تحميل رواية «عقاب ابن الباديه» PDF
بقلم ريناد يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عادت معه وهي مرغمة على ترك روحها وفلذة كبدها في الصحراء، تذرف دماء روحها عليه وهي تحاول تقبل فكرة أنها لن تراه بعد اليوم، وأنها نفت قطعة منها بيديها وبكامل إرادة عقلها، ولم تخضع لقلبها الذي جادلها بإستماتة حتى يثنيها عن قرارها هذا ويجعلها تقف في وجه الخوف معترضة. ولكن للأسف خوفها من فقدان دائم جعلها تتقبل فكرة الفقد المؤقت، وأن عزاءها الوحيد أنه حي يرزق، حي يتنفس، حي بقلب ينبض. نظر إليها محمود زوجها بشفقة واردف: - مش كفاية عياط يا عايدة بقالك ساعات عيونك ما أخدوش هدنة، كفاية يا حبيبي عشان عنيكي،...
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الأول 1 - بقلم ريناد يوسف
عادت معه وهي مرغمة على ترك روحها وفلذة كبدها في الصحراء، تذرف دماء روحها عليه وهي تحاول تقبل فكرة أنها لن تراه بعد اليوم، وأنها نفت قطعة منها بيديها وبكامل إرادة عقلها، ولم تخضع لقلبها الذي جادلها بإستماتة حتى يثنيها عن قرارها هذا ويجعلها تقف في وجه الخوف معترضة.
ولكن للأسف خوفها من فقدان دائم جعلها تتقبل فكرة الفقد المؤقت، وأن عزاءها الوحيد أنه حي يرزق، حي يتنفس، حي بقلب ينبض.
نظر إليها محمود زوجها بشفقة واردف:
- مش كفاية عياط يا عايدة بقالك ساعات عيونك ما أخدوش هدنة، كفاية يا حبيبي عشان عنيكي، وبعدين إحنا مش اتفقنا واقتنعنا يبقى لازمتها إيه الدموع دي؟
- غصب عني يا محمود، دا ابني ابني.
- وعشان ابنك وابني، وعشان غالي علينا لازم نتحمل فراقه.. إحنا مفارقينه عشان يعيش يا عايدة وميحصلش مروان أخوه ويموت في ظروف غامضة واحنا عارفين مين اللي موته ومنقدرش نتكلم.
- وهو دا اللي مصبرني على كل اللي بيحصل ده.. بس الولد هيتبهدل أوي يا محمود..
تفوهت بها وعادت تنحب بصوت عالٍ قطع نياط قلبه، وعلى إثره كادت دموعه أن تهطل هو الآخر ولكنه كبحها، لأن هذا ليس الوقت المناسب لإظهار ضعفه. فالأيام قادمة وهناك متسع من الوقت للضعف والإشتياق والندم والحسرة.
وجل عزاءه هو أيضاً أنه يجب أن يتحمل لأجل ابنه ووريثه الوحيد وفلذة كبده التي قرر المحافظة عليها مهما كلفه الأمر.
وصلا أخيراً إلى القصر وترجلا من السيارة، وكان الجميع في استقبالهم، يحي أخيه وزوجته وأولاده وأخته مديحة، والذين هبوا واقفين ما إن رأوهم عائدون بدون آدم.
فهرول إليه أخيه يحيى متسائلاً في لهفة:
- ابنك فين يا محمود، الولد مش معاكم ليه؟
فأجابه محمود وهو يشيح بوجهه بعيداً عنه:
- آدم سافر يا يحيى ومش هيرجع تاني، سفرته عشان يتربى في بلد أجنبي ويتعلم هناك ويرجع راجل يعرف يحمي نفسه ويستلم ممتلكات أبوه.
نطق محمود بهذه الكلمات وعلى أثرها تراجع يحيي خطوتين للوراء وهو مذهول وقد تحولت ملامحه للغضب التام كمن ضربه برق فمزق أوصاله، وأردف بصوت متحشرج:
- بتقول إيه يا محمود؟ بعت الولد فين؟
- سفرته دولة أجنبية يا يحيى، إيه مبقتش تسمع ولا إيه؟
وهنا تقدمت مديحة أختهم واردفت بعدم تصديق:
- انت بتخرف بتقول إيه يا محمود، إزاي سفرت طفل لبلد تانية لوحده؟ وانتِ إزاي يا عايدة تطاوعيه وتخلي ابنك يبعد عن حضنك! انتوا أكيد اتجننتوا لآخر، بقى انتوا أم وأب انتوا وعندكم مشاعر أمومة وأبوة؟ هتنامي إزاي وإنتي مش عارفة ابنك نايم ولا صاحي، جعان ولا شبعان، متغطي ولا بردان؟
هدر بها محمود بغضب جلي، فهو يعلم أنها الآن تحاول الضغط على مواضع الألم لدى زوجته لتشعرها بمرارة وقسوة تصرفها:
- مديحة اسكتي لو سمحتي، وبعدين إحنا عارفين إحنا بنعمل إيه، وأكيد إنتي مش هتكوني أحن من أم على ابنها، وأصلاً متتكلميش على مشاعر أمومة إنتي مجربتيهاش ولا هتجربيها طول عمرك، ولا عندك علم بيها.
أنهى كلماته المتلاحقة وصمت يلتقط أنفاسه، فشُهقت شقيقته وتراجعت للخلف واضعة يدها على فمها وهي غير مصدقة بما تفوه به شقيقها. فهل تشمت بها تواً وعايرها بأنها عاقر لا تنجب الأولاد؟
ولم تكن لكلماته القاسية أثر على شقيقته فقط، بل كانت صاعقة للجميع، فمحمود للمرة الأولى يكون بهذه القسوة!
أمسكت عايدة ذراعه وهزته علها تعيده لصوابه ويدرك مدى خطأه، فأبعد يدها عن ذراعه ونقل عيونه بين الجميع مؤكداً لما قال، فهو من اليوم لن يسكت لمن يتسبب بالألم لزوجته منهم، فيكفي ما عانته من ألم بسببهم وما عاناه هو أيضاً.
تقدمت نحوه زوجة أخيه فريال بعد أن صمت الجميع واردفت بهدوئها المعتاد ورخامة صوتها الذي يخفي ورائه سعيراً من شر وحقد هو يعلمه جيداً:
- اهدا يا محمود مش كده، دول عمة الولد وعمه بيسألو عليه عشان يطمنوا، إحنا فاهمين إن فراق ابنك مأثر على أعصابك، بس مينفعش تفقد أعصابك على أقرب الناس ليك، ومديحة كل اللي تقصده بكلامها إنها خايفة على الولد من الغربة والمرمطة في بلد غريب ملوش فيه حد، وإنه يتيم من أهله وهما على وش الدنيا، وكل دا عشان إيه ومفيش أي أسباب تستدعي ده؟
نظر إليها محمود وخُيل إليه أنه ينظر لرأس الأفعى وكل من حولها هم البدن والذيل الذين يتحركون أينما يوجههم هذا الرأس السام، فأردف وهو يحاول أن يستدعي هدوئه المفقود:
- عارف إنهم بيسألوا بس طريقة السؤال مستفزة، وكمان مش من حق حد يعقب على تصرفاتي أو تصرفات مراتي، وخصوصاً في حاجة تخص ابننا، إحنا الأدرى بمصلحته وعارفين بنعمل إيه كويس، ولا كنتوا عايزنا نسيبه هنا لغاية ما يموت مسموم بسم تعبان زي أخوه وتتقيد الحادثة ضد مجهول واحنا عارفين ومتاكدين إنها بفعل فاعل، ويتفرق دمه على الكل وميبقاش حيلتنا غير الحسرة على ضنانا وشوية شك نشكهم في كل واحد شوية من غير دليل؟
يحي:
- لسه الأفكار الشيطانية اللي زرعتها مراتك في دماغك ناحية إخواتك حية مماتتش بعد كل السنين دي يا محمود؟ لسه بتشك فينا وإننا إحنا اللي ورا موت ابنك؟ طيب مسألتش نفسك إحنا ليه هنعمل كده في حين إننا لو بالقسوة والشر دا وبيهون علينا دمنا كنا خلصنا منك إنت واستولينا على كل حاجة ولا ابنك ولا مراتك كانوا هيقدروا يقفوا في وشنا، ويمكن كنا اتخلصنا منهم بعد كده عادي جداً.
محمود:
- يمكن عشان الوصية.. ومتقولش وصية إيه وتعمل نفسك مش عارف، لأني متأكد إنكم كلكم عارفين بأمر الوصية، وهي إن أموالي من بعد موتي لابني ومراتي ومن بعدهم للجمعيات الخيرية.. يمكن عشان كده منفذتش اللي بتقول عليه ده.
يحي بغضب:
- ظالم وهتفضل طول عمرك ظالم.
محمود:
- لا أبداً أنا لا ظالم ولا بحب الظلم، أنا لا باجي على حد ولا ببص للي في إيد حد ولا بتدخل في شئون حد، فلما أجي أتحكم في اللي ملكي المفروض محدش له إنه يتدخل.
فريال:
- لاحظ إنك كده بتتكلم بأسلوب ذل يا محمود وبترمي كلام على إننا محتاجين لك وقاعدين في خيرك وإننا عشان كده لازم نحط جزم في بوقنا ونسكت ومنتدخلش في أي حاجة حتى بدافع المحبة وصلة القرابة.
محمود:
- أيوه هو دا بالظبط اللي بقصده.. ودلوقتي باب القصر مفتوح واللي حابب يفضل يفضل بأدبه واحترامه وسكوته، واللي مش حابب يتفضل من غير مطرود.. وأكيد كلكم فاكرين منسيتوش إن القصر دا في الأساس بتاع عايدة مراتي وإحنا كلنا ضيوف عندها، فياريت نتعامل ونتصرف تصرفات الضيف ونعرف آداب الاستضافة، زي ما صاحبة البيت بقالها سنين فاتحالنا بيتها وبتكرمنا إكرام الضيف وزيادة، وهي مش ملزمة، بس دا عشان هي بنت أصول ومتربية كويس.
أنهى حديثه وأمسك بذراع زوجته ودلف بها إلى القصر، وترك الثلاثة وراءه صامتين، وبرغم هدوئهم الظاهري، إلا أنه يعرف حق المعرفة أن قلوبهم تتخبط قهراً وغيظاً الآن بين أضلعهم كمن أصابهم مس، ويرى أن هذا أقل ما يستحقون، بل ويدعو الله في قلبه أن يزيدهم قهراً، فهم كالشوكة في حلقه لا يستطيع ابتلاعهم أو إخراجهم، ولأجل أن يكونوا دوماً نصب عينيه ويراقبهم جيداً يسمح لهم الآن المكوث في بيته والأكل من خيره، برغم أنهم هم من أزهقوا روح ابنه البكري وأسكنوا الحسرة في قلبه.
وصلا إلى غرفتهم وأخيراً ارتمت عايدة على تختها مستجدية لبعض الراحة بعد يوم مضني من التعب النفسي والبدني، وأغمضت عيناها وهي ترى طيف ابنها يتجسد لها وهو يصرخ عليها منادياً مستعطفاً إياها من بعيد فارداً لها ذراعيه لكي تعود وتأخذه معها.
وتتسائل ترى ماذا يقول عنها وعن أبيه الآن، بأي كم من الخذلان يشعر، وكيف لقلبه الصغير أن يتحمل تلك المشاعر التي لا تتحملها القلوب البالغة من الكبر أشدها؟
استسلمت أخيراً للنوم هرباً من كل هذه التساؤلات، وهرباً من هذا الشعور المقيت الذي يعتصر روحها، غفت وهي تستمع لصوت عقلها الذي بدأ يهتف لها مصبراً:
- هذا هو الصواب وهذا ما سيبقيه على قيد الحياة، وأي شعور آخر غير شعور الفقد بالموت هو أهون وأخف. اعتدى على هذا ويكفيكي بأن أنفاسه في الحياة وما زال قلبه ينبض.
اجتمع يحي وزوجته فريال وأخته مديحة في غرفة مديحة ومقر اجتماعاتهم الدائم، نظراً لبعدها عن الحديقة ولا تعطي أي مجال للتنصت من أحد المتطفلين وسماع ما يدور بداخلها، فهي تشبه في سريتها غرفة عمليات حروب.
يحي:
- إزاي يخفي الولد عنا فجأة كده ووداه فين، وليه اختار الوقت ده بالذات! أنا بقالي سنة بخطط وتقريباً جهزت كل حاجة وكان كلها شهر وهتحصل الصدفة اللي محدش كان هيشك فيها أبداً.
فريال:
- أخوك فتح وفهم اللعبة المرة دي وسبق بخطوة، وخطوته دمرت لينا كل حاجة بنخططلها وكل ترتيباتنا باظت.
مديحة:
- طيب والحل إيه دلوقتي؟
يحيى:
- مفيش حلول غير إن اللي رسينا عليه يتنفذ، الولد أنا هعرف مكانه بأي طريقة، هحط محمود وعايدة مراته تحت المراقبة 24 ساعة في اليوم، كل حاجة هتكون تحت عيني تحركاتهم كلامهم تليفوناتهم مراسلاتهم وحتى زوارهم.. دي قضية حياتي ومستقبل أولادي وأنا لا يمكن هضحي بيه وأتخلى عن أحلامي بسهولة كده.
مديحة:
- هو بس لو يدينا جزء من كوم الفلوس اللي على قلبه ده كل واحد فينا يفتح له مشروع إحنا هنبعد عنه لوحدنا، ونسيب له ابنه ونخرج من حياته، إنما طول ما هو راكب دماغه وبيقول ملكوش حاجة عندي وناسب فضل كل الفلوس اللي عنده دي لمراته إحنا مش هنسيبه فحاله.. هو مين اللي علمه وصرف عليه لحد ما وصل للمنصب اللي عن طريقه عرف عايدة واتجوزها؟ مش أبونا. والفلوس اللي صرفها عليه دي مش كانت من حقنا كلنا وهو خصص بها وكان يحرمنا من حاجات كتير في سبيل إنه يعلمه ويصرف عليه، وكان يقول محمود أملنا كلنا.. يبقى إحنا شركا في كل قرش يعمله محمود طول عمره، لأننا دافعين تمنه مقدماً.
فريال:
- فعلاً يا مديحة وهو ده اللي دايماً بقوله لأخوكي، كل قرش مع محمود إنتوا ليكم حق فيه.
وقف يحيى وأخذ يتمشى في الغرفة ذهاباً وإياباً وهو يفكر ياترى من أين يبدأ بالبحث، وهل ياترى لأي بلد أرسل أخاه محمود ابنه، ومع من، وكيف ومتى وبأي وسيلة سفر؟!
أما في البادية، وسط الرمال الشاسعة والأجواء القاسية التي لا يتحملها سوى البدو الرحالة سكان البوادي قاطني الخيام.
عاد الشيخ منصور بعد أن ودع مرسال آتٍ يزف إليه خبراً وانصرف.
وقف أمام خيمة قصير ونادى بأعلى طبقات صوته:
- قصير.. يا قصير تعال هون.
خرج قُصير مسرعاً:
- ها يا شيخ أومرني.
منصور:
- خد الرجال وروح حدر الشيخ محجوب المونة وصلت وبده حدا يروح يستلمها.
قُصير:
- يا فرج الله، حالاً يا شيخ اعتبرها جاية بالطريق.
تحرك قصير وترك الشيخ منصور يتلفت حوله باحثاً عن الصغير الذي رآه جالس أسفل شجرة نخيل، مستند عليها ككهل نال منه التعب وأضنته سنوات عمره الكثيرة، فتنهد وهو يهمس في قرارة نفسه:
- والله الفراق صعيب يا غلام، لكن بحالتك لابد منه،، الله يصبر قلبك الصغير يا وليدي.
أما آدم فقد كان سابحاً في أفكاره وهو يتطلع على كل شيء حوله بغرابة.
فهو انتقل بين ليلة وضحاها من عالم لعالم آخر مختلف كلياً يشبه ذاك الذي كان يقرأ عنه في كتب الأساطير وحكايات أليس في بلاد العجائب.
وبعد مرور ثلاثة أيام قضاهم آدم في انتظار دائم. آثار أقدامه باتت في كل مكان حول الخيام وهو يتفقد جميع الاتجاهات ولا يعلم أبواه سيأتون من أي اتجاه، والليل يمضيه وهو جالس لا يخالطه النوم جفونه، متأهب لصوت سيارة أبيه، الذي حتماً سيأتي لأخذه ولكن بالتأكيد حدث شيء قوي منعه من ذلك، فبدأ شعور الغضب منهم لأنهم تركوه يتحول لشعور بالخوف عليهم من مصير مجهول منعهم عنه.
صاح قُصير بعد أن رأى الصغير يكاد يموت جوعاً:
- معزوزة حضري الطعام للعويل.
(معزوزة جهزي الأكل للصغار)
أتت معزوزة بالطعام الذي كانت تغرفه بالفعل، ووضعته أمام الأطفال وذهبت.
ودعا قُصير الصغار لتناول الطعام، فتكالب الأطفال على الطعام ما عدا آدم الذي لم يقترب من الطعام، ورفض أن يتناول أي شيء مهما حاول معه قصير وسائر الأولاد.
فهو يشعر بغصة في حلقه ومرارة تجعل طعم أي شيء مر لا يطاق.
بدأ جسده في النحول ووجهه ظهرت عليه علامات الشحوب، واختفى اللون الأحمر من وجنتيه وشفتاه أصابهما التشقق من قلة شرب الماء، فهو أضرب عن كل شيء وكأنه يخبر الجميع بأنه بدون أبويه لا يريد العيش.
جلس قُصير بجانب الشيخ منصور واردف وهو يتطلع إلى الفتى بشفقة على حاله:
- الوليد له ثلاث أيام ما ذاق الزاد في فمه وخايف عليه يا شيخ.
الشيخ منصور:
- اتركه بالجوع ما عليك به، تو يتكالبن عليه مصارينه وياكل ولو يلقاك وكل ياكلك.
- بس القسوة تولد العداوة يا شيخ.
العويل ما زال صغير ولا كانت هاذي عوايده.
(بس ليه القسوة يا شيخ دا طفل صغير ومش متعود على كده)
منصور:
- بوه جابه لنا عشان يترجل وهاد ما يتم غير بعد نقسى عليه ونشقيه في دروبنا وكهوفنا ويتعلم كيف يعيش وحش وسط وحوش البشر اللي شرهم فاق سباع الصحاري.
(ابوه جابه هنا عشان نقسى عليه ونعلمه يعيش في أحلك الظروف ويتعلم قوانين البقاء وسط البشر اللي شرهم فاق شر وحوش الصحاري)
مر اليوم وأشرقت شمس اليوم الرابع.
فخرج الصغار جميعهم يسعون كل على مهمته، فمنهم من أخذ الغنم يرعاها، ومنهم من ذهب يملأ ويحضر الماء من البئر، ومنهم من ذهب ليحلب الماعز.
أما النساء فبدأن في تجهيز طعام الإفطار.
وبعد ساعة أو أقل اجتمع الصغار جميعاً، وقامت النساء بوضع الطعام لهم، فكان آدم اليوم أول الجالسين وبدأ في تناول الطعام بنهم واستعجال!
وكأنه يأكل في آخر زاده، فنظر إليه الشيخ منصور واردف لقصير الذي كان يراقب هو الآخر مبتسماً:
- جاك الكلام، أهو قرصة الجوع وياكل رغم أنفه.
قُصير:
- أي والله يا شيخ صدقت.
نظر منصور إلى قُصير واردف بجدية وقد اختفت ابتسامته:
- تتركه يومين يسترد فيهم عافيته وبعدها خده وعلمه كيف يقنص، واحويه بملكة الأفاعي، وبالعقرب الأسود، وبعد تحويه من الأفاعي والعقارب ذوقه من سمومهم بالتدريج أريد ما يحوق فيه ولا سم سوا كثر ولا قل.
قُصير:
- علم يا شيخ.
نظر الاثنان نحو سيارة سوداء آتية من بعيد، فتقدم نحوها الشيخ منصور فهو يعلم من صاحبها ومن الذي أرسله، فذهبا لاستقباله الاثنين معاً، وبعد السلام والترحيب، وعلم الشيخ منصور أن هناك من سيحل عليه ضيف اليوم نظر لقصير واردف:
- يا قصير اذبح ناقة صغيرة وبلغ الصبايا يطيبوها. اليوم الشيخ مهيوب وجماعته نازلين ضيوف علينا. وانصب خيمة للضيوف ووتي القعدة ونبه على الشباب ما يبعدوا في السهرة، حتى يخدموا على الضيوف.
قصير:
- أمرك يا شيخ.
وذهب في اتجاه النساء ملبياً لأمر الشيخ:
قصير: ياصبايا وتو (جهزوا) أرواحكم اليوم عندنا عزومة كبيرة والشيخ يخبركم. بيضوا وجهه قدام الضيوف.
التفت لزوجته وشاف وجهها متوجع سألها إيش فيك؟ لتكوني هتديريها اليوم وتولدي!
أجابته: ماندري لكني متوجعة شوي طمن بالك إنت وأنا وقت ما ربي يريد بالفرج هنخش الخيمة وبعد ربي يرزقني بالعطية نطلع نكمل حوستي مع الصبايا.
قصير:
- الله يعينك ويقويكي وتجيبي لي الوليد الرابع بإذن الله.
مكاسب:
- الله كريم وهو الوهاب وشو ما يعطي نحمدوه عليه.
غادر قُصير وهو غير راضٍ على ما تفوهت به زوجته مكاسب، فهو يكره إنجاب الفتيات حاله كحال كل رجال البادية ويريد جيشاً من الرجال يستند عليه في كبره.
أخذ بعض الشباب وذهب لذبح الناقة وتجهيزها للطبخ، وفي هذه الأثناء كان الشيخ منصور يجلس مع المرسال يتبادلا الأحاديث وهم في انتظار قدوم الشيخ مهيوب.
وتبسم منصور وهو ينظر إلى آدم الذي بدأ يندمج مع الأولاد، وأخذ يراقبه وهو يذهب معهم للبئر ليغترف الماء وينقله مثلهم إلى النساء ليقوموا بأعمال الطبخ والتنظيف، واردف لقصير الذي كان يراقبه هو الآخر معه:
- وها قد بدأ العصفور ينفض ريشه ويستعد للتحليق في سماء البوادي ويعرف كيف يعيش فيها. بتوقع ماراح ياخد وقت طويل حتى يصير واحد من أهل البوادي. الجاي مهمتك إنت يا قُصير.. بدي الولد يتعلم القنص والصيد أول شيء متل ما خبرتك. تاخده لمكان بعيد وما تاخد معك من الزاد شيء، بس المي وتعلمه أول درس من دروس البقاء إن اللي بدو يعيش لازم يحارب لأجل حياته، وأول حرب راح تكون حرب مع الجوع. والليلة بدك تحويه.
قصير:
- تأمر يا شيخ.
انتظر قصير إلى أن حل الليل ونام الجميع، فدلف إلى الخيمة التي ينام فيها آدم مع باقي أطفال البادية من الذكور، وأخذ يتفحص النائمين واحداً واحداً حتى عثر عليه من بينهم، فاقترب منه رويداً رويداً وفتح جعبته الصغيرة ومد يده بداخلها وأخرج منها ثعبان أسود متوسط الحجم، أمسكه بطريقة معينة غير آبه للدغات الثعبان المتتالية في يده، وقربه من آدم، وضغط على عنق الثعبان ليؤلمه حتى إذا لدغ يُخرج كل ما تبقى في جسده من سم، وبمجرد أن قربه من وجه الصبي حتى أخرج الثعبان لسانه الدافئ الذي لامس خد الصبي ففتح عينيه على الفور من هذا الشعور اللزج الذي اقشعر له بدنه، وما إن رأى الثعبان أمامه حتى صرخ صرخة مدوية أيقظت جميع من بالخيمة، ولكن قصير لم يأبه لأحد، فهذه فرصة بالنسبة له صعب تكرارها، فقرب الثعبان من أذن الصبي وجعله يغرز أنيابه فيها ويبث من سمه ما جعل الصبي يفقد وعيه في الحال.
استيقظ رابح كحال الجميع على صرخة آدم واعتدل بجسده ينظر ليرى ماذا هناك، وما أن رأى الثعبان في يد عمه قُصير وعرف نوعه حتى صرخ بفزع كمن لدغه هو الثعبان وقال:
- عم قصييير هاد صل أسود خبيث وايش سويت إنت؟
قصير لم يلتفت له ولم يهتم لما يقوله وكان مشغول بإعادة الثعبان للجعبة، فخرج رابح مهرولاً إلى خيمة الشيخ منصور ودخلها دون استئذان في سابقة لم تحدث من قبل، وتحدث بصوت أفزع الشيخ منصور:
- الحق يا شيخ العم رابح لدغ الضيف آدم بثعبان صل أسود.
اعتدل منصور وقد كادت عيناه يخرجا من محجريهما فزعاً واردف وهو يلبس خفه ليتحرك مغادراً الخيمة في عجلة:
- الله لا يوفقك يا قصير.. صل أس؟ لعنة الله عليك يا شيخ قلت لك ملكة الأفاعي ما قلت لك صل أسود.
وما أن وصل إلى خيمة الصغار ودلف داخلها حتى رأى ما كان يتوقعه، فها هي الفقاعات تخرج من فم الصبي وجسده يرتجف ويصارع الموت، فنظر إلى قُصير واردف:
- ويش سويت يا عديم العقل ويش سويت، ضيعت أمانة الشيخ منصور؟
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الثاني 2 - بقلم ريناد يوسف
نظر الشيخ منصور إلى قُصير بسخط، وقبل أن يتوالى عليه بالشتائم والمسبات، أردف قُصير مدافعاً عن نفسه:
هدي ياشيخ.
قُصير ما أول مرة أحوي.
منصور: بس ما بديت أحوي بالصل الأسود أبداً ياقُصير، وأنا وانت نعرف مليح إن الصل الأسود قتال. شوف الوليد كيف حنكه يفور منه السم وجسمه يرجف رجف؟ ولولا فاهم علك، كان قلت إنك قاصد تنهي هالوليد.
قُصير: اطمئن ياشيخ، ولا وردت حدا للموت. اللي فهمته منك تريد هالولد حاجة غير، وتريد يصير عليه اللي ما صار على والي قبله.
أنا قلتلك سيبه لي وكون هاني ياشيخنا. حالته هاي لأجل أول مرة جسمه يتعرض لنوع سم ولازم يتعب. هون عليك، أنا قننت نصاب السم قبل ما أخليه يلدغه. روّق انت واتركه لي، وأنا حماله لو صار له شي.
منصور: لو صار شي للوليد، الله في سماه ياقُصير نصلبك على نخلة ونطعميك للغربان.
قُصير: لا تخاف، قلتلك عندي.
أنهى منصور حديثه ونظر إلى الصبي بتمعن، ولم يستطع من هيئته وحالته أن يُطمئن قلبه. فخرج من الخيمة وأخذ يزرع رمال الصحراء ذهاباً وإياباً، وهو يحدث نفسه ويتساءل: تُرى ماذا سيفعل إن حدث للصبي مكروهاً؟ وماذا سيخبر أباه الذي ائتمنه عليه؟ وبأي وجه سيواجهه بأن ضيع أمانته، وهو الذي لم يؤتمن يوماً إلا وصان الأمانات وأوفى بالعهود؟
ساعات مرت، كان يدلف إلى الخيمة بين الفينة والأخرى، ينظر للصبي ويجس نبضه ويتلمس جبهته ليقيس حرارة جسده. فيخرج مهرولاً وقد أكل القلق والخوف قلبه أكثر من ذي قبل، ولم يتوقف عن سب قُصير بأبشع المسبات.
إلى أن حل المساء وبدأ الظلام في اكتساح الصحراء ليغطي على لونها الأصفر بعتمته. لم يجلس فيهم منصور إلا لدقائق ليستريح، ثم ينهض كمن لدغته عقرب ويذهب للصبي ينظر إليه من بعيد ويفِر هارباً.
أما قُصير، فلم يفارقه رفة عين. جلس تحت أقدامه النهار بأكمله، ينقط له في فمه ترياق ويرغمه على ابتلاعه، ومن ثم يأخذ خرقة من خيش منقوعة بالماء ويضعها على قدميه، وأخرى على جبهته. وطوال هذه المدة لم يتذوق أحد من رجال البادية كسرة من خبز، وهم يرون حالة شيخهم. وعم القلق والخوف على كامل البادية، حتى إن الأطفال أخذوا نفس الموقف. وجلس الجميع خارج خيمة آدم، ينصتون لأي صوت منه يدل على أنه عاد من صراعه مع الموت للحياة مرة أخرى، أو حتى يتفوه قُصير بخبر عن أنه بدأ في التحسن.
أما قُصير، فبدأ هسيس من الخوف يتسرب إلى قلبه. فقد استغرق الصبي وقتًا أكثر من اللازم. وبدأ يتساءل: هل بالفعل أخطأ حين بدأ معه بنوع السم هذا؟ أم هل زادت منه الجرعة حتى بعد أن تلقى أغلبها في جسده أولاً؟ وماذا سيفعل إن كان هذا خطأه الأول والأكبر والأعظم الذي سيمحي كل أفعاله الصالحة مع عمه وشيخ قبيلته ويحل هو مكانها؟
ضم يديه وأسند جبهته عليهما، وأخذ يدعو الله ألا يحدث هذا، وأن ينعم عليه الله بتوفيق آخر كما يحدث طوال الوقت، وألا تكن هذه نكبته الأولى. فانفرجت ملامحه وتهللت أساريره على الفور، وهو يرفع رأسه على أنة من الغلام ردت إليه الروح من قبله. وأردف ضاحكاً:
الحمد لله يارب. جمدت الدم في عروقي ياولد. والله نظير الخوف هذا لأعلمك شغلك.
ثم نهض مسرعاً وأزاح ستار الخيمة لينظر إلى الشيخ منصور ويردف بذهول الانتصار:
قلت لك ما تخاف ياشيخ، الوليد بخير وتوه تحدى.
أسرع منصور إلى الخيمة مهرولاً وهو يحمد الله، وجلس بجانب الصبي الذي كان يتلفت حوله بعيون يكسوها اللون الأحمر. وأردف بتعب:
بابا.. أنا عايز بابا وودوني لماما.. هما مش بيجوا ياخدوني من هنا ليه، وليه الراجل دا خلى التعبان قرصني، ليه عايز يموتني؟
نظر إليه منصور وتلمس وجنته في حنو وأردف:
ما تخاف ياولد، ما في حدا بده يموتك ولا شي. هذا عمك قُصير، وهو أكثر حدا هون راح يخاف عليك ويهمه إنك تكون بخير من بعدي.
أغمض آدم عينيه وعاود للأنين والتألم، وأخذ يهذي باسم أبيه وأمه حتى غلبه التعب وأسبل عينيه مستسلماً للنعاس.
منصور: اشربوا دهن وايد ياقُصير، ولا تغفل عنه. لسه الوليد ما زال عنده الخطر.
قُصير: لا تخاف ياشيخ، بس بالله عليك قول لمرتي تجيب لي أي شي آكله. مصاريني تتعارك من الجوع وراح تاكل بعضها.
منصور: ومين سمعك ياقُصير. والله البادية كلها اليوم أصابها الجوع والرعب، وما حد ذاق الزاد.. يلا بنبه لك ع الأكل وأشيع لك إياه مع معزوزة بنتك أو مع رابح.
خرج الشيخ منصور من الخيمة وطمأن الجميع، فانتفض الجمع فرحاً بنجاة الصبي. ودخل الأولاد إلى الخيمة يطمئنون عليه. ونظر رابح إلى قُصير وأردف معاتباً:
خاطرت بعملتك كتير ياعمي، بس الله نجاك منها ونجى الوليد. ما تعيدها مرة ثانية. ماسمعنا عن حدا اتحوى بالصل الأسود بأول مرة ليه. طول عمرنا نعرف إن الصل آخر شي ينلدغ منه المحوى، وهو سم الختام. ليش انت بدأت بيه؟ ويش هدفك؟
قُصير: شوف يارابح يا طويل اللسان، أنا ما حد يستجرئ يحاسبني على أفعالي ويسألني ليش وماليش. بس راح جاوبك لأني بعرفك ماراح تسكت إلا تفهم. الوليد بحياته الجاية راح يتعرض لأقوى أنواع السم. أخوه مات بنوع سم الأطباء ما عرفوه. وعشان هالشي لازم بدايته مع السم تكون غير وقوية. لازم يبدأ بالخطر والصعيب وينتهي باللي ما في بني آدم يتحمله.
هز رابح رأسه لعمه قُصير بتفهم، ثم أردف وهو ينظر لآدم بتفحص:
لكنها مخاطرة كبيرة وجائز كان مات فيها الوليد، فلا تعيدها. وهو ليش الناس تسمم وليد صغير لا حول له ولا قوة وما بيعرف يأذي نملة؟ ومين اللي بدهم يأذوه وأذوا أخوه قبل منه؟
قُصير: أقرب الناس له يا وليدي.. هو دايماً الأذى ما يجي غير من القرايب. يلا روح جيب لي أكل، الجوع موتني. بس تأكد إن الأكل انحط للشيخ منصور بالأول، وما تجيب لي أي شي إلا يبدأ هو بالأكل.
رابح: تأمر ياعمي. أنعم وأكرم.
خرج رابح وقطع نصف المسافة، وإذ بمعزوزة ابنة عمه قُصير الكبيرة لاحت من بعيد وميزها رغم الظلام، وهي تحمل الطعام لأبيها. فأسرع رابح والتقطه منها، وأخذ هو على عاتقه مهمة توصيله لعمه، بعد أن تأكد منها أن الطعام وصل للشيخ منصور أولاً. وطلب منها العودة لمساعدة باقي الفتيات والنساء في تجهيز طعام العشاء لباقي أهل البادية، وامتثلت معزوزة لأمره.
أوصل رابح الطعام لخيمة عمه ووضعه له، وخرج بعدها ينتظر مع الصبية الطعام الذي سيسد جوعهم بعد يومهم العصيب هذا. والذي علم الجميع من بعده أن هذا الصبي ذات شأن عظيم لدى الشيخ منصور، وأنه خط أحمر، من لا يريد عداوة الشيخ منصور لا يتجاوزه.
أكل الشيخ منصور وأتم طعامه، ورفع ناظريه وهو يسمع صوت سيارات قريب، واستقام في جلسته وهو يرى قافلة من ثلاث سيارات مصفحة آتية من بعيد تحت ستار الليل، فأمر كل من معه بأن يخلوا المجلس، ولم يبق إلا هو. وهذا ما يحدث عادة حين تأتي هذه السيارات الثلاث مجهولة الهوية ومجهولة أسباب القدوم لكل أهل البادية، إلا للشيخ منصور وقُصير، فليست كل الأمور متاحة معرفتها للجميع.
خرج قُصير أيضاً مسرعاً بمجرد أن أرسل له الشيخ منصور خبراً بأن القافلة السوداء قد حضرت. وجلس الاثنان في اجتماع مغلق في الخلاء، هم وستة من رجال ملثمين يجرون المباحثات السرية.
أما آدم، ففتح عينيه أخيرًا على صوت كركبة بجانبه، فوجد صبيًا ممن يتشاركون معه المبيت في الخيمة يبحث في زاوية الخيمة عن شيء ما. وحين التفت ورأى آدم ينظر إليه، تبسم له واقترب منه وأردف له:
الحمد لله على سلامتك. كيف حالك توا؟
نظر إليه آدم طويلاً دون أن يجيب، ففهم الصبي أنه لا يفهم حديثه، فحاول تغيير الجملة:
كيفك الحين بخير؟
أومأ له آدم برأسه ولم يتحدث، فاكمل الصبي تساؤلاته:
انت ليش أهلك سابوك هنا ومشوا، وانت الباين فيك ولد عز وترف؟
فهم آدم هذه المرة، ولكنه أيضاً لم يجب، فهذا السؤال هو نفسه لا يملك الإجابة عليه. واكتفى بالتنهيد، فجلس الصبي بجواره وقال له:
أنا اسمي سالم ولد زيد، وقُصير بيكون عمي. فينا نصير رفقة؟ قالها ومد يده إليه مصافحًا.
فتردد آدم لثوانٍ، وبعدها رفع يده بوهن يصافح سالم، فهو تعلم أن من غير اللائق أن تمتد يد لنا بالسلام ولا نصافح. تبسم سالم حين صافحه آدم وأردف:
من اليوم راح تصير رفيقي المقرب وراح أعلمك كل شي بعرفه.
مر يومان تحسن فيهما آدم كثيراً عن ذي قبل، واستطاع الخروج من الخيمة والمشي مع الأولاد، حتى وصلوا لبئر الماء. وهناك آدم أخذ يتلفت حوله وهو يتساءل: إلى متى سيمكث في هذا المكان المقفر؟ متى سيتمكن من العودة إلى بيته وفراشه الوثير، إلى ألعابه ومدرسته وأصدقائه؟ متى سيعود إلى حياته الطبيعية وإلى حضن أمه الذي اشتاق إليه حد الجنون؟ متى سيعود ليغفو على صوت أبيه الحنون وهو يقص له قصة عن الصحابة وعن الأنبياء؟
قطع تفكيره هذا صوت الشيخ منصور وهو يحدثه:
بيش صفنان يا وليدي؟ بيش تفكر؟
نظر إليه آدم وسأله بلهفة ممزوجة ببعض اليأس:
ماما وبابا هيجوا ياخدوني إمتى؟
أجابه منصور وهو يجلس بجانبه:
بوك وأمك راحلين ورحلتهم طويلة.
آدم: يعني إيه راحلين؟
منصور: يعني مسافرين وسفرتهم بتطول، وهملك هنا لحين يعاودوا. وبوك طلب مني أدير بالي عليك وأعلمك كل شي عن حياة البادية.
آدم: لأ، أنا مش عايز أتعلم حاجة ومش عايز أفضل في الصحراء هنا. رجعني بيتنا، هستنى هناك مع عمي وعمتي لغاية ما بابا وماما يرجعوا من السفر.
تبسم الشيخ منصور وأردف ساخرًا:
أي ويبقى عطينا العطية للحرامي يحرسها. هو بالأساس كل البلا من العم والعمة.
لم يفهم آدم ما يرمي إليه الشيخ منصور، فهو رغم كل شيء طفل لم يكتمل نضج عقله. فأكمل سلسلة تساؤلاته:
وبعدين هما إزاي يسافروا ويسيبوني؟ دول عمرهم ما عملوها قبل كده، عمرهم ما سابوني.
فرد عليه منصور:
لكل شيء مرة أولى. ثم أخذت ملامحه الجدية وهو ينظر لآدم ويخبره بنبرة تنم عن قرار لا رجعة فيه:
اسمعني ياولد زين.. من اليوم لحين يعود أبوك ياخدك، ما بدي تعصالي أمر ولا أطلب منك شي إلا وتلبيه. والكلمة "نعم وتوا" ما تفارق لسانك. بدي منك الطاعة عشان ما تشوف مني قساوة. ومن بعدي عمك قُصير، ايش ما يقول لك تطيع وما تخالف له أمر.
آدم: أنا مش هسمع كلام حد. أنا عايز أرجع بيتنا، أنا مش حابب أعيش هنا.
الشيخ منصور: ما أنا توي أقول لك ماهو بقولك، ولا باللي تعوزه. الكلمة هيني كلمتي أنا ومن بعدي قُصير. وانت حالك حال باقي الوليدات، تسمع وتطيع. والحين قوم امسك دلّوك متلهم وعبي مي ودي حدر الحريمات، خليهم يعملوا لك الأكل اللي تأكله. هون ما في حد ما يشتغل بيده ويتعب عالخبزة اللي يأكلها، وانت من هالحين لازم تتعب لتأكل. ودير بالك، اللي يخالف للشيخ منصور أمر بيشوف اللي ما يسره، إن كان غلام ولا رجال شنبه يحط عليه الصقر. واسأل الوليدات لو ما بتصدق.
استمع آدم لتعليمات الشيخ منصور الأخيرة بفم مطبق، فهو لمس الجدية الكاملة في تهديداته، وهو هنا وحيد، لن يجد من يحتمي فيه من بطشه إن قرر البطش به.
أنهى منصور حديثه مع الغلام ووقف مغادرًا المكان بعد أن تأكد بأن حديثه معه قد أسفر عن النتيجة التي يرجوها، وأوصل له رسالته التي يقصدها، وتركه يتقبل فكرة أنه بات محاصرًا هنا وسط الصحراء، إما الطاعة العمياء أو مصير لن يتحمله.
بعد أن غادر منصور، اقترب سالم من آدم وسأله عما دار بينه وبين الشيخ، فقص عليه آدم كل الحديث، عله يجد عنده مخرجًا لمأزقه. فما كان من سالم إلا أن بث الرعب في نفسه أكثر، وحذره من قساوة الشيخ منصور وبطشه، وخاصة مع الأولاد الصغار. فهم لا يعرفون شيئًا اسمه دلال أو رفاهية، وجل ما يحصلون عليه من كلمات الثناء هي: "أحسنت وليدي"، وهذه الجملة تعادل ألف جملة دلال بعد اجتيازهم لأعتى الاختبارات.
استسلم آدم وسلم أمره لله، فما عاد يمتلك إلا الصبر والانتظار إلى أن يعود إليه أبواه، ووقتها سيقتص منهما على كل ما عاناه وما سيعانيه بسبب تخليهم عنه وتركهم له في هذا العالم الموحش.
في اليوم التالي، استيقظ آدم في الصباح الباكر مع اختلاط الخيط الأبيض والأسود في كبد السماء، على صوت راجح الذي أصر اليوم أن ينضم إليهم في سعيهم الصباحي وأن يغتنم ساعات الصبح المباركة، فاستجاب آدم وخرج مع بقية الأطفال للخلاء، فوجد قُصير في انتظاره، وكأنه يعلم أنه اليوم سينضم للأولاد، أو أن هذا القرار كان قراره هو. فأشار إليه بيده ليقترب، فلبى آدم واقترب منه، فأعطاه إناءً صغيرًا وأشار له على إحدى العنزات وأردف له آمرًا:
اجلس واحلب العنز هادي وجيب فطورك.
آدم: بس أنا مش بعرف أحلب.
قُصير: تعلم. ما في شي اسمه ما تعرف، فرض عليك تعرف كل شيء.
سالم: تعال ياآدم وشوفني ويش أسوي وسوي متلي.
وبدأ سالم يعلم آدم الحلب، وأمسك بيده وأخذ يعلمه كيف يحبس اللبن في ضرع المعزة، ثم يضغط عليه بحرفية ليخرجه منها. وبعد عدة محاولات، نجح آدم في إنزال بعض الحليب، فتبسم فرحًا، ثم نظر إلى قُصير منتظرًا عبارة ثناء، ولكن وجد ملامح قُصير جامدة ولم يتأثر، وكأن ما فعله شيء عادي لا يدعو للفخر. ثم عاد يكمل ما بدأه غير مهتم بأي ثناء من أحد، فهذا شيء عادي بالنسبة لهم هم، أما هو فيعتبر ما يفعله أكبر إنجاز قام به يومًا، ويكفيه فخره بنفسه.
أنهوا حلب الماعز وانتقلوا بالحليب إلى النساء ليعدوا لهم طعام الإفطار. ثم أمر قُصير بعضًا من الصبية للذهاب إلى البئر لنقل الماء، ومن ضمنهم آدم الذي ذهب معهم وهو يشعر ببعض الإعياء، فما زال أثر سم الثعبان في جسده.
التف الصبية حول البئر، وأمسك كل منهم دلواً وأخذ يغترف الماء من البئر ويملأ دلوه ويأخذه ويغادر. وحين أتى الدور على آدم، تقدم وحاول سحب الماء من البئر، وبعد محاولة مضنية نجح في إخراج الماء وقام بسكبه في دلوه. وهم يحمله، فأردف له قصير:
هم بالدلو زين، وريني قد إيش حيلك يا ولد الحضر.
هم آدم برفع الدلو فلم يستطع، رغم أن الدلو لم يكن يحوي إلا القليل من الماء، فضحك الصبية عليه وهو ينزل الدلو سريعًا ولا يقوى على رفعه. فحدجهم قصير بنظرة غضب وقال لهم محذرًا:
ما حد يتهزأ بيه. هذا بأمر ربي هيكون خير منكم.
انتهى من جملته ونظر إلى آدم محفزًا:
احمل ياولد، ماتضحك عليك الولاد.
فاستجمع آدم كل قوته وحمل الدلو وسار به حتى أوصله عند النساء، وجلس بعدها يلتقط أنفاسه تحت أنظار الشيخ منصور الذي أشار لقُصير بمعنى هذا يكفيه لليوم.
أما في قصر محمود الدلال. جالس في مكتبه بالقصر وسمع عدة طرقات على الباب، فعرف من وراء الباب، فدعاه للدخول قائلاً:
ادخل يا يحيى.
فدخل أخيه يحيى واقترب من محمود وبنبرة تحمل أدب حديث مزيف:
ممكن أتكلم معاك كلمتين بهدوء يامحمود، وبعد إذنك تسمعني للآخر.
أومأ له محمود بالموافقة ودعاه بيده للجلوس، وعقد أصابعه وأسند ذقنه على يديه في تأهب لما سيقوله أخيه، والذي يعلمه جيدًا. فتحمحم يحيى وأردف:
يا محمود يا أخويا، اللي بتعمله دا غلط، وخوفك على ابنك منا دا قمة الظلم لينا، لأنك بكده أثبت لنا إنك لسه مفترض فينا السوء، ولسه محملنا دم ابنك اللي مات، ومش قادر أفهم لغاية النهارده انت بنيت اتهامك على أي أساس؟
استمع إليه محمود ورد عليه بجمود:
يحيى، إنت عايز إيه دلوقتي؟ أنا ابني مش هرجعه هنا تاني، وقراري أخدته. ولو سمحت متتكلمش معايا تاني في الموضوع ده. وأظن سبق وقلت لك إن الموضوع ده بالذات ميخصكش ولا يخص حد، لأن ببساطة لو أخدت نفس القرار مع حد من أولادك أنا مش هتدخل بالمرة من بعيد أو من قريب.
يحيى: يا محمود، إنت كده بتقطع كل روابط الأخوة بينا وبتحط حدود مش المفروض تكون موجودة من الأساس.
محمود: يحيى، لو انتهيت وخلصت اللي عندك، اتفضل اخرج وسيبني، لأني ورايا شغل كتير مينفعش يتأجل.
يحيى: لحد إمتى يامحمود؟
محمود: لو تقصد على آدم، فـ لغاية ما يكبر ويبقى راجل يقدر يحمي نفسه. وسبق وقلت لك الكلام ده. ولو صحيح بتحبه زي ما بتقول وخايف على مصلحته، توافقني على قراري مش تعترض، وعايز ترجعه هنا بأي طريقة عشان يحصل أخوه وانحرم منه.
يحيى: يا محمود، مروان الله يرحمه كان حادثة، قضاء وقدر.
محمود: وأنا بعدت ابني عشان أتحدى القدر.
تفوه بها وهو ينظر لعيون أخيه بإصرار، وكأنه يخبره أنك أنت القدر السيئ الذي أخاف منه على ابني، ولست أتحدى غيرك. فابتلع يحيى مرارة الهزيمة مجددًا، وأردف في محاولة بائسة أخيرة:
طيب قولنا عالأقل وديت الولد فين؟ الدنيا منضمنتش، ولا قدر الله جايز تحصل أي حاجة، يبقى الولد كده ضاع ولا إيه؟
أجابه محمود مصرًا:
متخافش. لو جرالي حاجة أنا وأمه، هو هيرجع في الميعاد المحدد، وهيرجع وهو عارف كل حاجة وعارف اللي له.. واللي عليه برضه.
هب يحيى واقفًا وهو يستشيط غضبًا، فها هي جميع مساعيه تفشل ويعود لتخبطه، فاليوم اكتمل الأسبوع وهو لا يعلم عن غريمه الصغير شيئًا!
أغلق محمود دفاتره أخيرًا ونهض متوجهًا لتلك التي أوجعت قلبه فوق وجعه وجعًا منذ أن أجبرها على ترك طفلها الذي انتشلها من غياهب الحزن إثر فقدها لوليدها الأول، وها هي تذبل مجددًا بعد أن أزهرت روحها مع ولادة آدم. دلف إليها واقترب منها وهمس لها وهو يتفحصها من رأسها لأخمص قدمها:
مش هتقومي لي يانادية وتقفي جنبي؟ أنا محتاج لك أوي الفترة دي. أوعى تفتكري إني قوي للدرجة اللي تخليني أتحمل حالك ده.. أنا أضعف من كده يانادية والله.
أمسكت نادية كفه التي تمسد على رأسها وهمست له بترجٍ:
طمني عنه يا محمود، عرفت تطمن عليه، قدرت تعرف أخباره ولا خلاص كده ابني اتنفى واتقطعت أخباره؟
تبسم محمود وهو يخبرها بأنه بالفعل اطمأن عليه وعلى أحواله، وكإثبات لذلك قام بإخراج مظروف من جيبه وفتحه وأخرج لها منه صورًا لآدم وهو يحلب الماعز وصورًا أخرى وهو جالس وسط الأطفال يأكل وملامحه ضاحكة، فاختطفت الصور منه بعد أن انطلقت منها شهقة خرجت من منتصف روحها، واحتضنت الصور وهي تزرف الدموع، ثم أبعدتهم وأخذت تتأملهم وتتلمس طفلها الغائب، والذي انتفض قلبها برؤيته بعد كل هذه الأيام التي تعادل لديها سنوات فراق طويلة.. وشعرت بوخزات في قلبها وهي ترى الاختلاف الذي طرأ عليه، فقد أثر فيه الفراق مثلها وربما أكثر.. فملامحه ذابلة وابتسامته باهتة وخسر بعضًا من وزنه.. وسخطت من كل قلبها على من كان سببًا في فراقها عن صغارها، فهذا الأمر لا يرضي ربًا ولا عبدًا إلا من كان جبارًا مريدًا.
ترك لها محمود الصور حتى ارتوت من النظر إليهم، ثم انتزعهم منها وقام بإحراقهم على الفور أمامها، ولم تعترض هي، فهذا إجراء للحماية قد اتفقا عليه سابقًا. وقام بعدها محمود متوجهًا لخزنته، فأخذ منها مبلغًا من المال ووضعه في حقيبة يده كي يقوم بإعطائه لمرسال الشيخ منصور في نفس السرية التي أخذ بها منه الصور واطمأن على ابنه.
حل الليل وكان قُصير يجلس مع الشيخ منصور يقررون من أين سيدبرون ما طُلب منهم هذه المرة، فالعدد كبير والمخاطرة أكبر. وفي هذه الأثناء، أتت معزوزة ابنة قُصير البكر تركض واقتحمت مجلسهم وقالت من وسط أنفاسها المتلاحقة:
بوي أمي جابت.
هب قُصير واقفًا وقد تهللت أساريره وسألها بلهفة:
ابشري يا بنية ويش جابت؟
معزوزة: بنت كيف البدر يابوي، سمحة شديد.
جلس قُصير مرة أخرى وقد انطفأت فرحته، وامتعضت ملامحه وأغمض عينيه ألمًا، فقد شعر بأن زوجته خذلته للمرة الرابعة حيث أنجبت له البنت الرابعة وقد حذرها من ذلك. فنظر للشيخ منصور وهم أن يكمل حديثه معه، ولكن قاطعه الشيخ منصور قائلاً:
روح شوف حرمتك بالاول وتحمد لها عالسلامة وشوف بنيتك، وبعدها عاود نكمل حديثنا.
قُصير: لا مارايح ولا بدي أشوف وجهها. ريتها ماتت هي وما جابت ولا كملتهم أربع رزايا فوق قليبي.
منصور: وحد الله ياقُصير، عطايا ربك هاي.
قُصير: لا إله إلا الله. خلي نكمل حكينا ياشيخ. وانتي يامعزوزة، روحي لأمك وقولي لها بوي يقول لك مبارك عليكي البنية الرابعة وبوي راح يجيب ولادة الصبيان خلي بناتك تنفعك.
معزوزة: خاف الله يابوي، أمي إيش سوت؟ ولا كان بيدها تخلف بنت، هذا أمر ربي؟
قُصير: وأنا إيش سويت لابتلى بأربع بنات؟
منصور: روحي يابنية وقولي لأمك بوي مشغول وبس يفضى بيجيلك.
غادرت معزوزة وهي تحمل عبء إخبار أمها بهذا، فهي حتمًا ستفهم أن أباها لا يريد رؤيتها وأنه غاضب مما أنجبت. وحتى أمها حزينة، فقد تمنت أن تنجب هذه المرة صبيًا يلجم فم قُصير ويؤجل أمرًا محتومًا لبعض الوقت.
دَلفت معزوزة إلى الخيمة ووقفت أمام أمها، وقبل أن تنطق بالكلمات التي ترتبها فيهم طوال الطريق، أردفت أمها متجنبة إياها عناء محاولة الكذب الفاشلة:
كنت أعرف إنه ما راح يجي ولا يريد يشوف وجهي. والحق معه. أنا جبته له أربع رزايا ويش يسوي فيهم؟
صمتت معزوزة وهي ترى أمها ملمة بطبع أبيها وموقفه أكثر منها، واقتربت من أختها الصغيرة حملتها وأخذت تنظر إليها وتبسمت وهي تقول لأمها:
يمه ويش راح تسميها؟ بدها اسم سمح يليق ع وجهها السمح هذا.
مكاسب: ماراح أسمي ولا شيء. سموها رزية، سموها بلية، ويش ما تنادوا لها قولوا. أنا ما عايفها.
معزوزة: استغفري الله يومه وقولي الحمد لله. انتي صرتي متل أبوي، تكفري بنعمة الله؟ قولي الحمد لله على تمام الخلقة.
مرت ساعات الليل الأولى، وذهب قُصير إلى البئر، جلس عنده وأخذ يراقب النجوم ويحاول المفاضلة بين فتيات البادية ويختار من بينهن الأنسب له، ممن أنجبت أمهاتهم أكبر عدد من الذكور لترث منها هذه الميزة. وأثناء شروده، سمع صوتًا شتت جميع حساباته وأعاده إلى الواقع:
إيش بيك ياقُصير؟ ما تبي تلمح بنيتك بعينك ولا تحملها؟ انظر قد إيش بيها سماحة. انظرها ورهان إن ما كان سرقت قلبك وعقلك.
قُصير: لا ما أبي. وبعدين وأنا إيش أسوي بسماحتها؟ وأيش أسوي بالبنت؟ كنت أريد صبي، لكن هالبنت ارميها لحالك، مالي بها شان. واعمل حسابك أنا أبي أتزوج بأقرب وقت، راح أتزوج ولادة ذكور.
مكاسب: لا تبيع العشرة يا ابن العم وتحاسبني على اللي ما بيدي. لا تفرط بمكاسب اللي تتمنالك الرضى ودايرة بالها عليك وحاطاك بعيونها من يوم اللي الله نشأها وعرفت حالها تسمت ع اسمك.
قُصير: ما منه فايدة كثر الحكي يامكاسب. خذي بتك وعاودي لخيمتك، إنتي نفسه والهوا واعر عليك وعلى بتك.
غادرت مكاسب بقلب مفطور، فها هي باتت متأكدة من أن أسوأ مخاوفها على وشك التحقق، وأن امرأة أخرى تلوح في أفق حياة زوجها وأن وجع الضرة يقترب.
وقف أمام المرحاض ينتظر خروجها وهو يشعر بالقلق عليها، فها هي تفرغ ما بمعدتها للمرة الثالثة اليوم! خرجت أخيرًا وسألها يحيى بقلق:
فريال مالك؟ إنتي حالتك ما يسكت عليها ولازم آخذك للدكتور دلوقتي حالاً، ومش هسمح لك ترفضي أبدًا.
فريال: ما في داعي يايحيى.. أنا حامل.
يتبع
•
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الثالث 3 - بقلم ريناد يوسف
جحظت عينا يحيى وهي تخبره بأنها حامل مرة ثالثة، قالتها بمنتهى البساطة! وكأن هذا الخبر عادي بالنسبة لها ولا يحمل في طياته تهديداً لحياتها بالإنتهاء.
فهي منذ أن أنجبت ياسين ومدحت اكتفت بهما نظراً لتعب قلبها الذي كاد يفتك بها في الحمل الأخير.
أردف لها وهو غير مصدق:
- انتي اكيد بتهزي صح؟!
أجابته فريال وهي تخرج من الحمام لتتجه إلى الفراش بوهن:
- وهي دي حاجه فيها هزار يايحيى؟
- فريال إنت عارفه دا معناه ايه، انتي نسيتي تعب قلبك ولا ايه؟
أجابته بعصبية:
- لا منستش يايحيي بس اهو حصل هعمل ايه يعني، ماانا باخد وسيله وكنت فاكره ان عمر الحمل مايحصل، لكن عشان حظي الزفت اهو حصل.
- طيب قومي بينا نروح لدكتور ينزله فوراً انا مش هخاطر بحياتك.
فريال:
- للأسف مش هينفع لاني تقريباً خلصت الشهر التالت وكل دا كنت فاكره إني تعبانه تعب عادي ومكنش فبالي ابداً انه ممكن يكون حمل.
جلس يحيى بجانبها ونظر إليها ملياً وأردف بقلق حقيقي:
- فريال انتي ممكن..
- أموت عارفه، وكمان ممكن أموت لو حاولت انزله، يعنى سواء كده او كده انا معرضه للموت، فخليني اأجله لغاية ميعاد ولادتي بدال مااروحله برجليا دلوقتي.
صمت يحيى وصمتت هي ايضاً وكل منهم يحاول استيعاب الكارثة وماسيترتب عليها، وعجز العقل عن التفكير والترتيب في ظل إرتجاف القلوب خوفاً من ألم الفراق.
أما في غرفة مديحة:
- أيوه ياخالد بقولك مش هينفع اخرج من البيت، إخواتي الاتنين قاعدين مراحوش الشركه النهارده، وهيسألوني رايحه فين وجايه منين ومحمود هيبعت معايا الشوفير ومش هيسمحلى اخرج بالعربيه لوحدي.
- يعني مش هعرف أشوفك النهارده كمان يامديحه؟ علي فكره دي مبقتش عيشه دي وانا مبقتش قادر اتحمل الوضع دا، أنا جوزك وانتي مراتى على سنة الله ورسوله وليا عليكي حقوق، ومش هفضل عايش في الضلمه كده كتير إحنا لازم نعلن جوازنا فأقرب وقت.
ردت عليه بنبرة ساخرة:
- جرا ايه ياخالد مالك كده عامل زي البنت اللي اتجوزت من ورا اهلها وحملت وعايزه تعلن خبر جوازها قبل الفضيحه!
وبعدين ماانت عارف من البدايه إن جوازنا هيفضل في السر لفتره لان فيه عندي مخططات لازم تتنفذ قبل اعلان حاجه زي دي؛ لان بمجرد مااعلن خبر إني إتجوزت ابن ساعي الشركه بتاعة اخويا ومن وراه وفي السر، هيطردنى بره بيته وبره حياته كلها، وانا مش هسمح بدا في الوقت الحالي ابداً.
- مديحه خلي بالك انتِ كده بتخسريني، ووقت ماتحققي اللي بتسعيله ممكن تبصي متلاقينيش في حياتك.
اجابته مديحه بثقه:
- وقتها هتجيني تجري لو كنت فآخر الدنيا، ومهما بعدت مسيرك هترجعلي ياخالد؛ عشان هيكون عندي كل حاجه هتحتاجها، هحط بين إديك فانوس سحري يحققلك كل احلامك ويعوضك عن كل حاجه اتخليت عنها عشاني..ودلوقتي يلا مع السلامه هخرج اشوف القصر حصل فيه إيه في الوقت اللي انشغلت معاك فيه ده.
- هو انا ليه حاسس دايماً إنكم عايشين فى صراع وطول الوقت تعملوا مخططات ومراقبه لبعض زي ماتكونوا بتجمعوا على بعض ذلات كل واحد فيكم يدمر التاني بيها مع إنكم إخوات، والاخوات بيتعاملوا مع بعض غير كده خالص!
سألته مديحة بسخرية:
- وازاي بيتعاملوا الإخوات ياسي خالد؟
- بيتعاملوا بمحبه يامديحه، بيتعاملوا بخوف على بعض، بيتعاملوا كأنهم روح وحده متقسمه على كذا جسد، ولو اللي بيحصل مابين الإخوات غير كده يبقى يراجعوا إخوتهم ورباط الدم اللي مابينهم.
مديحه:
- بررررافوا ياخالد كلام عظيم يستحق سقفه، بعد اذنك هقفل معاك واسيب التليفون من إيدي عشان اعرف اسقفلك.
ألقت بعباراتها على مسامعه ثم اغلقت الخط وألقت الهاتف من يدها بضجر، فهي لا تنقصها المواعظ ودروس فى العلاقات الأسرية في هذا الوقت بالمرة.
أما هو فأبعد الهاتف عن اذنه ونظر له بسخط وكأن نظرته وسخطه سيصلان إليها عبر الهاتف، وتمنى لو أنها امامه الأن وجهاً لوجه، فيستخدم معها كافة الأساليب ليقنعها بما يريد، لا أن يتحدث معها عبر هاتف تضغط على زر فتنهى الحديث وقتما تشاء.
أما فى صحراء سيناء حيث الرمال أوشكت على الإشتعال من حرارة الشمس المباشرة، جلس آدم يلتقط انفاسه في ظل خيمة الشيخ منصور وقد أنهكه مطاردة الخراف الصغار وإعادتهم إلى أمهاتهم إن ابتعدوا عنهم، حتى لا تحدث جلبة من الأمهات على صغارهم، وكانت هذه مهمته اليوم التي اسندها إليه قصير، فتسلل إلى مسامعه حديث قصير والشيخ منصور، والذي كان بمثابة الطعنة التي نفذت لقلبه الصغير فقسمته.
منصور:
- خد ياقصير القروش هاي ودسهم زين، دول قروش واد محمود، دير بالك لا تصرف قرش منهم إلا عالولد، بوه بدو تجيبله أشطر معلمين يعلمونه القرايه والكتابه وكل شي يتعلمونه بالمدارس، بوه وده حين يعاودله وليده يكون أهل أنه يدير شركته ويكبر امواله وماتفوته شارده ولا وارده..
بدنا نعاوده لمحمود ذيب ينهش كل اللي يفكر يقربله، حوت يبلع اي حد يحوم حواليه بشر، بدي هالوليد يصير حديث كل البوادي ياقُصير ولما ينجاب طاري أسود الصحارى وأبطالها ينذكر اسمو بين الفوارس وبأول القايمه.
قُصير:
- اعتبرو صار ياشيخ، شهور وتستلم منى "طير عقاب* ماياكل إلا من صيده ومايحط بمكان إلا يغادره بفريسه بين مخالبه.. راح يكون" العقاب" اللي تخاف منه الصقور.
أومأ له الشيخ منصور برضى وهم أن يتفوه ببعض الكلمات ولكن قاطعه صوت آدم الذي إقتحم الخيمة دون إستئذان ووقف يحدق بهم، وعلى وجهه غضب لا يتناسب مع سنه، وأردف بأنفاس متلاحقة:
- يعني بابا مسافرش زي مابتقولي ياشيخ، يعني ضحكت عليا، يعني هو رماني هنا وبيبعتلي فلوس عشان افضل عايش هنا واتعلم هنا، يعني مش عايزني اعيش معاه صح؟
منصور:
- اسمع ياولد، بعرفك الحيت تلقيت صدمه واللي سمعته ماراح يفهمه عقلك الصغير، بس ودي احكيلك شي واحد، بوك ارسلك هيني لتصير رجال، لتتعلم كل شي وتصير قوي، وبس تتعلم راح تعاودله، يعني اذا ودك تعاودله تعلم كل شي سريع وصير سبع، وبوعدك كل ماتتعلم اسرع راح تعاود لبوك وامك بكير.
آدم:
- خلاص وانا هتعلم كل حاجه وهعمل كل اللي تقولولي عليه.
منصور:
- زين..
قالها ثم نظر إلى قصير واردف آمراً:
- الحمد لله الوليد ردت فيه العافيةمن غدوة كمل مهمتك، بوه قال انه متعلم العوم (السباحة) هه مايعرف عومنا، اريده كيف حوت ان بات في قاع البحر مايموت، همتك معاهوجهزه للخيل والهجين وودي يشارك فالسباق الجادم(القادم).
وتشوف رجوله لو طالت دواسات السيارة تعلمو على سيارة دفع رباعي، ودي يصير حالو حال كل الوليدات ويفوقهم بعد.
قصير:
- بعلمو كل هاد ياشيخ بس بلاول خليني آخده للقنص واعلمو يعرف يجيب شربة ميته اذا تاه بالصحاري ويصنع خبزته، وبعدها نعاود ونشوف موال الهجين والعوم والسيارات وكل شي..
بس بستأذنك بعد القنص فأجازه شي كم يوم ودي اتزوج فيهم.
منصور:
- يجرالك اللي تبيه ياولدي، شاور على مريتك وتعاود من الرحله بالوليد تلاقي خيمتك جاهزه من كلو وحرمتك الجديده بإنتظارك فيها وزواجك واقف على كتب الكتاب.
قصير:
- انا وقع اختياري وعقدت النيه على "سدينه" بنت عمي عمران ياشيخي.
منصور:
- هي الك، تعاود تلقاها بخيمتك.
تهللت اسارير قُصير فبكلمة الشيخ منصور أصبحت سدينه بمثابة زوجته، لا يفصله عنها سوى مدة رحلته، والعقد الذي سيتم على يد عمه منصور، أي باتت الامور كلها على مايرام الآن.
خرج بعدها قصير يزف البشرى إلى زوجته وأولاده وسائر اهل البادية، وكل هذا تم على مسامع "سدينة" التي فور أن اعلنها قُصير أنها أصبحت تخصه من اليوم وفي مقام زوجه وسيتمم زواجه منها حين يعود حتى رفعت طرف غطاء رأسها تخبئ إبتسامتها الخجلة، وتحاول أن تَواري فرحتها..
فإبنة عمها مكاسب بجوارها، ورأت أن إنكار الفرحة واجب، ونسيت أنها حتى وأن أخفت الإبتسامة لن تخفي على من حولها فرحة العيون..
فتنهدت مكاسب بوجع وأكملت وضع الحطب في الموقد حتى ينضج الطعام ويشتد غليانه كغليان قلبها في هذة الساعة.
نظر قُصير الى سدينة وإبتسم لها وهي بادلته الإبتسام وكان هذا بمثابة العرض والقبول، ثم نظر إلي مكاسب بطرف عينه قبل إن يهم بمغادرة المكان، وكأنه يخبرها أنه قُضي الأمر سواء رضيتى أم أبيتي.
إقتربت سدينة بعد رحيله من مكاسب وهي تدعي المسكنة، وجلست بجانبها وتحدثت بنبرة حاولت أن تشوبها بعض الشفقة:
- مكاسب ياخيتي، انتي تعرفي زين إني مابيدي رفض او قبول، وإن ابن العم لو نهى على بنت عمو معناها مافي كلام ينقال بعد نهوته ولا خشم يبظم بحرف.
مكاسب:
- اعرف ياسدينه، إمبارك عليكي زوجي، بالرفا والذكور انشالله.
سدينه:
- من قلبك الدعوة يامكاسب؟ يعني تتمنيلي اجيبله الذكور بصوح؟
مكاسب:
- اي اتمنى كل مجايبك ذكور ياسدينه، ومانها محبه فيكي، بس حتى لا يتزوج بثالثه ويجيبها علينا ويتقسم الوقت والحيل وتطول ليالي البعاد.
سدينه بتفهم:
- اي معك حق.. يلا بالأذن منك راح روح ارسل خوي يسأل زوجي قديش راح يغيب حتى اجهز حالي ويعاود يلاقيني عروس تسر القليب بإنتظاره.
مكاسب:
- روحي ياعروس وشدي الهمه.
ركضت سدينه إلي خيمتها وإقتربت معزوزه من أمها وجلست بجوارها واردفت مواسية:
- لا تزعلي يومه بوي يحبك انت وما متزوج الا لجل يجيب ذكور.
مكاسب:
- الله يطعمو الذكور اللي تشبع عيونو وتسر خاطرو يارب، انا ماأكره يابنيتي إن يجيكم إخوات تشدو ضهركم فيهم، بس والله الضره تكيد، انت صغيره وماراح تفهمي علي.
معزوزه:
- لا ميش صغيره وفاهمانه اعليكي، بس كلنا نعرف انو كل راجل من القبيله لازم يتزوج حرمتين ومايكتفي بوحده.
مكاسب:
- اي اعرف.
معزوزه:
- طيب قومي لاختي الصغيره تبكي بالخيمه تريد تاكل جوعانه..وأمانه اعليكي سميها أسم زين يمه نقولهولها.. البنت مازالت بلا اسم لليوم. عم نندهلها الصغيره والصغيره.
مكاسب:
- قلتلك انتي سميها يامعزوزه وفضينا انا مارايقه.
معزوزه:
- اذا هيك بسميها "رجوه" زين؟
مكاسب:
- زين.
انهت حديثها ونهضت ملبية لصرخات صغيرتها التي تطالب بالطعام، مستسلمة لأمرها الواقع داعية الله أن يعين قلبها في مصابه.
إنقضى الليل على أهل البادية وفيهم من اسدل جفونه وغاص في نومه بعد يوم متعب، ومنهم من أبت جفونه تلبية نداء النوم، وبات يحسب الحسابات، وبالطبع مع إختلاف نوع الحسابات.
وفي الصباح خرج الجميع من خيامهم، وقصير مع خمسة من الأطفال وآدم معهم يستعدون للرحيل، اخذوا كل العدة والعتاد لقضاء سبعة ايام في قلب الصحراء، حيث لا ماء إلا قليل ولا اى طعام يُعد، ولا أي شيئ يعين على البقاء، ومن أراد منهم البقاء حياً فليحاول بآخر ذرة قوة في جسده واكبر قدر من الصبر، كانت هذه كلمات قصير لهم ليلاً فبات آدم يحلم بها وقضى الليل ينازع.
بعد يومان فى رحلة قصير والاولاد.
آدم:
- ياعم قصير الله يخليك انا جعان وعايز اكل، انتوا كلكم بتاكلوا وانا بس اللي قاعد بالجوع وحاسس اني هموت خلاص.
قُصير:
- ودك من صيدة من تاكل؟ هون اللي يقنص ياكل، مايقنص يضل بالجوع.
آدم:
- طيب انا مش عارف اصطاد ولا قادر.
قصير:
- وانت هيني لتتعلم، ماجبتك حتى الوليدات تقنص وانت تاكل من تعبهم. كل واحد وغنيمته.
بدأ آدم في البكاء بصوت عالٍ وما أن فعل هذا حتى ضحك جميع الأطفال عليه، فهدر بهم قصير:
- قلت قبل سابق ماحدا يتهزا بيه.
إقترب سالم من آدم وكان الوحيد من بين الأطفال الذي لم يضحك ساخراً من دموع آدم، فجلس بجانبه وربت على فخذه قائلاً:
- سامحني خوي والله لو بيدي كنت قسمت معك غنيمتي، بس تعرف ممنوع مشاركة الغنايم مع حديث قنص حتي يتعلم.
نظر له آدم يرجوه بعينيه ودموعه ان يرحم جوعه فهو لا يهمه كل مايتفوه به، بل كل مايهمه الآن أن يعطيه مايسد جوعه، وتباً للقنص ولتذهب قوانين البقاء إلي الجحيم.
بعد دقائف تلفت سالم حوله وإذ بجسده ينتصب وتنتبه كل حواسه، وارهف السمع وإذ به ينظر لآدم ويهمس له بسعادة:
- أبشر غنيمتك هونيك بين الصخور. امسك قوسك وعمره بالسهم واتبعني.
ثم هب واقفاً وبدأ في المشي بلا صوت، بخطوات هادئة تشبه زحف ثعبان يقترب من فريسته، ومثله فعل آدم رغم أنه لم يعد يقوى على السير، وعند نقطة معينة توقف سالم وارهف السمع أكثر، وإذ به يشير لآدم على أرنب بري بين الصخور، وحثه على التقدم قليلاً، وأوقفه أمامه فى مواجهة الأرنب واستأذن من عمه قُصير بعينيه وأذن له قُصير.. فقام سالم برفع يدا آدم بالقوس والسهم وتثبيتهم على الأرنب، وهمس في أذن آدم:
- ثبت يدك ولا ترجف، بعرفك خايف وقلبك ماجايبك، بس تذكر اذا مامات الأرنب انت بتموت من جوعك.. أول مره دوم تكون صعيبه وبعدها القنص يصير اسهل من شربة المي.. اكتم انفاسك وسمي الله وحرر السهم.
نظر آدم إلي الارنب المسكين وأخذته الشفقة به لجزء من الثانية، ولكن قرصة أخري من قرصات الجوع جعلته يتخذ قراره على الفور ويقتل التردد بداخله مع إختلاج السهم لبطن الأرنب، ليعلن الارنب وهو يصارع الموت ان آدم حظي للتوا بأول وليمة له منذ يومين، فركض آدم نحوا الأرنب وأمسك به وانتزع السهم من بطنه وذهب به نحو الجمر المعد للشواء، وكاد ان يلقي بالارنب على الجمر بكامل هيئته، لولا أن منعه سالم وهو يأخذه من يده ويردف:
- ويش فيك خلي نصلخو بلاول ونطلع مصارينه.. يلعن الجوع ياشيخ.
تبسم آدم ونظر إلي قصير فوجده متبسماً هو الآخر، فأطال آدم النظر الي عينيه وكأنه يخبره بأنها فقط البداية.
فهمس قُصير لنفسه:
- بعرفك ويش راح تصير بكل الغضب اللي جواتك، اتعهدت راح ارجعك لبوك عقاب وانا قد عهدي.
بعد عدة ايام..
آدم:
- تلاته
قُصير:
- بيكفي ياولد اترك غنيمه لخواتك ماتسبق للغنايم وتحوزهم لحالك.
آدم وهو يصوب السهم مجدداً:
- اربعه.. اللي يسبق يقنص، واللي يقنص ياكل، واللي مايقنص يقعد بالجوع.
قصير:
- لا تطمع ياولد، الطمع صفه مانها مليحه.
آدم:
- انا مش طماع، انا بصطاد من الصحرا والصحرا مفتوحه واللى يسبق يلحق ودا كلامك.
في نهاية المطاف كان آدم الحاصل على اكثر الغنائم، فوقف فوق كوم صيده مذهوا بإنتصاره، فحاول أحد الأطفال الذين عادوا خاليين الايدي بلا غنائم ان يأخذ من صيده، فرفع آدم قوسه وصوب عليه سهمه وهو يردف متحدياً:
- مد يدك على حاجه منهم وهخلي السهم يخالط لحمها بلحم يدك.
قُصير:
- ياولد مايصير تصوب سهم على اخوانك.
آدم:
- مليش اخ بينهم غير سالم.. سالم وبس، اما الباقيين محدش منهم اخويا.
قُصير:
- بديت تكون ذيب بكير ياآدم، بديت تتعامل الند بالند من هالوقت كيف لما تكبر؟ اتركوله صيده ياوِلد وتقاسموا مع بعض اللي الله قسموا الكم.
أما آدم فأخذ صيده وقام بشويه، وأكل حتى شبع ومعه قاسم، وخبأ ماتبقى منه لوقت لاحق، وهذا اهم ماتعلمه من هذة الرحلة، ان يعين مما معه لوقت لاحق، وأن يقتصد قدر المستطاع.
وقف قصير يراقب الأطفال فى آخر يوم وهو فخور بما انجزه معهم ومع آدم بالذات، فها هو يتفوق في أولى النحديات كما تكهن له والبقية تأتي، وقرر أن ينهي الرحلة ويعود به ظافراً ولكن قبل ذلك عليه أن يعلمه أن يخبز بنفسه خبز اللصيمه على الجمر، ويكون مسك الختام.
وبالفعل اخرج قصير الطحين المخبأ في السيارة وبدأ في تعليم آدم كيفية العجن والخبز، أما البقية فليسوا بحاجة لذلك فهذا الأمر باتوا يتقنونه جيداً.
كان آدم طوال الوقت ينظر لقصير بلوم وعتب وهو يرى الخبز ينضج أمامه.. وهم أن يقوم بصنع حصته بنفسه، فأردف له قصير مبرراً:
- لو انك شفت الطحين كان اكلت خبز وماقنصت ولا تعلمت الصيد.. البدايل دوم تشتت العقل، واذا تريد اللي تبيه يصير قلل الخيارات واخفي البدايل ولا تجعل لغايتك طريقين، اقفل طريق وأسلك طريق.. حتى لا تقف بنص الطريق وتقول ويش كان صار لو سلكت الطريق التاني، مايمكن كان فيه الصالح إلي قلل خيارات توصل أسرع وتضمن الوصول.
فهم آدم مايرمى إليه، واخذ يصنع الخبز كما رأي قصير يفعل تماماً،وخرجت أول خبزة من جوف الجمر فألتقطها آدم وأخذ يقلبها بين يديه ليخفف من حرارتها وقربها من أنفه واخذ منها نفساً إستنشق فيه رائحة الجنة، فمن كان يصدق أن كسرة خبز تكون أمنية غالية تحأما في القصر..
إقتحم يحيى غرفة مديحة مما جعلها تنتفض فيسقط الهاتف من يدها وتسأله بخوف:
- أيه يايحيى حصل ايه داخل الاوضه بالشكل دا ليه؟
فأجابها يحيى بنبرة تنم عن الظفر:
- عرفت مكان ابن اخوكي.. إستعدي هنسافر انا وانتى نخلص الموضوع، فريال المرادي تعبانه ومش هتتحمل سفر.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الرابع 4 - بقلم ريناد يوسف
انتفضت مديحة وقد شعرت أن وقت تحقيق الأمنيات قد حان، وتقدمت نحو أخيها وسألته بعبارات تقطر لهفة:
- بجد يايحيى لقيته؟ لقيته فين وإزاي؟ انطق.
- فيه جواب جه لمحمود النهارده من فرنسا، وبمجرد ما استلمه خباه، بس اللي مكلفه بالمراقبة قدر يعرف العنوان اللي عالظرف ويحفظه. آدم في فرنسا يامديحة، هنسافر وكأننا رايحين البلد نقعد يومين ونخلص مهمتنا هناك. وهتكون سهلة ومتيسرة مادام الولد لوحده. الغبي محمود سهلها لنا وهو مش حاسس. صحيح هيفضل طول عمره راس فجلة على رأي المرحوم أبونا.
غادر الغرفة تاركاً المجال لشقيقته كي تجهز ما تحتاجه في الرحلة بعد أن اتفقا على الخطة التي سينفذونها هذه المرة، وذهب لزوجته ليأخذ منها باقي التعليمات. فهي الرأس المدبر وهم السواعد المنفذة، وهي من يبدأ من عندها كل شيء.
بعد حوالي ساعتين.. نظر محمود بطرف عينه من وراء الصحيفة التي تواري وجهه، وتبسم وهو يرى أخاه وزوجته وأولادهم وشقيقته يهبطون الدرج وهم يحملون حقائبهم، وفرحة الظفر بادية على وجوههم. وفور أن وقفوا أمامه تحدث يحيى بهدوء:
- محمود، إحنا مسافرين البلد هنقضي هناك يومين، الولاد زهقانين ومحتاجين يغيروا جو وإحنا معاهم.
تحدث محمود بجدية:
- روحوا يايحيى، وأنا احتمال ابعت وراكم نادية على بكرة الصبح عشان النهارده حاجزلها عند الدكتور. هي كمان أعصابها تعبانة ومحتاجة تغير جو.
ازدرد يحيى لعابه وأخذ يتبادل النظرات مع الجميع، وقد شعر بأن مخططهم على وشك أن يتلف بواسطة هذا الغبي. فنظر لزوجته مستجدياً منها حلاً سريعاً، فردت بهدوء:
- أكيد طبعاً هتكون فرصة حلوة إنها تخرج من حالتها دي، وكمان أنا هاخدها معايا أنا والولاد لبيت أهلي تسلم عليهم وتقضي معانا الإجازة وسط اللمة الحلوة. أصل نسيت أقولكم السبب الحقيقي ورا سفرنا إن أختي الدكتورة هدى اتخطبت وهتعمل حفلة ولازم نكون موجودين.
تبسم كل من يحيى ومديحة، فهم يعلمون جيداً أن نادية لا تذهب إلى بيت أهل فريال ولا تطيق منهم أحداً.
فردت نادية سريعاً:
- لأ، أنا مش هروح مكان ومش هسافر، مش عايزة ومش قادرة. سافروا انتوا واتهناوا برحلتكم.
أنهت حديثها ونهضت بتثاقل ودلفت للمطبخ تعد لها قدحاً من القهوة يهدئ الضجيج الذي يعتمل رأسها. وأما يحيى والبقية، فغادروا على الفور وكأنهم يتسابقون هرباً خوفاً أن تتراجع في قرارها.
وبعد أن غادر الجميع، عادت عايدة إلى زوجها محمود وأردفت له بسعادة عارمة:
- خلاص يا محمود، هنقدر نشوف ابننا آدم. خلاص هشوف ابني وأطمن عليه. معقولة هاخده في حضني؟ هشم ريحته؟ هسمع أنفاسه؟ أنا مش مصدقة. أنا مش مصدقة بعد الوقت اللي عدى ده كله إن أنا هرجع أشوف آدم من تاني. ده وحشني قوي قوي.
- اهدي يا عايدة، اللي بتقوليه ده مش هيحصل. أنا سبق وقلت لك إننا حتى لو شفناه هنشوفه من بعيد لبعيد، مش هنقرب. مش هنخليه يحس بوجودنا ولا يشوفنا. لأنه لو شافنا وحضناه زي ما بتقولي ورجعنا سبناه مرة ثانية هيفتكر إننا تخلينا عنه للمرة الثانية. ووقتها مش هيحط لنا أي أعذار للبعد، مش هيلاقي لنا أي مبررات، ولا أي حاجة في الدنيا هتغفر لنا عنده إننا خذلناه مرتين. دي فرصة وجات لنا واحتمال ما تتكررش مرة ثانية، فمش عايزينها بدل ما تكون فرصة جميلة لينا تتقلب لكارثة ونخسر ابننا للأبد، ونخسر فرصة رجوعه لينا وهو في قلبه شوية محبة. أنا مشتاق لآدم أكتر منك ونفسي أخده في حضني أكتر منك. نفسي أطمنه وأقول له إننا جنبك ما سبناكش ما بعدناش عنك ولا تخلينا عنك. بس المشكلة إننا فعلاً مش هنقدر نعمل كده. فنهدى يا عايدة ونكمل اللي بداناه للنهاية، ما ينفعش دلوقتي نهد كل اللي بنيناه. يا إما بلاش نروح من الأساس وخلينا زي ما إحنا، نطمن عليه من بعيد لبعيد وهو فاكر إننا مسافرين وفترة وهنرجع.
- لا لا خلاص، أنا مش هطلب إن أنا أقرب، مش عايزة أحضنه. كفاية إني أشوفه من بعيد. خلاص يا محمود، خدني أشوف ابني ووعد مش هخليه يشوفني.
- خلاص يا عايدة، جهزي نفسك علشان بعد ما أتأكد إن يحيى ومديحة سافروا بره البلد هاخدك ونروح نشوف آدم زي ما اتفقت مع الشيخ منصور.
وبالفعل في اليوم الثاني تأكد محمود أن أشقاءه غادروا البلد متجهين إلى حيث أوهمهم، وأنها فرصته التي خطط لها طويلاً قد حانت، فاخذ زوجته واتجه إلى حيث يقطن صغيره. وطوال الطريق قلوبهم تسابق دواليب السيارة حتى تراه قبل أعينهم.
وصلا أخيراً، وترجلا من السيارة. وكادت نادية أن تفقد رباطة جأشها وتتهور بقلب أم مشتاق لطفلها، وتهرول باحثة عنه وتختطفه لأحضانها وتباً لكل شيء. ولكنها تراجعت ما أن تذكرت لحظة وداعها لابنها مروان وهم يأخذونه من أحضانها للأبد ليدفن تحت الثرى وتحرم منه. وقررت ألا تسمح لهذه اللحظة أن تعاد أبداً مادامت تستطيع أن تمنعها.
توقفت وهي تمسح عبراتها، واقترب منها محمود وأخذها تحت جناحه مهدئاً لنوبة الحنين والاشتياق التي ضربت أوصالها فأضعفتها، وهو يعلم كم تجاهد الآن للمقاومة، فهو مثلها تماماً، ويشعر بما تشعر به.
اقترب منهم قُصير مهرولاً ومرحباً. وبعد السلام والاستقبال الحار المعتاد دعاهم للتقدم، وطمأنهم بأنه أبعد الصبي حتى يختبئا منه في خيمة الشيخ منصور قبل عودته.
وبعد السلام على الشيخ منصور جلس الاثنين وهم على وشك الموت توتراً. ووصلت القلوب الحناجر حين أردف قُصير الذي صنع فتحة صغيرة في بدن الخيمة وكان يختلس النظر منها:
- أبشروا، عاد الوليد.
عندها هبت عايدة وسابقت زوجها كي تنظر إلى طفلها، وكم آلمها رؤيته وهو يهش على الأغنام مع سائر الصبية، وقد تبدلت أحواله كلياً. فلا هذا ابنها ولا هذه هيئته، لا هذا وجهه. مهلاً، وأين ذهب شعره الحريري الذي كان يصل حتى منكبيه؟ إنه شبه أصلع!
فنظرت لقُصير وسألته:
- انتوا قصيتوله شعره؟
- أي، زيناله رأسه. الوليد صغير وما يعرف يعتني بروحه، حتى لا يصير برأسه قمل.
أغمضت عايدة عيناها بألم على ما أصاب فلذة كبدها، ثم فتحتهما سريعاً كي تعاود إشباعهم منه قدر المستطاع، وتخزن من ملامحه في عقلها ألف مشاهد حتى تتذكرهم لاحقاً.
أما محمود، فكان يختبر شعورين مختلفين: شعور الراحة والاطمئنان على قطعة من روحه يدرك أنه اختار لها المأوى المناسب، وشعور الاشتياق الذي يكاد يمزقه. ومثل أمه يود أن يحتضنه ويحترق العالم بعدها ولا يأبه.
اختفى آدم مع الصبية وعاد كلا منهما يجلسان مقابل الشيخ منصور. وقص عليهم قُصير ما حدث في الأيام الماضية مع الصبي، ولكنه لم يخبرهم بلدغة الثعبان، فهو متأكد أنه لو فعل ذلك لخرا الاثنان أرضاً يصارعان ذبحة صدرية في الحال.
كان قُصير يتحدث وعينا محمود تلمعان فرحاً وفخراً، أما عيون عايدة فكانتا تنزفان دمعاً وحسرة. وفي نهاية المطاف أشفق منصور عليها فأردف لقُصير آمراً:
- قم وخذ آدم، خله يركب فرسه ويتسابق مع الصبية. خلي بوه يكحل عينه بشوفته وهو يسابق الريح. خليه يشوف كيف بكم يوم الولد أصبح فرق السما من الأرض عن أول نهار جانا فيه.
امتثل قُصير للأمر وخرج من الخيمة واستدعى الأطفال لسباق خيل مفاجئ. وكان آدم في مقدمة الجميع، فامتطى حصانه وأمسك بلجامه، واستعد حاله كحال البقية، وانطلق كالريح متخطيًا للجميع وهو يضرب الحصان بكلتا قدميه الصغيرتين ويزأر كفارس صغير، وهو لا يعلم أن هناك من يختلس النظر إليه وقلوبهم تحوطه ويطيرون فرحاً. وكم ود لو يأخذانه في أحضانهم ويخمدون براكين الشوق التي تحترق الآن وهو قريب منهم وبعيد في ذات الوقت. ولكن للظروف أحكام واجبة التنفيذ.
وبعد أن غاب آدم عن مرمى أبصارهم عادوا لجلستهم، وبدأ محمود يشكو قساوة أخيه، ولولاه لما تكبد أحد منهم كل هذا العناء.
فرد عليه قُصير غاضباً:
- وليش انت تستسلم لأفاعيله وتنتظر الشين منه؟ ليش ما تسبق وتصون ولدك وتمد لخوك يد الغدر اللي دوم طايلك بيها؟ ايش رأيك لو أجيب لك خبره وما يعاود لبيتك مرة ثانية، وتعتق مرته بره دارك وتربي عياله، وأختك تزوجها وتفتك منها، وتعيش مع ولدك وتاخده تحت جناحك. ليش تعيش بخوف وتتحمل الفراق وانت المظلوم؟
- انت بتقول إيه يا قُصير؟ إنت عايزني أقتل أخويا وأيتم أولاده منه؟ إنت عايزني أبقى مجرم؟
- لا، دي تاخد بتار ولدك وتحافظ على الثاني من الموت. ما ودي تقتل لغرض القتل أو تصير مجرم. القصاص حق الله والمقتص موش مجرم.
نهره منصور قائلاً:
- ولا حرف تنطقه يا قُصير، إلا زهق الأرواح ما تسعى فيه.
وأكمل وهو ينظر لمحمود وزوجته:
- أدري عيبة كبيرة في حق شيخ القبيلة إنه يطلب من ضيفه الرحيل يا محمود من غير ما ياخذ واجب ضيافته على أكمل وجه، لكن انت أكيد تعرف إنه ما يصير بحالتك أجالسكم وأضيفكم، لأن الولد إذا شافكم ماراح يصير خير. يلا خذ مرتك وتوكل على الله قبل لا يعاود الولد.
أطاعه محمود وسحب عايدة وتركا المكان. ولكن بعد أن تركت للشيخ منصور حقيبتان أمنته أن يعطيهم لآدم. وضعت فيهم معظم ألعابه وبعضاً من ملابسه الثقيلة، منامته المفضلة، والكثير من الشوكولاتة التي يعشقها ووجبة من الدجاج المقرمش التي أعدتها له بيديها وهي تعلم أنه حتماً يشتاقه الآن، فهي وجبته المفضلة التي لا يمل منها أبداً.
وكما غادرا بالسيارة تاركين روحهم هنا، أول مرة انعاد كل شيء من أول وجديد، نفس لحظات الوداع القاتلة ونفس الشعور، حتى الدموع نفسها. ولكن الفرق أن هذه المرة قد اطمأنوا أن طفلهم أصبح بإمكانه العيش في هذه البيئة التي ظنوا أنه سيهلك بها ولن يتحمل، بل وبدأ يتأقلم وهذا ما جعل بعضاً من الاطمئنان يتسرب إلى داخل نفوسهم.
وفي هذا الوقت كان آدم عائداً مع بقية الصبية على حصانه، ومن بعيد لمح ما جعل قلبه يخفق بشدة، سيارة تقف بعيداً تشبه سيارتهم، ورجل وامرأة يشبهان أمه وأبيه يقتربان منها! نعم، المسافة طويلة ولكن الاحتمال مع الشعور بقربهم منه لا يسمحان له بالتجاهل. فترجل عن حصانه وأسرع نحوا السيارة، وكان هذا خطأه الذي ندم عليه. فهو لا يعلم لمَ لم يكمل المسافة بحصانه وكان سيصل أسرع! ولكن هذا ما حدث.
وفي منتصف الطريق كانت السيارة تترك المكان وتغادر مبتعدة. لم ينادِ هذه المرة ولم يبكِ، بل ظل ينظر للسيارة المبتعدة بأنفاس متلاحقة وغضب مكتوم. فحتى لو كانا أمه وأبيه لن يستجدي منهم محبة، وأنهم لو كانوا يريدانه لانتظرا.
فعاد إلى حيث يقف بقية الأطفال، ووقف معهم شارداً. وفور رجوعه معهم لخيمته رأى الحقيبتين. فأسرع يفتحهم دون أن يخبره أحد أنهما له، فهو يعرفهم جيداً. وتأكد من ظنونه حين رأى ما بداخلهم، فالتف حوله الأولاد بفضول حتى يروا ما بداخل الحقائب! وكم أذهلتهم الألعاب الغريبة التي كان يخرجها، فهو شيء جديد عليهم، فهم لا يعرفون الألعاب! وأخيراً أخرج وجبة الدجاج التي عرف على الفور أنها من صنع يد أمه، والتي رائحتها جعلت لعاب الأولاد جميعهم يسيل. ففتحها وأعطاها لهم بكاملها، وأبى أن يتذوق ما صنع باليد التي أفلتت قبضتها منه وتركته غارقاً في رمال الصحراء يعاني بلا رحمة منها ولا رأفة. وترك الخيمة وغادر للهواء الطلق كي يبكي بعيداً عن الجميع، فهو بات يعرف جيداً أن دموع الذكور إذا نزلت تحط من شأن صاحبها ويصير أضحوكة الجميع.
اقترب منه قُصير ولما رآه يمسح عبراته أردف له:
- ويش فيك يا ولد؟ عمرك شفت رجال يبكي؟ انهض وامسح عيونك قبل لا حد يشوف الدمع فيهم. دمعة الزلم تموت في أرحام محاجر العين ما تنزل، حتى ولو الشوق مزق القلوب وتلفها تلف. بوك وأمك هيعاودون قريب، شد حيلك وتعلم كل شيء وانتظرهم. هم بعثوا لك سلامهم هاد مع مرسول ويبلغوك سلامهم واشواقهم. وبوك يقولك صير رجال خلي يفرح فيك ويشد ضهره بيك وتكون له رفعة راس وتعاود له قريب.
- أنا مش مشتاق لحد ومش ببكي على حد ومش عايز حد.
أنهى كلماته وغادر المكان مبتعداً، فتأكد قُصير أن شدة شوقه وغضبه مع خذلانه بدآ يصيبا قلبه بالقساوة، وهذا شيء جيد وخطير في ذات الوقت. وسيجاهد قُصير أن يحول هذه القسوة لصالح آدم ولن يتركها تدمره كما تفعل قسوة القلوب في أصحابها، فالقسوة إن توجهت بطريقة صحيحة تخدم أصحابها.
أما في فرنسا..
- وبعدين يايحيى، إزاي بقالنا 3 أيام مش عارفين نوصل للعنوان اللي مكتوب عالظرف؟ إنت متأكد إنه عنوان حقيقي وله وجود أو حتى متأكد إنه العنوان اللي فيه آدم؟
- يعني بالعقل كده، محمود ملوش أي مصالح في فرنسا ولا معارف، وأول مرة في حياته جواب من فرنسا يوصله لأني أنا اللي طول عمري بستلم البوستة والجوابات وأي مراسلات. يبقى العنوان هيكون عنوان مين؟ وكمان السرية والخوف اللي كان بيتعامل بيها مع الظرف كانت بتدل إنه جواه حاجة خاصة بابنه.
- طيب مفتحتوش ليه وقريت اللي جواه مادام إيد حد من اللي تبعك طالته؟
- الجواب كان مسوّر ومكنش ينفع يتفتح، وبعدين اللي شافه يدوب لحق يلمح العنوان.
- يحيى، يلا بينا نرجع مصر. أنا حاسة إن المشوار ده فشنك.
- إزاي؟
- إحنا اتضحك علينا يايحيى. محمود عرف يخدعنا، ومتأكدة إنه فتش ورانا واتأكد إننا سافرنا. وأصلاً دي خطته عشان يتأكد إننا فعلاً بنسعى ورا ابنه، وغير كده أخذ فرصة إنه يطمن عليه. ده إن ما كانش راحله كمان وقضى معاه اليومين اللي فاتوا هو وأمه، وإحنا زي الحمير بنركب طيارات ونسافر ونجري في البلاد ندور على سراب.
- قصدك إيه يا مديحة؟
- آدم في مصر يايحيى، ما خرجش منها. آدم قريب على محمود وأراهن على الكلام ده بعمري كله.
نظر بعيداً وقد تملك منه الغضب وهو يستوعب ما قالته شقيقته للتو. فلو كان هذا صحيحاً، فهذه هي المرة الأولى التي يتسم فيها بالغباء ويتفوق عليه أخوه محمود دهاءً ومكراً، وهذه ليست من عاداته أو من عادات الآخر، وكأن الأدوار قد تبدلت.
أرتدى معطفه سريعاً وخرج ليحاول محاولة أخيرة في العثور على العنوان المطلوب. وبعد عدة ساعات عاد محمل بالخيبة وبيده تذكرتان للعودة إلى مصر وهو يتوعد لأخيه في سره بأنه سيجعله يدفع ثمن خيبته هذه غالياً.
وصلا أخيراً إلى مصر بعد ساعات من السفر ونزلا عند أهل فريال. ومن ثم انتقلا إلى عزبة محمود. وهناك انعقد الاجتماع المغلق.
- يعني جايين إنت وأختك شايلين خيبتكم.
- وإحنا هنعمل إيه يعني يافريال؟ ما أخوكي ضحك علينا وخدعنا وبقى يعرف يلعب بينا وابتدا يشغل علينا دماغه بدال ما كانش يعرف يشغلها غير في الشغل وبس.
- المشكلة إننا دلوقتي انكشفنا قدامه والانكار والمقاوحة مبقالهمش قيمة، ومحمود اتأكد إننا إحنا.
- ومادام دا حصل يبقى اللعب على المكشوف من هنا ورايح وهنغير الأهداف. وبدل ما هدفنا إننا نقطع الفرع هنضرب في الجذور ونضعفها والفرع هيموت لوحده.
- لا يافريال، مش هموت أخويا.
- مش لازم يموت يايحيى، بالعكس دا لو مات كده هنخسر القضية. أخوك لازم ينتهي وهو عايش، ميحرفش يمينه من شماله، ويسلم ويسيبلك كل حاجة وإحنا نسرسبها منه بالراحة. مراته هتنشغل بيه وابنه أهو غايب واحنا الأيام قدامنا طويلة والفرصة متاحة. أخوك وقت ما هيوقع مش هيلاقي قدامه حل غير إنه يسيبلك كل حاجة ومش بمزاجه. ساعتها نمضيه على كل حاجة ويبقى ابنه بقى يطالب باللي ليه وياخده.
- والوصية؟
- الوصية على الورث وهو لو مات مش هنكون سبناله حاجة.
- عجبني التخطيط. ودلوقتي التنفيذ هيكون إزاي؟
- سيبوها عليا. انتوا ناسيين إن أختي دكتورة صيدلانية ولا إيه؟ ولا نسيتوا تركيبة السم اياها اللي محدش قدر يتوصل لمكوناتها وحيرت الدكاترة كلهم.
صمتت لتأخذ نفساً عميقاً، فاقترب منها يحيى ووضع كلتا يديه على كتفيها وأخذ يمسد عليهما في حنان وهمس لها:
- اهدي بس انتي وكل حاجة هتكون تمام. إحنا هنعمل كل اللي هتقولي عليه. ومادام الموضوع مفهوش موت لياحيى أنا معاكي. أصلي مش هقدر أواجه أبويا بعد ما أموت وأنا قاتل ابنه اللي كان روحه فيه.
أردفت مديحة بسخرية:
- بر الوالدين اللي جواك يايحيى بيقشعر جسمي وبيخليني أحس قد إيه قلبك كبير.
أنهت جملتها وعقبتها بضحكة رنانة وتركتهم ودلفت لغرفة وأغلقت الباب خلفها لتحادث من هي أكيدة أنه يحترق الآن غضباً لغيابها المفاجئ، وكم يكره عندما تفعل ذلك ولطالما نبهها لئلا تعاود هذا الفعل، ولكنها ضرورات وعليه تقبلها شاء أم أبى.
في هذا الوقت في البادية..
- آدم، تعالي العنزة البلجة تجيب. تعال اتفرج وشوف الصغار لمن ينزلون من بطنها كيف يكون شكلهم وكيف تجيب.
- مش عايز أشوف حاجة ياسالم.
- ويش فيك يارفيقي من الصبح وانت شايل الهم. انهض انهض، ما تزعل. مافي شي يستاهل. تعال عشان لو العنزة جابت وليدات كتار أطلب واحد من الشيخ منصور ليك. بيعطيك. يكبر تبيعه وتاخد قروشه. كلنا عندنا شواهي صغيرة ومعز. مافي ولد فينا ما عنده راسين وتلاتة. وبس يكبروا نبيعهم للشيخ منصور وناخد قروشهم. قوم بس انت اللي ما عندك حلال وفقير بيناتنا.
نهض آدم معه متثاقلاً، وحضر ولادة العنزة وهو يتعجب، فقد كان شيئاً غريباً عليه، ولكن ما هو الشيء الذي ليس بغريب هنا، فكل الأشياء غريبة وعليه الاعتياد.
أخذ سالم آدم من يده وذهب به إلى الشيخ منصور الذي كان يجلس مع بعض رجال البادية وألقى السلام ونظر إليه وقال:
- شيخي، اليوم عنزة جابت وآدم وده يستأذنك في صخل ياخده يكبره وسط الحلال ويكون له.
تبسم منصور وسأل سالم:
- كم جابت؟
- جابت ثلاثة.
نظر إلى آدم وأردف:
- الثلاثة إلك يا آدم، حلال عليك.
قفز سالم من الفرحة ونظر لآدم وقال:
- وووه، صار معك مثلي ثلاث رؤوس يالمحظوظ.
ظن أن آدم سيقفز مثله من الفرحة، ولكن آدم تحرك تاركاً المكان بلا أية ردة فعل، فقد كانت صغار الماعز أو امتلاك أي شيء آخر همه اليوم بالذات.
نظر منصور لقُصير بعد أن راقب آدم وهو يبتعد:
- الوليد هذا بدأ قلبه يموت والفرحة ماتزوره يا قُصير، خايف عليه من الجفا.
- ما تخاف ياشيخ، لساه صغير وبنطوع قلبه كيف مانريد ونعلمو اللي نبيه.
- خلصت فيه حوي ولا مازال؟
- هو إني بس عطيته جرعة وما عدتها، الليلة بعطيه ثاني جرعة. بس يا شيخ أنا ودي أقول شيء.
- أبشر بعرفه. مد يدك واشبك يد عمك عمران وردوا وراي. وأنا موافقة. سدينة اخذتها وانت بالرحلة وخيمتك جاهزة. اليوم انت معرس.
تبسم قُصير وقفز بفرحة وأمسك بيد عمران وبدأ منصور يلقنهم وهم يرددون خلفه، وفور انتهائه صرخ قُصير على إحدى الغلمان:
- يا ولد، روح قول لسدينة روحي على خيمتك وانتظري زوجك، تم الزواج.
- يا قُصير، انتظر لغدوة نزفها لك ونعملكم عرس مليح ونفرحوا البنية.
- أنا فرحتها يا عمي والفرحة ما بالطبل والغناوي. وبعدين ودي أراعي أم عيالي وما أزيد عليها القهر.
- معك حق يا قُصير، خلاص يا عمران، ما يلزم عرس. قوم اذبح خروف لزوج بتك وطيبه بالحفرة خلي بس يفيق من النوم يتريق بيه.
- حاضر ياشيخنا، تأمر أمر.
نهض عمران ونهض خلفه قُصير وذهب إلى خيمة مكاسب يزف إليه الخبر، وياخذ من عندها ملابسه، فمن اليوم سينتقل للعيش كلياً في مسكنه الجديد، وسيترك الخيمة لها ويأتيها في مواعيد محددة.
دلف إلى خيمته بعد أن أطلق رصاصاته في قلب مكاسب، ووجد سدينة في انتظاره بهيئة عروس، فأقترب منها وأمسك بيدها يتأكد من وجودها، وأخذ نفساً عميقاً وزفره بارتياح وهو يردف:
- نورتي خيمتك يا أم الوليدات، الله يجعلك ولادة للذكور ومنك تجي عزوتي وحزام ظهري.
- الله يسمع منك يا ابن عمي.
ترك قُصير يدها وذهب إلى سلة من خوص رفع غطاءها وأخرج منها ثعبان متوسط الحجم وأمسكه من رأسه فسألته سدينة باستغراب:
- ويش هتسوي يا قُصير؟
- ودي أروح أحوي الولد الصغير وأعاود لك. راح أخلي رابح يسهر، هو ما راح أبقى هناك. بس مسافة قرصة الحنش وأعاود لك.
نظرت سدينة ليد قُصير التي أطبق عليها الثعبان ينفث سمه وأردفت:
- بربك، هاد وقت حوي يا قُصير، يعني ماينتظر الحوي لغدوه؟
- الحوي له مواعيد يا بنت عمران، وياويلك لو أسمعك تعترضي على شي يسويه قُصير. وإلا وحق من خلقك أخلي ذكراكِ ما تضل بالبادية إلا أربعين يوم، وبعدها الكل ينسى إن كان فيه وحدة بالبادية اسمها سدينة. والحين سوي الفراش واطلعي حمي الوكل. أعاود ألقى العشا حاضر. سمعتي؟
- نعم نعم. السماح منك يا ولد العم ماراح تنعاد أول وآخر نوبة.
غادر قُصير الخيمة ودلف إلى خيمة الأولاد، وذهب إلى آدم واقترب منه، وكان سالم مستيقظاً فأغمض عينيه ألماً وهو يعلم ما ينتظر صديقه، فقد مر بكل هذا قبلاً.
أما آدم، ففتح عينيه حين شعر بقُصير فوق رأسه، فرأى نفس المشهد السابق يعاد، الثعبان أمامه وقُصير فوق رأسه وعذاب بانتظاره. فأغمض عينيه مستسلماً، فهو بات يعلم أن ما يقرر بشأنه سيُنفذ حتى وإن اعترض. وتحمل لدغة الثعبان مرة أخرى وكتم ألمه وقرر ألا يصرخ أو يتألم بأي شكل من الأشكال، فحجة أبويه أنهم أتوا به إلى هنا ليتعلم الرجولة، والرجولة من وجهة نظر الجميع ومن الذي فهمه حتى الآن هي تحمل الألم وكتمانه. وهو سيصبح مثلما يريده الجميع أن يكون.
انتهى قُصير ووقف ينظر لآدم وهو قاطب حاجبيه متعجباً من ردة فعل آدم، أو من عدم ردة فعله بالمعنى الأدق، وزاد استغرابه حين فتح الصغير عينيه ونظر له بقوة وأردف:
- خلصت ولا لسه فيه تعابين ثانية هتجيبها تعضني؟
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الخامس 5 - بقلم ريناد يوسف
غادر قصير الخيمة تاركاً الصبي يكتم ألمه من السم الذي يجتاح جسده الصغير، والكفيل بـ جعله يصرخ حتى يصل صراخه عنان السماء. ولكن يا للعجب، إنه صامت تماماً. نعم، قد واجه قصير هذه الحالة من الاستسلام للألم كثيراً قبل ذلك، وهذه مرحلة متقدمة من القوة والجلد والصبر. ولكن في مثل هذا السن الصغير لم تحدث قط، فهذا سن الفزع والاستنجاد لا سن هذا النضج الجسدي الغريب.
وصل إلى خيمته فتناسى أمر آدم تماماً، ودلف وهو يشعر بأنه لامس السماء فرحاً. فها هي حياة جديدة بانتظاره، وللعروس فرحة لا تضاهيها أي أفراح. أعاد الثعبان لسـلته وتقدم إليها ورمقها بنظرات جعلتها تذوب خجلاً، ثم أمرها قائلاً:
"تعالي صبي لي المي أغسل يدي لناكل أول لقمة سوا، أخاف أطعميكي بيدي يكون عالق فيها سم من الحنش تموتين قبل لا أدوقك ولا أتهنى فيكي."
نفذت سدينه أمره واقتربت منه بإناء فارغ وأبريق به ماء، وأخذت تسكب له الماء. بدأ يفرك يداه بالصابون جيداً وهو ينظر إليها متفحصاً، وهي تتبسم له بخجل أذاب وحطم كل دفاعاته، مما جعله أجل العشاء لوقت لاحق. وقرر أن ينهي مهمته الأهم أولاً ويجعل من سدينة زوجة له.
في الصباح، فاق قصير عند الفجر على صوت عمه عمران خارج الخيمة ينادي عليه. فأطل له برأسه وأردف له وهو يتثائب:
"أبشر ياعمي راسك مرفوع."
تهللت أسارير عمران ورفع سلاحه وأطلق عدة طلقات في الهواء معلناً عن أن ابنته صانت عرضه، ولو حدث غير هذا لكان قلبها مستقراً لهذه الطلقات الآن.
وبهذا الفعل علمت البادية كلها ما يود عمران إخبارهم به، وصدحت أصوات الهلاهل من أفواه النساء المتوارية خلف الخيام.
ووحدها مكاسب هي من تشعر بأن هذه الأصوات هي غارات تعلن عن حربها القادم مع سدينة، وانتهاء الحرب لصالحها باحتلالها لقصير بالكامل إن أنجبت له الذكور التي يرجوها.
أما آدم، فلم ينم ليستيقظ، بل أمضى ليلته بكاملها يتقلب من ألم السم في جسده، مما جعله يختبر شعور الموت للمرة الثانية. ومع كل هذا، لم يكن ألمه من السم، بل كان ألمه الأعظم من تخلي أبواه عنه، والوجع كل الوجع من الشعور بالخذلان من القريب، أما البعيد فلا لوم على أفعاله ولا عتب.
انفض الأولاد من حوله، كل على عمله اليومي، أما هو فبقي وحيداً ينتظر نوعاً جديداً من عذاب لا يعلمه، ولكنه يعتقد أن قصير يتفنن له فيه.
أما في القصر...
ابتسم محمود وهو يرى إخوته يهلون من بوابة القصر وملامحهم يشوبها القهر. فأخفى مابداخله من شماتة ممزوجة بوجع لا يشعر به سواه. فكم هو شعور مقيت أن من يفترض بهم أن يكونوا لك أماناً ووطناً ومسكناً ودفئاً تقضي معظم وقتك في التفكير ماذا ستفعل لتنجو من براثنهم.
ألقى يحيى التحية قائلاً:
"السلام عليكم.. ازيك يامحمود ياخويا عامل ايه، وحشتني."
ليرد عليه محمود بهدوئه المعتاد:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حمد الله ع السلامة يايحيى، حمد الله ع السلامة يامديحة انتي وفريال، ازيكم ياحبايب عموا عاملين إيه.. قربوا ياحبايبي سلموا عليا واقفين بعيد ليه؟"
لينطلق نحوه الولدان فور أن قال ذلك، ويرتميا في حضنه الحنون. أما هو فكاد قلبه ينفجر بين ضلوعه وهو يشعر بعاطفة الأبوة نحو أولاد أخيه، وفي المقابل تُقتل أطفاله هو على يد أخيه. وأخذ يتساءل أي قلب يقطن بين ضلوعه ليطاوعه على هذا الفعل! والذي لا تفعله الحيوانات مع من يجري في عروقهم نفس الدم وتربطهم بهم صلة قرابة!
اقتربت فريال وألقت التحية، وكذلك مديحة. وخرجت عليهم عايدة من المطبخ، ويال العجب فقد تبدلت أحوالها كلياً منذ أن تركوها! فهي تبدو أكثر ارتياحاً وملامحها تبدو أكثر إشراقاً. وهذا ما أكد شكوك فريال وجعل الظنون تتحول لحقائق، وتعلم أن ما خمنه عقلها هو الحقيقة بلا ريب.
أبعد محمود الطفلين عن حضنه وتوجه بالحديث لأخيه يحيى قائلاً:
"اه صحيح يا يحيى نسيت أديك الظرف ده قبل ما تسافر. ده جواب جانا من عميل في فرنسا كان اشترى منا بضاعة وعجبته وقرر أنه ياخذ منا كمية كبيرة، وبعت لنا كل التفاصيل والعنوان اللي هنبعت عليه الشحنة. وطلب منا رقم حساب بنكي عشان يحول لنا عليه الفلوس."
نظره يحيى إلى الظرف الذي بيد أخيه وهو لا يعلم إن كان حديث أخيه صحيح أم أن هذه محاولة منه لتضليله، وصرف نظره عن أنه عرف بمخططاتهم، وأنهم سافروا للبحث عن ابنه. فالتقط الظرف من يد أخيه وفتحه وبدأ بقراءة محتوى الرسالة التي بداخله. والعجب كل العجب أن ما أخبره به أخيه هو بالضبط ما جاء في الرسالة. فطوى الرسالة مرة أخرى وأعادها داخل الظرف وأعطاه لمحمود، وقال له بهدوء:
"وماله نبعث له اللي هو عايزه. بعد إذنك يا أبو آدم أنا طالع أوضتي آخذ شاور وأرتاح شوية، المشوار طويل زي ما أنت عارف والسفر متعب."
وتبعته زوجته فريال واختهم مديحة أيضاً، دلفت إلى غرفتها لتستريح.
اقترب يحيى من فريال وسألها بحيرة:
"ايه رايك يا فريال في الكلام اللي قاله محمود، أنا شفت الرسالة وفعلاً كل اللي قاله حقيقي، إحنا شكلنا اتسرعنا لما سافرنا ندور على الولد من قبل ما نتأكد."
ضحكت فريال بسخرية على سذاجة زوجها وهمست له:
"انت بجد عقلك صغير يايحيى وبينضحك عليك بسهولة، وفعلاً محمود بقى يعرف يلاعبك كويس.. طيب محطتش ليه في حسبانك السرية اللي كان بيتعامل بيها مع الظرف وإنه خباه؟ طيب بلاش دي ملاحظتش الهدوء والراحة والفرحة اللي في عيون عايدة وعلى وشها، ولا السلام النفسي اللي حاسس بيه أخوك، كل الحاجات دي ملفتتش نظرك لحاجة؟ ما أكدتلكش إنهم نجحوا في خطتهم وإنه بعدونا وشافوا ابنهم واطمنوا عليه، وإن الولد فعلاً في مصر يايحيى ومخرجش منها."
نظر يحيى بعيداً وهو يحاول ربط جميع الخيوط التي أعطته زوجته أطرافها ببعضهم. وفي النهاية أدرك أنها على صواب، فكم هو غبي إذ لم يلاحظ ذلك الشيء.
مر يومان وبدأ آدم في التحسن من أثر السم. وهذه المرة لم تكن كالمرة السابقة بالنسبة له، فقد كان الألم أقل بقليل عن سابقتها. وعاد لممارسة كافة نشاطاته مع الأولاد، وتلقي الأوامر من قصير والتنفيذ دون أي اعتراض. بدأ يحب الجلوس بجانب الحيوانات ويرتاح بجوارهم، أصبح يشعر بأنهم أكثر حناناً من البشر، وخاصة وهو يرى الأمهات منهم وهي ترضع صغارها، وتحن عليهم إن ابتعدوا عنها، وتنادي وتصيح حتى يعودوا إليها صغارها. فتصمت وهي تتلمسهم بأنفها وفمها بحنان، وكأنها تخبرهم أنها اشتاقت لهم وتطلب منهم عدم الابتعاد مرة أخرى. بعكس أمه التي تركته هنا ولم تحاول أن تعود لأخذه، وكأنها انتزعت من قلبها الرحمة ونست الأمومة.
لم يكن يقطع عليه خلوته إلا سالم صديقه المقرب، والذي أصبح لا يفارقه إلا نادراً أو للضرورة القصوى، فقد وجد كلاهما الراحة في شخص الآخر، وكأن الله أرسلهم بعضهم لبعض مستقراً ومستودعاً. فكان سالم هو من يأخذ بحمى آدم ويخاف عليه من كل شيء ويساعده إن احتاج للمساعدة، ويعطيه من خبراته كل ما يعينه على التعلم بسرعة، حتى يتخلص من هذا الشعور المقيت الذي يسيطر عليه دائماً بأنه عبد مأمور. وهو لا يزال لم يدرك أن هذا شيء طبيعي عند أطفال البوادي، وأن ما يفعله معه قصير هو العادي، فمن هم في سنه أو أكبر منه قليلاً يكون بإمكانهم العيش بمفردهم تماماً، وتحمل مسؤولية أنفسهم. هذا هو قانون القبائل وسكان الصحاري، ولكن آدم لا يعلم هذا. وسالم يحاول أن يعينه بشتى الطرق على الفهم.
مرت الأيام وتوالت. كف آدم عن السؤال عن والديه أو موعد رجوعهم، فهو بات يعلم الآن أنهم لم يبتعدا، وأنهم في الجوار، وعدم مجيئهم إليه هو بكامل إرادتهم. وأصبح يجتهد من تلقاء نفسه ليتعلم كل شيء، ويتفوق حتى على أطفال البادية أنفسهم، دون انتظار كلمة شكر من أحد، أو عبارات تشجيع. فقد قرر أن يتعلم لنفسه أولاً، فهو على الأرجح سيقضي بقية عمره في هذه الصحراء ووسط رمالها، ولن يعود إلى المكان الذي لفظه وتخلى عنه سكانه. فانخرط مع الأطفال يتسابق معهم في إنجاز المهمات، غير آبه لنظرات الفخر به في عيون قصير والشيخ منصور، وكأنهم لا يخصونه بهذه النظرات. وكان هذا يزيد من عجب قصير والشيخ منصور!
ومن ضمن الأيام التي لن تُنسى في حياة آدم، ذلك اليوم الذي تعرض فيه لأصعب اختبار مر عليه، اختبار التمسك بالحياة. الاختبار الذي واجه فيه آدم الموت للمرة الثالثة، وهذه المرة كانت المواجهة بالغرق وليس بالسم كسابقتيها. فقد استدعاه قصير وقام بربطه، وطلب منه أن يقوم بحل قيده. وجعل أحد الأطفال يريه الطريقة، فقام أمامه بحل قيود يديه بفمه، ثم يقوم بحل قيود قدميه بيديه. وجعل آدم يفعلها عدة مرات، وظن آدم أن هذا كل شيء. وأن درس اليوم هو تعلم فك القيود. ولم يكن يعلم أن الدرس أصعب من ذلك بكثير، فقد أخذه قصير هو ومجموعة من الأطفال في سنه إلى بحيرة، وقام بربط جميع الأطفال وتقييد أيديهم وأرجلهم، وألقاهم في المياه واحداً تلو الآخر. وكان آدم الأخير فيهم جالساً ينتظر دوره غير مصدق بما تراه عينه، وكأنه ضرب من الجنون أصاب قصير. فهذا في نظره قتل لا محالة.
وحين أتى الدور عليه وحمله قصير ليلقي به في الماء، رأى آدم الطفل الأول الذي ألقاه قصير أول شيء يخرج من الماء وهو متحرراً من قيوده. ثم خرج وراءه الثاني والثالث. وقبل أن يفكر آدم في احتمال نجاته من هذا الاختبار أم لا، كان يغوص في قاع المياه. فما كان منه إلا أن يحاول بكل جهده، ولكن المحاولة الأولى أخذت منه وقتاً أكثر من اللازم. كاد أن يختنق تحت الماء ويغرق، ولكن تدريبات كتم النفس التي كان يعلمها له قصير أفادته كثيراً. وفي النهاية نجح وخرج من الماء وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة، وارتمى على الأرض ونظر إلى السماء طالباً الرحمة من ربه. فقد تأكد أن من حوله من البشر لا يوجد في قلوبهم أي ذرة من رحمة.
اقترب منه سالم وقام بتفحصه وطلب منه وضع إصبعه في حلقه والتقيؤ، فمن الواضح أنه شرب ماء كثيراً، فأنفاسه أصبحت ثقيلة. فنفذ آدم تعليمات سالم، وفعل مثل ما قال له. وبالفعل شعر ببعض الراحة حين تقيأ ما في بطنه من مياه. وأعاد يومها قصير هذه الفعلة مرة واثنان وثلاث وعشرة، حتى أصبح آدم أول من يفك قيده ويخرج من المياه من بين كل الأطفال. فتبسم قصير وعاد به وهو معجب مجدداً بمهارته وسرعته في التعلم، فهو الطفل الأول الذي مر عليه يتعلم الدروس بهذه السرعة!
بعد عدة أسابيع، كانت عايدة تجلس مع محمود زوجها في غرفتهم وقد بدت مهمومة. فاقترب منها وجلس بجوارها وسألها:
"مالك يا عايدة لسه برضو قلقانة على ادم حتى بعد ما طمنتك عليه، وبعد ما مرسال الشيخ منصور جاب لنا صورة وهو زي الفل.. عايش وبيأكل ويشرب ويجري ويلعب مع الأطفال، واتعلم السباحة والغطس وركوب الخيل والرماية والنشان، وبشهادة الشيخ منصور بقى أشطر وأمهر من ولاد البادية نفسهم.. لسه برده خايفة عليه؟"
"وهفضل خايفة عليه طول الوقت يا محمود، ده ابني وطول ما هو بعيد عن عيني قلبي مش مرتاح، وغير الخوف عليه الولد وحشني جدا، ونفسي أشوفه بعيني مش أشوفه في الصور وبس.. نفسي ألمسه، نفسي أحضنه، نفسي أطبطب عليه وأطمنه وأقول له أنا ما سبتكش يا حبيبي.. نفسي أبصله لحد ما أشبع منه، نفسي أشوفه بيجري ويلعب قدامي، نفسي أعمل له الأكل اللي بيحبه وأكله بإيدي، نفسي أطمن عليه بالليل وهو نايم.. أنا عايزة ابني يا محمود أنا مش قادرة أعيش وهو بعيد عني، ومتاكدة إنه هو كمان محتاجني ومفتقدني، ووحشني زي ما هو واحشني."
كلماتها جعلت محمود يستسلم للحنين الذي يشعر به هو الآخر، ويحاول كتمانه، وتمتعض ملامحه ويغمض عينيه، ويتخيل كل ما قالته زوجته وهو يفعله مع ابنه الوحيد، يتلمسه يحتضنه يقبله يجلس بجواره، يقص عليه القصص كما تعود وعوده، يتحدث معه في كل شيء يخصه، يعطيه من خبراته ويستمع إلى حكاياته ومغامراته التي يعود محملاً بها من مدرسته، وكأنه السندباد وقد كان في رحلة أتى منها بكل ما هو جديد وعجيب، وليس مجرد يوم عادي في مدرسته.
نغزات توالت على قلبه، فهو لم يعد يقوى على الفراق، فتباً للمسافات وتباً للبعد، وتباً للفراق بشتى أنواعه. وكم تمنى لو لم يرزق بأطفال فما كان اختبر كل هذا الألم.
أما في البادية..
رواية عقاب ابن الباديه الفصل السادس 6 - بقلم ريناد يوسف
في الصباح الباكر خرجت سدينة من الخيمة مسرعة، واخذت تتقيأ خلفها.
وعلى صوتها خرجت مكاسب من خيمتها الملاصقة لها، واخذت تنظر إليها وهي ترى بشائر الحمل تعلن عن حدوثه. فهي اكملت أكثر من شهر منذ زواجها من قصير، وها هي بذرة الزواج تنبت داخلها، وقريباً ستجني هي وقصير الثمار، ومكاسب ستجني الخيبات.
فـعادت إلي خيمتها ووجدت رجوة تبكي، فحملتها ونظرت اليها ثم رمتها على الفراش بعنف جعلتها تصرخ على اثر ارتطامها بالأرض. وتوالت عليها بيدها ضرباً وكأنها تحاسبها على زواج أبيها بـأخرى فور قدومها، وكأنها هي السبب، وكأن قدومها أتى بالخراب وعليها دفع ثمن الأضرار التي لحقت بأمها.
فافاقت معزوزة من نومها على صوت بكاء أختها الغير طبيعي! وجحظت عيناها وهي ترى أمها تضرب قطعة اللحم الحمراء هذه التي لا حول لها ولا قوة! فاختطفتها منها وضمتها لصدرها تحميها.
وبغضب سألت أمها:
"ويش تسوي إنتي، ويش سوتلك هي الصغيرة، عليش تحاسبينها؟ ما رق قليبك وانت توجعينها بيدك، ليش كل هاد لييش؟"
مكاسب:
"اتركيني أخلص عليها، وجها وجه البوم، من ساعة اللي جات وجابت معاها الويل، أبوها راح لغيري وراح يجيه الولد واللي يحصل القعدة معو ساعة بالسنة مرة يكون فاز."
معزوزة:
"بوي كلنا نعرف أنه بيتزوج بيتزوج، لا تضحكي اعلا روحك وتحملي الصغيرة ذنب ما فعلته، خدي يمه بنيتك واعطيها حليبك وحنانك واستغفري ربك، وادعيه يحنن قلب بوي اعليكي وما تكفري بقضاه. تدابير ربك هي لا تعترضي."
نظرت مكاسب للطفلة ورقت لحالها وهي تستمع لشهقاتها، واخذت تلوم نفسها على تصرفها الأهوج هذا، فهي بالفعل طفلة لا حول لها ولا قوة، ما ذنبها الذي ضربت لأجله!؟
حملتها وبدأت في إرضاعها لتكف عن البكاء وتهدأ شهقاتها الصغيرة التي تسببت لها بها. واغمضت عينيها وهي تتجرع شعورها بالوجع من جميع الاتجاهات.
وفور إشباعها للصغيرة تركتها وتركت الخيمة وخرجت لتجهيز طعام الإفطار مع باقي نساء البادية، فلا حزن ولا ألم يمنع المرء عن تأدية مهامه مهما كان يعاني. هذة قوانينهم وهذا سعيهم الذي لا يتوقف منذ نعومة أظافرهم وحتى يُفنى الحيل وتخون الصحة.
جالسة أمام الموقد فـإقتربت منها سدينة وبنبرة تحمل في طياتها خبث النساء قالت لها:
"مكاسب يابنت العم، اليوم مشتهية عصيدة من يدك، انت أحسن من تعمل عصيدة في كل البادية، وبعد عصيدتك ماتنوكل عصيدة، ودي أتريق بيها تسويلي؟"
ردت عليها مكاسب دون أن تنظر إليها:
"نسويلك يا أم الوليد ليش مانسويلك، وبعدين نخاف تطلع بعين الصبي العصيدة."
سدينه بغرابة:
"ويش هاد من وين عرفتي! أنا اليوم بس اللي تأكدت من الخبر، وانتي تحكينها بثقة كنك تعرفي من يوم لا أول اللي حملت فيه؟"
مكاسب:
"لا تنسين يابنت العم أنا أكبر منك وجايبة ٤ بطون وأعرف بأمور الحبل زين. إمبارك وبالذكور إن شاء الله، وقولي لقصير مادام تم المراد عاود لاعقابك القديمة."
فهمت سدينة ماترمي إليه مكاسب وأردفت متغنجة:
"أنا ما أقدر أقول لزوجي روح وتركني، هو إذا راحتلك نفسه بيجيك لحاله، وبعدين اتركيه معي أشبع منه ويشبع مني، ما زال معرسين جدد ماتهنينا ببعضنا لاتصيري خبيثة يامكاسب."
نهضت مكاسب ووقفت أمامها معترضة وحدّثتها بغضب:
"أني خبيثة ياسدينة؟"
- "أي دامك تريدي تاخدي عريس من جوار عروسته وهما بأول أيامهم معناها انتي وحدة خبيثة يامكاسب."
- "زين.. وأنا الحين بوريك الخبث كيف يكون."
ونادت بأعلى صوتها:
"قصييير ياااقصيرر تعال، تعال شوف مكاسب بنت عمك ومرتك وأم بنياتك ويش عم يصير فيها."
خرج قصير من الخيمة على صوت مكاسب، وانتبه لها الجميع واقتربت النساء على صوتها.
وبدأت مكاسب في النحيب بصوتها العالي فور أن رأت قصير الذي اقترب منها وسألها في حيرة:
"ويش فيك يامكاسب ليش تعيطي من الصبح؟"
مكاسب:
"تعال شوف مرتك سدينة ويش جايه تقولي وكيف تحاكيني وتكايد فيا. جايه تقولي إنها صارت حبلى وغدوه بتجيب الوليد وبيه راح تصير ستي وتاج راسي وراس بنياتي وتاج راسك أنت بعد."
جحظت عينا قصير ونظر لسدينة وسألها والشرار يتطاير من عينيه:
"صدق حكيتي هالحكي ياسدينة؟"
- "لا ورب العرش ياقصير مانطقت بحرف من هالحكي."
مكاسب:
"إذا تعرف مكاسب كذابة ياقصير معناها لا تصدق."
نقل قصير نظراته بينهم ثم ثبت أنظاره على سدينة وسألها:
"مكاسب من وين دريت إنك حبلى ياسدينة وماليكي غير دقايق دريتي بروحك حبلى؟"
سدينه:
"عرفت لحالها والله."
مكاسب:
"أي صرت من ضرابين الودع وأشم على ضهر إيدي. ياقصير مرتك غايتها تكيدني وتفهمني إني خلاص مالي حق فيك وكل الحق أصبح ليها هي."
قصير:
"زين.. معناها من اليوم مجلسي ومبيتي في خيمة مكاسب لحتى تجيب ياسدينة، وودي أشوف كيف قصير يصير طوع يدك لأجل إنك هتجيبي وليد. مبين نسيتي إن قصير يقدر يجيب مرة واتنين أعليكم ويخلف بدل الوليد عشرة، وراح أسويها وغلاة أبوكي عمران. بس بدها صبر."
"مكاسب... روحي خدي قواعي من خيمة سدينة وعاوديهم لخيمتك، من اليوم المبيت عندك."
أنهى حديثه وترك المكان لمكاسب التي تبسمت نصراً، ولسدينة التي تساقطت عبراتها ندماً. فبدلاً من أنها أتت تحرق مكاسب بنار الغيرة احترقت هي. وتأكدت أن خصمها ليس بهذا الضعف الذي تصورته، وأن مكاسب تخفي خلف قناع المسكنة خبثاً ومكراً لن تستطيع مجاراتها فيه، ومن الأفضل لها إجتنابها لكي لا تتفاقم الأمور أكثر من ذلك أو أن تجتهد في منافستها.
وها هي تعود لخيمتها من معركتها الأولى وهي خاسرة خسارة فادحة.
حل الليل وعاد قصير لخيمة مكاسب كما وعد، وعادت الطيور المهاجرة لأعشاشها. فأقتربت منه مكاسب تبث له شوقها إليه، ولكنه أخبرها بأن تؤجل كل شيء حتى يعود.
وذهب إلى خيمة سدينة كي يأخذ منها عقرب، فاليوم موعد الحوي لآدم. وما أن دخل الخيمة حتى نظرت إليه سدينة بعتب ولم تتفوه، بل بكت وهي تستجديه الرحمة بصوت نحيبها. فتجاهلها وخرج يكمل مهمته.
وهذه المرة لم يستيقظ آدم، فقد كانت اللدغة أخف وأسرع من لدغات الثعابين، وتركه يشعر بالسم رويداً رويداً.
وذهب ليعيد العقرب مكانها، ولكنه وجد سدينة وقد لجأت للسلاح الذي لا يقاومه أي رجل. فأرتدت أجمل ما لديها وكفكفت دموعها وانتظرته وقد استدعت كامل أنوثتها. فهي اليوم قد أُهينت على يد مكاسب وستحاول استرداد بعضاً من كرامتها المهدورة مهما كلفها الأمر.
وما كان من قصير إلا التسليم لها، فهي باتت تعرف مواطن ضعفه وتجيد اللعب عليها.
أما مكاسب فحين تأخر قصير عنها خرجت تتقصى سبب غيابه، فسمعت ما كانت تخشاه. صوت ضحكات سدينة وغنجها، ومداعبة قصير لها جعلت البراكين تثور بداخلها، وأقسمت على الانتقام.
أما سدينة فرأت خيال مكاسب خارج الخيمة وازدادت ضحكاتها وعبارات الدلال حتى تحرق قلب مكاسب، ولا تعلم بذلك أنها تضرم النار في نفسها ولا تدري.
عادت مكاسب إلى خيمتها وقد أقسمت أن القادم سيكون دماراً على سدينة وحرباً لن تنتهي إلا باستسلامها التام وتركها لقصير وعدم العودة إلى الأساليب الملتوية. فإن كانت هي سدينة ابنة عمران فـالأخرى مكاسب ابنة مهدي، ولو على كيد النساء فهذا عندها أسهل من شربة ماء.
نظرت إلى صغيرتها التي استيقظت تبكي من جوعها، وهمت أن ترضعها ولكنها تراجعت وهي تنظر إليها وهمست لها ولنفسها:
"سامحيني يارجوه من اليوم مافي حليب من صدري، صار لابد من فطامك حتى يجف الحليب ونحبل يمكن الله ينصفني ونجيب الوليد اللي يرجعلي قدري بقلب أبوكي، ويرجعلي هيبتي اللي بدت تروح على يد سدينة."
أنهت جملتها وغادرت الخيمة وذهبت عند المكان الذي فيه الماعز وبدأت في حلب أحداهن، وعادت بالحليب للصغيرة وبدأت في محاولة إطعامها منه، فوجدت نفوراً من الصغيرة وبكاء مرير وهي ترفض هذا الحليب ولا تستسيغ طعمه، ومع ذلك لم يرق قلب مكاسب عليها وأخذت تحاول مراراً وتكراراً.
استيقظت معزوزة وشقيقاتها فيحاء ودرة على صوت بكاء رجوة أختهم. ولما رأت معزوزة ما تقوم به أمها اخذت الصغيرة منها وهي تهتف لها بلوم:
"والله مسكينة هالصغيرة من توها بدت تعاني وتشيل شيلة أكبر منها، بدتها بالضرب والهنوبة بالجوع والحرمان، مظلومات بنات البوادي إذا كانو والديهم كيف قصير ومكاسب."
مكاسب بغضب:
"صكري خاربك ولا انسكتك بطريقتي يامعزوزة، افطني. من اليوم ما تحاسبيني ولا تعترضيلي على شي، أنا أعرف ويش أسوي ماناقصني غير ضنوتي يقفن لي ويعلمني الصواب من الخطأ. وشوفي يامعزوزة رجوة من اليوم اعليكي تربايتها، هي من توها ترضع حليب ماعز يعني ما عادت بحاجتي، نومتها وهدمتها وكلها وشرابها رعايتها كلها تخصك انتِ متكفلة بها، وبعديها عني إن كنتي تخافين عليها وتحبينها."
نظرت معزوزة لشقيقتها وأردفت وهي تراها تتلوى جوعاً وتضع يدها في فمها وتقوم بمصها عسى أن تأتي لها بحليب:
"زين يامي إني من توي متكفلة بشقيقتي، انتي بعد ما عاد لك شان بيها."
مكاسب:
"أي زين."
نهضت مكاسب وغادرت الخيمة وخرجت تزرع رمال الصحراء ذهاباً وإياباً وهي تفكر من أين ستكون بداية تأديب سدينة على يديها، غير آبهة ببكاء الصغيرة التي تطالب بالرحمة وتصرخ من جوعها.
أما قصير فـانتبه على بكاء الصغيرة بهذه الطريقة العجيبة وهم أن ينهض ليرى ماذا هناك، ولكن سدينة تعلقت بذراعه وهمست له متسائلة:
"وين رايح وتاركني بروحي قصير؟"
قصير:
"بس أروح أشوف الصغيرة من ايش تصرخ وراجعلك، ماهي عوايدها تبكي بهي الطريقة."
سدينه:
"يانبض قلبي ونظر عيني انت حكيتها من حالك، إن الصغيرة أول مرة تبكي هالقد؛ معناها مكاسب مبكيتها بس لتخليك تتركني وتروحلها لأنها عشمانة اليوم انت عندها."
قصير:
"مكاسب مافيها الخبث ياسدينة."
- "ياروح الروح الحين كل شي تغير واختلف، هي اليوم عندها ضرة وإذا ما كان عندها خبث قبل اليوم أكيد صار عندها، وبعدين خلينا لا نقول خبث خلينا نسميها غيرة وجكر."
نظر إليها قصير لبرهة ثم أزاح يدها بحركة بطيئة ونهض غير آبه بكل ما قالته، وارتدى ملابسه وخرج متوجهاً لخيمة مكاسب، فدلف ليجد معزوزة تحمل الصغيرة التي تصرخ وتحاول إطعامها، وبجانبها أختيها.
وبحث عن مكاسب في الخيمة فلم يجدها فتوجه بالحديث لمعزوزة متسائلاً:
"يش بيها خيتك تعوي هيك، ووين أمك لوين راحت بهالوقت وسيبت الخيمة؟"
معزوزة:
"أمي تركت الصغيرة وقالت من اليوم صار فطامها و تركت الخيمة وطلعت."
رفع قصير حاجباه وهو يشعر بالغرابة وأردف:
"صار فطامها؟ كيف هالشي والبنيه ما صار عمرها غير شهرين؟"
معزوزة:
"فطمتها ورمتها لأجل تحبل مرة ثانية وتجيبلك الولد. رمت هالمسكينة لتجيب اللي راح يحرر البلاد ويفتح بلاد العربان ويعاودلها محمل بالـغـنايم. وكأن اللي كان عندها وليد ما تسوى شيء لا هي ولا بنياتها."
قصير:
"صرتي تحكي حكي أكبر من عمرك يامعزوزة. اسكتي ولا تحكي هيك مرة ثانية، وأعطيني الصغيرة ونامي انتي وخياتك."
معزوزة:
"لوين بدك تاخد الصغيرة؟"
قصير:
"هندور على أمها ونعطيها لها ونخليها تعقل شوي وترضع البنت من حليبها ونفكنا من عمايل الصغار والمكاليب."
أخذ الصغيرة من معزوزة، وقبل أن يغادر الخيمة ويخرج في الظلام نظر لابنته النظرة الأولى، فتبسم وهو يراها وأردف:
"ويش هـالسماحة كلها يابنت مكاسب من وين جبتيها، والله مامرت عليا متل عيونك الوساع اللي كيف عيون الريم ولا هالملامح السمحة!"
تحرك بها للخارج، واقترب من مكاسب التي انتبهت لقدومه على صوت الصغيرة وتوقفت عن المشي والتفكير. وحين اقترب منها ووقف أمامها نظرت إليه وإلى الصغيرة في يده ثم ربعت يديها أمام صدرها وحدثته بغضب:
"ويش جابك وطلعك من خيمة عروسك ياعريس، ماخايف تغضب عليك سدينة؟"
قصير:
"هندور روحي ماسمعت كلامك اللي ماله عازه بس لاجل الغيظ اللي ناضر بعيونك، غير هيك كنتي بقاع البير من بدري عم تلفظي آخر أنفاسك. لتتحاكي مع لموات بدل ما تحاكيني."
شاحت مكاسب بنظرها بعيداً فهتف بها قصير:
"مدي يدك أحملي الصغيرة ورضعيها وبلا تفكيرك الخايب، اصبري لتكمل البنت سنة وأفطمي وأحبلي ما حدا راح يعترض، بس الحين ما يصير."
مكاسب:
"لا بيصير وبيصير واللي بدي ياه بيصير ياقصير، ولا لأن سدينة راح تجيبلك الوليد ما عاد تريده من مكاسب، بس أنا راح أجيب ولد لبنياتي يشدون ضهرهن بيه ويصير سندهن بس يكبرون، لأن أولاد سدينة عرفنا ماراح يكونوا حزام ضهر، اللي أمهم حرباية من الحرابي مابينشد بيهم ضهر."
قصير:
"غلطتك الثانية وما عدى على الأولى ديقايق يامكاسب، اللي تغلطين فيهم قبل لا يجوا ع الدنيا ولادي، ضنوتي من صلبي، واللي ينقص من قدر ضنوتي كنه نقص من قدري. وأنا ما تعودت عليكي ما تراعي الأصول بقول أو فعل يامكاسب، ولا الظاهر إنك عن جد بديتي تتغيرين وتتبدل طباعك وماعدتي سدينة البنت اللي نعرفها."
مكاسب بغضب:
"اسمي مكاسب ياقصير، سدينة هنااااااك بخيمتها تستناك، عديلها وماعليك بمكاسب كيف كانت وكيف صارتك لأنك نسيت طبعي أكيد متل ما نسيت اسمي."
قصير:
"ذلة لسان يامكاسب وقصير حتى إذا لسانه ذل ماتحاسبه حرمة، خدي بتك وعاودي خيمتك وأنا بس يطلع الضي راح أجيك ونحكي بكل شي."
مكاسب:
"مافي حكي ياقصير، عاود بالبنية واعطيها لأختها معزوزة، وأنا شوي ونرجع الخيمة، وأعمل حسابك من غدوه المبيت راح يتقسم مابيني وبين سدينة بحق الله، ياهيك ياما بشكيك لعمي الشيخ منصور."
قصير:
"تسويها يامكاسب؟"
- "أسويها ياقصير."
نظر إليها بسخط ثم عاد أدراجه وأعطى الصغيرة لشقيقتها وعاد لخيمة سدينة وهو يفكر في عقاب لمكاسب على كل ما تفوهت به وطريقتها في الحديث معه.
وحين دخوله للخيمة وجد سدينة هي الأخرى قد تبدلت ملامحها للغضب، وبدأ يدرك أنه بصدد مواجهة صراعات النساء التي لا يكره في الحياة أكثر منها. ولكنه تذكر أن هناك من سيجنبه كل هذا الهراء. عمته "عوالي" شيخة القبيلة واخت الشيخ منصور التي ستعود من الحج قريباً مع أخيها نصير. وهي الوحيدة التي تمسك زمام نساء البادية بيد من حديد ولا تجعل مثل هذه النزاعات بين الضراير أو السلايف ولا تجعلها تصل للرجال نهائياً.
تجاهل سدينة وتجاهل كل شيء وارتمى على الفراش وغط في النوم فغداً يحمل له الكثير من الجهد ولا ينقصه مثل هذه الخلافات.
أما سدينة فظلت مستيقظة تنظر إليه وتغلي من قهر تجاهله لها. ونظرت للسلة فوجدت ثعباناً يخرج منها فنهضت وقامت بالقبض عليه وإرجاعه لمكانه وإغلاق السلة جيداً، فثعابين قصير أصبحت هي المسئولة عنهم وعن ضياعهم الآن، ولن تعطيه سبباً لتوبيخها وجعل مكاسب تتشمت بها.
في اليوم التالي خرج قصير للخلاء مع بعض الأطفال وآدم معهم بالطبع. واليوم كان درس التصويب بالأسلحة والرصاص الحي، ومحاولة اصطياد الطيور المحلقة. واحرز آدم المركز الأول في هذا التدريب أيضاً مقارنة بأقرانه من حديثي التعلم، وها هو نجاح جديد يضاف إلى نجاحاته.
وعاد بهم في نهاية اليوم وهو يتطلع لبعض الراحة بعد يوم عصيب، فصدم بخبر جعل الدماء تغلي في عرقه. فقد حدثت معركة بين زوجاته على أعين جميع النساء وأطفال البادية، وعلى إثرها فقدت سدينة حملها وكسرت ذراعها وأصيبت مكاسب في عينها إصابة قد تكلفها عينها وتنطفئ نهائياً.
فوقف وعلي مرأى ومسمع من الجميع هتف:
"سدينة تعود لخيمة أبوها عمران وما تعود إلا ابت في أمرها."
أما مكاسب فـ"من اليوم للعام القادم متل هاليوم تحرم أعليا خيمتك ومجلسك وقربك وحديثك."
"والحين أنا راح أختار عروس ثالثة لأن الاثنين اللي تزوجتهم مابيهم خير."
أنهى حديثه وترك المكان لمكاسب وسدينة تتعالى أصواتهم بالنحيب وكل منهما تشعر بالندم يأكلها على تصرفها الأهوج.
جلس قصير بجانب الشيخ منصور وبدون مقدمات قال:
"شيخي أنا راح أتزوج الثالثة."
منصور:
"هدي ياقصير ماتاخد قرارات بلحظة غضب."
قصير:
"لا ياشيخ قراري مدروس زين، أنا ودي مرة عاقلة وراسية ماراعية مشاكل."
عمران:
"أفهم الغلط من مين بدأ ياقصير وماتظلم."
قصير:
"مابدها فهم ياعمي، المرة اللي ماتنتظر راجلها لياخذ لها حقها وتاخذه بدراعها مالها أعذار، وذنبها ما يقل عن اللي بدت المشاكل لأنها كانت تقدر تمنعها من عندها وتصير صاحبة حق لكنها ضيعته وعم عليها الذنب."
صمت الجميع وتركوا لقصير المجال حتى ينفث عن غضبه في هيئة زفرات متتالية. فنظر منصور لمهدي وسأله:
"متى تعود الشيخة عوالي يامهدي؟"
مهدي:
"أيام ياشيخ وتعود."
منصور:
"الله يردها بالسلامة، البادية صارت هوسة من بعدها والصبايا بدن يتفرعنن."
قصير:
"حتى لو عادت وأدبت الحريم راح أتزوج."
منصور:
"وأنا راح أشوف مين اللي بيعطيك مرة بعد ما الشيخ منصور يصدر أمره إن ما حدا يعطيك وأعمم الخبر بكل القبائل."
قصير:
"ليش هيك ياشيخ؟"
منصور:
"لا تتهبل قصير، زوجناك لتجيب أولاد موش لجل كل شوي ترمي مرة وتتزوج الثانية."
قصير:
"ياشيخ هاد حقي."
منصور:
"لا هاد طيحان حظ. وعقل خارف مو حقوق."
أما في قصر محمود..
- "أيه يا يحيى مالك فيك إيه متوتر كده ليه؟"
يحيى:
"مش عارف يا فريال حاسس إن قلبي مقبوض وحاسس إن أمرنا هيتضح ومش هيحصل لنا طيب."
فريال:
"لا انت بس قلبك بقى خفيف ما تخبيش ولا تنكر وبعدين أنا قلت لك ما تخافش مش هيموت محمود هيفضل عايش كل الحكاية إنه هيتعب شوية بس وصحته هتتدهور وده علشان يكون قدامك فرصة إنك تحط إيدك على الشركة والفلوس والأملاك وبس تاخذ كل حاجة وتحولها باسمك ومن بعدها تحولها باسمي، وأنا بعدين أحولها باسم ولادنا. هبطل أدي له التركيبة وهيخف ويبقى زي الفل ويرجع أحسن من الأول كمان بس وقت ما يرجع مش هيكون حيلته حاجة ومش هيكون له لازمة معانا وناخذ بعضنا أنا وانت والأولاد ونسافر بلد تانية، ونعيش حياتنا بفلوسنا حقنا اللي بينقطنا بيه تنقيط وفاكر نفسه إنه بيجبي علينا. وانت وأختك لكم حق في كل قرش محمود عمله، وسبق وقلت لك الكلام ده وهفضل أقوله لكم طول الوقت أنتم أصحاب الخير اللي فيه محمود أنتم اللي اتحرمتوا وأنتم صغيرين، عشان هو يوصل للمستوى ده وتتجوزوه بنت الباشا وتدي له كل اللي معاها، ويبقى صاحب أملاك وصاحب شركة ويتحكم في الناس بالطريقة دي."
صمت يحيى ولم يرد على كلامها فهو لا يملك إلا الاستسلام ككل مرة. فقد استسلم لخطتها الأولى في التخلص من ابن أخي وها هو يستسلم لخطتها في إضعاف أخيه حتى يتمكنه من كل شيء. هو لا ينكر أن طريقتها مؤلمة جداً وقاسية، ولكن هي الطريقة الوحيدة التي أمامهم ولا يوجد حل آخر. فـأما هذه الأفعال أو سيمضي الوقت ذليلاً لأخيه يستجدي منه قوته وقوت أولاده ومتطلباتهم. ولا يعلم ربما الأيام تخبئ له ذلاً من نوع آخر على يد ابن أخيه. فالتخلص هو أسلم حل.
غادرت فريال الغرفة ونزلت ودلفت إلى المطبخ فوجدت عايدة تعد الطعام للغداء. هي تعلم أنها دائماً تعد طعاماً مخصوصاً لزوجها محمود قليل الملح وقليل الدسم. فعرفت مكانه وقامت بوضع التركيبة في الطعام في غفلة من عايدة وأعادت الزجاجة إلى جيبها. ثم أخذت تساعد في إتمام الطعام على غير عادتها.
وبعد الانتهاء خرجت فريال من المطبخ وكأنها لم تفعل شيئاً، وجلست بجانب مديحة التي كانت منغمسة في قراءة الصحيفة غير آبهة بما يحدث من حولها، غير مبالية للجهود التي تبذلها فريال. هي فقط تريد أن تحصل على المال ببساطة لا تشارك أو تتعب حتى بالسؤال. ولذلك قررت فريال أن تحرمها هي الأخرى من كل شيء فهي لن تجازف وتتعب وتخطط وتنفذ، ويأتي من يأخذ الغنيمة بكل سهولة دون أدنى جهد.
حان وقت الغداء، وخرجت عايدة بالطعام وضعته على الطاولة، وبدأ الجميع في تناول الطعام. محمود يأكل من طعامه والجميع يراقبون. ويحيى يصارع شعورين قاتلين، شعور بالخوف ممزوج بالشفقة. وشعور بالحماس لأن هذه لا تعد مجرد وجبة يأكلها أخيه. بل هي أول خطوة في طريق سعادته.
انتهى الجميع من تناول الطعام، وقامت عايدة بلم السفرة، وأعدت الشاي للجميع. ثم تركتهم وصعدت إلى غرفتها لتستريح قليلاً. وأيضاً لتختلس لحظات من السعادة في غفلة من زوجها. فهي لديها سر صغير أقسمت على ألا تتشاركه مع أي أحد في العالم، حتى زوجها.
فرفعت الفراش وأخرجت صورة لابنها آدم، قد سرقتها من محمود دون أن ينتبه، قبل أن يضرم النار في بقية الصور، واحتفظت بها لنفسها. تنظر إليها بين الحين والآخر، فيطمئن قلبها حين ترى طفلها وهو جالس مع بقية الأطفال بابتسامته وملامحه التي اشتاقت إليها حد الجنون.
وأثناء اندماجها ومناجاتها لصغيرها في الصورة ومناداته بكل عبارات الدلال التي كانت تمطر آدم بها في الحقيقة. سمعت صوت خطوات محمود يقترب من الغرفة، فقامت بتخبئة الصورة سريعاً واستوت على الفراش وكأنها نائمة.
فاقترب منها محمود وجلس بجانبها وأخذ يمسد على شعرها بحنو وهو يهمس لها:
"بحبك يا أجمل وأحن وأحسن وأطيب ست في الدنيا كلها. بحبك يا رزقي اللي ربنا رزقني بيه وعوضني عن كل حاجة وحشة شفتها طول عمري."
فتبسمت عايدة واقتربت منه وقامت باحتضان خصره. وهذا أقل رد على كلماته الجميلة التي تعينها على كل ما تعيشه من فقدان وحرمان ووجع واشتياق. ولولا مساندته لها لانهارت منذ مدة طويلة.
مرت عدة أيام.
عايدة بنحيب:
"يامحمود يلا بينا نسافر نروح أي مكان نشوف إيه اللي جالك. انت خسيت في كام يوم بطريقة بشعة والاسهال مش طبيعي، مش معقول مفيش دكتور عارف إيه اللي عندك، مش معقول مفيش حد عارف يشخص حالتك!"
أجابها محمود وهو يتسند بجسده على الأريكة ووجهه يبدو عليه الإعياء:
"ياعايدة هتعمل إيه دكاترة بره وأنا عملت هنا كل الأشعات والتحاليل والفحوصات والكل أجمع على إني ما عندي حاجة وأغلبهم قال ممكن تكون حالة نفسية."
عايدة:
"طيب تمام مادام السبب نفسي أنا وانت عارفين كويس إيه اللي تاعب نفسيتك. خلينا نجيبه وأوعدك مش هغفل عنه لحظة، أكله أنا اللي أعمله هكون معاه منين ما يروح. هحرسه في البيت وبره نجيب له بودي جارد يرافقه، نجيب اتنين تلاتة نجيب عشرة. إحنا هنموت من غير أبنا يامحمود. أنا كنت خايفة عليه هو لكن الولد طلع أقوى مننا واتحمل وعاش واتأقلم واحنا اللي بنتعذب."
- "أبداً ياعايدة، والله آدم ما يرجع هنا حتى لو مت. وبعدين حراسة إيه اللي هنحرسهالها ما كان تحت عنينا أخوه ومات بطريقة احتاروا فيها الحكما. مات بسم محدش قدر يحدد نوعه، مفيش غير في النهاية بس اللي قدرنا نعرف إنه نوع سم مركب وأهم مكون فيه سم العنكبوت البرازيلي اللي اختلط بكذا حاجة تانيين خلوه فتاك بمجرد ما دخل جسم الولد موته. عايزانا نعيده من تاني ياعايدة؟"
اقشعر جسد عايدة وأغمضت عينيها بألم وهي تتذكر كل ما حدث لابنها، وهزت رأسها رفضاً وأردفت:
"لا مش هنعيد حاجة، خليه بعيد خليه. خلاص يامحمود طاوعني طيب ونسافر للدكتور اللي اكتشف نوع السم اللي في جسم مروان الله يرحمه."
محمود:
"دا مش دكتور ياعايدة دا مركز البحوث الأمريكي."
عايدة:
"خلاص نسافر ونروح المركز ونشوف، مش يمكن يامحمود؟"
تنهد محمود وهو يفكر في الاحتمال بجدية، فهو بالفعل يشعر بالغرابة حيال ما يحدث له. وكيف تحول جسده من كامل القوة لقمة الضعف في بضعة أيام، ولماذا بدأ يشعر بأن الموت أصبح يحيطه ويشم رائحته من حوله بوضوح.
عاد يحيى من الخارج والقى التحية على محمود وعايدة وسأل عن فريال والأولاد وأخبروه بأنها أخذتهم وذهبت للنادي. فجلس يمثل الإجهاد من إدارة الشركة. وخرجت مديحة من غرفتها على صوته وجلست معهم. فبدأ يحيى حديثه الذي حان وقته:
"يامحمود أنا بصراحة مش عارف أمشي الشغل وأنا كل شوية بلجألك ولازم آخذ موافقتك وامضتك على حاجات أنا ممكن أخلصها في دقايق بتخلص في أيام، والتعطيل بيكلف الشركة كتير. أنا رأيي تعملي توكيل بالإدارة مؤقت لغاية ما تخف وتقدر ترجع للشركة، خليني أمشي الدنيا."
نظر إليه محمود وأخذ نفساً أخره على فترات وأجابه بحزم وقوة لا يتناسبان مع حالته الصحية:
"مستحيل يايحيى، التوكيل دا في أحلامك. أنا لو جرتلي حاجة عايدة من بعدي ومن بعدها ابني ومن بعدهم فلوسي للغلابة والمساكين، إنما انت لا يمكن هتاخد مني مليم أحمر طول ما أنا عايش، لا بالرضى ولا بالحيلة. فاهم يايحيى."
أنهى حديثه وتبسم وهو ينظر في عيني يحيى ليخبره بأنه يعلم كل ما يجول بعقله ويعرف بكل مخططاته، وبأنها لن تنجح معه. وأكمل وهو ينظر له بنفس النظرات:
"أنا هسافر بعد يومين أمريكا عشان أخلص الطلبية بتاعة شركة قطع الغيار. هروح أنا بنفسي لأن وجودي ضروري عشان أمضي العقود. عايز أرجع ألاقي كل حاجة تمام في الشركة. ياكده يا أما هستغنى عنك وأجيب للشركة مدير غيرك يفهم في الإدارة."
أنهى حديثه وطلب من عايدة مساعدته حتى يذهب لغرفته يستريح قليلاً. وأثناء صعوده للدرج كانت عينا يحيى ومديحة يراقبانه دون أدنى ذرة شفقة على حاله، خاصة بعد أن تأكدوا من عناده وبأنه سيحاول إفساد مخططاتهم لآخر لحظة. فقرر يحيى أن تزيد فريال عليه الجرعة اليوم، فهو يستحق هذا بعد حديثه.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل السابع 7 - بقلم ريناد يوسف
في القصر، غرفة الاجتماعات المغلقة.
اجتمع يحيى وزوجته ومديحة لوضع مزيد من الإضافات لخطتهم حتى يتوصلوا لنتيجة أسرع.
فردفت مديحة:
"وبعدين كده الموضوع هيطول أكتر من اللازم، وإحنا مش فاضيين. زودي الجرعة يافريال خلينا نخلص ونشوف مصالحنا وحياتنا."
فريال:
"أعمل إيه يعني يامديحة؟ مانا بعمل اللي بقدر عليه، ومن البداية قلتلكم الموضوع هياخد وقت. وبعدين ما إحنا شغالين أهو، إنتي مستعجلة على إيه؟"
مديحة:
"مستعجلة على الحياة، مستعجلة إني آخد الفلوس وأعيش بيها وأنبسط. مستنية أحقق أحلامي اللي اتأخرت كتير."
يحيى:
"معلش، اجلي أحلامك شوية كمان. مش هيجرالهم حاجة، مش هيبوظوا من الركنة متقلقيش."
إمتعضت ملامح مديحة ولم يعجبها ما تفوه به شقيقها.
وفي هذه اللحظات، كانت فريال تتفحصها بشك وريبة من تعجلها الغير مبرر. فهمي منعمة تاكل وتشرب وتخرج. عن أي أحلام تتحدث؟
***
أما في البادية.
عادت الشيخة عوالي من الحج بصحبة أخيها. وما أن وصلت حتى استقبلها أهل الصحراء بإطلاق وابل من الأعيرة النارية، وفرقة إنشاد بدوي بالدف تعتلي الخيول.
وقاموا بإعداد وليمة كبيرة أتى إليها كبار القبائل من شتى بلاد البادية، وبعض الشخصيات المرموقة من الحضر أصدقاء الشيخ منصور.
وتقدم الشيخ منصور يستقبل أخته وأخيه:
"يامرحبا يامية مراحب ياغوالي، حج مبرور وذنب مغفور إن شاء الله."
صافح أخيه وأخذ أخته الشيخة عوالي تحت جناحه، فهي أخته الصغيرة الحكيمة ووصية أبيه الشيخ هلال.
فقد كانت الأخت الوحيدة لأربعة إخوة من الذكور وهي أصغرهم.
وكانت أمنية أبيها الشيخ هلال، والذي لم يكن يشبه أهل البادية في كره إنجاب البنات.
فقد كان رجلاً تقياً حافظاً لكلام الله ولسنة رسوله.
ففرح فرحاً شديداً عندما رزقه الله بعوالي، فكانت ترافقه طوال النهار ولا تتركه إلا وقت نومه بسبب والدتها التي تنهرها ليلاً من المبيت بجانب أبيها.
ولولا هذا لما فارقته ليلاً أو نهاراً.
وتربت عوالي مع إخوتها الذكور وأخذت طبعهم، وتعلمت معهم كل شيء يتعلمه الذكور بالإضافة لعملها كبنت بدوية. تغزل الصوف وتصنع السجاد والملابس، وتعلمها للصغيرات من بنات قبيلتها.
الشيخة عوالي:
"مرحبا بيك ياشقيقي، استاحشتك واجد ياخوي. إن شاء الله أموركم طيبة وحالكم هاني؟"
الشيخ منصور:
"نحمدوا الله يا خيتي، لكن إنتي تعرفي زين في غيبتك وضع صبايا القبيلة يتكدر ويتفرعنن."
وحكى لها عن ما حدث مع قصير وزوجتيه، وغيرهم من مشاكل نساء البادية وأنهى حديثه بـ "الله يعينك يا خيتي، ياما مواويل ترجا فيكِ".
الشيخة عوالي:
"ماتعول هم، ربي يقدرني ونعدل ميزانهن."
نادت على إحدى نساء القبيلة والتي تقوم بخدمتها واسمها مايزة.
الشيخة عوالي:
"مايزة، اجمعيلي كل الصبايا والبنيات لياخدن هدياتهن، معاد الكلبتين سدينة ومكاسب. خليهن يجين بعد ما الصبايا يمشين."
أما سدينة، بعد ما سمعت بأن الشيخة عوالي عادت، دب الرعب في أوصالها.
فكل نساء القبيلة يخافن منها أكثر من أهاليهم.
سدينة:
"حيييه على أمك يا سدينة! جاتك عوالي يا سود الليالي. واااك عليا واااك، نذر علي ندبح تيس إن ربي نجاني من يدها. لا لا ندبح تيس وحولي. ماهي الشريطة لابد تكون على قدر المصيبة ونا مصيبتي تقيلة الحيل. تو نمشي لرفيقتي فالمصيبة السودة هذي."
سدينة أمام خيمة مكاسب:
"مكاسب يا غاليتي، يابنت عمي، ياضرتي، ياحبيبتي."
مكاسب:
"ادخلي، دخل عليكِ ملف بقرنين يا وجه البوم. إن شاء الله تريحتِ بعد دذتلنا الشيخة عوالي وحرمتنا من مجايبها السمحة من الحج."
سدينة:
"يعني إنتي مش خايفة منها وبس، همك المجايب؟"
مكاسب مثلت القوة ولكن بداخلها كانت ترتعد من الخوف:
"ماياخد الروح إلا اللي خالقها. وأنا ماعاد يهمني. اشقي بروحك إنتي."
ذهبتا إلى الشيخة عوالي.
مكاسب:
"مرحبا ياعمتي."
سدينة:
"استاحشت ياعميمة."
الشيخة عوالي:
"صكرن أفواهكن واقعدنتو. نريد نعرف منكن قصير راجل ولا عويل."
أجاباها في صوت واحد:
"راجل وسيد الرجال."
عوالي:
"وبوكن وخوتكم رجال ولا عويل؟"
مكاسب:
"ويش هالسؤال؟ هلنا أسياد القبائل ياعمتي."
الشيخة عوالي:
"بس أفعالكن متبينش إن وراكن رجالة، ولا إنكن ترباية رجالة. إنتن خذيتن كل القبيلة مو بس راجلكن اللي واطيتن رأسه وقللتن قيمته. إنتِ يا مكاسب، بوك تزوج ثلاثة وإنتي بنت أمك الوحيدة. ومن تزوج جاب لكِ خوت اتباهي بيهم بين الصبايا. وإنتِ يا سدينة، بوك كان متزوج اثنين لكن أراد الله إن مرته الكبيرة يتوفاها الله وقعد بأمك بس. ولولا إنه كان جبير بالسن وما فيه صحة كان تزوج الثانية والثالثة. وغيرهم واجد وهذا شرع الله وكل شيء قدر ونصيب واختبار وابتلاء سوا. لكن ولا لراجلكن، هاتصبرن ولا تكفرن وتقطعن بعضكن وتصقطي بنت عمك وتقتلي أخو أو أخت بناتك يا كبيرة ياقليلة العقل. وإنتِ ماقصرتي ياصغيرة وحطيتي راسك براس بنت عمك الكبيرة وأم بنات راجلك وطمعتي فيه وتريديه لروحك، وصغرتن برواحكن وبرجالتكن. صح كلامي ولا لا؟"
سدينة ومكاسب:
"صح ياشيخة، لكن..."
الشيخة هدرت بهم بصوت مرعب:
"مافي لكن، وتو وقت العقاب. اللي درتنه كبيرة في حق الكل وتستاهلن عليه قطع لسانكن. لكن أنا هنرحمكن وعقباكن. أول شيء ملي المي من البير على روسكن للقبيلة كلها لحين يرضى عليكن راجلكن. ولا تقعدن مع وحدة من الصبايا، ولا لسانكن يخاطب لسان حدا. أما حق الشيخ منصور وحقي."
ونادت الشيخة على من تقوم بخدمتها:
"مايزة، جيبي المجلم (المقص)."
مكاسب وسدينة في صرخة واحدة:
"لا بالله ياشيختنا! انحبوا على أقدامك، موتِينا وما اتديريها. ياعمتي حرمنا وتربينا ياعمتي."
وبدأن في النحيب.
الشيخة عوالي:
"آخرصن. اشلحي ردا راسك إنتِ وهي."
وأمرت مايزة أن تقيد أيديهن وقامت بقص شعرهن الطويل، وجعلته لا يتجاوز رقبتهن.
وكان هذا أشد عقاب لهم.
فعند بنات البدو شعرهن أغلى شيء عندهم بعد شرفهن.
وكان أهون عليهن القتل من قص شعرهن.
فجمال المرأة عندهم يقاس بجمال شعرها وطوله.
عوالي بعد أن قصت شعرهن جلست أمامهن لا يهمها نحيبهم ولا يرف لها جفن لحالهم وسألت بحزم:
"والحين أبي أعرف سبب العركة، ويش اللي هبلكم ومين اللي بدت؟"
سدينة:
"ياشيخة..."
عوالي:
"صكري. ما أمرتكِ بالكلام. وهى من ضمن أفاعيل عدم الترباية. مكاسب، احكي إنتِ."
مكاسب:
"يا شيختي وعمتي، أحلف لكِ بالله العظيم إني ما علت بيها. إني جالسة بخيمتي لا شلت ولا شيلت. ومرة وحدة ريت سدينة داخلة عليا ووقفت اقبالي وتضحك بكل قلة حيا وتقولي: 'ماعاد ترجي من قصير ود، قصير خلاص تم خاص لسدينة بحلاها وصغرها والوليد اللي ببطنها. اشقي بحالك وببناتك وبعدي عن زوجي.' كانت تحكي وتتماوع وهي تعرف إن قلبي قايد نار لأن قصير وعدني بالمبيت وهي خلته يرقد بفرشتها ويلحس كلمته. كانت تكيدني وأنا ماتحملت، قمت وما حسيت بحالي إلا وهي تحتي وأضرب فيها بكل قهري. نسيت إنها حبلى ونسيت كل شيء وما فكرت إلا بقهر قلبي منها. أنا راضية بزواج قصير منها وقلت سدينة أقرب لي من الكل، بنت عمي اللزم ونخاف على بعضنا ونشد حالنا ببعض. لكن تيجي الضربة منها والله صعيبة ياشيخة وماتحملتها."
نظرت عوالي إلى سدينة بغضب. وقبل أن تتفوه بكلمة، خرت سدينة أسفل أقدامها وأخذت تتوسلها:
"بربك ياشيخة، أنا غلطت ومعترفة وإنتي عاقبتيني. والله ماراح نعيدها، والله."
عوالي:
"لا يابعد روحي. العقاب اللي أخذتيه كان لاجل إنك مديتي يدك على ضرتك وبت عمك. لكن عيلتك بيها وهي ما عملت لكِ شيء. هي لحالها الها عقاب ثاني. إنتي ذراعك اللي انكسر بيطيب، ووليدك اللي طاح بيتعوض. لكن مكاسب عينها اللي احتمال تنطفى مابتتعوض. والسنة اللي قصير حلف إنه ما يقربها فيها ماتتعوض. وعقابهم يزيد."
أنهت حديثها وأمسكت المقص مرة أخرى واقتربت من سدينة.
سدينة:
"لا ياعمتي، اقتليني. اقتليني ولا تجلميني كي النعجة. مارح نقدر نرفع عيني في حرمة من القبيلة. واااااااك عليا واااااك."
أزاحتها الشيخة عوالي وقامت بتقصير شعرها أكثر حتى أصبحت تشبه الصبية، وغير آبهة بصراخها.
وبعد أن انتهت، نظرت لمايزة. وأمرتها أن تحضر لها قصير.
وعادت مايزة بقصير معها. وفور أن سمعت سدينة صوته، حتى أخذت تغطي رأسها بشالها وهي تكاد تموت خجلاً. أما مكاسب، فاكتفت بتنكيس رأسها أرضاً.
وحين دخوله، أمرته عوالي قائلة:
"يا قصير، ترد سدينة لخيمتك لحين تحمل، هاد بعد ما تطيب ويشفى كسرها. وبعد حبلها بتعتزلها كيف ما اعتزلت مكاسب وما ترد لها إلا ترد لمكاسب."
قصير:
"بس ياشيخة..."
عوالي:
"مافي بس. هاد أمر. سدينة العايبة والغلط منها وما يصير مكاسب تتحاسب على ذنب غيرها."
قصير:
"موافق، بس بشرط."
عوالي:
"صاير تتشرط على شيختك ياقصير؟"
قصير:
"لا ياشيخة، حشاكِ. اعتبريه طلب. ودي تحكي لي مع الشيخ منصور أتزوج الثالثة."
عوالي:
"مافي ثالثة ولا رابعة. إذا ودك مرة وما قادر تعيش بدون مرة، رد يمينك من مكاسب وعاود لها. بس اللي حكمته على سدينة مافي رجعة ولا راح أقبل منك مخالفته. وأنا رديت ياقصير وبراقب وراح أعرف كل اللي بينعمل وأوامري راح تتنفذ ولا لا."
غادر قصير الخيمة بعد أن حدج الاثنتين مكاسب وسدينة بنظرة غضب وتوعد. ولكن كل شيء بأوانه.
أما في الخلاء أمام الخيام في مجلس الرجال المعتاد.
الشيخ منصور كان في مجلسه ولكن عيناه يراقبان ذلك الصغير الذي يلعب مع الأولاد لعبة النشان ويتفوق فيها في كل مرة.
وأردف بفخر لقصير الذي اقترب منه:
"أحسنت ياقصير، الوليد صار قناص ومايخيبلا نشان. الوليد صاير عقاب."
قصير:
"الحق ينقال ياشيخ، الوليد عيونه عيون صقر ويده قوية رغم صغرها ماترجف، وقلبه قوي مايهاب شيء. واللي يشوفه بأول جيته وخوفه وجبنه مايشوفه اليوم. صار قوي مقدام، والأهم من كل هاد عزيز النفس وعنده صبر وجلد ماشفته غير بأولادنا، سكان البوادي."
منصور:
"من اليوم، الوليد صار لقبه بين الوليدات 'عقاب'. خلي الاسم يرتبط فيه حتى يتميز وسط البادية. ويلا اجمع لي الصغار كلهم، اليوم فيه درس دين وتحفيظ قرآن وتسميع."
قصير:
"أبشر ياشيخ."
ونظر لآدم ونادى عليه بكل صوته:
"آدم يا ولد، تعا لهون إنت وباقي الوليدات. تعو الشيخ منصور راح يبدأ درس قرآن، هاتوا كتبكم واجمعوا الباقيين وتعو."
اقترب منه آدم الذي خصه بالنداء أولاً ووقف أمامه في انتظار أية أوامر.
فأشار إليه الشيخ أن يقترب. فأقترب آدم فأجلسه الشيخ منصور بجانبه وقال له متبسماً:
"تعرف يا آدم، أنا بعمري ماشكرت ولد ولا شدت بشطارته. بس هاد لأن كل ولد بالبادية هاي حياته واللي يسويه من تعاليمنا وعاداتنا. وعيشتنا تحتم عليه يتعلم كل شيء. بس إنت اليوم أنا أحكيهالك قدام الجميع، إني فخور بيك يا وليدي، لأنك غريب وتعلمت اللي الكل كان مفكر إنك ماراح تتعلمه بعمرك. بس إني راهنت عليك من أول يوم وقلت هالوليد راح يكون له شأن عظيم. ذو الشأن ينعرف من نظرة عينه يا آدم، وإنت عيونك تنطق إصرار وعزيمة وتحدي. بوك قالي إنك ماراح تقدر على عيشة البوادي، بس أنا قلت له هاتوه وما عليك بيه. واليوم أشوفك متل ما ظنيت بيك، قوي وماتهاب شيء وصرت عقاب عزيز النفس قوي المخالب شديد البأس. ومن هالحين صار لقبك بين الصبية 'عقاب'."
تبسم آدم للإسم وردده هامساً:
"عُقاب!"
رد عليه عمران موضحاً:
"أي يا وليدي عقاب. العقاب أقوى من حلق بالسما، أقوى من الصقر والنسر وكل الطيور. العقاب طير ماينذكر طاريه إلا وقت يكون الحديث عن عزة النفس والشموخ والقوة. العقاب رمز القوة وإنت صرت وراح تصير من أقوياء البوادي. متل ما قال الشيخ، عيونك تحكي قوة."
اجتمع الأولاد جميعاً واصطفوا حول الشيخ منصور لأخذ الدرس الأسبوعي في القرآن. وحينما أخبرهم آدم بلقبه الجديد، هلل الأولاد فرحاً.
فلكل منهم اسم يعرف ويتميز به. صقر، فهد، خفاش، جمل. ولكل اسم يطلق على طفل يحمل الطفل صفة من صفات هذا الحيوان. السرعة أو الذكاء، أو التنبه والقدرة على الاستيقاظ طوال الليل، حدة البصر، الصبر وغيرها من الصفات والأسماء. ولكن آدم حظي بأقواهم وأفخمهم.
بعد عدة أسابيع.
آدم:
"عم قصير، جبت لك حية كوبرا. شوف قديش طولها وحجمها."
قصير:
"والنعم والنعم ياعقاب. جيبها واحترس منها حتى لا تفرغ كامل سمها بجسدك بتمرضك. مبين عليها حاوية سم كثير."
آدم:
"لا ماتخاف، أنا بعرف كيف أسيطر عليها. بس عضتني عضة وحدة وما خليتها تتمالك فيا وخرتها عني قوام."
قصير:
"زين زين، أعطيني. وكثر من هي الحيات المسمومات بينباعو بقروش حلوه. وعلى كل راس حية وحنش بعطيك قروش ليك."
آدم:
"ويش أعمل بالقروش ياعمي؟ القروش هيني مالها قيمة."
قصير:
"القروش ليها قيمة بكل مكان. والقرش اللي تحصله شيله للزمن. القروش بتجيب كل شيء. وإنت لا تفكر إنك عايش معانا بدون قروش أو إننا مانصرف. إحنا حالنا حال الكل يا وليدي، كل احتياجاتنا نجيبها بالقروش. الكسوة والخضار والبقول والأواني، لخيم والفراش، أشياء تخص الحريمات ماتيجي غير من الحضر وبقروش كثير. كل هالشي بيحتاج قروش. وإنت بوك تارك لك قروش كثيره وهي اللي تصرف منها. طعام وشراب وملبس. واليوم اللي تخلص فيه قروش أبوك من عندنا راح تحتاج قروش. وقتها تفك صرتك وتطلع وتصرف وما تعتاز لحد. مع إنّي بعرفك يا لعقاب ماراح تاخذ من حدا شيء لو تموت جوع وبرد."
أنهى حديثه ومد يده في جيبه وأخرج نقوداً مدها لآدم. وآدم التقطهم منه ووضعهم في جيبه دون نقاش. فهذا درس من دروس عمه قصير. وهو تعلم أن الدروس هنا تفهم جيداً وكلام الكبار يطاع دون نقاش. وترك المكان وذهب للبحث عن حيات وثعابين أخرى، مادام بحثه عنهم واصطيادهم سيأتي له بالنقود.
وأول شيء فعله هو أنه حكى لسالم كل ما دار بينه وبين قصير وأراه النقود. وكالعادة شجعه سالم على كسب المزيد. بل وكان يدله على جحور الثعابين ويدعه هو يلتقطهم بالطريقة التي علمهم إياها قصير.
وفي نهاية اليوم كان آدم قد ملأ جعبته بالثعابين من كافة الأجناس والأشكال التي تسكن الصحراء.
وفي هذا اليوم لم يعد سالم بأي شيء، وترك الظفر وكامل الغنائم لصديقه حتى يشعره ببعض السعادة. فهو منذ قدومه دائم الحزن قليل الابتسام إلا في المواقف الطريفة التي يسقط فيها الأولاد قتلى من الضحك تظهر ابتسامته.
أخذ قصير من آدم الثعابين وأعطاه ثمنهم. وعاد آدم لخيمته كي يستريح قليلاً بعد هذا اليوم المتعب. أخفى نقوده.
وبمجرد أن وضع رأسه على وسادته لاح له طيف أبيه وأمه. وتمنى لو أنهم بجانبه الآن. يرى أبيه ما تعلمه، يشاهده وهو يلتقط الأفاعي ببراعة، وهو يقوم بالتصويب والقنص، وهو يسبح في قاع المياه مقيد ويفك قيده ويخرج من الماء قبل الجميع. وهو يحلب الماعز ويصنع الخبز، وهو يمتطي الحصان وينطلق به كالريح لا يهاب السقوط، وهو يتدرب على ركوب الجمال كي يشارك في سباقات الهجين التي ستقام قريباً على مستوى القبائل. ليته هو وأمه يشاهدون ما أضحى عليه الآن. ولكن للأسف يبدو أنه أصبح آخر اهتماماتهم.
في القصر.
فريال بصوت متقطع:
"الحيوان أخوك ومراته بيعملوا إيه في العزبة كل دا يايحيى؟ كده مفعول التركيبة ممكن يقل من جسمه وصحته ترد له ونحتاج نبدأ من الصفر مرة ثانية."
يحيى:
"وأنا هعمل إيه يعني يافوفا؟ ماهو اللي أصر يسافر لوحده هو ومراته بحجة إنه عايز يريح أعصابه. وبعدين سايب لي مسئولية الشركة، هسيبها إزاي؟ وحتى الشغل كله معطله وموقفه وهيوقع الشركة بغباءه ونشوفية دماغه الحيوان ده."
فريال:
"اتصرف يايحيى، سافر. وأدي فلوس للجنايني وخليه يتصرف ويحط التركيبة في الأكل. حتى لو هتاكل منها عايدة معاه، خلينا نخلص من الاثنين سوا."
قاطعتهم مديحة التي خرجت من غرفتها تتقدم نحوهم بخطوات بطيئة:
"مفيش داعي. يحيى جاي بعد يومين هو ومراته. أنا لسه مكلمة عايدة وهي قالت لي الكلام ده."
نظر إليها يحيى وهي تهندم ملابسها استعداداً للخروج وسألها:
"وإنتي متشيكة كده ورايحة على فين؟ وبعدين خروجاتك كثرت ليه اليومين دول؟ بتروحي فين؟"
أجابته مديحة بثبات:
"هكون بروح فين يعني؟ بروح النادي أو عند وحدة من صاحباتي."
يحيى:
"طيب خفي خروج شوية ومتنسيش إنك مطلقة والمطلقة ملهاش خروج من البيت لوحدها. أو ملهاش خروج من الأساس."
مديحة:
"ياسلاام. ودا في شرع مين دا إن شاء الله؟"
يحيى:
"دا في شرع العادات والتقاليد والمجتمع اللي عايشين فيه ولازم نمشي على تقاليده."
أجابته مديحة وهي تغادر جواره:
"حاضر، نبقى نمشي. بس بعد إذنك، أنا متأخرة دلوقتي."
أخذ ينظر إليها بغضب وهي تغادر. وانتبه على صوت عايدة زوجته وهي تحادثه:
"مديحة وضعها بقى مريب يايحيى وأمرها مش خالي. دور وراها عشان شكلها مخبية حاجة. أنا لولا تعبي كنت أنا اللي دورت ودعبست، بس للأسف الزفت الحمل دا كتفتني وشل حركتي."
يحيى:
"صحيح، الدكتور قالك إيه النهارده؟"
"لسه دلوقتي. بس فاكر تسأل؟ قالي ياسيدي إنّي بدأت في الشهر الرابع وإن نبض الجنين تمام وحالة قلبي مستقرة لحد دلوقتي وربنا يستر فاللي جاي. قالي أهم حاجة ابعد عن التوتر والعصبية، وطبعاً دا شيء مستحيل في الفترة دي. فقولت له حاضر وخلاص."
يحيى:
"خلاص، متفكريش في أي حاجة اليومين دول واهتمي بصحتك ونفسك وسيبي كل حاجة لغاية ما تقومي بالسلامة. اهو محمود قاعد وإحنا موجودين، واللي ميتمش النهارده يتم بكرة."
زفرت فريال وتمتمت بغيظ:
"اهو أنا مكنتش متعصبة قبل كلامك ده. روح يايحيى من قدامي، روح البس هدومك وشوف أختك بتروح فين وبتعمل إيه. إحنا مش حمل مفاجآت وكوارث. إحنا مش فاضيين نحل مشاكل."
انصاع يحيى لأمرها وذهب إلى الغرفة كي يرتدي ملابسه، ويرى شقيقته ماذا وراءها هي الأخرى وماذا تخفي بجعبتها.
***
عند مديحة.
اقتربت منه وهي تتغنج في مشيتها وصعدت على السرير بجانبه وهمست له بدلال:
"وحشتني ياشوشو أوييي."
ليرد عليها هو بغضب:
"لو كنت وحشتك بصحيح كنتي سألتِ وجيتي. لو باجي على بالك ياست هانم وبتشتاقي لي كان شوقك جابك ومتحملتيش تغيبي عني ٤ أيام بحالهم، وحتى تليفونك أغلب الوقت مقفول. لكن مين أنا عشان مديحة هانم تشتاق لي وتهتم بيا؟ أنا حتتة واحد فقير ابن ساعي شركة أخوكي؟"
"إنت حبيبي وجوزي واحلى حاجة فدنيتي." همست بها.
وإقتربت منه أكثر لتحاول السيطرة عليه بقربها الذي تعلم جيداً أنه يضعف مقاومته كلياً، ويهدم كل حصونه، ويطرد الغضب من داخله على الفور.
وبالفعل أتى القرب بثماره، فنظر إليها شريف بنظرة شوق وإشتهاء وبدأ في استغلال اللحظات القليلة الثمينة التي يراها فيها قبل أن ينتهي الوقت وتغادر وتتركه.
وحينها سيأكله الندم كعادته إن لم يستغل الفرص التي باتت قليلة وشحيحة ويجب اغتنامها لأقصى درجة.
***
أما في العزبة.
عايدة:
"هاه يامحمود، لسه النتيجة مظهرتش؟ المعمل مردش عليك؟ مش المفروض النهاردة هتظهر النتيجة ويبعتوهالك بالفاكس؟ ليه موصلتش لحد دلوقتي؟"
نظر إليها طويلاً ثم ترقرقت عيناه بالدمع وهو يخرج من جيبه مظروفاً مدها لها وهو يهمس:
"لا ردوا. وللأسف شكوكك طلعت حقيقة ياعايدة. العينة أظهرت إن دمي فيه نوع سموم غريب بيشتغل على الأعضاء الداخلية للجسم يضعفها، ويضعف الدورة الدموية، ويسد الأوردة والشرايين، ويسبب جلطات بسيطة متتالية، وبعدها جلطات كبيرة، وفي النهاية الوفاة. بس دي على المدى البعيد. معهد البحوث الأمريكي قال إن دي وسيلة قتل بالبطيء."
شهقت عايدة وهي تضرب على صدرها وسألته بفزع:
"يا خبر أسود ومهبب! بيسمموك يامحمود؟"
أجابها محمود بأسف:
"أيوه ياعايدة. تخيلي إخواتي بيسمموني. هاه، لسه برضو عايزة ترجعي آدم وسطهم ومقتنعة إننا ممكن نحرسه؟ تفتكري هنقدر نحرسه وإحنا مش قادرين نحرس نفسنا؟"
عايدة:
"لا لا خلاص. خلى ابني بعيد. خليه عايش. بس قول لي دلوقتي اللي في جسمك ده له علاج ولا ملوش؟"
محمود:
"في المعهد بيحللوا المكونات عشان يصنعوا له ترياق يبطل مفعوله، بس دا هيتكلف ثروة ياعايدة."
عايدة:
"يتكلف زي ما يتكلف. إن شاء الله ندفع فيه كل اللي حيلتنا. أصلاً ياريت كل الفلوس اللي عندنا دي تغور في داهية لأنها هي سبب كل مشاكلنا. ماتيجي ندي لإخواتك كل حاجة يامحمود ونرتاح. بص أنا هاتنازل لأخوك عن الشركة والقصر والعزبة والفلوس وخليهم يبعدوا عننا. أنا عايزة أعيش معاك ومع ابني بسلام، مش عايزة نعيش في خوف ورعب بسبب الفلوس. أنا كرهت الفلوس خلاص."
محمود:
"لا محدش هياخد مليم أحمر من الفلوس. دي فلوس ابني. حقه اللي هييجي يطالب بيه ويسألنا عليه. محدش هياخد حاجة من حقه. وبعدين إنتي فاكرة إنك لو اديتهم الفلوس هيسيبونا في حالنا؟ دول مش بعيد يقتلونا قتل جماعي عشان متبقاش فيه حاجة تفكرهم بأفعالهم الدنيئة، ويضمنوا إن محدش في يوم من الأيام يقول لهم إنه له عندهم حاجة. اسكتي ياعايدة، إنتي متعرفيهمش. أنا عارف إخواتي وعارف تفكيرهم."
صمتت عايدة وأغمضت عيناها وهي تحاول استيعاب كل ما يحدث معها بسبب لعنة الأموال التي عجزت عن إيجاد أي حل لها أو التخلص منها، وتمنت الفقر من قلبها، أو أن يهدي الله إخوة محمود ويكفيها وعائلتها شرورهم.
***
في البادية.
عوالي:
"مكاسب.. يامكاسب."
أتت إليها مكاسب مسرعة، فدعتها للجلوس بجوارها، وقامت بنزع الرباط عن عينها ونظرت فيها وسألتها:
"فتحي خلني أشوف لوين واصل الضرر بعوينتك."
حاولت مكاسب فتح عينها ولكنها أغلقتها سريعاً وتألمت، فقالت لها عوالي:
"زين، مادام الضوء أذاها معناها مازال بيها خير. ميلي خليني أنقط لكِ فيها بمي زمزم يغسلها وبعدها أنقط لكِ من محلول الشبه الزفرة والجنزارة، وإن شاء الله بتطيب سريع."
مكاسب بفزع:
"لا ياشيخة بربك لا تحطي لي شبه. ماراح أتحملها. إذا أنا وعيني ما مابيها شيء ما أتحملها، شلون إذا العين مجروحة؟"
عوالي:
"ميلي يامكاسب وكفي عن الهوسة. ميلي."
انصاعت مكاسب لأمر الشيخة عوالي وتلقت في عينها المجروحة قطرات شعرت بأنها قطرات من حميم، فصرخت بكل قوتها متألمة، فالأمر يشبه كي العين بسيخ محمى.
***
في خيمة الشيخ منصور.
قصير:
"يا شيخ، ودي أرد يميني عن مكاسب وأرجع بكلمتي وخايف على هيبتي قدام أهل البادية ويقولون قصير ماله كلمة."
منصور:
"ارجع بكلمتك ورد يمينك وخلي يقولوا اللي يقولوه. كلام الناس أهون من غضب ربك. والهجران يغضب الله ياقصير."
"ردها ورد سدينة بعد."
قصير:
"لا، سدينة تبقى عند أبوها شوي. لسه دراعها مكسور ومريضة. خليها لمن تسترد عافيتها زين. مكاسب زينة وصحتها مليحة."
منصور:
"خلص اخرج قول للكل إني أمرتك تعاود لمكاسب. وسدينة تعاود لك بعد ما تطيب وقول إن كلام الشيخ ماينرد. جيبها فيا وتعلم بعدها ماتتعجل."
قصير بفرحة:
"حاضر ياشيخي. وعد أول وآخر مرة. وبعدين عمتي عوالي أدبتهم وما قصرت فيهم."
خرج من خيمة الشيخ متوجهاً لخيمة مكاسب. وفي طريقه أخبر الجميع بحكم الشيخ منصور.
وفور دخوله لخيمة مكاسب، نظر إليها وقال:
"أبشري، الليلة المبيت بخيمتك يامكاسب. خلي الصبايا يبيتون بخيمتي الثانية اليوم."
نظرت إليه مكاسب ولم تبدِ أي ردة فعل لدقائق، ولكنها ردت عليه بعد برهة:
"لا، البنيات ماينفع يبيتون بخيمتك الثانية. الحنشان فيها والبنت الصغيرة ما انحوت. وإذا قرصها حنش بتموت في الحال. خليهم هون وأنا بروح أبيت معك بالخيمة الثانية."
رواية عقاب ابن الباديه الفصل الثامن 8 - بقلم ريناد يوسف
بعد ان سمعت سدينه ماسمعت من زوجها وضرتها وتأكدت انهم في خيمتها وعلى فراشها،
خلعت نعليها ووضعتهما تحت ابطها وأخذت تجري كالمجذوبة.
دخلت خيمة الشيخة عوالي دون استئذان، وبنبرة غاضبة ممزوجة بعبراتها صرخت عليها:
- عمتااااااااااي ياعمتااااااي قومي شوفي ايش سوى في صقر الصحاري ومرتة خساااير قوووومي.
انتفضت عوالي وهي تلتفت حولها عن صاحبة الصوت، وما أن وقعت عينها على سدينه،
وضعت يدها على قلبها الذي كاد أن ينفجر من الرعب وهمست:
- الله لا يربحك، الله يقلبك أكثر ما أنتِ مقلوبة، فجعتيني يفجع درازك يا وطواط الليل..
يبعت لك حية بقرنين تلوشك ونفتك منك.
مايزة جيبي لي مي ريقي جف وتشقق الله يشق هالسايبة نصفين.
قامت مايزة التي استيقظت فزعة على صوت سدينه هي الأخرى، وأحضرت الماء لعوالي بعد أن شربت هي أولاً.
وبعد أن شربت عوالي وهدأت، وسدينه كل هذا تبكي بصوتها العالي، صرخت بها:
- أنطمري وقولي ايش جابك تو؟ ووين كنتي ياسايبة في هالليل؟
ارتعبت سدينة وتلعثمت في الكلام وهي تحاول إيجاد سبب قوي لخروجها في مثل هذا الوقت:
- كنت شور خيمتي..
وانفجرت في البكاء أكثر.
عوالي:
- عليك ليلة سوداء يانا يا مصايبي ونوايبي..
يابنيتي هدي وقولي، حتى ماينفذ صبري ونقطع راسك اللي تقول راس ثور.
سدينه مسحت دموعها وأكملت:
- وين قربت من خيمتي سمعت صوت قصير وخساير في خيمتي وعلى فراشي وهنن..
يبوووو انريد حقاااااي ياشيخة، انحس بجمرة في تصهد في صدري وما راح تنطفي غير بعد اتجيبي لي حقي، بردي نار قلبي ياعميمتي، أنتِ عاقبتيني عقاب واعر وأنا تقبلته لأني غالطة، وتو وريني كيف تعاقبيهم.
الشيخة عوالي:
- ياعيبتك الكبيرة يابنت خوي الله ياخذك، والله مانك صغيرة يالمعتوهة.
حصلت بيك تتسمعي على راجل ومرته؟
حتى لو كان راجلك، وحتى لو كان مع غير حليلته..
ماتعرفي إنه عيب وقلة حيا؟ وين تربيتي انت؟ بين الكلاب ولا بين الركاب؟ فهميني؟
كنك مو من أهل البدو وتعرفي عاداتنا وتقاليدنا وما تعرفي ايش خطاكِ من صوابك، فقدتي عقلك عالاخير.
سدينة:
- لا والله ماني قاصدة ياعمتي.
أنا كنت ماشية شور خيمتي ناخد باقي ملابسي، وقبل نطلع من خيمة بوي خديت الإذن، ونا عارفة أن قصير اليوم بايت عند مكاسب في خيمتها وخيمتي فاضية مافيها والي.
وأكملت ببكاء:
- وياريتني مامشيت ياريت اقدامي تكسرن واذاني انصمن ولا مريت بهالوجيعة.
عوالي:
- طيب روقي حالك وسلمي الأمر لله واتركيها علي وروحي ارقدي وغدوه لها حل.
سدينه:
- من وين يجي الرواااق من وين وييين.
عوالي بغضب:
- قلت لك انقلعي على خيمة أبوك وغدوه بحل كل شيء، غوري من وجهي الله ياخذك ماناقصني هبالك بنصاص الليالي..
تنقلعين ولا أقوم أقلع عيونك من محاجرهم؟
غادرت سدينه الخيمة وهي تزمجر بغضب، وعادت إلى خيمة أبوها وأمها، وبمجرد دخولها صرخت بصوتها العالي جعلت أباها وأمها وأخواتها، الجميع استيقظ وهو فزع.
وحين رأتهم ينظرون إليها رمت نعليها على الأرض وصرخت بهم:
- قوموا ما حد راح ينام الليلة، الليلة كله يجلس أعلى حيله أحداد على روح كرامتي اللي دهستها خساير بنت مهدي أم عين واحدة.. قومن الطمن معي أعلى حالي..
خساير وقصير بايتين بخيمتي ونايمين بفرشتي.. قومن ولولوا معي وقولوا واااا.
انهرها أبوها عمران قائلاً:
- واااك عليكِ وعلى أمك بساعة واحدة.. تعرفين.. من غدوه راح أعمل لك خيمة لحالك بعيد عني، تاخذي أمك وتبيتي فيها.. ولا أقولك.. راح أعمل خيمة وأتزوج فيها وأترك لكم الخيمة وأرتاح من أهبالك وأهبال أمك.
صرخت زوجة عمران بعد أن سمعت كلماته:
- ويش عملت أنا ويش ذنبي، حيّيه عليك يا غنيمة وعلى حظك الطايح..
والله إذا عملها أبوكِ وتزوج لأربطك بحجر ياسدينه وأرميكي بالبير القديم بجوف الليل واللي يسألني عنك أقول ماريتها.
أما في خيمة الشيخة عوالي بعد أن غادرت سدينه..
مايزة:
- الله يكون بعونك ياشيختنا، بس أنا أقول إن سدينه كانت رايحة تتسمع على راجلها وضرتها ما كانت رايحة تاخذ ملابسها؛ ليش ما عندها ملابس في خيمة أبوها ولا مو قادرة تصبر للصبح؟
الشيخة عوالي:
- بعرفها كذابة وكانت رايحة تتسمع ومو قصة ملابس أنا مو هبلة يامايزة، بس البنت ما زالت صغيرة ومطيورة والغيرة طيحت حظها.. بس كمان اللي سوته الكبيرة وزوجها أبو ربع عقل واعر يامايزة واعر.
في الصباح وبعد أن تأكدت الشيخة عوالي من أن كل فرد في القبيلة قام باشغاله وعاد إلى خيمته،
أرسلت مايزة لكي تحضر لها مكاسب وترسل أحد الصبية لقصير يحضره لها قبل أن يهيم في الصحراء مع الأطفال وهي تعلم أنه لن يعود إلا في نهاية اليوم.
جاء الاثنين إلى خيمتها، وبمجرد أن التقيا أمام الخيمة ازدرد كل منهما لعابه، وخاصة مكاسب التي تعلم مدى جرم فعلتها وأن عمتها عوالي إن اكتشفتها لن تمررها مرور الكرام.
ودخل الاثنين لا يعلمان السبب الحقيقي وراء الاستدعاء، ولكن الخوف حليفهم.
قصير:
- يسعد صباحك ياعمتي.
عوالي:
- الله لا صبحك ولا ربحك أنت وصباياك قليتوا راحتي وكدرتم تفكيري.
تقدر تقول لي ليش سويت اللي سويته أمس، ماتعرف أنها عيبة كبيرة في حقك وفي حق بنت عمك؟
كيف تاخذ مرتك الأولى وتختلي بها في خيمة الثانية وترقد في فرشتها وتشوف ملابسها وتتعدى على كل شيء يخصها.. والله ما صارت من قبل!
لكن أنت نستعوض الله فيك الصبي كلن عقلك وتمكنن، وتميت كالجيعان اللي وين يلمح الأكل يطيح فيه حتى لو كان مسمم.. ونسيت الأصول وما عاد عندك فهم.
قصير وهو منكث الرأس:
- صح لسانك ياشيخة أنا مو عارف ليش هكي سويت وكيف عدت على عقلي.
عوالي:
- عارف ليش.. لأنك بعد تشوف الحرمة يصير عقلك في سروالك مو براسك ياسيد الرجال.
ولجل الحقوق تعاود لأصحابها أنا حكمت أرد سدينة لخيمتك وهن الزوز يقعدن بخيمة وحدة.. اللي هي خيمة مكاسب مع البنات.
وبعد يتم شفاء سدينه تختلي بها في خيمة مكاسب وأعلى فراشها.
ردت مكاسب معترضة:
- لا ياعمتي..
عوالي:
- عما يعميكِ صكري فمك ولا حرف يا كبيرة يا اللي ماتعرفي العيبة، ليش ماراضية بها لأنها واعرة وتوجع مو؟ اللي يوجع ينوجع يالكيادة.
هذا حكمي وما نسمعش من حد أي اعتراض.
ومن اليوم تباشري أنتِ وياها ملي المي من البير.
قصير:
- بس سدينه ما طاب دراعها ياشيخة؟!
عوالي:
- تملا بذراع واحد، كل ما زاد الوجع زاد الخوف من الرجوع للأغلاط.. والحين خذ مرتك واغربوا عن وجهي الله لا وفقكم.
غادرت مكاسب وهي تشعر بنيران تأججت في قلبها، فكيف لسدينه أن تنام في خيمتها وفي فراشها، ظنت أنها قد كسرت أنفها بفعلتها هذه ولم تضع في حسبانها قصاص عوالي منها وانقلاب السحر على الساحر.
أما قصير فذهب لخيمة سدينه وأخبرها من الخارج أن تذهب للشيخة عوالي لتخبرها بما تريد منها، وتركها وذهب قبل أن تخرج له، فهو يعلم أن سيل من نواح وعويل في انتظاره منها وهو لا ينقصه هذا.
ذهبت سدينه للشيخة عوالي وأخبرتها بحكمها، وبرغم اعتراض سدينه على جزء من الحكم إلا أن باقي الحكم قد أثلج صدرها.. وغادرت الخيمة في اتجاه البئر تملأ الماء وهي لا تدري كيف ستسحب الماء وترفعه بيد واحدة؟!
وعند البئر اجتمعت مع سدينه، وتبادلا النظرات النارية دون أي كلام.
ومكاسب كانت الأولى في سحب الماء وحملته وهمت بالمغادرة، ولكنها توقفت حين رأت محاولات سدينه الكثيرة المضنية في سحب الماء من البئر، فحدثت نفسها:
- ايش بيك يا مكاسب هاذي بنت عمك ومكسورة..
رق قلبها وعادت لتعينها، فأنزلت دلوها، وسحبت الماء لسدينه ورفعت لها الدلو فوق رأسها وحملت خاصتها وغادرت سدينه دون أن تتفوه بكلمة شكر لمكاسب نظير مساعدتها.
مايزة:
- يا حليله ياشيخة شوفي كيف الضراير صيرات يساعدن بعضهن، والله مكاسب قلبها خضر رجيج وحنونه.
عوالي:
- وسدينه بعد.. لكن صغر سنها وطيشها وغيرتها متحكمين بأفعالها، بس راح ياخدن على بعضهن ويسلمن بأنهن لازم يصيروا خوات، ما في مفر من أخوتهن. ما في بكل البادية ضراير صارت بينهم مجاتل وعرايك غير بالبدايه،
وبعدها بتخمد النيران وتبرد القلوب وتبرا الجروح.. بس أنتِ خلي لي عينك عليهن واللي تبدأ بالغلط قولي لي عليها وأنا أقُص لسانها.
والحين قومي اجمعي لي كل الصبايا قول لهم الشيخة نازلة الحضر واللي ودها شيء تجي تقوله، واللي تنسى شيء ماتلوم غير روحها لأن النزلة الجاية بعد شهرين.
مايزة:
- بالله عليكِ ياشيخة تجيبي لي شالين وملابس داخلية ملابسي ذابن والبرد عم ينخر عظامي نخر.
عوالي:
- أبشري.. أنتِ جاية معي وكل اللي تريدينه جيبيه.
وبعد أن جمعت مايزة طلبات جميع نساء البادية وأخبرت بها الشيخة..
عوالي:
- يارب ما تكوني نسيت حد يامايزة.
مايزة:
- لا ياشيخة ما غفلت عن فرد بالقبيلة إلا وأخذت طلباته..
وصمتت قليلاً تفكر ثم قالت:
- أنقولك ياشيخة.. هالوليد الضيف مو واجب نسأله، بلكي خاطره في شيء؟
الحريم كل وحدة طلبت حاجيات عيالها لكن هو قليبي أمه غايبة عنه.
عوالي:
- الباين فيك خرفتي.. ضيف الشيخ منصور ما ينهمل ولا يحتاج شيء في حضرة الشيخ واكيد طلباته مجابة قبل ما يفكر فيها..
لكن من ياللي ضروري أنه يحس أن هنا فيه حِن كيف ما في قسوة.
ابعتي جيبيه لي.
خرجت مايزة تبحث عن الصغير، فرأت سالم يحمل صحن به لبن رايب ورغيفين من الخبز.
فسألته عن آدم فأخبرها بأنه يجلس بجوار الشواهي وأنه ذاهب ليأكل معه، فقالت له:
- بعد ما تأكلون أحضره وتعال لخيمة الشيخة عوالي.
فرح سالم فهو يحب جدته عوالي كثيراً.
فذهب وتنادل الطعام مع آدم وبعدها أحضره لخيمة الجدة عوالي.
وما أن رأته حتى حن قلبها له وكأنه من دمها!
فتقدم سالم وقبل يدها ورأسها وهي قبلت رأسه، وسألته عن حاله وأخبرته ماذا يريد من الحضر، فقال لها أنه يجمع النقود ليشتري حصاناً خاصاً به.
وأقبلت على آدم:
- كيف حالك يا وليدي تعال سلم علي..
أقبل آدم وهو متردد ولكن سالم حثه على أن يقبل يدها ورأسها.
ولكن الشيخة عوالي احتضنته وقالت له:
- اطمئن يا وليدي مانك لحالك هنا، ووين ما تكون دير أهل وإخوان.. والخير معاك خليك خير منه والطيب معاك خليك أطيب منه،
واللي يقسى عليك اعفس عليه بأقدامك.. الحن بالحن والقسوة بالقسوة.. وأنا هيني متل أمك فيك تخبرني اللي تخشى تخبر به أي حدا ولا تخاف سرك ببير وما حدا بيعرفه واللي تاتمني عليه يندفن جوات صدري لحين أندفن به تحت الأرض.
نظر لها آدم وأومأ برأسه أنه فهم.
وبعدها سألته:
- تريد شيء من الحضر؟
فأجاب برأسه لا، فانهت حديثها معهم وأعطتهم حلوى من التي تخبئها دائماً لتكافئ بها الأطفال المطيعين، ففرحا بها وذهبا، وأخذ سالم يريها لسائر الأولاد وهو متباهي، فهذه الحلوى في نظر الجميع كالنيشان الذي يأخذه الأبطال ولا يتحصل عليها أي كان.
مر شهر على هذا الحال، سدينه ومكاسب بخيمة واحدة، وآدم من تدريب لتدريب حتى شعر قصير بأنه ما عاد يحتاج شيئاً آخر، وأنه الآن أصبح جاهزاً لمواجهة أي أذى والتغلب عليه.. ولكن يبقى الجانب الآخر لثقله، والذي أجله قصير لبعد أن يعلمه فنون البقاء، وحان الآن وقت تفتيح عقله لحياة الحضر وتجهيزه لإدارة شركته، وهذا له خطة أخرى قد حان وقتها.
أما سدينه فقد طابت كلياً، ومن إقامتها مع سدينه في خيمتها بدأت نار الغيرة تهدأ قليلاً بالتعود، ولكنها تتأجج قليلاً حين يختلي قصير بمكاسب ويطلب منها المغادرة.
واليوم هو يومها الذي طال انتظاره.. اليوم هو يومها مع قصير.. في خيمة مكاسب وعلى فراشها.. اليوم هو يوم استرجاع الحقوق.
فتزينت واستعدت وأخبرت قصير الذي طلب من مكاسب وبناتها إخلاء الخيمة، وظنت سدينه أنه يوم حظها، ولكن فرحتها لم تكتمل وهي تستمع في الصباح لمكاسب وهي تزف إليها وإلى قصير خبراً أفسدت به فرحة سدينه ونشوة الانتصار نهائياً.
أما في القصر..
الجميع واقفون في استقبال محمود وزوجته فريال.
وفور أن رأوه يدخل من باب القصر وقد تحسن حاله وتورد وجهه قليلاً حتى هوت قلوبهم، فها هو يعيدهم لنقطة الصفر.
فنظرت فريال ليحيى بغضب ولوم، وهو نكس رأسه أرضاً فليس بيده حيلة على الأمر.
سلم محمود عليهم وسلموا عليه، وتركهم وذهب لغرفته سريعاً بحجة أنه يود أن يستريح من عناء السفر، ولكنه في الواقع لا يحتمل رؤيتهم أمامه ولا يقوى على تمثيل الغباء أمامهم أكثر من ذلك.
وكم ود لو يطردهم خارج القصر وخارج حياته شر طردة، ولكنه يعلم جيداً أن فعل كهذا قد يكلفه حياته أو حياة زوجته في لمح البصر، ويحرمه من المحاولات المستترة التي تعطي فرصاً للنجاة.
أما الهجوم الصريح فلا نجاة منه.
عايدة:
- هاه يامحمود هنعمل إيه دلوقتي أنا خايفة أوووي.. أنا صحيح ناوية أعمل كل احتياطاتي وناخد كامل حذرنا، بس القاصد غالب زي ما بيقولوا.
محمود:
- ربك هو الحارس ياعايدة.. ارمي تكالك على الله وهو خير حافظ.
صمتت عايدة قليلاً ثم نظرت إليه وأردفت بقلة حيلة:
- تعرف يامحمود أنا شايفاك إزاي دلوقتي.. أنا شايفاك راس فجلة فعلاً زي ما كان عمي الله يرحمه مسميك.
قهقه محمود ونظر إليها وأمسك يديها وسألها:
- وياترى تقصدي المعنى اللي كان يقصده أبويا ولا المعنى اللي الناس كلها فاكراه؟
تنقلت بعينيها على جميع ملامحه وهمست له:
- الاثنين.. أقصد أنك طيب وبراك زي جواك أبيض زي ما كان يقصد والدك، ودا بجانب أن فيك حتة سذاجة وغباء زي ما الناس فاكرة.
أردف محمود ضاحكاً:
- يعني أنا الأبيض الغبي.. طب والله لقب حلو وعجبني.
لترد عليه عايدة ساخرة:
- ماشي يا فجلة.. هقوم أنا أحضر لك حاجة تأكلها..
قالتها وتوجهت للحقيبة التي أحضرتها معها من العزبة وبدأت في إخراج بعض المكونات، فسألها محمود بغرابة:
- إيه دا ياعايدة؟
فأجابته وهي تحمل كل شيء بين ذراعيها:
- دا الأكل اللي هتاكل منه، منا مش هستخدم مكونات من اللي في البيت واللي ما ضمنش حاطين فيها إيه، أنا من النهارده الخضار عالحلة على بوقك وبوقي والباقي يترمى ومش هغفل عن الحاجة ثانية واحدة.. بصراحة هيكون موضوع مرهق وصعب بس مفيش قدامي حل غير كده، وخصوصاً أنك عامل بيتنا وكر للتعابين ومش راضي تتخلص منهم، وبرضه مش فاهمه وجهة نظرك في كده ولا مقتنعة بها.
أنهت حديثها دفعة واحدة وتركته وذهبت لإعداد الطعام له، أما هو فهتف لنفسه بعد مغادرتها:
- مش هتفهمي ولا عمرك هتفهمي غرضي ياعايدة.. أنا بس اللي فاهم وعارف بعمل إيه.
دلفت عايدة إلى المطبخ وبدأت في تجهيز الطعام، ولحقتها فريال وبدأت في الحوم حولها لإيجاد الفرصة كي تضع التركيبة في طعام محمود، ولكن عايدة كانت مثل النمرة التي تحرس صغيرها، لم تعطها الفرصة أبداً.
وحينما شعرت فريال بتنبه عايدة الزائد سألتها بخبث:
- أمال إيه الحكاية ياعايدة جايبة أكلك معاكي هي الفيلا مفهاش أكل ولا إيه؟
فأجابتها عايدة وهي تقلب في الطعام وتنقل في باقي المكونات أمامها:
- لا مش كده بس الدكاترة اللي شافوا محمود في البلد قالوا إنه عنده بكتيريا في معدته من الأكل الملوث والمليان كيماويات وعشان يتخلص منها لازم يأكل أكل صحي بمكونات عضوية وطبيعية مش مغشوشة، وعشان كده جبت كل حاجة من البلد وأنا متأكدة من اللي جبتها منهم إنها خالية من أي سموم.. وكمان جبت له عسل طبيعي وسمن بلدي وكل حاجة من حاجة البلد.. وعملت حسابكم أنتوا كمان وحاجتكم في العربية.
تبسمت فريال وهي تشعر بالإنهزام، وأدركت أنه ليس السبب الحقيقي وراء تصرفات عايدة، فبالطبع عرفت شيئاً أو شكت في شيء، فغادرت المطبخ وهي تهتف لنفسها:
- حسناً إن لم يكن في الطعام فهناك ألف طريقة، المهم أنه أصبح بجانبي وأنا لن يغلب لي فكر في إيجاد طريقة أخرى.
أما في غرفة مديحة، فكانت تتحدث عبر الهاتف وفجأة فتح باب الغرفة ودخلت عليها فريال وتقدمت منها وهي تنظر لها بتفحص.
وحين اقتربت منها أغلقت مديحة الهاتف وسألتها:
- فريال! عايزة حاجة؟
- سلامتك.. كنتي بتتكلمي مع مين؟
- واحدة صاحبتي ليه.
- وليه قفلتي أول ما شفتيني؟
- عادي يعني خلصنا كلام وكنت هقفل على أي حال.
اقتربت منها فريال أكثر وجلست بجانبها وسألتها وهي تطالعها:
- مديحة لو فيه عندك سر مخبياه عني افتكري أني صاحبتك قبل ما أكون مرات أخوكي، وسرك هيكون في بير.. احكي لي لو فيه أي حاجة ولو محتاجة نصيحة أنا خير من ينصحك وأنتِ عارفة أكيد أنا بحبك قد إيه.
تبسمت مديحة وهي تدرك محاولة زوجة أخيها في استجوابها ومعرفة ما تخفي، ولم تنطلي عليها حيلتها، فالثعابين لا تلدغ من بعضها.
وجاوبتها بنبرة هادئة:
- أكيد ياحبيبتي لو فيه حاجة أنتِ أول واحدة هتعرفيها، بس يعني هيكون فيه إيه وأنتِ عارفة أني رافضة فكرة الجواز والأرتباط نهائي وعارفة أسبابي، أنا قررت أعيش لنفسي وأستمتع بالحياة وملذاتها والجواز والرجال طلعتهم من حساباتي خالص.. ومش كل المتعة أساسها راجل.. أني أفسح أني البس أني أسافر أقضي الوقت مع صديقاتي دي كلها متع تغني عن الحب والجواز والكلام الفارغ ده.. فاطمئني ياحبيبتي مفيش حاجة.
أخذت فريال نفساً طويلاً وزفرته، فها هي محاولتها مع مديحة تفشل هي الأخرى، وكأنه يوم الفشل، وكان الجميع ازداد وعيه ومكره، وكأنهم باتوا يقرأون أفكارها.
ولم تعد تعلم ما سبب كل هذا الخبث الذي أصبح يحيطها، والذي سيتطلب منها جهداً أكبر في التفكير والتخطيط وهي في حال لا يسمح لها ببذل المزيد من الجهود.
فحملها وتعب قلبها كفيلين بأن تترك كل شيء وتنتبه لصحتها، ولكن للأسف ليس هناك من يستلم منها زمام الأمور إن تركتها، وسينهار كل شيء إن تراخت قبضتها في هذا الوقت.
أما في البادية.. بعد صلاة العشاء
ابتعد الشيخ منصور عن الرجال وبحث بعينيه عن قصير حتى وجده وأشار له بيده وهو يقول له:
- يا قصير.. أقبل.. بروحك.
تقدم منه قصير فأخذه الشيخ تحت جناحه وتمشى به بعيداً عن الجميع وهمس بعد أن تلفت حوله ولم يجد أحد في الجوار:
- الليلة جاية الحموله، تاخذ سواعدك من رجال البادية وتروح للممر وتطلعون السلاح من الخندق تحت ستار الليل، ودير بالك الحموله كبيرة.
تأفف قصير ورد عليه معترضاً:
- والله ياشيخ إحنا نتعب رجالتنا بدون فايدة، وأصلاً المكسب اللي ناخده منهم قليل وما يجازي التعب، نحن حفرنا الخندق لجل نكسبوا من السلاح مو لاجل نفتحوا خندق سبيل لعبور السلاح للحكومة!
رد عليه منصور بغضب:
- صكر فمك.. ومن متى ونحن نرجو مكاسب من حكومة بلادنا ياعويل.. الله يخزيك أعلى هاد الكلام يا قصير الكلب..
ولو على المكسب القليل أنا لو تحتم الأمر راح أجيب السلاح على حسابي وأعطيه لهم ليدافعوا به عن أرضنا وعرضنا وصحارينا، ولاجل ننام قريرين العين ما عيالين هم.
حذاري تجادلني بخصوص السلاح اللي يروح للحكومة مرة ثانية أنت أو أي واحد من رجال القبيلة.. والله ياقصير خيبت أملي فيك.
قصير:
- يا شيخ هي كلمة ما كفرت لاجل كل هالحكي!
منصور:
- وتستهون بالكلمة ياقصير؟ نحن الرجال عايشين بالكلمة وحياتنا كلها كلمة،
لسانك حصانك صونه لاجل تصون عرضك وبلدك وشرفك وكرامتك.. والحين روح أعطي خبر للرجال خليهم يستعدون ولا تنسى كل شيء يتم دون علم حدا غيركم.
تطلعون السلاح وتستلمونه من الموردين وتعاطوهم القروش وتسكرون الخندق متل ما كان، وتغطون الحموله وتجلسون جوارها والصبح بيجو العسكر يستلموهن..
لا تطالبونهم بقروش.. قروشي بأخذهم من الكبير.. واللي عند الكبير ما يضيع ولا ينطالب عليه.. وإذا ما أخذناه قروش ناخده خدمات، ويكفينا أن سياراتنا ما تنوقف بأي مكان، وبس يقولون هي ملك الشيخ منصور بتمر السيارة ولو محملة أجساد ميتة.
قصير:
- تأمر ياشيخ.. الحين بروح أخبر الرجال بالموعد ونستعد.. بالله لا تزعل مني ياشيخ واصفح عني السماح منك.
منصور:
- القصة ما قصة زعل بس نحنا والحكومة ظهر بظهر لو حدا منا اتلفت ينصاب بضهره.
اعقل كلامي زين وما تخيب ظني فيك مرة ثانية ياقصير وخليك متل عهدي بيك.
قصير:
- أبشر ياشيخ من اليوم ما يكون خاطرك إلا طيب.
ذهب قصير وعاد الشيخ منصور لخيمته واستوى على فراشه وأخذ يفكر في أحوال القبيلة وأهلها ويتدبر كافة أمورهم.
وأيضاً بدأ يعيد النظر في مسألة تولي قصير المشيخة من بعده، فقصير له ذلات، والشيوخ إذا ذلت انتهت وانتهت معها كافة القبيلة.
وفي النهاية استسلم للنوم وقد أجل بعضاً من التفكير والتدبير لوقت لاحق، فلا التفكير سينتهي ولا ليلة واحدة تكفي لحل جميع المشكلات.
أما في ساعات الفجر الأولى، خرجت مكاسب من خيمة سدينه بعد أن استيقظوا بناتها وغادروا الخيمة كل واحدة على أعمالها.
ومعزوزة أخذت أختها رجوة معها وذهبت إلى مكان الماعز، فهي الآن علمتها أن ترضع من ضرع الماعز مباشرة دون أن تحلب لها أو تجلب، وهكذا صار أمر إطعام الصغيرة أسهل.
فكلما بكت جوعاً ذهبت بها للماعز أرضعتها وعادت بها، وفي الليل تجر واحدة من الماعز وتربطها أمام الخيمة، كلما بكت الصغيرة أرضعتها، وفي الصباح يكون حليب الماعز قد نفذ فتعيدها وترضعها من غيرها.
وهكذا أصبحت رجوة تتغذى.
وقفت مكاسب أمام خيمة ونادت بصوت منخفض:
- يا خالة.. خالة جنديه يا خالة.
ردت عليها المقصودة بالنداء وقد كانت القابلة "الداية":
- أي أي جيت بس تكه.
أزاحت ستار الخيمة وحين وجدت مكاسب هي من بالخارج أردفت:
- مكاسب! فكرتك مرة ولادة ما تنتظر للصباح.. ويش فيك جاية قبل لا يفيق الزرزور؟
مكاسب:
- لا تؤاخذيني بس ودي تفحصيني وتتأكدين مني حبلى ولا لا، ومارضيت أجى بعد فيقة الكل بلكي يقولون مكاسب انكلبت من الغيرة وبتموت عالخلفة.. هكي إذا ما طلعت حبلى بعاود ويا عين ما نظرتي شيء.
أدخلتها القابلة وبدأت في فحصها وحين انتهت نظرت إليها وقالت:
- يا مكاسب ودي بشارتي من الحين.. أنتِ حبلى بصبي هالمرة واقطع ذراعي وأقص شعري إذا ما جالك الصبي.
مكاسب بفرحة:
- حتى أنا يا عمتي بقول هيك لأن حبلي هالمرة مختلف ومو متل كل مرة.. أنا ليا كم يوم بستفرغ أول ما أفيق وهاد موش من عوايد حبلي.
القابلة:
- وحتى أنا بعد شفت علامة.
مكاسب:
- ويش هي عليكِ الله.
القابلة:
- هي سر صنعتي يابنت عمران، ولا ودك أعطيكي السر وتنافسي خالتك جنديه وتصيرين قابلة.. أنتِ ما عليكِ أنا بشرتك وودي البشارة وبس.
مكاسب:
- بشارتك محفوظة يا خالة.. راح أبعث لك إياها مع معزوزة، وبس يجي الصبي البشارة الكبيرة وكل شيء حلو الك يا وجه الخير.
وعادت مكاسب من حيث أتت وهي تكاد تحلق من السعادة، فاهو الله يطيب خاطرها ويخبرها بألا تحزن، وها هي الحقوق سترد لأصحابها.
وقفت أمام سدينه التي انتقلت في الصباح الباكر لخيمتها وكانها كانت في سجن وأخيراً تحررت..
نظرت إليها مكاسب ملياً وهي تفكر هل تخبرها بخبر حملها أم تخبئه قليلاً.
سدينة:
- ايش بيك تبحلقي فيا وصامته، مو فرحانة لرجوعي لخيمتي وزوجي؟ بعرف أن الغيرة صعبة واني أصغر وأحلى متل ما قصير يقولي طول الليل، بس والله ماراح أمنعه يجيلك وراح أذكره بنفسي بيومك لا تخافين.
مكاسب ابتسمت وردت عليها بهدوء:
- والله فيك الخير يابنت عمي، وطول عمرك تحبين لي الخير، وعشان هيك قررت تكوني أول من يعلم بخبر حبلي.. أنا حبلى واليوم فرحتي فرحتين.. فرحة بمغادرتك خيمتي وفرحة بحبلي وراح أدعي ربي ليل نهار يطعمني بالصبي اللي يرد لي قصير.. تمتعي به شوي وحطي ببالك راح يعاود الطير لعشه الأول مهما طال بعده والباب يرسى على أعقابه.
ومن اليوم ما في بقلبي أي كره لك إحنا خوات وبنات عم والدم ما يبقى مي، وأنا من قبل سلمت بوجودك وشاركتك رجلي، لكن الجاي عليك أنتِ..
لابد من أن تسلمي بأنك واخدة رجل متزوج وعنده بنات مو لك لحالك.. ومتل ما راح تزرعي معي راح تحصدي مني ياسدينه.. المغزل بيدك واللي راح تغزلينه راح تلبسينه، سواء خير سواء شر.
إحتقنت ملامح سدينه بالغضب وأردفت محاولة دفع جزء من الغضب نحو ضرتها:
- ماتعشمي حالك بالوليد.. راح تجيبين بنية متل ما تجيبين كل مرة.. الصبي راح يكون من سدينه وبس فهمي زين.
قالتها ودخلت لخيمتها بغضب وتركت مكاسب تشعر بعدالة السماء، فها هي سدينه تفر من أمامها غاضبة بعد أن كانت تنتظرها لتشعل النار فيها وتكيد لقلبها المكائد.
أما في القصر..
اجتمع الجميع على طاولة الطعام.. يحيى وفريال وأطفالهما ومديحة ومحمود وعايدة، وكل يأكل من طعامه.
وطوال الوقت كان محمود ينظر لعايدة بتفحص وهو يشعر أنها على غير طبيعتها ولا يعلم ما السبب، فصمت وترك الأمر للوقت ليبين كل شيء.
وبعد ساعة واحدة من تناولهم الطعام انتفض يحيى وأسرع نحو المرحاض يفرغ جميع ما في معدته، فلحقته فريال تسأله بقلق عما أصابه فجأة.
أما محمود فنظر لعايدة ووجدها تبتسم وهي تراقب ما يحدث، حينها شك في شيء فهمس لها متسائلاً:
- عايدة أنتِ عملتي إيه؟
فهمست له بإنتشاء:
- ولا حاجة.. بس خليت طباخ السم يدوقه.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل التاسع 9 - بقلم ريناد يوسف
انت اتجننت يا عايده انت هتعملي زيهم هتبقي مجرمة هتقتلي هتزهقي نفس؟
ردت عليه عايدة بنفس نبرته ونفس اسلوبه وبغضب مستتر وراء ملامحها التي تمثل الثبات:
لو هتسميه جنان يا محمود اعتبرني اتجننت اتجننت لما بحاول ادوق اللي اذاني زعلتي من نفس الكاس اللي بيشربنا منها اتجننت لما بحاول اخذ طار تعبك في الايام اللي فاتت ووجع قلبي عليك وخوفي وقلقي ورعبي احسن تجرالك حاجه واخسرك.
اتجننت لما بحاول ادوق الاخ من اللي بيعمله فأخوه.
انا لو اتجننت زي مابتقول كنت قتلت واحد من عيال يحي وعلى وشك قتل التاني.
انا متجننتش يامحمود وعاقلة جداً.
ولو فيه حاجه غلط ومش منطقية فهو موقفك وسلبيتك وانك مخلي اخواتك فبيتك وجنبك وانت عارف انهم تعابين متربصين بيك وبأولادك وفلوسك.
ومتقوليش عدوي اقرب من صديقي ولو بعدو هيأذوني اكتر والكلام الفارغ ده.
لاني بصراحة مش مقتنعة بيه ولا هقتنع مهما حاولت تقنعني.
يااخي دا كفايه الواحد يتنفس هوا نضيف بعد مايمشوا داانا حاسه اني بتنفس هوا مليان غل وكره منهم.
صمت محمود ولم يجد مايقوله لها، فكل الحق معها وهو نفذت حججه واقاويله، ولكنهم وصية ابيه وأمانتة التي أؤتمن عليها.
لقد طلب منه ابيه وهو على فراش الموت الا يفترق عن إخوته او يتركهم مهما حدث، واخذ منه عهد بذلك.
وعلى الرغم من أن اذيتهم له تنقض جميع العهود.
الا انه لازال يعطيهم الفرص، حتى إذا وقف امام والده يخبره بأنه لم يفرط في امانته بالرغم من انها دمرته، ولازال لديه أمل أن يتغير فكرهم وتتبخر المياه التي إختلطت بدم الاخوة داخلهم وغيرت تركيبه ومواصفاته.
هو يعلم جيداً ان كل هدفهم النقود في الوقت الحالي.
ولكن مايحركهم نحو النقود هو الحقد والغل والغيرة منه ومن علمه ومكانته.
وكل هذا لن يبارح قلوبهم حتى وإن استولوا على جميع مامعه.
فمشكلتهم الاساسية في شخصه لا في أملاكه.
يحيى منذ الصغر وهو يضع نفسه في مقارنة دائمة معه ويقيس حياته عليه.
ومع كل اختلاف وتميز لصالح محمود يزداد الكره والحقد.
كان يعتقد محمود ان عند موت ابيه سينتهي كل شيئ، وأن تفضيله لمحمود هو السبب.
ولكن للاسف ترحل الاشخاص وتعيش الأسباب.
نهضت عايدة من جانبه وتركته وصعدت لغرفتها وأغلقت الباب عليها.
وأخرجت صورة ابنها الراحل وإبنها المنفي ووضعتهم أمامها واخذت تبث لهم الشوق والحنين فى صورة عبرات وتطلب من الله الصبر بمقدار ما فى قلبها من حزن.
أما محمود فأخذ يراقب اخيه وهو يتلوى أمامه من ألم معدته.
ولا يستطبع الانكار بانه رغم عدم رضاه عن تصرف عايده.
الا أن هناك شيئ بداخله يشعره بالراحة ولذة القصاص، حتي وإن كان أخاه.
فهمس له وهو ينهض ليخرج للحديقة ويتركه غارق في ألمه:
دوق يمكن ترحم لما تحس بالألم.
كنت مستني عدالة السماء فيك، بس للأسف عدالة السماء في احيان كتير بتتأخر لحكمة.
ولا لازم نلجأ لعدالة الارض لو مقدرناش نصبر.
ورغم اني مغلط عايده لكنها بردت ناري.
بس برضو مش هخليها تكون مجرمه زيكم ولا انا هكون زيك يايحيي هفضل طول عمري احسن منك وعند حسن ظن والدي بيا وبرضوا هقابله وهقف قدامه وانا احسن منك وهيكون فخور بيا زي ماكان طول عمره.
جلس في الحديقة طويلاً يتأملها ويستعيد ذكرياته فيها.
فهنا جلس يشاكس زوجته وهنا جلس يلاعب ابنه البكري وهنا حمل صغيره آدم وتمشى به في اوقات مرضه وهنا ذكرى وهنا ذكرى.
ولما هاجت عليه الذكريات فر منهم هارباً لاحضان عايده لتصبره عليهم.
طرق الباب وتعجب علي إغلاقها الدائم للباب مؤخراً.
وحين دلف وجلس بجوارها نظر لها معاتباً ولم يتفوه بحرف.
فإقتربت منه واخذته بين احضانها.
فهي تعلم أنه اتى أليها محتمياً لاجئاً ولا يوجد عنده طاقة لتحمل توبيخ أو لوم.
فيكفيه مايعانيه ولتبقى الامور كما هي وستنتظر لترى ماذا تخبئ لها الايام.
فكثرة التفكير والتدبير لا تجدي وقد خُطت في الغيب الاقدار منذ وقت طويل.
مرت الايام سريعاً حتى اصبحت شهوراً.
وحان وقت إنتقال قصير مع آدم للمرحلة التالية.
فذهب للحضر وغاب نهاراً كاملاً.
ثم عاد ومعه اشياء غريبة على اهل البادية.
مولد كهربائي يعمل بالوقود، وأسلاك وحقائب واثاث.
وبعده اتت سيارة كبيرة تحمل طوباً حجري ومواد بناء ورجلان.
وقاما على الفور ببناء غرفة بجوار خيمة الشيخ منصور على اعين الجميع ونظراتهم المستغربة.
فالبناء ليس من عاداتهم، فإن لم يستمعوا لصوت الرياح يقاتل الخيام وينهرها ليلاً لا يغمض لهم جفن.
فمن ذا الذي قرر ان يستغنى عن حريته وينعزل وراء الجدران لايسمع حفيف الرياح ولا اصوات الصغار ولا يستمع لكل دبة تدب على الأرض من حوله؟
كان قصير هو من يباشر كل شيئ.
وفي هذا اليوم لم يكن الشيخ منصور في البادية فقد دُعي الي وليمة عند شيخ قبيلة أخرى ولبى الدعوة.
وعاد في نهاية اليوم ونظر لما يقوم به قصير وتبسم برضى.
ثم اقترب منه وسأله:
يعطيك العافيه ياقصير.
قولي جبت كل اللازم؟
قصير:
كل شي حاضر ياشيخ.
كل اللي قالوا اعليه اشتريته وذدت اعليه من حداي اثاث للغرفه.
منصور:
زين زين.
ثم نظر لآدم وبقية الأولاد الذين ينقلون مواد البناء ويساعدون العمال بسعادة عارمة وكأنها لعبة جديدة يلعبونها.
ثم اردف وهو يناظر البناء:
سوي فيه بيت راحه وخلي يشبه الحضر بكل شي.
وحطله صندوق الدنيا وسرير وماتخلي الكهربا تنقطع عنه.
هو الحين تعلم على حياة الباديه وعيشة الصحاري.
بس ما ودنا ينسى عيشة الحضر.
ووقت يرد لهله نريده يكون مثلهم.
مو يكون وسطهم متل غريب تايه مايدري لعيشتهم ولا يعرفلها.
من الحين يبدا علام الحضر.
وتاخدا معك بكل مره تنزل فيها الحضر وتعودا عالبيع والشرا والفصال وتعلمه عالجساره.
وتخلي عقله عقل تاجر يعرف يجيب القروش من بطن الصخر.
قصير:
تأمر ياشيخ كل اللي تريده بيصير واكثر بعد.
غادر منصور لينضم لبقية كهول القبيلة ويفسر لهم مايحدث.
فهذا من محدثات الامور عليهم ولن يرضوا إلا بتفسير من شيخهم نفسه.
وفي اخر اليوم ارسل الشيخ منصور لآدم فأجلسه أمامه وتحدث معه بجديه:
إسمع وليدي.
البناء هاد الك.
بيتك او خلي نقول عزلتك اللي راح يكون فيها كل اللي تعتازه لحياتك القادمه.
عمك قصير جابلك الشي اللي يديرون منه شغل وجابلك صندوق الدنيا اللي الناس تطلع تحكي فيه وجابلك موتور كهربا وكتب واغراض للدراسه ومن غدوه راح يجولك معلمين يبتدوا معك من وين ماوجفت علام.
وراح تروح وقت مواعيد الاختبارات تختبر وترد وتاخد شهايدك من وانت بالباديه.
اوراقك كلها اتنقلت لمدرسه ببلد بعيده ماحد يتوقع انك تكون فيها ولا حد يعرفها من الاساس.
ووقت الاختباراا بياخدك عمك قصير تختبر وترد وياعين ما نضرتي شي.
كان آدم يستمع وفهم اغلب الحديث.
وود لو يسأله هل هذا كل شيئ.
هل اصبحت هذه حياته ولن يعود لحياته القديمة.
هل اصبح يتيم الام والأب وسيعيش وحيداً ويدرس وحيداً وستنقضى الأيام دون أن يرى أبواه مرة أخرى.
دون ان يخبره احد بسبب تخليهم عنه ويخبره بالخطأ الجسيم الذي ارتكبه وجعل الام والأب يتخليان عن وليدهم وهو لم يسمع بشيئ مماثل من قبل؟
نكس رأسه وغادر المجلس وتوارى خلف خيمة واخذ يبكي بحرقة حتى وصلت شهقاته الصغيرة لآذان مايزه وهي تغزل الصوف بجوار خيمة عوالي.
فنهضت لتتقصى الأمر فوجدته الغريب يبكي بحرقة لم ترى طفل يبكى بها من قبل.
رق قلبها على حاله وهمت أن تذهب اليه لتهدى من وجعه.
ولكنها وجدت أن تأتي من الشيخة معالي أفضل.
فذهبت لخيمة عوالي واخبرتها بحال الطفل.
فخرجت عوالي له على الفور، وما أن رأته حتى تقدمت منه واخذته في احضانها الدافئة.
وما كان من إحتضانها له إلا انه ذكره بحضن أمه ودفئه فبكى اكثر حتي شعر بأن قلبه سينخلع من مكانه.
اخذت عوالي تمسد على شعره وهمست له مواسية:
ياوليدي بطل بكا.
الحال مو متل ما مفكر.
بعرفك تنوح على بوك وامك وتلومهم لانهم تركوك.
بس مافي شي من دون سبب.
وبس تكبر شوي راح تعرف وتفهم كل شي.
بس الحين حتى ولو انقالتلك كل اسباب الدنيا ماراح تقتنع فيها.
لأن عقلك لساه اصغير وماراح يفهم الا الوجع اللي حاسس بيه.
راح تعذر وتسامح بس تفهم.
والحين ودي تكون راجل قوي.
دمعتك ماتنزل لا من وجع ولا شوق.
انت قوي ياآدم.
أنت عقاب والعقاب ماتنزل دموعه ولا حد يشوف ضعفه.
ودي العقاب بس يعاود لهله يفرق الغرابيب السود المتجمعين بدارا ويقلعهم من عشه ويفرد جناحاته بالسما ومايعلى فوقه حدا.
اختلى الشيخ منصور بقصير بعد أن إنفض المجلس وكل ذهب لعمله فقال له آمراً:
غدوه تروح للوا عادل وتخبره اني ودي معلم لوليد من وليداتنا من الباديه يعلمه كل شي تستخدمه الحكومه فشغلها.
يعرف كيف يحدد اماكن الناس عن بعد ويعرف حتي ويش يقولون.
يتجسس اعليهم كيف ماتعمل الحكومه مع المجرمين.
ويعرف يزرع الغام ويبطلها ويعرف يجمع قنابل ويفككها.
ودي هالوليد يعرف اللي ماحدا عرفه.
ودي يعرف يجيب اسلحه من بره يطلبها لينا بدال ما نخلي الاغراب يطلبون وياخذون من.
موي عيونا.
ودي الوليد يصير غول بكل شي ياقصير غووول.
قصير:
والله خايف ياشيخ نكون عم نربي غول اول الشي ياكلنا نحن.
منصور:
واد الأصول مايخون ياقصير وعالأصل دور.
مايعض الايادي إلا قليل الأصل مجهول النسب.
ومنصور مايحوى مجهول نسب ولا يراعي قليل أصل لأن اللي يعمل هكي يكون عم يبني بيوت فوق الهوا.
يلا الحين روح اتفقد زوجاتك الشيخه عوالي كانت تقول ان مكاسب زوجتك بعافيه اليوم وانت اكيد مارحتلها ولا تفقدت احوالها.
قصير:
اي الحين بروح ياشيخ.
أما في القصر.
فريال جالسة على الفراش بالكاد تلتقط انفاسها.
وفور أن فتح يحيى باب الغرفة عليها هدرت به:
انت فين كل ده بقيت تتأخر ليه بره، انت مش عارف اني تعبانه اليومين دول ومحتاجالك؟
إقترب منها سريعاً وامسك يدها يقبلها وهو يعتذر لها قائلاً:
أسف ياحبيبتي آسف والله غصب عني، النهارده محمود عمل إجتماع طارئ واضطريت اني افضل معاه لحد مايخلص الاجتماع.
نترت فريال يدها منه وأكملت وهي تتنفس بصعوبة:
محمود دا كان زمانه نايم في فرشته لا حول ليه ولا قوة لولا موضوع الحمل ده اللي مش وقته خالص.
ولولا عايده اللي وقفتلي زي الشوكه في الزور، بس ملحوقه.
أولد بس وافوق للكل.
والست مديحه دي كمان اللي بقالي شهور اقولك راقبها وانت مكبر دماغك عالأخر ولا مهتم.
يحيى:
وهو انا هعمل ايه ولا ايه بس يافريال انا كفايه عليا الشغل اللي محمود بيكلفني بيه كل يوم ازيد عن التاني ومش مخليني عارف اخد نفسى كأنه بيعاقبني.
وبعدين هي مديحه هتكون بتعمل ايه يعني، سيبك منها وخلينا فيكي وفصحتك وأجلي كل وجع الدماغ ده.
صمتت هي وهو تلفت حوله وسألها:
أمال الولاد فين؟
- هيكونو فين يعني عند الست عايده بقت اقامتهم كلها معاها من ساعة ماتعبت وقاعدين في اوضتها وانا حتى مابيفكروش يجوا يقعدوا معايا شويه يسلوني.
- والله لولا عايده انا ماعارف الولاد كان بقى مصيرهم إيه في ظروف تعبك ده الست كتر خيرها والله اكل وشرب ومذاكره ورعايه وأهتمام.
حدجته فريال بنظرة نارية فأنتبه على خطأه وتنحنح وهو يتلفت حوله هارباً من نظراتها.
ونهض كي يبدل ثيابه.
ولكن قبل أن يصل لخزانة الملابس اوقفته صرخة من فريال مفاجئة فإستدار عليها وهو يشعر بالرعب وقبل أن يسألها صرخت به:
يحيي الحقني الظاهر دخلت في ولادة.
أسرع الى الهاتف يدير قرصه كي يتصل بالطبيب المتابع لحالتها ولكنها منعته صارخة:
هتعمل إيه الألم فظيع خدني للعياده بسرعه انا غلط على قلبي الوجع ده انت لسه هتتصل وترغي.
حملها يحيي وهبط بها الدرج مسرعاً وتبعته مديحه.
أما عايده فكانت تنظر اليها وهي تصرخ دون ان يرف لها جفن.
فمن هم مثل فريال لا تجوز عليهم الرحمة.
عاد محمود من الشركة وأخبرته عايده بأن زوجة أخيه ذهبت لتوضع ما في بطنها.
وجلس بجانبها ينظر لابناء اخيه وهي تطعمهم بيدها وتنظر اليهم وكأنها ترى فيهم إبنها آدم.
فهمس لها:
وكنتي عايزه تلوثي القلب الطيب ده بالقسوة ياعايده؟
أجابته دون ان تلتفت له:
كنت عايزه ابرده يامحمود مش الوثه، بس الحمد لله انك منعتني ومخلتنيش اتمادى.
والحمد لله انك اتعالجت ورجعت احسن من الأول.
والحمد لله اننا لسه فاضلين على آدميتنا مفقدناهاش حتى بعد كل اللي مرينا بيه.
بعد ساعات في عيادة الطبيب المعالج لعايده.
خرجت الممرضة وهي تحمل بين يديها المولود وهتفت بسعادة:
مبروك بنت زي القمر.
تتربى في عزك يايحيى بيه.
سمى وخدها مني.
حملها يحيى ونظر لها وابتسم.
وتلاشت إبتسامته حين تذكر أن فريال لازالت تحت الخطر وسألها:
فريال حالتها ايه دلوقتي طمنيني؟
- الهانم ضربات قلبها مش منتظمه وتعبت جداَ في الولادة، بس الدكتور جنبها وبيراقب الحاله وأول ماتستقر هنخرجها على غرفة الإفاقه، بس مبدأياً اطمن هتبقى تمام.
غادرت الممرضة واخذ يحي ينظر للصغيرة ولا يعلم لمَ انتابه هذا الشعور الغريب.
فقد خفق قلبه لها وكأنه لأول مرة يحمل طفل من صلبه، وكأنها مرته الأولى في الأبوة!
وبعد ساعتين خرجت عايده من حجرة الولادة وانتقلت لغرفة اخرى بحالة مستقرة.
ولكن الطبي صارح يحيي بأن هناك إحتمال أن يكون قلبها تأثر من الولادة وقد لا يعود كما كان.
فما عانته بالداخل لم يكن بقليل.
أما فى القبيلة.
مكاسب بوهن:
-معزوزة يامعزوزة.
انت يا قتيلة.
اتت معزوزه اليها مسرعة فقد كانت بالخارج تقوم بتنظيف رجوه بالماء بعد أن قضت حاجتها.
فاتتها مسرعة:
ايش بيك يا ميتي؟
مكاسب:
اتركي الصغيره و عدي جيبي عمتك سدينة.
حاضر يامي.
وتركت الصغيرة وذهبت لخيمة سدينه على الفور واخبرتها ان أمها تطلبها على وجه السرعة.
فلبت سدينه وذهبت مع معزوزه ودلفت للخيمة وما ان وقفت أمام مكاسب وضعت يديها على خصرها في تأهب للعراك وقالت:
ويش تريدي دازه عليا بالعجل؟
لا تخافين وحطي اعلى قلبك حجر قصير فالخلا مو قاعد عندي،ولا تكوني استاحشتيني وتريدي اتملي عيونك مني لجل اللي في حشاكي تاخد ملامحي السمحات؟
مكاسب:
سدينه اسمعي راني مافي حيل للمجاكرة ولا للعرايك.
خيتك واهنة بالحبل.
انحس بروحي مخلخلة ومو قادرة نجمع اقدامي على بعض وحجري تقيييل بالحيل.
أشفقت سدينه على حالها حين أمعنت النظر فيها ووجدت في ملامحها ضعف ووهن واضح.
فأخفضت يديها وأقتربت منها وردت عليها وقد تبدلت نبرتها من القسوة للشفقة:
هانت ماباقي غير القليل.
هيا ارفعي روحك حتي مايرقد عليك التعب ماتسلمي للنومه.
وانا تو انديرلك اوكال يخليك تلهدي لهد كيف الخيل.
مكاسب:
خطيني "اتركيني" ياسدينة انا انريدك بس اتحملي عني مصالحي لغاية ماانجيب وليدي بالسلامة.
طالبه العون من بنت عمي وانها تقف معي بشدتي وبعرف ماراح تردني خايبة الرجا.
سدينه:
ابشري يامكاسب من الحين كل مصالحك اني انوب بدالك فيهم.
لا تعولي هم وحيري بروحك وصحتك وماعليك بالباقي.
مكاسب:
والنعم منك بنت العم.
قد العشم ياسدينه.
مرت الايام وذات ليلة كان قصير ينام في خيمة سدينة.
واذا به يسمع صوت مكاسب يجلجل بالصراخ.
فذهب مسرعاً اليها وتبعته سدينه.
قصير:
ايش فيك بتولدي ولا ايشم؟
مكاسب:
هنـمووت ياقصير انفاسي بتروح مني وقلبي تقيل.
احضرلي القابله قوووااااام.
اسرع قصير واحضر القابلة وطوال الطريق يحثها على الإسراع قائلاً:
مدي الخطاوي شوي ياعمتي مكاسب تعبانه وااجد جابت اربع ابطن وما كان يحس بها والي ايش عجي هالمرة؟
جندية:
هدي روحك ياوليدي تو تولد وتروق.
وصلت القابلة لخيمة مكاسب وطلبت من سدينة احضار الماء الساخن.
ودخلت لمكاسب التي بدت وكأنها تلفظ انفاسها الاخيرة ومالت عليها هامسة:
جيب الوليدات غيير يامكاسب تحملي والفرج جاااي.
بس ماتغيبي وتسوحي.
عضي في هادي وادفعي وساعدي وليدك.
واعطتها وسادة صغيرة تعض عليها.
وظلت تشجعها حتى تمت ولادتها في حضور نساء القبيلة اللاتي حضرت جميعاً لمساندة مكاسب وحضور ولادتها.
وفور خروج الطفل منها.
جندية:
الله اكبر الله اكبر يا هلا وغلا بسند امه وخواته ياللي كيف القمر في سماته.
وانفجرت في الزغاريد وعلى اثرها دخل قصير الخيمة منطلق كالسهم وسألها بتوتر:
هاه بشري ياعمتي وايش جابت؟
جندية:
وليد تبارك الله،وحلواني على قد فرحتك.
وريني قد ايش انت فرحان.
مد يديه لها وهو يخبرها:
بس خليني احمله بين يديها بالاول واكحل عيني بشوفته واللي تطلبيه لبيكي.
اعتدلت مكاسب وهي تبكي من الفرحة.
وخلعت قلادة ذهبية كبيرة ورفعت وسادتها واخرجت من تحتها كيس به نقود كثير ومدتهم لها وهي تقول:
خدي يا وجه الخير ماخساره فيكي كنوز الأرض.
قصير:
ابشري يا عمتي ردي بالك عليها وحلوانك ماتقدري تحمليه بوصله لك لخيمتك مو واجد عليك شي.
سدينة حضرت الموقف من بدايته فأنسلت بهدوء.
فقد شعرت أن لا مكان لها بينهم في هذه اللحظات.
ويبدوا انه لن يكون لها مكان في قلب قصير من اليوم وصاعد.
فقد انجبت له مكاسب الصبي وفازت بكل شيء، وأعطت لقصير الفرحة التي كانت تتمنى سدينه أن تعطيها هي له.
أما قصير فأعاد الصغير لأمه كي تقر عينها به بعد أن اذن له في أذنه واحتضنه وهمس له:
اخيرا هل هلالك يايوم على ابوك مبارك.
مكاسب:
فرحان ياولد عمي ورد شوقك للوليد؟
صغير اقترب منها واحتضنها وقال لها:
فرحة العالم كله اجتمعت بقلبي الحين يامكاسب.
تمني علي ياحبيبة قلبي.
تمني يارفيقة دربي واطلبي مايغلى عليكِ شي.
لو انجوم السما هسه انديرهملك قلادة لو تأمرين.
ولو حليب من كبد الوطا شاوري عليه ايجي.
غير بس تمنى واطلبي ياأم هلال.
مكاسب:
ماطالبه غير رضاك عني ويكفيني شوفة الفرحه بعيونك تسوا عندي الدنيا وكل مافيها.
قبل قصير جبينها ونظر للصبي مرة اخرى وهمس له:
الحمد لله انه اطعمني ياك وانا اللي نرجا فيك لي سنين.
شدي حيلك يامكاسب وهملي هالفراش حتى توقفي على عقيقة وليدك وتشوفي شريطة راجلك لك يا ام الغالي.
جنديه:
ياقصير ماتسمي الوليد هلال سمي اسم قبيح ليطول عمره متل ماسمتك امك حتى لا تنحسد بعد ماجيت على كوم بنيات.
قصير بغضب:
والله مااسمي وليدي اسم يستهزا بيه الصغار متل ماكانو يستهزو بيا.
انا سميته هلال ومافي غيره، وصرت ابو هلال واللي يطالع عالوليد اسم غير هلال بطيح حظه واطير رقبته.
يلا اني رايح ابشر الشيخ منصور وباقي القبيله واجهز لاستقبال سندي ولي عهدي.
هم ان يغادر ولكن تعلق برجله شيء فنظر للأسفل يتبينه.
فإذ به رجوه ابنته.
فحملها لثاني مرة منذ ولادتها.
ونظر اليها وتفحصها للمرة الأولي وتبسم لها وكأنه أول مرة ينتبه لوجودها:
كيفك ياصغيره، متي كبرتي وصار فيكي كل هالسماحه؟
قبلها ثم انزلها وقال لمكاسب:
عينك على رجوه يامكاسب، البنية مايتهمل فيها من اليوم.
والله مانعرف لمن طالعة هالغزالة؟
يلا جبتي الوليد وارجعي اعطي لبنيه من حنانك اللي حرمتيها منه.
وضحك وخرج.
فهو يعرف جيدا ان زوجته حملت تلك الصغيرة ذنب زواجه عليها، وعاقبت طفلتها عليه وآن أوان رفع الظلم عن صغيرته الجميله.
ذهب قصير الى الشيخ منصور الذي كان قد وصله الخبر.
وعندما رأه صاح بسعادة:
إمبارك ماعطاك ياوليدي ياقصير، اليوم القبيله عيد.
قبل قصير يده وإستأذنه أن يقيم وليمة مع العقيقة ويشارك فرحته كل القبائل.
ورد عليه الشيخ منصور:
افرح بوليدك وماتعول هم شي.
هاذا حفيد الشيخ منصور وفرحتنا بيه غير.
اعمل كل شي وليك.
من عندي ثلاث كباش من اعفى واثمن كباشي، هادول للوليمه وعقيقة وليدك اذبحها من إكباشك.
شكره قصير وهم يجهز للوليمة.
واعطى الشيخة عوالي مبلغاً كبيراً من المال كي تذهب للحضر وتحضر الهدايا للجميع نساء واطفال كما جرت العادة في سبوع الأولاد الذكور.
وبعد اسبوع نصبت الخيام وفرشت بالسجاد البدوي طبخت الولائم.
وحضر كبار القبائل وأصدقاء الشيخ منصور من قادة الجيش، وبعض رجال الاعمال.
وقام قصير بذبح ثلاث الكباش وزاد عليهم جملاً.
فوزع ماوزعه كعقيقة، وطهى ماتبقي.
ولم ينس ان يذبح كبش لرجوه عقيقه، فقد نسي امرها تماماً وتذكر الآن.
أن لها عقيقة لم توفى.
واذيع في كل القبائل القريبة أن الليلة سامر في قبيلة الشيخ منصور حتى الصباح.
وحضرت النساء والأطفال.
ام عند النساء قمن بعجن الحناء وتحضير الكحل والبخور والهدايا التي ستعطيهم ام المولود للنساء.
وأحضرن النساء الدفوف.
في خيمة الرجال قام قصير وقال للجميع بصوته العالي:
اليوم اسميت ابني هلال تيمناً باسم جدي الشيخ هلال الله يرحمة واسألكم الدعاء له بالصلاح.
وذهب وأحضره وقام رجل من القبيلة مختص في طهارة الصبية بطهارته.
فانطلقت الاعيرة النارية.
واحضر قصير حصانة الذي قد زينة بالحولي.
و ذهب لمكاسب فأحضرها، وأعطاها هلال وقال بصوت جهور.
والله اني شرطت ونذرت على روحي يوم يرزقني الله بالولد لاحمل امه على فرسي واطوف بيها قدام كل الخلايق.
فسامحني ياعمي الشيخ منصور الشريطة صارت فرض علي نفاذها.
هنا خرجت الشيخة عوالي وقالت:
ماعليه ياوليدي هادي حلالك والنذر واجب.
فساعد مكاسب واجلسها فوق الحصان، وبعد أن طاف بها بين كل الخيام رجع، بها وانزلها امام خيمة النساء هي والطفل.
مكاسب نظرت للنساء فوجدت سدينة تنزوي على نفسها في ركن بعيد عن باقيهن.
فذهبت اليها وجلست بجوارها وتحدثت اليها بنبرة حانيه:
ايش بيك ياسدينة؟
ماتزعلي ياحبيبتي ان شاء الله ربي يعوض عليك.
ربي عطاياه واجدها.
فردي ذراعيك احملي هلال هذا هلالنا كلنا ياهبله مو لي لحالي.
ويعلم الله اني ما نتمنا لك غير كل خير ونتمني ان بناتي وولدي يكون لهن خوت رجالة واجدين منك انتي.
انا خلاص قفلت علي سريب الخلفة.
هالحمل كان حِمل تقيل ونحمد الله اني نجيت من الموت وما راح عيدها.
سدينة حملت الصغير هلال وتبسمت لها:
الله بجبر بخاطرك يابنت عمي والله كنت حاسه حالي كي الغريبة والكل شامت في.
مكاسب:
ياهبله من يشمت فيك كلنا اهل بعضنا غير انت اللي عقلك مهرب هههه.
كل هذا تحت انظار قصير الذي نده على مكاسب.
قصير:
مكاسب انريدك تعي.
مكاسب:
ذهبت اليه وسألته:
ايش تريد ياابو هلال محتاج شي؟
قصير:
انريد نقولك الله يحيي البطن اللي شالتك يابنت العم، والله ما في اطيب قلبك وتحملتي وااجد.
والباين اني تعجلت من زواجي.
ولو كنت صبرت اجانا الولد من غير كل الكداير اللي مرينا بيها بعد زواجي من سدينة.
سامحيني حلفتك باللهم.
مكاسب:
كل شي كاتبه الله ياولد عمي ومو انت اول واحد تتعدد بالقبيلة.
والحمد لله انك تزوجت سدينه مو غيرها.
هي طيبة لكن عقلها صغير ومطيورة تو تكبر وتعقل.
وانا ربي انعم علي بوليد وحمدته على ما عطاني.
وانت تريد وليدات واجده وان شاء الله يرزقك من سدينة.
تبسم لها قصير وتركها وذهب لضيوفه.
ومرت الليلة مرور الكرام، والفرحة عمت جميع القبيلة وتراضى كل من حضر بالطعام والهدايا، وانفضت الجمعة وعاد كل الي خيمته وكل الى قبيلته، وسكن الليل الا من صرخات الصغير هلال التي كانت بمثابة طبول الفرح في اذن قصير ومكاسب.
واثناء جلوسهم رأت مكاسب خيالاً يذهب ويعود امام خيمتهم فعرفت انها سدينه.
فهمست لقصير:
قصير قوم روح لسدينه، لبنيه عقلها راح يوج، قوم طيب خاطرها الله عليك، اني نايم جواري وليدي وانت روح بيت جوارها، وانا مافيا خير ليك للأربعين.
نهض قصير وكاد ان يهرول فهو يريدها ولكن لم يشأ إغضاب مكاسب في هذا اليوم المبارك.
فأخذ سدينه لخيمتها وبعد أن اشبعها ضرباً على خروجها في هذا الوقت وتجولها امام خيمة ضرتها وهذا الامر نهيت عنه قضى معها الليل وطيب خاطرها بعدة كلمات جعلوها تنسى كل الضرب والقسوة وضحكت من قلبها فرحة بقصير الذي سيمكث في خيمتها للأربعين دون منازع.
أما في القصر.
استطاعت فريال أن تنهض من الفراش وتمشي بتثاقل وهي تلهث ولكنها مصرة على إكتشاف مايحدث حولها.
فتسحبت لغرفة مديحه التي أصبحت تجلس بها اكثر من اللازم وتغلقها على نفسها ومعها الهاتف.
فأقتربت فريال محاولة أن تتصنت عليها.
وبالرغم من انها لم تسمع شيئاً واضحاً إلا أن الضحكات والهمهمات جعلتها تتأكد أن في الأمر رجل.
واثناء تنصتها فُتح الباب مرة واحده مما جعل فريال تنتفض فزعاً.
وإذ بمديحه تطالعها بغضب واردفت لها من بين اسنانها:
هو أحنا فينا من كده يافريال.
مش المفروض اننا مع بعض.
طيب تمام كده انا عرفت انك ديب مسعور اللي بيديكي ضهره بتنهشي فيه على طول.
والديابه ملهاش امان ولا ليها غير حل واحد.
رواية عقاب ابن الباديه الفصل العاشر 10 - بقلم ريناد يوسف
تحركت مديحة وعادت للداخل وأغلقت الباب في وجه فريال التي ظلت صامتة لا تجد ما تقوله.
ولكنها أثرتها لمديحة في نفسها وأقسمت على الانتقام السريع، وقررت مراقبتها جيداً.
هي تعلم أنها ستحتاط هذه الفترة وتأخذ حذرها حتى لا ينكشف ما تخفيه، ولكن مهما فعلت لن تنجو هذه المرة.
فقد وضعتها فريال في قائمة الإقصاء وسيتم، مهما طال الانتظار.
ذهب فريال لغرفة عايدة بدلاً من أن تعود لغرفتها، حين سمعت صوت ضحكات أطفالها.
فتحت الباب دون استئذان ورأت ما جعلها تستشيط غضباً.
فقد كان واحداً منهم يجلس في حجر عايدة والآخر يطوق رقبتها من الخلف، وهي تداعبهم وتقبلهم.
وتوقفت حين رأت فريال وقالت لها بنبرة خلت من أي مشاعر:
"ادخلي يافريال، واقفه عالباب كده ليه؟"
"متشكرة.. يلا ياولد إنت وهو قدامي عالأوضة بتاعتنا، كفاية لعب كده."
لم يستجب الطفلان للأمر، فهدرت بهم بقوة:
"قلت قدامي يلاااا."
نهض الطفلان بخوف وخرجا من الغرفة يتسابقا نحو غرفة أمهما.
أما هي فتبعتهم دون أن تتفوه بكلمة مع عايدة.
فقد حدجتها بنظرة سخط، وكأنها وجدت بحوزتها غرضاً من أغراضها أخذته دون إذنها.
وليسوا أولادها الذين لم يفارقوا زوجة عمهم منذ ولادة أمهم.
وكان وجودهم معها شيئاً جديداً عليها، ولكن رؤيتهم في أحضانها أشعلت نيران الغيرة وجعلتها تشعر بأنها لو تركت أطفالها لعايدة أكثر ستستولي عليهم وتأخذهم منها.
دخلت فريال الغرفة واقتربت من ولديها ولانت ملامحها وبدأت تلاطفهم وتلعب معهم كما كانت تفعل معهم زوجة عمهم.
ولكن ردة فعلهم لم تكن هي نفسها، فقد كانوا يبتسمون بثقل.
وكأنهم يعلمون أن أمهم تفعل ذلك دون رغبة، أو تفعله جذباً لهم ومحاولة بأن تخبرهم بأنها أيضاً تستطيع اللهو معهم.
ولكن محاولاتها لم تقترب حتى من أفعال زوجة عمهم.
فالأخرى كانت ضحكاتها وضحكاتهم معها من القلب، ومن يخرج من القلب يستقر في القلب.
أما ما يقال على اللسان لا يتجاوز الآذان.
فنظرت إليهم ورأت الاختلاف واضحاً على ملامحهم، فنهرتهم على غرفتهم وجلست بجانب ابنتها التي بكت على صوتها العالي.
فحملتها وأخذت تطعمها وهي تشعر بنغزات متتالية في قلبها الذي بات لا يتحمل أي انزعاج ولو بسيط.
عاد يحيى بعد يومه العصيب في الشركة، وبمجرد أن رأى ملامحها المحتقنة المتألمة سألها عن حالها.
وإذ بها تخبره بأن أخته وزوجة أخيه الاثنتين اليوم اجتمعتا عليها كيداً حتى أنهكوا قلبها.
واحدة توعد لها دون ذنب، والأخرى تتباهى أمامها بأنها استولت على أولادها ولم يعودا يريدان قربها أو حتى الجلوس معها.
ثم أعطته ابنته واستوت على الفراش تتألم.
فأستشاط يحيى غضباً ونادى على الأولاد وبخهم وأمرهم ألا يجلسوا مع زوجة عمهم مرة أخرى، ومجلسهم الوحيد من الآن وصاعداً بجانب أمهم وأن يطيعا أوامرها.
وإلا سيرسلهم للبلدة ويتركهم في بيت جدهم حيث البعوض والكلاب.
فارتعبا وصرخا معتذرين، فهو يعلم مدى خوفهم من هذين المخلوقين، وأنهم سبب عدم راحتهم في البلدة وتنغيص الإجازات عليهم.
بقيت فريال على حالها ساعات طويلة، متألمة مجهدة.
وظل يحيي يحوم حولها حاملاً صغيرته التي تبكي، فلا دواء حسن من حال فريال، ولا رضعة صناعية سدت جوع الصغيرة.
فاضطر إلى طلب مساعدة عايدة للصغيرة فقد تعبت من البكاء.
وفريال حاولت أن تتمالك نفسها وتحملها عنه، ولكنها لم تستطع.
فما كان من محاولاتها إلا أن زادت عليها التعب، فاسود وجهها أكثر وازرقت شفتاها، وأغمضت عينيها وغاصت في النوم هرباً من الألم.
أخذت عايدة الصغيرة من يحيي وحملتها بين يديها، وقامت بتنظيفها وتبديل ملابسها.
واخذت تتأملها، فكم كانت جميلة وملامحها هادئة لا تشبه أياً من يحيى أو عايدة!
ولا تعلم لماذا شعرت بأن قلبها رف لهذه الصغيرة بمجرد أن حملتها.
هل لأنها اشتاقت للأطفال الصغار؟
أم لأنها تمنت كثيراً أن تنجب ابنة ولكن الله لم يرد لها ذلك؟
لا تعلم سبب هذه الرفرفات، ولكنها ضمت البنت على أية حال وتجاهلت كل الأسباب.
أما مديحة فارتدت ملابسها وخرجت من المنزل متجاهلة كل ما يحدث حولها.
وذهبت لتسرق لنفسها بعضاً من الوقت مع حبيبها السري الذي عادت لتعيش معه مراهقتها من جديد.
حيث محادثات الغزل عبر الهاتف لا تنتهي والشوق دائم والتسلل دون علم أحد واللقاء في الخفاء يجعل من الأمر متعة لها مذاق خاص وشعور لا يوصف.
أخيراً عادت عايدة من ثباتها.
وأول من سألت عليها ابنتها "كارمن" حيث تلفتت حولها ولم تجدها.
ويحيى كان يجلس على الأريكة مرتدي نظارته وغارق في الأوراق والحسابات.
"يحيي كوكي فين؟"
ترك الأوراق من يده ونزع نظارته وقام إليها يطمئن على حالها.
"متقلقيش كوكي مع مرات عمها، اديتهالها تسكتها لما معرفتش اتصرف معاها. ولسه رايح أطمن عليها لقيتها نايمة وعايدة قاعدة جنبها. سيبك من البنت وطمنيني عنك. انتِ بقيتي أحسن دلوقتي؟"
هزت عايدة رأسها بالإيجاب ورت عليه بوهن:
"الحمد لله.. روح يايحيي هاتلي حاجة مسكرة أشربها أو آكلها، حاسة بهبوط. واتأكد إن الولاد أكلوا، وشوف مديحة موجودة في البيت ولا خرجت ولو موجودة بتعمل إيه."
يحيي بزهق:
"يا فريال قولتلك سيبك بقى من دا فين ودا بيعمل إيه وراح فين. وركزي الفترة دي على صحتك لأنك تعبانة وكل مادا وبتتعبي. قولتلك الناس موجودة وكل حاجة تتأجل لوقت تاني بس صحتك أهم."
فريال بنفاذ صبر:
"يوووووه.. ياأخي متعصبنيش بقى واسمع اللي بقولهولك. أنا تعبانة لوحدي."
يحيي:
"طيب حاضر حاضر، رايح أهو بس متعبيش نفسك. الزعل والعصبية غلط عليكي."
"ابقى هات كوكي وانت جاي."
"حاضر هجيبها."
وخرج ينفذ أوامرها دون أدنى محاولة جدال أخرى لجعلها تستريح وتريح قلبها.
فأي محاولة معها تأتي بنتائج عكسية.
أما في البادية...
الشيخ منصور:
"يا آدم تعالا هنا.. هادي دارك من هنا وقادم اللي هتعيش فيها وتبات فيها وتسيب خيمة الصغار. في النهار معاهم تمرح وتسرح وتسعى وترعى ومن بعد العصر تعود لدارك هادي تاخد دروسك وتضل وتستذكرهن زين لين ما يركزن في مخك. وماتطلع إلا تخلص كل شي. لو فيه سامر اخرج. مافي سامر تجلس بدارك بروحك وتدرس."
آدم:
"إزاي أنام فيها لوحدي، أخاف."
هدر به قصير:
"ويش قلت ياولد؟ تخاااف؟! هادي الكلمة ما أريدها تتنطق على لسانك أبداً ولا ينجاب طاريها. الخوف ما انخلق للرجال، الخوف بس للحريمات وانت رجال ماتهاب شي."
آدم:
"طيب سالم بس يبات معايا، دا صاحبي وأنا مقدرش استغنى عنه."
منصور:
"لا.. بروحك تبيت. أولادنا ما يسكنون الديار ويدارون خلف الحيطان. ما أريد وليد من أهل البدو يعتاد عيشة الحيطان ويلين عضمه وينعم جلده. ما يتحمل برودة الجو ولا رياح الشتا وأمطاره. اترك كل حي جسمه ياخذ أعلى عيشته. أنت تسمع كلامي وماتجادل. وسالم طول النهار معك بس الليل ماحد يشاركك بمطرحك ولا فرشتك، ودارك ماحد يدخلها ولا يشوف إيش بيها فهمت. والحين روح شوف ويش عندك وغدوه لأستاذ جاي ليعطيك أول دروسك جهزلي حالك."
هز آدم رأسه وانصرف من أمامهم وهو يتمتم في سره على قراراتهم التعسفية.
وذهب ليبحث عن سالم فوجده واقفاً بجوار خيمة العمة مكاسب هو ورابح يتحدثان مع معزوزة التي تحمل أختها وتهدهد فيها، والأخرى تصرخ دون توقف.
أخبرهم بما قاله له الشيخ وأخذهم وذهبا للمرعى، فهذا وقت رعي الأغنام حتى يعودوا بهم قبل حلول الظلام.
أما معزوزة فعادت بأختها رجوة لداخل الخيمة وهي لا تزال على حالها تبكي دون انقطاع.
وقد جد عليها هذا الأمر منذ ولادة أخيها.
فجلست بها مقابل أمها وأخذت تراقب أمها التي تناغي في طفلها وترضعه واعتزلت العالم كله واختصرته فيه.
ورجوة رغم قساوة أمها تشعر بالغيرة من أخيها ومن قربه منها.
فنزلت من حجر معزوزة وذهبت لأمها ووقفت أمامها وأخذت تجذبها من ملابسها حتى تترك الصغير وتنتبه لها.
فكانت أمها ترمي لها كلمة وتعود لملاعبة هلال.
فهدرت بها معزوزة بغضب:
"أمي انظري للصغيرة وسكتيها ولا شوفي معاها حل، والله راسي يوجعني من صراخها كل ما تشوفك تحملين هلال وترضعينه وتهدهدين فيه، خليتيها نار من يمه. والله أمس لو ما لحقته كانت بتاكله بسنيناتها."
مكاسب:
"وانتي ليش لازقة فيها؟ خوديها خارج الخيمة والهيها. تعرفين لو صار شي منها لخوك ما تلومي إلا روحك يامعزوزة. فردي بالك من رجوة لتعضه."
نهضت معزوزة وحملت أختها وأخذت تحاول إطعامها سقاوة بحليب.
فكانت الطفلة تأكل وهي تنظر لأمها، وبكائها لا ينقطع.
فحملتها رجوة وخرجت بها وذهبت خلف الخيام وجلست تحت النخيل لتسكتها عن البكاء.
ولكن الصغيرة الغيرة من أخيها جعلتها كالمحمومة التي تهذي دوماً باسم أمها ولا تصمت.
كانوا الأولاد في طريق العودة للخيام بالأغنام بعد أن قاموا برعيها، وقد بدأ الليل يسدل ستائره.
فنظر إليها رابح بغرابة وتقدم الجميع نحوها، وسألها:
":ايش فيها رجوة يا معزوزة وليش دايرة حايرة أبه، للحين ماسكتت؟"
معزوزة:
"والله إنها ذوبتني تعب وين تشوف أمي وهلال ما يهنالها بال وعلى شوفتك."
رابح:
"من غدوى استاذني عمي قصير وجيبيها عند المرعى بتشوف الشواهي وتبعد عن أمها ويهدا بالها."
معزوزة:
"بي يجي غدوه، والله الليل ويش كثر طوله مع صراخها يارابح وامي قلبها صاير عليها متل حجر الرحى قاسي."
رابح:
"أمك من يوم اللي خِلقت البنية وهي قلبها حجر اعليها ماجدت القساوة على قلبها. يلا الحين عاودي وقضي الليل معها كيف ما كان والصباح أنا بمر اعليكي واخذكم معي وإن شاء الله تلعب وترتع وتسكت وتنسى الغيرة شوي."
في صباح اليوم التالي استاذنت معزوزة ابيها أن تذهب برجوة عند المرعى، فوافق.
معزوزة:
"هيا يارجيوه هبلتيني وطحتِ ذراعي وأقدامي."
رجوه تأن وتحن وتبكي.
فأخذتها وذهب عند رابح وسالم وآدم وبقية الصغار.
فاخذها منها رابح واصطاد لها يمامة وأعطاها لها، فضحكت وهدأت وبدأت تلعب بها وتجري خلف صغار الماعز والأغنام.
رابح:
"روحي انتي يامعزوزة وسيبيها ولو رقدت أنا أروحها لكم."
معزوزة:
"ولو عيطت إيش اتديرلها؟"
رابح:
"انت تو ايش شايفه؟ اهي ماسكة فالطير وتلعب وتجري ورا الحلال اتقول كانت مقيدة!"
معزوزة:
"زين اشقي بحالك وبحالها. أنا مروحة."
وذهبت. وعادت للخيام وهي تشعر بالراحة قليلاً، وبأن ذراعيها اليوم في هدنة من حمل رجوة.
أما رجوه فأكملت يومها كله مع سالم ورابح وآدم.
تلعب وتأكل وتشرب معهم، وكان ذلك تغييراً للصبيان أيضاً.
فكانت مثل الدمية معهم، وكلما ضحكت تعالت ضحكاتهم أيضاً.
وفي آخر النهار حين عادت معهم من المرعى، أبت أن تتركهم وتذهب لأختها أو لخيمتهم إلا أن نامت.
فأعادها رابح لخيمة أهلها وأعطاها لمعزوزة.
إما آدم فكان اليوم موعد درسه الأول.
فدخل للمرة الأولى لغرفته الخاصة، وتعجب حين رآها من الداخل.
فقد كانت تشبه غرفته في القصر، الأثاث والمكتب، التلفاز والحاسوب، والإنارة والحمام.
خزانة الملابس والسرير! بلاط الأرضية، وكأنه حين دلف من بابها دخل إلى عالم آخر غير الذي كان فيه وغادر القبيلة من طاقة سحرية نقلته للحضر!
وبدأ أول دروسه مع المدرس الذي كان بإنتظاره في الداخل، وحين انتهى بدأ آدم في مباشرة القراءة والكتابة التي كاد أن ينساها منذ قدومه.
فها هو عام ينقضي من عمره دون دراسة وسنة دراسية تضيع من عمره، واقرانه سبقوه بخطوة.
ولكنه همس لنفسه أن لابأس، فهذا ما يريده أبواه وهذا ما قرراه بشأن مستقبله.
وتوالت الأيام بين حياة البادية نهاراً ودروسه ومذاكرته ليلاً.
والشوق الذي كان يؤرق ليله لأبويه قد هدأ واعتاد الحياة بدونهم.
ولأنه أُمر ألا يدخل أحد من أولاد البادية لمسكنه الجديد ولا يستطيع عصيان الأمر.
فلم يجد أمامه إلا التحايل عليه، فكان يتسلل هو ليلاً ويبيت في خيمة الصبية ويتشارك مع سالم ورابح الفراش والسهر والسمر وكل شيء.
أما رجوة فمنذ اليوم الذي قضته مع الأولاد في المرعى وهي كل يوم تراهم ذاهبين تبكي وتجري خلفهم فيأخذونها معهم مرغمين، حتى أصبحت رجوة جزء لا يتجزأ من مهمتهم اليومية وفرد يعد له الحساب في الأكل والمشرب وكل شيء.
وتعود معهم في آخر النهار.
لم يكن يزعجهم منها سوى قضاء حاجتها، وهذا الأمر تكفل به سالم ابن عمها.
فهو الوحيد من بينهم الذي كانت نفسه تطيب أن ينظفها.
أما الآخرون فحين كانت تتغوط كانوا يتركون المكان ويفرون هرباً.
وبدأت رجوه تأخذ من طباع الصبية وطريقة كلامهم وتقلدهم في كل شيء، حتى طريقة المشي.
فلرجال البادية وصبيانها مشية تصف هيبة صاحبها من بعيد، وتجعله محط للأنظار بشموخه وأكتافه المفرودة وهامته المرفوعة.
مرت أربعة أشهر على هذا الحال، الكل بدأ يتكيف مع وضعه الجديد.
وسدينه في كل يوم تذهب للقابلة وتخبرها بأنها تريد أن تحمل بأية طريقة.
فتصف لها القابلة الأعشاب اللازمة، ولكنها كانت تصدم في كل مرة تكتشف فيها أن الأمر لم ينجح.
وخاصة وهي ترى هلال ابن قصير يكبر يوماً بعد يوم.
وفي كل يوم يتعلق به قصير أكثر حتى أصبح لا يفارقه حتى في وقت جلوسه معها.
وبدأت تشعر بأنها إن لم تنجب له ولداً قريباً سيفقدها هذا الصغير عقله تماماً.
وها هو اليوم الذي تحققت فيه جميع دعواتها.
فقد شعرت ببعض الإعياء في الصباح الباكر، وحين ذهبت للقابلة أخبرتها بأن المراد قد تم أخيراً وتحمل في أحشائها طفل الآن.
فعادت مكاسب من خيمة القابلة لخيمتها وهي تهلهل حتى علمت جميع القبيلة بخبر حملها.
أما في القصر...
محمود:
"فيه إيه يافريال؟ إيه الموضوع المهم اللي عايزانا فيه أنا ويحيى سوا وخطير وميتأجلش؟"
نظرت فريال في عينيه مباشرة وأخبرته:
"إيه أغلى حاجة على الراجل وميستحملش عليها الهوا يامحمود؟"
- رد عليها محمود دون تفكير:
"ولاده."
فقالت له:
"وشرفه؟"
نظر إليها بتفحص قبل أن يجيبها:
"أنا جاوبت من واقع تجربتي الشخصية، أما حكاية الشرف دي فمجتش في بالي، وأكيد طبعاً الشرف حاجة غالية جداً. ودلوقتي ممكن تدخلي في الموضوع على طول بدون مقدمات ولف ودوران."
ففجرت فريال القنبلة التي تحاول منذ عدة أشهر تجميعها.
"أختكم مديحة بتعرف راجل وبتروحله بيته.. والراجل دا اسمه شريف وابن الساعي اللي في شركتك يامحمود.. طلع الموضوع فيه راجل يايحيي عشان لما كنت أقولك فتش ورا أختك تقولي هتكون بتعمل إيه. أهي طلعت بتعمل العن حاجة في الدنيا. طلعت بتمرمغ شرفكم في الوحل وانتوا نايمين على ودانكم."
"أنا حبيت أقولكم عشان تنقذوا ما يمكن إنقاذه."
نظرت إليهم ووجدتهم يحلقون بها وكأنها ألقت على مسامعهم كلاماً لا يمت للعقل بصلة.
فتركتهم يستوعبون الأمر على مهل.
وفور أن وصلت لغرفتها وأغلقتها خلفها سمعت صافرات الإنذار تنطلق من محمود ويحيي وهم ينادون على مديحة بأعلى طبقات صوتهم.
فتبسمت وهي ترقد في فرشتها وتحمل ابنتها وتهدهدها، وكأن الحرب التي ستشن في الخارج ليس لها يد فيها ولا تعلم عنها شيء!