تحميل رواية «رحلة عذابي أنا 💘» PDF
بقلم عشق جنوبي💞
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
روايتي الجديدة بعنوان " رحلة عذابي انا " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته تنبيه هام يرجى العلم أن رواية رحلة عذابي أنا تم تثبيت حقوق الملكية لها لي وبانتظار اكتمالها حتى يسجل لها رقم تسلسلي في دائرة النشر والمطبوعات الأردنية ولا أحلل نقلها دون ذكر اسم الكاتبة قطعياً. وللعلم أيضاً روايتي أكتبها حالياً وكل فصل بفصله والنشر حصري لهذا المنتدى الرائع بالاضافة لمنتدى آخر . وأي عمل أنشره هو بهدف الترفيه ونشر قيم أعتقد وأؤمن بأيجابيتها او نقل تصورات وافكار تمثل واقع ومجتمع من باب حرية الفكر والتعبير .......
رواية رحلة عذابي أنا 💘 الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم عشق جنوبي💞
الفصل السادس والعشرون
بعنوان #العميل_السري_ملاك_بوند
تنحنح ناصر بصوته الجهوري ... فقفزت عزيزة من نومها مذعورة لأن نومها أصلاً خفيف وبصعوبة طالعت الرجل الواقف أمامها وعينيها لا زالت في غباش .
تثاءبت وهي تمد يديها لتنشيطها وقالت : الله يرجك خرعتني ....
واستمرت في التثاؤب قائلة : أبغى فنجان قهوة إسبرسو وكمان استعجل مديرك ذا وش يحسب الناس عنده ينطرهم بالساعات".
نظر لها بغيظ ثم عدل نظارته الفخمة وقال بصوت جهوري : أنا ناصر ال... مدي.... قطع كلامه عندما رآها تهب واقفة وهي تدور حول نفسها وتبحث عند موطئ قدميها .
لم يعرف ماذا تفعل ولكنها عندما انحنت تنظر تحت الطاولة إنحنى معها وللأسف رفعت رأسها فجأة فأصابته برأسها على وجهه وأنفه اصابة موجعة أخذ يتلوى بسببها من الألم ؛ ويمسك أنفه من شدة الألم .
نظرت له بجزع : جزمتي ... جزمتي ما أشوفها .. ليكون أحد أخذها؟؟
ناصر بقهر وهو يتفقد أنفه الموجوع : ما أحد هنا ياخذ شي ! دوريها زين.
لمحت طرفها أسفل الكنبة فقالت بحماس : هذا هي تحت الكنبة ؛ تعال اقرب ارفع الكنبة وانا اتناولها.
ناصر أشار الى نفسه باستغراب : انا!!
عزيزة : لعاد جارنا !! من في غيرك بالغرفة.
اقترب ناصر بقلة صبر ورفع الكنبة وعزيزة مدت قدمها لتسحب الحذاء وهي تقول بأمر : ارفع .. ارفع كمان .
ناصر بغيظ : وليه أرفع كمان !! ما تنزلي انت تاخذينها ؟؟
عزيزة : تخسى .. تبغاني أنحني قدامك يا الواطي .. صحيح اللي استحوا ماتوا !!
عندها نفذ صبر ناصر وألقى الكنبة بغضب غير آبهٍ بشيء ؛ وأشار لها بزجر : اسمعيني زين من أمس وأنا متحمل غلاظتك واسلوبك الوقح .... والحين أقلك بالفم المليان الله الغني ما عاد نبغى نوظفك عندنا ...
أصابها الذهول في لحظة ولا مجال لأن تلوم غباءها المتجذر او لإصلاح ما أفسدته ؛ كل زلة أكبر من سابقتها فالأنسب الآن أن تنسحب بهدوء...
لبست حذاءها واتجهت نحو الباب ولكن في آخر لحظة أدارت رأسها وبابتسامة وهي تخرج من حقيبتها كتالوج كبير وتمده الى ناصر : بس استاذ أبغاك تتطلع على هالدراسة الي عملتها على خمس أنواع من الأقمشة كل نوع له عدة أشكال بالسوق عملت مقارنة بين هذه الأشكال من حيث الخامة والجودة والسعر وتكلفة التصنيع والاستعمالات ... كلها بمجهود شخصي وتطبيق عملي .
تناول ناصر الكاتالوج وتفقده بتدقيق ؛ وفعلاً وصف توضيحي وتحليلي ..ولكن يحتاج الى خبراء لتقييم مصداقيته.
وبتساؤل : انت خريجة أي معهد ؟
عزيزة بثقة : أنا خريجة معهد الحياة.
ناصر : وين هذا المعهد ما سبق ان سمعت به؟
عزيزة : ما له مكان ؛ ببساطة أنا أمي تشتغل في صنع المعجنات والبهارات وخلافه وهذا كله ما ناسب اهتماماتي ؛ رحت أشتغل عند جارة لنا خياطة وعندها تعلمت كل شي يتعلق بالصنعة والأقمشة وأنواعها واعتمدت على روحي من خلال مجلات الموضة والأزياء والماركات وتعمقت بالأسواق والبيع والشراء والتسويق ..... يعني حاولت أبذل جهدي في الشي الي أنا أبدعت فيه وحبيته.
ناصر باستغراب : يعني انت بدون شهادة !
عزيزة بصدق : اذا قصدك كرتونة تثبت امكانياتي فأكيد ما عندي واذا تبغى شهادة حقيقية وظفني وبتشوف.
ناصر بعدم اقتناع : أخت عزيزة ؛ حنا بندرس الأمر وبنرد نتصل فيك ؛ والحين انتهت المقابلة ؛ مع السلامة.
في نفس اللحظة فُتِح الباب بقوة وظهرت طفلة صغيرة وهي تصرخ بأعلى صوتها والسكرتير وامرأة تبدو كمربية تلحقها .
هجمت على ناصر وألقت نفسها في حظنه وهي تصرخ بصوتٍ مفجوع .
ناصر وبكل خوف الدنيا : دالية حبيبتي وش فيك !! علامك تبكين يا قلبي؟؟
دالية بنفس متقطع : الأبلة هزَّئتني .... قدام الصف كله
وعادت لتجوح بصوت عالي .
ناظر ناصر المربية بتساؤل ؟؟
المربية : استاذ ناصر ؛ دالية ضربت طالبتين وشدت شعرهم وعضت واحدة منهم في يدها والثانية في ظهرها.
ناصر فتح فمه بدهشة : معقول يا دالية ؛ انت كل يوم والثاني تعملي مشكلة وتضربين طالبات وكلهن بنات عوايل راقية !! هذي ثالث مدرسة بنقلك لها ؛ متى بتبطلين مشاكل؟
نظرت له دالية بحزن ؛ دون ان تقول كلمة واكتفت بكسر نظرها نحو الأرض .. وبعد عدة تنهيدات قالت بهدوء : آسف بابا ما أعيدها.
فجأة هبت عزيزة التي نسي ناصر وجودها واتجهت نحو دالية ومسكت بيدها بقوة ثم جرتها خلفها نحو الكنبة وأجلستها بقربها ؛ ثم مسحت دموعها وهي تقول بحزم : يعني ما كلفت روحك تسألها ليه ضربت الطالبات !! ما يضرب الطفل أحد بدون سبب !!
ناصر وهو مصدوم : آنسة عزيزة لو سمحتي انتهت المقابلة وتفضلي ...
قاطعته عزيزة : بلا آنسة بلا بطيخ ......البنية ميتة من القهر والغيظ وانت ما تحس فيها ؟ شنو انت هذي هي الأبوة!!
عندها هجمت عليها دالية واحتضنتها بألم وقد عادت للصراخ مجدداً وعزيزة تربت على كتفها بحنان : يا قلبي عليك يا دالية ؛ قسم بالله لأروح معك المدرسة واشفي غليلك من الأبلة ومن الطالبتين .
دالية ببكاء : مو بس الطالبتين ؛ الا الصف كله يتمسخرون علي.
عزيزة بصدمة : ليه يتمسخرون لا عاش ولا كان .
دالية : قال يقولون خطي مثل خرابيش الدجاج.
ضحكت عزيزة وبتشجيع : هههههه وشلون لو تشوفين خطي ودك أحد يفك طلاسم يترجمه ؛ ههههههه وهي أبوك بكبره يعرض علي وظيفة لشركته .
مسحت دالية عينيها باستغراب وهي تسأل ناصر : صدق بابا بتشغلها عندك حتى لو خطها ما هو حلو.
ناصر بقصد : والله اذا عندها قدرات وخبرات أكيد ما أهتم للخط يهمني الشغل.
عزيزة : حتى الكتابة الحين كلها عالأجهزة ما عاد حد يكتب بيده .
دالية : أنا سريعة بالكتابة عالتواصل ما أحد يسبقني .
عزيزة : تلاقين هالبنتين مغيورات منك عشان كذا يتمسخرون ؛ لو ما ضربتيهم أحسن .
دالية : يعني اسكت والكل يضحك!!
عزيزة : لا يا حلوة الا تردي عليهن الكلام بالكلام والحجة بالحجة مو تصيرين مثل الثور ما يعرف غير ينطح.
المربية بغضب : ايش هذي الكلمات الي تعلميها البنية ؛ ايش ثور وينطح !
عزيزة وهي تتخصر لها : وانت بعد بدل ما تعدين بأخطاءها المفروض توقفين جنبها وتسانديها يا بعدي .
دالية بسعادة : انت تشبهين جدتي الله يرحمها كانت دوم تفهم علي ؛ مو مثل بابا ..
عزيزة بحزن : وبابا ما في مثله ؛ انا كنت بوجود أبوي مثل المهرة ما أخاف ولا أهاب لكن من توفى صرت في مهب الريح ان ما احنيت ظهري لفحني الهبوب.
دالية : ما فهمت وش تقصدين؟
عزيزة وهي ترتب لها شعرها : قصدي احمدي ربك ان عندك أب غيرك محروم منه.
ثم قامت واستأذنت للمغادرة والحزن يغمر قلبها ؛ فهي على يقين أنها خسرت الوظيفة بغبائها وسوء تصرفاتها .
********
أم طلال ببكاء : يعني الحين لو نسفرها ألمانيا مرة ثانية ما تتحسن.
ابو طلال : تدرين ما أعز عن أمك أي علاج لو متوفر ؛ لكن حالتها ما لها الا الالتزام بالعلاجات والمسكنات وتتعايش مع المرض وما أدراك تعيش أطول مننا كلنا.
ام طلال : الله يطول عمرها ؛ قلبي يتقطع على شانها.
ابو طلال : وقلبك ما يقطعك على حال طلال اللي يتصيع من بلد لبلد ما هو حامل هم شي بهالدنيا .
ام طلال بضيق : يا ابو طلال بعده شاب وصغير بالسن خله يعيش حياته ؛ من الحين تبغى تضيق عليه بالشغل والمسؤوليات!
ابو طلال بحدة : ما دامه ما هو فود دراسة وتحصيل ليه ما يلازمني بشركاتي ويساندني ويتعلم كل شي ؛ ما هو كافي عبدالله وده يستقل بشغله ويترك شركاتي .
ام طلال بثقة : حتى لو يستقل بشركاته عبدالله بيظل يساعدك وذراعك اليمين ولا تنسى انه ابن اخوك وجوز بنتك .
ابو طلال وهو يقف بعدم رضى : جوز بنتي اللي من شهر ما شفتها ولا طلت علي ؛ أروح لشغلي أبرك الي من مقابلتك بس تقدمين اعذار عن اولادك حتى هديل وهناء معهم شهادات ما قالوا بيوم نروح نساعد ابونا بشركاته وأعماله .
ام طلال وهي تقوم أيضاً لأن عندها بازار خيري تحضره : ودك ابو جاسر يخلي زوجات أولاده يشتغلون بالأعمال والشركات !! هذا عقليته متحجرة وأولاده مثله.
ابو طلال : ابو جاسر لو شاف بناتك متحمسات للشغل ما يقول شي لكن هو عارف باللي عنده.
**********
اتصال هام من فهد لملاك : لا تظلي ترفعين النظارة كل دقيقة ما عاد نلتقط شي.
ملاك بحذر وهمس : لما يكون في شي يحتاج بصور غيره لا.
فهد بحنق : حنا اللي نحدد يستاهل والا لا ؛ خلي التصوير مستمر.
ملاك بتحدي : ما يجوز تطلع على كل شي في عاملات ما يبغون أحد يعرف عنهم ؛ وفي البعض تكشف عن غطاها والا ايديها ما يجوز كل شيء ينشاف.
فهد : حنا في مهمة رسمية وهاي الفيديوهات محمية وما أحد حيشوفها الا لغايات البحث والتحري فما داعي للخوف وجذب الانتباه.
ملاك بعدم رضى : بحاول قدر الامكان ان شاء الله ؛ الا أقول التتن اللي أخذته من رداد وش نتيجته.
فهد : لا تخافين هذا مجرد تتن ؛ وهالرداد ما منه خوف تحرينا عنه ما عليه شبهة أو منه خطر.
ملاك وهي تتنفس الصعداء : أشوى ريحت بالي .
أغلقت المكالمة وخرجت لمتابعة أعمالها لتجد رداد قد أدخل سيارته الى الحوش ويصلح بها.
ملاك بتذمر : ما تقدر تصلحها بالخارج هني ما هي منظر.
نظر لها رداد بانزعاج قائلاً :لا ما شاء الله انت اللي منظر بهالنظارة طالعة مثل الضفدع.
ملاك بغضب وقد نسيت أن الكاميرا تعمل : أنا اللي مثل الضفدع يا الضب ؛ الحق مو عليك الا علي اللي عملتلك قيمة وبكلمك.
رداد بسخرية : لا والله الحق علي الي ما خليتك تعفني بالسجون وانت متخبية ورا ام عزمي تتمسكني وتتحزوني.
ملاك : وعلى شو أنسجن كل راس مالها غرامة والا دية وبدفعها.
رداد بغضب وهو يلوح بمفتاح الربط: أقول طسي من هني أحسن ما افتح راسك الحين بهالمفتاح .
ملاك قررت الانسحاب خوفاً من جنونه وعادت لمتابعة العمل لتفاجأها فاطمة بالقفز أمامها واحتضانها بسرور بالغ .
ملاك بصدمة : وش فيك ذبحتيني .
فاطمة بسعادة : فل مارك .. فل مارك أول مرة بحياتي علامة كاملة على كل السكشن ماني مصدق من الفرحة .
وعادت ترقص من جديد ..
ملاك بفرحه كبيرة "وهي لا زالت غافلة عن كاميرة النظارة" قامت ترقص معها : الف مبروك حياتي تستاهلين .
فاطمة بفرح وهي تعدل بشالها : الله يبارك فيك يا وجه السعد ....أقول خلك كذا نظارتك تنفع مراية .
وقامت تعدل شيلتها على المراية ؛ عندها فقط تذكرت ملاك الكاميرة وأرادت الابتعاد لكن فاطمة جذبتها أمامها وهي تقول : وش فيك ملاك خلني اشوف روحي عدل .
ثم رفعت ذقنها وضمت شفتيها وتقول بضيق : أوووووف وش ذي الحبة تحت شفتي متى طلعت.
نور بتسليك بعد ان خلعت النظارة : كله من النظارة تكبر كل شي لا تتطلعين فيها .
فاطمة بابتسامة وهي تدور بعينيها : الا وينها عزيزة ؟
ملاك بحماس : عندها الحين مقابلة شغل أدعيلها .
صوت عزيزة من الخلف رد عليها : ولا مقابلة ولا هم يحزنون ؛ راحت علي فرصة العمل.
جلست بخيبة واقتربت منها فاطمة وملاك التي أطفأت الكاميرة بحذر للاستماع للتفاصيل.
***********
على مائدة الغداء جلس العميد محمود مع أسرته والأطفال بسرور بالغ لتناول الطعام مع والدهم المشغول دائماً .
محمود : حنين الكتب الي كنت أهديك اياهم فترة الخطوبة وينهم.
حنين وهي تطعم سمر : والله ما أدري أكيد الشغالات بيحفظوهن بمكان؛ ليه تسأل؟
محمود : أبغاهم أضمهن لمكتبتي ؛ هذي كتب غالية وعزيزة علي.
حنين بابتسامة : ما أذكر اني فتحت اي منهن ؛ كنت ماني مصدقة أخلص من كتب الجامعة تطلع لي كتب محمود ههههههه.
سحر : بابا هذي الكتب اسمك مكتوب عليها ... صح.
محمود : ايوة بابا ؛ كيف عرفتي.
سحر : بابا أنا شفتهم بغرفة ملاك ويجوز للحين هناك.
اسود وجه حنين وبان عليها الإرتباك والضيق ولم يفت منظرها هذا محمود.
محمود باستفسار : مين هاي ملاك ؟
حنين وهي تعيد خصلة من شعرها وراء اذنها بارتباك : أكيد واحدة من الشغالات عند أبوي .
سحر بتذاكي وحماس : بابا هاي اللي أنقذت سمر لما كانت بتغرق بالقناة ما تذكرتها !
محمود بصدمة وهو يحاول التذكر "معقول تكون ذيك البنت نفس ملاك ؛ لا مو معقول ذيك البنت كانت مشوهة وما تشبه ملاك " اكمل بذكاء : اي تذكرت البنت اللي كانت مشوهة وهجمت عليها ماما وضربتها .
زاد ارتباك حنين ولو بيدها تهجم على سحر وتخرسها .
سحر : اي بابا هي يا حرام كان أبوها يضربها عشان كذا تشوهت وجت تعيش عند جدي ابو عبدالله .
محمود وهو لا يرفع نظره عن حنين المضطربة : ليه هي وين كانت تعيش .
سحر : كانت تعيش عند جدي أبو قاسم .
ازداد الغموض بالنسبة ل محمود الذي سأل حنين : وش قصتها هذي البنت .
حنين وهي تمثل عدم الاكتراث : وش يدريني عن الخدم وقصصهم كأنهم يهموني بشي يعني .
وأمالت فمها بضيق.
سيف بحزن : والله اشتقت لملاك ولقصصها وألعابها ؛ كنا لو نقعد معها بالساعات ما نمل .
سحر بتأييد : أي والله يا ريت ترجع والله لنفرح كلنا.
محمود بغموض : حنين لا تنسين الكتب ترى أبغاها .
اومأت حنين رأسها أيجاباً بينما غرق محمود في تفكير عميق بهذه الملاك التي هو مدينٌ لها الآن بإنقاذ طفلته من الموت "والله يا ملاك كل شي فيك زين من جمال وعلم وثقافة وأخلاق .. واحساسي اللي ما يخيب انك انظلمتي في هذه العائلة وما تركتيهم من قليل "
********
انضمت نور المحبطة الى شلة الفتيات لتغير من احساسها بالضيق ولكن زاد احباطها بمعرفة ما حصل مع عزيزة التي خسرت بغبائها فرصة عمل لا تعوض في إحدى كبريات الشركات العالمية ؛ وفي خضم الصمت المطبق انفجرت ملاك ضاحكة وألقت بنفسها على ظهرها من كثرة الضحك .
الفتيات استغربن من ملاك وهي تحاول الحديث ولكن موجة الضحك تمنعها .
وبصعوبة تمالكت نفسها وهي تضحك : تخيلت شكل عزيزة وهي نايمة عالكنب والمدير واقف على راسها ههههههه.
ابتسمت الفتيات ما عدا عزيزة المحبطة.
وأكملت ملاك : والا وهي تتأمر عليه تبغى اسبرسو ههههههههه.
ضحكت فاطمة ونور رغم محاولتهما كتم الضحكة .
وملاك تتابع : والا وهو رافع الكنب وهي تدور حذوتها تخيلوا بس ههههههه .
هنا حتى عزيزة ضحكت وهي تتذكر موقف وشكل مدير الادارة وهي نازلة به أوامر وشتايم .
دخلت الفتيات موجة من الضحك غيرت الجو والحال والأحوال ..في لحظة قررت جميع الفتيات دفن أحزانهن ولو للحظات قليلة فالعمر قصير والآلام لا تنتهي .
وعلى غفلة من نور تناولت عزيزة هاتفها ونسخت منه شيئاً ثم أعادته مكانه.
****
فهد يبتسم او يضحك لا يعرف فالمواقف كلها تضج بالحياة في حياة هذه الملاك.
العميد محمود بابتسامة : ضحكنا معك .
فهد وهو يضحك : لو تدري ملاك ان النظارة فيها تسجيل احتياط كان بتذبحني.
العميد محمود بجدية: لولا أضطرارنا لمراقبة الجميع والا هي معها حق بالنسبة للخصوصية .
فهد : والله حياتها كلها نهفات ومواقف بتضحك .
العميد محمود : قصدك رداد .
فهد بجدية : هذا بالذات لازم تتجنبه ملاك ما يتأمن غضبه وهي ما تسكت له.
العميد محمود : تدري ان ملاك في يوم أنقذت بنتي سمر من الموت.
فهد بصدمة : متى وكيف.
العميد محمود : تذكر لما حدثتك عن غرقها في قنوات المي وعن الخادمة الي انقذتها.
فهد : أي أذكر ؛ لتكون هي ملاك!
العميد محمود : اي نعم هي ملاك وهذا العجيب !
فهد باستغراب : وكيف يقولون عنها خادمة وهي بنت الدكتور سعود !
العميد محمود : وهذا اللي يزيدنا حيرة ويوجع القلب.
فهد بتعجب : يوجع القلب ! وش تقصد !!
العميد محمود : ما أقصد شي ؛ انت الحين ليه تقول عن حياتها نهفات .
فهد بابتسامة : ما أدري أقولك عن فاطمة اللي تظبط شالتها على نظارة المراقبة والا عزيزة اللي كان عندها مقابلة عمل عند ناصر ولد عمك وجننته وعجبت عليه .
العميد محمود : عاد ناصر خلقه ضيق ما يتحمل!
فهد : أي أدري ومتخيل حالته هههههههه.
العميد محمود : ناصر والله ما هو سامع الكلام من سنين ننصحه يتزوج وهو ما يبغى .
فهد : لا تضغط عليه للحين هو يلوم نفسه عالحادثة .
العميد محمود : الحادثة قضاء وقدر والمرحومة عمرها انتهى ؛ لازم يفتح صفحة جديدة وينسى الماضي.
فهد بابتسامة : والله لو يوظف عزيزة ذي الا ينسى الماضي والحاضر والمستقبل ههههههههههه .
العميد محمود : ليه وش مساوية له.
فهد وهو يضحك : الحين أخبرك بالقصة كاملة .
ثم تغير وجهه فأصبح أكثر جدية :لكن بالأول أبلغك عن تحرياتنا عن نور وام نور.
العميد محمود : من شكلك باين الأمر خطير .
فهد : إلا خطير ؛ تفضل.
تناول العميد الورقة وما أن قرأ التفاصيل المكتوبة حتى أصابه الذهول وتغيرت ملامحه للجمود ؛ وبهمس: "معقول "
********
ابو صالح المجبر جاء اليوم ليفك الجبص عن قدم رداد وبعد عناء شديد وترقب من ملاك وأم عزمي انهى المهمة بنجاح ولكنه لم يكن راضي عن وضع قدمه كما يجب فنصحه بقلة الحركة اسبوعين على الأقل والاكثار من تناول أطعمه معينة .
رداد محبط وغاضب وهو يشعر أن قدمه لا زالت تؤلمه وزاد عليها الأوامر الجديدة .
ام عزمي بتشجيع : اسبوعين يمضن بسرعة وتبقى بغرفتك وتحت رعايتنا ومساعدتنا.
رداد بقهر وهو يناظر ملاك : والله يا خالة رزقي انقطع ورجلي يا خوفي ما تعود مثل أول وكله من هالحرباية ام اربعة واربعين .
وأشار الى ملاك بغضب .
ملاك فقط أخفضت رأسها بتأنيب ضمير ولو كان غير هذا الموقف ما سكتت ؛ لكن أوجع قلبها حاله وخاصة احتمالية عدم قدرته على السير كالسابق وهي تدعي " يا رب لا تجعلني سبب لأذية انسان أو قطع رزقه ؛ يا رب انك تشفي رداد وترده مثل أول انك القادر على كل شيء"
رداد لاحظ تغير حالها من بعد كلماته فقال مخففاً للجو : ايش يا خالة أشوف بعض الناس نازل عليها العقل والفهم مرة واحدة ... كرمك ولطفك يا رب .
قامت ملاك وهي تحبس دمعتها من النزول واتجهت لإكمال أعمالها المعتادة .
ورداد يطالعها بدهشة..
********
عزيزة ضربت الأرقام التي سرقتها من هاتف نور بثقة وبدأت بانتظار الرد وقلبها يخفق خوفاً واضطراباً ... حتى جاءها الرد من الطرف الآخر .
اسلام : السلام عليكم
عزيزة : وعليكم السلام .... سكتت قليلاً ثم قالت : أخ اسلام ؟
اسلام باستغراب : نعم أختي اتفضلي مين معي؟
عزيزة : أنا اسمي عزيزة وانا صديقة لنور ؛ أخذت تلفونك منها لأجل أكلمك.
اسلام بعدم راحة : هي دازتك تكلميني أفهم من هالكلام ؟
عزيزة بدفاع : لا لا أبد هي ما تدري أني بكلمك ؛ أصلاً سرقت رقم تلفونك منها من غير ما تدري.
اسلام : وش تبغين يا ست عزيزة عندي أشغال وماني فاضي للف والدوران.
عزيزة باسلوبها المعتاد : الا بتفضى وتسمع لكلامي لأني أنا ما أعرف اللف والدوران وما كلمتك الا من محبتي لنور ولأني أبغى مصلحتها .
اسلام بحنق : وش في عندك اخلصي علينا وقولي .
عزيزة بتجاهل لأسلوبه : بصراحة نور كذبت عليك حتى تبعدك عنها وتأمن شر أمك وتهديداتها.
اسلام بصدمة : أمي !!
عزيزة : أي أمك بكل الحقد جت لنور على بيتهم وهددتها اذا ما بعدت عنك الا تشوه سمعتها وتخلي سيرتها على كل لسان وهاذ اللي خلى خالتي ام نور تطيح وتدخل المشفى .
اسلام وهو مستبعد أن تقوم أمه بمثل هذا العمل : تقولين كذا حتى تغطين على قصة الحبيب اللي رجع واللي واضح كمان انه كسر بقلب صاحبتك وتركها.
عزيزة بانفعال : أي حبيب الله يهداك ؛ نور ما تحب غيرك وهذي قصة ألفتها حتى تبعدك عنها ...
اسلام بمقاطعة : وابن خالتها !!
عزيزة بحنق : خالة نور الوحيدة ما عندها غير البنات وتقدر تسأل وتتأكد ولو كنت تحبها بصدق كان بحثت وتحريت قبل ما تتخلى عنها بكل سهولة ... والحين بخاطرك اتعبت روحي وأنا أقول وابرر أصلاً اللي يحب بصدق يدور ألف مبرر للي يحبه مو يتخلى بأول مطب يواجهه .
وأغلقت السماعة وهي مرتاحة أخيراً برفع هذا الحمل عن أكتافها .
اسلام لا زال مصدوم وغير مصدق بالمرة وبدأ بمراجعة الأحداث في ذهنه وعقله الباطني يلومه على غبائه وتخليه عن نور بكل سهولة .
*******
مشغل سهاد من أكثر الأماكن بغضاً لقلبها وخاصة اضطرارها لمقابلة ومجاملة مروجات المخدر لساعات في اليوم .
واضح أن أعمالهن منظمة ومخطط لها جيداً هؤلاء البنات مجرد أدوات لشبكة أكبر تؤمن لهن المخدرات والحماية .
احداهن تضع سماعات مخصوصة على الأذن وتتمتم أحياناً بكلمات تدل على أنها تتواصل مع أناس من خلال كلمات : تم .... عُلِم .... حاضر
ويبدو أن تزويد الزبائن ببضاعة فهمت أنها "كوكايين" ليس عشوائي أو للعموم وانما لزبائن موثوق بحالتهم الادمانية وعدم اتصالهم بالجهات الأمنية .
امرأة غادرت قبل وقت قصير حرصت ملاك على التقاطصورها ومعاملة التسليم ؛ التقطت ملاك معلومة أن زوجها هو المدمن وهي من تشتري له المخدر بسبب تهديده لها
بذبح أولادها يا للفاجعة ويا لهول الموقف .
كل السخط في قلبها عليهن ولو كان الأمر بيدها لهجمت عليهن وخنقتهن بيديها ؛ لكن هي مجرد وسيلة للمساعدة في تجريم هؤلاء ووقفهن عن اجرامهن بحق المجتمع.
***
خالد يسامر اسلام والأخير لا يستمع لأي من كلامه لأن قلبه مشغول بنور وبما حصل بينهما وبصيص الأمل في عودتهما معاً ...
خالد : لهالدرجة جلستي ثقيلة على قلبك .
اسلام : ليه تقول كذا الله يسامحك!
خالد : لأجل انك كل شوي تتنهد وتسرح بعيد .
اسلام : لو أقول لك اللي بقلبي كان ما لمتني وبعد قلت الله يعينك.
خالد باهتمام : خير يا خوي أقلقتني .
اسلام أخبر خالد بقصته مع نور وبما فعلته أمه وموقف نور وكذبتها...
خالد : وانت تأكدت من القصة.
اسلام بحسرة : أي والله تأكدت هي فعلاً ما لها أولاد خالة وكمان سألت اسراء بطريق غير مباشر عن زيارة أمي لها وتهديدها وكمان طلع صحيح وصفيت أنا بالنهاية اللي غافل وماني بداري عن شي !
خالد بحسرة : لا تتردد اذا تحبها اطلبها من امها وتزوجها ولا تخلي أحد يحول بينكم .
اسلام : ما رح أسمح لأحد يفرق بيننا باذن الله ؛ لكن ما أدري ليه أحس الحسرة بكلامك !! انت بعدك متعلق بملاك؟؟
خالد نظر بغضب الى اسلام وقال بحنق : وانت مين قالك إني أصلاً أهتم او أحب قليلة الترباية هذي.
اسلام بابتسامة : الا تحبها وتعشقها من كل قلبك وانا هذا الشي ما يخفاني واستغرب انك تخليت عنها بسهولة.
خالد باحباط : ما خلاني أتركها الا سلوكها وتصرفاتها والا رغم عن العالم كله بتمم زواجنا وما أسمح تبتعد عني ؛ في أصعب من انها تتقرب من أخوي وتبعثله رسايل والله ذبحني غدرها وخيانتها والأصعب ان قلبي لا زال يخفق لطاريها ولخيالها كل ما لاح قدام ناظري.
اسلام : وزوجتك رنا ما انت مرتاح معها وربنا رزقك منها بأحلى سعد بالدنيا .
خالد بصدق : أكذب عليك ان قلتلك أحبها أنا مجرد متعايش معها وأمضي أيامي وحياتي معها بدون مشاعر نحوها حتى هي أحسها انسانة مادية يهمها المجوهرات والفلوس والسفر وانا بالنسبة لها بنك متنقل يأمن طلباتها .
اسلام : حاول تحسن من علاقتك معها ووصل لها فكرة ان المال ما يدوم ؛ في النهاية هي أم اولادك وصارت جزء لا يتجزأ من حياتك .
******
ام عامر تستقبل روعة القادمة من زيارة أهلها الطويلة بالاحتضان والشوق الصادق .
في المقابل روعة تسلم عليها ببرود .
عامر لاحظ ذلك ولم يعجبه وواسى نفسه ان ذلك ربما بسبب الحمل وضيقه.
رغد ترمقها بعدم رضا لأنه جلست دون أن تسلم عليها ؛ لذلك قالت بحنق : واللي غايب شهور ليه ما يسلم مثل العالم والناس .
روعة بدلع زائف : انت تعالي وسلمي ما تشوفين حالتي وتعبي .
رغد بدون مجاملة : طول عمرنا نشوف الحريم يحبلن ويولدن مثل دلالك ما مر علينا .
روعة بسخط : شايف يا عامر أختك شلون تكلمني ولا هي مقدرة حالتي .
عامر بضيق : ممكن يا دكتورة رغد تنقطينا بسكوتك .
رغد بنغزة : والله يا أخوي هي شهد حامل مثلها وفوق كذا تشتغل عشر ساعات باليوم وما عندها خدم وحشم وما شاء الله عليها مثل الغزال.
ام عامر : الله اكبر صلي على النبي يا بنت لا تصيبين أختك بالعين.
رغد : عليه الصلاة والسلام ؛ أنا بس بغيت أخلي البعض ما يشوف حاله بالحمل على خلق الله ويحرك حاله ويتنشط.
روعة بتحدي : عامر أبغى أقوم أرتاح بفراشي ؛ والله تعبت من الجلسة .
قامت وهي تشير للخادمة التي أحضرتها من بيت أهلها لكي تتبعها الى جناحها.
عامر تنهد بضيق وهو في أعماقه يدرك صحة كلام أخته.
***
ملاك تراقب بقلق عمل الخبيثات في مشغل التجميل وليس بيدها حيلة سوى رصد كل تحركاتهن ولو ان لك يخيفها أحياناً مع نظراتهن الغير مطمئنة .
احداهن مرة أحضرت لها كأس شاي وأصرت عليها لتشربه وطبعاً ملاك تظاهرت بقبوله وشربه ثم سكبته في احدى الشجيرات على غفلة منهن .
يغادرن المشغل بطريقة منظمة وخاطفة وبالتوالي ولكن يعدن بعد وقت قصير وهي بحذر ترسل اشارة لفهد بالأمر ومن المؤكد فهد يرسل من يتابعهن بعد الخروج وذلك بعد ارسال الصور التوضيحية من ملاك .
رغم كل التعب والمجهود والحذر الا أن ذلك لا يضاهي صدمة الليلة ؛ لم تصدق عينيها عندما رأتها تدخل المشغل .... سارعت بالاختباء عنها ..... لكن واضح أنها لا تهتم للنظر حولها ويبدو عليها الإرتباك .
حدس ملاك أنبأها أنها من نفس صنف المتعاطيات ولكنها قاومت هذا الحدس وهي تتمنى أن تكون قادمة فقط لمجرد التزيين ولكن أين !! في هذا المشغل الأقل من مستواها بكثير .
سارعت ملاك باخفاء كل وسائل التصوير قدر الامكان حتى لا يراها فهد او أي من العاملين في قسم المكافحة ؛ وأصيبت بالصدمة وهي تراها تتناول الكيس الصغير من احدى العاملات الخبيثات وتخرج بسرعة .
صدمة شلت جسدها عن الحركة وأقعدتها مكانها في اضطراب وذهول .... "مستحيل ... ما أصدق عيني "
"كل شي تخيلته بالحياة الا هذا ."
وأغمضت عينيها بتعب وفكرها مشلول لا تدري ما تفعل أو تقول .
.
.
.
انتهى الفصل
رواية رحلة عذابي أنا 💘 الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم عشق جنوبي💞
الفصل السابع والعشرون
بعنوان #حصادك_يا_بوي
لم تستطع ملاك النوم طوال الليل من هول الصدمة والمفاجئة ..."كيف يحصل كذا ! وين زوجها واهلها عنها ! والا هي وين عقلها وفهمها حتى تغرق في وحل الادمان وبلاويه!
مصممة على تنفيذ القرار الي اتخذته لكن بعد ما تنهي أشغالها الصباحية اليومية.
خرجت الى الحوش وهي شاردة الذهن ، بينما رداد يسير متكئاً على عكاز لتمرين قدمه .
رداد وهو مستغرب من شرودها : اليوم الحمد لله لا قهوة ولا شاي ولا حتى حبة تمر ؛ لنا الله..
ملاك انتبهت له وتذكرت أنها لم تحضر له شيء اليوم .
شهقت بندم وهي تضع يدها على شفتيها وعادت مسرعة لتعد له القهوة والشاي و...
كان يتبعها بنظره وكله استغراب " البنت ذي وش بلاها "
****
رآها وهي تدخل الى المصعد فأسرع نحوها وهو يدعي التحدث بالهاتف .
ما أن رأته يدخل المصعد حتى أشاحت بوجهها نحو الجهة المقابلة ؛ وهو كان سعيداً لعدم وجود أحد غيرهما في المصعد .
اسلام وهو يمثل التحدث بالهاتف : اه حياتي باسمعك ؛ مثل ما تبغين ؛ تدرين اني أشتاق اسمع صوتك كل صباح ....
نور حاولت أن تكتم غيظها واظهار عدم الاهتمام ولكن من شدة الغيظ كانت تضرب نظارتها برجلها وهذا لم يفت اسلام.
اسلام : وانا بعد أحبك يا قلبي ؛ يلا مع السلامة .
شعرت نور بالاختناق والألم "بالسرعة ذي داوى جراحه وحب غيري وانا الي ضحيت على شانه ؛ والله ما يستاهل وما أحد غبي غيري أكيد كنت مغامرة من مغامراته والا لعبة يتسلى بيها " وحاولت التماسك الا ان دموعها غدرت بها كالعادة وهو يراها في مرآة المصعد .
فتح الباب وخرج بسرعة وثقة دون الإلتفات نحوها .
****
عبدالله نائم في سريره باسترخاء وصبا للمرة العشرين تحاول ايقاظه بلا فائدة .
صبا : يلا حبيبي تأخرنا على الشغل ما يصير كذا .
عبدالله بجدية حرك يده وأشار لها للإقتراب ؛اقتربت منه بخوف وهي تهمس : عبدالله ايش فيك ؟
غافلها عبدالله بقبلة على خدها ؛ ثم ضحك وهو يقوم مسرعاً لمغادرة السرير وهي تركض خلفه لتعاقبه على إخافتها هكذا ؛ لكنه أدار وجهه فجأة فوقعت في حضنه .
ضمها اليه بقوة وأخذ يدور بها وهو يضحك بسعاده بالغة وصبا تضحك معه بدلال طبيعي لا تصنع فيه ولا تكلف...
عاد بعدها ليجهز نفسه للدوام مرةً ينظر للتسريحة التي نادراً ما يرى صبا تجلس عليها أكثر من دقائق لا تبالغ بالزينة ولا بماركات المساحيق وأنواعها .
ومرةً الى جمال جناحهما وترتيبه وباقات الورد التي تعطر المكان ولمسات صبا الرقيقة والناعمة في كل ركنٍ فيه "الحمد لله اللي أكرمني بحبيبة قلبي صبا احس روحي عايش بحلم ما هو بعلم "
قطع أفكاره صوت صبا : عبدالله انت لك يومين تبات هني غريبة هبه ما تدق او تسأل ؛ انتم بينكم شي "
عبدالله بضيق : لها مدة ما عادت تسأل ولا تهتم وعازلة روحها بجناحها حتى جدتي ام قاسم تزعل منها ما تجيها ولا تجالسها .
صبا باستغراب : وانت ما سألتها عن السبب .
عبدالله : ما يهمني أعرف ؛ مليت من دلالها ومن عجرفتها ونكدها كذا أحسن واريح لراسي .
سكتت صبا وهي في حيرة من هذا الحال .
***
بعد أن بعثت لها سوني برقم الهاتف الذي تريده ؛ خرجت خلسة من الحوش واتجهت الى أحد المولات الكبيرة حيث يوجد كابينات اتصال عمومية ؛ دقت الأرقام وانتظرت الاجابة ؛ طالت الرنات ولم يجب أحد .
أعادت الاتصال مرة ثانية وثالثة ونفس الشيء لا أحد يرد.
لم تيأس واستمرت حتى داهمها الصوت الرزين : السلام عليكم.
سرت في جسدها قشعريرة وهي تسمع صوته ربما للمرة الأولى في حياتها ؛ تلعثمت ولم تعرف ماذا تقول أو تفعل .
عاد ابو طلال للحديث : الو.....الو من معي ؟
ملاك خانتها دموعها ولم تستطع الكلام ؛ أغلقت الهاتف ودخلت في موجة من البكاء والجوح لم تستطع منعها او أيقافها .
بعدها بصعوبة تمالكت نفسها فالموقف أخطر وأهم من عواطفها وأحزانها المتراكمة على قلبها ، وأعادت الاتصال بعد أن أخذت نفساً عميقاً تستمد به بعض القوة .
ابو طلال : نعم مين معي .
ملاك بهدوء : حضرتك الدكتور سعود؟
ابو طلال : نعم انا الدكتور سعود ، مين انت ؟
ملاك : أنا صديقة لبنتك هبه ويهمني أمرها كثير ، لأجل كذا بكلمك.
ابوطلال وقلبه بدأ يخفق من الخوف وبان الرعب من صوته : بنتي هبه ، مالها !وش فيه صار عليها شي !
ملاك حاولت تجاهل كمية الحب والحنان في صوته وكلامه لابنته الغالية هبه وتكلمت بثقة : بنتك هبه للأسف مدمنة عالمخدرات وما أحد منكم ينتبه لها او ....
قاطعها ابو طلال بغضب : وش هالكلام الفاضي ذا ؛ هبه وانا أعرف الناس بها ومربيها على أيدي ما يمكن تغلط أبد.
ملاك وقلبها يتحسر : للأسف أنا متأكد وأنصحك تسارع بعلاجها قبل ما تضيع منكم ويفوت الفوت بعلاجها .
ثم أغلقت السماعة والحسرة تزيد في قلبها وما عاد لها رغبة في البكاء تشعر بأن مجرى الدمع عندها قد جف وقحل وتيبست أرضه فغدت صحراء قاحلة من المشاعر ؛ كله ثقة بابنته ورباها على يديه أما هي فعاقبها منذ طفولتها بذنبٍ خسيسٍ ألصقوه بأمها وحتى عند حادثة الاستراحة لم ينتظر أن يسمع كلامها أو دفاعها بل سارع باتهامها وضربها حد الموت بكل حقد وكره لا يمكن أن يحمله أب لابنته .
أعادت تشغيل هاتفها المقفل لتتفاجئ بعدة مكالمات من فهد وأيضاً برسالة من فهد وكلمات غاضبة تسأل عن مكانها ؛ أجابت باقتضاب : في المول اتسوق .
فهد : وليه ما بلغتينا ؛ العميد يبغى يشوفك الحين بلقاك عند الباب الثالث للمول .
توجهت ملاك للمدخل ووقفت تنتظر ؛ بعض الشباب أرادوا محادثتها لكنها تجاهلتهم ؛ ثواني ووقفت سيارة سوداء فخمة وجميلة ومظللة بالكامل أمامها مباشرة ؛ تجاهلتها أيضاً وتظاهرت باستخدام الهاتف ؛ فتحت النافذة القريبة منها وفاجأها صوت فهد : ما تركبي والا تبي دعوة رسمية .
ناظرت حولها والشباب يتغامزون ويشيرون اليها ؛ شعرت بالحنق ؛ خاصة أن فهد كان لوحده في السيارة ؛ فتحت الباب الخلفي وجلست بعد أن أغلقت الباب بقوة .
فهد تحرك بالسيارة وهو يحاول ضبط غضبه من اسلوبها وتصرفاتها : السلام لله يا بنت الناس !
ملاك بغضب : لو سمحت يا استاذ فهد مرة ثانية ما تجي بسيارة لوحدك والا ما أركب معك .
فهد بغضب : وحنا جايين نتسلى يعني!
ملاك وقد تجمع بقلبها كل الكبت والألم في هذه الدنيا : عادي موقفي قدام الناس وانا اركب سيارة مع رجال وش يقولون والا يتهامسون عني والا هذا شي ما يهمك والا يعنيك ؛ لو كنت واحدة من محارمك يهون عليك كذا !
فهد استغرب من هجومها المبالغ فيه وعصبيتها وتوترها فلم يتمالك نفسه اوقف السيارة فجأة حتى ارتطم رأسها بالمقعد الأمامي ونظر لها بحدة وبصراخ : سمعيني زين تقلبيها دراما وابصر شو ؛ انت اللي جيتي بنفسك وتطوعتي تتعاونين معنا والحين تتذمرين على كل شي ؛ انشبي الحين وما أبغى أسمع كلمة .
أدارت ملاك رأسها الى جهة الشباك بعدم رضا ولم ترد عليه بكلمة بينما أكمل فهد طريقه والغضب يتملكه ولا يدري لماذا .
نزل من السيارة بغضب وتبعته بصمت ؛ سار في الممرات وهي تتبعه ولا تستطيع اللحاق به فبدت كأنها تركض خلفه مع طوله المميز وخطواته الواسعة ؛ ونظرات السخرية تلاحقها من كل الجهات ؛ جلست على ركبتيها وبدأت بتفقد حذاءها بحنق ؛ التفت فهد عندما استبطأ خطواتها ليراها على الأرض ؛ أسرع نحوها وجلس مستنداً على ركبته ثم رفع نظارته عن عينيه وباهتمام : فيك شي؟
ملاك لأول مرة تلمح عينيه ووسامته ؛ أنزلت رأسها بخجل وقالت : انقطع رباط الصندل للأسف ؛ وما عاد يصلح للمشي.
فهد ناظر الحذاء وهي سارعت بإخفاء قدمها باستحياء : والعمل الحين ؟
ملاك بهدوء قامت ونزعت حذاءها وحملته في يدها وبدأت بالسير حافية القدمين وهي تبتسم .
فهد تعجب منها وسار بقربها هذه المرة حتى وصلا غرفة العميد .
العميد محمود بضيق : وين غبتي وكيف تطلعين من غير خبر أربكتينا وأتعبتينا.
ملاك باعتذار : آسف ما قصدت شي كنت أبي أتسوق للضرورة ونسيت أبلغ.
العميد محمود بحدة : لازم يكون عندك تحلي بالمسؤولية وتدركي خطورة مهمتنا ؛ أفتكرنا العصابة خطفوك حتى النقيب فهد استدعيناه من اجازته للبحث عنك.
نظرت الى فهد الواقف بقرب النافذة وينظر الى الخارج والضيق واضح على ملامحه.
أحست بالذنب تجاهه وفوق ذلك قابلت اهتمامه وبحثه عنها بالصراخ والغضب.
نكست رأسها بضيق وهي تعض شفتيها كطفلة صغيرة .
طالعها فهد ثم التقت عيناه مع العميد بإشارة من فهد له بمعنى "خف عليها " .
ابتسم العميد على طفوليتها ولكن هو يريد مصلحتها ؛ أشار لها بالجلوس وأمر باحضار كأس من العصير لها.
*****
ابو طلال غير مصدق أبداً للمكالمة ولا بد أنها مزحة ثقيلة او مكالمة كيدية ؛ لكن قلبه لم يطاوعه فاتصل بغاليته هبه لكنها لم تجب وأعاد الاتصال عدة مرات وهي أيضاً لا تجيب .
تناول مفتاح سيارته وخرج مسرعاً نحو بيتها ؛ وفي الطريق اتصل ب عبدالله وبدون سلام ولا كلام قال : انت وينك ؟
بلع عبد الله ريقه وهو يحسب أن عمه علم بزواجه : أنا بفرع الشركة ؛ في شي يا عمي؟
ابو طلال بتوتر : اي في الحقني الحين على بيتك أنا رايح لهبه .
وأغلق الهاتف دون انتظار الرد ؛ بينما عبدالله في حيرة وخوف من كلام عمه .
توجه مباشرة ليلحق عمه عند هبه.
ابو طلال سلم على والديه وهو يحاول اخفاء توتره ويسمع أمه تعاتبه على قلة الزيارات وتشتكي من هبه وعدم احترامها لجديها حتى أنها تمر من عندهما دون سلام .
سعود لم يكن يسمع أي من كلامها استأذن بهدوء ليرى ابنته وابو قاسم يعاتب بزوجته : الحين سعود يعصب عالبنية تعرفينه سريع الانفعال.
طرق جناح ابنته ففتحت له الخادمة ؛ سألها عن هبه فأخبرته بأنها في جناح النوم ؛ توجه نحوه ثم طرق الباب عدة طرقات وبقوة وصراخ حتى سمع صوت فتح الباب ؛ نظر بخوف نحو ابنته الشبه نائمة وهي تسير بتمايل وتخلل يدها في شعرها بتساؤل : وش في ؛ يبا ! وش جابك عسى ما شر ؟
ابو طلال وهو يتمعن بها : الي ربع ساعة أدق عالباب ؛ معقول ما سمعتيني !
هبه وهي تفرك أنفها وتمسح جبهتها بضجر : وانا شلون أعرف انك بالباب ؛ وأدارت رأسها بعدم اهتمام وابوها يتبعها بذهول ثم ألقت بنفسها على الكنبة في تعب واسترخاء .
جلس مقابلها بتوتر وخوف بالغ وهو ينظر الى حالتها وعدم اتزانها : فيك شي يا بنتي تحسين بألم او عندك مشكلة ..
قطع كلامه دخول عبد الله المتوتر ؛ جلس بقرب عمه بعد أن رد السلام ؛ وعمه يجول ببصره في أنحاء الغرفة التي تعمها الفوضى وتناثر الأغراض وهذا لم يكن في يوم من الأيام من طبع هبه المرتبة والأنيقة والحريصة على المظاهر .
ابو طلال يسأل عبدالله بحدة : هبه مالها كذا متغيرة ومهملة بروحها وببيتها ؟ انت ما تشوف حالها ليه ما تبلغني او تبلغ أمها !
عبد الله باضطراب : انا بصراحة يا عمي الي مدة أنام بغرفة لحالي بسبب حدتها وسوء أطباعها.
ابو طلال بغضب : تتركها يعني بدل ما تشوف وش بلاها ؟ هذا وانت ولد عمها وأنا واثق برعايتك لها .
وجه كلاهما نظره الى هبه التي غرقت في النوم من جديد .
ابو طلال بحنق : قوم معي دور بالخزاين والأدراج أي نوع دواء او حبوب بسرعة.
عبدالله : ماني فاهم وش فيه .
نظرة واحدة من أبو طلال جعلته يقوم ليبحث دون اي كلمة .
وجد في أحد الأدراج دواء على شكل شرائط من الكبسولات ولم يعرف ما هو ؛ أشار له عمه بالبحث عن استطباباته على النت وفعلاً بثواني ظهر الرد " مانع للحمل "
أصابت الصدمة عبد الله ونظر الى عمه بخنق وغضب ثم عاد الى الدرج ليجد عدد كبير من الشرائط المستعملة "هبه تاخذ حبوب مانع وانا لي سنين اترجاها وأحلم انها تخلف لي ولد وتفرح قلبي " .
ابو طلال بحدة : مو الحين وقته دور معي على أي علاج او حبوب ؛ ثم اتجه الى سريرها ورفع الوسادة ليجد كيساً صغيراً فيه بعض الحبوب !
نظر الى عبدالله وبحدة : تعرف وش ذا ؟
عبدالله : هز كتفه ورأسه باستغراب وهو يرى عمه يلف ويدور ثم يتجه لهبه ليوقظها بقوة ويضرب على وجهها وهو يلوح أمامها بالكيس : وش هذا قوليلي منين جبتيه ! وش فيه !
ما أن رأت هبه الكيس حتى جن جنونها وهبت واقفة تريد أخذه من أبيها الذي أحكم قبضته على الكيس ودفعها نحو الكنب بقوة وهو يتهدد ويتوعد : جاوبي قبل لأقضي عليك ؛ انت تاخذين هالحبوب من متى !
بدأت هبه بالبكاء والصراخ وهي تتوسل لأبيها أن يعطيها الكيس وكأنها في عالم آخر .
وعبد الله واقف في حيرة لا يفهم ولا يدري بما يحصل .
بصعوبة أقنعها عبدالله بارتداء ملابسها تحت التهديد ؛ وخرجت معهما نحو بيت ابيها المذهول والمحطم والمحبط ولا زال في قلبه بصيص امل أن هذه الحبوب لا ضرر منها.
******
تشرب العصير وهي تحاول الاستماع الى حديثهما الهامس وفهد كل دقيقة يسترق النظر لها .
العميد محمود : ان شاء الله بتعاونك المهمة ما بتطول ونقبض على جميع أفراد العصابة ؛ لكن بعض التأني مطلوب حتى نقدر نقضي عليها من جذورها.
اومأت ملاك برأسها باتفاق .
إكمل العميد محمود كلامه قائلاً : والحين النقيب بيورجيك بعض التقنيات الجديدة اللي تساعدنا في عملنا .
قامت لتخرج بعد ان شكرت العميد محمود على العصير وتبعها فهد ... عند الباب كانت تقف الرقيب سماح وفي يدها كيس تسوق أعطته ملاك .
ملاك باستغراب فتحت الكيس لتتفاجئ بحذاء جديد .
سماح بمزح : اطمني ما فيه اجهزة مراقبة وهذا هدية من القسم الك .
ابتسمت ملاك وهي ترتدي الحذاء وسارت معهما لإكمال العمل ..... ولم تنس وضع الحذاء القديم في الحقيبة لأصلاحه.
العميد محمود جلس في مقعده باسترخاء بعد أن اطمأن على ملاك وكان قد استبد به الذعر لغيابها ويفكر بجدية بخطورة مهمتها والدور الذي تقوم به مع أنها صغيرة السن ولا تملك اي تدريب او مهارات دفاعية .
تذكر كتبه التي أمضى الأيام السابقة وهو يتصفحها بما جد فيها من رسومات وكلمات مكتوبة بخطٍ أنيق واضح انه خط ملاك .
كم هائل من اليأس والاحباط والوحدة والألم تعانيه هذه البنت ونظرة تشاؤمية للمستقبل ؛ رسمة لطفلة صغيرة تقف بين أشواك تضاهيها في الطول وتتغول عليها كأنها ستفترسها ؛ وأخرى لفتاة بشعة وثيابها رثه تحيط بها وجوه كثيرة وغاضبة .....
وغيرها الكثير ؛ هل يا ترى هكذا كانت حياتك عند أهلك.
استوقفته عبارات كتبتها بألم واضح ...
" سأخاصمك أيها الصبح ان بقيت تقبل علي كل يومٍ باسودادك المخيف ؛ متى ستشرق كأصلك وطبعك ؛ أوحشتني ظلمتك "
" لا أتوقف عن الرقص على أنغام أحزاني ؛ فهلا توقفتي يا أحزاني قليلاً ؛ أتعبني الرقص كثيراً "
" أمي ..... أمي ..... تتلاشى صورتك مع القلادة "
أعاده الى الواقع مكالمة فهد الغاضب : ست ملاك ما ودها بجهاز تعقب على معصمها !!
ابتسم العميد محمود لخصامهما المستمر وتوجه لحل الإشكال بينهما .
***
ثريا هانم تصرخ بكل صوتها غير مصدقة للكلام الذي يقوله زوجها وعبدالله يقف مصدوماً وهو يستمع لصراخ هبه وضربها باب غرفتها المغلق بقوة تطالب بالحبوب وتتوسل بجوحٍ بالطاعة والالتزام.
جلس ابوطلال وانخرط في بكاءٍ حاد وهو لا يعرف ماذا يفعل .
ويستعرض حياته البائسة وحظه السيء الملازم له طوال عمره وأيام حياته.
جلست بجانبه زوجته وهي ترتجف ومنظر زوجها دفعها للإنهيار وفي ثواني أغمي عليها .
تكفل عبدالله بمساعدتها على استعادة وعيها بينما غرق ابوطلال في التفكير العميق لحل المشكلة .
تناول هاتفه وبحث مطولاً في قائمة الأسماء حتى استقر على اسم اتصل عليه وبعد ثواني ....
ابو طلال : دكتور مدحت طلبتك عندي وضع خطير وأبغاك تحضر فوراً.
الدكتور مدحت أعطى هبه ابرة مهدئة ونظر الى الأبوين المكلومان والزوج المصدوم ؛ وقال بهم : دي مجرد ابرة مهدأة مفعولها بيروح بسرعة لأن بنتكم للأسف بتعاني من الادمان ودا واضح من سلوكها ومظهرها.
ابو طلال : والحل يا دكتور وش السواة ؟
الدكتور مدحت : الحل الوحيد انها تنتقل عندي للعلاج في المركز حالاً وفوراً بدون أي تأخير ؛ وانا طبعاً بأضمن لكم سرية العلاج .
ام طلال : يعني بنتي بتشفى يا دكتور وترجع مثل أول.
الدكتور مدحت : والله كل حاجة بأمر ربنا والعلاج بيعتمد على مدة الادمان وصبركم وتعاونكم معنا ومع تعليماتنا ؛ والحبوب دي من خبرتي للأسف من أشد أنواع السموم وأصعبها في المعالجة .
دفن ابو طلال رأسه بين ذراعيه وهو لا يملك شيئاً الا الالتزام بكلام الدكتور مدحت .
تمت الاجراءات بنقلها الى مركز علاج الادمان ولم تنس ام طلال أن تؤكد على الجميع وخصوصاً عبدالله بسرية المصيبة وضرورة عدم البوح بها لأحد .
ساعات طويلة ومؤلمة للجميع وهم في المركز يستمعون لصراخ هبه ومقاومتها ورغم محاولة أمها وأبيها وعبدالله تهدئتها ولكن للأسف تسببت بأيذاء نفسها .
الدكتور مدحت طمأن العائلة بأن هذا وضع متوقع في حالة الإدمان وأن الدرب طويلة وشاقة خاصة أن فحوصاتها أكدت ادمانها وصعوبة حالتها .
وبناء على أمر الطبيب غادر الجميع وقلوبهم تدعو بتضرع لأنقاذ هذه الفتاة بينما عبدالله ارسل رسالة مختصرة الى صبا التي كثرت مكالماتها بكلمة واحدة " مشغول "
******
أوصلها فهد الى المجمع التجاري وبرفقتها سماح وواحدة أخرى ؛ وهي تنظر الى اسوارة التعقب على ذراعها بضيق وما أن نزلت حتى ناولت سماح الكيس وقد أعادت له الحذاء الثمين بعد أن أصلحت حذاءها القديم يدوياً وقالت مبتسمة : مشكور استاذ فهد أدري انك شريته على حسابك ماله داعي عالتكلفة وانا ما أقدر أقبل عطية او هدية من أحد .
وسارت كفراشة تختال في الطريق وهي تدعو الله أن يتحملها حذاءها المهترئ حتى الحوش..
أما فهد فكان ينظر لها بتعجب من الشاشة الخلفية لسيارته ولا يدري كيف تفكر هذه الفتاة العجيبة ؛ سأل سماح بغضب : في أحد خبرها ان هذا الحذوة على حسابي ؟
سماح باحترام : لا أبد؛ ولكن واضح هذي البنت ذكية كثير .
فهد بحنق : زين لا دامها ذكية هالكثر فهميها ان اسمي النقيب فهد ما هو استاذ فهد .
وحرك السيارة بغضب واضح.
*******
نور تشعر بغضب شديد من اسلام ومنذ الصباح لم تستطع أداء اي عمل بشكل صحيح وهي تتمنى لو كان اسلام أمامها وتمزقه إرباً ؛ كانت في السابق تلوم نفسها لما فعلت لأنها كانت تصدق حبه لها ولكن الآن يملأ قلبها الغضب الشديد منه.
مر اسلام مع عدد من المدراء من أمام مكتبها ؛ وقفت باحترام وهي تشيح بنظرها عنه ولكنه وجه لها عدة أسئلة اضطرت معها أن تنظر في وجهه البشوش والمبتسم على غير عادته في الأسابيع الماضية ؛ وهي تكاد تحترق في داخلها من الغيظ والغيرة وحاولت رسم الابتسامة على وجهها حتى تظهر عدم اهتمامها ولكن لم تستطع وتنفست الصعداء عندما ابتعدوا عن مكتبها باتجاهٍ آخر ؛ عندها جلست على كرسيها وسمحت لدموعها المحبوسة أن تنزل بلا توقف ؛ ولحظتها تفاجأت ب إسلام يقف أمامها ويمعن النظر بعينيها المغرورقات بالدموع وهو يمد يده بقلم ويقول مبتسماً : هذا لك أخذته بالخطأ من مكتبك .
ثم غادر تاركاً نور يأكلها الندم على هذا الموقف المخزي ...
*****
ما أن دخلت الحوش حتى تفاجأت برداد يقف على بابه وينظر في كل الاتجاهات .
ملاك بحسن نية : وش فيك يا رداد مضيع شي؟
رداد وهو ينفث دخان سجائره بحنق : أدور على ضبية شاردة دلت طريقها برة السهل وما تدري عن الذيابة المنتشرة في كل صوب.
ملاك بغضب وقد فهمت عليه : انت تحسبها ضبية لكن هي مع الزمن صارت شيهانه لها مخالب ويا ويله اللي يقربها .
رداد : الذيابة ما تميز وما ترحم خاصة اذا الشيهانة جنحانها مقصقصة ومقلمة .
ملاك في لحظة وقف الكون من حولها ؛ هذا الرداد الجاهل المتخلف المعدم القذر الفقير الحقير ؛ لخص حياتها في سطر وجرح كبريائها الوهمي وقوتها المفتعلة وهدم أسوار ثقتها بقبح صراحته ؛ خانتها دموعها لأول مرة أمامه وتساقطت كحبات ندى في صباحٍ شديد البرودة .
مسحتها وهي تنظر بلا أي تعبير على وجهها وقالت بثقة : الي ماله أب اله رب وكفى بالله وكيلاً ...
وأدارت وجهها وهي تقول : الحين أزينلك الشاي والقهوة للعصرية ومعه معجنات عملتها أمس.
رداد أشاح بنظره وعاد لنفث دخان سجائره في سماء الحوش بلا اهتمام ولا اكتراث.
******
ابو طلال يلوم بشدة زوجته وعبدالله على ما حصل وأكثر من الكلام والعتب والألم يعتصره بقوة ولا يجد جواباً شافياً لناره المتقدة .
عبدالله تولى التعامل مع هاتفها وفهم من شبكة الرسائل أن المسؤولة عن ادمانها صديقتها الخبيثة أماني وأنها وصفت لها هذه الحبوب كوسيلة للتنحيف والمحافظة على جمالها ولكنها اكتشفت متأخرة أن هذه الحبوب تسبب الادمان وأنكرت أماني معرفتها بذلك ولأن هبه من النوع الذي يغتر بنفسه لم تتنازل لطلب المساعدة حتى لا يتشمت بها أحد وغرقت في مستنقع الادمان بسرعة ودون أن تدري .
قرأ ابو طلال الرسائل كذلك ولكنه بقلة حيلة قال : ما نقدر نبلغ عن هالحقيرة لأننا ببساطة نفضح بنتنا وتصير سيرتنا على كل لسان ؛ لكن من تشفى هبه والله لأخليها تتمنى جهنم وما تلاقيها .
أيده عبدالله وهو لا زال مذهولاً ولا يدري ماذا يقول ؛ فقط يريد العودة الى بيته ليرتاح بعيداً عن العالم كله حتى عن صبا .....
*****
متجهة كعادتها عند انتهاء عملها الى الغرفة الخاصة بوضع العدة والأجهزة الهامة ؛ تفاجات بعد اغلاق خزانتها باسلام يقف خلفها ؛ ارتجف جسمها وبان عليها الإرتباك خاصة مع اقتراب اسلام منها بحيث لم يدع لها مجالاً للمرور او الهروب ؛ انزلت نظرها وهي تقول : ممكن تسمح .
مسك بيديه ذقنها ورفع وجهها نحوه وهو يهمس : لا ما أسمح ومن الحين ما رح أعاود أسمحلك تعدين من عندي او تتجاوزيني مهما كانت الظروف .
قالت بشفاه مضطربة وهي تبعد يديه عنها : ما أحد يحكم احد او يمشيه على كيفه.
اسلام وبنفس الهمس الحاني : الا في ؛ أقولك مين؟
ناظرته بدون كلام فأكمل : في العاشق الولهان اللي ما يعرف النوم بغياب حبيبه وفيه من الجروح ما يداويها الا نظرة حبيبه وقربه.
ارتعدت من كلامه وهي لا تدري ما الذي يحصل لكنها في لحظة تذكرت مكالمته في المصعد صباحاً ؛ فقالت بحنق : أقول روح تسلى مع البنت اللي كنت بتكلمها الصبح بلا حيا ولا مستحيا واضحك عليها بهالكلام الناقص .
اسلام وقد زاد اقترابه منها : زعلتك وجرحت قلبك هالمكالمة!
لا تدري نور ماذا تفعل واضطرابها يزيد من قربه ولكن لا بد من الصراحة معه : القصة اني ما توقعتك كذا عندك الحب تسالي وتبدل بسهولة .
اسلام وعيناه لا تفارق عينيها : يعني تألمتي واستوجعتي وقلبك عورك ؛ ترى هذا نفس الاحساس اللي شعرته وانتي تكلميني عن ولد خالتك وما راعيتي حبي لك ومشاعري ؛ جرحتيني واوجعتيني الله يسامحك.
ثم أمسك بيديها المرتجفة وضمها الى صدره بحنان وهو يقول : لكن أنا ما يهون علي أجرحك وأوجعك وترجعي بيتك وانت متألمة مني ؛ ترى هذي المكالمة كذب ما هي بحقيقة حتى تشعري باللي شعرته من كذبك وكلامك .
نور واضطرابها ورجفة يديها تزداد : أنا ما كذبت بشي ولو سمحت ...
اسلام : ليه ما قلتي عن زيارة أمي لكم.... وليه تألفي قصة ابن خالتك لهالدرجة أهون عليك....وبتحذير : ولا تحاولي تكذبي انا دريت بكل شيء .
عندها فقط استسلمت نور للدموع : خفت مصيري يشابه مصير أمي وخفت أطاوعك وامشي ورا مشاعري والقى روحي بالشارع مالي أحد ؛ خفت من مستقبل أجهل تفاصيله معك .
مسح اسلام دموعها بيديه وقرب شفاهه ليقبل جبينها ثم ليحظنها بكل حب وهو يقول : تطمني اسلام ما يحب الا نور وما رح أسمح لشي بهالدنيا يفرقنا وأمي أنا متكفل أقنعها تطمني ولا تحملي هم .... تراني أحبك موت .
أرادت الكلام ولكنه قطع عليها الطريق .....
*****
أحضرت ملاك القهوة والشاي ومعها البرك الشهية من صنعها ووضعتها أمام رداد وهي تبتسم بهدوء : هذي مصنوعة من البيض والجبنة تساعد عظامك وتسرع بشفاك باذن الله .
وقامت لتذهب ولكنه أوقفها بسؤاله المباشر: ليه بطلتي ترادديني بالكلام والسواليف مثل اول ؟
ملاك بصراحة : والله باعتباري سبب رئيسي بأعاقتك وقطع رزقك وحبستك لازم اتحمل كل هبالك وشطحاتك ولسانك المتبري منك واخدمك بعد وانا ابتسم واتشكر الله على نعمة مقابلة وجهك السمح اربع وعشرين ساعة باليوم.
ثم استدارت عائدة الى الداخل تاركة اياه مندهش من اسلوبها وردها الناري الحراري .
وجدت عزيزة تعد الجلسة في غرفتها بإحباط وطبعاً ملاك لم تسألها لأنها تعرف السبب .
وبما أن نور وفاطمة قادمتان للمبيت فمن الأفضل لها ان تنزع كل المتعلقات حتى اسوارة المراقبة وتخبئها في غرفتها وخل فهد يطق له عرق اليوم ...ساق الله فراقه .
نور بسعادة غامرة وخدودها متوردة اخبرت صديقاتها بما حصل ؛ ملاك متفاجأة من اسلام "معقول انه يحب نور بصدق واخلاص ! كل شي ممكن "
عزيزة بثقة : أنا كنت واثق من هالشي وانا عمري ظني ما خاب .
ملاك باستهزاء منها : وانا وش ظنك بي يا أم العريف.
عزيزة بتحدي : ظني فيك آخرتك متزوجة رداد شخصياً ووراكم دزينة بزران راكبين بصحن الدستن ويدخنون بالتتن .
ملاك بقرف : الله يعزك ويكرمك يا عزيزة دايماً تعطيني أمل بهالحياة ..
عزيزة بضحك : لعاد وش تبغين اقولك وانت عالرايحة والجاية تكلمينه وتدعمينه بالأكل والشرب كأنه من بقية أهلك.
نور : وش تساوي لعاد ما هي السبب باللي حصله.
فاطمة : فكونا عاد من سوالف رداد وخبرينا يا نور وش قررتم تساوون انت واسلام.
نور بخجل : هو الحين عنده صفقات مهمة بأوروبا وبس يعاود يجيب معه امه واخته ويخطبني .
ملاك : هذا هو الصح واحكميه لا يتمادى بحركاته الغرامية تراك ما تحليله والشيطان شاطر.
فاطمة برومانسية : وش عليهم لو يعيشون لحظات حب وهيام وغرام مثل الأفلام .
ضربتها عزيزة على رأسها بسخط وهي تقول : عوذه منك ومن رومانسيتك ؛ لا تدهورين البنية وتضيعين مستقبلها .
استوجعت فاطمة من ضربتها وأخذت تفرك رأسها بألم.
نور بخجل : لا تخافون علي ان سمحت مرة ما أسمح بثاني.. وكتمت كلامها وهي تتلقى ضربة قاسية من عزيزة على رأسها أيضاً ؛ وبدأت محاضرة الحكيمة عزيزة التي استمرت طوال الليل لخصت فيها عزيزة اوجاعها وقصتها مع سلطان خطيبها السابق الذي غدر بها وبأمها والحمد لله أنها أنقذت نفسها منه بأقل الخسائر ...
وفي أثناء ذلك نامت ملاك لأنها لم تذق النوم في الليلة السابقة اطلاقاً.
****
عزيزة وقد فقدت الأمل تماماً بتحصيل الوظيفة قررت الذهاب الى الشركة لاستعادة الكاتالوج الخاص بها لعله يساعدها بتحصيل وظيفة في مكانٍ آخر.
في الاستقبال بصعوبة سمحوا لها برؤية سكرتير المدير وأمام السكرتير واجهت رفضه بالسماح لها بالمقابلة لعدم وجود موعد ولانشغال السيد ناصر باجتماعات مهمة .
أرادت المغادرة بإحباط ولكن أثناء سيرها رأته يخرج من إحدى القاعات برفقة عدد من الأجانب ويتحدث بحماس .
اقتربت بسرعة وهي تلهث وتنادي بصوت مرتفع : استاذ ناصر ..... استاذ ناصر .
نظر الى مصدر الصوت باستغراب بعد أن قطع حديثه وتغير لونه وهو يرى عزيزة تركض نحوه ؛ فقال باستخفاف : علامك تركضين كذا مدرعمة من غير بريكات!
عزيزة باستياء : بغيت الحق عليك قبل لا تروح تردلي الكاتالوج حقتي ...
ناصر بقلة صبر : الحين عندي اجتماع ماني فاضي ؛ انتظريني عند مكتبي لما أخلص .
انتظرت طويلاً عند مكتب السكرتير وفي نيتها أن ترد له الصاع ملايين ولكن بعد ان تسترجع حاجتها .
جاء أخيراً ومعه اثنان من الوفد الأجنبي ودخل مكتبه دون الالتفات اليها .
عندها قررت مداهمة مكتبه ولكن فاجأها صوت السكرتير وهو يتكلم : آنسة عزيزة تقدرين تتفضلين الاستاذ ناصر بانتظارك.
ما أن دخلت حتى وقف كل من ناصر والرجلان معه لاستقبالها باحترام ؛ واشار لها ناصر بالجلوس على طاولة الاجتماع والمنثور عليها نماذج مصغرة من الأقمشة وبأعداد كبيرة .
ناصر : تعرفين لغات ؟
عزيزة هزت رأسها بالنفي
فقال ناصر بهدوء : اذن أنا باتولى الترجمة ؛ أعرفك على السادة ؛ مندوبين مصنع أقمشة في فرنسا وهذي عينات من انتاجهم ؛ اذا ممكن تقيمين لنا بخبرتك هذه الأقمشة وجودتها.
عزيزة لا زالت مستغربة من الموقف لا تدري هل هو امتحان لتعيينها أم بهدف السخرية منها أم ماذا ؟؟
ولكن على كل الأحوال من لا يعرف عزيزة .. الآن هو الوقت المناسب ليتعرف عليها .
بدأت بتفقد الأقمشة وعزلها عن بعضها ثم قسمتها الى مجموعات والوفد يراقبون عملها بتمعن شديد وما أن انتهت حتى رفعت رأسها مبتسمة وهي تقول : كذا تمام .
ناصر : ما فهمت وش ساويتي ؟
عزيزة بثقة : الحين باشرحلك ؛ قسمت الأقمشة الى مجموعات من حيث جودة الخامة ؛ واشارت بيدها ؛ هذي مجموعة ممتازة جداً والثانية ممتازة والثالثة جيدة والرابعة متوسطة الجودة وأما آخر مجموعة فهي رديئة ولا أنصح بها أبداً.
نظر لها ناصر بابتسامة وترجم كلامها للوفد الذين وقفوا لها باحترام وبدأوا بالتصفيق الحار بانبهار من خبرتها .
عزيزة ولأول مرة بحياتها تشعر بالفخر بامكاناتها وخبرتها .
ودع ناصر الوفد وعاد ليجلس مع عزيزة التي كانت تحاول وضع قدم فوق قدم لكن بلا جدوى .
ناصر بجدية : بصراحة الخبراء عندي أعجبوا بالكاتالوج كثير ومعلوماته صحيحة ومدروسة ؛ لكن ظلت مشكلة الشهادة عائق عشان كذا ما اتصلت بك.
عزيزة بإحباط : ما في مشكلة ؛ الحين النشر بالمجلة كافيني ولا بد ما أحصل فرص في المستقبل.
ناصر بابتسامة : حظورك اليوم وابهارك للعملاء الأجانب بخبرتك خلاني أغير من رأيي .
رفعت رأسها بدهشة وهي تسمعه يكمل : ويسرني يا آنسة عزيزة أعرض عليك العمل في شركتنا .
عزيزة بفرحة : مشكور يا استاذ وان شاء الله أكون عند حسن ظنك.
ناصر بتحذير : لكن لعلمك هذي الشركة لها نظام وتعليمات لازم تلتزمين بها ؛ ممنوع النوم اثناء العمل وكذلك ممنوع التطاول على أحد مين ما يكون .
ابتسمت عزيزة وهي تقول : أحاول جهدي.
ابتسم ناصر بفقدان الأمل.....
وفي ذلك اليوم وقعت عقد العمل في الشركة وعادت بفرحة لا مثيل لها الى الحوش لتحتضن أمها وصديقاتها بسرور بالغ وليلة من الفرح لا مثيل لها .
*****
عادت ملاك لتوزع وقتها بين المشغل والمعمل وترصد كل التحركات وتصغي لكل الهمسات والكلمات وتحلل النظرات وتترجم الاتفاقات وأذهلها حجم ومكانة المبتلين بهذا الداء ؛ وزاد في ضيقها تحكم فهد وشدته في التعامل معها وكثرة أوامره وطلباته .
لكن ما يسعدها في الحوش.. رؤية رداد يتمرن يومياً وقد تحسنت مشيته كثيراً .
حتى جاء ذلك الصباح الغريب عندما تفاجأت بسيارة تأتي في الصباح الباكر وفيها عدد من العناصر المدنيين وتحدثوا مطولاً مع أم عزمي وبعد مغادرتهم تكلمت بأيجاز بوجود قرار بإغلاق قسم البهارات وعدم الترخيص لها بتفعيله والتحفظ على كل الموجودات فيه.
واستغربت ملاك عدم حضور اي من العاملات المشبوهات وكذلك الحال في مشغل سهاد.
يتبع.........
اتصلت بخوف مع فهد الذي رد عليها بانشراح : صباح الورد والفل .
تجاهلت ملاك اسلوبه وباستفسار : وش صاير ؟
فهد : بالأمس قمنا بالمداهمات وقبضنا على جميع أفراد العصابة متلبسين وانتهت المهمة بحمد الله.
ملاك بفرحة : الحمد لله ؛ الله ينتقم منهم ويكف بلاهم عنا.
فهد بتوضيح : ومثل ما وعدناك ام عزمي وسهاد ما بيطولهن شي ولكن قريباً بنستدعيهن ونوضح لهن كل شيء حتى ما تتكرر الأخطاء .
ملاك : هن مثل غيرهن تم استغلالهن دون علم .
فهد بتقدير : وانت لك كل الشكر والعرفان لولاك ما أنهينا المهمة بنجاح ؛ وعن قريب بتشرفينا القسم لتكريمك.
ملاك برفض : ما أبغى تكريم وما قمت الا بواجبي ؛ لكن اجي وأسلمكم كل الاجهزة حقتكم ...
فهد : تنورينا وحنا اليوم بانتظارك.
سحبت كل الاجهزة معها وخرجت من الحوش ورداد يناظرها دون كلام ؛ وجدت سيارة القسم بانتظارها .
في القسم ودعت سماح ووداد بحرارة واستقبلها العميد بابتسامة وشكرها على اداءها المميز وتعاونها المثمر وأخبرها بغموض عن لقاء قريب مهم لأجلها.
ورافقها فهد في طريق الخروج وهو يوصيها بالحذر والانتباه في الأيام القليلة القادمة خوفاً من وجود أذيال لهذه العصابة في مكانٍ ما ؛ وبغموضٍ أيضاً وهو يبتسم لها : ان شاء الله بنلقاك عن قريب....
غادرت وهي حائرة وتفكر : الكل يقول نلقاك عن قريب وانا ما صدقت بالله بفراقهم ؛ وش قصتهم يا ترى!!
في صباح اليوم التالي شاهدت رداد يجهز نفسه ويعد العدة للمغادرة لأنه بحمد الله تم شفاؤه .
تشعر بفرحة مضاعفة لأن كل شيء يسير على ما يرام ولا تدري لماذا عز عليها فراق رداد وكأنه أصبح جزء من هذا الحوش وجزء من احساسها بالأمان فيه.
كانت تركض بفرح نحو رداد لتودعه ؛ عندما دخلت دراجة نارية الحوش فجأة وعليها رجلان ملامحهما آسيوية .
وقفت الدراجة فجأة وناداها الرجل في المقعد الخلفي بصوت مرتفع لبعد المسافة بينهما : ملااااك.
التفتت له ملاك باستغراب واذ به يرفع يده بشيء لم تميزه ولم تعي ما حولها الا ورداد يهجم نحوها وهو يصرخ ثم يرتمي عليها ويسقطها على الارض بقوة مع صوت دوي عالي ومخيف ... ثم صوت الدراجة تغادر الحوش بسرعة .
حاولت ان تستوعب ما يجري ولماذا هي على الأرض ورداد يحتضنها ولا يتحرك ؛ حاولت رفعه ولكن لم تستطع لثقل جسمه ؛ شدته من ظهره بيدها لتبعده ولكن تفاجأت بالدماء تغطي يديها وتغرق ظهره ......
أخذت تصرخ... وتصرخ بلا وعي وتطلب النجدة لإنقاذ رداد الذي ...ربما.... ربما قد فارق الحياة دفاعاً عنها .
.
.
.
انتهى الفصل
رواية رحلة عذابي أنا 💘 الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم عشق جنوبي💞
الفصل الثامن والعشرون
بعنوان #دايماً_دموووع
كانت تركض بفرح نحو رداد لتودعه ؛ عندما دخلت دراجة نارية الحوش فجأة وعليها رجلان ملامحهما آسيوية .
وقفت الدراجة فجأة وناداها الرجل في المقعد الخلفي بصوت مرتفع لبعد المسافة بينهما : ملااااك.
التفتت له ملاك باستغراب واذ به يرفع يده بشيء لم تميزه ولم تعي ما حولها الا ورداد يهجم نحوها وهو يصرخ ثم يرتمي عليها ويسقطها على الارض بقوة مع صوت دوي عالي ومخيف ... ثم صوت الدراجة تغادر الحوش بسرعة .
حاولت ان تستوعب ما يجري ولماذا هي على الأرض ورداد يحتضنها ولا يتحرك ؛ حاولت رفعه ولكن لم تستطع لثقل جسمه ؛ شدته من ظهره بيدها لتبعده ولكن تفاجأت بالدماء تغطي يديها وتغرق ظهره .
أخذت تصرخ... وتصرخ بلا وعي وتطلب النجدة لإنقاذ رداد الذي ...ربما.... ربما قد فارق الحياة دفاعاً عنها .
بصعوبة ازاحته عن جسدها وهي مستمرة بالصراخ ؛ خرجت ام عزمي وعزيزة التي ما أن شاهدت الدماء وحالة ملاك المزرية حتى سارعت بالاتصال بالاسعاف .
ام عزمي حاولت ايقاف نزفه وتحريكه والحديث معه ؛ ولكن لا مجيب وهي بحالة ذهول وعزيزة تجر ملاك بعيداً عنه رأفةً بقلبها الحنون.
دقائق وجاء الاسعاف وحمل رداد ولا أحد يعلم أهو حي أم ميت .. وكل وسائل التهدئة لم تنفع مع ملاك .
بقيت عزيزة تحتضنها وتقرأ عليها المعوذات بينما سارعت أم عزمي بناءً على الحاح ملاك بالتوجه الى المشفى للإطمئنان على حالة رداد ولم تنس توصية عزيزة بعدم ذكر شيء أمام العاملات القادمات بعد قليل فربما كانت طلقة طائشة هي ما أصابته.
وحالة ملاك تنبئ بانهيارٍ كامل ؛ مؤكد هؤلاء هم شركاء للعاملات ولعصابة المخدرات ومؤكد أنهم توصلوا الى علاقتها بالقبض عليهم ؛ وما يسبب النزف في أعماقها هو أنها هي المقصودة بهذه الطلقة و ولكن هذا التعس "رداد" ضحى بنفسه لإنقاذها ؛ ليتهم قتلوها او اصابوها فربما كان ألمها أخف ؛ يكاد قلبها ينفجر من الألم وشهقاتها توجع عزيزة وميسون .
بعد مدة عادت أم عزمي ولم يكن وجهها يبشر بالخير ؛ ملاك وهي تتأمل ملامحها القاطبة ؛ زحفت نحوها بأسى وهي تشهق وتأمل بردٍ يريح قلبها الموجوع .
احتضنتها أم عزمي وهي تهدئ بها وتربت على ظهرها ؛ ثم قالت وفي كلامها بعض الحزم الأمومي : ارفقي بنفسك يا بنتي ؛ هو رداد من بقية أهلك والا من عزوتك يعني ؛ ما يصير هالكلام ؛ حتى لو شفتيه وهو يتصاوب لازم تكوني اشجع وأقوى ؛ ما توقعتك بهالضعف !!
نظرت لها ملاك بعيونها الدامعه وهي لا تستطيع البوح بما حصل رحمةً بام عزمي وبناتها : خالتي أمانه عليك طمنيني عنه وش حالته ؛ طيب والا ميت ! ارجاك طمنيني .
ام عزمي بحيرة : والله ما أدري وش أقلك يا بنيتي .
ملاك بفجعة : مااااااات !!
ام عزمي بسرعة : لا مو كذا ؛ لكن بالمشفى سألت خبروني انهم نقلوه لمشفى مختص ؛ يمكن لأن حالته صعيبة ؛ وما يقدرون يسعفونه.
تلك الكلمات كانت كافية لتنهار ملاك من جديد وتعاود الجوح والبكاء بلا توقف رغم كل المحاولات من حولها .
ما أن تعبت واستكانت قليلاً حتى تذكرت القسم .
فقامت بهدوء مدعية حاجتها للراحة وتوجهت الى غرفتها ؛ أحكمت اغلاق الباب ومن ثم اتصلت برقم فهد .. مرت لحظات قاتلة ولم تتلق الاجابة .
عاودت الاتصال مرة ثانية وثالثة وعاشرة دون رد.
جلست ودموعها عاودت تستنزف باقي طاقتها واحتمالها ؛وافكارها تحدثها بأنه لا زال للعصابة بقية ولا زالوا سيحاولون قتلها ؛ وربما يقتلون ام عزمي وعزيزة وميسون ووو..... ورداد هل مات ام لا زال يصارع الموت ؟؟
بكت بحرقة ثم اتجهت للوضوء والصلاة والدعاء بقلبٍ يرجو الله ولا يرجو غيره ان ينقذ رداد من الموت .
طرقت عزيزة بابها لتخبرها أن هناك شرطياً جاء يسأل عن الحادثة وأن ام عزمي اخبرته بسماع صوت طلق ناري ورؤيتها لرداد مصاب على الارض وان باقي القصة هي عند رداد نفسه ..... الأهم أنها لم تذكر شيء عن ملاك ورؤيتها لحادثة رداد حتى لا تدخلها في متاهة التحقيقات فيكفيها ما هي فيه..
ازدادت مشاعر الحزن في قلب ملاك حتى ام عزمي تحن عليها وتحاول حمايتها كما فعل رداد وهي المسببة لذلك كله ؛ لا تدري ماذا تفعل ..... عاودت الاتصال بفهد المرة تلو المرة وطوال النهار حتى أصابها اليأس وغفت بضع دقائق هاجمتها خلالها الكوابيس واحلام الرعب ولم يفارق اي لحظة منها صورة رداد وهو يرتمي لحمايتها .
للمرة الثالثة تحضر لها ام عزمي الطعام وهي ترفضه ؛ كيف لها أن تأكل وهي لا تعلم بحالة رداد وإن كان حياً أو ميتاً.
*********
عزيزة لم يفتها منذ الصباح ان ترسل رسالةً الى الاستاذ ناصر تعتذر عن الحضور في أول يومٍ للدوام بسبب أمر طارئ ألمَّ بها ، لكن لم يأتها رد الا في نهاية النهار برسالة غاضبة مقتضبة من الاستاذ ناصر يرفض عذرها ويعلمها أنه سيخصم هذا اليوم من راتبها وأنهاها بعبارة " والمكتوبباين من عنوانه يا ست عزيزة ".
طالعت رسالته بسخط وهي جالسة بقرب ملاك وبدات بالتوعد له وهي تجوب الغرفة ذهاباً وأياباً : هذا على شنو شايف روحه لا يرسل ولا يستقبل ودوووم معصب وزعلان ؛ تراه ما يعرف عزيزة ؛ عند اللزوم احط اصبعي بعينه واقلعها ؛ انا أراويه ومن باكر يشوف مني اللي ما يخطر بباله.
كانت ملاك تراها ولكن لا تستمع لأي كلمة من كلماتها وتوعداتها ؛ اغلقت عينيها في استسلام لقدر الله وعزيزة ظنت أنها نامت ..... خرجت من الغرفة بهدوء تاركة ملاك في حزنها وألمها .
فجاة رن جرس هاتفها ؛ أسرعت نحوه وطالعت الشاشة وفتحت الهاتف بارتباك عندما لمحت اسم فهد ؛ وما أن سمعت صوته حتى أجهشت في بكاءٍ مرير وكلمات تائهة مبعثرة تدمي القلب : ردااااااااد .... ذبحوه العصابة .... بغوا يذبحوني ... لكن أهو حمااااني وجت الطلقة به......
وبين كل حرف وحرف جوح وآهات ودموع ؛ فهد بصوت متعب واضح الألم فيه : ادري والله أدري ... وصلنا الخبر وحنا من الصباح نطارد بفلول العصابة ونت......
قاطعته ملاك : اذا تدرون طمني عن رداد تكفى تراني أحس روحي تموت تكفى يا فهد......
فهد بحزن واضح : هوني على روحك يا ملاك ما يصير كذا ؛ هذا شي ما يرضي رب العالمين ؛ رداد بخير والحمد لله اصابته جت بالكتف وتم استخرج الرصاصة وكلها كم يوم ويطلع بالسلامة من المشفى .
ملاك بعدم تصديق : اذا كلامك صحيح تعال خذني أشوفه واتطمن بنفسي .
فهد بحزم : الحين تلزمين البيت وما تطلعين منه أبد عالأقل كم يوم حتى نقدر نقبض على الأفراد الفارين وبعدها لكل حادث حديث .
ملاك : وتهون عليك حالتي والله اني بموووووت ان ما تطمنت عليه.
فهد بقلة صبر : أووووووف ؛ والله اني كنت عنده وشفته حالته زينة ووالله العليم ان حالته أحسن من حالتك ؛ ما غير نامي الحين وانا الصبح بمره وأخله يكلمك ؛ ماشي.
ملاك وهي تمسح دموعها المتتابعة وترفع عينيها الى السماء بتضرع : ماشي ؛ لكن ان ما وفيت بوعدك لأطلع باكر وأدور بين كل المشافي لأجل ألقاه واتطمن عليه.
ليلة مضطربة أمضتها ملاك ؛ تذكر منها قدوم ام عزمي واعطاءها حبة مسكنة ثم خلدت بعدها للنوم ؛ لتستيقظ على أذان الفجر وتقوم لتتوضأ وتصلي وتدعي بشفاء رداد ما قدرها الله أن تفعل ...
بمثل حالها كانت هناك أرواحٌ أخرى تصلي وتدعو بتضرع وألم بأن يمن الله بالشفاء على حبيبة القلب والروح ... هبة
ابنته الغالية المدللة .... منذ ارسالها الى مركز علاج الأدمان وهو لم ينم ولم تهنأ له لحظة من حياته التي انقلبت سوداء قاتمة وليس بيده الا الدعاء والتضرع لله بأن يشفيها فلا زالت حالتها على درجة كبيرة من الخطر ولا تتجاوب مع العلاجات لأن الادمان أنهك جسدها الصغير ....
حتى شركاته ما عاد يتابعها وأوكل الأمر الى عبدالله "الصامت الحزين هو الآخر" ليتابعها .
يذهب كل يوم الى المركز ويكلم الطبيب المختص ويمضي الساعات في الدعاء لها بالشفاء انه على كل شيء قدير .
********
رن هاتفها برقم غريب ؛ ترددت بالاجابة ثم خطر في بالها أنه ربما هو .... وأصاب حدسها ...
رداد : ملاك..
ملاك ودموعها بدأت سريعاً بالانهمار : ردااااد هاذ انت !! طمني عنك ؟؟
رداد بصوت متعب : ارتحتي اليوم لا قهوة ولا شاي ولا غيره.
ملاك وبجوح واضح : سامحني يا ردااااد كله بسبتي ؛ الله جعلني أموت ولا صابك اللي صابك ؛ يا ريتهم اذبحوني ولا صابوك ..... واشتعل جوحها بصوت يدمي القلب .
رداد بضجر : اوجعتي أذاني بصراخك .. تراني طيب وما متت ؛ وفري نحيبك علي لما أموت .
ملاك بخوف وهي تحبس شهقاتها : بعد الشر عنك ان شاء الله أنا ولا أنت .
رداد بعصبية متعبة : هو انا ضحيت بروحي على شان تمضينها تدعين على حالك ؛ أقول اقلبي وجهك الحين قبل لا تنتكس حالتي من ورى جوحك وسوالفك.
ملاك بتدارك : لحظة قبل لتروح قولي وينك ؛ أبغى أزورك.
رداد بهدوء : وين ودي أكون يعني ؛ بالمشفى وخايف أصبح باكر القاهم مقطعين اضلاعي يفحصوها.... ترى ان ما خرجوني باكر اسحب روحي واطلع بكيفي ؛ وما ناقصني ابتلش بدموعك يا القردة لما أطلع أمرك بالحوش.
ثم أغلق السماعة دون انتظار ردها .... اما هي فلا زالت ممسكة بالهاتف وهي تردد " يا رب لك الحمد والشكر يا الله ".
في نفس اليوم كلمها فهد مرتين للاطمئنان وللتأكيد عليها بعدم الخروج أبداً وكذلك كلمها العميد محمود وبدا في صوته التعب والضيق وهي الأكثر خبرة ومعرفة بمشاعر الضيق والألم فهي تعايشها منذ طفولتها ولا تخفى عنها أبداً... كذلك كان ليطمأنها ويطمأن عليها وليوصيها بالحذر وعدم الخروج.......
*******
في شركة الملابس كانت عزيزة متواجدة مبكراً لإثبات وجودها ؛ تولى قسم الاستقبال ايصال رسالة المدير لها بأن مركز دوامها هو أحد مصانع الخياطة التابعة للشركة ؛ وتولت سيارة الشركة ايصالها الى المصنع البعيد نسبياً على أن تؤمن لنفسها من الغد وسيلة للدوام في المصنع .
دخلت المصنع بثقة ؛ وكان فيه عدد كبير من العاملات والمشرفات ؛ استقبلها مدير المصنع وأخذها الى مكتبها المعد لها مسبقاً ووضح لها مهام عملها الكثيرة والمتشعبة فهي ستشرف على الاقمشة المصنعة في قسم التصنيع وخيوطها المستوردة وكيفية تصنيعها وضمان جودتها ؛ وستشرف في قسم الحياكة على تنفيذ التصاميم المعدة سلفاً وتطبيقها على قطع القماش وفق مسارت الحياكة المختلفة .
يوم شاق وطويل وجهد كبير تبذله عزيزة ربما للمرة الأولى في حياتها ؛ عادت على اثره الى منزلها منهكة ومتعبة .
****
في المساء اتصلت ملاك برقم رداد للأطمئنان عليه ؛ وبعد عدة رنات جاءها صوته الغاضب الذي انعش قلبها وأراحه : خير وش في داقة علي ؛ تطمني اذا اني عايش والا ميت !!
سمعت صوت كأنه ممرضة تقول بنصح : "ما في داعي للصراخ والعصبية هالحين يتفتح جرحك "
ترك رداد مجادلة ملاك وبدأ بمهاجمة الممرضة : وانت وش حشرك ودخلك بي. روحي من خلقتي الحين.
ثم عاود لمهاجمة ملاك : خير وش في عندك يا ام النحس؟؟
كانت تسمع كلامه ومراددته المعتادة وهي مبتسمة والسعادة تملأ قلبها وتلعب بخصلات شعرها ولا تدري بما تجيبه ؛ المهم أنها تسمع صوته وأنه بخير وعافية وغير ذلك لا يهم .
رداد بغضب : علامك انخرستي والا بغيتي بس تسمعين صوتي !!
كادت ملاك ان تقول له " اي بغيت اسمع صوتك ولو تدري كم يسعدني صراخك وهواشك كانه موسيفى تطرب اسماعي " ولكنها تماسكت وهي تمثل الغضب : وش تبغاني أقول وانت تهاجمني بدون ذنب ؛ الحق علي بغيت أسأل عنك.
رداد بتهكم : تسأل عنك العافية ما قصرتي والحين درب السلامة وريحينا من ازعاجك.
اغلق الهاتف دون انتظار ردها ؛ وهي تبتسم من اسلوبه وهجومه ثم تضع رأسها على وسادتها لتريح جسمها وفكرها من هول ما مر بهما
*******
صبا تجلس بقرب عبدالله في مكتبه ولا يعجبها حاله والارهاق الواضح عليه ؛ وبكل حنان : حبيبي عبدالله .
عبدالله ناظرها بابتسامة : يا عيون عبدالله .
صبا بنعومة واهتمام صادق : حالك ما هو بعاجبني ؛ في شي مضايقك ومنكد عليك ؟؟ ترى انا زوجتك لا تخبي علي .
عبدالله بهم وهو يمسح وجهه وذقنه بيديه : ما في شي حبيبتي ؛ كل ما في الأمر ان عمي اوكل لي كل شغل الشركة قبل يسافر وانا بعد مشغول بشركاتي الجديدة .
صبا بعدم تصديق : عمره ما كان الشغل وكثره يعمل بيك كذا ؛ أنا اخبر الناس بيك ؛ قول هذا الكلام لغيري .
عبدالله بتعب : في مشاكل تخص أهلي ما اقدر أقولها لأحد ؛ اعذريني يا قلبي .
صبا اقتربت منه ومسكت بيده ووضعتها على خدها بعد ان قبلتها : الله يرفع عنك وعن أهلك كل هم وكل غم ؛ وتعود ضحكتك تنور عمري وقلبي .
مسك بيديه يديها وقبلهما ثم ضمهما الى صدره : الله يخليلي اياك يا دوا القلب وبلسم الروح.
****
مرت عدة أيام على نفس الحال وهي قد ضاقت من الحبس في بيت ام عزمي ولكنها الاوامر ولا تبغى مخالفتها حتى جاءها اتصال من فهد يخبرها أنه بالباب .
سارعت بارتداء ملابسها وفتحت الباب بهدوء .
كان فهد بملابس مدنية فيها من الفخامة والأناقة الكثير وان كانت ملامحه واضح عليها التعب وقلة النوم ..
قال بهدوء : ما تبغين تقولي اتفضل .
سارعت ملاك بالاجابة : ما في أحد غيري داخل.
فهد وهو ينزع نظارته الشمسية : أدري عشان كذا جيت أكلمك ؛ وما ينفع نتكلم الا داخل للسلامة العامة .
ملاك اول ما خطر ببالها ان يدخل المهاجمين مرة اخرى ويستهدفوا فهد وهي ما عادت تحتمل .
أشارت له بسرعة للدخول .
دخل واتجه للمجلس وجلس وهي لا زالت واقفة .
اشار لها بأن تجلس ..
جلست على الكنبة المقابلة له بتوتر وهو يقلب نظارته بين يديه ثم وجه كلامه لها بجدية بالغة : ملاك حنا قبضنا على المهاجمين واودعناهم السجن ؛ ثم استطرد بتوتر ؛ لكن اتضح لنا من التحريات وجود عناصر اجرامية طليقة وهم يعرفوا بدورك في القبض على العصابة .... سكت قليلاً ثم استأنف بحذر وهو يتأمل ملامحها : وهم على الأغلب يخططوا لاستهدافك .
وقعت كلماته عليها كالصاعقة ولكن ليست ملاك التي تخاف على نفسها فكل خوفها الآن يتمركز على هذه الأسرة المسكينة التي تؤويها ولها فضل عليها لا يمكن ان تنساه او تتناساه طوال حياتها .
أجابته بصوت مخنوق : أخاف يطال شرهم ام عزمي وبناتها او أي من العاملات هني اتمنى تلاقوا طريقة تحمونهم من العصابة كلهم مالهم ذنب .
فهد باعتراض : وانت بعد مالك ذنب ؛ حنا ورطناك معنا وعلينا واجب حمايتك.
ملاك بقلة حيلة : وشلون تحموني منهم ؟
فهد بحزم واضح : بانك ترجعين عند اهلك وتعودي لحماية ابوك ؛ هناك ما أحد يتجرأ يقربك.
ملاك صدمتها كلماته " معقول هو يعرف من هو ابوي .
قطع شكوكها كلماته الجادة : بنت في سنك وحالتك ما لها غير بيت ابوها ومهما كانت اسباب ابتعادك عنهم ما حتكون أهم من حياتك نفسها ....
وبتشديد : العميد محمود في الايام القادمة حيكلم الدكتور سعود ويتفق معه على رجعتك عنده وحمايتك من اي خطر .
توقف عن الكلام وهو يتابع ملامحها الجامدة والخالية من أي تعبير لا خوف ولا اضطراب ولا سعادة ولا غضب ... ابداً ... أبداً ....خالية تماماً من التعابير ... ربما هي لا زالت غير مستوعبة لكلامه فمن الأفضل ان يتركها مع نفسها حتى تستعد لهذا الأمر .
قام بهدوء يودعها وهي على حالها من الجمود وانعدام الاستجابة.
غادر فهد وهو يتمنى أن يكون ما فعله هو الصواب ؛ هذه البنت ليس لها الا أهلها ولن تجد افضل منهم لحمايتها ورعايتها ... وربما لعلاج خلافاتهم التي مهما كانت عظيمة لا يمكن ان تعني موافقتهم على معيشتها هذه.
لا زالت في صدمة تجتاحها أفكار ؛ يعني العميد محمود عرف اني بنت عم زوجته ؛ معقول ما قال لها وما سألها عني !! معقول تكلمت عني بسوء واستهزأت بي وباخلاقي !! او تكلمت عن أمي بكل حقدهم وسمومهم !! ليه يعني ما هو معقول ... ايش اتوقع منهم غير كذا .
ولما يكلم الدكتور سعود وش يقوله عني ؛ يمكن يرفض يستقبلني او يرميني على أحد من اهله واخوانه او يزوجني أحد من اولاد اخوانه واصير تحت رحمته هو وامه وخواته ... ويمكن .. ويمكن .... كله ممكن لكن الأكيد حيرجع الضرب والاهانه والاحتقار ويرجعون ينحرون روحي بكلامهم ونظراتهم وحقدهم .
عادت دموعها لتشاركها أحزانها بلا هوادة ..... يا عذابك يا ملاك وش تساوين الحين ووش بايدك تعملي غير الاستسلام لقدرك .
******
مدير المصنع يتصل مع الاستاذ ناصر وبتذمر : استاذ ناصر ؛ الخبيرة الجديدة صعب التفاهم والتعامل معها ؛ كذا مشكلة صارت مسوية مع رؤساء الاقسام وما يعجبها شي وكل خطوط الانتاح تتدخل بها ؛ هذا الحال مقلق وما يرضي أحد .
ناصر وبغضب قرر التوجه للمصنع "ومعه احد المساعدين" للاطلاع على الأوضاع بنفسه ...
دخل بعصبية وجلس على مكتب المدير وأمر بحضور الجميع للنقاش ؛ وطبعاً بدأ كل منهم بالتذمر والشكوى وعزيزة صامته وهي تستمع للجميع .
ناصر في النهاية وجه نظره لها "وهو قد عزم على طردها بعد كل هذه المواقف" : ايوه انسة عزيزة ايش ردك على كل هذي الملاحظات .
عزيزة بثقة : استاذ ناصر انت عينتني بهذا المصنع بصفتي خبيرة ؛ صح والا لا ؟
ناصر بصبر : صحيح .
عزيزة وهي تلتفت لمدير المصنع : يعني لما الاقي خلل لازم اوجه واصلح ان ما وجدت استجابة أعدل بيدي .
ناصر بحذر : ليش الغموض في الكلام وضحي وين الخلل .
عزيزة باسهاب وهي تحكم شد حجابها على رأسها : لو تشوف البعزقة بالقماش عالطالعة والنازلة ؛ وما في فحص للطلبيات من الخيوط على آلات الفحص وتنرمى في المستودع اللي الكلاب تعافه من كثر الأوساخ والا بقسم الحياكة ؛ خرطبيطي مرة يقصون بالطول ومرة بالعرض شلون ما تدري ؛ واشارت الى رؤساء الأقسام باستهزاء : وهذول يمضونها سوالف وضحك مع العاملات وكل شوي ينطون بقسم جديد ما تدري وين شغله الأصلي والا برارة القماش يتسابقون يلمونها على كثرها ويوزعونها بينهم وبين المحاسيب تقول انها مال سايب الي ما يخافون الله ؛ يعني بالفم المليان أقولك الله يعوض عليك في هالمصنع ..
ناصر ناظر باندهاش الى مساعده الذي كان يدون كلام عزيزة حرفياً قائلاً : هو ترجملي وش تقول هذي الخبلة .
المساعد وهو يكتم ضحكته ويتأمل ملامح عزيزة المستاءة من ناصر : الآنسة عزيزة تقصد انها لاحظت امور فيها خلل واضح منها نفقات غير مبررة وتهاون في جودة الخيوط وطريقة حفظها وقذارة في المستودعات وانعدام التنظيم ؛ وتداخل خطوط الانتاج وتعدد الصلاحيات ؛ والهدر في كميات القماش المستخدم في قسم الحياكة وزيادة كميات تالفة غير مبررة وتصريفها بطريقة مجهولة دون قنوات رسمية واضحة او بيان مردودها ؛ بمعنى ان هذا المصنع يعاني من فساد متجذر وان ما عالجته الحين ابشر بخراب مستعجل .
كلماتها وقعت كالصاعقة على رأس ناصر الذي وجه بصره الى مدير المصنع المرتبك والمتلعثم والذي بدأ باطلاق المبررات الواهية والكلام غير المفهوم والذي ان دل على شيء فهو ضعف شخصيته وسلطته والتي استغلها بعض العاملين لتمرير مخالفات وسرقات وتسيب واضح في الأداء والاشراف.
مباشرة أمر ناصر بتشكيل لجنة تحقيق من شخصيات موثوقة وقرر ان يقوم بنفسه برئاسة اللجنة للمتابعة وأمر عزيزة أن تداوم من الآن فصاعداً في مكاتب الشركة الرئيسية ريثما يتم الانتهاء من التحقيق وتوضح نتائجه.
******
تسير في الممر بعد ان ايقظها العطش من نومها ؛ مرت بقرب غرفة وحيدتها ونور عينها "نور" فسمعت صوت ضحكها ؛ تبسمت فربما تحادث صديقاتها بالحوش ولكن استوقفها كلمة نور : وانا بعد اشتقتلك اسلام ...
تجمدت الدماء في عروقها وهي تكذب سمعها ؛ للحظة لم تستوعب ما يقال ....نور بضحك : الحين بتبطل لأن شعري قصير ههههههههه.
صوت هامس من وراء الشاشة يتغزل بها .....
نور بدلال وهي تمرر بنعومة يديها في شعرها : من صغري تعودت عالشعر القصير حتى بنات الحي كانوا يفتكروني صبي .
طرقت ام نور الباب بهدوء ....
نور بانحراج : باي حبيبي بكلمك بعدين.... ماما بالباب.
قامت لتفتح الباب وهي تحاول جاهدة اخفاء توترها : هلا ماما .. فيك شي ... يألمك شي .
باغتها صفعة قوية من امها المنهكة ؛ تلاها شد شعرها بقوة والقائها على الارض ونور تصرخ بقوة : ماما ايش فيك علي .
ام نور بغضب : صحيح اني ما عرفت أربي وطلعت بنتي واطية وحقيرة ..... تستغفليني يا قليلة الترباية .
نور ببكاء : ماما والله اسلام طيب ويبغى يتزوجني بالحلال ؛ وما عنده نية شينة .
ام نور : وانت يا شينة يا بنت منيرة بكل وقاحة تكلمينه بتالي الليالي وفيديو بعد يتفرج عليك وعلى محاسنك !
يا حيف عليك ويا خسارة تربيتي فيك !
والله لو فيه شوية عقل ما يتطلع على واحدة مثلك ترخصله صورها وجسمها .
نور ببكاء وهي تنفض شعرها عن وجهها : لا تقولين كذا انا أحبه وهو يحبني .
ام نور بألم : متى الحب يخلينا نرخص اعراضنا ولحمنا ؛ خيبتي املي وتربايتي فيك ؛ ضاعت سنين تربايتك هدر ؛ ضاع شبابي وصحتي لأجل بنت رخيصة وتافهة عند اول مشاعر باعت كل شي.
نور بصراخ : انا ما بعت شي انا محافظة على روحي ؛ انا قابلت صدق مشاعره بامتنان وثقة .
ام نور : اي ثقة وهو باكر يتذكر جرأتك وانت كاشفة له من غير خوف من اللي عينه ما تغفل ولا تنام.
نور بالم : يما حرام عليك ذبحتيني بكلامك وتجريحك.
ام نور : هذي الحقيقة والواقع الي تحاولين تتجاهليه وانت تتصرفين مثل المراهقة الغبية .
مدت يدها واخذت الهاتف وأغلقته ثم تكلمت بحزم : وتراني باكر ابلغ زوج خالتك اننا وافقنا على اب عمه المتغرب ؛ وباكر بعد انا وانت نروح الشركة وتقدمي استقالتك والله الغني عن الفلوس اللي توطي روسنا بالطين.
نور باسترحام ورجاء : يما وش تقولين ؛ والله انه يبغى يخطبني لكنه الحين مسافر بأشغاله وانا بصير حلاله وراسي وراسك مرفوع باذن الله.
ام نور وهي تمسك ذراعها بقوة : متى بتفهمين ان هالعالم ما بيننا وبينهم وصل وان نهاية اي ارتباط بيننا هو المهانة والمذلة ؛ ليه تبغين تنحريني وتعيدين تاريخ لي سنين طويلة أحاول أدفنه.
نور ببكاء : يمااااااااا
ام نور : اقسم بالله اذا بتخالفيني لأتبرى منك الى يوم الدين وغضب قلبي وربي يرافقك بكل خطوة من حياتك.
ثم تركتها واتجهت الى غرفتها وهي تنثر أحزانها دموعاً تنساب في كل خطوة...
بينما نور لا تقوى على الحراك وتحاول لملمة بقايا كيانها المتبعثر ما بين مشاعر طارئة وطاغية وما بين مبادئ تجذرت في اعماقها سنين طويلة .......
********
جاء المساء على ملاك ليثقل قلبها بالحزن والألم ولا خيارات أمامها الا تقبل واقعها بالدموع والألم .
رن هاتفها بمكالمة من رداد ؛ هذا شكله بيسوق فيها وش يبغى يكلمني بهذا الوقت المتأخر ؛ الكل نايم ؟؟
لكن من الأفضل ترد عليه ليكون تعب او انتكست صحته لا سمح الله .
ملاك بدون مقدمات : ايوه رداد في شي ؟؟
رداد بغضب : علامك تكلميني كذا كأني ماكل حلالك!!
ملاك وهي تمسك رأسها من الوجع الذي داهمها : ممكن أعرف ليه هالمكالمة بالوقت المتأخر ؟
رداد باختصار : انا بالحوش جيت آخذ باقي اغراضي .
بدون تفكير ارتدت ملابسها بسرعة وانطلقت خارجاً لتراه وتطمأن عليه ولتودعه وتطلب منه السماح لما أصابه "وهو كثير طبعاً" بسببها.
وجدته يحزم باقي أغراضه بيد واحدة ووجهه يبدو عليه التعب رغم ظلمة الليل الحالكة .
اقتربت منه لتساعده وهي تقول : الحمد لله على سلامتك ؛ ما تشوف شر .
رداد بضيق : أي سلامة وانا بسبتك ما حأقدر أرجع لشغلي لشهور طويلة ، ولو تدرين ايش قد شغلي مهم بالنسبة لي .
شعرت بتأنيب الضمير فبسببها للمرة الثانية سينقطع رزقه .
أكمل رداد بعصبية : ما أدري وش قصتك لكن هالأغبياء اللي بغوا يذبحوك اكيد يقربون للعاملات الي طردتوهم ..... واضح ان قطع الارزاق هواية عندك !!
ملاك وهي تمسح دموعها الحارة : رداد بيِّت هنا الليلة اذا ما عندك مكان وانا الحين اعمل الك عشا يسر قلبك .
رداد برفض : للا ما عدت احب هالمكان كله شؤم بشؤم.
ملاك بحزن : والله انه أعز مكان على قلبي لكني مضطر بعد اغادره غصب عني .
رداد باستغراب : وين تروحين ؟
ملاك ودموعها تأبى التوقف : برجع عند أهلي .
رداد بحيرة : واللي يرجع عند أهله يبكي شذي .
ملاك وبحر دموعها تجاوز حده الى جوح وأنين : ما أبغى أرجع عندهم .....ما شفت منهم الا الظلم والقسوة وسوء المعاملة ....... يا ريتني أموت وما أشوفهم .
رداد وهو يحك رأسه بذهول : للدرجة ذي !! الموت أرحم من أهلك !!.
ملاك من شدة البكاء لا تستطيع الكلام فقط أشارت برأسها بأيجاب ورداد ينظر لها بدهشة .
تكلم بعد دقائق من التفكير : انت والحمد لله قلبتي حياتي كلها ؛ والحين ما عندي بيت ولا شغل ورجلي يا دوب اقدر أسير عليها ؛ ويدي معطوبة ؛ حتى لقمة أكل ما أقدر أساوي لروحي وانا وحيد بهالدنيا مثل ما تشوفين ..
سكت قليلاً وهو ياخذ نفساً ويحاول ان يقنع نفسه جاهداً بقول ما هو مقبلٌ على قوله : ملاك تتزوجيني ؟؟
.
.
.
.
انتهى الفصل
رواية رحلة عذابي أنا 💘 الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم عشق جنوبي💞
الفصل التاسع والعشرين
بعنوان #انت_ملاذي
رداد باستغراب : وين تروحين ؟
ملاك ودموعها تأبى التوقف : برجع عند أهلي .
رداد بحيرة : واللي يرجع عند أهله يبكي شذي .
ملاك وبحر دموعها تجاوز حده الى جوح وأنين : ما أبغى أرجع عندهم .....ما شفت منهم الا الظلم والقسوة وسوء المعاملة ....... يا ريتني أموت وما أشوفهم .
رداد وهو يحك رأسه بذهول : للدرجة ذي !! الموت أرحم من أهلك !!.
ملاك من شدة البكاء لا تستطيع الكلام فقط أشارت برأسها بأيجاب ورداد ينظر لها بدهشة .
تكلم بعد دقائق من التفكير : انت والحمد لله قلبتي حياتي كلها ؛ والحين ما عندي بيت ولا شغل ورجلي يا دوب اقدر أسير عليها ؛ ويدي معطوبة ؛ حتى لقمة أكل ما أقدر أساوي لروحي وانا وحيد بهالدنيا مثل ما تشوفين ..
سكت قليلاً وهو ياخذ نفساً ويحاول ان يقنع نفسه جاهداً بقول ما هو مقبلٌ على قوله : ملاك تتزوجيني ؟؟
سؤاله صادم ولم يخطر في بالها في أسوأ كوابيسها ... تتزوج رداد !!
رفعت رأسها له باندهاش ونظرت له غير مستوعبة طلبه.
رمشت عينيها باستفسار او استنكار لا تعرف ؛ فهي في صدمة وفي ضيق .
رداد وهو يكمل جمع حوائجه ولا ينظر اليها : اذا ما تبغين أهلك عالأكيد وما تقدرين تعيشي هنا وين بتروحين يعني ؟
الزواج أفضل حل لي ولك.
ملاك وفكرها تشوش وتداخل..... "العميد محمود اذا بلغ اهلها عن مكانها بالأكيد ما رح يسكتون وأولهم الدكتور سعود .... يمكن يضربها مثل ذيك المرة ؛ ويحبسها عنده او عند اهله وترجع للغرفة الصغيرة مسجونه ومهيونة والرايح والجاي يبهدلها ويعيب بها وبامها المرحومة ...... وما تدري وش تواليها ....
اعادت نظرها الى رداد ؛ المنحني بتعب وارهاق واضح ؛ هذا المسكين كان بيضحي بحياته لأجل يحميها ؛ والحين بيعرض عليها الزواج بكل احترام ؛ وش تبغى أحسن منه للي مثلها ؛ اذا علشان شكله وحالته فما هي مقياس .... ومتى ما صارت باسمه كل الدنيا وأولهم اهلها ما لهم سلطة عليها ولا احتكام..
رداد بضيق : وش قلتي ما سمعت ردك ؛ والا تبغين مدة تفكرين ؟
ملاك بهدوء وغموض : موافقة .
رداد وقف بصدمة وناظرها لبرهة ثم قال : متأكدة والا باكر تتندمين.
ملاك بغصة وهي تجول بعينيها أرضية الحوش : أي متأكدة .
رداد : الصباح جهزي نفسك بأمرك ونروح المحكمة بلقاك عند الشارع الرئيسي .
حمل أغراضه وألقاها في صحن الدستن وغادر دون كلمة اخرى .
عادت وهي مذهولة من نفسها الى الداخل وصوت داخلي يحاورها " تتجوزين رداد انت جنيتي يا ملاك !"
......."اي اتزوجه ؛ وش يعيبه!"
......."الا قولي وش ما يعيبه"
......."هالانسان كان بيضحي بروحه عشاني ؛ اللي مثله قلبه طيب ولا يمكن يأذي او يحقر او يهين "
اسكتت حواراتها الداخلية وبدات باعداد شنطة لملابسها ومتعلقاتها .
سحبت الشريحة من هاتفها بعد ان مسحت ما فيه وقررت أعادته الى عزيزة .
حاولت النوم ولكنه جافاها حتى الصباح .
اقتربت من أم عزمي وهي تلقي اوامرها وتعليماتها كالمعتاد ؛ لم تستطع مقاومة دموعها وهي تحضنها وتقبل يدها وام عزمي تناظرها برعب : وش فيك ملاك !!
ملاك بحزن : أهلي طلبوني ولازم أعاود لهم .
ام عزمي بفجعة : الحين يا بنتي !!
ملاك بالم : أي الحين ؛ هذا عمي اذا قرر ما يبدل كلامه.
عزيزة دخلت المطبخ باستعجال : يما وين الفطور .... الحين بتأخر ؛ تدرين المواصلات صعبة .
اقتربت منها ملاك واحتضنتها وهي تبكي ...
وداع عزيزة هو الأصعب .... صديقتها واقرب الناس لها
عزيزة صدمها خبر الرحيل المفاجئ ولكن ما باليد حيلة ؛ دموعها الصادقة زادت من وجع ملاك ...
وبكل الألم وهي تحاول التحكم بشهقاتها : وانا الحين على مين اغلس واطقطق والا مين بيدقق مقالاتي ها عاد جاوبيني .
ملاك بابتسامة حزينة : عندك نور وفاطمة ... يكفون وزيادة ؛ ولا تنسي تسلميلي عليهم ويسامحوني ..
احتضنتها عزيزة بألم : للا أبد ما احد يغني عنك وبظل كل ساعة بدق عليك واعوفك عيشتك.
ملاك وبتذكر : هذا تلفونك خذيه ما أبيه .
عزيزة : ليه !!
ملاك بسخرية : عمي أكيد بيشري الي احسن منه ؛ ما عاد لي حاجة به.
عزيزة بصدق وهي تمسح دموعها : يا خوفي يقشط فلوسك وشقاك وتقعدين عالحديدة يا هبلة .
لحظات مشحونة بالوداع والحزن العميق .... تشعر بقلبها ينتزع من اضلاعها ولكن لا يوجد حل آخر ولا مفر وحتى بقاءها هنا خطر على ام عزمي وبناتها .
خرجت وسارت ولاول مرة في حياتها تغطي وجهها وهي عازمة على الالتزام بذلك طوال حياتها ..
بالمكان المحدد وجدت رداد بانتظارها ؛ عرفها بسرعة وأشار لها لتركب .
ترددت ملاك ؛ كيف تركب معه بالسيارة !
نظر لها بحنق وبعصبية : ترانا بنروح المحكمة الحين نتزوج ؛ اركبي لا تطلعيني عن خلقي.
ركبت بقربه وناظرته بأسى .. كما هو ولا كأنه بيتزوج بنفس حالته ومنظره و... عصبيته ؛ معقول تقدر تغيره !!
ساد الصمت طوال الطريق الا من سؤاله عن هويتها ...
في المحكمة انتظرت ساعات ذهب خلالها الى المشفى الذي تعالج به لان احد العاملين هناك ساعده باستخراج فحص طبي لغايات الزواج ....
جلس بقربها وهو يهمس : الحين بحاول أقنع القاضي يكون وكيلك بالزواج لغياب الأب وهو بيسألك أسئلة للاطمئنان.
ملاك بدهشة وهي لا تعرف بهذه الاجراءات : يعني ممكن ما تمشي الأمور؟
رداد وهو يتثاءب : الا بتمشي لأنك مطلقة ...
للحظة تذكرت خالد واجرى عقلها مقارنة سريعة ... رمشت بعينيها لتمحو المقارنة من شاشة ذاكرتها : ما هو وقته الحين ... رداد قدرها مثل ما كانت عزيزة تقول ولازم ترضى به وتسلم بامر الله.
رداد بسخرية : وين سرحتي ؟
اجابت بحرج وشعور غمرها بأنه قرأ أفكارها : ولا شي .
تمت الاجراءات عند القاضي الذي بقي يناظرها وسألها عدة أسئلة ثم طلب منها رفع الغطاء عن وجهها ؛ تأملها القاضي بانبهار واشار لها بالجلوس بعيداً ؛ تحدث مطولاً مع رداد المتضايق واشار لها لتقترب وهي تحبس دموعها لان شعور بالوحدة والوحشة وقلة الحيلة داهمها واغرق كيانها ... ستتزوج للمرة الثانية ... في الأولى لم تعلم انها متزوجة لأكثر من سنة وفي الثانية ستتزوج وحيدة ذليلة طريدة لا اب ولا سند وبمستقبل مجهول لا تعرف خوافيه..
القاضي بحزم : للمرة الاخيرة باسألك بتوافقين على الزواج بكامل قناعتك وارادتك ؛ اشارت برأسها بالأيجاب ولكن القاضي قال : اريد اسمع كلام ما هو إشارة .
بصعوبة قالت : أي ؛ وهي تشعر بالحرج .
ناول القاضي رداد مجموعة الاوراق وهو بسرعة ناولها ملاك وهو يشير لها على مكان التوقيع لتوقع .
مسكت القلم بارتجاف ودموعها انفجرت دون ارادة وبصعوبة بدات بالتوقيع على الاوراق جميعها ولم تسلم اي منها من قطرات دموعها التي اختلطت بألوان الحبر وعانقته.
رداد بتأفف وهمس : الله واكبر غرقتي الورق بدموعك ان ما تبغين الزواج بمزعها الحين كلها وبلاها هالجيزة ..
ملاك بألم : خلص الحين بسكت واعادت الغطاء لوجهها وجلست بعيداً ريثما أنهى رداد الاجراءات وغادرا معاً المحكمة زوجاً وزوجة ...
********
عامر : رغد وينها أمي ؟
رغد : بسم الله خوفتني ؛ وش رجعك من الشغل ؟
عامر بضيق : ابوي يبغى اوراق نساها وبعثني أحضرها ؛ عاد وينها أمي ؟
رغد باستهزاء : امك عند زوجتك المصونة بتقنعها تمشي معها بالحديقة ما دامت الطبيبه تقول المشي ضروري للجنين لانه ما هو متوجه زين وما يصير تعسر بالولادة
عامر داهمه الخوف وهو يتذكر كلام الطبيبة وحثها روعة على السير وممارسة الرياضة لأجل الجنين ولكن روعة بعنادها المتأصل تابى الانصياع والالتزام..
توجه الى الحديقة المنسقة والجميلة وشاهد امه تحدث روعة بحنان ولطف : بعدك ما مشيتي شي يا بنيتي ؛ شدي همتك شوي وساعدي نفسك والجنين..
روعة بعصبية وحقد دفعت ام عامر بقوة واسقطتها ارضاً وهي تصرخ : انت يا العجوز ما ودك تحلي عني ؛ الله ياخذك ويريحني منك ؛ مثل البومة طول النهار تنعقي على راسي...
ام عامر بألم وحزن : الله يسامحك ويهديك يا بنتي ؛ ما يصير تعامليني كذا أنا بمقام أمك..
قبل ان تكمل كلامها تفاجأت بعامر يساعدها على النهوض ؛ حاولت التظاهر بابتسامة كاذبة وهي تقول : امك كبرت يا ولدي وكل حين اريح عالأرض .
رد عامر على ابتسامتها بابتسامة وقبل رأسها بحنان بالغ ومن ثم توجه الى روعة الواقفة بضيق منه وفاجأها بصفعة قوية على خدها أذهلتها وأذهلت ام عامر ؛ وبكل هدوء قال لها : روعة ... انت طالق ؛ اللي بهين امي ماله مكان في بيتي ولا بقلبي .
روعة من الصدمة لم تعرف ما تفعل او تقول ؛ وام عامر هجمت على ابنها تلومه وتعاتبه على فعلته وتأمره لارجاعها وتصليح الخطأ ولكن هيهات ان يستجيب لها عامر بعدما رآه بأم عينه ... غادر القصر والغضب يسيره فما عاد يحتمل أكثر ؛ ما فعلته روعة لا يغتفر ولن يتسامح به أبداً.
صحت روعة من صدمتها على صراخ ام عامر وهي تحاول اللحاق بإبنها ؛ وسارعت الى جناحها لتتصل بأمها باكية ......
******
فواز ينظر الى ورقة الاستقالة باندهاش ويجول بعينيه ما بين نور وامها المتأهبة : نور انت بعقلك !! وظيفتك هاذي ومنصبك وصلاحياتك حلم الآلاف ولا يقدرون يحصلونه !! كيف تفرطي بها بكل سهولة !! اكيد صابك جنون !!
ام نور بحزم : بنتي بتتزوج وتسافر مع زوجها ؛ يشتغل بالغربة .
فواز بضيق متجاهلاً كلام امها : نور انت خبرة وقدرات متميزة لا تفرطي بشغلك وممكن تفاوضي المهندس يرفع راتبك ومزاياك ....
ام نور بقلة صبر : الحين لتسلمك كل كل شي يتعلق بالشغل وترى مستعجلين ما نبغى تأخير .
فواز بتشديد : انا ما اقدر اوافق على الاستقالة ما هي من صلاحياتي الا بحضور المهندس وهو الحين مسافر ...
قاطعته ام نور : دبر حالك اي شي تبغاه منها من الحين لاننا ما بنرد مرةٍ ثانية .
كل هذا ونور صامته متجهمة ولا تملك مخالفة امها او حتى الرد على تساؤلات فواز المنصدم هو الآخر من سلبيتها وقراراتها المفاجئة .
حضر محامي الشركة وحاول محاورة نور ولكن بلا فائدة ؛ اتصل على اسلام مرتين دون اجابة ....
اضطر تحت الحاح ام نور على توقيعها على اوراق قانونية تتعلق باسرار العمل وتقنياته في حال عملت بشركات أخرى .
خرجت ام نور تجر ابنتها الباكية بقوة وهي تتنفس الصعداء.
******
اصبح رداد زوجها ... وتحمد الله على تغطية وجهها حتى لا يظهر خوفها وارتباكها وعينيها تطلان من نافذة الدستن التي لم تتخيل في يوم من الأيام ان تركبها ....
رداد بهدوء : استاجرت بيت فيه بواقي أثاث .
سرت رعشة في جسدها ؛ الحين هي وياه بيسكنون في بيت واحد وتقابله ويقابلها ...
اكمل بهدوء : وشريت مواد تنظيف ؛ لان البيت له زمان ما هو مستعمل ؛ اكيد يحتاج تنظيف .
لم ترد عليه او تكلمه وهو ما عاد يقول شيئاً.
سارت السيارة مسافة طويلة وهذا أراحها قليلاً فكلما ابتعدت كان افضل .
نزلت من السيارة في حي شعبي بيوته كثيرة واكثرهم من اهل القرى البعيدة ممن قدموا للعمل في المدينة .
اشار الى بيت صغير وقديم لها حديقة صغيرة مهملة ونوافذ قديمة وبابه يكاد يختفي لونه .
لا تدري لماذا شعرت بشعور غريب عند رؤيته ؛ كأنها احبته ؛ ربما لأنه لأول مرة يكون لها بيت .
دخلت البيت قبل رداد ؛ المستغرب من عدم تذمرها أو اعتراضها ؛ البيت صالة فيها طقم كنب قديم على يمينه غرفة نوم فيها سرير وخزانة قديمه من ظرفتان وستارة صغيرة وبقربها حمام وفي مقابلها غرفة ثانية فارغة وبجانبها مطبخ صغير وقديم فيه ثلاجة وموقد طهي .
كل البيت مغبر ومتسخ ويعلوه خيوط العنكبوت .
ابتسمت من تحت الغطاء "الحين بتسجل سابقة في التاريخ؛ عروس اول ما بتدخل بيتها تشمر وتنظف"
قطع أفكارها صوت رداد : انا بروح اجيب لوازم البيت .
خرج واغلقت الباب وراءه بسرعة بالمفتاح الذي ناولها اياه رداد .
اخرجت من حقيبتها جلابية قديمة... لبستها وسمت بالله وبدأت بحملة تنظيف طويلة ومرهقة شملت حتى الجدران والارضية بكل وسيلة لاستعادة لونها البائد وكذلك النوافذ وازالت الستائر وغسلتها ؛ ونظفت الكنب جيداً واخرجته الى الشمس الحارقة ليجف.
وفي النهاية توجهت للمطبخ ونظفت كل شيء فيه وتأكدت من عدم وجود تسريبات في انابيبه او شقوق في جدرانه ....
جهد كبير استمر حتى ساعات الغروب واعادت الكنب ونسقت الجلسة واحضرت بعض الزهور الناجية من الحديقة ووضعتها في بلورة قديمة .
وقطعت بعض اوراق الشجر من سدر ونحوه وحرقتها في اناء قديم برائحة كرائحة البخور لانه بيت قديم وربما لم يسكن لسنين طويلة .
وبعد الانتهاء ذهبت للاستحمام وارتدت ما وجدته مناسباً من ملابسها بنطال من الجينز الضيق وقميص ضيق وقصير يتناسب مع جسمها النحيف وطولها المميز .
جلست على الكنب باسترخاء وهي تتساءل عن سبب تأخر رداد !! هل يعقل انه يحاول تأمين نقود لشراء احتياجات البيت...
سرح فكرها دون وعي وهي تتخيل حياتها معه " يا ترى كيف سيكون اولادنا ؟ هل سيشبهونني ام يشبهونه " ... شعرت بالخجل من أفكارها الغبية ولكنها عادت لتفكر " لو كان زوجها خالد .. كانت لتتمنى ان يكون اولادها يشبهونه فهو وسيم جداً وانيق ..." استغفر الله العظيم ..كيف تتجرأ على التفكير بخالد الذي كان يسيء معاملتها ويحتقرها ويظن بها كل ظنون السوء .. ليست السعادة في المظاهر ولا بالعائلات الكبيرة .. رداد كاد يفقد حياته بسببها وبأرادته ضحَّى بنفسه لأجلها وعندما سمعها تشتكي من ظلم أهلها عرض عليها الزواج ورغم اصابته وتعبه هو من الصباح حتى المساء يسعى لتأمين احتياجاتها .
صحيح لم يعطها مهراً او يؤمنها بثياب ومجوهرات .. لكن مؤكد لأنه لا يمتلك شيء فهو من شهور لم يعمل بسببها طبعاً فليس لها ان تعتب عليه او تناقشه.
وغلبها النوم من شدة الاعياء والتعب ....
جاء رداد المنهك وهو يحمل الكثير من الحاجيات طرق للباب بقدمه ولكن لم يجبه أحد ثم صرخ ونادى على ملاك ولكن دون رد ...
استبد به الخوف بل الرعب وألقى الحاجيات ثم فتح الباب بمفتاحه واسرع بالدخول وقلبه يكاد يقف ليتفاجئ بها نائمة بوداعة وهدوء وتتنفس بانتظام .
ناداها بحنق ولكنها لم تستيقظ -لا تكونوا نسيتم ان ملاك نومها ثقيييييل هههههه- فضربها ضربات خفيفة على وجهها مع صراخه باسمها ؛ فتحت عينيها بتعب ونعاس وناظرت ما حولها باستغراب على صوت رداد الغاضب : صح النوم.
استوعبت اين هي وقالت وهي تمغط يديها : انت جيت يا رداد؟
رد عليها بغضب : لا بعدني كملي نومتك احسن .
ابتسمت على رده وابتسامتها سحرته وهو الآن فقط ينتبه لها بشعرها الاسود الناعم الطويل وجسمها المتناسق ولباسها المثير ؛ بلع ريقه ومسح عرقه بارتباك وخرج مسرعاً لأحضار الحاجيات الكثيرة التي أحضرها .
سر قلبها انه أحضر ملاءات جديدة ووسائد للسرير .
رفعت شعرها بخفة وبدأت بمساعدته بإدخال الأغرض وتوزيعها .
تفاجئ بنظافة البيت ورائحته المبهرة .. جال في غرفه وهو لا يصدق انه نفس البيت الذي استأجره حتى الحديقة قامت بتنظيفها .
جلس على الكنب وهو يتأمل باقة الزهور بقربها .
أشار الى أكياس وقال : هذا غداك اكيد جوعانه.
ملاك وهي تعمل بسرعة وخفة : اجهز لك الحين تغدى؟
رداد : وهو يشغل نفسه عن النظر نحوها : لا انا اكلت ؛ هذا لك .
استغربت كمية الطعام كثيرة ؛ ليكون يفتكرني هالقد باكل!!
قام بتعب وقال : بريح شوي بغرفة النوم .
لم تنظر له واستمرت بعملها والتوتر بلغ حده عندها .
عالقليلة ما يفكر يستحم او يشتريله ملابس وش هالانسان ؛ يا رب قدرني اساعده يغير طبعه ويهتم بمظهره .
أكلت القليل من الطعام وحفظت ما تبقى واذ به يخرج من غرفة النوم متساءلاً : وينه تلفونك؟
ملاك : رجعته لعزيزة لانه لها .
رداد : والشريحة ؟
ملاك : الشريحة معي لحد ما أشتري هاتف جديد.
رداد : هاتي الشريحه .
قامت بطاعة وأحضرتها من حقيبتها .
مسكها وكسرها امام ناظريها وأخرج من جيبه هاتف صغير واناولها أياه قائلاً : هذا تلفون وخط جديد لمصلحتك وما بي أحد من الحوش يدري بعنوانك اخاف من اللي بيذبحونك يدلون بيتنا.
سكتت بطاعة ولم تناقشه رغم حزنها لأن كل هواتف صديقاتها كانت مخزنة على الشريحة .
مسك كتفه وهو يغمض عينيه من الألم ؛ نظرت ملاك الى كتفه وشهقت وهي ترى بقع من الدم مكان الجرح .
رداد يطمأنها وهو ينظر الى ملامحها الخائفة ودموعها التي بدأت تسيل وشفتيها المرتعشتان : لا تخافي الحين بروح عالمشفى وأغير على الجرح ؛ ما في شي يخوف.
هزت رأسها بانصياع ورافقته للباب وهو يشدد عليها بعدم فتحه لأي كان في غيابه .
عاد في منتصف الليل ليجدها تنتظره على أحر من الجمر .
لكن هذه المرة ترتدي بذلة نوم بلون وردي ورسومات طفولية واضح أنها قديمة ولكنها عليها تبدو بغاية الروعة والجمال .
عرضت عليه اعداد الطعام فرفض ؛ الشاي او القهوة فرفض ؛
وجلست تسأله عن جرحه وماذا فعل وهو لا يحتمل مقابلتها وحديثها فهبَّ بها قائلاً : انت ليه تغنجي كذا بصوتك وتنعميه.
تفاجأت من كلامه : أنا .. أبد هذا صوتي ؛ والله ما أغيره.
رداد بعدم تصديق : يعني قليل ما أكلمك بالحوش صوتك ما هو بالعذاب ذا!!
تجاهلت كلمة عذاب وقالت بثقة : أنا بالعمد لما أكلم رجَّال احاول أخشن صوتي حتى ما يطمع بي أحد.
استغرب ردها وكان التعب واضح عليه .
وقف واتجه الى غرفة النوم واستلقى بارهاق.
ملاك غطته بالملاءة وذهبت الى الصالة بالغطاء الآخر ونامت هناك وسرعان ما غطت في نوم عميق من شدة التعب .
استيقظت على الفجر وتوضأت وصلت وترددت قبل أن تتجه نحو الغرفة لتوقظ رداد للصلاة ولكنها لم تجده ؛ استغربت
وجلست تنتظره حتى جاءتها مكالمة على هاتفها الجديد والاسم مكتوب رداد ؛ فتحت الخط بسرعة فجاءها صوته المتعب : انا رحت المشفى باخذ علاج وابر بعاود المسا سكري الابواب زين .
اقفل الهاتف بينما هي غرقت في البكاء خوفاً من ان تكون حالته قد ساءت كثيرا..
*******
دخلت امها عليها وهي غارقة في البكاء المرير ؛ وقفت بجانب سريرها وتكلمت بحزم : بندر عامل وكاله زواج لزوج خالتك لانه ما يقدر يجي وبعد الظهر بنتم الملكة على خير ؛ ابيك تتزيني وتهتمي بلبسك لان ام بندر وخواته بيجون عندنا .
دفنت وجهه في الوسادة من جديد وهي تبكي حبها الموءود في مهده وقصة عشقها التي لم يكتب لها نهاية ابداً .....
*****
علي بعد ان اتصل مع عامر عشرات المرات ولم يجبه توجه نحو مصانع الألبان التي يملكها مع أبيه ودخل عليه مكتبه وهو غاضب ؛ امسك بقبة قميصه وشده بعنف : هذي هي جزاة الاخوة والعشرة اللي بيننا تضرب اختي وتطلقها وهي حامل بشهرها ؛ يا ناقص يا قليل المروة .
عامر نزع يدي صديقه عنه بقوة ودفعه بعيداً عنه وهو يصرخ : اعرف بالاول أختك وش ساوت وبعدها أحكم.
علي والغضب لا زال مسيطر عليه : وش ساوت يعني ؛ حرمة حامل والتعب هادها ؛ ان عصبت والا شكت وتألمت صار ذنب .
عامر بصراخ أكبر : لو تشوف حرمتك تضرب امك وترميها على الارض وتقلها يا عجوز متى تموتي وافتك منك يالبومة وش تساوي ؟؟
صدم علي من الكلام وقال بصوت اقرب الى الهمس وهو يرجع شعره بيده : روعة ساوت كذا ؛ معقول ! ليكون احد بالغ....
قاطعه عامر بصوت مجروح : شوف عيني وسمع اذني والمصيبة ان أمي تستر عليها وتبرر لها والله العالم كم مرة أهانتها وغلطت بحقها .
علي مسح وجهه بضيق شديد ؛ ثم خرج مسرعاً قاصداً بيت أهله وهو يشعر بالخجل الشديد من صديقه الأقرب ان صح هذا الكلام من اخته المدلله.
بينما جلس عامر بألم وهو يتحسر على حاله ؛ لم تعد تهمه روعة بشيء ولكن ذلك الطفل الذي يتوق شوقاً لقدومه واعد له جناحاً من التجهيزات والالعاب لاستقباله وبكل انواع الرفاهية حتى لا تطالب روعة بتمضية فترة النفاس عند اهلها .. "الحين بأنحرم منه ومن شوفته وحمله بين ذرعاني وبوسته وصوت ضحكته وصراخه ... ااااه يا قلبي معقول باتحمل كذا "
********
كانها بحلم لا تصدق خلال نصف ساعة أصبحت متزوجة من هذا المدعو بندر وهي لم ترى الا صورة له وبقايا ذكريات من الطفولة .." طب واسلام وين صار موقعه .. وين حبنا الكبير .... معقول بالآخر انا اللي بعت وخنت .. وارتضيت ارتبط بغيره "... غافلتها دمعه حارة في خضم الزغاريد والفرحة العارمة التي تحيط بها من كل صوب وحدب ؛ وأمها تجلس بقربها وتشد على يدها بقوة...
*****
دخل علي جناح أخته الغاضبة وهي في سريرها وامها وابوها واخوانها واخواتها يحيطونها بحنانهم وتهدئتهم وتوعداتهم لعامر النذل .
دخول علي رافقه الترقب بانتظار رد فعله ؛ لم يلتفت لشتائم امه على عامر واهله ؛ انما اقترب بهدوء من روعة وجلس متكئاً على ركبته امام سريرها وبهدوء : روعة انت ضربتي ام عامر ورميتيها الأرض وشتمتيها ؟
روعة بغل : تستاهل العجيز أكثر من كذا ؛ ملاحقتني ليل ونهار كلي ذا ولا تاكلي ذا وامشي وابصر شو ؛ وش لها بي وبحياتي طلعت روحي منها
صعق الجميع من كلماتها واسلوبها وخاصة علي الذي دفن رأسه بين قدميه.
اقترب منها خالد وبغضب : انت بعقلك والا جنيتي ! تضربين أم زوجك وتهينيها بكل بساطة بس لأنها مهتمة بك !
اشاحت بوجهها عنه بعدم رضا
خالد أكمل كلامه بانفعال واضح : والله انه قليل اللي عمله فيك لازم جرك من شعرك ورماك برة بيته لكن واضح انه صاين الصحبة والعشرة اللي بينا ..
ثم خرج غاضباً وهو يتمتم بكلماتٍ غاضبة بينما علي قام بحزن وهو ينظر الى امه : هذا آخر الدلال يا ام عبدالله سودت وجوهنا عند الناس .
وخرج هو ايضاً غير متحمل مقابلة اخته او حتى ابواه.
روعة بدأت بالبكاء بغضب : هذول اخواني المحترمين بدل ما يوقفون معي يساندون الغريب ؛ بدل ما يكسروا يده اللي ضربتني يشتموني ويلوموني ؛ ودفنت رأسها بحضن أمها التي تكاد تنهار بسبب ما حصل من ولي ابنتها المفضلة .
*******
للمرة العاشرة ملاك تتصل على رداد وقد تملكها الخوف عليه ؛ حاول أن يتجاهلها ولكن في النهاية ضاق بها ذرعاً ؛ أجاب بصراخ : انا أقعد ابتلش سنترال عندك كل دقيقة تدقين ؛ سكري هالزفت وانا عشر دقايق بكون عندك.
ارعبها صوته ولكن على الاقل اطمأنت عليه "هذا الرجال عصبي كثير ما قد مر علي أحد بعصبيته "
أعدت له طعام العشاء وجلست بانتظاره بعد ساعات من التفكير والخوف طوال النهار ؛ دخل بهدوء وقامت لاستقباله واشارت له بالجلوس لتناول العشاء
رداد بتعب : لا ما أبغي اكل ارفعيه من قدامي .
اقتربت بطاعة لتحمل صينية الطعام فانتثر شعرها الجذاب امامها وحول ذراعيها ؛ عندها هب بصراخ غير مبرر : وشعرك ذا لي ما ترفعينه دوم يعني زين يطيح بالأكل .
ملاك وهي تحاول مسك اعصابها امام عصبيته : انا متعوده ما أرفعه دو..
رداد بحنق : لا ... بترفعيه من الحين وطالع وما عود اشوفه نازل أبد.
سارت بالصينية بغضب باتجاه المطبخ وهناك رفعت شعرها وهي تضرب بقدمها الأرض غضباً من اسلوبه.
استرخى على الكنبة وهو مستغرب من طاعتها الغريبة له وعدم مراددتها له كما كانت تفعل في الحوش " هو ادب والا احترام والا خوف والا خجل.... "
صرخ منادياً : هاتي شاهي اذا عندك
ثواني وجائت تحمل كأساً من الشاي وضعته أمامه بهدوء وجلست مقابله دون كلام
مسك كأس الشاي وهو يتأملها ؛ ترتدي قميصاً مورداً بألوان زاهية وتنورة بيضاء طويلة ؛ عندما لمحت نظراته لها أنزلت عينيها وتورد خديها بخجل وبدأت تشبك اصابعها باضطراب ؛ أشاح نظره عنها وانشغل بهاتفه وحاولت هي الاسترخاء ومنع نفسها من سؤاله عن كتفه لأنه كما يبدو لا يحب الثرثرة وكثرة الأسئلة ...
مرت دقائق ثقيلة ولما أحس بعدم حركتها رفع نظره لها ليجدها غارقة بالنوم ؛ ناداها فلم تجب ؛ اقترب منها وبدأ بتأمل وجهها ويمرر أصابعه على شفتيها ؛ لم تكن تضع مساحيق تجميل ولكنها رائعة الجمال ولا زال خداها محمران..! يا ترى أهو خجل أم ماذا ... اطلق سراح شعرها المكبل ونثره على كتفها ووجهها وبدا يخلل أصابعه بشغف وانبهار بين خصلاته ..
داهمه ألم كبير بصدره واحتبس نفسه بداخله من الضيق .... أراح نومتها على الكنبة وغطاها بالملاءة ثم قام بصعوبة واتجه الى غرفة النوم ليلقي بجسده وقلبه المنهك على سريره لعل النوم يطفئ ناره المتقدة ومشاعره الجارفة ...
ايقظته ليصلي الفجر ؛ قام بثقل واتجه خارجاً من البيت ..
ملاك باستغراب : ما تبغى تتوضى او...
قاطعها بضيق : باتوضى بالمسجد ولا تنتظريني ؛ بدور شغل ويجوز اتأخر .
ملاك بصدق : ايش رايك تاخذ بطاقتي الصراف ؛ عندي فلوس بالبنك يقظن حوايجنا .
ناظرها بغضب وبحدة : تبغين تصرفين علي والا وش مفتكريتني يا ملاك ماخذك تصرفين علي !
وغادر غاضباً لا ينظر خلفه..
وهي كالعادة تلوم نفسها على تسرعها واثارة غضبه .
ركب سيارته وسار بها مسافة طويلة حتى احد الاحياء الراقية ... صف سيارته امام عمارة ودخل من بابٍ خلفي متصل بالكراج ؛ ثم سار بممر قصير ينتهي ببابٍ آخر ...
دخله فإذا به داخل شقة فخمة وراقية جداً بأثاثها وديكوراتها الباهظة ..
دخل الى غرفة نومٍ فارهة ووقف امام المرآة .. نزع باروكة الشعر المحعد وطقم الأسنان الكبير والعدسات التي تجعل عينيه جاحظتان وجزء اللحية الأشعث والحواجب الغليظة الكثيفة والملابس القذرة البالية ووضعها كلها في الصندوق المخصص واتجه الى التواليت ليأخذ حماماً دافئاً يخفف من ضيقه وتعبه ..
ثم خرج وهو يلف جسده بمنشفة كبيرة ؛ وقف أمام المرآه يسرح شعره الناعم القصير ويفرك عينيه من اثر العدسات ويتبعه بارتداء ملابس انيقة تزيد جسمه المفتول وسامة واناقة ..
طرق الباب بدقة مميزة ثم أعقبها دخول شخص يحمل المفتاح .... اقترب القادم من رداد وألقى التحية العسكرية باحترام ..
ناظره رداد بضيق واتجه لأداء صلاة الفجر دون أي كلمة ....
.
.
.
.
انتهى الفصل
رواية رحلة عذابي أنا 💘 الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم عشق جنوبي💞
الفصل الثلاثون
بعنوان #بين_ايدي_وأحس_انك_بعيد
دخل الى غرفة نومٍ فارهة ووقف امام المرآة .. نزع باروكة الشعر المجعد وطقم الأسنان الكبير والعدسات التي تجعل عينيه جاحظتان وجزء اللحية الأشعث والحواجب الغليظة الكثيفة والملابس القذرة البالية ووضعها كلها في الصندوق المخصص واتجه الى التواليت ليأخذ حماماً دافئاً يخفف من ضيقه وتعبه ..
ثم خرج وهو يلف جسده بمنشفة كبيرة ؛ وقف أمام المرآه يسرح شعره الناعم القصير ويفرك عينيه من اثر العدسات ويتبعه بارتداء ملابس انيقة تزيد جسمه المفتول وسامة واناقة ..
طرق الباب بدقة مميزة ثم أعقبها دخول شخص يحمل المفتاح .... اقترب القادم من رداد وألقى التحية العسكرية باحترام ..
ناظره رداد بضيق واتجه لأداء صلاة الفجر دون أي كلمة .
أدى الصلاة بصعوبة بسبب الآلام في كتفه ؛ ووجد ان فهد قد أعد لهما القهوة .... جلس دون كلمة او حتى النظر الى فهد وتناول هاتفه المخبأ أسفل المنضدة بدأ بشرب القهوة وهو يشغل هاتفه ؛ الذي ما أن تم تفعيله حتى تدفقت المئات من المكالمات الرسائل على مختلف وسائل التواصل.
ألقاه جانباً بعصبية وضجر ...
فهد ينظر له بابتسامة ساخرة : وش رايك اتولى عنك الرد عالحلوين وبالمجان ما ابغى مقابل .
لم يكلف نفسه عناء الرد وانما أسند ظهره الى الخلف بتعب وفكره مشغول ..
فهد بضيق : لمتى بتبقى زعلان ؛ العميد محمود قال...
قاطعه بغضب : كنت بموت بسببك انت ومحمود وتسأل ليه زعلان ....
فهد وهو يقوم ويدور بالغرفة بعصبية : حنا وجدناها فرصة ننهي القضية ونريحك منها بشكل أسرع ؛ لك أكثر من سنة وما قدرت تمسك أدلة عليهم. ؛ ظهور ملاك كان فرصة ما تتعوض.
قال بازدراء : اه فعلاً بنت صغيرة وجاهلة وشكلها هربانة من أهلها .. فرصة ما تتعوض !
فهد بندم واضح وهو يعود مكانه : فارس والله أعترف اني وابو سيف ماكلنا الندم عاللي صار ولا سمح الله لو صابك شي ما نسامح روحنا ابد ؛ لكن قدر الله وما شاء فعل ؛ والحمد لله على سلامتك .
سكت قليلاَ ثم قال : خليني أكلمه الحين ييجي يطمن عليك باله مشغول كثير ..
فارس بعصبية : ما أبغى أشوف حد ... فاهم ....
وداهمه وجع في كتفه بسبب انفعاله الزائد..
فهد يحاول تهدئته : انت المفروض للحين بالمشفى طلعتك كلها غلط بغلط ما أدري وش معجلك ..
فارس بضيق : كل ما طولت في المشفى زاد احتمال احد من أهلي يدرون باللي صار ...
فهد بعتب : جناحك معزول ومحمي ما احد يدري به واستطرد مازحاً : والا ما عجبك كورس التمريض الموجود ههههههه.
ابتسم فارس لأول مرة : والله انهن زينات ما غير اضطريت أطلع .
فهد بضيق : اضطريت تطلع والا ما تبغى تشوف ابو سيف !! تراه متضايق كثير من اللي صابك وزاد ضيقه أن ملاك عاودت وهربت وما لقى لها أثر ...
فارس بحذر : وليه يتضايق يعني وش يهمه بأمرها !
فهد بتفكير : لا تنسى هي قرابة مرته واحسه كان يتألم لحالها ويحاول يرجعها لأهلها سالمة .. والبنت مثل ما شفتها ذكية وطيبة و..
فارس تضايق من كلام فهد عن ملاك فقاطعه : والحين وش يبغى يساوي ؟
فهد بضيق أكثر : ما أدري عنه هو بعد زعلان مني يقول انا السبب بهروبها لأني خبرتها بنرجعها للدكتور سعود ... ثم قام بضيق وهو يقول : وانا الحين راجع لام عزمي باسألها عن اي معلومات توصلنا لملاك ....
غادر فهد وفارس غرق في أفكاره والورطة التي ابتلى نفسه بها ...
*****
ناصر بتحذير ل عزيزة التي تجلس مقابله بعد أن استدعاها الى مكتبه : العمل يا أخت عزيزة يتطلب الاحترام والرقي بالمعاملة ؛ حتى لو تشوفين خلل او خطأ المفروض يكون اسلوبك راقي وعملي ومنظم في اصلاح الخلل ؛ مو كأنك في حلبة مصارعة يا قاتل يا مقتول !
نظرت اليه في عدم رضى وهي تجاهد للمرة الألف بوضع قدم فوق الأخرى : يعني الحق علي اللي أبغي مصلحة العمل واتحملت الكذب والاساءات حتى أحافظ على مالك!
ناصر بتقدير ومحاولة افهامها المقصود : الادارة الناجحة ما تعني محاربة شخوص الآخرين ولكن فقط محاربة الخطأ ومحاولة تعديل السلوكات لتلافي السلبيات وتحسين العمل .
فتحت عزيزة فمها بدهشة لأنها لم تستوعب من كلماته المعقدة شيئاً وحاولت تمثيل دور المثقفة وان لم تعرف ما تقول ....
وبينما كان ناصر ينتظر ردها المتعسر ؛ أنقذها رنين هاتفه بالنغمة التي تحيي روحه ......
سارع بالاجابه مبتسماً : هلا بدالية حبيبة القلب والروح .
تفاجئ بالتي تخطف الهاتف من يده وتقول مبتسمة : هذي دالية !! يا حبي لها ... ايش قد قلبي مشتاق لها ......
الو ....دالية حبيبتي ...شلونك يا عمري ..... لاااا الحين بزعل منك معقول ما عرفتي صوتي ...... أيوة يسعد قلبها الشطورة ...... وانا بعد اشتقتلك كثير
نظرت عزيزة الى ناصر "المنصدم والمغتاظ بشدة من تصرفها الهمجي "....ثم قامت مبتعدة عنه وهي تحاول خفض صوتها بالحديث : اه يا قلبي ، علميني وش سويتي بالمدرسة ... اها ...... ايوة ....... وبعدين ..... يا عيني عليك ايوة كذا البنت الشاطرة ..... الحين أقدر أقول عنك بطلة .... وخلك كذا لا تكسري عينك لحدا ....... الا قوليلي هذي المربية بعدها تصرخ عليك وتهاوشك ..... والله .... طيب الحين بكلم أبوك ... دواها عندي .... يلا مع السلامة يا قلبي .... هذا أبوك خذي كلميه.
عادت بالهاتف الى ناصر الذي كان يحاول جاهداً سماع المكالمه بينهما ؛ ومدت يدها بابتسامة وهو يكبت غضبه : هلا يا بابا بغيتي شي .... اي ماشي اليوم بنتغدى سوا من عيوني ........ كيف ! لا طبعاً ما تقدر تجي ..... تبغين رقم هاتفها ......
نظر بقهر الى عزيزة : نقليني رقم جوالك ، دالية تبغاه .
ثم أنهى المكالمة وقد عزم على وضع حد لهذه المتطفلة الهمجية ، هو أحضرها من المصنع مؤقتاً حتى تنتهي التحقيقات ويقل التوتر بينها وبين العاملين ولكن ان تتدخل بهذا الشكل السافر بينه وبين ابنته فلن يسكت أبداً.
قبل ان يبدأ الكلام داهمته عزيزة بغضبها الصادق : استاذ ناصر ما توقعت قلبك بهالقسوة على بنتك اليتيمة !!
ناصر بغبن : أنا
عزيزة بانفعال : اي انت ؛ كيف تأمن بتربايتها ورعايتها لمربية ما تدري شنو قرعة أبوها ! وين أهلك وين اللي من لحمك ودمك ؛ هذول هم اللي يحبون بصدق ويحنون ما هو هالمتخلفة اللي تشوفها مجرد مهمة تأديها وتمشي.
ناصر بحنق وهو بتأفف : وانت ايش حشرك في شي ما يخصك ؛ بنتي وانا أدرى الناس بها ...
عزيزة وهي تقف وتخبط الطاولة أمامه : اللي حشرني ان بنتك ما صدقت بأحد يحن عليها وتشكي له حزنها وهمها ؛ هذي باكر بس تكبر شوي تصير تدور عالحنان والحب ممن هب ودب .......
ناصر بغضب وهو يشير بيده : الحين اطلعي من خلقتي ولا تتدخلين باللي ما يعنيك وهذا آخر تحذير والا ما يصير طيب .
خرجت عزيزة وهي ترمقه بنظرة تحدي حاول تجاهلها ثم عاد وجلس على كرسيه وهو يقول : الله يرحمك يا أمي كنتي شايلة عني هم دالية وتربايتها لكن ربنا اختارك عنده عسى رحمته تتغمدك ...
********
وقف فهد بالحوش وهو يجول نظره في أنحائه بملابسه المدنية ؛ جاءه صوت رزين من الخلف : عفواً أخوي ، بغيت شي؟
نظر تجاه الصوت وعرفها فوراً هذي فاطمة الصيدلانية صديقة ملاك ، أكيد عندها معلومات عنها .
بثقة عرف عن نفسه : النقيب فهد وعندي استفسارات عن ملاك اذا بتعرفين وينها .
فاطمة باستغراب : ملاك رجعت لأهلها وليه تسأل عنها ؟
فهد : ملاك شهدت اصابة رداد بطلق ناري ونبغى اقوالها ؛ اذا تعرفين عنوانها او رقم هاتفها او أي معلومة بنكون من الشاكرين .
فاطمة بضيق : والله ما نعرف عنها شي حتى جوالها مغلق واهلها ما نعرفهم ولا ندري وين سكنهم ؛ يا حيف عليها باعت العشرة ونسيتنا .
ام عزمي باستفسار : مين هي يا فاطمة ؟
فاطمة : هو في غيرها .. ملاك اللئيمة راحت حتى وداع ما ودعتنا وحتى الشرطه ما هم عاثرين عليها .
ام عزمي طالعت فهد بضيق : وانتم وش تبغون بها ؟
فهد : المدعو رداد خبرنا انها شاهدت الحادثة وبغينا نسمع أقوالها ...
أم عزمي : هالمسكينة نشف دمها وصحيح كانت بالحوش لكن ما شافت شي يجوز انه طلق طايش .
فهد بطمأنه : يا خالتي حنا واثفين من هالكلام وندري ما لها ذنب لكن لزوم التحقيقات نسمع أقوالها فإذا عندك معلومات عنها ساعدينا .
أم عزمي بحزن : والله يا ولدي انها من طلعت باب الدار ما نعلم عنها شي حتى تلفونها نرن عليها مغلق ؛ يجوز ان عمها اللي سافرت عنده شديد ويضيق عليها بكل شي.
فهد باهتمام : وعمها هذا وين يسكن؟
ام عزمي : أظنها قالت بشرق البلاد لكن وين بالضبط الله أعلم .
غادر فهد دون الاستفادة بشيء ولكن ما أن وصل باب الحوش حتى تفاجئ ب فاطمة تلحقه وهي تنادي : لو سمحت أخوي ؛ ممكن سؤال؟
فهد بضيق : اتفضلي وش عندك.
فاطمة التي كانت تحضن كتب الجامعة وضعتها جانباً وهي تقول بحماس : الحين أنا بدرس صيدلة ومصاريفها كثيرة وما أقدر عليها ؛ أقدر أنتسب لاحد الأجهزة بالأمن أوالجيش وأكمل دراستي على حسابهم .
فهد رفع رأسه للأعلى بقلة صبر ثم وجه كلامه لها بحدة : لااااا
ثم اكمل طريقه خارجاً وهو يشعر بالضيق الشديد لاختفاء ملاك ... استرجع في ذهنه مكالمتها ومهماتها التجسسية وحواراتهما ومعاندتها له وخلافاتهما المستمرة ومناكفتها له وكل شيء ......كل شيء ...... حتى عندما أرجعت له الحذاء وابتعدت متفاخرة كالطاووس ..... شعر بقلبه يؤلمه ؛ لو لم يخبرها بإرجاعها الى اهلها ربما ما كانت لتتمكن من الهرب وربما تشجع لخطبتها من الدكتور سعود وأصبحت زوجته .... ولكن لن يضحك على نفسه بهذا الكلام لأن أمه الغاليه لا يمكن أن ترضى بزواجه من امرأة مطلقة .
أغلق باب سيارته بغضب وضيق وغادر بأقصى سرعة استطاعها علها تسارع في تخفيف ألمه وحزنه.
******
اقتربت ام نور من ابنتها التي عزلت نفسها في غرفتها منذ الملكة وتأبى الطعام والشراب ولا تتوقف عن البكاء وقالت بنفاذ صبر : بندر اتصل للمرة الثانية اليوم يبغى يكلمك وانت ترفضين ما يصير هالكلام ؛ هذا الحين زوجك .
نور وهي ترفع رأسها عن الوسادة وتدير وجهها نحو أمها بغضب : ما أبغى أكلمه ولا أشوفه خله يولي وان ما عجبه يطلق .
وعادت لتدفن وجهها ببكاء حار ..
ام نور قامت لتخرج وهي تتمتم : الله يهديك وتشوفي صالحك زين ؛ هذا رجلك بالحلال ما هو مثل ذاك اللي ما خفتي من غضب ربنا وانت تكلمينه.
وخرجت من الغرفة وهي تستغفر وتدعي لبنتها بالهداية .
طرق الباب بيد قوية ، أسرعت لتفتحه لتتفاجئ بشاب قد مر عليها رؤيته من قبل ولكن ذاكرتها لم تسعفها ؛ كان يبدو عليه الارتباك والقلق والتعب وكأنه قادم من سفر بعيد .
سألته أم نور بتوجس : وش في يا ولدي ؟ تبغى شي !
اسلام بتوتر بالغ : خالتي أم نور وش بها نور ؛ ليه تستقيل من الوظيفة وتلفونها مقفل ؛ طمنيني وش صاير ؟
تكتفت أم نور وهي الآن فقط تذكرته عندما أسعفها : بنتي نور والحمد لله تزوجت وما عادت بحاجة للوظيفة
اسلام بصدمة : وش تقولين !! مستحيل هذا الكلام !! ما أصدق !!
ام نور بتحدي : وليه ما تصدق يعني ؟
اسلام بألم : نحن متفقين عالزواج وكلها مسألة أيام وبجيب أهلي ونخطبها ؛ شلون تقولين تزوجت ! مستحيل ! ما هو ممكن !!
ام نور بقلة صبر : والله هذا اللي جاك ؛ والحين مع السلامة ودرب الضيف .
كادت تغلق الباب ولكنه مسكه بيده بقوة وهو يقول : ابغى أشوفها الحين وأكلمها ؛ أنا ما أصدق هالكلام الا اذا سمعته منها ...
ام نور بتهديد : قلتلك نور تزوجت وسافرت مع زوجها وان ما رحت من هنا بطلب الشرطة ياخذوك ؛ تتهجم على حرمة كبيرة مثلي .
وقف اسلام بصمت وقلة حيلة وهو يراها تقفل الباب بقوة ؛ وبقي دقائق على هذا الحال غير مصدق ولا مستوعب لما يحصل ؛ هل يعقل أن تتزوج وترمي بحبهم وتفاهمهم على الزواج هكذا فجأة ودون سبب ! منذ أن اتصل مع محامي الشركة ليعرف سبب اتصاله وهو في ذهول ... نور استقالت هكذا دون مقدمات ، سارع للاتصال بهاتفها ولكنه حتى هذه اللحظة مغلق ودون اجابة .... ليسرع بالسفر عائداً وتاركاً كل أشغاله خلفه دون وعي او ادراك ، ومن المطار مباشرة الى بيت نور وفي النهاية ينصدم بالواقع المرير .... نور تزوجت وسافرت مع زوجها ..... اي كارثة أعظم من هذه تداهم قلبه ... أيعقل أن تتخلى عنه نور !!
سار بدون وعي وركب سيارته التي أمر السائق باحضارها له الى المطار وسار بها بأقصى سرعة وهو لا يكاد يرى أمامه من شدة الحزن والألم ..... ولم يدرك انه يسير في عكس اتجاه المسير حتى داهمته مركبة كبيرة اصطدمت بسيارته في حادثٍ مروع ... على الاغلب لن ينجو منه بسلام ...
*******
حادث فارس أمه الغير مطمئنة على غيابه هذه المرة ورغم محاولته طمأنتها عن أحواله الا انها تصر بوجود خطر أصابه فهذا قلب الأم الذي قلما يخطئ ؛ لذلك وعدها بزيارة في الغد حتى يرتاح بالها..
ثم عاد ليتصفح الرسائل والمكالمات واغلبها من البنات .....
بدأ بالاجابة على الرسائل بقرف واضح وتلقي المكالمات المليئة بالغنج وكلمات الحب والغرام من فتيات لا يرى فيهن الا كل قلة حياء وانعدام الأخلاق وقلة التربية .... ولماذا يستغرب فهذه هي النوعية الوحيدة التي يعرفها من بنات العوائل ......
ومن المؤكد أن هذه التي تزوجها لا تختلف عنهن كثيراً مهما حاولت تغطية ذلك بل انها من الجرأة ان تترك بيت اهلها وتعيش بعيداً عنهم دون حسيبٍ أو رقيب...؟
اذن لماذا تزوجها وجعل احد اصدقاءه القضاة ولياً لها ... أهو جنون طارئ ام شغف لازمه لأكثر من عام منذ أن رآها اول مرة في حوش أم عزمي ؛ جذبته حينها مع صراخها الطفولي عليه وحرصها على مال أم عزمي ؛ في كل مرة يحاول استفزازها يزداد انجذابه نحوها وهو يعتقدها تلك الفتاة العصامية الفقيرة والتي تقرب لأم عزمي ؛ ولكن كانت الصدمة بعد التحريات... ابنة الدكتور سعود اي من نفس صنف الفتيات اللواتي دائماً يثبتن له قلة الدين والحياء .... لازال يذكر قبل سنوات عندما كانت اختها هبه تحاول مراسلته وتبعث طلبات صداقة ومتابعه له وان زواجها من عبدالله هو ما جعلها تتوقف ... وهذه الملاك هي أختها فماذا ستفرق عنها .. والا لماذا طلقها خالد الذي يعرف أخلاقه ودينه ... والا لماذا بكل وقاحة تعيش بعيداً عن أهلها بهذا الغموض ؛ حتى أنها بوقاحة تتنكر لأمها !!..... يا ليتني عرفت هذه الأمور قبل أن أتعلق بها ..
كم شعرت بالسعادة وأنا ادعي كسر قدمي ؛ صحيح أن هذا لمصلحة التحقيقات ولكن الأهم أنه جعلني بقربها أجادلها وأناكفها كل يوم...
ولا أدري لماذا أصابني الخوف عليها عندما تم تجنيدها من قبل محمود ؛ اصبحت بلا قدرة على الثبات ولا النوم خوفاً عليها وكلما خرجت أكاد أجن خوفاً عليها بل وكذلك الغيرة القاتلة كلما ذهبت للقسم وكلما سمعت فهد او محمود يتكلمان عنها بمدح وتوصيف ... فهذه الملاك لي أنا وليست لغيري ..... قرار اعادتها الى أهلها يعني حرماني منها للأبد وبقاؤها بالحوش خطر محدق ...
ثقتها بي ودموعها المعلنة رفضها العودة لأهلها جعلني أتجرأ بأن تكون لي رغم كل شيء ورغم انعدام الثقة والشكوك ؛ توقعت رفضها او تأجيلها الأمر أو كل شيء الا أن تعلن الموافقة ... من جهة رقص قلبي فرحاً ومن جهة أخرى تملكني الأسى والضيق.
أعاد تنكره بالكامل ليتجه الى بيت الزوجية ولكن بعد أن يحضر لها كل ما يمكن أن تحتاجه من أغراض .
الجد ابو قاسم وجميع الأخوال وابناءهم يقفون بباب غرفة العمليات بتوجس وخوف وانضم لهم عم اسلام الخائف هو أيضاً ؛ وكل المؤشرات لا تطمئن بخير .
وان تبادلوا الأحاديث فقط للحيرة والتساؤل ؛ اسلام كان في الخارج !متى عاد !ولماذا لم يخبر أحد برجوعه !!
جاءت ام اسلام برفقة علي وهي تجر نفسها بصعوبة ويمسك علي بيدها .
نظر الجد الى علي بلوم لأحضاره لها في هذا الموقف العصيب ؛ لكن علي قال له هامساً : غصب عني يا جدي كانت بتذبح روحها لو ظلت بالبيت .
هز الجد رأسه بتفهم وعاد للدعاء الحار والصادق بأن ينجي الله اسلام ولا يفجع قلب امه عليه.
وبعد اكثر من ساعة خرج الأطباء ولا تبدو عليهم الاطمئنان ؛ هجم الجميع نحوهم بقلق وأولهم ام اسلام .
أحد الأطباء وواضح انه المسؤول قال بغموض : بصعوبة قدرنا نوقف النزيف ولكن ما نقدر نعرف وضعه ومدى استجابته الا بعد اربعه وعشرين ساعة على الأقل ؛ هو الآن بحاجة لدعاءكم وصبركم.
انفجرت ام اسلام ببكاء مرير مع محاولات اخوانها تهدئتها ؛ وتوجه الجميع بالدعاء الخالص والتضرع للمولى بأن يمن على اسلام بالشفاء ... انه سميع مجيب الدعوات.
********
دالية تجلس بحضن والدها المتعب من العمل وتحادثه وتحادثه وهو بصعوبة يتجاوب معها لاحساسه بالتعب الشديد...
دالية بتأفف : أووووف بابا انت ليه ما ترد علي !
ناصر بتعب وهو يفرك عينيه : والله يا بابا تعبان وابغى أنام وأرتاح .
دالية : وانا ما أحد يهتم بي او يلعب معي .
ناصر بحنان : بابا اذا تبغين باخليك تروحين لبيت عمك سليمان تلعبين مع بناته .
دالية بضيق : ما أحب العابهم كلها مقاهرة بمجاكرة ويتحالفون ضدي .
ابتسم ناصر على اسلوبها وهو يعلم انها تقاهرهم كلهم دون استثناء ، لكنه سأل بصبر : طيب وش هو الحل برأيك؟؟
دالية بثقة : وش رايك تجيب خالتو عزيزة تسكن عندنا وانا اتسلى معها .
ناصر بضيق من سيرة عزيزة : اول شي اش معنى عزيزة ذي حبيتيها من دون الناس وثاني شي شلون أجيب هالبنت تعيش عندنا ! أهلها ما يقبلون .
دالية ترد بذكاء وصدق : اول شي أحبها لانها تذكرني بجدتي الله يرحمها نفس اسلوبها وحنانها ؛ وثاني شي اهلها بيقبلون تسكن عندنا اذا انت تزوجتها ...
*****
العميد محمود بانشراح : الحمد لله الحين بأرتاح وانام قرير العين ؛ بعد ما قبضنا على كل افراد العصابة ؛ الحمد والشكر لله..
فهد بفرح : والكمين كان ناجح وما انصاب أحد من العناصر .
العميد محمود بأسى : يكفينا اصابة المقدم فارس ؛ الله لطف بيه .
فهد بتخفيف : هذي مهنتنا كل الاحتمالات والاصابات واردة فيها ؛ لا تكثر من اللوم على نفسك.
العميد محمود : اصابة فارس وهروب ملاك أفسدوا علينا فرحة النجاح بعد سنين من التعب .
فهد باستفسار : هالحين تبغى تعلم الدكتور سعود باللي حصل .
نظر له العميد وهو يهز رأسه بنفي : وش أقوله الله يهداك ؛ لو كانت بيننا كان سلمتها له باليد لكن الحين وش اقله ! بنتك اختفت والا كنا مجندينها ضد عصابات المخدرات !!
ما دام هم ما استفقدوها او سألوا عنها ما نقدر نثير الموضوع مالي وجه اقول هربت او ضاعت ..
ورده في تلك اللحظة اتصال جعل وجهه يكفهر ونظر الى فهد بضيق واضح...
فهد بخوف : في شي؟؟
العميد محمود بضيق : اسلام حصل معه حادث مخيف وهو الحين بالمشفى .... ثم أسرع بالخروج يتبعه فهد
****
تجلس بريبة وشك وضجر في بيتها الجديد ؛ شعور بالراحة يغمرها ولكن يرافقه خوف من ان يصبح سجناً جديداً لها يماثل سجونها السابقة !
لكنها لن تسمح بذلك ؛ ستحاول أن تقنع رداد بأن يسمح لها بالعمل بشهادتها المتوسطة او حتى الاستعانة بعزيزة لتجد لها وظيفة في شركة الألبسة وهي ستكون عوناً لرداد في تأمين أجار البيت ومصاريفه.
دخل البيت وسارعت هي لاستقباله ؛ تناولت منه الأغراض وهي مستثقلة منها .
قالت بحنان : ضروري تحمل هالاشياء الثقيلة وتأذي كتفك .
لم يجبها وانما جلس فقط على الكنب ليرتاح ..
اكملت ملاك بحنان : لازم تراعي نفسك اذا ما تبغى تنتكس هذي طلقة ما هي حي الله اصابة .
نظر لها وهي تتكلم بحكمة ؛ وابتسم لا أرادياً على اسلوبها ؛ انحرجت ملاك من ضحكته واحمرت وجنتيها كالعادة فقامت مسرعة لتنشغل برفع الأغراض وترتيبها ..
ما أن انتهت عادت لتعرض عليه تناول الطعام ؛ لكن كان قد قام الى السرير لينعم بنومٍ هادئ بعيداً عن ملاك الجميلة المثيرة .
اغلقت عليه الباب بهدوء وعادت للانشغال في عملها ؛ بينما هو في محاولته النوم ، يجادل نفسه .....
الى متى سيستطيع مقاومة جمالها واغراءها ... ترتدي بنطالاً اسوداً ضيقاً لأسفل الركبة بقليل مع قميص فضفاض ومعقود من وسطه بحزام .. لا يدري ولكن من خبرته هذه ملابس ثمينة فكيف تحصل فتاة في مثل وضعها عليها ..
"وهو لا يعلم بمساعدة عزيزة باختيار الأقمشة لها وحياكة أحدث الموديلات التي تماثل الماركات العالمية بالتعاون مع جارتهن الخياطة"
لكن كيف يظلمها وهو مع مراقبته الدائمة لها ولسلوكها لم يجد ما يشوبها أو يسيء اليها ...
قرر النوم ودفن أفكاره وتناقضاته ولعل فرج الله قريب.
.
استيقظ بعد ساعات من النوم والراحة وفتح الباب بهدوء ،لم يجدها بالصالة ولكن سمع صوتها وهي تدندن بأغنية هادئه مع صوت الراديو المثبت بهاتفها النقال .. وتعمل بهمة في اعداد الحلويات ؛ فهي تعلم ان رداد يحب تناولها مع القهوة..
وقف بباب المطبخ -وهي بسبب انسجامها لم تلحظ ذلك- وبدأ ينصت باستمتاع لصوتها العذب الشجي ..
بين اااايدي واااااحس اااااانك بعيد
ذؤؤؤؤؤب باحضاني مثل قطعة جليد
اقترب بلا وعي تحركه الرغبة نحوها واحتضنها من الخلف ؛ سرت في جسمها رجفة أربكته ؛ لا يدري أهي خوف أم حياء
على كل .. رجفتها أعادته لوعيه فأدارها نحوه وسألها بحنان : تدرين ان صوتك حلو كثير ؟؟
انزلت رأسها بخجل واضح وابتعدت عنه لتعاود انشغالها بصنع الحلوى .
وقف بقرب الطاولة وبتساؤل : وش تعملين ؟
ملاك وهي لا زالت تخفض رأسها خجلاً : بعمل حلويات مع القهوة .
حياؤها يكاد يقتله ويزيد من حالته سوءاً لذلك قال باستفزاز : وانت مبسوطة يعني بتظني الحلويات اللي بتعملينها زينة .
ناظرته بتحدي : يا سيدي انت روح واجلس بالصالة لما أجهزها وان ما عجبتك مرة واكلت أصابعك وراها ؛ اعمل اللي تبغيه.
تبسم ولا يملك الا طاعتها وجلس يترقب الحلوى وهو يعلم يقيناً انها ستكون من أطيب ما أكله في حياته .
*******
جلست نور عند أمها ويدها على صدرها
ام نور بخوف تركت تقشير الخضار: فيك شي يما ؟
نور باضطراب : يما أحس بضيقة ما أدري لويه ؛ أحس بشي ما هو زين صار او بيصير .
ام نور بضيق من اسلوب ابنتها : يا يما دشري عنك هالهواجيس ؛ انت خلاص صرتي حرمة متزوجة ؛ خافي الله بنفسك ودينك وانسي الماضي بكل ما فيه.
جلست نور بقربها والدموع تتدفق بحرارة من عينيها وقالت وهي تشهق : صعب يا ام نور والله ماني قادره أنساه ولا أنسى حبي له أحس روحي ضايعة من دونه ..
وحملت نفسها بسرعة عائدة الى غرفتها وألقت بنفسها على الفراش لتجهش ببكاء مرير " حتى ما كلف نفسه يرجع للبلاد ويستفسر منها ليه استقالت او حتى يبعث أحد يطمن عليها ؛ معقولة كنت بالنسبة له مجرد تسلية "..
*******
وضعت أمامه طبق الحلو مع القهوة وبنفاذ صبر وقفت تترقب رأيه ..
رن هاتفه الاحتياط الذي يستخدمه في المهمات ؛ ناظره ورد بارتياب ثم قام بسرعة وهو ينظر الى ملاك المتفاجأة : خوي الي صاير معه حادث شنيع وهو بالمشفى ...
وضعت يدها بخوف على فمها ؛ وراقبته وهو يسرع في الخروج مع تشديده عليها بعدم فتح الباب والانتباه لنفسها
********
دخل استراحة الانتظار في المشفى وجال ببصره بين الموجودين .... هؤلاء هم أهل زوجته ؛ ابوها وجدها وأعمامها وابناء عمومتها وانسباءهم وأصدقاءهم .... الكل في توتر وخوف ... اقترب منه العميد محمود واحتضنه بحرارة وهو يسأل عن صحته ؛ أجاب باقتضاب ولم يرغب بكثرة الكلام معه ، لكن سأله عن الحالة الصحية لأسلام .
العميد محمود بحزن بالغ : وضعه صعب ولا زال لم يستيقظ والدكاترة بينطرون اربع وعشرين ساعة حتى يحدده حالته.
اقبل الجميع على السلام عليه وتحيته.
خرج الدكتور نواف من غرفة العناية المركزة واتجه الكل نحوه بتلهف لسماع أي خبر .
الدكتور نواف بضيق : علاماته الحيوية مستقرة والحمد لله ولكن تقييم حالته لسا بكير بحاجة لمزيد من الوقت ..
عاد الصمت والوجوم يخيم على الجميع .
نساء العائلة تم حجز جناح لهن بالمشفى للوقوف بجانب ام اسلام واسراء المنهارات كلياً وأغلبهن مع الجدة يمضين الوقت بالصلاة والدعاء لاسلام بالشفاء العاجل.
اقترب خالد من فارس وسلم عليه بعد ان اعلمه ابو سيف بتعرضه لاصابة خلال عمله . وخاصة ان علاقتهما كانت قوية ولكن نظراً لكثرة مهمات فارس ومناوراته وكثرة سفريات خالد وانشغالاته قل الاتصال بينهما .
فارس شعر ببعض الضيق لأن خالد هو الزوج الأول لملاك لكن حاول عدم اظهار ضيقه بعد ان رأى اهتمام خالد بصحته وما أصابه .
فارس بحذر : خالد أبغاك ما تخبر أحد عن اصابتي ؛ ما أبغى احد من أهلي يعرف ، الوالدة معها القلب وما تحتمل.
خالد بتفهم : ولا يهمك اخوي لكن وصي ابن عمك ما يخبر أحد .
نظر فارس الى العميد المنسجم بالحديث مع الدكتور نواف ؛ وتجاهل الأمر لانه لا يرغب بمحادثته .
******
انتظرته طويلاً حتى داهمها النعاس واستسلمت له بهدوء بعد عاصفة من الأفكار داهمتها ؛ يتجنبها وهذا مؤكد بسبب اصابته البالغة ؛ ترى الحزن والحيرة في عينيه ولا تعرف سببهما ؛ لا يحب كثرة الكلام والنقاش وهذا يحبطها فهي وحيدة هنا حُرمت من العمل الدؤوب الذي اعتادته وحرمت من صديقاتها الرائعات ...
عصبي وسريع الانفعال رغم أنها لا تجادله ولا ترادده او تناكفه كما اعتادت ؛ تحرص على أن تكون زوجة مطيعة تحترم سلطة زوجها وتعليماته وبنفس الوقت تريده أن يحترمها ويلبي رغباتها في العمل ومشاركته في تأمين معيشتهم لكن مع عصبيته المستمرة لا تعرف متى تبدأ والأرجح أن تنتظر قليلاً ريثما يطيب جرحه.....
دخل المنزل في وقتٍ متأخر ليجدها غارقة غي النوم ، بدأ يعتاد على ثقل نومها لذلك اقترب منها يتأملها على راحته ؛ ابتسمت وهي نائمة وكأنها تحلم حلماً جميلاً كالأطفال ؛ تبسم مع ابتسامتها ثم قبلها على جبينها ثم على خدها وأنفها وأخيراً شفتيها ؛ للحظات نسي كل شيء الا نشوة اقترابه منها .. لامس بشفتيه رقبتها وهمس دون ارادة وشعور بأذنها : احبك يا ملاك.. احبك .
انتفض فجأة وخيال غادة يتراءى أمامه ؛ عاوده شعور الضيق في صدره والكبت والألم ؛ أخذ نفساً عميقاً ومضى الى غرفة النوم يجر أحزانه وغضبه اللا متناهي ويحاول اجبار جراحه المثخنة على الاستسلام لنومٍ اضطراري يُسَكِّنُ اوجاع القلب والروح...
.
.
.
انتهى الفصل
رواية رحلة عذابي أنا 💘 الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم عشق جنوبي💞
الفصل الحادي والثلاثون
بعنوان #🙈🙈🙈🙈
قرر الذهاب لزيارة هبه مع امها ومع عبدالله منذ الصباح الباكر وذلك بتوصية من الطبيب المعالج لدعم المريضة نفسياً وتشجيعها على تقبل العلاج ...
وان كان قلبه مليء بالخوف على اسلام ولكن ابنته الحبيبه هبه تحتل كل همه واهتماماته.
اندفعت نحو أحضان ابيها تنشد الراحة والأمان دون الالتفات الى غيره ؛ فلطالما كانت ابنته المدلله وأقرب الأرواااح الى قلبه .
ليست هبه لا في شكلها ولا في جمالها ورشاقتها وحيويتها او شبابها وعنفوانها ..... كانت اقرب ما تكون الى عجوز هزيلة عينيها غائرتين ومحاطتين بهالاتٍ سود وشعرها منفوش قد فقد ألقه وبريقه ونعومته بل إنها فقدت أكثره كما أوضحت لهم الممرضة سابقاً بسبب شدها المتواصل له ويديها مليئة بالجروح والندوب الكثيرة ...
دهشة كبيرة أصابت عبدالله من منظرها ووضعت ثريا هانم يديها على فمها لتكتم صرخةً كادت تنطلق من شدة المفاجأة .
نظرت هبه الى ابيها المكلوم برجاء : بابا حبيبي ارجاك خلها تطلع من راسي ؛ ليل ونهار ما تفارقني ؛ اذبحوها ... اخنقوها .. اي شي .
ابو طلال بألم واستغراب : وش هي يا بنتي .
هبه وهي تجول بنظرها باضطراب وتشد شعرها او تقضم أظافرها بريبة واضحة : هذي بنت منال ؛ أشوفها تعاتبني ليه كنت أضربها واحرض الكل عليها ..
بس أنا وش أساوي هي تستاهل اللي يجيها .. ليه الحين بتنتقم مني .. والله ما أعيدها وما أشد شعرها ولا ارمي عليها التراب واضحك على ملابسها وشكلها ... توبة والله ما أعيدها ... بس تطلع من راااسي .... يبا أنا ترجيت شمس وأماني يخلصوني من الحبوب لكن يقولون تستاهلين اللي جاك لأنك ليل ونهار تنشرين بالسناب وتغيظين بينا.... يبا أنا ما سرقت خطيب أماني منها أنا بس راهنت البنات اني بقدر أرسم عليه واخليه يتركها .
ثم ضحكت بألم : أنا ما كنت أبغاه ما هو من مستواي لكن لازم يعرفون ان بنت الدكتور سعود كل شي تبيه تاخذه.
حاولت ام طلال اسكاتها عن الكلام المحرج امام عبدالله ولكن لم تستطع ؛ دفعتها هبه بعيداً عنها وعادت لأحضان أبيها وهي تتكلم باضطراب : أنا ما أحبهم أنا كنت باتسلى بس كلام وغزل والا كلهم ما هم بعيني ؛ حتى عبدالله ما أحبه لكن اهو الوحيد اللي يحافظ على مكانتي ... ويبيني أجيبله اولاد .....هههههههه.....هذا الغبي ! أنا أخرب جسمي عشانه.
كلهم مصدومون من كلماتها ....
الدكتور سعود لا يصدق أن هذه هي تربية يده .. من كان يعتقدها رمز للبراءة يتبين فيها كل العهر والمكر وقلة الحياء ولكن ماذا يفعل هي ابنته وشيء في داخله يحاول أن يلتمس لها العذر بشتى الطرق.
عبدالله لا يحسد على حالته وألمه ؛ ما أن خرج مع عمه من المصح حتى قال وهو يحبس كل الاحتقان والثورة في داخله : عمي .. ان شاء الله هبه بتقوم بالسلامه وتتخلص من الادمان وتعاود لها صحتها وعافيتها ولما يجي ذاك الحين ببلغك اني بطلقها وما تعود على ذمتي .
وغادر دون سماع رد عمه أو مناشدات أم طلال له
ابو طلال بهدوء : اتركيه يا ثريا لا تنادي عليه معه حق والله يلوم اللي يلومه .
*******
عاد بعد صلاة الفجر الى البيت ليجدها في الغرفة الفارغة تصلي بخشوع ؛ حاول عدم مقاطعتها وهي تدعو بتضرع ان يصلح الله حالهم ويرزقهم من واسع رزقه ويبعد عنهم الأحزان والاسقام.
تفاجأت عندما قامت من صلاتها بوجوده وهو كان يشعر بالسكينة تملأ قلبه .... آه يا ملاك أتمنى انسى كل شي في الكون الا انت وحبك .
مرت بجانبه متجهة الى المطبخ وهي تقول : الحين بجهز الافطار .
رد باقتضاب : هاتيه بغرفة النوم .
جهزته بسرعة ووضعته أمامه وصبت له الشاي وهي تجهز نفسها لمكالمته عن نواياها
ملاك بحذر : رداد انت تدري ان معي شهادة معهد متوسط.
فارس بهدوء وهو يرتشف الشاي : والقصد!
ملاك بحماس : ايش رايك أشوف شغل بشهادتي .
ناظرها وهو مستغرب : تشتغلين ! ليه هو ينقصك شي!
ملاك وهي تهز رأسها : لا لا ما ينقصني شي ؛ لكن مليت من القعدة بالبيت بروحي وانا متعودة عالشغل والناس والله أحس روحي طقت .
فارس باسلوب ساخر : بعدك عروس الحين أجلي مواضيع الشغل لبعدين والا ما تلقين شي يشغلك.
ملاك بضيق : رداد ليه..
قاطعها بحزم : قلت ما هو وقته ولا تستعجلين على شي .
ثم قام بغضب وهو يوصيها كالعادة بعدم فتح الأبواب لأحد لأن غيابه سيطول في المشفى للاطمئنان على صديقه.
*******
جلست في غرفة الاستقبال بعد أن ادخلتها عليها الخادمة وهي تشعر بالتوتر ؛ لأن عامر لا يعلم بزيارتها هذه ولأنها بذلت جهداً كبيراً في محاولة اقناعه بإرجاع روعة ؛ حتى انها لما أرادت ان تستحلفه بالله أن يرجعها وضع يده على فمها واستحلفها بالله أن لا تحاول معه وانه يحتسب ما حصل عند الله.
ذهبت الخادمة الى جناح أم عبدالله فلم تجدها لأنها كانت بعد تجهيز نفسها للتوجه للمشفى ذهبت أولاً الى جناح روعة للاطمئنان عليها .
وجدت روعة في السرير كالعادة وحولها أصناف متنوعة من أفخر انواع الشوكولاته والمكسرات والعصائر وتتابع شاشة الجوال دون اهتمام بشيء .
ام عبدالله بحنان : يا ماما يا حبيبتي هذي الأطعمه ما هي صحية يلزمك خضار وفواكه أفضل وأفيد.
روعه بضيق وهي تلتهم الشوكولاته : انت بعد بتصيرين تنظرين علي ما يكفيني ام اربعة واربعين .
طرق الباب ودخلت الخادمة وباحترام : ماما ام عامر تحت تبي ماما .
روعه اشتعلت فيها النار وقامت لتطردها ولكن أم عبد الله أقنعتها بعدم مواجهتها وترك هذي المهمة لأمها....
ام عبدالله بتعالي : لا أهلاً ولا مسهلاً بالدرب اللي جابتك .
ام عامر بضيق : الله يسامحك يا بنت الأصول ؛ كذا تستقبلين ضيوفك!
ام عبدالله وهي تدير وجهها عنها : اللي يهينون بنتي ما لهم عندي شي .
ام عامر بصدق : والله يا أم عبدالله اني ما طاب لي اللي صار لروعه ولكن غصب عني ؛ وهي الله يهديها غلطت ولازم تعترف بغلطها .
ام عبدالله بقلة صبر وهي تنظر لساعتها : أخلصي علي وش في عندك الحين ؛ وش جابك من صباح ربنا ؟
ام عامر : والله اني ما نمت الليل بطوله وانا حامل هم روعة وخلفتها ؛ يهمني ما تتضايق من اللي حصل عشان صحتها هي والجنين ؛ وعشان انبه عليك انها لزوم تمشي لان روعه عندها زيادة كبيرة بالوزن ؛ ووضع الجنين ما يطمن لاهو بالطول ولا بالعرض وتحتاج تمشي كل يوم حتى تتسهل ولادتها ويتدور .
ام عبدالله : طيب يا الحكيمة ما قصرتي والحين نقدر نقولك مع السلامة وما في داعي تعيدين هالزيارة .
قامت أم عامر بألم وهمت بالمغادرة عندما رأت روعه قادمة نحوها بغضب وهي تصرخ : أدري ان أمي أعطتك اللي بيه النصيب لكن أحب أعلمك ان اولدي تحلمون تشوفونه او تقربونه ووالله... والله لأخليكم تبوسوا الأيادي وما تحصلونه.
أكملت ام عامر مسيرها وهي صامته لا تبتغي الكلام أو المجادلة ؛ هي رسالة ارادت ايصالها لأم عبدالله وعساها تجد انتباه وقبول.
*****
طمأنهم الطبيب المختص ان اسلام استعاد وعيه بحمد الله ولكن فريق الأطباء ارتأى تخديره بشكل كامل حتى لا يقوم بأي حركة لا سمح الله تؤدي الى عودة النزيف .
اميرة تسأل الدكتور نواف بألم : لمتى بيظلوا يخدرونه ؟
الدكتور نواف : والله يا خالتي ما هو مبين ؛ المهم يحاولون أطول مدة تضمن سلامته.
ام اسلام عاودت مع رماح الى جناحها وهي لا تملك غير الدعاء والتضرع للمولى أن يشفي ابنها .
هم فارس بمغادرة المشفى ليتفاجئ بالعميد محمود يلحقه ويدعوه لمرافقته بالسيارة .
فارس بضيق : انا بروح بيتنا بشوف أمي واخواتي .
العميد محمود : بروح معك واسلم على عمي وخالتي أم تركي زمان عنهم .
ركب فارس مع العميد وهو مضطر لأنه أصلاً لا يملك سيارة معه بل ان من أهداف زيارته لأهله هو أخذ سيارته التي تركها هناك منذ شهور .
فارس بتذكر : لا تجيب سيرة لأهلي بالاصابة ؛ تراهم ما بتحملون .
ابو سيف : اطمن ؛ الكل يدري انك بدورة تدريبية ولا توصي حريص.
لم يجبه فارس او يكلمه ؛ لكن العميد معتاد على ابن عمه فارس ليكلمه بكل ما في قلبه ودون حواجز ...
العميد : فارس تدري مع ان هذي العملية تمت بنجاح ؛ لكن أحس الفرحة انخطفت مني وحل مكانها الألم.
فارس حاول ان يتجنب الاستماع له ولكلماته ولكنها تداهمه برغم كل شيء
أكمل العميد باحساس صادق : اصابتك ومجرد فكرة ان يلحقك ضرر بسببي كان بيقتلني ؛ ما اوصف لك حجم الخوف اللي صابني عليك والحمد لله اللي قدر ولطف .
فارس وهو يتنفس بعمق : الحمد لله ؛ قدر الله وما شاء فعل .
العميد باستطراد : والأمر الثاني ؛ ملاك ومصيرها !
وين راحت وكيف بتختفي فجأة ؛ كل ما أفكر بيها يوجعني قلبي وأحس بتأنيب الضمير ..
مسح فارس بيده على شعره بضيق شديد وهو لا يرغب بسماع كلام محمود عن ملاك فقد يقول شيء يجعل فارس يخرج عن طوره .
فارس بغضب مكبوت : خلص غير السيرة ؛ كل هالدنيا ما تستاهل نحمل هم شي بيها .
سكتا مجدداً وكل واحد منهما يناجي همومه وجروحه في معزل عن الآخر .
******
قرر ناصر زيارة القسم المؤقت الذي وضع عزيزة للعمل به برفقة عدد من مساعديه وهو يأمل أن لا تفتعل عزيزة اشكالات مع العاملين في هذا القسم .
شعر بالصدمة وهو يراها تضع قدميها فوق طاولة الكمبيوتر وتتكلم بالهاتف وتضحك بصوت مرتفع .
تنحنح بقوة فجفلت وقامت وهي تسمي : بسم الله الرحمن الرحيم ؛ جفلت قلبي يا معود ؛ ما قلت لك ان نجمي خفيف وبساع أخاف.
ناصر بغضب : كيف تسمحي لنفسك تستعملين الهاتف خلال وقت الدوام الرسمي ؛ أظن بلغناك ان هذا أمر لا يغتفر .
تخصرت عزيزة بتحدي وهي تمد له الهاتف : بس هذي مكالمة ما أقدر اتجاهلها .
ناصر وقد فقد صبره : وش لي بمكالماتك وهبالك ؛ الشغل ما أقبل به أي عذر ؛ فاهمة.
عزيزة بحنق : كلم وبعد كذا ساوي اللي تبيه.
تناول الهاتف بغضب وصرخ بقوة : ألو مين معي ؟
دالية بألم : بابا ليه تصرخ بوجهي ؛ انت زعلان مني شي !
انعدم صوت ناصر من المفاجأة وبصوت متحشرج : لا يا عمري ؛ لكن ما دريت انه انت.
دالية وصوت بكائها يتصاعد : بابا حتى خالتو عزيزة حرام تصرخ عليها كذا ؛ انت شرير يا بابا
وتعالى صوتها بالبكاء وناصر امام الجميع يحاول تهدئتها لكن لم يستطع.
تناولت منه عزيزة الهاتف بخفة وهي تصرخ بمرح : كاميرة خفية كاميرة خفية هههههههه
انت صدقتي يا خبلة ترى كنا بنعمل فيك كاميرة خفية .
دالية توقفت عن النواح وبصوت متفاجئ : انت تتكلمين صدق!
عزيزة بنغزة : اي طبعاً بصدق والا تعتقدين ابوك اللطيف الظريف ممكن يصرخ في أحد والا يعلي صوته !
أبد أبد هذي ما هي من صفاته ؛ هيه كلميه ....
تناول ناصر التلفون وذهب عائداً الى مكتبه يساير بابنته الوحيدة بالكلام والأحاديث وهو يشعر بعبئها يتزايد يوماً بعد يوم.
استيقظ من أفكاره على منظر عزيزة تقف أمامه متخصرة .
هب بها صارخاً : انت وش فيك لاحقتني ؛ اطلعي من راسي ما عدت اتحمل وجودك وقسم بالله ...
قاطعته وهي تمد يدها تأخذ الهاتف : جيت باخذ تلفوني ولعلمك بنتك اللي اتصلت معي وتكلمني عن اللي صار معها بالمدرسة .
وغادرت بضيق من كلامه وهي تقول : ولعلمك انا ما أستعمل الهاتف بالعمل أبداً ؛ صحيح حالتي على قدي لكن أخاف ربي وأحلل فلوسي ....
شعر ناصر بالضيق من نفسه لأنه فعلاً قاسي وسيء في معاملته لها وهذا ليس من طبعه فهو يحترم الآخرين ويحسن تقديرهم فلماذا بالذات مع عزيزة تُستفز كل نوازع الغضب وتستثار كل خلايا العصبية والاستنفار من داخله.
******
من كلام محمود عنها علم بشغفها بالكتب والقراءة ؛ توجه لشراء مجموعة من الكتب المنوعة من مكتبة الكتب المستعملة وأحضرها الى البيت وهو يشعر بالراحة لأن ابواه لم يلاحظوا اصابته أو يسمعوا بها .
هي من فرط الملل تناظر السقف المعلق به مروحة تدور بهدوء ؛ ضايقها خيط معلق بطرف المروحة يدور معها فقررت الصعود وقطعه ؛ احتاجت الى طاولة وفوقها كرسي لأن السقف مرتفع .
صعدت بحذر وبدأت تقطع السلك بهدوء ؛ أربكها صوت فتح الباب ودخول رداد ؛ حاولت الثبات والتماسك وهي تراه في الأسفل يناظرها باستغراب ؛ ولكنها فقدت اتزانها كلياً عندما تذكرت أنها ترتدي تنورة قصيرة .
اخذت تتمايل بقوة وفارس يتمايل معها برعب هو الآخر حتى سقطت وهو يمد يديه متناسياً اصابته ؛ فوقعت في أحضانه وسقطا معاً على الأرض .
للحظة شعر بقوة الألم من السقطة وفي لحظة تتبعها انتابه شعور جميل بقربها واحتضانها .
حاولت القيام مذعورة لتتفقد كتفه واصابته ؛ ولكنه همس باذنها برفق : خليك جنبي وباحظاني .
انتابها الخجل الشديد وهي لا تدري ما تفعل وجسمها بلا أرادة منها يرتجف في أحضانه .
تحيره ارتجافاتها وتعابيرها الخجولة وتزيد من شغفه بها ؛ وما يدري ماذا يفعل بنفسه وبها والى متى .....
قام وهو يرفعها معه ويساعدها بالوقوف وهي على خجلها تسأله ان تضرر !! وهو يرد باقتضاب : ابد أبد
ناولها أكياس الكتب وهي تشهق بفرحة غامرة وتشكره متسائلة : ليكون ثمنهم مرتفع وكلفت على روحك
أشار بالنفي
عادت لتفقد الكتب وبريق عينيها يتوقد بشغفٍ لا محدود ؛ فعلاً هذه البنت تعشق القراءة والكتب ..
ملاك ناظرته باستغراب : رداد انت شلون دريت اني بحب الكتب والقراءة .
فارس بعدم اهتمام وهو يتفقد بكتفه : وشلون بأدري يعني أنا شفتهم مبسطين بالكتب قلت اشتريلك تتسلي بيهم .
ملاك بخوف : كتفك تألمك شي ؟
فارس بنفي : لا أبد ؛ لكن أريد أنام وارتاح .
وتوجه الى الغرفة واستلقى بتعب وهي عادت لتفقد الكتب بفرحة وشغف .
***
قبل نهاية الدوام رنت عليه دالية بغضب لأنها تحاول الاتصال بعزيزة ولكن هاتفها مغلق ..
ناصر : بابا وش تبغين بعزيزة ؟
دالية بطفولية : هذا سر يا بابا مو كل شي لازم تعرفه.
ناصر بابتسامة : الحين هي عندها شغل ؛ كلميها المسا أحسن.
دالية وهي تهز كتفيها كانه يراها : هئ هئ ما ينفع لازم أكلمها الحين.
ناصر بضيق : طيب الحين بخليها تكلمك ماشي
دالية بفرح : ماشي يا أحلى بابا..
طلب من السكرتير تحويله الى مكتب عزيزة ؛ رد عليه صوت انثوي ناعم وشك للحظة ان السكرتير أخطأ بالتوجيه فقال باستغراب : مين معي ؟
عزيزة باستنفار : انت المتصل عرِّف عن نفسك وقول وش تبغى .
اطمأن بعد أن تأكد الآن انها عزيزة ما غيرها : انا ناصر...... دالية تبغى تكلمك ضروري اتصلي عليها .
عزيزة بقصد : قول لها ان مدير الشركة ما يسمح للمكالمات خلال العمل وانها ما تقدر تخالف لان ر...
قاطعها بحنق : آنسة عزيزة انا ما قصدت أسيء الك لكن انت ما ادري شلون تعصبيني وان كان ما تبغين تردين على بنتي بتمنى تكلمينها وتفهمينها بأي عذر ما تعاود تطلبك.
وأغلق الهاتف دون انتظار ردها وهو متفاجئ من نفسه ! "معقول أنا الحين اعتذرت من عزيزة ! الله يسامحك يا دالية اللي تحطيني بهيك مواقف "
ناظرت السماعة لدقيقة وهي تتمنى ان تقوم وتكسر الهاتف على رأسه فلطالما كرهت غرور الناس أمثاله واستعلاءهم ؛ وهي تحذر نفسها " ديري بالك في يوم يا عزيزة تنسي روحك وتذبحينه تراك تروحي فيها مؤبد "
****
شهد بضيق : يما الله يهداك شلون تروحين لهن برجليك وانت عارفة باللي يساونه
ام عامر بألم : باتحمل كل شي لاجل ولد عامر اللي طول عمري استناه واحلم اشيله بحظني وافرح بيه ....
وغالبتها دموعها الصادقة
احتضنتها شهد بحنان وهي تمثل الغيرة : وانا بعد ان شاء الله بجيبلك حفيد ؛ ما تفرحي بيه يعني !!
مسحت ام عامر دموعها وبألم : أكيد بافرح ومن كل قلبي بادعيلك بالسلامة ؛ لكن ولد عامر غير .... هو وحيدي وانا أدري ايش قد هو مشتاق يجيه ولد ويحمله ويلاعبه .
شهد بحنان بالغ : باذن الله كل شيء يتحسن وهالغضيبة روعة تعرف بغلطها وتنصلح وتحسن باخلاقها ؛ ربك كريم .
ام عامر بأمل : يا رب ..يا رب
******
مرت ايام هادئة للبعض ومضطربة للبعض الآخر
اسلام على حاله يخدر باستمرار والكل يترقب ...
نور في ضيقة شديدة وأمها تقرأ عليها القرآن ليلاً ونهاراً والأصعب نيتها الرحيل الى بيت أصغر وأقدم دلتها عليه ام عزمي لأنها ما عادت تقدر على دفع اجرة هذا البيت بعد ترك نور لعملها .
وروعة انتهى شهرها بالكامل ولا يبدو عليها بوادر الولادة والطبيبة للمرة الألف توصيها بالحركة والمشي وتنصح ام عبدالله بمتابعتها بانتظام ؛ مع تحديد موعد لاجراء عملية قيصرية في الأيام القادمة اذا بقي الحال كما هو عليه.
فارس في ضيق في اجازته من عمله المتعلق به ولكنها اجازة اجبارية ويضايقه أكثر قربه من ملاك ؛ يخاف ان يقدم على الاقتراب أكثر وهو لم يزل لم يقرر مستقبلهما معاً .
عاد الى البيت وقبل دخوله سمع صوت ضحكاتها وهي تحادث أحداً خلف البيت ؛ استبد به الغضب وقد خطر بباله الأسوأ ؛ أسرع نحوها ليجدها تحادث طفلاً صغيراً على ما يبدو ابن الجيران وتعطيه كرةً كأنه أسقطها بالخطأ في الحديقة .
دخل البيت وتبعته مبتسمة ؛ التفت لها بغضب وبصراخ : أنا ما أوصيك ما تفتحين الباب لأحد ..
ملاك وقد تفاجأت من غضبه : أنا شفته من الشباك بزر وما حبيت أكسفه .
فارس بغضب أكثر : حنا هنا بحي ما نعرف منه أحد وكثير مجرمين يستعملون الأطفال طعم للضحية حتى يستدرجونها والا ما تتابعي الأخبار والحوادث .
ملاك بخوف واضح : مو لهالدرجة لا تخوفني ..
فارس بلؤم : الا خافي ولا تأمني لأحد وش يدريك هالبزر مدسوس عليك ولولا جيتي كان أحد استغل الأمر وهاجمك .
لا عمرك تعيدينها وهاتي عشا باكل بغرفة النوم .
ذهبت لاعداد الطعام وقد داهمتها الأفكار المرعبة بعد أن نجح فارس بادخال الخوف الى قلبها .
******
فهد يتابع الكتاب الرسمي الوارد من القيادة العليا بضيق وباعتباره المسؤول عن المعامل الجنائية التابعة لقسم مكافحة المخدرات مضطر لاستقبالهم ومتابعتهم وارشادهم خلال دراستهم الممولة من قبل الجامعه لدراسة الأنواع الرائجه من المخدرات بين المتعاطين ودرجة تصنيعها وسميتها ومكوناتها وهذا جزء من دراسة أوسع وأشمل تجريها الجامعه لتقرير المكافحة المجتمعية للمخدرات وأضرارها ..
الدكتور المشرف بطمأنة للنقيب فهد : أحب أطمنك ان الطلاب الثلاثة اللي اخترناهم هم من أفضل الطلاب في قسم الصيدلة والأكثر كفاءة وانضباط ولا سمح الله اي مخالفة منهم بتبلغنا ونسحب المخالف على طول .
تقبل فهد الأمر على مضض واوعز باستقبال الطلبة من الشهر القادم وتنسيق الأمور بعمل برنامج لهم للدوام في المختبرات بحيث لا يمس ولا يؤثر على عمل القسم وسريته.
****
تحاول النوم كالعادة في الصالة ولكن داهمها خوف لا تعرف سببه !! ربما بسبب كلام رداد اليوم عن المهاجمين والمعتدين ؛ أصوات السيارات واحاديث المشاة في الشارع حتى صراخ الأمهات في البيوت المجاورة يقلقها .
جسمها يرتجف خوفاً ولا تدري لماذا ؛ لكن فجأة شعرت بطرق على نافذة الغرفة الفارغة ؛ تيبست أضلاعها وشعرت بالدم يجف في عروقها ؛ بصعوبة زحفت الى غرفة النوم واقتربت من رداد الذي ما ان لامست يدها ظهره حتى هب واقفاً ومتأهباً للهجوم ؛ ازداد رعبها من تصرفه وكأنه لم يكن نائماً او أن هذا ما تعلمه على مر الأيام في عمله في الصحراء !
نظر اليها مستغرباً وهي ترتجف قائلة : في أحد بيدق على شباك ذيك الغرفة .
انتابه القلق من كلامها ولكن كل شيء ممكن ومتوقع ؛ أخرج سلاحه المخبأ تحت سريره بخفة وسار وهي سارت خلفه متمسكة برعب بيده وتأبى تركها ؛ توجه الى الغرفة وعاين الصوت المستمر ؛ ثم أعاد سلاحه الى جيبه واتجه الى الباب وهو يقول بطمأنه : ما في شي الحين بطلع أشوف
ملاك برجاء حار : لااااا أرجاك لا تطلع ليكون في حرامي والا أكثر .
ابعد يدها عنه وهو يخرج من الباب وعاد بعد دقيقة وهو يحمل قطعة خشب صغيرة مكسورة ويشرح لملاك : هذي كأن واحدة من القطاو كاسرتها من فوق الشباك ومن الهوى صارت تضرب بيه وتطلع صوت .
ملاك بعدم اطمئنان : وش دراك انها قطاوة ليه ما يكون حرامي !!
فارس بابتسامة من سخافة تفكيرها : والحرامي وش يطلعه لفوق ؛ تطمني ما في شي يخوف .
تركها وعاد الى الغرفة وهو يعلم يقيناً أنه لن يستطيع النوم بسهولة ؛ تقلب بالفراش عدة مرات ثم قرر القيام لشرب كأسٍ من الماء ..
تفاجئ بها تجلس على الكنب بانكماش وتبكي بحرقة وجسمها يرتجف خوفاً .
اقترب منها بحنان وجلس بقربها وضمها اليه وهي ألقت بنفسها في أحضانه برعب واضح .
حاول طمأنتها وتهدئة روعها وهو يعلم يقيناً أن كلامه معها في النهار هو ما سبب لها هذا الخوف والرعب .
تركها مجدداً وعاد الى الغرفة وهو يجول بها باضطراب ؛
أعاد النظر اليها ووجدها على حالها من الخوف والإنكماش ؛ حاول تهدئتها مجدداً ولكن هذه المره بتعنيف واضح : ماله داعي كل هالخوف هذا وانا عندك وش تساوين لو كنت بروحك !!
كلماته زادتها رعباً فتركها وقد فقد الأمل بتهدئتها وعاد ليحاول النوم ولكن هيهات أن ينام وهو يعلم بحالتها ؛ جاهد نفسه كثيراً ولكن لم يعد يحتمل ؛ اتجه نحوها وبقوة جذبها من يدها وسحبها خلفه الى غرفة النوم وهو قد فقد قدرته على التفكير بعقلانية أو ضبط نفسه وتصرفاته .
.
.
فتحت عينيها وعادت لتضغط عليهما بألمٍ واضح ؛ نظرت حولها لترى نفسها على السرير ورداد ليس بقربها ؛سرت بجسدها المنهك رعشة قوية وهي تتذكر برعب شديد ما حصل معها في الليلة الماضية .
حاولت القيام او حتى مجرد الحركة لكنها لم تستطع ؛ تشعر بألمٍ شديد وبدأت دموعها تتساقط بغزارة ؛ كم هو سيء ومتوحش هذا الرداد لقد كان سيئاً معها ولم يراعيها أبداً لقد جعلها تعيش بكابوس ورعب وألم لا يحتمل ؛ لماذا هذه القسوة وسوء المعاملة ؛ لا تذكر أنها قاومته او حاولت منعه من الاقتراب منها ولكنه لم يراعيها.... لم يحسن معاملتها ... تشعر بالغيظ والكره والبغض الشديد له ولن تسمح له أبداً ... أبداً بالاقتراب منها مرة أخرى هذا المتوحش .
وعادت للبكاء وهي تجبر نفسها بصعوبة على القيام بعد أن لفت الملاءة على جسدها لتتجه للاستحمام وهي تدعو الله ان لا يكون متواجداً في البيت بل تدعو أكثر أن لا تعود لتراه طوال حياتها القادمة .
بعد حمام متعب ومضني عادت لتستلقي بألم على كنبتها الغالية وبكل تصميم على ان لا تسمح لرداد بانتزاعها منها مرة أخرى .
ساعات ثقيلة أعقبها عودة رداد الى المنزل وهو بحالة لا يحسد عليها ؛ اقترب منها ولكنها أشاحت بنظرها وجسمها المتعب عنه ؛ قام واتجه نحوها وقد أمسك بذقنها ورفع نظرها نحوه وبحزم : انت مو كنت متزوجة !
لم تجبه ؛ فصرخ بحزم : جاوبي سؤالي .
أجابت بألم وهي تبعد يده عنها بضيق : اي كنت متزوجة وانت تدري .
فارس بارتباك : كيف كنت متزوجة وانت بعدك... بعدك...بنت بصعوبة وألم نطقها وهو لا زال غير قادر على تفسير أي شيء من الحقيقة التي اكتشفها ولم تكن تخطر له على بال ! "فهميني شلون بيصير هالشي !!"
ملاك باضطراب وحرج وهي الآن فقط فهمت سؤاله : كان زواج عالورق بس .
فارس بصدمة : يعني ما كان لكم بيت وما عشتم سوا : هزت برأسها بنفي وهي لا تطيق جواره واقترابه .
تفاجأت به وهو يضرب رأسها بأصبعه بضيق وهو يصرخ : وليه ما قلتي ؛ ليه ما علمتيني بهالشي من قبل .
ملاك بحنق وهي تخفي خجلها أمام بغضها الشديد له : وش تفرق معك يعني .
فارس وكل غضب الدنيا تملكه : وشلون ما تفرق معي ... كان.... كنت ....
قام ليجول في الصالة ثم عاد ليجلس أمامها على ركبتيه
وليضربها على جبهتها باصبعه مجدداً : يا متخلفة أنا تعاملت معك على أساس انك سبق لك الزواج وانك تعرفين كل شي .... ما حاولت ....
قام ليجول أمامها وهو يمسح جبهته بتوتر : أنا ما قصدت اسبب لك الألم والخوف كل ما في الأمر اني ما كنت أدري .....
وقام بسرعة وأغلق على نفسه باب غرفة النوم محاولاً تهدئة نفسه وضبط انفعالاته ؛ وهي تتمنى أن يذهب ولا تعود لرؤيته مرة أخرى هذا المتوحش.
مرت الايام وهي ترفض ان تكلمه او حتى مقابلته واتخذت في الغرفة الفارغة ملجئاً لها بعد ان فاجأها باحضار فراش لهذه الغرفة وشاشة تلفاز فنقلت لها أغراضها وكتبها بعيداً عن رداد البغيض .
يحضر الأغراض والحاجيات ويرتبها بنفسه ويجلس في الصالة لساعات وهو يتأمل أن تأتي اليه او تكلمه او تبهره بجمالها كما اعتادت ..
ضاق ذرعاً وما عاد يقوى على الاحتمال ؛ اصبح يفضل الابتعاد قدر الامكان ؛ في شقته او عند أهله او في زيارة اسلام بالمشفى او حتى بالتردد عل فهد في مقر العمل ؛ ولا يعود الا في وقت متأخر يضمن فيه نومها وان كانت هي لا تستطيع النوم حتى تطمئن بعودته ثم تضع رأسها بسكينة وتنام بهدوء ....
ليالي كلها اضطراب ووحدة والم يقضيها بعيداً عنها وهو ربما يعاقب نفسه على قسوته معها وربما فقط يعطيها فرصة بأن تسامحه ويبدأ معها صفحة جديدة كلها حب وأمل .
عاد منهك القلب والفكر ووقف امام باب غرفتها تأملها وهي منشغلة بمتابعة التلفاز ثم أقترب بهدوء وجلس بقربها ؛ تجاهلته ولكنه فاجأها بإطلاق سراح شعرها المكبل وتخليل اصابعه في خصلاته المتناثرة ثم قربه بحنان من وجهه ليتنشقه ويقبله ؛ مد يديه وأحاط بهما خصرها النحيل فسرى في جسدها تلك الرعشة التي لطالما أربكته وأشعلته ؛ همس بأذنها بألم : احبك واتمنى تسامحيني ما قصدت الي حصل
ازداد ارتعاشها وارتباكها لتتفاجئ به يحملها بحنان الى غرفة نومه وهو يهمس بأذنها : من الحين وطالع ما أبغاك تبعدين عني ولو لحظة .....
****
رغم سعادتها لأن عبدالله أصبح كل اوقاته معها سواء في البيت او العمل ؛ الا ان مسحة الحزن بعينيه تقلقها كثيراً ؛ تحاول التخفيف عنه بالمزاح والأحاديث او حتى بالتمرد
أحياناً الا أن مسبب الحزن عنده يبدو أقوى من كل وسائلها ؛ لكنها الآن تجرأت وسكبت على رأسه كأس الماء البارد على غفلة منه.
جفل عبدالله بقوة وقام غاضباً وهو يرى صبا تضحك بشدة عليه ؛ تحرك وهو يمثل الانتقام نحوها وحملها بنية القائها من فوق السرير فبدأت صبا بالصراخ والرجاء بعدم فعل ذلك ولكن يبدو أنه مصمم ويعميه الغضب ؛ فصرخت بأعلى صوتها : عبدالله أنا حامل ....
توقف عبدالله بصدمة وأنزلها بهدوء وهو لا زال غير مصدق أذنيه وبغصة : صبا وش قلتي !!
صبا -بخوف وارتباك من ردة فعله- أجابت : أناااا حامل
عبدالله يغامره شعور لا يمكنه وصفه : متأكدة ؟
صبا هزت رأسها بأيجاب وهي في حيرة وخوف من ردة فعله.
مسك بيدها وأجلسها معه على طرف السرير والدموع تكاد تتساقط من عينيه : يا رب لك الحمد والشكر .
ثم نظر لها بعتب وهو يمسح وجهه : ومخبية علي يا الظالمة ! ما تدرين بي وانا احلم كل يوم انك تجين وتبشريني هالبشارة.
صبا بخجل : يعني هالخبر ما يزعلك او بيضايقك ؟
عبدالله بابتسامة : هذا أجمل خبر في حياتي... وقبل يديها فرحاً ثم احتضنها وكل سعادة الدنيا لا تفارقه.
صبا بتوجس : يعني ما تخاف هالشي يفسد علاقتك ب هبه أو بعمك ابو طلال ...
عبدالله : ما دام بيجيني الولد ما يهمني شي ؛ من الحين بجهز أموري وبعلم أهلي بكل شي .....
*******
روعة باستغراب : نفسي أعرف هبه ليه أغلقت كل حساباتها على التواصل ؟؟
ام عبدالله : حتى زيارة ما عدنا نشوفها ولا كأننا أهل زوجها ؛ وكل ما أسأل ام طلال وعبدالله يقولون مسافرة مع طلال سياحة !
رنا تستمع لحديثهن بانسجام وهي تكاد تموت غيظاً وتعرف معلومة عن هبه .
روعة بتفكير : اتوقع انها بتعمل عمليات تجميل بالخارج .
ام عبدالله بقرف : معقول !! وش هالقرف هذا !! وهو في أحسن من خلقة ربنا ؛ أنا ما أقبل ان مرت ولدي تساوي كذا .
بلعت رنا ريقها بخوف وهي تدعو ربها أن لا تعلم ام عبدالله بالعمليات التي قامت بها من قبل ....
*******
قرر الاطباء وقف التخدير عن اسلام ؛ وشيئاً فشيئاً بدا يستعيد وعيه وسط فرحة الجميع خصوصاً امه واخته الغالية ؛ يشعر وكأنه كان في دوامة من الظلمة والوحدة ؛ والان عاد له الأمل بالحياة من جديد ؛ فلا وحدة وهو يشعر بهم حوله يتحمدون الله بسلامته ؛ أما بالنسبة للظلمة فتأبى أن تفارقه وكأنه لم يفقد نور قلبه فقط ؛ وكأن عينيه أبتا الا أن تتضامنا مع قلبه في الخسارة .......
اجتمع الدكتور نواف مع الجد وأبنائه وأحفاده وهو يحاول جاهداً التخفيف من وطئ الصدمة عليهم..
الدكتور نواف : تدرون ان اصابة اسلام ما كانت بسيطة ؛ وان نزيف الدماغ كان خطير جداً ؛ وان الله بفضله ومنته أنقذه من الموت ..... لكن للأسف ...
سكت قليلاً وهو يتهيأ لصدمتهم بكلامه : للأسف اسلام تعرض للعمى بسبب الحادثة ...
.
.
.
انتهى الفصل
رواية رحلة عذابي أنا 💘 الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم عشق جنوبي💞
الفصل الثاني والثلاثون
بعنوان #أحس_في_قلبي_نبض
احتضنت ابنها بقوة وهي غير قادرة على منع نحيبها وبكائها العالي ؛ أي صدمة أكبر من هذه ..
اسلام بحنان يغلفه الايمان يربت على ظهر أمه : له يا أم اسلام وين ايمانك بالقضاء والقدر ؛ استغفري ربك هذي ارادة الله .
ام اسلام بألم : يا يما ما يهون علي اللي صابك .
اسلام بصدق : الحمد لله اللي ربنا ما حرمني منكم ولا حرمكم مني ؛ انت واسراء مالكم غيري بعد الله وربي برحمته ما حرمنا من بعض ؛ لزوم تسجدي شكر لله ما هو تجوحي وتنوحي هذا ما يرضي ربنا واعتراض على قدره .
ام اسلام وهي تمسح دمعتها : الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه .
وقامت لتصلي وتتركه غارق في حزنه وأفكاره ؛ فكما فهم من الطبيب المختص أن العصب البصري تعرض لضرر بالغ ولا أمل على المدى القريب لاستعادة بصره.
***
لا تعرف كيف تعبر عن مشاعرها ؛ خليط من كل شيء ....
هذا الرداد يغرقها بحب وحنان لم تتوقعه منه أبداً ..... صريح في مشاعره لأبعد الحدود ؛ وتسابق كلماته همساته ولمساته وتعابيره الرقيقة ؛ في قربه تشعر بالأمان وبالحب....... هذان شعوران حرمت منهما طوال حياتها ؛ لا يتوانى عن توفير ما يبهج قلبها دون تردد وكأنه يعرفها أكثر من نفسها ... الآن فقط تشعر نفسها أميرة ورداد هذا أميرها وبيتها الصغير قصر لا يماثله في الفخامة والمهابة أي مكان في العالم ......
حتى قبحه وبشاعة مظهره ما عادت تراها ولا تعرف لماذا ؛ لكن ما هي متأكدة منه تماماً أنها بمجرد أن تراه أو تسمع صوته لا يتوقف قلبها عن الخفقان وجسمها عن الارتجاف ....
يختفي بسرعة وغالباً تستيقظ ولا تجده بجوارها ؛ وقبل أن ينتابها القلق تأتيها رسائله لتطمئنها بقرب قدومه ..
مؤكد يسعى لتأمين النقود لهم ؛ ويا ليته يقتنع بأخذ النقود منها وهذا مستحيل ...
***
يجلس ليستريح في شقته الفاخرة بعد أن ودع بعض أصدقائه الضباط الذين زاروه للاطمئنان على صحته بعد الاصابة ؛ يشعر بالتشتت ويحتاج الى بعض الاستقرار ..
كلما ابتعد عنها يشعر بنغزة في قلبه فهي أصبحت جزءاً منه وبعده عنها اضطراري حتى يحافظ على تنكره ... وهذا ما يجب أن ينتهي ..
حساسيتها كبيرة لذلك سيمهد لها شيئاً فشيئاً بحقيقته ؛ وسيبدأ بهذا منذ الغد ومن ثم سيخبر والديه بزواجه وسيأخذها لتعيش في منزل أسرته ؛ مؤكد سيتفاجأون وقد يجد الامتعاظ والاعتراض ولكن لا يهم ... المهم أن يعرف الجميع بزواجه من ملاك وأنها أصبحت ملاكه وملكه وملكة قلبه .... لن يهمه أهلها بشيء فهم من الوضاعة بحيث تخلوا عنها وتركوها .... وخاصة الدكتور سعود ليس له ان يسأله حتى كيف ومتى تزوجها ....
سارع بالاتصال بها فالشوق لها لا يفارقه وفي قلبه الكثير من الحب يهدده بالانفجار ان لم يبح به لها ...
****
ناصر تأخر عن شركاته ودالية ترفض القيام من فراشها ؛ ليست مريضة ولا يوجد مشاكل في المدرسة .. اذن ماذا !! لماذا تتعبين قلب أبيك الذي هرم قبل أوانه .
دالية بضيق : خلص بابا قررت اليوم انا وانت ما في دوام بنظل في البيت .
ناصر بضيق : وش نساوي بالبيت وانا وراي أشغال وانت وراك دراسة !!
دالية بدلع طفولي : نساوي كثير .. نفطر سوا وبنروح الحديقة والمسبح ونلعب بلي ستيشن ونروح نتسوق ونتغدى بالمطعم وتاخذني الألعاب .
ناصر بدهشة : كل هذا نعمله بيوم واحد !!
داليه تقف فوق سريرها وهي تحمل دبدوبها بثقة : اي يا بابا وانا بجهز روحي بسرعة وما بأخرك .
ناصر بنفاذ صبر : بنعمل كل اللي ببالك لكن بآخر الاسبوع ..
واكمل بحزم : والحين بتلبسين ملابس المدرسة وتوصلك المربية .. وانا رايح لدوامي عندي اجتماع ما أقدر أتأخر عليه .
ثم ادار وجهه وغادر غرفتها باتجاه المخرج حتى يهرب منها ومن ردة فعلها المتوقعة ... لكنه تفاجئ بها تلحقه وتنادي بحزم : بابا ..
التفت من حدة صوتها مستغرباً لينصدم بملامحها المستاءة وهي تقول بغضب مكبوت : بابا أنا أكرهك .
وعادت بسرعة الى غرفتها باكية ؛ لم يحاول اللحاق بها وترضيتها فعنده عمل مهم وسيؤجل محاولة استرضائها الى نهاية اليوم .
طوال الاجتماع وهو يشعر بالاختناق والضيق واتبعه بجولة في المصانع التابعة لشركته وهناك تلقى تقريراً بنتائج التحقيق بمدى الفساد وسوء الادارة في المصنع الذي كشفته عزيزة واتضح مدى مصداقية كلامها ودقته .
شعر بتأنيب الضمير من قسوته معها في آخر لقاء ولا بد له من اصلاح ذلك .
استدعاها الى مكتبه وشكرها على اهتمامها بالعمل والاخلاص فيه وهي مستغربة من لطفه في التعامل وفي بالها : الله يستر من عواقب هاللطافة الزايدة عن حدها !!
ثم اعلمها بهدوء أنها منذ الغد سوف تعود للعمل في المصنع بنفس مهامها السابقة بعد تغيير الادارة والاشراف فيه ؛ مع توصيته لها باللطف في التعامل وأساليب التوجيه والاصلاح .
همت بالقيام بعد تلقي التعليمات عندما جاءه اتصال من البيت ؛ ناصر أشار لها بالجلوس وهو يحادث المربية : ليه ما تبغى تتغدى .... حاولي معها ...... بلغيها اني بزعل ... تحط اواعيها بالشنته !! وين بتروح ! اعطيني اياها ..... كيف ما تبغى تكلمني !
نظر الى عزيزة بقلة حيلة وكأنه يستنجد بها ؛ عزيزة فهمت عليه وتناولت منه الهاتف بعد أن قامت من مكانها ؛ ثواني وردت عليها دالية ودار بينهما حديث مطول لم يسمع منه الكثير لأن عزيزة كانت تخفض صوتها وفي نهاية المكالمة ناولته عزيزة الهاتف وهي تقول : داليه تبغى تكلمك.
ناصر وعلامات التعب على محياه : هلا بابا
داليه : بابا انا آسفة اني غلبتك اليوم وصرخت عليك .
لم يعرف ناصر ما يجيبها به فلم يكن يتوقع ان تعتذر داليه عن أخطائها وداليه تكمل : والحين باتغدى وما أغلب الدادا ؛ بس لا تنسى وعدك بتاخذني آخر الاسبوع .
اغلق الهاتف وهو يركز نظره على عزيزة : انت وش قلتي لها حتى رضيت ولا بعد تعتذر !
عزيزة بابتسامة : عاد هذي اسرار ما كل شي لازم تعرفه .
وقامت بغرور تاركة ناصر بتفكير عميق بخطوة قد يقدم عليها وفق شروط يضعها بحيث لا تهيج جروحه الدفينه ..
*****
نور تقرأ الخبر في المجلة العلمية وعيناها جاحظتان ويداها ترتجفان ؛ لا يمكن ... مستحيل ... وسقطت مغشياً عليها .
أسرع الموظف في المكتبة ليساعد أم نور المفجوعة بإسنادها .....قليل من العطر أعاد لها وعيها وبصعوبة أسندت نفسها الى الجدار وهي تعيد قراءة الخبر بأسى بالغ .... سحبت منها أمها المجلة لتطالع الخبر كذلك وقد علت ملامحها الصدمة : بعد نجاته من حادث السير المريع المهندس اسلام.... مدير الشركة...... يصاب بفقدان بصره .....
ام نور الان فقط فهمت سبب ما حدث لابنتها .
ألقت المجلة جانباً وساعدت ابنتها في القيام والعودة الى المنزل .
لم تتكلم نور طوال الطريق وهي تتأمل فقط أن تتمكن من رؤية اسلام والاطمئنان عليه .
وقفت السيارة عند اشارة ضوئيه ؛ نور نظرت الى امها وبرجاء حازم : يما أنا بروح أطمن على اسلام ؛ أشوفه بس وارجع بساع ...
لم تنتظر جواب امها ؛ أسرعت بفتح الباب والابتعاد مسرعة .
وصلت المشفى وسألت عن مكانه ووجدت نفسها تقف على باب الجناح المخصص له ورغم وجود الكثيرين في الاستراحة الا انها لم تبالي ولم تنظر لهم ؛ دخلت غرفته لتجده مستلقياً على السرير وعينيه مغمضتان ؛ وتجلس في الغرفة امرأتان ؛ أيضاً لم تنظر أو تهتم لهما .
اقتربت من سريره وأطالت النظر له بعينيها الدامعة وحالها المرهق وخصلات شعرها النافره من تحت حجابها ، يدها المرتجفة لامست يده بحنان بالغ وشهقة داهمتها من أعماقها المتألمة .
أرادت اسراء الكلام معها والسؤال لكن أم اسلام مسكتها ومنعتها بالاشارة من الكلام او الحركة .
تململ اسلام في نومه وبدأ يحرك جسمه ثم نادى بتعب : يما ...يما
عندها لم تحتمل نور منظره وهو يتلفت بوحشة وغربة ؛ لا يمكن أن يحصل هذا لاسلام بالذات ... "يا ريتني أنا ولا هو ... ما أقدر أشوفه كذا " انطلقت خارجة دون وعي وهي تقاوم دموعها النازفة .....
ام اسلام بحنان : أنا عندك يا حبيبي بغيت شي ؟
اسلام باضطراب واضح : يما نور هني صح يما ؟
ام اسلام وهي تحبس دموعها : حبيبي ما في غيري أنا وأسراء عندك .
اسلام بتأكيد : يما انا متأكد ان نور هنا ... او كانت هنا ... أنا ما أكذب احساسي ، لا تكذبي علي يا أمي .
أم اسلام : ما أدري وش اقلك يا ولدي ؛ لكن هي اجت قبل شوي ، شافتك وراحت ، حتى كلام ما كلمتنا .
عاد لاسلام الهدوء وأعاد اسناد ظهره على الوسادة وهو يهدئ بقلبه الثائر "اهدى يا قلبي وطفي نارك ؛ نور ما عادت لك ولا هي حلالك ؛ صارت لغيرك... والله يسامح كل من كان له يد وسبب "
******
عاد الى البيت ليجدها كالعادة مستيقظة وتنتظره وفي يدها أحد الكتب التي بدأ يغار من شغفها بها فهو لا يريد أن يشغل بالها غيره هو فقط .
ألقى الكتاب من يدها وسارع باحتضانها والدوران بها وهي من خوفها تتشبث به كطفلة صغيرة : ردااااد يا مجنون نزلني ....
فارس بحنان : انا مجنون بيك يا ملاكي .... أحبك.....أحبك
وملاك بخجل يذبح همست بإذنه : وأنا كمان أحبك ..
لأول مرة تقولها ... أوقف رداد دورانه بها وهو يتأملها ببهجة : وش قلتي !!
ملاك طغى عليها الخجل وأخفضت عينيها نحو أصابع يديها التي تتشابك باضطراب ؛ رفع ذقنها وهو يعيد عليها السؤال بالحاح : وش قلتي يا ملاكي !!
ملاك بهمس : اللي سمعته .
فارس بعناد : انا ما سمعت شي .
رفعت عينيها في عينيه ثم أسرعت بإنزالهما وهي تسند رأسها على صدره وهي تهمس : رداد خلص والله خجلانه مرة ...
لم ينتظر كثيراً ليحملها بين ذراعيه وهو يشعر بنفسه أكثر الناس حظاً وسعادةً في هذه اللحظة ..........
******
ناصر يمسك صورة المرحومة زوجته وهو مستلقي في فراشه كما يفعل كل ليلة يكلمها ويناجيها ويبث لها شوقه وحنينه ويشكو لها همومه وأحزانه وما يعانيه مع دالية التي يزداد عبئها يوماً بعد يوم .
ولكنه هذه الليلة يخبرها بشيء جديد وبقرارٍ هو مضطر لأخذه ... سيتزوج .... نعم سيتزوج .... ولكنه لن يخلف وعده معك يا شيماء ... فزواجه لسبب واحد وهو احضار من ترعى دالية معه ولن يكون لها أي صفة أخرى في حياته وقلبه .
غفت عيناه وهو يضع صورة شيماء الغالية على صدره كعادته وقد صمم على تنفيذ ما قرر القيام به....
*****
استغربت عزيزة من رسالته الصباحية التي تطلب منها الذهاب أولاً الى الشركة لأمر هام قبل الذهاب الى المصنع ؛ جلست مقابله في مكتبه وهو لا يعرف من أين يبدأ الحديث أو كيف يخبرها بما يريده .
بدأت تنظر الى ساعتها بضجر ؛ فتشجع بالحديث .
ناصر : آنسة عزيزة بغيتك بموضوع مهم جداً وأتمنى تفهمي كلامي قبل ما تقرري أي شي .
عزيزة وهي خائفة أن يعاود الكلام المعقد معها : اتفضل استاذ وش هو الموضوع ؟
ناصر بهدوء : أنا من توفت المرحومة أم دالية وأنا بالنسبة لها الأب والأم ؛ لكن في كل يوم يزداد العبء علي وما عدت أقدر ألاحق دلعها وطبعها وطلباتها ؛ وبالتالي وصلت لقناعة ان دالية بحاجة لأم تعتني بها وتفهم حاجاتها وتراعيها أكثر مني .
عزيزة : وهذا الصح انك تتزوج ويصبح لدالية أم .
ناصر وهو ينظر بعينيها : وهذي هي المشكلة .
عزيزة : ما فهمت شلون تكون هذي مشكلة !!
ناصر بصدق : المشكلة اني ما أبغى أتزوج وما عندي استعداد ان أسمح لأي انسانه انها تحتل مكان المرحومة بقلبي أو بحياتي .
عزيزة بضجر من حديثه وبداخلها " وانا وش دخلني بيك وبهبالك " .... ردت بتفكير : الصح ان الحي أبقى من الميت ولاجل عين يكرم مرج عيون مثل يقولون ؛ عشان مصلحة بنتك لازم تضحي .
ناصر بعدم رضى : ما في حد أولى واهم عندي من دالية عشان كذا بضحي وأبغى أتزوج واحدة تكون قريبة من دالية وتحبها لكن لزوم تفهم ان هذا بس اللي ممكن يربطني بيها .
نظرت له عزيزة باستغراب وعدم فهم !!
ناصر برجاء : اتمنى آنسة عزيزة انك تقبلين تكونين أم ل داليه ومع احترامي وتقديري لك وكل شي تطلبينه اعتبريه جاك اذا كنت فهمتي كلامي اللي قلته.
عزيزة بذهول شديد تحاول استيعاب كلامه وبصعوبه استجمعت الكلمات : يعني تبغى تتزوجني بس عشان أكون أم لدالية ....!!
ناصر بتشجيع : عزيزة أنا ما أبغى أظلمك معي او أكذب عليك انا من الحين بفهمك وضعي وحياتي وشروطي وما أريدك تستعجلين بالجواب فكري على مهلك ومثل ما قلتلك كل شي تبينه اتأكدي بلبيه من غير تردد.
كانت سترد عليه في لحظتها ولن يسلم من لسانها الحاد او تقلب الطاولة بفنجان قهوتها على رأسه ؛ ولكن هناك شيء في داخلها جعلها تتروى وتؤجل البت في الأمر لمزيد من التفكير والتمحيص ؛ عزيزة ليست غبية ولا تقبل الأهانه ولا ترضى بالظلم ولم ولن تسكت على اهانته ولكن الاستعجال ليس طبعها ...... قامت بهدوء وغادرت دون أي كلمة .... فكل شيء قد تقرر تأجيله.
******
فارس يحتضن اسلام بحرارة ويتحمد له بالسلامة ؛ يعلم صعوبة الوضع ولكن في داخله يقين بقوة عزيمة اسلام وقدرته على تجاوز الأزمة والتأقلم مع وضعه الجديد ؛ لكن أكثر ما يضايقه هو مقابلة الدكتور سعود الذي لا يبدو بحالة جيدة ، واضح عليه التعب والشرود ... للآن لم يسأل ملاك عن سبب تركها لأهلها أو سبب زواجها او طلاقها أو لماذا لا يهتم أحد بالبحث عنها .... لا يريد او في داخله خوف من أن يعرف شيئاً يبعده عن حبيبة قلبه ؛ ولأنه يشتاق لها في كل لحظة ؛ استأذن بالخروج ليكلمها .. صوتها في الصباح لا يشبهه شيء الا تغريد عصافير .. هكذا يشعر بها .. ما أجمل الحب ... سيدفن الماضي ويعيش أجمل لحظات حياته بكل شغفها وجمالها مع حبه الحقيقي .... مع ملاكه الجميل .
يسير في الممر وانتبه لفتاتان احداهما التقطت له الصور والثانية تمشي بجانبه وتشير اليه ...." أكيد الحين بينشرونها في المواقع هالبنات التافهة والله العليم وش العنوان "
رمق المصورة بنظرة استخفاف وابتعد يبحث عن مكان مناسب ليكلم حبيبته...
سجود بحماس : طمنيني عهود كيف الصورة .
عهود : واااااي تجنن أحلى من كذا ما فيش ؛ استني بس بنشرها والله لينهبلون البنات هههههه
سجود بهمس : كذا وأنا بأشر عليه شي خيال .
عهود وهي تتأمل بصورته: يا ربي وش هالحلا ذا ؛ لو يخطبني والله لأموت بمحلي من الفرحة ..
سجود : عاد تركي هالهبال وفكري معي بتعليق يناسب هالصورة ....
وجد فارس غرفة لغيار الجروح دخلها ليكلم ملاكه.
الغرفة فيها سرير وباقي مكوناتها مقاعد ذات ميلان مريح يناسب مختلف الجروح وتنفذ الى غرفة أصغر .
ردت ملاك بصوتها الناعم الناعس : صباح الخير
فارس بهيام من دلعها الطبيعي : صباح الورد والنرجس لأحلى ملاك بالكون .......
وأكمل غزله معها وقد دفعه فضوله الى دخول الغرفة الصغيرة المليئة بالمعدات الجراحية وغيارات الجروح والمعقمات ؛ أنهى المكالمة وبقي لبرهة يتأمل المعدات ويتفحصها ؛ وعندما هم بالخروج منها تفاجئ ب خالد يجر خلفه عبدالله بعصبية ويدخله الى الغرفة .
خالد وهو يحاول ضبط أعصابه : عبدالله لا تلف ولا تدور شفتك بعيني ماسك بيدها وطالعين العمارة ؛ ما تخاف الله وتتقيه ؛ هذا آخرتها تخون دينك وبنت عمك وش ذنبها تظلمها معك.
طبعاً فارس أراد الخروج واظهار نفسه فمهما كان لا يجوز التجسس حتى لو كان بغير قصد ؛ ولكن استوقفه جواب عبدالله الصادم : قصدك هبة المدمنه
الكلمات صدمت خالد وفارس معاً فما عاد بإمكانه الخروج الآن فهذه مصيبة وقضية تتعلق بعمله فلا بد له من التنبه والاستماع .
خالد بصدمة وهو بضع يده على رأسه : وش تقول !!
عبدالله بألم محاولاً أن يمنع دموعه : هبة طلعت مدمنة وصديقاتها هن اللي استدرجنها للادمان.
خالد بضيق : وهبه وينها الحين ؟
عبدالله يجلس بتعب على المقعد القريب : الحين بتتعالج بمركز الإدمان .
خالد بحنق : وهذا مبرر لك تخونها بدل ما توقف معها وتساندها !
عبدالله دفن وجهه بيديه وهو يقول : الي شفتني معها هذي زوجتي على سنة الله ورسوله والخيانة انا اللي انطعنت بيها وبأسوأ طريقة .
خالد بصدمة : وش قصدك ؟
عبدالله وقد غلبته الدموع وما عاد يقدر يمنعها : اعترفت بلسانها بعلاقاتها مع الرجال وان صيد الرجال تسلية عندها واني بالنسبة لها مجرد بنك يأمن لها كل شي تبغاه .....
لم يستطع أكمال كلماته وأخذ يجهش بالبكاء بألم واضح .
جلس خالد بقربه يخفف عنه ويواسيه لكن عبدالله أكمل بألم : والي يرحم والديك لا تحاول تخفف عني الي يعيش الخيانه ما هو مثل الي ي..
قاطعه خالد بألم : ضحكتني يا عبدالله اذا أنا ما عشت الخيانه ! وش تسمي اللي ساوته بي ملاك ...
عبدالله باعتراض : بس انت عمرك ما حبيت ملاك!
خالد بهدوء : صحيح اني تزوجتها غصب عني لكن مع الأيام حبيتها وتعلقت بها وكنت ناوي أتمم زواجي معها لحد ما اكتشفت خيانتها وانها بتراسل أخوي علي ولا بعد عقب عرفت انه بيرسل لها هدايا وملابس .
عبدالله بصدمة : متى صار كذا وكيف ! معقول علي يساوي كذا ! وشلون ما عندي خبر !
خالد بضيق بالغ : اسراء هي اللي اكتشفت هالشي وزعلت عند أمها وانا عرفت بالصدفة ؛ لو تدري ايش قد صدمتي والألم اللي شعرت به وللحين ..
عبدالله بكره : يا كرهي لها هالشيطانه ؛ من هي صغيرة ما أطيقها وطولة لسانها عالكل والا لمين بتطلع ؛ أكيد للفاجرة أمها ؛ لكن شلون علي يطلع منه هالخسة والنقاصة !
خالد : علي تعرفه مسكين وطيب وهي تدري بهالشي وعرفت تستغله زين لدرجة انه لما وقعت وانكسرت يدها راحت تستنجد بيه وما تخبرني وانا زوجها ومحرم لها ؛ لكن هذا من خبثها ونواياها السيئة .
رن هاتف خالد ؛ نظر اليه ثم وقف وهو يقول : هذا أبوي أكيد استفقدنا .
وقف عبدالله وهو يمسح وجهه بسرعة : الكلام اللي قلته لك ما أبغى أحد يعرفه وبالنسبة لزواجي أنا ببلغ ابوي وعمي ابو طلال .
ربت خالد على كتفه وغادرا الغرفة معاً بعد هذه المصارحة الأخوية تاركين وراءهم شخص أقعدته الصدمة وداهم الضيق صدره حتى درجة الاختناق فأسند ظهره الى الحائط يحاول التنفس ولكن هيهات فسقط يتلوى بألم لم يشعر بمثله لعدة سنواتٍ مضت ولكنه الآن يعود وبشكلٍ أقوى وأقسى .....
*****
دخلت روعة المشفى لأجراء عملية قيصرية بناء على توصية الطبيبة فما عاد ينفع الانتظار لحدوث ولادة طبيعية .
ابو عبدالله اتصل بأولاده طالباً منهم الحضور للوقوف بجانب أختهم خاصة أنها مطلقة وبحاجة لمن يساندها .
تفاجئ بحضور عامر وأمه ؛ لا بد ان الطبيبة أخبرتهم فهو يتواصل معها باستمرار للاطمئنان على روعة وحملها .
سلم عامر باحترام على ابو عبدالله .
وأشاحت أم عبدالله بنظرها عنهم بينما علا صوت أم عامر بالدعاء والتضرع لله أن يقيمهما سالمين .
طال الانتظار حتى خرجت ممرضة لتخبرهم أن روعة أصابها نزيف حاد وبحاجة للتبرع بالدم .
سارع عامر بدون تفكير للتبرع وهو يشعر بخوف واضطراب شديد ، وما أن انتهى وعاد وجد أمه تنظر له باضطراب قائلةً : أكيد في شي ؛ الطفل خذوه لقسم خاص ومعه طبيب للأطفال وجابوا بعد طبيب ثاني وما ندري وش في .
عامر يهدأ بأمه وهو يحوقل ثم سألها عن روعة فأجابته أن وضعها لا زال بخطر والنزيف مستمر ويحاولون يسيطرون عليه .
بعد دقائق خرج طبيب الأطفال ومعه الطبيب الآخر الذي عرف عن نفسه بأنه طبيب للعظام .
دعا الطبيبان عامر وأمه الى الجلوس للتباحث وواضح أن الأمر جدي .
رافقهم أبوعبدالله وعلي وقد انتابهم القلق الشديد
طبيب الأطفال : أول شي أحب أطمنكم ان البيبي صحته زينه وأعضاءه الحيويه مثل القلب والرئتين والكلى أمورها تمام بحمد الله .
عامر وأمه معاً : الحمد والشكر لله.
تابع الطبيب : لكن ظهر بالفحص مشكلة تحتاج علاج على المدى الطويل وبيوضحها لكم .
طبيب العظام : للأسف أبلغكم أن الطفل يعاني من مشاكل في الحوض ويحتاج بالسنوات القادمة الى عدة عمليات وتمارين وجهد كبير حتى يقدر يمشي بشكل طبيعي .
الصدمة ألجمت الجميع ؛ لكن عامر تمالك نفسه وسأل بصوت متهدج ؛ وبأذن الله بعد العمليات والتمارين بيعود طبيعي ؟
الطبيب : بصراحة اغلب هذي العمليات في العالم نسب نجاحها ما هي مشجعة لكن بإذن الله وبتعاونكم وصبركم بنحقق أفضل نتيجة ممكنة ؛ وأنا الحين بأعطيكم اسم طبيب عالمي مختص بهذا النوع من العمليات وبانصحكم تقنعونه بالحضور والاشراف بنفسه على سلسلة العمليات للطفل بسبب كفاءته العاليه ؛ وألف سلامة عليه .
صدمة كبيرة جعلت أم عامر تجهش بالبكاء الحار ؛ ثم أخذها عامر لرؤية الوليد من وراء زجاج مخصص .
أدارت الممرضة سرير الطفل تجاههم وكان يحرك رأسه بعصبية واضحة استعداداً للبكاء ويطالع ما حوله ويحرك يديه في كل الاتجاهات أما قدميه فيحركها ببطء شديد .
استمرت أم عامر بالبكاء بحرقة وهي تقول : شايف يا عامر ما أجمله !
عامر بابتسامة : الحمد لله رب العالمين ؛ اي والله صدقتي يا أم عامر ؛ ربي يحفظه ويمد بعمره.
أم عامر برجاء ويقين : آمين يا رب .
استطاعت الطبيبة وقف النزيف عن روعة وتم نقلها الى جناح خاص وهناك ما أن استيقظت حتى أحاطها والديها واخوانها وأخواتها بالحب والرعاية والدعوات الصادقة .
سألت عن الطفل فطمأنتها أمها عن حالته وأخبرتها أنها لم تسمح لأم عامر بزيارتها وهذا ما تريده روعة تماماً ان تحرق قلوبهم وتحرمهم من ابنهم انتقاماً ونكايةً بعامر لأنها تعلم مدى تعلقه بالصغير القادم .
أمها أخفت عنها الحقيقة ولكن في نيتها أن تخبرها بالمساء عن حالة الصغير الطبية .
******
لا يدري كيف وصل به الحال الى شاطئ البحر لكنه جلس يراقبه بحرقة وألم ومحاولة لمقاومة الإختناق الذي يسيطر عليه دون رحمه .....
يهدأ أحياناً ويثور أحياناً أخرى ما بين مدٍ وجزر مثل هذا البحر المجاور .
مشاعره كأمواجٍ تتعالى وتستنفر ومن ثم تغرقه في وجعٍ لا متناهي ثم تعاود التشكل في إيقاعٍ مؤلمٍ منهكٍ يستنزف الفكر والاحساس .
يا رب رحمتك ولطفك ؛ يا قلبي اصبر واشفق على حالي ماني حمل أوجاعك الحين ؛ يا راسي بطل بحث وتفكير يكفي لوم وتأنيب .......
قلبه يقاتل عقله بشراسة مدافعاً عن حبه الوحيد ..
عقله... الحق عليك تتزوج واحدة كل حياتها وظروفها مشبوهة
قلبه..من شفتها اول مرة للحين كل تصرفاتها تشهد باخلاق عالية
عقله... تاركة أهلها وعايشة مع الغرب وش تكون يعني !
قلبه.. تصلي وتخاف ربنا وما تساهل بالكلام لا مع رجال ولا مع أحد
عقله... ما شفت ملابسها الفخمة أكيد كانت تجيها هدايا والله واعلم.
قلبه.. تشتغل وتشقى تأمن معيشتها وتحرص على مال أم عزمي بأمانه وذمة وضمير
عقله... علي أنت أكثر الناس تعرف أخلاقه وش يخليه يتهور مع مرت أخوه!
قلبه.. انت بنفسك شفت انها محافظة على شرفها وعفتها وخجلها واضح بكل تصرفاتها .
عقله... أكيد ان هالبنت عندها مكر وخبث أكثر ما تتخيل حتى تستغل الاخوة بهالشكل!
قلبه.. حنونة وعطوفة وقلبها طيب ونظرتها دوا للقلب والروح ....
عقله... وأمها ليه يقولوا عنها فاجرة أكيد ساوت الشينة والا ليه طلقها جوزها والبنت بالآخر ما تطلع بعيدة عن أمها !
قلبه.. شافت الخطأ وما سكتت بلغت وتعاونت مع القسم بكل أمانه وذمة وضمير .
عقله... انت بعدك على البر انفذ بريشك وابعد عنها ..
تعب وتعب من أفكاره ونزاعاته الداخلية ؛ وقف بضيق واتجه للبحر يعانقه بجسده عله يطفئ ناره وحر قلبه وتضارب أفكاره ...
سبح وغطس حتى أنهكه التعب وألقى بجسده المثخن بالأوجاع على الشاطئ الرملي .
تناول هاتفه وفتحه بعد طول اغلاق
تفاجئ بعشرات المكالمات من محمود وفهد وعشرات الضباط ولكن صدمه ولفت نظره مكالمات من القيادة العليا ؛ لا بد أن هناك أمراً جللاً فلم يسبق لهم أن كلموه الا لشيء خطير....
سارع بطلبهم وهو يضع مئات الاحتمالات لهذا الاتصال ...
.
.
.
انتهى الفصل
رواية رحلة عذابي أنا 💘 الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم عشق جنوبي💞
الفصل الثالث والثلاثون
بعنوان # ردت اقلك ابقى يمي وابد لاترحل بعيد
القيادة العليا لم يسبق لهم مكالمته الا اذا كان هناك موضوع خطير ؛ عدة اتصالات فائتة أثارت هواجسه وشكوكه ؛ سارع بالاتصال وبعد التعريف عن رقمه الوظيفي تم تحويله الى الجهة المسؤولة ...
صدمة ومفاجأة لم تخطر له على بال ، منذ سنوات وهو يحلم بهذه اللحظة ، سعى لها بكل جهده وامكاناته وتدريبه المكثف ، وأخيراً تم اختياره لهذه الدورة بعد جهود مضنية وسنوات عمل طويلة ، أجمل حدث في حياته يترافق مع أكثر لحظاتها حزناً وألماً ...
توالت المكالمات من أصدقائه ، مؤكد الكل يريد تهنئته ، هذه الدورة لا يحصل عليها الا أعداد قليلة مختارة بعناية ولا تتكرر الا بعد سنوات عدة ؛ رد بتراخي على محمود المنفعل من الفرحة ، تفاجأ محمود من رده البارد وتغيرت نبرته الفرحة الى نبرة مليئة بالقلق : فارس انت فيك شي ؟ لتكون الاصابة عاودتك ؟ او في شي ما أدري عنه ؟
فارس يمسح رأسه المبلل وبضيق : ما في شي ، كنت باسبح وتوبني طالع من البحر .
محمود بغموض : وش وداك البحر ! مالك بالعادة تروحه الا لما تكون متضايق ، فارس لا تخبي عني ، انا ....
فارس بضجر : أووووف يا محمود انت تدري اني ما أحب الاجازات وهذي الاجازة الاجبارية ضيقت خلقي .
محمود بابتسامة : يا سيدي ما عاد في اجازات ومن بعد باكر تبدا المرحلة التمهيديه بالقيادة اسبوعين ومن بعدها تسافر أمريكا ويتوسع خلقك هههههه.
فارس شرد فكره لحظات ثم أنهى المكالمة مع محمود وهو في قمة الحيرة والضيق ....
******
فهد بابتسامه : علامه فارس بيك ليه ما هو معبرنا !
محمود : كاين بالشاليهات ويسبح .
فهد وقد تغيرت ملامحه : فارس ما يروح البحر الا لما يضيق خلقه ، ما خبرك وش في عنده ؟
محمود : يقول ما يحب الاجازات واتوقع انها تقلب عليه المواجع .
فهد بقهر : فارس لازم ينسى الماضي ويفتح صفحة جديدة ؛ الحياة ما توقف عند تجربة مهما كانت قاسية .
محمود بتأكيد : بعد ما يرجع من الدورة باذن الله ؛ أنا بظل وراكم انتم الاثنين لما أزوجكم وافتك من همكم ويا ويله اللي يعارضني .
فهد بتصريفة : اي لعاد بروح أشوف القسم أشغلنا هالفويرس وحنا ندوره ..
******
روعة وآلام الولادة تداهمها كل حين وحين : وأم اربعة واربعين هي وولدها ليه يرابطون عند غرفة الأطفال ؛ ليكونوا متأملين ياخذونه او حتى يشوفونه .
ام عبدالله بحذر : تدرين ام عامر متشقق قلبها على حفيد لا تلوميها .
دخل ابو عبدالله وأشار الى زوجته بمعنى " هل أخبرتيها " انتبهت روعة الى اشارته وقالت بقلق : وش في يبا على شو تتغامزون .
أم عبدالله بضيق : ما في شي يا بنيتي لا تخافي هذا ابوك بيطمن عليك بس .
روعة تجاهلت كلامها : يبا خبرني وش في تدري بي بنتك القوية وأتحمل ..
أبو عبدالله : يبا هي شغلة بسيطة باذن الله ومع السنين بتتعالج وحنا معك ويمك بنساعدك .
روعة بجزع : وش فيه ولدي يبا ؛ أنا من الأول شاك وماني مصدق كلام أمي .
ابو عبدالله : يا بنتي لا تخافين ؛ مشكلة بسيطة بالحوض ومع العلاج بيتحسن باذن الله ؛ وكلنا معك بنساعدك تعتنين به .
روعة كانت قد رنت جرس الممرضات عدة مرات خلال حديث أبيها ؛ دخلت الممرضة بسرعة وخوف ، روعة بحزم : أبغى الحين دكتور الأطفال يجيني .
الممرضة : الحين هو بالعيادة وعنده مرضى ...
قاطعتها روعة بغضب : اتصلي بيه فوراً وحالاً خله يكلمني .
لم تعد تستمع لكلمات أبويها المطمئنة والمشجعة فقط انتظرت رنين الهاتف المجاور لها وبسرعة التقطت السماعة وبدون مقدمات : ودي الحين بكل صراحة تحدثني عن حالة البيبي وبالتفصيل ....
*****
هاتفه الآخر المتعلق كقلبه بملاكه لا يتوقف عن الرنين وارسال الرسائل ؛ مع أنه نبهها أكثر من مرة عدم الاتصال به الا للضرورة الا أنها تأبى الا الدق على أوتار قلبه الموجوع ؛ يحبها ولن يتخلى عنها مهما حصل ، ربما أخطأت وهذا وارد ما دامت لم تجد من يربيها كما يجب وما دامت أمها سيئة السيرة والسلوك لكن في النهاية هي زوجته ولا زالت صغيرة السن وأي بوادر او سوابق للإنحراف او الخلل هو سيوجهها ويقومها بحبه لها ورعايته وحنانه هذا ما عزم عليه .
اذن هل سيمضي في خططه ويكشف لأهله زواجه ويضعها بينهم وهو سيلتحق بالتدريب بعد يومين !!
أم يتخلى عن دورة الحلم التي اجتهد من أجلها سنين طويلة!!
لا يدري ماذا يفعل ؛ أكمل تنكره المعتاد ليعود الى ملاكه ومعذبته......
*****
عزيزة يأكلها الغضب والحقد على هذا المدعو ناصر ؛ لم يمر عليها مثل وقاحته وغروره ؛ يريد أن يشتريها مربية لأبنته بمسمى زوجة تحت وقف التنفيذ " هو ما يعرف عزيزة ولا قدرها زين "...
"الرد العاجل حيكون بالرفض والاستهانه بيه وبطلبه المستفز ، لكن هذا ما يشفي غليلها منه ؛ تحملت اسلوبه وجلافته بالشغل لأنه مديرها ؛ لكن لهنا وكافي ؛ لازم تلاقي طريقة تخليه كل يوم يتحسر على اللي قاله وتاخذ حقها منه وتخليه يعتذر منها ألف مرة قبل لا تقوله درب تسد ما ترد "
أغلقت عينيها وهي تجهز لغدٍ طويل بكل تفاصيله ......
****
بينما كان يفتح الباب بمفتاحه بدأت تجهز نفسها لغضبه بسبب كثرة اتصالاتها ؛ كان يحمل في يديه بعض الأكياس وضعها جانباً ولم ينظر لها كعادته وهذا مؤشر لغضبه ؛ اتجه الى غرفة النوم وهي تتبعه بهدوء التفت فجأة وهي لا أرادياً غطت وجهها بذراعيها بحركة اعتادتها منذ طفولتها : ان تحمي وجهها من ضرباتهم ..
نظر لها باستغراب لم يكن ليضربها أو يمد يده عليها ؛ هذه المرأة معنفه في طفولتها ؛ هذا واضح ؛ اقترب منها واحتضنها بحنان بالغ ؛ كيف سيتحمل فراقها ولو كان فقط لستة شهور فهذا كثير على قلبه ..
فارس بألم وهو يضع عينيه بعينيها : مين كاين يضربك وانت صغيرة .
ملاك بصدمة من سؤاله "وش عرفه انه في أحد يضربني والا كله من حركتي الغبية قال أغطي وجهي وش هالهبل اللي معشش براسي!"
عضت شفتها بندم وبكذب واضح : ما أحد يضربني ؛لكن لما درت وجهك فجأة خوفتني .
سلك لها كذبتها وأكمل طريقه لغرفة النوم ؛ والأفكار والهواجس تغمره .
لم تلحقه أو تكلمه فمع شروده وموقفها الغبي معه من الأفضل ان تبتعد قدر الامكان..
استلقى على سريره والكثير من المتناقضات تعاود ترتيب خططه ونواياه .
لا يوجد وقت كافي لاعلان زواجه لأهله او حتى التمهيد لملاك بحقيقته ؛ لا يعرف رد فعلهم او ردة فعلها ...
وان غامر وفعل ؛ هل يأمن ويتركها عند أهله بقرب تركي ونايف وعبدالعزيز وصلاح !!... خاصة صلاح هذا متهور !!
"اعوذ بالله من الشيطان الرجيم ؛ معقول يشك بها أو باخوانه !! وليه ما هو معقول مو صارت مع خالد وبحضوره ؛ حتى لو ملاك ما قصدت تغويه يكفي جمالها يجذب و....
استغفر الله العظيم ؛ يا رب رحمتك ...."
استبعد فكرة أخذها الى أهله أو ابلاغها بحقيقته سيؤجلها الى حين عودته ؛ لكن أين تبقى طوال هذه المدة ؟
مستحيل أن يرجعها عند أهلها ؛ بقرب خالد الذي من الواضح انه لا زال يكن لها مشاعر او علي ..... مستحيل : " أنا مجنون أرجعها عند أهلها ؛ حتى أم عزمي ما هو أمان وفهد ومحمود يدورون عليها .... لو بايدي آخذها معي أو أخفيها عن العالم أجمع وما عين تناظرها غير عيني "
رفع رأسه فجأة بتذكر ؛ كيف غاب عن باله ! أفضل شخص يمكن أن يستأمنها عنده ويحميها ؛ خاصة انه محرم لها ...
أغمض عينيه باستسلام بعد يوم متعب وأحداث أنهكت فكره واحساسه....
*****
لها أكثر من ساعتين_ بعد أن تكلمت مع الطبيب وأخبرها بشكل واضح عن حالة طفلها _ وهي شاردة وغارقة في تفكير عميق ؛ والداها قلقان عليها وعلي يترقب انفعالاتها لكن لا شيء الا الجمود .
فجأة نظرت الى علي وبثقة : علي أبغى منك تتصل مع عامر وتبلغه اني ما أبي هالولد ياخذه ومبروك عليه .
صدمة شديدة أصابت الجميع ؛ رماح بحدة : ترمين ولدك عشانه مريض !! هاي سواة ناس عاقلين !!
روعة بحقد : لعاد أبلش بطفل معوق وافني حياتي عشانه عمليات وعلاجات وابوه مكيف ومرتاح وبعد يجوز يتزوج وانا مبتلية بولده !!
علي وهو يكتم غضبه من اسلوبها : أدري بعامر بيرجعك لذمته وتنسون كل ما مضى وربنا يعينكم على علاجه ويتشافى ..
روعة بثقة : والله لو شو ما يصير ما أرجع اله ؛ ما عدت أطيقه ولا أتحمل أمه وخواته المتخلفات .. فاهم .
ابو عبدالله : الحين بعدك تعبانة وموجوعة ؛ لما نعاود للبيت وترتاحين فكري على مهلك ولا تستعجلي بالقرار والصغير أمك بتهتم بيه وبترعاه .
رماح بحماس : وانا متأكد بس تشوفينه بتنسين كل هالخرابيط ما شاء الله عنه مثل القمر ..
روعة بغضب : انتم تضحكون علي والا تسايرون بعقلي شايفيني عيل قدامكم ..
الولد ما أبيه وما أبغى أشوفه خلي هالعجيز وولدها يبتلشون بيه وبحالته .... سامعين ... قلت ما أبغاه لا تطلعوني عن طوري .. أنا عفته وأريد أعيش حياتي وأمحي هالكم سنة منها ..... هذا قرار نهائي وما ريد أحد يراجعني بيه .
*****
لم ينم أكثر من ساعتين ؛ فتح عينيه بجزع ليجدها تنام بقربه بوداعة ؛ قلبه ينبض بقوة كيف سيتحمل فراقها وبعده عنها ؛ ااااه يا فارس أليس قربها أكثر وجعاً وألماً ؛ هل يتخلى عن هذه الدورة لأجلها وهو يعلم يقيناً أنه محتاج للابتعاد عنها فترة حتى لا يطغى عقله على قلبه ويتهور ويطلقها بسبب ما عرفه عن حياتها وما اقترفته من أخطاء ......
"ليه يا ملاكي كل ما تجاوزت وتغاضيت عن شي بحياتك يظهر اللي ما هو على البال ولا عالخاطر ."
"أدري ان هذا ماضي لكن وش يضمني ما يعود ."
"أنا عمري ما قبلت بالخطأ ولا أتسامح بيه لكن لأجل حبك أنسى وأسامح ...لا تتعبين قلبي أكثر وتعذبيه "
غلبته دموع القهر وان كان لا يذكر بكل حياته أنه بكى ؛ ولكن ما يعيشه في هذه اللحظات يؤلمه ولا يحتمل كبته أكثر ....
*****
عامر بصعوبة أقنع أمه المتعبة بالعودة الى البيت وهو ينوي الذهاب من الصباح الباكر الى المشفى ليرى ولده الصغير ويودعه قبل أن تأخذه روعة معها ؛ يعلم أنه لن يطيق فراقه وسيتحامل على نفسه لمصلحة الصغير ويرجع روعه الى ذمته مع أنه لم يعد يطيقها أو يرغب بقربها لكن مع اصرار امه وضغط أبيه وأخواته سوف يسعى لارجاعها وكان الله في عونه على طباعها السيئة لكن لن يسمح لها بالتعدي على أمه أو أخواته تحت أي ظرف من الظروف .
أمضى ليله يتقلب ولكن قبيل الفجر جاءته رسالة من روعة لم يتوقعها أو تخطر له في أسوأ أحلامه ؛ معقول هذه أم أو حتى بشر !!
" من صباح باكر تجي وتاخذ ولدك المعوق وما أبغى أشوفك أو أشوفه أو حتى أمك "
قام بغضب وتوضأ وصلى ركعتين لله وجلس يستغفر بانتظار الفجر وشيئاً فشيئاً ذهب عنه الغضب وحل مكانه الأيمان والثقة بالله .. برحمته .... بلطفه بهذا الصغير ..... الذي جاء الى هذه الحياة وقد كتب عليه الحرمان من حنان أمه ووجودها بقربه.... لكن ليس هو من يحرم طفل من أمه قد تكون غاضبة منه بسبب الطلاق مع أنها هي المخطئة لكن ليس هذا وقت الجدال سيحادث علي برغبته بارجاعها الى ذمته مهما كانت شروطها فمصلحة الصغير أصبحت أولى حتى من كرامته المهدورة ...
*****
استيقظت ولم تجده كأغلب أيامهما معاً يخرج ليصلي ويمضي ساعات الصباح بحثاً عن عمل ؛ لا زالت تلوم نفسها على تصرفها الطفولي وخوفها من أن يضربها ؛كما كانت حياتها حتى وقتٍ ليس ببعيد ؛ لماذا لا تستطيع أن تقتلع الماضي من قلبها ؛ لماذا الألم والعذاب لا يفارقها ! هي الآن سعيدة وتعيش بهناء بقرب زوجها ؛ تدعو الله من كل قلبها أن تتخلص من كل شوائب الماضي وحسراته وان تمضي قدماً بحياتها بقوة وثقة وتفاؤل..
من جهته يجلس في شقته بعد الصلاة وهو يقرأ بكتاب الله بخشوعٍ وخضوعٍ لأمره ومن ثم بدأ بتجهيز كل أغراضه ومستلزمات الأسبوعين القادمين تمهيداً للدورة المرتقبة .
تعاوده الضيقة في صدره كما كانت منذ سنوات وكلما تبادر الى ذهنه انه سيبتعد عن ملاكه زادت عليه الضيقة ؛ هل سيحتمل أن لا يراها بل أن يكلمها كل يوم ! ابتسامتها وخجلها ؛ قربها وعطرها ؛ طبخها وحلوياتها وفنجان القهوة من يدها ......." يا رب أسألك العون ؛ ما أقدر أتخيل حياتي بدونها ؛ كل شي يقولونه عنها أبد ما يمكن يبعدني عنها ؛ أحبها بجنون وهي طفلتي وان غلطت بعيد تربيتها على يدي وان كنت متأكد أن ربنا هداها على الطريق المستقيم ؛ ان كان ربي يغفر ليه نحن البشر ما نعطي فرصة ونغفر ونتسامح ؛ ما أحد معصوم من الخطأ ؛ لكن الحين ما عندي وقت أعدل كل شي الأفضل تبقى بعيدة عن امي وأهلي ؛ والدورة كلها بس ستة شهور ؛ يا رب يمضن على خير وأنفذ كل اللي قررته ونويته .....
*****
لبست بكل ثقة وتوجهت للعمل في المصنع مكانها المفترض وباشرت الاشراف على مختلف الخطوط والكل ينظر لها بهيبة وطاعة ؛ أثبتت عدم سكوتها على الخلل وحرصها على العمل بأمانه ؛ رن هاتفها بمكالمة من ناصر ؛ أجابت بثقة وسألها عن أمور العمل وأجابت باقتضاب ولم يتجرأ على سؤالها عن ردها رغم رغبته الملحة بذلك لكن لن يستعجلها خشية الرفض ؛ أغلقت الهاتف وهي تبتسم وبقلبها " والله لأنشف دمك يا ناصر بيك ؛ صبرك علي "
*****
علي بحضور خالد ورماح يحادث روعة عن رغبة عامر بارجاعها وبالشروط التي تريدها ؛ رماح بحنان بالغ تشجعها على الموافقة وطي صفحة الماضي وخالد يذكرها بحاجة الطفل لها في هذه المرحلة فليس هناك أهم من الأم للطفل ولا أحد يشغل مكانها ، أما ام عبدالله فآثرت الصمت وترك حرية القرار لابنتها ..
نظرت روعة الى أمها متجاهلة كل ما يقولون : ماما جهزي أغراضي باطلع من المشفى واذا عامر ما يبغى ياخذ ابنه خله بالمشفى أو يوديه دار الايتام.
ثم حولت كلامها ل علي المستاء منها : وخبر صديقك الغالي ما هي روعة اللي ينضحك عليها يطلقها ويرميها ولما درى هو وامه ان ولده معاق قالوا نرجع امه تبتلش بيه ؛ لاني هبلة ولاني ممسحة زفر عنده متى وده يطلق ومتى وده يرجع ؛ فهمه ما أبغاه وما أبغى ولده .
صرخ عليها خالد بغضب : وش انت !! معقول في أم تفكر كذا وترمي ولدها جكر بالناس ..
ام عبدالله بحدة : خالد لا تصرخ على أختك ما تشوف حالتها طالعة من عملية وكانت بتموت غير ربنا لطف بيها انتم ما تخافون الله ولا تراعون
خالد بحدة أكثر : وعامر هو أول واحد ركض يتبرع لها بدمه تنكرين هالشي ؟
أم عبدالله تحاول تهدئة الأمور : أختكم الحين منهارة لازم تسايرونها وباذن الله لما تتحسن بتفكر بعقلانية أكثر .
روعة متجاهلة الجميع ومصممة على تنفيذ قراراتها ولن تجعل أحداً أياً كان يتشمت بها مهما كانت الأسباب .
*****
أبو طلال بصدمة : وش تقول !! تزوجت ؟
عبدالله بثقة وهدوء : اي يا عمي وانا بعتذر منك اذا حسيت بأهانه لكن لازم تقدر وضعي ؛ أنا رجال لي سنين أعاني من الاهمال وانت أدرى ..
ابو طلال وهو عاجز عن التفكير : لكن صبا ! تتزوج صبا ! هذا آخر ما أتوقعه منك ! انت طول عمرك ذراعي اليمين واعتمد عليك بكل شي والحين بتتركني بعد ما عملت شركات توازي شركاتي وبمساعدة صبا ؛ هذا ما اسمه الا غدر يا عبدالله .
عبدالله : لا يا عمي أنا ما غدرتك أنا بلغتك باستقل عنك ومهدت لك كثير ....
ابوطلال بألم : زواجك من صبا اللي هي مستشارة لشركاتي ما تعتبره غدر يعني !
عبدالله : أقسم بالله يا عني أني ما رح أفكر في يوم أنافسك في أي عطاء أو صفقة وانا في خدمتك وطوع
أمرك لكن الاستقلال أصبح حقيقة واتمنى تتقبلها .
شعر ابو طلال بأنه مغلوب على أمره وليس بيده الاعتراض او تأنيب ابن اخيه أكثر من ذلك فيكفيه ما حصده من ابنته المدللة وربما كان هذا سبب ضياعها ..
****
أغلق عامر الهاتف بصدمة من عناد روعة وأمه بترقب : طمني يا ولدي وش يقول علي ؟
عامر بابتسامة باهته : يما تعالي معي الحين بنخرج المولود وبنجيبه عندنا .
أم عامر بتوجس : وامه ما بترد معه ؟
عامر بحيرة : للحين رافضة لكن متى ما بغت الباب مفتوح لها ولاجل عين يكرم مرج عيون .
رغد أصرت على الذهاب مع امها وعامر الى المشفى لأن فرحتها بإبن أخيها لا تعادلها فرحة .
شهد التي تعاني من الحمل بأشهره الأخيرة نظرت الى رغد بالسيارة وبهمس : مو انت باكر عندك امتحان صعب ! وتقولين هذا الدكتور ما يرحم ؟؟
رغد بغبن : ووش أسوي قلبي ما يتحمل ما أطلع ولد عامر معكم ؛ هذي لحظة تاريخية ما تفوت .
شهد بتحذير : والامتحان ؟
رغد : بعدين معك يا شهد بتصيرين انت وفصيل علي ؛ خليني عايشة اللحظة .
شهد باستنكار : منهو فصيل هذا !!
رغد بقلة صبر : هذا مو بس بطنك اللي ثقل بعد راسك ما شاء الله ؛ الله لا يضرك انت وغباءك العجيب ؛ مين وده يكون يعني ؛ أكيد دكتور المادة اللي شايف حاله ويقول يا أرض اشتدي ما عليك قدي ....
في المشفى احتار عندما سأله موظف الاستعلامات عن الاسم لأجل تبليغ الولادة ؛ سارعت رغد بحماس لتقول : عادل ؛ لا أحد يعارضني .
ابتسم عامر من اسلوبها الحماسي وأشار الى الموظف بالايجاب وعادت العائلة تحمل وليدها الجديد بفرحة لا تماثلها فرحة ...
****
عاد الى البيت وهو يشعر بأن قلبه يحمل هموماً كالجبال ؛ استقبلته بعطرها وابتسامتها وملااااااابسها التي بات يمقتها لأنها تذكره بحديث خالد عن علي وهداياه .
احتضنها بحنان وجلس بالصالة وهو يجلسها بقربه وبدون مقدمات تزيد من أوجاعه : حصلت شغل أرافق ناس بالصحرا واكون دليل ليهم .
ملاك بحماس : الحمد لله والف مبروك فرحتني كثير .
فارس بتوجس : الرحلة تقريباً اسبوعين .
ملاك بصدمة وهي تستوعب الأمر الآن فقط : اسبوعين تغيب !
فارس : أنا لازم أشتغل لكن متحير وين ممكن أتركك بهالمدة .
ازدادت حيرتها ووجومها وهي فكرة أن تبقى لوحدها غير مقبولة نهائياً فهي لن تحتمل ذلك
فارس : في أحد ببالك ممكن تقضين عنده هذي المدة ؟
هزت رأسها بالنفي وهي تحتبس بصعوبة دمعه تكاد تغدر بها ؛ في مقابل تماسكٍ كاذب من جهة فارس المنهار من داخله .
أنا فكرت بالأمر وتذكرت لما كنا عند أم عزمي في دكتور محترم ومعروف جا يطلب من أم عزمي تسمحلك تشتغلين عنده ترافقين أمه الكبيرة بالسن ؛ تذكرينه؟
رأسها كان قد تجمد عن التفكير وما عادت تستوعب شيئاً ، تخاف من الوحدة وتخاف من بعده وتخاف من الغربة التي تجاهد باستمرار لمحوها من سجل حياتها اليومية .
لم تجب فقط هزت رأسها بالنفي .
أكمل بهدوء : اسمه الدكتور فيصل وأنا سألت عنه رجال محترم ويملك مشفى وبعد يدرس بالجامعه وما عنده أحد يهتم بأمه .
هنا فقط تذكرت ملاك الدكتور فيصل ولا تعرف كيف غاب عن بالها ربما بسبب الصدمة .
ملاك : أي تذكرته ؛ ثم ناظرت فارس باستغراب : يعني انت ما عندك مانع أشتغل ؟
فارس بنفي : هذا مؤقت بس لحين ما أرجع وعقبها تعتذرين وتعاودين وهذا أفضل حل لنا ؛ لكن لا تبلغينه من الأول أنه بس سبوعين .
ثم أكمل بصعوبة : وأنا لازم أطلع الشغل من باكر الفجر وش رايك بوصلك الحين وتاخذين كل أغراضك معك .
ملاك بغصة : الحين ؟ بروح من الحين ونفترق ؟
فارس بصعوبة يمثل التماسك : اي حتى اذا ما مشت الأمور نشوف مكان ثاني ؛ قومي البسي وجهزي روحك .
قامت والذهول يسيطر عليها تعد حقيبتها التي أحضرتها من بيت أم عزمي وأضافت لها كتبها القيمة ؛ خرجت للصالة لتجده يمسك هاتفها وقد سجل عليه أرقام : هذا تلفون الدكتور فيصل كلميه الحين وذكريه بنفسك ؛ وقولي انك تركتي أم عزمي وتبغين وظيفة .
أطاعته بذهول "معقول رداد كذا يخليها تكلم رجال وبتشتغل عنده !! والا لأنه مضطر يأمن لها مكان لحين رجعته "
قطع أفكارها صوت الدكنور فيصل يرد برسمية ..
ملاك بصوت يكاد يختفي : دكتور فيصل أنا ملاك اللي باشتغل عند أم عزمي ؛ تذكرتني ؟
فيصل بترحيب : يا هلا ومية تراحيب ؛ الي مدة بمر أم عزمي وما بشوفك.
ملاك وهي مستاءة من الحديث مع رجل : أنا تزوجت وتركت خالتي أم عزمي ؛ والحين زوجي عنده سفر وما أبغى أقعد بدون شغل ؛ بعدك تبغى أحد يعتني بالوالدة ..
فيصل بدون تردد : أكيد وين ألقى مثلك تعالي متى ما بغيتي ولك الراتب اللي تبغينه .
ناظرت رداد ثم قالت وهي تحبس دموعها بصعوبة : أقدر أبتدي بالعمل من اليوم .
فيصل : تعالي وخذي هذا هو العنوان ...وحياااك الله .
أغلقت الهاتف وبدأت تبكي دون قدرة منها على منع دموعها فبادر فارس لاحتضانها وهو لا يملك الا توديعها وهو يهمس لها : أوصيك بنفسك وما تطلعين من بيت الدكتور أبد الا لما أجي آخذك بيدي ، مفهوم
هزت رأسها بأيجاب وعادت لتبكي وهو لا يدري كيف يخفف عنها أو حتى عن نفسه ..
*****
دخل الطلبة الثلاثة أحد المختبرات الثلاثة التابعة لقسم المكافحة وبدأوا يتأملون المختبر وتجهيزاته المذهلة والعاملين فيه يدققون ويفحصون مواد مختلفة وطبعاً تم تسليم كل منهم ماسك يغطي الوجه وقاموا بارتدائه ؛ حضر فهد وهو لا زال غير متقبل لفكرة هذه الدراسات والفائدة المرتجاة منها .
رحب فهد بهم وأشار الى الفتاة؛ التي كانت ترمقه باستغراب واضح ؛ أشار لها لكي ترافق الرقيب سماح لتشرح لها مهام عملها ؛ رمقته الفتاة بغير رضى وقالت بثقة : نحن فريق وجينا نعمل بذات المهمة والظروف وأنا وزملائي أتصور الأفضل نشتغل سوا حتى نحقق المطلوب بكفاءة واتقان .
لم يكن يبدو منها غير عينيها ولكن بتحدي واضح ولمعة ثقة لا يمكن يغفلها أمثال فهد وان كان يرى في الأمر جرأة تصل حد الوقاحة فمن هذه الفتاة التي تعلن على الملأ أنها تفضل العمل برفقة الرجال!!
لذلك قال باختصار : اليوم تبقون في المختبر للمراقبة فقط وفي ساعة الغدا باتمنى تشرفوني في مكتبي .
******
ابو عبدالله بغضب : والله يا ابو طلال اني مالي وجه أقابلك بعد اللي سواه عبدالله وعليم الله اني ما عندي خبر لا أنا ولا أحد من أهل بيتي .
ابو طلال وهو يكتم غضبه : الشرع حلل أربع وأنا ما أقدر أمنعه يتزوج له سنين وهو وده بولد وربنا ما راد.
أبو قاسم بعدم فهم : وهبه وينها الحين لنا شهور ما ندري عنها .
ابو طلال وحالته لا تسر : مسافرة مع طلال يا بوي .
ابو قاسم : وشلون تأمن لها بدار الغربة خلها الحين تعاود ودي أشوف قصتها .
أبو طلال : أمها كل حين وحين تسافر عندها وهي هناك بتدرس دراسات عليا ما تقدر تترك دراستها وتعاود.
ابو قاسم بغضب : عليم الله ان الحرمة الي تترك زوجها وتسافر بتدرس يحق له يتزوج عليها ؛ وش قلة الحيا وانت هالبنت ما تمون عليها من يومك الله يهديك .
روعة تضحك بشماته على هبه : ههههههه ما طار طير وارتفع الا كما طار وقع ههههههههه ماني قادر هههههه توجعت هههههه ومكان العملية ذبحني هههههههه
اسراء تنظر لها بقهر واشمئزاز : كيف لك قلب تضحكين كذا بشماته وانت ما تشوفين روحك !
جحرتها روعة بحقد : الا شلونه أخوك الأعمى ؟ متى بيطلعونه من المشفى
قامت اسراء بضيق وهي تحبس دمعتها .
حنين بكل غضب : انت علامك نازلة بالعالم ما يطلعلك تشمتي ببنت عمك او بولد عمتك عيب عليك ما عدت بنت صغيرة ترمين الكلام بلا حسيب ولا رقيب وزني كلامك والا كله بيرجع على راسك .
روعة بلا اهتمام : اللي يزعل مني لا يقابلني ولا يجيني .
رماح بتحذير : يعني عادي بيوصل كلامك لعمتي أميرة أو لأم طلال والله هذول لحالهن بيغربلوك تغربل ويردن الصاع بمليون لا تحسبين الكلام ببلاش .
حنين بتأكيد : واللي بيته من زجاج لا يرمي الناس بالحجارة .
أدارت روعة رأسها بضيق غير راغبةً بسماع المزيد من تأنيبهن ونصحهن الثقيل .
بينما رنا تجلس بزهو وهي تكاد تطير فرحاً وشماتةً لكن بدبلوماسيتها المعتادة لا تتدخل ولا تسيء حتى لا تحسب عليها نقطة وحتى لا يصل كلامها الى خالد الحازم معها دائماً ولا يقبل تطاولها على أحد .
*******
عملت له غداءً من أشهى ما يكون باعتباره سيمضي اسبوعين في الصحراء قد لا يجد ما يأكله كما يجب وأعدت له صندوقاً من البرك والمعجنات ليأخذها معه .
لن تقف في طريقه لطلب الرزق ولن تتذمر بل ستكون الزوجة المطيعة الوفية المساندة لزوجها في كل أحواله وظروفه ؛ وهي من كانت تسعى ليوافق أن تعمل وتساعده في توفير احتياجات بيتهم وهذه فرصتها لتثبت ذلك ؛ تزوجته وهي تعلم ظروفه وضيق ذات يده وستكون بجانبه لعل الله يوسع عليهم .
طالعته من بعيد وقد علت ملامحه الهموم والضيق ؛ تشعر به كبالع الموس ولا تريد أن تزيدها عليه ببكائها وتذمرها بل يجب ان تظهر القوة والقدرة على التحمل ...
تظاهرت بالابتسام والحماس وهي تعد الطعام ؛ نظر لها باستغراب لانقلاب حالها ؛ قبل ساعات كانت تبكي والآن تبتسم بسعادة !! هل يا ترى هي سعيدة بفراقي !! هل سفري هذا طوق نجاة لها لتتخلص من مقابلتي !! وهل أنا من الغباء لأتوقع أن واحدة مثل ملاك ممكن أن تحب أو تتعلق بمعتوهٍ مثل رداد !! مؤكد لا لأنه وببساطة كان خيارها الأفضل في حياتها البائسة ولا يعني بأي حال أنها تحبه أو تكن له أي مشاعر ..
عاد من سرحانه ليبتسم بسخرية على حاله " اظن اني جنيت قاعد باتكلم عن رداد كانه شخص ثاني غيري !! بالآخر رداد هو فارس وفارس هو رداد واتوقع لما بتعرف حقيقتي بتنبسط على الأقل تتخلص من رداد المعتوه "
عندما لمحت تغير ملامحه وابتسامه شعرت بالراحة وتشجع نفسها " أيوة خلك كذا يا ملاك تدخلين الفرح لقلبه بدل الهم والنكد ؛ خله يتذكر ابتسامتك بدل الدمع والنكد والضيق "
******
في مكتبه طلب وجبات غداء فاخرة للترحيب بالطلبة الثلاث باعتباره اليوم الأول لهم وان كان ضايقه أن أحدهم " فتاة " وواضح جرأتها وقوة عينها لكن سيتغاضى عن هذا بوضع محددات للعمل وان تجاوزتها سيطردها بسهولة وهذا كان اتفاقه مع رئيس الجامعه لأن عمله حساس ولا يقبل التهاون أو التساهل تحت أي ظرف من الظروف .
دخل الشابان ورحب بهما واتبعهم بعد دقائق دخول الفتاة .... عرفها على الفور ؛ هذه فاطمة صديقة ملاك !!
فعلاً الدنيا صغيرة ! ورغم ضيقه ابتداءً من وجودها الا انه شعر بتفاؤل لاحتمال بوجودها هنا يستطيع أن يعرف شيئاً عن ملاك .
بعد الغداء بادرته بسؤال بدا واضحاً انها تنتظر الفرصة المناسبة لتسأله : النقيب فهد مو انت الي جيتنا بالحوش تسأل عن ملاك ؟
فهد بحذر : نعم صحيح .
فاطمة باستغراب : وضابط كبير مثلك بالمكافحة ليه يدور عن ملاك.
لم يعجبه سؤالها أو اسلوبها ولكنه أجاب باختصار : لأن اطلاق النار نتوقعه بين تجار مخدرات وتأملنا ان البنت شافت شي يفيدنا .
ثم شرع بسرعة بالشرح والتوضيح لحدود العمل لفريق الطلبة حتى يتلافى المزيد من أسئلتها الفضولية.
****
حانت لحظة الوداع وما أصعبها على قلبه ؛ ساعدها بوضع حقيبتها في صحن الدستن ؛ وعاد الى البيت ليستعجلها ؛ كانت تقف كطفلٍ تائهٍ يبحث عن الأمان ؛ هوى تماسكه بمجرد نظرة الى عينيها ؛ احتضنها بعد أن انفجرت ببكاءٍ مرير حتى هدأت ؛ ثم اتجها الى السيارة وانطلق دون أن يقولا كلمة ؛ تشعر بقلبها يتمزق من الواقع المرير الذي تعيشه ؛ طوال عمرها بدون أهل او عائلة أو استقرار وظنت أنها في الفترة القصيرة الماضية قد حصلت على العائلة والاستقرار والآن لا تدري اين هي ؟ والى أين تسير ؟ والى متى ؟ يا رب فرجك ولطفك ... ان مع العسر يسرا ...
نزلت من السيارة وودعته بابتسامة واهية ؛ فيما هو بقي ينتظر دخولها المكان الوحيد الذي يعتقد أن بأمكانه الاطمئنان عليها فيه ؛ ما أن فتحت لها الخادمة الباب ودخلت حتى انطلق مسرعاً يجر أحزانه وآلام الفراق التي بدأت تسري في جسده الغارق في حب ملاكه....
كما توقعت منزله كبير وأشبه بفيلا يتميز بتصميمه الغربي المحدث ؛ أشارت لها الخادمة بالتوجه نحو جناح في ذات الطابق دخلته لتنصدم بعالمٍ آخر مستقل عن الفيلا ؛ قسم كأنه مستوحى من بيئة قروية هادئة بفراشها العربي وديكوراتها البسيطة ؛ في صدر المجلس يجلس الدكتور فيصل وبقربه امرأة كبيرة بالسن ولو لم يخبرها مرحباً بأنها أمه لظنها جدته .
فيصل باستغراب وهو يشير لها بالجلوس : من متى بتغطين وجهك يا ملاك ! ما خبرتك تغطين عند أم عزمي !
ملاك بصوت فيه خجل وارتباك : من تزوجت تغطيت .
فيصل يعرف أمه على ملاك : يما هي ذي البنت اللي كلمتك عنها ومتأكد بتحبينها وبترتاحي بوجودها .
طالعت ام فيصل ملاك بتقييم وواضح أنها من النوع الصعب ارضائه وقالت بصوت هامس : بنشوف ونقرر.
فيصل استأذن من امه بالخروج للقاء اصدقائه وملاك للحظة تنفست الصعداء لشعورها بالارتباك بوجود رجل غريب .
ام فيصل بشك : ودك تظلين متغطية كذا .
ملاك بخجل : لا طبعاً يا خالتي لكن ما أدري وين أحط أغراضي .
أشارت ام فيصل الى أحد الغرف التابعة للجناح : هذي بتكون غرفتك ؛ واتمنى يكون شغلك وطبخك ونظافتك مثل ما يقول عنك فيصل ؛ قومي الحين وغيري ملابسك هذا من الحين بيتك ولا تخافي فيصل ما يعاود يجي الا بعد ما يستأذن دامك صرتي بجناحي
قامت ملاك وهي تبتسم ولا تدري لماذا شعرت بأنها تعرفها بل هي متأكدة أنها رأتها من قبل .
غرفتها ليست بالصغيرة ولا بالكبيرة فيها أثاثٌ جميل وملحق بها حمام ، وضعت حقيبتها وغطاءها في الخزانة على عجل وارتدت قميصاً وتنورة طويلة واسعة ووضعت شال على كتفها تحسباً لأي طارئ ثم عادت الى ام فيصل .
كانت الخادمة قد أحضرت القهوة والحلوى وام فيصل تكيل لها التوجيهات والنقد الحاد ؛ جلست ملاك بقرب ام فيصل التي نظرت الى ملاك وهي غاضبة : شايفه هالخدم لا يفهمو.....
قطعت كلامها بصدمة وهي تنظر الى ملاك بتمعن ؛ وملاك استغربت من نظرتها وبقلبها "الله يستر هذي خالتي أم فيصل فعلاً صعبة وما يعجبها العجب "
أم فيصل بدهشة : سبحان الله ؛ معقول ما أصدق والله ان الشبه ما هو طبيعي ؛ صدق فيصل لما قال انك تشبهين جدته الله يرحمها .
ملاك : الله يرحمها ويحسن لها .
ام فيصل : وانت مين اهلك ومن اي ديرة ؟
ملاك داخلها شك للحظة بأن هذه العائلة ربما على صلة بأهلها لذلك حاولت قدر الامكان ابعاد اي احتمال لحدوث ذلك : ام عزمي بتكون خالتي ......
وأكملت التعريف عن نفسها من خلال أهل عزيزة واصولهم حتى لا يحصل ما ليس عالبال .
ام فيصل بأحباط : والله بلحظة توقعتك من أهل زوجي المرحوم وكنت بابصم بالعشرة على ذا لكن واضح انه ما بينكم صلة .
تنفست ملاك بارتياح وأشارت لها ام فيصل لتحضر الكرسي المتحرك لها وتساعدها على النهوض والجلوس عليه .
ساعدتها ملاك بهمة وحنان ثم بدأت تحرك لها الكرسي وهي عندها فقط تذكرت أين رأت أم فيصل من قبل ...!!
.
.
.
انتهى الفصل
رواية رحلة عذابي أنا 💘 الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم عشق جنوبي💞
الفصل الرابع والثلاثين
بعنوان#بعيد_عنك_حياتي_عذاب
ام فيصل بأحباط : والله بلحظة توقعتك من أهل زوجي المرحوم وكنت بابصم بالعشرة على ذا لكن واضح انه ما بينكم صلة .
تنفست ملاك بارتياح وأشارت لها ام فيصل لتحضر الكرسي المتحرك لها وتساعدها على النهوض والجلوس عليه .
ساعدتها ملاك بهمة وحنان ثم بدأت تحرك لها الكرسي وهي عندها فقط تذكرت أين رأت أم فيصل من قبل ...!! في حفلة زواج عبدالله من هبه عندما دفعت لها كرسيها للأبتعاد عن التكييف وحضورها تلك الحفلة مؤشر آخر على وجود قرابة أو صلة بينها وبين عائلتها البغيضة .
أكملت دفعها بابتسامة فلا زالت تذكر كلماتها لها في تلك الحفلة ... كانت تريد معرفة أهلها حتى تخطبها لأبنها الدكتور فيصل .....
******
رنا تغني وترقص في جناحها بانسجام وفرحة عندما دخل خالد الجناح ؛ لم تستطع اخفاء حماسها الشديد : هذا أخوك عبدالله ما هو قليل تزوج على هبة ويقولون مرته حامل وبيجيبها تعيش هنا .
خالد بتجاهل لها كالمعتاد : وهذا شماتة بهبة والا تشفي .
رنا بتصنع : انا...!! الله يسامحك ، والله قلبي محروق على هبه لكن وش أسوي هي جنت على نفسها
خالد بقهر : لعاد ديري بالك ترى الأخوة يقلدون بعض لا تلزين جوزك يساوي مثل أخوه ويدور واحدة ما تطلع روحه ..
وتركها مصدومة وكلماته ترن في رأسها وذهب الى غرفته واستلقى على سريره للحظات ثم كمن تذكر شيئاً قام الى مكتبه وفتح بمفتاحه الخاص درجاً صغيراً أخرج منه علبة لساعة فتحها وأخرج منها سلسلة ذهبية على شكل قلب ومحفور عليها لفظ الجلالة احتظنها بيديه ثم قربها من شفاهه ليقبلها وليتنشق عطر ذكرى من كانت تحمله على جيدها سنوات طويلة .....
*****
بصعوبة استطاع تهدئة أم تركي وطمأنتها عليه في الدورة المقبل عليها ؛ كان عليه استقبال أعداد كبيرة من المهنئين والمودعين له لهذه الدورة ذات السمعة العالمية .
العميد محمود والنقيب فهد يلازمانه من بداية السهرة وحتى مغادرة جميع الضيوف فهم تجمعهم صداقة وعمل تحفه المخاطر والصعوبات المتلاحقة وأكثر ما ضايقه قدوم خالد وعلي للسلام عليه ، كلاهما له صلة بملاكه... يحاول أن يوهم نفسه بأن ماضي زوجته لا يعنيه بشيء ولكنه أشبه بقرصة برد تأتيه كل حين ؛ يحاول ايجاد الأعذار والمبررات لما وقعت فيه ولكن يبقى الخوف من شبح أحداث هذا الماضي تعاود للظهور في المستقبل ؛ في قربها يطغى حبه ونظرات البراءة في عينيها ؛ ولكن في بعدها تطغى الهواجس والمخاوف والشكوك .....
محمود وهو يربت على كتف فارس : أشوفك مهموم ومتكدر ؛ ليكون في شي مزعلك ؟ لا تخبي عني أنا خويك وأمين سرك .
فارس بلا مبالاة : روح شوف حالة أم تركي وبعدها قول لويه متكدر .
محمود : انت خلال هالأسبوعين كلمها كل يوم وفهمها بعد كذا ان الاتصالات ممنوعة حتى تتهيئ لغيابك باقي المدة .
فارس بهم : ان شاء الله ؛ الله يهونها .
******
ساعدت ام فيصل بالخلود الى فراشها واتجهت الى غرفتها ؛ بدأت بترتيب أغراضها ولا أرادياً داهمها شعور الوحشة والخوف ؛ وعدها أن يكلمها ولكن يبدو أنه يتجهز لعمله لذا لن تزعجه ، حاولت النوم ولكن سبقتها دموعها لتبكي حالها ؛ تشعر أنها لا زالت صغيرة على الهموم والأحزان ومع ذالك عايشت منها الكثير ؛ تشتاق لأم عزمي وعزيزة وميسون وتخاف أن تغامر وتتسبب لهم بالأذى ؛ ولا تنسى أنها وعدت زوجها بعدم مغادرة هذا المكان حتى عودته ؛ وهي قريبة بأذن الله اسبوعان فقط فلماذا تحمل نفسها كل الهموم والأحزان فلتتفائل بالخير وبأيامٍ أجمل وأجمل ؛ بعثت رسالة الى رداد تطمئنه عن أمورها ووضعت رأسها واستسلمت للنوم ...
استيقظت كما أعتادت على صلاة الفجر ؛ توضأت وصلت ثم توجهت الى أم فيصل لتوقظها للصلاة وساعدتها على الوضوء وتركتها تصلي .
خرجت تبحث عن المطبخ ولم يكن فيه أحد يبدو أن الخادمة نائمة ؛ أعدت فطوراً يناسب أم فيصل وعمرها ؛ جاءتها الخادمة وابتسمت لها ملاك وتعاونتا في نقل الافطار الى جناح أم فيصل ؛ ترافق ذلك مع دخول الدكتور فيصل وربما كان قادماً من الصلاة ؛ دعته ملاك للإفطار مع والدته وتركتهما معاً واتجهت الى غرفتها وقد عزمت على الاتصال برداد لكنه سبقها برنين مكالمته ، ردت بلهفة وهو أجابها بشوق ؛ صوتها يذيب كل شيء فيه وكاد للحظة أن يقول لها "الحين بأجيك وألغي كل شي " بصعوبة حبس هذه الكلمات وأوصاها بنفسها وكرر عليها بعدم الخروج أبداً ولا تدري كيف تكتم شهقاتها بصعوبة استودعته رب العالمين وانتهت مكالمتهما وقلباهما منفطران هي بالشوق والحنين وهو ما بين الحب وبين الشك والأنين ... ان بقي أكثر سيصيبه الجنون لا محالة أو سيطلقها فيعيش آلام بعدها عنه أو يقربها فيغتاله الشك وظلال الماضي المقيت ..
نهض بضيق وبدأ بأعداد العدة وتهيئة نفسه من جديد..
****
رغد تلاعب الصغير بينما أم عامر تعد له رضعة الحليب والصغيرتان دانا ولانا تحاولان إضحاكه أما عامر فهو يراقبه من بعيد ..
رغد وهي تحمله : تعال شوف يا عامر كيف يدور الرضعة شكله جوعان .
عامر بتردد : لا ما أقدر خليني بعيد .
ام عامر بابتسامة وهي تحمله في حضنها وتعطيه الرضعة : لا تحاولي يا رغد ؛ تدرين به يخاف من البزران .
رغد بنغزة : عاد هذا قبل والحين هذا ولده لازم يقوي قلبه ويشيله .
عامر : انت اسكتي بدون فلسفة وروحي جامعتك ما تقولي اليوم عندك امتحان مهم .
قامت رغد كالمصعوقة فهي من فرحة الصغير نست الامتحان وأسرعت الى غرفتها لتجهز نفسها للذهاب..
***
فيصل باستفسار : ها يما ما قلتي وش رايك بهالبنت عساك مرتاحة معها .
أم فيصل بتفكير وهي تسبح : والله يا أولدي أن شوفتها بنت ناس ومرتاح لها لكن ما أقدر أجاوبك الحين ؛ كم يوم وأقولك إما زينة والا ما أبغاها ..
قبل فيصل رأس أمه بسعادة لأنه يعرف أنها ارتاحت لملاك وهذا ما يريده ويبحث عنه من سنين ؛ فلا يهمه الا سعادة أمه وبرها يكفي أنه لم يدرك بر أبيه الذي توفي من سنين طويلة ..
اتجه الى عمله كمحاضر غير متفرغ في كلية الطب وهو لأول مرة يشعر بالاطمئنان على أمه الغالية .
جميلة تنغز رغد بيدها ورغد منسجمة في مراجعة المادة : ما أصدق عيني اول مرة أشوف الدكتور فيصل يبتسم ؛ نظرت له رغد بعدم تصديق وفعلاً كان يبتسم ربما لأول مرة يلمحون ابتسامته .
بلعت رغد ريقها بخوف : الله يستر هاذ أكيد ناوي علينا وانا الهبلة ما قريت ولا استعديت .
لم يكن الامتحان شديد الصعوبة ولكن بالنسبة لرغد كان كارثة ومن المؤكد أنها سترسب في المادة .
أقنعت جميلة بالذهاب معها الى مكتبه بعد الامتحان حتى تشرح له ظروفها لعل وعسى يرحمها ولا يتسبب برسوبها .
دخلت مكتبه باضطراب بعد الاستئذان : السلام عليكم دكتور
رفع نظره لها ثم عاد الى عمله دون اكتراث فهو معتاد على أساليب الطلبة بعد الامتحان يأتون بأعذارهم الواهية لتبربر فشلهم : وعليكم السلام ؛ ايش في عندكم ؟
رغد بتأتاة من شدة الخوف : دك تو ر والله صا رت عن دن ا ظر وف وما در ست
فيصل بضجر : الامتحان كان مستواه سهل وضمن المادة وما رح أتقبل أي أعذار والحين مع السلامة وصكن الباب وانتن طالعات .
صدمة أصابت رغد من اسلوبه ومن تكبره وغروره ، بصعوبة حبست دمعتها وغادرت مكتبه وهي تشعر بالذل والمهانه .
لأول مرة ما تدرس على امتحان ولأول مرة تخشى الرسوب ؛ هي متفوقة وعلاماتها مرتفعة وفي النهاية عرّضت نفسها لمهانة لا تحتمل ؛ كم هي ساذجة وغبية ..
حاولت جميلة التخفيف عنها ولكنها لم تستمع لها بل سارعت بالعودة الى بيتها وكلها ندم ويا ليتها تعيد عقارب الزمن لتمنع نفسها من دخول مكتبه ورجائه.
****
تساءلت بامتعاظ واضح : وليش النقيب فهد ما يبغاني أشتغل مع فريقي ليكون مفكرني زيادة عدد والا ناقصة عقل حتى يستثنيني ..
جاءها صوته الغاضب من خلفها : ناقصك اسلوب واحترام للمسؤول ؛ أنا بس اللي أقرر آلية العمل وتوزيع المهام وان ما تبغين تسمعين الكلام ترى الباب يفوت جمل .
فاطمة مسكت أعصابها وحاولت التحدث بهدوء لأن هذه الأبحاث مدفوعة الأجر وتعينها في دفع أقساط دراستها ولا تريد خسارتها : نقيب فهد أنا كذا بأشعر بالتمييز ضدي ولعلمك أنا تقديري أعلى من الشباب فأتمنى تعطيني فرصة أظهر كفاءتي .
فهد بحزم : تظهر كفاءتك لما تلتزمي بالتعليمات وبتنفيذ المهام المنوطة بك بدون تذمر أو مبررات .
كادت ترد لكنها لمحت الرقيب سماح تشير لها بالسكوت ؛ فخرجت صاغرة منصاعة وفي داخلها بركان يثور ..
توجه فهد بضيق الى مراكز العمل في المعامل ليشرف على توزيع العمل على الباب ويترك للطالبة فاطمة مهمة تحليل النتائج وجدولتها وتنظيمها .
****
استعد للخروج من المشفى وقد أحضر له علي عكازاً مخصص يساعد في تلمس الطريق ؛ وجد صعوبة في المشي واستعماله ؛ لكن لن يصعب عليه شيء مع التدريب المستمر ..
يشعر بدموع امه وان لم يكن يرها ويسمع دقات قلبها واضطرابها ؛ حاول أن يمازحها حتى يخفف من ضيقها وهيهات لقلب الأم أن يتحمل ما أصابه وحل به..
أوكل بعض الجوانب في ادارة شركته الى علي حتى يستطيع تنظيم حياته القادمة واعتماد وسائل بديلة تعينه في حياته .
صعب ان تدخل بيتك غير قادرٍ على رؤيته ومكان غرفته تغير الى جناحٍ بالطابق السفلي ، استلقى على سريره ينشد الراحة بعد تعب ومشقة المسير مع تشديد الأطباء على ضرورة تخفيف الحركة قدر الامكان ....للحظة تبادر الى ذهنه نور وسارع بنزعها من فكره المتعب : ما دامت تزوجت لازم يشيلها من تفكيره والله يسعدها في حياتها اللي اختارتها بنفسها ..
****
ناصر محتار في تأخر رد عزيزة عليه خاصة مع ازدياد متطلبات دالية وتقلباتها الغريبة .
اتصل عليها وما أن أجابت حتى تردد ونوى اغلاق الهاتف لكن جاءه صوتها الهادئ : اهلاً استاذ ناصر بغيت شي ؟
ناصر بضيق : اي بغيت يا آنسة عزيزة ، ما رديتي علي بالنسبة للموضوع ؟
عزيزة بمكر : أي موضوع ؟ ما فهمت ؟
ناصر يكبت غضبه : الحين وش في بيننا موضوع غير طلب الزواج ما أظن في غيره !
عزيزة : ايوة تذكرت ؛ تقصد طلبك أكون مربية لبنتك تحت مسمى الزواج .
ناصر بتحدي : أيوة هذا قصدي واتمنى تعطيني جوابك بدون لف ودوران .
عزيزة وهي تكتم غضبها : بصراحة بعدني ما فكرت زين واحتاج اسبوع زمان أدرس الموضوع براحتي ؛ والحين عندي أشغال يلا بالسلامة .
ناصر يناظر الهاتف بصدمة كيف تجرأت وأغلقت الهاتف هكذا "هذي وش تساوي لا صارت زوجتي ؛ اصلاً واضح من صوتها ما بترضى وانا كنت مفتكرها ذكية وتعرف تستغل الفرص "
****
مضى أسبوع وهو يشعر بالندم لأنه اختار الصحراء كحجة لابتعاده عنها فمؤكد لا يوجد تغطية شبكة ولا يستطيع مكالمتها والشوق يفتك به " اللي مثلي معرس جديد المفروض كل وقتي مع زوجتي او الحين بنقضي شهر عسل في بلد من هالبلاد ، ما أدري شلون بأبتعد باقي أيام الدورة يا رب صبرني .."
أما ملاك فتجد بالذكر والصلاة وقراءة القرآن ملاذاً آمناً من كل مشاعر الوحدة والوحشة وبمرافقة أم فيصل سعادة وعائلة يتوق لها قلبها وفكرها ؛ تفاجأت عندما علمت أنها عملت معلمة لأكثر من عشرين عاماً وأنها تتقن الانجليزية جيداً وتمضي الساعات بالاستماع الى أحاديثها الشيقة ...
ام فيصل : أنا كنت وحيدة أبوي ما خلف غيري ؛ مدلله واشوف روحي عالعالم كله ؛ يجيني الخطاب وارفض وابوي ما يجبرني على شي حتى فات بي القطار وما عاد أحد يطلبني وتمضي الأيام والقى روحي وحيدة ؛ أبوي توفى وتركني مع ثروة كبيرة ؛ صاروا اولاد عمه يبغون الثروة بأي شكل .
ملاك بانسجام : أكثر الأقارب عقارب يبغون يستغلونك لانك وحيدة ومالك سند .
أم فيصل : قمت دخلت على أبو فيصل وهو رجال كبير وشيخ مقدر وصديق للمرحوم أبوي ؛ وهو قبل دخالتي وعرض يتزوجني وحلف حد الله ما بينه وبين مالي وورثي وتزوجنا .
ملاك : وهو كان عنده زوجة وأولاد .
ام فيصل بحزن : عنده زوجته الله يرحمها ولهم اولاد كثير وبنت وزعلوا منه لما تزوجني وخاصة لما حملت وخلفت فيصل وهذا كان عطية من رب العالمين لاني كنت كبيرة بالسن لكن رحمة ربك تاسع كل شي .
ملاك : وللحين مقاطعينكم ما يكلمونكم !!
ام فيصل : بعد ما توفى ابو فيصل الله يرحمه صاروا يزورونا ويوصلونا لانهم اهل دين ويخافوا من قطع الارحام لكنهم ساكنين بعيد عننا بشرق البلاد .
صوت فيصل يستأذن بالدخول قطع عليهن الحديث ، تغطت ملاك وخرجت للمطبخ لتتيح لفيصل الجلوس براحته مع أمه ؛ لم يكن يعجبها الطعام الذي تعده الخادمة للدكتور فيصل لذلك أصبحت تعد له يومياً الغداء كما تعد لأم فيصل ما يناسبها من وجبات وهي تدعي من كل قلبها أن يهيئ لرداد الطعام الطيب ومن يحسن اليه أينما كان .
******
طوال الاسبوعين الماضيات وهي لا تستطيع الراحة أو النوم وهي تشعر بالإهانة والمهانة ؛ هذا الدكتور فيصل طردها من مكتبه وأذلها وهي لن تسكت على اهانته كتبت رسالة عبرت بها عن كل حقدها وغضبها عليه واستخدمت كل مصطلحات اللغة الفصيحة وزادتها بيتين من الشعر الذي تفجرت عنه قريحتها الابداعية وتنفست الصعداء ..
جاءت مبكرة للمحاضرة ووضعت المغلف بدرج مكتبه وتركته مفتوحاً ؛ جاء كعادته في الأيام الأخيرة مبتسم ومنشكح وما لا يعلمه طلابه هو ان وجود ملاك في بيته ؛ بحسن ادارتها واهتمامها به وبأمه واضفائها جو العائلة الذي يفتقده ؛ جعله يدرك ضرورة الزواج وانجاب الأطفال فليس من العدالة أن يحرم أمه من أحفادٍ يدخلون المسرة الى قلبها ...
لمح المغلف واسمه مكتوبٌ عليه ؛ وضعه بين أغراضه ليقرأه لاحقاً وهي لحظتها فقط شعرت بأنها انتقمت لكبريائها من هذا الفظ المغرور .
****
استدعاها لمكتبه بعد أن أرسل لها سيارة لاحضارها من المصنع وبدا عليه نفاذ الصبر والعصبية .
ناصر بحنق : ممكن يا آنسة عزيزة تتكرمي علينا وتعطينا ردك النهائي بموضوع الزواج.
عزيزة وأخيراً أتقنت وضع قدمٍ فوق قدم : استاذ ناصر ما أدري لويه بصلتك محروقة لازم تعطي غيرك فرصة يفكر ويقيم البزنس واحتمالات الربح والخسارة والمخاطر الاستثمارية .
ناصر بقلة صبر : أي بزنس يا مجنونة أنا أسألك عن عرض الزواج.
عزيزة بتحدي وهي تضع عينها في عينه : استاذ ناصر انت ما عرضت علي زواج انت عرضت بزنس على شكل زواج وانا من حقي أقيم براحتي .
سكت ناصر وهو يدرك مدى صدق كلامها
اكملت عزيزة بتحدي : انت تبغاني أقايض شبابي وحريتي بزواج صوري ؛ قدام العالم زوجة وبواقع الأمر مربية أو نقول مثل ما تسميها أم لبنتك !
ناصر : أنا ما أجبرك على شي ؛ أنا كنت واضح وصريح حتى ما أظلمك.
عزيزة : وانا حرة نفسي وما أحد يجبرني على شي مهما يكون .
سكتت قليلاً وهي تأخذ نفس عميق : وأنا موافقة لكن بشروط ....
*****
للمرة العاشرة يتردد في طلب رقمها فقد حان موعد السفر ووداع الحبيبة يعلم بأنه كاذب ويجيد الكذب جيداً كما يجيد التخفي وتقمص الشخصيات ولم يكن في حسبانه ان يطيل أمد كذبته معها لولا سفره المفاجئ في دورة خاصة وضرورية ؛ سيشرح لها حين يعود كل شيء وسيعاتبها على تاريخها الأسود او سيتغاضى عنه لا يدري فقط يدري بأنه لن يتخلى عنها ..
ملاك بحماس : هلا رداد ؛ أكيد خلصت شغلك ؛ انت بتنتظر برة صح ؛ دقايق واجهز ..
فارس بضيق : صبرك علي ؛ اسمعيني وافهمي اللي بقوله .
ملاك بقلق بالغ : قول وش في .
فارس : اللي رافقتهم طلعوا يهربون آثار والأمن صادوهم بكمين وانا اعتبروني متعاون معهم والحين بيسجنوني ست شهور عقوبة .
ملاك لا تستوعب ما يقول فالصدمة ألجمتها : رداد انت وينك الحين .
فارس : أنا بالسجن والحمد لله اللي وقفت على ست اشهر ما هو أكثر .
ملاك تحاول كتم دموعها فليس وقتها : الحين لازمك محامي أكيد .
فارس : لا محامي ولا غيره ؛ انت اهتمي بنفسك ..
ملاك بألم : رداد أنا بقول للدكتور فيصل يشوفلك محامي ..
قاطعها فارس مع شعوره بألمها : انت تبغين تفضحينا وبس ؛ وش بيده يساوي هالفيصل هذا اول شي بيطردك لان زوجك مسجون وانا يزيد حملي وهمي بخوفي عليك ؛ الحين بسلمهم التلفون ولما بطلع ان شاء الله بعاود أكلمك ..
ملاك : وين بيسجنوك حتى أزورك واتطمن عليك .
فارس بصراخ : انت ما تسمعين الكلام ؛ ما قلتلك ممنوع تطلعين من مكانك ودك بزيارة السجون وش استفيد يعني يا تلزمين كلامي يا كل واحد مننا يمشي بطريقه .
خانتها دموعها على وقع كلماته وصراخه ؛ ليست ملاك من تخالف اوامر زوجها او تعانده كل ما تسعى له هو مساعدته والتخفيف عنه ؛ وفي المقابل لا تجد منه الا الصراخ وسوء الظن..
ناداها مرة ومرتين وثلاث وهي لا تقدر ان تجيبه من شدة البكاء والدموع ..
ناداها للمرة الأخيرة بتوسل : ملاااااك .. لا تعذبيني أكثر من عذابي ولا تحرميني من صوتك وكلماتك ترافقني في ليلي الطويل .
ملاك ببكاء مرير : أودعتك الله عينه تحفظك وترعاك .... وتطمن ما أخالفك براي ولا شور وكلامك سيفٍ على رقبتي ألزمه ..
فارس وضيقة صدره تعاود بلا رحمة : بأمان الله يا نظر عيني أشوفك على خير ...
أغلقت الهاتف ودفنت وجهها في فراشها بجوحٍ مؤلمٍ حزين ترنيمته أسى وبعاد .... يا زمن اشفق على حالي وقلبي حزين ... الأسى دايم وما للفرح مكان .... زادت أوجاعي وغلبني الأنين ... وحيد ومن هانه زمانه هان .... يا عذابي لازمتني ايام وسنين ... واسكنت بجراحك جوى المحان.... صدى صوتي يرتد كل حين.... وين السعادة وين الأمان...
****
في خلسةٍ عن أمها ضربت ارقام الهاتف التي يحفظها قلبها قبل عقلها _من الهاتف الذي اشترته لها امها لتحادث عريس الغفلة_ بعد عدة رنات جاءها صوته : الو ... الو ..... مين معي ؟
نور منعت شهقاتها وانفاسها حتى تشبع سمعها من صوته وكلماته : الووووو .. مين معي .... ثم سكت ؛ أخذ نفساً طويلاً وقال بألم : هذا انت يا نور ، أخبارك طمنيني عنك .
لم تحتمل .. أجهشت بالبكاء ...
اسلام بحنان : ماله داعي تبكين أنا مسامحك وادعي ربنا يوفقك في زواجك واتمنى ما تخيبي أملي وظني فيك ؛ انت الحين متزوجة ومن حق زوجك عليك تصونينه وتحافظين على عرضه وشرفه ؛ أنا بخير ومن فضل ربنا نجاني من الموت وقادر أعيش وأتأقلم مع حالتي وانت بعد لازم تعيشين حياتك وتنسين الماضي ...
لم ترد بكلمة فقط أغلقت الهاتف بهدوء وهي تشكر الله على نعمة الصبر والرضى والايمان بقضائه وقدره التي أسبغها على اسلام ؛ هذا الشاب الذي خسرته بتهورها وطيشها .... "اودعتك الله يا ساكن القلب والروح ... ماني بعاصي لكن القلب له تباريحه ... عشقتك وغدا قلبي موطن اوجاع وجروح ... والدمع ما عاد يشفي تجاريحه.....غدرتك وما هو بذنبي بس ابووح ....ان القلب لأجلك ألغى تصاريحه...
***
عزيزة بثقة : اللي طلبته شي غير معقول وغير مقبول ؛ عشان كذا ما يطلعلك تقول شروطي ما هي معقولة .
ناصر بعدم فهم : لما أعرف شروطك بالأول بعدها نتفاهم .
اخرجت من حقيبتها قائمة منسقة ؛ قرأها ناصر بتمعن ثم ناظرها بغموض : ما هو كثير هذي المبالغ !!
عزيزة بثقة : لا ما هو كثير والمبلغ ينودع بحسابي قبل الملكة والشبكة الماس مكفول والحفلة بأفخم القصور ..
قاطعها بحدة : أنا ما أبغى حفلة .
ردت بهدوء : هذا حقي وما تمنعني عنه وبكيفك تحضر والا ما تحضر لكن كل أهلك وربعك يحضرون .
ناصر بضيق : ما هي مشكلة اعمل حفلة ولو انها مصاريف ما لها داعي .
أكملت : وابغى جناحي يتجهز بأحدث وأرقى الأثاث وكله باختياري وملابسي بوصي عليها من احدث دور الأزياء .
ناصر : مثل ما تبغين وكذا حنا متفقين .
عزيزة بغموض : أنا ما خلصت شروطي .
ناصر بكل هدوء : وش ظايل بعد !
عزيزة : باقي عندي شرطين أهم من كل الشروط وينكتب بالعقد بيننا
ناصر : غردي والله يستر من شروطك .
عزيزة : الأول أستمر بشغلي وما تمنعني عنه بيوم .
ناصر مستاء ولا يشعر بالرضى : وكيف بتعتنين ببنتي اذا وراك دوام وأشغال !!
عزيزة : تطمن بنسق أموري وما يأثر شغلي على دالية أبد.
ناصر : والشرط الثاني .
عزيزة وبتحدي واضح : شرطي هذا هو الأهم من كل اتفاقنا السابق واذا فكرت في يوم تخل بيه تراه فراق بيننا وطلاق ما عنه رجعه.
ناصر بعدم فهم : وش هو هالشرط هذا !
عزيزة : اذا فكرت في يوم تغير اتفاقنا وتعاملني كزوجة فهذا بيكون آخر يوم في زواجنا وطلاق ما عنه رجعه .
ناصر باستخفاف : تطمني ما حييجي هذا اليوم أبد .
وقفت عزيزة وهي تقول : اذن اتفقنا ونكتب هذي الشروط بعقد منفصل ونوقعها عند المحامي .
ناصر بضيق : أووووف محامي مرة واحدة لهالدرجة ما تثقين بي .
عزيزة : ما هي عدم ثقة لكن اللي اوله شرط نهايته سلامة ؛ جهز كل شي وبلغني ؛ ولا تنسى أبغى جاهة كبيرة تطلبني من أهلي وانا باستدعي عمامي وقرايبي يحضرون .
ناصر يكبت غضبه ولكن يصبر نفسه "لاجل دالية كل شي يهون " : ان شاء الله خلال شهر كل شي بيجهز ونتم الزواج في نهاية الشهر .
ناظرته باستغراب من استعجاله فهي توقعت يحتاج شهور لكن لن تعلق وباختصار : واتمنى جهازي اللي باطلبه وأثاثي يكون جاهز بالأول .
ناصر : اكيد ولا تنسي نحن من أكبر شركات الملابس في المنطقة وما يصعب علي شي .
اومأت برأسها وغادرت دون أي رد..
هو لا يعرف أنها تعلقت بابنته دالية كثيراً وتشعر بحاجتها لأم تحتويها بحبها وحنانها ولو أنه تقدم للزواج منها كما ينبغي لما طلبت شيء او اشترطت عليه الا قلباً محباً ونوايا صادقة سليمة فالمادة والملابس والنقود لا تغريها ولا تعني لها شيئاً هي انسانة وان كانت تبدو قوية الا انها حساسة جداً وما فعله لها لا يغتفر وستحاسبه عليه بطريقتها .
*****
فاطمة بسبب الملل وقلة العمل في معامل القسم غفت على مكتبها بعد ان راجعت بعض دروسها وقد التزمت خلال الاسبوعين الماضيين بعدم حضور وجبات الغداء اليومية التي يقدمها النقيب فهد للطلاب وحتى الوجبات التي كان يبعثها ترجعها في كل مرة حتى توقف عن ارسالها وتكتفي بشطيرتها التي تحضرها من بيتها لتستعين بها على دوام القسم ثم دوام الجامعة الذي يتبعها .
فهد لأجل كتابة التقرير الاولي للجامعه توجه الى المكتب الذي اختاره لفاطمة لتعبأ البنود الخاصة بها .
كان الباب مفتوح فدخل ليتفاجئ بها غارقة بنومٍ عميق وايضاً تشخر بسبب نومتها الغير مريحة .
ضرب بلؤم يده على مكتبها وهو متأذي من شخيرها العالي ؛ فقفزت صارخة من كرسيها وهي مذعورة ومذهولة من هذا النقيب .
نظرت له بحدة وقالت : بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء.
فهد باستهزاء : ما شاء الله ضحكتيني والله ؛ ليه نايمة أثناء العمل !
فاطمة بنغزة : من كثر الشغل اللي علي انهد حيلي ونمت .
فهد بابتسامة : عشان تعرفي انا نعطي الناس قدرها ونكرمهم زين .
فاطمة بجدية : الحين الطلاب اللي معي يوصلون فكرة سيئة عني للمسؤولين بالجامعه وما عادوا يكلفوني بمهمات مثل ذي .
فهد تكتف وبجدية أيضاً : أحسن وخير ما يعملون لأن هذي الأعمال المختلطة ما تناسب فتاة بسنك وقلة خبرتك بالحياة .
نظرت له بحنق ثم ابتسمت بسخرية : أكيد يعني وش بيقول شخص مثلك ما عمره حمل هم كيف بيأمن قسط جامعة والا مصاريف أخوة هو أكبرهم او حتى أجار بيت الشهر يلحق الشهر او تأمين أبسط احتياجات أهله من أكل وشرب أو علاج أمه اللي هدها المرض والديون ...
اللي مثلك شاطر ينظِّر بالمثاليات واللي يجوز وما يجوز وهو بواد ومآسي الناس بواد.
فهد : والبنت ما هو مطلوب تحمل نفسها كل الحمول ؛ وين العمام والاخوال والقرايب هذا واجبهم وحقكم عليهم وما أنت مجبورة على شي .
تناولت حقيبتها وهي تقول : ما قلتلك انك تعيش بعالم المثاليات ...
واكملت مبتسمة : والحين باستأذن منك بروح عالجامعة ما دام ما عندي شغل .
بقي دقائق يفكر في كلامها وقد داخله شعور بالندم من تشديده عليها .
****
فيصل وبينما كان في مكتبه يجهز اوراقه ليتجه الى المشفى الذي يملكه بالشراكة مع الدكتور نواف سقط من حقيبته المغلف الذي وضعته رغد بدون اسم ، فتحه فوجد رسالتها ؛ قرأها وكله دهشة ممن يملك هذه الجرأة ليكيل له هذا الكم من القدح والذم والتجني !
قرأها عدة مرات ولفت نظره جزالة الأسلوب ومهارة التعبير وانتقاء الكلمات .
حمد الله أن أوراق امتحان طلبة الشعبة لا زالت معه ولم ينتهي من تصحيحها كاملة ؛ بدأ بمقارنة الكتابة والحروف حتى وقع نظره على ورقة الطالبة رغد ......
لم تكن علامتها جيدة بل على حافة الرسوب وتشابه الخط واضح جداً ، لكن لماذا هذا الحقد والتجني !! أتكون هي ذاتها التي جاءت مكتبه لتبرر اخفاقها وترجو التساهل معها ؟
قطع أفكاره صوت هاتفه ونواف يستعجله بالحضور ...
****
بعناية وتأني تمشط شعر أم فيصل الطويل وان كان قد خف مع طول الزمن وام فيصل تسرد عليها كما اعتادت كل يوم شيئاً من حياتها ....
"تدرين على زمنا كان عيب البنت تقص شعرها واللي تتجرأ تقصه تتعاقب بالعقال والله لا يورجيك وجعه "
ابتسمت ملاك بأسى وفي قلبها " اااه يا خالة لو تدرين كم أكلت ضرب من العقال ومن غيره ، وبجسمي انحفر ضرب ما قدرت السنين تمحيه ؛ وما يمكن تمحيه من جسمي ومن فكري "
قطع أفكارها أم فيصل قائلة : وانت ما شاء الله شعرك ما شفت مثيله الا عند عمتي ام زوجي ؛ كانت الله يرحمها جميله تشبهك وشعرها يشبه شعرك ، وسبحان الله جمالها سبب لها المشاكل والتعاسة طول عمرها .
ملاك بانسجام : شلون يا خالة ما فهمت !
ام فيصل : هذي يا بنتي لأنها جميلة تنافس عليها كل اولاد عمها يبغونها حليلة ودب بينهم الخلاف والمشاكل ، وهي الله يرحمها كانت رزينة وحكيمة وتوزن الأمور زين ، ما رادت ولاد عمامها يخسرون بعض بسبتها فقررت توافق تتزوج من عمي جد فيصل وكان رجال له مكانة وهيبة وحبها من كل قلبه لكن بعض اولاد عمها ذبحتهم الغيرة وكانوا يرمون الكلام بالعمادة قدامه عنها وعن اخلاقها حتى يطلقها .
ملاك بحزن وكأنها تعرف هذه المرأة الضحية وتشعر معها : وطلقها يا خالتي !
ام فيصل : كان بيطلقها لكنه تراجع بالتالي بعد ما ترجته ما يفرط بها وهو تزوج وهجرها وهي عزلت روحها بغرفة ما تغادرها أبد وليلها ونهارها عبادة وصلاة وذكر وقيام ليل حتى انشهرت بين الخلق بالعابدة والزاهدة وبعد سنين ولأن ربنا ما يضيع الحقوق.... واحد من الظالمين القاذفين تاب لله توبة نصوح واجا يحب عند رجول عمي ويعترف بقذفه بالباطل ونادى على باقي الكذابين واعترفوا تحت التهديد والوعيد وعندها عمي كلاه الندم لانه ما تثبت زين من كذبهم وساق جاهة عظيمة لعمتي يبغى يراضيها وباللي تبيه ، لكنها ما رضت ترجع الا لما يتصدق على امية فقير من حر ماله يكفيهم حاجة الناس طول عمرهم ؛ وعمي دق على صدره وأوفى وعندها رجعت لذمته وربنا أكرمها بالعيشة وبالخلف الصالح .
ملاك بتأثر : ربنا ما في أكرم منه هو اللي يزيل الغمة ويبري المظلوم وياخذ حقه .
سمعت ملاك صوت فيصل يستأذن بالدخول ؛ تغطت ثم سمعته يخبر أمه بأن ابو راكان يبغى يسلم عليها ؛ ابتعدت عنها بعد ان ساعدتها بتغطية شعرها وارتداء هندامها .
دخل الدكتور نواف بهيبته التي تعرفها ملاك جيداً وجلس بجوار أم فيصل يحادثها ويسأل عن صحتها وأخبارها ؛ بينما انسحبت هي بهدوء خشية ان يراها الدكتور نواف أو يتعرف عليها وأغلقت على نفسها باب حجرتها وقلبها يخفق من شدة الخوف ...
******
روعة بدأت تحاول ان تتناسى ما حصل معها وهي كلها ندم من الزواج من عامر فليس هو من يلبي طموحها في حياة العز والمكانه الرفيعة .
صحيح أنه وأهله أثرياء جداً ولكن مصادر ثروتهم هي من تجارة الأغنام ومصانع الألبان ومشتقاتها وهذا كان يسبب لها الحرج دائماً ويجعلها تتكبر على أم عامر وبناتها .
الآن يجب أن تسعى لزواج أفضل وعريس ذا مكانة ولكن يا حسرة كيف سيقبل بها أحد بهذه المواصفات وهي مطلقة وأم لطفل ؟
سرحت بأفكارها مثيراً ثم هبت كمن تذكر فجأة : حنين .. حنين
حنين بغضب : صرعتيني يا خبلة ، علامك هبيتي كذا !!
روعة بتحقيق : سمعيني زين ، هذا ولد عم زوجك اللي زوجته ماتت وعنده بنت وش اسمه ؟
حنين بتركيز : اي هذا ناصر صاحب دور الأزياء ومصانع الألبسة .
روعة : أيوة بالضبط هو تزوج والا بعده ؟
حنين بدهشة : لا بعده يا بعدي ؛ لتكوني بتفكرين ترسمي عليه وبتتزوجيه .
روعة بابتسامة : أيوة هذا اللي بيناسبني .
حنين : بس هذا يا فهيمة محرم على نفسه الجيزة وعايش بذكرى زوجته المرحومة .
روعة تلعب بشعراتها وتبتسم بدهاء : روعة ما يصعب عليها شي وتشوفين اذا ما خليته ينسى انه كان متزوج في يوم من الأيام .
حنين : الله يستر منك ويبعدك عني وعن زوجي واهله خايف تخبصين الدنيا وتخربين بيتي أنا بعد واصف جنبك مطلقة بدار أبوي .
كشت عليها روعة بعدم رضا وعادت تغرق في بحر مخططاتها للظفر بعريس الأحلام ....
******
يعمل على مكتبه بانسجام وصغيره سعد يلعب حوله وقد بدأ يحبي على قدميه ويستكشف ما حوله بشغفٍ واضح ؛ نسي أغلاق درجه خلال انسجامه بالعمل فتشبث به الصغير وبدأ يعبث بمحتوياته .
أخرج علبة الساعة بيديه ثم ألقاها على الأرض فانفتحت ووقعت منها سلسلة ملاك الذهبية ، جذبه بريقها فأمسكها بيده وكعادة الصغار وضعها بفمه ؛ لمحه خالد فارتعب من أن يبتلعها هذا الصغير فيختنق لا سمح الله .
جذبها من فمه بقوة والصغير يمسك طرفها ويشد عليه بتملك فأخذها منه بقوة وهو يضغط على القلب ....
تفاجئ عندما انفتح القلب بين يديه وينقسم الى قسمين يبطن كل منهما صورة مصغرة ومغلفة باتقان بغطاءٍ زجاجي ؛ تمعن بدهشة بالصورتين على كل قسم : الأولى لطفلة صغيرة رائعة الجمال عرفها بسهولة .. هذه ملاك ..
والأخرى لأمرأة محجبة لا تشبه ملاك كثيراً ولكن مؤكد هذه أمها لأنها أخبرته سابقاً أن هذه السلسلة هي الذكرى الوحيدة الباقية من أمها .
أراد اغلاق السلسلة لولا أن لفته شيء !! أعاد النظر بالصورة مرة ومرتين وثلاث وعشر ... مستحيل لا يصدق عينيه انها هي حتى لو تقدم بها السن لكن لا يمكنه ان يخطئ هي نفسها !! أيعقل أن تكون هي نفسها أم ملاك ؛ كل شيء جائز ولكن هذا الاحتمال طرح أمامه ملايين الأسئلة والاستفهامات حول ما حصل فعلاً وهل هذه المرأة كما يقولون عنها ...
.
.
.
انتهى الفصل
رواية رحلة عذابي أنا 💘 الفصل الأربعون 40 - بقلم عشق جنوبي💞
الفصل : الخامس والثلاثون
بعنوان #قلوب تنبض وقلب يموت
في غربته يناجي....
"ريحانة قلبي قد اشتقت لمرأى عينيك وذاب قلبي شوقاً وتاهت خطواتي على درب الحنين تناشد صدى وجدي....
في غربتي لم يمل القلب يستجدي صوتاً يبعث الحياة فيه ويروي ضماه من خفقة قلبك بين ضلعيه بل لم يمل يستصرخني أن تعال نعد ونطوي صفحة البعد وأن رأفةً بالجوارح المتهالكة والدموع النازفة من جرح الفراق وألم الحنين.."
تستيقظ كل ليلة وقد أصابتها رجفةً تسري في جسدها رعباً من حياةٍ هي أجبرت عليها ، زوجها يعاني مرارة السجون وكئابتها وشيء في داخلها يحملها ذنبه ووزره ؛ فربما لولا حاجته لتأمين احتياجاتها ما كان ليغامر بهذا العمل ولما كان مصيره السجون ؛ تشعر بألمٍ يتسلل الى قلبها كطعنة حادة ؛ هذا المسكين من تعرف عليها وهو يعاني ؛ تسببت لكسر قدمه ثم أصابته بعيارٍ ناري وكأنها بطريقةٍ ما ألزمته بالزواج منها ، اذ وقفت أمامه باكية وتشتكي من ظلم أهلها و رجل بنخوته رأفةً بها يعرض عليها الزواج ...
كم تحتقر نفسها لما سببته له من مصائب متتالية وتحتقر نفسها أكثر عندما تتذكر قرفها منه ومناكفتها له في كل موقف يتواجهان به ، هل يعقل أنها أصبحت بلا ضمير ولا انسانية مثل أهلها ؟؟
ثم تعاود لنومها المضطرب حتى تستعد ليومٍ جديد برفقة هذه المرأة الحنونة الطيبة فكل لحظة معها هي كنز من الخبرة والمعرفة.
***
بعد متابعتها لخط الانتاج الجديد ، جلست على مكتبها وقد أهلكها التعب ، فبالأضافة للعمل في المصنع يقع على عاتقها مساعدة أمها في إدارة مشاريعها ومعاملها ..
" الحمد لله أن نور استلمت الأمور المحاسبية ولكن كثير من أمور الادارة والاشراف التي كانت تضطلع بها ملاك بحاجة لمن يتابعها .... الله يسامحك يا ملاك رحتي وأخليتي بينا حتى تلفون ما عدت تدقين ولا كأننا كنا أهل وعشرة عمر ؛ يمكن عمها اللئيم زوَّجها وحرمها من التلفونات أو الرجال الي خذاها ، وشلون أحكم انها تزوجت .... أي ما في تفسير غير كذا والا ليه عمها طلبها على الفور تحضر ...حنا لازم أخذنا عنوان أهلها لكن وش يدرينا انها ما تعود ترجع أو تسأل ..الله يعينك يا ملاك وين ما تكونين وما أظن انه بكيفك تقطعينا وما تسألين عنا ....
قطع أفكارها صوت رنين الهاتف ؛ نظرت الى اسم المتصل وانتابها الغيظ ... أوووووف وش تكره هالمخلوق المتكبر البغيض ، لكن الصبر زين أنا أوريه قيمته ومكانته .
ردت وهي تدعي الهدوء : ألو
ناصر بحماس : صباح الخير آنسة عزيزة
عزيزة برسمية : صباح النور .
ناصر بنفس الحماس : بإمكانك تكلمين أهلك وعمانك بنجيكم اليوم جاهة .
عزيزة بدهشة من استعجاله للأمور فلم يمض أكثر من أسبوع على اتفاقهما وهو كل يوم يلبي شيئاً من شروطها !!
أجابت باسلوب مستفز : لا استاز ناصر ما بينفع الليلة بنأجلها لآخر الاسبوع .
ناصر بصدمة وصوت أشبه بالصراخ : كيف ما ينفع ؛ وأنا صرت مبلغ الجاهة والناس !!
عزيزة بهدوئها المستفز : والله ما قلتلك تعطي الناس موعد من غير رايي ، وأهلي لازم أمهد لهم واخبرهم لانهم متفرقين كلن بجهة .
ناصر يحاول يضبط اعصابه : انزين لعاد موعدنا باخر الاسبوع ؛ والكتالوجات اللي بعثتهم للملابس والأثاث اتمنى ما تتأخرين بالاختيار حتى نلحق نوصي بهن .
عزيزة بدلال يزيد غيظه : ما عجبني أكثرها وانا خاطبت دور الأزياء يبعثولي أحدث تصاميمهم بنقي براحتي .
ناصر يريد انهاء المكالمة حتى لا يضطر من عصبيته لالغاء كل شي : سوي اللي تبينه ؛ المهم ما تطولين علينا .
عزيزة بمكر : أحاول ان شاء الله ...
انهى معها المكالمة وقد سمع صوت دالية وهي تحادث المربية بغضب : انا من هنا ورايح ما أبغى تروحيني من المدرسة .
ناصر بحنان : وليه ما تبغين تروحك من المدرسة !
دالية بفرحة تقفز نحو أبيها : بااااابااااااا ... متى روحت من الشغل !
ناصر وهو يحتضنها بحب وحنان : جيت مبكر ابغاك بموضوع ، المهم ليه ما تبغينها تروح معك ؟
دالية تضع يدها على وجهها : بابا والله انها تفشل وما تستر الوجه ؛ صديقاتي يكلمونها وما تعرف تجاوبهم ، يصير شذي !!
ناصر ينظر للمربية باستفسار : لا طبعاً ما يصير ، ليه ما تعبرين صديقاتها !!
المربية باحترام : استاذ ناصر البنات بيكلموني بالفرنسي وانا ما أفهم عليم ، كيف برد يعني ؟
ناصر يكتم ضحكته : بابا دالية ؛ المربية حرام ما تعرف تتكلم فرنسي ، أكيد ما بتجاوب .
دالية بتوضيح : يا بابا كلهن ثلاث جمل علمتنا اياهم الأبلة
صباح الخير ومساء الخير وكيف حالك ما في شي صعب ، لكن هي لئيمة تبغى تفشلني .
وتكتفت دالية بغضب.
ابتسم ناصر على هيئتها وأشار للمربية بالذهاب ثم احاط خصرها بيديه وهو يقربها منه : ودالية حبيبة بابا ما تبي تعرف وش الموضوع المهم اللي جيت بكلمها فيه .
دالية بحماس وقد نسيت غضبها المصطنع : أكيد بنسافر ، صح ؟
ناصر هز راسه نافياً وقبل أن يجيب قالت بحماس : لعاد بنزور واحدة من عماتي .
ايضاً اشار برأسه نافياً.
اختفى الحماس من وجهها وقالت بقهر : لعاد وش في عندك يا ناصر .
ناصر يحب أسلوبها المتقلب ، مسح على شعرها وبابتسامة : مو انت دوم تبغيني أتزوج ويصير عندك أم مثل صديقاتك .
انقلب لون دالية وبان عليها الصدمة ، تركت أباها وركضت الى غرفتها وأغلقت عليها الباب.
لحقها ناصر وطرق الباب وهو متفاجئ منها " معقول غيرت رايها ما تبي أم "
ناصر وقلبه يخفق : بابا حبيبي مالك زعلتي لتكوني غيرتي رايك "
دالية بصوت مقهور : الا قول انك تبي تتزوج واحدة تجيبلك ولد وأنا تنساني وترميني بالشارع .
ناصر بصدمة : أنا انا برميك بالشارع !! منين بتجيبين هالكلام ومين مفهمك اني بفرط بيك !!
دالية : صاحبتي صار فيها كذا ، ابوها تزوج على أمها عشان يجيه اولاد والحين هو نساهم وما يعبرهم لا بزيارة ولا بغيره .
ناصر بألم : انا اذا كنت بتزوج بس عشان يكون عندك أم ؛ لكن اذا كان الزواج بيضايقك خلاص اعتبري الموضوع ملغي .
دالية : ما دام بتلغي ..خلاص بفكر أسامحك.
ناصر بابتسامة من وراء الباب وهو يشعر بأنه تخلص من حِمل الزواج بعزيزة : الحين بكلم عزيزة وأقول لها لغينا كل شيء .
إدار رأسه لينفذ كلامه لكنه تفاجى بالتي انطلقت كالصاروخ واقفة أمامه وهي تلهث : صدق بابا بتتزوج خالتي عزيزة !!
ناصر بتأكيد : كنت بتزوجها والحين بلغي كل شي عشان خاطر عيونك .
دالية بتخصر : وشلون بتلغي الزواج ما هو بكيفك .
ناصر بأحباط : مو الحين بتقولين ما تبغيني اتزوج....
دالية تقاطعه : لو خبرتني من اول ان العروس خالتي عزيزة كان ما اعترضت .
ناصر : ووش تفرق خالتك عزيزة عن غيرها !
دالية تشير بأصبعها على رأسها : كذا دخلت مخي وحبيتها واحسها تذكرني بجدتي الله يرحمها .
ناصر بحزن : الله يرحمها ويحسن مثواها ؛ لاجل كذا بوعدك خلال هالشهر بتكون عزيزة عندنا وتعيش بيننا .
هجمت دالية نحو أبيها واحتضنته بفرحة بالغة : الله لا يحرمني منك يا أحلى بابا .
ناصر بكل حنان الدنيا : ولا يحرمني منك يا أحلى دالية .
***
كان يمشي برفقة العميد محمود عندما رآها تتكلم بانسجام مع أحد المرتبات وتناوله أوراق وهي تبتسم ثم تذهب مبتعدة ؛ لا يدري لماذا شعر بغيظ شديد وود لو يلقنها درساً في الأدب والأخلاق ، بل ويفقأ عيني هذا المرتب الذي كان يتبعها بنظره .
نادى بغضب : رقيب أحمد ...
اقترب الرقيب أحمد باحترام وأدى التحية لهما
فهد بغضب : ليه تارك عملك وواجباتك؟
أحمد بدهشة : ما تركت أشغالي هي ثواني بس أخذت أوراق مهمة .
فهد اشار له بالانصراف ونظر الى محمود المندهش من عصبيته وأكملا المسير نحو مكتب محمود ولكن ذهنه كان مشغول بماهية هذه الاوراق ، بعدها بدقائق وجد نفسه يترك محمود ويتجه الى مكتبها
وجدها تدرس بتركيز واضح حتى انها لم تشعر بوجوده مما زاد في غضبه ؛ تنحنح فانتبهت له ووقفت باحترام .
فهد يحاول التكلم دون انفعال : ممكن أعرف ليه تاركة العمل وتكلمين المرتبات بالممرات .
فاطمة بحنق : اولاً اليوم ما تكلفت بأي عمل وثانياً أنا فقط سلمت الرقيب أحمد أوراق وارجعت مكتبي.
فهد بنغزة : ووش بينك وبينه تسلمينه اوراق أثناء العمل ؟
تفاجأت فاطمة من اسلوبه فردت بعدم مبالاة بعد أن جلست : أمر خاص .
هنا أنفجر غضبه بطريقة مرعبة : تطيحين الميانة وتوزعين ابتسامات وبعدها تقولين أمر خاص يا آنسة هذا المكان له احترامه سامعه ؛ والمرة الجاية .....
قاطعته بغضب أكثر من غضبه : محترمة غصب عنك فاهم ولا أنت ولا مليون واحد مثلك يقيمني وما أسمحلك ترفع صوتك او تسيء بالأدب وهالايام الباقية من الدراسة اتمنى ما أشوفك أبد .
فهد : ومن قال أني أبغى أشوفك أصلاً ولعلمك التقرير اللي بأبعثه للجامعة بوضح فيه عدم أهليتك وانعدام الكفاءة .
فاطمة باستهزاء : لا تغلب روحك لأن الجامعة قررت عدم تكليفي بأي دراسة قادمة بسبب شكوى زملائي من عدم تعاوني معهم وكله بفضل جهودك .... الله لا يسامحك
ثم حملت كتبها وأوراقها بغضب وغادرت المكتب وهي تدعي بقلبها على كل ظالم ...
استدار غاضباً وهو يحاول كبت غضبه وعاد الى مكتب محمود ليتفاجئ بالرقيب أحمد واقفاً هناك ويتكلم باحترام بالغ مع العميد : أهلي من زمن يدورون عليهم ولما عرفت من الرقيب سماح انهم أصلاً من نفس قريتي تحريت عنها .
فهد وهو لا زال غاضباً : وليه تتحرى عنها وش تبغى منها .
أحمد : أمها تكون تقرب للوالد من بعيد ؛ وله قطعة أرض مشتركة معها ومع ناس كثيرين يبغى ببيعها وما يقدر لأن أمها شريكة بها والحمد لله عثرنا عليها وأمس بشرت الوالد وطلبت منها صور من الاوراق الثبوتية وهي أحضرتها ؛ ما قصدت أعطل الشغل لكن أخوي الحين كان بيمر وياخذ الأوراق .
العميد محمود أثنى على الرقيب احمد وأشار له بالانصراف ثم نظر مبتسماً الى فهد الذي جلس بعيداً يفكر بندم على طريقة تعامله معها ولا يعلم لماذا انفعل هكذا وأساء لها وبقلبه " أستغفر الله العظيم من كل ذنبٍ عظيم "
رفع رأسه من شروده ليتفاجئ بالعميد يجلس مقابله وينظر له بتمعن : والله شكلك يا فهد وقعت وما أحد سمّى عليك.
فهد بعدم فهم : وش تقول !
محمود أرجع ظهره الى الكنبة باسترخاء : سلامتك ... اقول خذ اليوم وباكر اجازة واضح عليك التعب والارهاق وهذا يسبب الانفعال الزايد والعصبية .
وقام من مكانه وهو يقول بحزم : الحين بوقعلك الاجازة انت توكل واشوفك بعد باكر .
قام فهد دون اي كلمة وغادر المبنى وركب سيارته وهو يشعر بالندم والاستغراب من عصبيته الغير مبررة وكل ما يريده هو ان ينسى ما حصل .
لكن أثناء سيره رأى فاطمة تسير على الرصيف باستعجال و رأى سيارة فيها شاب تبطئ سيرها بقربها ويبدأ بالكلام معها وهي لا تعيره الانتباه ثم أسرع السائق بالسيارة واوقفها أمامها ثم نزل واقترب منها ...
طبعاً هم فهد بالنزول من سيارته والتدخل لكن تفاجأ بابتسامتها له - هذه الحقيرة - وهي تفتح حقيبتها وهو يبتسم ويمسح لحيته بيده .
"وأنا الغبي ندمت على اسلوبي معها وهي ليست أكثر من فتاة حقيرة ومنحلة "
اقترب الشاب أكثر وهي كانت تتكلم بخجل وبابتسامة مغرية ... وفهد كل ما يتمناه ان ينزل ويهشم وجهها وابتسامتها ....
عندها فقط أخرجت فاطمة بخاخ الفلفل من حقيبتها ورشت على وجهه بكثافة ثم أسرعت هاربة بينما هو جلس على الأرض يتلوى من الألم الشديد ووجه شبه محروق ؛ يبدو ان الفلفل مضاف له مادة حارقة !!!!
تبعها فهد بالسيارة وهي لا زالت تسير بسرعة حتى تعبت ثم أبطأت سرعتها من التعب ثم بالكاد توقفت ؛ نزل من السيارة واتجه نحوها وهي طبعاً شعرت بمن يمشي وراءها ولا تدري هل هو نفس الشاب أم غيره على كل حال البخاخ لا زال بيدها استدارت وأطلقت الرذاذ نحوه ؛ فهد بخفة وسرعة تفوق سرعتها تجنب البخاخ المخيف وهو يقول ضاحكاً : لو هالرجال صابه العمى من سلاحك الفتاك بتدفعين ثمن ارض الورثة تعويض له .
فاطمة أخذت نفساً بارتياح عندما عرفته ؛ ثم قالت بثقة : يخسى أدفعله فلس هو اللي جنى على حاله هالساقط .
فهد بكل جدية : وانت من عقلك تمشين بالشوارع الفاضية بعز حمية الشمس وما تخافين على روحك من هالأشكال .
أشارت له فاطمة باتجاه سيرها : مجمع باصات الجامعة يبعد كم كيلو من هنا وما في صعوبة .
وعادت لتكمل سيرها بتجاهل فهي لم تنسى ما فعله قبل قليل بها ولا تنوي الاستمرار بالكلام معه وكأن شيء لم يكن .
بقي فهد دقائق يتبعها بعينيه حتى غابت عن ناظره وفكره مشغول بهذه الفتاة ؛ لا تشبه الفتيات التي يعرفهن طوال حياته وخاصة أخواته وبنات أعمامه وعماته وأخواله وخالاته ؛ كلهن يتسمن بالدلال وكثرة التذمر والاعتماد الكلي على رجال العائلة في كل شيء ورغم ذلك يستمررن بالشكوى والدلع الزائد وربما هذا ما ينفره دائماً من الزواج وتكوين أسرة لأنه يكره هذه النوعيات .....
عاد الى سيارته ليكمل طريقه باتجاه بيته ولكن شيئاً ما جعله يتجه نحو مجمع الباصات البعيد نسبياً ليطمئن عندما رآها تقف هناك مع عدد من الطالبات بانتظار باص الجامعة ...
**
يكاد يأكلها القهر لأنها للآن لم تعرف علامتها بالامتحان ؛ لأن حضرة الدكتور المحترم طلب من الطلاب مراجعته بمكتبه لاستلام أوراقهم شخصيا وطبعاً هي رفضت الذهاب وطلبت من جميلة احضار ورقتها معها ؛ وهو رفض اعطاء جميلة ورقتها ؛ ثم انتظرت نزول العلامات على البورتل الخاص بالطالب ولكنه لم ينزل علامتها رغم انزاله علامات جميع الطلاب .
هل يعقل أنه عرف انها هي مرسلة الرسالة !" يا ويل حالي ان كان علم بذلك ، فربما لا يكتفي بترسيبها بل يشتكي عليها ويتسبب بطردها من كلية الطب"
عضت أصابعها بندم على فعلتها الشقية والتي لن تستطيع اصلاحها أبداً .
قطع حبل هواجسها صوت جميلة وهي تضرب بالكتاب على رأسها : يا ملا الصلاح علامك تعضين بأصابعك ليكون كاتلك الجوع واهلك ما معهم يعطوك مصروف .
رغد بتأهب : قومي معي نروح مكتب الدكتور .
جميلة باستغراب : أي دكتور !
رغد بحنق : وهو في غيره فصيل اللي شايف حاله .
جميلة وهي تتذكر نظرته المرعبة لها عندما طلبت ورقة رغد : لا يا حبيبتي بتروحين بروحك بعدني للحين أشوف كوابيس من آخر مرة دخلت بها مكتبه .
سحبتها رغد بقوة ودفعتها أمامها : هالحين بتمشين معي وانت ساكتة .. فاهمة ؟
جميلة تمشي معها وهي تصرخ من الألم : ااه الله يكسر يدك يا اللي ما عندك نعومة ؛ الله يعين عدول على طفاشتك .
رغد بحزن : حبيب عمته الله يحفظه؛ثم أكملت بغصة : والله انه يحزني كل ما شوفه ؛ يحاول يحرك رجوله ويلعب لكن بصعوبة وش يصير معه ما ندري وعامر قلبه يتقطع عليه يقول شلون بيتحمل عمليات والألم والتخدير .
جميلة بأسى : وامه ما رجعت ؟
رغد بغضب واضح : ولا حتى فكرت تطلب تشوفه الحقيرة وعديمة الانسانية ؛ تخيلي ان عامر كل ما جا علي يشوف الصغير يقله حاول اقنعها باللي تبيه وعلي ما هو طالع بيده شي .
جميلة باستغراب : وأخوك ليه بعده متمسك بيها ليكون بعده يحبها .
رغد بنفي وهي تهز رأسها : أبد والله انه ما يطيقها لكن ما وده يحرم عدول من امه ولا يبغاه يتربى يتيم ويعاني ؛ مستعد يضحي حتى بكرامته لأجل خاطره .
جميلة : والله ان أخوك ما في مثله لكن هالمخلوقة ما لها بالطيب نصيب.
أخذت رغد نفس عميق لأنها اصبحت أمام مكتب الدكتور فيصل .
طرقت الباب بأدب استأذاناً بالدخول ..
كان الدكتور فيصل مشغولاً مع أحد الطلاب في متابعة برمجية على اللاب توب .
نظر الى الباب ونيته الطلب من المراجعات العودة لاحقاً لانشغاله لكنه عندما رأى جميلة تذكرها .
اشار الى الطالب بالعودة لاحقاً ثم نظر لأول مرة نحو رغد ؛ لم يكن يتذكر شكلها عندما رفض سماع اعتذارها عن الامتحان للمرة الاولى .. طويلة ونحيفة بعينان سوداوان حور فيهما عمق ورموشها طويلة وانف دقيق وشفتين صغيرتان .... وبقلبه " الحمد لله ما تشبه عامر ".
شعرت لوهلة بارتباك من بحلقته بها " واضح انه راعي سوالف ونسوان الله يجيرنا "
تكلمت بثقة : أبي ورقة امتحاني لو سمحت .
فيصل أمال فمه بسخرية : وليه متأخرة للحين والا لان علامتك تفشل ؟
رغد شعرت بالحرج ؛ لكنها لن تكسر نفسها له مرة أخرى ، ردت بنفس الثقة : وش أسوي هذا مستواي وبيعين الله أعيد المادة - وبنغزة - عند الدكتور أياد .
فيصل بقصد : شدي حيلك بالنهائي يمكن تنجحين بالمقبول وما تحتاجين تعيدي شي .
رغد بتحدي : وانا ما أقبل بأقل من جيد جداً عشان كذا أفضل الرسوب .
هو يعلم بصدق كلامها لأنه تتبع نتائجها في الجامعة وتبين له أنها من الطلبة المتفوقين وفعلاً يبدو أنه كان عندها ظرف طارئ منعها من الدراسة .
فتح درج مكتبه وأخرج مغلف كبير ومده اليها ، استغربت ولكنها تناولته منه ونظرت الى جميلة ثم نظرت كلتاهما له باستفهام !!
فيصل اشاح بنظره عنهما ليعود للعمل على جهاز اللاب توب قائلاً : ورقتك كانت آخر ورقة عشان كذا المغلف .
خرجت مسرعة وهي لم يعد لها نفس برؤية ورقتها فقد عرفت علامتها من كلامه واسلوبه .
شعرت بحزن عميق ولكنها لن تستسلم ومستعدة لأعادة السنة كاملة ؛ المهم ان لا تتذلل لأي انسان مرة أخرى في حياتها .
******
ودعت ملاك بابتسامة الضيفات اللواتي جئن لزيارة أم فيصل ، ضيوفها كثر وفي كل مرة تضع يدها على قلبها خوفاً من أن يكون اي من هؤلاء الضيوف من أهلها .
جلست بقرب ام فيصل بعد ان ساعدتها بالنزول من كرسيها المتحرك الى الجلسة العربية المريحة وصبت لها فنجاناً من القهوة وهي تقول : ما شاء الله يا خالة أهلك ومعارفك كثر .
ام فيصل بفخر : الحمد لله وكلهم يحبون زيارتي ويقولون والله القعدة معك يا أم فيصل ما تنمل .
ملاك بتأكيد : وهم صادقين يا خالة حتى انا ما أمل من سوالفك ولو بايدي ما أفارقك أبد .
ام فيصل : اللي بالبلاد اشوفهم دوم لكن اللي مهاجرين الله يردهم سالمين ، ثم بان عليها الحزن وكأنها تذكرت شي :
ملاك باستغراب : من هم ذول يا خالة ؟
ام فيصل بتنهيدة : هذي منال _ يكون فيصل خالها مع انها أكبر منه بكثير وهي البنت الوحيدة لأخته الوحيدة أم منال _ تزوجت وسافرت على فرنسا ومن حينها ما جت ولا زارتنا بس عالتلفونات تكلمنا هي واولادها .
لا تدري ملاك لماذا سرت رعشة بجسدها ربما لأنه نفس اسم أمها الذي لم تسمعه منذ زمن طويل فالكل كان يناديها حين الشماتة بنت منال وحين القهر بالشيطانة .
ملاك تملكها الفضول : طيب أم منال بتزوركم ؟
أم فيصل : قليل يا بنيتي لأنها حرمة كبيرة وساكنة عند أخوانها بشرق البلاد ، ثم أردفت بفخر ، لكن فيصل ما يقطعها كل حين بيزورها ويتطمن عليها .
ملاك بفضول أكثر : وزوجها معها كمان .
ام فيصل باسهاب : لا يا بنيتي هذا زوجها توفى من سنين طويلة وهي عاشت سنين بعيدة ومنعزلة وربت منال بروحها لحد ما صالحها خوانها ورجعت عندهم .
ملاك : وليه... هي كانت مختلفة مع اخوانها !!
أم فيصل : هذا يا بنتي أم منال كانت مدلله عند أبوها واخوانها لانها وحيدة وكانوا يطمحون يزوجوها من رجال بمكانتهم لكنها فضلت شب مقطوع ماله أحد من هالقرى البعيدة وجا يشتغل عندهم بالمزرعة .
وطبعاً اخوانها رفضوا لكنها أصرت وكانت قد حالها حتى وافقوا على الزواج بشرط لا عاد تجيهم ولا يجوها ، وسافرت هني مع زوجها وكانت حياتهم صعيبة وفقر لكنها تحملت معه لحد ما أرزقها الله ببنتها منال .... وعقب ما صارت منال صبية توفى زوجها لكن هي عزت عليها نفسها وما ردت لأهلها
تطلب مساعدتهم حتى اجى نصيب منال وسافرت مع زوجها عندها قررت ام منال تصلح اخوانها وسافرت عندهم وللحين هي عايشة هناك .
ملاك اجرت مقارنة لا أرادية بين حال أم منال وحالها ..
كلاهما تزوجت من المعدم الفقير على الرغم من غنى أهلها وثراءهم لكن الفرق شاسع وكبير لأن أم منال كانت مدلله عند أهلها أما هي فمكروهة ومحتقرة ومطرودة من حبهم ونعيم عيشهم .
صوت فيصل يستأذن بالدخول جعلها تغطي وجهها وأمه ترحب به بحنان ، جلس بقربها بعد ان قبل رأسها ويديها وهي تدعو له بالرزق وطولة العمر وبأبنة الحلال التي تسر قلبه وخاطره وهو لأول مرة يقول : ان شاء الله قريب يا أم فيصل ....
*****
انهت عزيزة المكالمة بابتسامة وقلب منشرح ...
نور تتساءل : دالية هذي بتكون بنت ناصر ؟
عزيزة : اي بنته لكن شتان بينه وبينها
نور بصدمة : ما دام ما تبغينه ليه تتزوجيه !!
عزيزة تصك على اسنانها بغل : بعلمه درس في احترام الناس واكسر غروره بعد .
نور بحزن : ليه تعملي بروحك كذا ؛ أنا غصب عني مجبورة اتقبل بندر لكن انت وش جابرك ؛ ليه ما تتزوجين اللي يستاهلك ويحبه قلبك ويرتضيه .
عزيزة بصدق : انا قلبي سكرت عليه من زمن وما عدت أفتحه أبد عقب اللي ساواه سلطان النذل لكن هالبنية دخلت قلبي وما أدري أحس انها تعلقت بي وما أبغى أفشلها ومتخيلة بكون سعيدة ومرتاحة بقربها ؛ أما ابوها بمرمره واورجيه النجوم بعز الظهر .
نور بكل حب : الله يهديك للي فيه راحة بالك.
عزيزة بابتسامة : استني شوفي هالآكشن اللي بساويه الحين .
اتصلت بناصر الذي رد عليها بسرعة : هلا عزيزة أخبارك ؟
عزيزة بدلال زائف : الحمد لله كل شي تمام بس بغيت أبلغك ان الجاهة بتتأجل شهرين زمان .
ناصر بصدمة : وش هالكلام !! انت كل يوم تأجلين على كيفك !!
عزيزة بكذب : وش اساوي هذا واحد من عمامي طلع مسافر ووده بمدة حتى يرجع .
ناصر بحنق : خلص اللي حاضرين يسدوا عنه ما هو شرط يحضر .
عزيزة برفض : لا لا لا الا عمي مفلح هذا حبيب القلب والروح وما أقدر اتزوج الا بحضوره واذا ما تبي بنلغي كل شي .
ناصر وقد ارتفع ضغطه واحمر وجهه وفتح ازرار ثوبه : وما ينفع نستعجله بالرجعه يعني ؟
عزيزة : اي كلمته استعجله وبيحاول يرجع الشهر الجاي .
ناصر بضيق : خلص بننطره وان شاء الله ما يسافر أحد ثاني بهالمدة .
عزيزة باستفزاز : ان شاء الله ربك كريم .
انهت المكالمة والقت بنفسها على السرير وهي تضحك بصوت مرتفع : الحين بتلاقي ضغطه بالعلالي هههههههه ونازل صياح بالرايح والجاي ههههههه
نور بدهشة : والله يا عزيزة انك داهية ؛ الله يعينه عليك !!
عزيزة تقف وهي تغمز بعينها : صبرك علي ؛ بعده ما شاف شي ...
***
رغد ركنت المغلف جانباً ولم تفتحه لأيام ولكن تستغرب في القاعة ترفع نظرها احياناً نحوه رغم تجاهلها لمحاضرته كلياً لتتفاجئ به ينظر لها ..
في فراشها وقد جافاها النوم تقلبت فوقع نظرها نحو المغلف ؛ شيء في داخلها دفعها للذهاب واحضاره للنظر فيه .
فتحته بهدوء في البداية كانت ورقتها وعلامتها كما توقعت أغمضت عينيها بألم وهي تلوم نفسها ليس لعدم الدراسة ولكن لانها أذلت نفسها بالذهاب الى مكتبه في المرة الأولى لتبرر فشلها ....
لاحظت ان المغلف لا زال فيه أشياء نظرت مجدداً وهنا كانت المفاجأة ...
ورقة مصورة عن رسالتها الغاضبة التي أرسلتها
ما ان رأتها حتى تغير لونها وشعرت بحرج شديد خاصة انه علق على هامش كل فقرة منها باللون الأحمر وبرد دبلوماسي ذكي بكلمات جزلة مختصرة تنم عن ثقافة عالية ولكن بأدب جم وعلق باللون الأخضر على ابياتها الشعرية بالعبارات التالية : عقبت على أفكارك السلبية عني باللون الأحمر لاعتراضي عليها ولكن أمام ابياتك الشعرية أجدني أكتب باللون الأخضر معبراً عن اعجابي بها لجزالتها وقوتها رغم ما فيها من هجاءٍ ظالمٍ لي ... في رأيي انت موهبة شعرية مميزة أتمنى أن أقرأ لك ذات يوم ديواناً يروي ضمأ عشاق الشعر الأصيل .
وفي نهاية الرسالة كتب :
لا أعتقد أن لي ذنباً بعلامتك المتدنية فهي حصادك وحدك ولا ذنب لي في عدم الاستماع لك عندما جئت تبرري فشلك لأنه لو تعامل كل مدرس مع طلبته بحسب ظروفهم لضاعت العدالة وتعددت القيم ...ولكن ربما ازعجك اسلوبي فأنا عنه أعتذر
والآن من حقي عليك أن تعتذري عن أسلوبك الفظ وكلماتك الجارحة في رسالتك فإنها فعلاً لا تليق بي ....
ازداد احمرار وجهها وعضت شفتيها ندماً على غبائها وتسرعها بإرسال رسالة لهذا المدرس حتى ولو كانت تقريع وهجاء فهو بالنهاية رجل ومجرد الارسال اليه جريمة في حقها لا تغتفر وتنم عن سوء تربيتها وقلة حيائها بل انه أعطى له مجال ليرد عليها بتفنن في انتقاء الكلمات والألفاظ وأعطاه الحق بالمطالبة بأن تعتذر منه برسالة جديدة ..
ان كان واضحاً من حركاته ونظراته أنه معتاد على التغزل بالنساء والبحلقة بهن فما يحصل لها الآن خطأها هي من فتحت له المجال ليتجرأ عليها ..
دفنت رأسها في الفراش وهي تشد شعرها بندم " كله من هبلي ... كله من هبلي "
********
تمضي الأيام وانتهت مهمة فاطمة في القسم وقد كان فهد يتجنبها بشكل واضح وتفاجات عندما أخبرها عميد الكلية بان القسم كتب فيها تقرير مشجع وقد يعاد النظر بتكليفها بمهام أخرى ...
اما عزيزة فلا زالت تماطل بالزواج وتستفز بناصر وتتواصل باستمرار مع دالية وتشعر بحنان الامومة تجاهها وكلها قناعة بأنها لن تفرط بها أبداً .
وأما فاطمة فهي تحضر المحاضرات كالمعتاد ولكن دون أن ترفع رأسها مطلقاً واذا ما صدف ورفعته والتقت عيناها بعينيه احمر وجهها وأسرعت بانزال رأسها وقد عزمت على القبول بنتيجة المادة مهما تكن حتى لا تضطر لاعادتها معه مرة أخرى .
علي يحاول مع روعة بأن ترجع الى عامر ولكنها تأبى حتى أنه ذات مرة مد اليها هاتفه بصورة لطفل نظرت لها باستغراب وعندما أخبرها بأنه طفلها أضطربت قليلاً ولكنها غلَّبت عقلها على قلبها .... لو أخذت الطفل عندها فهذا سيكون عائق لتقدم اي رجل ذي مكانة مرموقة لها ..
هبة خرجت من المصح مع بقائها في بيت أبيها تحت مراقبة مشددة وبوجود ممرضتين تتابعانها ليلاً ونهاراً وبوجود العائلة يغدقون عليها الحب والحنان وتدريجياً أخبروها بزواج عبدالله عليها وأن لها الخيار في البقاء على ذمته او الطلاق وهي بصراحة لا تفكر بالأمر مطلقاً فبعدما ذاقته من آلام وأوجاع كل همها منحصر بأن تستعيد عافيتها وسيطرتها على نفسها واحتواء الآثار الجسدية الجسيمة التي أصابتها نتيجة الادمان ...
عبدالله من ناحيته يعيش أجمل أيام حياته بعد استقلاله التام عن عمه ابي طلال بالتعاون مع صبا حبيبة القلب والروح وأم طفله القادم ...
صبا انسجمت بسرعة مع أهل عبدالله وخاصة مع أم عبدالله ومع اسراء الجميلة اللطيفة وتحاول مساندتها والتخفيف عنها بعد حادثة أخيها اسلام ؛ وبسهولة تفاهمت مع رماح التي تقاربها في العمر وكذلك تحاول تفهم اساليب حنين وأفكارها الصعبة وعلى كل الأحوال لم تقدر أن تتحمل او تستوعب روعة وتفكيرها وتخليها بهذه السهولة عن زوجها وطفلها المريض وكذلك اسلوبها السيء في التعامل معها وما يكدرها أكثر هو رنا وأساليبها الملتفة وخبثها المبطن وتلونها أمام الجميع وفي قلبها "الله يعينك يا خالد على هالزوجة "
خالد من جهته يفكر أثناء زيارته الأسابيع القادمة الى باريس بزيارة صديقه المميز ابو محمد واستغلال أي فرصة لقطع شكوكه باليقين.....
اسلام يتأقلم مع وضعه الجديد ويستغل ذكاءه وكل تكنولوجيا ممكنة في تسهيل حياته وعمله ويحاول اضفاء جو من المرح أمام أمه حتى يخفف من حزنها وضيقها وهي في كل يوم يأكلها الندم لأنها حرمته من الزواج من الفتاة التي أحبها بصدق خاصةً عندما علمت أنها تزوجت وأصبحت من نصيب غيره أما هو فلا زال قلبه لا يبصر الا حبه لنور وان كان ينهى نفسه ويردعها عن التفكير بها فهي ما عادت تحل له ولكن قلبه يأبى الا أن يتمرد عليه في غفلةٍ منه ليناجيها في أشد أوقاته ضعفاً وألما ....
نور تساعد أم عزمي في الأمور المالية لمشاريعها وقد تحدد الصيف القادم موعداً لزفافها من بندر حيث سيتمكن من العودة بعد حصوله على اجازة ولا زالت ترفض محادثته وأمها تتعذر بحيائها الشديد ...
*****
ملاك تحادث ام فيصل الأنيسة بانشراح عندما ناداها فيصل وهو يمد الهاتف بيده : ملاك خذي تلفوني وناوليه أمي فيه تسجيل فيديو بعثته منال لنا .
تناولت ملاك الهاتف بابتسامة وهي تزداد اعجاباً كل يوم بفيصل وأخلاقه العالية واحترامه لها ؛ ثم أعطت الهاتف لأم فيصل التي بدا عليها الشوق واللهفة لرؤية الفيديو .
ام فيصل بعصبية وهي تدفع بكرسيها المتحرك: وهم قالولك اني أعرف افتح هالماخوذ ، خذي وافتحيه انت ..
ملاك فتحت الاستوديو وشغلت آخر فيديو وناولته لأم فيصل .. صوت حنون دافئ ناعم كأنه خرج من أعماق ذاكرتها أو كأنه يتردد في حلم من أحلامها صوت لطالما اشتاقت له واشتكت له وعاتبته وناجته في أصعب اوقات حياتها وأكثرها مرارة وألم .. صوت شاء الله أن تحرم من ترنيمته الحنونة صوت أعذب ما سمعت وأغلى ما مُنِحت في حياتها الكئيبة ..... صوت لطالما تمنت أن يكرمها الله بالاجتماع به في جنات الخلد والنعيم ...
"أخبارك خالتي اشتقتلك كثير ...."
ام فيصل تناديها : تعالي ملاك شوفي منال ..
اقتربت ملاك وهي لا زالت تستمع لهذا الصوت يجري في وجدانها ويطرق باب قلبها العتيق وبلا وعي منها بما يحيط بها فقط تريد أن ترى صاحبة هذا الصوت ....
نظرت ثم نظرت ثم تمعنت ثم شهقت وانقطع نفسها وتجمد الدم في عروقها وتوقف قلبها عن الخفقان وشحب لونها وكأن ساعة فراق روحها لجسدها قد حانت ..... هي أمي نعم أمي وهل يمكن أن أتوه عنها بجسدها وضحكتها وصوتها وتحتضن طفلان ...
"خالة أبشرك محمد أتم حفظ القرآن بحمد الله وبنعمله الاسبوع الجاي حفلة كبيرة ..."
يقاطعها الطفل الأصغر " وأنا بعد حفظت ثلاثة أجزاء "
لترد عليه أمه " وانت بعد يا مالك بنعملك انا وبابا أجمل حفلة ..."
أم فيصل منسجمة مع الفيديو ولا تدري بما يحصل قربها ولم تنتبه الا على صوت سقطة قوية بقربها لتتفاجئ بملاك وقد سقطت على الأرض مغشياً عليها
.
.
.
انتهى الفصل