تحميل رواية «من نبض الوجع عشت غرامي» PDF
بقلم فاطيما يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
حلَّ الليلُ على البيت، وغرقت البلدة في صمتٍ ثقيل، كأن كل شيء توقف عن الحركة ليترك السكون يسود. في الطابق السفلي عند نهاية الممر الطويل، وُجِدت تلك الغرفة ذات الباب الرمادي، مغلقة كعادتها في مثل هذا الوقت. لا أحد يقترب منها، ولا أحد يسأل. "فريدة" بخطواتٍ هادئة لا تُحدث صوتًا، هبطت السُّلم وهي تحتضن بين يديها كتابًا كانت تقرأه قبل قليل لكنها لم تستطع التركيز. هناك شيء ما منذ أيام يتحرك في عقلها ولا تستطع الإمساك به. حدس خافت، شعور بأن ثمة ما يتسلل من بينها وبين "فارس". حين اقتربت من الغرفة توقفت....
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الحادي والسبعون 71 - بقلم فاطيما يوسف
لكن "سكون" لم تسمع سوى صوت وردة فاقت فاندفعت للداخل زحفها صار أسرع حتى وصلت إلى الباب وقفزت بجسدها المرتعش داخله.
كانت "سكن" الصغيرة تجلس بصعوبة وجهها باهت وفمها فيه دم بينما "سليم" و"سيف" يقفان بجوارها بعيون دامعة. انحنى "عمران" بسرعة واحتضن ابنته بين ذراعيه وراح يقبل رأسها بشغف وخوف كأنها عادت من موت محقق.
"يا قلب بابا انتي زينة يا روحي فيكي حاجة؟ حاسة بإيه واجعك؟"
كانت الطفلة تنظر إليهم بلا فهم وتبكي كما أخويها يبكون ثم دون أن ينتظر حملها بسرعة واتجه بها للحمام يغسل وجهها بالماء يمسح دمها بعناية وهو يهمس بكلمات حب وطمأنينة.
"خلاص يا حبيبتي متبكيش عاد بابا معاكي وانتي جامدة كيف بابا أهو غسلنا وشنا بصي بقيتي حلوه تاني ازاي أصلا سوسو قمر تعالي يا روح بابا تعالي."
ثم حملها مجددًا بين ذراعيه وخرج وهو يطمئن إخوتها الباكيين وهو يحتضنهم برعاية.
"ما تبكوش عاد انتو رجالة و"سكن" هاتوبقى زينة هي وقعت بس انتوا كنتوا جامدين وصحيتوها وأخدتو بالكم منها."
ثم قبلهم من رأسهم وهو ينظر إليهم بحنو.
"أني مخلف رجالة زين هيراعو أختهم وهيخافوا عليها كيف عينيهم وعلشان اكده بابا هيكافئكم لما اروح اني وماما نطمن على أختكم عند الداكتور ونرجع خلو بالكم من حالكم ومتغلبوش تيته الحاجة عاد."
أومأ الأطفال بطاعة لأبيهم الحنون ثم وصل إلى "سكون" التي كانت ما تزال تزحف وكأن جسدها فقد كل قوته فاقترب منها وأعطاها الصغيرة قائلًا.
"خديها خدي بتك اهي متخافيش عليها وجمدي قلبك عاد العيال ياما بيجرى فيهم يا سكوني."
احتضنتها "سكون" كأنها وجدت روحها ضمنتها لصدرها بقوة قبلتها في رأسها في وجهها في كتفها وراحت تفتش في جسدها بلهفة وهلع تبحث عن أي خدش أو أي نقطة ألم.
همس "عمران" وهو يضع يده على كتفها بلطف.
"بالراحة عليها يا "سكون" انتي هتخوفيها اكده أكتر هي محتاجة تطمن مش تشوف خوفك اللي هيرعبها دي."
هزت رأسها وهي تبكي ثم وقفت تمسكت بـ"سكن" لا تريد أن تتركها لحظة واحدة بينما قال "عمران".
"البسي بسرعة هنروح على المستشفى نطمن أكتر دراعها مورم ووشها كمان مش هناخد الموضوع ببساطة وبردو علشان قلبك يطمئن انها زينة."
في دقائق كانوا داخل سيارة تنهب الطريق و"سكن" بين أحضان والدتها متسمرة لا تتحرك وصلوا للطوارئ استقبلهم الطبيب وعلى الفور بدأ الفحص وحين رأى الورم في الجبهة والذراع طلب منهم إشاعات كاملة.
وسألهم.
"وقعت ازاي؟ من مكان عالي؟"
ردت "سكون" وصوتها مخنوق بالبكاء.
"من على السرير واحنا نايمين وقعت وإحنا مدارينينش."
نظر لهم الطبيب باستغراب.
"طيب ما هو عادي الأطفال بيقعوا وبيتعوروا ودي عادي وطبيعي بس رد فعلكم ده يخض بصراحة إنتوا عملتولي حالة طوارئ من ولا حاجة أهم حاجة ما ننقلش رعبنا للطفل."
تدخل "عمران" بصوت جاد.
"دكتور إحنا لينا سنين مستنين الضنا دي والبنت دي هي قلب أمها وروحها يعني أي وجع ليها بنحسه عشر أضعاف ياريت تعمل كل اللي ممكن يطمئنا."
هز الطبيب رأسه.
"حاضر هعملها إشاعات زي ما حضرتك عايز بس أطمنكم شكل الإصابة خارجي مش حاجة داخلية ولا مرعبة نهائي يعني طمنو حالكم من دلوك وبلاش الذعر دي عاد."
بعد فترة من الانتظار ظهرت نتائج الأشعة وعاد الطبيب إليهم وهو يحمل الأوراق ويقول.
"الحمد لله مفيش أي كسور ولا ارتجاج بس عندها كدمات بسيطة ووشها محتاج مرهم خفيف والذراع كذلك وهتكون زي الفل خلال سبوع واحد."
انفرجت أسارير "عمران" قليلًا أما "سكون" فانهارت دموعها مرة أخرى لكنها هذه المرة كانت دموع راحة ولكن يصحبهم ألم دفين وتأنيب ضمير.
في السيارة كانت "سكن" نائمة بين ذراعيها و"عمران" يقود بهدوء لكنها رفعت رأسها نحوه وقالت بصوت خافت مليء بالندم.
"أني السبب والله العظيم أني السبب اني مش فاهمة كان فين عقلي لما هملتهم لحالهم لحد بتي ما فضلت تدور على حضني اللي مفتهاش ليلة واحدة من يوم ما اتولدت كل اللي حصل لها بسببي اني ام مهملة سيبت بتي تقع وياعالم كان ممكن يجرى لها ايه علشان اشوف متعتي سامحني يارب."
هنا أحس كأن أحدهم جلده بسوط حامي حتى جرحه بشدة فكان وقع كلماتها وصداها الحزين على ليلتهم وحزنها على أنها أعطته قليلا من حقه بالنسبة لها ما هو الا هراء.
وحدث حاله بوجع وهو يخلل أصابعه بين خصلات شعره بصوت مكتوم.
"اهدأ "عمران" اهدأ يا رجل ولا تأخذ حديثها وحزنها على بتها أنها ندمانه علي أنها باتت في أحضانك الحانية وتجرعت من شهد احتوائك لها في لحظاتكم الآمنة ونالت منك ونلت منها ساعاتكم الحالمة لا تفهمها أنها نادمة. ثم ركن حزنه منها ومن نظراتها اللائمة جانبا وكتم ما يشعر به داخله من خذلان منها ومد يده وربت على يدها وهو يحاول احتوائها وتهدئتها.
"سكون" انتي أم عظيمة بس بقي بزيادكي جلد ذات دي حاجة عادية هتحصل لكل العيال وربنا سترها خلينا نرجع للعيال واحنا وشوشنا هادية ومطمنة علشان ميترعبوش اكتر من اكده اهدي يا ام "سليم"."
نظرت له ودموعها تتساقط.
"مقدرش يا "عمران" مقدرش كل لما افتكر ان مر على بنتي لحظة خوف ووجع واني مكنتش جارها إحساس بشع."
هز رأسه بتنهيدة طويلة وعاد للصمت لكنه في داخله كان يعلم تلك اللحظة غيرت فيهم شيء كبير وربما للأبد.
وعادو إلى المنزل وقام هو بمداواة ابنته بنفسه وهو يدللها ويضحك معها ويداعبها هي وأخواتها فهم يعشقون أبيهم بشدة لحنوه عليهم وخاصة "سكن" متعلقة بأبيها بشدة ولم يتركهم طيلة اليوم وفي نهايته احتضنت أبنائها بتملك شديد وهو احتضن وسادته الخالية يتقلب على تخته وحيدًا كمن يتقلب على جمر من النار.
في زاوية تلك الليلة المتأججة بالصمت كان "فارس" جالسًا في العتمة الممزوجة بضوء الشاشة تحدق عيناه في صورتها التي تظهر أمامه ونبرته تنزف شوقًا لم يفارقه منذ زمن بينما صوته المتعب يرتجف وهو يهمس بكلمات لا يراد لها أن تسمع خارج حدود تلك الغرفة.
فقال بصوت ممتلئ بالقلق يحاول أن يخفي ارتباكه خلف الحنان الذي لا يجيده إلا حين يخاطبها.
"عاملة ايه؟ شكل وشك بيقول انك تعبانة ومجهدة اكيد ما اخدتيش علاجك مع اني منبه عليكي كويس تاخدي بالك من نفسك وتاخدي علاجك كويس انا كده هزعل منك يا "بيري"."
أجابته هي بنبرة تفيض بالدفء والاشتياق نبرتها تمس شيئًا ما في داخله شيئًا لا يعرف له اسمًا ولكنه يتورط فيه كلما سمع صوتها.
"ما تقلقش يا حبيبي انا كويسة شوية إجهاد وبعدين متضايقة علشان من ساعة ما سافرت وانت ما جيتش ولا مرة تطمن عليا انت وحشتني قوي يا "فارس" اتحجج بأي حاجة وتعالى نقضي اسبوع مع بعض حضنك وريحتك وحشوني."
أخفض "فارس" رأسه قليلًا وتسللت ملامح التوتر إلى قسمات وجهه كأن كلماته القادمة ستدين قلبه قبل لسانه وهو ينطق بحنين ووحشة لها ولاحتضانها.
"والله نفسي آجي لك جدًا بس غصب عني هقول لـ"فريدة" إيه؟ انا كنت لسه مسافر بشتري معدات جديدة للعيادة وانت عارفة وكمان ما ينفعش اخد أجازة من المستشفى لأني تقريبا مخلص كل أجازاتي."
تعلّق صوته أكثر عندما سمع نبرتها المتغيرة نبرة تحمل بين طياتها عتابًا قاتلًا ومشاعر تستغيث.
"لا أنا زعلانة جدا يعني انا ما وحشتكش علشان تفضلي نفسك اسبوع وتيجي تشوفني؟ انا بجد زعلانة منك يا "فارس" ومخاصماك ومش هكلمك تاني."
شعر "فارس" بالذنب كالسياط تضرب قلبه فأسرع يرضيها بكلمات تستجدي الصفح ويستدعي دفء صوته لعله يطفئ اشتعال الحنين بينهما.
"لا يا "بيري" انت عارفة ان انا ما اقدرش على زعلك ارجوكي ما تزعليش مني وبعدين انت طول عمرك بتقدريني وبصراحة بقى انا لما بشوفك ما بقدرش ابعد عنك وبفضل ماسك في حضنك جامد وما بقدرش اسيبك انت بتغريني أصلك حاجة كده واو ناقصك بس تصبغي شعرك وتخليه أحمر هتبقي خطر قوي."
ضحكتها الخافتة جاءت كدفء حارق تحمل في طياتها عتابًا آخر وتغريه بماض لا يجرؤ على الهروب منه.
"اه انت هتاخدني في دوكة بقى قول ان انت مسفرني بره ومسيبني مصر واهلي وبلدي علشان ما اقرفكش هناك وكل شوية اقول لك تعالى بات معايا قضي معايا اليوم نتغدى مع بعض وانت عارف ان انا هنسيك الدنيا واللي فيها بس طلعت انت بتحبها أكتر ما بتحبني."
أغلق "فارس" عينيه وصدره يعلو ويهبط كمن يلهث تحت عبء الذكرى ثم تحدث بصوت مبلل بندم عتيق.
"انت عارفة ان انا ما حبيتش حد قد ما حبيتك بس كان لازم أكمل حياتي هنا كان لازم أتجوز وأخلف وأعيش والعلاقة اللي ما بينا زي ما هي الجواز بتاعي ما يمسهاش بشيء."
اختلطت عليه مشاعره وتاه عنه صوته الداخلي يتأمل الجدار وكأن فيه إجابة خفية لشيء لا يفهمه وفي قلبه شعور لم يعرف له اسمًا سوى التيه والتشظي وهو يتابع حيرته وألمه في ابتعاده عنها.
"انت ما تتصوريش بعدك عني عامل ازاي انت بالنسبة لي روحي اللي لما بتخرج مني بحس ان انا هموت وريحتك لما بتغيبي عني بحس ان انا مخنوق ومش عارف اعيش انت أكتر حد حبيته في الدنيا وأكتر حد اتعلقت بيه وأكتر حد مش شايف غيره ارجوك ما تزعليش يا "بيري" وانا في اقرب وقت هاجي لك هناك ومش هسيبك خالص وطول الوقت هنقضيه في حضن بعض."
ساد الصمت لبرهة كان فيها يلتقط أنفاسه المتقطعة قبل أن يسمع صوتها المشحون بالخذلان.
"انت على فكرة بكاش وبتوعد وبتخلف كتير وانا خلاص ما عدتش اصدقك وزعلانة منك كتير علشان انت عارف لما بتبعد عني الفترة الطويلة دي انا ببقى تعبانة نفسيا وكمان ببقى مش مرتاحة وانت عارف ان انا ما ليش غيرك في الدنيا."
رفع "فارس" عينيه فجأة نحو الباب حين سمع خشخشة خافتة كأن أحدهم يقترب منه فجف ريقه وازدرد توتره قبل أن يكمل بنبرة مضطربة.
"طب خلاص يا ستي هاجي لك كمان اسبوعين يكون فات على السفرية اللي فاتت شوية وكمان اقدر اقول سبب مقنع لـ"فريدة" وانت عارفة تعلقها بيا قد ايه ما ينفعش ان انا اكسرها بعد كل اللي عملته عشاني وانا عرفته لك كله من البداية للنهاية."
وبينما يتحدث بتلك النبرة الهاربة من الشعور بالذنب اخترق السكون صوت مفاجئ خارج الباب صوت "فريده" وقد انفجر كالرعد يهز جدران روحه ويعري لحظته وهي تصيح به.
"افتح يا "فارس" "فريدة" كشفتك خلاص افتح وريني هتتحدت ويا مين يا خاين افتح الباب دي."
رفع "فارس" يديه المرتعشتين عن الجهاز أمامه وقام بإغلاقه والذعر يسري في أوصاله كجمر مشتعل تحوّل صوته إلى رجاء هش حين رد بصوت مكسور غارق في محاولة الإنكار.
"اييييه..."
يا "فيري" إيه الكلام اللي إنت بتقوليه ده وإزاي تشكي فيا؟
وتشكي في حبي ليكي؟ وتشكي إن أنا ممكن أعرف واحدة غيرك؟
أهدي يا حبيبي.
لكن صوت "فريده" كان كالسيف، حاد، دامع، مكلوم، لا يعرف سبيل للصفح أو التراجع وهي تقف أمامه بعدما فتح الجدار الفاصل بينهم وتقابلت الوجوه بمختلف مشاعرها ما بين الخوف منه من ردة فعلها وما بين الصدمة منها ومن موقفه الخائن المخزي له أمامها:
ـ قد إيه إنت بجح وأنانى! هتكدب وداني اللي هتسمعك وإنت هتخوني وهتقول لها حضنك وحشني؟
وكمان ما هتخبيش عنيها حاجة وهتسافر لها وإن ريحتها وحشتك وإن إنت مش قادر تعيش من غيرها؟
ثم توقفت "لوهلة" وكأن الكلمات التي سمعتها لم تكن موجهة لها بل لطعنات داخلية تعرفها جيداً، تشعر وكأن جدار الأمان الذي كانت تتكئ عليه بدأ يهتز، كأن قلبها سُحب من بين ضلوعها دون إنذار وتابعت وهي تلكمه في صدره:
ـ هتفكرني عاد ما سمعتش الحديث ده كله من الأول وإني لساتي مختومة على قفايا منك؟
بقى جالك قلب تخون "فريدة" يا "فارس" وهتعشق وتحب واحدة غيرها؟
والله ما مصدقة حالي ولا مصدقة اللي وداني سمعته منك.
واسترسلت حديثها والدموع أخيراً قد تحررت وهربت من مقلتيها وهي تتذكر كلامه المعسول معها:
ـ هقول لها محبتش ولا عجب حد كدك؟
ارتبك "فارس" كمن تمزق قلبه أمام عينيه، هوت كل تبريراته أمام نظرتها الغاضبة، فأراد أن يلملم ما تبقى من كرامة الحب، فمد يديه نحوها بضعف، رجل على حافة الانهيار وهو يؤكد لها حينما رأى دموعها وانهيارها:
ـ يا "فريدة" أنا ما حبتش غيرك ولا عرفت أحب غيرك ولا في حياتي ست عشقتها قد ما عشقتك. اللي في دماغك غلط، أهدي يا "فريدة" ما تعيطيش، دموعك بتقطع فيا والله. تعالي في حضني يا حبيبي تعالي.
لكن "فريده" دفعت ذراعه بحدة، وعيونها تتطاير منها شرارات الغضب، ونبرتها لا تزال تهز كيانه كله وداخلها ضجيج لا يُسمع.
وصمت أشد وقعاً من الصراخ وهي تنظر له بألم وتبحث عن "فارس" الذي أحبته فلم تجد أمامها سوى سرب طائر هرب من بين يديها وراح يرى غيرها في وجه آخر وهي تبعد يداه عنها بنظرة أهلكته خوفاً من القادم:
ـ بعد يدك عني، عشق إيه اللي هتتحدت عنه وإني هسمعك بوداني هتخوني مع ست غيري؟
ثم حاولت أن تزحزح جسده كي تصل إلى 'اللابتوب' كي تعرف من هي التي سلبت زوجها منها:
ـ بعد عن المخروب اللاب دي وريني لو عندك الشجاعة كنت هتتحدث ويا مين؟
وريني خرابة البيوت اللي هتكلم راجل متجوز وهتعرفه على مرته، خليها شجاعة وتقف قدامي وتواجهني وإني هشوفها كيف تخطف راجل من مرته وتتكلم وياه بالنعومة اللي سمعتها دي؟
كاد "فارس" أن يسقط من فرط الذهول، كل ما في عينيه كان يسألها أن تصدق قلبه لا أذنيها، لكنه لم ينطق، فقط قال بصوت راجف وهو يقف حاجزا بينها وبين الجهاز بهلع من اقترابها منه وبين أن تعرف مع من يتحدث:
ـ لا ما لكيش دعوة باللاب وعمري ما هديه لك، أرجوكي أهدي وما تهدميش اللي بينا في لحظة غضب، أنا باقي عليك وعلى الحب الكبير اللي بينا.
لكنها كانت قد فقدت ما تبقى من ثقة، ما تبقى من حلم، فقالت بمرارة تحمل ماضياً يحرق الحاضر وهي تقف بين الشك والخذلان.
تحاول أن تلتقط من كلامه ذرة صدق تنقذ بها ما تبقى من ثقتها ولكن كلماته كانت كالجدران يمنع تصديقها له:
ـ وه!
كيف قلبك قسي اكده علي؟
هتخوني وتطلب مني اني ابقى عليك وعلى الحب الكبير اللي بيناتنا فينه الحب دي؟
ثم تلتفت ببطء وفي عينيها ارتجافة ليست خوفًا بل انكسارًا كأنها واجهت للتو جزءًا من "فارس" لم تعرفه يومًا وهي تردد بخزي:
ـ للأسف عرفتك كد ما عرفتك وطلعت ما اعرفكش، وحبيتك كد ما حبيتك وطلعت غبية ومبفهمش، ولآخر مرة هقول لك هات اللاب يا "فارس" وريني هتتحدت ويا مين؟
هز "فارس" رأسه نافيًا والدمع يتجمع في عينيه لكنه أبى أن يسقط وشعر بحرارة تصعد في وجهه كأن كلمتها صفعة غير متوقعة.
ومع ذلك ظل ساكنًا كمن يعرف أنه لا يملك مبررًا واحدًا:
ـ يا "فريدة" والله ما حبيت ولا هحب في الدنيا غيرك، اللي في دماغك ده أوهام.
ثم حاول أن يزعزع ثقتها قليلاً كي يجعلها تخف من مواجهته لما سمعته من بشاعة وهو يختلق أسبابًا واهية:
ـ وبعدين انت ازاي تتصنتي عليا بالشكل اللي انت سمعت بيه المكالمة ده؟
اكيد انتي مركبة لي حاجة هنا في الأوضة؟
سكتت "فريدة" فجأة وهي تنظر له بسخرية كأنها تريد أن تصرخ ولكنها لا تجد صوتها.
وكأن حبها له بات عبئًا يتزايد كلما حاولت أن تتشبث به ثم جاء الجواب كرصاص بارد:
ـ هو دي كل اللي همك؟ هو دي كل اللي فارق لك؟
طب اه انا بقول لك اني مركبة لك ميكروفون هنا في الأوضة من ساعة ما سمعتك المرة اللي فاتت وانت هتتكلم في أنصاص الليالي وياها. قلت اشوف جوزي بيعمل ايه من وراي وفي الاخر انصدمت صدمة عمري.
ثم هتفت بما جعله صدمة:
ـ طلقني يا "فارس" انا لا يمكن اعيش معاك ساعة واحدة بعد النهاردة.
نظر "فارس" إلى الأرض كأنه يبحث بين ذراتها عن طريقة للهروب لكنه يعرف جيدًا أنه لن يستطيع الفرار من جرح سببه لمن أحبها. ثم رفع يديه كأنهما يتوسلان وصوته انفجر بنداء لا رجاء بعده:
ـ اطلقك ايه انت اتجننتي في عقلك؟
انا بحبك يا "فريدة" انا ما أقدرش أعيش ولا يوم من غيرك انت وبنتنا وما حبتش في الدنيا قدك.
تتراجع "فريدة" خطوة للوراء وكأن كلمات "فارس" صفعتها وهي تتذكر كلمته لتلك الأخرى 'لم أحب أحدا غيرك'. نفس الكلمة يقولها لها الآن. كفاك عبثًا بعقلي الأبله يا رجل. ثم سقطت من عينها دمعة لا تريد أن تعترف بها لكن كرامتها كانت أضعف من قلبها.
وكانت قد انتهت من داخله. فأدارت له ظهرها وهي تقول بكبرياء مكسور:
ـ يمكن زي ما انت ما بتقول ويمكن ما حبتش في الدنيا قدي لكن قلبك شكله هيساعي من الحبايب ألف. اني هروح بيت ابوي وتجيب لي ورقتي على هناك خلاص العيشة ما بينا بقت مستحيلة بعد الخيانة واني يستحيل أكمل وياك بعد اللي سمعته بوداني.
والأغرب من اكده انك خايف عليها مني. خايف إني أجرحها لك بشوية كلام. هو في أكتر من اكده جرح منيك ليا؟
اقترب "فارس" خطوة واحدة فقط.
خطوة لا تقطع المسافة بينهما لكنها تحاول.
وكان في عينيه شيء يشبه الاعتذار الذي لا يقال. ثم أغلق عينيه وهو يصرخ بيأس لا يسمع:
ـ تروحي فين يا مجنونة انت؟
انت لا يمكن تسيبي البيت. والله بحبك وما حبيت غيرك. انت ازاي تفكري كده أصلا؟
شعرت "فريدة" بأن الكلمات بدأت تخونها.
كأن كل تبرير سيفتح أبوابًا أغللته عمدًا.
ولكنها تستحق الحقيقة ولو كانت جارحة.
وجائه الجواب كالسيف الأخير في صدره:
ـ اوعاك تحاول تطلعني مجنونة أو بوهم نفسي أو تكدب وداني اللي سمعتك وسمعت نبرة صوتك وانت هتكلمها كانك بتتكلم معاي بالظبط.
اني كشفتك على حقيقتك انت هتتلون ب 100 لون كيف الحرابى ولأول مرة اندم على اختياري ليك.
ثم غادرت من أمامه وصعدت غرفتها تجمع أشيائها في حقيبتها لتغادر. تجمد في مكانه. كأن جسده رفض تصديق ما سمعته أذناه وما رأته عيناه. لحظات مرت كأنها دهر. وعقله يرفض استيعاب أنها حقًا ستغادر. تتركه خلفها كأنه لم يكن. هرول نحوها. ونبرة صوته ممزقة ما بين التوسل والذعر. كأنها تحمل بين يديها حياته كلها. وهي تهم برميها أرضًا:
ـ إوعي تعملي كده يا "فريدة". بالله عليكي متخرجيش. إنتي مش فاهمة أنا بحبك قد إيه. أنا قلبي بيتقطع دلوقتي. ما اقدرش أعيش من غيرك. ما اقدرش. انت بالنسبة لي روحي اللي عايش بيها. أنا أضيع من غيرك.
اقترب منها بجنون. عيناه تائهتان في وجهها الذي صار كتلة من الصمت الصلد. وقلبه يضرب جدران صدره كأنه سجين يستنجد بالحرية. مد يده نحو ذراعها. ولما أحس بارتجافها. أيقن أن شيئًا ما انكسر. ولكن أصر على محايلتها:
ـ بصي لي. والله العظيم بحبك. بحبك لدرجة ما بتتوصفش. إنتي حياتي. نفسي. دمي اللي ماشي في عروقي. مينفعش تسيبيني كده وتمشي. دي تبقى نهايتي.
تراجعت للخلف خطوة. كأنها تحاول انتشال نفسها من الطين الذي غاصت فيه حتى العنق. ولم تعد تدري أهذا الحب أم مرض؟ أهو عشق أم استحواذ؟ نظراته كانت تطعنها. ليست قسوة. بل استماتة:
ـ دي مش حب نهائي. دي هوس باعتقاد غريب منك. واني عمري ما كنت لعبة في يدك ولا هكون. حبك المتلون اللي مش مفهوم دي هيخنقي يا فارس. هيقتلني بعد ما سمعتك وانت هتخوني ومرايدش تديني تفسير واحد للي وداني سمعته.
صرخ بها كأنها ألقت بسهم في صدره. واندفع نحو الباب ليقفله بعنف. ثم التفت إليها وعيناه كجمرتين:
ـ مش هتمشي. مش هسمح لك تروحي مني. فاهمة؟ إنتي بتاعتي أنا. بتاعت "فارس" وأنا مش هسيبك. ولا يوم. ولا ثانية. كل حتة فيكي ملكي. قلبك وروحك ونفسك وجسمك كله بتاعي وملكي.
ثم اقترب منها وجذبها بعنف حتى ارتطمت بعظام صدره وهو يطلق سبابته على شفتيها معلنًا ملكيتها له:
ـ حتى شفايفك دول بتوعي. كلك على بعضك ملك الـ"فارس" يا "فريدة".
شعرت بالأرض تميد من تحتها. ما عاد أمامها مفر. ولا خلفها مأوى. وقفت تتنفس بصعوبة. تراقب بعينين متسعتين تفاصيل وجهه وهو يقترب. كأنها تراه لأول مرة. تراه لا كما أحبته بل كما أخفته الأيام خلف قناع زائف:
ـ إنت مين؟ فين "فارس" اللي كنت هحبه؟ فين الإنسان اللي حلف لي إنه عمره ما يأذيني؟ ودي مش أذية دي خيانة فاهم يعني ايه خيانة؟
مد ذراعيه ليحتضنها. أراد أن يدفنها داخله. كأنه يخبئها من العالم. لكنها دفعته بذعر. صرخة خرجت من صدرها لا تشبهها. كأنها تودع ثقتها كلها:
ـ بعد عني متلمسنيش. أني هخاف منيك.
أيوه بقيت بخاف منيك. ومقدراش أصدق إن دي إنت اللي حبيته وراهنت قلبي عليك!
أصر بشدة وكأن الحب عنده لا يرد. لا يناقش. لا يفلت. شدها إليه بيدين مرتجفتين. يقبل وجنتيها بشراسة الحب المجنون. ويهمس بعبارات خافتة. كأنها تعاويذ لاستحضارها من بعد آخر. وكل ما في مخيلته أنها ستبتعد وتتركه وحيدًا. كما تركه "عبير" وحيدًا. حقا أصابه الجنون وأصبحت حالته يرثى لها:
ـ "فريدة". إنت بتقولي ايه ده أنا "فارس" اللي كنت بتضحكي معاه وبتهربي له من الدنيا. أمنك وأمانك إزاي بتخافي مني؟ إزاي؟
أنا اللي كنت عايش بيكي وما صدقت إنك تبقي ليا. إزاي دلوقتي بتبعدي وتصدّي وتحاولي تهربي وعايزة تسيبني زي كل مرة!
ثم خلل أصابعه بين خصلات شعره بحزن شديد وهو ينعي نفسه بألم:
ـ آااه يا الفارس كل اللي بتحبهم بيبعدوا عنك، بيمشوا ويسبوك. ليه يارب ليه!
ثم على حين غرة جذبها بعنف وكل خلية بجسده تدق كالطبول وأمال وجهه نحوها ليقبّل شفتيها بعنف وكأن بتلك الحركة يضمن وجودها معه، يثبت لها بتملكه الخانق لها أنها ملكه. لكنها أمالت رأسها بسرعة، فتلامست وجنتها بشفتيه، واهتز جسدها كله من الرعب، كأنها كانت على وشك السقوط في بئر بلا قرار. سحبت جسدها بقوة من يديه المتشبستين بها بعنف ودموعها تتزاحم في عينيها، لكنها تأبى أن تخرج.
ـ أنا مش هفضل محبوسة هنا. افتح الباب. إنت مش طبيعي. إنت هتقـ.ـتلني بإسم الحب الموهوم اللي مليان خيانة والحب عمره ما كان سجن، ولا كان خوف!
ظل واقفًا في مكانه، كأن قدميه التصقتا بالأرض، وأنفاسه تتقطع وهو يراها ترتجف أمامه. لم يقصد إخافتها، لم يكن يريد إلا أن يحتفظ بها بجانبه لكنها الآن تخافه، تنظر إليه كأنه كابوسها.
ـ طيب أعمل إيه! قولي لي أعمل إيه علشان تصدقي إني بحبك! أقـ.ـتل نفسي! أخرجك من حياتك وانهار!
إنتي مش شايفة إن قلبي بيتفتت قدامك!
انكمشت على نفسها، كأن الكلمات تلسعها، كأنها تتلقى طعنات لا دم فيها. مدت يدها نحو المقبض تحاول فتح الباب، لكنه أغلقه ثانية وأدار المفتاح. ثم أسنده خلف ظهره كأنه يتحداها:
"والله ما هتخرجي من هنا، مش علشان أذيك بس علشان أفهّمك إني بحبك، وإنك ليا، ومش هقبل تبقي لحد تاني، ولا حتى تسيبيني وتروحي، فاهمة!"
نظرت إليه بدهشة مخلوطة برعب، وكأنها أخيراً فهمت أنها لم تكن تعرفه يوماً، وأن الرجل الذي أحبته ربما لم يكن موجوداً أصلاً، بل كان ظلاً صنعته أحلامها:
"انت مجنون، وأني اللي صدقت إنك "فارس" الأحلام، وأهه طلعت "فارس" السجان والخوف والانكسار."
---
بلهجة متوترة وبوجه يعلوه التعب، دخلت "رحمة" المطبخ وهي تخبر "أم محمد" صوت خطواتها يشي بإرهاق دفين. ومع ذلك وجهها لا يزال متماسكاً حتى في غمرة الإنهاك. التفتت بنظرة مستعجلة إلى "أم محمد" وهي تمسح جبينها بتنهيدة مثقلة: "يا أم محمد حضري الغدا للمتر على ما ياخد شاور وينزل."
أومأت "أم محمد" بسرعة، وابتسامة محبة على ملامحها المتعبة. تحمل في قلبها ولاء لهذه الأسرة التي تخدمها بإخلاص منذ سنين، وهي تشعر بثقل التعب على ظهرها لكنها لا تتردد:
"حاضر يا أستاذة من عينيا."
صوت "فيروز" كان يعكر لحظة السكون. قفزت الصغيرة بحيوية طفولية في أحضان "أم محمد". وبين لهوها وضحكها كانت تشد أطراف "أم محمد" التي بالكاد تستقيم من آثار العمل، لتشكو وهي تداري ضيقها بابتسامة محبة: "بس يا "فيروز" يا بتي هديتي حيلي وإني ست كبيرة وعايزة أخلص الغدا للأستاذ "ماهر". اقعدي زينة عاد ولا روحي لماما."
استدارت "فيروز" بعينيها اللامعتين بشقاوة، وكأنها لا تسمع إلا صوت قلبها النقي. قلب يريد الحب والحنان. وكلماتها خرجت وهي تلوح بذراعيها وتبتسم بكل ما تملكه من براءة:
"تؤ تؤ أنا أحبك يا "تيتا" انتِ حلوة تجيبي "لفيروز" عصير مانجا وتجيبي لها شوكليت وآيس كريم ومامي تقول لي لما أخلص شغل أجيب لـ"فيروز" اللي هي رايداه."
اقترب "ماهر" من المشهد بصلابة رجل يحمل هم البيت على كتفيه. عيناه تتنقلان بين الصغيرة و"رحمة" بشيء من الحنان المشوب بصرامة يعتاد أن يخفيها خلف نبرة صوته الغليظة. انحنى قليلاً وهو يتحدث إلى ابنته التي لا يقوى أن يراها جائعة:
"حبيبة "بابي" لما تكوني رايدة شئ كلمي "بابا" وهو هيجيب لك اللي انتي رايداه. يلا تعالي اتغدي مع "بابي" علشان ما بيعرفش ياكل لوحده واصل."
استدار بنظره الحاد نحو "رحمة"، حواسه تشتعل بغضب خفي وغيرة مستترة خلف سؤال يبدو عابر. لكنه يحمل ما هو أكثر من مجرد دعوة للطعام:
"وانتِ يا أستاذة "رحمة" مش هتاجي تتغدي وياي ولا هتفضلي ماسكة اللابتوب المخروب دي ليل ونهار."
رفعت "رحمة" عينيها عن الشاشة دون أن تخلع منها أثر الإجهاد. بدا صوتها محايداً لكن ملامحها كانت تحمل تذمراً داخلياً يكاد يصرخ من تحكمه الزائد عن الحد خلال الأيام الماضية. شفتاها تحركتا بخفة لكنها كانت تخفي شيئاً أكبر خلف هذا الرد القصير:
"معلش يا "ماهر" اني أكلت ساندوتش وأني قاعدة من شوي ومقادراش آكل حاجة تانية وكمان شغالة على قضية مهمة من بقالي يومين صعبة جدا ومحيراني."
اتسعت عينا "ماهر" بانزعاج مكتوم. تراجع خطوة وكأن صدره امتلأ بما لا يقال. غضبه كان يتسلل بهدوء إلى نبرة صوته دون أن يصرخ. لكنه كان كفيلاً بإشعال أي هدوء:
"سبحان الله حياتك كلها بقت قضايا ولابتوب وموبايل!
الحالة دي ما تنفعش وياي واصل لازمن تفصلي ما بين شغل المكتب وما بين بيتك وجوزك وبنتك يا هانم ولا انتي شايفة ايه يا حضرة الديفا!"
رفعت "رحمة" رأسها بتحدٍ. صوتها لم يعل لكن عيناها كانتا كفيلتين بإعلان الحرب. وكأنها لا تخشى هذا الطبع الناري الذي يملكه، بل تواجهه بندية تشبه النار التي تحترق بها هي الأخرى من الداخل:
"يعني أعمل إيه أسيب شغلي واللي وراي والقضايا اللي مسؤولة مني ينفلقوا علشان حضرتك زعلان إنك هتاكل وحدك!"
زفر "ماهر" بحدة. حدق بها نظرة طويلة كأنها تحمل كل اللوم الذي كبته منذ زمن. جسده ثابت لكن صوته كان مليئاً بالقهر والغيرة المختلطة بالإحساس بالإهمال:
"آه تسيبي كل حاجة. أني برده ببقى سايب القضايا في المكتب وما بجيبهاش اهنه البيت. ولو كانت قضية مهمة زي اللي هتمسكيها في يدك بركنها على جنب وأقعد عليها ساعة بالليل قبل ما أنام والموبايل بيترمي زي ما انت شايفه اكده طالما رجعت البيت."
ابتلعت "رحمة" ريقها بصعوبة، وكأن الكلام صار سكيناً تجرحه وتؤلمها رغم تمسكها بموقفها. صوتها كان أقرب لصفعة تحاول أن تعيد التوازن لنفسها:
"هو انت عايز تتخانق وخلاص وتطلع أي أسباب تطلعني فيها مقصرة. انت راجع من شغلك لقيت واكلك جاهز وبيتك نضيف وبتك زي الفل ومخلصة الواجب بتاعها وكل حاجة تمام والدنيا هادية."
اقترب منها "ماهر" خطوة وهو يشير بيديه مستنكراً. وطبعه الناري انفجر في عينيه قبل صوته. لم يعد يخفي غيرته ولا نقمته على غيابها عنه. كل كلمة خرجت منه كانت تعبر عن رجل يرى نفسه مستبعداً من حياة من يحب:
"طب انتِ عميلتي إيه في اللي انت هتقولي عليهم دول كلهم؟
بنتك المسؤولة عنها "أم محمد". هتوكلها وهتشربها وهتاخد بالها منيها ليل ونهار والست كبيرة وما تقدرش على دلع "فيروز". والبيت مش انتِ اللي هتنضفيه ولا مسؤولة عن تنضيفه، ولا حتى الوكل. ما عدناش ناكل من يدك حاجة خالص يا إما هتجيبيه جاهز يا إما هتخلي "أم محمد" هي اللي تعمله. وبالنسبة للواجبات هتجيبي لها مدرسين البيت وهتدفعي لهم أضعاف علشان حتى الواجب يحلوه معاها. فين دورك كأم مع بنتك!"
نظرت إليه "رحمة" بعيون مشتعلة. لا خوف فيها بل رفض صريح للمواجهة. كان الغضب في صدرها يوازي نيران صوته. وقررت أن تنهي الحوار دون أن تفقد أعصابها:
"لاه أنا ما فايقاش للحوارات دي خالص النهاردة. ممكن نأجل الخناق لما نطلع أوضتنا بالليل وقول اللي نفسك فيه كله."
ضحك "ماهر" ضحكة ساخرة لكنها كانت تحمل انكساراً داخلياً. صوته ازداد غلظة وكأن الجرح قد تعمق أكثر. نظراته كانت كالسكين الذي يشق روحها إلى نصفين:
"بالليل أيوة لما الهانم تخلص اللابتوب بتاعها والموبايل يكونوا خلاص أصلاً قربوا يفصلوا منيكي هتطلعي على سريرك طوالي وهتقولي آه يا عيني آه يا راسي وتنامي بسبب وحلتك مع الشغل وكأني ما لكيش راجل ولا بيت ولا بنت مسؤولين منك ورعايتنا واجبة عليكي!"
رفعت "رحمة" حاجبيها بسخرية متألمة. وقررت أن تنسحب. اختارت أن تبتعد قليلاً بدلاً من أن تشتعل أكثر في حضرة رجل لم يعد يرى إلا تقصيرها:
"طب تمام طالما الحوار فيه خناق وهتحمر لي عينيك وهتشد لي أعصابك أني هاخد بتي وهنطلع ننام في حضن بعض وانت خليك مع خناقك يا حضرة المتر المبجل."
تركها تصعد مع ابنتها كي تنيمها وتناول عشاؤه وحيداً كالمعتاد. وبعد أن انتهى قرر الصعود إليها. دلف إليهم الغرفة ونظر إليهم ولاحظ غياب الصغيرة. فخفض صوته للحظة وسأل بنبرة لم تخلُ من الحدة رغم هدؤه الظاهر:
"البنت نامت ولا لساتها صاحية!"
أجابته "رحمة" بنبرة مقتضبة وهي تدير له ظهرها. أرادت إنهاء هذا الليل بأي ثمن:
"أهه نامت واطفي النور عشان عايزة أنام اني كمان."
تقدم نحوها ببطء محاولاً تهدئة الموقف. رغم أن الغضب لا يزال يشتعل في عينيه. كانت كلماته تحمل أمراً لا نقاش فيه:
"طب يلا قومي على أوضتك وسيبك من لعب العيال ده يا "رحمة"!"
لكنها لم تتحرك. كانت ثابتة كالجبل. تنظر إلى الحائط كمن يبحث فيه عن مفر. رفضها لم يكن مجرد عناد بل كان صرخة مكتومة من قلب مثقل:
"لاه مقايماش ولا عايزة أنام جارك. كل يوم هتنكد علي وهتتخانق وياي روح بقى اتخانق مع الوسادة بتاعتك وأني هنام جار بتي اهنه."
انتفخت أوداج "ماهر" وصوته خرج كالرعد. نبرة تنذر بعاصفة قادمة. غضبه بلغ الذروة ولم يعد يقوى على كتمانه:
"رحمة الزمي حدودك وياي. واعملي حسابك مش هتمشي علي يا بت سلطان. نوم إيه اللي هتناميه جار بتك!
شكل صواميل مخك فوتت منك. الكلام دي ما هيحصلش في بيتي. قومي بهدوء يا "رحمه" وارجعي على الأوضة علشان عايزة أتحدت وياكي شوية وتنسي حوار إنك تنامي بعيد عن سريرك اللي هو سريري غير اكده ما هيحصلش واصل."
حدقت "رحمة" فيه بعينين زائغتين من كثرة القهر. صوتها كان يحاول أن يبدو قوياً لكنه ارتجف في صدرها لحظة النطق:
"وه!"
هو النوم بالعافية إياك ولا إيه؟
أنا مريضة، أنا مش عايزة أنام جنبك. اديني مساحتي، أنا زعلانة منك وعايزة أبعد عن عينيك شوية.
"ماهر" زم شفتيه وأشار بيده مهددًا، كان كمن يفقد آخر خيط من صبره. وقرر أن يفرض وجوده كرب للبيت، وكأن أي تراجع هو إعلان هزيمة. وهو يأمرها:
ـ مساحة مين يا هانم؟ يمين بعظيم يا "رحمة"، إن ما قمتي دلوقتي وسبقتيني جري على أوضتنا، لا هتبقى ليلتك مش معدية.
وأكمل وهو يحاول استفزازها، وهو يسحبها من على التخت متمسكًا بكتفيها بتملك وعناد:
ـ واعملي حسابك إني بقى رايدك، واللّيلة كماني ومزاجي هيقول لك السهرة صباحي. فلمي الدور وقومي من السكات.
نزعت يده بعيدًا عنها بنفس العناد، ثم جذبت الغطاء حول جسدها بحدة، وكأنها تصنع سجنًا لها من القماش. تتحدى به الغضب والغرام بها، وهي تجلس على التخت مرة أخرى:
ـ وه هو انت هتغصبني إياك على إني أنام جنبك؟ طب مقيماش يا "ماهر"، وأهه اديني متمسكة بسريري جنبك ومرايحة حتة.
اقترب "ماهر" منها بعنف ظاهر. تحولت خطواته إلى تهديد صريح. لم يعد يطيق مزيدًا من التمرد:
ـ كده؟ طب انت اللي جبتي لنفسك. يلا بقى.
وعلى حين غرة حملها بين ذراعيه، فكانت بين يديه كاللبؤة في يد الأسد. فصرخت وهي تحاول الإفلات من قبضته. نظراتها مليئة بالعناد والرفض، فكانت تقاوم رجلًا لا يفهم الرفض بسهولة:
ـ بعد يدك عني، نزلني يا "ماهر"! بطل شغل العيال الصغيرة دي، مش هنام جنبك يعني مش هنام جنبك. وسّع يدك ده، ومتقفلش الباب عاد.
توقف "ماهر" لحظة ونظر إليها بغضب كامن تحت جلده. وغضبه المكبوت ينفجر بها دون رحمة. كلماته كانت خناجر موجهة نحو كبريائها الجريح:
ـ مالك يا بت "سلطان"؟ شادة حيلك أكده ليه؟ مش شايفني راجل قدامك عشان تروحي تنامي جنب بتك وتسيبي جوزك؟ اعملي حسابك الحركة دي إن اتكررت تاني، هكسر عليكي السرير والأوضة فوق دماغك يا "رحمة". واظبطي الكلام معايا عشان إني مش راجل، لا مؤاخذة، عشان تمشيني على كيفك. أنا هنا الراجل ولازم تسمعي كلامي.
ثم أوصد الباب جيدًا، وخلع ملابسه وأصبح عاري الصدر أمامها. ثم جذبها عنوة عنها وأوقفها أمام الدولاب وفتح ضلفتها آمرًا إياها، وهو يدير وجهها ناحية خزانة الملابس واحتضنها بتملك شديد من ظهرها، مما استدعى تذمرها وهي تحاول الإفلات من بين عظام صدره، ولكنها لم تفلح. مما جعله همس بصوت أجش خشن وبنبرة متشبسة بها وهو يخرج لها قميصًا باللون النبيذي قصير بعض الشيء:
ـ متحاوليش تطلعي من بين ضلوعي عشان هتتسحقي جواهم يا بت "سلطان". ودي ليلتك وتلبسي لي الحتة النارية دي عشان مزاجي طالب الليلة يتظبط. ولحد الصبح وتصحي بنفسك تعملي لي مساج وتحضري لي الحمام بنفسك، وكمان هتعملي لي الفطار بيدك الناعمة ده يا بت "سلطان". ومفيش مكتب ولا محكمة بكرة، هنقضي طول اليوم تروقيني أكده، شكل ما نكون عرسان جداد.
انتفضت من تحكماته، فتحولت بجسدها، وإذا به يتمسك بذراعيها بتحكم شديد وعيناه تنظر إليها بصرامة وتحدي. فانفجرت به وهي تقف أمامه كالفأر أمام القط الشرس:
ـ وه!
هي عافية ولا إيه؟
معايزاش حضنك ولا تقرب مني، إني زعلانة منك.
وأكملت برفض قاطع لما يطلبه منها بنبرة ساخرة:
وبعدين شغل إيه اللي عايزني أقعد منه الصبح يا سي السيد يا بيه؟
إني ورايا شغل مهم، ورايحة المحكمة أخلص شغل مهم، وبكرة بالذات مينفعش.
تمسك بخصلات شعرها من الخلف يلويها بين يديه لدرجة أوجعتها وهو يخبرها بتشبث قاطع لا جدال فيه:
مفيش مرواح مكتب ولا محكمة ولا موبايل ولا لاب توب ولا أي حاجة، واللي هقوله هيتنفذ يا "رحمة".
دبت قدميها في الأرض باعتراض وهتفت بتذمر:
لاااه بقي، إني مش هعمل أكده واصل! هي قوة واقتدار ولا إيه؟
حرك رأسه للأمام ببرود وبنبرة كالجليد عرفها:
اها، قوة واقتدار، وإن كان عاجبك بقي يا "رحمة"، ويالا بقي علشان إني عايزك تفكي لي عضلاتي وتروقي علي علشان إني مش عاجبني.
توترت من اقترابه وأنفاسه التي تلاحقها ولمساته المدروسة لها، وكأنه يعرف مفاتيح أنثاه الشرسة العنيدة، فضعفت من اقترابه، وبالتحديد حينما جذب يدها ووضع بها القميص الخاص بها، وأكمل بنبرة خشنة وبنظرة عيني راغبة بها جعلتها تبتلع أنفاسها بصعوبة:
طب متضيعيش الوقت بقى، علشان إنتي عارفاني مخي جزمة قديمة واللي عايزاه هيتعمل مهما عملتي.
ابتلعت أنفاسها بصعوبة بالغة من اقترابه بهذا الشكل الذي أثارها، لتهتف بنعومة وهي تلكزه بكتفها في صدره بدلال شديد، وهي تمط شفتيها للأمام وتعلم جيدًا أن تلك الحركة تجعله يقف أمامها بلهفة، نظرًا لدلالها الأخاذ:
طب انت مزعلني وقاهرني، هبسطك كيف؟
أجابها بإحساس وشجن:
ملكيس صالح يابت "سلطان"، البسي دي واني هعرف أبسط حالي وأخليكي تعرفي تبسطيني كمان.
وأكمل وهو يغمز لها بشقاوة وعبث:
دي إني الخط لو موخداش بالك يعني.
وبعد ارتداؤها لما يريد، اقترب "ماهر" منها بخطوات ثابتة تنبض برجولته الصارمة، وكأن الأرض تفرش له طريقًا من الهيبة والجاذبية.
عيناه تشعان بلهيب مكبوت يحمل وعودًا لم تنطق بها الشفاه، لكن الجسد فهمها دون ترجمان. مد يده نحوها بسلاسة فيها من الحزم ما يربك الحواس، ومن الحنان ما يذيب الكبرياء. "رحمة" رغم عنادها المتأصل، شعرت بقلبها يذوب أمام حضوره المتفجر، وكأنها تُسحب برضا غافل نحو قدر محتوم.
في لحظة التقاء العيون، سحبها لعالمه بلا مقاومة، كأن أنوثتها تعرف تمامًا كيف تُنصت لرجولته دون كلمات.
**********
كان "آدم" يحتضن "مكة" كأنما يحتضن الحياة ذاتها. ذراعيه يلفان جسدها الهش كدرع من الأمان، وصوته ينساب في أذنها كنسيم عذب يغني:
بتلوموني ليه؟ لو شفتم عيينه حلوين قد إيه؟ هتقولو انشغالي وسهد الليالي مش كتير عليه.
لم تكن تلك اللحظة عابرة كما كل اللحظات، بل كانت أشبه ببوابة تؤدي إلى فردوس صغير أقاماه معًا، بعيدًا عن العالم، بعيدًا عن الوجع، بعيدًا عن الناس الذين لطالما حاولوا تحطيمهما.
قال لها "آدم" بصوته الرجولي الحاني، بينما كان يمرر أصابعه على خصلات شعرها المتدلية على كتفه:
إنتِ مش بس مراتي يا "موكة"، إنتِ قلبي وروحي وعقلي ونبضي ودمي. إنتِ الهدوء في زمني اللي كله دوشة. إنتِ السكينة اللي دايمًا بدور عليها وبلقيها في حضنك. من يوم ما اتجوزنا والله ما حسيت بالملل لحظة.
ابتسمت "مكة" وهي ترفع رأسها لتنظر في عينيه. عينيه اللتين لم تعرفا يومًا لا الخذلان ولا التردد. عينيه اللتين رأت فيهما وطنًا حين ابتعدت عن وطنها الحقيقي وأهلها وصديقاتها وأحلامها القديمة.
وردت عليه بصوت يقطر عشقًا وامتنانًا، وهي تمسح على وجهه بأناملها الرقيقة:
إني عشت عمر ما كنتش فاهمة يعني إيه راجل يحتوي ست لحد ما شوفتك. إني كنت فاكرة إن الحب ضعف وإن الراجل عمره ما يحس. بس انت غيرت لي المعنى كلاته. انت حضني في الغربة، وأماني في البعد، وسندي وقت الضعف. انت نعمة كبيرة أوي من ربنا.
ضمه إلى صدره بقوة أكبر، كأنه يحاول أن يخفيها من هذا العالم. كأنه يخاف أن تُؤخذ منه، أو أن يفيق ليجدها لم تكن يومًا حقيقته.
ثم همس في أذنها كأنما يحفر كلماته في ذاكرتها للأبد:
لو اتكتب لي ألف عمر، هختارك كل مرة. ولو خيروني بين الدنيا كلها وبينك، هختار حضنك من غير تفكير.
ضحكت "مكة" برقة وسعادة، ثم غمغمت وهي تشد على يديه:
إني ماليش غيرك يا "آدم"، وربنا عالم أني قد إيه هحبك انت وولادنا، وأي وجع جربته في حياتي راح لما ضميتني لحياتك. كنت هشوف الحب مستحيل، بس انت خلتني أعيشه بجد.
غمرتهما لحظة لا يُقاس زمنها بالساعات. لحظة كانت تكفي عمرًا بأكمله، لو لم يكن القدر قد كتب صفحة أخرى بمداد أسود لا يعرف الرحمة.
******
في شقة فارهة وأثاث يلمع كالذهب، كان "سيف"، ابن عم "آدم"، يجلس على الأريكة الجلدية بجوار أخيه، وقد بدا عليه التغيير الكبير. وجه اكتسى بقسوة نضجت من الحقد، ونظرة تشبه لهبًا لا يطفأ.
فقال "سيف" وهو يشعل سيجارًا فخمًا ثم ينفث دخانه في فراغ الغرفة:
انت عارف آخر مرة شوفت فيها "آدم" كنت عامل إزاي؟
كنت واقع على الأرض، ووشي كله ورم، وأغلى الناس عليا سابتني لأني اتضربت قدامهم واتذليت. الخطوبة اتفسخت، والناس بقت تتريق عليا في كل مكان، لدرجة إن خطيبتي سابتني علشان مش شايفاني راجل بسبب اللي عمله فيا الحيوان ده.
رمقه أخوه بدهشة ممزوجة بالحذر:
بس انت سافرت ونجحت وبقيت مليونير. خلاص يا "سيف". عدت وعدينا. فكر بقى في شغلك واستقرارك هنا وفكك منه.
قهقه "سيف" ضاحكًا، ضحكة لا تحمل في طياتها شيئًا من الفرح:
عدت؟ إزاي تعدي وأنا كل يوم بشوف الفيديو بتاع الضرب قدامي! ده أنا اتعرّيت، اتعرّيت كراجل قدام الدنيا كلها، وهو السبب ولازم يدفع التمن.
صمت لحظة ثم مال للأمام. عيناه تلمعان بخطة شيطانية:
أنا محضر له مفاجأة. مفاجأة هتخليه يندم إنه اتولد أصلًا. هخلي حياته جحيم. ومراته دي، آه مراته... المزة دي هتبقى ليا. هخـ.ـطفها من حضنه، وهخليه يشوفني وأنا باخدها منه وهو مش قادر يعمل حاجة.
تنحنح أخوه وقد بدا عليه التوتر:
انت بتتكلم جد؟ دي مراته وبتحبه بجد، وباين عليهم سعدا. انت ناوي تخرب عليهم ليه؟
ضرب "سيف" بكفه على الطاولة الخشبية أمامه حتى ارتجت الكؤوس:
لأنه خربني وأنا لما انتقم، بنتقم بقلب ميت، ومراته دي مش هتفلت بردو من تحت إيدي. دي أول خطوة في تدميره وهبدأ بيها.
عاد يضحك، ضحكة لا تمت للإنسانية بصلة، وكأن الشيطان ذاته قد سكن فيه. عيناه تبرقان كأنه يرى مشهده المنتصر مسبقًا، وكأن دمار "آدم" و"مكة" بات محتومًا لا محالة.
أما في تلك اللحظة، كان "آدم" و"مكة" لا يزالان يحتضنان بعضهما، غير عالمين أن عاصفة مدوية تقترب منهما، تقترب بصمت شيطاني، في زمن لا يرحم الطيبين، ولا ينجو فيه العاشقون بسهولة.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثاني والسبعون 72 - بقلم فاطيما يوسف
رفعت "رحمة" رأسها ببطء كأنها تعود من عمق بحر أفكارها، عيناها تترنحان بين الانزعاج والدهشة، شعرت للحظة أن طلبه هذا أشبه بعبث، غير منطقي في خضم جدول مزدحم بالمواعيد والتقارير:
ـ يووه يا "ماهر" أني وراي شغل كتير، والله اليوم ده مزدحم بشكل مش طبيعي، واللابتوب مليان تسليمات وملفات متأخرة بلاش الموضوع ده النهاردة بالله عليك.
لم تتغير ملامحه، بل بدا كأن عنادها أشعل فيه فتيل لا يطفأ، حدق فيها بثبات كأن عينيه تلقنها درسًا لن تنساه، رفع يده عن المكتب وضمها خلف ظهره وسحب نفسًا عميقًا:
ـ يولع الشغل، ويولع اللابتوب والتقارير واللي بتكتبيه من الصبح، بنتنا لازم تخرج النهاردة، وإحنا لازم نكون وياها، غصب عننا هنفضي وقت ليها، إحنا مش مكلفين نعيش نشتغل وننسى البنت، ولو حكمت يبقى ما فيش شغل خالص ليكي يا "رحمة".
ارتجفت شفتا "رحمة" للحظة من وقع كلماته، لم تكن معتادة أن تسمعه يقاطع خططها بتلك الحدة، لكن عنادها الفطري دفعها إلى المواجهة، فرفعت حاجبيها واعتدلت في جلستها وقد زاد جمود نبرتها:
ـ أني مش ناسية بتي يا "ماهر" بس كل حاجة ليها وقتها، النهاردة بالذات مش هينفع عاد، حداي مقابلات مهمة، والعميلة اللي مستنياني دي مش هتعيد الجلسة لو اتأخرت، وحوار إني أسيب الشغل ده مستحيل يحصل بعد ما نجحت النجاح ده كله.
زمجر صدره بحنق مكبوت، ورجولته تأبى عليه أن تبرر له بهذا الشكل، شعر أنها تفرغ الحياة من جوهرها، تسلمهما إلى شاشة وكيبورد وكأن ابنتهم كائن ثانوي لا يستحق انتظارًا أو تضحية، تقدم منها حتى صار بين جسديهما مساحة لا تذكر، وصوته خرج من صدره بثقل لا يرحم:
ـ كل حاجة ليها وقتها، أيوه صوح!
وبنتك دي وقتها إمتى يا "رحمة" هانم؟ إمتى هتحسي بيها لما هتنادي عليكي وما ترديش؟
لما تعيط في وسط حاجة مضيقاها ولا تعباها في ركن وحديها عشان مفيش حضن حنين يحتوي وجعها وخوفها كطفلة؟
لاااه يا "رحمة"، النهاردة لازم تسيبي كل ده وتركزي معانا، انتي أم طول الوقت لكن مش موظفة غير في بعض الوقت.
توسعت عيناها بامتعاض، لكن في عُمقها شيء موجع بدأ يتسلل، كبذرة تأنيب تفتحت رغم أنفها، لكن عنادها ما زال متشبثًا بأطرافها، كأنها تخشى أن تعترف له بأن لديه حق، فتنهار أمام صلابته:
ـ أني مش هسيب شغلي كل شوية أكده، أني ببني مستقبلي، وببني مستقبل بنتي، وبكفي إني شايلة البيت كله لوحدي ومكفية بيتي ومسؤولياتي ومطالبتش منك أي مساعدة كزوج، فـ بالله عليك ما تزايدش عليا في دوري كأم.
هز رأسه ببطء، وكأن كلمتها الأخيرة كانت مسمارًا دق في نعش احتماله، اقترب أكثر حتى كاد صوته يلامس جلدها، وقال بهدوء مضغوط بالغضب:
ـ لااا يا هانم انتي مش شايفة حاجة من كتر الشغل، مش شايفة إن بتنا بتضيع واحدة واحدة، ولا شايفة إنك هتستخدمي الشغل عشان تهربي من حياتك، مني، منها، من نفسك حتى، علشان تثبتي لنفسك حاجة كبيرة هتخسري قبالها حاجة أكبر،
فمن السكات أكده تلبسي ويالا هنخرج دلوقتي من غير نقاش.
أحست فجأة أنها بين مطرقة كلماته وسندان ضميرها، شيئًا ما في عينيه جعلها تبتلع لسانها للحظات، لكن تمردها على الاستسلام ظل ينقر في قلبها بلا هوادة:
ـ "ماهر"...
أرجوك بلاش الأسلوب ده معايا، أني مش طفلة، وأني حرة في وقتي، ودي حاجة بيني وبين بنتي، ما تدخلش نفسك في أسلوبي معاها، بلاش تفرض رأيك عليا، بلاش تحسسني إني مموتاها معايا للدرجة دي.
ضحك ضحكة قصيرة مفرغة من أي دفء، ضحكة من يسمع كلمات لم تعد تدهشه، ثم أردف بصوت حاسم قطعي:
"ماشي، سيبك مني، سيبك من رأيي، بس بصي في عين بنتك، اسألي حالك لو فرحانة، لو حاسة بأمان، لو بتحس بحضنك أصلاً. انتي أمها يا رحمة، يعني الأولى بكل تفاصيلها مش أي حد غيرها."
سكنت كلماته الهواء كصدى ثقيل، شعرت رحمة وكأن الأرض تميد تحتها، كأن جدارها الحديدي المحصن بدأ يتشقق. لم ترد، لم تنطق، فقط نظرت إلى شاشة اللابتوب، ثم إلى يده الممدودة نحوها، يد تأمر، تصر، تنازع عنادها برجولته التي لا تستأذن.
ثم زفر ماهر زفرة طويلة كأنها تحمل كل خيبته وكل توقه. اقترب مجددًا، وضع يده على كتفها برفق مفاجئ، وصوته أصبح أكثر هدوءًا وإن ظلت النيران مشتعلة داخله:
"أني مش عايز أخرج لوحدنا، أني عايزك معانا، عايز فيروز تضحك وتبص تلاقينا جنبها، مش تبقى بتلعب تدور علينا، ولا تتعود على إننا هنحبها من بعيد لبـ بعيد بزيادة. اِتْخَـ ـذِي بعدًا عن بتنا يا رحمة."
رفعت نظرها إليه، ورغم الغضب المتراكم في صدرها، وجدت نفسها تحدق في عينين لا تزالان تحبها رغم كل شيء، عينين تحملان وجعًا لم تلتفت له من قبل. شعرت بالارتباك، بالصراع، برغبة دفينة في التراجع لكن كبرياءها كان يصفق لها من الخلف رافضًا:
"طب هحاول أخلص بسرعة وهجهز علطول، اديني حبة وقت بسيط."
قاطعها فورًا، كأن أي تردد منها لم يعد مقبولًا:
"لااه، مش ممكن، قومي دلوك، أني هستناكي عشر دقايق، لو ما نزلتيش خلالهم، هطلع لك تاني وأكرر الكلام ده، بس المرة الجاية مش هيبقى بنفس الهدوء يا رحمة، اتقي شر الحليم إذا غضب."
ثم استدار مغادرًا الغرفة، وخلفه ترك سحبًا من التفكير تنهش عقلها، وظلالًا من الذنب تلاحق أنفاسها. وبين يديها لوحة مفاتيح باردة لم تعد تشعر نحوها سوى بنفور خافت بدأ ينمو في صدرها ببطء. ثم جهزت حالها للخروج على مضض، ومنها جهزت ابنتها، ولكن لم تنسى جهاز الحاسوب واصطحبته معها.
وصلا إلى المكان المخصص للأطفال الذي قام ماهر بالحجز معهم مسبقًا. وبعد جلوسهم ما يقرب من نصف ساعة، أتته مكالمة مهمة فابتعد عن المكان قليلًا كي يجيب المتصل نظرًا للضوضاء الموجودة في المكان بسبب الأطفال. وما إن قام من مكانه حتى استغلت رحمة قيامه وأخرجت الحاسوب من حقيبته وبدأت تراجع ملفها المهم بالنسبة لها، فهي في استغلال الوقت لا يهمها شيء.
"من فضلكم يا جماعة فين مامت الطفلة فيروز ماهر؟"
انتظرت المشرفة الرد وهي تمسك بيدها الطفلة، وكانت حالتها صعبة وهي تقف بنظرات مرتعبة بجانب المشرفة. ولم يأتي الرد من أي من الأمهات، حتى كررت المشرفة السؤال مرة أخرى ولكن بصوت أعلى. وللأسف لم تجد ردًا، فأحست الطفلة بالحزن الذي غيم معالمها وهي ترى والدتها منشغلة بالعمل على الحاسوب ولم تعنيها أدنى اهتمام. لتسألها العاملة بلطف وهي تتحسس وجنتها بحنو:
"قولي لي يا روزي فين مامي يا حبيبتي وأنا آخدك وأنزل لها؟"
مطت الطفلة شفتيها بأسى، والخوف من ذاك السؤال جعل جسدها يرتعش، لتجيبها بلسان ثقيل يتلجلج:
"مامي قالت لي لما أكون شغالة على اللاب توب مناديش عليها خالص لحد ما تخلص شغل، وبعدين تعمل لـروزة اللي هي رايداه منها، ولو ناديت عليها ممكن تزعل في روزا جامد."
انزعجت المشرفة بشدة من كلام الطفلة، والذي إن دل فلا يدل إلا على أن والدة تلك الطفلة لا تهمها أمر ابنتها بالمرة، لدرجة أنها مشغولة على الحاسوب ولم تكلف حالها ولو مرة واحدة الاطمئنان على ابنتها كمثل باقي الأمهات والدخول إليها في حجرات الألعاب للاطمئنان عليها، ولا حتى سمعت نداها. فقررت إحراجها أمام الجميع، وخصوصًا أن الطفلة ترتعش بشدة وملامحها يبدو عليها الرعب بسبب تحذيرات والدتها لها.
فتحركت خطوتين وبيدها الطفلة، وجذبت مكبر الصوت ونادت مرة ثانية على أم الطفلة:
"طب يا جماعة الظاهر كده إن صوتي مش واصل ليكم عاد، هكرر سؤالي مرة تانية، فين والدة الطفلة فيروز ماهر البنان؟"
كان ماهر يقف إلى جوار منطقة ألعاب الأطفال، يحدق في الفراغ وهو ينهي مكالمة هاتفية طويلة. أمامه امتد الكافيه الهادئ حيث يجلس الآباء والأمهات يراقبون صغارهم أمام أعينهم. وفجأة استمع إلى صوت مرتفع بالمناداة باسم ابنته عبر الميكروفون. فقطع صمته والتفت بخوف ونظر إلى زوجته ووجدها في عالم آخر وهي تضع سماعات الأذن وأصابعها تتحرك على الحاسوب، ويبدو أنها لم تترك العمل حتى في نزهتهم مع ابنتهم. فانصدم من ذاك المشهد حينما رأى رعب ابنته وهي تتمسك بيد العاملة، ونظر إلى ملابسها وانصدم مما رآه. فذهب إلى زوجته بانزعاج وغضب وصل عنان السماء والأرض، ونزع السماعات من أذنها، ثم أشار بعينيه إلى موقف ابنته وعينيه تنطلق شرار لها. لتنظر هي الأخرى مكان نظرته، فإذا بها تنصدم مما رأته. فجرى مسرعًا ناحية العاملة وهو يأخذ ابنته بين أحضانه ويجيب العاملة:
"في حاجة حصلت يا فندم، أنا والد الطفلة فيروز، معلش كنت بتكلم في التليفون ووالدتها كان معاها شغل مهم."
مطت العاملة شفتيها بامتعاض على ذاك السبب من الأب المستهتر والأم الغير مسؤولة بالمرة، لتنطق بسخرية جعلته في موقف لا يحسد عليه، بل يود أن تنشق الأرض وتبلعه:
"والله اللي أعرفه حضرتك إن المفروض لما تكونوا خارجين مع بنتكم الوحيدة في نزهتها وفي وقت إجازتها إنكم تركنوا موبايلاتكم على جنب وتهتموا بالبنت. من الواضح يا فندم إن البنت بتخاف جدًا من رعشة جسمها وأني واقفة جنبيها، ومن كتر خوفها ورعبها دي ما رضيتش تشاور على والدتها علشان خاطر محذراها إنها لما تكون بتشتغل ما تناديش عليها واصل. بنتك يا فندم بتعاني من حالة رهبة شديدة، وكمان في حاجة جامدة مخوفاها لدرجة إن وهي بتلعب مع الأطفال عملت بوتي على نفسها."
انصدم ماهر مما استمع إليه وعلى الفور شدد من احتضان ابنته واعتذر للمشرفة:
"أنا آسف جدًا لحضرتك وللي حصل في المكان، وبعتذر عن موقف بنتي، وشكرًا جدًا على النصيحة الغالية دي."
تفهمت العاملة أسفه، ولكن قبل أن ينطلق بابنته نصحته:
"آسف حضرتك مقبول، لكن في نصيحة مهمة جدًا عايزة أقولها لحضرتك. حاول تشبع بنتك أنت ومامتها من حبكم وحنانكم، لأنها من الواضح إن عندها فوبيا رهيبة من ناحية حاجات كتير، ودي اللي خلتها تعمل البوتي على نفسها، ولازم تعرضها على دكتور نفساني، ولازم والدتها تشترك معاك في المشكلة دي، لأن البنت عندها أربع سنين، يعني في سن ما ينفعش تعمل اللي حصل ده. الأطفال في السن دي محتاجين رعاية وحنان أكتر ما محتاجين أوامر وشخط ونطر."
وقف ماهر في موقف بشع لم يكن أن يتخيل أن يوضع به يومًا، وهو يحتضن ابنته الصغيرة، يشعر بثقل الذنب يعصف بصدره، وعيناه لا تقويان على النظر إليها. كانت والدتها ما زالت منشغلة كعادتها، حينما رن هاتفها وانشغلت به، بل واعتمدت كالمعتاد على زوجها في حل أي مشكلة وكأن شيئًا عاديًا حدث. تتابع هاتفها ببرود، بينما الطفلة المسكينة لم تجد من يلاحظ حاجتها، فبللت ملابسها أمام الجميع. وهو يخجل من كلمات العاملة اللاذعة والتي هزت كيانه، كلمات لم تحتمل المجاملة ولا التخفيف. شعر حينها أنه عجز كأب، وأنه ترك صغيرته وحدها في لحظة احتياج. فظل واقفًا مكانه، مكسور النظرة، لا يملك إلا الصمت والخجل. ولكن حرك رأسه باهتمام أمام المشرفة بابتسامة باهتة وأخذ ابنته في أحضانه وهو يقبل رأسها وجبينها بحنو. وذهب إلى زوجته وكانت نظراته كالسَّهام الملتهبة، تخترق الهواء وتستقر في الصدر كأنها نيران لا تُطفأ. فاشتعلت عيناه بوهج الغضب، كبرق صامت يسبق العاصفة.
اشتعل غضب ماهر في صدره كنار لا تُبقي ولا تذر، يتطاير شررها في كل الاتجاهات، وهو يرمق زوجته بنظرات لا تعرف الرحمة. ثم أمسك بذراعها بقوة رجولته المشتعلة وثباته الجارح، يسحبها خلفه دون أن يسمح لها بالاعتراض. فخطواته كانت كخطى العاصفة لا تلتفت ولا تهدأ، وهو يهمس بشرار بجانب أذنها:
"انجزي ولمي حاجتك وتعالي معايا على العربية وأنتي ساكتة بدون ما تفتحي بقك بنص كلمة حتى."
لملمت أشياءها سريعًا، بقلب ينفض رعبًا، ثم تابعت خطواته المرتجفة من الغضب، بينما يداه تحتضن جسد فيروز التي غرقت في نوم بريء على كتفه. وحين اقترب من السيارة، فتح الباب الخلفي برفق نادر لم يمنحه إلا لابنته، ثم أنزلها بحنو بالغ ووضعها على المقعد، وأغلق الباب برقة لم يُظهرها لأي أحد من قبل. ثم نظر إلى رحمة آمرًا إياها بهدوء ما قبل العاصفة:
"اركــــبي يا هانم."
ثم دار حول السيارة، وفتح الباب الآخر بعنف يشبه غضبه المتصاعد، وقاد رحمة للجلوس مكانها. وما إن أغلق الباب خلفه حتى ساد صمت ثقيل محمَّل بعاصفة لا هواء فيها. فأخرج اللاب توب من الحقيبة ورماه على المقعد الأمامي بعنف:
"دي الشغل اللي شاغلك عن بنتك، دا اللي خلى بنتنا تعمل حمام على نفسها قدام الناس وحضرتك كنتي مفضياش ليها ولا إنك تقومي تطمئني عليها، وكل اللي في دماغك العميلة والزفت؟"
تجمدت رحمة في مكانها، فذهولها شل قدرتها على النطق، ولم تتحرك حتى رأته يرفع اللاب توب عاليًا ويضربه في مقعد القيادة بكل ما أوتي من غضب. صوت تحطمه كان كصوت تحطيم شيء أعمق بكثير، شيء بداخلها، مما جعلها شهقت من كسره لحاسوبها بذلك العنف والغضب، وهو يكمل بنبرة غاضبة بشدة:
"دي بنتك!"
بنتك يا هانم أهم من شغل يخلص ولا قضية تتقفل. أني زهقت منك ومن الكلام معاك. وصلت بيكي الدرجة تهملي فيها بالشكل دي وتخلي دماغها تخزن موقف مخزي ليها زي دي وتكره حالها لما تكبر وتفتكره.
لم تستطع أن تتحكم في أنفاسها. قلبها يرتجف وهي ترى عملها يتحطم أمام عينيها. ولكنها عجزت عن الدفاع. لم تجد الكلمات التي تشفع لها. وأكمل ماهر لها بأمر لا يقبل النقاش:
ـ اعملي حسابك يا "رحمة" ويمين بالله وقسم هتحاسب عليه قدام ربنا مفيش حاجة اسمها شغل بعد المكتب تاني!
فهمتي! كل يوم هسألك.. انتي اللي اهتميتي بالبنت. انتي.. مش غيرك يعني مش حد تاني. ويمين بالله كمان مرة لو اكتشفت ان أي حاجة تخص البنت "أم محمد" هي اللي عملتها ليها لا هيكون رد فعلي مش مبشر بالخير ابدا وهوريكي وش متمناش تشوفيه مني واصل.
صوته كان كالقصف. يحملها مسؤولية كاملة دون أن يمنحها فرصة الهرب أو الإنكار. نظراته اخترقتها كالسكاكين. تذكرها بخطيئتها التي لا تغتفر. فتمتمت برعب من صوته وهيئته الغاضبة:
ـ بس اني....
حاولت أن ترد. أن تجد ثغرة تبرر بها تقصيرها. لكن صوته قطع عليها الطريق:
ـ مفيش بس! دي قرار مش نقاش. وحطيه في دماغك كويس. انا مش هسمح لبنتي تتحرم من أمها علشان شوية ايميلات وتقارير. يولـ.ـع المكتب بتاعك على العملا بتوعك على الكل كليلة إلا بنتي يا "رحمة" "فيروز" خط احمر.
اشتد ارتجافها وهي ترى حزم ملامحه. الصرامة التي لا رجوع فيها. فأدركت أن لا مهرب من حكمه الصارم فأجابته بطاعة ودهاء كي تحتوي الموقف وتمتص غضبه وهي تومئ بعينيها للأسفل:
ـ حاضر هحاول يا "ماهر" حاضر. وأني اسفة بجد على تقصيري واللي حاصل مني وأوعدك إنه مهيتكررش تاني.
خرجت كلماتها خافتة مكسورة. وكأنها تعترف بهزيمتها. لكنها في قرارة نفسها شعرت كأنها تسلم على مستقبلها المهني. شعرت أن كل تعبها يذوب في الهواء بلا قيمة. ولكن أمام غضب "ماهر". أمام وجع "فيروز". لم تجد القوة للوقوف ضده فلتأخذ هدنة لبعض الوقت كي تستعيد جأشها في مواجهة عاصفة "ماهر البنان":
ـ تمام بس خلي بالك المحاولة دي تكون حقيقية. مش كلمة تتقال وخلاص.
أنهى حديثه بنبرة منخفضة ولكنها أكثر قسوة من الصراخ. ثم استند إلى مقعده. مطبقًا عينيه بإرهاق جسدي وعقلي لا يوصف. بينما السيارة تسير بصمت ثقيل نحو وجهة لا يعرفانها. محملان بوجع طفلة ونقمة أب وندم أم.
***
كانت الشمس تغرب ببطء. ترسم ظلال طويلة على أرضية الغرفة الهادئة. وكأن الزمان نفسه توقف احترامًا للصمت الثقيل الذي خيّم بين جدران البيت. مر يومان وهي لا تخرج من البيت. ولا تكاد تنطق. تجلس في ركن بعيد. تحتضن ابنتها بين ذراعيها. بينما تجلس مشاعرها المنكسرة على أنقاض قلبها.
كل ما حولها يذكرها بـ"فارس". صوته. خطواته. حتى رائحته التي كانت تملأ المكان لم تعد تشعر بها كما كانت. بل أصبحت رائحة باهتة. معلقة في هواء خانق. لم تكن "فريدة" تبكي. بل كانت تنظر إلى اللاشيء. وكأن روحها فُـرغت من داخلها. تعيد شريط الكلمات التي سمعتها صدفة. والاسم الذي نُطق على لسانه لم يكن اسمها.
اقترب منها "فارس" بحذر. وكأن بينهما هاوية لا تُـرى. كانت عينيه زائغتين. وجهه شاحبًا. ويداه متوترتان كأنه يحمل ذنبه فوق كتفيه. جلس أمامها على الأرض. وراح يتكلم بصوت خافت. متقطع. كمن يتعثر في الكلام من ثقل ما فيه:
"فريدة" أنا عارف إني جرحتك وكلامي ليها وجعك بس والله العظيم ما كنت أقصد. أقسم بالله كانت غلطة. غلطة كبيرة وندمان عليها من قلبي.
لم ترد. فقط شدّت ابنتها إلى صدرها أكثر. كأنها تتخذ منها درعًا يحميها منه. منه هو. الذي كان يومًا وطنها:
ـ بصي لي بس. بصي في عيني وشوفي الندم اللي مالي قلبي. أنا من يوم ما سمعت صوتك وانتي سامعة المكالمة وأنا قلبي بيتقطع وبقول لنفسي. إزاي قدرت أوجعك كدة. إزاي؟
لم ترفع عينيها إليه. لكنها سمعته. بل وسمعته بقلبها. بكل نبضة جرحها.
تقدم على ركبتيه أكثر. حتى صار قريبًا منها. كأن اقترابه قد يمنحه فرصة للغفران. وراح صوته يخفت أكثر. ويهتز كأن كل كلمة تخرج من فمه تنزف من داخله وهو يكمل اعتذاره وندمه:
ـ أنا مش هكدب عليكي. أنا غلطت. وكان ضعف مني. وكان شيطان. وكان وقتها عقلي مش معايا. بس ده عمره ما كان معناه إني مبقتش بحبك. لأ. أنا بحبك. وبموت فيكي. وانتي مراتي وحبيبتي وأم بنتي وأصلا عمري ما حبيت في الدنيا غيرك سامحيني على اللي انت سمعتيه ارجوكي اديني فرصة تانية.
رفعت رأسها ببطء. لأول مرة منذ يومين. ونظرت له نظرة تحمل مزيجًا قاتلًا من الألم والخذلان. فاختنق صوته وهو يرى انعكاس خيبته في عينيها:
ـ يعني عشان بتحبني. تروح تكلم واحدة تانية؟ عشان بتحبني. تقول لها الكلام اللي سمعته في لحظة ضعف؟
دي مش نزوة يا "فارس"، دي خيانة.
خيانة تجرح ست حتى لو بتحبك.
انت خاين يا "فارس"، خنت حبي وقلبي وثقتي فيك.
انحنى أكثر حتى وضع جبينه على قدميها، وقبّل يدها وهي تحاول سحبها، لكنه تمسك بها كالغريق.
"حقك عليا، والله العظيم حقك عليا.
أنا مستاهلش نقطة دمعة نزلت من عينك، بس سامحيني.
أنا كنت تايه، بس رجعت لك.
رجعت لك ندمان وكلي خجل من نفسي.
خدي مني التليفون، اكسريه، اعملي اللي يريحك، بس متبعديش عني، متسيبينيش."
انسابت دموعها في صمت، لا تعرف إن كانت تبكيه أم تبكي نفسها، فقد كان حبه نقطة ضعفها الكبرى، وكان جرحه ضربة قاتلة لكرامتها. وقد قررت اللعب معه بنفس طريقته لتطمئنه بما سيريحه حتى تستطيع كشف الحقيقة.
"أني مش هسيب البيت يا "فارس"، مش علشانك، علشان بنتنا.
بس أني محتاجة وقت، محتاجة أداوي جرحي، أداوي قلبي اللي انكسر.
محتاجة تبعد عني، متطلبش مني أي حاجة، لا كلمة، ولا حضن، ولا حتى نظرة.
لحد ما قلبي وعقلي ينسوا اللي سمعوه وحسو بيه من وجع منك."
رفع رأسه لينظر إليها، بعينين دامعتين، مكسورتين، ثم قال بصوت أشبه بالبكاء.
"طب عايز أحضنك، حضن واحد بس، علشان أقدر أعيش باللي فاضلي من العمر.
حضن أعيش بيه لو قررتي تبعدي، علشان أقدر أصدق إنك لسه هنا.
عايز اشم ريحتك بس قبل ما تحرميني من اغلى حاجة في الدنيا.
ارجوك يا "فريدة"، ارجوك."
لم تستطع أن ترفض، فمدت ذراعيها، فاحتضنها كمن وجد روحه بعد التيه. التصق بها بقوة، وراح يشم في شعرها، ويقبل عنقها وجبينها، كأنها آخر نسمة حياة له. كانت مشاعرها تتزلزل من احتضانه، من حرارة دموعه التي تبلل رقبتها، لكنها تمالكت نفسها، ودفعت جسده برفق بعيدًا عنها.
"كفاية يا "فارس"، كفاية.
متخلينيش أضعف، سيبني أداوي جرحي.
محتاجة أصدق إني مهمة عندك، مش مجرد لحظة ندم وهتعدي."
ابتعدت عنه، وذهبت إلى غرفة ابنتها، أغلقت الباب عليها، واحتضنت الصغيرة كأنها تختبئ بها من كل هذا الألم. أما هو، فبقي مكانه على الأرض، يحتضن ذاته، ويبكي كطفل فطم عن أمه، وكل ما في الكون خذل.
لم ينم، لم يأكل، لم يشرب، فقط ظل ساكنًا، ينتظر من خلف الباب بصيص رجاء. ربما في الغد، ربما في بعد غد، ربما يومًا ما تعود له، بقلب سليم.
أما "فريدة"، فنامت على وسادة مشبعة بالدموع، تقبّل جبين طفلتها، وتهمس لنفسها.
"لازم اعرف ايه اللي وراك يا "فارس"، لازم اعرف مين دي اللي انت هتخوني معاها.
لازم ادفعك تمن اللي انا سمعته غالي، تكن خيانتك ليا، لازم يا "فارس"."
********
"جاء الليل بالعطر والحب والنبأ العظيم"
كان الليل هادئًا كعادته، يتلحف سوادًا شفيفًا وتنسدل على أكتافه نسمات ناعمة. تحمل شيئًا من رائحة الياسمين المنداة عند نافذتها. لم يكن في السماء قمر، ولكن النور المنبعث من عينيها حين فتحت له الباب كان كافيًا ليستدل القلب على طريقه.
دخل "جاسر" بخطاه الهادئة كأنه يخشى أن يوقظ دفء المكان. كان يحمل في عينيه تعب النهار، ولكن حين التقت عيناه بعيني "مها"، نسيت قدماه كل الطرق التي مشتها. كأنه عاد إلى وطنه.
فقالت وهي تبتسم له وتمد يدها لتأخذ حقيبته:
"مالك يا حبيبي شكلك هيحكي حكاوي من التعب؟
شكلك مرهق قوي بس وشك هيحكي لي حواديت من غير ما تنطق."
فاقتربت منه واحتضنت وجنته بهيام اعتادت عليه، وبالتحديد عند عودته من عمله مجهد.
"بحس إني شايفاك قبل ما تيجي، وسامعاك قبل ما تتكلم.
بحس ان صوت مفتاح الباب وانت هترجع البيت كأن صوت الأمان ضرب قلبي وفتح بيبانه للراحة والسكينة."
اقترب منها ببطء، كأنه يعيد اكتشاف ملامحها من جديد. وفي عينيه نظرة من يعرف أن هذا المكان هو ملاذه، وأن كل الطرق مهما طالت لا تقوده إلا إليها.
وقال بصوته العميق، وهو يلمس خدها بأنامله كمن يتحسس وردة تخشى الذبول:
"إنتي اللي هتنسينب التعب يا "ام الزين" بشوفتك.
الطلة في وشك تفتح الف باب وباب للراحة.
أني بقالي يومين غايب عن البيت وكانهم سنة ومستني اللحظة دي.
مستني أشوفك، أقعد معاكي، ألمس إيديكي، وأقول لك إني مهشفش راحة ولا أمان غير وإنتِ جاري."
سحبت يده برقة وجلست على الكنبة، وأشارت له أن يجلس جوارها. كان في عينيها شوق من نوع آخر، مزيج من حنان الأم وانتظار العاشقة. وكانت الأغنية التي تنساب من المذياع خلفها تزيد اللحظة طربًا وعمقًا.
"الليل وسماه ونجومه وسهره، سهره وقمره وانت وانا ياحبيبي انا"
وحينما جلس، لم تقل شيئًا، فقط نظرت إليه طويلًا، كأنها تحتفظ بالكلمات لآخر اللحظة. ثم تنهدت، ووضعت يدها على بطنها برقة خافتة لا يلاحظها إلا من يعرف تفاصيل جسدها كما يعرف حروف اسمه.
ثم تحدثت بنبرة خفيفة كأنها تخشى أن يفضحها قلبها قبل لسانها:
"عايزاك تهدى، تاخد نفس وتحاول تفتكر إحساسك أول مرة قلت لي "أم الزين"، لسه فاكر اللحظة دي؟"
رفع حاجبيه بدهشة خفيفة، اقترب منها أكثر، وترك يده على يدها، وابتسم وهو يهمس.
"فاكرها؟ دي أني حافظها! إنتي لما دخلتي حياتي وأني اللي سميتك اكده، عشان من يومها وأني حاسس إني على باب نعمة ربنا ليه بتسألي دلوقتي؟"
رفعت رأسها إليه، نظرت في عينيه طويلًا، ثم أنزلت عينيها بخجل رقيق لا يليق إلا بها. وضغطت على كفه بخفة. ثم هو أخبرته.
"عشان... أمممم.. يمكن تبتدي تسميي اسم تاني، يمكن قريب قوي تبقى "أبو الزين"."
لم يفهم للوهلة الأولى، ولكنه حين نظر إلى بطنها مجددًا، وفهم ما تحاول قوله، ارتعش داخله شيء، كأن الزمن توقف على باب قلبه وطرق بلطف.
لينطق مذهولًا، وهو يمد يديه إلى وجهها ليضمّه إليه برفق:
"مها؟ اوعي تقولي إنك حامل؟
حامل تاني؟ ده بجد؟ ولا حلم من أحلامي اللي هخاف أصحى منها؟"
أومأت برأسها وهي تبتسم، ثم وضعت يدها فوق يده الملامسة لبطنها، وقالت بشيء من المزاح والحياء معًا.
"أيوه يا سي "جاسر" حامل و قلبي هيدلني إنها بنت كمان، وقلبي هيقولي إنها شبهك.
وهتوبقى هادية ودمها خفيف زيك وأخت لـ"زينة"."
كان صوته يرتجف، وعينيه تلمعان كمن أبصر للتو معجزة. أمسك بوجهها بين كفيه وطبع على جبينها قبلة طويلة كأنه يشكرها عن كل لحظة أمان منحته إياها. ثم قال، وصوته يغلب عليه التأثر.
"والله العظيم إنتي رزق يا "مها".
كل مرة بتفاجئيني بحب جديد ودلوك ببنوتة جاية من السما، بهدوءك، بنورك اللي بيغمر حياتي يا "أم الزين" أم البنوتة اللي لسه ما جتش.
ياه كرم ربنا واسع عليا قوي إنه رزقني اجمل ست في الدنيا.
كفاية ريحتك الحلوة اللي هتسبقك في كل مكان.
قلبك الجميل اللي هيساعي قلوبنا كلاتنا وهيملاها حب واحتواء ومخلية بيتنا جنة وهتراعي بتنا وهتراعي أبوها كيف ما يكون ولدك مش بس جوزك."
ثم احتضن وجنتيها بين كفاي يديه بتملك وحنان وجذبها وقبل جبينها بحب جارف ظهر بيّنا من عينيه.
"إنتِ نعمة ربنا ليا ولحياتي ولعمري ربنا يخليكي لي يا "أم الزين"."
أغمضت عينيها للحظة، ومالت برأسها على كتفه، كأنها وجدت لحظة سكينة مكتملة. وكانت أم كلثوم تغني خلفها من مذياع صغير في ركن الصالة.
"و الهوا اه منه الهوا، سهران الهوا يسقينا الهنا و يقول بالهنا، يا حبيبى، يللا نعيش فى عيون الليل، و نقول للشمس تعالى تعالى ..تعالى تعالى، بعد سنه مش قبل سنه.
دى ليله حب حلوه.. بالف ليله و ليله.
الف ليله و ليله ..الف ليله و ليله، بكل العمر.
وهو العمر ايه غير ليله زى الليله، زى الليله."
الليلة .. زي الليلة.
ثم قالت بصوتها الناعم وهي تتحسس كتفه:
- أني اللي محظوظة عشان ربنا بعت لي راجل زيك، هيحضن وجعي قبل فرحتي، وهيصدق أحلامي حتى قبل ما أحلمها. راجل انتشل قلبي من الضلام وسكني الأمان. أني مش بس أم الزين، لااه، أني كمان أم قلبك، وأم حنيتك، وأم حياتك لو حبيت.
نهض ببطء، كأن الحب أثقله وأحنّاه، وسحب يدها ليجعلها تنهض معه، ثم حملها بين ذراعيه كما فعل ليلة زفافهما، وهمس لها:
- طب هقول لك ايه، يلا بينا نمسي على البنوتة، ونقول لها إن بابا هيحبها من قبل ما تاجي الدنيا وإن ماما أجمل ست في الدنيا.
ضحكت، ودفنت وجهها في عنقه وهي تهمس بخجل:
- بس بالراحة علي علشان اني مش قد أمسياتك يا روحي.
ضحك، وضحك قلبه، وضحك الليل من حولهم. وفي الركن تواصل أم كلثوم غناءها، كأنها تؤرخ لهذا العشق:
"يا حبيبي الليل وسماه ونجومه وقمره
قمره وسهره وإنت وأنايا حبيبي أنا يا حياتي أنا
كلنا في الحب سوا
والهوى آه منه الهوى
سهران الهوى يسقينا الهنا ويقول بالهنا"
غابت الشمس عن المزرعة، تاركة ظلالها طويلة تمتد بين الأشجار والبيوت الصغيرة، بينما كان الهواء يحمل معه رائحة التراب المبلل ونسمات المساء التي تلامس الوجوه برفق. في تلك الساعة التي تسبق العشاء، تعالت أصوات الأطفال الثلاثة "سيف"، و"سليم"، و"سكن"، من ساحة اللعب الخلفية، يتشاجرون بصخب لم تألفه تلك الأرض الهادئة.
كان "عمران" قد أنهى للتو جولة سريعة لتفقد أحوال العمل في المزرعة، وعاد إلى المنزل بثيابه الملطخة بتراب الحقول، يجر تعب النهار معه، ولكنه كعادته، لم يتردد في التوجه إلى مصدر الضجيج حين سمع صراخ "سليم" المتهدج بالبكاء. ثم اقترب بخطوات متسارعة، وقلبه يشتعل قلقًا.
رآهم هناك، واقفين كأطياف صغيرة في ضوء الغروب، وكل منهم يحمل في عينيه مزيجًا من الغضب والدموع. كانت "سكن" تمسك بكتاب ممزق، فيما "سيف" يقف بعيدًا بذراعيه المشبوكتين، و"سليم" يضرب الأرض بكعب قدمه وهو يصرخ في وجه أخته.
تقدم "عمران" بخطى ثابتة، وأشار إليهم أن يهدؤوا، فعم الصمت برهة، لكنها لم تدم طويلًا. قال بنبرة تجمع بين الحزم والتفهم:
- إيه اللي حوصل يا ولاد؟ وليه في كتاب متقطع اكده؟ وليه أخوك بيعيط اكده وهو هيبص لك يا "سكن"؟
رفعت الصغيرة عينيها إليه، وبدت الحيرة في ملامحها، لكنها لم تجب. فتكلم "سيف" قائلًا بتوتر وهو يحكي ببراءة ما فعلته الصغيرة بهم:
- هي اللي قطعت الكتاب بتاع "سليم"، علشان ما عجبهاش الرسم اللي فيه وهتقول له رسمتك عفشة يا "سليم".
اتسعت عينا "عمران" دهشة، ثم التفت نحو "سكن" مجددًا، وقد هدأ صوته قليلًا:
- لاااه معقولة "سكن" البنتة الأمورة تعمل اكده في رسمة خوها؟ ردي يا "سكن" إنتي اللي قطعتي كتاب أخوكي؟ وليه تعملي اكده؟
هنا جاءت "سكون"، مسرعة من المطبخ بعدما سمعت صوته، وهي تمسح يديها بمنشفة المطبخ، ووجهها مشدود بالغضب والتعب عندما سمعته يوبخ وحيدتها على شقيقين.
ثم قالت بصوت متوتر وهي تقترب منهم وسحبت الطفلة بين أحضانها وكأنها خائفة عليها من ملام أبيها، فجعلت طريقتها تلك تنقل الخوف إلى ابنتها مما أزعج "عمران" على حركتها تلك:
- لاااه اني سمعت جزء من اللي حوصل، واللي حوصل غير اكده يا "عمران". "سليم" هو اللي استفز "سكن" وقال لها إنها مش بتعرف ترسم زينا، فغضبت وقطعت له الكتاب بسبب استفزازه ليها. وعادي يعني ياما بيوحصل بين الخوات.
رمقها "عمران" بنظرة طويلة، ثم رد بصوت هادئ، لكنه صارم:
- بغض النظر عن السبب، إحنا مش بنعاقب بعض بقطع حاجات بعض. دي مش تربية إحنا علمناها لهم. لازمن نفهمهم إن في حدود والبنت غلطت وتصرفها بالشكل دي مع أخوها يعتبر تصرف عدواني ولو سكتنا عليه وادنالها أسباب العدوانية حداها هتزيد.
ثم مد يده كي يسحب الطفلة برفق ويفهمها خطأها بحنو. فاحتضنت الطفلة وكأنها تخبئها من بطش أبيها، وقد قرأت مشاعره تجاه ابنته وفسرتها خطأ:
- تعالي يا "سكن" أفهمك الصوح يا بتي.
رفعت "سكون" حاجبيها بدهشة مغلّفة بالغضب، وقالت وهي تضع يديها على ابنتها بتملك وهي تبعدها عن يداي أبيها:
- يعني انت شايف إن الحل دلوك إننا نوبخها قدامهم؟
تقدم خطوة نحوهم، وأشار للأطفال الثلاثة أن يدخلوا البيت، ثم نظر إلى "سكون" مباشرة بعينين لا تخفي فيهما القلق العميق. ثم قال بنبرة حاسمة:
- مش موضوع توبيخ عاد، موضوع إن فيه سلوك غلط لازم يتصلّح، وإحنا اللي لازمن نكون واضحين فيه قدامهم. وبعدين شايفك ماسكة البت بين يدك كاني عفريت هيلبسها ولا غول هياكلها، اني بوها كيف ما انتي امها يعني هخاف عليها وهحبها زيك.
تنفست "سكون" ببطء، تحاول أن تبتلع الغضب الذي بدأ يتجمع في صدرها كعاصفة صغيرة من اتهاماته التي لا تنفض عنها دوما:
ثم هتفت بصوت مخنوق:
- أني قاعدة معاهم طول اليوم، ودي مش أول خلاف بيناتهم بس أني بحاول أعلمهم يعبروا عن نفسهم من غير ما يحسوا إن كل حاجة لازم تتاخد بجدية.
رد بسرعة وقد بدأ صوته يفقد هدوءه شيئًا فشيئًا:
- يعني اللي حوصل من وجهة نظرك مش محتاج تدخل مني لما اتحكى لي وسمعته؟ يا "سكون"، دي بتنا قطعت كتاب أخوها، إزاي نعدّي دي وكانه عادي ومنعرفهاش غلطها؟
اقتربت منه بخطوة، ثم قالت وقد علت نبرتها قليلًا، فعند أبنائها تفقد أعصابها والصح والخطأ عندها سواسية:
- ما هو إنت شايف كل حاجة لازم نوقف عندها ونحلها بطريقتك، حتى لو كانت بسيطة! وأني اللي عايشة معاهم وأعرف طبيعتهم أكتر منك فبالتالي شايفة إن اللي حوصل عادي جدا الأولاد ياما بيعملوا في بعضهم دي قاضي ذات نفسه العيال اشتكى حاله.
سكت "عمران" للحظة، ثم أشار نحو البيت قائلًا:
- طب أني كنت هقعد وياهم كل واحد على حدة وأسمع منهم، وأشوف إزاي أقدر أوصل لهم إن الغلط له عواقب وانتي اكده بطريقة التملك للعيال مش مدياني فرصة اني اشاركك معاهم وهتوقفي لي زي اللقمة في الزور يا "سكون".
أجابته بما تراه صحيحًا من وجهة نظرها:
- وهترجعهم يحسوا إنهم في محكمة مش بيتهم؟ أني مش ضد التوجيه، بس مش بالشكل دي يا "عمران" نظرتك للبنت رعبتني اني شخصيًا.
قال بحدّة مفاجئة لبرهنتها للموقف بأسباب واهية:
- أني مش محامي اهنه أني أبوهم، ولو كل مرة هنعدّي الغلط علشان ما نزعلش حد، يبقى بنربّيهم على الهروب مش على المسؤولية.
رمقته بنظرة طويلة، تائهة بين التعب والحزن والحيرة، ثم قالت بهدوء شديد، لكنه موجع:
- طب إيه رأيك إنت ترتاح وتريح راسك من وجع العيال دي ومليكش صالح بمشاكل الأولاد تاني، سيبها علي، أني اللي قاعدة معاهم ٢٤ ساعة وأني اللي هحلّها بطريقتي.
وقف "عمران" للحظات دون أن ينبس ببنت شفة، ثم رمقها بنظرة مطوّلة، نظرة اختلط فيها الألم بالذهول. كانت كلمتها الأخيرة كالسهم الذي أصاب قلبه، لا لأنها أهانته، بل لأنها فصلته عن أقرب من يحب وهي تقرر أن تنحيه من دوره كأب. ثم توجه ناحية الباب وأغلقه جيدا، وقد فاض الكيل به من كلامها وأفعالها وتصرفاتها معه وهو يهدر بها:
- طريقتك كيف دي؟ اني بقى اللي خلاص زهقت من عيشتنا دي زهقت مني تصرفاتك وياي وتطنيشك ليا ولمشاعري، من إنك عايزه تخليني أتنحى عن مسؤوليتي كأب وبتطلبي مني بكل بجاحة ما دخلش نفسي في حوارات الأولاد شكل ما اكون جوز امهم مش ابوهم.
انفجرت الكلمات من بين شفتي "عمران" كبركان راكد أيقظه الغضب دفعة واحدة. كانت ملامحه حادة والخذلان يسكن عينيه وصوته يشق صمت المكان بنبرة ممتلئة بالعجز والوجع. كان قلبه يصرخ قبل لسانه متسائلًا عن مكانه في هذه الحياة التي بات فيها غريبًا في بيته وغريبًا في حضن زوجته التي طالما أحبها حد الانكسار:
- فوقي يا "سكون" طريقتك دي هتخسرك كتير قوي وياي. بقى لي خمس سنين صابر عليكِ وعلى تجاهلك ليا وهقول انت ام لتلت عيال ومسحولة وياهم وهلتمس لك بدل العذر مليون لدرجة اني نسيت إنى راجل متجوز ومعاي ست. ما تراهنيش على صبري اكتر من اكده. يعني يا نعيش عيشة طبيعية زينا زي اي اتنين متجوزين وعندهم أولاد دي هيبقى ليا تصرف تاني معاكي.
لم تستطع "سكون" أن ترد سريعًا فقد كانت كلماته كالسياط تنهال على روحها التي استنزفتها المسؤوليات وإن حاولت أن تتماسك لم تستطع أن تخفي ما اعتراها من الذهول كأنها تسمع لائحة اتهام لا تعرف متى ارتكبت ما فيها، لكنها تعلم في أعماقها أن كل حرف من تلك الكلمات له أصل ووجع دفين:
- بقى اكده هتعلي صوتك علي يا "عمران" وتقول لي الكلام الجارح دي!
للدرجة دي هانت عليك "سكون"؟
طول عمرك وياي شهم وراجل وهتتحمل الصعاب واني عارفة إن حياتنا بشكلها العام دي مش طبيعية لكن الأولاد يكبروا شوية وهتلاقيني وياك ومعاك كيف ما كنت.
واديك شفت ليلة واحدة بتها في حضنك بنتي دراعها كان هينكسر وكانت ممكن لا قدر الله تموت فيها وكان وقتها أنا ممكن يجرى لي حاجة.
كان "عمران" يقف أمامها بعينين ملتهبتين لا يطفئ نارهما إلا رحمة منها أو احتضان يعيد إليه شيئًا من رجولته التي أنكرها غيابها المتكرر. كان ينظر إليها وكأنه يتوسل إليها أن تراه، أن تتذكر أنه لا يزال هناك وأن قلبه لا يزال ينبض بحبها الذي لم يفتر يومًا رغم كل الغياب.
ـ وانت مفكرة حالك إنك لما تنامي جارهم هتمنعي عنهم قدرهم؟
فاهمة انت غلط يا دكتورة يا اللي انت نسيتي إنك دكتورة واصل، يا اللي نسيتي كلام ربنا في كتابه العزيز:
"أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة".
ما تفكريش إن نومك جارهم هيحميهم من قدر ربنا مهما عملتي.
أرادت "سكون" أن تحتج، أن تدافع عن نفسها، أن تقول إنها لم تكن تقصده وإن ما يشغله لم يغادر قلبها يومًا. لكنها وجدت نفسها أمام رجل أنهكه الانتظار وامتص منه الصبر ما يكفي ليكسر الجبال. لم تكن تجهل أنه يحبها، لكنها نسيت أنه يحتاجها كما يحتاجها الأطفال الذين تحتضنهم كل ليلة.
ـ انت عارف كيف أني متعلقة بيهم ومتعلقة بوجودهم في حضني كل ليلة والتانية؟ اديني فرصة يا "عمران" ووقت أشبع منيهم، أني اتحرمت من ريحتهم سنين وسنين وكنت هتمنى ضفر عيل منهم. واني عارفة إنك هتحبني وقلبك كبير وهتتحمل "سكونك" يا "عمراني" وهتصبر علي.
تابع "عمران" كلماته وهو يقترب أكثر بعينين تلتمع فيهما الحسرات وقد تكسرت داخله كل محاولات التماسك. كان يتكلم كمن يلفظ ما في صدره من احتقان سنين طويلة صبر فيها على الوحدة والخذلان، وهو لا يطلب إلا حياة كريمة فيها زوجة ترعاه كما يرعاها، لا حياة يكون فيها مجرد ظل لرجل.
ـ "عمرانك"! أيوة! طب شوفي بقى "عمران" صبر عليكي صبر يهد جبال.
بقى عايزاني أصبر أكتر من كده؟
قربت على الخمس سنين هسرقك فيهم لحضني كل وقت والتاني، وانتي هتحسسيني بأنك هتمنّي علي بالوقت اللي هتديهولي في حضنك؟
كانت "سكون" تصغي إليه بقلب ممزق وروح ترتجف من التأنيب. كان وجعه يعري تقصيرها ويضعها أمام نفسها دون مهرب. فهي التي كانت ترى كل شيء إلا حزن "عمران". كانت تفكر في الأولاد، في آلامهم، في مستقبلهم، لكنها أغفلت أن أباهم يتألم أيضًا وأنه يقف وحيدًا في معركته مع الوحدة. وما إن أكمل "عمران" حديثه حتى ساد الصمت بينهما، لكنها لم تكن لحظة راحة، بل كانت لحظة مواجهة بين قلبين. أحدهما أرهقه الاشتياق حتى ذاب في صمته، والآخر يحاول أن يجد مخرجًا من دوامة الأمومة التي التهمت فيه كل شيء حتى ملامح الأنوثة وحتى ذكرى العشق الذي كان.
ـ غصب عني يا "عمران". والله العظيم غصب عني. إحساس الأمومة هيسيطر علي، هينسيني كل حاجة في الدنيا وحتى اسمي وشكلي ونفسي. إحساس مقدرش أسـيطر عليه ومش بيدي والله ما بيدي.
حينها رفع "عمران" صوته. كان الأمر أكبر من مجرد غضب، فقد كان كمن ينهار من الداخل. كان كل حرف ينطق به أشبه بنداء استغاثة لرجل يموت عطشًا في صحراء اسمها "سكون". يناديها بكل حب دفين، يناديها لأن قلبه لم يعد يحتمل الصمت وكيانه يتمزق من شوق قيدته الأيام والليالي الباردة.
أما "سكون"، اهتز قلبها وهو يخاطبها بتلك النبرة التي لم تعهدها منه، نبرة امتلأت بكل سنوات الحرمان والخوف والحاجة. كانت ترتجف من الداخل وهي تسمعه يستعرض لها أعوامًا طويلة من الغياب رغم وجودها تحت سقف واحد، غياب شعرت لأول مرة أنه كان مؤلمًا بهذا القدر.
ـ هتبكي كل لما هكلمك يا "سكون" وكالعادة المفروض إني أتنازل عن حقي معاكي لما أشوف بكاكي. والمفروض إني أفضل أتنازل وأتنازل لحد ما يبقى اللي بينا سراب علشان التعلق المرضي اللي جواكي بحاجة وهم.
انت نسيتي شغلك ونسيتي حياتك ونجاحك اللي هو برضه من حق ولادك. نسيتي إنك دكتورة وعمالة تأجلي وتاخدي إجازات ودفنتي راسك زي النعام في هم واحد. نسيتي إن نجاحك برضه من حق ولادك اللي لازم يتعلموا ويشوفوا حاجات مختلفة معاكي. إنتي للأسف إنسانة تانية معرفهاش، مش "سكون" اللي حبيتها واتجوزتها.
نطقت هي بصوت مختنق من الضعف:
ـ أني زي ما أني يا عمران والله ما اتغيرت. بس كل اللي هعمله مع ولادي من حقهم علي كأم. ارجوك اتحملني.
حين نطقت "سكون" باسم "عمران"، اختنق الحرف في حلقها. كانت كأنها تستجدي الرحمة من حكم لم يصدر بعد، وهي تدرك في أعماقها أنها تأخرت كثيرًا عن تلبية نداء رجل انتظرها بشوق العاشق وألم الغريب في وطنه. كانت تبكي وهي تحاول أن تبرر، ولكن قلبه المثقل لم يعد يحتمل المزيد من الأعذار.
ثم جاءت كلماته الأخيرة كالسيف المسنون تقطع ما تبقى من خيوط الأمل التي كانت تتشبث بها عيناها. لم تصدق أذنيها حين سمعته يلفظ ذلك الحكم المؤلم الذي سحب منها ما كانت تحسبه حقًا لا يُنتزع. كان كمن يعلن نهاية مرحلة من الصبر وبداية مرحلة أخرى من المواجهة.
ـ طب نهاية الحديت والاسطوانة المشروخة دي. اسمعي يا بت الناس، انتي مرتي وحبيبتي وبينا عشق مالوش حدود. وبتصرفاتك دي عاد بتقـتـليه وبتقـتـلينا معاه وهتموتي كل حاجة حلوة جوانا. وهتمحي بضعفك كل ذكرياتنا الحلوة وسنين التعب والشقى اللي كانوا مليانين عشق ومحاوطة مني ليكي.
إني في الأول والآخر راجل ليها حقوق ربنا شرع بيها وده لجل ما أعفي نفسي يا بت الناس.
وإني لحد دلوقتي عمال أسايس ومش راضي أزعلك واصل. بس لحد كده وبقولك كفاية.
ونومتك هتبقى جاري لأن دي حقي عليكي.
معاكي طول اليوم لولادك، أما الليل فدي حقي إني، واللي مش هسمح بيه إني أفضل في أوضة وانتي في أوضة تانية.
كل الناس حداها عيال مشفناش حد بيعمل كيف ما بتعملي كده. ودي آخر حديت عندي يا "سكون".
وقفت "سكون" في مكانها وكأن الأرض اهتزت تحت قدميها. كانت ملامحها عاجزة عن إدراك المصير الذي رسمه "عمران" بنبرة صارمة، لكنها منكسرة في العمق. كانت تشعر بأن هواء المكان قد ثقـُل وبأن قلبها عاجز عن النبض للحظة وهي تستوعب أن من أحبته بصدق قرر أن يقول كفى.
وهي تنظر إليه بعينين يغمرهما الذهول والانكسار، لم تستطع أن تتحرك أو تتنفس. كانت صدمتها بحكمه الأخير كصفعة قاسية أفاقتها من وهم أن الحب وحده يكفي. كانت ترتجف ليس خوفًا منه، بل خوفًا من فقدانه وخوفًا من أن يكون الفاصل قد وقع بالفعل دون رجعة.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثالث والسبعون 73 - بقلم فاطيما يوسف
تابعت بذهول وهي لم تصدق أن ذاك الواقف أمامها هو "عمران" الذي عشقته سنوات وسنوات دون أن يعرف، وعانت في عشقه كثيراً.
ـ بقى رايد تتجوّز على "سكون" يا "عمران"؟
هو دي حالك اللي هتشوفه عليّ؟
أني مصدومة من كلامك والله ومصدقاش اللي سمعته وداني عاد.
أجابها "عمران" بحدة خفيفة كي يجعلها تفيق من دوامة الوهم التي تعيش بها، وعقلها وقلبها وجل جسدها الذين ورطتهم بل وسحلتهم في مفهوم بئر خاطئ من الأمومة وألقته هو في بئر الحرمان منها دون أن تكترث لمشاعره، ولا أن يلومها ضميرها على إهمالها له وهو يتقطع داخله لأجل حزنها، ولأجل نبرته الهادرة بها وهو دوماً كان معها هيناً، ليناً، طيب القلب، عاشق لرائحتها وأنفاسها، بل وما زال عاشقا.
ـ مصدومة من إني بطلب منك حقي فيكي اللي ربنا أمرك بيه؟
ولا مصدومة في إن طيرك العاشق المربوط والموصوم بعشقك وصلتيه بإهمالك إنه بقى تايه وحيد الدفء، غادر فرشته وبعادك عنه ليالي وشهور خلي أيامه كيف الحنضل المر. بتعتبي عليّ ولا خايفة إن طيرك المربوط بعشقك هيفلت زمامه من يدك؟
أني لو عايز أغدر ولا أخون مستناش دي كله يا "سكون"، مقعدش كل ليلة والتانية أحضن مخدتي كيف البت البايرة ومرتي اللي هعشقها وهيفصل بيني وبينها يدوب جدار مطيلهاش.
وتابع بحدة مصاحبة لبعض العنف، وقد زهق الصبر من صبره وهو يمسك بكتفها يهزها بغضب:
ـ ارجعي بقى عن اللي في دماغك، ارجعي لي "سكون" مرتي اللي مكانتش تتحمّل بعاد "عمرانها" ولو ليلة واحدة. ويكون في معلومك المرة دي بالذات إني مش هتنازل عن اللي في دماغي يا "سكون"، ودلوك تتفضلي تظبطي حالك لجوزك ومفيش بيات في أوضة العيال تاني. ولو اعترضتي يبقى باكده بتبني أول نعش في طريق سد بيناتنا. وأظن إني عداني العيب وياكي وصبرت كتير وما فيش راجل هيتحمل إلا إني اتحمّلته السنين دي كلها يا بت الناس.
أنهى كلامه وتركها وخطى خطوتان لخارج الغرفة، فلحقته وتمسكت به وهي تسأله:
ـ طب انت رايح فين دلوك يا "عمران"؟ لسه ما خلصناش كلامنا. انت قلت اللي عايز تقوله وما اديتنيش فرصة ادافع عن نفسي ولا أقول إني كمان عايزة إيه؟
أبعد يداها برفق عنه وهو ينظر بعينيه تجاه غرفة أولاده، معلماً إياها بحزم:
ـ رايح لبتي أشوف إزاي قدرت تعمل السلوك العدواني دي مع خواتها وأعلمها الصح، وأعلمها كيف تبقى زينة علشان دي واجبي ناحيتهم واللي انتِ عايزة تنحيني عنيه.
واسترسل حديثه باعتراض صارم وهو يحذرها بشدة:
ـ وإياكي يا "سكون" تفكري إنك تخليني صورة في باترينا قدام ولادي وإني ما ليش رأي معاهم، وإنك الكل في الكل وإنك المسؤولة عنهم في كل شيء وتنحي دوري كأب، وتخليهم يدوب شايلين اسمي وإني مجرد اسم بس. هما ولادي وليهم حق عليا كيف ما هم ولادك برده وليهم حق عليكي، مش إني الراجل اللي هيقف يبص على ولاده من بعيد ولا يشوف أخطائهم ويقف متكتف علشان خاطر عامل حساب ليكي ولزعلك. وما تفكريش نفسك هتحبيهم أكتر مني. لااه يا "سكون"، حبي لولادي من حبي ليكي ورعايتي ليهم المفروض إنها تبسطك مش تخليكي خايفة من رد فعلي عليهم ساعة الغلط. راجعي نفسك يا بت الناس، لأن الكيل طفح ومش هتحمّل أكتر من كده واصل.
كان الليل يفرش أجنحته على أرجاء المنزل بهدوء مهيب، بينما هدوء يملأ الأجواء بعد نهار طويل مليء بالحركة والصخب. وقف "عمران" أمام باب غرفة أطفاله وقد تملكه شعور مزدوج بين الحزم والحنان. دفع الباب برفق ودخل إلى الغرفة حيث كانت "سكن" تجلس على طرف السرير وتمسك بيدها قلماً وكراسة وتحاول أن ترسم كي تكون بارعة في الرسم مثل أخيها، بينما كان "سليم" و"سيف" جالسين في ركن الغرفة يلهون ويلعبون مع بعضهم بلعبة "البازل".
اقترب "عمران" بخطوات بطيئة مدروسة ثم جلس على الأرض أمام ابنته ورفع وجهه لينظر إليها بعينين تغمرهما الأبوة والرفق، بينما خيم السكون على الغرفة كلها.
مد يده ومسح على يد "سكن" الصغيرة وهو يقول بصوت منخفض يفيض حناناً:
ـ قولي لي هتعملي إيه يا "سكن"؟ هترسمي؟ وريني اكده رسمتك.
خبأت الطفلة رسمتها المشوهة من وجهة نظرها عن أبيها وهي تقول بحزن:
ـ لاااه يا بابا، رسمتي وحشة. "سليم" و"سيف" هيقولوا عليها عفشة. ماني بحاول أتعلم أرسم حلو زيهم وماما هتساعدني كتير لحد أما أرسم رسمة زينة أوريها لك.
أخذ منها الدفتر وهو ينظر إلى رسمتها وقد زينت الابتسامة ثغره وهو يبدي إعجابه برسمتها:
ـ إيه الحلاوة دي يا بتي؟ هتخزي العين ولا إيه؟ ما انتِ هترسمي زين اهو. وما تاخديش على كلام خواتك، هم هيمسكوا على عندك. وعلشان كده ما كانش ينفع تقطعي كتاب "سليم". انتِ غلطتي يا حبيبة بابا.
انتي عملتي اكده ليه يا حبيبتي؟ قولي لي إيه اللي خلاكي تعملي اكده في كتاب خوكي؟
في عيني "عمران" كان يلمع قلق لم يحاول أن يخفيه، إذ شعر أن الغضب ليس سبيل الإصلاح في هذا الموقف، بل إن الحوار والرفق هما ما تحتاجه ابنته الآن. لقد كان يعلم أن مشاعر الغضب عند الأطفال تأتي من شعور بالعجز أو الحاجة للانتباه، وقد أدرك من نظرة عينيها المرتبكتين أنها نفسها لم تفهم ما دفعها لفعل ذلك.
رمشت "سكن" عدة مرات ثم هزت رأسها بخفة وقالت والدموع تتساقط على خديها ببراءة الأطفال:
ـ والله ما كنت أقصد يا بابا. والله ما كنت أعرف إن دي هيوحصل. الكتاب كان في يدي و"سليم" كان هيزعق لي جامد وقال لي ما تلعبيش معانا واني ما هعرفش أرسم ورسمتي عفشة قوي. واني ما قدرتش أتحمل وكنت متضايقة جوي.
استمع "عمران" إلى كلماتها بانتباه بالغ وهو يشعر بوجع في قلبه من اعترافها البريء وبكائها الحار. لقد أدرك أن الطفلة الصغيرة كانت تتصرف من انفعال مفاجئ ولم تدرك عواقب ما فعلت، وقد ازدادت مشاعر الحنو في قلبه نحوها أكثر فأكثر.
ـ بصي يا "سكن"، أنا فاهم إنك زعلانة وفاهم إنك كنتي متضايقة، بس برضو لازم تعرفي إنك لما تتضايقي ما ينفعش تعملي حاجة تزعل خوكي أو تأذيه. ولازم لما حد يزعلك تاجي على طول تقولي لي واني اللي هتكلم معاه وهجيب لك حقك من غير ما تزعلوا بعض.
كانت ملامح "عمران" وهو يتحدث تتلون بصدق مطلق. في صوته اهتزاز خفيف يعكس الألم العميق الذي يشعر به حين يرى أبناءه يجرحون بعضهم البعض عن غير قصد. كان يعلم أن مشاعر الطفولة رقيقة وسريعة الانكسار وأن أي جرح قد يترك أثراً طويل الأمد إذا لم يتم علاجه بالكلمة الطيبة والعناق الدافئ.
ـ انتي عارفة إنك مش بس أختهم، انتي بالنسبة لهم زي أمهم بالضبط يا "سكن". والأم لازم تكون قلبها وبالها طويل. وانتي اللي لازم تكوني قدوتهم في كل حاجة. طيب ينفع بنته قمر زيك تعمل اكده؟ بتي الحلوة اللي أني هعشقها تعمل اكده؟ لا طبعاً، انتي أحن من اكده بكتير وأطيب من اكده كماني.
رفعت "سكن" رأسها ونظرت إليه بعينين مغرورقتين، وقد بدا عليها أنها تسمع صوته لا بأذنيها فقط بل بقلبها كله. كان وقع كلماته عليها كالماء البارد على نار داخلها كانت توشك أن تحرق كل شيء. إحساس طفولي بعقل صغير جعلها تشعر أنها سيئة للغاية.
ـ أني آسفة يا بابا. أني فعلاً آسفة. ما كنتش أقصد أزعله. أني كنت عايزة ألعب معاهم وخلاص وهم كانوا هيمسكوا على عندي.
نظر "عمران" إلى ابنه "سليم" الذي كان لا يزال جالساً دون حراك، ثم أشار له أن يقترب. اقترب "سليم" بخطوات مترددة وعيناه متعلقتان بأبيه.
ـ تعالى اهنه يا "سليم" تعالى جنبي شوي. شوف يا حبيبي أختك غلطت لما قطعت الكتاب بس هي قالت إنها ما كانتش تقصد وكانت متضايقة. وانت كمان غلطت لما مسكت عليها وضغطت عليها بالكلام. المفروض إننا كلنا نحافظ على بعض وما نوجعشي بعض بالكلام ولا بالفعل.
التفت "عمران" إلى ابنته وقال بلطف وحنان:
ـ يا "سكن" هتجولي لأخوكي إيه؟ جولي له إنك آسفة وانك مش هتعملي اكده تاني وانك بتحبيه.
نظرت "سكن" إلى "سليم" ودموعها لم تتوقف، ثم قالت بصوت منخفض:
ـ أني آسفة يا "سليم" بجد مش هعمل اكده تاني. سامحني علشان أني هحبك وكنت عايزاك تقول على رسمتي حلوه بس المرة الجايه مش تقول ل"سكن" رسمتك عفشة.
ثم التفت "عمران" إلى "سليم" وقال له:
ـ وأنت كمان يا "سليم" لازم تعتذر لها علشان الكلمة اللي قلتها لها وجعت قلبها. إحنا ما ينفعش نكسر قلب بعض علشان ننتصر في لحظة. قول لخيتك إنك آسف وانك هتحبها.
أخفض "سليم" رأسه قليلاً ثم قال بصوت خافت:
ـ أني آسف يا "سكن" أني ما كنتش أقصد أزعلك. أني كمان هحبك.
في تلك اللحظة شعر "عمران" أن قلبه قد امتلأ دفئاً غامراً وتسربت ابتسامة خفيفة إلى شفتيه دون أن يدري. مد ذراعيه واحتضن "سكن" و"سليم" ثم نادى على "سيف" الذي كان يراقب الموقف بعينين فضوليتين، فركض إليه وقفز في حضنه دون تردد.
ضم "عمران" أولاده الثلاثة إلى صدره بشدة كأنما يريد أن يحتفظ بهم داخل قلبه وألا يفرط في لحظة دفء واحدة معهم. أحاطهم بذراعيه ونظر إليهم بعينين تلمعان بالحب والحنان وقال بصوت منخفض لكنه مملوء باليقين:
ـ اسمعوني كويس يا حبايبي، انتو إخوات يعني لازم جلبكم يبجى على جلب بعض وتبجوا يد واحدة وما حدش يغدر بالتاني وما حدش يزعل التاني وما حدش يعاند مع خوه. أي حاجة تحصل بينكم تيجوا تحكوها لبابا على طول وبابا هو اللي هيحلها.
شعر الأطفال جميعاً بدفء الأمان في صدر أبيهم وارتسمت على وجوههم الصغيرة ملامح الاطمئنان والسكينة، وكأنهم أدركوا أن لهم سنداً لا يتخلى أبداً عنهم مهما حدث.
وفي الطرف الآخر من الغرفة كانت "سكون" تقف بصمت تراقب المشهد ويداها تتشابكان أمام صدرها وعيناها مغرورقتان بالدموع. كانت تشعر بغصة في حلقها ووجع يعتصر صدرها كلما نظرت إلى "عمران" وهو يضم أولاده إليه بحنان لم تبذل هي جهداً في دعمه كما ينبغي.
كانت تلوم نفسها في صمت وتعترف أمام قلبها بأنها قصرت في حقه كثيراً ولم تقدر جهده كما يجب. كانت تعرف أن قلبه عامر بالحب وأن صبره لم يكن يوماً ضعفاً بل قوة لا تضاهى. وفي تلك اللحظة فقط تمنت من قلبها لو استطاعت أن تعيد الزمن لتكون أقرب إليه كما كان دائماً أقرب إلى أبنائهم منها.
ولم تخرج من تلك الليلة إلا بصمت طويل ورسالة واحدة تنبض في قلب "سكون" قبل عقلها أن "عمران" لم يكن أباً فقط بل وطناً حقيقياً لثلاثة قلوب صغيرة وسنداً لامرأة ما عادت تعرف كيف تفيه حقه في زمن مرهق بالخذلان.
كانت تقف أمام المرآة تنهي لمساتها التجميلية لوجهها ومن ثم شعرها وهي تنظر إلى هيئتها بإعجاب شديد ويدها تتحسس ذاك القميص الناعم باللون الأسود والذي أعطاها هيئة أنثوية مغرية للغاية والإبتسامة العابثة تزين ثغرها وأخذت تدور حول حالها بخيلاء وداخلها واثق الخطى أنها ستبهره بشدة.
ثم أمسكت بزجاجة المعطر وبدأت برش عطرها في جميع الغرفة كي تعبئ المكان بتلك العطور النفاذة وبعد أن انتهت استنشقت عبقه وهي تغمض عينيها وكان ذاك المشهد أعطاها سحراً خاصاً لايليق إلا بتلك القوية.
في تلك اللحظة دلف زوجها إلى الغرفة وجدها تجلس على الشزلونج وقدماها ممدة بأنوثة وتغمض عينيها تستنشق عبق العطور الذي يملأ الغرفة. ساقته قدماه إليها كالمسحور من جمالها وجمال المكان ناهيك عن رائحتها التي نادته من أسفل وهيئتها الساحرة التي خطفته وهي تقف مغمضة العينين وتلك الموسيقى الرومانسية الهادئة تعطي نغماتها لحناً خاص وساحر. كم كان ذاك المشهد بالنسبة له كالحلم الذي حلم به كثيراً.
حلم بأن يعود من عمله يجد زوجته تنتظره بتلك الهيئة دون أن يجبرها على أن تكون في أحضانه وأنه يشتاقها كل مرة. وهو يحدث حاله أمامها وكل ذلك حدث في بضع ثواني. كل تلك المشاعر والأحاسيس والنبضات التي كادت أن تخترق صدره وتهرب من بين ضلوعه وتستقر بين يديها.
ـ فقال العقل: اهدأ يا رجل وتمسك بحالك قليلاً أمام تلك العابثة الماكرة. اهدأ ولا تستكين لمحاولات جذبها إليك بذاك الدهاء الكبير.
ليرد القلب الملهوف الآن: أحقا!
لن تستطيع يا رجل أن تصمد أمام كتلة الأنوثة تلك، تقدم وانهل من رحيق شهدها المسكر حتى تغيب معها وتنسى نفسك والظروف والزمان والمكان وكل الأشياء.
هنا عاد العقل يذكره بما فعلته وهو ينهره: "تراجع يا رجل، تراجع عن أفعال تلك الماكرة فهي ماكرة تقصد أن تنسيك العقاب، أين الكبرياء؟ فلا تدعها تنسيك وكل ما فعلته معك يضيع هباء".
نطق القلب مكانه وهو ينهر ذاك العقل: "اصمت أنت أيها العقل، ألم ترى هيئتها الساحرة؟ ألم تشم عبقها الآخاذ؟ ألم تقف أمام فاتنة بإطلالة ثائرة؟ أنت الآن سوف ستجعلني أخسر جولة ممتعة أمام تلك الصغيرة الفاتنة، فليذهب العقاب والعقل والقلب إلى الجحيم وسأخطو بقدمي إليها بعد أن أشعلت حرائق الاحتياج لها داخلي، تقدم يا رجل واسحبها إليك واسحقها بين أحضانك وتمتع وتهنئ باقترابها".
وعلى الفور هبط بنصف جسده أمامه وهمس بصوت أجش داخل أذنها حتى اقشعر جسدها من صوته الرجولي في أذنها.
حينما استقر الضوء في قلب الغرفة وارتسمت على ملامحها سكينة خفيفة مع لمحة دلال، لا تخفى على عين "ماهر" المترصدة لكل نبض. منها اقترب منها وهو يحمل في عينيه رجفة الاشتياق وغضبة المحب التي لا تلبث أن تنقلب إلى شغف متوهج، كان حضوره في الغرفة كأنفاس عاصفة صيفية ناعمة تحاصر الهدوء وتحرك كل ساكن فيها. اقترب بكبريائه الذي لا يلين ووقف أمامها بذراعين مفتوحتين وكأنه يختصر المسافات بينها وبين اعتراف قلبه.
ـ على فكرة تدوبي وتجنني وكل حاجة حلوة ومختلفة ومميزة فيكي النهاردة يا رحمتي.
فتحت عينيها على اتساعهما وكأن قلبها سمع صوته قبل أذنيها، وبمجرد أن لمحت طيفه أمامها شعرت بأنفاسها تخرج متلاحقة كأنها تحاول اللحاق بهيبة حضوره. وقبل أن تنتفض لتقوم من مكانها إذا به يسبقها بحركته الحاسمة محاصرًا إياها بين ذراعيه والشزلونج وكأن لا مفر من سطوته ولا نجاة من سحر عينيه.
ـ رايحة فين يابت "سلطان" هو دخول الحمام كيف خروجه ولا إيه عاد؟ وبعدين إيه الجو الجامد دي يا رحمتي دي الغيبة بتاعتي مقصرة فيكي جوي وهتموتي من الاشتياق يا صغنن؟
لم تضعف "رحمة" رغم الحصار ولم تهرب رغم القرب، بل رفعت حاجبيها بدلال أنثوي لا يجيده سواها، وعيناها تتحدثان قبل شفتيها وكأنها تخبره أن التحدي بدأ الآن وأن اللعبة لم تنته بعد، وجهها تلفه ابتسامة خبيرة تخبئ وراؤها موجة أنوثة تندفع نحوه بثبات.
ـ مين دي اللي هتموت من الاشتياق مين يا حبيبي؟ جول إن انت اللي مش قادر تمسك حالك قدامي وانك أول لما دخلت الأوضة وشفتني هتموت على إنك تاخدني في حضنك وانك مش جادر تتنفس قدامي أصلا.
ضحك "ماهر" ضحكته الرجولية التي تحمل في نبرتها ثقة المنتصر وهو يرمقها من أعلى وكأنه يعرف أن هذه اللحظة تخصه وأنها لن تفلت منه مهما حاولت الدفاع أو المناورة. عيناه تخترقان ملامحها ويداه تتشبثان بإطار اللحظة ليؤكد أنه لا مجال للهروب بعد الآن.
ـ أني بردوا اللي هموت عليكي آمال الروايح اللي معبية الأوضة داي إيه؟ والشموع والموسيقى والقمصان الجامدة والحركات اللي انتي عاملاها دي تدل على إيه؟ غير إنك انتي اللي هتعرضي نفسك علي وهتموتي على إنك تنامي في حضني النهاردة وانت كل يوم والتاني هتحضنيني بعد ما أنام ومفكرة إن مش هحس بيكي. لعلمك بجى إني عارف إنك ميتة من الاشتياق وجبتي أخرك يا رحمتي اعترفي بجي إنك رجعتي وانت مسلمة الراية البيضا وكلك جوع لأحضان "ماهر".
تقهقرت "رحمة" بخطوة لكنها لم تبتعد، ظلت واقفة أمامه كالملكة التي لا تسمح بالهزيمة، حتى وإن أرادت أن تهدأ عنادها جعلها تصعد في اللعبة وعزتها جعلتها تتمايل بالكلمات، لكنها في قرارة نفسها كانت تشتاق أكثر منه لتقول قبل أن تنتوي الخروج بعد أن أحست بالحرج من تلميحاته.
ـ فشر مين دي اللي بتعرض عليك؟ دي إني "رحمة سلطان المهدي" يعني انت اللي تشوفني تموت علي وتتمنى رضاي وحضني. جول بجى إنك أول ما دخلت الأوضة وشفتني ما قدرتش تمسك أعصابك وبجيت تطلع نار من كل حتة حتى حرارة جسمك وصلت لي واحنا في أيام الجو معتدل فيها. وإذا كان على اللبس والحركات اللي هتتحدت عنيها دي إني ست وفي أوضة نومي الخاصة وحبيت أدلع نفسي وأروق على حالي بعيد عن الحوارات اللي في دماغك دي خالص اللي انت اصلا هتموت عليها. وأما صدجت شفتني اكده وهتموت على نفسك.
لم يتحمل "ماهر" تلك النبرة المتعالية التي تخرج منها وكأنها تملك الحق كله في قلب المعركة. أراد أن يعيد التوازن ويؤكد أن السيطرة ما زالت بيده، فتقدم منها خطوة أخرى اقترب حتى أصبح يفصل بينهما أنفاسهما الملتهبة وأمسك بيدها بحزم العاشق الواثق.
ـ تعالي اهنه رايحة فين هو انت هتشعللي النار جواي وتهربي اكده عاد؟ اعقلي يا بت سلطان ومفيش خروج من اهنه واصل إلا لما تطفي الحريق اللي أشعلتيه. أه منكم أنتم يا جنس حوا شاطرين في اللفلفة والدوران والمكر. ما تقصري الطريق واعترفي إنك عايزاني وإنك مقدراش تعيشي من غيري يوم واحد وإنك عملتي الليلة داي علشان تصالحيني واني ياستي بكل نفس راضية سامحتك.
أشاحت بوجهها قليلاً لكنها لم تستطع الفرار من قبضته أو من صوته الذي يتغلغل في عروقها كالموسيقى المتسللة بين جدران القلب. وقفت بثبات الأنثى العنيدة ورفعت ذقنها في كبرياء ظن أنه قد ولى، لكنها أثبتت أن الحب حين يسكن القلوب لا يلغي قوة الشخصية.
ـ هأو مش "رحمة سلطان المهدي" بردوا اللي تاجي راكعة وتطلب الوداد. اعترف انت إنك مش قادر تمسك حالك قدامي وإنك أول لما دخلت الأوضة وشفتني هتموت على وإنك دلوك خلاص جبت أخرك يا متر واني جامدة موت وعرفت أخليك تقف قدامي وعيونك هتاكلني وكمان تصالحني على السبوعين اللي قعدتهم بعيد عني ومخاصمني. اعترف واني اخليلك الليلة دي زي شهريار بالظبط وهعيشك ليلة ولا ألف ليلة وليلة من بتوع شهرزاد.
لم يتمالك "ماهر" نفسه أمام هذا الإغراء الملفوف في تحدي وكبرياء. ضحك بحرارة وهو يهز رأسه بإعجاب واستسلام وكأن كل الكلمات قد ذابت في وهج عينيها وشوقه الذي لم ينطفئ منذ أول يوم افترقا فيه.
ـ طب أعترف أنا "ماهر البنان" وأنا بكامل قوايا العقلية إن "رحمة سلطان المهدي" خلتني دايب ومشتاق ومش قادر على بعدها ولا قادر مشدهاش لحضني ولا قادر أستنى أكتر من اكده قدام سحرك وجمالك يا صغنن.
أطلقت "رحمة" تنهيدة دافئة خرجت من أعماق قلبها المنهك من الخصام وتقدمت نحوه كمن وجد ضالته في حضن الحبيب فتراقص صوتها بدفء وصدق وهي تنطق الكلمات كأنها مرهم على جراح الاشتياق.
ـ وأنا عفوت عنك يا متر بس ياريت متعملهاش تاني علشان انت عارف اني هحبك وهعشقك ياقلب "رحمة" ومجدراش على بعادك اكتر من اكده كيفك وأكتر كمان.
ضم "ماهر" يديها بين يديه ونظر في عينيها بعمق لا يحمل إلا الصدق والحب والخوف من الفقد من جديد. تنهد بحنان الأب والعاشق وقال بصوته الرجولي العميق الممزوج بعاطفة جياشة.
ـ وأني هحبك طول مانتي واخدة بالك من بنتنا وهتراعيها بنفسك أني مليش غيركم يا "رحمة" انتو جنتي على الارض وانتو كل حاجة حلوة بالنسبة لي وأحب أشوفكم بكل الخير.
في تلك اللحظة كانت روحهما قد تصالحت معًا قبل أن تتصالح الكلمات. وألقت "رحمة" بكل العناد أرضًا ورفعت كفيها لتطلب حضنه كأنها تعلن أنه وطنها الوحيد فمالت عليه بهمسة ممزوجة بالشوق.
ـ طب خدني في حضنك بجي اتوحشتك جوي جوي يا "ماهر" اتوحشت حضنك وضمتك ليا وحنانك علي اتوحشت أنفاسك وريحتك وكل حاجة في يومي وحشة من غير كلامك معاي بجى هنت عليك تخاصمني سبوعين بحالهم من غير ما تسأل فيا. هنت عليك نبقى نايمين على سرير واحد وتبعد عني وأجي أقرب منك كأن كهربا لمستك وتنفرني. أني زعلانة منك جوي وجلبي مش مسامحك على بعدك وهجرك ليا.
اقترب منها أكثر وكأن الندم يذوب على ملامحه وتشابكت نظراته بنظراتها ليسكت كل الأسى باعتذار من قلبه لا يحتاج إلى كلمات، لكنه رغم ذلك نطق بها بصوته الذي اختلط بالحب والندم.
ـ حجك علي بس اللي حوصل منك لبنتنا ما كانش سهل واصل ويا ريت ما نفتحش فيه تاني علشان أني ناوي اني أدوبك الليله واخد حقي في السبوعين اللي فاتوا منك لحد ما تجيبي أخرك وتتهربي مني وتجولي لي ارحمني بجى كفاية.
ساد في الأرجاء صمت مهيب، كأن اللحظة ذاتها تخشى أن تقاطع ما بين قلبين ينبضان بنبض واحد. في ذلك الركن الهادئ من البيت، حيث لا ضجيج سوى همسات الهواء، ولا حركة سوى ارتجافة الستائر، كان كل شيء يدعو للسكينة، لكنه يخبئ في طياته نداء عارمًا للشوق. ليقول "ماهر" بصوت منخفض أقرب للهمس:
ـ "حاسس إني محتاجك جوي يا رحمتي ومش هستحمل تبعدي تاني".
انزلقت نظراتها على ملامحه، متأملة تلك القسوة التي لا تفارق قسمات وجهه، لكنها تعلم تمامًا أنها تختبئ تحتها حنانًا لم يكتشفه أحد سواها. كانت تحب فيه هذا التناقض، وتشتاق دومًا للغوص في أعماقه لتتحسس وجنتيه بنعومة وابتسامة خفيفة ونغمة لا تخلو من الدلال والمناوشة.
ـ طب ما اناي اهنه اهو، واجفه جدامك ملك يمينك، اعمل ما بدالك يا جلب "رحمة" واني هتجبل منك أي عاصفة اشتياق بصدر رحب.
اقترب منها ببطء، وكأن كل خطوة منه تعني تحديًا لصبره، وتعني لها عزة في أنوثتها، لكنها قاومت، كعادتها، واختارت أن تقف متماسكة، رغم أنها كادت أن تنهار بين ذراعيه. وقد اقترب حتى بات بينه وبينها شبر واحد، ينظر في عينيها نظرة تعرف جيدًا معناها.
ـ "هضمك جواي بس اتحملي بجي جبروت ابن البنان المحروم من حضن مرته".
شعرت برجفة تسري في أطرافها، لكنها ما زالت متشبثة بتلك اللعبة الجميلة، لعبة القرب والتمنع، لعبة النساء التي لا يجيدها سواها. لكن عينيه جعلتاها تفقد اتزانها للحظة لتقول بصوت خافت وهي ترفع رأسها لتثبت نظرتها في عينيه.
ـ "يعني ناوي تفتكر دلوك إنك هتحبني؟ بعد ما سيبتني أتقلب في الوحدة وأني جنبك يا ابو جلب حجر".
تقلصت المسافة بين جسديهما، لكنه لم يمسها بعد، وكأن لمسة واحدة ستشعل الكون، وستفتح أبوابًا من الضعف والشوق. لم يردها أن تفتح سريعًا، بل أرادها أن تنكسر أمام رجولته شيئًا فشيئًا ليهمس بصوت أجش فيه نبرة احتياج ورغبة لا تحتمل التأجيل.
ـ أني مهبحبرش أبرر، بس لما بكون بعيد، ببجى شايل الدنيا على دماغي وكل لحظة بتعدي علي من غيرك، بحس إني مطايقش حالي وهخانق دبان وشي.
أشاحت بنظرها قليلاً، وكأنها تخشى أن يقرأ في ملامحها ما تخفيه، لكنها لم تبعد كثيرًا، فقد كانت كل ذرة فيها تشتاق لاحتوائه، لوجوده، لرائحته، لكنها فقط أرادت أن تعرف: هل هو ما زال يراها كما كانت؟ لتنطق بصوت مرتعش، لكنه ما زال يخبئ قوة امرأة تعرف من تكون وهي تمسح في صدره كالقط الوديع.
ـ "وإنت فاكر إني كنت مرتاحة وانت هتبعد كل يوم عن حضني؟ اني من غيرك بتوه توهة انت دليلي يا "ماهر"".
لم يتمالك نفسه، رفع يده ببطء، ولمس طرف خدها بطرف أصابعه، كأن لمسته تحمل آلاف الاعتذارات التي لا تقال. ثم أحاط وجهها بكفيه، وقال كلماته كمن يقسم على صدر السماء بصوت منخفض، يشبه تنهيدة موج عائد للشاطئ.
ـ طب أديني رجعت لك بقلب مليان اشتياق، ومليان حب، وكل حاجة ناقصة فيا مش هتكمل غير بيكي يا صغنن.
أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تحتبس دمعة، أو تحاول لجم عاصفة داخلها. ثم فتحتها ورفعت يدها تمسك بيده الموضوعة على خدها، وضغطت عليها برقة ونعومة وبصوت هامس.
ـ يا هلا وغلا بيك يا قلب وروح وعمر الصغنن.
اشتدت عاصفة الاقتراب بينهما كما يشتد الموج إذا عانق الصخر بعد طول غياب. لا رحمة في الاشتياق، ولا عذر في الحنين. كانت بين ذراعيه كأنها وطنه المفقود، وكأن صدره كان يفتقد أنفاسها كما يفتقد الجسد روحه حين تتيه. احتواها "ماهر" بين ضلوعه برجولة لا تعرف التراجع، وقبل وجعها قبل شفتيها، وبعينيه أخبرها كم أرهقته المسافة، وكم كان عناده مجرد صرخة خوف من حجم الحب الذي يسكنها. أما "رحمة"، فقد أذابت كبرياءها بأناملها على وجهه، وكتبت بلمساتها على جسده قصيدة عشق ناري لم تحتج حروفًا، بل تناثرت همسًا وأنفاسًا لا تفسر. كانت عنيدة، نعم، لكنها ما إن لامس دفء صدره روحها، حتى استسلمت بكامل كبريائها، كأنها لم تكن يومًا سيدة الممانعة. التصقت به كأنها تختبئ من العالم، وكأنها تقول له بلغة الجسد: "أحبك رغم كل شيء". فرد عليها بلغة أكثر وحشية، أكثر رجولة، أكثر امتلاكًا. تسابقا في الجنون، في الإقتراب، في كسر كل ما بينهما من جليد عنيد. وكان كل منهما يشتهي الآخر كأنه لم يره من قبل. لم يكن مجرد لقاء جسد، بل اشتعال روحين كان بينهما آلاف الكلمات المؤجلة، وكم هائل من الرغبة المخبأة تحت وسائد العناد. لم تكن قبلاته تلامس بشرتها فقط، بل كانت تقتحم أعماقها، تشعلها، توقظ أنوثتها من نومها الطويل. وظلت هي تهمس له بصمتها، بصدرها الملتصق به، بدموعها التي لم تنزل بل احترقت على جفنيها، أنها لم تملك يومًا مهربًا منه، ولن تملك. وكانت تلك اللحظة، رغم جنونها، لحظة خلاص، لحظة عناق بين العاشقين، حين يتلاشى الزمن، ويذوب العناد، وتنتصر الرغبة في لحظة حب لا تعرف التراجع.
كان الصباح يزحف على أطراف الغرفة بهدوء، كأن الشمس تخشى أن توقظ من ناموا على وعد الحب. غير أن "أشرف" لم ينتظر الضوء، كان مستيقظًا قبله، يتقلب في الفراش كمن لدغته نحلة الشوق. نظر إلى "فاطمة" التي تنام على الطرف الآخر من السرير، متكوّرة كقطة صغيرة، وغطاؤها يرتفع وينخفض بأنفاس هادئة، ووجهها نائم في براءة تغري بالمشاكسة.
مال ناحيتها، وبصوت هامس لا يخلو من المقالب قال:
ـ يا صباح الجمال على وش القمر، قومتي؟ ولا لسه في عالم السنافر؟
لم ترد، لكنه لمح حركة خفيفة في زاوية فمها كأنها تكتم ابتسامة، فعلم أنها مستيقظة، لكنها تتغافل. وهنا شعر أنه آن أوان اللعب.
اقترب منها أكثر وهمس في أذنها:
ـ بصي لو ما قمتيش دلوقتي، هتشوفي الوجه التاني لـ"أشرف"، هتشوفي الجنرال بيتنطط لك هنا في الأوضة، هفتح لك الشباك، وأغرقك بشمس يوليو في عينيكي، وبعدين هغني لك ذهب الليل وطلع الفجر والعصفور صوصو بصوتي اللي يخلي العصافير تهاجر!
فتحت "فاطمة" عينيها بتثاقل، وما إن رأته يضحك كالأطفال، حتى عضت شفتها وغطت وجهها بالملاءة، ثم تمتمت.
ـ قوم يا "أشرف" خليني أنام شوي أني لسه ما خدتش نفسي من اللي حاصل امبارح، جاي تهزر من بدري اكده؟
رد وهو يمد لسانه:
ـ لا يا حبيبتي أنا خلاص خلصت نوم وانت كمان هتقومي من النوم اجباري علشان تجهزي لي فطار وتعامليني معاملة الملوك في يوم اجازتي وانت كل يوم بتبقي نايمه وبتشخري وتسيبي جوزك حبيبك يروح الشغل من غير فطار. قوم يا بطبط علشان مش هحلك النهاردة.
اعتدلت "فاطمة" في جلستها وجلست على طرف السرير، تغطي صدرها بالغطاء، وشعرها المبعثر قد تناثر حول وجهها كستار شفاف، ثم قالت بخجل:
ـ إنت كان لازم تصحيني بالشقلوب؟ يعني ما فيش صباح الخير ناعم كده، ولا بوسة على الراس، ولا اي كلمتين من اللي هيعملهم الراجل ويا مرته لما يصحيها من النوم.
رفع حاجبه كأنه يمثل مشهد درامي وقال:
ـ والله أنا ناوي أقولها، بس لما شفت منظر الشعر الغجري الذي يسافر في كل الدنيا ده، نسيت كل حاجة!
قالها وهو يشير لشعرها المنكوش، وعينيها المتورمتين من النوم، فأطلقت ضحكة خفيفة، ثم رمته بالوسادة وهي تقول:
ـ يا قليل الأدب، هو دي ذوقك وصباحك؟ طب قوم حضّر فطارك بدل ما تفضل تتمسخر علي.
أمسك الوسادة وضربها بها ضربة تمثيلية كأنه داخل حرب، ثم صاح:
ـ مش هحضر حاجة، أنا راجل شرقي، لازم مراتي تصحى تحضر لي الفطار، وأنا أقعد على السفرة أستنى ولو ما عملتيش كده، هبعت لأمك تقولك جوازنا باطل!
قامت "فاطمة" وهي تكاد تتعثر في الغطاء، وقالت بتهديد وهمي:
ـ ماشي، طيب يا "أشرف"، والله ما هعملك غير شاي بكركديه سخن علشان يهد أعصابك، ومعاه بيضة مسلوقة ناشفة تطلع لك تراب في بقك، هو ده الفطار بتاع الرجالة الشرقيين!
وضع يده على صدره وكأنه تلقى طعنة:
ـ كده يا فاطمة؟ بيضة ناشفة؟ ده أنا كنت فاكرك هتعملي لي فول بالسمن، وطعمية مقرمشة، ومربة مشمش، وشاي بحليب!
اقتربت منه بخطوات محسوبة وقالت:
ـ مش إنت الراجل الشرقي؟ قوم اعمل لنفسك يا باشا، دي المساواة بقى مش انت بتقول هتحب المودرن والفاهمين.
ولعلمك بقى اني عايزه أتعامل معاملة بطة جدو علي تصحى من النوم تغطس وتعوم وهات يا لعب وهات يا نوم ما ليش اني في حوار الزوجة اللي تفطر جوزها دي خالص.
رفع حاجبيه وقال:
ـ بس أنا بحب الفاهمة اللي بتفهم إن الرجالة صباحهم بيبدأ بلقمة حلوة، مش نكد وضرب بالوسايد يا "بطة" ما ليش انا في الجو ده بلا بطة جدو علي بلا بطة جدو حسين.
ضحكت "فاطمة" ثم اتجهت إلى الحمام، لكنها قبل أن تدخل، استدارت نحوه وقالت بخبث:
ـ بقولك إيه، لو قعدت تعيط شوية وأني جوه، ممكن أطبخ لك بيضتين بدل واحدة.
رمقها بنظرة فيها تمثيل الذل والخضوع، ثم تظاهر أنه يجهش بالبكاء:
ـ هو ده جزاء اللي استناكي أربع سنين؟ هو ده؟ دموعي بتنزل، طب يا ناس شوفوا مراتي هتذلني علشان تفطرني.
دخلت الحمام وضحكت ضحكة خفيفة، وتركته يمثل في الخارج مسرحية درامية لا تنتهي.
بعد قليل، خرجت "فاطمة" من الحمام، ترتدي قميصًا بسيطًا بلون السماء، وشعرها لا يزال مبللًا يتدلى على كتفيها، ووجهها متورد من حرارة الماء والحياء. كانت تتحرك في الغرفة بخجل، كأنها تمشي على أطراف الضوء.
توقف "أشرف" عن التهريج فجأة، ثم قال ببطء وهو يتأملها:
ـ إيه الجمال ده؟ هو أنا رجعت تاني ليلة الدخلة ولا إيه؟ طب ده أنا لازم أعملك زفة تاني من السرير للمطبخ!
خفضت "فاطمة" بصرها وهمست:
ـ خلّي عندك دم، مش كل مرة تقعد تسبل لي اكده وتحرجني.
اقترب منها، ووضع يده على كتفها برقة، ثم قال بنبرة أكثر دفئًا:
ـ والله يا "بطبط"، لو كل يوم أصحى على وشك ده يبقى كتر خير الدنيا.
كفاية عليا ضحكتك دي، دي فيها أكتر من ألف صباح.
هزت كتفها محاولة أن تبعد يده بخفة، لكنها لم تقاوم كثيرًا، ثم قالت بنعومة:
ـ طيب قوم بقى يلا علشان نفطر يا سيدي الرومانسي انت.
قال وهو يغمز:
ـ طيب بس عندي شرط.
ـ خير؟
ـ الفطار يكون على السرير ومعاه بوسة مجانية فوق البيعة!
نظرت إليه بصدمة، ثم قالت بسرعة:
ـ هو إحنا في فندق ولا في بيت؟ قوم يلا يا "أشرف" قبل ما أرجع أنام تاني وتصحيني بكركديه فعلاً!
ضحك، ثم اندفع خلفها إلى المطبخ وهو يغني بصوته المزعج:
ـ بطبط يا بطبط، يا حتة سكره خلقك ضيق قاسينه بمسطرة يا أجمل من المربى على العيش السخن يا سكرة.
وانطلق النهار عليهما كما ينبغي أن يبدأ، خفة دم، ودفء، وكسوف، وضحكة من القلب تملأ البيت قبل الشمس.
**********
هبت نسمات المساء على أرجاء المزرعة، تداعب أشجار الجميز والنخيل، فيما خيّم السكون على المكان إلا من أصوات الطيور العائدة إلى أعشاشها، وصهيل بعيد من أحد الخيول داخل الإسطبل.
كان "عمران" جالسًا تحت مظلة خشبية تتوسط حديقة المزرعة، على مقعد بسيط من القش، ينظر نحو غروب الشمس الذي لوّن الأفق بدرجات من البرتقالي والذهبي، ويداه متشابكتان في هدوء تام.
لم تمر دقائق حتى اقتربت منه الدكتورة "نور" تمشي بخطوات ثابتة، تمسك بملف صغير، وعلى وجهها علامات التوتر.
وقفت أمامه، ثم قالت بصوت منخفض وهي تنظر إليه مباشرة:
ـ مساء الخير يا بشمهندس "عمران"، معلش مضطرة أبلغك بحاجة مش كويسة.
رفع عينيه إليها ببطء، وعيناه امتلأتا بالقلق قبل أن يتكلم، بصوته العميق ولهجته الروجولية التي لا تخطئها الأذن:
ـ خير يا داكتورة؟ فرسة منهم حوصل لها حاجة؟
أومأت برأسها في حزن:
ـ آه للأسف "لمّة" حالتها مش مستقرة خالص، بعد ما كشفت عليها، شكيت في بداية إصابتها بـ'داء الحوافر المزمن' وده مرض مؤلم جدًا للخيل، وبيأثر على حركتهم بشكل كبير.
ظل صامتًا للحظات، ثم مال بجذعه للأمام، ووضع كفيه على ركبتيه، قبل أن يهمس وكأنه يخاطب أحد أبنائه:
ـ "لمّة؟ يا ساتر يا رب!
دي أغلى فرسة عندي يا دكتورة، دي أنا مربيها من يوم ما كانت مهرة صغيرة.
نظرت "نور" إلى ملامحه في تلك اللحظة، فرأت شيئًا لم تعهده في وجوه الرجال الذين عرفتهم، لم يكن فقط حزنًا، بل انكسارًا صامتًا، يتسلل من بين السطور المتماسكة في هيئته.
ثم قالت بتردد:
– أنا آسفة، بس لفت نظري حاجة، إنت بتحبهم أوي كده؟ أقصد الخيل بالنسبة لك مش بس شغل أو تجارة، صح على ما أعتقد؟
اعتدل في جلسته، ثم نظر نحو الإسطبل البعيد كأنه ينظر إلى أرواح تسكنه، وقال ببطء يحوي صدقًا شديدًا:
– الخيل حداي مش بس حيوانات، دول أهلي وونسي من واني طفل صغير، كل واحد فيهم ليه حكاية. لمة داي مثلًا، كانت بتنهج وهي بتجري عشان صدرها ضعيف، فضلت شهور أقعد جنبها، أدفّيها ببطانية وأرضعها بلبن صناعي علشان تقوى. فقولي لي بربك، ينفع أنسى داي أو محسش بالحزن على مرضها؟
شعرت "نور" أن قلبها اهتز، ليس من حكاية الفرسة، بل من الطريقة التي حكاها بها، نبرة صوته، عمق مشاعره، عينيه اللتين لم تخشيا أن تظهرا التأثر كان مختلفًا.
ثم ابتسمت في حياء وهي تهز رأسها:
– أنا بشتغل في المجال ده من سبع سنين، لكن عمري ما شفت حد بيحب الخيل كده، الصراحة، إنت مختلف جدًا يا بشمهندس "عمران"، عندك وفاء تجاه الفرسان مشفتهوش قبل كده.
رد وهو يخفض بصره في احترام، ثم قال بصوت حزين كحاله:
– وكيف مهكونش ليهم وفي وهما ليا أوفياء؟ عمرهم ما بيتغيروا في محبتهم ليا، كيف البني آدمين ما عتتغير طباعها والسنين هتخليهم أنانين مهيشوفوش غير حالهم.
صمتت نور لثوانٍ، ثم قالت محاولة أن تخفف من الجو الكئيب:
– طيب إحنا هنبدأ العلاج فورًا، بس محتاجين نتابع كل يوم، وأحب أكون أنا اللي أشرف بنفسي على كل حاجة تخص الفرسة، ده لو ما كانش يضايقك يعني؟
هز رأسه بامتنان، وهو يقول:
– لك السماح يا دكتورة، إنتي من يوم ما جيتي المزرعة وقلبي مطمئن للخيل، ربنا يجعل تعبك في ميزان حسناتك.
ابتسمت في هدوء، ثم جلست على المقعد المقابل له، وأخرجت من الملف بعض الأوراق، وبدأت تشرح له الخطة العلاجية.
في تلك اللحظة، كانت "سكون" تقف في شرفة الطابق العلوي، ذراعاها مسنودتان على السور الحجري، ووجهها يعكس مزيجًا من الصدمة والضيق.
لم تكن تسمع ما يقول، لكن عينيها رأت كل شيء. رأت "عمران" وهو يجلس بهدوء أمام امرأة جميلة حد الفتنة، ملامحها مصرية أصيلة، تتحدث إليه بثقة، وهو ينصت إليها بكل احترام واهتمام.
رأت ضحكتها الخفيفة، وجلوسها المقابل له، ولمحت في عينيها نظرة لا تخطئها النساء، نظرة إعجاب، وشيء آخر لا تستطيع أن تسميه، لكن قلبها أحسه.
شعرت كأن نارًا اشتعلت في صدرها، نارًا باردة لكنها مؤلمة، تمددت في شرايينها ببطء.
تراجعت خطوة إلى الخلف، وداخلها يسألها:
ليه وجعاني النظرة دي؟ وليه حسيت إنها كانت بتبص له مش كدكتور إنما كراجل؟
أما في الأسفل، كانت الجلسة قد صارت أكثر هدوءًا، فقالت نور وهي تنظر إليه نظرة أطول من اللازم:
– عارف؟ أنا أول مرة في حياتي أقعد مع حد وأحس بالأمان ده، يمكن عشان كلامك صادق، أو يمكن عشان فيك حاجة نادرة.
قطّب "عمران" حاجبيه قليلًا، ثم قال بحزم مهذب:
– كتر خيرك يا دكتورة، بس أني راجل عادي جدًا، هيتهيئ لك.
ضحكت بخفة، ثم ردت وقد تبدلت معالم وجهها للحزن وقد تذكرت ما حدث لها من جنس الذكور وما جعلها ترى في "عمران" أنه مختلف حقًا:
– أنا كمان مش بحب المجاملات، بس بحب أعترف بالحقيقة، ويمكن الحقيقة المرة بجد إن الرجالة اللي زيك نادرين.
أشاح بوجهه نحو الغروب، وقال بنبرة أقرب للهمس:
– هتصدقي لو قلت لك إن الندرة ساعات بتكون نقمة مش نعمة.
ساد الصمت بينهما، لم يقاطعه سوى صوت الرياح وهي تمر بين أوراق الأشجار.
ومن بعيد، كانت "سكون" ما تزال واقفة، تراقب، دون أن تدري هل تغار عليه كزوج؟ أم كراجل سكن قلبها دون إذن؟
ربما كانت لحظة عابرة، وربما كانت بداية حرب صامتة لم تُعلن بعد.
كانت الحاجة "زينب" تجلس على المقعد الخشبي خلف نافذة الصالون، تطل على الحديقة الهادئة التي ما عادت هادئة في عينيها. هناك في ذلك الركن الظليل تحت شجرة التوت، كان عمران يجلس بجواره تلك الدكتورة الجديدة. لم تكن المسافة بينهما ضيقة، ولا الأحاديث المعلنة تحمل ريبة، لكن نظرات "نور" كانت تحمل اهتمامًا زائدًا، وعين "عمران" رغم التشتت كانت تستمع، تنصت، تتجاوب.
رفعت "زينب" بصرها إلى البلكونة، فوجدت "سكون" واقفة شاردة، يديها مشبوكتان، ووجهها جامد كأنها تمثال من خيبة. غير أنها حين التفتت نحو الحديقة، اشتعلت في عينيها شرارة لم تخف على الأم. كانت تلك نظرة امرأة تستفيق من غفلة، نظرة أنثى أحسّت أن ما تهمله، قد يؤخذ منها ذات لحظة.
تنهدت "زينب" بحرقة وهي تتذكر أنها نصحتها ألف مرة:
– الراجل مش بيتساب يا بتي، الراجل لو مهتمتيش بيه، غيرك هيشوف فيه اللي إنتِ ناسياه.
كانت تشعر أن البيوت لا تنهار صخبًا، بل بصمت يتسلل من بين الشقوق الصغيرة، وها هي ترى الشق يتسع، والنار تتهيأ للدخول.
حدس الأم لا يخطئ. العلاقة بين "سكون" و"عمران" مثقلة بصمت مريب، وتلك الدكتورة "نور" ليست بريئة النظرات، و"عمران" ابنها رجل كأي رجل، إن وجد اهتمامًا في عيون امرأة، مال القلب وإن لم يُدرك العقل.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الرابع والسبعون 74 - بقلم فاطيما يوسف
وأنت كمان يا "آدم" مش بس جوزي ده أنت سندي وضهري وكل تعب هيهون وأنت جاري. وكمان لازم القناة تظهر للنور، بقى لنا سنتين طالقين التردد. واه بدأت من كذا شهر البرامج بتاعتنا تعمل صدى كويس جداً، الحمد لله.
ثم وجهت أنظارها وبدأت تتابع عرض الأفكار على شاشة اللابتوب، بينما انشغل "آدم" بقراءة تقرير تحليلي عن نسب المشاهدة.
فجأة انكمشت ملامح "مكة" قليلاً وكأن شيئاً ما داخلها انفجر في صمت، حين رأت رسالة إلكترونية غريبة وصلتها للتو من مصدر غير معروف. فتبدلت تعابير وجهها من الهدوء إلى التوتر في لحظة واحدة.
مال "آدم" برأسه ناحيتها وقد لاحظ اضطرابها الواضح وقال بهدوء يشوبه القلق:
"إيه يا "مكة" وشك اتغير كده ليه؟ في حاجة حصلت ولا إيه؟"
أغلقت الشاشة بسرعة كأنها تحاول إخفاء الألم الذي تسلل إلى داخلها، لكنها لم تنجح. فالحزن ظهر في عينيها رغم عنها، ثم قالت بصوت منخفض:
"جالي إيميل غريب أكده مش مريحني واصل يا "آدم". فيه كلام عني وعن لبسي في المؤتمر اللي فات، وصورة متفبركة مش بتاعتي خالص. وهيقولوا عني إني لابسة النقاب رياء، وإني بعمل كده علشان القناة تنجح وألم متابعين كتير وأكسب تعاطف عامة الشعب معايا. وإني بتحدت عن انجازات القناة، وإني هتخذ الدين وسيلة للنجاح وجني المليارات."
نهض "آدم" من مكانه بسرعة دون أن ينبس ببنت شفة، ووقف خلفها ينظر إلى الشاشة التي فتحتها من جديد بتردد. وما إن رأى مضمون الرسالة حتى شعرت "مكة" بأن جسده قد تصلب بالكامل كأنه تمثال غضب بشري.
انكمش حاجباه وتصلبت شفتاه وكأن الدنيا اسودت فجأة أمامه. لكنه تمالك نفسه بعد لحظات، ثم قال بنبرة حاول أن يجعلها هادئة:
"الناس دي لازم يتعرفوا ويتحاسبوا. أنا مش هسكت على اللي بيحصل ده يا "مكة". دي مش أول مرة يلمحوا لحاجات زي دي، وأنا حاسس إن في حد ورا الموضوع بيخطط بذكاء عشان يشوه صورتنا. وتقريباً استنتجت، لأن الرسايل الكثيرة اللي بتجيلي تهديدات، وكمان الهجومية على صفحة الانستجرام بتاع البرنامج مجرمة جداً. بمعنى أصح ناس متأجرين لجان سوشيال ميديا علشان يهدوا اللي احنا تعبانين فيه بقى لنا سنتين وزيادة. والحاجات دي ما حصلتش إلا من ساعة زفت سيف لما رجع من السفر."
أطرقت "مكة" برأسها للأرض، ثم تمتمت بصوت مرتجف لكنه مملوء بالثقة:
"بس إحنا ما عملناش حاجة غلط يا "آدم". إحنا بنقدم محتوى نضيف ومحترم، وكل اللي هنفكر فيه يرضي ربنا، وإننا نوصل رسالة محترمة للناس. فمهما يعملوا مش هيقدروا يثبطوا عزيمتنا ولا يخلونا نفشل، لأن من كان الله معه فمن عليه. اطمن يا حبيبي."
تنهد "آدم" بعمق، ثم جلس بجوارها من جديد وأمسك بيديها بين يديه ونظر في عينيها نظرة مباشرة وقال بقلق:
"طب وبالنسبة للفيديو اللي هم عملوه ليكي والكلام اللي قالوه عنك، هنسكت عنه كده عادي ولا هنعمل إيه؟ ولا الصور المتفبركة اللي هم منزلينها بالذكاء الاصطناعي علشان الناس يتخيلوا شكلك على أساس إن إنتِ اللي كنتِ منزلاها قبل كده!"
مش قادر أتحمل فكرة إن حد يكون بيتخيلك بالشكل ده من الأساس. أنا مش فاهم ليه القذارة اللي بتحصل دي.
طمئنته بعينيّ يملؤها الرضا والقناعة بكل أقدار الله:
"ما يقولوا اللي يقولوه ويعملوا اللي على كيفهم، ولينا رب هيرد علينا. وبعدين دي فتنة، ووقت الفتنة بالذات إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب. وأنا دايماً حاطاه في قلبي وعقلي وقناعاتي قوله سبحانه وتعالى: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لنزلنا عليهم بركات من السماء والأرض". وأنا ست مؤمنة وهتقي ربنا في كل حاجة، وعلشان كده ربنا ما هيضرنيش أصل. وطالما ما التفتش للكلام ده وما رديتش عليه هيتنسي بسرعة. واللي منزلينه عايزين إننا نرد وهما يردوا، والموضوع هياخد أكبر من حجمه، فالسكوت أفضل وكاننا ما شفناش حاجة. وخلينا في شغلنا، وهما في كيدهم اللي ربنا هيرده في نحرهم بإذن الله."
اطمأن من حديثها المقنع وهو ينظر إليها بمحبة نابعة من قلبه لتلك النقية البريئة والتي يعتبرها ملاكًا أرسله الله إليه:
"طالما انتي جنبي أنا مش هعمل حساب لأي حد يا مكة، وإحنا مع بعض نقدر نعدي أي حاجة ومهما حاولوا يفرقونا مش هيعرفوا ولا هيقدروا."
أشار بيده إلى الأوراق مرة أخرى واستعاد نبرته المهنية وكأنهما يتنقلان بين العاطفة والمسؤولية في توازن دقيق وكأن شيئًا لم يكن:
"يلا نكمل الاجتماع يا مكة، لأن كل دقيقة مهمة دلوقتي. لازم ناخد قرارات جديدة تخص البرنامج الجديد ونسب التفاعل والموضوعات اللي هنتكلم فيها."
هزت مكة رأسها بالموافقة ومسحت دمعة صغيرة كادت تنزل من عينيها من تحت نقابها، وداخلها يغار عليها من تلك الصورة الموضوعة على تلك المواقع، والأغرب أنها تشبهها كثيرا، بل تكاد تكون هي. ولكن نفضت عن بالها ثم قالت بثبات جميل يليق بقوة قلبها:
"ماشي يا آدم نكمل، وربنا يقوينا سوا ويبعد عنا الشر والناس الوحشة."
في ذات الوقت كان في مكان آخر بعيد عن هذا الجو المليء بالإيمان والحب، يجلس رجل يملأ قلبه السواد ويأكل الحقد كل خلاياه. إنه سيف، والذي بعد عودته من سفره محملاً بالثأر والغضب.
كان يجلس في مكتب فاخر بجوار شقيقه رامي، بينما يدخن سيجارًا فاخرًا وعيناه تشتعلان كأن فيهما نارًا لم تهدأ منذ أن طرده آدم وضربه أمام الناس.
ضحك رامي ضحكة باهتة وهو يسأله وهو يمد له كوب قهوة ساخن:
"انت فاكر حركة الـ... والمنشورات المسيئة ليهم اللي انت عمال تنزلها، ولا صورتها اللي انت عملتها بالذكاء الاصطناعي لما البنت اللي شغالة معاها بعتت لك صورتها وهي خالعة نقابها وهي بتتوضى، ويدوب رحت جملتها بالذكاء الاصطناعي علشان تعمل الشوشرة دي عليهم، هتعمل حاجة؟"
"في حين إن هما ولا حياة لمن تنادي. الحاجات دي يا ابني اتهرست كتير والترندات كل ثانية بتطلع وكل ترند بيلغي اللي قبله."
هز سيف رأسه بعنف ثم ضرب الطاولة بيده وقال بصوت خافت لكنه مليء بالشر:
"أنا عمري ما نسيت القلم اللي ضربني بيه آدم قدام الناس، ولا نسيت خطيبتي وهي بتسيبني علشان شافتني قليل وما دافعتش عن نفسي، ولا نسيت الفيديو اللي فضحني وخلى الناس تتريق عليا. لازم آخد حقي تالت ومتلت. والعيار اللي ما يصيبش يدوش، ده أنا مجهز لهم حبة حوارات مش هيعرفوا يفكوا منها."
اقترب منه رامي وقال بنبرة خافتة:
"بس يا سيف، الوقت ده آدم بقى تريند وبيقدم حاجة محترمة والناس كلها بتحبه. واللي هيلمس مراته الدنيا كلها هتقلب عليه، وخصوصًا إن ده كان مغني وبعد كده تاب وفتح قناة دينية، يعني له شعبية جماهيرية جامدة والناس أغلبها بتحب الحاجات دي وبيعتبروا إن الشخص التايب من الذنوب في مرتبة تانية خالص. أنا بقول لك انت كده بتضيع وقت وبتخسر فلوس على الفاضي، وانت مش مصمم على الخراب ده، انت مصمم إن انت تنول مراته كمان."
ضحك سيف ضحكة شيطانية وهو يميل بظهره للكرسي وقال بثقة قاتلة:
"ومين قالك إني عايز ألمسها وبس؟ ده أنا هكسرها وأهز صورتها وصورته قدام الناس. أنا ناوي على حاجة كبيرة هتنزله بيها هو وهي ومش هتعدي على خير أبدًا."
نظر له رامي بقلق، بينما سيف كان يفتح حاسوبه ويعرض صورًا قديمة ومقاطع مركبة قال عنها بخبث:
"دي البداية بس، وأنا وعدت نفسي مش هسيبهم في حالهم ولازم أخليهم يعيشوا نفس اللي عيشته. وخليها تندم إنها رفضت سيف، وعمري ما أنسى نظرتها ليا المنحطة وكأني حشرة وأنا واقف قدامها بغازلها برقي وكنت بتعامل معاها زي هوانم جاردن سيتي كده وبكل جنتلة وهي صدتني بالطريقة الشديدة دي."
كانت نبرة صوته باردة إلى حد مرعب، وكأن قلبه لم يعد فيه مكان لأي شيء غير الكراهية. بينما من بعيد كان هناك صوت هادئ ينبعث من غرفة اجتماعات القناة الدينية، صوت آدم وهو يقرأ آية كريمة أمام مكة بكل سكينة. آية تختصر كل ما في قلبه من إيمان وصبر واحتساب وهو يتلو آيات الله:
"الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)"
أما ذاك السيف، اضطجع على كرسيه وهو يتأمل المدينة من خلف زجاج نافذة مكتبه يدخن بلا اكتراث مكملاً بنبرة تجمد فيها كل ما تبقى من ضمير:
"أنا رجعت مش عشان أقول له سامحني ولا عشان أرد اعتباري بس... لااا أنا راجع عشان آخد اللي بيحبها وأكسر قلبه بيها. آخد منه مراته وأخليها تسيبه بإيديها. واللي حصل زمان منهم كان بروفة، دلوقتي العرض الحقيقي هيبدأ."
تناهى إلى مسامعهما طرق خافت على الباب، فنهض سيف بخطوات رشيقة ليقابل رجله الخاص الذي سلمه ظرفًا وثائقيًا دسّه تحت سترته، ثم عاد إلى الداخل وهو يتمتم:
"كل حاجة ماشية زي ما خططنا بالظبط، وأنا عندي صور وفيديوهات هدمر بيها حياة آدم الداعية اللي عامل نفسه ملاك وهو أصلاً كان بيرقص وبيغني من سنتين بس. وهفضحه في كل حتة وهخليه هو ومراته أضحوكة قدام الناس."
قاطعه شقيقه وهو ينفث دخان سيجارته الثقيلة بسخرية:
"بس يا سيف، مرات آدم مش سهلة. دي منتقبة وملتزمة قوي وشكلها مش هتضعف ولا هتميل لأي حد."
غمز سيف بعين لامعة بالحقد وهو يقترب ليضع هاتفه أمامه ويشغل له مقطع فيديو صامت لمكة وهي تبتسم لعدسة الكاميرا في أحد لقاءاتها الإعلامية، بينما ترتب أوراقها كإعداد حلقة دعوية:
"كل واحدة ليها نقطة ضعف، وأنا عرفت هي نقطة ضعفها إيه وهعرف أدخل منها كويس أوي. وبعدين أنا مش هدخل لوحدي، ده أنا مجهز خطة كاملة الناس كلها هتتفرج عليهم وهما بيقعوا خطوة بخطوة."
في الوقت ذاته كان آدم ومكة في غرفة الاجتماعات الخاصة بالقناة التي يديرونها. كانت تجلس بجانبه تدقق في جدول الحلقات المقررة لشهر ربيع الأول، بينما هو يراقبها بصمت تغشاه هيبة الحب الصامت من عينيه. لم تكن تدري أنه يشعر بها كما لو كانت تحيا داخله نابضة لا تفارقه.
توقف آدم عن مراجعة الأوراق وتسلل صوته بهدوء يخفي ورائه شغفًا عميقًا:
"مش كفاية بقى شغل يا بابا ونروح عشان أنس وحشني؟"
ثم أكمل وهو يغمز بكلتا عينيه بعبث:
"ومش بس كده، ده أم أنس كمان وحشاني قوي."
رفعت مكة بصرها نحوه بعينين تغشاهما سكينة العشق وخجله وردت بمشاغبة:
"يا بكاش انت بقى! هتشتغل في مكر الشيوخ اللي عندهم حب النساء غاية ووسيلة لرضا ربنا."
اقترب منها أكثر وهمس بجوار أذنها وهو يبتسم تلك الابتسامة التي يعشقها قلبها:
"على فكرة أنا أسعد راجل في الدنيا عشان انتي في حياتي. وكل يوم بيعدي عليا وانتي جنبي بحس إني عايش على طاعة وفرحة ومفيش ملل ولا لحظة ندم إني سبت كل حاجة كنت فاكرها أغلى حاجة علشان طلعت انت أغلى من أي ثمين."
رن هاتف آدم، فقطع عليهما تلك اللحظة الساكنة. أجاب ليرد عليه مدير القناة بصوت مضطرب يخبره أن صفحة إلكترونية مشبوهة بدأت تنشر مقاطع مجتزأة من حفلاته القديمة وأرفقتها بتعليقات ساخرة تطعن في مصداقيته وتحرض على مقاطعته.
شهق آدم بذهول وهو يضغط على هاتفه ليفتح تلك الروابط واحدًا تلو الآخر. كانت المقاطع قديمة فعلاً، لكن الإخراج الماكر أظهرها وكأنها صور حديثة، زادها تعليق يحمل تهكمًا فادحًا:
"شوفوا شيخ القناة الديني طالع يغني في فرح شعبي ولسه بيقول ملتزم."
وضعت مكة يدها على فمها بدهشة وهي تقرأ ما يُكتب وشعرت بانقباض قلبها، فهي تعرف من يقف خلف كل هذا دون أن يُقال.
همس آدم وهو يعصر الهاتف بين يديه:
"سيف الزفت هو اللي عامل كده. والله ما هعديها له، بس والله ما هسكت له."
رفعت مكة نظرها إليه بعينين يملؤهما رجاء خافت:
"بس يا آدم استهدى بالله. إحنا في وقت لازم فيه نكون عقلانيين. هو بيحاول يستفزك، متقعش في فخه."
ابتلع آدم غضبه في صعوبة وكأن جمرة اشتعلت في حلقه، لكنه أومأ برأسه في صمت وهو يردد في داخله أنه لن يدع تلك الحرب تمر دون رد، وأن عاصفة الانتقام لن تشتعل إلا إن كان وقودها الحق.
في حين استلقى سيف على أريكته مجددًا وهو يبتسم ابتسامة شيطانية ويقول بصوت منخفض:
"ده أول الغيث يا ابن عمي، واللي جاي نار وقهر وخراب بيوت."
كان الليل شاهدًا على البداية، والموجة القادمة ستحمل في طياتها عاصفة لا تبقي ولا تذر.
بعد مرور شهر على تلك الأحداث.
كانت نور جالسة في طرف الإسطبل الخشبي ساكنة القسمات، مستندة بيدها إلى خدها كأنها تحمل فوق راحة يدها أعمارًا من التعب والخوف:
"حاطة يدك على خدك ليه يا دكتورة نور؟ وشايلة طاجن ستك على راسك؟ لساتك ما أخدتيش على المكان؟ حدانا أهنه عاد؟"
نظرت نحوه بنظرة خافتة باهتة تشبه لون الغروب في آخر النهار، ثم ردت بصوت خافت كأنها تسرد حكاية معتادة:
"لا عادي، أنا هنا أهو. داخلة على سنة الأيام كلها زي بعضها. اللي بنام فيه بصحى فيه. في حياتي من زمان وأنا كده، ما فيش تغيير."
اقترب منها خطوة كأنه يحاول كسر السكون الذي يلفها منذ وطأت المزرعة، وكأن شيئًا في داخله يحثه أن يعرف ما وراء ذلك الحزن الساكن في ملامحها:
"مش ناوية تقولي لي على قصتك وحزنك الدايم دي وخوفك ورعبك من المجهول اللي هتحلمي بكوابيسه كل يوم والتاني؟ وصوت فزعك اللي هتحكي عنه اللي هتساعد أمي في البيت وهتيجي تنام حداكي كل عشية حكاوي؟"
تحركت شفتاها بتردد ويداها تتشابكان في قلق طفولي مكبوت، وقد بدا عليها الحرج والخجل، لكنها لم تستطع الصمت:
"أنا شغالة في مزرعة الخيل بتاعتك بقى لي مدة كبيرة يا باشمهندس عمران، وكل يوم تسألني السؤال ده وأنا أرد عليك وأقول لك اللي عندي ما ينحكيش. أتكسف أحكي من كتر ما هو مخجل ومؤلم، ومن كتر ما أنا عيشته في مرار من وأنا طفلة صغيرة لحد ما بقيت الدكتورة نور جمال القاضي."
أطرق برأسه لحظة ثم رفعها بنظرة يملؤها صدق الرجاء ممزوجًا بحنو الأخ الأكبر أو ربما أكثر:
"طب مش إحنا اتفقنا إن إحنا هنكون صحاب وهتحكي لي في يوم من الأيام عن وجيعتك من الزمن؟ لساتك ما هتأمنيش لـ... عمران اللي آمنك على مزرعة الخيول حداه دونًا عن دكاترة الصعيد كلياتهم ومعميلهاش مع حد واصل قبل سابق؟"
"إني رايد أساعدك وأخرجك من الهم الثقيل اللي هتحلمي بيه كل يوم والتاني ومخليكي دبلانة ومش عايشة حياتك كيف البنتة؟"
ابتسمت في مرارة خافتة ثم نظرت إليه نظرة طويلة كأنها تقيس صدقه وتحاول أن تضعه في خانة الأب أو الأخ أو الغريب أو ربما شيء آخر:
"تعرفي يا دكتورة إن عمرك كد عمري مرتين إلا حاجة بسيطة؟"
"يعني إني دلوقت حداي 41 سنة وانت حداكي 30 سنة. اعتبريني مش كيف أخوك الكبير يا ستي، له كيف أبوكي؟"
هزت رأسها ببطء كأنها لم تصدق الرقم، ثم علت على وجهها ملامح دعابة خفيفة تحمل في طياتها شيئًا من التهرب:
"ياااه أبويا! إزاي؟ انت اللي يشوفك يقول عليك ابن 30 ولا هتخزي العين عنك يا باشمهندس وتخلي واحدة زيي طول بعرض بنتك؟ يصح الكلام ده برده؟"
قطب حاجبيه قليلًا وهو يستشعر محاولتها الدائمة لتحويل كل نقاش إلى هزل للهروب من حقيقة تعبها:
"يوه! هتقلبي الكلام لمزحة وهزار كالمعتاد وما هتحكيش إيه سبب رفضك إنك تستقري زيك زي أي بنت؟ وإيه سبب موافقتك إنك تاجي من مصر وتقضي شغلك أهنه في آخر بلاد المسلمين بعيد عن أهلك؟"
انخفض صوتها وكأنها تفرغ بعضًا من شحنة الكتمان المتراكمة عبر السنين وهي تحدق في الأرض:
"أهلي!"
هم فين أهلي دول؟ أنا اتولدت يتيمة الأم، ماما ماتت وهي بتولدني. وعشت بين أب صلب وجاف في مشاعره، أو نقدر نقول الدنيا لهيته علشان يربيني أنا وإخواتي الولدين اللي أول ما خلصوا جامعتهم سافروا على بره. وبابا طبعًا ما استحملش يعيش من غير زوجة، فجاب لي مرات أب خلت حياتي جحيم، وكان ليها ابن ما أقولكش بقى.
***
تنفس ببطء وكأن مفاتيح الحكاية بدأت تفتح أخيرًا بين يديه، فهز رأسه مؤكدًا:
ـ آه.. قولي أكده بقى إن الحكاية فيها ابن مرات الأب. طب ما تحكي لي حكايتك يا بت الناس، يمكن أدلك على الطريق الصحيح اللي يخليك تعيشي مرتاحة بدل الكوابيس اللي هتحلمي بيها ليل ونهار، داي عاد؟
***
أغلقت عينيها لحظة كأنها تتنفس وجعًا لا يُقال، ثم فتحتها والنظرة في عينيها تقول أكثر مما تنطق به:
ـ وقت ما أحس إن أنا عندي القدرة والاستطاعة إني أحكي البلاوي اللي عندي، وأحس إن اللي قدامي مش هيمل من سماعها، هحكي. صدقني يا باشمهندس "عمران"، طلع نفسك بره حواراتي ومشاكلي، عشان أنا همي تقيل فوق ما تتخيل. والأكثر قوي إن قدامي وقت قليل والهم الكبير راجع لي من تاني، بس مش عارفة ههرب منه أروح على فين تاني؟
***
رن صوت أنثوي مألوف لدى "عمران" فقطع اللحظة الحزينة، وهو يلتفت خلفه. فقام من مكانه وذهب إليها بابتسامته التي تحيي قلب السكون:
ـ صحيتي يا "سكون"، حمد لله على السلامة. تعالي سلمي على الداكتورة "نور".
***
جاء الرد بنبرة لا تخلو من غيرة دفينة وعتاب مكتوم، كأنها تلوم وجود شخص غريب اقترب من زوجها:
ـ وهي الداكتورة "نور" بقت قدرنا ولا إيه يا سي "عمران"؟ إني ما بقتش مرتاحة لوجودها اهنه في مزرعة الخيل، وطلبت منك قبل سابق إنك تشوف دكتور راجل هو اللي يراعي مزرعة الخيول.
***
ابتسم "عمران" في محاولة منه لتحويل النقاش إلى دعابة خفيفة، كأنه يطفئ بها نيران الغيرة:
ـ كأنك لساتك هتغيري على "عمران" يا "سكوني" وحبه هيشعلل في قلبك لدرجة هتغيري من داكتورة الأحصنة اللي هتشتغل حدانا؟
***
رفعت حاجبيها بحدة وهي ترمقه بنظرة تحمل من الحدة ما يوقظ مشاعره دوماً تجاهها:
ـ وه وما هغيرش ليه يا "عمران"؟ كأنك انت اللي ما هتعرفش يعني إيه غيرة "سكون"؟ لسه هتجربها عاد؟
***
ساد صمت قصير، ثم تكلم "عمران" بنبرة فيها ألم دفين وعشق مهجور، كأنها رسائل لم تجد طريقها إلى قلبها من قبل:
ـ ولما انت هتغيري عليّ، فين إني من كل اهتماماتك؟ من يومك؟ من حياتك؟ أنا ما بقتش موجود معاكي غير لما نتقابل صدفة. يا "سكون"، ريحتك وحشتني. بقالك قد إيه ما جيتيش فرشتك جار عمرانك وهتقضي لياليكي مع ولادك؟ اللي من ساعة آخر مرة جرحتيني بيها في كلامك واني عديت رغم صعوبة اللي حصل.
***
أدارت وجهها عنه وكأنها تخشى أن يرى ما يختلج في ملامحها من حيرة وتعب:
ـ يوه يا "عمران"، ما هتزهقش مني الحوار دي عاد؟ إني حابة أهتم بتفاصيل ولادي ومش حابة أهمل فيهم. دول لساتهم أطفال، لازم تتحمل وياي شوي. هو انت هتفكر إن الأمومة سهلة قوي أكده؟
***
زفر بأنين خافت كأن كل كلماته الماضية لم تجد لها أرضًا لتُروى بها:
ـ كل اللي هتقوليه وأي مبررات هسمعها من بقالي سنين منك مش هتاكل وياي يا "سكون". كنت قبل سابق هلتمس لك الأعذار وأعدي وأكبر دماغي، لكن حابب أعرفك إني خلاص فقدت قدرتي على التحمل في بُعادك عني وإهمالك فيا، بعد ما قضينا ويا بعض سنين ما كانش ليا غير حضنك وما كانش ليكي غير دفا "عمران" وقلبه وروحه وحياته.
***
خفضت عينيها للحظة كأنها تستشعر الذنب، ولكنها أرادت أن تسمع منه أكثر:
ـ يعني انت دلوك يا "عمران" ما هتحبش "سكون" وشايفني وحشة في نظرك؟
***
اقترب منها وكأن في خطواته كل حنين العالم، وصوته يحمل خفقة قلب قديم لم يبرد يومًا، وهو يحتضن كف يدها ويقبل باطنها، برغبة في احتضانها بل واختلافها إلى عالمهم الخاص الفريد من نوعه، والذي حرم من لذته:
***
ـ وكيف ما هحبش السكون يا سكني وروحي ودنيتي الحلوة كلها؟ كيف "عمران" أول ما هيقف قدامك ويمسك يدك لمستك ما تزلزلش كيانه؟ ويصبح وقتها عايز ياخدك ويطير بيكي على عش الحب ويقضي وياكي أجمل وقت هيعيشه في دنيته؟
***
ضغطت بيدها بكفه ببطء كأنها ترد لمسة الشعور القديم، وكلماتها تمضي إليه بنفسٍ من عهد الحنين:
ـ وانت لازم تعرف يا "عمران" إن "سكون" ما بتحبش ولا هترتاح غير في حضنك بس، اديني حبة وقت كمان وصبر، وبعدها هتلاقي عشق الـ"سكون" للـ"عمران" بين يدك وأحسن من الأول كمان.
***
مال بوجهه نحو الأرض وكأن صبره أثقل من طاقته وسنينه تهرب من بين يديه:
ـ وه هنعيدوه ونزيدوه الحديث الماسخ دي؟ هصبر أكتر من السنين دي كلها يا "سكون"؟ واني هشوفك وهخـ.ـطف لحظات هقضيها وياكي كيف ما نكون بنسرق؟ له بزيادة عاد يابنت الناس، هجر لفرشتك ولحضن جوزك. مانتيش أول ست خلّفت ولا آخر ست اتأخرت كام سنة على ما خلّفت. ماتضيعيش شبابنا وأجمل لحظات عمرنا وتهملي احتياجي لحضنك. بزيادة عاد يا "سكون"، كل يوم كأنك اكتفيتي بيهم عن الدنيا بحالها! اتحددت وياكي وقلت لك ارجع، لقيتك في فرشتك وبرده أهملتي كلامي. وقلت سيبها تأهل حالها وتلملم شتاتها، وانتي بردو كيف مانتي. بس خلاص، دي آخر أمر مني ليكي، أرجع ألاقيكي في فرشتك، وبزيادة عاد حديث ماسخ ودلع منك.
***
ثم اقترب منها وأردف بتحذير قاطع نهائي لا رجعة فيه هذه المرة:
ـ أوعاكي المرة دي تقولي "عمران" طيب ومش هيغضب مني. ولا تقولي إني هطنش. يمين بعظيم يا "سكون"، لو رجعت ما لقيتك، لا هيكون تصرفي وياكي بأني هروح للخالة "ماجدة" وهشتكيكي ليها. أظن إني عمري ما عملتها ولا أحب إن اللي بينا يخرج بره.
***
واسترسل بنبرة حزينة وعيناه متألمة:
ـ ولو إنها صعبة قوي على راجل زيي يروح يشتكي مرته لأمها إنها هاملاه. صعبة قوي يا بت الناس.
***
جاء صوت الطفل يحمل وجعه الصغير، وكأن القدر قرر أن ينهي المشهد بنداء بريء:
ـ مامي "سليم" ضربني وأخد مني اللعبة بتاعتي ومعايزش يدهالي، وخلّى لي صباعي واوا، حتى شوفي.
***
ثم تبعه صوت آخر لا يقل ألمًا، كأن الصغار صاروا جزءًا من الحكاية كلها:
ـ مامي اعاااا! "سيف" خربشني وضربني جامد بالرجل في بطني وأخد مني اللعبة بتاعتي.
***
تحرك "عمران" بخطوات بطيئة نحو الخارج وصوته يحمل نهاية خافتة لما تبقى من الحديث، وكأنه اعتاد على هذا المشهد وفقد الأمل:
ـ أمممم... روحي شوفي ولادك يا "سكون"، إني رايح المزرعة وأرجع بالليل ألاقي مرتي في فرشتي.
***
في تلك الليلة الخافتة الأضواء، وبين جدران غرفة النوم التي كثيرًا ما شهدت لحظات الود والبعد، وقف "فارس" يتأمل وجه "فريدة" بصمت ثقيل، يتقلب في داخله بين مشاعر الندم والخوف، كأن قلبه يطرق الأبواب المغلقة بحثًا عن نافذة صغيرة للغفران.
عينيه كانتا تحكيان حكاية رجل أدرك متأخرًا أنه أخطأ، وأن من أمامه لم تكن مجرد زوجة بل وطن كامل هددته رعونة لحظة.
ـ ليه يا "فريدة" حاسس منك إنك ما سامحتنيش زي ما قلتي لي؟ ليه حاسس إنك دايما حزينة وشاردة بالرغم من إني وفيت بوعدي معاكي؟ وحتى التليفون كسرته قدامك واللاب توب عملت له ضبط مصنع وكل اللي عليه اتحذف، يعني أثبت لك حسن نيتي إزاي بس عشان ترجعي لي؟ ليه لما تكوني في حضني بحس إنك مش زي ما كنت زمان؟ مش بحس بلهفتك عليا، وكأنك بتقضي واجب زوجي وخلاص ليا؟ أنا عايز همستك ولمستك ليا تكون بإحساس احتياج واشتياق زي إحساسي ناحيتك بالظبط.
كان صوته يحمل مزيجًا من الحنين والتوسل، كأنه يحاول إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل الجرح، إلى تلك اللحظة التي انكسر فيها شيء ما داخل قلب "فريدة"، شيء لم تعد تستطيع ترميمه بسهولة. كانت عيناه تتوسلان إليها، لكن جرحها كان لا يزال نازفًا.
ـ غصب عني يا "فارس" إني أسمعك وانت بتتحدت ويا واحدة غيري، حتى لو كانت نزوة منك وانت اعترفت بغلطك، إني أرجع زي ما كنت بالساهولة دي؟ في حاجة كبيرة قوي انكسرت جواي منك، حسستني إني قليلة قوي، حسستني إن إني مش مكفياك، وإن إني مش غنياك عن كل الستات، حسستني إني ناقصني حاجات كتيرة قوي عشان تشوفني في عينيك بألف ست.
مرت لحظة صمت بعدها، وكأن كل حرف من كلماتها كان خنجرًا يقترب أكثر فأكثر من قلب "فارس"، لكن رغم الألم، لم يكن في قلبه إلا حبها. فاقترب منها خطوة، وكأنه يقرب ما تبعثر بينهما. صوته كان متوسلًا، يائسًا، عاشقًا يتشبث بحلمه الوحيد.
ـ ومين قال بس إنك قليلة ولا مش مكفاني؟ ولا إني مش شايفك بمليون ست؟ انتِ أحلى من كل اللي أنا عرفتهم وقابلتهم، وأنقى من كل إنسان اتعاملت معاه، وأقرب لقلبي وعقلي وروحي من نفسي حتى يا "فريدة". اديني الأمان صدقيني وأنا مش هخذلك، وارجعي لي بقلبك وروحك. عايز أحس معاكي إني حبيبك اللي ما تقدريش تستغني عنه واللي بتشتاقي ليه زي ما أنا بكون معاكي بكل اشتياقي.
تأملت "فريدة" ملامحه التي تغيرت كثيرًا، لم يكن كما كان يومًا خذلها فيه، بل صار رجلًا يحاول جاهدًا أن يصلح ما تهدّم. لكنها لم تكن مستعدة لترك جرحها يندمل بهذه السرعة، رغم ارتجافة قلبها أمام صدقه. فكانت حروفها تخرج مختلطة بالعقل والقلب معًا.
ـ طب اوعدني إنك مش هتخذلني تاني، ولا إنك هتخليني أسمع اللي سمعته دي تاني. لأن المرة الجاية ساعتها مش عارفة هيحصل إيه لو جرحتني. صدقني هتبقى حالتي صعبة قوي ومش هقدر أسامح ولا أدي فرصة تانية يا "فارس".
شعر "فارس" وكأن العالم كله قد توقف عند وعدها، وكأن قلبه لن ينبض مجددًا إن خذلها مرة أخرى. رفع يده ليضعها على قلبه، كأنه يقدمه قربانًا بين يديها. وكان صوته ممتلئًا بحب لا يحتمل، صادقًا حد الوجع.
ـ ده أنا أوعدك بروحي وقلبي وعمري يا كل عمري صدقيني. أنا ما حبيتش ولا هحب ولا عشقت ولا هعشق ولا قلبي ده حب بصدق غير ليكِ انتِ يا "فريدة". والله العظيم ويمين وقسم خديه على عهد إن قلبي عمره ما يعشق ست غيرك ولا عشق ست غيرك.
أحنت "فريدة" رأسها لثانية، وكأنها تخفي دمعة تأبى السقوط. قلبها المرتبك كأنما يخوض معركة بين الغفران والخذلان. لكنها في النهاية كانت امرأة عشقت بكل ما فيها، فسمحت لقلبها أن يتكلم، للحب أن يأخذ الكلمة.
ـ وانت كمان ما تتصورش إني هحبك كدة إيه؟ بجد انت كل حاجة ليا في الدنيا، انت وبنتنا. ومش عايزة أي حاجة من الدنيا غير إننا نكون مستقرين مع بعض نفسيًا، وما حدش فينا يأذي التاني بأي شكل من الأشكال أصل.
تهللت ملامح "فارس"، كأنه التقط أنفاس الحياة بعد اختناق. فمد ذراعيه نحوها، كمن يبحث عن أمانه الأخير. عينيه امتلأت بندى الرجاء، وصوته خرج متلهفًا، يشبه ارتجافة طفل في حضن أمه.
ـ هو في برده حد يقدر يأذي روحه وقلبه عمره؟ تعالي في حضني، وحشتيني قوي ونفسي في حضنك وانتِ بتضميني قوي زي ما كنتِ بتحضنيني بحب واشتياق قبل كده. احضنيني يا "فريدة" أنا محتاجك.
وقفت "فريدة" لحظة تنظر له، ثم تقدمت نحوه ببطء، ووضعت رأسها على صدره، وكأنها تعلن هدنة بعد حرب. وبين ذراعيه وجدت نفسها من جديد، وتكلمت بكلمات صادقة من عمق قلبها.
ـ تعالى يا قلب وعقل "فريدة". ما تتصورش انت كمان حضنك ده بالنسبة لي إيه، وما تتصورش إني هحبك كدة إيه. ربنا يخليك ليا ويبعد عننا الشيطان يا رب.
ظل الاثنان في حضن طويل، تلوّن بالدموع والحنين والاعتراف، بينما الليل بالخارج يراقب بصمت حكاية حب تنقذ نفسها من تحت الركام. كانت هذه اللحظة بداية جديدة لقلبين اختارا أن يكونا لبعض، رغم كل شيء. ولكن ماذا يخبئ لهم القدر؟
وفي تلك اللحظة، كانت الذراعان تلتفان حولها بشراسة الحنين، كأن "فارس" يعيدها من منفى طويل إلى صدره. احتضنها بكل ما في الشوق من جنون، وكل ما في الحب من لهفة، وكأنه يخشى أن تهرب منه مرة أخرى، أن تضيع كما ضاعت الأيام التي لم تكن فيها بين ذراعيه. كان يقبّلها بحرارة لا تعرف الهدوء، كأن فمه يبحث عن وطنه الضائع فوق عنقها وجبينها، وكأنه يعيد اكتشافها بكل خلية فيه، ينهل من ملامحها كمن يروي ظمأ سنين. لم تكن مجرد قبلة أو مجرد حضن، بل كانت طقس تملّك، طقس عودة رجل إلى معبده المقدس. أنفاسه تختلط بأنفاسها، وقلبه يضرب في صدره بقوة العاشق الذي ظن أنه فقد معشوقته إلى الأبد. وما بين ذراعيه، بدت له كأنها العالم بأكمله، وكأنها الشيء الوحيد الذي خُلق من أجله.
بعد ذاك الأمر الذي فرضه "عمران" بتشبّس لم تستطيع "سكون" عدم تنفيذه، ومرت أيام وأيام كثيرة وحال "سكون" تطور للأصعب في علاقتها بـ"عمران" حيث كانت تنام كل ليلة بجواره وهي تترك قطعًا من قلبها رغما عنها بعدما وضعها عمران في خانة الـ"يك" ولم تستطيع الإفلات من حكمه عليها.
كل ليلة من تلك الليالي الكثيرة التي تنام ليلها بعيدًا عن أبنائها تزرف دموعًا طيلة الليل، وتلك الليلة حالها كمثل حال الليالي المنصرمة، بعد أن تعمق عمران في نومه جلست على التخت بجواره نصف جلسة وهي تتكور برأسها على قدميها وتحدث حالها وهي تتألم بصمت على تلك الحالة التي لم تستطيع الخروج منها مهما مرت الأيام.
ـ لما تبكين "سكون" الست في أحضان الـ"عمران" تلك الأحضان التي تعشقيها كما تعشقين أحضان أطفالك؟
فهذا "عمرانك" "سكون" عشق كل الليالي نبض قلبك الأول والثاني والاخير.
لكنك رغم قربك منه، تشعرين ببعد شاسع لا تدركين حدوده. أين ذهبتِ وأنتِ هنا؟ وكيف اختنقتِ وأنتِ في أمان حضنه؟
أتراكِ تحبين الجميع حد أنك نسيتِ أن تحبي نفسك و"عمران" هو نفسك ونفسُك وجل كيانك؟
أتراكِ تنزفين من كثرة العطاء لهم وقلة الاحتواء له؟ حتى جف فيكِ النبض؟
تشتاقين إليهم في كل لحظة، تشتاقين إليه في اللحظة ذاتها ولا تستطيعين جمع القلوب في قلب واحد، لأنك تقفين بينهم لا معهم.
أكنتِ تظنين أن الحب وحده يكفي؟ أم أن الأمومة ستبقى أقوى من كل شيء؟
أين "سكون" التي كانت تضحك من أعماقها؟ هل ماتت في زحام الواجب؟ أم نُفيت إلى آخر زاوية في الحياة؟
ثم ارتعشت أنفاسها، واغرورقت عيناها من جديد، وابتلّت راحتيها وهي تمسح دمعًا لا يشبه سواه، دمع الممزقة ما بين قلبين، ونداءين لا يمكن أن تلبيهما معًا دون أن تخسر نفسها على عتبة أحدهما.
لماذا أشعر وكأنني أنقسم إلى نصفين؟
لماذا كل قرار بسيط، يتحول في صدري إلى حـ.ـرب؟
أيعقل أن حضن أطفالي يسرقني من حضن زوجي؟
أيعقل أنني أُرضيهم فأخذله؟
أمسك بيد هذا فأترك يد ذاك؟
هل أنا أم أنانية؟ أم زوجة مقصّرة؟ أم امرأة لم تعد تعرف من تكون؟
كلما أوشكت على النوم في حضنه، سمعت أنفاس أولادي فاشتاقت روحي إليهم.
وكلما اقتربت منهم، شعرتُ أنني أبتعد عنه، فأخونه دون أن أقصد.
أنا لا أريد أن أخسرهم ولا أريده أن يخسرني.
لكني أخاف أنني بخوفي من الخسارة، سأخسر كل شيء فعلًا.
كانت الليلة ثقيلة كما ألفتها الأرواح الموجوعة، ساكنة سكونًا يشبه البرك الراكدة حيث لا حركة تنبئ بالحياة. إلا أن بين جنبات الغرفة الصغيرة كان هناك قلبان يضجان بصراخ صامت لا يسمعه سواهما.
"عمران" لم يكن نائمًا كما كانت تعتقد "سكون"، بل كان ممددًا بجسد ساكن وعينين نصف مغمضتين وقلب يقظ، يترقب اللحظة التي تظنه غفا فيها، ثم تبدأ هي في طقوس بكائها المعتادة، تلك الطقوس التي أصبحت لعنة تسكن وسادته وتحرمه لذة الاحتواء.
تناهى إلى سمعه صوت أنفاسها المتقطعة، لم تكن تبكي بصوت، بل كانت تهتز بصمت موجع، جسدها يرتجف كما لو كانت تتلقى طعنات متتالية لا تُرى. وحين رفعت يدها تمسح دمعة على خدها المبلل، لم يعد بمقدوره أن يصبر أكثر.
تحرك بجسده فجأة، جلس في الفراش يرمقها بنظرات مثقلة بالخذلان والغضب والحزن. كان يرى في عينيها شيئًا يشبه الهزيمة، لكنه لم يشأ أن يواسيها، بل أراد أن يوقظها.
ـ انتِ فاكرة إني هنام جارك يا "سكون" واني سامعك وحاسك وانتِ هتبكي كل ليلة؟
فاكرة إني هغيب عنك في الليل زي ما إنتي بتغيبيني عن حضنك بعد ما أنام وكأني طوق هيخـ.ـنقك، ولما تصدقي إني نمت تبكي كل ليلة والتانية؟ انتِ مش حاسة بيا واصل ولا عاملة حساب إن في راجل بينك وبينه عشرة وبيت وسنين وعشق وأزمات عديناها سوا وانتِ بعمايلك دي هتهدي كل الحلو اللي بيناتنا؟
انتِ فاكرة دموعك دي بتعدي من جنبي أكده عادي؟ لاه يا "سكون"، دي كل دمعة فيهم هتنزل على قلبي زي الـ.ـنار، بتكوي قلبي وكبريائي وكرامتي كراجل هتحسسيه إنه هيغصب مرته على حضنه.
اتسعت عينا "سكون" بدهشة مشوبة بالخجل، رفعت نظرها إليه بعينين دامعتين، شفتاها ترتجفان، لم تكن تظن أنه يعلم، كانت تبكي بصمت، تعتقد أن الظلام يخفي وجعها، لكنها نسيت أن الظلام لا يعمي القلوب. فتابع لومه.
ـ كنت هقول لنفسي اصبر عليها، هتتعوّد، هتتعالج من التعلق المرضي اللي مسيطر عليها. بس واضح إنك ما بتتعلّمش، انتِ مصرة تعيشي نص واحدة، لا قدرتي تسيبي أولادك ولا عرفتي تصوني جوزك. واني اللي دفعت التمن كل ليلة في حضنك وإنتي بتبكي كأني سجان مش جوزك.
تكسرت الكلمات في صدر "سكون"، لم تجد ما تقوله، سوى أن تُنزل رأسها، أن تخبئ وجهها من قسوة عتابه التي كانت صادقة حد الألم. أرادت أن ترد، لكن صدرها كان ممتلئًا باعترافات ووجع، فرفعت رأسها ببطء وتكلمت بصوت حنون مشوب بالانكسار.
ـ إني ما بكرهش نومتي جارك صدقني يا "عمران". إني هحبك، هحبك حب كبير قوي. بس قلبي مش عارف يقسم نفسه بينك وبينهم. مش قادرة أتخلى عنهم لحظة. حاسة إني لو بعدت عنهم لحظة هيفوتني عمر. إني بحاول أرضيك، والله بحاول، بس مش بقدر، مش عارفة أختار ما بين حضنك وحضنهم. كل واحد فيكم ليه وجعه وليه حنيني. فخلينا نتقابل كزوج وزوجة بحب وحنان وهديك وهاخد منك الحب كله، بس أروح أنام في حضنهم، حاسة إني أنفاسي هتتسحب مني واني بعيدة عنيهم.
تأملها "عمران" لحظة طويلة، رأى في عينيها الطفلة التي تخاف أن تفقد، والمرأة التي تاهت في زحام الأمومة. لكنه لم يكن بمقدوره أن يصفح بسهولة، لم يكن ضعيفًا لدرجة القبول بالمجتزأ من الحب. أحس بالخذلان والوجع من كلماتها بألم وانكسار ما لم تتحمله الجبال ولا أعتى الرجال، فامرأته تصرح أمامه بل وتستعطفه أن يتركها تبتعد عن أحضانه.
ـ بقى عايزاني آجر حضنك يا "سكون"؟ آخد من حنانك وأرتوي منك وترتوي مني دقايق هتمنّي عليا بيهم من وقتك وبعد أكده تهمليني وأني وهبتك كل عشق الـ"عمران"؟
انتي فاهمة يعني إيه راجل ينام وهو حاسس إن مرته نايمة جاره ودموعها هتغرق هدومه هيحس بايه؟ فاهمة يعني إيه كل يوم أحس إني عبء عليكي وأقول فترة وهتعدي ألقاها هتزيد وتزيد معاها الفجوة في قلبي ناحيتك؟ إنك هتبصي لولادك بحنية وهتبصي لي كأني حد لازم تصبري عليه؟ دا اسمه إيه؟ دا اسمه جواز؟ دا اسمه حب؟ انتي نسيتيني يا "سكون"، وأنا موجود، عايش جنبك، بتألم كل لحظة.
جرت "سكون" نفسها من فراشها كأنما لم تعد تحتمل قسوة الاعتراف. جلست على الأرض عند قدمه، رفعت وجهها إليه وقد بللته الدموع، أمسكت بيديه المرتجفتين من شدة الغضب وقالت بصوت لا يكاد يُسمع وهي ترى قهر العاشقين في عينيه يصرخ ألمًا شديدًا منها.
ـ متزعلش مني، والله ما أقصد أوجعك. إني تايهة، تايهة بين أمومتي وحبي ليك. حاسة إني محتاجة حد يفهمني ويفهم مشاعري اللي هتغصبني على أكده. بس خايفة. إني مش قاصدة أجرحك، بس وجعي بيغلبني. إني لسه بحبك زي أول يوم، بس مشكلتي إني حبيت ولادي من نفس القلب، وحبي ليك اتكسر ما بين المسؤولية وإحساس أمومتي ناحيتهم واني أنام في حضنهم.
سكت "عمران" للحظات، كانت يداه في يدها، وعيناه تشي بالغضب والخذلان، لكنه لم يسحب يده، كأنما لا يزال فيها بقية من ود، أو بقية من أمل في إصلاح كل شيء.
ـ انتِ محتاجة تتعالجي من ده. لازم ترفعي عنك الغشاوة. لو كل أم فضلت متعلقة بأولادها بالشكل دي، هتخسر نفسها، وتخسر جوزها، وهتخسر ولادها كمان. التعلق ده مش حب، ده احتياج مرضي بيهدّك كل يوم. وأني كل يوم بحاول أبنيكي تاني وانتي تهدي كل الحلو اللي هبنيه ليكي جوايا.
رفعت "سكون" وجهها فجأة، وكأنما ضربتها كلماته في أعماق وجعها. أرادت أن تصرخ، لكنها لم تفعل. اكتفت بأن تغمض عينيها، وأن تسند رأسها على ركبتيه. كان حضنه ما يزال وطنها، رغم كل شيء.
ـ سامحني يا "عمران". سامحني إنك بتحاول تصلح بينا ومش بتلاقي فيا جزء يساعدك. سامحني إني اتعودت أكون أم أكتر ما أكون مراتك. سامحني على بكايا اللي كسر كبريائك. وسامحني إنك لسه شايف فيا حاجة تستاهل. بس صدقني غصب عني والله غصب عني حتى دموعي اللي هتنزل مني كل ليلة بحاول أمنعها وهتنزل من عيني غصب عني.
ضاقت عينا "عمران" بتعب دفين، مدّ يده ووضعها على رأسها بفقدان أمل لا يخلو من العتاب. قال بصوت خافت لكنه كان كالسيف.
ـ إني مش هسامحك، إلا لما ترجعي لي "سكون" اللي حبيتها. اللي كانت هتبص لي بعشق وعيون هتلمع كل لما تشوفني. اللي حضني كان بالنسبالها أمان، مش فرض، مش حكم. وقتها هسامحك، وهسامح دموعك، وهسامح الأيام اللي اخدتك مني.
ظلت "سكون" ساكنة، لا تبكي هذه المرة، بل كانت تشعر بأن جدارًا من التشتت قد انهار داخلها. لم تكن بحاجة إلى بكاء آخر، بل إلى أن تواجه ذاتها، أن تختار من تكون، أو على الأقل، أن تتصالح مع ما تبقى منها.
وخارج الغرفة كانت الحياة ساكنة كما الليل، لكن في قلب "سكون" كانت العاصفة قد بدأت تهدأ. لأول مرة، منذ سنوات، لينطق "عمران" بوجع وخذلان وقلب مجروح من امرأته التي يعشقها وهو يتمدد على التخت ويعطيها صدره ناطقًا بخزي:
ـ روحي نامي جار ولادك "عمران" مبقاش رايد حضنك ولا رايد منك وتفضلك عليه، ولا هيشحت منك حقه تاني.
في تلك اللحظة التي خيم فيها الصمت بين "عمران" و"سكون"، لم يكن مجرد صمت عادي، بل كان كفيلاً بهدم جدران الثقة التي شيدوها معًا طيلة سنوات من العشق والمحن. كان قلب "عمران" ينزف بصمت، كأن نظراتها الحزينة تطعن كبرياءه في مقتل، بينما قلب "سكون" يتشرخ ببطء تحت وطأة العتاب الذي لم تكن تملك له ردًا إلا وجعًا. نظرت إليه بعين يائسة ثم أسندت ظهرها إلى الحائط وانكمشت على نفسها، وكأن الأرض وحدها باتت مأواها. أما "عمران"، فظل جامدًا في مكانه، عاجزًا عن لملمة ما تبعثر من حبها في تلك اللحظة التي سال فيها العتاب مرًا في العروق. وهكذا بدأ العشق بينهما، ذلك العشق الذي تحدى كل شيء في الانهيار بصمت مخيف، كأن القدر قرر أن يختبر ما تبقى من قلوبهما المنهكة.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الخامس والسبعون 75 - بقلم فاطيما يوسف
معًا طيلة سنوات من العشق والمحن. كان قلب "عمران" ينزف بصمت، كأن نظراتها الحزينة تطعن كبرياءه في مقتل، بينما قلب "سكون" يتشرخ ببطء تحت وطأة العتاب الذي لم تكن تملك له ردًا إلا وجعًا.
نظرت إليه بعين يائسة ثم أسندت ظهرها إلى الحائط وانكمشت على نفسها، وكأن الأرض وحدها باتت مأواها.
أما "عمران"، فظل جامدًا في مكانه، عاجزًا عن لملمة ما تبعثر من حبها في تلك اللحظة التي سال فيها العتاب مرًا في العروق.
وهكذا بدأ العشق بينهما، ذلك العشق الذي تحدى كل شيء في الانهيار بصمت مخيف، كأن القدر قرر أن يختبر ما تبقى من قلوبهما المنهكة.