تحميل رواية «من نبض الوجع عشت غرامي» PDF
بقلم فاطيما يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
حلَّ الليلُ على البيت، وغرقت البلدة في صمتٍ ثقيل، كأن كل شيء توقف عن الحركة ليترك السكون يسود. في الطابق السفلي عند نهاية الممر الطويل، وُجِدت تلك الغرفة ذات الباب الرمادي، مغلقة كعادتها في مثل هذا الوقت. لا أحد يقترب منها، ولا أحد يسأل. "فريدة" بخطواتٍ هادئة لا تُحدث صوتًا، هبطت السُّلم وهي تحتضن بين يديها كتابًا كانت تقرأه قبل قليل لكنها لم تستطع التركيز. هناك شيء ما منذ أيام يتحرك في عقلها ولا تستطع الإمساك به. حدس خافت، شعور بأن ثمة ما يتسلل من بينها وبين "فارس". حين اقتربت من الغرفة توقفت....
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الحادي والستون 61 - بقلم فاطيما يوسف
وضعت كفها على كفي، وبنفس طريقته ونظراته نطقت:
_ كل كلمة ووعد وتهديد وتحذير وجهته لي دلوك لك زيه وأكتر، وزيد عليهم كيد النسا اللي تدعي ربنا ينجيك منه.
صار كليهما يدوران في نفس المكان، ونظراتهما تحوي آلافًا من تحدي العناد وجيوش الغضب. وكل منهما يظن أن الآخر قد غدر به ونسي عشقه، وكل منهم يردد داخله نفس المقولة:
"على الباغي تدور الدوائر".
وبنبرة تحذيرية هزها بعنف مهددًا إياها:
_ اعملي حسابك، خروج من البيت دي ممنوع لحد ما تتربي، يا سكون، تتعلمي إزاي مع جوزك.
تحدثت برفض قاطع:
_ مش من حقك تمنعني من الخروج ومن شغلي. أنا هسيب لك البيت خالص يا عمران ومش هعيش فيه ثانية واحدة بعد اللي شفته بعيني.
احمرت عيناه بغضب شديد من عصيانها له، ثم ألقاها على التخت هادرًا بها:
_ طب جربي تعتبي عتبة الأوضة دي يا سكون وتخالفي كلامي. ورب الكون لا تشوف وش عمرك ما شفته على عمران قبل كده.
وأكمل وهو يقفل أزرار حلته بنفس غضبه:
_ وبكرة تتأكدي إن الفيديو الأهبل ده مش حقيقي، وإن كل اللي في دماغك عني وهم. وساعتها عقابك على تنزيلك لولدي اللي في بطنك، والحبوب اللي بتاخديها دي علشان متخلفيش مني، عقاب ما تحمليهوش يا سكون. عقاب عمران قاسي قوووي.
وتركها وغادر الغرفة والمنزل بأكمله. فارتمت بجسدها على التخت ودفنت رأسها في الوسادة وهي تبكي بغزارة، وتتذكر ما حدث منذ الأمس إلى الآن، جعل حياتها انقلبت رأسًا على عقب.
كانت سكون تشاهد الفيديو مرارًا وتكرارًا، ودمع عيناها يهبط بغزارة على وجنتها.
ثم رمت الهاتف أمامها على المكتب، وما زال الفيديو مستمرًا في التشغيل.
سمعت شهقاتها فريدة، صديقتها في الخارج، وهي آتية إليها. فدَلَفت على الفور وهُلِعَت من حالتها المزرية. ثم اقتربت منها وهي تسألها بخوف:
_ مالك يا سكون، في إيه يا حبيبتي؟
وكادت أن تكمل سؤالها، إلا أن عيناها رأت ذاك الفيديو. فوضعت يدها على فمها تكتم شهقتها، ثم أغلقت الهاتف فورًا، ثم جذبتها إلى أحضانها وهي تحاول تهدئتها:
_ بسسس، متعيطيش، مش كفاية اللي انتِ فيه يا حبيبتي.
ظلت تبكي في أحضان صديقتها وهي تردد من بين شهقاتها:
_ شفتِ الفيديو واللي فيه عامل إزاي!
مش عارفة ليه عمل كده. خان أبوه. ومعرفنيش ماضيه ولا أي حاجة عنه.
ثم أكملت بنحيب:
_ ليه كسر قلبي بالطريقة دي؟ آااه يا قلبي اللي اتوجع واتقهر. آااه يا حب السنين. آااه يا عمررررران ليه؟
_ يا سكون، متظلميهوش، الله أعلم هو عمل كده كيف. وكمان ملكيش حكم على ماضيه.
_ إزاي مليش حكم على ماضيه؟ ده مرت أبوه وعايشة معانا في نفس البيت.
أتاري كنت أشوف نظراتها ليه وكنت بكذب نفسي. إزاي هقدر أتحمل ده كله؟ ازاااي يا فريدة؟
لم تفصل بكاؤها، وظلت تبكي على حبيب قد غدر، وعلى مرض لن تشفى منه، وأصبحت حياتها قاحلة الآن في وجهة نظرها. ثم رددت وهي تمسك جبهتها من صداع الرأس الشديد التي تشعر به الآن:
_ هي خلاص اتقفلت بينا، لا أنا عدت تنفعه وهو هدم جسر الثقة ما بينا.
سألتها فريدة بخوف:
_ معناته إيه كلامك ده؟
تنهدت بحسرة وألم نفسي انتابها، ثم تحدثت:
_ معناته إن خلاص حدوتة الشاطر حسن خلصت على كده.
ثم حملت حقيبتها وغادرت مكتبها والمشفى بأكملها، وعقلها يدور بتفكير فيما هو قادم، وكيف ستسير أمورها مع عمران.
وصلت إلى المنزل وحمدت ربها أنها لن تجد أيًا منهم، وصعدت على الفور إلى شقتها، وهو لم يأتِ بعد.
جلست تفكر كثيرًا وكثيرًا حتى اهتدت لما ستفعله بقلب انشطر حزنًا وألمًا.
سمعت صوت سيارته قد جاء، فدخلت حمام غرفة نومها، ثم أمسكت هاتفها واتصلت بفريدة، صديقتها، وما إن أتاها الرد حتى طلبت منها:
_ شوفي بقى إنتي تسمعي مكالمتي وتتماشي معايا فيها.
_ يعني إيه يا سكون؟ مفهماش حاجة واصل.
استمعت إلى صوت قفل الباب وصوت أقدامه دلف إلى غرفة النوم، فاعتلى صوتها:
_ انتِ اتجننتي يا فريدة؟ عايزاني أقول له كيف إني كنت حامل ونزلت الجنين علشان ما عايزااش عيال دلوك؟
ولما يسألني عن السبب أقول له إيه؟ كده هيشك إني لسه مش بثق فيه.
كانت فريدة تستمع لها بغرابة، ثم تابعت سكون وهي تعلي صوتها مرة أخرى:
_ أمال لما يكتشف إني باخد حبوب منع الحمل كمان هيعمل إيه في؟
كان عمران يبحث عنها، ثم سمع صوتها تتحدث في الحمام، فاندهش، فليست عادة سكون أن تتحدث في الحمام. فكاد أن يدق الباب كي يطمئن عليها، إلا أنه استمع إلى كلمتها "نزلت الجنين" فاتسعت عيناه بذهول ووقف يستمع إلى مكالمتها بإنصات شديد، إلى أن ذكرت حبوب منع الحمل، فذهب إلى الأدراج كي يبحث عن تلك الحبوب التي تتناولها، وذهل بشدة عندما وجدها.
لو لم يستمع بأذنيه إلى حكاها، لم يصدق أبدًا مهما حُكي له من ألف حاكي. لو لم يستمع بأذنيه ما قالته الآن، ما كان مصدقًا.
الآن وصلت سكون لما أرادته، ثم أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تخرج له كي تواجه أشد وأصعب مواجهة في حياتها. مواجهة الفراق. مواجهة الألم. سلام الله على البريء قلبي من الألم، من الاشتياق لك عمراني.
ثم دقت على قلبها تنهره: كفى قلبي، ما زلت تنعته عمرانك! تعلم القسوة كي تواجه فراق العمران، فكل الطرق سُدَّت أمامك الآن، ولم يعد غير الذكرى بيننا.
استجمعت شتاتها المفرق وأخذت نفسًا عميقًا، ثم خرجت إليه وداخلها منهار.
خرجت، وجدته يضع وجهه بين يديه وهو مصدوم فيها مثلها. يالها من لعبة الأيام، فقد قصدت وجعه كي تبتعد بسهولة دون أن يؤنب ضميره. الآن ارتدت قناع الجمود. قناع النسوة اللواتي يتمرسن الكيد كي تخرج من مواجهة عمران بكلمة واحدة تنهي ميثاق الحب والعهد على البقاء.
رفع رأسه أخيرًا وهو مصدوم منها. فتلك صغيرته التي عشقها فوق العشق عشقًا ذبحته بنصل بارد. إلى الآن يدور في خلده عن أسباب يقنع حاله أن ما استمع إليه أوهام. ولكن ما أبشع تلك الحقائق، من لم نتوقع منهم الغدر. فرفع ذاك الدواء أمامها وسألها:
_ إيه دي يا سكون؟ بيعمل إيه في دولابك؟
رأت عيناه اللامعة بدمع الصدمة فيها، وكادت أن ترتمي تحت قدميه وتحكي له كل شيء عنها. ولكنها تذكرت ذاك الفيديو، فقست قلبها كالحجارة أو أشد قسوة، وأجابته:
_ دي حبوب منع الحمل، ما عايزااش أخلف منك يا عمران.
انتفض واقفًا مكانه بحدة، ووقف أمامها، وبعينين مظلمتين هتف بهدوء ما قبل العاصفة:
_ وايه تاني يا ملاك؟ كملي تقطيعك في عمران علشان لما يقسى ويدوس، يبقى عندي حق.
ضمت شفتاها بغضب مماثل له، ثم أحضرت هاتفها وفتحته أمامه وعرضت الفيديو أمام عينيه وهي تهتف بنبرة مماثلة:
_ مش لما تفهمني إيه دي أنت كمان؟
اتسعت مقلتا عمران وهو يشاهد ذاك الفيديو القذر، فلأول مرة يراه. ثم جذب منها الهاتف وأعاد تشغيل الفيديو مرة بعد مرة، وإذا به ينصدم حتى اكتشف أنه كان نائمًا وخارجًا عن الوعي، وتلك الوجد استغلت خلوته، ومن الواضح أنها كانت تضع له شيئًا في المشروب غيبه هكذا. فكم تذكر عدة مرات شعوره بالدوار وأنه نام مكانه في الاسطبل دون أن يشعر، ولكنه حينما يستيقظ كان يجد ريحتها المقززة لقلبه تملأ جسده، حتى كشفها تلك المرة وصفعها صفعات عديدة، ولم يعد يأكل أو يشرب أي شيء من يدها.
أما هي، اندهشت بشدة من صمته وهو يشاهد الفيديو مرة بعد أخرى وعيناه مصدومة، فتحدثت:
_ إيه لسانك سكت دلوك يا عمران؟ وما عادش قادر تتكلم دلوك وانت شايف نفسك هيمان في أحضان مرت أبوك وبتخونه.
لم يتحمل كلمتها تلك وطريقتها ووصفه له بذاك الوصف الشنيع. وفجأة، ومن شدة غضبه، صفعها على وجهها صفعة قوية وهو يهدر بها بعيني قاتمتين:
_ اخرصي. أوعاك تقولي الكلام ده تاني يا سكون. انتِ مفهميش حاجة واصل. اللي في الفيديو ده غلط، وبكرة تعرفي كل حاجة.
استقبلت صفعته لها بعينين دامعتين بصمت، وقلب انشق إلى نصفين داخل جسدها، وما عادت قادرة على تجميعه مرة أخرى، فقد ذاب الحجر. ثم سألته بنبرة مستميتة وهي تترجاه أن ينفي ما في الفيديو بتاتًا وأنها خدعة من تلك الماكرة:
_ طب قول لي الفيديو متفبرك، وإني مش انت اللي بتتمرمغ في حضنها بالطريقة المثيرة دي. آهاتك وانت مغمض عينيك ومستمتع جوه أحضانها قتلتني يا عمران.
ثم أكملت وهي تضع يدها على قلبها، وكأنه خائفة عليه أن يقع صريعًا بين يديها:
_ اااه يا قلبي اللي اتوجع منك بالجامد وبيتممنى الموت ولا إنه ينصدم الصدمة دي.
مش مسامحاك يا عمران، وقلبي اللي أنت جرحته وخنته مش مسامحك. قلبي اللي كان مستعد يدوس على نفسه ويتقبل أي فعل شين من أهلك علشان خاطر يفضل جنبك هادي ومطمن، مش مسامحك.
وأكملت وهي تضع يديها نصب عينيها تبكي بغزارة:
_ ليه خنت العهد والوعد!
ليه كسرت قلب كان مستعد يضحي بعمره كله عشانك؟
لم يتحمل بكاءها ولا فهمها الخطأ للأمور، ولكنه تذكر أنها أجهضت جنينه، ويزيد عليهم تناولها لتلك الحبوب التي تمنعها من أن تحمل في أحشائها جنيناً منه. لم يهمه أن يصلح مفهوم ذاك الفيديو أمامها، لأنه لن يحكي لها عن أسرار عنائه بسبب تلك الوجد سنوات، فهو لن ينقص من رجولته أمامها مهما حدث، ولكنها ستتأكد حينما تخرج تلك الوجد من ذاك المنزل أنها أخطأت به وبحقه.
أما عنها، كيف له أن يسامحها فيما فعلته به؟ لقد جعلته يشعر بأنه ليس رجلاً في عينيها. دمرت كبرياء رجولته، هزمت جنود العشق لها في قلبه. ثم نطق بوجع:
"طب أنا وكل حاجة هتعرفيها وعن قريب، وهتعرفي إن الست دي شيطان مدمر بتعمل أي حاجة عشان توصل للي هي عايزاه."
"منكرش إنها عرضت نفسها عليا كتير، بس أنا كنت برفض لإني مبطيقهاش، بس دي كانت مرت عمي، ودلوقتي مرت أبويا. ولو خدت أي رد فعل غير محسوب هنتقاتل أنا وأبويا، وأنا مهعملش كده. كنتِ اصبري واتأكدي الأول قبل ما تقتلي ابني اللي بترجاه من الدنيا. ومكفكيش كمان بتاخدي حبوب منع الحمل يا سكون عشان متخلفيش من عمران؟"
ثم أمسك ذاك الدواء وقام بتفتيته بين يديه، ثم اقترب منها وهو غاضب، وعيناه لم ترى شيئاً سوى أنها خدعته وكسرته وأنقصت رجولته، وهو يتحدث بما ينوي فعله:
"طب أنا همارس معاكي حقي الشرعي دلوقتي من غير ما تاخدي الحبوب، وهكررها غصب عنك مرة واتنين وتلاتة لحد ما تحملي تاني، ومش هتخرجي برة عتبة الأوضة دي غير لما تولدي وأشيل ابني اللي بترجاه من الدنيا يا سكون، وبعدها فارقي كيف ما انتِ رايدة. انتِ مصنتيش عمران."
كادت أن تعترض، ولكنه لم يمهلها فرصة الاعتراض واقترب منها وهو يمارس حقه فيها، ولم يأبه لرفضها. وانقلبت موازين العشق الآن لدى عمران وسكون إلى حرب ضرارية فتكت بقلوبهم البريئة في العشق.
هبط عمران للأسفل ووجد الزغاريد تملأ المكان، فقد كانت والدته وأختاه تجلسان بجانبها وهم يهللون فرحاً. فحاول ضبط نفسه كي لا ينكشف أمره ورسم البسمة على وجهه:
"صباح الخير عليكم. إيه اللي مفرحكم قوي كده؟"
ردت والدته وعلامات السعادة تنطق على وجهها:
"تأشيرات الحج بتاعتي أنا وأبوك جت أخيراً، والمشكلة اللي كانت تبعه في الباسبور بتاعه اتحلت وهنمشي كمان يومين يا ولدي. عقبالك إنت ومراتك، ووقتها تكون جابت عيل صغير تسيبهولي هنا حتة منيكم تونسني."
وأكملت وهي تنظر للأعلى:
"الله، أمال فين سكون؟ كل دي مسمعاش الزغاريد وتنزل تفرح ويانا."
تحمحم عمران وابتسم كي لا يظهر عليه أي حزن، فلو علمت زينب ما بهما لن تصمت حتى تعرف ماذا حدث:
"اممم.. هي منزلتش النهاردة ولا راحت الشغل، بتقول إنها همدانة وعايزة تريح النهاردة وسايباها نايمة فوق."
هنا انفرجت أسارير زينب ثم تفوهت بسعادة:
"يانهار الهنا يا ولدي، لا تكون مراتك حامل والهمدان دي من الحمل."
حزن داخله بشدة ما إن ذكرته زينب بالحمل، وبات غاضباً حينما تذكر جنينه الذي أجهضته سكون بدون رحمة أو رأفة به، وباشتياقه لأن يكون له قطعة منه بعد كل ذاك العناء والعمر يمر به.
وبات داخله يردد:
"كم كنتِ قاسية معي يا سكوني، وخانتني عيناي في برائتك المزيف."
ثم عاد من شروده واحتضن والدته قائلاً بنفي:
"له يا حاجة مش حامل، وبعدين دي دكتورة نسا يا أمي يعني ميخفاش عليها الحاجات دي."
أما في الأعلى، تحدثت سكون مع فريدة وهي تستنجد بها:
"يا بنتي بقولك أخد الحبوب وكسرها وحابسني في الشقة ومش راضي يخرجني. فأنتِ اعملي نفسك جاية تطمني عليا وهاتيلي حبوب غيرها."
رفضت فريدة ما قالته:
"وه عايزاني أعمل كده كيف يا سكون؟ ولو جوزك عرف وقتها يطخني عيارين يجيب أجلي."
دبت سكون في الأرض غيظاً منها:
"وهيعرف منين يا فريدة؟ متجننينيش. أمي. أنا مش هخليه يشوفها واصل. وبعدين أنتِ عارفة إني لازم آخدها عشان لو حملت هسقط، وأكده الرحم بتاعي هيتفيرس، وبدل ما أعالج حاجة هدخل في حوارات تانية أنا في غنى عنها."
ثم أكملت برجاء وهي تدمع من حالتها الصعبة:
"ارجوكي يا فريدة، أنتِ الوحيدة اللي عارفة إني بيا إيه، متتخليش عني. وعمران دلوقتي عامل زي الطير المذبوح من ساعة ما عرف إني نزلت اللي في بطني، ومهيموش أي حاجة غير إنه يعاقبني على اللي عملته."
نفخت فريدة بضيق ثم هتفت باستنكار:
"طب وبالنسبة للي عمله هو، برر موقفه بإيه إن شاء الله؟"
أجابتها وهي ترجع خصلاتها للخلف:
"بيقول إن الفيديو ده مش صحيح، وإن البت دي شيطان، وإنه مبحبهاش وعمره ما قبلها، وإن كل حاجة هتبان، ووقتها هعرف إني ظلمته."
"وه انتِ صدقتيه يا سكون؟"
أكدت لها وهي تثق في عمران عندما جلست مع حالها وفكرت في الموضوع من كل جوانبه:
"وأنا أصدقه ليه؟ أنا قلبي عمري ما كذب عليا، وقلبي صدقه وبالثلت كماني. عمران ميخونش سكون أبداً، ولا عمره يعمل العملة المهببة اللي في الفيديو دي."
"الله، أمال اللي إحنا شفناه ده إيه يا بت الناس؟"
"معرفش يا فريدة، في حاجة غامضة في الموضوع ده، بس اللي أنا واثقة منه إن عمران عمره ما يخوني، ولا يخون أبويا أبداً. عمران ولد حلال."
"طب لما هو أكده، خربتي على حالك ليه؟ وخسرتيه وخسرتي حياتك الهادية يا حبيبتي."
شهقت سكون وهي تتذكر مابها وتحدثت من بين شهقاتها:
"انهارت يا فريدة أول ما شفت الفيديو، ووقتها معرفتش كنت عاملة كيف المضروبة على دماغي ومتخبطة في كل حاجة. وحسيت إنه خان العهد والوعد، وخصوصاً إن اللي حصل في الفيديو حاجة مقززة قوي. قلبي متحملهاش، فعملت اللي عملته، وقلت له إن الفيديو ده معايا من كذا يوم. لكن لما قعدت شوية مع حالي وهديت هبابة، جبت الفيديو تاني وقعدت أتفرج عليه كذا مرة. حسيت إنه مغمض عينيه وشكله ما يكون نايم. وبعدين الست دي دايماً بتبص له نظرات غريبة لمحتها كذا مرة، بس بعمل نفسي مش مركزة عشان لو اتكلمت فيها، قطع رقاب دي."
واسترسلت حديثها وهي تفهمها:
"عمران نفسه يبقى أب، وأنا حرمته من كده. واللي حصل هيخليه يكرهني ويطلقني، واكيد هيتجوز ويعيش حياته مع واحدة غيري تفرح قلبه وتجيب له العيل اللي بيترجاه من الدنيا."
"يا بت الناس، متخربيش على نفسك وعرفيه كل حاجة عن حالتك، وهو واجب عليه يقف جارك ويساعدك وميتخلاش عنك. ماهو عنده أسرار وغموض هو كمان ومرضيش يتكلم، فاستغلي الفرصة وعرفيه يا سكون."
أخذت نفساً عميقاً ثم زفرته بإنهاك وقالت:
"الكلام دلوقتي فات أوانه يا فريدة، لازم تاجي النهاردة وتجيبي لي الحبوب الأول، وبعدها هشوف هعمل إيه."
"حاضر يا سكون، في حالة ولادة هنا هخلصها وهعدي عليكي."
أما في الأسفل، أرسل عمران رسالة لرحمة أن تأتي وراءه على الإسطبل، فذهبت إليه.
رأته يحتضن وجهه بين كفي يديه، فارتاعت من هيئته واحمرار عينيه عندما رفع وجهه إليها، فسألته بخوف عليه:
"مالك يا عمران، حصل إيه مخلي حالتك ما يعلم بها إلا ربنا كده؟"
تنهد بحسرة وألم نفسي مما حدث معه وسكون، ثم حكى لها ما حدث من البداية للنهاية مع سكون. فضربت على صدرها ونطقت بذهول:
"كيف دي؟ سكون كانت حامل وأجهضت الجنين."
"بتقول إن الفيديو ده جالها من يومين، وفي نفس اليوم عرفت إنها حامل وقررت إنها متخلفش مني وأخدت حبوب منع الحمل. هي شايفة إني خنتها مع مرت أبويا. سكون بقت شايفة عمران غدار وخاين وعامل علاقة مع مرات أبوه يا رحمة."
وأكمل وهو يود أن يختنق تلك الرحمة بين يديه:
"الله الوكيل محيشنيش عن البت دي غير أبويا، بس ورب الكون، لاهندمها على الفيديو ده وهخليها تكره اليوم اللي جت فيه الدنيا."
طلبت منه رحمة أن تشاهد الفيديو، فرفض قائلاً:
"له يا رحمة، كيف هتشوفي الملعونة دي وعمايلها معايا!"
داي بت فاجر ومتعرفش أخلاق ولا اتربت واصل.
_ طب كيف ياعمران صورتك الفيديو دي؟
_ ماهي الهانم كانت أمك مقعداها وسطينا وبتدخل فينا، وشربنا، واكيد حطت لي حاجة غيبتني عن الوعي وعملت اللي عملته. ولما ملقتش فايدة معايا من السحر والأعمال، استغلت الوقيعة بيني وبين سكون علشان تنتقم لقلبها المريض.
_ طب ليه ياعمران لما عرضت نفسها عليك مرة واتنين مضربتهاش بالجزم وعملت لها فضيحة وخلصت منها، بدال الأذية اللي أذيتيهالي دي كلها يا ولد أبوي.
_ كنت متربط يارحمة وحاسس إن لساني أخرس، ومكنتش أعرف حالتي ولا بيا إيه وقتها. كانت ماسكة مفاتيح رجولتي بيدها من سحرها الأسود، وكانت دايما تلمح لي بحاجات أكده. ولما ربنا شفاني من سحرها الأسود، كنت جاي أهد المعبد فوق دماغها، لقيت بوكي قال إنه هيكتب كتابه عليها، وإن دي قرار محدش يفتح بوقه ولا يمانع فيه. ومهما قلت له على عمايلها وقتها، ما كانش هيصدق، وهيفكر إني بقف في طريق جوازه منها، ومش بعيد كان يتهمني إني عيني منها، أو إني بجيب سيرة الولايا بالباطل. كأنك مواعية لدماغ الحاج سلطان، ولما يبقى حاطط حاجة في دماغه، بينفذها من غير كلام.
جزت رحمة على أسنانها بغضب من تلك الوجد، ثم هتفت:
_ ودلوقتي بت الجزم دي استغلت الفيديو ده وبعتته لسكون وجننت البونية، وخلتها عملت اللي محدش يصدقه واصل. خليتها تنزل ابنك وتكرهك يا ولد أبوي.
سألها عمران:
_ بقول لك تعرفي تجيبي لي بت الجزم دي الأسطبل هنا من غير ما حد ياخد باله، عايز أشوف هي عايزة مني إيه؟ عايز أفعصها بيدي دول، وآخد تار وجع السنين منها.
نصحته رحمة قائلة:
_ متتعجلش يا ولد أبوي، كلها يومين وبوك وأمك يسافروا للحج، واعمل فيها مابدالك وخد تارك منها، بس من غير ما تضر نفسك قانونًا.
نفخ بضيق ثم أردف:
_ مهأتحملش أصبر يومين على بت الجزم دي، عايز دلوقتي أطبق في زمارة رقبتها، أخلص عليها خالص.
_ مينفعش يا خوي، أهدي على حالك.
سألها عن الكاميرات وعن ماذا وصلت إليه الآن:
_ طب مفيش أخبار عن الزفت المراقبة اللي عملتيها دي؟
_ والله، إني لحد امبارح مراحتش للدجالة دي، وكل قعدتها في البلكونة مبتعملش حاجة. لسه هشوف أكده، عملت حاجة تاني ولا كلمت حد إمبارح بالليل، بس لما أروح المكتب دلوقتي علشان متأخرش وماهر في الشغل، ما يعرف أمه من أبوه.
ودعته وهي تربت على كتفه بحنان ناصحة إياه:
_ متزعلش من اللي سكون عملته يا خوي، هي أخطأت في وقت غضب شديد، واللي شافته في الفيديو على حكاويك، مافيش ست تتحمله واصل. ولولا إنها عاقلة وراسية، كانت قادت البيت حريقة وفضحت الدنيا، وكانت ورت الفيديو لامك وأبوك، وما سكتتش. لكن كل اللي قدرت عليه، تجهض نفسها وتطلب الطلاق وتبعد عنك، لما حست بالخذلان وكسرة قلبها البريء. دي سكون، وأنا عارفاها كويس، عقلها وزها تبعد وتسيب لك الجمل بما حمل، وما يكونش ليها ذكرى منك يتوجع طول العمر من بعادكم.
_ غصب عني مقدرش مزعلش منها يا رحمة، هي عارفاني كويس، مكانتش تصدق.
_ يا خوي، دي شافت بعنيها، محدش قال لها. وكمان انت مخبي عنها كل الحاجات دي، ومتعرفش أي حاجة واصل عن تعبك ولا عن اللي عمليته فيك الحرباية دي. كنت المفروض صارحتها عن كل حاجة في حياتك، ورميت أسرارك ووجعك ليها، علشان لما يحصل اللي حصل، ما كانتش عملت أكده.
ضرب بقبضة يده على المنضدة وهتف لها بتصميم قلب موجوع:
_ كنت عايزاني أروح أقول لها إني مكنتش راجل يارحمة؟ عمري ما هعرفها، وعمري ما بين ضعفي قدامها.
_ يبقى تسيب اللي حصل ما بينكم في يد ربنا، وتسامح وتغفر، علشان ماضيك هو السبب في اللي حصل، وهو اللي سبب الشرخ ما بينكم. وياما بيحصل في البيوت بين الراجل ومرته يا خوي، وانت طول عمرك طيب وقلبك كبير.
وأكملت وهي تحمل حقيبتها:
_ إني هروح الشغل بقى، ما يعزش حاجة مني قبل ما أمشي.
_ له تسلمي يا خيتي، خلي بالك من نفسك.
ودعته وذهبت إلى عملها مشيًا على الأقدام، فالمكتب لا يبعد عن منزلها بعشر دقائق.
بعد مرور عدة دقائق، وصلت إلى مكتبها وبدأت في عملها بكل جد ونشاط. وبعد قليل، وصل ماهر إلى المكتب، وجدها منكبة على عملها، ولكن لفت انتباهه شيئًا ما في ملابسها، فطلب منها دون أن يلقي السلام عليها:
_ حصليني على المكتب دلوقتي.
أمرها بذلك ودلف إلى المكتب على الفور، فارتعب داخلها من هيئته وطريقته، فقد دخل المكتب دون أن يلقي السلام عليها، وطريقته لا تبشر بالخير. فنطق لسانها تلقائيًا:
_ أستر ياللي بتستر، ماله دي داخل بزعابيب أمشير أكده ليه.
لملمت الملف الذي بيدها وأمنت مكتبها كما هي معتادة، ثم دلفت إليه وقلبها يدق رعبًا من طريقته. ثم سألته:
_ خير ياماهر، ياترى قالب وشك أكده ليه، وداخل من غير سلام ولا كلام، كأني بايتة معاك من امبارح.
أشار إليها أن تجلس أمامه مرددًا بغموض:
_ اقعدي.
اتسعت مقلتيها بذهول من طريقته، ثم جلست وانتظرته يتحدث، وتعاملت معه بنفس طريقته، ولم تسأله مرة أخرى ماذا به.
ثم ناولها الهاتف متسائلًا إياها:
_ ممكن أعرف إيه ده يا هانم؟
رأت ما بالهاتف، ثم توترت حينما استشفت بذكائها سر غضبه:
_ اممم... ده تعليق عادي على جروب الشغل هنا.
_ انت شايفة إن ده تعليق عادي يا هانم!
_ الله، هو في إيه يا ماهر؟ ما بنات كتير داخلين معلقين له وبيباركوا له على الماجستير، اشمعنى أنا يعني؟ جرى إيه، إني باركت له من باب الذوق.
ضرب على المكتب بقبضة يداه، والغيرة تشعبت برأسه، ناهرا إياها:
_ يا أم قلب حنين، وما بيفوتكيش واجب صح.
واستطرد حديثه بنبرة ساخرة:
_ وماله، لما تروحي كمان الحفلة اللي عملها الدكتور علشان تكملي الواجب.
انزعجت من طريقته الساخرة وهتفت وصوتها على بعض الشيء:
_ هو في إيه يا ماهر؟ ما كانش حتة تعليق عملته لزميلي من باب الذوق، زيي زي بقيت زمايلي. اياك هتعلق لي عليه المشنقة.
انتفض من مكانه وهدر بها:
_ متعليش صوتك وانت بتتكلمي معايا. هو ينفع الست تعلي صوتها بالطريقة دي يا أستاذة!
وأكمل وهو على نفس غضبه، وهو يتحرك ويقف أمامها:
_ ثم إيه حكاية زميلي دي، إن شاء الله!
إنت متعرفيش إني مقبلش حتة زميل عمل وحوار المباركات دي والاختلاط، وحتى السلام عليكم متقوليهاش لصنف راجل على وش الدنيا غير لبـ.ـوكي وأخوكي بس، غير كده ممنوع تمشي في طريقك، مترميش سلامات ولا هـ.ـباب.
ارتعبت من نبرته ونظراته لها، لم تكن تتوقع أنه يغار بتلك الدرجة، لقد أدهشها بطلبه، ثم أدمعت عيناها من طريقته وانقلابه ورددت من بين شهقاتها:
_ طب ليه بتزعق لي دلوقت؟ ماتفهمني براحة ياماهر واني هراعي غيرتك عليك وهفهم كل حاجة هتقولها لي، مش كل حاجة زعيق كده وتحمر لي عينيك وترعبني منك.
ثم أكملت ببكاء جعله يندم على غيرته العمياء، ولم يستطع أن يمسك لسانه ويتحدث معها بهدوء، ولكنه ذاك الماهر في غيرته لن يرى.
ثم جلس أمامها وهدأ من أعصابه قائلاً لها:
_ خلاص يارحمة، متبكيش، حقك علي، بس والله غصب عني لما شفت التعليق اللي انتِ كاتـ.ـباه له اتجننت من غيرتي عليكِ.
رفعت عينيها المغشية بالدموع وهتفت من بين شهقاتها:
_ ياماهر، إني مش عايزة أخسرك ولا حابة أكون لراجل غيرك، لإنـ.ـي مش هعرف أكون مع راجل غيرك، أعمل إيه في قلبي اللي كانه اتوشم بوجودك جواه؟ ارجوك ياماهر خلي بالك مني، خليك أمين علي وعلى مشاعري.
تنهد بضيق من حاله وفي عدم تحكمه في نفسه حينما يقترب أي جنس رجل منها:
_ حاضر ياحبيبتي، خلاص بقى متزعليش وامسحي دموعك الغاليين دول، قلبي بيترج من جواه وبيـ.ـلومني قوي لما أحس إني السبب في دموعك دول.
جففت دموعها بالمنشفة الورقية ثم أردفت:
_ بس انت غيرتك صعبة قوي ياماهر، ومتحبـ.ـكهاش قوي كده.
حرك رأسه برفض قاطع:
_ مش هعرف، ومعاكي انتِ بالذات يارحمة، عشقي ليكي بحسه مختلف، بحس إني عايز أخبيكي عن كل العيون، عايزك تفضلي قدام عيني طول الوقت علشان مـ.ـخليش أي حد يقرب منك، جننتيني معاكِ يارحمة ورجعتيني كأني شاب مراهق وعيل صغير مش راجل داخل على الأربعين.
أخيراً ابتسمت من حنوه عليها في الكلام، فذاك الماهر مهما اشتد غضبه ولكن قلبه أبيض كاللبن الصافي، يهدأ بسهولة، فهي حفظته عن ظهر قلب وأصبحت تتفهمه بشدة.
ثم تحدثت بعشق وهي تضع يدها على وجنتها وتستند بجذعها على المكتب:
_ عارف ياماهر بحس معاك بإيه؟
بحس معاك إني عيلة صغيرة عايزة تتشعبط فيك ومتسيبكش خالص، بحس إني عايزة أهرب منك ليك، بحس إن ورا صلابتك دي حنية تكفي العالم كله، وورا غيرتك علي رجولة مبقتش موجودة، كان عندي حق أحبك وأتعلق بيك، كان عندي حق أتمسك بوجود راجل في حياتي زيك يا ماهر.
بنفس نظراتها العاشقة همس لها هو الآخر:
_ طب مش خايفة على نفسك من حب ماهر المتهور؟ مش خايفة لما تبقي معاه في بيت واحد وتبقي حلاله، من اشتياقه وحبه ليكي هتقدري تتحملي قربه القوي منك يارحمتي؟
رفعت حاجبها بمكر وأردفت بعينيها تنظر له بمشاغبة:
_ له دي أنا رحمة المهدي، يعني الجمدان والاختلاف عن أي ست، يعني لما اخترتك عارفة ومتأكدة إنك هتقدر على شراستي وشقاوتي، عارفة إني مش عايزة راجل طيب وينفذ لي كل اللي أنا عايزاه بسهولة، عارفة إن دماغي ناشفة ومتعبة، من الآخر فرسة جامحة قوية ومش عايزة أي خيال يراودني.
وأكملت وهي تغمز له بشقاوتها المعتادة التي أوقعتـ.ـته فيها:
_ علشان كده متقلقش علي، وإني معاك وفي بيتك بس سد انت قصاد رحمة ومتجيبش آخرك.
ابتسم برجولة لمكر تلك الصغيرة ثم هتف:
_ وه وه دي انتِ مش سهلة بقى يارحوم، بس متأكدة إنك هتقدري ومش هتنخي وتقولي ارحمني يا ماهر وإني مش قدك.
ضحكت بأنوثة مهلكة طارت مع قلب ذاك الماهر وأردفت بتأكيد:
_ الأيام بينا ياماهر وهنشوف مين اللي نفسه أطول، بس لما أكسب جولة من جـ.ـولاتي معاك تعترف، وأني بردو حقانية لما تكسب جولة معايا من جولات المشاغبة اللي هتشوفها على يد رحمة، هعترف وهديك حقك، حكم إني حقانية موت.
_ شوفي أهي شقاوتك دي اللي هتهلكك وياي وهتخليكي تبطليها لوحدك علشان متقعيش انتِ تحت يد الأسد.
ثم قام من مكانه وأخرج علبة قطيفة ذات اللون البرونزي من حقيبته، ثم عاد وجلس أمامها وفتحها، وهي مندهشة، ثم أخرج منها ذاك الخاتم اللامع الرقيق الذي يليق بصاحبته وقدمها لها بغرام:
_ أحلى هدية عيد ميلاد لرحمتي علشان متقوليش إني بخيل ومبهتمش بالتفاصيل وإني فاقد الشم.
انبهرت من رقة ذاك الخاتم ثم نظرت له بعشق وبعينيها لمعت بغرامه:
_ اممم... الجمال والرقة دي كلها لرحمة!
وأكملت وهي تشكره بامتنان:
_ حبيت قوي ياماهر، بس كلفت نفسك قوي وباين عليه غالي.
طلب منها أن تمد يداها كي يلبسها إياه مردداً:
_ مفيش حاجة تغلى عليكي، ياروح قلبي الدنيا كلها تحت رجليكي، ياحبيبتي وكل حاجة تهون قصاد ابتسامتك وفرحتك وأشوف عيونك الحلوين دول مبسوطين.
_ ياه ياماهر ومش عايزني أتمسك بقربك، ولمتني كتير على تصميمي عليك، كنت هبقى هبلة قوي لو مكنتش قاومت معاك وانسحبت، كنت هخسر كتير قوي.
_ طب مدي يدك علشان ألبسك الخاتم.
مدت يدها المرتعشة من خجلها، ثم مد يداه هو الآخر، وبدون أن يلمس إصبعها وضع الخاتم على طرفه وعيناه متسمرة عليها، ويود أن يـ.ـختطفها الآن بين أضلعه من سحرها وجمالها. ثبتت هي الخاتم في يدها، وكم كان جميلاً، وازداد جمالاً حينما زين إصبعها.
أراد أن يمسك يداها ويقبلها قبلة عاشق متلهف لحبيبة أتعبت قلبه، ولكن تمهل قلبي، فلقد فات الكثير وما بقي غير القليل، وستسكن رحمتك حياتك وستنيرها.
أما هي احتضنت يداها بسعادة لا توصف، فتلك الهدية الأولى لها من حبيبها ومعشوق روحها، فستحفظها بين ثنايا قلبها ولن تفرط فيها أبداً مهما كان.
بعد مرور أكثر من خمس ساعات انغمست فيهم رحمة في عملها، ولم تراجع الكاميرات الخاصة بتلك الملعونة.
أنهى ماهر هو الآخر عمله، ثم خرج إليها قائلاً:
_ يالا علشان أوصلك في طريقي وأنا مروح.
ابتسمت له ثم قالت:
_ له مفيش داعي، إني هتمشي لحد البيت، وبعدين طريق الزراعية أوله صعب ومطبات وكمان ضيق، وانت مأخذتش على إنك تمشي فيه، فبلاش أتعبك وياي.
صمم على أن يوصلها:
_ خلاص هنزلك على أول الطريق وانتِ كملي، يالا قومي.
أطاعته وحملت أشياءها وخرجت معه وركبت السيارة بجانبه.
أما في ذاك المكان المظلم الخالي من الناس، تقف ثلاث سيدات ذوات جسد ممتلئ على أول الطريق الزراعي، ينتظرون موعد رجوع رحمة حسب الزمان والمكان التي اتفقت معهم، ووجد، وأعينهم تترقب الطريق كالكشافات.
وصلت السيارة أول الطريق، فاستعدت رحمة للنزول، فودعها ماهر:
_ هتوحشيني قوي.
_ وانت كمان هتوحشني قوي، خلي بالك من نفسك.
_ وانتِ كمان خلي بالك من نفسك، ومتبصيش يمين ولا شمال في طريقك طوالي، ولا أنزل أمشي معاكي الحتة دي.
_ قد كده بتحبني وخايف علي؟
_ طبعاً، إن مكنتش هخاف عليكي انتِ هخاف على مين؟ مليش غيرك.
_ متقلقش علي، إني أسد في الحديد وعضمي ناشف، ولو حد فكر يقل معي يبقى أمه داعية عليه في ليلة قدر.
_ ياواد ياجامد، وإني أحب الجامدين قوي التعامل معاهم في تحدي.
هبطت من السيارة ثم نصحته:
_ يالا همشي بقى علشان متأخرش، وزينب تعمل معي الجلاشة، ودي بالذات مقدرش أسد قصادها، بس خلي بالك، امشي الحتة دي براحتك علشان مليانة مطبات والدنيا ليل.
ابتسم لها ثم حول السيارة ببطء كي يعود إلى منزله، وعيناه تراقبها من المرآة حتى ابتدت سيارته في الاختفاء.
أما هي، تحركت بضع خطوات، وعلى فجأة اعترض طريقها تلك السيدات الثلاث ووقفن أمامها وهم يرددون:
_ أهلاً يا حلوة.
بفطنتها استشفت غدرهم من أكمامهم التي يشمروها، ففوراً تحدثت بذكاء:
_ ينهار أبيض، اجروا بسرعة في تعبان وراكم.
استطاعت تشتيت انتباههم بالفعل، وعلى حين غرة ضربتها في قدمها ودفعتها بمهارة سريعة في الترعة.
أما الأخريتان، تقدمت إحداهن منها، وقبل أن تقترب منها، أخرجت زجاجة البرفيوم الخاص بها وسكبته في عينيها بغزارة، وصارت تتحرك بهوجاء في المكان، وقبل أن تفيق، جذبت حجارة ثقيلة من الأرض وقذفتها في قدمها.
كل ذلك مع عويل السيدتين من ستغرق في الترعة، والأخرى من ألم عينيها وقدمها.
سمع ماهر ذاك العويل وهو يحاول الخروج بسيارته من ذاك المكان الضيق، فانتابه القلق على رحمتها، فترك السيارة مكانها وهرول إليها.
أما عند رحمة، كانت تصارع تلك السيدة الثالثة، فقد تشتت مما حدث لزميلاتها على يد تلك الرحمة، والتي كانت تحاربهم في تلك المعركة بمهارة عالية.
وظلت هي والسيدة في عراكهما، ورحمة تصد هجماتها ببراعة، ولكن تلك السيدة ذات جسد قوي عن الأخريتان، ولكنها ما زالت تهاجمها، حتى شعرت أن قواها ستخور منها، والأخرى قاربت أن تقوم ووجعها هدأ، فقررت أن تجري وهي خفيفة الجسد.
ولكن تلك السيدة متشبثة بها بشدة، فعلى الفور خلعت دبوس رأسها وغرزته في وجهها عدة مرات، فتركتها السيدة وهبطت أرضاً وهي تتألم، فقد غرزتها رحمة بجانب عينيها، فشعرت بأنها عميت، ثم ضربتها بيديها وأقدامها كثيراً، وهي تردد لها:
_ مين اللي باعتكم لقضاكم يا ولية منك ليها، دي أنا هعمل منكم بطاطس محمرة النهاردة ومش هخلي فيكم حتة سليمة.
ثم أتى ماهر يهرول من بعيد وهي ينادي عليها، فقد رآها من بعيد وقلبه هلع، أيعقل أنه سيفقدها هي الأخرى كما فقد أغلى أحبابه؟
وما إن وصل إليها حتى جذبها إلى أحضانه بدون تفكير، فذاك حضن الخوف من الضياع، الخوف من الفراق، وتلك الرحمة لن يتحمل فراقها. ثم أخرجها من أحضانه واحتضن وجنتيها متسائلاً إياها بهلع:
_ انتِ كويسة.
هزت رأسها بابتسامة:
_ دي أنا تمام قوي.
ثم نظرت إلى تلك السيدات وهي تلفت انتباهه:
_ شوف عملت في العتاولة دول إيه، هههه، علشان تعرف إني جامد قوي.
ابتسم على مشاغبتها في عز تلك الخناقة، ثم أخرج سلاحه المرخص وهددهم بالاقتراب من بعضهم، وحذرهم من التحرك، وطلب الشرطة، وبعد بضع دقائق وصلت الشرطة المكان، وكانت الواقعة في الترعة، استطاعت الخروج منها، وتم القبض عليهم، وذهب ماهر معهم، وأمرها أن ترجع بيتها، بعدما فهم منها الظابط المسؤول، ووعدته أنها ستأتي إليهم صباحاً كي تتهمهم في محضر رسمي، وعادت رحمة إلى المنزل وهي تشك أن تلك الـ.ـوجد لها علاقة.
فقررت أن لا تجلبها لعمران كي ينتقم منها، ثم أرجعت الكاميرات، وبالفعل وجدت اتفاقها مع هؤلاء النسوة عبر الهاتف، وبالتأكيد الظابط سيجعلهم يعترفون بكل شيء، خاصة أن ماهر قد وصى عليهم بشدة، ولن يتركوهم قبل أن يعترفوا، وبالتأكيد سيجدون مكالمات تلك الـ.ـوجد بينهم من خلال رقمها، والوقوع بها أصبح سهلاً.
بعد مرور يومان من الهدوء الذي يعم المنزل، فعمران يبعد عن سكون كي لا ينتبه أحداً لهم ولخناقهم، ووالدته ذاهبة إلى العمرة، فهو لن يعكر صفو مزاجها.
وفريدة أتت لسكون في اليوم التالي بالحبوب وخبأتها سكون جيداً كي لا يراها عمران.
والآن أتى موعد سفر سلطان وزينب إلى بيت الله الحرام في أعظم وأطهر رحلة.
وتلك الـ.ـوجد علمت بأن السيدات لن يفلحوا مع تلك الرحمة الشرسة، وداخلها هلع رعباً، لذلك قررت أن تذهب لتلك الدجالة بعد مغادرتهم المنزل للسفر مباشرة، وسكون ما زالت في المنزل وتتعامل مع عمران وكأن الفيديو لم يؤثر بها، وكل ذلك وهي تزداد حقداً.
ودعتهم سكون بمحبة نابعة من قلبها، ثم خرجا بسيارتهم منطلقين إلى المطار، ورحمة معهم. وبعد ساعة تقريباً، وصلا إلى المطار، وسلم عليهم عمران بحرارة وهو يودعهم السلامة.
وعندما انتهيا من التسليم على عمران، جاء دور رحمة، سلمت على أبيها بحب وودعته، ثم احتضنت زينب وأدمعت في أحضانها، وهي الأخرى أدمعت ورددت باشتياق:
_ هتوحشيني قوي يازوبة، مش عارفة هعيش من غيرك إزاي لحد ما ترجعي من الحج.
ربتت زينب هي الأخرى على ظهرها بحنو:
_ متعيطيش يا اللي تنشكي وتعيطني معاكي، دي أنا رايحة للنبي الغالي، وأني لما صدقت ربنا دعاني فرحت ألبيـ.ـه.
أنهت ما قالته، وكلتاهما بكت بصوت عالٍ بعض الشيء. ثم طلبت رحمة من والدتها:
_ ادعي لي ربنا يوفقني في حياتي يازوبة ويبعد عني الشر.
وأكملت بدعابة كي تدخل السرور على زينب:
_ وإني أتـ.ـجوز ماهر بقي، علشان خللت جنبـ.ـك وشكلي بقى عفش قوي، والبنات اللي من دوري اتجوزوا وخلفوا بدل العيل تنين وتلاتة، وإني لسه قاعدة في أراضـ.ـيكِ يازينب.
لكزتها زينب بخفة على ظهرها ثم جففت دموعها وهي تضحك من مشاغبة تلك الرحمة وأردفت:
_ والله هتوحشني مناكفتك يا مصـ.ـيبة انتِ، كنتِ بتهوني علي يومي يا مزغودة على قلبك.
غمزت لها رحمة بشقاوة ثم هتفت بدعابة:
_ بس بقى دي انتِ رايحة أحسن رحلة في العمر مع أبو السلاطين وهترجعوا سمنة على عسل.
وأكملت وهي تغمزها من جنبها:
_ أقول لك يازوبة انتِ تروحي المالديف مع البت مكة وآدم بعد النيولوك ده وتعملي شهر عسل من أول وجديد وتعيشي حياتك يا بطل جيلك.
اتسعت عيناي زينب بخجل من مشاغبة تلك الرحمة، ولكزتها على كتفها ناهية إياها:
_ اتحشـ.ـمي يا بت انتِ.
وأكملت وهي تتحمحم:
_ اممم... إني لولا إننا كنا مقدمين على الحج قبل جوازته من مخفية الاسم والصورة دي، إني كنت عمري ما هروح وياه في أي مكان.
واسترسلت حديثها بشوق:
_ بس إني رايحة عند أبو فاطمة القلب والروح (عليه الصلاة والسلام)، وطالما دعاني هلبيه وهروح لحد باب بيته وأدعي بقلبي لحبايبي، دي زيارة العمر يا بتي.
هنا تحدث سلطان:
_ يالا يازينب، الطيارة خلاص فاضل وقت بسيط، بزيادة كده يارحمة، عاد هنتعطل بسببك.
ودعاهم بقلب ينفطر ألماً وفرحاً في آن واحد لغيابهما عنهما، وسعادة لزيارة بيت الله الحرام.
بعد نصف ساعة في سيارة عمران، فتحت رحمة ذاك التطبيق الموصل بالكاميرات في ملابس تلك الـ.ـوجد وانصدمت مما رأته.
فجذبت أنظار عمران قائلة:
_ الحق ياعمران اقف على جنب كده.
اندهش عمران من طريقتها الملحة ثم سألها:
_ مالك يا خيتي في إيه عاد؟
أجابته وهي توجه شاشة الهاتف أمامه:
_ شوف كده اللي ماتتسمى داخلة بيت الدجالة اللي شفناه في الصور رايحة تعمل إيه دي في وقت متأخر زي دي.
تو ما بوك خرج من البيت، خلعت بنت الجزمة في أنصاف الليالي.
كان عمران ينظر إليها بقلب يدق بعنف، ويود أن يذهب إليهما الآن ويـ.ـخنقهما بيده كي ينقذ العالم من شرهن.
ثم فكر بسرعة بديهة قائلاً وهو ينظر إلى هيئتها المرتعبة وهي تنظر يميناً ويساراً:
_ البت دي مروحها في الوقت ده وراه مصـ.ـيبة هتحصل، واني لازم ألبسها لها دلوقتي وأخليها تبات في السجن النهاردة هي والدجالة بتاعتها دي.
سألته رحمة باندهاش:
_ كيف يعني دي!
بتفكر في إيه؟
لم يكن لديه وقت يشرح لها ماذا يفعل. ثم قام بالاتصال على صديقه الذي يعمل في قسم الشرطة. ولأن الوقت متأخر، آتاه الرد بعد مدة. وما إن استمع إلى رده، شرح بعد السلام والتحية:
"بقول لك إيه، في حاجة عايز أبلغ عنها. لو ما لحقتهاش دلوقتي هيحصل كارثة. في واحدة دجالة بتعمل أعمال للناس. ودلوقتي فيه ست لسه داخلة عندها حالا، أنا شايفها. وبعدين المفروض الناس اللي زي دي ما تسيبوهاش تأذي خلق الله. وأنا حاسس إن فيه مصيبة هتحصل هناك دلوقتي لو ما لحقتهاش يا حضرة الظابط."
"أنا كنت ماشي بعربيتي وشايفها داخلة البيت تتلفت يمين وشمال وشكلها أكده وراها حاجة كبيرة. أنا قلت أبلغك. إحنا أصحاب، تعمل مصلحة من ورا الشغلانة دي ويترفع اسمك بين أصحابك."
"تشكر يا صاحبي. إحنا أصلاً مراقبينها الست دي من بقى لنا كذا فترة. أنا هخرج دلوقتي بعربية الدورية ومعايا الأمناء بتوعي أشوف أكده الأحوال هناك إيه، وما نحرمش من اهتمامك يا صاحبي."
أنهى الكلام مع صديقه، ثم سأل رحمة التي فهمت كل شيء:
"قولي لي يا رحمة، هي عقوبة الدجل والشعوذة إيه في القانون لو امسكوا متلبسين دلوقتي؟"
أجابته سريعًا:
"دي أقلها تلات سنين سجن. بس براوة عليك يا عمران، استغليت الوقت الصح اللي اتكلمت فيه مع الظابط. بس يا رب ما تفلت وتخرج من عندها قبل الظابط ما يروح بدوريته، يبقى كانك يا أبو زيد ما غزيت."
ثم انتبهوا إلى الهاتف عندما سمعوا صوت وجد وهي تتحدث بنبرة عالية مع تلك الدجالة قائلة لها:
"يعني مش عارفة جاية لك ليه دلوقتي يا نصابة يا حرامية؟ اطلعي بالـ 40 ألف جنيه اللي خدتيهم مني وما عملتيش بيهم حاجة. ده أنا هخلف فضيحتك مسمعة في الكفر كله."
انقلبت معالم وجه تلك الدجالة وهي تهدر بها بحدة:
"تتفلسفي في جنابك يا مرة يا سوء انت؟ غوري يابنت من هنا، مالكيش ربع جنيه حداي، كفاية اللي كان هيجرالي بسببك."
"نعم نعم يا عمر، دي أنا هاخد فلوسي منك ويا قاتل يا مقتول النهاردة."
ثم ظلت كلتاهن تلقي سبابًا لاذعًا للأخرى. واشتد الخناق بينهما أكثر من نصف ساعة. وانتهوا على أن أمسكت وجد تلك الحديدة الموضوعة على المنضدة وبطحت كل الدجالة في راسها أكثر من مرة، مما جعلت الدماء تسيل منها وهي تردد بهوجاء:
"مش هسيبك يا ولية إلا لما تديني فلوسي يا حرامية يا نصابة."
وظلت تبطحها على رأسها حتى فارقت روح تلك الشريرة الحياة. والأخرى تهذي بكلمات من الغل المعتاد عليه، وكأن نار الانتقام من عمران وأخته وأمه تجمعت أمام عينيها الآن. ثم دخلت الشرطة المكان وهي تبطحها للمرة الأخيرة حتى قسمت رأسها إلى أشلاء لم يعرف عددها. فقاموا بالقبض على تلك الوجد سريعًا. وكل ذلك وعمران ورحمة يشاهدون ذاك المنظر بقلب مشمئز من هاتان المرأتان ومنظر الدماء جعلهم في موقف لا يحسدون عليه.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثاني والستون 62 - بقلم فاطيما يوسف
مر عشرة أيام على تلك الأحداث بأكملها، وحال أبطالنا مع نبض الوجع قاسي عليهم.
في منزل مجدي، تدهورت حالته الصحية بشدة، فهو قد علم ما به والمرض الذي أصابه، ورفض العلاج بشدة، ومهما حاولت معه كثيراً، فهو مصمم على رأيه.
تجلس معه في غرفتهم وهي ما زالت تتحايل عليه:
"لازم تتابع العلاج يا مجدي، مينفعش أكده.
إنت أصلاً سكت الفترة دي كلها إزاي!
والأعراض اللي كانت بتجيلك إزاي كنت بتطنشها!"
ليه أهملت في نفسك وفي صحتك دي كله يامجدي.
كان يشعر بالإرهاق الشديد فقد زاد تعبه تلك الأيام، وخاصة أن أعراض الحمى أثرت على ذاك المرض اللعين وجعلته وصل به للمرحلة الرابعة. ثم تحدث بصوت متعب بشدة وكأن نواكب الحياة قررت أن ترصده وحده، لا أحد غيره:
_ أني ولا هروح ولا هاجي، أني خلاص بودع وأيامي معدودة في الدنيا، وعايز أموت على فرشتي، ولا أنتي ناقصة مرمطة وبهدلة وياي. كفاية تعبك معاي دلوقت، أني والعيال وحياتك كلها بقت علاج وأدوية وتشليني وتحطيني.
وأكمل من بين لهثانه بلوم لحاله عما فعله بها طيلة السنوات الماضية:
_ تعبتك وياي يا أم الزين، وخلّيت حياتك كلها مرار. ويوم ما أفوق ألاقي الهموم والأمراض رصداني من كل مكان. شكل ربنا مقدر لك الشقاء في الدنيا علشان رزقك بواحد زيي.
أمسكت يداه بحنو، فهو مريض، وقبلته بحنان وعيناه تلتمع بالدمع. فقد تأثرت بحالته. ففي ضعفه ومرضه نسيت كل شيء. نسيت ما فعله بها. كم كان قلبها جميل. ثم حسته للمرة التي لم يعرف عددها:
_ مليكش صالح بيا يامجدي. والله العظيم لو عضم في قفة ما هتخلي عنيك وأنت مريض.
ولازم تتعالج يامجدي، إن ما كانش علشان خاطرك، يبقى علشان خاطر زين وزيدان. لازم تفوق وتكمل علاجك الطبيعي وتروح معايا تتابع الجلسات وتعمل زرع النخاع الشوكي. الدكتور قال لي ينفع في حالتك يامجدي.
أدمعت عينا مجدي وبكى لأول مرة كالأطفال وهو متشبث بيدها بوَهن، وكأن مرضه أضعفه بشدة. ثم تحدث من بين شهقاته:
_ مكنتش عايز أمـ.ـوت دلوقت. كنت بكوش على الفلوس على قد ما أقدر من غير حسبان لرب العباد. عملت كل حاجة وحشة. سلّفت المحتاج بالربا. رشوة وارتشيت. ناس دخلتها السجن علشان مقدروش يسدوا الدين بالربا. وحاجات كتير خيالك ما يتوقعهاش. وفجأة ربنا ابتلى بكل الأمراض اللي في الدنيا، ودلوقت بقيت على مشارف الموت. وربنا استجاب دعوة مظلوم محتاج فيا. سبحانه يمهل ولا يهمل.
وأكمل من بين شهقاته التي جعلتها تمسد عليه بحنان. فهو مهما حكى عن قذارته التي فعلها، مجرد أن رأت دموعه حزنت لأجله:
_ حتى ولادي مرحمتهمش. وكنت دايماً أدعي عليهم ربنا ياخدهم ويريحني منهم علشان مخلينك منكدة عليّ لما كنت دايماً بتطالبيني أكون جارهم.
دق قلبها وجعاً الآن على أولادها، وتذكرت أنه لم يكن أبيهم، ولذلك لم يشعر بأبوته لهم. فسبحان مسبب الأسباب. ثم حاولت تهدئته وهي تمسح دمعه وتربت على ظهره:
_ خلاص يامجدي، اللي فات مـ.ـات. وأني مسامحاك من كل قلبي ومش زعلانة منك خالص. أما بالنسبة للناس، استغفر ربنا كتير وتوب يامجدي وصلي، وهو غفور رحيم. بس إنت دلوقت لازم تتعالج، لازم.
أغمض عيناه وهو رافضاً العلاج ومنهياً النقاش في ذاك الموضوع:
_ له، ولا هروح ولا هاجي، ومتتكلميش في الموضوع ده تاني. سيبي ربنا يخلص ذنوب الناس مني وينـ.ـتقم، ماهو المنتـ.ـقم الجبار.
أخذت معه وقتاً طويلاً تحاول إقناعه، ولكن رأسه يابسا كالحديد، لا يستجيب أبداً. وجدت أنه نام من أثر الدواء، فدثرته بالغطاء ثم خرجت من الغرفة.
أمسكت هاتفها ووجدت أكثر من خمس مكالمات من عامر. فلوت شفتيها بامتعاض من كثرة اتصالاته. فدخلت غرفة جانبية وقامت بالاتصال عليه، وأتاها الرد منه ملاماً لها:
_ إيه يا مها؟ داي كله عشان تردي عليّ. بقالي ساعة برن عليك!
حللت أصابعها بين خصلات شعرها، ثم استدعت الهدوء وأجابته:
_ هو أني فاضية لحوارات التليفون دي ياعامر؟ أني اللي فيا مكفيني.
واسترسلت وهي تذكره:
_ وبعدين انت مش لسه مكلم الأولاد من يومين بالظبط؟ في إيه بقى؟ مش كل شوية اتصال. أني مش ناقصة حرب أعصاب. عايزة أفوق لولادي ومراعيتهم.
ذكرها هو الآخر مردداً بنبرة تصميم:
_ ما هم ولادي برضه، ولا شكلك عايزة تنسي ومصممة أني مفكرش فيهم ولا أكلمهم؟ ومش عايزاني أجي ناحيتهم.
نفخت بضيق من حالة الروع والتشتت النفسي التي تحياها تلك الأيام. ما بين مرض زوجها ورعاية أبنائها، فهي أصبحت تبعد عنهم كثيراً هذه الأيام ولم ترعاهم كيفما كانت. والأخير ذاك العامر الذي لم يتركها وشأنها ومستمر بالضغط عليها. ثم انفـ.ـجرت باكية هي الأخرى وقواها لم تعد قادرة على تحمل كل تلك الأعباء. وتحدثت من بين شهقاتها:
_ حرام عليك ياعامر. حرام عليكم كلكم. اللي بيحصل فيا دي كـ.ـتير والله العظيم فوق مستوي طاقتي.
انفـ.ـجر بها هو الآخر ولم يراعي حالتها. فهو أب حرم من أبنائه. فهو كان يحبهم حباً جماً، وهو عمهم، والآن عرف أنه أبيهم. فقد أجرى لهم تحليل "DNA". فقد أخذ أحد شعيرات أحدهم خلسة دون أن تعرف مها. والنتيجة ظهرت أنهم أبناؤه. فازداد حبهم له وعاطفة الأبوة اشتـ.ـعلت داخله بجدارة وأصبح يشتاقهم أكثر من ذي قبل. وأوقاتاً كثيرة يندم حاله أنه ابتعد وتركهم. أوقات يؤنب نفسه أنه لم يدافع عن حقه في وجوده بجانبهم.
ولكن اصمت أيها العامر وأخـ.ـرس عاطفتك بداخلك وتحمل عاقبة كبيرة من الكبائر نتج عنها طفلان لم يكن ذنبهم في الحياة غير أن والداهم أنجبوهم من رحم الكبيرة.
ولكن ذاك العـ.ـذاب الدنيوي، فما بالك بالعـ.ـذاب الأخروي. ثم هتف بحزن شديد:
_ يا مها، أني بنهار أهنه وأني عارف أني سايب حتة مني ومش قادر أني أشوفهم كل يوم وأطمن عليهم. مش قادر مشفش بسمتهم ونظرة عنيهم وأتابع خصوصياتهم.
ثم استرسل نبض وجعه وهو يحاول يذكرها:
_ مش فاكرة زمان لما كنا بنتكلم مع بعض وأقول لك إن لما يبقى عندي ولاد ههتم بيهم قوي وهصاحبهم وعمري ما ههمل فيهم. هلبسهم زي ما بلبس بالظبط. أي مكان رايحة هاخدهم وياي. هيبقوا هما ولادي وأصحابي وأخواتي. هيبقوا هما كل دـ.ـنيتي. وزين وزيدان كمان، أني اللي مختار أسمائهم. والإختيار كان نابع من قلبي. ليه مش قادرة تشوفي كم المعاناة اللي أني عايشها.
التوى ثغرها بحسرة على حالها وحال أبنائها وحال زوجها وحال ذاك العامر هو الآخر. لم تعرف هم من فيهم تتحمل.
كل تلك الضغوطات تتحملها فوق أعصابها المتماسكة بهش الآن. وبكت هي الأخرى بدموع تخرج من قلبها وكل جسدها المنهك وليست عيناها. مما جعله هو الآخر لن يستطيع تحمل دموعها وحاول تهدئتها:
_ خلاص يامها، أهدي. والله غصب عني بشيلك الهم. والله العظيم لو بإيدي أعمل حاجة ولا إنك تنهاري أكده هعملها.
خلاص لو مش عايزاني أكلمهم كل شوية ومزعجكوش، مش هعملها، بس متعيطيش يامها، كفاياكي وجـ.ـع ودموع.
أغلقت الهاتف معه وارتمت على التخت تبكي بحـ.ـرقة على حالها ككل. والمستقبل أمام عينيها لا يبشر بالخير. ثم رددت بدعاء وهي تضع يدها على صدرها المتألم بنبض وجـ.ـع يفوق الأوجـ.ـاع بمراحل:
_ يارب ريحني من اللي أني فيه. يارب أني تعبت ومقدرش أتحمل أكتر من كده. يااااارب.
وكأن أبواب السماء كانت مفتوحة في ذاك الوقت وحدث مالم تكن تتوقعه مها يوماً ما.
في المالديف عند ذاك العاشقان المجروحان والموجوعان. وكلاهما حالته يرثى لها. فمنذ تلك المرة وذاك اللقاء المغتصب من آدم لتلك المكة، وهي تغلق على حالها بشدة ولم تسمح له بالحديث معها. تعيش على فتات من الطعام البسيط حتى ضعف جسدها.
أما هو يتألم داخله في صراع بين قلبه وعشقه وبين عمله وموهبته المحببة لقلبه. لم يعرف كيف يحل تلك المعضلة كي يراضيها. ويزيد عليهم جفائها وابتعادها عنه ونظرة عينيها الحزينة.
يجلس أمامها يحدثها ولم تتفوه ببنت شفة أمامه. يطلب منها أن تأكل وتراعي حالها ولم تجيبه. فهو قد جرح مشاعرها وأنقض وعده معها. أكثر من عشرة أيام وهي على حالتها تلك. والآن لم يستطع صبراً أكثر من ذلك. فهو قد اشتاق لصوتها. اشتاق لحديثها. اشتاق لضحكاتها. اشتاق لقربها وأن يتنعم بأنفاسها.
ثم دلف إليها الآن وهو عازم على أن يخرجها من صمتها ولن يتركها ويترك الجفاء يدمـ.ـر علاقتهم قبل أن تبتدئ.
دلف إلى الغرفة لم يجدها. كانت في ذاك الوقت تأخذ شاور. علم وجودها في الحمام فجلس على الكرسي ووجه أنظاره ناحية النافذة المطلة على الحديقة. فذاك الكرسي وذاك المكان كان جلستها المفضلة طيلة العشرة أيام. وبجانبها مصلاها ومصحفها وسبحتها. أمسك المصحف بين يداه، فهو لم يعتاد على قراءة ورد معين. ثم فتح المصحف ثم وجد أمامه سورة يوسف. وبتلقائية بدأ في القراءة بصوت هادئ جميل ملائكي. ثم تعمق في القراءة وبدأ صوته يعلو ويتوه في جمال تلك السورة.
ومن خشوعه في القراءة بدأ يتدبر تلك القصة بتفهم. فذلك النبي عليه السلام تعرض للأذى منذ أن كان طفلاً لا يفقه شيئاً من أخواته اللذان فعلا به فعلتهما الشنعاء كي يتخلصوا منه. ولكن إرادة الله أن يـ.ـربى في منزل عزيز مصر ويـ.ـحرم من أبيه وإخوته. ثم تتناوبه نكبات الحياة وتطمع به النسوة ويـ.ـسجن. لقد ذاق المرارات من الحياة غـ.ـدر به وهو طفل ولم يعترض. حـ.ـرم من العائلة وربي في بيت غريب ولم يعترض. سجن ظلماً وهو نبي ولم يعترض على حكم الله.
كان من أجمل خلق الله حـ.ـسناً وأحسنهم أخلاقاً. وبالرغم من كل ذلك سامح أخواته مما فعلوه به. وأصبح عزيز مصر ويملك خزائن الأرض بأكملها. ورجعت إليه عائلته بعد سنوات العجاف والصبر.
كان آدم يقرأ تلك السورة بتتمعن شديد وغاص في أعماق جمالها. تلك آيات الله تلاها بخشوع أثلج صدره. فصلته عن العالم بأكمله. أراحت صدره. أشعرته بالأمل والطمأنينة. أشعرته بأن بعد الليل بزوغ فجر يحمل بين طياته أقداراً جميلة لا يعلمها إلا الله.
أما هي خرجت من الحمام بذاك المعطف الخاص بالحمام وصـ.ـدمت عندما رأته. ولكنه كان متعمقاً في قراءة القرآن. فجذبها صوته. خـ.ـطفها إليه دون أن تدري. صوت عذب يريح القلب والأعصاب في القراءة. خشوعه وتلاوته المتعمقة جعلتها اقتربت منه وجلست بجانبه دون أن تشعر. وجلست أسفل قدميه تـ.ـطرب أذناها بأعذب الكلمات.
أنهى قراءة السورة وشعر براحة غريبة اغتالت جسده. لأول مرة يتدبر قراءة القرآن بذلك الخشوع. كم كان عذباً وفيه راحة تكفي العالم أجمع.
أغلق المصحف ثم نظر بجانبه وجدها جالسة بهيئتها الخاطفة لأنفاسه تلك. أما هي رددت لأول مرة منذ خصام لها منه منذ أكثر من عشرة أيام وهي تخاصمه:
_ صوتك جميل قوي وأنت بتقرأ. صوتك خـ.ـطف قلبي.
نزل من على الكرسي وهبط لمستواها قائلاً بوحشة وهو يتعمق النظر في عينيها:
_ وأنتِ كمان صوتك وحشني قوي. متحرمنيش منه تاني.
أخفضت نظرها خجلاً من نظراته الهائمة بها وتركيزه الذي خصصه كله لأجل عينيها. وهي تتمتم بخفوت:
_ وأنت كمان متحرمنيش من صوتك الجميل وأنت بتقرأ القرآن تاني.
ابتسم لخجلها ثم رفع وجهها إليه مجبراً إياها النظر في عينيه مردداً بشجن عاشق حرم من معشوقه:
_ وحشتيني قوي قوي قوي. هنت عليكِ يامكة تبعدي عني المدة دي كلها؟
بنفس نبرة الشجن لامته بعينيها وكلامها:
_ واني هنت عليك تجـ.ـرحني بالطريقة دي وتغصبني وتفاجئني بحاجة مكنتش متوقعاها دلوقتي وتخليني أكره اللحظة دي.
اعتذر لها بأسف حقيقي نابع من قلبه. فهو لم يكن يوماً شهوانياً كي يفعل ما فعله بها وأنه أغصبها على قربه مردداً بندم:
_ لا والله عمرك ما تهوني عليا أبداً ياحبيبتي. حقك عليّ قلبي إني مشيت ورا الشيطان في لحظة تهور مني ومحسبتش نتيجتها.
بعينيها تبتسم له أردفت وهي تقبل اعتذاره بصدر رحب:
_ واني قبلت اعتذارك وحابة نفتح صفحة جديدة مع بعض. ونبدأ من جديد نقطة ومن أول الصفر. واللي بيربطنا ببعض في البداية الحب الكبير. إيه رأيك.
احتضن يداها بين يداه وشعر بحرارتهما التي تولدت فوراً من قربه منها هاتفا بموافقة:
_ تصدقي دي أحلى حاجة قلتيها. أنا مستعد جداً نبدأ من الأول وجديد بس أهم حاجة متبعديش عني.
لأول مرة تشد على احتضان يداه بين يديها مما جعل قلبه يخفق داخله من غرامه بها في تلك اللحظة. فقد شعر الآن بمدى احتياجها لوجوده بجانبها. ثم أكدت على كلامه وقالت الكلمات التي أراحت صدره:
_ مش هبعد خلاص يا آدم. بس محتاجة منك حبة تنازل شوية. ممكن.
أغمض عيناه وهو يتنفس أنفاساً من هولها وصل زفيرها إليها. ثم فتح عيناه وطلب منها راجياً:
_ طب ممكن منتكلمش في الموضوع ده دلوقتي؟ وأوعدك إني هفكر فيه وهشوف همشي إزاي. بس دلوقتي عايز فترة نقاهة أعيشها معاكي بدون زعل بدون اختلاف بدون خناق.
لم تعانده تلك المرة. كما أنها فكرت كثيراً أن تستغل حبه لها لصالحه. قررت أن تسحبه لدنيا الصلاح والتقوى بالهدوء والسكينة وليس الإكراه. فكرت في الأيام التي جلستها كثيراً وحدها حتى اهتدت لأن تسحبه لذاك العالم بحبها وليس بنفورها. فهو لم يأتي بالعناد مهما كان. ثم بادرت لأول مرة منذ أن عرفها بالاقتراب وهي تحتضن وجنته بين يديها مما جعل داخله ثائراً غير مصدق. عزفت على أوتار قربها منه. دغدغت مشاعر الصبر في الاقتراب منها لديه من مجرد احتضانها لوجهه فقط وهي تهمس له:
_ موافقة يا آدم. مفيش زعل ومفيش خناق ومفيش بعد كمان.
اتسعت مقلتيه بذهول من كلمتها الأخيرة. ثم أمسك يدها وساعدها على القيام والوقوف أمامه وهو يتساءل بنبرة متعجبة:
_ انتِ قلتي إيه دلوقتي؟
وأكمل وهو يجيب على حاله أمامها:
_ قلتِ مفيش بعد صح؟
هزت رأسها بابتسامة خجلة. فهي تحدثت مع سكون أختها وقصت عليها كل شيء. والأخرى نهرتها بشدة من عدم إعطائها لزوجها حقوقه. وكيف أنها متدينة تعرف الله وتتمنع عليه بتلك الدرجة. وفهمتها أن قرب الزوج من زوجته حق شرعي له. حتى لو اختلفا على نقاط في مسار طريقهما. ولكن حقه الشرعي ليس لها الحق في منعه إياه منه. ونبهتها أن ذنب النظرة منه لامرأة غيرها سوف تصب على رأسها هي لأنها حرمته وهو يريدها.
رأى رغبتها به في عينيها لأول مرة. لم يصدق حاله الآن. مكة راغبة به. يالها من لحظة لا تنسى. لحظة يريد أن يوثقها الآن بختم العاشقين ويحتفظ ببهاها بين ثنايا قلبه.
ثم سألها وهو ينزع تلك المنشفة من على رأسها حتى انسدلت خصلاته على ظهرها بهوجاء أعطتها شكلاً جعله راغباً بها. وهو يدفن يداه بين رقبتها ويتحسسها برغبة آذابتها:
_ يعني مستعدة نعيش مع بعض زي أي اتنين متجوزين طبيعي دلوقتي؟
أغمضت عينيها من شدة خجلها وهي تهز رأسها للأمام دون أي كلام. فهي متوترة في قربه الآن. تشعر بأن قدميها لم تستطيع الوقوف أمامه ومشاعرها تتخبط داخلها وجسدها مفكك من اقترابه وهمساته ولمساته.
وعلى حين غرة جذبها إلى أحضانه حتى ارتطمت بعظام صدره القوية. ثم حملها أرضاً وبدأ يدور بها في الغرفة بأكملها. وهو لم يصدق الآن ما وصلا إليه معها. فهو الآن يملك سعادة العالم أجمع. ثم أنزلها أرضاً وهدأ من أنفاسه الثائرة داخله. ثم همس بعينيها راجياً:
_ بحبك ونفسي أسمعها وشفايفك بتنطقها.
قررت أن تعترف بها الآن. فهي بالفعل عشقته مثله وتريده مثله. فقالتها وهي لم تقوى على النظر في عينيه من خجلها:
_ بــ حــ بــ كــ.
ظل ينظر إليها ولم يستطيع التحدث. فقد ثار القلب وهدأ في آن واحد وتضاربت المشاعر داخله. ظل القابع بين أضلعه الآن ثائراً ويطالب بالمزيد منها. لم يتخيل أن لنطقها سحراً جذاباً سيلقى به في أعماق هواها أكثر من ذي قبل.
ثم سألها بأنفاس متلهفة لأن ينالها الآن بكامل رضاها:
_ يعني مش خايفة دلوقتي ومش هتلوميني تاني وتزعلي.
حركت رأسها برفض وتمتمت بخفوت:
_ له مخيفاش. انت جوزي وحقك عليّ الطاعة واني ممنعكش من حقوقك.
حزن لردها ثم نطق بملامة:
_ مكنتش عايز الرد كده يامكة.
ثم داعب وجهها بأنامله وبحركته تلك جعلها تشعر بالإثارة والتلهف لقربه وهي تهمس:
_ أمال إيه بقى.
أجابها وهو مازال يداعب وجهها بأنامله كي يجعلها متلهفة لقربه طالبة بالمزيد:
_ عايزك تردي تقولي آه محتاجة حضنك وقربك ياحبيبي.
لكزته بخفة في صدره قائلة:
_ انت طماع قوي على فكرة.
داعب أنفها بوجهه وهو يهمس لها بمشاغبة:
_ وماله. هو أنا بطمع في حد غريب. أنا بطمع في حلالي وحبي وقلبي.
وأكمل وهو يغازلها:
_ بس بجد شكلك زي القمر وأنتِ واخدة شاور وتجنني.
أكملت بمداعبة مماثلة:
_ هو إنت ناقص جنان يادومي.
ضحك بشدة على مداعبتها ثم نطق بتكبير:
_ الله أكبر. بدأت تندع أهي. وأخيراً يابن المنسي جربت حبة دلع من اللي عنك اتمنع.
ضحكت هي الأخرى قائلة:
_ الله. ده انت واقع ودايب وكل حتة فيك قربت تولـ.ـع.
حرك رأسه للأمام ثم غمز لها بشقاوة:
_ آه والله. ده القلب والروح وكله كله خلاص جاب آخره منك يابنت قلبي.
قررت أن تشاغبه فابتعدت عنه قائلة:
_ طب أخرج بقي علشان عايزة أغير هدومي.
جذبها لأحضانه مرة أخرى وهو يهتف برفض قاطع:
_ أخرج مين ياحلوة؟ هو بعد بحبك دي فيها خروج من الأوضة دي إلا واحنا راجعين مصر.
شهقت باندهاش وتحدثت بنبرة ذهولية مصطنعة:
_ نعم. مصر إيه!
هتقعدني في الأوضة أسبوعين بحالهم.
غمز لها بعينيه وهو يشدد من احتضانها:
حقي يابنت الجندي ولا مش حقي.
ابتسمت له ابتسامتها الساحرة مرددة بموافقة:
حقك طبعًا.
الآن استراح قلبه وسيبدأ معها رحلة عاشق محروم، منذ أن أحبها لم ينعم بلحظة صافية معها. الآن سيقترب منها وفي هواها سيتنعم وبرضاها سينالها، وحتمًا ستذوب بين أضلعه من قربه الشديد الذي أهلك قلبه.
ثم تحدث بشفاه تتلذذ لاقترابها:
مش عارف هتبقى عاملة إزاي وإنتِ راضية، حاسس إنك هتبهريني.
ضحكت بمشاغبة ثم هتفت:
متتأملش قوي إني لا أفقه شيئًا في حديث المحبين.
رفع حاجبه ماكرًا ثم ردد بنفس المشاغبة:
له متقلقيش، ما أنا هخليكِ معلمة وإحنا منكِ نتعلم.
خجلت بشدة من تلميحاته ثم همست:
انت قليل الأدب على فكرة.
لااا، هو إحنا لسه عملنا حاجة؟ لسه بنقول يا هادي.
طب امشي بقى علشان انت كسفتني خالص بطريقتك دي.
غمز لها قائلًا بمداعبة تليق بذاك العاشق:
وماله الخجل مطلوب برضه، بيعلى ليفل الجولة شوية.
شهقت بشدة من طريقته التي أخجلتها، ثم دفنت رأسها في عنقه، فاستغل الفرصة في قربها مرددًا بجانب أذنها وهو يلوي خصلات شعرها بين يديه:
يا هلا بالزين.
وابتدأت معركة عشق الآدم لحبيبته التي سكنت ضلوعه برضاها لأول مرة. سافر معها إلى رحلة العاشقين التي حلم بها كثيرًا وكثيرًا، وأخيرًا نالها ذاك الآدم مع حبيبته التي قررت أن تستخدم معه أسلوب الرفق لا العند، وهي واثقة كل الثقة أنه سيجبرها وينسحب من ذاك الطريق الذي يؤرق حياتها معه، وقررت أن لا تعاند القدر في زواجه منها.
رحلا إلى عالمهم الذي قاده آدم بحنو جعلها ذائبة بين يديه.
الحياة لن تعطيك إلا إذا طلبت وألححت. فأسعَ وابحث عن الحب والحياة حتى تحقق كل ما تمنيت. كن محبًا للحياة ومتفائلًا حتى تنعم بالسعادة، ولا تضيع قدرًا كبيرًا من الزمن بحثًا عن التعاسة. لا تتحدث كثيرًا وافعل كثيرًا، فهذه هي سمات العظماء من يطمحون وينفذون. اقتنص الفرص التي تأتيك واستغلها بأفضل الطرق، ولا تنتظر كثيرًا حتى لا تضيع منك، فقد لا تأتي مرة أخرى.
تلك الكلمات التي دونتها رحمة على صفحتها الشخصية عبر الفيسبوك، فهي تعشق التحدي.
وكالعادة ذاك العاشق لن يضيع أي شيء تدونه تلك الصغيرة المشاغبة، فقام بالتعليق لها:
كي نستمر في هذه الحياة، يجب أن نقضي مزيدًا من الوقت في الاستمتاع بما هو جميل ومحبب لنا، على حساب الأشياء الأخرى التي لا نحبها، وكل منا يعرف جيدًا ماذا يحب وكيف يستمتع ومع من.
قرأت تعليقه بابتسامة لذاك المشاغب المختلف، المتأني في مشاعره وكبرياؤه ذلك وتمرده يجعلها تذوب فيه أكثر من ذي قبل.
وأثناء شرودها في ذاك الماهر، جائها اتصاله، فأجابته على الفور بمشاغبة:
عم الفيلسوف اللي ماشاء الله عليه عميق قوي في ردوده.
بقامة عالية وشموخ اعتاد عليه ذاك الماهر:
طبعًا أنتِ مش مع أي حد، أنتِ مع ماهر البنان.
ضحكت بشدة على رده، ثم تحدثت بنفس الفخر والشموخ:
أه عارفة، ماهو إني برضه مش أي حد يا متر، وحاسب لا تقع في البير اللي ملهوش قرار بتاع رحمتك.
ابتسم برزانة، ثم قام بتبديل المكالمة لفيديو كي يراها، فقبلت مكالمته وهي تضع الحجاب بإهمال على رأسها. رآها أمامه بملابس المنزل وهي تجلس في الحديقة بذاك التريننج الملتصق بجسدها. تفحصها جيدًا ثم قال:
أه قاعدة واخدة راحتك على الآخر، ولابسة لبس مينفعش تخرجي من أوضتك، ورامية طرحتك كمان.
وأكمل بهدوء، فهو لن يتعصب كي لا يحزنها وسيكتم غيرته ويفهمها ما يريده:
على حد علمي إن جاسر بن عمك ممكن ييجي في أي وقت ويدخل البيت عادي، وطبعًا حضرتك بتقعدي قدامه كده باللبس الضيق.
فأنا بكل هدوء يارحمة بقولك حالا تطلعي أوضتك تكلميني منها، وممنوع تمامًا تنزلي الجنينة إلا بعبايتك وحجابك ملفوف بإحكام على رأسك.
زمت شفتاها وأنزلت بصرها للأسفل بحزن ممزوج بدلال، وتحدثت بنبرة استيائية مفتعلة:
الله ياماهر، بقى انت بتركز في كل حاجة قوي؟ متعقدهاش قوي كده.
ضيق نظرة عينيه، ثم رمقها بنبرة هادئة بكل تصميم:
مش هنكمل كلامنا غير لما تعملي اللي طلبته منك دلوقتي يارحمة. وخلي بالك إني بتكلم بكل هدوء ومن غير انفعال زي ما طلبتي مني.
وخلي بالك إني من النوع اللي بيغير على اللي منه قوي، وغيرتي صعبة ووحشة، وممكن تكون خنيقة في وجهة نظرك، بس دي طريقتي.
دي انت بتتلكك بقي يا سي ماهر ولما بتصدق.
حرك رأسه للأمام مؤكدا كلامها:
_ وماله لما اتلكك علشان اشوف الجمال اللي بيخطف ده والشقاوة اللي تدوب.
أخجلها بشدة من نبرته ونظراته ثم تحدثت بهمس راجي:
_ لاا اهدي علي اني مش حمل مكرك دي وارجع لماهر الغيور الصلب.
ابتسم برجولة أذابتها:
_ الله كنت من يومين عاملة نفسك هيرو ووحش ومحدش هيقدر عليك من كلمتين جبتي لورا في ثانية واعصابك وقعت.
واسترسل وهو مازال يشاغبها:
_ اكده لما تدخلي المباراة هتخسري من أول هجمة يارحمتي واني مش عايز اكده عايز مبارزة قوية تهلك وتخليني اجري طول المباراة ومدخلش الجون بسهولة.
أنهى كلامه وهو يباغتها بغمزة شقية وجعلت القابع بين أضلعها يدق بعنف من طريقته الجديدة كليا معها ثم قالت وهي تداري وجهها بعيدا عن الهاتف:
_ ماهر بطل بقي طريقتك دي أني بتكسف بجد.
_ طب بتداري وشك ليه ياحب خليني اشوف ملامحك اللي بتتكسف القمر دي.
مازالت مبتعدة بوجهها عنه ثم أغلقت الهاتف فورا مما صدمه منها فهي خجلت بشدة وهو لم يتوقع ذلك منها وبات يجزم أنها ستكون رائعة حينما تكون بين يديه فحقا لقاؤها سيكون مزيجا من العشق الجامح لكلتيهما والمشاعر الرقيقة البدائية منها فحقا يليق بك الفخر والاعتزاز بالنفس والكبرياء رحمتي.
ثم أرسل لها رسالة:
_ دي انت طلعت لاعبة فاشلة خالص يارحمتي.
ابتسمت بحالمية لمشاغبته واحتضنت الهاتف بين يديها وداخلها يردد:
لم لم أترك ضعفي بين يديك حبيبي وأتوه معك في دنياك الرائعة.
اريد أن أكسر حواجز الصد وأقتحم قلعتك العاشقة وأشيد داخلها مبنى عشقي ولن أجعل أحدا يقترب من أسواره العالية.
فبك القلب يحيا ومعك العين تتمنى وإليك الروح تفيض شوقا وأتمنى أن أعيش معك روعة حياتي القادمة.
في منزل سلطان وبالتحديد في شقة عمران تدور سكون حول نفسها باختناق فما زالت حبيسة تلك الشقة وعمران أخذ لها إجازة من المشفى ومصمم على عدم خروجها ويخرج من الصباح الباكر ويعود بعد منتصف الليل دون أن يراها أو تراه.
لقد رباها عمران ببعده عنها وجموده عليها. لم تكن تتوقع أن غضبه صعب بتلك الطريقة وأنه شديد لأبعد الحدود في وقت خصامهم.
وفي إحدى الليالي قررت أن تنتظره حتى لو أتى فجرا فهي لن تتنازل على أن تتحدث معه اليوم وتصل معه إلى أمر نهائي فعقابه مرير.
ظلت تنتظره حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل إلى أن جاء أخيرا ومع دقة الباب تصارعت دقات قلبها داخلها. فقد شعرت بأنه يشتاقه كثيرا. وبالرغم من أنها تطل عليه كل يوم وتتشبع برؤيته خلسة وهو نائم إلا أنها لم تعد قادرة على التحمل الابتعاد. فالاشتياق له وصل إلى مرحلة لم تتحملها. والابتعاد مرير.
ما إن دخل تلك الغرفة حتى وجدها في انتظاره لم يكن يتوقع أنها تنتظره إلى الآن.
ولكن إحساسه هو الآخر ضاعف إحساسها بمراحل ووحشته لها زادت أضعاف الأضعاف. فقد اشتاقها فوق الاشتياق اشتياقا.
تحدث بجمود اصطنعه يأعجوبة دون أن ينظر لها وهو يعطيها ظهره:
_ عايزة ايه وايه اللي جايبك هنا؟
تنفست بصعوبة بالغة فقد عبئت رائحته صدرها وصارت تتنفسها أكثر وأكثر حتى يقل اشتياقها له ولكن ما زادها إلا احتياج لحضن عمرانها.
ثم اقتربت منه ولمست أكتافه من الخلف فجعلت جسده يشعر كأن الكهرباء مسته من كثرة وحشته للمسة سكونه.
كفاك قلب العمران! كفاك إذلالا لي! كفاك ذاك الشعور المميت داخلك! كل ليلة تزورك في أحلامك وتشعر بوجودها بين أحضانك.
كفاك عذاب لصاحبك فهي خانت العهد والوعد وقتلتك دون رأفة أو رحمة.
كل ذلك من مجرد لمسة أصابعها لكتفك!
ثم استمعت أذناها لهمسها من الخلف فأغمض عيناه فصوتها هو الآخر فتت مشاعر الجمود داخله. يريدها بشدة. كل خلية في جسده تطالبه بالاقتراب منها.
_ هتفضل حابسني لحد ميتة ياعمران وأني مبتكلمش واكده هتضر في شغلي وهنفصل ومستقبلي كله هيضيع؟
أجابها وهو موجوع منها وهو على نفس وضعه دون أن يواجه عيناها:
_ مانت كمان مرحمتيش ولدي وضعيتيه ومستنتيش لما تتأكدي من الحقيقة واهه كل شيء انكشف وبان والملعونة اللي كانت بتوقع بيني وبينك وعايزة تخرب علينا نجحت في اكده وشيلتني منك شيلة تقيلة قوي ياسكون ودلوقتي الإعدام مستنيها واكيد اتأكدتي إن اللي تقتل تقدر تفترى بردو وإن الفيديو اللي بعتته كله ظلم وافتراء.
أغمضت عيناها هي الأخرى من وجع حبيبها على يدها وغير قادرة على التبرير.
ثم تحدثت بصوت خفيض كي تجعله يستريح:
_ أنا عمري ما شكيت فيك لحظة ياعمران.
إلى هنا أعطاها وجهه ونظر إليها نظرات قاتمة وغضبه وصل عنان السماء ثم هزها من كتفيها قائلا:
_ أمال عملتي في ولدي كده ليه ياسكون لما انت واثقة في عمران قوي كده؟
لم ينطق لسانها ولكن نطقت دموعها وشهقت بشدة ولم تستطع تبرئة نفسها من تلك التهمة الشنيعة تهمة قتل النفس.
قتلته دموعها. شقته إلى نصفين نصف يريد أن يحتضنها ويحنو عليها ولا أن يراها تبكي ونصف يريد أن يسحقها بين يديه دون رأفة أو رحمة. ماذا بك أيها القدر تصفعني دون رحمة؟ ماذا بها حكمتك ربي من عذابي الذي أتعبني وأرهقني؟
ثم نظر في عينيها وترجاها:
_ لو مخبية حاجة عني عرفيها لي ياسكون ومتدمريش اللي بينا واني هفكر بالعقل وهلتمس لك كل الأعذار.
لم يجد منها رد غير البكاء ثم ردد بنظرات جامدة بأمر لا يقبل النقاش:
_ قدامك ربع ساعة بالضبط تلبسي وتجيبي شنطتك وتنزل لي تحت.
وأكمل بنبرة تحذيرية:
_ هما ربع ساعة بالضبط وتنزلي أكتر من كده هتشوفي وش عمرك في حياتك ماشفتيه قبل كده وادعي ربك ماتشوفيهوش.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثالث والستون 63 - بقلم فاطيما يوسف
لم يجد منها رد غير البكاء ثم ردد بنظرات جامدة بأمر لا يقبل النقاش:
_ قدامك ربع ساعة بالظبط تلبسي وتجيبي شنطتك وتنزل لي تحت.
وأكمل بنبرة تحذيرية:
_ هما ربع ساعة بالظبط وتنزلي، أكتر من كده هتشوفي وش عمرك في حياتك ما شفتيه، وادعي ربك ما تشوفيهوش.
تحدثت بصوت مختنق قبل أن يغادر الغرفة:
_ خلاص هتطلقني ياعمران؟
ما إن سمع تلك الكلمة بتلك النبرة، أغمض عينيه ثم استدار إليها ورجع بخطواته ووقف أمامها، ثم احتضن وجنتيها بين يديه بقوة آلمتها وهو يردد بصوت أجش خشن وبنبرة صارمة:
_ مش قبل ما أرجع حق ابني اللي ضيعتيه وتجيبي لي غيره ياسكون.
شعرت بالألم من احتضانه القوي لوجنتها، ثم حركت وجهها بين يديه وهي تغمض عينيها مرددة بألم هامس:
_ آااه بتوجعني ياعمران، حرام عليك.
خفف يداه ومازال محتضنا وجنتيها قائلاً:
_ ما أنت كمان وجعتيني ياسكون، ولسة مكملة.
مازالت تغمض عينيها وهي خائفة من أن تفتحها وتسكنها داخل عينيه وتلقي بهمومها داخل صدره وتستريح هي وتتعبه هو.
ثم أكمل بنفس الجمود وهو على نفس وضعه بنبرة حائرة:
_ ماهو مش قادر أتخيل كيف العيون دي خدعتني فيها بالطريقة دي!
كيف الإحساس اللي أنا حسيته في قربك يطلع وهم!
طب لما أنت مبتحبيش عمران ومش عايزة تخلفي منه وعايزة تطلقي، ليه الدموع دي كلها؟
طب ليه مش قادرة تفتحي عينيك وتواجهي عيون عمران ياسكون؟
وأكمل وهو يبدل نبرته من صارمة إلى نبرة أهدأ:
_ اللي يعشق عمره ما يعرف يغدر ولا يعرف ينسى بالسهولة دي.
مازالت على بكائها وصمتها، داخله يؤكد له أن بها شيء ما لا يعرفه، فهذه سكون التي تتنفس عشق العمران ولا يمكن أن تفعل به هكذا.
مازال قلبه يعطي لها ألف عذر بدلًا عن السبعين.
ثم أكد عليها:
_ البسي حاجة تقيلة عشان الجو برد برة والطريق طويل.
ثم تركها وغادر الغرفة وهبط إلى الأسفل وهو حزين على حالهما وعلى ما وصلا إليه، وبالرغم من اعترافها لإجهاضها لجنينه، إلا أنه مازال متمسكاً بها وبوجودها في حياته، فبخروجها وابتعادها عنه لن يستطيع أن يحيا العمران.
جلس على الأريكة وهو ينفث دخان سيجارته واحدة تلو الأخرى دون اكتراث لما يعبئه في صدره من ملوثات، وكأنها الإكسير التي تخفف غضبه.
كان يجلس يفكر بها هي وحدها التي تقتحم صحوه وغفوته. هي وحدها من يريد من نساء العالم لاغيرها.
أما هي، ارتدت ملابسها ولا تعرف أين هي ذاهبة الآن معه.
وأيضاً لم تعرف ما مصيرها مع عمران معشوقها الأبدي.
أنهت ارتداء ملابسها الثقيلة ووضعت الحجاب وثبتته على رأسها وحملت حقيبة يدها وهبطت إليه، وجدته مستنداً على الأريكة ويبدو أنه غفى من شدة إرهاقه.
وقفت أمامه ثم جلست أرضاً أمام وجهه مباشرة واقتربت منه وصارت تشم رائحته المحببة إلى قلبها تعبئها داخل صدرها.
أنفاسه التي لوثها بذاك الدخان أشهى العطور لديها الآن.
وبالمثل شعر بأنفاسها هي الأخرى التي تلفح وجهه، فظل مغمض العينين كي يعبئ رائحتها هي الأخرى في صدره، فقد استوحشها كثيراً.
لو كان الأمر بيده لجذبها الآن إلى أحضانه وتشبث بها ورمى وحشة الأيام الماضية لها داخل جسدها الهزيل.
ولكن ليت كل ما يتمناه المرء يدركه. ليت كل الأيام الثقال تنتهي الآن ويأخذها بين ذراعيه يسقيها من شهد عشقه لها أشهى ما تتلذذ.
لم يستطع إغلاق عينيه أكثر من ذلك في قربها، فلو ظل هكذا سيضعف ويضرب بالمعقول واللامعقول عرض الحائط.
ثم فتح عينيه فجأة، وجدها مغمضة العينين تتنفس أنفاسه دون إرادة منها.
شعرت بحركته فقامت على الفور، ولكنه سحبها بسرعة حتى وقعت وارتطمت بصدره الصلب وسألها بنبرة رجولية خشنة وهو متأثراً بقربها:
_ طب ليه كل ده يابت الناس!
اللي يشوف أفعالك يستعجب. بتعملي فينا كده ليه؟
لم تقدر على النطق وهي بقربه بتلك الدرجة، ثم ابتلعت أنفاسها بصعوبة بالغة وبنبرة هامسة سألته:
_ إحنا رايحين فين دلوك؟
أجابها وهو يثبت عينيه داخل عينيها:
_ نازلين مصر رايحين للشيخ صابر المداح.
اندهشت وهي في مكانها فوق صدره ويداه تحتضن خصرها من الخلف، ثم رددت بنبرة استفهامية متعجبة:
_ الشيخ صابر المداح مين وبيعمل إيه ده؟
اعتدل بجلسته حتى صارت تجلس على قدميه ووجهها بالقرب من وجهه قائلاً بغموض:
_ لما نروح هناك هتعرفي كل حاجة.
ابتلعت أنفاسها بصعوبة بالغة من قربه المهلك، وكأنه يقصد فعل تلك الحركات عن قصد كي يضعفها بقربه، ثم هتفت بقلق:
_ طب مينفعش نأجلها للصبح؟ أنت منمتش وإحنا ماشيين على طريق. في التأني السلامة.
بنظرة ملامة قصدها عمران سألها:
_ ليه خايفة على روحك وأنت معايا؟ ولا خايفة أموتك زي ما عملتي في حتة مني جواكي؟
انتفضت من مكانها وهي لم تعد تتحمل ملامته واتهاماته لها، هادرة به لأول مرة:
_ كفاياك عاد تقطيع، وكل شوية تحسسني إني عملت جريمة.
انتفض هو الآخر من مكانه وهزها بعنف:
_ هو أنت كمان ليك عين تعلي صوتك بعد اللي عملتيه فيا؟
جزت أسنانها بغضب، ثم أردفت دون خشية وهي تريد أن تفهم سره المخفي عنها هو الآخر:
_ أنتم السابقون ياعمران، مش لما أعرف كنت في أحضان وجد كيف بالطريقة الحميمية دي، حتى لو كنت مش في وعيك زي ما قلت؟
إزاي اتجرأت عليك بالشكل ده ياعمران؟
ثار هو الآخر من عصيانها أمامه، فهو لم ولن يحكي لها عن ما حدث له على يد تلك العقرب، ثم هدر بها:
_ شوفي بقى، متحاوليش تقلبي الترابيزة، دي شئ ودي شئ تاني خالص.
ما تيجي نروح لماجدة كده ونحكي اللي حصل مني ومنك ونشوف رد فعلها إيه لما تعرف إن بنتها حملت وموتت اللي في بطنها.
اتسعت عيناها برعب مما قاله، فهي ليست على استعداد لمواجهة أحداً عما بها ولا عن تقطيعهم لها، ثم ترجته بأعصاب منهكة مما تمر به الآن:
_ أنت نويت تفضح اللي بينا ياعمران، حتى لو كان لأمي! أرجوك ياعمران كفاية اللي أنا فيه، أكتر من كده مهتلاقيش سكون.
وأكملت وهي تنزل ببصرها للأسفل بنبرة ممزوجة بالدموع:
_ ممكن تصحى تلاقيني رحت مع اللي راحوا، ووقتها هيبقى ربنا ريحني.
انتفض بهلع عليها من مجرد ذكرها سيرة الموت، ثم جذبها لأحضانها وهو يهمس بجانب أذنها:
_ بتقولي إيه أنتِ؟ حرام عليكِ! بقي كفاية اللي أنا فيه، متزيدهاش عاد.
شددت من احتضانه، فالآن هي في حضن الأمان. حضن اللقاء والوداع معاً، كما هي تشعر.
ثم أخرجها من أحضانها، وللحظة غاص في عينيها وفي ملامحها الجميلة التي وحشته بشدة، ولحظة أخذه فؤاده لشعور لا يناسب خصامهما هذا، ولكن ما يأمله الآن أن تكون تلك الوجد أصابتها بشيء من سحرها الأسود جعلتها فعلت بجنينها هكذا.
فهي امرأة ملعونة فعلت به ما لا يخطر على بال بشر، لذلك يضع لها ذاك العذر بداخله، بل هو ذاهب ذاك المشوار خصيصاً كي يجد سبباً يجعله ينعم بأحضانها التي اشتاقها كثيراً.
ثم وجد حاله يجذب شفتيها بين شفتيه في لحظة ضعف.
وله … اشتياق… لحظة يحلم بها ويتمناها منذ أن تفرق شملهم.
كانت قبلة اجتياح مدمرة لكلاهما عصفت بالقوانين التي آخذاها كليهما على حاله.
عاشقان محرومان من متعة اقترابهما ببعضهم.
ثم وجد حاله لم يستطع السيطرة على نفسه، وهم في بهو المنزل ابتعد عنها وتركها تلتقط أنفاسها بصعوبة من قبلته العاصفة.
ثم تذكر ما فعلته وابتعد عنها متحمحمًا بكبرياء:
_ حرام عليك! ليه عملت فينا كده؟
ما إن تفوه بها ارتجفت يدها لتقع الحقيبة منها، فبالرغم من إصرارها على الفراق، لكن كانت لا تعلم أنها ستقع عليها هكذا وكأن انسكب فوقها دلو من الثلج أو وقعت من فوق جبل مرتفع إلى الهاوية.
ركضت من أمامه قبل أن تضعف وتبكي ويرى ندمها ويسمع لعنات قلبها لها.
أما هو، لملم شتاته المبعثر من قربها ثم خرج إلى السيارة ينتظرها كي يذهبا إلى ذاك المشوار الذي يعتقد أنه سيريحها منه.
أما هي، جففت عبراتها ثم خرجت ووجدته ينتظرها، فدلفت إلى السيارة ليبدأ في القيادة.
نظرت من النافذة على تلك الحديقة، تحفظها داخلها علها تكون المرة الأخيرة ولم تأتِ ذاك المنزل مرة أخرى.
ثم أعتدلت لتنظر أمامها وأجهشت بالبكاء وقلبها يعتصر ألمًا.
تريد صفع نفسها آلاف المرات على قرارها الأحمق، لكن هل هذه نهاية المطاف؟
وماذا ستفعل بهما الأيام القادمة؟
أما هو، ازداد داخله وجعًا على بكائها وحالتها التي لا تبشر بالخير أبدًا.
ومن شدة بكاؤها شعرت بثقل عينيها وكأنها قررت أن تذهب بها في سبات عميق حتى ترتاح قليلاً وتشحن طاقة تكفي أيام الوجع القادمة، وهو يقود السيارة بجانبها وعيناه تنظر لها بين الحين والآخر.
فالطريق سيأخذ أكثر من ست ساعات وهو لم يفصل فيهما مهما شعر بإنهاك.
وأخيرًا، بعد مرور ساعات لم يعرف عددها، وصل الآن تلك المنطقة التي يمكث بها الشيخ صابر والتي يحفظها عن ظهر قلب.
هاتفه عمران وأعلمه بوصوله، فهو قد أخذ منه موعدًا قبل ذلك، فأذن له الشيخ بالصعود إليه.
احتضن كفاه يدها المرتجفتين ثم قالت له برجاء قبل أن يصعدا:
_بلاش يا عمران، إني مش حاسة براحة ومش متعودة على الحاجات دي، أرجوك بلاش.
هدأها قائلاً:
_متقلقيش يا سكون، الشيخ صابر مش زي ما انت فاكرة، دي راجل صالح وملوش في أمور الدجل والشعوذة وجلساته كلها ذكر وقرآن، وإن نفعت مش هتضر. وبعدين إني وياكي أهه ومش هسيبك لحظة لحالك.
أخذت نفسًا عميقًا ثم استعاذت داخلها وصعدت لقدرها معه التي تعلم نتيجته جيدًا.
فهي تعلم أنها لن يصيبها سحر وأن ما بها ليس إلا قدرًا من عند الله.
وصل عند الشيخ، وبعد جلسة دامت أكثر من نصف ساعة يتلو فيها الشيخ عليهما من آيات وأذكار وروحانيات، نظر إليهما مرددًا ببشاشة:
_انتوا الاتنين ماشاء الله، الحارس الله لم يصبكم أي سحر أو أذى. وبإذن الله محدش يقدر يمسكم أبدًا، وطول ما انت بتعمل اللي قلت لك عليه متقلقش.
تيقن عمران من كلام الشيخ أن زوجته لم يصيبها شيئًا، والأمل الذي سيشفع به قلبه لها لم يعد موجودًا، وصار الفراق بينهما عاجلاً أم آجلاً على مشارف الأبواب.
انقضت جلستهم مع الشيخ وغادروا المكان، ثم استقلا السيارة وصعدا، كلتاهما وملامحهما يبدو عليها الوجوم الشديد.
أما هي، صامتة الآن وتعد حالها لعاصفة عمران بها.
وأثناء شرودها استمعت إلى صوته الصارم:
_هنروح دلوقتي فندق هنستريح فيه علشان على بالليل هنروح لدكتورة كبيرة سألت عنها هنا علشان أشوف وأطمئن إنك مابتخدش الحبوب دي وهخليها تعمل لك فحص كامل شامل قدامي علشان ميبقاش ليك حجة بعد كده. الداكتورة دي صاحبة مركز كبير وبييجي لها ناس من جميع أنحاء العالم، إني بحثت عنها كويس قوي والحجز بتاعنا النهاردة.
وقع قلبها بين قدميها، فاليوم سيعرف عمران احتمال عقمها وسيعرف أنه سيتأخر حملها أو لم يحدث، وسينقلب حزنه إلى مرار.
أردت راحته منه لأنها تعلم جيدًا أن عمران لن يتركها مهما كان.
في مكتب ماهر الريان، تجلس تلك الرحمة على مكتبها في الخارج تشتاط غضبًا.
تجلس على الكرسي تتقلب فيه بهوجاء وكأنها تتقلب على جمر من النار.
فقد مكثت تلك الشمس مع ماهر في الداخل أكثر من ساعة، مما جعل غضبها يصل أبعد الحدود.
ومن الأدهى أنه منع أحدًا من الدخول عليهم.
قامت من مكانها منتفضة بحدة، فهي لم تستطع التحمل أكثر من ذلك.
دلفت إليهم المكتب دون استئذان وضربت بقوانين ماهر الريان أرضًا، فالصبر يئس من صبرها وهي تتركه ساعة بأكملها وحدهم.
وياليتها ما دخلت إليهم، فقد رأت تلك الشمس تجلس على مكتبه وتتحدث بدلال جعلها تتسع عيناها بذهول.
ويبدو أن تلك الشمس ستسطر في وثائق الوفيات اليوم، مما قالته وأذناي تلك الرحمة سمعته:
_بس مكنتش اعرف إنك بقيت جامد قوي كده وحاجة واو، يا ترى هي الرجالة لما تقرب توصل لسن الأربعين بتهبلوا كده.
لم يستطع الرد عليها، فقد وقفت رحمة أمامها بغضب وصل معها أقصاه، ومن الواضح أنها استمعت إلى ما قالته شمس، وبات داخلها الآن متأكدًا من شراسة تلك الرحمة وأنها يستحيل أن تمرر الموقف مرور الكرام.
ولكن ظل يجلس بثبات.
ثم رمقتها رحمة بخضراويتها المشتعلتين بكل برود قبل أن تنفجر:
_ومكنتيش تعرفي بردوا إن قعدتك هنا على مكتب راجل وانت بالشكل ده بتهبليش ولا حاجة، وإن حبة الحركات والكلام اللي بتعمليهم دول رخص يا آنسة.
انتفضت شمس من مكانها ووقفت بطولها الفاره، فقد كانت طويلة ورحمة تصل إلى منتصفها وترتدي ذاك الرداء الأسود الخاطف للأنفاس، وهو عبارة عن فستان طويل بدون أكمام ومفتوح الصدر ومزين ببعض النقوش المزخرفة بالدانتيل من الأعلى وضيق من منتصف خصرها ويهبط باتساع حتى غطى جميع قدمها ومزين بحزام باللون الفضي المزين بنفس الدانتيل من على الصدر وجسدها مرسوم بحرفية كعارضات الأزياء.
ووجهها الأبيض المزين أيضًا بلمسات التجميل البسيطة للغاية، ولكنها ليست محتاجة لها، فجمالها الطبيعي لا يحتاج اللعب فيه.
شملتها رحمة بعينيها الغيرة، مما جعلها تفرز ملامحها بشدة، والآن تود سحقها بين يديها، ولكن تحاول أن تظل على الثبات الانفعالي والهدوء، ولكن داخلها يريد الهجوم عليها الآن وتلقينها درسًا لن تنساه، فهي تقف أمام ماهرها وتغازله، وبدا لها أنها على ذلك الحالة من الدلع والإثارة له منذ أن وطأت قدمها ذاك المكتب.
أما تلك الشمس، هدرت بها بكبرياء فقد سحقتها تلك الرحمة وأهانتها إهانة لن تغتفر:
_انت إزاي يا بتاعة انت تتكلمي معايا بالأسلوب ده، شكلك اتجننتي علشان متعرفيش أنا مين؟
ثم استدارت إلى ماهر وهي مازالت على عاصفتها وهي تسأله بذهول:
_انت إزاي يا ماهر تشغل معاك سكرتيرة تقتحم مكتبك بالهمجية دي وكمان تتكلم مع ضيوفك بالطريقة غير المهذبة دي وتسمح لها تهينهم؟
ربعت تلك الرحمة ساعديها وبقامة مرفوعة تحركت حتى وصلت إليه، ولم تكتفِ بذلك بل جلست مكان تلك الشمس على المكتب ونظرت إليه بعينيها مازالت تخفي شراستها إلى الآن، قائلة له وهي تشير بيدها على الأخرى باشمئزاز:
_رد يا متر على سؤال عمود النور اللي واقفة دي وهي بتشتم رحمة سلطان المهدي.
تحمحم ماهر كي يستدعي الهدوء ويخرج صوته أكثر طبيعيًا، وهو الآن متيقن أن تلك الشمس وقعت تحت قبضة الأسد:
_لو سمحتم انتوا الاتنين تهدوا ومفيش داعي لأن كل واحدة تهين التانية أكتر من كده.
ثم قرر أن يعرفهن على بعضهن، موجهًا كلامه لشمس أولاً:
_دي تبقى رحمة المهدي خطيبتي يا شمس والمسؤولة عن كل حاجة تخص مكتبي.
ثم نظر إلى رحمة الغاضبة بشدة يعرفها عليها، ولكن قبل أن ينطق بأي شيء نزلت من على المكتب مرددة بكبرياء ورفض قاطع جعل تلك الشمس تشتاط أكثر من أنها علمت أن رحمة خطيبته، فقد أفسدت مخططها في أن تجعل ماهر يراها ويذوب بجمالها هيامًا:
_لا معايزاش اتعرف على الأشكال دي. الكلام ده كان يحصل من البداية يا متر من أول ما الكونتيسا دخلت المكتب ودخلت لقيتها بتقول الكلام الأبل ده وهي مبتخجلش.
ثم أكملت وهي تقف أمامه ومازالت على اعتراضها:
_مش أدخل ألاقيها قاعدة على المكتب وبتتغزل في جناب المتر ومعندهاش ذرة من الحياء والأدب اللي شكل أهلها معرفوش يربوها عليه.
واسترسلت بنفس غضبها:
_دي أني اللي خطيبتك مقلتلكش الكلام ده يا متر.
حدجتها تلك الشمس بريبة لتنهرها بحدة:
_ايه ده يا بتاعة انت الطريقة السوقية اللي بتتكلمي بيها دي! المفروض انت مخطوبة لماهر الريان تكوني أرقى من كده في التعامل مع ضيوفه وتسيبك من شغل حلق حوش ده.
إلى هنا لم تتحمل رحمة سماجتها، ثم شمرت عن ساعديها وكادت أن تفترسها الآن وتخرجها من ذاك المكان على نقالة إلى المشفى مما ستفعله بها، إلا أن ماهر تدارك الموقف وعلم ما ستفعله رحمة وأنها الآن ستنقض عليها كالأسد والأخرى لن تسد مقابلها والأمر سينقلب الآن، فنهر تلك الشمس:
_لو سمحت يا شمس تتكلمي معها بأدب ومتغلطيش فيها أي كان.
لم تصدق شمس ما قاله ماهر الآن، لقد أهانها وسمح لرحمة هي الأخرى بإهانتها، والتمعت عينيها بالدموع لتقول بملامة له جعلته يتأثر بلمعة عينيها الدامعتين:
_بقي كده يا ماهر أتهان في مكتبك بالطريقة دي وكمان انت كمان تزود معاها.
واستطردت عتابها وهي تحمل حقيبتها وتنتوي المغادرة:
_شكرا جدا على حسن ضيافتك واستقبالك ليا بالطريقة المهينة دي، وأوعدك مش هتتكرر تاني.
ابتسمت لها رحمة ابتسامة نصر وهتفت:
_مع السلامة يا غالية وخطوة رخيصة ياريت متتكررش تاني وتعتبرها يا أما هيبقى عندك بربع جنيه كرامة.
أما ماهر كاد أن يلحق بها إلا أن رحمة منعته بشدة قائلة:
_رايح وراها تعمل إيه إن شاء الله، ماتسيبها تغور في داهية قليلة الحيا دي.
واسترسلت وهي تضرب بقبضة يدها على المكتب:
_علشان نعرف بقى نتحاسب يا متر على اللي حصل وسمعته بوداني من أم أربعة وأربعين دي.
أما شمس، نظرت له نظرة خذلان لإهانتها وطردها من مكتبه بتلك الدرجة، وغادرت المكتب وهي تبكي بغزارة، ويبدو أن أملها في ذاك الماهر تبخر وأن تلك الرحمة قد عشقها وأنها ليست لها مكانة في حياته.
أما ماهر، بعد أن غادرت نظر إليها بغضب عارم، فهو لم يهينها أبدًا أمام أحد، ولكن الآن أصبحا وحدهما، فتحرك بخطوات ثابتة تجاه الباب وأغلقه كي لا يسمع صوتهما أحد بالخارج، ثم تحدث إليها بحدة:
_انت إزاي تعملي كده مع ضيف وياي في المكتب يا رحمة؟
بنفس حدته وغضبه ضربت بقوانينه دون أن تبالي أو تكترث لغضبه منها رعبًا، ثم أجابته:
_طب وهي دي ضيف عادي يا متر!
وأكملت بغيرة عمياء مثله بل وزادت وهي تتحدث بنبرة سخرية وتقلد تلك الشمس:
_أنا دخلت لقيت الهانم قاعدة على مكتبك وبتقول لك الرجالة لما بيوصلوا لسن الأربعين بيهبلوا!
وانت قاعد فرحان بقى ونافش ريشك ياماهر وفي الآخر تقول لي ينفع ولا مينفعش!
وأكملت حدتها وهي على نفس غضبها:
_ دي انت تحمد ربنا اني مجبتهاش من شعرها الكنيش اللي شبهها دي ومخليتش فيها حتة سليمة.
نفخ بضيق وهو يضرب بقبضة يديه في الأخرى معللا:
_ يابنتي افهمي عاد وسيبك بقى من الهوجة اللي انتي فيها داي.
واسترسل حديثه وهو يعرفها عن كنية شمس:
_ شمس دي تبقى اخت فرح واني اللي مربيها على يدي. كنت صديق لمحمد أخوهم أصلا وكنت بروح عندهم كتير وأني في الكلية ووقتها هي كانت في الابتدائية وكانت لما تعرف إني هناك تيجي تقعد معايا كتير. كانت واخدة علي ويتحبني كيف أخوها ومرت السنين واتجوزت اختها وتعلقها بيا زاد وحتى لما المشاكل بيني وبين فرح زادت كانت هي كبرت وعرفت الصح من الغلط وبقت تنصحها كتير لحد ما حصل اللي انت تعرفيه. وقفت جنبي كتير ولحد من أربع سنين فاتت مشفتهاش لأنها سافرت برة تكمل علامها ووصلت مصر من أسبوع وجت تسلم علي. هي دي كل الحكاية.
لم تتأثر بكلامه ولم تعطي لها الحق في أن تجلس أمامه بتلك الطريقة ولا أن تقل له ذاك الكلام. وحتى نظرة عيناي تلك الشمس لم تكن سهلة من وجهة نظرها. ثم تفوهت بغيرة لم تهدأ بعد حتى بعد أن سرد لها ما قاله الآن:
_ وهو دي يديها الحق تبص لك البصة اللي اني شفتها دي!
يديها الحق تقعد تدلع قدامك بمنظرها العريان المكشوف دي وتقول لك الكلام اللي سمعته!
مهما تكون ياماهر مش من حقك تقعد مع أي ست وتديها مساحة الحرية اللي الباردة دي كانت بتتكلم بيها وياك.
وتابعت بنظرة شرسة أقرب لساخرة:
_ دي لو مكنتش دخلت في الوقت ده كنت هدخل ألاقيها في حضنك إن شاء الله علشان تعبر لك عن مدى وحشتها واشتياقها ليك.
خلل أصابعه بين شعره وهو يجز على أسنانه بغيظ من حماقة تلك الرحمة ثم حذرها:
_ بلاش طريقتك دي يارحمة واوزني الكلام قبل ما تقوليه علشان انتي بدأتي تهبلي دلوقتي في الكلام.
لم تعطى غضبه أدنى اهتمام لتقول بحماقة جعلته ثائرا عليها:
_ طب ماتيجي نبدل الأدوار أكده وتدخل تلاقي بن عمي اللي مربيني هو كمان قاعد قدامي أكده وبيتغزل في جمالي وأنوثتي وقتها إيه هيكون رد فعلك ياماهر؟
أقترب منها وردد بتهديد لها كي يجعلها لاتهذي بكلماتها تلك:
_ إنتي بتخرفي بتقولي إيه انتي! ممكن الهانم تهدى وتبطلي أي كلام هبل يتعب الأعصاب مش ناقصة هي.
أجابته بقوة وغيظ وهي تتذكرة يجلس أمام تلم الشمس بذاك القرب:
_ مش قبل ما تطلع موبايلك حالا وتتصل بالبت دي وتقطع علاقتك بيها ياماهر وبعد كده أهدى عادي.
كانت تطلب منه ذاك الطلب بجدية وأصبح الأمر بالنسبة لها حياة أو موت. ثم حاول التحدث معها بنبرة لينة كي يقنعها أنه لا يصح فعل ذلك:
_ يعني يرضيكي أكسر بخاطرها وهي عيلة ويعتبر أني اللي مربيها ومشفتش منها غير كل خير.
ثم أكمل وهو ينظر لها برجاء:
_ هي خلاص مشيت وبعد اللي انتي عملتيه فيها مش هتيجي تاني هنا يارحمة.
_ ياحنين يابو قلب طيب.. جملة ساخرة نطقتها رحمة باقتضاب وأكملت برأس يابس:
_ طب إنك تعمل للبت دي حظر من عندك دلوقتي حالا وماتجيش هنا تاني يا إما إني من طريق وانت من طريق تاني ياماهر وأني مصممة على اللي في دماغي يانا يا البت الملزقة دي.
تنهد بضيق وتحدث بغضب أخافها:
_ الزمي حدودك في الكلام معايا يارحمة ومتنسيش نفسك شغل العند والتهديد دي مينفعش معايا أنا خالص.
وأكمل بنبرة مرعبة أخافتها قليلا:
_ واعملي حسابك إني أنا من طريق وانتِ من نفس الطريق وخلاص نفضها سيرة الموضوع اللي ملهوش عازة دي انتي شبه طردتيها ومش هتيجي هنا تاني.
شبكت يدها وأبتسمت ساخرة:
_ أمممم... وإن شاء الله الست المطرودة وأخت المرحومة هتروح تلاقيها قاعدة لك قدام باب الفيلا بتعيط ومستنية بابي اللي رباها أبو قلب حنين يمسح دموعها صح؟
ثم نظرت له بإبتسامة ساخرة وأكملت:
_ الحاجات دي عارفاها شفتها في الأفلام الأبيض وأسود كتير قبل كده.
ضرب على المكتب بقبضة يده وبنبرة أرعبتها على صوته:
_ انتي عايزة إيه دلوقتي علشان اليوم ده يعدي على خير وميحصلش طيب النهاردة.
ربعت ساعديها أمام صدرها وبنبرة حاسمة لاتقبل النقاش في قرارها:
_ تعمل لها حظر دلوقتي وقبل ما تعمله تبعت لها رسالة تعرفها إنك راجل خاطب دلوقتي ومينفعش إنها تيجي لك تاني خالص.
وهي لو عندها دم وإحساس لما يتعمل لها الحظر مش هنشوف طلتها البهية دي تاني.
_يارحمة دي اسمها قلة ذوق... جملة اعتراضية نطقها ماهر وعقب عليها:
_ ياستي لو جت هنا تاني ادخلي قبلها وخلاص. شمس عندها اعتزاز بنفسها وكرامتها عندها كبيرة قوي إني متأكد.
جزت على أسنانها بغضب جم وهدرت به فهي الأخرى تغار بشدة وتلك الفتاة وضعها بالنسبة له حساس فهي أخت زوجته الأولى وكما أنها فتاة جميلة وبالرغم من أن جمالها لا يقارن بجمال رحمة بضعة شئ إلا أنها رأتها جميلة الجميلات:
_ انت مصمم تستفزني بقى وتغيظني؟
وأكملت وهي تحذره:
_ لو سمحت متنطقش اسمها على لسانك تاني ياماهر. ولو سمحت إني بدأت أتخنق من الحوار ده. يا تبعت لها الرسالة حالا وتعمل كيف ما أنا رايدة يا أما هفوت لك المكتب ده وهمشي من هنا ومش هتشوف وشي تاني.
رد بنبرة حادة غاضبة وهو غير راضٍ عن ما سيفعله ولكن هو لو كان مكانها ورأى ذاك المنظر لكان الجالس معها الآن في المشفى يعالج مما سيفعله به ذاك الماهر:
_ تمام هعمل لك اللي انتي عايزاها ياكش الجنان اللي عندك دي يهدى شوي يا أستاذة.
ردت باقتضاب وهي تكره نعته لها بذاك اللقب:
_ متقوليش يا أستاذة دي تاني لو سمحت انت عارف إن الكلمة دي بتعصبني.
نفخ بضيق من حالتها وخناقهم اليوم بسبب ما حدث واتيان تلك الشمس فجأة ثم حاول مراعاة غيرتها كما تفعل هي وامتصاص غضبها وقام بإرسال رسالة إلى شمس كما قالت فهو لابد أن يفتح صفحة جديدة ويدثر الماضي الذي سيجلب له مشاكل كما أن شمس أصبحت فتاة جميلة بجسد أنثوي وليست الطفلة التي كانت تجلس على قدميه ويلاعبها يوما من الأيام ولابد أن الأوضاع تصحح كل في مكانه فلا يصح إلا الصحيح. وبعد أن أرسل تلك الرسالة وضعها في قائمة الحظر وكل ذلك أمام عينيها فتنهدت بارتياح ثم تركت له المكتب ولكنه لحقها قبل أن تخرج مرددا لها:
_ على فين ياحلوة؟
نظرت ليده التي أمسكتها من رسغها وهتفت باندهاش من نظرته لها الغير مفهومة:
_ هروح فين يعني! خارجة رايحة مكتبي.
اقترب منها بطوله وهيئته الرجولية وهو ينظر داخل عينيها نظرة غير مفهومة جعلتها ابتلعت لعابها من هيئته المدمرة لإنوثتها. نظر إليها وجدها تبتلع لعابها فابتسم بإنتشاء لهيئتها وتحدث متسائلا بنبرة رجولية وصوت متأثر من قربها:
_ طلعت بتغيري غيرة عمياء يازوجتي المستقبلية. بس تعرفي شكلك حلو قوي وانتِ ثايرة عجبتيني قوي النهاردة يارحمتي.
إستجمعت قواها وتحركت بداخلها روح الأنثى المتمردة. نفضت يده من عليها وابتعدت وهي تردد بتأكيد:
_ أه طبعا بغير وجدا كمان وهبقى ست معنديش إحساس لو مغيرتش ياماهر وأرجوك متختبرش غيرتي تاني علشان ممكن اعمل حاجات خارجة عن إرادتي وقتها.
حرك رأسه للأمام وهو يغمز لها بعينين عاشقتين بحركة اذابتها وأوقعتها صريعة غرام ذاك الرجل القوي ذو الهيئة الرجولية المفرطة وهو يتحدث بنفس نبرته الخشنة وبصوت مبحوح:
_ خلاص ياحبيبي علم وينفذ بس اعملي حسابك الحاج سلطان خلاص كلها أسبوع وراجع هنتجوز علطول مش لسه هنستنى كتب كتاب وحوارات ملهاش لازمة.
وأكمل وهو مازال مقتربا منها مما جعل مشاعرها ثارت داخلها من اقترابه لها ومحاصرته لأنفاسها ورائحته التي اخترقت رئتيها:
_ إني عايزك جنبي. عايزك في حضن قلبي.
ابتلعت أنفاسها بصعوبة بالغة من كلماته المهلكة لحصونها وصارت لاتقوى على الحراك وكأن قدمها غرزت في أرض مملوءة بالطين ولم تستطيع التحرك من أمامه.
والقابع بين أضلعها على حافة هاوية الانهيار من كلماته التي ألقاها على مسامعها جعلتها ذابت واقتربت على الاختفاء داخل أحضانه كي تداري خجلها منه.
ثم بللت شفتيها بتأثر وهتفت بنبرة شبه هامسة وهي تنهاه أن يتحدث معها بتلك الطريقة وعينيها نظرت أرضا من شدة خجلها:
_ ارجوك ياماهر افتح الباب وسيبني أخرج وبلاش طريقتك دي في الكلام واحنا وحدينا.
باغتها بغمزة ووجهه مزين بابتسامة مهلكة لها ناطقا بمداعبة رجولية:
_ إيه خايفة على نفسك دلوقتي ياهيرو ولا خايفة تسلمي من أول غمزة ونظرة؟
مازالت على خجلها تنظر أرضا من طريقته في الحديث معها ثم همست باسمه بنبرة رقيقة:
_ ماهر.
ردد بغرام:
_ عيونه وقلبه.
بنفس رقتها نطقت برجاء:
_ سيبني أخرج بقى.
رفع وجهها أمام عيناه ثم تحدث:
_ عارفة احلى حاجة فيكِ إيه اكتشفتها النهاردة؟
غمغمت بصوتها دون أن تتحدث فأكمل هو:
_ طلعتِ بتدوبي من أول نظرة. طلعتِ خام يارحمتي ومحتاجة تدريب قاسي علشان تقدري بس تواجهي.
شعرت بتفكك أعصابها الآن وأنها ليست قادرة على مجابهته في معركة عشقه لها فهي إن نظرت في عينيه سترتمي في أحضانه ولن يصح ذلك وفضلت السكوت أمامه ثم أكمل وهو مازال على مشاغبته:
_ انتِ عندك دين على فكرة ليا مسدتيوش.
_دين! دين إيه ده؟
جملة استفهامية نطقتها وهي ترفع عيناها في عينيه أخيراً. وعقب هو والابتسامة الهادئة تزين ثغره:
"عندك واحد كلمة بحبك ياماهر لحد دلوك منطقتيهاش يارحمتي؟ وعندك كمان رسوم تخبية عنيكي عني دلوك؟ وعندك كمان رسوم عطف وحنان لفاقد الحنان زيي؟ وعندك كمان حبة زكاة مشاعر واني أولي بيهم؟"
وأكمل بنفس مداعبته:
"مش الأقربون أولى بالمعروف بردو وأنا دلوك فاضل تكة واشدك لحضني لو مخرجتيش حالا."
أنهى كلامه وفتح الباب. وما إن استمعت إلى صوت الباب حتى فرت هاربة من أمامه وجلست على مكتبها تلتقط أنفاسها التي حبست في اقترابه منها وهي تستند برأسها على الكرسي ومغمضة العينين. فكم كان ذاك الماهر بارعاً في خطف حواسها بالكامل. لقد أرهقها بكل شيء في شخصه، أهلـ.ـكها برجولته الرزينة وملامحه الوسيمة ورقيه في الحديث معها. فداخلها هي الأخرى أصبح متلهفاً لاقترابه. داخلها سعيداً بذاك الاختيار التي لم ولن تندم عليه أبداً مهما طال الزمان.
في منزل مجدي كان الطبيب المختص بالعلاج الطبيعي جاء ليجري له جلسته الآن. وتلك الجلسة تمكث أكثر من ساعتين، فهو له طقوس خاصة مرهقة.
في الخارج كانت مها تجلس مع أبنائها تحذرهم:
"دلوك أني هدخل مع الدكتور وهو بيعمل الجلسة لبابا. خلو بالكم من حالكم ومتتشاقوش، اقعدوا اتفرجوا على الكرتون واني كل شوية هخرج أطل عليكم تمام ياحبايبي."
حرك الطفلان رأسهما بطاعة ووجههما مزين بالابتسامة. ثم دغدغت كلاهما بحنو اعتادت عليه معهما، ثم احتضنتهم بشدة. فهم أثمن أشياءها في الحياة بل وأثمن من روحها.
ثم تركتهم ودلفت إلى الطبيب، فهي تساعده في بعض الأشياء وتقف بجانب مجدي تحسه على الصبر حين يتوجع.
أما في الخارج بعد مرور نصف ساعة، مل الطفلان من التلفاز. ثم اقترح زين ببراءة لأخيه:
"ايه رأيك ندخل نملى البانيو ماية سخنة وشاور ونعوم فيه لحد ما ماما تخلص؟"
ابتسم الآخر بسعادة لذاك الاقتراح ولكنه قال بتردد:
"بس ماما مش بتحبنا نملى البانيو غير لما تكون معانا وممكن تتضايق وتعاقبنا لو عملنا حاجة من وراها."
شجعه زين وهو ينهي على خوفه:
"طب هنقعد حبة صغيرين لحد ما نسمع صوت باب الشقة والداكتور مروح وبعدين نقوم علطول ننشف جسمنا وبعدين ماما لما تلاقينا كويسين مش هتعاقبنا. ماما طيبة وبتحبنا قوووي ومش هتضربنا."
وبالفعل استجاب الطفلان لبعضهما ودلفا إلى الحمام وأغلقا الباب ورائهم. ثم قاما بوضع السدادة وفتحا صنبور المياه على الساخن وقاما بوضع سائل الاستحمام الخاص بهم بغزارة. وبعد قليل امتلأ البانيو ولكن مازال الصنبور مفتوحاً. وهبطا بسعادة داخل المياه وكل منهم يشاغب الآخر بسعادة. في أحب الأوقات إلى الأطفال أوقات الجلوس في المياه. ولكن مع مرور الوقت امتلأ الحمام بالبخار والنوافذ مغلقة والسخان الغاز في نفس المكان. والمياه الساخنة المتكثفة بالبخار عبأت الحمام وبدأ الطفلان أنفاسهم تنسحب باختناق دون أن يدروا. وانغمرا الطفلان رويداً رويداً في المياه لا يستطيعان التحرك حتى فارقت أنفاسهم الحياة.
مضى أكثر من ساعة على وضعهم ذاك في البانيو. فخرجت والدتهم تطمئن عليهم وقد قاربت الجلسة على الانتهاء. فلم تجدهم مكان ما تركتهم. فنادت عليهم وهي تبحث في الغرف ولم تجدهم أيضاً. دلفت إلى المطبخ ولم تعثر عليهم. فذهبت إلى الحمام أخيراً. وكل ذلك في غضون نصف دقيقة.
فتحت الباب وشهقت من منظرهم وهم يغفون تحت المياه. ولكنها ظنت أنهم يشاغبونها. ثم هرولت بخطوتها وأخرجت كل منهما بيديها، زين في اليمنى وزيدان في اليسرى. وهي تردد لهم بقلب يخفق رعباً مما استنتجته ولكنها لم تصدق حدسها:
"زين.. زيدان فتحوا عيونكم بقى وبلاش الهزار التقيل والبايخ دي."
لم يستجيبا الطفلان لندائها وأصبحت تناديهم بأسمائهم. وقد نزعت السدادة كي تتصرف المياه. ثم أخرجتهم من المغطس وسترت أجسامهم برداء الحمام الخاص لكليهما. وكل ذلك وهي مازالت تنادي بأسمائهم. وانقلب نداؤها الهادئ إلى صراخه شديد سمعه مجدي والطبيب. فهرول الطبيب إليها وذهب لمكانها وانصدم من المنظر الذي تقشعر له الأبدان، فراق أغلى الأحباب.
فتعد الحياة بمثابة حلم قد يكون جميلاً أو حزيناً. ولكن في النهاية يوقظنا الموت من هذا الحلم سواء طال أو قصر.
لا بد لكل ابن آدم أن يستعد للموت. فهو موعد آت لا محالة فلا يمكن لأحد الفرار منه.
فنحن عاجزين عن إدراك معنى الحياة. فكيف لنا أن ندرك الأمور المتعلقة بالموت؟
تعلق بالحياة الدنيا كما شئت. ولكن اعلم جيداً أن الموت هو النهاية الحتمية لكل حي. فكل ملوك الكون قد رحلوا، فهذه هي سنة الله في خلقه فأمر الله لا يرد.
علينا أن لا نبكي على الراحلين من أحبائنا وأصدقائنا. فمن رحمة الله تعالى بنا أننا لم نفقدهم وهم على قيد الحياة. فلم يستطع أن يفرقنا عن بعضنا البعض سوى الموت.
الشعار الذي يعمل به كل البشر هو الوجع مهما زاد أهون من الموت والفراق.
كم من عزيز قوم كانت ترفع لأجله الرايات في النهاية أذله الموت.
الموت كالمرض الخبيث الذي عجزت فنون الطب عن علاجه. ولكن اعلم أن علاجه الوحيد هو صفاء قلب المرء وتقواه وما يلقى به ربه من أعمال صالحة. وتلك مها لم تفقد غير أعز الناس لديها في صدمة منها تقشعر لها الأبدان.
اقترب الطبيب منهما وبدأ بفحصهما جيداً. وبعد دقائق تأكد من فراقهم الحياة. فكتب لهم تقرير الدفن وهو على ثقة أن والدتهم لم تهمل بهم، فهي كانت منشغلة معه في علاج أبيهم.
انهارت مها وهي مازالت تحتضن الطفلين ومتشبثة بهم. وصارت تبكي بحرقة كما لم تكن بكت من قبل. صارت تقطع في شعرها وتفعل أفعالاً بهوجاء من شدة صدمتها وهي تهذي بأسمائهم وترتمي في أحضانهم أرضاً:
"زين يازيدان اصحوا ياحبايبي حرام عليكم متعملوش في ماما اكده. أني خلصت الجلسة مع بابا وجت لكم. يااااااارب متعاقبنيش بيهم يااارب. متاخدهمش بذنبي يارب."
وظلت على حالتها تلك.
بعد مرور ساعتين من انهيار مها ولقد أتت إليها والدتها واخوالها. وانقلب منزلها الهادئ إلى أعداد من الناس والأقارب. ولكنها الآن غابت عن الوعي بصدمة عصبية بعد أن صممت الوقوف على غسل أبنائها. ووالدهم مجدي ظل يبكي مثلها بكاءً يكسر القلوب ويجعل العاصي يتوب ويتأكد أن ما بين رمشة العين وانتباهاتها تفارق أناساً عن حياتنا. فلا داعي للحقد أو البغض أو يحمل منا من الآخر. ففي النهاية الدنيا دار فناء والآخرة دار البقاء.
ودفن زين وزيدان في حزن دفين خيم على أهل الكفر. فالحادثة موتهم رهبة يخشى الناس منها. وانقضت تلك الليلة على مها بأسوأ ليلة في حياتها. لن تشعر بأي حزن بعد كل ذاك الحزن.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الرابع والستون 64 - بقلم فاطيما يوسف
قبل حادثة الطفلين في ذاك الفندق الموجود به عمران وسكون، فقد استراحا كليهما من تعب الطريق.
نظرت سكون إليه وهو يقف عاري الصدر وتبتلع أنفاسها بانتشاء وهي تراه بحالته تلك.
أما هو، نظر لها ببرودٍ مُعمٍ أصطنعه لحاله كي لا يضعف أمام هيئتها وأنوثتها المُهلكة لرجولته، ثم ردد آمرًا إياها:
_ اعملي لي فنجان قهوة سادة، هاخد دش وأخرج ألقاه جاهز.
ردت بطاعة:
_ حاضر.
تركها ودلف إلى الحمام، فجسده يشعر بالإرهاق الشديد.
ثم قامت هي ووقفت أمام المرآة تمشط شعرها بشرود. فبقي قليلاً وعمران سيكشف أمرها. ففكرت أن لا تذهب إلى الطبيبة معه وتخجله أمامها، فهي طبيبة نساء والطبيبة حتماً ستعرف وستسرد ما بها أمامه.
ظلت تفكر بما تبدأ وكيف تحكي لها عن آلامها التي مرت به.
كيف سيتحمل أن ينتظرها سنوات وهو بضع سنوات قليلة على مشارف الأربعين؟
كيف سيكون رد فعل والديه على مرضها؟
تلك الأسئلة التي دارت بعقل سكون كثيراً وكثيراً. لقد أرهقت بشدة من كثرة الصراعات الصاخبة التي تتصارع داخلها.
خرج عمران من الحمام واتجه إلى الأريكة وأمسك ملابس بيتية كان قد أخرجها من الخزانة قبل قليل، قائلاً لها:
_ ناوليني القهوة علشان مصدع جامد.
ابتلعت لعابها من هيئته المُدمرة لأنوثتها. نظر إليها وجدها تبتلع لعابها فابتسم بانتشاء لهيئتها. فناولتْه القهوة وبدأ احتسائها بتلذذ، ثم سألها:
_ مالك بتبصي لي كده ليه؟ ضعفتي وندمتي يا سكون؟
استجمعت قواها وتحدثت بنبرة متوترة بعض الشيء وهي تنظر في اتجاه جانبي بعيداً عن عينيه:
_ مالي يعني؟ انت اللي بيتهيألك.
وجدت حالها ستضعف أمامه الآن، فتحركت ووضعت على جسدها رداءً ثقيلاً. وكادت أن تتحرك إلى الشرفة إلا أنه أسرع إليها قبل أن تدلف وجذبها من يدها بشدة جعلها ترتطم بصدره في حركة أذابت اثنتيهم وأهلكت حصونهما، وهو يردد أخيراً:
_ لسه مصممة تداري عني وجعك يا سكوني؟
كان يتحدث وهو ينظر لشفتيها وهو يأخذ أنفاسه باشتياق، وبدأ صدره ينتفض ويعلو ويهبط من شدة احتياجه لها ولأن تسكن أحضانه.
وما كان حالها أفضل من حاله، كانت تنظر لعينيه بفم مفتوح مُرتعش وقلبٍ يرتجف يريد الارتماء داخل أحضانه ونسيان كل شيء جعلهما يفترقا الفترة الماضية.
بقيا مدة على وضعهما هكذا، كلاهما يحترق شوقاً للآخر، ولكن كبرياؤه يمنعه من اتخاذ الخطوة الأولى وينتظرها من الآخر.
فهي قد دارت عنه ما سمعه بالصدفة من حديثها ظهراً مع صديقتها وهي تظنه نائماً.
ثم ابتلعت لعابها وتحدثت بصوت منخفض وهي تندهش من سؤاله الموجه إليها، ويداه مازالت تطوق خصرها بتملك، وهو منويٌّ أن لا تخرج من أحضانه قبل أن يتصافى كلاهما:
_ انت تقصد إيه يا عمران؟ ممكن تتكلم على طول من غير ما تلعب بأعصابي؟
رفع خصلة شاردة هبطت على جبينها ودارت عيناها عنه مجيباً إياها:
_ سمعتك وأنت بتتكلمي مع فريدة صاحبتك يا سكون. فمن فضلك اتكلمي دلوقتي حالا وكفاية كده بقى اللي إحنا فيه وحالنا اللي مبقاش زي الناس الطبيعيين.
تلقائياً هبطت الدموع من عينيها وهي تحاول مداراتهم عنه، ولكن رأى دموعها فجذب وجهها إليه وجفف عبراتها، ثم أمسكها من يدها. وما إن احتضنت يداها كف يداه حتى ضغطت عليهم بقوة، وكأنها تتوسله بضغطتها تلك أن لا يتركها وأنها لا تُساوي شيئاً بدونه.
كان ينظر إليها باشتياق لم يسبق من قبل. فابتعادها عنه وعن أحضانه استمر أكثر من أسبوعين، وتلك المدة تعد سنيناً في نظر عمران.
ثم تحدث إليها بصوت أجش خشن وبنبرة راجية:
_ طب بلاش دموع، ومهما كان اللي وجعك يا سكون مش هتخلي عنك مهما يكون أي حاجة في نظرك كبيرة وخايفة منها، مش هتكون أكبر ولا أهم من وجودك ونَفَسك معايا.
واسترسل حديثه وهو يرفع يداها ناحية شفتاه يقبلها بوله والصبر نفد من صبره في ابتعاد سكونه عنه:
_ مهما يكون اللي حصل وبالنسبة لك هيضيع الحب الكبير اللي بيننا، فهو بالنسبة لي تفاهات قصاد إني عرفت إنك ما قتلتِش ولدي ولا إنك مش عايزة تخلفي مني.
كانت دقات قلبها تتصارع داخلها، فهي في أحضان عمرانها التي حرمت منها تشعر كأنها كالملك الذي يجلس على كرسي العرش ويملك الدنيا بأكملها. ثم وجدته يترجاها بعينيه أن تتحدث عما بها وتحكي له كل شيء حدث لها.
وجد أنها لا تستطيع الوقوف على قدميها، فجذبها من يدها وأجلسها على التخت. ثم حاول تهدئتها، فمن الواضح أن أعصابها متوترة بشدة:
_ طب احكي لي بهدوء، وأياً كان اللي هتحكيه فهيوبقى له حل طالما إني وأنت جنب بعض يا حبيبي.
ابتلعت أنفاسها بصعوبة، ثم تحدثت عما يجيش في صدرها ويؤرق حياتها:
_ قبل فرح مكة عرفت إني حامل. كنت فرحانة قوووي إن ربنا جبرني وهجيب لك طفل يفرح قلبك ويبقى زينة البيت لماما الحاجة وبابا سلطان. لكن في نفس اليوم حصلت مشكلة مكة أختي، فاتلخمت وياها، ولأني كنت عايزة أفرحك بالخبر ده و إني عاملة أجواء في خيالي تخليني أشوف الفرحة والسعادة في عيونك، عملت سونار وحسيت بحاجة غريبة. فعملت أشعة وفات يومين ولقيت بينزل عليا دم، عرفت إن الجنين مشوه وإني لازم أنزله. فاضطريت إني أجهضه. وبعد كده اكتشفت من خلال الأشعة إني عندي مرض بيخلي الجنين ما يستمرش في رحمي أكتر من شهرين وهينزل. انهارت ساعتها.
كان يستمع إليها بقلب ينفطر حزناً لأجلها، فحبيبته عانت كثيراً في تلك المدة القصيرة وتحملت وحدها كل ذاك الألم دون أن يعرف، وزاده عليها قسوته عليها.
ثم خلل أصابعه بين خصلات شعرها وهو يشعرها بأنه جانبها ولن يتخلى عنها، ثم استرسلت حكاواها:
_ وقتها قلت مش هتسرع وبعت التحاليل بتاعتي للأستاذة بتاعتي وردت عليّ بعدها إن التحاليل سليمة، وشخصت لي المرض زي ما أنا عرفت بالظبط. وطبعاً مقلتلهاش إن الحالة دي بتبقى إني علشان أعرف كل حاجة منها بدون ما تخاف عليّ وتخبي عني حاجة. وتشخيصها زي ما قلت بالظبط، وإن حالتي هتاخد علاج سنين ومحتاجة صبر ويا عالم هخف ولا لأ.
وتابعت وجعها وعيناها انهمرت منها الدموع بغزارة، مما جعل قلب عمران ينهار لوجعها هو الآخر، وصار يجفف عبراتها بأصابع تتمنى محو الدموع وانتزاعها من عينيها إلى الأبد كي لا تحزن أبداً:
_ وطبعاً الرحم نشط جداً، واحتمال حدوث الحمل مرة تانية في أقرب وقت وبرضه هينزل، فكان لازم آخد حبوب منع الحمل علشان مش كل شوية أسقط والرحم بتاعي يتفيرس، ووقتها هدخل في حوارات تانية ومتاهات مش هقدر أسدها.
ثم رفعت عيناها الممتلئة بالدموع وبررت موقفها أمامه في قرارها الابتعاد عنه:
_ وقتها الدنيا اسودت قدام عيني وحسيت إني بدأت أخسرك، وإنك كيف هتتحمل تستناني سنين ملهاش عدد علشان أجيب لك طفل يحمل اسمك، وكمان شايفة لهفة ماما الحاجة على إنها تحمل عوضك بين يديها. وزاد عليهم اللي خلاني آخد الخطوة بأني أشوه صورتي قدامك إنك كل شوية تقول لي نفسي أبقى أب، نفسي أخلف منك يا سكون طفل يحمل اسمي واسمك. كنت بنهار يا عمران ومعرفش أعمل إيه!
ثم هدأت من روعها وأخذت نفساً عميقاً كي تستطيع الإكمال له وتفرغ ما في صدرها وجعلها طيلة الأيام الماضية تشعر أنها على حافة الانهيار:
_ فاستغليت الفيديو بتاع وجد وعملته حجة أعاندك بيها، وعرفتك إني أجهضت نفسي، وسيبت لك كمان شريط الحبوب في مكان مش متداري علشان تكرهني وتطلقني بضمير مرتاح. لكن أنت خالفت الظنون يا عمران.
طلعت عاشق سكون عشق حقيقي مش مجرد كلام، وزي ما إني ما صدقتش الفيديو بتاع الملعونة وجد، إنت كمان ما صدقتش إني أعمل كده وشفت في عيونك اللي كذبتني كثير.
ضاقت عيناه في ذهول وسرعان ما كان يشيح عينيه عنها، يكرر سؤاله لها مرة أخرى بن
بيقولوا اللي اتجوزت ومخلفتش علطول بتفضل عروسة وتروق على عريسها لحد ماتخلف.
وأكمل بغمزة من عينيه:
_ يبقى أني هفضل عريس والعريس محتاج يتدلع ولا إيه.
خجلت من طريقته وتلميحاته وابتسامتها زينت وجهها وبدا له أنها كشمس سطعت في يوم متبلد بالغيوم أنارت قلبه العاشق ورزقته الدفئ في عز البرودة. ثم جذبها من رقبتها وأسند جبهته بجبهتها مرددًا بصوت مشتاق:
_ وحشتيني قوي يا سكون. وحشني ضمتك ليا اللي بتحسسني إني أسعد راجل في الدنيا.
بللت حلقها الذي جف من كثرة عطشه إليه ثم همست برقة أذابت عمرانه:
_ وأنت كمان وحشتني قوي. أنتِ متتصوريش إني اتعذبت في بعدك عني كد إيه. كنت بقول لنفسي هو قدامي لسه وبشوفه ومش قادرة أقرب منه ولا أحضنه، أمال لما تفارقي هتتحملي كيف يا سكون.
وضع يده على شفاها مانعًا إياها أن تكمل وتنطق كلمة الفراق تلك، فما منها إلا أنها قبلت باطن يداه باحتياج لقرب عمران وهي تغمض عينيها بتأثر من رائحة يداه التي تغلغلت أنفها وجعلتها متأثرة باقترابه منها. ذاك حالها من مجرد أن وضع يداه على شفاها، فما بالها حين تلمس شفاه شفاها حقًا ستتوه في عالم عمرانها الذي يشعرها بأنها أنثى كاملة وبيدها كنوز العالم بأكمله.
أما هو شدد على احتضان وجنتها بين يديه وهو ينهيها عن ذكر كلمة الفراق تلك:
_ مفيش فراق يا سكون ومتقوليهاش تاني. لا إنتِ هتبقي مع غيري ولا إني هحس باللي بحسه معاكي مع ألف ست تانية.
وأكمل وهو يشعر بالخزي مما فعلته بهم:
_ بس دي آخر مرة هغفر لك تصرف زي اللي عملتيه ده يا سكون. ممنوع تخبي عني أي حاجة واصل من النهاردة ودايما تكوني حاطة في اعتبارك إن كل مشكلة هتواجهنا ليها ألف حل إلا الفراق ياحبيبي.
وتابع وهو يقبلها بجانب شفاها برغبة:
_ عمران مهيفارقش إلا بالموت يا قلب عمران.
ما إن ذكر كلمة الموت حتى شعرت بالخوف من تلك الكلمة، فشددت من احتضانه لتقول برغبة:
_ بعد الشر عنك. ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك أبدًا. إني من غيرك معرفش أعيش أبدًا.
ما إن قالتها حتى أصبح لم يتحمل هو ذاك الابتعاد أكثر من ذلك وجسده يطالبه بأخذها إلى عالمهم الخاص الذي حرموا منه طيلة الأيام الماضية والتي تعد بالنسبة لهم عمرًا بأكمله. ثم احتضنت شفتاه شفتاها وجسده أصبح مشتعلًا وكلاهما يبث للآخر عشقه بطريقته التي تسحبهم لأجمل عالم في الوجود. إنه عالم يشعرهم بأنهم طيور محلقة في سماء العشق والرغبة وعادت سكون لوطنها الآمن وحصن قلبها الحصين.
ثم أهداها خاطرته التي كللها بغرامه قولًا وفعلًا:
عيناكي كبحور العسل الصافي الذي لم يتذوق طعمه عاشق إلا وخفق قلبه بشدة وهام بهما عشقًا.
في عيناكى سحر يقتحم داخلي ويأثرنى كمثل عاشق لقهوته ومسحور بدفئها في ليلة شتاء شديدة البرودة ولكنه حينما يحتضن قهوته يسبح في عالم عيناكى.
فالعين قد أثرت والقلب قد غلقت أبوابه والروح أصبحت بين يديكِ فافعلي بها ماشئتي برضاكِ.
والى هنا سكنت السندريلا قلب الأمير من جديد وعادت المياه لمجراها والسفن لمرساها وهدأت العواصف.
***
وفي نفس الوقت في جزر المالديف حيث يسكن عاشقان آخران وهم يبدأون طريقهم وكل منهم أصبح متمسكًا بالآخر رغم معاندة الظروف.
كانوا يجلسون أمام البحيرة ذات المياه الزرقاء الصافية ومكة بجوارها ذاك الباجور وعليه الإناء وتصنع مشروب الشاي المفضل لها.
وهم يتناولون أطراف الحديث مع بعضهم بصفاء ذهني ورقي فهما الآن في هدنة من مشاق الحياة.
بدأت بوضع السكر القليل في الأكواب الزجاجية المحتوية على أوراق النعناع الأخضر والشاي ثم غلت المياه وقمت بسكب محتواه داخل الأكواب وصوت ارتطام المياه بالشاي جعلها تبتسم فذاك مشروبها المفضل.
ناولته الكوب بابتسامة زينت ثغرها وهي تسأله:
_ مالك بتبص لي قوي أكده ليه؟
أجابها بمشاغبة وهو مازالت عيناه متصنمة عليها:
_ مش عايزاني أبص لك ولا إيه؟
ضمت شفتاها بعبث ثم أردفت وهي ترتشف مشروبها المفضل:
_ له بس بحسك دايما خايف أهرب منك. وشايفني طفلة صغيرة وأنت باباها اللي خايف عليها من الهوا الطاير وخايف عليها من الفقدان.
وضع الكوب من يده ثم جذب يداها واحتضنها بين يديه وضغط عليها بشدة وكأن تلك اليد هي سجن العشق لكلاهما. ثم تحدث بنبرة عشق صادقة:
_ من وأنا صغير دايما كنت الحاجة اللي بتعلق بيها عمري مافرط فيها بسهولة ولحد ما كبرت وفي ذكريات طفولة محتفظ بيها لحد دلوقتي مفارقتهاش. لما بحب بحب بعمق ولما بتعلق بشئ بتعلق قوي لدرجة إن لو بديل يستحيل أرضى بيه. بصي شكل ما يكون بعمل عشرة مع الحاجة دي وبعتبرها جزء مني.
وأكمل وهو مازال يطيل النظر بعينيها ويداه تضغط على يدها:
_ شوفي بقى لما يكون اللي متعلق بيه بقى حتة من روحي وجزء مني التنازل بيبقى في الوقت ده حاجة مستحيلة كأني بتنازل عن روحي بالظبط.
ما كان بها إلا أنها شددت هي الأخرى على احتضان يداه وعيناهما متعلقة ببعضهما.
ثم رمشت بأهدابها بحنو وهي تؤكد له:
_ وأني خلاص مهتخلاش عنك ولا روحي هتفارق روحك.
ثم أكملت بحنو:
_ إني أخدتك تحدي العمر يا آدم وعندي ثقة إن جواك نضيف وجميل ومش هترضى غير بأنك تريحنا علشان نعيش راضيين مع بعض وكل واحد فينا مكمل تاني وساحبه لطريق الحق.
تنهد بتعب مما ترمي إليه ثم سألها:
_ طب لو كان على الفيديو كليب والبنات هطلب من المونتاج اللي معايا ممنوع ولا بنات ولا عري خالص في الأغاني بتاعتي وتبقي من وحي الطبيعة في التصوير.
ابتسمت بتشجيع لقراره ثم عرضت عليه:
_ طب والموسيقى ماهي مزامير الشيطان اللي الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عنها؟
صدقني لو استغليت موهبتك اللي ربنا ادهالك صح هتنجح بردو وهيفضل اسمك آدم المنسي.
كاد أن يجيبها ولكنها رفضت تكملة الحديث في ذاك الموضوع فهي قررت التعامل معه بذكاء دون ضغط. ستستخدم أسلوب المحارب الماكر كي تفوز في معركة جذب ذاك الآدم إلى الطريق الهادئ البعيد عن الصخب والضوضاء طريقه المكلل بأشواك الحرام لتقول بنبرة مشاغبة وهي تنظر إلى كوب الشاي:
_ إيه رأيك في كوباية الشاي بالنعناع القمررر دي؟
جذبها من رأسها وقبلها بوقار وهو يمدح في أبسط الأشياء التي من صنع يدها:
_ طبعًا جميلة ولذيذة زي صاحبتها بالظبط اللي مفيش أجمل منها في الدنيا بحالها.
نظرت داخل عيناه وتاهت بهما فهو يمتلك رقي وحنان لم تراهم في حكوى النساء عن أزواجهن من قبل.
وهو الآخر تاه في جمال عينها التي عاش ليال طويلة ساهرًا يحلم بهما فقط.
وأثناء تيهته في عيناها وجدها تجذبه من يده وتحسه على القيام وهي تقترح عليها:
_ بقول لك إيه رأيك ندخل المطبخ دلوقت ونعمل بيتزا مع بعض كان نفسي قوي اللي اتجوزه يشاركني اللحظة دي.
رفع حاجبه مرددًا باستنكار مغلف بالدعابة:
_ إيه بيتزا مين بقى إنتِ عايزة آدم المنسي المطرب المشهور اللي دوب نص بنات مصر يقف يعجن ويخبز ويقطع طماطم وبصل!
وأكمل وهو يرفع قامته لأعلى بشموخ مصطنع:
_ oh no ده إنتِ كده بتطمعي فيا بالجامد يا موكة وعايزاني أتنازل عن برستيجي ممنوع اللمس والاقتراب.
رفعت حاجبها هي الأخرى باستنكار وهي تردد:
_ برستيج مين ده!
مسمعتش عنيه في طبق اليوم يانجم.
وأكملت وهي تسحبه من يداه تجاه المطبخ:
_ يالا يالا بلاش كسل واعمل حسابك إني مهحبش شغل مديرة المنزل والحوارات داي كل حاجة في بيتنا الصغير هنعملها سوا وهنتشارك فيها مع بعضنا ياحبيبي.
اندهش ثانيا وهو يهتف بنبرة متعجبة:
_ ايه ايه بقى عايزاني كمان أمسك المكنسة وبالمرة اغسل الأطباق كمان ياحظي.
أومأت له وهي تربت على وجنته:
_ وماله ياحبيبي كله نشاط للجسم وتغيير روتين حياتك الممل وشعور بالاكتفاء الذاتي كمان.
واسترسلت حديثه وهي تؤكد أن مساعدتها في أعمال المنزل واجبة عليه معها:
_ وبعدين انت هتاجي أعظم من سيد الخلق اجمعين كان بيساعد زوجاته في أعمال المنزل وينظف نعله وكان رحيم ودود بيهم. داي حتى في خطبته الوداع الأخيرة قال رفقا بالقوارير واستوصوا بالنساء خيرا.
التوي ثغره بحسرة ثم هتف بنفس مشاغبتها:
_ أهو دي جزاء واحد يتجوز واحدة من بتوع قال الله والفتوى والتدين واخدين حقهم معاكي وزيادة.
وأكمل وهو يجذبها لصدره عنوة حتى ارتطمت بعظامه القوية وهو يغمز لها بشقاوة:
_ طب ماهو الرسول عليه الصلاة والسلام بردو قال الست لازم تطيع جوزها ومترفضش طلباته ولا ترفض احتياجاته.
وأكمل وهو يتكئ بلسانه على كلمته الأخيرة:
_ ها احتياجاته وانت طبعًا فهماني ياموكتي.
فهمت مايرمي إليه ثم أخفضت بصرها للأسفل ورددت وهي تصطنع عدم الفهم:
_ انت تقصد ايه بكلامك دي هو أني مقصرة معاك في احتياجاتك.
مازال متشبسا بأحضانها ثم لف خصلات شعرها من أسفله على يده وأجبرها بالنظر لعينيه مجيبا إياها بنفس المشاغبة:
_ يوووه يعني من يومين قلت لك نفسي اشوفك بالفستان الاحمر ده ووشك جاب الوان وقعدتي تقول لي معلش يادومي مش هقدر البسه. اصل أنا بتكسف. اديني فرصة ناخد على بعض وبعدين هعمل لك كل اللي أنت عايزه.
ثم ألصقها في أحضانه بشدة قائلا بنفس غمزته المعتاد عليها معها:
_ مع أنهم بيقولوا المنتقبات دول اشقيا قووي وبيحبوا الدلع وبيحبوا يدلعوا الراجل اللي معاهم ومش بيرفضو اي طلب لأزواجهم.
تعلقت عيناها به بنظرة هائمة خجلة أرجفت ذلك القابع بين أضلعه من كلماته التى أثرت بها وجعلت جسـ.ـدها وكأنه مشتـ.ـعلا بنـ.ـيران اقترابه وهمساته ثم تمتمت بخفوت:
_ ايه الكلام دي اول مرة اسمع عنيه. المنتقبة زييها زي اي ست انت سمعك غلط وبيتهيألك.
ضغط بأسنانه على شفاه وهو يحرك رأسه برفض لنفيها:
_ لا طبعًا زي ما بقول لك كده بس انت اللي ناكرة وعارفة كمان اعرف عنهم ايه ياموكتي.
رمشت بأهدابها بخجل وهي تومئ برأسها للأمام في دعوة منها أن يكمل فهي خجلة في اقترابه وغير قادرة على النطق فعقب هو بنفس دعابته:
_ أعرف عنهم أنهم بيعرفو يرقصوا رقص جامد مهلك وهما بيتمايلوا يوقعوا قلب اجدعها راجل. هما مش كدة بردو ولا انت من عالم اخر.
أجابته وهي تحاول الفكاك من يده:
_ له اني مليش في حوار الرقص دي خالص. معرفاش بيعملوه ازاي ومجربتش قبل اكده من الأساس.
تركها وقام بإشغال الموسيقى واقترب منها وخلع ذاك الرداء الذي يخبئ ذراعيها وساقيها من الاسفل تحت اعتراضها وقام بتطويق خصرها بذاك الحجاب وهو يأمرها:
_ طب يالا ياقمر جربي التجربة الأولى وخليني انول شرف اختبارك وإن شاء الله مع كل تجربة هديكي درجة لحد ماتوصلي للتوب ووقتها هيبقي لينا جلسة فرفشة كل أسبوع ياقمر انت.
اتسعت مقلتيها بذهول ثم أردفت بتمنع:
_ وه انت عايزني ارقص وكمان شغلت لي الموسيقى!
دي لا يمكن يحصل أبداً.
اصطنع الحزن وبدا على علامات وجهه الضيق ثم قال:
_ طب أكده هتدخلي تحت بند عصيان الست لجوزها وربنا مش هيسامحك علشان هشتكي ليكي.
استجمعت قواها وتحركت بداخلها روح الأنثى المتمردة، ثم نفضت يده من عليها وابتعدت عنه وهي تتجه ناحية المذياع كي تغلق الموسيقى، ولكنه لحقها واحتضنها من الخلف هامساً في أذنها مما جعل جسدها أصيب بالقشعريرة من همسه ولمسه المحترف لها:
_ طب تعالي بقى علشان عندك ساعة أشغال شقة وبعدين نشوف حوار البيتزا ده.
أغمضت عيناها بنشوة من اقترابه لها ولم تعطيه وجهها، وظل هو يقبل رقبتها برغبة، فما زالت تشعر بالخجل منه وسحبها إلى عالمه التي أصبحت تتقنه جيداً، فقد علمها قوانين القرب كما ينبغي أن تكون وهو يهمس لها بكلمات أذابت حصونها بين يديه، وذاك حال العاشقين في اقترابهم ولهم من الحب ما لا يجب لغيرهم.
فالحب أطلس كبير فيه خرائط القلوب ليبين أماكن السعادة والسرور، فهو أسطورة تناقلتها القلوب على مر العصور، وأريج رائع ينبعث من القلوب المزهرة. الحب يقرب الأشخاص من بعضهم البعض وأين ما يوجد الحب توجد السعادة، كما أن أعظم شعور هو أنك تحب شخصاً وهو أيضاً يبادلك نفس الشعور.
فسيظل الحب باقة الورود الوحيدة التي لا تذبل في هذا العالم.
فالحب ثورة يقوم بها القلب لينال ما يريد من المشاعر، وكان لقاء ذاك الآدم ثورة أقامها على تلك المسكينة في العشق، لا تستطيع مجابهتها وخرج هو المنتصر وشعوره بالانتصار في ثورته وتحقيق أهدافها شعور الجندي الفائز في ساحة الحرب.
*********************
في نفس التوقيت.
في بلاد الحرمين الشريفين حيث مهبط الوحي ومنطلق رسالة الإسلام السمحاء، إنها لمكة المكرمة ولها مكانة خاصة في قلوب المسلمين، فهي مهبط الوحي على خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، وفيها نزل القرآن الكريم، ومنها انطلقت رسالة الإسلام السمحاء إلى مختلف أصقاع الأرض، مهوى أفئدة المسلمين وقبلتهم، وأحب الرحلات التي يقضوها في حياتهم إلى تلك البلدة، بل وأفضل وأعمق ما تتمناه النفس البشرية هو زيارة الكعبة المشرفة ولمس الحجر الأسود والوقوف أمام قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حيث يوجد فيها قلبان، أحدهم احترق من الآخر غدراً وألماً.
يجلس سلطان بجانبها وهو يتمنى منها الرضا وأن تعود معه لعهدها السابق، ولكن رأسها يابس ولن تستسلم لمحايلات ذاك السلطان.
فاقترب منها وهو ينظر إليها برجاء ككل يوم، لعل محايلته تجدي نفعاً لها:
_ مش كفياكي بقى بعاد وهجر يازينب؟ إحنا مش صغار على لعب العيال دي، بزيادة يعني يا بت الناس.
ربعت يداها وتحدثت بضيق:
_ وكيف أسامح يا سلطان بعد اللي عملته فيا وحرقت قلبي واتجوزت علي وجبت واحدة سكنت داري وبقت راسها براسي وتنزل تعدي علي وتدوس برجليها ولا هاممها إني كنت في يوم من الأيام بعطف عليها وبدخلها بيتي وبعاملها كيف أولادي وعمري ما فرقت بينهم وبينها، بس هو ده الجزاء اللي أنا أستاهله عشان دخلت بيتي وعطفت عليها وفي الآخر طلعت من اللي بياكلوا في الوعاء وبعدين يرموها ويشوطوها بالجزم على رأس أصحابها.
ضم حاجبيه وعبس وجهه وسأل مستفسراً بدهشة ظهرت على معالم وجهه:
_ يعني إيه الحل دلوقتي عشان نفضوا سيرة الموضوع ده؟ عايزني أطلقها يعني؟
حركت رأسها للأمام مؤكدة تعجبها:
_ موضوع الطلاق ده مفيهوش نقاش يا سلطان، يا إما أكده لما نرجع بإذن الله من رحلتنا دي نتفارق بالمعروف وتسيبك من لعب العيال اللي كنت بتعمله معايا. أنت دلوقتي راجل حجيت بيت الله، ما تضيعش ثواب حجتك وربنا قال: "فتفارقوهن بالمعروف".
كادت أن تكمل حديثها إلا أنه هدر بها أرعبها وهو ينظر لها بغضب:
_ طلاق يازينب مهطلقش، وأنت عارفة أكده إن موضوع الفرقة بيناتنا مش هيحصل.
بدون التحدث في أي كلام آخر قالت لإنهاء النقاش في ذاك الموضوع:
_ يبقى هعمل زي الحكومة أكده، يبقى الحال كما هو عليه وأنت في حالك وأنا في حالي.
جز على أسنانه بغيظ وهو يمسكها من يدها:
_ اعقلي يازينب وسيبك من اللي في دماغك، لا أنا أول اللي اتجوزوا مرة تانية ولا أنا آخرهم.
ثم محاولة تهدئتها وألقى على مسامعها كلمات الغزل التي تبرد قلبها:
_ دي أنت اللي فيهم يا بت وأنت اللي في القلب ومفيش غيرك يملى عينين سلطان ولا يكيف مزاجه غيرك. أنت الحتة الشمال وأم العيال.
ارتفعت دقاتها الرنانة ودقت في أرجاء الغرفة وأردفت:
_ وه أنت جاي تاكل بعقل زينب حلاوة يا سلطان وتقول لما أضحك على عقلها بكلمتين!
وأكملت بتصميم جعله لان أخيراً، فهو اشتاقها ويبدو أن الممنوع مرغوب، وكما أنها لها في قلبه ما لا يكن لغيرها مهما كان، وخاصة بعد أن غيرت شكلها تماماً، وأصبحت أكثر أنوثة وجمالاً وجاذبية، فهو لم يكن يتوقع أنها ستفعل هكذا يوماً من الأيام:
_ والله لو قعدت جاري أكده عشرين سنة كمان ماهنولكش اللي أنت عايزه مني. خليك بقى مع الملونة بألوان صناعي اللي أنت اتجوزتها وخليك لايد وراي أكده.
ضرب كفاً بكف من سخريتها ثم طلب منها المشورة:
_ طب هعملها كيف دي، ماهو ربنا هيحاسبني بردو يازينب؟
لانت ملامحها وشعرت براحة اجتاحت روحها لحديث ذالك السلطان الذي وصل لأعماقها وتوغل في روحها، وهي تعطيه رأيها ومشورتها:
_ هيحاسبك ليه؟ زي ما ربنا شرع الجواز بردوا شرع الطلاق، واديها كل حقوقها وخليها تغور من البيت.
وأكملت وهي تتدلل عليه كي ترى مدى اشتياقه لها:
_ ووقتها هتشوف زينب حاجة تانية والماية هترجع لمجاريها وهتشوف هنا عمرك ماشفته في حياتك يا سلطان.
سال لعابه من دلالها المفرط وغير المعتاد، ويبدو أنها تمرست ذاك الدلال بحرفية، ثم حاول جذب يدها ولكنها جذبتها منه ولم ترضى باقترابه، فعبث وجهه بحزن:
_ طب بتشيلي يدك ليه يا بت الناس عاد؟ لساتك عاصية على سلطان ليه يازينب؟
حركت رأسها بدلال كي تثيره:
_ الله الوكيل يا سلطان، ماهتلمس شعرة مني إلا لما يتم المراد وتزيح الغمة اللي إنت بليتنا بيها، ووقتها هتلاقي سعدك وهناك بين إيديك ومش همنع أبداً.
تحدث باقتضاب من تصميمها:
_ طب لما نرجع من السفر هعمل لك اللي أنت عايزه بس تفكي التكشيرة دي يا شيخة.
تنهدت وتحدثت باستجداء:
_ له في حل تاني يا سلطان يريحنا كلياتنا ومهياخدش وقت.
سألها باستكشاف:
_ حل إيه ده يازينب؟
أجابته سريعا:
_ تتصل بالمحامي بتاعك اللي أنت عملت له توكيل من شهرين عشان موال الأرض بتاعك يطلقها ويرمي عليها اليمين في التليفون قدامي، ويا دار ما دخلك شر، وقتها الدنيا هتبقى تمام وياي.
نفخ بضيق من تصميمها ثم على الفور حمل هاتفه واتصل بالمحامي، وبعد أن أتاه الرد شرح له ما يحتاجه، فردد المحامي مندهشاً:
_ أنت ما تعرفش إن مراتك اتقبض عليها في قضية قتل الدجالة خضرا اللي في آخر البلد دي؟ الخبر سمع كلنا يا حاج، وأني مفكرك عارف.
انصدم سلطان مما قاله المحامي وسمعته أذناه وهتف بدهشة:
_ وه وه حصل كيف دي والعيال مبلغونيش بيه الحوار المقفل ده؟
وظل يتحدث مع المحامي ويعرف منه ما حدث بالتفصيل، ثم أغلق الهاتف وبدأ يدور في الغرفة بصدمة مما سمعه الآن، ثم اتصل بعمران وسرد عليه ما أبلغه به المحامي وهو يهدر به بحدة غاضبة:
_ هو أنا بقيت طرطور وعايش زي الأطرش في الزفة؟ إزاي يا واد؟ أنت ما تبلغنيش بحاجة حصلت زي دي؟
ابتلع عمران ريقه بصعوبة من اتصال أبيه ثم برر موقفه:
_ يا أبوي اللي حصل مش هين، وهي اتمسكت متلبسة ومرضيتش أعكر عليكم رحلتكم انت وأمي علشان خاطر اللي عملته الملعونة دي.
طلب منه سلطان أن يحكي له تفاصيل قتلها لتلك الدجالة، فعرف كل شيء وأغلق معه الهاتف وصار يدور في الغرفة باستنكار مما حدث منها، وزينب كان تقف مستمعة إلى كل شيء وداخلها مسرور بشدة وتكاد تطير من فرحتها.
واقتربت منها وحاوطته من كتفه وهي تردد بسعادة:
_ ما تزعلش نفسك يا أخوي، كلبة وغارت في ستين داهية، كلم المحامي يطلقها ويبعت لها ورقة طلاقها على المحكمة ونخلص منها المجرمة قاتلة القتلة دي.
وبالفعل استمع إلى كلامها وهاتف المحامي مرة أخرى وطلب منه أن يمشي في إجراءات الطلاق من تلك الوجد، ثم أغلق معه الهاتف وجلس يؤنب حاله على زواجه منها، وأنه استمع نصيحة صديقه يوماً من الأيام، والتي كانت ستهدر بحياته وستفقده أغلى الأشخاص على قلبه، وانتهى عهد الوجد وسلطان وعادت زينب إلى سلطان بكل رضاها، فهي تعشقه ولن تخسر بيتها طالما بقيت المتربعة على عرش السلطان.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الخامس والستون 65 - بقلم فاطيما يوسف
في موقف يبعث في النفس الخوف من الفقدان وما أوجع تلك الكلمة "الفقدان" كم كان وقع الفقدان على مها مريرا كالعلقم بل ويزيد. كانت نائمة على التخت غائبة عن الوعي فقد دخلت في نوبة عصبية وكأن جسدها وعقلها أبيا على أن يتحملوا فقدان الطفلين ولكن لمتى الهروب مها؟
فالموت هو الحقيقة الحق في حياتنا ولا يمكن الفرار منها.
كانوا يجلسون بجانبها ودموع عيناهم لم تفارقهم في موقف يحبس الأنفاس. كان يجلس على يمينها سكون التي عادت من سفرها عندما هاتفتها ماجدة. وكما عادت سكون، عادت مكة هي الأخرى. وكلهن في موقف حزين تقشعر له الأبدان فقد كان الطفلان روحهم وعقلهم وكانوا متعلقين بهم بشدة.
كانت ماجدة تشهق بشدة فقد مر على وفاتهم أكثر من أسبوع وحالة مها كما هي تتدهور. فعندما تستيقظ يظل عويلها يملا المكان ولن تصمت عنه حتى تنهك روحها من شدة صراخها فتضطر سكون إلى حقنها بالمهدئات ومكة تجلس بجانبها تقرأ القرآن بتتمعن وهي تربت على رأسها وجسدها.
فسألت ماجدة سكون من بين دموعها التي لم تنقطع عن الطفلين هي الأخرى:
_ هي هتفضل حالتها أكده يا بتي مش دريانة بالدنيا!
دي بقى لها أسبوع على الحالة دي، تقوم تصرخ وما تسكتش وتقومي تديها الحقن دي فتغيب عن الوعي خالص وما داريناش باللي حواليها.
كانت سكون تمسك يداها وتحتضنها بين يديها ووجهها يبدو عليه الاحمرار الشديد من كثرة البكاء. ثم أجابت والدتها وهي تنظر إليها بحسرة:
_ للأسف يا أمي هي مش متقبلة موت زين وزيدان لحد دلوقتي وما ينفعش إننا نسيبها إلا لما تهدى خالص لأن ممكن تعمل حاجة في نفسها وعقلها يصور لها حاجات تأذي بيها نفسها لأنها شايفة إن اللي جرى لهم بسبب إنها ما كانتش معاهم وإنها أهملت فيهم ومش مقتنعة خالص مهما نقول إن دي قدر ونصيب وعمرهم كده على وش الدنيا انتهى.
ضربت ماجدة على فخذها بحزن على ابنتها التي فقدت نصف وزنها في ذاك الأسبوع فهي امتنعت عن الطعام والشراب وتعيش على المحاليل فقط. ثم سألتها عن وضع مجدي هو الآخر:
_ طب يا بتي أخبار جوزها اللي في العناية المركزة دي من بقاله خمس أيام ما اتحملش هو كمان موت ولاده مرة واحدة وحالته اتغيرت 180 درجة معقولة يكون مقادرش يتحمل زيها هي كمان؟
التوى ثغرها بحسرة ثم رددت:
_ دي مجدي طلعت حالته ما يعلم بها إلا ربنا يا أمي. طلع عندي لوكيميا في الدم من الدرجة الرابعة وكمان حالته النفسية الصعبة أثرت على المرض أكتر وكان رافض العلاج وأهو دلوقت بنحاول وياه وهو بين أيادي الله.
أنا دخلت سألت عليه في القسم بتاعه امبارح وعرفت كل الحاجات دي.
شهقت ماجدة بفزع مما استمعت إليه ثم هتفت بعدم تصديق:
_ وه وه! يا عيني عليكي يا أم الزين هتتحملي كل ده مرة واحدة إزاي يا بتي؟
والمصايب كلها نازلة ترف على راسك مرة واحدة!
جوزك وولادك كلهم راحوا وإنتي لا حول ليكي ولا قوة. قلبي عندك يا بتي قلبي عندك.
هنا أغلقت مكة مصحفها ونظرت إلى والدتها تنهاها عن ذاك العويل وهي تهدئها:
_ بلاش الحديث ده يا أمي اللهم لا اعتراض على حكم الله.
ربنا أراد لهم كده فهي لازم تصبر ولازم تقوم وتفوق من دوامة الحزن اللي سحباها لورا وتستعين على وجعها والألم بالله سبحانه وتعالى وهو خير معين.
فإحنا مش لازم نقعد نعدد قدامها لازم نحسسها إن اللي حصل بيحصل لكل الناس، أي نعم الموت صعب والفراق صعب وخاصة لما يكون في الولد، لكن أمر الله وإنما الصبر عند الصدمة الأولى دي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومرت تلك الأيام الصعبة والجميع في حالة حزن شديد على الطفلين.
أما عامر فقد عاد من سفره ويجلس بجانب أخيه في المشفى ولم يفارقه وحالته لم تفرق عن حالة مها ولكنه يمتثل الجمود أمام الجميع. وإلى الآن لم يستطيع التحدث مع مها كي يسألها كيف حدث ذلك للطفلين وحالته يرثى لها هو الآخر. ولكن عندما يجلس مع نفسه يبكي كثيرا وكثيرا وكأنه رباهم على يديه وشقى في تربيتهم ولم يستطيع أن يفرح بكونه أبيهم. وزال ينهر نفسه عن ذاك الخطأ وتلك العلاقة التي أودت بطفلين لم يكن ذنبهم إلا أن والديهم فعلوا تلك الخطيئة دون أي حسبان لما سيحدث، ولكنه عقاب الله لن ولم يمهله حتى يأخذ كل بني آدم جزاءه من الخطيئة.
كان يجلس بداخل غرفته وأنهى فريضة العصر في وقتها وجلس على مصلاه وهو يمسك هاتفه وأتى بصورة الطفلين وفيديو كان مصوره لهم وهو يلعب معهم يومًا من الأيام. ثم احتضن الهاتف وعيناه ذرفت بالدموع وهو يردد بصوت عالٍ لأول مرة منذ أن فارق الطفلين الحياة:
_ آه يا حبايب قلبي ما لحقتش أفرح بيكم ما لحقتش أشوفكم بتكبروا ما لحقتش أحضنكم.
ربنا علقني بيكم قوي وخلاني أفكر فيكم كتير، لا دي أنتم ما غبتوش عن بالي أصلًا ولا ثانية من يوم ما عرفت إنكم ولادي.
عقاب ربنا بيكم ليا كان كبير قوي ومقدرش إني أتكلم ولا حد يحس باللي في قلبي. آه يا رب نار بتخرج من قلبي ومن كل حتة في جسمي. آه يا ولادي آااااااااه.
وظل ينظر إلى الفيديو الذي بيده بحسرة وبقلب يدق وجعًا بشدة وهو لم يستطع نسيان ذاك الحادث الذي مر عليه شهر بأكمله.
وأثناء جلوسه وهو يلوم حاله ويبكي أتاه الاتصال من المشفى أن يأتي على الفور فحالة أخيه قد تدهورت. فارتدى ملابسه وحمل مفاتيحه على الفور وبادر بالإسراع إلى المشفى كي يرى ماذا به مجدي. وما إن وصل حتى وجد الطبيب يخرج من الغرفة وعلى وجهه علامات الأسى وهو يردد:
_ البقاء لله أخوك بين أيادي الله دلوقتي.
اتسعت عيناه بعدم تصديق فقد مات أخيه وأبناؤه ولم يفرق بينهما إلا شهر واحد. وبقي هو وتلك المها وحدهم يتألمون على الراحلين الذين غدروا بهم في ساعة زين لهم فيها الشيطان أنها متعة ورغبة لن يستطيعوا الحصول عليها بعد ذلك.
بعد مرور عدة ساعات أنهى إجراءات الدفن لأخيه وعلم الجميع حولهم وعلمت مها هي الأخرى. فقد بدأت تفيق من حالة الصراخ والعويل التي انتابتها مدة طويلة. ولكن خبر وفاة مجدي لم يؤثر فيها وكأن أبناءها أخذوا جميع دموعها وحزنها ولم يفرق لها أحدًا. حتى نفسها لم تعد تفرق معها إذا كانت بصحة جيدة أم مريضة.
أم تهتم بحالها وهيئتها فقد أصبحت منعدمة الإحساس بأي وجع أو فرح أو حزن، فكل المشاعر أصبحت مختلطة لديها وكأنها فقدت الشغف في الحياة وتنتظر رب العباد أن ينهي حياتها كي تستريح. ففقدان أبنائها بالنسبة لها كل الحياة فهم ثمرة عمرها وحصاد شقائها. فهي أحبتهم حبًا جما وراعتهم بجد وجدية وكانت لم تغفل عنهم أبدًا. وحينما انشغلت مع أبيهم حدث ما حدث وأصبحت تلوم حالها على تركهم لها.
بعد مرور عدة أشهر على موت مجدي وأخيرًا استطاع عامر أن يجد فرصة للحديث معها. فهي وحدها الآن وتركتها والدتها وأخواتها منذ أكثر من أسبوع. فقد كانوا يتناوبون على الجلوس معها كي لا يتركوها وحدها. ولكنها أفاقت أخيرًا وعادت إلى الواقع.
كانت تجلس في غرفتها وممددة على تختها تحتضن صورة أبنائها اللائي لم يغيبوا عن عقلها لحظة واحدة.
استمعت إلى رنين جرس الباب فطنت أنها والدتها فهي لم تلبث أن تغيب عنها إلا أن تأتيها دومًا للاطمئنان عليها. وأقصى مدة تقضيها في الابتعاد عنها يومان.
فخرجت كي تفتح لها بملابس المنزل التي كانت ترتديها والتي كانت عبارة عن عباءة قطنية بنصف أكمام ترتديها في فصل الصيف. فقد فصل الشتاء قد انتهى وأقبل ذاك الفصل بموجته الحارة. ولم تضع حجابًا على رأسها.
أما هو فضرب زر الجرس أكثر من مرة وأثناء سيرها استمع لها تردد بصوت هادئ حزين:
_ حاضر يا أمي جاية أفتح أهو.
فتلقائيًا حينما سمع كلامها تنحى جانبًا وعيناه نظرت أرضًا. فهو قد استشف راحتها في بيتها وهيئتها فهو يحفظها عن ظهر قلب.
فتحت الباب ثم وجدته يقف جانبًا ومطأطأ رأسه أرضًا. فتنهدت وأخذت نفسًا عميقًا تستحضر به الوجع الذي آتاها للتو. ثم تذكرت هيئتها فدلفت إلى الداخل وارتدت أسدالها ثم لفت حجابها بإحكام على رأسها وأذنت له بالدخول. كاد أن يغلق الباب وراءه إلا أنها منعته:
_ لو سمحت سيب الباب مفتوح وياريت تتكلم وتقول اللي انت عايزه طوالي لأن مينفعش تقعد هنا كتير.
وأكملت وهي تنظر للجانب الآخر:
_ أنا دلوقتي ست وحيدة ومينفعش أي راجل غريب يدخل بيتي علشان مش ناقصة شبهات.
لم يلقِ لكلامها بالًا ثم أغلق الباب وراءه.
بمجرد أن رأته أغلق الباب اندفعت إليه لتشن حروب أفعاله فوق رأسه بتمرد أنثى. ولكن نظراته الحادة أرغمتها أن تبتلع ما علق في حلقها من كلمات وتتراجع للخلف.
فتتقدم خطواته بقدر تراجعها ويغرس خنجر سؤاله في صدرها:
_ ولادي ماتوا إزاي يا مها؟
انتفضت أعينها بحدة وهي تطالع ذاك عامر ونظراته الشرسة لها. ثم رددت بغضب وهي تجز على أسنانها:
_ دول مش ولادك يا عامر دول ولاد مجدي وهيفضلوا ولاد مجدي.
اقترب منها بغضب جم ثم قبض على معصمها بقوة وعنفها بصوته المملوء بالجبروت استدعاه خصيصًا بسبب هرائها:
_ بتقولي إيه انتِ! انتِ عارفة زين إنهم ولادي ومن صلبي.
ثم أكمل وقد لاحظ تمدد ملامحها بضحكة هادئة ثم همس في مسامعها بصوت هدر:
_ بتضحكي على إيه انتِ؟ ليكي نفس تضحكي بعد اللي عملتيه وم.
وتي ولادي وأهملتي فيهم بعد ما قعدت أتحايل عليك تجيبيهم وتيجي نعيش مع بعض ونربيهم سوا.
حرمتيني منهم وفي الآخر ربنا أخدهم عنده، ودلوقتي تقولي إنهم مش ولادي وقاصدة تستفزيني!
أخرجت تنهيدة حارة وأنزلت بصرها وأردفت قائلة بنبرة محملة بأثقال من الهموم:
_ مش هديك الفرصة إنك تشوه صورة ولادي يا عامر، مهما كان. ولادي اسمهم زين، زيدان، مجدي المرشدي وهيفضل اسمهم كده.
ثم ربعت ساعديها وأدارت ظهرها وأكملت:
_ إحنا اللي بينا خلاص انتهى، واللي كان بيربطني بيك أخوك ومـ.ـات. فلو سمحت مش عايزة أشوف وشك تاني ومليكش صالح بيا نهائي.
لم يعجبه حديثها وازداد الغضب وتشعب في راسه وتكاثر بلا حدود، فأدارها بحدة وهو يمسكها من كتفها بعنف ويهزها وقد خرجت أعصابه عن السيطرة:
_ شكلك عايزة تشوفي وش عامر التاني، الوش القاسي الصعب. أما اللي كان بيطبطب وتتصعبي عليه لما تنزلي دموعك مبقاش ينفع معاكي.
جذبت يدها بحدة من يديه ثم هدرت به:
_ خلاص الدموع خلصت على الغاليين ونشفت، ولا أي حاجة في الدنيا هتأثر فيا بعد كده. أنا دلوقتي بقيت مش باقية على الدنيا، فابعد عني أحسن لك يا عامر، يا أما قسما برب العزة هقتلك وأخلص منك وأدخل السجن اللي كنت بسايسك علشانهم مـ.ـاتوا.
ابعد عني بقى، كفاية اللي جرالي بسببك. ربنا جازاني في أهم وأنقى وأحب حاجة في الدنيا وأقربهم لقلبي.
واسترسلت حديثها وهي تشهق دموعا:
_ لاااا، دول روحي والنفس اللي كنت بتنفسه.
كنت مستعدة أطاطي راسي ليك وأتذل علشان خاطر ميتأذوش، بس بالكلمة ولا النظرة.
بس دلوقتي راحوا ومبقاش فارق لي حاجة في الدنيا، وحتى مجدي راح وراهم وفضيت عليا الدار والحيطان الواسعة دي بقت في عيني أضيق من خرم الإبرة.
هزته نبرة صوتها الضعيفة ونظراتها اللي تحمل شجن وشوق للغائبين.
هذه النظرة اللي بتطالعه بيها شعر بها يوم أن علم برحيل أغلى الأحباب إلى قلبه.
ثم لانت ملامحه وهدأ من غضـ.ـبه واقترب منها مرددا بحنو اعتاد عليه معها، فليس طبعه الجمود:
_ طب بتبكي ليه عاد، اللي حصل حصل وربنا رايد كده. رايد يريحهم من هم الدنيا وبلاويها. لا أنا كنت هفضل متحمل بعدهم، ولا انت كنت هتتحمليني بضغطي عليكي.
بس فراقهم صعب ووجع مابعده وجع.
جلست على الأريكة وهتفت من بين شهقاتها بروح منهكة وبقلب ينزف دموع الحرمان من فلذة كبديها في رمشة عين:
_ كانوا يفضلوا وأني كنت هتحمل منك ومن مجدي ومن الزمن كل حاجة صعبة.
كانوا روحي وروح روحي وعمري ما تخيلت إنهم يروحوا مني بالسهولة دي.
تعبت فيهم وشقيت عليهم ومكانتش البسمة تشوف وشي إلا ليهم وبيهم ومعاهم. كانوا نبض الفرح والحياة الحلوة والحتة البيضة الصافية النقية في قلبي.
ثم ظلت تبكي بشدة وكأن الدموع هي طريقها، وكأنها حصاد خطئها نتيجة زرعها المسموم بمبيدات الخطيئة، وأكملت:
_ ربنا اداني بيهم درس إن الخطيئة والعلاقة الحرام لازم يجي من وراها هم تقيل مهما طال الزمان.
انفطر وجـ.ـعا لأجلها، فهو مازال عاشقها، مازال قلبه لا يعرف نبض غرامه لأجلها. فهي المبتدأ في علاقته بجنس حواء، وهي الصفة الرقيقة ذات الرائحة الملكية، وهي الخبر المتيقن بعشقه لها، وهي المضاف لحياته شعور اللذة والمتعة، وهي كل الإعراب والبناء لقلبه.
ثم جلس تحت قدميها وهو يعرض عليها احتياجه لها من جديد:
_ طيب دلوقتي انت خلصت عدتك من مجدي الله يرحمه، يلا نتجوز ونبدأ من جديد. انت دلوقتي وحيدة واللي كنا عايزينها زمان دلوقتي بقى تحقيقه سهل.
انتفضت وقامت من مكانها كما لو لدغتها عقرب، ثم هدرت به برفض قاطع:
_ نتجوز مين ده في أحلامك!
انت لو آخر راجل في الدنيا، أني عمري ما هتجوزك. انت السبب في كل اللي أنا فيه، انت السبب في كل اللي أنا وصلت له، وفي لحظة ضعفي اللي بدفع تمنها روحي اللي راحوا مني. أني خلاص اعتزلت صنف الرجالة خالص، ما عايزاهوش أصل تاني في حياتي.
حزن داخله من كلامها وأحس بالخزي لرفضها القاطع بتلك الطريقة المهينة له، ثم سألها وهو يدعي الاندهاش والاستنكار في آن واحد:
_ ليه يعني آخر راجل يا مها؟
مكانتش غلطة عملتها هتخليكي تقسي علينا أكده، إحنا الاتنين. أني دلوقتي جاي لك لحد عندك وبطلب منك يدك ونبدأ من جديد ونجيب زين وزيدان تانيين ونربيهم إحنا الاتنين سوا ونداوي جرح وحزن بعض، وإحنا الاتنين أدرى الناس بوجعنا.
ما إن نطق أسماء أبنائها أمامها حتى دارت في المكان بغضب عارم وهي تلقي بقدميها الكراسي الموضوعة والمنضدة بعاصفة غضب لم تسبق لها من قبل، وهي تنهره:
_ زين وزيدان عمرهم ما يتعوضوا أبدا، واروجك كفاية بقى بعد عني، مش هتحمل أكتر من كده. متضغطش عليا، كفاية اللي أنا فيه مش ناقصة همك أنت كمان. شوف طريقك يا ابن الناس بعيد عني.
واسترسلت حديثها وهي توضح وجهة نظرها وهي على نفس غضبها:
_ وبعدين جواز إيه اللي أنت جاي تتكلم فيه، وأني جوزي مـ.ـيت بقاله شهور. أنت عايز الناس تقول عليا إيه؟
دي جوزها وولادها مـ.ـاتوا، ومقصرش فيها، وراحت تتجوز ولا كأنها بتحس ولا كأنها بني آدمة!
بعد عني يا عامر، كفاية اللي جرى لي بسببك، كفاية قوي لحد كده.
ما زال يقف أمامها ويستسمحها أن تهدأ مرددا بعشق وكأنها مرض اتوصم لقلبه:
_ يا مها أنا بحبك صدقيني، مش قادر أشوف ست غيرك. حاولت مرة واتنين وتلاتة وكتير، مش قادر.
حاولت إني أعرف غيرك وأتكلم مع غيرك وأحب غيرك، مجرد ما بشوفهم بحس إني مخنوق وصورتك تيجي قدامي، ما بقتش عايز غيرك. قلبي اتعود عليك بالذات. حتى لمستي لأي ست مش هتبقى زي ما كنت بتعامل معاكي.
أعمل إيه في قلبي؟
حرام عليكي يا مها بقى، كفاية عذاب فينا وترضي بقسمة ربنا، وأكيد له حكمة في كل اللي حصل علشان يجمعني بيكي.
رفعت جفونها المغشية بالدموع ببطء ثم قالت بنبرة حزينة:
_ اللي حصل يا عامر مش سبب علشان ربنا يجمعني بيك له!
اللي حصل لي درس لكل ست تفكر تغضب ربنا وتعمل اللي أنا عملته. درس العمر، بس كان ابتلاؤه شديد قوي. هفضل أعاني منه سنين وسنين. إحنا الاتنين منفعتش لبعض أبدا. كمل طريقك بعيد عني، أني ولا هنفعك ولا عدت أنفع غيرك. أني بقيت نفس ماشي على الأرض من غير روح. بقيت عاملة زي الدمية اللي بتقوم تاكل اللي يكفيها علشان تقدر تتنفس وخلاص. بس الحاجة الوحيدة اللي اتعلمتها جامد من درس العمر هي القرب من ربنا.
وأكملت بتصميم على رأيها، فهي لم ولن تتزوج عامر حتى لو قضت عمرها كله وحيدة:
_ مش هتجوزك يا عامر، مهما عملت ومهما صبرت، حتى لو ملامح الشيب علمت على كل ملامحك.
دمعت عيناه وهي تخبره بحزنها الشديد.
انتصب في وقفته ونظر حوله بنظرة ثاقبة، ثم عاد ينظر إليها بنظرة تحمل عطفًا على حالها.
فهل يتركها تسرد له ألمها وابتعادها عنه دون وقوفها؟
تنهد بتنهيدة طويلة وتمتم بعدما اقترب من المنضدة الملقاة أرضًا بسبب غضبها وأعادها مكانها:
_ انت ليه مصممة توجعيني وتبعديني كل مرة؟ يعني صممت قبل كده على رأيك وحصل اللي محدش يتوقعه، ودلوقتي مصممة على الفراق والبعاد وبدون سبب يا مها.
وتابع حديثه بوجع مماثل لها ليقول بألم وجراح روح مثلها:
_ إذا كنت بتلومي حالك على اللي حصل بينا قيراط، أني كمان بلومه عشرين قيراط. وإذا كنت أنت بتعرفيش تنامي من الكوابيس اللي بتجيلك على طول. بحس إن صورة مجدي أخويا وهو بيبص لي كأنه عايز يخـ.ـنقني.
واسترسل وهو ينظر إليها برجاء كي يجعلها تلين ويؤثر عليها:
_ وزي ما أنت بتقولي إنك مش هتنفعي أي راجل تاني، أني كمان معرفش أعيش ولا أتقبل أي ست تانية في حياتي غيرك يا مها. أكده حكمتي علي بالوحدة طول العمر، وأكده ظلم ليا بعد كل اللي حصل بيناتنا.
تعلقت عيناها به بنظرة ضائعة أرجفت ذلك القابع بين أضلعه.
أشاح عيناه عنها ثم زفر أنفاسه بقوة حتى وصل إليها هول زفيره، فأردفت بتمنع كي يرحل، فهي لن تكمل طريق الأشواك معه، كفاها تلك السنوات الماضية عاشتها في مرار وعدم استقرار. سنين عجاف لم تذق فيهم طعم الراحة من عـ.ـذاب الضمير والبكاء على ما فعلته معه وفي خوفها على فلذات أكبادها مما سيحدث لهم.
ثم استجمعت قواها وتحدثت بنبرة واثقة جعلته يفقد الأمل:
_ متحاولش يا عامر، أني وأنت سكتنا افترقت عن بعض. ومتشيلنيش ذنبك، وزي ما أني مشيلتكش شيلتي التقيلة وبعدت بحالي وبداوي وجعي لحالي، أنت كمان يا عامر اعمل زيي وابدأ من جديد. أني لا عدت أفرح ولا أحزن ولا أحس بالحلو ولا الوحش، مش هنفعك. دور على بت الحلال اللي تكمل معاها بعيد عني. أنت قلبك طيب ولسه مليان بالخير وألف مين تتمناك.
اللي بيني وبينك واللي ربنا لسه محاوطنا بالستر اللي أنت متعرفش قيمته لسه منكشفش، لا أنت هتتحمل نظرات الناس ولومهم ونهرهم ليك لو اللي بينا انكشف، وأني هخسر أمي وأخواتي، وبعدها المـ.ـوت أهون لي من إني أكمل حياتي أكده.
وأكملت وهي تضع عيناها في عينيه:
_ الستر دي الحاجة الوحيدة اللي بينت لي إن ربنا قبل توبتي، ويستحيل أفرط في باب التوبة اللي اتفتح لي وأروح للفضيحة برجلي.
أرجوك يا عامر، سيبني بقى أكمل اللي باقي من حياتي وأني مرتاحة. سيبني أحزن على اللي راحوا لحالي، لأنهم مش هينين، دول مشيوا وأخدوا روحي وضحكتي وكل حاجة حلوة معاهم.
الآن تأكد أنها لن تستكين له ولمحاولاته معها ولن ترضى باقترابه منها، فتحدث بنبرة مخذول:
_ يعني خلاص قصة مها وعامر انتهت ومبقاش فيه نصيب يجمعهم؟
أغمضت عيناها وداخلها متعب وأجابته بتأكيد:
_ هي المفروض مكانتش تبتدي ولا تبقى موجودة من الأساس. قصة مها وعامر قصة غلط. سرقوا لحظات من العمر، لكن ندمتهم عمرهم كله.
حمل مفاتيحه وانتوى المغادرة، فهو تيقن من تيبس رأسها وقد قرر السفر للغربة، فيبدو أنه سيظل غريبًا طيلة حياته. سيظل ليس له وطن أو أهل أو أصحاب أو أحباب، فهو كان يتيمًا والآن أصبح وحيدًا، فقد رحل أخيه.
ثم هتف بنبرة متأثرة لابتعاده عنها:
_ أني هسافر وهرجع مطرح ما كنت، وكأن البلد دي كارهة وجودي فيها. كل لما أقول هرجع وهستقر بلقاني أعاود مكروه مغـ.ـصوب. بس عايز أعرفك قبل ما أمشي إنك حبي الأول والأخير، وإنك هتوحشيني يا مها.
استجمعت قواها التي تبعثرت من نبرة الشجن التي يتحدث بها وأثرت في روحها وتحدثت بنبرة حذرة له وصوت عال وهي تنهاه عن كلامه ذاك:
_ لو سمحت يا عامر، ممنوع تمامًا تتكلم معايا بالطريقة دي تاني. أني خلاص الكلام المعسول المزين ده كرهته، مبقاش يأثر فيا. روح يا ابن الحلال مطرح ما ترتاح وابني لنفسك عش جديد، ومن الأحسن تهد عش اللي في قلبك.
تيقن الآن أنها لن ولن تتراجع، فهو الآن يقف أمام امرأة جديدة لم يعرفها قبل ذلك.
تحرك بخطوات بطيئة من أمامها وهو ينظر إلى أرجاء المكان الذي اختلس فيهم لحظات سعادة معها، ولم تكن من حقه يومًا ما.
أما هي جلست وصورة أبنائها وملابسهم في أحضانها وهي متشبسة بهم وكأنهم إكسير الحياة لديها، وانتهى عهد العامر لديها إلى الأبد.
وهي تردد مع حالها بقسوة على نفسها:
_ ما عدت أحب أحدا ولا أكره أحدا، ولا أحزن بسبب أي أحد، ولا يفرق معي أي شيء. ألف رحمة على مشاعري وقلبي الذي مـ.ـات.
فأنا قلبي ممتلئ بالدموع بدون أن يبكي.
بل شارد، صامت، يريد أن ينعزل.
وعينيه مرهقة كأنه عاش عمره كله مستيقظ.
فاللهم رد لقلبي عافيته يا رب.
مرت الأيام والشهور تلو الشهور على حادثة الطفلين والكل متأثر بهم.
حتى مر أكثر من ثمانية أشهر وحالهم في الوجع لن يمر مرور الكرام.
في منزل سلطان يجلس ماهر الريان فقد زهق الصبر من صبره وما عاد يطيق الاحتمال في صبره أكثر من ذلك.
فهو الآن يجلس معها في منزلهم في زيارته الأسبوعية لها وهو غاضب من تأجيلها لإتمام زواجهم فمن المفترض أن يكونا متزوجون منذ أكثر من ستة أشهر ولكن موت أولاد مها أخر زواجهم.
ثم لاحظت هي غضبه وعدم ارتياحه فسألته باندهاش:
_ مالك يا ماهر حساك متضايق اكده ومش على طبيعتك في حاجة حوصلت؟
كان يجلس على الكرسي وهو يهز قدمه بضيق:
_ هو إنت كل دي مدرياش باني خلاص زهقت ومعدتش قادر أتحمل الوضع دي؟
ربعت يداها وتحدثت بضيق:
_ هو انت بتتحول مرة واحدة اكده من غير أي مقدمات وبتزهق وبتغضب عمال على بطال؟
تنهد بضيق وتحدث بغضب جعلها اغتاطت منه:
_ أهو كون انك متعرفيش اللي مضايقني دي في حد ذاته يغيظ ياهانم.
ممكن أعرف إحنا حالنا هيفضل اكده لحد ميتة يارحمة؟
إنتفض داخلها من هيئته الغاضبة ومن حديثه الذي لايصح ابدا في وجهة نظرها وعللت موقفها:
_ يعني هو ينفع يكون ولاد أخت سكون يموتوا وجوزها وراهم بشهر وأفرح واتجوز!
وأكملت بتبرير:
_ اللي حوصل محدش يتحمله ابدا وبعدين أني مرتبطة بسكون قووي ومينفعش أعمل فرح وهيصة وهي أختها في الحالة دي.
الست من يوم موت ولادها وجوزها وهي في دنيا غير الدنيا وحالتها حالة ومرت أخوي كل يوم والتاني عنديها.
واسترسلت حديثها بعينين زائغتين وتوتر لما ستبلغه به وخاصة أنها ترى هيئته الغاضبة بشدة:
_ أممم.. يعني نصبر لما يفوت سنة على جوازهم على الأقل ياماهر.
استمع إلى كلامها وكله رافض أن يستجيب ثم تحدث بعيون تشتعل غضبا حتى أنها أرتعبت من هيئته:
_ سنة مين دي يا أستاذة! ده في أحلامك إن شاء الله ان دي يحصل. أني أجيب أبوكي وأخوكي بقى ونشوف صرفة بقي في الحوار دي.
ابتلعت لعابها وتحدثت بصوت منخفض وهي رافضة طريقته تلك هي تعلم انه لديه كل الحق في غضبه ولكنها هي الأخرى لديها العذر في الانتظار:
_ بلاش ياماهر أرجوك تدخل بابا الموضوع بالنسبة لي جبر خواطر. إنت متعرفش أني متعلقة بيهم كد ايه.
وتابعت حديثها بنظرة حزينة:
_ يعني بصراحة اكده مجايليش نفس أفرح وهم في حزنهم دي. معلش يا ماهر اصبر كمان أربع شهور يكون وجعهم خف شوي وكمان سكون تفرح لي وتفرح بيا.
نفخ بضيق من تشبسها برأيها ثم عرض عليها اقتراحا أخر كي لا يحزنها:
_ طب نكتب الكتاب وبعدين نشوف حوار الأربع شهور دول بعد اكده أهو أي حاجة تصبيرة.
مطت شفتيها بامتعاض وهتفت باستفسار:
_ طب ايه لازمه كتب الكتاب هيفيد بإيه يعني؟
ضرب كفا بكف باستنكار من استفسارها الذي وصل إليه أنه لم يفرق معها ثم أجابها باقتضاب:
_ هو انت مفكراني ايه حجر قدامك مبيحسش مثلا!
ولا انت مش بتحبيني ومحتاجة وجودي جمبك زي ماني محتاجك جنبي؟
نفخت بضيق هي الأخرى من عصبيته في الحوار معها ثم سألته بغباء مرة أخرى:
_ استغفر الله العظيم يارب. طب كتب الكتاب بردوا ماله ومال إني بحبك ومحتجاك جنبي وإن كل اللي انت بتحس بيه ناحيتي أني كمان حساه ناحيتك.
اغتاظ منها وتحمحم لينظف حنجرته وتسائل:
_ هو إني أكون كاتب كتابك وتوبقي مرتي زي حالنا دلوك؟
وأكمل وهو ينظر إليها برغبة فهو قد اقترب منها طيلة الأيام والشهور الماضية وبات لايعرف معنى الاستقرار والأمان إلا في قربها. بات يشعر بالاحتياج لها دائما. وهو ليس من الرجال الذين يستحلون عقد الخطبة لفعل أي شئ يغضب الله. حتى أنه لم يحل لنفسه لمس يدها مهما تحدث حديث العاشقين وشعر بالرغبة بها يكبت احتياجه لها داخله حتى بات لايستطيع الصمود أمام أنوثتها المهلكة لقلبه فهو حين يغازلها تخجل وحينما تغازله هي يشعر بأنه يريد اختطافها لأحضانه ويتشبع منها:
_ يارحمة نفسي ايدي تحضن يدك وأحس إنك بتاعتي. نفسي لما نكون قاعدين مع بعض وأحس إني عايز قربك ملقيش نفسي بسحب حالي وأمشي علشان معملش حاجة تغضب ربنا ومعاكي انت بالذات عايز البدايات الحلال وقتها هحس اني ملك زماني.
واسترسل حينما رأي نظرة الاحتياج في عينيها هي الأخرى ولمعة عينيها بالخجل واحمرار وجهها وتوترها الواضح من فرك يديها:
_ وكمان عايز اسمع كلمة بحبك ياماهر اللي لحد دلوك بعد ماقربنا سنة مخطوبين مقلتيهاش.
أنهى كلامه ثم نظر لشفتيها وابتلع لعابه وبدأ صدره ينتفض ويعلو ويهبط من شدة احتياجه لها.
وماكان حالها أفضل منه. كانت تنظر لعيناه بفاه مفتوحة مرتعبة وقلب يرتجف يريد الإرتماء داخل أحضانه ونسيان كل الظروف التي تحاوطهم وتمنعهم من القرب وإتمام زواجهم.
بقيا مدة علي وضعهما هذا كلا منهما يحترق شوقا للآخر ولكن تشبسها برأيها يمنعها من إتخاذ الخطوة الأولي وتنتظر أن يمر ذاك العام حتى تفرح من قلبها. ولكنه الآن وضعها في مأزق كتب الكتاب الذي يريده ثم تحدثت بموافقة وهي تضع عيناها أرضا وليس لديها حجة مقنعة لرفض اقتراحه:
_ تمام ممكن تكلم بابا في حوار كتب الكتاب وأني معنديش مانع.
نظر إلي السقف وقال بتلهف وأذناه لم تكن تصدق موافقتها:
_ انت بتتكلمي جد يارحمة أكلم عمي سلطان؟
بللت حلقها الذي جف من كثرة عطشها إليه وهي مازالت تنظر أرضا مرددة بتأكيد:
_ متأكدة ياقلب رحمة.
ثم رفعت عيناها ونظرت داخل عينيه وهي تنطق باعترافها الأول مما جعله يكاد يختطفها بين أحضانه دون مراعاة لأي شئ:
_ وبعدين أني مش بس بحبك يا ماهر له اني بعشقك. بعشق رجولتك اللي بحس انها مبقتش موجودة. بعشق غيرتك علي اللي بتحسسني اني ملكة متربعة على عرش قلبك وبتخاف عليها من أي عيون تبص لها. بعشق احتياجك ليا. واحتياجك لقربي. بعشق كل ملامحك وتفاصيلها. بعشق الكاريزما اللي إنت محاوط بيها حالك بتحسسني اني مش هتجوز راجل والسلام. أني بعشقك ودي كلمة قليلة على اللي بحسه ناحيتك وزي مانت محتاج قربي أني كمان شكلك بالظبط محتجاه وأكتر منك.
كانت عيناه مثبتة داخل عينيها. شعر بأن جسده الآن ينتفض وصدره يعلو ويهبط من شدة احتياجه لها. فحقا كانت تلك الصغيرة والتي تصل إلى منتصف صدره بارعة في جعل جسده يحترق شوقا لاحتضانها. يود الآن أن يأتي بالمأذون كي يكتب عقد تملكها ثم يجذبها إلى أحضانه حتى يكاد تفترق ضلوعها من شدة احتياجه لها بين ضلوعه. لقد أثارته باعترافها ولكن أي إثارة تلك يافتاة!
لقد فتّت رجل الجليد، ومشاعره انصهرت الآن، ولم يطق الصبر والاحتمال دون أن يضعف أمام عينيكي.
مهلاً، تلك الصغيرة، مهلاً على رجل لم يتذوق طعم العشق الذي طوقه لسانك واخـ.ـترق قلبه الآن يوماً.
صغيرتي، صاحبة العيون التي ألقت أسهمها الآن في قلبي. نفذ رميها وأصبح أسيرهم، ولم يريد التحرير من أسرهم يوماً مهما طال الزمان.
إذا كان ذاك طعم اعترافك بالعشق لي، فماذا عن أحضانك؟ ماذا عن أنفاسك حين أشمها؟ ماذا عن لذة شفاكي حين تحتضن شفاه الماهر؟ يا الله، فأنا خائف على عذرية مشاعرك من هوجاء اقترابي منك. أيتها الجميلة، والتي أسميتك صغيرة على حب الماهر.
لاحظت نظراته الهائمة بها، والتي تراها لأول مرة بذاك العمق، وكأنه مغرم بها، وبات لا يتحمل أن يعيش فقط على تلك النظرات فقط، ويحتاج عناقها، بل وسحـ.ـقها داخل ضلوعه ليبث بها شوقه الجارف لها، ثم نطق لسانه بوله بها:
"مكنتش أعرف إنك لما تنطقيها هبقى مش على بعضي أكده. حاسس إن خطوة الزمن في الوقت دي تقـ.ـيلة قوي."
واسترسل وهو يحاول دغدغة مشاعرها كي يسحبها معه لعالم الاشتياق لقربهم:
"إنتِ أكيد حاسة باللي أنا حاسس بيه دلوك. أكيد مش قادرة تتحملي إنك متترميش في حضني وتحسي إني مشتاق، يا رحمة لهمسك وقربك قوي."
كانت نظراتها إليه مماثلة، مشاعرها ثائرة، شعر جسـ.ـدها بالتمرد عليها في اقترابه، في همسه، في غرامه، في ولهه لها.
"مهلاً، أنت أيها الماهر. ماذا بك يا رجل؟ فأنا لم أتحمل تلك منك، تلك الـ.ـعاصفة التي شنتها عيناك على قلبي المسكين. فعذرية مشاعري معك لم تقوى على تحمل تلك الكلمات التي تتفوه بها لي."
ثم نطقت بفم مرتعش من أثر همسه لها وعيناه التي تنظر لها تلك النظرة الثائرة:
"أمـ.ـمم.. طب إيه بقى مش هتحمل إني كل دي يا ماهر؟ براحة على رحمتك، لسه متفهمتش شئ في لغة العشق وقوانين القرب. هاخد صفر قدام المتر الولهان."
ضحك على ضعفها أمامه، وكم كانت في ضعفها مثيرة له، لقد عهدها دائماً قوية ذات لسان سليط، ولكن حينما يتحدث معها بلغة المحبين تنقلب نظراتها وتصبح عباراتها أكثر إثارة لغريزته.
ثم غمز بكلتا عينيه مردداً بما أخجلها:
"طب جهزي حالك بقى علشان هنكتب الكتاب كمان يومين بالظبط وهفاجئك."
نظرت جانباً فقد أخجلها بكلامه ونظراته، ولم تعد تقوى على تحمل كلامه أكثر من ذلك. أما هو ظل يغازلها بعبارات الحب والغرام كي يجعلها تنغرز في شباك عشقه أكثر من ذلك حتى لا تستطيع النهوض والخروج من شباك هواه بها. فحقا كان ذاك الماهر ماهراً في جذبها لعالمه، وماهراً في أن يجعلها تحلق في سماء العشق والرغبة والاحتياج له. فحقا ذاك الماهر أذكى عاشق عرفه الزمان.
في نفس اليوم ليلاً، وبالتحديد في غرفة سلطان وزينب، كانت تجلس في غرفتها وهي تمسك هاتفها تتصفحه، فمنذ أن عملت لها زينب صفحة على الفيسبوك وهي سحبتها معها وصارت كل أوقات فراغها تقضيها على ذاك الهاتف، مما أزعج سلطان وشعر بعدم أهميته تجاهها كما السابق.
فهو أحياناً يدخل الغرفة عليها ولا تعيره أدنى اهتمام، ولكنها هي من تفتعل ذلك كي تجعله يجن ويلهث ورائها دائماً. فهو قد أعطاها درس العمر ولن تنسى أبداً أنه تزوج عليها يوماً ما وجرح قلبها، حتى وإن عادت إليه زوجته كما كانت، ولكن قررت أن تغير قوانين القرب منها له. قررت أن ترى لهفته عليها دوماً. قررت أن تجدد روتين حياتهما بالشغف والمكر، فقد أحبت لعبة القط والفأر معه، تشعرها دوماً بأنها الملكة المتوجة يسعى دائماً لإرضائها. فحق مكر حواء يليق بك يا زينب، وقد تمرستيه ونفذتي أحكامه وقواعده على ذاك السلطان ببراعة.
دخل سلطان الغرفة وجدها كعادتها تفرد جسـ.ـدها على التخت وتمسك ذاك الهاتف الملعون بيدها كما أسماه، وأصبح يعصبه الآن بشدة.
لم تعطي لدخوله الغرفة بالا مما أزعجه كثيراً. فتحمحم كي يشعرها بوجوده، ولكنها لم تستجب، فاغتاظ من انجذابها لذاك الهاتف ولم تكترث به، وفاض الكيل به، ثم على حين غرة خطـ.ـف الهاتف من يدها، مما جعلها اعتدلت بنومها وهتفت باستنكار لفعلته التي لا تليق بالذوق في وجهة نظرها:
"جرى إيه يا سلطان؟ بتشد التليفون من إيدي أكده ليه؟ شكل ما يكون عايز تقفشني وإني بعمل جريمة أو بعمل حاجة شينة؟"
تحدث بنبرة ساخرة:
"ماهو لما الست هانم أدخل عليها ألاقيها متنحة في المخروب دي ومش مركزة مع جوزها، ولا أقوم أشوفه راجع عايز حاجة ولا أقول له حمد لله على السلامة زي ما النسوان بتعمل مع أجوازتها! لكن إزاي الثقافة حضرت دلوك وبقيتي تقعدي على المخروب دي وقتك كله اللي مبتقضيش ربعه معاي."
أجابته بقوة وغيظ وهي تتذكر تلك الكلمة التي قالها وتحدثت باستنكار:
"نسوان مين دول؟ وإيه الكلمة العفشة دي؟ مش تنقي كلامك اللي تقوله لمرتك يا زين يا سلطان، ولا أنت متعرفش تقول كلام عدل بالمرة."
تنهد بضيق وتحدث بغضب أخافها:
"وه وه يا زينب، هو إنتِ كنتِ في جرة وخرجتي لبرة؟ طب اعملي حسابك مفيش تلفونات هتمسكيها تاني. عقولك يا زينب، هشيل المخروب اللي اسمه الواي فاي دي خالص من البيت علشان ترتاحي وترجعي لطبيعتك وطوع جوزك تاني."
ثم كادت أن تتحدث، هدر بها أرعبها وهو ينظر لها بنفس غضبه:
"اكتـ.ـمي عاد يا مرة إنتِ، كأنك اتجننتي عاد وهتبقي عاصية جوزك يا زينب. ارجعي لعقلك يا زينب، بدل ما أقلب عليكي قلبتي اللي مشفتيهاش من زمان، وإنتِ الجانية على روحك."
كان يتحدث معها بذلك الغضب الشديد من أثر غيرته عليها من ذاك الهاتف، فهو في غيرته عليها لن يرى أمامه وتتبدل ملامحه لهوجاء ويتعصب بشدة، وخاصة من تغيير زينب الداخلي والخارجي معه، وما عاد يطيق الاحتمال أكثر من ذلك.
انتفض داخلها من هيئته الغاضب، وكادت أن تتمدد على التخت وهي تصطنع الغضب من كلامه، إلا أنه ذهب إليها وجذبها بغضب من فوقه وتحرك بها إلى الأريكة الموجودة بالغرفة.
وتحدث بعيون تشتعل غضباً، حتى أنها ارتعبت من هيئته:
"شوفي بقى علشان نبقى على نور يا ست زينب، شغل النمردة اللي إنتِ جاية فيه دي مهيمشيش معاي، وشكلنا أكده هنعلي صوتنا كتير وعيالك اللي أطول منك هيسمعونا كل يوم والتاني، وشكلك هيوبقى عفش وإنتِ مش صغيرة على لعب العيال دي، فاتعدلي معاي وارجعي زينب العاقلة الكامل اللي كنت متجوزها، وإلا هقلب عليكي وش عمرك ماشفتيه."
وادعي ربك ماتشوفيهوش يا زينب.
شبكت يدها وابتسمت ساخرة وهي لم تعير غضبها أدنى اهتمام، ثم قالت:
"إيه؟ هتجوز على تاني يا سلطان علشان تكسرني مرة تانية؟ ومكفيكش اللي عملته فيا وإنك حطمتني قبل كده يا سلطان؟"
ثم أدمعت عيناها، وكأنها تذكرت وجعها منه الذي لم تنساه أبداً، وكأن عصيانها وتمردها عليه يشفي غليل قلبها منه. ثم نفخ بضيق من رأسها اليابس وعنادها، ولكنه تأثر بنبرة الوجع التي تتحدث بها ودموعها التي انهمرت على وجنتيها، ثم جلس بجانبها وهو يرمي عباءته على التخت:
"طب ليه كل ده يا بت الناس؟ بتفتحي في القديم وبتنبشي في الوجع بيدك ليه ومتعبة حالك وتعباني وياكي؟ إني لا هتجوز ولا هتنيل، هو إني كنت عارف أتهنى معاكي بعيشة علشان أتجوز غيرك؟"
نفضت يداه بحدة من على قدمها، ثم هدرت به:
"قصدك تقول إيه يا سلطان؟ إني ست نكدية وهاجرة ومتتعاشرش!"
اوزن كلامك معايا ياسلطان يا إما والله ما اقعد لك فيها وأفوتك لحالك اهنه وأروح بيت ابوي .
اغتاظ منها وتحمحمَ لينظف حنجرته وتسائل بنبرة حادة:
_ لاحول ولاقوة الا بالله العلي العظيم هو إنتِ غاوية نكد النهاردة ولا ايه يازينب ، قسما عظما لو طلع من بقك الكلام دي تاني يازينب لاهيوبقى مرار طافح على راسك ، دارك متهمليهاش واصل وانتِ حرة .
ردت بإقتضاب وهي تقوم من مكانها وجذبت جلبابها وانتوت الخروج من الغرفة مما جعله يشتـ.ـعل غضبا من حركاتها الصبيانية التي لم يعهدها عليها من قبل :
_ طب ادي الدنيا كلاتها ههملها لك طالما أني حرة بقى .
اعترض طريقها وجذب الجلباب من يدها ورماه بعيدا عنها ثم أمسكها من يدها و ألقاها على التخت واقترب منها وهو يمسك قبضتاي يدها بشدة ، كانت تتململ بين يداه كي تستطيع الفكاك منه واستجمعت قواها وتحركت بداخلها روح الأنثي المتمردة وحاولت نفض يدهِ من عليها كي تبتعد عنه ولكنها لم تستطع وكأنه يمسكها بقبضة من حديد وحالها ذاك مازاده إلا رغبة بها وإرغامها أن تخضع لأمر اقترابه فقد أثارته بعصيانها عليه ، جددت طاقة الشباب داخله وصار يريدها ويريد أن يقضي بين أحضانها أجمل اللحظات التي تشعره برجولته عليها ،
ثم اقترب من وجهها ليزيح خصلة فوق عينيها يتلمس وجنتها نزولاً إلي فكها ثم صعد إلي شفتيها يتلمس كل منهما بإبهامه،
نظرت بعيد عن عينيه تحاول كبت مشاعر الاحتياج إليه لديها لكن لم تستطيع قواها إخفاء مشاعرها التي تملكت منها كلماته وهمساته واقترابه لها بكل قوة،
ثم نظرت له بعيون تخفي ضعف يستكين بداخلها وقلب يخفق رغبة وعشقاً معاً، ترتجف من لمساته التي تجعلها تود أن ترتمي علي صدره ويدفئها بحرارته المنبعثة من توهج عشقه لها ثم رحل معها إلى عالمهم المختلف الناضج ولكن بلغة جديدة يغلبها التمرد والشراسة منها ويغلبها منه فرض سيطرة رجولته الجياشة عليها مما أشعرها بالانتشاء وأشعر كلتاهما بالتجدد والاختلاف في علاقتهما عن ذي قبل ،
بعد مرور بضعا من الوقت كانت تجلس ممدة بأحضانه على التخت وهي تتناول تلك السيجارة التي أعطاها لها لتقول بتمزج وهي تنفس ذاك الدخان من فمها وانفها ببراعة وكأنها متمرسة التدخين ومعتادة عليه :
_ بس السيجارة دي متكلفة جامد ياسلطان عدلت لي مزاجي العكر على الآخر وخلتني في عالم تاني .
نظر إليها وجدها تبتلع لعابها فابتسم بإنتشاء لهيئتها وبدأ بتناول سيجارته هو الآخر بتلذٌذ وهو يردد بمشاغبة:
_ انتِ هتعملي زي القطط تاكلي وتنكري ياأم عمران ومطلعة سبب روقة مزاجك في السيجارة ولا كانك لسه مش واخدة جرعة حنان دوبل تكيف أعكرها مزاج .
ضحكت بدلال اثاره هو الآخر ثم هتفت من بين أنفاسها الممتلئة بالدخان :
_ لا قول انت بقى انك اتدلعت دلع على يد زينب ودقت حبة حنان مدقتهمش من زمان .
اخذ منها السيجارة وهو يضعها في فمه قائلاً بانتشاء مصاحب للدعابة وهو ينفسها هو الآخر :
_ والله زمان قافشة في السجارة وبتشربيها ومنستيش يازينب الأيام الحلوة .
زمت شفتاها وأنزلت بصرها للأسفل بحزن ممزوج بدلال وتحدثت بنبرة استيائية مفتعلة :
_ هو انت بتاخدها من يدي ليه ماتـ.ـولع واحدة غيرها ياهادم اللذات انت .
ضيق نظرة عينيه ثم رمقها باستنكار :
_ بس يازينب واعقلي لا تاخدي على اكده عاد وبعدين مزاجك منقدرش على ظبط زواياه بعد اكده.
ضحكت بشدة على طريقته وكلامه لها وظلا على وضعهم هكذا وسلطان يشعر كأنه ملك زمانه ومكانه في قلب زينب ،
ثم أعجبتني تلك المقولة التي تليق بهم ،
إن لم تحافظ على من تحب فلا تبحث عنه مرة آخرى
فَـمن يشتري ربيع قلبكَ لا تعطيه خريف إهتمامكَ
تمسك باليد التي لا تغادركَ ، بالروح التي لا تفكر أن تستبدلكَ
بالقلب الذي لا يستغنى ولا يمل منكَ
مَـن يـؤمـن بـوجودك
مـن يعطـــيكَ قـيمتكَ و يـعزز مــن قـدركَ
مَـن يخــلقُ ألــــــف سـببًا للحـــــديث معكَ
من يـغزل خيـــوط الــوِدّ مـن أجلك .
**************""""***
في منزل آدم المنسي بالقاهرة فقد كانت الحياة بينه وبين مكة تسير بنمط هادئ نوعاً ما نظرا لأنه توقف عن آداء مهنته فهو لم يحدد الطريق الذي يمشي عليه إلى الآن ،
كانت تجلس هند شقيقته بجانبه وهي تسأله عن حاله مع مكة كي تطمئن عليه :
_ ها ياحبيبي انت ومكة عاملين ايه مع بعض طمني عليكم ؟
رفع منكبيه باستكانة وبنبرة تقطر عشقا لتلك المكة تحدث شارحاً:
_ إحنا الحمد لله كويسين جداً ومكة انسانة جميلة قوووي وبجد انا عايش معاها في نقاء نفسي وهدوء وحاجة كدة متتوصفش من جمالها الروحي ،
واسترسل وهو يمدح فيها أمام أخته :
_ متتصوريش اني مرتاح معاها جداً ، مختلفة عن العالم اللي حواليا خالص ، حياتنا شبه الناس العادية خالية من الضوضاء والكاميرات والحاجات المزعجة اللي انتِ عارفاها في عالمنا دي .
أشارت بكف يديها في وجهه وهي تكبر وتسمي عليه وداخلها سعيد وفرح لسعادة أخيها الوحيد والذي ربته على يدها فقد توفت والدتهم وهو طفل صغير وتولت هي جميع أموره مع أبيها :
_ الله اكبر ، ماشاء الله يادومي هتحسد نفسك ولا ايه ياحبيبي ربنا يسعدك ويفرحك دايما انت وهي وتفرحوا اكتر لما تحمل في بيبي صغنون كده يملى حياتكم سعادة وهنا ياروحي.
ربت على ظهرها بحنو وهو يؤمن على كلامها:
_ اللهم آمين يارب العالمين ، ربنا يسمع منك يارب ياحبيبة أخوكي ،
واسترسل حديثه بحالمية وهو يتصور نفسه أبا يوما من الأيام:
_ ياه ياهند ده حلم جميل قووي أني أبقى أب ومن مكة .
وضعت كف يداها علي كف يدها الموضوعة فوق فخذها ثم ربتت عليها بحنو وأردفت قائلة :
_ ياحبيبي متستعجلش هتبقى اجمل بابي وهي هتبقي اجمل مامي وربنا يبعد عنكم الشر والعيون الوحشة يارب .
واثناء اندماجهم في الحديث دخل عليهم راشد مدير اعماله وهو يردد بصوت غاضب :
_ كويس ان انتِ هنا يا هند علشان تشوفي لي حل مع اخوكي علشان اللي بيحصل ده تهريج ولعب عيال وما ينفعش ابدا .
تنهدت وتحدثت باستجواد وهي تشير إليه أن يجلس :
_ طب قول السلام الأول يا راشد،
تعالى اقعد كده ما تبقاش قفوش ودايما اعصابك مشدودة وروحك في مناخيرك كده .
جلس على الأريكة الموضوعة مقابلهما وهو يردد السلام ثم أكمل بنفس نظراته الغاضبة ولكن بحدة أقل عن ذي قبل مراعاة لوجود هند :
_ مش لما الأستاذ يرجع بقى يتابع شغله ويشوف العقود اللي ملتزم بيها والناس اللي اتحملته كتير قوي واتحملت غيابه وبصراحة الغياب بتاعه بقى اوفر قوي زيادة عن اللزوم يا هند وانا كل شوية أبرر لهم بأي حاجة وهما علشان باقيين عليه وعلى شغله مش عايزين يتصرفوا تصرف يزعلوه لكن خلاص هم جابوا آخرهم وانا كمان خلصت مبرراتي وجيت بقى علشان اشوف صرفة معاه .
تحمحم كي ينظف حنجرته وتحدث بملامح جادة لملامح وجه مكفهرة ارتسمت رغما عنه وهو يسأله :
_ يعني انت عايز ايه دلوقتي يا راشد !
أنا قلت لك أنا مش عايز اشتغل دلوقتي خالص وشوف الشروط الجزائية معاهم ايه وانا هدفعها لكن شغل لسه ما قررتش هكمل ازاي انا يعتبر في فترة نقاهة دلوقتي ومش حابب اني اشغل دماغي بالدوشة دي .
ضيقت هند عيناها ووجهت لها سؤال باستفسار :
_ طب ليه يا ادم موقف شغل لحد دلوقتي أظن انت واخد أجازة جواز من بقى لك كتير قوي وكفايه كده .
هنا تحدث راشد وهو مصمم على ان يخرج الى العمل :
_ سيبك دلوقتي من الحوار ده يا هند في حفلة شم النسيم المفروض ان هو كان متعاقد عليها من بقاله كذا شهر وخلاص فاضل اسبوعين على الحفلة وهو ما حضرش حاجة خالص ،
الأغاني جاهزة وكل حاجه جاهزة وفريق العمل مستعد والمفروض يكون هو كمان مجهز نفسه للحفلة لكن هو في عالم موازي خالص .
كان ادم مجلس امامهم في عالم اخر وهو كيف يمهد لمكه عن رجوعه الى العمل والالتزام بتلك الحفله التي تعاقد عليها منذ اشهر طويله فهو يخاف على هدوءهما الذي يعيش فيه معها الآن ،
اما هي كانت تقف في الأعلى وخرجت من غرفتها بالصدفة واستمعت الى الحديث بالكامل وبات قلبها يدق من موافقة آدم لخروجه لتلك الحفل وانتظرت رده الذي سيبني في علاقتهما اما جروحا واما انتصارا آخر في حياة آدم و مكة .
•
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل السادس والستون 66 - بقلم فاطيما يوسف
ماذا بكِ ياامرأة !
فأنت لعمران بملايين النساء كلهم!
لقد أسرت قلبه ومددت أسوار حبس أنفاسه بين قبضتي أبواب قلبك وأغلقت عليه بأقفال هواك.
فعمران يهواك وروحه فداك وبعمره لن ينساك ويشتاق دوما أن يراك.
أما هي فكانت تقف في الأعلى وخرجت من غرفتها بالصدفة واستمعت إلى الحديث بالكامل، وبات قلبها يدق من موافقة آدم لخروجه لتلك الحفل. وانتظرت رده الذي سيبني في علاقتهما إما جروحا وإما انتصارا آخر في حياة آدم ومكة.
أما في الأسفل تحدثت هند بنصح لآدم:
_ طب أنا شايفة يا آدم إنك تعمل الحفلة علشان خاطر الشروط الجزائية اللي فيها.
إيه اللي يخليك تتحملها وترفض لي أصلا!
وكفاياك أجازة لحد دلوقتي مشبعتش عسل يا عريس.
شعر آدم بالقلق، فهند أخته لا تعلم شيئا عن اتفاقه مع مكة، ولم يرد التحدث أمام راشد في خصوصيته، فهو مدير أعماله مهما كان، وهو لم يحبذ أن يأتي بسيرة زوجته أمامه. ولكن ذاك الموضوع لابد أن ينتهي كي يستريح من وجع الرأس الذي سيجلبه لحاله إذا استمع إلى نصائح راشد، فهو لم ولن يخسر الهدوء النفسي والحياة الجميلة التي يعيشها مع زوجته. ثم تنهد طويلا قبل أن يخبره بقراره:
_ معلش يا راشد، اعتذر عن الحفلة وعن أي شغل خالص الأيام دي لأن ناوي أغير طريقة شغلي تماما.
انصدمت هند من قراره كما انصدم راشد هو الآخر، ورددوا في صوت واحد باندهاش لخبر لم يتوقعوه أبدا:
_ يعني إيه كلامك ده، أنت هتبطل تغني؟
وأكملت هند وهي على نفس دهشتها مما استمعت إليه:
_ ممكن أفهم فيه إيه بالظبط؟
وإزاي تضر مستقبلك وشغلك بالطريقة دي؟
وعلشان إيه أخذت القرار ده وبنيته على أساس إيه؟
رفع جفونه ببطء ثم قال بنبرة هادئة:
_ هنتكلم مع بعض في الموضوع ده بعدين يا هند، بس حابب أبلغ راشد يوقف أي تعاقدات ويعتبرني معتزل لوقت غير معلوم.
هنا انتفض راشد من جلسته وهو يهدر به:
_ ده إيه اللي تعتزل لوقت غير معلوم، وإيه الكلام اللي أنت بتقوله ده أصلا!
انت شكلك اتجننت يا آدم ومفكر نفسك اللي بتعمله ده عادي، ومتعرفش إن هو خطر جدا في طريقك الفني ومستقبلك وحياتك كلها ككل!
لو سمحت اهدى بقى وفهمني قرارك ده بناء على إيه؟
استوعب سؤاله وأردف بنبرة جادة متجنبا غضبه منه:
_ اهدى يا راشد لو سمحت، علشان أنت عارف إني مش بحب الصوت العالي ولا بحب العصبية الزايدة عن اللازم.
وبعدين أنا مش صغير علشان هقول لك كلمتين وبعدين هرجع فيهم، وعارف يا سيدي وفاهم إن ده شغلي وإن ده طريقي، بس أنا حابب إني أغيره، مش مرتاح أموت نفسي يعني ولا إيه؟
أجابه متهكما بكلمات خرجت من بين أسنانه بحدة:
_ لا، هي مش دي الحكاية يا آدم باشا.
الحكاية إن شكل الجوازة الجديدة أثرت على دماغك وخليتك تخسر مستقبلك بالسهولة دي، وأنا أكتر واحد عارف أنت تعبت قد إيه علشان خاطر تبني اسمك وتبقى النجم آدم المنسي.
واسترسل حديثه وهو حزين على قراره الخاطئ مائة بالمائة في وجهة نظره.
_ كنت معاك وأنت بتسهر الليالي وبتشتغل على حالك علشان تبقى نمبر وان والكل ينطق اسمك بفخر في كل مكان.
قاطعه حديثه بحدة وهدر به بنظرة غاضبة وهو يتجنب جميع ما قاله ويمسك في كلمة الزواج:
_ لو سمحت ما تجيبش سيرة جوازي على لسانك، مراتي مش محط مناقشات ما بيني وما بينك.
أنا ما اتجوزتش عشان ألعب وأقضي فترة حلوة ويومين أريح فيهم مزاجي وخلاص، أنا اتجوزت عشان أبني حياتي، وطالما أنا شايف إن المشوار اللي كنت ماشي فيه مش هيريحني في حياتي وهي تعبني وهيخسرني حاجات كتير ما تتعوضش، وإن الشغل اللي أنت بتتكلم عنه ده يتعوض بالأحسن، وإني أختار حاجة ترضي ربنا بالنسبة لي الدنيا وما فيها يا راشد.
رأت هند أن وجهه احتد غضبا والنقاش أصبح جدالا وطريقته لا تمت للرقي بصلة، فأشارت بكلتا يديها في وجههم ناهية ذاك النقاش بتلك الطريقة:
_ بس لو سمحتم كفاية كلام في الموضوع ده.
وانت يا راشد ما تعملش حاجة خالص من اللي قال لك عليها إلا لما أكلمك أنا بنفسي وأقول لك هنمشي إزاي أو هنكمل إزاي، وكفاية لو سمحتوا كلام في الموضوع ده خالص حاليا.
_ تمام، أنا ماشي وسايب لكم المكان خالص علشان الباشا يستريح مني ومن زنّي... كلمات وجه مقتضبة بملامح وجه مكفهرة، ثم نهض غاضبا وتحرك من أمامهم وترك لهم المكان وهو غاضب بشدة بسبب قرار آدم الأهوج من وجهة نظره، فهو ليس مدير أعماله فقط، بل يعتبره مثل ابنه ويخاف على مستقبله ويشعر الآن بأنه يدمره بيديه دون أن يدري.
فور أن غادر راشد، نظرت إليه هند وهي تسأله بكل هدوء دون أي غضب أو عصبية، فهي معتادة على النقاش الهادئ الراقي مع أخيها مهما كان حجم المشكلة:
_ لو سمحت يا آدم، ممكن أفهم وجهة نظرك في قرارك المفاجئ ده والصادم بالمرة؟
تحمحم كي ينظف حنجرته وتحدث بملامح جادة لملامح وجه مكفهرة ارتسمت رغما عنه، وكل ذلك وتلك مكة تقف في الأعلى ترى مصيرها مع آدم يصل إلى أين دون أن تتدخل في قراره ودون أن تشعره أنها تسمع كل شيء، فهي لن تريد أن تؤثر عليه وتريد أن يكون قراره نابعا من أعماق قلبه وأن يكون مقتنعا به عن جدارة دون أي تدخل منها، فهي قد أنهت مهمتها معه في الإقناع ولم يعد لها دور بعد الآن، إما أن يكمل وإما أن يرفض طريق الشيطان ذاك الممتلئ بالمغريات.
_ مش هكذب عليكي يا هند، ما اتعودتش أخبي حاجة عنك، أي نعم الحاجة دي خاصة بيني وبين مكة، لكن انت مش حد غريب. أنا وهي اتفقنا إني مش هكمل بالطريقة اللي أنا ماشي بيها لأني اقتنعت إنه طريق ما يرضيش ربنا وحاسس إني لو كملت فيه هخسر كتير.
وكمان هي مش حابة إنها تكمل معايا وأنا مكمل في الشغلانة دي، وبصراحة أنا بعت الدنيا كلها عشان أشتريها هي وأشتري راحتنا وسعادتنا، ومهما كان التمن غالي هي أغلى من أي حاجة في الدنيا.
كانت تلك مكة تسمع كلامه وقلبها ينبض بشدة من فرط سعادته بكلام آدم، بل شعرت بأنها تملك سعادة الكون بأكمله الآن.
ضيقت هند عينيها ووجهت لها سؤال باستفسار كي تضع نصب عينيه جميع الاحتمالات الخاصة بقراره والتي ستحدث فيما بعد، ولم يهمها إذا كان سيكمل أم لا، فهو أخيها ويهمها راحته، والمال ما هو إلا وسيلة كي يعيشوا في متطلبات الحياة والمقدرة عليها، وهو الآن معه من الأموال ما يكفيه عمرًا ويكفي أبناءه من بعده بفضل الله.
_ أيًا كان القرار اللي إنت أخدته، مستعد تتحمل نتيجته بعدين؟ يعني لو حبيت ترجع بعد الاعتزال، هيبقى موقفك قدام جمهورك صعب جدا وهتخسر حاجات كتير بنيتها مع جمهورك.
أخذت نفسًا عميقًا ثم زفرته بهدوء وتابع حديثه بنبرة واثق متأكد وبعينين هائمتين:
_ جمهور إيه اللي انت بتتكلم عنه يا حبيبتي، محدش في الدنيا هيقف جنبي ولا هيدعمني قد مراتي وقد حبي الأول والأخير، محدش في الدنيا هيحس بكمية الراحة والسلام النفسي اللي أنا عايش فيه معاها بسبب تدينها وقربها من ربنا، وإنها سحباني معاها لأجمل طريق كان غايب عني، عرفتني حديث مهم قوي بقيت ماشي عليه إن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
خليتني بقيت بتسابق معاها في العبادة علشان آخرتي، وعرفتني إن الدنيا فانية وإن الإنسان ممكن يموت في لحظة، فما بالك بقى لو حصل وجت لحظة الموت دي وأنا حاضن واحدة في فيديو كليب ولا واقف على مسرح وقدامي بنات عرايا واقفين يغنوا ويرقصوا وسكرانين، أنا كنت غايب عن الطريق وهي فوقتني من التوهة اللي كنت عايش فيها يا هند.
انخلع قلبها على ذكر سيرة الموت، ثم جذبته في أحضانها بحنان يكفي العالم أجمع وهي تردد بقلب مقبوض لما ذكره:
_ بعد الشر عنك يا حبيبي، ربنا يديم حسك في الدنيا ويخليك ليا يا دومة، ده أنت حبيبي وأخويا وسندي بعد ربنا سبحانه وتعالى، خلاص اللي أنت شايفه راحة ليك ولبيتك ولحياتك أهم من أي شيء في الدنيا وأهم من أي حسابات جايبة لنا وجع قلب وأعصاب.
ضمها أكثر تلك الحنونة وقربها لصدره وتحدث بنبرة صادقة:
_ ولا منك يا حبيبة أخوكِ، يا اللي دايما واقفة في ضهري وعمرك ما كنتِ ضدي أبدا ودايما بتدعميني في كل قراراتي وما بتحسسنيش بتأنيب ذنب.
ما تتصوريش أنا دلوقتي ارتحت قد إيه أكتر لما عرفتك كل حاجة، كنت قلقان من رد فعلك والله.
أخرجته من أحضانها ثم وضعت كفي يديها الحنونتان وحاوطت بهما وجنتي ذاك الرائع وتحدثت بحب صادق ظهر بينا داخل عينيها:
_ ولا تقلق ولا حاجة، مفيش حاجة في الدنيا مستاهلة إننا نعافر عشانها مقابل راحة البال، ربنا يخلي لك مراتك ويسعدك في حياتك، أيًا كان قرارك إيه يا حبيبي، وأنا هبلغ راشد دلوقتي يعمل كل اللي اتفقنا عليه وههديه عليك، وبعدين هنشوف هتكمل إزاي أو هتعمل إيه.
تحدث بنبرة صوت فخورة وإطرائية:
_ تمام يا قمر، هسيبك بقى وهطلع أصحّي مكة عشان متعرفش إن انت هنا.
حركت رأسها برفض وهي تقوم من مكانها معللة أسبابها في المغادرة:
_ لا، سيبها بس ما تصحيهاش وما تقولهاش إن أنا جيت عشان ما تزعلش، أنا هاجي تاني بكرة، أنا قاعدة في القاهرة أسبوع بحاله عشان عندي شغل في المحطة هنا متأجل كتير قبل ما أرجع هناك.
ودع كل منهم الآخر وخرجت دون أن تكتراث لما حدث ودون أن تشغل بالها باعتزاله، فهي لم يهمها غير راحة أخيها وسعادته مهما كانت التنازلات، فلن تكن أهم من العيش بهناء مع من نحب.
وتلك هي العلاقات المريحة مع الأقارب أو الأصدقاء، فدوما تلك العلاقات التي لا تشعرنا بمدى إهمالنا وأن قراراتنا خاطئة، دائما تلك العلاقات التي لم تدخل في راحتنا النفسية قبل أي شيء وقبل أي حسابات للحياة هي دوما المستمرة.
**********
في منزل سلطان المهدي حيث يجتمع سلطان وعائلته على تلك المنضدة الخاصة بطعام الغداء في تجمع عائلي لم يحدث منذ شهور عدة في جو ملئ بالألفة والمودة.
فتحدث سلطان إلى رحمة:
_ عريسك كلمني واتفقنا على إن كتب الكتاب بكرة إن شاء الله، جهزي حالك، هو قال إن هو مخلص كل الأوراق اللي تخص كتب الكتاب والجواز، إن شاء الله بعدها بشهرين كفاية تأجيل لحد كده، الجدع حمض جنبنا من كتر الانتظار.
شعرت رحمة بالخجل من سكون، ولكنها خيبت ظنونها وابتسمت تلك سكون بوجه بشوش ونطقت بمحبة ودعاء بأن يتمم لها زواجها على خير وبركة:
_ أخيرا يا رحمة هفرح بيكي وأشوفك عروسة، ربنا يتمم لك على خير يا قمرة وأشوفك سعيدة ومبسوطة دايما يا أج دع اخت في الدنيا كلها.
تنفست رحمة الصعداء وأحست بمدى سعادتها وهي ترى سكون تبارك لها بكل أريحية دون أي حزن على حالتهم، ولكن هي سكون هكذا لها من الجمال والرقي مالا يليق بغيرها، ثم شكرتها بامتنان:
_ حبيبة قلبي يا مرت أخوي، منحرمش منك أبدا ولا من دعوتك الجميلة، وطبعا فرحتي مش هتتم إلا وأنتِ واقفة جاري عشان نفرح سوا.
ثم أكملت بحزن:
_ بس كان نفسي مكة تكون موجودة معاي في كتب الكتاب هي كمان علشان فرحتي تكمل، لكن ربنا يوفقها في حياتها مع جوزها وتيجي في الليلة الكبيرة وخلاص.
هنا تحدثت زينب مرددة بنبرة سخرية مصاحبة للدعابة اعتادت عليها مع رحمة:
_ مبروك عليكي الجواز يا بتي، والله الجدع ده هيشيل هم ثقل الله يعينه عليه.
زمجرت رحمة بغضب مصطنع من سخرية والدتها ثم تحدثت باستنكار:
_ وه يا زينب، مهينش عليكِ تباركي لي على كتب الكتاب زي أي أم وبنتها، لازم تنكدي علي وتسمعيني كلام من بتاعك دي!
كانت زينب تمسك في يديها تلك الحمامة وتتناولها بنهم، فهي تعشق ذاك الحمام بشدة وهي تردد بلا مبالاة:
_ مش لما تبقي كيف البنات عشان إني أبقى كيف الأمهات، دي أنتِ مالكيش مثيل ولا وصف يابت بطني.
قاعدة تحشي ولا على بالك، وطول النهار أقول لك تعالي خشي المطبخ وياي اتعلمي لك حاجة تنفعك على الأقل الجدع ده يلاقي لقمة نضيفة يأكلها لما يتهف في عقله ويتجوزك يا عين أمّه بدل ما أنتِ ولا تفقهي أي حاجة في المطبخ.
وتابعت سخريتها باستفسار:
_ إلا قولي لي هتتجوزي كيف يا رحمة وأنتِ مبتعرفيش تقلّي بيضة؟
ضحك الجميع على مشاغبتهم لبعضهن، ثم تحدث عمران من بين ضحكاته وهو يلوم والدته بنفس الدعابة:
_ لا يا أمي ما تظلميهاش، دي عليها كوباية شاي تعدل المزاج ولا أجدع قهوجي.
واسترسل دعابته وهو ينظر إلى رحمة متسائلا إياها بمغزى:
_ مش صوح يا رحمة الحديث ده ولا إيه عاد؟
فهمت ما يقصده عمران وهو يقصد التلقيح عليها بالكلام عن صنعها لذاك الشاي الذي فعلته له منذ أسبوع بالملح بدل السكر من شدة تسرعها، ثم رفعت رأسها بشموخ وهي تردد لهم:
_ ماهر ما يهموش حاجة واصل من الأكل والكلام الفاضي دي، أهم حاجة إني بالنسبة له، وكل حاجة بعد كده تتحل بسهولة، والأكل مفيش أسهل من الحصول عليه دلوقتي.
مطت شفتيها بامتعاض ثم هتفت وهي تشعر بالغيظ من ردود ابنتها:
_ والله يابت إنتي عليكي كيد فقع مرارتي. ابقي أكله وكل جاهز، خليه يكره اليوم اللي اتجوزك فيه من معدته اللي هتتقلب على يدك.
ضحكوا جميعا على كلمات زينب وحركات وجهها المغتاظة بالفعل، ورحمة تأكل ولا تبالي بكلام والدتها وكأنها لم تقل شيئا.
انتهى الجميع من تناول الطعام وقامت رحمة وسكون بتنظيف مكانهم وعمل القهوة والشاي، ثم جلست زينب مع عمران تسأله بقلق:
_ في حاجة كده عايزة أكلمك فيها يا ولدي بس مش عارفة أبدأ من وين.
انتاب عمران شعور بالقلق من بدء حديث والدته، ثم ربت على ظهرها بحنو وهو يشجعها أن تتحدث فيما تريد دون أي قلق:
_ مالك يا حاجة، احكي كل حاجة وقولي اللي نفسك فيه، وأنا كلي أذان صاغية.
نظرت حولها يمينًا ويسارًا وهي تتأكد من عدم وجود سكون بجانبهم، فهي لا تريدها أن تسمع ذاك الكلام الذي ستستفسر عنه من ولدها كي لا تجرح شعورها، فهي تعتبرها مثل بناتها ولا تريد أن تخلق بينهم شعورًا بالقلق في المعاملة:
_ أنت دلوقتي متجوز بقالك سنة وزيادة، ولحد الآن مراتك محملتش!
ليه مبتطمنش على نفسك ولا عليها، هو في حاجة يا ولدي وأنت مخبيها علي وأني ما اعرفهاش؟
دق قلب عمران الآن بخوف من القادم، فوالدته نبشت في ذاك الموضوع الذي يحاول أن ينساه هو وسكون طيلة فترة علاجها، ويخاف عليها من سماع استفسار والدته، فتلقائيًا نظر هو الآخر يمينًا ويسارًا كي يتأكد أنها ليست بجانبهم مراعاة لخاطرها، فهو يخشى عليها حتى من نسمة الهواء الطائر أن تلفحها ببردها، ثم أجابها:
_ اطمني يا أمي، إني وسكون كويسين وبخير، مفيناش أي حاجة، إحنا عملنا كل التحاليل والأشعة، أنتِ عارفة إن سكون دكتورة نسا والحاجات دي عارفاها كويس، وكل حاجة بانت إن هو موضوع وقت وكله بإيد ربنا، لكن إني وهي سالمين.
أحست زينب بوجود خطب ما من نظراته الزائغة وخوفه أن تسمع سكون ما يقوله.
ثم سألتهم بتأكيد وهي تشعر بأنهم ليسوا بخير أبدًا، فقلب الأم دلّها على ذلك:
_ إني ليه حاسة إنك بتكدب علي يا عمران، محدش في الدنيا دي هيخاف عليك قد يا ولدي.
وبعدين هي لو بخير ما تاخد أي منشطات، وهي مش هتغلب في الحاجات دي إلا إذا كان في مشكلة ودي اللي أني واثقة منه وخايف تتكلم أو تقول لي. هواني مش أمك يا ولدي ومن حقي أطمن عليك ومن حقي أشوف عوضك قبل ما أموت؟
انقبض قلبه من ذكر الموت، ثم قبّل يديها وهو يردد بضيق:
_ ليه يا أمي أكده تجيبي السيرة دي!
ربنا يطول في عمرك يا حبيبتي، مش عايزك تقلقي خالص، إحنا بخير، وقت ما يأذن ربنا هيبعت لنا رزقه.
أومأت له وهي تربت على وجنته وهي ما زالت تضغط عليه أن يحكي:
_ لسه بتكابر يا عمران. يا ولدي العمر بيجري بيك وأنت مدريانش، دي إني كنت مخلفاك وأني بنت 16 سنة وبوك كان عدى العشرين بسنة. وأنت دلوقتي سنك قرب على الأربعين، مش كفاية غلبتني لحد ما اتجوزت وضيعت سنين عمرك دي كلها.
كمان مش عايز تفرحني بيك وأشوف عوضك وأشيله على إيدي.
وأثناء اندماجهم في الحديث، كانت سكون دافلة إليهم بالقهوة والشاي، فسمعت حديث زينب وارتدت إلى الخلف وكتمت شهقاتها، وما حسبته منذ أن علمت بمرضها ذاك سمعته الآن بأذنها، ولم تكن تتخيل أن صداه عليها سيكون بذلك الألم.
ثم هدأت من حالها، فما عليها الآن غير الصبر واحتساب أجرها عند الله وأن تتحمل جميع ما تسمعه من ملامات في عيون الآخرين وفي كلامهم.
ثم تحممت كي تدلف إليهم، فهي لن تعود وتسألها رحمة لما لم تعطيهم المشروبات وتفتح على نفسها أبوابًا من التساؤلات لن تستطيع سدها.
استمعوا إلى صوتها من الداخل، فتلقائيًا سكتوا عن الحديث في ذاك الموضوع، أما هي فدَلفت إليهم بوجهها البشوش وابتسامتها التي رسمتها ببراعة على وجهها كي لا يلاحظ عمران شيئًا، وهي تعطي زينب الشاي وتعطي عمران القهوة المعتادة بعد تناول الغداء.
رأى عمران لمعة الدمع في عينيها، فهو يعرفها ويحفظها عن ظهر قلب وداخله بات يتألم لأجل استماعها لوالدته.
ثم ارتشفت زينب من الشاي وربتت على ظهرها بحنو وهي تشكرها على صنيعها:
_ تسلم يدك يا بتي، أحلى كوباية شاي بشربها من إيديكي الحلوين دول، ربنا يراضيكي ويرضيكي يا رب.
ابتسمت سكون لتلك الحنونة وأمنت على دعائها بنبرة صادقة:
_ آمين يا رب العالمين. حبيبتي يا أمي، تسلميلي يا رب.
ثم جلسوا يتناولون أطراف الحديث وسكون تحاول أن تتحدث معهم بأريحية كي لا يشك عمران في أمرها، ومضى الوقت بينهم، ثم صعدت سكون إلى شقتها يليها عمران، وما إن دلفا كلتاهما وأغلق عمران الباب وراءه حتى جذبها بعنوة حتى ارتطمت بعظام صدره الصلبة وردد بقلق وهو يخلع عنها حجابها:
_ مالك يا سكون، شكلك متغير وفي حاجة مضايقاكي؟
ابتلعت غصتها بمرارة مثل مرارة الصبار وتركت لسانها يتفوه بنفي:
_ مفيش حاجة، إني زينة الحمد لله.
دفن يده بين رقبتها وهو يدلكها برفق قائلاً:
_ هتخبي على عمران وجعك ياسكون، إني بعرفك من النظرة. بعرفك من النفس. حافظك وعارفك أكتر ما أنتِ ما عارفة نفسك.
لم تستطع تخبئة مشاعر الحزن بداخلها أمامه، فهو يكشفها دائمًا. وتلقائيًا هبطت دموع عينيها مما أحزنه بشدة وجعله يرفع يده إلى وجهها ويجفف عبراتها بأنامله بحنو بالغ:
_ أكيد سمعتي سؤال الحاجة زينب وكلامها وده اللي مخليكي متضايقة وهتبكي.
واسترسل وهو يمرر يديه على وجنتها كي يشعرها بالأمان:
_ بس دي كلام عادي بتقوله كل أم لابنها، وأني معرفتهاش حاجة عن اللي بيناتنا وقلت لها إن إحنا الاتنين كويسين والموضوع وقت، وهي دي الحقيقة يا سكون، مكدبتش فيها.
ارجوكي بلاش بكا بقى.
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة مما تشعر به من حزن بالغ على حالهما وتصب سبب ذاك الحزن عليها وحدها. ثم تفوهت بما تراه صحيحًا من وجهة نظرها ولكن أغضبه:
_ كنت عارفة إن دي هيحصل في يوم من الأيام، وهو ده سبب اللي عملته قبل سابق ولسه، لما الأيام تمر وتوبقى سنين محدش هيتحمل. أني دلوقتي بطلب منك تشوف مستقبلك بعيد عني علشان مينفعش تفضل راهن حياتك معايا وأني لسه بتعالج ومستنية أمر الله.
ما أن أنهت كلماتها التي أنهكت قواها فالتقطت أنفاسها بصعوبة، حتى ضربها بقبضة يده بخفة على كتفها وهو يرمقها بغضب:
_ إيه الكلام اللي ملوش معنى اللي هتقوليه ده!
لا أني هنفع أكون مع غيرك، ولا أنت يا عمر راجل غيري هيلمح طيفك يا سكون.
وإذا كان على الولاد، قلت لك قبل كده إن ما كانوش منك ما عايزهمش من غيرك، وأني صابر ومليش دعوة بأمي واللي حوالينا. أهم حاجة أنت وبس.
واسترسل باعتراض صارم:
"ومن اليوم ورايح ما عدتيش تنطقي الكلام ده من لسانك أبدًا."
وتابع حديثه وهو يهدأ من نبرته الصارمة وبدلها بأخرى عاشقة ودودة:
"أني عاشقك يا سكون، والعشق ده مكبل في قلبي بقيود غرام عيونك. مش عشق صورة ولا جسد له، ده عشق الروح لروحها اللي متستغناش عنها. عشق الليل للقمر اللي لازم وحتمًا الليل يحضن قمَره كل ليلة. عشق النهار لشمسه اللي لازم تطلع تنور الكون وتزيده دفا."
وأكمل وهو يرفع وجهها إليه حتى تتلاقى عيناها بعينيه:
"سكوني.. هو ينفع الليل ييجي أعتم من غير قمَره، والنهار يطلع من غير شمسه اللي تنوره؟"
استطاع بقربه المهلك تخدير أعصابها، وبكلامه البلسم تهدئة روحها الثائرة. كانت ولا تزال بقربه تشعر بأنها بين يدي الأمان. تشعر بأنها تمتلك راحة الكون بأكمله، لا بل تشعر باكتمالها في كل شيء وأنها لن ينقصها شيء أبدًا.
كانت بين يديه أنثى مدللة تعتبره أباها الذي تيمت من أبوته وهي صغيرة. تشعر بأنه ابنها الذي حرمت من بنوته وهي تنتظر فرج الله عليها. وأخيرًا، بأنه أعظم زوج رزقها الله به، ويبدو أن دعوة كثيرين شملتها مع عناية الله.
ثم نطق فمها المرتعش من قربه المهلك لحصونها:
"والله يا عمران، كان دعوة حلوة جازت لي عشان كده ربنا رزقني بيك. أنت بالنسبة لي أبويا اللي اتحرمت منه وأنا لسه عيلة صغيرة. وابني اللي بعافر دلوقتي عشان يبقى منك. أنت كل حاجة حلوة في حياة سكون يا عمران. لااااا، أنت الحلو والحلا اللي في الدنيا بحالها. معرفش أعبر لك عن حبي ليك كيف ولا إزاي. كلام الدنيا بحالها ما يكفيكش أبدًا."
خفق قلبه بين ضلوعه من همسها الذي يأخذه لعالم الحالمية الذي يعشقه معها. ثارت جوارحه عليه من نبرتها الرقيقة المتيمة به. أصبح جسده مشتعلًا، يريد سحقها بين أحضانه. فهي مازالت نبض قلبه العاشق. فمنذ أن وقعت بين يديه لأول مرة تشبث بها وكأن كنوز الدنيا وما فيها أصبحت بين يديه الآن.
ظل ينظر لعينيها ويضغط على يديها بعمق بين يديه، فقد دخل الآن دوامة عشق السكون والاحتياج لقربها، وكأنها جرعة إدمان يريد أن يتجرعها الآن كي تهدأ ثورة جسده المشتعل في قربها.
"ماذا بكِ يا امرأة! فأنتِ لعمران بملايين النساء كلهم!
لقد أسرتِ قلبه ومددتِ أسوار حبس أنفاسه بين قبضتي أبواب قلبكِ وأغلقتِ عليه بأقفال هواكِ.
فعمران يهواكِ وروحه فداكِ، وبعمره لن ينساكِ ويشتاق دومًا أن يراكِ."
ثم التقط شفتيها بين شفتيه في قبلة عاشق متيم خائف من الابتعاد، خائف من هروبها. وما عليها سوى أنها انصهرت بين يديه، فهي امرأة عاشقة، بل تتنفس بعشق عمران وكأنها تمتلك خياشيم كالأسماك، وعمران هو بحر النجاة لأنفاسها، فإذا ما ابتعدت عنه انقطعت أنفاسها عن الحياة، وهي تهمس له من بين قبلاتها مما جعله يثور ورغبته بها أججت بكامل جسده وكاد أن يسحقها بين يديه:
"طعم الحب والقرب معاك جميل قوي يا عمراني."
غمز لها بشقاوته المعتادة عليها معه وهي بين يديه، وهو يترك شفتيها كي يجعلها تتنفس من اقترابه الهائم بها، وهو يسند جبهته بجبهتها:
"وبتدلعي كمان على عمران! دي أنتِ ادعي ربك تطلعي سليمة من تحت يده، ويبقى جنة على حالها سكون."
ضحكت بإغراء أثاره من كلماته، ثم سحبها من يدها إلى غرفتهم وهو يردد بنفس دعابته لها:
"كمان ضحكة مايعة! تعالي بقى يا بطل استعنا على الشقى بالله."
فمن السهل أن تطرد جيشًا استعمر وطنك، ولكن من الصعب أن تطرد حبًا استعمر قلبك. فمهما ظننت قلبك قويًا، لا يهزه الغياب، فتجده مثل الورق يرتجف في الابتعاد.
لقد عرفنا مع ذاك العاشقان الحب وأسراره، وكتبنا أجمل أشعاره، وغنينا على أوتاره، وذبنا بالغرام على ألحانه.
فإذا كان الورد جذّابًا، فهي من الورد أحلى. وإذا كان الورد عاليًا، فمكانها في القلب غالي. لقد أصبح حبها مثل الدماء الحمراء يسير في جسده بكل هدوء، ويعانق ويلامس كل ما هو في طريقه ويجعله ينبض بالحياة.
"ستشهد علينا نجوم السماء الصافية وطيور العشق التي تلتف حولنا بأنني لن ولن أحب سواكِ يا سكون. أحبك بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى. أحبك بكل إحساس يتلهف لرؤيتك. أحبك بكل شوق لسماع صوتك.
أحبك بكل ما فيها من نغمات موسيقية. أحبك بكل ما تخبئها هذه الكلمة من عناء. أقولها لك وحدك ولا أريد سماعها من أحد غيرك. فمهما قيلت لم أشعر بها مثلما أحسست بها معك. فأنت الحب والإحساس يا من علّمتني كيف الإحساس يكون. إن نبضات قلبي لم تنبض إلا بحبك، ولم أسمع دقات قلبي إلا وأنا معك. فبعد كل هذا يسألونني لماذا أحبك كل هذا الحب؟ ليتهم يعرفون الآن ويسمعون دقات قلبي وهي تنادي عليك وتشعر بها وتعرف كم أنا أحبك وأشتاق لك."
جاء اليوم المنتظر أخيرًا، لا بل الدقيقة التي حلم بها وتمناها ماهر الريان منذ أشهر كثيرة.
أن تصبح رحمته ملك يمينه وعلى اسمه.
كان يردد كلمات عقده عليها وراء المأذون بقلب ينبض عشقًا ووحشة للمسة يدها فقط، فماذا عن أحضانها؟ فحقا ستكون لحظات رائعة أغرم بها كثيرًا ذاك الماهر بالتحديد مع تلك الصغيرة التي يسميها دومًا بصغيرتي على الحب.
طلب منه المأذون أن يردد تلك الكلمات الأخيرة، فرددها ببسمة رجولية تزين وجهه، وأبيها هو الآخر ردد تلك الكلمات بفرحة لابنته الصغيرة ومدللته.
انتهت مراسم كتب الكتاب وتناوبوا على ماهر بالمباركات في أعظم لحظة تجسد فيها صور السعادة. بعد مرور أكثر من ساعة، الجميع يلتفون حول رحمة ويهنئونها بسعادة. فقد كانت عروسًا جميلة كالأميرات في فستانها الأبيض المحتشم ذي الأكمام الطويلة المفتوحة من رسغها وتهبط باتساع إلى الأسفل ويزينها بعض حبوب اللؤلؤ الفضي، وأيضًا تلتف حبات اللؤلؤ تلك على رقبتها بدائرة جعلتها كالملكة الفرعونية، ضيق من على خصرها ويهبط بتساوي حتى لامس مشط قدميها ويزين رأسها حجاب باللون الأبيض وعلى رأسها تاج بسيط مزين بنفس حبات اللؤلؤ، فحقا كانت بطلتها تلك تشبه الحور العين من بساطة لباسها ومن احتشامه، وكما يزين وجهها ببعض لمسات التجميل البسيطة للغاية ولكنها أعطتها جمالًا أخاذًا يسحر عيون من يراها، فبالطبع تشبه باربي في مظهرها الآخاذ ذاك.
كانت تقف تتمايل على أنغام الموسيقى مع سكون بسعادة حقيقية، فقد نالت قلب الماهر قولًا وفعلًا، ووثق عقد زواجهما أخيرًا بعدما نالت من الويلات كثيرًا معه حتى استحوذت بذكائها وعشقها على كامل قلبه وعقله بل وجميع حواسه.
أما هو، فأخذه عمران لعندها كي يبارك لها، فهو أصبح زوجها الآن.
دلف إليها ووقف على أعتاب الغرفة ينظر إلى سعادتها البادية على معالم وجهها بقلب يخفق عشقًا.
أما سكون، فاقتربت من رحمة وهمست في أذنها بدعابة:
"متتمايليش قوي يارحوم، عريسك واقف، فأنا بنصحك من دلوقتي متبينيش إنك هتعرفي ترقصي، هيمسكها عليكي ومش هيرحمك بعد كده."
تمسكت رحمة بيد مرتعشة بيداي سكون ولم تلتفت له من شدة خجلها، فلم تكن تتوقع أنها ستكون بتلك الدرجة من الخجل.
أما هو، فانفض الجميع من حولهم كي يتركوا لهم مساحة من الحرية، عدا عمران وسكون وحبيبة.
أما ذاك العاشق، فاقترب منها ومازالت تعطيه ظهرها وهي خجلة. تقدم منها وذهب ناحية وجهها، ولكنها أدارت وجهها بمشاغبة للناحية الأخرى.
ولكنه ماهر بحق، فاصطنع التعب وهو يقف مكانه متأوهًا:
"آااااه، إيه ده؟"
تلقائيًا التفتت كي ترى لمَ تأوه، فقد أرعبها عليه في تلك اللحظة، لتقول له بنظرة يملؤها القلق:
"إيه مالك، حوصل إيه..."
وكادت أن تكمل، إلا أنه جذبها لأحضانه بقوة، ثم رفعها أرضًا وهو يدور بها في المكان، فكانت بين يديه بحجم صغير كالأب وابنته، وحقا كانا رائعين وجمالهم فاق الحدود، ثم أنزلها أرضًا واحتضن وجنتيها وقبلها من رأسها وتحدث بعشق ظهر بينًا ويراه الجميع ولم يخفيه عليهم ولم يخجل أيضًا:
"آه منك يا رحمتي، هتجننيني معاكي بشقاوتك دي يا صغنن."
ابتسمت له أيضًا بعينيها عاشقة ولم تخجل من الواقفين أيضًا، وهتفت بمشاغبة تداري بها خجلها وهي تعبث برابطة عنقه:
"وماله لما تتحمل شقاوة الصغنن، هو في أحلى من الشقاوة؟ بتخلي العلاقة متجددة والدنيا تحلو قوي يا موري."
رفع حاجبيه باستنكار لما قالته وهتف بدهشة:
"موري!"
بنفس مشاغبتها وعبثها في رابطة عنقه أردفت وهي تمط شفاها بدلال:
_ هيكون مين يعني غيرك هدلعه ياموري.
ضحك الجميع على مشاغبتها حتى ضحك هو الآخر ثم ردد من بين ضحكاته:
_ روحي يارحمة منك له ضيعتي سحر اللحظة بشقاوتك دي.
ظلت مشاغبتهم لبعضهم هكذا حتى قالت سكون لعمران:
_ طب مش يالا نسيب العريس لعروسته ولا ايه يا أخينا انت.
ضيق نظرة عينيه وهتف برفض:
_ ونسيبهم ليه لوحدهم مع إحنا قاعدين معاهم اهه بنضحك ونهزر. وبعدين ده مختشاش مني وحضنها وباسها من رأسها وأني واقف أمال لما اسيبهم وأخرج هيعمل إيه المكار دي.
واسترسل حديثه وهو على تصميمه بالرفض:
_ دي ياكل رحمة من غير ما يسمي عليها مشيفاش بيبص لها إزاي ومش مختشي مني وأني واقف جاره ولولا الذوق كنت ضربته بوكس فقعت له عينيه المكشوفة داي.
ضحكت سكون بصوت عالٍ بعض الشئ مما استدعى أنظار الموجودين بدهشة ومما استدعى غضب ذاك العمران الجالس بجانبها من صوت ضحكاتها فسحبها عمران من بينهم ودخل بها غرفة جانبية وأغلق الباب خلفه ثم هدر بها:
_ انتي ازاي تضحكي بمياعة اكده قدام رجالة غريبة.
لاحظت غضبه الشديد من ضحكتها الغير مقصودة ثم تحدثت بدلال وهي تمرر يدها على وجنته بحركة أثارته:
_ غصب عني ياموري حقك علي.
نزع يدها برفق من على وجنته فهي تثيره بحركتها العفوية تلك ثم ردد باستنكار لذاك الاسم هو الأخر:
_ موري ايه دي انتي كمان. دي دلع للعيال التوتو وميلقش بعمران أبدا.
تقدمت خطوة منه ثم ارتمت داخل أحضانه الحانية وتحدثت وهي تتمسح به باعتذار عن ضحكتها:
_ طب خلاص متزعلش ياعمراني مهضحكش في وجود حد تاني بس متكشرش اكده.
ضمها أكثر تلك العاشقة وقربها لصدره وتحدث بنبرة صادقة:
_ بحبك وبغير عليكي قوووي ياسكون فبالله عليكي تخلي بالك من انك تعملي أي تصرف يستدعي غيرتي داي علشان هقلب على الوش التاني اللي مش حابب تشوفيه أبدا.
أما في غرفة ماهر ورحمة ذاك العروسين الملقبون بالشراسة والتمرد من كليهما على الآخر، فور أن تركتهم حبيبة وحدهم أغلق الباب بهدوء ثم عاد إليها وهو ينظر إليها تلك النظرات التي جعلتها انصهرت وجسدها بدأ يشعر بسخونته من اقترابه.
جذبها بحنو من يدها ولكنها تحاول افلات يدها من يديه ولكن لم تستطيع فهو متمسك بها بشدة ثم داعب أنفها بأصابعه وهتف مشاغبا إياها:
_ ايه مالك سحتي على روحك اكده ليه.
عارفة عاملة زي إيه رحمتي.
وأكمل وهو مازال مشاغبا إياها ويغمز لها بدعابة:
_ عاملة زي النوتيلا لما يخرجوها برة التلاجة بتوبقى سايحة اكده وعايزة تتاكل من جمالها.
وتابع وهو يرفع يديها يقبل باطنها بوله:
_ أهو إنتي بقي عايزة دلوك تتاكلي زي النوتيلا اكده.
ثم اقترب من وجهها وقبلها من عينيها التي أغمضتهم تلقائيا وهو يردد:
_ كنت اسمعهم بيقولوا قبلة العين رغبة ودلوك اتأكدت انها اكده فعلا.
يفعل كل هذا بها وهي مستسلمة تماما ولكن مغمضة العينين لاتقوى على فتحهما فقد أخجلها بعاصفة اقترابه وبكلامه الذي جعل جسدها يثور داخلها كالحمم البركانية.
أما هو ردد بعد أن قبل عينيها طالبا منها برغبة:
_ رحمتي..
ابتلعت ريقها بصعوبة وحمحمت بتوتر:
_ اممم.
أمسكها من ذقنها مجبرا إياها النظر في عينيه:
_ فتحي عيونك عايز أشوف نظرتك اللي تجنن وانت دايبة بين ايديا اكده.
لم تستطيع فتحهما وحركت رأسها رافضة طلبه وهي تشعر بأن قدميها لم تستطيع حملها أمامه. ثم فعل مالم تتصوره كي يجبرها على أن تفتح عينيها.
بدأ بفك سحابة فستانها من الخلف بحركة ساحرة باغتها بها مما جعلها انخلعت من حركته تلك وبقوة جذبت يدها من يداه وابتعدت عن أحضانه وهي تتحدث بأنفاس لاهثة:
_ انت ايه اللي عميلته دي ياماهر انت اتجنيت.
لم يعير غضبها أدنى اهتماما ولم يعجبه حركتها في الابتعاد عنه ثم حاول جذبها من يدها مرة أخرى ولكنها دارت حول الكراسي الموجودة بالغرفة كي لايستطيع الإمساك بها وهو يهتف لها:
_ وبعدين بقى معاكي يارحمة متحسسنيش انك لسه عيلة صغيرة على الحركات دي وتجريني وراكي في الأوضة.
وأكمل بمشاغبة وهو مازال يلاحقها:
_ هو أني عميلت ايه يعني تقريبا. أني جوزك دلوك وعادي لما أكشف عن المستخبي علشان أديكي خبرة لما هو قادم.
اتسعت مقلتيها بذهول من طريقته الوقحة في غزلها اتسعت مقلتيها بذهول من طريقته الوقحة في غزلها ثم شهقت باندهاش:
_ ايييييه الكلام دي. انت وقح على فكرة واياك تاجي ناحيتي ولا تعمل حركاتك الوقحة دي ياماهر.
ثم استغلت تيهته وجرت ناحية الباب كي تخرج ولكنها جذبها بسرعة إلى أحضانه ثم تحرك كتف الفستان وظهر كتفها ذو اللون الأبيض اللامع مما جعله ينظر إليه وهو يبتلع أنفاسه بصعوبة من هيئتها المهلكة. رأت اتجاه نظرة عيناه فعلى الفور رفعت أكتاف الفستان وعدلته ثم لكزته في كتفه وهي تهدر به:
_ أه ياسافل…
كادت أن تكمل إلا أنه كتم أنفاسها بيداه وهو يهتف بتحذير:
_ اياكي تكملي انتي حرة يارحمة. واتلمي بقي علشان يومك ده يعدي. وبعدين إحنا بالطريقة دي هنلعب مصارعة تيران مش هنتجوز.
تمتمت بهمس بعدما جذبها مرة أخرى إلى أحضانه ثم بدأ برفع سحابة فستانها برفق ويداه تتعمد لمس بشرتها حتى يجعلها تتوه بين يداه فذاك الماهر رجل مخضرم في العشق ويعرف كيف تعامل المرأة. يعرف كيف يجعلها ذائبة بين يديه. يعرف كيف يبارز شراستها بقوانين عشقه الدسم لها. ملم بجميع جدران تمردها ويستطيع هددها بمهارة وبناء جدران لقلبه داخلها بأساس يجعلها تطالب بالمزيد من عشقه لها:
_ ماهر… كفاياك عاد مش متحملة حركاتك داي.
كان مستمر في سحابة غلق سحابتها ببطئ فهو صياد ماهر يعرف كيف يلقي شباكه ويتعامل مع شبكته باحتراف ثم همس بصوت أجش خشن وهو مازال قابضا إياها بين يداه بقوة:
_ طب بذمتك هو ماهر لسه عمل حركات علشان متتحمليش! دي انتي طلعتي توتو خالص طلعتي ريش على مفيش يارحمتي.
مهما قال وحاول إخراج شراستها الآن فلن يستطيع فقد شعرت بأنها تائهة في حرب الماهر ومعركة عشقه التي شنها عليها.
لاحظ تيهتها بين همساته ولمساته وأنها هامت بين يداه فاستغل تيهتها تلك بعدما أنهى إغلاق سحابة فستانها فرفع حجابها قليلا وقبلها من رقبتها بوله عاشق محروم.
حاولت إبعاده ولكنه مازال متشبسا باقترابها ويود المزيد ولن تستطيع مجابهته فهي بجانبه مسكينة لاتستطيع صد هجماته.
أما هو مازال يريد المزيد ولن يستطيع السيطرة على حاله في اقترابه ثم استطاعت اخيرا أبعاده عنها وهي تردد:
_ مش كفاياك اكده ولا ايه عاد هتوصل لفين تاني.
أسند جبهته بجبهتها ويداه ممسكة بها من رقبتها بإحكام وهو يهمس لها بصوت مبحوح من عاطفة اقترابها الجياشة:
_ ماهو أني اتحايلت عليكي نخليه جواز وانت اللي أصريتي يارحمة يوبقى تتحملي.
ابتلعت ريقها بصعوبة وبررت بتوتر:
_ اممم.. ماهو اني لسه مش جاهزة ولا المكان اللي هنتجوز فيه جهز مينفعش الجواز خبط لزق اكده لساتي ناقصني حاجات كتير مجبتهاش.
باغتها بقبلة من وجنتها وهو مازال مشاغبا إياها:
_ طب ايه مش هتشيلي الطرحة داي علشان نكتشف مراحل اكتمال القمر ويوبقى بدر.
تلقائيا وضعت يدها على رأسها وهي تحركها برفض:
_ له اوعاك تعملها.
وأكملت كي تجعله يخاف من فكاك حجابها:
_ هتنصدم من اللي هتشوفه. هتلاقي شعر اكرت مجعد من الدرجة الأولى وحاجة اكده لا تسر عدو ولا حبيب.
ضيق نظرة عينيه ثم رمقها بنبرة خبيثة:
_ أو يعني شعرك اللي غنى له عبدالحليم حافظ وقال له والشعر الغجري المجنون يسافر في كل الدنيا.
وتابع بنفس نظرته الوقحة لها:
_ دي باين اكده امي داعيالي يارحمتي وهتطلعي مبهرة في كله.
اتسعت مقلتيها من ردوده الجاهزة دوما. ثم سألته:
_ هو انت علطول ردودك جاهزة عاد عقلك يترجم ولسانك ينطق في نفس اللحظة.
ابتسم بهدوء وأمسك كفها وطبع بداخله قبلة لثوان ثم نظر إليها وقال بنفس مشاغبته:
_ مبقاش ماهر الريان دي انتي بتكلمي خط المحاكم يعني سرعة البديهة والفهم السريع.
وظل على حالهما ذاك يشاغبها وهي مرة تخجل ومرة تبتسم ومرة تتجاوب معه فحقا ذابت بين يداي ذاك الخبير العاشق وهي لاحول لها ولا قوة بين أفعاله.
ستمر الأيام لا محالة، لكن عليك أن تستغلها جيدًا قبل أن تمر.
في منزل ماجدة، تجلس هي وابنتها مها في أحضان بعضهما. فحُضن أمها هو أكثر الأماكن الضيقة اتساعًا. فحُضن الأم هو الأمان والحنان والطمأنينة، وهو أكثر الأماكن اتساعًا. ما إن يضع الابن رأسه في حُضن أمه حتى يستشعر لذة الحياة كلها، ويرى هموم الدنيا قد تبخرت وأصبحت هباءً. فالأم في حُضنها الحياة كلها. ولهذا فإن مجرد رؤية الأمهات يُدخل السرور إلى القلب والروح، وتبتهج الدنيا بأكملها لأن في وجوه الأمهات دواء لكل علة. وبالتحديد مها، كانت أحضان والدتها أحضان النجاة، أحضان الشعور بالراحة والاسترخاء لقلبها المتعب.
كانت ماجدة تشدد من احتضانها وهي تردد لها:
_ فات يجي أكتر من سنة على روحة الغاليين، ولساتك يابتي الحزن مخيم قلبك ومفارقكيش. طفى ملامحك الجميلة وبقيتي مش أنتِ.
شدت مها من احتضان والدتها وتحدثت بقلب يفيض وجعًا:
_ كان روحي وأغلى من روحي يا أمي. اتخطفوا من حضني وسابوني عايشة من غير روح.
كل ما أمْسك هدومهم وأشم ريحتهم فيها بتجنن. بيبقى هاين علي أروح القبر بتاعهم، أفتحه وأكفن نفسي وأنام جارهم، وأحطهم على قلبي وأموت معاهم.
وأكملت وهي تنتحب بشدة من وجعها الذي لم ينتهي بعد:
_ بس أني جبانة يا أمي. خوافة. مش هاين علي أعمل في روحي أكده علشان أني ضعيفة ومازالت نفسي أهم عندي من ضنايا اللي ماتوا بسبب أهمالي فيهم.
أخرجتها ماجدة من أحضانها وهي تحتضن وجنتيها بشدة وتهزها بعنف وهي تنهرها:
_ وإنتِ حاسبة حالك أكده ضعيفة علشان مش عايزة تموتي نفسك يابتي!
فوقي يابتي، ولادك فوق عند اللي خالقهم في الجنة ونعيمها متهنين. هنا عمرهم ما كانش هيعيشوا منه هفوة في الدنيا وناسها الغدارة.
نظرت بعيونها المغشية بالدموع إلى والدتها ورددت بقلة حيلة:
_ طب كان ربنا يسيبهم لي أفرح بيهم ومعاهم شوية كمان. كان يطول في عمرهم شوية كمان. ملحقتش أشبع منهم.
نهرتها والدتها ولكن دون عنف:
_ وإنتي هتقنطي يابتي وتعترضي على أمر الله!
هو الإنسان مننا عارف عمره كد إيه؟
الإنسان مننا ميعرفش اللي هيوحصل له كمان دقيقة واحدة. استغفري ربك. ربنا اداكي أمانة وحب يسترد أمانته. وربنا الحق والأحق بعباده. يقدر لهم عمرهم كيف ما يريد، وإحنا علينا مانقول غير اللهم لك الحمد.
هزت رأسها للأمام وهي مقتنعة بكلام والدتها، ولكن لا تستطيع السيطرة على ذاك الشعور بالتقصير وأنها السبب في إنهاء حياتهم بسبب تركهم لها. ثم هتفت بقلب متعب وجار الزمان عليه:
_ غصب عني يا ناس. غصب عني مش قادرة أنساهم ولا أشيلهم من بالي وقلبي.
وضعت كف يديها على كف يدها الموضوعة فوق فخذها، ثم ربتت عليها بحنو وأردفت قائلة:
_ كل ما تفتكريهم متدمعيش يابتي. لاااا. ابتسمي إنهم بين إيدين اللي أحن عليهم مني ومنك. بيتهنوا. ابتسمي إنهم هياخدوا بيدك للجنة.
_ الجنة! كلمة نطقتها رحمة بنبرة ذهولية وهي تستبعد أن تكون من سكانها. وعقبت والدتها على ذهولها:
_ آه الجنة يا مها يابتي. هييجوا يوم القيامة ويسحبوكي معاهم وهما بيبتسموا، وهيحضنوكي وهيشفعوا لك عند ربنا. ما إنتِ كمان يابتي مكنتيش أي أم والسلام. كنتِ شمعة بتحترق كل يوم علشان قايدة صوابعك العشرة ليهم. كنتِ أم عظيمة ربت ولدين كيف الملايكة. علشان أكده ربنا اصطفاهم وأخدهم عنده. اللي زييهم لازم يبقوا عرايس الجنة من أدبهم وهما لسه صغار.
ابتسمت سنها لأول مرة وهي تتخيل زين وزيدان بملابس بيضاء ووجوههم منيرة في الجنة ويتنعمون بها، ويشربون من عسلها المصفى ومن لبنها الذي لم يتغير طعمه ومن خمرها الذي هو لذة للشاربين. وغير ذلك، فالجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. كل تلك التخيلات جعلتها أخيرًا ابتسمت، وجبر نبض وجعها أخيرًا. فأبناؤها الآن مكرمون منعمون بين أيادي الله. رأت والدتها ابتسامتها تلك فخفق قلبها بسعادة لابنة قلبها وعمرها. أخيرًا ابتسمت ورأت وجهها المستنير بالسعادة، وأدمعت عيناها في تلك اللحظة، وجذبتها في أحضانها ثانية وهي تشدد عليها لتقول بدعاء:
_ أيوة أكده اضحكي يابتي، خلي الدنيا تنور وخلي قلبك يزرع حب للدنيا من جديد.
ثم أخرجتها من أحضانها وهي تعرض عليها:
_ شوفي يابتي، عايزاكي تهتمي بحالك كيف زمان. عايزة أشوفك شمعة منورة ضيها يزغلل العين. عايزاكي تخرجي من حبستك دي ودوامة الاختناق اللي لفاها حوالين رقبتك.
وأكملت وهي تتذكر ما قاله عمران لها:
_ إيه رأيك كمان تخرجي من الحبسـة دي وتشتغلي.
خرجت من أحضانها ودققت بالنظر داخل عينيها بترقب شديد لباقي كلماتها ونطقت باستفسار:
_ أشتغل! أشتغل إيه يا ماما؟
وضعت كف يديها الحنونتان وحاوطت بهما وجنتاي تلك الرائعة وأجابتها بحب صادق ظهر بينها داخل عينيها وهي تسرد عليها ما قاله عمران:
_ شوفي عمران جوز أختك بيقول إن ابن عمه محامي محترم قوي وميتخيرش عنيه في الأخلاق، وعنده مكتب ومحتاج سكرتيرة تقابل العملا عنده وتكون بردو محترمة وبت ناس. وقال لي إني أعرض عليكي الموضوع ده من أسبوع أكده، بس إني كل ما أشوفك ألقاكي مطفية أكده وخايفة أكلمك.
أهو تخرجي للدنيا اللي عمرك ما خرجتيها من وإنتِ بنتُه وتشوفي ناس جديدة وتغيري من نفسيتك أكده زي خواتك البنات.
أخذت نفسًا عميقًا ثم زفرته بهدوء وتابعت باستفسار لما عرضته عليه والدتها:
_ أشتغل سكرتيرة كيف وإني عمري ما اشتغلت ولا أعرف حاجة عن الشغل ولا أعرف الروتين بتاعه.
شجعتها والدتها:
_ الإنسان بيتعلم كل حاجة. وبعدين إنتِ معاكي معهد فني تجاري والشغلانة دي مش متعبة ولا محتاجة لف ودوران. وكمان البنت اللي هناك هتدربك على الشغل قبل ما تمشي.
سألتها مها:
_ طب والبنت هتمشي وتسيب الشغل ليه؟
أجابتها:
_ هتتجوز يا حبيبتي تقريبًا. عمران قال لي أكده في وسط الكلام.
ضيقت نظرة عينيها ثم رمقتها بنبرة مترددة:
_ طب هفكر أكده يا أمي وأحسبها مع نفسي. الموضوع جديد علي وعمري ما فكرت أخرج أشتغل قبل أكده.
شجعتها والدتها بنبرة شغوفة:
_ تفكري في إيه عاد!
دي فرصة متتعوضش ومهتلاقيش زييها تاني. هتشتغلي عند حد نعرفه ولد ناس محترم وهتخرجي كل يوم الصبح وتشوفي ناس جديدة ويومك كله هيبقى ما بين الشغل والبيت. فمش هتلحقي إن إنتِ تفكري في اللي حصل لك. دي أفضل حل ليك يا بتي.
لمعت عينيها بشغف من كلام والدتها وتشجيعها لها ثم رددت بتردد:
_ أممم.. يعني إنتِ شايفة أكده يا ماما؟
_ أييييه! أمال إيه عاد! جملة تأكيدية نطقتها ماجدة بتشجيع وأكملت وهي تشدها من يدها:
_ يالا قومي نشتري لك كام طقم أكده علشان تروحي شغلك بهدوم جديدة تليق بيكي يا صبية.
_ اقعدي بس يا أمي، هو أني لسة قررت عاد هروح ولا له.
_ له هتروحي ويالا قومي معاي. مهفوتكيش إلا واحنا جايبين كذا طقم وكذا شنطة وجزم وطرح ونضارات وحاجات زينة أكده تلبسيها وتتزيني بيها وإنتِ رايحة الشغل.
مطت شفتيها باعتراض وقالت:
_ يا أمي أني عندي هدوم كتيرة ونضارات ماركات وشنط وجزم ملهاش عدد. همشي حالي بيهم.
تحدثت ماجدة باعتراض صارم:
_ ولو عندك إيه بالذي لازم تجيبي لك كام طقم جديد تروحي بيهم الشغل الجديد.
وظلت تشدها من يدها، وبالفعل ارتدت كليهما ملابس الخروج وخرجتا إلى المحلات وبدأن في التسوق في جو مملوء بالسعادة التي تسللت أخيرًا إلى قلب مها بعد عمر بأكمله.
وهاتفت ماجدة عمران وأبلغته بموافقة مها على العمل عند جاسر ابن عمه، وما كان منه إلا أنه أبلغ جاسر وأعطاه رقم الهاتف الخاص بها وفهمه بظروف مها بأكملها وحزن بشدة لأجلها وفهمه مدى رقتها وأهميتها بالنسبة له وحذره أن يحزنها أو يعتلي صوته عليها يومًا ما، ولكن وعده جاسر أن يعاملها برفق. وبعد أن أنهى المكالمة معه دون هاتفها معه.
وذهب إلى الواتساب كي يحادثها، ولكن اتسعت حدقتاه وهو يرى صورتها الموضوعة على حالتها ولسان حاله يردد بذهول من جمالها في الصورة:
_ أوبا إيه الجمدان دي. هي معقولة دي اللي اتجوزت وخلفت اتنين وعيالها ماتوا. دي كتلة أنوثة متفجرة قدامي في الصورة.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل السابع والستون 67 - بقلم فاطيما يوسف
ملامح الدهشة التي ترتسم على محياها آخذة تفاصيل وجهها نحو الذهول وهي تفتح عينيها على آخرهما، فاغرة فمها في دهشة من كلمات ذاك الغاضب. من أين وكيف علم؟
ثم فاقت سريعا، وهي ترد عليه باستنكار لما قال:
ــ انت مين اصلا علشان تحكم وتتحكم فيا!
وانت مالك اصلا بحوار المعيد؟ اوافق ارفض دي حاجة تخصني.
استنكر كلماتها بشدة ليقول بنبرة تحوي من الشقاوة ما يجعلها تريد أن تضحك ولكنها كتمت ضحكاتها:
ــ أنا العبد لله اللي وقف على المسمار تناه يامزة، وبعون الله المعيد اللي مفكر نفسه الجان اللي مفيش منه، أنا اللي هتنيه وهطيره وهمرجحه لو فكر يقرب منك، يعني من الآخر هنفخه لو فكر يقرب من كوكب البطابيط حقي.
كان قلبها يدق داخلها بمشاعر متخبطة ما بين الخجل وما بين كتمانها لضحكاتها على كلماته وطريقته. فحقا، مختلفا تمام الاختلاف عن أي شاب تقدم لخطبتها، ولكنها بررت تخبطها له دون أي خجل:
ــ طب انت واحد ليك بلاوي متلتلة مع بنات قبل سابق، يعني بمعنى أصح ليك ماضي. أما الدكتور اللي عايز يخطبني أكيد ما كانش له في الكلام ده، لأنه باين عليه أكيد.
حك أسفل ذقنه وهو ينظر لها نظرة مشمئزة حينما أتت بسيرة ذاك المعيد، ليقول بنفس نبرة الدعابة ولكن مغلفة بالدفاع عن نفسه:
ــ بلاش تخبطي على باب الماضي، علشان اللي بيخبط على باب الماضي بيضيع مستقبله. وبعدين إيش عرفك إن الدكتور عريس الغفلة بتاعك ما لوش ماضي وما عرفش بنات قبلك؟ ولا علشان الواحد قلبه طيب ونيته صافية وفي حاجة لله واعترف بكل حاجة واندلق زي الجردل قدامك وبقى كتاب مفتوح، تقوم قايلة الكلمتين دول؟
اهو انتم كده يا صنف حوا، ملكوش إلا اللي يحور عليكم ويترسم على الفاضي، وهو من برة هالله هالله ومن جوة يعلم الله.
رفعت شفتيها الأعلى باستنكار لثرثرته:
ــ إيه هو انت بـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.
ــ راديو؟ إيه الكلام ده كله!
ممكن أعرف انت جاي لي اصلا دلوك؟
أجابها ببرود:
ــ آجي زي ما أنا عايز وبراحتي وعلى مزاجي يا بطة يا بطة.
نظرت له بعينيها ينبع منها الغيظ، ثم ربعت ساعديها أمام صدرها وهي تحاول استفزازه:
ــ بأمارة إيه إن شاء الله مزاجك دي؟
أكد لها بثقة دون أن يهتز:
ــ بأمارة إنك تخصيني.
هزت رأسها باندهاش لكلمته، فأكمل بتشبث:
ــ أه ما تهزليش راسك، تخصيني وشايف إن اللي يخصني ما ينفعش أي حد يجي جنبه. إن كان عاجبك يا بنت الناس فأهلا وسهلا، أما لو مش عاجبك فتعودي بقى إنه يعجبك اجباري، علشان أنا مش ناوي أمشي.
زفرت أنفاسها بحنق من طريقة التملك التي يتحدث بها:
ــ أه اعمل لي فيها شجيع السيما بقى.
غمز لها بشقاوة:
ــ لا عامل فيها بحبك.
تفاجئت من كلمته ونظرة عينيه لها بلهفة حين قالها، لتسأله بنبرة خافتة يكسوها الخجل:
ــ إيه؟ قلت إيه؟
ألقى على مسامعها اعترافه مرة أخرى وهو يقترب منها بخطوات بسيطة مع حفظ مسافات الاقتراب:
ــ قلت بحبك يا بطتي يا حتة من كلوتي.
لوت شفتيها بامتعاض من طريقة اعترافه، لتردد باستنكار:
ــ إيه الطريقة البلدي دي اللي هتعترف فيها بالحب؟ حتى دي كمان مفيش اختلاف فيها.
أشاح بيده في الهواء وهتف بتعابير وجه غير مبالية لما قالت وهو يتفاخر باعترافه:
ــ دي طريقتي مختلفة تماما عن كل الطرق، أنا عارف نفسي. ولعلمك بقى الطريقة دي ماشية مع البنات قوي اليومين دول، ولا انت مش من البنات يا بطة.
دبت قدمها في الأرض من استفزازه لها:
ــ تك بطة لما تتبط عليك! أنا اسمي فاطمة. وبعدين إيه حوار إني مش من البنات دي؟ انت عايزني أبقى زيي البنات المنحلين اللي كنت تعرفهم؟
استفزها أكثر من ذي قبل:
ــ اسكتي يا خايبة يا اللي مش عارفة تعاملي صنف الرجالة ازاي! دول كانوا مزز مزز مزز ومن أول ما أغمز لهم بس في ثانية الاقيهم بقوا زي الحلاوة في العجينة معايا. أكلم لك واحدة فيهم تديكي درس في كيفية معاملة الأشرف.
لم تستطع الإمساك عن قذفه بحقيبتها لطريقته ولكلامه، ثم استفزته هي الأخرى:
ــ طب إيه رأيك يا بارد عشان طريقة كلامك دي، إني مش موافقة عليك وهوافق على المعيد بتاعي وشوف لك بقى واحدة من المزز اللي انت كلمتهم يا بتاع البنات يا صايع ها.
عض على شفتيه السفلى، ذكرت سيره ذاك الرجل، ليقترب منها ويحذرها بنظرات عينيه والغضب ملأه:
ــ معيد مين يابت اللي هتوافقي عليه؟ الله الوكيل ده أنا أخـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.
ــ رطه لك وأعبيه لك في شكاير.
ثم أكمل تحذيره بشدة:
ــ وعهد الله يا فاطمة إن جبتي سيرة الواد ده تاني ما هيحصل طيب. انظبطي يا بت، أنا بغير وأنا في غيرتي أطرش وأعمي وأصم كمان. وخلينا نخلص من أم الحوار ده. آجي أقرأ الفاتحة إمتى يابنت الناس؟
توترت بشدة من استفساره:
ــ ما هو أنا لسه ما أخدتش قرار ولا عارفة أفكر، وانت مش مديني فرصة.
ــ فرصة مين اللي انت لسه ما أخدتيهاش يا ماما؟ أنا سايبك بقى لي خمس شهور وانت عارفة إنّي مصمم عليكي وماشي وأنا قايل لك إني عايز أتقدم لك، فحوار الفرصة ده خلص خلاص. ما عنديش فرص دلوقتي، انسي.
ــ يعني إيه انسي دي؟ هو انت بتتحكم فيا بمناسبتك إن شاء الله؟
ــ بمناسبتي جوزك يا طمطمتي.
خجلت من كلمته الأخيرة، لتأتي فريدة وفارس الذي ردد بدعابة:
ــ ما خلاص بقى يا طمطم، ما تحني على الواد الغلبان، بقى له خمس شهور بيتحايل عليك وبيتذلل لك، كفاية بقى.
لكزه أشرف في كتفيه وهو لم يعجبه كلماته، لنطق محذراً إياه:
ــ ما تقولهاش يا طمطم دي تاني، أنا بس اللي أدلعها. أقول لها يا باشمهندسة فاطمة.
استنكر فارس ما قال:
ــ نعم ياروح أمك! لا مؤاخذة يا مرات خالي.
ثم نظر إلى فاطمة قائلاً بمشاكسة كي يرى رد فعل أشرف الفكاهي على كلماته:
ــ بقول لك إيه يا طمطم؟ الواد ده تشيليه من دماغك وخليكي في المعيد طالما لسانه طويل كده. أنا وهو ما ينفعش نبقى عدايل أبدا.
تراجع أشرف سريعاً، وهو يعتذر لفارس مما جعلهم يضحكون جميعاً:
ــ جرى إيه يا عم فارس؟ ما تبقاش قفوش كده، أنا بهزر. وبعدين يا عم ده انت تقول لها طمطم وطماطم دي أختك الصغيرة يا جدع! انت بتقول إيه؟ وهتبقى مرات أخوك الصغير كمان.
انخرطوا جميعاً في الضحك من طريقته وكلامه. وبعد محاولات ومحاورات كثيرة أدلت فاطمة بموافقتها، فهي لم تبتسم وتضحك وتشعر بالسعادة الشديدة تلك إلا في وجوده. وحقا، من يدخل البهجة والسرور على قلوبنا نتمسك به بشدة:
ــ خلاص موافقة وتقدر تيجي تتقدم لبابا.
لم يصدق حاله وما استمع إليه، حتى وضع سبابته على جبهته وهو يتراقص حولهم وهو يتغنى بسعادة:
ــ يا ولاد بلدنا يوم الخميس هكتب كتابي وأبقى عريس وهتبقى عامة وهنبقى لمة وهيبقى لينا في البيت ونيس يا يا ولاد بلدنا.
حقا الضحكات لم تسعهم من رقصه وطريقته في التعبير عن فرحته. وأخيراً استطاع أشرف إقناع فاطمة به. وهاتف فارس أباها واتفق على أن يأتي هو وأبيه وأمه يوم الخميس لقراءة الفاتحة وينضم إلينا فرحة جديدة تكمل ملحمتنا الجميلة أشرف وفاطمة.
ــ ولا الضالين. آمين.
تم قراءة فاتحة أشرف وفاطمة والبهجة والسعادة تملأ قلوبهم جميعاً. وقد اتفقا على أن تظل فترة الخطوبة ثلاث سنوات لحين انتهاء فاطمة من دراستها، وهذا شرط تشبث به أبوها بشدة. فمهما حاول أشرف وأبيه لإتمام زواجهم على الأقل بعد سنة، ووعدوه بأنهم سيقفون بجانبها ويدعموها لحين الانتهاء من دراستها، إلا أنه كان متشبثاً بشدة لرأيه.
كانت الأغاني تصدح في أرجاء المكان وأشرف يتراقص على أنغامها بشقاوة وسعادة. والآن أتى موعد تتويج فرحته بأن يطوق يدي كل منهما الآخر بخاتم الخطبة.
طلب منها أشرف أن تمد يدها له كي يطوق يديها، ولكنها كانت خجلة بشدة وهي تشعر أن جميع العيون منصبة عليها، لتقول له بهمس خافت:
ــ ناولني الدبلة وأنا هلبسها لحالي، مينفعش تلمس يدي.
اندهش أشرف بشدة وعلامات السخط والاعتراض لكلام تلك الفاطمة على وجهه تحكي ألف حكاية:
ــ مين ده يا ميس إيجيبت اللي مش هيلبس خطيبته الدبلة! انتي عارفة إن دي هتبقى عيبة كبيرة قوي قدام حبة العيال أصحابي اللي واقفين هناك دول. ده إنتي بتسلميني ليهم يتريقوا عليا سنة بحالها تسليم أهالي!
ثم لاحظ تشبثها وهو يصمم عليها:
ــ مدي إيدك يا بطة وعدي يومك ده ومتشمتيش الحمير دول في أشروفك حبيبك.
حركت رأسها برفض قاطع وهي تجاهد في رسم الابتسامة كي لا تلحظهم تلك الأعين المنصبة عليهم:
ــ ما يتريقوا ولا يعيبوا ولا إن شاء الله يطلعوك على الفضائيات يا أشـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.
ــ لا، مش هغضب ربنا عشان الحمير اللي هتتحدت عنهم دول.
حاول هو الآخر رسم الابتسامة لينطق باستنكار:
ــ أشـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.
ــ إيه ده! أنا اسمي أشرف يا أم لسانين. وبعدين اتعلمي تحترمي جوزك أبو عيالك، يا إما هدبـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.
ــ لك القطة من أولها يا بطة وأمشيكي على العجين متلخبطوش.
ــ طول ما انت بتقول لي يا بطة هقول لك يا أشـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ــ وبعدين تمشي مين على العجين يا شبح فوق يا سطا؟ إني الباش مهندسة فاطمة اللي بتسطر المعووج وبتظبط زوايا الدماغ المضروبة وبتبني العلاقات صح ومش هبتديها بغضب لربنا. ولو مش عاجبك أني مجنونة وهفض الموال دي وبردوا مش همد لك يدي ولا هتلمس الهوا مني طول خطوبتنا.
ردد بحزن مصطنع:
ــ يا فضيحتك يا أشرف وسط المعاتيه دول بسبب الشيخة فاطمة! مدي إيدك ياللي منك لله يا مفترية يا قوية!
ثم فقد الأمل في محاولتها وهي يبدو عليها الشراسة، ثم ناولها الخاتم وهو يتمتم بغيظ:
ــ خدي ياختي لبسي الخاتم لنفسك، وهو يعني هنلمس إيد السفيرة عزيزة؟ والله انتي عيلة نحس وملكيش في الرومانسية ولا الحاجات الرايقة بتاعت لحظات الخطوبة دي. منك لله كسـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.
قولي لي يا حبيبي، يا روحي، بصي بدعي يا طمطم. مش هيبقي ولا لمسات ولا همسات كمان، أنا كدة هطق.
لما أخد عليك هتلاقي لساني نطقها لوحده من غير أي رجا منك.
طب وده هيحصل امتى يا بطتي، علشان أنا مشتاق وهيمان.
بطل بقى الناس والعيون حوالينا في كل مكان، انت مبتكسفش! أني هتكسف يا أشرف.
هما معندهمش دم، بقي المفروض نقعد أنا وياكي لوحدنا شوية علشان أعرف أستفرد بيكي وأجننك وتجننيني.
ها أو أو أو، تستفرد بمين يا سطا!
والله انت متعرفنيش ولا تعرف يعني إيه فاطمة!
غمز لها بشقاوة وهو ينفض عن باله طريقتها، مستغلا أخر كلماتها وهو ينظر إليها نظرة عابسة أزعجتها:
أهو أنا بقي عايز أعرف مين فاطمة وعايز أكتشف كل حاجة عن فاطمة وتفاصيلها الجاحدة دي.
رفعت حاجبها باستنكار وهي تهدده بنبرة صريحة:
وإن شاء الله وانت هتكشف التفاصيل الجاحدة دي، هخـ.ـزق لك عينيك وهخليك متعرفش تشوف ولا تعرف، وأبقى كسبت ثواب فيك في نقطة غض البصر دي اللي شكلك متعرفش عنيها حاجة واصل.
وأهون عليك يا بطل تخليني أعمى ومشوفش التفاصيل ولا تطوراتها؟
اظبط ياض معايا في الكلام، حب باحترام يا روح طنط وبلاش العوج دي، وياي بيجزع لي نفسي، ولما أبقى مراتك وفي بيتك ابقي قول واعمل اللي على كيفك.
ما انتي ياللي منك لله اشترطي على أبوكي نتخطب تلت سنين بحالهم، بقي أنا هقعد تلت سنين أحب من بعيد لبعيد وأبقى مؤدب وأتنازل عن الهمس واللمس والآهات والنظرات، كدة ظلم يا فاطنة.
فاطنة مين ياللي منك لله انت! أني هقوم دلوقتي وأفض الموال دي وخد دبلتك واتكل على الله، ما عندناش بنات للجواز.
برق عينيه لينطق بتحذير قاتـ.ـل:
ايييه هو سكتنا له دخل بـ... ولا إيه يابت، معنديش سيبان ولا في المستقبل طلاق، إحنا الست عندنا ليها دخلة وخارجة واحدة.
ربعت يدها أمام صدرها لتهتف باستفسار مغلف بالقوة الواهية:
اللي هما بقي إيه إن شاء الله يا أشـــف؟
غمز لها ليقول بمشاكسة حينما رأى نظرات عينيها المناظرة لها:
ليها داخلة في قلبي وخارجة من قلبي لحضني وترجع في الآخر لقلبي وبعدين لحضني وبعدين بقي.
ثم فصل كلماته وهو يمتنع عن تكملتها وما زال غامزا لها:
ولا أقولك سيبي بعدين لبعدين، أصل تطخيني ببندقية العمدة حداكم.
استحسنت فصل كلماته الوقحة، فبالطبع سيتحدث وقاحة:
جدع اثبت على أكده وخاف على نفسك يابن الناس وخليك مؤدب، علشان طول مانت مؤدب وايدك في جيبك طول ما اني هعاملك بلسم، مديت يدك هعلم عليك، وميصحش بردو الست مننا تعلم على راجلها.
كان الجمع قد انفض من حولهم ليتركوهم وحدهم منذ أن تبادلوا خواتمهم، وعندما استمعت أذناه إلى كلمتها الأخيرة حتى اقترب قليلا وهو يسألها ببلهاء:
إيه ده، يعني انتي اعتبرتيني راجلك يا بطتي؟
خلاص؟
أجابته ببسمة خجولة:
طبعا، راجلي وخطيبي وكل حاجة حلوة.
صفق على يده بسعادة لكلمتها:
أوبا، الحلاوة واللسان الحلو والطبطبة حضرت يابشرية، على النعمة انت بطل يا مس ايجيبت وهتتقطعي ياسوسو.
ضحكت على كلمته الأخيرة:
يوه، لسه تلت سنين ياحبيب سوسو.
يخربيت جمال أم شفايفك اللي نطقت حبيب، إنتي يابت جننتيني وربنا، أكاد من فرط اللهفة أذوب يا بطتي.
وظلا كلاهما يشاغب الآخر والوقت بينهم يمر سريعا، وهكذا بوصلة السعادة تمر كالهواء، ولكن أثرها ولذتها يظل مطبوعا في النفوس.
في منزل أدم ومكة، فاليوم عيد ميلاد أنس، ذاك الطفل الصغير الذي ملأ حياتهم سعادة وبهجة، فقد قام أبيه بعمل حفلة كبيرة عزم فيها أصدقائهم المقربين وشقيقته هند وأبناء خالاته وأبناء عمه.
ارتدت مكة ملابسها وعدلت من هيئة نقابها، ولكن من تسرعها لم تضبطه كما التمام، فهي كانت مشغولة مع طفلها في أن يظهر بأبهى صورة، فهي تهتم به بشدة.
حتى سبقته تجاه الباب وهي تحمل طفلها:
يالا يا أدم، احنا جاهزين أنا وأنوسة علشان الضيوف على وصول.
كان قد رأى ملامحها المنعكسة في مرآة الباب، فاقترب منها أدم ليزمجر بحدة عندما دقق النظر في وجهها كي يتفحص هيئتها:
خدي يا بابا ارجعي، هي الحلوة مش واخدة بالها من عيونها المرسومة بالكحل، وبعدين إيه اللون الفاتح اللي انتي لابساه ده، ملفت للنظر جداً. إنتي ليه مورتنيش اللبس اللي انتي هتلبسيه قبل ما تفكري تلبسيه.
نظرت لهيئتها في المرآة، وجدت أن اللبس فضفاض وخمارها يداري صدرها، وحقاً عينيها جذابة، فهتفت باعتراض:
مالو اللون ده، مينت جرين، وأني هحب اللون دي قوووي، ولبسي فضفاض أهو وخماري طويل، وإذا كان على عينيا، فمحدش هيبص لي ويتنح لي علشان لون عينيا بس.
لم يعجبها اقتناعها باللون بتاتا، ونطق مبديا اعتراضه بطريقة راقية مهذبة:
معلش يا أم أنس، أنا اللون مش بالعه وحاسس إنه لافت النظر ليكي أووي، وبصراحة أكتر الحفلة فيها ولاد عمي ودول عينيهم زايغة أووي، فمش حابب إن حد يشوفك بالشكل المغري ده، حتي لو كان محتشم، فالألوان الفاتحة دي مش حابب انك تخرجي بيها تاني.
تحاورت معه بنفس طريقته المهذبة:
أني أه منتقبة ولبسي فضفاض، لكن مش من النوع اللي بيرفض الألوان، وانت عارف اني بلبس كل الألوان طالما لا تشف ولا تصف، زي ما سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا.
تبسم بحنو وهو يحاوط كتفيها بكفاي يديه ليعلنها صريحة أمام عينيها التي جذبتها له في أول لقاء:
طيب انتي مش عارفة اني أول ما تشديت ليكي وحبيتك كان من عنيكي، كان فيهم سحر وقوة غريب سحبوني بطريقة لا توصف، ومن وقتها وأنا بقيت أتخيل شكلك من لون عنيكي، وأنا بصراحة أكتر من وقت ما ابتديت أقرب من ربنا والتزمت بقيت بغير عليكي أكتر، فمش حابب إن حد يشوف عينك ولا يحدد لونهم، هما بتوعي لوحدي ومن حقي.
ثم أدارها حول نفسها حينما تمسك بكف يديها وأكمل رفضه بطريقة راقية كي لا يشعرها بالتملك أو فرض سيطرته وهيمنته عليها:
أما بقي الدريس ده ملفت قووي ومبين انك أنيقة وجميلة ولونه فاتح، يا موكتي، بلاش الألوان المبهجة قووي دي، خليها في بيتنا أحسن.
كان الطفل يلهو ويتحرك ببطئ حولهم، فهو قد بدأ يتعلم المشي أخيراً، وهو يتمسك بجلباب أمه منادياً عليها بتهتهة:
ماماماما، شيل نوس.
وظل يردد الكلمة حتى حمله أبيه مشاكساً إياه:
يعني واخد بالك من ماما ومش واخد بالك من بابا يا أنوس؟ ولا انت بقي هتطلع بن مامي وبابي في الهامش؟
وأكمل وهو ما زال ينظر إلى هيئتها الجميلة حقا:
ولا انت بقي واخد بالك من جمالها وأناقتها وغيران عليها زي بابي وعايزها تغير اللبس علشان منتأخرش على الناس؟
مطت شفتيها للأمام بدلال مصطنع وقد رفعت نقابها على رأسها وهي تهتف بقلة حيلة:
بس هو عاجبني يا دومي، ومتحاولش تخليني أضعف أو تأثر عليا بكلامك ونظراتك، ويالا بقي علشان منتأخرش على الناس.
لم يسمع كلامها وأخذ طفله وذهب به ناحية التخت وأجلسه عليه كي يظبط له رابطة عنقه الخاصة بالأطفال ورباط حذائه كي يكون في أبهى صورته وهو يردد بتصميم:
عندي استعداد أقعد لك هنا لحد الصبح وأمشي المعازيم ونحتفل لوحدنا، ولا ابن خالي ولا ابن عمي، أهو أحسن بردو.
دبت قدمها أرضا من تحكمه:
يوووه حرام عليك، لسه هقلع وألبس وأختار من جديد.
أهو إنتي اللي يتضيعي الوقت يا روحي، أه اقلعي والبسي براحتك خالص، أهم حاجة أبقي مرتاح.
حرام عليك يا آدم بجد، تفرهدني جداً.
رضا جوزك من رضا ربك يا أم أنس، والفرهدة دي هتاخدي عليها ثواب عظيم، هو أنا اللي هقول لك يا موكتي ولا إيه، علمناهم التدين سبقونا على الأبواب.
وافقت طلبه على مضض لتنزع حجابها ونقابها وخلعت ذاك الفستان، فوضع الطفل على التخت وبيده لعبته، ثم التقط الفستان على الفور ووضعه ضمن قائمة الفساتين المحظور عنها ارتدائها، فهو تزداد غيرته كل يوم عن ما قبله، وهي تنظر لفعلته بشفاه ممطوطة وحسرة على ذاك الفستان، فهي أحبته بشدة.
ثم وقف خلفها محتضناً إياها من خصرها بتملك ليهمس بجانب أذنها بنبرة ذبذبتها:
هنقي معاكي هتلبسي إيه يا بابا، خدي رأيي وذوقي هيعجبك قووي.
حاولت الإفلات من يده:
طب ابعد بس، الولد قاعد عيب لما تقرب بالشكل دي قدامه.
بس بقي الولد صغير يا بابا ومش فاهم حاجة خالص، تصدقي الوضع كده مريح وخلاني أشتاق.
يختييي يابني الناس بدأت تيجي تحت، بطل بقي حوارتك اللي مهتنتهيش داي عاد.
مالها حواراتي، ده إنتي بتدوبي فيها وبتبقي ملهوفة كمان، ولا هتنكري يا حبيبي.
تململت بين يديه وهي تشعر بسخونة وجهها خجلا من همساته ولمساته، وهي تنظر إلى الطفل ووجدته يلهوا في لعبته المفضلة:
طب وهو ينفع الدوبان والسيحان دي دلوقتي؟ ابعد يا بابا وبعدين نشوف الحوار دي بعد حفلة أنوس اللي انت عايز تبوظها.
حلو قووي، مش هبعد إلا لما أخد عهد ووعد، ده من ساعة أنوس ده ما جه الدنيا وأنا وانتي مبنعرفش نتلم على بعض يا هرابة.
الله، ماهو أنوس بيعيط علطول وانت بتشوف بنفسك هو قد إيه ساحلني معاه.
بس بقي يا بكاشة، ده غلبان وطيوب طالع لبباه، وكمان بقول لك سيبيه مع المربية شوية وانتي بترفض وبتتحججي علشان تهربي مني.
اتسعت عينيها وهي تصطنع البراءة:
مين دي أنا! انت ظالمني وواخد عني فكرة وحشة خالص يا دومي.
داعب أرنبة أنفها ليهتف بنبرة عابثة:
ما بلاش دومي دي وتمدي لي شفايفك الحلوين دول بريحتك الرائعة دي في ساعة كلها مسؤليات يا بابا، ويا أما أخد عهد ووعد دلوقتي يا أما هنفضل كدة، معنديش مانع خالص.
انت استغلالي على فكرة ومعندكش احساس بحقوق ابنك عليك وبتفكر في مزاجك أكتر منه.
أنا! ده من ساعة الباشا ده ما شرف الدنيا وهو اللي واخد حقي وقلبي وعقلي وراحتي وهنايا فيكي ومعاكي، وأنا مصمم يا العهد يا بلاش، حاجة غيره متزحنحاش.
طيب يا أدم، هعمل في إيه لو عيط كالمعتاد ولا صوت وعايزني، انت عارف هو قد إيه متعلق بيا؟
نسيبه لنسمة المربية بتاعته ويبات معاها كمان.
نعم! يبات بعيد عن حضني، مش هيحصل أبدا طول ما أنا عايشة، انت بتحلم يا بابا.
ليه هو كان امتلك حضنك وأنا أروح آكل بطاطس محمرة ولا إيه!
وطالما بحلم بقى يبقي أحقق الحلم دلوقتي
لم تفهم معنى كلماته إلا حينما وجدته.
نظر إلى الصغير وجده قد غفى مكانه فابتسم بمكر وانتصار وهو يحملها تجاه التخت مردداً بعبث:
طب حلو أنوس نام أهو ومعنديش مشكلة خالص أخلص منك حقي تالت ومتلت دلوقتي لحد ما يصحى.
ــ هااااااا وسع يامجنون الناس مستيانا تحت.
ــ والله ما يحصل يا دلوقتي يا العهد أنا حر بقي في مراتي وأنوس ده بقي هفوق له علشان أعرف أمارس ممتلكاتي.
ــ خلاص خلاص خد العهد والوعد وسع بقي علشان أشوف هلبس ايه ده انت مكار بير ولئيم كماني واستغلالي ها.
قبلها بجانب شفاها بنهم وهو يتمتم أمام ساحرتيها اللتان تجعله واقفاً أمام سحرها مسكيناً في غرامها المتيم:
ــ وماله الاستغلال في الحب حلو أوووي بيجيب مفعول رهيب يا أم أنوس.
ثم قام عنها وهو يسحبها تجاه غرفة الملابس وسحب ذاك الفستان باللون البنّي القاتم:
ــ خدي يا روحي اخترت لك ده جميل وهيبقى حلو قوي عليكي.
نظرت الى الفستان بعدم رضا وهي تنطق برفض:
ــ حرام عليك عايز تلبسني الفستان ده ولا له شكل ولا منظر وبقى له سنين حداي في الدولاب اكده ظلم على فكرة.
ــ بس يا ماما ظلم ايه البسي ده انت هتبقي قمر فيه وهتشوفي وبعدين انا ذوقي ما يختلفش عليه اتنين ويلا انجزي بقى انت اللي بتضيعي في الوقت أهو مش أنا.
نظرت اليه مرة وإلى طفلها مرة أخرى ولهيئتهم الخاطفة للأنفاس وهي تدب قدمها باعتراض:
ــ دي ظلم على فكرة وكمان لما تبقى انت وهو لابسين ومتشكين وقمرات قوي اكده اللهم بارك واني ابقى شكلي وحشة وسطكم ولبسي قديم حرام عليك يا آدم.
وضع الفستان في موضعه مرة أخرى ثم انتقل إلى آخر كان قد اشتراه معها منذ شهر كي يبطل حجتها وهو يمد يده لها به:
ــ ولا تزعل نفسك يا حبيبي نرمي القديم وخدي الجديد ده عشان ما يبقالكيش حجة يا أم أنس.
شهقت حينما رأت ما انتقاه لها وهي تنطق بعدم تصديق:
ــ هاااااا!
بقى عايزني ألبس ملحفة في عيد ميلاد ابني الأول وسودا كمان!
والله لا تخرج من الأوضة دي وهلبس اللي على كيفي يا ادم. واديني قلعت اللي انت مش عايزني البسه، يعني مليكش حجة واصل.
خرج من أمامها كي لا تتعصب أكثر من ذلك، ولكن نبهها قبل أن يتحرك:
ــ طب ماشي تمام، هسيبك تختاري اللي على كيفك. بس أهم حاجة بلاش الحاجات اللي أنا كنت محذرك عليها قبل كده، وانتِ عارفاهم كويس. ويلا بقى عشان انتِ معطلانا قوي.
اعترضت على كلماته الأخيرة:
ــ أني بردو اللي معطلاكم! ربنا يسامحك يا شيخ.
ابتسم لها بمكر وهو يرسل لها قبلة في الهواء، ثم دارت عينيها على ملابسها كي تنتقي منهم ما يحلو لها. فابتسمت بمكر وهي قررت أن ترتدي ذاك الفستان بلونه اللافندر، ولكن تفاصيله هادئة للغاية. ثم ارتدته وارتدت النقاب، وعدلت هيئته وخرجت له. وكاد أن يعترض إلا أنها لم تمهله فرصة على اعتراضه. ثم تأبطت ذراعه، وبالأخرى كان يحمل طفلهم. وحقاً كانوا مميزين للغاية في جمالهم.
هبطوا الأدراج، وما إن رأتهم هند حتى انطلقت إليهم وهي تسلم عليهم بتعجل، وتنظر إلى أنس بلهفة شديدة، فهي لم تراه منذ شهر. وبدأت تقبله من وجهه وتدغدغه بسعادة:
ــ حبيب عمتو اللي وحشني خالص! اخص عليك يا انوسه، بقى كده ما تقولش بابا نروح لعمته اللي ما جيتليش بقى لها شهر؟ أنا زعلانة.
اعتذر لها ادم بتبرير:
ــ معلش والله يا هنودة، حقك عليا. انس كان تعبان، كان واخد دور برد شديد، فعلشان كده ما قدرناش نيجي زي ما وعدناكي. بس يا ستي اوعدك إننا هنيجي لك لحد قنا ونقعد معاكي كمان يومين. عشان سكون قربت تولد، تقريبا قدامها كذا يوم وتولد. فهنقعد هناك قد أسبوعين كده علشان مكة تبقى جنب اختها.
قبلت أعذارهم، ثم بدأوا يتنقلون بين المعازيم كي يرحبون بهم. فمكة تناولت السيدات وآدم تناول الرجال. وكان من ضمن الرجال الذي ينظر لمكة بعين تريد أن تكشف ما وراء النقاب، وهو يقول لأخيه، ولم يكن إلا ابن عم آدم ذو السمعة السيئة، وخاصة في حوار النساء. ولم يكن يرى آدم الذي أتى خلفهم كي يرحب بهم، واستمع إليه يقول:
ــ شايف البت بتلمع من برة وشياكة في لبسها. نفسي أعرف مدارية إيه ورا البتاع اللي هي لابساه ده. أكيد المزة دي فورتيكا، وإلا ما كانش ابن المحظوظة ده وقع في إيديه. أكيد حاجة مستوردة من بلاد برة دي، طالما مدارية نفسها قوي كده.
أجابه الآخر بنفي وهو ينظر لها نفس نظراته الوقحة:
ــ اسكت يا أهبل. بلاد برة إيه دي، دي من الصعيد. يعني حاجة تكيف الدماغ وتخلي الواحد منا محتاج قوة عنتر عشان يقدر يبارز بنات الصعيد وشراستهم. دي تبقي على السرير رهيبة، آخر جمدان بنت الذين دي.
لم يتحمل الآخر طريقتهم، وعلى حين غرة وأمام أعين الجميع، باغت أحدهم بلكمة قوية. ولم ينتظر، وباغت الآخر بنفس اللكمة، وهو يردد لهم بصوت منخفض كي لا يسمع الموجودين وتكون سيرة زوجته على لسانهم:
ــ وربنا يا كلب منك ليه، لا هخليكم تشحتوا ومش هسكت. ولا هرتاح إلا لما أدخلكم الزنزانة على اللي سمعته منكم. بقى بتبصوا لمراتي، لمرات أخوكم يا كلاب؟ ما أسمعش نفس واحد فيكم خالص، وتطلعوا بره من هنا من السكات يا زبالة منك ليه.
هرولت إليه شقيقته حينما رأت المنظر، وهي تبعده عنهم وتنهره على فعلته:
ــ ليه كده يا ادم؟ إيه اللي حصل عشان تمد إيدك عليهم وتفرّج الناس عليكم بالمنظر ده؟
كان ينهج بشدة من خناقه مع هؤلاء الثيران:
ــ لو سمحت يا هند، ما تدخليش في الموضوع ده. والكلاب دول لازم يخرجوا من هنا دلوقتي.
ــ يا ادم، عيب. دول ولاد عمنا، الناس هتقول علينا إيه؟
ــ ما ليش علاقة بالناس. انتِ ما تعرفيش هم عملوا إيه.
ــ شايف يا ادم الموبايلات اللي متوجهة عليك، واللي حصل اتصور من البداية وهتبقى حديث المدينة لمدة لا حصر لها. كنت امسك نفسك عن بجاحتهم يا أخي لبعدين.
لم يتحركوا إلى الآن، فأتت مكة مهرولة هي الأخرى كي تطمئن عليه. وحينما رآها تقترب من هؤلاء الأوغاد، هدر بها هو الآخر، فلم يتحمل أن يسمعوا حتى صوتها:
ــ متتكلميش خالص، وخذي أنس واطلعي على فوق فوراً.
بحَلقت به بذهول حينما هدر بها، وكادت أن تنطق إلا أنه أخرسها:
ــ متتكلميش، واتفضلي اطلعي على فوق فوراً. مسمعتيش؟
أدمعت عينيها من تحت نقابها، وانقلبت لحظات سعادتهم إلى تعاسة. وأخذت طفلها وصعدت إلى الأعلى، وكل ذلك صورته شاشات الهاتف. والفضائح أصبحت لذاك الآدم بالكوم لا حصر لها. فعنفته هند:
ــ الله مالك يابني؟ انت طايح في الكل كده ليه؟ ولا هامك حاجة. هو انت في إيه بالظبط اللي انت بتعمله ده؟ غلط.
نظرت هند إلى أبناء عمها تسألهم:
ــ هو في إيه يا ماجد انت ورامي؟ عملتوا إيه خليتوه اتجنن كده؟
نطق أحدهم باستعلاء:
ــ شوفي أخوكي هو اللي عمل إيه وبدأ بالغلط وأهاننا في بيته وعلى مرأى ومسمع من الناس. واللي حصل مش هيعدي بالساهل. وزي ما عمل فينا كده في بيته وقدام الناس ومحترمناش كضيوف، حتى إحنا كمان مش هنحترم إننا ولاد عم وهناخد حقنا تالت ومتلت. وإن ما خليته يجي راكع، مبقاش أنا ماجد.
هجم عليه آدم مرة أخرى:
ــ انت بتقول إيه يا كلـ.ـب يا حـ.ـقير؟ انت كمان ليك عين تتكلم وتهدد؟ يا بجـ.ـح! ده انت هتدخل قبرك النهاردة يا زبـ.ـالة منك ليه.
منعته هند وهي تجزم بأن أيامهم القادمة ستكون بينهم سواد. ثم نظر إليه ماجد بجحيم، وهسهس بصوت خفيض يشبه الجحيم:
ــ أنا هوريك الكـ.ـلب الحـ.ـقير هيعمل فيك إيه، ومين فينا اللي هيدخل التاني قبره.
ثم نظر إلى أخيه آمراً إياه:
ــ يلا يا رامي، ما لناش وعيد في البيت اللي إحنا اتهانا فيه ده. شكل الفنان عيشة الفلاحين علمته قلة الذوق.
إلى الجميع ينظرون إليهم في ذهول. أحدهم يشاهد الموقف في صمت، والآخر يتهمهم مع صاحبه. وكثيرون يلتقطون الموقف بهواتفهم. ولم يبتعدوا بشاشاتهم منذ أن بدأت الاشتباكات. وانقلبت الفرحة لمأساة حقيقية، صار فيها أبناء العمومة كالأعداء اللدودة. وصار الموقف محتدماً للغاية.
بعد أن غادر الجميع، وقص آدم لشقيقته ما حدث، حتى ذهلت:
ــ انت متأكد إنك سمعت منهم كده يا آدم؟ يمكن فهمت كلامهم غلط.
أكد لها وهو ما زال يغلي بنيران تشتعل بداخله:
ــ يا بنتي، زي ما قلت لك بالظبط. سمعتهم باللفظ بيقولوا على مراتي كده، وبيتغزلوا فيها بوقاحة. يا درجة إن واحد فيهم قال كلمة "فورتيكة". بقى أنا مراتي يتقال عليها الكلام ده ومن ولاد عمي؟ هم أصلاً سافلين من زمان وما بيعملوش اعتبار لأي حد، وعينيهم زايغة لأبعد درجة. بس ما كنتش متخيل إنهم يبصوا لمراتي. أنا ابن عمهم، والله ما هسيبهم.
ــ عيد الميلاد باظ بتاع الولد، واللي واقفين صوروا من أول اللي حصل. ربنا يستر، أنا مش مطمنة. وكمان مراتك طلعت زعلانة فوق بسبب إنك زعقت لها بطريقة جامدة قدام الناس.
ــ معلش يا هند، اطلعي طيبي خاطرها. لأن أنا دلوقتي حالتي ما يعلم بها إلا ربنا. مش هقدر أتكلم مع أي حد. هي ملهاش ذنب في اللي حصل. بس كل حاجة ما كانتش مترتبة. أنا مش عارف الدنيا عاملة معايا كده ليه. في عز فرحتي ألاقي صدمة تخليني أتكدّر بالشكل ده، أنا واللي حواليا.
كادت هند أن تصعد إلى الأعلى، إلا أنهم رأوها وهي تهبط الأدراج بحقيبتها هي وابنها. فصعق على الفور ليذهب إليها متسائلاً باستنكار:
ــ انتي إيه اللي بتعملي ده؟ واخده شنطتك ورايحة على فين؟ هو انت مش متحملة زهقي؟ وما تعرفيش إيه اللي وصلني للدرجة دي في ثانية كده تطلعي تعبي شنطتك وتمشي؟ أنا نفسي أعرف انتي بتفكري إزاي.
لم يعجب هند طريقه، فهدرت به:
ــ ممكن تهدى لو سمحت. إيه هو انت طايح كده ما حدش قادر يسكتك؟ لو سمحت يا ادم اسكت بقى.
بكت مكة بسبب طريقته التي تفاجأت بها اليوم، ولم تعرف ما الذي حدث لكي تفسد فرحتهم باحتفالهم بميلاد ابنهم بتلك الدرجة. فاقتربت منها هند وسحبتها إلى أحضانها:
ــ معلش يا مكة، الموقف صعب جداً وانتِ ما تعرفيش اللي حصل. وصلوا للدرجة دي؟ أنا ذات نفسي لما عرفت عذرت والله. مش عشان أخويا بدي لك أعذار، بس اللي حصل فعلاً ما كانش ينفع يسكت عليه.
لم تتحمل مكة طريقته، فطلبت من هند بتوسل:
ــ أرجوكي يا هند، خديني معاكي قنا وانتي ماشية لماما. مش هقدر أستحمل طريقته وعصبيته. عشان انتي ما تعرفيش أخوكي وقت العصبية بيبقى عامل كيف، ما بيشوفش قدامه واصل ولا بيقدر يتحكم في أعصابه. وإيا كان اللي حصل، ما كانش ينفع يزعق لي قدام الناس وكأني من الخدم بتوع حضرتهم. مهما كان الموقف، كان المفروض يحترمني. ونسي إن الكاميرات كلها كانت متوجهة علينا. شكلي هيبقى إيه قدام اللي بيتفرجوا علينا وجوزي بيزعق لي بالطريقة دي، وهم ما يعرفوش السبب إيه. كان لازم يتحكم في تصرفاته أكتر من كده.
لم يتحمل طريقتها في الكلام، فهو الآن كما يقال: اتقِ شر الحليم إذا غضب. وبسبب ثرثرة هؤلاء الأوغاد، وهو لم يستطع نسيان كلامهم:
ــ هو انت يا بنتي ما عندكيش حبة عقل؟ لما تشوفي جوزك متعصب من حاجة انتِ ما تعرفيش إيه اللي حصل ولا إيه اللي اتقال، عشان تحكمي إني أزعق أو ما أزعقش؟ يا ماما، تغور الناس على الفيديوهات على كل حاجة. واللي يحصل يحصل.
هنا هتفت هند وهي تضع يدها في يد مكة:
ــ طب معلش يا ادم، أنا عارفاك وقت عصبيتك زي ما هي ما بتقول. أنا هاخدها معايا وهرجع لك تاني. أو ممكن انت تيجي لنا بكرة الصبح. عشان أنا عارفة إنكم لو قعدتوا مع بعض الليلة هيحصل مشكلة. هي مش هتتحمل طريقتك ولا انت هتبطل عصبيتك دي. وبرضه كان لازم تتحكم في أعصابك أكتر من كده.
برقت عيناه بصدمة من كلام أخته هي الأخرى، لينطق بنفاذ صبر:
ــ هو انت في إيه انت كمان؟ أنا مش قايل لك هما قالوا إيه؟ الكلـ.ـاب دول! انت مش مستوعبين واحد يسمع الكلام ده على مراته؟ مش عايزين يخرج عن شعوره بأي منطق وأي عقل بتفكروا منه؟ مع السلامة انتوا الاتنين.
هند تعلم غضب أخيها وتحفظه عن ظهر قلب. ولذا من الأسلم أن تأخذ مكة ويبتعد عنه، فهو وقت الغضب يحبذ أن يكون وحده ويهدئ حاله بحاله. وبعدها ستحل الأمور المعقدة. أما هو، شعر في خروجهم من المنزل بحزن شديد، ولكن اختفت معالم الحزن وتبدلت إلى معالم الانتقام من هؤلاء الأوغاد الذين أتوا بسيرة زوجته بتلك الطريقة الوقحة المهينة.
وسافرت مكة إلى قنا وقلبها مخيم بالحزن الشديد مما حدث. وكذلك هند ستواجه عاصفة قوية من الإعلام والسوشيال ميديا وجميع المواقع، غير انتقام أبناء عمومتها من أخيها. ويبدو أن القادم عاصف.
اتى اليوم المنتظر أخيراً، يوم ولادة سكون. حيث أصبحت ذات جسد سمين للغاية وشكلها تغير تماماً بسبب سمنتها الزائدة عن اللازم. ويرجع ذلك إلى أبنائها الثلاثة المقتحمين أحشائها بأوزان لا بأس بها، قد أخبرها بها الطبيب. كانت هي وعمران تلملم أشياءها التي ستحتاجها في ولادتها، وهي تترجاه:
ــ خلاص هتوديني بقى على بيت ماما بعد الولادة على طول، عشان أقعد في وسط ماما واخواتي البنات. وكمان مكة هنا أهي جت بالصدفة الحمد لله.
رفض عمران بشدة:
ــ لا يا بابا، ما تحاوليش. إني قلت لك بعد الولادة هتيجي على أهنه على طول. وشوفي عاد هجيب لك واحدة واتنين وتلاتة يخدموكي، وغير طبعاً أمي. لكن إنك تروحي عند والدتك ده مستحيل. أنا عايزك انتِ وأولادي في بيتي.
مطت شفتيها للأمام بحزن وهي تترجاه:
ــ يا عمران، ما تنشفش دماغك. خليني أروح لماما. أنا بجد عايزة أكون في وسطها هناك. هي واخواتي، وكمان ماما مش هترضي تيجي أبداً تقعد معايا أهنه كتير. ولا أخواتي هياخدوا راحتهم وياي. وكمان مش هيباتوا معايا. أما في بيت ماما كلنا هنتجمع مع بعض وهبقى حاسة إن التعب هيخف وسطهم.
نظر إليها بحزن هو الآخر، ليقلب الموقف لصالحه بدهاء:
ــ أكده يا سكوني، هتزعليني منكِ؟ هو إني مش هقدر أهون عليكي التعب؟ أكنك هتحسي بالتعب وإنك وحيدة في وجود عمران؟ ما كنتش متخيل منك إنك تقولي كده. إني بجد حزين منك ومن كلامك. حسستيني إني مليش قيمة عندكِ.
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة وهي تشعر بفداحة خطأها، لتصحح مفهومه سريعاً:
ــ والله أبداً يا عمران، انت فهمت غلط خالص. انت عارف انت بالنسبة لي إيه؟ انت روحي والنفس اللي إني بتنفسه. ما تفهمنيش غلط. أرجوك. كل الحكاية إني هكون حاسة بالارتياح وقت تعبي وسط ماما واخواتي. ده كل اللي إني أقصد.
تحدث عمران بدهاء كي ينزع فكرة ابتعادها عنه طيلة تلك الأيام، هي وأبناؤه الذي يتوقى لحملهم بين يديه:
ــ خلاص يا سكون، الكلمة اللي اتقالت في الأول طلعت من قلبك. ما تحاوليش تصلحي حاجة انتِ قلتيها من قلبك. وعموماً براحتك. بس لازم تعرفي إني هبقى زعلان ومش مرتاح. ولا هبقى حاسس بطعم السعادة وانتِ هناك. إني عايز أفرح بأولادي وياكي في بيتنا وفي أوضتنا. عايز كل تفصيلة معاهم في بدايتهم تكون أهنه في عشّنا الجميل اللي زي مشاهد على تعبنا واشتياقنا للحظة دي. يشهد برضه على فرحتنا بوجودهم. ما هي لحظات الحزن مش هتتسجل أهنه، ولحظات السعادة ملهاش نصيب عشان نفتكرها. وتفضل لحظات الحزن هي اللي في دماغنا. براحتك. اعملي اللي على كيفك.
تراجعت عن قرارها سريعاً عندما رأت حزنه واستشفته بجدارة. فهي لن تتحمل عدم ارتياحه مهما كان. فهو تحمل لأجلها ما لا يتحمله أي رجل. ولذلك ستتنازل عن قرارها وهي تسحبه لأحضانها بحنو:
ــ لا يا حبيبي، وأنا ما يرضينيش زعلك ولا يرضيني عدم راحتك. خلاص بعد ما أقوم بالسلامة إن شاء الله، نيجي على هناك. وانت بالنسبة لي الدنيا وراحتها وأمانها وسكنها ودفاها. انت بالنسبة لي كل حاجة حلوة. وتكفيني عن العالم كله، وتكفيني عن أي احتياج لأي شخص. انت وبس.
شدد على احتضانها بسعادة وهو يشعر بالانتصار لعشقه المتمكن في قلب السكون. لينطق هو الآخر بصوت أجش خشن متأثراً بكلامها:
ــ ياه يا سكوني، قد إيه أنا محظوظ بيكي. قد إيه ربنا بيحبني إنك في حياتي. أنا بجد نصيبك الحلو في كل حاجة في الدنيا أخدتها فيكي. انت كل إحساس بالقهر عيشته زمان، ربنا جبرني ونسيته على إيدك انت. ربنا يبارك لي فيكِ ويقومك بالسلامة، ونشوف ولادنا ونلمسهم ونحضنهم ونشم ريحتهم ونتمسك بيهم قوي ونربيهم بكل الحب. عشان اللي جمع ما بيني وما بينك رباط قوي مش موجود بين أي اتنين. رباط عشق العمران للسكون.
ظل ساكنين في أحضان بعضهما البعض باشتياق ولهفة لم تقل مهما مر الزمان ومهما مرت الأزمات عليهم. والآن أكملت سكون حقيبتها. وأخيراً انطلقت هي وعمران إلى مصيرهم السعيد بكل قلب مطمئن إلى الطبيب الذي ينتظرهم. وكانت تصحب معها والدتها واختها مها وزينب والدة عمران وسلطان أيضاً. وجميعهم الفرحة تملا قلوبهم. وأخيراً سيحملون أبناء عمران وسكون على أيديهم، والبهجة والسعادة ستملا قلوبهم. فكانت علامات السعادة على زينب تكاد تقفز من عينيها. وأخيراً وبعد عدة ساعات وصلوا المشفى. ودلفت سكون إلى غرفة الولادة، وعمران وجميعهم في الخارج يقفون بقلب يرجف خوفاً طبيعياً في تلك اللحظات.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثامن والستون 68 - بقلم فاطيما يوسف
دلفت سكون إلى غرفة الولادة وعمران وجميعهم في الخارج يقفون بقلب يرجف خوفًا، طبيعي في تلك اللحظات الصعبة. كان عمران يجوب الطرقة ذهابًا وإيابًا بقلق، وزينب هي الأخرى على نفس قلقه. فوقفت شقيقته حبيبة الكبرى بجانبه وهي تدعمه، فهي قد سافرت معهم كي تقف بجانب سكون بدلًا عن رحمة نظرًا لمتابعة علاجها.
"متقلقش يا أخوي إن شاء الله هتقوم بالسلامة، بس عشان هي بسم الله ما شاء الله تلاتة توم فهتاخد وقت، خليك ماسك أعصابك شوية. أمك كمان قاعدة على أعصابها مش قادرة تمسك نفسها."
حرك رأسه للأمام بتوتر.
"حاضر، بس غصب عني. الله المستعان، ربنا يجبرها ويقومها بالسلامة يا رب."
بعد مرور نصف ساعة، خرج الطبيب وهو يحمل في يده اليمنى أحد الأطفال واليد الأخرى الطفل الآخر، وبجانبه ممرضة تحمل ابنته. هرول الجميع إليهم: زينب وسلطان وعمران وحبيبة.
وقف عمران أمام الطبيب ينظر إلى أبنائه بعينيه المتلهفة وتصنّم عليهم وهو لا يصدق أنه الآن يرى قطعة منه متجسدة أمامه بعد ذلك العناء. كان يتنقل النظر بينهم وقلبه يدق بداخله بعنف شديد، فلم يكن يتوقع أن إحساسه بالأبوة من أول وهلة سيكون بتلك الدرجة من المشاعر القوية، وأن تلك المشاعر لها من المعاني ألف معنى ومعنى.
قرأ الطبيب مشاعره بسعادة غامرة لأن ربنا جعله سببًا في سعادة تلك العائلة، ثم ردد أخيرًا بمشاغبته:
"مبروك يا صعيدي، أخيرًا فيه هيتقل. وإن شاء الله هتصل بيك قريب اتصال مخصوص عشان أطمن على حالتك النفسية والعصبية."
كان عمران في عالم آخر، ولكن انتبه إلى كلمات الطبيب فشكر الله على عطاياه، ثم شكره هو الآخر.
"اللهم لك الحمد حتى يبلغ الحمد منتهاه. ألف حمد وألف شكر ليك يا رب. طمني على سكون ما خرجتش ليه؟"
طمأنه الطبيب.
"ما تقلقش، الدكتورة بخير، العملية تمت بنجاح، بس الدكاترة بيقفلوا الجرح وكمان ربع ساعة هتخرج بإذن الله."
تبسم بارتياح ليكمل امتنانه.
"تمام يا دكتور، تسلم يدك وتسلم دماغك وربنا يكملك بعلمه ويرزقك الفهم ويحسن ما بين إيديك يا رب."
ثم أكمل بنبرة قوية وهو لم يعلم ما القادم إليه مع هؤلاء الأطفال.
وما حجم المعاناة التي سيعانيها.
بنفس المشاغبة:
"ولا تقلق، كل ما ترن عليا بإذن الله هقول لك إني بخير وتمام والدنيا دايرة زي ما هي بالظبط."
ضحك الطبيب وهو يستمع إلى كلمات ذاك الواقف أمامه، وبالتأكيد ما هو إلا حلم يحلم به.
"أنت بتحلم حلم واسع قوي، هسيبك بقى تفرح بأولادك ومش هصدمك بالواقع يا صعيدي، بس لازم أأمنك أمانة إنك تعترف إنك لو اتوحلت وحلة الأبوة ونسيت غرام العمران والسكون وإنك مبقتش عارف تعيش حياتك."
رفع عمران حاجبه الأيسر وداخله يردد أن ذاك الطبيب يكبر الموضوع ويصعبه عليه.
"خلاص يا دكتور، اديتك الأمانة وإن شاء الله مش هيحصل."
أكد له الطبيب بعينيه المتسعتين بتحدي.
"هيحصل، وإن شاء الله لو حصل الدكتورة تجيلي عشان نتابع لحمل جديد، وده بقى عشان أنا هكسب التحدي المرة دي وهوحلك لك أكتر يا صعيدي."
ضحك عمران تلك المرة ليقبل التحدي، ويا ليته ما قبل.
"تمام يا دكتور، وأنا قبلت التحدي، وأهو كله خير وبركة."
ثم أخذ أبنائه من الطبيب واحدًا تلو الآخر، فحمل الولدان وهو يضمهم إلى أحضانه كي يشعر بدفئهم ويشم رائحتهم، وكأنه انعزل عن العالم بتلك الأحضان المختلفة عن أي أحضان أخرى، إنها أحضان زينة الحياة الدنيا.
فما أجملها! وما أحلاها! وما أدفأها!
كانوا بالقرب من قلبه الذي يدق فرحًا بعناقهم.
كانوا مثل الشمس الساطعة التي تنير الكون بعد عتمة وملأوا قلبه دفئًا وعافية، كما ترزق الشمس الدفء في عز البرد.
نظر إليهم بعين الأب والأخ والصديق وهو يبني في عقله مستقبلًا بارقًا، وعدهم في نظرته لهم بأشياء كثيرة، بأنه سيكون لهم الأمان في عز الحرمان، والعطاء في عز الاحتياج، والحنان في عز التشتت.
لم تستطع والدته الصبر أكثر من ذلك وهي تمد يدها بلهفة لهم، بعدما حملت الطفلة وقبلتها وأعطتها لابنتها حبيبة.
"هات بقى يا ولدي أسلم على أحفادي وأخدهم بين أحضاني وأشم ريحتهم وأخبرهم إني اتوحشتهم قوي، ما تبقاش قافش فيهم من أولها أكده، إحنا هنتخانق كتير."
كان متمسكًا بهم بشدة وهو لم يريد أن يفارقهم، فنظر إلى ابنته وهي في أحضان شقيقته فتلهفت لاحتضانها هي الأخرى، فأعطاهم بتمهل خوفًا عليهم لوالدته كي يعطيه ابنته نصيبًا من دفء أحضانه.
حملتهم زينب برفق وهي تجلس بهم أرضًا كي تستطيع عناقهم، وسعادة الكون بأكمله لم تكفيها، فهي الآن تحمل أبناء العمران بين أحضانها، أبناء ولدها الوحيد الذي حلمت بهم كثيرًا وكثيرًا، ولم تكن تتخيل أن عطايا الله ستكون بتلك الدرجة من العوض. وفي تلك اللحظة ندمت ندماً شديداً على تفكيرها وتسرعها عن المكتوب، وهي تغني لهم وكأنهم يفهموها ويسمعونها.
سوسة سوسة سوسة *** سوسة كف عروسة
سوسة واللي يصقف *** يستاهل مني بوسة
يستاهل مني بوسة
دقدق دقدق بكفوفك *** بكفوفك دشدش خوفك
دقدق دقدق بكفوفك *** بكفوفك دشدش خوفك
نفسي تكبرلي وأشوفك*** ماسك بيها الشموسة
بكفوفك دقدق دقدق*** عصفورة قلبي تزقزق
اسلملي كف محندق*** وضوافرينه فسفوسة
وضوافرينه فسفوسة
سوسة سوسة سوسة *** سوسة كف عروسة
سوسة واللي يصقف *** يستاهل مني بوسة
يستاهل مني بوسة
أما سلطان كان يجوب الطرقات بين الممرضات وهو يعطيهم من خيرات الله والنقود ما لا يعد ولا يحصى، سعادة بقدوم أحفاده وهم لم يصدقوا كل تلك الأموال التي نزل عليهم سلطان بها، وسعادة الكون تملأهم أيضًا، فقد جبرهم الله في يومهم هذا جبرًا لم يروه من قبل.
ضم عمران ابنته إلى صدره وهو يشعر تجاهها شعورًا آخر غير أشقائها، فإحساسه بها مختلف تمامًا، ولم يعرف ما السبب لذاك الشعور المختلف.
فمنذ أن ضمها إلى أحضانه وهو يشعر بالخوف عليها ويشعر أيضًا بأنها تحتاجه أكثر من أشقائها.
وحدث حاله وهو مازال يضمها برعاية.
"يا الله، ما هذا الشعور يا ربي تجاهك ابنتي الجميلة!"
فأنت لي مثل القمر تزين سمائي وأنا سأنير لك عتمتك.
كيف يتحمل قلبي مشاعري الملتهبة في عشقك يا ابنتي؟
كيف أتحمل وقع كلمة: "اشتقت إليك واشتقت إلى احتضانك وتقبيلك يا ابنتي!".
ألا تعلمين يا ابنتي أن لي قلباً ينبض بحبك؟
لم أكن أدرك أن السنوات القادمة ستكون شقية عن سنوات عجاف بنوتك ولا دفء روحك ولا أكسجين أنفاسك!
ولكن أعدك أن لن تنسيني أيامي أن أهبك قدر الحب والاهتمام الذي أهديتني إياه فور حملك بين يداي.
كان الموقف ككل فيه من البهجة والسعادة ما يكفي وما يبعث في النفوس تمني الخير والفرح للغير، فأخيراً جبر العمران وسكونه.
أقبل إليه والده وهو ينظر لاحتضانه لابنته مردداً بمباركة:
ــ مبروك عليك الولد يا ولدي وربنا يرزقك ويرزقنا برهم يارب. الولد غالي وتربيتهم مش هينة الله يعينك عليهم انت وأمهم.
ضم عمران ابنته إلى صدره وهو يرد على أبيه:
ــ الله يبارك فيك يابوي. يتربوا في عزكم انت وأمي وطول مانتو جاري مش هحس إني تعبان.
ربت سلطان على ظهره ليهتف بارتياح لطمئنته على ولده أخيراً:
ــ معلوم معلوم يا ولدي اعز من الولد وولد الولد. هتسميهم إيه إن شاء الله؟
تنهد عمران ببسمة ليجيب أبيه بحماس:
ــ إن شاء الله وبعد إذنك طبعاً يا ابوي هسميهم سليم وسكن وسيف على حرف واحد وبرضو حرف أمهم.
حك سلطان أسفل ذقنه وهو يحفظ الأسماء في خلده:
ــ عال عال أساميهم زينة ربنا يخليهم لك.
خرجت سكون من غرفة العمليات وذهبت إلى غرفة عادية بعد أن استعادت وعيها بالكامل. فجلس عمران بجانبها متمسكاً بيدها بعد أن قبلها بعشق، ثم اقترب من جبينها مقبلاً إياه وهو يبارك لها بعينين ينبع منها الفرحة:
ــ مبروك يا أم سليم. ولا أناديكي بأم سكن ولا أناديكي بأم سيف.
نطقت بوهن:
ــ اللهم بارك ربنا يحميهم يا رب. قل لي يا عمران ولادي حلوين وصحتهم كويسة اتأكدت من الدكتور؟
طمأنها بدعابة كي يرى ابتسامتها في عز وهنها:
ــ ما تقلقيش يا حبيبي التلاتة بسم الله ما شاء الله كويسين وصحتهم كويسة.
هو بعد اللي الحاجة زينب عملته وياكي العيال إزاي مش هيطلعوا حلوين، دي كانت واخدة بالها منك ومن صحتك عشان أحفادها يطلعوا على كيفها. حكم أمي هتحب العيال الشديدة اللي جسمها مليان وهتتباهى بيهم كماني.
هتفت سكون وهي تحذر عمران:
ــ لما تيجي تتكلم عن العيال لازم دايما على لسانك بسم الله. تبارك الله. اللهم بارك.
رفع حاجبه باستنكار:
ــ هو إني هحسد ولادي عاد!
إحنا هنبتديها خوف ملهوش لازمة من أولها ولا إيه؟
ولا أمي شربتك الحوار قبل ما تولدي وفطمتك هتقولي إيه وتعيدي إيه؟ بس إني بوهم يا سكوني وعيني ما هتحسدهمش ولا كلامي هيضرهم.
رفضت اعتراضه بشدة:
ــ آه عيني وعينك ممكن ينظروا للعيال من غير قصد واني ولادي تعبانة فيهم ومهتحملش أي ضرر يصيبهم.
ما زال عمران على استنكاره ولكن أراحها حينما رأى عصبيتها الشديدة الذي يراها لأول مرة، فهو عهدها دوماً هادئة ولم تتعصب بتلك الدرجة. لينطق بموافقة:
ــ حاضر يا سكون بس ما تتعصبيش وتضغطي على حالك أكده وانت لسه خارجة من ولادة مش هنبتديها من أولها ضغط أعصاب. هونيها على نفسك هتهون يا بت الناس.
ثم عاد لاستفساره مرة أخرى وهو يمرر يداه على وجنتها:
ــ ما قلتليش هناديكي بـإيه فيهم بالظبط؟
لاحظ تذمرها ليكمل ببسمة مشاغبة:
ــ اللهم بارك يا ستي على ما لساني ياخد على قوانين أم العيال.
والله وبقيتي أم العيال يا سكوني.
ابتسمت هي الأخرى:
ــ والله وبقيت انت كمان أبو العيال يا عمراني اللهم بارك.
وظلوا على حالتهم هو يهون عليها وهي تشاركه الحوار كي تنسى رحلة وهن على وهن. وأخيراً أتت اللحظة التي ستحمل فيها أبنائها وهي تتلهف شوقاً كما العمران لاحتضانهم.
تناوبت على حملهم واحد تلو الآخر وهي تتشبع منهم بقدر الإمكان. ولكن حينما تضع أحدهم وتحمل الآخر عيناها تتعلق به وتشعر بأن روحها فارقتها حينما ابتعد عنها.
يا الله من إحساس الأمومة إنه لرائع جداً!
فلم تكن تتخيل هي الأخرى أن يكون بتلك الدرجة من الجمال الاحتياج لكونهم صغارها ومسؤولون منها.
ستسمع منهم كلمة "أمي". سينادونها بأحب الأسماء إلى حواء. ستشعر معهم بإكمال نقصها. ستكون لهم كل شيء. ستحارب لأجلهم المستحيل كي تمضي بهم من مرحلة المهد صبياً إلى الشباب.
فلقد رزقها الله من الأبناء اثنين عوضاً عن الأخ والأب. ورزقها بإبنة ستكن لها أختاً ثالثة وصديقة وقطعة من روحها. وونيسة أيامها وجليسة لياليها ومنبع أسرارها. وصدراً حانياً في عز آلامها. كل تلك المشاعر اغتالت روحها بل وتوغلت في عقلها وسرحت بهم عمراً طويلاً وهي تتمنى أن تبقى جوارهم. فلأول مرة تخاف من الموت ولأول مرة تتشبث بالحياة بعدما تعلقت روحها بهؤلاء الأرواح الثلاث. ورابعهم كنزها الأكبر عمرانها الذي كان يتابع رؤيتها لأبنائه بشغف وينظر إلى عائلته الصغيرة التي من الله عليه بهم ويدعو الله أن يبارك لهم فيه.
بعد مرور أربعة أشهر على ولادة سكون، حيث كانت تحاول أن تجعل أطفالها يغفو ولو ساعتين كي ترتاح قليلاً. وبالرغم من أن زينب لم تتخلى عنها هي وخادمتها إلا أن سكون تحبذ أن تفعل جميع الأشياء الخاصة بأبنائها من نظافة ورضاعة بنفسها دون مساعدة أي منهم. فقط هم يحملوا معها ابنائها وكانوا يسهرون معها إلى أن انتظموا في نومهم ليلاً بعد أن نظمت موعد رضاعتهم بعناء شديد. وكل تلك المدة كانت بعيدة عن عمرانها الذي أوشك على الجنون من ابتعاد سكونه. فمنذ أن تزوجها من سنوات لم يبتعد عن أحضانها كل تلك المدة مما جعله دائماً تصيبه نوبات العصبية. وسكون تتحمله وهي تعلم ما الشيء الذي يؤرقه ولكن ما بيدها حيلة فهم أبناؤها ولابد أن تراعي.
واليوم هو سينهي تلك المهزلة فالصبر قد نفذ من صبره. دلف إلى غرفتهم التي اقتحمها أطفاله الثلاث وهو ينتوي أن ينقلهم إلى الغرفة الأخرى فقد وصل فيها كاميرات صوت وصورة ووضع شاشة كبيرة في غرفة نومهم كي تراهم وتطمئن عليهم. ولكنها لم تستطع الابتعاد عنهم مهما حاول معها. والآن سينفذ ما يريده إجباراً عنها.
خلع ملابسه وارتدى ملابس النوم. وخطي إلى التخت فقد كانا الطفلين سليم وسيف في تختهم الصغير وسكن تنام على تخت سكون المنتصف لتختي الطفلين.
اندهشت سكون من ولوجه إلى التخت وانتوى النوم فسألته بتعجب:
ــ أنت هتنام فين يا عمران؟ أنا خلاص نيمت الأولاد وعايزة أنام شوية. روح نام في الأوضة التانية.
وكأنها ضغطت على زر الانفجار لما يعيشه معها في تلك الفترة مردداً باستنكار لكلامها:
ــ أوضة مين اللي عايزاني أنام فيها لحالي يا دكتورة؟ إنتي اتجننتي ولا الولادة أثرت على نافوخك لا سمح الله! دي أوضتي لو مش واخدة بالك!
أو لو المدام نسيت إنها لها راجل ومتجوزة وله حقوق وعليها واجبات وأني مش هصبر أكتر من أكده.
لم تعِ بكلماته الأخيرة أي اهتمام فهي مصيبها من التعب ما يكفي ويفيض. وأصرت على قرارها بشدة لتقول بتبرير:
ــ معلش يا عمران الأوضة دي يدوب على قدنا أنا وسليم وسيف وسكن. يدوب ضميت السريرين على بعض والمكان واخدنا بالظبط.
اقترب منها وهو يهسهس بعدم تصديق وبعينين يكسوها الذهول:
ــ آه إمبراطورية حرف السين اتحدوا عليا وانتوا الأربعة عايزين تطيروني من عشي وهنايا!
حركت رأسها للأمام مع ابتسامة بلهاء:
ــ يا عمران دي هم كلهم سنتين عقبال ما الأولاد يكبروا وبعدين كل الأوضاع هتتصلح وكل حاجة هترجع لأصلها تاني وهيكونوا اتعودوا على كل واحد ينام في أوضته. وبصراحة قلبي ما يجينيش أسيبهم يناموا لحالهم واني هنا نايمة جارك.
اهتاج بشدة وهو يدور في الغرفة يميناً ويساراً لما قالته تلك السكون حتى أنها ارتعبت من هيئته وعينيه التي اشتعلت بالجحيم. وهو يقترب منها ممسكاً كتفيها متسائلاً بفحيح جعل قلبها يهوي بين قدميها:
ــ له بقى إني سكت كتير وبزيادة كمان تطنيشك ليا بقالك أربع شهور مش في دماغك؟ وقلت يا واد عدي مسؤولية العيال عليها كبيرة لحد ما تتعود وهتمشي. لكن دلوقتي بتقولي سنتين!
ده انتي اتجننتي عادي يا سكون!
واسترسل حديثه بقرار لا يقبل النقاش آمراً إياها بعينين محمرتين من الغضب:
ــ دلوك العيال هيروحوا الأوضة بتاعتهم ومفيش نقاش في الموضوع ده من الأساس.
استنكرت ما قرره والأخرى تردد برفض قاطع مما جعل الموقف سينقلب إلى نزاع بين العمران وسكونه:
ــ لا طبعاً قرارك ده مش هيحصل، إزاي عايزني أسيبهم يناموا لوحدهم وهم في السن دي، حرام عليك يا عمران مش هيصعبوا عليك وأنت بتقرر القرار ده؟ طب أنا مش هصعب عليك وأنا رايحة جاية من الأوضة دي للأوضة دي!
إغتاظ منها وتحمحم لينظف حنجرته وتسائل:
ــ طب وأنا مش صعبان عليكي في عيشتنا اللي اتشقلبت داي رأساً على عقب ومش عارف أتلم عليكي بقالي أربع شهور بحالهم وأنتِ مسحولة معاهم ومهما حاولت أجيب لك اللي يساعدك ترفضي، وقلت لك البنت اللي شغالة عندنا تبات معاهم بالليل وهتبقى مخصصة ليهم هما وبرضه رفضتي!
مش عارف أعمل معاكي إيه تاني علشان أريحك ونرتاح احنا الاتنين ونعيش عيشة طبيعية زي البني آدمين!
لكن تقولي لي سنتين، أنتِ بتستعبطي كده على فكرة يا هانم.
إستجمعت قواها التي هربت من عصبيته وتحوله لتقول بتحذير من طريقته:
ــ لو سمحت يا عمران ما تعليش صوتك.
أولاً عشان الأولاد نايمين ومنزعجهمش حرام ما لهمش ذنب. ثانياً طريقة الحوار ما بينا ما ينفعش تبقى بالعصبية دي، أنت عمرك ما كنت كده معايا.
تحدث غاضباً:
ــ وأنتِ عمرك ما كنتي بالإهمال ده معايا! هو لا تدي بدون حساب يا تمنعي بدون حساب!
إحنا عايزين حل للمشكلة غير حوار السنتين ده خالص، انسيه. ولو ما شفتيش حل يا سكون أنا هسيب لكم البيت وهطفش.
ربعت يداها وتحدثت بضيق:
ــ وتسيبني أنا وولادك لوحدنا بسبب إنك مش قادر تتحمل تعبي، دول تلاتة يا عمران اللهم بارك، حرام عليك أنت مش حاسس باللي أنا فيه والدوامة اللي أنا بدور فيها.
أنا اللي عايزة أربيهم بنفسي وأنا اللي عايزة آخد بالي منهم، على الأقل لما يتموا السنة. آجي على نفسي مرة وأنت تيجي على نفسك مرة والدنيا هتمشي.
رد عليها بنبرة حادة:
ــ طب وليه نيجي على نفسنا بذمتك وندفن نفسنا جوة دوامة المسؤولية بدون ما نراعي حق نفسنا؟ طب ما نوازن بين الكفوف كلها يا ست أنتِ علشان نقدر نكمل ونعيش، لكن نهتم بكفة ونسيب التانية تخبط راسها في الحيطة، هو ده الحل بالنسبة لك!
لم تستطيع سكون أن تتحمل عصبيته وطريقته في الحديث فدخلت في نوبة بكاء شديدة وهي لم تستطيع الإبتعاد عن أبنائها والنوم بعيداً عنهم وتراه لم يريد أن يتحمل معها بإرادته. وما إن استمع إلى بكائها حتى ضرب كفاً بكف، فبعد كل مناقشة لهم منذ شهرين وهي على تلك الحالة تنهيها ببكاء وهو يأخذها بين أحضانه ويسمع كلامها ويتركها تفعل ما تشاء كي لا يصيبها الحزن فيكفيها تعبها مع أبنائها، ولكن الآن هو الآخر يريد حلاً ولن يعجزه البكاء:
ــ آه هو دي بقى اللي أنتِ بقيتي شاطرة فيه، كل مناقشة ما بينا تنهيها بالعياط وأنا أقوم وآخدك في حضني وأقول لك اعملي اللي أنتِ عايزاه والمشكلة هي المشكلة.
واسترسل استنكاره وهو يأخذها من يدها ويقف بها أمام المرآة كي يريها حالتها وما أصبحت عليه من وهن لجسدها:
ــ بصي لنفسك كده في المراية وشوفي بقيتي عاملة إزاي، خسيتي وجسمك نزل النص ومش بتهتمي بنفسك ولا بصحتك ودي لأنك رافضة أي حد يساعدك. ومش بتنامي كويس.
هو أنتِ لما تنامي كويس وولادك نايمين في أوضتهم ومعاهم واحدة واخدة بالها منها ولو بصيتي قدامك في الشاشة اللي معانا في الأوضة هتطمني عليهم يبقى أنتِ كده أجرمتي ومهملة في حق ولادك!
أنتِ فاهمه غلط يا سكون.
هدأت من بكائها ثم ابتلعت لعابها وتحدثت بصوت منخفض:
ــ طب هجرب الليلة دي بس ولو حسيت إني مش هقدر ما تغصبش عليا، وبعدين لازم تحط في اعتبارك نقطة إني اتحرمت من الخلفة سنين وما صدقت إن بقى عندي أولاد، لسه ما شبعتش من وجودهم معايا، بيوحشوني دايماً بمجرد حتى ما بدخل الحمام. إني متعودة منك على العطاء والصبر على كل حاجة، خليك مكمل معايا للنهاية.
حاول تهدئة أعصابه الثائرة ثم جذبها إلى أحضانه وهو يربت على ظهرها بحنو مردداً بجانب أذنها:
ــ كل حاجة ممكن أديها لك وكل حاجة ممكن أصبر عليها معاكي إلا إنك تبعدي عن حضني المدة دي كلها، صدقيني مش قادر أتحمل أكتر من كده والمفروض أنتِ كمان تكوني زيي. ولا حبك لولادك طغى على حب عمران وبقيتيش تشتاقي لي ولا بقيتي محتاجة حضني.
هزتها نبرة صوته المشتاقة، فهي الأخرى قد اشتاقته بشدة ولكن احتياج أبنائها لها يكبت الاشتياق داخلها، ولكن هو زوجها وعليها واجبات وله حقوق، ولكن كلما غاص عقلها في ابتعاد أبنائها ومنامهم بعيداً عنها تبتلع أنفاسها بصعوبة، ولكن ستجرب اليوم ولن تعاند معه، فهو لديه كل الحق فيما يقول، فستحاول لأجله، فنظرت إليهم بعيني حزينة لتقول بشجن:
ــ خلاص يلا ننقلهم، مقدرش على زعلك وكمان أنت عندك حق في كل كلمة أنت قلتها ولازم أتحكم في أعصابي أكتر من كده.
فوراً أن قررت بدا في نقل الأطفال إلى غرفتهم وداخله سعيداً بشدة، فأخيراً سينالها وينعم بأحضانها الدافئة التي استوحشها كثيراً. ثم أرسل إلى خادمة أمه أن تصعد إلى الأطفال، فقط خصص لها تختاً بعيداً عن الكاميرات كي تنام بحرية وقت نوم الأطفال. وكل ذلك سكون تنظر إليهم بحزن في ابتعادهم عنها وكأنهم سيسافرون. وبعد أن انتهى عمران من استقرار أطفاله في غرفتهم سحبها من يدها وعادا إلى حجرتهم وهو سعيد بذاك الانتصار، فاستطاع التغلب على سكونه وتشبثها بنوم الأطفال مكانه، وهو ما زال يطمئنها:
ــ ما تحسسينيش إنهم مسافرين يا حبيبي، دول خطوتين بين الأوضة دي والأوضة دي، وكمان هما نايمين، بصي عليهم أهو كأنهم جارك. اهدي بقى وبلاش تأفورى.
أغلق باب الغرفة بالمفتاح ثم سحبها من خصرها حتى ارتطمت بعظام صدره وهو يشاغبها:
ــ بصي بقى أنا راجل راجع على شوقه فعايز انبسط وأعوض الليالي اللي فاتتني.
عايز دماغ تفكر في انبساطي أنا وبس بعيد عن العيال وعياطهم ورضاعتهم. يعني أنا عايز سكوني. عايز أعيد الأمجاد اللي اتدهورت خالص وأنتِ دمرتيها.
عايز نغمات عبد الباسط حمودة وبدلة نعيمة عاكف.
غرّت فاهها باندهاش لكل تلك الطلبات:
ــ وإيه ده كله حاجات عايزها في ليلة واحدة!
طب هعملها كيف ده؟
وبعدين هو أنا حمل عبد الباسط حمودة ونغماته ده دلوقتي، حرام عليك.
أصر على قراراته في نعيم قربها:
ــ مفيش مفر ولا هروب من أي طلب. أنا عايز. ما تحاوليش. ولعلمك كل هروب هتهربيه مني هيوبقى بعديه نار ودمار. فانجزي بقى قبل العيال ما يعملوا الدنيئة معايا عشان أنا اتأكدت إني مش هتهنى عليكِ بعد كده لحد ما يكبروا ويروحوا المدرسة كمان.
ضحكت على مأساته ثم تدلت بأنظارها إلى قميصه الذي ارتداه لنقل أبنائهم وهي منغمسة في فتحه:
ــ والله أنت مكبر المواضيع قوي يا عمراني، ما كنتش أعرف إن قوة تحملك تحت الصفر كده.
توسعت بسمته ورفرف قلبه بانتصار وهو يقول بوله كي يطير فوق السحاب ويعانق النصر لقرب سكونه أخيراً:
ــ تحمل مين دي، أنا جالي جفاف عاطفي وتقول لي تحمل! بس خلاص يا سكوني هنعوض بقى ما فات وركزي بقى فيما هو آت يا حبيبي. ويالا بقي عايزك تبسطيني.
أومأت له وهي تربت على وجنته.
ارتفعت ضحكاتها الرنانة بدلال ودقت في أرجاء الغرفة:
ــ من عيني يا روحي، أنت تؤمر، هبسطك وهدلعك وهروق عليك ويالا شغل أنغام حمودة.
بدأ شبح ابتسامة خفيفة على ثغره ولكنها سرعان ما اختفت في بحر لهفته:
ــ دي هوا ياباشا أنت يا واحشني بالجامد.
وبالفعل قد أشعل الموسيقى لأغنيته المفضلة وبدأت سكون تتمايل على أنغامها بخفة، وكان ذاك العمران سعيداً بل متلهفاً للغاية وكأنها تتراقص على أنغام قلبه وغاصا كلاهما في عالمهما الخاص في عاصفة اقترابهم بعد كل تلك المدة.
بعد عدة ساعات قضاها في جلستهما المفضلة لقلبهم مع بعضهم غفى عمران أخيراً، وفور أن تأكدت سكون من نومه ذهبت إلى أبنائها بتلهف كي تطمئن عليهم وتحتضنهم، ثم وجدت حالها تغفى بجانب صغيرتها والطفلين في تختهم الصغير. وما إن استيقظ عمران لم يجدها بجانبه فنظر إلى الشاشة وجدها نائمة في أحضان ابنتها. فمسح على شعرها بضيق وهو يشعر بالخيبة وأن أبناؤه انتصروا عليه وسرقوا أحضان سكونه منه.
بعد مرور ثلاثة أعوام على تلك الأحداث في منزل ماهر الريان هرولت إليه صغيرته ذات الثلاث أعوام وهي تبكي بشدة، فسحبها إلى أحضانه وهو يهدهدها:
ــ مالك يا حبيبي مين اللي مزعلك؟ بتعيطي ليه؟ اهدي يا ماما.
مطت الصغيرة شفتيها للأمام وهي مازالت تشهق في أحضان والدها وتشتكي له:
ــ مامي مزعلة روزي. مامي مش بتحبني.
حاول تهدئتها وهو يغمرها بأمان أحضانه:
ــ هو في حد في الدنيا دي كلها يقدر يزعل روزي حبيبة بابي!
وبعدين مامي أكيد مش قصدها تزعلك يا روزي. احكي لي حصل إيه لدموعك دي كلها!
حركت الطفلة رأسها برفض وما زالت الدموع عالقة في عينيها.
مامي قالت روزي ما تاكلش دومي ولا شيتوس، وما ترضى إني آكل منهم وروزي حبهم.
هدأها ماهر باحتواء.
ماهو يا روزي ماما عندها حق، الأندومي والشيتوس غلط عليكي جدا. ممكن تشربي لبن، وممكن تاكلي فشار ماما تعمله لك جميل، وممكن تاكلي لسان عصفور أحسن من الأندومي.
رددت الطفلة بدموع.
مامي تقول هم غلط، وهي تاكل دومي وشيتوس لوحدها، وما ترضى تدي لي وتقول روزي لسه صغننة.
اتسعت عينا ماهر من اعتراف الصغيرة وهو يسألها بذهول.
هو انتِ شفتي مامي وهي بتاكل أندومي وشيتوس؟
حركت الطفلة رأسها للأمام.
ماما تقفل الأوضة وهي تاكل شيتوس ودومي، وأنا شفتها مرة ومرة ومرة.
تنهد ماهر بأنفاس متلاحقة لما قالته الصغيرة وهو يغضب بشدة من أفعال تلك الرحمة التي حتماً ستصيبه بالجنون، ولكن حاول تهدئة أعصابه أمام طفلته وهو ينهاها عن مراقبة والدتها.
شوفي يا فيروز، ما ينفعش يا بابا إننا نبص على مامي ونشوفها في السر، أكده غلط كبير وربنا اللي في السما فوق هيزعل من فيروز. ومامي أكيد بتبقى هتصلي وهي بتقفل على نفسها الباب أو تغير هدومها، وعيب لما نشوف الكبير وهو بيغير هدومه. ممكن ما تعمليش كده تاني، أوعدي بابي.
نظرت الطفلة لأسفل وهي تشعر بخطئها.
حاضر بابي، روزي مش هتعمل كده تاني. بس انت خلي مامي تاكل دومي، وقول لها دومي يوجع بطنك ويخليك تروحي للدكتور تاخدي حقنة كبيرة توجعك.
أدار ماهر وجهه للناحية الأخرى وهو يريد أن يضحك على كلمات تلك الصغيرة الماكرة والتي تشبه والدتها، فهي لم تقتنع بحججه، ولكن سيصعد إلى تلك الرحمة كي يريها من الويلات ما لا يعد ولا يحصى بسبب أفعالها التي ستصيبه بالجنون والقهر، وخصوصاً أن ابنته ترث منهما الذكاء والفطنة وسرعة البديهة رغم صغر سنها.
ترك طفلته مع هانم وصعد لتلك الرحمة كي يلقنها درساً لن تنساه.
دلف إلى الغرفة وجدها ترتدي نظارتها المهنية وتجلس على تختها وتلك الأوراق الكثيرة مبعثرة أمامها على التخت، واستمع إليها وهي تتحدث مع الأوراق وذاك القلم في فمها.
ماهو الدليل ده مش كافي لتبرئتها، لازم تفكري في دليل تاني. الجلسة بكرة يا أم مخ تخين، وأني واثقة إنها مسرقتش.
ثم أخرجت القلم من فمها وهي تحك به شعرها، مما جعل ذاك الماهر ينظر إليها بتعجب من حركاتها تلك الغريبة بل والمريبة في وجهة نظره، ليهتف بحنق من تجاهلها له أو أنها لم تأخذ بالها من وجوده أساساً، مما جعلها فزعت من صوته المفاجئ بجانب أذنها.
انتي اتجننتي يا رحمة، بتكلمي حالك!
انتبهت لصوته الذي أفزعها لتقول.
حرام عليك، مش تخبط على الباب قبل ما تدخل، ولا تقوم أحم؟
نزع القلم من يدها التي ما زالت واضعة إياه في رأسها.
والله هستأذن وأني داخل أوضتي على مرتي اللي دماغها مهفوفة.
وبعدين إيه الحركات اللي مش لطيفة خالص اللي انتي هتعمليها دي!
بعينيها بريئتين سألته.
حركات إيه اللي عملتها مش لطيفة يا ماهر؟
أجابها باستنكار.
بتحطي القلم في بوقك وترجعي تحطيه في شعرك، ولا السرير المتبهدل بالأوراق ده كله، إيه الفوضى دي يا ماما؟
لوت شفتيها بامتعاض لاستنكاره.
هو إني فاضية للتركيز في الحوارات التافهة دي يا ماهر!
عندي قضية مهمة شغلاني، اترفع فيها بكرة والمفروض آخر جلسة، ولازم أثبت براءة الست اللي متهمينها في سرقة الخاتم بتاع الناس اللي شغالة عندهم، وانت تقول لي قلم وورق وفوضى.
سألها باهتمام:
ــ وصلتي لإيه؟ ومتأكدة إنها بريئة؟ ما يمكن هي اللي سرقته؟
حركت رأسها للأمام بتأكيد:
ــ لا مش هي اللي سرقته. الست أنا سألت عنها جيرانها وكل اللي حواليها قالوا إنها كويسة جداً وست محترمة وبتربي يتيمة وعمرها ما تمد إيديها على حاجة حرام. وبعدين دي جاية لي من طرف واحدة صاحبتي كانت في الجامعة معايا ويعتبر جيران في الحتة، وأنا بثق فيها جداً.
فكر سريعاً، ثم سألها:
ــ طب مين اللي متهمها بالظبط؟ الست اللي شغالة عندها ولا حد تاني؟
ــ وده هيفرق يعني؟ الست اللي شغالة عندها كانت مسافرة ورجعت لقت طقم ألماس مختفي، فحاولوا يدوروا عليه وما لقوهوش، والطقم ده غالي جداً ألماس حر تمنه ملايين. فاتهموها إنها هي اللي سرقته. وكمان الست قالت لي إنها ما كانتش مصدقة جوزها عنها لأنها شغالة معاها من زمان وعمر دي ما حصل، بس هو أقنعها.
ابتسم ماهر لتلك القضية ليردد بفطنة:
ــ طب قضية تافهة زي دي مدوخاكي كده؟ إذا كان أنا عرفت مين اللي سرق الخاتم من كلمتين اللي أنتِ قلتيهم.
انتبهت بشدة لكلماته لتسأله بفضول:
ــ عرفت كيف؟ ومين اللي سرقه؟
رفع حاجبه ببسمة ماكرة لينطق بمماطلة:
ــ ما هو أنت لو بطلتي تاكلي الإندومي والشيتوس اللي أنتِ حارمة بنتك منهم وتقولي لها خطر على صحتك، وتقعدي تاكلي وتشربي الحاجة اللي منعاها منها، يا قوية يا مفترية، كان زمانك دلوقتي قدرتي تركزي مين اللي سرق الخاتم.
ــ أه هي البرنسيسة فيروز هانم قابلتك تحت وفضلت تعيط وترسم عليك دور البنت المظلومة اللي أمها مفترية، وطبعاً قعدت تطبطب عليها وتقول لها "مامي وحشة".
وأكملت بتشبث لما تريده دون أي نقاش:
ــ شوف بقى أنت وبنتك، كله إلا الشيتوس والإندومي. دول بالنسبة لي حاجة مهمة في يومي، وحتة المفعوصة دي اللي لسه ما طلعتش من البيضة مش هتأكلني على كيفها، لكن أنا آكلها على كيفي. وهي ما ينفعش تاكل إندومي ولا شيتوس، هي لسه صغيرة، لما تكبر تبقى تاكل.
ــ إيه يا ماما الجمدان بتاعك ده! حرام عليكي تفرضي قوتك وسيطرتك على البنت. طالما مش عايزاها تاكل حاجة، المفروض ما تاكليهاش أنتِ كمان وتخلي عندك دم. مش هتقعد تبص لك.
وخلي بالك فيروز ذكية جداً، حتى لو مش بتاكلي قدامها، بتبقى عارفة إنك في الأوضة قافلة على نفسك بتاكلي التفاهات بتاعتك دي.
ما ينفعش يا رحمة. وبعدين أنا بنتي مش كل يوم هاجي ألاقيها بتعيط وبتشتكي لي منك، أنتِ أمها يا ماما، يعني المفروض تكوني حنينة عليها أكتر من كده.
ــ يوه من فيروز وسنينها، أنا حاسة إني ضرتها مش مامتها. معرفش البت دي حطاني في دماغها ليه! أكيد أنت اللي مسلطها عليا عشان تراقبني. شوف بقى أنت وبنتك، أنا مش فاضية لكم، أنا ورايا قضية مهمة ومصيرية، ست غلبانة هتروح في الحديد، لازم أركز بقى. انزل طبطب عليها أنت.
والله لاوريها الجزمة عشان تبقى تشتكيني ليك كل يوم والتاني.
ــ سبحان الله، كأنها مش بنتك ولا مخلفاها من بطنك، فيه إيه يا ماما؟ ده أنتِ جبروت!
نفضت عن بالها ما يقول لتعود إلى الأوراق مرة أخرى وهي تطلب منه:
ــ سيبك من الكلام ده ونادي على هانم تعمل لي كوباية قهوة عشان دماغي هتنفجر، بقى لي ساعتين ماسكة الأوراق دي ومش عارفة هعمل إيه، بس هوصل برضه. المحاكمة كمان يومين.
ــ طب مش محتاجة مساعدة؟ أنا تقريباً عندي الخيط اللي هيوصلك لبراءة الست دي.
رفضت مساعدته بشدة:
ــ لا دي قضيتي وأنا اللي لازم أكتشف البراءة بنفسي، مش عايزة مساعدة منك عشان ما ترجعش تعايرني بعد كده.
بعد مرور يومين وبالتحديد في المحكمة، حان الآن موعد المحاكمة لتلك الخادمة المتهمة في سرقة الخاتم لسيدتها.
حيث حضر ماهر الجلسة مع رحمة، فلأول مرة تترافع اليوم أمام القاضي بمجهودها البحت دون أي مساعدة منه، مما جعله يتأهب خوفاً لخسرانها القضية وهو يسألها بقلق:
ــ يا رحمة، ما فيش وقت خلاص، قدرتي توصلي فعلاً لدليل براءتها ولا محتاجة مني نتفاهم قبل ما القاضي يدخل القاعة؟ قدامك 10 دقائق هقدر أساعدك فيهم.
رفعت رأسها بشموخ وهي تطمئنه بثقة:
ــ هل عندك شك إن رحمة سلطان المهدي مش هتهز المحكمة النهاردة؟ أي نعم الست والراجل اللي متهمينها من عيلة كبيرة وليهم مناصب كبيرة في البلد، بس أنا هلاعبهم على الشناكل النهاردة ومحضرة لهم مفاجأة من العيار التقيل.
ابتسم سنّه وهو فخور بها وواثق الخطا من ذكائها:
ــ والله وبقيت خط محاكم مولود جديد يا صغنن. طب أنا اطمنت وهقعد أتفرج وأنا مستمتع، وأنتِ هترجي المحكمة.
بعد مرور عدة دقائق وأخيراً بدأت المحاكمة بعد أن أنهى المحامي الخاص لهم اتهام تلك البريئة التي تدمع بشدة في القفص لظلمها، حتى حان دور رحمة التي وقفت أمام القاضي بوقار:
ــ رحمة سلطان المهدي، حاضرة عن المتهمة حسنية السيد فتحي.
أشار لها القاضي أن تبدأ مرافعتها:
ــ اتفضلي يا أستاذة.
بدأت رحمة مرافعتها:
ــ سيدي القاضي، حضرات المستشارين.
أنتم أطباء النفس كما أنتم قضاة العدل، والطبيب البصير لا يتردد.
لأ أريد بالرحمة أن تتجاوزا للمتهم عن شيء مما يستحقه عدلاً، لأنني لا أقول إن الرحمة فوق العدل، بل أقول إن الرحمة هي أقصى وأسمى مرتبة من مراتب العدل. فإنما أطلب العدل في أرقى معانيه وأسمى مراتبه، فالقضاء رسالة وأمانة، به يرعى العدل في الأرض وبه يقام ميزان الحق عليها.
سيدي الرئيس، حضرات السادة القضاه.
لا عدل بغير حق، ولا حق بغير حقيقة، ولا حقيقة بغير تحقيق. فلا ضياء للحقيقة ولا رأي للحق ولا اكتمال للعدل إلا بالتحقيق السليم القويم. إن موكلتي بريئة من تهمة السرقة كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب، ولم تسرق ذاك الطاقم.
فلتسمح لي هيئة المحكمة بالاطلاع على تلك الأوراق، كي نكتشف الحقائق رويداً رويداً.
اطلع القاضي على الأوراق ثم سألها:
ــ إيه علاقة الأوراق دي بالقضية يا أستاذة؟
ــ سيدي القاضي، إن هذه الأوراق دليل براءة موكلتي من تهمتها، فتلك الأوراق عبارة عن صورة من قسيمة زواج المدعو
"حسان عبد الغني عميرة" من ابنته عمه "نيرة محمد عميرة"، زوجة ثانية على زوجته صاحبة الدعوة الموجهة لموكلتي.
سألها القاضي مرة أخرى:
ــ مش فاهم برضه إيه علاقة جوازه التاني بالقضية؟ ممكن توضحي أكتر يا أستاذة.
في نفس القاعة، انصدمت زوجة حسان من زواجه بأخرى، وهوى قلبها بين قدميها من هول تلك المفاجأة، لا بل صفعة عمرها من ذلك الرجل الذي تزوجته وفضلته على كثير، قد خانها وتزوج بابنة عمه، والآن تيقنت أنه هو السارق لها.
أما هو، انصدم من معرفة تلك المحامية بزواجه، فهو قد تزوجها سراً ولم يعرف أحداً بزواجهم غير المأذون والاثنين الشهود.
كانت زوجته تنظر إليه والنيران تتأجج في صدرها، وهو لم يستطع تكذيب تلك المحامية، فالأوراق التي بيد القاضي سليمة.
أما رحمة، أكملت للقاضي:
ــ باختصار سيدي القاضي، إن زوج المدعية اتجوز من بنت عمه في السر، فحب يعمل معاها واجب، فقدم لها الطقم ده هدية في سفر زوجته الأخيرة، وطبعاً ما لقاش حد يلبسه التهمة دي غير الست اللي بتخدمها، وهي بريئة وشغالة معاها من سنين ومعروف عنها السمعة الطيبة، وإنها عايزة تربي بناتها اليتامى، وعمر ما حد جاب سيرتها بالسوء أبداً.
ــ طب إيه دليلك إن هو هادي مراته التانية بالطقم ده؟
أخرجت من حقيبتها مجموعة من الصور وقدمتهم للقاضي، ثم أخرجت هاتفها وبحثت عن ذاك الفيديو المنتشر على صفحة زوجته الثانية. اطلع القاضي على الصور والفيديو الذي كانت تتباهى به ابنة عمه بذاك الطقم على صفحتها، وأكملت رحمة دفاعها:
ــ الصور اللي قدام حضرتك لزوجة حسان الثانية وهي لابسة الطقم نفس المواصفات اللي موجودة في المحضر بنفس الشكل، ونفس الفيديو اللي قدام حضرتك برضه اللي هي منزلاه على قصصها على فيسبوك والانستجرام وهي بتستعرضه قدام الناس، نفس مواصفات الطقم اللي في المحضر.
تسمح لي يا حضرة القاضي إن المدعية تشوف الصور والفيديو وتعرف إذا كان ده الطقم بتاعها ولا لأ؟
بالفعل قامت زوجة حسان المخدوعة واطلعت على الصور والفيديو بعينيها مصدومة، وتيقنت أن هذا الطقم الخاص بها قد سرقه منها وأعطاه لغريمتها، فلقد غشها وخدعها وتزوج عليها دون علمها، فاقت من صدمتها على سؤال القاضي:
ــ ده الطقم بتاعك يا مدام اللي جوزك مهاديه لمراته التانية.
حركت رأسها للأمام وهي تردد بانتقام:
ــ أيوه يا حضرة القاضي، ده الطقم بتاعي، أنا عارفاه كويس جداً، ده حتى الفستان اللي هي لابساه بتاعي.
نادى القاضي على زوج المدعية وسأله عن زواجه من ابنة عمه، ولم يستطيع الإنكار، فرحمة قد أتت بالقسيمة من السجل المدني ومختومة، والتشكيك في تزويرها حتماً مرفوض.
بعد اطلاع القاضي على الأوراق المقدمة من رحمة والتأكد من صحتها وسؤال زوج المدعي عن الطقم ولم يستطيع الإنكار، كي لا يجلب لابنه عمه وزوجته الثانية المشاكل، اعترف بأنه قد أخذه وقدمه لها هدية زواجهم.
وأخيراً نطق القاضي:
ــ حكمت المحكمة حضورياً ببراءة السيدة "حسنية السيد فتحي"، ومراجعة التحقيقات مع زوج المدعية "حسان عبد الغني عميرة"، واتهامه بسرقة زوجته. رفعت الجلسة.
أشاد الجميع بمهارة رحمة لاستطاعتها الدفاع عن تلك السيدة المسكينة وإتيانها بالبراءة أمام الجميع.
بعد مرور بضعاً من الوقت، كان ماهر ورحمة في سيارتهم أخيراً بعد الانتهاء من الجلسة وما بعدها. أغلق ماهر السيارة بإحكام ثم نظر إلى رحمة مردداً بفخر:
ــ ألف مبروك القضية يا حبيبتي، أول قضية تترافيعي فيها من غير ما أساعدك، بس بصراحة أبهرتيني. قولي لي بقى قدرتي توصلي للحاجات دي إزاي.
ــ الله يبارك فيك يا حبيبي. أبداً، ما فيش غير حسان هو اللي موجود في البيت مع حسنية وهي بريئة، فقلت أدور في السجل المدني أشوفه متجوز ولا لأ، صدفة يعني. وفعلاً لقيته متجوز على مراته، وطالما متجوز عليها يبقى هو اللي خد الطقم وسرقه. طبعاً بحثت عنها بالاسم على فيسبوك والصورة أنا عارفاها من القسيمة، ولقيتها منزلة بستوريات بتتباها بقى بالطقم الألماس اللي حبيبها جابه لها، وبس يا سيدي، لبست البيه التلبيسة التمام في المحكمة.
ــ ما طلعتيش سهلة يا صغنن، وشكلك هتبقي ديبة كبيرة في المحاكم، هنيئاً لكِ.
ــ يا باشا، أنت معلم وإحنا منك نتعلم، دي حاجة كده بسيطة على قدنا. قضية صغيرة، لسه ما وصلتش إني أترافع في جهابذة من القضايا التقيلة، همتك معايا بقى وابعت لي حبة حلوين كده على مكتبي.
سألها بعبث:
ــ طب والمقابل إيه؟ ما ببعتش أنا حاجة من غير مقابل.
مطت شفتيها للأمام بدلال وهي تتمسك بقميص بدلته وتقترب منه:
ــ اللي أنت تأمر بيه هنفذه يا بيبي. أنت عارف إني هحبك قد إيه ومقدرش أرفض لك طلب خالص يا روحي.
ــ يا مكارة، بقيتي بتعرفي تلعبي على أوتار قلب ماهر يا رحمتي.
ــ طبعاً، لازم أتعامل بذكاء معاك يا موري عشان أنت مش سهل خالص ودماغك رهيبة.
ــ قولي لي يا رحمتي، إيه أكتر حاجة مطمنالكِ وأنتِ معايا؟
ابتسمت وهي تنام على صدره وتعبث بيدها في صدره المفتوح أعلاه وهي تجيبه بما أشعره بأنه ملك الكون غراماً:
ــ فيك أمان جميل شبه ابتسامتك اللي بتديني أمل. فيك حنان وحبة شهامة جامدين وكفيلين يخلوا الفاقد للحياة إنه يحبها ويكمل. فيك رجولة جذابة بتزود وسامتك كل يوم عن اليوم اللي قبله. معاك بحس إني بنتك، وإني عشقتك، وإني مراتك.
ثم رفعت عينيها وأكملت جمال كلماتها:
ــ باختصار يا ماهر، أنت اللي سقيت الوردة الدبلانة عطشها، وكنت ليها الشمس اللي اديتها القوة عشان تزهو من جديد، وعبقها الجميل يفوح في كل مكان.
كان قلبه يدق بعنف شديد لكلماتها الرقيقة الراقية ليحتضن وجهها بين كفي يديه:
ــ تعرفي إني قلبي هيدق جامد من كلامك يا رحمتي. وإنك بالنسبة لي أهم وأغلى حاجة في حياتي، أنتِ وفيروز.
مطت شفتيها باستنكار ما إن أتى بسيرة طفلتهم:
ــ يعني في أهم لحظة لازم تجيب سيرة الملكة بتاعتك فيروز؟ أنا بقيت حاسة إن البنت دي خدت مني حبيبي.
ــ أنتِ غيرانة يا صغنن من بنتك!
له يا رحمتي، ما لكيش حق.
ــ آه، هغير منها. حساها أخدت تلت أربع قلبك، وأنا الربع اللي باقي.
ــ ليه حرام عليكي، انتي النص وهي النص التاني.
ــ ليه يا ماهر، إني محدش يشاركني قلبك ويستحوذ على كله غيري.
ــ طب إيه رأيك بقي، إحنا نروح دلوقتي نوزع فيروز مع هانم؟ عايزين نقضي ليلة سعيدة نحتفل بنجاح قضيتك. وكمان فيه قضية مهمة لازم ندرسها مع بعض، كفاية عليها تأجيل لحد كده.
سألته بتعجب:
ــ قضية إيه دي يا متر؟
قبلها من وجنتها بهيام:
ــ عايزين نجيب البيبي التاني بقى، كفاية تأجيل. بس نزود الشغل ونرفع المهام عشان نجيب اتنين مرة واحدة.
ــ هاااا، حرام عليك، دي فيروز مجننيني أنا. ليه يمكن أفكر أخلف دلوقتي إلا لما تروح المدرسة.
تعصب بشدة:
ــ بصي، عندك قدرة فائقة إنك تبدلي اللحظات السعيدة لعصبية شديدة وترفعي لي الضغط في دقيقة. مدرسة إيه دي اللي هنستنى فيروز تروحها عشان نجيب لها أخ أو أخت؟ مفيش الكلام ده، انسى.
ــ لا بقى، إنت اللي تنسى. أنا واحدة ورايا مشوار كبير في شغلي، والخلفة هتعطلني. وبعدين إحنا مخلفين وفيروز مالية علينا الدنيا.
ــ طب قرار بقى، آخرك معايا سنة وتكوني مخلفة لي عيل. أو زي ما يبعت ربنا يا بت سلطان.
ــ ما تقوليش يا بت سلطان دي تاني. أنا اسمي المحامية رحمة سلطان المهدي. مش هخلف أنا دلوقتي خالص.
ــ ليه يا بت سلطان، وكلامي هيمشي عليكي. واللي عايزة هو اللي هيحصل. وهنشوف يا رحمة.
ــ هنشوف يا ماهر. يلا بقى روحني، وشكراً على زعيقك عليا في يوم زي ده.
ــ والله إنت اللي مستفزة وتعصبي أي حد في ثانية. عصبتيني ورفعتي لي الضغط. يلا هنمشي، ولما نروح البيت ليا صرفة معاكي بقى في الموضوع ده بالذات. أما أشوف حوار السنين اللي إنت عايزة تأجليها دي، ومش هيحصل يا رحمة.
في منزل فارس وفريدة. إيه الوقت المتأخر من الليل تبحث عنه ولم تجده بجانبها، فاندهشت. كل يومين أو ثلاثة يتسحب من جانبها، ولم تعرف أين يذهب ويتركها هي وطفلها. وحين تسأله عن قيامها من جانبها، يخترع أي أسباب.
هبطت الدرج بتمهل، تبحث عنه في أرجاء المكان بأقدام كالهلام كي لا يشعر بها ككل مرة.
وأخيراً اكتشفت مكانه. وجدته في تلك الغرفة المنزوية بعيداً عن الغرف. تقدمت بخطواتها نحو الغرفة وهي تلقي بأذنها، لعلها تسمع شيئاً.
وإذا بها تنصدم مما استمعت إليه، حيث كان يردد بنبرة شجن:
ــ وحشتيني قوي يا بيرو. بقى لي يومين ما كلمتكيش. مش عارف أفلت من فريدة. طمنيني عنك، إخبارك إيه؟
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل التاسع والستون 69 - بقلم فاطيما يوسف
حلّ الليل على البيت وغرقت البلدة في صمت ثقيل، كأن كل شيء توقف عن الحركة ليترك السكون يسود. في الطابق السفلي، عند نهاية الممر الطويل، وُجدت تلك الغرفة ذات الباب الرمادي، مغلقة كعادتها في مثل هذا الوقت، لا أحد يقترب منها، ولا أحد يسأل.
"فريدة" بخطوات هادئة لا تُحدث صوتًا، هبطت السلم وهي تحتضن بين يديها كتابًا. كانت تقرأه قبل قليل، لكنها لم تستطع التركيز. شيء ما منذ أيام يتحرك في عقلها ولا تستطيع الإمساك به. حدس خافت، شعور بأن ثمة ما يتسلل من بينها وبين "فارس".
حين اقتربت من الغرفة، توقفت. الباب موصد بإحكام. خرج من أعلاه نور خافت منبعث من زجاجه، وظلال تتحرك على الجدران كأنها أطياف. وقفت هناك، لا تنوي التجسس، لكنها لم تستطع التراجع. شيء ما في قلبها جذبها لتسمع.
ولكن ماذا سمعت تلك الـ"فريدة"؟
صوت "فارس" منخفض، حنون، لا يشبه نبرة صوته المعتادة معها، وهو يردد:
- فينك؟ بقالك كتير قوي مظهرتيش. أنا ببقى كويس لما بشوفك. ببقى حي، فاهماني؟
سكون، ثم صوت أنثوي خافت لا يمكن تمييز مصدره، ناعم، دافئ، يردد بنبرة متحمسة هائمة:
- وأنا جنبك. دايمًا جنبك، بس إنت اللي بتبعد، "فارس".
فريدة اتسعت عيناها وانكمش قلبها فجأة، وكأن الهواء من حولها تقلص. وسمعت صوته مجددًا:
- أنا مش عارف أعيش من غيرك. فاكرة لما كنا بنقعد على السطح والليل فوقينا ساكن كده؟ وكنا بنضحك على أي كلام. أنا عايز اللحظة دي تفضل ما تخلصش.
ضحكة خافتة غير مألوفة وهي ترد عليه:
- إنت لسه بتحبني؟ ولا الحب ده مات من ساعة ما بعدنا عن بعض؟
أجابها بعينين يملؤهما الحنين وهو يؤكد لها:
- أنا عمري ما حبيت حد قد ما حبيتك. حتى لما اتجوزت، كنت بضحك وعايش، بس قلبي كان هنا، كان معاك إنت. ولسه واقف مستنيك.
ارتعشت يد "فريدة" والكتاب سقط منها على الأرض بصمت. لم تتحرك، لم تنطق. عيناها علقت عند الباب، كأن الزمن توقف هناك. وما زالت تستمع إليه، ويداها ترتعشان، وعيناها متسعتان بهول وفزع مما استمعت إليه أذنيها:
- الناس فاكرة إني اتغيرت، بس أنا كأني ماشي على حبل بين الحياة والموت. ولما رجعت لقيتك مستنياني، بس بعيدة عني. ومش عارف غير اني اكلمك بس. مش قادر اجي لحدك ولا احضنك ولا اشم ريحتك. انا وحشني ريحتك قوي فوق ما تتخيلي. فارس ضايع ومشتت وحزين من غيرك قوي.
ثم ارتفع صوته قليلًا بنبرة عاشق حائر حينما لم يجد منها غير الصمت:
- إنتي ليه بتسكتي كده؟ بتخوفيني. أنا تعبت من الصمت. قولي لي. إنتي شايفة إن وجودك جنبي خيانة ليها؟ ولا أنا اللي خانتني روحي؟
صمت آخر، ثم الهمس ذاته بدفء مؤلم:
- أنا مش زعلانة، بس خايفة عليك. مفيش حد بيعيش بنص قلب.
اقتربت "فريدة" من الباب أكثر، أنفاسها متقطعة، وجهها متجمد، وكل شيء داخلها يهوي في فجوة. من هي؟ من تلك التي يسمع صوتها؟ لماذا هذا الدفء في صوته لا يظهر معها؟ ولماذا شعرت فجأة أنها هي الغريبة؟
ثم سمعته يهمس مجددًا:
- أنا محتاجك. الليل طويل وعيوني مش بتنام. وكل ما ألمس إيدي على المخدة بلاقيني بدور عليك.
لم تستطع أن تتحرك، كانت ساكنة في مكانها، كأن قدميها تجمدت. والدموع تأبى أن تنزل، لكنها تراكمت في العين حتى بللت رمشها. شفتيها ارتجفتا دون أن تنطق. القلب وحده كان ينهار في صمت. لحظة، لحظة، بدأت الأصوات تخفت. ظلت هناك واقفة، تنظر للباب كمن ينتظر الحقيقة أن تخرج وحدها. لكن الحقيقة لم تخرج، وهي لم تسأل. فكيف تسأل؟ وكيف تواجه ذاك المخادع؟ وبم تقول؟ وماذا تفعل؟
استدارت أخيرًا بهدوء العاصفة بعد الدمار، وعادت إلى غرفتها. سارت في الممر المظلم كأنها تتحسس الطريق داخل نفسها، لا بين الجدران. وحين أغلقت بابها خلفها، وضعت الكتاب على الطاولة وهمست لنفسها فقط:
- هو أنا ولا واحدة تانية؟ طب ازاي يكلم غيري ويقول لها كلام زي اللي بيقوله لي واكتر؟
وابتسمت نصف ابتسامة لها ألف معنى، تنم عن معاني كثيرة، وأغلبها الخذلان. لااا، ورب السماء، الخذلان من!
فشعورها أصعب وأضل سبيل من الخذلان والدمار والقهر. ثم انطفأت الابتسامة ليحل مكانها إحساس لا يوصف بمعجم من الكلمات.
فتح "فارس" الباب ببطء، بعد أن التقط أذنه ذلك الصوت الخافت في الخارج. ظل واقفًا لحظات يتأمل العتمة التي تحيط بالممر، كأن الظلام نفسه يهمس له بالحذر. أنصت جيدًا، ثم أغلق ما كان يعمل عليه سريعًا. انطفأ الضوء الأزرق من الجهاز، واختفت ملامح الوجه الذي كان يحدثه كأنها لم تكن.
صعد الدرج بخطوات مترددة، يحمل في داخله رغبة عارمة في الهرب من وحدته، أو ربما في النجاة من مرآته التي تفضح ما لم يجرؤ على الاعتراف به. كانت "فريدة" تجلس هناك، على الأريكة، في ظلال الأباجورة الصفراء. وجهها ساكن، عيناها لا تنظران لشيء محدد، لكن تفاصيل ملامحها كانت تحمل من الوجع ما لم يعرفه من قبل.
اقترب منها بهدوء، جلس إلى جوارها كأنما يخشى أن يوقظ الصمت المتراكم بينهما. ثم قال بصوت خفيض يحمل من الشوق ما يذيب الجليد:
ـ تعرفي أنا كنت بفكر فينا، فيكِ، في اللحظات الحلوة اللي بتجمعنا وبالنسبة لي هي كل الحياة. كنت بفتش جوايا على أي حاجة تنادي لكِ، لأنكِ واحشاني. واحشاني بالصوت وبالملمس وبالروح. وأنا من غيرك ناقص، تعبان، تايه، مش لاقي أي باب يتفتح لي غير باب حضنك. أنا من غيرك بتوه يا "فريدة". من غيرك ما ليش مكان ولا عنوان. انتِ كل حاجة ليا، وحتى وانتِ في حضني بتوحشيني.
لم تجبه، لكن شيئًا في طريقة جلوسها أخبره أن قلبها ليس على ما يرام، وأن عينيها تحملان ما لا تقوله الشفاه. ساد صمت طويل، ثم مال بجسده نحوها قليلًا، محاولًا أن يتلمس بعضًا من قربها وهو يتابع بصوت متهدج، وهو يتذكر شجارهم وحالتهم المتوترة منذ يومين:
ـ "فريدة"، في حاجات الواحد بيكتشفها لما يحس إنه ممكن يخسرك. أنا طول عمري بهرب منك وقت الزعل، بس النهاردة أنا مش قادر. مش قادر أكمل يومي من غير ما ألمس إيدك، من غير ما أحكي لك وجع صدري. أنا بحبك، بحبك بكل اللحظات اللي قضيناها، وبكل اللي لسه ما جاش.
لم تتحرك "فريدة"، ظلت عيناها شاخصتين في الفراغ أمامها. شفتاها تتحركان بصعوبة، ثم نطقت أخيرًا بصوت خافت بارد كالرماد وهي تتذكر ما سمعته للتو وعلم بقلبها:
ـ في حاجات لما بتتكسر ما بترجعش، حتى لو جمعناها تاني، بتفضل فيها علامة. أنا مش عارفة أقولك فيه إيه، ولا حتى أقول فيه إيه. بس اللي جوايا متلغبط، ومش عارفة أصدق أنا بعيش معاك ولا مع خيالك، ولا أنا مجرد تفصيلة بتفكر فيها لما تزهق من الباقي.
نظر إليها بذهول، اقترب منها أكثر، مد يده نحو يدها، ثم أمسك بها كأنما يستنجد بها من الغرق، وهمس:
ـ ما تقوليش كده. انتِ الأصل، انتِ الحلم اللي ما اتحققش غير لما خدتك ليا. أنا مش بدور على بديلك، ولا عمري شفت في الدنيا ملامح تشبهك. انتي اللي بعرف أضحك وأنا جنبك، انتي اللي لما تزعلي بحس إني مات نصي. أنا يمكن أكون تايه، يمكن أكون وقعت في حتت سودا، بس لسه انتي مكانك في قلبي بيكبر ويزيد مع الايام. وشايل ليكي حب مش بيخلص بل بالعكس بيكبر كل يوم عن التاني.
رفعت "فريدة" عينيها ببطء، كان فيها نظرة لا يفهمها، ليست رفضًا تمامًا، وليست قبولًا، فقط دهشة حزينة، كأنما لا تزال ترى فيه وجهًا آخر يختبئ خلف وجهه. وجهًا كانت تسمعه قبل دقائق وهو يتنفس الحب لامرأة أخرى. لكنها لم تُظهِر شيئًا، فقط قالت بهدوء:
ـ هو الحب بيبقى موجود لوحده؟ ولا محتاج يبقى فيه وضوح، صدق، وجود؟ أنا مش عارفة أحس بالحاجات دي دلوقتي. حتى لما تقرب لي، بحس المسافة أكبر. وكأن اللي بينا مش بس وقت، ده بينا حاجة أعمق بكتير. أنا مش قادرة أقولك إني لسه زي زمان، ومش قادرة أقولك إني خلاص.
تنفّس "فارس" بعمق، كأن صدره يحاول ابتلاع خيبته. ثم اقترب منها أكثر، وضع راحته على خدها بحنان، ونظر إليها طويلًا. ثم قال بنبرة تكاد تبكي الحجر:
ـ طب إديني فرصة أرجعك لنفسك. رجعيني ليا. خليني ألمس وشك، أحس بيكي، أصدق إنك لسه هنا، لسه ليا. أنا قلبي وجعني من الشوق، من الوحدة، من البرد اللي مالي البيت. خليكِ حضني اللي كنت برجع له وأنا متبهدل من اللي حواليا. خليكِ بيتي.
همس بذلك وهو يقرب وجهه منها، وعيناه تتعلان بشفتيها. اقترب أكثر كأنه يريد أن يسرق من هذا الليل قبلة تعيده للحياة. لكن في اللحظة التي كاد فيها يلامسها، تراجعت "فريدة" بسرعة. رفعت يدها لتبعده برفق، وملامحها جامدة لا تنطق بشيء.
تجمّد مكانه، عيناه اتسعتا بدهشة صادمة. صوته خرج متلعثمًا:
ـ "فريدة" إنتي بتبعديني؟ أنا عملت حاجة؟
احنا متخانقين خناقة عادية شجار بسيط زي اي زوج وزوجة مش لدرجة اني اقرب منك ومشتاقك فتبعدي عني أنا مش فاهم... ليه بعدتي؟
ثم احتضن وجنتيها بين كفاي يديه بتملك وعاصفة اشتياق جارفة وعينيه تكاد تلتهم شفتيها وهو يمرر لسانه على شفتيه بوله وقد أسكره قربها ورائحتها التي يعشقها:
ـ شفايفك وحشوني قووي. إنتي متتصوريش يومين بعد عنك بالنسبة لي كأنهم نار. أنا مشتاقك قووي يا فيري وحقك على راسي من فوق يا عمري.
نهضت بهدوء، وقفت أمامه بثبات لا يشبهها. ثم قالت بصوت ناعم لكن يحمل في داخله عاصفة:
ـ أنا مش قادرة. مش دلوقتي. يمكن مش النهاردة. يمكن مش الأسبوع ده. أنا تعبانة من جوايا. تعبانة من أفكاري. تعبانة من كل حاجة. ومش عارفة أفتح لك قلبي وأنا قلبي مش ثابت في مكانه. سامحني. بس محتاجة وقت.
ثم استدارت ببطء، مشت نحو غرفتها كأن خطواتها تثقلها جراح لا يراها أحد. وحين بلغت الباب، التفتت للحظة بعينين غارقتين في الضباب. ثم أغلقت الباب خلفها بصمت يليق بانكسار امرأة ما زالت تحاول أن تفهم... من يكون هذا الرجل الذي يحبها باسم ليس اسمها؟
أما "فارس"، فبقي جالسًا مكانه، يحدق في الفراغ، والبرودة تمتد من يديه حتى قلبه. وصوت بداخله يتمتم:
يمكن كانت سامعة مكالمتي.
بس هي ما سألتش وده أصعب سؤال.
ها هو واقف أمام باب الغرفة يكاد القلق يلتهمه التهامًا، يذرع المكان ذهابًا وإيابًا كمن ينتظر معجزة تنشق من خلف الباب. لم يكن هذا الانتظار عاديًا، بل كان مزيجًا من اللهفة والتوتر والفرح المشوب بالدهشة، كأنه لا يصدق بعد أنه صار عريسًا بالفعل، بعد أن انتظرها أربعة أعوام. يضحك فجأة مع نفسه، ثم يشرع في الغناء بصوت خفيض لا يخلو من الطرافة، مستعرضًا صوته المتهدج قائلًا:
طلّي طلّي يا زهرة الحسن والدلال
زهقت من الانتظار وقلبي مولع نار
يا بطبط يا جبار
ثم يصفّق لنفسه ساخرًا، كأنّه جمهور لنفسه، ويقول:
ـ أهو هو ده الجواز أخيرًا يا أشرف هتنول المراد والحلة هتتلم على غطاها.
يغني ويهذي كطفل ينتظر حلوى العيد، ينظر إلى الباب نظرة من يترقب فتح أبواب الجنة، ويهمس:
ـ إيه ده كله بتغيري هدومك؟ ما تنجزي بقى يا بطبوطي.
يصمت للحظة ثم يضحك ضحكة خفيفة ويقول بعدما مكثت ما يقرب من ساعة وهو يقف على نيران أمام بابها منتظر طلتها:
ـ الله دي شكلها بتروق نفسها على الآخر علشان الليلة تبقى عسل يا واد يا "أشرف".
في قلبه دعاء وعلى لسانه نكتة،
وفي عينيه رجاء، لا يريد منها سوى أن تطل عليه، فقط تطل، فيهنأ قلبه أخيرًا.
أما هي، فوقفت خلف الباب تتردد يدها على المقبض وقلبها يرتجف كفراشة حُشرت بين جدران الضوء. كانت تسمع صوته من الخارج، يغني ويضحك بطريقته العفوية التي تعرفها، فتبتسم رغم توترها. ثم يعاود الكلام، فتخفق أنفاسها وترتجف ركبتاها من الخجل. تارة تهم بالخروج وتارة تعود خطوة إلى الوراء، تتفقد طرحتها مرة وتُصلح من ثوبها مرات. يعلو صوته بمزاح رقيق، فتضحك بخفة، ثم تضع يدها على فمها خشية أن يسمعها قلبها كطبل صغير يدق فوق أرض رخوة، وروحها حائرة بين اللهفة والحياء. لم تكن مستعدة رغم أنها تنتظره منذ العمر، لتستمع إليه يردد استعجالها بعد أن فقد صبره من مكوثها بالداخل:
ـ جري إيه يا "فاطمة" هانم؟ هنقضي طول الليلة أنتِ واقفة جوه وأنا برة مستنيكي؟ أنا حمضت من الوقفة يا عسل. لو مش عارفة تقلعي الفستان افتحي لي وأنا أقوم بالمهمة دي علشان هي مهمتي أصلًا. افتحي يا ماما بقى بلاش لعب عيال، مش هنبتديها من أولها. هربان أنا ناوي لك النهاردة مش هتفلتي من إيدي يا "بطوط" هتموتي يا سوسو.
خرجت من الغرفة بخطى مترددة، ترتدي بيجامة قطنية بأكمام طويلة، يغطيها حجاب بسيط، لا زينة فيها ولا ألوان، كأنها تخفي نفسها خلف الحياء. وقفت عند العتبة، عيناها إلى الأرض، ويديها مشبكتان أمامها تواريان ارتجافها ووجهها محتقن بالخجل. لم تجرؤ على رفع نظرها نحوه، لكنها شعرت بصدمته تخترق الصمت، كأن نظراته تقول ما لم تنطق به شفتاه. لم يكن هذا ما تخيّله، لم تكن تلك هي الصورة التي رسمها لعروسه. أما هي، فكانت تغرق في صمتها، تائهة بين خجل غامر وخوف من ألا يكون كفاها المرتجفتان قادرتين على حمل هذا اللقاء الأول.
كان يقف مشدوهًا، لا يفهم ما يرى، كأن اللحظة خانت توقعاته. لطالما تخيّل عروسه تخرج إليه بفستان أبيض تتلألأ فيه، أو على الأقل شيئًا يوحي بالفرح، بالأنوثة، بالاحتفال. لكنه وجدها أمامه ببيجامة طويلة وحجاب بسيط، كأنها تتهيأ للنوم لا لبداية حياة. لم يكن غاضبًا، بل مرتبكًا، عاجزًا عن فهم سبب هذا الحذر، هذا التكتّم في أول لحظاتهم سويًا. أحس كأن بينهما ستارًا لم يُرفع بعد، ليس من قماش، بل من رهبة وخجل وأسئلة لا يعرف لها إجابة. كانت الواقفة أمامه زوجته، نعم، لكنها بدت بعيدة تمامًا عن صورة "العروس" التي كان ينتظرها ليقترب منها بعينيه تفترس جسدها المغطى وهو يهتف بسخرية من هيئتها ويده تشد أعلى كتفها وكأنها صبي ميكانيكي:
ـ نعم يا روح أمك خارجة لي ببيجامة قدك مرتين ولابسالي حجاب على راسك؟ هو ده الجواز؟
هي دي الأنوثة في وجهة نظرك؟
هو ده لبس العروسة لعريسها؟
ده انتِ ليلتك مش فايتة النهاردة يا "فاطمة". طب إيه رأيك بقى أنا عايزك دلوقتي زي ما ولدتك أمك، يا أما الليلة مش هتعدي النهاردة يا شيخة "فاطمة".
شهقت بصدمة وهي تبعد يدها عنه مرددة بذهول:
ـ وإيه اتجننت إياك؟ بعد يدك دي عني واحترم نفسك. أني لا يمكن ألبس الحاجات دي، أني هتكسف وهخجل منها عاد ويستحيل ألبسها.
اقترب منها وبحركة مفاجئة نزع عنها حجابها لينسدل على ظهرها كالأمواج وهو يمرر لسانه على شفتيه ساحبًا إياها أمامه لترتطم بعظام صدره مرددًا بوعيد:
ـ يمين بعظيم يا "فاطمة" أما فتحت دماغك دي معايا وشيلتي عرق الصعيدي الناشف اللي في دماغك وتفكيرك ده، لهخلي أيامك شبه.
كاد أن يكمل إلا أنها زمت شفتيها باعتراض ليكمل هو بابتسامة:
ـ شبه شعرك الحرير الناعم اللي أول مرة أشوفه ده يا "بطبط". قلبي أنا عايزك بقى تفكي وتروقي على نفسك كده، وبعدين إحنا مخطوبين بقى لنا أربع سنين يا ماما أنا حمضت جنبك. أنا هموت، أنا الهرمونات عندي في ذمة الله بسبب النشفان بتاعك طول الخطوبة عليا، ودلوقتي جاية تنشفيها أول يوم جواز لينا؟ ده أنا قتيل الليلة يا بطبط لو ما ريحتنيش.
شهقت بصدمة مرة أخرى من تلميحاته الجريئة ونظراته التي تكاد أن تفتك بها وتمتمت بخجل:
ـ طب ممكن تسيبني لحالي وبلاش الليلة دي، على ما آخد على المكان. خجلانة يا "أشرف".
ضرب كفًا بكف من كلامها لينطق لسانه بلفظ اعتراضي أذهلها ولم تتوقع سماعه منه وهو ينظر لها نظرات نارية تكاد تفتك بها:
ـ لااا بقى! انتِ أكيد حد مسلطك عليا. انتِ اتجننتِ في دماغك ولا إيه يا "بطة". عيب عليكي ده انتِ حتى من الصعيد،
يعني أهل الصعيد يقولوا عليا إيه؟ مش عارف أدخل على مراتي ولا ألين دماغها؟
والله العظيم إن ما ظبطتي الكلام لا هتبقى الليلة نار ودمار. أنا مش هحلك ولا هسيبك. فوقي يا "بطة" النهاردة دخلتنا يا ماما لو مش واخدة بالك.
انكمشت "فاطمة" في مكانها كطفلة باغتتها صافرة قطار، عيناها تهربان منه، وجسدها بأكمله يرتعش، وملامحها تشهق بالخجل والرعب من هذا الانفجار الذكوري الغاضب أمامها. كانت تقف كتمثال خشبي أصابه الذهول، لا تدري كيف ترد، ولا بم ترد، ولا هل الرد أصلًا في مثل هذه اللحظة مأذون به. الهواء بينهما صار ثقيلًا، مختلطًا بعطرها البسيط الذي خرج رغمًا عنها، وبأنفاسه المشتعلة الممزوجة بالغضب والرغبة والتوتر.
أما هو "أشرف"، فكان يتقدم بخطوات كمن يقترب من غنيمته التي طال انتظارها، وفي عينيه خليط من الحسرة والتهكّم، وكأنه يعاتب القدر على تلك المفاجأة الصادمة من هيئتها:
ـ يعني بجد؟ بجد يا "فاطمة"؟ أربع سنين خطوبة وألف خناقة معاكي ونشفتيها على اللي جابوني على آخر الآخر وأنا أقول كله يهون عشان الليلة دي، وآخرتها تلبيس لي بيجامة مقاس خالك وتتحجبي لي؟
ده أنا لو عايز أتجوز "إحسان"، شغالة عمتي، ما كنتش هتورط في دا كله.
أطلقت "فاطمة" شهقة خافتة ودفنت وجهها بين كتفيها كأنها تود لو تبتلعها الأرض، ثم قالت بصوت متقطع:
ـ أني أني مكسوفة يا "أشرف"، مستحية قوي، دي أني أول مرة، أول مرة أقف قدام راجل كده وأنت شوف شكلك عامل إزاي، عينيك بتاكلني كأنك نمر مش عريس يعني!
ضحك "أشرف" ضحكة قصيرة، كأنها طلقة في ساحة معركة، ثم اقترب أكثر وهمس:
ـ نمر؟ أنا نمر فعلًا، نمر جعان، جعان لك يا "فطومة"، جعان لليلة دي من أربع سنين، جعان أشوفك على طبيعتك، مش ملفوفة في خمسمية طبقة قماش. أنا مش عايز عروسة من كتالوج، أنا عايز مراتي بقى مراتي اللي قلبي داب عليها يوم ما شفتها.
قهقه فجأة ضاحكًا وهو يضرب كفًا بكف وهو يراها تبتعد عنه والخجل مرسوم على معالمها ببراعة:
ـ يا جدعان، أنا اتجوزت كائن نادر...
دي مش عروسة دي بنت خالة الحياء نفسه!
يا "بطبط"، لو استنيتك لحد ما تاخدي على المكان، أنا هتكتب لي شهادة وفاة رسمية من جمعية ضحايا ليلة الدخلة!
أدارت وجهها عنه، وارتجفت شفتيها وهي تحاول أن تخفي بسمة خجولة، ثم تمتمت:
ـ أني هحاول والله العظيم هحاول، بس إنت مش مديني فرصة أتنفس، بتخضني بكلامك وحركاتك.
رمقها بنظرة رقيقة فجأة، وتغيرت ملامحه كما يتبدل الطقس في لحظة، ثم قال وهو يقترب منها كأنما يحتضن الهواء بينهما:
ـ طيب بصي، نبدأ واحدة واحدة مش لازم كل حاجة دلوقتي، بس إنتي بس كفاية ترفعي عينيكي تبصي لي بس كده، وتسيبي لي نفسك خالص وأنا القائد اللي هيسحبك لمعركة عشقه من غير ما تحسي يا "بطبط".
رفعت "فاطمة" عينيها إليه للحظة، فقط لحظة، لكن هذه اللحظة كانت كافية لأن تضيء وجهه بنور جديد، كأنه رأى فيها وعدًا صغيرًا بإنسانة ستكسر حواجز الخجل رويدًا رويدًا، وتمنحه قلبها كما منحها قلبه منذ زمن.
تنحنح "أشرف" فجأة، وعاد لنبرة دعابته وقال وهو يدندن ويعرض عليها محاولاته كما لو كانت طفلة صغيرة:
ـ طب يلا يا عروسة نلعب استغماية؟ إنت تستخبي تحت البطانية وأنا أعد لحد عشرة بس أوعى تتأخري، لأن الليلة دي "أشرف" هيعلن فيها النصر أو الشهادة!
ضحكت "فاطمة" أخيرًا، ضحكة صغيرة خرجت رغمًا عنها، كأنها أول انتصار للحب على الخجل، وأول وعد حقيقي بليلة لن تُنسى. اقترب منها "أشرف" بخفة من يطارد عطراً لا يريد له أن يتبدد. كانت خطواته متأنية، كأنها تخشى أن تفسد سكون اللحظة، وعيناه لا تغادران ملامحها، تلك الملامح التي اختبأت خلف حياء كثيف لكنه لم يستطع أن يخفي فتنتها. لم تكن الزينة على وجهها، ولا فستان أبيض يتلألأ تحت الأضواء، بل كان فيها شيء آخر شيء حقيقي، ناعم، مثل نسيم فجر صيفي، يحمل وعدًا لا يقال، ولكن يُشعر.
لما اقترب منها أكثر، مال برأسه قليلًا إلى جانبها وهمس بصوت خفيض:
ـ هو إنتي كنتي مخبية الجمال ده كله فين يا "فاطمة"؟ ده أنا لو كنت عارف إنك كده، كنت خلصت الخطوبة دي في أسبوع!
احمر وجهها حتى كاد الحياء ينسكب منه، وخفضت بصرها بسرعة، كأن الأرض صارت أكثر أمانًا من عينيه. ثم تمتمت:
ـ بعد يدك بقي، اني مش قادرة اتنفس.
مد يده بلطف، لا بعنف، كما يفعل من يطلب الإذن قبل أن يقطف وردة، ورفع ذقنها برفق لينظر إلى عينيها مباشرة. كان قلبه ينبض بقوة، وعيناه تتأملان تفاصيلها كأنها لوحة رسمتها الأيام خصيصًا له. ابتسم بعذوبة، وقال:
ـ أبعد مين ده انا ما صدقت، والله يا "بطبط" لو كانوا بيدوا شهادات تقدير على الجمال الطبيعي، كنتي خدت الماجستير بتفوق. ده أنتي كلك هندسة، بس هندسة مش كباري ولا كهرباء هندسة قلوب!
ضحكت بخجل وهي تحاول أن تُخفي ضحكتها براحة يدها، لكنه التقط اللحظة سريعًا، وكأن هذه الضحكة الصغيرة كانت بوابة الدخول إلى قلبها. جلس بجوارها بهدوء، لا اقتحام فيه، فقط حضور مطمئن. ثم قال بنبرة أكثر رقة:
ـ عارفة كنت دايمًا بحلم باللحظة دي، بس والله ما حلمت إنها هتبقى بالحلاوة دي. أنا مستعجل بقي على قربك على فكرة.
كانت "فاطمة" لا تزال تائهة بين خجلها ودفء كلماته، تشعر بأن أنفاسها تختلط بدقات قلبها، وأن حائط الخوف بدأ يتشقق شيئًا فشيئًا. مدت يدها بخجل، فالتقطها "أشرف" كمن يحفظ كنزًا، وقبل أطراف أصابعها في هدوء، كأنما يعاهدها أن يكون لها السند، والعاشق، والصديق.
ثم ابتسم بعينه وهو يغمز لها بشقاوة اعتاد عليها وقال وهو يتنهد:
ـ يلا بقى نعيش الليلة من غير بيجامة خالك دي، ولا خجل، ولا يحزنون. بس بحب كبير وزفة قلبين، مش بس عروسة وعريس.
وانطلقت اللحظة، لا صخب فيها، فقط دفء، وهمس، وخطى خفيفة نحو بدايتهم الأولى، كأن الكون كله اختصر نفسه داخل تلك الغرفة، وترك لهم المساحة ليكونوا هم، فقط هما.
********
كان الصباح محملاً برهبة لا تشبه غيرها، إذ أن المحكمة الكبرى كانت على موعد مع امرأة لا يهابها الخصم، ولا تربكها نظرات المتفرجين.
"رحمة"، التي عرفت بلقب "ديفا المحاكم"، تقدمت صوب بوابة المحكمة بخطى واثقة تشبه وقع أقدام الجيوش قبل الالتحام.
عباءتها السوداء ترفرف من حولها كما لو كانت راية النصر، وملامحها الواثقة تنبئ بمن يعرف طريقه ولا يحيد.
وما إن اقتربت من المدخل، حتى وقف أمامها رجل ضخم الجثة، تتلبده ملامح الخطر، واعترض طريقها بصوت خافت، لكنه كان مشبعًا بالتهديد والوعيد:
ـ اسمعي يا أستاذة "رحمة" انتي لو دخلتي المحكمة النهاردة واترافعتي في القضية دي وطلعتي المتهم براءة، هتندمي وهتخسري كتير وإحنا مش هنرحمك. طلعي حالك من الحوار دي ملكيش صالح بيه عاد واظن اني بعت لجوزك وعميلت اللي علي ما هتلومونيش بعد اكده من اللي هيوحصل لو الواد دي خد براءة.
توقفت "رحمة" لبرهة، نظرت إليه بعينين لا تعرفان الوجل، وكأنما نظراتها سهام مغروسة في صدره، وقالت بصوت يحمل بحة الجبال وثقل التجربة وكأنها اعتادت المشهد:
ـ انت جايلي تهددني في عرض المحكمة تبقى ما تعرفنيش كويس. اللي يخوفني لسه ما اتخلقش يعني تقف اكده عوج وتتكلم عدل ما اتخلقش اللي يهدد "رحمة سلطان المهدي" 'ديفا المحاكم' وأني هدخل المحكمة دي وهاترافع، واللي فيها فيها. واني اللي بحذرك اياك تقرب مني هتندم ندم عمرك اني مش سهلة واصل ولا سالكة وقرصتي كما الحيات.
تجاوزته دون أن تلتفت، كما تفعل الريح حين تمر على الأعشاب الذابلة، وخطواتها توقع على الأرض بإيقاع حازم لا يقبل المساومة، كأنها تكتب بخطوها بيان الحق القادم.
دخلت القاعة، والأنفاس محبوسة، والعيون معلقة بها كأنها النبأ الذي سيقلب الموازين. القاعة كانت ممتلئة، المقاعد مكتظة بالحضور، والصمت يسود كما يسود الليل في الصحراء قبل أن يعصفه الرعد.
المتهم يجلس داخل القفص الزجاجي، عيناه ذابلتان، وفي نظراته شوق مستحيل للنجاة. كم من مرة جلس في المكان ذاته، يحاكم أمام الجميع، في حين أن قلبه يصرخ بالبراءة.
جلس القاضي الجليل على منصته العالية، رجل مهيب، تعوّد الناس على عدله وصلابته، وكان يرقب "رحمة" من فوق نظارته التي يعبر من خلالها نحو باطن النفوس لا ظاهرها.
حرك القلم بين أصابعه كما لو كان يختبر صبر القانون ذاته.
أما المحامون في الجهة الأخرى، فقد تبادلوا نظرات الاستخفاف، فهم على يقين أن هذه القضية كانت كالصخرة، قد اصطدمت بها خبراتهم من قبل وتهشمت.
لكن "رحمة" لم تكن كغيرها، كانت تقف أمامهم كالطود، شامخة كأنها لا تعرف للانحناء سبيلا. رفعت وجهها وقالت بصوت قوي هز أركان القاعة:
ـ يا سعادة القاضي، هيئة المحكمة الموقرة، حضرات المستشارين، النهاردة أني جاية أطلب من عدلكم مش بس براءة المتهم، لكن كمان إدانة للي لفقوله التهمة.
ارتجت القاعة، وترددت الهمهمات كالموج المتلاطم على شاطئ الحقيقة. القاضي، الذي لم يعتد الانفعال، رفع حاجبه بدهشة خافتة وقال بنبرة تمتحن المتحدث لا تهاجمها:
ـ وما هي أدلتك يا أستاذة "رحمة"؟
مدت يدها إلى حقيبتها الجلدية السوداء، تلك التي باتت تعرف أسرار المرافعات كما تعرف راحتها. أخرجت ملفًا سميكًا وكأنها تستخرج سيفًا من غمده في لحظة فاصلة:
ـ الأدلة يا سعادة القاضي متقسمة تلات أقسام... الأول، تقرير الطب الشرعي اللي محدش قرأه بعين قانونية قبل كده. التقرير بيقول إن أداة الجريمة سكـ.ـين عادي، لكن جرح القـ.ــتيل كان أعمق من الحد الطبيعي لسـ.ــكين المطبخ وده يخلينا نفهم إن أداة الجريمة مش اللي الشرطة قالتها كما هو موضح أمامكم في محضر الواقعة.
هنا انعقد حاجبا القاضي، ولمعت عيناه، وكأنه اكتشف شيئًا لم يره في أوراق مرت عليه عدة مرات. كان صمته تلك اللحظة أبلغ من الكلام، إذ أدرك أن شيئًا غير مألوف يحدث أمامه وهو يشير إليها أن تكمل:
ـ كملي يا أستاذة.
قالها القاضي بعد لحظة طويلة، بدت كأنها دهر، كأنه يحثها على المضي قدمًا في طريق الحسم:
ـ ثاني دليل...
تسجيل من كاميرا مراقبة كانت موجودة في محل أدوات كهربائية قريب من مكان الجريمة. التسجيل بيظهر المتهم في توقيت الجريمة وهو داخل المحل. والمحل ده بيدخل بالأمانة، يعني سجل التوقيت مظبوط. المتهم كان هناك ساعة وقوع الجريمة.
تبدلت ملامح المدعي العام وانكمش في مقعده كمن يوشك على السقوط. أما القاضي فقد شبك أصابعه أمام فمه وأسند ذقنه إليها، كأنه يبحث عن الصدق في نبرة صوتها ويبحث عن مصداقيتها في ملامحها.
ـ ثالث دليل... وده الأهم شهادة شاهد كان ساكت طول الوقت لإنه خايف على أخوه. الشاهد ده قاللي بنفسه إن القاتل الحقيقي هو أخوه وفعلا سجلت اعترافه صوت وصورة. ودي طبعا بعد ما اخدت إذن النيابة وهأقدمه للمحكمة الآن.
أخرجت جهاز تسجيل صغير من حقيبتها. شغّلته أمام القاضي فصدح الصوت في القاعة كأنه صوت عدالة اختفت طويلاً.
ـ أنا اللي قتلت الراجل مش أخوي، بس انت ما تقدريش تثبتي دي وهو وافق يتحمل علشاني. ملكيش صالح بينا.
ساد القاعة صمت يشبه صمت القبور بعد العاصفة. ثم بدأ الهمس يتسلل كالريح بين المتفرجين. أما القاضي فقد أغلق عينيه لبرهة، ثم ضرب بمطرقته ثلاث مرات وقال بصوت مرتفع يتماشى مع وقار اللحظة.
ـ سنعقد جلسة تشاور بعد عرض هذه الأدلة. رفعت المحكمة.
بعد مضي نصف ساعة، عاد الجميع إلى أماكنهم. وكانت العيون شاخصة نحو القاضي الذي بدا عليه أثر التأمل العميق والتفكير الذي يحفر في أدق التفاصيل.
جلس القاضي ونظر إلى "رحمة" نظرة طويلة فيها تقدير وفيها انبهار كاد يخفيه. وقال بصوت رسمي مهيب.
ـ بعد دراسة الأدلة واستماع المحكمة للتسجيل وثبوت وجود المتهم في مكان آخر ساعة الجريمة وثبوت اعتراف القاتل تقرر المحكمة براءة المتهم مما نُسب إليه.
انفجر صوت البكاء من داخل القفص. وانهار المتهم على ركبتيه كمن استعاد الحياة بعد موت. معلقاً، تصفيق عفوي انطلق من الجمهور. لم يمنعه القاضي هذه المرة، وكأن قاعته كانت بحاجة لهذا التنفيس.
خرجت "رحمة" من القاعة والجماهير تتجمهر عند المدخل. الصحافة، الكاميرات، الأصوات، الفلاشات.
ـ إزاي قدرتي تحصلي على الأدلة دي يا أستاذة "رحمة"؟
إيه تعليقك على إنك لقبت بديفا المحاكم فعلًا بعد المرافعة دي؟
أجابتهم بثقة وثبات وعينيها القويتين تنظر إلى الكاميرات باعتياد دون انبهار.
ـ الدليل الحقيقي مش في الورق. الدليل في التفكير. لازم نعرف نقرأ ما بين السطور. وأني ما دخلتش المهنة دي علشان أعدي قضايا والسلام. أني دخلت القضية علشان أطلع الحق من وسط ركام الكدب.
سؤالا آخر توجه إليها من أحد المذيعين المتكدسين أمامها.
ـ يعني فعلا تلات محامين قبلك ما عرفوش يثبتوا براءته؟
برهنت برد قوي.
ـ أني مش جاية أنافسهم. بس جاية أعمل اللي محدش حاول يعمله بضمير. واللي ربنا بيريد له ينكشف هينكشف والمظالم لازم تترد.
وبينما تغادر محاطة بعدسات الكاميرا والصوت، انفتح الطريق فجأة. وظهر أمامها الرجل الذي هددها في الصباح. عيناه تتوقدان غضبًا وملامحه مشتعلة بالوعيد.
ـ فاكرة إنك كسبتي؟ إنتي فتحتي على نفسك نار ما هتنطفيش. وأني وراكي وهتشوفي.
نظرت إليه "رحمة" بهدوء وقالت بصوت منخفض فيه نبرة العاصفة المستترة.
ـ أني ماشيه في طريق الحق. واللي يوقف قدامي يا إما يزيحني ودي صعب جداً عليه، يا إما أزيحه. ودي بركة ربنا اللي هتصاحبني وين ما كنت عشان بدافع عن المظلوم وبجيب حقه من الظالم مهما كان مين وسلطته إيه.
وتابعت سيرها بخطوات ثابتة. وتركت خلفها رجلاً مهددًا بالانطفاء أمام امرأة قررت أن تضيء الطريق بعد طول عتمة.
***
كان يجلس على تخته وبيده سيجاره الذي ينفث به بشراهة وكأنه ينفث به وحدته ويلعنها. منذ شهرين لم يلتقي بسكونه كزوج وزوجة. وهذا حالهم من وقت وضعها لأولاده. المسافة بينهما تبتعد رويدًا رويدًا.
أربع سنوات وهو يلتقي بها كل عدة شهور مرة. في العامين الأولين لأطفالهم كان يساعدها ولم يتركها وحدها تعاني معهم. يسهر معها الليالي، يداعب الأطفال ويخفف عنها حملهم كثيراً بمحبة وقلب صادق دون أن يلزمها بأي شيء تجاهه وأي واجبات وحقوق له عليها. فـتلك الفترة كانت صعبة للغاية لكليهما. ولكن بعد مرور العامين والأطفال قد كبروا قليلاً، بدأ يشعر بالحنين إليها وبأن مسؤولية الأطفال هدأت عن ذي قبل ولو بنسبة قليلة. ولكن ما زالت "سكونه" تنغمر مع أطفالها متغافلة عن أن لديها ابن أكبر يعشقها حتى النخاع. يتنفس بعطرها يعيش على أمل أحضانها.
كان ممسكًا بالهاتف بإحدى يديه واليد الأخرى ينفث بها سيجاره. وقد أتى أمامه مقطعًا رومانسيًا من إحدى المسلسلات. فألقى الهاتف جانبًا وأسند برأسه على التخت يتذكر كم قضى من السنوات والليالي هو وسكونه يبث كل منهما الآخر عشقه بطريقة لا توصف. ولم تكن موجودة. ومن رآهم ورأى عشقهم قبل ذاك يقسم أنه لم يرى عاشقين كمثلهم.
وحين التقاها صدفة في الممر وقد خرجت من غرفة الأولاد متجهة إلى الحمام، شعر أن نبض قلبه قد عاد فجأة إلى الحياة. لم يتردد لحظة واحدة. بل تحرك كمن وجد ماء الحياة بعد عطش مرير. اقترب منها بخطوات سريعة. التقط ذراعها بيده المرتعشة. وسحبها برفق ممزوج بالإصرار نحو الغرفة. لم يترك لها مجالاً للفهم أو الرفض. وما إن أدخلها حتى أوصد الباب خلفه وألقى المفتاح بعيدًا. وكأن هذا اللقاء بالنسبة له حياة أو موت. ثم حاصرها بين الباب وصدره. بين الجدار وحنينه العاصف. عينيه تغوصان في تفاصيل وجهها. يده تتشبث بكتفيها كمن يخشى أن تستحيل سرابًا. فهتف بلهفة ولوعة.
ـ متوحشتكيش يا "سكون" حضن "عمرانك" اللي انتي بعيدة عنيه من شهرين وزيادة. ماشتقتيش ليه؟ اني محتاجك يا سكون. جاري اني خلاص تعبت من حياتنا دي. وعاتبتك كتير ومفيش مرة عتابي أثر فيكي. ولا رجلك جابتك حداي وقالت لك اجري لحضن "عمران". ولا هتحسسيني اني وجودي وحضني فارق وياكي.
اشتعلت أنفاسه وهو يهمس بتلك الكلمات. وكل كلمة تنبع من عمق جرح. من ألم رجل عاشق تمزقه الحياة برفق. يشعر أنه لم يعد يرى في عيني زوجته. لم يعد يحس بها رغم قربها الجسدي. صوته كان متكسرًا. يحمل انكسارًا لم يعتده منها ولا في ذاته. عينيه تغرقان في عتاب صامت قبل أن تنطق شفتاه بما عاتبها به. ولكن هي بررت موقفها وهي تشعر بالخزي من حالها.
ـ معلش يا "عمران" اني عارفة ان اني مقصرة وياك قوي. وعارفة كمان ان المفروض تزعل مني. بس الولاد تلاتة مسؤوليتهم جامدة قوي علي. واني مش عايزة اقصر معاهم. مش عايزة أكون أم وحشة وما تاخدش بالها من عيالها. وأكيد انت فاهم قصدي وفاهم تعبي ومقدر.
انخفضت نبرتها. وكأن قلبها أدرك فجأة وجعه. عينيها امتلأتا بنظرات رجاء. تعلم أن كلماتها لن تكون شافية. لكنها تحاول أن تبرر. أن تقول له بأنها ما زالت تحبه. ولكن الأمومة اجتاحتها كما يجتاح الطوفان كل شيء جميل. يديها متشابكتان أمام صدرها كمن يقف في محكمة الحب ينتظر حكم الغفران. ولكنه حزن من أجل ردها ذلك وأكمل عتابه معها. وبالتحديد حينما رأى نظرتها المتعلقة بينه وبين الباب الذي أغلقه.
ـ يعني حتى وانتي معاي نظرتك متعلقة بباب العيال. حتى واني هقول لك اني توحشتك كتير يكون كلامك عن العيال. اني تعبت يا "سكون". طب اعتبريني من وقتك زي ما هتوقفي في المطبخ تطبخي ليهم. أو اعتبريني عيل رابع هتعتني بيه من ولادك وياخد من وقتك. مش عايز أحس ان اني بقيت وحيد ومراتي جنبي. مش عايز احس ان اني مش من حقي حتى اشتاقك.
ارتجف صوته بين أحضانهما المتقاربة. كان كلامه كالمطر حين يسقط فوق أرض عطشى. رجفة الاشتياق التي تسكن كل حرف تخرج من بين شفتيه. جسده يفيض رغبة وحنينًا إلى تلك المرأة التي كانت يومًا لا تفارقه لحظة. كيف له أن يتحمل هذا الجفاء وقد كان يومًا أنفاسها وهواؤها. وهي شعرت بذلك فوضعت يدها على شفتيه وهي تؤكد له بعشق جارف لا يقل عن عشقه لها.
ـ وه!
انت عارف زين إن كيف "سكون" هتعشق "عمرانها" وكيف هتنفسه وكيف هتتمني رضاه. بس أنا كنت محرومة من إحساس الأمومة سنين وسنين وربنا وضع في قلبي محبتهم وعلقني بيهم وخلاني مقدراش أفوتهم لوحدي. إحساس الأمومة غالب على قلبي وعقلي ومخليني عايزة أشوفهم قدامي علطول ولو غابوا عن عيني هبقى حاسة إني هموت على شوفتهم. الإحساس ده والله غصب عني يا "عمران"، مليش يد فيه، دي ربنا اللي هيوضع في قلبي الحاجات دي ناحيتهم.
امتلأت كلماتها بشجن عميق وندم خفي، لم تكن تتهرب منه، بل كانت تشرح ألمًا آخر يسكنها. ألم لا يُرى في عين امرأة أحبت ولم تعد تملك وقتًا للحب. أرادت أن تطمئنه، أن تخبره أنها ما زالت له، لكن قلب الأم الذي وُهب لها بعد حرمان، كان أقوى مما تظن. كانت تراه لكنها لم تعرف كيف ترتمي بين ذراعيه من جديد. ولكنه شعر بوخزة في قلبه من أعذارها، فعذرها بالنسبة له أقبح من ذنبها. ويبدو أن تلك الليلة هي ليلة ملامات العمران لسكونه.
ـ يعني أفهم من كلامك ده إنك استغنيتي عن حضني ولمستي ليكي، وإنك تكوني ليا زوجة وسكن، وإني معادش من حقي أطلب حضنك ولا أطلب إنك تكوني معايا بولادك يا أم "سليم".
أراد أن يصرخ بوجه الحياة التي خطفت زوجته منه، لكنه لم يفعل. صوته خرج هادئًا لكنه دام، كأن كل خيبة بداخله تحولت إلى نصل يغرسه في صدره ببطء. ناداها بأم "سليم" لأول مرة، وهو يعلم أن ذلك الاسم الذي كان يفترض أن يكون شرفًا لها هو الآن سياج يفصلها عنه. عينيه لا تفارقان ملامحها، يبحث فيهما عن العاشقة التي كانت تهيم به كما يهيم القمر بوجه الحبيبة.
ـ لااااه يا "عمران" لااااه، حضنك بالنسبة لي كل حاجة في الدنيا. حضنك حضن الأمان والراحة والحب والسكينة لـ"سكون". وبعدين أول مرة تناديني بأم "سليم"، عمرك ما كنت هتناديني غير بسكوني. هو أنت مبتحبنيش زي الأول يا "عمران"؟
كانت تتوسل إليه بعينيها قبل لسانها. يداها امتدت إليه بخجل، كلماتها خرجت كأنها نغمة ناعمة وسط صخب العتاب. هي لا تنكر شوقها، لا تنكر اشتياقها، لكنها تُغالب قلبًا تمزقه المسؤوليات. وكلما حاول أن يتقرب منها شدّتها واقع الأمومة بعيدًا عنه. لكنها الآن أمامه، ضعيفة ومشتاقة، ترجو منه أن لا يبتعد عنها وهي على وشك أن تعود.
ـ ناديتك بأم "سليم" عشان حسيت إنهم بقوا كل حاجة ليكي، وأهم حاجة عندك دلوقتي. حسيت إني بشحتك يا "سكون" لحضني. في حاجة أكتر من كده؟
كان كمن يعترف لأول مرة، كمن يقف عاري القلب أمامها. كل رجولته، كل كبرياؤه، تبخروا أمام حبيبته. كلماته خرجت بانكسار شديد، نبرة صوته تراجعت تحت وطأة العتاب المكلوم، وأطرافه تتوسل نظرة دفء تعيده إلى حياة كانت يومًا مأواه، وهي ما زالت تؤكد له مرارًا وتكرارًا:
ـ لااااه يا "عمران" أنت حبيبي وروحي وعيني. قلبي اللي بينبض بدقاته ليك. عمري كله وسكون هتعشق عمرانها. أنت دليل وعنوان السكون يا عمران ولو تاه دليلي أو بعد عني هموت.
خطت خطوة نحوه، وعيناها تغوص في بحره الممتلئ وجعًا. يداها امتدتا إليه بلا تردد هذه المرة، وضعت أناملها المرتجفة فوق شفتيه المرتعشتين. وابتسامة ممزوجة بالشوق والندم انسكبت من عينيها، تقرأ في قسمات وجهه اشتياقًا ما عادت تقوى على صده. وتهمس له بأن "سكون" عادت إلى حضن "عمران" الذي لم يبرح قلبها يومًا. ونطق هو متلهفًا:
ـ لاااه بعد الشر عنيكي يا نبض القلب وسكنه. إني مقدرش أعيش من غيرك. تصدقي لمسة يدك لشفايف عمران كانت وحشاني. ودلوقتي أنا عايزك وحضني مشتاقك وروحي وقلبي ملهوفين عليكي.
وحين أنهى كلماته الأخيرة، كانت "سكون" قد ذابت تمامًا بين ذراعيه، تتوسل من عينيه الصفح، ومن قلبه البقاء. وكل خلية في جسدها ترتعش بالشوق إليه، كأنها وجدت نفسها بعد طول ضياع في المكان الوحيد الذي يليق بها، في حضن "عمران". كان يبثها اشتياقه بعاصفة اقتراب كما لم تكن من قبل، وهي كذلك. أعطته أحضانها وسكنته عشقًا وأمنًا وسلامًا حتى أبردت نيران عشقه. حتى نال جسده من الاشتياق لها ما جعله هدأ تجاهها من ابتعادها. كانت عدة ساعات معدودة بينهم قضوها مابين العتاب والاقتراب والحنين والاشتياق. وبعدها غادرت "سكون" الغرفة كالمعتاد وذهبت تنام في أحضان أبنائها.
لم يكن "عمران" بحاجة إلى أن يلتفت. فحين غابت عن فراشه بعد أن كانت بين ذراعيه منذ لحظات، عرف أنها عادت إلى حيث اعتادت الرحيل. تركت سكينته معلقة في الهواء وانسلت بهدوء إلى غرفة الأطفال، وكأن دفء صدره لا يسعها، أو كأنها تحن إلى هدوء آخر لا يكون معه. لكنه لم يتحرك. ظل في مكانه ساكن الجسد مضطرب الروح، يتقلب بين غطاء الوحدة وشراشف اللهفة التي ما برحت تحت جلده.
في عينيه نظرة فارغة كأنها تحمل كل شيء. وفي صدره صوت مكتوم يناديها ولا ينطق. تمدد على الفراش كجسد نُسي في عاصفة. وكل جزء فيه يفتقدها حتى أطراف أصابعه. كان معتادًا على هذا الغياب رغم قربها. معتادًا أن يظل وحده في الليالي التي يفترض أن تكون دفئًا وسكنًا. لكنها تغيب كعادتها وتمنحه نصف اللقاء ثم ترحل كأنما لا يعنيها الاحتياج.
تحسس مكانها الخالي في السرير. لم يكن باردًا بعد. لا زال يحمل رائحتها الدافئة التي تدغدغ وجدانه كلما اقترب منها ثم ابتعدت. همس لنفسه بكلمات لم يسمعها أحد، كأنما يتوسل لظلها أن يعود، أو ربما يتحدث إلى وهمها المتبقي على الوسادة. كان يعشق فيها كل شيء حتى غيابها. لكنه سئم أن يكون الوطن الذي لا تسكنه.
حرك يده في الهواء كأنه يطارد خيطًا من دفء قد تسلل قبل قليل. ثم أغمض عينيه بقهر صامت، يتنفس شوقًا لا ينتهي. كم تمنى لو التفتت إليه قبل أن تنهض. كم تمنى أن تسأله عما به، أن تقرأ عينيه قبل أن تقرأ وجوه أولادهم النائمين. لكنه يعلم أنها ستعود. في الغد أو بعد أسبوع أو حين يدفعه الاشتياق ليلمس روحها بالكلام.
تقلب على جنبه الآخر، كأنما يهرب من واقعه داخل السرير إلى واقع أشد قسوة في اللا شيء. كأنه يود لو تباغته وتعود. أن تدخل عليه دون صوت وتضع يدها فوق قلبه لا فوق وسادتها. لكنه يعرف أنها لن تفعل. ليست الليلة، وربما ليست قريبًا. فحياتها معه صارت مشوارًا متقطع الأنفاس، يصلان فيه ويتباعدان، ثم يلتقيان عند الحافة ويبتعدان من جديد.
أغمض عينيه ولم ينم، ولم يحاول. بل ترك لعقله باب السهر مفتوحًا، يستعيد صوتها ولمساتها وارتجافة كتفيها حين كانت بين يديه منذ قليل، كأن اللحظة لم تكن إلا سرابًا جميلًا ثم اندثر. لم يكن في قلبه لوم لها، كان فقط يشتاقها. يشتاقها بكامل صمته وضعفه وحنينه ووجعه الذي لا يسمع له أحد سوى الليل.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل السبعون 70 - بقلم فاطيما يوسف
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
كيف للحياة أن تفعل بنا هكذا!
تشكلنا كيفما شائت ووقتما حددت وبما أرادت!
تارة تمنحنا السعادة وفي نفس الوقت تسلبها من بين أيدينا، وتارة تلقينا في غياهب الحزن دون سابق إنذار، كأن الفرح كان وهما عابرا.
نقاوم ونتشبث بالأمل، لكنه أحيانا يذبل في قلوب أنهكها الانتظار، فننمضي مثقلين بالحنين، نحمل في أرواحنا ما تبقى من فتات الحلم.
ـ مالك يا "عمران" يا ولدي؟ شايفاك حيران وتايه على طول ووشك الضحكة ما عادتش تزوره واصل. مالك يا ولدي؟ فضفض لامك.
تنهد "عمران" بحسرة موجعة وحرقة دفينة، وكأن قلبه مثقل بجبال من الهموم. يحمل خيبته في صدره كرجل استنزفت منه الحياة، يرى شبابه يتسرب من بين يديه، وعشقه لزوجته ينهار أمام عينيه دون أن تستطيع حتى رؤيته. حتى والدته التقطت إشارات البؤس المرتسمة على وجهه، من نظرات عينيه المليئة بالخذلان. بينما زوجته لا تهبه سوى نظرة أو ابتسامة يتيمة كل حين. يقضي ليلة يتحايل عليها فقط لينال لحظة قرب، ثم ترحل عنه في هدوء. وها هو ينكر حزنه، يطوي قلبه الجريح ليرد على أمه بصوت مجهد:
ـ لااه يا أمي ما تقلقيش، بخير وزين. الحكاية كلها إن الشغل تاعبني شوي، وكمان الفرسات شكلهم جايلهم دور شديد من اللي هيمشي اليومين دول، وحالهم يصعب على الكافر. وآديني استدعيت "محمد" صاحبي، هيشوف لي دكتور كويس بيطري من اللي يعرفهم ييجي يطمّني عليهم.
ربتت والدته على ظهره بحنان يشوبه القلق، تقرأ حزنه ككتاب مفتوح. تعلم أن ابنها لم يعد سعيدًا بزواجه، مذ انشغلت زوجته بالأولاد وغيبته عن أولوياتها. لكنها رغم معرفتها للسبب آثرت ألا تتدخل في ما بينه وبين زوجته، خشية أن تزيد جراحه نزفًا:
ـ طب يا ولدي، الدور دي ما هيخفش من مرة واحدة. لازمهم دكتور يعاينهم وياخد باله منهم علشان يشفوا من الحمى، أنت عارف إنها هتقعد حداهم بالشهور. وكمان الفرسات عددهم زاد ما شاء الله، وعشان أكده لازمهم داكتور يراعيهم على طول، وما يهملهمش واصل.
طمأنها "عمران" بصوت خافت، بينما هو يتناول فنجان القهوة بلا رغبة، فكل تفاصيل حياته باتت تؤدى دون شغف، كأن النبض قد غادره مذ ابتعدت عنه زوجته:
ـ ما هو دي اللي هيوحصل يا أمي. "محمد" هيجيب الداكتور، وزمانهم جايين في الطريق. واتفق معاه إنه هيقعد معانا في الاستراحة، ويوبقى يروح إجازاته كل أسبوع لو حب. هو قال لي إنه مش متجوز، زمانهم على وصول دلوك.
هزت رأسها بتفهم وهي ترى أن جفاف ردوده لم يأت من فراغ، بل من زواج فقد طراوته. ولكن حاولت طمأنته بحنو:
ـ زين يا ولدي. ربنا يكتب لك الخير، ويبعد عن فرساتك كل شر. أنت هتحبهم وهتراعيهم كيف ولادك، وعمرك ما هملت فيهم واصل. وعلشان أكده، ربك ما هيضركش فيهم أبدا. اطمّن يا ولدي.
وافقها بصمت، وقبل أن يستطردا دخل الغفير من الخارج لينادي بلهفة:
ـ يا "عمران" بيه، يا "عمران" بيه. الدكتور "محمد" وصل، ومعاه الداكتورة البيطرية اللي هتكشف على الأحصنة.
جاء رد فعل "عمران" وأمه سريعًا، وقد علت على وجهيهما علامات الدهشة:
ـ داكتورة!
كيف يعني يا واد اللي جاي معاه الدكتور دي راجل مش ست؟
دخل "محمد" يبتسم وهو يلقي السلام ثم التفت إلى "عمران" متهكمًا:
ـ والله اللي لقيته قدامي ممتاز وكل أصحابي شكروا فيها وقالوا إن دي المتخصصة الوحيدة في علاج الحمى عند الأحصنة لأنها أصلا رسالة الدكتوراة بتاعتها كانت عن أكده فما تقعدش تلوي بوزك وتعمل لي حوارات احمد ربنا إني لقيت حد يقعد عندك في الاستراحة ويشتغل معاك كلهم متجوزين ومش قادرين يسيبوا بيوتهم هي الحمد لله لا متجوزة ولا حداها عيال هيقرفونا كل شوي.
لوى "عمران" شفتيه بضيق فبادرت والدته بالترحيب:
ـ يا أهلا يا ولدي أنت وضيوفك تنوروا وتشرفوا على راسنا من فوق أمال هي فين الدكتورة وديتها فين؟
أجاب "محمد" ضاحكًا:
ـ وديتها الاستراحة على ما أشوف رأي الأستاذ "عمران" اللي واخدني وش أكده على طول مش كفاية إنه مرمطني معاه في حواراته اللي ما بتنتهيش وفي الآخر لا رحب ولا جاب لي قهوة ودماغي هتنفجر من جواها يرضيكي أكده يا حاجة؟
ضربت "زينب" على صدرها استنكارًا:
ـ في دي عندك حق يا ولدي المفروض كنا نقول اتفضل الأول وأني هقوم أعمل لك القهوة بنفسي وبعدين ما انتش غريب يا "محمد" يا ولدي أنت صاحب مكان.
ثم نظرت إلى ابنها تسأله:
ـ ولا تحب يا ولدي أعمل القهوة ليكم أنتم التلاتة وأجيبها لكم بره علشان الضيفة ما ينفعش تقعد لوحدها أكده هتقول علينا إيه؟
نهض "عمران" من مجلسه موافقًا:
ـ عندك حق يا أمي إحنا هنخرج بره للدكتورة وإنتي اعملي القهوة وهاتيها لنا وتسلم يدك يا ست الكل.
سبقهم "محمد" وقبل أن يتحرك "عمران" اقترب منه "محروس" الغفير وهمس بنبرة مشاغبة وعينين زائغتين:
ـ جهز نفسك يا "عمران" بيه ده أنت خارج على صاروخ أرض جو حتة دكتورة كأنها نازلة من الجنة كأنها كانت عايشة مع الحور العين الله يعينك على اللي هتشوفه.
اتسعت عينا "عمران" من كلامه وهاجمه بنظراته قبل أن يوبخه:
ـ وه اتحشم يا "محروس" يا أبو عقل مفوت حور عين مين وصاروخ إيه؟ اتجننت إياك في عقلك من كتر ما بتتفرج على الفيديوهات على البنت في المحمول بتاعك المخروب دي هتفكر كل الناس زيك؟ امشي يلا روح على الفرسات شوفهم عطشانين جعانين واللي تعبان فيهم تاجي تبلغني على اللي فيه طوالي.
خرج "عمران" ليقابل "محمد" والدكتورة وتلقائيًا نظر من بعيد لمحها ترتدي بليزر أبيض فوق بيزيك أزرق وربطت حجابها للخلف ينسدل من تحتها خصلتان ناعمتان من شعرها لمح ملامحها فوجد فيها جمالًا لا يخطئه القلب وتذكر كلام "محروس" عنها فاستغفر ربه وواصل السير نحوهم يلقي السلام بصوته الوقور:
ـ السلام عليكم ورحمة الله نورتي بيتنا يا دكتورة إن شاء الله تكوني مرتاحة هنا في بلدنا.
ردت بهدوء وعينيها تمشط المكان دون أن تلتقي بعينيه:
ـ وعليكم السلام ورحمة الله البيت منور بأصحابه يا باشمهندس الحمد لله كل أماكن ربنا حلوة.
بادر "محمد" بالتعريف بينهما:
ـ دي الدكتورة "نور جمال القاضي" دكتورة مصرية عندها 30 سنة وجت هنا قنا من سنتين اشتغلت في العيادة البيطرية في الوحدة الصحية وفتحت شقة بسيطة بتستقبل فيها الحالات وما بتعزش نفسها عن حد واصل.
ثم أشار إلى "عمران" معرفًا به:
ـ وده الباشمهندس "عمران" المكان ده ملكه والمزرعة اللي فيها الأحصنة ملكه وتقريبًا جالهم الحمى زي ما شرحت لك وكمان هو عايز يعينك المسؤولة عن المزرعة ورعاية الأحصنة وهيديكي اللي انتي عايزاه وطبعًا مكان المبيت موجود وانتي هنا في بيت الكرم بيت الحاج "سلطان" والحاجة "زينب" ناس عمرك ما هتلاقي زيهم واصل.
خرجت "زينب" بالقهوة وأبصرت "نور" لأول مرة فانبهر قلبها بجمالها ثم نظرت نحو غرفة "سكون" وأولادها وتنازعها القلق فالجمال الطاغي القادم إليهم اليوم لا يبشر بالسكينة وقدّمت القهوة وتحدثت مع "نور" قليلًا فوجدت فيها أنوثة ودلالًا وأدبًا لم ترفع عينيها لا على ابنها ولا على "محمد" لكن القلق تسلل إلى قلبها وقررت أن تنصح قبل أن يقع المحظور فيما كانت "نور" تستعد لجولة تفقدية ورافقها "عمران" و"محمد" لتفقد المزرعة.
***********
خرجت "رحمة" من بوابة المحكمة وسط هدير الصحافة وعدسات التصوير التي لاحقتها حتى وصلت إلى الرصيف المقابل حيث كان "ماهر" واقفًا بذراعين متشابكتين وصدر يعلو ويهبط كأنما يتنفس نارًا لا هواء وجهه متجهم كسماء على وشك الانفجار وعيناه تتقدان بعاصفة من الغيرة والغضب والخوف في آن لم يتحرك نحوها بل ظل ينظر إليها بصمت مشحون كأنما يلومها بصدره قبل لسانه أما هي فما إن رأته حتى توقفت خطواتها للحظة لم تبتسم لكنها لم تتراجع بل تقدمت نحوه بخطى ثابتة وكأنها ذاهبة إلى امتحان أخير لا تخشى نتائجه فهي اعتادت على خناقه وغيرته العمياء وتحكمه بها دوما.
اقتربت منه حتى أصبحت أمامه تمامًا مسحت بأناملها على حجابها ثم نظرت إليه نظرة الواثقة التي لا تعتذر عما فعلته لكنها تفهم تمامًا كم أثر ذلك عليه كأنما أرادت أن تسبق كلماته بما لا يقال لكن "ماهر" لم يصبر نطق أخيرًا وكان صوته كجمر مشتعلة تحت جليد الكلمات:
ـ يعني أكده بردو يا "رحمة" تنزلي القضية دي من ورايا وتروحي المحكمة وتدخلي وسط تهديدات ومعارك من غير ما تسيبي لي حتى خبر هو أنا بقى مليش كلام عليكي يا هانم مع اني محذرك ومنبه عليكي ترفضي القضية دي انتي مش قد الناس دي ولا قد دمارهم ولا الخراب اللي هيحصل لنا من وراهم.
كلماته خرجت مخنوقة بالوجع والغضب وهو يضع ابنته أمام عينيه فهو منذ أن أتت إلى الدنيا وأنارت قلبه بات قلبه يخاف عليها بشدة ويخاف من أي ظروف تجعلها في خطر فخط المحاكم ضعيف أمام ابنته بشدة كان قلبه يعتب أكثر مما يثور عيناه كانت تتفحص وجهها بغضب شديد بسبب عصيانها لأوامره معها ولكنها دوما شرسة ولن تستكين أبدًا.
ثم أحنت "رحمة" رأسها قليلا ورفعت عينيها في وجهه بثبات لم تهرب من المواجهة ولم تلن ملامحها بل حملت له ما يكفي من الكبرياء والحب في آن واحد وهي تتشبس برأيها ولم تهتز لغضبه ولكن نبرتها كانت هادئة فهي ذكية جدًا في معاملة ماهرها:
ـ مش أكده يا "ماهر" بس أني ما عرفتش أبلغك علشان عارفاك كنت هتمنعني وأني ما كانش ينفع أرجع لورا مش بعد ما وصلت للحقيقة وبراءة المظلوم هسيبه ينعدم اني في مدرسة خط المحاكم متعوّدتتش على أكده وواصل ولا إيه؟
ابتعد "ماهر" خطوة إلى الوراء كأنما كلمتها دفعته تشتعل في داخله نار لم تهدأ نار الغيرة والخوف والفقد في لحظة واحدة:
ـ وانتي شايفة إني لما أمنعك أبقى ضدك أني كنت عايز أحميك يا "رحمة" من ناس مش بتهزر ناس ممكن يأذوكي بجد مش كلام تهديد وخلاص اني خايف عليكي لكن حضرتك مش في دماغك ويولع "ماهر" على اللي جابوه بسبب عنادك وفتحة صدرك دي لأي تيار مهما كانت قوته.
وأكمل بغضب شديد وهو يهدر بها بحدة وقد سحبها من يدها وأدخلها سيارتهم بحدة أرعبتها قليلا ولكنها لم تظهر ذلك:
ـ انتي إزاي أصلًا أقول لك ما تعمليش حاجة وتروحي تعمليها؟
إزاي أمنعك عن قضية وتروحي تشتغلي عليها؟
ما إني قلت لك ابعتي لي ملفات القضية لو ضميرك ناقح عليكي قوي واني هشتغل عليها بنفسي عملت لي فيها الشجاعة اللي محدش زيها وقلتي لي ما لقيصر لقيصر وما للروم للروم!
وساعتها نبهت عليكي بسبب انك مش بتسمعي الكلام انك ما تدخليش القضية دي وبرده استغليتي سفري ورحتي اشتغلتي عليها من ورايا والله يا "رحمة" ما هفوتها لك.
اقتربت منه خطوة وحدقت في وجهه بقوة كأنها ترسل إليه كل ما لم تقله بعد ثم رفعت كفها وكادت تضعه على صدره لكنها توقفت وقالت:
ـ وأني شايفة إنك لو بتحبني لازم تثق فيا تثق إني أقدر أواجه إني ما بخافش ولا بنكسر ولو كل مرة خوفتك من الوجع خلتك توقفني عمري ما هحقق اللي أني عايزاه بكل دمي وقلبي ولولا فتحة صدري ما بقيت "رحمة سلطان ديفا المحاكم".
شد "ماهر" قبضتيه بجانب جسده من غضبه منها وعجزه أيضًا عن السيطرة على قلبه الذي يرتجف خوفًا عليها من حبه الذي يشتعل فيها حتى يكاد يحرق:
ـ أني مش قادر أتخيلك في خطر يا "رحمة" ولا قادر أتحمل فكرة إن حد يهددك حتى بكلمة انتي مراتي وحياتي ولو اتأذيتي والله ما هنعرف نعيش لا إني ولا بنتك إنتي إزاي مش حطاها في اعتبارك وكأنها هوا بالنسبة لك؟
واسترسل بعينين يملؤهما الحزن وهو يقترب منها ويضع جبينه على جبينها ويديها تتمسك برقبتها من الخلف بعنف وشفاه تلفح وجنتها تارة وجبينها تارة وهو يتذكر حياته السابقة قبلها وما حدث له بسبب عناد زوجته معه:
ـ يا "رحمة" اسمعي كلامي اني خايف عليكي وعلى حياتنا وبنتنا الشغلانة دي خطر وانتي داخلاها عناد وتحدي قبل ما يكون نجاح مش هتحمل يحصل لكم حاجة أنا فقدت قبل كده أعز مالي بسبب عنادها ارجوك انتي كمان ما تعانديش لو حصل لبنتنا حاجة بسبب عنادك عمري ما هقدر أسامحك.
نظرت إليه بعينين تشعان بحنان لم تنساه الأيام ولا الحروب وابتسمت ابتسامة شاحبة وهي تحاول أن تطمئنه بمكر ودهاء أنثوي كي يهدأ من ثورته:
ـ طيب يا "ماهر" اسمع أني لما قبلت أتجوزك ما قبلتش أكون ست ضعيفة تقعد في البيت وتستخبى أني اخترتك علشان نكمل مع بعض مش علشان تمنعني أني محتاجاك في ضهري مش قدامي كحاجز وبنتنا مالها ما هي زي الفل ومحدش يقدر يمسها واصل واني هخاف عليها زيك بالظبط ويمكن أكتر أني أمها.
وأكملت بعتاب ممزوج بغيرة عنيفة وهي تلطمه على صدره بقبضة يديها الصغيرة:
ـ وبعدين متجيبش بعد كده سيرة المرحومة يا إما هزعل منك متتحسسنيش إنك لسه هتموت عليها وعلى فراقها أكده بتخليني أولع نار من جوايا يا "ماهر" ونار غيرتي ما بتتحملهاش واصل يا ابن الناس.
اقترب منها فجأة دون وعي وضع إصبعه على شفتيها وكأنما يختبر أمانها بجسده وقال بصوت خفيض مرتعش لامرأته التي يعشقها بجنون وهو يجعلها تنظر لعينيه وجبهته مازالت ملتصقة بجبهتها:
ـ لو في قلبي عاصفة فدي بسببك انتي بتغيري فيا حاجات كتير أني طول عمري بعرف أواجه أي خصم إلا خصم جوايا بيقول لي إنك ممكن تتأذي في لحظة وأنا مش جنبك اني هحبك وهخاف عليكي يا "رحمة" افهمي بقى اني أدرى منك بالعالم دي.
رفعت "رحمة" يدها ببطء وضعتها على وجهه مسحت بها على جبينه برفق كأنها تروي شقوق روحه وقالت بصوت مفعم بالثقة:
ـ أني مش هتأذي طول ما انت جنبي بس خليك جنبي سند مش مانع خليك السلاح اللي بحمي نفسي بيه مش القيد اللي بيمنعني أتحرك انت بالنسبة لي الحصن الحصين من أي أعداء أنا بتحامى في حضنك قبل اسمك يا "ماهر".
نظر إليها "ماهر" مطولًا ثم أطلق تنهيدة طويلة كأنها أخرجت من صدره حجرًا ثقيلًا وغمغم:
ـ أني هغير عليكي بجنون يا "رحمة" وأكتر حاجة بتقتلني فكرة إنك تتأذي وأني ساكت فكرة إن راجل يقف قدامك أصلًا ويوجه ليكي كلام وتهديد بتموتني من جوايا بالبطيء.
ابتسمت واقتربت أكثر وهمست له بنعومة وهي تقبله جانب شفتيه:
ـ طيب ما تبقاش ساكت بس خليك واعي خلي عينك وقلبك يحكموا ليا بالنجاح اللي وصلت له في الفترة القليلة دي وأني هعرف كيف أحافظ على نفسي وبلاش تقلق علي قوي أكده.
لحظة صمت جمعت بينهما صمت فيه كل الكلام وكل الغضب وكل الخوف ليبقى فقط ما بين نظراتهم تعاهد صامت على الاستمرار وعلى الوقوف معًا لا فوق بعض ثم أمسكت بيده وسحبته برفق قائلة بدلال ونعومة وكأنها تعزف على غضبه بألحان الأنثى الناعمة التي يحتاجها الرجل في ذاك الوقت:
ـ تعالى روحنا محتاجة تهدى وأني محتاجة أشرب قهوتي معاك من غير لا قضايا ولا عراك وانسى يا روحي الحوار دي.
وأكملت وهي تقبله جانب شفتيه مرة أخرى وهمست في أذنه بدلال ونعومة جعلته يبتلع ريقه بصعوبة من دلالها وهمسها فحقا ذكية وماهرة بل داهية كبيرة تلك الصغيرة الماكرة ففي لحظة أبدلت غضبه لصالحها:
ـ وبعدين انت وحشتني قوي غايب عن رحمتك بقى لك أسبوع ونفسي قوي في حضنك اللي بحس جواه إني طفلة جوة حضن أمانها وغرامها اني كمان هحبك وهعشقك يا قلب "رحمة".
ومضيا سويًا وخلفهما الليل بدأ يلملم وشاحه بينما بين أيديهما خيط دافئ يخيط الشرخ الذي أحدثته المعركة ويرسم بداية لمعركة جديدة فيها لا في مواجهة بعض بل في صف واحد وقد أدارت الديفا اللعبة بخيوط من الدهاء مع ذاك الشرس العنيد بكل مهارة وفازت هي بتلك الجولة وأضافت إلى جولاتها مع ذاك الخط فهما خصمان لا يلينان كل منهما يملك صلابة لا تقهر وشرارة لا تنطفئ هو الشرس الغيور الذي لا يهدأ له بال حتى ينتصر يطارد الحقيقة كمن يطارد ضوءًا في العتمة وهي العنيدة القوية لا تنحني أمام الرياح ولا تخشى الوقوف وحدها في وجه العاصفة تصطدم أرواحهما كما تصطدم الأمواج بالصخور وكل منهما لا يعرف سوى لغة التحدي والبقاء.
*******
بعد مرور شهرين على تلك الأحداث في منزل "سلطان" لم تكن جلسة "زينب" اليوم أمام "سكون" جلسة اعتيادية تحمل طابع الحماة وزوجة ابنها المألوفة بل كان في خطواتها ما يشبه الحمل الثقيل الذي اختزنته في صدرها طويلًا حتى آن الأوان لتطرقه بحذر لا يخفي قلقًا دفينًا.
جلست "زينب" على الأريكة القريبة من النافذة، تُقلّب نظرها في ملامح "سكون"، تلك التي لم تعد كما كانت في بدايات الزواج. راحت تفتح الحديث بنبرة أم لا تزال تحمل بعض الحنان رغم ما تحمله من ملامح اللوم:
ـ كيفك يا "سكون" يا بتي طمنيني عنك وكيف الولد عاملين ايه وياكي تاعبينك اكيد وانتِ ما رايداش حد يتدخل في رعايتهم غيرك؟
تبادلت "سكون" معها النظرة بابتسامة هادئة متماسكة، تتكئ على قدر من التعب الممزوج بالرضا. نظرت إلى أطفالها وهم يتقافزون حولها، ثم التفتت بهدوء إلى حماتها، وأجابت بحنو:
ـ الحمد لله يا ماما الحاجة الأولاد بخير زي ما انتِ شايفة اهم قاعدين حواليكي وصحتهم كويسة الحمد لله، وبعدين احنا بنقعد وياك طول النهار وبنطلع يا دوب على الليل.
تأملت "زينب" الإجابة بعينين لا يسكتهما الظاهر. كانت تنظر أبعد من الكلمات، تفتّش في نبرة الصوت عن تلك الشرارة التي بدأت في الاختفاء. ثم قالت بجديّة فيها كثير من الأمومة وقليل من الصبر:
ـ باختصار اكده احوالك مش عجباني يا "سكون" يا بتي. انتِ كيف "حبيبة" و"رحمة" بناتي. يوم ما هيعملوا حاجة غلط او الدنيا تلهيهم عن اللي ليهم واللي عليهم هنصحهم وهرجعهم عن غلطهم. اني كنت ساكتة وما رايداش اتدخل في اللي ما يخصنيش، لكن الحال ما يسرش ابدا.
لم تستوعب "سكون" بعد حجم ما يُقال، إذ أن صوت "زينب" بدا كأنه يحمل عتابًا مفاجئًا غير مألوف. فارتسمت علامات الاستفهام على ملامحها، وردّت متسائلة، وفي صوتها لهجة مستغربة لا تخلو من الحذر:
ـ في ايه بس يا ماما الحاجة؟ ايه اللي حوصل لدي كلاته؟ اني شايفه ان الدنيا تمام ومفيش مشاكل ولا حاجة واصل علشان تشيلي نفسك الهم من تلاي.
لكن "زينب" لم تكن تتحدث من فراغ أو شكوك عابرة، بل من خوف ناضج ترسّب في قلبها من خلال مراقبة طويلة. فألقت كلماتها التالية بثقل امرأة تعرف ما تقوله وتعرف إلى أين يمكن أن تصل الأمور:
ـ يووه يا بتي للدرجة دي الغشاوة عامية عينيكي يا بتي. حابي على طيرك في عشك لا يهملك ويطير لغيرك. حابي على جوزك يا بتي لساته صغير وفي سن الاربعين يعني عز شبابه اللي الراجل محتاج مرتُه توبقى ونسه، ما تفارقهوش ولا ليل ولا نهار. وانتِ طول النهار ساحلية حالك تحت رجلين ولادك وعلى الليل تطلعي تنامي جارهم وتسيبي جوزك بالشهور. ما تراهنيش على صبره يا بتي.
رغم الهدوء الظاهر في وجه "سكون"، إلا أن قلبها انكمش من وقع الكلمات، إذ لم تكن تتوقع هذا الاتهام الضمني بالإهمال. فرفعت رأسها بشيء من التحدي وقالت بانفعال غير متعمّد:
ـ وه كيف الكلام دي يا حاجة؟ "عمران" لا يمكن ابدا يبص لحد غيري ولا يمكن يشوف ست في الدنيا تملا عينيه غير "سكون". كانك ما وعياش هتتحدتي عن مين واصل.
ردة فعل "سكون" لم تُربك "زينب"، التي كانت تُدرك أن الحب وحده لا يحمي البيوت، بل إن رعاية التفاصيل الصغيرة هي الحصن الحقيقي. فمالت بجسدها إلى الأمام، ونظرت في عيني "سكون" نظرة مباشرة وقالت بتصميم:
ـ لااه انتِ اللي ما وعياش يا بتي. ان البعيد عن العين بعيد عن القلب. وانتِ بعد ما كنتي هتدي لجوزك كل وقتك ليلك ونهارك وكل اهتمامك فجأة من يوم ما ولدتِ عيالك من سنين وانتِ هتراعيهم ورافضة أي حد فينا يتدخل وياكي في مراعيتهم. واني عذراكي لأنك اتحرمت من ريحتهم سنين ومن حقك تخافي على ولدك. لكن برده خافي على جوزك. خافي على إنه يطير من يدك ويروح يدور على عش تاني يحتويه. الراجل يا بتي بيحب اخر الليل يرجع عشه يلاقي وليفه مستنيه ببسمة حلوة ونظرة تخليه يحس ان لساته مرغوب فيه. لكن انتي يا بتي بعدتي خالص وما تلوميش اللي حالك لو حوصل حاجة وجوزك شاف راحته في حضن غيرك وقتها هيبقى عندي حق.
كان وقع الكلمات كأنما صفعة على وجه "سكون"، إذ لم تتخيل يومًا أن تُقال لها مثل هذه الجمل. فردّت بحنق تخالطه غصة في الحلق، تحاول أن تُبرّر لنفسها قبل أن تُبرّر لغيرها:
ـ يعني ايه كلامك ده يا ماما الحاجة؟ هو اني هعمل ايه ما لازم يعذرني اني ام لتلت اطفال رعايتهم أمانة في رقبتي ولازم اخد بالي منيهم وهو عارف ان روحي متعلقة بيهم ولازم يتحمل لحد ما يكبروا شوي.
لم ترفّ عين "زينب"، بل تابعت الحديث بنبرة تحمل الحكمة وتجربة العمر، وكأنها تُنقّب عن شرخٍ خفي لا تريده أن يتسع:
ـ ما هو اتحمل يا بتي كتير قوي بزياداكي. عاد بقالك اربع سنين وزيادة والدة وولادك بسم الله ما شاء الله هيدخلو الحمام لحالهم وهتسيبي لهم الساندوتش هياكلوه في يدهم لحالهم. يعني حملهم قل عنك وكمان هيروحوا الحضانة. وانتِ تحاولي تريحي نفسك شوي وتخلي بالك من جوزك. علشان خاطر المركب تمشي لازم توازني الأمور. لازم ترجعي تنامي جار جوزك وكفاية ان ولادك خدوكي منه اربع سنين وزيادة بزيادكي يا بتي عاد. جوزك هيقابل في شغله حريمات كتير وكلهم بس يتمنوا نظرة منيه لأدبه وأخلاقه ورجولته اللي هتتحدث عنيها قنا كلياتها. يعني باختصار اكده جوزك فيه الطمع يا بتي.
بدا الذهول على ملامح "سكون"، وكأنها تُدرك لأول مرة أن الحياة ليست فقط احتواءً للأبناء، بل توازن دقيق بين أدوار متشابكة. فترددت وهي تنطق كلماتها، وقد بدأ شيء من القلق يتسلل إلى صوتها:
ـ ايه... انتِ بتقولي ايه انتِ اكده هتخوفيني! "عمران" ما يعملش اكده واصل. "عمران" ما هيحبش غيري ولا هيبص لأي ست غيري في الدنيا مهما كان.
لكن "زينب" لم تكن تتحدث بدافع التخويف، بل من واقعٍ تعرف ملامحه جيدًا. فأجابت بحزمٍ لطيف يجمع بين النصيحة والتحذير:
ـ "عمران" راجل يا بتي زييه زي أي راجل. ما هوش نبي ولا راهب. له احتياجات. حدا مرته اللي هتعيش وياه وعمره ما هيقدر يستغنى عنيها ولا عن حضنها ولا عن حنانها عليه. الراجل كيف العيل اللصغير والغريزة اللي هيحتاجها من مرته داي حاجة من عند ربنا ما لوش يد فيها. ما تختبريش صبره أكتر من اكده يا بتي. ومن الليلة تطلعي تنامي جار جوزك بعد ما تطمئني على ولادك انهم ناموا وغفيوا. وهما تبارك الله هيناموا طول الليل خلاص ولا هيرضعوا ولا يحزنون. وقدامك النهار كلاته راعيهم وخدي بالك منيهم وشبعيهم من حضنك واشبعي بيهم على كيف كيفك. لكن الليل لجوزك وحضنك لجوزك. اني عليا نصحتك وانتِ براحتك. ربنا يهدي لك حالك يا ام "سليم".
********
كان مغادرًا من عمله وصعد سيارته وبعد أن أحكم إغلاقها تحسس بطنه بنهم وهو يحدث حاله:
ـ أخيراً يا واد يا "أشرف" طمطم هتحن عليك وهتاكل محشي النهاردة من ايدين صعيدية يعني محشي حاجة محصلتش من الآخر. واللّيلة ليلة خميس وهنهيص.
ثم قاد سيارته وأخرج هاتفه وقام بالاتصال عليها وما إن أتاه الرد حتى قال بدعابة:
ـ حبيبي اللي ليا والعين الجوانية، نبض القلب والكلاوي والحتة اليمين والشمال. بطبط قلبي تحبي اجيب لك ايه وانا راجع من الشغل يا حب الحب؟
أجابته بتكاسل وهي تتحرك على التخت بعشوائية:
ـ قلقتني واني نايمة يا "اشرف". هو انت دايما اكده هتصتادني وقت راحتي؟
اعتذر بمحبة:
ـ من حقك ترتاح يا جميل عندك حق. مانتي طول النهار واقفة على رجلك وكمان مع تعب الحمل. خلاص انا ربع ساعة واكون قدامك.
أغلق معها الهاتف وهي مندهشة من كلامه عن وقفتها طيلة النهار وهي لم تفارق التخت منذ أن غادر إلى العمل إلا ساعة واحدة فقط تناولت فيها الإفطار ثم عادت إلى تختها فهي يداهمها الدوار منذ الصباح. ولكن لم تضع في بالها وعادت إلى النوم مرة أخرى إلى أن عاد أخيراً هو من العمل وفتح باب الغرفة واقترب منها وقبلها من جبينها قائلا بحنو:
ـ حبيب قلبي الغالي "بطبط" اصحي بقى من النوم جايب لك بقى حبه شوكليت وعصاير وشيتوس عشان انا عارف انك بتحبيه.
عندما سمعت اسم "الشيتوس" قفزت من على تختها دفعة واحدة وتناولت منه الحقيبة الممتلئة بالمسليات مما داهمه القلق عليها من قفزها وهي في بداية شهور حملها:
ـ بس يا ماما خافي على نفسك يا حبيبي. قومتي مرة واحدة. ده انا مشبعك شوكولاتة وشيتوس يعني ولا انتِ عند الشيتوس عقلك بيغيب خالص. والله انا متجوز طفلة.
ابتسمت وهي تتناول كيس الشيتوس بنهم مرددة بتأكيد وهي تحرك رأسها للأمام بابتسامة عابثة وفمها ممتلئ بالمقرمشات:
ـ ايوه اني طفلة وهحب حاجات الأطفال وهحب اللي يجيبها لي. يعني انت دلوك حبيبي حبيبي يا اشروفي.
ـ اشروفك! جملة تعجبية نطقها بذهول نظراً لتحسن مزاجها فهي منذ أن حملت وهي مزاجها دوماً سئ. وتابع بتسلية وهو يفرك كفاي يداه ببعضهم:
ـ لا ده الليلة النهاردة ليلة هنا وسرور. ده احنا هنتدلع قوي كده بالصلاة على النبي. طب قومي بقى حطي لي طبق محشي ورق عنب من اللي انتِ عاملاه وشفته في الحالة على الوتساب وما صدقتش نفسي والله. حكم انا من ساعة ما شفته واني مانع نفسي عن كل الأكل.
ابتلعت ما في فمها سريعا ثم هتفت بتعجب لما قاله:
ـ محشي!
ورق عنب كمان! انت كنت هتحلم ولا إيه؟ أنا ما قمتش من على السرير من ساعة ما أنت مشيت غير إني قمت عملت لنفسي كيس اندومي وشربت كوباية لبن ورجعت نمت تاني. لو عايز تاكل اعمل لك كيس اندومي أنت كمان.
انصدم من كلامها وهدر بها مذهولاً وكأن أحدهم صعقه:
ـ اندومي مين يا روح أمك! بقى أنا راجل واخد وردية من الساعة خمسة الصبح في الكافيه لحد دلوقتي في الشغل وأرجع البيت وتقولي لي اتغدى اندومي يا بنت الصعيد! والله عيبة في حقكم. أمال المحشي اللي أنت منزلاه على الحالة بتاعتك على الواتس ده جه منين يا "بطة"؟
انزعجت من الاسم كالمعتاد لتعلن احتجاجها ككل مرة عن نعته لها بذاك الاسم الذي تكرهه بشدة وهي تزوم بغضب:
ـ "أشرف"! إني نبهت عليك ميت مرة قبل كده ما تقوليش "بطة" تاني. أنا اسمي باشمهندسة "فاطمة"، وبعدين المحشي دي صورة قديمة كنت عاملاه في بيت أبويا. لو كنت مركز في الحلة اللي محطوطة فيها تعرف إنها مش بتاعتي.
أشاح بيده في الهواء وهو يسخر منها:
ـ بلا باشمهندسة بلا يحزنون، طب بطة! بطة! أها استريحتِ؟ آه قلت لي صورة، وكنت كل شوية وإحنا مخطوبين تبعتي لي صور أشكال وألوان من الأكل وأقول ده أنت وقعت واقف يا ولا والبت عرفت إن قلب الراجل معدته، علشان كده هتتعلم الأكل وهتروق يا واد يا "أشرف". أتاري "أشرف" لبس في اندومي! منها لله اللي أكلت دراع جوزها.
ثم أكمل وهو يرتدي حذائه مرة أخرى:
ـ ده صاحبي اللي متجوز واحدة معاها دبلوم بتعمل له المحمر والمشمر والمحاشي والكفتة المشوية، وأنا مراتي تعمل لي اندومي اللي جايه من الصعيد! ده يا خيبتك يا "أشرف" يا وكستك يا "أشرف".
رأته غاضباً وهو يرتدي حذائه فسألته بعينين زائغتين:
ـ طب أنت لابس الجزمة ورايح فين تاني؟
ـ ما لكيش دعوة يا بطة، أروح آكل عند أمي، هي عاملة بقى محشي بحق وحقاني، خليك أنت مع الاندومي بتاعك يا "بطة".
رسمت الحزن على عينيها ببراعة وقامت سريعاً من على التخت وهي تتمسك بذراعه:
ـ طب يرضيك بطتك حبيبتك الحامل في ابنك أو بنتك تتغدى اندومي وأنا دايخة وتعبانة؟ خدني معاك آكل محشي من اللي عاملته ماما.
نظر إليها بنصف عين وهو قد اقترب على مشارف الجنون من كلامها:
ـ تصدقي المثل اللي بيقول اللي عنده دم أحسن من اللي عنده عزبة، أنتِ عايزة تنقطيني يا "بطة"! طب يمين بعظيم إن شفت صور ليكي تاني على الحالة لأكل ولا لشرب، لهاجي أمسك الموبايل بتاعك ده أدشدشه لك ميت حتة، علشان ما تعمليش فيها الشيف "شربيني" تاني.
مطت شفتيها للأمام وهي تصطنع التعب الشديد والدوار وتدللت عليه وهي تقبله من وجنته:
ـ معلش بقى إني تعبانة وكمان الحمل مخليني كسلانة على طول، أوعدك أول ما أفوق هعمل لك محشي، بس خدني وياك. إن شاء الله تكسب وتفرح وتتهنى يارب، خدني معاك يا أشروفي.
ضرب كفاً بكف من دلالها ثم قال بنفاذ صبر:
ـ عيلة والله العظيم عيلة! إنتي واقفة تشحتي على باب السيدة يا "بطة"! يلا يا حظي البسي عشان هاخدك معايا، أنا عارف إنك لحد ما تولدي هتطلعي عين اللي خلفوني، كل شوية الحقني يا "أشرف" دايخة، يا "أشرف" وأنت ربنا يعينك يا "أشرف"، ده أنت داخل على منعطف تاريخي من الست طمطم هانم.
صفقت بابتسامة لحنوه معها مما جعله يبتسم لسعادتها وطفولتها المحببة إلى قلبه، ثم قبلها من رأسها بمحبة وشرعت في ارتداء ملابسها، وعند لبس حذائها قام بنفسه وأجلسها على التخت وساعدها في أن ترتديه كي لا تشعر بالدوار، مما راق لها فعلته تلك، فبعد أن انتهى جذبت كف يديه وقبلته من باطنهما ثم قالت بعشق لمع في عينيها:
ـ بحبك قوي، ربنا يخليك ليا وما يحرمنيش من حنيتك ولا حبك ولا طيبة قلبك.
وانتهى الأمر بابتسامتهم وسعادتهم.
دخلت "سكون" غرفتها وأغلقت الباب خلفها ببطء، كأنها تهرب من مواجهة لا تملك لها سلاحاً. وقفت لحظة تتأمل الفراغ الممتد بين جدرانها، كأن صمت المكان يصرخ بوجهها كلمات "زينب" التي تسللت إلى قلبها فهزته بعنف لم تتوقعه. كانت كلمات حماتها أشبه بمرايا تجبرها على أن ترى انعكاس نفسها كما لم تجرؤ من قبل.
جلست على طرف السرير وانكمشت على نفسها كأنها تحتمي من تيار بارد تسلل إلى أعماقها. نظرت إلى الأرض طويلاً، ثم رفعت عينيها نحو المرآة المقابلة، فرأت امرأة لم تعد تعرفها، امرأة اختفت ملامح الأنوثة منها شيئاً فشيئاً، تحت وطأة التعب والمهام المتراكمة والقلق الدائم على أبنائها.
همست لنفسها بصوت متهدج لا يسمعه أحد سواها:
"هو عمره ما قصر وياكي يا "سكون"، كان دايماً جنبك وأنتِ اللي..."
وأكملت بحزن على حالهم بسببها:
"أنا اللي انسحبت من غير ما أحس، نسيت إني مرته مش بس أم لعياله."
انسابت دمعة ساخنة على خدها، لم تكن ناتجة عن حزن، بل عن ندم صامت. شعرت وكأنها أغلقت الباب في وجه رجل أحبها بصدق، دون أن تعي ذلك في خضم تفاصيل الحياة. تذكرت كم من مرة عاد إلى البيت متعباً فلم تجد له كلمة حنونة أو نظرة تقدير.
كم من مرة تحدثت عن الأطفال وأوجاعهم دون أن تلتفت لحاجته هو إلى من يصغي إليه.
نهضت من مكانها ببطء، كأنها تحمل ثقل ما ارتكبته من تجاهل، ثم اقتربت من النافذة وأزاحت الستار، كأنها تفتح نافذة جديدة داخل قلبها. كانت السماء تمتلئ بالنجوم، وكأنها تهمس لها 'ما زال هناك وقت، ما زال هناك فرصة للعودة "سكون".
أخذت نفساً عميقاً ومسحت دموعها، ثم قالت بصوت خافت لكنه حاسم:
"أنا اللي لازم أفوق، مش هستنى حد يفهمني، هو جوزي وأنا اللي لازم أحافظ عليه."
كانت نبرتها مزيجاً من حزم واعتراف، الآن فقط أدركت أنها لم تخسره بعد، لكنها إن استمرت بهذا الجمود العاطفي، فقد تفتقده إلى الأبد والندم حينها لن يعيد ما مضى.
جلست أمام التسريحة وأمسكت بفرشاة شعرها، وبدأت تمشط خصلاتها ببطء، كأنها تحاول استعادة ذاتها، أنثى كانت له وستتم أن تكون له مجدداً. كل حركة كانت بمثابة إعلان ناعم عن بداية جديدة.
فقد كانت الغرفة هادئة، يغمرها ضوء خافت قادم من أباجورة صغيرة، بينما الستائر الثقيلة تخفي ضجيج العالم خارجها. فرشت "سكون" الأرض ببساط من الورد المجفف، وأشعلت شموعاً عطرية تنبعث منها روائح فرنسية نفاذة، حتى الهواء بدا كأنه يتنفس حباً.
وقفت أمام المرآة تتأمل نفسها، لم تكن ترتدي سوى بيجامة قطنية ناعمة بلون رمادي، لكنها جعلت البساطة فتنة. ضمت شعرها الطويل على كتفها وتركت خصلة تهرب على جبينها كأنها دعوة للدهشة. وضعت قليلاً من أحمر الشفاه ونقطة عطر خلف أذنيها، ثم ضغطت زر الهاتف، فبدأت أغنية "عبد الباسط حمودة" تعانق الحيطان، وهي تعلم أن زوجها يعشق تلك الأجواء وقد قررت إدخال السرور على قلبه اليوم، فـ"زينب" أعطتها نصائح ودرساً اليوم لن تنساها.
تنفست بعمق، وقلبها يطرق صدرها بإيقاع أقوى من الإيقاع الموسيقي، كانت تعرف كيف ترقص له، له وحده، برقّتها، بخجلها، بحبها.
خطت نحو الباب، ثم رجعت، وضبطت إضاءة الأباجورة قليلاً لتكون الأجواء أكثر حميمية. انتظرت.
دقائق قليلة، ثم سمعت صوت خطواته.
دخل "عمران" كعادته، يمرر يده في شعره، وملامحه مرهقة من يوم طويل. لكنه ما إن فتح الباب حتى تجمد مكانه من تلك الأجواء التي حرم منها أعوامًا وأعوام.
وقف مكانه، يحدق بها، كأنها مشهد حلم فاجأه في منتصف واقعه. ثم قال بدهشة منخفضة وهو مازال ينظر حوله بذهول وعدم تصديق:
"إيه الجو دي والحوار اللي قربت أنساها دي يا أم سليم؟"
رفعت يدها برفق وسحبت خصلة الشعر خلف أذنها، وقالت بدلال:
"أم سليم مستنياك بقى لها كتير، متأخر ليه؟"
اقترب بخطوات بطيئة، وعيناه لا تزيغان عنها. كل شيء فيها بدا له جديدًا، رغم أنها زوجته منذ سنوات. وكأنها تعيده للحظة لقائهما الأول.
"انت بجد ولا اني هحلم ولا اني دخلت أوضة غلط؟ معقولة جاية أكده من نفسك وعاملتي كل دي علشاني؟"
اقتربت منه وهي تتحسس وجنته بنعومة جعلته يغمض عينيه من اقترابها ودلالها. وهمست بدلال:
"علشانك طبعًا. هي سكون ليها مين غير عمرانها علشان تدلعه وتدلله؟"
مال برأسه وهو يبتسم ببطء، وقد التقط كف يديها وقبل باطنه بوله وعطش واشتياق:
"وانتي عرفتي بقي عمرانك رايد إيه، ولا النهاردة ليلة تحقيق الأماني والأحلام يا سكوني؟"
أجابته وهي تفعل نفس ما فعل وقبلت باطن يديه بإغواء:
"لاه أني هخلقها مخصوص علشانك يا كل العمر يا قلب وعقل سكون."
نظرت نحوه، ثم بدأت تتحرك ببطء وتناغمت خطواتها مع كلمات الأغنية. جسدها يهمس أكثر مما يتحرك برقصة مثيرة جعلته يلهث أمامها. فكانت مليئة بالإحساس. كل التفاتة منها كانت وكأنها تناديه دون صوت.
اقترب منها، جلس على طرف السرير، وابتسامته تسارع ذهوله. هي ليست فقط جميلة، بل تعرف كيف تدهشه. ليردد وهو يضحك بخفوت:
"سكوني إنتي ناوية تقتليني الليلة؟ براحة شوية علي يا بت قلبي عمران أكده مهيتحملش شقاوتك دي كلها بعد بعدك؟"
قالت وهي ترفع حاجبًا بخفة:
"هو دي الهدف يا عمراني إني لما أعود يبقى بقوة وانت ما عليك غير انك تجابهني بنفس القوة وتروض خيالك بمهارة."
ثم غمزت له وهي تتمايل أمامه على أنغام الحكمدار التي يعشقها:
"هتقدر ولا مش جاهز لسكونك ومش عامل حسابك؟"
قالتها وأكملت الرقص، وكل حركة منها كانت دعوة. لم يكن الأمر في جسدها فقط، بل في نظرتها، في رعشة صوتها، في حبها الذي بان وهي ترقص له كأنها بتعزف عليه بأطرافها.
فاقترب منها جاذبًا إياها بقوة فائقة حتى ارتطمت بصدره القوي وهو يطغو أمامها برجولة لم ولن تكن لغير رجل. مشاعره المثيرة تسبقه وعينيه تأكلها بتحدي.
"وه وه! هتقولي إيه يا سكوني؟ كأنك متعرفيش قدرات عمرانك ولا إيه. هتوبقي زي القطط اللي هتتمتع وتنكر؟ دي اني عمران يعني فارس يعرف كيف يروّض الفرسة بتاعته وانتي الفرسة بتاعتي يعني تخليكي شجاعة وتتحملي شوق الليالي والأيام وكل واحد منا له حق لازم ياخده الليلة."
ثم اقترب من وجهها وهو ينظر إليها بعيناي تكاد تلتهمها شوقًا:
"توكلنا على الله. معركة وانتي ابتديها يبقى تتحمليها يا عشق العمران وروحه."
وأخيرًا، انسكب الليل بين جدران الغرفة كحبر دافئ يكتب أول فصول العودة بين قلبين ما ابتعدا إلا غصبًا. كانت أنفاس "سكون" تتصاعد ببطء، كأنها تستجمع ما تبقى من شوق بداخلها لتسكبه في حضن رجلها، في مأواه، في "عمران" الذي كان ينظر إليها بعينين لا تكتفيان من التأمل، كأنها رجعت له بعد غياب عمر لا أربعة أعوام. ارتخت ملامح "عمران" وهو يضمها إلى صدره كأنما يحتضن وطنًا ضاع ثم عاد. يديه تتجولان على ظهرها كما لو يحاولان أن يحفرا لمسة أمانها من جديد على جلده، أن يكتبا على قلبه: هذه أنثاك التي كنت تنتظرها.
أما هي فلم تكن بحاجة لكلمات لتفهم أنه يشتاقها حد الهذيان، فكل لمسة منه كانت تقول أكثر مما يستطيع النطق به، وكل تنهيدة منها كانت تعني أكثر مما يسمح الحياء بالبوح به.
اقترب منها حتى لامست أنفاسه وجنتيها وقال بصوته المبحوح وهو يحاوط وجهها بكفيه:
"اني لو كنت أعرف اني هرجع ألقاكي أكده كنت رجعت بدري من الشغل وسبت الدنيا كلها تخرب."
قبلته بدلال من وجنته وهمست بنعومة:
"المهم انك جيت والحاجة الحلوة مبتحبش غير المفاجآت يا عمراني."
ضحك وهو يغرس جبينه في رقبتها كأنه يختبئ من العالم فيها وقال:
"وانتي عارفة المفاجآت عندي بترد بعنف يا سكوني ويا ويلك مني الليلة."
لم يكن في نبرته تهديد بل وعد بالعناق الذي لا ينسى. فانزلقت أناملها خلف عنقه وجذبته إليها ثم همست بصوت مخنوق بالحب:
"انت اللي كنت واحشني يا عمران. حقك عليا في كل ليلة قضيتها بعيد عنك. حقك على سكون يا قلبها وعمرها كله."
كأن تلك الكلمات كانت إذناً بانهيار الجدار الأخير بينهما، فسقط الحذر، وسقطت السنوات، وسقطت الأمومة قليلاً لتفسح المجال للأنوثة أن تتحدث، وتصرخ، وتحب، وتشتاق، وتعانق.
لم يكن لقاءهما تلك الليلة كأي ليلة، بل كان إعادة اكتشاف لرغبة قديمة ظن أنها تاهت في زحام المسؤوليات، وكانت "سكون" بكل خلية فيها تقول له: أنا هنا، وعدت إليك، ولن أتركك بعد اليوم.
مرت ساعات مرت من الحب الخالص، لم يكن فيها صوت سوى الهمس، ولم يكن فيها نور إلا من ارتعاشات الشموع. جسدان يعرفان بعضهما بحكم الحب، لكنهما تعلما من جديد كيف يتحدثان في الصمت، كيف يكتبان الشعر باللمس.
وفي نهاية تلك الليلة، وبينما تنام العطور على الوسائد، وتلف اللحظة عبيرها حول صدرها، كانت "سكون" تلتف أكثر في حضنه. لم تنهض كعادتها لتذهب إلى الغرفة المجاورة، لم تنسحب، لم تتردد.
رفع "عمران" حاجبه بدهشة وسألها وهو يتظاهر بالمزاح:
ـ إيه ده يا "سكوني" مش ناوية تقومي تشوفي العيال ولا خلاص سهرتي دي مخصوصة علشان أبوهم؟
ضحكت بخفة وسحبت وجهه إليها وهمست بعذوبة مبللة بالحب:
ـ لا مش ناوية ولا هسيبك تاني يا "عمراني" خلاص دول كبروا شوية ومش هيجرى حاجة لو ناموا لوحدهم الليلة وكل ليلة بعد كده. انت اللي مش لازم أنام بعيد عن حضنك تاني مهما حصل.
كأن روحه ارتجفت من الاعتراف، حدق فيها طويلاً، ثم خبأ وجهه في شعرها وهمس كأنه لا يصدق ونبرته ممتلئة بالحنين للبيات في أحضانها:
ـ يعني إنتي هتباتي جنبي كل ليلة ومش هتهربي تاني مني يا "سكون"؟
أجابته بحزم رقيق:
ـ هبات في حضنك طول العمر يا "عمران" ومش هسيبك تاني أبداً حتى لو الدنيا كلها طلبتني مش هقوم من جنبك واصل.
قبّلها في جبينها وهم يضحكان سوياً كأنهما طفلان التقيا بعد فراق. وما إن هدأ كل شيء وسكنت الأصوات، حتى استسلما معاً لنوم عميق لا يشبه سوى راحة وطن بعد حروب طويلة.
لكن الراحة لم تدم طويلاً، فقد تزلزل السكون فجأة مع أول خيوط الفجر، حين دوى طرق عنيف على الباب، يتبعه صوت "سليم" وهو يصرخ بفزع يشق القلب. فاستيقظت "سكون" على وقع صرخة ابنها، صوت مذعور ممزوج برجفة قلبه البريء. اندفع إلى غرفتهما يطرق الباب بعشوائية كمن يهرب من شبح. كان قلبه يسبق قدميه، وصوته يتهدج بانفعال طفولي لا يخلو من الرعب:
ـ مااااااااااما! الحقي "سكن" يا ماما.
فزعت "سكون" من نومها كمن سُحب من أعماق حلم إلى كابوس يقظ. تسمرت للحظات قبل أن تقفز من السرير كأن ناراً اشتعلت تحت قدميها. لم تنتظر أن يسألها أحد، ولم تلتفت خلفها، فقط نظرت لعين "عمران" بلوم شديد لثانية واحدة فقط، بل مزقته تلك النظرة، ثم انطلقت تعدو كأن صوت "سليم" قد قطع شريان الأمان في داخلها.
في لحظة، انقلب البيت إلى ساحة من القلق. أبواب تفتح، خطوات متسارعة، والهدوء الذي كان يغلف الساعات الأولى من الفجر تبعثر كزجاج ملقى على الأرض.
كان وجه "سليم" شاحباً، ويداه ترتجفان، ودموعه تنهمر دون وعي، وهو يصرخ من جديد بصوت أكثر وجعاً:
"سكن" بصت لي ومش بترد علي وبقها كله دم ووشها على الأرض ومش بتتحرك يا ماما إلحقوها.
تجمد قلب "سكون"، وشعرت كأن الهواء انسحب من صدرها، كأن الحياة بأكملها توقفت في انتظار أن تدق الساعة القادمة بمصير قد يكون مدمراً. نظرت لعيني "سليم"، فوجدت فيهما خوفاً من الفقد لا يطاق، وصرخة للنجدة تتجاوز عمره بكثير.
تحولت نظرات "سكون" إلى "عمران" كطعنات خفية لا صوت لها، لكنها تخترق القلب وتزلزل الروح. وكأنها تخبره وبكل قوة أنه السبب فيما حدث لابنتهم، وهو تفهم نظراتها ووعاها بشدة وكأنها نصل من السيوف الحادة التي انغرزت في صدره وأصيب بالخذلان منها.
مزيج مرعب من الألم واللوم، كأن عينيها تناديه وتعاتبه وتحمله ذنباً لم تتلفظ به.
كل رمشة منها كانت كأنها بمثابة اتهام واضح.
وفي وسط ذهولها المرتجف، كانت عيناها ترتعشان بالخوف على ابنتها، وبالغضب المكتوم عليه تحديداً.