تحميل رواية «رحلة عذابي أنا 💘» PDF
بقلم عشق جنوبي💞
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
روايتي الجديدة بعنوان " رحلة عذابي انا " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته تنبيه هام يرجى العلم أن رواية رحلة عذابي أنا تم تثبيت حقوق الملكية لها لي وبانتظار اكتمالها حتى يسجل لها رقم تسلسلي في دائرة النشر والمطبوعات الأردنية ولا أحلل نقلها دون ذكر اسم الكاتبة قطعياً. وللعلم أيضاً روايتي أكتبها حالياً وكل فصل بفصله والنشر حصري لهذا المنتدى الرائع بالاضافة لمنتدى آخر . وأي عمل أنشره هو بهدف الترفيه ونشر قيم أعتقد وأؤمن بأيجابيتها او نقل تصورات وافكار تمثل واقع ومجتمع من باب حرية الفكر والتعبير .......
رواية رحلة عذابي أنا 💘 الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم عشق جنوبي💞
الفصل : السادس والثلاثون
بعنوان#طعناتهم_حقد_وطعنتك_ياأمي_خذلان
جف الدمع والقلب والله رحااااال
مالي دمع لكن الغدر والله بكااااني
عشت الوجع والظهر بعده مااااال
ما اشتكيت لكن حظي ال شكااااني
ضمدت جرحي لكن دمي سااااال
قال الألم من بعد صمته حكااااني
لها ثلاثة أيامٍ في حالةٍ صعبة ، فيصل شخّصها بانهيارٍ عصبي ولا يدري سببه او ماذا يفعل بها ، يريد الانتظار قليلاً حتى تتحسن حالها ويفهم سبب ما حصل معها ؛ فربما جاءها خبر وفاة أحد أقاربها او فاجعة أصابت عائلتها أو زوجها ... الله العليم ! وام فيصل كلفت احدى الخادمات بمتابعتها وقد أخذتها الرحمة والرأفة بحالها ..
أما ملاك.... فكأن روحها انسلخت عن جسدها .. كأن العالم انهار من حولها .. كأن كل ما تربت عليه وترسخ في خلاياها ذاب وتلوث بحقارة هذه الدنيا وانعدام العدالة فيها ...
أغلب الأوقات تبقى عيناها جاحظتان مفتوحتان على اتساعهما لكن بلا أي دموع ... لا تعلم لماذا !! ربما لأنهما تبصران الحقيقة المرة لأول مرة في حياتها ... قاتلها الله من حقيقة موجعة .. نعم فأمها لم تمت وتفارق الدنيا بل قررت باختيارها أن تتخلى عنها وترميها لوحوشٍ على شكل بشر.. لتعيش هي حياتها وتنجب اولاداً غيرها وتتمتع بحياةٍ هانئة وتتركها لوحدها .. ليس فقط لتعاني الظلم والضرب والاهانه والتجويع والاحتقار ... بل لتحمل على عاتقها الدفاع عن امها والتصدي لكل من يذكرها بسوء فأمها ميتة ... ميتة...ولا يجوز على الميت الا الرحمة ...
بالأمس تحاملت على نفسها بصعوبة وزحفت نحو خزانة أم فيصل النائمة وأخرجت ألبوماً فخماً للصور لمحته أحياناً..
فتحته بيدها المنهكة المرتجفة ، عيناها الجاحظتان تتمعنان بالصور الكثيرة .. أغلبهم لا تعرفهم الا من كانوا يزورون ام فيصل ... وجدت أخيراً ما تبحث عنه ؛ صور تجمع جدتها مع أمها ... الآن تيقنت وتأكدت... هي أمي بلا أي شك !! وهذه جدتي التي أرسلتني الى الجد ابو قاسم ... أما انا فلا صور لي ولا أذكر أن أم فيصل ذكرتني سابقاً ؛ من المؤكد أنهم لا يعلمون بوجودي أصلاً فأنا؛ بل كل زواج أمي من المدعو أبي يمثل في حياة أمي نقطة سوداء لا بد من محيها من الوجود بكل تفاصيلها ؛ وأحقر هذه التفاصيل هو أنا ...
دخل فيصل بعد الاستئذان عندها وهو مستغرب أنها لم تعد تغطي وجهها أمامه وأرجع ذلك ربما لحالتها الصحية المتعبة ..
جلس بقرب أمه وقال بعطف : أخت ملاك اذا تبغين أكلم أم عزمي تتواصل مع أهلك اذا يقدرون يساعدونك بشي .
نظرت ملاك نحوه واسندت نفسها بتعب وهي تشعر بجفافٍ شديدٍ في حلقها " أم عزمي عشان تكمل علي ؛ أكيد العميد محمود يستنى منها أي خبر عني حتى يرجعني لأهلي .. ااااه يا عذابي "
تكلمت بصوت خفيض : أدري اني ثقلت عليكم وبدل ما أخدم خالتي أم فيصل أبلشتها بي وبحالتي ؛ اتمنى تسامحوني ومن باكر برجع بيتي وانطر زوجي يعاود من السفر "
أم فيصل بعصبية : وش هالكلام يا بنت ! مين قال انك ثقّلتي علينا ! فيصل قصده يعرف وش بلاك ما هو متثقل منك .
فيصل بابتسامة : علامك هبيتي كذا يا ام فيصل .. هونك عالبنية.
ام فيصل بتشجيع : مدري هالوقت دلع البنات يمغص على وقتنا كانوا أهلنا يسلخونا بعود القصيب لما نتدلع نقوم نركض مثل الغزلان الشاردة ، وبغمزة ، وش رايك الحين بعود قصيب .
ابتسمت ملاك رغم جراحها : لا.... دخيلك يا خالة من باكر تشوفيني مثل القردة .
ام فيصل بحنان : الا قولي مثل الغزال والشر زال باذن الله ..
قام فيصل ليخرج وقد شعر بالاطمئنان على بداية تحسنها فنادته بتردد : أقول دكتور فيصل ... ما له داعي تكلم أم عزمي وتخوفها أنا الحين بخير والحمد لله ..
فيصل : ولا يهمك اللي يريحك وان شاء الله من باكر بتكونين بأحسن حال ...
مع كل ما تعانيه من صدمة وانهيار الا انها بطبعها اذا ما أحسن اليها أحد تشعر بامتنان ؛ فهذه أم فيصل رغم كبر سنها وتعبها تبقى جالسة بقربها وتعتني بها وتقرأ عليها آيات من ذكر ربها تحيطها بهالة من الطمأنينة والسكينة والرضى بقدر الله وتمسح كل حينٍ على شعرها وتتفقد حرارتها بل انها كلفت الخادمة بتوفير قِرَب من الماء الساخن باستمرار لتدفئ بها قدميها بعد أن اشتدت برودتهما ...." لأجل أم فيصل ...ولأجل زوجي المسكين يجب علي أن أتحامل على ألمي وتعبي وأعاود النهوض والوقوف في وجه هذه الحياة الظالمة القاسية ... أمي كانت ميتة .. ولا زالت في نظري ميتة .. الفرق الوحيد أنني ما عدت أحتاج بأن أدعي لها بالرحمة في كل سجود أسجده لله ... ولم أعد أحن الى قلادتي الغالية التي سرقها مني خالد حتى اقبل صورتها وأتخيل قربها ... وما عدت مجبرةً على محاولة تذكر صورتها وكلماتها ومواقفها كل ليلةٍ قبل النوم لأنام مبتسمة وهانئة .. ما عدت أقول .. اشتقت اليك يا أمي..... "
***
يغرقه شعورٌ بالضيق والهم لا يعرف سببه في الأيام الأخيرة ويكثر من الدعاء والصلاة حتى ينجلي عنه الهم ؛ شيء ما ينبئه بأن ملاك ربما في ضيق او هي مجرد هواجس وأوهام ؟؟
مضى على سفره أكثر من شهرين والحنين يلازمه في كل حين ؛ يطمئن على أهله ويسأل عن أخبارهم باستمرار وأما هي فكيف سيكلمها برقمٍ دولي ... مؤكد ستثار الشكوك عندها ... يا ليته أخبرها بسفره للعمل ، ما أغباه من أين جاءته فكرة السجن !! "الحين كيف بيطمن عليها !
لكن دامها عند فيصل فهي باذن الله بأمان .. لازم يحاول يركز في الدورة ويتفوق بها ولما يعاود بيحل كل المسائل ويعاود لم شمله مع زوجته وحبيبة قلبه ملاك."
****
لم تجب على رسالته ولم تعتذر ولم تعد لمكتبه أبداً ... الحمد لله هذا ما أردته فلو ردت على رسالتي او عادت لمكتبي لسقطت من عيني .
وفي قاعة المحاضرات لا ترفع رأسها واذا ما فعلت تنزله بسرعة لا يدري أهو حياء أم غضب وكره .... ما يهمه وما هو متيقن منه أن هذه الفتاة دخلت قلبه وأعجبته ....
حمل حقيبته واتجه الى قاعة الدرس وبعد السلام تكلم بثقة وحماس : أتوقع ان نسبة الاخفاق في الامتحان النصفي كانت كبيرة رغم سهولة الامتحان وقد يكون عند بعضكم ظروف على كل حال في الامتحان النهائي سوف أضيف سؤال اضافي معزز والاجابة عليه ليست اجبارية لكن من يرغب في رفع تقديره فأنصحه بالاجابة عليه ....
ضجت القاعة بالفرح والتصفيق والعبارات الحماسية من الطالبات .... أما هي فكانت تبتسم بفرح .... ما أجملها من ابتسامة .
*****
ابو طلال يجلس بقرب ابنته حبيبته هبة ويحادثها ويحضنها ويقبلها كل دقيقة ومع سعادته باستجابتها للعلاج الا أنه لا زال يتملكه الخوف من احتمالية عودتها للادمان لذلك أهمل متابعة شركاته وأوكل بعض شؤونها الى ابن اخيه عبد الرحمن وأجبر طلال على العودة والانضمام الى ابن عمه عبد الرحمن في العمل ... يعلم بعدم كفاءتهما كما ينبغي ولكنها أفضل الحلول في الوقت الحالي .
استغرب من القاء القبض على شمس وأماني وتوجيه تهمة الاتجار بالمخدرات لهما .. فهو لم يشتكي خوفاً من افتضاح امر ابنته .
( طبعاً هو لا يعلم ان فارس بعدما سمع كلام خالد وعبدالله بالمشفى وضع الفتاتان تحت عملية مراقبة حتى تمكن القسم من عمل كمين لهما والامساك بهما متلبستان )
دخلت ثريا المنزل وواضح عليها علامات التعب والضيق ؛ استقبلها ابو طلال بالصراخ : انت متى تتعلمين من أخطاءك واستهتارك ؛ أنا براسي تارك أشغالي وشركاتي حتى أتابع البنت وانت بعدك على حالك !! متى تصحين على روحك وتنتبهين لهبة وطلال ولبيتك ... متى !!
ام طلال بحزن ودموعها تسبقها : والله أمي حالها كل يوم أصعب من اللي قبله وما أقدر أخليها بروحها ما هو كافي معاذ مهاجر وتاركها وما يسأل عنها ...
ابو طلال : أنا قتلك خلها تجي تسكن عندنا أريح لنا ولها لكن ما أدري ليه ما ترضين !
ام طلال : راسها عنيد ما تسمع الكلام وتقول ما أطلع من بيتي الا على قبري ...
****
لا شيء يبقى كما هو .....
مضى أكثر من شهر على معرفتها بأن أمها لم تمت ، في الأوضاع العادية عندما نظن ان شخصاً ميتاً ثم نكتشف أنه لا زال على قيد الحياة ؛ المفروض أن نفرح ونسرع نحوه ونتفقده ونلامسه ونسمع نبضه ونتأمل ضحكته حتى نقنع أنفسنا بهذه الحقيقة ؛ ثم يغمرنا شعور الفرحة والسرور حد التحليق والنشوة ......
لكن هذا لم يحصل مع ملاكنا .. فقط شعور الخيبة والظلم والغدر .... نعم الغدر ومعنى التخلي .... تذكر ذات شتاء كانت تستعين بقفازٍ مهترئٍ أحضرته لها احدى الخادمات لتواجه برد الليالي الشديد _ فغرفتها لا يوجد فيها لا تدفئة ولا تبريد _ وما أن انتهى الشتاء حتى ألقته في حاوية النفايات وتخلت عنه ؛ لكن ليلتها لم تستطع النوم فهذا القفاز كان رفيقها وأنيسها طوال الشتاء والآن هي تتخلى عنه بكل حقارة ... بقيت مستيقظة طوال الليل منتظرة بزوغ الفجر وانطلقت نحو الحاوية وغرقت فيها تبحث عن قفازها حتى وجدته .. وخرجت من الحاوية ضاحكة ومبتسمة لتجد جدها وأعمامها وأبنائهم _ففي تلك الأيام كانوا لا يزالون يعيشون معهم في قصر الجد _ وجدتهم كلهم بعد عودتهم من صلاة الفجر ينظرون لها باشمئزاز واستغراب وقرف .. تذكر أن جدتها ضربتها يومها ضرباً مبرحاً وحرمتها من الغداء ... لا يهم المهم أنها استعادت قفازها ولم تتخلى عنه .... لماذا اذاً يا أمي تخليت عني !! ألم تكوني تقولين لي في ليالي الشتاء الباردة : نامي بحضني يا ملاك فحضنك يدفئني وكنت أحيطك بذراعي لنتدفئ سوياً !! لماذا يا أمي ألقيت قفازك واستغنيت عنه بسهولة !!.... لماذا يا أمي !!
اعتادت على تقبل هذا الواقع المؤلم بل انها اعتادت على سماع صوت أمها في الفيديوهات التي ترسلها أمها ؛ لا رغبة لها بالنظر أو ينتابها أي فضول لترى كيف تعيش ، واضح حياة العز والرفاهية وواضح سعادتها البالغة مع أولادها ... ذات يوم بعثت فيديو لحفلة أقيمت بمناسبة حفظ ابنها للقرآن ... وأم فيصل تلح عليها بالمشاهدة تقترب وتقفل عينيها وتتظاهر بأنها ترى ... في مثل سن ابنك هذا يا أمي لم أكن أصلي ولم أكن أحفظ شيئاً من القرآن الا ما أذكره من المدرسة التي تركتها مرغمة فقد كنت أتظاهر بالتوحد حتى يتوقفوا عن ضربي واهانتي !! لست راغبةً برؤية احتفالك بولدك الذي أحسنت تربيته ورعايته....
*****
جاهة كبيرة تليق بعزيزة وكبريائها وفرحة تعم الحوش وسعادة واندهاش ينتاب الحي الفقير ؛ تم الاتفاق على كل شيء وتم تحديد موعد الزواج بعد أسبوع .
العميد محمود كان ضمن الجاهة ورغم فرحته بانحلال عقدة ابن عمه ناصر وموافقته على الزواج أخيراً الا أنه بوجوده الآن في حوش أم عزمي يتملكه الشعور بالضيق والكتمة على قلبه " اين أنت يا ملاك ؟ "
" هل يعقل أنها في مكان يعلم به أهلها !! من يسأل أو كيف يسأل ؛ لماذا لا تفارق مخيلته صورتها ولماذا يتفقد كل ليلة خربشاتها على كتبه القديمة ؟ ليست خربشات بل أشبه ما تكون نبضات قلب ؛ جعلته هذه النبضات يستشعر آلامها ويستشعر بعظم الظلم الذي كانت تعيشه ؛ ربما هو لا يعرف التفاصيل لحياة هذه الفتاة ولكنه يدرك أنها كانت مشروع امرأة عظيمة قرر أهلها وأدها وهي حية ..."
كثيراً ما يعقد المقارنة بينها وبين زوجته حنين ؟ شتان بين الثرى والثريا !! حتى أولاده يتحدثون عنها بحب وحنان وكيف أن أمهم تحرمهم من الجلوس معها حتى لا يتعلقوا بها مثل أولاد الدكتور نواف !!
يذكر خجلها وعفتها ورقي أخلاقها وحتى طفوليتها عندما غضب منها وعاتبها لأنها غابت لساعات دون اخبارهم وكيف وقفت أمامه تعض شفاهها بندمٍ وتشبك أصابعها بضيق وتتعهد له بعدم تكرارها ... أحياناً يرغب بخنق فهد لأنه أعلمها بنيتهم أعادتها الى أهلها مما تسبب في هربها.. وأحياناً تسرح به الأفكار : يا ترى ألهذا الحد تفضل التشرد وقسوة الحياة والعمل على العودة الى ابيها !!
استيقظ من أفكاره على همسة فهد له : رد على الشيخ يكلمك ... فيبتسم ابتسامة باهتة لفهد ويعاود النظر الى الشيخ ويحادثه استعداداً لاجراءات الملكة...
فهد لا يقل عنه ضيقاً ولوماً لتسرعه ولكن نظرته الى العميد محمود واحساسه بأفكاره وحالته جعله يزداد لوماً لنفسه فمع مرور الأيام أدرك تعلق محمود بها وأنه ربما لو لم تهرب لكان خطبها وتزوجها دون تردد فقد سمعه ذات يوم يقول : تدري يا فهد وش أصعب من انك ما تلاقي توأم روحك ؟؟
فهد باهتمام : خبرنا يا فيلسوف زمانك !!
محمود وهو يتجاهل اسلوبه : الأصعب انك تلقاه بعد ما يفوت الفوت ....
****
حنين بشماتة واضحة : قلت أخبرك قبل ما تسمعي من غيري .
روعة : الله يجيرنا من اخبارك ! قولي وش في ؟
حنين : أبشرك ناصر أخيراً انحلت عقدته وقرر يتزوج واليوم كانت الجاهة .
روعة بصدمة : من جدك تقولين !!
وبأحباط : يعني كل تخطيطاتي عالفاضي !
حنين بضحكة : اااه يا حزينة ولك شهرين تعدين وتجهزين ههههههه.
روعة بقهر : والله موافقة أبوي واخواني على مشروع بوتيك الألبسة لحالها نشفت دمي .
حنين : هالمشروع لحاله خطوة زينة عشانك واستمري بيه ورب ضارة نافعة .
روعة : بلا ضارة ونافعة أقعد أريح راسي أكرملي ما أحب الغثا .
حنين : يا لطيف ما شفت أحد بكسلك ونكدك !
روعة بنغزة : لا ما شاء الله عنك انت ومشاريعك خلك ساكتة أحسن .
حنين بتذكر : عاد كنت بفاجئك بالعروس اللي مختارها ناصر بس خلص ع قولتك خليني ساكتة .
روعة بغيض : ومين تكون هالحرامية سعيدة الحظ ؟
حنين : ما رح تصدقين أبد !! شي ولا بالخيال ولا بقصص ألف ليلة وليلة .
روعة بغضب : قولي عاد والا الحين أجيك وما تشوفين الخير أبد .
حنين بضحكة : زين زين بخبرك ؛ أم عزمي اللي بتجيب لنا مواد وتموين للبيت ....
قاطعتها روعة ببلاهة : ناصر بيتزوج أم عزمي !!
حنين بسخط : لا يا متخلفة ؛ بيتزوج بنتها .
روعة بصدمة : وهذا شلون تعثَّر بيها !!
حنين : يقولون تشتغل عنده بشركته خبيرة أزياء !
روعة : من عقلك انت ! والا مجنون يتكلم وعاقل يسمع !! بنت أم عزمي خبيرة أزياء !! وش صاير بالدنيا يا عالم !!
حنين : عاد هذا اللي جاك ؛ دوريلك من الحين على مغفل ثاني ترمين عليه شباكك .
روعة بسرحان : لا بهذي ما حزرتي ؛ أنا قلت باخذ ناصر يعني باخذه واخليه يرمي بنت أم عزمي مثل الكلبة.... وما أكون روعة اذا ما ساويت اللي براسي !!
****
في اليوم التالي لبست وتأنقت وتجهزت وهي عازمة على تنفيذ ما صممت عليه ؛ أخذت رنا لترافقها في مشوارها ..
تفاجأ عندما أخبره السكرتير بالضيفة ! دعاه لادخالها واستقبلها في قاعة الضيافة : أهلا وسهلاً أخت روعة ؛ زارتنا البركة ..
أشار لهما بالجلوس وروعة لم تكلف نفسها بالتعريف برنا فهي تريد جذب كل انتباهه .
تكلمت بدلع واضح وحياء مصطنع : أتمنى ما أكون أزعجتك خاصة ان الزيارة بدون موعد مسبق ؟
ناصر باحترام : لاا أبد ما في ازعاج وبصراحة يشرفني تقديم أي مساعدة أقدر عليها ؛ وحنا بالنهاية أهل ونسايب وأخوانك من أعز أصدقائي واخدمهم بعيوني .
روعة بابتسامة جذابة : وهذا هو العشم واتوقع عبدالله خبرك عن محل الألبسة اللي أبغى أفتتحه .
ناصر : اي نعم وأتمنى لك كل النجاح وأنا بختار من موظفات الشركة يساعدونك في التجهيز والديكورات وفي عقد الصفقات مع دور الأزياء العالمية والاعلام والترويج وحفل ..
قطع كلامه دخول عزيزة بكل ثقة فهي قد قررت ابتداءً من اليوم بعد أن تمت الملكة أن تريه الوجه الآخر لعزيزة ..
استغربت من وجود الإمرأتين وخاصة هذه التي تبالغ في زينتها واظهار مفاتنها وبدا عليها عدم الرضا من دخول عزيزة .
أيضاً ناصر بدا عليه الضيق من اسلوب عزيزة وعدم استأذانها واحترامها مكان العمل .
اقتربت من ناصر وقالت بابتسامة : سوري ناصر من الحماس نسيت باستأذن ؛ عرفني على ضيوفك !
ناصر يكتم ضيفه : الأخت روعة وهذي قريبتها من أنسبائنا ..
ثم نظر الى روعة : بعرفكم على خطيبتي عزيزة .
روعة نظرت الى عزيزة بشزر ولم تعجبها لا ملابسها ولا هيئتها ولا اسلوبها بالكلام ! واضح أنها أبعد ما تكون عن المجتمع الراقي ! كيف سيتزوجها ناصر المعروف برقيه !
روعة وجهت نظرها الى ناصر ونفس الدلع : واضح انك مشغول ؛ بتصل فيك نحدد موعد ثاني نتناقش فيه بالبزنس والحين باستأذن .
عزيزة لا تخفى عليها هذه الحركات أجابتها بدهاء : أكيد أي بزنس بيحتاج مواعيد كثيرة ؛ عشان كذا في كل موعد بأكون موجودة حتى ما تنحرجين من التعامل مع زوجي .
روعة ناظرتها بقهر ولم تعرف ماذا تقول لكن اكتفت بابتسامة باهتة وغادرت وهي تتوعد بقلبها لعزيزة بأيام كقرن الخروب ...
****
حضر الطبيب العالمي المختص وكان عنده فكرة مسبقة عن حالة الطفل عادل من التقارير والصور ولكن لا بد من الفحص السريري ؛ عامر لم يتحمل البقاء في غرفة الفحص عندما بدأ الصغير بالصراخ والارتجاف خوفاً فترك أمه مع الطبيب والممرضة في غرفة الفحص وخرج ليقف مع رغد المرتعبة مثله وتحاول صمَّ أذنيها عن صوت صراخه وتتمنى لو كانت شهد معها تخفف عنها ولكن شهد مشغولة أيضاً بطفلها الصغير الذي يعاني من بعض الحمى .
رفعت رأسها بقلق لتتفاجئ بالدكتور فيصل يقترب منهما وهي لم تكن تدري بأنه شريك في ادارة المشفى مع الدكتور نواف ولم تكن تدري أيضاً بأنه صديق لعامر الا عندما اقترب منه وسلم عليه بحرارة ثم بدأ بطمأنته وبث التفاؤل والأمل في قلبه وهذا بصراحة ما يحتاجه عامر في مثل هذا الموقف ..
أنزلت رأسها بإحراج وهي تتذكر موضوع الرسالة المخزي وغباءها الذي لن تسامح نفسها عليه أبداً
لاحظ فيصل ضيقها وحرجها فشجع عامر على الدخول معه عند غرفة الفحص ومتابعة الطبيب المختص وفهم الخطوات القادمة منه بدقة .
ما أن ابتعدا حتى تنفست رغد براحة وهي تضع يدها على قلبها بخوف ورعب وسؤال يداهم فكرها فجأة : معقول يساويها ويقول لعامر عن موضوع الرسالة !!
****
روعة يأكلها الغيظ من عزيزة وما يزيد قهرها أن هذا ثاني اجتماع لها مع ناصر تحضره الست عزيزة !
" باين عليها ما هي قليلة هالعزيزة لكن على مين .."
قطع أفكارها صوت علي الحنون يقترب منها ويربت على كتفها ثم يجلس بجانبها " أكيد سرحانة لانك عرفت ان أول عملية لعادل اليوم ... اذا تبغين الحين باخذك وتوقفين عنده .. واذا على شان عامر أنا بأبعدك عنه "
روعة لم يخطر ببالها الأمر ولم تكن مهتمة لمعرفة حالته ؛ أبوه أكيد ما بيقصر فيه وربنا رحيم ان شاء الله بيلطف فيه لكن هي ما تبغى تكدر خاطرها أكثر بالتفكير فيه ؛ الأفضل انها تقوم ..
علي : ها وش قلتي ؟ نتوكل على الله ؟
روعة باختصار : الله يشفيه ويقومه لأهله بالسلامة وانا ما أريد لا أروح ولا أشوف ؛ اتركني بحالي يا علي وما تزودها معي .
وانسحبت بسرعة قبل أن تعطي مجال لعلي ليقول شيئاً آخر
أما علي فقام متوجهاً الى المشفى بيأسٍ من امكانية تعديل دماغ أخته المعووج.
****
تجلس بزهو في قصر الأفراح وقد أجيبت كل شروطها وطلباتها وتجلس بقربها دالية مرتدية ثوباً يشبه ثوب العروس وتضع كذلك الزينة على وجهها .
نور وفاطمة منبهرات من جمال عزيزة وفتنتها وجاذبيتها ..
فاطمة : ما شاء الله المكياج والتسريحة شي روعة .
عزيزة لم تعجبها كلمة روعة بالذات لأنها بدأت تشك بنواياها ولكن ما أحزنها شيء آخر : يا ريت ملاك هنا كان ما خليت أحد يعمل مكياج زفافي غيرها .
نور بحزن : ااخ بس لو نقدر نطمن عليها ؛ الله أعلم عمها الخبيث وش ساوى لها .
دالية بسعادة : خالة عزيزة متى بنروح الكوشة
عزيزة بابتسامة : لما أبوك يحن علينا ويحضر .
دالية ابتعدت قليلاً ثم اتصلت مع ناصر وبغضب : بابا انت فين حنا من ساعة ناطرينك ؟
ناصر باستغراب : وليه تنطرين !
دالية : بابا اذا انت ما بتجي ما تصير الزفة ؛ يلا عجل تعال حنا ناطرينك .
ناصر بحزم : سمعيني زين يا دالية ؛ أنا ما أبغى زفة وان...
قاطعته دالية بغضب : لا والله ما أرضى ؛ الحين بتكون في الصالة وتنزف مع خالتي عزيزة وبتشوف رقصتي اللي تدربت عليها عشانك .
ناصر بحنان : انت تدربتي على رقصة عشاني !
دالية بفخر : أي يا بابا وعماتي رحمة وحنان ساعدوني بتعلمها ؛ الحين انت تعال وبتشوف .
ناصر رق قلبه لابنته المتحمسة لزواجه من عزيزة ؛ لا يزال حتى اللحظة يتذكر زواجه من شيماء التي كانت في قمة السعادة وهو كان غير راضي عنها فهو لم يرغب يوماً بزواج تقليدي وكيف حول سعادتها الى جحيم طوال فترة زواجهما وكيف كان يتحين كل فرصة لاظهار قهره وعدم سعادته معها وهي تتحمله بصمت ....
أبعد الذكريات الحزينة عن رأسه وتوجه الى منظمات الحفل للأعداد للزفة .
دخلت العروس أولاً بزفة هادئة جميلة ترافقها دالية وتمسك بيدها ؛ ثم جاءت زفة المعرس الصاخبة
يرافقه اخوانه وابناء عمومته ؛ رقصوا له قليلاً بفرحة صادقة ثم خرجوا وجاء دوره ليرفع الأكليل عن عزيزة ؛ لم يكن يرغب بذلك ولكنه مرغم وفق التقاليد المتبعة ؛ ما أن رفع الاكليل حتى أصابته صدمة فلم يتوقع أن تظهر عزيزة بهذه النعومة وهذا الجمال ؛ بلع ريقه واقترب منها هامساً هازئاً : سبحان الله فعلاً المكياج لا دين له .
نظرت له بحدة ولم تعلق بينما هو اتجه بنظره ليتابع رقصة دالية الرائعة والجميلة ودالية تتابع تفاعله معها هو وعزيزة بفخر وحماس .
من بعيد كانت هناك من تتابع ما يحصل بحقد وغل وقد أصرت على حضور الحفلة مع حنين وقلبها يشتغل بالغيرة والحسد والعزم على خطف ناصر من هذه السوقية المتخلفة .
بصعوبة أقنعت العمتان رحمة وحنان الصغيرة دالية بتمضية الليلة معهما ومع بناتهما وبوعود صارمة بأعادتها غداً الى قصر أبيها .
دخلت عزيزة القصر بعد أن ساد الصمت طوال الطريق بينهما ووجدت طابور الخادمات بانتظارها ؛ صعدت جناحها واستلقت على السرير بتعب واضح ؛ لم يكلمها أو يتبعها لجناحها فمهمته انتهت هنا ...
****
استيقظت صباحاً وتجهزت كأي عروسٍ في يوم صباحيتها تعطرت وتغندرت ولبست أبهى ثيابها ... صالت وجالت في قصرها كأميرةٍ متوجة .... الخادمات ينظرن لها بانبهار واحترام .... أشعلت المباخر بأرقى أنواع العود والبخور في كل زاوية من مملكتها .....أمرت باعداد أشهى الأصناف وأرسلتها الى غرفة العريس ناصر ومعها باقات الورد الزاهية .... ترقبت عودة دالية على أحر من الجمر ...احتضنتها بحب وحنان ... وسلمت بود واحترام على عماتها .... يشبهن ناصر في هيئته وهيبته .
نزل ناصر السلالم بكل ثقة والابتسامة تعلو وجهه وواضح عليه الراحة والسعادة ؛ أمالت عزيزة فمها باستهزاء ولم تخف حركتها على ناصر ولكنه تجاهلها وليرد الصاع لها صاعين عرفها بفخر على شقيقتيه : هذي الدكتورة حنان دكتوراة في الأدب المقارن وعضو مجمع اللغة العربية وعضو هيئة التدريس في الجامعة ..... وهذي الدكتورة رحمة دكتوراة في الادارة التربوية ومديرة المنطقة التعليمية الوسطى وفي بعد اختي الدكتورة أمل لكنها مسافرة مع زوجها لأمريكا وهي معها دكتوراة في هندسة الجينات وتتشارك مع زوجها في عمل أبحاث في أكبر المعاهد والمختبرات الأمريكية .
أنهى كلامه ثم نظر الى عزيزة بتحدي وهي بصراحة فاجأها المستوى التعليمي الراقي لأخواته ولكن لن يستفزها بأسلوبه المتعمد الجارح .
أعادت الترحيب بهن بحرارة وهي تقول مبتسمة : وأنا عزيزة ساقطة بالاعدادية ومعي دورة خياطة ونص دورة تجميل ؛ الله يسامحها ملاك تركتني بنص الدورة ....
علت الدهشة ملامح الشقيقات والصدمة ملامح ناصر من ثقتها وجرأتها ......
دالية بحماس أدارت الدي جي وهي تقول : البارحة ما شفتم رقصي زين الحين برقص وتصفقولي ... وبدأت بالرقص بفرحة وحماس والكل خاصةً ناصر منسجم معها وفرح لفرحتها وسعادتها ...
دالية سحبت عزيزة بقوة وهي تصرخ : يلااا خالتي عزيزة بترقصين معي .
لم تخيب عزيزة ظنها حتى انها نزعت كعبها العالي ورقصت معها رقصاً شعبياً خلاباً وشعرها الطويل يتطاير يمنةً ويسرى مع انبهار العمات وناصر يشعر بالحرج من جرأتها فهذه زوجته وعليها اظهار المزيد من الركازة والوقار ....
طبعاً عزيزة تعرفه جيداً وتقرأ أفكاره فكانت تحرك حاجبيها باستفزاز لأغاظته ..... " لسا ما شفت شي يا ناصر بيك ...القادم أجمل "
****
عادت فاطمة من الجامعه متعبة بل مرهقة لأنها اشتغلت في الصباح في مشغل أم عزمي لاعداد الفطائر ؛ تحمل هم رسومفقد اقترب موعد التسجيل ؛ ورسوم أخيها الذي انهى الثانوية بنجاح وبمعدل مرتفع ، سيحاول الحصول على بعثة للدراسة وان لم يتمكن ستتخلى بالتأكيد عن دراستها للأنفاق على أخيها ... ما أكثر الهموم وما أثقلها تشعر هذه الأيام بالضعف من كثرة حمولتها ....
أخواها الصغيران يتبارزان بالعصي امام حديقة بيتهم المستأجر المتهالك وسيارة فخمة ! كيف لم تلحظها ! تقف بباب الدار .. ربما بسبب شرودها ...
مؤكد هو أحد الدائنين سمع ببيعة الأرض وجاء يطالب بديونه .
دخلت البيت باضطراب لتقابلها أمها وفاطمة تلهث : ليكونوا الديانة بيفكروا حصتنا من بيعة الأرض ملايين !! تراها كم ألف بس وما يقضوا شيء
أمها تنظر لها باستغراب ؛ ومن خلف أمها كان يقف أخوها راشد وبصحبته شخص ؛ لم تعره انتباهاً لكن سرعان ماأعادت النظر مشدوهة !! النقيب فهد !! هذا وش يساوي ببيتنا !!
تلون وجهها بالشحوب وهي تتوقع الأسوأ .....
*****
دعتها الخادمة الى الحضور الى الصالة العلوية لأن الاستاذ ناصر يريدها بأمر مهم .
أكملت طلاء أظافر دالية على أقل من مهلها ثم تركتها بالغرفة واتجهت الى الصالة العائلية الأنيقة وهي تقريباً تتوسط الأجنحة الثلاثة ( جناح ناصر وجناح عزيزة وجناح دالية ) تشبه في تصميمها صدفة جميلة وتحيط بها أحواض كبيرة للاسماك من كل جانب وتتوزع مقاعدها على شكل محارات جميلة أما تحفها فهي لآلئ متناثرة بعشوائية جذابة وديكوراتها كانها نباتات بحرية متنوعة .
خاطبها ناصر بحدة : انت وينك الي ساعة بنطرك ؟
عزيزة بهدوء مستفز وهي تجلس : بجناحي وين بكون يعني .
ناصر بغضب : لما أناديك تجين بالحال سامعة .
عزيزة بنفس الهدوء : اذا بتم تصرخ وتعصب كذا ؛ أنا مو بس بتأخر ؛ انا ما أرد أصلاً ؛ المفروض يكون بيننا احترام متبادل .
ناصر بتأييد : وهذا مربط الفرس يا ست عزيزة ، انت الحين أمام الناس زوجة الاستاذ ناصر والمفروض تتعاملين على هذا الأساس .
عزيزة بصبر : وش تقصد ؟
ناصر : يعني المفروض تكونين راقية في كلماتك وحركاتك وكل شي تحسبينه بدقة حتى الابتسامة بحسابها مو تدبين ترقصين كأنك بحارة .
عزيزة بثقة : استاذ ناصر على قد ما تعاملني باحترام ببادلك الاحترام لكن اي اسلوب أشعر فيه بالاستفزاز لا تلومني واذا قصدك اني اتصنع والبس ثوب ما هو ثوبي فاسمحلي ما أقدر أنا باعتز بأصلي وتربيتي وبأخلاقي ..عن اذنك
قامت بغضب وشعورها بالنفور من هذا المتعالي والمتكبر يزداد ؛ ان لم يكن يراها بمستواه فلماذا تزوجها !! وان كان يظن أنه سيغير فيها شيء فهم مخطئ... هي من ستغير فيه الكثير ...
هو يلوم نفسه على الزواج من فتاة من بيئة شعبية أين كان عقله وتفكيره!!
شيماء كانت مثقفة ومتعلمة ومن أسرة راقية ؛ لكنه دأب على النفور منها وتحقيرها فقط لأن أهله وضعوه تحت الأمر الواقع وخطبوها دون مشاورته كان صغير السن وطيش الشباب يحكمه ؛ هددها ان حملت سيطلقها لا محالة ولم يكن يعلم ان تنبيهه متأخر وأنها تحمل طفلته الغالية ...
حرص على أن لا يتكرر الأمر وجعلها تعيش أسوأ خمسة سنواتٍ من عمرها ؛ كان بكل بساطة يتجاهلها ... حتى ضاقت بها الحياة وطلبت بكل بساطة منه الطلاق ؛ طبعاً وافق وركبت معه بالسيارة وهي تبكي بحرقة وهو يغني ويدندن غير آبهٍ بشيء ويتمايل بالسيارة كأنها ترقص على نغمات أغنيته وهي تنظر اليه ودموعها تسيل بصمت .. لا ينس تلك النظرة لأن بعدها كانت الفاجعة وارتطام السيارة بعد انزلاقها بحاجزٍ خرساني .. هو ودالية لم يصبهم شيء هي فقط من أصيبت اصابات بالغة .. سعى لاسعافها برعب وأمضت ثلاثة شهور في المشفى حتى اختارها الله لجواره ..
حاول ان يطلب رضاها ومسامحتها له على كل ما فعل ولا يدري هل هي سامحته أم لا ولكن في النهاية هو قرر وتعهد لها بمحاسبة نفسه وحرمانها من الزواج طوال عمره وهذا أقل ما يستحقه .
****
ام فيصل بحنان : علامك يا بنتي أشوفك أكثر الوقت ساكتة وسرحانة ! ماكنت كذا ! في شي مكدرك ؟
ملاك بابتسامة شاحبة : لا يا خالة تطمني ما بي الا العافية هو بس شوية ضيقة وتعب .
ام فيصل : تعالي اقربي الحين بقرأ عليك وباذن الله غير تتحسنين .
وضعت ملاك رأسها بقربها وأم فيصل تقرأ عليها الآيات الكريمة وهي لا أرادياً تتناثر دموعها ( ولأول مرة منذ عرفت بأن أمها على قيد الحياة ) كقطرات غيثٍ تحيي قلبها الذي تيبس من صدمات الحياة حتى تشقق وتصدع باطنه ومع كل صدمة جديدة تزداد شقوقه ونغزاته .
كل ما تريده الآن هو أن تنسى كل شيء ؛ ان تعيش حياة جديدة وتطوي كل ما فات ؛ لم يهتم بها أحد لا أب ولا أم ولا جد ولا جدة ولا أعمام ولااااا أحد بل هي كانت تمثل عبء عليهم !! حاولوا باخلاص التخلص منها بكل الطرق حتى انهم وصمها بكل الأخلاق القبيحة والصقوا التهم الجزاف بها دون تحقق أو تثبت ؛ سلبوها حقها في الانسانية والتعبير....
فلماذا اذاً تُحمِّل قلبها الهموم بسببهم!! الان هي لا تريدهم ولن تستسلم لتراكمات الأذى التي بنوها في جسدها المنهك ؛ ستعيد بناء ذاتها وحياتها بعيداً عنهم لن يشكلوا عقبة في صنعها مستقبل هي تستحقه ولن تتوانى عن محوهم من ذاكرتها بلا تردد أو تفكير ....
غفت في أحضان أم فيصل مبتسمة ولا زالت هناك دمعه معلقة في مقلتها تأبى الاستسلام والسقووووط...
*****
بلعت فاطمة ريقها بصعوبة ونظرت الى أمها بتسائل !!
أمها تجاهلتها ؛ ونظرت الى ابنها ثم الى فهد وودعته باسلوب راقي فهم بالنهاية عائلة راقية جار عليهم الزمن بسبب خسارة زوجها لتجارته مما أصابه بجلطة أدت الى وفاته وابتليت العائلة بخسارة كل ما تملك لسداد ما تقدر عليه من ديون ...
فهد أثناء خروجه نظر بغموض الى فاطمة المرتعبة وأكمل سيره مغادراً بسيارته الفخمة .
فاطمة بقلة صبر : هذا وش يبي!! وش يجيبه عندنا !!
أمها وهي تمسك بيدها بعيداً عن أخيها الذي عاد الى المجلس : فاطمة انت بتعرفين النقيب فهد من وين ؟
فاطمة : كان المسؤول عن فرقة الأبحاث في قسم المكافحة ؛ ليه تسألين !
أم راشد تنفست الصعداء وهي قد كانت تملكتها بعض الشكوك : كل ما في الأمر ان النقيب فهد اجا بيطلبك للزواج على سنة الله ورسوله ....
.
.
.
انتهى الفصل
رواية رحلة عذابي أنا 💘 الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم عشق جنوبي💞
الفصل : السابع والثلاثون
بعنوان #"الآن حصحص الحق "
فاطمة بقلة صبر : هذا وش يبي!! وش يجيبه عندنا !!
أمها وهي تمسك بيدها بعيداً عن أخيها الذي عاد الى المجلس : فاطمة انت بتعرفين النقيب فهد من وين ؟
فاطمة : كان المسؤول عن فرقة الأبحاث في قسم المكافحة ؛ ليه تسألين !
أم راشد تنفست الصعداء وهي قد كانت تملكتها بعض الشكوك : كل ما في الأمر ان النقيب فهد اجا بيطلبك للزواج على سنة الله ورسوله ....
فاطمة بغباء : مين يطلب ! ما فهمت ؟
امها تضربها على رأسها بخفة لتركز : الرجال يبغى يتزوجك ؛ علامك ما تستوعبين .
فاطمة ببلاهة : ما أصدق ! هذا كان ما يطيقني أبد ولو بأيده يطردني من أول يوم في البحث وكل ما يشوفني يا يتهدد او يتوعد ..... والحين بتقولين بيخطبني !
أم راشد بابتسامة : يجوز هذا كان بيمتحن اخلاقك او معدنك ؛ كثير هم الرجال اللي تعجبهم البنت الثقيلة اللي قد حالها وما ترضى بالدنية ..
فاطمة بتفكير عميق : يا ماما افهمي علي ؛ آخر مرة تكلمنا كان بهواش وانا رديت عليه وبصراحة عليت صوتي لأنه قام يلمح بالكلام عن وقفتي مع ولد أبو احمد أناوله الأوراق ......
وباستنتاج وقفت متأهبة وضربت كف بكف: هذا أكيد عرف أنا بنارث أرض وطمع بيها .
راشد ضربها على كتفها بعد ان سمع جملتها الأخيرة : اهنيك يا أمي على هالخلفة الغبية .....
فاطمة تمسح بكتفها : عوووذة تقول مهدة .
راشد بضحكة : الحين فهد ال.. جاي طمعان بقطعة الأرض اللي بنرثها مع خمسين واحد غيرنا ؛ مدري شلون اسمك على لوحة الشرف والله اظلموها .
فاطمة بعدم فهم : ليه يعني وش دراك انه ما هو بطمعان ؟
ام راشد بابتسامة : لان اهله من اغنى عائلات المدينة وأكثرهم عز واملاك فلا تخافي أكيد ما هو طمعان بأرضي .
راشد بتأييد : وفهد هذا كان لاعب مشهور لكنه اعتزل الرياضة لما عرف ان صديقه ورفيقه مات بجرعة مخدر وقرر ينظم لقسم المكافحة حتى يحمي الشباب من خطرها .
ام راشد : وانت شلون عرفت هذي المعلومات ؟
راشد : أنا الحين كلمت خويي بالمدرسة يكون ابن عمه وقالي كل شي عنه.
فاطمة منبهرة ومنصدمة ومتفاجئة وأفكارها تتداخل مع هواجسها ومخاوفها ؛ نظرت لها أمها مبتسمة وبحنان : ماما فكري بالموضوع بهدوء وبراحتك لا تستعجلين واللي تقتنعين به ترى كلنا بنأيدك ونساندك فيه.
****
معاذ ارجاك لازم تجي أمي حالها بالويل ، وكل شوي تقول أبي معاذ يجيني الحين "
معاذ بحزن : يا ثريا تدرين مالي نفس ارجع البلاد والا أمي لما كانت تتعالج بألمانيا كنت بزورها باستمرار
ثريا تجهش بالبكاء : الحين الوضع غير يا معاذ ؛؛ الحين أمي بتودع وتبيك يمها ....
معاذ بألم : اذكري الله ولا تفاولين عليها ، ثم أخذ نفس وقال بعد تفكير : بحاول أرجع خلال يومين ويعين الله ..
أنهت المكالمة واستمرت بالبكاء واذ بطلال يحيطها بذراعيه ويحظنها : تدرين يما أنا ما حأكون مثل خالي معاذ ؛ أنا ولا يمكن أهاجر واتركك لوحدك أبداً ..
ثريا بابتسامة ساخرة : اي صدقتك ! ولا كأنه أبوك وقَّف بطاقاتك حتى يجبرك تعاود البلاد وتكون تحت أمره
طلال بغبن : والله يما انه ظلم بعدني صغير وأبي أعيش حياتي والوالد الله يسامحه اربطني بالشغل والشركات وهو قاعد ومرتاح لا عنده ولا عند باله !
ثريا بحزن : اترك أبوك بحاله واسمع كلامه تراه يبغي مصلحتك .
ثم حملت حقيبتها قائلة : والحين قوم وصلني عند جدتك ؛ مالي قلب أتركها بروحها.
*****
عزيزة ودالية تتهامسان في بيت الجد وهذا يضايق ناصر الذي تنحنح ليلفت انتباه عزيزة .
ابو ناصر : يا هلا ورحب باللي طيحت الحطب من راس ولدي واقنعته يتزوج .
عزيزة بابتسامة : والمهلي يا عمي الله يطول عمرك بالطاعة .
زوجة ابو ناصر امراة عصرية وتهتم بنفسها كثيراً ، ابتسمت بدورها وقالت : اي ما شاء الله صدق ناصر صبر لكن الحمدلله نال .
بادلتها عزيزة الابتسام بينما دالية تهمس لها : شفتي يا خالة زوجة جدي ، ابوي ما يحبها لأنها اخذت مكان جدتي .
عزيزة بهمس : تطمني ما أحد ياخذ مكان جدتك المرحومة لكن ربنا اختار لها مكان أفضل .
عاد ناصر ليتنحنح للمشاغبتين ؛ نظرتا له بابتسامة وهو يشعر ان دالية كل يوم تصبح أكثر شبهاً بعزيزة .
ابو ناصر بجدية : ان شاء الله ربنا بيبارك لكم وتملون علينا البيت بالأحفاد وتعوضون علينا ما مر من السنين .
دالية بنفي : لا يا جدي بابا ما يبغى خالتي عزيزة تخلف حتى أظل الغالية على قلبه.
نظرت عزيزة الى ناصر باستغراب كيف يناقش هكذا أمر مع الطفلة.
هب الجد بغضب : لا ما هو على كيفه ؛ بيجيبلك اخوان ان شاء الله وتلاعبينهم وتديرين بالك عليهم .
دالية بتفكير : اذا بابا وخالتي عزيزة ما يحبونهم أكثر مني ما عندي مانع وبالمرة أعطيهم العابي القديمة واعلمهم الأدب .
نظرت لها عزيزة بحنان : وكيف بتعلمينهم الأدب يا مس دالية ؟
دالية بلؤم : آخذ العابي وامنعهم يلعبون بيها .
ضحك الجد وزوجته بينما ناصر مغتاظ لا يروق له الحديث ولكن آثر الصمت حتى لا يُغضب أبيه .
وعادت دالية تهمس لعزيزة وناصر يتمنى لو يعرف ما يدور بينهما ..
****
عامر يصلي ركعتين شكر لله بعد أن أخبره الطبيب ان العملية الأولية نجحت بحمد الله رغم صعوبتها ، وعليه البقاء بالجبصين ست شهور على الأقل ومتابعة علاج طبيعي خلال هذه المدة ، وما تبقى من عمليات فموعد بدءها بعد سنتين
المهم الآن رعايته بشكل دقيق ومستمر وتقليل صراخه وانفعالاته وحركته قدر الامكان .
ام عامر بحب : يا قلبي عليه من ثقل الجبصين ما يقدر يتحرك وهذا يضايقه من غير شي
عامر بحزن : انا بجيبله مربية تراقبه طوال الوقت..
ام عامر غضبت ووجهها احمر من الانفعال : تجيب مربية ! وانا وخواتك وين رحنا ! عادل ان ما شالته الأرض نشيله بعيوننا .
أمسك عامر برأسها واقترب منها يقبلها عليه بامتنان : الله لا يحرمني منك يا الغالية ؛ أدري مثقلين عليك ومتعبينك .
ام عامر تعاود الجلوس بقرب عادل النائم : غلبتك راحة يا ولدي ؛ أنا ما عندي أعز منك ومن ولدك .
وابتسمت وهي تقبل قدميه ثم بدأت بقراءة المعوذات ليحفظ الله حفيدها الغالي من كل شر .
*****
شخصية فهد بالنسبة لها غريبة فهو دائماً متجهم وجدي وقليلاً ما يبتسم ، ومتعود على الأوامر وسرعة تنفيذها
" هذا كيف بتتزوجه وتعيش معه !! لأنها هي أيضاً انفعالية وسريعة الغضب ، أكيد من أول اسبوع بيتذابحون ، ما لازم تستعجل لازم توزن الأمور بعقلها وتفكر زين "
هو رجال مقتدر وأكيد بيرفع عنها حمل مصاريف دراستها ؛ طيب واذا ما يبغاها تكمل ؟
ما هو بكيفه تشرط عليه بعقد الزواج ؛ الدراسة من حقها .
والمهر اللي بتطلبه تعطيه لأمها يشترون بيت صغير ويسدون شي من توالي الديون ومصاريف خوانها ومدارسهم ...ما تبغى تغالي بجهازها... اي بس كذا لازم تطلب مهر كبير ويجوز ما يرضى ! الا بيرضى وهذا حقها ... وأي فلوس بيعطيها بتدزها حق امها واخوانها ....
طيب انت بس تفكرين بالفلوس وما خطر ببالك كيف بتكون عيشتكم سوا يعني ممكن تحبينه ويدق له قلبك ... ثواني من التفكير .... أي أنا من قبل بس أشوفه بيدق له قلبي لكن ما هو من الحب ... من الرعب والخوف من هيبته وشخصيته.
لازم أشاور أحد ... لكن مين ؟؟ نووور لا ما أبغى الحين تقلي الحب والقلب ... يا ريتك يا ملاك قريبة ما ألاقي أحد يساعدني قدك ...ااااااه تنهدت بحسرة ؛ مالي غير عزيزة هذي حكيمة زمانها وعندها الجواب الصافي .
دقت رقم عزيزة التي كانت تجلس مع ناصر ودالية في صالة العائلة والتي اتفقت مع ناصر على الاجتماع كل ليلة بها حتى تشعر دالية بجو الأسرة والعائلة .
عزيزة بشوق : هلا بفطوم .. هلا بروح قلبي الغالية .
فاطمة بخجل : ان شاء الله ما أكون أزعجتك أو تكونين مشغولة .
عزيزة سعيدة باتصال فاطمة لتجد من تسامره فمنذ ساعة وهي تشعر بالغيظ لأن ناصر مشغول بأوراقه ولا يعيرها اهتماماً وبنبرة مقصودة : لا يا قلبي ما عندي أعز منك أنشغل بيه ولو عندي أهمله على شانك .
رفع ناصر رأسه وحاجبه من وراء نظارته وهو يستنكر كلامها واسلوبها وفاجئته بابتسامة وهي ترفع حاجبها أيضاً بعلامة تحدي .
عزيزة : أجاك عريس!! يا حياااتي.... بعدك صغيرة عالغثى والهم ؛ يقرب الك شي ؟
..... يا سلاااام هذا أكيد وقع في غرامك ما دام اشتغلتوا سوا ؛ هذا الحب اللي من أول نظرة .
عاد ناصر لينظر لها باستنكار كأنه يقول لها (ونحن بعد اشتغلنا سوى لكن ما وقعت بغرامك)
تجاهلته عزيزة وهي تستمع بانصات لفاطمة ....
..... يا عمري كل اللي تقولينه يثبت انه يحبك ودق البيوت من ابوابها أكبر دليل وانصحك تقبلين به ما دام مثل ما تقولين ولا تنسين الاستخارة .
.... لا تخافين اذا ما تحسين بمشاعر ناحيته هذا لانك بعد ما جلستي معه وكلمتيه ... الحب الحقيقي يجي مع العشرة .
أنهت المكالمة دون النظر ناحية ناصر لأن شعور الضيق داهمها ولم تعد ترغب في الجلوس مقابله .
كلمت دالية بحنان : حبيبتي دالية أبغى أنام وارتاح الحين
دالية المنسجمة باللعب على جهاز التاب ردت باستغراب : لسا بكير خلك سهرانة معنا
عزيزة بقصد : من باكر بعاود الدوام بالشركة ولازم أرتاح الليلة ..
قامت دون انتظار ردها وتوجهت لجناحها وشعور الضيق يتجاوز حدود قلبها .
ولا يدري ناصر لماذا كان يتابعها بنظره ؛ وللحظة شعر بأن هذا المشهد يتكرر في حياته (فهناك من كانت تقوم من جلوسها معه بنفس الضيق بسبب تعمد اهماله لها ) لكن تلك لا شيء يماثل مكانتها في حياته ولا مجال للمقارنة ..
******
بعد ان قبل يدي أمه ورأسها بشوق وخوف وهو قد عاد للبلاد بأسرع ما يمكن بعد ان أثارت ثريا الرعب في قلبه .. لا يريد أن تموت أمه دون أن يراها مع أنه عاهد نفسه ألا يعود الا ليدفن فيها ..
بادرته بالقول : ليه طولت برجعتك يا معاذ وانا كل ليلة أخاف أودع من غير ما أشوفك.
معاذ جلس على ركبتيه بقرب سريرها : بعد الشر عنك يا الغالية عساك من طويلين الأعمار .
ام معاذ بصدق : الموت ما هو شر يا ولدي .. الموت حق وكنت خايف أموت قبل أشوفك وابري ذمتي واسدد ديوني .
معاذ باستغراب : وانت عليك ديون لأحد !
ام معاذ بمرارة : الا ديون كثيرة وحمل ثقيل والحين دامك جيت لازم أوفي بيها وباسرع وقت .
معاذ بعدم فهم : ابشري يا الغالية واللي ما تقدرين على سداده انا رقبتي سدادة .
أم معاذ بألم : عساك بس تسامحني وترفع عني حمل عذاب الآخرة .
معاذ : وش تقصدين يا أمي ؟
ام معاذ : أبغاك باكر ضروري تجمعلي ابو قاسم وكل اولاده عندي .
معاذ نظر الى ثريا وكلاهما نظرا الى امهما باستغراب ؛ أم معاذ بتأكيد : من الحين كلم الجميع وأكد عليهم يحضرون ؛ وارجاك يا ولدي لا تسأل عن شي ؛ لما يجتمعون تفهم كل شي .
******
مكالمة ينتظرها على أحر من الجمر عندما ظهر اسم راشد على الشاشة ؛ رد بسرعة والموافقة التي ينتظرها جاءت والحمد لله ؛ عندما طالت الأيام دون رد اعتقد لوهلة بأنها سترفض ولكن الحمد لله فاطمة وافقت على الزواج به .
ابتسم بسعادة ونظر جهة العميد محمود وبحماس : باركلي يا أبو سيف قررت أخطب .
ترك العميد أشغاله وقام ناحيته مباركاً وهو يحتضنه ويتمنى له السعادة والتوفيق .
وبابتسامته المعهودة : ومين سعيدة الحظ ؛ بنت أحد نعرفه .
فهد : لا ما هي من معارفنا ؛ هي بنية داومت فترة بالقسم .
محمود بغمزة : أكيد هذي فاطمة ما غيرها .
فهد باستغراب : وشلون عرفت !
محمود بتفكير : كان واضح مشاعرك وغيرتك وانت بتتعامل معها ؛ وهذي كلها علامات الحب .
فهد بصدق : انا عجبني أخلاقها وعزة نفسها وعصاميتها وتدري بي ما احب البنات الدلوعات وكثيرات الغنج هذي اللي دخلت مخي وتناسب طباعي .
محمود بضحكة : دخلت مخك بس يا فهد ههههه!
فهد بتحدي : ودخلت قلبي بعد محمود بيك هههه
محمود بدعوة صادقة احتضنه مجدداً : الله يوفقك ويهنيك وتعيش ايام كلها سعادة ويرزقك ربنا الذرية الصالحة .
فهد بامتنان وأمل : اللهم آمين .
***
ناصر بمكتبه يعمل بارتياح .. كان يقلقه دوام عزيزة وأسعده أنها رتبت أمورها بحيث تجهز دالية أولاً وتصحبها بنفسها الى المدرسة وتسلم على معلماتها وتتعرف عليهن ثم تأتي للدوام ولكن ليس عنده بل بالمصنع ؛ أريح لرأسه ولفكره .
جاءته الضيفة التي ينتظرها حسب موعد مسبق .. روعة
يعجبه أناقتها ورقيها .. يا ليت عزيزة مثلها صحيح كملابس وهيئة عزيزة متميزة ولكن كسلوك وتصرفات تسقط في اول اختبارات الرقي .
روعة بنعومة : مبارك عليك الزواج استاذ ناصر .
ناصر : الله يبارك بيك أخت روعة .
روعة وهي تضحك : تبي الصدق كنت خايف انك تروح شهر عسل ويتأخر مشروعي هههههه.
ناصر بدبلوماسية : ولو بروح شهر عسل ولا يهمك بكلف من يقوم بالترتيبات كاملة ومثل ما تبغين .
روعة وهي تتظاهر بالخجل : مستحيل أحد يقوم بالترتيبات مثلك وبكفاءتك أكيد أستاذ ناصر .
ناصر يعجبه الاطراء : من لطفك وذوقك .
روعة بتمادي : ترى أنا ما أجامل ولا أحب المجاملة هذي حقيقة وكثر ما سمعت عن ابداعك ما هو مثل التجربة ..
ناصر وان كان مستغرباً من اسلوبها الا انه كان سعيد بمدحها اللا محدود ..
***
ملاك منذ الصباح وحتى المساء لم تهدأ ؛ تشعر باضطراب خفي وتعبها يزداد يوماً بعد يوم حتى آلام صدرها بدأت تزيد عليها .... الانغماس بالعمل ثم العمل هو الحل ففيه تجد القوة والعزيمة ويساعدها على تجنب التفكير والاضطراب ..
أم فيصل اليوم عندها ضيوف وأغلبهم رجال من اقربائها يجالسونها ويستمتعون بأحاديثها ... وهي طبعاً بقيت في غرفتها بعد أن جهزت كل لوازم الضيافة وبدأت بالقراءة في الكتب التي أحضرها لها رداد ؛ تقطع ملل الوقت وتشغلها عن الأفكار الموجعة .
دخلت عندها الخادمة لتخبرها بأن الدكتور فيصل يريدها ؛ خرجت بسرعة لتجده يجلس بهدوء في الصالة بعيداً عن ازعاج الضيوف .
ملاك باحترام لخال أمها : مساء الخير دكتور ؛ تامر بشي ؟
نظر لها فيصل وفضوله دفعه للسؤال : ملاك انت ليه ما عدت تتغطين مثل أول ؟
سؤاله متوقع لذلك أجابت بابتسامة تخفي ألمها : لأن الغطا بيصيبني بالاختناق ما عدت احتمله .
فيصل بتحذير : المهم تعلمين زوجك لاجل ما يزعل .
ردت بقلة حيلة : لما يعرف السبب أكيد ما يزعل .
كانت لا زالت تمسك الكتاب بيدها وهو كتاب لفيلسوف عالمي يصيغ نظرته للحياة من واقع الناس وتجاربهم..
سألها بفضول : انت بتحبين كتب الفلسفة ؟
ملاك بحماس : أحب القراءة بشكل عام بمختلف المواضيع واحب الفلسفة بشكل خاص .
فيصل باهتمام : ممتاز وأنا من صغري أحب القراءة وللحين متعلق بها .
ثم تشجع ليحدثها عن نفسه وأفكاره وأسفاره وتفضيله لبلاد الغرب في كثير من الأمور وخاصة حرية الفكر .
تستمع باهتمام ولأول مرة منذ وقت تشعر بالسعادة والراحة وانسجمت بأحاديثه الشيقة حتى قالت باندفاع : متطلباتك صعبة واتوقع بعد نظرتك هذي بتطبقها حتى على اللي بتتزوجها .
فيصل بابتسامة : والله ببالي واحدة لكن ما ابغى أستعجل الأمور .
ملاك بتشجيع : اذا مقتنع بيها خير البر عاجله .
قام فيصل ليحضر شيئاً من اوراقه وقال بسخرية : علاماتها للحين سيئة في مادتي وأكيد حاقدة علي .
لم يعجب ملاك الأمر وبخيبة : يعني كل الصفات والمواصفات وبالأخير اللي تبيها فاشلة بالدراسة !
فيصل بنفي واضح : بالعكس هي من المتفوقين لكن صار عندها ظروف وجت مكتبي تبي تبرر لكن ما استقبلتها وردت علي بهذي الرسالة .
ناول ملاك رسالة رغد وهي قرأتها بتمعن واعجاب .
بعد الانتهاء نظرت له مبتسمة : بتتسجلك سابقة بالتاريخ انك حبيت بنت من رسالة هجاء ههههههه.
فيصل بحماس : حطت كل غلها وحقدها بيها لكن اعجبني شعرها فيه جزالة واصالة .
ملاك بتقييم : مع اعتراضي على ارسالها هذي الرسالة وقلة العقل بيها لكن واضح ان البنية ذكية وجريئة واتمنالك تتم قصتك معها بالزواج الميمون .
فيصل بدعاء صادق : امين يا رب .
******
ام فهد مجرد ما سمعت ولدها يقول : قررت اتزوج حتى انتابتها حالة من الحماس والسعادة الغير محدودة ؛ اخيراً بيفرح قلبها بزواج بكرها هذا العنيد الذي جاهدت سنوات باقناعه بالزواج وعندما يئست خاصة بعد زواج اخيه الاصغر يفاجأها الآن ....
ام فهد بعد ان عرفت بكل التفاصيل منه حلفت وكلها حماس : والله ثم والله الا يكون زواجك بعد شهر من الحين وكل شي بتكفل بتجهيزه بروحي .
فهد بحرج : يما شهر قليل والعروس ما يمديها تجهز شي .
أم فهد بتصميم : ما عليك انا بجهز كل شي ومن باكر بزور اهل العروس وباتفق معهم ؛ لو تدري يا ولدي هالفرحة كم قعدت انتظرها .
مباشرة اتصلت بابي فهد وببناتها المتزوجات وفرحتها لا يماثلها فرحة ؛ ربما لو قراره بالزواج قبل سنواتٍ مضت لوضعت شروط ومواصفات محددة للعروس لكن الآن مجرد موافقته على الزواج هو اكبر امنياتها واختيار العروس مسؤولية على عاتقه وحده ولن تعترض على اختياره ..
*****
بصعوبة استطاع معاذ اقناع ابو قاسم بالقدوم للقاء امه التي تحتظر على فراش المرض وان كان لا يتوقع أي سبب ممكن لهذا الاجتماع الا أن هذه العجوز قد أصابها الخرف في آخر أيامها وقرر الحضور بصحبة ابو أحمد وابو طلال فقط .
جلسوا وأم معاذ تجول بعينيها المتعبة بينهم ثم تكلمت برجاء : ابو قاسم اذا بمون عليك أبغى الحين كل أولادك وأحفادك يحضرون ؛ الكلام اللي بقوله لازم الكل يحضره ويسمعه .
نظر ابو قاسم بامتعاظ الى معاذ الذي يشعر بالحرج ثم تناول هاتفه واتصل مع سلطان وأمره بالحضور هو ومن بقي من العائلة وكذلك بقصد أمره باحضار أم قاسم لأنه شعر بأهمية حضورها فهو لا يدري بما قد يخطر ببال هذه العجوز وبما قد تحاول الزام هذه العائلة به ؛ ربما شيء يتعلق بأملاكها ونصيب ثريا منها او ربما تريد تزويج معاذ بأحد من هذه العائلة ..
دقائق صعبة أمضتها أم معاذ بالاستغفار والذكر حتى حضر الجميع دون استثناء حتى ابو عبدالله أحضر جميع ابنائه وكذلك أولاد أبو أحمد ..
أم معاذ بصوت مرتعش بادرت بالكلام : اتمنى ما أحد يقاطعني لحين أخلص كلامي ؛ أدري به ثقيل وصعب لكن ما أبغى أموت الا بعد ما أقوله كامل وما يبقى برقبتي شي .
أبو قاسم : تكلمي يا أم معاذ تراك أشغلتينا !
أم معاذ وهي مستندة على الوسائد تكلمت : تدرون ان مالي بهالدنيا الا معاذ وثريا ربيتهم وهم كل دنيتي وما أشوف غيرهم وكثر الحب يعمي عن طريق الحق والصواب .
ثريا زوجتها سعود لانه رجال نشمي ومقتدر وله مكانه وحسبته مثل ولدي معاذ لكنه صدمني لما عرفت انه تزوج عليها .
ثريا زعلت عندي ونويت أطلقها منه؛ مع انها عندها ثلاث بنات وولد ؛ لكن تراجعت لما شفت تعلق ثريا بيه وان مرته الثانية عندها بنت .
وافقت ترجع ثريا لبيتها ؛ومن هنا تغير تفكيري وصممت أخليه يطلق الحرمة الجديدة وتحافظ بنتي على مكانتها ومركزها مهما كان الثمن ؛ صبرت كم سنة قلت يمكن يطلقها ويعتبرها نزوة لكن هالكلام ما صار وشفت ان الجديدة تكسب محبة الجميع وثقتهم عندها قررت أنفذ اللي ببالي ..
اشتريت مربية البنت وخليتها جاسوسة لي بكل صغيرة وكبيرة وهي كانت خبيثة وطماعة وتنفذ كل اللي ابيه ما يهمها حلال والا حرام وتساوي مكالمات وهمية وحركات تدّخل الشك بقلب سعود على مرته لكن كل هذا ما كان كافي حتى يطلقها وهو ما تعجبه حركات المربية وكذا مرة يطلب من مرته تستغني عنها وبالنهايه طردتها وهي شفقانة عليها ...
عندها خططت للمصيبة الكبيرة وانا عاميني الخوف على بنتي عن مخافة الله وساعدني ان مرت سعود طيبة وعلى نياتها .
استاجرنا شقة ومن هناك اتصلت بها المربية وهي تتظاهر بالألم واعطتها العنوان على انه بيتها الجديد وما أحد حولها يساعدها .
مرت سعود بطيبتها جتها بساع من غير ما تبلغ زوجها لانها تدري ما يسمحلها وباقي الخطة نجاحها كان بالغيب لكني استخدمت ذكائي وخبث هالمربية حتى ننجحها
( طبعاً خلال هذا الكلام والجميع ينصت بصدمة وثريا ترتعش وهي لا تصدق ما تسمع ومعاذ كأنه يفهم او لا يفهم أما آل ابو قاسم فلا شيء يوصف حالهم الا انتظارهم لما باتوا يتوقعونه )
أول ما حضرت مرت سعود تظاهرت المربية انها تحسنت وجابت لها عصير فيه حبة هلوسة جابتها من اخوها المتعاطي وبعد ما شربتها بدت تضحك وتهلوس وما تدري باللي يصير والمربية تدري بتأثير الحبة قامت جابت لها ملابس فاضحة والبستها اياها وهي تقول لها الحين يجي ابو طلال لازم تلبسين وتتشيكين ثم اتصلت من تلفون مرت سعود مع سلطان وقلدت صوتها وهي تتظاهر بالخوف انها وصديقتها كانن بالشارع ولحقهن شباب يعاكسوهن وتخبت بشقة صديقتها وما تثق بغيره ينقذهن منهم لانها تخاف من عصبية سعود يقتل أحد منهم ويروح بيها ؛ واخترت سلطان بالذات لانه شب صغير ومتهور ومتأكد تاخذه النخوة ويجي بدون تفكير وبنفس الوقت بعثت المربية رسالة لسعود وعرّفت عن نفسها بانها صديقة لمرته وانها الحين بتخونه مع شب وعطته عنوان الشقة .
سلطان حظر بالأول ولما دق الباب المربية اسندت الحرمة وهي تضحك ودارت لها المسجل وقالت لها هذا جوزك الحين جا قومي ارقصي وفرحي قلبه وهي من الهلوسة ما تدري غير تنفذ وقامت المربية فتحت الباب له وقالت وهي تبتسم : ام ملاك بتنطرك بذيك الغرفة ودخل مستعجل لكنه انصدم وبغى يطلع لكن لقى الباب مقفول بالمفتاح وقام يصرخ ويلعن ويشتم بأم ملاك اللي ترقص ولا على بالها وتغري بيه.
دقايق وابو طلال يدخل من باب الشقة المفتوح وعملت المربية روحها منصدمة وهي تصرخ : انا مالي ذنب مالي ذنب هي اللي جبرتني ارافقها ورمت عليه مفتاح الغرفة وقام فتح وشاف زوجته وأخوه وبهالوقت المربية هربت .
وباقي القصة كلكم تعرفونها وربنا شاهد ان ثريا لحد هاللحظة ما عندها خبر باللي حصل وهي برية من اللي ساويته ..
وانا الحين على فراش الموت أعترف بذنبي وأستغفر الله على عظمه واطلبكم الحل والسماح .
أبو قاسم وابناءه واحفاده في موقف لا يحسدون عليه ؛ الكل في صدمة وسعود جسمه يشتعل ويشعر بالحمى تسري به وهو يتذكر توسلات ام ملاك وصراخها المدوي بالبراءة لكن ما رضي يستمع لها وهو مفتكرها سكرانة لانه شايف قزايز المنكر بالشقة المشبوهة .
تملكه الغضب وتأهب ليهجم على هذه الفاسقة الشمطاء لولا أن ابو عبدالله وابو أحمد هجموا عليه ومنعوه وابو احمد يصرخ : اذكر الله يا سعود .
نظر سعود بحقد للعجوز بيدها المغذي وموصول بأنفها برابيش للتنفس .. هي بلا شك تلفظ انفاسها الأخيرة وبكل غل : الله لا يسامحك حطمتي حياتي وانا طول عمري أحسبك مثل أمي ؛ فرقتي بيني وبين أخوي وحولتي حياتي جحيم وجلس بصعوبة وهو ما عاد يقوى على الكلام ولا على الوقوف .
سلطان بعكسه جسمه وكانه قطعة من الجليد وذكرى الحادثة تطعنه كقطع مدببة من جبل جليدي تتهاوى عليه من كل حدب ..في النهاية هو كان أداة غبية لهدم أسرة ولاتهام امرأة عفيفة وشريفة بأقبح الاتهامات وأبشعها .
ابو قاسم يتمتم وهو يستعين بإبنه قاسم للقيام : انت الحين تريدين تبرين ذمتك وما تدرين ان عملتك ذي حطمت عايلتي وشتت أولادي واحفادي وحمّلتني ذنب مخلوقة بريئة ما أدري وين بلادها اليوم ؛طلعت من بيتي محقورة مفظوحة واسمها على فكرة منال ؛ هذي هي خصمك قدام رب العالمين هذي هي اللي بينتقم لها الجبار منك .
ام قاسم بحرقة : الله ينتقم منك ..
قاطعها أبو قاسم بحزم : ما أبغى ولا كلمة والحين الكل يمشي قدامي واللي عنده كلمة يقولها بمجلسي ..
خرج الجميع بذهول وسلطان أسند سعود الغير قادر على السير بقوة وهو يشد عضده وسعود لأول مرة يستند على يد اخيه بثقة وأمان ...
ثريا تجهش بالبكاء حتى تحول بكاؤها الى نوح غير مصدقة ما حصل وما فعلته أمها ومعاذ مكتفي بطأطأة رأسه بخجل وحرج من فعلة أمه الشنيعة .
أما هي فعادت للاستغفار والذكر حتى رأت معاذ يرفع رأسه عندها قالت بهدوء وانت بعد في شي بعترفلك بيه وأبغاك تسامحني ...!!!
***
اجتمعت العائلة في قصر الجد والحاضر يعلم الغائب بما حصل وبما فعلته أم ثريا بمنال .... وأن منال في آخر المطاف بريئة براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام .
سعود هو الأسوا حالاً اراد الانسحاب والعودة الى بيته ولكن ابو قاسم منعه فلا بد من وضع النقاط على الحروف .
أم قاسم تأكلها نيران الغضب فزوجها لم يعطها مجالاً لتنفس عن غضبها بوجه هذه العجوز الشمطاء وفي ذات الوقت تأكلها الحرقة والندم على ما فعلته بمنال ذلك اليوم لقد ضربتها واهانتها وطردتها امام الجميع دون رحمة وهي تحمل طفلتها الصغيرة بحضنها ..... اااه تلك الصغيرة قد نالت منها أيضاً كفايتها من الضرب والاهانة والتجريح .
عبدالرحمن بثقة يقول للشباب : انا صحيح كنت صغير لكن ربي شاهد اني ما صدقت كل شي انقال عنها .
أحمد بحرقة : اااخ لو بايدي أروح عالعجيز واخنقها بيدي لكن يقولون مصبحة ممسية .
النساء لسن أقل ندماً واستغفاراً ...
أم احمد : الله يغفرلنا والله كلنا صدقنا واتهمناها مع انها مصلية وتخاف ربنا .
أم عبدالله مصدومة لا تقول شيئ.
خالد يحادث عبدالله وعلي بحزن في طريق عودتهم للبيت وقد تركوا الكبار يناقشون الأمور برؤية : الظلم ظلمات ويا ريت بنتها كانت برية مثلها لكن شوف عيني .
قاطعه علي بحدة وهو لأول مرة يخرج عن صمته : وملاك بعد برية انت اللي كنت مخدر ونمت عندها وبليتها ..
عبدالله بعدم رضا : وهي وش دخّلها تنام باستراحة الشباب !!
علي بنفس الحدة : هي قالت لي ان جدتي طردتها من القصر وما لقت مكان غير الاستراحة نامت هناك وكلنا نعرف ان نومها عميق ما تصحى بالهين والا نسيت يوم الحريق يا خالد .
خالد بسخرية: هذا قالته لك برسايلها .
علي بعصبية وهو يجر خالد نحو جناحه بعد ان وصل بيتهم : انت انسان غبي ومتخلف والرسايل جت حجة من رب العالمين حتى أنقذها من الزواج منك ومن ظلمك وشكوكك .
خالد بعدم فهم : وش تقصد ؟
دخل علي جناحه وخرج بعد دقيقة وبإحدى يديه ورقة وباليد الثانية يسحب اسراء المندهشة وبحدة : اسراء بشهادة حق مو هذي هي الرسالة اللي ارسلتها لي ملاك ؟
نظرت اسراء الى الرسالة بتمعن ثم قالت : اي هذي هي الرسالة .
علي بحدة أيضاً : في رسايل غيرها يا اسراء ؟
اسراء : لا ما شفت بس هذي الرسالة .
علي ناول الرسالة لخالد وهو يقول : خذ واقرأ بنفسك ولعلمك هذي ما هي رسالة هذي ملاحظة بعثتها مع الخادمة ترجع العبايات اللي شريتها لها رحمة وشفقة على حالها اللي تصعب عالكافر لكن عزة نفسها خلتها ترفض الثياب وبأدب تنهرني أرسل لها شي في المستقبل .
خالد يقرأ الكلمات بتمعن "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..اشكرك على الهدية ....لكن لا استطيع قبولها مع بالغ تقديري ....علمتني الحياة ان احترامي لنفسي يبدأ بترفعها عن كل شيء وهذا كل ما املكه فلا أريد ان اخسره.....ملاك"
خالد القى الرسالة برجفة ومسك برقبة أخيه : وانت ليه ما فهَّمتني الموضوع من الأول ليه اوحيت لي انها فعلاً ما هي زينة وبتبعثلك رسايل ليه أخفيت الحقيقة .
علي بحزم : لانها وفرصة ولاحت ابعدها عنك وعن ظلمك وتجبرك وشكوكك ؛ انت عيَّشتها بعذاب ما يقل عن اللي ذاقته طول عمرها ولو تميت زواجك عليها بتذلها وتظلمها أكثر لن عمرك ما حبيتها ولا ....
قاطعه خالد بحرقة : ومين قالك اني ما حبيتها ؛ انت ظلمتني وظلمتها ؛ ما تدري مكانتها ومعزتها بقلبي واني كنت بنسى كل شي وافتح صفحة جديدة غصب عن العالم كله ..
روعة واسراء وصبا و...... رنا.... كن يستمعن لكلمات خالد الصاعقة ؛ رنا شعرت بالضيق والاحراج والغضب وهي ترى زوجها يصرِّح على مسمع من الجميع بحبه لفتاة أخرى وان كانت لا تعرفها ولكن كلامه كافي ليطعنها بكرامتها وكبريائها ... أسرعت بالعودة الى جناحها واغلقت بابها بقوة .
بينما خالد آثر الخروج من القصر وقلبه ينزف حزناً على ما كان وعلى ما فرَّط به.
******
أبو قاسم : سعود يا بوي
نظر سعود ناحية أبيه بوجهه الشاحب : سم يبا .
ابو قاسم : انت تدري منال وين بلادها ووش صار معها .
سعود بألم : يمكن من حوالي ثلاثتعش أو اربعتعش سنة كلمتني امها وخبرتني انها تزوجت عشان كذا رجعت بنتها عندنا .
ابو قاسم :والحين وينها أم منال؟
سعود : والله ما أدري لكن اتوقع بتكون بنفس بيتها الأولي .
ابو قاسم بتحقيق : وبنتك عندها .
سعود بثقة : أي عندها ؛ ابو عبدالله خبرني انه بعثها عندهم .
تنفس أبو قاسم براحة وهو قد ساوره شك للحظات بحال ابنة منال ولكن بحمد الله زال الشك الآن .
تكلم بحكمة : الحين عن طريق سعود نتواصل مع أم منال ونستسمح منها ومن بنتها منال ولها وتؤمر باللي تبيه من حقوق ؛ ونطلب نرجِّع بنتنا تعود وتتربى بين أهلها معززة مكرمة .
لحظتها سعود تذكر ابنة منال وغصة رافقت الذكرى هذه الطفلة التي حرمها حبه وحنانه طوال سنين عمرها بسبب تلك العجوز الشمطاء ؛ كرهها ونبذها لكن والله ما هو بيده ؛ الشيطان دخل عقله ووسوس له ان يمكن هذي ما هي بنته دام امها عاطلة ومشيها بطّال .... استغفر الله العظيم .
يذكر حرِّة قلبه لمَّا جدتها ارسلتها عليهم وهذي يمكن المرة الوحيدة اللي تمعن بيها ؛ كان بس يبي يشوف تشبه من ؟ لكن للأسف ما تشبه أحد من أهله ؛ لف وجهه وحلف ما عاد يناظرها خلها تتربى عند أمه وابوه ؛ ما يبغاها ولا يقدر يفضح عرضه ويساوي فحوصات نسب وغيره ؛ يكفي فعايل امها هي المخطية وتتحمل وزر بنتها .... رميت عرضي لحد ما دار الزمان وعرضي نفسه فضحني كانها عقوبة من الله لأني اهملتها وما أحسنت تربيتها وساوت اللي ساوته بنومتها بالاستراحة ..... ااااه يا وجع قلبي ويا حسرتي من وين والا من وين ألقاها .... شلون نفسي تقبل أقابل ثريا من الحين وان كان ما لها ذنب لكن ما عدت أحتمل أكثر ؛ طول عمري وانا حامل هم أمها وعلاجها ولفيت بيها البلاد أعالجها وبالآخر أكتشف انها سبب بلاي وكسر خاطري ... يا رب صبرك ؛ يا رب لا تحملني ذنب أحد ؛ أنا بعد ضحية ومغلوب على أمري وحالي ؛ يا رب نجني من الهم كما نجيت عبادك الصالحين ...
ودون شعور منه فاضت عيناه بالدموع ولم يقدر على وقفها أو وقف بكائه ونوحه في موقف مؤثر خشعت له كل العائلة حتى أبو قاسم ذرف دموع القهر وغيره يمسح ويكتم ومنهم كسلطان لم يحتمل قام مقهوراً ... عائلة تعيش آثار نكبةٍ ابتليت بها سنواتٍ طويلة.....
.
.
.
انتهى الفصل
رواية رحلة عذابي أنا 💘 الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم عشق جنوبي💞
الفصل الثامن والثلاثون
بعنوان# بعض الذكريات ألم… وبعضها ندم
يتأمل أمه وهي ما بين غيبوبة الموت والحياة ؛ تستيقظ دقائق ثم تغفو ؛ تعاود بعدها فتح عينيها معتقدةً انها في يومٍ جديد ؛ أيشفق على حالها أم يشفق على نفسه بعد ارثها المقيت البغيض ؛ كيف سيرفع وجهه بين الناس وبأي وسيلةٍ يمكن اقناعهم بأن يسامحوها ..
فتحت عينيها ونظرت له بشحوب : انت للحين صاحي ؟ تعال اقرب أبغاك بكلام ..
اقترب وجلس بقربها ، وهي وضعت يدها فوق يده بضعفٍ بالغ وبصوت أقرب للهمس : سامحني يا ولدي ..
معاذ سحب يده من تحت يدها ومسح بيديه وجهه المتعب : يما ادعي ربك أصحاب الحقوق يسامحونك ؛ أنا ما أقدم ولا بأخر .
ام معاذ : وانت بعد من أصحاب الحقوق ؛ وحقك بعد أقدم من حقهم بكثير .
معاذ باستغراب : وش تقصدين يما !
استندت ثريا على كلام أمها وهي قد استكانت قليلاً بعد كثرة الجوح والنواح .
أم معاذ : أنا يا ولدي قبل لأظلم سعود ومرته ظلمتك انت وشتت شمل بيتك وعايلتك .
معاذ يشد على أسنانه بغضب ويتماسك بصعوبة : فسري كلامك ولا تتعبين قلبي أكثر !
أم معاذ بشفاه مرتجفة : أنا اتهمت منيرة بالباطل حتى أفرق بينكم ..
معاذ ينظر لها بذهول ولا يدري ماذا يقول ..
أم معاذ : قتلك ما هي من ثوبنا ولا تناسبنا ؛ فقيرة وحقيرة ؛ لكن ما طاوعتني وتزوجتها غصب عني وابعدتك عني وامضيت سنة أعاني بعادك لحد ما خطر على بالي أصالحك واتظاهر اني وافقت على زواجك حتى ألاقي طريقة أفرقكم عن بعض ؛ عقبها استغليت سفرك ؛ وانها لحالها ببيتها قمت اتهمتها بالباطل وحلفت كذب اني شفت رجال يطلع من بيتها واني سألته وقال لي هذا بيت مشبوه والرجال دوم يجونه وتظاهرت باني مريضة ودخلت المشفى من الصدمة ؛ وانت طلقتها غيابي من الزعل وصدقت كلامي ؛ لكن الله جزاني انك قررت تهاجر وما عاد لك نفس تبقى بهذي البلاد .
ثريا تضرب على وجهها بقوة وتصرخ بألم : يا ويلنا من عذاب ربنا يا ويلنا ؛ وش ساويتي يا أمي وش سااااويتي .
ام معاذ عادت لتنام كأنها بغيبوبة من جديد .
معاذ بحرقة : أمك هدمت بيوتنا يا ثريا وعيشتنا بجحيم من سبايب فعايلها ؛ ما هو بس فرقتني عن منيرة لكن انزعت من قلبي كل حب للحياة وكل ثقة بالناس بيها .
بكى قليلاً ثم رفع رأسه بألم : ايش أساوي يا ربي ما بيدي شي ؛ هذي أمي وذنبها والله عظيم ...
أعادت أم معاذ فتح عينيها ونظرت بصعوبة تجاه ابنها : معاذ في شي اخفيته عنك .
معاذ بحنق : وش في بعد أكثر من اللي ساويتيه .
ام معاذ : منيرة كانت حامل وما ادري وش صار بحالها لأني طردتها وهددتها لما خبرتني .
معاذ فقد أعصابه وهز أمه بقوة : انت ما تخافين الله وش هالأجرام اللي عندك ...
هجمت عليه ثريا وأبعدته عن أمها بقوة وهي تصرخ : معاذ صلي على النبي ولا تفقد أعصابك يا أخوي ؛ وهو غير قادر على التمييز او التفكير ؛ ثم احتضنته وهي تبكي بحرقة وتحثه على الصبر وتمالك نفسه قدر الاستطاعة ...
معاذ أفلت يديه منها وأسرع بالخروج من الغرفة حتى لا يتهور بأي فعل ؛ فلا قدرة له على الاحتمال أكثر .
******
ناصر جالس على مكتبه يراجع بعض الأعمال ويستمع الى حوارات عزيزة ودالية في الصالة المجاورة ؛ في كل شيء وعن كل شيء ؛ مرة تتحدثان عن المدرسة ومرة عن المسلسلات ومرة عن الملابس وتعاود دالية الحديث عن صديقاتها ....
ومع انه يكره الازعاج ومعتاد على الهدوء الا أنه كان سعيد بأن دالية وجدت أخيراً من تمضي وقتها معه وتبوح له بكل مشاكلها وهمومها ومواقفها ؛ وهذا ما كان هو يستصعبه ولا يستطيع القيام به .
رسالة قادمة على هاتفه الجوال ؛ نظر لها باستغراب ؛ هذي روعة !! كيف ترسل رسائل بهذا الوقت المتأخر !!
روعة : مساء الخير
ناصر : مساء النور
روعة : آسف للازعاج في هذا الوقت المتأخر
ناصر بذوق : لا ما في ازعاج ؛ تفضلي أخت روعة
روعة : مصمم الديكور يبغى يبتدي بالمحل من الصباح الباكر وأرسل تصاميم ؛ بصراحة احترت بينهم ... ممكن تساعدني بالاختيار باعتبارك صاحب خبرة
ناصر : أوك ابعثيهم الحين بشوفهم .
بعثت روعة التصاميم وأمضت الليلة بالنقاش مع ناصر عنها وفي كل محادثة تحرص على مدحه والثناء على ذوقه ورقيه وخبرته وتميزه وووو...... حتى أُشبع غروره بحب المدح والثناء ......من روعة الاسم والصورة وكلماتٍ مبطنةٍ بالاغرااااء .
حتى أنه لم ينتبه لدالية عندما جاءت لتقول له تصبح على خير برفقة عزيزة التي لم يفتها انشغاله بالخليوي وابتسامته النادرة وعينيه اللامعتين ببريق الكبر والكبرياء .
بعد أن نامت دالية عادت عزيزة لتجلس في الصالة ومزيج الأفكار يتداخل في رأسها ؛ فهي ذكية ومصممة حتى اللحظة تلقين ناصر درساً لا ينساه أبداً ولكن على ما يبدو هناك من دخلت على خط العلاقة بينهم وواضح جداً نيتها وأهدافها ؛ لكن على مين !!.... بعدها ما عرفت من هي عزيزة !!
****
ليلة غريبة مرت على كثيرين ما بين ذهولٍ وألم وما بين تحليلٍ وبحث وما بين نوايا وعزائم لما هو قادم....
ابو طلال يدرك انه لا بد أن يبقى متماسكاً ولن يفكر حالياً في أمر ثريا .... الآن فقط عليه اصلاح بعض ما تهدم وأن يرد لمنال كرامتها وشرفها المغدور .
وابنته البعيدة عليه أرجاعها فلا يصلح أن تعيش بعيداً عنه وان كان في أخلاقها أو سلوكها اعوجاجاً فمن واجبه اصلاحه والأخذ بيدها كما يفعل مع هبة ؛ كلتاهما أخطأت وكلتاهما ابنتاه ويقر ويعترف بأنه يتحمل المسؤولية الأكبر لما حصل معهما ؛ هبة أفرط في تدليلها واعطاءها كل شيء بدون ضوابط وملاك أهملها ولم يراقبها بل بالأحرى لم يربها في كنفه وتحت ادارته وتوجيهه ؛ وواجبه كأب تدارك أخطائه وأن طال بها الزمن .
في الصباح هناك مراجعة مهمة لهبة في مصحة الإدمان وسيجرى لها فحوصات وتحليلات شاملة ؛ يدعو الله ان تطمئنه نتائجها عن توجه ابنته للتحسن والشفاء ؛ وفي قادم الأيام سيحل ما يقدر عليه من أخطاء راكمتها الأيام .
****
سأستعيدها وأعيدها الى ذمتي ولن يحول بيني وبين قراري شيء ؛ هذا ما أستقر عليه تفكير خالد " ملاك حبي الحقيقي ولم يخفق قلبي لسواها وأتمنى أن لا يحول بيننا شيء في المستقبل ؛ متأكد أن عمي أبو طلال سيرجعها الى بيته وعندها سيطلب منه أرجاعها الى ذمته ، مهما تطلب الأمر "
دخل جناحه وهو يتأمل أن تكون رنا نائمة ولكن كما توقع ؛ تجلس بانتظاره والغضب واضحٌ على ملامحها ؛ صحيح أمها نصحتها بالهدوء والتروي ولكن هي لا تدري كيف ستضبط أعصابها ...
تجاهلها بعد أن رد السلام ولم تجبه ومضى نحو غرفة النوم ؛ فاستوقفته بصوتها : ممكن تفهمني اللي سمعته اليوم !!
مين هذي اللي تحبها ولها مكانة ومعزة في قلبك !! وليه دامك تحبها تركتها وتزوجتني !!
عاد خالد وجلس مدركاً حق رنا بتوضيح : رنا ... ما أبغى أناقش اي شي الحين ؛ لكن من حقك تعرفين ان اللي كنت اتكلم عنها كانت زوجتي قبل ما أتزوجك وبعد هي بنت عمي.
رنا بصراخ : انت كنت متزوج ! وليه ما خبرتني !
خالد : أنا آسف اني خبيت عنك ؛ لأني بوقتها ما كنت أبغى أكمل معها وكان موضوع زواجي منها أمر واقع وانجبرت عليه .
رنا دفنت وجهها بيديها وتحاول جاهدة منع دموعها : خالد لا تلف وتدور بالكلام أنا سمعتك تقول انك تحبها...
خالد يحاول انهاء حواره معها فما بقلبه من الهم يكفيه : للأسف هذا اللي حصل ؛ تعلقت بها لأسباب كثيرة ومن ضمنها انت يا رنا ؛ من يوم زواجنا وانت تعتبريني مجرد بنك يأمن كل احتياجاتك وما حسيت في يوم بمشاعر صادقة تجاهي وكنت بمهارة تستغلي أي مناسبة حتى تطلبي المزيد .. المزيد .
قام وهو لا يريد المزيد من النقاش بينما هي بقيت مكانها تتحرق وقامت مسرعة نحو جناح روعة ؛ طرقت الباب ثم دخلت .
روعة كانت مشغولة بمراسلة ناصر وبرؤية رنا انهت المراسلة بامتعاظ ؛ ولكنها لن تشفي فضول رنا بتفاصيل جاءت تتحراها فهم بالنهاية أسرة تجيد وتحرص على كتم أسرارها ...
*****
جميلة تتأمل رغد المنهمكة بالدراسة والحفظ مما جعل رغد تغتاظ : يا مال الهبل وشك فيك مبحلقة بوجهي ما تكوني مضيعة شي بيه .
جميلة تشجعت لتتكلم وبابتسامة : الدكتور فيصل .
نظرت لها رغد بدهشة : الحين تدورين على الدكتور فيصل بوجهي ! لهالدرجة شايفتني بشعة !
جميلة ضحكت : هههههه لا مو قصدي ؛ بعدين الدكتور فيصل بشع ! حرام عليك كل هالوسامة والحلاة وما هي عاجبيتك!
امالت رغد فمها بامتعاظ : لعاد وش تقصدين يا ست جميلة.
جميلة بحماس : بصراحة بكل محاضرة كنت أشوف الدكتور فيصل يناظر جهتنا كثير ؛ وبيني وبينك انا قلبي صار يدق وقلت هذا الدكتور بعد ما زرته كذا مرة في مكتبه طاح بغرامي .
رغد باهتمام : كل هذا وانا ما أدري !
جميلة بأحباط واضح : لأنك غبية ومتخلفة .
رغد بعدم رضى : يا سلاااام يعني اذا ما أنتبهت لغرامياتك بكون غبية ومتخلفة .
جميلة صكت على اسنانها بضيق : أي غبية ؛ لأني بعد التمحيص والتدقيق ؛ لقيته ما هو شايفني ولا معبرني وكل نظراته عليك يا متخلفة .
رغد ضربت الدوسية على رأس جميلة بغضب : هههههه والله ان كثر الدراسة اهبلتك ! أقول فارقيني الحين والا قسم أقوم أتوطى ببطنك قدام خلق الله .
قامت جميلة بخوف من تهديد رغد : والله مجنونة وتساوينها ؛ وعلى كل حال ان صار ما صار أنا أول المعزومين ..
وأسرعت تركض مبتعدة قبل ان تقوم رغد لتدركها وتضربها ورغد تصرخ وراها : الله يعافينا هالبنت كل ما تكبر تنهبل بزيادة ....
ردت جميلة وهي تغمز لها : بروح للدكتور فيصل يعطيني علاج للهبل ههههههه.
جلست رغد بغضب وهي تتحلف بالعقوبة لجميلة : أنا ما أدري وش بلاني بصحبة هالخبلة ؛ ما ناقصني غير فصيل ؛ أي أنا أعد بالساعات على نار حتى أخلص منه ومن مادته .
****
عاد الى بيت أمه والى غرفتها بعد ان امضى الليل هائماً على وجهه ؛ الممرضة تغير لها الجلوكوز وثريا نائمة من كثرة التعب ؛ فتحت عينيها بتعب وابتسمت له ؛ لم يستطع ان يبتسم لها فما فعلته كبير وعظيم ولا يغتفر ؛ قالت بحنان بالغ : يما باشتاقلك كثير واوصيك تسامحني وتحاول تخلي كل من ظلمته يسامحني وان طال الزمن ؛ ثم نظرت الى ثريا بحب بالغ ؛ وحاول تقنع سعود يسامحها هي ما لها ذنب .
بصعوبة أخذت نفس رغم الاكسجين وأكملت : يما تركت وصية عند المحامي وربنا يطول بعمرك وتنفذها .....
تمتمت وسكتت ثم تمتمت ولحظات ثم فارقت الحياة ..
في لحظات الموت ... يموت كل شيء ويذوب .. الحقد .. والكره والعتب واللوم .. لا مكان الا للرضى بالقضاء والقدر .. والاحتكام للواحد الجبار .. عيناها تتبع روحها ... أسبل عينيها بألم وجلس بقربها يقرأ من آيات الذكر والدعاء بالرحمة فهي أمه وان أجرمت ... هي أمه وإن طغت وتجبرت ... هي أمه من سيواريها الثرى بعد قليل ..
****
تجلس باضطراب بعد أن اعلمها راشد بزيارة والدة فهد لهم ؛ من جهة فإن شبح ما حصل مع نور يسيطر على تفكيرها ؛ ومن جهة اخرى تخاف من عاقبة قرارها بالزواج لأسباب مادية بحتة ؛ دائماً ماكانت تحلم بفارس أحلامها انسان عصامي مثلها يشقى لتأمين لقمة العيش ويعمل ليل نهار لتأمين متطلبات الحياة تلقاه صدفة في محطة باص او على بسطة يبيعها اكسسوار او كتاب وتجادله طويلاً بالثمن حتى يبادرها بابتسامة قائلاً : خلص تمونين باللي تبيه... وهي تبادله الابتسامة ... وتتقصد كل يوم المرور ببسطته لتشتري شيئاً ليأتي اليوم الذي يطرق باب بيتها يطلب القرب والزواج .... هكذا كانت تحلم والواقع الصادم الآن شاب مترف ويملؤه الكبر والغرور .. عاملها بتعالي وازدراء منذ أول لقاء بينهما .... متأكدة من وجود سر لا تعلمه ...
قاطع أفكارها صوت جرس الباب وأخيها الصغير يفتحه بسرعة ؛ وصوت أمها تهلي وترحب ؛ دقائق وتحضر أمها تدعوها لمقابلة أم فهد ؛ سارت بتوتر وردت السلام .
أم فهد بابتسامة : وعليكم السلام ورحمة الله ... يا هلا بالقمر
فاطمة بخجل : تسلمي يا خالة .
سالتها بمودة عن حالها وعن دراستها ولم يفتها معرفة كيف قابلها فهد ... ثم عادت الى الحديث مع ام راشد والاتفاق على التفاصيل ....
تجمد الدم بعروقها وهي تسمع ام فهد تتكلم ؛ استأذنت وخرجت حتى لا تستعجل وترد عليها بانفعال ؛ تريد اتمام الزواج خلال شهر .. مستحيل ان يحصل هذا ... لا يمكن تجهيز كل شيء بهذه الفترة القصيرة حتى لو تعهدت أم فهد بتذليل كل العقبات .
عادت أمها لتناديها ؛ ام فهد تريدها ..
ام فهد : اذا عندك اي طلبات او شروط خبريني يا بنيتي ؟
فاطمة بحياء : خالة أنا أهم شي عندي أكمل دراستي وما أنحرم منها.
ام فهد بتأييد : وهذا الكلام الصح ؛ انا بناتي كلهم متعلمات وعمره المال ما يغني عن الشهادة والعلم ؛ وبعد وش تبين .
أرادت فاطمة الحديث عن المهر ولكن لم تستطع حياءً وذوقاً فلا يجب أن تظهر بمظهر البنت المادية المستغلة أمام لطف ورقي أم فهد ؛ ستترك مناقشة هذا الامر لراشد والا لو تركت الأمر لأمها فلن تطلب شيئاً .
اكتفت بالابتسامة وشعور بالراحة غمرها بعد تعرفها بأم فهد فهي والحمد لله ليست مثل أم اسلام وهذا يسعدها ويعطيها أمل بزواجٍ مستقر بإذن الله .
****
في مجلس العزاء ؛ الحضور كثيرٌ غفير لكن لا حضور لآل أبو قاسم فلا احد يرغب بالحضور حتى النساء لا يرغبن بمواساة أم طلال ...
أم جاسر تساءلت مرات ومرات لكن لم تجد اجابة شافية من هناء او هديل زوجات ابنائها وحتى أم فهد سألتها ولم يتمكن أحد من معرفة الا وجود خلافات وأرجع البعض الأمر الى زواج عبدالله على هبة ابنة ثريا فهذا امر اصبح الكل على علم ودراية به.
تفاجأ معاذ بحضور أبي طلال مع طلال للعزاء وان لم يمكث طويلاً ولكن لا شك أن هذا أسكت بعض التساؤلات ...
ابو طلال لا يرغب بالحضور ولكن معاذ رجل فاضل ولا يجوز أن يضع بناته في موقف محرج أمام ازواجهن وعائلاتهم فحضوره واجب لا أكثر ؛ حتى طلال فاجأه بموقفه ورفضه الحضور وبصعوبة أقنعه رغم تعلقه السابق الشديد بجدته وعند اعترافها بالحقيقة كان حاضراً ولم ينتبه له أحد ؛ واستمع لكل شيء وخرج دون أي ردة فعل حتى لحظة دعاه والده الى حضور العزاء رد بغضب رافضاً الذهاب ولولا اصرار أبيه ما حضر ....
وتم تأجيل عقد زواج فهد لمدة اسبوع مراعاة من فهد لاولاد أعمامه جاسر وياسر بسبب وفاة جدة زوجاتهما ..
******
أبو طلال في مجلس والده يشعر بالحيرة وبعض القلق والاضطراب ...
أم قاسم : البيت مهجور يعني ما به أحد !
ابو طلال بضيق : بيه سكان ومن الجيران فهمت أن أم منال تركت الحي بعد زواج بنتها ؛ وما احد يدري وين بلادها لن هي أصلاً غريبة سكنت هي وزوجها وما احد يعرفهم .
ابو أحمد باستغراب : وابو منال الله يرحمه ما تدري وين أهله وناسه .
ابو طلال يعدل جلسته بضيق : اي رحت قريته وطلع يتيم وماله احد يدرون به من سنين طويلة ولا يعرفون زوجته او اهلها ؟
عبد الرحمن بغضب : وانت يا عمي الله يهداك تتزوج واحدة وما تعرف من أهلها وناسها .
نظر له أبو أحمد بنظرة أسكتته .
أبو قاسم : اللي مخوفني اذا ام منال من زوجت بنتها تركت الحي شلون عثرت بنت منال عليها ؟
أم قاسم : أكيد بينهم تواصل والا شلون بتدل عنوانها .
ابو قاسم يحرك عصاه بتوتر رافقه دخول أبو عبدالله ورده السلام .
أبو طلال سأله بسرعة : يا ابو عبدالله ؛ الحين لما بعثت بنت منال لجدتها وين كان عنوانها .
أبو عبدالله بتفكير : والله ما اعرف يا خوي ... أكيد ام عبدالله تدري لأنها هي اللي بعثتها .
أبو قاسم بقلة صبر : وام عبدالله معك الحين .
ابو عبدالله : اي راحت تسلم عالحريم .
ابو قاسم بضيق : روح جيبها الحين .
لحظات وأم عبدالله تقف بارتباك أمام الجميع وابو قاسم يستجوبها : انت لمن أرسلت بنت منال ذيك السنة !
ام عبدالله : ارسلتها لجدتها ام منال ؛ هي البنية طلبت بنفسها .
ابو قاسم : وانت شلون عرفتي بيتها .
أم عبدالله : أنا ما أدل بيتها بس هي البنت قالت لي بتدل وسألتها كذا مرة وأكدت لي انها بتدل .
ابو قاسم زاد توتره : انت رحتي معها ! وصلتيها لجدتها وسلمتيها باليد ؟
ام عبدالله تبلع ريقها بصعوبة وقد أصابها الحرج : لا يا عمي أنا بعثتها مع السواق وبس رجع تأكدت منه انه اوصلها لبيت جدتها .
ابو قاسم بغضب : ووينه هذا السواق وكاد تغير من ذاك الوقت !
ام عبدالله : السواق بعده موجود لأننا نثق بيه وابو عبدالله ما يستغني عنه .
ونظرت الى زوجها ليؤيد كلامها بعد الحرج الذي صابها
أبو عبدالله بتأكيد : اي يبا هذا غازي تعرفه رجال آدمي وطول عمره عندنا ويقضي حوايجنا .
أبو قاسم بنفس نبرة الغضب : كلمه الحين واسأله عن العنوان وان شاء الله ما يكون نسيه .
ابو عبدالله بطاعة سارع للاتصال مع السائق وبعد حوار مطول واعادة تفكير عدة مرات ... تذكر السائق الحدث وتذكر العنوان لأن ملاك في ذلك اليوم أتعبته بكثرة الدوران لانها نسيت مكان بيت جدتها .
ابو عبدالله براحة : يبا العنوان هو .......
الكل شعر بالراحة ما عدا أبو قاسم الذي نظر جهة أبو طلال ليرى ردة فعله وللأسف وجد ابنه وقد اسود وجهه وبان عليه الارتباك والضيق .
ابو قاسم بصوت مهزوز : وش في عندك يا سعود ؛ هذا العنوان تعرفه ؟
ابو طلال بقلق بالغ : هذا العنوان اللي رحته اليوم وقتلك عنه .
ابو قاسم بصراخ على أبو عبدالله : عطني الحين السايق أكلمه بنفسي ؛ لا بارك الله بك ولا بمرتك ولا بأخوك سعود ولا بقلة العقل والفهم عندكم.
ابو عبد الله بدون نقاش ضرب رقم السائق وناول الهاتف لأبيه ؛ دقائق من المحاورة امام صمت وقلق الجميع ؛ أعقبها رمي ابو قاسم الهاتف بقوة وهو يصرخ : السايق راميها عالباب وماشي ؛ الله لا يكثر خيره وخيركم ؛ الله يسود وجوهكم كثر ما هي سودة ؛ يا قليلين النوماس ؛ اللي صار ذا له أربع سنين ... من أربع سنين في أحد منكم يدري شي عن البنت واراضيها ؟
جال نظره بين الوجوه وأمل أخير بقلبه أن يعرف أحد عنها شيء ... لكن لا مجيب .
ابو طلال حالته صعيبة والخوف تملكه حد الجنون ؛ وأمسى عاجزاً عن التفكير والتعبير .
أبو قاسم يحاول التماسك بعد ان ناولته ام قاسم حبة الضغط وقال بحزم : ام قاسم أبيك الحين تجمعين كل الحريم وتحققي منهن اذا أحد يتواصل مع البنية أو يدري عنها شي ... قومي الحين .
ثم أمسك عصاه وأشر على ابو أحمد : وانت قم اتصل بكل الشباب واستفسر منهم وابيهم كلهم الحين قدامي .
ثم أعاد النظر نحو أبو طلال وبزجر : وانت قم وكلم كل جيران ام منال اذا أحد يدري وين ديارها او البنية اذا جتهم او عندهم .
واستمر بهز عصاه والكل في حالة خوف وترقب وقلق لا يستهان به.
ساعات ثقيلة ... النساء لا يعرفن شيء وكذلك ابو طلال سأل جميع الجيران واغلبهم لا يعرفون ام منال أصلاً ومن يعرفها لا يعلم شيئاً عن حفيدتها ولا عن مكانها .
الشباب في ذهول أكثر ؛ فلا أحد يعلم شيء وابو قاسم يأكله الندم لأنه عارض زواج عبدالرحمن منها فلربما كانت الآن تحت كنفه ورعايته بأمنٍ وأمان .... اللهم أجرنا مما تعلم ولا نعلم به يا الله .
آخر الواصلين خالد وبصيص الأمل الوحيد المتبقي ؛ علي كان أخبره بالتطورات على الهاتف وجاء مسرعاً وقد تملكه الخوف والقلق ؛ الجد يسأل وهو يجيب بلا .... فبعد أن طلقها ما عاد يدري عنها شيء ولا يربطه بها شيء سوى قلادتها ...
أبو طلال شد يده وهو يتذكر : اوراقها الثبوتية اللي ارسلتها لك بعدها عندك !
خالد بغصة : الحين بروح أشوف .
عاد بعد وقت قصير وهو بحمل نفس الكيس الذي أعطاه اياه ابو طلال وباستغراب : كان فيه هوية وشهادة ميلاد وما لقيتهن يمكن ملاك خذتهن لما سجلت بالثانوية !
تفقد ابو قاسم وأبو طلال الاوراق ولكن لا فائدة ترجى وكلها لا تضيف معلومات تدلهم على مكانها .
زاد الضيق والارتباك والكل يحوقل ويستغفر حتى تكلم خالد بتذكر : أنا عندي احتمال أني اقدر اوصل لأم ملاك لكن ما ني متأكد ؛ يجوز انه مجرد شبه .
ابو قاسم : شلون يعني فهمنا يا ولدي ؟
خالد : شفت مع ملاك صورة لأمها وهي تشبه زوجة صديق لي بفرنسا وعندي امل كبير انها هي .
أبو قاسم بدعاء صادق : يا رب تكون هي ؛ ما تقدر تكلمهم الحين وتسأل ؟
خالد اراد الاتصال بسرعة ولكن خطر على باله شي : الحين شلون بكلمها واستفسر منها والا اصدمها واذا جوزها بيدري بقصتها او اذا عندها بنت .. ما نبي نخرب بيت الحرمة .
ابو طلال باندفاع : أروح انا وياك صوبهم واسألها عن كل شي .
الفكرة لم ترق أبو قاسم الذي رد بحسم : ابو طلال ما ينفع يروح .. الحين بساعة الحال تروح تحجز يا خالد وتقابل الحرمة وان شاء الله تكون هي منال وتكون تدري بمكان بنتها .
خالد بتفكير : لعاد يا جدي لازم آخذ أمي معي ؛ منها حجة اني بعرفها بمرت صديقي ومنها نكتشف كل شي .
وافق الجد وراقت الفكرة للجميع واقرب طائرة ممكنة في صباح الغد ..... الدعاء يرافق رحلتهم بالتوفيق والسداد وبالأخبار الطيبة .....
وعيون لن يهنئ لها نوم على الأكيد حتى يصلهم خبر يطمئن الأفئدة والضمائر النادمة على كثير الكثييييير .
****
أم فيصل عندها ضيفة من أهل زوجها ذات قدر ومكانة ؛ وبالغت ام فيصل بتقديرها ومعها ابنتها التي تحمل حفيدتها الرضيعة بيديها ؛ ملاك تحب الصغار كثيراً ؛ أخذت الطفلة تحملها بيديها وتلاعبها .. وواضح عليها النعاس .
المرأة باستغراب تهمس لأم فيصل وهي تشير الى ملاك : سبحان الله وش تشبه شيخة مرت عبدالقادر الله يرحمهم جميع .
ام فيصل : تعيشي وتترحمي يا ام حامد والله انك صادقة ؛ حتى أحياناً بالعقل والتصرفات والحركات تقول ان هي قدام عينك .
ام حامد : والله يا أم فيصل لو أني بمكانك لأقص عنها لجد الجد وكاد في قرابة وانتم ما تدرون .
ام فيصل بتأييد : وهذا اللي بيصير ان شاء الله ؛ اتوقع الا في رحم بينهم وهذي بنية صغيرة ما تدري بكل اصولها وناسها .
الصغيرة بعد ان أعادتها ملاك لأمها عادت للبكاء وبشدة .
وامها تضحك : هذي المفعوصة شافت الزين قالت وش أبغى بأمي هههههه.
ملاك بخجل : كأنها فيها نعسة عطيني اياها بنيمها بحضني .
تناولت ملاك الطفلة بسعادة وأخذت تهدهد لها بلا شعور بكلمات محفورة في أعماق ذاكرتها وانسابت على لسانها كتهويدة بصوتها الشجي الجميل ..
ام حامد وأم فيصل كلاهما نظر لها باستغراب ودهشة ؛ وام حامد هبت بصوت حماسي ايقظ الطفلة التي شارفت على النوم : لااااا لهنا وكافي ؛ اقسم بالله هذي البنية من ذرية شيخة الله يرحمها ؛ وأكملت وهي تشد قذلة شعرها ؛ وعساني اعدم هالقذلة اذا أني غلطانة !!
هزت ام فيصل راسها بتأييد فهذه التهويدة مشهورة عن جدة فيصل ومتوارثة عنها وهذا ما لا شك أو احتمال فيه .
نظرت لها ملاك بابتسامة وهي تخفي اضطرابها وتدعي ربها أن تمضي هذه الليلة على خير .
****
على تواصل واتصال مع الجميع وصل خالد وأمه الى باريس وبعد وضع حقائبهما في بيته توجه مباشرة الى منزل صديقه أبو محمد لأنه أخذ معه موعد مسبق بحضور امه ورغبتها بالتعرف على أم محمد ...
اكثر أبو محمد الرجل الوقور بالترحيب والتأهيل بخالد وأمه وترافقه زوجته التي ما أن رأت ام عبدالله حتى تغير لونها وبدا عليها الضيق ؛ اقتربت منها ام عبدالله وعرفتها رغم مرور السنين ؛ سارعت باحتضانها وهي تهمس لها : كيفك يا منال والله الك وحشة .
لم تجب منال ؛ لو كانت تعرف ان الزائرة من هذه العائلة الظالمة لما استقبلتها وتلوم غباءها لأنها لم تتمعن من قبل ب خالد او تنتبه لإسمه ..... لكن الآن لا مجال للوّم ولا يليق أمام زوجها اي تصرف .
اصطحبتها الى المجلس وجلست أمامها بدون أي كلام ...ما حصل لا يمكن أن تمحيه السنين ... صحيح ام عبدالله لا ذنب لها بشيء ولكنها لا تنسى وقوفها ضدها وطردها لها مع البقية دون رحمة او شفقة .
ام عبدالله بصدق : حنا ما استدلينا عليك الا عن طريق خالد من يومين بس .
منال بضيق : ايش تريدون مني بعد ما كفاكم اللي صار بي من سببكم .
أم عبدالله شرحت لها بالتفصيل ما حصل خلال الاسبوع الماضي والحقائق اللي انكشفت وان الجميع يشعر بالندم على ظلمهم لها وانهم مستعدين يعوضوها هي وأمها بكل ما تطلب المهم تسامحهم فهم بالنهاية ضحية مثلها .
منال بلا أرادة منها أجهشت بالبكاء وشكرت الله الذي أظهر براءتها في الدنيا ...وقالت وهي تبكي : هذا الكلام لازم تسمعه أمي بآذانها مع اني أدري انها ما تصدق علي دنية لكن ما كان في اي دليل يثبت براءتي قدامها مع هروب المربية الخبيثة الله لا يسامحها .
ام عبدالله بحنان : وأمك وينها الحين ؛ والله عمي أبو قاسم وكل رجال العيلة مستعدين يجلسوا قدامها مجلس حقوق ولها اللي تبيه .
منال بألم : أمي بعد ما تزوجت رجعت تسكن عند اخوالي بشرق البلاد وحتى قليل ما تكلمني الا عشان تسأل عن اولادي وتطمن عنهم وتكلمهم .
ام عبدالله بحرص وقد وصلت الى مربط الحديث : هذا يجوز لان ملاك مشغلة وقتها وحياتها .
منال نظرت لها بعدم فهم : وش تقصدين ؛ ما فهمت عليك ؛ أمي ما تطيق لا ملاك ولا أهلها .
ام عبدالله بلعت ريقها باضطراب وهي تسأل : ملاك الحين ما هي عند أمك !
منال بتوتر : علامك يا ام عبدالله مأنت بصاحية ؛ ملاك بعثتها أمي لأبوها من وقت ما تزوجت !
ام عبدالله تغمض عينيها وهي تلوم نفسها فهي من تركتها تذهب وهي تدعو عليها بحقد : من أربع سنين ملاك اتركتنا ونيتها تروح عند امك ؟؟
منال بغضب : انت وش تقولين ؛ أمي ما شافت منال ولا تدري عنها من سلمتها لكم .
دارت في مكانها باضطراب وهي تقول : من اسبوع اقول لأمي .. يما أبعثي احد يسأل لنا عن اخبار ملاك وهي تقول ما اطيقها ولا أطيق أهلها ..هي ملاك لو بها خير تطلب تزور جدتها .... وانت تقولين من اربع سنين ما تدرون عنها .
وقفت ثواني ثم هجمت على ام عبدالله بهستيريا وصراخ بدون وعي : وين بنتي !! وش ساويتم بها !! لتكون ذبحتوها وتكذبون !! وييييييين ملااااك يا ام عبدالله وينهاااااا ملااااااك !!
قفز ابو محمد يتبعه خالد على صراخ منال وتفاجأوا بمنظر منال وهي تشد بذراعي ام عبدالله بعنف وتصرخ ؛ وبصعوبة استطاعا ابعادها عنها ؛ وابو محمد لا يفهم ويشعر بالخجل من تصرف زوجته ؛ مسكت منال بثوبه بصراخ واضطراب : بنتي ضيعوها ..... ذبحوها ...... بنتي راحت .... بنتي راحت .
خالد تجمد مكانه وبصعوبة رفع يديه ليضغط بهما على رأسه الذي يكاد ينفجر وصراخ منال يتعالى على زوجها : الحين ودني البلاد ... ابي بنتي ... أترجاك يا ابو محمد .... بنتي يا أبو محمد ..... وابو محمد يبذل جهده لتهدئتها ولا يقدر .
خالد سحب امه المصدومة وخرج بها وهاتفه للمرة الألف يرن الكل يريد الاطمئنان ولكن لا شيء يطمئن .
رد خالد على عمه ابو طلال ودموعه تسبقه : يا عمي ملاك ما هي عند جدتها لا جتها ولا يدرون عنها .......
*****
ملاك تسمع همس ام فيصل لأبنها بما جرى بزيارة ام حامد وفيصل يؤيدها : والله يما انا من قبل شاك بهالشي لأن الشبه ما هو طبيعي .
جاءته رسالة قرأها وهو يبتسم : يما هذي رسالة من منال بتقول باكر المسا بتكون بالبلاد وتبغى تسكن عندنا .
ملاك سمعت واقتربت بهدوء وام فيصل تتكلم بحماس : باكر تجي منال ؛ بنت اخت فيصل وتسكن عندنا ؛ اكيد بتحبينها ؛ ان شاء الله زيارتها بتطول .
"امي باكر بترجع .. اكيد على بالها تغير جو هي وأولادها ... انا متأكد لو تشوفني ما رح تعرفني ولا حتى يخطر ببالها شي ؛ انا بس اللي بنجلط واتعذب وما ينقصني وجع ونغزات بصدري ؛ كافيني اللي جاني منها ومن أهلي كلهم ... ما عاد قلبي يحتمل ... مالي غير الرحيل "
ملاك ابتسمت بسخرية : مالي بالطيّب نصيب ؛ زوجي بعد بعث لي رسالة بييجي باكر ولازم أرد بيتنا .
فيصل بصدمة : وخلص تتركينا ما تشتغلين عندنا !
ملاك بضيق من فراقهم : والله ما ادري وش يصير ؛ على كل حال تلفوني عندكم ونظل على تواصل ...
واتجهت الى غرفتها لتجهز أغراضها ... لا يمكن ان تواجه امها او تقابلها بأي ظرف من الظروف ... ما هي فيه من الضيق يكفيها ولا تريد المزيد ...
أكيد رداد سيغضب عندما يعود لأنها خالفت تعليماته وخرجت من بيت فيصل ؛ ولكن هذا فوق احتمالها لن تبقى ولا يمكن أن تبقى ......
لا زال الوقت باكراً .. ودَّعت ام فيصل بدموع غزيرة وحملت حقيبتها واتجهت خارجاً لأول مرة منذ شهور صوب بيتها .....
هناك ...صُدِمت برؤية اطفال يلعبون بالحديقة وغسيل منشور وامراة تحمل سلة الغسيل وتنظر نحوها : في شي يا بنتي !! تريدين شي !!
ملاك باستغراب : انتم مستاجرين هذا البيت ؟
المرأة : اي لنا كم شهر مستأجرينه ؟ ليه تسألين !
ملاك بضيق من غبائها عندما اعتقدت ان بيتها سيبقى لها : لا يا خالة حسَّبته معروض للأيجار .....
عادت لتسير في الشارع بلا هدف وبضيق شديد .... تسير وتسير.... ولا تدري اين تذهب حتى داهمتها يد قوية دفعتها على الأرض وسلبت حقيبتها ... صرخت من قوة السقطة ونظرت خلفها لترى رجلاً يركض مبتعداً بعد ان سرق حقيبتها بكل ما فيها من ملابسها وهويتها وهاتفها ..
.
.
.
انتهى الفصل
رواية رحلة عذابي أنا 💘 الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم عشق جنوبي💞
الفصل : التاسع والثلاثون
بعنوان #ما_عاد_ينفع_الندم
ودَّعت ام فيصل بدموع غزيرة وحملت حقيبتها واتجهت خارجاً لأول مرة منذ شهور صوب بيتها .....
هناك ...صُدِمت برؤية اطفال يلعبون بالحديقة وغسيل منشور وامراة تحمل سلة الغسيل وتنظر نحوها : في شي يا بنتي !! تريدين شي !!
ملاك باستغراب : انتم مستاجرين هذا البيت ؟
المرأة : اي لنا كم شهر مستأجرينه ؟ ليه تسألين !
ملاك بضيق من غبائها عندما اعتقدت ان بيتها سيبقى لها : لا يا خالة حسَّبته معروض للأيجار .....
عادت لتسير في الشارع بلا هدف وبضيق شديد .... تسير وتسير.... ولا تدري اين تذهب حتى داهمتها يد قوية دفعتها على الأرض وسلبت حقيبتها ... صرخت من قوة السقطة ونظرت خلفها لترى رجلاً يركض مبتعداً بعد ان سرق حقيبتها بكل ما فيها من ملابسها وهويتها وهاتفها ..
قامت بصعوبة من قوة الضربة وهي موقنة أنها لن تستطيع أن تدركه ، ولا أحد بالشارع تستغيث به او تطلب مساعدته .
ماذا تفعل ؟؟ كل شيء في حقيبتها حتى هاتفها واثباتاتها وشهاداتها وبطاقات البنك والمال الذي أعطاها أياه فيصل أجرة لعملها ...." ااااه يا حالي ..... يا رب يكون ابن حلال ويرجِّع كل شي ... وهو لو ابن حلال يسرقني بالأول !! ".
سارت في نفس الطريق التي ركض بها السارق لعلها تدركه حتى وصلت مفرق طرق متعددة واختارت أحدها وسارت به وهي تبكي من تحت نقابها الذي التزمت بارتدائه.
التفكير السليم ان تذهب الى مركز الشرطة وتشتكي ... ولما لا تشتكي !! .... مؤكد لن تشتكي لأنهم سيسلموها الى أبيها مباشرة ... ما لهم حق هي متزوجة وزوجها أولى بها ..... "زوجي بالسجن وما أحد بيرحمني ، أتصور حالي قدام جدي وعمامي وأبوي بالذات .. رادة لهم بعد سنين وانا متزوجة وزوجي مسجون ... ما أتوقع بس يضربوني ويهينوني .. يمكن يقتلوني خاصة أبو طلال العصبي ... أو يمكن يحبسوني ويطلقوني من رداد بالغصب ... أكيد بيعتبروا زواجي منه فشلة !!... لو رداد معي ما أسأل عن أحد متأكد بيحميني منهم ومن شرورهم ... لازم أدور محل أستقر بيه حتى يطلع رداد بالسلامة ... ااه وين أروح !!
جلست لتستريح على رصيف عمارة وهي غارقة بالتفكير : " أي أحد من الحوش ما ينفع ؛ متأكد العميد محمود وفهد مبلغينهم عني ويستنون أي معلومات منَّهم ".
قطع حبل أفكارها صوت حارس العمارة وهو يتكلم بصوت مرتفع على هاتفه .. واضح أنه يكلم زوجته واطفاله في بلادهم .
... بت يا بطة اسمعي كلام أمك لأحسن بالأجازة أحرمك من الهدايا
...خدي بالك من العيال وما تكتريش الزعيئ عليهم
كانت تستمع لكلامه وعقلها ينثر أرقاماً كانت تحفظها عن ظهر قلب ؛ وتدق عليها كلما اشتاقت الى سعدية وابنتها ...
اقتربت باضطراب من الحارس وبتوسل : تكفى يا عم أكلم بتلفونك ؛ محتاج أكلم ناس ضروري .
الحارس بريبة : ما تروحي تتكلمي من سنترال والا بقالة تلفوني ما فيهوش رصيد .
ملاك برجاء حار : تكفى يا عم ابغى أكلم دولي وما آخذ غير دقيقة ؛ لازم أكلم خالتي سعدية ضروري .
الحارس رغم شكه رأف بحالها ومد لها الهاتف قائلاً : معك دئيئة ما تطوليش .
أخذت الهاتف وبيد مرتجفة ضربت الرقم وهي تدعي أن يكون صحيح ... ثواني والجرس يدق وقلبها يدق باضطرابٍ أكثر ... جاءها الصوت الذي تحبه وتشتاق له أكثر من أي شيء في هذه الدنيا الغادرة .. وبدموع حارقة وصوت مرتعش : خالة سعدية ... انا ملاك .
عندها ابتعد الحارس وهو يشعر بصدقها وحاجتها للخصوصية
سعدية تهلي وترحب ودموعها تسبقها : انت فين يا بت ! أطعتيني ليه ! اخص عليك والله ألبي كان واكلني عليك ..
ملاك باختصار وهي تحاول التماسك : والله يا خالة لي سنين بأشتغل وأجمع فلوس عشان أعيش واستقل بحالي لكن حرامي سرق مني شنتتي وبيها كل شي أملك والحين مالي أحد بهالبلاد وما أدري وين أروح .
سعدية بحزن : يا كبدي عليك يا بتي ؛ كل دا يجرالك ؛ ربنا يعوضك ..
صوت الحارس يستعجلها : يلا خلصي بئا ما تطوليش في المكالمة .
ملاك باستعجال : خالة هذا تلفون حارس عمارة وهو يبيه ؛ في أحد تعرفينه بهذي الديرة يمكن يساعدني ولو لشهر زمان حتى أرتب أموري ؟
سعدية مباشرة : أيوة في.. بنت خالتي تهاني ؛ أنا متأكد بترحب بيك وتساعدك وانا دالوئت باكلمها وأوصيها عليك .
ملاك بامتنان : الله يبارك بيك يا خالة سعدية وسلميلي على سعاد .... أكلمكم لما ربنا يفرجها ؛ أعطيني العنوان الحين ...
العنوان بعيد ويحتاج مواصلات وهي لا تملك شيئاً سارت خطوات بحيرة لكن صوت الحارس أوقفها وهو يمد لها يده ببعض النقود ويقول : من صوتك وكلامك واضح انك في ديئة خدي يا بنتي الفلوس دي وربنا يفرجها علينا وعليكي ..
أخذت النقود بامتنان واتجهت الى العنوان ... الى بيت تهاني .
******
ناصر يكلم مدير المصنع على الهاتف بغضب : انت باي حق أو صلاحية تطرد الموظف ؛ ليه ما ترجع لرئيسك بالأول قبل اتخاذ قرار ؛ انا راجعت ملفه بعد التظلم وتبين أنه موظف عنده كفاءة !
المدير باحترام بالغ : استاذ ناصر صحيح عنده كفاءة لكن بصراحة ما عنده أخلاق .
ناصر باستنكار : وحتى هذي النقطة عندنا بروتوكول للعمل يتضمن تشكيل لجنة تحقيق وتقصي المخالفة ومن ثم رفع توصيات وبناء عليه يتم قرار الطرد ؛ ما هو من راسك كذا .
المدير يحاول أيصال الفكرة دون تجريح : مخالفاته ما تحتاج لجان تحقيق لأنه قدام عدد من الموظفات أساء لحرمكم المصون والكل شهد بالكلام ؛ وبصراحة الحل الأنسب في هيك موقف كان الطرد بدون انتظار او تأجيل ....
بُهِتَ ناصر ولم يقدر على الاجابة ؛ دائماً ما كان يفكر أن عزيزة ستكون مصدر احراج له ولمكانته الاجتماعية الراقية ؛ وفي أسوأ الأحوال لم يكن يتوقع أن يتجرأ موظف تافه للسخرية منها وأمام باقي الموظفين على الأقل حتى لا يخسر وظيفته .
أنهى المكالمة وهو يشعر بغيض من عزيزة وتصرفاتها الهمجية ومع تعلق دالية بها فإن موضوع الطلاق غير وارد لذلك سيحاول قريباً اقناعها بالبقاء بالبيت مهما طلبت من مقابل فهي انسانة مادية جداً وهذا ما لاحظه في شروطها للزواج..
****
بصعوبة استدلت ملاك على العنوان..
بيت قديم متهالك ؛ طرقت الباب بخوف ؛ فتح ولد صغير الباب بسرعة وركض للداخل : يما في ست عالباب ...
جاءت الأم مسرعة ؛ لا بد أنها تهاني فيها شبه من سعدية ونفس الهالة من الحنان تحيط بها .
تهاني بترحيب : أشرقت وأنورت ...انت ملاك
ملاك أومأت برأسها بخجل .
تهاني بحرارة : اتفضلي .. اتفضلي يا حبيبتي ان ما شالتك الأرض تشيلك عيوني ؛ سعدية تؤمر على عيني وراسي دي خيرها مغرئني .
ملاك دخلت منزل تهاني بحرج وخوف من حياتها الجديدة..
***
رغم عودتهم في نفس الطائرة لم تحاول أم عبدالله أو خالد معاودة الحديث مع منال ؛ أبو محمد ودعهم بالمطار لا يستطيع مرافقتها لالتزامه بعمله ولبقاءه مع أبنائه فهم بالمدارس ولا يصح سفرهم مع أمهم خاصة مع هذه الظروف .
خالد طوال الطريق يحاول التفكير بهدوء وفي ذهنه بعض خيوط البحث عن ملاكه...
فيصل استقبل ابنة أخته منال في المطار واستغرب من حالها وهي تتظاهر بالتماسك وكلها أمل ان تتواصل مع امها قريباً فلا قدرة لها على مواجهة هذه المصيبة لوحدها .
أمها طلبت منها في مكالمة الليلة الماضية التماسك والهدوء .
وعدم اظهار أي شيء أمام فيصل وأمه ؛ صحيح ان أبو محمد يعلم أن عندها ابنة من زواجها الأول ؛ لكن أخوالها وكل أهل أمها ومن ضمنهم فيصل وأمه لا يعلمون شيئاً عن زواجها الأول ..
***
ابو طلال في حالة سيئة ويفكر بأبلاغ الشرطة لكن الجد يريد التأني ؛ هي مجهولة المكان لأربع سنوات قاتلة ؛ عليهم الصبر الآن فمهما كان أصابها قد أصابها ؛ ويدعو الله باللطف والتلطف بهم ..
خالد مباشرة توجه الى قصر أبيه وهناك عمه ابو طلال وجده حسب الاتفاق ؛ ام عبدالله رغم تعب السفر نادت ريما وسوني وهم من تبقى من الخادمات ممن يعرفون ملاك .
أم عبدالله تحاول قدر الأمكان عدم ارهابهن والسؤال بكل هدوء عن ملاك : اذا احد منكم يعرف مكان ملاك لها فلوس ورثة كثير ونبغى نسلمهم لها .
ترددت الخادمتان ونظرتا الى بعضهما وخالد بمزيد من الطمأنة : لازم ملاك تاخذ فلوسها حرام يروحون عليها .
سوني تشجعت : ملاك كلم أنا تلفون واسأل عن كل حال ..
الكل تنفس الصعداء فهذه بارقة أمل ..
ابو طلال : كلمتك هذي الايام
سوني : لا ملاك ما كلم من شهور ؛ آخر مرة كلم طلب تلفون بابا انت .
استغرب أبو طلال ؛ لماذا تطلب تلفونه ولم تتصل به !
خالد بلهفة : هاتي رقم تلفونها اللي كلمتك منه .
أسرعت سوني لأحضار الهاتف بينما استمرت أم عبدالله تحاول مع ريما معرفة أي معلومات اضافية .
ابو طلال بيد مرتجفة ضرب رقم هاتفها وللأسف والخيبة الكبيرة كان الرقم مفصول .
تكررت المحاولات من الجميع ونفس النتيجة .
في المجلس ابو قاسم بتحليل : الحين اللي فهمناه ان البنت كانت على تواصل مع الخادمات وانها لحد قبل كم شهر أحوالها زينة .
خالد بتأكيد : حسب كلامهم انها تشتغل وكانت مرتاحة وما تشتكي من شي .
ابو طلال بقلق : وبعدها انقطعت عنهم وما عاد يدرون بشي وآخر مرة طلبت رقمي ؛ خوفي انها كانت بضيق وتبيني !
أبو قاسم : ننتظر أم منال لما تجي ولكل حادث حديث .
***
منال تحتضن أمها بشوق وخوف واضح وأمها تهدئ بها ؛ فيصل بجدية : منال حالك ما هو عاجبني ؛ اذا انه زوجك غلط بحقك ترى حنا هلك وناخذ حقك .
أم منال بحب لأخيها وحميته : ما في شي مستاهل هذا دلع بنات وعن قريب بتنحل الأمور .
سلمت أم منال بوقار على زوجة أبيها أم فيصل وجلست بهدوء لتشرب القهوة .
منال ينتابها الغضب لبرود أعصاب أمها وعدم اكتراثها ولكن لا تستطيع مجادلتها فهي صعبة المراس وأمرأة قوية مع انها ليست كبيرة بالسن ومعروف عنها عنادها وتمسكها بآراءها وقراراتها حتى لو خالفها الجميع ...
وأكبر دليل على ذلك زواجها من أبي منال رغم اعتراض الجميع مما تسبب في طردها من العائلة وحتى بعد وفاة زوجها رفضت العودة الى أهلها ولم تعد الا بعدما عرف أحد أخوانها بالصدفة بخطبة منال من زوجها الحالي _ وهم لا يعلمون بما حصل لها قبل ذلك _ تواصلوا معها لترجع عندهم فقامت بإعادة ملاك الى أهلها وعادت هي بعد أن اطمأنت أن منال أصبحت بأيدي أمينة وزوج يصونها ولا يفرط بها مثل سعود هذا الغبي الذي لم يصنها ولم يحافظ عليها ..
استأذنت للاستراحة وسحبت معها منال الى الغرفة .
جلست بهدوء ومنال عادت للبكاء بحرقة : يما بنتي ما أدري وش حصل لها يقولون من أربع سنين مفارقتهم ويحسبوها عندك ! يما أنا خايف أحد منهم ذبحها ويحاولون يخفون الأمر بكذبة ؛ أدري حاقدين وكل شي يصير ..
أم منال تستمع بصمت وما أن انتهت منال من كلامها حتى قالت : هاتي رقم أم عبدالله أبغى أكلمها .
ردت أم عبدالله على الرقم وقد استبد بها التعب والقلق لأنها تتحمل جزءاً كببراً من اللوم وضميرها يعذبها والأفكار السوداء تداهمها في كل لحظة : هلا .. مين معي ؟
أم منال برسمية : أنا أم منال ؛ خبري أبو قاسم يكلمني على هذا الرقم .
وأغلقت الهاتف دون انتظار ردها فهي لا تطيقهم ولن تتنازل بالسلام والكلام مع أي منهم .
دقائق ورن هاتفها باتصال ؛ فتحت المكالمة وجاءها صوت أبو قاسم بوقار واحترام : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا هلا بأم منال .
أم منال لم ترد السلام واكتفت بالقول : البنت عثرتم عليها .
أبو قاسم بأسى واضح : للحين ما عثرنا عليها ؛ لكن توصلنا لمعلومات عنها .
أم منال : الليلة أنا عندكم مسا ؛ في أمور لازم أسأل عنها .
أبو قاسم : تزورنا البركة وانت واجبك نزورك ونتطمن عنك .
لم ترد كعادتها وأقفلت الهاتف وهي تنظر الى بنتها وتقول بحزم : سمعيني زين ؛ أنا الناس ذي ماني واثق بهم ولا عاجبني انهم ما يتذكروا يسألوا عن بنتهم من لحمهم ودمهم أربع سنين وبتاليها ودهم يبتلونا بيها ، الليلة بروح عندهم وان كان ما أطيق ديارهم ونحط النقط عالحروف وكثرة كلام ونوح ما أبغى ؛ ما تقدم ولا تأخر ؛ هي بنتهم ومسؤوليتهم وان شاء الله ما بيها الا العافية .
****
بديعة من أقدم وأكفئ العاملات في المصنع ؛ رآها صدفة قادمة لأخذ أضابير وملفات للمصنع ؛ استدعاها لمكتبه للسلام والسؤال عن أحوالها والفضول استبد به لمعرفة كيف سخر هذا الموظف اللعين من زوجته ! أهي ملابسها أم حركاتها أم طريقتها في الكلام !
بعد الترحيب بها وسؤالها عن أحوالها تطرق بشكل مباشر لما حصل : وهذا اللي اسمه ذياب اله زمن يتطاول على عيلتي وليه ما أحد يخبرني .
بديعة بدفاع : والله نحن البنات ما ندري عن شي ؛ كان منزل المنشور على صفحته بالفيس واصدقائه كلهم رجال ؛ غير لما واجهه أبو مؤيد قدام البنات وما أنكر .
ناصر تغير وجهه وهو يشعر بالقهر ؛ وصلت انه ينتشر عنها منشور وهو ما يدري .
وقف يصرخ بغضب : هالنذل كاتب اسمها بمنشور هو ما يدري اني بمحيه من الوجود !
بديعة استبد بها الخوف من غضبه : لا يا أستاذ هو يتجرأ ! مستحيل يعملها ؛ هو مجرد ما كتب بالاشارة الكل فهم وصاروا يردون عليه ومنهم من سبه وشتمه راح لاغي المنشور من الخوف لكن أبو مؤيد تهجم عليه ثاني يوم وهو ما قدر ينكر .
ناصر بنفس الغضب : وهالمنشور الملعون لعاد وش مكتوب به !
بديعة حاولت تمنع ابتسامتها لأنه واضح غيرته الشديدة وبهدوء : كاتب " عندما تسافر في الزمن وتعود كل يوم ثم آخر الشهر تقبض راتباً ....هذه بركات أودري هيبرون "
ناصر يحاول الفهم لكن لم يستطع ؛ كلمات غير مترابطة وأين الاساءة لعزيزة ؛ قال بعدم فهم : والقصد .
بديعة مستغربة : كيف ما فهمت واضحة يعني .
ناصر ضرب بيده على الطاولة : انت شايفة وقت الألغاز يعني ؛ وضحي بدون لف ودوران .
بديعة بخوف : يعني استاذ لأنه مدام عزيزة بتشبه أودري هيبرون كثير هو مبسوط انه يداوم ويشوفها وآخر الشهر يعطونه بعد راتب .
ثم استعجلت بحمل ملفاتها والخروج حتى لا يزداد غضباً وتحاملاً عليها ...
جلس ثواني للتفكير ؛ صحيح هم الصيف الماضي عملوا موسم أزياء مستوحى من أرث أودري هيبرون المميز وصورها وازياءها وتاريخها الفني بين أيديهم ؛ لكن لم يخطر بباله أن يقارن الموظفون بينهما .. هذا اما قمة الغباء أو الجنون !
****
طلبت من فيصل أيصالها الى صديقتها أم قاسم ؛ لا تريد الخوض في الماضي أمام فيصل .
فيصل وأمه كانا وقت الأحداث الماضية يعيشان عند باقي اخوانها شرق البلاد وان لم يكن بينهم وفاق ؛ لذلك سافر للخارج لاكمال دراسته للطب بعد الثانوية مباشرة وأسس هناك شراكة في عديد من المراكز والمستشفيات وعندما عاد للبلاد انشأ مشفى كبير بالشراكة مع الدكتور نواف وأحضر أمه لتعيش معه هنا ومع استمرار سفره الى الخارج كان يأخذها معه ويحاضر بشكل غير متفرغ في الجامعة وأصبح معروفاً بشكل كبير من كل أهل هذه الديرة وخاصة كبار العائلات فيها لذلك عندما رآه فارس في حوش أم عزمي يسأل عن ملاك ؛ لم يفته وجود تشابه بالأسم والعائلة بينه وبين جدتها وببعض البحث توصل لهذه القرابة وما أثار استغرابه هو ان كلاً من ملاك وفيصل لا يعرفان بها .
رأى عبد الرحمن ام منال عندما نزلت ودخلت باتجاه القصر وذهب ليرحب بفيصل بحرارة ويدعوه للدخول ؛ فيصل باعتذار : وصَّلت أختي بتزور أم قاسم وعندي دوام بالمشفى
وغادر دون أن يدري بخفايا هذه العائلة وعلاقة جدته بها ...
أم منال تدخل قصر الخصوم بأباءٍ وشموخ وفي استقبالها أم قاسم ترحب بحرارة ؛ أم منال بملامح جامدة لا توحي بشيء ولكن في داخلها جبل بركاني من الذكريات الملتهبة ؛ كيف تنسى ما ذاقته ابنتها من مرار وما أتهمت به زوراً وبهتاناً وكيف طُردت مذلولة مهيونة وموسومة بأبشع التهم ؛ حتى قبل ذلك لم يتقبلها آل أبو قاسم باحترام واعتبروها دون مستواهم الاجتماعي وان فرضت نفسها عليهم بأخلاقها وتهذيبها ..
سرعان ما حضر أبو قاسم ومعه أبو طلال للترحيب بها وواضح عليهم علامات الندم على ما فات ؛ أم منال لم تهتم لتعابيرهم ولا لتعبيراتهم ولا لأسفهم وندمهم ، تكلمت بركازة وتعالي : وين حفيدتي يا أبو قاسم !
ابو قاسم غزاه الحرج والضيق وكلماتها كطعنات في قلب كرامته ... لم يجب اكتفى بطأطأة رأسه بألم .
أم قاسم تحاول تدارك الموقف : كنا نحسبها عندك ومطمنين ..
أم منال نظرت بحقد تجاه أبو طلال وهي لا تنسى كيف خان ثقتها وأملها فيه وهي من استأمنته على طفلتها وقطعة من روحها وزوجتها أياه خوفاً من الطامعين بها وما نالته في نهاية المطاف هو أسوأ ما يمكنها التعايش معه طوال حياتها ؛ لا زالت تذكر عندما جاءتها ابنتها باكية مطرودة مهانة غير قادرة على الكلام ولا الشرح فقط تنوح وتبكي وتضرب على وجهها وكيف سارعت هي لتتصل به تستفسر عما حصل لابنتها ليصدمها هو الآخر بأسوأ الكلمات وأقبح التعابير وبأكثر التجريحات وأفحش الصفات بابنتها ... لم تكن مجرد صدمة .... كانت ضربةً قصمت كل قطرة كبرياء وعزة في نفسها .. مهما شرحت لها ابنتها وبررت وأقسمت وتعذرت ... كلمات سعود كان صداها أقوى وأقسى.. بسببهم حصل شرخ في علاقتها بابنتها حتى هذه اللحظة .. خيبة أمل سكنت روحها ظلت حاجزاً بينهما على مدار السنين حتى لو تزوجت وأنجبت ...ما حصل من تمزقٍ في ثوب علاقتهما لا يمكن رتقه .
تمالكت نفسها مجدداً ووجهت له الكلام تأنيباً وتعزيراً : أنا لما جبتها لكم قبل اربعتعش سنة ما اتصلت بيك يا سعود وتطمنت ان الأمانة وصلت !! لمن سلمت البنت هذي المرة وكيف تطمنت أنها وصلت عندي !!
أيضاً تعثر أبو طلال بحجة كلامها وصحته ؛ معها حق ؛ ضياع البنت بسبب أهمالهم بل بسبب أهماله هو بالذات هو أبوها وهي مسؤولة منه ولكن أعماه الحقد وتاه في دوامة الشكوك .
ام قاسم مجدداً : كنا نظن أن بينكم تواصل واتصالات .
أم منال بسخرية : هي قالت لكم كذا !
أم قاسم : لا ما قالت كان مجرد توقع مننا .
أم منال : وليه طلبت ترجع عندي !كان في مشاكل بينكم وبينها شي !
أم قاسم : ما هي مشاكل لكن بعد ما طلقها ولد عمها سعد ما بغت تبقى هنا واختارت ترجع عندكم .
أم منال تنظر بحقد الى أبو طلال : وش يخلي البنت ما تبي ترجع عند أبوها الا انكسار عينها وقلة السند والحماية منه ومن باقي أهلها .
ثم نظرت الى أبو قاسم : ما تمكنتم من معرفة شي عنها ؟
ابو قاسم بصوت ملؤه الأسى : درينا من صديقات لها انها كانت بخير وعلى تواصل معهن لقبل كم شهر ومن ثم انقطعت أخبارها .
أم منال تغمض عينيها بألم وضيق : والعمل الحين ؟
أبو قاسم : استعنا بمتحرين خاصين ؛ وان ما عرفنا شي بنبلغ عن غيابها رسمي ولو انها صعبة لكن ما باليد حيلة .
أم منال بحزم وحسم : بنتي منال سافرتم صوبها بتفجعوها للمرة الثانية ؛ وهذي المرّة ببنتها بلا شفقة ولا رحمة ؛ والله العالم البنت ان كان هربت منكم وش بلاها ووش شافت من ظلم وجور.. وذنبها برقابكم ليوم الدين .
جاءتها رسالة فيصل بأن السواق ينتظرها أمام القصر متى ما أنهت زيارتها .
وقفت بنفس الشموخ والأباء وتكلمت بثقة : اذا لقيتوا البنية والا سمعتوا عنها أي خبر بلغوني ومنال ما لكم عندها شي .
وسارت لتخرج وام قاسم تريد أن تستوقفها لتعتذر منها وتبرر خطأهم بحقها وحق ابنتها ، لكن أم منال رفعت كفها بوجهها معبرة عن عدم استعدادها لسماعها.. مكملةً طريقها الى الخارج غير مباليةٍ بشيء.
أبو قاسم يقول بصوتٍ واهنٍ ضعيف : تركيها يا أم قاسم اللي شافته مننا ما هو قليل والله يلوم اللي يلومها .
أبو طلال تملكه الضيق وشعوره بالأختناق يزداد يوماً بعد يوم ؛ لا يدري ماذا يفعل وليس بيده حيلة الا الدعاء والاستغفار ...
***
عاد الى البيت منهكاً متعباً واستقبلته ثريا بترقب وهي قد بقيت في بيت أمها بعد انتهاء العزاء ، لن تعود وتفرض نفسها على سعود بعد ما حصل الا اذا جاء هو وطلب عودتها .
تساءلت بلهفة : طمني معاذ لقيتها ؟
معاذ جلس بتعب وضيق : ما لها أثر ! بيت أختها اللي كنت خابره باعوه من سنين طويلة والكلام انه زوج اختها سافر مع عيلته يشتغل بالخارج وهي ما يعرفون عنها شي .
ثريا تشعر بألمه وما زالت تذكر مدى تعلقه بزوجته السابقة منيرة حتى انها استغربت عندما طلقها ولم تعرف سبباً لذلك وزاد استغرابها عندما قرر الهجرة وعدم الرجوع للوطن ...
لا تريد أن تضايقه لكن لا بد من السؤال : والحين وش ناوي تساوي ؟
معاذ : في شركات بحث وتحري خاصة بكلفهم يدورون عنها وما عندي حل غير كذا .
قطع كلامه اتصال ابنه ايهاب من الخارج ؛ لا مزاج له للرد عليه ؛ ابنه هذا بارٌ به ويسأل عنه دائماً بعكس ابنه الآخر علاء قليلاً ما يكلمه لأنه أقرب الى أمه وأكثر تعلقاً بها ..
****
=============>>>>>> يتبع .....
منذ قدمت للسكن عند تهاني وهي تشعر بالحرج وبثقلها على هذه العائلة اللطيفة .. تهاني طيبة جداً وتعيش مع أبيها وأبنائها والفقر والحاجة عنوان حياتهم .
ابو تهاني كبير في السن ويعمل بستانياً عند أحدى العائلات بأجرة رمزية لأن عمله متواضع بسبب سنه ؛ المهم يؤمن الأقامة له ولأسرته وتساعده تهاني بدخل متذبذب من عملها في العطل الاسبوعية وأوقات العزائم والمناسبات فهي لا تستطيع الالتزام بعمل دائم لإلتزامها برعاية أولادها وابنة سلفها التي تعاني من شلل نصفي .
حلا تطارد أخاها حاتم الذي سرق كراسة واجباتها ؛ اختبأ حاتم خلف كرسي نغم ولوح لها بكراستها ليزيد غضبها .
نغم تتابع حركات حاتم بضحك وملاك تبتسم لمكر الصغار ؛ هو يشعر بالغيرة من أخته لأنها التحقت بالمدرسة وهو لا ؛ لذلك يشاكسها في دراستها دائماً ولا يوجد في بيتهم الضيق مكان لتدرس بعيداً عنه .
تهاني تصرخ بغل من ولدها : يا أبني حرام عليك ما تخلي البنت تزاكر .
نغم تدافع عنه : مسكين نفسه يزاكر زيها ويروح المدرسة .
تهاني أمسكته بالحيلة وأخذت منه الكراسة بقوة : ما تصدئيش حركاته دي بكرة يخش المدرسة وكلنا ساعتها حنركض وراه عشان يحل الواجب وهو يزوغ مننا هههههه.
ملاك لا زالت تبتسم مع اندهاشها من كمية الروح المرحة عند هذه الأسرة رغم ما حل بهم من مصائب وويلاااات ...
*****
تنتظر عودة ناصر على أحر من الجمر وقد تأخر بالعودة ؛ لا تريد التأخر عن موعدها مع فاطمة للذهاب الى السوق لشراء بعض التجهيزات المستعجلة لحفل الخطوبة العائلي غداً .
عرفت بمصادرها الخاصة في الشركة أنه رافق المدعوة روعة للأشراف على بعض التجهيزات في محلها الجديد .
دخل منتشياً ومستمتعاً بعد مرافقته روعة ؛ هذه المرأة تعرف كيف ترضي غروره بمدحها وأساليبها الساحرة ؛ قطع عليه لحظات سعادته صوت أقدامها تنزل عن الدرج مسرعة ؛ نظر نحوها بكرهٍ سرعان ما تحول الى دهشة وهو يراها مقبلةً نحوه وهي ترتدي الجينز على قميصٍ ضيق وتقترب منه على استعجال ؛ تمالك نفسه ليسأل : ايش في !
عزيزة بغضب وهي تأخذ نفس : انت اللي وش فيك نسيت اني بطلع الحين مع صديقتي !
ناصر وذهنه مغيب : وليه ما طلعتي في أحد منعك !
نظرت له بغيض وهي تعض على شفتها ؛ ثم اقتربت منه وهي تتلفت حولها وهمست بإذنه : نسيت انا اتفقنا أستناك حتى تراقب دالية من غير ما تحس وهي تدرس حتى ما تلتهي زي عادتها .
هي تدري أن روعة تجعله ينسى كل شي حتى دالية روحه وحياته ؛ وهو يدري أن همسات عزيزة بهذه اللحظات أشبه بذبذبات كهربائية سرت في كل خلايا جسده فأثارته وولدت فيه مشاعر لم يختبرها في حياته من قبل ..
لبست على عجل عباءتها وغطاء رأسها وتناولت حقيبتها وهي تشير له بالسلام الذي ودع روحه منذ تلك اللحظة .
توجه الى مكتبه وهو حاقد على هذه المشاعر الغريبة ودون وعي منه فتح ألبوم موديلات الصيف ليتأمل صور منتقاة للممثلة العالمية الراحلة اودري هيبرون ويتنهد بعمق " فعلاً صدق هذا الخبل ؛ تشبهها كثير ...."
*****
أم عزمي كعادتها كل أسبوع تحضر التموين لقصر أبي عبدالله وكالعادة تجد صعوبة في التفاهم مع رئيسة الخدم على الطلبيات والكميات فهي غبية وصعبة المزاج وقليلة الفهم ؛ صرخت بضيق : يرحم ايامك يا ملاك ما أحد يعرف يتعامل مع هذي الأشكال مثلك .
سمعتها سوني وبضحكة : ملاك ما اقبل اشتغل ورث مال كثير .
صعقت ام عزمي من كلام سوني ؛ أخيراً خبر مفرح عن ملاك ؛ اذن هذا سبب استدعاء عمها لها على الحال والفور ..
" واخيراً ابتسم لك الحظ يا ملاك وطلع لك ورثة ؛ بس أخص عليك صار معك فلوس وتكبرت علينا حتى مكالمة ما تتصلين "
نظرت الى سوني بابتسامة فرح : وانت شلون عرفتي هي خبرتك !
سوني تهز رأسها بنفي : لا أنا ماما أم عبدالله قول .
أم عزمي تلوم غبائها لماذا لم تسأل أم عبدالله عنها من قبل فهي بالأصل كانت تعمل عندهم ومؤكد هم يعرفون أهلها وديرتها .
ام عبدالله لا زالت بحالة من الهم والغم لا تحسد عليها لا تنام ولا تأكل ولا يرتاح لها بال وصورة ملاك وهي تخرج من بيتها في آخر يوم محاولةً الحفاظ على ما بقي من كبريائها المهدور ثم سلمتها بطاقة الصراف التي أعطاها اياها خالد ؛ يسيطر عليها الألم وهي تتذكر كمية الحقد والكره الذي كانت تكنه لها بل وكمية الشتائم والأوصاف البذيئة التي لطالما وسمتها بها.
اقتربت منها سوني ترافقها أم عزمي وبدءتا بالكلام ... كل ما استوعبته هو اسم ملاك وأم عزمي تتكلم بسعادة عن ملاك وتسأل أم عبدالله عنها ..... أم عبدالله بيد مرتجفة اتصلت على خالد وخلال ربع ساعة وجدت أم عزمي نفسها محاطة بعدد من كبار العائلة كلهم يستمع بلهفة عن سنوات أمضتها ملاكهم الضائع تحت جناح ورعاية أم عزمي ..
****
"لاااا يا عزيزة هذا غالي ما أبغاه "
طالعتها عزيزة بدهشة : يا بخيلة هذي خطوبتك والرجال ما هو مقصر لازم تظهرين قدام أهله وناسه بأحسن منظر .
فاطمة تتكتف وبعناد : والله هو خطبني وعارف مستواي وحالة أهلي لازم يتقبل شكلي ومظهري ؛ وبعدين أنا قتلك أبغى أوفر من الفلوس حتى أشتري بيت لأمي واخواني .
عزيزة بتأفف : فطوم هانم ما دام أم فهد تكفلت بالفستان والمشغل يبقى نشتري باقي لوازمك بنفس المستوى والأناقة ولا تخافين بيضل كثير انت بس طاوعيني وامشي على رايي ما تغلبي ولا تغلبيني .
سارت مبتسمة في المول بطاعة تامة للخبيرة عزيزة.
شعرت كأنها لمحت الرقيب سماح ومعها واحدة أخرى ثم غابت من أمام ناظرها ؛ لو كانت قريبة منها كانت ستسلم عليها بحرارة فهي ساعدتها كثيراً أيام الدراسة في القسم .
دخلت غرفة القياس لتقيس الثوب الذي اختارته لها عزيزة رغماً عنها بينما عزيزة ذهبت لاستغلال الوقت وشراء لوازم أخرى ؛ بالنسبة لها الثوب ثمنه مرتفع وكذلك تشعر أنه لن يناسبها ابداً وما صدمها بعد ارتدائه انه في غاية الروعة والجمال ويناسبها بشكل مميز وبقلبها " فعلاً انك خبيرة يا عزيزة "
صوت تعرفه جيداً بغرفة القياس المجاورة ؛ هذا صوت سماح وهي تعاتب الفتاة الأخرى التي تنتظرها خارجاً : أووف يا وداد هذا ما يناسبني بقيس الثاني الحين .
وداد بمزح : صايرة عصبية مثل النقيب فهد شكلك تعلمت منه .
سماح بضحكة : ههههه ما دام خطب خلص بتنحل كل عقده وعصبيته .
وداد : يا رب ما يحصل العكس ههههه
وداد : تخيلي تزيد عصبيته ؛ وصدق ما ادري شلون خطب فاطمة ؛ كانوا على طول خلاف واختلاف ودايم معصب بسببها !
وداد : بصراحة انا كنت متأكد بيخطب ملاك كنت أحسه يهتم لها كثير .
سماح : اي والله نظراته وحتى مكالماته معها كنت أقول بقلبي هذا أكيد بيعشقها .
وداد : تذكرين لما انقطع صندلها وراح شرى لها جزمة وبالأخير رميته عليه بالسيارة هههههه.
سماح : اي والله حسيته جن وكويس ما رمانا من السيارة من الزعل ههههه .
وداد : بيني وبينك ملاك سبحان الي خلقها ؛ ما شفت بحياتي بجمالها ما لوم فهد والا غيره يتعلق بها ؛ لكن الله العليم ليه ما خطبها !
سماح : سمعت انها تركت حوش أم عزمي فجأة وما خبرت أحد حتى فهد انجن وهو يدور عليها .
وداد بتأفف : انت مطولة ؛ طلّعتي روحي وانت تقيسين ..
سماح : هيني باطلع ما في شي حلو أو يناسبني .
تشعر بالدنيا تدور بها ومن حولها ، أسندت نفسها للجدار غير قادرة على التنفس او التركيز ؛ تذكر أول مرة رأت فهد في حوش أم عزمي جاء ليبحث عن ملاااك وكان يبدو عليه القهر والضيق ؛ لم تركز ولم تهتم وعندما سألته عن الانضمام للتجنيد هبَّ بها بعصبية واضحة .
هو يحب ملاك ويريد ملاك فلماذا خطبها هي !
هل ربما يعتقد أني أعلم عنها شيء فيريدني وسيلة للوصول اليها !!
ربما ! لماذا لا ! هذا التفسير الوحيد ؛ لم يكن يطيقني ولطالما سألت نفسي لماذا اختارني مع أنه دائماً ....
صوت عزيزة وطرقات الباب لماذا لم تسمعها ؛ فتحت الباب بصعوبة ثم سقطت مغشياً عليها ......
*****
أبو عبدالله بألم : طوال هالسنين وملاك عندك يا أم عزمي وما تبلغينا .
ام عزمي بضيق : وانا شلون بعرف أن لها فلوس عندكم وتدورونها ؛ ما أحد خبرني .
خالد بتحقيق : وما قالت مين عمها هذا اللي بتروح عنده أو أي معلومات عنه .
ام عزمي : لا والله يا ولدي حتى تلفونها أغلقته وما عادت كلمتنا ولا كلمناها .
غادرت أم عزمي تاركة وراءها قلوب حائرة ومتوجسة وخائفة ....
أبو قاسم : تكلمي يا أم عبدالله وش فهمتي من هذي الحرمة ؟
أم عبدالله بشيء من الراحة : اللي فهمته ان ملاك بنفس اليوم اللي طلعت بيه من عندنا راحت عند أم عزمي وظلت ساكنة عندها طوال هذي السنين لحتى تركتها فجأة قبل كم شهر .
ابو طلال بتحقيق : وش كانت تساوي عندها ؛ تشتغل يعني !
أم عبدالله : أي كانت ماسكة الحسابات لأم عزمي .
عبدالله باستغراب : ليش هي تعرف تقرأ وتكتب !
أم عبدالله : تقول أم عزمي انها درست معهد محاسبة وادارة أعمال وهي عندها ....
الكل يسأل عن حياة ملاك وتفاصيلها في حوش أم عزمي .. وفي كل معلومة يدرك الجميع أن لملاك حقيقة ناصعة وجميلة لم يكونوا للأسف يعرفونها أبداً...وأكثرهم أسفاً كان الدكتور سعود .
***
عزيزة تناولها العصير : يا شيخة قطَّعت قلبي الله يسامحك ؛ أنا قلت الفستان بيهبلها بس مو لذي الدرجة .
فاطمة تنظر لها بعينين مغرورقة بالدموع : عزيزة انت بتحبين زوجك ناصر .
عزيزة تضربها على خدها : انت بعدك ما صحيت وتهلوسي .
فاطمة مسكت يدها بقوة : جاوبيني بصراحة ؛ أنا مثل أختك .
عزيزة رفعت رأسها للأعلى وأخذت نفس ثم أجابت بصدق : ما أحبه ومو بس كذا ؛ انا بعد ما أطيقه ولا أتحمله .
فاطمة باستغراب : وهو يحبك ؟
عزيزة بغصة : وهو بعده متعلق بزوجته المرحومة وما يبغى يفكر بغيرها .
فاطمة أغمضت عينيها وعادت لفتحهما وبألم : طيب ليه وافقتي على هذا الوضع ؛ ليه تزوجتي انسان لا يحبك ولا تحبيه !
عزيزة رجعت للاستناد الى مقعدها وأجابت بهدوء : لأني تعلقت بدالية وحبيتها وحسيت اذا برفض أني أتخلى عنها .. ما هانت علي وقدمت مصلحتها على مصلحتي .
قامت عزيزة بضيق وهي تقول : بروح أشتريلك كيكة تسند طولك ؛ لسا مشوارنا طويل .
فاطمة تفكر وتفكر ... المفروض توقف هذا الزواج الحين وما تسمح باستمراره لكن هذا يعني تخليها عن أهلها ومصلحتهم .... وهي لازم تقدم مصلحتهم على مصلحتها ..
****
"انت من عقلك يما تبيني أسافر وبنتي ما أدري عنها شي!! .. هذا الشي ما رح يصير أبد "
أم منال : وجودك لا بيقدم ولا بيأخر ؛ بالعكس بيكثر الكلام والشكوك وهذا اللي ما نبيه ؛ وتطمني أنا أخبرك بكل شي أول بأول .
منال بغضب : وخلي كل الناس تعرف ان عندي بنت ؛ وش يصير يعني !
أمها تهزها بغضب : عادي ما بها شي وكمان خوالك بيعرفون بقصة زواجك والمصايب اللي صارت وقذف أبو قاسم واولاده الك وبالمرة تشوفين عالطبيعة عصبية خوالك وحميتهم على سعود وأهله واذا ما صار بيها ذبح وقتل .
منال جلست ودموعها تتناثر بقوة : يعني أتخلى عن بنتي وهي يجوز تكون بمحنة وضيق .
ام منال بقسوة : ما حتكون أول مرة تتخلين عنها .
نظرت لها منال بحقد : انت ما خليتي قدامي خيار يا أتزوج ابو محمد يا ترجعيني عند أخوالي وعلى الحالتين صممتي أن ملاك بترد أهلها .
أم منال تكتفت وهي تقول : تخيلي لو بنتك ظلت عندك وصار بيها نفس الشي ؛ تتوقعين أهلها بيرحمونا أو يتسامحون معنا ؛ ترى أقل شي بيرمونك بالسجون أو يفضحونك بين الناس .
منال دفنت وجهها بكفيها : لو بنتي ظلت عندي ما صار شي من اللي يصير ؛ كان الحين بالجامعة وعايشة بأحسن حال .
أم منال تنهي الموضوع بطريقتها : حجزت لك طيارة باكر ؛ ردي لزوجك واولادك ؛ لا تخسرينهم بعد ..
*****
حتى اللقمة تجد صعوبة ببلعها وهي تشعر بأن هناك من هو أولى بها .
تشد همتها بالعمل في بيت تهاني وتخفف عنها في كل شيء ومع ذلك يؤنبها ضميرها ولا تشعر بالراحة .
تساعد حلا في دروسها وتهاني أصبح معها مجال للعمل أيام أكثر في الأسبوع .
وحاتم هذا المشاكس يثير أعصابها الى حد الجنون .
ملاك بانفعال : ابصر بأي وقت مولود هالمشاكس ؛ أكيد يوم منيل على قولتكم ههههه.
نغم بابتسامة : هو بس منيِّل ! حاتم انولد في اليوم اللي مات فيه ابوي وأمي وعمي أبو حاتم ؛ ربنا يرحمهم برحمته ...
صعقت ملاك من كلامها ؛ ولامت نفسها على فلسفتها بالكلام .
اكملت نغم واحساس الألم يغلبها : وفي نفس الحادث أنا انشليت وتصاحبت أنا والكرسي دا لحد دالوئت .
شعور صعب وصفه ؛ هي بنعمة .... نعم بنعمة.... وعليها شكر الله ليلاً ونهاراً بدلاً من الشكوى والتذمر ... ما عانته حتى اليوم لا يختلف عن معاناة الاطفال الأيتام في كل مكان بفارق ان ابويها موجودين ولكن الأهم هي بصحتها وعافيتها ومعها شهادة والأهم عندها رداد .... زوج رائع ومحب ومثابر وضحَّى لأجلها بحياته ... ليس الفقر عيباً ما دامت الانسانية والطيبة موجودة .... صحيح خسرت كل اموالها من عملها عند ام فيصل ولكن هذه ارادة الله .....وبعد عودة رداد سيستخرج لها اوراقاً جديدة وتستعيد اموالها الموجودة بالبنك .
قطع تفكيرها صوت نغم تغني بصوتٍ شجي وعذب .. الله ما اجمل صوتها فعلاً اسم على مسمى ..
*****
اسراء تعاتب أمها : ماما حبيبتي والله جدي وجدتي وخوالي حالتهم بالويل ؛ لازم تجي عندهم وتواسيهم وتشجعيهم ما يصير تبعدي روحك كذا .
نظرت اميرة ناحيتها ثم أشاحت بوجهها دون كلام .
اسراء بامتعاظ : اسلام قول لها كلمة ما يصير تكون سلبية كذا .
اسلام امسك عصاه وسار مقترباً من جلستهما وجلس قرب أمه واحتضن يدها : أمي بتعاني مثلهم لأنها هي بعد ما قصرت وشاركت معهم بالظلم والقسوة على منال وبنتها .
اسراء بعدم رضا : وش هالكلام يا اسلام بدل ما تقول كلمة خير قاعد تحط عالنار حطب !
اسلام بصوت حزين : أمك طول عمرها وهي حاسة بينا وبمشاعر النقص اللي نعيشها بدون أب يسندنا ويحمينا ؛ وطول عمرها وهي تحاول تعوضنا بحنانها عن اللي خسرناه ؛ وطول عمرها ما تسمح لأحد يكسر لنا جناح او يسيء لنا او ينتقص من حقوقنا ؛ أمي لحد هاللحظة جناح يحمينا وحضن يحتوينا .
اسراء بعدم رضا : ودامك تدري باللي ساوته لنا وضحته على شاننا ليه ترمي عليها بالكلام الشين !
اسلام : ما قصدي أسيء لها لكن هي عارفة مقصدي واللي عاش الحرمان هو أدرى الناس بحال من يعيشه ؛ أمي يا اسراء ما هي بس شاركتهم بطرد منال وتجريحها لكن من جت بنتها تعيش عند جدي وهي ما قصرت بالتحريض عليها واهانتها بالطالعة والنازلة وحملتها أوزار ما هي بذنبها ؛ عرفت الحين ليه أمي ساكتة وما تقدر تواجه حدا !
نزلت دموع أميرة رغماً عنها وهي تضع رأسها على كتف ابنها وبأنين : سامحني يا ولدي يمكن اللي صابك هو خطية البنية المسكينة وأمها ؛ انا مثلهم ظلمت واتجبرت .
ثم رفعت يدها المرتجفة واكملت : وبأيدي هذي يا ما ضربتها وشديتها وأنا أسب عليها وعلى أمها ؛ أعماني الحقد وكل خوفي على سمعة أهلي ومكانتهم وما رحمتها .
اسراء تحاول التخفيف عن امها وهي تبكي : ماما انت ما كنت تدري ومالك ذنب لا تحملي روحك أكثر ما تحتمل .
أميرة لا تستمع لها فقط هزت رأسها بندم : حتى لما اسراء جتني بقصة الرسايل واللي صار بينها وبين علي ما حاولت أناديه أو اتثبت حكمت عليها وحكمي ظالم لكن الله جازاني .
ودفنت وجهها بكفيها وعادت للبكاء المرير ...
تركها اسلام وقام ليعاود الاتصال بمكتب التحري الذي كلفه جده بالتواصل معه للبحث عن أي خيط يقود الى ملاك وبسرية تامة ....
******
في سفينة العودة يجلس بقلق وتوجس ؛ وجد في الحقيبة نقوداً واخفاها في جيبه ؛ يتوقع وجود أشياء أخرى ثمينة وعندما يصل بلاده سيبحث جيداً بعيداً عن الأعين ؛ لأول مرة بحياته يسرق ولا يعرف كيف ورط نفسه هكذا .... يذكر قبل أشهر عديدة عندما غادر القارة السمراء بحثاً عن الرزق ؛ آماله كبيرة بالثروة والنجاح او حتى على الأقل العيش الكريم ؛ ومضت الأيام دون فائدة وهو مضطر للعودة الى بلاده بخفي حنين ...
انتابه اليأس والقهر سيعود لأهله وأولاده خائباً .... وحاقداً على الحياة وقسوة الظروف ... لمحها تمشي بتعب حاملةً حقيبتها بيدها والطرقات فارغة والجو هادئاً على نحوٍ غريب ..... وسوس له شيطانه فنفَّذ دون تفكير ... اسرع نحوها وسرق حقيبتها وركض مبتعداً بأقصى سرعته ..... الآن يغشاه شعور بالخوف او الندم او كلاهما ... لا يعلم .. يشعر بأن كل المسافرين في السفينة معه يعلمون انه سارق ... ويمسح جبينه كل ثانية وكأن كلمة سارق مكتوبةٌ على جبينه.
شاهد مراكب خفر السواحل قادمة من بعيد زاد خوفه وارتباكه ، امروا السفينة بالتوقف وصعد لها عناصر من الشرطة البحرية معلنين نيتهم تفتيش المركب والمسافرين ... أصابه الهلع ومن شدة الخوف ألقى بالحقيبة من نافذة المركب الى البحر العميق ..... وابتعد يجلس مرعوباً مرتجفاً ونبضات خوفه تأبى أن تركد وتستكين ...
.
.
.
انتهى الفصل
رواية رحلة عذابي أنا 💘 الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم عشق جنوبي💞
الفصل : الأربعون
بعنوان : #خطوبة_والقلوب_معطوبة
توتر وضيق تعيشه فاطمة منذ الصباح بسبب حفل الخطوبة العائلي وطبعاً عقد القران اليوم ؛ فكرت ان ترفض وتنهي الأمور ؛ لن ترضى ان تكون جسراً لغيرها ؛ او محطة لقلب هذا العصبي النكد يداوي جراحه ؛ هي فاطمة الذكية الجسورة طالبة الصيدلة النجيبة ؛ تحدت كل الظروف حتى تكمل تعليمها وتثبت وجودها ، لكن الظروف تبقى أقوى وأقسى ، تنظر الى أمها وأخوانها فترى الفرحة الكبيرة بهذا الزواج .... طوق نجاة .... نعم هذا الزواج هو طوق نجاة بالنسبة لها ؛ لن تستجديه طبعاً وتجعله ينفق على أهلها ؛ ولن تقبل بذلك بأي حالٍ من الأحوال فهذه المهانة بعينها ؛ ولكن مهرها وكل ما تستحقه ستسخِّره لأهلها لترفع عنهم الضيق والديون وتساعدهم بشراء منزل ولو متواضع ؛ المهم بيت لهم ويؤويهم ..... مصلحتهم أبدى وأولى منها ومن مشاعرها ومن احساسها بالكبت والضيق .
لا تدري ما علاقة ملاك بالقسم ولا يخطر ببالها سبب ولكنها الآن أحد أسباب تعاستها وخيبتها ؛ لم تتوقع ملاك بهذا الغموض ؛ كانوا صديقات مقربات ككتابٍ مفتوح والكل ينثر أخباره وهمومه وأحواله الا هي دائماً يلفُّها الغموض والكآبة والحزن ؛ لا تدري أتسخط عليها أم تكرهها أم لا ذنب لها بما يحصل ؛ لو كانت لملاك مشاعر تجاه فهد ما رحلت ولكانت مكانها الآن في حفل الخطوبة ...
عزيزة تؤشر لها لتبتسم ..... ابتسمت من اساليب عزيزة المضحكة ؛ ونعم الصديقة ؛ لم تتركها طوال اليوم ... طبعاً ترافقها دالية كأنهما روح ٌ واحدة ... بأبسط الأمكانات ساعدتها عزيزة لتكون سندريلا في حفلتها ؛ الكل ينظر لها بانبهار ويزيدها نعومتها تألقاً وتميزاً .
الحضور محدودون والمبررات كثيرة ولكن الواقع ان ام فهد أصرت على الخطوبة لتفرح بأبنها .. حضرت هي وبناتها وزوجات أعمامه وأخواله بدون بناتهم او زوجات أبنائهم ؛ هكذا الاتفاق وهذا أثار زوبعة من الانتقادات والغيظ فالكل متشوق ليرى الفتاة التي سلبت قلب فهد وجعلته يقتنع بالزواج .....
كذلك حضرت حنين مع زوجها فلا يمكن أن لا يعزمه فهد على خطوبته ؛ هو أقرب الأصدقاء اليه .
ومن جهتها لم تعزم أم راشد أحداً من أهل زوجها المرحوم فكلهم تخلوا عنه بسبب الديون ولم يفكروا حتى بالتكافل معهم ولو معنوياً مع أن أحوالهم جيدة واكتفت بأبلاغ أعمامها لحضور مراسم عقد القران ، وطبعاً عزمت فاطمة كلاً من نور وأمها وأم عزمي وميسون .... هذه الوردة المتفتحة على الحياة بكل ما فيها .
حنين شعرت بالامتعاظ برؤية عزيزة ؛ لم تتوقع وجودها هنا " لكن واضح انها صديقة العروس ؛ هما من نفس البيئة "؛ ولم تخفى نظراتها على عزيزة .
عزيزة بصوت عالي : دالية حبي منو ذي كأني شايفها من قبل ؟
دالية : هذي مرت عمي محمود أبو سيف .
عزيزة بابتسامة وصوت مميز وواضح : يا هلا بأم سيف ؛ لا تواخذيني ما عرفتك .
ابتسمت لها حنين ابتسامة مجاملة وأرادت أن تشيح بوجهها عنها ولكن صدمتها كلمات عزيزة وكأنها مكبر صوتٍ على مسمع من جميع الحضور : صحيح ما أعرفك لكن تشرفت بمعرفة أختك روعة دايم تجي عند زوجي لمكتبه ويا حرام كثر ما هي متحمسة تعمل بوتيك ألبسة تكلم زوجي حتى وهو نايم بفراشه بالليل ههههههه وتناديه عالمحل يشرف عالتجهيزات _وبنغزة _ تعجبني الحرمة الطموحة .
حنين اسود وجهها وانقلب حالها ولم تعرف بماذا ترد ؛ ونظرات الاستنكار تحيط بها من الحاضرات وتعالت الهمسات " روعة هذي المطلقة " ..." يقولون رميت ولدها لأنه معوق " ... " معقول تلف وتدور ودها ناصر "
الهمسات زادت حرجها ولأنها تعرف روعة ... " الله لا يسامحك يا روعة أحرجتينا وفضحتينا عند الناس "
بينما اعتدلت عزيزة بجلستها بشموخ وعادت للابتسام والتعالي وهي تحادث أم فهد وبناتها ؛ كل من يعرف عزيزة يحبها وينجذب لاسلوبها وحديثها فهي عفوية وصادقة وما بقلبها على لسانها ......
*****
أنهى المكالمة وعلى وجهه علامات لم تستطع ثريا تفسيرها ؛ لا تريد أزعاجه بكثرة أسئلتها . بقي للحظات يبحلق في الفضاء ثم نظر جهة ثريا وبصوت متهدج :عندي بنت واسمها نور .
غلبته دمعة ثائرة هجرت مقلتيه بأسى .
بينما ثريا انسابت دموعها بألم : ان شاء الله دليت سكنهم ؟
معاذ يهز رأسه نافياً : للحين ما عرفت لهم مسكن ؛ لكن التحري استدل على شركة الألكترونيات اللي كانت نور تشتغل بها .
باكر براجع الشركة واشوف ملفها أكيد فيه عنوانها وتلفونها .
ثريا باهتمام : يعني الحمد لله بنتك دارسة ومتوظفة بعد .
رفع رأسه بسعادة : كاينة متفوقة بدراستها بالمعهد .
ثم تغير لونه بقلق : لكن هي فجأة تركت عملها وكمان تركت اكمال دراستها الجامعية مع انها على حساب الشركة ! الله العليم وش صار معها !
قطع حديثه رنين هاتف ثريا برسالة ... المرسل زوجها أبو طلال ؛ فتحت الرسالة بشوق وخوف : " من باكر عاودي لبيتك وأولادك ؛ طولتي عند أخوك "
شقت الابتسامة وجهها مع كثرةٍ في الدموع : معاذ هذا سعود يبيني أرجع البيت .
معاذ بحكمة : ارجعي بيتك يا ثريا وديري بالك على جوزك وأولادك هم بحاجتك وخاصة بهالظروف لازم تكونين جنبه ، وبالآخر انت ما الك ذنب باللي حصل .
بطاعة قامت ثريا وبدأت تجهز أغراضها للعودة الى بيتها .
******
أصبحت رسمياً حرم النقيب فهد شخصياً بعد اتمام الملكة وبالأهازيج والزغاريت زفتها ام فهد وبناتها للمجلس ودخل فهد بهيبته وكله سعادة يناظر فاطمة بشغف وسرور بينما هي كل جسمها يرتجف ولم تتجرأ على رفع عينيها أبداً ؛ لا تدري ماذا حصل لها توقعت أن تكون أقوى ولكن للخيبة كانت مرتبكة جداً ورغم امساك أمها بيدها الا أن هذا لم يخفف من توترها الشديد .
بينما فهد يتأمل بها ومستغرب من توترها الواضح ؛ همس بأذنها " اللي يشوفك الحين ما يصدق انك فاطمة اللي داومت بالقسم ههههه " .
رفعت وجهها ناحيته باستنكار ولكنها سرعان ما أنزلته متفاجئة من قرب فهد منها ومن وسامته ... لم تتخيل ان تراه بالثوب والشماغ .... يا لغبائها يعني متوقعة يلبس لباس عسكري بخطبته ..... يا ويلي والله ولا كأنه هو ..... شكله يخوف ..... الا قولي يهبل ....
قطع أفكارها صوت أم فهد تسأل عن الشبكة ؛ أصابها الاحراج الشديد لأنها رفضت شراء مجوهرات مع أن فهد أعطاها ثمنها ؛ لحظات عصيبة مرت بها زادت من توترها لكن فاجأها فهد وهو يشير لأحدى أخواته فأخرجت علبة كبيرة وفخمة ؛ فتحتها واذ بها من المجوهرات ما لم تره عينيها في حياتها ؛ كيف يحضر لها شبكة وهو قد بعث لها مع أمه ثمن الشبكة !
تسرح بفكرها بعيداً ربما في المستقبل اذا باعت الشبكة تدر عليها مبلغاً كبيراً يساعدها بشراء بيت لأهلها ....
استيقظت من سرحانها على صوته الهامس : ما تبي تجلسين !
نظرت حولها واذ بالغرفة فارغة ولا أحد سواهما ؛ احمر وجهها خجلاً وعاد لها الاضطراب؛ مسك بيدها وأجلسها وهو يتأمل بها بهيامٍ واضح ؛ احاط يدها بيديه ليخفف ارتعاشها وهي لا تتجرأ على رفع عينيها جهته .
فاجأها بقبلة على جبينها ... انتفضت لمحاولة الابتعاد ولكنه ممسك بيدها ويشد عليها ؛ رفع ذقنها بيده لتناظره ولكنها أغمضت عينيها مجدداً ؛ ليتها تختفي أو هو يختفي ؛ كيف سمح لها كبرياءها أن تظهر بهذا الضعف والإرتباك ؛ لن تفتح عينيها مهما حصل ؛ يكفيها ما جاءها ..... للحظة أحست أن أنفاسه تحرقها وبلحظة كاد يغمى عليها ويديه تحتضنان خصرها لتقربها منه بحبٍ وحنانٍ وشغفٍ منقطع النظير و....
*****
حاتم يصرخ لأن العشاء من حواضر البيت لم يعجبه ؛ يريد طعاماً مثل الذي رآه في التلفاز في اعلان أحد المطاعم الشهيرة ؛ ولم تنفع محاولات الجميع لأقناعه فهو طفل لا يفهم هذه المبررات ولا يقدر ظروف العائلة وفقرهم ولم يهدأ حتى داهمه النعاس ونام مقهوراً ...
ابو تهاني بضيق : من بكرة بطلب من البيه سلفة واجيبله اللي بنفسه .
تهاني برفض قاطع : لا يا أبوي ما تكسرش نفسك لحد ؛ بكرة ينسى وما يعودش يطلب .
ثم استدارت الى نغم وبتحذير : وانت يا أختي أما تبئي بتحضري بالتلفزيون غيري المحطة بسرعة بالدعايات ما نقصناش دلع العيال .
نغم أخفضت رأسها بتأنيب ضمير وتهاني شعرت بالندم لاسلوبها العصبي ؛ فقالت تلوم نفسها : هو بصراحة كل الحئ عليَّ ما بعرفش اعمل حاجة غير التنظيف وغسل المواعين لا بعرف أطبخ ولا أعمل حلويات ولا أي حاجة تزيد دخلي ؛ والا الست جليلة طيبة وزي الشربات وبناتها سكرة ؛ ما تزعليش مني يا حبيبتي يا نغم مش أصدي أزعئ عليك .
ابتسمت نغم وهي تقول بجدية : أنا وياك بصراحة ما عندناش لا مواهب ولا غيره عشان كده حنفضل مكانك سر ؛ لو معي فلوس كان اتعلمت صنعة أساعدك فيها في دخل البيت .
نظرت تهاني الى أبيها فإذا به نائم مكانه وهو جالس ؛ رأفت بحاله ومسحت دمعة عصية وقامت لتسهل له نومته وهي تدعو له بطول العمر .
ملاك ينقصها الكثير ولا تملك الا ثوباً أعطتها اياه تهاني وتشعر بحاجتها للعلاج بعد تزايد نغزات صدرها عليها ورداد لا زال هناك وقت لخروجه من السجن وهي تعتزم قبل اليوم المتوقع لخروجه بالتوجه الى بيت الدكتور فيصل وأعطائه عنوانها الجديد في حال جاء شخص للسؤال عنها طبعاً لن تقول أنه زوجها لأنها كذبت سابقاً مدعية عودته من السفر ...
"اااه متى ترجع يا رداد والله اشتقتلك حيل "
المهم الحين ومن هان لحد ما يطلع رداد لازم تأمن عالأقل مصاريفها ولوازمها ولازم تساعد هالأسرة المحتاجة ؛ أكيد رداد لما يعرف بظروفهم ما يزعل اذا اشتغلت ؛ لكن كيف تشتغل وهي ما تملك أي أوراق ثبوتية ؛ مستحيل أحد يوظفها ... مستحيل "
قطع عليها حبل أفكارها كلام تهاني وهي تحادث نغم بجدية : الخوف عليك يا نغم دالوقت معندكيش أقامة وعمرك بئا تمنتعشر سنة يعني ما دام ما بتشتغليش وما لكيش كفيل تبئى أقامتك مخالفة للقانون ؛ ازاي حتتعالجي وازاي حتتدربي على أي شغلانة .... مش حينفع أبداً ؟
نغم بتفكير : والست جليلة ما ينفعش تتكفلني كأني بأشتغل عندهم ؟
تهاني تهز رأسها نافية بشدة : العيلة دي ما بيخالفوش القانون وبصراحة انا مستجريش اطلب منها يمكن يطردوني والا يطردوا أبوي خلينا بالسليم أحسن .
هنا خطرت فكرة ببال ملاك فقفزت جالسة بين تهاني ونغم : وش رايك أشتغل أنا لكن بأسم نغم ومنها بنأمن دخل لنا وبنفس الوقت بنأمن أقامة لنغم .
تهاني بتفكير : يعني اطلب من الست جليلة تشغلك معي عندها على أنك نغم وتعملك اقامة ؛ ازاي حينفع وانت لا مننا ولا حتى لهجتنا .
ملاك بابتسامة : عادي بخفف الكلام وان تكلمت بكسّر شوية وعلى اعتبار اني مولودة هنا ما حدش حيدئ يا ست تهاني .
ضحكت تهاني : يخرب بيت عئلك دا انت بت جنية بس ما خدتيش بالك هتشتغلي أيه وانت شاطرة في أيه .
استرخت ملاك في جلستها وبابتسامة : من هالناحية تطمني ؛ ملاك سبع صنايع والبخت ضايع ......
*****
لم تنم طوال الليل ولم تذهب للجامعة أيضاً واقفلت عليها باب غرفتها وجسدها يرتجف كلها خوف او لا تدري كيف كانت بين يدي فهد كدمية لا تقوى على شيء وكيف اخذ راحته بضمها وتقبيلها ولم تقاومه او تحاول ابعاده عنها ... غبية اين ذاتها وشخصيتها حتى أنها لم تنطق بكلمة ؛ ماذا تختلف عن أي فتاة مراهقة متخلفة .
" اكيد يقول ما صدقت برجال يحضنها ورمت روحها عليه ؛ يا خجلي من نفسي ؛ لكن ما ادري وش صابني ؛ احس جسمي كله تخدر وما ابغى ابتعد عنه ؛ حسيت بحب وأمان وراحة ؛ والله ما هو بأرادتي ...حتى أرادتي انسلبت مني بدون ما أعرف "
رسالة على هاتفها ؛ أكيد واحدة من صديقاتها تسأل ليه ما داومت . رقم غريب ؛ فتحت الرسالة ..." ليلة أمس ما أجاني نوم وانا أفكر فيك ؛ أعرف أني خجلتك وزودتها معك لكن بصراحة أنا ما أعرف أعبر بالكلام وأزينه ... سامحيني وترى الليلة أنا بزوركم مشتاقلك من الحين .. أحبك ..... زوجك فهد "
تقرأ وتبتسم وقلبها يخفق كما كان بقربها ؛ وخدودها تتورد كالتفاح .... رسالة أخرى : " اممممم ليه ما تردين الي ربع ساعة تارك الشغل وأنطر ردك !!"
كتبت باستعجال ويدها ترتجف :" أهلاً وسهلاً "
ضحك من ردها وبقلبه : ما كنت أتوقع هالقد خجولة ؛ أويل قلبي كيف بنطر الزواج بعد ثلاث أسابيع وانا الخبل كنت بأجله لما يرجع فارس ...
دخل العميد محمود الى مكتبه ورآه يبتسم والهاتف بيده فعرف أنه يكلم خطيبته ولكن ما هو به من الهم يكفيه .
جلس ووجه مكفهر وعلامات الضيق الشديد باديةً عليه .
فهد بقلق : وش فيك أبو سيف عسى ما شر .
العميد محمود : الا شر وربنا يستر .
فهد تكلم وهو متوقع شيء كبير : وش عندك.
العميد محمود : عرفت من مصادري ومعارفي من التحريات أن أهل ملاك يدورون عليها وموظفين مكتب تحري يبحث عنها ..
فهد بصدمة : يعني أهلها الحين ما يدرون عنها نهائياً !
العميد محمود : أي صحيح وكل اللي يعرفونه انها كانت تعيش عند أم عزمي .
فهد بتفكير : وأهل أمها !
العميد محمود : أمها جت من فرنسا وجدتها من عند اخوانها لأجل موضوعها وللحين ما أحد عنده خبر ؛ وواضح أن حالتهم صعبة حيل ؛ خصوصاً هذي بنت .
فهد : وأم سيف ما قالت شي عنها ؟
العميد محمود : هذا اللي قاهرني معتبرين اني غريب ويخفون كل شي يتعلق بها عني وعن نواف كأنها عار عليهم ؛ حتى لما سألت بوقتها تقولي بكل وقاحة ؛ ويقلدها ؛ خدامة عند أهلي !! ما عاد لي ثقة بها ولا أحب أناقشها أبد .
فهد بتساؤل : يعني ما بتروح لهم وتقول عن تعاونها معنا وشراكتها مع القسم بالقبض على مروجين المخدرات !!
العميد محمود نظر له وأشار بتحذير : مستحيل وش أقول يعني ؛ كنت بأستغل بنتكم في تحقيقاتنا وأعرضها للخطر بدون ما أخبركم أو آخذ موافقتكم وبالأخير تسببت بهروبها مننا ومنكم ؛ انت مجنون !!
قبض فهد على يده وضرب بها الطاولة بندم شديد : كله مني ومن غبائي ؛ رحت أخبرها بنرجعها لأبوها من غير فهم ولا تفكير وتسببت بهروبها ؛ والله لو يصيبها شي ما أسامح روحي أبد .... أبد
*****
روعة تصرخ بقوة وحنين تشد بشعرها بقوة وتشتم بها : يا كلبة يا حقيرة فضحتينا عند العالم وخليتي سمعتنا تحت الأرض يا واااااااطية ......
أم عبدالله تحاول أبعاد حنين عن روعة ولا تقدر ..
... حنين استهدي بالله وتركي أختك وش تبي منها ؟؟
.... يما بنتك تتميلح عند ولد عم محمود وحرمته أمس خزتني قدام كل الحريم .
روعة بدفاع كاذب بعد أن افلتت شعرها من حنين : وش ساويت يعني بأسس بالبوتيك وأستفيد من خبرته .
حنين بصراخ : يا كذابة .. وخبرته بتحصلينها بتلفونات تالي الليل والا بروحاتك كل يوم والثاني على مكتبه ؛ والا زياراته للبوتيك الزفت اللي تساوينه !!
سكتت روعة بصدمة بينما أمها تضرب على وجهها بخوف : الله يسود وجهك يا روعة معقول هالكلام !
روعة صمتت لأنها لم تتوقع أن تعرف زوجته بكل ذلك ؛ هذا يعني أنه يخبر زوجته بكل شيء ولا يخفي عنها رسائل روعة ولا كل ما تفعله لأغرائه ..
أمها تهزها بقوة : انت يا قليلة الحيا ماعندك عقل ولا فهم وش يقول الناس عنا الحين !
حنين بتهكم وهي تجلس بتعب : ألا قولي وش صاروا قايلين ؛ بنت أم فهد " مها " فاتحة أثمها وتسمع وهذي عاد ما في مجلس يخص معارفنا الا تتصدره والا مرت عم فهد بتكون أخت زوج شهد أخت عامر ؛ يا فضيحتنا وشماتة الناس بينا .
روعة يأكلها الغل : هذي بنت أم عزمي طلعت ما هي قليلة وأنا أحسبها هبلة !
حنين قامت لتشد شعر روعة من جديد : هذي هبلة !! والله ما أحد أهبل غيرك ؛ لو شفتي شياكتها وحضورها والكل منبهر بيها وبسوالفها وزينها وانت مثل البقرة تركضين ورا زوجها ؛ ترى بعيد عن يدك ؛ اللي عنده مثل عزيزة وش يخليه يناظر وحدة قليلة حيا مثلك !!
واستمر مسلسل اللوم والتقريع مع قدوم رماح التي جاءت على عجل بعد أن اخبرتها أحدى قريبات زوجها بكلام عزيزة عن روعة ..... والله يا عزيزة سكتَّي دهراً .... لكن لما تكلمتي عرفتي كيف تاخذي حقك وتردي الصاع مليون لروعة
👍👍👍
*****
سكرتير اسلام أخبره بأن والد الموظفة السابقة نور يريد مقابلته ... هو كان يعتقد أن والدها متوفي وصدمه هذا الكلام ... مع أنها لم تقل ذلك ولكن هذا ما توقعه بسبب حالهم وصعوبة ظروفهم .
اسلام للحظات وبتفكير منطقي قال : اوصف شكله وعمره وهندامه .
السكرتير : واضح انه رجال مقتدر ولبسه سبور وعمره بأواخر الأربعين .
الوصف زاد حيرة اسلام : خله يتفضل وأبيك تبقى حاضر .
ثواني ومعاذ يسلم ويجلس مع استغرابه أن مدير شركة بهذا الحجم ضرير !! ولكن ما همّه ؛ كل ما يريده الوصول الى منيرة وابنتها لذلك وبدون مقدمات : أنا والد موظفة اسمها نور وكانت تعمل هنا ؛ أبغى أشوف ملفها الوظيفي لو سمحت .
اسلام بدبلوماسية وحيرته تزداد : ملفات الموظفين في شركتنا سرية لاحتوائها على مهام أعمالهم حتى لو تركوا شركتنا ما نسمح بتداول معلوماتهم .
معاذ يعرف ذلك جيداً لذلك تحدث مباشرة ودون اكتراث لوجود السكرتير : أدري بالتشديد بخصوصية وسرية المعلومات لكن أطلب منك مساعدتي بشكل انساني ؛ محتاج للملف حتى أستدل على عنوان بنتي واتطمن على أحوالها ... سكت قليلاً ثم أكمل بغصة : أنا مهاجر من سنين طويلة ومنقطع عن أخبارهم وللأسف لما رجعت ما لقيتهم بالعنوان القديم وأتمنى تساعدني أعثر عليهم .
اسلام استشعر الأسى والصدق في صوت أبو نور لكن لن يغامر بأعطائه معلوماتها قبل استشارتها هذا الأفضل والأحوط..
معاذ لاحظ تردده لذلك قال : أنا بأترك عندكم عنواني وأرقام هواتفي حتى تطمئن .
أيضاً اسلام لن يغامر خاصة بأي شيء يتعلق بنور ..... ااااه يا نور .....
همَّ برفض طلبه وبأسلوب مؤدب عندما فتح باب مكتبه ودخل أبو طلال ... (طبعاً هو قادم بهدف متابعة التحريات التي يجريها المكتب الذي استعان به اسلام للبحث عن ملاك )
فاجئه وجود معاذ ؛ سلم عليه وهو أدرى بحاله وبما فعلته أمه بكليهما .
أبو طلال : سكرتيرك تارك مكتبك واضطرينا ندخل بدون استئذان .
اسلام باحترام بالغ : الشركة ومكتبي تحت أمرك يا خالي وما تحتاج أذن .
ثم طلب من السكرتير الذهاب وأوصاه بقهوة للضيوف ..
معاذ براحة : الحين المهندس أسلام يكون ابن أختك ! الله يرحم أبوه والله كان رجال والنعم فيه ؛ جعل مأواه جنات النعيم .
اسلام تزداد حيرته وباستفسار : خال وش معرفتك بأبو نور ؟
ابو طلال استغرب من الاسم : معاذ بيكون أخو أم طلال .
صدمة جديدة لأسلام .." معقولة أبو نور هو من عيلة ال ... هذي من أكبر العيلات وأغناها !! ومعاذ اسمه معروف عالمياً لأنه شريك في مصانع تكنولوجية عالمية ومركز عمله بألمانيا !! ليه ما عمره انتبه للأسم !! وحتى لو انتبه أكيد كان بيتوقعه تشابه بالأسماء وهذا يحصل كثير .
معاذ تنهد بألم : دامك موجود يا أبو طلال ساعدني واقنع المهندس يعطيني عنوان بنتي نور اللي للحين ما شفتها ولا كنت أعلم بوجودها .
أبو طلال : اسلام عطه العنوان وعلى مسؤوليتي ......
بعد مغادرة معاذ سأله اسلام عن سبب هجر أبو نور لزوجته وأبنته وأبو طلال شرح له بحزن عما فعلته أم معاذ بأبنها وتسببت بطلاق زوجته وهجرته .
ابو طلال يبث أحزانه ومخاوفه لأسلام : والله يا أبن أختي ما يهنالي لا راحة ولا نوم ولا طعام وانا ما أدري البنت وينها أو ويش حالها وحاس ذنبها برقبتي وحملها ثقيل .
اسلام يحاول التخفيف عنه : ان شاء الله بتلقاها وبتصلح كل شي صار بينكم .
ابو طلال بغم : مقهور من سمعت كلام خالد ليلة البارحة عنها ؛ يقول أنه متأكد انها مظلومة بسالفة الاستراحة وان أمي الله يسامحها هي اللي طردتها من البيت ذيك الليلة واضطرت تنام بالاستراحة وأن نومها ثقيل وهو كان مخدر ما يدري عن شي .
اسلام بلوم : ذاك اليوم الكل استعجل بالحكم ما أحد حاول يتثبت أو يتحقق وخصوصاً أنت يا خالي .
ابو طلال : لا تزيدها علي ترى اللي فيني مكفيني .
*****
==========>>> يتبع
*****
معاذ اتجه الى العنوان مباشرة وكله أمل وشوق وحنين ولكن كانت الخيبة عندما تبين أن أم نور تركت هذا المنزل المتهالك قبل عدة شهور ؛ فبدأ بسؤال المجاورين ولكن لا أحد منهم يعرف عنوانها الجديد حتى رقم هاتف نور المسجل تبين أنه مفصول .
جلس في سيارته بقلق وتوجس وهو يفكر " يا ترى وش صار معهم وقلب حياتهم مرة واحدة .....نور تترك وظيفتها الممتازة وتترك دراستها وتغير تلفونها وبعد يغيرون سكنهم !! أكيد انه شي كبير وكايد !! الله يستر .
ايقظه من سرحانه أمرأة عجوز تطرق زجاج سيارته وبتساؤل : انت لويه تسأل عن أم نور؟
معاذ بحذر : لهم أمانة عندي من ناس وأبي أسلمها لهم .
العجوز بفرحة : عساها فلوس يا رب وتفرج عنهم ضيق حالهم .
معاذ بألم : أي يا خالة فلوس .
العجوز : أنا ما أدري وين بيتهم لكن أعرف أنها تشتغل كل يوم عند أم عزمي .
معاذ بلهفة : ووين بيت أم عزمي ؟...
*****
لا زالت في غرفتها ....... عليها أن ترتاح وتاخذ نفس عميق وتعيد شحن ذاتها وتستعيد شخصيتها القوية في مواجهة أنفاس فهد الحارة ونظراته الحنونة وعطره القوي وعضلاته المفتولة ؛ ترتب كلمات منتقاة تعبر عن ذاتها واستقلاليتها مقابل ابتسامته الساحرة ولمساته الحنونة .. ااااه وش صار بحالي هذا وهو بعده ما جا .... كيف أتماسك بوجوده !! عليم الله غير الاقي روحي بالأنعاش أعاني من غيبوبة ؛ لاااا بلااااها لاحسن يفكر يساوي لي تنفس أصطناعي ... علامني انهبلت وحالتي حالة !!
فاجأتها رسالة منه يعتذر عن زيارة الليلة لانشغاله بقضية هامة ؛ لا تدري لماذا تضايقت المفروض تفرح لأنها تخلصت من عبء زيارته !! دقات قلبها ما عادت كالسابق أمست تعزف بلحنٍ غريبٍ عذب ؛ يسعدها ويخيفها ويسري في جسدها باضطرابٍ .
مشاعر تشبه التملك والاستحواذ عندما يدخل حياتك شخص ويصبح أسمك مرتبط به وتصبح جزءاً منه وتتابع أخباره ويسأل عن أحوالك ؛ مشاعر جميلة ونقية عندما ترتبط بالحلال .. في داخلك سكن وطمأنينة ورغبة في الاستقرار ... وتخطيط لجمال ما هو آت .. أسرة يغمرها الحب والتفاهم والثقة والاحترام المتبادل ..... غبية كل بنت تسعى لمثل هذه المشاعر بطرق محرمة وملتوية ؛ فتفقد لذة خفقان القلب لأول مرة لمن يستحق وتستحقه أنوثتها ... غبية من تبني بنياناً من الأوهام على أساسات من الاحتقار وانعدام الثقة ..... غبية من تفرط بطهر قلبها وعذريته ونقائه لشهوات مستعجلة ومستهلكة وهابطة .... كل شيء في جسدها له خصوصيته وعذريته وما أجملها من لحظات عندما توهبها لمن أستحق بجدارة تملكها فلا تخترق أذنيها كلمات العشق ولا تقتحم شفتيها قبلات الشغف ولا يلامس جسدها الا من ظفر بها في طهر العلاقة واستقامة الروح وعلانية الصلة وصدق القلوب ..
عزيزة تتصل بها لتطمئن عن حالها وهذه فرصة لتشكرها على مجهودها معها .
عزيزة باسلوبها المرح : طمنينا كيف شفت العريس عساه نال الرضا والقبول .
فاطمة بخجل : والله ما أدري يا عزيزة لكن كل كياني تلخبط وأنا اللي كنت أفكر روحي قوية طلعت مثل الهبلة وهو بعد ذبحني بجرأته .... يا حاااالي مرررررة مررررررة جريء .
عزيزة : احم أحم ها شو متوقعة يعني صرت حلاله وده يقابلك يحدثك عن الانهيار الاقتصادي وانت تهزين براسك.
فاطمة : هههههه يا عزيزة ؛ تراه ما يحب الكلام كثير .
دخل ناصر الى صالة الطعام اثناء المكالمة ، فقالت عزيزة نكاية به : تستاهلين كل خير حبيبتي والرجال اللي مثله بيقدر قيمتك ويستاهل منك كل الحب والاحترام .
انهت المكالمة وبدات كعادتها بتفتيت الطعام لدالية ومحادثتها بهمس ، وهو ينظر لهما مرة والى هاتفه مرة أخرى ، لانه مستغرب توقف روعة عن مكالمته وحتى لا ترد على اتصالاته ، مستغرب ولا يعرف لذلك سبباً ؛ وعزيزة تسترق النظر له وتحاول أخفاء ضحكتها .
رن هاتفها بمكالمة ؛ نظرت الى الرقم وسرعان ما أغلقت هاتفها دون رد ودالية تسألها عن المتصل ولكنها غيرت الموضوع دون أجابه ؛ ساورته الشكوك بمن قد يتصل بها وهي لا تريده ان يعرف ! عادة تتكلم بحضوره لا يهمها شيء فاسلوبها صريح وفج ولا تعبِّره غالباً في شيء .
من جديد بدأ يهتم بمتابعتها ربما بسبب كثرة المديح والثناء الذي يسمعه من المحيطين عليها ، بالاضافة للعاملين في المصنع ؛ هناك ابوه وزوجته واخواته معجبين بها وبجمالها وبشخصيتها وحتى صراحتها التي يتضايق منها يجد الجميع يمتدحها ويعتبرها ميزة واخته المسافرة على تواصل معها وتحادثها ... وعلى قولة زوجة أخيه سليمان : والله صبرت ونلت يا أبو دالية ...
مجرد متابعة من باب الفضول فهو لا يريد الاهتمام او التفكير بها لأنه قد رسم خطوطاً لحياته ولا يريد ان يتجاوزها ؛ صحيح هو لم يحب أم دالية ولكنه مدين لها بالكثير الكثير ولا بد ان يعاقب نفسه على ما أجرمه بحقها الى آخر يومٍ بعمره ....
****
دخل حوش ام عزمي وقلبه يخفق بقوة ؛ رأى امرأة كبيرة ؛ سألها عن منيرة لكنها استغربت الأسم فاستدرك قائلاً : أم نور ؛ ابتسمت المرأة ودخلت لتناديها .
في ذات الوقت دخلت نور الحوش على استعجال وهي تحمل اوراقاً وفواتير ؛ نظر نحوها وتغيرت ملامحه بصدمة " كانها منيرة !! لكن مستحيل تكون منيرة !! هذي صغيرة بالعمر !!"
راته يبحلق بها بشدة فأشاحت بوجهها وسارت في طريقها ولكنه بقي يتبعها بنظره وهنا طالعته بعصبية : وش قلت الحيا هذي ، رجال بكبرك وتبحلق لا حيا ولا غض بصر ! استحي على دمك لأحسن ما يصير طيب .
خرجت ام نور باستغراب وهي ترتب هندامها وكلها استغراب من هذا الذي يريدها ! لم يسبق لها التعامل مع رجال بشكل مباشر .
مشت باتجاه نور عندما رأتها تكلم رجلاً بعصبية : معقول احد له ديون علينا أو يتبلى ونور تصدت له .
وقفت بجانب نور ثم نظرت الى الرجل ورمشت عينيها مرة واثنتين و.... وصدمة لا مثيل لها ... مستحيل ... ما تراه لا بد انه وهم او خيال او مجرد تشابه لا أكثر ..... ولكنه هو.. هو ..... قد يبدو أكبر سناً ولكنه هو ... لا يمكن ان تنسى ملامحه .... ونور تحدثها وتحدثها وهي لا تسمع لها شيئاً فالصدمة أكبر من أي كلام ....
هو لا يقل عنها صدمة : هذي منيرة !! ما أقدر أصدق !! وش صار بحالها وأحوالها كأنها عجوز بالستين ؛ وجهها مليان بالتجاعيد وجسمها ضعيف وثيابها رثة ...... مع انها ما حصلت الأربعين بعد ؛ تزوجها وهي في الخامسة عشرة من عمرها ؛ كانت مثل الوردة جميلة ومبهجة وكلها حيوية وسعادة ونشاط .
هي في اوج صدمتها تبادر على ذهنها سؤال : لماذا جاء !! هل يعقل جاء ليستنكر نسبة نور اليه !! لا تستبعد اي شيء عنه وعن امه الخبيثة لكن ما عادت هي البنت الصغيرة اللي بينضحك عليها مستعدة تخرسه هو ومليون واحد مثله
نور باستغراب : يما انت تعرفين هذا الرجال !
نظرت أم نور حولها فإذ بالعاملات في الحوش مجتمعات وينظرن باستغراب وأم عزمي قادمة نحوهن .
ام نور لا تملك شيئاً لتعتز به سوى شرفها وكرامتها أثمن شيئين حاولوا أن يسلبوهما منها ولن تسمح لأي شيء أو أحد أن يطالها هي أو ابنتها فيهما لذلك تكلمت بكل قوة وأباء وشموخ : نور هذا الرجال الواقف هو أبوك وما لومك ما تعرفينه لأنه تركنا وأنا حامل بيك والحين الله أعلم وش جابه علينا .
نور تحولت أنظارها له بصدمة وأمها أمسكت بيدها عندما شعرت بارتجافها ؛ لكن نور تكلمت بصوت مرتجف : يما خلنا نفوت ونكمل شغلنا ؛ ما في شي يستاهل نوقف عشانه بعد كل هالسنين .
معاذ بألم : أم نور أبغى أتكلم معك أنت ونور ولازم تسمعيني .
نور لا تود سماعه او أعطائه أي فرصة لتبرير ما فعله بهن ولكن أم نور بخبرة السنين المريرة لا تريد أن تتفاجئ في المستقبل باي خطوة تضر بابنتها ؛ نظرت الى ام عزمي التي فهمت عليها وتكلمت ام عزمي بحكمة : أبو نور تعال تفضل بالمجلس وانت يا أم نور وبنتك ما فيها شي أسمعن كلامه.
وأشارت للعاملات بحزم حتى يعدن الى اعمالهن دون فوضى وأرباك .
ام نور سحبت ابنتها الى المجلس رغماً عنها وجلستا مقابل معاذ الذي حدثهن بألم ومرارة عن كل ما فعلته أمه واعترفت به قبل وفاتها وأقسم أنه لم يكن يعلم بوجود نور والا ما تخلى عنها بأي ظرف من الظروف .
ام نور تستمع وتحمد الله في سرها لأنه كشف براءتها وطهر ثوبها ولكن لا مجال عندها للتسامح ، أشارت الى نور : هذا أبوك يا بنيتي اذا تبين تسامحينه بكيفك ، أنا ما عاد بيني وبينه صلة وما عاد يهمني الا عدالة ربنا في يوم لا يظلم بيه أحد ؛ ثم وقفت لتغادر لكن نور التي حاولت أن تمنع نفسها من تأمل ملامح أبيها وقفت معها وهي تقول : وأنا بعد ما تفرق معي ، عشت طول عمري بدون أب ومستعدة أقضي باقي عمري بدونه .
استوقفهن صوت معاذ المتعب : أنا ما جيت أطلب تسامحوني لأني أدري بعظم ذنبي لكن إلكم حقوق برقبتي وما أقبل تعيشون بضيق وحاجة وأنا عنكم مسؤول .
نور بإباء : الله الغني عنك وعن فلوسك ؛ ما نبيها وما نبيك .
يصدمه قوتها وشدة نفورها وكرهها له ؛ لا يلومها بل قلبه ممتلئ بشعور الأبوة نحوها ، لم يرها وهي طفلة صغيرة ولم تتعلق برقبته عندما يعود من عمله وتفتش جيبه لترى ما أحضر لها ولم تأت له باكية شاكية من صراخ أمها وقسوتها ليحضنها ويدعي الانتصار لها ويمسح دمعتها بكفه الحنون .... لم ولم ولم ... مضت سنين عمره وعمرها بكل الحرمان بسبب ظلم وتجبر البشر ....
قام وغادر مدركاً ما تعانيه كل منهما وانهما لن تسامحاه بسهولة على ما جرى ؛ مرّ على ام عزمي واعطاها ارقام هواتفه وكذلك أخذ رقم هاتفها وخرج من الحوش خائباً حزيناً وقلبه مثقل بالهموم وكل ما فيه يصرخ ألماً وقهراً.
نور خارت قواها وهي تراه يغادر وانهارت كل صلابتها المزعومة ؛ ارتمت في حضن أمها وكل منهما تنشد القوة والسند عند الأخرى ؛ ما أقسى الحياة وما أسوأ تصاريفها ......
******
أنهت دوام الجامعة بتعب شديد ؛ كانت تعتقد أن الثانوية هي أصعب مرحلة بالحياة والجامعة مجرد ترفيه وتسلية لكنها اكتشفت العكس ؛ يرحم أيام الثانوية ؛ مع أنها درست التخصص الذي أحبته منذ طفولتها " الأدب العربي " ةخاصةً الشعر بأنواعه .
صوت صديقتها نوف المتحمسة دائماً يناديها : ميسووووون استني لويه مستعجلة !!
ميسون بابتسامة : متى ناوية تعقلي وتمشي بالشارع بوقار وهيبة بدل ما تركضي كأنه حرثون لاحقك !
نوف باستعباط : تركنا الوقار والهيبة لك يا بنت أم عزمي وحنا نحمد الله على الهبل اللي بينا .
ميسون تخصرت لها وبتهديد : لتكون أم عزمي ما هي عاجبتك يا بنت أم نايف !
نوف بضحكة : والله على سلامتها خالتي أم عزمي ؛ كل شي فيها زين الا هالنخلة اللي ماشية بحدَّي ههههههه.
ميسون : اي من قلة ما هو صاحلك يا القزعة ؛ اسم الله عليَّ ؛ "قل اعوذ برب الفلق"
نوف لم تكن تستمع لكلامها فقد سرحت بنظرها بعيداً : اوييييييه وش هالزين والجمال ؛ هذي المناظر اللي تكحل العين ؛ ما هو شباب الحارة اللي تقولي طالعين من محطة بنزين .
ميسون باستغراب طالعت حيث تنظر نوف فإذا بمجموعة من الشباب مع سياراتهم الفاخرة وواضح أنهم أبناء عز وعائلات يقفون لمعاكسة طالبات الجامعة : صدق أنك خبلة وقليلة عقل ؛ عاجبينك هالحثالة اللي يتصيدوا بالبنات ؛ أقول امشي قدامي قبل لأجرك قدام خلق الله وامسح بكرامتك الأرض .
يوسف يهمس لصلاح : شايف هالبنتين اللي قبالنا تعال معي نرقمهن ؛ مبين عليهن معجبات .
صلاح بسخرية : أقول أقعد انشب ما أنت شايف الطويلة تجر بصديقتها لليموزين .
ركبت ميسون وهي تشتم بنوف بالسيارة التي تستأجرها أم عزمي لدوام البنات يومياً وبهمس : صبرك علي بس نوصل البيت ....
*****
أبو تهاني نظر اليهما بدهشة ثم ضحك على غبائهما وخاطب تهاني : انت فاكرة الأقامة بالسهولة دي والاسباتات والصور والشهادات وبعدين نغم تعتبر حالة خاصة لأنها مقعدة وأنا كلمت محمود بيه ووعدني يساعدها .
تهاني : يساعدها أمتى يعني ما هي كملت تمنتعشر سنة حتستنى لأمتى .
أبو تهاني يضرب يد بيد : مش بئولك عليه العوض ومنه العوض ؛ انت يا بت ما انتبهتيش لشهادة ميلادها ؛ دي متسجلة أصغر بسنة عشان كدة ما فيش مشكلة للسنة الجاية .
تهاني باطمئنان : ربنا يطمن بالك ويخليك لينا يا حج.
ملاك بضيق : لكن أنا أبغى أشتغل وما أقدر أستخرج أوراق ثبوتية الا لما يعاود زوجي ؛ ساعدوني وحلوها .
أبو تهاني : ما دام المدة مش طويلة تعالي واشتغلي مع تهاني واذا حصل لا سمح الله وطلبوا اثباتات نديكي بطاقة نغم وأهو ما حدش حينتبه .
ملاك بفرحة : ربنا يخليك لنا يا رب والله اني بحاجة للشغل والفلوس .
تهاني بتخطيط : وانا الحين بروح للست جليلة طالباني وانا هناك بكلمها عنك وان شاء الله توافق تشتغلي عنديها.
ملاك بحماس : يا رب .
******
هذه المرة الثالثة التي ترافق بها عامر للمشفى للمراجعة بعادل الصغير وتراه هناك ؛ الدكتور فيصل في كل مرة يسارع الى مرافقتهم وتسهيل امور الصور والتحاليل للصغير رغم أنه مدير المستشفى ولكن ربما لعلاقته القوية مع عامر دور بهذا الأهتمام .
لا زالت تشعر بالخجل من رسالتها المتهورة لها وفي كل مواجهة ينتابها القلق من أن يخبر عامر عنها ؛ للأسف لو ضبطت أعصابها ما حصل هالشيء خاصة أنها بعد أن أجادت في الامتحان النهائي ارتفع تقديرها الى جيد جداً لو صبرت فقط .
سمعت أسمها في حوارهما ؛ رفعت رأسها ببلادة واذ بهما ينظران لها كأنها ينتظرا رداً على سؤال هي لم تسمعه بسبب سرحانها ؛ أحمر وجهها لهذا الموقف المحرج وش تقول ما تدري وأخفضت رأسها ثم رفعته وهمست : وش في ما سمعت اللي تقولونه .
عامر بضحكة : بعدك نايمة ست رغد ههههه .
لو لم يكن فيصل موجود لخنقته على ضحكته هذه ؛ يستهزئ بها أمام الأعادي ...
عامر يعيد السؤال : الدكتور فيصل يقول انه رشحك مع مجموعة للتدريب في مشفاه هذا الفصل ، وش رايك ؟
زاد أحراجها ... لا تريد ..... طبعاً لا تريد ما صدقت بالله تفارق وجهه وهي مادة واحدة شلون بتقابله فصل كامل !!
لكن بوجود عامر ماذا تقول !! وجدت نفسها تقول بانصياع : ان شاء الله ، جزاه الله كل خير .
وجاءت عينيها بعينيه لترى ابتسامته الساحرة وهو يتأمل خجلها واحمرار خديها وهو على يقين أنها لا ترغب بالتدرب عنده ولكنها مرغمة... هذه المتمردة التي سلبت عقله قبل قلبه ...
******
ابو طلال في جناحه المستقل في قصره ؛ صحيح ارجع ثريا من أجل هبة وطلال ولكن قلبه لا يقبل مقاربتها او مقابلتها ، لن تعود العلاقة بينهم كالسابق وهي تدرك ذلك ولم تعد نفس ثريا المتعالية والمتكبرة فأمها التي زرعت فيها هذا التعالي سقطت وأسقطت تعاليها بأفعالها الدنيئة ....
كان يرسم بقلمه خارطة لأحداث بدأت تتبلور أمام عينيه بحقيقة مؤلمة جداً جداً ....
ملاك حسب التحريات اشتغلت عند أم عزمي بكذا عمل حتى تأمن مصروفها ودراستها المتوسطة ونجحت فيها بابداع وتفوق والكل يمدح بها وبأخلاقها وحسن تعاملها .
بالإضافة لتفوقها الكبير في الثانوية ، اللي مثلها المفروض تدرس أفضل التخصصات بأعرق جامعات العالم ...... اااه يا غصة بالقلب .
ملاك عملت كمان في مشغل للتجميل وهذا المشغل نفسه اللي خبَّرته هبة عن وجود عاملات وافدات فيه يبيعن حبوب مخدرة .
وحسب سوني ملاك سألت عن كلمات ترجمتها تعني حبوب مخدرة !! وحسب سجلات تلفون سوني ملاك طلبت رقمي بنفس اليوم اللي جاني اتصال من البنت المجهولة اللي ادعت انها صديقة لهبة وحذرتني من أدمانها وهذا يوم ما أنساه بحياتي أبد !!
التفسير المنطقي الوحيد أن المكالمة اللي جتني هي من ملاك .... اتوقع أنها شافت هبة بالمشغل واتصلت تحذرني رغم كل شي ساويناه معها ما كانت قليلة أصل وما تخلت عن أختها وما فضحتها لكن لجأت لأبوها حتى يعالج هالمصيبة ....... اااه يا القهر .
الحلقة المخيفة الآن عنوانها هل يمكن يكون دور لتجار المخدرات ما دام انها كانت كاشفتهم وعارفة بشغلهم بأختفائها ......؟؟
دون تردد تناول هاتفه واتصل وبعد ثواني جاءه صوت الطرف الآخر الذي يعاني مثله في البحث عن ملاك ..
أبو طلال بجدية : أبو سيف أبغى أقابلك لموضوع هام جداً .. جداً .
.
.
.
انتهى الفصل
رواية رحلة عذابي أنا 💘 الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم عشق جنوبي💞
الفصل : الحادي والأربعين
بعنوان #موجوع_قلبي
لم يتمكن من الذهاب لوحده أخذ معه أخيه أبو عبد الله اولاً ليسانده ويعينه في سرد الاحداث ولأن العميد محمود هو زوج أبنته ثانياً.
ابو عبد الله أكثر حرجاً منه فلا يريد لأسرار عائلتهم ان تخرج للعلن وخاصةً لأنسبائهم ولكن الظرف دقيق ومخاوف ابو طلال في محلها ولا بد من إعلام المباحث وطلب مساعدتهم.
استغربا كلاهما تواجد النقيب فهد فهما يريدان الموضوع سرياً دون نشره .
ابو عبدالله بوضوح ودون مواربة : ابو سيف نبغاك بموضوع فيه خصوصية اذا ممكن .
أبو سيف واضح على وجهه التعب والارهاق فهو لم ينم منذ يومين ويكثف البحث بالتعاون مع فهد عن أي خيط قد يقود الى ملاك (حتى قيدها المدني قام فارس أخفاءه بحيث لا يعلم أحد بزواجه منها ) ولكن دون فائدة ..
قال بعدم اكتراث : الموضوع اللي جايين عشانه ، النقيب فهد أكثر واحد يعرفه ومتابعه .
نظر الأخوان الى بعضهما بدهشة ثم الى العميد وعلامات التساؤل بادية على محياهما !
اكمل العميد كلامه بنبرة كلها أسى : للأسف نحن مثلكم نبحث عن ملاك وعاجزين عن العثور عليها .
تكاد الدماء تجمد في شرايين أبو طلال المكلوم : يعني بنتي جرى لها شي او أحد ممكن ...
قاطعه فهد بهدوء : نتمنى تكون بخير ولكن نحتاج منكم أي معلومة تساعدنا نوصل لها .
ابو عبدالله وهو لا يستوعب شيئاً وجه كلامه الى العميد : وانتم وش علاقتكم بملاك وليه تدورون عليها !
العميد محمود : بنتكم مواطنة عندها انتماء لأهلها ولوطنها جت وبدون خوف بلغت عن عصابة لترويج مخدرات خطيرة وساعدت بالقبض عليهم .
ابو عبد الله متفاجئ وأبو طلال وضع وجهه بين كفيه وقد تأكد من توقعاته وخوفه الأكبر أن يصدق آخر توقعاته : والعصابة درت ان لها يد بالكشف عنهم ؟
نظر العميد الى فهد وهو لا يقدر على الأجابة ؛ فأجاب فهد عوضاً عنه : أي نعم وعلى أثرها حاولوا قتلها لكن أحد عملائنا أنقذها وما صابها شي والحمد لله .
قام ابو طلال ودار في المكان بارتباك وخوف وهو يقول : زين لعاد وينها الحين ؟
فهد بكل صراحة : للأسف أختفت بعد الحادثة بأيام قليلة وللحين ما ندري وينها .
أبو طلال بخوف وألم : يعني احتمال العصابة خطفوها ؟
العميد : احتمال وارد وان كان ضعيف ؛ لأنها ودّعت أم عزمي بشكل اعتيادي وادّعت انها بتروح عند عم لها طلبها .
أبو عبد الله بغضب : وانت ليه ما خبرتنا من الاول وليه تغامر بسلامة بنية صغيرة بسوالفكم وبلاويكم ؛ انت ما تخاف من الله ولا تراعي حرمات الناس!!
العميد محمود وقف وبنفس نبرة عمه : كيف أخبركم وانتم تجحدوا وجودها من أصله ؛ هذي البنية من يوم أنقذت بنتي من الموت ولحد اليوم وبنتك حنين تنكر أي صلة قرابة بينها وبينكم وما تقول عنها الا خادمة والا تنكر يا عمي اني طلبتك بياناتها وانت أنكرت أنها من لحمك ودمك ومثلي بعد نواف ترجاك تعطيه اسم أهلها وأنت أنكرتها وأحقرتها والحين تلومني ... أنا اللي ناسي البنت او متناسيها أربع سنين وما أسأل عنها حية والا ميتة .... أنا اللي مخليها تشتغل عشرين شغلة بنفس الوقت حتى تأمن أكلها ولبسها ودراستها !!
وقف فهد واقترب من العميد حتى يهدئه ويجلسه فمهما كان لا يصح له رفع صوته على عمه ابو زوجته ولا مكاشفته بكل هذه الصراحة والتأنيب الشديد .
أبو طلال دفن وجهه بين كفيه ودموعه تتلاحق دون رحمةً بحاله ولا أحد يستطيع التخفيف عنه حتى أبو عبد الله سكت ولم يستطع الكلام فما قاله العميد صحيح وحصل ولا يمكن لأحد نكرانه .
النقيب فهد يحاول تدارك الموقف : المهم الحين نحاول نكثف جهودنا والبحث عنها وللأسف مع انها تعاونت معنا لكن ما يوجد لها صور شخصية او واضحة ؛ وأم عزمي أكدت لنا انها ما سبق لها ان تصورت وحتى المعهد والثانوية قالوا سلموها ملفها والصورة في المدرسة ما هي واضحة بالمرة ؛ أذا في عندكم أي صورة لها أكيد بتساعدنا بالبحث .
أبو عبدالله بشك : بسأل أم عبدالله وخالد بعد وان كنت بشك اننا ممكن نلاقي صور .
فهد نظر الى العميد باستنكار ثم سأل : مستحيل الا يكون في صور ولو بجوالات البنات والحريم او الحفلات والمناسبات او الطلعات والنزهات والأعياد والمناسبات العائلية !
أبو طلال أشار يطلب كأس ماء وسارع فهد لطلبه بينما هو فتح أزرار قميصه وهو يشعر بضيق في التنفس ؛ العميد محمود طلب الاسعاف وتم اسعافه بسرعة الى مستشفى الدكتور نواف ..
****
تقف بقرب تهاني بارتباك أمام هذا القصر الكبير الذي يشبه قصر جدها ومؤكد ساكنيه لا يختلفون كثيراً عن نوعية أهلها بتكبرهم وتعاليهم .
تبعت تهاني نحو المطبخ وهي تغطي وجهها فهذا ما عاهدت نفسها عليه ولن تترك نقابها ابداً ؛ دقائق من التوتر أمضتها وهي تنتظر عودة تهاني وبرفقتها سيدة راقية وأنيقة ؛ ليست صغيرة بالسن وأيضاً ليست بالكبيرة ؛ نحيفة ومبتسمة وتمشي بهدوء وتأنَّي وكأنها تعاني من شيء .
تهاني بحماس : هي دي البت نغم يا ست جليلة وانا متأكد انها حتعجبك وحيعجبك شغلها .
الست جليلة بهدوء : ارفعي نقابك يا نغم خلينا نشوفك .
رفعت ملاك نقابها باضطراب ونظرت لها جليلة بصدمة ثم وجهت كلامها لتهاني بعتب : يا تهاني البنت هذي صغيرة بالسن وجميلة وأنا بيتي كله شباب ما أبغى المشاكل .
تهاني بدفاع : يا ستي البنت دي متجوزة وجوزها مسافر وهي حتشتغل فترة بسيطة لحد ما يرجع جوزها بالسلامة وبعدين هي ملتزمة بالنقاب وتخاف ربنا ومش حتبات هنا حتروح معي رجلي على رجلها كل يوم وعلى كفالتي ولو حصل منها أي حاجة ابئي حاسبيني أنا .
الست جليلة واضح عليها عدم الاقتناع وتريد انهاء الموضوع بأي حجة وجهت كلامها لملاك : على كل حال أنا عندي عدد كافي من العاملات ومتى ما أحتجت أبلِّغ تهاني .
ملاك تشعر بخيبة كاملة لكنها لن تيأس لذلك قالت بقوة وتحدي : ست جليلة اذا سمحتي أعطيني فرصة؛ اليوم غداكم وتحلايتكم من تحضيري وشغل أيدي وان ما عجبكم ما عاد تشوفين وجهي خالص .
نظرت الست جليلة لها باستغراب من لهجتها ومن ثقتها بنفسها : انت بتتكلمي بلهجتنا !
ملاك بنفس القوة : انا مولودة وعايشة هنا طول عمري وحتى لو كنت صغيرة لكن انا عندي خبرة اكثر من خمس سنين في العمل وان شاء الله يعجبك شغلي .
الست جليلة يعجبها التحدي وأعجبها همة وشجاعة ملاك فردت بابتسامة : وانا موافقة والحين بعطيك المنيو لغداء اليوم لعشر أشخاص وان خيبتي املي تروحين بسبيلك من غير مطرود .
ثم نظرت الى باقي العاملات وبتعليمات واضحة : يا بنات اليوم نغم بتمسك المطبخ والمنيو ؛ مطلوب من الجميع تنفيذ تعليماتها وعدم التدخل في طريقة طبخها .... مفهوم ؟
أشارت العاملات بالأيجاب والطاعة بينما خرجت الست جليلة بنفس الهدوء تاركة تهاني تلطم على وجهها وهي تهمس لملاك : انتي هببتي أيه يا بت ! انت فاكرة العيلة ديت بيئبلوا بأي حاجة ! أيه اللي جرالك !
ملاك بابتسامة وهي تجهز بنفسها : ما تخافي علي ؛ انا قدها وقدود .
ثم التفتت لتتعرف على العاملات بسعادة فهذا عالمها الذي عاشت فيه منذ كانت في الثامنة ؛ تعرف كل خفاياه وطبائع قاطنيه وآلامهم ومخاوفهم وحتى غضب البعض منها بساعاتٍ قليلة تحول الى أخوة ومحبة صادقة ... هذه ملاك قد عادت الى عالمها الذي تعشق ....
*****
لا يدري لماذا قرر عمل زيارة مفاجئة الى المصنع واتجه مباشرة الى مكتبها يركض خلفه مدير المصنع يهلي ويرحب وهو لا يعبره .
لم يجدها هناك واخبره الموظفون أنها في أحد العنابر تتابع العمل ، شعر بالغيظ واتجه نحو العنبر ليجدها واقفةً عند احدى طاولات القص يحيط بها المشرفون والعاملات وهي تريهم كيفية قص القماش بأقصى أمكانية للتوفير وتقليل الهدر والكل يتابعها بتمعن وتركيز لدرجة أنهم لم يلاحظوا وقوف ناصر خلفهم ؛ فالست عزيزة لا تتساهل مع المخطئ ولا تعطي الكثير من الفرص .
شعور كبير بالضيق انتابه وهو يرى الرجال يركزون في متابعة زوجته وهي تعمل بجد وهمة واحياناً تنحني لتقص القماش وتثنيه أو تطويه ؛ للحظة شعر بأن قلبه هو الذي يطوى ويثنى وتملكته غيرة شديدة وتنحنح بصوته الجهوري المعتاد وكالعادة انتفضت عزيزة ونظرت له بلوم وكأنها تقول له : "انت نسيت ان نجمي خفيف وبساع اخترع"
نظر لها بابتسامة وكانه يقول : أي أدري وانا عمداً حبيتك تخترعين "
تركت عملها واتجهت معه الى مكتبها وفي أثناء سيرها اقتربت منها احدى الموظفات تحمل مغلفاً كبيراً وهمست في أذنها ثم أعطتها المغلف وابتعدت ؛ وما ان دخلت مكتبها حتى سارعت الى وضع المغلف في أحد ادراج مكتبها وأغلقت عليه بالمفتاح .
كل يوم يزداد غموضها واضح ان عندها أسرار تخفيها : مكالمات مجهولة ؛ ومغلفات غريبة ... هو لاحظ بسرعة ألمحيته اسم وائل حسان على المغلف ؛ من هذا وماذا في المغلف ! سيعرف حتماً ولكن بطريقته .
عزيزة بثقتها المعتادة وقد جلست بارتياح على مكتبها : غريبة وش سبب هذي الزيارة المفاجئة .
ناصر باستنكار : يعني ما هو من حقي أتفقد مصانعي وأشغالي !
عزيزة بابتسامة : طبعاً لك كامل الحق وهذي فرصة حتى تشوف التطوير والتحسن في جودة العمل وتقدر جهودنا .
ناصر يعجبه ثقتها ومتأكد من كفائتها وانجازاتها ولكن لن يشفي غليلها ويعلنها صراحة نكاية بها : أنا قررت تنتقلي للعمل بالشركة ومن هناك بتتابعي العمل .
عزيزة باستنكار لم يخف عليه : انا مرتاحة بالعمل هنا وما أبغى ارجع للشركة .
ناصر وقد بدأ يفقد هدوءه واتزانه : لكن انا ماني مرتاح وأريدك بالشركة .
عزيزة بتحدي : وممكن أفهم ليه ما أنت مرتاح وليه تبغاني ارجع الشركة !
ناصر بغضب : كذا بدون سبب انا قررت وبس .
عزيزة تكتفت : ما في شي بدون سبب واذا ما عندك سبب ماني بتاركة المصنع .
ناصر بغضب وبدون تفكير : ماني مرتاح لشغلك بعيد عني والرجاجيل حولك ووو... ثم تدارك نفسه وسكت ... ثم وقف وهو ينظر لساعته : الحين بروح عندي موعد هام ومن اليوم تجهزي كل ملفاتك وتداومين من باكر في الشركة وأنا بخليهم يجهزون الك مكتب .
وغادر دون انتظار ردها وهي تملكها الغيظ منه ومن تحكمه ثم تحول غيظها الى ابتسامة وهي تتذكر اعترافه لها بغيرته عليها .... همست بحنق : بعدك ما شفت شي يا أستاذ ناصر .....
*******
ازمة قلبية حادة ... هذا هو التشخيص الاولي وتم على اساسه عمل الأسعافات اللازمة ؛ الكل هب نحو المشفى عندما علموا بالخبر والألم يعتصرهم على حالته فالكل يدرك ان مصيبته بابنته كبيرة .
الدكتور نواف خرج وطمأن الجميع عن حالة ابو طلال وانه تعدى الأزمة بأذن الله ولكن يلزم عمل قسطرة مستعجلة للقلب وتركيب شبكات .
العميد محمود وفهد بقيا مع العائلة في المشفى حتى اطمئنا على سلامة ابو طلال وبالنسبة لأبي عبدالله فقد انفرد مع أبيه واخوانه وأبنائهم ليخبرهم بآخر ما اكتشفوه من معلومات عن ملاك واي منهم وان كان غاضباً من العميد محمود لكن لا يمكنه لومه فهم المخطئون اولاً وأخيراً .. هم من أهملوها وتركوها تخرج مذلولة مطرودة من بيوتهم ولم يسألوا عنها الا بعد فوات الأوان .... مما زاد الجميع هماً وغضباً وخوفاً على مصير درةٍ ثمينةٍ ما قدروها حق قدرها ....
الدكتور فيصل كان مشغولاً كذلك مع فريق المتدربين الجديد يعرّفهم على مهامهم وجدول عملهم ولم يفته التمنن عليهم بانتقائه لهم لتميزهم وكفائتهم سواء كانوا طلاباً او طالبات .
جميلة تهمس لرغد : للحين ما أصدق ان الدكتور فيصل اختارنا نتدرب بمشفاه ؛ كل الدفعة حاسدينا عالمشفى وعالدكتور فيصل .
كشت عليها رغد بغضب : الله عساه يرسبك بالتدريب وتصيري تولولين بدل ما أنت نازلة مدح وغزل .
جميلة بنغزة : هذي غيرة والا غيرة بعد !
قرصتها رغد بيدها قرصة موجعة جعلت جميلة تصرخ لا ارادياً والدكتور فيصل والطلاب حتى رغد نظروا لها بتعجب فقالت بترقيع : شفت شي يتحرك فكرته صرصور .
الدكتور فيصل باستنكار : مشفاي مستوى النظافة فيه عالي جداً واتحدى احد يشوف شي مثل كذا .
وأشاح بوجهه عنها وهي قد احمر وجهها خجلاً وتتوعد بردها لرغد التي تكتم ضحكتها .
****
ليس من السهل ان تعدي طعام لعشرة اشخاص لا تعرفي طباعهم ولا اهوائهم ورغباتهم في الأكل ولكن كل شيء عند ملاك يهون ؛ يزداد عليها التعب وتزداد عليها النغزات والألم ويزيدها الجوع تعباً ووهناً .. نعم الجوع ..... رغم كل هذا الطعام اللذيذ والاصناف المنوعة لكنها لن تمد يدها للقمة طعام فلا يحل لها ولن تدني نفسها ..اااه " آخر وجبة لذيذة تناولتها كانت في بيت خالها فيصل "
لكن لو بقيت عند فيصل فلن تحتمل رؤية أمها ... لن تحتمل ... ربما ستموت اختناقاً لأنها لن تتمكن من استنشاق الهواء الذي يجمعهما معاً ؛ فتلك التي أخلفت بعهودها معي وتلك التي رمتني للذل والعذاب ولم تفكر بالسؤال عني ....
تهاني تضع يديها على خدها انبهاراً وسعادةً بأتقان ملاك لعملها وبحماس : سناء ووفاء بنات الست جليلة جايات دلوئت يشوفوا عملتي أيه .
أمالت ملاك فمها بامتعاظ فلطالما كرهت بنات العوائل وتكبرهن وسوء معاملتهن والآن عليها الأحتمال من أجل قمة العيش .
دخلت فتاتان لم تنظر ملاك نحوهما وهما تنظران الى الطعام بتقييم وتشيد أحداهما به : يا سلام شو هالأصناف الروعة ؛ يسلموا الأيادي .
التفتت ملاك ببطء لتجد امامها فتاتان جميلتان ومتشابهتان قليلاً .. لا تدري لماذا شعرت بأنها تعرفهما او بانهما تشبهان شخصاً تعرفه ... لا تدري ربما مجرد أوهام .
نفس الفتاة بتسائل : انت الشيف الجديدة .
هزت ملاك رأسها بأيجاب ، فغمزتها البنت الثانية : شكلك بتعمرين عندنا ؛ اكلك طيب ولذيذ .
ابتسمت ملاك بامتنان وهي ترى الفتاة الاولى تمشي نحوها وللتو انتبهت أنها تعاني من عرج خفيف في قدمها ؛ مدت البنت يدها لملاك وصافحتها بحرارة : أنا سناء وهذي أختي وفاء بنرحب فيك في بيتنا وان شاء الله بترتاحين وتستمرين بالعمل .
وفاء بمزح : ما هو انت اللي تقررين لحالك يا ست سناء عندك الباشا واولاده الجفصين وزوجة أخيك أم بدر والا المغرورة آلاء اللي ما يعجبها العجب وكمان ست الحبايب اللي القلب عندها تعبان وما تتحملش اي أكل .
سناء بثقة : دام الأكل عجبني أكيد بيعجبهم اطلعي منها انت بس .
وبتذكر : انت حسبتي حساب ان أمي معها القلب وما تحتمل اي نوع طعام .
ملاك بنعومة : اي عملت لها أكل مخصوص بعد ما بلغتني تهاني .
الست جليلة دخلت المطبخ وباستعجال للعاملات لاعداد المائدة ثم بحزم لبناتها : الحين تركوا نغم تجهز الطعام لا تشغلونها عن العمل .
سناء بابتسامة : الله...... واسمك نغم ! وبتقليد : النهاردة يوم السعد يا جدعان .
الست جليلة تنظر للاصناف بأعجاب وباستفسار بدافع الفضول : انت اهلك هنا يا نغم ؟
ملاك لا تحب الكذب ولا تريد الكذب وتشعر بالحرج من استمرارها بالكذب ؛ اكتفت بالقول بغصة : جوزي غايب لأجل يأمن رزقنا وان شاء الله ما يطول الغيبة .
لاحظت عليها الست جليلة الضيق ولم ترغب بالالحاح عليها بالكلام ......
*****
عبد الله أوصل ام طلال الى بيتها لأحضار لوازم وملابس لابو طلال قد يحتاجها والحمد لله تمت عملية القسطرة بنجاح.
طلال رفض مرافقتها لا يريد مفارقة ابيه او الابتعاد عنه ولو للحظات ؛ يشعر بكبر همه ويتمنى لو يستطيع التخفيف عنه بأي شكل .. امضى الأيام الماضية يدور في الشوارع والأسواق والاحياء الشعبية ويتفحص بالوجوه باحثاً عن وجهٍ لطالما احتقره واشاح وجهه عن النظر اليه حتى بعد ان عرف بأنها أخته ؛ امه واخواته ملأن قلبه كرهاً وحقداً عليها وعلى أمها حتى ما عاد يحتمل سماع ذكرها مع انها بنفس عمره ربما لذلك لم يوفقه الله في دراسته وعمله وراحة باله ربما لان عدل الله يتجاوز مفاهيمنا الساذجة عن الانتقام والحساب .
والآن وقد تبين انها مظلومة وضائعة لا يدري أيلوم نفسه على أنكارها وتجاهلها أم يحتقر نفسه لتفريطه بمن تحتاج لأسرة تحميها وترعاها حتى لو اخطأت امها فما ذنبها هي كيف كانوا يفكرون أو بالأحرى كيف كان يفكر هو ..
طوال الطريق حاولت ثريا هانم أن لا تتكلم مع عبدالله فكما سمعت الكل يمدح بزوجته واخلاقها وتواضعها وثقتها وثقافتها العالية وعما قريب ستلد له ولداً لطالما تمناه يحمل أسمه ويفرح قلبه .
لكن في نفس الوقت هي لا تريده ان يطلق هبة ...هبة تحتاج لرجل مثل عبدالله عنده من الشهامة والمروة ما يكفي ليتغاضى عن أخطائها ولا تهون عليه عشرة السنين وهذا كفيل بأن يساعدها على تجاوز عثراتها ويساعدها على تجاوز ما مرت به من صعاب .
وصلت بيتها .. لن تضغط عليه وتطلب منه الدخول فلينتظرها خارجاً حتى تحضر الأغراض ما دام لا يريد ... فاجأها كلماته : اذا ممكن تبلغين هبة أني ابغى أشوفها اذا ما عندك مانع .
طبعاً لن تمانع وسترحب بقوة اشارت له بابتسامة لانتظارها بالمجلس بعد أن أكدت عليه أن هبة لا تعلم بما حصل لأبيها .
جلس بضيق ... كيف طلب منها رؤية هبة وماذا خطر على باله ليقول ذلك .. هل سامحها !! مؤكد لا .. فزلاتها لا تغتفر .. أم هو الفضول ليرى كيف أصبح حالها ؛ ام بقايا شوق وحنين ... معقول !! .. مشاعره مبعثرة ولا يدري عن شيء... ما حصل مع ملاك بعثر أفكار العائلة وقلب موازينها رأساً على عقب ... بعينيه رأى كيف تفعل الاحقاد بأهلها فمهما تضررت ملاك بسببهم هم يعانون الآن أضعافه وأولهم عمه أبو طلال .. لا يريد أن يظلم مثله ... ربما لا يريد هبة ولا تعني له شيء .. ربما اصبحت صبا ريحانة قلبه وجزءاً من روحه ولكن هبة أيضاً زوجته ومسؤولة منه ..
قطع أفكاره دخول فتاة بالكاد عرفها ؛ تبدو أكثر وزناً وامتلاءً ومع ذلك وجهها شاحبٌ ومصفر ؛ تتبعها أمها تسندها وتسيرها ؛ تبدو تائهة وشاردة ؛ تركتهم ثريا وهو يتمعن بها ولا يدري ما يقول ؛ قالت بهدوء دون النظر اليه : انت ليه تبحلق بي ! في شي غريب .
عبدالله ابتسم رغماً عنه : هذه عادتها ؛ لا تحب أن يطيل احد النظر اليها حتى لو كانت نظرة وله وعشق كما اعتاد أن ينظر لها وهي تزجره بنعومة .
صدمه سؤالها : صحيح مرتك بتخلفلك ولد قريب ؟
لا زالت لا تنظر اليه لكن أجابها : اي ان شاء الله عن قريب.
رفعت شعرها الخفيف والقصير وراء اذنها بيدها المضطربة وقالت : تدري أني أنا ما في أمل أحمل او أجيب اولاد بالمستقبل.
صدمة أخرى بكلامها داهمت مسامعه ..
اكملت بنبرة حزينة : يقولون من كثر حبوب المانع وبدون وصفات طبية سببت تكيس بالمبايض وصعب علاجها ... سببت عقم دائم .. يعني ما في أمل أكون أم .
لا يدري لماذا شعر بالأسى والقهر وبدون تفكير قال : كل شي بهالوقت له علاج وان ما كان هنا ببلاد برة ..
لأول مرة تنظر اليه وهي تمسك يديها لتخفف ارتجافهما وكأن هذا من الأعراض الارتدادية للأدمان وبابتسامة باهتة : فرق كبير بين أنك تحرم نفسك من نعمة ربنا وهبها لك وبين ان ربنا يحرمك منها ... ياما في حياتنا من نعم لأننا ما نشكر ربنا عليها ونجحد نعمه ننسى وجودها .... مثل الصحة ما نذكرها الا حين نمرض ... مثل الأمن وراحة البال ما تجي ببالنا الا لما نتوه بعالم الخوف والأدمان ..... ومثلك انت يا عبدالله .. انت نعمة ربنا وهبني اياها لكني جحدت هذي النعمة وأغفلت عنها لحد ما خسرتك ...
وقفت ووقف هو معها واتجهت لخارج المجلس وهي تقول : لا تربط روحك بي أكثر من كذا متى ما بغيت تطلق أنا ما أزعل ولا أعترض ...
خرج و الهموم تغزو قلبه وفكره ؛ لن يستطيع الاستمرار معها ولا يطاوعه قلبه بأن يطلقها ... تتناقضه المشاعر وتتشابك بأفكاره .... لن يفكر في شيء الآن سيترك الأفكار وقرارات الأمس للغد المجهول ...
****
صلاح يصفر بملل وهو يغلق هاتفه للمرة الثانية في وجه عبد العزيز .
يوسف بضحكة ساخرة : ههههه عالأقل عبِّر أخوك ورد عليه ما يصير تكنسل المكالمة .
صلاح بضجر : يعني تبغاني أسمع صراخه علي لأني تركت الشغل وشردت ، خله يولي ويرن لباكر ..
يوسف رأى البنتين اللتين شاهدهما بالامس وبفرحة : صلاح وربي ان هذيك البنت وقعت بشباكي شف شلون تناظرني وتبتسم .
صلاح : اي شايف ؛ لكن الحين بتشوف صديقتها الطويلة وش تساوي بها ...
وفعلاً ميسون شدت نوف من يدها نحو الليموزين لتركب وهي تشتمها وتهزئها كالعادة .
وقف صلاح بتأهب وهاتفه يرن ؛ ويوسف باستهجان : علامك فزَّيت !! الحين صار عبد العزيز يخوف !!
صلاح بحب : وانت الصادق هذي نبع الحنان ما أقدر اتجاهل تلفونها ربي يحفظها .
وسار مبتعداً ليرد على أمه التي تستعجله للغداء واتجه ليركب سيارته مشيراً ليوسف بالوداع ..
أمه أكثر انسان يحبه بالوجود مع انها افرطت بدلاله... يصيع ويضيع ويمضي وقته بمطاردة الفتيات من باب التسلية فقط ولا يكترث لهن او يتعلق بأي منهن مجرد تسلية لا أكثر ، لا يهمه في الحياة الا وجود امه فيها فهي تعاني من مرضٍ بالقلب وتتعب بسرعة وهذا يجعله بخوف دائم من فقدانها ...
دخل البيت بحماسه المعتاد وهو يركض جهة أمه لأحتضانها وينظر بعد ذلك بامتعاظ الى سناء ووفاء المبتسمتان دائماً وهو لا زال محتضناً أمه : بالله عليكم معقول هالقمر هذا يخلف الجواكر ذول .
سناء تضحك ووفاء تعترض بشدة : اذا احنا جواكر وش تطلع انت يا وجه البوم .
ينظر لأمه باستنكار : يما صدق انا وجهي وجه بوم !!
الست جليلة تكش على وفاء بغضب : الحين باجيك بالعصاية يا وجه العنز ؛ دشري ولدي عنك توبه جاي من الدوام وتعبان.
ارادت وفاء ان ترد ولكن اسكتها نزول أخيها أبو بدر وزوجته من جناحهم لمشاركتهم الغداء فاكتفت بالأشارة بتهديد لصلاح الذي استمر بتحريك حواجبه وأغاضتها .
ابو بدر قبَّل رأس امه باحترام وسأل : وين الوالد الله يحفظه ما أشوفه ؟
اجابت أمه : تلقاه بمكتبه ينطر حضور الجميع للغدا .
صلاح بملل : ومين اللي مأخرنا وبعده ما جا ؟
داهمه صوت غاضب من خلفه : في اللي على راسه كل الشغل واخوه تاركه يدير الشركة بروحه عشان يتصيع ويتهمل .
صلاح باعتراض : يعني يا أستاذ عبد العزيز لما أرافق صديق بحاجتي بكون بتصيع واتهمل ... بس بقول لنا رب .
عبد العزيز يوجه كلامه بعصبية لأمه : شايفة شلون الدلال خرَّب ولدك .... والله انه ما يصلح أجير بمخبز والا ببقالة .
وفاء ضحكت بصوت عالي وتضرب كفاً بكف : أي والله بهذي صدقت ههههه .
أخرستها نظره من أمها وأخوانها وسناء تنظر لها بشماتة لانها دائماً تحرج نفسها بالمراددة مع صلاح .
صوت الأب دفع العائلة جميعاً نحو غرفة الطعام وجلس الأب بهيبة يحيطه أبناؤه باحترامٍ بالغ وهو ينظر لهم ويتفقدهم وبحنانٍ : وينها آلاء ما أشوفها ؟
صوت ناعم يسبق صاحبته دخول الغرفة : أنا هنا يا بابا ؛ هذي جيتي من الجامعة .
ابو تركي : الله يعطيك العافية تعالي واتغدي .
آلاء ترمي كتبها جانباً وبقصد : بروح بغسل أيدي أول ولو أن بعض الناس اللي يتسكعون قدام الجامعات روَّحوني معهم كان ما تأخرت .
صلاح نسي نفسه وبضيق : ما شاء الله عنك تبغين أركبك معي قدام ربعي يل ما تستحين !
نظر له أبوه نظرة بمعنى حسابك بعدين .
بدأ الجميع بتناول الطعام بشهية والكل يمدح بالطعام وفخامته وطيبه
... يا سلام وش ذا الزين من زمان عن هالطبايخ السنعة
... والله الشوربات لحالها لها نكهة غير
... أقول هذي السلطات عربية والا غربية
... لا تكثرون ترى الشيف الجديدة عاملة كوكتيل حلويات شي رهيب
وفاء كعادتها تستعجل بالكلام : تعالوا وشوفو الشيف بروحها تقول قطعة من القمر ونزلت عندنا .
الصمت ساد الأجواء بعد كلماتها وأمها تشير لها بلوم شديد فكلامها لا يصح .
صلاح يصفر ويتنهد : أويلااااااااه ذبحني العطش ابي موية .
وقام ليذهب للمطبخ ولكن أمه نادته بحزم : أجلس يا صلاح والموية قدامك اشرب وانت ساكت .
صلاح بمزح : والله ما اقدر اسكت يا أم تركي تراااه قلبي هف هفة مقيط ورشاه ..... يا حلاته هالطباخ ما شفت مثله.
آلاء تكلمت بغصة : لو كان فارس هني كان عجبه الأكل حيل هذا الطعام اللي يحبه قلبه .
الكل صمت واتجهت الأنظار الى أم تركي التي ما أن تسمع اسم فارس حتى تنهال دموعها دون توقف ؛ فاختارت الانسحاب عن مائدة الطعام بهدوء .
عبد العزيز بغضب : وانت يا لطيف ما تعرفي تقولي كلمة خير أبد ؛ ما عندك الا البؤس والنكد .
أبو تركي من جديد أسكت الجميع بنظراته الحادة فهو رجل عسكري سابق له هيبته ومكانته ودائماً ما كانت نظرة منه تسكت الجميع وتفرض أحترامه.....
******
=========>>>> يتبع
******
اسلام منسجم في عمله ببرمجيات خاصة بفاقدي البصر عندما جاءته مكالمة ..
معاذ : أخ اسلام أنا معاذ ابو نور وبغيتك بسؤال ؟
اسلام بتوجس : اتفضل انا اسمعك .
معاذ بقلق : تقدر تفيدني بمعلومات عن سبب ترك بنتي للعمل في شركتك وتركها للبعثة الدراسية ؟
اسلام تتقلب عليه المواجع والأحزان فأجاب بأقتضاب ليخفي ألمه : كأني سمعت انها تزوجت عشان كذا تركت العمل .
معاذ أصابته الصدمة وبحرقة : انت متأكد؟
أسلام بقهر : أي متأكد.
أغلق معاذ الهاتف والصدمة تلجمه عن أي كلام " معقول بنته نور متزوجة ! طيب وينه زوجها وليه عايشة مع أمها وش في بعد أسرار ما أدري بها .
قطع أفكاره مكالمة من زوجته السابقة نرمين
رد عليها باحترام فهم بالنهاية انفصلوا بالأتفاق ؛ لا هي تحملت كثرة تشدده وشكوكه الغير معقولة ولا هو تحمل حريتها الزائدة في حياتها وسلوكاتها .
نرمين بضيق : هيدي علاء مجنني بدو يسافر مع رفئاته برحلة لبرلين وانت بتعرف شو بخاف عليه .
معاذ بحزم : علاء بعده صغير وما يجوز يسافر بروحه ؛ اذا بيروح معه أيهاب به ونعمت والا ما في روحة ؛ قوليله ابوك الحين بيسحب بطاقاتك واشوف عاد شلون بيسافر .
أغلق معها المكالمة واتصل مع أيهاب يوصيه بأخيه خيراً وعدم تركه لأي سببٍ كان..
ثم خطرت على باله فكرة فاتصل مع أم عزمي وسألها عن حقيقة زواج نور ؛ فأخبرته بملكتها على ابن عم زوج خالتها واسمه بندر ويعمل بالخارج وان زواجهم سيكون بالصيف القادم .
وهو بالمقابل أخبرها بأنه عمل حساب لنور بالبنك ووضع به مبالغ كبيرة وسيسلمها البطاقات المصرفية لتعطيها لنور وانه سيقوم بشراء منزل فخم ويسجله بأسم نور ليكون لها ولأمها ...
****
الفضول وحب الجميلات دفع صلاح لدخول المطبخ في غفلة عن الجميع ليتفقد القمر الذي تحدثت عنه وفاء ؛ أغلب العاملات يعرفهن جيداً .. وفي أحدى الزوايا تقبع فتاة مؤكد هي... وهو الخبير الفطين .... تغطي وجهها وتجلس بخشوعٍ يخالطه التعب وتمسك بيدها بمصحفٍ صغير وتتلو كتاب الله بخشوعٍ تام منعزلةً عما حولها ... شعر صلاح بهالة ربانية رحمانية تحيطها وكأنها غلافٌ يقيها كل ما حولها من أشعاعات نظرات الخلائق الضارة والمستبيحة للمحارم والجسد ... هالة من الوقار والعفة لها شعاع بقوته يطهِّر قلوب المحيطين فتجفو غرائزهم عن اقتحام خصوصيتها وطهرها وعفتها .
غادر المطبخ مسرعاً وقد عزم على أحترام هذه اللؤلؤة المكنونة في سترها والمتوَّجة على عرش النقاء والطهر .
الشباب يخطؤون ويميلون بغرائزهم حد الأنحطاط بالقذارة واتباع الشهوات .. ولا عذر لمن يهتك ستر القوارير أو اي مبرر .. ولكن أليس لك يا بنت حواء هالة من الوقار أوجدها الله لك واخترت نزعها من غير ندمٍ او تفكير .. هالة قوامها كتاب الله وعمادها حفظ الصلاة وأركانها حجابٌ ودعاء وتحصينٌ لحواسٍ تقتضي مهامها التواصل مع العالم بخيره وشره ...ووجاؤها صومٌ خالصُ لله لا يشوبه رياء .... ادفعي بالتي هي أحسن ولا تكوني الا عوناً لهم لتجاوز وساوس أبليس وتلبيسه للمنكر بثوب الحرية والأنفتاح...
توجه الى جناح أمه ليجدها لا زالت تبكي ألماً وشوقاً لأبنها المغامر المغادر دائماً دون رأفةً بحال أمه المتعبة ؛ جلس معها طويلاً يحدِّثها ويضحكها حتى تحسنت حالها ثم غادر كعادته يبحث عن التسلية برفقة أصدقاء الجهل والضياع..
***
لم تأكل شيئاً ولم تر الست جليلة بعد الغداء لتخبرها رأيها بالطعام ؛ فقط سناء جاءت وشكرتها بحرارة على تميزها في طهي الطعام وأعداده ؛ هذه البنت غاية بالرفق واللطف والرقة لا تصلح بأن تكون من البنات الغنيات المتعاليات المتكبرات .. سبحان الله كم تفرق عن بنات عمها !! حتى وفاء كتلة من الرفق والحب والحنان ... معقولة هذي العائلة تشذ عن قاعدة العوائل الغنية !!
تهاني سبقتها بالمغادرة وهي تحمل ما استأذنت بأخذه من طعام لأبيها واولادها وكلها فخر بانه من اعداد ملاك الرائعة .
الى متى تنتظر ! واضح أن الست جليلة نسيتها .
ناداها أبو تهاني حتى تعاود معه في سيارة الطلبات الخاصة بالعائلة فقامت منهكة وبأمل أن تعود في الغد من جديد ودموعها تنساب من تحت غطائها تناجي البعيد ...
"متى تطلع يا الغالي .. لو بيدي أطوي الأيام أو أغمض عيوني وافتحها وانا بين أحضانك أناجيك ... اشكي همومي وأوجاعي وابكي من فرحة لقاك وأنا بعد ربي راجيك "
أما أم تركي فكأن ابنها البعيد شعر بأرواح تناجيه .... ارواح تقاربت وهي لا تدري بقربها ... زوجة وأم كلتاهما تعاني أوجاع الجسد وأوجاع الشوق للغائب البعيد .
أسرع ليطفئ بعض شوقه ويكلّم أمه ويشكي لها شوقه ووحدته في غربته ويريح قلبها المتعب من قسوة الدموع والأنتظار ..
****
للأسف تهاني لم يخطر ببالها ان لا تأكل ملاك في القصر فلم يبقى من الطعام الا حصة العجوز المتعب وكان يأكل باستمتاع وهو يشكر ملاك على ابداعها وهي تكتفي بابتسامة ولا تبدي ما في داخلها من ضيق .
تهاني تتكلم بحماس لنغم عما حصل في القصر : والا أم بدر جت وتشكر وتشكر في البت ملاك وتحقق معاها ازاي تعلمت تعمل الحلويات اللزيزة دي .
ملاك باستفسار وقلق : يعني الست جليلة وافقت اني أشتغل عندهم ؟
تهاني بضحكة : امّال .... وانت تئدري تطلبي المرتب اللي تعوزيه ، ما حدش حيئول لأ.
ملاك وضعت يدها خلف ظهرها بتعب : طيب ليه ما جت وبلغتني بهالكلام !
تهاني بتفكير : أنا سمعت البنات بيئولوا انها تعبت وما كملتش أكل معهم ؛ يمكن عشان كدا .
ثم أكملت وهي تنظر الى ملاك باستغراب : انت أيه اللي يوجعك بالزبط ؟
ملاك اعتدلت بجلستها : والله مدري كل شوي الوجع بمكان لكن أكثر شي بيتعبني نغزات في صدري .
تهاني بحزن : في عيادة طبية بآخر الحي دا بتعالج مجاناً كل آخر أسبوع حأخدك عليها وتطمني بأزن الله .
******
بينما فاطمة يشغل تفكيرها فهد وسبب أنقطاعه عنها حتى رسائل ما عاد يبعث .. تأتيها رسالته المقتضبة " السلام عليكم انا الليلة بزوركم بأذن الله بعد المغرب "
نظرت الى الساعة وبخوف : ما ظل وقت ؛ وقامت كالمجنونة لتجهز نفسها ثم تذكرت انها لم ترد على رسالته فعادت تركض وأمها تبتسم من حركاتها المضحكة .
تتزين او تلبس او ماذا تفعل ! بل من اين تبدأ ؟ وينك يا عزيزة تنجديني ؟
سارعت لتتصل بعزيزة بارتباك : عزيزة قوليلي وش أساوي والله مرة مرتبكة .
عزيزة تبتسم وهي تجدل بشعر دالية : اسمعي البسي الفستان الموف اللي شريناه واستعملي الميك أب الليلك من لوريال وخله خفيف ناعم وشعرك سيبيه يغطي كتفك والبسي الصندل المشبك الطويل ؛ كذا بيكون اجمل وأرقى
وما تنسي رشة عطر خفيفة ؛ لا تكثري بتدوخين الرجال ونبتلش بيه ههههههه.
أغلقت الهاتف مبتسمة دون أن تلحظ وجود ناصر في الصالة بقرب غرفة دالية ويستمع كلامها واسلوبها المضحك ودون أرادة منه يبتسم ويتمنى لو تخرجان للجلوس معه فهما من بعد الغداء دخلتا غرفة دالية وتركتاه وحيداً .
نادى : دالية ... دالية
دالية بنعومة : نعم يا بابا
ناصر بقصد : تعالوا أجلسوا معي بالصالة .
دالية ترد : مشغولين يا بابا روح اتسلى عند عمي سليمان أحسن ما تظل لوحدك .
ضحك ناصر من كلماتها فهو كان دائماً عندما تشتكي له من الضجر يقول لها " وش رايك اوديك عند عمك سليمان تتسلين مع اولاده "
قام ناصر وفتح الباب وجلس مقابلهما ويناكف بابنته الشقية : كذا بتصرفين بابا حبيبك ما تبغينه معك بالبيت !
قامت دالية وجلست بحضنه لتراضيه : لا بابا ما قصدي ؛ لكن انت وخالتي عزيزة ما تحبون بعض وما تتكلمون سوا قلت بأقترح عليك تروح عند عمي سليمان تتسلى .
نظر ناصر بأحراج الى عزيزة التي أشاحت بوجهها عنه وتلهي نفسها باللعب بجوالها محاولةً عدم الإكتراث .
وهمس بأذن ابنته بكلام لا يريد لعزيزة أن تسمعه....
حتى جاء صوت رسالة على هاتفها وواضح عليها التركيز في قرائتها ثم ردّت عليها بتأني وناصر يأكله القهر يحاول أن يعرف ما الذي تخفيه زوجته او مالذي يشغل بالها وهو لا يدري عنه !!
***
كما في الخطوبة تشعر بالأحراج والتوتر ولكن هذه المرة يخالطه شعورٌ جديد يجمع بين الشوق والإضطراب .
سلّم عليها وجلس وتجرات لترفع عينيها بنظرة خاطفة نحوه ، أنيق كعادته وان كان يبدو عليه التعب ؛ ما بين مجاملات أمها واحاديث راشد المملة يمضي الوقت وجزء في داخلها ينتظر اللحظة التي يجلسان بها معاً ولوحدهما دون عزول ....
احمرَّ وجهها من الفكرة وهي تعاتب جرأتها بل وقاحتها ان صح التعبير ....
غادرت امها وأخوانها وهي بقيت على حالها وتوترها يزداد .
تفاجأت لانه لم يأت ليجلس بقربها كما في المرة السابقة مع أنها الآن أكثر تقبلاً له ولقربه بل ... لحبه .
باتت تدرك الآن مشاعر الحب والغرام وينبض قلبها بها ومن يحب يطلب المزيد من محبه ليغدقه عليه شوقاً وتعلقاً فيقابله دلالاً وتمنعاً ؛ لكنه للآن لم يحرك ساكناً بل تكلم بكل جدَّية وصوته واضح فيه التأثر والتعب : فاطمة أبغى أسألك عن شي واتمنى تجاوبيني بصراحة .
رفعت رأسها وقد اربكتها جديته ؛ ليكمل هو بوضوح : صديقتك ملاك تدرين وين أراضيها ؛ عندك أي خبر أو معلومة عنها ؟؟
شعرت بالدنيا تدور من حولها وبساتين الحب اليانعة في قلبها تحترق وأحلامها الوليدة تدفن أمامها ... هكذا أذن !! صدق حدسها وتوقعاتها ؛ هو لا يحبها ولا يريدها وربما لن يتمّ زواجه عليها ، هدفه الوحيد ملاك هي عشقه وغرامه ...
تملكها الحنق والقهر ولكنها تماسكت ؛ رفعت رأسها نحوه وبثباتٍ زائف : ليه تسأل عنها ؟
فهد وعنده أمل أن تعرف فاطمة شيئاً عنها : أهلها يدورون عنها وحالهم صعبة ما يعرفون عنها شي .
شدت على أسنانها وهي تكتم صرخة تكاد تخرج من داخلها وتنفجر بوجهه " أكيد وواضح انت اللي حالتك صعيبة "
كتمتها بصعوبة وقالت بصوت مخنوق : أبد من طلعت الحوش ما أدري ولا أعلم عنها شي .
ظهرت علامات الخيبة على محياه بعد أن كان هناك بعض الأمل ولكن ما باليد حيلة " وين بتكونين الحين يا ملاك وش هي حالتك وأحوالك ؟"
قام واستأذن بالخروج وهي جلست بخيبة وألم وانهارت مستسلمة لدموع لم تقو على حبسها أكثر ؛ وضعت يديها على صدرها محاولةً تخفيف آلام صدرها المجروح وأي جرح وأي ألم .... هي طعنة وجهها هذا المجرم الى قلبها النابض حديثاً بمشاعر صادقة نقية طاهرة أصابتها ببراعةٍ فلم توقف نبضها فقط بل قتلها ببرودٍ واقتدار .
****
بعض الراحة تسللت الى قلبها عندما أستقبلتها أم تركي بابتسامة وطلبت منها مهام محددة تقوم بها كل يوم وهي وافقت بحماس " أخيراً بشتغل وأنا مرتاحة ".
دخلت سناء على استعجال وقبَّلت أمها ولم تنس ان تسلم على ملاك وتقول لأمها بنشاط : أخيراً الأجازة خلصت وبرجع دوامي .. يعيش الدوام يعيش ... وأسرعت بالخروج وأمها تتأمل مشيتها بحزن .
ام تركي بابتسامة حزينة : سناء خريجة تأهيل وعلاج طبيعي وتعمل بمركز تأهيل مع أنها ما هي بحاجة لكن تقول العمل عبادة .
لا أرادياً تعود ملاك لمقارنتها مع بنات عمها اللواتي يحملن جميعهن شهادات جامعية لكن ولا واحدة منهن تعمل بشهادتها وكأنها ديكور أو من مستلزمات المكانة الأجتماعية .
تابعت بأنصات تعليمات أم تركي وكلها همة للعمل والأنجاز .
******
تقرأ سناء بتمعن ملف الطفل عادل الذي سيبدأ اليوم أولى الجلسات العلاجية ؛ ومع كل كلمة تقرأها تشعر بالأسى لحالته فهو لن يسير بشكل طبيعي في قادم أيام حياته وهذه أقدار كتبها خالق الكون على خلقه لا يملكون الا الرضى والصبر فينالون المكانة العالية عند خالقهم او لا سمح الله يسخطون ويعترضون فيخسرون الدنيا والآخرة .
بدأت تجهز الأدوات وبرنامج العمل واستقبلت الطفل الذي تحتضنه جدته بحب وحنان وتناولته منها .
من اول نظرة لهذا الصغير وقعت في حبه خاصة عندما ابتسم في وجهها ؛ ما أجمل براءة الأطفال وما أنقى أرواحهم .
قطع انسجامها صوتٌ رجوليٌ خشن يسأل عن العلاج وبرنامجه وكيفيته ..
لا تستسيغ الحديث مع الرجال ولا ترغب بمحادثته ؛ خاطبته بحدة : عندك طبيب المركز يشرح ويوضح كل شي يتعلق بالعلاج .
تفاجئ عامر من ردها وكاد يرد بغضب لولا أن أمه نظرت له برجاء فقام بضيق باتجاه طبيب المركز يستفسر عن علاج ابنه .
حملت سناء عادل الى غرفة العلاج برفقة أم عامر وهي تشرح لها بالتفصيل عن العلاج وأساليبه ومدته وعامر يأكله الغيظ منها ما دامت تعرف كل شيء لماذا لم تجب على أسئلته !! لكنه سرعان ما عدَّل ملامحه عندما رآها تعرج في مشيتها .....
******
ام عزمي تراجع بعض الحسابات مع نور وقد أخبرتها بما قاله معاذ عن البيت والحسابات البنكية لها ؛ نور تشعر بالضيق من أبيها ولا تكاد تطيقه ولكن ما يضايقها أكثر هو هذا الخطيب الذي فُرِض عليها ويدق على هاتفها منذ الصباح دون ملل رغم أنها لم ولن تفكر بالرد عليه أبداً .
أم عزمي باستغراب : منو هاذ اللي كل شوي يدق !
نور بقهر : هذا عريس الغفلة فاضي بال ويبغى يتسلّى .
ام عزمي بتذكر : صحيح أبوك سألني عن زواجك ومبين عليه ما عجبه الأمر .
نور باستهزاء : لا والله يطلعله يعجبه او ما يعجبه وكأني بأسمح يكون له دور في حياتي .
أم عزمي بحكمة تنصحها : يا بنتي الأب بيظل أب وما في مثله سند للبنت من جور الأيام واللي تفهم وبراسها عقل ما تقطع حبال الوصل مع أبوها لأنها بكذا تحرم نفسها من الحماية والأمان .
نور تفكر بكلامها ولأول مرة يخطر على بالها فكرة لم تكن لتفكر بها أبداً لولا كلام أم عزمي وتنبيهها .
*******
منال غارقة في دموعها ، اولادها لا يعرفون ما بها وزوجها ليس بيده شيء للتخفيف عنها ، عرض عليها العودة للبلاد ولكنها رفضت ، لن تخالف قرار أمها وهي أخيراً وبعد سنوات طويلة نالت رضاها وليس بعد رضا الأم بابٌ للجنة .
تجول بالبيت كأنها تبحث في ثناياه عن ملاك وتتفقد الهاتف كل دقيقة لعل رسالة او خبر يفرح القلب ويجبر الخاطر ، تنام في بحرٍ من المخاوف فتصحى بعد دقائق تائهة وتنادي على ابنتها الضائعة ... تهرع الى كتاب الله لتجد فيه السكينة وراحة البال .... قيام الليل وصلاة تهجدٍ ملؤها الدموع والتضرع بحفظ ملاكها وكلها ثقة برحمة الله ولطفه.
في محنتها كلهم تخلوا عنها الا هي ، تذكر عندما كانت تبكي بغرفتها بالساعات فتأتيها ملاك لتمسح دمعتها وتحتضنها لتخفف عنها ، كانت تراها طفلة غاية في الجمال والذكاء وسرعة الألمحية ؛ تذكر انها ربتها واحسنت تربيتها وزرعت فيها الخصال الحميدة وتستغل كل لحظة لزرعها فيها فهي لا تدري متى سيحين الوقت وتضطر لأرجاعها الى أهلها ، لا تريد أن يطالها العار الذي لحق أمها وتعلم يقيناً ان أمها لن ترضى ببقاء ابنتهم عندها .
كانت ملاكها تشكو لها عدم مقدرتها على النوم بسبب بكاء امها المستمر طوال الليل فتقول لها منال بقلة حيلة : تخيلي روحك في غرفة لها جدران سميكة وما تسمعين أي صوت أبد .. ولأنها طفلة صدقت أمها فالأم كلماتها مقدسةٌ مصدقة تحفر في الذاكرة ... ولأنها ذكية دربت نفسها أن تنام ولا تستوعب شيئاً مما حولها ... ولأنها ملاك أصبح نومها ثقيل فجدران نومها سميكة كي لا تسمع بكاء أمها في الليالي الموحشة ....
استيقظت على صوت سعال ابي تهاني ، وأسرعت بأيقاظ تهاني لتعطي علاجاً لأبيها ؛ تستغرب لماذا لم يعد نومها ثقيلاً بل غدت تستيقظ لأي حركة او همسة ، ربما هو الشعور بعدم الأمان او بسبب التعب والأرهاق او تلك النغزات البغيضة ... لا تدري ... المهم عليها ان تعاود النوم فبالغد ينتظرها يومٌ شاقٌ ومتعبٌ وطويل ...
******
عزيزة مثل كل يوم توصل دالية الى مدرستها وتمضيها بمراجعة دروسها والأحاديث المنوعة معها .
دالية كمن تذكر شيئاً : تدرين بابا أمس خبرني سر .
عزيزة بابتسامة : أدري ما أنا شفته يهمس لك بالكلام
دالية : ما تبيني اعلمك بالسر اللي بينا.
عزيزة بتحريص : لما يكون في سر بينك وبين بابا لا تبلغينه بأحد ماشي .
دالية بأحباط : ماشي
اوصلتها عزيزة الى فصلها وتحدثت مع معلمتها ثم أقتربت منها كالعادة تودعها بقبلة .
احتضنتها دالية وهمست بأذنها ما لا تستطيع أخفاءه في قلبها هذه الطفلة الصغيرة : بابا يقول انه أهو كمان يحب الخالة عزيزة .
وقفت عزيزة مصدومة مرتبكة لسماع كلمات كانت تدري أنها ستجعل ناصر في النهاية يقولها ومن كل قلبه .....
.
.
.
.
انتهى الفصل
رواية رحلة عذابي أنا 💘 الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم عشق جنوبي💞
الفصل : الثاني والأربعين
بعنوان #نبضي_يسنده_نبض
علي يجافيه النوم كالمعتاد في الفترة الأخيرة ، ينظر بشفقة الى اسراء المنهكة فهي حامل من جديد ، بات يراها شديدة التعلق به خاصة بعد حادثة اسلام واصابته بالعمى ، ترى فيه السند والعون والاب والزوج والصديق ، شفافيتها ووضوح مشاعرها أشبه ما تكون كطفلة وظاهرها كباطنها لا تخفي ولا تجاهد بأخفاء مشاعرها كما يفعل هو ...
هو يتظاهر بالتماسك وقلبه يكاد ينفطر خوفاً على تلك الملاك ، كانت ترى فيه الأخ والسند لها ولكنه خذلها كما خذل أخيه خالد ... أصدر الأحكام وتسبب بأخراجها مطرودة ومقهورة من بيتهم .. ليته كان يعلم بصدق مشاعر خالد تجاهها أو على الأقل بحبه لها ؛ ربما أختلف الأمر لو سارع الى تبرئة ملاك ؛ ربما كانت الآن تعيش معهم في رغد وراحة وأمان ... ااه ما أغباني ... لو يحصل لها شيء فلن أسامح نفسي مدى الحياة ... أعتقدت أنني بعدم قول الحقيقة أنقذها من براثن خالد بل من كل الظالمين من حولها ... فتعود الى جدتها وتعيش بأمان بين من يحبونها ... خالد لم تكن مشاعره واضحة ولم يسبق أن صرَّح بحبه لها بل الغالب كان سخطه وكرهه وحقده عليها ؛ خفت عليها منه وخفت من بقاءها عندنا .... والآن أحصد الحسرة والخوف عليها وعلى أخي الذي ما عاد يكلمني ولا أظنه سيسامحني أبداً طول العمر .
****
بعد أن دار في كل مكانٍ قد يخطر بباله للبحث عنها دون فائدة ، توجه الى المشفى ليمضي باقي الليل عند عمه أبو طلال ؛ يشعر بهمه وبحالته ؛ ملاك كانت مسؤولة منهما دون الآخرين ولكن كلاهما فرط بها ولم يحسن لها او يحسن معاملتها ؛ أب قاسي وزوج ظالم ..
فتح ابو طلال عينيه ونظر الى طلال النائم باستسلام والى خالد المهموم ، رفع سريره ليعدل جلسته ثم قال : خالد انت ليه طلقت ملاك ؟ ما كانت تطيعك او عملت شي أغضبك .
ابتسم خالد بألم ورفع رأسه الى الأعلى ليستعيد الذكريات ثم ناظر عمه وبغصة : طلقتها لأني أنسان ظالم مثلي مثل كل اللي حولي والا الحق أني ما شفت منها الا البراءة والأحترام وال.... خوف .
ابو طلال باستغراب : الخوف!
هز خالد رأسه وهو يحاول التماسك : ما أدري لكن كانت بس تشوفني يتملكها الخوف وتحاول تهرب ؛ لكن بالفترة الأخيرة صرت ألاحظ الخوف يقلب أحترام وحياء شديد لدرجة انها ما تعمل شي الا بأذني مثل امتحانات الثانوية .
أبو طلال بأسى : لعاد ليه طلقتها يا ولد أخوي .
خالد بأسى أكبر : قلتلك لأني ظالم وحكمت عليها من غير ما أسمع أو اتوثق وربنا راد بعد سنين أني أكتشف كم هي عندها عزة وكرامة وأنا فرطت بيها بكل سهولة.
أبو طلال : أن شاء الله بنلقاها وتكون بخير وعهد علي أعوضها كل اللي فات .
خالد بتشجع : واتمنى يا عمي لما بنلقاها أنك توافق أرجعها على ذمتي وأوعدك أني أحطها بعيوني .
أبو طلال بأمل صادق : يا رب ألقاها وأكحل عيني بشوفتها ، وعهد علي ما أجبرها على شي ، أن بغت ترجع لذمتك ما أمانع.
****
رقم غريب يرن عليه ...
أجاب معاذ فأتاه صوت انثوي خفيض بكلمات معدودة : انا نور .. اريد أتحدث معك بأمر مهم .
غمرته مشاعر الأبوة بسماع صوتها وخانته دموعه ربما فرحاً وربما أملاً في أن يأتي اليوم الذي تغفر له أبنته ما أقترفه هو وأمه في حقها .
انقطاع صوته جعل نور تشك بانقطاع الأتصال لكنه تدارك الأمر وقال بحنان بالغ : الك عمري لو تطلبينه .
نور برسمية : ما ينفع عالتلفون ؛ وين أقدر اشوفك ؟
معاذ بحماس : تعالي بيتي ؛ الحين بأعطيك العنوان ..
قاطعته نور بحدة : ما أبغى أروح بيتك اذا ممكن في مكان عام بيكون أحسن ...
في المقهى جلست نور بارتباك وقد طارت كل الكلمات التي تدربت على قولها وأبيها فقط يتمعن بها ويطيل النظر دون كللٍ او ملل ؛ لم يستعجلها بالكلام ولم يسألها عن شيء ، مجرد وجودها أمامه هو نعمة يشكر الله عليها ؛ ليته يستطيع ضمها بأحضانه وتعويضها عن عذاب السنين .
أخيراً لملمت شتات أفكارها وقالت بثقة : أكيد سمعت عن خطبتي .
سكتت وهو رد بحزن : واتمنالك السعادة ما دام هذي رغبتك واختيارك .
اكملت بنفس الثقة : هذا الزواج ما هو برغبتي ولا أختياري .
نظر لها بدهشة وهي أستمرت : هذا زواج فرضته علي الظروف وقلة السند وخوف أمي علي من أي شي أو كل شي ؛ وانت الحين باعتبارك موجود ؛ أطلب منك تنهي هذا الزواج بأي طريقة لأني ما أريد أستمر بيه .
معاذ لا زال مصدوم ولكن قال : أكيد شي ما هو برضاك لا يمكن أقبل باستمراره ؛ بس أمك تدري برغبتك هذي وما عندها أعتراض .
نور بغموض : للحين ما كلمت أمي ؛ قلت أشوف رايك بالأول .
معاذ بحيرة : يعني أمك ممكن تزعل أو تعترض؟
ردت نور بعصبية : هي حياتي والا حياتها !
ثم تمالكت اعصابها وقالت : انا بأقنعها وبأذن الله بتسمع كلامي ؛ المهم الحين ابغاك تتواصل مع زوج خالتي وتنهي هذا الزواج .
معاذ بنية صادقة : بأذن الله ؛ لا تحملي هم شي أنا كل اللي يهمني سعادتك وراحة بالك يا بنتي .
الكلمة الأخيرة هزت مشاعرها وكادت تدفعها للبكاء لكن تماسكت وهي تقول : وبعد عندي طلب أذاتقدر تساعدني بيه .
أخذت نفس وقالت بثقة : أريدك تكلم مدير الشركة الي كنت بأشتغل بيها وتقنعه يرجعني للعمل .
معاذ بهدوء : ايش رايك تشتغلين بفروع شركاتي الي بدأت أنقلهن للبلاد وتكوني عون لي بيها .
نور بحدة : لا ما أبغى ؛ أريد شغلي السابق وبس .
معاذ لا يريد ان يضغط عليها رد بحنان : أبشري باللي تبينه ؛ ثم وضع امامها مغلف وقال : ترى البيت اللي شريته لكم جاهز وبأي وقت تقدرين تسكنينه ؛ هذا عقد ملكيته ومفاتيحه وبطاقات الصراف لحساباتك بالبنك .
دفعت المغلف بقوة ونظرت له بعيون ملؤها التحدي : انا الي ابيه منك قلته وغير كذا ما يهمني ولا أبغى منك شي .
وقامت مسرعة لتغادر قبل أن تخونها دموعها وتضعف أمامه وعادت الى البيت الوضيع الذي تسكنه مع أمها في الحي الفقير والتعب من أخفاء مشاعرها قد بلغ حده .
قابلتها أمها بغضب : وين رحتي يا نور؟ الي ساعة برن على تلفونك مقفل ؛ وش في عندك؟
نور بأرهاق : رحت أقابل ابوي .
منيرة جلست على الأرض وبصوت مخنوق : وليه رحتي تقابلينه ! ليكون بترجعين عنده وتتركيني !
نور جلست بقرب أمها وبهدوء : رحت طلبته يطلقني من بندر .
أم نور أصابها صدمة وبقوة شدتها من عباتها : ما هو على كيفك تتطلقين ؛ بندر رجال محترم ويصونك و....
نور بصراخ : ما أبغاه وما أطيقه وما أحبه وأذا ودك تصممين على زواجي منه ترى بأذبح روحي ...ثم انهارت بالبكاء وهي تصرخ : والله بذبح روحي واريحك مني ومن عاري وهمي ؛ انا ما أحب الا اسلام وما رح كون زوجة لأنسان غيره ؛ ارحميني يما وحسي معي ولو مرة واحدة بحياتك ؛ انا غلطت وأعترف بغلطتي لكن اوعدك ما عدت أكررها ؛ خليني بس أعيش الحياة الي أبيها وامشي بالطريق الي أخترته عن قناعة ؛ لا توقفين في وجه سعادتي ياااااااا أمي .
*****
لم يعجبها المكتب الذي أختاره ناصر لها رغم فخامته والمبالغة في تأثيثه وديكوراته لأنه بعيد عن كل الأقسام وأقرب ما يكون لمكتبه " شكله ناصر يبغى يتحكم بي وبشغلي !! لكن بأحلامه ، أنا عزيزة والأيام بيننا يا زوجي العزيز ..."
بينما ناصر يشعر بالراحة لأنها أصبحت عنده وأمام عينيه ، رن هاتفه وتفاجئ بالمتصل ....روعة .. أخيراً وبعد غيبة تتصل به وهو لا يعلم سبب أنقطاعها عنه !!
وروعة يأكلها الحقد والغضب من عزيزة ولا بد أن توجه لها ضربةً قاسية في علاقتها مع زوجها وربما أكثر ..
ناصر : يا هلا بالقاطعين .... والا ما عدتم بحاجتنا نسيتونا !!
روعة بغنج بالغ : يعدمني عمري أذا بأنسى جميلك ومساعدتك استاذ ناصر ولكن غصب عني أنجبرت ما أعود أكلمك .
ناصر بصدمة : وليه من جبرك ما تكلميني !!
روعة بحزن مفتعل : والله كأنها الست عزيزة ما عجبها أني بكلمك عشان كذا قامت ترمي علي بالكلام قدام أختي بحفلة النقيب فهد اني بكلمك وأبعث لك رسايل ولا بعد عن زياراتك للبوتيك والكل يسمع .. وصاروا أمي وخواتي يعزرون علي ويلوموني ؛ فأضطريت أقطع صلتي وكلامي معك عشاني وعلى شان سمعتي اللي شوهتها مرتك .
وتظاهرت بالبكاء وناصر تمالك نفسه ليخفف عنها : ولا تزعلي يا أخت روعة وحقك علي واوعدك ما يتكرر اللي صار .
روعة لم تعجبها كلمته " أخت روعة " فأكملت بغنج زائد : والله على قد ما أنا زعلانة منها الا أن عتبي الأكبر عليك .
ناصر بضيق : وليه تعتبين علي!
روعة بخبث : لأنك تطلعها على مكالماتنا ورسائلنا مع ان هذا عمل وما يصير أي أحد يطلع عليه .
بصعوبة استطاع ناصر انهاء المكالمة مع روعة وهي تظن أنها شحنت قلبه على زوجته ولا تدري أن ما فعلته أحيا في قلب ناصر شعور جميل وأمل بأنَّ عزيزة قد تحبه كما يفعل هو ..
يشعر بتشوش والأفكار تتزاحم في رأسه .." أدري بعزيزة قوية وجريئة لكن ليه عملت كذا مع روعة !! معقولة في قلبها مشاعر جهتي وتغار علي من روعة !! والا كيف عرفت أني رحت لها البوتيك وأبعث لها بالرسايل لولا انها مهتمة بي وتتابع كل شي أساويه "
أسترخى على كرسيه الفخم والأبتسامة على وجهه والسعادة تغمر قلبه وشبك يديه خلف رأسه وهو يتخيل أن عزيزة تغار عليه وتقف بوجه كل من تحاول الأقتراب منه .
نعم يعترف لنفسه بأنه يحبها وما عاد ينوي اخفاء حبه أكثر ؛ أستيقظ من أفكاره وقام ليتفقد عزيزة ومكتبها الجديد بقربه وأمام عينيه .
*****
تأقلمت ملاك بالعمل الجديد بسرعة وكسبت ثقة الست جليلة " أم تركي " ورغم أن العمل أصبح يتعبها أكثر ولكنها تتحامل على تعبها ونغزات صدرها لتثبت كفاءتها عند الجميع .
وفاء تجالسها كثيراً ، فهي لا تدرس ولا تعمل وواضح انها اجتماعية وتحب العلاقات مع الناس والكلام وأسلوبها جذاب وتجعل للحدث أثارة وتشويق بنبرتها وأسلوبها المرح وتقول عن نفسها " ماني فالحة بشي غير الأكل والكلام " .
صحيح هي ممتلئة قليلاً ولكن ليس على نحو لافت وخفة دمها وميلها للمزاح يطغى على شخصيتها .
شهقت وهي تقول : معقول انت معك معهد متوسط .
ملاك بثقة : أي والحمد لله كنت الأولى بتفوق .
وفاء بحسرة : يهنيالك يا نغم ؛ والله انا عدت الثانوية ثلاث مرات وما نجحت بها ؛ ما أدري كأنه الكلام ما يفوت مخي عامله بلوك .
ملاك بابتسامة : يجوز ميولك ما هي للدراسة ؛ ما حاولتي تتعلمين مهنة أو حرفة او أي دورات تدريبية.
وفاء بقرف : مالي روح ولا خلق أقعد وأتعلم أحس بروحي تطلع ويدي لو أساوي بها أي شي بيخترب ههههههه.
ملاك بضيق : وليه تضحكين يعني مستحيل الا في شي تحبينه وشاطرة بيه .
وفاء بمرح : أي والله أني شاطرة بالحكي والمزح والتسلية على مواقع التواصل ، وبالبيت كل شي احب أعلق عليه مع أني أخبص الدنيا وترجع على راسي لكن ولا يمكن أتوب ههههه ، المشكلة ما أحد يتحمل مزحي الا فارس الله يرجعه بالسلامة يجوز لأنه دوم غايب عن البيت ههههههه والا عبد العزيز دوم معاه هواش ومناقرة ما يحتمل مزح وصلاح أيام وأيام حسب مزاجه .
ملاك بتفكير : دامك تعرفين طبعهم حاولي تتعاملين مع كل واحد حسب طبعه وكذا بتتجنبين المشاكل .
وفاء بنفي : ما أقدر اذا ما قلت اللي ببالي أحس بنفجر .
ملاك بذكاء : طيب وش رايك اللي يخطر ببالك تكتبينه وتحتفظين به مو كذا أحسن؟
وفاء لم تعجبها الفكرة : ما أحب الأقلام والكتابة تذكرني بالدراسة .
ملاك بحماس : ما له داعي القلم والورق ؛ استفيدي من جوالك وشاركي بالمنتديات فيها مجالس لتبادل الأحاديث والأفكار وعبري عن نظرتك للمجتمع والناس والأحداث وأكيد بتلقين تجاوب .
وفاء بسخرية : تخيلي بأنشر واتكلم عن عايلتنا وأحوالنا للناس وش يقولون عني والله فارس لينحرني بدون رحمة ، لا يا عيني .
ملاك بأقناع : ومين قال تعلنين أسمك ، استخدمي أسم وهمي واكتبي براحتك ومو شرط تذكرين تفاصيل احداث ، يكفي تصيغيها بأسلوبك وهي تجربة أن عجبتك استمري وان ما عجبتك ألغي ويا دار ما دخلك شر .
صفنت وفاء وهي تدرس بالفكرة وقد راقها ذكاء ملاك وأفكارها .
قطعت عليها ملاك أفكارها وهي تناولها صحن السلطة وسكين لتساعدها بالتقطيع : الحين ورجينا مهارتك بالسلطة وساعديني يا ست وفاء .
وفاء بابتسامة : ما دخلني أذا طردوك بعد ما يشوفوا سلطتي .
ملاك : ما عليه فداك المهم تتعلمين شي ههههههه.
عدة مرات تدخل ام تركي المطبخ وترى أنسجام وفاء مع نغم وهذا لا يثير أستغرابها لأن وفاء أجتماعية وتتأقلم بسرعة مع الناس ؛ يا ليت آلاء عندها بعض هذا المرح في شخصيتها وتطوي صفحة الماضي..... لكن الحمد لله على الأقل اقتنعت بتقديم الثانوية ودخول الجامعة ودراسة التخصص الذي تحبه .
*****
تتهامس طالبتان بقرب ميسون : عرفتي منو ذيك اللي رافعة خشومها وما تكلم أحد .
الثانية : مين قصدك ! آلاء !
الأولى : أي آلاء هذي من عيلة ال... وشايفة روحها عالناس كلها مع انها بصعوبة دخلت الجامعة وأكبر مننا بسنين .
لفت ميسون اسم العائلة فهي نفس عائلة ناصر زوج أختها عزيزة ، معقول أنها بتقرب لأبو دالية؟
الأولى تكمل نميمتها : يقولون كان خاطبها ابن خالها سنين وفجأة تركها ؛ الله العالم لويه ؛ حتى قالوا صابها أنهيار عصبي ؛ وأمها صار معها مرض بالقلب ومن يومها قاطعت أخوها وما تكلمه .
الثانية : الله يستر على خلقه ؛ لكن واضح انها تحسنت لأنها متفوقة على كل الدفعة واتوقع تجيب الأولى .
ميسون تستمع بأحتقار للفتاتين وتستغفر ربها لأنها سمحت لنفسها بالتصنت على حديثهن ولكن ماذا تقول " الشيطان شاطر "
وعلى سيرة الشيطان وينها نوف الخبلة الي ساعة بنطرها عشان نروح ..... لتكون سبقتني وطلعت من الجامعة .. أووووف والله آخرتها تورطني معها بمصيبة "
هرعت ميسون خارجاً ودارت ببصرها بقلق تبحث عن نوف وللصدمة لمحتها من بعيد تحت شجرة ومر من قربها شاب ناولها ورقة وعاد أدراجه ليقطع الشارع ، ركضت نحوها ميسون بجنون وأمسكت بذراعها بقوة وهزتها وهي تصرخ : يا قليلة الحيا وش تساوين هني وكيف تسمحين للكلب يقرب منك ويعطيك ورقة .
سمع يوسف كلامها وعاد أدراجه غاضباً فلن يسمح لهذه الفتاة بأهانته مهما كان الثمن ، نوف تشير لميسون لتخفض صوتها ولكن ميسون لا تبالي .
أقترب منها يوسف وبغضب : وانت وش دخلك بها ؛ تكلِّم اللي تكلِّمه ، هذا ما يخصك .
ميسون تجاهلته تماماً وأخذت تشد بيد نوف لتغادر معها وهي تتوعدها بالعقاب ونوف لا تتحرك من مكانها من شدة الخوف .
تجمع الشباب حول يوسف والفتاتين ليروا ما يحصل وميسون لا تهتم لأي منهم .
أقترب صلاح وكله حنق من ميسون وتجاهلها المتعمد واحتقارها لهم وقال بصوت مستفز : اتركها يا يوسف هذي زعلانة لأنك طنشتها وكلمت صديقتها هههههه.
رغم انها حاولت ضبط أعصابها قدر الأمكان ولكن طبيعتها العصبية غلبت عليها وبدون تفكير أو تقدير لعواقب الأمور صفعت صلاح وبكل قوتها على وجهه وأمام جميع أصدقائه ثم مسكت يدها بندم ومشت بثقة نحو الليموزين متجاهلة نوف التي وضعتها في هذا الموقف المعقد .
صلاح في أوج صدمته وانهدار كرامته أمام تجمع الشباب الكبير لمس خده وهو غير مستوعب ما حصل ؛ لم يكن متوقعاً لضربتها ولم يستطع تداركها لأنها ضربته بيدها الشمال ( ميسون يسارية )
أراد اللحاق بها ولكن يوسف أمسك به بقوة فأفلت يده وأتجه نحو سيارته في الشارع المقابل وهو يستمع لهمسات الشباب وضحكاتهم الخافتة فلا أحد منهم يجرؤ على استفزازه .
بينما ميسون ركبت السيارة وأشارت للسائق بالمسير ويدها ترتجف بشدة ليس خوفاً او ندماً فقد نال ما يستحقه ولكن تشعر بالضيق لأنها لامست وجه رجلٍ غريبٍ بيدها ؛ كيف حدث هذا واين كان عقلها ؛ تدرك أن عصبيتها وسرعة أنفعالها لا بد من أن توقعها في مأزق ..." كله منك يا نوف وعهد علي ما أكلمك ولا لساني يخاطب لسانك طول عمري ؛ طلعتي واحدة تافهة ورخيصة وما يشرفني هذي الأشكال أرافقها "
دخل البيت واتجه الى غرفته بغضب شديد وأخذ حمام ماء بارد ليخفف غضبه وكله تصميم على الثأر من هذه الحقيرة مهما كلف الأمر .
طرقت بابه الخادمة لتبلغه أن أباه يريد حضوره الى مكتبه بالسرعة القصوى " الله يستر ؛ أبوي ما يستعمل هالكلمة الا للشديد القوي "
أطاع نداء أبيه واتجه بسرعة الى مكتبه ليجد كل من عبد العزيز وتركي يجلسان بأنتظاره ، سلّم بأدب وجلس .
نظر لهم الأب وبحزم : تدرون مكتب المقاولات والأستشارات الهندسية كلّف مبالغ كبيرة وأنا تشجعت لهذا الأستثمار الكبير لأن عندي ولدين دارسين هندسة عمارة وهندسة مدنية ( قالها وهو ينظر الى عبد العزيز وصلاح )
لكن اللي شايفه ان صلاح مهمل بالعمل وما يتابع مهماته بالشركة وكل العبء طايح براس عبد العزيز ؛ عشان كذا أنا جمعتكم الحين لتحديد مصير الشركة ؛ إما يستلمها عبد العزيز بالكامل ويتنازل صلاح عن نسبته ويدبر روحه بأي عمل حكومي أو يتعهد بالألتزام والدوام والعمل الجدي والقرار له والحين يخبرنا به .
توجهت الأنظار بكل جدية الى صلاح الذي لم يزل لم يفق من صفعة ميسون لتصدمه صفعة أبيه وأخوته ، فهم بنظره أتفقوا عليه وقرروا نبذه من عمله ومؤكد هذا بسبب تذمر عبد العزيز المستمر ولكن ليس صلاح من يستسلم .
وضع قدماً فوق قدم وقال بثقة : ما دام عبد العزيز ما يقدر على الشركة بروحه فأنا أكيد ما رح أتخلى عنه وأدور عمل حكومي مريح ؛ ويبشر من باكر التزم معه وماله داعي الخوف على الشركة.
قالها وهو ينظر بتحدي ل عبد العزيز المنصدم من كلامه أو غير المصدق فقال بغضب : هذا وده يضحك علينا بكلمتين وباكر تعود حليمة لعادتها القديمة .
رد عليه صلاح بثقة : أعتبر أبوي وأبو بدر شهود أذا لا سمح الله ما التزمت اعتبر الشركة بيننا أنتهت .
ابو تركي أعجبه كلام صلاح وثقته وكله أمل أن لا يخيب ابنه ظنه به وعاد صلاح الى غرفته وهو غير مصدق ما قاله وما تعهد به وكأن صفعة هذه الفتاة صحَّت فيه أشياء كثيرة ؛ لن ينسى نظرة الشباب الذين كان يعتبرهم أعز أصدقاءه له ؛ أحس فيها بالشماتة والتشفي والاستهزاء ؛ ما عاد يرغب بالعودة للتسكع معهم او حتى مرافقتهم ؛ آن الأوان لأن يلتفت الى حياته ومستقبله وعمله ؛ أما هذه البنت الحقيرة فسيأخذ حقه منها وإن طال الزمن .
******
لم يجد عزيزة بمكتبها ؛ أتصل بها فلم ترد ، ثم بعثت له برسالة بأنها ذهبت في جولة الى المصنع لمتابعة العمل .
أنتظر حتى عادا الى المنزل وخاطبها بغضب : مرة ثانية لما تطلعين جولة للمصنع تعطيني خبر مفهوم .
تفاجأ بها ترد عليه بهدوء : حاضر يا أستاذ ناصر .
ثم أستدارت نحو المطبخ لتفقد الغداء دون أنتظار رده .
تتعامل معه برسمية وتحاول تقنين الحوار بينهما بشتى الطرق وهذا يثير غضبه بل سخطه ولكنه لا يرغب بالخروج عن طوره في تعامله معها .
أثناء الغداء كعادتها تنشغل مع دالية ولا تعيره انتباهاً ؛ يأكل بغيض ولا ينتبه لطعامه ؛ فنظره مركز نحوها بشعرها المنسدل وجمالها الطبيعي فهي نادراً ما تضع المساحيق على وجهها وتطعم دالية بحب وحنان لقمة بلقمة وفي داخله صوت يصرخ " أنا كمان محتاج لحبك وحنانك ، ليه تحرميني منه يا عزيزة "
لم ينتبه لقطعة السمك التي تناولها بشوكها فعلقت بحلقه ولم يتمكن من بلعها أو لفظها ؛ شخر بقوة وهبت عزيزة نحوه لتساعده وقد أنتابها الجزع ودالية تصرخ بخوف على أبيها الغير قادر على بالتنفس وقد بدأ لونه بالأزرقاق.
عزيزة صرخت بالخادمة للأتصال بالأسعاف واستمرت بمحاولة مساعدته بالضغط على صدره وظهره والهمس له بكلمات التشجيع لتهدئته حتى أخرج الشوك والدماء ترافقه من تجرُّح حلقه ولكن على الأقل يستطيع الآن التنفس وتم أسعافه الى المشفى لأكمال علاجه ترافقه عزيزة ودالية الباكية دون توقف .
*****
جلسات العلاج أصبحت خفيفة لطيفة على عادل الصغير ولم يعد يبكي كما في بداية العلاج بل انه اعتاد على قرب سناء ويطيعها في أشاراتها له وفي كل مرة تمضي سناء وقت طويل في تفهيم ام عامر بما عليها فعله من تدريبات وأم عامر تجد صعوبة في فهم المطلوب .
سناء بضيق : أيش رايك المرة الجاي خلي أمه تتكرم وتحضر وأنا بفهمها كل المطلوب .
أم عامر بحزن : أمه ما هي موجودة وعماته كلهن بالدوامات وما في غيري يرافقه وسامحيني يا بنتي أن كنت بغلبك .
سناء بحنان : لا يا خالة لا تفهميني غلط كل ما فيها أني بغيت أمه تكتب ملاحظات وانا الي آسفة اني زعلتك .
ام عامر بحماس : هي ولدي عامر دائماً موجود أشرحي له كل شي .
أرادت سناء الرفض كالعادة ولكن مصلحة الصغير أهم لأن جدته غير متعلمة ولا يمكنها القيام بكل التعليمات لوحدها .
جاء عامر على عجل وبدأت سناء تشرح وتوضح له كل شيء وأعجبها أنه لا ينظر ناحيتها أبداً ... دائماً نظره للأسفل مما أسعدها فتحمست للشرح والتوضيح دون توتر أو أضطراب بل أنها سمحت له بمتابعة الجلسة معهم ومساعدتها في الأمساك بعادل .
وبعد أنقضاء الجلسة شاهدها وهي تمسح عرقها بتعب ؛ فهذه الجلسات مرهقة وطويلة والأطفال يصعب ترويضهم .
احس بتعبها وشعر بالحزن عليها وبعد أن شكرها بشدة مدَّ يده بمبلغٍ من المال أكرامية لتعبها ؛ نظرت الى المال بيده باستغراب ثم أستوعبت أنه أكرامية فقالت مبتسمة : مشكور أستاذ لكن اذا تبغى تعمل خير اتمنى تتبرع في ذاك الصندوق لجمعية العمود الفقري spine society .
وتركته عائدةً لاكمال عملها وهي تبتسم كعادتها وراقبته وهو يضع النقود في الصندوق وعادل بحضنه يشير لها من خلف كتف أبيه بالوداع ...
****
أخيراً جاء آخر الأسبوع وتوجهت بعد انتهاء دوامها برفقة تهاني الى العيادة المجانية في حارتهم ؛ أعداد كبيرة من المراجعين وانتظار طويل ومتعب وهي أصلاً مرهقة من دوامها وبعد ساعات أنتظار جاء دورها ودخلت عند الطبيبة .
أستمعت الطبيبة عدة مرات بقلق الى نبض قلبها ثم قالت بهدوء : واضح انه عندك مشكلة في القلب وان شاء الله حسب توقعي تكون بسيطة يلزمك تصوير تلفزيوني وتخطيط للقلب وهذا للأسف ما هو متوفر عندنا .
أنزلت ملاك رأسها بيأس وضيق فهي كانت تشعر بذلك ولكن ما باليد حيلة ولا تملك مالاً لمراجعة طبيب مختص .
جلست الطبيبة على مكتبها قائلة : الحين بأكتبلك مقويات لازم تاخذينها وجهك شاحب ؛ الا قوليلي كم شهر الك حامل ؟
رفعت ملاك رأسها بصدمة ونظرت الى تهاني التي تنظر لها متفاجئة ونظرت كلتاهما الى الطبيبة وشهقتا معاً : حامل !!
الطبيبة باستغراب : يعني معقول ما تدرين أنك حامل ! أوما شعرتي بحركة الجنين داخل الرحم !
ملاك تفتح فمها ببلادة .. أي حمل وأي حركة وأي جنين ، بطنها غير منتفخ ولم تشعر بأنها حامل أو ستصبح أم !!
الطبيبة يمر عليها حالات كهذه خاصة عند البكرية لذلك بدأت تسألها بعض الأسئلة وملاك تجيب وأعادت فحصها سريرياً وأكدت لها الحمل وبأنها حامل لأكثر من خمسة شهور وأن الجنين يتحرك ولكن لا بد لها من عمل فحوصات كثيرة وشاملة ولا بد من مراجعة طبيبة نسائية لفحصها على الجهاز المخصص وضروري مراجعة طبيب قلب لتقييم حالتها مع الحمل ..
لن تقدر على شيءٍ من هذا كله الا اذا استلمت راتبها من أم تركي وهذا لن يكون الا بنهاية الشهر .
علمت من الطبيبة أن هناك طبيب للقلب يقدم استشارات مجانية كعمل خيري في جمعية مرضى القلب وانه يمكنها مراجعته في الاسبوع القادم .
عادت مع تهاني وهي مذهولة لا تقول شيئاً ورغم فرحة الجميع الا أن شعورها مختلف تغطت بفراشها وهي تشعر بأحمرار وجنتيها واضطراب قلبها المضطرب أصلاً .
وضعت يدها على بطنها وانتظرت دقائق حتى أحست بركلة خفيفة .. ياااه ما أجمله من شعور ؛ ستصبح ام وسيكون لها طفلاً يملأ حياتها بالبهجة والسرور ؛ وتحتضنه وتلاعبه وتغمره بحبها وحنانها .. سيكون لها عائلة أخيراً
" اكيد رداد سيفرح مثلها بالحمل ؛ فكلاهما وحيد وليس لهما أحد ، سيكون هذا الطفل كل عالمهما وسبب يدفعهما للجد والعمل في هذه الحياة القاسية ؛ يا ترى ولد أم بنت ؟ لا تريد بنتاً تريد ولداً ؛ ليس كرهاً بالبنات ولكن تخاف أن تشبه رداد وعندها ستتعقد من حياتها للأبد ... ولماذا التشاؤم ربما كانت البنت تشبهها وهي كما يقولون عنها جميلة ... ابتسمت ولكن بلحظة تذكرت : " ما أبغى بنت ويطلع حظها مثل امها او جدتها والا حتى جدة جدتها... نحن بتطاردنا لعنة الظلم والإتهام بالباطل طوال عمرنا ويا خوفي باكر مصيرها مثلنا "
غيَّرت اتجاه نومها واتجاه تفكيرها " ان شاء الله ربنا بيرزقنا بولد ويكون قوي مثل أبوه ... وشلون بيكون قوي وانا ما آكل الا القليل والي ما يفيد ... يا ويل قلبي عليه أكيد ما يحصل حاجته من الغذاء المفيد وحتى الفيتامينات الي كتبتهن الطبيبة ثمنهن مرتفع وما أقدر أوفره .
أنسابت دموعها بألم وحزن على جنينها المحروم بسبب عدم قدرتها على توفير احتياجاته .
وبتشجيع لنفسها " قريب ويرجع رداد ونروح سوا لمشفى الدكتور فيصل ونعمل كل الفحوصات وآخذ العلاجات ومن الحين وطالع لازم أكون حريصة وأعتني بحملي وطفلي عسى وجوده ينير عالمي الحزين ...."
****
=============>>>>يتبع
******
قليلاً ما تنام وقليلاً ما تدرس ؛ تحمد الله انه لا يكلمها الا قليلاً ولم يعد يغدق عليها كلمات الحب والغرام ...... اقترب زواجهم ولا بأس مضطرة لمصلحة أمها وأخواتها على تحمل فهد وأن كانت تشك في أنه سيتم زواجه منها ... ما عاد يهمها ؛ هي منذ سنوات أخذت عهد على نفسها أن تضحي من أجل أمها وأخوانها وستفعل بلا أي تردد .
حالياً ساعدت في دفع رسوم دراسة راشد لهذا الفصل في الجامعة وستبذل جهدها بتوفير كل ما يلزم وستغلق باب قلبها على أي مشاعر تجاه فهد مهما كانت حسنة أو سيئة ؛ ستعتبره استثماراً مالياً واستلزم منها بعض التضحيات.
ميسون لا زالت لا تقدر على النوم الا وهي تؤنب نفسها على ما فعلت ، صحيح لم تره مجدداً وصحيح قطعت علاقتها نهائياً مع نوف لكن لأنها لأول مرة تخطئ لا بد لها ان تعاهد نفسها بانها لن تعيد الكرة مرة أخرى ...
أما صلاح فمشهد الصفعة لا يفارق عينيه رغم أنه أغرق نفسه بالعمل ؛ ومصمم على الثأر من هذه البنت حتى انه تجاهل أصدقائه ما عدا يوسف الذي يرد على مكالماته باقتضاب وواضح انه يحرص على صداقته وربما يلوم نفسه للتسبب بما حصل له .
***
ام تركي اخبرتها بأن لها وجبتي طعام مجانيتان هما أفطار وغداء ومع شعورها بالأمتنان الا أنها أدركت أن تهاني هي من طلبت ذلك من الست جليلة ؛ وبصراحة لن ترفض فمصلحة جنينها على المحك وعليها ان تضحي لأجله بالكثير .
ارادت تهاني ان تنظف مكتب ابو تركي ولكنها خافت على كتبه الثمينة فطلبت من ملاك مرافقتها .
وقفت ملاك بأنبهار أمام المكتبة الضخمة الغنية بالكتب القيمة وبدأت بدون وعي تتفقدها وتقرأ فيها .
دخلت آلاء لتاخذ أوراقاً فصدمها منظر الخادمة التي تقرأ بتركيز شديد بأحد الكتب .
شكت بامرها واقتربت منها فوجدتها تقرأ بكتاب " العقد الأجتماعي "
وقفت بخوف عندما شعرت بوجود أحد فسقط الكتاب على الأرض وزاد حرجها عندما نزلت آلاء لألتقاطه ومسح الغبار عنه .
قالت مبتسمة : لأول مرة من شهور أحد يأخذ كتاب من المكتبة ويقرأه ؛ وش عجبك بذا الكتاب؟
ملاك ارتاحت لابتسامتها فقالت بأريحية : جان جاك روسو مبدع في كتاباته ويوصل أفكاره من خلال رواياته بسلاسة وأقناع .
آلاء باهتمام : وانت قرأتي هذا الكتاب من قبل ؟
ملاك بحماس : أنا سمعت عن هذا الكتاب وتمنيت اقدر أقرأه لأني قرات روايته "أميل" وعجبني كلامه عن تربية الأطفال وانه ينبغي تعليمهم بأناة وتفاهم وان المعلم لازم يراعي اهتمامات الطفل ويتجنب العقاب الصارم ويبعد عن الدروس المملة ويراقب أفكار الأطفال وسلوكهم.
تفاجأت آلاء بثقافتها وقالت بابتسامة : في عيلتي كلها ما أحد يحب الثقافة والأدب الا أنا وابن عمي محمود الي اسمه على أسم أبوي وهو بالعادة يستعير من الكتب ويقرأها لكن عمله بيشغله كثير عن القراءة والأدب ؛ حتى أبوي الي كان عنده شغف بالقراءة صارت من النادر ما يقرأ ؛ أعتبري المكتبة تحت تصرفك واقرأي الي تبينه ولكن بحرص ومن غير ما يأثر على شغلك .
سبحان الله تشعر براحة شديدة مع هذه العائلة حتى في لحظات تفقد فيها أدراكها للزمان والمكان ؛ ينتابها شعور بأنها جزء من هذا الكيان ؛ ابو تركي هو الرجل الوحيد الذي كلمته في هذه العائلة ويبدو عليه الوقار والأحترام كزوجته تماماً وبناتهم غاية في اللطف والآن آلاء التي نادراً ما تتكلم او تضحك أكتشفت أنها تتسم بالحساسية المفرطة ولا تسيء لأحد .
حدثتها تهاني بقصة خطبتها على أبن خالها الذي أحبها بقوة وجعلها تتعلق به وهي بصدق الأحساس بادلته الحب وبنت مستقبلها وأحلامها معه وسخرت كلماتها وأشعارها لترجمة مشاعر الحب والغرام له حتى حصلت الانتكاسة عندما رفض اخوها تركي ان يتزوج ابنة خاله وفضّل الزواج من فتاة من خارج العائلة مما أثار غضب زوجة خاله فقررت الانتقام بأجبار أبنها على تطليق آلاء والزواج من أحدى قريباتها والأبن أنصاع لضغط أمه عليه وآثر رضاها على حبه وغرامه ؛ مما أصاب آلاء بأنهيار عصبي حاد دخلت على أثره المشفى وتعافت منه بعد شهور طويلة لكن جرح قلبها يأبى أن يتعافى رغم مرور السنين ؛ وعلى ذمة تهاني فأن أم تركي أصابها أحتشاء بعضلة القلب على أثر هذه الحادثة ولا زالت تتعالج منه الى اليوم .
رأت أطفالاً يلعبون في الخارج وبدت أصواتهم معروفة ؛ يلعبون مع بدر وأخواته ؛ تمعنت بالنظر لهم من النافذة وان كانت بصعوبة عرفتهم لكن هم وأن كبروا ... هم وان تغيرت ملامحهم ...نفس الروح ونفس الخصام والمناكفة ، خاصة تلك الصبية الجميلة سحر وأختها الصغرى سمر تقلدها بكل شيء وسيف يمارس دور الرقيب عليهن .... انهم اولاد العميد محمود وحنين .
ماذا يفعلون هنا ؛ وما صلة القرابة بين أبو تركي والعميد محمود ؛ أقشعر بدنها من فكرة أكتشاف العميد محمود لوجودها هنا ؛ حتى الصغار لا يجب أن يروها بكل الأحوال ، تخاف أن يتعرفوا عليها .
سألت تهاني بحذر عن الضيوف فأجابتها وفاء التي جاءت لتجلس مع ملاك في المطبخ : هذي مرت ولد عمي العميد محمود عندنا ؛ دمها ثقيل وما أحب مقابلتها .
أبتسمت ملاك على اسلوب وفاء التي جلست بقربها وفتحت هاتفها لتريها ما نشرته في منتدى فكري ثقافي والردود عليه .
ملاك قرأت بتمعن ثم بحماس : أسلوبك جميل ومن اول مرة في تفاعل مع كلامك مع أنه عامي وبلهجة شعبية لكن ممتع ومسلي وفيه روح فكاهة ؛ يا ريتك تكتبين بالفصحى .
وفاء بصدق : ما أقدر أكتب الا كذا والفصحى زمان تخاصمت وياها وحِلفَت ما يخاطب لسانها لساني .
ملاك بضحكة : هههههه ما أقولك عندك أسلوب جذاب وممتع ؛ أستمري الله يوفقك ولكن أحذري تتعاملين الا مع البنات ؛ الرجال ما لهم أمان ولا تعطين معلوماتك لأحد ؛ أنت مشروع كاتبة ساخرة على أعلى المستويات .
أم تركي بعثت رسالة ل وفاء تريدها مساعدتها في مجاملة حنين التي واضح أنها غير محبوبة عند هذه العائلة .
قامت وفاء بتأفف وغرقت ملاك بأفكارها : يعني محمود اللي كلمتني عنه آلاء هو نفسه العميد محمود ..... يا الله على هذي الصدفة الغريبة .
*****
بحمد الله خرج ناصر من المشفى بالسلامة وطوال فترة وجوده فيها لازمته عزيزة وأدت واجبها نحوه كزوجة مطيعة وهو في كل لحظة يشكر فضلها بعد الله في أنقاذ حياته فلولا شجاعتها وتشجيعها له لربما مات أختناقاً.
الزوار كثر ويتتابعون وهو يأمل بلحظة أنفراد مع عزيزة يعبر لها عن شكره وامتنانه .
صلاح أمضى النهار كاملاً في أحدى ورش البناء التابعة لمشروع تشرف عليه شركتهم وكان يأمل بالراحة والنوم الهانئ بعد أن يتسلى قليلاً بمحادثة البنات على مواقع التواصل لكن اصرار أبيه على ذهابهم جميعاً لتهنئة ناصر بالسلامة جعله يذهب معهم على مضض .
نزل من سيارته دون أغلاقها جيداً حتى دوى صوت جهاز الأنذار فعاد لأقفالها متخلفاً عن أبيه وأخوانه ؛ عندها لمح سيارة أجرة تقف أمام المدخل وتنزل منها أمرأتان وتدخلان ، الأولى عرفها أم عزيزة زوجة ناصر فقد رآها في جاهة خطبة ناصر والثانية كأنه يعرفها ومع أقترابهما منه أصابته صدمة بل صعقة مثلما أصابتها هي ؛ أنها الحقيرة التي صفعته أمام الجامعة ... يااااااه أخيراً رماها القدر في طريقه .
سلمت أم عزمي عليه وهو لا زال مصدوماً وصوت تركي ينادي عليه : صلااااااح وينك يا رجال تعال فوووت .
برؤيته أنقطع الهواء من حولها وفقدت قدرتها على التنفس وعاد الأرتجاف ليدها : "سبحان الله وش جابه بطريقي ؛ وشلون كان يطَّلع علي بحقد وكره "
تمالكت نفسها واستعادة رباطة جأشها وهي تقول " وأنا مالي بيه يروح يبلط البحر والي ما يطلع بأيديه يطلع برجليه ؛ ماله عندي شي هو الي غلط بحقي ويستاهل ما جاه ....."
لكن بدافع الفضول سألت عزيزة عن الضيوف ومنها علمت أن غريمها أسمه صلاح وعنده شركة مقاولات هندسية ....
******
كانها عصفور محبوس في قفص وتمَّ فك أسره .....
للتو معاذ أتصل بها وأخبرها أن ورقة طلاقها من بندر في حوزته ؛ تكاد تطير من الفرحة " الله يبعث له اللي تحبه وتستاهله أكثر مني ؛ المهم الحين انا حرة وما عدت على ذمة بندر ."
أمها تقبلت الأمر على مضض بعد ان رأت انهيارها المخيف وفقدانها الرغبة في الحياة وبصراحة بوجود معاذ بدأت منيرة تشعر بأن مسؤولية وهم نور ومستقبلها قد خف عن عاتقها ؛ مع انها لم تقبل منه أي نقود او غيرها لكن مجرد وجوده في حياة أبنته ومعرفته بقراراتها ومتابعته لها يخفف عنها الكثير من الهواجس والأعباء .
نور في عز فرحتها جاءتها رسالة من معاذ : " نسيت ابلغك ... المهندس أسلام يقول تقدرين ترجعين للشغل من باكر "
غمرها شعور الفرح والأمتنان وهتفت بحماس : من باكر برجع للشركة .
أمها لم ترها بهذا الحماس والفرح منذ وقتٍ طويل ؛ لن تقف بوجهها بعد الآن ومتأكدة تماماً بأن أبنتها تعلمت الدرس جيداً ولن تكرر الأخطاء السابقة .
******
ان تكون طبيباً نعمة من الله لا تقدر بثمن ؛ هكذا شعرت رغد وهي تسمع دعاء المرأة العجوز لها بعد أعطائها العلاج .
غادرت الغرفة وهي تسمع همهمتها بالدعاء لها بأن يرزقها بأبن الحلال الذي يستحقها ؛ فتبسمت بأنشراح ..
لاقتها جميلة في صالة المرضى وهي تشعر بالغيض والقرف من العمل فقالت بعصبية : وانت وش عندك تبتسمين على هالصبح !
رغد وسعت أبتسامتها لتغيظها : وليه ما أبتسم وانا من صباح ربنا تجيني الدعوات الي تشرح القلب .
جميلة بنغزة : يدعون لك والا يدعون عليك يا دكتورة رغد.
رغد بثقة : الا يدعون ومن كل قلبهم ان الله يرزقني الزوج الي يقدر جمالي وخفة دمي.
وادارت رأسها بتعالي لتغيظ جميلة لكن صدمها وقوف الدكتور فيصل خلفها ويستمع كلامها .
نظرت له بأحراج ولم تستطع فهم التعابير على وجهه ؛ من فترة عاد له الوجوم والعصبية ويصعب على الجميع التعامل معه .
يخفي الكثير في قلبه لذلك عاد الى مكتبه محملاً بالهموم ؛ أمه انتكست حالتها بعد أن تركتهم ملاك يبدو أنها أحبتها وتعلقت بها ؛ والحل الأنسب بالنسبة له أن يتزوج ويحضر لأمه من تؤنس وحدتها وقلبه المتعلق برغد يخاف أن يقدم على خطبتها فترفض ويخيب أمله ؛ لا يدري ماذا يفعل وكل يوم تزداد حيرته ومخاوفه.
جاءه اتصال من الممرضة بالبيت تخبره بتعب امه فأسرع لرؤيتها وساءه تدهور حالتها فقرر أدخالها المشفى لأخضاعها للفحوصات والتحاليل لأعطائها العلاج الأنسب .
****
المهندس فواز يرحب بها بحرارة وكذلك باقي موظفي القسم وهي تشعر بالأمتنان لعودتها للعمل في نفس القسم السابق ؛ لم تقابل أسلام ولن تسعى لذلك ولن تخلف وعدها لنفسها ولأمها بان لا تعيد أخطاء الماضي والآن كل ما تريده هو أن تكون بقربه ولو من بعيد ؛ قمة التناقض ولكن هذا هو الحب ليس له دستورٌ او قوانين .
من الأمس لم يهدأ قلبه عن الخفقان والونين ؛ نور قلبه ستعود للعمل بقربه وكيف سيحتمل قربها وهي عنه من البعد ما لا يطيق ، في ذمة غيره اصبحت ولو لم تكن متزوجة فما فعلته جدتها بأخواله كافٍ ليحول بينهما ... قصة حبه لنور كُتبت نهايتها قبل بدايتها وحُكِم عليها بالموت الرحيم .
****
يلازم أمه ويقبل يدها ويهيئها لتحمل الفحوصات والصور اللازمة ويخفف عنها الخوف بدعاباته ومزحاته الخفيفة .
دخل عنده فريق المتدربين لتسليمه قوائم العمل التي أنجزوها والقوا التحية وتمنيات الشفاء لوالدته المريضة.
همس في أذن أمه بكلمات ثم قام للأستلام منهم وهي تراقبهم بأهتمامٍ شديد .
غادر الطلاب وهم قد أنهكهم التعب من يوم العمل الشاق
وبصوتٍ هادئٍ على غير عادته نادى : رغد
عادت رغد ووقفت لتلقي تعليماته .
فيصل : ممكن اطلب منك خدمة لو سمحت .
لا تصدق سمعها ! معقول هذا الدكتور فيصل الذي يتكلم !!
رغد : تفضل دكتور بأمرك .
فيصل بابتسامة : ممكن تتكرمين علينا اليوم وترافقين الوالدة خلال الفحوصات .
تفاجأت بطلبه ولكنها ردت بابتسامة ساحرة : جاهزة وعلى طول .
هي بصراحة أكتشفت انها تحب مرافقة كبار السن وتحب مساعدتهم ولا مانع عندها من مرافقة هذه العجوز الطيبة ذات الملامح السمحة ؛ حتى لو كانت أم الدكتور فيصل بحد ذاته .
جلست بقربها وبدأت بمحادثتها كأنها تعرفها من سنين طويلة وأم فيصل تتأملها بابتسامة هادئة فهذه التي همس أبنها بأذنها قبل قليل أنه يتمناها زوجة له.
******
لم تتخيل ناصر بهذا الدلع والأتكال !!!
منذ خروجه من المشفى وهو يعتمد عليها كلياً حتى في تناول طعامه وكأنه ينتقم منها ليعوض الشهور التي حرمته بها من رعايتها وحنانها .
كانت تطعمه بهدوء قطع المثلجات التي نصحه بها الطبيب عندما ارجع رأسه الى الخلف وهو يئن .
اقتربت منه بخوف وأسندت رأسه على كتفها لتطمئن عليه ؛ عندها ارخى رأسه على صدرها وبكل حب : الله لا يحرمني منك يا حياتي .
تمالكت نفسها وأسندته على السرير وخرجت مسرعة حتى لا تسمع المزيد .
واتجهت الى غرفة دالية ، وجدتها تدرس فجلست بقربها لتساعدها بدروسها .
دالية باستغراب : خالة عزيزة انت ليه ترجفين !
عزيزة بانكار : لا ما هي برجفة هاي تقنية جديدة عشان يتحسن خطي وأنا أكتب .
دالية بصدق : ما أظن يا خالة يتحسن خطك أبد مهما تحاولين ؛ يا ريته مثل خط الدكتورة فاطمة يجنن كأنه خط فنان.
عندها تذكرت عزيزة فاطمة العروس " الله العليم تلقاها الحين محتاسة وما تعرف تدبر أمورها زين "
بما ان عزيزة مشغولة بمرض زوجها فقد وجدت فاطمة هذه حجة لها حتى لا تشتري الا القليل تجهيزاً لزفافها القريب ولتوفر ما أمكنها من النقود فقد قررت أنها لن تحاول ان تبهر فهد او تجذبه لحبها ... من لا يريدك لا تسعى له ..... هذه قناعتها ؛ هو لا يحبها وهي لا تعني له شيئاً فلماذا تجهد نفسها بشراء ما لا يلزم .
****
لأول مرة دعت سناء ملاك لتجلس معها ومع اخواتها في جناحها ؛ ليس من باب الشفقة ولكن من باب الأعجاب بشخصيتها وذكائها ؛ يكفي انها اوجدت لوفاء كيان تنشغل به .
الجناح راقي وانيق وناعم مثل صاحبته ويتسم بالألوان الرومانسية الهادئه وتنتشر فيه الدمى والدببة الجميلة وكانها طفلة في العاشرة.
سناء تتكلم بحماس : ولو تدرون صدمتي لما دريت ان ام عادل هي روعة اخت حنين زوجة ابن عمنا العميد محمود ؛ مسكينة جدته حاملة همه وتتولى رعايته .
ملاك بحزن واستغراب : ليه وينها امه ليه ما ترافقه .
سناء : لأنها مطلقة ويقولون لما عرفت ان ولدها بحاجة لعلاج ورعاية رمته على أبوه ورفضت تعتني بيه .
ملاك مصدومة بمعرفة أن روعة تطلقت وأبنها مريض ويعاني "يا رب لا تمتحنا وتحمي ابني من كل شر او سوء "
وفاء بغضب : حتى ان أمي سمعت من الحريم أنها كانت تلف وتدور على أبن عمي ناصر .
لم يرق لملاك الكلام بهذه الطريقة عن ابنة عمها : الناس ما ترحم واللي تتطلق الناس يساوونها شوربة ويكثرون البهارات عليها .
تداركت نفسها ونظرت الى آلاء التي بدا عليها التأثر من الكلام .
وفاء كعادتها الساخرة : هذي أكيد ما تعرف عزيزة ؛ بحياتي ما شفت مثل شخصيتها وقوتها وعلى قولة أمي مع انها ما درست حتى الأعدادي لكن فهمها أكثر من اللي معهن دكتوراة .
قلبها زادت خفقاته بسماع اسم عزيزة معقول هي نفسها .
ملاك : منو هذي عزيزة .
سناء : هذي مرت أبن عمي ناصر تزوجها بعد ما حرَّم الجيزة سنين بعد وفاة زوجته .
ملاك تحاول ربط الامور : وناصر هذا عنده مصانع ألبسة وبنت أسمها دالية .
سناء بدهشة : أيوة كيف عرفتي يا نغم !
ملاك تحاول أخفاء أضطرابها : كأني سمعت تهاني بتتكلم عنها .
مكالمة جاءت سناء قطعت حديثهن وملاك سرحت بفكرها : "معقول هالدنيا وصدفها الغريبة ؛ عزيزة أعز مخلوق على قلبي قريبة مني وتزوجت يا فرحتي لك يا عمري ؛ أكيد كنت تبغيني أنا أعملك مكياج فرحك أدري أنك الحين عتبانة علي كثير لكن ما هو بيدي ؛ ما أقدر أكلمك ولا أرتمي بحضنك وأشكي لك همي ...كيف أكلمك وأنت صرت من عيلة العميد محمود ؛ يا رب تكون متهنية وسعيدة بحياتك مع هالناصر مع أني أخبر أنك ما كنت تطيقنه "
حبست ملاك دمعة تحايلت على السقوط عندما قاطع افكارها صرخة سناء الحماسية : أحزروا من بيجينا ويسهر معانا الحين؟
البنات بصوت واحد : ميين !
سناء بفرحة : مراااااام
ملاك بابتسامة : مين هذي مرام .
آلاء بنعومة : هذي مرام بتكون بنت عمي زايد وخطيبة أخوي فارس ...
.
.
.
انتهى الفصل
رواية رحلة عذابي أنا 💘 الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم عشق جنوبي💞
الفصل : الثالث والاربعون
بعنوان #قلوب_تنبض_بالألم
ملامحها اجنبية شقراء بعيون زرقاء وجسمٍ رشيق ترتدي فستاناً قصيراً يزيدها ألقاً وجمالاً ؛ اسرعت الفتيات لأستقبالها على باب الجناح وبالتراحيب تبخترت بينهن بابتسامةٍ ساحرة وهي تتفقد ملامح آلاء المبتسمة : وااااااه أخيراً شفنا غمازاتك الحلوة ألوؤؤؤؤؤة وينك زمان حارميتنا منها !
آلاء بمزح : الا انت الي معك قصر نظر والا غمازاتي مثل القمر يوم حليك .
انتبهت مرام وهي تضحك لوجود ملاك فنظرت الى سناء بتساؤل واستغراب ، سناء بأبتسامة : هذي نغم صديقتي .
مدت مرام يدها وسلمت على ملاك : وانا مرام بنت عم هالثلاثي المرح.... يا جماله أسمك .
ملاك بابتسامة : تسلمي عيونك الأجمل .
وفاء : وأخيراً خطرنا ببالك تزورينا ! الك شهر ما تسألي .
مرام أرتمت على الكنبة بضيق وتعب : وش أساوي كله من الدراسة وتعبها ولا فوق كذا مرت أبوي صارت تركن علي أدرّس أخواني ؛ على اساس بيطلعون عباقرة مثلي هههههه.
آلاء بنغزة : دامك اتأخرتي واتأخرتي كان أجلتي الزيارة كمان شوية يكون حبيب القلب عاد وتكحلي عينك بشوفته.
مرام بصدق : بالكن هذا اللي جابني بساع ؛ كنت قاعدة وشاردة واخطط اجيكم آخر الشهر والا أتذكر رجعة فارس قلت أجي الحين وتركت الدراسة والكراريس .
سناء : بتقنعينا يعني انك ما تبغين تشوفينه والا يعني الثقل قدامنا بس .
وفاء : تلاقينهم على تواصل وصوت وصورة بعد ؛ وش يمنعهم يعني
مرام بلؤم : حبيباتي لو تقعدون من الحين لباكر ما تاخذون مني سالفة ، عاد أركدن واتركن الفضول عنكن .
ولتغيير الموضوع : الا يا نغم انت متزوجة؟
ملاك بخجل : متزوجة وبعد حامل
مرام : تقومين بالسلامة يا رب
ملاك : الله يسلمك
وفاء بتذكر : تجين يا مرام معنا حفلة النقيب فهد باكر .
مرام بمزح : اذا بتاخذوني معكم عالمشغل بروح
سناء بأحباط : أي مشغل وحضرة المقدم فارس منبه على امه خواته ما يوصلن مشاغل ولا غيره ، الحين وين بنلقى كوافيرة على مستوى تقبل تجي عندنا .
ملاك نسيت تشديدها على نفسها بعدم الأرهاق في العمل وبطبعها المحب للمساعدة وبحماس : أيش رايكم أنا اللي بزينكم ولا تحملون هم شي .
نظرت البنات لها باستغراب وتكلمت وفاء بعتب : ما هي حلوة منك هالمسخرة وما هو وقتها يا ست نغم
ملاك بجدية : أنا عملت وتدربت بمشاغل واقدر أشتغل احسن من أي خبيرة اذا توفرت عدة المشغل والمكياج .
آلاء : يعني كلامك ما هو مزح؟
ملاك بضيق : اذا ما تبغون بكيفكم ؛ انا حبيت أساعد .
سناء بثقة : بصراحة أنا كل يوم بأتعجب منك أكثر يا نغم ما شاء الله عليك كل شي مبدعة فيه ومتأكد من كلامك ، عشان كذا جهزي روحك باكر نبغى نكون أجمل جميلات الحفلة .
ملاك : ولا يهمك ونحن لها .
وبدافع الفضول : الا عروس النقيب فهد بتعرفونها او تقرب لكم؟
وفاء : لا هي ولا النقيب فهد بيقربون لنا حنا بنحضر مع أمي لأن فهد صديق أخوي فارس الروح بالروح ويشتغلون سوا بنفس القسم.
حاولت ملاك تذكر أسم فارس هل مر عليها بالقسم ؟ قطعاً لا ؛ وهي ذكية لا تنسى أسم أي شخص قد يمر عليها .
آلاء : العروس طالبة صيدلة عنا بنفس الجامعة اسمها فاطمة ومتفوقة من أوائل الدفعة .
مجدداً دق قلب ملاك بأسم ووصف فاطمة : معقول تكون هي وش ذي الصدف فهد وفاطمة وشلون تعرفوا على بعض ؛ أكيد تشابه أسماء مو أكثر .
وفاء : يقولون أبوها كان غني لكن خسر كل ثروته وماله وصابته جلطة ومات وحالتهم المادية الحين سيئة كثير.
أغمضت ملاك عينيها بنشوى وفرح وقلبها تزداد خفقاته المؤلمة : يا ما أنت كريم يا رب ؛ فاطمة بعد بتتزوج ، والله بتستاهل رجّال مثل فهد شخصية ووسيم وطيب وووو...
وللحظة تبادر أمامها صورة رداد بهيئته الرثة وشكله البشع " والله اشتقتلك يا نظر عيني ؛ عندي أشوفك بكفة وكل رجال العالم بكفة " وقلبها يعاتبها على كثرة الكبت وكتمان الحنين فصدرت منها "اااااه" لا أرادية .
سناء بخوف : فيك شي نغم في شي يألمك؟
بابتسامة تكلفتها بصعوبة على محياها وهي تضع يدها على بطنها : هذا الغالي يذكرني به كل ساع.
دق هاتف سناء وردت بسرعة : في شي عبد العزيز ..... أي الحين بخبرها .... مع السلامة .
ناظرت ملاك بضيق : هذا ابو تهاني الحين بيروح بيتكم .
قامت ملاك لتهيئ نفسها للمغادرة ووفاء برجاء : نغم كملي معنا السهرة وانا بخلي السواق يروحك بعدين .
ملاك برفض : ما أقدر ان شاء الله باكر من طلعة الضو بكون هني ولا تنسون التجهيزات للحفلة وان شاء الله شغلي بيعجبكم .
خرجت تمشي على عجل ولمحت عبد العزيز يجلس بسرحان عند النافورة وفي بالها " هذا الرجل شخصيته غامضة وخواته يقولون عنه دايم مكشر وزعلان ؛ الله يرفع عنه همه وضيقه " .
*****
طلبت مغادرة من فواز حتى تتجهز باكراً لحفلة فاطمة ؛ وقال لها تطلب من المهندس اسلام مباشرة لأنه مانع المغادرات الا للحالات الطارئة.
تقف بتوتر عند باب مكتبه للسماح لها بالدخول ؛ صدمها كلمات السكرتير : المهندس بيسألك عن طلبك .
انتابها الضيق والقهر " يعني ما يبغى يقابلني"
لم ترد عليه وعادت الى مكتبها وجلست لدقائق تهز قدمها بتوتر ثم قامت مسرعة للأستراحة ودقت أرقام هاتفه ؛ ثواني وجاءها صوته الحنون : الو مين معي؟
بسرعة انقشع غضبها وقهرها وحل محله شوق وحنين وحب بلا حدود ؛ تلعثمت ولم تجب فجاءها رده : أهلن مدام نور بغيتي شي ؟
لملمت حطام قلبها ليستعيد الكلام سريانه في عروقها : كنت بأطلب مغادرة اذا ممكن
اسلام بغموض : عندك سبب طارئ؟
نور برجاء : أي اليوم حفلة زفاف صديقتي ومحتاج مغادرة أجهز روحي .
اسلام بعد ثواني من التفكير : ما عندي مانع مدام نور ؛ سجلي مغادرة عند المهندس فواز واتمنالك أمسية سعيدة .
عاد لها الغضب والقهر ، للمرة الثانية يناديها مدام نور ، فردت دون تفكير : وبعدين أنا نور بس ، انا تطلقت من خطيبي ، ولعلمك انا طول فترة الخطبة لا كلمته ولا سمحتله يكلمني او يشوفني وأنا فرضت على أبوي يطلقني منه لأني ما أحبه ولا أطيقه .. فاهم .
وأغلقت الهاتف بحدة وقد استبد بها الندم على كلامها واسلوبها معه " متى بتعقلين يا نور ؛ متى قلبك يقتنع أن اسلام ما عاد يهتم لك ولا عاد لك مكان في قلبه "
بينما اسلام لا زال ممسكاً بهاتفه بصدمة من كلامها وغضبها وأسلوبها وقلبه يصرخ فرحاً " الحين نور حرة وما هي مرتبطة " وعقله يرد عليه بأحباط " وحتى لو حرة تبغى تربطها بشخص أعمى مثلك والا ناسي الحواجز الكبيرة الي تفصل بين عائلتك وعائلتها ... اركد يا قلبي ولا ترفع سقف أحلامك كثير ، أحبس مشاعرك بقلبك ولا تسمح لها تسيطر عليك وعوضك عند ربنا بحبك ونور قلبك "
*****
" الله يسامحك يا عزيزة ، كذا تتركيني في يوم مثل هذا " دارت ببصرها في المشغل الكبير والفخم الذي حجزته لها أم فهد وهي لا تفقه شيئاً ولا تعرف ماذا تختار واستبد بها الخوف ان تستغل العاملات انعدام خبرتها .
زال الخوف تماماً عندما أطلت عليها عزيزة من باب المشغل ترافقها دالية فهجمت عليها تحضنها وتعاتبها وعزيزة تمازحها حتى تخفف من توترها .
عزيزة بحماس : الله يهنيك بأم فهد فعلاً انها انسانة راقية وذوق .
فاطمة بصدق : اي والله هذا المشغل غالي كثير ولو كان على حسابي كان ما فكرت أحجزه أبد.
عزيزة مسكت يدها وبحنان : ممكن يا ست فطوم تتركي عنك التفكير بالفلوس والتوفير وعيشي حياتك وفرحة انك عروس وبيكون لك زوج وبيت وأسرة .
فاطمة بهم واضح : والله اني خايفة من المستقبل وما..
عزيزة قطعت عليها الكلام : أششششش لا تكملي ، المستقبل انت بترسمينه باكر بهمتك وعزمك وحبك وصدقك مع نفسك ومع اللي يحيطونك ، انت اللي بتخلين فهد باكر يفتخر بك وبحبك ويتمنى تبقين حبه وسبب سعادته طول العمر "
كلمات عزيزة أثرت كثيراً بفاطمة وحركت فيها مشاعر الحب التي حاولت طمسها وحركت فيها الأمل بأن تجعل فهد ينسى ملاك ويتعلق بها هي فقط دون غيرها .
عزيزة مسحت دمعة خفية وهي تتذكر ما حصل معها قبل قليل عندما دخل ناصر عندها الغرفة بلا استئذان وأخذ يتأمل بها بشغف وانبهار مما أربكها وهمت بمغادرة الغرفة لكنه جذبها من ذراعيها وقربها منه وهو يهمس : عزيزة أنا .. أنا أحبك وما أقدر أخفي مشاعري أكثر من كذا ، أريد ننسى الماضي ونبدا صفحة جديدة .
عزيزة بثقة : لا تكون نسيت الأتفاق اللي بيننا وموثق عند المحامي ولا تفتكر أي شي ممكن يغير هالأتفاق أو يبدله .
ناصر بألحاح ونية صادقة : أنا مستعد أعدل الأتفاق بيننا وأعوضك بأي مبلغ أو مجوهرات أو عقارات او سيارات تبغينها ؛ أي شي تريدينه المهم تقبلين بي زوج ونكمل سوا مشوار الحياة ونملى بيتنا أولاد وفرحة وحب .
نظرت له بدهشة ونفضت يديها بقوة وهي تنظر بعينيه بثقة وهي تقول : انت سامع وش تقول!! من متى كانت المشاعر تنباع وتنشرى ، من متى كان الحب ينقاس بمال والا عقار ، انت بكلامك بتهيني ولا على بالك ، وأدري أن مجرد محاولة الشرح لك هو مضيعة لوقتي ووقتك ، أنت يسيطر عليك الكبر والتعالي وحب التملك وتفتكر كل الناس تحت شورك وطوع أمرك وبحاجة لمالك ... لا يا أستاذ ..... تفكيرك ما هو سليم وأنا بحذرك تعيد موالك هاذ والا بنفذ اتفاقنا السابق وأغادر حياتك وحياة دالية بدون أي تردد .
ومشت بقوة وثقة تاركة ناصر في هم وضيق ومراجعة نادمة لقراراته وحساباته " وين كان عقلي لما عملت هالأتفاقية وعاقبت نفسي باللي ما تطيقه ولا تقدر عليه "
***
ام فهد بعتب مبطن لأبنها : يما الله يهداك لازم أعطيت فاطمة فلوس أكثر للجهاز ، ما يصير كذا حتى لو كان حالهم على قدهم.
فهد بصدمة : ليه تقولين كذا ، هي فاطمة شكت شي من قلة الفلوس؟
أم فهد نفت بسرعة : لا والله أبد ، المسكينة ما قالت شي ، لكن الجهاز اللي جابته أمها بالأمس قليل كثير وما هو بقيمتنا ولا قيمة عروس فهد ، وأنا أدري أن ما معهم فلوس يدفعون منهم
فهد بعد تفكير وهو يعلم أنه أعطاها ما يكفي وزيادة : لا تزعلين ولا يتكدر خاطرك ، أنا بعد الزواج باخذك وباخذها تشترون كل شي وفوقه حبة مسك خاصة ان شهر العسل قررت تأجيله الحين بسبب شغلي ومسؤولياتي .
ثم قام وقبّل رأسها وخرج لتجهيز نفسه للزفاف حيث واعد العميد محمود وعدد غير قليل من أصدقائه وأقربائه لمرافقته .
ليس من الصعب عليه أن يكتشف أن فاطمة تتدخر بالنقود التي يعطيها لها وهذا أكيد لأجل أمها وأخوانها ، كل يوم تكبر بعينه ويستشعر نضجها وتحملها للمسؤولية وهذه الزوجة التي يمكن أن تصلح له وأن كانت بعض الخيبة تدخل في قلبه او ما يشابه الغيرة " من الحين لازم تبدَّي فهد على كل الناس يا ست فاطمة حتى ولو كانوا أمك وأخوانك ، يعني ما أستحق منك بعض الأهتمام بلبسك وثيابك الي تبهجين بها قلبي والا بعطور تخدر أحاسيسي أو زينة تسحر عيوني!! بسيطة يا نظر عيني أنا من الحين بعلمك كيف تحبين فهد وتقدرينه حقه الي يستحقه "
للحظات غمرته السعادة ونسي أحزانه وهمومه لكن سرعان ما عادت له وبقوة عندما اصبح العميد محمود أمامه ؛ يدرك معاناته بعد ضياع ملاك .
ان كان هو بضيق ويعاني فالعميد يعاني أضعافه وحبه لملاك ما هو بخافي عليه " ربنا يقدرني وأقدر أرجعها لأهلها سالمة وافرح قلبك يا اخوي يا محمود"
***
الفتيات ينظرن بانبهار الى سناء التي قالت بابتسامة : ما شاء الله عليك يا نغم من جد فنانة ربنا يحفظك ويسعدك طول العمر .
ملاك بامل : آمين يا رب العالمين
آلاء بشيء من الخوف على نغم : حبيبتي باين عليك التعب اذا ما تقدرين لا تتعبين روحك.
ملاك بابتسامة : لا عادي الحمد لله وبغمزة : جهزي روحك الدور عليك .
خبط الباب بقوة وصراخ مرام : أنا جيييييييت .
ثم حدقت بسناء بانبهار : منو هذي المسعدة !
سناء بضحكة : سناء وكل من شافني تبسم ورااء
مرام بصدق : اسم الله عليك يا نغم مبدعة بجد وبرجاء : وانا بعد ابغى أصير مرام وكل من شافني بالحب هام .
ملاك بضحكة : هههههه وش لك بالعالم ! المهم الحبيب لا شافك تعلق وذاب بالغرام .
مرام باستهبال : ما عليه الحبيب ومعه دزينة وراه هههههه.
ملاك بصدق : الصراحة ما شاء الله عليك ما تحتاجين زينة كأنك أجنبية ملامحك حتى ما هي عربية .
وفاء نغزت ملاك بيدها وآلاء نظرت لها بلوم وملاك لا تفهم شيئاً فقط ساد الصمت المطبق ....حتى تنهدت مرام وهي تتظاهر بالأبتسام : علامكم قلبتوها دراما ، ثم نظرت الى ملاك المستغربة : محسوبتك نصف اجنبية لأن المحروسة أمي أوكرانية ؛ والحين دور مين بالتزيين .....
ملاك أصابها الأعياء الشديد بعد الأنتهاء من عملها وفاجأها طلب سناء منها الذهاب معهن للحفلة في الفندق الفخم ولكنها رفضت رغم رغبتها بالحضور وشوقها الكبير لرؤية فاطمة وأكيد عزيزة وميسون وام عزمي ونور وأمها من ضمن الحضور ؛ لكن لن تستطيع المغامرة والظهور ؛ ستنتظر عودة رداد وبوجوده ستعلن نفسها وتواجه الجميع وتزور كل من تريد دون خوف من معرفة أهلها ما دام رداد معها ويسندها ويحميها .
عادت الى بيت تهاني متعبة بجسدها ويغشاها الحنين لخير رفقة وخير ناسٍ أحبوها وآووها ولم ينفروا منها أو يعاقبوها بذنوب غيرها .
تهاني بخوف : حبيبتي يا ملاك ؛ وشك تعبان أوي ؛ ليه كدة تهلكي روحك أزا مش عشانك عالأئل عشان العيل الي ببطنك.
ملاك بابتسامة : بكرة ان شاء الله بروح أشوف دكتور القلب الي قالت عنه دكتورة العيادة واتطمن ان شاء الله .
تهاني بجدية : انا من رايي تبطلي الشغل وتهتمي بصحتك لحد ما جوزك يرجع بالسلامة .
اجابت ملاك وهي تمدد جسدها : هذا الأسبوع وخلص بعدها بيكون زوجي على وصول .
وبتذكر : الا بسألك عن مرام مرت ابنهم وش قصتها وليه تتضايق من سيرة أمها الأجنبية؟
تهاني جلست بقرب ملاك ومعها صينية الشاي : ام مرام اوكرانية زايد أخو محمود بيه الصغير حبها وتزوجها لما كان يدرس في أوكرانيا وبعد ما خلص دراسته ما رضيتش ترجع معه واتفقوا عالطلاق واختلفوا على البت مرام وفضلت عند امها لحد عمر خمس سنين ووقتها زايد بيه عرض عليها مبلغ كبير واتنزلت عن مرام ورجعت معاه وعاشت عند ابوها وبين عمامها فرحانة ومبسوطة ؛ لكن بعد كم سنة رجعت تحاول تاخد البت تاني وبئا بينهم محاكم ومشاكل وكل ما يسافر دولة يلائي عليه قضايا منها وكل مرة يسكتها بالفلوس أصلها طماعة أوي والحمد لله أهي البت كبرت وخلص زايد بيه من امها ومشاكلها وهي بئت ما تطيئش سيرة أمها للي عملته في أبوها ولانها مش عاوزاها من جد بس مجرد وسيلة تحصَّل بيها فلوس .
غمر ملاك شعور الحزن على مرام ؛ فماذا تفرق عن أمها التي رمتها دون رحمة ولكن الفرق أن أبو مرام يحبها ويريدها بقربه ولم يتخلى عنها بل كان مستعد ليدفع أي مبالغ لتبقى ابنته في كنفه وتحت عينه ورعايته وليس هو فقط بل كل اعمامها واولادهم وبناتهم يغمرونها بمحبتهم وشتان بين بنات عمها وبنات عم مرام فهي لم تر منهم سوى الأهانة والتحقير والضرب ولم يراعوا طفولتها وصغر سنها جعلوها تكره الحياة وتكره نفسها بل تحتقرها وأخيراً زوجوها لخالد الذي أكمل على ما بقي لها من سمعة او احترام لنفسها أبعدني الله عنهم وأعمى عيونهم عني وعن رداد .... اااه كيفك الحين يا فاطمة أكيد متوترة وتحاولي تبتسمين وبصعوبة ما تقدرين وعزيزة تأشرلك بتعليماتها وتخليك تضحكين غصب .... الله يهنيكي يا روحي ..
*****
كل ما فيها يرتجف وقلبها يقرع الطبول فتهتز لها كل اركان جسدها النحيل ، ترى نظرات الاعجاب تحيطها ومع ذلك لا يطمئن قلبها ..... تتسلل اليها نظرات الغيرة والحسد من زوايا مخفية لكن عيونها تلقطها فتغمض جفونها الماً من قوة سهامها وعيون تغمرها بالحب والدعاء بالتوفيق ولا تتردد دموعها بالإعلان عن حبها الصادق ... الحمد لله على نعمة الأهل والاحبة والأصدقاء ... وجودهم يقويها ويسندها ... وللحظة تراءى أمامها صورة أبيها تغطي واجهة الوجود وابتسامته الجميلة تشع نوراً على قسمات وجهه الحنونة .... اااه كم أشتاق لك يا أبي وكم أفتقد وجودك في هذا اليوم وفي هذه الساعة ... دموعها الثائرة انهمرت بلا ارادة وبلا استئذان ... اقتربت منها عزيزة ومسحت دموعها وعدلت زينتها وهي تهمس لها : أكيد تذكرتي أبوك الحين .
نظرت لها فاطمة بدهشة وكأنها تقول "كيف عرفتي " فترد عليها عزيزة بنفس الابتسامة : هذا اللي شعرته يوم فرحي ، حسيت بحاجتي له ولوجوده قربي . بس بقولك سر .... الحين بس تشوفين فهد جنبك يتغير كل شي .. وغمزتها بعينها فضحكت فاطمة بخجل غامر .
نور وامها بأبهى صورة رغم ثيابهن البسيطة والكل يشير على نور ويهمس : هذي بنت رجل الاعمال معاذ ال... وتقترب منها النساء والبنات للسلام والتعارف ودعوات الزيارة وحضور المناسبات .
نشوة الشعور بالأنتماء الى المجتمع الراقي غمرت نور للحظات ولكنها سرعان ما رمتها وراء ظهرها فهي نور التي تربت كصبي بالحارات تعمل وتشقى وتقاتل لأجل لقمة العيش ؛ لن يغريها هذا البريق ولن تسعى له يغنيها وجود امها وصديقاتها عن كل شيء فيه .
تفاجأت باقتراب أم اسلام منهن وسلامها الحار عليهن وام نور ردت السلام بجفاء ونفور فأقتربت منها أم اسلام وهي تحاول منع دموعها من النزول : سامحيني يا أم نور أنا أخطيت بحقك وحق بنتك نور واتمنى تسامحيني وربنا عالم كم أنا الوم روحي علي عملته بيكم .
ام نور بثقل : المسامح ربنا وانا مني وعلي عمري ما حملت ضغينة لحد والله يسامحك .
اما نور فلم تتكلم واكتفت بابتسامة باهتة وهي تسمع كلمات أمها الحكيمة.
نجمة الحفل على الاطلاق جود وهي زوجة محمد اخو فهد الأصغر بملابسها وزينتها ومجوهراتها الفاخرة حتى انها لم تتوقف عن الرقص وأبهار المحيطين بها وفي قلبها شيء من الغيرة رغم طيبتها البالغة وتحاول ان تظهر للجميع أنها الأجمل وانها الأصل .....
وفاء وجدت الحفلة فرصة لتطوير مهاراتها الاجتماعية والتعارف على اكبر عدد من البنات والحضور بينما سناء تجلس على استحياء بقرب امها ترافقها مرام التي يبدو انها لا تحب الأختلاط كثيراً اما آلاء فكانت تتابع كل شيء بعدم مبالاة.
ميسون ترقص بفرح مع نور ولما شعرت بالتعب جلست بقرب آلاء فكلمتها آلاء بابتسامة : اتوقع انك زميلتي بالكلية .. ميسون اسمك صح.
ميسون بابتسامة : اي نعم وانت آلاء مو كذا ...
آلاء بابتسامة : ترى تعجبني ثقتك وجرأتك في المناقشات في المحاضرات.
ميسون : وانا كمان تعجبني أشعارك وكتاباتك في مجلة الكلية ، كلها أحساس وجميلة حيل.
آلاء ابتسمت لها بامتنان وأردفت : كأن العروس صديقتك؟
ميسون تشير الى عزيزة : صديقتي انا واختي عزيزة .
آلاء بحماس : عزيزة أختك ! تراها بتكون زوجة أبن عمي ناصر .
ميسون سكتت وهي تتمنى ان لا تكون آلاء اخت صلاح ولكن خاب أملها عندما قالت آلاء : أنا ابوي أبو تركي وهو عم الاستاذ ناصر زوح أختك .
آلاء بنفس الحماس : اتمنى تتفضلي انت وعزيزة بزيارتنا وأكيد أنا وأمي وأخواتي بنكون سعيدات بزيارتكم .
ميسون ابتسمت وفي قلبها " مجنونة أنا أروح للموت برجلي"
من أكثر الحضور جاذبية وفخامة : هناء وهديل بنات الدكتور نواف يشبهن ثريا هانم بألقهن وقوة حضورهن وهن مصدر فخر لأم جاسر وهذا ميزة المجتمع المخملي التفاخر وحب التباهي .
لم يدخل العريس للقاعة ولا تدري لماذا وقاربت الحفلة على الأنتهاء عندما اخذتها ام فهد الى قاعة التصوير وهناك كان فهد ينتظرها ويناظرها بشغف ، قبلها على رأسها وامسك بيديها وبدءا جلسة حميمية من الصور عنوانها جرأة فهد وخجل فاطمة .
في صالة الرجال ومع قلة الهدوء وضجيج الأهازيج الا ان الكثير من القلوب متعبة ومنهكة وأغلبهم لا يدري ان شاغلهم واحد ..
****
لم يأخذها الى فندق كما هو معتاد بل الى جناح الزوجية في بيت أهله ، جناح كبير وفخم جداً ، تحاول مع اضطرابها التماسك ومراجعة وصايا أمها ولكن ما عاد شيء يحضرها سوى الخوف والأرتباك ، هي لوحدها في غرفة مغلقة مع رجل ، حتى أسنانها تصطك من الخوف والرهبة ....
طوال الأسابيع الماضية انقطع عنها فهد الا بزيارات مقتضبة إما لأعطائها نقوداً وأما لبعض تفاصيل الزواج ؛ فما عادت تشعر بالترابط بينهما وعاد أحساس الجفاء والغربة يسيطر عليها والآن هما معاً ولوحدهما .
هو بطبعه قليل الكلام ولا يحسن بدء الأحاديث ولا يمتلك في هذه اللحظة الا مشاعر جارفة وصادقة لمن اختارها قلبه واحبها بصدق ، مسك بيدها أولاً فارتجفت ؛ ضمها اليه فانتفضت كعصفورٍ بلله المطر ولا يقوى في ضعفه على شيء .
أرشدها الى غرفة النوم فهربت اليها تحاول التقاط انفاسها ، دقائق مخيفة مرت عليها وملابسها التي لا تستر شيئاً تزيد أرتباكها " الله ينتقم منه الي أخترع قمصان النوم " .
عاد بقربها ، عيونها تخترق الأرض وعيونه تحرق جسدها ، من جديد احتضنها ومن جديد أنتفض جسدها ولم تشعر الا به يحملها الى سرير الزوجية تسيره مشاعره وقد غاب أحساسه بكل شيء الا بها وبحبها وبليلة لن تنساها فاطمة طوال حياتها في أحضان رجل هو زوجها وهي مصدر فرحه وسعادته ...
فتحت عينيها بتعبٍ وألم ينتشر في كل عظامها " غريبة ليه امي ما صحتني للدوام " أدارت رأسها الى اليمين حيث شعرت بنيران تحرقها وبصعوبة فتحت عينيها لتصدم بشابٍ وسيم يتكئ على ذراعه ويناظرها بل يتفحصها بحب ؛ ارتجفت بخوف بل كادت تصرخ برعب وهي تسارع بتغطية جسدها ورأسها وقد انقطعت انفاسها .
ضحك فهد على حركاتها ومن ضحكته بدأ عقلها يستوعب شيئاً فشيئاً عالمها الجديد وبنفس الأرتجاف أخرجت عينيها من تحت الفراش لتراه لا زال ينظر لها ، ومد يده ليسحب الغطاء ويقترب أكثر وأكثر ...
****
==========>>>>>يتبع
****
جمعية مرضى القلب ليست بالقريبة من حيها المتواضع وتحمد الله أن ام تركي أعطتها أجازة صباحية بسبب تعبها الكبير في تجهيز بناتها لحفلة فهد ، دور طويل ولائحة انتظار لا تنتهي.
اليوم لوحدها لم يحضر معها أحد ؛ شعرت بالملل فقامت تتفقد بالأقسام والغرف ؛ وبدأت تقرا باللوائح والتعليمات من باب التسلية التي ما لبثت أن تحولت الى خوف من قراءة بعض الحقائق المخيفة عن القلب وأمراضه وخطورتها ، ابتعدت بضيق وسارت في ممر ضيق يؤدي الى غرفة تجلس فيها فتاة أمام أكوامٍ من المنشورات وتقوم بتوزيعها بشكل رتيب على محافظ أنيقة ، واضح أنها لتوزيعها على المؤسسات والشركات الكبرى بهدف جمع التبرعات.
أرادت العودة ولكن شيء ما استوقفها وذكرى منيرة من ماضيها المؤلم لمعت أمام عينيها.
هذه الفتاة لم تكن طبيعية ، جلستها ونظرتها ورتابة عملها تدل على معاناتها ومرضها ... التوحد بلا أدنى شك ، وذات العينين الجميلتين الحائرتين وذات الملامح الهادئة وذات القلب الحنون ... صديقتها الوحيدة في طفولتها البائسة ، لازمتها لسنوات العذاب وأمضت الساعات وهي تشتكي لها من ظلم أهلها وهي ربما تفهم عليها أو لا تفهم ومنها استوحت فكرة ادعاء التوحد حتى يكف الجميع عن ضربها وأهانتها .
اقتربت منها وجلست بقربها ، في البداية لم تعرها البنت انتباهاً ولكن بعد قليل اقتربت منها واحتضنتها وملاك تبكي بلا وعي منها لقد عرفتها صديقتها بل قامت بمسح دموعها كما أعتادت في طفولتها ، ما أجملها من لحظات ، وجدت ملاك نفسها بلا وعي تشكي لها همومها وتحدثها بما جارت به السنين عليها ، قطع حديثها دخول رجل على استعجال وهو يقول " امل حبيبتي الحين بأجيب.." وباستغراب وجه كلامه لملاك : منو انت ؟
ملاك قامت وهي تمسح دموعها : أنا كنت صديقة أمل بالمدرسة ، كنا أعز الصديقات حتى نقلت من المدرسة .
جذبتها أمل وأجلستها بقربها وعادت لأحتضانها وهي تقدم لها قطعة من الشوكولا ، أخذتها ملاك بامتنان فهذا ما أعتادت أمل فعله عندما تبكي ملاك تعطيها قطعة الشوكولا ..
مسحت ملاك على رأسها بامتنان ، والرجل يراقب ابنته بحنان بالغ وهو متفاجئ من اهتمامها بأحد كما تفعل الآن ولا زال يذكر كلام طبيبة المركز لعلاج التوحد الذي نقلها اليه من المدرسة الحكومية " نواجه صعوبة في التعامل مع أمل لأنه واضح تعلقها بأحدى زميلاتها في مدرستها السابقة ".
تركهما معاً وعاد بعد فترة يحمل وجبتا طعام وراقب لدقائق ابنته وهي تعد لفائف صغيرة وتطعم صديقتها بود وسعادة بالغة .
***
ارتمت بشوق في أحضان أمها وأخذت بالبكاء كطفلة صغيرة وأم راشد تشعر بالحرج من تصرف فاطمة .
أم فهد بشيء من الذوق أشارت لبناتها للخروج معها من المجلس حتى تأخذ فاطمة راحتها بالجلوس مع أمها .
فاطمة ولا زالت تبكي : يما تكفين خذيني معك وخلنا نرجع بيتنا ما أبغى أظل هني والله قلبي يعورني ما أقدر على فراقكم .
أم راشد تبكي معها : ليه يا بنتي! في شي ضايقك والا أحد غلط فيك والا ليكون فهد ما هو بزين معك.
هزت فاطمة رأسها بالنفي : لا يما ما في شي بس أنا ما أقوى على فراقكم والله ما أقدر ...وأجهشت بالبكاء وأمها تحتضنها لتخفف عنها وتذكرها بأن هذه هي سنة الحياة وانها كبيرة بما يكفي لتواجه حياتها الجديدة وتثبت وجودها وتفرض أحترامها على الجميع .
كلمات امها ووصاياها مثل البلسم أعادها لصوابها وجعلها تتماسك من جديد .
وجوه كثيرة تعرفت عليها اليوم وأكثر ما أثار حنقها هو جود وحركاتها المستفزة ورغبتها الغير طبيعية بالظهور ، حتى ملابسها أفخم بكثير من ملابس فاطمة ولأجل هذا عضت فاطمة شفاهها ندماً على تقتيرها في الأنفاق على جهازها فالناس لا يهمها الا المظاهر .
هاتفها بيدها وكل بضع دقائق تأتيها رسالة من فهد والحمد لله أنه على وضعية الصامت حتى لا تحرج أمام الحاضرات ....
"أحبك".... " مشتاقلك حيل "..
وعبارات حب لأول مرة تخرج من قلبه وهي وجهها يحمر ويكاد يفضحها
****
جاء دورها بعد عناء وطول انتظار ، تفاجأت أن الطبيب هو والد صديقتها أمل ، رجلٌ وقورٌ جعلته مآسي حياته يشعر بالآخرين وآلامهم فخصص جزء من وقته للأعمال الخيرية وعلاج المرضى مجاناً.
جلست بارتباك ، فبادرها بالسؤال : من أيش تشتكي يا نغم .
حدثته ملاك بأوجاعها وبكلام الطبيبة لها .
استمع بحذر لدقات قلبها وجلس أمامها وهو لا يريد أخافتها : حسب توقعاتي انت عندك أرتخاء بالصمام التاجي وهذا ما يخوف بأذن الله لكن مع وجود الحمل لازم تاخذين بالك من أي تعب او زعل وابعدي عن كل شي يأثر على نفسيتك ومن باب الأطمئنان والتأكد هذا عنوان عيادتي ضروري تراجعي بأقرب وقت ونعمل صور وتحاليل وتخطيط نطمن فيه على وضعك.
قالت بتردد : بصراحة اذا هذي الفحوصات مكلفة ما رح أقدر أعملها .
الدكتور باستيضاح : انت زوجك وين يشتغل؟
ملاك بخجل وهي لا تريد الكذب عليه : زوجي حالياً بالسجن لكن قريب باذن الله بيطلع .
الدكتور بتفكير : أنا بعملك الفحوصات مجاناً وما أريد منك فلوس ، لا تحملي هم وخذي بالك من صحتك ومن تغذيتك وأهم شي تبعدين عن التعب والأرهاق والأنفعال.
وناولها بطاقة مكتوب عليها اسمه وعنوان عيادته ، شكرته بأمتنان وخرجت لتجلس ما بقي معها من الوقت مع صديقة طفولتها الأجمل والأوفى وأنقى أنقى البشر .
*****
أم اسلام تحدث ابنتها أسراء عن حفلة الأمس وعلى مسمع اسلام وبقصد حدثتها عن نور وجمالها وتألقها وعن ذهابها لأمها واعتذارها منها في بادرة لأصلاح أخطاء الماضي .
اسلام شعر بالسعادة تغمره من تصرف أمه وشعر بالحنين لحبيبته من وصف أمه لها وهو يعلم أنها تتقصد ذلك .
وجهت له أمه الحديث وبجدية : اسلام وش رايك تخطب نور .
اسراء تحمست بفرح : وأجمل فرحة يا ربي هذا أسعد خبر .
اسلام بضيق : أنا ما أفكر بالزواج حالياً .
ام اسلام بفجعة : لا تقول كذا يا ولدي وتحرمني أفرح بيك وباولادك حولي وقربي .
اسلام بصدق : يما في وضعي وحالتي حرام أظلم بنات الناس معي.
ردت أمه بألم : لا تقول كذا يا ولدي وألف واحدة تتمناك.
اسلام بحزم : لكن أنا ما أريد أبتلي بنات الناس وخاصة نور كافيها الي شافته ما هي محتاجة تكمل حياتها بعذاب وألم.
اسراء بصراحة : نحن ما رح نجبرها اذا هي وافقت أكيد بتكون تحبك بصدق .
اسلام بشيء من العصبية : ناسيين الي بين عيلتنا وعيلتهم والي سوته جدتها مع خالي ابو طلال.
أم اسلام بحكمة : هي خالك بروحه سامح ثريا ورجعها لبيته مكرّمة ومعزّزة .
قام اسلام تتقدمه عصاه وبأنهاء للموضوع : لا أحد يطري هالموضوع مرة ثانية ؛ الي عندي قلته وانتهى .
*****
لم يكلمها منذ الأمس ، يدرك أن ما حصل هو خطأه ولكن أصلاح الخطأ لن يكون بسهولة مع شخصية واثقة وواضحة مثل عزيزة .
كيف خطر له بأن يجعل زواجه منها بهذه الكيفية وهذه الشروط ! أين ذهب عقله ليحرم نفسه منها وبأي شرع وبأي دين .
لن يلومها وسيصبر في محاولة أزالة الضرر الذي سببه تكبره وتعاليه وهذا ما قالته عزيزة عنه وهو يعترف به ويقر بذنبه.
سأل عنها وعلم أنها ذهبت الى المصنع ، كلّم مدير المصنع لأمر يخص العمل وسأل عنها فعلم أنها غادرت منذ وقت وليس في سيارة الشركة بل في سيارة أجرة .
داخل شيءٌ من الريب قلبه ؛ أين تذهب وتخفي عنه؟ في حياتها أسرار وغموض لا ينتهي وتبادر الى ذهنه اسم وائل حسان على المغلف ؛ سأل عنه غي حينها ولم يكن من ضمن أسماء عملائهم او له ذكر في عالم الملابس والأزياء والموضة ؟ فمن يكون وما علاقة زوجته به وما سر مشاويرها المجهولة بل حتى مكالماتها ورسائلها الغامضة ! لا بد له أن يعرف ونار الخوف والغيرة تتسرب الى قلبه .
****
أم عبدالله لا يعجبها حال بناتها أبداً ، علاقة حنين متوترة مع محمود ويمضي اغلب وقته بالعمل واذا عاد قلما يكلمها الا لأمر يخص الأولاد ولا يبدو انه ينوي مسامحتها على كذبها عليه بخصوص ملاك والأمر سيان مع نواف فهو الآخر عندما علم بحقيقة ملاك حقد على رماح خاصة ان حياة طفله ناصر كانت على المحك وهي تنكر معرفتها بملاك او مكان وجودها وكذلك فعل أهلها حتى أنه قالها صراحة لرماح " انت انسانة سطحية وتافهة لأنك فضلتي مكانتك الاجتماعية المزيفة الواهية على حياة أبنك وعافيته في المرة الاولى سامحت أهمالك بأبننا وصحته ولولا وجود ملاك كان خسرناه لا سمح الله لكن الحين بعد اللي شافه ناصر وعايشه صعب أسامح صعب كثير "
والمصيبة الأكبر روعة المطلقة وكثرة الكلام حولها بسبب تهورها وحركاتها الطائشة ورفضها المستمر الرجوع الى عامر مع أنه أبلغ علي بأنه مرحب بها متى ما قررت الرجوع الى بيتها وولدها وحالياً تفكر بجدية الموافقة على عرض الزواج من ابن خالة رنا ورغم عدم وجود شيء يعيبه الا ان قلب ام عبدالله غير مرتاح له بل يميل الى عامر بطيبته وصفاء قلبه .
كل هذه الهموم تعايشها اربع وعشرين ساعة باليوم وهي على يقين أن ما تعانيه مع بناتها هو خطية المسكينة ملاك وما ذاقته من ظلم وتحقير وأذى منها ومن أولادها وكلها تضرع للمولى عز وجل ان يجدوا ملاك وتكفر عن أخطائها وظلمها لها.
****
تهمس حتى لا يسمعها فهد النائم : والله خايف يا عزيزة وما أقدر أنام وتعبانة حيل وكل شي غريب علي وجسمي كله يعورني وما أدري وش أقول حتى ملابسي ماني براضي عنها أحس روحي قدام جود مثل البنغالية .
عزيزة بحنان ولوم : كله من بخلك يا هبلة ؛ سمعيني زين .. باكر بابعثلك بسيارة الشركة مجموعة ملابس ماركات من أحدث التصاميم على مقاسك والاسبوع الجاي ببعثلك مجموعة ثانية بوصي عليها من الحين وتحاسبيني على مهلك ؛ المهم تظهرين بمظهر ما يقل عن احد قدام زوجك وأهله واوعك تقللين من قيمتك ومكانتك وكل شي من أوله وخذي بالك من روحك حبي.
اغلقت الهاتف وصفنت ثواني وهي تفكر بوضعها وحياتها الجديدة وتشكر الله على نعمة عزيزة هذه الأخت الرائعة ذات القلب الطيب الحنون ....
ارتعبت من صوته خلفها رغم انه يهمس : ليه بعدك ما نمتي؟
تلعثمت واحمرَّ وجهها وهي لا زالت لا تقوى على ازالة حاجز الخوف والحياء من وجوده قربها .
احتضن وجهها بكفيه ورفعه ليرى عينيها فدمعت عيناها رغماً عنها ثم تحولت دموعها الصامتة الى بكاء وزادت الى نحيب وتنهيد وشهقاتها تتعالى وهو اكتفى بضمها الى صدره تاركاً لها المجال لتبكي وتبكي دون مقاطعة منه او اعتراض...
يدري بها مستوحشة وتعاني من اغترابها عن أهلها وخائفة من حياتها الجديدة ويلوم نفسه دون غيره لأنه طوال فترة خطوبتهما القصيرة كان مشغولاً بالبحث عن ملاك لذلك لم يستغل هذه الفترة للتقرب منها وزيادة الألفة نحوه فما تعانيه الآن طبيعي وسيحاول مساعدتها بتجاوزه بحبه وحنانه.
****
تعمل بجد في المطبخ وهي تستمع لأحاديث الفتيات عن حفلة فهد ووفاء لا تترك تفصيلاً صغيراً ولا كبيراً الا وتتحدث عنه باسلوبها الجذاب وطريقتها الكوميدية حتى شعرت ملاك كأنها حاضرة معهن بالحفلة .
اسعدها حديث آلاء عن ميسون وكان بودها ان تصرخ قائلة " أنصحك بميسون صديقة ورفيقة لأنها بنت أصيلة وصادقة وتحفظ صداقتها " لكن للأسف لا تستطيع .
جمال فاطمة ونعومتها وكثرة الحسد حولها هو محور الحديث وكيف ان فهد رفض الدخول الى صالة النساء رغم الألحاح الشديد مما خيَّب ظنون الكثير من الفتيات اللواتي يتشوقن لرؤيته .
طال الحديث كذلك عن نور ... ملاك تستمع بأنصات الى تطورات الأحداث والمفاجآت في حياتها ... يعني نور طلع أبوها رجل اعمال من عائلة عريقة وله مكانة وكان متغرب ورجع عشان بنته ..!! لا والصدمة الأكبر ان ثريا هانم تكون عمة نور !! يعني نور بنت خال اخوانها !! ما كانت تتخيل هذا القرب وهذه الصلة !!
"يا رب يسعدك يا نور ويجمعك مع من يحبه قلبك ولو اني متأكد انك ما رح تتقبلين ابوك بسهولة بعد ما ترككم بفقر وحاجة طوال هذي السنين "
لفتها حديث وفاء عن هناء وهديل بنات الدكتور سعود وتفاجأت بمعرفة أن فهد هو أبن عم أزواج اخواتها ! طال الحديث بين الفتيات عن أناقتهن ورقيهن حتى ضاق صدرها من الكلام .. شتان .. شتان بين حالهن وحالها .... بين عيشتهن وعيشتها ... هي تعاني الفقر والتشتت والجوع ... حتى ثمن الدواء والعلاج لا تجده ولا تقدر عليه وهن يعشن في بحبوحة وعز منقطع النظير ... هنَّ من عليَّة المجتمع وطبقته الراقية وهي خادمة وضيعة تعيش عالة على تهاني الرائعة وأسرتها .. غلبتها الدموع بلا أرادة منها وجلست تجهش بالبكاء وهي تدفن وجهها بكفيها والفتيات ينظرن لها باستغراب وعندما اقتربت منها سناء لتهدئتها مسحت دموعها بقوة ووقفت مبتسمة تجابر على جراحها وهي تقول : الحيوان رفشني بقوة وأوجعني حيل هههههه.
ضحكت معها البنات بعد ان عرفن السبب واستأنفن الحديث الشيق الممتع .
***
طوال الايام الماضية تتجنبها نوف بشكل مستفز وتتعمد رفع الصوت بالضحك امامها وهي لا تبالي بها ولكن لها يومين لا تراها ولا تحضر المحاضرات معها وفي المقابل توطدت علاقتها مع آلاء وأصبحن صديقتين مقربتين ؛ تذكرت الاتصال بعزيزة لتوصيها بأشياء لها في زيارتها القادمة ولكن هاتف عزيزة مشغول بالاتصال مع فاطمة التي كانت تشكر عزيزة على الملابس الرائعة والفخمة وتحدثها بسعادة بالغة عن فهد وحبه وحنانه وعزيزة تكتم بقلبها غصة فهي ليست من النوع الذي يبوح بما في قلبها او يفشي أسراره لأحد هي شخصية قوية لا تقبل أبداً أن تظهر ضعفها أو مشاعرها لأحد وهذا درس تعلمته من خطوبتها لسلطان محاسب أمها النصاب الذي لن تسامحه على استغلاله لأمها وسرقة أموالها وتظاهره بحبها وخطبتها .. كل هذا كان ضربة موجعة ولكن كان أيضاً درس لها لتتعلم أن تكون قوية.
غادرت المصنع بعد أن أنهت عملها فيه وتوجهت بسيارة أجرة الى مكان دأبت على زيارته ومتابعة عملها المهم فيه بكل سرية وحرص .
صعدت سلم مبنى استقبلها رجل على بابه ودخلت معه الى داخله ؛ اشتعلت النار في قلب ناصر الذي يراقبها من بعيد ودخل خلفها كالبركان الثائر وفتح الباب بقوة ليجد زوجته تقف بين عدد من الرجال يرتدون قنسوات صفراء ويحملون مخططات بين أيديهم ، الكل ينظر له بدهشة وهي تكتفت بثقة ونظرت له بغضب على عدم ثقته بها وتقدمت نحوه بترحيب وهي تشير للرجال : زوجي الأستاذ ناصر ونظرت له بتحدي قائلة : ناصر أعرفك على المهندس وائل حسان وفريق عمله المسؤولين عن توسعة دار الأيتام الي بنمولها .
سلم الرجال باحترام على هذا الرجل المحسن الكريم وبدأ المهندس يشرح له بحماس عن المرافق التي تم أنجازها من قاعات واستراحات وأماكن ترفيه وورش تدريبية وناصر يستمع ببلاهة ثم استغل الفرصة وهمس لعزيزة : من متى نحن بنمول هذا العمل الخيري وشلون أنا ما عندي خبر !
عزيزة بابتسامة : تطمن هذا العمل الخيري تمويله كامل مني.
ناصر بعدم فهم : كيف منك ما فهمت؟
عزيزة بذات الابتسامة : الأموال والمجوهرات الي اخذتها منك كانت لأجل هذا المشروع .. عشت أنا واختي يتيمات وأقدِّر قيمة مثل هذي المشاريع الي تأهّل الأيتام حتى ما يكونوا عبء على المجتمع ويكون بأيدهم حرفة او مهنة تساعدهم على كسب رزقهم بعزة وكرامة .
ناصر ينظر لها بأنبهار وهي عادت تهمس : وأنت ما يحق لك تشك فيني وتتبعني كذا بعدم ثقة واحترام.
ناصر بلوم مبطن باعتذار : وانت يا مدام ما يحق لك تخفي عن زوجك مشروع بهذي القيمة وتحرميه مشاركتك بالأجر والثواب .
عادا معاً الى بيتهم وعزيزة تكبر بعينه آلاف المرات ؛ لطالما ظلمها واتهمها بأنها انسانة مادية وتحب الفلوس لكن تبين له كم هي أنسانة محبة ومعطاءة للخير والتضحية ومساعدة الآخرين ... مثل هذه المرأة تصلح زوجة له ومثل هذه الدرَّة يخفق لها قلبه وبقوة ... بقوة .
****
اليوم آخر يوم عمل لها عند ام تركي وهو يوم طويل مزدحم بالعمل والتجهيزات فكما علمت من ام تركي والبنات اليوم سيعود ابنهم المسافر بدورة تدريبية ... فارس والكل يتجهز لاستقباله وسيحضر عدد كبير من الأقارب والاصدقاء .
هي بعد انتهاء عملها اليوم ستنام براحة وهدوء وستذهب غداً الى بيت الدكتور فيصل لتضع عنده عنوان بيت تهاني في حال حضوره وخروجه من السجن المتوقع في الايام القادمة .
تشعر بالنشاط والسعادة .. قريباً ستنتهي معاناتها وسيعود أسد الصحاري شخصياً ليحمل عنها الهموم وهي تتخيل في كل لحظة ردة فعله عندما يعلم بحملها .
تأتيها وفاء وسناء كل قليل وهنّ يوصينها بالعودة لزيارتهن وأم تركي تشعر بالأسى لذهابها .... لم يمر عليها عاملة بجدها واجتهادها ومهارتها ولطفها وعزة نفسها وقربها من القلب.
وفاء تكلم آلاء تستحثها على العودة فاليوم هو آخر يوم لنغم بيننا وآلاء تعدها بقرب العودة .
ميسون بقربها : منو هذي نغم ؟
آلاء : خسارة يا ريتها بتظل عندنا كان عرَّفتك عليها لما تزورينا ؛ ألا ما خبرتيني متى تتكرمي علينا وتزورينا؟
ابتسمت ميسون ولم تجب فهي لا تنوي زيارتهم مطلقاً وأشاحت بوجهها عنها لتتفاجئ بنوف تقف بعيداً بحالة شبه مزرية وهي تتأمل بها وكأنها تنتظر ابتعادها عن آلاء لتأتي اليها وتكلمها .
***
" آنسة رغد أنا اسف اني استدعيتك لمكتبي وآسف مقدماً اني أكلمك في موضوع الأصل اني أفتحه مع أهلك لكن هدفي الوحيد أني أوضِّح نفسي الك واسمع رأيك بكل اريحية ودون اي ضغوطات "
رغد تستمع ببلاهة وهي لا تدري ما هدف فيصل من هذه المقدمة البليغة .
بعد صمته للحظات أضطرت ان تقول : اتفضل دكتور انا أسمعك .
فيصل بصدق : يمكن رسالتك كتبتيها بلحظة زعل ومتأكد أنك تندمتي كثير على كتابتها ... لكن بصراحة مفعولها كان كبير على قلبي وحرَّك مشاعر جميلة في داخلي تجاهك وترددت اكثر من مرة أوصلها لمسامعك لكن الحين تشجعت .... بصراحة وبكل وضوح انا معجب فيك واتمنى تقبلين بي زوج على سنة الله ورسوله .
لا زالت على نفس الوقفة وهرمون البلاهة والدلاخة تزايد عندها بشكل سريع حتى وصل ذروته .
لا تستوعب شيئاً ولا تصدق ما تسمع ... معقول الحين فيصل طلبها للزواج ... فيصل اكثر شخص تكرهه وتبغضه طول حياتها يريدها زوجة ترافقه وتلازمه طول العمر !!
قطع افكارها كلماته : لا تستعجلي بالرد فكري على راحتك واتأكدي ان مطلق الخيار الك بدون ضغوط .
خرجت من عنده وهي لا زالت مصدومة حتى انها لا تسمع جميلة التي تكلمها بل سرحت في كلمات جميلة المعتادة لها بان الدكتور فيصل معجب بها ..
***
ابو عبدالله بحكمة : يبا لا تستعجلين بالرد وخذي راحتك بالتفكير ، الزواج ما هو لعبة.
روعة بابتسامة : يبا انا فكرت زين وحكمت عقلي واقتنعت ان عمر هو الشخص اللي يناسبني .
ابو عبدالله بحذر : لا تنسي انه سبق له الزواج وطلق مرته .
روعة بثقة : وانا بعد سبق لي الزواج وهذا ما يعيب ولا ينقص من قدر أحد .
ام عبدالله بعدم رضا : يا بنتي لو تستهدي بالله وتحكمي عقلك وترجعي لعامر ولأبنك اللي محتاج حبك ورعايتك.
روعة بحنق : للمرة الالف ببقولك لا تفتحي هذا الموضوع معي ، زواجي من عامر صفحة وطويتها وما أبغى أعاود اتكلم فيها .
وقامت بغرور لمغادرة المجلس وهي فرحة بهذا الزواج المميز وقلبها يشكر رنا على تزكيتها لها عند خالتها وابن خالتها عمر الرجل الغني والمنتمي لعائلة راقية بكل معنى الرقي والأصالة .
أخيراً سترفع نفسها برقي وتفاخر في المجتمع الراقي بعد هذه الزواج....
شاهدت علي قادم من بعيد فسارعت بالهرب منه حتى لا تستمع لأحدى خطبه العصماء وهو يحدثها عن عامر وعن ابنها المحتاج لحبها وحنانها .....
******
كانت تنام بهدوء بعد ان اعتادت قليلاً على النوم في منزل الزوجية الجديد واذ بها تستمع الى فهد يتكلم بصوت منخفض ويناقش أمراً هاماً مع أحد زملائه ...
فهد : عندي امل مع رجعة فارس نقدر نجمع معلومات اكثر توصلنا لملاك ولمكان وجودها .
... والله تعبان حيل والتفكير واللوم ماخذ وقتي وحياتي ومنغص علي كل شي حتى بزواجي وفرحتي ولأجل ملاك ألغيت شهر العسل وحرمت نفسي تعيش لحظات سعادة وراحة بال .
نظر الى الخلف عندما أحس بحركة وأذ بفاطمة تقف خلفه متكتفة وهي تهز بقدمها بغضب وانفعال واضح ..
انهى المكالمة ونظر لها باستغراب من تصرفها.. بينما هي أخذت نفس عميق قبل أن تقول ما تجرأت أخيراً على مواجهة فهد به .. لن تسكت أكثر : فهد دامك تحب ملاك ليه تزوجتني !
صدمته كلماتها ... لكنها أكملت ودموعها أبت الا أن ترافق حديثها : ليه علقتني بيك وربطت حياتي بحياتك دام قلبك وعقلك مشغول بغيري ، انا وش ذنبي ! وش ساويت حتى أستحق منك هذي المعاملة !
ثم أجهشت بالبكاء وهو لا زال يقف مصدوماً ولا يعرف بماذا يجيبها فهو لا يتقن صياغة الكلمات وترتيبها وهي فاجأته بما يكفي ... تمالك نفسه للحظات ثم أمسك بذراعها وأجلسها بقربه وهو يتنهد وبصعوبة : الحين بقولك كل اللي صار ومن بعدها انت احكمي ولا تستعجلي وتظلميني...
ثم سرد لها كل ما حصل وعلاقة ملاك بالقسم وختمها بحديثه عن تسببه بأثارة الرعب في قلبها وهروبها خوفاً من العودة لأهلها .
وختم كلامه بقوله : وأكثر شي يوجع قلبي هو صديقي العميد محمود اللي متأكد انه يحب ملاك وانا بغبائي حرمته منها وخوفي للأبد عشان كذا محمل روحي المسؤولية .
ثم نظر لها بحب : وعشان كذا انشغلت عنك ويمكن اتوهمتي اني اكن لها اي مشاعر .
مسحت دموعها بصعوبة وهي تقول : من تعرفت على ملاك وانا احس بغموض في حياتها لكن ما تخيلت أبد انها من عائلة كبيرة وغنية ولا تخيلتها بهالقوة والعزيمة ولا بالشجاعة وما ألوم اي انسان يتعلق بها .
اكمل فهد مسح دموعها بيده وهو يقول : لكن انا تعلقت بيك انت ؛ شفت فيك جدية وثقة وعزيمة أبد ما شفتها بأي بنت ؛ جذبني فيك جمالك وعزة نفسك ورعايتك لأمك وأخوانك ... حبيتك من كل قلبي فلا تشككي بحبي ولا تفسري تصرفاتي على كيفك .... احبك .
شعرت بالخجل من كلماته ومن تصرفاتها وأفكارها الغبية ولأول مرة قالت بخجل : وانا كمان أحبك يا فهد ....
وليس فهد من يتركها بعد هذه المصارحة 💕💕
( خلص اقلبوا الصفحة هههههههه )
*******
نزل من الطائرة بهمة ونشاط وهو يستعجل الخطى ليذهب الى الدكتور فيصل ويطمئن على زوجته وحبيبة قلبه ملاك..
قدَّم عودته عدة أيام فما عاد يحتمل البعاد أكثر يشتاق لملاكه ويريد أن يكحل عينيه برؤيتها والاطمئنان عليها ، بأي غباءٍ هو مجبول وكيف طاوعه قلبه على تركها هكذا ومهما كانت الدورة مهمة فليست بأهم منها " هانت .... ساعات قليلة ويكون عندها " .
فعّل هاتفه ودق رقمها .... مقفل !!
مرة ثانية وثالثة .... كذلك مقفل !!
انتابه بعض التوتر ...
رفع رأسه ليتفاجئ بأخوانه وأصدقائه بشيرون له في صالة الأنتظار ... أوووف هذول شلون عرفوا برجعتي وبموعد طيارتي !!
نظر جهة العميد محمود وهو يزفر بغيض : هذا أكيد العميد محمود عرف من مصادره وبلغ الجميع.... الله يصبرك يا قلبي ... متى أشوفك يا نظر عيني ...
.
.
.
انتهى الفصل
رواية رحلة عذابي أنا 💘 الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم عشق جنوبي💞
الفصل : الرابع والأربعون
بعنوان #بلحظة_وانهارت_دنيتي
نزل من الطائرة بهمة ونشاط وهو يستعجل الخطى ليذهب الى الدكتور فيصل ويطمئن على زوجته وحبيبة قلبه ملاك..
قدَّم عودته عدة أيام فما عاد يحتمل البعاد أكثر يشتاق لملاكه ويريد أن يكحل عينيه برؤيتها والاطمئنان عليها ، بأي غباءٍ هو مجبول وكيف طاوعه قلبه على تركها هكذا ومهما كانت الدورة مهمة فليست بأهم منها " هانت ... ساعات قليلة ويكون عندها "
فعّل هاتفه ودق رقمها ... مقفل !
مرة ثانية وثالثة ... كذلك مقفل !
انتابه بعض التوتر ..
رفع رأسه ليتفاجئ بأخوانه وأصدقائه بشيرون له في صالة الأنتظار ... أوووف هذول شلون عرفوا برجعتي وبموعد طيارتي !!
نظر جهة العميد محمود وهو يزفر بغيض : هذا أكيد العميد محمود عرف من مصادره وبلغ الجميع... الله يصبرك يا قلبي ... متى أشوفك يا نظر عيني ...
الكل توجه نحوه وبترحيب حار وعلم من أخوانه ان أمه واخواته على أحر من الجمر بأنتظاره وانه تم تجهيز غداء فخم بهذه المناسبة ... لا يستطيع تركهم والتوجه الى الدكتور فيصل وقلبه يكاد ينفطر على حبيبته لماذا هاتفها مغلق ! قد تكون نسته او لانها لا تستعمله أصلاً ولا يكلمها فيه أحد ..مؤكد هذا السبب .
الكل يكلِّمه ويسأله ويجيبهم باختصار .. في بيت اهله أعداد أكبر من الضيوف والزوار .. الله يسامحك يا محمود لو انك تدري بحالي واحوالي والله قلبي منفطر وروحي جواها البعد والشوق مرمرها.
دقائق محمّلة بالمشاعر الجياشة قضاها في المجلس الآخر في أحضان أمه وبين دموع أخواته ؛ لا يريد لامه ان تنفعل كثيراً .. أجلسها بقربه وأخذ يحدثها ويحدثها ويسرّي عنها حتى هدأت وهو في داخله يشتعل ناراً وما ان اطمان عليها حتى خرج للحديقة وعاد يتصل برقمها .. كذلك لا مجيب ! قلبه يضطرب ويزداد خوفاً : الله يسامحك يا ملاك والله قلبي ما يحتمل .
من قريب سلّم على العميد محمود ابن عمه ومن بعيد راقبه ولم يعجبه حاله وكانه مهموم او مشغول وهو خير من يقرأ التعابير والوجوه.
جاءوا بطعام الغداء للضيوف من أفخم المطاعم وأفخرها لكن لا رغبة له بالطعام ولا يريد تناول شيء منه ، لفت نظره اطباق جانبية صنع بيتي تناولها وأكلها بألفة ونشوى تسري في جسده بسببها ولا يدري لماذا وكأن فيها أسكير منعش للحياة لا يعلم سره ..( اكيد عرفتوه هذا تجهيز ملاك)
بعد الغداء بقيت الاعداد الغفيرة وغيرهم يتوافد وهو لا يطيق الانتظار ، قام خلسة بعد ان خطف من صلاح مفاتيح سيارته اللامبورغيني وأشار الى صلاح غامزاً بالتغطية عليه .. وصلاح يضحك وفي باله اكيد مواعد واحدة من حبيباته وقلبه مشتاق حيل.
قفز الى السيارة وانطلق مسرعاً والوجهة مستشفى الدكتور فيصل .. طبعاً لن يذهب لها مباشرة فهي لن تتعرف عليه وربما تصاب بالرعب لو قال لها أنه رداد ... الأفضل ان يرى فيصل أولاً ليطمئنَّ على أحوالها ... هناك شيء بداخله يوحي له بعدم الأطمئنان ... يشعر بوجود خطب ما ودائماً ما صدق احساسه لكنه يريده الآن ان يخيب وان يجد كل شيء على مايرام وكلها ساعات ويجتمع مع ملاكه
أدخلته الممرضة الى مكتب الدكتور فيصل والذي كان مشغولاً مع بعض الاطباء المتدربين ... انتظر بقلة صبر حتى انهى فيصل عمله وخرج المتدربون وناظره فيصل باستغراب من استعجاله وتوتره .
رفع فارس شعره الى الخلف وسأل بصوت مضطرب : دكتور بأسألك عن زوجتي ملاك تركتها عندكم من ستة شهور والحين بتِّصل عليها ما ترد .
صمت فيصل لثواني قاتلة وهو يحاول استيعاب سؤاله ؛ ثم باستفهام وللتأكد : انت زوج ملاك؟
فارس بقلة صبر : اي انا زوجها.
فيصل لا يعرف كيف يجيبه ولكن في مثل هذه المواقف لا ينفع الا الوضوح والصراحة حتى لا يضع نفسه موضع مساءلة ، وفارس يتحرق ناراً ولا يدري لماذا تتأخر الأجابة وقلبه يخفق " يا رب خير "
فيصل بهدوء : زوجتك تركت العمل عندنا من مدة وما نعلم عنها شيء.
كلمات كالصاعقة نزلت على رأسه .. ومخاوفه التي حاربها تحققت ... ملاك ليست عند فيصل .
فارس واضطرابه زاد حد الجنون : مستحيل انا تركتها عندكم ووصيتها ما تطلع الا لما أرجع وملاك ما عمرها تخالفني .
فيصل بثقة دق على هاتف أمه وهو يضع السماعة الخارجية وعندما اجابت سألها بثقة : يما... ابغى أسألك ملاك من تركت الشغل عندنا كلمتك او زارتك شي؟
ام فيصل بحزن : لا والله يا ولدي حتى زعلان منها لا زارتني ولا حتى تكلمني بالهاتف ولما أرن عليها تلفونها مقفل.
انهى فيصل المكالمة مع امه وناظر فارس بنفس الثقة وفيصل يعاني الصدمة وأي صدمة بل اي رعب وغضب يسري في جسده في هذه اللحظة .. " وين راحت وليه خالفت أوامري وطلعت من عند فيصل مع انّي حرّصتها كثير"
بصوته المتهدج سأل : متى حصل هذا؟
فيصل بتفكير : من حوالي شهرين تقريباً.
عاد يسأل : ممكن أعرف ليش طلعت من عندكم يعني حصل شي مشكلة او خلاف!
فيصل بتشديد : أبد كل شي كان تمام لكن هي فجاة بلَّغتنا .. ثم سكت
فارس بألحاح : وش بلّغتكم!
فيصل بتردد : بلغتنا ان زوجها ردَّ من السفر وأنها بتعاود بيتها.
صدمة جديدة تضاف لسلسلة الصدمات المتلاحقة على قلبه ؛ لماذا تكذب أو لماذا تدّعي عودتي ام هي خدعة للهرب كعادتها ..
خرج مهموماً شارد الذهن وفي قلبه يتنامى الغضب والحقد على زوجته خائنة الأمانة ... كيف ولماذا تخالف تعليماته..
مباشرة اتصل مع ام عزمي وسألها دون ان يعرِّف عن نفسه عن ملاك ولكن اجابتها زادت خيبته وغضبه .
دار بالسيارة بعض الوقت ثم قفل عائداً الى بيت أهله بسبب كثرة المكالمات التي انهالت عليه .
جلس مصدوماً بين الحضور ووجهه شاحب والأفكار والمخاوف تتقاتل في رأسه.
***
يااااه يوم طويل ومتعب ومضني والألم يغزو جسدها ... هانت كلها ساعات قليلة وتنهي عملها وتريح نفسها في الأيام القليلة القادمة بانتظار رداد .
غداً بأذن الله ستذهب الى فيصل في مشفاه فهي بالطبع لن تذهب الى بيته فربما منال لا زالت هناك ، على كل حال ستعطيه عنوان تهاني ورقم هاتفها ليعطيه لرداد عند رجوعه بالسلامة .. ابتسامة أشرقت على وجهها عند تذكر رداد التقطتها وفاء عندما دخلت تستعجل بالتحلية : احم أحم هذي الضحكة ماهي بريئة أبد ... اعترفي بأيش سرحانة؟
ملاك تخصرت : أوووف منك يا وفاء ما يفوتك شي.
وفاء بضحكة : لا تغيرين الموضوع ؛ وجاوبي الحين ليه الإبتسامة!
ملاك بخجل : بصراحة كنت أفكر برجعة زوجي بالأيام الجاية .
وفاء وضعت يدها على صدرها بتظاهر بالأغماء : اويلي ويلااه .. قلبي الصغير لا يتحمل .. يا رب اوعدنا ونعيش هالأحاسيس الجميلة .
ضربتها آلاء على كتفها من الخلف وهي تقول : شف شف هالخبلة متشفقة عالزواج الله عساك تعنسي عند امي قولي آمين .
استندت وفاء بأحباط وهي تمسح مكان الضربة : هذا انت هادمة اللذات والا يعني حرام نحلم شوية .
جاءت سناء وهي تتنفس الصعداء : الحمد لله أبشركم رجع فارس .
البنات معاً : الحمد لله .
آلاء بغضب : هذا ما يجوز عن طبعه وسوالفه ، توبه راجع من السفر وبلّش يتهرب زي عادته .
وفاء بضحكة : ههههه صلاح يقول لأمي ( وتقلد صلاح ) يما لا تخافين عليه هذا راح يشوف وحدة من حبيباته قلبه متشفق عليها وما هو مستحمل لباكر ... وامي ضربته على كتفه وهي تقول ( طبعاً تقلد امها ) قم يا قليل الحيا تحسب أخوك مستهتر مثلك .. وصلاح يرد عليها : والله يا ام تركي الي يدري يدري والي ما يدري يقول العيد باكر هههه
سناء وآلاء يضحكن على اسلوب وفاء بينما ملاك وقفت بدهشة : وهو فعلاً اخوكم فارس راعي سوالف وبنات!!
وفاء وآلاء معاً : يووووه وأكثر
واكملت وفاء : لو تشوفي صفحاته على مواقع التواصل كلها اعجابات وبنات واشي اشعار عنه والا التاغات والمنشنات وأقولك أكثر البنات اللي يصاحبني انا وخواتي على شان يوصلن له.
ملاك باستنكار : اللي عنده مثل مرام لويه يلف ويدور والله حرام عليه.
سناء بتصديق : أي والله وأنا احياناً اقول أكيد عندها أخباره وتاركيته براحته حتى يتزوجون وبعدها تورجيه الويل .. تراها ماهي هينة.
ملاك بحنق : والله اللي فيه طبع ما يتركه ؛ الله يهديه.
وفاء بضحكة : علامك زعلتي تقول انه زوجك انت ما هو بزوج مرام .
ملاك بابتسامة : الله يخليلي حبيبي رداد والله أنه عندي برجال الدنيا كلهم .
وفجأة شعرت بنغزة قوية بصدرها فصرخت وهي تضع يدها على صدرها : اااه
سناء بخوف : نغم حبيبتي انت تعبت كثير اليوم ؛ روحي تسطحي بالمجلس الصغير لما تخلّص تهاني شغلها .
لم تعترض ملاك لأن النغزة أوجعتها وأسندتها تهاني ورافقتها للمجلس الصغير .
هناك بعد ان تركتها تهاني تسطحت على كنبة كبيرة ومريحة وناعمة ورغم ذلك لا زالت تشعر بالضيق لأن نوافذ هذه الغرفة مغلقة جميعها ؛ فقامت وفتحت احدى النوافذ وأسدلت الستارة جيداً وعادت لتنام مجدداً بعد ان اقفلت الانارة .
****
من شدّة ضيقه قام بعد ان أخذ سيجارة من أحد رفاقه وهو لم يكن يدخن الا نادراً أو حسب التنكر في عمله كما كان في شخصية رداد ...اتجه ليدخنها في غرفة أخرى حتى يفكر بهدوء وبعمق .
رآه محمود عندما قام وتبعه الى الغرفة ... اووف لم يكن له خلق لمجالسة محمود او مكالمته ؛ يريد فقط الانفراد بنفسه والتفكير بروية والتحكم بالغضب الذي يسيطر عليه .
العميد محمود جلس مقابله بهم وتكلم بألم واضح : الي شهور مستني هالجلسة معك يا فارس ما عاد لي أمل ألاقيها الا بمساعدتك.
فتحت عينيها على اتساعها وهي تستمع صوت العميد محمود الذي لا يخفى عليها مع رائحة السجائر القوية.
سرت في جسدها رعشة وهي تخاف أن يشعر العميد محمود بوجودها فانكمشت على نفسها بترقب .
عاد صوت العميد محمود يتكلم بألم : ما تركت مكان ما دورت بيه على ملاك ولا اي احتمال الا وبحثت فيه انا وفهد لكن بدون فايدة.
فارس يستمع له ولا يرغب بمبادلته الكلام وما فيه يكفيه ولن يناقش أي شيء يتعلق بها مع محمود وأصلاً لماذا كل هذا الأهتمام بها ... ربما كان منجذباً لها .. " الله اعلم شلون كانت تكلمه لما تروح القسم "
صوت محمود اختلط فيه الرجاء بالأمل : فارس .... اريد منك تركز معي زين .... لما كنت متنكر بشخصية رداد في الحوش ... أكيد عرفت عنها معلومات كثير ..
أريدك تفيدني بأي تفصيل او أي حادثة ممكن تدلنا على مكانها.
عيناها ترمش وترمش كأنها تسألها " هل صحيح ما سمعت الآن.. ام هو مجرد كابوس ... أكيد كابوس .. أو وهم ... هذا أكيد من كثر ما سمعت البنات يتكلمن عن اخوهن فارس اختلطت علي الأشياء .... أكيد!!"
فارس بغضب وعصبية : تبغاني أقولك شي عن هالحقيرة الكذابة الهربانة من أهلها وعايشة ببيوت الناس ... أقولك جتني بدموع التماسيح ما تبغى ترجع لأهلها وانا شفقت عليها وتزوجتها وأخفيتها ولما سافرت تركتها عند خال أمها فيصل واليوم جيت أشوفها لقيتها هربت من جديد ... الحقيرة الواطية ما تترك طبعها ... ما تعرف غير تمشي على حل شعرها لا حسيب ولا رقيب ..
هو .. هو ... صوته وعصبيته المعتادة ... يشتم فيها ويتهمها بأسوأ التهم ... دموعها بدأت تتساقط وقلبها يتقطع وآلامه تزداد والصدمة قد شلت كل ما فيها الا دموعها وآلام قلبها .
محمود مصدوم ومتفاجئ : طيب ليه أخفيت عني ليه ما صارحتني وطمنت قلبي .. ليه خليتني بهم وخوف طوال هذي الشهور .. ليه يا رفيقي ... ليه يا ولد عمي .
فارس بلا مبالاة بكلامه : هي الحقيرة ما ودها أحد من جهة أهلها يعرف مكانها وانا الغبي وعدتها وما ردت أخلف وعدي ... أفكرها تستاهل ... ااااخ اااااخ
ونسي نفسه من شدة غضبه واسترسل بالكلام : أنا غبي وحمار والا لازم من سمعت اولاد عمها خالد وعبدالله يتحدثون عنها وعن أخلاقها لازم رميتها عليهم مثل الكلبة وريَّحت روحي من همها .. اااااخ يا القهر .
طعنة وراء طعنة وصدمة وراء صدمة وقلبها مع كل كلمة يؤلمها أكثر ... رداد هو نفسه فارس ... ما أصدق ... رداد يتكلم عني بكل هالأحتقار ... كيف صار كذا
ابو تركي دخل المجلس وجال ببصره بين محمود وفارس وبتوجس : في شي!
محمود بضيق : لا يا عمي .. حنا بس نتناقش بقضية.
قام فارس بضيق وألقى السيجارة تحت قدمه وتجاوز أبوه بغضب وخرج من المجلس بل من البيت بأكمله وكل السخط والغضب يتملكه ويسيطر عليه .
وتبعه ابو تركي ومحمود المقهور من فارس وطيشه المعتاد وخيبة أمله لأن فارس سبقه وتزوج ملاك .
حاولت ان تستند لكن لم تستطع ؛ تشعر بيديها وقدميها كقطع متهالكة من الثلج ؛ عندما عرفت ان امها على قيد الحياة اصابتها صدمة شديدة فقدت بسببها التواصل مع الناس والحياة اياماً عدة لأنها لم تحتمل غدر أمها .
واليوم تصدم بغدر من أولته كل ثقتها وحبها وحياتها ... رداد طلع ماهو برداد .. سندها طلع كاذب وغدار .... عزوتها وكل دنيتها طلع ثعلب متنكر بعقر الدار .... حبيبها وأمل حياتها قناص وصابها بقلبها باقتدار ... وحالها الحين مثل موج البحر هدَّار .... طعنها بكل شي وشرفها جرحه بآخر أصدار .
أخذت تبكي وتجوح وتجوح ولا أحد يسمعها او يدري بها وتضرب حيناً على صدرها وحيناً على بطنها وهي تدعو على طفلها بالموت والبوار ... وتسخط على دنياها وتدعي على كل من ظلمها بالدمار ... وشهقاتها تعلو وتعلو حتى ترهقها فتخفت على دعائها على نفسها بالموت والأندثار...
ثمّ أغمي عليها وما عادت تشعر بشيءٍ من حولها ..
****
فهد بصدمة : انت وش تقول!! معقول فارس متزوج ملاك!!
وبعد تفكير : عشان كذا ما قدرنا نعثر عليها ؛ اكيد فارس اخفى كل آثارها .
ثم نظر الى محمود وهو يشعر بخيبته وحزنه.
ربَّت على كتفه وبصدق : الله يعوض عليك يا خوي ؛ ادري انك كنت متعلق بيها لكن الحين هي صارت زوجة فارس ..
قاطعه محمود بغبن : فارس ما يستاهلها هذا المجنون لو شفته شلون يتكلم عنها وكل الحقد اللي بقلبه عليها ، انا متأكد لما يلقاها بيطلقها.
فهد بغموض : أنا باكر بكلمه وأفهم منه كل التفاصيل اليوم انا أعرفه ما يتقبل اي كلام من أحد ؛ باكر بيكون هدي ويفكر بمنطق ؛ المهم الحين تطمَّنا ان العصابة ما هم اللي أخذوها بعد ما طلعت من بيت أم عزمي.
بعث رسالة الى فاطمة يخبرها بتأخره مع أصدقائه ؛ فقد قرر البقاء اطول وقت ممكن مع صديقه العميد محمود فهكذا هم الأصدقاء الحقيقيون..
***
بصعوبة ايقظتها تهاني وهي تمزح : ايه يا بت يا ملاك ، نومك بئى تئيل أوي .. يلا نروح بيتنا وهناك نامي براحتك .
قامت بثقل وهي تستند على تهاني ، وكأنها سمعت تهاني تقول : نروح نسلّم على الست جليلة وبناتها بالأول .
فصرخت بضيق : لااااا ... نروح بيتنا.
لم تجادلها تهاني خاصةً عندما رأت دموعها تتساقط بقوة.
كانت نغم تنتظرهم بشوق لسماع آخر الأخبار ولكنها صدمت بمنظر ملاك المخيف وأشارت لها تهاني بعدم الكلام .
اوصلتها فراشها وهناك استلقت كالذبيحة بلا حول ولا قوة .
نغم تهمس لتهاني : فيه أيه !! أيه الي جرالها؟
تهاني بحزن : يا كبدي عليها دي هلكت روحها النهاردة وهي بالآخر مش أدرة تسند روحها ؛ خليها تنام وترتاح وربنا يلطف بيها.
مرت الساعات لا هي نائمة ولا هي مستيقظة ، تشعر بانها تنكة حديد مهترئة مستهلكة ملقاة فوق اكوام النفايات وتتساقط فوقها أحياناً بعض قطرات المطر لتذكِّر الكون الموحش بوجودها .
نعم هي تلك التنكة الصدئة التي حكم عليها منذ بداية صنعها ان تكون ملطشة للعالم بأيديه القذرة استهلكتها ربة البيت باحتقار ثم ألقتها بقرف لأبنائها الصغار يتقاذفونها ككرة متعفنة في الحواري الضيقة ، يدعسونها باقدامهم حيناً ويتبادلون ركلها بارجلهم حيناً آخر ، وإذا ما سئموا وتعبوا من اللعب بها جعلوها هدفاً يتسابقون في رمي الحجارة عليها وأيهم يقذفها بأكبر كمية من الحجارة هو الفائز المغوار.
وقد كنت كذلك يا رداد كنت الفارس الذي أصابني بأكبر الحجارة وأقساها ؛ كنت من لكمني الضربة القاضية وقذفتني حجارتك الغادرة لأعتلي هرم نفايات الكون وحقارته.
بعد غدر امي بي بقيت أياماً أدعو ربي أن يمنحني القوة لأتعافى لأجلك أنت فكلانا وحيد وكلانا يحتاج وجود الآخر بقربه ؛ أو هكذا كنت أتوهم وأي وهم وأي كذبة كنت أعيشها وأي حلم صنعتُ منه عالماً وحياة ؛ تعافيتُ رغماً عن قسوة الجرح لأجلك أنت ؛ ولأجلك انت كنت حتى قبل ساعاتٍ أعيش ... لكن الآن ما عاد لي شيء اتمسك بالحياة من أجله وما عاد لي شيء لأدعو الله بتضرع أن يمنحني القوة لأجله .... ما عاد لي شيء ... عندها فقط شعرت برفسة قوية في بطنها وكأن من يسكن رحمها يذكرها به وبأنه يستحق أن تقاتل وتقاوم من أجله وتعاود النهوض من جديد .... لكن حتى هذه اللحظة صدمتها أقوى حتى من ألحاح صغيرها عليها ... لن تلتفت اليه فهو من صنيعة هذا الكاذب الآثم في حق ذاتها وحق كيانها في الوجود..
****
تتثاءب للمرة العاشرة بعد سهرة الليل الطويلة ولولا وجود جلسة للطفل عادل لما داومت اليوم ؛ يداهمها النعاس بقوة .
الطفل يهجم عليها بفرح قافزاً من حضن جدته نحوها ووالده ينظر له بسعادة وسرور .
هذا الطفل بدأ يشغل مساحة كبيرة في قلبها وحياتها وتشعر بصلة روحية بينهما .
بدأت الجلسة الطويلة المرهقة وهي تبتسم بوجهه رغم تعبها الكبير وعامر يساعدها بمهارة وقد أتقن أغلب الحركات ولا زال لا يرفع عينيه جهتها نهائياً وهي تسترق نحوه النظرات أحياناً وبقلبها " الله يهديك يا روعة كيف طاوعك قلبك تتركي مثل هذا الزوج ومثل هذا الطفل "
وفي لحظة وبحركة مباغتة قفز عادل من أحد الطاولات ؛ فهجم كل من سناء وعامر لتلقيه بيديه ؛ فوقع بين يديهما قبل أن يصل الأرض وللحظة أدرك كلاهما أن يديهما تشابكتا معاً دون قصد وبذات اللحظة رفع عامر عينيه بعيني سناء كأنه يسألها ماذا حدث وهو يشعر بملمس يديها الناعم بين يديه ؛ فأنتفض كلاهما وفكَّا أيديهما من بعض وكاد عادل للمرة الثانية أن يسقط على الأرض ؛ وهذه المرة سبقت يدا عامر لالتقاطه ولكن بعد أن صدم رأسه وبقوة برأس سناء ولولا وقوف أم عامر خلفها واسنادها لسقطت على الأرض .
ضم عامر ابنه الى حضنه وهو ينظر الى سناء بخوف : فيك شي ، تأذيتي؟
وهي تفرك جبينها وتهز رأسها في نفس الوقت نافيةً أي ضرر بل بالعكس سارعت لأخذ عادل منه والأطمئنان من عدم أصابته بأي ضرر .
" ما أجملها " هكذا سرت الكلمات في ذهن عادل في هذه اللحظات " بحياتي ما شفت بجمالها طبيعي بدون مكياج ولا تصنع ، كأنها ياقوتة تشع محبة وحنان ، معقول تكون متزوجة ، يا رب لا "
قطع أفكاره صوت الحسناء التي ما عاد يرفع نظره جهتها : ان شاء الله الجلسة القادمة بتكون الأخيرة.
***
يجلس في الحديقة بانتظار فهد الذي ألح عليه كثيراً لمقابلته ، أمضى ليلة طويلة مضنية مرهقة وهو يفكر في زوجته ملاك " أين يمكن ان تذهب ولماذا خالفت تعليماته وتركت بيت فيصل ووين ممكن تروح!!"
حدد لنفسه خطة للبحث وجهات متعددة ليتواصل معها ولكن ألحاح فهد عليه باللقاء سيؤخره قليلاً.
جلس فهد مقابله وهو يرى سرحانه الواضح ولا يلومه ، هو فقط يلومه على أخفاء زواجه من ملاك عنه وعدم ثقته به مع أنهم أصدقاء مقربون منذ الطفولة وأشبه ما يكونون أخوة.
ولأنه يعرف صديقه تكلم مباشرة : الخطوة الأولى أننا نواجه فيصل ونصارحه بالحقيقة وبغير كذا ما نقدر ناخذ اي معلومات منه.
ناظره فارس بحدة : قصدك انا أروح أواجهه وانت مالك دخل ولا دور.
فهد بحدة : الا أنا بمشي معك خطوة بخطوة ؛ أنت محتاجني والحين بفهمك بالتفصيل التطورات الي صارت بغيابك.
ولأكثر من ساعة فهد يشرح لفارس اللبس الذي حصل عند أهل ملاك واعتقادهم ان ملاك عند جدتها ثم بحثهم المضني عنها وانتهاءً بأصابة أبيها بجلطة حادة لزمت دخوله المشفى...
بعد تفكير وافق فارس على مشاركة فهد له بالبحث مع شعوره بالخيبة من فقدانه أحد خيوط بحثه عنها وهو عودتها الى أهلها ... يبدو أنها لا زالت مصرة على عدم العودة لهم.
******
من جديد تلمح نوف تراقبها من بعيد وشكلها لا يبشر بخير ولكن يبدو أن وجود آلاء بقربها وتحدثها بحماسة عن أحداث الأمس يحول دون اقترابها منها.
قامت آلاء للذهاب الى المكتبة وبقيت ميسون متقصدة لوحدها.
عندها أقتربت منها نوف بتوجس وجلست بقربها وهي تشهق . ورغم ما تسببت به نوف لها من أحراجات الا أنها لا يمكن أن تتخلى عن طيبتها وأصالتها ومساعدتها للآخرين
نظرت لها ميسون وبخوف سألتها : وش فيك يا نوف ليه تشهقين كذا عسى ما شر.
زادت شهقات نوف ودفنت وجهها بكفيها وهي تبكي بحرقة وبصوت مرتفع جعل البنات الأخريات ينظرن لها باستغراب ؛ عندها مسكت ميسون بيدها وسحبتها للجلوس تحت أحدى الشجيرات البعيدة وهي تدعو الله أن لا يكون قد حصل مكروه لهذه الغبية الجالسة أمامها.
ميسون بحدة : تكلمي يا نوف ؛ علامك ؛ ليه تبكين وتجوحين كذا؟
نوف من بين صياحها وتنهيداتها : أنا ضعت يا ميسون ؛ أنا رحت وانتهيت ... وازداد نواحها ونحيبها.
ميسون مصدومة ومقهورة ، مسكت ذراعها وصرخت بها وهي تحبس دمعة متحجرة في عينيها : شلون ضعتي وش صار معك ؛ تكلمي ... تكلمي والا والله بدفنك بمكانك.
نوف بألم : يا ريت تذبحيني وأموت وأرتاح من حياتي وأخلص من العار الي سببته لنفسي وأهلي.
ميسون جنَّ جنونها ، فمسكت ذراعيها بقوة وركزت نظرها في عيونها : تكلمي وش صار ومع من وبالتفصيل.
نوف هدأت للحظة وهي مرتاحة للفضفضة لرفيقة عمرها ميسون بالمصيبة التي أوقعت نفسها بها : تذكرين هذا الشب الي أعطاني ورقة فيها رقمه .
ميسون بضيق : أي أذكره.
نوف بنفس الهدوء : اسمه يوسف وهو من عائلة كبيرة لكن ابوه منفصل عن أمه وأبوه عايش مع مرته واولادها بخارج البلاد وتاركله فيلا كبيرة عايش بها بروحه ، لكن هو ما قالي كذا ؛ أوهمني أن امه عايشة معه بالفيلا.
ظل أيام يكلمني بالهاتف وأنا مستانسة على كلامه وسوالفه وطلب مني نلتقي برة الجامعة ؛ وفعلاً قابلته كذا مرة بالكوفي وبالمول وكل مرة يشتريلي حاجات ثمينة وهو يوهمني أنه يحبني ومتعلق فيني وأنا مصدقته وطايرة من الفرحة بيه لحد ما بيوم كنا سوا بسيارته وجاه تلفون رد عليه وبعد ما خلص قال : هذي امي تقولي جيب نوف الفيلا أبغى أتعرف عليها وانا ترددت وهو عمل روحه زعلان أني ما أثق فيه ؛ وأنا من هبلي كل شي الا زعله ، طاوعته ورحت معه الفيلا وهناك انبهرت بفخامتها وجمالها وشفت في خدم وحشم ، راح حرصي وترددي.
مسك يدي وهو يقول تعالي نطلع عند أمي بغرفتها هي حرمة كبيرة ومريضة ما تقدر تنزل ؛ وأنا بهبلي مشيت معه وطلعت فوق وهو يسوقني مثل النعجة الي صادها الذيب ونوا ينهشها.
طلعت غرفة نومه ولا أمه ولا حدا بيها وقفل الباب بالمفتاح وأنا قمت أصرخ وأطلب المساعدة وهو يضحك ويقول الغرفة عازلة للصوت أصرخي قد ما تبين .
وهجم علي وأنا أحاول أقاومه لكن ما قدرت وأخضعني له بسهولة ونهش لحمي بدون رحمة ولا رأفة حتى ثيابي مزعها وبعدها جرني برة بيته ورماني خارج البوابة ورمى علي شوية فلوس وهو يقول خذي سيارة أجرة تردك لأهلك.
وأنا أصرخ عليه وأهدده بأبوي واخواني يذبحونه وهو بس يبتسم ويقول : يا هلا بهم ، لما يجوني أقولهم بنتكم جت معي برجولها وما أحد جبرها وبالمرة بفرجيهم صورنا سوا واسمعهم محادثاتنا الحميمة ، وسكّر البوابة وتركني وهذا أنا ألي أيام وليالي ما أفكر الا شلون أذبح روحي وأخلص من حياتي.
ثم نظرت بألم الى ميسون : يا ريتني سمعت كلامك ونصايحك ؛ يا ريتك ذاك اليوم ما تركتي أيدي وتخليتي عني ؛ يا ريتك شديتيني من شعري وجريتيني قدام الخلق ولا صار بي اللي صار.
وعادت تدفن وجهها بكفيها وتبكي بحرقة وميسون لا تقدر من الصدمة على شيء الا أن تبكي معها بحرقة وفكرها يبحث عن وسيلة لأنقاذ نوف وانتشالها من هذه المصيبة التي ألقت نفسها فيها.
***
مجدداً يتفاجئ فيصل بعودة زوج ملاك اليه وهو يشعر بتأفف من هذه البلوى ويلوم نفسه على استقبال ملاك في بيته دون ان يعرف خلفيتها ومن أهلها وزوجها فهو من شدة خوفه على أمه ورغبته بتوفير أحد يرعاها ويعتني بها تغاضى عن التدقيق بشخصية ملاك أو طلب هويتها.
وهذه المرة يحضر معه رجلاً آخر لوهلة بدا له مألوفاً.
تكلم فهد أولاً : دكتور فيصل اذا في أمكانية تجي معنا مكان هادئ نتكلم فيه.
فيصل بتوجس منهما : اذا في عندك شي قوله الحين وراي مرضى ومراجعين وماني فاضي.
أخرج فهد هويته الأمنية وعرّف عن نفسه وكذلك فعل فارس عندها فقط أدرك فيصل خطورة الموضوع وقرر الخروج معهم بل واصطحابهم الى منزله ليفهم منهم كل شيء.
في مجلسه في بيته جلس بترقب ينتظر اي منهما ليتحدث.
فارس بدأ : أنا ودي أعرف ليه حرمتي تركت الشغل عندكم وانا متفق معها تظل لحد ما عاود ؛ أكيد في شي حصل وبسببه تركت البيت.
فيصل بتحقيق : ممكن تجاوبني بالأول ليش زوجة شخص مثلك وبمكانتك تعمل بالبيوت !! وشلون تتركها ببيت رجال عزابي وهي شابة جميلة ما ينقصها شي.
فارس بضيق من كلامه : لأني متزوجها بالسر وهي هربانة من أهلها وظلمهم ومن أمها وأهل أمها الي ما يعترفون بيها.
فهد يحاول تهدئته وفيصل لا يفهم سبب حنقه وتشديده بالكلمات التي قالها فردّ بعصبية : وأنا مالي بيك وبزوجتك ومصايبها مع أهلها ؛ كان الأولى بيك تهتم بيها وتأمنها على الأقل عند أهلك ما هو ترمي بلاويك على غيرك وتجي تحقق مع الناس ليه ما حبسوها عندهم لحين رجعتك.
كاد فارس أن يرد عليه بشدة اكثر لكن فهد أوقفه ووجه كلامه لفيصل بهدوء : هو اختارك أنت وأمنك عليها لأنك محرم لها ومن أهل أمها.
فيصل تاه من كلامه ولم يفهم او يخطر بباله شيء ، صحيح ملاك تشبه كثيراً جدته لكن كيف ومن أين القرابة : ما فهمت وش قصدك؟
أجابه فارس بحرقة : ملاك بتكون بنت بنت أختك.
فيصل لا يستوعب : ما فهمت! قصدك ان ملاك هي بنت منال!
فهد بتوضيح : نعم هي بنت منال ..... من زواجها الأول
.
.
.
انتهى الفصل
رواية رحلة عذابي أنا 💘 الفصل الخمسون 50 - بقلم عشق جنوبي💞
الفصل : الخامس والاربعون
بعنوان : #أتاريك_يا_قلبي_عشتي_بعذاب
أصابته كلمات فهد بصدمة صاعقة ؛ معقولة هالكلام ما أصدق
قام فيصل كالمجنون وخرج من المجلس وسط استغراب الشابين وعاد بعد دقائق يجر أمه على كرسيها المتحرك وكانه جاء بها يستوضح منها او على الاقل تعينه على فهم ما يقولون.
فيصل بحدة وهو يشير على فارس : يما هذا زوج ملاك الي كانت تشتغل عندنا وهذا رفيقه جايين يدورون عليها.
وأكمل بضيق : يما يقولون ان ملاك هي بنت منال من زواج سابق ؛ يما انت سمعتي أو تدرين بأي شي من هاللي يقولونه!
أم فيصل نظرت لهم بدهشة وصدمة : لا والله يا ولدي .
وببعض التفكير : لكن ما أستبعد انه كلامهم صحيح ؛ ملاك الخالق الناطق جدتك شيخة مو بس شكلها بعد دينها وأخلاقها.
فارس بضيق : أذا ما انت متأكد اسأل أختك او بنتها والعالم الله وش صار بينهم حتى انت اخوها ما تدري بزواجها وحتى ملاك تنكر ان أمها لا زالت موجودة على قيد الحياة.
نظر فيصل الى امه باستهجان ورفع الهاتف واتصل مباشرة مع أخته ام منال التي ردت عليه بترحيب ؛ لكنه سأل بكل حدة : جاوبيني يا أم منال صحيح منال كانت متزوجة قبل وعندها بنت أسمها ملاك.
سكتت ام منال للحظة ثم أجابت بثبات : نعم صحيح وزوجها أبو محمد عنده خبر و..
قاطعها بغضب : وانا اخوك مالي حق أعرف ؛ ووينها ملاك الحين!
ام منال بألم : الحين البنت ضايعة بعد ما هربت من بيت ابوها وللحين ما يدرون عنها شي.
فيصل بغضب : تدرين ان هالبنت كانت تشتغل عندي بالبيت شهور وأنا ما أدري انها بنت منال الا لما جا زوجها يدورها!
أخبار صادمة لأم منال : يعني هي الحين عندك!
فيصل بحزن : يا ريتها عندي لها شهرين تاركة الشغل وأنا ما ادري انها من لحمي ودمي.
المكالمة سمعها الجميع على السماعة الخارجية وسمعوا كلام أم منال بانها قادمة هذه الليلة .
فيصل وضع وجهه بين كفيه بغضب بينما قام فهد وفارس ؛ وفارس يوصي فيصل : لما تحضر ام منال اتصل فيني أبغى أكلمها ضروري.
هز فيصل راسه بأيجاب وهو لا زال في ذهنه آلاف الأسئلة التي تشغل بال فارس أيضاً وأهمها " لماذا ملاك قالت عن أمها ميتة ".
***
ميسون بعد طول تفكير رفعت وجه نوف وقالت : أحنا الحين لازم نلقى طريقة نجبر الزفت يوسف يصلّح غلطه غصب عن خشمه.
نوف بسخرية : هذا حقير وواطي وما يهمه شي ؛ ابوه معطيه المال والحرية وما يخاف من شي.
ميسون بحدة : ودامك عارفة لي..
ثم سكتت حتى لا تزيد الضغط على نوف المنهارة أصلاً وقالت بعقلانية : حنا نساوي الي علينا وربك كريم ويستر عليك ، بس انت فكري زين منو أكثر شخص يمون على يوسف او يأثر فيه.
نوف بدون تفكير : ما في غير صديقه صلاح ؛ يحبه حيل ويعتبره مثل أخوه ولا يحب يزعله او يضايقه بشي .
ميسون بأحباط : صلاااح.
نوف بغباء : أي هذا الي ضربتيه كف.
ميسون تضع يدها تحت خدها بأحباط : ودامك عارفة يا فهيمة اني ضربته شلون متوقعة نقدر نتفاهم معاه والا نقنعه.
نوف برجاء : والله ما في غيره هو الوحيد الي يأثر بيوسف الكلب.
ميسون بقرف : زين لعاد انت كلميه وترجيه يحل مشكلتك.
نوف بخوف ورجاء : أنا والله ما أقدر واخاف يوسف ينفذ تهديده وأروح بيها ، انت تظلين طرف محايد وشخصيتك قوية وتعرفين تفاوضين وتهددين.
ميسون رغم صعوبة المهمة وقرفها الا أنها ليست من تتخلى عن صديقتها وخاصة في ظروفها وحالتها الصعبة تلك.
***
سناء على سرحانها بما حصل اليوم وتتذكر علامات الأحباط على وجه عامر عندما أعلنت له ان جلست الغد هي الأخيرة ؛ على شدة تعلقها بعادل لكن اليوم شعرت بشيء مختلف وأحست بقلبها ينبض لاول مرة بأحساس جديد.
وفاء بأحباط : والله اني اشتقت لنغم الله يوفقها ؛ لها وحشة.
آلاء بتأييد : صدقتي لكن وش نساوي زوجها بيرجع من السفر ومكانها بقربه ما هو عندنا.
وعندها رن هاتفها لرسالة طالعتها بتجهم ثم ألغتها من الهاتف وسناء تنظر لها بتساؤل وهي تشير لها بمعنى " بعدين بفهمك" لأن أمها دخلت عندهم الغرفة.
أم تركي جلست بتعب : والله ان نغم ظلت مريحانا وشايلة عننا تعب كثير .
ثم نظرت الى بناتها بقلق : بنات في أحد منكم يدري فارس وين طلع لأنه الزوار كثر وما يلاقونه.
وفاء بضجر : وخل الزوار يولون هذا فارس من قبل ما يقعد ببيت وما يربطه بيه شي وانت يا ماما بس حاملة همه وهو ما درى عنك ولا عن تعبك وضيقك.
عادت الرسائل تتوافد لآلاء من جديد وهي تمسحها وتكمت في قلبها بقايا جرح قديم يأبى البعض الا أعادة أثارته وتأجيجه من جديد.
***
لأول مرة منذ عودتها للعمل يعقد اسلام أجتماعاً بحضورها ولأول مرة ستراه رأي العين .
دخل القاعة يتلمس خطاه بعصاه وجلس مكانه وهي تتأمل به ومشاعر مختلطة تجتاحها ، وهو شعر بها وبطاقة كبيرة من حبه وشوقه تغلف القاعة وتغلف قلبه المشتاق.
بلا أرادة صدرت منها شهقة لآلامها المكبوتة وهو شعر بها وكتم تداعياتها المرة في قلبه.
اجتماع طويل وثقيل وممل ولكن بالنسبة لقلبيهما كان حوار القلوب وتغريدها بنكهةٍ عاشقة مشتاقة تتبادل الآهات والعتاب والأمنيات هو يراها بقلبه وهي تشعر به بكل خلية من جسمها .
حوار القلوب والمشاعر بينهما طال وأوقد في قلب إسلام ناراً لطالما حاول أن يطفئها وما أستطاع ولطالما حاول تجاهلها ولكنها تأبى الا أن ترضخه وبقوة سطوتها عليه لتجعله خانعاً لها مستسلماً منقاداً بلا أدنى تردد ... هذه سطوة الحب الصادق المتحدي لأسوأ الظروف والمعاند لجبروت العقبات وقوّتها .... قد تكون الخطوة الأولى هي من أقدمت عليها بالرجوع للشركة ولكن باقي الخطوات وان كانت مضنية وشاقة فهي خطواته هو .... وأولاها أخطرها وأمكانية تحققها ضئيلة ولكن عزيمة الحب تأبى الا أن تدفعه بقوة لاتخاذها .... بعد الأجتماع أرسل لسكرتيره يحجز له على اول طيارة لألمانيا ....
****
نغم تحاول أقناعها بتناول الطعام معها وهي تأبى ؛ فقط شاردة في السقف كانها تبغي ان تخترقه وتتجاوز حدوده الى حدود الأفق الواسع كما كانت قبل سنوات عندما تصاب بانتكاسة او تتعرض لأذى تأمل وتتمنى أن يكون لها جناحين وتخترق بهما سقوف الواقع الى عالم الخيال حيث لا ألم.
كل ما تريده عالم يخلو من الألم ، هل هذا عليها كثير ، هل مطلبها لا يمكن تحقيقه ... اكتفت من الألم .. وأكتفت من مسبباته ... أشبعها الظلم حد التخمة ورواها الغدر حد الثمالة فغدت حواسها تترنح في سباق الحياة مخالفةً المسير وتائهة في دوامة الحياة الزلقة لتقذفها في نفق المآسي بكل قسوة حيث صدى أصوات سعادتهم وسخريتهم من حالها تتعالى وتتعالى حتى تصيبها بالصمم ..... فليعيشوا ويفرحوا ويمرحوا ويدقوا كؤوس أنتصاراتهم عليها كما يشاؤون فما عادت تبالي بشيء وما عادت الحياة لتنجح بوأدها في اليوم الف مرة فما لجرحٍ بميتٍ أيلامُ ...
****
اضطر في النهار للعودة الى المشفى فوراءه عمليات مهمة لا يقدر على تأجيلها ولكن فكره مشغول ويقدِّر ويحلل ويقرر ... الكثير الكثير من الغموض ... والأهم ماذا حصل مع منال ومتى تزوجت وكيف تطلقت وعلاقته طيبة مع أهل زوجها لماذا لم يقل له أحد ان ابنة اخيه كانت متزوجة من احدهم وصديق عمره وشريكه الدكتور نواف ايضاً متزوج من ذات العائلة ، لماذا هذا الغموض وما السر وراء ما حصل ولماذا ابنتها تهرب منهم ، هي اقامت شهور في منزله ولم ير منها الا التقوى والصلاح ؛ الشيء الوحيد الذي استغربه هو تركها تغطية وجهها فجأة بل لم يكن فجأة انما حصل بعد اصابتها بالأنهيار وما الذي سبب لها الانهيار..
استيقظ من افكاره على صوت رغد تقف أمامه بالممر وتقول باحترام : ممكن اكلمك بموضوع مهم دكتور فيصل.
طالعها وقد غاب عن ذهنه تماماً من تكون او ماذا تريد فأجابها بحدة ونفور : ما هو الحين ماني فاضي ... واكمل مسيره بعدم أكتراث بها وهي وقفت مصدومة ومحرجة ونظرات السخرية تحيطها من كل جانب وتحاول لملمة بقايا كرامتها المهدورة " هذا ما هو بطبيعي أبد !! مستحيل يكون بني آدم !! هذا الحقير الي قبل ايام يتكلم ببلاغة وذوق واحترام وخلاني اتردد ألف مرة قبل لأعلن رفضي لعرض الزواج البليغ الي سمعني أياه .. مجنونة أنا لو أتندم لحظة على رفضه او حتى اتنازل واقوله اني ارفضك."
رمت عنها الروب الأبيض بغضب وغادرت المشفى وكلها أسف على غبائها وطيبة قلبها .
وصلت ام منال في المساء ليستقبلها وجه فيصل المكفهر والغاضب المصدوم ، وقبل ان يحادثها بشيء دق جرس الباب وكان فارس ، ناظره فيصل باستغراب وهو قال بجراة : كنت بسيارتي انتظر جية أم منال .
ادخله فيصل المجلس وحضرت ام منال وام فيصل للجلوس معهم .
قام فارس باحترام وسلم على جدة زوجته وهي تتمعن به وتتفحصه بتمحيص واضح .
عرّف فارس عن نفسه وعن عمله واخبرهم بظروف زواجه من ملاك وتعرضها لمحاولة القتل وخوفها من العودة لأهلها وجهلها بقرابة فيصل لها والأهم انكارها لكون امها على قيد الحياة.
ام منال بتنهيدة : اتوقع هذا بسببي ! خفت تغلّبني وما ترجع لأبوها فكذبت عليها وقلت لها امك ماتت لكن توقعت أهلها يصححون لها المعلومة .
ناظرها الجميع بلوم وهي ردت بحدة : لو تدرون وش صار مع بنتي بسبب هذي العائلة كان ما لمتوني على شي والحين بأخبركم كل شي صار مع منال لحد ما ربنا كشف الحقيقة وأظهر براءتها ...
***
الليلة عقد قران روعة وأقام ابوها بهذه المناسبة مأدبة عشاء حضرها الأجداد والأعمام والأخوال ، تشعر بنشوى وفرحة غامرة وارتدت فستاناً فاخراً أهداه اياه عمر .. ااه على ذوقه الرفيع ثم ودّعها أهلها وهم لا يريدون المبالغة في الاحتفال مراعاة لظروف ابو طلال بل لا أحد عنده رغبة بالأحتفال غير روعة بمشاعرها المتحجرة وعدم مراعاتها لمشاعر الآخرين .
ثم اصطحبها عمر بعد ذلك لحفل استقبال فخم أقامه لعلية القوم بمناسبة زفافه واستقدم له أغلى وأشهر المطربين وهي تزهو بفساتينها المنوعة التي تعاقبت على ارتدائها في الحفلة وبحضور أمها وأخواتها ورنا طبعاً المسرورة بنجاحها في الجمع بين ابن خالتها وروعة وغابت صبا التي اقترب موعد ولادتها ولا تقوى على السهر والحفلات..
تحادث امها بنشوى : الليلة بنقضيها بالفندق ومن باكر بنسافر جولة شهر عسل حول العالم.
******
فيصل بصراخ : كل هذا يحصل وأنا ولا أخوانك عندنا خبر ؛ ليه كذا يا أم منال!
ام منال بثقة : انت كنت صغير وما تدري عن شي ، روح اسأل أخوانك عن اللي ساووه بي ، قاطعوني ولا سألوا عني بس لأني تزوجت أبو منال ضد رغبتهم وهو أنسان مصلي ويخاف ربه وكل ذنبه أنه فقير وما هو من مستواهم.
انا عزت علي نفسي وكرامتي يوم انه مات وصرت أنا وبنتي وحيدات بهالدنيا وما لنا أحد غير رب العالمين ، ولما جاها سعود طلاب عطيته من غير تردد لأنه له مكانته واسمه وسمعته وما دريت أنه يصير اللي يصير وحتى بعد ما تطلقت وتزوجت أبو محمد ما قدرت أقول لكم عن زواجها الأول وهي براءتها ما ظهرت وكنت منتظر لما نلقى البنت سالمة وأجمعكم كلكم واخبركم بقصتها.
فارس يستمع وخياله يسرح في شكل الحياة التي قد تكون ملاك عاشتها عند أهلها مع الاتهامات الظالمة لأمها ؛ مؤكد هذه التهم تجعلهم لا يطيقونها ولا يحسنون معاملتها بل يتوقع أسوأ من ذلك.
وكذلك ام فيصل تستمع بتمعن شديد وهي تحاول تذكر كل لحظة عاشتها ملاك في بيتهم وأفعالها وردود افعالها بل انها منذ الصباح وهي تفكر وتحلل.
تكلمت بتركيز : تتذكر يا فيصل اليوم الي أغمي على ملاك فيه وصابها أنهيار عصبي وظلت أيام ما تقوم من فراشها وما تكلم أحد.
فيصل بهم : أي أتذكر وكنت وقتها ناوي أتصل مع ام عزمي واسألها اذا ملاك وصلها خبر شي سبب الأنهيار .
ام فيصل : ذاك اليوم كنت باحضر فيديو باعثته منال لها ولأولادها وأنا ناديتها تحضر معي وأول ما شافته أغمي عليها لكن ما خطر ببالي ان الفيديو هو السبب.
فارس يمسك رأسه من الصداع والألم وقلة النوم : يعني شافت أمها وانصدمت أنها حية وهي تفتكرها ميتة وهذا عمل لها صدمة وانهيار.
ردت عليه ام فيصل : والي يأكد كلامي انه من ذلك اليوم ما عادت ملاك تغطي وجهها عنك يا فيصل ، صدق كلامي؟
فيصل بتمعن : أي صدقتي يما ، هذا اللي صار
ام فيصل بضيق : واتوقع هذا الي جعلها تترك من عندنا وتمشي .
الكل نظر لها باستغراب وهي تكمل : كانت منال بتكلمني انها جاية بطيارة باكر وأنا ببشر ملاك بحضورها وانها بتسكن عندنا ؛ عندها ما أنسى ملاك ، وجهها شحب وقالت وانا بعد زوجي بيرجع ولازم اعاود بيتي .
فارس بحنق : ما لومها مع صدمتها أكيد ما تبغى تشوف امها الي تخلت عنها ورمتها لأهل أبوها اللي يكرهونها وهي تفتكرها ميتة .
وبحزن : لكن الحين وينها فيه ؛ المفروض تجيك يا دكتور وتعطيك عنوانها لما يرجع زوجها تبلغه فيه وأنا اتوقع انها تكلمك بأي وقت وتسألك عني .
ثم غادر لموافاة فهد وقلبه يسكنه الحزن على زوجته وهو يدرك حقيقة ما حصل لروحه وملاكه ويشعر بمعاناتها طوال السنين ويقدر أضطرارها لمغادرة بيت فيصل رغم تشديده عليها فالبقاء هناك لا يمكن ان يحتمله قلبها المرهف .
" اااه وينك الحين يا ملاكي مشتاقلك حيل وقلبي متشفق على شوفتك وضمتك له وعهد علي أعوضك عن كل شي شفتيه وعشتيه بحياتك "
بينما ام فيصل تتحدث بحماس وفخر لأم منال عن جمال حفيدتها وعن دينها واخلاقها وذكائها وخفة دمها وحنانها وأم منال يداخل الندم قلبها لأنها في يوم تخلت عنها ورمتها الى أهلها مع معرفتها بكرههم لها ولأمها...
****
ميسون لليوم الثاني وهي تفكر بحال نوف وتقرر الاقدام على خطوة مخاطرها كثيرة ولكن ضرورية لأنقاذ ما يمكن انقاذه من سمعة نوف وحياتها .
كانت تجلس مع نوف تحت احدى الشجيرات وهي تستعد لفعل ما عزمت على فعله دون تردد.
ضربت الارقام التي حصّلتها من الدليل الالكتروني لموقع الشركة وجاءها صوت رجولي ومفعم بالحيوية والنشاط وشيء من المرح .
سرت قشعريرة بجسدها وشعرت بتجمد لسانها فليست هي التي تكلم رجل مهما يكن ولأي سبب كان لكن هي مضطرة ولآخر لحظة كادت تغلق الهاتف ولكن تمالكت نفسها واستجمعت قواها وقالت بثقة : انت صلاح؟
راق له صوتها ونعومته رغم حدته فأجاب : نعم أنا صلاح ؛ مين أنت؟
ميسون بنفس الحدة : ما هو ضروري تعرف أنا مين ؛ حنا نبغاك توصِّل رسالة لصاحبك الحقير الواطي يوسف .
صلاح يخفف دمه : أي عرفته هذا صاحبي الله يحفظه.
ميسون بعصبية : مافي داعي تخفف دمك لأن الي سواه صديقك سواة بهايم ما يعرفون الله ولا يخافونه.
صلاح باسترخاء : وش سوَّى صاحبي الغضيب الله يهدَّه.
ميسون بتجاهل لسخريته : صاحبك الغضيب تعدّى على نوف وأغتصبها ورماها بكل أحتقار هذا اذا ما كنت بعد تدري عنه ومساعده بعد.
صلاح صدم من كلامها فهو يعرف طيش صديقه وعلاقاته الكثيرة وهو لا يختلف عنه كثيراً في مطاردة الفتيات وصيدهن في شباكه والتسلية معهن لكن ان توصل الأمور الى الاغتصاب فهذا ما لم يتوقعه مطلقاً.
اغلق الهاتف في وجهها وهي شعرت بصدمة وخيبة ونظرت الى نوف بفقدان أمل ، فأجهشت نوف بالبكاء وميسون تحاول تهدئتها وطمأنة قلبها .
قامت نوف بضيق لتعود الى بيتهم لتصلي وتتضرع الى الله بأن يفرَّج همها وينقذها من مصيبتها التي اوقعت نفسها فيها .
بينما سرحت ميسون للبحث عن حلول بديلة واذ بها تتفاجئ بمكالمة من رقم غريب ، ردت بتوجس وأذ به صلاح يكلمها من رقم آخر .
صلاح : ذاك الرقم للعمل فقط وهذا هو رقمي الشخصي.
لم ترد عليه ميسون وترقبت فقط سماع كلامه.
اكمل صلاح عندما لم يسمع ردَّها : انت ميسون صحيح؟
صدمها تعرّفه عليها وهذا يدل على ذكائه ، أجابته بقوة : مو مهم مين أنا ، المهم لازم صديقك يعرف ان الي سوَّاه ما رح يمر كذا .
صلاح بجدية : والمطلوب يعني؟
ميسون بحدة : المفروض يصحح غلطته ويتزوجها ويرد لها أعتبارها وهذا أقل شي يسويه والا واحد حقير مثله المفروض ينرجم حتى الموت والناس تتفل عليه ويندفن بالمزابل.
صلاح متفاجئ من قوتها والا لماذا يتفاجئ فهو قد جرب جراتها وقوتها عندما صفعته وبقوة .
لكنه اجاب بمنطق : اول شي وش يعرفني انها ما راحت معه بكيفها وعمل الي عمله برضاها ورغبتها وثاني شي أنا وش دخلني بيه تكلميني ليه ما كلمتيه وهددتيه بنفسك.
ميسون أنفعلت من رده وبعصبية : اول شي لازم تعرف ان نوف بنت ناس وان كان غلطت وكلمت شب ومشت معه فهذا بسبب غباءها وقلة عقلها وتستحق ذبح بسببه لكن ما تستحق انه يغتصبها ويضيع شرفها . وثاني شي لانك رفيقه وعضيده وتعينه حتى عالمنكر وأذية الناس وواجبك الحين توصله كلامي
صلاح باستنكار : أنا اعينه عالمنكر والأذية شلون حكمتي بكذا !
ميسون بتسرع : أي هذا انت والدليل لما تجاوز بالكلام علي قمت انتصرت له وغلطت بي قدام الهمل الي مثلكم .
صلاح بابتسامة اغلق الهاتف مرة ثانية في وجهها فقد تأكد الآن انها نفسها ميسون .
ثم عاد له التجهم عندما تذكر فعلة يوسف النكراء وضرب على رقمه فوجده مقفل فقام وركب سيارته متجهاً بغضب الى بيت يوسف .
******
هذه الجلسة هي الاخيرة للصغير عادل .
سناء تدلك قدميه وعينيها مغرورقتين بالدموع ؛ من الآن تشعر بالشوق له مع انه سيعود بعد شهور مرة اخرى لكن هي تعلقت به واحتل مكانةً في قلبها .
ام عامر تدعو لها بصدق وعامر لاول مرة يختلس لها النظرات وهو يشعر بضيقها ويشعر بصدق حبها وتعلقها بصغيره ولا يلومها فطفله الصغير من الجمال والرقة بحيث يسلب القلوب والعقول .. "اااه كيف هان عليك يا روعة ان تتخلي عنه بكل بساطة وحتى ما فكرتي تسألي عنه مجرد سؤال وبالآخر تزوجتي بعدم أكتراث صحيح هي ما تعني له شيء ولا يكن لها أي مشاعر حتى من قبل لا تضرب امه ويطلقها لكن كان عنده أمل ما تتخلى عن ابنها وما يضطر يعيش يتيم وامه عايشة ".
أم عامر رأت دموعها وبحنان بالغ : ممكن تعطيني عنوان بيتكم ورقم تلفونك يا بنتي .
سناء باستغراب : ليه يا خالتي؟
ام عامر : عشان نزوركم أنا وعادل متأكد بيشتاق لك .
سناء بفرح : يا ريت يا خالتي والله من الحين مشتاقة له واهلا وسهلا بك وبه بأي يوم واي وقت .
وابتسم محياها وحلت الفرحة على ملامحها مكان الحزن والدموع وهي تلاعبه قائلة : تجي تزورني ماشي .
وعامر يغمره شعور جميل كلما لمح حركاتها وضحكاتها وداخلته رغبة لن يعلنها فلا الوقت ولا الزمن مناسب لها .. المهم الآن هو ابنه فقط وصحته.
عاد مع امه وصغيره الى البيت وكانت رغد تستلقي على الكنب بضيق وقهر وكعادة الصغير ارتمى بحضنها لتلاعبه ولكنها لا تعيره انتباهاً وقد تملك الضيق والقهر قلبها وعقلها .
أم عامر باستغراب : مالك حبيبتي رغد لك يومين ما تداومين عسى ما شر؟
رغد بضيق : زهقت ومليت ومالي نفس بالدوام .
عامر بحزم : كل اللي ظل أسبوع زمان وبعده تخلصين تدريب تركي عنك الدلع .
صدق عامر كل الي ظل أسبوع تداومه بالطول والعرض وهذا الحقير فيصل رح تتجاهله وما رح تعطيه أي أهتمام .
المشكلة أنها كانت ناوية تبلغه بأدب وذوق برفضها عرض الزواج متحججة بالدراسة وغيرها من الحجج حتى لا تجرح احساسه ولم يخطر ببالها ان يعاملها هكذا وأمام الموظفين والمتدربين لقد جعلها تبدو كانها ترمي بنفسها عليه وتجتهد كل جهدها لتكليمه ... ااااخ يا القهر .
****
فندق رائع وفخم بكل معنى الكلمة وهي تتمدد على سريرها بفرح وتفاخر وتكلم أمها وأخواتها وتطمئنهن عنها وعن أحوالها.
دخل زوجها عمر وجلس بهدوء منتظراً منها أنهاء مكالمتها ثم طلب منها تجهيز نفسها وأغراضها ليذهبا لوداع أمه قبل السفر .
قامت وبحماس تجهز اغراضها وهو تناول السيجار الكوبي الفخم وينفث فيه وبصراحة فاحشة : روعة انت ما تشوفين أنك سمينة وجسمك ما هو متناسق .
روعة صدمتها كلماته الجارحة وردت بدفاع واستنكار : أنا سمينة!!
عمر بصدق : نعم انت سمينة وبشكل منفر وللأسف انتبهت بالحفلة أمس لأكثر من تعليق عن جسمك.
تملكها الغضب وهي تشعر بأن هناك من بدأ بمحاولة التخريب بينها وبين زوجها المثالي بكل شيء وليست روعة من تسمح لأحد بذلك.
فقالت بحب : خلص حبيبي من هنا ورايح ببلش رجيم أهم شي ما تزعل ولا تتكدر.
فاجأها كلامه : وانا بالفعل سجلت لك ببرنامج رح نبلش فيه بعد شهر العسل مباشرة وعلى فكرة أختصرته بأسبوع فقط لان البرنامج أهم لمظهرك ولمكانتي الأجتماعية .
****
يغط بنومٍ عميق بعد سهرة طويلة اسرف خلالها بالمشروبات التي أثقلت رأسه وجعلته ينام دون وعي ؛ لينصدم بشلال الماء البارد المنسكب على وجهه.
انتفض بقوة وغضب ليرى صلاح يقف فوق راسه وهو متكتف.
أخذ يوسف نفس بعمق وهو يقول : أرعبتني يا شيخ ؛ افتكرت احد رماني بالبحر وغرقت .
صلاح بحنق وهو يجلس على الكنبة مقابله : وهذا الي بيصير بتالي حياتك اذا بتضل على هالضياع والاستهتار.
يوسف يحاول التركيز : ولويه هالهجوم العنيف على هالصبح ؛ زين اللي خطرنا ببالك.
صلاح بجدية : أذا بتضل على هالطريق ما عدت تخطر على بالي ولا عدت ارافقك ابد.
يوسف بصدمة : انت من جدك والا بتمزح!!
صلاح يضع رجل فوق رجل ويسند ظهره الى الخلف ويتكلم بكل جدية : الصداقة ما بها مزح وانت شطحت كثير بضياعك ومتأكد باكر بتوصل لمرحلة تتعاطى وتضيع للأبد.
يوسف يمسح وجهه : ما هو لهالدرجة لا تخاف علي حريص.
صلاح بحدة : حريص لدرجة انك تغتصب بنت هبلة وبريئة وثقت بيك ومشت على هواك.
يوسف بابتسامة : هالبنت كانت خفيفة وسهلة وفكرت كل شي بيتم بهدوء وبرضاها وبآخر لحظة صارت تتمنع وانا صرت نفسي بيها.
صلاح قام بغضب ومسكه من ياقته حتى كاد يخنقه : انت ما تخاف الله ولا تتقيه ما عندك خوات وشلون تتعدى على حرمات الناس وتغتصب بنت بريئة كل ذنبها انها وثقت فيك.
يوسف يحاول ابعاده عنه ولا يستطيع : لا تقول بريئة ... ما في بنت بتكلم شب وتطلع معه بريئة كل هذي النوعيات مشاريع مومسات وعاهرات .
صلاح بغضب : أنت غلطان هذول جاهلات ومراهقات وما يدرن عن ذياب الشوارع الي يتلقفوهن مثل الذبايح بلا رحمة ولا خوف من الله.
يوسف باستهزاء : أشوفك صرت شيخ دين وعاد انت زير نسوان ما توفر واحدة .
صلاح تركه واخرج سيجارة وأخذ ينفثث دخانها بضيق : انا صحيح احب البنات واطلع واتسلى واكلم لكن عمري ما فكرت أعتدي على بنت ولا اجبرها على شي.
يوسف بضيق : وانت شلون دريت باللي صار هي نوف كلمتك ؛ هذي أكيد بتلف عليك !
صلاح بقهر : قسم انك انسان مريض ولعلمك نوف حالتها سيئة ويجوز تذبح روحها بسببك.
يوسف بلا مبالاة : مالي دخل بها ولا تهمني بشي .
صلاح بتهديد : اذا ما صلحت غلطتك معها وتزوجتها لا انت صديقي ولا أعرفك.
يوسف برفض : مستحيل أتزوج بنت طاوعتني ومشت معي وبعد ما هي من مستواي وأهلي ما يقبلون.
صلاح بسخرية : هي فعلاً ما هي من مستواك لان مستواك حقير وواطي وسالفة أنه أهلك ما يقبلون أضحك بها على غيري لانه ما أحد مهتم بيك ولا درى عن هوى دارك.
كلمات صلاح جرحت يوسف بالصميم وهذا احد اسباب ضياعه واستهتاره ؛ عاش حياته بدون رقابة ولا اهتمام ولا توجيه وكل أهتمام والديه متركز فقط على مدِّه بالمال وتلبية رغباته لتعويض أهمالهم له .. فكل منهم عنده عائلة يهتم بها ويرعاها .
سكت دقائق وهو يحاول منع دموعه او انفعالاته ثم قال بضيق وهو يعود لتغطية نفسه في سريره : الحين الله معك واتركني أكمِّل نومتي ودشرك من شغل المطوعين الي تشتغله علي .
صلاح عاد للجلوس وهو يفكر بعمق : وأذا قلتلك ان زواجك من نوف يمكنَّي أنتقم من الحقيرة الي ضربتني كف قدام الربع ... وش تقول؟
انتفض يوسف من فراشه وبثانية كان بقرب صلاح على الكنب : من عقلك تتكلم !
صلاح بجدية : أي من عقلي وخطتي تعتمد على موافقتك بشرط ان زواجك من نوف يستمر ثلاث شهور على الأقل .
يوسف بحماس : أي موافق بس قولي شلون ناوي تنتقم منها وبالتفصيل ....
*****
سناء بهمس : الحين هذا الحقير وش ذكَّره فيك ورجع يطلب الود والغرام.
آلاء بضيق : المشكلة هذي ثاني مرة أغيِّر رقمي ويحصله ؛ متأكد واحدة من خواته تساعده.
سناء بفضول : وهو وش يكتبلك برسايله؟
آلاء بثقة : ما حاولت أفتحها أبد ، مباشرة احذفها .
سناء تسترخي في الفراش وهي تقول : اللي يقهر فيه أنه ما ترك وسيلة الا عملها على شان يعلقك فيه وحتى يقنعك بالخطوبة وبعدها بكل وقاحة طلقك ولا كأنك تعني له شي.
آلاء بضيق من ألم الذكرى : هو درس وتعلمته أني ما اسلم قلبي لأحد وأكون حريصة بمشاعري وما أكون هبلة .
ثم أدارت رأسها متظاهرة بالنوم وهي تحبس دموعها وحالها كل ليلة تسبقها الكلمات وتلحقها العبرات وتنتثر حروفها من ألم الغدر وأشجانه....
في خاطري اسمه تعلق ووصفه
يسكن جفوني صورته والمحاني
اربيت في قلبي غرامه وحصفه
ومن بادي العمر انكتب لي اماني
لما كبر باع الهوى ثلثه ونصفه
واترك دموعي تنتثر بالهواني
وتنام على أمل يومٍ جديد تدفن فيه الماضي وتنسى قهره...
*****
تهاني تهمس لنغم وكلتاهما تنظر بحزن الى ملاك : أنا متأكد أنه عين وصابتها دي كانت تشتغل كل حاجة زي الفل ولا اشتكت أيه اللي جرالها!! ربنا يلطف بيها ويرجَّع جوزها بالسلامة دي تكسر القلب يا عيني عليها.
نغم : مسكينة ما كلتش حاجة من امبارح وهي حامل ومحتاجة تاخد بالها من روحها ومن العيل اللي في بطنها.
وهي لليلة الثالثة يسيطر عليها اليأس وانعدام الرغبة بالحياة وتشعر بقلة الحيلة وتسلم امرها لله .. لا زالت غير مصدقة ما حصل وان رداد طلع أكبر فواجعها ...
وشلون حالي كان ربي بعوني...... اسلمت قلبي وانفجع بعدما هام...... كنت الرجى وشلون تقبل أهوني....... اشكيك يا ظالم وعنده ماننظام.
كان هو الأمل وفجاة تحول ليصبح قمة الألم .....
كنت انتظر منه يداوي جروحي..... وانه لقبري حافرن دون تصريح .....
كانت تذرف الدموع كل ليلة وهي ترتجي عودته وهي لا تدري أن عودته فجَّرت بحر الدموع .......
دمع عيني عصاني وانهمر بحره....... يقلي يا بعد عمري متى ترجع .... رجيته يا دمع نارك لها حره ..... تصبر وارحم عيونك لها أشفع ..... رجع مع خنجره صوب القلب نحره ..... غرامه كان دمعه جمرها يوجع .....
كانت تصبر قلبها وآلامه على أمل رجوعه فتبرى أوجاعها بلمسة أيدينه لكن الحين ما عادت تفرق وما عاد يهمها قلبها واوجاعه.......
اتعب ياقلبي لا تقول بكره تهون ........ لا ضاقت استحكم قفلها والقيد ....
تشعر برفشات جنينها تزداد وبقوة ربما كان يشتكي لها الجوع او ان ضيقها يؤثر عليه هكذا يصور لها عقلها ولكنها ما عادت تبالي به ولا عاد يعني لها شيء مثله مثل كل شيء في الكون.
بلا وعي غفت لترى امامها طفل مشوه يسير بتثاقل وينظر لها بحقد ويلومها على اهمالها له ويسأل عن ذنبه لكي تتسبب بقدومه الى هذه الحياة مشوه وهزيل ويبكي بحرقة ببكاء يشبه بكاءها في طفولتها البئيسة ..
قامت من كابوسها برعب وهي تتأمل حولها وتحمد الله انه مجرد كابوس ووضعت يدها على بطنها تتفقد حركات جنينها بحب وألم وحنان " هذا وش ذنبه يعيش مثل ما عشت ويعاني مثل ما أعاني ... متأكد الحقير فارس ما بيعترف بيه ولا يعتني بيه ... هو ماله غيري وأنا مالي بهالكون غيره .. ان تخليت عنه وش أفرق عن امي والي ساوته بي .... لازم أكون قوية وارمي كل همومي ورى ظهري وأستمر بالحياة عشان ابني المظلوم الوحيد بكل قصتي وحياتي..
استيقظت تهاني بوقت متأخر لانها لن تداوم اليوم واتجهت مباشرة الى ملاك لتطمئن عليها ولكن صدمها أن ملاك لم تكن بفراشها ولا بالبيت كله ...
.
.
انتهى الفصل