تحميل رواية «أ أستحق هذا العذاب» PDF
بقلم ميفو السلطان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد قري الصعيد، حيث الجمال والخضرة والأصل العريق، حيث الرجولة والفخر بالأخلاق والعزوة. مشهد من بعيد، ضوء ينزل يسطع في أرض الله، ومن تحتها تتمختر حورية على جسر النهر اللامع كالفضة، والكل ينظر إليها كأنها نجمة هلت عليهم من السماء. خطوات تدق تعلن عن أنثى تلهب العقول. خطوة قدمها تهز من ينظر إليها ويهيم بالسحر التي تنثره على من حولها. الجمال يتجسد في خلق الرحمن، أعطى وأنزل الحسن عليها. حديث النجع بأكمله، الكل يعرف من هي، الكل يتمناها ويلبي فرائض الولاء، ولكنها أبداً عالية، لا تنزل من سمائها لأحد....
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ميفو السلطان
دخل جبل فوجد سليم ينظر لقمر وعيونه تلتهمها. سمعه يقول:
"كل واحد له نصيب وبيعاود وياخد نصيبه ويفرح بيه."
هتف جبل غاضباً:
"نصيب إيه يا سليم اللي جاي تاخده من هنا؟"
التفت سليم وهتف:
"إيه جبل كيفك يا واد عمي مش ترحب بيا الأول."
اقترب سلم عليه على مضض وهتف:
"ما شاء الله فرحان جوي ليك انت ربنا اداك من وسع."
نظر إليه جبل بجمود فاكمل سليم:
"لاه وكمان واخد معاك جمر النجع مامصدقش دا الواحد لو شغاله معاه نفسه يتفتح عالشغل مايهمله واصل."
هتف جبل غاضباً:
"مش متحوز انت برضك وجايب عيال مالك انت باللي يشتغل وما يشتغل."
تنهد سليم:
"اهو قضا لابد منه يا واد عمي."
استدار جبل:
"طب تعالي جوا."
التفت سليم لقمر وهتف بحب:
"تعالي معانا يا جمر."
هتف جبل بغضب:
"تاجي فين هيا جاعدة جهوه روحي شوفي شغلك."
صرفها بغضب. بهت سليم ودخل معه وهتف:
"ليه بتزع فيها أكده ما عملتش حاجة."
هتف جبل:
"سكرتيرتي يا جدع، إني حر أزع أسخمط عيشتها إني حر."
هتف سليم غاضباً:
"ليه أكده مابراحه، كت اشتريتها إياك مالك يا جبل دي بت بلدك برضك."
دخلت هيا وأحضرت مشروباً لسليم فهمس:
"من يد مانعدمها يا ست العرايس."
صرخ جبل بحرقة:
"غوري وابقي ابعتي منال."
ارتبكت واستدارت وخرجت. نظر إليه سليم بغضب. هتف جبل:
"خير يا سليم."
تنهد وهتف:
"إني عرفت إنك بتشتغل في البنا وما شاء الله واني بشتغل في توريدات المواد."
هتف جبل:
"وعرفت منين."
هتف سليم:
"جمر جالتلي كل حاجة إنها بتشتغل عندك."
هتف بغضب:
"لا والله جالتلك دا حاجة جميلة."
هتف سليم:
"وكت حابب لو نشتغل مع بعض."
هتف جبل:
"والله يا سليم إحنا متعاجدين مع شركات بس عمونا سيبلا عروضك واني هعرضها عالناس والله كريم."
تنهد سليم:
"ماشي واني هبقى سعيد إني اشتغل."
وقام وذهب يوصله إلى الباب. فاتجه إلى قمر وأعطاها تليفونه:
"ده تليفوني يا جمر لو رايدة حاجة."
تنهدت وصمتت. فاقترب وهمس وقال:
"لو عايزة شغل إني سداد بدل الحلوف ده إيه الحزن ده شغالة مع بهيمة."
ضحكت هنا اشتعل جبل وهتف:
"شرفت يا سليم."
هتف سليم:
"طيب يا عم ماتزجش."
واستدار لقمر:
"عايزك، هكلمك ضروري بالله تردي عليا."
تنهدت وصمتت وخرج. استدار جبل ورزع الباب:
"أحس بنار تاكله يا مري إيه اللي جابه في أيام الطين راجع يحرجلي قلبي دا متجوز الحزين. هيحلج أعمل إيه أحلج عليها كيف؟ إني شفته هياكلها بعنيه وجالها إيه ضحكت؟ أعمل إيه؟ هلاقيها من الشايب والا الحزين ده."
ظل يفرك. هب مرة واحدة:
"عايزها في إيه وبيديها تليفونه؟ البت هتجيبله قلبي هموت بيعيد الأمجاد منه لله جاي ليه وجابلته فين وبتجوله ليه على شركتي وجضا جوازته جضا نزل عليه الجضا البعيد. يعني إيه أمال سابها زمان ليه راجع ليه؟ حاسس إني محصور. لاه إني ما صدقت جولتلها أخدها ونطقت وخرجت اللي جوايا. هموت ياجي ده عيونه بتاكلها آه بتاكلها ماهي تتاكل. هيلاغيها وياخدها مني ونصيب وطين على أيامه. البت بيحلجو عليها واني واقف أتفرج وأتحسر. لاه ماهتحملش."
هنا استدعاها فدخلت عليه فصرخ:
"انت جايبالي الحلوف ده هنا ليه؟ انت هيا طابونة أبوكي."
نظرت إليه بذهول:
"إني جايباه… جايباه منين؟"
صرخ:
"مش جابلتيه جولي بتتجابلو فين؟ بتلوفي على راجل متجوز."
صرخت هيا:
"ماتحترم حالك انت إيه ده."
هتف:
"أحترم حالي آه صوح أحترم وأسيبه. عنيه هتتغرز فيكي الواد راجع يعيد الأمجاد بيبص وعنيه تاكلك."
هتفت غاضبة:
"لا إني ما هقفش أسمع جله أدبك."
اندفع واحتضنها:
"سليم راجع ليه؟ هاه جولي وجالك إيه ضحكتي أكده وعايزك في إيه وبيديكي تليفونه؟ انت عايزاني أقتلك وأخلص."
صرخت:
"يا ريت يا ريت يا أخي انت إيه عمونا مالك بيا انت هاه؟ مالك؟ أكلم أسيب مالكش دعوة فاهم؟ انت مش خاطب ماتروح لخطيبتك مالك بيا."
صرخ:
"مالي بيكي، إني مابفكرش غير فيكي. خطيبة إيه وطين إيه؟ إني رايدك هموت. انت مابتحسيش واصل."
هتفت بقهر:
"إني برضك اللي مابحسش. كفاية جهر بقى انت إيه."
واستدارت وتركته. وقف مهتاجاً ورزع أحد الكراسي بغضب:
"طب إيه الواد راجع يشاغلها داني ما خلصتش من الشايب يجيلي الجدع. أعمل إيه؟ أروح أفضحو عند مرته والا أهبب أي في أيامي الطين. يا رب."
ظل يغلي لا يعلم ماذا يفعل. أنهت هيا عملها ونزلت فوجدت سليم ينتظرها بالأسفل. بهتت من وجوده هتف:
"جمر رايد أتكلم معاكي ضروري."
هتفت هيا:
"خير يا سليم فيه حاجة."
هتف:
"خير، كل خير. اللي يشوفك يلاجي الخير. ممكن نقعد في حتة عايز أتكلم معاكي."
"لزومه إيه يابن الناس الكلام."
سليم:
"جمر اديني بس فرصة عايزك ضروري."
هنا كان جبل يمر فسمعه تقدم مسرعاً:
"خير يا سليم مش كت مشيت."
هتف سليم:
"آه بس كت رايد جمر في حاجة خاصة."
هتف جبل غاضباً:
"خاصة إيه دي… مرتك عارفة إنك واقف تتكلم مع اللي كت متكلم عليها رايدها في حاجة خاصة."
نظرت هيا وارتبكت:
"إيه ده بتجول إيه انت عيب أكده."
تنهد سليم:
"باين عليكو ما مرتاحين مع بعض فيه إيه يا جبل بتكلمها ليه أكده. عموما الشغل كتير والناس تتمني."
هتف جبل غاضباً:
"انت جاي تاخد سكرتيرتي إياك."
لم يرد عليه سليم ونظر لقمر:
"هكلمك في التليفون وأجولك رايد إيه."
وتركهم ورحل. هنا اشتعل جبل. ارتعبت فوجدت شلة بنات فندهت عليهم والتصقت بهم حتى رحلت معهم. وقف هو قلبه يغلي:
"الواد جاي ياخد البت الواد بيحارب على إيه؟ أموته والا إيه يا مري. لاه أكيد هيتكلمو ويتجابلو إني حاسس."
اندفع وركب عربته. تركت هيا صديقاتها ومشت تركب مواصلاتها فاعترضها سليم بعربته وأصر أن يوصلها. أهتاج جبل واندفع ورائهم وأوقفهم بالعربة كالمجنون ونزل وفتح الباب وصرخ فيها:
"انزلي انزلي."
شعرت بالغضب ونزل سليم وأخذه بعيداً عنها وهتف:
"فيه إيه يا جبل انت اتخبلت فيه إيه."
صرخ جبل:
"إني اللي اتخبلت، إني اللي متجوز وبلف على واحدة كنت عارفها عايزها ليه هاه جاي ليه تاني."
سليم:
"مالك انت اعوز وأتهبب الله ماتخليك في حالك يا جدع."
صرخ هاتفا:
"اخليني في حالي. جاي تلف على سكرتيرتي وتركبها وتاخدها ليه هاه بينكو إيه جاي ليه. ماتحترم حالك مش مخلف وسعيد."
صرخ سليم:
"لاه مش سعيد من يوم ما راحت لحياتي مش سعيد من يوم ماسيبتها مش سعيد من اليوم الأسود مش سعيد بحبها وبموت عليها."
صرخ جبل:
"يا نهار أبوك أسود بتحبها وبتموت عليها جاي عشان تشاغلها من تاني."
صرخ سليم:
"مالك انت."
نزلت برعب:
"خلاص يا سليم أبوس يدك بلاش فضايح."
صرخ جبل:
"فضايح وانت يهمك."
صرخ سليم:
"ماتكلمهاش أكده جدامي. جمر إني رايد أجولك."
اندفع جبل بحرقة خوفاً أن يعترف بحبه أمامه:
"ماتجولش ماتجولش احترم حالك وبيتك وبعد عنيها."
صرخ سليم:
"أعملها إزاي؟ من اليوم الأسود اللي سيبتها فيه. سيبتها وما وقفتش جارها في محنتها. من يوم ماسيبتها واني قلبي مهري. من يوم الحري…"
اندفعت صارخة وشدته:
"سليم سليم."
شدته بعيداً:
"أبوس يدك هو ما يعرفش حاجة. كل حاجة راحت وبعد عني الله يراضيك."
نظر إليها بوجع:
"إني مش هيأس برضك."
واستدار ورحل وجبل يقف يغلي. اندفع وشدها وخرج بها وهيا تحاول أن تنفلت منه إلا أنه لم يتركها ووضعها في عربته وانطلق بها فصرخت:
"انت مجنون رايح فين نزلني."
خبط بعنف بجوار رأسها:
"اكتبي يمين الله هاقتلك والا أدخل في عربية نخلص فيها."
انكمشت خوفاً وظل يقود حتى وصل إلى مرسى النيل ونزل وشدها وذهب بها إلى المركب وهيا تبعده فحملها ووضعها في الكابينة وقفل عليها وانطلق بالمركب إلى عرض النيل. كان يغلي وهيا تبكي وتشعر بالخوف:
"هو اتجنن. إني تعبت أموت حالي وأخلص بس الواد عيان. أعمل إيه يا رب والله ما عدت قادرة."
انفتح الباب وعيونه ممتلئة بالغضب فانكمشت وخافت. اقترب وهتف بغضب حارق:
"أيوه بصيلي بقى بخوف كأني هاقتلك بس هو فعلاً إني هاقتلك."
واندفع ومسك شنطتها وهيا مرعوبة وأخرج الكارت الخاص بسليم ومزقه إرباً وصرخ:
"بيديكي ده ليه جولي هاه بيديكي ليه؟ وواقف يجول الشغل كتير هياخدك مني. خدك مني مرة راجع تاني يعيد أمجاده مش اتجوز وسابك راجع ليه تاني انطقي وعايزك في إيه خاص… يا مري خاص… تاني يا سليم بنعيده أصله ما يعرفش يعيش عايز يعيش تاني. طب وإني هعمل إيه؟ هو يعيش وإني أكمل ميت."
كانت تنظر إليه كأنه مجنون. كان يدور ويكلم نفسه كأنه يهذي:
"إني هلاقيها من الشايب والا من المحروق ده. جاي عايز ياخدك مني تاني وإني أقعد أتفرج. أهبل وبس اتكتب عليا أتفرج وأتحسر. استدار واقترب فانكمشت ومسكها وشدها. انطقي كلمك في جواز."
صرخ بها:
"انطقي عشان لو حصلت هاقتله ولو وافقتي هاقتلك."
صرخت هيا:
"مالك بيا انت بقيت مش طبيعي اتجوز اللي عايزاه مالك انت مانت هتتجوز."
اقترب ومسك رقبتها:
"كأنه مالي بيكي دا حاجة حلوة. إني هنهبل ما عدتش قادر وبحلج عالشايب يطلعلي ده… وراجع يتجوز إيه هيحلج وإني أقعد أتحسر. ما أكونش رجل كنبة يا مري تاني. طب اسمعي بقى انت ما عدتش خارجة من هنا أما أشوف إني هحلج عليكي كيف. بعيد عن الرجالة يا تتجوزيني يا هتتحبسي هنا."
نظرت إليه بقهر:
"حرام بقى العبدة بتاعتك تعبت وترجعني بقولك أهو ومالكش دعوة بيا."
جبل:
"لا والله ماليش دعوة ها هتتجوزي الشايب والا المتجوز."
أحست أنه زاد وفاض فقالت بتشفي وهي تعلم مدى رغبته فيها:
"أي حد إلا انت أي حد يا جبل. سليم ماشي عرفان ماشي اللي هطوله ها تجوزه وأخرج من هنا وأكلم سليم إيه جولك بقى عشان تبعد عني وتجفل صفحتي خالص. إني بكرهك وقلبي بيكرهك."
تحولت عيناه إلى جحيم فخافت. اقترب بهدوء:
"لا والله بتكرهيني هتتجوزي أي حد إلا أنا. ليه ناقص رجل والا ماليش في النسوان؟ انت باينك ماتعرفيش جبل كويس. إني بقى هعرفك."
واندفع ينقض عليها بقوة وهيا تصرخ وتضربه وهو مهتاج لتدفعه بقوة وتتجه إلى أعلى المركب وتحدف نفسها. قررت أن تموت وتترك تلك الدنيا. ارتعب هو وقفز وراءها ونزل يبحث عنها. كانت تغوص فمسكها. ظلت تصارعه كانت حالة من الجنون مسيطرة عليها فكرة الموت بشدة. فيكفيها ما حدث. أما هو فارتعب فهي لا تتركه يمسكها فاندفع واحتضنها وهيا تحاول حتى خارت قواها وتاهت عن الدنيا فصعد بها على الفور. ألقاها على ظهر المركب وظل يصرخ ويتلمسها برعب:
"إيه انت كويسة كويسة."
ظل يختبر نفسها وبدأ ينفث في فمها لتخرج الماء من جوفها. ظلت تسعل بشدة وترتجف فشده إليها بقوة ظل يهددها وهيا ترتعش لا تفعل شيئاً سوى أنها ترتعش. كلبش فيها واحتضنها لفترة يهدئ نفسه، ففكرة فقدها جننته. قام وحملها وذهب بها إلى الحجرة أسفل المركب وأحضر لها ملابس من عنده وأعطاها لها. كانت تشعر ببرود شديد وأسنانها تصطك. لبست ملابسه وكان قد أحضر لها شيئاً ساخناً. اقترب مسرعاً وأعطاها إياه. اقترب ومسك يدها وجعلها ترتشف إلا أنها كانت ترتعش. قام مسرعاً ودثرها بغطاء واندس بجوارها لعل جسده يدفيء جسدها. كان يحتضنها وهيا ترتعش حتى هدأت قليلاً وبدأ النعاس يدخل إليها ونامت بين يديه.
تنهد هو وظل ينظر إليها يتأملها بوجع ويتلمس جبهتها وشعرها بحنان:
"كت هتعمل إيه يا محروق هتموتها؟ انت روحك كت هتروح منك. كت هاخدها غصب. اخص عليك وعلى صنفك. طب إيه إني محروق الواد جاي ياخدها ودي بتجولي اتجوز اللي أطوله. طب ماني أهو قدامك ليه؟ لاه أهو زفت زيهم. ماتخديني في سكتك يا مري هتجنن. كان يحتضنها رايدك والله رايدك هتجنن ما عدتش قادر."
مر الوقت وهو لا يفعل شيئاً وتأخر الوقت. قام وبعث رسالة لأبيها أنها عندها سفرية مفاجئة وستغيب يومين. عاد هو إليها واحتضنها. أحس أن حرارتها تعالت. قام مسرعاً وبدأ يضع الماء عليها. كانت في حال شفتيها ترتجف. اقترب يحاول أن يدفيها فتجمد عندما سمع همسها:
"جبل.. جبل.. خدت حجك.. سيبني بحالي. نفسي أموت.. ما عايزاش حد.. يا رب خد جمر.. جبل ماتوجعنيش.. إني مابكرهكش ولا عمري كرهتك."
رجف قلبه ونظر إلى وجهها. ملس على جبهتها ونظر إليها متنهداً:
"همست.. مابكرهكش ولا يوم كرهتك.. يا ريتني أرجع لزماني… عمري مانسيتك ولا هنساك.. ماتوجعنيش."
دمعت عيونه:
"صوح والنبي مانسيتيني. عايزة ترجعي؟ طب ماني أهو عايزك."
همست:
"إني مش رخيصة يا جبل. ماتت الدنيا في عيني ماريداش حاجة."
احتضنها فهمست:
"اللي بيا يجهر اللي بيا. لو تعرف هتشمت ألف مرة. خدت حجك يا بن الناس."
أحس بالجنون:
"إيه اللي بيها؟ هيا مخبولة وحق إيه؟ هيا غلبت تجول إني ما تهببتش خدت حاجة. إني رايدها وبس."
تجمد عندما سمع:
"رايداك بس ما جدرش. رايداك طول عمري رايداك. راجلي."
تسارعت دقات قلبه بعنف وزادت أنفاسه ونظر إليها متجمداً:
"راي راي.. رايداني…. جمر رايداني إني.. جمر رايداني.. هيا هيا.. ده بجد صوح. سمعت صوح والا انخبلت."
مد يده لمس وجهها:
"آه سخنة يعني من جواها. هزها.. جمر… تايهة أهو يعني الكلام صوح ده بجد. رايداني إني.. جبل ده لجبل الكلام ده… حاسس إني هنهبل. رايداني إني إني يا جمر.. البت رايداني راجلها. ابتسم ابتسامة بلهاء وسهم في وجهها. راجلها.. جبل راجل لجمر… أمال إيه.. قلبي بيدج أصدج طيب والا إيه في سنتي السودة إني هنهبل."
همست:
"ما رايداش سليم إني رايداك انت بس ماينفعش خلاص."
خفق قلبه وشدها يحتضنها:
"إني أهو ماينفعش ليه؟ لاه هينفع والله هينفع. إني هخليه ينفع. يغور في نصيبه تاخده مارايدهوش ده خلاص ورايداني إني… والله وإني هنهبل عليكي. ما رايداش سليم. أمال بتجهريني ليه وهو جاي ليه."
سهم قليلاً:
"هو جال إنه سابها في محنتها. محنة إيه؟ هما بينهم إيه؟ مخبين إيه."
همست:
"الحريقة جتلتني وجتلت أخوي وجتلت الدنيا في عيني."
همس:
"حريقة إيه؟ أيوه أخوها صوح. يكونش جالها حالة نفسية وسليم سابها في محنتها؟ أيوه الزبالة سابها بعد موت أخوها. أيوه ماهو مجهور جوي وبيجول عشان أكده مش رايده منه لله."
ظلت تردد كلماتها. فتح تليفونه وظل يسجل لها. صمتت وغاصت في نومها. شده إليه وأغمض عيونه وظل يعيد الكلام وابتسامته تتسع كأنه مس أو جن:
"رايدني جمري رايداني… جمر رايده جبل.. جبل راجل جمر."
وبدأ يضحك وسعادته وصلت عنان السماء:
"ماني عرضت عليها أخده ليه؟ لاه. إيه اللي ما ينفعش."
قطب جبينه:
"انت عرضت تاخدها؟ عرفي يا حزين انت مخبول."
ظل ساهماً:
"أمال آخده إيه؟ أكتب عليها جايز ترضي."
انفعل وهتف:
"لاه ماهكتبش ماهكتبش مش آخرتها تعمل فيا أكده وأرجع كيف الجزمه وتبقي مرتي بعد ما بقى معايا فلوس. الله يخربيت الفلوس لايامها مابتسعد نفوس. طب إني أعمل إيه؟ ما عارفش حاسس إني هتجنن خلاص."
ظل يحتضنها وهيا تردد باسمه. شعر أنه سيجن:
"لما إني جواك أكده بترفضى ليه؟ إيه حرجة الجلب دي."
ظل يلاطفها بالماء المبلل وهيا لا تزال تتلفظ باسمه فهتف بغلب:
"بطلي بقى انت هتجننيني…. بس خلاص لو إيه حصل هتبقي بتاعتي. دانت رايداني يعني اسمعها بودني واسكت. يمين الله ما يحصل."
وفتح تليفونه يريد أن يسعدها. اقترب وركن بجوارها إلى أن زالت حرارتها واطمأن ونام. مر الليل وأتى النهار. فتح عيونه فوجدها نائمة. قام يعد لها طعاماً وأتى. كان قد نشر ملابسها فنشفت ووضعهم بجوارها.
فتحت عيونها ونظرت إليه فانكمشت بخوف. تنهد واقترب مبتسماً:
"ما تخافيش والله ماتخافي. إني آسف ما كنتش في وعيي."
دمعت عيناها فمسك يدها وقبل يدها:
"إني آسف والله آسف. ما تحملت تجوليلي أكده."
سحبت يدها فهمست:
"عايزة أمشي. عايزة أروح."
تنهد:
"حاضر كلي الأكل ده الأول. إني جولتلأبوكي في رسالة إنك في شغل. أهدي وجومي البسي وهتاكلي ماشي."
تنهدت وتركها ولبست ملابسها. عاد إليها واقترب وبدأ في إطعامها وهيا قاطبة. كان يبتسم وينظر إليها، فهي بهجة للعين.
"إني آسف والله ماتحملت. ما كنتش هكمل والله كت غضبان وبرعبك."
تنهدت وأحنت رأسها. شدد عليها:
"يمين الله ما كنت هكمل. إني سليم وجوده فكرني بالحزن اللي فات وانبلت لما جولتي هاخده. بالله ماتزعلي إني آسف."
قبل يديها. همست بوجع:
"ممكن أمشي."
وضع الطعام جانباً ومسك يدها وهمس:
"ممكن تسامحيني طيب."
تنهدت بغلب فهمس:
"داني جبل الغلبان. والله غلبان غلب يقطع الجلب. ما صاعبانش عليكي واصل. تحني عليه يشوف عيونك رايحة. جبل الحزين اللي ماب تكرهيهوش."
قطبت جبينها فابتسم:
"أيوه.. سمعتها بودني إن جمر ماب تكره جبل."
ابتلعت ريقها:
"إني جولتل أكده."
ضحك وهتف:
"يووه جولتي أكده بس. دا الجمر جال وجال وجال."
نظرت إليه بذعر:
"جولتل جولت إيه تاني؟ دي دي تخاريف."
وقامت مسرعة تلبس حذاءها وخرجت وتركته مرعوبة:
"جولتل إيه يا مري؟ إني ما حسيتش."
كانت تقف ساهمة احتضنها من الخلف فانتفضت:
"ومالك مرعوبة أكده باللي جولتي."
ابتعدت وهتفت:
"واترعب ليه؟ مافيش حاجة أصلاً."
ابتسم وشدها إليه:
"يعني اللي تجعد طول الليل تنده باسمي مافيهاش حاجة."
ابتلعت ريقها. اقترب ونظر إليها نظرات أشعلتها وأربكتها فهمس بحنان ملامساً يدها بشفتيه:
"اللي تجول مابكرهكش ولا عمري كرهتك يبقي ما جواهاش حاجة. اللي تجول عمري مانسيتك يبقي ما جواهاش حاجة. اللي عايزة ترجع زمانها يبقي ما جواهاش حاجة."
كان قد التصق بها وهمس:
"اللي واقفه تتنفض جدامي أكده يبقي ما جواهاش حاجة. رفع وجهها فهس وعيونه عادت لجبل القديم اللي تهمس وتجول رايدك يبقي ما جواهاش حاجة. اللي تجول عايزة راجلي ما جواهاش حاجة….. لاه دا ألف حاجة زي ماني جوايا ألف حاجة. جوايا بيغلي من ليلة امبارح من ساعة ما سمعت رايدك. حاسس إني هنهبل. ليه تخبي ليه تبعدي؟ ليه حاسس دلوقتي إني طاير. وإني بقى رايدك وما عدتش هسيبك واصل لدماغك وهتروحي من هنا وهجهز حالي وأكتب عليكي. ماتخجليش إنك رايداني. هنعيش مع بعض ونشوف لحد فين يا بت الناس. إني كفاية عليا لحد أكده وما عدتش هسيبك لحالك وهتبقي بتاعتي خلاص. إني عرفت انت جواكي رايداني برضك يبقي نطفي رغبتنا في بعض وماهتكلمش في فلوس. إني كلي ملكك اللي رايداه هاجبهولك لو نجمة في السما. هتسيب الشغل وهجبلك بيت فيلا ان شالله قصر تجعدي فيه بعيد عن أي حد. هتبقي ليا وبس ونعيش أشبع منك وتشبعي مني."
مسكها وأجلسها وهيا تشعر بحسرة بداخلها هتف:
"تعالي شوفي شوفي وصيتلك على إيه. جعدت طول الليل أجيب. بصي دول خواتم ألماس أحدث حاجة بتوعك ليكي. أفرحك وبصي كمان الفساتين دي جمر كل دول ليكي. تلبسيهم ما عدتش أسود خلاص. خبطها على راسي وهتلبسيني برضك فستاني اللي حصرتيني بيه. وهنسافر ونفرح. بس فكري كل وعد وعدتهولك ها نفذه. احلمي وجبل ينفذ. والله عهد عليا لا أوفي بكل وعد. هنعيش حلمنا يا جمر. مامصدقش إنك عايزاني. والله هنهبل. انت بقيتي بتاعتي وإني بتاعك واللي معايا بتاعك ليكي. ولا عدت هتكلم في حاجة تضايجك بس خلاص ولا هذكر أي حاجة توجعك أو تزعلك وكلامي السم ها بلعه شالله أفطس بيه. أفرحك وتفرحيني خلاص. هنعيش مع بعض نستحق نعيش ونمشيها. جبل بعد ما سمع اللي جواك ماهيسيبوش واصل ده حقي بتاعي. ما عشتش يا جلب جبل ما عشتش حقي أعيش. جبل مات عالجسر حقه يتحيي من تاني."
كانت دموعها تسيل وتشعر برخص وهو يخطط لهما معاً حلم زمان بأرخص صورة:
"همست بالعرفي برضك."
هتف:
"عادي ياما ناس عايشين بعض ومرافقين بعض بالعرفي. والدنيا تمشي."
اقترب واحتضنها:
"جبل انت حجه وهاخده تالت ومتلت."
نظرت إليه بوجع:
"مرافقين… صح. لازم تاخد حقك تالت ومتلت."
هتف:
"هنمشي دلوقتي وبكرة هكلمك تمام ونجهز كل حاجة."
اقترب واحتضنها:
"واعرفي إن جبل مابيلعبش وإن رغبتي فيكي هاخدها لو إيه حصل."
وتركها وذهب ليعود إلى المرسى. خرجت من سكات والقهر عصر قلبها:
"أي رخص وأي هوان تعيشه."
هنا قررت أن تنهي كل ذلك وأن تجعله يندم ألف مرة على ما فعله بها. قررت أن تقفل قصة جبل وقمر نهائياً بلا عودة ولا أي أمل للعودة. قررت أن تجعله ينسى قمر وسكة قمر ويموت الحلم ويتلاشى. كان داخلها حلم مثله تعيشه ولكنه أبداً ليس حلم رخيص. فليموت الحلم ألف مرة ويموت كل شيء وتنهي على ماضي أكل قلبها. ماضي عاشته بوجعه ليعود الماضي ينهشها. وقفت تتأمل حياتها وشريط حكايتها. ابتسمت:
"خلاص أكده خلصت. لا عاد فيه جمر ولا جبل. قصة ماتت انهارده. قصة إني ها أقطع خبرها عشان العجل يرجع لنفسه ويعيش. لازمن إني أعيش ومن حقي أعيش مرة من غير جهر وهو كمان يعيش. إلا هو انبهل وما عدتش عارف يعيش. ما عاد هتجدر تقف جدامي يابن العزايزة ولا تفتح خاشمك."
ابتسمت:
"جمر ها تقطع كل حبال الوصل. كل حلم حلمته ها أقطعه. لاه همزعه وهنتشه وأرميه. روح الله لا يحكمك عليا أبداً."
واستدارت وهيا عازمة أن تنهي قصتهم وتبدأ قصة جديدة. وببدايتها ربما ستنكشف حقائق جديدة لم تنوي هيا أن يعرف بها أحد ولكنه قدر الله يسير بقدر. يا ترى هتعملي إيه يا قمر.
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ميفو السلطان
كان جبل قد ترك قمر ليومين تعد حالها. دخلت عليه المكتب، فاقترب واحتضنها.
"وحشتيني جوي."
مسك يدها وظل يقبلها بهيام. "اني مانمتش ليا يومين. مش متخيل هتبقي جاري وبتاعتي، والله حاسس اني هنهبل." قبل وجهها.
"اسمعي، انهارده هاخدك ونطلع عالمركب نجضي اول يوم مع بعض، تمام؟ وهتجولي لابوكي انك مسافره كام يوم، اياكي تجوليله حاجه."
ابتسمت. "كمان أبويا مايعرفش؟"
قال بلين وقبل خدها، "ويعرف ليه؟ احنا بس اللي يهمنا بعض. شوفي أسبوع هنجضيه مع بعض، اني كلمت ناس تحضر المركب اني وانت وبس. وكتبت الورجه عن المحامي وهتاخدي شيك الميت ألف وفوقيهم متين كمان، شوفتي أهوه بزيادة. هنروح نختار المكان اللي هنعيش فيه مع بعض."
قالت ببرود، "امممم… هنعيش كيف طيب؟ جول نورني وفرحني."
قال، "بصي، انت طول النهار هتبقي معايا. هخلص شغل بدري واجيلك عالمغرب اكده ونبقي مع بعض، واروحك بالليل لابوكي. وهنجول ده شغل برضك وهخلي الشركه تكلم ابوكي عشان يصدج وانت محتاجه فلوس. هتجولي انك بتاخدي شيفتات واعملي حسابك يا جلب جبل فيه أيام هتباتي معايا." اقترب وشدها. "اني حاسس اني هنجن وماهشبعش منك."
ابتسمت ببرود. "وايه كمان؟"
قال مبتسمًا، "كتير، مخطط لكتير والله. أكده نبقي مع بعض."
ابتسمت. "اممم وهتطلجني بعد شهر؟"
اندفع وهتف بلهفة، "وليه يا جلبي تطلجي؟ هيبقي ناجصك إيه؟ فلوس؟ هتاخدي راجل ورايدك، هتطلجي ليه؟ خليكي."
ضحكت. "صحيح، ما أخليني، هطلج ليه؟ ماني جاعدة بتحضن بفلوس وبنام بفلوس، عشيجه يعني."
تنهد. "جمر، مش هنرجع لجديمه بقه؟ ما خلاص اتفجنا، ماشي؟ المحامي بيكتب الورجه وهيجبها." أتي المحامي وأعطاه الورقة. ابتسم واقترب. "يلا يا جلبي تعالي امضي."
نظرت إليه ونظرت للورقة ومسكتها، فاحتضنها. "شوفي كاتبلك أهوه تلتميت ألف، مش ميه ولا كنوز الدنيا. جبل بقي معاه يجبلك أحلمي، هيجيب بس ياخدك ويفرح. هفرح أخيرًا وتبقي ليا، بتاعتي بتاعتي اني. من ساعة ماسمعت رايداك واني مهبول. كن فين ده من يوم ماشوفتك ليا؟ ياما بنحرج، بس خلاص يا جلبي ماعاد فيه حرج واصل، فيه فرح، فيه جبل اللي هياخد جمر أخيرًا ويرتاح. أهوه امسكي يلا امضي وهننزلو في ساعتها، ما مصدج والله. يلا بسرعه عشان مانتوخرش."
نظرت إلى الورقة بدأت تقرأها وقلبها بدأ يدق بعنف. ولمحت سطراً أحست أن قلبها تمزق أشلاء. همست…
"…على أن تتزوج قمر حمدان من جبل العزايزه، وليس لها أي حقوق لديه، وليس من حقها أن تطالبه بأي شيء، وأنها أخذت حقوقها كاملة. كما أن هناك اتفاق أن لن يكون هناك أطفال طوال مدة الزواج. وإذا تم الطلاق من حقه أن يأخذ الورقتين، ولا يعرف أحد عن تلك الزيجة شيئاً، وإلا تعرضت للمساءلة القانونية…"
ابتلعت ريقها وبدأت تحس بدوار. "ماهذا الرخص؟ ماهذا الهوان؟ لهذه الدرجة رخيصة أمامه؟" ابتعدت ونظرت إليه، ظلت تنظر إليه ولا تنطق. "انت ازاي أكده؟ انت بجد طلبت من المحامي أكده؟ إيه المرار ده؟"
خفق قلبه وقال برهبة، "فيه إيه مالك؟"
نظرت إليه بسخرية وبقهر. "مالي… مالي الحزن كله والجهر وجله الجيمة يابن العزايزه… مالي؟ بتسألني مالي؟ يا مصيبتي. واجف تجسم وتشتري وتبيع، ليه اني كت طلبت منك جواز من أساسه؟"
قال بغضب، "انت مخبولة؟ ماتفجنا وخلصنا."
ضحكت. "اتفجنا؟ اتفجنا على إيه؟ جول… اتفجنا أبقى عشيجة تكون ليك في الدرا… اتفجنا ترميني في بيت من ورا أبوي وتيجي تنام معايا زي الحرامية وبتوع الليل… اتفجنا تدفعلي فلوس حج نومي معاك… اتفجنا أترمي بعد ما أسيبك رمية الكلاب، أبقى متأخدة في الحرام، ماني ماهجولش اني متجوزة… يا مري، اني رخيصة قدامك أكده… كتبت ده؟ جول كتبته؟ انت جولتله يكتب؟ ما مصدجاش… جلبي منك لله، بيتمزع. اني دي آخرتها، آخرة صبري، آخرة حزني وأيامي الطين. آخرتها يا جبل، بت ليل في الدرا."
صرخ، "أمال عايزة إيه انت؟"
صرخت، "عايزة… عايزة… ماعايزاش، ماعايزاش يا كافر، ماعايزاش منك حاجة ولا عايزة أشوفك."
صرخ، "انت انخبلتي؟ مش كتي رايدة زفت فلوس؟ انت هديكي الميت ألف، مش كتي مجهورة؟ اديني هتهبب، رايدة إيه؟"
قالت بقرف، "ماريداش، ولا عت رايدة حتى أبص في وشك. انت آخر واحد دلوك عايزة أشوفه."
اقترب وشدها. "لاه بجولك إيه؟ عجلي، احنا خلصناها امبارح وانت رايداني، بلاش هبل. اني مابيتلعبش بيا. لو رايدة بزيادة هديكي، إنما تلغي لاه، ماهيحصلش. انت رايداني وهتموتي عليا، ابقي راجلك. وهبقى كيف غصب؟ هبقى."
انطلقت تضحك. "كده أكده، كيف غصب هبقى؟ ليه يابن الناس؟ واجعة جدامك؟ عايز تعيشني عمره كله في الوساخة؟ طب اني عشت حزن ياما، كمان هتحط عليهم وساخة؟ إيه ده؟ كابوس مابصحاش منه واصل. هو مافيش غيري يندعك؟ وشي مافيش خالص؟"
ابتعدت ونظرت إليه بسخرية. "بس اطمن، خلاص. اني ماعتش عايزة فلوس. ولو هيكون لما أكون بموت، ماهيبقاش منك. اطمن وارتاح وريح حالك وعين فلوسك وحطهم على بعض. انت تعبت في الفلوس، خليهالك يا جدع."
قطب جبينه ورجف قلبه برهبة. "إيه؟ ماعتيش كيف ده؟ أمال كت مجهورة جوي وعايزة فلوس؟"
قالت، "لاه، خلاص ماعايزاش. والله." واستدارت. "الله يسهلك حالك ويبعدك."
اندفع يكلبش فيها. "انت بتجولي إيه؟ خلاص إيه؟ ويسهل إيه؟ يعني إيه مش هنكتب؟ انت انت… لاه، مش بعد ما نمت أحلم بيكي تصحي تغفلجيها عليا؟ اني ما عارفش أتنفس. أجضي ليلة أحلم بيكي في حضني مهبول، وتجومي تجهريني أكده؟ الفلوس موجودة، والله هديهالك بزيادة، عجلي. اني ما هسمحش بده."
هتفت ببرود، "هتعمل إيه؟ واني مش رايدة."
هتف، "هعمل يا جمر، انت ماتعرفيش جبل. جبل لو أنهبل، ما هعرفش هعمل إيه." اقترب وشدها. "إيه اللي حوصل من ساعتها؟ إيه جد؟ جمر، انت بتكيديني صوح؟ عايزة تعرفي كد إيه اني رايدك ومهبول عليكي؟ إيه حوصل؟"
ابتسمت ببلادة. "أصلي اتصرفت."
نظر إليها واشتعل. "اتصرفتي؟ اتصرفتي منين؟"
اقتربت وقالت، "اتصرفت من جوزي."
ابتعدت وركنت على المكتب وبدأت تتأمل. من وقف قلبه تمامًا، وانهال عليه سواد الدنيا. ظلت تنظر إليه بشماتة وتستعيد حالتها حين عادت إلى بيتها، كيف كانت تشعر بالموت. أن عشق حياتها نهش قلبها وذبح فؤادها، وكيف قضت ليلة مميتة، ليلة سالت دموعها أنهارا، ليلة ناجت ربها أن يرحمها، ليرسل لها رب العباد يدًا حنونة تمسد على قلبها.
وجدت الحاج عرفان يأتي لها في الصباح. دخل عليها قائلاً، "جمر، فيكي إيه؟ اني نمت، صحيت، حسيت فيكي مصيبة."
نظرت إليه ولم تعرف ماذا تقول، فانهارت أمامه وظلت تبكي وهو مذهول. اقترب وقال، "فيه إيه؟ جولي."
حكت له كل شيء، كانت تعتبره كأبيها. جلس هو يفكر لفترة فقال، "اسمعي يا جمر، اني هتجوزك ودلوك."
نظرت إليه، "بتجول إيه يا حاج عرفان؟ انت ذنبك إيه؟"
قال بتصميم، "بجولك هتجوزك وهتبقي بتي اللي ماخلفتهاش. ماهو ماحدش بيعيش العيشة دي. اني بقه هعرف الكل إن جمر ماحدش يطولها، وعشان تطولها لازمن تعرف قيمتها وتنذل لأجل تراعي وتطبطب وتموت على طرفها."
قالت بغرابة، "هو مين يا حاج؟"
قال بوعيد، "صاحب النصيب اللي ربنا جاسمهولك يا بتي. بس خلاص، اني هتجوزك، ماحد هيمس طرف توبك. اني هجفل جصة العفاشه نهائي، كفاية أكده الكفة لازمن تتعدل والمايل يرتدع. بكفاية عليكي أكده. واه هدفع فلوس عملية باسم، ومن بكره هيعمل العملية."
نظرت إليه دامعة. "بجد يا حاج؟ هتدفعلي فلوس؟ بس اني اني…"
ابتسم وقاطعها، "قصدك ماهتدينيش حاجة؟ ماهتجوزكيش يعني؟ يا بتي، اني مرسول ربك. ماعايزش جواز من أساسه. اني مرتي بعيني لحد ما أموت، بس اني ما هتخلاش عنك عشان أجابل ربنا وأكون عملت اللي انطلب مني. اسمعي يا بتي، انت لو جبل كان برك، انت ماعملتيش حاجة لدكله. كتي صغيرة، ماحدش بيحاسب عيل صغير إلا المخبول. والمخبول لازم ينخبل بزيادة عشان يعرف إن الله حج. ويلا، هروح أجيب المأذون."
تركها وذهب. وقفت هي، دقات قلبها تدق بل تصرخ وتستغيث. أهذه نهاية قصتها؟ انتهى الحلم؟ ستتزوج وتقف قصة جبل؟ تنتهي قصة العذاب؟ ركنت تفكر والحلم يتوالى عليها بجنون. أتى عرفان، وقفت أمام المأذون وبدأت المراسم. ليأتي وقت أن طلب منها المأذون أن توافق على الزواج.
هتف الرجل، "جولي يا جمر. زوجتك نفسي يا عرفان. جولي."
ظلت تنظر إلى يده وتنظر لعرفان ودموعها تسيل. ربت عرفان على يدها ونظر إليها بحنان. هتف الرجل مكررًا، "جولي يا بتي."
"اني زوجتك نفسي يا عرفان."
ابتلعت ريقها، وكان الكلمات انحبست بداخلها. لتقول، "اني… اني… اني…" لم تستطع أن تنطقها. لم تخرج الكلمة، كأن قلبها يعرف من مالكها زمن رفيق دربها، حتى لو حلمًا. شدت يدها ونظرت لعرفان بقهر. لم تستطع أن تكتب على اسم شخص آخر. نظرت لعرفان وأجهشت بالبكاء.
تنهد وقال، "إيه؟ ماجدراش؟ إلا تكوني ليه؟ للدرجادي بتحبيه؟"
أحنت رأسها. تنهد وقال، "طب جومي يلا." وانصرف المأذون وجلس معها. "طب يا بتي، اني هجول للناس إننا اتجوزنا، وتيجي وأبوكي تجعدوا في بيتي. اني بيتي كبير، ياخد ويساعي، بيتي فيه مكان تجعدي فيه براحتك انت وعيلتك من غير خشا ولا دوس على حرمانيتك."
قالت بقهر، "وانت جايلك بايه الحزن ده؟"
ابتسم. "جايلي، هتعرفي بعدين. جايلي أرجع العجول وأعدل المايل يا بتي. جايلي أحطك عالدنيا الصوح. جايلي إنك بكفاية وربنا بعتني عشان أجول بكفاية."
همست، "تجول لمين؟"
ابتسم. "أجول لدنيتك اللي اتحطيتي فيها واندعكتي. أجولها بكفاية أكده. جمر ليها حج في الدنيا هتاخده، وحتى لو ماخدتوش، ماينحط عليها من الدنيا إلا خيرها. سنين عذاب ماتستحقيهوش يا بتي. بس رب العباد بعت ليكي رد جضاه. أيوه، اني جاي أرد جضا الحزن والهم. وهتشوفي يا بتي، اني بدخلتي حياتك المايل هينعدل ويتردله عجله. بس اصحك تعرفي حد، فاهمه؟"
وأخذ باسم لترتيب العملية في أكبر المستشفيات، وتنتقل قمر على عجالة وأبيها إلى بيت الحاج عرفان. كان بيتًا كبيرًا ليستتب لها الأمر وتشعر لأول مرة بالراحة وتنام. ومع ذلك، كان الحلم لا يتركها.
فاقت قمر وعادت هيا إلى واقعها عندما صرخ جبل، "بتجولي إيه؟ اتجوزتي؟ اتجوزتي يا جمر؟"
قالت ببرود، "اه اتجوزت على سنة الله ورسوله، عند مأذون وجدام الدنيا والحكومة. اتجوزت يا حبل بجسيمه وختم ودفاتر. اتجوزت بمأذون ورجاله وشهود وخلج وليله. اتجوزت بأبويا وبجرايبي وحيراني والخلج وأمه، لا إله إلا الله. اتجوزت في النور، لا حرامية ولا بت ليل. اتجوزت بالخلال، لا حرامي ولا عرفي ولا جته تتاخد بالفلوس ويتكتبلها ورجة نجسة متشرطة، بس متشرطة في الجته. اتجوزت راجل محترم يعرف ربنا يا جبل. راجل لا عايز جسمي ولا عايز حاجة. راجل عايز يصون. راجل جالي تعالي بالحلال، هاه الحلال يا جبل اللي اني استحقه."
أحس أن قلبه انفلق نصفين، وبرقت عيونه ووضع يده على قلبه. "اتجوزت؟ جمر اتجوزت؟ اتجوزت وسابتني؟ أمال اني هتجوز مين؟ داني نمت أحلم بليلتى. اتجوزت." نظر إليها أحس أنه سيموت أو يقتلها. هجم عليها ومسكها من رقبتها. "اتجوزتي؟ اتجوزتي؟ راجل غيري؟ انطقي… اني هجتلك، تدي نفسك لراجل تاني، والله أموتك."
بعدته بعنف. "أدي نفسي لراجل تاني؟ انت غريب ليه أكده؟ مش اني بت شمال يا جبل؟ والا إيه؟ نسيت والا حرجاك؟ ادي نفسي لتاني دي. هو أني كت هترهبن عليك العمر كله يابن الناس؟ كت هعيش ممسحة ليك عمري كله يا جبل؟ تشتري وتبيع وتجطع فيا؟ عارف انت مجهور دلوك جدامي؟ عارف ليه؟ عشان كت عايز جتتي ومن جواك متأكد إن عمري ما كت هبقى لحد تاني غيرك."
صرخ بحرقة، "ولما هو أكده، عملتي ليه أكده تاني؟ بتعيدي حرجة قلبي تاني."
قالت بحرقة، "جلبك هو فين؟ جلبك يا جبل؟ جلبك مااات هناك عالجسر اللي فوتك عليه، لما دخل مكانه الغل. الناس بتتخاصم، بس انت فجرت في الخصومة يا جبل. تجولي حرجة جلب؟ واني إيه؟ جول… جول يا أخي إيه؟ من ساعة مارجعت كت بتعمل إيه في جلبي يابن الناس؟ ماليش حج زيك اتجوز؟ مش كت هتتجوز بت خالك؟ جولي ماليش حج؟ والا هجعد أتحسر عليك العمر كله. جول، رايد تاخدني بالعرفي وترميني؟ دا إيه الجرف ده؟ عرفي؟ اني اتاخد عرفي؟ جول، هو اني استحج كل ده؟ استحج كل تمزيعك ده؟ طب اني كبرت يا جبل وانت كبرت وفوتنا المعيلة لحالها. بس انت لساتك عند العيل اللي عالجسر. زمانك وجف هناك والعجل راح ومافضلش إلا جبل وغل الجبل. اسأل حالك، استحج ده كله؟ واحدة سابت واحد يرجع لها ينهش فيها أكده؟ وكاتبلها ورجة وسخة بالفلوس؟ يا مري. ده آخرتها؟ لاه والله أبدا… اني حجي أختار وأنجي، مش جبر وتقطيع ومرافقة. اني تجولي هنترافق؟ اخص عليك. دانت ماسبتش حاجة نجسة من ساعة ماجيت ماعملتهاش. لا ساعة ولا يوم إلا ماعملت عملة أوسخ من اللي جابليها. من أول التعيب والتعيير واهانات ومسخرة وحزن أسود، وآخرتها عشيجة بفلوس؟ بت ليل يعني… بس ربك رايد إنه ينجيني من ذُلك واتجوزت راجل زين."
صرخ، "مين؟ اتجوزتي مين؟ اجهريني، كملي جهر."
"اتجوزتي العجوز اللي ركبتي معاه صوح."
ابتسمت، "الله عليك… شوفت عرفان أهوه ده."
صرخ، "وواخده الشايب ده تعملي بيه إيه؟"
هتفت مبتسمة، "وكت هاخد الجدع أعمل بيه إيه بالعرفي يا جبل؟ كان هياخد جسمي ويرميني. عرفان عايز يبجالي راجل يصون ويخاف عليا، واني ماهجولش لاه. خد اللي رايدك وخليه يحطك في عينه، وهو جال."
صرخ، "اني هروحله وأطلقك منه وأخليه يعرف كل حاجة. اني هتجوزك، وإن كان عالعرفي هتجوزك رسمي، إيه جولك؟"
انطلقت ضاحكة. صرخ، "انت بتضحكي على إيه؟"
قالت، "بضحك على إيه؟ عليك يا غلبان. بتطلق وتتجوز ليه؟ ربنا ياخي وتروحله تجوله إيه؟ اني شمال، اني اتاخدت، اني كت ماشية معاك. اهو عرفان بقه عارف كل ده."
نظر إليها مذهولاً، "عارف؟ عارف وعادي أكده؟ انت كدابة."
تنهدت، "ايوه يا جبل. اني جولت لعرفان كل حاجة، وحاجات انت ماتعرفهاش ولا هتعرفها لحد ما أموت. عشان هو صاين النفس وانت العكس. عرفان سمع وحس، سمع وربنا بعتهولي عشان ما أكملش حياتي ممروط نفسي يا جبل. تخيل أكده إحساسي إيه وانت بتدعك فيا؟ خطوبة وفرح وحزن أسود، وآخرتها عرفي يا مراري. بس عارف… عرفان ماصدجش إني شمال، وهو مايعرفنيش. وانت صدجت إني شمال وانت عارفني ومتأكد إني مش أكده. انت عمرك ما لمستني يا جبل، ولا فرطت في حالي ليك. واني كت صغيرة وبتغندر، وكان سهل أسلم ليك، بس انت ما عرفتنيش يابن الناس. صدجت ليه يا جبل؟ حط عيونك في عيوني، صدجت ليه؟ كت جبتني من حضن راجل؟ هاه؟ جول. بس عارف انت صدجت ليه؟ عشان مغلول ورايد تبرر غلك ده لحالك. عشان شيطانك كبر جواك. ازاي جمر تسيب جبل؟ لاه ماينفعش يتساب. مع إن كت عيلة، عادي ياما عيال بتحب وتسيب. وبرضك ما هجولش اللي في جلبي يابن الناس. عارف ليه؟ عشان انت ماتستحقش ترتاح. كت فوض أمرك لله. انت دعيت عليا عمر، واني دعيتلك عمر. وربنا أعلم بالدعاوي نزلت فين وعلي مين. ولحد أهنه خلصت." واستدارت ذاهبة.
فهجم عليها وكلبش فيها بقهر وشعر بذبحة في صدره. "راحه فين؟ راحه فين؟ هتسيبيني وتروحيله؟ خلاص أكده؟ دي حياتنا خلصت على أكده؟ لاه، ماهجدرش. حاسس بموته جوايا. اداراها بعنف وصرخ، "بصيلي."
كانت تشعر بوجعه، ولكن يكفي. يجب أن يستمر كل في حياته. يجب أن ينساها ويقفل بابها نهائي. صرخ، "بصيلي."
نظرت إليه بجمود. صرخ، "لاه، مش دي؟ مش عيونك دي؟ دمعت عيونه. عيونك اللي كت رايداني. اني اني ما جدرش. بصي، والله هكتب عليكي رسمي. خلاص، هكتب رسمي. اعملي ما بدك وهاتي ورج الدنيا، حطي شروطك واني هوافق. اطلبي فلوس الدنيا، هجبهالك، بس ماتروحيش لغيري. اني ما صدجت أرجع أجيكي. خاليه تدبحيني أكده. اني رايدك. بفكر في ليلتي معاكي زي المجنون."
دفعته. "بعد يدك ده مش حجك يابن الناس. واني أصون راجلي لو على موتي. أسيب إيه؟ هو اني كت معايا عشان أسيبك وأروحله؟ وتاني فلوس؟ لساتك بتتكلم في الفلوس؟ محروجة يا أخي بقه. وكل دماغك ليلتي وبس؟ جتتي وبس؟ والله لو ينفع كت ريحتك، بس ماينفعش يابن الناس. كفاية، كفاية. لو كت جيت ورجعت جبل اللي أعرفه، ماكنش كل ده حصل. كت عايزة فلوس للواد الغلبان اليتيم اللي جلبه عيان. جيت أطلب منك فلوس، جولت جايز يديني. لاه، بعتلي فاجر. وجه يقطع ويشرح. وتمر أيام وانت بتمزع."
دق قلبه بعنف ثم صرخ، "ماجولتيش ليه؟ كت اديتك. يعني انت متجوزاه عشان يعمل للواد العملية؟ ماجولتيش ليه؟"
ابتسمت، "انت مصدق حالك؟ لو كت جولتلك كت هتجولي هديكي، بس هتديني مقابل فلوسك بس. كت هيبقي أفظع. كت هتعرف إن اني ماهنطقش ولا هجدر أجولك لاه. محوجة ومكسورة عشان الواد. جبل عرفان حس بيا. عارف يعني إيه لما روحت من عندك؟ جهرتي كانت بتمزعتي. جالي الصبح، جالي بيكي إيه؟ حلمت بيكي موجوعة."
نظر إليها مذهولاً، ابتسمت. "عرفان راجل بتاع ربنا، عايز يصون. ربنا باعته. جاي تجولي فلوس وعملية؟ هيا خلصت أكده؟ بعد عني يابن الناس. لاه، اني ليك ولا هكون ليك."
مسك يدها واعتصرها. "لو مفكرة إني هسيب حجي، تبقي مفكرة جبل أهبل. انت حجي. انت حج سنين سودة عشتها. واني راجل مابيفرطش في حجه، وفوق أكده عرضه وحرمته. وعشان أكده جابلي بقه يا جمر. انت اللي رمحتي، واني هعرف أرجعك إزاي."
دفعت يده وهتفت، "عندك حيطان البلد ارزع فيها راسك. خلصت الجصة والله خلصت. جصة جمر وجبل خلاص. عيش يابن الناس. بدعيلك أهه، تعيش وتفرح ويحلالك دنيتك. جمر راحت من حياتك. كمل حياتك يا جبل ودوس عالماضي. الماضي يوجع ويموت."
واستدارت وخرجت. وقف هو يشعر بنار في جوفه، ينهج وقلبه انشق. استدار يكسر المكتب والغضب ينهش حاله ويصرخ، وهيا تسمع صرخاته وقلبها يأن وجعًا، فحالته مريعة.
"البت راحت… أكده خلاص… اتجوزت الراجل العجوز… اتجوزته وجالتله كل حاجة. أمال هفركش الجوازة إزاي؟ أموته؟ آه، أموته. مافيش حل تاني. لازمن أموته يا ربي عالحزن. راجع أعمل إيه يا حبل؟ راجع تموت جدامها؟ ما كفاهاش اللي عملته فيا؟ يا مري، أعمل إيه دلوك؟ البت راحت. الراجل الشايب خدها مني. دا فيه حيل يتجوز؟ أروحله؟ أه، أروحله. أجوله إني عايزها. أجوله انت مش توبها ولا هتنفعلها. أجوله إنها حجي وحج سنيني السودة."
ظل جالسًا يأكل حاله. "انت راجع تنتقم على دماغك؟ أه، حرقت جلبك. حرقت جلبك يا بت حمدان. عرفتي تموتيني تاني يا مري؟ حاسس بعصرة. تاني كني عالجسر. أعيشها مرتين؟ متأتين يا جمر؟ تكوني لغيري؟ لاه، لاه. آآآه. ما جدرش. هنجن."
قام وصرخ بأعلى حسه وخبط زجاج المكتب، فانشقت يداه وهبط الزجاج كالهشيم. لم تتحمل هيا فدخلت مسرعة. "فيه إيه؟ اتجننت؟"
نظرت ليداه ارتعبت، فهي تسقط منها دماءه. فاندفعت مرعوبة وبلهفة. "يدك مالها؟ يدك؟ انت مجنون؟" شدت وشاحها الذي تلف به رقبتها ووضعته عليه، وقلبه يخفق بشدة، فلهفتها أكلت قلبه. ظلت تمسك يده. "اجعد، اجعد، اني هعملهالك. اضغط أهنه."
امتثل لها وقامت مسرعة تحضر المطهرات وبدأت تطيبها بعناية. وهو يتأملها وعاد الجبل خاضعًا لأنثاه. فقربها وحنينها ولمساتها جعلته يحن إليها وخوفه من بعدها. كانت منحنية ورأسها أمامه، اقترب لا شعوريًا برأسه من شعرها وأغمض عينيه. كان يشعر بها وفقط، وزال ألم يده. همست بحنان ورفعت وجهها. "حاسس بإيه؟"
دمعت عيناه. "وجع، وجع يا جمر."
ارتبكت وقامت مبتعدة وهتفت، "هجبلك حباية." قامت واتجهت للباب.
اندفع إلى الباب وهتف، "مفيش إلا حباية واحدة هتداوي جلب اللي انهرى له سنين. خافت أن تنظر إليه. مسك وجهها. "بصيلي، بصيلي. جبل موجوع يا جمر."
ظلت ساهمة تنظر إليه وهو يرى العشق بعيونها. أحس بالجنون، فنظراتها عادت إليه. مسك يدها يضعها على قلبه. "الوجع أهنه طافح وزايد." اقترب أكثر. "انت الدوا، انت راحتي. انت يا جمر."
أغمضت عيونها وهو يداعب خدها مبتسمًا بحنان والغلب ظاهر عليه. فانتفضت وابتعدت وتركته مسرعة وخرجت. ليركن على الباب ويضع يده على قلبه. "هتفضل عمرك كله عايش سواد ولا هترتاح يا جبل؟"
عادت قمر إلى البيت مقهورة، فهي قد أنهت آخر أمل له أن يكونا معًا. دخلت وجلست واطمأنت على ابن أخيها. دخلت على عرفان وقبلت رأسه. "ازيك يا أبوي؟" فهي منذ أن جلست معه تناديه بأبيها.
ضحك عرفان. "نفسي يسمعوك، يزفوكي، بتجولي لجوزك يا أبوي."
ابتسمت. "إيه زعلان؟ أجولك باسمك عادي."
هتف، "لاه، اني حابب أبقى عرفان منك جوي. انت بتي وكمان باسم بيجولي، انتو مليتو عليا الدنيا يا بتي. وأبوكي راجل طيب، ربنا يخليه."
ابتسمت. "انت اللي دخلت عليا الفرح يا أبوي. ربنا يخليك ليا."
قال، "عاملة إيه؟ جابلتيه؟"
أحنت رأسًا. "جولتيله إنك اتجوزتي." تنهدت بحزن. "ايوه." نظرت. "وعرفت كيف؟"
هتف، "شوفت عيونك الحزنانة."
قال مبتسمًا، "واكيد هاج وجلبه انحرج صوح."
أحنت رأسها بوجع. "جطع جلبى يا با عرفان."
ابتسم عرفان. "اللي يحب ويعشق يعمل أكتر من أكده."
قالت بوجع، "يعشق؟ يعشق إيه بس؟ جبل بيكرهني يا با الحاج. جبل رايدني رغبة وجالها ياما. حب وعشق ماتوا من زمان. اسكت والنبي."
ضحك. "كأنه إيه؟ والله انت هبلة. ربنا يهدي العاصي."
قالت، "اني هسيب الشغل. جولتله أكده بعد شهر."
قال، "ليه؟ ماجدراش تجعدي معاه؟ خايفة منه والا من نفسك؟"
قالت، "لاه، خلاص كفاية جهر أكده. يخرج من حياتي بقه."
رفع حاجبيه. "صوح؟ عايزاه يخرج من حياتك يا جمر؟"
تنهدت. "جبل ما عملش غير إنه بيوجعني يا با عرفان."
قال، "ماهو انت برضك دبحتيه يا بتي. دا غلبان. مالوش عذر عندك يا بتي."
هتفت، "حتى لو له عذر، هو جلبه نتشه والغل طاح جواه. حتى لو مافيش، هيعمل بيا إيه؟ انت خابر."
قال، "قصدك الخلف."
قالت، "خلف من ناحية، وجتتي اللي تخوف من ناحية تانية."
هتف، "بس اللي يعشق ما تجفش جدامه حاجة أكده."
قالت بوجع، "اللي يعشق بقه يا حج. جبل رايد جته منورة والجته معيوبة. وحزن جبل رايد الغندور اللي كت بتتخايل بجتتها تلبسله وتنور فرشته. انما اني إيه يا حج؟ لو تشوف الحال يخوف. لله الأمر… تنهدت. أما أجوم أطلع أشوف أبوي وأنام. تعبانة. عايز حاجة؟ جبل مانام."
هتف بحنان، "أعوذك. طيبة حبيبتي."
عند جبل، كان يجلس يغلي في بيته، يدور هائجا، لا يقوى على النوم. يدور كالأسد المذبوح. حاول أن يصمت ولكنه لا يتحمل كونها في بيت رجل آخر. لاه، هيا أكيد ما حلتلوش. آه، أكيد. هب مندفعًا. "لاه يمين الله ماهجدر." وأندفع يسأل ويتقصى حتى علم بيت عرفان، فهو صاحب بيت قمر. مر الوقت وأصبح الوقت متأخرًا، قرابة الفجر. رن جرس الباب. قام عرفان وكان يصلي الفجر. فتح الباب ليتفاجأ بوجود جبل.
"انته؟ فيه إيه؟"
اندفع جبل. "عايز أتكلم معاك."
هز عرفان رأسه. "دلوك، احنا الفجر يا ولدي."
قال بجمود. "عايزني أستناك للصبح؟ هستنى. أنزل أقف تحت للصبح."
تنهد عرفان وقال، "خش يا ولدي. تعالي."
دخل جبل وعيونه تتلفت وقلبه يخفق. "هيا نايمة فين؟ نايمة في أنهي مجعد؟ جلبي فينها؟ أخش أهجم عليها أجيبها؟ يا حرجة جلبك يا جبل. جلبي هينشج. اني جاي ليه؟ ما عرفتش أنام يا مري."
كان ساهما. ابتسم عرفان، فعيوته زائغة. "أجعد يا ولدي. مش انت اللي جيت يا ولدي من فترة تكلمني عن جمر؟ خير؟ فيه حاجة تاني؟"
قال، "ايوه يا حاج."
نظر إليه عرفان يتفرس فيه. "طب جول."
ظل جبل يفرك وعرفان ينظر إليه ويتفرس فيه، فاندفع جبل بحرقة. "هيا… هيا مابتحبكش يا حاج. اتجوزتها ليه؟ جمر مش توبك يا حج."
رفع عرفان حاجبيه من جرأته فقال، "انت جاي الفجر تجولي إن مرتي مش من توبي؟ انت مخبول يا ولدي. حد يجول أكده لراجل على مرته؟ ومين جالك إنها مابتحبنيش؟"
قال جبل، "اني خابر يا حاج. انت هتعمل بيها إيه طيب؟ دي عيلة صغيرة. مش حرام يا حج."
ابتسم عرفان متعجبًا. "أعمل بيها إيه وحرام؟ الستر للبنت وحش."
قال جبل بحرقة. "لما يكون من توبها، مش كد جدها. بص ليها. ما صعبناش عليك تاخدها عيلة عايزة جدع يجدرها."
نظر إليه عرفان وضحك. "وانت بقه الجدع ده؟"
ارتبك جبل، فهتف عرفان. "جمر ما جالتش جدعان تجدرها يا ولدي. خدت الشايب اللي بتجول عليه."
قال جبل، "بس هيا جلبها مش معاك. انت ما خابرش حاجة عنها واصل."
قال، "قصدك إنها كت بتحبك وانت كت بتحبها وسابتك يا ولدي؟ قصدك أكده؟"
بهت جبل. ضحك عرفان. "جمر جالتلي على حياتها كلها. ما خبتش حاجة يا ولدي."
رجف قلب جبل. "جالتلك كل حاجة؟ كل حاجة؟"
ابتسم عرفان. "ايوه. وفيه حاجات انت ما تعرفهاش كمان. بس خدت عليا عهد ما أجول لمخلوق."
هتف مندفعًا. "حاجات إيه دي؟ حجي أعرف."
قال عرفان. "لاه، ماعتش لك حجوج عندها. كان ممكن يبقى ليك حج لو رجعت والغل ما ماليش جلبك. بس يا ولدي الغل جباض جلب بينزعه. وانت الغل نزع جلبك وغلك على جلب حنين وطيب وأغلب خلق الله. جمر مافيش زيها لا في جلبها ولا روحها. بكفياك يا ولدي. ارجع لعقلك واخرح بره غلك. عينيك هتشوف، ساعتها هتفرح. ودلوك بعد عن مرتي يا جبل. اني صحيح راجل كبير وشايب كيف مابتجول، بس برضك صعيدي وواعر بروحك، تجرب منها فاهم؟"
وقف جبل صارخًا. "وانت مفكر إنك هتسعدها؟"
تنهد عرفان وظل يتأمله وعيونه تلمع. "ما خابرش، بس متأكد إنها هتسعد يوم. اتكل على الله وادعي ربك يريح جلبك اللي الغل طاح فيه. اقترب عرفان وربت على كتفه. "لو غلك راح، هترتاح. والله هترتاح. لو عرفت جلبك جواته إيه، هترتاح وتحس بالمتخبي. هتحس وجلبك هيلين. وساعتها تعالي وجولي، فهمت الجصة؟ والا لساتك غلك عامي جلبك."
تنهد جبل بغلب لا يفهم شيء وتلفت حوله ولم يعلم ماذا فعل. قام جبل وترنح. فمسكه عرفان هاتفًا، "خش اغسل وشك. الحمام أهه على جنب."
دخل جبل وغسل وجهه وخرج، ولكنه تسمر مكانه عندما سمع…
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ميفو السلطان
دخل جبل يغسل وجهه في الحمام الجانبي يستعيد أنفاسه وشحوبه. خرج مهمومًا فتسمر مكانه.
فقمر خرجت من حجرتها فوجدت عرفان يجلس حزينًا. فهتفت:
"مالك يا أبو عرفان فيك إيه؟"
نظر إليها حزينًا. فهتفت مسرعة:
"إيه ده؟ مش إني بقيت بنتك خلاص؟ هو هتخبي عن بنتك؟ ده أنت كيف أبويا بالظبط."
نظر خلفها لذلك الذي انشل مكانه. رجف قلبه.
"بتجول بنتك؟ جمر؟ أيوه بنته. سمعته. هو بنته. أبوها. ماينفعش غير أكده. جمر، جمري بتاعتي لسه ما اتجوزتوش. أيوه بنته. ده راجل كبير هياخدها ليه؟"
استدارت هيا فارتعبت لوجود جبل. ظلا ينظران لبعضهما ولم ينطقا لبرهة. وعرفان يراقب الأمر، عاشقين أوجعتهم الدنيا.
هنا شعرت بالغضب واندفعت إليه:
"إنت بتعمل إيه هنا يا جدع أنت؟"
نظر إليها مبتسمًا كالآبلة. ونظراته الحالمة عادت إليه وردت أنفاسه.
"قال بسعادة: جاي أشوف حالي اللي بيرمّح كل شوية."
صرخت:
"حال إيه وطين إيه؟ أنت بجح ليه أكده؟ يلا غور بقى. هو إيه طايح مالك بينا؟"
اقتربت ودفعته:
"يلا برا."
اقترب غاضبًا:
"مالي بيكي هاه؟ أفلقك نصين دلوقتي يا كدابة."
صرخت:
"كدابة في عينك، قليل الحيا. عايز إيه أنت؟"
صرخ:
"انت مفكراني أهبل؟ إني شايف وسامع."
قالت:
"سامع؟ سامع إيه أنت؟"
قال ساخرًا:
"سامع يا أختي. أبويا وبنته. مش أكده؟ بتحرجي لي قلبي صح؟ عايزة تموتيني أهو. إني مت. انبسطي بس. انحييت تاني. إني تعملي فيا أكده. بتكيديني يا بت حمدان."
صرخت:
"مالك بيا؟ أحرجك؟ أولع؟ مالك أنت؟ وأكذب ليه؟ أنت مين؟"
اندفع وشدها:
"إني جبل يا جمر. هاه. جبل اللي شغالة دعك في وشه وصابر وساكت. جبل اللي حرجتيه زمان وولعتي فيه النهارده بجوازتك الكدب يا كدابة. وتلمي نفسك عشان إني خلاص جبت مرار من كل حتة."
دفعته:
"جبت مرار؟ جبت طين. مالي؟ اسمع بقى، قصة عفشة وخلصت. واخرج من حياتي بقى. هو إني عبد عندك؟"
كان عرفان قد جلس مبتسمًا ينظر إليهم، لا يتخيل درجة عشقهم.
اقترب وشدها:
"خروج؟ مش هخرج. وانت عارفة جوي. وعارفة خلاص إني رايد إيه."
أحست بالغضب:
"يا بجاحتك! جاي أنصاص الليالي تجولي أكده."
قال ببرود:
"عايزاني أجيلك الصبح؟ هاجي. أجلك العصر؟ هاجي. شوفي متى تبقي رايقة. مش زي الوابور. هاجي."
اندفعت:
"يلا بره. بره. منك لله. أنت واحد فاجر. جاي ليه؟ عايز تفضحني عند راجلي."
ضحك:
"أفضحك؟ أنت متخيلة إننا واقفين نتكلم مع بعض؟ لسه ما اتفضحتيش. انظر إلى عرفان."
"جولها. جولها. أنت شايف إحنا إيه دلوقتي؟ جولها إن جبل لو اتجوزت العفريت، ما يهملهاش. جولها إن جوازتكم ما هياش صح. جول يا راجل يا كبير. بتكدبوا ليه؟"
قالت بغضب:
"استني يا عرفان. إني هعرف أوقفه."
اقترب وغمز لها:
"أبو عرفان، عيب أكده. أبوكي برضك. وخليه يجول. خايفة من إيه؟"
صرخت:
"يجول إيه؟ أنت واحد مخبول. وإني كفاية عليا جهر لكده."
واستدارت وتركته. فوقف يغلي من داخله. فقال:
"اهربي. اهربي. وإني مش هاعتج أمك. أنت حرة. خلينا بقى لحد ما نشيب. وآخرتها بتاعتي."
عادت إليه غاضبة ومسكته:
"طب يلا يا مخبول. والله أموتك."
قام عرفان:
"اهدي يا بنتي."
صرخت:
"ما تجوليش اهدي."
ضحك جبل:
"أبوكي بيهديكي. عيب. اسمعي للكبار. ما تجولها يا حج. تهدي. هتسمع. ماهو البنت لازم تسمع كلام أبوها."
اندفعت تخبطه:
"ده راجلي."
ضحك:
"تؤ. أبوكي."
صرخت:
"بأقولك راجلي. وتحترم حالك."
ابتسم ببرود ونزل أمام وجهها:
"جمر. ما تروحش لغيري."
نظرت إليه مشتعلة:
"انت واحد مريض. روح اتعالج. إيه اللي حدفك علينا؟"
واستدارت:
"اطرده. خليه يغور."
واستدارت غاضبة. هتف:
"عمري ما هخرج بره حياتك إلا وإني ميت. كيف نفسك على أكده."
وقف عرفان:
"مبسوط باللي عملته ده؟"
ابتسم جبل:
"مبسوط. إني روحي اتردتلها النفس. إني كنت متأكد إنها ما هتكونش لغيري. سيبها يا حج. أنت شفت أهو جدامك الحال إيه."
اقترب عرفان:
"إيه الحال؟ ماشفتش. جول فيه إيه جواك. طلعه. جايز ترتاح."
نظر إليه جبل وقال:
"خلي اللي جوايا بحزنه يا حج. وإني بقى هعرف أخرج اللي جواها إزاي."
تركه وخرج. وعرفان يشعر بالأسى عليهم، فهو يرى عشقًا ليس له مثيل.
دخلت هيا تغلي. إنه اقتحم دنياها ظنًا أنها تحت طوعه. لتقرر أن تحرق قلبه وتعرفه أنها متزوجة.
مر الليل وأتى النهار. سمع صوتها وضحكاتها. وما أن فتح حتى تسمر مكانه. كانت قمر تقف تشع جمالاً. قمر التي يعرفها عن ظهر قلب. الجميلة التي تقف وجمالها يأخذ العيون. وقف ساهما. فهمس:
"جمري؟ رجعت؟ إيه النور ده؟ ده قلبي بقى ينور."
كان هائمًا بها. استدارت ونظرت إليه. خفق قلبها من نظراته. ارتبكت وبعدت نظراتها. هنا عاد لنفسه وقال:
"جمر. تعالي. عايزك."
دخلت إليه وهيا تتحكم في نفسها. كان يركن خلف المكتب. وما أن دخلت وقف يتأملها. كانت جميلة. كانت نظرات راغبة. فاحمرت خجلًا. اقتربت ورفعت يدها تكلمه، فتفاجأت به يمد يده ويحتضنها ويقول بهيام:
"كنت مخبية الجمال ده ليه يا جمر؟"
شعرت بالارتباك من حركته. ظلت تنظر لعيونه التي خلت من أي غل. عيون الجبل. فانتفضت وتراجعت.
"قالت غاضبة: و إيه اللي أبينه ليه يا جبل بيه؟ ولمين؟"
اقترب وهيا تتراجع. فعيونه لم تراها هكذا. فصرخت:
"لم أعد أحتمل. ما تبصليش أكده. هو فيه إيه؟"
حاصرها على الحائط ولم يفعل شيئًا غير أن ينظر إليها. همس:
"إيه؟ ما بتتحمليش نظرات جبل؟ جبل القديم رجع. وحلبه مشعلل. وجلبه قدامه بيبرج وبينور. مخبي إيه يا وحش؟ داني هتهني."
اشتعلت بغضب:
"مخبية إيه؟ جلة أدبك دي. بعد أكده إني واحدة متجوزة."
انطلقت ضحكته:
"أبو عرفان. والنبي عسلية ومهلبية."
وغنز لها:
"مهلبية بالقشطة يا قشطة."
دفعته فمسك يدها:
"هتبقي ليا. متى؟ وأبو عرفان هخليه يبقى الوكيل. ماهو أبو الجمر. نكبره. نكبره."
نظرت إليه بغضب. ضحك:
"يا بت والله لو عملتي إيه. أنت مكتوبة ليا. تطلعي تنزلي. مكتوبة ليا."
مسك يده:
"مكتوبة ليا ومحفورة أهنه."
وضع يدها على قلبه. رجف قلبها:
"أنت بتاعتي؟ حقي. آخرتها حضني."
دفعته وابتعدت:
"أنت واحد بجح. حق إيه؟ إني خلاص لقيت السند. بتجول لابسة وجمر ليه؟"
"أه. البس. لما جه اللي صان. جولت أفرحه. ماني عروسة ولا إيه. أجي أجولك عملنا إيه."
شعر بغضب فاتجه إليها وقال:
"انت مصدقة نفسك إنك عروسة؟"
ضحكت:
"ما أصدقش ليه؟ لا ناقصة إيد ولا ناقصة رجل."
ابتسم وغمز لها:
"لاه. ناقصة راجل. العروسة لازمها عريس. وانت فرسة. فرسك لازم يكون واعر. يقدر على المز اللي قدامي ده يا جامد. أنت هنولع في بعض ساعتها."
صرخت:
"احترم حالك. بأقولك."
ضحك:
"ليه؟ دست على الحقيقة؟ هيا الحقيقة بتوجع؟"
قالت بغل:
"إن كان على الحقيقة، فإني قدامك أهو. منورة بسبب مين؟ مش راجلي. كنت شفتني جبل سابج أكده. مش بالسن على فكرة. راجلي مكيفني. واني مبسوطة بيه."
اقترب ومسك ذراعها بقوة:
"لمي نفسك هاه. ما تجوليش حاجة تخليني أهدبك بحاجة."
دفعته:
"ليه؟ كنت متبعترة عشان ألم نفسي وأهدبك؟ ليه؟ مالك بيا هاه؟ واحدة متجوزة وعاشت فرح مع جوزها. مالك بينا؟ وجاي تجرفنا بالليل؟ أنت واحد باينك عايز تروح الخانكة. روح. روح. مش كت باين خاطب بت خالك؟ روح اتجوزها وجرب السعادة شوية. زي ما أنا جربت مع راجلي."
اندفع ومسك رقبتها:
"جولي. جربتي إيه؟ هاه؟ الشايب ده. جربتي إيه معاه؟ انطقي. والله أموتك يا كدابة."
نظرت إليه:
"جربت. يا جبل. جربت اللي ما جربتوش معاك. ولا عمري هجربه. جربت الفرح. والمراعاة. والطيبة. جربت حضنه يا جبل. حضنه اللي هعيش عمري حامدة ربنا إنه موجود."
صرخ:
"اخرسي. اخرسي. والله أموتك. أنت إيه؟ ما كفاكيش وجع في قلبي؟ انهري منك يا شيخة."
صرخت:
"أنت اللي هرست قلبك بيدك. ما عشتش وسيبتني ليه؟ راجع تنتقم مني ليه؟"
قال بحرقة:
"عشان مش عارف أعيش يا جمر. وما هسيبكش لحد تاني. إني كفاية عليا جهر قوي لكده. تعجلي أكده وتروحي للراجل ده وتهمليه. وتجوليله إنك هتكوني ليا. وخلصت يا بت الناس. ونمشي العيشة ألا المرار وصل لنهايته."
قالت:
"لا والله. جول. جول. وإيه تاني؟ ها؟ أوامر يا سيد. وأنا أنفذ. إيه؟ هتكتب عرفي؟ ولا هتاخدني وتديني فلوس؟"
صرخ بصدق. خلع قلبها:
"لاه. رسمي. هكتب رسمي يا جمر. وتبقي مرتي جدام الناس كلها. هكتب وأقول للعالم إنك بتاعتي. وما هتبقي لحد. هكتب رسمي بورق ومهر وشهود. وأجيب خلق تشهد إن جمر بتاعتي. بتاعة جبل. هكتب. وكتابتي هتفضل لحد ما نموت. لا هسيب ولا هنسيب. وهشبعك فلوس. بس تبقي بتاعتي. إني خلاص هجن. تتحرجي. أي حاجة تتحرجي. الدنيا هديكي أكتر ما هو اداكي."
شدها إليه:
"هشبعك فلوس يا جمر. بس تبقي ليا. عايزك. عايزك. وعايز جتي. ما عدتش قادر. ما بتخيلش حد تاني يحط صباع عليكي."
هتفت بقهر:
"هو إني هفضل طول عمري في نظرك كلبة فلوس يا جبل؟ ما فيش مرة تخيلتني غير أكده."
هتف:
"أمال سبتيني ليه؟ ما عشان أكده."
تنهدت وهمست:
"جبل. إني تعبت. والله تعبت. بالله عليك سيبني بقى. والله يمين الله تعبت. هو حكاوي وغنيوة. دا لو قصة كانت الناس زهقت وطفشت. أنت ما بتزهقش؟ إني زهجتلك. ارحمني بقى."
اقترب واحتضنها. لم تفعل شيئًا من وجعها. فقال:
"وإني إيه؟ ما تعبتش؟ داني التعب خلص عليا. والله خلص على قلبي. جمر. أعجلي. عرفان ماهواش راجلك. سيبيه. وإني أهو خلاص هبقي راجلك."
دمعت عيناها:
"هتديني فلوس وتسكتني بيهم صح؟"
شدها إليه:
"طب أعمل إيه؟ جولي. أعمل إيه وتكوني ليا؟ عايز أفرح مرة. عايز أنام مرة. ما أفكرش فيكي."
اندفع يقول بحرقة وهو يعصرها:
"جايز لما آخدك أهدي. ونخلص من الحزن ده."
تجمدت هيا. فكانت جملته شقت قلبها. نزلت دموعها وجعًا وابتعدت:
"تاخدني وتخلص؟"
"عيني عينك أكده يا جبل؟"
"أه. قصدك لما رغبتك تاخدها وتخلص؟ هترمي ني. مش أكده؟ هو إني صحيح. إزاي ما بعملش أكده؟ لازم جبل يرتاح. يرتاح. أصله ما طالش جمر. أهو ياخد ويخلص. هتطولني وترمي ني صح؟ ولا هتخليني مراتك العمر كله؟ خلي عندك شجاعة وجول."
قال بقهر:
"هتبقي مرتي. وبس. ماينفعش حاجة تانية خالص."
قالت:
"كيف هتقعدني لميته؟ إيه؟ هتتراهبن؟ ما هتجيبش عيال؟"
قال:
"عادي. أتزوج تاني."
قالت بوجع:
"وأنا. لإيه؟ هاه؟ لإيه يا جبل؟ جول. كمل. كمل. اهدف اللي في جوفك كله."
قال:
"هتبقي مرتي. آخدك وبس. ماينفعش أجيب منك عيال. أنت ماينفعش تربي عيالي."
نظرت إليه وظلت مشلولة. وقلبها يتمزق. سالت دموعها بغزارة:
"ما ينفعش أربي عيالك ليه يا جبل؟ ناقصة إيد ولا رجل؟ عرفني."
قال:
"انت اللي زيك ما تنفعش تبقي أم. هتربيهم إزاي؟ على إيه؟"
نظرت إليه وابتسمت:
"اللي زيي ما ينفعش تبقي أم. تصدق دي؟ أكتر حاجة صح. وحقيقة في الحزن اللي إحنا فيه. جمر ما تنفعش تجيب عيال لجبل بيه. صحيح عندك حق يا جبل. ما ينفعش أجيب عيال من جبل بيه."
"ادي حاجة. وخلصت. التانية بقى؟ هتخليني لرغبتك وبس؟ عايز جسمي صح؟ عايز ترتاح؟ تاخده وتخلص؟ جسم جمر اللي بينور."
ابتعدت مترنحة وسهمت:
"جبل لازم يرتاح. بجسم جمر."
تذكرت تشوهها. فانطلقت ضاحكة. كانت تضحك وتبكي في نفس الوقت:
"عايز جسمي؟ ههههههه. عايز جسم جمر الحلو اللي ياخد العجل؟ ياخده يريح رغبته؟ ههههههه."
نظرت إليه كأنها استوت أو جنت:
"يعني لو جسم جمر مش عاجب؟ ما هتعوزنيش. مش أكده؟"
ظلت تضحك:
"يا حزنك يا جمر. بيجولك ما هيعوزش منك عيال. ما تنفعيش يا جمر. أنت في نظره كلبة فلوس. أنت في نظره غدارة وخاينة. أنت في نظره جرف. هتربي عياله ليه؟ جمر ما بتجيبش عيال."
صمتت وسهمت. وهيا ما بتجيبش. ما بتجيبش. كانت تنظر إليه كأنها في عالم آخر مع نفسها:
"عايز جسمك المشوه. آخرتها يطلع صبره على ما فيش. ماهو حاجة تخوف."
همست لروحها:
"أجوله؟ أجوله إني مشوهة؟ هيبعد عني. أجوله؟ ولا أعمل إيه؟"
كانت ساهة. تبتسم. إنه سيلفظها ما أن يعرف أنها مشوهة. نظرت إليه. ظلت تتحسس نصفها الأسفل. وبدأت تدخل في حاله من التوهان:
"أجوله؟ أه. أجوله. يجوم مهملني. أيوه. هو عايز جتي. لما أقولها. هيهملني."
ظلت تضحك وتتحسس نفسها. وهو ينظر إليها بذهول:
"أجوله؟ أه. وأحرج قلبه بالمرة. تبقي حرجة من كله. ويهملني."
نظرت إليه. كان مدهوشًا بحالتها. فهجمت عليه وظلت تصرخ:
"عارفة؟ هيهملني. أجولك يا جبل؟ أجولك كل حاجة. عايزة أخلصها. هتخلص دلوك. هترمي ني دلوك. لما تعرف كل حاجة."
كان يمسكها. وهيا كالمجزوبة تهذي وتصرخ:
"فيه إيه؟ بتجولي إيه؟ مالك؟"
صرخت:
"مالي؟ مالي؟ خلاص. ما عجبش. أنت جلتها. ما بتجيبش عيال. عايز جسمي. وجسمي ما هيعجبش. أيوه. افرحي يا جمر. جبل هيسيبك في حالك. أخيرا هيسيبك في حالك."
"الجصة خلصت يا مراري. هو إني ما جلتش ليه من الأول؟ إني مخبولة. ما جلتش ليه وخلصتها. عايز جسمي اللي بينور."
"مفيش. مفيش."
وبدأت تصرخ. ومسكت فيه:
"أه. شوف. شوف."
دخل أحد الموظفين على صراخها:
"فيه إيه؟"
صرخت:
"جول له يشوف."
وبدأت تمزق ملابسها. فهجم يحتضنها. وهيا هائجة وتحاول أن تكشف نفسها. كانت قد جنت عندما أدركت أنه ليس بقلبه لها أي شيء. ما أن ينالها حتى يلفظها. كانت تظن أن بقلبه ولو جزء من حبيبها القديم. كان يعتصرها ويبكي:
"بطلي. فيه إيه؟ بطلي. بتقطعي هدومك ليه؟ يا نصيبة. حطت عليك يا ابن العزايزة. البت انخبلت. عملت إيه يا محروق؟"
كانت تصرخ:
"لازم يعرف عشان يرميني. لازم يعرف. أوعي. هتشوف وترمي ني. هترمي ني. أخيرا. خلاص. هترحم من العذاب بتاعك. ذنبي خلاص هيخلص دلوك. متع عينك وارمي ني. أوعي. سيبني. شوف. وارمي. جمر اللي ما بتشوفش طرف عيل. جمر ما بتشوفش عيال يا جبل. جمر هتخرج من دنيتك دلوك."
كانت مهتاجة وتحاول أن تمزق ملابسها. فهتف الرجل:
"فيه إيه يا بيه؟"
صرخ:
"اخرج بره دلوك. وهات دكتور."
كان يعتصرها ويصرخ:
"بطلي. فيه إيه؟ بطلي. يدك هتجيب دم. اهدي. اهدي."
إلا أنها صرخت:
"شووووف. وخلصني من عذاااابي."
لتقع أخيرًا مغشيًا عليها. حملها على الفور وذهب بها إلى المستشفى. ليخبره الطبيب أنها في حالة انهيار تام.
جلس هو ونظر إلى يديه. وكم الخرابيش التي في يده. مذهولاً. كأن مصيبة حطت عليه:
"فيه إيه يا مراري؟ البت انخبلت. فيه إيه؟ إني خايف. مالها؟ بتجول إيه؟ وبتقطع في هدومها ليه؟ أنت يا محروق. تجولها هاخد جتك عشان ترتاح؟ وأنت هتموت عليها؟ منك لله. قلبي يا عالم. هرتاح متى؟"
دخل عليها فوجدها نائمة في ملكوت الله. اقترب. ونزلت دموعه. مسك يدها. قبلها:
"جمر. حبيبتي. إني ما هعرفش أكمل أكده. إني عاشجك يا قلبي. والله. جمر. فُوقي. إني مش عايز جتك. إني عايزك. أي والله عايزك. أنت ما عايزة حد تاني. محروق. أي حاجة تبعدك عن قلبي. قلبي."
مسك يدها يقبلها:
"جبل طلع لساته عاشج للركب. لا رغبة ولا يحزنون. إني هموت عليكي. عرفت جواي. لما حرقتي لي قلبي. جبل العاشج للجمر ما راح. أهو قدامك بعشجه اللي طافح. ما عاد عارف له حيلة. بس غصب عني. ما بقدرش أجولها لك. ما بقدرش. نفسي أسامح نفسي. ما بقدرش. ما بقدرش."
سالت دموعه. ظل جالسًا بجوارها:
"طب أعمل إيه؟ أجول لجوزها؟ ماهو جوزها يا مري. هيجي يخرجني بره. وإني ما هقدرش. لاه. إني ما هجولش لحد. إني هاخدها عندي. أداويها. إني بتاعتي. إني وبس."
ظل جالسًا يفكر. هيا بها:
"إيه؟ جمر بيها حاجة واعرة. البت هاجت. وشفت إيه؟ وإيه اللي عايزة تجولهولي؟ وهرميكي ليه؟ لما أعرف. فيه إيه؟ يا جبل. فيه حاجة واعرة. والراجل يجولي. جالت لي حاجات. ما عرفهاش. إيه هيا؟ حاجات إيه دي؟"
"اهدي بقى. وشوف فيه إيه. مخبية إيه عليا؟ إيه واعرة يا جمر. اهدي أكده. عشان أنت جننت البت. ورجدتها في المستشفى. وأنت آخرك الخانكة."
اقترب واحتضنها:
"إحنا هنموت بعض في الآخر؟ حاسس أكده؟ ياما هنكمل في السرايا الصفرا؟ أنت جهرتها. تجولها عايز آخدك. جايز أرتاح؟ يا مصيبتك. حزين. حزن حتلوف. ما بتعرف تتكلم. داني عايز أصرخ من عشجي. نفسي أجوله. بس ما بقدرش."
ظل يحتضنها ويملس عليها:
"إني أسف يا قلبي. قطعت لساني. جتة إيه اللي عايزها؟ داني عايز قلبي. والله عايز."
مر اليوم. وخاف أن تستيقظ وتتركه. فأخذها إلى القصر. وبدأت هيا تفيق. كان قد حملها وعاد بها إلى القصر. وجعل طبيبًا مقيمًا يأتي معه كي يطمئن عليها.
استيقظت هيا. وظلت مغمضة عيونها. فتحت عيونها لتجد نفسها في القصر. ظلت ساهة. دخل هو عليها. ومسك يدها:
"كيفك يا قلبي؟ أكده توجعي قلبي أكده؟"
نظرت إلى يديه على يدها. ونظرت إليه ببلادة. قررت أن ترحل من دنياه تمامًا. أحست أنها ماتت وانتهت.
نظرت إليه ساهمة. همس بوجع:
"بتبصيلي ليه أكده؟ جمر. إني تعبت. أنت مخبية إيه عني؟"
لم تتكلم. وشريط كلامه ينعاد أمامها. قامت من سكات. واتجهت إلى الباب. فاندفع ومسكها بلهفة:
"رايحة فين؟ وسيباني؟"
همست:
"عايزة أمشي."
قال:
"إنت تعبانة. طيب اجعدي انهارده. أنت تعبانة يا قلبي."
هتفت ببلادة:
"عايزة أمشي."
كانت ترتعش وتشعر بالخوف الشديد. فهي فقدت رغبتها في الحياة. ما أن فقدت حلمها. كانت مهزوزة. مسكها:
"طب اهدي. هعمل لك اللي عايزاه."
أجلسها. كانت ترتعش وتهتز. ويدها ترتعش. أجلسها. ومسك يدها:
"طب اهدي. ما فيش حاجة. وأنت أهو بخير معايا. وفي حضني. اهدي."
قالت ساهمة:
"عايزة باسم. هات لي باسم."
كانت تحس أنه اللمسة الحانية في حياتها. قال:
"حاضر. هجيبه. بس تهدي."
قالت:
"عايزة أمشي. مشيني."
أحس بقلبه ينشق:
"بالله عليكي بطلي رعشة. أهه. ما فيش حاجة. أما تروحي. همشيكي. ماشي."
كان يمسك يدها ويقبلها. وهيا ترعش وتنتفض. شدها إليه واحتضنها. وهيا لا تفعل شيئًا. وتهمس:
"عاوزة أمشي. عايزة باسم."
تنهد بغلب:
"طب حاضر. بس اهدي. والله ما عدت متحمل."
كانت متعرقّة. ولا تقوى على الحركة. حملها وذهب بها للحمام. وبدأ ينعشها بالماء. وهيا لا تقوى على الوقوف. وتردد أنها تريد ابن أخيها وفقط. وهو يشعر بالوجع:
"همس: فُوقي. مالك أكده؟ حقك عليا. إني عاشقك. والله. جمر. سمعاني."
هزها. فنظرت إليه. ابتسم وقال:
"بيكي إيه؟ خدتي قلبي. وعقلي. وسحبتي روحي."
إلا أنها كانت في دنيا أخرى. من الأدوية. أحنت رأسها. فحملها مرة أخرى. استكانت لفترة. ونامت مرة أخرى. أحس بوجع. كلبش فيها في أحضانه:
"البت بتترعش. إزاي يا مري؟ فيه إيه؟"
ظل محتضنًا إياها. يشعر بخوف. وأن القادم سيء. مرت ساعات أخرى. واستيقظت مرة أخرى. وجدت نفسها في أحضان جبل. ظلت مغمضة عيونها. تستنشق عطره النفاذ. لم ترد أن تفتح عيونها. كانت يديه حولها. يشدد عليها. تنهدت بوجع. فملس عليها:
"أنت بخير؟ وهتكوني بخير. خلاص. جبل ما عادش هيسيب حاجة ليكي واصل. إني خلاص عليا جهر لكده."
هنا تململت بين يديه وقامت:
"إني إيه اللي جابني أهنه؟"
قال:
"كنت تعبانة. وجبتك أهنه."
قالت بعنف:
"وتجبني أهنه ليه يا ابن الناس؟ حد يعمل أكده؟ مش ليا راجل؟ تجيبه ياخدني؟"
قال بلين:
"جمر. أنت كنتي بتصرخي. وما عرفتش بيكي إيه. كنتي كيف المجذوبة. وبترطي بكلام غير مفهوم. جمر. أنت مخبية عني إيه؟ حاسس بمصيبة واعرة. مخبياها."
نظرت إليه مبهوتة. هل قالت له شيئًا؟ فهي لم تكن في وعيها. فرجف قلبه. كانت عيونها جامدة. فهتف:
"فيكي إيه؟ جولي."
قالت بجمود:
"ما بياش. يا ابن الناس. إني هخرج من أهنه. وهاخد حالي ومحتالي. وهمشي. وما عادش هتشوف وشي تاني. ولو جربت مني. هكون حدفة نفسي من على أي كوبري. أو قدام عربية. وهتشيل ذنبي. يابن العزايزة. إني عشت شايلة ذنب. ما تشيلش أنت ذنبي."
"بص لي كويس. إني لا بهزر ولا بتكلم أي كلام. إني هاخد باسم. وهمشي. ما هتعرف طريقي."
قال بوجع:
"عايزة تهمليني. وتروحي فين؟"
قالت:
"أي حتة. بعيد عنك. أي حتة. عارف لو هشحت. لو هيقطعوني. بس أنت تبقي بعيد. هعيش. أحمد ربنا إنك بعيد. عايزة أخرج من حياتك. عايزة أنساك. وهنساك يا جبل. عايزة أتنفس. طول ما أنت في حياتي. ما بتنفسش إلا جهر وحزن."
واستدارت. فاندفع واحتضنها:
"ما تسيبنيش. أبوس يدك. ما هنعيدوش تاني. ما تسيبنيش يا جمر."
أغمضت عيونها:
"جبل ما هيسيبش حاجة فيكي. عايز حقي. وحق سنين الحزن. لازم آخد حقي."
سهمت لفترة:
"بقي أكده؟ بقي أكده؟ عايز حقك فيا؟ تصدق؟ عندك حق."
مسكت يده وشدته. وقالت:
"هريحك والله. وهخلصها من أولها لآخرها. يا ابن الناس. إني وعيت. أنت عايز إيه؟ وهنفذلك اللي أنت عايزه. دلوك خلاص النهاية. نهاية جبل وجمر. نهاية قصة العذاب. يابن الناس. هترتاح دلوك. وهتنسي جمر. وهتحفل سكتها ليوم الدين. وإني كمان هرتاح. خلاص. اللحظة دي هنحط نهاية الجصة. إني خلاص عليا لحد أكده. ما هسمح تجعد في حياتي دقيقة. بس عشان أضمن ده. لازم جبل يرتاح. ويبعد عن جمر."
اقتربت منه وهتفت ما جعله ينتفض رعبًا عندما قالت….
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ميفو السلطان
كان جبل يقف متسمرًا عندما اقتربت بهدوء ومسكت يده.
"تعالي يا جبل، إني خلاص هريحك، وزي ما قلت يمكن لما تاخدني ترتاح."
ذهبت إلى المنضدة، كانت عليها بعض الأوراق وبعض الأقلام. أخرجت ورقة وبدأت تخط فيها. وهو ينظر إليها برهبة.
اقتربت منه. "يلا يا جبل، امضي."
نظر إليها مبهوتًا. "امضي؟ امضي على إيه؟"
قالت ببلادة: "امضي بس، هريحك. امضي على الورقة."
فقد كتبت عقدًا لهم وتركته.
أجفل النور يا جبل. كان يمسك الورقة كالمخبول، لا يفهم شيئًا. هزت رأسها واتجهت إلى النور وقفلته واقتربت منه.
انصدم مرتعبًا عندما مدت يدها إلى قميصه وقالت: "دلوقتي هتاخد مني اللي عايزه، وبعديها هترتاح إنك خدت جمر. أنت قلت جايز لما آخدك هرتاح."
كانت تفك أزرار قميصه وهو مذهول. فمسك يدها وصرخ: "إنت بتعملي إيه؟"
أبعدها وذهب يفتح النور واستدار منفعلاً. "إنت مخبول؟ إنت متجوزة، أخدهم في الحرام؟"
ضحكت. "مين؟ إني متجوزة؟ وحرام؟ هو فيه حاجة في اللي بينا حلال يا ابن الناس؟"
صرخ: "إنت ضاربة ورقة؟ إنت انخبلتي؟ عايزة تلبسي مصيبة؟ هتتجوزي مرتين؟ إيه الحزن ده؟"
مسك الورقة ومزقها إربًا وقال: "جمر، إنت تطلقي، وآخدك وتسمعي الكلام. اللي بقت حاجة ماحدش يتحملها."
نظرت إليه ببلادة، فهو لا يعلم أنها لم تتزوج من الأساس. كانت تحس أنها جثة تتنفس. همست: "أطلق."
"آه صح، فعلاً هتطلقي وتأخدني؟ حاجة تانية أعملها؟"
"جمر، فيه إيه؟ هنطلق وهكتب عليكي رسمي قدام الخلق."
أكملت ببلادة: "أيوه صح، هتطلقي وتكتب عليا قدام الخلق."
كانت تردد ما يقوله كأنها ليست معه. أحس برهبة، فمنظرها عجيب. شدها إليه وقال بخوف: "جمر، بيكي إيه؟ إنت مخبية إيه؟ فيه جواك حاجة واعر، قولي."
ابتسمت. "ليه عايز تعرف؟ انت لك في اللي جوايا يا ابن الناس؟ إني عرضت عليك حالي، انت اهه رفضت. مالكش صالح باللي جوايا، سيبه بحزنه."
قال: "جمر، كتير عليا اللي بيحصل ده يا بت الناس."
همست: "كتير. طب ما فكرتش مرة تسامح وتنسى؟ جايز دنيتك تهدي."
صرخ بحرقة: "أسامح؟ أسامح؟ حاولت، حاولت أسامح، بس الجمرة مكلبشة في قلبي. عمري ما نسيت نومتي على الأرض مكان جزمتك وأني ببكي على حب راح بالرخيص. حاولت كل يوم بالليل بتعذب نفسي، بس ما أعرفش إني هنجن. عايزك وخلاص."
شدت نفسها منه وقالت: "عايزني وخلاص؟ هو ما فيش إلا أكده؟"
تنهدت بوجع، وأنفاسها تشق قلبها. "اسمع يا جبل، عشان بس إني والله ما عاد فيا نفس يا ابن الناس، انطق. انت لك حاجة واحدة بس عندي."
وأشارت على جسدها. "ده هو اللي هيخليك تاخد حقك مني وترتاح وتبعد وتنساني. أنا غلطانة، سماح إيه؟ هعمل بيه إيه من الأساس؟ سبتلك حالي، وتاني بجولك خد يا جبل عشان تنسي جمر. ألحج نفسك يا ابن الناس، عشان إني لو انطبق السما على الأرض ساعة ما أقول خلصت، ما هتلاجنيش قدامك. إني هقفل النور عشان تاخد وتشبع، عشان جمر مالهاش تتاخد إلا في الضلمة. مشي دنيتك والحج حاجة. خد واشبع، واللي فات ادفنه زي ما أنا دفنت كل حاجة."
صرخ: "إنت مخبول؟ إنت عايزة تجننيني؟"
ابتسمت له بحنان لاول مرة واقتربت. أحس برهبة، فهي منظرها عجيب. اقتربت ووضعت يدها على قلبه.
"ادفن غلك يا جبل وعيش وافرح. عمري ما تمنيت لك حاجة عفشة. حاول تنسى اللي جمر عملته فيك. حاول، قول يا رب، وخرج الغل من هنا، هترتاح. جته جمر مش هتريحك يا جبل، بس برضك اهه بجولك خدها، جايز زي ما بتقول، لما آخدك هرتاح، ونفضها وترميني. إني خلاص عرفت اللي فيها يا جبل، وعرفت جواك. خد واشبع، هترتاح. قعدت سنين بدعيلك يريح قلبك، وما عارفاش انت ليه أكده. ماحدش يا ابن الناس بيقعد، عمر الغل بيحركه. انت مش عايش، واني خلاص عليا أكده، إني مت من زمان. ورجعت مت موته مالهاش راجعة. انهارده لما كلمتك شقت قلبي. والحمد لله إنك جولتها وريحت قلبي، كان القلب أهبل وبيقول لسه فيه، بس اللي فيه يحزن، الحزن نفسه. بنصحك لله، ارجع من مطرح ما جيت، واتجوز بت خالك، وانعد عشان آخرة الطريق ده عفشة. وسيب جمر باللي كان."
مسكها بقوة وقلبه يتمزق بجنون. "لاه، إنت مخبية حاجة؟ وقتي كيف المجنونة؟ وأعرف إيه وأشوف إيه؟ انطق، إني ما عدتش هسكت لك واصل. إني عايز أخلص الحزن ده. شوفي ميتة هتبقي معايا؟ إلا هموتك وأخلص من عذابك. إني جثتي ما عدتش مستحملة."
نظرت إليه تتأمله ببلادة، وكلامه يميتها أكثر. قالت بقهر: "محسسني إني زبالة وجرف عايز تطوله وترميه بسرعة، كأني مش بني آدمة بحس. لاه، كلبة فلوس."
صرخ: "هو جصة ومالك جالباها دراما أكده؟ جولت هغرقك فلوس ودهب بس آخدك ليا."
ابتسمت. "تاخدني؟ وتغرقني دهب؟" اقتربت منه. "عيون جمر ما عدتش على الدهب يا جبل."
قال ساخرًا: "أمال على إيه؟ هاه، على حاجة أكبر، مش أكده؟ توصلي بجهرتك ليا تبقي ست الناس وهانم، مش أكده؟ وتتحكمي وتكبشي مني، صح؟ ده اللي مخططاه."
صرخ بحرقة: "وهعمل لك كل ده، هشبعك يا جمر، جايز عينك تتملي وترحميني. إني ما عدتش فاهمك."
ظلت تنظر إليه، وكلامه ينهش قلبها. قالت: "إني ماشية يا جبل، ما عنديش كلام أقوله خلاص."
اقترب ومسكها. "إني بقى عندي كتير، وعندي وعندي. أما تطلقي وتبقي بتاعتي، هعرف إني ليه إيه عندك وهاخده. هعرف يا جمر، جبل ماهواش أهبل وعارف إنك مخبية حاجة. يحصل الطلاق، آخدك وأتصرف فيكي، وهعرف. إني هتصرف وانت تسمعي من سكات عشان العيشة تمشي، لأني لا ههدي ولا هسيبك."
ابتسمت. "بس أكده؟ حاضر يا جبل، هروح أطلق وأجيلك على طول، هريحك على الآخر. العبدة اللي اتخلقت ليك، هتعمل فيها ما بدالك. عاوز تشرح، شرح. عايز تغرز، اغرز. الجثة الميتة ما بتحس يا ابن الناس. هروح أطلق وأجي، تتصرف فيا، بس أكده."
واستدارت. شعر ببعض الخوف، فاندفع واحتضنها بقوة. أحست بقلبها يصرخ وجعًا. استكانت ونزلت دموعها وركنت على صدره ترتاح. شعر ببعض الذعر. أحس أن بها شيء مخيف.
قال: "جمر، إني مش مطمن فيكِ. إيه؟"
ولأول مرة رفعت يديها وحاوطته. فانصدم وشدد عليها. كانت تحس أن ذلك آخر نفس لها. كانت تحتضنه ودموعها تسيل بغزارة.
أبعدها. همست: "جبل، احضني بالله عليك."
أحس بقلبه يتمزق أشلاء. شدد عليها، وهي من أحضانه تتنفس لآخر مرة، فقد عزمت أن ترحل بلا عودة. ستنهي ذلك العذاب وكفى.
بدأ يشعر بالذعر والخوف. مسك وجهها. "جمر، ما تخوفنيش. فيه إيه؟ إنت عاملة ليه أكده؟"
همست بوجع: "اسكت يا جبل، بالله اسكت. حبة بس حاوطني بيدك واسكت."
شدد عليها. أغمضت عينيها وبدأ شريط حياتها ينعاد. وقوفها أعلى السلم في حلقه التحطيب. عيونها وقت أن خطفت عيونه. حب سنة وعشق انغرز بداخلها. فستانها الذي ستلبسه له وقت أن تكون حلاله. أبوها وسليم والهدايا. تركها له وانتش قلبه. دعاه عليها وموت أخيه، فكلبت فيه في تلك الذكرى بقوة، كأنها تحتاجه، تحتاج أحد يملس على قلبها. التصقت به تشعر بألم حاد، لعل دقات قلبه تطبب دقاتها المدبوحة. لتتوالى ذكريات العذاب، منذ أن عاد حياتها إلى وقت أن طعن قلبها بقوله إنه يريد جسدها.
في تلك اللحظة، بوجع، شقت قلبها وغرزت أصابعها في يده. فلم يعد القلب يشعر، لم يعد القلب يضخ. لتنتهي دقاتها بآخر نفس بقربه، وانساب جسدها، مستسلمة لقدرها أن يخرج الجبل من حياتها. كانت تغرز فيه، وما إن انتهى شريط ذكرياتها، لانت وانسابت وتركت يدها، فارتاع.
فصرخ: "بيها إيه؟"
همست ونظرت إليه ودموعها متحجرة في عيونها. "جبل، بالله عليك ما تدعي عليا تاني."
واستدارت وتركته، وهو يقف يحس بدبحة في قلبه. كان قلبه يأن وجعًا. رحلت هيا، وقد تشكلت حياتها أمامها. رحلت تبتعد عن الجبل وثقله، فقد هال حجاره على قلبها، مزق أوصاله. ركنت حجارة الغل والكره على قلب القمر، تدعسه وتنهش فيه، وهيا لم يعد هناك قطرة دم تنبض لتكمل بها الحياة. لم يعد هناك نفس، فقد نتف النفس ونتف ما بداخلها من طاقة. طاقة المواجهة والتحمل. فليذهب وتذهب القصة، قصة العذاب، قصة لا تستحقها ولن تتحملها أكثر من ذلك.
دخلت على عرفان وأخبرته أنها راحلة وستأخذ باسم وترحل.
قال: "يا بتي، الهرب مش حل. اجعدي وهنشوف حل."
قالت: "حل إيه يا بوي؟ ده بيقول لي: ما هجيبش منك عيال، ما تنفعيش تربي عيالي. بيقول لي: جايز لما آخدك أرتاح. عايز ياخدني يقضي رغبته ويرميني. جالهالي في وشي، حتى ما جملهاش. كل كلامه عن جثتي وبس. إنت شايف حالي بقى كيف؟ والله أصعب على الكافر، أصعب على الجادر اللي ما بيرحم. إني أصعب على أي حد، إلا هو ما بيصعبش عليه واصل. لما جالهالي حسيت بالجرف من حالي معاه. إني قاعدة ليه من أساسه؟ ليه في حياته؟ كت عملت إيه لده كله؟ ما لاقياش حاجة عملتها. داني لو خاطية وتبت، كت اترحمت، وإني مش خاطية. إني صاينة نفسي وزهدت دنيته."
قال عرفان بحزن: "جمر، قوليله يا جمر، إنت بتعشجيه."
ابتسمت. "أقوله؟ أقوله إيه؟ إني مانفعش جثته له. هتنفع بايه؟ أصعب عليه؟ والا يشمت؟ والا ينجن؟ والا يجرف؟ ما خبّرش رد فعله، ما هتتحملوش. إني جلتله خد، بس ما رضيش. عايز يجعدني جارة، يديني فلوس ويكبش من جثتي. عارف نفسي أقوله جوي، إني مانفعش، بس جوايا حاجة أكده مخليني مش قادرة. حتى لو مش هكون معاه، حتى لو ما بيحبنيش، بس مش قادرة. أعري نفسي وأبقى في عينه مجرفة ومشوهة ومعيوبة. إني برضك حرمة وبحس، والله بحس يا بوي عرفان. كت أقول إن إني خلاص زهدت الدنيا. آه، زهدتها، بس عند جبل ودنيتي واقفه هناك على الجسر. جمر الحلوة لجبل، ما أعرفش أبين الحزن ده. ما أقدرش، إني حرمة برضك والحرمة عزيزة في حالها. إني خلاص همشي. إني فوضت أمري لله وهاخد الواد وأطفش، وتخلص الجصة."
قال: "وأبوكِ يا بتي؟"
قالت: "أبويا قال هيروح يقعد عند أخوه. إني كلمته لحد ما استقر، وأعرف مكان كويس وأجيبه. أبويا ما عادش في الدنيا، وبقى بيتوه. ما أقدرش أحمله هم خلاص. إني اتفقت معاه وجلتله، وربك يعدلها."
قال: "هتروحي فين طيب؟"
ابتسمت. "الدنيا واسعة. ربك حنين معايا، حتتين دهب هبيعهم وأشتري شوية حاجات وأبيعها."
قال: "طب بصي، فيه بيت في الإسكندرية ليا، خديه واقعدي فيه."
قالت: "لاه، ما عايزاش حد يعرف مكاني."
قال: "واني بجولهالك، ما هعرف حد مكانك ده عهد عليا يا بتي."
نظرت إليه دامعة. ابتسم وقال: "ما هقدرش أسيبك تروحي أكده، كتير عليكي لوحدك."
تنهدت. "ده قضاء ربنا وابتلاء. مش جلتلي إنه ابتلاء؟ إني مصدقة دلوقتي إنه ابتلاء للصابرين الحامدين. وإني ما أستحقش العذاب ده، بس الحمد لله، ربنا نزل على قلبي صبره. واني أقول الحمد لله، إني دلوقتي دنيتي كلها باسم وبس. جبل حياته وقفت على الجسر يوم ما كان عايز جمر، مات هناك وكره جمر. بس ما بيسيبهاش، مش رايدها، بس هيموت على جثتها. أقول إيه؟ فكرت أعملها لو كشفت حالي ليه هيجرف ويسيبني، بس واعر على قلبي جوي. ما أتحملش، إني برضك بحس. ما أتحملش نظرة الجرف منه، ما أتحملش روحي. مش عايزك إنت، يتعاز فيكِ إيه؟ ما أتحملش يا أبوي، إني مرة وبحس، والله. والرفض صعب على قلبي، مهما زهدت الدنيا. اللي جوايا ليه كتير، بخاف أقول ليه إيه جوايا عشان ما أصدقش إن فيه أمل ليا. جبل مات، وجمر كمان ماتت، واللي فاضل مرار وطافح أسود بيحلل جثث ميتة. هو مستني أطلق وأروح ياخدني عشان خلاص ما عاد متحمل. بس حاولت بطريقتي أريحه. رفض. خلاص ياكل حاله، يجعد بقه عايش ينح على جته. جمر، إني لو ما مشيتش هموت نفسي. بس جلت الواد ده هيتربى، ذنبه إيه يبقى يتيم من كل حاجة. بدعي ربنا يخرج حب جبل من قلبي عشان أعرف أكمل. إلا النفس ضاج جوي."
اقترب منها عرفان. "جمر، اللي بيحب بياخد حبيبه على عيبه."
ضحكت. "عيبه؟ وهو ده عيب يا أبوي؟ إني بخاف أبص لحالي من منظري، تجولي عيب. واللي يحب بقه؟ جبل جه سكة ودغري، واضح وصريح، ما بيكدبش عليا عشان ما أتعشمش. جبل من رجعته عايز جثته، جثة جمر النجع. جالها: جايز لما آخدك أهدي وأخلص. واني متأكدة إن جبل قلبه خلاص ما عادش جمر جواه. خلاص، إني همشي، ولا هيعرفلي طريق. يعيش بقه، ما عدتش هفكر فيه، لأني تعبت. يصطفل مع حاله، أنا كتير عليا اللي جرالي."
تنهدت. "إني همشي، بالله ده عهد، سر. ما تجولش."
تنهد. "حاضر يا بتي."
استدارت ودخلت الحجرة تلملم أشياءها. مسكت الفستان، سالت دموعها أنهارًا وانهارت تحتضنه وتشهق. لتبعده أخيرًا، كأنها تنزعه من روحها.
"سيباه ليه يا جمر؟ خلاص، كلو خلص وكلو ضاع. ده ما ينسابش معاكي واصل. خلصيها واقطميها يا بت الناس."
وأحضرت الفستان وطوته ووضعته في صندوق، ووضعت معه الخلخال الذي أحضره لها، ودموعها لا تتوقف. خرجت لعرفان.
"خد يا بوي عرفان. جبل، إني عارفة هييجي. خد أديله حاجته. جوله: جمر، جمر ماتت وخدت هدومها. احرجها وإلا أرميها. خد حاجتك اللي حافظت سنين عليها جوا قلبي. خدها عشان تعرف إن جمر سكته خلصت، والجسر انهار بحزنه وهمه، واندفنت الحكاية. لا عاد فيه جمر، ولا جبل، ولا جسر من أساسه يوصل ما بينا."
قام هو متأثرًا، وأحضر لها المفتاح، وأعطاها مالاً، أخذته بعد اعتراضات وإصرار منه. وأخذت باسم، وودعت أباها ورحلت. قمر بلا عودة. رحلت قمر، تاركة قلبها. لم تعد تحس أن لها قلبًا من الأساس. فدعك النفس للنفس مميت. يصعب على الأنثى أن يلفظها حبيبها ما إن يقربها. تظن أنها من الدونية، ما كان لها أن تقربه من الأساس. مات الجبل، وماتت قمر في قلب الجبل. تحملت كثيرًا، تحملت وهي تظن أنه ذنب، ولكنها أخيرًا أدركت أن جبل هو ذنبها في الحياة، ولا بد أن تتخلص منه. جبل أحب وعشق، ثم اتشح القلب غلًا، ولا يأتي من غل النفس إلا شرورها. كان عليها أن ترحل وتترك كل شيء وراءها، فلم تعد تحتمل غرز أسهمه بداخلها، فلم يعد هناك مكان لنصل سكين، فالقلب غرز في منتصفه ألف سكين، شقه أشلاء، ليس من السهل إعادته للحياة.
مرت أيام واستقرت قمر. كانت فترة إجازة لباسم. كانت تحضر أشياء وتنزل تبيعها للناس في الأسواق، من ملابس وخلافه من مستلزمات النساء، وتعود في المساء تحتضن ابن أخيها وتنام بلا شعور. لم تعد تفكر في ماضيها، لم تعد تفكر في شيء. تعمل وتربي ابن أخيها وفقط.
نرجع للحزين اللي ماشافش فرح. مرت الأيام على جبل مميتة، فهو ينتظر بشوق أن تترك ذلك الرجل ويأخذها. وقرر أن يعرف ما بها، ما إن تكون في بيته وتحت طوعه. ليمر يوم بعد يوم، وهيا لا تأتي للعمل. شعر ببعض القلق، اتصل بها، فإذا بهاتفها مغلق. مر أسبوع كامل، إلا أنه لم يستطع. فذهب إلى عرفان، وما إن فتح له، قال بلهفة: "جمر فين؟"
تنهد عرفان بأسى ونظر إليه، فهو أيضًا مسكين، يعشقها، ولكن كبر النفس صعب. قال عرفان: "ليه بتسأل يا ولدي؟ عايز منها إيه؟"
قال: "هي ما جالتلكش؟ أظن، أكيد عرفت."
ضحك عرفان. "قصدك إني أطلقها وإنت تتجوزها؟"
ابتلع جبل ريقه. قال: "أيوه، إحنا اتفقنا على كده. هي فين؟ ما بتردش على التليفون. ناديها، هاخدها ونمشي، وإلا راحت بيتها. إني رحت لها، ما لقيتهاش. ناديلها عشان نخلص."
قال عرفان متنهدًا بأسى: "تخلص؟ هو إنت يا ولدي ما حدش علمك الكلام؟"
نظر إليه جبل بغضب. "نعم، بتجول إيه إنت؟"
قال عرفان: "بجول اللي شايفه، بجول إن ربنا رباها سنين وبقت تعرف الدنيا كويس، وإنت سنين لسه ما تعرفش حاجة، عيل أهبل."
قال جبل غاضبًا: "ما تحترم حالك، هو مين اللي أهبل؟"
ضحك عرفان. "ما تزعلش، اتي ما بشتمكش، إني بوصفك. اجعد يا ولدي، اجعد."
قال جبل: "اجعد فين؟ هاتلي جمر، آخدها وأمشي. دا مرار إيه ده؟ إني على ما أطولها هتجبلي جلطة."
قال عرفان: "ولما تطولها هتعمل إيه يا ولدي؟"
قال جبل غاضبًا: "مالكش صالح باللي هعمله، إني حر فيها."
قال عرفان: "ليه عبد اياك؟ كلبة تاخدها وتوديها؟ ما مصدقش إن الغل بعد العشق يعمل أكده."
صرخ: "إنت مالك، غل وما غلش؟ مش طلقتها؟"
ضحك عرفان. "لآه، ما طلقتهاش."
بهت جبل. "إيه؟ بتجول إيه؟ ما طلقتهاش إزاي؟ إني متفق معاها، إنت واقفلنا ليه؟ إنت حرام بقه اللي بيحصل لي ده؟"
قال عرفان: "وإيه اللي حاصلك يا ولدي؟ جولي."
اندفع جبل: "طلقها، وبعد عن عينيها. إنت ما تنفع لهاش، مش هتسعدها. إني هاخدها، إني من توبها."
قال عرفان: "وانت هتسعدها يا ولدي؟ هاه؟ هتفرح الغلبانة اللي ماشفتش فرح من الدنيا. جولي، هتجعدها مراتك العمر كله، وإلا إيه؟ مش جلت ما هتجيبش عيال عشان ما تنفعش تربي عيالك؟"
بهت جبل. فنظر إليه عرفان بأسى. "أيوه، جالتلي كل حاجة. جالتلي يا حبة عيني، والجهر والحزن مالي قلبها. جالتلي: عايزك، يمكن أرتاح. جدرت تجولها يا ولدي؟ حد يجول لمرة عايز جثتها وما عايز عيال؟ إيه الرخص ده؟ يا ولدي، ما فكرتش جبل ماتتكلم، الكلمة تخرج من خشمك هتطلع تمزع فين؟ بس أقول إيه، التمزيج ما عادش نافع. هنمزع المتمزع إزاي؟ روح الله يهديلك حالك. إنت غلبان، والله غلبان."
صرخ جبل: "أروح في أنهي مصيبة؟ إنت طلقها وهاتهالي."
قال عرفان: "وهترميها بعد كد إيه؟ جول. كت أجعد أفكر إنت إزاي أكده عايش؟ كيف أكده؟ هو العشق بيحرق أكده وبيعمي؟"
صرخ جبل: "مالك إنت؟ ما تخليك في حالك وهاتهالي."
ضحك عرفان. "أجبهالك منين يا ولدي؟ جمر راحت خلاص. جمر فوتتلك دنيتك ومشيت."
نظر إلى عرفان مذهولاً، وأحس بقلبه سينشق. "مشت؟ مشت؟ راحت فين؟ إنت سبتها تمشي وما طلقتهاش؟ سبت مراتك تمشي؟"
ضحك عرفان، فصرخ: "إنت بتضحك على إيه؟"
قال: "بضحك على الغلب اللي قدامي. واحد مخبول بحب واحدة وعاشق، وعيونه بتصرخ بالعشق، وبدل ما ياخد عشجه في قلبه ويحضن عليه، موته وخلاه يرمح ويكره الدنيا كلها. جمر مشت، ولا هتعاود. جمر مش مرتي، ولا عمرها كانت مرتي."
نظر جبل إليه متجمدًا. "إيه؟ مش مراتك؟ أمال جالتلي ليه أكده وتحرق قلبي؟"
قال عرفان بأسى: "كت هكتب عليها فعلاً، بس ما تحملت تكون باسم حد تاني. جولت أكده عشان تبعد عن عينيها، وأعرف أحميها منك ومن غلك اللي طاح وموت كل حاجة."
نظر جبل وقلبه سينشق. "يعني ما اتكتبتش لحد تاني؟ طب ليه كنا نفذنا؟ اتفقنا خلاص، وتجعدلي أفرح بيها؟"
تنهد عرفان. "تنفذ الاتفاق وتجعدلك؟ إنت بتتكلم عن بيعة وشروة يا ابن الناس. اتفاق إيه وطين إيه اللي بتجوله؟ إنت ما حسيتش بوجعها واصل؟ جاي تجول اتفاق؟ روح الله يسهلك. البت مدبوحة منك ومن الدنيا."
صرخ جبل: "أروح فين؟ هي فين؟ جمر راحت فين؟ إني، إني والله أموت."
هتف عرفان: "عارف، هيا كت لازم تمشي عشان زي ما هيا، رب العباد عرفها قيمة الدنيا. إنت كمان لازم تعرف قيمة اللي كت في يدك. جمر عشان تطولها، تحفالها يا ولدي. جمر راحت خلاص، وجالتلي بالحرف: إني مت يا أبوي، وهعيش جثة أربي ابن أخوي. هربيه يبقى صالح أحسن مني، وانت اللي جلت لها: ما ينفعش تربي عيال. الله يسهلك يا ولدي، روح انسي واقفل الصفحة دي. إني كت مفكر إنك عاشق، وحاولت أقف جارها. بس العشق ما بيجتلش النفس، وانت جتلته يا ولدي."
وقف جبل وقلبه سينفجر. "جمر مشت وسابتني. تااااني، تاني يا حزنك يا جبل، تاني بينعاد الهم. تاني. قلبي بيتمزع. أروح فين؟ أروح فين؟ إني كت هموت عليها. بتعمل فيا ليه أكده؟ قلبي بيحرقني وجثتي هتموتني. ليه؟ ليه؟"
نظر إلى عرفان. "لاه، إنت تعرف مكانها؟ إنت تعرف؟"
قال عرفان: "ما أعرفش. حتى لو أعرف، ما تستحقش تخش دنيتها. سيبها يا ولدي."
صرخ: "إني ما هسيبهاش واصل. هيا أكيد مستخبية في دارهم. أمال هتروح فين؟ مالهاش حتة، ولا ليها حد."
واستدار هائجا.
فقال عرفان: "استنى يا ولدي، ليك حاجة معايا."
واستدار عرفان وأحضر له العلبة. فتحها جبل. نظر إلى العلبة وسالت دموعه. فستانها يتوسط العلبة، وعليه الخلخال. أحس بوجع وتذكر احتضانها له. تذكر وقت أن تأوهت بوجع وغرزت أصابعها فيه. أحس أنه حلت عليه مصيبة، فهي تنهي كل شيء. حلمها وحلمه. فالفستان كان حلمًا، أعادته إليه لتشق قلبه وتنزعه من مكانه. فالحلم روحه ودنيته التي يعيش لها.
قال عرفان: "خد حاجتك. الله يسهلك دنيتك بعيد عنها."
وقف جبل والقهر يكلبش في قلبه. وأخذ العلبة وعاد إلى بيته وجلس يشعر بالموت، يتذكرها بجنون. فالعشق بداخله لم يعد يحتمله. أراد أن يصرخ لها بعشقه، فصرخ: "إنت فين؟ إنت فين؟ أوديه فين اللي جوايا؟"
وقف يتأمل الفستان والخلخال، ودموعه تنهمر. ليهب: "له، له! إني ما أعرفش أعيش أكده."
ليقوم ويعود إلى البلد، لعلها عادت إلى بيتها، أو إلى أي مكان يعرف مكانها أحد. ذهب إلى بيتها، وصل هناك، وظل يدق الباب، ولكن لا جدوى. كان يشعر بحرقة. كان يزرع الباب ليسمع صوتًا. استدار للصوت ووقف. اقترب منه شخص سيغير مجرى الأحداث، ليعيد للجبل روحه ونفسه الذي فقده، ويزيل غله تمامًا، ويعود الجبل جبل القمر. قمر النجع كله. فمن هذا الشخص؟
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ميفو السلطان
ذهب جبل إلى بيت قمر وقد أصيب بحالة من الجنون، بفقدها أحس أن روحه نزعت منه بعد أن تركته ولم يعرف لها مكان.
ذهب إلى البيت وظل يدور كالمجنون ويدق عليه. وقف لا حول له ولا قوة، يشعر بالغل الشديد.
"طب أعمل إيه؟ أجيبها منين؟ أنت يا محروج منك لله أنت السبب. راجع معبي حزن وغل، أهي طفشت منك وأنت هتموت عليها. أنت فين يا جلبي؟ حجك عليا. جولت العفش كله وعملت العفش كله. أنت عيل حزين ومجرف. تجولها أخد جتتك. منك لله، دانت مجنون بيها. جته إيه وسخماط إيه؟ على أيامك الطين، عيل ماتربيتش."
تنهد وقام يقف أمام الباب، لا يجرؤ أن يرحل، ليسمع صوتاً خلفه.
"جبل، ازيك يا جبل؟"
التفت ينظر للصوت، كانت سناء ابنة خالته. ابتسم لها ابتسامة باهتة، فقلبه عليل لا يقوى على الفرح.
تنهد.
"ازيك يا سناء."
قالت.
"أنت فين يابن عمتي؟ مالكش أهل تسأل عليهم."
قال.
"معلش يا سناء، دنيا."
نظرت إليه.
"شوفتك بتخبط. أنت بتخبط كيف أكده براحة؟ ماحدش جوا."
قال بلهفة.
"ماشفتيش حد فيهم يا سناء؟ بالله جولي."
قطبت هي.
"لاه، ليهم ياما، ماحدش عتب أهنه. أنت بتخبط عليهم ليه؟ تعرف أبا حمدان أكيد؟ مش جمر؟ أنت تعرفها ولا إيه؟"
تنهد بوجع.
"لاه، جمر. أيوه أعرفها."
هزت رأسها باستغراب.
"تعرفها؟ غريبة دي."
قال قاطباً.
"إيه اللي غريبة؟ أعرفها كويس، فيه حاجة؟"
قالت.
"بتجول تعرفها صوح؟ من ميته؟ معرفة جديدة أكيد."
قال.
"فيه إيه يا سناء؟ لا أعرفها من زمان، من قبل ما أسافر."
سهمت قليلاً.
"من زمان؟ بتجول. أمال جالت لا ليه زمان؟ عموماً، ماتشغلش بالك. ابقي تعالي، هستناك في الدار."
واستدارت.
خفق قلبه واندفع ومسكها.
"استني، راحة فين؟ أنت جولتي إيه دلوك ومين اللي جال؟"
قالت.
"لاه، مافيش. دا عمر. سنين عدت، ماتشغلش بالك. كت جابلتها عند داركو. يلا، أشوفك بخير."
وتركته ورحلت.
وقف هو مبهوتاً.
"جابلتها عند دارنا؟ ميته؟ ده."
أسرع ومسكها.
"استني يا سناء، ماتمشيش. جولي، جابلتيها ميته وفين؟"
قالت.
"فيه إيه؟"
"أصل بعد ما مشيت، كت راحة أطمن عالدار خالتي الله يرحمها. كت جالتلي الشباك ساعات بيتنطر. جولت أخش أبص. روحت هناك، جابلتها في داركو. بس الغريب، أنت بتجول تعرفها من زمان؟ هيا ساعتها جالت لي ماتعرفكش."
نظرت إليها، رجف قلبه وبدأ دقاته تصرخ.
"جمر جت دارنا بعد ما مشيت؟ بجد يا سناء؟ إيه؟ شوفتيها في دارنا؟"
قالت.
"آه، دخلت لقيت الشباك فعلاً متوارب. بصيت لقيت جمر جوا الدار."
قال منفعلاً بلهفة.
"كت بتعمل إيه؟ جولي، انطجي."
قالت.
"كت جاعدة جوا الدار. دخلت عليها لقيت عنيها حمرا وبتبكي ومجهورة. كانت زي ما يكون مات لها نفر. بتبكي بحرجة ومعاها تصويرة متمزعة أكده، بس مالحجتش أشوف تصويرة مين. كت تصويرة متجطعة وكت بتحضنها."
دمعت عيونه ورجف قلبه بشدة.
"إيه؟ كت في دارنا؟ متوكرة يا سناء؟"
قالت سناء.
"والله متوكرة. كت معدية لقيت الدار مفتوحة، دخلت لقيتها جاعدة بتبكي عالأرض ويدها تصويرة متجطعة. سألتها: أنت تعرفي مين جبل ولا عمتي؟ جالت لي: لاه، ماعرفش جبل، بس عمتي اتوحشتها. وكانت بتحكيلها حاجات، وإنها كت جاية مجهورة تكلمها وتحضنها، بس عمتي سابت البلد. جالت لي: أنا كت جاية بسأل عالحاجة. وسألتني عنيكو رحتو فين وهترجعو ولا لاه؟ جولتها إنكو مشيتو وهملتو البلد. ساعتها كني بطحتها بسكينة. خدت بعضها من سكات ومشيت."
كان هو قد انشل مكانه.
"جمر جت دارنا؟ جمر جمر جت عندينا؟ ليه؟ وكت جاعدة بتبكي؟"
رجف قلبه ونظر إليها.
هتفت الفتاة.
"كت مجهورة جوي يا جبل، والله. يلا، الله يسهلها، ماطرح ماهي جاعدة. تنهد. أفوتك بعافية، ابقي اسأل على جرايبك، ماشي."
وتركته.
وقف هو لا ينطق، كان ينظر إلى بيتها المقفول، ترنح من هول صدمته. جلس على مصطبة أمام البيت ساهماً. أحس بقلبه سيخرج من مكانه.
"إيه؟ جمر جاتلي تدور عليا بعد ما سبتني؟ جت تاني تدور؟ أمال ما جالتليش ليه؟ ما جالتش إنها جات لي ليه؟ كان ناري بردت وجلبي الولعة راحت من جواه. جمر حبيبتي جات لي الدار؟ ليه ما جالتش ليه؟ فيه إيه؟ لاه فيه. أه فيه. البت ما كانتش طبيعية. أنت مخبية حاجة واعرة يا جمر، بس إيه هيا؟ ما خابرش. أنت جيتي تدوري عليا ليه؟ ما جلتليش ليه؟ إيه اللي منعك؟ يعني، يعني ما سبتنيش؟ يعني كت جاية ترجع لي ولا إيه؟ في سنتي الطين يا حزنك يا جبل. هتموت محصور. البت طفشت. طب أجيبها منين دلوك؟ إني ما فاهمش حاجة. جلبي بيموتني. كت بتعمل إيه في داري؟ هنجن. وماسكة التصويرة، حضناها وبتبكي. جات لي ليه؟ ليه؟ أروح فيك؟ فيه إيه؟ إني بيتعمل فيا ليه أكده؟"
سهم قليلاً. يستعيد شريط ذكرياته معها.
"حجك جالك يا جبل. كت بدعيلك يا جبل. إني ما أستحقش ده يا جبل. إني مش كلبة فلوس. ماتت الدنيا في عيني. ماتدعيش عليا، كفاية."
"كل ده معناه إيه؟ معناه إيه؟ إني هنجن. فيه حاجة، أيوه مخبية. وعرفان بيجول، جالت لي حاجات ما بتعرفهاش. بيجول إنها غلبانة وما تستحقش أكده. فيه إيه؟ مخبين إيه؟ سليم. سليم جال: إني سبتها في وجعها. هو إيه؟ يا مري، هو إيه؟ أعمل إيه دلوك؟ هكمل حصرة أكده. البت اللي بعشقها راحت. ركن على الحائط دامعاً. كت بتعملي إيه يا جلب جبل في داري؟ كت جولي لي، ما كت وجعتكش أكده. مشت خلاص. طفرت دمعة من عينه. وجعتها. إني جولتلها ماينفعش تربي عيلي. واخدك عشان أرتاح. أهوه، ما بتشفيش راحة عمرك كله. جالت لك: الحج نفسك، وخدني. كت عايزة تديني حالها وتمشي؟ مفكرة إني هشبع منها وأرميها؟ ماني جولتلها العفش كله وعملت العفش كله. إني حلوف ما شفتش تربية."
"أعمل إيه؟ حرجة جلبي؟ كت عامياني عن عشجي. عاشجها ومستكبر أقول. أهه، خليك استكبرت وارتاحت يا بن العزايزة. إني هنجن. مشت حبيبتي. أيوه، حبيبتي. يا جهري. كت بتعمل إيه في داري؟ يا مصيبتي السودة. لاه، إني ما أتحملش. هروح لعرفان وأعرف هو عارف حاجات."
هب وقام واستدار ليذهب لعرفان، وإذا به يصطدم بسليم.
قال سليم.
"جبل، بتعمل إيه أهنه؟ عجيبة دي. وواجف جدام بيت جمر؟ هيا جوا ولا إيه؟"
هم أن يخبط.
فقال جبل.
"لاه، ما هيش جوه."
تنهد سليم بوجع.
قال جبل مندفعاً.
"سيبت جمر ليه يا سليم؟"
قطب سليم.
"بتسأل ليه يا جبل؟"
قال.
"يعني سمعت كلام وأغش أكده."
قال سليم بغضب.
"ما تصدقش. جمر الشرف كله، ما حد يطولها."
كان سليم قد ندم أنه تركها وتزوج من أجل الإنجاب.
قال جبل.
"أمال سيبتها ليه؟ حد تاني كان في حياتها؟ ولا هيا كت بتدور على حاجة معينة؟ كت بت فايرة وعنيها لفوق."
تنهد سليم.
"أجول إيه؟ سيبها بهمها يا جبل. دي بت غلبانة، كفاية اللي حصلها. حاجة تجطع الجلب. مانت شفتها شغالة عندك. حاجة تحزن. جطعت جلبي وأنت واقف تزع فيها. هيا ما تستحقش أكده من اللي جرالها."
دق قلبه.
قطب جبل.
"إيه؟ بتجول إيه؟ اللي حصلها؟ هو إيه؟"
تنهد سليم.
فقمر قفلت سكتته وشعر بالأسى عليها.
"والله يا جبل، بت غلبانة جوي وتستحق الشفجة. ما تسمعش كلام، عنيها دي بت زي الدهب. أجول إيه؟ ربنا يصبرها على ما بلاها."
صرخ جبل.
"هو إيه اللي بتجوله؟ إيه اللي بيها ويصبرها على إيه؟ وبلاها بإيه؟ جول."
قال سليم.
"لاه، يا بن عمي، ما جادر أجول. إني ماليش صالح. الله يصلح حال الكل."
واستدار وقد أدرك أنه استرسل في الكلام.
اندفع جبل ومسكه.
"لاه، أنت بتحدف لي اللي في عبك؟ تجنني وجاي بتجولي مافيش؟ لاه، انطج. فيه إيه؟"
قال سليم.
"مالك؟ أنت عايز تعرف ليه؟ ماتسيبها بهمها."
صرخ جبل.
"اللي هو إيه؟ إيه الحزن اللي مخبينه؟ ماتجول."
قال سليم.
"إني واخد عهد ما أجولش. ولو عملت إيه، ما هجولش."
ودفعه واستدار، وجبل يقف مشلولاً.
"يا حزنك يا بن العزايزة. هتنجلط. يعني فيه حاجة، أهه. حاجة واعرة. دا واخد عهد؟ الحزين؟ على إيه؟ وما يجولش ليه؟ فيه إيه؟ جلبي بيتمزع. مخبّيه إيه؟ وجات لي الدار وطفشت. كتير. جلبي هيجف. يا رب، يا رب تعبت. إيه اللي حصلها؟ طيب وكلهم عارفين، وأني زي البهيمة الطايحة بنطح فيها، لما موتتها. يا رب تعبت."
ظل يأكل حاله، ثم عاد إلى عرفان ودخل صارخاً.
"أنت تجولي دلوك، هيا فين ومخبية إيه عني؟ جمر جات لي داري بعد ما سبتني. فاهم يعني إيه؟ جات لي داري بعد ما مشيت. حاسس إني هنجلط. مخبية إيه؟ جول يا حاج. إني هموت، والله."
تنهد الرجل.
"يا ولدي، ما خبّرتش. أنت بتجطع حالك ليه؟ كل ده عشان جته مرة؟"
صرخ جبل.
"ماهيش طين وجطران. ماهيش. إني هنجلط، بالله عليك. والله رايدها مرتي وحبيبتي. بس تجولي هيا فين. هات لي حبيبتي. ما جادرش أبعد، والله ما جادر."
قال عرفان.
"جولت لك ما خبّرتش. إني هيا جصة روح شوف حالك."
صرخ.
"أشوف إيه؟ وطين إيه؟ جولي هيا مخبية إيه؟ وإيه اللي حصلها؟ أبوس يدك، إني هموت."
نظر إليه الرجل بأسى.
"فتحتها لك يا جبل."
وجلس محنياً، واضعاً يده على رأسه.
"طب أعمل إيه؟ إني اتحطيت في الطين، ومافيش رحمة. حبيت واحدة وعشجتها وسابتني. خلعت جلبي. ولما رجعت، عرفت إن فيه نصيبة مخبياها، ولا حد راضي يجولي. أروح أموت حالي. حاسس إنها عايزاني ورايداني، وإني هموت عليها."
نظر إلى عرفان ودموعه تنزل.
"متخيل، بعد الحزن ده كله، أعرف إنها جت داري؟ يعني ما هملتنيش؟ جمر ما هملتنيش. كت جاية لي داري وبتبكي عليا. طب ليه ما جالت؟ ليه؟ جابلت سليم، جال: سيبها بهمها. اللي هو إيه؟ حد يجولي، جلبي إنهري. يمين الله."
تنهد عرفان.
"حاول تجعد مع حالك، وتشوف رايدها إزاي. رايد جتها تبقي تسيبها، لأنها عمرها ما هتكون ليك. إنما لو رايد جلبها، ساعتها يمكن ربك يحل مابينكو."
نظر جبل إليه ودموعه تسيل.
"طب هتجولي على مكانها؟"
تنهد عرفان وهز رأسه بأسى.
فشعر جبل بالقهر، فنظر إليه.
"طب ممكن أخش مكانها طيب؟ أجعد هبابة؟"
تنهد عرفان.
"بيتك ومطرحك."
وأشار إلى حجرتها.
دخل ووقف يتخيلها في الحجرة ودموعه تسيل. اقترب من الفراش، ومس عليه وهمس.
"اتوحشتك جوي. إني آسف إني جولت لك رايد جتتك. آسف، ما خابرش طلعت مني إزاي، بس والله رايدك. وهموت عليكي. إني تعبت. ذنبي إيه يا رب، يتعمل فيا أكده؟ عشان رجعت مغلول منها، ماني اتوجعت. يا رب، ردها لي. أخدها في نن عيوني. يا رب، هموت عليها. حبيبتي."
أخرج الخلخال من جيبه، فلم يعد يتركه، وظل يتلمسه بحنان، يناجي فيه قرب حبيبته.
مرت الأيام وجبل يأتي إلى عرفان يتوسل إليه، ثم تحول الأمر إلى أن يجالسه ويحدثه عن حياته وعن خططهم معاً، وعلاقتهم، وما ينوي أن يفعله معها. كان يتكلم كأنها ستعود، ويخطط لحياتهم وبيتهم. كان قد بدأ يعتبر نفسه من البيت، وعرفان سعيد بوجوده، فهو بمفرده، وبدأ يبات معه في الشقة، وأصبح لا يفعل شيء في حياته. يذهب للعمل ويعود ليعيش مع عرفان. وكثيراً ما يذهب لأبو قمر ويزوره. كان كثيراً ما يرجو عرفان أن يخبره عن مكانها، ولكن عرفان نفس الرد: أنه لا يعلم مكانها.
كان يدعو ربه أن تعود لأبيها، وقد جعل شخصاً يراقب بيت أبيها، لعله يأتيه خبر عنها. يشعر بلوعة وحرقة، شعر بندم شديد أكل قلبه على معاملته لها، وأنه كان لابد أن يستعيدها، حتى لو أوجعته ألف مرة. العشق الذي في قلبه لا يساويه أي خطأ منها، وخصوصاً أنه عرف أنها أتت لبيته، وأن بها شيء خطير أبعدها عنه.
أما قمر، فقد وجدت في إحدى الشركات في المركز المجاور عملاً. فكانت تعمل فقط، وتحاول أن تنسى أو تتناسى. كانت لوعة الفراق موجعة لها، ولكنها أبداً لن تعود لتشعر بذل ومهانة في قربه، وأنه يريد جسدها. وما أن يعرف مصابها، سيقذفها بره حياته، فلتحرج هي بكرامتها. كانت تكلم عرفان، ويخبرها عن وجوده. وأيضاً، أبوها يخبرها أنه يأتي لزيارته ومحمل بكافة الأشياء. وعرفان يحاول أن يرقق قلبها عليه، ويخبرها كيف يعيش في حجرتها، ودرجة وجعه في فراقها. إلا أنها لا تمتثل أبداً له.
كان عرفان جالساً.
اقترب منه جبل.
"كيفك يا با عرفان؟ إني جبت وكل يلا."
تنهد عرفان، فهو أصبح يملأ عليه البيت. أنهيا طعامهما. جلسا، وأعد جبل الشاي. اقترب من عرفان.
"شوف معايا إيه."
وأخرج من جيبه علبة قطيفة، وفتحها. كان خاتماً كبيراً. ابتسم وقال.
"ده خاتم جمر يا با عرفان. جبتهولها من زمن. شوف إيه رأيك، حلو؟ هيعجبها."
كان يتلمسه بحنان، وعيونه تشع حباً. رفع عيونه ليجد عرفان حزيناً. فقال.
"إيه؟ وحش؟ مش هيعجبها؟ داني نقيت أكبر وأحلى حاجة. دا والله يا با عرفان، كان فيه هوانم جاعدة، خدت رأيهم. ده تمن أول مكسب ليا. صرفته كله. والله ما كان معايا مليم ساعتها. غالي عليا جوي. شوفت جمري فيه. بس لو مش هيعجبها، خلاص، مش مهم، المهم هيا تفرح."
"عارف كمان، جبت لها هدوم كتير جوي وستفتهم في الجصر، عشان لما تخشه، تشوف حاجتها وتفرح بيها. كت تجعد وتجول: هتجيب لي كتير. جبت لها والله."
أحنى رأسه وأخرج الخلخال.
"جبت لك يا جلبي، هتعاودي ميته؟ اتوحشتك جوي. جبلك مستنيكي."
"عارف، عم حمدان كت هناك، وقالي إنه هيبقي وكيلها. أه، ماسيبتوش إلا لما جولت له: أول ما تعاود هنكتب. ما حبيبي. بس زعلان شوية وهيعاود. ماهو عاود قبل سابق، وما سابنيش. جمر ما سابتنيش، يابا حمدان. جمر بتحبني. عارف، كنا روحين. بس الزمن، أه الزمن، بعدنا. واني برضك حلوف. أه والله، يمين الله حلوف، ما تربيت. بس عندك حق، كان لازم تبعد عشان أتربي صوح، وأعرف عشجي ما كداهوش حاجة واصل."
ركن وجلس مبتسماً، يتأمل الخاتم.
تنهد.
"هجوم أنام. هجعد مع حبيبي شوية وأنام. تصبح على خير."
وتركه ودخل حجرتها.
تنهد عرفان.
"الواد جطع جلبي. كفاية يا جمر. هو بيعشقك يا بتي. أجول إيه بس؟"
تنهد وقام يتكلم معها.
"يا جمر، يا حبيبتي، عدى سنة، والواد مجهور. والله بيحبك يا بتي. كفاية عذاب ليه أكده؟ إني صعبان عليا."
تنهدت بقهر.
"يا با عرفان، بطل تجولي أكده. إني والله فيا اللي مكفيني. ما عدتش تجبلي سيرته، بالله عليك."
تنهد عرفان.
"يا جمر، إني كت معاكي وموافج. بس دلوك، الواد بيعشقك يا بتي."
كان يتكلم ولم يلاحظ جبل الذي عاد، وقف متسمراً يسمع كلامها معه، ليندفع ويمسك التليفون.
"جمر، جلبي، بالله ماتجفلي. عايز أعرف أنت فين؟ هموت والله يا جلبي. بالله عليكي."
سالت دموعها. أرادت أن تقفل، إلا أن صوته، اشتاقت إليه بشدة. صرخ بحرقة.
"أبوس يدك، اسمعيني. جمر، إني آسف. والله آسف على كل حاجة عملتها وجولتها. خابر إني وجعتك كتير وعملت كتير، بس كان من حرجتي. والله رايدك يا جمر. اديني فرصة نتكلم. طيب، أنت فين؟ إني هتجن. جولي أنت فين؟ حرام أكده؟ بتعملي فيا ليه أكده؟ بتعذبيني ليه؟"
كانت تبكي، ويسمعها، فقال.
"طب نتجابل، ومش هضغط عليكي، ولا هعمل حاجة. بصي، هنتفاهم. طب أشوفك طيب؟ سنة كاملة بعيدة، وجلبي انهري. حرام بقى، والله ما عدت مستحمل."
شهقت بحرقة.
"ماتبطل بقى، وانسى. أنا اديتك فرصة تاخد اللي عايزة. رفضت. أعمل لك إيه يا أخي؟ أموت روحي عشان تنساني؟ خلاص يا جبل. جمر شبعت جهر منك. أه، وجعتك زمان، وأنت جيت نهشت جلبي. بطل. ما عدتش فيا جلب أتحمل وجعك. انسى، يا بن الناس. جته جمر ما عادت تنفع، يمين الله. ما تنفع. لمخلوق. عيش بقى وانساني، وانسى الوجع اللي وجعته لك. جمر ماتنفعش تبقي ست من أساسه، بعد. وارحمني، وارحم جهرتي."
وقفت الخط.
فصرخ.
"لاه، لاه، كلميني. لاه."
وأعاد الاتصال، فوجدها قفلت تليفونها.
"انسى إيه؟ انسى إيه؟ بتجولي إيه؟ حرام، جمر، استني."
فاستدار لعرفان بغضب وصرخ.
"أنت كنت بتكلمها سنة، وأني مجهور، وأنت بتكلمها؟ حرام عليك، ما صعبتش عليك جهرتي؟ بتعملو فيا ليه أكده؟ هيا بترط بكلام ما بفهمهوش. مالها بيها؟ إيه؟ ما تجولي أنت عارف صوح؟ عارف إنها مخبية حاجة؟ عارف إن إني محصور؟ جولي، بالله عليك، جولي. إني ما عدتش جادر، وجعي بيموتني."
تنهد عرفان.
"واخدة عليا عهد يا ولدي."
صرخ.
"واخدة عليك عهد؟ تموتني؟ حرام، يا با عرفان، ما تسمعلهاش. والله هسعدها. إني حاسس إنها موجوعة، واني رايد آخدها أداويها. أنت عارف بيها إيه صوح؟ بيها نصيبة مخبياها؟ عشان أكده طفشت، صوح؟"
قطب جبهته.
"يكون إيه طيب؟ وما تنفعليش؟ داني هموت على طرفها. يا با عرفان، ساكت ليه؟ جول، مخبية إيه؟ طب من ميته، وهيا أكده؟ جول أي حاجة. ماتسيبنيش أكده، هتجن. إني رجعت لجيت عيونها دبلانة، وحالها مجلوب. كت بهيم، دي مش جمر. جمر كت بت دنيا، بتحب تبان وتظهر. دي واحدة كت ميتة، لابسة أسود في أسود، ما بتعملش حاجة. مهما عملت، ما بتزعلش، وما بتردش. غرزت فيها حزن الدنيا، وهيا مابتنطقش. غلبت، بتجولي: جالك حقك. مخبية إيه؟ نصيبة. ونصيبة كبيرة."
"جولي فيها إيه؟ أحدف لي النصيبة كلها اللي في جلبك. أنت مبسوط أكده بالجهر اللي إحنا فيه؟"
تنهد عرفان.
"هكلمها يا ولدي، جايز تحن."
تسمر جبل.
"كنه أكده؟ طب إني بقه هعرف أجيبها إزاي؟ إني خلاص عليا جهر لحد أكده. تطفش بقه زي ما تطفيش. جبل هيجيبها ويحطها في حضنه. رضا غصب بقه، هيا حرة. وهعرف بيها إيه يا با عرفان؟ هعرف، وما هسيبهاش. لو روحها طلعت. خليها فاكرة إنها ماتنفعليش، وإني بقه هعرفها إنها اتخلقت بس عشان تبقي بتاعتي. خلصت على أكده. بقالي سنة جاعد بحن زي النسوان. ليه؟ مرة أسيب حرمتي تبعد، ولا أرجعهاش؟"
"طيب يا جمر، إني هجيبك، لو في بطن الحوت. وهتعرفي إزاي، تجولي: ماتنفعيش. لو بيكي إيه، هتنفعي. لو حزن الدنيا، هتنفعي. لو عضم في جفه، هتنفعي. خلاص أكده؟ لاه، إني أهبل ولا عويل. أرجع حرمتي. وابقي جابلي بقه جبل. هتعرفي تحوشيه عنك إزاي."
واستدار وكله عزم أن يجدها، بعد أن أخذ رقم تليفونها.
أما هيا، فظلت تنتحب لمدة طويلة، لا تعلم ماهيتها.
"يا رب، ما عدت متحملة. لميته بقى؟ ما يسيبني في حالي؟ هو إيه الجهر ده؟ إني تعبت. يا ريتني جولت له على اللي بيا، عشان يهملني من سكات. انفجرت في البكاء، وظلت تنتحب بقهر."
"صعب جوي أجول إن إني برضك ست، وجلبي بيمزعني. أفضح جتي أكده، وأبقي معيوبة؟ يا مري، يا رب هون عليا، وابعده عني. يا رب يسر له حالي، وخف وجعي، واعملي الخير يا رب."
كانت تدعو بالخير، ولا تعلم أن الخير بيد رب العباد، يكيفه كيف يشاء، وليس كما نشاء.
كانت تعمل في أحد الأيام. ومرت أيام وأيام، وعادت إلى حياتها الميتة.
كانت ذات يوم تسير في الشارع، استدارت لتجد عالسور بجوار بيتها كتابة. شعرت برهبة، ووجدت جمل مكتوبة.
"هشيلك بعيوني. أنت بتاعتي. حبيبي العمر كله. عاشق ولهان. سامحيني."
وقفت دامعة.
"مين ده اللي بيحب أكده؟ يا رب يسر له حاله."
دخلت بيتها وجلست حزينة. مرت الوقت. تجمدت، فسمعت صوتاً كصوت جبل. أحست بقلبها يدق بعنف. هبت مسرعة تفتح الباب، وقفت تنظر في الشارع، ولكن لا أحد. تنهدت.
"أنت مخبولة؟ بتدوري على إيه؟ إيه اللي هيجيبه أهنه؟ بقيتي تحلمي بيه؟ هتنهبلي عليه يا جمر؟ يا رب، إني تعبانة، ريح جلبي."
مرت الأيام، كان الحال يتكرر. المخطوطات بكلام العشق وطلب الغفران طول طريقها، وهيا تتلفت حولها بجنون. والحركة أمام باب البيت والشباك يجننها، حتى شعرت بالجنون.
وبدأ الخوف والهلع يصيبها، فلم تعد تحتمل. فهي تحس به حولها.
دخل عليها أحد المدراء.
"جمر، أنت مطلوبة تسافري الأقصر لشركة هناك، تودي طلبات مهمة، ما حد يوديها غيرك."
شعرت بالخوف.
"هاه، ليه؟ طيب، ما تودي حد تاني."
قال.
"لاه، الريس جالل: أنت همي. يلا، سواج الشركة."
تنهدت بغلب، وعادت إلى بيتها، وأخذت باسم وذهبت به إلى أحد أصدقائها، واتجهت إلى الأقصر. كان الاجتماع في أحد الفنادق. ذهبت هيا، ليقودوها إلى أحد الأجنحة الكبرى. دخلت، وظلت جالسة تنتظر. اقتربت خادمة الفندق وأعطتها عصيراً. ظلت جالسة تنتظر، إلا أنها شعرت بالاسترخاء، لتركن رغماً عنها، وتتوه في النوم.
استيقظت بعد فترة، وفتحت عيونها لتهب مرعوبة مرة واحدة، عندما.
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ميفو السلطان
استيقظت قمر وفتحت عيونها وهي تشعر بدوار. بدأت تفيق رويدا رويدا. وجدت نفسها في قصر جبل، فهبت واقفة مرة واحدة وشعرت بالذعر. "أنا فين؟ أنا فين؟"
تلفتت حولها لتجده يجلس يتأملها من بعيد مبتسماً. همس: "حمد الله على السلامة يا قلبي، نورتي مطرحك."
هبت واقفة مرة واحدة فشعرت بالترنح. قام ومسكها: "بالراحة، المخدر لساته جواكي."
نظرت إليه مصعوقة، فضحك: "أيوه يا عسليتي، خدرتك وجبتك."
دفعت يده: "انت مخبول، انت مش طبيعي. جايبني هنا ليه انت؟"
تنهد: "جايبك عشان ده مطرحك وهتقعدي، عشان إني ما أسيبش حقي تاني ولا أسيبك تروحي بعيد عني."
أحنت رأسها تحاول أن تستجمع نفسها. اقترب والتصق بها: "وحشتيني يا واخدة عقلي من جوا. جمري يا ناس، حالي ومحتالي قدامي، كله على بعضه في فراشي، يا دي الهنا." كان يلثم يدها بحب.
صرخت منفعلة وشدت يدها تحاول أن تستجمع نفسها: "انت مفكر حالك مين؟ لو فاكر إني هقعدلك تجل ادبك وتذل فيا، لاه انسي. إني خلاص يابن الناس جفلتها وجلتلك قبل سابق، خد اللي رايده عشان لما أقول خلصت تبقى خلصت."
شدها يحاوطها ويشدها إليه وهي تتململ: "والله تقولي خلصت، ملصت انت رطيت على كيفك. إني بقى لسه ما جلتش كلمتي ومفكر حالي مين؟ مفكر حالي جبل، بتاع جمر، وهي بتاعته اللي روحت وحرقت جَلبه. بس أهه جابها، ولا هيفارقها واصل."
نظرت إليه بغضب: "عايز إيه يا جبل؟ في سنينك السودة عايز إيه؟ انطق وارحمني بقى يابن الناس." اقتربت منه وصرخت: "كنت صغيرة يا جبل، ارحم بقى. كنت عيلة ما فيهاش تفكير. راعي يابن الناس بقى وابعد عني. إني خلصتها زمان، ودلوقتي تخلص برضك، وانت اصطفل مع حالك وابعد عن طريقي. لا عاد ليك حاجة عندي ولا ليك تجربة. إني جفلت سكتك من زمان، هاه، وليا سنة ارتحت. خلصت يا جبل، افهم، خلصت. وقت خلصت أساساً من سنين."
وقف يتأملها عن قرب، رافعاً حاجبيه: "كأنها خلصت من سنين."
صرخت: "أيوه، لما سيبتك على الجسر كنت خلصانة. انت اللي بتدور على الحزن بمنقاش."
ابتسم واقترب منها وقال: "اممم، خلصت على الجسر لما سبتيني وحرقتي جَلبي، صح؟ وباكده خلصت." رفع وجهها بإصبعه واقترب ينظر إليها بعشق، خلع قلبها قائلاً: "ولما انت خلصتيها زمان يا جمر، جيتي داري ليه يا بت الناس؟"
ارتعبت ونظرت إليه وبدأت ترتجف: "إيه بتجول إيه؟"
ابتسم ببرود: "بأسالك سؤال أهه. لما هيا خلصت، راجعة ليه داري؟ راجعة ليه دار جبل اللي سيبتيه."
قالت: "إني... إني... لاه، لاه... إني ما جيتش، انت مخبول. هاجي دارك ليه انت؟ انت..." ارتعبت واستدارت: "إني إني ماشية. باسم زماناته عايزني؟" استدارت تهرب.
فاندفع ووقف أمام الباب: "لاه، ما عادش هروب واصل. لما السما تنزل على الأرض، جبل خلاص. الدعك اللي في خلجته هيوقفه. بأسأل أهه بهدوء، وتردي من سكات، عشان إني الغليان جوايا هيطيح ويولع الدنيا. جيتي ليه داري؟"
"سناء بت خالي، جابلتها من شوية."
ارتجفت ونظرت إليه برعب: "أيوه، بصيلي كمان. هاه، جيتي ليه؟ وقتها بتبكي وماسكة صورتنا اللي جطعتها يا جمر."
كانت تنهج بشدة، فأكمل: "راجعة ليه لجبل بعد ما سيبتيه؟ جولي عشان إني ما أسيبش حاجة متخبية، وهعرف كل حاجة."
كانت تقف مرتبكة لا تعلم ما تقول. اقترب وشدها قائلاً: "كنت راجعة ليا، صح؟ ما جدرتيش تبعدي وتبقى لحد تاني، مش كده؟ راجعة لحبيبك، تطيب خاطره وتعتذريله، صح يا جمر؟"
انتفضت بقهر وبعدته: "مين جالك الكلام الأكحل ده؟ انت بترط أي كلام. وأرجعلك ليه؟ وإني اتشبكت لسليم."
ضحك: "لاه، سليم جاي دوره، بس واحدة واحدة. دا فيه جعدة وحكاوي يامه. بير يا بت حمدان، فتحاه ونازلة تعبيه، وإني واقف أهبل ما عارفش حاجة. بس خلاص، البير طفح وطلع اللي جواه، وإني هكبش وأجيب جوفه بيدي. انطقي... ها، رجعتي دارنا ليه؟"
قالت متلبكة: "كنت... كنت... كنت راجعة أديك حاجتك."
قطب جبينه: "حاجتي؟" ابتسم: "اممم، الفستان الأحمر اللي لبستيه تجهريني بيه، ولا إيه تاني؟"
ابتلعت ريقها: "أيوه، إني هاخد منك حاجة ليه؟ وإني كان عندي راجل جايبلي الحلو كله وعاشجني."
رفع جبينه: "صح، كان معاكي راجل جايبلك الحلو كله وعاشجك؟" ضحك: "داني عايش مسخرة يمين الله. طيب تمام... صح كلامك... أمال سابك ليه؟ هاه، جولي، سابك ليه، والجهر مكلبش جثته."
قالت بجمود: "إيه؟ ما ارتحناش مع بعض، مالك انت؟"
اقترب مبتسماً: "ما ارتحتوش؟ متأكدة... أصل إني جابلت سليم يا جمر."
نظرت إليه برعب: "إيه؟ جابلته ليه؟ مالك بيه؟"
قال مستغرباً: "مالك مرعوبة أكده؟ ولا عشان مخبية حاجات وواخد عهد ما يجول؟ حاجات موجوعة منها ليكي سنين، حاجات سابك عشانها، وجلبه بيتجطع عليكي من اللي جرا لك."
أحست أنها ستموت. هل عرف؟ هل حكى له؟ فصرخت: "سليم جالك إيه؟ ده كداب، ما تصدقوش. إني مابياش حاجة واصل."
ابتسم: "يعني انت عارفة إنه هيجول حاجة."
كانت ترتجف وتشعر بالقهر. اقترب واحتضنها: "مخبية إيه؟ وسليم عارفه، وجلبه بيتجطع عليكي جوي... جولي مخبية إيه؟ وأنا عارف، وعارف، والكل عارف، وإني شرابه الخرج ما عارفش بيكي إيه. جولي بيكي إيه؟ ليكي سنين كاتمها. هاه، خدت حجك يا جبل؟ بطل تدعي، كفاية اللي جرا لي يا جبل. بيا كتير يا جبل... انطقي."
"إلا جبل حاسس إنه روحه بتطلع، وعارف إن فيه نصيبة انت مخبياها."
أبعدته وقالت: "مالك بيا؟ أخبي ما أخبيش. انت خاطفني ومخدرني وجاي ترط. انت فيه إيه؟ مالكش رادع؟ اسمع بقى عشان إني ما عدتش هسكتلك واصل. تبعد عني، فاهم؟ ولو انطبجت السما، ما هتخش حياتي."
اقترب وشدها: "لاه، هتخش وهتخش، لآني كفاية عليا جهر. لا كده، إني جلبي والع، وما عدتش متحمل. جمر رجعت تدور عليا، دي لوحدها أكلت جَلبي وخلت جثتي والعة، خلتني مجنون. بس لاه، انت دلوقتي معايا، بتاعتي وبس."
شدها إليه وأنهال عليها بقوة، وهي ما زالت تشعر بالدوار، ظل يجتاحها وهي بلا حول ولا قوة، تشعر بالقهر، فقربه يحرقها، فهي في تلك السنة أدركت أن عشقها له لم ينقص منه شيء.
أبعدها واحتضنها: "اتوحشتك جوي، سنة هرت جَلبي يمين الله، كنت كيف المجنون، ما عارفش أعيش. عقلي، عقلي، وخلينا نفرح."
هنا دفعته وابتعدت ونظرت إليه بوجع: "هو ده كل اللي في دماغك؟ تفرح؟ هاه؟ تفرح وبس؟ وإني يا جبل، ما بتفكرش فيا واصل؟"
فصرخ: "ما أنت هتفرحي معايا فيه إيه؟"
قالت: "لاه يا جبل، ما هفرحش معاك. انت كل اللي في دماغك حاجة واحدة وبس، هتفرحك... بس الحقيقة ما هتفرح، لا عدو ولا حبيب. إني يابن الناس، ما هخش دنيتك تاني. لو عملت إيه، ما هخش. اصطفل مع حالك وابعد عن وشي عشان أغور من هنا."
قال بإصرار: "لا، هتخشي حياتي يا جمر. ويمين الله، لو ما عقلتي، لارقعك علقة تجيب أجلك ونخلص بقى. إلا بقى مرار؟ إني بجولها لك أهه، إحنا هنتجوز."
صرخت: "دا بعيد عن شنبك! مش جمر اللي تتجوز. عرفي؟ إني كنت هبلة وبجول أهو، أمشي العيشة وأديله حالي ونخلص من الجرف ده. بس انت ما تستاهلش يا جبل. انت وجعتني وجع ما حد يتحمله. آه يا جبل، غدرت بيك، أيوه وبعترف، وندمت يا جبل. بس كنت عيلة صغيرة، والله صغيرة، والدنيا في عيني. رجعت يا جبل تنهش فيا كأني عبده عندك. رجعت يا جبل تموت في جمر أكتر ما هي ميتة. جاي تجولي هتجوز؟ هتجول للناس إيه عليا؟ مرافقني؟ جول، هتجولهم مين الجربوعة دي؟ جول، جول يابن الناس، إني إيه عندك غير جثة وجرف وحزن أسود؟"
"بعد بقى وهملني. بعد بقى واعرف إني ما هكونش ليك واصل. لو السما انطبجت. عشان إني دنيتي وجفت هناك على الجسر. اللي قدامك دي ماتت معاك على الجسر. اصحي يا جبل، وارجع وهات جبل من على الجسر وعيش حياتك. رايدني ليه؟ تعمل فيا إيه يابن الناس؟"
"خلصت أكده. ما هقعدش دقيقة واحدة أسمعلك تاني بقلبك اللي بيجهر ده. أقعد لك ليه؟ إني..." واندفعت لتتركه.
فصرخ بحرقة: "عشان قلبي محروق من حبي ليكي. عشان العشق اللي جوايا بيموتني. عشان... عاشج وما فيش دقيقة إلا أما بموت من ساعة ما سبتيني."
تسمرت مكانها. أحست بقدميها كأوتاد تدق الأرض. أحست بثقل في جسدها من هول كلماته. اقترب واستدار. نظرت إليه، كانت دقات قلبها تدق بعنف. نظرت بعيونه وتجمعت الدموع في عيونها، ولانت ملامحها غير مصدقة.
نظر إليها بهيام: "بتجوليلي أعيش حياتي؟ حياتي انتهت من ساعة ما سبتك، أو ساعة ما سبتيني. مت، مت، وفكرت إن جلبي مات، بس الحقيقة كانت غير. ولا يوم إلا ما فكرت فيكي، ولا يوم إلا ما كنت جوا جلبي. في عز جَهري، وانت بعيوني." كانت دموعها تسيل، لا تصدق أنه ما زال يعشقها.
لم تتحمل، فاستدارت تحاول أن تستوعب ما قاله. اقترب واحتضنها من الخلف: "جبل ما ماتش على الجسر. جبل لساته بينحر جوايا، بيعشق، والعشق بيكويه... بتجوليلي بعدي وانسى، ورايد جثتك؟ إني كنت بحلم بيكي. ما فيش يوم إلا وما كنتي معايا في الحلم. أهه في الجصر... كل يوم بشوفك والفرح معانا. كان نفسي أموت في الحلم عشان ماخرجش منه. لما شفتك حسيت إن روحي اتردتلي، بس وجعي منك كان بزيادة يا جلبي. أسف إني وجعت، والله أسف. عارف إنك رجعتي ليا، ترجعيني. ودي خلتني هموت من عملي معاكي. وعارف إنك مخبية حاجة هتموتني عليكي. بس جبل عاشق لجمر، ولا حاجة هتبعده."
همس: "راجع؟ انتجمت من حالي؟ شايف عيونك، وجلبي بيموت. جمر، جبل لسه جبل العاشج لجمر، جبل اللي يتمنى لجمر، يجبلها الدنيا اللي ولا يوم نساها، اللي بيتمناها من الدنيا. سبع سنين بنكوي بناري. يمين الله، عاشق. وكت هتجن، سنة كاملة أجبر روحي. إني طفشتك. سنة ربتني. قاعد عند أبا عرفان في البيت، في أوضتك، أشم ريحتك وأتخيلك. واتحايل عليه، كان هاين أبوس إيده يجولي، انت فين. كنت أروح لأبوكي، جايز يحن عليا. بس ربنا فعلاً رايد أعيش سواد. سنة لأني أسودت عيشتك، واتجبرت عليكي. والله حتى من قبل ما أعرف إنك جيتيلي، عرفت إني عاشجك. والله عرفت واتأكدت. وجلت ترجع، هتجوزها جدام الكل. الخلق كله يعرف إنك مرتي، وما طولش أساساً إنك مرتي. يوم ما سبتيني، كنت هنهبل. بكيت، وساعتها عرفت قد إيه وجعتك. قد إيه جلت عفاشة ما حدش يتحملها."
قبل يدها: "كنت بجعد في جوف الليل، أعيد كلامك كله، وأعرف إني عملت مصايب. عملت في جلبي اللي ما يتعمل. أسف، والله أسف. دانت روحي، دانت اللي عايش نفسي عشانها، مكمل. جمر، إني بحبك، والله بحبك، وجلبي ولا دقيقة إلا أما كان بينبض ليكي وبيعشق. ما بتخيلش حد بيعشق كده. أقول إيه وأسيب إيه؟"
مسك وجهها بحنان: "دانت جلبي، نور عيني اللي..." كان ينظر إليها بعشق، وهي لا تتكلم، دموعها تسيل، تسيل أنهار تغسل وجهها وتزيله من قلبها. تسمع كلامه يرويها ويحييها. حب الجبل وعشق الجبل.
همست بحنان: "جبل."
قال بحب: "عيون الجبل وروحه." لمس خدها، فأغمضت عيونها. أحست بقلبها ينبض بقوة. شدها واحتضنها بلوعة: "اتوحشتك جوي. عايزك ليا، بتاعتي العمر كله. لو بيكي إيه، عايزك. لو بعدتي أدي ما بعدتي، عايزك. عايزك دنيا أفرح بيها. ما عشناش يا جلبي... هنعيش حجنا؟ إحنا نستاهل نعيش. سيبينا نعيش."
مسك وجهها وقبلها بلين: "جولي، جولي يا عمري. بيكي إيه؟ وإني أهه جارك، حبيبك، بتاعك، ولا يوم يهملك."
"رايد حبيبي يخش دنيتي، يفرحني. أجيب عيال وأفرح بخلفي منك. والعزوة والنسب تبقى منك انت وبس. رايد أجيب عيال كتير. إني طول عمري بطولي، لا ليا حد ولا ليا ونيس. عايز منك الونيس والخلف. الجصر ده هنملأه عيال. عيال الجبل من الجمر. خلف الصعيدي عزوة، خلف الصعيدي روحه، ما يتنازلش عنه. وإني عايز خَلَفي منك يا جلبي."
هنا عادت إليها ذكرياتها، فانتفضت وابتعدت وصرخت.
فقال: "إيه يا جلبي؟"
صرخت بحرقة وقهر: "بطل جلب إيه؟ انت مخبول؟ ال جلبك ال. بطل بعد عني، والله ما هيحصلك خير. ال جلب ال من ميته؟ يا بيه، هاه؟ بعد عني، أوعى من سكات، أما أغور من هنا."
ابتسم واقترب وحاوطها: "دي قبل ما أشوف العشق في عيونك وأسمع همسك باسمي. ده قبل ما أحس بيكي بين درعاتي. انت بتاعتي يا جمر. إني لا أهبل ولا عبيط، وشايف عشق جواكي بيكويكي، بس كاتمها. وعارف إنه بسبب اللي مخبياه. بس أهه، خبي كيف ما بدك. لا هبعد ولا هسيب."
صرخت: "تبعد إيه؟ ومخبية إيه؟ مش خلصت يابن الناس؟ ارحمني بقى وروح شفلك حد تحبه وتنبسط بيه. إني جلتلك خلصت."
قال مبتسماً: "خلصتي؟ رط."
"طب هاه، عايزة الفرح فين يا جلبي؟" شدها وقال: "هاخدك شهر عسل بره، ياخد العجل."
أخرج من يده خاتم ألماس وجلس على قدميه. مسك يدها فدمعت عيونها بقهر: "هاتي يدك ينور بيه الدنيا. والبسها الخاتم."
شدت يدها وصرخت: "انت مخبول! فرح إيه وعسل إيه؟ عسل طين على دماغك. بص بقى، إني فيا اللي مكفيني. ابعد عني من سكات، أحسن لك."
ضحك: "وان ما بعدتش، هتعملي إيه؟"
"جبل، خلاص وعي إنه رايد جلبه. نظرت إليه بغضب: "مشكلتك مش مشكلتي. ولو انطبقت السما على الأرض، ما هكونش ليك يا جبل."
ضحك: "عشان اللي مخبياه، صح؟"
صرخت: "مالك انت؟ مخبية وطين؟ ما أخبيش حاجة. إني فاكر لما جلتلك، خد جبل، ما جفلتها، هاه؟ فاكر يا جبل؟ أهو انت اللي رفضت، وإني جفلتها. لا ليك ولا لغيرك يابن الناس. إني عايشة أربي الواد اليتيم. حياتي خلصت على كده."
قال مبتسماً: "لاه، حياتنا هتبتدي. وانت تنعدلي تمام. إني حرمتي ما تجفش جدامي أكده وتسمعي الكلام. إني جبت آخري. هفلقك نصين، وهتجوزك برضك."
صرخت: "فلجة لما تفلجكك! هيا مين اللي هتتجوزك؟ انت ملحوس؟ روح باينك خلاص لسعت. دا مرار؟ إيه ده؟ هو ذنب مكتوب لي العمر كله؟"
اقترب وشدها: "لاه، ما هواش ذنب. دا عشق. والعشق يتحس. إني مكوي بالعشق ده. وكت فاكر إن جلبك مات، أثر إنه لسه بيدج لجبل، وبس."
صرخت: "ما بيدجش، انت مخبول."
قال بقوة: "بصيلي. جولي، ما بيدجش. بصيلي يا جمر، جوليلي ما بيدجش لجلبك؟ ماهواش رايد العشق؟ بصي، جولي. كتي راجعة ليه؟ إلا إذا كان العشق كاويكي ورجعتي ليه؟ جولي، ما كملتيش جوازتك ليه من سليم؟ جولي، ما اتجوزتيش عرفان ليه؟ وانت بتكتبي، ما جدرتيش تنكتبي لغيري. جولي، ليه بتعملي أكده، ومخبية إيه؟ مهما عملتي، عاشجك. مهما كان فيكي إيه. رايدك مرتي، حبيبتي، أم عيالي."
صرخت بوجع: "وإني ما عايزاش. ما عايزاش يا أخي. العبدة اللي دخلت حياتك، ما عايزاش. عايزة أموت يا جبل، فاهم؟ أموت وأرتاح منك ومن دنيتك. عايز فجأة أكده؟ جمر بقت حلوة ليه يابن الناس؟ ولا جثتي لسه بعيد؟ ما طولتهاش. عايزني أجرب من واحد جالي، ما هجبش منك عيال. انت ما تعرفش تربي عيالي. هاه؟ عايزني أجرب من واحد جالي، انت كلبة فلوس، ولا رحمني، وآخرتها أخدك عشان أرتاح. عايز ترتاح يا جبل؟ عمرك ما هترتاح. ابعد بقى. إني خلاص عليا جهر. لا كده ارحمني يابن الناس، وخلي رحمة ربنا تنزل عليا. إني شبعت جهر مسك وجهها ودموعها تسيل. "إني ينجطع لساني ساعة ما جولت أكده. إني خزيان وندمان يا جلبي."
أبعدته: "والله، فجأة أكده خزيان وندمان؟"
"لاه، انت مش خزيان. انت محروج. إزاي جمر تعملها تاني وتمشي؟ إزاي جمر ترفض؟ جبل رفضته زمان وهو ما معهوش. أما دلوقتي جبل البيه العالي، إزاي جمر الجربوعة ترفضه؟ ترفض سيد الناس، صح؟ مش أكده؟"
صرخ: "سيد إيه وطين إيه؟ انت هتفضلي غبية لأمتى؟ إني عاشجك يا شيخة. انت يا بت مخبولة، جرا لك حاجة في عقلك؟ ما بتفهميش واصل. عاشجك يا طينة. أعمل إيه؟"
قالت بوجع: "وما كنتش عاشج ليك شهور بتنطح فيا. إيه اللي جد؟ قول."
اقتربت: "عارف إيه اللي جد؟" مسكت يده ووضعتها على جسدها: "إن ده ما طولتوش يا جبل."
نتش يده: "إني ما عارفش. انت حاطة في راسك تبن أسود يا بت. عايز أتهبل، أتجوز وأجيب زفت عيال. أعمل إيه؟"
استدارت والقهر يأكلها. فهو يريدها أم لعياله، وهي لن تحقق له ذلك. كيف ستجعله يعيش معها وتوجعه؟ أنها لن تحقق له أمنيته، وهي من الأساس لا تصدق ذلك العشق الذي لاح فجأة.
اقترب واحتضنها: "يا بت الناس، إيه اللي هيجبرني أقعد أنح لعم عرفان سنة؟ هاه؟ حد بينحرج على جثته؟ واحدة سنة ما بيسلاهاش."
صرخت: "أيوه، انت."
تنهد: "ربنا يشفيكي بقى. يا مخبولة، الراجل لو رايد جثته، واحدة وما خدهاش، خلاص وراحت. بينسى لما بتروح من جدامه. أما إني، مهما رحتي، رايدك. أعمل إيه؟ أحبسك وأموتك عشق؟ والا أعمل إيه في سنتي الطين؟"
قالت: "جول زي ما تجول. انت حر في نفسك، وإني حرة."
تنهد وقال: "ما فيش فايدة، ما هتجيش بالذوق. إني عارف."
قالت: "اللي هو إزاي؟ هتضروبني؟ والا تعلجلي الفلقة؟ هاه؟ اخبط راسك في الحيط يا جبل. إني ما هكونش ليك." واستدارت مندفعة للخارج.
وقف أمامها: "ارمحي، ارمحي، بس آخرتك حضني. إني خدتك على قد عقلك، بس لحد أكده بكفاية. أنا أشوف هتنعدلي، وإلا أموتك وأموت حالي ونخلص."
صرخت: "بعد من طريقي."
نظر إليها بعشق: "طب، هاتي بوسة، وأني أبعد. حبيبي، وحشني."
نظرت إليه بذهول: "انت مش طبيعي، يمين الله."
اقترب وشدها: "على الآخر، ما عدتش هنفع. الحقيني قبل ما أتهبل."
قال: "اهدي بقى وتعالي." شدها وفتح الدولاب: "شوفي حاجتك أهي كلها، ومتستفة. وحبيبي، لبس خاتمه وهينور بيتي. وأبا حمدان متفق معاه نكتب أول ما ترجعي."
تململت، فكلبش فيها، فصرخت: "اوعى يدك دي، بلا حاجتي بلا طين."
ضحك: "إيه؟ مش عاجبينك؟ داني جايب قمصان نوم تخبل، عي'بقى على الأبيض يموت يا جلبي، ساعتها هموت. أحمر وأسود. داني جايب من الأسود، يجي دسته."
هاجت: "نهارك طين، بعد بجاحة أدبك، بلا أسود بلا زفت، بعد يا قليل الحيا."
ضحك: "طب إيه؟ حباه أحمر فيه؟ والله جبت ألوان البلد كلها. حبيبي يلبسلي وأتهنى بيه. نار يا بت الايه."
هاجت من قهرها: "اوعى، اوعى، والله هموتك."
ضحك: "هتموتيني؟ ساعتها هنسرج سوا. الأحمر على الأبيض يشعوط، والأسود يقتل. إلا حبيبي نار في كل حالاته."
صرخت ودفعته: "بعد، إني هموتك، وارتاح. انت لازم تموت." وبدأت تحدف عليه ما أمامها، وهو يضحك، إلى أن مسكها، فصرخت: "مش عايزاتك يا جبله."
قال: "مش مهم. المهم إني رايدك. وساعة ما تكوني ليا، هعرفك يعني إيه مش عايزاني دي. عيونك العاشجة بتصرخ من جواك."
دفعته: "والله ما هقعدلك، وهطفش، وأبقى كل حالك بقى." وتركت الباب، وصرخت.
ظل هو واقفاً: "يا رب، تعبت. أضربها، ولا أهبب إيه؟ مخ جزمة. بحبها وبعشقها، ودي نازلة رط. تنهد: "ما انت يا طين ليك شهور بتجهرها. منك لله. دا حبيبي رجع يسأل عليا. رجع يدور على عشجه. بت صغيرة غلطت، ورجعت تدور على عشجها. وانت راجع تنتقم من إيه؟ من حالك. أهه، أطبش بقى في الطين. هتوريك سواد على ما تطولها. حجك؟ ما تصدق. انت طلعت روحها منك لله. بس لاه، إني ما هسيبهاش. لدماغها الجزمة ده، يا أما تتعدل، يا أما أرقعها علقة. هيا حرة بقى. إني تعبت. سبع سنين جهر، عايز آخدها، أفرح بيها. أم دماغ تبن. أقول إيه يا رب؟ أهديها بقى."
تنهد وجلس: "طب بيها إيه؟ يكونش عندها مرض معين؟ طب تجول أعالجها، ما فيش حاجة ما ليها علاج. يكونش إيه؟ ما خبرش. متعقدة؟ طيب. اتعقدت لما مشيت وسيبتها. ما عايزش راجل يجرب. بيجرالها حاجة؟ خايفة طيب من الجواز؟ أروح بيها لدكتور نفسي؟ بيها إيه؟ يادي السواد. أروح لسليم أطحنه ضرب؟ يجولي بيها إيه؟ هيكون بيها إيه؟ هو أكيد عقد نفسية. اتعقدت. أيوه. حبيبي بقه أهبل من كتر الجهر. هيكون إيه؟ أروح أكلم مين بس؟ البت خايفة مني ليه؟ وما عايزانيش، وهي بتعشقني. قطب جبينه: "يكونش حد عمل فيها حاجة؟" هب واقفاً: "حبيبي، يكون حد خدها غصب، وخايفة مني؟" أغمض عينيه: "جلبي مهري يا رب. تعبت. طب يا جبل، لو حصل للبت، لازمن تطفش وتخاف. انت خدها بالراحة. انت رايد جلبها، مش جثتها." قطب جبينه: "لاه، ما حدش خدها. هيا كنت هتديني حالها. يبقي لاه، مش أكده." تنهد بغلب: "إني هنهبل. ما عدش نافع، يمين الله. بت حمدان، مكتوبالي تهبلني. بص، هو في إيه؟ الحالات هاخدها، وتبقي تشوف حيطان البلد تخبط راسها بقى. هو إيه؟ هغلب في حرمة؟ طب يا جمر."
عادت قمر موجوعة، وهي تشعر أنها تحارب نفسها وليس جبل. فقلبها يصبو إلى عشقه، أما عقلها فينهيها. فكلامه سابقاً انغرز بداخلها، وأنه ما إن يعرف مصابها، سيقذفها من حياته. فهي كررها كثيراً، يريدها، أما وهي أبداً لن تصبح أما. شعرت بالوجع، ماذا يريد؟ تمنت لو أخذها وتركها في حالها، ولكن لم تستطع أن تخبره، فيكفيها مهانة، ولن تحتمل شفقته مهما كان. كيف يعشقها وقد أوجعها ألف مرة؟ كيف؟ فهي لا تصدق تحوله، فهي تظن أنه يسعى إلى أن ينالها بأي شكل.
عادت إلى بيتها، وقد أحضرت ابن أخيها من صديقتها. لم تعلم ماذا تفعل. أترحل مرة أخرى و تبتعد؟ هل ستظل هاربة طول عمرها؟ ظلت طوال الليل تفكر كيف ستقدر أن تقف له.
"إيه يا جمر؟ هتفضلي هربانة من حتة لحتة؟ هو خلاص انخبل. عايز جثتي. عشق إيه وطين إيه؟ لاه، ما بيعشقش اللي يعمل أكده. ما بيعرف. هو عايز طين، قلة أدب، وجيب حاجات يجل أدبه. دخ اللي في دماغه... أعمل إيه؟" أجول له؟ أحست بعصرة في جلبها. "انت عايزه يا جمر؟ يفضل يحب حالتك القديمة؟ ما جدرتش تجوليله؟ ما جدرتش؟ عيني بتعصر. سهمت... طب، طب لو بيعشقني؟ هو ينفع؟" نهرت نفسها: "اصحك تفكري وتحلمي. حلمك مات من زمان. ما تحييهوش. جبل عايز جثتي. عجل، بلا عشق بلا طين."
مسكت الخاتم تتلمسه بحنان. احتضنت يدها وظلت جالسة تفكر إلى أن نامت، متعبة من التفكير.
مرت الأيام وجبل يطاردها، يغرقها بالورود أمام بيته، ويقف بالساعات تحت بيتها، وهي ستجن. يتصل بها ويبعث لها رسائل عشق. أما الحيطان فلم تخلو من رسائل عشقه. أحست أنها ستموت من ذلك الهجوم.
اتصلت به صارخة: "انت إيه؟ ما عندكش دم؟ عايز تفضحني أهه؟"
همس بعشق: "وحشتيني. هتيجي إمتى في حضني؟"
صرخت: "انت احترم نفسك بقى يا زفت! انت ما تعقل؟ إيه المرار ده؟"
همس: "إني جبت أوضة جديدة. هتيجي إمتى تشوفيها؟ شوفي، وفيه مهندسة جايه لو عايزة تغيري حاجة."
نظرت إلى السماعة بذهول: "دا انخبل خلاص."
سمعت ضحكته: "من عشقي ليكي، قاعد بفكر فيكي وبس. في ليالينا وبس. حبيبي في حضني. إني كلمت أبا حمدان، وحددنا المعاد يا جلبي. هاه؟ إني هتيجي تنجي الفستان. ميته، حبيبي، لازمن يجيله أحسن حاجة."
أحست أنها ستموت: "جبل."
همس بعشق: "روح الجبل، وجلب الجبل، وعيون الجبل."
صرخت: "ما تسيبني في حالي بقى."
تنهد: "عايزاني أسيبك في حالك؟ افتحي الباب."
ارتعبت: "باب؟ باب إيه؟" قامت مسرعة: "نهار طين، إحنا اتأخرنا، هيفضحني." فتحت الباب لتجده راكعاً ومعه بوكيه ورد. دمعت عيونها. قام بهدوء واقترب: "عايز جبل العاشج يسيبك؟"
لم تنطق. هذا كثير عليها. اقترب ومسك يدها يقبلها: "طب، اسمعيها لي، وأني همشي."
رجف قلبها: "اسمعلك إيه؟ ما تمشي بقى، حرام أكده."
قال: "يعني إني ما طولتش حاجة." نظرت إليه بغضب، فضحك: "يلا، جولي لي بحبك، وأني هسمعها وأمشي."
قالت بغضب: "ما هجولش، ويلا غور."
قال: "يبقى هبات أهه بوردي. انت حرة." وهم أن يجلس، فصرخت: "بطل بقى، حرام أكده."
قال بهدوء: "جوليها، ما هتلاجينيش قدامك."
تنهدت بغلب: "وهتمشي وتهملني، صح؟"
قام مسرعاً: "همشي يا جلبي."
تنهدت وقالت: "بحبك."
ابتسم واقترب: "تاني، وانت بتبصيلي."
رجف قلبها ونظرت إليه: "بحبك."
أقرب أكثر، ومسك يدها وهمس بلين: "تاني."
بدأ العشق يخرج من عيونها غصباً، فلان صوتها وزادت دقاتها، ويدها ترتعش بين يده. همست بعشق: "بعشقك."
ظل يطلبها مرة بعد مرة، وكل مرة تخرج منها تخلع قلبه. نظر إليها نظرة أذابت الجليد المتبقي داخلها، هامساً بالقرب منها وعيونه تصرخ طلباً لحبيبته. همس، وأنفاسه تلفح أنفاسها: "تاني يا واخدة عقلي."
ملست على يده بحنان وهمست دون وعي: "بعشقك."
أحس أنه سيجن من نظرات العشق التي تصرخ منها. فهمست مرة أخرى: "بعشقك."
لم يحتمل، فشدها يحتضنها بقوة وقال: "وأنا بعشق حبيبي، كيف ما بيعشقني."
ظلت هائمة بين يديه، إلا أنها انتفضت ودفعته وأغلقت الباب، وبدأت تبكي وتصرخ: "غور بقى، ما عدتش أشوفك."
تنهد وهمس: "عيوني، حبيبي، بس يؤمر. بحبك يا عمري، هتوحشيني." واستدار.
أحست بخلعة في قلبها: "خلاص، مشي؟ خلاص؟"
انهارت من البكاء: "يمشي، أه، خلاص بقى. جصة وخلصت." واستدارت، وظلت طوال الليل تنتحب.
فهنا حقيقة لاحت للكل، أن قمر عاشقة للجبل، ولا تريد لذلك العشق أن ينتهي. قمر بداخلها رعب حقيقي من أن يفقد الجبل رغبته فيها، ما إن يعرف مصابها ويلفظها، لن تحتمل نظرات الرفض.
قمر تظن أنها فقدت حبه، فعلى الأقل، يظل بداخلها شيء لها. قمر ستموت إذا فقد جبل الرغبة في داخله عندما يعرف مصابها ويلفظها. لن تحتمل أن تموت في عين حبها وعشقها، حتى لو أنكرت، فبداخلها أنثى سعيدة، رغماً عنها، أن حبيبها يريدها ويجن عليها. إنها الأنثى، وحب الأنثى أن تكون مرغوبة. القصة فيها أبعاد نفسية لا يفهمها إلا أنثى عاشقة، فقدت حب حياتها. صعب على أي أنثى أن تعاب في جسدها، وأنوثتها عيب مميت لأنوثتها. فليبق بأي صورة، وتبق هي في مخيلته بأي صورة. فهي ترضى أن تكون رغبة، على أن تنسى، ويقفل بابها وقصتها تذهب، ويظل القلب يدمي من عذابه.
الأنثى العاشقة لا تنسى، ولا تريد لعشيقها أن ينسى. فهي لا تثق به، ولا تيقنت أنه حب. فهو عاشق، والعاشق لا يهمه إلا لقلب والروح، ولابد أن يغرز حبه بداخلها غصباً. فهي أبداً لا تثق به، والأكثر لا تثق بنفسها. الأنثى عندما تفقد ثقتها وتشعر بالدونية، تحتاج لأميال وأميال حتى يصل إليها حبيبها.
فما سيأتي كله غرس لثقة الجبل وحب الجبل بداخلها، ولكن بعد عذاب.
في الصباح، ذهبت إلى عملها، بعد أن أوصلت ابن أخيها إلى مدرسته. مر اليوم في هدوء. تنفست الصعداء، وذهبت لتحضر ابن أخيها من مدرسته، لتتفاجأ أنه غير موجود. ظلت تبحث كالمجنونة وتصرخ باحثة عنه. شعرت بالانهيار، فليس لها غيره يدعوها للحياة. كانت كالمجنونة تصرخ، والجميع يهدئونها، إلى أن رن تليفونها، لتنتفض عندما...
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ميفو السلطان
كانت قمر تشعر بالرعب على فقدان ابن أخيها، فهو ما يجعلها متشبثة بالحياة. ظلت تبحث عنه بجنون حتى هلك قلبها وجنت تمامًا.
رن هاتفها، ففتحته مسرعة. تفاجأت بجبل يكلمها، فصرخت بحرقة:
"الحقني يا جبل، باسم مش موجود في المدرسة. أنا واقفة قدام المدرسة، هموت. الواد باينه اتخطف، جلبي بينخلع. جبل تعالي، محتاجالك والنبي ماتهملني، هموت والله."
همس بحنان:
"محتاجالي يا جلبي؟ محتاجة لجبل حبيبك؟"
صرخت:
"تعالى، مامتحملاش، هتجن عالواد."
قال:
"دقيقة هكون عندك."
مر الوقت وذهب إليها. اندفعت إليه برعب، كانت تبكي. احتضنها:
"أهدي يا جلبي."
قالت:
"الواد، الواد، هموت."
ابتسم:
"اطمني، أنا هجبهولك. ارتاحي. جبل علاقاته كتير."
مسكت يده:
"أيوه صح، كنت بشوف ضباط وكبارات. كلمهم. أيوه، أنت تعرف ناس واصلة."
ابتسم:
"إيه؟ ببلاش كده؟"
قطبت جبينها:
"إيه؟ بتجول إيه؟"
لتنفعل:
"هتجلي ادبك؟ هسخمط عيشتك، دا وجته!"
ضحك:
"مافيش فايدة، دماغك مليانة واغش. لاه، أنا رايد حبيبي بالحلال. هتبقي ليا، هجبلك باسم لحدك. دا مدير الأمن ذات نفسه، هياجي الفرح."
دفعته:
"انت بتجول إيه؟ انت اتخبلت خلاص؟ مافيش في دماغك إلا الحزن ده؟ هاتلي الواد، انت تعرف تجيبه."
نزل أمام وجهها:
"تتجوزيني الأول."
نظرت إليه بقهر. ابتسم وهز كتفه وشد وشاحها، وذهب إلى منتصف الطريق وربط عيونه. فصرخت:
"بتعمل إيه يا مخبول انت؟"
قال:
"تتجوزيني أجيبلك الواد."
"مش هتجوزيني؟ أموت ويروح الواد."
صرخت بحرقة، فالعربات تمر من جواره:
"انت واحد مخبول، هتفرج علينا الخلج؟"
قال:
"خلاص... يااا عااالم، جولولها عايز اتجوزها يا عالم."
صرخت عندما وجدت عربة كبيرة:
"جبل هتموت، هتموت. منك لله، ابعد."
صرخ:
"جولي آه، جولي آه."
صرخت:
"خلاص يا زفت، هتجوزك."
شال الوشاح ووقف أمام العربة سعيدًا:
"سمعتو يا خلج، جالت إيه؟ جالت هتتجوزني. يا عم الحج، جالت هتتجوزني. يا مدام، جالت هتتجوزني. جمري يا عالم، هتتجوزني."
اتجه إليها وأخذها بعيدًا والناس تضحك على ذلك العاشق المجنون:
"هتتجوزيني يا جلبي؟ ماتجيبي بوسة بقه، قدام الخلج."
دفعته:
"انت واحد مخبول، روحي هتطلع وانت بتتمسخر. اوعي، اوعي. إني لو طولت رجابتك هموتك تاني."
ودفعته وهو يضحك وهيا تشتمه. وذهبت إلى بيتها.
مر الوقت، وهيا على نار. الواد فين؟ جبل هيجيبه؟ أيوه، مش هيسيبني. دمعت عيونها. اتصلت به مرة أخرى:
"جبل، لقيت الواد."
همس:
"وحشتيني."
صرخت:
"انت انخبلت خالص؟ بجولك لقيت الواد، الواد يا جبل، دا اللي عايشة عشانه. جلبي محصور."
قال بهدوء:
"أهدي يا جلبي، الواد كويس، مافيش فيه حاجة."
بهتت هيا ورجف قلبها:
"إيه؟ كويس؟ انت عرفت ازاي؟ لقيته صح؟ لقيت الواد؟ ربنا يخليك. فينه؟"
قال:
"باسم معايا يا جمر، لو عايزاه تعالي خديه."
صرخت:
"ما تجيبه، مش لقيته؟ ماتجيبه."
ضحك:
"لاه، هو مش لقيته، هو معايا من الأول يا جلبي. تعالي لو عايزاه."
صرخت:
"إيه بتجول إيه؟ معاك؟ بيعمل إيه؟ انت مجنون؟ وازاي تاخده من غير ما تقولي؟ وما جلتليش ليه؟ انت بتعمل أكده ليه؟ انت مش طبيعي."
قال بنبرة حازمة:
"ماتتكلميش كتير. عايزاه تعالي."
صرخت:
"انت فاجر أكده ليه؟ والله لاخرب بيتك. انت فاكرني إيه؟"
قال بحب:
"حبيبي اللي ماليش غيره. وبعقله." ثم قفل الخط.
ظلت تشعر بالهياج الشديد:
"خد الواد، خد الواد. ليه عايز يجهرني؟ إني ما عدت متحملة. بس لاه، إني هوريه."
لتقوم مسرعة تذهب إليه. دخلت عليه القصر فوجدته جالسًا ينتظرها. دخلت هائجة:
"انت خطفت الواد؟ انت بقيت بتاع عصابات."
ضحك:
"والله كتر خيرك يا جلبي، انت السبب. انت جلبتيني وجلبتي حالي. مرة عصابات، والمرة التانية ماخابرش هتبقي إيه."
صرخت:
"إيه؟ هتجتلني يا أخي؟ يا ريت."
قام وشدها:
"أجتل حبيبي اللي هموت عليه. حبيبي العبيط اللي مش راضي يعقل واصل."
صرخت:
"بعد بقه وجولي. فين الواد يا جبل؟ هاتيه بدل ما هيحصلش طيب."
تنهد:
"طب اهدي واجعدي. ريحي. ما وراش حاجة. جاعدين في بيتنا مريحين براحتنا. ورانا إيه إلا بعض. حبيب رجع حبيبه العبيط لحضنه. أجيبلك عصير يا جلب جبل."
شعرت بالجنون. اقتربت منه وضربته على كتفه وصرخت:
"انت مجنون؟ خاطف الواد وتجولي اهدي؟ وحبيب وطين على دماغك واشرب زفت. مالك بباسم؟ عايز تحرجلي جلبي عليه؟ هو كمان عشان أموت؟ انت ما كفاكش عمايل فيا."
هنا شدها لتقع في أحضانه على قدميه وحاوطها. فصرخت:
"اوعي يا حيوان، والله أموتك."
قال بتحذير ونبرة أخافتها:
"هتجلي ادبك؟ ههبدك بحاجة تضبطك، ماشي؟ صوتك ما يعلاش على راجلك. وشتيمة؟ هطلع روحك. إني جبل، حرمتي ما تجلش ادبها، فاهمة."
تململت. فصرخ بعنف:
"فاهمة."
خافت منه:
"اوعي، اوعي بقه، الله." دمعت عيناها. "اوعي. انت عايز إيه بقه؟ هات الواد."
وانفجرت في البكاء. تنهد واحتضنها. ظلت تبكي في أحضانه وهو يحاوطها:
"ممكن تهدي."
ابتعدت وظلت تنظر إليه. قالت بغلب:
"مش كفاية وجع يا جبل؟ مش كفاية؟ والله انت خدت حجك تالت ومتلت. جمر اتمسح بيها البلاط. كفاية، كلو إلا الواد اللي ماليش غيره. والله يا جبل، اتمسح بيا الأرض. اشمت واتبسط. أنا والله تعبت، تعبت."
تنهد واقترب منها ومسك يدها. حاولت أن تشدهم. فقال:
"وانا مش عايز أوجعك. أنا عايز أشيل وجعك يا جمر. عايز أرجعك جمر أم عيون بتنور، جمر اللي بتحب الدنيا."
نظرت إليه بقهر:
"جمر دي ماتت معاك هناك عالجسر يا جبل، زي ما أنت اتوجعت، أنا بقه مت يا جبل."
قال بعشق:
"وانا عهد عليا لارجعك للدنيا."
صرخت:
"مش لما أبقى عايزة. انت عايز إيه بالضبط؟ اكشف ورجك وجول اللي في عبك يا جبل. إني عارفة انت دماغك بتخطط. جول جول. جمر عايزة تعرف آخرك في الجصة الروبة بتاعتنا."
تنهد وقال:
"زي ما جولت الصبح، نتجوز."
نظرت بغضب:
"..."
قال ببرود:
"تتجوزيني أجيبلك الواد."
ظلت صامتة تستوعب ما يقول. فصرخت:
"هو عافية يا جدع انت؟ هو إيه ده؟ أنا مش عايزة إياك."
قال بهدوء:
"وماله بس، أنا عايزك."
ظلت تنظر إليه بقهر:
"برضه، برضه؟ ما فيش فايدة فيك. عايزك وزفتك."
قال:
"والله دا اللي عندي. شوفي دا قرارك. عايزة الواد؟ نفذي."
جلست بقهر وظلت تفكر كيف ستتزوجه، كيف سيقربها، فهو يبدو أنه عازم أن تكون له، وكل ما يفكر به جسدها. لتسقط دمعة من عينها لتمسحها فورًا. نظرت إليه نظرة مبهمة وقالت:
"تمام يا جبل بيه. والطلاج إمتى؟"
قطب جبينه:
"طلاج إيه؟"
قالت:
"آه، انت عايز تتجوز عشان حاجة أنا وانت عارفينها. يبقي تجول هتطلجني إمتى؟ أنا مش هفضل متجوزاك بعد ما تاخد اللي عايزه."
تنهد:
"برضه ده اللي في دماغك."
فصرخت:
"وما فيش في دماغي غيره. وخلاص خلصنا. وافجت هتطلج إمتى؟"
قال:
"بعد سنة. لو حبيتي تطلجي، هطلجك."
ابتلعت ريقها:
"لاه، سنة كتير. هما شهرين تلاتة."
قال:
"والله ده اللي عندي."
تنهدت:
"طب ابعت هات المأذون."
ضحك:
"هو إيه اللي ابعت أجيب؟ انت هبلة."
قطبت جبينها:
"إيه؟ مش جولت هتتجوزني؟"
نظرت إليه غاضبة:
"آه، جول بقه إنك عايز تتجوزني. عرفي يابن العزايزه، صح؟ مستعر مني ومش عايز أكتب على اسمك؟ انت فاكر إني عايزة أصلاً؟ وإلا بفكر إني أكون ليك؟ لاه والله، لو انطبجت السما، ما هتلمسني بالعرفي. مانا عارفه وكعناك. أيوه، الجواز الـ... دانت رايد درا وخفا وحاجة عار. انت إيه يا أخي انت...؟"
اندفع ووضع يده على فمها. فنظرت إليه بغضب. فصرخ:
"اكتمي. اجفلي الباكبورت اللي بيحدف زفت."
دفعته وابتعدت تنظر إليه بغضب. فتنها:
"أعمل إيه؟ حريجة. أقسم بالله. عرفي إيه وطين إيه؟ يا بنتي هنتجوز رسمي."
صرخت:
"مش انت اللي جولت ماهنجيبش ماذون؟ انت مخبول. إيه؟ هتتجوزني رسمي برضه في الدرا؟ صوح؟ بتراضيني بحتة ورجة صوح؟ إنما ناس واشهار ودنيا تعرف؟ لاه. جمر ماتنفعش. جمر جربوعة ماتنفع."
استدار وجلس وأحنى رأسه وهيا لا تكف عن الصراخ. اتجهت إليه:
"انت موطي ليه؟ خزيان مش أكده؟"
تنهد:
"لاه، مجهور من نصيبي الأسود. طابش في روبه ونفسي أخرج منها."
شدها إليه لتقع على قدميه:
"يا بت، همد يدي عليكي. إني تعبت. هو إني هراضيكي؟ والا همد يدي أفلج راسك دي فرافيت. امسكي لسانك اللي بيحدف طين ده."
صرخت:
"مش انت اللي جولت."
صرخ:
"ما جولتتش! ما تخرسي بقه. ما جولتتش. والله همد يدي عليكي."
انكمشت بخوف. تنهد ومسك وجهها بحب:
"هنكتب رسمي جدام العالم، وكل حاجة. بس هيكون حفلة وفرح كبير هنا في القصر."
خفق قلبها ونظرت إليه غير مصدقة:
"انت عايز تعملي إن حفلة يا جبل؟"
ابتسم بحنان:
"أعملك حفلة؟ داني عشت سنين بحلم بيها."
لانت ملامحها. اقترب مسرعًا وهمس أمام وجهها بعشق:
"بحلم أمسك يدك وأدور بيكي. تلبسيلي فستان أبيض وأشوفك منورة ولابسة طرحة تدلدل وراكي تزيدك حسن أكتر. مانت تاخدي العقل. فرح فيه كل الناس يشوفوا إن إني حييت وعشجت جمر. فرح فيه عالم يشهدوا على عشج جبل وفرحته. آخدك وأرقص معاكي لوحدنا عند الشجرة اللي سميتها شجرة العشاج."
سالت دموعها وهو يداعب وجهها:
"جمر، إني بحبك ونفسي أسعدك."
كانت هائمة تتخيل نفسها في حلمها، تلك التي نامت سنين تحلم به. لتنتفض وتعود لنفسها. وتمسح دموعها:
"أنا مش عايزة فرح. احنا مش هنتجوز جوازة طبيعية. اعقل أكده ووفر فلوسك."
تنهد:
"أمال هنتجوز إزاي؟ انت دماغك دي بس بتفكر إزاي."
همت أن تتكلم:
"اسمعي."
"إني هجيب المأذون دلوقت وهنكتب. والفرح لما نجهز."
تنهدت وجلست:
"أعمل اللي تعمله. المهم الواد يرجع حضني. إني خلاص تعبت منك ومن دنيتك. وهعملك اللي تعوزه عشان أخلصها. إني عارفة إنها هتخلص. أما نتهبب. أما أشوف آخرته."
اقترب واحتضنها:
"آخرتها تبات ونبات ونجيب صبيان وبنات."
صرخت بقهر:
"بطل بقه تجولي أكده. أنا ماهجيبش عيال، انت فاهم؟ بطل."
تنهد:
"أقول إيه؟ ربنا يهديكي." واستدار يستدعي المأذون ويتم الإجراءات وهيا جالسة تفكر ماذا تفعل.
جلست تفكر يوم أن يقربها:
"طب هعمل إيه؟ هيلمسني إزاي بالجرف اللي إني فيه ده؟ موجوعة جوي. أعمل إيه؟ خزيانة. جتتي تكسف. أعمل إيه في وجعي؟ كان فاكرني جمر؟ هيشوف الحزن. حسست على جسدها بقهر: "حاسة بتمزيق جوايا. مش متخيلة يشوف جتتي. يا رب إيه الذل ده؟ وعايز عيال؟ مخبول ده."
سهمت هيا وتذكرت همسه لها بحبه. ابتسمت. تنهدت بغلب:
"ما تصدقيش يا جمر. ما حدش بيعشق مرة واحدة. إيه؟ أهبل؟ اكتشف فجأة كده إنه بيعشقني؟ لاه، عبيطة إياك. إني أصدق دا؟ ليه ياما بيذل ويهين ويجول العفش كله؟ هو.. هو أكيد بيلين دماغك عشان تسلميله. سلميله يا جمر. خليه ياخد ويشبع. وأول ما ياخد، هيعرف إنه مش هيقدر يكمل. أيوه، خلاص اتحملي بقه. يعرف اللي بيكي. مانت متي. كملي موت."
نزلت دموعها:
"واعرة على جلبي جوي. يا رب صبرني. يا ترى هيعمل إيه ويجول إيه؟ هيجوم من جاري مخضوض؟ والا مجروف؟ هيجرف ويوّدي وشه بعيد؟ أكيد. وساعتها هموت والله. مستنية دبحي. بصي، انت ماتقوليش. خليه ياخد ويتهني ليلة. أيوه، ماتقوليش وتحصريه ويقعد ينح تاني. إن جتتي راحت. فرحيه. دا غلبان جوي. انهبل على جتتي. يا مراري. آهه، عايش طين على دماغه. بيفكر في ليلتك. أديله ليلتك في الضلمة زي الحرامية. والصبح يبقي يجرف بقه؟ واللا ينصرع؟ ياخد وينام مبسوط ويصحي يجراله بقه اللي يجراله. إني تعبت والله تعبت."
جلست وظلت ساهمة. مسكت خاتمه فلم تكن قد خلعته:
"حلو جوي. ياخد العجل. هتلبسيه شوية بس وهتهمليه."
خاتم جبل. مكتوب عليه جمر وجبل. ظلت تتلمسه بحنان. دخل عليها وجدها تتلمس الخاتم. هز رأسه بحزن:
"يا رب اهديها."
اقترب:
"يلا يا جلبي."
قالت هيا:
"إيه؟ جبت الواد؟"
ابتسم:
"اندفعت إليه تحتضنه. إني عارفة إنك مش هتوجعني وصرفت نظر صح."
ضحك:
"لاه يا جلبي، إني جاي أقولك يلا المأذون."
تنهدت بغلب. ذهبت معه مسيرة. أتى المأذون وأتى حمدان وعرفان وكان وكيل قمر. وتمت الزيجة.
هنا اندفع جبل وشدها مسرعًا إلى تلك الشجرة ولم يترك لها مجال للاعتراض، وأخذها بقوة بين أحضانه. كان قد شعر أنه ملك الدنيا، حبيبته أخيرًا بين يديه بعد عناء، بعد تعب سنين ووجع، بعد أن أوجعته وأوجعها. إحساس الهدوء والراحة. إحساس رجل ردت إليه روحه، ضلعه الشارد الذي التئم أخيرًا إلى صدره.
كانت ترتجف بين يديه. لم تعلم ما إحساسها. أحست لأول مرة بالأمان، حتى لو كان سيتركها بعد فترة. كان يشدد عليها، يعصرها بين يديه وهيا تتنهد بغلب. أبعدها وهمس:
"أخيرًا بقيتي بتاعتي. ليا أنا. مش مصدق إني عشت سنين أحلم باللحظة دي. لحظة أن اسمك يتكتب على اسمي. جمر، إني إني..."
لم يكن يعلم كيف يعبر عن شعوره. كان عاشقًا متيمًا. فنزل عليها وهام بها، وهيا لا تتحرك، مستسلمة تمامًا، تحاول أن تهدئ نفسها. فكل ذلك كثير عليها. ظل معها يستجدي استجابتها، ولكنها لا تستطيع. ابتعد أخيرًا وهمس:
"وحشتيني لدرجة كنت هتجنن في بعدك."
تنهد وهمس. كانت صامتة، عيونها حزينة. فتفكيرها لا يتركها عند لحظة معرفته الحقيقة.
"طب هتفضلي ساكتة أكده؟ جولي أي حاجة. حاسة بإيه؟ أنا هموت من الفرحة."
تنهدت وابتعدت:
"كويس إنك فرحان، الحمد لله. ادي أول خطوة. ولسه بعد الفرح هتفرح أكتر وتتعود. وخلاص نخلصها بقه. مش هنجعد في الجصة دي كتير. إني سعيدة إنك بدأت تحس بسعادة. لو عايز دلوقت ونخلص، عادي."
شعر بالغضب، فهي تقلل من ما حدث. فصرخ بغضب:
"ما تبطلي بقه يا شيخة. انت إيه؟ ما بتحسيش؟ بتقللي من جوازنا ليه؟ بس يكون في علمك، أنا مش هسيبك لدماغك، ماشي؟ عشان إني جبت أخري. وتلمي نفسك بقه، هاه؟ وكلامك السم ده تبطليه، عشان آخرتها هزعلك."
وشدها وعاد بها إلى القصر. وكان عرفان جالسًا ليتركهم وينصرف غاضبًا. نظر إليه عرفان:
"عضيتيه؟ والا عملتي إيه؟"
نظرت إليه دامعة. فقال:
"يا بنتي، دا بيحبك. اديله فرصة."
نظرت إليه بقهر:
"انت اللي بتجول أكده؟ انت عارف كل حاجة. بيحب إيه؟ انت مصدق إيه اللي جرا؟ فجأة اكتشف إنه بيحب. جبل مابيحبش. جبل عايز حاجة واحدة. وإني خلاص نويت أدهاله. هو حر. هيصرف ويكلف وينجهر في الآخر. أنا ما طلبتش جوازته. فعشان أكده ما عدتش هحمل ذنبه عليا. أول ما ياخد اللي عايزه، هطلق. وأكيد هو مش هيمانع."
دخل جبل، فنظرت إليه وقالت:
"باسم فين؟ وهنام فين؟"
نادى للخدم وصعدت هيا معهم. وبقي هو مع عرفان. تنهد عرفان:
"معلش، اصبر. هيا وضعها مش سهل واللي فيه كتير."
تنهد جبل:
"ماهو لو ربنا يهديك وتجولي إيه اللي فيها، أعرف أتصرف. بس أنا بناطح حجارة في راسها. مجهول صعب، مش عارف أعمل إيه."
قال عرفان:
"حسسها بالأمان. وإنك عمرك ما هتسيبها. بس.. حسسها إن وخها ما هتفارقكش واصل. الروح لما تنحب، الجلب بيلين ويحس بحبيبه. الترك وحش. وهيا كل اللي في دماغها إنك هاتسيبها يا ابني."
تنهد جبل:
"إني تعبت بجد. نفسي أرتاح. تعبت جوي."
ربت عرفان على كتفه وتركه ورحل. صعد إلىها فوجدها تحتضن ابن أخيها. دخل عليهم:
"إيه يا باسم؟ عامل إيه؟ مبسوط في القصر؟"
قال باسم:
"جوي يا عمو. دا حلو جوي."
استدار ونظر إلى قمر:
"هنعيش أهنه يا جمر."
قالت:
"شوية يا حبيبي، مش على طول."
ضحك جبل:
"الحلم حلو برضه. احلمي، احلمي."
نظرت إليه غاضبة. فضحك:
"معلش يا باسم، أصل الخبل عالي. ربنا يشفي الحبايب."
نظرت إليه غاضبة:
"والله باسم مش عايز حاجة. والمخبول لو مش عاجب، سيبه بخبله."
ضحك وداعب باسم:
"لاه، المخبول نعدله. وإن ماتعدل نضربه."
نظر إليه باسم:
"هتضرب مين يا عم جبل؟"
ضحك جبل:
"المخبول يا باسم."
نظر إليها وغمز:
"مخبول بس جشطه."
ابتسم وأكمل:
"طب إيه؟ مش هنشوف حالنا بقه؟ نخطط للحفلة."
تنهدت:
"جبل، إني تعبانة. اعمل اللي تعوزه."
ظل ينظر إليها:
"بس أكده. عيون الجبل لو عوزتي أي حاجة. الخدم تحت أمرك. دي هتبقي أوضة باسم وقوضتنا الناحية التانية. وانت يا باسم، لو عايز حد يبات معاك، جول."
قال باسم:
"لا، إني كبير. بنام لوحدي. مش أكده يا عمتي."
تنهدت واحتضنته:
"أكده يا جلب عمتك."
قال جبل:
"طب أسيبكوا بقه. ورايا حاجات كتير."
اقترب وقبل خدها وهمس:
"مستني ليلتنا بفارغ الصبر." وتركها ورحل.
لتتجمع الدموع في عيونها. تشعر بقهر على ما سيفجعه في تلك الليلة.
مرت الأيام وجبل منهمك في إعداد الحفل. وهيا تراه نادرًا. كان هناك جمع من الناس يعملون في القصر وتعالت الزينات والأنوار بطريقة خلابة. أتى يوم السابق للزواج.
دخل عليها. كانت تأخذ حمامًا. لبست بيجاما حمالات رفيعة وعليها روب. ففوجئت بوجوده. ارتعبت وشدت روبها عليها. اقترب ونظر إليها بهيام:
"الجمر هيفضل خانس أكده؟ مستخبية طول النهار."
تنهدت. اقترب وقال:
"كنت عايزك تنجيلي لبس أكده." وشدها.
فقالت:
"استنى هغير."
قال:
"لاه. حبيبي حلو أكده." وذهب بها إلى حجرتهم. "يلا اختاريلي حاجة حلوة."
تنهدت بغلب وبدأت تختار. وأعطته إياه. ابتسم. هو اقترب منها وهمس:
"هنسهر تحت انهارده، ماشي؟ وسايبلك علبة البسي اللي فيها. هيعجبك."
اقترب وفك قميصه. احمرت خجلًا وسهمت في جسده. نظرت إليه ببلاهة:
"هاه؟ إيه؟"
داعب شعرها:
"ليلة فرحنا نسهر مع بعض يا جلبي. حبيبي بيبعد ليه؟"
نظرت إليه هائمة:
"أبعد؟ أنا أبعد؟"
ضحك وقال:
"يبقي أجرب إني هتسيبني؟ أجرب يا جمري."
تاهت نظراتها فيه وخفقات قلبها أذابت قسوة أيامها ووجعها. لامس وجهها وهمس:
"عاشق الجمر. والله عاشح."
اقترب منها هائماً وهيا تاهت في نظراته. انتفضت وابتعدت هاربة إلى حجرتها. ليقف هو:
"هفطس يمين الله. هفطس. ما عدتش قادر. وحشاني يا بت الايه. حبيبي عسليه."
اتجهت إلى حجرتها وقفل بسرعة وقلبها يصرخ:
"جلبي ما متحملش والله. يا رب بحبه جوي. أعمل إيه؟"
وجدت علبة محطوطة. اقتربت وفتحتها. وجدت فستانًا من اللون الأسود يأخذ العقل. وجدت ورقة عليه:
"ليلة حنة الجمر. ليه فستان من الجنة. يلبس ويهنى."
دمعت عيونها. فهذا كثير على قلبها. تنهدت ولبست ووقفت تتأمل نفسها. نظرت إلى جمالها دامعة:
"هو ينفع أعيش انهارده مبسوطة؟ ينفع؟"
هزت رأسها:
"بطلي توهمي نفسك. مشي. عيشتك." ونزلت للحديقة.
كانت تقف في الجنينة تتنهد وتفكر في حالها. كيف ستتحمل نظرة عيونه إلى جسدها؟ لم تحس به وهو يقربها. واقترب واحتضنها. فانتفضت وهمت أن تبتعد. فردها إلى أحضانه:
"بطلي تبعدي. اتعودي على حضني ده."
كانت صامتة. ظلت هكذا. كان يتلمسها بحنان يجعلها تحس بقربه. وهيا تحاول أن تستعيد قوتها لكي تتماسك. تنهد وقال:
"بتحاربي نفسك ليه بس؟ ادارها. ومسك وجهها. سيبيلي جمر. سيبيها تعيش وتحب وتفرح. سيبيها. ماحدش بيعيش عمره يتعذب. بتعذبيني وبتعذبي روحك. أعجلي يا جلبي. إحنا اتجوزنا خلاص."
دفعته:
"ويعني إيه اتجوزنا خلاص دي؟ ما إحنا اتفقنا هنطلق. انت عقلك خف."
تنهد بغلب:
"ما فيش فايدة. إني تعبت."
صرخت:
"انت اللي تاعب روحك. بتجري ورا سراب ليه."
اندفع مسكها بغضب:
"سراب بتجولي سراب؟ ولما هو سراب؟ ماتجوزتيش ليه من بعدي؟ هاه؟ إيه اللي مانعك؟"
نظرت إليه بقهر:
"اللي مانعني إن الدنيا ماتت في عيني يا جبل. أنا مت والله مت."
قال:
"وانا بقه عايش وعايز أعيش. هعيش معاكي. هفرح بيكي. انت بقه خليكي تنكري كل حاجة. وأنا ما ورايش حاجة. هنروح من بعض فين؟ بكرة هنتجوز رسمي. هتبقي مراتي. جمر جبل العزايزي. جبل اللي هيعرفك انت متي والا لاه."
انفجرت في البكاء. استغفر ربه. اقترب وشدها إليه يحتضنها:
"اهدي طيب. كتير عليكي والله. كتمتك دي." مسح دموعها وقال: "ينفع جلبي يبكي في ليلة حلوة زي دي؟ حنة الجمر ولابس أكده؟ ياخد العجل."
لانت ملامحها. أدارها وقال:
"إيه الجمر ده؟ الجالب يهبل والفستان ياكل منك حتة."
أحنت رأسها خجلًا:
"قال ممكن طلب صغير."
نظرت إليه:
"وحياة الغاليين، ينفع إنهرده نسهر بس سهره من غير نكد."
أحنت رأسها وتنهدت. همس:
"وحياة أبوكي يا شيخة. ورحمة أخوكي."
ابتسمت له، فهو حلفها بأغلى شخص على قلبها. ابتسم وشدها يحتضنها:
"فكري في الليلة وبس. جبل وجمر وشجرة العشج بتاعتها. وعندي ليكي مفاجأة بكرة تجنن."
همست:
"إيه هيا دي؟"
ابتسم:
"بكرة هتعرفي. بس جلبي يهدي. ماشي."
هزت رأسها وقررت أن تخطف ليلة من عمرها. شدها إليه وأدارها وظل يرقص معها ويهمس لها بحبه. وهيا لا تفعل شيئًا، صامتة، تسمع له وفقط، تريد أن تشبع عقلها بقربه، لأن فراقه أصبح وشيكًا. ظل يدور هامسًا لها ليتوقف مرة واحدة ويركنها على الشجرة وينهال عليها. لتستجيب له والعشق يطوف المكان. أبعدها وشدها إليه. فكلبشت فيه لأول مرة من رعبها أن يتركها. مسد عليها:
"إني جارك أهه. حبيبك ماهيهملكش واصل."
سالت دموعها. تنهد بغلب. حملها وذهب بها إلى أحد الكنب وجلس وجلس بجوارها يحتضنها. وهيا نائمة على صدره. مر الوقت. حالما.
شد أحد السكتشات وقال:
"بالمرة بقه.. حبيبي ممكن يختار حاجات تتعمل في القصر؟ ينفع عروسة ماتختار؟ عشان لما نسافر نرجع كل حاجة تجهز."
نظرت إليه بوجع:
"إني أختار؟ ليه بس؟ ماتكلفش حالك."
ضحك:
"اممم.. طيب إني عايز مالك أنت."
قالت بغلب:
"فلوسك هتترمي عالأرض."
ضحك:
"إني حابب يا ستي. ممكن تختاري."
تنهدت ومسكت الأوراق وبدأت تنظر إليها. ولأول مرة يدخلها السعادة. أحست أنه بيتها وتختار ما فيه. واندفعت تختار وتغير. ولبستها حالة من السعادة وهو يتأملها بعشق ولا ينطق. استدارت تنظر إليه وهو يتأملها. احمرت خجلًا وقالت:
"إيه؟ بقول غلط كتير صح؟ أنا أصلاً ما كنتش عايزة و..."
وضع يده على فمها:
"حبيبي يختار واني أنفذ. كتير إيه؟ إني كلي ليكي. من إنهاردة مفيش جبل وجمر. فيه روحين بقوا روح واحدة. جبل عاشج روح جمر."
دمعت عيونها. ظل ساهماً فيها وبدأ يقترب بوجهه وانفاسهما اختلطت. لتنتفض. ابتسم وقبل يدها. تنهدت وقامت:
"إني إني هنام."
اندفعت. فقام وحاوطها:
"طب مش هتجوليلي تصبح على خير يا جبلي."
تنهدت بغلب:
"تصبح على خير."
همس لها وعيونه تشع عشقًا:
"يا إيه؟"
تنهدت بغلب. همست وأحنت رأسها:
"يا جبلي."
رفع عيونها:
"وانت من أهله يا روح الجبل من جوا."
ظلت ساهمة لتنتفض وتهرب من أمامه وهو يقف قلبه يخفق من شدة السعادة.
في الصباح كان اليوم المشهود. أتى عرفان وكان سعيدًا. وتكلم معها كثيرًا بلا فائدة، فراسها كالحجر. قامت هيا وفتحت علبة الفستان. شهقت ورجف قلبها. فكان فستانها. الفستان الذي تلبسه في الحلم. دمعت عيناها بقوة. أحست بالشلل. كانت تتلمس الفستان ودموعها تسيل. لبسته على الفور تشعر أنها مست أو جنت. وقفت أمام المرآة تتأمل نفسها بسعادة. شعت عيونها نورًا. تتلمس جسدها بحنان. عادت قمر المحبة للحياة وعيونها تلمع. أحست أنها دخلت حلمها وتلبستها حالة من السعادة والحالمية. ظلت تدور وتدور بسعادة وتضع يدها على قلبها:
"ده فستاني. أيوه فستاني في الحلم. حلو جوي. ده بجد؟ ده..."
أرادت أن تبكي. نهرت نفسها:
"لاه، لاه، ماهبكيش. ده حلمي. أيوه، إني هفرح والله هفرح."
مر وقت ودخل من سيضعون لها المكياج وبدأوا بوضع لمساتهم لتتجمل الجميلة وتصبح أكثر جمالًا. والجمال النابع من القلب طغى وزاد وفاض ليضفي عليها طلة ملائكية.
دخل عليها عرفان وأخذها من يدها. فحمدان أصبح مريضًا لا يقوى على الحركة. خرج بها. كانت تنظر في كل مكان. تركت يده وهامت بما حولها. كانت تقف أعلى السلم وبدأت تتهادى. إنه الحلم حرفيًا. حشود من الناس وهيا تنزل السلم والمكان يشع جمالًا. وقفت أمام السلم لتحس أن قلبها سيقف. فصورتها تتزين البرواز الذي أعلى السلم بحجم كبير. أحست أنها دخلت دوامة:
"ما هذا الجمال."
عاشت الحلم سنين وهيا نائمة والآن تراه بعيونها. عيون القمر الحزينة أخيرًا شع منها جمال لا يوصف. دقات قلبها تخفق مع دقاتها وهيا تتهادى. نظرت فإذا بجبل ياتي وينظر إليها. تناست هيا أنه واقع أساسًا. كانت تعيش الحلم. اقترب ومسك يدها. نظرت إليه دامعة. إنه حبيبها ينير بطلة تخطف الأبصار. لم يعد الجبل بعيدًا في الحلم. إنه يمسك يدها ويهيم بها.
كل ذلك تراه وتعيشه. أخذها وظل يدور بها. أغلقت الأنوار وهو يدور ويدور وعيونهم معلقة ببعضهم لا يتكلمان. كان العشق يخرج يربطهما بسلاسل. لا يحسان بمن حولهم. ظل يدور بها وهيا مغيبة تمامًا. فأخذها إلى الشجرة. كانت تنير المكان وكتب عليها شجرة الجبل عاشق القمر.
سالت دموعها بقوة. اقترب ومسك يدها:
"هعيش عمري تحت رجلك. أسعدك."
كانت كأنها مخبوطة. لا تحس بشيء. اقترب بهدوء وقبلها. لتستجيب على الفور. كانت استجابتها مفاجأة إليه. لم يكن يعلم أنها تعيش الحلم وتتمنى أن تبقى فيه. سعادة الحلم لها كروحها. ردت إليه. ردت الروح بعد أن تركها الجبل عالجسر وهامت تحلم به. ردت الروح إليها بعودة حبيبها وبواقع لم تتخيل أنه بهذا الروعة. لم تسعد أبدًا منذ أن تركته وماتت على ذلك الجسر. تركت العشق ومات القلب وحلمت بعشق طوال سنينها. فأتاها العشق يتهادى. لتتغيب تمامًا وتحاوطه بيديها. كان لا يصدق استسلامها له. ابتعد وهيا تنظر إليه بعشق. همس:
"هتسعدي يا جلبي."
شهقت وخفق قلبها بعنف. إنه الصوت. صوت الحلم. صوت الجبل.
"هتسعدي يا جلبي."
أدركت أنه صوت الجبل. صوت حلمها وسنينها. كان صوت حبيبها. بدأت تشهق بالبكاء. رفع وجهها:
"حبيبي فيه إيه؟"
همست بلا وعي:
"حلمي. أنا عايشة حلمي. أنا حلمت كل ده."
هنا لم تتحمل ما تمر به. فسقطت مغشيًا عليها بين ذراعيه من فرط السعادة بعد شقاء لا يتحمله قلب تلك الجميلة. سقطت الجميلة من لوعة الحب. سقطت عندما أحست أنها تعيش واقعًا عاشت عليه سنين. سقطت فلم يتحمل القلب تلك السعادة. فواقعها عاشته مرارًا. أيعقل أن تسعد؟ أيعقل أن تنجي من العذاب؟ أيعقل أن يدخل قلبها بصيص نور من عاشق ولهان؟ إنه الحب يا سادة. ما أن يغيب عنها تتشقق قلوبنا. ولكن بعودته تتفتح الروح. ولكن روح تلك الجميلة ليست معتادة على الحب. فعلى حبيبها أن يرويها رويدًا رويدًا حتى تتفتح زهرة سعادتها وتشع لها حياتها. إنه الحبيب وعليه عاتق رجوع روح تلك الجميلة.
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ميفو السلطان
تفاجأ جبل بسقوطها فحملها على الفور وصعد بها، ثم عاد وأنهى الحفل واعتذر للناس، وعاد مسرعًا إليها يأخذها في أحضانه ينظر إليها بعشق.
"حبيبي والله حلمتي بيا يا جلبي… سنين وأنت بتحلمي بينا، ما تحملتيش تعيشي السعادة دي، ما صدقتييش. إني وجعتك جوي، إني آسف، وأنت جلبك لسه ليا بتحلمي بسعادة ما كنتيش فاكراها موجودة. إني مش متخيل، حلمت بالقصر، وبالشجرة والممر، وآخرتها حلمت بفرحنا وأني معاها.. حلمت بينا وبيا عريسها وحبيبها. للدرجادي ما نسيتنيش، وأنت راجع تجهرها… حجك عليا يا جلبي، إيه بس مخبياه؟ جلبي ما عاد متحمل.. لمعة عيونك كانت تسحر، واقفة جمر منورة تاخدي العجل وعيونك تشع فرح.. وآخرتها تجعي محصورة كده. يا رب هسعدها والله هسعدها، فيها إيه بس؟ يا رب أهدهالي."
ظل يتلمسها بحنان حتى فاقت. نظرت إليه ساهمة بلا وعي، كانت تظن أنها تحلم. ابتسمت إليه بعشق، همس بهيام: "بحبك، يمين الله بحبك."
همست: "جبلي."
خفق قلبه. "روح جبلك."
شدها إليه وأنهال عليها وتاهت معه وهو يشدد عليها. إلا أنها انتفضت وقامت مذعورة تفتش في نفسها برعب.
"إيه؟ خلاص خلاص؟ هتهملني؟"
فانفجرت في البكاء.
اندفع واحتضنها. "إيه يا جلبي؟ خلاص إيه؟ مالك بيكي؟ إيه وأهمل إيه؟ دا أنت روحي."
كانت تبكي بقهر ضياع ذلك الحلم عاشته لدقائق ثم ضاع للأبد. ظل يهدهدها.
"طب اهدي، فيه إيه؟ أنا عملت حاجة ضايقتك؟"
كان يمسد عليها.
"دا حبيبي كان جمر ياخد للعجل والحفلة كانت حفلة كأنها حلم."
هتف مشاكسا: "ينفع أكده تبوظي لي حفلة بوفات يا شيخة؟ هتشوفيها تاني فين بقه؟" وضحك.
هنا انتفضت وابتعدت ونظرت إليه بقهر.
"أشوفها فين؟ ما أشوفهاش يا جبل بيه، وعارفة إني ما أشوفهاش تاني. إني ما طلبتش حفلات وجلت لك وفر فلوسك يابن الناس. جاي تجولي بوظت؟ أنت اللي بوظت، أنا ماليش صالح. أنا جلت لك خد اللي عايزه وسيبني رايح تصرف وتكلف ليه؟ كنت طلبت منك حاجة؟ إني..."
كانت دموعها تنهمر وهو يقف مذهول. اقترب.
"فصرخت: 'ما تقربش'."
كانت تشعر بالحرقة.
"إيه مبسوط إنك مش هشوفها؟ فاكر أنت لما تطلقني هروح لحد تاني يا سي جبل؟ أنا بس أمشي من دنيتك، واستحالة أدخل حد حياتي."
واستدارت واندفعت للحمام تبكي بقهر. وهو يقف مشلولًا.
"هو فيه إيه؟ إني كنت بهزر. هيا مجنونة؟ إيه كمية العقد دي؟"
ظل جالسًا يشعر بقله الحيلة.
"أنت جواكي إيه مخليكي كل كلمة تفسريها وحش؟ جواكي إيه؟ إني هتجنن."
تنهد. "وأنت حلف رايح تجولها مش هتشوفيها. جتك نصيبة تشيلك. البت معقدة، حسس في كلامك. أهي هتفضل جوا وليلتك هتجلب سواد. منك لله."
ظلت هيا بالداخل كثيرًا تحاول أن تستجمع شتات نفسها.
"إيه يا قمر؟ هو عشان حلمتي بده تفكري إنه بتاعك؟ أهو جالك مش هتشوفيها تاني. همه على فلوسه، مانت جربوعه."
سالت دموعها.
"اهدي بقه وانجزي، خلي الدنيا تخلص. أديله نفسك يا جمر واخلصي. مستنية إيه؟"
مسحت دموعها وخرجت وهو يجلس ينتظرها. وجدها تذهب لدولابها، فهو قد جعل من يجهزون لها كل شيء. لتنتش قميصًا بروب طويل وتعود للداخل. ظلت فترة وهي لا تعرف أن تفتح الفستان لتعود إليه وتهتف غاضبة:
"افتح الزفت ده عشان نخلص في الليلة الزفت دي."
تنهد بغلب.
"فصرخت: 'ما تفتح الزفت، فيه إيه؟'"
قال متنهدًا:
"لاه كتير عليا كمية زفت غير عادية."
نظرت إليه.
"بتجول إيه؟ ما تفتح الهباب، مش عريس أنت وهتفتح الفستان؟"
ضحك وقال:
"لا والله عريس، دا منظر عريس دا غلب، اقسم بالله."
قام بهدوء ومد يده واقترب منها ووضع رأسه في ثنايا رقبتها وهمس:
"طب ما تسيبيني أعمل عريس، إني خايف."
كان يفك أزراره.
"لتستدير مشتعلة: 'خايف؟ خايف من إيه؟ بخوف؟ إني مش أكده. اصبر يا أخويا هتخاف عن حج كمان شوية، مستعجل عالخوف ليه؟ أنت ها؟ والله لأخوفك وأسود عيشتك. إني خلاص ما عدتش هخاف عليك. يلا.'"
واستدارت بعنف وتركته ورزعت الباب. ووقف هو محصورًا. وقف ينظر للباب ببلاهة.
"هيا مجنونة؟ فيها عرج؟ هبل؟ ما كانتش هبلة لما سبتها؟ كت جمر مالها اتجلبت؟ يا رب هكمل إزاي أكده. أضربه؟ أه ما جايز عايزه تنضرب علقة؟ أجبلها تربنة ترجع زي ما كانت؟ يا دي السواد. البت هتجنني فيكي. إيه يا زفتة."
استدار وبدأ يبدل ملابسه. كانت هيا تقف بالداخل تغلي.
"أه خايف؟ بخوف؟ إني ماشي يا سي جبل."
استدارت وفتحت الباب، كانت تقفل روبها بشدة وتبتلع ريقها والغضب يجتاحها. وقف هو يتأملها. كانت جميلة، شعرها يتدلى على كتفها ويبتسم.
"هنا اندفعت للنور وقفلته واتجهت للفراش وجلست عليه وهتفت: 'يلا'."
أحس أن هذا كثير عليه. فاندفع للنور وفتحه وصرخ:
"أنت مجنونة؟ هو إيه اللي يلا؟"
صرخت:
"إيه مش عايز تعمل زفت عريس؟ يلا بجولك."
اقترب منها ومسك يدها.
"أنت عايزة تنضربي صح؟ ابتدي جوازي معاكي بعلقة تخلص عليكي."
نظرت إليه بغضب.
"طب تبقي تمد يدك أكده. أنت عايز إيه؟ أنت مانا أهو عروسة زفت. تعالي أعمل معايا زفت عريس. مش جلت سيبني أعمل زفت؟ تعالي يلا، أهو نتزفت. مستنية الزفت."
هتا لم يحتمل فمسكها من ذراعها ولوي ذراعها فصرخت. قال بغضب:
"زفت على دماغك يا شيخة! هو إيه؟ أنت مفكراني حلوف؟ أنت عروسة بتنطحيني ليه؟ عملت لك إيه؟ دا ليلة إيه السودة دي."
قالت بوجع ودمعت عيونها.
"أوعي إيدي. أنت إيه؟ ما تخلص بقه؟ أنا تعبت منك ومن عمايلك."
قال بغضب:
"أنت اللي تعبتي، أمال أنا إيه؟ أموت روحي؟ دانا اندعك وشي بسببك وجاية تجولي تعبت. ماللي إحنا فيه ده من عمايل يدك."
صرخت:
"وأنا ما طلبتش اللي إحنا فيه. وطلقني بقه عشان ترتاح. إني ما هقعدش على زمتك دقيقة. إني تعبت. ويلا جوم طلجني بجولك."
نظر إليها بذهول.
"لا كتير والله كتير."
اقترب وجلس بغلب بجوارها ووضع يده على رأسه. لم يعد يحتمل، وإذا أكمل سيضربها بشدة. ظلت تنظر إليه بغضب. كان محني الرأس ويضع يده على رأسه. كان منظره موجعًا للقلب. دمعت عيناها عليه وقلبها لم يعد يحتمل وجعه. فهمست:
"جوم طلجني. ما تجعدش زعلان كده بقه. الله."
هنا اندفع واستدار وهجم عليها. فشهقت. انحني فوقها.
"اكتبي! هاه! اكتبي! حد ما جرك عليا؟ تحرجي لي جلبي؟ عبد عندك ممسحة تدعكي وتدوسي."
همت أن تتكلم فصرخ فيها:
"اخرسي! ما تنطقيش! هضربك! اقسم بالله."
نظرت إليه بخوف.
"أيوه بصيلي بقه بخوف. إني عايزك تخافي. لأن يمين الله هرقعك علقة تخلص عليكي. إيه؟ اشتريتيني؟ دعك دعك وزفت وجطران؟ ما عرفش أفرح معاكي دقيقة. لاه مابتتعرفيش؟ جبل معمول عشان تدعكي وشه."
نظرت إليه بخوف.
"ما تسمعش نفسك، فاهمة؟ وتاني تقلي أدبك. هموتك. وبداياته أكده. إني محروق منك."
فاندفع وأنهال عليها. وهيا تحاول أن تتملص منه. فابتعد وصرخ فيها:
"جولت اكتبي!"
فكتمت نفسها خوفًا. كان غاضبًا. أغمضت عيونها خوفًا. كان مشتعلًا ومنظرها يوجع كطفلة مذنبة خائفة من العقاب. تنهد وقال:
"افتحي عيونك."
لم تمتثل. فضغط عليها ففتحت عيونها. ظل ينظر إليها. كانت عيونها دامعة والخوف بداخلها. زفر بضيق واستلقى على ظهره وشدها إليه واحتضنها وقال:
"نامي نامي. دا إيه الليلة السودة دي."
قالت وقرصته في صدره:
"أنت اللي مسودها. ما تجوم تطلقني."
تنهد ونظر للسقف.
"عارفة يا جمر؟ أنا جوايا دعك لو اتدورت ههبدك روسية أجيب أجلك. اتخمدي جولت."
انكمشت وخافت وأغمضت عيونها. مر فترة لترتخي بين يديه. ظل ينظر في السقف ليميل وينظر إليها.
"إني اللي مسودها. أعمل إيه؟ دي ليلة العمر يا شيخة. وتطلجي وتتهبيبي؟ هو إني لحقت أتهبب عشان أطلق."
تنهد وضمها إليه.
"أهوه يا جبل في حضنك أخير. بدل ما فيش هتعمل إيه."
في الصباح استيقظت هيا وجدته يحتضنها بقوة. نظرت إليه وظلت تتأمل وجهه. كانت تعشقه. ركنت بجواره، أحست أن عشقها يكويها من قربه. كيف ستتحمل ذلك القرب؟ ثم كيف من الأساس ستتحمل بعده بعد أن قربها؟ لم تستطع إلا أن تمد يدها لا إراديًا ولمست شعره. أحس بها فورًا، فهو نومه منذ أن تركته أصبح خفيفًا. كانت تتنهد بقوة وتنظر إليه بهيام. مدت يدها تلمس صدره وبدأت بإصبعها تكتب عليه:
"بحبك يا جبلي."
كان يحس أنه سيختنق.
"أعمل إيه؟ بتكتب إيه؟ هيا مخبولة؟ حاسس إني محصور، ما عدتش قادر أكتم. مالك يا واخدة عجلي؟"
لتلمسه مرة أخرى. وظلت تكتب: "بحبك يا جبلي." لدرجة أنه تنفس بقوة فابتعدت على الفور. أرادت أن تقبل خده، قامت وحاولت أن تمنع نفسها. كان هو يحبس أنفاسه بصعوبة. وينصت. لم تقم من على الفراش. كانت تتأمله. وفجأة انحنت وقبلت جانب شفتيه بهدوء وتروي وقامت إلى الحمام. وما أن سمع الباب يغلق حتى زفر بقوة وفتح عيونه وابتسم.
"حبيبي أهبل. أه والله أهبل. مرض عالي رشج في خلجتي. بحبك يا جبلي. هرت جتتي. أعمل إيه؟ أجبلها مين يعالجها؟ يكونش عندها شخصيتين؟ ساعات بيجولوا آه. بتجلب من يوم حريقة أخوها وموته. واني سيبتها. البت انفصمت. جلبت هبلة وبتطلعه عليا. آخدها أكشف عليها طيب."
ملس على خده.
"طب هموت وأبوسها. بت الـ... عايز أتهبل. أعمل زفت؟ ماتيجي نعمل زفت بس زفت حلو من غير خناق. يا رب هنهبل. طب أعمل إيه؟ بحبها وبعشقها. أسيبها شوية تعجل وتفهم إني راجلها."
"لاه يا جبل. أنت مش أهبل. ماتسيبهاش."
هب هو مسرعًا.
"إني هعرف بيكي إيه."
وفتح تليفونه وكلم أحد أصدقائه كان طبيبًا نفسيًا كبيرًا. وطلب منه أن يأتي. وحكى له حالتها. وقرر الطبيب أن يأتي بناءً على طلبه. كانت تأخذ حمامًا. ليقوم ويطرق عليها الباب.
"جمري؟ بتعملي إيه؟"
قالت غاضبة:
"بلعب. هكون عملت إيه."
ضحك.
"طب ماتفتحي. ألعب معاكي. والله هلعبك لعب لما تفطسي."
قالت:
"احترم نفسك بجولك."
ضحك.
"مانا نمت محترم. أحترم أكتر من أكده إيه؟ هشدد يمين الله."
"ما تفتحي. أساعدك. زمان أعصابك تعبانة. واني هريح لك أعصابك. والله داني عليا يد هدلك لك جتتك المشدودة دي تلين."
كانت قد أنهت حمامها ولبست لتفتح غاضبة.
"أنت تبطل قلة أدب، فاهم."
"مالك بجتي هاه؟ ليك فيها إيه؟ ماتسيبها بحاله."
انفجر ضاحكًا.
"أبطلها؟ أنت عبيطة يا جلبي؟ أنا لسه بدأت يا واخد عجلي."
مد يده إلى رقبتها.
"شوفي مشدودة إزاي. تعالي بس أدلك لك جسمك."
فشدها للحمام فصرخت.
"احترم نفسك. أوعي. والله أموتك."
إلا أنه ضخم وحملها وفتح المياه الساخنة وأغرقها. وهب بجوارها. كانت تشهق وتحاول أن تضربه وهو يضحك ويداعب جسدها.
"بصي ريحي. بس هدلك لك جسمك الجمر ده. ماتوريتي مخبية إيه؟ هموت عليه."
هنا تحولت واشتعل غضبها.
"مخبية؟ مخبية اللي مخبياه. وجلت لك امبارح. خد عشان نخلص بقه. أنا تعبت."
"ما تاخد من سكات عشان ما عدتش متحملة."
وانفجرت باكية. أحس بوجع عليها. فضمها إليه.
"طب بس بس. اهدي. أنا ما قصدتش حاجة."
حملها مسرعًا وذهب بها للخارج وأحضر شيئًا تلبسه. همس:
"البسي بسرعة."
استدار وذهب يحضر لها شيئًا تشربه وعاد. كانت تجلس دموعها تسيل. اقترب ومسك يدها فهمس:
"أنا كل أما أهزر معاكي تنحرجي أكده. جمر والله كتير عليكي وعليا."
نظرت إليه دامعة.
"جبل."
اقترب مسرعًا يقول بلهفة:
"والله جلبه وروحه."
همست:
"ما تاخد اللي عايزه والنبي. إني تعبت. وما عدتش متحملة."
ظل ينظر إليها. مسح دموعها.
"أخد اللي عايزه."
تنهد وأشار إلى قلبها.
"هتديهولي؟ سيبهولي طيب عشان أفرح."
نظرت إليه بلين. فهمس:
"والله عايزة. والله يا جلبي نفسي في حبيبي."
هزت رأسها خوفًا. فقال:
"يمين الله حبيبي وماليا غيره."
همست:
"بطل بقه. بتعمل أكده ليه؟ أنا فيا اللي مكفيني."
مسك يدها.
"طب إيه يرضيكي عشان تليني ليا وتفهمي إني عايزك؟ جبل بتاع زمان نفسه في حبيبه. فاكرة؟ بصيلي وبصي شوفي لوعة عيوني. شوفي حبي ليكي."
همست بقهر:
"حبك."
اندفع ومسك وجهها.
"أيوه حبي اللي طفح وزاد. وما عدتش قادر استحمله."
نزلت دمعة من عينها.
"حد بيتغير أكده؟ حد كان بيكره ويحب؟ حد كان عايز حاجة طول الوقت ينجلب؟ أنت بتضحك عليا ليه؟ هتستفاد إيه غير إنك توجعني؟ إني ما عدتش فيا نفس أتوجع."
تنهد.
"والله ما أوجعك. والله عايزك حبيبتي العمر كله. هموت عليكي."
هزت رأسها. فقال بإصرار:
"لاه حبيبي. وما هتكونيش إلا إنك تبقي حبيبتي."
خبطها على رأسها.
"ويلا بقه. فيه عريس يطلع روحه كده؟ دا كله عشان أدلك لك جسمك. فاتك كتير. دانا كنت بدلك لأصحابي لما بيلينو ويبقوا إيه مرخين ويناموا في ثانية."
رجف قلبها.
"إيه يدلك لأصحابه ويناموا ومرخيين؟"
اشتعلت وهبت ودفعته.
"أنت واحد قليل الحيا! هما نين هاه يا كداب؟ والآه بحبك يا جمر وأنت بتدلك في جَتَت النسوان؟ ما فيش في دماغك إلا جَتَتهم. أيوه."
نظر إليها ببلاهة.
"نسوان مين؟"
صرخت:
"اللي بتدلكلهم جَتَتهم يا قليل الحيا. أوعى أنت مش كويس. أنت واحد واحد."
دفعته وقامت محترقة لترزع الباب. وهو جالس كالمخبول لا يصدق هبتها.
"هو شكري هيجي ميتة؟ البت لسعت يا حزنك يابن العزايزة. مرتك هتروح الخانكة."
ليجدها تندفع وتعود وتصرخ:
"دلكت لكام واحدة هاه؟ جول؟ كت غايب سني محروم؟ بتجول يا كداب وأنت شبعت تلبيص في جَتَت النسوان. والله ربنا ما هيبارك لك هاه."
ودفعته بقهر وخرجت مشتعلة تموت من الغيرة عليه. جلس.
"هيا أكده انفصام والا هبل والا إيه؟ دا حالتها خطيرة. لاه ماتتسابش. حبيبي أهبل. أهبل. أيوه."
اتصل به صديقه. ليقوم على الفور يستقبله. كانت تجلس في الحديقة تشعر بنيران في قلبها.
"كان بيدلك نسوان البيه وجاي ليا يكمل. بلا حب بلا طين. بتصدقي أنت هبلة؟ عايز يدلك ويهيص. مجهورة؟ دلك كام واحدة؟ يا مراري. هنهبل. ما أتحملش. يا رب ارحمني."
دخل صديقه واقترب وسلم عليها.
"مبروك يا مدام. ألف بركة. سعيد إني عرفتك. أنا صديق جبل. ليا كتير."
ابتسمت له مرغمة. فجلس الطبيب وبدأ يتكلم معها. وهيا مستغربة من أسئلته. وكان تقريبًا لا يتكلم مع جبل. وجبل يراقبهم بتوجس وخوف. أحست أن به شيئًا. لم تعلم ماهو ومن ذلك الرجل. أحست أنه متطفل. قامت تستأذن. فهب جبل:
"ليه يا جلبي؟ اجعدي. ماتجعديش لوحدك."
نظرت إليه.
"فمك يدها. دا حتى شكري جاي من بعيد. وكمان عايزين نرد له جميلة. ساعدنا كتير."
جلست مرغمة. وعاد الطبيب يتحدث معها. ولكنها قامت بعد فترة واستأذنت. دخلت. ولكنها نسيت تليفونها لتعود. لتسمعه يقول:
"إيه يا دكتور؟ شايف الحالة إيه؟ إني خايف."
رجف قلبها.
"إيه جايب لي دكتور ليه؟"
قال جبل:
"إني حاسس إنها بقت هبلة. تصرفاتها مش طبيعية. لو بيها شيء نوديها مصحة. ما أتحملش يجرالها حاجة."
اشتعلت عن آخرها.
"إيه؟ يوديني مصحة؟ دي آخرتها؟ يابن العزايزة عايز تهبلني؟ أيوه. هو اتجوزني عشان يبقى راجلي ويوديني المصحة؟ ينتقم مني؟ دي آخرتها."
أحست بالجنون.
"إني إني؟ انهبلت؟ آخرتها بعد الحزن الأسود ده يدخلني مصحة؟ ابن العزايزة."
عادت إليهم وهيا تغلي. وقف جبل مبتسمًا. نظرت إليه بهدوء ما قبل العاصفة. اقترب.
"جلبي ينفع أكده تطلعي وتسيبي الراجل يجول إيه؟ معلش يا شكري مرتي بس كت تعبانة."
وقفت هيا تكتم غضبها.
"يجول. اممم. فعلاً يجول إيه؟ لاه ما يصحش يجول."
استدارت واقتربت من أحد الفازات ومسكتها ونظرت إليه مبتسمة.
"عارف هيجول إيه؟ إني هجولك."
وحدفت فيه الفازة فصرخ وتفاداها.
"فيه إيه؟ انخبلتي؟"
فصرخت:
"انخبلت؟ إني انخبلت."
واندفعت تمسك أخرى وتجري وراء الطبيب وتصرخ:
"جايب لي واحد يدخلني مصحة؟ يابن العزايزة. وأندفعت تجري وراء الطبيب."
"مدي لك كام عشان تدخلني مصحة؟ هاه؟ إني هخليك ما تنفع واصل عشان تبقي تسمع ليه وتتفق معاه."
اندفع الطبيب يعدو للخارج. فاستدارت لجبل وصرت:
"ما عدتش إلا أنت."
وأندفعت تجري وراءه وهيا تصرخ.
"إني بقه هموتك أنت عشان تجبلي داكتور يوديني المستشفى؟ إني وبدأت تحدف فيه الأشياء وهو يتفاداها."
أتى عرفان.
"فيه إيه؟"
صرخ جبل:
"ما أعرفش. حوشها. باينها انخبلت."
"دي جوازة إيه الحزن دي؟"
فصرخت:
"أيوه خرج اللي في عبك دلوقتي؟ جوازة حزن."
"وآخرتها مخبولة؟"
"أنت اللي مخبول أنت وصنفك. عايز توديني مصحة يا جبل؟ بتتجوزني عشان تنتقم مني وتوديني مصحة؟ يابن العزايزة."
فصرخ:
"مصحة إيه يا مخبولة؟"
فصرخت:
"اللي جايب لي دكتور يحجج معايا. أنت اللي مخبول والله أموتك. آخرتها جمر بعد ده كله توديها مصحة؟ ما كفاكش."
واندفعت تجري وراءه. وعرفان.
"ما تهدى يا بتي. أنت انهبلتي؟"
صرخت:
"ما تجولوش أكده. إني هعرفه جايب واحد يكشف عليا ليه؟ هبلة إني هبلة يا جبل؟ آخرتها طيب."
وقف بعيدًا.
"طب اهدي. اهدي. هعمل لك اللي رايداه. ما فيش حاجة."
صرخت:
"بتاخدني على كد عجلي؟ تخطف الواد وأتجوزك؟ تبقي راجلي؟ تمضي على ورق؟ تدخلني مصحة؟ يا بتاع النسوان. وترجع تدلك النسوان. أنت لازم تموت."
ودفعت عليه الفازة فاتت في رأسه فسقط أرضًا. وعم الصمت. بهت عرفان وتسمرت هيا. فجبل لا يتحرك. وقفت ترتجف. ظلت فترة لا يتكلم أحد. ارتجفت برعب.
"إيه؟ إيه؟ ما بيجوش ليه؟ جومه."
ذهب عرفان إليه ومسك يده. وقفت مشلولة.
"إيه يا با عرفان؟ ما بيتحركش ليه؟ إني إني موته. موت جبل."
كان جبل نائمًا يشعر بصداع رهيب. لم يتحرك وضغط على يد عرفان. فهمس:
"مش عارف يا بتي. ما بيتحركش. باينه فطس."
وقفت كالمجذوبة وبدأت تقترب بروية. سقطت بجواره. اقتربت ولمست صدره تهزه.
"جبل جبل. جبل جوم بطل."
لم يرد عليها فصرخت:
"جبل جبل جوم."
هزته بعنف.
"إني موتك. إني موتك. هو إيه؟ إني ما ببطّلش عمايل سودة. أوجعه مرة وأموتة مرة. يا مري ياني."
هزته بعنف.
"إني عملت كل حاجة وحشة. إني موتك. لتندفع وتحتضنه بقوة."
"جبل جوم. هموت والله هموت. إني آسفة. إني آسفة يا جلبي. عملت إيه؟ مني لله. طب جوم وديني المصحة. إني راضية بس تجوم. جوم والنبي. إني خايفة. حجك عليا."
كانت تبكي وتنتحب بقهر. وهو يشعر بالغلب من تحولها. تاوه قليلاً. فرفعت رأسها ومسكت وجهه.
"أنت كويس؟ جول والنبي. أنت كويس؟ ما تخلعش جلبي."
نظر إليها وإلى لهفتها. تنهد. فصرخت:
"لو جالك حاجة أموت."
وانفجرت في البكاء. رفع يديه يحاوطها. وهيا تنتحب بقهر. تاوه وحاول أن يقوم. اندفعت واحتضنته.
"جوم جوم. ريح. يافرشتك."
قام وتسند عليها. وصعدت به للأعلى. واتجهت به للفراش وأراحته ودثرته. فركن وأغمض عيونه. نزلت مسرعة تاتي ببعض قطع الثلج وتلفها وتعود إليه تضعها على رأسه. فتأوه. مسكت يده وقبلتها.
"إني آسفة. وإني آسفة. والله آسفة."
فتح عيونه بغلب وراى دموعها. همست:
"حجك عليا. إني مخبولة."
مسحت عليه بلين.
"حاسس بإيه؟"
همس بوجع:
"موجوع جوي."
سالت دموعها. قبلت يده واقتربت تتلمسه بحنان.
"إني آسفة والله. حجك عليا. إني وحشة. طول عمري وحشة."
أغمض عيونه. فهيا همساتها ولهفتها خلعت قلبه. فسمعها تهمس:
"جبل."
صمتت. فتح عيونه. فهمست:
"إني موافقة."
قطب جبينه.
"فأكملت: 'موافقة أخُش النصحة زي ما أنت عايز.'"
أغمض عيونه بغلب وتراجع. وخبك رأسه عدة مرات في ظهر السرير. همست:
"بطل. جلت لك موافقة."
قال:
"إني عايش غلب ومرار. ما حظش عايشة."
لم تتحمل فانفجرت بالبكاء. شدها إليه.
"بطلي بطلي. اسكتي يا جلبي. كفاية بالله عليكي. إني اللي خلاص. والله خلاص."
رفعت عيونها وسالت دموعها.
"خلاص؟ هتطلقني خلاص صوح؟ عشان إني وحشة."
شدها إليه.
"طب أعمل إيه؟ أعمل إيه يا رب؟ هو ذنب؟ عملت إيه؟"
رفع وجهها.
"أنت هبلة يا جلبي؟ مصحة إيه واطلاق إيه؟"
نظرت إليه باكية. لمس وجهها وقبل يدها.
"إني برضك أعمل أكده؟ دا حبيبي. ما أفرجهوش واصل. صحيح أهبل وهيوديني الخانكة. بس إني تظني فيا أكده؟ ما بتحسيش بيا واصل. أعمل إيه في غلبي."
همست بوجع:
"بطل كدب. أنت جبت دكتور وهتدخلني المصحة."
تنهد.
"يمين الله ما حصل. أه حبته. مش هكدب عشان خفت يكون بيكي حاجة. مانت كل دقيقة بحال. وكل شوية. إني مهبية. إني مهبية. جولت أجيبه جايز أفهم. إنما حبيبي ما يبعدش عني لو بيه إيه."
تنهدت.
"يعني ما هتودينيش المصحة؟"
قبل يدها.
"يا رب أفتس. حبل ما عملها."
اندفعت.
"بعد الشر عليك."
ابتسم.
"إيه؟ خايفة عليا؟"
أحنت رأسها.
"طب ينفع أكده تتبطحي راجلك؟ داني بقيت مسخرة. مش راجل في عينك؟ إني."
اندفعت.
"دا نت ما فيش غيرم في عيني."
اتسعت ابتسامته وقبل يدها. فأحنت وجهها خجلاً. همست:
"إني إني آسفة. سمعت غلط وفهمت غلط. وكت متغاظة أصلاً من أساسه."
ابتسم.
"أنت كل حاجة بتفهميها غلط. واني يمين الله ما قصدت حاجة عفشة. ولا نيتي ليكي حاجة عفشة."
تنهدت. ابتسم.
"بس حبيبي كان متغاظ ليه؟ عملت إيه؟"
قرصته في صدره.
"أه مش كنت بتدلك النسوان."
انطلق ضاحكًا.
"يا جلبي أنت والله غيران يا مز يا جامد. يا بت أنت هبلة. بجولك أصحابي رجالة. يعني."
اندفعت بلهفة.
"صوح؟ والنبي ما كانوا نسوان."
ابتسم وقال:
"والله ما شفت صنفهم من بعدك."
تنهدت وأحنت رأسها. فهمس:
"طب إيه؟ مش هتصالحيني طيب؟"
همست:
"إني آسفة."
تنهد بهيام.
"حاف أكده؟ داني مبطوح وصاحبي كان هينبطح واتهزأت جدامه. واتجننتي عليا. كل ده حاف أكده؟"
همست:
"رايد إيه؟"
قال بهيام:
"وهتنفذي؟"
قالت:
"إني أعمل عشانك أي حاجة."
قال:
"طب. الأول هتبوسيني. وبعدين تعمليلي وكل... وبعدين تنامي في حضني. وما تتحرميش نتفرج على أي حاجة. عشان بكرة هنسافر."
نظرت إليه.
"هنسافر فين؟"
شدها إليه.
"متخيلة فين أكده؟"
ابتلعت ريقها.
"ما عرفش فين يعني."
ضحك.
"لا أزعل. جبل كان هيوديكي فين؟"
قطبت جبينها. ضحك.
"يا بت افتكري."
تنهد مبتسمًا.
"هنروح دهب. مش كان نفسك تروحيها؟ وكمان شوية هنطلع لبنان."
هبت بسعادة.
"أنت هتوديني لبنان بجد؟"
ضحك.
"إني هلففك العالم. بس حبيبي يرضى عليا."
أحنت رأسها.
"طب وباسم؟"
قال:
"لأ باسم إيه؟ أنا عريس. ارحميني. باسم هجيب الحاج عرفان وأبوكي. والمفروض أبوكي يجي ينور بيت بنته."
نظرت إليه بدهشة.
"أبويا؟ إني يجي أهنه؟"
قال:
"أه. بيتك. يجعد عند الناس ليه؟"
نظرت إليه.
"بيتي؟"
تنهد بغلب.
"يا بنتي مالك؟ الدهشة هتخلص عليكي أكده. أه بيتك. إيه؟ أكتبه باسمك. والله أعملها."
ارتعبت.
"إيه؟ تكتبه؟ بطل أنت عبيط. أنا مش عايزة حاجات منك."
قال:
"حبيبي أنا كلي ليكي. أقول إيه."
واستدار وتركها. وهيا تشعر بالغلب. دمعت عيناها.
"طب يا جمر سافري واتبسطي. وآخر الأسبوع أديله حالك. أه أنت تجوليله آخر الأسبوع هكون ليك. بس أنت تفرحي وتعيشي الأسبوع ده. ماهو لما يعرف هيسيبك. يا رب أنا موجوعة جوي وغلبانة. كفاية عليا وجع أكده."
قامت واتجهت لباسم. وكان هو قد بعث لعرفان أن يأتي ليجلس معه. فدخل عليهم. تنهدت.
"معلش يا أبويا. هتعبك. أهو دماغُه مصممة نسافر. ماعرفش بيعمل ليه أكده."
تنهد عرفان.
"بيعمل اللي جَلبه بيجول عليه يا بتي."
تنهدت وقالت بتزمر.
"جَلبه. أه جلبه."
قال عرفان.
"بطلي غباوة. الواد اتمرط نفسه. كفاية جهر. لاكده."
نظرت إليه غاضبة.
"أنت بتجول إني أكده؟ إني اللي اتعمل فيا كل ده؟ إني اللي حالي يصعب ع الكافر؟ تجول أكده."
تنهد هو.
"ماهو مالوش ذنب يا جمر باللي جرا لك. مالوش ذنب يا بتي. يعمل إيه هو."
قالت:
"والنبي يا عم عرفان سيبني بهمي. إني عارفة آخرتها هيرميني على طول دراعه. أخره الجصة. جمر ما تنفعش لحد يا عم عرفان. وأنت عارف اللي فيها. ومستنية اهو قدر ربنا. وراضية. راضية. يوم ما هيرميني. أنت مش متخيل إحساسي إيه وأنا مستنية نظرة عيونه لما يعرف إني مستنية دبحي. يا عم عرفان. مش سهلة عليا إني أستنى طعنة دي. الطعنة الوحيدة اللي هتموتني. وراضية. أهو ابتلاء زي ما جولت. بس نفسي أخلص. عشان بجد ما أتحملش."
اقترب عرفان.
"أنت مكبرة الموضوع يا بتي. فيه زيك وعايشين عادي."
صرخت:
"زيي مين؟ زيي؟ هاه؟ جول مين بالجهر اللي أنا فيه؟ وهو هيرضى؟ أنت متخيل إنه هيرضى؟ اللي جالي جايز أرتاح لما ياخدك وما هجيبش عيال. اسكت يابا عرفان. إني مستنية قدر ربنا. أهي دعوة ولسه بدفع تمنها. مع إني ما أستاهلش كل ده."
كان جبل يقف بالخارج ويشعر بالجنون. ما الذي تخفيه عنه يجعلها تشعر بكل ذلك الوجع؟ هيا بيها إيه؟ ومستنياني أرميها؟ هرميها ليه طيب؟ ولا أوعي أعملها؟ هيا مخبولة؟ أرميكي كيف يا جلبي؟ واني هموت عليكي بس. فيكي إيه؟ بتجولي تصعبي ع الكافر. أحس بوجع. يا مري تكونش هتموت؟ داني أموت وراها. حبيبي بيه حاجة وعرة وكاتمة وخايفة مني. طب إيه أعمل إيه دلوقتي؟ آخدها غصب وأكشف عليها؟ أيوه. ماهو ما فيش غير المرض.
تنهد ودخل عليهم. فمسحت دموعها بسرعة. اقترب ضاحكًا.
"هسيبك بقه يابا عرفان. وادعي لي. أتهنى بحبيبي. إلا مسودة عيشتي."
نظرت إليه بغضب. فضحك.
"شوف أه. لسه ما مشيناش وبتكشر لي."
شدها لاحضانه.
"ما تيجي بوسة."
شهقت وابتعدت.
"إيه؟ قلة أدبك دي؟ اختشي."
ضحك.
"طب أعمل إيه يابا عرفان؟ بتجول ع البوسة قلة أدب. أسيبك بقه عشان أعدلها عجله. الأأهبل ده. وأخدها."
للأعلى. دخلت هيا. جلس هو وقال:
"مش حبيبي موعدني إنه هيوكلني. والبطحة دي لساتها طرية."
نظرت إليه غاضبة. قال:
"وحياة جبل في جلبك لتعدي الليلة."
تنهدت بغلب واستدارت ووقفت تعد له طعامًا بالأسفل. سهمت.
"أنت يا طينة؟ مش جلت هتبطلي زفت وتنسعدي؟ ماتبطلي عصبية. وإيه قلة أدبك دي؟ كل شوية تاكليه؟ مش لسه بطحاه؟ جليلة أدب ورباية. دا حبيبي جمر. نفسي أفتسه. حب بس الحزن معبي."
تنهدت.
"اهدي بقه وانهدي. هتموتيه؟ هو سبوع انسعدي؟ بومة ما بتعرفيش."
تنهدت ووضعت يدها على قلبها.
"لاه هنسعد خلاص. عافية بقه. هو أكده يسعدني وأسعده. سبوع."
واستدارت سعيدة وصعدت إليه. دخلت عليه وهيا تع سعادة. تنهد بغلب. أحس أنها ملبوسة. فهي تتغير بشكل عجيب. أحضرت الطعام.
"جبت لك وكل أهوه بيدي يا جبلي. تأمل وتتهنى."
ووضعت الصينية بالقرب منه وجلست تنظر إليه بسعادة. ابتسم لها ولم يعلق حتى لا تتحول. وبدأ يأكل. وهيا تثأر بسعادة وتتكلم معه في لا شيء. وهو سيجيب. وكل حين تمد يدها تمسح ما على فمه بسعادة. أحس أن قلبه سينفلق من سعادته. ولكنه كان يتحكم في نفسه ويراعي كلامه حتى لا تتحول. وجدها صمتت. فهمس:
"إيه؟ فيه إيه؟"
اقتربت ومسكت وجهه وقبلت خده وهمست:
"إني آسفة على كل اللي عملته النهارده. آسفة إني زعيت فيك وبطحتك. إني وحشة. معلش."
ابتسم ونظر إليها بحب.
"إني ما بزعل منك واصل يا جلبي."
نظرت إليه بهيام.
"صوح يا جبل؟ واني عملت كتير؟ مابتزعل واصل."
أزاح الصينية.
"حبيبي يعمل ما بداله. إني جبل. جبل الجمر وبس."
ابتسمت واندفعت لاحضانه. رجف قلبه. حاوطها بيديه. كانت مشاعر حالمة. لم يأتِ بأي فعل يخرجها من حالميتها. فهبت.
"تيجي نتفرج على فيلم."
قبل يدها.
"زي ما جلبي يحب."
قامت وفتحت فيلم وأحضرت علبة الفشار التي أعدتها. واندست في أحضانه. وبدأت تثأر عالفيلم وتحكي له. وهو لا يحس إلا بها. ولم ينتبه إلى الفيلم من أساسه. كان تحولها عجيبًا. من العنف الشديد إلى الحالمية الشديدة. كانت تطعمه بين الحين والآخر. وهو أيضًا. همست:
"الفيلم حلو جوي ونهايته سعيدة. يا رب أسعد جلوب كل الناس."
رفع وجهها. نظرت إليه بعشق. همست:
"جبلي."
قال بهيام:
"عيون جبلك."
لمست وجهه وقالت:
"ربي يسعدك ويديلك على قد جلبك الحلو. ما تشوف حزن واصل. وتوصل للي بتحبه."
دمعت عيونه. فكانت دعوتها صادقة. ظل يتأملها ولا ينطق. لينزل عليها بروية ويتوه معها. وينفصلا عن العالم الذي أوجع قلوبهم. وتركت الجنيلة نفسها تسعد بحبيبها لفترة. تخطف من الزمن سعادة تظن أنها ستحرم منها. ركنت في تحضانه سعيدة والتصقت به. حتى نامت هانئة على وعد لنفسها ونفسه أن تسعده ذلك الأسبوع وتسعد. فهما يستحقان. أما هو فكان قلبه سينشق من جمالها وقلبها الذي عاد يشع جمالًا. نامت في أحضانه هانئة سعيدة. قبل رأسها وحملها وذهب إلى الفراش. واندس بجوارها يحتضنها بقوة. وينوي أن يتوغل داخلها حتى يعرف ما بها. استيقظ على مشاكساتها ضاحكًا. قامت هيا ولبست. وهو أيضًا ليستعدا للسفر. ركبا الطائرة. ومر الوقت. كان قلبها يرجف. وهو يعاملها ببساطة واريحية. لا يحاول أن يضغط عليها. يشاكسها كثيرًا كي تلين. إلى أن وصلا إلى المكان. كانت منهكة ومتعبة. وما أن صعدت حتى غيرت ملابسها ونامت على الفور. فكان السفر طويلاً. في الصباح أحست بشيء على وجهها. فتحت عيونها. ابتسم لها.
"يا صباح الجمال. ما تجوم يا جمري ننزل بقه. البحر ياخد العجل."
تنهدت.
"الساعة كام؟"
قال:
"عشرة. على ما نفطر وننزل. هتعدي. يلا بطلي كسل."
ابتسمت له ابتسامة ساحرة. فرجف قلبه. اقترب وقبل شفتيها.
"ابتسامتك تاخد العجل يمين الله."
وقام مسرعًا حتى لا يحرجها. تنهدت وقامت ولبست ملابسها. وقاما للفطار. وأخذها وشبك يديه بيديها. كانت تشعر بسعادة. كان يحاوطها ولا يتركها في الأغلب. لا يتكلمان. أتى مكانًا به بعض المجالس الخاصة. فقال:
"تعالي أهنه."
ذهب وجلس معها.
"دقيقة وجاي."
ذهب وأحضر لها آيس كريم فسعدت به. جلست وجلس جوارها. كانت لأول مرة سعيدة.
"مبسوطة يا جلب جبل؟"
اندفعت:
"جوي. المكان حلو جوي. ما كنتش متخيلة إنه أكده. فاكر لما كنت بتوريني الصور؟ لاه الحجيجة تاخد العجل."
كانت تتكلم بارتياحية.
"كت بجعد أحلم. أجي أهنه زي ما حلمت بالضبط."
تنهد وقال:
"طب كنتي في الحلم لحالك؟"
تجمدت هيا وابتلعت ريقها. كانت تحلم أنها معه. فشاحت بوجهها. فمسك وجهها.
"إني برضك حلمت بينا أهنه. حلمت تكوني في حضني حبيبتي ومراتي. حلمت أول بداية لينا تكون أهنه. حلمت بده."
وأخرج من جيبه علبة. وفتحها. فشـهقت وسالت دموعها. فأمامها ما رأته في حلمها. أمامها ما جعلها تنظر إليه بعشق. فالحلم يكتمل مرة بعده مرة. لتدفع إليه بوجع.
"إزاي؟ إزاي؟ أنت إزاي؟ كل ده؟ إزاي بيحصل؟ إزاي؟ هو أنت؟ والله أنت. بس إزاي؟ إزاي؟"
نظر إليها بخوف. ونظر للعلبة. لا يفهم شيئًا. رجف قلبه عندما مسكت يده ومسكت العلبة. ومدت يدها بلهفة.
"نقول بقه العلبة فيها إيه؟"
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ميفو السلطان
كانت قمر تجلس في أحضان جبل.
خرج جبل من جيبه علبة قطيفة وهمس: "عايز أبتدي حياتي معاكي هنا، في المكان اللي أتمنيتك فيه، في المكان اللي حلمنا بيه سوا. فاكرة يا جلبي لما جولتلك هجيبلك الدهب؟"
"دهب؟"
كانت دموعها تلمع في عيونها. فتح العلبه فشهقت مرة واحدة. أخرج خاتماً من جيبه، ذلك الذي اختارته قبل ذلك، ووضعه في يديها. ثم انتزعه منها بأقصى سرعة. ابتسم وقال: "أنتِ مفكرة إني قدرت أصلاً أخلي حد يلمس حاجة أنتِ نجتيها أو لمستيها."
"يومها قعدت طول الليل ألمس الخاتم، وقلبي بيتحسر إنه دخل يدك وأنا خلعته بيدي. كنت أحلم إني ألبسهولك هنا، اللي تختاريه."
سالت دموعها: "انت سبتهولي يا جبل؟ بس أنا شفتك بتلبسه لبت خالك."
تنهد وقال: "لأ، أنتِ ما ركزتيش." مد يده وقرص خدها: "كنتِ مركزة تحرجي قلبي بفستاني. موتيني يوميها."
أحنت رأسها بخجل. فتح علبة أخرى وقال: "وأنا بقى ليا نصيب حبيبي يحط دبلتي في إيدي؟"
ثم أخرج دبله. فشهقت وبدأ قلبها يدق بعنف. خفقات ودقات تصرخ وصلت عنان السماء. كانت تنظر غير مصدقة. فهي تلك الدبلة السوداء التي كانت تنير يد من سيسعدها في الحلم.
ظلت تنظر للدبلة كالمجذوبة. رفعت يدها ولمست الدبلة وهو ينظر إليها. كانت حالة من السحر تلمس الدبلة وفقط وتبتسم بحالمية وهو لا يفهم، ولكن يعلم أن بها شيء.
مسكت الدبلة تتلمسها. لم تلمس خاتمها، ولكنها مسكت دبلته وهمست: "ده هيا صوح… دي دبلته؟ أيوه…"
"جمر عشقت جبل."
رفع جبل حاجبيه، فهذا ما كان مكتوباً على الدبلة من الداخل. كانت تتحسس الدبلة، كانت سوداء، وهذا مميز فيها. وبداخلها تلمع الكلمات. سالت دموعها. مد يديه فالبسها إياها بهدوء وظلت ساهية في يده.
"إنها نفس اليد التي في حلمي." همست: "هنسعد يا جلبك. دبلتك أهه. هنسعد. أيوه أنا هنسعد. ما الدبلة أهه."
كان مسحوراً بسرحانها ويعلم أنها حلمت بذلك أيضاً. كان تلاقي أرواح غريب. العشق في أبهى صورة.
رفع وجهها وهمس: "عهد عليا لأسعدك."
كانت دموعها تسيل وتغمض عيونها. همست: "دبلة الجبل عاشقة الجمر. هنسعد. هنسعد. هو قال هنسعد."
مسك وجهها. فتحت عيونها ودموعها تنهمر: "حلمتي بده؟"
هزت رأسها بهيام. اندفع وشدها بقوة فتعلقّت به وانهارت من البكاء. أحس أن بداخلها طوفان من العشق والوجع. رفع وجهها إليه وانهال عليها. لم يعد يتحمل أكثر من ذلك. ظل معها وهي كالهلام بين يديه، تريده وسعيدة بما هم. وكان الله أعطاها لمحة آية تنير لها طريقها، حتى لو لوقت قصير. لمحة تخطف من دنيا الحزن سعادة، حتى لو مؤقتة. حلم ورا حلم ورا حلم، حتى اكتمل الحلم وتجلّى واقعاً يخطف الأنفاس. كيف أرفض ما أتاها على طبق من الحب؟
هنا قررت أن تسعد أخيراً. قررت أن تدخل دنيا الفرح وتترك دنيا العذاب لفترة. تنعم ولو قليلاً. قررت أن تأخذ من حبه وتعيش عليه سنينها القادمة. لم تعد تحلم إلا أن تكون معه، أن تسمع همساته ولمساته. سنين الوجع نهشت قلبها، أرادت تنعم ببعض المشاعر. يكفيها ما عاشت من سواد. يكفيها، ستدخل الفرح إلى قلبها عنوة. كيف تترك وتتخلى عن ما بعثه لها رب العباد؟ فهي دائماً حامدة شاكرة. فبعث الله لها حلمها واقعاً ولا أروع.
ابتعد عنها أخيراً. فأغمضت عيونها خجلاً، لا تعلم كيف ستواجهه.
وهي تريده، همس بالقرب من وجهها: "فتحيلي عيوني. أيوه عيوني. عيون الجبل، جمر جلب الجبل، والله جَلبه. ماتقفليهمش واصل يا جلبي. حاسس بغليان جواتي، مش مصدق إن حبيبي حلم كل حاجة. الجصر والفستان والشجرة، وبدبلتي. حلمتي بيها هي كمان، صوح؟"
نظرت إليه وسالت دموعها: "حلمتي صوح. حلمتي بجبل ودبلته. حلمتي بجصر جبل. حلمتي بشجرتنا مع بعض. إني مش مصدق إن ربنا عيشني عشان أحققلك الحلم ده."
"جمر، رايدك ليا. والله رايدك. حسي بيا. ماتبعديش. جمر، إني هتجن عليكي يا جلبي. ولا يوم عشت إلا ما بحلم بيكي. آسف والله آسف عاللي عملته. ماتبعديش، هيجرالي حاجة."
تنهدت هيا وهمست بسعادة: "… مش هبعد يا جبل. إني مش هكذب خلاص. إني رايداك برضك. والله خلاص رايداك. ولا هقدر أبعد دقيقة."
هنا أحس أن قلبه سينفلق، فشدها يعتصرها.
"حاسس إني هيجرالي حاجة. حبيبي رايدني. حبيبي حلم بدبلتي. كتير على جلبي. حبيبي معايا وهيبقى بتاعي. أفرح وأفرحه. والله هفرحك فرح."
ظل يداعبها. فنظرت إليه لأول مرة بعشق، فهمست: "جبل."
شدها إليه: "بتبصيلي كده؟ إني كده هنجن. عيونك دي هتخلع لي جلبي. جولي."
همست: "ممكن طلب؟"
قال بهيام عاشق: "… دانتِ تأمري وأنا أقطع حالي."
ابتسمت وهمست: "ممكن تخلينا يعني… يعني كده لحد ما نيجي نسافر."
قطب جبينه: "… يعني أبقى مرتك؟ يعني آخر الأسبوع؟"
ابتسم بحب وضمها: "اللي حبيبي يأمر بيه، إني هنفذه. ولو مش عايزة خالص، ما هنطقش والله."
تنهدت ونامت في أحضانه. أحس أنها تريد قربه، ولأول مرة تحاوطه بشدة. تمنى لو يزول كل شيء ويبقيا هكذا. همس: "حاسة بإيه يا جلبي؟"
تنهدت وقررت أن تخرج ما بداخلها. قررت أن تسقيه من عشقها، حتى لو سينتهي ذلك آخر الأسبوع. همست: "أول مرة أفرح من سنين. أول مرة أبص للدنيا من سنين. أول مرة أحب الدنيا من سنين. أول مرة أحس إن ليا جلب بيدق وعايش. أول مرة أحب أعيش عيشة العشاق، وأني اللي سليتها من سنين. من ساعة ما كنت معاك عالجسر، كأن الفرح سابني."
رفعت عيونها إليه تتوسله: "بالله عليك سامحني يا جبل. إني كنت صغيرة، والله كنت صغيرة."
نامت في أحضانه. "كنت أشوف الدهبات وأتمناها، وأرجع أقول: لأ، جبل هيجيب لي. كنت أبص للفساتين وأقول: لأ، جبل هيجيب لي. كان أبوي يقعد يجيب هدايا وفساتين وينحر فيا لدرجة جاب لي شيك فيه اللي رايداه. وأنا أقول: لأ، جبل هيجيب لي. لحد ما الدنيا انهالت عليا والطمع ملأ عيني. كلبشت فيه بوجع. ساعتها سبت روحي معاك. أه والله عالجسر يا جبل. أنت انوجعت ومشيت. أنا مت وما مشيتش. ماتت كل حاجة في عيوني. ماتت الدنيا. روحت يوميها حاسة بنفسي متأثرة. قعدت أسبوع زي المجنونة. ما جابلي مخلوق. لحد ما حسيت بنفسي بتضيع. ما تحملت. كان فيه وجع نهش قلبي. خلى الدهب سلوك صدا والفلوس ورج شؤم. والله يا جبل، يمين أتحاسب عليه، ما حلمت يوم بدهب ولا بصيت له، ولا جه في عيني. ربنا حط عليا بالكوم، بس عارف إني راضية. وجلت: ربنا عمل كده عشان أشيل الدنيا من عنيا. جايز لو كنت اتجوزتك، كنت بقيت مرة سو تتجبر عليك وتقول لك: هات وهات. كنت غندورة عايزة دنيا، وأنت كنت بتحبني، هتلبي ليا طلباتي. جايز كنت تنقهر ما قصر اليد بيقتل الحب. وجايز كنت أقلبَك حرامي أو نصاب. ربنا ما بيعملش حاجة وحشة لحد. ده خير. أنت أهه كبرت وعليت، وأنا ربنا رباني وموت لهفتي عالدنيا. كنت مغرورة وبحب أمشي، شايفه حالي. أتنزه عالناس. وسبحان الله، كل ده راح، بس راح بغرزة ووجع. عارف يا جبل، لأول مرة هقول لك إني صليت عشان أشوف الخير. أه والله."
"لجيتني بسيبك، ولجيتك في حلمي بتسعد، وأنا بنسعد برضك. ما فهمتش. ما كنتش شايفاك إلا إنك لابس وواقف مبسوط بعيد. حلمت بالجصر، أيوه، والممر والفرح والصورة. أيوه، حلمت بصورتي. كنت بموت لما جولتلي هحط لحبيبتي صورة هنا. لما شفت الجصر، كنت مذبوحة، إنه مش ليا. حلمت سنين بكل ده، وأنا جواه والصوت بيقول: هتسعدي يا حلوة. كان صوتك ودبلتك. بس ما فهمتش، والله ما فهمت حاجة. جولت: أهه، هينسعد. ربنا بعت لي إشارة."
سالت دموعها ومسكت يده: "إني حلمت بكل ده يا جبل. إني أنسعد شوية. عايزة أنسعد، حتى لو مش هنكمل، وأنا عارفة إننا مش هنكمل. ما زعلاناش. إني انسعدت معاك للحظة. عيشتني حلمي. ليلة تاخد العجل. نفسي في الأسبوع ده أسعدك وأكفر عن ذنبي. يا جبل، نفسي لما ترجع يكون جبل انسعد، وجمر كمان حست إن ذنبها راح."
كانت دموعها تسيل، فهمست: "العشق اللي كان بينا انساب عالجسر، وجه مكانه عندك حاجة توجعك وتوجعني. إني بقى عشقي راح، وجه مكانه زهد في الدنيا. بس دلوقتي رايدة الأسبوع ده أديك جمر تفرح بيها، وأنا راضية والله راضية يا جبل. عايزة آخد فرح الدنيا وأحطه في جلبك، وأشوف لمعة عيونك. ده اللي هيبرد جلبي ويريحني. نفسي أسعدك جوي الأسبوع ده."
شدها إليه وهمس: "وأنا ما عايزش حاجة من دنيتي غير إني أنسعد معاكي وأسعدك يا جلب جبل. أسبوع إيه بس؟"
"عارف إنك مخبية حاجة بتوجعك وبتبعدك. بس أهه هصبر لحد ما جلبي يحس بيا."
تنهدت: "جبل، تعالي ننسى الأسبوع ده. أي حاجة. ننسى اللي فات. ننسى جمر ووجعها. وننسى جبل واللي عايزه. بس ترجع مرة لزمان. نفسي أرجع عالجسر يا جبل، فاكر؟ نفسي أرجع البت الصغيرة اللي نفسها تعيش. نفسي أنسى أنا إيه، وبيا إيه. نفسي نرجع ليلة ما كنت جايب لي الفستان. فاكر؟ كنا بنخطط لإيه ونتكلم كيف؟ فاكر جولت لي إيه ووعدتني بإيه لما أبقى حلالك؟ وطلبت إيه؟ كل طلباتك هنولها لك، وأنا مبسوطة وفرحانة إنك خدت أخيراً، وانسعدت."
"عشت ياما بفكر حالك كميفه، وأقعد أتحسر وأعض على يدي قهر وحزن."
أخذت يده على قلبها: "نفسي ده يهدي ويبرد ويحس. حسسني بيك يا جبل، وأنا هصب عليك سعادة. هغرقك. بس أسبوع في الجنة. أسبوع دهب في دهب. أسبوع الجمر للجبل."
كان ينظر إليها ويقبل يدها، وهي تنطلق في الكلام: "نفسي بجد أعيش حلمي، حتى لو مش هكمل فيه."
همس بعشق: "ليه يا جلبي مش هنكمل؟"
تنهدت: "جولت لك ماتسألش، وما تفكرش. خليني أنسى يا جبل. همي ووجعي. والله لو أقدر أرجع الزمن، كنت رجعت."
همس بعشق: "هنرجعه. والله هنرجعه."
"جمر، إنت رجعت لي زمان البيت تدور عليّ؟ بالله عليك جولي. ريحي جلبي."
نظرت إليه بعشق: "أيوه يا جبل. رجعت. رجعت بعد ما شفتك وبعد ما دعيت عليّ. رجعت لأني ما عرفتش أتنفس من غيرك. رجعت وأنا كلي شوق ليك. كان نفسي تبقى موجود، أشيل وجعك وأستسمحك وأطيب جلبك. كان نفسي آخدك في حضني وأبوس راسك وأقول لك: حقك عليا يا واخد جلبي. كان نفسي… بس ربنا ما أرادش. أنت دعيت بحرقة، وربنا استجاب جوي، عشان أنت اتوجعت جوي، وأنا اتغيرت، وربنا ابتلاي وصبرت. بس إني مش زعلانة إنك دعيت عليا، بس مش عارفة كنت استحج العذاب ده كله. كنت صغيرة والله. بس اللي إني عايزاه دلوقتي، أنسى العذاب، ولو شوية. نفسي أسعدك الأسبوع ده، وأتسعد معاك. رجع جمر وجبل للدنيا."
كانت دموعها تنهال. اقتربت منه وهمست: "جبل."
كان دامعاً. مسكت يده: "سامحني. والله كنت صغيرة."
هنا شدها إليه واعتصرها بين يديه: "بطلي أسامح إيه؟ بطلي! إني حاسس إني مسكت السما بيدي. أسامح؟ أنت بتجولي لي أسامح؟ وأنا اللي عذبتك، وجهرتك، وأنت رجعت لي زمان، وأنا راجع مغلول. طب ليه ما جولتِش؟ كنت اتلميت."
"جمر، إني…"
وضعت يدها على شفتيه: "خلاص. ماتجولش حاجة. أرجوك. ممكن بقى نقضي الأسبوع ده مع بعض؟ عايزة أفضل فاكرة عمري كله، وهعيش عليه."
تنهد بغلب: "ما تجهرنيش بكلامك ده. أبوس يدك. إني حاسس إن جلبي هيجف."
ابتسمت بحب: "عارف يا جبل، من يوم ما مشيت، وأنا نسيت يعني إيه فرح. نسيت يعني إيه مرة وست. لما مشيت، حرقت كل فساتيني. كان بينهم الفستان الأحمر، ما قدرت. سيبته عشان أعاقب نفسي، عشان أتخيل كنت هنسعد، ورفست النعمة. ماشفتش راجل في حياتي من بعدك يا جبل."
"جمر، عشت من بعدك. مات في عنيها كل الرجالة. لو تعرف أد إيه اتعذبت، هتعرف إن ربنا جاب لك حقك."
قال بقهر ووجع: "بطلي، كفاية. حق إيه؟ إني مش عايز حاجة."
إلا أنها تنهدت: "سيبني يا جبل. سيبني. أنا ساكتة ليا سنين، أو بالاصح ميتة. القطمة الحقيقية يوم ما أخويا مات يا جبل. فاكر لما جولت لي: ربنا يحرق جلبك على أعز حبيب؟ كنت زي المجنونة ساعتها. أه والله، بقيت أصرخ باسمك وأجول: جاله حقك يا ابن العزايزة. نتشت جلبي أهه. جلبي اتحرق. سندي راح. بقيت لوحدي. كنت مرعوبة. بس عرفت إن ده كله ابتلاء، وإني عمري ما هشيلك ذنب أي حاجة حصلت لي. سنين وأنا بدعيلك، وعارفة إنك بتكرهني وتدعي عليا. بس ولا يوم إلا أما نمت أدعيلك. أقعد في لياليّ السود، عتمة والله عتمة. أقول: يا ترى أنسعد؟ يا ترى جلبي يرتاح؟"
قبل يديها وقال: "إني آسف. كنت محروق. والله. أنت عندي بالدنيا يا جمر. وأنا نفسي أسعدك."
ابتسمت بسعادة: "… عندك أسبوع يا جبل. رجعنا لبعض في الأسبوع ده. وآخر الأسبوع هبقى لك بنفس راضية. هبقى مرّة جبل العزايزي، وهعيش عمري لحد ما أموت مراتك. فاكرة الأسبوع ده؟ أسبوع في الجنة. جنة جبل وجمر."
ظل ينظر إليها، يشعر برهبة، فهي تطلب وتتكلم عن أسبوع فقط. لم يجرؤ أن يذكر ما بعد ذلك الأسبوع، حتى لا تنكمش على روحها. ماذا تخفي؟ من يعشقها قلبه؟ ماذا سيحدث إذا أخذها؟ لا يتخيل مصابها، ولكن بها أمر موجع، سيُنتش قلبه. خاف أن يأخذها، أيرحل ويتركها؟ ولا يقربها ويعيشا في سعادة؟ لماذا تفعل ذلك؟ كان على شفا هاوية من الجنون، من التفكير والرعب يجتاحه. قرر أن يسقيها من عشقه. قرر أن يعود بها على الجسر. قمر ذات السادسة عشر. قمر النجع التي تمشي، يلتفت لها الكل.
قال بحب: "عهد عليا لأسقيك أسبوع من العشق. هنعيش عليه عمرنا كله." احتضنها بقهر، وهي كلبشت فيه، تريد أن ترتوي من قربه. ظلا هكذا، قبل يديها، ثم قام: "إني جعت. كلامك خلاني نفسي اتفتحت. مش هاكل، وإلا هقعد نتحدت كده. ودموعك الغالية دي هرت جلبي."
نظرت إليه بسعادة: "طب بص بقى، مش أنت جوزي؟"
ابتسم واقترب وشدها: "يا جلبي، على دي كلمة جوزي. جلبي بيهفه. جوليها تاني كده."
نظرت إليه بدلع وحاوطته بيديها: "مش أنت جوزي يا جبلي؟"
همس بعشق: "هنهبل يا بت الإيه… جوزك… جلب جوزك من جوا."
خبطته وابتعدت ووضعت يدها في وسطها: "شخلل جيبك بقى يا أستاذ. عايزة حاجات كتير جوي."
خفق قلبه. ابتسم بعشق، فهي أول مرة تطلب لنفسها شيئاً. قال: "عيوني. داني أجيب لك الحلو كله."
قالت: "هتجيب لي فساتين، ماشي. كتير. ألبس كل يوم فستان. وعايزة نروح نجيب حاجات بنات كده، دلع. تدلعني بقول لك أهه."
شدها إليه: "أدلعك يا بت؟ هموت. ماهتحملش كده واصل."
همست: "جبلي، مش عايز تدلعني؟ داني ناوي أدلعك دلع."
اقترب مندفعاً، شدها، وهم بها، وهي تستجيب له بعشق، ترويه وتشبع منه. فهمس أخيراً، وقلبه يصرخ من سعادته: "هو الفرح ده ليا؟ أنا؟"
لمست خده بحنان: "الفرح لعيونك الحلوة، ولجلبك الطيب. الفرح يا رب يدخل عليك، ما يخرج منه واصل." واقتربت وقبلت خده. واستدارت تصعد تلبس ملابسها.
وقف ساهماً ينظر في أثرها: "جمر حبيبي. الجمر بيشع. نور جلبي. جمر وهو جمر. بيكي إيه بس؟ وأسبوع. إني خايف. يا رب. ماتوجعنيش فيها."
صعدت هيا. فتحت الشنطة لتشهق، فهو من أعد الشنطة ليفاجئها. كلها قمصان نوم. شهقت وأغلقت الشنطة: "جليل الحيا جوي. أعمل إيه بس؟ فيه إيه اللي حاطه ده؟"
تسلل الحزن إليها، فنهرت نفسها: "بطلي، بطلي. إياك. انسعدي وبس. دلعيه وبس."
مسكت أحد القمصان، ابتسمت: "أهه طويل وحلو. هبقى فيه جمر."
ظلت تتلمسه بحنان: "بحبه جوي، لله الأمر."
دخل عليها، فشهقت وأخفت ما في يدها. ابتسم واقترب: "ما لبستيش يا جلبي؟"
همست: "هاه. أه. هلبس أهه. أنت روح البس."
اقترب وشدها: "حبيبي محمر نار شطة. ليه كده؟ مكسوف يا مز أنت؟"
همست: "مكسوفة من إيه بس؟"
مسك يديها من خلفها: "من الحرير اللي هيبقي قشطة عالقشطة."
شهقت وابتعدت: "بطل جله حيا." واندفعت للحمام بخجل.
همس: "أبطل جله حيا؟ ده جله الحيا هتخش بالكوم شكاير. هعبيها وأحدفها عليك يا واكل جلبي. داني هجل أدبي من هنا لسنين جدام. لسبوع الـهبلة إياك."
خرجت وأخذها، وبدأ يذهبا للمولات. دخلت هيا، كانت تقيس الفساتين وتخرج، وعيونها تشع سعادة. كانت تتهادى أمامه لتسعده، وهي أصبحت أنثى عن حق. تزينت وصدح نورها. قمر، وهي كالقمر، تتلألأ منيرة من السعادة. عادت إليها الحياة. تريد أن ترى لمعة الإعجاب في عينيه. عادت الأنثى تتهادى بسحر، تختال أمام من عشقها قلبه. حب الأنثى في عين حبيبها، أن يراها جميلة، جميلته فقط. وهو يشعر بسعادة هلكت قلبه. فحبيبته عادت مشعة، تبرق من جمالها.
أكملا اليوم في الشراء، واشترى لنفسه بعض الأشياء من اختيارها. كانت تبتاع له، وهو يمتثل، كأنها زوجة عاشقة مراعية. لينتهي اليوم ويعودا الفندق.
دخلت هيا وقالت: "أني هلكت."
شدها إليه وهتف: "مبسوطة يا جلبي؟"
احتضنته بقوة: "مبسوطة جوي جوي. إني اشتريت حاجات كتير جوي."
قبل يدها: "أجيب لك الدنيا تحت رجلك، بس تؤمر."
رفع وجهها: "طب إيه؟ ماهتشكرينيش؟ داني لفلفت كتير لما انهريت."
نظرت إليه بخجل واقتربت وقبلت خده: "تسلم لي يا جبلي."
استدارت فشدها: "لأ، لأ. مش أكده." وشدها إليه وتاه معها، وهي تستسلم له، وتأخذ منه ما يجود به. كانت كالفراشة التي خرجت من شرنقتها، وترفرف بسعادة. ما هذا الجمال؟ حلم جميل، لا تريد أن تخرج منه.
ابتعد وقال: "جلبي، دوختيه يا بت الناس."
ضحكت: "يعني مبسوط بيا يا جبلي؟"
قال بعشق: "مبسوط، بس داني جلبي هينخلع وهموت عليك دلوقتي."
تنهدت وأحنت رأسها وهمست بحزن: "آخر الأسبوع يا جبل." واستدارت وتركته يقف يشعر بالحزن. لا يعلم لماذا لا يريد لآخر الأسبوع أن يأتي. كان يشعر بالرهبة والخوف. أحس أنه بدل أن يتم زواجه، سيتم على رأسه مصيبة سوداء تعيدها لما كانت عليه.
خرجت خجولة، جميلة. واقتربت منه. خذها في أحضانه: "تعالي نسهر في الفرندا."
ذهبا وناما على أحد الكراسي الممددة، وركن ونظرا للسماء. سكون جميل. سكون العشق ودقاته. كان يحاوطها، ويداعب ذراعها، وهي تتنهد وتمسك يده الأخرى بين يديها. كانت النجوم تلمع.
فجأة، عدى نجم خاطف، فصرخت: "أتمنى بسرعة."
انتفضت وأغمضت، ومسكت يده بيدها، وظلت لفترة مغمضة. كانت تدعو له أن يسعد بها، وينهي وجعه. كانت تدعو له فقط، نسيت نفسها، ونسيت وجعها، وأن ذلك آخر أسبوع لها معه. كل ما تفكر به هو وفقط سعادته وفقط. فالعاشق لا يفكر إلا بحبيبه وفقط.
ابتسم وظل يتأملها، وقلبه يرجف، ويسمعها تدعو له وفقط. استدارت ونظرت إليه بسعادة: "دعيت."
ابتسم وهز رأسه. فخبطته: "اخص عليك. ادعي يلا."
تنهد وأغمض عينيه، وظل صامتاً. نظرت إليه وهامت به، وهو مغمض عينيه. ظل هكذا لفترة، وفجأة شدها بقوة لحضانه. رجف قلبها. تنهد وفتح عينيه. ابتسم ونظر إليها بهيام.
قالت مندفعة: "إني دعيت ليك، سمعتني؟ إنك تنسعد وتفرح وتعيش الحلو كله. أنت بقى دعيت إيه؟ جولي."
رفع حاجبيه: "لأ، ما هجولش، عشان دعوتي تتحقق."
قطبت: "جبلي، جولي. اخص عليك. إني جولت لك."
ضحك: "طب أنت هبلة؟ إني بقى دعوتي لرب السما بيني وبينه."
تنهدت واندست في أحضانه: "أكيد حاجة حلوة زيك أده."
رفع وجهها: "حلوة، بس ده تاخد العجل."
ابتسمت له: "يا رب، حججها لك يا جبلي."
تنهد: "يا رب، يا جلب جلبك."
تنهدت. نظرت إلى النجوم: "عارف يا جبلي… كنت أقعد أبص للنجوم وأفكر فيك. أنام جنب الشباك وأبص وأقول: جاعد يعمل إيه دلوقتي؟ وأفكر لو ما كنتش بعدتك، كنت هبقى معاك وبنعمل إيه. كنت أقعد أعمل قصص في خيالي وأكلمك وأضحك. مرة وأنت داخل عليا شايل، وأنا بجري عليك أشيل منك. ومرة وأنت بتكلمني في التليفون وتجول حاجات حلوة تفرحني. ومرة وأنت واخدني في حضنك وأنا عيانة، ما بتهملنيش، وأقعد أدلع عليك."
ضحكت: "ساعات كنت بحس إني مخبول. أبوي يخش يلاجيني بكلم نفسي في سري وأضحك."
نظرت إليه دامعة: "كنت ببقى معاك في حكاياتي. عمر ما تخيلت حد تاني معايا. جبل وبس. وأهه، كل اللي عملته جدامي. نفسي أشبع منك الأسبوع ده."
أحس أن هذا كثير عليه: "جمر، إني… إني خايف. بيكي إيه؟"
هبت وخبطته: "إني نكدت عليك صوح، وهتجعد بقى تنح وتجول: بيكي إيه؟ يلا، هننزل."
انصعك: "ننزل؟ مش كتي تعبانة وهلكانة؟"
ضحكت: "أيوه، إني صوح هلكانة، بس مش عايزة اليوم يخلص. عايزة تاكل عليا الأسبوع دايا، ويخلص بسرعة." وانحصر: "لأ يا أخويا، يلا."
وشدته ونزلا. وظلا يتمشيان معا يثرثران. وهو يتكلم عن حياته وما فعله، وهيا سعيدة وفخروة به. لتستدير وتمشي بظهرها أمامه، وترفع يدها وتصرخ: "جبلي يا نااااس، ما فيش زيه."
ضحك عليها: "البت انخبلت."
نظرت إليه كأنه كده. استدارت تصرخ: "يا عالم! الواد ده جوزي ومفرحني جوي! يا عالم الواد ده بقى راجلي، وأنا مرته."
اندفع وحملها يدور بها، وهيا تضحك، وتعبث في شعره. أنزلها بهدوء. ونظر إليها نظرات عاشق: "ما عارفش أنطق ولا أقول جواتي إيه. جواتي فرح مالوش وصف."
وجدا عرساً يقام. شدته بسرعة: "تعالي بسرعة." ودخلا. وظلا يرقصان مع العرسان بفرح. وهيا لا تكف عن الضحك والكلان. كان سكوتها سنين، جعلها تخرج ما في قلبها مرة واحدة. ظلا يرقصان، وهيا تقفز حوله كالفراشة، لا ترى إلا هو، كأنه عرسهما. ظلا هكذا، والليل أوشك أن ينتهي. شبك بيدها وعادا بسعادة، محتضنها في الطريق.
مرت بجواره فتاة أجنبية تنظر إليه بإعجاب. فجبل ذو طلة تخطف الأبصار. نظرت إليها قمر، وأخرجت لسانها: "بتبصي على إيه يا سحلية أنتِ؟ ده بتاعي كله." وكلبشت فيه: "أوديك فين يا واد؟ أخبيك فين؟ وأنت جمر كده." وأخرجت لسانها مرة أخرى.
انفجر ضاحكاً. همس بجوار أذنها: "هتوديني فين أكتر من كده؟ ما عادش أحلى من كده."
ابتعدت ونظرت إليه: "طب يلا هنطلع عشان هيبصولي في حاجتي. أقوم ناطة عليهم، مخلصة عليهم."
ليضحك عن آخره. اقترب وقال: "يعني إني حاجتك يا جلبي؟"
ابتسمت ولعبت في قميصه. همست: "أيوه. أنت فاكر إيه؟"
شدها أكثر: "وما هتسيبنيش؟ اتأخد منك."
قالت مندفعة: "دانا أموتهم والله."
همس بعشق: "عشان جبل بتاعك صوح؟ حبيبك؟"
ابتسمت له بعشق. همس بهيام: "حبيبك العمر كله صوح يا جلبي."
همست بعشق: "من يوم ما شفتك، وما شفت غيرك."
همس وحاوطها: "وأنا لحد ما أموت، هتفضلي في عيني. هتكوني ليا عمري كله. أحبك وأعشقك، وأجيب عيالي منك. هنكمل عمرنا في سعادة. إني عارف."
أحست بنغزة في قلبها. أحنت رأسها ودمعت عيونها. تملصت منه لبرهة، وحاولت أن تستعيد مرحها. ولكن جملته شقت قلبها. فهمست بوجع: "ممكن نعاود؟ تعبانة. ممكن."
تنهد بغلب: "طب أعمل إيه يا رب؟ تعبت."
اقترب وشدها وعاد. دخلت على الفور الحمام تختلي بنفسها، وتركها هو. لن يضغط عليها. "خلاص، ما عادش هجيب سيرة عمر وزفت. هي بيها نصيبه. هتحدفها لك آخر الأسبوع. اتنيل، خد منها وافرح وفرحها لحد ما تعرف فيه إيه، وبعدين فطستها حب. والله لو بيكي إيه، ما هتروحيش من حضني دقيقة."
خرجت هيا، يبدو عليها البكاء. اندفع وقال بمرح: "يلا ننام عشان بكرة عاملك رحلة إيه نار." واندفع يحكي لها، وأخذها في أحضانه، ونام بها. وظل يثرثر إلى أن نامت سعيدة في أحضانه. تنهد ومسد عليها: "أوعدك إني ما هخليش الحزن يخش جلبك تاني." وقبل رأسها ونام، يدعو ربه أن يمر الأسبوع بسلام.
ظلا هكذا طوال الأسبوع. يخرجان والعشق يصدح حولهما. كان مراعياً حنوناً، وهي تعطي وتعطي. أصبحت مرحة بزيادة. وهو أحس أنه عاد صغيراً، وعادت إليه حبيبته. كانت نوبات حزنها تقل تدريجياً، إلى أن تلاشت. وسطعت سعادة لا توصف، وكل همها إسعاده وفقط.
مر الأسبوع كحلم جميل، ليأتي آخر يوم. كان يشعر برهبة. هنا قامت، ولبست له الفستان الأحمر، وتركت شعرها. كان ينظر إليها بعشق. همست: "فاكر كنت جايبه ليه يا جبل؟"
أحس بقلبه ينبض. لتقوم هي وتشغل الموسيقى، وتبدأ في التمايل أمامه. كانت تدور وتدور، وتتلمسه بعشق. وهو سارح في ملكوت. أحس أن الأرض والسماء تلاشت. أحس أنه نال جنته. كانت تتهادى أمامه، وهو قام واحتضنها وتمايل معها. تنظر لعيونه وفقط، وترسل إشارات العشق. لينبض قلبه مرة واحدة. ظلا هكذا، إلى أن انتهت الموسيقى.
اندفع يحملها ويدور بها ويصرخ: "جلبي! والله جلبي ودنيتي!"
أنزلها بهدوء. فهمست: "راضي عني يا جبل؟ انسعدت يا جلب جمر؟"
قال بعشق: "انسعدت، بس ما كنتش متخيل إني هنسعد أكده. ما كنتش متخيل إن أيامي معاكي هتبقى بالجمال ده. جبل نال أخيراً اللي حلم بيه وعايزه. جمري بين إيدي، بتبص لي، وعيونها بتلمع."
ابتسمت هيا وهمست: "إني بقى بجول لك. على قد ما أسعدتني، بتمنى تنسعد يا جبل. ولا تشوف يوم حزن. على قد رجفة جلبي، بتمنى جلبك يدق، ولا يخشاه إلا كل الفرح. أسعدتني يا جبل، وعيشتني أسبوع في الجنة. أسبوع ما كنت أحلم بيه. أسبوع ما كنت أعرف أساساً إن جمر عايشة وليها جلب."
مسكت يده: "شوف. أهه عايش لسه، وفرحان. فرحان بيك وبقربك يا جبل."
"فاكر لما جولت لك: اليد دي يد جدع، بس ما هتفرحنيش؟ لاه… اليد دي يد بتمنى، ونفسي. أنت دلوقتي في عيني دنيا. أنت الدنيا يا جبل. عايزة تخرج من الأسبوع ده، وأنت راضي وشبعان، ويكون خدت اللي حلمت بيه وأكتر."
قبلت يده. فدمعت عيونه. شعر بالخوف. فقالت: "يا رب، بحق الوجع اللي اتوجعت، تنسعد. بحق كل حرقة جلب، تنسعد. بحق كل ليلة عشتها مجهور، تنسعد. يا رب، دعوتك تروح من عرش ربنا، وينحط مكانها دعوة لجبل، وفرحة، وسنين أيامه. كل اللي رايداه دلوقتي، إنك تنسعد وبس. هعيش عمري أفكر لك الأسبوع ده. هعيش عمري بحلم، وهجفل عليه، وأكمل دنيتي راضية والله راضية. بس أنت تنسعد."
قامت وقبلت عيونه: "بقول لك تاني. سامحني يا نن عين جمر من جوا. سامحني إني وجعتك. سامحني وافرح."
لتغمض عيونها وتسيل دموعها، وتهمس: "يا رب، خد فرح الدنيا وحطه علي."
اقتربت وقبلت خده، واستدارت مسرعة إلى الحمام.
وقف هو يبتلع ريقه بصعوبة. أحس بلكلكة في صدره. لم يعلم لماذا أحس بكم ذلك الوجع عندما قالت تلك الكلمات. أحس أن مصابها جلل، وأن بها شيء خطير سيبعدها عنه. نزلت دمعة من عينه خوفاً وهلعاً. فهمس: "يا رب، احفظها لي. يا رب، ماتبعدها عني."
دخلت هيا الحمام. ونزلت دموعها: "خلاص يا جمر، أنت انسعدتي. هتنهبي. خلاص وسعدتيه. ربنا يفرحه. اداكي كتير. هتعيشي تفتكري ده. العمر كله. اديله بقى وشبعيه. اديله وفرحيه. عشان لما يمشي، ما يكونش في نفسه حاجة."
مسحت دموعها، ولبست قميص نوم طويل وعليه روب. وقفت تنظر لنفسها: "اتشجعي. هو أصلاً مش هيحس ولا ياخد باله. أنت اديله حالك. يفرح ويتوه فيكي، ولما يجوم، تبقي خلصت. بس المهم ياخد ويفرح."
مسكت قلبها. والوجع يشق صدرها: "يا رب، خف وجعي بعد ما يعرف. يا رب، صعبة عليا، بس إني راضية. أه، راضية يا رب. يا رب، بحق لا إله إلا الله، خف القضاء وخليني أتحمل بعده عني."
تنهدت وابتسمت، وفردت شعرها: "أيوه، شكلك حلو أهه. يلا بقى فرحي الواد. ده جلبي عاشجاه، لما حاسة إني هموت من العشق ده."
خرجت تفرك في يدها. وهو يقف، قلبه سينخلع. اقترب منها وهمس: "جمر، إني…"
وضعت يدها على شفتيه وهمست: "ما عايزش أسمع أي حاجة خالص. بس أكون ليك."
كان لا يريد أن يقربها، كان خائفاً: "جمر… إني… همد كمان أسبوع. هاه؟ ونجعد شوية. أنت كتي فرحانة، وكمان ممكن نروح."
وضعت يدها على شفتيه: "جبلي، إني لو قعدت عمري كله، مش هشبع من سعادتك." مسكت يديه: "جه وقت حلمنا. إحنا وبس."
اتجهت إلى النور وقفلته. كان هناك بصيص نور يأتي من الخارج. تلاقت عيونهم، فوجد لمعة عيونها. فرجف قلبه. اقتربت وحاوطته وهمست: "إني كلي ليك يا جبل. جمر، مرت جبل العزايزي. إني دلوقتي رايداك. راجلي زي ما أنت رايدني. رايدة ليلتي معاك تكون ليا، وأنا ليك. وعهد عليا، ما هكون لغيرك واصل. هموت وأنا مرتك. هموت وأنا فاكرة الليلة دي. ليلة جبل وفرح جبل. ليلة قشطة وجع انتهت بفرح. خد وافرح، وفرحني. رايداك دلوقتي وبس. خد وافرح يا جلبي. والله جلبي من جوا."
لم يعد يحتمل، فحملها واتجه بها إلى الفراش. ووضعها بروية، وركن بجوارها. كان ينظر لعيونها وفقط. اندفع يهيم بها بقوة، وهي مستسلمة له، وتبدأ يزيح ملابسها ويتلمسها، وهي تشعر أنها النهاية. كان هو في دنياه، ليتجمد فجأة عندما أحس ب…
"أن… أن… اااان…"
وهوووب، غطس من على أبوه. أنا مش عارفة إحنا نطينا في الطين كام مرة. 😁😁😁😁😁 ولف بينا يا دنيا.
رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل الثلاثون 30 - بقلم ميفو السلطان
كان جبل هائماً بحبيبته لا يحس إلا بها وبجمالها، وكيف أعطت له ما تمناه. وفاق ذلك وهي بين يديه طائعة محبة. كان يتلمسها وهي هائمة، لتتجمد فجأة عندما لمس ندوبها وملس عليها لتتشنج وهو في عالم آخر.
أحس فجأة بتشنجها وانتفاضها، فعاد من عالمه وهمس: "مالك يا جلبي؟"
حاوطته وهمست بوجع: "ماتسيبنيش بالله عليك."
لم يفهم معنى كلامها، ففهم أنها تريد أن يكمل ما هما فيه. ليعود يتلمسها بحنان، إلى أن جعلها زوجته. أحس بسعادة غير عادية أن حبيبته أخيراً له امرأته التي تمناها دائماً. شدها إليه، كان يتلمسها بحنان بعد ليلة طاحنة روت قلبه. ومشاعر ظهرت من كثرة الحرمان والوجع، فكل منهم عانى وعانى، وهي بالأخص لم يعانِ أحد مثلها. تلاقت أرواحهم قبل أجسادهم، وظل كل يرتوي من الآخر ليرمم جراح قلبه.
كان يشدد عليها ويتنهد، يحاول أن يهدئ من روعة إحساسه ورغبته التي ما زالت تتأجج بداخله. ظل يقبل رأسها ويمسك يدها يقبلها قبلات هائمة. همس لها بعشقه وحبه آلاف المرات: "مش مصدق اللي أنا فيه، أخيراً هقدر أنام وأنا مبسوط."
"خلاص نلت اللي حلمت بيه وعشت أيام بتمنى." أراحها ونظر إليها بعشق: "أتمنيتك في خيالي بس ماكنتش حاسس إنها هتبقى كده بالجمال ده."
ابتسمت له بعشق وقلبها يئن من الوجع: "ارتحت يا جبل؟ مبسوط دلوقتي."
شدها إليه أكثر: "مبسوط بس؟ داني طالت السما يا حبيبي، بقيت ليا كله كله، ماعاد فيه فتفوته ناقصة. رايدك بالجو، ماقدرتش أبطل أقول رايدك."
ابتسمت وهمست: "لساتك ما شبعتش مني يا جلب جمر."
داعبها بلهفة: "يمين الله، غلياني لساته شغال، رايدك والله رايدك وما عارفش أهدي."
ابتسمت وحاوطته وشدته إليها: "وأنا ماهقولش لأ واصل."
رجف قلبه بقوة: "أنت تعبانة يا جلب جبل."
لم تدعه يكمل، شدته وقالت: "تعبي يروح بفرحتك يا جبلي، أنا ليك تفرح وبس، مش مهم حاجة تانية."
لم يعد قادراً أن يتحكم في نفسه، فعاد وعاد العشق يصرخ والجمال يتصاعد حولهما. كانت تريد أن تشبعه حتى يكتفي، تحاملت على نفسها من أجله. تريد أن تعطيه قبل أن يتركها للأبد. ظلا هائمين في جنة العشق إلى أن هلك وأهلكها. لينام ويأخذها بين ذراعيه وهي متعبة. تحاملت من أجله حتى يأخذ ويرتوي. كانت تئن من تعبها.
بدأ يمسد عليها بحنان، كان يده على جلدها يدعبها ويلمسها بأطراف أصابعه. أحس بكسرات تحت يديه، ظل يلمسها ويداعب تلك الكسرات ويديه تجوبها. وكلما أزاح يديه أحس بتلك الكسرات، وهي تغمض عيونها تنتظر نهاية ما هي فيه. كان ساهماً هائماً فيها وفي خياله تلك الليلة الطاحنة. بدأ يركز في تلك الكسرات، وكلما أزاح يديه شعر بها.
أدارها ونظر إليها قاطباً، فابتسمت له بصعوبة: "هو إيه اللي على جلدها ده ومالي جسمها؟"
كان يتحسسها بأصابعه وهي تتمزق. أغمضت عينها وتركته يكتشف ما هي فيه. قطب جبينه: "إيه ده؟ جثتها مالها محنية زي ما يكون مكرمشة ومتغرز فيها حاجات؟" خفق قلبه: "إيه ده؟ هو أبوها كان بيعذبها؟ أيوه أكيد، ما هو أمال فيه إيه؟ كان بيعذبها عشان يجوزها؟ هو ده اللي مخبياه؟"
بدأ ينهج في يديه، لم يعد تحتها إلا تلك الكسرات. ابتلع ريقه وهمس: "جمر... هو هو."
ابتسمت له بصعوبة: "إيه يا جبل."
ابتلع ريقه: "هو هو؟ أبوكي كان... كان بيعمل فيكي حاجة؟ هو ده اللي مخبياه عليا؟"
ضحكت هيا: "ليه بتقول كده؟"
لم يعرف ماذا يقول، شد يده بخجل: "يعني... يعني..."
تجلدت ومسكت يديه وبدأت تجوب بها على جسدها: "قصدك ده."
رجف قلبه، فهي تجعله يحس بها وتنزل به على قدميها وتتجول نصف جسدها من تحت الغطاء. شعر برهبة: "جمر... إيه ده؟ فيه إيه؟ إيه اللي تحت يدي ده؟"
تنهدت ونظرت إليه وابتسمت: "ده أيامي وسنيني يا جبل. ده نصيبي من الدنيا. ده اللي دعوتك من ظلمي ليك هزت عرش السما ونزلت عليا. ده قضا جمر. جمر اللي راحت. جمر النجع يا جبل. أنا ماجولتش عشان تاخد وتتهني، جيت على روحي وما طفشتش عشان تعيش حلم هيخلص دلوقتي. ده نهاية جمر يا جبل."
كانت دموعها تسيل وقلبه ينبض بقوة. مسكت وجهه: "عمري ما هنسى ليلتنا وفرحتك يا عمري. وبحمد ربنا إني شبعتك وأديتك من جمر اللي راحت وانحنيت لسبوع معاك وبس. قصتنا خلصت يا جبل."
صرخ: "أنت بتقولي إيه؟ قصة إيه اللي خلصت؟"
ابتسمت: "قصة وجع وموت. قصة قلب انحرق وكمل حرج في جته، ما عادش ليها عازة. جمر خلاص فرحتك وخرجت من الدنيا. دخلتها عشانك وهخرج منها عشان..."
تحاملت على نفسها تدعو أن تتحمل ردة فعله عندما يرى ما بها. شدت الغطاء من عليها، فشاهق برعب. تجهم وجهه وأدار وجهه، لم يحتمل منظرها وصرخ: "إيه المنظر ده؟"
هنا لم تتحمل ردة فعله، تجمدت هي وأغمضت عيونها وجعاً وشدت الغطاء وقامت من سكات. لبست روبها واندفعت للحمام تشعر أن قلبها مات في تلك اللحظة، فنظرته لها كانت مرعبة. أشاح بوجهه، لم يتحمل قبح منظرها. كانت تتوقع ردة فعله، ولكن لم تتوقع الألم الذي أتى من ذلك. اندفعت للحمام وقفلت على نفسها، قفلت وانهارت على ضياع حلمها للأبد. خطفت لحظة من الزمن لتعود لدنيتها بأبشع صورة.
أما هو، فكان قد أشاح بوجهه يشعر بألم عليها ليس أكثر. ليس قرفاً أو بغضاً، لكن لم يتوقع أن تكون تلك الحروقات قد عاشتها. لم يتحمل أن تكون مرت بتلك التجربة البشعة. ظل ساهماً يحاول أن يستوعب ما حدث، كان ينهج وقلبه سيقتلع من مكانه. ما إن استعاد نفسه، هب مرة واحدة واندفع وراءها يصرخ: "افتحي الباب! افتحي الباب ده!" كان يخبط بعنف.
كانت ترتجف بالداخل وتنكمش وتشعر أن أنفاسها ستنشق، كانت لحظة مميتة بالنسبة إليها وهو يصرخ بالخارج: "افتحي يا جمر، افتحي أبوس إيدك! إيه اللي أنت فيه ده؟ افتحي، قوليلي أنت كنتي مخبية عني ده صح؟ صح؟ من إيه جالك ده؟ من إيه؟ افتحي ماتسبنيش أكده، أنا حاسس إني هموت، مش قادر منظرك صعب قوي. قلبي هيجف، افتحي."
كان نحيبها يزيد عندما سمعت جملته الأخيرة، بدأت تشهق وصوتها يعلو وهو يسمعه، فصرخ: "افتحي، هكسر الباب، يمين الله افتحي. الطين ده ما عدتش متحمل." لم يعد يحتمل، فاندفع يكسر الباب. اندفع فوجدها تنكمش وتنتفض وتشهق وتضع يدها على صدرها منحنية على الأرض. اندفع واحتضنها، فصرخت، إلا أنه لم يعرها بالا وشدد عليها وهي تنتحب. ظل يحتضنها ولا يقوى أن ينطق بشيء. كان أي كلام لا يفيد في حالتهم. فقد تحول الأمر من حلم جميل عاشا فيه إلى كابوس مرعب. كابوس له بوجعه على حبيبته وكيف حدث لها ذلك، وكيف تحملت تلك الآلام، وكيف عاشت هكذا. وكابوس لها ظناً منها أنه اشمأز منها وأشاح بوجهه، وهذا ما كانت تنتظره، وكيف رأى منظرها صعباً بالنسبة له.
كانت منكمشة على روحها وهو يحتضنها. تململت بعنف تريد أن تختلي بنفسها. دفعته واندفعت للشرفة وقفلت على روحها ونزلت أرضاً وركنت على الباب. أحس بخلعة في قلبه، كان قلبه يؤلمه. اتجه إلى الشرفة، كانت تركن على الأرض منكمشة على روحها. ظل واقفاً ينظر إليها من الزجاج وقلبه يتمزق. نقر على الزجاج: "طب افتحي، مش هاطلع يا جلبي، هاخدك بس في حضني، والله ما هاطلع بكلمة." هزت رأسها بنحيب، كانت تكلبش في نفسها بوجع.
ظل لفترة وهو راكن على الزجاج، وجدها تمسك صدرها فالألم لا يحتمل. لم يحتمل منظرها، فقال بقهر: "جمر، أنا ما عدتش متحمل، يمين الله." ودفع الباب، أزاحها واندفع يشدها وكلبش فيها، فصرخت. لم يفلتها وهي تنتحب وتحاول أن تبتعد، فصرخ: "بطلي، ما عدتش متحمل، والله هموت." انفجرت أكثر بالبكاء، فحملها على الفور وعاد بها إلى الفراش وأراحها واندس بجوارها. حاولت أن تبتعد، فشدها إليه يعتصرها هامساً: "نامي، نامي يا جمر، بالله عليكي نامي وعدي الليلة، أنا خلاص هموت، وربنا كتير عليا، والله."
ليزداد نحيبها. استغفر ربه وقال: "طب يا جلبي، نامي، أنا معاكي أهو، كل حاجة هتبقى كويسة." ظل يهدهدها ويمسد عليها بحنان، وكلما لمسها من الأسفل تتشنج فيبعد يده مسرعاً، إلى أن نامت من كثرة النحيب.
ما إن نامت، حتى زفر أنفاسه أنها خرجت من ذلك الكابوس. شدد عليها، لم يصدق ما حدث. كشف جزء صغير من قدمها ولمسه بحنان، انسابت دموعه بغزارة: "إيه ده يا جلبي؟ امتى جالك كده؟ امتى؟ أنا حاسس إني هموت. امتى ده؟ جمري، أنا جمر، يجرالها كده؟ إيه المنظر ده؟ طب طب، إزاي كنتي مخبية عني ده كله؟ شايلة ده وساكتة؟ وأنا راجع أموت فيكي، وأنت تجوليلي: 'أنت خدت حقك تالت ومتلت'. ااه، جلبي مامتحملش. حبيبي، أنا عشتِ سنين أكده؟ ماحدش قال إنك اتحرجتي؟ طب امتى طيب؟ من مته؟"
قطب جبينه وظل ساهماً: "أخوها مات محروق. البلد كانت بتقول بعد ما مشيت على طول." رفع حاجبيه بذعر ليشهق ويشدد عليها: "نهار أسود! يعني سبع سنين بالمنظر ده؟ طب فين وامتى وإزاي؟ عشان كده سليم سابها."
"يا جلبي، وتجوليلي مانفعش؟ كنتي قافلة على روحك وتجوليلي اتعذبت بكفاية. يا عمري، وأنا اللي دعيت عليكي وأنت رجعتيلي. أنا السبب، أنا السبب، أنا اللي دعيت. ليه يا رب أكده؟ ليه؟ ااه، جلبي هموت، مش متخيل كان حالتك إزاي ساعتها يا جلبي. أنا مشيت وأخوكي مات، وأنت أكده كتير يا جلبي، غلبتي تجولي وأنا حالف. كتير عليا وإني أجهر فيكي وأنت الجهر نفسه؟ لا وعايزة تطلقي؟ مانا مش هرضى، أنت متخيلة إني مش هرضى."
داعب وجهها ونظر إليها بهيام، كانت تنتفض ووجهها أحمر من كثرة البكاء. ابتسم وداعبها: "لا يا عمري، دانا راضي وراضي، وأتمنى ترضي عني، بس تنوريلي حياتي. يا رب، إيه الوجع ده؟ ليه تتوجعي أكده وتجولي ذنبك اتاخد يا جبل؟" كان يبكي بقهر ويحتضنها: "ذنب إيه وطين إيه؟ دا أنت اللي جالك ده ما حد يتخيله."
ظل يبكي عليها بقهر. مسد عليها بحنان: "هنعدي يا جلبي، هنعدي كله ده. أنا عاشق لروحك وبس، جته إيه وطين إيه." مسح دموعه وشدها بقوة وظل يبكي إلى أن نام. من ليلة لن ينساها. ليلة رأى فيها الجمال ليتبعه عذاب ما بعده عذاب.
في الصباح، استيقظت قمر. ظلت ساهية في السقف تفكر في روحها. نظرت إليه فوجدت وجهه متجهماً حتى وهو نائم. ظلت تنظر إليه. تنهدت وشدت نفسها من جواره لتقوم وتدخل الحمام تغتسل وتخرج. خرجت ولبست وظلت تنظر إليه لفترة. وبدأت دموعها تسيل بحسرة وتذكرت: "منظرك صعب قوي. منظرك صعب قوي." كانت الكلمات تخبطها بعنف تشق قلبها. استدارت من سكات. نزلت تجلس على البحر لعل الهواء يطفي شعله قلبها. تنهدت، ظلت ساهية ودموعها تنزل بهدوء. أغمضت عيونها بوجع ومسكت قلبها تتذكر نظرته وكيف أشاح بوجهه. كانت دموعها تنهال عليها. تنهدت ومسحت دموعها: "جالك رايد جثتك ألف مرة، أنت مالك موجوعة أكده؟ ما ده اللي كنتي متوقعاه منه. هيجف يبصلك على إيه؟ على الحزن؟"
رفعت رجلها وظلت تتلمس رجلها وتبكي. بدأت تغرز أصابعها: "إيه؟ هيعوز ده؟ هيعوز الجرف ده؟ ماتوجعيش، ده الطبيعي. واحد جالك ألف مرة. هاخد جثتك وأرتاح. الحمد لله إنك ريحتيه. جبل ما يشوف الحزن كان هينجرف. بكلي كنه دبحك بسكينة عبيطة. إياك." مسكت صدرها: "بس الشوفة صعبة قوي قوي. لما زاح وشه ما كنتش متخيلة إني هنخلع أكده." ظلت تبكي. تنهدت واستغفرت ومسحت عيونها: "خلاص يا جمر، السبوع خلص بحلوه ومرة. أنت أكده خدتي نصيبك، انسعدتي أسبوع كامل. امشي بقى وسيبيه، هو خلاص خد اللي عايزه. هتتعسيه ليه؟ لا بتخلفي وشكلك يجرف؟ كفاية نظرته ورعبه، هيسيبك معاه ليه أصلاً؟ استعيني بالله وشدي نفسك. خلاص قصة وخلصت يا بنت الناس. أهو ريحتيه برضو، خدك وفرح. تمشي بقى وتجفلي على حالك. الله يسهله ويسعده."
قام هو يشعر بتعب وإرهاق، فلم ينم طوال الليل. قام يتلفت حوله، فانتفض برعب وقام مسرعاً يبحث عنها. شعر بالخوف الشديد. قام واغتسل ولبس ملابسه ونزل مسرعاً يبحث عنها. وجدها أخيراً تجلس وحيدة تنظر ساهمة والألم يشع من وجهها. تنهد وتقدم بهدوء وحاوطها، فانتفضت وهمس: "اهدي، اهدي يا جلبي." أغمضت عيونها وظلت صامتة لا تنطق. كان اليوم هو يوم رجوعهم، فهمست: "أنا هقوم أحضر الشنط."
مسكها وهمس: "طب ممكن نتكلم طيب شوية؟"
ابتسمت بهدوء: "لأ، هنتاخر. الكلام هنا خلص يا جبل. لما نرجع هقولك على كل حاجة." واستدارت وتركته. وقف ينظر في أثرها، شعر هو بالخوف من برودها. دخل فوجدها تلملم الشنط. اقترب واحتضنها. ابتسمت بسخرية وابتعـدت وقالت: "أنا كويسة على فكرة، مش مستاهلة كل شوية تحضن فيا. أنا متعودة على حالي. أنت بس اللي مش قادر تتحمل المنظر، معلش. صدقني أنا عادي، دي دنيتي، ليها سنين." واستدارت ودخلت الحمام تلبس ملابسها. وهو محصور من كلامها. كان يحتضنها لكي يشعرها بوجوده، إلا أن رأسها يوهمها ببداية شعوره بالشفقة عليها.
خرجت هيا واتجهت للباب من سكات، وهو يراقبها ولا يستطيع أن ينبس ببنت شفة. انتهيا من إجراءات الفندق وبدأت رحلة العودة. عاد العشيقان في حال غير الحال، من سعادة طاغية إلى هم مطبق. هم كالجبال تثقل الصدور، هموم لا يزيحها إلا الحب والفرط في الحب. فالخوف وعدم الثقة لا يزيله إلا الإفراط في الحب.
كانت هيا صامتة طوال الطريق، لا تتكلم ولا تنطق ولا تبدي أي إشارة، تشعر بالدونية والنقص. وعندما تشعر الأنثى بالنقص تنزوي ويتلاشى كل جميل أمامها. لا تحس إلا بنواقص الأمور وتتخيل ما يؤذي مشاعرها وفقط، لا ترى جمال عشقه وما صبه عليها. سيزول كل ذلك في لحظة ويهاجمها شعور شفقة.
أما هو، مد يده يمسك يدها، وطوال الطريق تشد يدها ليعود ويمسكها. لم يحسب كم عدد المرات التي شدتها فيها، وهو لا يكل عن أخذ يدها في يده. كان يمسك يدها وفقط ولا يجد ما يقوله. وصلا أخيراً إلى القصر. احتفل بهم عرفان وباسم، وكان أبوها قد استقر معهم، فسعدت هيا به واندفعت تحتضنه. فهي أحست بوحدة رهيبة وخوف من أن يتركها جبل، فلم يعد لها إلا أبوها المريض الذي تهالكت صحته.
جلس الكل يتكلم وجبل يرحب بأبيها، وهيا ساهمة لا تنطق، ليست معهم من الأساس. تحتضن ابن أخيها وفقط. والكل يلاحظ، إلى أن استأذنت وقامت وتركتهم.
اقترب منه عرفان: "مالها يا ابني؟ أنت عملت فيها حاجة زعلتها؟"
تنهد جبل: "عملت؟ أنا ما عملتش، بس الدنيا هي اللي عملت. ليه ما جلتليش؟ مش حرام تخبي كل ده لوحدها؟ كتير عليها."
قال عرفان بأسى: "ما كنتش أقدر يابني، بس هي غلبانة. اوعى تسيبها مهما حصل."
تنهد جبل: "أسيب مين؟ دا بروحي أنا، أسيبها؟ دي مرتي وحبيبتي."
ابتسم عرفان: "بتحبها يا جبل؟ حتى بعد ما عرفت؟"
دمعت عيون جبل: "أحبها؟ داني حاسس إن روحي اتردتلي، بقيت عايش. الحب قليل عليها والله يا با عرفان. مش متخيل اللي مرت بيه، جلبي بيتقطع. سنين سنين في ده وكاتمة. حاسس بجرف من حالي، هموت. اللي عملته فيها كتير والدنيا عملت كله، عمل وهيا ماتستاهلش. أنا عارف إني هتعب، بس مش هسيبها لو إيه حصل."
قال عرفان: "اعمل حسابك، هتتعب جوي."
تنهد: "أتعب. أنا شفت ويل في بعدها يا با عرفان. عايزني لما تكون بتاعتي ورايدها ما أستحملش؟ دا لو حطت عليا طين الدنيا هبلعه وأنا مبسوط."
تنهد. نظر إليه حمدان بوجع: "أنا السبب يا ولدي، ما مسامح حالي واصل. كنت فاكر إن الدنيا فلوس وعز. أهي بتي ليها سنين مجهورة والفلوس ما عملتش حاجة ليها ولا انحطت في عنيها. خلي بالك منها، دي غلبانة جوي، شافت مرار يا ولدي."
تنهد جبل: "المرار راح يا با حمدان. جمر هتسعد واللي جاي كله فرح. وما هسيبها إلا وأنا مخلي السعادة لدنيتها وبس." واستدار وتركهم وصعد إليها.
كانت قد غيرت ملابسها وتجلس تضع يدها على قدميها وتحني رأسها، تحاول أن تتجلد ما هو قادم، فهي تعيش جحيماً لم تتخيل أنه بهذه البشاعة. تنهد ودخل وجلس بجوارها، لم ينطق، كان يتأملها. سهمت للأمام، ظلت فترة لا ترى ما حولها. سهمت وعيونها تلمع، عاد شريط حياتنا يدبحها مرة أخرى، لتخرج آخر أنفاسها وتقفل على نفسها كما كانت في السابق. تنهدت وبدأت بوجع: "كنت رايحة مع أخويا بيت حماه في بلد جنب بلدنا. كنت مجهورة بعد ما مشيت، حالتي كنت صعبة. خدني عشان يخرجني من اللي أنا فيه. كنت بلفلف في الجش عشان منال تحت بتحمي الفرن وأنا في السندرة. سرحت فيك وسرحت في أيامنا واللي كان. فوجت على صريخ، اتفزعت، النار في كل حتة وجفلت سلم السندرة. واقفة شايفه منال بتصرخ والنار شابطة فيها وأنا فوق في السندرة والنار بتطلع وتطلع. شفت أخويا وهو بيدخل زي المجنون، النار كانت بدأت تلمس رجليا وأنا أصرخ وأخويا ومرته يصرخوا تحت. كان كل اللي في بالي إني لو مت هبقى بسببك عشان وجعتك وربنا بيعاقبني. النار شابطت فيا، ما حسيتش بحاجة إلا لما صحوني في المستشفى. صحيت لقيت منال ماتت وأخويا بيموت. شفته وهو بيموت. أحن حد في الدنيا اللي كان بيديني نفس الحنان. راح راح وهو بيدعيلي ويوصيني على الولد، أربيه على الصالح. عارف من ساعتها مت. آه والله مت، ما عدتش بحس. سبع سنين ما بحسش، لا بفرح ولا بتوجع، ميتة ماشية مخبوطة. أنت مشيت وأخويا راح وأنا اتحرجت زي ما أنت شفت أكده. سليم مشي، أبويا طلب منه ما يجي."
ابتسمت بسخرية: "كان مفكر إني ممكن أتزوج تاني، ما يعرفش إن خلاص جمر ماتت مرتين. مرة على الجسر يوم ما روحي فارجتني ومرة محروقة بعد الغالي ما راح. موت أخويا ما خلا جواه حاجة أرغبها أو أحبها. جلت خلاص يا جمر، ربي الولد، ما فيش ليكي غيره. رجعت أنت وبدأت توجعني في البداية. كنت بجول عادي، حجة أتوجه، بس بدأ العذاب يزيد وأنا ما عدتش قادرة. كنت عارفة إنك أول ما تعرف هتشمت فيا. ابتسمت عشان سبتك واستحق العذاب ده."
صرخ بحرقة: "والله أبداً."
تنهدت وأكملت ودموعها لا تجف: "صبرت وجلت: 'أهو يقطع عادي، ماني ما عدتش بحس'. بس أنت زودت وانهبلت على جثتي، كنت عايزها. وأنا ببعد، ماني عارفة آخرتها هتعوزها إزاي. بس عارف، الحلم خلاني أقول: 'لأ، حجة ياخد ويتهني'. الحلم خلاني ليا نفس أديك وأحس معاك، حتى لو وجع صغير. جلت ليه لأ، ربنا باعتلي حاجة أعيش عليها عمري كله وأنت ترتاح وتحس خلاص إن لهفتك راحت. أنا ما جلتلكش قبل سابق عشان كنت هتشمت، كنت مفكرة أكده. بس لما لينت ليا جلت: 'حجة، عايش يفكر في جثته مرة، ماينفعش ينجرح ويشوف الحزن ده'. ما جلتش عشان أسيبك تاخد وأنت مبسوط وما تجرفش. كنت فاكرة إن يوم ما اتحرجت هو أبشع حاجة حصلت. امبارح كان أبشع وأبشع يوم موت لعار مرة. يوم ما وديت وشك بعيد وأنت مش متحمل البشاعة اللي أنا فيها."
صرخ: "والله أبداً، أنا كنت مش متخيل وجعك، إنما والله أبداً. جمر، أنا عادي، والله عادي."
مسحت دموعها وضحكت: "عادي؟ عادي إزاي يا جبل؟ أنت بتضحك على مين؟ هو أنا عيلة صغيرة؟ ما يصعبش عليك غالي يا ابن الناس. ما حدش بيقعد مع حد شفقة."
صرخ بحرقة: "شفقة إيه؟ أنت مجنونة؟ أنا بحبك وبعشقك ولا يهمني أي حاجة. بطلي توجعي روحك وتموتيني، والله عادي."
تنهدت وابتعدت ورفعت بنطالها: "وظلت تنظر إليهم... عادي... ده عادي... ده مسخ يا جبل... ده جثة محروجة متغرزة، اللي يلمس عليها جثته تشيل. إذا كنت أنا بلبس في الضلمة، ازق لع في الضلمة. هو إيه اللي عادي؟ الله ستر أصلك. عمري ما هنسى نظرة عيونك وأنت بتحوشها من شوفتك للحزن ده. عمري ما هنسى منظرك صعب. طلعت منك من غير ما تحس. إيه المنظر ده؟ الكلام اللي بيطلع بعفوية هو كلام الجلب يا جبل."
"أنا كنت متوقعة ده يا جبل ومش زعلانة. حجك يا ابن الناس تعيش مع حد ما يأذيش عينك. جمر، أنت خلاص خدتها وخلصت الجصة. أسبوع قضيناه حلو مع بعض وأنا راضية وجلتلك هننسى إحنا مين هناك. أنا نسيت كل حاجة وبعدين سبت جمر هناك وجيت ورجعت لدنيتي والواقع اللي عيشته وهعيشه. أنت من حقك تسعد."
صرخ: "ماني هسعد معاكي، أنت مجنونة."
تنهدت: "لأ، مش مجنونة يا جبل، أنا عاقلة وواعية. هتعيش معايا لحد إمتى بالمنظر ده؟ هتتحمل لأمتى يا جبل؟ قول. جثة جمر اللي تخبل راحت وانحرجت وولعت وراحت مع اللي راح. ولسه ياما في الجراب، أنت ما تعرفش حاجة. أولها حرج وآخرها بور. اسكت، الله يصلح حالك. أنا كفاية عليا أكده يا جبل، ويا ريت تخلصني بقى، أنا جاريتك يا ابن الناس لحد ما خدت اللي أنت عايزه، يبقى ترحمني بقى وتطلقني وتنساني بحلوه بمرّه. انسى جمر وروح هات لك واحدة ماتبعدش وشك عنها، واحدة عيونك ما تتأذيش بحزنها."
اندفع ومسكها وصرخ: "أنت مخبولة صح؟ أطلق مين؟ أنت انخبلتي؟ أنت مرتي وما هسيبكش واصل."
تنهدت: "ماتبقاش طيب بزيادة. الشفقة والصعبانيات مابتفتحش بيوت. أنا مش زعلانة يا جبل، صدقني، أنا عارفة آخرتها وجلتلك. أنا مستنية ترميني بيدك."
مسك يدها ودمعت عيناه: "ده لما أكون عويل وناقص، ده لما أكون قلبي مش مكوي عليكي يا جلبي."
شدت يدها: "جلبك ما ينكويش. أنا بخير والله وراضية بقضا ربنا. هتكمل معايا كيف بمنظري ده؟ أنت امبارح ما جدرتش تتحمل تبصلي يا جبل، ماتضحكش على روحك وما توهمنيش بحاجة، لاني ما هصدجهاش والله."
ابتسمت له ومسكت يده: "أنا ما حشتش عنك حاجة وسعدتك وانسعدت معاك. وأنت حقك تكمل فرحك بعيد، كمل يا جبل وانسى جمر، انسى. القصة خلصت يا ابن الناس، وأنا ما هقدرش أكمل واصل. لو انطبجت السما ما هكمل. ارحمني... واعرة على جلبى والله. ارحم واحدة شافت عذاب الدنيا، والله ما عدت هستحمل. أبوس يدك، هملني بقى بحزني، أنا تعبت جوي."
نزلت دمعة من عينه: "عايزة تهمليني؟ عايزة روحي تبعد عني؟ عايزة تاخدي أنفاسي؟ جمر، أنا جبل حبيبك، لساتني جبل حبيبك. إن ما كنتش أشيلك في وجعك، مين هيشيلك؟ يعني أنا لو جالي أكده، هتهمليني؟ هتقدري يا جمر؟"
تنهدت هيا وقالت: "جبل، بالله عليك ماتحملني ذنبك العمر كله. أنا ما أتحملش نظرة شفقة منك، كفاية بصتك امبارح."
صرخ بحرقة: "ما كنتش جرفان ولا زعلان، كنت مجروح على وجعك واللي جالك. ما أصدقش إنك اتوجعتي أكده. سنين وأنت موجوعة لوحدك. عايزة تكملي أكده؟ لا عشت ولا كنت. يوم ما أفكر أهملك يا جمر، أنا معاكي ولا ههملك واصل."
تنهدت بوجع وقالت: "وأنا ما عايزاهاش تكمل يا ابن الناس. ما تبقاش عيشة. كفاية بقى نوجع بعض. أنا ما هقدرش أعيش معاك وأنا أكده."
صرخ: "مالك أكده زي الجمر وتأخذ العجل؟ مالك؟ جولي فيكي إيه؟ أنت مخبولة؟ دا كفاية ليلتنا مع بعض، هنام أحلم بيها لحد ما أموت. مالك بيكي إيه؟ إيه اللي جرى؟ ما هو ده بيتعالج، هوديكي أحسن مطرح وأعالجك. أنا ماهسيبكيش، جمر أبوس إيدك، اعجلي. أنا رايدك ورايد أبقى راجلك، رايد تكوني حبيبتي."
همست: "رايدني؟ هتجرب مني وأنا أكده؟ هتلمس على جثتي اللي شكلها صعب كيف ما جولت؟ الست جثتها تبقى حرير تحت راجلها مش خيش مكسر."
شعر بالغضب: "ليه؟ حلف؟ أنا ما عايز إلا جثة وخلاص؟ إيه كني حيوان ولا واحد كل دماغه جثة المرة وبس؟"
قالت بوجع: "مش ده اللي ليك. ياما جولت عليه."
"جبل!"
"أنا تعبانة، روح اخرج وهملني."
صرخ: "اخرج فين يا مخبولة؟ دا مجعدي أنت. انخبطي في راسك."
تنهدت: "طب وماله، أنا هخرج. أنا أجعد براحتك والصبح همشي وأريحك." واستدارت.
اندفع وحملها لتصرخ: "نزلني! انخبلت! اوعى! أنا تعبانة، حرام بقى، إيه؟" اندفع وشدها للفراش واحتضنها. تململت بعنف: "اوعى! اوعى بقى! إيه؟ عبده عندك؟ أنت بتعمل ليه أكده؟"
شد بنطالها وشده بعنف، فصرخت وانكمشت برعب. شدها إليه وقال: "أنت من هنا ورايح ما هتناميش جاري إلا أكده، هاه. عشان أنت جليتِ حزن الدنيا، أنا لا عويل ولا ناجص."
صرخت: "اوعى! احترم حالك! إيه قلة الحيا دي؟ اوعى! أنت باينك مخبول."
قال بغضب: "زودي كمان عشان تخبليني أكتر." وشد بلوزة بيجامتها، فصرخت وانكمشت. حاوطها على الفور: "ها؟ هتهدي ولا أكمل وأهيص؟"
نظرت إليه بغضب حارق: "أنت واحد مخبول، ربنا يشفيك. إيه؟ هتجعد جاري؟" ومسكت يده: "يلا، حط يدك عشان تقوم الصبح تجيب اللي في بطنك."
تنهد بغلب: "وماله، نشوف الصبح هنجيب إيه." وبدأ يداعبها، فارتعبت: "اوعى! اوعى! أنت باينك انهبلت." أراحها: "على الآخر. حبيبي، هري قلبي وعبيط ونازل رط كيف الأبله وسيبني وهملني."
"أسيبه إزاي؟ ما شبعتش منه ولا هشبع. أكده ليلتي تضربيها لي أكده؟ لأ، نعوضها بقى يا واخد قلبي."
شعرت بقلبها يصرخ وهو يتحسسها، وهيا تتشنج تحت يديه. فصرخت: "اوعى! أنت إيه ده؟ اوعى! حرام عليك، أنت مفكر لما تعمل أكده هتصدج إنك رايدني؟ اوعى، حرام عليك! أنا شكلي يجرف، ماتوجعنيش بقى."
شدها عليه وحاوطها وهي تبكي: "مين قال إنك تجرفي؟ مش أنا راجل أهو، ولا ماشيفانيش زفت. شايك جمر، وشك أهو وعسلية وعيونه حمرا ومناخيره فراولاية، جمر. ولا قلبه قلبه؟ دا لوحده نار، خد قلبي و وداب فيه."
سالت دموعها: "جبل، بطل، ما أتحملش."
ابتسم: "طب تهدي والصبح نتكلم؟ ليلة سفر طويلة، اهدي طيب."
تنهدت: "قوم طيب، امشي، شوف لك مطرح."
شدد عليها: "لأ، ما همشيش." وبدأ يداعب ظهرها، وهيا تتنهد ويداه تنزل بروية على جسدها لتتشنج. فقال: "اهدي، هاه، وسيبيلي حبيبي، أتهنى بيه شوية. إلا إني انصرعت بالليل وانصرعت الصبح، لسه فيه صرعة تاني."
أحنت رأسها بوجع: "والله أنت اللي جايب لنفسك الصرعة." واستدارت ونامت، فشدها إليه وبدأ في تلمسها، وهيا تزيح يده وهو مصمم، لتصرخ: "بطل بقى!"
ليلمسها ويضحك. صرخت واستدارت تضربه: "أنت قليل الحيا، والله أكشفلك حالي أسود بيه عشتك." لينحني فوقها: "طب ماتكشف يا جمري، وريني أكده." ومسك الغطاء وشده، فصرخت: "اوعى! أنت انخبلت!"
ضحك: "كتر خيرك على الآخر. انخبلت وانهبلت وانهطلت وانحصرت، أي إن في الدنيا جرتلي بسببك يا ملوعة قلبي." شد الغطاء، فصرخت: "بطل بقى، عيب أكده، إيه حرجة الدم دي؟ أنا همشي الصبح وأبقى كل حالك بقى."
ضحك: "طب اعمليها أكده، والله لامشيكي بلبوص في القصر عشان تحترمي حالك وتجولي يجرف وما يجرفش." زغدته، فشد الغطاء، فصرخت وانكمشت وتشبتت به. قال: "هتنامي وتتخمدي من سكات، وإلا ما هعديهاش، وأكمل شهر العسل اللي طفحتيهولي هاه."
زغدته بعنف، فأتأوه: "عسل في عينك يا مخبول. أنا أصلاً عارفة إنك انخبلت من زمان. والله ما جعدالك، مجعدني ليه؟ هاه؟ صعبة عليك جوي؟ أنا ما عايزاش حد في حياتي، وخصوصًا أنت. هاه، يلا."
خلع قميصه، فصرخت: "ماتبطّل بقى!"
ابتسم وقال: "هتتخمدي، وإلا أكمل." كتمت نفسها وتململت، فشدها إليه وخبط رأسها: "يلا، سمي الله كده ونامي."
تنهدت بغلب: "وضع يده على رأسها وبدأ يدعي، فصرخت: "هو أنا ملبوسة؟ ماتوعي بقى، دا مرار إيه ده؟"
ضحك: "أنت مش ملبوسة، أنت مهبولة، والهبل طبش في خلجة اللي خلفوني." تنهدت وأغمضت عيونها. بدأ يدلك لها جسدها، وهيا ترتخي، فكان يوم سفر شاق وتعب أعصاب. بدأت تتراخى رويداً رويدا، وبدأ هو بروية يمد يده يتحسس كسراتها، وهيا قد أصابها الخدر. ولمساته على جلدها تجعلها تتوه وتتوه، حتى نامت. وقد جاب جلدها بيديه ألف مرة، حتى تحس وتتعود على لمساته دون أن تنتفض.
تنهد هو وضمها: "أنت يا جبل ماسك ديل كلب أسود، أه والله بومة. ما هتشوفش فرح."
داعبها وضمها بقوة: "ياني، دا حضنه جمر، تهمليني إزاي؟ داني ما عدتش نافع. جثته إيه دا؟ حبيبي، جمر لحاله. بس جمر أهبل على الآخر." ظل يدعو ربه أن يهديها إلى أن نام.
كانت هيا تحلم بحلمها، وأصبح جبل في حلمها، تراه. كانت تشعر بالسعادة في الحلم. كانت تمسك يده وتنظر إليه بحب. ليأتي ظلام رهيب، لم تعد تراه، وبدأت تصرخ وتصرخ، ولكنها تحس بيده لا تفلتها، وهيا تصرخ بلا فائدة، والظلام كاحل، ويده تعتصر يدها، ويصرخ بقوة: "هتسعدي يا جلبي، والله هتسعدي."
شعرت بالخوف من تلك الظلمة، وبدأت تتملص من يده، وهو لا يفلتها ويصرخ فيها، والظلمة تزداد وتخنقها، وهو يكلبش في يدها بقوة. بدأت الظلمة تجتاحها لتتلبسها، لتهب مرة واحدة مفزوعة تشهق برعب. استدارت حولها فلم تجده. ظلت تنهج بقوة: "إيه ده؟ إيه ده؟ حلمي؟ حلمي ضاع خلاص، سواد، سواد."
قامت على الفور ولبست ملابسها، تشعر بالخنقة. كانت مهزوزة، غير متزنة. بدأت تهذي: "أنا لازم أمشي، أنا همشي، أنا ماهقعدش، أنا همشي."
انفتح الباب، كان هو قد نزل بالأسفل وصعد ليجدها تقف منكمشة، فاندفع واحتصنها: "فيه إيه؟ فيه إيه؟ مالك يا جلبي؟"
كانت تنهج: "أنا عايزة أمشي، أنت تطلقني دلوقتي، يلا، طلقني، أنا همشي."
كان مذهولاً، فصرخ: "أنا سايبك نايمة، أنت انخبلتي؟ جاية تجهريني ليه؟ ماتنامي وتهدي. هو حرج في حرج، أعمل فيكي إيه؟ أربطك؟ يا رب، الغلب زاد."
صرخت: "ما تطلقني وتسيبني أغور، أنا ماهقعدش. أنا شفت حلمي بيخرب، شفته بيخرب."
صرخ: "حلمنا ماهيخربش، فاهمة؟ ماهيخربش واصل. أنا ماهسيبكيش لدماغك المخبولة دي. أنا رايدك مرتي، فاهمة؟ مرتي وأم عيالي، رايد عزوتي وخلفي، يبقوا منك. أنا لوحدي وعايز خلف كتير، والخلف ده ماهيكونش إلا منك."
سالت دموعها بقهر، فصرخ: "ما تعطي بجولك. هتبقي مرتي العمر كله وهخلف منك. إيه برضك هتبعديني؟ وأنا رايد منك خلفتي؟ مش ده حقي؟ حقي أفرح؟ لو بتجولي شفقة، طب عديها شفقة زي مابتجولي. أهو بجولها لك، عايز خلفي منك، ما عايز في الدنيا غير عزوة وتكون منك. جمر، أنا بطولي، هتبقي حبيبتي وهنعيش ونفرح ونملا الدنيا عيال، عيلة جبل العزايزة. أنا تعبت في دنيتي، حقي أرتاح، وراحتي تعمليلي بيت وعيال أجعد في وسطهم، يشيلوني في وجعي وشيبتي."
بدأت تشهق بقوة، وانفاسها تنقطع، وهو يصرخ فيها أنه يريد خلفه منها. نظرت إليه وهيا تشهق: "أكده يبقى أنت وصلت للنهاية يا جبل. نهاية القصة، قصة جبل وجمر، لأني عمري ماهكون ليك زي ما أنت عايز، ولا هرضى أبداً إني أموت حلمك. جمر ما عدت تنفع لجبل. جمر أرض بور، مالهاش تشوف زرع وتطرح خير."
صرخ بجنون: "بطلي، بطلي، بتعملي فيا ليه أكده؟ أنا رايدك مرتي، أم عيالي، بطلي بقى، ماتموتنيش." كان يهزها بعنف: "هنكمل، هنكمل وهتجيبلي عيال، فاهمة؟ يمين الله ماهسيبكي إلا وأنت جايبالي عيالي."
هنا شهقت بين يديه صارخة: "بطل، بطل بقى! أهه جلتلك الحلم بيخرب والضلمة عتمت الدنيا. دنيتي عاتمة، عاتمة، أنا ما بخلفش يا جبل. ما بخلفش." لتجحظ عيناه ويمسك قلبه برعب. لتتراجع بوجع من منظره و...