطوة للداخل، وارجعي خيمتكم. نريدش وجيع.
فخليك بنت زوينة وحلوة واسمعي كلامي وروحي.
لم تستمع له ودخلت على أي حال، وهي تضحك له كي تخلصه من الجدية التي يتحدث معها بها. فهي معتادة أن يتبسم لها الجميع إن ضحكت وينسون سبب الغضب أو الاعتراض، وتفتح لها ضحكتها البريئة كل الأبواب الموصدة، وحتمًا ستأتي بثمارها المعتادة هذه المرة أيضًا.
فنظر لها بنفاذ صبر وعاد ينظر لحاسوبه وينهي ما يفعله عليه، وهتف لها دون أن يلتفت:
- رجوة، ليش راسك يابس والعناد تم يجري بعروقك؟
تميتي نسخة من سالم، فالصالحة والطالحة، كنك شربتي من طبعه شرب. قلت لك ارجعي خيمتكم وانفدي بروحك. والله لو شافك الشيخ منصور ولا عمي قصير هان، بيقطع راسك ويرميكي للذيابة تاكلك.
رجوة:
- فرجيني مرة وحدة ويش عندك ونروح، يا ماسخ.
آدم:
- رجوة، إني مانحب وجع الراس ولا كثر الحكي. عاودي ولا تتقدمين برجليكي المعفرات هادين، وإلا نطلع بروحي نجيب لك جدك الشيخ منصور أو بوك.
رجوة:
- آدم، أنت حنون وتحب رجوة، وما راح تقول لجدي منصور ولا لبوي. وأنا كمان نحبك وااااجد، ونسمع كلمتك من اليوم، وما راح أقول لك لا على ولا شي. وحتى مشاوير بروح لك، سلمك حباب، خلي رجوة تشوف دارك وتعرف ويش عندك.
تبسم آدم، فقد غلبت انزعاجه منها بثرثرتها ونظرة الرجاء المتوسلة التي في عينيها، وقال لها:
- تم يا صغيرة، تعالي يا حظي وشوفي اللي ودك تشوفيه، وقولي إيش ودك تعرفي، بس سريع قبل لا حد يجي.
رجوة أشارت على الحاسوب:
- إيش هادا؟
آدم:
- هادا كمبيوتر.
واشارت على التلفاز:
- وإيش هادا؟
- هادا تلفزيون، يجيب أخبار الناس البعيدة بالكل، ويجيب في غناوي، ويجيب في حاجات غريبة. لما تكبري، رح تعرفيهن كلهن.
واشارت على المكتب:
- وكل هادي طاولة تاكل عليها بروحك ولا عندك عرس؟
وانفجرت في الضحك، فضحك على كلامها وأجابها:
- يا أم اللسانين، هادا ينقال عليه مكتب، وأنا أكتب وأذاكر عليه.
نظرت إليه بعدم فهم وتجاوزت كلامه وأشارت على خزانه الملابس:
- وايش هاد الصندوق الطويل؟ أنا ريت كيفه فالجامع لما جابوه وحطوا فيه الحرمة اللي ماتت.
ضحكت آدم:
- هاد صندوق ينقال عليه دولاب.
رجوة:
- فيه عفريت متل صندوق الموتى؟
أجابها آدم وهو يضحك عليها:
- أي، فيه واااجد عفاريت.
تفحصت الخزانة لثوانٍ ثم تحركت وصعدت على السرير وأخذت تقفز عليه:
- الله يا آدم، فراشك وووووواجد سمح وناعم. خليني نرقد معاك الليلة، بالله عليك.
آدم بنفاذ صبر:
- العفريت اللي في الصندوق الطويل يطلع وياكلك، ما يخلي فيك نتفة، وتو سلم.
رجوة ارمحي لخيمتكم ليطلع لك.
أنهى جملته وضرب شيء صلب على الخزانة في غفلة من رجوة، فقفزت من فوق السرير بخوف وخطفت نعليها من الأرض وفرت هاربة من الغرفة وهي تقول:
- واااااك، أعليا عفريت آدم راح يطلع من الصندوق، دسوني، دسوني، يا معزوزة تعي خبيني.
ضحك آدم على جبنها وقام وأغلق باب الغرفة خلفها، وعاهد نفسه ألا ينساه مفتوحاً مرة أخرى، فهي لن تتوب عن المجيء برأسها اليابس، ولن تسلم الجرة في كل مرة، وهو لن يسمح بأن يقوم الشيخ منصور بتوبيخه بسبب أي كان.
دخلت رجوة خيمتهم ووجدت أمها كالعادة تجلس وهلال على حجرها وتطعمه بيدها. فنظرت إليهم وذهبت للزاوية جلست وطلبت من معزوزة أختها أن تحضر لها الطعام. فقامت معزوزة التي كانت تمشط شعرها وأحضرت لها الطعام والماء أولاً لتغتسل من الأوساخ العالقة في يديها، ثم أجلستها على حجرها وبدأت تطعمها تماماً كما كانت تطعم أمها أخيها هلال. وهذا ما جعل رجوة تصبر على ما تراه من أمها وأخيها، وإلا لكان انفجر قلبها الصغير منذ زمن. ولكن الله يعوض الحرمان من الأشياء بأشياء تكافئها أو تزيد عليها روعة. ومعزوزة كانت الأم الحنون لرجوة وعوضتها عن كل شيء.
عدت باقي ساعات النهار وخيم الليل ونام الجميع، وحان الوقت. فقد قام قصير للحية، أخرجها من السلة وجعلها تفرغ كامل سمها في يده على مراحل، يضغط على جسدها فتلدغه مرة بعد مرة إلى أن تأكد أنها لم يتبقى فيها سوى القليل. فتوجه لابنه بقلب يرجف بعد أن أخلى الخيمة من الجميع إلا منهما هما الاثنان، وقرب الحية من أذنه وكأنه يقربها من قلبه هو، وضغط على جسدها فاطبقت في أذن هلال الذي قام صارخاً. فأعاد قصير الحية وأخذه بين ذراعيه يهدئ من روعته ويطمئنه. وأما مكاسب، فكانت جالسة خارج الخيمة، تعرف بأن وليدها بالداخل يؤذي ولا تستطيع أن تكون بجواره، أو بمعنى أدق، لن تتحمل. على الرغم أنها شهدت على حوي جميع بناتها، لكن مع هلال الأمر مختلف كلياً. وحتى قصير بدأ يرجف مع ارتجاف جسد ابنه الوحيد، وكأن الشتاء استقر في جسده. وكأنه لأول مرة يحوي طفل أو لا يعلم ما الذي سيحدث له. وكأنه نسي كل شيء عن الحوي!
أما في الجانب الآخر..
دلف سالم إلى خيمة رجوة، فقد قرر أن يبدأ معها اليوم فور أن وجد العقرب المناسبة. فوجد معزوزة مستيقظة في انتظاره بعد أن أخبرها لدي عودته بأن اليوم هو اليوم الأول لحوي رجوة. فأدخلته وحملت صغيرتها على حجرها، واقترب منها سالم بيد ترجف بعد أن جعل العقرب تفرغ جميع عقد سمها في يده ما عدا عقدة واحدة. فقربها منها وجعلها تلدغها في قدم رجلها، فهذا هو الجزء الأصلب في الجسد والذي لن يؤلمها كباقي جسدها. وفور أن غرزت العقرب ذنبها في قدم رجوة، انتفضت صارخة. فضمتها معزوزة ورمى هو العقرب وضغط على قدمها. فنظرت إليهم وهي تصرخ ولا تفهم ماذا هناك. فإذا بها بين أكثر اثنين في العالم تطمئن وهي معهم ومؤكدة أن لن يؤذيها شيء في حضرتهم، فمن أين أتى الألم إذا؟
اعتدلت تسألهم ماذا حدث لها وهي تمسك بقدمها الذي أصبح كالجمرة، وحين أخبرها سالم أنه حواها، نظرت إليه نظرة عتب جعلت قلبه يتفتت من الندم على قراره هذا. فبالرغم من أنه لصالحها إلا أنه في نظرها الآن هو من آذاها. لازالت صغيرة ولن تفهم، والذي يعلق في عقول الأطفال لا يتغير بسهولة. فأخذ يشرح لها الأمر، ولكن ألمها كان أقوى من استيعاب أي شيء سوى أن سالم أدخل السم لجسدها ولم يأبه لكونها قد تموت.
انقضت الليلة بين رعب قصير ومكاسب على ابنهما بعد أن غلبها خوفها ودخلت لقصير الخيمة رغم تحذيراته وبقيت مع ابنها، وبين حال قصير الذي لا يقل عنها.
أما سدينة، فكانت في خيمتها مع ابنتيها. نعم، فقد رزقت بأخرى وأصبحت مكسورة العين والجناح بعد أن اعتقدت أنها من سيتربع على عرش قصير وتتحكم فيه وفي كل شيء. ولكن للقدر دوماً تدابير أخرى. فزهد فيها قصير وبدأ يفكر جدياً هذه الأيام في الزواج بثالثة. هي تعلم ذلك حتى وإن لم يتفوه به، فهو دائم الحديث عن الصبية وأن هلال لا بد له من أخ. فبدأت تستعد لمن ستأتي وتخلص منها ما كانت تنوي فعله في مكاسب، وحولت كل اهتمامها على ابنتيها مسك وعنبر، وقررت من بعدهم أن يذهب العالم للجحيم حتى قصير وسواء تزوج أم لا، هي لم تعد جزء من اهتماماته، لا هي ولا بناتها، فلن تبالي.
مرت الليلة بسلام بالرغم من أنها كانت أسوأ ليلة في حياة قصير ومكاسب وسالم ومعزوزة، ولكنها مرت. وفي الصباح بدأ اعتياد الأجسام على السم أو بدأت المقاومة مع بعض الأعشاب وبعض الروتين المعتاد في حالات الحوي ومع الاهتمام الزائد أيضاً.
سمعت معزوزة في الصباح الباكر صوت رابح ينادي على سالم، فتسحبت وخرجت تسكته، فسالم ورجوة الاثنين لم يغمض لهما جفن إلا الآن، فقد كانت هي تتألم وهو يدور حول نفسه وكأن السم يجري في جسده هو.
معزوزة:
- وطي حسك يا رابح، الزوز سالم ورجوة تو غير ارقدوا.
رابح:
- جيت نطمن عليهم، ويش سوى سالم؟
- كانت ليلة قمرها غايب وسمرها صايب، اقليبنا داب من الوجع على رجوة.
نظر إليها وإلى عينيها الزابلتين من قلة النوم وهمس لها:
- سلامة لقلوب وأصحابها، هوني على روحك، كل شيء بيصير زين. بس يفيق سالم، خبريه إني مشيت للمرعى أنا وآدم بروحي اليوم وهو ما يجي، خلي اليوم جوار رجوة، لأنه حتى لو جا معنا ماراح يكون هاني البال وكل فكره يمها وكيف صارت ويش سوت، فخليه باقي يوفر علينا وعلى روحه وجع الراس.
معزوزة:
- ما يصير إلا خير، بخبره.
- وانتِ ادخلي ارقدي لك شوي، عيونك دبلانات متل عيون ريم صغيرة هلكها الجري وودها تستريح.
تبسمت معزوزة من التشبيه والوصف وردت عليه:
- بس أسوي فطور لأخواتي ويفطرن، برقد شوي. أبقى أفطرك معهن قبل لاتروح.
رابح:
- لا، أنا أخذت معي خبز وغموس وبفطر مع آدم هناك. بس انتي كلي زين، وديري بالك على روحك.
- حاضر. وانت كمان دير بالك على روحك. وأمانة إذا مررت على نبقة، طراحة جيب لي شوي نبق نفسي فيه.
- أبشري، اليوم عندك النبق، ولو بمشي لآخر الدنيا لأجيبهولك.
تبسمت معزوزة وظلت على وقفتها، وهو تبسم أيضاً وغادر سريعاً وهو يشعر بأن قلبه يقفز بين ضلوعه فرحاً، وهذا حاله كلما رآها. ويبدو أن القدر قد بدأ ينسج لهما ما ينسج بين العاشقين، وفي انتظار أن يكتمل.
مر أسبوع وبدأت رجوة في التعافي وقررت اليوم أن تخرج للمرعى، فقد اشتاقت لرابح وسالم وحتى آدم الصامت دوماً، واشتاقت لأحاديثهم، للهوهم ومواضيعهم المهمة التي تراها أكثر عمقاً من مواضيع الفتيات التي تقتصر حول الطبخ والغزل والتنظيف والعناية بالشعر ولعب الحجلة.
فتهللت أسارير سالم حين رآها قادمة من بعيد، وتوقع أن تمسك بيده كالعادة، فقد اشتاقت قبضة يده لكفها الصغير، ولكنها فاجأته حين أمسكت بيدي رابح وآدم وألقت عليهم السلام وتجاهلته هو. وطوال الطريق لم تنظر إليه، وإن حاول فتح حديث معها، نظرت إليه بغضب ولا ترد وكأنه عدو لدود. وكان هذا جزاء خوفه عليها. وهمس لنفسه بأنه سيتحمل كل ما تفعله معه، وسيحاول أن يفهمها الأمر بكافة الطرق، وسيعتذر لها اليوم بكل ما تحبه من أشياء وأفعال إلى أن ترضى عنه مرة أخرى.
وبالفعل سالم فعل كل ما يلزم حتى رضيت وصفحت عنه هذه الملعونة الصغيرة، وعادت تلاصقه كالسابق وتتعلق بذراعه، وأقسم على أن يكمل أبوها حويها، فهو لن يتحمل أن يخوض كل هذا مجدداً، لأنها في المرة القادمة لن تصفح وستفشل كل محاولاته في الاعتذار لهذا الرأس اليابس العنيد.
مرت الأيام وحان وقت اختبارات آدم لنهاية العام، فأنتقل للمدينة كما يفعل في أيام الاختبارات، وقصير معه بالتأكيد، فللآن لم يحن وقت تركه بمفرده يتحرك في الجوار.
وانتهت الاختبارات. وفي وقت ظهور النتيجة، استطاع آدم أن يعرفها عن طريق حاسوبه. فخرج للشيخ منصور بهذه البشرى التي يعلم أنها تفرحه كثيراً وأمام الجميع أخبره بحماس:
- يا شيخ، أنا نجحت وعلاماتي كبيرة واااجد.
تهللت أسارير الشيخ وهو ينظر له بفخر ويقول:
- كفو كفو.
- والله إنك سبع السباع وراسك نظيف ورفعت راسي فيك يا ابن الغالي. والحين تمنى علي واطلب اللي نفسك فيه.
آدم:
- بس رضاك عني يا شيخي، ماني طالب شيء.
- زين، اترك أمر هديتك عليّ، وراح تشوف اللي يسر خاطرك. والحين جهز أنت والشباب لليلة سمر غدوه واحتفال وليلة لكل القبيلة، وقول لقصير يذبح كبشين كبار من عندي.
ونظر للمتواجدين في المجلس وسألهم:
- وأنتم فيكم أحد بيهادي وليدنا بشيء؟
فرد عليه من استطاع:
- أنا بهاديه بكبش من عندي.
- وأنا بكبش.
- وكبش من عندي.
- وأنا بذبح له كبش بعد.
منصور:
- أبشر يا عقاب، الحين ما صارت الليلة سمر لقبيلتنا وبس، لا بل صارت ليلة راح نجيب فيها كل أحبابنا وهلنا من باقي القبايل. ومازالت هديتك عندي محفوظة، وما دخلت كباش بعطيتك أنت.
ذهب آدم يخبر سالم ورابح ويجهزون للحفل، وقد أشعره الشيخ منصور بسعادة منقطعة النظير، فهو يفعل معه ما لا يفعله مع غيره. وبعد أن أخبر سالم ورابح، ذهب ليزف الخبر لصدره الحنون وبئر أسراره وحضنه الآمن الذي وجده بعد أن تخلى عنه الجميع، للشيخة عوالي التي لم يصادف في كل القبيلة أحن ولا أطيب منها، أم الجميع المعطائة بلا مقابل، المحبة بلا سبب.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ريناد يوسف
شيختي، ياشيختي. ياغاليتي
تعال ياعيون شيختك، ادخل ياعقاب القلب والعقلي
شيخه انا نجحت وجبت مجموع كبيرر يدخلني ثانوي وقسم علمي اعلا لقسام.
هللت عوالي ثم فردت ذراعيها له وهو هرول ليترتمي بينهم، فقد كانت هذه الضمة جائزته الكبرى واثمن من كل العطايا، وهمست له في أذنه:
اليوم عطيتي الك غييير، شي من صنع يدي.
عاشت ايدك وصنعها ياشيختي الحنون، والله انت عطيتي وهديتي وماودي غير وجودك بحياتي عطاياوهدايا
تبسمت له ونهضت واحضرت له قلادة فضية رجاليه يتدلى منها عقاب وإسم آدم منقوش عليها وألبسته إياها وهي تقول له:
لعقاب للعقاب، بس شفته قلت هاد مصنوع لآدم وماحد يلبس القلاده غيره، جبتها ودسيتها وانتظرت الوقت المناسب واهو جه.
ابتسم آدم وهو يمسك القلادة بين يديه ويطالعها بإعجاب شديد، فلا يدري لم شعر بأنها رمز لأشياء كثيرة، للقوة والمحبة والعطاء.. فأحياناً الاشياء الصغيرة يكون لها معانى لا حصر لها.
استاذنها وغادر يكمل مراسم تجهيز الحفل، وكانت سعادته منقطعة النظير وهو يرى كامل القبيلة تستعد للإحتفال من أجله، وسالم بالخصوص فرحته تعادل فرحة كامل القبيلة وكأنه هو من نجح وليس آدم.
أما في الجانب الاخر وتحديداً في القصر..
كانت عايده تجلس والدموع تتسابق علي وجنتيها:
كان نفسي اكون معاه في اليوم ده، كل سنه ببقي نفسي احضنه واحتفل معاه بنجاحه واقوله اني فرحانه بيه بس للأسف دي امنيه حالفه ماتتحقق، نفسي اشوفه يامحمود في الحقيقه مش في الصور، نفسي اشوفه حقيقه قدامي بيتحرك ويتنفس ويتكلم، نفسي المسه ياعالم هموت.
معلش ياعايده هانت،، هانت وهيرجع وهتشبعي منه شوف واحضان وكل اللي اتحرمتي منه واتحرم هو منه هتحققوه.
وتفتكر بعد السنين دي كلها هيصدق محبتنا ولا لهفتنا عليه؟ تفتكر حجتنا هتشفعلنا عنده؟
دا بطل يسأل علينا خالص يامحمود الولد نسينا ومبقاش فاكرنا.
كلام، مفيش حد ينسى اهله، هيرجع مكانه وبيته ويفتكر كل حاجه.
طب انا عايزه اشوفه، انشاله حتي من بعيد زي زمان.. انت مش بتقول انهم عاملينله حفله، خلاص نتنكر ونلبس بدوي ونروح ومحدش هيعرفنا منهم ولا هو هيعرفنا، وانا هغطي وشي باللي بتلبسه ستاتهم على وشها ومش هخليه يعرفني، بس اشوفه بالله عليك.
طيب واللي قاعدينلنا ومفنجلين عنيهم علينا دول لو عرفوا طريقه واللي اتحملنا فراق السنين عشان ميحصلش حصل دلوقتي وضاع ابننا، هنعمل ايه ساعتها ياعايده، هتتحملي؟ ردي عليا هتتحملي ابننا التاني نحطه تحت الارض ونزيح عليه التراب؟
نفضت رأسها برفض وخوف وهي تقول له:
تف من بوقك يامحمود بعد الشر.. لا تقدر ولا يكون يارب.
شفتي مجرد الفكره عملت فيكي ايه، اشحال لو حصلت.. استحملي ياعايده عشان خاطر آدم مش فات الكتير ومش باقي غير القليل.
أومأت له بإستسلام وعادت تنظر للصور بين يديها وأردفت وهي تحرك اصبعها فوق صورته:
ابني بقى جميل اوي يامحمود.. ابني كبر وبقى راجل، شفت اللبس البدوي لايق عليه ازاي، شفت هو اجمل واحد في كل الواقفين ازاي؟ بس ياخساره كبر بعيد عني..
انهت جملتها وعادت للنحيب مما جعل محمود يقترب منها ويطوقها بذراعيه مخففاً عنها وطأة الحنين والإشتياق الذي ات لا يقوى عليه هو الآخر، ويتمنى أن يراه هو الاخر مثلها واكثر منها، وفي لحظة جنون فكر في إقتراحها، وأخذ عقله يسهل له الأمر ويهونه..وإذ به يلغى كل المنطق الذي يفكر به منذ سنوات ويستسلم لشوقه، فنظر إليها واردف:
تيجي نخاطر؟
نظرت اليه بسعادة وأومأت له وهي تمسح دموعها وتبتسم، فاكمل هو:
بس ياترى مدركه هنخاطر بأيه؟
مش هتحصل حاجه يامحمود بإذن الله وربنا مش هيرضالنا بالوجع ده مره تانيه.
خلاص سيبيني من هنا لبكره افكر في طريقه مناسبه ولو لقيت تمام ملقيتش سامحيني.
هتلاقي، والله هتلاقي عشان انت كمان عايز تشوف ابنك اكتر مني، وواحشك اكتر مني
بس بتمثل القوة وانت من جواك اضعف من الضعف نفسه.
تبسم محمود وضمها إليه واغمض عينيه فالإنكار بات لا يفيد، فهو حقاً مشتاق والاشتياق مفضوح لا يتخبأ.
في اليوم التالي:
قصيرر.. يابو هلال اقبل.
اتي اليه قصير مهرولاً:
آمر ياشيخ.
كل شي تمام؟ ضيوفنا زمانهم
على عتب القبيلة
اي ياشيخ ماتشيل هم كل شي تمام ياهلا بالضيوف امتي مايجو.
دريت إن ابو عقاب وامه جايين اليوم؟
اي المرسال خبرني واني بروحي انعدي
نجيبهم واتأكد ان ماحدا قاطرهم.
براوة عليك.. والحين يلا اعطي خبر لمكاسب ان فيه حرمه غريبه جايه ماتسألها عن اي شي، تكرم ضيافتها وبس.
صار ياشيخ.
فى المساء.. الكل يستعد، عقاب ارتدى الجلباب الجديد الذي احضرته له الشيخه عوالي والجاكت فوقه ولف العقال وارتدى قلادته ونظر لنفسه في المرآة بإعجاب، واخذ يمسد على شنبه النامي، وخرج على رابح وسالم فور أن سمع اصواتهم ينادون عليه خارج حجرته، وما أن رأوه حتى انطلقت صافراتهم معبرة عن مدي إعجابهم به، وتبسم هو بخجل، ثم انضم اليهم وغادروا متجهين للمكان المخصص للرجال، وفي طريقهم مروا على الفتيات وهن يطبخن الطعام، فخطف آدم الانظار بطلته وسرق الضوء من رابح وسالم، وهمست إحدى الفتيات لمعزوزه وهي تطالعه بتمني:
يااااويل قلللبي وعزاب عقلي اعلى عقاب قد ايش هو سمح ومتأنق ... ياريته إبن عمي ويرهنوني اعلى إسما أو حتى يغصبونه اعليا ويقولون ماتاخذ غير بنت عمك.
لا تحلمين ولا تتمنين شي ماراح يتحقق، وديري بالك عالطبخه اللي قدامك لتحترق والشيخه عوالي تحرق دياتك وتوكلهم للضيوف بدال الطبخه.
بربك ماتشوفينا سمح؟
بدك الصراحه اني عيني ماشايفه بكل القبيله اسمح من رابح ولد عمي.. الله يحفظه ويحرسه من لعيون اللي تشوفه وماتسمي وتصلي.
رابح الازرق؟
رابح
حتى كان سماره باهي سكر ومدوب في شاهي
والله مراية العشق عميه.
اي انحبه وما ننكر..
خودي ولد العم دلالـه.. فيه الزايد ع الرجالـه
ولد العم حنون لقيتـه ..يطلع برا ما خليتـه
سلم ولد العم الدانـي.. ماخلاني للبرانـي
انا والغالي نفس الجد.. علينا قولو الله واحد
ما خلاني للبرانًـي ..عارفني جوهر حقانـي
غلا درته مافيه ندم ..رفيق العمر وليد العم.
انهت دندتها وردت عليها الفتاة بسخريه:
بس هي الغنيه يغنوها المرهونات لولاد عمهم، وانت ماانرهنتي ولا شي.. واصلا ماتعرفين لمين بتنرهني
لرابح ماغيره.
خوي جابر حكى مع بوي بده يرهنك.
ارميحي انت وخوكي جابر، معزوزه لرابح ورابح لمعزوزه، وانت ابقي بحلقي في السمحين لغراب وتمني.
نهضت رجوه من جانبهم، فقد كانت تجلس دون ان يلحظا وجودها، ولحقت برابح وادم وسالم وجلست بجوارهم ونظرت لآدم واردفت:
البنيات يقولن اعليك سمح واااجد ياآدم، ويقولن على رابح ازرق، وسالم ماحدا جاب سيرته ولا انذكر طاريه كنه عفريت ماحدا شايفه.
بس معزوزه قالت اعلى رابح انه اسمح من كل اهل القبيله وقالت انها ت...
اذا تنقلين حديث الصبايا للشباب مره تانيه اقص لسانك قص.. اللي ينقال بين الصبايا مايسمعه الشباب.. واللي ينقال بينا ماتنقليه لحدا فهمتي؟
هزت له رجوه رأسها بخوف وحين رأها سالم كالأرنب بين يديه هجم عليه وبدأ يبعده عنها بعنف وهو يقول له:
بعد عنها ماعليك بيها، مازال صغيره ماتفهم لا تخوفها.
انت ويش فيك عند رجوه وتصير مهبول تهجم متل كلب مسعور!
وانهش مصارينك بعد اذا خوفتها، رجوه بنتي اني اللي مربيها وماحد يقترب منها ولا حد يخوفها، واللي يقرب منها ياويلا وسواد ليلا.
والله ان سالم اسمحكم واحلاكم وانت صدق ازرق طين وكحل كمان ومابيك خير .
(ضحك سالم وهو يحميها من رابح الذي يحاول إمساكها وهي تضحك وتختبئ خلف سالم وتجاكر رابح حتى جعلته يشتشيط غضباً.)
وبعد ساعة من بدء الحفل وصل قصير بسيارة دفع رباعي جديدة خطفت انظار الجميع! ، فأمر منصور آدم ان يذهب ويستقبل ضيوفه، فذهب آدم ومعه سالم، وما أن وصلا عند السيارة حتى ترجل قصير من السيارة، وكان معه ضيفان رجل ملثم وإمرأة مبوشة، وما أن ترجلا من السيارة هم أيضاً من السيارة حتى تقدم اليهم آدم مرحباً، وما ان مد يده للرجل يصافحه قائلاً:
هلا والله، هلا بالغوالي نورتونا وكترتونا..
وفور إنهائه لجملته كانت المرأة تقع على الأرض مغشياً عليها، أما الرجل فتجاهلها ومد يده ليد آدم الممدودة وجذبه اليه وقام بإحتضانه بجسد يرجف واحكم إغلاق ذراعيه حوله وكأنه كنزه الضائع الذي وجده، ودقات قلبه كانت بمثابة الطبول التي وصل صداها لمسامع آدم، ومن بين دهشته لكل مايحدث نظر للمرأة على الأرض ولا يعلم سر الرجفة التي سرت في جسده حين رؤيته لعيناها، وكأنه يعرفها ورآها الاف المرات.. ولكن أين ومتى لا يعلم؟!
إبتعد عنه الرجل والتفت للمرأة التي على الارض وجلس على ركبتيه أمامها وبدأ يحاول إفاقتها، وقصير وآدم إستدارا حتي لا ينكشف من المرأة شيئ امامهم، اما سالم فأسرع نحوا نساء البادية يحضر منهم من تستطيع مساعدة المرأة.
فأمال آدم علي قصير وسأله بغرابه:
مين هذول ياعمي؟
ضيوف من الحضر ياوليدي معرفة الشيخ منصور، وعلي قد ماعرفوا غلاك عنده صرت من غلاته عندهم.
صمت آدم فلم تنطلى عليه الحجة، ولازال يشعر بالغرابة تجاه هاذين الاثنين، وهذا الطبيعي نظراً لتصرفهم الغريب، ولكن الغير طبيعي هو شعوره بالألفة نحوهم، من أين اتى ياترى وهو حتى وجوههم لم يراها؟!
اتت النساء لأخذ عايده التى بدأت تستعيد وعيها، وفور أن استعادته بالكامل اخذت تتلفت حولها وصرخت وهي لا تجد آدم بجوارها فامسكت تلابيب محمود وصرخت به:
هو فين راح فين هاتهولي هاته دلوقتي؟
فهمس لها محمود مهدئاً:
حبيبتي انتبهي لنفسك احنا مش لوحدنا، قالها وهو يشير بعينيه على النساء من حوله، ثم اكمل لها.. الأمانه جوه وانتي هتشوفيها وتشبعي منها بس خلي بالك اوعي تضعفي.
كان نفسي احضنه اوي.. ملحقتش اشوفه.
اااه، اهو دا اللي لو كان حصل كان هيودي الكل فداهيه..
اشار لقصير حتى يعطي امراً للنساء بأخذها، فامرهم قصير وامر مكاسب على وجه الخصوص ان تجلسها في مكان قريب من مجلس الرجال حتى تتمكن من رؤية زوجها طوال الوقت، فهي لا تأمن إلا بوجوده لأنها مريضة، ولم يكن يحتاج لإثبات صحة كلامه فحالتها تؤكد كل حرف يقوله، فأخذتها مكاسب وباقي النساء واجلسوها بجوار الشيخه عوالي التي كانت تعلم جيداً من منصور من هي، وكانت في إنتظارها.. فأستقبلتها أحر إستقبال وضايفتها مضايفة الملكات.
أما محمود فأخذه الشيخ منصور في جولة فى الباديه واخذ يحكي له كل شيئ بخصوص آدم وكان يتحدث وهو فخور بكل الذي تعلمه، ونقل فخره هذا لوالده الذي لم تفارق الإبتسامة وجهه طوال إستماعه لما بات عليه إبنه، وأخبره أن المهمة أوشكت على الإنتهاء ولم يتبقى سوى عامان أو ثلاث على الأكثر ويعود الغائب لموطنه، فرقص قلب محمود فرحاً، وبعدها عاد به منصور الى الحفل، وجلس واجلسه بجواره، واستدعى آدم وفتح معه حديث ونقاش على مسامع ابيه، فتحدث آدم بطلاقة جعلت ابيه لا يصدق ان من هو جالس امامه هو إبنه الذي يحاور ويجادل ويعارض، ونبرته الرجولية التي اكتسبها مبكراً طغت على اصوات كل الحضور ورأيه لم يعترض عليه أحد، بل كان قمة الصواب وقد أشاد الجميع بذلك، فأخذ محمود يقاوم أن يقفز من وسط الحضور ويلتهمه بين احضانه ويضمه لقلبه ويخبره أنه ابيه وانه اتى ليراه وأنه إمتلأ به فخراً.. ولكن يد منصور التي كانت تربت على فخذه من الحين للآخر كانت تعيده لصوابه وتمنعه من تنفيذ ماتسوله له نفسه.. فكان يضه يده على يسار صدره مهدئاً لقلبه الذي يصرخ فيه بأن يستجيب لما يطلبه منه وان يتجاهل العالم باسره، فهذا ابنه الذي امامه وقد بلغ مبلغ الرجال واصبح يجالسهم ويتغلب عليهم حكمة وذكاء، فأي أب يستطيع ان يرى كل هذا ويقاوم إحتضان إبنه؟!
أما عايده فكانت تنظر لآدم وتبكي سراً حتي بللت دموعها بيشتها، وهذا جعل عوالي تشفق عليها وتحاول جاهدة ان تُسكتها وتخبرها بكل شيئ يفرحها بإبنها، فما كان من كلام عوالى إلا أن زادها حزناً وبكاءً.. فكيف لإمرأة غيرها ان تعلم كل هذا عن إبنها وهي امه لا تعلم عنه شيئ؟
كيف لغيرها أن تعرف ادق تفاصيله وهي تجلس امامه مثل الغريبة لا تستطيع حتى الاقتراب منه.. فظلت تراقب من بعيد جلسته وحركات جسده وحركة يده وهو يتحدث بجرأة امام الجميع، وابتسمت من وسط عبراتها لطلته التي باتت تشبه ابيها جداً، فهو كان وسيماً بنفس الدرجة، ويحمل نفس الطلة، فنظرت لعوالي واردفت لها متوسلة:
ممكن تناديه وتتحججي بأي حجه عشان يتكلم معاكي واسمع صوته.. ممكن تخليه يسلم عليا والمسه لأني مقدرتش.. ممكن تعملي كده ابوس ايدك.
فتبسمت لها عوالي وهي تجيبها:
ابشري الحين ادزلك اعليه..
وارسلت إحدى الصبيا له بالفعل، وماهي إلا دقائق انتظرتهم على احر من الجمر تنظر اليه وهو ينهي حديثه مع الشيخ منصور وينهض ويتقدم نحوهم، وفي كل خطوة يقتربها كانت دقات قلبها تعلوا اكثر، حتي غطت على صوت الدفوف، وظلت عيناها تلتهم طوله ومشيته وهيئته وملامحه، شعره الطويل من تحت ربطة رأسه، حتي وقف أمامهم ونظر للشيخه عوالي وأردف:
أمري شيختي قالولي تريديني؟
اي ياوليدي دزين اعليك لتسلم على امك....
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ريناد يوسف
نظر آدم للمرأة الجالسة ثم نظر إلى الشيخة عوالي مرة أخرى وقبل أن يعيد عليها ما سمع تداركت خطأها وصححته سريعاً:
- سلم على أمك أم سعيد ونادي على سالم وباقي الشبان يسلمون عليها هي رفيجتي وفي مقام أختي ولما حكيت لها عنك قالت ودي أنسلم عليه وأشوف بعيني اللي خطف قلب أختي ورفيجتي ومحبته واصلة عندها للغيم.
تبسم آدم ومد لها يده مصافحاً وهو يقول:
- مرحبتين هلا وغلا برفيقة الغالية..
أما عايدة فمدت إليه يد ترتعش من فرط ما تشعر به من إحاسيس ومشاعر تتلاطم داخلها تلاطم الأمواج..
نظر هو بغرابة ليدها المرتعشة قبل أن يضع يده فيها، فقد كان ارتعاشها ظاهراً، وبمجرد أن تلامست أيديهم شهقت المرأة وسريعاً أسرت يده بين يديها وأخذت تقبلها مرة بعد مرة، سريعاً وبلهفة، وكم تمنت ألا يكون هناك حاجز بين فمها ويده فتشعر شفاهها بملمس يده وحرارة جسده.
أما هو فكان ينظر إليها بغرابة غير مدرك لماذا تفعل معه هذه الأفعال، فنظر للشيخة عوالي يطلب منها تفسيراً، فردت عليه سريعاً:
- اعذرها يا وليدي أمك مريضة وكمان عندها وليد وحيد غايب سافر بره لبلاد يدرس فتلاقي قلبها رجيج عالوليدات.
تبسم آدم بتفهم وبدأ بعدها يسحب يده من بين يدي المرأة وهو ينظر لعينيها أكثر، ولا يعرف لم هذا الشعور الغريب الذي إنتابه فور رؤيتهما يفيضان بالدمع، لم أشفق عليها جداً ومم؟ ولم اجتاحته هذه الرغبة العارمة في احتضانها الآن والتخفيف عنها.. لم كل هذه المشاعر الغريبة تجاه هذه المرأة الغريبة؟
تنهد وهو لا زال واقفاً لا يعرف لماذا لا يرغب في الرحيل من جوارها، وبنفس الوقت لا يستطيع المكوث معها أكثر وترك ضيوفه وعدم القيام بمضايفتهم بنفسه..
فغادر بعد أن استأذن منهم، وذهب للقيام بواجب الضيافة وأرسل لها سالم ورابح وبعضاً من الأولاد لتسلم عليهم، ووقف يراقب من بعيد هل ستفعل معهم مثلما فعلت معه أم لا، ولكنها لم تفعل، وكان سلامها عليهم عادياً عابراً خالياً من أي مشاعر!
فزاده هذا عجباً فوق عجبه، فإن كانت تشتاق لابنها وتراه في كل الأولاد لماذا تكيل بمكيالين إذاً؟
ظل طوال السهرة يختلس النظر إليها، وكلما فعل وجدها تنظر إليه، ويكاد يقسم أن عيناها لم تبارحاه لحظة واحدة، فقرر أن يزيل العجب بالاستفسار والتوضيح من لسانها، ولكن ليس الآن، فالآن سمرة وحفلة وفرحته التي يجب اغتنام كل لحظة فيها، فقام يشارك الصبية في الغناء والرقص البدوي، وعلى وقع خطواته كانت تتراقص القلوب، ليس كل القلوب ولكن القلوب المحبة فقط.
انتهى الحفل تقريباً.. أكل الجميع من وليمته حتى شبعوا وبدأوا في الإنصراف، لم يتبق سوى القليلين وأهل البادية.. والغريبين.. الرجل وزوجته.
استغل أن الشيخة عوالي ابتعدت عن المرأة فتسلل إليها خلسة وهو يحاول عدم لفت الأنظار، أما هي فوقفت حين رأته يقترب منها وانتفض قلبها.. هل عرفها؟ هل شعر بها.. هل قلبه حدثه بأنها أمه؟ أم ما الذي أتى به إليها مرة أخرى؟
وقف على مقربة منها، ونظر لعينيها المثبتتين عليه ونظر ليديها اللتين تحاولان الاختباء في بعضهما من فرط التوتر، فسألها دون تردد:
- منو أنتِ، ويش فيكِ، أحسك عندك شي، أحس أمورك غريبة، ما عرف ليش هكي حسيت، بس اعذري فضولي وجاوبيني، ليش عيونك ما فارقوني ومحاوطاتني طول الليل، وليش أحس بيهم حكي كتير؟ وليش أحس أني أعرفك وريتك من قبل مرات وأجدة.. وين وامتى ما أدري بس هاد شعوري!
حاولت عايدة التحكم في الصوت الذي يصرخ بداخلها ويخبرها بأن تلتهمه الآن داخل أحضانها وتخبره أنها أمه وأن هذا الحضن هو بيته، وأن هاتان العينان هما من سهرا يحرسانه ليالٍ طوال ومنذ افترق عنهم فارقتهم الحياة وهذا سبب الحزن الذي يراه فيهما.. همت أن تخبره بأنها طفلها الذي فرقها القدر عنه.. ضعفت وهي تنظر لعينيه المترقبتين لما سيخرج من فمها، ضعفت وهي ترى الهواء يداعب خصلات شعره الطويلة ويأتي بها على عينيه وأرادت أن تزيحها بيدها كما كانت تفعل وهو صغير حتى لا يضايقه شعره، شعرت بأنها لا تقوى على المقاومة ولا تستطيع الوقوف أكثر وأن قدميها باتتا رخوتين لا يستطيعان حملها أكثر وأرادت الاستناد عليه وأن تشعر بأنه عكازها القوي الذي أدخرته للزمن كما تفعل جميع الأمهات..
رفعت يدها التي ترتعش وأمسكت بطرف نقابها كي ترفعه وتخبره بأنها أمه وتهد جميع المعابد الآن وليحترق ما يحترق، ستأخذه وتذهب به بعيداً الآن.. لن تعود للقصر ولا تريد من الدنيا شيئ سواه.
وما أن شرعت في رفع النقاب حتى وجدت يداً تمنعها عن ذلك، فنظرت إليها وإذ بها عوالي تنظر لها بحدة وقالت لها بتحذير:
- إيش فيكِ- ما يجوز يا خيه ما يجوز، الوليد ما نه صغير.. لوليد بالغ الحلم..
ثم أكملت وهي تشعر بأن عايدة تنهار:
- لسه ما آن الآوان لا تخربينها.. بس هانت ووليدك راح يرد لك عن قريب وراح يطفي شوقك.. وأنت يا عقاب امشي بعيد عنها، بس شافتك تذكرت وليدها فيك منا ملامحك تشبهه وأجدة، صحيت بيها الحنين لضناها، عدي يا وليدي.
هم أن ينصرف وهو لا يزال غير مقتنع بكل ما قالته الشيخة عوالي، فأوقفته السيدة بأن أطبقت يدها على معصمه ودون أن تتفوه بكلمة واحدة وأخرجت من بين طيات ملابسها علبة صغيرة باللون الأزرق ومدتها إليه..
نظر للعلبة ونظر لها، وبصوت يرتجف قالت له:
- هدية نجاحك.. مبروك وعقبال شهادة الجامعة.
نثر يده منها سريعاً بمجرد أن سمع صوتها وكان برقاً ضرب أوصاله.. ما هذا الصوت المألوف، ما هذه النبرة التي جعلت القشعريرة تسري في قلبه، ما قصة هذه المرأة، هذه المرة هو من سيكشف عن وجهها ويعرف من هي، لن ينتظر، فهم بفعل هذا ولكن هذه المرة يداً أخرى هي ما أوقفته، كانت يد قصير الذي أتاه مهرولاً حينما انتبه للموقف، ومن بعده أتى الشيخ منصور مع محمود..
واستمع الجميع لقصير وهو يقول لآدم موبخاً:
- الله يخذيك يا عقاب ويش تفعل.. تكشف ستر حرمه؟.. هكي تعلمت وهي الأصول اللي تربيت عليها؟
آدم:
- بس أنا أريد نعرف منو هي، أريد أشوف ملامحها حاسس أني نعرفها.
قصير:
- اغرب عن وجهي يا آدم وبلا حكي فاضي وين شفتها وهي غريبة ما من ديارنا ولا من قبيلتنا ومن الكنت صغير ما جاتنا؟
نكس آدم عينيه للأرض خجلاً فقد تدارك حجم خطأه والآن هو واثق بأن لما فعله عقاب شديد، فهو ارتكب خطأ في حق الشيخ منصور وفي حق ضيوفه وفي حق القبيلة أجمع وهو يحاول كشف ستر إمرأة غريبة، هو يعرف الأصول ويعرف التقاليد، ولكن لم كسرهم وتعدى عليهم بهذه الطريقة للمرة الأولى لا يعلم؟
تحدث الشيخ منصور وهو ينظر لآدم بحدة:
- روح يم خواتك ولينا حديث طويل يا عقاب.. ما تظن هي الغلطة بتمر مرور الكرام.. والحين يا أبا يزيد خد حرمتك وتوكل على الله طريقك طويل ودوبك تلحق توصل..
قالها له وهو يأمره بالتحرك فوراً وإلا ضاع كل شيء، فأنصاع محمود للأمر، وأمسك يد عايدة وتحرك على الفور، ولكنها قاومته وتنصلت من قبضته وعادت لآدم ومدت له العلبة قائلة:
- اشتريتهالك مخصوص أرجوك اقبلها مني.
لم يتحرك لآدم ساكن وظل ينظر إليها وكأنه لا يريد أخذها منها حتى تبقى أطول ويشبع عيناه من عينيها وصوتها، ولكن يد عوالي هي من أخذت منها العلبة وشكرتها، وكل هذا كي تغادر، فقد أصبح الأمر خطيراً وبدأت القلوب تتعرف على بعضها، وإن بقيت الأم مع ابنها أكثر سينفضح كل شيء.
وغادر محمود وعايدة البادية، وصعدا في سيارة قصير القديمة وتركا السيارة التي أتوا بها، وكانت هذه المرة الثالثة التي تختبر فيها عايدة الوداع، ونفس الشعور يعود إليها مرة أخرى وهاهي نفس الدموع تذرف ونفس الوجع يعود، وكأنه كتب عليها خوض هذه المشاعر بالتفصيل كل فترة من الزمن..
ولكن رغم ذلك كانت هناك بعضاً من السعادة تجابه الشعور بالألم وتحاول هزمه، فما رأت عليه ابنها ليس بالقليل، بل يشرح القلب ويثلج الروح، ولكن للفراق ألم لا بد أن يُخاض.
عادا للفندق الذي نزلا فيه، فقد كانت خطتهم أنهم سيسافران لمدة أسبوع في إجازة مسروقة من الزمن، يستريح فيها محمود من عناء العمل، وكانت سهرات السمر من ضمن برنامجهم الترفيهي، وكأن الأمر حدث بتخطيط من إدارة الرحلة حتى لا يشك أحد بشيء.
وأمضوا ليلة من أسوأ لياليهم، يحتضنان بعضهم وحديثهم عن ابنهم لا ينقطع، لا الوصف فيه ولا التغزل ولا السعادة التي يشعر بها كل منهما، وأخيراً استكانت أرواحهم وهدأت واطمأنت على طفلهم.
أما في البادية في نفس ليلة الحفل وبعد أن غادر الجميع، أرسل الشيخ منصور لآدم، فأتى له وهو مستعد لأي عقاب سيفرض عليه، فهو أخطأ ولا يملك تفسيراً لما فعله مع المرأة سوى أنه ضربة من الجنون انتابه.
دلف إلى خيمة الشيخ منصور فوجد وجهه هادئاً عكس توقعه، فحياه واقترب حتى وقف أمامه فقال له منصور آمراً:
- اجلس يا عقاب ودي أحكي معك بشي.
جلس آدم وهو يرد على الشيخ منصور:
- عيبتي كبيرة يا شيخ ونا عارفها ونادم عليها ومستعد لأي شي تحكم بيه. أنا اللحم وأنت السكين.
الشيخ منصور:
- مقدر قد أيش أنت غالط يا عقاب؟
- أي يا شيخ، حل عليا عقابك.
- تعرف لو ما كان اليوم يوم أسعدك وأنت محتفل وفرحان.. كان تمى لي كلام تاني غير، وتاني شي أنت معترف بخطاك ودرت عليه عِلْم، معناها ما عاد تتعثر فيه مرة ثانية، صح كلامي ولا أنا غالط؟
آدم:
- صح كلامك يا شيخي، الله لا يحرمنا من حن قلبك وأطال الله بعمرك يا شيخنا.
ووطى على رأسه وقبلها.
الشيخ منصور:
- اسمعني زين.. عندي لك حاجة سمحه بلحيل راح يطير عقلك فيها.
آدم:
- إيش هالحاجة يا شيخ؟
الشيخ:
- ريت السيارة رباعية الدفع اللي جوار الخيمة، هادي ملك لك بصكو ملكية.
آدم بفرحة عارمة:
- والله واجد عليا يا شيخ بيكفيني الكباش اللي عطيتهن لي وتكاليف الحفل.
الشيخ:
- أنت مو فاهم علي.. هادي مو مني، هادي هدية من واحد يحبك ويعزك وأجدة وهو كمان غالي عليك.
آدم:
- من من؟
الشيخ:
- هالعطية من بوك.
انتفض آدم وهب واقفاً وهو يرد عليه بعصبية:
- أنا مو عندي أب، ولا أريد منه شي.. إيش خطرني عليه؟ تو غير تذكر أن عنده ولد!
الشيخ منصور:
- اجلس وأنا أنفهمك كل شي.
آدم:
- ما نريد نفهم شي، الشي الوحيد اللي فاهمه أنه رماني رميته شينة، وتو جايبلي سيارة! باي وجه قدر يسوي هيك وإيش مناسبتها؟ أنا مو محتاج سياراته ولا أي شي من ريحته.. أنا عنده مييييت ولموات لا يتهادون ولا يسوقون سيارات يا شيخ.
الشيخ منصور:
- يا وليدي سمعني.. أنت تو صرت راجل ما لي توبك، وأنا قررت الحين أنفهمك كل شي، وليش أبوك سوا هكي..
آدم:
- لا ما أريد أفهم شي، ولا أريد طاريهم لا أبوي ولا أمي، أنا بالأول كنت أريد أرجع وأسألهم ليش تركوني وكيف هنت عليهم.. ، لكن تو أنا ما نريد نرجع وما نريد نسأل ولا أي شيء.. خلاص شلتهم من حساباتي نهائياً، أني ما عاد ليا أهل غيركم، ولا ودي شي من حدا، فبالله صكر على هالسيارة يا شيخ، وهم ذاهباً تاركاً الشيخ بدون استئذان فهدر به الشيخ منصور بعصبية:
- صبي مكانك.. هادي تاني غلطة اليوم يا عقاب تطلع منك، أغلاطك صارت كثيرة وكبيرة.. تسيبني وأنا ما خلصت كلامي معاك، وتغادرني من دون ما تستأذن مني؟
عاد آدم وهو مطأطئ رأسه وقد تدارك خطأه:
- اعذرني يا شيخ أنا مو عارف إيش بي اليوم! بس نرجوك ما تفتح سيرة هلي مرة أخرى بستأذنك ودي أروح أرقد راسي حييل يوجعني.
أنهى حديثه وذهب من أمام الشيخ منصور سريعاً وهو يحاول كتم غضبه حتى لا يخطئ مرة ثالثة، فتكون الغلطة التي تقسم ظهر البعير وتجمع عقاب جميع ما سبقها..
فأردف الشيخ منصور في نفسه:
- الباين أني غالط لما حسبتك كبرت وعقلك نضج يا عقاب.. لك غرني بنيان جسمك وشطارتك، لكن قلبك ما زال قلب وليد صغير، ولا يمكن الجرح كبير وما فيه يبرا بسهولة.. الله يعين قلبك يا وليدي ويعين قلب بوك وأمك.
خرج آدم وهو في قمة غضبه وذهب لسالم ورابح الذين كانوا يجلسون عند البئر يضحكون بمرح، وفور أن رأوه يقترب منهم والعبوس على وجهه، سأله سالم وهو يتعجب من تغير حاله:
- إيش فيك؟ رحت فرحان رديت متكدر ومهموم، ويش حكى معك الشيخ يا خوي؟
حكى لهم آدم كل شيء عن السيارة وعن كل ما دار بينه وبين الشيخ، فتجاهل الاثنان كل ما حدث ووقفا عند خبر السيارة، فقال له سالم بدهشة:
- بالله تحكي صدق؟ يعني أنت تقصد هالسيارة رباعية الدفع المقنعرة قدام خيمة جدي منصور تخصك أنت؟
آدم:
- أي تخصني،
لكن ما أريده، رابح: -نشهد بالله انك بهيم. سالم: -بهيم ومليون بهيم وما تفهم شي. آدم: -انا ما اريد شي من بنتهم. رابح: -ياقليل العقل اعتبرها من بنة اي حد اخرا غيرهم، وتو ما تمت تخصهم، تمت لك انت. ولك ياعالم هادي سيارة سيارة. عارف يعني ايش؟ يعني انطلاق وهياجه، ومشاوير الحضر تبقى اسهل وامتع من غير مانكونو تحت رحمة عمي قصير، يتحكم في كل تحركاتنا ونرحموا اقدامنا اللي بتنشوي من الحصا ورمال الصحرا القايدة واحنا نروح هناك ونرد هيني. سالم: -وبعدين سوا اخذتها ولا تركتها انحسبت عليك، اللي اعرفا ان هلك مانهم قريبين ليردلهم عمنا قصير خبر بانك رفضت عطيتهم.. الا راح تبقى وراح تحل لقصير يركن سيارته الخرفه وياخدها يتمشور بيها وراحت عليك يابهيم. صمت آدم ونظر بعيداً بتفكير في كلامهما، وبعد أن اقتنع بوجهة نظرهم رد عليهم بقلة حيله: -بس انا خلاص بريت زمتي منها قدام الشيخ منصور، رفضتها وما اريد ارجع بكلمتي معو، الراجال ما يلحسون كلمتهم وانا كلمتي انطلقت كيف الرصاصه ما تعاود مره تانيه. سالم: -انت ما عليك، انا نمشي نقبلها منه ونجيبلك مفتاحها واقولا اني ورابح ردينا عقلك براسك. آدم: -سوو اللي بدكم يا ه، اني رايح ارقد تعبت حيييل اليوم، تصبحون على خيرات الله. سالم: -نصبح علي مفاتيح السياره وطلعه ووناسه من بكرة الصبح. تبسم لهم وتركهم وذهب إلى غرفته، فخلع عنه ثيابه وارتمى على فراشه وحاول أن يريح بدنه وعقله بعد هذا اليوم المتعب ذات الأحداث الغريبه، واخذه التفكير رغماً عنه لتلك المرأة الغريبة المألوفة ذات التصرفات المريبه، ومن بعدها لموضوع السيارة، واخذ يتسائل ترى مالذي ذكر أباه به وجعله يرسل له تلك السيارة، ومن أين علم بخبر نجاحه، هل معنى ذلك أنه لازال يشغل حيزاً من تفكيره؟ هل لا يزال يتذكر أن لديه إبناً، وهل ياترى اصبح لديه اخوة الآن، هو لا يتذكر سوى انه كان عنده أولاد عم، فهل انجبت أمه ما انساهم إياه وجعلهم ينسون أمره؟ هل لم يكن إبنهم يوماً وكان دخيل عليهم او طفل مُتبنى وفور أن رزقهم الله بطفل من لحمهم ودمهم تخلصوا منه؟ أم انهم رأو أنهم بتربيتهم لغير إبنهم يزرعون في أرض لا يملكونها، فأقتلعوا الزرع ورموه قبل ان يكبر وتتفرع اغصانه؟ كم هائل من الأسئلة عادت لتعصف بعقله بعد أن قرر تجاهل كل شيء في الفترة الأخيره، وكم تمنى لو أنه استمع للشيخ منصور وتفسيره للأمر، ولكنه فر هارباً خوفاً من أن تصدمه الحقيقة، ففضل البقاء في عالم الإحتمالات بدلاً من تلقي صدمة تقضى عليه. نهض من فراشه بعد أن هجره النوم من كثرة التفكير، فقام لحاسوبه، فتح نافذة على العالم الخارجي وبدأ يتصفح، ومن ثم بدأ يطبق في اخر دروس اخدها في تهكير المواقع حتى اجادها، وأصبح اي موقع او حساب شخصي لا يأخذ في يده اكثر من دقائق ويُفتح أمامه، وبعد أن نجح في الأمر تماماً اعاد كل شيئ كما كان وخرج من كل شيئ، وقرر الا يستغل علمه في اذى من أي نوع.. بل هو شيئ من باب المعرفة ليس إلا، مع أنه لا يرى له أهمية، ولا يعتقد أنه سيأتي اليوم الذي يحتاج لفعل شيئ مثل هذا كما يخبره معلمه دوماً بأنه سيحتاجه حتماً. اقبل الفجر ولاح الخيط الابيض من الأسود في كبد السماء، فقام آدم للصلاة، ثم ارتدى ملابسه وذهب يوقظ من قالا أنهم سيقفون على بابه في الصباح الباكر، ومازالوا نائمين على غير العادة، فذهب لخيمتهم ولكن اوقفه صوت مايزه وهي تنادي عليه: -ياعقاب.. عقاااب.. أقبل الشيخه تريدك. ذهب اليها آدم وهو يتنهد، فهو يعلم سبب استدعائها له في الصباح الباكر، وحتماً ستوبخه على فعلته مع ضيفتها، ولكن لا يهم سيتحمل التوبيخ، فهو اخطأ والمخطئ يتحمل. دلف إلى الخيمة بعد الإستئذان فوجد الشيخة تجلس فوق مصلاها وبيدها مسبحتها فردت عليه تحية الصباح ودعته للجلوس بجوارها وقالت له: -تعرف ليش دذيتلك بدري هكي ياعقاب؟ آدم: -اي اعرف ياشيختي.. وان كان تقصدي باللي صدر مني امس، انا مشيت للشيخ منصور واعتذرت منه وهو سامحني، ونعتذر منك انتى كمان فياريت تسامحيني ما كان قصدي. عوالي: -هو انا كنت راح اعلمك غلطك اذا ما اعترفت بيه، بس دامك قريت بغلطك مسامح يا وليدي، والحين عندي سبب ثاني جبتك لاجله. انهت حديثها واخرجت العلبة القاطيفة من صندوق خشبي كان بجوارها وهي تقول له: -مد يدك واقبل الهدية، والحرمة قدراتك وجابتك هديه وانت واجب عليك تقبلها والنبي عليه الصلاة والسلام قبل الهديه ياعيوني. آدم فتح الهديه واندهش: -هادي ساعة رولكس اصلييه واااجد غالية.. انا شفتها عالانترنت سعرها معدي حق خمس اجمال، وبلكي اكثر! كيف هالحرمه ما تعرفني وتهاديني هيك هديه ثمينة؟ والله غريب امرها! عوالي: -يا وليدي، هالناس كتير عندهم من الخير والرزق اللي ماله حد ولا عد، وما يقدمو الا قيمتهم، وهالساعه عندهم شي قليييل فانت ما تستخسرها في روحك، واذا ما تريد تلبسها شيلها لوقت عازة، ومو كل شي تعمل منه حكايه وليش ومن من؟ كل شي بوقته حلو. صمت آدم واخذ الساعه واستأذن منها وذهب لخيمة المجلس اللي تخص الشباب.. فوجد رابح قد استيقظ وسالم يتململ في نومته وعلى وشك الاستيقاظ، ففتح الساعة واخذ يتأملها مرة أخرى بحيرة. رابح: -الله الله ويش هالساعات والحركات، من أمس وانت تتساقط عليك العطايا الثمينة.. خلينا تحت جناحك يا كبير المقام. إشرأب سالم برقبته يرى ما يتحدثون عنه واردف وهو يرى الساعة: -ياعقاب احنا خوت وحاجتك حاجتي مووو، يعني وين ما تجيني طلعة ناخدها منك. رابح: -وانا ناخدها وين ما يكون عندي مشوار للحضر. وباقي الشباب كل واحد بدوره عايزها في اي مناسبه عنده. يعلم آدم لم شعر بأن هذه الساعة بالذات لا يود مشاركتها أحد، لا يعلم لم يشعر بأنها شيئ خاص به هو فقط لا يتشارك، بالرغم من أنه لا يعز على رفاقه اي غرض من اغراضه، ولم يرفض لهم يوماً رجاء.. فأجابهم معترضاً: -هادي مو ملكي، هادي ملك صحبتها وانا هنرجعها لها وقت تعاود، انا ما اقبل هدايا من اغراب، وفكوني من وجيجكم. رابح: -يييي تو عاد بهيم. سالم: -هي طبيعته وين يهروب منها، بينا بينا اليوم عندنا مناسبه غيير وعقاب عازمنا على يوم بالحضر وكل وشرب ووونااااسه. ونهض الاثنين يستعدان، أما آدم فذهب لغرفته وفتح خزانته واخرج الحقيبة التي يحتفظ فيها بألعابه، وقام بوضع الساعة معهم، ولا يعلم لم شعر بأن هذا مكانها الطبيعي، برغم أن هذه الاشياء ذكريات من طفولته! أما في خيمة الشيخه عوالي، فظلت على نفس جلستها بعد أن غادر آدم، وظلت تسبح على مسبحتها وقد تأثرت ملامحها ويبدوا أنها شاردة تفكر في شيئ ما، فسألتها مايزه: -ليش سامرة ياشيخه فيك شي اتحسي بشي؟ عوالي: -والله مو عارفه ايش اقولك يامايزه، بس اللي صار واجد بلحيل على ام آدم.. انا الليل ما نمته بسبب اللي صار واللي شفته بعيوني وقلبي قضى الليل ينزف عليها وجع.. انا اي ما ما عندي ضنا ولا ضنيت.. بس حسيت بكل شي هي مرت بيه وحسته.. حسيت بروحي مكانها ووليدي قدام عويناتي ومحرومه من ضمته لقلبي.. والله مزقت روحي، ولا الصبي اللي قلبه حس بامه.. ياربي لو شفتيه يامايزة كيف يدقق النضر فيها، وكيف هي كانت تطلع فيه، ملعونه كل الظروف اللي تفرق الام من جنين كبدها وما تقدر اتضمه على صدرها.. والله لو بيدي لنمشي نقتل عمه ومرته العقربة وعمته الحيه وناكل اكبودهم ونجمع آدم بابوه وامه المسكينة. قبل كنت نشفق عليه درجه.. تو نشفق عليه درجات ونشفق على امه اكثر واكثر.. الله يعدي ما بقى على خير ويرد الغايب لاحبابو. مايزه: -هانت ياشيخه عدا الكثير ما تبقى الا القليل. عوالي: -انت تشوفيها هينة، لكن ام آدم من اليوم راح تعدي عليها الساعات سنوات، الله يقوي عزمها.. هي شافت وليدها وصارت كيف العطشان ومربطه كل اوصاله وقدامه خرير المي ومو قادر يمد يده ويروي عطشه.. ملعونه القيود اللي يحطها البشر علي حق مكفول. أما في القصر.. كانت مديحة تجلس في غرفة محمود وتنظر لصورة آدم بسعادة وظفر، وامسكت الهاتف واتصلت برقم وبعد أن أتاها الرد قالت: -هاه عملت إيه عرفت توصل؟ طيب تمام.. أول ما تلاقي الوقت المناسب نفذ فوراً. وبعد أن أنهت المكالمة اغلقت الهاتف واخذت تنظر لصورة آدم وقلبها يتراقص فرحاً، وبعدها خرجت بها من الغرفة وذهبت حيث تجلس فريال ويحيي بجوارها، وأخذت تلوح أمامهم بصورة آدم قبل إن تقول: -عرفت مكان آدم.. وكلها ساعات وأول جزء في الخطه يتنفذ.. عشان بس تعرفوا إنكم خلاص راحت عليكم، وانتي يا فريال المفروض تعتزلي الملاعب وتسيبيها لغيرك وتسلمي بالهزيمه. نهض الاثنان سريعاً وأختطف يحيي الصورة من يدها ونظر اليها بدهشة، ثم اختطفتها منه فريال ونظرت اليها وقد تملكتها الدهشة هي الأخرى، وهتفت دون الإكتراث لمن يقفون بجوارها: -يا بن الصايعه! انا قلت من البدايه الولد مخرجش بره مصر، وكالعاده كلامي ما بينزلش الأرض. جلس ثلاثتهم ينتظرون ما ستفعله مديحة، والذي رفضت الإفصاح عنه لهم، وكأنها صارت هي الربان وهم الركاب ولا يحق لهم أن يعرفون أي الاتجاهات ستسلك المركب، بل مهمتهم هي الجلوس والإنتظار فقط. وبعد ساعات رن جرس الهاتف، فأسرعت إليه مديحة وفور أن اجابت أتاها الرد: -تم يا ست هانم.. العربيه قدامنا اهي بتتشقلب من فوق الجبل واللي فيها بقوا سلطه.. أي أوامر تانيه؟ -لا ميرسي.. ابقى عدي عليا خد باقي فلوسك.. تسلم الأيادي.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ريناد يوسف
أغلقت مديحة الهاتف ونظرت لأخيها وزوجته وأردفت بارتياح:
"ودلوقتي محمود وعايدة خلاص بح، ومبقاش معانا غير حتة ولد صغير أمره أسهل منه مفيش. أخوكم الصايع موديه البدو ومخبيه هناك طول السنين اللي فاتت ومستغفلنا هو ومراته وملبسينا العمة. وسايبنا ناكل في بعضنا، والواحد صبر كتير ومبقاش عنده ذرة صبر زيادة."
فتح يحيي عيناه على وسعهما وهو يعقب على كلامها غير مصدق لما سمعه للتو:
"قتلتي أخوكي يا مديحة؟ قدرتي تعمليها إزاي؟"
"قدرت يا يحيي زي ما أنت قدرت تشوف أخوك بيتعذب ويتسمم قدامك وكان عادي عندك. أوعى تيجي دلوقتي تعمل إنه صعبان عليك، أو إنك مش مؤيد اللي عملتيه بس عشان تريح ضميرك شوية."
ردت عليها فريال التي كانت تنظر إليها ولا تعلم لم رأتها في هذه اللحظة وقد تحولت ملامحها لملامح ذئب مسعور مستعد لنهش الجميع، فحاولت الانضمام لجبهتها حتى تكون في مأمن منها:
"لأ طبعاً يا مديحة اللي عملتيه ده هو أسلم وأسرع حل، لأن فعلاً إحنا انتظرنا كتير وكل خططنا فشلت، وأنا بعترف بفشلي وإن الجولة دي انتي الفايزة فيها. ودلوقتي أنا ويحيي في انتظار قرارك اللي جاي وهننفذه، مع إني أتوقع إنه قتل آدم."
"فسيبلي أنا المهمة دي."
"مديحة: لأ آدم مينفعش يموت دلوقتي، آدم لازم ييجي هنا حي، لازم يفضل تحت وصاية عمه وتحت عيونا لغاية ما يوصل السن القانوني، وبعد السن القانوني هناخد منه كل حاجة ونخليه يحصل أبوه وأمه. ودلوقتي محتاجين نعرف مكان الولد بالظبط عشان نروح نجيبه."
فالتقط يحيي الصورة من يدها ونظر إليها بإمعان وتهللت أساريره وهو يردف بسعادة:
"استنوا.. أنا تقريباً عرفت المكان اللي فيه الولد.. آدم عند الشيخ منصور."
تهمست فريال مرددة من بعده:
"الشيخ منصور!"
"أيوه يا فريال الشيخ منصور.. ومين غيره يقدر على العملة دي، يابن اللعيبة يا محمود. هاتي الصورة دي يا مديحة وأنا رايح أجيب الولد، وبالمرة كلمي الراجل اللي خلص اعرفيلي منه المكان اللي محمود وعايدة عملوا فيه الحادثة.. عشان أجيبهم معايا بالمرة وندفنهم، ونلم لحمنا المتنطور في كل مكان ده."
أنهى كلماته وذهب لغرفته وبدأ في تبديل ملابسه ثم لحقته فريال التي همست له:
"خلي بالك من نفسك وانت رايح، واتلفت حواليك كويس وخد المسدس بتاعك معاك."
"ليه دا كله؟"
"احتياط يا حبيبي، وتنساش إن اللي موتت أخ تقدر تموت التاني من غير ما يرفلها جفن.. وخصوصاً لما يكون قلبها محروق منهم عشان مخلوهاش تمشي على حل شعرها."
توقف يحيي عن ارتداء ملابسه ونظر للفراغ وأردف وكأنه أدرك شيئاً ما:
"تصدقي عندك حق.. دي كده مديحة الواحد يحطها تحت الميكروسكوب من هنا ورايح."
"متقلقش من الناحية دي أنا مش هغفل عنها لغاية مانفوقلها، ماهو إحنا مش هنخلي حية تسكن بيتنا ونربيها واحنا عارفين إنها مليانة سم وهتلدغنا في أي وقت وتموتنا.. إحنا مش أغبيا ومش هنغلط غلطة محمود."
غادر يحيي وقد امتلأ قلبه بالقلق من ناحية أخته، وأصبحت الآن هي التالية في قائمة التخلص، فمن يخون مرة يخون ألف مرة، ومن يضحي بأخ يضحي بالآخر كما قالت فريال.
أما في البادية، في خيمة. الشيخ منصور..
دَلَفَت عوالي ووجدت أخيها يئن ويسعل كما أخبرتها مايزة، فاقتربت منه وهي تقول له:
"الف لا بأس عليك خوي مايزة قالتلي إنك بعافية شوي، ريت الوجع بيا ولا بيك.. ويش جاك يا شيخنا كنت بعافيتك امس وكامل حيلك."
"- نحمدو الله يا خيتي هالشتوية صقيعها واعر والعظام باد."
"عوالي:- وماراح تسلم من الصقيع إلا إذا نشوفلك عروس تدفيك بأنفاسها وتطرد برد الشتا.."
"- لا تلحين علي بهذلة أخوك بآخر أيامه يا مايزة."
"مايزة:- ويش فيها بهذلة يا شيخ، والله انت أصوب من وليدك قيات.. انت بس تخزي العين والله.. اللي كيفك ياخد اللي مازالت في بطن أمها.. غير انت اسمع كلام خيتك ونا نزوزك خيرة بنات القبايل غير انت قول تم وشوف عوالي إيش تسوي."
الشيخ منصور بضحك:
"اتريديني ننقلب يا عوالي والصبايا يصغرن بي بين القبايل، ويدهشن فالي ويبدلن أحوالي؟ ، أنا تو مرتاح البال، أم مفتاح الله يرحمها سدت عليا كل الطرق لحرمة من بعدها.. كانت حرمة بكل صبايا القبيلة.. تحملت مني اللي ما حدا يتحمله قولولي يا عوالي من تقدر تملا مكانها."
"عوالي:- والله يا أخوي انت ورثت بوك في هالموضوع وما تزوجت غير مرة.. حتى بعد ماتت أم مفتاح وسيبتلك "عريفة" قطعة لحم حمرة رفضت إنك تجيبلها مرت أب، والحين اللي ربيتها وكبرتها لكبرتك تركتك وراحت مع زوزها وعبرت الحدود، ومو بس هيك خذت خوها بعد.. بس لتعرف إن الوليدات ينفعن في الكبر، شوف حالك وليد استشهد ووليد سافر، لو كنت جايب خمسة ولا عشرة ما كان الباقي حولك الحين."
"- ما يلزم يا عوالي، أنا كل القبيلة حوالي وكلهم وليداتي وبنياتي.. وعريفة الله يسعدها مع راجلها، ويرحم وليدي الشهيد مفتاح، ويحنن قياتي علي يجيبلي وليداته ويرد لا أشوفهم الشوق لاعب بالقليب لعب، الله يكون بعون محمود على وليده وفراقه سنين."
"عوالي:- وايش منتظر بعد دذله يجي، ولا خلاص تبع راجل أخته وقعد في ليبيا ونسي قبيلته، فرض عليه يجي وعويلاته يتربوا هانا."
"- ما ظني راح يعاود يا عوالي، قياتي الغربة خداته وغير هواء القبيلة وتعود ينام تحت أسْطاح، واللي يتعود ينام تحت أسْطاح ما يعاود للعرا والخلا مرة ثانية، أنا راح أسلم المشيخة لقصير من بعدي، هو أحق بها من أي حدا غيره، هو اللي يعرف الأصول ومحافظ عالـ عادات وما غير جلده، أخاف يجي قياتي يلبس رجال القبيلة وحريما وعيالها متل الحضر، ويعلمهم ياكلون متل الحضر ويعلمهم على الراحة والنوم للضهر.. وتضيع القبيلة وتنطمس أعوايدها على يده، خليه بعيد بس نشوفه نرد الشوق ويعاود لدنيته الجديدة."
"عوالي:- ااااخ من الحضر اااخ.. متل النداهة يلالي ويغري ويغوي ويسحب ليه.. وما يلاقي الشخص حاله إلا متربط فيه، ما قادر يفلته ويعاود للقبايل.. واجِد ناس قالت نسافرو شغل ووكل عيش ونردو، وراحو ماردو وهجروا قبايلهم وبواديهم ونسيو عيشة الصحاري والكد."
"- الله يوفق الجميع وين ما راح ووين ما حل.. والحين قومي سويلي شي دافي أشربه حاسس حلقي متشقق من كثر السعلة."
"من هالعينين يا شيخ."
ونهضت كي تأتي له بشيء يخفف عنه وطأة المرض.. وهي في طريقها وجدت سدينة تلعب مع ابنتيها أمام خيمتها وتضحك معهم وكأنها طفلة مثلهم، تحتضنهم وتقبلهم، فتبسمت براحة على أمومة سدينة التي غلبت محبتها لقصير وشوقها للصبي، ولم تلفظ بناتها من أجل أن تأتي بولي العهد كما فعلت مكاسب.. صحيح أن مكاسب كسبت الولد وكسبت عقل وقلب قصير، ولكنها خسرت ابنتها ومحبتها، وصنعت لها عدوة لن تنسى أن أمها حرمتها من أبسط حقوقها عليها، ولن تغفر لها أنها تربت على حنان أختها معزوزة وحليب الماعز وشفقة البقية.
أما قصير فكان في خيمة مكاسب يستريح قليلاً قبل أن يعود للكد مرة أخرى، فوجد هلال يلعب بدمية أخته رجوة، ولاحظ عليه أنه أصبح يتحدث مثل أخواته البنات، وحتى أفعاله بدأت تكون أنثوية، وكأنه تأثر بجلسته مع أمه وإخوته البنات ليلاً نهاراً.. فقرر أن هلال لابد وأن ينفصل عن أمه وإخوته ويكفيه هذا القدر من الدلال، فنادى عليه وأوقفه أمامه وقال له بنبرة جدية خالية من الحنان واللين لأول مرة:
"هلاال.. من غدوه الصبح أريدك مع عقاب كيف ظله.. إذا بتريد تكون كيفه وجدك منصور يجيبلك سيارة، ويديرلك حلال لحالك اسمع كلام عقاب من غير ما تناقش، ولا تعترض، انت ولد قصير أريدك خير من كل الصغار اللي بعمرك، واللي أكبر منك بعد وتغلبهم بكل شي ولو هادا صار ياما لك من الخير لكن اسمع الرجال ما يسمعون حكي الصبايا حتى لو كانت أمهم فهمت علي يا هلالهيا يا بطل أريد عقاب يعطيك لقب يرفع راس بوك فيك.. ومن الليلة يا هلال المبيت بخيمة الوليدات، ولخيمة أمك ماتفوت إلا تسلم وتسألهن إذا محتاجين شيء، وترد على خيمتك وسط الصغار، من اليوم مافي دلال انت رجال بدي أفاعيلك تصير أفاعيل رجال."
صاحت به مكاسب معترضة:
"حيييه علينا، وليش ودك تفرقني عن وليدي، ولك والله ما يهنا لي لا عيش ولا ماء من دون ما يقاسمني فيه وليدي، ولا النوم يزور جفوني إذا ما كان هلال آخر شي عيوني تشوفه، وأغنيلا ليغفى."
"ومن هيك أنا بعدته، لاجل لا يفسده دلالك ويصير ابني الوحيد مخنث لا ينعرف ولد ولا صبية."
أخذ قصير هلال ابنه وخرج به من الخيمة بعد أن أمر أخته معزوزة بأن تجمع له جميع ملابسه وأغراضه وتنقلهم لخيمة الصغار، وذهب به حيث كان عقاب عند الخيل يدرب فرسه الجديد هو ورابح وسالم، وأشار له بيده، فترك عقاب ما بيده وحضر لقصير على الفور..
قصير:
"عقاب أريدك أقرب جاي.."
"أمرني يا عم وأني خدام."
"ما يؤمر عليك ظالم يا وليدي.. اسمعني زين يا عقاب .. أنا صحيح قسيت عليك واجد، وتعبت معاي كتير وتحملت ياما هوايل مني.. لكن إيش النتيجة؟ درت منك عقاب يحلق في السما يخاف عدوك اللي بالوطا كان حمت فوقه. ويهج عدوك اللي بالسما كان لمح هبابك. صرت لا تنكسر ولا تنبطن ولا تغرق إلا لو كان أمر الله."
"ونا نفخر إنك كنت قايدي يا عمي، ونشهد الله إن لك فيا أكثر ما لي في نفسي.. ولو طلبت الروح ما تغلى عليك.. أمر وأنا علي التنفيذ."
"قصير:- صقر من يومك وتفهمني باللمحة.. وأنا بالفعل أريد منك رد كل ما سويت بيك في وليدي هلال الدقة بالدقة."
آدم:
"أطال الله بعمرك يا عمي، وليش أنت ما تعلمه إيش بيك مسافر ولا في شي غايب عني؟"
رد قصير مراعياً مشاعر آدم، ولم يريد أن يشعره بأن ما يمنعه من تدريب ابنه وإعداده ليكون رجل بيديه هو خوفه الشديد عليه، ورقة قلبه.. فهو عند ابنه أجبن ما يكون، وخوفه لن يمكنه من القسوة عليه، وخاصة بعد أن حواه ورآه يتألم فتقطعت نياط قلبه وتمنى لو أنه يستطيع أخذ الألم منه..
قصير:
"هادا آخر اختبار لك يا عقاب أشوفك بتصير قائد ولا ما تقدر وبقدر ثقتي فيك عطيتك هلال ابني تختبر فيه، مو حدا تاني.. هو من اليوم هلال معك كي آدم."
"لقصير:- ما تفارقه إلا عند المبيت.."
"أبشر يا عمي، من الحين هلال بعهدتي وعهد مني ماتستلمه مني إلا طير رخ اللي يسمع اسمه يرجف بدنه من الخوف منا."
"قصير:- بعرفك الها يا عقاب وما حدا يقدر يديرها سواك، بنتظر منك طير الرخ."
أما عند مكاسب في خيمتها، دلفت سدينة إليها تجلس بجوارها قليلاً وتدع الفتيات يلعبن بألعاب بنات مكاسب ويتلفون قدر المستطاع ثم تحملهن وتعود إلى خيمتها..
سدينة:
"ايش بيك متكدرة يا مكاسب."
"مكاسب: هلال من اليوم راح يبيت مع الصغار في خيمتهم ونا مو متعودة يبات بعيد عني، هاد وليدي الوحيد اللي شديت فيه ضهري.. وما صدقت ربي نصفني بيه وقوى عيني وبرد قلبي."
"سدينه:- والله يا مكاسب الولد متله متل البنية ما يفرق غير بجيب القروش، واللي عندها قروش ما تعتاز الولد."
"مكاسب:- ويش تقولين انت يا سدينة.. الوحدة فينا لو ما عندها ولد تقعد دارها خالية حتى لو عندها عشر بنات، بيتزوجن وتقعد لحالها حتى إن ماتت ما حد يحس عليها لكن أم الولد تقعد مرت ولدها تخدمها، وعيال ولدها يونسوها وما تعول هم لقمتها ولا خيمتها، وأنا بعد جبت هلال شفت السعد كله ربي يحفظه لي ولأبوه."
"سدينة: هلال هلال اتقولي ما حدا خلف وجاب صبي غيرك؟"
"مكاسب:- وأنا إيش عندي غير هلال نشقى بيه هادا ذخيرتي لكبرتي."
شعرت سدينة بغصة في حلقها وبأن الكلام لامس نقطة وجعها، وكأن مكاسب متقصدة أن تضع يدها على موضع الجرح وتؤلمها، فنهضت على الفور:
"بالإذن أنا ماشية لخيمتي.. مسك، عنبر يلا قومن رادين لخيمتنا."
"مكاسب:- ارجي انتي زعلتي؟ والله مانقصد انجاكرك أنا زعلانة عشان وليدي، بعده عني قصير، وهو دنيتي وحياتي كلها اللي ماتعودت على بعده."
"سدينة:- الله يحفظه من كل شر هو كمان أخو بناتي وأنا أحبه وما نتحمل فيه الشوكة، ونتمنى أحسن واحد فالقبيلة.. هادا راجل بناتي وسندهن، حتى أنا بعد عنبر ما عاد حملت ما أعرف إيش سوت فيا جندية الفقرية بومبة الجبال يجيها مهمال.. لا والله صرت أعرف إيش سوت، والله لأروح لها وأخلي نهارها أكحل من الفحم.. مسك خدي عنبر وردن للخيمة وأنا شوي وبجي وراكن."
كانت جندية جالسة خارج خيمتها تغزل بالمغزل، ورأت سدينة مقبلة عليها ووجهها لا يبشر بالخير فاردفت لنفسها:
"عليك يوم أسود من الكحل يا جندية، إيش رماها علي هاللي جاية دايرة تغبارة وتعفر فالتراب اتقول ناقة اتبطبط، لا جاك جود أقدامك سود يا سدينة."
"سدينة- جندية انتي يا مبلية.. إيش سويتي لي حتى ما حملت للحين قولي.. قري واعترفي يا نقلع عيونك ونوكلهن لك، ومو بس هيكي، بأخذك وأربطك وأرميك للصقور تنهش لحمك وانتي حية لين تموتي.."
رواية عقاب ابن الباديه الفصل السادس عشر 16 - بقلم ريناد يوسف
خلصي وقولي يا خرفانة يا جيعانة
جندية: انسدي سد مبلعك ياسايبة.. قدك أنا تشتمي وتهزبي فيا؟ أنا قد أمك جاك مو يام ضمير أكحل.. مو ناقصني مهابيل أنا.. غوري من هنا لنندهلك عمتك عوالي.. وانتي عارفه الشيخة عوالي ويش تسوي فيك.
سدينة: أنا اللي هعدي لعمتي عوالي.. جاك السم الهاري.. بحكيلها عملتك انت ومكاسب.. وهي تصطفل معاك.
جندية: ويش سويت فيكي أنا؟ وليش أسوي فيكي شي؟ انتي اللي عقرتي وعنقودك انقطع ومولادك جف وماعاد بيكي خير.. ولزوم قصير يجيب الثالثة عليكي يا وجه البوم.
سدينة: والله مولادي ما جف.. انت اللي سويتي فيه شي.. واني راح أصلي وأدعي عليكي لبين ماربي يجيبلي حقي منك ياعجوز البين.. وبعرفك يا طماعة يابياعة.. تلاقيكي خدتي قطعتين ذهب من خساير.. وسويتيلي شي خربتيني.. تخرب مصارينك إن شاء الله.
جندية: والله مكاسب ماتعرف الخبث اللي تفكري فيه.. سبحان من خلاكم بنيات عم وضراير.. واحدة شايلة من الزين والعقل.. ووحدة كنها جنية طلعت علينا بليلة كحلة من قلب الصخور.
سدينة: جنية تلبسك يا جندية وتشيلك وترزعك عالأرض تفتفت أعضامك.. وماتخلي فيكي عضمة جار أختها.. والله لا أقول لكل نساء القبيلة جندية الفقرية تاخذ ذهب وتخرب الحريمات وتقلب مولادهن.
جندية: قلب وجهك لوجه قرد يافانص.. غوري.. غوري لافتح قرنك.
قالتها ثم بدأت في جمع الحصى ورميه على سدينة التي غادرت مسرعة على خيمة الشيخة عوالي.
وفور أن أصبحت أمام الخيمة حتى جلست أمامها وأخذت تصرخ وترفع الرمال وترميها على ملابسها وفوق رأسها:
واااااااااك عليكي ياسدينة وااااااك، وقعتي بيد مكاسب وجنديه.. وحدة تقلبك والتانية تعايرك... وااااك علي حظك واااااك.. أنا لو ليا ضهر ماننضرب على بطني.. لو جايبة الوليد ما أكون ملطشة الفوانص.. خساير والخروية جندية.
خرجت عليها عوالي وهي تحمل عصى خشبية وفوراً قامت بضربها على رأسها وهي تهدر بها:
صكري فمك وبطلي نواح.. رجفتي قلبي كنك لبسك جني.. جاك محماط يمحمطك.. هتقضي علي في يوم يام وجه شوم.. ويش فيك شلتي تراب الصحرا كله فوق راسك الخربان.. اصمتي وفهميني.
سدينة: ياعمة... ياعمة... ياعمة..
عوالي: والعمى اللي يعميك.. تكلمي...
قالتها وضربت سدينة بالعصى مرة أخري فوق رأسها.
سدينة: ياعمة مكاسب تعايرني وتجاكرني بولدها.. ودها تحرق قليبي.. وجنديه خربتني.. صرت ما أحبل ولا أجيب ولاد.. مكاسب عطتها دهب وقروش وحرير.. وسونها سوار.
عوالي: حييييه عليا حيييه.. من وين جبتيلي هالحكي أنت؟
سدينة: هنن متفقين.. بعرف بعرررف.. أصلاً مبينة.. والرضيع يفهمها.. واللي مايفهم اللي سونه بيكون جحش.. لا والله ما حصل جحش.
وهنا فتحت عوالي فمها بصدمة ورفعت عصاها هذه المرة لتنزل بها على سدينة تضربها في كل مكان وتصيح:
يعني أنا ما حصلت جحش؟ يا كلبة الوديان يام قمل ودبان.. والله اليوم لا قص لسانك وأعلقه برقبة جحش من اللي تقولين عليه.. لا وليش لسانك.. اليوم نحلقلك عاللحم وأخليكي تشبهين مسعود الأقرع.. بلكي إذا خف الشعر عن مخك يدخله الفهم.. ما يزه.. يااامايزه جيبيلي المقص قوااااام.
سدينة سمعت هذا الكلام وانتفضت واقفة وأمسكت نعليها كل بيد وجرت من أمام عوالي وهي تصيح:
واااااك أعليا خربوني وخلوني ما أجيب ولاد.. وفوقها الشيخة ودها تحلقلي شعراتي.. وين أروح منكم يالظلااااام.. ويييين أرووووووح.
عوالي: العمى اللي يعميك ياسدينة.. صايرة مهبولة واهبالك كل يوم يزيد عن يوم.
مايزة: اعذريها ياشيخة.. قلبها محروق وتعرفينها تغار.. والغيرة حاميه.. ومن يعرف يمكن مكاسب بدت تجاكرها وتكايدها.. هي أي عاقلة بس تضل ضرة.. والضرة مرة وتتلون متل الحرابي.
عوالي: شيعيلي على مكاسب الحين.. ودي أشوف الحق مع من.. والعايبة ياويلها مني.
أتت مكاسب على الفور مع مايزة وهي تعلم ماتريدها فيه الشيخة.. وجميع دفاعاتها حاضرة.
فدلت للخيمة وأول ما استهلت به حديثها:
وغلاوة ابني اللي ولد خوكي.. حارق قلبي عليه.. ما قصدت لا أغورها ولا أجاكرها.. ولا جا ببالي إني أكايد بوليدي وحيدي وأباهي بيه.. وبعرف أن اللي يباهي ويغور بنعمة تزول من يده.. واني ولدي عندي بالدنيا كلها.. اني حلفتلك بالغالي تصدقي.. تصدقي ياعمتي.. ماتصدقي ويش ماتحكمي بيه يمشي على هالرقبة.
عوالي: يمكن ماغورتي ولا جاكرتي.. بس تسرسبتي في كلامك.. وما حسبتيله حساب.. وهالشي يوجع يامكاسب.. راعي إنك كنتي بمكانها.. وقصير تزوج عليكي لأنك قليلة ولد.. المفروض قلبك يكون فيه حن عاللي خذت مكانك.. وانت الله عوضك ورزقك.
مكاسب: بهاي الحق معك ياعمتي.. اني دجيت كلامي دج وما حسبته.. بس والله كنت نحكي من قهري على وليدي اللي بعده عني.. قصير حرمه من حناني واحضاني.. ورماه رمية الكلاب الجربة.
عوالي: ويش عمل فيه قصير.. يعني لتحكي هالحكي؟
مكاسب: يرضيكي ياعمتي.. يحرم عليه مجلسي وخيمتي.. ويحطه مع الصغار بخيمتهم.. ويقوله لا تسمع كلام أمك؟
عوالي: أي يرضيني يامكاسب.. اتركي الوليد لابوه يربيه.. وحيري ببنياتك.. خلص خلفتيه وكبرتيه.. وما عاد لك حكم عليه.. صار أمره بيد أبوه.. صكري فمك.. واللي يصير على كل الحريمات يصير عليكي.. واللي يصير على وليداتهم يصير على وليدك.. قولن مافي غيرها جابت صبي؟ والحين يلا ردي لخيمتك.. وإذا أسمع شكوى منك مرة ثانية بعمل فيكي اللي ما يعجبك يامكاسب يابنت خوي.
مكاسب: أمرك شيخة.. آخر غلطة.. العفو والسماح منك.
عادت لخيمتها وأمام الخيمة وجدت قصير يشد أحد حبال الخيمة ويربطه جيداً في الوتد.. فاقتربت منه وبغضب حدثته:
ان شاء الله ارتحت تو ياقصير.. بعدت عني وليدي الوحيد.. ورايح ترميه بحضان الوبا.. وهو ما عنده أخو يسنده.. ولا عندنا وليد غيره.. حتى بعد زوجناك لتجيب ظكور ماجبت.. زودت البنته بنيات.. الباين كيف ما يقولو.. الراجل هو سبب جنينه يا وليد.. يابنية والمرة مالها دخل.
قصير: ايش تقولين انت؟ .. يعني أتزوج الثالثة وأشوف الذكور والبنيات.. مني ولا منكن؟ ما أنتو بنات عم وطرحكم كله واحد.. وهي ما طلعت لامها.. طلعت عليكي بس تجيب بنيات.. لا وجاية ترمين السبب عليا.. والله يامكاسب لو فيا حيل لوجع الراس.. لأجيب عليكم التالته والرابعة.. بس اللي حايشني عنكم.. إني مو فاضي.. واللي ورايا هم قبيلة بحالها.. وبعدين انت ليش عاملة مناحة.. ليكون اللي بيصير مع ولدك ما صار مع غيره!
مكاسب: وليدي مو متل غيره ياقصير.. وليدي وحيد وخايفة عليه.. وبس جيت أسألك كيف قلبك طاوعك عليه؟
قصير: أريده راجل متل عقاب.. ينضرب بيه المثل بكل مكان.. وأدعي ربك أن وليدك ينولها.. وصكري فمك.. أنا ساكت داير حساب أن قلبك متأخذ على وليدك.
مكاسب: بس مو بهي الطريقة ياقصير.. وماتروح ترميه لصبيان صغار يديرون فيه شو مابدهم.. ويقسون عليه ويعذبونه.. ويخلصون منه عذابك فيهم.. أشفق على وليدك الوحيد ياقصير.. لا تتركه بيد غريب.
قصير: الغريب اللي تحكين عليه.. عقاب البوادي وصقرها.. وأريد ولدي يصير متله.. والله وقتها ما أعطي حدا بكل القبايل معي.. وأمشي رافع راسي للسما فيه.. إذا صار وليدي عقاب مثله.. والحين تصكرين فمك وتروحي من وجهي.. وإلا امد يدي عليكي يامكاسب.. وأبلعك لسانك اللي مابقى يجيني من وراه غير أوجاع الراس.
في اليوم الثاني خرج هلال مع آدم ورابح ورجوة وسالم لأول مرة.. وقضى هلال ساعات النهار كلها معهم.. ولأول مرة يمشي كل هذه المسافات.. ولأول مرة يركض ليحضر الأغنام من هنا وهناك حتى أنهكه التعب.. وطوال الوقت أمه مكاسب تدور في الخيمة قلقة.. تتساءل تُرى ماذا حل به الآن وكيف حاله.. فهدرت بها رجوة التي كانت متكئة تأكل من حلواها الخاصة بتلذذ:
ويش فيك يامكاسب.. متمغمطة بس غاب عنك هلال نهار! .. وأنا اللي أغيب عنك يومين ولا شهرين.. ماتسألي فيا.. والله إنك أم ظالمه.. وربي راح يشويكي على الصيخ.. كيف مانشوو الكبش.. وتنقطين دهن من كل مكان.. وأنا راح أمسك دراع الصيخ وأديره.. لاجل تتحمري من كل جنب.. فوق وتحت.. ليذوب اللحم.. ويقعد العضم.
مكاسب: الله يشويكي شوي يارجوه.. ويشوي لسانك الفالت.. خزي عليك.. إني أمك يافانص.. كيف تحكي معي هيك؟
رجوة: أي كل ما تفوهنا بكلمة فانص وفانص.. انتي وعوالي الجنية.. وكل ما أمر على حدا.. يقولي وين رايحة الفانص.. من وين رداه الفانص.. والله اللي يقولي يافانص مرة ثانية.. لأكون مسوياله مثل سالم.. وأحطله تين فسرواله.
مكاسب: والله انك ماتستحين.. ولا عندك حيا يا عديمة الحيا.. وتو أطلعي من الخيمة.. وأتركيني بهمي.. ولا أسوي حفره وأدفنك بأرضك.
رجوة: الشيخة قالتلي ماتطلعين لحين تطيبين.
مكاسب: قالتلك ثلاث أيام.. ولكي عشرة راقدة.. وتتوجعي بالكذب.. وكل اللي سوتها معك.. قامت وتجري وترمح بين الخيام مثل السعدان.. بس انت عجبتك النومة.. ومجايب سالم ليكي كل يوم.. ينزل الحضر مخصوص.. يحمل ويجيب ويحط بحجرك.
رجوة: وانت ايش قاهرك بنومتي ومجايب سالم؟.. ما حتى انت طايلك من المحبة شوي.. أسمع بالليل حس القرمشة.. وأفتح عيوني أشوفك حاطة راسك بالكيس.. وتاكلين من حاجتي.. كيف الفار.. وما أرضى أحوشك.. أقول خليها تاكل.. حرام.. يمكن تموت.. ونفسها بيهم.. وأتسمم أنا بعدها.. ما أتهنى بيهم.
مكاسب: والسسم اللي يسمك.. والله إذا ما طلعتي من الخيمة هالحين يارجوه.. لاجيب الشيخة عوالي تعاود عليكي الختان.. وتعلمك الأدب.
صرخت بها رجوة بغضب:
ويييش ضل تختنه.. ما ضل شييي.. خلي تقطع رجولي هالمرة.. والله لا أقول لابوي يجيبلنا أم غيرك.. وهانا في خيمتك.. وفرجيني.. ايش بتساوي.
مكاسب: والله يارجوه.. لا أكون قاصة لسانك.. بس أروقلك.. إنما الحين أنا مو رايقة.
رجوة: أيي.. ضلت رجوه للقصقصه.. كل اللي رايح واللي جاي.. يقص منها شي.. قص أعماركن.. إن شاء الله.
ظلت مكاسب على قلقها.. وخرجت من الخيمة تراقب الطريق وتنتظر عودة إبنها.. حتى رأت سيارة قصير عائدة من بعيد.. من ناحية وديان المراعي.. فانفرج ثغرها عن ابتسامة وهي تردف لنفها:
جا وليدي.. نبض قلبي جا.
ولكن حين اقتربت منها السيارة.. وجدت بها قصير والجميع ماعدا هلال إبنها.. فسألتهم بخوف:
وين وليدي.. وين هلال.. ليش ما عاود معكم؟
ليجيبها آدم بهدوء:
عمي قصير تركه.. وقاله يعود لحاله للخيام.
وهنا صرخت مكاسب صرخة جلجلت القبيلة.. ثم هرولت على خيمة الشيخة عوالي تشكوا إليها قصير وأفعاله:
ياعمة.. عمتي عوالي..
عوالي: تعي ياعمتي.. تعي.. ويش فيك.. حسك يرجف؟
مكاسب بعياط: تو أنا ما صدقت حصلت نتفة وليد.. وعشانه تحملت واجد.. وما زال أنتحمل.. لكن ولد خوك قصير يريد يقتله.. وما واخذته بقلبي شفقة ولا رحمة.. يرضيك يا كبيرتنا.. يرميه فالوادي بعد المغرب.. وسيبه.. ويقوله رد للديار أوحدك.. كنت بلكي ذيب ولا سبع طلع كله.. وما رد.. ويش أسوي أنا بروحي؟
رواية عقاب ابن الباديه الفصل السابع عشر 17 - بقلم ريناد يوسف
عاد قصير إلى القبيلة، وهناك جاءه مرسال بأن شحنة الأسلحة هذه المرة زادت ما يعادل ربع الثمن، وبأن كل شيء ارتفع سعره. فلم يعلم ماذا يفعل.
أيتمم الصفقة وحينها يكون قد خسر أموالاً طائلة ويسبب خسارة فادحة لعمه الشيخ منصور؟
أم يرفض الزيادة ويلغي الصفقة، وبهذا يخسر أكبر مورد لهم ومن يعتمدون عليه الاعتماد الكلي في جلب الأسلحة بالجودة التي اعتادوا عليها، والتي لم تتوافر مع أي مورد آخر غيره؟
فكر في اللجوء للشيخ منصور في القرار، ولكنه تراجع وهو يقول لنفسه:
"لا مو زينة في حقي أقول للشيخ، يكفي ما هو فيه. هانتصرف بروحي ونعتبر إني صرت شيخ وقابلتني المشكلة وتوجب عليا حلها. وتو يا قصير فكر وأوصل للحل اللي ما يقصر رقبتك قدام عمك وأهل القبيلة. ومن جانب آخر ما نخسر فلوس واجدات. إني بس لو نعرف كيف نوصل للي يورد السلاح بدون وسيط كان كل شيء انحل."
ابتعد بسيارته وجلس فيها وحيداً يفكر. وفي النهاية اهتدى إلى باب طرق.
"إن خلفه ما يتوقعه منه، فذلك بمثابة الفوز العظيم."
فأدار محرك سيارته، وتوجه للحضر، للمبنى الذي فيه آدم وسالم. وهناك جلس معهم ووجه حديثه لآدم قائلاً:
"يا عقاب، اليوم أريد أشوف لوين وصلت باللي تميت أعوام تتعلمه. اليوم ودي منك تتواصل مع الشركة اللي تصنع السلاح بروسيا وتطلب لنا منها طلبية، وتعرف الأسعار، وتقول لها ما تشيل هم النقل، نحن علينا كل شيء، هما بس يطلعوا لنا البضاعة من مخازن مصانعهم والباقي علينا."
آدم:
"أي يا عم، بس هالشي فيه مخاطرة لأن طلب شحنات الأسلحة بتوصل بيه تنبيهات فورية لوزارة الحربية بس يتم على أي جهاز. إلا إذا كان تبع الحكومة ومصرح له بالتجارة بالسلاح، غير هيك يروح المستورد بشربة مي. هكي علمني المهندس."
آدم:
"لا تخاف، إحنا مشمولين بحماية الحكومة، وبالأصل السلاح للجيش، بس لما يكون التعامل رسمي بين حكومتين القروش حق الشحنة تزيد أضعاف. وغير إن العالم كله يسمع بأن الدولة دخلت سلاح وينقال إنها تستعد لحرب، ومنها الدول تتأهب وأي غلطة حتى لو ما محسوبة تكون بداية عداوة. المهم إحنا ما علينا بوجيج الراس هذا، إحنا يهمنا إن ظهرنا محمي وبس. حتى لو خذناه من العفريت الأحمر."
آدم:
"تم، جيب لي أنت اسم الشركة وبريدها الإلكتروني وأنا أتواصلك معاهم وأبلغهم اللي انت عايزه."
آدم:
"تعرف يعني؟"
آدم:
"قول غيرها، أنت تحكي مع العقاب، النت الأسود. دخوله عندي أسهل من شربة مي."
آدم:
"زين، خد اسم الشركة ودور عليهم واحكي معاهم."
وبالفعل بدأ آدم يبحث حتى عثر على بريد الشركة الإلكتروني وعنوان التواصل وأرقامهم وبدأ في مراسلتهم.
أما عند الشيخ منصور:
أخذ يتنقل ما بين حجرة عايدة وحجرة محمود. فقد فصلهم الطبيب وأخرج عايدة من غرفة العناية المشددة بجانب زوجها لغرفة أخرى، وذلك بسبب أنينها المستمر، والذي يسبب إزعاج لمحمود، وقد يؤثر بالسلب على حالتها.
وكان في كل مرة يرى فيها مدى سوء حالتهم التي لا تتحسن يهمس لنفسه بحسرة عليهم وعلى آدم معهم:
"يا رب ما تقبض أرواحهم إلا بعد يردلهم وليدهم ويشبعون بشوفته، ويسقوا زرعة قلبه اللي ماتت من عطش الحن والشوق. يا رب محمود مسكين وعاش كل عمره فكد وشقى وتعب لا تخلي نهايته تصير هيك، والله صعيبة يا ربي."
انتبه على يد توضع على كتفه، وكان صاحب المشفى صديقه الشيخ نمر، فجلس بجانبه وقال له:
"شايفك شايل هم الزوز هادول كنهم من دمك يا منصور ويش القصة؟ خليت المشفى تنقلب لهم ودخلنا الكل بحالة طوارئ وقلق، فيك تحكي لي مين هدول أو إيش علاقتك فيهم؟"
منصور:
"هدول يا نمر أغلى عندي من اللي من دمي. هدول يا نمر أمنوني أمانة وأنا ما ودي يجرى لهم شيء قبل أرد لهم أمانتهم مثل ما وثقوا فيني وأمنوني عليها. هدول اثنين قلوبهم موجوعة بالفراق وخايف يموتون قبل لا ترتوي قلوبهم بجمعتهم مع غايبهم. والحين ودي تصارحني بحالتهم إذا فيه أمل للشفاء أو ما في، لأن إذا ما في أمل أشيع أجيب وليدهم ليشوفهم لآخر مرة."
نمر:
"شوف يا شيخ أنا ما راح أكذب عليك. حالة المرة زينة وبتتحسن وراح تطيب بعون الله. لكن الرجال حالته صعيبة كثير، وحتى إذا عاش ما راح يعيش مثل الخلق والناس، راح يعيش مشلول ما راح يمشي على اقدامه."
منصور:
"يا يابا مشلول مشلول بس يعيش. أنا ودي ياه يصير بس نفسه بالدنيا ما بدي شيء ثاني. طول ما نفسه بالدنيا ابنه بأمان وأنا قليبي مرتاح. والحين له علاج بمصر ولا أبعته للخارج لنختصر وقت وجهد؟"
نمر:
"والله يا شيخ إذا بتبعتوه للخارج لإيران يكون أفضل، لن هناك في طبيب مختص بالحالات اللي مثل حالته مشهور كثير وعالج كثير حالات متشابهة أو على القليلة خلاهم بأحسن حال. صحيح في منهم اللي ما تم شفائه بس اللي يتعالج على يده صار حاله أحسن."
منصور:
"زين أعطيني اسم الطبيب وعنوان المشفى، وأنا من غدوة بحجز له طيران وباخذه وأسافر بيه. والمرأة عندك أمانة لا حدا يعرف هي مين ولا حدا يوصلها لحين ما أعود. بس قصير تتواصل معه إذا احتجت أي شيء، وتحطها بغرفة لحالها ما حدا يوصلها إلا طبيب ثقة أمين على السر. هاي أمانتي عندك يا نمر لحين عودتي ويا ويلك مني إذا فرطت بالأمانة. وقتها ما راح يكون زعل ولا راح يكون غضب، راح يكون شيء أكبر. هاي المرأة ورجالها يسوون عندي أكثر مما تتصور. والحين ودي حدا من رجالك يعرف طريق خيامنا لأدزه على قصير وأد خوي يبلغه رسالة ويعود."
نمر:
"تأمر يا شيخ، اعتبره تم. الحين ببعت لك حدا من رجالي أمين على الروح. تدزه بالمطلوب وما تشيل هم."
وبعد قليل أتى رجل لمنصور يسمى شعيب، وقف أمامه وأردف:
"حياك الله يا شيخ، أنا شعيب بعثني الشيخ نمر، اؤمرني إني خدام."
منصور:
"ما يأمر عليك ظالم يا وليدي، أنا ودي تروح البادية لقصير ولد أخوي، تعرفه ولا ما تعرفه؟ حتى لو ما تعرفه اسأل عنه رضيع البادية يدلك عليه."
شعيب:
"لا بعرفه يا شيخ، كيف ما بعرفه يعني، ما في حدا ما بيعرف قصير. والنعم من قصير، والله له بقلب كل القبايل بصمة. حملني الرسالة وأنا شيال."
منصور:
"والنعم منك يا وليدي، قله عمك الشيخ منصور يقول لك فهم الأمانة كل شيء وهاتها لتشوف بعينها كل اللي جرى، وما تخبي شيء ولا تجمل شيء. وقبل غدوة يكونوا عندي، ويجيب لي معاه قروش واجدة وثياب. قله ما تغيب على عمك ما في وقت."
انصرف شعيب فور أن تلقى الأوامر وذهب إلى البادية، وأخبر قصير بكل شيء. وفهم قصير الرسالة وضاف شعيب الضيافة اللائقة. وبعد انصرافه أخذ سيارته وذهب بها إلى آدم وسالم. وهناك بمجرد دخوله سأله آدم بقلق فور أن رآه:
"ويش فيك يا عمي، وجهك يقول إنك شايل أخبار مو زينة؟"
قصير:
"والله إنك لماح يا عقاب. أي يا وليدي أنا عندي أخبار مو زينة ولا راح تعجبك بالكل."
آدم:
"طيب يا عمي انتظر لأني أنا عندي أخبار بال أول، أقول لك اللي عندي وبعدها هات اللي عندك. إني قدرت أتواصل مع الشركة الروسية تبع الأسلحة وعرفت منها الأسعار، واتفقت معهم على طريقة التسليم، وهم أعطوني السعر وكنت راح أخبرك بيه."
وقال له آدم السعر الذي أعطته له الشركة والذي جعل قصير يفتح عيناه على وسعهما. فقد كان السعر أقل بكثير أو يعتبر أقل من نصف السعر الذي كان يدفعه في البضاعة سابقاً، أي أن هناك استغلال كان يحدث ولم يكن يعرف بأمره. فقال له:
"الحين يا آدم دز للشركة رسالة اطلب فيها طلبية وحدد المكان والزمان اللي يسلمونا فيه السلاح بال أول قبل ما أخبرك بشيء."
فاتجه آدم نحو حاسوبه الذي اشتراه له قصير في المرة الأخيرة، وفتحه وبدأ في مراسلة الشركة.
وما أن تمت الصفقة والاتفاق على كل شيء حتى أغلق حاسوبه ونظر إلى قصير:
"ها يا عم، الحين انتهينا من الصفقة والسلاح. قولي ويش اللي عندك ومكدر أحوالك؟"
فجلس قصير بجانبه وأمسك بيده وقال له:
"أوعدني ما تنفعل ولا تثور وتضلك عقاب العاقل مثل عهدي بيك، ما تتهور ولا تعمل شيء يخرب علينا كل اللي عم نعمله من سنين طويلة إني والشيخ منصور."
آدم:
"يا عم ويش فيك خليت قلبي رجف رجيف؟"
قصير:
"يا آدم تتذكر الرجال اللي جانا يسأل عنك؟ هذا يكون عمك وهو نفسه قاتل أخوك والحين قاتل أبوك وأمك وقتالك أنت لو ما أبوك جابك لعندنا وخباك منه ووراك عن عيونه. والحين عرف مطرحك وجاي يدور عليك لا يخلص منك. ولما ما عرف يوصل لك تخلص من بوك وأمك."
انتفض آدم وهب واقفاً وسأله وهو لا يستوعب الذي قاله للتو:
"ويش تقول أنت يا عمي ويش هالحكي؟"
قصير:
"هاي الحقيقة يا وليدي والحين بوك وأمك بالمشفى بتوقع يلفظون أنفاسهم الأخيرة. لهيك الشيخ منصور دز عليا وقال خبر آدم كل شيء وجيبه لعندي. بالامس أنا وهو نقلنا أهلك لمشفى تبع صاحبه وغيرنا المشفى اللي كانوا فيها حتى لا يتعرف عمك عليهم، واليوم أكيد جدت بالامور أمور. وتو هيا بينا نروحوا لتودع أمك وأبوك."
جلس آدم وهو لا يستطيع تمالك أعصابه، فبدنه صار يرتجف وكل خلية في جسده سرت فيها قشعريرة، ونظر إلى قصير وقال له بصوت متقطع:
"أمي وبوي هم اللي جوني بحفل نجاحي صح ولا أنا غالط يا عمي؟ هي الحرمة اللي تبهذلت بسببها مو هيك؟"
قصير:
"آه صح يا وليدي هم."
أغمض آدم عيناه وأردف بحسرة:
"آخ يا وجع القلب. والله حسيت بالحرمة إنها ودها تقول شيء، حسيت إنها قريبة مني، حسيت عيونها تحكي كثير حكي، حسيت إنها ودها تاخذني بأحضانها وأنا ما بعرف ليش كان ودي أضمها! ليش يا عمي ما خبرتوني هم مين وقتها، ليش ما خليتوني أضمها وتضمني؟ هاي أمي، كيف كانت واقفة قدامي وتمالكت حالها وما أخذتني بحضنها، كيف هان عليها، كيف تحملت؟"
قصير:
"غصب يا وليدي أنت ما تعرف قديش أبوك جاهد ليمنعها وقديش هي تعبت. ما تتذكر وقت شافتك ارتمت على الأرض، ما تتذكر عيونها طول القاعدة عليك ما فارقوك ولا لحظة، ما تتذكر كيف مسكت يدك تحبها وما كان ودها تتركها. أمك مغلوبة على أمرهم وأبوك كمان اعذرهم. لو كان عليك صعب مرة هو عليهم صعب مرات يا وليدي."
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ريناد يوسف
أما في الباديه..
- وين وديتوه؟
- سالم، ودي سالم. الله لا يوفقكم. من ساعة اللي راح ما عاد حد جاب لي شي. ونفسي في الحلا الأسود. وين وديتوه؟ الولد يا نايم.
كاسب:
- صكري فمك يا أم كرش. ايش تريدين؟ يضل سالم تحت رجولك يجيب ويودي؟ لتكوني اشتريتيه من سوق العبيد، سالم ونحن ما ندري؟
- أنت مالك علاقة ولا تعترضي. أنت اشقي بهلالك واتركيني أنوح على النافع. ما كل حدا ينوح على مصالحه.
- ولك قص هاللسان إن شاء الله.
- ولا راح يتقص ولا شيء. وكل يوم يطول زايد. وبعدين ليش زعلانه؟ ما حتى أنت انحرمتي من قرمشة نص الليل مثلي. شوفي وشك اللي رد من وكل سالم وحلاه كيف صار أصفر بس انقطعت المجايب يومين.
- الله يقطع أوصالك يا سليطة اللسان يا فانص.
- أي إني فانص.. إني فانص فانص.. إني فاااانص ياهووو.
قالتها وهي تخرج خارج الخيمة وتفرد ذراعيها بحرية، وكأنها تخبر الجميع بحقيقتها التي لا تخجل منها ولا يهمها اللقب. إذ كان سيطلق عليها وهي تدافع عن نفسها. فخرجت عليها أمها بالعصى، فجرت منها وهي لازالت تصرخ: "إني فاااانص وما يهمني.. فانص القبيلة إني."
وهنا آتاها صوت عوالي:
- مايزه.. جيبي لي هالفانص اللي تلالي لخيمتي هالحين.
وهنا انطلقت رجوه مبتعدة بأسرع سرعة لديها، وكأنها قد أخرجت جناحين كانا مخبئين تحت ملابسها وضربت بهما الهواء فحلقت. فتعالت صيحات عوالي عليها:
- لوين ودك تهربين؟ مرجوعك لعندي. مايززه قولي لوليدات وبنيات البادية اللي يجيب لي رجوه الفانص ليه مني حلا وفلوس وأي شيء يطلبه. يا أنا يا الفانص اليوم بالقبيلة، إلا ما أبيتها مسكوعة سكع.
ابتعدت رجوه القدر الكافي ثم جلست تلتقط أنفاسها وهي تردف:
- الله لا يوفقك يا مكاسب. طلعتي العفريت اللي جوايا. وتو عوالي الجنية ايش بتقص مني. والله ما في شيء ينقص. يارب أعاود ألاقي ملك الموت قابضها قبل لا تقص ولا تلصع.
صعدت رجوه بعد ساعتين تقريباً، وبنفسها وكامل إرادتها ذهبت لخيمة الشيخة عوالي ودخلتها وهي تحدث نفسها بأن العقاب سيؤخذ سيؤخذ. وحدوثه أهون من خوف انتظاره. فوقفت وهي تفرك يديها ببعضهما وترسم دوائر بأصابع قدمها الصغير في الرمال وهمست لعوالي:
- جيتك بروحي يا شيخة. ما راح أستنى حدا يجيبني. يلا قصي اللي تقصينا وخلصيني. بس يكون بمعلومك الله ماراح يسامحك. وكل شيء قصيتيه مني بالدنيا راح ينقص قدا مرتين بالآخرة. وشوفي إنت قص الله كيف يكون وقديش يوجع. والله ليكتفونك الملائكة وما يخلونك تفلفصين.
نظرت إليها عوالي وهي تحاول كتم ضحكتها. أما مايزه فغطت وجهها بشالها وضحكت من خلفه، وأخذ جسدها يهتز ولكن دون صوت.
عوالي:
- اقربي يارجوه واجلسي هانا أحذاي.
اقتربت رجوه وجلست على ركبتيها أمام الشيخة في وضع استعداد لما ستفعله بها. فسألتها عوالي بنبرة حانية وهي تنظر إليها من رأسها لأخمص قدمها:
- قولي لي يارجوه، ليش تسوين هكي؟ يعني ليش لسانك طويل وما تحترمين حدا ولا تخافين؟ ليش يابنيتي بايعه المستحى وتخليتي عن الحيا اللي يزين البنية ويزيد جمالها وزينها؟ ليش صرتي فانص وفرحانة بروحك بعد وتحكيها كأنها مدح؟ وليش تكرهين أمك وتريدينها تكرهك من أفعالك؟
أجابتها رجوه وقد تجمعت الدموع بعينيها وبدأت بالهطول على الفور:
- أمي بالأساس ما تحبني لتكرهني. أمي ما تحب إلا هلال. وهي أصلاً ما إنها أمي. هي وحدة ولدتني ورمتني. أنا أمي معزوزة خيتي والماعز مرضعاتي. تدرين أنا وقت تنذبح معزة أزعل عليها أكثر ما تنذبح مكاسب. هادول عطوني حليبهم وهي منعته عني. وقت أشوف الحلال كيف حناين على صغارهن أحس بالغيرة لأن أمي ما حصلت حتى عنز. ولا قلبها فيه حن علي. لا وتجيني ودها تقولي سوي هيك وهيك ونسمع ونطيع. وغير هيك هي وزوجها بعدوا سالم عني. سالم اللي كان يشتري لي الحلا الأكحل ويجيب لي كل شيء حلو ويحن علي ويحاديني. كيف ما يكونوا استكتروه على رجوه! قولي لي يا شيخة ليش يبعدون عني أحبابي؟ ليش ما أنا ساكتة وأنا شايفة محبتهم لهلال ومحادثتهم ليه ليل نهار والكلام الحلو والقروش والحبيبات. تعرفين ياشيخة أمي تحب هلال خوي أكثر ما تتنفس. كل ما يسوي شيء، كل ما يقول شيء، هو صاحي، هو راقد تميل عليه وتحبه. في الشتاء تقضي الليل بطوله تلفلف فيه وأني أنزاح الغطا من فوقي لتيجي تغطيني والله تبص علي بعيونها وما تغطيني، وتتركني لين أنموت من الصقيع وأشد الغطا على روحي مرة ثانية. ولا أبوي اللي بس هلال يقول شيء يفسخ ضبه من الفرحة وبس يشوفه جاي علي كأنه شاف هلال العيد مو هلال وليدها.
شفقت عليها عوالي وهي ترى ما فعلته بها مكاسب نتيجة قسوتها عليها، ومن كم الوجع الذي تنطق وتشعر به البنت برغم صغر سنها، تتحدث وكأنها شخص بالغ عانى من الخذلان حتى تأثرت شخصيته وتغيرت. فأجابتها بصوت حنون:
- بس رغم كل شيء يحبونك يارجوه وما يتحملون فيك الهوا. الأب والأم ما يكرهون وليدهم مهما قسو عليه.
- لا ما يحبوني، ولا حدا بكل هالقبيلة يحبني غير سالم ومعزوزة ومن بعدهم رابح وعقاب. غير هادول أنا ما عندي أحباب.
- طيب ولو قلت لك أنا ودي أصير من ضمن أحبابك وتصيرين أحبيبة قلبي ويش تقولين؟
- وتبطلين قصقصة فيا؟
- أي وأبطل قصقصة فيك، لأنك راح تكونين حبيبتي، وغيرها أخاف من قصقصة الله.
قالتها وضحكت. ثم فردت ذراعيها لرجوه وحثتها بعينيها للإقتراب والدخول بين أحضانها. وما إن فعلت هذا حتى ارمت رجوه في حضنها وعانقتها بيديها الصغيرتين، وهمست بجانب أذنها:
- الحين بس أصلي بقول لربي خلاص ماتقبض روحها صارت حنونه، وما راح أقول عليكِ عوالي العفريتة مرة ثانية.
فتحت عوالي عينيها على وسعهما ورفعت حاجبيها وردت عليها:
- كنتي تدعين علي؟
- لكن ويش أسويلك وأنت كل ماشفتي وجهي الفانص والفانص وبس ودك علي فرصة تطالعين مقصك وتقصين مني؟!
ضحكت عوالي وضمتها إليها أكثر، أما رجوه فاغمضت عينيها وهي تشعر للمرة الأولى بحضن الكبار كيف يكون، ودفئ حضن الأم كيف يبث الاطمئنان، بالرغم من إن عوالي ليست أمها، ولكن المرء يستطيع منح الشعور الذي يريد لمن يريد وقتما يريد، وعوالي أرادت أن تعطيها حضن وغمرة أم، ونجحت في توصيل الشعور.
أما عند آدم، فأخذه قصير إلى أبيه وأمه، أخذه وهو مشفق عليه من صعوبة اللقاء وشدة الألم. أما سالم فرفض تركه وتشبث به فقد كان يعلم ما سيحدث له والضعف الذي سيصيبه حين يرى أبواه لأول مرة.
وصلوا إلى المشفى وتقدمهم قصير ولحقه آدم الذي كاد قلبه ينفجر من هول الموقف، إنها سنوات طوال يا إلهي، سنوات طوال افترض فيهم آلاف الافتراضات لإبعادهم له، ولم يخطر بباله السبب الذي سمعه بتاتاً.
دلف إلى غرفة أمه أولاً فقد كانت هي الأقرب، أمسك سالم يده وحاول الدخول معه ولكن قصير منعه وهو يقول له:
- اتركه بهاللحظات بروحه مع أمه، يمكن يحب يحكي شيء ما يريد حدا يسمعه.
وبالفعل انتظر سالم على الباب وتقدم آدم وحيداً. وقف بجانبها يتأملها وهي مستسلمة لنومة فرضت عليها، مغمضة العينين. فتأمل ملامحها وقد بدأت ومضات من الماضي تظهر أمامه، فخر على ركبتيه بجانب سريرها وامسك يدها ومال عليها يقبلها بشوق وهو يهمس لها:
- لو تعرفين قديش اشتقت لك وحلمت فيكي، لو تعرفيش اشقد طلبت منك أحضان بأحلامي، لو تعرفين كم ألف مرة فقت من نومي وأنا أقول وينك يا أمي. لو تعرفين القلب كيف تعذب ببعادك. ااااخ يا حبيبة الروح والله حسيت فيكي وقت لمست يدك يدي وتشبثتي فيها، والله حسيت إني منك وإنتي قريبة لروحي وكأن فيه شيء يقول لي ماتبعد عنها. والله يومها ما زار عيني نوم وضليت للصبح أقول مين هي وليش هيكي إحساسي بيها. واتاريكم أمي ونور عيني ونبض هالقلب.
شعر بيدها تقبض على يده وكأنها سمعت كل ما قاله، رآها تقطب حاجبيها قبل أن تئن وتنطق اسمه. وهنا ارتمى على صدرها وضمه بكلتا يديه يخبرها بأنه قريب منها. كم أراد البكاء في هذه اللحظة، كم ود تحرير براكين الدموع التي تجمعت في مقلتيه، ولكنه تعلم وتربى على أن الرجال لا يبكون أبداً، فابتلع غصته وكتم دموعه، وهمس بجانب أذنها:
- آدم هانا جوارك وإنتي بين أحضانه. أنا هانا يا أمي فتحي عيونك بتشوفيني. فتحي وخليني أشوف روحي بعيونك. بالله عليكي فتحي.
وكأنها كانت تنتظر كلماته حتى فتحت عينيها ببطء تنظر إليه، تبسم لها فشهقت وهي تستوعب أنه بالفعل أمام عينيها، جاثم فوق صدرها، ذراعاه تطوقانها، ويتبسم لها. رفعت يد ترتعش موصول إصبعها السبابة بجهاز قياس الأوكسجين وتلمست وجهه، وحينها استجمعت كل قواها كمن أصابها مس واحتضنته وشددت عليه ذراعيها وكأنها تختطفه من الدنيا لتدفنه في صدرها. أما هو فشهق لهذه الضمة القوية المفاجئة، وكأن أمه كانت تنتظر حضنه لتدب فيها الحياة من جديد.
أما سالم فكان يجاهد هو الآخر كي يمنع دموعه من السقوط، ولكن ما كتمه في مقلتيه سال من أنفه، فرفع كمه مرة بعد مرة يمسح أنفه وقد احتقنت عيناه. أما قصير والشيخ منصور فلم تقل عنهم حالتهم. فبرغم القوة والهيبة إلا أن هذا الموقف أكبر من أي ثبات.
ابتعد آدم عنها بعد أن حدثه الشيخ منصور بصوت مختنق:
- كافي يا وليدي اتركها. أمك مريضة والاطباء مانعين عنها الزيارة. والحين تعال لتشوف بوك.
حاول آدم الخروج من بين ذراعيها ولكنها كانت متشبثة به كمن وجد غايته بعد عمر من العناء، فأمسك بيدها سحبها من حوله بهدوء وقبل باطنها وأخبرها:
- بشوف بوي وأعاود لك، وعد مني ما أتركك من بعد اليوم، وعد من وليدك ماراح تفارقي أحضاني، وهو بعد ما ذاق حِن حضنك ما عاد فيه يرجع ينحرم منا. شوي وأرد لك يا ناظر عيني.
أفلتت قبضتها من حوله وتركته، وأخذت تراقبه وهو يبتعد، غير مصدقة لكل ما حدث، أحقاً ابنها كان في أحضانها تواً، قابع فوق قلبها وتشعر بنبضات قلبه المرتجفة. أغمضت عينيها بعد أن غادر الغرفة وهي تحاول الحفاظ على صورته في عينيها أكبر قدر من الوقت، وضمت يديها على صدرها وكأنه لازال فوقه، واستنشقت الهواء الذي لا يزال يحمل رائحته، وأردفت لنفسها إن كان حادثها وألمها ثمنًا لاحتضانه وهذا الشعور الجميل فوالله لأنه ثمن بخس، وهي على استعداد أن تدفعه بنفس الطريقة آلاف المرات وتتحمل الألم مرة بعد مرة إن كانت ستحظى باحتضانه في نهاية المطاف.
وقف آدم أمام غرفة العناية المشددة يراقب أباه الحي ولكن روحه تطوف في عالم الأموات تائهة لا تعلم إن كانت ستسكنه أم ستعود منه. وسمع الشيخ منصور يقول له بحزم وهو يمسك كتفيه ويهزه بعنف:
- شوف حال أبوك وملي عيونك زين. أبوك راقد بأحضان الموت بسبب عمك. عمك اللي موت أخوك وسندك وموت خوه ووده يموتك بأي طريقة. ما كنت أنا وقصير نعدوك عقاب لتطارد أحناش الصحاري وذيابها. كنا نعدوك عقاب لتفترس الحنش اللي خرب عليك حياتك وسكن أخوك المقابر وبعت أبوك وأمك رحلة لجوف الموت. فيه ثلاث شياطين ونسلهم ساكنين بيتك واكلين من خيرك وكل أهدافهم موتك أنت وأهلك وسرقتهم. والحين أبوك إني راح أخذه وأسافر فيه لإيران وراح أعود به معافى بإذن الله، وأمك من الحين بحمايتك وحماية قصير. وأنت وقصير مكاني بالقبيلة. ودي أرجع ما أشوف عليها نقصان ولا فيها تغيير. غير للأفضل واللي يسأل عني قولوا راح لوليده بليبيا زيارة.
والحين يا قصير تروح لراجلنا بالجوازات وتطلع جواز بغير اسم لمحمود وتدفع له اللي يقولك عليه ما تجادل ولا تفاضل. وصورة بتلاقيها من ضمن أغراضي وأوراقي بالصندوق الصغير بخيمتي. يلا اترك آدم وروح الحين سوي اللي طلبته منك.
وانت يا سالم روح معه وما تتركون معي غير عقاب.
سالم:
- لا والله ما أترك أخوي ورفيقي ولو عقص هالرقبة. أنا جيت مع عقاب وما أرد غير مع عقاب، ولو ضل ألف سنة ما أتركه وأروح. يا شيخ ماشايف حالته؟
- ويش راح يسويله وجودك يعني؟
- كثير يا شيخ كثير. بس أنت اتركني الله يرضى عليك وماترغمني عالرجعة، إني وين ما يكون عقاب إني معه.
- خلص يا شيخ خليه معه، وأنا ما ودي شيء من سالم، حتى خليه إذا احتجتو شي من الخارج يطلع يجيبه ويراقب الجو ويقف على باب الغرفة، ليرد الخسيس يحيى. وقتها سالم ينبهه وياخذ حذره. يلا أنا تو هنروح.
فذهب قصير والشيخ منصور أخذ سالم تحت جناحه وابتعد به متجهاً للطبيب يسأله أن يسمح لآدم بالدخول لأبيه لعل صوته يعيده من عالمه البعيد مثلما فعل مع أمه، وتركا آدم يعاود الكرة مع أمه ويعود لاحتضانها، فهذا الحضن فعل ما لم يفعله الطب والدواء.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ريناد يوسف
مرت الليلة على آدم في المشفى، لم يبارح فيها جوار أمه إلا حين يذهب للاطمئنان على أبيه ثم يعود إليها مرة أخرى. يجلس بجوارها ويحتضن كفها بين كفيه تارة، ويقبله تارة أخرى. قاوم البكاء كثيراً، ولكنه تلفت حوله وحين وجد أمه غافية، ووجد نفسه وحيداً لا يراه أحد، حرر دموعه لأول مرة منذ وقت طويل، منذ سنوات عديدة، وتحديداً منذ أخبره قصير أن الدموع لم تخلق للرجال. لم يعد يفهم بعد أن تساقطت دموعه، لِم حُرمت الدموع على الرجال وهي تريح بهذا القدر؟ لِم صنفت من ضمن صفات الضعف وهي تغسل الروح مما يضعفها وتعنيها على استعادة قوتها؟ تباً لقوانين البشر الظالمة، فالله لم يخلق الدموع عبثاً، وإن كانت للنساء فقط، فلم وضعها داخل الرجال؟
نهض عند حلول الفجر، توضأ وصلى، ورفع يديه يدعو الله بأن يعيدهم له سالمين وألا يكتب عليه اليتم منهم لبقية حياته، ويكفي حرمان السنوات الماضية، وألا يفقد حضن أمه الدافئ بعد أن وجده وعاد إليه معه كل الأمان.
عاد إليها متبسماً فقد كانت مستيقظة تنظر إليه ودموعها تسيل من عينيها. اقترب منها وقبل يدها وجبينها ودفن وجهه في رقبتها وهي ضمته إليها بكل حنان. وأخيراً همست له للمرة الأولى بما أذاب قلبه:
"والله يا آدم أنا ما ردتلي روحي غير من إمبارح، من ساعة ما حضنتني وضميتك، أنا رجعتلي الحياة بسبب الحادثة دي."
"وأنا تو اللي حسيت بحلا ونعيم الدنيا ودفوها بعد ما ذقت حلا أحضانك يا أمي."
"أبوك يا آدم.. طمني على أبوك يا بني."
صمت قليلاً وحاول طمأنتها:
"أبوي بخير لا تخافي، عمي الشيخ منصور بياخذه ويسافر به ويعالجه ويصير زين وما به إلا العافية."
سألته بقلق وقد تملك منها الخوف:
"ليه يسافر فيه إيه أبوك، خدني ليه يا آدم بسرعة، وديني لأبوك يا بني."
أجابها وهو يحاول أن يثنيها عن قرار النهوض بتثبيتها بكلتا يديه بحنان:
"والله زين يا أمي زين بس الشيخ يريد يسافر زيادة إطمئنان."
"طيب عايزة أشوفه."
"ما فيكي تتحركين الطبيب قال ما تبرحي سريرك لحين يصرح الطبيب وأنا بعيوني باخدك لعنده، هاويديني ولا تجادلين بالله أعليكي."
"طيب عايزة أشوفه دلوقتي أعمل إيه؟"
"يعني انت ما توثقين فيا؟ إذا أنا بخبرك إنه بخير ليش ما تصدقين؟"
"طيب خلاص مصدقاك بس متزعلش نفسك.. بس ارجوك يا آدم لو باباك فيه حاجة تقولي، أوعى تخاف عليا من زعل أو صدمة، أنا قلبي مش مطمن عليه وخايفة وبعد كلامك عن سفر الشيخ به أنا خفت أكتر."
"لا ماتخافين، أبي راح يردلنا سليم معافى، ونتجمع ثلاثتنا ونعيش سوا وما راح نضيع يومبعاد عن بعضنا مرة ثانية."
صمتت عايدة فقد أنهكها الحديث والجدل وبدأت أنفاسها تثقل، وشعرت وهي تفكر بزوجها، وأن هناك احتمال ألا يتم شفاءه بأن جاثوم قد جلس فوق قلبها وبدنها وشل جميع حواسها.
أما في القبيلة..
الشيخة عوالي لوحت بيدها لقصير، وما أن أتى لها حتى قالت له:
"يا قصير خدني معاك لو كنت معدي لعقاب وأمه."
"أي ياعمتي إني رايح لهم الحين هيا،، وأيش اللي معاك هادا؟"
"هادي خبزة تنور وربع كبش مدفون لعويلتي عقاب وسالم مو متعودين على أُكَال المشافي."
"زين ياعمتي اللي سويتي لهم أُكَال والله ما تذكرتها وقلت نشتري لهم من هناك."
"لا لا تشتري وتعذب حالك أوكال الشوارع ما يمري ولا تطيب ليه النفس."
"رجوه- خذوني معاكم إذا رايحين لسالم بالله عليكم استاحيشته واجد وودي أوديله... مثرودة هو يحبها واجد."
"اقعدي يارجوه مارايحين نلاعبوا صغار إحنا، والطريق يتعبك وانتي مو متعودة على الخرجة."
"يابوي أنا مو صغيرة ولا راح تحملني فوق أكتافك أنا نمشي بروحي."
"قلت لا وغوري على خيمة أمك جاك غاير."
نظرت إلى عوالي مترجية لها بعينيها اللامعتين بالدمع، فقالت عوالي لقصير:
"خليها تيجي معنا ياقصير حتى أجيب لها كم لبسة من الحضر بمقاسها، كان ودي من بدري أجيب لها بس ما كنت أعرف أقياسها، خليها مشوار واحد."
"أمرك ياعمتي.. فوتي عالسيارة يا أم لسان."
"الله يخليك يا جتي عوالي ويطول بعمرك يارب.. أي هيكي الحناين تكون."
أنهت جملتها وهرولت نحو السيارة، فنظرت عوالي لقصير وقالت له معاتبة:
"لا تقسى عالبنية ياقصير بيكفيها قساوة أمها عليها وكيدها من خوها اللي جا وخد مكانها، وانفطمت وانرمت رمية ضنا الحرام.. الخزي عليكم، لا تكون انت وأمها والزمن عليها."
"عمتي إحنا ماندلل بنيات، دلالنا بالهدايا والعطايا مو بالحن والطبطبة وانت تعرفين، ليش ودك أغير أطباعنا اللي عايشين بيها من جد الجد؟ .. ويش فيها أمها قست عليها، القسوة تعلم القوة.. واللي ما يشوف قسوة ما يعرف يعيش."
"انت متل مرتك مابيكم خير ولا بقلبكم حن غير لهلال على قول رجوه.. يلا فوت قدامي وخد هالقشمة وجيب معك قروش واجدات ودي أجيب حوايج للصبايا بالمرة."
"ياريت كل الهموم قروش ياعمتي لا تشيلي هم بس يلا ياعمتي بالله عليك تأخرنا، لسه وراي مشوار للمطار وشغلة طويلة."
"لكن مع مين أنا ودي نتسوق من للسوق ونجيب حاجاتنا؟"
"ناخدو معنا حدا من الشباب.. يابرق.. برق اقبل.."
جاءه الشاب يهرول، فقال له آمراً:
"شيل لغراض وديهم عالسيارة وتعال معنا لترافق شيختك للسوق وتساعدها بحمل لغراض وترجعها.. روح انت بسيارتي وأنا بروح بسيارة عقاب، إحنا الروحة سوا بس الرده كل واحد بروحه."
"تأمر أمر ياشيخ."
وصلوا المشفى وهناك ترجل الجميع، ووصلت رجوة وكانت هي الأسبق بينهم، خطواتها تسابق الريح وعيناها تبحث في الوجوه عن سالم. وبمجرد أن رأته جالساً في الطرقة بجوار جده منصور حتى صرخت وهرولت نحوه وهي تقول:
"واااك اعليك وعلى أمك جالس ومرتاح ومستانس انت وما شايل هم شي وتاركني لحالي بالقبيلة وتعرفني ما فيني بلاك يا تيس التيوس انت."
وقف سالم بمجرد أن سمع صوتها وتبسم وهو يراها آتية إليه مسرعة، وكاد أن يفرد لها ذراعيه كي ترتمي في أحضانه، ولكن هيهات أن يفعلها في وجود أبيها والشيخ والشيخة. فاردف لها مرحباً:
"ي هلا برجوه، تو نورت المشفى."
"ولا هلا ولا قطران على راسك، كيف غادي يجيك نوم وتارك رجوه بلا حلا ولا شي تاكله بالليل يا تيس.. والله لأقص رجولك بمقص عمتي عوالي بس نعاودوا لديارنا."
كان سالم يتبسم فقط دون أن يعقب على كلامها، هي فقط أمامه وهو مشتاق لها ولا تهمه كل شتائمها. فجلست على الكرسي المجاور له وأشارت له بالجلوس وهي تقول له:
"اجلس اجلس يا تيس انريد نسألك عن واااجد حاجات شفتها بطريقي وما سألت.. لَن بو ي وقت نحكي يبحلق في يرعبني ويخلي فمي يتصكر لحاله."
جلس سالم بجوارها بعد أن سلم على الشيخة عوالي وعمه قصير، وسمع قصير يسأله بغرابة:
"وانت تقولك اقعد يا تيس وتقعد؟"
"اييي يلا غيروا عليا الحنين واقلبوا قلبه وقسوة وخلوه يكرهني متلكم، أنا أقولا يا تيس هاد دلال ومناغشة وهو كمان يقولي يا نعجة يا عنز وأنا مانزعل منا، بس لو تطلعون انتم منها وتتركو التياس والنعاج يتفاهمن. كان نربحو.."
"هملا و قولي يا سالم ويش هاد اللي لابسينا الحريم بالحضر؟،، واااك اعلينا رجولهم باينة وما عندهن سراويل يلبسونها.. والرجال ويش هاد اللي يلبسونا؟ والله خلص لقماش قبل لا يكملون ثيابهم للأرض مسوينها قصيرة.. والله أهل الحضر يضحكون واااجد هههه"
كانت تتحدث وتسأل عن كل شيء بسرعة ودفعة واحدة حتى أن سالم لا يجد الفرصة للرد! أما قصير فاقترب من عمه وقال له:
"كيف صارت صحتهم اليوم، وكيفا عقاب؟"
أجابه منصور:
"والله أحوالهم تصعب عالكفار يا وليدي الحرمة متحطم أعضامها، والراجل ربنا أيتولاه وعقاب الله يصبر قليبه.. طمني ويش سويت انت بلاوراق؟"
"جبت صورة محمود وتو هنعدي لراجلنا انخليه يسويله جواز بساعتين ويجيبله ويجيب لك تأشيرة بعد."
"طيب هيا يا وليدي خلينا نكسبو الوقت. ويتم مانوينا."
"تم ياشيخ."
أنهى حديثه وخرج من المشفى، وانطلق بالسيارة ليتمم أوراق محمود ويقوم بالحجز له هو وللشيخ منصور في أسرع وقت. وترك عوالي مع الشيخ منصور، أخرجت له الطعام ليأكل هو وسالم، ثم أخذت نصيب عقاب من الطعام وذهبت للغرفة التي بها أمه والتي دلها عليها سالم. طرقت الباب بهدوء ودخلت.. وآدم فور رؤيته لها وقف وذهب إليها مرحباً بصوت منخفض حتى لا يزعج أمه التي غفت للتو. سألته عوالي بنبرة منخفضة أيضاً عن حال أمه وعن حاله الذي لا يخفى عليها، فأسفل عينيه اكتسحته الهالات ووجهه شاحب. فالتُمس لحاله العذر فما يمر به ليس بقليل. أجلسته وبدأت تكشف أمامه الطعام وتطعمه بيدها وهي تخفف عنه وتطمئنه بأن والديه سيكونان بخير. وفي هذه الأثناء فتحت عايدة عينيها على صوت عوالي وهي تهمس لآدم، فوجدتها تطعمه بيدها وتنظر إليه بحنان أم. وعلى قدر ارتياحها لأن ابنها لم يُحرم من الحنان كلياً، على قدر غيرتها فقد كانت تود ألا يطعمه امرأة سواها، ولا يأخذ دورها أحد.
انتبهت عوالي لعايدة وأنها استيقظت، فمسحت يديها وذهبت إليها، جلست بجوارها وأخذت تطمئنها وتخبرها بأن الشفاء قريب، وأن رب ضرة نافعة، فها هي تنعم برؤية ابنها وهذا الخير الذي إنولد من من قلب الشر. أمضت معهم ما يقارب الساعة ثم استأذنتهم في الذهاب لشراء بعض الأغراض للقبيلة، وسألت آدم وأمه لو يحتاجان لشيء وكان الرد (لا) وشكرها آدم على المجيء والطعام وكل شيء. وانصرفت وتركته مع أمه.
أما خارج الغرفة، نظرت عوالي حول منصور تبحث عن رجوة وسالم، فلم تجدهما، وبدأت تلفتت حولها عليهم، وقبل أن تسأله عن رجوة وجدتها تظهر من آخر الرواق وهي جالسة القرفصاء ويسحبها سالم من ذراعيها فتنزلق على بلاط أرضية المشفى وتحدث أصواتاً وكأنها سيارة إسعاف تمر وتطلب من الجميع إخلاء الطريق! ويبتعد الكل من أمامها.. هذا ممنوع حتماً في المشفى، ولكن لإجل الشيخ منصور لم يتجرأ أحد ويبدي اعتراضاً على ما تفعله هذه المجنونة الصغيرة!
نظرت عوالي لمنصور الذي قال لها:
"تاخذينها من هون بنت مكاسب ولا انخلي الطبيب يعطيها إبرة سم ويموتها ويريحنا، والله من ساعة اللي جات جابت لي وجابت لكل المشفى وجيج الراس، لا وتقول للأطباء ليش لابسين لجامات حديد وصرايم حول رقابكم.. خذتني خذي بت الكلب هي."
"من وين جايبته يعني، ماتتذكر بوها قصير وقت اللي كان صغير وتجيبا الحضر معانا ويخذينا متلها.. والله هي البنية ما عدت أعرف كيف راح تصير بس تكبر."
"راح تصير نسرة تهجم وتخطف وتجرح بمخالبها، وما راح ينفع معها أي حدا إلا نسر متلها، لحتى إذا علت بالسما علا عنها وحط فوق راسها بمخالبا ونزلها للأرض.. رجوه ودها خييال ياعوالي."
"خيالها موجود شاقي بيها وعم يجرجر فيها."
"تقصدين تيسها."
"هي تقوله اليوم تيس ويسكت لها غدوه يعطيها على نافوخها بس يكبر وما تقدر تفتح فمها، دم البداوا حامي وما يقبل رجالهم حرمة تتطاول عليه، وكل سن يعطي أحكاماً.. والحين اني رايحة أتسوق لحريمات البادية ودك شي ياخوي أجيبه لك معي؟"
"مع مين رايحة وقصير راح؟"
"برق ناطرني بالخارج قصير جابا بسيارته وهو جا بسيارة آدم، قصير يفكر بكل شي خلي بالك هاني."
"زين زين.. روحي وديري بالك على روحك."
ذهبت عوالي إلى السوق، واشترت كل ما يلزم، وتركته بالسيارة وعادت للمشفى مرة أخرى، ودخلت تتفقد حال عقاب وأهله للمرة الأخيرة، فجلست بجانبه وقد كان يضم أمه بين الدقيقة والأخرى ويقبلها، فقالت له ممازحة:
"هااا اللي لقا حبيبة نسى صاحيبة يا عقاب."
"والله يا شيختي حضن لحباب ينسي الواحد روحه مو بس أصحابه.. بس انتي محسوبة من لحباب يا غالية مو من لصحاب."
"يا ضي عيوني ألف لا بأس علي أمك يالغالي جاب نجاوتها ربي، نحمدوا الله على سلامتك ألف مرة ومرة يا أم آدم، ربي عالم بحال هالمسكين اللي ما ذاق حِنك ولا تونس برفقه بوه."
"الحمد لله على كل حال يا شيخة، كل شيئ مكتوب وكله تبع إرادة الله."
"ونعم بالله يا بنيتي.. تعرفين شي.. والله والله عقاب وين ما شفته خد قلبي وعقلي حسيتُه من دمي وليدي اللي ما حبلت فيه.. انتي تعرفين إني قليلة أولاد والله ما أعطاني.. ولهيك أعتبر كل أولاد القبيلة أولادي، بس عقاب وليدك صارت غلاوته عندي متل غلاوة الوليد البكري اللي ما يجي أغلى منا."
تبسمت عايدة على محبة ابنها التي زرعها الله في كل القلوب وخلق له فيها منازل لم يصلها غيره، وشكرته لأن هذه دعواتها التي كانت تدعو له بها ليلاً نهاراً بأن يحفه برحمات لا تنقطع.
أما عند الشيخ منصور، أتى إليه صديقه صاحب المشفى وجلس بجواره وسأله وهو ينظر لرجوة وسالم بغيظ شديد، فهذه مشفى استثماري ولا يجوز ما يفعله هذان القردان فيها:
"ويش لحوال يا منصور كيفك وكيف صارت الأمور طمني؟"
"والله الخبر والاطمئنان منك انت يجي.. قصير راح يخلص أوراق السفر ويحجزلنا طيران بأقرب وقت."
"وليش يحجز لك طيران، المشفى بيها طيارة مجهزة مخصوص لنقل الحالات الخطيرة لغير لبلاد، ما راح ينفع بحالة صديقك غيرها، خلص أوراقك وأنا بعطي أمر للطيار يطير بيكم لإيران، وقروش السفر عليا مني ليك محبة لا تشيل هم.. حبايب شيخ قلوبنا حبايبنا وربي ييسر سفركم ويرزقكم البشرى."
"أمين يارب الله يسمع منك يا غالي."
نظر إليه منصور فوجده ينظر للرجوة غير مصدق لما تفعله وتقوله فقد قلبت المكان لسيرك قومي وهي تصيح:
"افسحووون الطريق لسيارة الإسعاف عوا عوا عوا.. بيها مرة حبلى ولاده وبيها وليد مطاهرينا وبيها رجال مرتو ضربتو بالنعال طيحت راسو وبيها بنية ختنوها وتصرخ وتقول وااااااااااك.. افسحووووو."
فقال له منصور معتذراً:
"الحين بتغادر مع جدتها والله ما عندي خبر بجيتها كان منعتها الله يخذيها هي واللي جابها لهون."
"لا ما عليك طفلة هي.. بس لو تخفض صوتها شوي."
"انتي يارجوه يا كلبة كفى عن الصراخ وتعالى لهون."
"لا ما أقدر أترك سيارة الإسعاف يا جد اللي بيها يموتون، بوصلهم للمشفى وارد لعندك.. عوا عوا عوااااا."
"يعوي عليكي ذيب وياكلك بليلة كحلة ما حد يشوف فيها كف يدو ان شاء الله، والله لاقص لسانك قص يا فانس القبيلة وأأدب هالتيس معك اللي طايعك بكل شي وماشي وراك وصدقتي من لما سميتيه تيس وهو تيس."
عاد قصير من مأموريته، وأعطى الأوراق لعمه الذي أرخى عن كاهله حمل الحجز والطيران والانتقال من مكان لمكان بمحمود وقرر أن يسافر بطائرة المشفى، ثم توجه إلى غرفة أم آدم ووجه كلامه لآدم بعد أن ألقى التحية عليهم جميعاً وسأل عن صحة عايدة:
"هااا يا عقاب توك أطمنك على الوالدة ونحمدو الله وتو ورانا واجد أشغال.. أنا عارف إنك بظرف ما ولي يتحمله لكن انت مو أي حدا انت عقاب اللي ما يغلبه غلاب، وعارف يا وليدي إنك تو غير تلميت على أهلك، ولا انت تريد تسيبهم ولا وهم ما صدقوا طالوك، وأنا والله ما كان ودي آخذك منهم لكن انت بتعرف إن ورانا ياما أشغال ما أتحمل تأجيل، ومن غيرك ما راح يتم شي، وأكيد أصحاب مصلحتنا اللي راسلناهم دذو الرد ونريدو نعرفو ايش صار فيه؟"
عايدة قبضت على يد ابنها ونظرت إليه راجية إياه بألا يفارقها.. وهو أيضاً تشبث بيدها ونظر لقصير وقال له:
"السموح منك يا عمي أنا ما نقدر نسيب أمي وبوي ونعدي لاي مكان، حاول اتدبر حالك من غيري."
"ويش هالحكي يا عقاب؟ أنا رفيقة مينتك ليومين كون هاني البال والخاطر يا وليدي."
"تريد أمك أتقول عليك رقيق عزم ولا ايش من يوم أصبيت وانت سباق بكل شي!"
ووجهت كلامها لعايدة التي كانت تنظر إليه بحزن وهي تراهم يرغمونه على الرحيل:
"قولي لوليدك يروح يشوف حاله واشغاله يا أم عقاب وطمنيه عليكي واطمئني عليه، هاد عقابنا اللي قبيلتنا وكل القبايل أيتمون عويلتهم يكونوا كيف وليدك فارس مغوار ويوم الغار ما تنطفيله نار، قايد ما كيفه قايد عليه أنقول غير الله واحد شدي ضهرك وارفعي راسك وقولي أنا أم لعقاب وخلى لعقاب يحلق بسماه."
تبسمت عايدة ونظرت لآدم وهزت له رأسها بموافقتها على رحيله وهمست له بتعب:
"روح يا آدم واطمن عليا أنا بخير.. روح خلص اللي وراك وتعالا وأنا مستنياك يا حبيبي، بس متغيبش عليا يا ابني."
اقترب منها وقبل جبينها ووجنتيها وهمس لها:
"أنا من ساعة اللي ذقت حضنك وحسيت الدفوا اللي محروم منا عبا روحي وأنا ما عاد نقدر نغيب عنك.. بس أخلص أشغالي بعاود لك على جناح الشوق يا يمه."
تنهدت وهي تراه يبتعد عنها آخذاً قلبها وروحها معه، وحين اختفى عن ناظريها نظرت لعوالي وسألتها بفضول واشتياق ولهفة أم:
"احكيلي يا شيخة كل حاجة عن آدم.. بيحب إيه بيكره إيه، بيحب أكل إيه، بيقضي وقته إزاي بينام فين ومع مين، كل دي حاجات كنت هموت وأعرفها وطول الوقت أجاوب عليها من خيالي.. احكيلي عن ابني وعرفيني عليه."
وهنا بدأت عوالي تحكي لعايدة كل شيء بخصوص آدم، أعادت عليها كل شريط حياته من بداية الحوي والتدريبات وبكاءه عليها هي وأبيه وحتى اليوم.
أما عند يحيي..
فقد عاد إلى الشركة.. ولاول مرة يجلس على كرسي الإدارة ويشعر بأنه ملكه، بأن الشركة أصبحت تحت سيطرته وفي قبضته ولن يأتي من ينهض له من فوق الكرسي ليجلس. الآن فقط تحقق حلمه الذي طالما حلم به في صحوه ونومه.. الآن فقط استراح قلبه، حتى وإن لم يجد ابن أخيه بعد، فها هو يخطو آخر خطواته في الألف ميل الذي عاش عمره كله يقطعهم.
جلس يفكر من أين يبدأ في تصفية الشركة وأخذ كل ما تطاله يده، فلاحت له فكرة شرع في تنفيذها على الفور.. فأمسك بالهاتف وطلب رقماً وبمجرد أن جاءه الرد قال:
"الوووو.. أيوه يا مختار.. فلوس الشحنة اللي معاك متوديهاش البنك، هاتها وتعالا بيها عالشركة.. لما تيجي هفهمك على كل حاجة."
أغلق الخط وعاود الاتصال برقم آخر:
"أيوه يا فهمي بيه.. أنا كنت عايز منك خدمة.. عايز أشتري مصنع يكون بيتصفى أو محجوز عليه.. عايز المبنى من غير آلات.. أنا عندي الآلات."
"عارف إنها خطوة متأخرة جداً لكن كل شيئ بأوان، واديني سمعت كلامك يا سيدي أخيراً وابتدي أعمل شغلي الخاص ومصنعي وشركتي الخاصة."
وانهى مكالمته وبدأ في الترتيب لأخذ ما يمكن أخذه من سيولة، فقرر أولاً وقبل كل شيء إبلاغ الجميع بسفر محمود إلى الخارج وترك الشركة له، ثانياً تغيير كل طاقم العمل القديم.. ثالثاً أن يرهن الأراضي الزراعية للفلاحين.. ويحاول التحايل ورهن العزبة وهذا سيدر له مبلغاً لا بأس به من السيولة.. وأيضاً البضائع الموجودة في المصانع سيأخذ هو كل ثمنها.. ومن هنا سينشئ مصنعه الخاص وشركته التي ستقوم كلها على الطلبيات الواردة لشركة محمود وتنفذها هي، وكذلك الآلات مصنع محمود سينقلها جمعاً لمصنعه، وبهذا سيترك المصنع لآدم حوائط خاوية لا آلات فيها ولا حياة، فليأتي ويبحث عن أملاكه إذا ويرى على ماذا سيحصل.
أما الأرض فلن يهنأ له بال إلا إذا وجد لها حلاً وباعها.. حتى وإن اضطر لبيعها بنصف الثمن للمختصين في وضع اليد على الأراضي والامتلاك بالاقتدار، فهذا أفضل من لا شيء، وليتنازع معهم آدم عليها.. هذا إن تركه حياً لكل هذا ولم يتخلص منه قبل أن تصل الأمور لهذا الحد.. ولكن للاحتياط سيفعل هذا ويفترض الأسوأ.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل العشرون 20 - بقلم ريناد يوسف
هيا يارجوه قومي راجعين للديار.
لا مانريد الروحة من هنا اتركوني مع سالم وروحو انتو.
الله في سماه اذا ماقمتي تو ياقليلة الحيا لننزل علي راسك اليابس بعصاتي انطرطشها. ونفتكو منك فزي غوري الله لا يربحك ولا يربح بوك اللي جابك.
جدتي عوالي اللي جابتني موش بوي، وبعدين ودي نفهم ليش كلكم تكرهوني، وشايط رزكم مني؟ ايش فيها يعني لما نقعد مع سالم.
رجوه خلاص عاودي مع بوكي وعقاب، وانا ماراح انطول ومعاود الباديه وهنجيبلك معي كل اللي تحبيه وزايد، وانت ياعقاب بالله عليك وانت معاود جيب لرجوه كل الحلوى اللي انجيبهالها كل مره وانت تكون معاي وعارفهم، وكتر جيب الطاق ثلاثه حتي يكفيها لحين رجوعي.
والله والله احلا سالم ابو الشجاعة والكروم والجود ، ولو بيدي انخليك انت شيخ قبيلتنا والله توكل اهلها الحلو كله.. تعرف ياسالم المشيخه انخلقت الا لأمثالك ، مو لناس ماتعرف غير دبح التيوس والكباش وهما غير على كروشها.
قصير خذ هالبلوه وفارقوني بهي اللحظه والا ماراح يصير خير..
كلي اسف وندم ياشيخي والسماح منك والله لاعيدلك تربيتها من اول وجديد وانقصلك...
والله مافي شي ينقص واذا حدا قرب يميلنقول واااك وياقومي والقوم اللي جار قومي ونلم عليكم جميع الناس، مافي غير رجوه كله عايز يقصقص فيها كنكم وكني.
فيش ترجى اسرع وخدها وامشي ، مستني يموتوها..؟
فامسك آدم ذراعها وتحرك بها مبتعداً وهي لازالت تتوعد بصوتها العالي لكل من تسول له نفسه بالإقتراب نحوها وقص شيئ منها.
أما منصور ففور مغادرتها المشفى امر سالم بأن يسرع نحو الصيدلية وياتي له بحبوب للصداع وكوباَ عملاقاً من القهوة قبل ان ينفجر رأسه.
فذهب سالم علي الفور وهو يتعجب على موقف الجميع من رجوه، ولم يرونها مزعجة إلى هذا الحد وهو الوحيد الذي يري احاديثها شيقة وجميلة وكلامها مضحك ومجالستها الطف مافي الكون، وحتى أسئلتها الكثيرة لا تمثل له إزعاج من اي نوع!
عاد لجده بالقهوة والحبوب واعطاهم له وذهب ليرى جدته عوالي إن كانت تحتاج لشيئ هي أو أم آدم، وبعد ان اجاباه بانهم لا يريدون شيئ اخذ يتنقل طوال الوقت بين غرفتهم وغرفة ابو آدم يطمئن عليه وعلى أن حالته مستقرة ويعود يتفقد عايدة، تماماً مثلما كان عقاب يفعل.
أما منصور فبعد ان شرب قهوته إستأذن ودخل لعايده واخبرها بطريقة حاول ان تكون لطيفة وهينة.. بأن محمود حالته الصحية تستدعي السفر للضرورة، وإن السفر غداً.
بص ياشيخ انا مؤمنه بقضاء ربنا وقدره، انا عارفه إن الزعل او الاعتراض مش بيمنع قدر.. انا صابره ومحتسبه وأودعت حبايبي من زمان اوي في أيادي ربنا وربنا مش بتضيع عنده ودائع.. انا بس طالبه اني اشوفه، اشوفه على اي وضع هو فيه، اشوفه حتى لو شوفتي لحالته هتتعبني.. ومتخافوش عليا انا لو محمود سافر من غير ماأشوفه وجرتله حاجه وقتها التعب اللي هتعبه واللي قلبي هيعيشه مفيش حد يقدر يتصوره.
نظر منصور لعوالي يشتشيرها في الامر بعينيه، فأومأت له بالموافقة فقرر أن يستجيب لطلب عايده مادامت عوالي وافقت، فهي رات حالة. محمود وتعلم اكثر منه إن كانت زوجته ستتحمله أم لا.
خرج يستشير الطبيب المعالج في الأمر واخبره بانها أمنية قد تكون الأخيرة قبل رحيل احدهم للأبد، فرق قلب الطبيب وقرر أن يسمح لعايده برؤية زوجها للمرة الأخيرة قبل سفره، فأمر احد العاملين أن يقوم بأخذها لغرفة العناية المشددة بسريرها فهو ذات دواليب تتحرك.. وبهذا لا تشكل الحركة خطورة على حالتها فهي تعاني من الكسور والكدمات وليست حالتها بهينة.
وأصبحت عايده امام محمود، هي علي سريرها ممددة وهو على سريره جسد هامد لا حياة فيه.. فقط اجهزة موصولة به تصدر اصوات.
لم تتمالك نفسها فبكت بصوت مرتفع واخذت تنادي عليه، ظانة انه فور ان يستمع لصوتها سيجيبها على الفور كما كان يفعل، ولكن هذه المرة لم تتلقى منه اي إجابات، للمرة الأولى تنادي بإسمه ولا يرد عليها، للمرة الاولى تحتاجه ولا تجده.
وبمجرد ان فعلت هذا حتى اضطربت اصوات الألات وكأن نبضات قلبه وأنفاسه تجيبها بدلاً عن لسانه، وما إن حدث ذلك حتى قام الطبيب بإخراجها على الفور خوفاً علي حالتها وحالته.
وعادت عايده محملة بخوف جديد فمهما كان تخيلها لحالته لم تصل مخيلتها لأن يكون راقد بلا أدنى حركة، فألم الواقع يفوق ألم التخيل بأضعاف.
وإخذت عوالي تخفف عنها وحينما تأزمت حالتها قام الطبيب بإعطائها إبرة مهدئة فنامت على الفور وأخذت عوالى تقرأ على مسامعها آيات من القرآن الكريم لعل روحها تستكين وتهدأ كما استكان جسدها.
أما عند عقاب وقصير فقد وصلا للبادية بعد ان اشترى آدم لرجوه كل ما طلبته وأشارت عليه وأكثر رغم إعتراض ابيها على كل ذلك الدلال، ولكن هذا امر سالم وهذه رجوه ولا احد يستطيع ثني آدم عن تلبية رغباتهم..
عاطي خواتك من اللي معاكي وما تاكليه كله بروحك ياام كرش وتوصي بهلال.
والله لا هلال ولا ام هلال يدوقوه، وليش تقول اعطي هادا وهادا وانت مو دافع فيه قرش بالاساس، انت حتي كنت تعترض وقت يشتريلي عقاب وجاي هنا تاخدهم مني، والله اهون علي افتحهم ونوكلهم لخواتي المعيز، وللا انكبهن علي الرمال ولا انا ولا حد ياكلهم.
انهت حديثها وجرت وتركت قصير يستشيط غضباً وتوعد لها بعقاب يردعها عن تصرفاتها ويحجم عنفوانها، ولكن ليس الآن، فالآن هناك عمل أهم لابد أن ينجز، ولكن النية موجوده.
فدلف مع آدم لغرفته وفور ان أوصل آدم التيار الكهربائي لجهازه سأله قصير:
بتعرف تراسلهم من هاد الجهاز ولا ادذلك عالجهاز التاني من المبنى بالحضر؟
لا ياعمي انا نعرف انراسلهم من اي جهاز.
بس ياوليدي هم رادين هناك كيف فيك تشوف الرد هنا ولا راح تراسلهم. من أول وجديد؟
لا ياعمي انا مراسلهم من ايميل والايميل نقدر نفتحه من أي جهاز وأي مكان.. وتو لحظه ونعرف ويش ردهم... هااا اهم رادين بالموافقه والاسعار ومواعيد التسليم ورقم حسابهم المصرفي وودهم تحويل القروش لحتى يأكدون الطلبيه.
هاه ياعمي ودي حساب يكون فيه المبلغ لنتمم عمليه التحويل منه لحسابهم من هنا منغير اي تعب.
والله محتار ياعقاب.
خذ وقتك وفكر بس لا تتاخر ساعه او ساعتين عالاكثر الشركه هي اهم شي عندها الالتزام واحترام للمواعيد، هي قدرت وردت والمفروض احنا نردو يابأي يا بلا، بس الرد يكون سريع احترماً لهم.
اتركني ادورها براسي مره كمان ياعقاب.
دورها ياعمي واني بإنتظارك.
فخرج قصير وعاد بعد قليل وجلس بجانب آدم ولا زالت الحيرة بادية على ملامح وجهه:
أكد آدم حجز الطلبية وحدد لهم ميعاد ارسال النقود وخرج بعدها قصير للخارج يتفقد احوال القبيلة، وجلس بجوار الرجال يتجاذبون اطراف الحديث في امور البادية، وكان رابح من ضمن الحضور، فمرت معزوزه من أمامه وكعادة عيناه تبعاها حتى غابت عن انظاره، وفور إلتفاته مرة اخرى للمجلس وجد من كان يراقبه، ولم يكن سوى إبن عم ابيه محراب، والذي إنتظر أن يتوقف قصير عن الكلام ليلتقط انفاسه وتحدث على الفور منتهزاً الفرصه:
ياعمي قصير طالبك بشي وودي ماتخجلني..
اااه غيثوني ياهووو شقتي راح تموتني..
ففزع الجميع على هذا الذي كان من دقائق بكامل عافيته واخذوا يتسائلون ماذا حل به، وكلُ شخص حالته بتشخيص مختلف، ولما وجد أبيه ان حالته تزداد سوء نظر لقصير مترجياً:
ياقصير خذه للطبيب مانعرف هالوليد ويش جاه اسرع ماتأخر بيه ليصيرله مكروه..
اما آدم فخرج من غرفته علي صوت رابح الذي ميزه على الفور ولما رأى حالته اسرع اليه وهو يسأله بخوف:
خوي ايش فيك وايش جاك تو كنت زين؟
امال عليه رابح وهمس له بجانب أذنه: خدني لعند جدي فى التو والحال غزالتي صياد قانصها واذا ماعجلت راح يرمي سهامه.
ففهم آدم وقام بحمله على الفور واخبر الجميع بأنه سيأخذه للمشفى ورفض ان يصاحبهم احد من اهل القبيلة ولا حتى ابو رابح، وفور ان إبتعدا عن الانظار إعتدل رابح في جلسته وقام بضرب السيارة بقبضته قائلاً:
يعرفني العوويل رايدها وبس لمح عيني تراعيها سبق يخطفها مني.
ويش حصل فهمني؟
محراب الكلب كان وده يخطب معزوزه اليوم بالمجلس.
ويحرق قلبي.
غلطتك لانك رايدها ومارهنتها لغاية تو وتعرف زين ان الرهن من القماط يصير، وكل ماتشتكيلي الشوق وانقولك خلي بوك يخطبهالك تقولي لسه ماآن الأوان ولسانا صغار، كيف صغار وانت عديت العشرين وهي عدت التسعطاش واللي متلكم معاه وليد وتنين؟
والله ياعقاب هاد اللي صار وهي لما كلمتها قالت ارجى شوي حتى تكبر رجوه عارف هي امها واختها في نفس الوقت، الله لا يكسبك ياعمتي مكاسب.، وتو ياخوي قاعد انحاول نلحق روحي.
ويش راح تعمل تو؟
راح اطلبها من جدي الشيخ منصور وعملت هالتمثيليه حتى مااسمع طلب محراب ليد معزوزه وتركبني العيبه اذا طلبتها بعده، هو يطلبها من ابوها وانا اطلبها من جدي ووقتها الخيره تكون ليها واللي تختاره هو اللي راح يتجوزها.
طلعت تعرف تفكر ياذيب.
اسكت بالله عليك انا ماذيب ولا شي انا حمار وانتظرت لحين انحط النصل ع رقبتي وبكلمه من قصير لمحراب انموت وتنقطع انفاسي. ونهيم فالوديان كيف البهيم.
الله لا يقدر.. ومعزوزه راح تكون ام عيالك لا تخاف.
اذا تريدها ام عيالي اسرع ياعقاب وغلاوة خوك انا قايدة ناري.
حيه عليه وعلى معزوزتك لو زودت سرعه عن هكي هننقلبو ولا نلحقو جواز ولا طلاق حتى وفرح محراب ومعزوزه راح يصير ع اربعين.
لا تقرن اسمها باسمه احسن مانطيحك بره السياره طيح الله حظك وحظه. الخزي عليه قال اسمه محراب والله اللي كيفه ينقاله مخراب.
تبسم آدم وأسرع بالسيارة حتي يصل سريعاً، فبجانب تعجل رابح للفوز بحبيبته هو ايضاً إشتاق لأمه ورائحة حضنها كثيراً ويود أن يحظى بالكثير من الأحضان وايضاً يريد الإطمئنان على ابيه.
ووصل الإثنان للمشفى واسرع رابح يتخطى المارة ويبحث عن جده منصور في كل مكان حتى رآه فجرى نحوه وجلس بجانبه وهو يلتقط انفاسه بصعوبة وقال له:
حياك الله ياشيخ.. كيفك وكيف صحتك وكيف احوالك.. ياشيخ اليوم جايك طالبك بشي واتمنى ماتردني.
الله محييك يارابح.. ابشر ياوليدي طلبك مجاب من قبل لا تطلبه بس هدي حالك والتقط انفاسك وخبرني ويش طلبك؟
طالب بت عمي قصير معزوزه تكون زوجتي وام عيالي ياشيخ على سنة الله ورسوله.
ابشر يارابح غالي وطلبك بالإيد عطيناك بت عمك، هي الفرش وانت الغطا، ويش تامر بعد؟
تبسم رابح بفرحة وأمال على يد جده يقبلها وهو يقول له:
اطال الله عمرك ياشيخ، مايؤمر عليك ظالم.. ريحت قلبي ياجدي الله يريح بالك.
نظر منصور لآدم الذي كان يقف بعيداً يتبسم وسأله:
احكيلي ياعقاب ويش صار جعل رابح ينكلب ويجي يطلب بت عمه كيف ماتكون راح تتزوج اذا مالحقها؟
إبتلع آدم لعابه وهو يسمع تلميح الشيخ منصور الذي ينم عن فطنته لما يحدث ورد عليه:
انا مانعرف ياشيخ بس هو فجأه تعب وجبته للمشفى لنشوف ويش بيه وبنص الطريق طاب، قلتلا بنرد للقبيله قال لا ودي جدي منصور بشي ضروري كمل وجينا.
اي اي.. بعرف انا وقت الرفيق يغطي علي رفيقا.. بس يارابح اذا دريت انك جاي تخطب فوق خطبة غيرك ماراح يصير زين.
والله ماحدا خطبها قدامي ولا قال شي.
لكنك دريت بإن غيرك رايدها صح؟
واذا دريت ماانا رايدها والسابق فايز.
اذا ماتعديت عالأصول انا عطيتك، واذا متعدي عالأصول مالك مره عندي.
ماانك قليل يارابح.. بس الغلط عليك مارهنتها قبل وصبرت كل هالسنين.
وهنا تدخل سالم الذي كان يستمع للحديث وهو يرى حال رابح الذي يحاول جاهداً اخذ فرصته في طلب معزوزة ونظر للشيخ وقال له مستغلاً الوضع:
وأنا ودي ارهن رجوه بت عمي قصير ياشيخ، ودي ارهنها من تو قبل ماحدا يسبقني لها.
لا ياعيون جدك بلوه ماراح يسبقك ليها حدا ولا حدا راح يهوب صوبها من الاساس، مين يريد لروحا وجيج الراس.. كان ودي انقولك تريس لكن انخاف اترد لعقلك والبنت اتبور. هههه عطيناك والله معاك.. إمبارك عليك رجوه ياتيس رجوه.
وهنا ضحك الجميع على سالم الذي تقدم من جده وقال له:
يعني من الحين صارت خطيبتي واحكم عليها متل مااريد وامرها صار بيدي وماحد يتدخل بيني وبينها؟
دير بالك تعرفها انك رهنتها وتفتح عيونها من تو ، رجوه قليلة عقل وما تتعامل مثل العالم والناس، انت رهنتها مني وانا عطيتك وخلي الامور تسير كيف ماهي سايره لا تقول ولا تعيد.
امرك ياشيخ.
وجلس الجميع بجانب الشيخ منصور معادا آدم الذي ذهب لأبيه اولاً تفقد حاله الذي لم يجد عليه شيئ، ثم ذهب لأمه الحبيبة.
أما فى القصريحي:
عايزه تنزلي الشركه تعملي إيه فيها يامديحه؟
هشوف ايه اللي بيجرا فيها هي مش بقت شركتي انا كمان ولا إيه؟ وبعدين بصراحه انا مش مأمنالك لا انت ولا مراتك وحاساكم بتعملوا حاجه من ورايا.. ومديحه ميتلعبش من وراها.
اقعدي يامديحه واقصري الشر احسنلك وبلاش تفتحى على نفسك ابواب غضبي.
لا مش هقعد ومش هقصر الشر ومش خايفه من غضبك ولا غضب غيرك، ماهو مش اخلص انا وانت تبرك عالصيده بنفس، لا دانا اروح فيكم اللومان انت ومراتك.
هتعملي إيه يعني ياست مديحه؟
نظرت مديحه نحوا أولاد يحيي الثلاثة ونقلت عيناها بينهم ورست على كارمن الأحب لقلب والديها، والتي كانت نائمة على الأرض تلون في هدوء شديد واردفت:
هشوف اكتر مكان يوجع واضرب فيه، والبركه فيكم عرفتوني ايه اكتر حاجه توجع والضرب بيكون ازاي.
فنظر الاثنان لبعضهم فريال ويحيي، وابتلعا غصة لمجرد التخيل تكونت فى حلوقهم والخوف كسا ملامحهم فى لحظة، ورد عليها يحيي متمتماً بغضب دفين:
طبعاً مش هعاتبك على كلامك ولا هستبعده لأن اللي تقتل اخوها تقتل أي حد، ودلوقتي اتفضلى قدامي عالشركه لما أشوف هتعملي فيها إيه، وبالنسبه لتهديدك انا مخفتش منه انا بس مش عايز وجع دماغ ليس إلا.. انما اولادي انا اعرف احميهم كويس، والحمد لله احنا الاتنين الإجرام بيجري فدمنا يعني فلحظه لو حسيت انك هتعمليها بجد انا ممكن مخليش الفكره تلف فى دماغك كلها وانهي حياتك قبلها.. الا اولادي يامديحه فاهمه.
تحركت مديحه وهي تبتسم بظفر دون أن تتفوه بحرف واحد، وتبعها يحيي بعد أن نظر لفريال ونظر للأولاد بمعنى انتبهي عليهم جيداً.. فجلست فريال وهي تنظر لأولادها وقررت انها لن تدع الخطر يحدق بهم لجزء من الثانية، فهي ليست من الأمهات قليلي الحيلة، وعلى الفور هاتفت اختها طالبة منها تركيبة السم التى اعطتها لمروان إبن محمود، وحثتها على الإسراع في تجهيزها فالأمر لا يحتمل الإنتظار.