تحميل رواية «من نبض الوجع عشت غرامي» PDF
بقلم فاطيما يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
حلَّ الليلُ على البيت، وغرقت البلدة في صمتٍ ثقيل، كأن كل شيء توقف عن الحركة ليترك السكون يسود. في الطابق السفلي عند نهاية الممر الطويل، وُجِدت تلك الغرفة ذات الباب الرمادي، مغلقة كعادتها في مثل هذا الوقت. لا أحد يقترب منها، ولا أحد يسأل. "فريدة" بخطواتٍ هادئة لا تُحدث صوتًا، هبطت السُّلم وهي تحتضن بين يديها كتابًا كانت تقرأه قبل قليل لكنها لم تستطع التركيز. هناك شيء ما منذ أيام يتحرك في عقلها ولا تستطع الإمساك به. حدس خافت، شعور بأن ثمة ما يتسلل من بينها وبين "فارس". حين اقتربت من الغرفة توقفت....
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم فاطيما يوسف
أحيانا تبدو لنا الحياة كالورود الجميلة حين تتفتح، وأحيانا أخرى تبدو لنا كأشواك من نفس الورود الجميلة التي ظننا أننا سنولد على يدها من جديد، ولكن لا بأس، علينا أن نكسر الأشواك حتى ولو كان الأمر يبدو شاقا في البداية، إلا أنه حين الوصول للنهاية سننظر لما رممناه بأيدينا وسنبتسم، وستتبدل أشواك الصد إلى بساتين من الزهور، لن نستريح إلا بجوارها وننعم بظلها.
في المشفى حيث أصبحت الساعة الآن الخامسة صباحا، وهؤلاء القلقين يجلسون على جمر النار منتظرين ساعة الفرج من عند الله، كان ماهر زوجها هو الوحيد المتواجد معها بالغرفة، متمسكا بيدها وهو يجلس على الكرسي بجانب التخت ويغفو برأسه بجانب قدمها، فقد باغته النوم خلسة رغما عنه.
أما تلك الرحمة أخيرا تأوهت بشدة وبهمهمات خفيفة جعلت ذاك الماهر انتفض بسعادة غامرة على أثرها، واقترب منها وهو يقبلها من رأسها لينطق لسانه فرحا بتأوهاتها:
"ياااااه أحمدك يارب، أخيرا يارحمة أخيرا ربنا بعت لي رحمته."
ثم قبلها من عينيها ووجنتيها وهو يطمئنها:
"حبيبتي متقلقيش، إنتي بخير وأني جارك ومش ههملك، بس هروح للدكتور ييجي يشوفك ويطمن عليكي ويطمنا."
ثم تركها وهرول بأقدام مسرعة، وكان في الخارج عمران وسلطان، الذين صمموا أن تذهب حريمهم إلى المنزل، فوجودهم ليلا ليس له فائدة. شعر عمران بخروجه من الغرفة وهو يهرول، فهوى قلبه بين قدميه، ظنا منه أن شقيقته أصابها مكروه، وهو يهتف لماهر بفزع:
"هو في إيه يا ماهر؟ هتجري أكده ليه؟ رحمة جرى لها حاجة لا قدر الله؟"
أجابه ماهر مبتسما بسعادة:
"له الحمد لله، فاقت يا عمران، ادخل لها خليك جارها وأني هنده على الدكتور."
ارتاح قلب عمران بدقاته الثائرة بخوف شديد على شقيقته، ثم منعه:
"له روح إنت، خليك جار مراتك، وأني هجيب لها الدكتور، هي محتاجالك إنت أكتر من أي حد."
حرك أهدابه بامتنان لذاك العمران الذي هرول سريعا للطبيب، أما هو عاد إليها متلهفا، وما إن دلف إليها حتى احتضن كفي يديها بين يديه كي يبثها الدفء ويجعلها تشعر بالأمان في وجوده، وهو يردد لها بحمد:
"حمد لله على سلامتك يا رحمتي، أكده تعملي في ماهر عملتك دي وتزلزلي قلبي عليكي! إنتي معرفتش غلاوتك في قلبي كد ايه!"
ظل يلقي على مسامعها عبارات الحب والاحتياج لوجودها بجانبه كي يجعلها لا تتأوه وتنسى ما هي به واللحظات الصعبة التي مرت بها، ثم أتى عمران هو والطبيب، الذي بدأ بالفحص الكامل لها وحقنها كي يجعلها تفيق ويستطيع التحدث معها كي يعرف حالتها، وأول سؤال بدأ به:
"اسمك إيه وتعرفي إيه عن نفسك؟"
أجابته بوهن بعدما بدأ المصل يجري مفعوله وفاقت من تيهتها رويدا رويدا:
"اسمي رحمه سلطان المهدي، متجوزة ماهر الريان."
سألها الطبيب وهو يشير إلى كلاهما:
"إنهي واحد في اللي واقفين دول يبقى جوزك والتاني يبقى مين؟"
كانوا مندهشين من أسئلة الطبيب، أما ماهر نظر إليها وهو منتظر إجابتها كي يهدأ قلبه، وهو لم يصدق أنها لن تتذكره، أما هي أشارت إلى ماهر بعينين تلمعان بوميض من العشق وهي تردد بدعابة اعتاد عليها لسانها حتى في أشد لحظات مرضها، مما جعلهم ابتسموا جميعا على طريقتها:
"وهل يخفى القمر؟ دي ما تتنسيش، في حد يقدر ينسى هولاكو."
ضحكوا جميعا على إجابتها، أما هو نظر إليها بنصف عين بنفس دعابتها وهو يداعب أسفل ذقنه بيديه ويتوعد لها بخفة.
وأكملت وهي تشير بيدها تجاه عمران:
"ودي عمران أخويا حبيب قلبي، ربنا ما يحرمني منه أبدا."
حرك الطبيب رأسها براحة وبدأ بعمل تمارين ليديها، وجدها تحركها بسلاسة دون أي إعاقة، ثم طلب منها أن ترتفع بجسدها قليلا كي تتكئ على الوسادة دون أن يساعدها أحد، غير أن ماهر عدل من وضعية الوسادة خلفها، فأسندت يديها على التخت، ثم رفعت جسدها على الوسادة، مما جعل الطبيب يطمئن لهذا المؤشر.
ثم استأذن من ماهر أن يتناوب في عمل تمارين لقدميها، فرفع ماهر الغطاء قليلا وعدل من هندامها كي لا تظهر قدميها، فهو يغار عليها بشدة، ثم بدأ بتحريك قدميها، ولكن رحمة لم تشعر بهم على الإطلاق، مما جعلها ردت بذهول:
"إني مش حاسة برجلي خالص، هو في إيه؟"
انصدم عمران وماهر من ما قالته للتو، مما جعل الطبيب يتنهد بأسى مما شك فيه من البداية، فاستأذن من ماهر:
"بعد إذنك ممكن تبعد أشوف شغلي."
ابتعد ماهر وخطى إليها وأمسك كفي يديها واحتضنه بين يديه، وباليد الأخرى يربت عليه ظهرها بحنو كي تهدأ، أما الطبيب بدأ يعمل تمارين لقدمها وهو يسألها، وكل ما تجيبه أنها لن تشعر بشيء أبدا، فقام بشك قدمها بذاك الدبوس، ولكنها أيضا لم تشعر ولم تتأوه، مما جعلهم جميعا منصدمين من عدم شعورها بشكة الدبوس، حتى نطقت بصدمة:
"معقولة هو أنا أكده اتشليت يا دكتور!"
خطى عمران إليها هو الآخر، ثم شملها بنظرة حانية وهو يربت على ظهرها كي يرزقها السكينة والهدوء، ثم تحدث الطبيب بنبرة حزينة وهو يعلمهم حالتها:
"الحمد لله، قضى أخف من قضى، ربنا نجاكي من الموت بمعجزة من عنده، لو كان جوزك اتأخر عنك دقيقة واحدة بس كانت هتفرق في عمرك، فمش عايزين إيه اللي حصل يأثر على نفسيتك، علشان في مشوار علاج لازم هتكمليه، وبإذن الله ربنا بيخلف في قضاه ألف رحمة."
انهمرت الدموع من عينيها بغزارة، وكأنها كانت تعلم كم ذاك الوجع الذي سيسكن قلب تلك الرحمة، وشعرت أن الدنيا اظلمت من حولها.
أيعقل بعد أن كانت تلهو وتلعب وتجري بشقاوة وتملأ الكون من حولها بهجة وسعادة، لاااا بل هي صاحبة السعادة بنفسها، أن تقضي باقي عمرها على كرسي متحرك!
أما ذاك الماهر هو وعمران انصدموا بشدة، وعمران نطق بلسان غير مصدق:
"يعني إيه كلامك ده يا دكتور!"
هي أكده مش هتقدر تمشي تاني على رجليها!
أجابهم الطبيب بعملية:
"مش أنا اللي هقدر أحدد دي لسه هنعمل إشاعات وتحاليل ودكتور عظام هو اللي هيتابع معاها ويعرف حالتها إيه بالظبط وهتمشي إزاي، بس إن شاء الله ما تقلقوش، ممكن يبقى فترة مؤقتة وترجع لطبيعتها تاني، بس أهم حاجة الصبر والحالة النفسية، دول أهم من أي علاج، فانا هبعت لكم دكتور عظام كويس جدا هو اللي هيتابع الحالة بتاعتها."
أنهى الطبيب فحصه لها وإخبارهم بكل شيء يخص حالتها وأجابهم على جميع أسئلتهم، ثم خرج معه عمران وهو يسأله صريحًا بعيدًا عنها:
"يعني يا دكتور ممكن تقعد قد إيه في حالتها دي من نظرتك؟"
"ولا هي أصلاً هتفضل أكده على طول قاعدة على كرسي متحرك؟"
تنهد الطبيب بأسى وهو يصارحه:
"مش هقدر أجزم في حالتها وأريحك بحاجة إنّي ما هعرفهاش ومش متأكد منها، لكن في حالات كانت زيها بالظبط ومع العلاج والمداومة والمتابعة مع دكتور العظام ربنا كرمهم رجعوا يمشوا على رجليهم تاني."
"وزي ما قلت وأكدت، الحالة النفسية هي العامل الأساسي لشفاء المريض، فأول حاجة هتشتغلوا عليها معاها هي إنكم تحسنوا من نفسيتها، وما حدش يزعلها وما حدش يحسسها إن هي فيها حاجة مختلفة، لازم تتعاملوا معاها بحذر جدا، لأن هي الفترة الجاية هتتصرف تصرفات عدوانية جدا، لأنها هتحس بتقلها على كل اللي حواليها، مش هتحب تشوف نظرات العطف ولا الشفقة."
"أنا هقول لك الكلام ده عشان تاخدوا بالكم منها كويس قوي، ولازم تحطوا قدام اعتباركم إنكم هتشوفوا إنسانة جديدة خالص غير اللي أنتم تعرفوها، لأن اللي حصل لها مش شوية، إن الإنسان يكون بيمشي ويجري ويلعب ويروح كل مكان ويعتمد على نفسه في كل حاجة وفجأة يلاقي نفسه قاعد على كرسي متحرك مش قادر حتى يخدم نفسه ولا قادر حتى يعمل لنفسه أقل الأشياء البسيطة، فبالتالي الدنيا هتسود في عينيه، وعلشان كده لازم الدعم النفسي أولًا وأخيرًا وكل شيء، وطالما الدعم النفسي موجود إن شاء الله العلاج هيجيب نتيجة."
"أما المدة قد إيه فلازم ما نعرفهاش للمريض عشان ما يبنيش أمل عليها وبعد كده لما تخلص المدة وما يلاقيش نفسه استجاب للعلاج هينتكس، فنقول للمريض كل شيء بأمر الله واحنا نعمل اللي علينا."
"حبيت أعرفك كل حاجة عشان تكون على علم، ولازم تبلغ جوزها بالكلام اللي أنا قلته لك، وربنا يشفيها يا رب وترجع لكم بألف سلامة."
تركه الطبيب وذهب من أمامه وهو يقف مستندًا على الحائط بحزن شديد على شقيقته الصغيرة التي كانت تملأ الكون حولهم بالحب والشقاوة، فحرمت من بهجة حياتها.
يقف في حيرة، كيف يخبرها بما قاله الطبيب عن حالتها؟
كيف ستتعامل معهم بعد تحذيرات الطبيب تلك، وخاصة أن رحمة كانت تحب الحركة كثيرًا والخروج وليس من طبعها الكسل؟
أما في الداخل عند رحمة وماهر، كانت تبكي بكاءً شديدًا يقطع نياط القلوب في صدر زوجها الذي التقطها إلى أحضانه الدافئة وهو يحاول أن يهدئها ويطمئنها بأن الأمور ستسير على ما يرام، ولكن ما وصلت إليه الآن وعلى حين غرة لن يستطيع عقلها تحمله، ثم غفت في نوم عميق من أثر الأدوية التي دخلت جسدها ومن أثر البكاء التي بكتها بشدة.
ويجلس ماهر وعمران بجانبها وعلى وجوههم حزن يكفي العالم بأسره، وقد سرد عليه عمران ما قاله الطبيب، وهم ينظرون لهيئتها النائمة كالملاك وقلوبهم تتألم بحسرة على ما حدث لها، ولم يعلموا كيف سيكون القادم وكيف ستكون هي؟
هل ستتقبل الأمر برضا بقضاء الله أم ستكون الصدمة شديدة ولم تتحملها؟
كل تلك الأسئلة التي دارت بمخيلتهم وهم ينظرون إليها، والصمت أصبح سيد الموقف من كليهما.
بعد مرور ثلاثة أشهر على الأحداث، حيث أن سكون لم تذهب للطبيب نظرًا لظروف رحمة، وأجلت الموضوع قليلا.
العلاقة بين شمس وعامر تتطور بسرعة رهيبة، وهم يأتون كل يوم في نفس الموعد عند غروب الشمس، والكلام يأخذهم حتى اعتادوا على الحديث مع بعضهم بشدة، وهي تعلقت بالطفلين بطريقة لا توصف، فقد شعرت معهم بالإحساس بالعائلة التي تفتقده، حتى بات يومها يفقد طعم اللذة بدونهم إن اختفوا عنها.
وكذلك فارس وفريدة، فقد أصبح فارس إنسانًا جديدًا بشخصية واحدة بعد محاولات فريدة الشرسة في الوقوف بجانبه، وصار متعلقًا بها بشدة ولم يستطع الإبعاد عنها، وهي الأخرى هكذا.
أما ذاك العاشقان جاسر ومها، حيث أنهم قد قرروا تأجيل كتب الكتاب حتى تستقر حالة رحمة، فقلوبهم لم تستطع الفرح ورحمة بتلك الحالة.
ولكن اليوم أتى عمران خصيصًا لجاسر، وبعد أن جلسا يتحدثون في أمور عامة، تحمحم عمران متسائلًا:
"أمال هتتجوز إمتى أنت وأم الزين بزيادة تأجيل عاد يا بن عمي؟"
أومأ جاسر عينيه للأسفل بخجل، فهو لم يستطع التحمل أكثر من ذاك، وكأن الظروف تعانده في راحته، ولكن لابد عليه أن يصبر، فرحمة ليست ابنة عمه فقط، ولكن هي من كانت صاحبة النبض الأول من الحب في قلبه، ومكث كثيرًا كي يخرجها من قلبه ويعتبرها مثل أخته، وبالتأكيد هو حزين لأجلها، ثم أجابه بتأنٍ:
"مش وقته يا عمران، لما نطمئن على رحمة الأول وبعدين نشوف الموضوع ده، أصلًا الواحد ما لوش نفس يفرح بسبب اللي حاصل، بس آه قدر ربنا وتدابيره في خلقه."
قوس عمران فمه بأسى لينطق بامتنان لموقف جاسر النبيل في ذاك الموضوع:
"ده العشم برضو يا بن عمي، بس إن جيت للحق ما ينفعش إننا نتأخر أكتر من كده، أنت كان زمانك متجوز من أول شهر خطبت فيه، وكمان موضوع الفرح ده هيوبقى كويس لرحمة، هيخرجها من جو الاكتئاب اللي هي دخلت فيه من ساعة اللي حصل لها، عشان كده هاخدك ونروح لأم مها ونخلص الموضوع ده وتتجوّزوا على خير وتتهنى أنت وأم الزين اللي الدنيا حالفة تعطّل فرحتها بالقوي."
كان جاسر من داخله يريد أن يقفز فرحًا من قرار عمران له، فهو ينتظر زواجه عاجلًا غير آجل، فقد زهق الصبر من صبره، فهو بات يحلم بها ليلًا ونهارًا، فقد شغفها حبًا حتى ظهرت معالم الفرحة على وجهه، مما جعل عمران ينطق مداعبًا إياه:
"إيه يا عم جاسر؟ إيه يا عم النحنوح؟ إش حال ما كنتش عمال تقول لا مش وقته، وأنت الفرحة هتطق من عينك؟ بالراحة على نفسك شوية يا عمنا، بكرة تتجوّز وتبقوا في بيت واحد وتعمل ما بدالك."
ابتسم جاسر وهتف بدعابة مماثلة اعتاد عليها مع عمران:
"إيه يا عمنا؟ ما هو أنتم السابقون ونحن اللاحقون، ولا أنت عايز تدوق العسل لوحدك من غير ما تسيب لغيرك حبة يحلو حياته؟"
ضم عمران حاجبيه باقتضاب وهو ينظر للناحية الأخرى مكبرًا في وجهه بنفس الدعابة:
"يا أعوذ بالله! هو الواحد هيرتاح يوم بسبب العيون اللي هتلاحقه كل شوية؟ ده مش عارف الواحد هيلاقيها منين ولا منين، والله مش كفاية اللي أنا عايش فيه له، وكمان مستكترين علينا حبة عسل."
ثم أكمل وهو يكبر في وجهه بأصابعه العشرة بطريقة مشاكسة له:
"خف عننا يا أبو عمو، خليها ماشية كده مستورة، حكم الواحد شاف بلاوي ما يعلم بها إلا ربنا، وادعي ما يوقعك فيها يا جدع."
وطال الحديث بينهم وقد اتفقوا على كل شيء، ما بين مداعبتهم لبعضهم ومشاكستهم، وما بين الجد، واتفقوا على أن يبلغ مها بأنهم سيذهبون لها اليوم كي يتفقون على موعد زواجهم، وهو بدوره سيبلغ ماجدة، فلا داعي للتأجيل، مما جعل قلبه يكاد يقفز من السعادة بين ضلوعه.
وبالفعل أبلغ مها عما اتفق عليه هو وعمران، ورغم اعتراضها هي الأخرى لأنها تحب رحمة حبًا جمًا، ولكن لم تستطع بسبب ملاحقة جاسر وراءها، فوافقت على مضض.
وبالفعل مرت الساعات سريعة، ويجلس هؤلاء الجمع يتحدثون بسعادة لاتفاقهم على موعد الزفاف بعد أسبوع من الآن، ولكن سألتهم ماجدة السؤال الذي حيرها كثيرًا:
"طب ما قلتوليش يا ولاد، هتعملوا فرح ولا هتمشوا دنيتكم كيف؟"
أحست مها بأن موضوع الفرح ثقيلًا على قلبها، فهي ستخجل بشدة، فمجمل الأمر صعب بالنسبة لها، فهي كانت أمًا. ولكن استمعت إلى جاسر يجيب بتأكيد مما صدمها:
"طبعًا يا خالة ماجدة، هنعمل فرح وفي أحسن قاعة فيكي يا قنا، إيه اللي ما يخليناش نعمل فرح؟"
أنهى كلماته وهو ينظر إلى مها كي يستشف رد فعلها، فوجد أن وجهها متغير ويبدو عليها الانزعاج، فسألها مندهشًا:
"مالك يا مها؟ هو أنت عندك اعتراض على الفرح؟ ممكن تقولي رأيك؟"
هنا قام عمران وهو يشير إلى ماجدة وسكون آمرًا إياهم:
"طب نقوم إحنا بقى ونسيبهم يتكلموا على راحتهم ويتفقوا على كل حاجة، وأيًّا كان قرارهم هم حرين فيه."
أطاعوه وقاموا خارجين وتركوا لهم المكان كي يتناقشوا بحرية، فاقترب منها جاسر قليلًا مع حفظ المسافات، وهو يسألها عن ذاك الأمر وهو يرى التوتر بادٍ على وجهها:
"مالك يا أم الزين؟ من ساعة ما سيرة الفرح جت وأنتِ متغيرة، وشك قلب وحاسس بالتوتر اللي أنتِ فيه على الآخر. هو أنتِ مش عايزة الفرح؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة وهي خائفة أن تخبره برفضها لذاك الحفل، فهي خجلة بشدة ولن تستطيع أن تقف بين حشد من الناس بمظهر العروس، لأن ظروفها مختلفة عن أي أنثى في حالتها تلك. ثم فهمته مقصدها بهدوء، وخاصة عندما رأت هدوء أعصابه معها وطريقة سؤاله بعيدة كل البعد عن الانفعال، وخاصة أنه استشف رفضها وتوترها. ولكن ذاك الجاسر دائمًا يفاجئها برجولته معها وعدم عصبيته وتلقيه منها جميع الأمور بسلاسة، مما جعلها تهدأ قليلًا وهي تخبره بما تريد دون خوف. وهكذا هي العلاقات المريحة لكلا الطرفين، علاقات خالية من التعقيد وخالية من الجبن، حيث أن الطرفين فيها يشعر دائمًا بالأمان، والأمان هو سبب نجاح أي علاقة بين رجل وامرأة، فحينما وجد الأمان، وجد الحب، ووجدت السعادة.
"أنت من حقك طبعًا تعمل فرح، لأن دي أول مرة ليك في الحياة الجديدة دي، بس مش عارفة حاسة إني هبقى مكسوفة أو مش مستريحة أو مش هعرف أتعامل مع الجو، لأن إني ظروفي مختلفة. مش حابة أشوف في نظرات الناس لوم. مش حابة أشوف نفسي في عيونهم الست اللي جوزها مات، ولادها ماتوا، فراحت اتجوزت ونسيتهم. مش حابة أشوف في عينيهم إني ما عنديش دم، حاسة وقتها النظرات دي هـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.
...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...
...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...ـ...
...ـ...ـ
...ـ
ـ...ـ
.ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ
ـ...ـ ما تظبط لسانك دي يا ماهر وانت هتتحدت وياي.
تبسم ضاحكاً بعدما استطاع إخراج رحمة الشرسة الآن وهو يباغتها بقبلة سريعة جانب شفتيها:
ــ ياه أخيراً ياعمنا سمعنا صوتك الشرس يابتاع الكنتالوب والتوب انت.
ابتسمت لتذكره تلك الكلمة ثم قالت:
ــ ياه انت لسه فاكر يابتاع الأسد اللهم لا حسد.
ضحك بشدة ثم حرك رأسه للأمام وتحدث بنبرة مشاكسة:
ــ يعني انت نسيتي علشان أني أنسى ياصغنن وبعدين هي داي لحظات تتنسي عاد!
ثم غمز لها بطريقة أذابتها:
ــ طب بقول لك ايه ماتيجي بقي نطلع فوق أوضتنا ونشهيص شوية ونروق الجي ونظبط الدي وأنعنشك اكده أصلك مش عجباني خالص وكمان أني مشتاق بالجامد.
أومأت له وهي تربت على وجنته وقد ارتفعت دقات قلبها الرنانة ودقت في أرجاء قلبه وأردفت بدلال:
ــ هو انت مبتزهقش والاشتياق عندك مبيبطلش؟ أووو تصدق نسيت انك الأسد اللهم لا حسد.
اقترب منها ليزيح خصلة فوق عينيها يتلمس وجنتها نزولاً إلى فكها ثم صعد إلى شفتيها يتلمس كل منهما بإبهامه وهو ينظر لها باشتياق جارف:
ــ ماهو انت السبب يارحمتي كل يوم هتزيدي حلاوة وجمال وهتجنيني أكتر من اليوم اللي قلبه وأني بضعف قدامك قووي.
ثم حملها وصعد بها إلى غرفتهم ووضعها على التخت برفق وقبلها من جبينها وتركها وذهب إلى الحمام كي ينعم بحمام دافئ يستعيد به نضارة جسده وحيويته وكي يترك لها وقت لكي تستعد نفسياً للقائه فقد قالت له الطبيبة أنهم يستطيعون أن يعيشوا حياتهم الزوجية الطبيعية دون أي عائق.
بعد مدة مضت قضاها هؤالاء الكابل الشرس يتنعمون في أحضان بعضهم كانوا يجلسون على التخت وهو يحتضنها برعاية ويخبرها:
ــ في خبر حلو قوي هقول لك عليه جاسر كلمني وقال لي ان فرحه كمان اسبوع عمران أصر إن هو يعمل الفرح علشان خاطر كفاية تأجيل وكمان فرصة حلوة ان انت تخرجي من الجو الكاتم اللي حابسة حالك فيه وتحضري الفرح مع حبايبك.
فإيه رأيك نبدأ من دلوك نشوف هتلبسي ايه او هتجيبي اللوك منين او اجيب لك ديزاينر هي اللي تعمل لك اللي انت عايزاه اهنه فقولي لي رايك نعمل ايه يا حبيبي؟
انقبض قلبها من فكرة تواجدها بين جمع من الناس وهي بحالتها تلك من ناحية ومن ناحية أخرى سعدت لأجل إتمام زفاف جاسر ومها أخيراً فهما يستحقون السعادة بحق. لاحظ تشتتها ذاك فسألها:
ــ مالك ايه اللي خلاكي سرحتي اكده وريأكشناتك قلبت مرة لمحة حزن ومرة بسمة؟
ابتلعت غصتها بمرارة مثل مرارة الصبار وتركت لسانها يتفوه:
ــ مش عارفة. مش متقبلة فكرة ان اني أكون في تجمع مع الناس دلوك ما عنديش استعداد نفسي لحاجة زي دي وفي نفس الوقت عايزة أفرح مع مها وافرحها ومش عايزة أحسسها ان هي عملت حاجة تزعلني في وقت زي ده لأني بجد فرحت لهم قوي فمتلخبطة ومش عارفة افكر.
إبتسم بهدوء وأمسك كفها وطبع بداخله قبلة لثوان ثم نظر إليها وأخبرها بما عرفه له جاسر مما جعلها تبتسم وتطمئن:
ــ له ما تقلقيش من النقطة دي جاسر قال لي ان الفرح هيوبقى في نطاق ضيق أهل يعني في بعض لأن خطيبته هي اللي طلبتك دي عشان ظروفها اللي انت عارفاها فبالتالي مش هيوبقى في قلق كل اللي هيبقوا موجودين في الفرح حبايبك وفرصة حلوة تتجمعي معاهم.
وبعدين يا رحمة عايزك تنسي وتتعايشي على الوضع وتعيشي حياتك وما تضيعيش الفرص السعيدة اللي هتخرجك من الجو المقفول دي وتديكي تفاؤل انك تكملي مشوار علاجك وانت عندك طاقة إيجابية والحاجات اللي زي دي بتفرح قلوبنا وبتخلينا ننسى شوية اللي احنا فيه.
وضعت كفاي يداها الحنونتان وحاوطت بهما وجنتاي ذاك الرائع وتحدثت بحب صادق ظهر بينا داخل عيناها وهي:
ربنا يخليك لقلبي وتوبقى طول العمر جنبي.
وكل حاجة حلوة ليا منك بتأكد لي إني اخترت صح انت اللي جنبك ببقى حاسة بالأمان.
انت جيت حياتي تملى كل سنيني فرح.
من حسن حظي إني قابلتك.
احتضنها بحب جارف وتحدثت عيناهم بحب وهم يدعون الله أن يجعلهم يشعرون دوماً بالسعادة وأن لاتفرقهم الأقدار.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم فاطيما يوسف
أنا المرأة القوية التي جمعت كل أحزاني السوداء ثم تكحلت بها، وحينما تنظر داخل عيناي سترى أحزاني صامدة بقوة كي أضعفك.
أنا التي تقبلت سم الكلام من فمك، ثم مزجته بدموعي ووضعته في إناء قلبي وتجرعته بعقلي، حتى أهز ثقتك وأجعلك تهابني ألف مرة قبل أن تجرحني.
أنا المرأة التي لا يشغلني غائب ولا أطيق انتظارك، فأنا امرأة تاج العزة يزين رأسها، وتلبس ثوب العفاف والوقار، عقلها عقل ناضج وقلبها صندوق من الأسرار.
تستند مها على تختها وقد قررت أن تعلن ارتباطها بـ "جاسر" على الفيس بوك، ونشرت صورة يديهم بخاتم الزفاف ودونت فوقها:
"ليس فقط جمالك الخارجي يجذبني، بل أيضًا عمقك وروحك الرائعة، أنت مصدر السعادة في حياتي، وأصبحت رفيق دربي نحو الأمان والحب، كيف يلتقي أحلامي؟ فهنيئاً لقلبي بك أيها الرائع."
دونت رسالتها وفعلت إشارة المتابعين، وكان من ضمن المتابعين ذاك عامر الذي ما إن رأى ذاك المشهد حتى تحسر قلبه بشدة، وعلم الآن أنه خسرها للأبد، ولكن حرضه عقله أن يحادثها حتى لو كانت تلك محادثتهم الأخيرة، وهو يلومها بتلك الرسالة:
"دلوك عرفت سبب رفضك ليا إيه؟ إنك لقيتي الحب اللي كنت هتستنيه، زي ما أنا لقيتك قبل كده واستنيتك كتير واتمنيتك أكتر بكل ما فيا، وأني كنت عايزك، وفي الآخر برضه قلبي اتحرق من جواه في بعدك، ودلوقتي في خسارتك يا أغلى ذكرى عشتها في حياتي."
كانت جالسة تستقبل تلك الإعجابات على منشورها، ووجدت رسالته التي صدمتها للتو، فقرأتها وهي تشعر لأول مرة بالشفقة تجاهه، ثم وجدت أنها لابد أن ترد عليه كي تغلق صفحته للأبد تجاهها، وبعدها تقوم بحظره، فهي امرأة الآن على اسم رجل، عاشقة له ولن تخونه أبداً حتى ولو بالكلام:
"يا ريت تنساني يا عامر وحاول تطلعني من دماغك وقلبك زي ما أنا ما عملت من سنين.
ودور حواليك هتلاقي الحب زي ما أنا ما لقيته، واقفل الماضي اللي بيني وبينك وما تحاولش تنبش فيه تاني.
أنا عارفة إن انت عمرك ما هتفضح اللي بينا، وعارفة قد إيه رجولتك في الحتة دي بالذات، هشيلها لك في قلبي، اللي بيدعي لك كأخت لأخوها، ربنا ينزع حبي من قلبك ويرزقك زوجة طيبة وحنينة تقدر تنسيك كل حاجة مرت بينا، أرجوك يا عامر ما تبعتليش تاني لأني بجد بحب خطيبي جداً، وما صدقت الدنيا فتحت لي أيامها الحلوة، فمش عايزة أخسر تاني، كفاية الخسارة اللي خسرتها وخلتني عايشة أيامي بلياليها وجع على الغاليين لحد دلوقتي ما بردش. أرجوك انسي مها من حياتك يا عامر."
عند الفراق اترك لعينيك الكلام، فسيقرأ من أحبك سوادها. واجعل وداعك لوحة من المشاعر يستميت الفنانون لرسمها ولا يستطيعون، فهذا آخر ما سيسجله الزمن في رصيدكما.
فما أصعب أن تبكي بلا دموع، وما أصعب أن تذهب بلا رجوع، وما أصعب أن تشعر بضيق وكأن المكان من حولك يضيق.
فبعد الفراق لا تنتظر بزوغ القمر لتشكو له ألم البعاد، لأنه سيغيب ليرمي ما حمله، ويعود لنا قمراً جديداً. ولا تقف أمام البحر لتهيج أمواجه وتزيد على مياهه من دموعك، لأنه سيرمي بهمك في قاع ليس له قرار ويعود لنا بحراً هادئاً من جديد. وهذه هي سنة الكون، يوم يحملك ويوم تحمله. بعد خيبتها العاطفية الأولى، لم تعطِ قط نفسها كلياً، خافت الألم والخسارة والفراق، وهي أمور لا مفر منها على طريق الحب. ولاجتناب المعاناة ينبغي التخلي عن الحب، الأمر أشبه بأن نقتلع أعيننا كي نغض النظر عن بشاعات الدنيا. فإذا ما جاء الفراق يوماً، وجاء بعد الفراق العيد، فلا تنس أن تفرح، ولا تنس أن تضحك، ولا تنس أن تلبس الجديد.
فما كان منه إلا أنه وضع ملصق قلباً منقسم إلى نصفين، وكأنه بذاك الملصق يعبر عن حالته له تجاه كلماتها، وما كان منه إلا أنه فعل مثلها وقام بحظرها في نفس اللحظة التي قامت هي الأخرى بحظره، وانتهت أخيراً قصة عامر والمها، وكل منهم يشق طريقه بعيداً عن الآخر طالما اختار القدر ذلك.
تهبط زينب الأدراج وهي تنتوي الخروج كي تذهب إلى ابنتها رحمة، التي أصبحت شغلها الشاغل وملهاها، وكل تفكيرها أصبح الآن منصب تجاهها، فاليوم موعد جلستها مع الطبيبة، وفي كل جلسة لم تتركها وتقف بجانبها. رآها سلطان وهي تتجه إليه وتردد بطريقتها الحادة معه منذ ثلاثة أشهر وهي لن تجعله يمسها، فقد جرحها وأصابها بسم الكلمات ما يجعلها غاضبة:
"أني رايحة حدا رحمة الداكتورة جاي لها النهاردة، الوكل عندك في المطبخ لأني هقعد معاها النهار بطوله ومش هفوتها."
زمجر "سلطان" بضيق وهو يسألها بفقدان صبر:
"لحد ميتة هتفضلي مقفلة دماغك ومنشفاها بالقووي يازينب، وأنا وانتي كل واحد فينا في ركن لوحده؟ الطريقة دي متنفعش ولا ترضي عبد ولا رب."
نظرت له بنصف عين وهي تتشبس بعنادها معه وأجابته بنبرتها الجليدية:
"لحد ما تعترف إنك غلطت في حقي لما مديت يدك علي وأهنتني، وأني مرة حرة مقبلش الإهانة واصل، ولولا ظروف بتي واللي حصل لها مكنتش قعدت معاك هنا يوم واحد بس. معملتش كده علشان خاطرها هي بس علشان نفسيتها متتأثرش بيا وبيك، لكن أني خلاص زهدت فيك وزهدت صنف الرجالة كله."
حاول أن يستدعي الهدوء كي يجابه تلك الشرسة، ورغم كبرها إلا أن عقلها ما زال عقل امرأة مراهقة، فتحمحم متسائلاً إياها بنبرة باردة:
"أممم.."
يعني عايزة إيه يا زينب؟ مكفاكيش الشهور دي؟ كلماتها عند ومكملة برضه وهتهلفطي بكلام وخلاص!
رفعت قامتها لأعلى بشموخ اعتادت عليه، للأخذ بحقها، فهو أهانها، ومهما كان السبب، ما كان ينبغي أن يمد يده عليها، مجيبة إياه بمكر:
ــ والله إنت اللي استقويت وافتريت ومديت إيدك علي وكسرتني، وأنا في السن دي، مع إنك المفروض كنت تحتوي الموقف وتاخدني في حضنك وتهديني، إن ابني الوحيد ومراته خرجوا من البيت. ومهما كان حجم المشكلة، وكل واحد فينا بيفكر إزاي عشان يحلها من وجهة نظره، كلنا وقت المشكلة بنشوف إننا مش غلطانين. وأي إنسان أكده، لكن إنت أسهل حاجة عندك الضرب والإهانة. وآديني أهو قاعدة أنا وإنت لوحدنا في البيت، ولا حد بيقولنا باب ريحكم فين.
وأكملت بأسى، وهي تشعر بالحسرة وتنظر حولها من فراغ منزلها بعد أن كان مملوءًا بأنفاس أبنائها حولها:
ــ وولادي اللي عشت أحابي عليهم العمر كله. واحدة خلفت وانشغلت مع جوزها وحماتها، وما بشوفهاش إلا كل شهر مرة. والتانية ربنا ابتلاها وبقت قاعدة على كرسي متحرك. والوحيد اللي كنت حاطة أملي فيه هيملأ لي البيت عيال. ربنا قدره له الوحدة والسن بيجري بيه. والراجل اللي أنا اتجوزته لو طال يموتني هيموتني ومش حاسس بنار قلبي القايدة على ضنايا اللي فر وسابني. وبعد ده كله مش عايزني أنقهر يا سلطان!
أحس بكل ما تحكيه وتشكيه، وهو ينظر حوله هو الآخر ويشعر بنفس وجعها، ثم قام من مكانه وجذبها من يدها برفق، وهو يقبلها من رأسها مرددًا بندم:
ــ طب معلش، حقك عليا إني مديت إيدي عليكي. كانت ساعة شيطان وراحت لحالها، مش هتتكرر تاني يا أم عمران. وبعدين أنا كمان زيك بالظبط، وفارق معايا فراق العمران ومراته وخروجهم من البيت. بس هي دي سنة الحياة، ومسيرهم كل واحد له طريق هيمشيه. بس إنت ما تكركبيهاش على دماغك وفوتي عشان المركب تمشي.
أنهى تطيب خاطرها بكلماته، ثم جذبها بين أحضانه وهو يتلهف شوقًا لها، فقد شنت عليه مكر الأنثى بجدارة. ولكنها أبعدته عنها وأدارت ظهرها، وهي ترفض هدنة صلحه لها، لتقول بتصميم:
ــ هو بمزاجك ولا إيه يا سلطان؟ وقت ما أضرب تضرب، ووقت ما شوقك يغلبك تحن وتقدم فروض الولاء والطاعة، وأنا المفروض أقول سمعًا وطاعة!
ثم أدارت جسدها إليه، ثم ناظرته بكل ما أوتيت من قوة بفم مملوء بالرفض. لو رآها أحدهم، للقبها بامرأة الجبروت، ولكنها امرأة أُهينت على يد سكنها الآمن:
ــ له يا سلطان، مش أنا اللي تنضرب وتعمل فيها أكده وتتصالح بسهولة؟ أنا كرامتي عندي فوق كل اعتبار، فوق أي عشرة، فوق أي قوانين فرضها الراجل القوي على ست ضعيفة. ولو فاكر إنك لما تبوسني من راسي إني هحن لك وهنسى، تبقى بتحلم. إنت حطيت حاجز كبير قوي بيني وبينك، عمري ما هنساه.
كان واقفًا يستمع إليها باندهاش، فمن أين عرفت ذاك الكلام الكبير الذي ألقته على مسامعه للتو؟ وظل ينظر إليها بعين ونصف، حتى استشف ما عرفها ذلك، هاتِفًا لها:
ــ أه، مانتي بقيتي قاعدة على المخروب اللي اسمه الفيس بوك دي، وتتفرجي لي على النسوان اللي هتقوي الستات على رجالتها وهتعلمهم يهجروا أجوازاتهم!
ثم أكمل بتحذير، وهو يقسم لها صدقًا مما جعل داخلها يهاب من قسمه:
ــ أنا رضيتك وبوستك من راسي عشان ما كانش ينفع أمد إيدي عليكي. لكن قسما عظيمًا هتظيتي فيها وهتفضلي نافرة وهاجرة. لا هعمل اللي ما تحبينهوش، وأنا قسمي مش هينزل ولا هتراجع عن اللي في دماغي. أنا بقالي تلت شهور بطبطب شوية وساكت، وسايبك على راحتك شوية ومكبر دماغي. عشرة، لكن هتزيدي فيها أكتر من كده هتلاقي مني اللي تكرهيه، وإنت حرة يا زينب، متطوليش أكتر من كده. وخلي في معلومك، لأنك بقي ليكي غيري ولا إني بقي ليا غيرك. العيال اتجوزوا واستقروا في بيوتهم، الله يعينهم على شقي الحياة. فخلينا نبقى حلوين مع بعض عشان الدنيا تمشي، وخلينا ونس لبعض أحسن ما نبقى أعداء.
ارتعب داخلها من تهديده، وهوى قلبها بين قدميها، فهو لن يقسم هباءً. ثم اصطنعت الكبرياء كي لا يرى ضعفها، فيكمل ما بدأه، لتقول بقوة واهية، وهي تستعد للمغادرة:
ــ لما نشوف هتعمل إيه يا سلطان، وهتكسرني بأنهي طريقة تاني. أنا ماشية رايحة لبيتي.
ــ مع السلامة، ومتقطعيش الجوابات يا بتاعت النت والنتيت إنت!
جملة ساخرة نطقها "سلطان" لـ "زينب" جعلتها تغتاظ منه، وهرولت من أمامه وهي تدب أرضًا، ولكنها تشعر بالسعادة كثيرًا، فقد أرضت غرورها ناحيته وجعلته يعتذر لها ويقبل رأسها. وبدورها قررت أن تتعامل معه بمكر حواء، تلين مرة وتشُد عشرة، كي لا تجعله يكرر فعلته معها أخرى.
أما هو، فور خروجها، نطق بغيظ وهو يضرب كفًا بكف:
ــ يقطع النت على النتيت على اللي هينتتوا عليه، على صنف الحريم كله اللي خلاهم هيتفرعنوا على رجالتهم. نساوين عايزة حش رقابيها.
ثم أكمل متوعدًا وهو يشعر بالغيظ منها:
ــ الله الوكيل يا زينب، لو ما اتعدلتي وسيبتي اللؤم ده، لا هكون مقطع لك سلك المخروب ده خالص، وما هخليكي تطوليه بعد كده.
أما في الخارج، صادف خروج زينب دلوف عمران، فهو قد صلى الجمعة، وقبل أن يسافر هو وزوجته، ذهب ليطمئن على والديه. وعندما رأته، دق قلبها شوقًا لوحيدها الذي أصبح غريبًا عن أحضانها، وتراه كل يومين بعد أن كانت تراه صباحًا ومساءً، وفي كل وقت.
نظرت إليه بلوم مغلف بالقهر وقلة الحيلة، ووجهت أنظارها للناحية الأخرى عن قصد كي تداري شوق عينيها التي حتمًا ستفضحها. وقلبها حزين منه بشدة. ثم اقترب عليها وهو يجذب رأسها كي يقبله، وما كان منها إلا أنها أبعدت رأسها عنه بقصد، جعله حزن للغاية:
ــ طب ليه يا أمي؟ هان عليكي تنفري عمران ولدك اللي نفسه في حضنك ومحتاجه قوي عشان يقدر يكمل! بزيادة جفا يا حاجة، أنا اللي فيا مكفيني، وربك أعلم بما في الصدور، وأكيد إنتي حاسة بيا.
لم تستطع أن تستمر في معاملتها الجافة، وجذبته إلى أحضانها وهي تقبله من رأسه ووجهه، وسحبته لأحضانه بحنو واشتياق. لو رآه أحدهم لأجزم أن وليدها ذاك مسافر منذ زمن بعيد. وهي تشهق في أحضانه بشدة وتشعر بأن الشوق لولدها الوحيد يمزق داخلها.
أما هو، حزن بشدة لبكائها الشديد وشعر بالخزي من حاله، من أنه أحزنها وجعلها تشعر بالوحدة والاستياق له بتلك الدرجة. وخُيّل له أن ولده الذي يترجاه من ربه سيفعل به يومًا من الأيام ويتركه لأي أسباب مهما كانت معضلة. وإلى شعر بالحزن الشديد، وأنه أصبح قاب قوسين أو أدنى، والموقف في قلبيهما صار متأزمًا للغاية. ثم أخرجته من أحضانها واحتضنت وجنتيه بين كفّيها، وبعينين باكيتين دعت له قبل أن تتركه سريعًا وتهرب من شوقها الجارف له:
ــ ربنا يراضيك ويرضيك ويرضي عنك يا ابن عمري يا ابن قلبي.
دعت له وفرت هاربة من أمامه بقلب يخفق من ألم فراقه، فخروجه من أحضانها كان هادمًا لها.
وهو وقف ينظر على أثرها بحزن شديد، ثم وقف قليلًا يستجمع شتاته المفرق قبل أن يدلف إلى والده. ثم هدأت أعصابه ودخل إلى والده الذي رآه يحدث حاله ويبدو عليه الانزعاج الشديد، فاندهش لحالته تلك، فألقى السلام وتساءل متعجبًا من حالته:
ــ عليك السلام والرحمة يا حاج. إيه مالك؟ مين مزعلك قوي ومخليك هتكلم حالك وانت مخنوق كده عاد؟
نظر إليه "سلطان" وهو يجيبه ساخرًا:
ــ آه، ماهو إنت تعيش في العسل لحالك وإنت ومرتك، وأنا أتحمل فراق من هنا يا حيلتها!
زمجر "عمران" برفض مصطنع لشكوى أبيه ليهتف باستنكار:
ــ وإيه وأنا مالي يا حاج باللي هتعمله زينب وياك؟ مانت اللي مش عارف تبلع عقلها بكلمتين وهتلاقيك زي عوايدك هتشخط وتنطر!
ثم أكمل بنصح وهو يجلس بجانبه:
ــ يا أبويا، الست كائن ضعيف، مش عايزة إلا المعاملة الزينة، وصدقني هتلاقيها وياك فل الفل وميت عشرة. سيبك من أسلوب الزعيق والتهديد، وكمان بتوصل مد اليد. وأمي ما هتجيش معاك بالطريقة دي أبدًا. اتعامل وياها بهدوء وبلين، وصدقني هتلاقيها معاك حاجة تانية خالص. الست عمومًا هتحب اللي هيدلعها ويطبطب عليها، حتى لو كانت غلطانة كده هتريح وتستريح.
ضم "سلطان" حاجبيه بعبث وهو يهتف برفض:
ــ وإنت يا ابن امبارح هتعلمني كيف هتعامل ويا مرتي؟ أمك هتدلع على كبر، وأنا دماغي ما لهاش في الحديث دي واصل، وزهقت من عمايلها وقربت أطفش وأهج منها خالص عشان تستريح.
ضرب عمران كفًا بكف باستنكار من تصميم أبيه على المشاكل:
ــ يا أبويا حاشا لله، إني هعلمك، بس دي أمي وأنا ما أحبش أشوفها مقهورة بالشكل ده. وأكيد حصل منك إنك زعلتها أو مديت إيدك عليها، خليتها بالشكل ده، وأنا لازم أزعل عليها.
اتسعت مقلتا "سلطان" مما قاله "عمران"، هادرًا به:
ــ ده إنت طلعت ابن أمك بصحيح! وأنا اللي عملت ده كله عشان تعيش إنت مرتاح وهادي البال، وفي الآخر تزعل على أمك وما تزعلش على أبوك! أسفخس عليك يا ابن زينب، تصدق طلعت عيل واطي وخسارة فيك اللي كنت هأجاهد فيه عشانك.
لوي "عمران" شفتيه بامتعاض ليقول بهدوء:
ــ متشكرين يا حاج، أي حاجة تطلع منك هأقبلها مهما تقول. بس إنت روّق بالك كده واجمد. الست عايزة الراجل طويل البال عشان يتحمل النكد بتاعها عمال على بطال. مش قصدي إنك تزعل مني.
أجابه بإقتضاب:
ــ حاضر يا ابن امبارح، يا اللي هتدي أبوك درس في معاملة الحريم اللي ما يعزاش غير حش رقابيها، والله.
وأكمل وهو يهدئ من نبرة غضبه ويسأله عن أحواله:
ــ كيفك إنت ومرتك عاملين إيه؟ ورحتوا للدكتور اللي قلت لي عليه قبل كده ولا لسه مأجل الموضوع يا ولدي؟
أجابه عمران مطمئنًا إياه:
ــ إحنا بخير يا أبويا، اطمن علينا. إنت عارف كنت مأجل الموضوع ده عشان اللي حصل لرحمة أختي، بس أنا قلت أجي لك وأعرفك إننا مسافرين النهاردة رايحين للدكتور إن شاء الله، وربنا يجعل القبول من حظنا ونصيبنا.
ابتسم "سلطان" تلقائيًا وهو يدعي له ويربت على ظهره بحنو:
ــ على بركة الله يا ولدي، ربنا هيراضيك إن شاء الله عشان إنت ولد حلال، وهيراضينا كلنا. ربنا العالم إني مستني الحفيد ده قد إيه، أكتر من زينب ميت مرة. بس ادي الله وادي حكمته، وواجب علينا نصبر. ربنا يجعل تعبكم في سفركم على خير إن شاء الله ويجبركم ويجبرنا. أنا متفائل خير يا ولدي.
أمن عمران بلهفة لدعاء والده:
ــ يا رب يا أبويا يسمع منك يا رب. بس أمانة عليك يا أبويا ما تجيب سيرة لأمي، إنت عارف ما عايزهاش تتعلق بأمل لسه ما عرفناش عنه حاجة. خلينا كده على الحياد، وهي هتعرف إننا مستنيين أمر الله وفرجه علينا. كفاية اللي حصل لحد كده. وقت ما ربنا يريد هتعرف كل حاجة في وقتها.
حرك والده رأسه بموافقة وظل يدعو له، وتحدثا قليلًا، ثم استأذن عمران في المغادرة كي يذهب إلى سكون ليستعدوا إلى رحلة المجهول بالنسبة لهم، والتي تعتبر أهم رحلة في حياتهم، والتي بدورها ستكون لهم إما آمنة وجابرة لقلوبهم، وإما محطمة لآمالهم. والله المستعان لهم.
استعد "عمران" و"سكون" للسفر أخيرًا، وصعدوا إلى السيارة وهم يرددون دعاء السفر، والذي لابد أن يردده الإنسان عند سفره ليأمن شر الطريق، فهو دعاء يرزق الإنسان السكينة والاطمئنان. فبهذا الدعاء يستودع الإنسان نفسه وعائلته في أمان الله. فقد علمته له سكون، وبدوره في كل مرة يسافر فيها يردد الدعاء وهو يتذكرها بالخير دائمًا. فألقاه عمران بصوت عالٍ وهي تؤمن وراءه بصوت منخفض:
ــ بسم الله توكلت على الله، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين. وإنا إلى ربنا لمنقلبون.
اللهم أنت الصاحب في السفر، اللهم هون على سفري هذا، واطوِ عني بعده.
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت.
يا رب أسألك في سفري هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى.
يا رب احمنا من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل.
اللهم ارزقنا في سفرنا هذا أمنًا وسلامة ورزقًا طيبًا وعودة حميدة.
اللهم اجعل التوفيق حليفنا في سفرنا هذا، ويسر لنا طريقنا، وجنبنا من كل سوء.
اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.
يا رب استودعتك روحي ونفسي وجسدي، فردني إلى أهلي سالمًا، وأعوذ بك من وعثاء السفر.
بعد أن انتهى عمران من إلقاء دعاء السفر، توجهوا في طريقهم. ولكن كان عمران صامتًا طيلة الطريق بسبب لقاء أمه وما فعلته معه، ولم يشعر بالارتياح. وأحست سكون بذلك، فسألته وهي ترى حالته المتغيرة:
ــ مالك يا عمران؟ حاسك متغير، في حاجة مضايقاك أو مزعلاك؟ ما كنتش كده الصبح، وشك قالب خالص!
تحمحم كي ينظف حنجرته وتحدث بنبرة جادة لملامح وجه منهكة ارتسمت رغما عنه:
ــ مش عارف، ماما مش راضية ترضى بالأمر الواقع لحد دلوقتي، وكل أما أقابلها ما ترضاش تسلم علي، وتحسسني بالذنب ناحيتها. مع إن اللي أنا عملته ده طبيعي لأي إنسان بيعمله لما بيتجوز، بيستقر في بيته اللي هو عمله عشان يبدأ فيه حياته. ولحد دلوقتي مش متقبلة الوضع خالص. بقى لنا كذا شهر والعناد والزعل. ما قالوش بل بالعكس، مش عارف أعمل معاها إيه تاني!
أخرجت تنهيدة حارة وأنزلت بصرها، وأردفت قائلة بنبرة محملة بأثقال من الهموم وهي تحمل حالها ذنب فراق الابن وأمه:
ــ غصب عنها يا عمران، ابنها الوحيد فاتها وساب لها البيت فاضي عليها، وهو كان أملها إنه هيملأ البيت عليها من تاني. لازم نتحملها ونتحمل أي طاقة زعل تخرجها من قلبها لحد ما تستسلم للأمر الواقع. وبصراحة كده، الذنب مش عليك إنت، الذنب عندي أنا عشان إني السبب في كل اللي بيحصل ده.
ضم حاجبيه وعبس وجهه وسأل مستفسرًا بدهشة ظهرت على وجهه وهو يستنكر ما نسبته إليها:
ــ ليه الذنب عندك إنتِ! من البداية أنا بنيت البيت ده من قبل ما نتجوز، وكنت عامل حسابي إننا هنستقر فيه. ولولا الظروف اللي حصلت كان زماننا متجوزين فيه من البداية وما كنتش زعلت أصلًا. يعني اللي إحنا فيه ده كان أمر واقع، بس اتنفذ متأخر شوية. ما تحاوليش تحملي نفسك أكتر من طاقتها إنتي كمان يا سكون، كفاية اللي إنتي فيه. وبعدين ما تشيلنيش ذنبك إنتي كمان، كفاية عليا أمي، أرجوكي.
تنهدت بثقل وألم نفسي انتابها جراء كلماته، ثم وجدت أن تغير مجرى الحديث كي لا تجعله يحزن، فكفاهم من الهموم ما كفى:
ــ ولا ذنب ولا يحزنون يا حبيبي، قل لي بقى قدامنا قد إيه في الطريق على ما نوصل؟
تنهد وتحدث باستجداء معلمًا إياها:
ــ بإذن الله قدامنا خمس ساعات ونوصل على خير.
أخذت نفسًا عميقًا ثم زفرته بهدوء وعرضت عليه بشغف:
ــ حلوين قوي، يلا نقرأ سورة البقرة تسميع مع بعض، وإحنا ماشيين. إنت صفحة وأنا صفحة لحد ما نخلصها. هتاخد مننا ساعة تقريبًا، وبعدين ندخل على يس، وبعدين على الملك والواقعة. وما تقولش لأ، عشان إحنا ما سمعناش مع بعض بقى لنا كتير. ودلوقتي بقى هختبر مدى حفظك يا سيد عمران.
ابتسم وأومأ برأسه بموافقة على اقتراحها بصدر رحب، وبالفعل بدأ كلاهما بالقراءة والترتيل بصوت عذب. والساعات تمر عليهم كالدقائق وهم مشغولون بالتسميع، ويتناسون الطريق في حضرة القرآن الكريم. وأي حضرة هذه؟ فهي تعطي القلب راحة وخشوع وهدوء لم يشعر بهم الإنسان إلا في ذكر الله. "ألا بذكر الله تطمئن القلوب".
وأخيرًا وصلوا للمكان الذي ستجري فيه الفحص، وهم يقفون أمامه بقلب ينبض بالخوف تارة وبالأمل تارة أخرى. ومشاعرهم تنعكس على وجوههم، فأحيانًا يبتسمون، وأحيانًا يتوهون، وأحيانًا ينظرون إلى السماء يترجون من الله أن يكون معهم.
ثم احتضن عمران كف يدها بحنو ودلفوا إلى العيادة، وقام بالاستعلام عن دوره. وإذا بها تقف تلك المسؤولة عن الأدوار لتقول لهم بترحاب واسع وهي تتمشى معهم في بهو المشفى الواسع الممتلئ بالأناس من مختلف الأشكال والألوان. وهم ينظرون إلى ذاك الجمع باندهاش، وداخلهم يردد أن من المعقول كل هؤلاء الناس يشكون مثل ما هم يشكون!
أشارت لهم الممرضة:
ــ اتفضل بعد إذنك يا فندم، أنت والمدام. الدكتور قدامه حالة، وأنتم اللي هتدخلوا وراها على طول. وكل الأشعة المطلوبة هنعملها جوه عند الدكتور على طول، هو مستنيكم ومنبه علينا أول ما توصلوا ندخلكم فورًا، ما تستنوش دور.
نظروا لبعضهم بدهشة. وبعد أن تركتهم الممرضة، نظر عمران لسكون مرددًا بذهول:
ــ دي فريدة صاحبتك طلعت واصلة بقى. دي المستشفى، أمم، يعني لو هنمشي بالدور والحوارات دي، هنقعد هنا اليوم بحاله.
ثم تابع بتحقيق جال في باله بطريقة دعابية أضحكت سكون:
ــ ولا الدكتور اللي جابنا هنا أصلًا، إيه حكايته هو وهي؟ حاسس إن الموضوع فيه. هي مش فريدة دي صاحبتك؟ ومش المفروض تكوني عارفة التفاصيل دي، ولا إيه؟ ولا أنتِ صاحبة أكده وخلاص لقب وبس ومش مسيطرة يعني؟
حاولت كتم ضحكتها على استفساراته، ثم هدأت وهي تجيبه:
ــ وه أنت هتعمل المفتش كرومبو على صاحبتي ولا إيه؟ مش المفروض نشكرها برضه على الواجب الكبير اللي عملته معانا دي، ولا نقعد ندور وراها في حوارات في خيالك أنت يا عمران أفندم؟
رفع حاجبه بغيظ من ردها، ثم ظل يشاكسها إلى أن أتى دورهم. فشعرت بدقات قلبها تنبض سريعًا بين ضلوعها. وهو الآخر حالته لا تقل عن حالتها. ثم احتضن كف يديها بقوة وهو ينظر داخل عينيها محاولًا بث الهدوء والطمأنينة فيها:
ــ ممكن نهدى بقى، عايزين ريلاكس، أعصاب هادية. مش عايزين توتر، عايزين نقعد قدام الدكتور بثقة. والخوف ودقات قلبك اللي مش مبطلة دي، نهدى يا ماما عشان الدكتور يشوف شغله مظبوط. عايز ثبات انفعالي تمام يا سكوني.
حركت رأسها للأمام وهي تأخذ نفسًا عميقًا تستدعي فيه الهدوء، ثم دلفوا إلى الطبيب وهم يدعون ربهم أن يجبرهم على يد ذاك الطبيب بفضله سبحانه وتعالى.
ثم دخلوا إلى الطبيب الذي قام واستقبلهم بنفسه، وقلما يحدث ذاك مع الحالات التي تجري الكشف عنده. وهو يسلم على عمران:
ــ أهلًا وسهلًا يا باشمهندس، نورتوا العيادة. أهلًا وسهلًا يا دكتورة سكون.
ثم ابتسم وهو يشير إليهم للجلوس مكملًا ترحابه بهم:
ــ ما تستغربوش إني عرفت المعلومات دي. فارس موصيني عليكم جامد، وفارس ده زي ابني بالظبط، يمكن أكتر كمان. فعايزكم تعتبروا نفسكم في مكانكم بالظبط.
بادلوا ترحيبه بابتسامة تنم عن راحتهم لذاك الطبيب البشوش ولمقابلته لهم. ثم فحص الطبيب الأوراق إلى أن أنهاها، ثم نظر إليهم قائلًا:
ــ طبعًا وصل لك إنك لازم تعملي أشعة الفور دي لما بلغت فارس يبلغك، وعملتيها. وآشعة رنين. تشخيصي لحالتك إنك ما عندكيش أي سبب إن حملك يكمل. غير إن أشعة الفور دي بينت إن انتي عندك فيروس هو اللي مسمم الرحم بتاعك. هنعمل عملية بسيطة جدًا مع بعض الأدوية المستوردة اللي موجودة هنا في المركز، وطبعًا اللي أنا هقول لك عليه والخطوات اللي هنمشي بيها لازم تعمليها زي ما أنا ما بقول بالظبط عشان نأمن المفاجآت. ده أولًا.
ثانيًا، أنا مستغرب إنك إزاي طبيبة أمراض نسا وتوليد وفقدتي الأمل وما بحثتيش كتير في حالتك دي. والمفروض إنك درستي في كلية الطب إن ما ينفعش المريض يفقد الأمل تمامًا في الشفاء، ودايمًا تبثي الطاقة في المريض اللي قدامك إن ربنا سبحانه وتعالى عنده المزيد والمزيد من الخير. واللي وصل لي إنك ما عملتيش كده، ممكن أعرف إزاي يا دكتورة؟
نظرت لعمران كي تستشف منه القوة. فرمش بأهدابه وهو يشجعها أن تتحدث مع الطبيب بأريحية. فأجابته وهي تفرك بيدها بتوتر:
ــ أولًا، تشرفت بمعرفة حضرتك يا دكتور، وشرف عظيم ليا إني أقعد قدام حضرتك.
ثانيًا، الطبيب لما يكون هو ذات نفسه المريض، بينسى كل اللي هو ذاكره وكل اللي هو عرفه وبيشوف إنه فاقد الأمل زيه زي المريض العادي بالظبط. وكمان الجو اللي كان حواليا كنت حاسة بالضغط منه في الموضوع دي بالذات، وعلشان أكده ما قدرتش أوصل لنتيجة أو إني كنت ضعيفة زي ما حضرتك ما بتقول.
ابتسم الطبيب بوجه بشوش ثم طمأنها:
ــ تمام، انتِ حالتك بسيطة جدًا. الرحم بتاعك كويس جدًا، التبويضات عندك ممتازة، وكمان بطانة الرحم لا غبار عليها. كل الحكاية الفيروس هو اللي عمل القلق ده كله. وطبعًا انتِ ما عملتيش أشعة الفور دي ولا جت في بالك أصلًا، علشان لو كنتي عملتيها كنتي اكتشفتي الفيروس ده بكل سهولة. وأوعدك أربع شهور بالظبط والجنين هيتثبت في بطنك بإذن الله.
طبعًا هنعمل منظار، والمنظار اللي عندي مش موجود في مصر كلها لأني بجيب أجهزتي الحديثة أول بأول. فإن شاء الله هنعمل حبة أشعة وتحاليل، وبعدين العملية هتبقى كمان يومين.
حركت رأسها برفض ولسانها نطق على الفور:
ــ ما ينفعش كمان يومين يا دكتور. ممكن نخليها الأسبوع الجاي؟ لأن فرح أختي كمان تلت أيام. ممكن أعمل الأشعة والتحاليل وكل حاجة تطلبها حضرتك مني، وممكن أعملها هنا في المركز كمان قبل ما أمشي، بس نأجل العملية كمان أسبوع.
أومأ مع الطبيب بموافقة، ثم تحدث مع عمران بأن يجري تحاليل هو الآخر. وأكد عليه أنه لابد من تلك التحاليل. وبعد جلسة دامت أكثر من نصف ساعة، غادروا غرفة الطبيب وهم يبتسمون ويشعرون أن مشكلتهم أتى من تكون. فلم تكن تتوقع سكون أن يكون لديها فيروس، وذلك لأن ما أجرته من أشعة وتحاليل لم يبين ذاك. ويبدو أن ذاك الطبيب ماهر بحق.
ثم خرجوا من العيادة بعد أن أجرت جميع الأشعة التي طلبها منها الطبيب هي وعمران، وذهبوا إلى مطعم لكي يتناولوا طعام العشاء في جو من البهجة والسعادة. ومضوا تلك الليلة في نزهة في كثير من الأماكن في القاهرة التي ودت سكون أن تذهب إليها، ولم يحرمها عمران من زيارتها. ثم حجز ليلة في الفندق كي يستريحوا من عناء السفر ويعودوا إلى بلدتهم صباحًا بجسد منعش بعد أن أخذوا قسطًا كافيًا من الراحة.
بعد يومين قررت مها أن تذهب لرحمة مع سكون كي تقوم بعزيمتها على زفافها بنفسها. فهي تحبها كثيرًا ولم تستطع أن تفرح بدونها. وبالتأكيد استأذنت سكون من مها لزيارتها. ففرحت جدًا لتلك الزيارة. فذهبوا إليها، وكانت في تلك الوقت في غرفتها على تختها. وفضلت عدم الجلوس على الكرسي المتحرك، فهي لا تحب أن يراها أحد على ذاك الكرسي الذي لم تعتاد عليه أمام أحدهم إلى الآن غير والدتها وزوجها.
دلف إليها مها وهي تستقبلها بالأحضان، وما كان من الأخرى إلا أنها احتضنتها بسعادة لتردد بمرح كعادتها:
ــ يا خراشي يا ناس، علطول أكده ريحتك حلوة وهدومك كانها جاية من باريس. يا أم الزين والجمال والأناقة عنوانك. حرام عليكي ياشيخة، هتعقدي الستات من حلاكي اللي هيزيد كل يوم، والله ليه حق جاسر ولد عمي يسيح على حاله أول ما يبص لك بس.
كانت تحدثها وهي تشدد على احتضانها. ثم تحدثت "مها" بمشاغبة لتلك الصغيرة التي دومًا تدخل السرور على قلوب الجميع رغم حالتها الصعبة:
ــ وه هتحسديني إياك؟ أقوم أتكسر وابن عمك اللي هيسيح على حاله كيف ما هتقولي يجرى له حاجة!
قهقه الجميع على مشاغبتهن. فلأول مرة تضحك رحمة من قلبها بعد ما حدث لها. ثم تحدثت سكون بنفس المرح وهي تجذب الغطاء من على رحمة:
ــ طب بقول لك إيه، إني ماليش في جو أوض النوم والقعدة فيه دي. إحنا هنقوم ننزل تحت نفطر مع بعض. إحنا جايبين فطار معانا معتبر من اللي أنتِ هتحبيه في الجنينة تحت، وكمان نشرب الشاي بتاعنا في الهواء الطلق بدل الخنقة اللي أنتِ قاعدة فيها دي.
تبدلت معالمها من الضحك إلى الحزن وهي تتمتم بخفوت:
ــ معلش خلينا هنا علشان ماهر مش موجود، هو اللي بينزلني لتحت.
حزن الاثنتين لأجلها ولأجل نظرة الحزن النابعة من عينيها. لتقول مها بأريحية كي تخرجها من حالة الحزن التي اعترتها:
ــ أمال إحنا لازمتنا إيه يا رحوم! بعون الله إحنا نشيلك على عيوننا، مش بس نتحرك بيكي على سلم. يا جميلة، إنتي مستهونة بجنس حواء ولا إيه؟ دي الست منا تقدر تطلع الأهرامات وهي شايلة عيلين على كتفها، مش درجتين سلم.
ثم احتضنتها بحنو يليق بشخصية تلك المها، فهو امرأة حنون بدرجة امتياز:
ــ هونيها على حالك يا غالية، وربك شافي السقيم من أشد الوجع. وإنتي قوية وهتقدري، إني عارفة إنك قدها وهتعدي من أزمتك داي على خير وهترجعي تهدي الدنيا تاني.
ابتلعت ريقها بصعوبة وقد لمعت عينيها بغشاوة الدموع، ولسانها ينطق بضعف وقلة حيلة:
ــ والله إني مش معترضة على أمر ربنا وحكمته في اللي حصل لي، لكن لسه مش قادرة أتأقلم على الوضع، ولا عارفة أصلًا هتأقلم كيف. بس كل اللي إني محتاجاه دلوقتي.
ثم نظرت إليهم وعينيها اللامعتين بالدموع انهمرت أخيرًا بعد أن حاولت حبسها، لتسترسل بشجن:
ــ إنكم تكونوا جاري ومتسيبونيش وحدي، والأيام تلهيكم عني وتنسوني. أنتو اللي ليا أصحاب وأهل. متنشغلوش في حياتكم وتسيبوني لضعفي. إني محتاجاكم قوي أكتر من أي فترة في حياتي.
انذرفت دموعهن هن الأخريات، فقد كانت طريقتها مؤثرة جدًا. واحتضنتها كلتاهن والبكاء أصبح سيد الموقف. ثم هدأت سكون وهي تلقي عليها عبارات الصبر:
ــ أنتِ أكتر حد في الدنيا دعمني وقت محنتي، وقفتي جنبي وسندتيني وكنتي حصن حصين للي هيتكلم عني، وتهدي من نار اللي حواليا وتردي غيبتي. كنتي زي ضلي اللي أول ما فارقك ألاقي نسمة كلامك البلسم ملاحقاني في أي مكان. انتي مش بس أخت الغالي، إنتي بالنسبة لي حاجة عظيمة وكبيرة قوي. يا رحمة، أرجوكي متتهزيش ومتضعفيش علشان إني هتقوى بيكي في ابتلاءي اللي ربنا قدره لي. إني كمان، إحنا كلنا مبتلين وصدقيني في ناس أكتر مننا أنا وانتي، وسبحان الله البسمة مهتفارقش وشهم. أما إحنا بنستسلم بسهولة. أرجوكي اجمدي يا رحمة علشان إني واخداكي قدوة للست القوية.
وظلت كلتاهن تبكيان. فحاولت مها أن تربط جأشها وتسيطر على بكائها كي تساعد تلك البائستين في نوبة آلامهم. لتمسح دمعة فرت من عينيها لتنطق بدعابة وهي تمنع الدموع إجبارًا عنها، وكأن الله قد ساعدها على ذلك، فهي كانت من المبتلين وبشدة:
ــ وه منكم لله انتو الاتنين علشان إني عروسة يا ناس، وأخواتها اللي هرمونات النكد طفحت عليهم هينكدوا عليها وهيبكوها. والله لاشتكيكم لحقوق المرأة ومنظمات حقوق الإنسان، وأخلي اللي مايشتري يتفرج عليكم. علشان هتنكدوا علي، واني أكتر واحدة في الدنيا ربنا ابتلاها لما شبعت.
ثم أكملت دعابتها وهي تترجاهم بنبرة حزن مصطنع مما أضحكهم:
ــ انتو أكده هتثبتولي إني نحس من الدرجة الأولى، وإن جزء الدلع والفرفشة والحوارات بتاعت الستات داي إني وش فقر. ياناس، إني وش فقر يا عالم، ومليش حظ في الجواز ولا الرجالة ولا حتى أصحابي ولا أختي. ارحموني، إني أستغيث.
استطاعت بالفعل تبديل حزنهم إلى مرح وضحكت الثلاث فتيات، وتبدل بكائهم إلى ضحكات وهم يحتضون بعضهم بسعادة تليق بقلوبهم.
ثم قامتا بحمل رحمة كالطفل الصغير وهم مازالوا يضحكون بسعادة. وعدلوا من وضعية الكرسي المتحرك كي يهبط الأدراج بمساعدتهن. فقد كانت مها من الخلف وسكون من الأمام يمسكون بالكرسي فقط، وهي تتجه به بزر الكهرباء الذي يحركه كيفما تشاء. فقد جلبه لها ماهر من الخارج كي تستطيع التحرك في كل مكان في المنزل حتى لا تشعر بالتقيد.
ثم هبطوا للأسفل، ودلفت سكون للمطبخ وبدأت بطهي طعام الفطور بمساعدة هانم. ثم خرجوا للحديقة ودعوا هانم لتناول الطعام معهم، وجلسوا يتسامرون بسعادة تليق بقلوبهم الجميلة. ثم أنهوا إفطارهم، وقرروا أن يلهوا في الحديقة بعيدًا عن المسبح كي تستطيع رحمة التحرك بالكرسي معهم. وبالفعل ظلوا يتسابقون ويمرحون كالأطفال، ورحمة تتشجع معهم وهي تعلي من سرعة الكرسي المتحرك الكهربائي. وبعد أن أنهكوا من السباق، ارتموا جميعًا مستلقين على ظهورهم في الحديقة وهم يلتقطون أنفاسهم بإنهاك راق لهم. واستطاعوا تبديل مزاج رحمة السيء وأشعروها بأن الحياة يستطيع فيها الإنسان وهو في أشد حزنه أن يبدله إلى لحظات سعيدة، وحينما يجبر يتذكرها وحينها يبتسم ويحن لتلك اللحظات. ويرجع هذا لفضل الله وفضل تلك الشقيقتين اللاتي خففا عنها وجعها. وبعد عدة ساعات وعدتها رحمة أنها ستكون بجانبها يوم زفافها، وأنها ستجعل ماهر يأتي بها إليها منذ الصباح، وأنها ستقضي معها اليوم بأكمله.
فالصديق أحسن وقاية من الصدمات، لأنك في كل مرة تكاشفه فيها، تتحلل نفسك ثم يتم تركيبها من جديد في سياق سليم. فهناك من يكون حضوره في حياتك يجعلك لن تستطيع إكمال الحياة بدونه. فهنيئًا لمن وجد خليلًا يبعث في نفس خليله معنى الوفاء.
وأخيرًا أتى اليوم المنتظر، حفل زفاف "جاسر" و"مها". اليوم الذي سيتقابل فيها قلبان ترددا في العشق بخزي مرات. اليوم الذي لن ينسوه أبدًا، لأنه بالتأكيد سيكون مميزًا للغاية. إنه اليوم الذي يطلق عليه "ليلة العمر"، وما أجملها تلك الليلة.
حيث استيقظ "جاسر" منذ الصباح الباكر وأدى فريضة الفجر، ثم جلس وقرأ من القرآن ما تيسر منه، وقرأ أذكار الصباح حتى شعر باطمئنان صدره وهو كان في معية الله. ثم قرر أن يهاتف تلك التي سلبت لبّه كي يسمع صوتها الناعس فيزداد شوقًا ولهيب الاحتياج لها يتأجج في كل كيانه، حتى آتاه ردها بصوت رقيق متحشرج من أثر نومها، مما جعله استند على التخت باستمتاع وهو يردد بوله:
ــ يا حلاوتك يا جمالك يا أم الزين، لما دي صوتك بس وأنتِ هتصحي من النوم، آمال الهيئة كيف!
أكيد مختلفة وبارعة، دي صوتك بس على ليفل الاشتياق عندي والود ودي تبقي دلوقتي جاري وأنا كنت هسقيكي العسل يا عسل.
ابتسمت بحالمية وهي لم تفق بعد وظنت أنها ما زالت تحلم به وهي تردد في غفوتها:
"والله أنت اللي أجمل حاجة في دنيتي يا جاسر وأنا هعشقك وهدوب من كلامك."
اعتدل في نومه وهو لم يكاد يصدق ما استمعت أذناه، فقد اعترفت "أم الزين" بعشقها له بنبرتها الهامسة النائمة وشعر بأن جسده الآن أصيب بالقشعريرة من همسها، وفورًا نطق بهيام وهو ما زال متأثرًا بهمسها وكلماتها وكل خلية تدق شوقًا واشتياقًا لتلك الحبيبة العاشقة:
"والله ما عارف مين أجمل حاجة في دنيا مين، بجد يا مها أنا نفسي في وجودك جنبي قوي، نفسي أجرب طعم الحب في حضنك حاسس إنه هبقي وقتها أسعد راجل في الدنيا."
وأكمل هيامه بها حتى أنها فاقت من حديثه المعسول وهي تستند على تختها كالمراهقات وتتحدث مع خطيبها وحبيبها واليوم سيصبح زوجها حديث العشاق:
"والله ما عارف أتخيل اللحظات الحلوة وإنتي في حضني عشان مديش للتخيل مساحة إنه يسحبني، وبعدين وقت الجد لما تكوني بين إيديا ومعايا تبقي اللحظات دي متخيلتهاش حتى من جمالها ورقتها وجمالك معاهم."
تاهت في سحر كلماته العذبة وكأنها أعذب الألحان، ترنيمات ساحرة ألقاها ذاك التو على مسامعها لتقول بنبرة يملؤها همس الشجن المغلف بالعشق:
"ياه يا جاسر عمري كله حلمت أن حبيبي يكلمني الصبح وأصحى على صوته وهو بيسمعني كلامه الجميل وأحس إني كنت بحلم بيه، وبعدين صوت قلبي يفوقني ويقول لي اصحي وفوقي وافتحي قلبك إنتي حبيبك بيناديكي، ركزي عشان ما توحشكيش اللحظات الحلوة دي اللي مش بتتكرر كتير، بس لو سمعتيها هيفضل صوت قلبك يرددها لك علطول فأقع في حبه أكتر."
واسترسلت بهيام:
"باختصار يا جاسر أنت حبيب العمر والقلب، أنت حبيبي اللي اتمنيته يكون ليا."
أجابها بنفس الهيام وقد شعر بتخدر أعصابه من كلامها وجسده أصبح يهتز بالشوق لها:
"تصديقي أحلي وأجمل كلام سمعته في حياتي كلها يا روحي أنا. باختصار يا أم الزين الليالي الحلوة والشوق والمحبة، من زمان والقلب شايلهم عشانك."
ثم أغلق الهاتف، كليهما وهما يشعران بأنهما طائران يحلقان في سماء العشق والغرام المتيم، ثم عادت لنومها وهي تبتسم بشوق أوصلها له ذاك العاشق الولهان الذي لا ينفض عن بث كلمات الشوق داخلها وأنسها مرار الأحزان.
أما هو بعد أن أغلق الهاتف فتح صورتها وقبلها بهيام وكأنه بذلك يريح توتر جسده الثائر داخله الذي يريدها بشدة الآن بين أحضانه، ولكن مهلاً أيها الشوق مهلاً، لم يتبق من الزمن سوى القليل كي تحظى بمعشوقة القلب والروح ومن ملكت الفؤاد والكيان.
مر اليوم سريعا في ترتيبات الفرح والجميع فرحين لهذين العاشقين بسعادة بالغة، واتت اللحظة التي ستتوج فيها مها كعروس.
يضرب الليل أطنابه ويفتح السهر أبوابه عندما تبدأ الشمس بجمع خيوطها معلنة دخول قمر الليلة بزفاف "أم الزين" المبارك على رفيق دربها "جاسر"، فكانت مثل القمر اليوم وقد هلت كل عيون الناس على النبي المختار صلت (عليه الصلاة وأزكى السلام) من جمالها الآخاذ، وطيور الفرح غنت وعصافير الحب غردت، وبديارنا علا وبعرسهم عساهم خير مولد.
ذهب إليها بأقدام تسابق الزمن ثم وقف أمامها وهو ينظر إليها بهيام بعد أن عقد قرانهم أخيرًا، والآن يحق له احتضانها، يحق له أن يشم رائحتها عن قرب. كان الجميع ينظرون إليه وهم يلقون عبارات التكبير والتسمية لتلك العروس التي تشبه البدر في ليلة تمامه.
كانوا يقفون حولها ينثرون الورود الحمراء والبيضاء والبينك بسعادة غامرة، ثم تركوهم وحدهم بعد أن هنئوهم وباركوا لهم.
اقترب منها وجدها تنظر للأسفل بخجل شديد مثلها كمثل العروس في زفافها الأول بوجهها الأحمر من شدة حيائها.
نظر لشفتاها وابتلع لعابه وبدأ صدره ينتفض ويعلو ويهبط من شدة احتياجه لها.
وما كان حالها أفضل منه، كانت تنظر عيناها لأسفل بفم مفتوح مرتعشة وقلب يرتجف يريد الارتماء داخل أحضانه ونسيان خجلها منه، ولكنها لم تستطع.
بقيا مدة على وضعهما هذا، كلا منهما يحترق شوقًا للآخر، فكيف لا يقف أمام حسنها صامتًا، فالصمت في حرم الجمال جمال، والصمت في حضرة عيون المها سحر فاق الخيال، وتوقف الزمان على تلك الطلة من ذاك العاشق الولهان، وأنيِر المكان ببسمة ذات الحسن والجمال، وعدد دقات القلوب تعدت الخيال.
ثم اقترب منها أخيرًا وهو يضع يده أسفل ذقنها كي يجبرها على أن تنظر لعينيه، فالشوق قد أنهى على صبره، ثم جذبها من يدها برفق وهو يتمسك بهم بين يديه ويدلكهما بقوة كي تشعر بلمساته، فما كان منها إلا أنها أغمضت عينيها كي تستشعر سحر اللحظة، مما راق له شعورها الهائل بدفء يده، فتحدث هامسًا بصوت أجش:
"ياه مكنتش أعرف إن اللحظة دي هتبقي بالجمال والروعة دي قبل أكده يا أم الزين. فتحي عيونك ومتشليهمش من عيوني خليني أشوف لهفتك جواهم زي ماني ملهوف دلوقتي لأهم حاجة هعملها في حياتي، فتحي عيونك عشان هتجربي حضن الأمان يا أم الزين."
رفع رأسها برفق، ثم فتحت عينيها الهائمتين بعشق ذاك الحنون الراقي، وحينما رأى حاله داخل عينيها اللامعتين جذبها لأحضانه أخيرًا، ويديه تحتضن خصرها بتملك قوي للغاية وهو يهمس بجانب أذنها:
"دي إنتِ مش بس قربك إدمان ولا حضنك أمان له، دي إنتِ ريحتك بس تجنن يا مها."
وكانت هي الأخرى ساكنة داخل أحضانه تجرب حضن الأمان الذي وصفه لها، وياله من إدمان بالفعل، الحضن الحلال أيتها المها، الحضن المتغلغل بنيران شوق الرجل لأنثاه الذي لم تجربيه أبدًا في حلال الله، الحضن الدافئ الذي جعل كل خلية في جسدها تطالبه بالمزيد والمزيد.
ثم أخرجها من أحضانه المتشبسة بها واحتضن وجنتيها بين كفي يديه وهو يتلمسه برفق، تارة يصعد إبهامه لعينيها وتارة لشفتيها، والذي ما إن وصل إليها حتى لم يستطع التحمل فاقتنصها على حين غرة، مما جعلها تتفاجئ من قبلته المباغتة لها، حتى تأوهت بخفوت مما أثاره وجعله ينجذب أكثر وأكثر، حتى أبعدته يدها برفق وهي توقظه من غفلة المشاعر التي تأججت في جميع جسده لها:
"الناس مستنيانا برة وحجابي اتبهدل واحنا لسه مخرجناش الفرح، لسه الليلة طويلة."
أخرجها من أحضانه ثم أسند جبهته بجبهتها وأنفاسهم مختلطة بثورة اقترابهم وهو يهمس لها بنبرة مبحوحة مصاحبة للمشاغبة:
"دي هتبقي ليلة ولا ألف ليلة يا بطل، ما يهزك ريح، دي إنتِ عليكي حضن يسفر الكائن الحي لرحلة الفضاء الرومانسي ويخليه يغادر كوكب الأرض ومعايش يرجع له تاني."
ثم داعب أرنبة أنفها مكملاً بشغف عشقها المتغلغل في جل كيانه:
"لما إنتِ أكده مبهرة وإنتِ بكامل احتشامك، أمال لما نكشف عن المكنون إيه اللي هيحصل في الغلبان اليتيم."
ثم غمز لها بكلتا عينيه ليسترسل بدعابة مغلفة بالعشق وهو ينظر لجسدها بنظرات أخجلتها ويمسك يدها ويجعلها تدور كالفراشة حول حالها، مما أسعدها بشدة:
"طلع لقب أم الزين مش لقب دي حقيقة قلبا وقالبا ومحتوى، على رأي المثل ما هيقول القالب غالب يا حلو الليالي والأيام."
أوقفها بعد أن تدللت، ثم قررت أن تلقي على مسامعه من شهد لسانها هي الأخرى، فهي قررت أن لا تترك للخجل بابًا يفسد عليها اللحظات:
"إذا كنت أنا حلو الأيام والليالي فانت
على رأي الست ما بتقول هقول لك
قد إيه من عمري قبلك راح، راح
عدي يا حبيبي قد إيه من عمري راح
ولا شاف القلب قبلك فرحة واحدة
ولا داق في الدنيا غير طعم الجراح."
"إبتديت دلوقتي بس أحب عمري
إبتديت دلوقتي أخاف، أخاف لا العمر يجري
كل فرحة اشتاقها من قبلك خيالي."
ابتسم بغرام وأمسك كفها وطبع بداخله قبلة لثوان، ثم نظر إليها وقال:
"دي هتبقي ليلة رايقة هيشهد فيها علينا فيها الليل وسماه ونجومه وسهره وقمره، وإنت وأنا ولا حدش زينا."
ثم عدل من حجابها مما راق لها فعلته، ثم جعلها تضع ذراعها بين ذراعيه وهو يخرج بها كالأميرة المتوجة أمام الجميع، والزعاريد تتهافت عليهم من كل مكان، وانطلقوا جميعًا إلى اليخت الذي يقيم فيه حفل الزفاف، وتلك المفاجأة أبهرتها وجعلتها تشعر بأنها تملك سعادة العالم أجمع. كانت ترقص معه بسعادة على أنغام الموسيقى والجميع حولهم يصفقون لهم والفرحة تخرج من قلوبهم لذاك الثنائي المميز بجماله، ومن يراها تقف بجانبه لا يظن أنها تزوجت قبل ذاك، والجميع يحسدونه على تلك الحورية التي تشبه حوريات الجنة من جمالها الملائكي الآخاذ ورقتها في رقصها وحركاتها، فقد كانت كتلة جمال تتحرك برشاقة وخفة على سطح اليخت وكأنها تداعب أمواج البحر كحورياته، مما جعل ذاك جاسر يشدها لأحضانه لينهاها بغيرة وهو يهمس في أذنها أن تهدأ فقد كانت جميع العيون مسلطة عليها منبهرين بها، وعندما قربها من أحضانه تصنمت أعين المقربين وجميع من باليخت لحركته تلك، فمنظرهم جعل الرجال الذين لم يتزوجوا يشتهون الزواج بسبب هذان العاشقان:
"إهدى يابطل مش عايز حد ينشك عين على سحرك وجمالك فالليلة تنضرب وبعدين أنا هغير عليكي من العيون فبزيادة رقص."
احتضنت رقبته هي الأخرى وتناست الجميع وهي تردد على مسامعه وبجانب أذنيه:
"عايزة أبسطك وأخليك متنساش الليلة دي وأعوضك عن إني رفضت فرح كبير في القاعة، عايزة أعيشك التفاصيل الحلوة زي ما إنت ما توجتني ملكة على عرش قلبك الكبير الراقي شبه أخلاقك."
"يخربيت جمال همسك ياشيخة بقولك إيه يابطل جيلك، إهدى عليا بقي خلينا على الهادي مش هتوريني الحلا كله في يوم واحد، أني كدة هدوب..." تلك الكلمات التي ألقاها في أذنها هو الآخر، مما جعلها ضحكت بدلال داخل أحضانه، فجعلته يهمس ثانيًا:
"طب أنا بقول إيه كفاية بقي فرح ولمة، أني أصلا كنت غلطان في حوار الفرح دي، يعني أقول لك كفاية همس يا أم الزين تضحكي بدلال ورقة تدوبيني أكتر، ربنا يسامحك على اللي هتعمليه."
ظلوا بحالتهم تلك، حديث العشاق صار مبتغاهم، وجميع من بالحفل منبهرين بجمال ذاك الثنائي الآخاذ المميز.
وأخيرًا، بعد مرور ساعة أخرى انتهى حفل الزفاف وانفض الجميع من حولهم، فهو قد حجز اليخت له، فلا يوجد عليه غير سائقيه فقط، فذهب بها إلى الدور العلوي لليخت في غرفة جانبية جهزها بجميع ماسيحتاجونه من مأكل وملبس وكل شيء.
وما إن وصل حتى احتضن وجنتيها مباركًا لها:
"مبروك عليا البطل بحلاوته وشقاوته وعبيره وهناه، مبروك عليا "أم الزين"."
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم فاطيما يوسف
نظرت حولها بانبهار من جمال المكان الخاطف للأنظار، ثم حولت أنظارها إلى ذاك العاشق الولهان، وهي تسأله:
كيف لك أن تقضي وقتاً طويلاً وأنت تصنع لي ذاك الجمال بكل الأنوار؟
فأجابتها عيناه عن أسباب هواها، وهو يعد على أصابعه بافتخار:
هذه الورود المتناثرة لعيناكي، وتلك الشموع المضيئة لرؤياكي، وهذي الحلوى المزينة بوجهك لأنول رضاكي.
فما كان منها إلا أنها سجدت شكراً لله على نعمته لأن جعلها من نصيب ذاك الراقي.
وأخيراً، بعد مرور ساعة أخرى، انتهى حفل الزفاف وانفض الجميع من حولهم. فهو قد حجز اليخت له، فلا يوجد عليه غير سائقيه فقط. فذهب بها إلى الدور العلوي لليخت في غرفة جانبية جهزها بجميع ماسيحتاجونه من مأكل وملبس وكل شيء.
وما إن وصل حتى وقف أمام الغرفة واحتضن وجنتيها مباركاً لها:
مبروك عليا البطل بحلاوته وشقاوته وعبيره وهناه، مبروك عليا "أم الزين".
نظرت أرضاً بخجل، فهي الآن زوجته للتو على سنة الله ورسوله، وانتهى حفل زفافهما. وهو يقف أمامها كالمسحور، ودقات قلبه لن تصمت دقة تلو الأخرى.
ثم همست برقة تليق بها، ومن غير "أم الزين" كائناً رقيقاً مرهف الحس:
الله يبارك فيك يا جاسر.
نظر إلى السماء وهو يتنفس بعمق كي يعبأ صدره بزفير كافٍ لكي يستعد للقاء الشوق لمن ملكت القلب والفؤاد. وهو يرفع وجهها يجبرها على النظر داخل عينيه، ثم قبلها من جبينها قبلة يعبر بها عن مدى هيامه بها، وهتف بنبرة صوت متحشرجة وهو يفعل ما يفعله كل رجل عاشق لامرأته في ليلتهم الأولى. وهو ينحني يرفعها أرضاً ويهبط بها الأدراج كي يصلا إلى الغرفة التي بمثابة جنة نعيمهم. وما كان منها إلا أنها شهقت بخجل من فعلته التي لم تأتِ بمخيلتها قبل ذاك أن تُحمل بين أحضان العشق كأي عروس، تلك الأشياء التي كانت تراها فقط في أحلامها وداخلها متيقنة أنها لن تحياها يوماً من الأيام. ففعلت مثلما رأتهم يفعلون، دفنت حالها في رقبته مما جعله هام بها عشقا لحركتها تلك. ثم وصلا إلى غرفتهم ففتحها بإحدى يديه سريعاً وهو ما زال يحملها بين أحضانه. وما إن دلفا إلى الغرفة حتى أنزلها برفق وهو يتمتم بعشق:
ياهلا بالزين ياهلا والله.
أما هي، نظرت للمكان حولها بانبهار من الورود الحمراء والبيضاء المتناثرة على التخت على شكل قلب، ويتوسط القلب المزين بالورود صورتها الأولى التي رآها أول مرة، وحينها سكنت القلب دون استئذان.
ثم جالت عينيها فإذا بالستائر الشفافة باللون الوردي تحاط بالتخت الذي سيشهد أول لقاء عاصف لكلا العاشقين. ثم نظرت جانباً وجدت تلك المنضدة المرصعة بالشموع المضيئة بالألوان المختلفة، وتفوح منهما رائحة أذكى العطور. وتلك النوافذ الشفافة التي تطل على البحر بأمواجه الثائرة، واختار تلك النوافذ خصيصاً حتى يقضيان ليلتهم على ضوء الشموع ونور القمر وصوت أمواج البحر الهادئة.
ثم أنهت كشف كل ما في جنتها الصغيرة، نعم فقد أسمت تلك الغرفة جنة لأنها وجدت بها ما لا عينها رأته ولا أذنها سمعته ولا خطر على بالها يوماً.
ثم حدثته عيناها بوله:
فأي جو رتبته أنت يا رجل، جعلتني جننت به؟ لا بل بهرتني به! لا بل سحرتني! لا بل كل عبارات الانبهار لن تكفيك أيها الرائع!
فأي رجل أنت أيها الجاسر، ومن أين أتيتني وانتشلتني من وحل الذكريات التي كانت ستفتك بي، وسحبتني إلى عالم ظننت، لا بل تيقنت أنني لا أعيشه يوماً من الأيام؟
حقاً كل عبارات الحب لا تكفيك، ولا كل رسائل الشوق ترثيك، ولا كلمات المعجم بأكمله تكفيك أيها العاشق الذي لقبتك ملاكي العاشق، ومن ملكت الفؤاد والكيان.
أما هو، كان ينظر إلى انبهارها بسعادة لا تضاهيها سعادة. فلم يكن يتخيل أنها ستسعد برؤية تلك الأشياء البسيطة التي فعلها لأجلها بتلك الدرجة. ظل منتبهاً مع نظراتها التي تتنقل تارة ما بين الانبهار، وتارة ما بين السعادة التي قرأها، فكانت واضحة للغاية. وتارة ما بين الشكر والامتنان. وآخر شيء لاحظه قرأ حديث عينيها لأجله وفهمه بشدة، وكأنها رددته بفمها الملثم. وما كانت من عينيه إلا أنها احتضنت عبارتها بترحاب، بل وحدثت عيناها بالمكنون الذي قرأته هي الأخرى:
أيتها الأميرة، عيناكِ خضر تموج ببحر الحب،
والوجه أبيض كالقمر المنير،
والثغر عصفور يردد لحنه متفائلاً فوق الغدير،
والقلب مثل الفراشة يلهو ويطرب ويطير،
والشعر ليل والجبين كأنه البدر الأمير،
تمتد فيه جداول بمياهها العذب النمير،
وأقولها خفية وعلناً أهواكِ فراشتي،
فخطّي على أحلى غدير.
كان حديثهم صامتاً، لكن يعني آلاف التعابير والحكوى كأعذب الألحان. ثم اقترب منها وهو يتحدث أخيراً، وهو يغمز لها بمشاغبة كي ينفك عنها التوتر:
ايه رأيك في الجو الشاعري دي بذمتك مش يجنن؟
تبسم وجهها وأجابته وهي مازالت تلتفت في الغرفة خجلاً من أن تنظر في عينيه:
بصراحة انت بهرتني قووي وخلتني أحس بالتميز اللي عمري ما كنت بشوفه إلا في خيالي.
ثم رفعت عيناها وأكملت بامتنان:
بجد شكراً قووي طالعة من قلبي ليك على كل حاجة حلوة عملتها علشاني يا جاسر. انت أسعدتني بطريقة متتصورهاش. خلتني أحس إن اللي فات من عمري قبل ما أشوفك وأعرفك ضاع.
كان نظره متعمقاً على شفاها الورديتين والمكتنزتين بوله، وهو يستمتع بحكواها ليقول باحتياج للمزيد من همسها الرائع المحبب لقلبه، ويداه تتحسس وجنتها بحنو:
اممم... وايه تاني يا أم الزين؟ أطربيني بكلامك الساحر الجميل وأني كلي آذان صاغية. وبصراحة أني محتاج أسمع صوتك وهمسك بأحلى كلام ليا واحنا في أهم ساعة صفا في حياتنا.
ما كان منها إلا أنها وضعت يدها على كف يده الموضوعة على وجنتها كي تشعره بحنان ودفء ملمسها بل ونعومته، مما أثاره تلك الحركة لتقول بعشق صادق ظهر بينا في عينيها اللامعتين بوميض عشقه الساحر والجو الخلاب حولهم جعلهم يندمجون في لحظات السعادة مما:
طب نفسك أقول ايه بالظبط وأني هقول؟
داعب أرنبة أنفها مجيباً بحزن مصطنع:
وهو أني اللي هقول لك على اللي انتي حاسة بيه دلوك!
واسترسل بنبرة عاشقة يصحبها الدعابة:
عايزك تقولي لي هحبك يا جاسر وهعشقك وانت الحتة الحلوة اللي ركنتها لك في قلبي سنين. وتختميها بـ هحبك يا أبو عيالي.
ضحكت لطريقته الدعابية وتركت جميع كلامه، وتمسكت بكلماته الأخيرة لتسأل بذهول:
أبو عيالي واحنا لسه هنقول يا هادي كيف داي؟
بحركة مفاجأة باغتها بنزع حجابها برفق كي يرى شعرها الذي حلم كثيراً أن يراه. وحينما ارتمى حجابها أرضاً انسدلت خصلاته السوداء الساحرة أسفل ظهرها وعلى عينيها، مما جعلها شهقت بخجل لمفاجأتها بحركته تلك. ويبدو أنه عاشق ماكر يفهم قوانين القرب بجدارة. وقبل أن ينهال عليها عاشقا حتى ردد وكأنه يلهث في سباق:
طلعتي تجنني يا أم الزين. خديني في أحضانك علشان نفسي أدوق حنانك. وخرجيني برة الدنيا ودخليني جنتك يا "أم الزين".
ثم لم يدرى كلتاهما بشيء من العالم حولهم وهم يقتنصون من الزمن لحظات من السعادة التي لم ولن تذق طعمها تلك المها إلا مع ذاك الجاسر. فقد كان طعم عالمه الخاص وهي بين يديه حقاً مبهر وساحر بل وفاق الخيال.
أما هو، كان يشعر معها بأنه الرجل الأول في حياتها، وبأنها ما زالت امرأة خام في تصرفاتها معه، مما زاد دهشته. أيعقل أن تكون تجرعت من حرمان العاطفة ولم تتشبعها وهي امرأة دامت في أحضان رجل عشر سنوات؟
بعد وقت مضاه ذاك العاشقان في جولتهم الأولى التي أدخلت السرور إلى قلوبهم وهدأت مشاعرهم الثائرة قليلا. من عاصفة اقترابهم ولم ينفض عقله عن ذاك الاستفسار وظل يلح عليه أن يسألها حتى يعرف عنها كل شيء، فهو أصبح الآن رجلها.
كانت قابعة في أحضانه مسترخية على صدره وهي تشعر بسعادة الكون بأكمله. فكيف له أن يرفعها في سماء العشق والغرام والهيام بتلك الدرجة؟ لحظات حالمة قضتها بين يديه أنثى مدللة مرغوب بها، وقلبها يشهد عليه قائلاً له ودقاته الناطقة عن لسانها: فلتشهد نجوم السماء بكواكبها، وليشهد قمرها بنوره المعتم على أنك رجلي الأول والأخير أيها الفارس المغوار في العشق.
أما هو، شعر بحالة الانتشاء التي تحياها وهي تتململ بين يديه، فوجد لسانه الملح عليه يتساءل بهمس أجش من فرط تأثيره بقربها المهلك:
إلا قولي لي يا أم الزين، هو انتِ يعني... اممم... أقصد ازاي كنتي متجوزة وعشتي عشر سنين مع جوزك اللي مات، ومشاعرك وحالتك وانتِ بين ايديا مشاعر كأنها مولودة من جديد؟ ولا حتى فيه خبرة تجربة بدرجة عشرة من مية.
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة من استفساره وهي ترجع خصلاتها الثائرة بهوجاء على عينيها، ثم تحدثت وهي تجيبه بخجل مصاحب للتوتر البالغ، ويبدو أنه سيسألها كثيراً عن أشياء لم تريد تذكرها، ولكنه رجل عاشق يريد أن يعرف كل شيء عن أنثاه:
أصلــ.. ..
أنتِ الأول اللي هجرّب معاه المشاعر دي. مجدي الله يرحمه كانت حياته فاترة، مافيهاش المشاعر. ما كانش بيعرف يفرق بين اللحظات الحلوة أو الخاصة، أو بمعنى أصح، حتى تقضية الواجب على الماشي كانت كل فترة وفترة. أو بمعنى أصح أكتر، ما كانش بيشوف فيا حاجة تجذبه إنه يتعامل معايا زي أي راجل وست طبيعين.
اتسعت مقلتيه بذهول من كلامها وهتف لسانه مستنكرًا وهو يقوم عنها وينظر داخل عينيها متعجبًا:
ــ ما كانش بيشوفك إنتي ست حلوة!
كيف وإزاي يا أم الزين وإنتِ الحلا كله؟ آمال ولادك جم إزاي بالمشاعر الباردة دي؟ واتحملتي إزاي تتنازلي عشر سنين بحالهم وإنتِ محتاجة حضن الأمان؟
واسترسل استفساراته التي جرت وراءها مجهولًا أكثر واحد تلو الآخر:
ــ اتحملتي إزاي وأنا كنت حاسس باحتياجك للمشاعر اللي بين راجل وست في حضني دلوقتي!
وهو اتحمل إزاي وإنتِ ست تحركي جبل الجليد يا مها؟ معقولة في راجل أكده؟
لم تتحمل كل تلك الاستفسارات، وبالتحديد عندما سألها كيف وضعت توأمها وهي كانت امرأة لرجل بارد. وتذكرت خطيئتها وكأن حكم القدر أن تنتهي لحظاتها السعيدة إلى محزنة للغاية، بل قمة الأحزان التي تملأ الكون بأكمله. وما كان منها إلا انهمرت الدموع الصامتة من عينيها بغزارة جعلته فزع لأجلها، وهو ينصدم من بحر الدموع التي انقلبت إلى شهقات مرتفعة جعلت قلبه هوى بين قدميه، وهو يتفاجأ من ردة فعلها غير المتوقعة له. وفسر معنى دموعها المنهمرة على أنه ذكرها بـ "زين" و"زيدان"، مما جعله يعتذر لها كثيرًا وهو يقبلها من عينيها الدامعتين ووجنتيها والتقطها بين أحضانه:
ــ حقك عليا والله، ما أقصد أزعلك أو أخليكي تعيطي بالطريقة دي. ما كنتش أعرف إنك حساسة قوي للدرجة دي يا أم الزين.
وكلما تحدث كلما ارتفعت شهقاتها، مما جعله ود أن يؤدي بحاله إلى الجحيم بسبب حزنها الجم بتلك الدرجة التي لم يكن يتوقعها. وظل يهدهدها كثيرًا حتى غفت بين يديه وعينيها منتفختين من أثر الدموع بهما، مما جعله ظل يسخط حاله ويلعن لسانه الذي جعلها تنام ليلتها الأولى معه وهي بكل تلك الدموع. وتبدلت ليلتهم الهانئة إلى حزينة لأعلى درجة، مما جعله قام من جانبها وهو يقف أمام النافذة ويلعن حاله آلاف المرات. ولكن ظل عقله يسأل وعقله يلح عليه بذاك السؤال:
ــ معقولة كل الدموع دي بالطريقة دي عشان بس افتكرت زين وزيدان؟
فيرد عليه قلبه ببرهان لها:
ــ هو إنت سألتها عن زين وزيدان بس، دي إنت مبطلتش أسئلة عن جوزها وعن علاقتها بيه وفكرتها بأوحش أيام مرت عليها في حياتها. وهي كانت متجوزاك عشان تنسى الماضي بيك، عشان تداوي جرح قلبها اللي اتألم سنين.
فيرجع عقله يتناوب عليه بتفكيره:
ــ لسه بردوا يا متر؟ فيه حاجة غامضة فيها. حدادها نظرة ندم هشوفها في عينيها كتير، أني حفظتها عن ظهر قلب ومفاتيح مشاعرها بقت في يدي.
فتنهد بأنفاس عميقة خارجة من أعماق رئتيه وهو ينظر إليها في نومها وما زالت الدموع تفر منها حتى وهي نائمة. وقلبه ينهر عقله بشدة:
ــ بس بقي اسكت ياشيخ، حرام عليك. هما ولادها اللي ماتوا دول لوحدهم يقطعوا قلب الحجر، فما بالك بيها ست رقيقة، حتى مشاعرها خام. ده إنت تقيم الأفراح عشان مطلعتش محروم إنك تعلمها أبجديات عشقك على يدك. هتعلمها كيف تسعدك وكيف تكون معاك، وهي ست في لحظاتكم الخاصة على هواك زي أي راجل.
ثم تناوب قلبه عليه ينهره كثيرًا وكثيرًا، وعقله لم يستطع مجابهة قلبه وخسر عقل الجاسر معركته الأولى ضد قلبه العاشق:
ــ بلاش الماضي يا جاسر، بلاش تخليها تخاف تقرب منك. بلاش تعقدها بأسئلتك اللي ما هتجنيش من وراها غير الخسارة. وإنت لو خسرت أم الزين، قلبك ولا عقلك اللي هيخليك تخرف هيعرف يصلح اللي هيوزك بيه.
وعلى الفور بعد أن أنهى تأنيبه لنفسه، حتى خطى إليها وهو يختطفها بين أحضانه ويقبلها بكل إنش بوجهها. حتى تململت في نومها وشعرت بالفزع، ففتحت أهدابها سريعًا. ورأى نظرة الفزع ظاهرة في عينيها، فعلى الفور ضم وجهها إليه وهو يقبلها من عينيها بندم:
ــ متخافيش يا مها، أوعاكي تحسي بالفزع والرعب دي وإنتي معايا. النظرة دي هتقتلني. أرجوكي تقبلي اعتذاري. إني هحبك، له إني عديت مراحل الحب، إني هعشقك يا قلب قلبي. ومعايزكيش تنامي زعلانة كده وعيونك بكيانة.
فما كان منها إلا أنه احتضنته بشدة وهي تقبله من رقبته هامسة بجانب أذنيه، وهي تشعر بالذنب تجاهه هي الأخرى بأنها أفسدت عليه لحظات السعادة مع عروسه في ليلتهم الأولى:
ــ مش زعلانة ياحبيبي، إنت اللي حقك عليا إني نكدت عليك أول ليلة في جوازنا بعياطي اللي زاد عن حده.
راق له قبلتها وهمسها ونداءه بلقب "حبيبي" مما جعل جسده يشعر بالقشعريرة. فهمس هو الآخر في أذنها برغبة تأججت في كامل جسدها:
ــ له بعد كلمة حبيبي دي، مفيش نوم الليلة يا عروستي. لازم ختم السهرة يعلم في قلبك يا أم الزين يا أحلى من القمر بذاته.
كانت جالسة على تختها وهي تمسك الهاتف بيدها تتصفح صفحته وتتابعها بجدية كي تراقب من بعيد دون أن تجرح مشاعره باستفساراتها. فمن منشوراته ستعرف حالته المزاجية، ما إذا تعدلت أم يوجد بعض الرتوش البسيطة. وهذا ما قرأته عن حالته أنه لابد من المراقبة عن بعد بعد شفاء المريض من مرض الانفصام. وكما أن صديقتها الطبيبة النفسية أبلغتها أن العامل الأساسي أو الشخص الذي جعل المنفصم يعود للحياة الطبيعية يكون هذا الشخص للمنفصم بمثابة الجنين لأمه، والفقيد لوطنه. فإذا اختفت الأم وضاع الوطن، انتكس مرة أخرى ومن الصعب أن يعود لحالة الشفاء مرة أخرى، بل ممكن يؤدي بحياته إلى الانتحار بسبب حالته المزاجية التي انقلبت رأسًا على عقب مرة واحدة. فلم يتحمل عقله الباطن. و"فريدة" بالنسبة لـ "فارس" الأم والوطن والحبيبة والمعشوقة، باختصار هي روحه التي لو ابتعدت عنه ستنسحب أنفاسه المتعلقة بها معها.
وجدت أمامها تلك الصورة التي جعلت قلبها يخفق من أناقته، ففارس للشياكة والأناقة عنوان.
فقد كان يرتدي حلته ذات اللون الكحلي وأسفلها قميصًا باللون الأبيض المعتاد الذي يعشقه ويزيده وسامة. ويزين معصم يده تلك الساعة الأنيقة بنفس لون المنديل في جيب الجاكيت الذي يرتديه. ويرتدي نظارة شمسية بنفس لون الساعة، وهو يضع إحدى يديه في جيب بنطاله وينظر تجاه الشمس. فمن يراه يظنه عارضًا للأزياء بحق، طلته التي خطفت أنفاس فريدة وجعلت الغيرة تدب في صدرها من تلك الصورة التي نشرها على الانستجرام والفيس بوك. ويدون أعلاها تلك الكلمات:
ــ ليس من الضروري أن نحكم على الإنسان من مظهره الذي يلفت الأنظار. فالملابس تداري القلوب الموجوعة وندوب الجروح. فأنتم رأيتم الظاهر وحكمتم عليه بالنعمة، والله أعلم بما في الصدور من هموم وغمة.
فتحت الـ... عدد المعلقين كثير جدًا. وجدت أكثر المتابعين لهم من الإناث، مما جعلها تغتاظ وهي تجلس على تختها وتقضم أظافرها وعينيها تلتهم الـ... كالذئب المفترس. وعلى الفور وجدت حالها تهاتفه، فأجابها مشاغبًا إياها:
ــ oh my God! الدكتورة فريدة ذات نفسها بتتصل بيك يا فارس! ده إنت النهاردة تقيم الأفراح عشان حضرة البرنسيسة فريدة حنت عليك وجابت رقمك عشان تطمن عليك، مش مصدق نفسي والله.
وأكمل مشاغبته متسائلًا إياها:
ــ ولا أنا بيجي لي تهيؤات ومش بتتصلي عشان تطمني عليا؟ أو أنا وحشتك مثلًا؟
كانت في ذاك الوقت لا تسمع لكلامه بتركيز بمقدار ما بداخلها من غيظ أفرغته فيه، ما إن استمعت إلى كلماته:
ــ صح عندك حق، إنت هيجيلك تهيؤات.
إني ما هتصلش عشان خاطر أطمن، إني هكلمك عشان أقول لك إيه كمية البنات اللي معلقة لك على البوست بتاعك اللي إنت لسه منزله من ساعة وإنت لابس البدلة والنظارة والساعة الشيك؟ إني انصدمت من كمية البنات اللي عندك دول يا دكتور.
أحس بسعادة العالم أجمع في قلبه عندما استشف غيرتها عليه بتلك الطريقة. فلم يكن يتخيل أن تلك فريدة تحب بهذه الدرجة. فهتف على الفور وقد اعتلى صفيره بإعجاب من غيرتها، مما جعلها تتفاجأ من صفيره في أذنها:
ــ oh no! بقى البرنسيسة فريدة بتغير عليك يا فارس؟ والله مش مصدق وداني واللي أنا سمعته. لا واضح كمان إن الغيرة عمياء.
جزت على أسنانها بغضب من طريقته المستنكرة لغضبها، وهي تأمره بحدة:
ــ والله هو ده بس اللي إنت فهمته من كلامي يا دكتور!
هو إنت ينفع أصلًا الأكونت بتاعك يبقى عليه كل البنات دي كلها؟
من فضلك يا فارس الأكونت ده يتمسح خالص بكل اللي عليه وتعمل واحد جديد، عشان كده ما ينفعش واصل.
حاول استفزازها أكثر، فقد راق له غيرتها عليه بتلك الدرجة الشديدة التي لم يكن يتوقعها، مرددًا:
ــ دي إنتِ طلعتي بقى بتغيري جامد. طب مش همسحه إلا لما تعترفي إنك بتغيري عليا قولًا وفعلًا يا فيري.
ظلت تقضم أظافرها بغيظ من ذاك الفارس الذي يسخر من غيرتها:
ــ يعني هو ده وقته الكلام ده!
شايفني زهقانة ومتعصبة فتقول لي مش همسح؟ هو ينفع يكون عندي أكونت وعليه عدد رجالة زي الستات اللي عندك دول كلهم، وأنزل صورتي ويقعدوا يمدحوا فيها ويتأملوا جمالها، وإني أبقى مبسوطة من اللي هيتغزل في جمالي زي ما بيحصل بالظبط على البوست بتاعك دلوقتي؟
رفع حاجبه باستنكار من تشبيهها الذي يردد بنفي مطلق:
ــ والله هو ينفع الكلام اللي إنت بتقوليه ده أصلًا، أنا راجل وإنتي ست.
يعني مثلًا ربنا شرع للراجل إنه يتجوز أربعة، شرع للست برده إنها تتجوز أربعة عشان تشبهي الراجل بالست في حوار الإعجاب والصفحات والصور؟
احتدم النقاش بينهم بطريقة حادة، وهي تترك مشكلة منشوره وما عليه من... وتمسكت بكلامه عن الزواج بأربعة، وكأنه أشعل الفتيل بذاك التشبيه:
ــ وه!
إيه دخل حوار جواز الراجل بأربعة باللي هقول لك عليه، ولا أنت بقى من نوع الرجالة اللي عنده استعداد يتجوز على الست بتاعته مرة واتنين وتلاتة يا سي فارس؟
أعجبه طريقتها الغاضبة بشدة، فما كان منه إلا أنه شاغبها أكثر، مما جعلها تستشيط من كلامه:
ــ وفيها إيه يافوفا، ده ربنا اللي شرع للراجل الجواز بأربعة، واحدة للدلع وواحدة تبقى واجهة وواحدة كمان للدلع لما التانية تبقى عطلانة، ومعروف إن في واحدة فيهم بتحب النكد، فدي وقت أما الإنسان يكون مبسوط زيادة يروح لها تنكد عليه، وهكذا تدور الدائرة.
شهقة مرتفعة خرجت من أعماق أحبالها الصوتية، مما جعلته يبعد الهاتف عن أذنه من صدى صوتها، وهي تسأله بهدوء ما قبل العاصفة:
ــ أهااااااااا، أنت هتتحدت بجد يا فارس!
وبعدين إيه فوفا دي اللي أنت هتقولها لي، هو أنا مش قلت لك ما تقولهاليش تاني؟ أنت بتستفزني قوي على فكرة، فما تفتكرنيش طيبة تقول لي أي كلام يخليني أنقهر وهسكت، لا الست الطيبة وقت ما تلاقي الراجل جاي عليها بتفترسه.
عض على شفتيه السفلى بتلذذ، وهو منبهر بحديثهم الجديد كلياً، عن طريقتهم مع بعضهم، واستند على كرسيه ناطقاً باستمتاع:
ــ واو، تفترسيني! طب أنا أموت في الست الشرسة اللي تفترس، هسيب لك نفسي على الآخر، اعملي ما بدالك يا فيري، وعد مني مش هقول لك أنت بتعملي إيه، وتبقي أنتِ بقى المزة بتاعة الدلع.
كأن أذنيها لم تصدق ما استمعت إليه، وهي تنظر إلى الهاتف بعدم تصديق من كلام ذاك الفارس، أيعقل أنه مؤمن بالزواج بأربعة، وفي يوم من الأيام سيأتي عليها بهم، فوجدت حالها تحذره تحذيراً قاطعاً، وكأنه يتحدث بصدق لعقل تلك الصغيرة الذي أصابه بالجنون ذاك الفارس:
ــ مزة! إيه الكلام الغريب اللي هتقوله دي؟
دي أنت المفروض الدكتور فارس المحترم الراقي يقول مزة!
وبعدين هو انت فعلاً ممكن تتجوز عليا؟ الله الوكيل لو حصل، يا فارس، لهكون مرتكبة جريمة فيكم، وانت اللي ابتديت، والبادي أظلم يا ابن الألفي.
وجد حاله أنه عاندها كثيراً، ثم تراجع على الفور كي لا يجعلها تصاب بالجنون من عناده لها، وهو يتلطف معها بنبرة حنون:
"إيه يا بنتي جو القفش اللي انتي فيه ده؟ هو الواحد ما يعرفش يهزر معاكي خالص؟ وبعدين يا فيري، هو في حد يحب الدكتورة فريدة بعيونها اللي يهلكوا وغمازاتها اللي يجننوا ورقتها اللي تدوب ولسانها اللي ما بيقولش إلا الحلو كله؟ وكله كوم وقوامها الفتاك بقى كوم تاني."
ضحكت لطريقته بعدما أوصلها الغضب عنان السماء، فهو لديه قدرة أن يبدل مزاجها بمجرد بضع كلمات فقط، ثم تقمصت ذاك الدور الذي ظنته جداً، وما هو إلا فكاهة منه:
"آه، هي وصلت بقى للقوام الفتاك وجو سيد القصري اللي انت داخل فيه ومزة والألفاظ الغريبة دي؟ ونستني الموضوع الأساسي، شكلك أصلاً كنت بتوهني علشان خاطر ما اتكلمش فيه؟ وأرجع وأقول لك يا فارس احذف الأكونتات اللي مليانة بنات علشان خاطر ما يحصلش حوارات وتدوّش دماغك ده بنكد الستات."
"الله إيه الحلاوة دي؟ ومتلحنة كمان يا فيري؟" قالها فارس بنبرة مستمتعة وأكمل مشاكستها:
"بجد الحوار النهاردة لذيذ خالص ما بيني وما بينك، مختلف تماماً. أنا كده عرفت إنك بتحبي التجدد. بصراحة طلعتي مبهرة فيه، وانتظري مني كل ما هو جديد يا قلب الفارس."
داعبت خصلات شعرها بأناملها، وهي الأخرى سعيدة بالحوار معه، ثم سألته بنبرة جادة:
"طب ممكن نتكلم بقى جد شوية؟ علشان بجد أنا متضايقة من الـ... ومن كمية البنات اللي أنا شفتها عندك. ممكن بقى تتصرف؟ ولا هتسيبني زعلانة؟"
طمئنها على الفور:
"ده انت تؤمر يا جميل. هو أنا أصلاً في حد فيهم يفرق معايا؟ كلهم، انتي عارفة، هما عندي من بقى لهم كتير، وبصراحة ما جاش في بالي إني أفرز الأكونت بتاعي. فـ أنا بقى ولا هفرز ولا بتاع وهحذفه خالص علشان عيون حبيبي اللي وحشوني. وسلمي لي عليهم قوي على فكرة."
ثم أكمل بحزن، وقد تذكر سفره إلى أبيه، فحتماً لابد من المواجهة بينهم، وأن يبتعد عنه:
"واللي هيوحشوني أكتر وأنا مسافر، وبصراحة مش عارف هرجع إمتى. بس خلي بالك من نفسك عقبال ما أرجع، ويا ريت لو تاخدي إجازة من المستشفى أحسن لحد ما أظبط الأمور وأجي أطلب إيدك من باباكي."
هلع قلبها من فكرة ابتعاده، فقد اعتادت على وجوده بجانبها، ولن تتخيل أنها تذهب إلى المشفى بدونه، ولم يكن موجوداً بها. والأدهى من ذلك أنها مرتعبة من مواجهته مع ذاك الظالم المستبد، وقلبها يدلّها على أنه لم يأتِ إلى هنا ثانية، وسينساها. فسألته بتوجس:
"هو لازم المواجهة دي؟"
"مش لازم يا فارس، أرجوك. إني مش عايزك تسافر. هخاف تروح ما ترجعش تاني، أو يجبرك على حاجة ومش يخليني أشوفك تاني. أرجوك ما تسافرش. إني قلبي مش مطمن. أو إنك تستحلى الجو هناك تاني وتبعد عني وتنساني."
شعر بخوفها بشدة وترك كل كلامها وتمسك بآخره:
"هو انت مفكرة إني ممكن أسافر وأنسـاكي ومرجعش هنا تاني؟!"
ثم أكمل مستنكراً بشدة:
"إزاي أصلاً بعد ما حبيتك وشوفت وعيشت الأمان معاكي، ولقيت نفسي بعد ما كنت ضايع أمشي وما أرجعش تاني؟ هو انت يا فريدة مش عارفة انتي بالنسبة لي إيه؟"
أدمعت عينيها بخوف شديد من ابتعاده، بل برهبة من ذاك الأب المتبلد القاسي. فسمع شهقاتها التي جعلته أغمض عينيه لوهلة بحزن لدموعها، وهي تهتف برعب:
"إني عارفة إني بالنسبة لك إيه. لكن وأنت جنبي هنا مش بـ... بعيد عن عيني. خايفة يجبرك على حاجة ويخليك تنسى كل حاجة عشناها مع بعض سوا، وكل المواقف تتنسي من مجرد غصبانيته ليك. أما إني عارفة كويس انت بالنسبة لي إيه. انت بقيت كل حاجة في حياتي يا فارس. إني أصلاً ما كنتش متوقعة إن إني هحب بالطريقة دي وهتعلق قوي أكده. فـ بجد إني خايفة قوي، مش هكذب عليك وهطمنك على شيء إني مرعوبة منه."
خلل أصابعه بين خصلات شعره وهو يشعر بالضيق لأجل دموعه، ثم همس باسمها بصوت أجش مملوء بعاطفة هواه بها، جعلها أغمضت عينيها وصوته الرجولي ونداؤه لها وهمسه باسمها:
"فريدة، متعيطيش يا حبيبتي وما تقلقيش، وخليكي واثقة فيا. اللي بينا مش حب زي أي راجل وست خالص يا فيري. أنا اتولدت على إيدك من جديد. فانتي بالنسبة لي مش حبيبة هقضي معاها لحظات سعيدة، أو هنعمل بيت زينا زي أي اتنين بيرتبطوا ببعض خالص. انتي بالنسبة لي أمي اللي عوضتني عن الغالية اللي راحت. صاحبتي اللي بتفهمني من عيوني إذا كنت زعلان أو فرحان أو مهموم أو حتى مش في حالتي الطبيعية. أختي اللي أول ما بتشوف حاجة بعملها غلط بتجري عليا وتمنعني إني أعمل الغلط."
وكل ده كوم، واني قلبي متعلق بقلبك، واني مش بس بحبك يا فريدة، لا ده أنا بعشقك ووصلت معاكي لقمة الحب اللي ما تذكرش في الدنيا دي قبل كده، كوم تاني خالص.
ثم أكمل بقوة وهو يطمئنها:
"اطمني يا فريدة. أنا راجع، بس هرجع لك وأنا مستريح ومصفي كل الهموم اللي ورايا علشان خاطر نفتح صفحة جديدة مع بعض، وأتقدم لباباكي وتبقي مطمنة أكتر. لازم المواجهة ما بيني وما بين عماد. لازم أقف قدامه بكل قوة ورجولة وأنا بطلعه من حياتي وأطلع القرف اللي هو عايش فيه من جذوره. ومهما كانت العواصف اللي هتقابلني، حبك وإني هرجع لك تاني بإذن الله هيقووني."
تنهدت بعمق وهي تتنفس بشدة، وما زال الخوف مسيطراً عليها مهما قال ومهما طمئنها. ثم سألته:
"طب ليه تسافر يا فارس؟ وليه المواجهة من الأصل؟"
"خليك هنا وهو مش هيعمل لك حاجة أكيد. بلاش المواجهة وبلاش تسافر. إني خايفة منه وخايفة عليك وقلبي مش مطمن للسفر. قلبي مش مطمن أصلاً إنك تقف قصاده وتتكلم معاه وتعارضه في حاجة."
ثم أكملت وقد ارتفعت شهقاتها من شدة خوفها عليه:
"أصل انت مش هتتخيل أني حبيتك واتعلقت بيك كد إيه! ومش ممكن أتصور حياتي من غيرك ولا من غير وجودك فيها. وكمان مش هعرف آجي وراك لو حصل حاجة، أو اتأخرت عليا، أو ما قدرتش أوصل لك، أو الظروف بعدتك عني. تخيل بقى مدى الخوف اللي هيفضل مربوط في قلبي عليك لحد ما ترجع لي بالسلامة."
حزن كثيراً لأجلها ولم يعرف كيف يطمئنها. فداخله هو الآخر ليس مطمئناً للغاية، ولكن مواجهته مع أبيه وأن يرسى معه لبر الأمان هو في حد ذاته أمانها هي لا هو. فهو خائف أن أدخلها في حياته وتهور ذاك العماد وأفسد عليهم معيشتهم، فحينئذ وقتها لم يستطيع تحمل أن يصيبها أذى. ومع ارتفاع شهقاتها قرر أن يقابلها أولاً قبل أن يسافر كي يطمئنها وجهاً لوجه:
"طب أمانة عليك بطلي عياط بقى وكفاية خلاص. مش هسافر النهاردة عشان خاطرك. ممكن تيجي تقابليني بكرة في المستشفى؟ عايز أتكلم معاكي قبل ما أمشي، عايز أطمئنك علشان تستريحي. بس كفاية دموع حرام عليكي. أنا مش متحمل أسمع دموعك وانتي بعيد عني ومش قادر أمسحهم عنك."
أرجوكي يا فريدة اهدي بقى، ما تصعبيهاش عليا. انتي المفروض على فكرة تهونيها علشان أسافر وأنا مطمن عليكي.
ظلا يلقي على مسامعها عبارات الاطمئنان حتى هدأت واتفقا على أن يتقابلا في صباح الغد، ولكن ماذا يخبئ القدر لذاك العاشقان بشدة؟ ماذا يخبئ لهم بعد أن تعلقت أرواحهم ببعضهم وهم ليسوا على استعداد للفراق، فالفراق بينهم يعني الموت لا محالة لكليهما.
كان عمران عائداً من العمل بالتحديد الساعة التاسعة مساءً، فقرر أن يفاجئ سكون ويذهب إلى المشفى وينتظرها أمام المشفى، فذاك الوقت هو معاد خروجها من المشفي. فكانت سهرتها اليوم دون أن يتصل بها كي يفاجئها ويدخل السرور على قلبها باهتمامه بها. وقبل أن يصل ركن سيارته أمام السوبر ماركت الذي لاحظ في الفاترينة الخاصة به أنه يحتوي على أنواع الشوكولا التي تعشقها، ثم جلب لها من جميع الأنواع التي تعشقها وصعد سيارته مرة أخرى كي يذهب إليها. ثم وصل إلى المشفى ووقف أمامها ولكن متنحياً جانباً كي لا تراه وتفسد عليه مفاجأته. وبالفعل لم ينتظر سوى عشرون دقيقة.
خرجت سكون من المشفى وهي تنظر إلى الطريق كي تذهب لسيارتها، ثم خطت خطوات هادئة تليق بها في ذاك المكان الهادئ. وعلى حين غرة وجدت شاباً وقع تحت قدميها يمسك ببطنه ويتألم منها بشدة وعينيه تعلقت بها برجاء أن ترفعه أرضاً وهو يردد بتوجع:
"آه الحقيني يا أبلة قوميني مش قادر."
على الفور دون تفكير مدت يدها له، وما إن تلامست أيديهم حتى قام جاذباً إياها بقوة أرعبتها حتى ارتطمت بعظام صدره القوية وحاصرها بين أحضانه وهو يردد لها:
"اركبى معايا العربية من السكات، يا أما هتلاقي نفسك في خبر كان في ثانية. المطوة جمب إيدك اللي جمب قلبي يا بطل بعيون تهبل. هنقضي ليلتين رايقين وهسيبك بهدوء. ومتعليش صوتك علشان ولا تلفتي الانتباه، يا أما هتلاقي حالك في خبر كان دلوقت."
وكاد أن يلقيها في سيارته ونظراتها ارتعبت حتى وجد أحدهم وكأنه أتى من الهواء يباغته بضـ.ـربة قاضـ.ـية على رأسه أوقعه أرضاً ووضع قدمه على صدره وهو يردد بفحيح:
"بترفع تنطق الشهادة يا روح أمك ولا تتوكل على الله يا نجس؟ وانت اللي زيك ميعرفهاش."
لم يرتعب ذلك الرجل وهو يعرض عليه:
"طب يا باشا خدها كادو مني ليك. قضي معاها الليلتين، هي مزة وهتبسطك. إني جربتها خطيرة وهتشوف الهنا على إيديها وسيبني أمشي."
شهقت سكون بشدة وهي تصيح في ذاك المفتري الكاذب:
"انت هتقول إيه يامجنون انت! هو انت شفتني قبل أكده يامفتري."
نطق ذاك الكاذب:
"أمال يابت إنتي هتظيطي دي إنتي..."
وكاد أن يكمل إلا أن عمران رفعه أرضًا ولكمه بقوة جعلته يبتلع باقي كلماته. ثم وجه أنظاره إلى سكون هادرًا بها بحدة أرعبتها:
ــ انتِ تخرسي خالص. روحي على العربية واقفلي على نفسك، مش عايز أسمع نفسك دي واصل، يا لالا.
ثم عاد لذاك المفتري وظل يلكمه كثيرًا. فتمسكت بذراعه عندما وجدت ذاك الشاب تنهمر الدماء من جانب فمه. ثم أخرج السكينة من جيبه مما أرعب سكون وهي تتمسك بعمران وتردد بهلع:
ــ أرجوك يا عمران سيبه، كفاية هيموت في يدك دي. طلع المطوة وسيبه وتعالى نروح، هو كفاية خد اللي يكفيه.
لكمه عمران سريعًا حتى اهتز توازنه وسقطت السكينة من يده. ثم هدر بها مرة أخرى وهو يدفعها كي تبتعد عنهم بيده حتى وقعت أرضًا. تنحى لها وهو يردد بغضب من مظهرها ذاك ووقوعها على الأرض:
ــ هو أنا مش قلت لك ارجعي العربية؟ سيبيني أخلص عليه. اتفضلي روحي على العربية وما لكيش دعوة، أهو كله بسببك.
قامت من مكانها سريعًا وذهبت إلى السيارة وقلبها يدق خوفًا بشدة من الموقف ككل. وكل ذلك لا يعنيها أكثر من خوفها من غضب عمران بعدما ينتقم من ذاك المتعدي عليها باليد والكلام. وكل ذلك بسبب سذاجتها وطيبة قلبها في أنها وقفت تساعد ذاك المدعي عليها بالافتراء والكذب. وما أصابها غير ليلة لن تمر عليها مرور الكرام من عمران، الذي لو لم يكن موجودًا في ذاك الوقت لكانت الآن في عداد الموتى بين يدي هذا الوغد. الذي ينال من عمران تلك اللكمات التي لم يستطع مجاراتها. فهو في غضبه الشديد، وحينما يعتدي أحد على عرضه، لن يتركه إلا وهو مشلول الأيدي والأقدام. فهي تعرفه وقت الغضب، يطلق عليه حرفيًا "اتقي شر الحليم إذا غضب".
أما عمران ظل يسدد اللكمات لذاك الوغد حتى غاب عن الوعي من شدة ساعديه التي أودت به إلى غياهب اللاوعي. ثم جره من قدميه وسحبه ووصل به إلى باب المشفى. فرآه الأمن من بعيد وهو يصيح عليهم بأعلى صوته. وعندما وصلوا إليه نبه عليهم وهو ينهج:
ــ الكلب ده كان هيخطف الدكتورة سكون وهي خارجة من المستشفى. ولولا إني وصلت في الوقت المناسب كان زمانه دلوقتي واخدها. والله أعلم كان هيعمل فيها إيه. تقدروا تراجعوا الكاميرات اللي حوالين المستشفى. لازم تسلموه للأمن بعد أما يفوق. وبكرة هروح النيابة بنفسي وأقدم في بلاغ. اللي زيه ما ينفعش يفضل موجود في الشوارع يأذي خلق الله. ويحمد ربنا إنه طالع من تحت إيدي عايش من غير ما أموته. أنا رايح أشوف مراتي. وعلى الله يفلت من يدكم. هقدم فيكم وفي المستشفى وكل اللي فيها بلاغ. وأنا مش هين عشان ما تفتكروش إني بهزر. لو هرب من إيديكم مش هتشوفوا طيب.
ثم أكمل ساخرًا منهم، وقد أعماه الغضب ولم يدري بما يقول:
ــ لأن دي شغلكم، أمن المستشفى واللي حواليها. لكن أنتم قاعدين تشربوا شاي ومروقين نفسكم وسايبين كلاب الشوارع ينهشوا في الناس اللي ماشية. حرام عليكم. اتقوا الله في شغلكم شوية. حالات الخطف زادت في البلد كتير قوي الأيام دي وأنتم قاعدين ولا على بالكم.
ثم تركهم وهم يرتعبون من فكرة شكواهم. فأخذوا ذاك الملقى ثم اتخذوا الإجراءات اللازمة معه.
أما هو أسرع بأقدامه كي يخرج لتلك الساذجة وهو يعزم على أن يلقنها درسًا لن تنساه بحياتها. وما إن رأته قادمًا من بعيد وعلامات الغضب الشديد مرسومة على وجهه مما أفزعها. وظلت تدعو الله أن يهدأ. وحينما وصل إليه فتح باب السيارة بغضب شديد ثم أغلقه عليهم. ثم بدأ بالتحرك بالسيارة والغضب يصل إلى ذروته معه. حتى نطقت هي حينما رأت سرعته في القيادة:
ــ سوق بالراحة يا عمران لو سمحت، إني خايفة.
لم ينطق بكلمة واحدة بل زاد سرعته أكثر حتى وصل إلى منزلهم. وهو يأمرها أن تنزل بحدة. فهبطت من السيارة ودخلت المنزل سريعًا. أما هو أغلق سيارته على الفور وتبعها. وما إن دلفا إلى منزلهم حتى سحبها من ذراعها وإذا به يهبط على وجنتها بصفعة مدوية طاح جسدها أرضًا على أثرها. مما يجعلها تضع يدها على وجنتها وهي لم تصدق ما فعله عمران للتو. فقد مد يده عليها. ثم وجدته يهبط لمستواها وهو يردد بفحيح وصورتها وهي في أحضان ذاك الوغد وهو يتحسسها بين يديه لم تهرب من خياله. فهي من سلمته يدها بكل سذاجة وجعلته يفعل بها ما فعل. ولولا أنه وصل في الوقت المناسب لكانت الآن في عداد الموتى.
ــ اعملي حسابك مفيش شغل تاني ومفيش خروج برة البيت إلا ورجلك على رجلي طالما انتي طلعتي هبلة للدرجة دي. وأي حد هيطلب منك أي حاجة تنفذيها في ثانية أكده من غير ما تفكري.
انتي صدمتيني فيكي. خليتي واحد كلب ما يسواش يقول عنك إنك بتـ.ـمتعي الرجالة. يقول لجوزك إنك هتبسطيه وهيسيبك ليه.
أما هي كانت في عالم آخر. فقد صـ.ـفعها عمران على وجهها في لحظة وهي لم تصدق إلى الآن. وهي تضع يدها على وجنتها الحمراء من آثار يده وقلبها يدق بعنف داخلها. فلم تكن تتخيل أن يضـ.ـربها عمران يومًا من الأيام. وإذا به فعلها.
كانت دقيقة من الصمت بينهم. هو في تخيلاته وهي في أحضان ذاك الوغد ويده تتحسس ظهرها وهو يجري سريعًا كي يخرجها من أحضانه. والمشهد ككل يجعل داخله يزداد جنونًا من الغضب عن ذي قبل.
وعيناها تتحدث بدلًا عن لسانها وهي تنظر داخل عينيه:
حين يغمرك الحزن تأمل قلبك من جديد. فسترى أنك في الحقيقة تبكي مما كان يومًا مصدر بهجتك.
أما هو أجابتها عيناه:
ــ الدموع ليست هي الحزن. الحزن هو أن تستطيع أن تمنع نفسك من أن تبكي أمام أحد من أجل هذا الأحد. لا زلت أمسك نفسي متلبسًا بشعور الحزن على أشياء رأتها عيناي يرفض عقلي أن يصدقها.
فالموقف يراه الآن حفنة من السعادة في كفة الميزان وجبل من الحزن في الكفة الأخرى.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم فاطيما يوسف
انحصرت أنفاسها ولم تعد تقوى على التنفس في قربه. يا الله كم من المشاعر المتضاربة التي تطرق على أبواب قلبها كالطبول تطالبه بالمزيد. كم أنت بارع حقًا أيها الآدم في أن تجعل كلي يثور داخلي.
رأت نظراته المترجية ويداه الممدودة لها وكأنه مسكين في الغرام ويترجى النظرة كي يجبر قلبه الجائع لها.
ثم همست بدون تفكير:
_ ارفع النقاب يا آدم مش من حقي أمنعك دلوقت.
ابتلع ريقه وأخرج تنهيدة حارة تنم عن مدى غرامه بها، فلقد أذنت لها حبيبته أخيرًا بفك الحصار كي يراها.
كم كان ذاك الشعور مرهقًا لقلبهما، فهو عاشق ولأول مرة يرى وجه من عشقها. ثم اقترب منها وكادت المسافات أن تكون معدومة بينهما. أحس بسخونة أنفاسها من تحت نقابها تدل على اضطرابها. سمع صوت نبضات قلبها وهي أمامه واخترقت خلايا جسده. رفع نقابها في موقف حبس أنفاس لكليهما.
وأخيرًا، أزاح الستار عن معشوقة القلب والروح. ودقات قلبه ونظرات عيناه تنظر لها بانبهار وقلب خفقان لصاحبة العيون الزرقاء.
يا الله أقسم برب السماء الذي خلقك وسواك، أنك ملكتي الفؤاد وأنرتي الظلام بطلتك ملاكي.
اهدأ أيها الآدم. اهدأ قلبي. اهدئي أيتها النفس الضائعة الهائمة في بهاها.
فلقد طلعت عليك الشمس والقمر والنجوم في لحظة وضحاها.
أخبروها بأنها الأمس واليوم والغد والكل، وهي النفس ومناها.
أخبروها بأن ترفق بحال مسكين عاشق ذاب، فماذا بعد؟ ماذا عساها؟
تسمرت عيناه على كتلة الجمال الطبيعي الذي يأسر النفس ويجعلها تذوب غرامًا. كم رآها في مخيلته كثيرًا بألف وجه، ولكن الآن أجزم أنه لم يتخيل طلتها الخاطفة لأنفاسه، وأن وجهها لم يكن من بين الألف الجميلات اللاتي رسمهن خياله.
أما هي، ألقَت نظراتها أرضًا من شدة خجلها بسبب نظراته الهائمة بها.
نعم، لقد فهمت معنى نظراته وتسربت داخلها وجعلت ذاك الساكن الذي لم يتحرك أبدًا، تحرك الآن بنبضات متتالية لم تنفض عنها ولن تصمت عن دقاتها بعد.
وأخيرًا، بعد حبس تلك الأنفاس لكليهما، رفع وجهها وأجبر عيناها كي تسكن عيناه، ثم همس بعشق:
_ حرام عليكي يا شيخة. حرام عليكي بجد. إيه اللي بتعمليه فيا ده!
اتسعت مقلتاها بذهول من كلامه وسألته عيناها: ماذا بك؟ فهي من شدة خجلها لم تقو على التفوه. فأكمل هو تلك اللحظة بتلك الأغنية الذي ألقاها لها بصوته الملائكي.
وللعجب، أنها لأول مرة تسمعه بدون موسيقى، فقد سحرها بجمال صوته وسحبها لعالمه أكثر وأكثر.
أما هو، غنى لها:
_ عيونك شايفها وحاسس إن أنا عارفها
سيبيني براحتي أوصفها مكسوفة ليه
كإنك معايا بقى لك عمر ويايا
بنفس الصورة جوايا من قد إيه
سنين شايفك في أحلامي بنادي عليك ضميني
ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني
وحشتيني. وحشتيني سنين بعدك على عيني
ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني
وحشتيني. وحشتيني سنين بعدك على عيني
ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني
يا أجمل هدية بعتها القدر لي
يا قمري في عز لياليا أوصف لك إيه
والله والدنيا بقت في عيني حاجة ثانية
هواك قابلته وفي ثانية جريت عليه
سنين شايفك في أحلامي بنادي عليك ضميني
ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني
وحشتيني. وحشتيني سنين بعدك على عيني
ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني
وحشتيني. وحشتيني سنين بعدك على عيني
ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني
بحبك هقولها يا ريت قبل ما أكملها
تعالي في حضني ونقولها إحنا الاثنين
وحشتيني. وحشتيني سنين بعدك على عيني
ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني
وحشتيني. وحشتيني سنين بعدك على عيني
ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني
وحشتيني وحشتيني.
وفور أن انتهى من أغنيته لها التى دلت على مدى وحشته لها، وعلى حين غرة جذبها إلى أحضانه قبل أن تفيق من حالة التيهة التي اعترتها في همسه ولمسه. تشبث بأحضانها كالغريق الذي وجد قارب نجاته بين يديها. قرر الإبحار في عالمها الخاص. ظل في أحضانها يتنعم بقربها. يشتم رائحتها.
أما هي، كانت متخبطة. مشاعرها البدائية لأول حضن في حياتها لحبيبها وزوجها، حتى ولو كانت إجبارًا عنها، ففي حضرة المحبوب تندثر قوانين الكبرياء والكرامة. ففي حضرة المحبوب تفوز لحظات العشق وتركل أبواب القلوب بمهارة حتى تستقر داخل شباك الحبيب، ووقتها حتماً ستسطر النهاية.
قد فاز الحب على الكبرياء. وماتت الكرامة وليس لها عزاء. فهي الآن أعصابها مخدرة، مهلكة، متيمة ليس لها دواء غير أحضانه.
ثم أخرجها من أحضانه واقترب منها ليزيح خصلة شاردة فوق عينيها، يتلمس وجنتها نزولاً إلى فكها، ثم صعد إلى شفتيها يتلمس كل منهما بإبهامه:
_ طلعتي جميلة حد الفتنة. طلعتي أحسن من أي أغنية غنيتها. طلعتي مبهرة.
ثم أمسك يدها ليوضع كفها على صدره وأردف:
_ شوفي دقات قلبي في قربك عاملة إزاي. شوفي لو بعدت عنك وده إن قدرت، قلبي هيعمل فيا إيه. حياتي هتبقى من غيرك ضياع.
واسترسل حديثه وهو يمرر عيناه على وجهها كأنه يحفظه داخله. مرة داخل عينيها، وأخرى شفتاها، وأخرى وجنتاها، وأخيرًا قرر أن يكشف عن باقي المكنون وهي مازالت في تيهتها.
وفجأة وبحركة خفيفة خلع عنها حجابها وانسدلت الأمواج السوداء الكاحلة على ظهرها، مما جعله ينظر إليها بانبهار وهو يبتلع أنفاسه بصعوبة. أما هي، نظرت بعيد عن عينيه تحاول كبت مشاعرها كي تصد هجومه الضاري على قلبها المسكين. لكنها لم تقدر أن تستعيد قواها وأخفت كل مشاعرها التي تملكت منها لمساته وهمساته بكل ضعف منها.
ثم نظرت له بعيون تخفي ضعفًا يستكين بداخلها وقلب يخفق ألمًا وعشقًا معًا. ترتجف من لمساته التي تجعلها تود أن ترمي على صدره ويدفئها بحرارته المنبعثة من توهج عشقه لها. لكن كبرياءها كان يصرخ بداخلها يحثها بأن تصم أذنيها عن كلماته ورجائه وأن لا تتأثر حتى بأسبابه. ولكن تفوهت بكلمة واحدة وهي تبعد يديه برفق عنها:
_ آدم أرجوك ابعد ومتستغلش ضعفي في قربك أكتر من كده. كفاية على كده النهاردة.
لم يقدر على الابتعاد عنها وأزاح قميصه من على صدره ليشير إلى موضع قلبه الموشوم أعلاه وأكمل:
_ بقى يرضيكي بعد الجري وراكي ده كله وقلبي ده اللي اتعذب في جفاكي ونفورك منه الشهور دي كلها، وتيجي لحظة قربك وتقولي لي أبعد!
ثم تبسم بهدوء وأمسك كفها وطبع بداخله قبلة لثوان، ولكن أذابتها من حرارتها المنبعثة من شفتيه، ثم نظر إليها وأكمل:
_ لااااا ياعمري مش هيحصل ولو عملتي إيه بالذي أو قلتي إيه بالذي مش هبعد. هو معقولة أبقى في الجنة اللي دخلتها دلوقتي على إيديكي، هسيبك وأبعد!
متحلميش يامكة ومش هيحصل أبدًا.
استجمعت شتاتها المفرق في قربه، ثم نظرت جانبًا وجذبت حجابها كي تغطي رأسها، ولكنه لحقها وأخذ منها الحجاب ورماه بعيدًا عنها. ثم اقترب منها وجذب خصلات شعرها بين يديه برفق، ثم قربه من أنفه واستنشقه بهيام وكأنه عبير من الجنة بين يديه، ثم لف خصلاته على إحدى يديه ودفن الأخرى بين شعرها حتى وصل إلى رقبتها، ثم اقترب على وجهها وأسند جبهته بجبهتها وتحدث وهو ينظر داخل عينيها ويتنفس أنفاسها مرددًا برفض قاطع وهو يغمز لها بطريقة أذابتها أكثر من ذلك:
_ هو إنتي مش تعرفي ربنا كويس؟ وربنا بيقول لك مينفعش تداري زينتك على جوزك. حجاب إيه بقى اللي تلبسيه وإنتي قاعدة مع جوزك حبيبك؟
مكة لازم تفهمي كويس إني بقيت جوزك يعني من حقي أشوفك في أي وقت وأكلمك في أي وقت. ونحب في بعض في أي وقت. وأطلب منك تدلعيني فتدلعيني. وأطلب منك نتكلم مع بعض ونسهر لحد الصبح فتسهري معايا. وأقول لك يالا نخرج نشم هوا فتخرجي معايا. وإلا هتشيلي ذنب والملايكة هتلعنك.
اتسعت مقلتاها بذهول من ذاك المجنون في وجهة نظرها. ثم استجمعت قواها أخيرًا واقتربت يداها من صدره تبعده عنها، ولكنه تمسك بيدها وحاولت الإفلات من قبضته، لكنها لم تستطع فتحدثت باستنكار:
_ هو إنت بتاخد بالك من كلام ربنا في حاجات وحاجات له! إنت عجيب قوووي ياشيخ.
مش واخد بالك بردو إننا مش مكتوب كتابنا طبيعي زي أي اتنين وإني اتغصبت على وجودك في حياتي.
وضع إبهامه على شفاها كي يمنعها أن تكمل، ثم نهاها عن الحديث:
_ متحاوليش تنكدي عليا وتخلي هرمونات النكد اللي بتبقى جوة كل ست تطلع دلوقتي ودلوقتي بالذات، علشان مش هديكي الفرصة يامكة. ومهما كان كلامك واعتراضك في النهاية إنتي مراتي ومن حقي عليكي الطاعة، يا إما هشتكيكي لربنا وإنتي بتخافيه أوووي، فبلاش نمشي مع بعض بمبدأ الملاوعة ده.
نفخت بضيق من حصاره، ثم سألته بغيظ وهي تأكل شفتيها وتلك حركتها المعتادة عند الاضطراب الشديد لديها:
_ وه يعني إنت عايز إيه دلوقت يابن الناس؟ إني تعبت ومبقتش قادرة أتحمل لعب الأعصاب دي واصل.
أعجبته نبرتها الطفولية وحركاتها التي تفتعلها بوجهها، فكل حركاتها جديدة عليه كليًا، فأول مرة يراها. ثم احتضن وجنتيها مرددًا بنفس لكنتها:
_ عايزك في حضني وجار قلبي يابت الصعيد إنتي.
عايزك تبقي ليا وعايز حضنك ميفارقش حضني واصل وبس أكده.
ثم استرسل حديثه وهو يغمز لها بكلتا عينيه بدعابة:
_ إيه رأيك فيا وإني بتكلم وياكي صعيدي مش لايق عليكي بردو ولا إيه ياقمرة إنتي؟
نفخت بضيق ثم أدارت وجهها المحكم بيداه بعيدًا عنه، وظل يشاغبها كثيرًا وكثيرًا، فهذه لحظته المنتظرة. فوجدها تجيبه:
_ طبعًا. مانت ممثل تعرف تتغير وتتلون بميت لون في لحظة. يعني لو عايز تحب وتدوب اللي قدامك هتعرف تعملها. لو عايز تبكي وتبكي اللي قدامك بردك هتعرف تمثلها.
حرك وجهها مرة أخرى بحدة خفيفة آلمتها وجعلتها تنهره:
_ يدك تقيلة وجعتني.
حرك حاجبه بعبس:
_ سلامتك من الوجع ياقلبي. بس إنتي ضايقتيني بكلامك.
لاحظ تعجبها فأكمل هو:
_ أيون. يعني إني بمثل عليكي الحب مثلاً! طيب بذمتك يا مكة واحد في مكانتي الفنية هيستحمل منك اللي استحمله ده كله ليه!
علشان بس يقضي معاكي لحظة صفا وبعدها يفر. ولا علشان يخطف قلبك ويسيبك ويغدر.
وتابع حديثه وتبدلت نظراته من ملامة لها إلى عاشقة. وبنبرة متيمة اعترف لها:
_ لاااا ياحبيبتي ده علشان أنا بحبك. عارفة يعني إيه بحبك؟ يعني إيه قلبي وكلي عايزك ومش عايز غيرك. يعني مهما يحصل مش هبعد يامكة مش هبعد.
أخذت نفسا عميقا ثم زفرته بهدوء وتابعت باستفسار:
_ طيب انت نسيت مشكلتنا وسرحت في عالم تاني خالص. هنعمل إيه فيها؟
استوعب سؤالها واردف بنبرة عاشقة متجنبا خوفها:
_ طيب هو في أحلى ولا أجمل من العالم اللي أنا سرحت فيه؟ قدامي مراتي حبيبتي اللي سحلتني وراها ومرمطت اللي خلفوني لحد لما وصلت للحظة دي. ولولا إن ربنا مرضاش لعبده المرمطة أكتر من كدة وعارف إنه كفاية عليه كدة وهونها عليه كان زماني لسة بعد النجوم وبسهر الليل على ضوء عيونك اللي بلون السما ياحبيبي.
اتسعت مقلتيها بذهول من حديث ذاك الآدمي. وحتما سيجعلها تطبق في رقبته الآن من طريقته. ثم هدرت به:
_ ياربي. أووووووف. هتجنني معاك والله وأني منقصاش جنان.
ابتسم بمشاغبة ثم أردف:
_ الله شفتك النهاردة بجميع حالاتك وكلهم في وقت واحد. بذمتك أنا مش متمكن بردو؟
قال كلمتها الأخيرة وهو يغمز لها بطريقة جعلتها تبتسم. ثم أكمل:
_ أيون كدة ياشيخة. اضحكي خلي الشمس تطلع والدنيا تنور. خلي القلب يدفى بعد البرد اللي عشّش جواه.
تنهدت بتعب ثم طلبت منه:
_ طيب ممكن نشوف المشكلة ونحلها الأول وبعدين نشوف جنانك ده. وهنشوف هنكمل مع بعض في الجواز ده ولا...
لم يتركها تكمل ووضع يداه مرة أخرى على شفاها ناهرا إياها:
_ متكمليش يامكة. مش هسيبك ورب الكون ماهسيبك.
ثم جذب وجهها إليه وأنهال على شفتيها بعشق ووله، مصاحبان لقليل من العنف في قبلته بسبب تهديدها له بالابتعاد. فلم يشعر بحاله وهو يقبلها بذلك العنف الذي آلمها.
يعلو بداخلها أصوات صراع صاخبة بين قلبها وكبريائها. فقامت بدفعه في صدره وهي تلتقط أنفاسها. إنحنت نحو الأرض وألتقطت عنق زجاجة حطمتها على الفور ووضعتها عند العرق النابض في عنقها. وصاحت بتهديد بعدما فاض بها:
_ والله لو عملت أكده تاني لاهموت نفسي وأريحها وأريحك مني وأريح الدنيا كلياتها.
ثم استرسلت ودموعها تلمعت داخل عيناها:
_ يا أخي اديني فرصة استوعبك. اديني فرصة أتقبل ظروفك وأشوف هتعامل وياها إزاي.
إتسعت عيناه خوفا. فأشار إليها بكفيه وقال:
_ خلاص خلاص. نزلي الإزازة دي وأنا والله ماهعمل كدة تاني. بس أرجوكي اهدي وصدقيني أنا مش بحلف كذب.
رمت عنق الزجاجة المحطمة على المنضدة ثم لامها:
_ بقى كدة يامكة. والله حرام عليكي بجد.
لم ترد عليه ولكن لاحظ نظراتها للزجاجة مرة أخرى وكأنها تهدده. ثم نفخ بضيق من أفعالها المتهورة. ولكن حاول تهدئة حالها. ثم أمسك حجابها ويليه نقابها قائلا:
_ اتفضلي البسي الحجاب ولمي شعرك كويس جدا. والبسي النقاب وخلي أعصابك هادية علشان هنطلع البث المباشر. واعملي حسابك بردو هتمسكي في إيدي طول البث علشان متتهوريش قدام الكاميرا.
ثم أدلى عليها تعليماته وما سيقولاه في البث. وأطاعته بكل شيء. وبالفعل بعد دقائق بدأ البث. وذكر فيه كل ما قالته له أخته بالتفصيل. وبدأت المباركات تنهال عليهم بالآلاف. وفي نهاية البث نظر إليها وأمام العالم أجمع وهو ينظر داخل عيناها:
_ وفي النهاية احب أقول لمكة قدام العالم كله اني مش بس بحبها علشان مكتوب كتابنا. لاااا. أنا بحبها علشان هي أعظم انتصاراتي. هي كل حاجة حلوة حصلت لي في حياتي. وبوعدها قدامكم كلكم اني عمرها ماهسيبها ولا هقدر أستغنى عنها. ومن دلوقتي بعزمكم على فرحي منها بعد أسبوع يا أجمل جمهور وعيلتي التانية.
ثم أنهى البث بعد أن ودع متابعينه. فدلفت هند ومها وسكون وعمران وماجدة فرحين بأن الغمة انزاحت. فجذبوها إلى أحضانهم وأنهالوا بالمباركات عليهم. وهي بعد كل ذلك تشعر بالتخبط وعدم الارتياح. ولكن ستترك أمرها بيد الله يدبره كيفما شاء. وليس أحن على قلوب العباد من خالقها.
*******************
في نفس اليوم وبالتحديد في الساعة السادسة مساء. في مكتب ماهر الريان جالسا وهو شارد الفكر. يتذكر اليوم المشؤوم الذي مر في حياته. فهو من الأساس لن ينساه.
عاد بذاكرته إلى عشر سنوات من الآن. وهو يتذكر تلك الليلة المريرة التي فقد فيها ابنته وهي ولدت للتو. وأخذها بين أحضانه. ولم تلبث عشر دقائق حتى فارقت روحها الحياة قبل أن تبدأ.
وظل يردد داخله بحزن دفين:
_ لم يؤلمني التقدم بالعمر لأنه محتم. بقدر ما ألمتني أمنيات شابت بداخلي. لقد شاخ قلبي قبل عمري.
نمضي في الحياة ولا نعرف أين نحن ذاهبون؟
نهرب من أشياء لا نعرف لما تطاردنا؟
نقوم بكل الأشياء المفروضة علينا إلا تلك التي نرغبها وبشدة.
نتكلم كثيرا إلا الكلام الذي نود قوله نحبسه بداخلنا!
تائهون في حكايات مضت. وأخرى نعيشها.
مشتتون بين أمنيات نرغب بها. وأخرى تاهت منا دون أن ندركها.
معتادون على كل شيء حدث ويحدث معنا.
مقبلون على الحياة دون أنفسنا.
وبعد..
إلى الأيام القادمة مري علينا بسلام. فقلوبنا جدًا متعبة ومرهقة.
أرهقتها الحظوظ وأتعبتها تراكمات الأيام.
فرح وهي تتوجع بشدة:
_ الحقني ياماهر. بموووووت. آااااااااه.
شعر بالذعر لحالتها. ثم نقلها على الفور إلى المشفى. وما إن رأوا حالتها حتى أدخلوها فورا إلى غرفة العمليات. وألحوا عليه أن يدلف معها. ولبس الملابس الخاصة بالعمليات ودلف معها وهو ممسكا بيديها. ينظر إليها بهلع وهو مرتعبا من فقدانها.
بعد ساعة كاملة من وجودهم في غرفة العمليات. فقد كانت حالتها صعبة للغاية. فهي قد تناولت عقار مخدر يؤدي إلى الوفاة. فلم يتحمله جنينها. ولكن سطر القدر كلمته. وفارقت روحها الحياة. وعادت إلى بارئها وهي مخطئة في أمانة روحها التي أهدرت فيها. ونسيت أنها أمانة. ونسيت قوله تعالى "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين".
أدمعت عيناه على فراقها رغم رحلة عذابه معها. أمسك ابنته التي ولدت للتو في أحضانه. يشتم رائحتها. يتلمسها برفق وحنان. يكبر في أذنها. ومع انتهاء آخر تكبيراته فارقت روحها هي الأخرى الحياة. فلم تتحمل المخدر السام التي تجرعته والدتها.
لاحظ شحوب وجهها. فعلم أن قطارها وصل محطته الأخيرة قبل أن تنتهي أصوات صافرة تحركه.
حضنها بين أحشائه بعمق ورهبة من فقدانها. مرددا بوجع من يراه تذرف عيناه دموعا كالأنهار. فقد فارق الرضيع وضاع قبل أن يتنفس.
_ آااااااااه. لااااااااااااااا. بنتااااااااااااي.
ظل يصرخ بلا جدوى ولا فائدة على ضناه التي ماتت بين يديه قبل أن يجبر قلبه وتقر عيناه بها. حلم السنين أن يكون أبا. لأنه عاش ابنا وحيدا. رحل قبل أن يتعمق ذاك الحلم ويبتسم له. وكان ذلك نبض الوجع الأول الذي ناله ماهر من الغرام. ولكنه الوجع الأكبر والقاسم للظهر.
دلفت رحمة إليه بملف القضية التي سهرت عليه. فقد وكلها بتلك القضية أن تفهم مغزاها وتأتي له بالحل الجذري بها. وحقا كانت صعبة.
نادت عليه كثيرا وكثيرا. ولكنه كان شارد مغمض العينين. وفاق أخيرا من شروده وفتح عيناه اللامعتين بالدموع. وفور أن رأته بتلك الحالة تخبط القابع بين أضلعها هلعا على معشوق الروح ومعذبها. اقتربت منه بلا هوادة وسألته بخوف:
_ مالك ياماهر وشك مقلوب أكده ليه! في حاجة حصلت لاسمح الله؟
بعينين قاتمتين وغضب عارم على صوته:
_ إنتي إزاي تدخلي المكتب من غير ما أديكي الإذن يابني آدمة إنتي؟
تراجعت بضع خطوات للخلف وهي تنظر له بصدمة من طريقته الفظة معها. ولكن ليس هذا ما يزعجها. فهي أصبحت تحفظه عن ظهر قلب. فهي اقتحمت عزلته وهو في أشد حالات ضعفه. ورأت عيناه اللامعتين بالدموع.
إياكم أن تستحقروا دموع الرجال.
فدموع الرجال لا تسقط إلا عندم تكون فاقت الهموم فاقت قمم الجبال. الرجل لا يبكي إلا لسببين.
الأول حين يفقد أحد والديه.
والثاني حين يعشق امرأة حد الجنون.
ولا تكون من نصيبه.
ويحزن الرجال لفراق الوطن وغياب الأحبة.
يبكي الرجال عند ما يسقط كبرياؤه وعزته وتغلق الدنيا أبوابها عليه.
يبكي الرجال عندما يكون كرمه أخضر.
كان الجميع معه. وعندما يبس الكرم تفرق الجميع وتروكه بمصائب.
يبكي الرجال ولكن في العتمات وتحت الأمطار وعلى الوسائد. لكن دموع الرجال لا تخرج من العين على الخد فيراها الجميع. بل تخرج من القلب وعلى القلب فتظهر التنهدات والنظرات وتجاعيد الوجه وبياض الشعر ورجفة اليدين. هكذا يبكي الرجال.
ثم اصطنعت الزعل وتحدثت وهي تعطيه ظهرها تنتوي الخروج:
_ تمام.
قام من مكانه بحدة وهو يركل الكرسي بقدمه مما جعله طار ناحية الحائط وأصدر ضجيجا أرعبها. جعلها أدارت وجهها له ورأت علامات الغضب لا تبشر بالخير على وجهه. وفجأة اقترب منها وفاجأها بمسكه له من ذراعها. لأول مرة يهزها بعنف وهو يهذي بكلماته الغاضبة. وكأنها بفعلته تلك وضعت البنزين على النار مما جعل غضبه سريع الاشتعال:
_ هو بمزاجك الدخول والخروج! ولا إنتم مفكرين إنكم هتمشوا الكون على كيفكم؟
علمت أنه الآن كان داخل قوقعة الماضي الأليم الخاص به. وأنه ليس في عقله. وحتما وجب عليها مجاراته كي تجعله يستفيق. فهي قررت أن تجعله يخرج ما في صدره ويكبس على أنفاسه. ولن يكن ذلك إلا باستفزازه:
_ أه طبعًا بمزاجي وعلى كيفي. أني حرة ياماهر وانت مليكش حكم عليا ولا صالح بيا.
هزها بعنف أكثر من ذي قبل. فقد أشعلت الفتيل وأوقدت الحريق بداخله. فلتتحمل ماذا يحدث لها الآن. ثم ذهب ناحية الباب وأحكم إغلاقه. مما جعل ناقوس الخطر يدق على ناقوس جسدها. وصارت لا تقوى على الحراك من هيئته الغاضبة. ولوهلة شعرت بحماقتها. ثم عاد إليها ينظر إلى جسدها كالأسد الجائع. وما إن رأى فريسته حتى انقض عليها. أمسكها من ذراعها متحدثا بفحيح. ولأول مرة ترى تلك النظرة:
_ مين قال إنه بمزاجك يابت امبارح!
مش قبل ما تدخلي عش الدبور تشوفي الأول هتعرفي تتحملي قرصته ولا لا.
لم تشعره بالخوف ولو لبرهة واحدة، فهي رحمة المهدي ولم تعهد ذاك الخوف. وردت عليه بقوة:
_ مين قال لك إني مش هتحمل؟ لا يا ابني أنت متعرفنيش. لا دبابير بخاف من قرصها، ولا ثعالب بخاف من مكرها، ولا أسود بخاف من زئيرها الواهي اللي اعتادوا عليه عشان يخوفوا اللي قدامهم.
أنهت كلامها ثم ضغطت بحذائها ذي الكعب الحديدي على مشط قدميه بقوة غليظة لا تناسب جسدها الضئيل، مما جعله يفلت يديه من حركتها المفاجئة ويتوجع. ولكن لم يتأوه كي لا يشعرها بضعفه، وهي تردد من بين أسنانها بحدة:
_ خليك بطل وجنتل وواجه من غير فرد عضلاتك على واحدة ست يا متر.
لم يلقِ بالا لكلامها المستفز، ووضع يديه على صدرها وأزاحها ناحية الحائط قائلا ببرود قاتل:
_ خليكي على مبدأك يا سوبر هيرو واجمِدي كده عشان هوريكي الجحيم على الأرض دلوقتي يا بت سلطان.
وعلى نفس تثبيته لها في الحائط وقبضته كما هي، جذب ريموت الشاشة وأشعله على موسيقى عالية كي لا يسمعه من بالخارج. فتحدثت هي:
_ إيه؟ هتطلع عقدك عليا دلوقتي يا متر ولا إيه؟
ثم ضربته بقبضة يداها الصغيرة في صدره مرددة بعصبية:
_ فوق يا ماهر، ما يليقش عليك الحاجات دي! اطلع بقى من قوقعة الماضي الفارغة اللي عايش فيها بقالك سنين وهتضيع الباقي من عمرك.
جز على أسنانه بغضب من طريقتها المستفزة له:
_ إنتي مالك بالماضي، ملكيش دعوة بيه.
واسترسل حديثه الغاضب:
_ وبعدين إنتي بقيتي تدخلي كتير في اللي ميخصكيش واللي مديكيش الإذن تتكلمي فيه.
كانت تنظر إلى قبضتي يديه المحكمة بشدة عليها، وداخلها يرتعب، ولكن نظرة عينيها تدل على الصرامة، مما أوحى له أنها لا تهابه، فيزداد العند أكثر من ذي قبل ويتوعد لها أكثر من ذي قبل.
ثم تحدثت وهي تحاول إفاقته بطريقة أكثر برودا:
_ هو إنت مفكر إنك بطريقتك دي هتخوفني منك مثلا؟ أو المفروض إني أبوس إيدك وأقول لك بعد عني وسيبني أخرج؟
واسترسلت حديثها وهي تحرك رأسها بنفي:
_ متخلقش لسه اللي يخوف رحمة سلطان المهدي، ولا يهز لها شعرة، ولا إنه يدخلها الجحيم، غير رب العباد لو حكم عليها بكده.
استدعت شياطين الإنس والجن الآن بقوتها أمامه، فهو لا يحب المرأة القوية لأنه تذكره بتلك الفرح، فقد كانت قوية لأبعد الحدود وهو كان ضعيفا في محبته أمامها، ومنذ أن ذاق منها الويلات وانهارت حياته على يديها وخسر نفسه من عنادها وكبريائها وتجبرها. عاهد نفسه منذ ذاك الوقت بأن لا يعرف الضعف طريقه أمام أي أنثى، وتلك الرحمة أقوى من أي أنثى. نظراتها تحوي شراسة كنظرات الصقر الذي لا يهاب أحدا، مما جعل بداخله يتحداها.
فاقترب منها وهو مغيب، وعقله قد رفع عنه الآن، ونزع حجابها من على رأسها بوحشية آلمتها وجعلها لم تصدق أنه سيفعل بها ما لم يخطر على بال بشر. واقترب من شفتيها وكاد أن يقبلها، إلا أنها بأظافرها الطويلة غرستها في وجنته بقوة جعلته يتأوه بصوت عالٍ وسحب يديه كي يمسح دماؤه. فتحركت من مكانها صوب المكتب، وعلى الفور أمسكت بمقلم الأظافر الذي أمامه وصدرته في وجهه هادرة به:
_ لو قربت مني هقتلك وهقتل نفسي يا ماهر.
اقترب منها ولم يهمه تهديدها وهو يصيح في وجهها:
_ اقتليني يمكن أستريح من عذابي والدنيا المرة اللي أنا عايش فيها. خلصيني من حياتي وريحني من قلبي اللي خلاني أحبها قبلك وماتت، بس قبل ما تموت كانت أنهت على كل حاجة حلوة في حياتي.
واسترسل وهو يبتعد عنها ويجلس على الكرسي بروح منهكة:
_ مسبتلكيش حاجة حلوة تعيشيها معايا. مسبتلكيش غير الوجع والروح المرهقة اللي هتخلي حياتك معايا مملة، ملهاش طعم ولا لون ولا ريحة.
شعرت بآلامه ومدى قهره، ويا ويل الرجال حين يقهروا. رغم ما فعله بها الآن، إلا أنها تعلم أنه ليس على طبيعته، ولم تهب منه أو تحزن منه، بل حزنت عليه وعلى ضيقه المهلك له.
فجذبت حجابها وارتدته على رأسها وثبتته بإحكام، ثم جلست أمامه ولم تبتعد عنه إلا مسافات قليلة، وبدأت بتقويته:
_ إنت مالكش صالح بيا، ومتربطش علاقتي بيك بعلاقتها اللي ماتت واندفنت ببعض. أنا حاجة وهي حاجة تانية خالص. يعني مثلاً، هي كانت بتحب الضوضاء والسهر والشرب والشغب. أنا عكسها خالص، أنا بحب الهدوء ومليش في السهر ولا حوارات الديسكو. أنا من طينتك يا ماهر، صعيدية شكلك بالظبط. عاداتنا واحدة وتقاليدنا عارفينها وحافظينها. إنت اخترت طريقك غلط من البداية وكملت فيه وعاندت التكافؤ الاجتماعي، بالظبط شكل ما تكون عملت الشاي بالملح هنا. جسمك كله هيرفض الحاجة الغريبة دي، وعشان إنت تعبت في عمله رفضت ترميه لحد ما قرفت وبطنك وجعتك وكرهت الشاي بسبب غلطك في الأول.
واسترسلت حديثها وهي تحثه على أن ينسى الماضي:
_ وبعدين مالك يا حضرة الأفوكاتو يا اللي دارس الشريعة والقانون. إنت بتعترض على حكم ربنا في ابتلاءه ليك؟ انسى يا ماهر ومتبقاش قانط من رحمة ربنا وتكتب من القانطين عندي.
رفع رأسه ولأول مرة منذ عشر سنوات ينظر لأحدهم بذاك الضعف وهتف بوجع:
_ طب هي وهتتعوض بتي اللي ملحقتش أسمع صوتها. اللي فارقت الحياة من قبل ما تبدأها. اللي ماتت بسببها أنساها كيف؟
ابتسمت له وأجابته:
_ عمرها كده في الدنيا. وبعدين بص لها من الناحية الإيجابية، مش لو كانت جت الدنيا وشافت أمها بالشكل ده، كانت هتبقى حياتها عاملة إزاي وكانت هتتربى في البيئة اللي إنت مش راضي عنها دي إزاي؟ لو بصيت لها من ناحية الصح يا ماهر، هتعرف إن ربنا كرمه كبير قوي علينا، وإن الحاجة اللي إحنا شايفينها صعبة ومستحيلة ومن حقنا نعيشها ونلمسها وسبحانه بياخدها مننا ظلم. لا، دي ظلم لنفسنا إحنا. وبعدين "وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون". فوق من غفوة الماضي وعيش الحاضر وكفاية ألم سنين بحالها.
وأكملت حديثها وهي تنظر له بعشق:
_ في ناس حواليك بتحبك وبتتمنى وجودك في حياتهم ومش عايزين من الدنيا غيرك يا ماهر.
قبل أن يرد عليها، صدح صوت الأذان عاليا هز قلبه وجعله عاد إلى عقله المفقود. وقام من مكانه، وخفض صوت الموسيقى، وردد وراء المؤذن ما يقوله بقلب خاشع، مما أعاد الطمأنينة إلى قلب تلك الرحمة. وبعد الانتهاء، ردد الدعاء المعروف عقب الأذان، فـلسانه تلقائيا معتاد عليه لما له من فضل عظيم.
ثم عاد إلى مكانه وجلس أمامه معتذرا عما فعله بها وعن وحشيته معها:
_ أنا بعتذر لك عن اللي حصل، كنت خارج إرادتي ومعرفش عملت كده إزاي، وخصوصي إن الهمجية مش طبعي. وبعد كده لما تلاقيني في الحالة دي، سيبني لحالي.
على نفس نظراتها المبتسمة، تشبثت برأيها بوجودها جانبه كي تدخل السرور على قلبه وتشعرها بمدى أهميته عندها:
_ مش هسيبك مهما يكون يا متر. إنت بقيت قدري المتعب، بس على قلبي زي العسل.
أخذ نفسا عميقا ثم نبهها:
_ هتتعبي معايا قوي، وإنتي لسه صغيرة على التعب وياي عاد يا بت الناس.
_ مهما كان التعب ومهما كانت الأشواك هتحملها. أنا عارفاني مبحسش بطعم الحاجة السهلة، لازم أتعب وأعافر عشان لما تبقى ملكي أحس بطعمها الجميل ومفرطش فيها واصل.
_ يااه، أحلامك لسه خضار ملوثتهاش المبيدات البشرية. عشان كده بحذرك، اختاري لك طريق سهل ومتزرعيش في أرض بور مش هينوبك منها غير خراب زرعتك اللي أهلكتك وقت ومجهود.
_ متقلقش، طالما العود خضار يبقى هيتحمل أي عاصفة تواجهه. الرك على الأصل يا متر.
_ تمام، يعني موافقة أجي أتقدم لك، واللي فيه الخير يقدمه ربنا؟
إلى هنا، انقلبت نظراتها المبتسمة إلى وجع، ثم ابتلعت ريقها وأجابته:
_ مش قبل ما أسمعها منك يا ماهر.
ادعى عدم الفهم:
_ هي إيه دي اللي عايزة تسمعيها بالظبط؟
أردفت بحاجب مرفوع ونظرة غاضبة:
_ والله! إحنا هنلعبوا حاوريني يا كيكا ولا إيه! ولا إنت هتشغل دماغ خط المحاكم على رحمة يا متر. إنت فاهم كويس أنا أقصد إيه.
لم يريد الخوض في تلك الأحاديث أكثر من ذلك وتهرب من حصارها متسائلا إياها دون أن ينظر إليها:
_ قولي لي عملتي إيه في القضية اللي كلفتك بيها؟ عرفتي توصلي لحاجة تدل إن ده مش السارق وإنه بريء؟
فهمت من تهربه أنه ما زال يكابر، ففضلت الهروب معه أيضا، فتلك اللحظة ليست مناسبة لذاك الاعتراف:
_ تمام. لسه موصلتش لنتيجة، بس قربت، وأوعدك هبهرك.
ثم قامت من مكانها قاصدة الحمام الموجود في الغرفة، وجلبت علبة الإسعافات ووضعتها أمامه قائلة بمداعبة وهي تشير إلى جرح وجهه:
_ اتفضل يا متر، داوي وشك، لأن شكل حد رسم لك خريطة مصر عليه.
رفع حاجبه باستنكار وأمسك المرآة ورأى وجهه وانصعق من مظهره، وكاد أن يلقي بغضبه عليها، وجدها اختفت من أمامه خوفا على نفسها من رد فعله. فابتسم أخيرا على أفعال تلك الصغيرة وبدأ بمداواة جرحه.
***
في منزل سلطان، عاد عمران وسكون، وجدا البيت هادئا وساكنا، فرحمة لم تأتِ من المكتب بعد. كادت سكون أن تدلف إلى غرفة زينب للاطمئنان عليها، إلا أن عمران منعها:
_ لا، متقلقيهاش، سيبها نايمة. أنا مابصدق إنها تبطل سهر وفكر وتنام وتريح أعصابها شوية.
هزت رأسها بتفهم ثم صعدت بجانبه. ولكنه نظر حوله يتفحص ما إذا كانت تلك الحية موجودة أم لا، ولكنه لم يراها ولم يسمع لها صوتا. وسيارة والده لم تكن في الخارج، فاستشف عدم وجودهما. وعندما صعدا إلى الطابق الثاني، فجأة حملها بين ذراعيه مما جعلها تتأوه من فجأته وهي تحرك قدميها في الهواء باستنكار:
_ آآآه! في إيه؟ إيه اللي جرى لك بس! نزلني يا عمران، لاحسن حد يشوفنا ومنظري يبقى وحش.
غمز لها بشقاوة ثم قبلها من وجنتها قائلا:
_ عبد الباسط حمودة بيقول إيه؟ بيقول "الجو هادي خالص والدنيا هص هص وأنا وإنت ياحبيبي ونجوم الليل وبس".
ضحكت بشدة على مراهقته ومشاغبته وطريقته، وعضت شفتيها السفلى بخجل:
_ وه!
انت عايز ايه بالظبط وناوي على ايه؟
نظر إليها باشتهاء:
ناوي على كل خير بإذن الله، بس إنت روق معايا اكده يابطل.
شهقت بذهول من طريقته:
لااااا، معقولة عمران الرزين بيقول الكلام دي؟ والله مامصدقة حالي!
أدخلها شقتهم وأنزلها أرضا، وجذبها من خصرها قائلا:
عمران يقول للفرسة بتاعته كيف ماهو عايز، ويدلعها وينسيها اسمها كماني.
ثم ألصقها بأحضانه وداعب وجنتها مكملا:
هو إنت مش عايز تدلع يابطل ولا ايه؟
تململت بين يداه تحاول الفكاك:
أني تعبانة ياعمران ونفسيتي النهاردة خلت مودي مش تمام، ممكن أدخل أنام دلوك وبعدين نشوف حوار الجو الهادي دي بعدين.
ضربها بخفة على كتفها ناهرا إياها:
ده نجوم السما أقرب لك من اني أفوتك النهاردة، أني صاحب مزاااج وعليكي وعد ولازم تنفذيه وحوار الخلعان دي سبيكي منيه علشان مهيجبش فايدة مع عمران ياعيون عمران.
قطبت جبينها بعبس وابتعدت عنه:
وعد! وعد ايه دي إن شاء الله ياسي عمران.
جذبها إليه عنوة فارتطمت بعظام صدره القوية:
آآآه، ده إنتي بتنسي بقي ياداكتورة؟ تمام أفكرك لما كنتي بتستنجدي بيا عند ماجدة اني أبعد عنيكي وساعتها وعدتيني انك لما ناجي بيتنا هتعيشيني ليلة ولا ليالي الف ليلة وليلة، صوح ولا اني غلطان؟
التوي ثغرها باستنكار وادعت عدم الفهم:
أني مفكراش الكلام دي، بعد بقي ياعمران وبلاش شغل عيال صغيرة اني هموت وانام من التعب.
عقد حاجبيه بعدم تصديق ثم قال ساخرا من طريقتها:
بعد بقى ياعمران! طب واللي خلق الخلق ياداكتورة لاهترقصي الليلة لعمران والتعب دي هتشوفيه على حق، ومن الاخر انسي.
لوت فمها وتحدثت بنبرة ساخطة:
أرقص! أني مبعرفش أرقص بذمتك شفت دكتورة كان كل حياتها كتب ومذاكرة ومراجعات بيعرفوا يرقصوا؟
ضم حاجبيه وعبس وجهه وسأل مستفسرا بدهشة ظهرت على معالم وجهه:
ياراجل! طب قولي كلام غير دي، داي عيوني دول شافوكي وانتي بتميلي كيف الفراشة يمين وشمال يوم حنتك ياداكتورة.
ثم مط شفتيه بامتعاض:
إنتي معرفاش إن الكذب حرام واكده هتدخلي النار!
أفلتت يداها من يداه بخفة ثم جرت من أمامه ودخلت غرفة الأطفال وكادت أن تغلق الباب عليها إلا أنه لحقها وأمسكها من رقبتها قائلا وهو يأخء أنفاسه بصعوبة من أثر لحاقه بها:
آه، إحنا فينا من اكده، طب وعهد الله ياسكون ماهتنامي الليلة والسهرة هتبقى صباحي.
زاغت أعينها من أمره وصارت تعترض بدلال ولكنه لايبالى لاعتراضها ولو لحظة.
ثم جذبها من يدها ناحية حجرة النوم ووقفا أمام خزانة الملابس وانتقى ثوبا خصيصا لتلك الوصلة وهو ينظر له بانبهار:
يالا يا حلوة خدي دي البسيه وتعالى اوفي بوعدك، أني عايز أشوف راقصات شارع الهرم اللي بيتحدتوا عنيهم وعن رقصهم النهاردة كلياتهم فيكي، يالا ياسكوني.
دبت بقدميها أرضا من تحكماته ثم تمتمت باعتراض:
وه ياعمران هو انت متجوّزني من كباريه ولا ايه؟ والله حرام وميرضيش ربنا اللي هتخليني اعمله دي! وبعدين انت ممراعيش تعبي ولا ايه.
خلع قميصه وأصبح عاري الصدر وجلس على الأريكة آمرا إياها:
ان مكانش دي اللي يرضي ربنا ايه اللي يرضيه! وبعدين ياداكتورة في حد يطول الدلع وميتدلعش والله إنتي بترفصي النعم.
ثم أشار إليها ناهيا ذاك النقاش:
يالا ياسكوني متضيعيش الفرص وورينا جمالك الفتاك اللي وقع قلب العمران وانتي بتتمايلي كيف الفراشة.
دبت بقدميها أرضا وبدأت بتنفيذ ما يريد.
ارتدت ذاك القميص الذي اختاره لها، واختار المزمار البلدي كي ترقص عليه فهو عاشقا له.
وبدأت تتمايل بخفة على أنغام الموسيقى وعيناه تتآكلها بأفعالها المثيرة له ولقلبه.
وأثناء رقصتها تمايلت عليه فجذبها بوله هامسا جانب أذنها:
ده إنتي طلعتي مهلكة ياشبر واقطع، على النعمة بطل الأبطال ياداكتورة، ها ياداكتورة.
ثم أكمل همسه:
كنتي بتتعلمي الحركات اللولبية داي في الكلية يا أم كتب وطب ومبعرفش أرقص.
ده إنتي حركاتك وقعت قلب عمر بين ايديكي.
همست هي الأخرى برقة جعلته هائما في سماء عشقها متلهفا ان يلتهم شفتاه بين شفاها ويسقيها شهده ألوانا وألوان:
ياه ياعمران ده انت امك داعية لك في ليلة قدر إن ربنا يرزقك بالحلا كلياته.
ثم أكمل وهو يحتضن وجنتاها بين يداه ويتنفس أنفاسها وعيناه تلتهما بعشق:
تعالى يابت قلبي، ده إنتي ليكي في قلب عمران اللي ميكونش لغيرك من ستات الكون كلياته.
ثم سحبها لعالمهم الخاص عالم سكون وعمران بالتحديد غير أي عالم لم نسمع عنه منذ قديم الزمان، عالم شهريار وأميرته شهرزاد، عالم الألف ليلة وليلة، يحاكيها فيها من غرامه مايليق بها وهي تنسحب معه رويدا رويدا وتبحر بمهارة فهي امرأة عاشقة حد النخاع.
وبعد قليل فاقا كليهما على صوت سلطان يهز ارجاء المنزل:
عمران، إنت ياولد، انزل لي حالا.
فزعا كليهما ثم هتفت سكون بذعر:
كفى الله الشر حوصل إيه؟
قوم ياعمران شوف الحاج ماله، لايكون حوصل حاجة عفشة لاسمح الله.
انتفض عمران وهو يمسح على شعره بغضب ثم جذب جلبابه:
ياساتر يارب، آه هو داي هدم اللذات بعنيه وباينها ليلة مفيتاش.
ثم أكمل وهو يحذرها:
متتحركيش من مكانك مهما حوصل ولا تفارقي سريرك.
ثم غادر الغرفة وهبط للأسفل راي والده في حالة هائجة يرثى لها:
شفت امك الست الكمل مكفهاش انها كسرت لها ضلعها وجبسناه إلا أنها لمت خلجاتها وهملت بيتها من غير اذني.
اتسعت مقلتي ذاك العمران ناطقا بدهشة وهو يجري ناحية غرفة والدته:
وه هي أمي مش اهنه! أني قلت انها صلت العشا ونامت بدري فمدخلتلهاش.
وصل للغرفة لم يجدها ثم عاد لأبيه سائلا إياه:
حوصل إيه لدي كلياته يابوي؟ عميلت ايه حرمك المصون خلت الحاجة زينب همّلت بيتها اللي سكنته لغيرها وحرقت قلبها وانوى منيك يابوي.
دب سلطان بعصاه أرضا ثم نهره:
الزم حدك وانت بتتحدت ويا ابوك ياولد وإذا كانّت هي أمك فآني بوك ومن الواجب عليك تتحدت زين وياي ومتعليش صوتك علي ولا تقف تحاسبني.
لم تستطيع سكون الاستمرار في غرفتها أكثر من ذلك ثم ارتدت عبائتها وهبطت إلى الأسفل. وقفت بجانب عمران وهتفت بنبرة قلقة:
وه مالك ياحاج بس كل شي هـيـبقى تمام بس انت هدي حالك.
هدر بها سلطان وهو في عز غضبه لأول مرة:
بعدي إنتي يابت الأصول ياللي فضيحتكم بقت على كل لسان ماهو كله بسببكم إنتي وأختك المصون.
انزعج عمران من طريقة والده معها ثم نظر إليها آمرا إياها بحدة:
هو أني مش منبه عليكي متفوتيش أوضتك واصل. اتفضلي ياداكتورة على فوق يااااالا.
انجرحت بشدة من كلام سلطان وصوت عمران العالي لها والتمعت الدموع في عينيها ورآها كليهما مما جعل قلب العمران يلومه في تلك اللحظة على صوته العالي عليها. ثم تركتهم وصعدت الأدراج وصوت بكائها وصل إلى مسامعهم مما جعل عمران لأول مرة يتحدث بتلك الطريقة مع أبيه ولكن من أفعاله:
لو سمحت يابوي مينفعش تتكلّم ويا مرتي وتزعّق لها بالطريقة داي.
دي مهما كان بت ناس واللي مترضهوش على خواتي مترضهوش على بنات الناس.
هدر به سلطان:
مش لما تـبـقى بت ناس ياسبع الرجال.
استمعت سكون الي كلماته الأخيرة مما جعلها انصـقـت ووقفت مكانها تنظر في عيناي كلتاهما بصدمة من أعلى الأدراج.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم فاطيما يوسف
لو سمحت يابوي مينفعش تتكلم ويا مرتي وتزعق لها بالطريقة دي.
دي مهما كان بت ناس واللي مترضهوش على خواتي مترضهوش على بنات الناس.
هدر به سلطان:
_ مش لما تبقى بت ناس ياسبع الرجال.
استمعت سكون إلى كلماته الأخيرة مما جعلها تنصت ووقفت مكانها تنظر في عيني كلتاهما بصدمة من أعلى الأدراج.
وحقا استفزتها كلماته فهتفت من بين دموعها بضيق:
_ وعشان أني بت أصول وبت ناس مش هرد عليك يابابا الحاج ياللي اعتبرتك في منزلة بابا الله يرحمه.
ألقت كلماتها وتركتهم وأكملت صعودها وهي تبكي. كل ذاك الهراء وتلك وجد تجلس مكانها تشعر بالسعادة العارمة.
ثم لامَه عمران بهدوء فهو مهما كان أبيه:
_ ليه يابوي أكده! مفتكرتش قول ربنا "وأما اليتيم فلا تقهر". شفت منها إيه خلاك انقلبت عليها أكده وتسمم بدنها بالطريقة دي؟
واسترسل حديثه وهو يصعد الأدراج كي يراضي زوجته التي جرحت كرامتها من أبيه:
_ الله يسامحك يابوي. الله يسامحك.
لم يعتري سلطان لغضبه اهتمامًا ولكنه أكمل حديثه بنفس الحدة:
_ كأنك هتحاسب أبوك يقول إيه وميقولش إيه.
وبعدين أني مأذنتلكش تمشي قبل ما أخلص كلامي.
التفت ثانية وهو يسأله:
_ قول كيف ما أنت عايز يابوي. هي خلاص النفوس شالت والوقيعة حصلت من ولاد الحرام اللي عنيهم على أني ومرتي وأمي.
لم يلقي سلطان لعتابه بالًا وأمره:
_ تروح تجيب أمك من بيت أبوها وتعرفها إني ما عنديش مرة تفوت بيتها وإلا هروح لها هناك وهفرج عليها الناس. ومبقاش راجل إلا لما أرجعها غصبًا عنها النهاردة. فقول لها تبطل جلتها دي وترجع أحسن، يمين بعظيم ما هفوتها لها على خير.
انزعج عمران من طريقته وعلى صوته بعض الشيء:
_ لو سمحت يابوي أمي ست كبيرة وليها قيمتها وميتفعش أصلًا تتعامل وياها بالطريقة المهينة دي. دي الحاجة زينب بجلالة قدرها فبلاش الطريقة دي.
حدجه بريبة ونهره بحدة:
_ جلالة قدرها دي عليك أنت يابن أمك. أما أني جوزها يعني واجب عليها تطيع أمري ومتعصنيش وإلا ربنا يغضب عليها.
عادت رحمة من عملها للتو وسمعت صوت أبيها الغاضب وتسائلت بدهشة:
_ وإيه اللي هيحصل؟ استهدوا بالله يابوي أنت وعمران صوتكم طالع بره.
وجه سلطان حديثه إلى رحمة:
_ كويس إنك جيتي تروحي وياه عند أمك وتعقلوها. ودي آخر كلام عندي.
ثم نظر إلى وجد آمرًا إياها:
_ يالا قومي على شقتك ورجلك متخطيش تحت وإلا هكسرها لك هي كماني.
نفّس غضبه في وجههم وتركهم وغادر المنزل.
ثم تحدثت رحمة وهي تنظر إلى تلك وجد:
_ عملتي إيه يابوز الأخص؟ إنتي خليتي الحاجة زينب تفوت بيتها!
ثم اقتربت منها وجذبتها من حجابها بعنف آلمها:
_ دي أني هخلي اللي ما يشتري يتفرج عليكي النهاردة من اللي هعمله فيكي يا واطية إنتي.
ثم اقتربت عليها وكادت أن تضربها بسبب غلها مما فعلته بهم من عدم ارتياح إلا أن عمران جذبها من يدها مرددًا بسخط:
_ وهفوتك من الزفتة دي وتعالى معايا ليها روءة بعدين.
تنفست وجد الصعداء وقامت من مكانها وهرولت إلى الأعلى وهي تحمد ربها أن أنقذت من يدي تلك الرحمة.
صعدا رحمة وعمران إلى غرفتها ثم تحدث عمران بغضب:
_ شفتي الحاج سلطان عمل إيه وقال إيه لسكون!
كان يتحدث وهو يدور في المكان بغضب عارم لو كان أحدًا غير أبيه من تحدث بتلك الطريقة لزوجته لكان الآن في عداد الموتى ولكنه أبيه ولا يقدر أن يرفع صوته عليه، فتلك تربية زينب الراقية لأبنائها.
فسألته رحمة بذعر لما رأت حالة الغضب الظاهرة على وجهه ودورانه حول نفسه في المكان بهوجاء:
_ إيه اللي حصل؟ انطق يا خوي قلبي اتلخبط.
وأمي راحت فين وهملت مكانها؟
تنهد بثقل وألم نفسي انتابه جراء كلمات أبيه الذي جرح بها زوجته وأمامه وهو لم ينطق:
_ أبوك جرح سكون ورمى لها كلام زي السم محدش يقبله أصلًا. هو تقريبًا عرف باللي حصل لمكة أختها وشكل مرته الملعونة سمت دماغه وأمك سمعتهم فمتحملتش واتعاركوا.
بمجرد أن سمعت كلامه تشعب الغضب في رأسها وتكاثر بلا حدود من أفعال تلك الشيطانة التي توقد جيوش الحرب والوقيعة بينهم وهدفها تفرقة ذاك المنزل.
ثم نظرت للأمام بعينين تلتمعان بانتقام من تلك وجد:
_ الله الوكيل لآهندم البنت دي على اللي بتعمله ويانا وهخليها تقول ارحموني وتتمنى الرحمة من رب العباد ينجدها من اللي هعمله فيها ومش هتطولها.
شجعها عمران قائلاً:
_ البنت دي عايزة تخطيط جامد من اللي يجيب من الآخر ويخليها تخرج من البيت ومن البلد بلا راجعة. أو نوقعها في شر أعمالها ونسلمها لعزرائيل بإيدينا ونخلص منها لأننا مش هنعرف نعيش وهي وسطنا.
حركت رأسها بتفهم ثم عرضت عليه:
_ البنت دي هتتراقب من النهاردة وهحط لها كاميرات صوت وصورة في أوضتها وفي لبسها الخروج كله. وهشوف لها واحد يراقبها زي ضلها. وان ما خليتها تندم على اليوم اللي فكرت فيه تدمرنا مبقاش المحامية رحمة سلطان المهدي.
ضيق عينيه وتساءل بعدم فهم:
_ هتحطي لها كاميرات مراقبة في هدومها كيف يعني ماهي الهدوم هتتغسل؟
أجابته سريعًا:
_ دي كاميرات مراقبة صغيرة جدًا مخفية على شكل مسمار حائط. بتشتغل بالواي فاي. تصوير وتسجيل فيديو وصوت وصورة مراقبة مباشرة عن طريق التليفون عن بعد. وضد المياه لمدة ٢٥ يوم. واحنا مش محتاجين أكتر من كده نجيب آخرها فيهم. بس محتاجة أظبط وقت أحطهم في أكتر هدومها بطريقة مخفية. والوقت ده مش هيكون غير وهي رايحة للدكتور هتاخد لها ساعتين وزيادة.
نظر إليها بصدمة من معلوماتها:
_ مطلعتيش سهلة يابت أبوي.
واسترسل حديثه وهو ينظر لجسدها الضئيل:
_ أما صح، يوضع سره في أضعف خلقه.
ضحكت بخفة لذهوله وهتفت وهي تشير على حالها بنبرة إطرائية:
_ أمال أنت مفكر إيه؟ ده أني الباش محامية رحمة المهدي اللي بإذن الله ها ترج محاكم قنا كلها في يوم من الأيام.
لكزها بخفة على كتفها قائلاً باعتراض:
_ إنتي محسساني إننا رايحين نوقع بلد. دي حتة بت لا راحت ولا جت. هجيبها تحت رجلي وأقطع لها لسانها ورجليها وأخليها عايشة ولا تسوى وأريح الكل منها.
اتسعت مقلتيها بذهول:
_ وه وتبقى مجرم ياعمران! وتواجه أبوك إزاي بعد كده؟ ده مش بعيد يقتلك فيها يا غشيم أنت.
واستطردت حديثها بوضوح:
_ أخذ الحق حرفة وعلشان الحاج سلطان يطردها بيده يبقى لازم يقتنع ومش هيقتنع إلا لما يشوف الزفتة دي ناوية الشر لبيته ولولده.
تنهد بحرقة وسألها:
_ طب بالنسبة لسكون اللي فوق دلوقتي عاملة مناحة من اللي أبوك عامله فيها؟ هطلع أحط عيني في عينها كيف وأقول لها إيه؟
وكمان الحاجة زينب كماني اللي زودتها بفوتتها البيت ومشيتها منه؟
لوت شفتيها بسخرية:
_ وه هو أني اللي هعرفك تصالح مراتك كيف يا خوي! والله عيب عليك يا عمران! ده أنت بتستعبط يا راجل!
وأكملت وهي تزيحه ناحية الباب:
_ روح أنت راضي مراتك وملكش دعوة بالحاجة وأني في نص ساعة هجيبها وآجي. ومشي دنيتك حكم أني عارفة عقل الستات صغير كده أكده وزمانها بترشف وبتنبر على الجوازة الشينة اللي وقعت فيها والحوارات الفاضية بتاعت الحريم دي.
ضرب عمران كفًا بكف بذهول من لسانها السليط:
_ هو إنتي لسانك ده متبري منك يا خيتي! مانتي أدرى بقى بحوارات الحريم مانتي منهم يا شبر ونص.
واسترسل حديثه باستفسار:
_ طب وانتي ضامنة منين إن أمك هترضى تيجي وياكي؟
أجابته بثقة وهي تشير لحالها بفخر:
_ عيب عليك يا عمران. الله في سماه لآهبات في بيتها النهاردة ومش هسيبها تاني وأتفرج على رحمة لما تشغل دماغها بس. تعمل عمايل تخلي الحديد يلين.
رفع حاجبه وهو على نفس ذهوله مرددًا قبل أن يغادر المكان:
_ طب لما نشوف يا فقيرة طول لسانك وفشخارتك بحالك دي هيحصل ولا له؟
حركت رأسها لأعلى بتأكيد:
_ هتشوف يا قلب الفقيرة. روح صالح مراتك وأني هروح لها وأستنى مني تليفون وتاجي تاخدنا. علشان الوقت بقي متأخر. لما نشوف اليوم المشعوذ ده هينتهي إمتى.
تحرك من أمامها وقال:
_ تمام هستنى تليفونك يابت أبوي.
تركها ثم صعد إلى الأعلى كي يرى سكون والتي بالتأكيد تبكي بشدة بسبب ما سمعته من أبيها. أخذ نفسًا عميقًا واستعد لمواجهة سكون.
دخل إلى الشقة وعيناه تدور في المكان تبحث عنه فلم يجده إلا في غرفة النوم وهي تؤدي الصلاة فاندهش لأنها صلت العشاء معه في جماعة.
وبعد أن انتهت نظرت إليه وجدته يجلس جانبها عندما رآها أنهت صلاتها جذبها من رأسها وقبلها معتذرًا:
_ حقك على قلبي ياسكون. حقك على راسي من فوق. إنتي ست الناس وبت أصول ومن بيت أصول.
ثم نظر أرضًا وأكمل:
_ بس ده أبويا ومقدرش أقف قدامه ولا أعلى صوتي عليه. وهو كان في ساعة غضب بسبب إن أمي هملته لحاله وفاتت له البيت ومشيت. فطلع غله فيا أني وانتي. إني عارف إن ملكيش ذنب ومن حقك تزعلي بس حقك علي إني.
ثم جذب رأسها مرة أخرى وأكمل:
_ وآدي راسك أبوسها. وهاتي يدك كماني.
رفعت جفونها الملتمعة بالدموع وبدلت دمعتها بابتسامة جعلت داخله يخفق وأردفت بدعابة أدهشته:
_ قول بقى إنك جاي وطمعان إنك تكمل وصلة الرقص والفرفشة يا عمراني وعلشان كده عايز تبوس كل اللي يقابلك.
اتسعت مقلتيه بذهول وسألها:
_ وه!
هو انتي مزعلناش من كلام الحاج سلطان وحديته اللي يوجع؟
حركت رأسها برفض واحتضنت وجنتاه بين كفاي يداها:
_ الإنسان في ساعة الغضب ميعرفش هو بيقول إيه وهو أكيد زعلان عشان الحاجة مش موجودة زي ما أنت ما قلت.
وكمان هو من ساعة ما حط يده في يد خالي واعتبرني زي بنته، إني كماني اعتبرته أبويا، ومفيش بت بتزعل من أبوها وبتتقبل منه أي كلام.
نظر إليها نظرة طويلة وهو صامت، ولكن وجهه يحكي آلاف الحكاوى. لسانه عاجز عن نطق الشكر والامتنان لهدية ربه له. نعم، فتلك السكون هدية الله لذاك العمران.
وفجأة سحبها لأحضانه وأدخلها لعالمه، وود أن يدخلها بين ضلوعه ويخبئها من العالم أجمع.
كان يشدد من احتضانها وكأنه خائف من فقدانها، فهي أثمن هدايا القدر له.
ثم همس بجانب أذنها:
_ معقولة يكون ربنا بيحبني قوي أكده!
معقولة يكون راضي عني بأنه رزقني خير النساء اللي قال عنيهم عليه السلام في الحديث: "إذا نظرت إليها أسرّتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك".
ثم أخرجها من أحضانه واحتضن وجنتيها مكملاً بعشق وهو ينظر داخل عيناها:
_ كان أم العمران داعيالك في ليالي القدر اللي في عمرها كله بأن ربنا يرزقه بيكي ياسكوني.
نظرت إليه بعشق وتحدثت:
_ كيف أزعل منك ياعمران وأني حلمت بيك ليالي ملهاش عدد!
كيف أمشي وأهملك وأنت الدنيا بحالها، وأنت نور العين، ومن غيرك تبقى حياتي مضلمة!
عمرنا قصير ليه نقضيه في الزعل والفراق، وخصوصي إنك مليكش ذنب في اللي حصل. إني واثقة ومتأكدة إن عمران عمره ما يهين سكون أبداً ولا يجرحها. إني عشقاك ياعمران، والست اللي بتعشق جوزها بصح لا يمكن تقف له على الواحدة.
أغمض عيناه وتحدث بانتشاء:
_ يوووه على عمران يابت قلبي منكِ! هو انتي ملاك ولا بشر! ولا انتي مش من جنس حوا خالص! يابووي لا تطلعي حلم جميل وأصحى وأعود لكوابيسي من تاني.
أمسكت يداه وقبلتها قبلات متفرقة ومع كل قبلة تردد:
_ له ياعمراني دي حقيقة. سكون بتحبك. ومتقدرش تستغنى عنك. ولا تقدر تفارق أبداً وهتفضل جارك عمرها المتقدر في الدنيا كلياته.
جذبها من يدها وانتصبا كليهما وأحاط خصرها بين يداه ونظر داخل عيناها برغبة ثم اقترب من وجهها وقبلها قبلة احتياج. قبلة الأمان لقلبه تثبت له أنها حقيقة وليست خيال.
وهي الأخرى بادلته قبلته بمثلها وأعطته من الاحتياج لها ما يشعره بالأمان.
أثبتت له أن عقول النساء ليست متشابهة وأن عشقها له أقوى من أي عاصفة أو رياح.
فنصيحتي لكي حواء: كوني لآدم ضلع احتواء. اصنعي البسمة وقت الحزن. أكرميه إن أكرمك ولا تستعلي عليه فالمرأة خلقت من ضلع أعوج ورجلها هو السند.
ابتعد عنها برفق وهي تلتقط أنفاسها بانتشاء من هجوم العمران عليها. ولكن هي امرأة عاشقة بين يدي رجل عاشق متلهف فما عليها سوى الطاعة العمياء.
ثم غازلها بعشق:
_ جميلة إنتي يا سكوني وغير كل الستات. وكل يوم بتثبتي لي إن اسمك لايق على طبعك. يابخت قلب عمران بيكي.
ابتسمت لغزله وأردفت بغزل مماثل له:
_ ويابخت قلب سكون بيك ياعمراني. اللي لو لفت بلاد الدنيا شرقها وغربها مهتلاقيش ضفر عمران.
أما في منزل والد زينب، تحدثت هي ورحمة فيما حدث وعلمت رحمة منها كل شيء.
ثم رددت بفطنة:
_ طب عال قوي تسلم يدك على اللي عملتيه فيها وبردتي نـ.ـارك. بس هي بردو أكده اللي فازت عليكي يازوبة.
اتسعت مقلتيها بذهول وسألتها:
_ انتصرت على مين يابت إنتي! بقولك إني كسـ.ـرت لها ضلعها وخـ.ـزقت لها عينيها التنين وخلتها متسواش. تبقى انتصرت علي كيف!
مطت شفتيها للأمام وأجابتها:
_ كانت المفروض تيجي مجبسة تلاقيقي قاعدة في الجنينة مشغلة الست أم كلثوم وبتشربي قهوتك ساعة العصاري وانتي حاطة رجل على رجل. أما دلوك زمانها بت الجزم دي بتقول علقة تفوت ولا حد يمـ.ـوت. بس طيرتها من البيت وبقيت إني ست الدار.
ضـ.ـربتها زينب على كتفها وهتفت باستنكار:
_ ست الدار مين دي! الدار ملهاش غير ست واحدة بس هي إني.
أدارت رأسها للخلف وهي تبتسم لأنها بسهولة استطاعت استفزاز والدتها وتسهيل مهمتها وأكملت:
_ كان زمان بقى إنتي انسحبتي والمسحوب مغلوب. أما لو عرفت إنك مهملتيش دارك هتـ.ـولع وشوفي بقى هتحس إن كـ.ـسر ضلعها مع كـ.ـسر نفسها من اللي عملتيه فيها وهتقضيها نكد على أبو السلاطين لحد مايزهق من وشها البوم ويطردها طردة الكلاب. وساعتها تقعدي وتحطي رجل على رجل وتاخدي تارك منه وانتي قاعدة في بيتك ست الدار.
زاغت عيناي زينب وشعرت بمدى غبائها ثم تمتمت:
_ أه ياللي تنشكي يابت سلطان. ده إنتي عليكي مكر حريم يودي اللومان. اتعلمتيه فين دي يابت انطـ.ـقي.
ضحكت بشدة على كلام والدتها ثم قالت من بين ضحكاتها:
_ هو المكر بيتعلموه يا زوبة!
دي طبيعة، والست منا في الخديعة مع عدوها لازم تبقى ضليعة.
واسترسلت حديثها وهي تخلع حجابها:
_ أني هقعد بقى وياكي اهنه ونفوتوا مالنا وحالنا وبيتنا لوجد تبرطع فيه بلا سلطان بلا وجع راس. والله بيت جدي هادي وجميل ومريح.
استطاعت استفزازها ثم ضربتها على فخذها آمرة إياها:
_ قومي يابت فزي لمي لي الهدوم اللي جوة دي. هنروحوا بيتنا وهقعد على قلبها لحد ما أفشفش لها ضلوعها كلياتهم لحد ما خليها تقول حقي برقبتي.
_ طب ليه يازوبة؟ اني ارتحت اهنه لهوا بيت جدي. خلينا شوي اهنه وهي تهيص شوي هناك.
_ الله الوكيل يازفتة إنتي لو ماقمتي لاهطين عيشتك. قومي يابت مهديهاش فرصة بت المركوب دي تنتصر علي وهقلعها من البيت وأخلي بوكي يقول حقي برقبتي.
أرسلت رحمة رسالة لعمران أن يأتي إليهم كي يأخذهم، فابتسم لتلك الصغيرة الماكرة فقد فعلتها بحق دون عناء.
ثم دخلت غرفة النوم وعبئت الملابس في الحقيبة، وأتى عمران إليهم ولامها على ما فعلت، ثم أخذهم في سيارته وأوصلهم إلى المنزل، وانتهت تلك الليلة العصيبة.
***
أتى صباح يوم الجمعة، وذاك اليوم أجازة "منة الله" من المكتب، وفي ذاك اليوم تحبذ الخروج إلى ذاك الكافيه المعتاد التي ترتاح به.
فثمة عدد من المقاهي التي لا تزال عالقة في تلابيب الذاكرة، وكان الأدب يعيش فيها في فترات زمنية. كانت تعج بالمناظرات والنقاشات، وتتلاقى فيها الأفكار، وتولد القصائد والمقالات والأغاني والكتب.
ما يميز المقهى الذي تجلس به ويكسبه صبغة ثقافية فريدة، أنه كان مأوى الفنانين التشكيليين الذين كانوا يرسمون فيه لوحاتهم المستوحاة من حي الحسين وخان الخليلي. وقس على ذلك مجموعة أخرى من المقاهي في القاهرة، دمشق، بيروت وبغداد، التي اشتهرت بدورها الثقافي في تنوير المجتمعات وولادة الأدب والفن.
كما أنه يوجد فيها جميع الطوائف من الناس على اختلاف طبيعتهم وحالاتهم الخاصة.
وكانت تلك المقهى التي تجلس بها تريح قلبها وعقلها، ومعتادة على الجلوس بها، فصاحبها العم عبد ربه مولع بالأدب العربي، وقد افتتحها خصيصا لأن تكون ملتقى الأدباء وأصحاب المواهب.
كان الراديو مشتعلا على تلك الأغنية المفضلة لديهم لسيد مكاوي:
أوقاتي بتحلو بتحلو معاك وحياتي تكمل برضاك
وبحس بروحي بوجودي
من اول ما بكون وياك
ويا روحي ساعه ما القاك
مش بس اوقاتي بتحلو
دي العيشه والناس والجو
والدنيا الدنيا بتضحكلي معاك
من كتر حلاوه الايام
ونعيمي وسعدي بلياليك
مش بحسب فات منهم كم
ولا بقدر افكر غير فيك
والليل وياك يساوي زمان
واليوم وياك يساوي زمان
واكتر يزمان من ميه بكره
ده الليل بلقاك انوار وامان
حتى ولو كان من قمره
كانت منة الله تمسك تلك الرواية ومنغمسة بقرائتها، وكعادتها صورت فيديو لها وهي تحتسي القهوة وبيدها الكتاب، وصورت أجواء القهوة مع تلك الأغنية، ثم شاركت الفيديو على صفحتها عبر تطبيق الانستجرام وهي تدون فوق الفيديو:
"ثمة أشياء هادئة وبسيطة نفعلها في أوقات فراغنا بعد أن ننهي عباداتنا ترزقنا السكينة وراحة البال. الآن من مقهى العم عبد ربه حفظه الله لنا وأطال في عمره."
ثم أشارت بتاج "مقهى الأدباء".
في نفس الوقت كان جاسر يمسك الهاتف يتصفحه بإهمال، فذاك يوم أجازته ويفضل أن لا يعمل فيه كي يشحن طاقة إيجابية تجعله متحفزا طوال الأسبوع.
ثم أتى أمامه الفيديو التي شيرته منةالله، وتلقائيا ابتسم وأعاد الفيديو مرارا وتكرارا.
لقد أدخل ذاك الفيديو السرور على قلبه، فلم يجلس في تلك الأجواء ولا مرة طيلة عمره.
فأجواء تلك القهوة تشبه رائحة زمان، وحتى الأغنية التي سمعها في الفيديو لم يسمعها منذ وقت طويل. وفجأة وجد حاله يهاتفها، وما إن آتاه الرد حتى شاغبها:
_ دي إنتي طلعتي صاحبة مزاج عالي اهه. مقهى الأدباء وقهوة وسيد مكاوي وبتقرأي روايات. طب ما تسأل ياعم علينا وشوفنا اكده بنقضي اليوم الكئيب الممل دي كيف وخدينا معاكي نروقوا إحنا كمان.
ضحكت بخفة على مشاغبته وقالت:
_ أصل أني لازم كل جمعة من كل أسبوع بعد ما أفطر أصلي الضهر وأقرأ سورة الكهف وأخلص الورد القرآني بتاعي وأخلص أذكاري، وبعدين ألبس عبايتي الكلاسيكية اللي تليق بجو المقهى وأجيب رواية مفضلة وآجي اهنه. أني وأخويا مدحت، هو بيقعد في ركن الرسم والفنون التشكيلية وأني أقعد في ركن الأدباء أقرأ روايتي لحد ما أحس اني خلاص تعبت، ياخدني يعزمني على الغدا وبعدين أروح هلكانة نوم. بحب اليوم دي باختلافه وأجوائه قووي وبحس اهنه بالراحة.
تعلق قلبه بالروتين الخاص بها. فهي رقيقة حتى في حياتها. فليست كباقي الفتيات تحب الخروج في الأماكن التي يصحبها الضوضاء والشغب. شعر بأنه يريد أن يشاركها تلك الأجواء الكلاسيكية التي تبعث في الروح الرقي. ثم قام من مكانه مردفا لها:
_ طب بقول لك ايه يامنون خليكي جدعة اكده وابعتي اللوكيشن واني طيران وهكون عندك. أصلي حبييت قووي مقهى عمي عبده.
أنصتت له بتركيز، وما أن علمت بقدومه دق قلبها داخلها، وفورا ارسلت له اللوكيشن.
ثم أغلقت ذاك الكتاب وجلست تفكر في ذاك الجاسر الذي اقتحم عالمها برجولته المفرطة.
وهي تحدث حالها:
_ أمن الممكن أن يراني أحدهم يوما ما وأنا بظلامي ذاك ويأتي الي طالبا قربي ويدخلني عالمه؟
العالم الذي قرأت عنه كثيرا وكثيرا. وسرحت بخيالي أميالا وبلادا ووديانا.
أمن الممكن أن ذاك الجاسر احب ألواني القاتمة وحياتي المنعزلة عن ذاك الكون الصاخب ويأتي معي إلى عالم الانغلاق الذي أعيشه؟ ولكن فلأترك أموري يدبرها خالقي كيفما يقدر لي.
وعادت إلى تلك الرواية التي تقرؤها وانغمست فيها بشدة.
وصل جاسر إلى المقهى وبحث عنها، وجدها تجلس في ركن هادئ يليق بها. ساقته قدماه إليها. وقف خلفها يتطلع إلى تلك الصفحة التي تقرؤها وهي تائهة في عالمها. دقق النظر ووجدها تقرأ:
_ أقسى ما كتب نزار قباني عندما قال:
"أخاف أن أحبك جدا، فأفقدك ثم أتألم.
وأخاف أيضا، أن لا أحبك فتضيع فرصة الحب فأندم. أخبرني كيف أحبك بلا ألم؟
وكيف لا أحبك بدون ندم؟"
حقا تلك الكلمات التي كانت تقرؤها تلك المنة. تمعن تلك الكلمات وتفهمها بقلبه وليس بعقله.
ثم فاق على صوتها تردد له:
_ سيباك تخلص كلمات عمنا نزار قباني وترمي السلام يامتر. اتفضل المكان فاضي.
اتسعت عيناه بذهول، كيف عرفت بوجوده؟ ولكن لم يريد أن يسألها ذاك السؤال كي لايجرحها، ولكنه تحدث وهو يجلس:
_ صوح أني هستغرب ليه أكيد عرفتيني من ريحتي ياست منة.
هزت راسها بموافقة:
_ من أول ما صلت وأني حسيت بوجودك.
المهم ايه رأيك في كلام نزار قباني الكبير اللي بيقولوا؟
أجابها بدعابة:
_ بصي هو بيقول كلام عميق واني في العمق آخد صفر في المية.
واسترسل دعابته وهو ينظر للمكان بحب:
_ سيبك من عم نزار قباني اللي يتعب الأعصاب دي وقولي لي إيه المكان الجميييل المريح للأعصاب دي؟ بجد حاجة روعة.
أغلقت الكتاب ووضعته أمامها على المنضدة، ثم تحدثت وهي تشكر ذاك المكان:
_ بحب المكان دي قووي بحس فيه اني مش مختلفة. بحس فيه ان محدش بيبص علي فيه اني حاجة غريبة. أو حد بيتعامل معاي اهنه بشفقة بسبب ظروفي.
حزن داخله لأجلها، ثم قرر تغيير مجرى الحديث كي لا يجعلها تشعر بالضيق في أهم أوقات راحتها النفسية:
_ اني عايز أشرب من القهوة بتاعتك وزييها بالظبط وأسمع سيد مكاوي وأعمل فيديو زي اللي عملتيه يمكن أجذب البنات وياخدوا بالهم مني وان فيه كائن اسميه جاسر المهدي رومانسي ومثقف والحوارات الهبلة اللي بتحبها البنات دي.
رفعت حاجبها باندهاش وسألته:
_ وه هي الحاجات داي هبلة في وجهة نظرك؟ هو في أحسن من الراجل الهادي المثقف الرومانسي؟
دق بأصابع يديه على المنضدة وأجابها وهو بما يشعر به داخله:
_ الراجل اللي تدور عليه الست في وجهة نظري اللي يعرف يحتويها. يحس هي عايزة ايه فينفذه لها من بعيد لبعيد من غير مايوريها إنه إزاي سوبر مان. يعرف يخطف قلبها برجولته بصحيح مش بصور ولا كلام ولا حبة انشا حفظهم في كتاب.
انبهرت بكلامه الذي دوما يشعرها فيه أن المشاعر لاتحتاج للرؤية بالعين فيمكن أن يحس بالمواقف. يريد أن يجعلها تشعر بأنها كمثلها وأنها لاينقصها شيئا عنهم.
ثم سألها بملامة:
_ إلا بصوح كنتي منزلة فيديو ليلة عشية وانتي عاملة بيتزا وكاتبة جنبها صنع ايدي مش عيب يامنون تعملي البيتزا بالطعامة اللي واضحة في الصورة داي وأني باكل عيش وجبنة؟
ضحكت بشدة على طريقته الدعابية ووعدته:
_ حاضر يا متر دي انت تؤمر ليك عندي عزومة على أحلى بيتزا.
_ هو انتي بتعرفي تتطبخي صوح يامنون؟
_ أمال ايه ماما بتجيب لي كل الطلبات اللي بحتاجها واني طبعا حفظت المطبخ بتاعنا والبوتجاز والتلاجة بالواي فاي فبعرف أظبط طبختي اللي بعملها.
حقا شعر بأن الوقت ضاع معها والملل الذي كان يشعر به لم يعد موجودا. لقد سحبته لعالمها الهادئ الجميل ويود الغوص به أكثر كي يعرف حياتها وكي تقضي يومها.
وظلا يتحدثان في كل شئ يأتي ببالهم بتلقائية وهم سعداء بالحوار الراقي مع بعضهم، ثم جاء أخيها الأكبر، وتعارفوا على بعضهم وجلس معهم حتى انقضى الوقت معهم دون أن يشعروا، فحقا الاختلاف في الحالات لايفسد للحب قضية.
****** ****** ***
"في مثل ذاك اليوم ولدت الباش محامية رحمة المهدي وأتت إلى الدنيا فأنارتها. كل سنة وانتي طيبة يا انا."
ذاك البوست الذي نشرته رحمة على صفحتها على الفيس بوك وهي تهنئ نفسها بيوم ميلادها ونشرت صورتها تحت ذاك المنشور في الساعة الثانية عشر صباحا.
كان ذاك الماهر جالسا في حديقة منزله أمام حمام السباحة وفي يده كوبا من القهوة وأمامه ذاك المشعل المضاء بالنار، فالجو كان شديد البرودة في تلك الليلة ولكنه يحب الجلوس في تلك الأجواء الباردة التي تشبه برودة الحياة التي يعيشها.
ثم استمع الى ذاك الإشعار على هاتفه. أمسك الهاتف بملل ثم قرأ الإشعار، وإذا هو تطبيق الفيس بوك يبلغه بأن ذاك اليوم ميلاد المشغبة التي اقتحمت حياته، وللعجب أنها كانت في باله في ذاك الوقت ويفكر بها بأن يرسل لها باقة تهنئة بيوم ميلادها.
وهتف وهو يحادث نفسه ولكن بصوت مسموع:
_ كانك ورايا ورايا حتى في خلوتي مع حالي مش فايتاني.
ثم فتح صفحتها، وتلك أول مرة يفتحها ويجول فيها، فاتسعت مقلتاه عندما رأى صورتها أمامه بذاك الجمال، وكأنه رأى باربي متمثلة أمامه الآن. فقد كانت آية في الجمال بذاك الحجاب الأبيض وعيناها البارزتين بلونهما الأخضر، وترتدي ذاك الزي المهندم الراقي في ذوقه. وكتلة الجمال تشع في وجهه. برزت عروق رقبته من شدة غضبه بسبب تلك الصورة، ولم يدري بحاله إلا وهو يهاتفها.
كانت جالسة وفي يدها ملف تلك القضية التي أرهقتها كثيرا. ثم سمعت رنات هاتفها، فاندهشت كثيرا لأن الوقت متأخر ومن سيهاتفها في ذاك الوقت، ولكن دق قلبها بوتيرة سريعة داخلها عندما رأت نقش اسمه وأنه المتصل. أجابته على الفور، فهي شعرت بالقلق تجاهه، فهو لم يفعلها منذ أن عرفته وعملت معه:
_ السلام عليكم. في حاجة يامتر قلقتني عليك؟
كان يدور حول المسبح وهو لايعلم من أين يبدأ، ثم تحمحم:
_ أممم..
ايه الصورة اللي انتي منزلاها داي؟
لوت شفتيها بامتعاض وهي تنظر إلى الهاتف بغرابة من سؤاله في ذاك التوقيت ثم سألته:
_ مالها الصورة وحشة ولا فيها ايه؟
تنفس بصوت عالٍ ينم عن بداية غضبه:
_ آه وحشة جداً. شيليها يلا حالا.
استمعت إلى أنفاسه الغاضبة وازدادت ذهولاً من رأيه الذي لايمت للحق بصلة ثم أردفت باستنكار:
_ وه مين قال أكده! هو إنت مأخدتش بالك جايبة كام واصل!
واسترسلت وهي تشير بإعجابها الكبير لتلك الصورة قاصدة استفزازه:
_ ده كله عمال يقول لي إيه القمر دي يا رحوم. واللي تقول لي باربي التانية. وكلياتهم أكده بيقولوا إن الصورة وصاحبتها قمر 14. هسيبهم كلهم وأخد برأيك إنت؟
حقا استفزته بطريقتها وجعلت الغيرة تنهش بقلبه ولكنه لم يبين لها ذلك وهتف بأعصاب باردة:
_ بيجاملونكي وبيجبروا بخاطرك يا حضرة الأستاذة.
تفوه بتلك الكلمات وهو يضغط على كلمته الأخيرة "الاستاذة". فهمت مغزى طريقته فهو يريد أن يهز ثقتها بجمالها ولكنها أفحمته فتلك الرحمة لن تترك حقها قولاً أو فعلاً. تأخذه من عين السبع دون أن تهاب:
_ والله حتى لو بيجاملوني كثر خيرهم. جبر الخواطر حلو بردك. بس لعلمك بقى آني عارفة حالي زين والله لو لبست خيش واتصورت بيه لا اللي يشوف الصورة ينبهر بيها. وعلى رأي المثل يامتر القالب غالب بس انت اخلع نضارة الصلابة وقول للحلو في وشه ياحلو.
بعد الهاتف عن أذنه ونفخ بضيق من ثقة تلك الرحمة في حالها كي لاتسمعه ورأى أن أقصر الطرق هي الصراحة ثم هتف:
_ أها. طب حطاها ليه مستنية يبدوا إعجابهم بجمالك الفتاك ولا إيه؟ ملهاش لازمة شيلي الصورة يارحمة.
فتحت فاهها بدهشة من ذاك الماهر. أيغار عليها أم ماذا يقصد؟
ثم سألته وداخلها من فرط سعادته يكاد قلبها يقفز من بين ضلوعها:
_ وه هي عجباني هشيلها ليه يعني؟ وبعدين هي داي كل سنة وانتي طيبة بتاعتك في أول عيد ميلاد ليا وآني في حياتك.
جز على أسنانه وهتف بغيظ آمراً إياها:
_ شيلي الصورة يارحمة ومتستفزنيش أكتر من أكده.
رفعت حاجبها من نبرته الآمرة:
_ ده اسمه إيه بقى إن شاء الله يامتر؟ هو إنت بأي حق تطلب مني الطلب دي؟
بنبرة حاسمة لاتقبل النقاش:
_ أنا مش بطلب. دي أمر ياهانم. شيلي الصورة وكفاية كلام في الموضوع ده. مش هنقعد نتكلم طول الليل في حوار فارغ ملهوش لازمة.
اهتز فكها بسخرية من طريقته الآمرة ونطقت برفض:
_ بأي حق تأمرني يامتر؟ أني مجرد متدربة عندك لا أكتر ولا أقل.
استشاط غضباً منها وأجابها:
_ بقول لك إيه. سيبك بقى من عقل العيال الصغيرة دي. كبرتي إنتي ومتلفيش وتدوري.
ثم أكمل بتهديد صريح:
_ وقسماً بالله لو ماشلتي الصورة اللي انتي حطاها داي للكل يشوفها ويتغزل فيها وفي أصحاب العقول المريضة اللي ياخدوها ويتأملوا فيها على كيفهم ياللي موعياش لكل ده لا هكسر لك الموبايل ده يارحمة.
اندهشت من نبرته الغاضبة بشدة وأمره الصارم ولكنه نبهها لنقطة مهمة وهو ذنب النظر لأصحاب القلوب المريضة. وقررت أن تحذفها ولن تضع صورها مرة أخرى على جميع مواقع السوشيال ميديا وستحذف القديم بأكمله. ولكنها قررت أن تستفز مشاعره وأردفت بنبرة ماكرة تليق بجنس حواء:
_ يعني متصل بيا في أنصاص الليالي وبتزعق وبتعلي صوتك على صورة إني نزلتها؟ طب ما تقول لي شيل الصورة علشان إني غيران عليكي وتتكلم بكل صراحة يا متر. ولا إنت بتعرف تزعق وتشخط وتنطر بس.
عض على شفتيه السفلى بغيظ منها ومن مكرها ثم تحدث بنبرة حاول استدعاء الهدوء فيها:
_ طب إني بقول تنامي بقى وكفاية سهر لحد دلوقتي علشان السهر غلط عليكي. إنتي لسه صغيرة.
رفعت شفتيها لأعلى باستنكار ورددت:
_ والله! شكراً على إنك خايف علي. تصبح على خير.
بنبرته الهادئة أمرها دون أن يرد على مسائها:
_ هقفل وأقل من دقيقة تكوني حذفتي الصورة.
ضغطت على أسنانها بغيظ من بروده معها ثم أطاعته وهي تزوم كالأطفال:
_ ماشي ياماهر حاضر. وشكراً على كل سنة وانتي طيبة اللي مقلتهاش.
قالت كلماتها وأغلقت الهاتف ثم أمسكت هاتفها وحذفت تلك الصورة وجميع الصور وقلبها سعيد بالخطوة التي تقدمتها مع ذاك الحبيب الذي اختاره قلبها. معذبها ولكن تعشق ذاك العذاب منه ولن تقدر أن تتخلى عنه.
وقررت أن تشاغبه فأنزلت منشوراً آخر وأشارت له من ضمن ثلاثين من الأصدقاء وهو في منتصفهم كي لا تلفت انتباه أحدهم. وكان محتواه:
"الاهتمام الزائد قد يفقدك كرامتك
فأحذر أن ترمي كثير من الزهور في أحضان
فاقد حاسة الشم."
وصلته إشارتها فقرأها وابتسم على مشاغبتها ثم ذهب إلى حالة الواتس ودون تلك الكلمات:
"أحدهم يظن أنه لا محل له من الإعراب ولكن جميع اللغات تخبره أن حروفه جميعاً تمتلك المعجم بأكمله ولكن مدارتها عن جميع الحركات تدل على أهميتها في اللغة بأكملها."
على الفور رأت حالته وقرأتها وتفهمت معانيها وفرح داخلها بشدة. فهو فور أن رأى كلماتها الحزينة لجفائه معها صالحها بتلك الكلمات التي أشعرتها بأهميتها عنده. وبعد قليل أتتها رسالة منه على الواتساب جعلت داخلها يخفق من فرط سعادتها برسالته:
"كل سنة وانتي طيبة والسنة الجاية تكوني محققة أمنياتك بقلب سعيد مطمئن 💖💖"
رغم بساطة رسالته إلا أنها أسعدتها كثيراً واحتضنت هاتفها بفرحة عارمة كالأطفال ونامت وهي سعيدة من ذاك التقدم بعلاقتها مع ماهر.
أما هو ظل ينظر للنجوم اللامعة في السماء وكل تفكيره الآن في تلك الرحمة التي اخترقت قلعته المشيدة بالصرامة وهددت أمانها وبدأت بفك الحصار. والقلب تبدل من مجرد نبضات إلى طلبه لوجودها داخل قلعته كي يسقيها من شهد عاشق محروم. وياويلها من عاشق جلس أعواماً منغلق على حاله منتظراً عوضه.
جلس يفكر بها ثم أهداها خاطرتها:
ولا تتشبهين بشيء وأنتي الأخيرة
ولا تسابقين الغير وانتي البدايات
فالقلب وجد مأواه بين يداكي
يا رحمتي وألطف الكائنات
وعيناي خصصت نظراتها
المغرمة لكي دون شتات
وروحي هامت عشقا بكي
وكلي أصبح الآن ثبات
مرت الأيام على تلك الأحداث. زينب عادت إلى منزلها ولكن ليس بينها وبين سلطان أي نوع من الحوار وهو ممتثل الغضب منها ولم يحادثها.
ووجد التزمت غرفتها ولم تخرج منها بناءً على تعاليم سلطان لها.
وسكون التزمت شقتها في تلك الأيام كي تتجنب أي حوارات تسبب جرحها. وبالتالي ستتأثر حياتها مع عمران.
ورحمة وماهر في مشاغبتهم المستمرة التي لم تنتهي بعد.
أما آدم ظل طيلة الأسبوع مشغولاً في تجهيزات فرحه هو وأميرته التي مازالت غير متقبلة تلك الزيجة ولكنها الظروف. ولكنه قرر أن يصبر عليها حتى تأتي إلى منزله. ووقتها حتماً لم تستطع الهروب منه مهما فعلت.
أما مها ومجدي فهي تأتي له في المشفى يومياً وتهتم بجميع أموره. وقررت أن ترضى بالأمر الواقع. فهي لا يهمها كلام الناس بقدر ما يهمها في المستقبل ملامة أبنائها عن لم تترك أبيهم العاجز وفرقت شملهم. وهي من عودتهم على الرجولة منذ صغرهم.
دخلت إليهم الطبيبة كي تتابع حالة مجدي وبعد أن انتهت خرجت مها مع الطبيبة وسألتها:
_ بعد إذنك يا دكتورة إني عايزة أسألك على حاجة.
أومأت لها الطبيبة بموافقة بترحاب ووجه مبتسم. فتحمحمت متسائلة بتوتر:
_ هو ممكن يعني... مجدي جوزي يخلف بعد حالته ده ولا مبقاش ينفع؟
راعت الطبيبة حرجها ونظرت إلى هيئتها المنمقة وملابسها التي تبدو جديدة. فظنتهم متزوجون منذ أشهر قليلة. فحقا من يرى مها يجزم أنها عروسة أمس وليس سنوات. فربتت على كتفها مطمئنة إياها:
_ لا متقلقيش خالص. جوزك هيمارس حياته الطبيعية بشكل طبيعي جداً. وطبعاً لو معندوش أي حاجة هيخلف بالثلث.
شكرتها مها بامتنان وأكملت:
_ منحرمش من ذوقك يا دكتورة. بس إني نفسي أخلف بنوتة. إنتي عارفة بقى ده حلم كل ست.
تفهمت الطبيبة ما تحتاجه واسترسلت مها حديثها وهي تخفض نبرة صوتها طالبة منها:
_ طب هو ممكن حضرتك يعني تعملي له تحاليل تطمنيني بيها عن الموضوع ده من غير ما يعرف. علشان كلمته في الموضوع ده كتير وهو مستنكرها قوي. ويقول لي إني عارف إني زين ومفياش ولا عيب. دوري على حالك. وأني كمان عارفة إني زينة وبالرغم من أكده عملت كل التحاليل وأثبتت إني مفيهوش عيوب.
قالت مها تلك الكلمات. وبالفعل هي منذ أن وضعت توأمها منذ سنوات ولم تأخذ وسيلة. ومنذ تلك المرة لم تحمل. فانتابها الشك أن تكون أصيبت بأذى أو أن رحمها أصابه إعياء. وتابعت مع أختها سكون واكتشفت أن لديها مشكلة بسيطة منذ سنوات ولكنها عالجتها. ولم يحدث حمل ولا مرة من المرات التي اجتمعت فيها هي ومجدي. وداخلها حزين. فهي تتمنى أن يكون لديها ابنة تصبحان أصدقاء وأحباء. فهي تعشق البنات.
حركت الطبيبة رأسها بموافقة ثم قالت:
_ تمام يا جميلة. هاخد عينة دم منه وهعمل التحاليل وهقول لك. ومتقلقيش هتبقي أم البنات مش بنوتة واحدة.
ابتسمت لها مها وشكرتها بامتنان. وفي آخر اليوم نفذت تلك الطبيبة وعدها وأخذت عينة الدم من مجدي بكل هدوء.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل السادس والخمسون 56 - بقلم فاطيما يوسف
مرت الأيام في المشفى، كانت مها تجلس بجانب مجدي، فهي تتعامل معه الآن بأصلها ونوعًا ما تراعي حالته، خاصة بعد انهياره لما علم بحالته وأنه لا يستطيع المشي بعد ذلك.
وجدها تجلس شاردة الذهن فتحدث بندم:
_ عارف إنّي ظلمتك كتير قوي يا مها، وسنين وأنا مش شايف العمر اللي جرى بيا، وأني بلف زي الطور في الساقية. وممكن كمان اللي أنا فيه دي دعوة أم في ساعة استجابة، على إني حلبت ابنها واستغليت وظيفتي، ودفعته اللي وراه واللي قدامه من ورا تزويري. أو دعوة راجل قفلت له محله بسبب إني مساعدتهوش عشان غلبان مقدرش يدفع ضرايب.
ثم نظر لحالته بأسى وأكمل:
_ وكله كوم، واللي عملته فيكي كوم تاني. عشتي معايا سنين في مرار واتحملتي، وحتى في شكواكي كتير كنتِ بأصول، ولما كان يفيض بيكي الكيل وتبكي، كنت بشوف بكاكي فجر ومياصة، وأنا كنت كيف الأعمى.
كانت تسمعه بإنصات شديد، وجروحها التي حاولت كبتها فتحت من جديد. لقد ذكرها بالماضي الأليم وعذاب السنين.
ثم تنهدت بتعب، بان على معالمها، وقالت:
_ كفاياك نبش في اللي فات ويوجع القلوب يا مجدي، النبش بيسبب الألم أكتر وبيشيل النفوس، وممنوش فايدة. ولو كانت كلمة الله يرحمه بترجع اللي مات، كانت كلمة معلش بتصلح وتداوي اللي فات.
واسترسلت حديثها وهي تغير مجرى الحديث وتخبره:
_ الدكتورة سكون اتجوزت من شهر، ومكة فرحها كمان يومين.
حرك رأسه بأسى ثم أردف بقلة حيلة:
_ ما أنا كنت بصحتي لما الدكتورة بتتخطب، ولما كانوا بيكتبوا كتابها، وأنا كسلت أروح وفضلت الشغل على صلة الرحم. عمري ما رفعت راسك ولا كبرت بيكي قدام أهلك، وأنتي كنتي تتحايلين علي وتقولي لي: "دول يتامى وتعالى اقف جارنا"، وأنا كنت بكبر دماغي. حقك عليا يا مها.
وأكمل حديثه وهو يسألها:
_ هو أنا قدامي قد إيه وأخرج من هنا وأعاود بيتي؟
أجابته بما تعرفه:
_ الدكتور قال قدامك مش أقل من أسبوع، لأن فيه أشعة وتحاليل وحاجات أكده مفهماش فيها، وبعدين تخرج.
وأكملت وهي تخبره:
_ أنا مش هعرف آجي لك اليومين الجايين دول عشان فرح مكة، وبعدها هاجي أشوف خروجك، وكله بأمر الله.
سألها عن أولاده:
_ أمال العيال عاملين كيف وصحتهم عاملة إيه؟ ابقي هاتيهم أشوفهم، اتوحشتهم قوي.
نظرت إلى المكان حولها وحركت رأسها برفض:
_ هما كويسين الحمد لله. بس معلش يا مجدي، مينفعش أجيب ولادي هنا في المستشفى كلها أمراض، وأخاف يلقطوا من أي حد، وهما مناعتهم ضعيفة. كلها أسبوع وتعاودي دارك وتشوفي، وعلى كيفك.
واسترسلت وهي توصيه بوجع:
_ بس أمانة عليك يا مجدي، لما تشوفهم متزعقلهمش وتكش في وشهم زي عوايدك. حن عليهم. حسسهم إنك أبوهم مش عدوهم، وهما يا حبة عيني يتمنوا منك المعاملة الزينة. ومتقلقش، هما عيال زينة قوي وأنا مربياهم كويس.
اللمعت عينا مجدي بالدموع. لأول مرة على هذان الطفلان اللذان لم يرى منهما إلا كل جفاء وافتراء. لم يشعرهم يومًا بأبوته. لم يحتضنهم يومًا ويجبر خاطرهم. وها هو الآن عاجز عن كل شيء واجب على الأب فعله مع أبنائه. ولكن ليت الزمان يعود يومًا.
رأت لمعة عينيه، وللأسف لم تشعر بالشفقة تجاهه. فمشاعرها منذ زمن أصيبت بالتناحة، ولم يعد يفرق لها أي شيء في الكون. حتى نفسها غير أبنائها فقط، هي من تتفاعل مشاعرها معهم.
ظل كلاهما سارحًا في ملكوت الوجع الخاص به. كل منهما يفكر كيف تمضي الأيام القادمة، وكيف ستكون حياتهم مع كل الشروخ التي تسكن أرواحهم.
***
في منزل سلطان، تجلس زينب في حديقة منزلها، وأمامها السبرتاية الخاصة بالقهوة تصنعها لنفسها. فهي قررت أن تسمع نصائح صغيرتها المحنكة. كانت تجلس وهي تضع قدمًا على الأخرى، وبجانبها المذياع وتغني فيه أم كلثوم، فهي تعشق أغانيها.
اعتدلت بجلستها وبدأت بصنع القهوة في ذاك الجو والمكان المشمش. فهي تحبذ الجلوس في الشمس كي تحاوط جسدها وتصيبه بالدفء، وتأخذ منها العافية لجسدها.
عاد سلطان من الخارج ورآها من بعيد تجلس بذاك الرواق والبال المرتاح.
تقدم ناحيتها وهو يقسم على أن يفسد خلوتها ويعكر مزاجها، فهي قد حرقت دمه ذاك الأسبوع بمعاملتها معه.
رأته قادمًا، فنظرت تجاه الناحية الأخرى وهي تمسك كوب القهوة وترتشفه بتلذذ وتدندن مع كوكب الشرق، مما جعله يستشيط بسبب استكبارها عليه.
جلس أمامها وتحمحم متسائلًا بنبرة استنكارية:
_ احممم. من متى يا زينب وأنتي أكده مبتعمليش لوجودي اهتمام ولا هيبة؟
أجابته وهي تنظر أمامها ولم تواجه عيناها وتضعها بعينه:
_ من يوم ما خنت العهد واتجوزت على عيلة من دور بناتي. من يوم ما كسرت قلبي يا سلطان، واعمل حسابك عند زينب اللي انكسر مابيتصلحش.
واسترسلت وهي ترتشف من قهوتها بتلذذ وتنظر للاشيء:
_ طلع إن اللي بيدي أكتر مابياخد، ويهتم باللي الاهتمام في نظر اللي وياه بقى شيئ مفروض، وبيعتبروه هبل وعبط، ويستاهل كل اللي يجراله يا سلطان. وأنا طلعت أعبط ست في الدنيا.
وأكملت وهي تنظر في عينيه بقوة أرهبت داخله منها:
_ وحاذر بقى من العبيط لما يتنصح، بالظبط بيبقى زي الجعان لما يشبع.
أنهت كلماتها ورجعت تدندن مع كوكب الشرق، قاصدة استفزازه. وبالفعل فقد أغضب بشدة من طريقتها الجديدة كليًا عليه. ثم قام من مكانه بحدة، وأمسك المذياع ورماه أرضًا وتهشم إلى قطع صغيرة.
ولكنها لم تعير فعلته أدنى اهتمام كي لا تشعره أنها أثرت بها. ثم وضعت الكوب من يدها وانتصبت واقفة أمامه وتحدثت بنفس القوة وهي تنظر إلى الكأس المهشم:
_ تعرف يا سلطان إنك عملت فيا زي ما عملت في الراديو دلوقتي. هتعرف تصلح بقى اللي انكسر دي وترجعه كيف ما كان سليم ويشتغل ويدندن؟
رأت الحيرة في عينيه ونظرة الندم على ما بدر منه لها، فشفي غليلها قليلاً وأكملت له وهي تتقدم خطوة للأمام:
_ أهو أنا بقى زييه بالظبط، مش هرجع زينب الهبلة دي تاني.
وخليك فاكر إنك اللي بديت، والبادي أظلم. ويكون في معلومك الحرباية اللي أنت اتجوزتها دي، لو قربت ناحية عيل من عيالي ولا جابت سيرتهم، هما واللي يخصوهم في أي مكان، الله الوكيل لاهدبحها وأعبيها لك في أكياس زبالة وأحرقها، ومهخلي في جثتها حتة سليمة.
وتركته ومشت من أمامه. فعلى صوته بغيظ من طريقتها:
_ الله الوكيل لو ماظبطت طريقتك دي معايا، لقطع لك لسانك دي خالص يا زينب اللي بتردي بيه على جوزك أبو عيالك.
نظرت إليه من بعيد وبغيظ شديد حاولت كتمه، ولكنها لم تفلح، وهدرت به دون أن تراعي لعشرتها معه أدنى اعتبار، ودهستها تحت قدمها، فهي امرأة مجروحة ومطعونة بخنجر الخيانة:
_ أعلى ما في خيلك اركبه يا سلطان، ولو معجبكش طلقني وخلصني منك.
اتسعت مقلتيه لكلامها وطريقتها التي لم يتوقعها، ولسانها الذي لم يكن سليطًا يومًا، ولكنه اليوم فظ غليظ.
اجتمعت شياطين الإنس والجن أمام عينيه، ولحق بها بسرعة. رأته هي من بعيد قادمًا عليها والشر يتطاير من عينيه، فتعجلت بخطواتها ودلفت غرفتها وأغلقت ورائها بإحكام.
أما هو، لم يستطع اللحاق بها. فهم بفتح الباب كي يفعل بها ما يحلو له ويبرد نار قلبه، إلا أنه وجد الباب موصدًا بالأقفال. فرزع على الباب بقبضته القوية هادرًا به:
_ افتحي دلوقتي وإني أوريك مقامك كويس يا مرة أنت. افتحي عشان أدبك وأعرفك إن الله حق، وأن الست اللي تغلط في جوزها تستاهل المعاملة الشينة.
لم ترد عليه ولو ببنت شفة، وخلعت ملابسها وارتدت جلباب النوم القطني المريح، ونامت على تختها وذهبت في سبات عميق وكأن شيئًا لم يكن. فهي تلك المرأة، إن أعطت حبًا وحنانًا واحتواءً بغزارة ولم تحصد إلا الغدر، فستزرع من جديد حقدًا وقسوة ومشاعر باردة تجعل من أخطأ في حقها يتمنى الموت ولا أنه فعل بها هكذا وأغضبها. كم أنتِ قوية، تلك المرأة التي تستطيعين الحفاظ على كرامتك وأخذ حقك من عين السباع.
****
في منزل ماجدة، وبالتحديد في الساعة الثامنة صباحًا. دلفت ماجدة إلى ابنتها مكة، وجدتها نائمة، فأيقظتها بحنو على غير العادة:
_ قومي يا حبيبتي، النهاردة فرحك ولسه بتنامي لحد دلوقتي.
تململت في نومها ورفضت أن تفيق:
_ يا ماما سبيني أنام شوية، ملحقتش. أنا نايمة الساعة ٥ بعد الفجر.
ملست على شعرها بحنو وهتفت بقلب موجوع:
_ يا بتي، إنتي من ساعة كتب كتابك وأنتي حابسة نفسك في أوضتك، وحتى تليفونك قافلاه ورمياه. وجوزك كل يوم يكلمني يطمئن عليكي، وأنتِ في دنيا تانية.
واسترسلت وهي تذكرها:
_ إنتِ كل الأيام اللي فاتت مقضياها صلاة قيام طول الليل لحد الفجر، وبتقري قرآن بعد الفجر، وتنامي لحد الضهر ومش مهتمة بحالك خالص. ربنا أمرنا بالعبادة، بس من غير ما نهمل في صحتنا ولا ندوس على نفسنا. خير الأمور الوسط يابتي.
أخذت نفسًا عميقًا يدل على أرقها، ثم فتحت عينيها بصعوبة قائلة:
_ يعني يا أمي أعمل إيه يعني؟ بستغفر ربي على الذنب اللي عملته، واللي بتلاه وقعت في الجوازة دي. إنتي مش شايفة يا أمي إني اتفضحت فضيحة ملهاش أول من آخر، والناس معدش لها سيرة غير مكة المنقبة، بعد ما كنت ولا حد يعرفني من الأساس وأصل. العبادة والقرب من ربنا بيطمن قلبي قوي يا ماما.
ربتت ماجدة على ظهرها وسألتها بقصد وهي تنظر داخل عينيها:
_ إنتي يا بتي وشك منور كيف البدر في سماه، وما شاء الله عليكي، اللي يشوفك يسمي ويكبر. إنتي بتحبي جوزك يا بتي؟
بلعت ريقها بتوتر من استفسار والدتها، ثم تحدثت بخجل:
_ ولازمته إيه السؤال ده؟ هو أمر واقع واتحطيت فيه وخلاص. أحبه أو له مش هيأثر.
ابتسمت لها بحنو:
_ لا يا بتي، فيه فرق كبير قوي. إنتي لو عاشقة جوزك، ولا هيفرق لك أي ظروف ولا مناظر فاضية. أما لو مش عاشقاه، ولو إني مظنش.
وأكملت عندما رأت نظرة الاندهاش المغلف بالاستنكار:
_ متستغربيش، محدش هيفهمك في الدنيا دي كد أمك يا حبيبتي. أنا بس اللي هحبك من قلبي، وعمري ما أغشك أبدًا، ولا عمري اسمح لحد يأذيكي يا ضي عيني.
ارتمت مكة في أحضانها وبكت بغزارة، وكأن عينيها كانت محتجزة الدموع. وما إن ضغطت ماجدة زر حنان الأمومة، حتى شهقت مكة وتحدثت بحيرة من بين شهقاتها:
_ أيوه يا أمي بحبه، ومش بس كده، إني عاشقاه. بس قلبي بس اللي متفق على كده، أما كل حاجة جوايا بتلومني على عشقه لحد ما تعبت، ومش عارفة مشاعري اللي مختلفة مع بعضها دي هتعمل إيه لما أبقى معاه في بيت واحد ومقفول علينا باب واحد. مجرد التخيل بس بيخليني أحس بالرعب من اللي أنا رايحة له.
شددت ماجدة على احتضانها كي تشعرها بالأمان. فماجدة تعشق بناتها وتهتم بهم، وليست من نوع الأمهات اللواتي يقلبن وجوههن على بناتهن. فهي تعيش معهم وتعاملهم كما الصديقة لهم.
_ شوفي يا بتي، لو مكانش دي نصيبك اللي ربنا مقدره لك، مكانش حطه في طريقك. والمكتوب مافيش منه مهرب يابتي. بس لازم تكوني واثقة في ربك إن كل أقدارُه خير. وبعدين ما ضاقت إلا أما فرجت. قومي بقي فوقي واشوري وتعالي افطري من يد أمك واتجمعي مع خواتك على طبلية واحدة واتونسي بيهم. عشان جوزك هيبعت لك عربية تاخدك للفندق اللي هيتعمل فيه الفرح على الضهرية كده.
خرجت من أحضان والدتها وتساءلت باستنكار:
_ وإيه فندق إيه ده؟
أنا مهنكشفش على ناس غريبة، ولا هتصور التصاوير بتاعت البنات دي، ولا هلبس الروب اللي بيلبسوه ده، ولا هتحرك من مكاني. أنا هلبس من هنا، واختي مها هي اللي تحط لي أي حاجة على الماشي وخلاص. هو أنا هبتديها غضب لربنا ولا إيه، عشان أرضي فضول البني آدمين اللي كانوا سبب في غضبانيتي.
اندهشت ماجدة وتفوّهت بملامح متعجبة:
_ وإيه يا مكة، إنتي عروسة يا بتي. إنتي هتعملي إيه زيادة عن الخلق يعني؟
حركت رأسها برفض قاطع وهتفت بتصميم:
_ الله الوكيل، ما هعمل العمايل دي. أنا واحدة تعرف دينها كويس، وكل اللي البنات بتعمله اليومين دول أوفر قلة دين على الآخر. اللي تطلع بنص شعرها باين وهي ماسكة المراية وبتغني. واللي لابسة روب ومبينة صدرها ونص دراعها وفرحانة بنفسها. واللي بترقص هي وصاحباتها ويغرقوا الفيس استوريهات بقلة الحيا دي، قال إيه فرحانين.
وأكملت حديثها وهي على رفضها بتصميم قاطع عندما رأت نظرات والدتها المترجية لها بأن تمرر اليوم مرور الكرام:
_ له يا ماجدة، ما هعملش كده أصل. وبعدين عرفتيه إني عايزة قاعة منفصلة، الرجالة لوحدها والستات لوحدها، وإني معيزة موسيقى في القاعة زي ما قلت لك، ولا له؟
لوت شفتيها بامتعاض وهتفت بقلة حيلة:
_ آه عرفته، والجدع واد محترم وشاري، وقال لي اللي هي عايزاه يا أمي، أنا هعمله لها من عنيا.
وأثناء حديثهم، رن هاتف ماجدة برقمها، فتحدثت وهي تجيبه:
_ آه، بيرن عشان يشوف وصلت لإيه معاكي.
أيوه يا حبيبي. إحنا كويسين الحمد لله. آه جنبي أهي وصاحية. عايز تكلمها؟
كل ذلك وهي تحرك رأسها لوالدتها برفض، وهي لا تريد أن تتحدث معه، ولكن والدتها وضعتها أمام الأمر الواقع، فأخذت منها الهاتف، ثم قامت ماجدة وتركتها وحدها كي تحادثه. فسألها بحنو ما إن استمع إلى صوته الذي استوحشه كثيرًا:
_ من ساعة ما كتبنا الكتاب، وأنتي بعيدة أوووي ورافضة تكلميني، بس أنا مش زعلان منك يا زوجتي العزيزة، عادي ولا يهمك.
ما إن نعتها بزوجته، حتى تغيرت معالم وجهها، فقد ظلت رافضة لتلك الفكرة، والآن أرجعها إلى عالم الواقع. وأكمل هو:
_ أنا في الطريق أهو، جاهزة عشان نروح الفندق.
تحمحمت كي تستدعي الهدوء، ثم أجابته برفض:
_ أنا مش عايزة فنادق، ولا عايزة أنكشف على حد. معلش إني مليش في الحوارات دي. هلبس الفستان وهكتفي بلمسات بسيطة، أختي هتعملها لي.
لم يشعر بالضيق من تمسكها. فكيف يلومها على أنها تخاف الله؟ ثم طمأنها:
_ متقلقيش، أنا مراعي ظروفك ومش جايب لك أي حد وخلاص. لا يا حبيبتي، أنا جايب لك فريق متخصص لطبيعة تدينك. أنا مش هعمل حاجة ممكن تقلل أبدًا من خوفك من ربنا.
تنهدت بضيق، ثم سألته:
_ هو إيه لازمته طيب يا آدم؟ إني على أي حال منتقبة ومش هيظهر مني حاجة، فإيه لازمتها الفرهدة دي؟
هدأ من حالته المتعبة في عدم فرحتها بليلتهم، وأنها ليست كباقي الفتيات في ذاك اليوم، وراعى عدم استيعابها للأمور ككل، ثم أجابها:
_ يا حبيبتي، أنا عايز أعمل لك فرح زيك زي البنات. عايزك تلبسي فستان وتعملي سيشن وتفرحي بيومك اللي هيفضل ذكرى حلوة في حياتك. باختصار، مش عايز أظلمك يا مكة. فانتي اهدي كده وقومي افطري كده واشربي قهوتك، ومتفكريش في أي حاجة غير إن النهاردة يوم فرحنا وبس يا قلبي.
أخذت نفسًا عميقًا يدل على انزعاجها من الأمر ككل، ثم سألته:
_ هو إنت ليه مصمم إن جوازنا دي طبيعي، وإنه مفيش بلية كبيرة حصلت خليتنا نتجوز بالسرعة دي من غير أي رسم لحياتنا، هتبقى عاملة كيف؟ أو إننا وضعنا هتبقى إزاي؟
خلل أصابعه بين خصلات شعره بضيق من تخوفها، ثم أردف باستجداء:
_ طب ممكن تسيبي كل الأسئلة والحيرة دي على جنب خالص، ودماغك تبطل تودي وتجيب، ونعدي اليوم المهم جدًا، وتتناسي اللي حصل، وتتعاملي بطبيعتك كعروسة، والنهاردة يوم فرحها على حبيبها اللي بتحبه وهو بيعشقها. وبعدين لما يتقفل علينا باب واحد نتكلم ونتفق على كل حاجة.
واسترسل حديثه وهو يطمئنها أكثر:
_ ومتقلقيش يا حبيبتي، أنا مش هغصبك على أي حاجة. وتأكدي إننا مش هنعيش حياة طبيعية زي أي زوجين غير لما تبقي راضية وبكامل إرادتك. أنا مش حيوان ولا شهواني إني أغصبك على حاجة أنتِ مش عايزاها.
وأكمل بنبرة حنونة كي يؤثرها أكثر ويجعلها تدخل عالم آدم بقلب مطمئن:
_ متقلقيش يا حبيبتي، كفاية عليا نفسك في المكان. كفاية عليا أحس بوجودك جنبي، والله العظيم أي حاجة بعد كده تهون مقابل نظرة واحدة بس من عينيكي.
أغمضت عينيها وداخلها ينطق مشاعر متضاربة الآن. يا الله، كم من الرقي يحيطك ذاك آدم!
كم من التضحية التي ضحيتها لأجل إرضائي! ولكن داخلي ينهرني، داخلي خائف، ضائع، مشتت، مرتعب، والأدهى أنه مشتاق، مرحب. تـرى ماذا فعلت بي أيها العاشق! لقد أسرتني ودللتني وعليتني. لقد ملكتني وما عدت قادرة على المقاومة.
ثم همست بنبرة خائفة ومرتعبة من القادم المجهول:
_ أرجوك يا آدم متوصلنيش للانهيار. إني عشت عمر بحاله واني مستمسكة نفسي على حلم زوج في خيالي وبنيت أمالي على أساس غير اللي اتحطيت فيه دلوقتي. أرجوك اوعدني وقت ما أحس إني مش قادرة ومقاومتي بقت صفر اديني حريتي.
كم صعب ذاك الكلام الذي نطقته! كم كان مؤلم له! مدمر لرجل عاشق. ثم تحدث بنبرة عاتبة:
_ ليه دايما مصممة على الفراق؟ يا مكة تفائلي بالخير تجديه. ومش هقولك غير حاجة واحدة بس إني هكون أمين عليكي لأبعد مما تتخيلي.
وتابع كلماته وهو ينهي فكرة الفراق من بالها:
_ بس حتة الحرية والفراق دي موعدكيش. مش أنا اللي هتنازل عنك بالسهولة دي. ماهو أنا مصبرتش السنين دي كلها ومرضتش بأي ست وخلاص علشان كنت عايز ست البنات اللي تملك قلبي وتعشش جواه ويوم ما ألقاها أسيبها بالسهولة دي! لاااا مش هيحصل بإذن الله.
ثم طلب منها بتعجل وهو ينظر في ساعته:
_ يلا بقي في الانجاز. هكون عندك على الساعة 11 تكوني جهزتي.
ثم أودعها السلامة وأغلق الهاتف وهو يبتسم. فذاك آدم محارب شجاع في العشق ولا يخاف من الفراق، فهو متمسك بها بقوة لن تضاهيها أي قوة في الكون.
أما في الخارج، خرجت ووجدت أخواتها يضحكون ويمرحون بسعادة، فقررت أن تندمج معهم وتنسى أي شيء يعكر صفو مزاجها.
جلسوا يتناولون وجبة الإفطار في جو أسري محبب إلى قلبهم، الأم وبناتها دون أن يعطوا للزمان فرصة للضيق.
مر الوقت سريعًا. ثم قامت مكة وارتدت ملابسها وأعدت ما استحتاجه في الحقيبة الخاصة بها. ثم خرجت وجلست بجانب والدتها وعيناها تنظر إلى أرجاء المنزل باشتياق وهي تودع أيامها الجميلة التي قضتها مع أخواتها ووالدتها.
ثم جذبتها مها إلى أحضانها وتحدثت:
_ حبيبتي اللي هتوحشني قووووي. إنتي متعرفيش يا مكة إني بحبك كد إيه ومتتصوريش إنك فارقة معايا قووووي. إنتي كنتِ طاقة النور اللي بيفوقني وقت ضعفي. كنتِ الملاك اللي دايما بيثبت لي إن الدنيا بخير.
واسترسلت حديثها وهي تشهق بشدة وتبكي بوجع داخل أحضانها على ما تمر به، وكأن أحضان تلك المكة هي أحضان الإيمان الذي غاب عنها فترة ما وجعلها غرزت حالها في وحل الخطيئة:
_ كنت بدخل أوضتك بحس بالراحة والسكينة وكأني داخلة الجنة من كتر ما انتي مالياها قرآن بصوتك الجميل وصلاة طول الليل وأذكار مبتفارقكيش. علشان كده بقول لك روحي لجوزك بنفس مطمئنة، هو هيطلع ولد حلال قووووي. ماهو إنتي لازم ربنا يرزقك الخير كله يابت أبوي. مانتي عشتي عمرك كله مبتعصيش وعمرك ما مشيتي ورا هوا النفس، وعلشان كده قلبي من جوة مطمئن عليكي.
أنهت كلامها وشهقت ببكاء وهي مازالت متمسكة بأحضانها كالغريق وهي مركب النجاة. قامت سكون من مكانها فقد أدمعت على دموعهم، فهي رقيقة بشدة وجذبت كلتاهن إلى أحضانها ثم تحدثت من بين شهقاتها:
_ واني زيك بالظبط يا مها. قلبي موجوع عليها قووي. رغم إنها هي اللي صغيرة، بس عمري ما أنسى إنها هي اللي كانت بتشد الموبايل من يدي وتقول لي يالا نصلي حبة ركعات قيام ليل يشفعوا لنا يوم القيامة وندعي فيهم إن محدش يأذينا أبدا وربك يستجيب طالما ملحين. ولا يوم الإجازة اللي الناس بتسهرها مع أصحابها هي كانت تقول لي يالا يا أختي سيبك من سهرات الغيبة والنميمة دي ويالا عندي سهرة أحلى بكتييير. سهرتنا صلاة وذكر وقرآن هينفعنا في دنيتنا وآخرتنا. وتسحبني وبتكون مجهزة برنامج جميل.
واسترسلت حديثها وهي تمسح دموعها ثم خرجت من أحضانهم وربتت على ظهرها:
_ زرعتك وياي يا صغيرة نفعتني ومكملة بيها لحد دلوقتي وعلّمت عمران كماني. لينا كل يوم ساعة عبادة لربنا كيف ما تكون. وبتلاها بحس إن ربنا مطمن قلبي ولما أحس إن قلبي مقبوض أجري وأعمل الطقوس اللي عودتني عليها وبعدها أحس ولا كأن حاجة حصلت.
وأكملت وهي تنتحب مرة أخرى:
_ واهي هتمشي دلوقتي حورية الجنة وهتتخطف من وسطنا وهننحرم منها.
وظل الثلاث بنات يبكون في أحضان بعضهن من حرقة الفراق.
خرجت إليهم والدتهم من غرفتها ورأت حالتهم تلك فانصعقت وهرولت إليهم وهي تنطق بملامح متعجبة:
_ ياحزني عليكم بتعيطوا البت يوم فرحها منك ليها يا بوز الأخص انتو.
واسترسلت حديثها وهي تفرق شمل الكآبة وتبعدها عنهم وأخذتها بين أحضانها:
_ متعيطيش يا بنتي سيبك من المعاتيه دول وافرحي يا نضري. النهاردة يوم هنا وسرور.
مسحوا جميعًا دموعهم وهدأوا من حالة الحزن التي اعترتهم جميعًا.
ثم تحدثت مكة بدعابتها المعتادة:
_ وه يا ماجدة شيفاكي حنينة علي النهاردة على غير عادتك. دي أنا في الدخلة والخرج كتي بتقطعيني وتقولي لي كلمتك المشهورة "ياللي مانتيش نافعة وهترجعي لي بالقرصتين سخنين". دلوقتي بقيت الحتة الشمال واليمين وكله.
ثم لاحظت عينيها المحمرتان ويبدو أنها الأخرى كانت تبكي فتابعت بذهول وهي تمسكها من ذقنها:
_ وه وه يا ماجدة. كأنك كنتِ ميتة من العياط إنتي كماني!
ثم نظرت إليهم جميعًا وأكملت:
_ كأني طلعت حد مهم بالنسبة لكم يا أخواتي ومكنتش داريانة. بس متقلقوش هقرفكم كالعادة، هتروحوا مني فين.
وأكملت وهي تدلي نصائحها لمها:
_ إنتي يا أم الزين وأخوه السكر واظبي على القيام والصلاة والقرآن كيف ما عودتك دايمًا. أمانتي ليكي.
ثم وجهت أنظارها إلى سكون وتابعت:
_ وإنتي شرحي وزودي في الورد شوية وسيبك من دلعك الزايد شوية مع عمران، ركزي في اللي هينفعك.
ابتسمت جميعهن على دعابتها واحتضنت ماجدة بناتها ودعت لهم براحة البال والسلام.
الآن وصل آدم وأتى موعد خروج مكة من منزلها وجميعهم يقفون بدقات قلوب بمزيج من المشاعر المتضاربة من الحزن والفرح في آن واحد. قلوبهم حزينة لفراق صغيرتهم وفرحين لزواجها. بدأوا بالتسليم عليها واحتضانها بحب ودموع عيونهم على فراقها تحكي ألف حكاية وحكاية.
ولكن هذه سنة الحياة، أناس تفارق وأناس أخرى تعاشر وتسير مركب الحياة ولم يبقى شيئًا على حاله. ولكن خروج البنت من منزل أبيها يوجع القلب ألمًا ولكن الاعتياد على ذلك الشيء يصبح سهلاً يومًا عن يوم.
وبعد أن أنهوا سلامهم نظرت ماجدة إلى آدم قائلة:
_ تعالى يا حبيبي أعمل لك فطار متتعجلش، الدنيا مش هتطير.
بوجه بشوش وابتسامة أنارت وجهه أجابها وهو يربت على ظهرها بحنو:
_ تسلميلي يا ماما منحرمش منك أبدًا. بس والله فطرت هند أختي مأكلاني أكل وأنا جاي يكفيني أسبوع.
ربتت هي الأخرى على ظهره وتحدثت وهي مبتسمة لذاك الراقي في رده وطريقته:
_ والله يا ابني إني مشفتش زيك من زمان قوووي، فيك حنية تكفي الدنيا بحالها. اعمل حسابك تجيب مكة وتيجي تقضوا وياي يومين في الأسبوع، إني حبيتك وارتحت لك قووووي.
جذبها ذاك آدم من رأسها وقبلها بحنو دليلًا على محبته النابعة من قلبه لها مرددًا بتأكيد:
_ حبيبتي يا ماما والله ما كتبت كتابي على مكة وأنا بقيت بعتبرك في مقام ماما الله يرحمها. ومن عيوني حاضر مقدرش أرفض لك طلب يا جميل.
كانت تنظر له متعجبة من طريقته المثالية. أحقًا يوجد رجال حولنا بتلك المثالية كذاك آدم؟ الحق يقال إن عمران يعاملها بطريقة حسنة وبشدة، ولكن آدم طريقته في التعبير عن أي شيء تأثر القلوب من اختلافها، فهو يتعامل بطريقة آدمية راقية بحتة.
هنا هتفت سكون مرددة بدعابة:
_ متستغربيش يا ماما آدم مش زيينا. اهنه دي متربي تبع التربية الإيجابية. مش شكل تربيتنا إحنا. تناولي ابنك بسلاح الأم المعتبر ويرد يقول لك وهو بيبرق لك عينيه ويخشن صوته: "حرام عليكي يا ماما".
ضحكوا جميعًا على كلام سكون التي أكملت بفخر وهي تنظر إلى مها:
_ كيف أم الزين أكده مابتربي ولادها وانتي شفتي بعينك معرفش عمليتها إزاي دايمًا، بس هي بطلة ونرفع لها القبعة.
ابتسموا على طريقتها ثم ودعتهم مكة وخرجت من المكان وهي تنظر بعينيها دامعتان إلى كل ركن في المنزل وكأنها تودع روحها المتعلقة به. جذبها آدم من يدها برفق وفتح لها باب السيارة الأمامي مما جعلها تشكره بعينيها لذوقه، ثم خطى بساقه للناحية الأخرى واستقل مكانه وبدأ بتدوير السيارة وغادروا المكان.
وأثناء سيرهم سألها عن حالها كي يطمئن عليها:
_ عاملة إيه طول الأسبوع مش عارف أوصل لك.
فركت يدها بتوتر ثم أجابته:
_ زينة الحمد لله.
لاحظ توترها فركن السيارة في جنب ثم أنزل الستار الموجود بها مما جعلها تندهش والتفتت إليه متسائلة بتوتر:
_ وه وقفت ليه ونزلت الستاير دي ليه!
معلش ارفعها بحس بالاختناق.
اقترب منها قليلا وجذب وجهها إليه من فوق نقابها وبعينيه تنطق وحشة لها:
_ متخافيش ياحبيبي العربية جيدة التهوية.
وأكمل برغبة:
_ وحشتييييييييني وحشتييييييييني وحشتييييييييني أوووي يامكة.
حقا لقد تخدرت أعصابها كليا من قربه وهمسه ونظراته التي تتآكلها ثم أخفضت عيناها خجلا، ودقات قلبها تتصارع داخلها ولم تعرف بما تجيبه وكل ما بها أنها حبست أنفاسها في قربه.
أما هو فك رباط نقابها من الخلف بتروي كي لا يزعجها وعيناه متسمرة النظر في عينيها، ولكنه جعل داخلها يشعر بالخفقان من تمهله معها، فحقا هو بارع في التعامل مع الأنثى. ثم تحدث بنبرة لاهثة وهو يمرر لسانه على شفتيه:
_ عارفة منستكيش ولا لحظة ملامحك حفظتها من أول مرة ودخلت قلبي وعقلي.
وأكمل همسه بنبرة صوت أجش وهو مازال يقترب منها رويدا رويدا كي يسحبها لعالمه دون أن يشعر باعتراض أو نفور منها، فهو يريدها راضية مطمئنة:
_ بس تعرفي المرة دي ملامحك زادها نور يسحر. إنتي ازاي حلوة كدة بطبيعتك ومن غير أي مجملات!
كانت خجلة للغاية وجميع خلايا جسدها تمردت عليها في قربه. جميع خلايا جسدها زاد الإحساس فيها أضعافا مضاعفة. جميعهم تناوبوا عليها وأجبروها أن تقع صريعة غرام ذاك الآدم. ثم تفوهت بخجل جعل وجنتاها محمرتان بدرجة رهيبة وكأن النيران تؤجج منهما:
_ خلقة ربنا اللي خلقنا كلنا جميلات من غير ما نحتاج أي تصنع.
حرك رأسه نافيا كلامها وتحدث وهو يمرر أصابعه على وجنتها برفق ورقة أذابتها:
_ لاا متهيألك ياحبيبتي اليومين دول متعرفيش البيضة من السمرا من القمحية. متشوفيش لون العين الحقيقة كلهم تركيب واصطناع.
أما هو أكمل وهو يجذب وجهها برقة إلى وجهه بحركات عاشق متمرس لعاشقة مبتدئة لا تفقه شيئا في قوانين القرب. وثبت رقبتها بإحدى يديه وبالأخرى أشار ناحية وجنتها ثم باغتها بقبلة منها جعلت حصونها المنيعة تهددها بالانهيار:
_ يعني الخد ده طبيعي من غير أي لون.
وقبلة أخرى لعيناها برغبة:
_ ولون العين دي بردو طبيعي من غير عدسات.
ثم هبط إلى شفتيها أخيرا، واختطفهما بين شفتيه في قبلة عاصفة كان هو قائدها. أما هي كانت تائهة متخبطة ومستجيبة لكن لا تعرف كيف تجاري هجومه الضاري عليها.
لاحظ هو اختناق أنفاسها بالفعل ففصل قبلته ولكنه مازال مقتربا منها وأسند جبهته بجبهتها قائلا:
_ والشفايف المغرية أووي وطعمهم الطبيعي من غير بوتكس ولا فيلر دول حقيقين.
وأكمل بعينيه تود أن تفترسها ككل بنظراتها مما أخجلها:
_ تجنني يامكة وحاليا، مش عايز غير إني أفضل كدة معاكي ومبعدش عنك.
اللمعت عيناها بالدموع فانزعج هو هاتفا بدهشة:
_ ليه الدموع دي يامكة بس أنا ضايقتك في ايه.
انقلبت الدموع الصامتة إلى شهقات بطيئة ثم أجابته من بينها:
_ انت وعدتني إنك مش هتجبرني على حاجة ومن البداية بتقول إنك مش هترحمني يا آدم.
أخذ نفسا عميقا ثم زفره بتعب:
_ وهو أنا أجبرتك دلوقتي يامكة.
رفعت عيناها المغشية بالدموع:
_ انت دلوك استغليت ضعفي ومشاعري وبتحاول تخليني أرضى بالأمر الواقع وأتعود على قربك اللي مش هقدر أستغنى عنه بعد أكده واحنا لسه متفقناش.
ابتعد عنها قليلا، ثم تحدث بنبرة عاتبة:
_ كلامك معناه إني بسرق منك إحساس الراجل بمراته وإنك دلوقتي كنتي بتضيعي وقت وخلاص. مع إن دقات قلبك فضحاكي أووي يامكة.
حركت رأسها بموافقة وقالت:
_ ملكش دعوة بدقات قلبي ولا بتصرفاتي أنا خلاص وقعت ومفيش مهرب ولا مفر منك إلا ليك وبقولها لك تاني يا آدم اديني فرصة استوعبك واستوعب المرحلة الجاية دي. بلاش نجيب الفيلم من نهايته خلينا نتابعه من البداية بتمهل.
ابتعد عنها قليلا، وهو يتنهد بتعب من القادم مع عنادها وهو إلى الآن لا يعرف ما يجول في عقلها ولا حياتهم القادمة كيف ستسير.
ثم أدار محرك السيارة وقبل أن يمشي بها رفع الستار وفتح الشباك الجانبي لها كي يجعلها تهدأ وتحرك بالسيارة إلى الفندق.
تواصل مع الحراس الشخصين له كي يدلف إلى الفندق هو وزوجته بهدوء نظرا لشهرته الواسعة.
قبل أن ينزل من السيارة سألها:
_ ها ياحبيبي جاهزة ننزل.
حركت رأسها بموافقة ثم هبط أولا وخطى إليها وفتح الباب ومد يداه كي تسكن يداها فهو يعاملها كالملكات المدللات. أعطته يداها وقبل أن تهبط نظر حوله وجد بعض المارة الرجال فأمرها:
_ اظبطي نقابك الأول علشان مش متظبط وفي خصلات من شعرك باينة.
اندهشت من تفحصه لها وأنه يأخذ باله من تفاصيلها فهو من عبث بنقابها منذ قليل وهي كانت تائهة وأعصابها مخدرة ولم تشعر إلى الآن بنقابها الغير معتدل.
ولكن ما جعلها تندهش أكثر هو اهتمامه بتلك النقطة فلم يأت ببالها أن ذاك الآدم يغار عليها وعلى أن ينظر أحدهم إلى زينتها المخفاة.
لاحظ اندهاشها فسألها بتعجب:
_ مالك يابنتي بتبص لي باندهاش كدة ليه.
كانت تنظر إليه نظرات تائهة ثم حولت أنظارها إلى المرآة وأجابته بعدما انتهت من ضبط نقابها:
_ لا مفيش حاجة. يالا اني خلصت.
مد يداه إليها وهو يبتسم لها ثم دلفا إلى الفندق بسرعة قبل أن يلفتوا الأنظار إليهما ووقتها لن يستطيعا التحرك من الكاميرات.
أنهى الحارس الخاص به جميع الإجراءات ثم صعد بها إلى الجناح المخصص لها في الفندق.
دلفا إلى الجناح وأخذا أنفاسهما يستدعيان الاسترخاء ثم سحبها برفق وأجلسها على الأريكة الموجودة في الجناح.
لاحظ نظرات عينيها الغير مطمئنة ثم ربت على ظهرها بحنو:
_ مالك ياحبيبي إنتي كويسة.
_ زينة الحمدلله. هو المفروض ايه اللي يحصل دلوك.
أجابها وهو ينظر إلى هيئتها:
_ اللي هيحصل دلوقتي إنك هتخلعي نقابك وحجابك وتلبسي البجامة اللي هناك دي وتنامي لك ساعتين. إحنا لسه الساعة ١٢ وهما هيوصلوا على ١.٣٠ مفيهاش حاجة يستنوكي نص ساعة.
نظرت له بعمق شديد. كيف له أن يكون بكل ذاك الحنان لها والاهتمام بها.
لاحظ نظراتها المثبتة عليه ثم قبلها من يدها وانتصب واقفا، قائلا:
_ يالا أنا هدخل الأوضة الجانبية دي بعيدة عنك خالص هتوضى واصلي الضهر ومتقلقيش خليكي على راحتك مش هتحسي بوجودي خالص.
ابتسمت له بامتنان ثم تحرك إلى الغرفة الجانبية وفيها حمامها الخاص. أما هي بدأت بخلع نقابها وحجابها والدريس التي كانت ترتديه ثم ارتدت البجامة والتى كانت من القطن المبطن كي تشعرها بالدفئ فاليوم كان يصحبه بعض البرودة ثم ذهبت الى الحمام وتوضأت وأدت فرضها بخشوع.
وبعد أن انتهت ذهبت إلى السرير وسحبت الغطاء الوبري الثقيل ولم تشعر بحالها وخلدت في نوم عميق.
بعد مرور ساعتين وجد آدم أن الحارس يبلغه أن الفريق أتى وهم مستعدون لتجهيز زوجته.
وأن الوقت قد أزف ولابد من البدء الآن فلديهم جلسة التصوير الخاصة بالعروسين.
فتح الباب وخرج من الغرفة ونادى بهدوء كي لا يزعجها لكنه لم يجد رد واستنتج أنها مازالت نائمة. فخطى إليها بخطوات هادئة تشبهه تماما ثم ذهب إلى التخت ودقات قلبه العنيفة تتصارع داخله عندما رآها نائمة كالحوريات.
جلس بجانبها بهدوء ولم يشعر بحاله وهو يتلمس شعرها الطويل المفرود بهوجاء على وجهها وصدرها وعلى الوسادة مما أعطاها منظرا رائعا جعله يهيم بها عشقا.
صار يأخذ أنفاسه بصعوبة من هيئتها التي جعلت جسده يثور عليه ويطالبه الآن بسحبها إلى أحضانه ويسحبها إلى عالمه ويرتوي من رحيقها وشهدها المسكر. ولكنه وعدها. ظل ينظر إليها بضع دقائق ولكنه تذكر الفريق الذي ينتظرها بالأسفل ثم ابتعد عنها وانتصب واقفا، وبدأ يفيقها بهدوء.
تململت في نومها ثم استقر صوته في أذنها وفجأة قامت بسرعة وجدته واقفا أمامها بابتسامته الساحرة فجذبت الغطاء على جسدها ثم إلى رأسها وغطت نفسها بالكامل ثم تحدثت بتوتر:
_ أممم.. اني خلاص فقت اخرج واني هلبس هدومي ونقابي وقول لهم يطلعوا.
قهقه بخفة على طريقتها الطفولية ثم حاول نزع الغطاء برفق ولكنها كانت متشبسة به ولكنه استطاع نزعه ورؤية وجهها فداعب خصلاتها وتحدث وهو يشاغبها:
_ إنتي مش ملاحظة إني جوزك ولا حاجة!
وأكمل وهو ينظر في ساعته:
_ يالا قومي بقى الناس وصلت تحت ومستنين الأميرة علشان يروقوا عليها.
ثم أكمل بمشاغبة وهو يغمز لها بشقاوة:
_ ولو أن الأميرة مش محتاجة أي حاجات ولا محتجات هي تتاكل كلها على بعضها كدة من جمالها.
فتحت فاهها بدهشة من وقاحته ثم رفعت الغطاء على رأسها مرة أخرى وكأنها تداري خجلها. ولكنه رفعه مرة أخرى بمشاغبة وهبط لمستواها بنصف جسده:
_ هو القمر بيتكسف ياناس. بذمتك مش بتحبي آدم ومنفسكيش دلوقتي يخدك في حضنه ويدوقك طعم عشقه ليكي.
ابتلعت ريقها بتوتر وادارت وجهها للناحية الأخرى وتمتمت بخجل:
_ اممم.. من فضلك بقى بلاش طريقتك دي علشان بتوترني.
راعى خجلها الواضح ولكنه وجد حاله يجذبها ويجبر عيناها أن تستقر في عيناه:
_ لااا بقول لك ايه احنا لسه بنقول ياهادي. ده احنا أيامنا مع بعض طويلة وفيها مناكفات وحوارات وتمرد وشد وجذب وفي الآخر بردو مش هتلاقي غير ده تستقري جواه وهو اللي هيريحك.
أشار إلى أحضانه وهو يتحدث معها ثم داعب خصلاتها بأنامله وهو يكمل مشاغبته معها:
_ متقلقيش أنا نفسي اطول مما تتخيلي. قومي بقى علشان هيطلعوا وبعد مايخلصو هنروح للسيشن هو هنا في نفس الفندق.
هنا انتفضت من مكانها وهي غير مدركة لهيئتها المبعثرة الخاطفة للأنفاس ورددت بذهول:
_ سيشن!
سيشن وراجل هيقف يقول لي اعملي كذا واعملي كذا وحوارات من ده.
لا ممكن يحصل أبدا.
لم يسمع ما قالت، وكل تركيزه على تلك الصغيرة التي سرقت قلبه الآن بجمالها الذي هدد حصون التماسك لديه.
ثم على حين غرة جذبها من يدها ولم يراعي وعوده لها. حبست أنفاسه من هيئتها، فشعرها انسدل على كامل ظهرها وبعض من خصلاته على جبهتها، وعيناها المنتفختان من أثر النوم، وكذلك شفاها. فلم يقدر على الصبر وأن يخطف شفاها في قبلة عاصفة ويداه تلوي خصلات شعرها بين يديه.
أما هي، رائحته وقربه عبأ صدرها ولم تقدر على مقاومته. فهي ضعيفة، لا تستطيع المقاومة. هي الآن واقفة في وسط طريق العشق، لا هي قادرة على أن تبعده عن أحضانها ولا هي قادرة على أن تجاريه، نظراً لتلك المشاعر الجديدة كلياً عليها.
أما هو، أنهى قبلته واحتضن وجنتيها بين يديه مطمئناً إياها:
"متقلقيش ياحبيبي، السيشن في مكان مفيهوش نملة هتهوب ناحيته. وكمان بنت هي اللي هتنفذه مش ولد. هو أنا معقول اخلي راجل يلمح طيفك ولا يشوف ملامحك غيري."
واسترسل بعيني عاشق:
"ده إنتي دخلتي عرين الأسد اللي ياكل بسنانه كل اللي يفكر يقرب ناحيتك."
وبنبرة متيمة ناداها:
"مكة.. حبيبي."
أجابته بعينيها فأكمل:
"بحبك يارووووحي وأغلى من روحي. أنا هنزل بقى والبنات هتطلع لك."
ثم قبلها من جبهتها بوقار لها وهو يردد بتأكيد:
"أنا واثق إنك هتطلعي عروسة قمررر."
ثم غادر الجناح وتركها وقلبها وجسدها مفككين من عاصفة قربه الذي شنها عليها منذ قليل. ولم تلبث حتى استمعت إلى أصوات الفريق الذي بعثه آدم لها.
ارتدت خمارها ونقابها وفتحت لهم الباب، وإذا بها تنصدم مما رأته. لقد رأت أربع فتيات منتقبات مثلها، وهم يرددون عليها بهدوء راقٍ:
"السلام عليكم ورحمة الله. عروستنا الجميلة تسمحي لنا ندخل."
ابتسمت لهم وأفسحت لهم المجال وأدخلتهم بترحاب. وبدأوا يتعرفون عليها وعرفت كل منهن الأخرى، وفي غضون دقائق أصبحت تشعر وكأنها صديقتهم. ثم خلعوا جميعاً النقاب، وكلهن عندما رأوها سمن عليها وعلى جمالها. ثم سألوها عن أشياء تفعلها العروسة من الحمام المغربي والأشياء الخاصة الأخرى، فأجابتهم بأن أختها الكبرى قد فعلت لها كل تلك الأشياء.
فبدأوا بشعرها ثم وجهها، وكل منهم تعمل عملها بامتياز. فهن فريق مشهور جداً لتزيين المنتقبات وشهرتهم عالمية ويسافرن إلى الغرب، وصفحتهم تتخطى ملايين المتابعين. وحينما طلبتهم هند، فهي ذات شهرة واسعة أيضاً، أتوا إليها.
بعد مرور ساعة تقريباً، أنهوا المكياج الخاص بوجهها، وحقا كانت رائعة. هادئة، وجمالها أصبح فاتناً أكثر من ذي قبل.
ثم تحدثت إحداهن:
"طب يالا يابنات العصر أذن نصليه."
وأكملت وهي تنظر إلى مكة:
"متوضية تصلي معانا ولا تدخلي تتوضي؟"
حركت رأسها بأسى:
"لا مش متوضية. وبعد الميكب أظن مينفعش."
ابتسمت لها الخبيرة ثم طمأنتها:
"مين قال كدة ياعروسة، ادخلي اتوضي طبعاً. الماتريال اللي بنشتغل بيها ضد المياه ويستحيل وشك يجرى له حاجة. يالا اتوضي وتعالي نصلي وبعدين نكمل."
انفرجت أساريرها وما عادت تصدق ما قالته، فلأول مرة تعرف عن ذاك المكياج ضد المياه. ثم سألتهم على نوعه ومن أين يأتي، فأجابوها بأن تطلبه منهم لأنهم أضمن من أي أشخاص.
ثم دلفت إلى الحمام وتوضأت وخرجت إليهم. وصففن بجانب بعضهن وأمتهن أكبرهن سناً وأقرأهن علماً.
وبعد عشر دقائق انتهين من الصلاة وجلسن للتسبيح، ثم رجعن يكملن ما بدأوه.
بعد مرور ساعة أخرى تحدثت الخبيرة وهي تمسكها من يداها وتلفها حول نفسها:
"بسم الله. تبارك الله. اجمل عروسة قابلتها في حياتي. ربنا يتمم لك على خير ويفرح قلبك ياموكة."
شكرتها مكة واحتضنتها بمحبة، فهي شعرت بالراحة معهم وأحبتهم كثيراً.
الآن أصبحت الساعة السادسة مساءً. ذهب إليها آدم بطلته المبهرة الخاطفة للأنفاس، فقد كان وسيماً بحلته السوداء ورابطة عنقه ورائحته التي تسبقه وبشاشة وجهه وابتسامته التي أعطته كاريزما خاصة به.
ذهب إليها وقلبه يدق بوتيرة سريعة مما هو قادم إليه، فحبيبته وعروسه ستتوج إليه اليوم. فهو مشتاق ومتلهف لرؤية طلتها، ولكنه خائف على نفسه من فتنتها ومن جمالها الذي يأسر روحه. أخذ نفساً عميقاً قبل أن يدلف إليها، ثم دخل إلى المكان الموجودة فيه.
وجدها تعطيه ظهرها خجلاً من الموقف، ثم استدعى الهدوء ووقف خلفها واقترب من أذنها هامساً لها من الخلف:
"عارف إنك هتطلعي جميلة أوي أوي. وهتبهريني. بس أرجوكي براحة على قلبي المسكين ياحبيبي."
كانت تستمع إليه ودقات قلبها تتصارع داخلها وجسدها على وشك الانهيار من الخجل. ثم استجمع شتاته ووقف مقابلها وناولها الورد في يدها الذي قبل باطنهما برغبة. ثم اقترب منها وبدأ يرفع نقابها. وما إن رآها حتى كاد يخر صريعاً من بهاها.
ولم يجد تعبيراً عن عشقه لها وفرحته بها غير أنه جذبها من يدها ورفعها أرضاً وصار يدور بها بفرحة عارمة.
ثم أنزلها وردد بهيام وهو ينظر داخل عينيها:
"الصمت في حرم الجمال جمال. في حد يخطف قلب حد كده. واكتر من كدة أنا هدوب ياموكتي."
ثم أنزل نقابها وشبك يداه في يداها وذهبا إلى جلسة التصوير.
بعد مرور حوالي ساعة أخرى انتهوا من جلسة التصوير وذهبوا إلى القاعة المختصرة المعازيم على أهلها وأهله فقط.
وهرول الجميع إليها وجذبوها إلى أحضانهم وانهالوا بالمباركات عليها والفرحة سكنت وجوههم جميعاً. وبدأت أجواء الفرح بدون موسيقى، وحقا كانت الأغاني المنتقاة بدون موسيقى رائعة وأثرتهم جميعاً.
كانت أجواء الفرح هادئة نوعاً ما نظراً لرقي طبقة آدم وأهله وعدم وجود الموسيقى في الفرح.
جلس آدم بجانبها أخيراً بعدما انتهى من التسليم على أقاربه وأصدقائه. وماجدة وأخواتها تركوا مكة كي تجلس وتستريح.
أمسكها من يدها بتملك قائلاً، وهو ينظر إليها بهيام:
"مبسوطة بيومك وبأجواء الفرح ياحبيبي؟"
ابتسمت بهدوء وأجابته:
"كل حاجة فيه جميلة ماعدا الاختلاط، وخاصة إن فيه ستات تبعكم لبسها مكشوف شوي."
نظر إلى المكان حوله ووجد الجميع يتسامرون برقي وأجواء السعادة بادية على وجوههم، ولم يوجد في المكان سكر أو أي اختلاط فيه شغب ومؤذٍ للعين.
ثم هدأ قلبها من إحساسه بالذنب:
"ياحبيبي كل عيلة قاعدة مع بعضها والفرح راقٍ ومفيش أي مظهر يدل على غضب ربنا. باختصار المكان والجو شكل ما يكون سهرة عائلية مش فرح فيه رقص شباب مع بنات."
لمست الراحة لها في كلامه، ثم بدأت تنسجم مع الأجواء وتوزع ابتسامات لصديقاتها وأهله الذين يبتسمون لها.
واستمر الفرح بأجوائه على هذا النمط المريح للعين والنظر والأعصاب.
أما على تلك المنضدة الجانبية يجلس عمران وسكون وحدهما، فقد كانت رحمة تقف بجوار مكة وزينب كانت تجلس مع ماجدة يتحدثن مع بعضهن.
فسألتها ماجدة كي تطمئن على حالها بعدما علمت تفاصيل مشاكلهم من رحمة:
"طب واخرتها ايه يا أم عمران؟ لا انتي هتقدري على كيد البت دي ولا صحتك حمل سلطان لو مد يده عليكي تاني؟"
تنهدت زينب بتعب من حالها المكلوم الذي وصلت إليه بسبب غدر زوجها لها بعد كل ذاك العمر:
"في إني لازم أتحمل وأبقى موجودة في بيتي وأتعامل بالعقل دلوقتي. إني عندي ولد متجوز وبتي اللي لسه والدة بتيجي البيت على حسي ولسه معايا بنت لازم أكون جارها ومفوتهاش. آدي الله وآدي حكمته."
شعرت ماجدة بالأسى عليها ثم تحدثت بحنو وهي تربت على ظهرها:
"أهي الدنيا كده. البني آدمين فيها حالهم ماشي بالمقلوب. لا الحلو فضل على حاله حلو والوحش بيزداد وحشة."
وأكملت وهي تشجعها على قرارها:
"عين العقل إنك مهتخسريش جوزك أبو عيالك وتفوتيه للعقربة دي."
جحظت عينا تلك زينب وهتفت باستنكار:
"جوز مين دي اللي مهفوتهوش يا أم الداكتورة!"
دي لامؤاخذة اللي ميشيلنيش حوايا على راسه ملبسهوش مداس في رجلي.
واستطردت حديثها بتأكيد:
_ اني مجبتش سيرته خالص، اني قعدت علشان ولادي والبت دي ماهفوتهاش تتهنى بشقاي وتعبي طول السنين.
وأكملت بقوة امرأة مجروحة وهي تجز على أسنانها بحرقة:
_ أما هو وحياة رب العباد وشعري اللي شاب واني كنت تحت رجليه وشايفه طلباته أوامر وبمحبة ماهيلمس شعرة مني تاني ولو حتى طلقها. اني اتكوّيت منه وقلبي كل يوم مولّع بسببه وهو مشافش مني أي شين يخليه يخون.
تنهدت ماجدة بحرقة هي الأخرى:
_ لا اللي معاها الراجل مرتاحة ولا اللي وحديها مرتاحة والعيشة بقت صعبة قوووي.
أفاقت زينب من حالة الوجع التى اعترتها ثم ربتت هي الأخرى على يديها متسائلة بقلق:
_ وه طب وانتي مالك إنتي كمان، ما بناتك أهم كل واحدة فيهم بقت متسترة وفي بيتها وخلاص همهم انزاح عنيكي وهتعيشي كل يومين تاجي لك واحدة فيهم ولا راجل ينغص عيشتك تقومي براحتك وتنامي براحتك وتاكلي اللي على كيفك واللي ميعجبكيش متعمليهوش.
وأكملت بدعابة كي تدخل السرور على قلبها لما رأته من حزنها:
_ ههه والله اني بحسدك يا أم مها ياشيخة فكي بلا نكد.
ضحكت الأخرى بخفة ثم أردفت:
_ ههه الله يعزك يا أم عمران. أيييييه دوام الحال من المحال.
أما عند عمران وسكون تحدث وهو يجعلها تنظر إلى والدته ووالدتها قائلا بدعابة:
_ شفتي امي وأمك من شوي كانت ملامح وشهم كانهم هيبكوا عاد ودلوك الضحكة من الودن دي للودن دي. والله انتو الستات حالكم عجيب.
قهقهت سكون على طريقته الدعابية ثم هتفت بنفس الطريقة:
_ هما الستات أكده في لحظة تلاقيهم بيضحكوا على حزانهم وفي نفس اللحظة تلاقيهم بيعيطوا في فرحهم ودماغهم بسيطة قوووي وأقصى أمانيهم يقضوا يومهم فنجان قهوة على البحر وهما بيسمعوا المنشاوي ولا الشيخ محمد رفعت وبعد شوية تلاقيهم بيبصوا للبحر بسعادة وبعدها يغيروا المحطة ويشغلوا الست أو فيروز وبتبقى نفسيتهم في الوقت دي في أحسن ما يمكن. بس ليت ما يتمناه المرء يدركه والستات مطحونة في دوامة الحياة اللي مبتنتهيش وحلمهم البسيط ده ممكن ميحققهوش اصلا إلا لما قطر العمر يجري بيهم والصحة تروح وياه وساعتها قعدتهم هتبقى بكا على اللي راح.
حملق بها بدهشة من كلامها ثم سألها:
_ طب وانتي من الستات دي ياسكون؟ الله الوكيل لو نفسك تروحي تقعدي على البحر بعد فرح أختك أخدك أوديكي وأحقق لك كل أمانيكي.
واسترسل حديثه وهو ينظر لها نظرات مشاغبة مرددا:
_ ونبقى بقى هناك وحدينا والجو هيبقى هادي خالص بصحيح والدنيا هص هص وأنا وانت ياحبيبي ونجوم الليل وبس.
الى هنا ضحكت بشدة من كلمته وهتفت بتحذير بعد أن هدأت من ضحكاتها:
_ ابوس يدك ياعمران بلاها الغنوة دي اقول لك بلاها عبد الباسط حمودة دي خالص مش هو بردو اللي قال "أبص لروحي فجأة لقتني كبرت فجأة وتعبت من المفاجأة ونزلت دمعتي قولي لي ايه يامرايتي قولي لي ايه حكايتي تكونش دي نهايتي وآخر قصتي".
أنهت تلك الكلمات وضحك كلتاهما حتى أدمعت عيناهم وهتف وهو يغمز بكلتا عينيه:
_ طب ايه بقى الليلة هنا وسرور وعمران هيهيص من امبارح وانتي بايتة عنديكم وفايتاني لوحدي أعد نجوم الليل وحدي.
تذكرت أنها ستمكث أسبوعا بأكمله لم يستطع القرب منها نظرا لظروفها فحركت رأسها برفض:
_ لااا ياحبيبي ولا النهاردة ولا بكرة قدامك سبوع بحاله مهتجيش ناحيتي.
برق عيناه من كلامها وأمسكها من يدها معنفا إياها:
_ وه وه عاد كانك كبرتي وخرفتي ياسكون!
ده في احلامك ياعسسل.
ضحكت بشدة مرة أخرى فهو فهم رفضها دلالا ثم فهمته ماتقصد وهمست في أذنه ما جعله تصنم بعيناه واعترى الحزن ملامحه ثم باغتها بذاك السؤال الذي جعلها حملقت فيه بعدم تصديق:
_ وه واللي عملناه طول الشهر راح على الفاضي واترمى في بحر الغدر ياسكون.
أنا كنت مواعد الحاجة زينب بعد ٩ شهور بالتمام والكمال هيشرف ولد عمران.
اتسعت عيناه بذهول من طريقته التي يتحدث بها وكأن حزنه حقيقيا وسألته:
_ اوعاك تكون بتتحدت بصحيح ياعمران هزعل منك والله.
ضمها برفق من كتفها بحركة مفاجأة وقبلها من رأسها دون أن يعطى للموجودين حولهم أدنى اهتمام مجيبا إياها بنفي:
_ له طبعا، ياحبيبي هو أني أقدر على زعلك. بس بناكفك بس ياقمر.
ابتسمت له ثم أشارت إليه أن ينظر إلى العروسين قائلة:
_ شوف حلوين إزاي. وفرحهم راقي وجميل.
مط عمران شفتيه بسخرية:
_ وه هو فين الجميل في القعدة العائلية دي! هو آدم دي مش نجم ومشهور مجابش ليه عبد الباسط حمودة يروق لنا القعدة.
ضحكت بخفة على طريقته المشاغبة ثم أردفت:
_ والله العظيم ملكش حل ياعمران. هو مفيش غيره عبد الباسط حمودة ده.
وبعدين هو ياعين امه يقدر يجيب حد ده كانت مكة أختي قلبت له الفرح جنازة.
أعلن منظم الحفل عن رقصة العروسين التي فاجأت مكة وهتفت برفض له:
_ له مهرقصش أني قدام الخلق دي كلها. اعمل أي حاجة.
ضغط على يداها وطلب منها راجيا:
_ مينفعش يامكة كده بتحرجيني وهتحسسي الناس إن في حاجة بصحيح والجوازة مش مظبوطة وانت المضرورة فأرجوكي اتعاملي طبيعي جدا. وبعدين ياستي للمرة المليون أنا جوزك.
تمتمت باعتراض ولكنها استمعت لرجائه كي تنتهي من ذاك الحفل وكي لا تلفت انتباه أحدهم إليها.
وقام على الاستيدج وهو يسحبها معه بدلال يليق بها.
كانت كاميرات الموجودين جميعا موجهة عليهم مما أربكها.
همس بجانب أذنها:
_ متتوتريش كل اللي هتعمليه انك هتحطي ايدك حوالين رقبتي وبس وملكيش دعوة بالباقي.
كانت خائفة فهي ليست من نوع الفتيات التي كانت تشاهد تلك الرقصات وتعرفها جيدا ففعلت مثلما طلب منها وهي خجلة للغاية.
اما هو احتضن خصرها بتملك واسند جبهته بجبهتها واستنشق أنفاسها الساخنة من تحت نقابها وبدأ يتحرك بها برقة تليق بذاك الآدم ثم عبر عن ما بداخله بكلمات جعلتها هائمة ذائبة تجرب شعورا لم تفقهه ولم يعلمه جسدها من قبل شعور الاحتياج بأنها في أحضان رجل:
_ عارفة ياحبيبي أنا واثق إن هيبقى بيني وبينك في يوم من الأيام حب كبير أكبر ماخيالك يتصوروا حاسس كمان ان ربنا اللي يقدر حبي ليكي بانك ما تبعديش عني ولا لحظه ارجوك يا مكه اركني كل حاجه على جنب وما تفكريش في اللي حصل ولا اللي فات وخلينا نفتح صفحة جديدة من غير أي ماضي ونشوف هنعيش ازاي مع بعض واعتبري يا ستي في اول جوازنا فترة خطوبة انك تعرفيني كويس وتطمني وبعدها انا واثق ان ربنا هيخليكي تقربي مني وهيخليكي تطمني في قربي وان انا عمري ما هضرك ابدا.
كانت عيناها تنظر ارضا من شدة خجلها ولكن نبرته اللحوحة لها وكما انه جذبها من وجهها ان تنظر اليه فاستقرت عيناها في عيناه وهي تمرر لسانها على شفتيها اسفل نقابها مرددها بهمس:
_ اللي عايزه ربنا هو اللي هيكون سواء كان هكمل او هبعد ولو هكمل اكيد مش هعاند قدر ربنا بس في حاجات هنتكلم فيها كتير قوي بس اليوم ده يعدي وقتها هنحط النقط على الحروف وانت هتعرف اني عايزة ايه كويس ولو انت بتحبني فعلا وعايز مكة وعايز السكن والسكينة والمودة والرحمة هتلاقيهم كلهم عندي بس في المقابل انا عايزة راحة نفسية معاك في اللي هعيشه وعمري ما هرتاح نفسيا طول ما انت المغني ادم المنسي.
تنهده بتعب وأسى مما ذكرته الآن ثم سألها سؤاله الحائر والمتعب لقلبه وقلبها:
_طب قبل اي حاجة وقبل ما نشوف ونفكر هنعمل ايه عايزة اسألك سؤال وتجاوبيني عليه بصراحة بتحبيني يا مكة ولا انت لسه حاسة ان انت مجبرة؟
لم تريد ان تنطق تلك الكلمة من فاهها الا وهي تشعر بأنه رجلها الكامل في نظرها دون اي عثرات في طريقهما ولا أشواك تنغص حياتهما ثم اجابته:
_ممكن مجاوبش على السؤال ده دلوقتي خليها تطلع من قلبي مش من لساني ومش وقتها. ومش قادرة اتعامل بنفاق وياريت ما تفهمش كلامي اني ما عنديش احساس او بتعامل معاك من فوق يعلم ربنا ان اني عمري ما كنت بتعامل مع البشر من العالي ابدا لكن انت مش اي حد يا ادم احنا بقينا خلاص لبعض وقدرنا بقى واحد وزي ما قلت لك قبل كده ههرب منك ليك.
اقتنع بأسبابها ثم تحدث بنبرة مرهقة:
_هتفضلي تهربي من الحب لحد امتى هتفضلي تعاندي قلبك اللي عايز يشق ضلوعك دلوقتي ويسمعني بنفسه الكلمة اللي نفسي اسمعها؟
هسيبك براحتك لحد لما ما تقدريش تقاومي لأن أنا واثق ان إنت مش هتقدري يا مكة مش هتقدري.
أعلن المنظم عن الحفل انتهاء رقصتهما فعلى حين غرة رفعها ادم ارضا ودار بها في المكان بأكمله كما يفعل اي عريس بعروسه يوم زفافهم تحت تصفيق المدعوين وصفيرهم بالفرحة لذاك الثنائي المختلف ثم أنزلها أرضا وقبلها من جبهتها ولم يستطيع ان يتعامل ببرود في تلك اللحظة فهمس لها برقة اذابتها:
_ بحبك يا اغلى شيء في عمري بحبك يا كل عمري ربنا يبارك لي فيك ويخليك ليا وما يحرمنيش منك ابدا.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل السابع والخمسون 57 - بقلم فاطيما يوسف
انتهى حفل زفاف مكة وآدم على خير دون أي عقبات. ودعت والدتها وأخواتها بدموع انهمرت على وجنتيها بغزارة من ألم فراقهم. ثم انطلق العروسان إلى السيارة ذاهبين إلى جزر المالديف. آدم يشعر بالارتياح في تلك البلدة، وكما أنها مكان بعيد تمامًا عن مصر وعن الضوضاء الموجودة فيها.
بعد مرور عدة ساعات قضوهما آدم ومكة في السفر، وصلا أخيرًا إلى ذاك المكان المنعزل قليلاً عن الأناس، نظرًا لظروفها الخاصة، كي تستمتع بالجو وتكون على حريتها في الملبس والطعام وكل شيء.
ما إن دلفت ذاك الشاليه حتى وضعت يدها على قلبها تهدئ من نبضاته. فهي وهو في مكان وحدهما منعزل عن العالم، وحتماً ستكون رحلتهم صعبة. فهما عاشقان هائمان اجتمعا ضد الظروف والزمان. ولقاؤهما كأي زوجين طبيعيين من المحال بالنسبة لمكة.
أما هو، ظل ينظر إليها ووجدها مشتتة وخائفة وعيناها زائغتين، وهي تنظر إلى المكان برهبة.
فاقترب منها وحاول جذب انتباهها، وبدأ بالحديث معها كي تجعلها تهدأ من توترها ذاك:
"حمد لله على السلامة، نورتي بيتك."
ابتلعت ريقها بتوتر وهتفت بنبرة منخفضة:
"الله يسلمك."
ثم نظرت إلى المكان وسألته:
"هو الشاليه ده بتاعك؟"
اقترب خطوة واحدة وأجابها بموافقة وهو يومئ رأسه للأمام:
"أه يا ستي بتاعي. ها، إيه رأيك في ذوقه وفي جوه وفي المكان عمومًا؟"
نظرت حولها تتفحص المكان من جميع أبعاده الجانبية، ثم قالت بإشادة:
"المكان جميل وذوقه راقي ومريح للعين والنظر. بس هو ليه منحرف شوي عن الناس؟"
"مش شايفه ولا مخلوق حوالينا هنا غير الجاردات؟"
ثم استرسلت وهي تتساءل برعب:
"هو انت خاطفني يا آدم؟"
اقترب منها الآن خطوات ووقف مقابلها، ثم أشار إلى حراسه الواقفين في المكان أن يغادروا. فنفذوا الأوامر في لمح البصر.
ثم فك رباط نقابها تحت رفضها التام، ولكنه طمأنها:
"متخافيش يابنتي، محدش هنا خالص والحراس مشيوا. أما بالنسبة لحوار الخطف، هو في حد بيخطف مراته؟ مش هتفكي بقى ولا جو الاكتئاب هيفضل مسيطر عليكي."
تنهدت بإرهاق، فهي تشعر بالتعب للغاية من السفر بعد الفرح مباشرة وهي ما زالت بفستان زفافها. ثم نطقت بإرهاق:
"معلش إني تعبانة شوي، بس دخلني ووريني أوضتي. عايزة أغير الفستان ده، حاسة إنه هدني وعايزة أصلي وأنام وبعدها نتكلم."
رفع حاجبه باستنكار وردد:
"أوضتك! هو انت هتنامي في أوضة غير اللي أنا هنام فيها؟ ده مستحيل ولا يمكن يحصل. مكان نومي هو مكان نومك."
استدعت الهدوء كي تستطيع الإفلات من تشبثه بالرأي في ذاك الموضوع بالتحديد، فهي ليست على استعداد الآن للخناق ولا النزاع. ثم أجابته وهي تصطنع الضيق منه وعيناها تنظر أرضًا ولم تنظر لعينيه كي تشعره بضيقها:
"هو شرعًا لا يجوز وربنا ما أمرناش بكده، بس دي لما يكون جواز طبيعي مش غصبانية. وبعدين انت وعدتني إنك ما هتغصبنيش على حاجة واصل وإن كل شيء بالرضا."
انشق قلبه حزنًا على كلمة الغصب التي قالتها الآن، وأصبح متيقنًا أنه دخل معها معركة خاسرة. فرغم حبها الذي تيقن منه، إلا أن نظرة التشبث والتصميم التي رآها في عينيها الآن ماهي إلا انفلاق لقلبه.
فسألها بأسى ظهر بوضوح على معالمه:
"يعني جوازك مني دلوقتي غصب يا مكة؟ ووجودك معايا هنا والفستان اللي انتي لابساه، عايزة تعرفيني وتأكدي لي إنهم وهم وإنها كلها فترة ما بينا هتتقضى وكل واحد يروح لحاله؟"
تنهدت بنفس الأسى ومشاعرها الآن متخبطة ما بين حزنها عليه وحزنها على حالها.
ثم أجابته برفق، فهي شعرت بانفطار روحه:
"لو سمحت يا آدم، متاخدش كلامي دلوقتي وتفسره على كيفك. انت عارف كويس مشاعري بقت إيه ناحيتك، بس إني عندي مبادئ في ديني وتديني لا يمكن أتنازل عنها."
ثم أشارت على هيئتها وأكملت بنبرة مرهقة:
"أرجوك، إني دلوقتي تعبانة ومحتاجة أرتاح وبجد هلكانة نوم ومش قادرة أقف على رجلي وحاسة إني هقع من طولي دلوقتي."
أومأ برأسه للأمام، وهو الآن علم أنه انتقل من مرحلة الجري ورائها إلى مرحلة الجري الأكثر عن ذي قبل، مع الفارق. فالأول كان حاله به رأفة، أما الآن فقد رآها. اقترب منها، اشتم رائحتها، احتضنها بين يداه. رأى ضعفها في قوتها في آن واحد وهي تتنفس أنفاسه. قبلها قبلة عاشق.
ثم نظر إليها نظرة عميقة وعاتبتها عيناه:
"أيتها الأبية، ماكل من ذاق الصبابة مغرمًا، وأنا مغرمًا، عاشقا، ولن أستكين."
"مهما زاد عنادك وعلى كبرياؤك."
"فذاك القلب وتلك الدقات لن تصمت."
"وبالله على قلبك سأستعين."
"وفي هواكي قلبي أعلنها وعشقي للأعمى ظاهرًا، وبحق خالق السماوات أنا قدرك اللعين."
أما هي، من نظرة عينيه القاتمة باللون الأحمر، رأت توعده لها وعلمت أنها ستسلم لفروض عشقه وأنه لن يتركها إلا وهي بين يداه أنثاه الكاملة وبكل رغبتها.
ثم أشار إليها بصمت دون كلام أن تدلف إلى المنزل، فهو مكون من طابق واحد فقط. منزل مصمم على الطراز الكلاسيكي ومنعزل عن العالم، تحيطه الخضرة من كل مكان، وأمامه بحيرة صممها آدم خصيصًا لمتعته باللون الأزرق الفاتح. كانت أجواء المنزل تشع بالهدوء والرقي والجمال الذي يبعث في النفس الراحة من الجلوس في حديقته وأمام بحيرته فقط. كما أن المنزل مجهز بجميع الأدوات المنزلية الكلاسيكية العصرية التي تجعلنا نشعر بأجواء الزمن الجميل ولكنها تناسب العصر الآن. ورائحة المنزل تشبه رائحة الجنة ونظافته وترتيبه يبعث في النفس الهدوء.
لقد خصصه آدم، وعدل فيه أشياء كثيرة كي تناسب حبيبته، فهو يعلم أنها رقيقة وتحبذ تلك الأشياء من خلال منشوراتها على السوشيال ميديا.
أما هي، دلفت إلى المكان وانبهرت به وردد لسانها:
"بسم الله ما شاء الله. المكان اللهم بارك جميل قوي ومريح للأعصاب."
ثم نظرت إليه وسألته:
"ياترى ده ذوقك واختيارك ولا مهندسين ديكور يا فنان؟"
رق قلبه وفرح بشدة لسعادتها البادية على وجهه، ورغم حزنه من كلمتها وأيضًا من قرار نومها بعيدًا عنه، إلا أنه مجرد أن رأى بسمتها فرح بشدة. ثم أجابها بعينيه تلتمعان بالعشق:
"ده ذوقك إنتي يا مكة. حبيت أعمل لك كل حاجة بتحبيها."
اتسعت مقلتاها بذهول من إجابته، ثم سألته:
"وانت عرفت إزاي إني هحب الأجواء دي؟"
زين ثغره ابتسامة هادئة ولكنها جذابة أعطته مظهرًا ملائكيًا، أثرها في تلك اللحظة:
"اللي بيحب حد بيعرف عنه كل حاجة. كنت متابع صفحتك وكنتي دايما بتنزلي قرآن للشيخ مشاري راشد العفاسي على بحر أو على جزيرة وشاي ك المفضل اللي بالنعناع. عرفت بقى إنك بتحبي الأجواء دي. وعرفت كمان إنك مبتحبيش الشتا، عشان كده عملت لك ركن دافي هنا كده."
وأشار بيده إلى تلك المدفأة الموقدة بالنار، ولكن الذي أثرها وجعل قلبها يرق له ما وجدته في ذاك الركن. فقد وجدت فيه راديو على الطراز الكلاسيكي أيضًا، موديل السبعينات، وبجانبه باجور وعلبة كبريت وبراد من موديلات السبعينات أيضًا. والراديو على محطة القرآن الكريم ومصحفًا على مقعده ومصلّاه ومسبحة وأريكة مغطاة بالقماش الأبيض من نوع الكتان.
جلست على الأريكة واحتضنت ذاك المصحف بين أحشائها وقبلته بحب، فهو أثمن هداياها في ذاك المكان.
ثم تفوهت من فمها بتلقائية دون أن تلقي بالاً لكلامها وهي تنظر له نظرتها الآسرة لقلبه المسكين أكثر من ذي قبل:
"انت جميل قوي يا..."
لاحظت ما تفوهت به، فـتراجعت عن كلماتها، ولكنه شعر وكأنه ملك زمانه في تلك اللحظة من مجرد كلمات بسيطة قالتها، حتى ولو لم تكملها. فهو حقًا يعشقها، ومن يعشق ينسى ويغفر، فهذه قوانين العشق ليس بها رأفة أو رحمة بقلوب العاشقين.
ثم جلس بجانبها على الأريكة وطلب منها بلهفة وعيناه على ذاك الباجور:
"طب بقول لك إيه، ممكن تعملي لنا كوبايتين شاي بالنعناع هنا على السخان ده؟ نفسي أشربه من إيديكي قوي؟"
ضحكت بشدة على نعته لذاك الباجور بالسخان، ثم هدأت من ضحكاتها التي جعلت قلبه يخفق بعنف من رقتها الساحرة، فحقا ضحكاتها أنغام وورود كما غناها العندليب الأسمر:
"سخان إيه بس!"
داي اسمه باجور بيتحط فيه جاز وبنشد الفتلة بتاعته اكده وبعدين نولعه بالكبريت.
ثم صفقت بيدها بعدما نجحت في تشغيل ذاك الباجور وبدأت في صنع الشاي حسائها المفضل لديها. وبعد عدة دقائق قامت بسكبه في الإناء الزجاجي التقليدي ثم ناولته إياه برفق. فأخذه منها ولكن على حين غرة جذب يداها وقبلها قبلة شغوفة من باطنها جعلت داخلها يهتز ووجهها كأنه صبغ باللون الأحمر من شدة خجلها.
ظل محتضنا إحدى يداها ومشاعر جسده تطالبه أن يسحبها داخل ضلوعه ولكنها مازالت عاصية لك قلبي.
لاحظ توترها فترك يدها برفق كما جذبها ثم شكرها بامتنان وهو يحتسي الشاي:
"بجد أول مرة أدوق شاي بالطعامة دي. تسلم ايدك ياحبيبتي."
ابتسمت له وهي تضع عيناها في ذاك الكوب من خجلها البين على معالمها ثم بدأت بتناوله هي الأخرى وهي تحتضن ذاك الكوب بين يداها كي يشعرها بالدفئ. ظلا صامتين فهو كفاه اليوم احتسائه الشاي من صنع يدها وتقبيلها والجلوس بجانبها ورائحتها المسك تعبئ صدره فهو كان يحلم فقط برؤياها والآن جبر بالجلوس معها في منزل وحدهم. وبعد أن انتهوا أوصلها إلى الغرفة الخاصة بها وانتقاها بعناية. أدخل الحقائب الخاصة بها في الغرفة ثم تحدث:
"تصبحي على جنة من الرحمن ياحبيبتي."
ابتسمت له وبادلته مساه:
"وانت من أهلها."
بادلها نفس الابتسامة ثم أرسل إليها قبلة في الهواء وهو يغمز لها بإحدى عيناه فنظرت ارضا من خجلها. اما هو ذهب إلى غرفته وترك لها مساحة من الحرية وهو يثق في عدالة السماء أنه سينصف في ليلة وضحاها.
---
أما في منزل سلطان المهدي يجلس سلطان في الاسطبل وأمامه الشيشة يسحب منها الأنفاس بتكيف. دلف إليه عمران وألقى السلام فأجابه سلطان بترحاب:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. تعالى اقعد ياولدي. عامل ايه ومرتك كيفها؟"
جلس عمران بجانبه وتحدث بنبرة عاتبة يغلبها الضيق:
"إحنا بخير الحمدلله يابوي. بس ليا عتاب عنديك."
تحمحم سلطان بحرج منه فهو يعلم أنه أخطأ ولكن اصطنع عدم الفهم:
"خير ياعمران ماكلياتكم موراكمش غير العتاب لسلطان دلوك وبالنسبة لكم سلطان بقى وحش وميتعملش."
التوى ثغره بحسرة من طريقة بدئ والده في الحديث ولكنه صمم على عتابه:
"انت يابوي اتغيرت ويانا كلياتنا. ليه اكده ياحاج سلطان عمرك كله معميلتش فينا اكده عاد؟"
استنكر سلطان كلام ولده ثم تحدث بنبرة حادة خشنة:
"هو أني كنت عميلت ايه لدي كلياته ياسي عمران ياللي قاعد تحاسب بوك وواقف له على الواحدة؟"
وأكمل وهو ينفث دخانه بغضب:
"ولا هو العيل منيكم لما يتجوز ويبقى له مرة يتحول على أهله."
نفى عمران كلام والده بشدة:
"له يابوي مرتي عمرها ماجابا سيرتك بالباطل أبدا. يابوي سكون متربية وبت ناس. دي انت هينتها في أهلها وفي أصلها وتاني يوم نزلت صبحت عليك وكان محصولش حاجة واصل."
واسترسل حديثه وهو يحاول تليين عقل والده:
"يابوي انت راجل حاجج بيت الله وعارف الحرام من الحلال وانت سبت المصونة اختها اللي اتجوزت واتعمل لها فرح قنا كلياتها بتتحدت عنيه. رميت ودنك للشيطان مع انك معاهد ربك وانت في بيته انك متظلمش ابدا تقوم تاجي على ولية وانت كمان حداك ولايا مترضالهمش اكده."
شعر سلطان بالخزي من حاله من كلام ابنه وهو على يقين بأنه علي حق مائة بالمائة ثم تحدث بنبرة أكثر لينا:
"يعني كنت عايزني أعمل إيه واني شايف أختها واحد شايلها وواخدها في حضنه وبيركبها عربيتة غصب عني عقلي فط مني ومعرفش وقتها اقول ايه."
تنهد عمران بثقل ثم نصح والده:
"يابوي انت راجل قاري قرآن ربنا اللي قال 'وإن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين'."
"يابوي مابال رجل قال كلمة لا يلقي لها بال دخل بها الجنة وبال رجل قال كلمة لا يلقي لها بال دخل بها النار. يعني ممكن كلمة نقولها من غير قصد وندخل بيها الجنة وكلمة نقولها من غير قصد تدخلنا النار."
مط سلطان شفتيه بامتعاض:
"يعني عايز بوك يحق لعيلة من دور بناتاه على اخر الزمن ياعمران؟"
حرك عمران رأسه برفض ثم قال:
"له يابوي معاذ الله. بس عايز منك تطيب خاطرها بكلمتين داي بردك يتيمة وهي معتبراك في مقام بوها."
ألقى خرطوم الشيشة من يداه ثم تحمحم بموافقة:
"اممم.. حاضر ياعمران قوم بينا نطيبوا خاطرها. هي عليت في نضري علشان مردتش علي واتعملت بعديها طبيعي وعلشان احترمتني فهي بت أصول وولاد الأصول يتشالوا على الراس."
فرح عمران كثيرا ثم تحدث بامتنان:
"ربنا يبارك في عمرك يابوي. بس بعد اكده لما حد يبلغك حاجة متاخدش رد فعل إلا لما تتوكد زين دي النفس أمارة بالسوء ياحاج."
تحركا من مكانهم وذهبا إلى المنزل. في غصون دقائق دخل إلى المكان وجدهم كلهم مجتمعين فألقى السلام عليهم فردوا جميعا. عدا زينب ما إن رأت قدومه حتى قامت من مكانها مرددة:
"هدخل أريح في أوضتي شوي معايزاش حاجة ياسكون يابتي."
ابتسمت لها سكون وقالت:
"ليه اكده ياماما الحاجة خليكي قاعدة وياي شوي ملحقتش اقعد وياكي. وكمان تكملي لي حكاية الحاجة نفيسة متسبنيش اكده حيرانة."
اصطنعت زينب التعب:
"معلش يا بتي يوم تاني مقدراش دلوك متزعليش يامرت الغالي."
هنا تحدثت رحمة بامتعاض مصطنع:
"ميتي يا حاجة زينب هتنعتيني بالغالية زييهم كلهم اكده؟"
"هو إنت زييهم لاسمح الله يابتي؟"
"وه أمال إيه أفرق عنيهم ايه أني؟"
"تفرقي كتير يابت بطني. إنت قوية ومفـ.ـترية ومحدش يقدر عليكي."
وأكملت وهي تنظر تجاه سلطان:
"معلوم وارثة ناس في قوتهم الجبارة."
فتحت رحمة فاهها بدهشة:
"وه وه ياحاجة هو أني في نظرك هولاكوا قوووي اكده!"
والله حرام عليكي يا زوبة.
س يابت، حرمت عليكي عيشتك يا أم لسانين إنتي، دي الراجل اللي هياخدك إن مكانش يبقى عابد ناسك والمفروض يبقى نظره ضعيف كمان علشان ميشوفش غيرك، يا أما هتعذبيه يا عين أمه وهتوريه النجوم في عز الضهر.
مطت رحمة شفتيها وأردفت بمكر:
ماله ياحاجة، لازم أبقى مالية مركزي أكده، إني مش أي حد بردك، إني أمي الحاجة زينب على سن ورمح.
وصلها مغزى ماتقوله تلك الماكرة ثم قالت آخر كلماتها وهي تدلف إلى غرفتها:
إني هروح وأجي فيكي إيه يا بت بطني.
كان سلطان ينظر إليها باشتياق، فقد شعر بأنه افتقد جزءا كبيرا من يومه، الجزء المريح والركن الهادئ الساكن له. كان ينظر إليها وهي تتحدث بلهجة جديدة كليًا عنها. ففي قانون التعدد الاشتياق يزداد أضعافًا. ما كان يتوقع منها القسوة، الابتعاد، الهجر، فحقًا خلت بقلبه. استأذن منهم أن يدخل إلى البراندا كي يتصل بأحدهم.
وعلى حين غرة دخل من أمامهم جانبًا، وهو ينظر إليهم لم يجد أحدهم تتبعه عيناه، ولكن تلك الرحمة اتبعتهم بعينيها. كم تمتلك مكراً ودهاءً! لم يرى سلطان نظرتها، فكانت خفية.
دلف إلى غرفة زينب وجدها تقف أمام مرآتها بقميصها القطني المعتادة على ارتدائه في غرفتها وتصفف شعرها الحريري الطويل الذي تهتم به دائمًا. فمن يراها لا يظن أن لديها ولدًا ثلاثينيًا، ولو وقفت بجانب رحمة وحبيبة يظنوها أختهم وليست والدتهم.
كان ينظر إليها باشتهاء، فهي تهجره منذ أكثر من شهر وهو اشتاقها بشدة، فهي طيلة الثلاثون عامًا وأكثر لم تنم بعيدًا عنه.
أما هي لم تفزع من رؤيته، ثم جلست على الكرسي أمام الكمود وجذبت شعرها بأكمله على كتفها مما أعطاها مظهرًا تجعله راغبًا به.
مما جعلها تفهم معنى نظراته، بل تفهمها جيدًا. وللحق سعد داخلها، فتحدثت وهي تستدعي البرود:
إيه اللي جابك هنا؟ مخايفش من ست الحسن والجمال تلمحك تقوم تهجرك هي كماني وتبقى جوز الهاجرين؟
نظر إليها نفس نظرات الاشتهاء وبدأ يقترب منها كي يجعلها تلين، فهو سيلعب الآن على الوتر الحساس للأنثى وهو رغبتها به، وبالتأكيد اشتاقت له هي الأخرى.
هي متهمنيش كدك أنتِ يا أم عمران، إنتِ اللي في القلب واللي مفيش ست غيرك تملي قلب سلطان.
قامت من مكانها وحركت رأسها بشدة، فتحرك شعرها الطويل حتى لمس وجهه، فأمسك خصلاته بين يديه بسرعة وبدأ يشم رائحة عبيره بنهم التي استوحشها كثيرًا.
لاحظت حركته فاغتاظت، فهي لم ولن تصفو له وستكبت إحساس الشعور بالاحتياج لرجلها حتى تنتقم، فهي لن تجاريه في سحبه لها تجاهه، وإن حدثت مرة ستحدث ألف مرة.
فشعر داخلها حينئذ بالنيران وأنها ستصبح جاريته وتحت أمره وقتما يريد، فجذبت شعرها من يديه ولكنها لم تفلح، فكان متمسكًا به بشدة، مما جعلها تأوهت، فأثرت تأوهاتها به، فجذبها فجأة بين يديه وهو يثبت خصرها قائلاً وهو ينظر إلى عينيها الخضراء (فرحمة شبيهة والدتها كثيرًا):
بذمتك متوحشتيش سلطان يا زينب؟
كادت أن تضعف وتستكين وتسلم راية الاستسلام، ولكنها بعدته عن أحضانها هاتفة بتصميم:
الله الوكيل لو قلبي وجسمي اتفقوا عليا على أنهم يشتقاولك، لفعصهم بين يدي دول، ولا إنك تمس شعرة مني يا سلطان.
استفزته بشدة ووجعه رفضها له، فجذبها عنوة حتى ارتطمت بعظام صدره، جعلها تتألم.
إنتي أكده بتعصي ربنا يا زينب، واللي إنتي فيه ميرضيش ربنا واصل، والملائكة هتلعنك على تمنعك لجوزك.
رفعت إحدى حاجبيها، وبإحدى يدها داعبت خصلات شعرها ورددت بنظرات حادة قوية اختلقتها أنثى مجروحة:
ماهو بردو ربنا أدى للست حق الطلاق لو هي مطيقاش معاشرة راجلها.
وتابعت بنفس النظرات وهي تجز على أسنانها:
وأني مش طايقاك يا سلطان وكارهة نفسك.
نظر إليها نظرات مرعبة، فحقا سحلته وكرامته دهستها تحت قدمها دون أن يرف لها جفن.
وداخله يغلي، ومن شدة غليانه برزت عروق رقبته واحمرت عيناه، وفجأة دفعها على التخت وخلع جلبابه ورماه أرضًا، واقترب منها كي يأخذ حقه الشرعي منها إجبارًا عنها بعدما هدرت كرامته وجعلته لا قيمة له ولا هيبة.
وكاد أن يقترب من وجهها إلا أنها وضعت يداها على صدره مانعة إياه بقوة أن يقترب منها، هادرة بعينيها تمتلك إصرارًا على هجرها له، وبقوة لم يعهدها على تلك الزينب من ذي قبل، فقد عهدها وديعة، حنونة، مشتاقة، راغبة به.
لو قربت مني غصب عني هصوت وهلم عليك عيالك اللي قاعدين برة، وشوف بقى لما يدخلوا يلاقوا الحاج سلطان الكبيرة عايز مراته اللي رافضاه، شوف بقى كرامتك قدامهم كلياتهم وقدام مرة ولدك هتبقى عاملة إزاي.
وتابعت حديثها بشراهة أكثر، ولكن خففت يداها وأنزلتها من على صدره حتى تشعره بنفورها منه.
الهيبة الواهية هتسقط، وأني مش هستسلم ليك يا سلطان مهما حصل، لو انطبقت السما على الأرض، ولآخر مرة بقول لك طلقني.
لكزها بقوة في كتفها وقام من فوقها وانتصب واقفًا، ثم هدر بها بصوت أجش خشن، ولكن يبدو عليه الانكسار.
طب خليكي على عنادك دي يا زينب، وخليكي زي البيت الواقف أكده، وطلاق مش هطلق، وهعرفك كيف تعصي جوزك.
وأكمل وهو يلتقط جلبابه بتوعد:
ومسيرك هتقعي تحت يدي، ووقتها مش هرحمك، واللي ميجيش طيبة ييجي غصيبة، ووقتها مهتلاقيش حد ينجدك من يدي يا بت نفيسة الدلالة.
مطت شفتيها للأمام بدلال وفردت ظهرها على التخت ووضعت يدها تحت رأسها، ثم رفعت حاجبيها وأردفت بكيد:
مالها نفيسة الدلالة، جابت لك ست كمل بعيون خضرا وجمال ودلال مهتشوفوش في ست غيرها، بدليل إنك واقف تترجل قدامي أكده وهتموت على، وإني ممطولكش مرادك يا سلطان.
ثم داعبت خصلات شعرها وأكملت كيدها:
ولو كنت لاقيت اللي عند بت نفيسة الدلالة، مكنتش رجعت طالب الرضا والسماح، وهي عارفة ومريدة.
جز على أسنانه بغضب من طريقتها المتغيرة كليًا، ثم نفض جلبابه بغضب وخرج من الغرفة وذهب إلى البراندا كي يهدأ من أعصابه التي تلفت على يدها. ثم خرج إليهم وجدهم يتحدثون بمرح، فدخل معهم في الحديث كي ينسى ما فعلته به زينب.
وبعد مرور عدة دقائق نظر لسكون متسائلاً:
كيفك يا دكتورة وشغلك أخباره إيه؟
ابتسمت له سكون وسعد داخلها لأجل سؤاله عنها ونبرة الحنو الواضحة في صوته.
زينة وشغلي زين الحمد لله، منحرمش من سؤالك عني يا بابا الحاج.
تحمحم وسألها عن والدتها.
يستاهل الحمد يابتي، وأختك عروستنا الحلوة أخبارها إيه؟
هنا اتسعت ابتسامتها ونظرت إلى عمران نظرات فخر، فهو قد أتى بأبيه إليها كي يراضيها دون أن يحدث بينهم بغيضة أو ضيق لكلاهما. فهي منذ أن تزوجت عمران وعدت حالها أن لا تسبب بينه وبين أبيه وأمه أو إحدى أخواته أي مشكلة، وستتعامل مع كل المواقف برقي وستترك أمرها، وحتى لو آذاها أحدهم ستتركه لرب العباد.
ثم أجابته بابتسامة تزين ثغرها:
زينة الحمد لله يا حاج، جوزها أخدها بعد الفرح على طول وسافروا برة هيقضوا شهر العسل.
واسترسلت بحزن:
والله هتوحشها قوي وبعادها هيحزن في قلبي، هي كانت الأصغر وكانت قريبة منا كلياتنا.
هنا تحدثت رحمة وهي تأخذها بين أحضانها بحنو:
يا حبيبتي ربنا يسعدها يارب، دوام الحال من المحال، وهي دلوقتي اتجوزت واعتبرني مكانها ياستي، ولا منفعتنيش، ومتقلقيش إني قاعدة على قلبك ومهفوتكيش واصل لحد ما تزهقي مني وتقولي فوتيني بقى وهمليني.
ابتسمت بامتنان لتلك الرحمة التي تظهر للجميع أنها شرسة، ولكنها في الأصل قلبها مملوء بالحنان والاحتواء، صديقة بدرجة امتياز. لديها جيش من القوة والذكاء يجعل من أمامها يهابها من نظرات عينيها الشرسة.
ثم شدت سكون من احتضانها وأردفت:
عمري ما أزهق منكِ يا قمرة إنتي، ربنا يكرمك يا حبيبتي ويرزقك الزوج الصالح يارب.
واسترسلت حديثها برقتها المعتادة وهي تنظر إلى سلطان.
والله العظيم يعلم ربنا يا بابا الحاج إنّي من يوم ما دخلت البيت ده وأنا أعتبرتك كيف أبويا بالظبط، ورحمة وحبيبة خواتي، وماما الحاجة زينب زي أمي. ربنا يخليكوا ليا ويبارك فيك وفي صحتك ويخلي لك عمران وحبيبة وتفرح برحمة.
هنا شعر سلطان بمدى الخزي من حاله، فهي أصغر منه سنًا، ولكن جعلته في موقف مصغر بسبب ما فعله معها، ولكن هي الدنيا تثبت لنا أن العقول ليست بالسن. ثم تحدث ممتنًا لها:
عقبال ما نشوف عوضك يا بتي إنتِ وعمران، ساعتها هعمل ليلة تتحاكى بها قراها كلياتها.
هنا ربت عمران على ظهر والده قائلاً:
أمال إيه، هو هيبقى أي حد، ده هيبقى حفيد الحاج سلطان والحاجة زينب، ربنا يبارك في عمركم يا أبويا ويبعد عنيكم الأذى والشر.
كانت تلك الوجد تقف في الأعلى تستمع إليهم وداخلها ينهار حقداً بسبب جلستهم الطيبة وشعرت بأن الخطر قادم عليها لا محالة وبأنهم قادرون على سحب سجادة سلطان من تحت قبضتها. ثم دخلت غرفتها وارتدت ملابسها وانتوت الخروج.
أنهت ارتداء ملابسها ثم وضعت في حقيبتها مبلغًا من المال وحملت أشياءها وهبطت إلى الأسفل، وجدتهم يضحكون جميعهم، فاستأذنت من سلطان.
بعد إذنك يا حاج، إني عندي معاد مع الدكتور، هروح دلوقتي عشان ما أتأخرش، لأني حاسة إن ضلعي بيوجعني شوية.
نظر سلطان في ساعته ثم سألها:
وليه ما قلتيش من أول النهار؟ إني عندي دلوقتي مشوار شغل مش هيخلص قبل ساعتين، أجليه الميعاد ده النهاردة.
في نفس الوقت أرسلت رحمة رسالة إلى عمران قائلة له:
خلي الراجل بتاعك يجهز عشان يمشي وراها دلوقتي حالا وما يفوتهاش، وتأكد عليه ما تهربش منه وتشد عليه كويس قوي، وأنا هطلع أعمل اللي اتفقنا عليه، هو ده الوقت المناسب بالظبط.
استلم رسالتها وعلى الفور أرسل إليها:
تمام، أخرج أكلمه دلوقتي حالا.
وبالفعل استأذنهم عمران أن يخرج لمكالمة عمل.
أما وجد ظلت تتحايل على سلطان وهي تصطنع الوجع.
غصب عني يا حاج، مقدرش أصبر لبكرة، ضلعي بيوجعني جامد، وانت شفت بنفسك الدكتور قال لي لازم تيجي تتابعي أول بأول، وأني من وقتها مرحتش، وأخاف أصبر على الوجع ده يجرى لي حاجة.
أشار إليها قائلاً بتحذير:
قدامك من دلوقتي ساعتين بالظبط تكوني هنا، وما تتأخريش، وتقولي أصل صاحبتي مسكت في، وأفسر إيه ومدرك إيه، ساعتين بالظبط يا وجد تكوني هنا.
أنهى كلماته وتركهم وغادر المكان وذهب إلى عمله.
أما هي هزت رأسها بفرحة لا تدل على حزنها، والتي شهدتها رحمة وهي تتابع رد فعلها، ففكرت أن تعطلها قليلاً حتى يجهز ذلك الرجل، مرددة بحنكة:
مالك مبسوطة أكده وكانك مش رايحة عند دكتور، ولا كان ضلعك بيوجعك ولا حاجة، وضحكتك مغرقة وشك على الآخر، ومن شوية كنت بتتوجعي وهتعيطي من الوجع.
استطاعت رحمة أن تستفز تلك الوجد بكلماتها، ثم رددت:
إني دلوقتي مليش كلام معاكي، وملكيش صالح بيا خالص، ولا إنتِ بتقولي شكل للبيع وخلاص.
جزت رحمة على أسنانها بغيظ من تلك الباردة، ولكن قررت الآن معاملتها بنفس البرود.
والله إني أقول اللي على كيفي واللي على مزاجي، مش واحدة زيك تقول أعمل إيه ومعملش إيه.
ثم شمرت عن ساعديها ونظرت لها نظرات شر تفهمها تلك الوجد جيدًا وأكملت.
ولا تحبي تشوفي وتجربي اللي عودتك عليه من ساعة ما دخلتي البيت ده يا خرابة البيوت إنتي.
زاغت نظرات تلك الوجد وارتعبت من طريقة رحمة، فهي تعلم شراستها جيدًا وجربت شرها كثيرًا، وهي الآن لا تعرف أن تدافع عن نفسها، فقررت المغادرة من أمامهم وهي توعد لها سرًا.
والله لأخلص من اللي رايحة له دلوقتي وأفوق لك يا رحمة إنتي وأمك، وإن ما خليتكم تقولوا ياريت اللي جرى ما كان، مبقاش إني وجد، وهطلع عليكم القديم والجديد، وأولهم هسلط عليكم حبة نسوان يكسحوكم، التكسيح التمام اللي تقعدي فيه سنين تتعالجي.
أرسلت رحمة رسالة إلى عمران بأنها خرجت للتو، فطمأنها أن الرجل يقف بعيدًا عن مرمى المنزل في انتظاره، وكما أنه انتقى رجلاً يعرفها جيدًا، ولكن يثق فيه بشدة.
كانت سكون تتابع الموقف بصمت تام، فهي من النوع الذي لا يحبذ المشاكل أبدًا وتفضل التجنب في تلك الأجواء الشاحنة، فأمسكت هاتفها وانشغلت به.
أرسلت رحمة رسالة أخرى إلى عمران:
أكدت عليه يصورها فيديو لو دخلت أي مكان، ويصور أي مكان رايحاه له، ويظبط الفيديو كويس يا عمران، ولو اختفت جوة مكان يحاول يطق عينيه ويعرف كل حاجة.
طمأنها عمران:
متقلقيش يا رحمة، إني باعت الواد لهلوبة مشاوير، واد جن وحويط، وإنتِ عارفة بيحبني قد إيه ويتمنى يخدمني بعينيه، وكماني واد كتوم ومهيجبش سيرة لحد واصل. وبالنسبة للتصوير دي، اشتريت له آيفون مخصوص عشان تطلع بت الجزمة دي، تطلع واضحة أكده، وبقالي تلات أيام بدربه عليه يستخدمه كيف، وهو واد مخه نضيف وفهم بالعجل.
انفرجت أساريرها وهم على بدء الانتهاء من تلك الوجد، ثم تعجلته.
طب يلا تعالى دلوقتي خد مراتك واطلع، وإني هطلع أشوف شغلي، بوك مش هنا، ولا هي كماني، ودي أنسب وقت.
لم يكمل دقيقة ودلف إليهم وجلس بجانب سكون، أما هي استأذنتهم.
طب إني هطلع بقى أنام شوية، حاسة إني هلكانة خالص، معيزاش حاجة يا سكون.
ابتسمت لها سكون وأجابتها:
لا يا حبيبتي، نوم العوافي.
أما عمران أمسك يد سكون قائلاً:
واحنا كماني هنطلع شقتنا، حاسس إني عايز أرتاح شوية، وسكون كمان كانت مسهرة في فرح أختها وتعبانة هي كماني.
انطلقوا كل منهم إلى وجهته، وفور أن سمعت رحمة صوت قفل الباب عندهم، خرجت من غرفتها وبيدها تلك الحقيبة الصغيرة وانطلقت مسرعة إلى غرفة تلك الوجد كي تنفذ خطتها وتضع لها الكاميرات بحرفية، فهي منذ يومين تشاهد فيديوهات على جوجل عن كيفية تركيبها.
دلفت إلى الغرفة وأوصدت الباب خلفها بالمفتاح، ثم أخرجت هاتفها وقامت بتصوير الملابس وطريقة ترتيبها حتى تعيدها كما كانت، ولم تلحظ تلك الخبيثة أي تغيير.
ثم بدأت عينيها تنتقي الملابس التي ترتديها تلك الوجد بكثرة، وخاصة خمارها التي تجلس به في الشرفة. رصدتهم جميعًا، وبدأت بوضع الكاميرات بحرفية. وبعد أن انتهت من الملابس قررت أن تضع كاميرا في الشرفة مكانها المفضل للجلوس دائمًا. وبالفعل دخلت زاحفة كي لا يلمحها أحد قادمًا من الداخل.
وبدأت بوضعها، فمن يراها لا يظن أنها كاميرا بتاعته. وضعتها مقابل جلوسها بالتحديد. كانت تود أن تضع لها أخرى في غرفة النوم، ولكن راعت الخصوصية لها ولأبيها ولم تفعلها، ومع أن تلك الكاميرا كانت ستنفعها بشدة، إلا أنها قررت أن تكتفي بما وضعته.
أنهت مهمتها وأرجعت كل شيء مكانه بالتمام والكمال وخرجت من الغرفة وعلى وجهها علامات السعادة وهي تكور قبضة يدها بفرحة مرددة لحالها:
والله يا بت يا رحومي إنتي مكانك مش هنا، مكانك على مكتب وكيل نيابة بدماغك الألماظ دي.
ثم دلفت إلى غرفتها تستريح بضع ساعات كي تذهب إلى المكتب، فهي منذ يومين لم تذهب إلى العمل، فكانت منشغلة معهم في فرح مكة وآدم، وأرسلت رسالة إلى عمران بأنها أنهت كل شيء على ما يرام.
أما في غرفة عمران وسكون، كان عمران يتابع عمله على اللابتوب وبيده بعض الحسابات الخاصة بمزرعته.
أتت إليه سكون وبيدها كوبان من الشاي وجلست بجانبه ووضعت الأكواب على المنضدة، ثم سألته:
قربت تخلص ولا لسه قدامك كتير؟
ابتسم إليها بحنو اعتاد عليه:
يعني الميزانية مش عايزة تظبط معي، قدامي ساعتين أكده يا حبيبي. عايزة حاجة؟
أجابته وهي تضع يدها على قلبها:
مش عارفة، حاسة إني قلبي مقبوض أكده ونفسيتي مش تمام وحاسة بخنقة غير طبيعية.
انتبه عمران بكامل حواسه إليها، ثم جذبها إلى أحضانه مرددًا بقلق:
مالك يا حبيبي ليه أكده؟ حد ضايقك هنا ولا حاجة؟
حركت رأسها بنفي وهي في أحضانه:
له مفيش حد ضايقني، بس معرفش أو يمكن لأن فترة البريود دي بتبقى وحشة وبتأثر على نفسية الست وبتخليها مش طايقة نفسها، وكمان إني متعودة على روتين صلاة كل يوم بيخلي نفسيتي مرتاحة وقلبي مطمئن.
شدد من احتضانها ثم طمأنها:
طب أخلص الشغل اللي في يدي وأصلي المغرب ونقعد جنب بعض نقرأ السور والآيات القرآنية اللي تفك الضيق، إني هقرأ من المصحف وإنتي من التليفون عشان ظروفك الخاصة مينفعش تمسكي فيها المصحف. وإذا كان على الصلاة بدليها بالذكر بيطمن القلوب بردك والدعاء كماني.
أومأت رأسها ونال رأيه استحسانها، ثم تحدثت بخمول وهي تذهب ناحية التخت:
ماشي، هنام الساعتين دول ولما تخلص صحيني.
ابتسم لها قائلاً:
نوم العوافي يا حبيبي.
أما عند وجد، قبل نصف ساعة من قبل، وصلت إلى مكان تلك الدجالة، وكان ذاك الرجل الذي يراقبها متتبع خطواتها دون أن تشعر. وفور أن رآها تدخل إلى ذاك المنزل، دهش بشدة، فهو معروف في الكفر بأن تلك السيدة مؤذية للعباد، وقام بتصويرها على الفور وهي تدلف إلى ذاك المنزل، ثم وقف يحوم حول المكان كي يرى نافذة توصله إلى تلك الدجالة كي يقوم بتصويرها وتسهل مهمته، ولكن تلك الماكرة تؤمن منزلها بشدة.
دلفت وأعطت النقود لسليطة اللسان التي تقابلها كل مرة دون كلام، ثم طلبت منها أن تجلس إلى أن تنتهي جلسة من بالداخل.
مر وقتًا كثيرًا والجلسة لم تنتهي بعد، حتى مر أكثر من نصف ساعة، فسألتها:
هي الجلسة دي هتنتهي متى عشان أنا أكده اتأخرت؟
مطت تلك الأخرى شفتيها باستنكار لسؤالها:
سايق عليك النبي يا أختي، ولو إنك متعرفيهوش ما تسألينيش أسئلة غبية جوابها معروف، مش ناقصة وجع دماغ اللي فينا مكفينا، وقت أما الشيخة تخلص اللي عندها هتدخلي، معيزنيش صداع.
لم ترد على طريقتها الغليظة، فهي معتادة منها على ذلك، وفضلت السكوت كي لا تفقد أعصابها أمام تلك الباردة.
بعد مرور عدة دقائق بسيطة، انتهت جلسة من بالداخل، ثم دلفت وجد وألقت السلام وهي تنظر يمينًا ويسارًا برعب معتادة عليه عند دخولها عليها، ثم سألتها خضرة:
حمد لله على السلامة، اتأخرتي كتير، يا ترى جيتي بالمطلوب ولا له؟
ردت وجد سلامها وهي تخرج النقود من حقيبتها:
اتفضلي المبلغ أهو بالتمام والكمال، خلصيني بقى من الموال دي عشان إني اتبهدلت في البيت ده بهدلة، ولازم يدوقوا من النار اللي إني دوقتها.
أخذت النقود منها بلعاب يسيل رغبة على ذلك المبلغ الضخم الذي طلبته منها، وبدأت بعده بالورقة، وتلك الوجد تجلس على نار، فهي لا تريد أن تتأخر، وسلطان متوعدًا لها إن تأخرت.
وبعد دقائق كثيرة، أنهت خضرة ما تفعله، ثم طمأنتها بحفاوة:
أخلص الناس اللي ورايا، وساعة أكده ولا ساعتين وأشتغل، وعلى الصبح هتلاقي البشاير هلت، واقعدي واتفرجي كيف خضرة هتلاعبهم على الشناكل.
انفرجت أسارير وجد بفرحة عارمة، فأخيرًا ستراهم يبكون قهرًا على ما سيحدث لتلك السكون وعلى الوقيعة بينها وبين زوجها، ثم تحدثت بنظرات فرحة:
والله لو حصل صح، لا يبقى لك عندي هدية معتبرة تليق بيكي يا شيخة، وكمان هاجي لك عشان بت جوزي مطلعة عيني دي، بقى عايزة تخطيط تاني خالص، عايزاها تعمى بعينيها وتتشل بإيديها عشان ما تعرفش تأذيني تاني ولا تقدر تعملها.
كانت خضرة في عالم آخر تنظر إلى النقود، ولم تنتبه لكلامها، ولكنها وعدتها بكلمات كي تغادر وتتركها مع غنيمة اليوم.
تمام، من عيني متقلقيش.
ارتاحت وتنهدت بعمق، وكأن اليوم عيدها، ثم تركتها وغادرت بقلب فرح. رأى لهلوبة خروجها من بعيد، ففورا قام بتصويرها وهي خارجة من ذاك المكان، ثم تتبعها إلى أن عادت إلى المنزل، حتى لا يتهمها سلطان بالتأخير، ووقتها لن تمر ليلتها بسلام.
أنهى عمران ما كان يفعله، ثم توضأ وصلى فريضة المغرب، ثم أيقظ سكون، فقامت وهي تشعر بالفتور في جسدها، ثم دلفت إلى الحمام وغسلت وجهها بالمياه كي تفيق، وبعدها خرجت إلى عمران الذي كان يجلس في المكان الذي خصصوه في الغرفة للعبادة، وجلسوا يقرأون بداية من سورة الإخلاص وآية الكرسي، ثم انتقلت إلى سورة الملك، وهو كذلك، فهم معتادون على أنها تقرأ خمس آيات وهو الآخر خمس آيات، متشاركون في القراءة في جو يشعرهم بالراحة والأمان والطمأنينة.
في نفس التوقيت، كانت تلك الشيخة تبدأ مراسم طقوس العمل الذي تفعله لسكون، ولكن كلما بدأت شعرت بأن يديها ثقيلة، لا تستطيع التحرك، وكأن شيئًا ما يمنعها بشدة.
كانت سكون في ذلك الوقت تقرأ قوله تعالى: "وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين * وأعوذ بك رب أن يحضرون".
فشعرت أن هذه الآية تشعرها بالأمان، فكررتها ثلاث مرات أخرى.
أما تلك السيدة، المكان حولها أصبح غريبًا، فلأول مرة تدخل طقوس عمل وتجد تلك الغرابة، وكأن الشياطين التي أحضرتها الآن نائمة، فقررت أن تمكث قليلاً ولو بضع دقائق.
وعلى نفس جلستهم، عمران وسكون، سألها عمران:
إحنا كنا واقفين فين في البقرة في الورد؟
أجابته:
له تعالى نبدأ فيها من الأول، حاسة إني عايزة أقرأها كلياتها.
تمام، يلا نقرأ سورة البقرة لآخرها.
مضى أكثر من نصف ساعة حتى وصلت سكون إلى تلك الآية: "واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون".
كانت تقرأها بخشوع وقلب خاضع لله سبحانه وتعالى، وكانت تلك القشة التي قضت بتلك السيدة، شعرت بأن المكان يحترق من حولها، وكأن أحدهم يخنقها ولم تعد قادرة على التنفس، فلأول مرة يحدث لها ذلك.
وعلى الفور خرجت من المكان وهي تردد بأنفاس لاهثة تلتقطها بصعوبة:
حماس إيه اللي جرى؟ أول مرة يجرى أكده!
هذه البت جايبة لي قطر، مين اللي تنشك؟ والله لا أكون مقندلة عيشتها هي.
رأت حالتها من تعمل معها، فسندتها في وقفتها وكان جسدها يهتز.
"مالك ياشيخة؟ حوصل إيه؟ اهدي أكده."
وضعت تلك الدجالة يدها على صدرها تهدئ من ضرباته الثائرة داخلها، وهتفت من بين أسنانها التي تصك رعبًا وهي تخبرها بما حدث لها. ثم أكملت وهي تنظر للأمام بشر:
"البت دي اللي اسمها وجد، لما تيجي المرة الجاية تسحبي لي طرحتها من على راسها من غير ما تدري. والله لأخليها تولول من العذاب اللي هتشوفه على يدي. جايبالي قطر مين دا؟ بت الجزم، كنت هموت النهاردة بسببها."
طمأنتها تلك السيدة بأنها ستفعلها، فهي تكره تلك الوجد بلا سبب.
أما عند سكون، وصلت إلى الآية "وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله"، وشعرت بانقباضة في قلبها، ولكنها أكملت بخشوع.
انتهوا من قراءة ورديهم، وبدأوا بالذكر المعتادين عليه، ولكن قرأوا أدعية رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الضيق، فتلك الأدعية من يقرأها يشعر بالراحة والاطمئنان، وتلك سنة رسولنا التي ما إن اتبعناها حتى فزنا في الدنيا بأن لن يؤذينا أحد إلا الله.
بعد أن انتهت سكون وعمران من الساعتين من الذكر والخشوع، سألها:
"حاسة بإيه دلوك؟ لسه عندك ضيق زي ما انتِ؟"
أجابته براحة اغتالت روحها:
"حاسة إني استريحت كتير. ربنا يخليك ليا يا حبيبي، زي ما بتعين على الطاعة والعبادة، وما يحرمنيش منك أبدا."
ابتسم لها عمران مشيدًا بذلك الجميل لها:
"ومين يشكر مين يا سكون؟ انتِ خليتيني أبقى ملتزم في الصلاة وما أفوتش فرض بعد ما كان اليوم بيعدي عليا من غير ما أكمل صلاته، وخلتيني أقرأ القرآن وأنا كنت ممكن أقعد بالشهر والشهرين ما أمسكش المصحف وأهاجره، وكمان علمتيني أذكر ربنا في الرايحة والجايه. انتِ بجد ملاك ربنا بعته لي."
*****************
أما في المشفى عند مجدي، كان عامر يجلس مع الطبيبة يطمئن على حالة أخيه:
"يعني يا دكتورة، أخويا أكده هيفضل عاجز على طول، ولا هتعاود له صحته تاني؟"
نظرت إليه الطبيبة بأسى:
"كل شيء بإرادة ربنا، جايز ومفيش مستحيل على ربنا سبحانه وتعالى. بس حالة مجدي والعجز جاه من حمى، وكمان عنده اضطرابات في المناعة الذاتية أثرت على الأعصاب فسببت له حالة العجز. تقريبًا حالات زيه سافرت بره واتعالجت علاج قاسي جدًا، وفيهم اللي بيرجع يمشي تاني، وفيهم اللي ربنا بيقدر له بقية حياته أكده."
كادت تتحدث الطبيبة، إلا أنها استمعت إلى دقات الباب، فأذنت للطارق بالدخول، فإذا بها مها تدلف إليهم، ووجدت عامر عند الطبيبة، فألقت السلام عليهم دون أن تنظر إليه.
"السلام عليكم، كيفك يا دكتورة؟"
ما إن رأتها الطبيبة حتى انقلب وجهها حزنًا على ما ستخبره به الآن، وردت سلامها:
"زينة الحمد لله، كيفك انتِ يا مها؟"
ابتسمت مها وأجابتها بهدوئها المعتاد:
"بخير الحمد لله يا دكتورة، طمنيني على حالة مجدي وهل يقدر يخرج بقى من المستشفى ولا إيه؟"
تنهدت الطبيبة بأسى ثم أجابتها:
"هو حالته نوعًا ما استقرت والحمد لله، ظبطنا المناعة، بس لازم تاخدي بالك منه وتمشي على العلاج مظبوط في البيت، وأنا هعرفك كل حاجة علشان خاطر مناعته ما تتأثرش تاني."
كان عامر يستمع إليهم، ثم قال:
"الدكتورة بتقول إن مجدي ممكن يسافر بره وحالته ترجع تستقر تاني، هيبقى فيه حبة تعب، لكن نجرب."
اهتز فكها بسخرية:
"ويا ترى مجدي هيوافق على كلامك ده وهيصرف الفلوس دي كلها في السفر؟ دا ممكن يصرف اللي وراه واللي قدامه عشان يرجع يمشي على رجليه تاني."
قطب عامر جبينه باستنكار:
"وليه لا! هي الفلوس معموله ليه وبنتعب عشان نجيبها ليه؟ مش عشان لو تعبنا في يوم من الأيام نصرفها؟ هو في أهم من الصحة؟"
وأكمل حديثه بتأكيد وهو ينظر إلى الطبيبة:
"إن شاء الله أنا هقنعه يا دكتورة، أهم حاجة حضرتك تعرفي لنا هنروح فين بالظبط وتوجهينا، وعلى الله التساهيل بعد أكده."
توترت مها قليلاً قبل أن تسألها ذاك السؤال وعامر موجود، ولكنه يعرف عنهم كل شيء وعنها بالتحديد أكثر من أخيه، فسألتها:
"ممكن أعرف أخبار التحاليل إيه يا دكتورة اللي كلمتك عنها؟ أكيد طلعت دلوك، كنتِ بتقولي قدامها يومين وأنا بقالي أربع أيام ما جيتش هنا."
هنا سأل عامر:
"تحاليل إيه دي اللي أخويا عاملها؟"
أجابته بكل ثقة دون خوف منه:
"دلوقتي تعرف تحاليل إيه."
ثم نظرت إلى الطبيبة واستنجدتها أن تتحدث:
"ها يا دكتورة، طمنيني، شكلك ما يطمنش."
أخذت الطبيبة نفسًا عميقًا، ولكنها معتادة على تلك الحالات، ثم أجابتها بهدوء:
"عايزة أقولك إن كل شيء بأمر الله، وإن كل أقدار ربنا خير، وربنا ما بيمنعش عننا حاجة إلا وهي ضرر لينا."
هوى قلب تلك المها بين قدميها من مقدمة تلك الطبيبة، فمجدي زوجها من الممكن أنه أصيب بالعقم من جراء ذاك المرض، أم ماذا؟
ثم طلبت من الطبيبة أن تتحدث، فهي ذات قلب قوي ومعتادة على الصدمات.
فأكملت الطبيبة وهي تناولها ملف تحاليل الجينات الذي أجرتها لمجدي:
"التحاليل أهه."
"أمم... أستاذ مجدي للأسف يا مها عقيم من صغره، ونوع العقم اللي عنده ما بتعالجش أبدا. وعرضت التحاليل على كذا دكتور مسالك بولية ودكاترة كبيرة وكلياتهم أكدوا لي نفس الكلام. ما تزعليش حبيبتي."
ما إن استمع كلاهما إلى كلمة عقيم حتى رددا في صوت واحد من أثر الصدمة وهما ينظران لبعضهما نظرات منصعقة من أثر الكلمة التي وقعت على مسامعهم:
"عقيييييييم..."
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثامن والخمسون 58 - بقلم فاطيما يوسف
التحاليل أهه أستاذ مجدي للأسف عقيم من صغره ونوع العقم اللي عنده مابيتعالجش أبدا.
وعرضت التحاليل على كذا دكتور مسالك بولية ودكاترة كبيرة وكلياتهم أكدوا لي نفس الكلام.
متزعليش حبيبتي.
ما إن استمع كلاهما إلى كلمة عقيم حتى رددا في صوت واحد من أثر الصدمة وهما ينظران لبعضهم نظرات منصـ.ـعقة من اثر الكلمة التى وقعت على مسامعهم:
_ عقيييييييم!
فسرت اندهاشهم أنه صـ.ـدمة حزنهم من ذاك الخبر. وظلت تنظر إليهم وإلى وجوههم التى تلونت بالسواد وكأن لسانهم التقم من شدة صـ.ـدمتهم بأنه عقيم. ثم أكملت لهم بأسى على حالهم:
_ في ايه يا جماعة! وحدوا الله اكده مش اول واحد ولا آخر واحد ربنا يقدر له العقم. اكيد ربنا بيقطـ.ـع من اهنه ويوصل من اهنه. والدنيا منتهـ.ـتش يعني.
كانت تحدثهم وهم على حالة الذهول ينظرون لبعضهم نظرات غريبة وكأن النـ.ـيران تخرج من عينيهم. ظلا على وضعهم هكذا حتى هبطت دمـ.ـوع تلك المها على وجنتيها. دموع صامتة. دموع تخرج من اعماق جـ.ـسدها وليست من عينيها فقط. دموع خشية من القادم. وفجأة أغشى عليها ووقعت أرضا. فلم تستطيع التحمل أكثر من ذلك. مجرد دقائق مرت عليهم جعلتهم في عالم أخر. مجرد لحظات فتـ.ـكت بأحشائهم ودمـ.ـرت خلايا عقولهم. دخلت عالم الهروب الذي يجعلها تنسى مـ.ـر القادم. عالم تود ان تسكنه كي تنسى حياتها المؤلمة. حياتها الماضية التى يصحبها القهـ.ـر والقادمة يبدوا أنها ستكن سنوات العجاف لها.
انتـ.ـفضت الطبيبة من مكانها أما هو لم ينتبه لما حدث لها هو في عالم آخر. أيعقل أن الطفلان أبنائه! أيعقل أنهما ولدا من رحم الخطيئة!
لا ياربي لا تجعل عقابك لنا بتلك الدرجة، ما ذنب هؤلاء البريئين أن يتدنسوا في وحل الخطيئة؟
ماذا عنهم وعني إن رأيتهم أمامي وهم أبنائي؟
ماذا عن حياتهم القادمة، أتكون هلاكًا لهم؟
يالله كم صعب جزاؤك لنا الذي شق قلوبنا!
حاولت الطبيبة إفاقتها، وبعد دقيقة استجابت لها، ثم فتحت عيناها وجدت تلك الطبيبة في وجهها وتذكرت كلمتها "عقيم".
فصرخت تلك المها صرخة دوت الغرفة بأكملها، بين يدي تلك الطبيبة التي انفطر قلبها لها وتبدل صراخها لشهقات متتالية تدمي لها القلوب.
يالله من ذاك الوجع الذي يحاوطك، تلك المها!
أوجاع لها معانٍ عدة، وجع الحرمان، ثم وجع الخطيئة، ثم وجع الفقدان من الآن.
كفاك زماني، ألم تحن بعد وتمنحني الأمان؟
كم عظيم ابتلاؤك ربي، شق صدري، هزم روحي، ودفنت راحتي.
يالله ارحم ضعفي وقلة حيلتي وخذني عندك أخذ عزيز مقتدر، فأنت أحن على عبدتك من قلوب البشر.
ثم هدّأتها الطبيبة:
_ بسسس ياماما اهدى، متعمليش في حالك أكده، إنتِ ليكي الحرية لو مهتقدريش تتحملي ظروف عجزة وظروف عقمه، اطلقي وهو مش من حقه يزعل، إنتي من حقك تبقي أم ومحدش يقدر يلومك أبدًا.
وأكملت وهي تحاول تهدئتها أكثر، ولكنها كلما تحدثت الطبيبة كلما شهقت أكثر من ذي قبل، وكأنها تضع سائلاً شديد الاشتعال على جسدها، فتشعر بأن الدموع التي تهبط من عينيها دموع من نار.
بعد مرور أكثر من ساعة في مكتب الطبيبة من انهيار تلك المها، وأفاق عامر ورجع إلى رشده أخيرًا.
طلب من الطبيبة:
_ ممكن يادكتورة متجيبيش سيرة لأخوي، كفاية اللي هو فيه، ولا لأي مخلوق خالص.
هزت الطبيبة رأسها بتفهم ثم ردّت:
_ طبعًا طبعًا يافندم.
وأكملت وهي تناوِل مها منديلًا ورقيًا:
_ خلاص بقى امسحي دموعك، والله العظيم قطعتي قلبي عليكي، وربك رب قلوب ولا يكلف نفسًا إلا وسعها.
خرجا كلتاهما من عند الطبيبة، ثم ارتدت نظارتها الشمسية وقالت له باختصار:
_ هسبقك على الشقة بتاعتي، تاجي ورايا طوالي.
حرك رأسه بموافقة، فهو أيضًا يريد التحدث معها، فداخله منهار الآن.
بعد مرور نصف ساعة، وصلت مها إلى شقتها ودلفت إلى المكان تنتظره.
فور دخولها، عيناها نظرت إلى صورتها هي وأبنائها تلقائيًا، وهي تنغمر بالدموع التي لم تنقطع منذ أن علمت من الطبيبة تلك المعلومة المميتة.
وصارت تحدث حالها:
_ هي مرة واحدة فقط أذنبت فيها وتركت نفسي للشيطان الذي أغواني، دمرتني.
وياليت الدمار لحقني وحدي، ففلذات أكبادي نالهم من وحل خطيئتي.
وعند ذكر أولادها، انهارت مرة أخرى وصارت تبكي، فهم عزيزا عيناها، قرة روحها.
ثم رجعت بذاكرتها إلى ذاك اليوم المشؤوم، سنوات وسنوات.
تجلس على التخت وهي تشد تلك الملاءة على جسدها، وهو يجلس على نفس التخت يعطيها ظهرها، وهو عاري الصدر لا يستر جسده إلا ذاك السروال الصغير.
تبكي بغزارة على ما فعلاه الآن من جريمة كبرى، بل هي كبيرة من الكبائر التي تهتز لها السبع سماوات.
كان ينفث دخان سيجارته بشراهة، فاعتدل بجلسته واقترب منها، وكاد أن يخلل أصابعه بين خصلات شعرها، إلا أنها أبعدت يداه بحدة:
_ بعد عني، متلمسنيش خالص، إني مطيقاش لمستك ولا طايقة أبص في وشك، ولا حتى طايقة ريحة نفسك.
تنهد بضيق من كلامها وبكائها ومن الموقف ككل، ومما حدث.
ثم تحدث:
_ طب ممكن تهدّي شوي، اللي حصل حصل خلاص يابت الناس، والشيطان غواني وغواكي، ولا كان بيدي ولا يدك.
جذبت ذاك القميص وهي على وضعها، ارتدته بحدة، ثم قامت من على التخت وأتت بتلك العباءة وخبّأت جسدها بالكامل، وكأنها تستر الخطيئة التي ارتكبتها، ولم تستر جسدها الذي دهسته الآن في وحل الحرام.
ثم وقفت على الباب وأشارت بيدها:
_ اتفضل اطلع بره، معيزاش أشوف وشك تاني ياعامر، لحد ما أموت.
انتصب واقفًا وذهب تجاهها، ثم نظر إليها قائلًا، وهو يبتلع أنفاسه بصعوبة ومشاعر الاحتياج لها، ولمتعته التي رآها بين يديها منذ قليل، ضربت بجسده وطالبته أن يقترب مرة ثانية، والشيطان بدأ يزينها أمام عيناه، حورية من حوريات الجنة، وحقًا أنها كالحور في جمالها وبهائها ورقتها.
طالت نظرته بها وهي تقف متسمّرة أمامه، وتفهم معنى نظراته، فاحتقرت حالها بشدة.
ثم جذبها فجأة إلى أحضانه وتحدث بصوت باكي جعلها تهتز، فلأول مرة تجرب ضعف الرجال، ولأول مرة تجرب إحساس أن يحتاجها رجل.
وكأن تلك هي المرة الأولى التي تشعر بأحاسيس موجودة عند كل امرأة، ولم تجربها مع زوجها يومًا ما.
ثم همس بجانب أذنها بصوت خشن أثّر دموعه:
_ حقك عليا يامها، غصب عني ضعفت واستسلمت للشيطان، وخلّيتك خاينة، وإني خنت أخوي، ابن أمي وأبوي.
ثم أخرجها من أحضانه، ودفن يداه بين رقبتها وأسند جبهته بجبهتها قائلًا:
_ اللي إحنا عملناه دلوقتي غصب عننا يامها، بس إني خلاص بعد ما جربت حضنك وحبك، بعد ما شفت منك وحسيت اللي عمري ما أحسّه مع ست غيرك، مش هقدر أبعد تاني.
حركت وجهها بين يداه وهي تغمض عيناها وتود أن تبعده عن أحضانها، ولكن كل خلية بجسدها هي الأخرى وشهوة القرب من رجل كانت أقوى من أي فرائض وقوانين والصح والخطأ.
كانت تتمسح بوجهها بين يداه كالقط الوديع.
حركتها تلك جعلته يقترب منها مقبلًا إياها من رقبتها وهمسًا بجانب أذنها:
_ إني عايزك دلوقتي في حضني، مقدرش.
خدرها تمامًا، وجعل أعصابها مفككة من قربه، ثم بدأ بتقبيلها بعنف وكأنهما في معركة، وإن ابتعدا الآن سيخسران.
انجذبت له وتاهت معه مرة أخرى، ومع صوت ارتطام عباءتها أرضًا، فاقت تلك المها وأبعدته عنها بحدة وهي تحتضن جسدها العاري:
_ اطلع بررررررررررة.
ثم جذبت ملابسه وألقتها في وجهه وهي تردد بأمر لاذع لا نقاش فيه:
_ اطلع بررررررررررة دلوقتي، ومعايزاش ألمح طيفك تاني.
قالت تلك الكلمات وخرجت من أمامه، ودلفت إلى الحمام وفتحت صنبور المياه ووقفت أسفله تبكي بغزارة، وكأن دموعها تسابق المياه النازلة من الصنبور من كثرتها.
تقف أسفل المياه تجذبها على جميع جسدها تمحو بها أثر الخطيئة، وظلت على وضعها هكذا أكثر من ساعة.
أما هو في الخارج، ارتدى ملابسه وخرج من الغرفة، ولكن تعثرت قدماه في تلك العباءة الملقاة أرضًا، فوجد نفسه جذبها بين أحضانه يشتم رائحتها، وكل ذلك وهو في غفلة لم يدري لها بال، ووجد حاله يأخذ تلك العباءة معه ويخرج من الشقة.
وكانت تلك المرة الأولى والأخيرة في تلك العلاقة الحميمية المحرمة التي حدثت بينهم، ولم تتكرر.
ومرت الأيام، ومنعت مها نفسها تمامًا عنه، حتى مر أسبوعان كاملان لم يراها فيها، ولكنه كان يحاول الاتصال عليها والمجيء إليها، وهي كانت تصده بشدة.
وفي إحدى المرات، أصر عليها أن يتحدث معها، وإن حاولت الإفلات منه سيفعل ما لا يحمد عقباه، فاضطرت أن توافق على أن تتحدث معه.
وقف أمامها ينظر إليها بوحشة شعرت بها، فتحدثت على الفور ناهية إياه:
_ إياك تبصلي البصة دي تاني، علشان ما هضعفش يا عامر، ومهعملش الخطيئة دي تاني واصل.
ودلوقتي تقول لي إنت عايز إيه بالظبط، عشان مش هسمح إننا نقعد مع بعض تاني.
أخذ نفسًا عميقًا ثم تحدث بندم مثلها:
_ إني عارف كل كلمة بتقوليها، وعارف إن اللي إحنا عملناه ذنب كبير، وعلشان كده جاي أودعك وأقول لك إني خلاص هسافر وهسيب البلد بحالها، لإن ما ينفعش أبقى موجود فيها، وكنت حابب أشوفك قبل ما أمشي عشان أودعك، يمكن تكون دي آخر مرة نشوف بعض فيها، ومهرجعش تاني.
شعرت بنغزة شديدة في قلبها، ولكن قوّت حالها وشجّعته عليه قراره:
_ عين العقل اللي إنت عملته، وذنبي اللي ارتكبته في حق ربنا وفي حق نفسي هتوب عليه عمري كله، وهطلب من ربنا يسامحني، وإنت كمان لازم تلجأ لربنا عشان يغفر لنا الذنب الكبير ده.
مع السلامة يا عامر.
ثم تركها وغادر، وفي نفس اليوم ترك قارة بأكملها وهاجر إلى الخارج.
بعد يومين من سفر عامر، دلفت مها إلى غرفتها وجدت مجدي يبتلع أحد الأقراص، فاقتربت منه وعلى حين غرة جذبت ذاك الدواء وقرأت محتواه، وإذا بها تنصدم قائلة له:
_ إيه الحاجات اللي إنت بتاخدها دي يا مجدي، إنت ناقص ضعف، مش كفاية إنك ما بتعاملنيش زي خلق الله، ليه أكده؟
ثم أكملت وهي تـ.ـلكزه في كتفه ببطء:
_ الحاجات دي بتعمل ضعف أكتر صدقني.
ليه ما تروحش تتعالج عند دكتور وتبقى طبيعي زي أي راجل ومرته؟ بقى لي كتير بحايل عليك، كفاية بقى يا مجدي، حرام، كفاية، إنت وصلتني معاك لطريق ما كنتش حابة أمشي فيه، أرجوك ارحمني، أرجوك.
أنهت كلماتها ثم دخلت في نوبة بكاء شديدة، ولكنه كعادته لم يتأثر ببكائها.
وبعد قليل بدأت تلك الأقراص أثرها على جسده، فاقترب منها وأخذها معه إلى عالمه، ولكن عالم مجدي ليس كأي عالم، عالم فاتر، بارد، سريع، ليس به أي شعور ولا إحساس، ولم يراعي فيه أن بين يداه أنثى محتاجة.
وكرر تلك العلاقة بعد سفر أخيه ثلاث مرات.
وبعدها اكتشفت مها حملها، ولم يأتِ ببالها أن يكون من عامر أبدًا.
ولكن مرة واحدة عصت فيها الله وضعفت، كان ثمارها ذاك التوأم، وزوجها عقيم.
وبعد سفره حاول محادثتها كثيرًا وكثيرًا وحاول جذبها إليه، ولكن تمنعت ورفضت، خاصة أنها كانت حاملًا.
وبعد أن وضعت توأمها بسنة، استطاع عامر بإلحاحه أن يجعلها تنجذب إليه مرة أخرى وتتحدث معه، ولكن كانت تلك المحادثات لفترات بعيدة نظرًا لأنها كانت تلوم حالها، ولكن حدثته كثيرًا.
فاقت مها من شرودها على صوت الباب يعلن عن وصول عامر، فقامت وفتحت له الباب وأذنت له بالدخول.
جلس كلتاهما على الأريكة وكل منهم يضع يديه نصب عينيه، ثم تحدث مفجرًا رأيه:
_ العيال هيطلعوا ولادي، هعمل لهم تحاليل، ولو ثبت إنهم ولادي مش هسيبهم، اعملي حسابك على كده.
انتفضت من مكانها كمن لدغتها عقرب، ثم وقفت قباله هادرة به برفض قاطع:
_ دي في أحلامك يا عامر، ومن المستحيل يحصل إنّي أدمر ولادي اللي تعبت في تربيتهم عشان خاطر حضرتك اللي جاي تفتكرهم دلوقتي إنهم ولادك.
إني اللي تعبت فيهم، وإني اللي من حقي أقرر مصيرهم، إنت غلطت زمان لما جرجرتني وراك للغلط، فتحمل النتيجة لحالك.
انتصب واقفًا هو الآخر وهزها من كتفها بعنف، ولم يعجبه كلامها:
_ كيف الكلام ده؟
عايزني أعرف إنهم ولادي وأفوّتهم ينكتبوا على اسم حد تاني!
عايزني أشوفهم وهما حتة مني قدامي وأعاملهم كأني عمهم وهما ولادي!
إيه القساوة دي اللي طالعة منكِ؟
جزّت على أسنانها بغضب ونظرت إليه بعينين محمرتين من شدة غضبهما، وأفلتت كتفها من بين يديه هاتفة بتصميم:
_ الله الوكيل يا عامر، لو ما رجعت مكان ما كنت لهدّن المعبد على دماغك ودماغي.
وإني بحذرك، العيال ولادي، متقربش منهم، مليكش صالح بيهم.
وبعدين دول مكتوبين على اسم أخوك اللي إنت خنته واستحليت عرضه وشرفه.
إنت كده بتضيع مستقبل العيال وهتفضحنا يا عامر، هتفضحنا، والعيال اللي إنت عايز تكتبهم باسمك هيتدمروا وهيكرهوك وهيكرهوني وهيكرهوا نفسهم.
واسترسلت نهرها له وهي تربع ساعديها وتنظر له داخل عيناه بقوة منبهة إياه:
_ من الأفضل يا عامر إنك تبعد عنينا وتسيبنا نعيش في ستر ربنا، وكفاية إنك شايفهم مرتاحين وكويسين، ده أحسن حل لينا كلياتنا.
ولو إنت خايف عليهم صح، وإحساس الأبوة نقح عليك وحسيت بيه دلوقتي، ابعد عنهم ومتفضحش باب الستر اللي حاوطنا كل السنين دي.
نفخ بضيق وحالته انقلبت إلى الأسوأ بشدة، ثم ركل تلك المنضدة بغضب عارم وصل إليه من نهرها، وبعينيه لمعت دمعة.
ورآها مها مرة أخرى، أردف بتمنع:
_ إزاي أعملها دي؟
ولادي يكونوا قدامي وأني عارف إنهم ولادي ومأخدتش ولادي في حضني!
إزاي يتكتبوا على اسم غير اسمي وهم ولادي؟
إزاي أسيبهم وأبعد عنيهم؟ وأنت عارفة إني مش جامد ولا بارد ولا إحساسي صلب زي مجدي، اللي سبحان الله كان بيتعامل معاهم معاملة غير معاملة الأب، وكأن ربنا مزرعهاش في قلبه عشان هما مش ولاده.
وأني مجرد ما كنت بشوفهم وبقعد معاهم وبحضنهم مكنتش ببقى عايز أسيبهم، ودلوقتي بعد ما عرفت إنهم ولادي عايزاني أفوتهم؟ إزاي يا مها، إزاي؟
قررت أن تهدأ من نبرتها الغاضبة كي تستطيع التأثير عليه، ثم تحدثت بتعقل وبنبرة أكثر هدوءًا:
_ فرضا مشيت ورا كلامك، زين وزيدان الاتنين كبروا وبقوا عارفين إن مجدي أبوهم. وولادي أذكيا، هتبقى صورتنا في نظرهم إيه لما يكبروا ويعرفوا!
_ إنتي تطلقي مني وناخدهم ونسافر ومنرجعش هنا تاني يا مها. مجدي نشوف له واحدة غلبانة ترضى بظروفه وتتحملها، وأني وأنت ناخد ولادنا ونفر بيهم من هنا ويتربوا بين أب وأم أسوياء.
_ قصدك يتربوا بين أب وأم خاينين وحرامية.
_ حرامية إزاي يعني؟
_ أه حرامية، سرقنا لحظات من الزمن مش من حقنا زمان ولا ترضي ربنا، ومن ورا كده هما جم للدنيا. تصور ساعتها هيفتكروا إيه؟
_ هما لسه صغيرين ومش هيفتكروا مجدي أصلا. وإحنا هنبعد عن الدنيا كلها، هيفتكروا إزاي يعني وهما لسه أطفال.
_ إني هقول لك يا عامر، إذا كنت أنت عايز تنساهم فرب العباد شايف ومطلع على عملتنا السودا ومش هيخليهم ينسوا. رب العباد هيحط لنا إني وأنت في كل خطوة ندامة بدل السلامة، عشان سيبنا أخوك العاجز وإحنا خاينينه وسبناه في عز ضعفه.
_ دلوقتي حنيتي ليه؟ مش دي اللي مرر أيامك وخلاك عايشة ولا إحساس ولا شعور؟ عايشة ميتة بالحياة!
_ أنت مالك، إني مسامحة عشان خاطر ولادي، ومهما عمل فيا مجدي مش هيجي ذرة من جزاء الخيانة يا عامر.
قول لي أنت بقى، هو عمل فيك إيه عشان تغدر بيه كده وتخونه في أهل بيته؟ ودلوقتي عايز ترميه وتخطف مرته وولاده؟
_ هما ولادي، أنا ولاده هو. وبعدين هتفضلي تلوميني على غلطة عملتها وياي من سنين غصب عني.
_ الغلطة دي نتج عنها طفلين مالهمش ذنب في عمايل الكبار. بعد يا عامر وصدقني دي الحل الوحيد عشان مستقبل العيال ما يدمرش.
بنفس التصميم اللاإرادي أجابها:
_ مقدرش أفوت حتة مني. دول ولادي يا شيخة، ولادي، حرام عليكي.
رأت ذاك التصميم وأن أولادها على مشارف التدمير، فركعت أرضًا وتوسلت إليه وقبلته من قدميه وهي تتذلل له ببكاء مرير:
_ أرجوك يا عامر، ولادي مقدرش أكسرهم. ولو أنت خايف عليهم صح، سيبهم لي وأنا أوعدك هتشوفهم حاجة تانية. وأنت مسيرك هتتجوز وهتجيب غيرهم، أما أنا فله.
انفطر قلبه لبكائها وهبط لمستواها وأدمع مثلها قائلاً من بين دموعه:
_ إني دلوقتي شفت عقاب ربنا ليا، ولادي هيتربوا بعيد عن حضني وهيسموا باسم راجل غيري.
وأكمل ببكاء هو الآخر تنشق له القلوب:
_ آااااااااااه من انتقامك مني ياااااااارب. وضعت حبهم في قلبي وخلتني أتعلق بيهم، ولما عرفت إني أبوهم علقتني بيهم زيادة، وفي نفس الوقت مقدرش لهم أبداااا. حكمتك يااااارب.
وظلا كلاهما يبكيان على وضعهم المرير في مشهد يحبس الأنفاس من شدة هلعهم. ولكن مهلاً أيها العامر وتلك المها، فتلك بداية نبض الوجع الحقيقي وليس نهايته.
وبعد مدة أخذت وقتًا طويلاً في التفكير، تحدث عامر بقراره السليم كي يريحها:
_ خلاص يا مها، إني هسافر من مكان ما جيت. بس لما أرن عليكي فيديو عشان أشوفهم وأطمن عليهم، تفتحي ومتعانديش. وخلي بالك إني أبوهم زي ما أنتِ أمهم، راعي مشاعري اللي اتعلقت بيهم.
وأكمل وهو يسألها خوفًا عليهم:
_ بس هتقدري على رعايتهم ورعاية مجدي وظروفه لوحدك يا مها، ولا هتقصري فيهم؟
تنهدت بارتياح أخيرًا، ثم أجابته وهي تنظر إلى السماء:
_ إني مش لوحدي، إني معايا ربنا اللي أقوى من الكل. إني دلوقتي بقيت إنسانة جديدة. بقيت بصلي وبدعي ربنا كتيييير يغفر لي ذنبي الكبير. وبقيم الليل. بقيت بستعين على ضعفي بقربي من ربنا. بقيت ألوم نفسي كتير وشلتها من وضع المظلوم وحطتها في وضع الظالم. بقيت بدعي ربنا يرزقني النفس اللوامة ويبعدني عن النفس الأمارة.
ثم تبدلت معالم وجهها الحزين إلى آخر مبتسم:
_ بقيت بقرب من ربنا وصدقني يا عامر، لذة القرب من ربنا ليها طعم تاني خالص. بقيت بحمده على الضراء قبل السراء. بقيت راضية وخلعت قناع القنوط اللي أنا عشت فيه سنين واقتنعت بقضائه ليا.
وبعد مناقشات كثيرة بينهم، انتهوا على سفر عامر واستطاعت مها إقناعه، وهذا هو الرأي السليم. فستر الله ما زال محيطًا إياهم، ولأجل الأولاد سيتحملان الظروف القاسية التي وضعوا فيها.
في مكتب ماهر الريان، شعر ماهر بالأرق، فرفع سماعة الهاتف كي يطلب من رحمة أن تجعل الساعي يجلب له فنجانًا من القهوة، ولكن لم يأتيه رد، فنظر في ساعته فعلم أن ذاك الوقت هو وقت راحتهم ما بين الفترتين في مكتبه، فأرسل إليها رسالة عبر الواتساب:
_ إنتي فين يا رحمة دلوقتي؟
كانت تجلس في مطعم بجانب المكتب تشرب قهوتها وتفكر في حياتها مع ذاك الماهر الذي أتعب قلبها بشدة. مر على علاقتهم ببعضهم شهور عدة وهو متخبط وهي تتحمل. هو تائه وهي دليله. هو موجوع وهي دوائه.
جلست تحدث حالها:
_ ماذا بك يا رجل أحلامي؟ لم لم تطمئن قلبي وتعترف بغرامي؟
ألم يدق قلبك شوقًا؟
ألم تذق عيناك نوماً وتأتي إلي متمنياً أحضاني.
تع حبيبي وانسي الماضي الأليم وأعدك أني سأسحبك لعالمي، سأسحبك للأمان.
فاقت من شرودها على صوت رسالته فقرأتها ثم أرسلت إليه:
_ في المطعم اللي جنب المكتب بشرب قهوة في حاجة؟
قرأ رسالتها ثم حمل مفاتيحه وغادر المكتب وأرسل إليها:
_ خليكي عندك إني جاي لك دلوقت هشرب قهوة معاكي حاسس بصداع.
استسلمت رسالته فتحولت بذاك الكرسي وأعطت وجهها للنافذة واستندت على الكرسي برأسها تتأمل المارة في الشوارع وهي تسبح بخيالها داخل أعماق ذاك الماهر الذي أتعبها، ولكن ذاك القابع بين أضلعها هو من يسوقها إليه بلا هوادة.
وصل ماهر إلى مكان تواجدها وجدها مغمضة العينين سارحة في ملكوتها.
كان التوقيت حينئذ وقت غروب الشمس وهيئتها مع غروب الشمس أهلكت قلب ذاك الماهر. فعندما تنسحب الشمس إلى مخدعها وراء الغيوم تترك أذيالها الحمراء الذهبية اللامعة تزين جهة الغرب من السماء لتشكل بذلك مشهداً سحراً البشرية منذ الأزل وحتى يومنا هذا، ويحرك مشهد الغروب الكثير من القلوب. فترى الناس يتأملون غروب الشمس، ويتذكرون الهاجر أو المحب القريب. إلا أن وقت الغروب يحرك أحياناً إحساس الألم والفراق، تماماً كفراق النور الذي تمنحه الشمس لوجه الأرض كاملاً ليعم الظلام بعدها. لكنه ظلام أكثر هدوءاً، وفيه القمر الجميل، والنجوم المضيئة. وكانت تلك الرحمة نجمة من تلك النجمات المضيئة ولكن لها بهاءها وسحرها فاق جمال جميع النجوم.
لقد أسرت قلب ذاك المتبلد المكابر. لقد ضربت بقوانين الكبرياء لديه بديناميت مشاعرها القوية وشخصيتها الشرسة وفجرت بركان الجمود لديه فنطق الحجر أخيراً بعدما شعر بدقات قلبه العنيدة والتي من كثرتها جعلته سيتركه ويقفز بين يديها ويعترف هو بدلاً من أن ينطقها ذاك اللسان الأخرس المعاند. فجلس على الكرسي الذي بجانبها بخطوات هادئة لم تشعر بها تلك الرحمة واستراح بجسده وسند رأسه على ذاك الكرسي وجلس مثلما هي جالسة مغمضة العينين ثم خرجت الكلمات من لسانه أخيراً:
_ خلاص يارحمة جت لك لحد عندك وقلبي مقدرش يستناني أتعافى من الماضي. جت لك علشان أقول لك إني بحبك ومش قادر خلاص سلمت لك ونجحتي تخلي قلب ماهر اللي اتفقل سنين يتفتح تاني بعشقك.
مازالت على نفس جلستها مغمضة العينان وظنت أنها في حلم جميل. ظنت أن نطقه ليس حقيقي وأنها تاهت في ملكوت خيالها الواسع ملكوت ماهر الريان الذي أهلك قلب رحمة المهدي. فذاك الرجل الأربعيني إلا سنوات قليلة أوقع قلب تلك الأميرة الصغيرة. فحقا من يرى رحمة يظنها أميرة في وجهها الأبيض وعيناها الواسعتين ذو اللون الأخضر وشفاها المرسومتين الصغيرتين وشعرها المغطى بالحجاب ذو اللون الذهبي ويصل إلى منتصف ظهرها.
ثم تحدث لسانها ناطقاً دون تصديق:
_ حلم جميل حلمت بيه كتير إنك تيجي لحدي وتعترف بحبي. ودلوقتي سمعتها منك بقلبي وخايفة أفتح عيني ألاقيني بحلم ياماهر.
توجع قلبه لأجل تعبها ولكنه ليس بيداه فهو كان في محنة وابتلاء طالت لياليه وأيامه ثم أكمل مؤكداً لها:
_ لا يارحمة فتحي عيونك هتلاقيني جارك وجاي حداكي لجل ما أعترف لك إني خلاص مقادرش على الصبر وانتي واخداني بشقاوتك ومكرك على الحامي ومش مديني فرصة أتعافى من الماضي.
_ يعني بجد انت قاعد جاري دلوقتي واني لو فتحت عيوني هشوف شفايفك وهي بتنطقها ومش هطلع بحلم.
_ فتحي ما خلاص القلب اتسند عليكي وطالما اعترف يبقى مهيقدرش يتحمل بعاد أكتر من كده.
فتحت عيناها رويداً رويداً ونظرت جانبها وجدته يجلس مسترخياً نفس جلستها. فوجهت أنظارها إليه مكملة بوله وهي تستغل سحر اللحظة وأحضرت شخصية رحمة العاشقة الآن وتركت الماكرة فليس ذاك وقتها ولا مكانها وطلبت منه:
_ طب افتح عيونك وقولها لي وانت باصص جوة عيوني ياماهر علشان قلبي يصدق.
تنهد بأنفاس طويلة ثم فتح عيناه ونظر جانباً تجاهها وعيناه سكنت عيناها وتحدث بصوت أجش:
_ يعني مش حساها دلوقتي يارحمة ولازم أنطقها تاني؟
بعينيها المثبتة داخل عيناه هتفت برجاء لقلبه:
_ ما إني حساها من زمان ياماهر بس حقي دلوقتي أسمعها مرة واتنين وعشرة.
حقي أشوف شفايفك وهي بتنطق بحبك يارحمة. وهي بتعترف بعشق رحمة. متحرمنيش منيها اللحظة دي يا معذب قلبي معاك.
_ ومن فينا متعذبش ومتوجعش بس غصب عني اتأخرت عليكي فيها. كنت مستني أجي حدك واني متعافي تماماً.
_ اتعافى بيا ومعاي ياماهر وصدقني مهتلاقيش في حبك ليا غربة هتلاقيني وطنك كله بجنوده اللي هتحاوطك وقت تعبك ووقت تيهتك.
_ مكنتش عايز أتعبك معاي ولا أشيلك حمل همي الثقيل بس إنتي طلعتي جسم صغير لكن عقل كبير يوزن بلاد بحالها. طلعتي قدها وقدود وأثبت لي إن القوة الحقيقية هي حد وجود حد بيحبنا بجد من كل قلبه جنبنا.
_ ياه ياماهر أخيراً عرفت إن الفرار من الحب أكبر دمار للقلب. تعبت قلبي معاك يابن الريان.
_ معلش حقك علي ياحبيبي ومن النهاردة هتشوف ماهر تاني خالص.
_ الله كلمة حبيبي نزلت على قلبي غسلته ورطبته وخلته انتعش وفتح أبوابه للدنيا من جديد.
_ طب إيه بقى آجي للحاج سلطان وأطلبك منه خلاص مقدرش أصبر أكتر من كده؟
حركت رأسها برفض قاطع أذهله ثم قالت بتصميم:
_ لا يا ماهر. لما تقولها وانت باصص جوة عيوني ساعتها هقول لك هات المأذون مش بس تعالى للحج سلطان.
تنهد بتعب من تلك المشاغبة الصغيرة ثم اعترف بها بعشق وهو يستجمع شتاته المتفرق من نظرة عيناي تلك المشاغبة:
_ بحبك.
كانت كلمة واحدة نطقها من فاهه ولكنها بمثابة معجم بأكمله. كانت أعذوبة وترنيمتها عزفت على أوتار قلبها. كانت كلمة ولكن بألف كلمة تحيي قلوباً تمنت سماعها كثيراً.
كانت كلمة صدى سمعها في أذنها جعل عيناها لمعت بدمع الفرحة.
وأخيراً قالها ماهر. قال لها أحبك رحمتي. قالها وذاك القلب لم ينفض عن دقاته بعد. قالها وتعلق القلب والعقل والجسد والكل.
ثم نظرت له بعمق ونطقت شفاها بتمرد جعله يبتسم ويفتخر بها في نفس ذاك الوقت:
_ إني بقى مهقولهاش دلوقتي ياماهر. مهقولهاش إلا لما أبقى في بيتك حلالك ووقتها ساعتها هتحس بلذتها علشان دي هي وقتها.
وأكملت بابتسامة زينت وجهها الجميل وهي تبسط يداها أمامه:
_ أهلاً بك في حياة رحمة المهدي. هاخد لك معاد مع بابا وهخلي عمران أخوي يبلغك بيه.
*******************
في المشفى حيث تجلس سكون وصديقتها فريدة جلستهم المعتادة وبيدهم قهوتهم التي اعتادوا عليها ذاك الطقس اليومي الذي لم ينفكوا عنه أبداً فسألتها فريدة:
_ بردك متقوليش ليه كنتي الأسبوع اللي فات أدخل عليكي المكتب ألاقيكي بتبكي ومفلوقة من العياط ياسكون؟ هو إني مش صاحبتك وطول عمري شايلة سرك وكاتمة أسرارك؟
ارتشفت سكون قهوتها وما إن استمعت إلى سؤالها حتى نطقت وهي تمط شفاها بضيق:
_ يادي السؤال اللي دوشتيني بيه يافريدة. قلت لك ميت مرة يا أم مخ تخين إنتي زعلانة على فراق مكة أختي.
نفخت فريدة بغيظ منها وأردفت باستنكار:
_ مختومة على قفايا إني علشان أصدق الهبل اللي هتقوليه دي عاد.
نظرت لها سكون بزهق منها وبأمر لا يقبل النقاش:
_ ممكن منتكلمش في الموضوع ده يافريدة. يمكن ياستي حاجة خاصة حصلت بيني وبين جوزي ومحبش أتكلم فيها ولا أتحدث في خصوصياتنا حتى مع أمي اللي خلفتني.
وأكملت سكون وهي تذكرها بما اتفقا عليه فهي لم تريد أن تفشي سر البيت التي تعيش أوسطهم وحتى أنها لم تحكي لوالدتها عما حدث حتى لا تعبئ النفوس حقداً من بعضها:
_ هتيجي وياي عند خالتي أم أيمن ولا هتهمليني أروح لوحدي عاد؟
لكزتها فريدة بغيظ في كتفها ثم قالت بتوعد:
_ ماشي ياسكون هياجيكي يوم ومش هرضي فضولك اللي إني أكتر واحدة حافظاه.
ثم حملت حقيبتها وأكملت آمرة إياها:
_ يالا هروح وياكي إني كماني اتوحشتها قوي من ساعة ماروحنا نعزمها على فرحك آخر مرة واني مشفتهاش. بس تعالي ندخل الكوبيات دي المكتب ونمشي.
ابتسمت لها سكون وفعلت ما أملته عليها وبعد دقائق قليلة خرجتا من المشفى وركبتا سيارة فريدة ثم أرسلت سكون رسالة إلى عمران تخبره بأنها تحركت هي وفريدة إلى تلك السيدة فهي قد استأذنت منه في الذهاب إليها ليلة أمس.
وصلتا إلى منزل أم أيمن التي رأتهم من بعيد وهي تجلس مع جارتها المقربة إليها أمام منزلها. فرحت بشدة عندما رأتهم وتقدمت عليهن بابتسامة فرحة للغاية.
واحتضنت كلتاهما بسعادة ثم أدخلتهم منزلها المرتب النظيف ورحبت بهن كثيراً وقدمت لهن واجب الضيافة.
وبعد انتهاء السلام والاطمئنان على حالهن نظرت إلى سكون وتحدثت:
_ بالك يادكتورة سكون كنتي على بالي من يومين كده ساعة المغربية ومش عارفة ليه قلبي كان واكلني عليكي. قمت بعد ما صليت المغرب قعدت كتير أدعي لك يابتي ربنا يحميكي ويرضيكي ويرضي عنيكي ويبعد عنك الأذى والمؤذيين علشان انتي بت حلال وأصيلة والعيبة متطلعش منك واصل.
طمنيني عنك يابتي؟
تذكرت رحمة منذ يومان وفي ذاك التوقيت التي ذكرته بالذات كانت بالفعل تشعر بالضيق وحينها جلست هي وعمران جلسة الذكر التي آراحتها ويبدو أن أحدهم كان يدعو لها في ذاك التوقيت مما أراح الله صدرها عندئذ ولم تكن إلا تلك السيدة البشوشة ثم أخبرتها:
_ والله ياخالة في الوقت ده بالذات كنت مضايقة قوي وحاسة إن الدنيا كانت في عيني قد خرم الإبرة لكن يظهر إن دعواتك الطيبة ليا استجاب لها ربنا وريح قلبي. ربنا ما يحرمني من دعواتك ولا قلبك الطيب.
هنا تحدثت فريدة وهي تصطنع الحزن:
_ وأني ياخالة أم أيمن مليش نصيب في دعواتك دي ولا هي سكون بس. إنتي أصلاً بتحبيها أكتر مني مع إني بجيكي زيها بالظبط بس هقول إيه بقى المحبة مبتتشحتش عاد.
ابتسمت تلك المسنة لها ثم ربتت على ظهرها بحنو وطيبت خاطرها:
_ له يابتي كيف دي عاد!
الله الوكيل بدعي لك انتي كماني هو أني عندي أغلي منيكم.
واسترسلت بنبرة حزينة جعلتهم ضاقوا لأجلها:
_ انتو بتسألوا علي اكتر من مرت ولدي اللي مهتعبرنيش خالص. بس يالا أهي ديون وهتترد وكل واحد منينا هينوبه جزاته إذا كان طيب ولا شين.
قامتا كلتاهن وأخذاها بين أحضانهن وهم يهدهدوها بحنان ورددت فريدة:
_ خلاص بقي متنكديش على روحك وسيبك من بوز الاخص داي. والله ماتعرف قيمتك اللي ياجي ويحط عليها البعيدة. وبعدين ماحنا بنجيلك اني وسكون كل اسبوع هو إحنا ممكفينش واصل.
تشبست بأحضانهم كالطفل الصغير الذي يخشى فراق أمه وهدات من حزنها وجلسوا يتسامرون بمحبة. فكل اسبوع تأتيان لزيارتها والاطمئنان عليها كي تدخلان السرور إلى قلبها. فمبدا الصديقتان من سار بين الناس جابرا للخواطر أدركه الله في جوف المخاطر وقد حدث بالفعل فقد نالت سكون من دعوات تلك المسنة واستجاب لها رب السماء وكأن أبوابه كانت مفتوحة في ذاك الوقت وكأنها ساعة استجابة.
وبعد أن انتهت جلستهم ودعاها وعادا إلى المشفى وظلت هي تدعوا لهم من قلبها دعوات صادقة.
في منزل سلطان ليلا، وبالتحديد في شقة عمران كانت رحمة جالسة معهم وبعد حديث طويل دار بينهم أخبرت رحمة عمران بطلب ماهر وطلبت منه أن يأخذ موعد له مع أبيها فوعدها وقلبه سعيد لأجلها:
_ والله فرحت لك من قلبي يابت أبوي ربنا يكمل لك على خير يارب. هتكلم ويا الحج سلطان وهاخد لك معاد منيه هو أني عندي أغلي منيكي.
كانت سكون في ذاك الوقت تشعر بالحزن الشديد داخلها فنتيجة التحاليل التي أجرتها لنفسها منذ أسبوعا ظهرت ووجدت فيها ما جعلها تنهار كليا ولكنها دارت حزنها ببراعة أمامهم ثم لاحظ شرودها كلتاهما فسألتها رحمة:
_ مالك ياسكون سرحانة في ايه عاد ومقلتليش مبروك يعني ومش داخلة معانا في الحوار.
تحمحمت سكون بتوتر ثم رسمت البسمة بصعوبة على وجهها وباركت لها:
_ ألف مبروك ياحبيبتي ربنا يجعله عريس الهنا والسعادة يارب.
وأثناء حديثهما استمعت رحمة الي رسالة أتتها عبر الهاتف وإذا بها والدتها تطلب منها أن تأتيها فورا إلى غرفتها. فاستئذنتهم وتركتهم ونزلت اليها.
دلفت رحمة إلى والدتها وسألتها بقلق:
_ مالك يا ماما في حاجة ولا ايه؟
جذبتها زينب من يدها ثم تحدثت بمقدمة لحديثها فهي لاتعرف من اين تبدأ حديثها كي تطلب منها ماتريد:
_ تعالى بس اقعدي جاري اهنه ومتوغوشيش أني زينة الحمد لله.
اندهشت رحمة من والدتها ثم جلست قائلة:
_ اديني قعدت اهه. ها مالك يازينب انطقي؟
توترت زينب قليلا ولكن استدعت الشجاعة وطلبت منها:
_ أممم.. شوفي بقي يابت يارحمة ياقمرة إنت. اني عايزة اكده أغير من طريقة لبسي. عايزاكي تجبي لي هدوم جديدة بيتي وخروج. عايزة كمان أظبط وشي اكده وتعلميني احط السخام دي اللي اسمه ميكب. وكماني عايزة روايح حلوة اكده من الغالية اللي تفوح في البيت كلياته.
ثم نظرت إليها وأكملت وعيناها تلتمعان بلمعة المكر والدهاء:
_ اني عايزة أحس أني ست جديدة اللي يشوفني ميعرفنيش. ويفتكروني عيلة صغيرة اني عايزة ألعلط اكده يابت.
ضحكت رحمة ضحكات عالية متتالية على والدتها وما حكته الآن. فلكزتها زينب على فخذها بقوة آلامتها وجعلتها توجعت:
_ بتضحكي علي يابت إنت؟ تصدقي بالله اني غلطانة إني جيت لك انتي يابوز الاخص. اني هروح لمرت ولدي البت الرقيقة داي وهطلب منيها ومعايزاش منك حاجة. أهي هتوبقى أحن علي منك ياأم نضارة قعر كوباية إنت. يابتاعت المحاكم.
هدأت من ضحكاتها ثم قالت من بينهن:
_ حقك علي ياست الكل. اهدي بس اكده.
وأكملت وهي تغمز لها بشقاوة:
_ هو القمر الشوق رماه لأبو السلاطين وهيشحن نظام شوق ولا تدوق ولا ايه.
زاغت نظرات عينيها بحرج من تلك الابنة الماكرة وقالت بتوتر:
_ اممم.. له يابت دماغك متروحش لبعيد اني خلاص زهدت الرجالة بوكي كرهني فيه وفي صنف الرجالة كلياتهم. كل الحكاية إني هملت في نفسي كتير وعايزة اهتم بيها شوي. ها هتساعديني ولا اشوف غيرك.
رفعت حاجبيها بمكر وأردفت بتأكيد:
_ هو دي سؤال ياحاجة دي اني بتك رحمة الوحيدة اللي هتخليكي تنوري في الضلمة.
وأكملت بوجه مبتسم ببلهاء:
_ أصلك متعرفيش اني أحب أمور الكيد قووووي وخاصة بتاعت الست للراجل.
ثم سألتها بنفس البلهاء:
_ إلا قولي لي يازوبة هو أني طلعة كيادة لمين بالظبط؟
لكزتها زينب مرة أخرى على كتفها وهدرت بها:
_ أه ياللي تنشكي يابت بطني. تقصدي ايه بكلامك دي يابت إنت؟
أجابتها بغمزة:
_ اصل من يومين اكده لما كنا قاعدين شفت الحاج وهو داخل عنديكي وبيتسحب بس على مين دي أني رحوم. وسألت حالي وقتها هو جاي حداكي وحديه ولا الهوى رماه.
وأكملت بضحكة ساخرة مجيبة حالها:
_ اني دلوك عرفت الإجابة. إن هوا زينب رماه ولما لقيته خارج الشر هيطق من عنيه عرفت ان الهوا لطشه جامد وادي له لسعة برد محترمة.
قامت زينب من مكانها وأمسكت نعلها وصوبته في وجه تلك المشاغبة ثم هدرت بها:
_ أنت يابت إنت دماغك داي ايه هو مفيش حد اهنه بيفلت من تحت عنيكي! جايبة الجمدان دي كله منين يابت بطني.
_ الله يازوبة هما مش بيقولوا بردك اقلب القدرة على فمها تطلع البت لأمها يعني مهجبهوش من برة أني.
_ الله يكون في عونه اللي هياخدك يابتي حكم إنت. قوية ومفترية وربنا مايحكمك على ظالم. امشي يابت من قدامي دلوك معايزاش منك حاجة واصل.
_ مين دي اللي هتمشي!
الله الوكيل ما حد هيطلع الطلعة دي غيري يا زوبة. أني هخليكي ولا مارلين مونرو، هخليكي ملكة جمال ودلال قنا، بس اسمعي كلامي واديني فرصتي، حكم أني أحب لعب الكبار دي قوي.
استفزتها بكلامها فقذفت نعلها في وجهها، فطارت رحمة من أمامها ورددت هي:
_ يالا يا بت امشي من قدامي، ما عايزه أشوف خلقتك دي تاني يا جزمة أنت. غوري اتشك في معاميعك.
أما في شقة عمران، نظر إلى سكون متسائلا بنبرة قلقة:
_ مالك يا سكون؟ فيكي إيه؟ إنتي بقى لك أسبوع من قبل فرح أختك وحالتك صعبة ومتغيرة أكده.
تهربت سكون من عيناه، ثم اصطنعت الهدوء وأجابته وهي تقوم من أمامه:
_ لا، مفيش حاجة يا عمران. متهيأ لك، أني زينة الحمد لله.
قالت كلماتها بتهرب وتحركت من أمامه، فأمسكها من يدها متسائلا إياها:
_ على فين رايحة أكده وفايتاني؟
أجابته وهي تنظر بعيدا عن مرمى عيناه حتى لا يلمح لمعتها بالدمع:
_ هدخل الحمام وهرجع لك طوالي.
ثم تركته ودخلت إلى الحمام وأغلقت الباب خلفها. ثم أخرجت الهاتف من جيبها وأرسلت رسالة إلى صديقتها فريدة وهي منهارة:
_ الحقيني يا فريدة، نتيجة التحاليل طلعت، واني ما بخلفش عمري، ولا هكون أم أبدا.
أرسلت إليها فريدة رسالة تهدئها:
_ اهدي يا سكون، دي إنتي دكتورة نسا، ومفيش حاجة بعيدة على ربنا. وعارفة كويس إن ربنا خلق الدوا لكل علة، ومش عشان أجهضتي الجنين مرة هتفضلي أكده.
امتلأت عيناها بالدموع، ثم أجابتها:
_ بس مش في حالتي دي يا فريدة، أني الرحم بتاعي بطانته طلعت ضعيفة، وعندي ورم ليفي بيسبب تشوهات للجنين وبيخليه ينزل في أسابيعه الأولى. ومن الواضح إني حملت من ليلة دخلتي، ويدوب كمل شهر واضطريت أنزله لما عملت السونار وعرفت إنه مشوه. وكل ده وعمران ميعرفش حاجة.
وأكملت كتابة رسائلها وعيناها انتفخت من شدة الدموع:
_ عمران كل يوم يقول لي نفسي أبقى أب، وكل يوم أمه وأبوه يتمنوا حفيد لابنهم الوحيد، وبيقولوهالي في وشي، وأني طريقي علاجي طويل ويمكن ياخد سنين، ويمكن أتعالج ويمكن لا.
هدأتها فريدة مرسلة لها:
_ اهدي يا سكون، ومتفكريش في أي حاجة دلوقتي، وسيبي ربك يدبر لك الأمور، هو أحسن مننا كلياتنا.
تنهدت بوجع عميق تأجج في جسدها وهي على مشارف فقدان عمرانها. والأدهى أنه سيكون بيدها هي لا بيد غيرها. فهي لن تظلمه معها، ولن تحرمه من إحساس الأبوة.
أما في الخارج، شعر عمران بالقلق عليها، فهي تأخرت في الحمام كثيرا. طرق الباب مرة عليها ثم ردد وهو يحاول فتحه:
_ سكون، إنت بقى لك كتير في الحمام، فيك حاجة يا حبيبي؟
مسحت دموعها على الفور، ثم أجابته بصوت ادعت فيه نبرة الهدوء:
_ لا يا عمران، أني زينة. بس حسيت بخنقة، قلت هاخد شاور. متقلقش علي.
شعر بالحزن في نبرة صوتها، ولكن هي حاولت كتمانه، فطلب منها:
_ طب قافلة على حالك ليه يا قلب عمران؟ طب افتحي الباب خليني أطمن عليك.
اصطنعت الضحك بداخل الحمام وحاولت استدعاء الثبات النفسي، ثم أجابته بنبرة دعابية مصطنعة كي تجعله يرحل عنها:
_ هههههه، هبلة إني عشان أفتح لك الباب ونعمل ليلة النهاردة. انسى يا حبيبي، أني عندي شغل الصبح بدري وكمان نبطشية، يعني لو فضلت واقف أكده للصبح ما فتحتش.
كانت في ذاك الوقت فاتحة صنبور المياه، وبالفعل قررت أن تأخذ شاورا يريح جسدها المشـ.ـتعل من نيـ.ـرانه.
أما هو، ضحك على مشاغبتها بنفس الدعابة:
_ بقى أكده بترفض النعمة يا سكون؟ وبتتدلعي على عمرانك؟ طب لعلمك بقى، آني قاعد مستنيكي أهه عشان أشوف هربانك مني دي هيخلص إمتى ويانا يانتي الليلة.
وبالفعل جلس على التخت وفتح شاشة التلفاز يلهي حاله بها وانتظر خروجها من الحمام.
أما هي، علمت من صوت التلفاز أنه مازال بالخارج مستيقظا في انتظارها.
فأنهت الشاور وارتدت ذاك الرداء الخاص بحمامها، ووضعت تلك الفوطة على شعرها كي تجففه، ثم خرجت إليه.
ما إن رأي خروجها حتى انتفض من على التخت ووقف أمامها وسحبها من إحدى يديها برفق قائلا، وهو يغمز لها بطريقة أذابتها:
_ نعيما يا حبيبي. إيه الحلاوة والجمال والريحة الحلوة دي؟ هتجنني عمران والله بشقاوتك دي يا سكوني.
اصطنعت الثبات، فربما تكن آخر ليلة اليوم تقضيها في حضن عمرانها. فهي فكرت كثيرا ولن تجعله ينتظر أعواما بجانبها، واحتمال الشفاء منعدم، ولن تحرمه أن يكون أبا. ثم ابتسمت له بحب عندما رأت الرغبة في عينيه:
_ طب بالراحة على سكونك، متاخدهاش على الحامي أكده، مش كده هي يا عمران؟ ولا كده حروبك دي.
اقترب منها أكثر وجذبها إلى أحضانه حتى ارتطمت بعظام صدره، ثم همس لها بنبرة مبحوحة رجولية:
_ والله عمران اللي مش كده دلالك ولا جمالك اللي بيخطفه يا بت قلبي. شكل ما يكون ربنا وضع الحلا والجمال فيك انت بس يا حبيبي.
شعرت بأنه دخل الآن عالم السكون وعمران، عالم الروح التي تنجذب لخليلها باشتهار ورغبة. فدفعته برقة في صدره وهي تردد بدلال:
_ طب اصبر بس، هسرح شعري وأغير هدومي وبعدين نتكلم.
ثبتت يداه على صدرها ثم شاغبها مرددا برغبة اغتالت أوصاله الآن في حضرتها:
_ لاااا، ممنوش فايدة الكلام ده. تعالي عايزك في حوار تاني وبعدين اعملي مابدالك.
أنهى كلمته وجذبها إلى عالمه برفق وعشق رجل لامرأته، وذابت هي بين يديه ودخلت عالم العمران ونسيت كل شيء. فلربما تكن آخر ليلة ستقضيها بين أحضان عمران، فل تستغلها وتنسى روحها بين يديه. أما هو، كان يشعر بأنها اليوم تائهة معه في عالمه، ورغبتها به غلبت كل الأيام والليالي. وشوقها فاق الحدود، فجعلته ثائرا بها مطالبا للمزيد، فهو رجل عاشق لتلك المرأة عشقا فاق الحدود وتخطى مراحل الجنون الآن.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم فاطيما يوسف
انتهت تلك الليلة وأتى يوم جديد بصباح جديد مشرق نأمل فيه راحة لنفوسنا وجبراً لأرواحنا.
ذهبت سكون إلى المشفى وهي ترتدي نظارتها الشمسية كي تداري عيناها اللامعتين بالدموع عن الجميع. فهي ما إن خرجت من المنزل وصعدت سيارتها حتى أدمعت عيناها، وانقلبت الدموع لبكاء شديد مما حدث لها من ليلة وضحاها.
ولكن هي الحياة لها نكبات وابتلاءات شديدة على بني البشر، ولكن قوة تحمل تلك السكون في ذاك البلاء هش وضعيف. فهي ستخسر فيه عمرانها، فلن تصبح أنانية وتحرمه من أن يكون أباً وهو يحلم بذلك، وخاصة أن عمره تخطى الثلاثين بأربع سنوات، وسلطان وزينب متعجلين هما الآخرين لعوض عمران.
دَلفت غرفة مكتبها، رأتها صديقتها فريدة فدلفت إليها على الفور ورأت حالتها، ثم اختـ.ـطفتها بين أحضانها بحنان. ولم يزدها ذلك إلا أنها بكت أكثر من ذي قبل.
وفريدة بكت هي الأخرى، وبعد وقت يبكون في أحضان بعضهم، أخرجتها فريدة من أحضانها ثم احتضنت وجنتها وهتفت لها:
"متبكيش ياسكون، متبكيش ياحبيبتي. ربك هو الحلال ومتقدريش البلا قبل وقوعه. اصبري بس لما نروح للداكتورة ابتهال وهي هتفهمنا أكتر، يمكن فيه جديد. إحنا آه دكاترة نسا، لكن لسه في البداية وهي ليها وجهة نظر تانية وحلول كـ.ـتير."
ازدادت سكون في البكاء أكثر ثم تحدثت بتقطع:
"بـ.ـعت لها وقالت لي إن الحالة عايزة علاج كتيير وعايزة صبر وكله بإيد ربنا، ومقلتلهاش إن دي تحاليل.
يــ.ـارب ارزقني العون والهدوء يارب. مش عارفة أجيب لعمران سيرة الطلاق إزاي، ولا هيوبقى ظروفه إيه ساعتها. أني خايفة عليه قوووي، خايفة عليه من ساعة ماعرفت."
سألتها فريدة:
"إنتي عرفتي كيف بحالتك دي ونزلتي الجنين ميتى؟"
أجابتها وهي تتذكر ذاك اليوم المشئوم قبل زواج مكة بأربعة أيام:
في ذاك اليوم استيقظت سكون من نومها وذهبت إلى عملها باكراً وهي تشعر بالدوار بطريقة رهيبة. وكما أن الدورة الشهرية تأخرت عنها، فقررت أن تجري سونار لنفسها كي تتأكد مما تشعر به. وبالفعل وجدت أنها حامل ومدة حملها ثمانية وعشرين يوماً. ثم بدأت بفحص نفسها جيداً، والسعادة لامعة في عينيها. فاليوم ستحتضن عمران وتخبره بحملها، فهي بالتقريب حملت في ليلة دخلتها على عمران. ثم لاحظت وجود موجات فوق صوتية في السونار فشعرت بالخطر، ولكن قدرت عدم وجود البلاء. وفي نفس اليوم أجرت جميع التحاليل الخاصة بالحمل وقررت أن لا تخبر عمران حتى ينزاح الشك الذي تشعر به.
ولم يمر ثلاثة أيام حتى استيقظت وشعرت بسيلان شيء ما، ودلفت إلى الحمام وجدت تلك الدماء المملوءة في سروالها، مما جعلها تكتم شهقاتها مما رأته. فقد مات جنينها في شهره الأول.
وظلت تنزف ذاك اليوم بغزارة دون أن تعلم أحداً بما بها، ثم قررت أن تجري فحصاً كاملاً لها، واكتشفت بأن عندها مرض في رحمها يجعلها تفقد جنينها في شهوره الأولى.
وأكملت حديثها مع فريدة:
"في اليوم اللي نزل فيه الجنين قلت له إني هبيت عندنا عشان خاطر فرح مكة وأكون جارها ومهملهاش لحالها، عشان كنت بنزف كـ.ـتير في اليوم دي. نتيجة الأشعة والتحاليل ظهرت والمفروض إني آخد حبوب منع الحمل لحد ما أبدأ أعالج نفسي وأشوف إذا كنت هفضل كده ولا ربنا رايد لي إني مخلفش."
اقترحت عليها فريدة:
"طب ما تحكي لعمران حالتك بالضبط والمفروض إنه هيقف جنبك ومهيسيبكيش."
تنهدت بحسرة وألم نفسي انتابها فور تذكرها أمر عمران:
"عايزاني أروح أقول له إني كنت حامل والجنين نزل، عايزاني أروح أقول له اتحمل معايا سنين لحد أما يبقى عندك 40 سنة وما خلفتش، وإذا كان هو هيتحملني أمه وأبوه هيتحملوني كيف؟"
وأكملت وهي تدمع بقهر:
"عايزاني أروح أقول له إني هاخد حبوب منع الحمل عقبال ما أعالج نفسي. إني كده هبقى أنانية."
شجعتها فريدة على رأيها:
"وفيها إيه يعني لما يستناكي، كل شيء بأمر الله، ما أنتِ استنيتيه سنين عشان ييجي يخطبك وكنتِ بترفضى أي فرصة تيجي لك."
حركت سكون رأسها برفض وعللت موقفها:
"إني اللي استنيته مش هو. هو ماكنش عارف بحبي ليه. وأول ما ربنا قدر النصيب متهاونش، وفي شهور كنت مرته حلاله وفي بيته."
نفخت فريدة بضيق من عنادها ثم سألتها:
"أمال هتعملي إيه ياسكون؟ طب متتكلميش خالص واعملي نفسك معرفاش حاجة وعالجي نفسك في صمت من غير مايعرف، لعل وعسى ربنا يعجل شفاكي. متسبقيش الأحداث."
سألتها بتيهة:
"وأكده هبقى مش بغشه يافريدة وبخبي عنيه حاجات من حقه يعرفها؟"
واسترسلت وهي تتأكد من حالها:
"أني عارفاني ولا هعرف أداري حزني وهمي وهيكشفني طوالي، ولو عرف مستحيل يهملني وأني مهرضلوش إنه يتعذب وياي، ولا هرضى له الحرمان من الأبوة المدة الطويلة اللي إني معرفاش قد إيه. ومعرفاش إذا كنت هخف ولا لأ واصل."
ربتت فريدة على ظهرها وطمئنتها:
"متتعجليش البلا قبل وقوعه واتفائلي بالخير ياحبيبتي. واعرفي إن ربنا مهيضركيش أبداً. اصبري بس على حالك واسمعي كلامي."
تنهدت سكون بتعب من حالتها ثم قررت أن تسمع كلام صديقتها وتترك أمرها بيد الله يدبره كيفما يشاء.
*********************
أما في المالديف عند العروسين، مر عدة أيام على زواجهما ونوعاً ما الأوضاع بينهم مستقرة. فآدم يحاول أن يحفظ طباعها ويدرس شخصيتها، وهي الأخرى تحفظ طباعه، وكأنهم في فترة خطوبة. يتشاركان في جميع أمور المنزل، فهما رافضين أن يقتحم حياتهم أي شخص، ونوعاً ما الأمور تسير بينهم على ما يرام.
كان آدم جالساً يمسك هاتفه يتصفحه ويتابع التي جاءته على صورته بعرسه.
ووجد تعليق إحداهن تكتب فيه بحـ.ـرقة: "ليه اتجوزت ياحبيبي؟ كنت فتى أحلامي. وكمان من واحدة منقبة ومعقدة. انت حبيبي أنا مش هي، ومسيرنا هنتقابل قريب أووي. وأنا واثقة إنك لما تعرفني هتحبني وهتسيبك منها المعقدة دي. انت تليق لك واحدة برينسس تمشي جنبك كده مش دي خالص".
حقاً استفزه ذاك التعليق، فهو من عادته لا يرد على الـ.ـصفحة يتابعها الأدمن المسؤول عنها. ثم فتح صفحتها فضولاً منه كي يرى من تكون تلك الجريئة التي كتبت ذاك التعليق على العام، ولم تخشى هجوم المتابعين عليها وسخريتهم منها.
أتت صورتها أمامه وهي تجلس في وضع غير مريح، بجسدها المثير العاري بعض الشيء، فالملابس التي كانت ترتديها تكشف أكثر مما تفضح. وأثناء تفحصه للصورة من باب الفضول، وهو مندمج في معرفة تلك الجريئة كي يرسل صفحتها إلى راشد ويتولى حظرها وحذف التعليق، ومن حظه السوء رآته مكة وهو مثبت الهاتف على صورتها. وفجأة خطـ.ـفت منه الهاتف بحدة وهي غير مصدقة أنه يفعل هكذا، مما جعله ينصدم من فعلتها. ثم وجهت الهاتف أمام وجهه وهي تردد باستنكار:
"ايه القرف اللي انت بتبص عليها دي؟ هو انت طلعت منهم اللي بيعملوا كده؟"
حاول جذب الهاتف منها ولكنها امتنعت على أن تعطيه له، ثم أكملت استنكارها:
"شكلي كده هبدأ أولى صدماتي فيك واللي كنت خايفة منه هكتشفه واحدة واحدة."
علل موقفه قائلاً بتبرير:
"يابنتي انتي فاهمة الموضوع غلط والله العظيم. هو أنا معقولة أعمل كده أو أوصل للمرحلة اللي أجيب صورة واحدة وأتأمل فيها ليه يعني؟"
بنفس ضيقها ولكن لم يعلو صوتها وبنبرة أكثر استياءً:
"انت هتجنني؟ أمال اللي شفته بعيني دلوقتي هتسميه إيه؟"
"تعالى نبدل الأدوار كده لو دخلت علي لقيتني جايبة صورة راجل وبتأمل فيه شوف رد فعلك وقتها هيوبقى عامل كيف؟"
رفض عقله سؤالها ولم يستوعبه وأجابها:
"ده مستحيل يحصل منك، هو أنا متجوز أي واحدة وخلاص؟ أنا قلبي اختار اللي واثق ومتأكد إنها هتصوني وهتحافظ على اسمي وشرفي، وخاصة إني أنا شخصية معروفة، فكان لازم أتأنى في اختياري."
تجمعت شياطين الغضب أمام عينيها من رده على نصف سؤالها والآخر تركه. وباتت الغيرة تضـ.ـرب بجسدها وتملؤه نيراناً، ثم هدرت به:
"يعني اخترت نص كلامي وجاوبت عليه والنص التاني لأ!"
"آه مانت بقى هتلاقيك بتبررها لنفسك وتقول ماني محروم ومرتي عصياني وهي نايمة دلوقتي أعمل اللي على كيفي ومزاجي."
اتسعت مقلتيه بذهول من عقلها وطريقة تفكيرها، ثم اقترب منها وحاول تهدئتها وهو يلمس كتفها بحنان:
"يابنتي اهدي ومتخليش الشيطان يوسوس في دماغك ويصور لك حاجات مش موجودة من الأساس. اهدي ياحبيبتي."
وكأنه بكلامه وفعله تلك يسكب عليها مادة شديدة الاشتـ.ـعال، فاحـ.ـترقت أكثر، ثم دفعت يديه بحدة من على كتفها مكملة نهرها:
"هو انت شايفني مجنونة عاد قدامك وبشد في شعري ولا إيه؟"
"رد علي دلوقتي جايب صورة واحدة عريانة وبتتفرج عليها وتتأملها ليه ياآدم؟ انت متعرفش إن دي ذنب كـ.ـبير وإن دي من باب التحرش بردك؟"
فتح فاهه على وسعه مما قالته ووصل إليه عقلها، ثم تحدث باستنكار:
"إنتِ اللي شكلك اتجننتي رسمي، هي دي أشكال أبص لها أصلاً؟ وبعدين دول كانوا بيترموا تحت رجلي وعمري ما عبرتهم، قوم بقى أجيب صورهم وأبص عليها!"
"يامكة حكمي عقلك شوية ومتبقيش متسرعة."
ثارت أكثر من ذي قبل وانفعلت عليه ولكزته في كتفه، فقد شعرت بالغيرة من مجرد صورة في يداه:
"آه لف ودور علي وابلفني بكلمتين وهتقول علي هبلة وعيلة وملهاش تجارب وهضحك على عقلك بكلمتين."
وأكملت وهي تلكزه على صدره:
"طلقني دلوقتي إني لا يمكن أكمل معاك وترجعني مصر حالا، وخليك هنا مع الصورة وصاحبة الصورة ياخاين."
أمسكها من كلتا يديها وهزها بقليل من العنف وهو يحذرها:
"طلاق مين ياماما، هو أنا كنت اتجوزتك لسه أصلاً عشان أطلقك!"
"بطلي بقى ظنونك السيئة دي وتفكيرك الغلط ياهانم، ولا انتي مستنية أي حاجة تعلقي لي المشنقة عشانها."
ثم أكمل عندما رأى عاصفتها لم تهدأ بعد، مكملاً وهو يقربها منه ومازال متمسكاً بيدها:
"مكنتش أعرف إنك بتحبيني أوووي كده وإن غيرتك عامية ومبتشوفيش في غيرتك وبتهبي كده من غير ما تفهمي الأسباب."
حاولت الإفلات من يده وهي تبتعد بعينيها بعيداً عن عينيه كي لا يكشف ضعفها، وهي تردد بتوتر:
"غيرة إيه دي؟"
وسع أكده متقربليش وملكش صالح بيا وانت خنتنتي في أول أسبوع جواز.
جذبها أكثر من خصرها وهمس برفق وهو يدللها كي يجعلها تهدأ:
_ طب يرضي ضميرك ياشيخة أكون متجوز القمر اللي قدامي ده وأبص لغيرها؟ طب حد يصدق اني أعمل كدة أصلا؟ دي متجيش فيكي ذرة؟ ده إنتي جنبها صاروخ نووي يدمـ.ـر أجدعها جيش هقوم بقى أبص لدي.
لقد لعب على اوتار الأنثى بجرائة وغاص في أعماق مشاعرها وأصبح يسبح في عالم تفتيت خوفها منه بمهارة فأكملت وهي تحاول الإفلات منه:
_ أه وعرفت منين إنها متجيش فيا ذرة علشان تعرِف انك كنت بتتأمل فيها وأديك اعترفت بلسانك ياغشاش.
راعى غيرتها بل وجعلت داخله يسعد بشدة ثم برر موقفه وهما مازال جاذبها إلى أحضانه وما زالت عيناها تنظر أرضاً خجلاً:
_ دي كانت كاتبة تعليق وحش معجبنيش فدخلت أخد صفحتها اسكرين علشان أبعتها لراشد يتعامل معاها مش زي اللي في دماغك خالص ياحبيبي وانتِ حضرتي وأنا لسه هاخد اللقطة ، شفتي بقى انك ظلمتيني.
استطاع أن يجعلها تهدأ من مجرد قربه منها ومن مجرد همسات ولمسات سحرها بها ،
لاتتعجلِ تلك المكة فأنتِ في أحضان
رجل عاشق وأنتِ في عامك الأول
من أبجديات العشق ،
تمهلِ فهو لن يستسلم وسيسحبك إلى عالمه دون أن تدري فتلك قوانين الغرام ،
ولكن فقط من مجرد نظرات داخلها ذاب وخارجها ارتاب وهو الآن أصبح على يدها
صابراً نِعْمَ العبد أوَّاب.
حاولت الإفلات من يده ولكنه لم يجعلها تهرب وتشبس بها ولن يمرر الموقف مرور الكرام ، ثم همست وهي تمرر لسانها على شفتيها وهي تشعر باقترابه منها وهي إلى الآن لم تستعد:
_ طب سيبني أدخل أجهز الفطار علشان جعانة.
بإحدى يداه رمى حجابها أرضاً وفك رباط شعرها وجعله ينسدل على ظهرها بحركة ساحرة وبنبرة متيمة طلب منها:
_ طب متلبسيش الحجاب تاني عايز أشوفك بشعرك ولا ده مش من حقي ؟
وكمان سيبك بقي من الاسدالات اللي بتلبسيها دي أنا عريس ومن حقي أتدلع ولا ايه ؟
تمتمت بخفوت وهي أوشكت على أن يغيب عقلها معه:
_ طب مش لما نتفق الأول وبعدين حكاية المطالب والحقوق داي نتكلَم فيها.
مازال مصمما على رأيه قائلاً:
_ وماله نتفق براحتنا احنا ورانا ايه ، إحنا قاعدين هنا شهر بحاله علشان نبقى لوحدنا ونتكلم براحتنا ونتفق على كل حاجة وعلشان تريحيني بردوا.
_ أريحك كيف يعني ؟
_ هي العروسة المتجوزة جديد بتريح جوزها إزاي ؟
_ انت قليل الأدب على فكرة وراعى الألفاظ اللي بتقولها قدامي.
_ ايه يابنتي دماغك راحت شمال ليه ، تريحيني يعني متتعبيش أعصابي وتفتكري فيا حاجات مش موجودة ، شفتي بقى تاني مرة تظني وحش فيا النهاردة.
_ انت مكار كبير على فكرة وأنا مش قدك.
_ والله عارف انك مش قدي وصعبانة عليا كمان ، جهدك ضعيف ومش هتقدري تتحملي.
اتسعت مقلتيها بذهول من كلامه ووبخته:
_ ايييييه الكلام دي ، بلاش طريقة المتحرشين في الكلام داي.
_ وماله أقول اللي يعجبني هو إنتي مش مراتي وحلال أقول وأعمل وأبص على اللي يعجبني ولا ايه ؟
_ طب سيب يدي اللي انت قافش فيها داي مههربش اني.
_ موكتي.
_ يووووه ، نعم.
_ عيونك يجننوا من قريب كأنهم مدينة الواحد يسافر فيها بلاد وبلاد ويتوه في جمالهم ،
ثم خلل أصابع يداه بين خصلات شعرها وأكمل:
_ وشعرك جماله عليكي زادك أضعاف ، له حق ربنا يشرع الحجاب علشان الجواهر اللي زيك تتدارى من العيون الوحشة ، الجواهر اللي زيك متنفعش تبقى متاحة للجميع ، لازم تتقدر بالغالي أوووي.
كانت تائهة في كلامه ، أول مرة اسمع ذاك الكلام ، أول مرة تجرب تلك الأحاسيس الجميلة ، والحق يقال ما أجمل تلك المشاعر إذا وُظِّفت في وقتها ولمن يستحقها ،
عزيزتي حواء أنصحك بأن تغلقي على قلبك لفارس أحلامك في حلال الله كي تشعري بسحر اللحظات البدائية ، لها رونق لن يُنسى طيلة العمر ، لها تأثير في نفس صاحبها سيظل العقل والقلب يتذكرها ولن ينساها أبداً ،
لاحظ احمرار وجهها وخجلها الزائد فجذبها من رأسها وقبلها قبلة توقير لها ، فحقا هو سعيد بذاك التأني في علاقتهم ، فصبره عليها باختياره فهو من السهل أن يسحبها لعالمه وهي مهما كانت تمتلك لسانا فقط تنهره به إلا أنها امرأة عاشقة وعلى أتم استعداد أن يجعلها تستسلم بين يداه ولكنه يريد اللقاء الأول بينهم أن يكون لقاء أسطوري ، لقاء يطالب به جسدها قبله ، لقاء زوجة تود زوجها بجانبها بل وتتشبس به حينئذ سيصبح لمدينتها جيش احتلال يسكن قلبها وعقلها وكل كيانها ،
فهو يريد أن يري الشوق في عينيها اليوم والأمس وغدا كي يدون ذكريات الأشواق منها داخل كيانه ككل.
*****************
مر عدة أيام أخر واليوم وبالتحديد في الساعة التاسعة مساءً تجلس رحمة في توتر بالغ فماهر في مقابلة والدها وأخيها في الخارج وتجلس هي وسكون بداخل الغرفة وهي متوترة للغاية وتدور حول نفسها ،
أمسكتها سكون من يدها وأجلستها قائلة:
_ يابنتي اهدي اكده خيلتيني معاكي ، ايه عمالة تلفي وتدوري كيف النحلة حواليا ، اقعدي هما خلاص هيقروا الفاتحة أهه.
دبت في الأرض بقدمها ثم سألتها بإلحاح:
_ بجد! طب عرفتي منين ياسكون ، اتكلمي بسرعة ؟
مطت سكون شفتيها بامتعاض من تلك المجنونة ثم أجابتها:
_ لااا ده إنتي ماهر واكل بعقلك حلاوة بالجامد ، دي لو مكانش عميلها كان زمانك شبطتي فيه وقلتي عريس يابووي ،
عمران بعت لي رسالة ياستي.
وضعت رحمة يدها على صدرها تهدأ من ضربات قلبها ثم تحدثت بهيام:
_ يوووه يامرت أخوي بحبه يختيي بحبه ، تقيل اكده وراسي وأني أحب النوع دي قوووي ، جنن أمي بن الذين على ماعترف لي بحبه.
التمعت عيناي سكون فهي عاشقة مثلها وانتظرت حبيبها أعواماً ثم تذكرت حالتها ونبضات قلبها ضـ.ـربت داخلها بقـ.ـهر ثم خرجت الكلمات من بين أسنانها بضيق:
_ طب انتي كلهم كام شهر اللي استنيتي فيهم ، طب أني استنيته سنين ويا ياجيني يا اما له ، لو مكاني كنتي عميلتي ايه ؟
اتسعت عيناي تلك الرحمة وأردفت بتمنع:
_ يختتتييي بعد الشر علي ، له ياسكون معنديش صبر ولا طولة بال زييكي يختي ،
أني اللي أحبه لازم ياخد باله من حبي ، لازم يهواني قوووي وياجي حدي ويعترف طوالي ،
وأكملت وهي تتمتم بضيق:
_ بس بردو طلع تقيل وراسي اكده ومبيتكلمش كتير ودماغه مقفلة ، بس على مين دي أني رحمة اللي هتنطق الحجر وإن ماجننته وخليته يتلفلف حوالين نفسه مبقاش أني.
ولم تنهى حديثها إلا واستمعت إلي دقات الباب ودلف عمران إليها واقترب منها بابتسامة ثم سحبها لأحضانه وقبلها من رأسها وهو يبارك لها:
_ مبروك يارحوم ، ألف مليون مبروك ياحبيبتي ، قرينا فتحتك وإن شاء الله كتب كتابك بعد اسبوعين والجواز بعد ستة من دلوك.
قامت سكون هي الأخرى واحتضنتها مرددة بفرحة:
_ مبروك ياحبيبتي ، ربنا يجعله عريس الهنا والسعد عليكي يارب.
أما عمران غمز لسكون قائلاً:
_ وانت ياحبيبي عقبال فرح بنوتك المستقبلية اللي هتاجي الدنيا بإذن الله.
اصطبغ وجه سكون باللون الاحمر من شدة رعبها عندما ذكرها بالحمل ، وتمتمت بخفوت فهمه عمران أنه خجل:
_ بإذن الله.
ثم دلفت إليهم حبيبة بوجه مبتسم وهي تفرد ذراعيها بسعادة كي تبارك لها:
_ حبيبة قلب أختها مبروك ياصغنن ، مبروك ياحبيبتي.
شددت رحمة على احتضانها ثم لكزتها على ظهرها معاتبة إياها بعد أن ردت على مباركتها:
_ بقى اكده ياحبيبة تسبيني في يوم زي دي ، مخصماكي ياوحشة.
اعتذرت لها حبيبة عن عدم تواجدها:
_ معلش ياحبيبتي حقك علي والله العيال مجنني التنيين ومخليني معرفاش اهتم بنفسي حتى ولا بعرف أسرح شعري ، وسهر طول الليل ولبخة وعمران خوي قال لي متخرجيش بالعيال كتير ولا تاجي البيت اهنه كتييير علشان متخديش عين بعيالك وأني الحق يتقال معنديش جهد أروح وأجي بيهم.
رفعت رحمة شفتيها الأعلى ورددت باستنكار:
_ حسد وعين!
ثم تذكرت أمر وجد وأن عمران بالتأكيد خاف عليها وعلى الطفلين من تلك المؤذية فاخترع لها أسباب ، ثم أكدت على رأيه الآن:
_ أه ياحبيبتي عنديه حق عمران يقول لك اكده ، الناس عينيها وحشة فلقت الحجر ،
ثم دلفت إليهم زينب وباركت لها هي الأخرى ثم أكملت:
_ ايه يابت العريس دي وقعتي عليه فين ، بسم الله ، الحارث ربنا الواد طول بعرض وحاجة كدة فخامة ، مطلعتيش سهلة يابت بطني حتى في نقاوتك.
وضعت رحمة يدها على رأسها وهي تصطنع الدوار ثم قالت بنبرة تمثيلية:
_ أاااه الحقوني ياناس ، دوخت من أولها ، أمي بتحسدني عيني عينك ، ياعيني عليكي يارحمة ، أااه.
لكزتها زينب على كتفها ناهرة إياها:
_ هحسد مين ياللي تنشكي إنتِ ، والله الجدع دي الله يكون في عونه وباين اكده أمه داعية عليه ،
ثم جذبتها من يدها وسألتها بقلق:
_ بس يابتي بيقول إنه كان متجوز قبل اكده ، وانتِ رضيتي عاد بأنك تتجوزي واحد كان متجوَز قبليكي ؟
أجابها عمران بدلاً عنها لأنه يعرف جميع ظروف ماهر فرحمة قصت عليه كل شئ:
_ ماهو ياحاجة ملحقش داي اتجوز سنة واحدة بس ومرته ماتـ.ـت وهي بتولد وكمان بتـه مـ.ـاتت هي كمان ، ربنا يرحمهم.
كان عمران يحكي لها بنبرة حزينة أثرت في زينب:
_ وه ، وه ، ياحبيبي دي الجدع اتحمَل اللي ميتحملهوش حد واصل ،
ثم أكملت باستفسار أخر:
_ طب يابتي دي عنديه ٣٦ سنة وانتِ لسه صغيرة وفرق السن كَبير بيناتكم ، موعياش ليه الحوار دي ؟
أومأت رحمة برأسها بموافقة تؤكد لها معرفتها:
_ أها واخدة بالي ياحاجة ١٤ سنة مش كَتييير ولا حاجة ، وبعدين هو مش مبين عليه السن ولا حاجة وشكلنا مناسبين لبعض.
اتسع ثغرها بابتسامة فخر لذاك الماهر:
_ هو الحق يتقال واد نقاوة خسارة فيكي ياجامدة الجامدين إنتِ .
اصطنعت رحمة الضيق ثم سألتها بنبرة صوت حزينة مصطنعة:
_ إلا قولي لي يازينب هو أني مش بتك ولا لاقياني على باب ملجأ وكسبتي فيا ثواب وربتيني ولا حاجة ؟
أصلك مكـ.ـسرة مقاديفي علطول.
ابتسموا جميعا على نبرتها ثم مد عمران يداه لها بحب وهو يتعجلها:
_ طب يالا ياخيتي علشان الجدع ميحمضش من الانتظار برة واكده حرام عليكي.
اصطبغ وجهها باللون الأحمر من خجلها ثم تمتمت:
_ ايه دي هو أني هخرج بالساقع والحوارات اللي بتحصل داي!
لا، معملش أني أكده. هو مش قرأ الفاتحة، خليه يروح بقى وبعدين نشوف حوار التعرف دي لبعدين.
رفعت زينب شفتيها باستنكار ثم هدرت بها:
_ يا شتات الشتات منك يا بت بطني، من أولها هتمشي الجدع قفاه يقمر عيش؟
ثم نظرت إلى عمران وسكون مكملة:
_ مش قلت لكم البت دي جامدة والراجل ده خسارة فيها.
ثم خلعت نعلها ووجهته في وجهها وأكملت بتهديد:
_ وعهد الله إن ما خرجتي دلوقتي لأخليه يشوفك وأنتِ بتضربي بالشبشب وتبقي اتفضحتِ وشاف جنانك عياناً بياناً.
ثم صرخت بها:
_ يلا يا بت، متجرسيناش قدام الراجل تحت وأبوكي يمسكها لي ذلة ويقول زينب معرفتش تربي.
اختبأت رحمة وراء ظهر عمران، فوالدتها ممكن أن تفعلها، ثم أدلت باعتراضها:
_ الله، ما يعايزاش إني أنزل، هي عافية؟
قولي بقى إنك عاملة حساب لحبيب القلب وعايزة تاخديني كوبري علشان ميكسبش بونت عليكي.
ضحكوا جميعا على هرائها ثم هتف عمران لها:
_ خلاص بقى يارحمة متزهقيش الحاجة وتطلعي زاربينها وخليكي عاقلة اكده وانزلي لخطيبك ومتقلقيش ولا هتدخلي بصنية ولا يحزنون هو قال عايز قهوة سادة وملهش في الساقع ولا السكريات هتدخلي في يدي وخلاص.
حركت حاجبيها لوالدتها ورددت بدعابة أهلكتهم جميعا وحقا تليق بتلك الرحمة:
_ أيون هو ملهش في السكريات كفاية عليه أني علشان نفسيته متجزعش.
اغتاظت زينب من طريقتها الكائدة ثم هتفت:
_ بالك يازفتة إنت المفروض لسانك دي ينقطع لسانك بيشر كيد وغم وهم الحمدلله إن حماتك ميتة وحماك متجوز وعايش لحاله في مصر والظاهر اكده مفيش عمار بينه وبين أبوه لو كانت الله يرحمها عايشة كانت اتجلطت من كيدك يالا بقى همي عاد بدل ما أجلطك اني.
رأت نظراتها المتوعدة فخرجت مع عمران وهي تدب أرضا من الغيظ.
قبل أن يدلفوا الغرف تشبست بيد حبيبة:
_ مكسوفة ياخيتي أدخل هي العادات والطقوس داي مهتبطلش عاد فيها ايه يعني لو جه مرة تانية أكون هديت من التوتر دي.
شجعتها حبيبة قائلة بهدوء يليق بشخصيتها:
_ طب ليه يارحوم؟
داي اللحظة اللي بتحبها كل بنت سمي الله وادخلي ويا عمران وشوي وهتاخدي على الجو.
أتى عمران وأخذها من يدها ودلف بها إليهم وهو يلقى السلام برجولة تليق بذاك العمران.
ورحمة هي الأخرى ألقت السلام بخجل وجلست بجانب عمران وكادت أن تلتصق به في جلستها بجانبه من شدة خجلها وتوترها فأكثرهم دعابة أشدهم خجلا وتلك الرحمة في خجلها وكأنها ستنهار أما ذاك الماهر كان يغلي داخله فور أن رأى عمران يمسك يداها بذاك التملك وغير ذلك تجلس بجانبه وتلتصق به بشدة فحقا ذاك الماهر يغير غيرة مختلفة.
ومن الواضح أنه سيغار عليها من أبيها وأمها وحتى من ثيابها فمرحبا بك تلك الرحمة في عالم ماهر الريان عالم سيجعلك هائمة في سماء العشق المختلف العشق المتملك فمرحبا بك في قلعته المنغلقة التى سيغلق أبوابها عليك برمش عيناه فهو قائد شجاع متيم ولكن كتوم.
بعد جلسة دامت بينهم جماعة نصف ساعة تركوهم وحدهم.
فور خروجهم أمسك هاتفه وجلس يتصفحه بإهمال مما زادها اندهاشا.
ظنت أنه سينتهز الفرصة ويقترب منها ويغدقها بوابل من الكلام المعسول ولكن مهلا تلك الرحمة فهو جلس أكثر من نصف ساعة يغلي داخله من التصاقك بأخيكي.
يالك من رجل عنيف في غيرتك أيها الماهر.
استفزها بحركته تلك وعدم اهتمامه بها وشعر داخلها هي الأخرى بالغليان وهي تجلس تشطاط من بروده ولم تعرف مالسبب فهو كان يتحدث مع أبيها وأخيها الآن بطلاقة.
ثم شعرت بالمهانة وقامت من مكانها قاصدة الخروج وتركه وحده كي تشعره الآخر بما جعلها تشعر به.
لاحظ حركتها تلك فتحدث ناطقا:
_ رايحة فين يا أستاذة؟ تعالى ارجعي مكانك تاني ماأذنتلكيش تخرجي.
اندهشت من طريقته ثم اعتدلت بجسدها ووجهت أنظارها إليه وربعت ساعديها أمام صدرها وتحدثت بغيظ فهو يعلم أنها تكره كلمة أستاذة:
_ اسمي رحمة على فكرة يامتر هي داي مقابلة واحد جاي يخطب واول مرة يقعد مع خطيبته!
سيبتك بقي تتصفح الموبايل براحتك بخلي لك الجو علشان تكون هادي ورايق طالما وجودي ملهش أهمية.
أشار إليها بيداه أن تعود إلى مكانها ثم هتف:
_ سيبك من شغل العيال اللصغيرة دي وعاودي مكانك.
تشبست في مكانها ورددت برفض:
_ له مزاجي اكده إن كان عاجبك.
اشتعلت عيناه بالغضب من عنادها ثم أمرها:
_ مبحبش الطريقة داي انظبطي معاي في الكلام أحسن لك يارحمة.
حقا استدعى غضبها بمهارة ثم استدارت بجسدها وانتوت الخروج كي ترد له بروده معها الصاع صاعين فقام على الفور ولحقها ثم أمسكها من رسغها موجهها أنظارها إليه وهو يعنفها.
_ أه من الواضح جدا إن دماغك ناشفة وهتتعبيني معاكي.
جذبت يداه من يداه بحدة ثم قالت:
_ وواضح جدا إنك مبتفهمش في معاملة الست كويس.
أدارها ووقف أماما الباب مانعا إياها الخروج فكان أمامها بطوله الفارع وهي منتصفه في وقفتهم وهم يناظرون بعضهم:
_ تمام اللي حصل وانت داخلة دي ميتكررش تاني.
نظرت له بذهول وسألته:
_ آه هو ايه اللي حوصل خلاك قالب وشك اكده إن شاء الله؟
استفزته بكلامها ثم هدر بها:
_ يارحمة اظبطي لسانك وانت بتتكلمي معاي يا اما هتشوف وش ماهر الريان التاني وهيوبقى يوم مش فايت النهاردة عليكي.
رأت احمرار عينيه ونظراته القاتمة فهدأت من نبرتها واستغلت مكر الأنثى داخلها وانتوت اللعب على حنان قلبه وعشقه لها وفورا استدعت البكاء مما جعله يهتز ثم رددت من بين شهقاتها:
_ هو أنى كنت عميلت ايه علشان تنكد علي في يوم زي دي يعني حرام عليك والله.
اهتز لبكائها ثم كاد أن يجذبها لأحضانه الآن ويعتذر له ولكن تذكر أنه لا يحل له الآن فعل ذلك ثم هدأ من نبرة صوته الغاضبة وفهمها:
_ في إنك داخلة حاطة يدك في يد أخوك وقاعده جاره لازقة فيه هو دي يصح؟
حقا ذهلت وصمتت في بكائها فلم يخطر ببالها أن غضبه الجم ذاك لمجرد أن أخيها دخل محتضنا يداها وأنها كانت ملتصقة به من خجلها ثم تمتمت بخفوت:
_ وه ياماهر دي أخويا ابن أمي وأبويا مش واحد من الشارع.
تذكر حديثهما قبل ذالك ثم ذكرها هي الأخرى:
_ مش قلت لك يابت الناس مهتتحمليش غيرة بن الريان وهتتعبي رديتي على وقتها ورفضتي كلامي دلوك بتبكي من أولها.
وأكمل وهو يعرض عليها مرة أخرى:
_ لو تحبي نلغى المشاعر خالص علشان أنا حبي مختلف وغيرتي وحشة ومبشوفش قدامي ونتعامل مع بعض علاقة محترمة بردوا بس كل واحد فيها حر طالما مفيهاش غصبانية لربنا عادي معنديش مانع.
شعرت بالغضب من عرضه ثم لكزته في كتفه مرددة برفض:
_ ما بس بقى هو احنا هنرجع للكلام الفاضي دي تاني.
ثم أكملت وهي تنظر أرضا بخجل زادها جمالا:
_ معنديش اعتراض على غيرتك وحاضر معملش اكده تاني وهخلي بالي أكتر.
حقا لقد أثارته بخجلها فكانت هي الأخرى مختلفة مبهرة جذابة ثم رفع وجهها إليه بخفة وأنزل يداه سريعا وغازلها:
_ طب تعرفي ان شكلك جميلة وانتي خجلانة.
لم ترد على غزله بها ثم أدارت جسدها للناحية الأخرى ووضعت يدها على قلبها تهدأ من ضرباته العنيفة في اقترابه وهمساته.
فهمس هو بجانب أذنها من الخلف:
_ جميلة جمال مش عادي.
أنهى كلماته ثم رجع مكانه بسرعة قبل أن يتهور ويجذبها إلى أحضانه ولكن لم يفعلها أبدا مادامت لم تكن زوجته.
ثم أكمل قائلا لها:
_ ممكن نقعد بقى ونبطل شغل القط والفار دي ونتكلم براحتنا.
مشت بخطواتها بنفس خجلها ثم جلست أمامه مع مراعاة المسافات وقلبها مازال ثائرا داخلها وصار هو ينظر لتفاصيلها يحفرها داخله فهو عاشقا بمهارة ولكن عاشق متأني وهي تعشق تأنيه ذلك فهي امرأة قوية ولابد لها من جواد كي يعرف مراوضتها على حق.
ثم ابتدأ هو الحديث يسألها عن يومها واندمجت معه في الحديث وانتهت جلستهم آمنة ومرت بسلام من ذاك المتمرد وتلك الشرسة وتركها وغادر وفور دلوفه منزله جلس على الأريكة الموجودة في الحديقة ثم أرسل إليها تلك الكلمات التى جعلت ذاك القابع بين أضلعها يود أن يذهب إليه الآن ويرتمي بين أحضانه.
أصابك عشق أم رميت بأسهم
فما هذه إلا سجية مغرم
ألا فاسقيني كاسات وغني لي
بذكر سليمة والكمان ونغمي
أيا داعيا بذكر العامرية أنني
أغار عليها من فم المتكلم
أغار عليها من ثيابها
إذا لبستها فوق جسم منعم
أغار عليها من أبيها وأمها
إذا حدثاها بالكلام المغمغم
وأحسد كاسات تقبلن ثغرها
إذا وضعتها موضع اللثم في الفم
********************
في منزل مجدي فقد عاد من المشفى منذ ثلاثة أيام وأصبح الآن حبيس الغرفة ومها تعتني به ولكل شؤونه دون كلل أو ملل فهي قد سلمت أمرها لله واستعانت على حالها بالصبر والصلاة.
فتحدث مجدي قائلا لها:
_ ماتجيبي زين وزيدان يقعدوا وياي شوي اتوحشتهم من امبارح ومسمعش ليهم حس خالص.
كانت واقفة في الغرفة تنظم الملابس وتضعها في مكانها ثم أجابته:
_ حاضر هخلص تطبيق الهدوم وهروح أجيبهم أني سايباهم بيحلوا واجباتهم برة على مااخلص هيكونوا خلصوا.
سألها بخزي من نفسه:
_ هم في سنة كام دلوك؟
تنهدت بحسرة ثم أخبرته سنهم:
_ رايحين تانية ابتدائي.
حرك رأسه للأمام بخزي من حاله فهو لم يعرف أبنائه في أي عام دراسي ولكنها لم تعلق على ذاك فهي باتت تستقبل أي شئ بهدوء فما أصابها وولداها لم يصدقه بشر.
ثم أنهت ماتفعله وخرجت إليهم وجلست أوسطهم وهي تحتضنهم بحنان يولد في لحظته خصيصا لهم:
_ حبايب ماما دلوك بابا عايز يقعد وياكم شوي انتو اتوحشتوه قووي وبيسأل عنيكم.
عايزاكم متتعبهوش علشان هو خارج من المستشفى صحته تعباه. تمام ياصغننين؟
ابتسما لها الطفلان مرددين بتصفيق فهما لم يصدقا أنهم سيجلسان مع أبيهم وسيتحدثون معه عما يريدون.
ثم أخذتهم من يديهم ودلفت بهم إلى أبيهم الذي ابتسم فور رؤيتهم وهو يفرد لهم ذراعه قائلا بحنو لم يعهد عليه من ذي قبل:
_ حبايب بابا عاملين كيف وأخبار مذاكرتكم ايه؟
ابتسم الطفلان بفرحة لجلوسهم مع أبيهم لأول مرة ثم أجابه زيدان:
_ إحنا زين قووي في العلام يابوي خالتو مكة حفظتنا جزء عم كلياته وماما دلوك بقت تحفظنا جزء الملك إحنا في سورة القيامة.
سعد مجدي بالفخر لتربية مها من ذاك الطفلان الهادئان ثم ربت على ظهر زيدان مشجعا إياه:
_ عال عال يازين أذكى العقول عقل يحفظ القرآن.
حزن زيدان داخله فأبيه ناداه باسم أخيه ثم تمتم الطفل بحزن:
_ أني زيدان يابوي مش زين مع إن الفرق بيناتنا واضح أنا طويل شوي عن زين وهو عنديه حسنة في جبهته.
قامت مها على الفور واحتضنت ولدها الحزين فهي لم تتحمل حزن أحدهم أبدا وعللت له:
_ له ياحبيبي بابا ميقصدش يتلخبط بيناتكم هو بس الدوا مخلي عنيه مزغللة ومشايفش كويس. متزعلش يازيدان ياحبيبي.
ثم نظرت إلى مجدى تطلب منه أن يؤكد كلامها:
_ صوح يامجدي ولا مش صوح.
أحس مجدي بالخجل من نفسه فهو لم يعرف الفرق بين التوأمين ثم أكد حديثها:
_ طبعا ياحبيبي معلش يازيدان ياولدي العتب على النظر.
ابتسم الطفل ببراءة ثم هتف زين هو الآخر:
_ هو انت يابابا ممكن توديني التمرين المرة الجاية زي مازن صاحبي.
هنا شعر بالحزن الشديد فولداه محرومان من عطفه والآن أصبحا محرومان من وقوفه بجانبهم وتحقيق أمنياتهم.
ثم ردت مها بدلا عنه:
_ مش أني قلت لكم إن بابا تعبان ومش عايزين نتعبه أكتر. يالا قوموا علشان تاخدوا شاور وتناموا.
تشبس بهم مجدي مانعا إياها:
_ له سيبيهم وياي مش مضايقني ولا تاعبيني خالص.
أعلن هاتف مها عن وصول مكالمة وجدتها الطبيبة فأجابتها بترحاب ثم تحدثت الطبيبة:
_ بقول لك ايه ياحبيبتي لو قاعدة جمب جوزى هملي الأوضة واخرجي عايزة أقولك على حاجة مهمة جدا.
شعرت مها برعب اقتحم جسدها ثم خرجت من الغرفة ودلفت غرفة أبنائها وسألتها بقلق:
_ في حاجة ياداكتورة قلقتيني عاد؟
تنهدت الطبيبة بأسى ثم أخبرتها بما عرفته:
_ في حاجة اكده كانت ظهرت في تحاليل مجدي الشاملة اللي عميلناها ومكنتش حابة أخبرك بيها إلا لما أتوكد الاول.
الى هنا لم تتحمل مها الانتظار ثم سألتها بقلق:
_ له إنت اكده قلقتيني خالص ياداكتورة اتكلمي هيوحصل ايه أكتر من اللي عرفناه؟
أخبرتها الطبيبة بما اكتشفته:
_ مجدي طلع عنديه لوكيميا في الدم في مرحلته الرابعة.
شهقت مها بفزع من ماقالته الطبيبة الآن أيعقل أن يكون رب السما استجاب لدعواها عليه طيلة السنوات الماضية!
لقد كانت حينما يقسوا عليه تدعوا الله وقلبها محروق “ربنا يحرق دمك “.
ولكن انتبهوا أيها السادة فقد حذرنا الله من الدعاء على أنفسنا ولا على أولادنا فقد قال تعالى “ويدعوا الإنسان بالشر دعاؤه بالخير وكان الإنسان عجولا”.
فلا تدعين على ابنك أو ابنتك مهما كانت غلبتهم لكي فلعلها ساعة استجابة وحينها تندمون ولم يصبح للندم أي فائدة.
ثم استجمعت شتاتها وسألت الطبيبة:
_ طب نعمل ايه دلوك ياداكتورة وايه الخطوات اللازمة علشان ربنا ياخد بيده؟
أجابتها الطبيبة وهي ترشدها بالخطوات التي ستفعلها:
_ هبعتك لدكتور محي علام شاطر جدا وهو هيعرفك كل حاجة بس متبلغيش جوزك بالخبر لأنه هيأثر عليه جدا لما تروحي للدكتور سيبيه هو اللي يتعامل هبعت لك رقمه وعنوانه على الواتساب وتروحي له علطول لأن المرض في الدرجة الرابعة ولازم يبدأ رحلة علاجه.
شكرتها مها ثم انتهت مكالمتها مع الطبيعة وأسندت رأسها على التخت ودموع عيناها تهبط على وجنتيها بغزارة وهي تحدث حالها:
_ ماذا بعد!
ألم تمضي تلك الأيام المريرة؟
ألم تنتهي صفعات الزمان لي؟
لقد تعبت وتألمت وجرحت وفاضت روحي والألم مازال مكملا معي!
كفاك أيتها الصدمات، كفاك أيها العمر وأنت تمضي بي رحلة عمري وضياعي.
لقد أرهقت وأصبح كل شيء فوق مستوى احتمالي.
ثم مسحت دموعها وقررت أن لا تبلغ عامر بما عرفته، ودلفت إلى الحمام وغسلت وجهها، ثم ذهبت لهم كي ترعاهم فمسؤوليتهم جميعًا تقع على عاتقها الآن.
رآها مجدي وشعر أنها ليست بخير فسألها:
_ مالك يامها؟ الداكتورة قالت لك حاجة زعلتك؟
تنفست ببطء ثم أجابته بنفي:
_ له يامجدي، هي بس كانت بتقول لي على اسم دكتور جديد هنروح له، هو اللي هيتابع حالتك بس مفيش حاجة تاني.
ثم وجهت أنظارها إلى أبنائها آمرة إياهم:
_ يالا ياولاد علشان معاد نومكم جه، كفاياكم سهر لحد أكده.
قاموا معها بطاعة اعتاد عليها ذاك الطفلان، وودعهم أبوهم بقبلة لهم، ثم خرجوا مع والدتهم.
*** *** ***
انقضى عدة أيام والأجواء هادئة على الجميع، ونوعًا ما الاستقرار يغلبهم.
واليوم الجمعة كان جاسر يستعد لأن يذهب مقهى الأدباء التي تجلس بها منة، فهو قد شعر بأنها أصبحت جزءًا من حياته، ولكنها هي المتحفظة بشدة في المعاملة بينهم. لم يشعر منها بأي إحساس تشعره تجاهه، فدومًا يسألها عن أشياء وإجابتها عكس ما يتمنى، ولكنه استشف أنها منغلقة على حالها نظرًا لحالتها الخاصة. ولكنه قرر اليوم أن يحكيها عن شعوره تجاهها كي يرتاح، فهو أحب براءتها وثقافتها وعقلها المتفتح. أحس بأنه يريدها في حياته. دق قلبه معها.
حتى العبادات والعادات التي تفعلها في ذا اليوم أصبح يفعلها مثلها كما عرف منها.
أنهى ارتداء ملابسه ووضع البرفيوم الخاص به، ثم صعد سيارته وذهب إلى المقهى.
دلف إلى ذاك المكان المحبذ لها ووجدها كالعادة تجلس وحدها. وصل إليها وألقى السلام ثم سألها:
_ أمال روايتك فين النهاردة اللي بتقرأيها وقهوتك؟ وكمان شايفك لابسة طقم ومتشيكة في عبايتك الكلاسيك!
ثم ردد مندهشًا:
_ كلك النهاردة متغير يامنون، ياترى إيه سر التغيير؟
ابتسمت منة وسألته هي الأخرى:
_ طب بمناسبة إننا هنا أصحاب، مش صاحب مكتب والمديرة بتاعته؟ إيه رأيك بقي في اللوك الجديد ده؟ حلو علي ولا إيه؟
أجابها بمشاغبة اعتاد عليها:
_ دي كلام بردك وسؤال تسأليه؟ قمر طبعًا ياصاحبي.
ثم أكمل وهو يسألها عن أخيها:
_ أمال فين مدحت؟ عديت عليه في ركن الفن ملقتهوش، هو راح يجيب الغدا بدري أكده؟
حركت رأسها برفض وقالت:
_ له، هو مجاش معاي النهاردة.
اندهش من ردها ثم قال:
_ الله! أمال إنت جيتي لوحدك ولا إيه؟
ضحكت بخفة ثم أردفت:
_ الله! إنت أسئلتك كترت قووووي النهاردة يامتر، مش عايز تشرب قهوتك ولا إيه؟
ولا أقول لك اصبر عشر دقايق اشربها مع معاذ علشان أعرفكم على بعض.
سألها بدهشة عن معاذ فلأول مرة تنطق هذا الاسم:
_ معاذ مين؟ إنت ليكي أخ تاني ولا إيه؟
حركت رأسها بنفي ثم قالت:
_ له، متجرجرنيش في الكلام، لما ياجي هو يعرفك بنفسه. اصبر بس.
منذ أن وصل إلى المقهى وهو يشعر بالغرابة من كل شيء في تلك المنة، ثم أمسك هاتفه يتصفحه بملل، فهو يشعر بوجود خطب ما.
ولم يمكث عشر دقائق حتى وصل معاذ بوجهه البشوش ملقيًا سلامه:
_ السلام عليكم ورحمة الله. أكيد حضرتك المتر جاسر المهدي صوح؟
ابتسم جاسر بذوق لذاك البشوش ثم أجابه:
_ أينعم هو أني بذاتي. مين انت بقى؟ نحب نتعرف.
أجابه وهو يجلس بجوار منة الله وينظر إليها بابتسامة:
_ إني يا سيدي معاذ بن عم منة وخطيبها. لسه قارئين الفاتحة بتاعتنا امبارح طازة.
حقا لقد شعر جاسر بأنه ضرب في مقتل الآن، ووجهه صار متعرقا بشدة وهم في عز البرد، ثم ابتسم رغما عنه مباركًا لهم:
_ ألف مبروك ياهندسة. ألف مبروك يامنة، ربنا يكمل لكم على خير يارب.
ثم استأذنهم بأنه يريد أن يدلف إلى الحمام، ولكنه تركهم وخرج من المكان بأكمله وهو يشعر بالخذلان من قلبه للمرة الثانية، وكأن الفرح والسعادة ليسوا مكتوبين لذاك الجاسر ونصيبه من الهوى الخذلان.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الستون 60 - بقلم فاطيما يوسف
عاد جاسر إلى منزله محطمًا وجلس على سريره بإهمال وهو يشعر بالإرهاق الشديد.
ولكن قلبه اعتاد على الوجع، وتلك المرة أخف من ذي قبل، فلم يلبث أن تعلق بها بشدة ولكنه يشعر بالخذلان الشديد من قلبه.
فقد كان قلبه ضريرًا، مشى طريقًا، لم يحسب خطواته. ولكن مهلًا أيها الوجع، لقد فقدت احتمالي على الصبر. أصبحت أتمنى فقدان ذاكرتي كي أنسى اسمي، شكلي، وضعي، بل أنساني كلي. وكالعادة لجأ جاسر إلى ربه، فهو الواحد الأحد الأعلم بقلوب عباده، وهو فقط من يداوي الجروح ويضمد كسر القلوب، فهو يستعين بربه على خذلان قلبه والله خير معين.
وقف بين يدي ربه يناجيه كثيرًا وكثيرًا حتى نام من شدة الإرهاق والتعب، وانقضى ذاك اليوم بوجعه وأتى نهار جديد سطعت شمسه الذهبية وأعلنت عن نور الكون، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن بعد العتمة نور يضيء الكون بأكمله.
انقضى نصف النهار وأشغل حاله في بعض القضايا التي بيديه، ثم ارتدى ملابسه وذهب إلى مكتبه وهو لا يعلم ماذا يفعل به قلبه عندما يراها.
وصل إلى المكتب بأقدام مترددة ولكنه لم يعتد الهروب.
رآها منكبة على الأوراق التي أمامها بوجهها البريء الملائكي.
ألقى السلام ببشاشة كعادته:
_ السلام عليكم ورحمة الله. إيه أخبار الحسابات على حسك يامنون؟
ابتسمت فور سماع صوته ثم رفعت وجهها إليه مرددة سلامه:
_ وعليكم السلام ورحمة الله. تمام يا متر، بظبط لك الدنيا أهو وكمان ظبط لك ملف المرتبات وعملته بنظام حلو.
كل شيء يدل فيها على برائتها ورقيها، ثم وجد حاله يسألها:
_ ليه مجبتيش سيرة قبل كده بخطوبتك؟ هو إحنا مش أصحاب قبل ما تبقي شغالة معايا؟
أومأت برأسها بموافقة ثم أجابته:
_ طبعًا أصحاب، ويعلم ربنا إني بعتبرك كيف أخوي مدحت بالظبط لأنك راقي وبتتعامل وياي كأني عادية مش مختلفة.
وأكملت وهي تقدم اعتذارها له:
_ إني غلطانة معلش، بس والله معاذ كان مسافر ولسه راجع من أربع أيام وجه كلم بابا طوالي وكله حصل ورا بعضه.
تنهد بحسرة انتابت قلبه على تلك المنة التي حلم يومًا أن تكون زوجة له، ثم سألها كي يطمئن عليها:
_ بس كنت اتأن في اختيارك وخدي وقتك في التفكير لأن جواز القرايب بيجيب مشاكل.
وأكمل وهو يبرر كلامه:
_ إني مش بقلقك ولا بخوفك بس بقول لك نصيحتي من خلال واقع المحاكم اللي عايشين فيه دي.
حركت رأسها بنفي ثم فهمته ظروف زواجها من معاذ:
_ له أصل معاذ مش يبقى ابن عمي بس، له ده بن خالتي كمان. وأصلًا خالتي هي اللي ربتني ومن زمان وهي روحها متعلقة بيا وأني كمان بحبها كيف ماما بالظبط. فمن واحنا صغيرين تقول معاذ لمنة ومنة لمعاذ وهو بصراحة بيحبني قوي وكمان مراعي ظروفي.
وأكملت وهي تحكي بضعًا من تفاصيل علاقتها بمعاذ المحببة إلى قلبها:
_ تصور قبل ما يسافر كان ييجي يوديني كليتي بنفسه ويهتم بكل تفاصيلي. كان بيوكلني بإيديه وبيخاف علي من الهوا الطاير. بس لما يسافر قلت إنه أكيد هيشوف ناس جديدة ونظرته ممكن تتغير، ومع إنه كان بيكلّمني علطول وبيطمّن علي إلا إني مكنتش متأكدة من مشاعره ناحيتي، ولحد ما رجع أول حاجة عملها طلبني للجواز من بابا وماما.
وقتها مش عايزة أقولك حسيت إن قد إيه غالية عنديّه، وإن مهما شاف ولف ودار مش هيلاقي حد يحبه قدي، ده كل الحكاية.
كان ينصت لها باهتمام شديد، وبعد حكاها تلك لم يستطع قلبه الجميل إلا تمني السعادة لها، ثم حمل حقيبته من على مكتبها هاتفا بتشجيع:
_ إذا كان كده فربنا يوفقك ويبارك لك فيه يارب.
بس ياترى بقى هتكملي شغل في المكتب هنا ولا بعد ما تتجوزي هتفارقي وتسيبنا؟
أجابته بتأكيد:
_ له مسيبش المكتب هنا، إني اعتبرتني صاحبة مكان وحبيت الشغل معاك ومع كل أصحابي واتفقت مع معاذ إني هكمل هنا وإني حابة المكان لأنه هادي ولأني حفظته وهو ممانعش خالص. بصراحة هو حد جميل قوي بيفهم علي ومش بيحتكر قراراتي. دي هو كمان اللي موصلني الشغل هنا وهو برضه اللي هييجي ياخدني.
الآن تيقن جاسر أنه أمام عشق الطفولة من ابنة عم لابن عمها. فتحت جدار الوجع بقلبه ودقّت فيه بشدة. تذكر حب طفولته هو الآخر. كل ما قالته منة عن معاذ كان يفعله هو الآخر مع رحمة.
ومن المحير له أن منة شعرت بمحبة ابن عمها بظروفها تلك.
وبات داخله يسأل لم لم تكتشف رحمة محبته وعشقه لها كمنة الله؟
ولكن وقف مع حاله وأعاد التفكير قائلًا لحاله:
ولكن مهلًا أيها الجاسر، فرحمة لم يُمهد لها كمنة، فلا تبتئس بقلبك واترك قلبك ونصيبك بيد الله، فهو مقلب القلوب وسيهرم بعطاياه.
فاق من شروده على صوت منة تسأله:
_ إيه يا متر رحت فين؟
تنفس بعمق داخله ثم تحدث:
_ موجود أه. تمام والمكتب طبعًا ميقدرش يستغنى عن موظفة نشيطة وشاطرة زيك.
أسيبك بقى وهدخل أراجع القضية اللي معايا عِندي جلسة النهاردة.
تركها ودلف إلى مكتبه وجلس على الكرسي وهو ينظر إلى أركان مكتبه، ومن الآن فصاعدًا لن يفكر في أي ارتباط ووقته كله سيوهبه لمهنته حتى يصبح عِالمًا في القانون يُحتذى به.
في المالديف تجلس مكة أمام تلك البحيرة وسط المساحة الخضراء الواسعة، فكم يعطيها ذاك المكان قسطًا كبيرًا من الراحة والسلام النفسي. كانت ممسكة بهاتفها تتصفحه ثم قررت تصوير المكان بفيديو قصير ثم قامت بنشره على الانستجرام والفيسبوك مدونة فوقه:
"بيت الأحلام محاط بجمال الطبيعة
وروعة الاخضرار بعيدًا عن ضجيج العالم"
رأى آدم ذاك المنشور عندما وصله إشعار بما نشرته، ثم قام فورًا بالتعليق عليه، فهو يشعرها دائمًا بالاهتمام بها مرسلًا تعليقه:
"ويسكن ذاك البيت أميرة متوّجة على عرش العالم بأكمله، سكنت قلب أميرها"
وصلها تعليقه فور نشرها لذاك البوست ثم تفاعلت معه.
ألقت الهاتف من يدها وقررت الاستمتاع بجمال الطبيعة، وما إن جلست مع حالها بدأ عقلها يفكر من أين ستبدأ مع آدم؟
وهل ستستمر من زواجها به؟
وكيف ستكون حياتها معه؟ فهي لن ترضى أن تأكل وتشرب من ماله وهو في نظرها مال حرام. لن تشعر بالارتياح في معيشتها معه وهو مازال يغني بتلك الطريقة التي يرفضها عقلها بتاتًا.
كانت تستند على الأريكة وقررت أن تفرد جسدها عليها علها ترتاح من الوساوس التي اقتحمت جميع مخيلتها في فترة النقاء التي قررت أن تجلسها مع حالها.
نظرت حولها لم تجده موجودًا في المكان، ومن الواضح أنه مسترخٍ في غرفته، فقامت بخلع حجابها وفردت شعرها خلف ظهرها، وكما أنها قررت خلع ذاك الجلباب الذي ترتديه دائمًا.
كانت ترتدي أسفله قميصًا من اللون الأسود بنصف أكمام شفافة وصدر مفتوح بعض الشيء ويصل لما بعد ركبتيها، مما أظهر جمالها البارع مع جسدها الأبيض في جو مشمس يشعرها بالدفء، وكما أن فصل الشتاء قارب على الانتهاء فلم تشعر بالبرد، وأغمضت عيناها كي تستمتع بهدوء اللحظة بعيدًا عن ضوضاء العالم، فاللحظات الهادئة التي تريح النفس تمر سريعًا.
أما هو قرر النزول إليها ومشاركتها جلستها، فقد أنهى مكالمته مع راشد عن العمل.
نزل وعيناه مشطت المكان باحثة عنها، فالمكان واسع، فوجدها في ركن جانبي أمام البحيرة الواسعة. ساقته قدماه إليها ثم رآها بهيئتها الآخاذة تلك، فوقع قلبه صريعًا بين يديه من شدة خفقانه انبهارًا بكتلة الأنوثة المتفـ.ـجرة المسترخية أمامه الآن.
وقف أمامه وقام بتوجيه هاتفه عليها والتقط لها صورة بوضعها تلك، فقد أبهرته تلك الصغيرة بهيئتها.
استمعت تلك المكة إلى صوت فلاش الكاميرا فانتفضت من مكانها مرتعبة خوفًا من أن يكون غريبًا اقتـ.ـحم عزلتها، ولكنها وجدته زوجها.
رأى هلعها فذهب إليها وجذبها إلى أحضانه مرددًا بحنو وهو يقبلها من رأسها:
_ اهدئي يا حبيبي متقلقيش ومتخافيش، محدش غريب يقدر يجي هنا.
حاولت أن تبعده عنها ولكنه كان متمسكًا بها، فلأول مرة يحتضنها وهي بهذه الهيئة المهلكة لأنفاسه بهذه الدرجة. فكل جلستها معه بحجابها وجلبابها، أما تلك اللحظة رأى أنثاه الحقيقية متجسدة أمام عينيه وبين أحضانه، ولن يتركها قبل أن يشبع رغبته بها حتى ولو كان ظاهريًا.
احتضنها من خصرها بقوة بإحدى يديه وبالأخرى رفع وجهها إليه كي يجبرها تنظر داخل عينيه، ثم همس لها:
_ مالك مرعوبة كده ليه؟ إحنا هنا لوحدنا وتقدري تلبسي اللي على كيفك.
ثم غمز لها بإحدى عينيه وهو ينظر إلى جسدها بوقاحة زوج عاشق:
_ يعني ممكن تلبسي بوركيني وتنزلي البحر، وممكن تلبسي هوت شورت وأنتي قاعدة في المكان الساحر ده، ولا إيه؟
تاهت في عينيه وهمسه ولمسه الرقيق وصوته الرجولي المصحوب بالحنو، ثم قالت وهي تنظر أرضًا:
_ إنت كنت بتصورني ليه؟ من فضلك امسح الصورة علشان حد ميمسكش الموبايل بتاعك ويفتح الصور ويشوفني بالشكل ده.
رفع وجهها إليه مرة أخرى ثم طمأنها:
_ أولًا مفيش حد بيمسك موبايلي خالص غيري. ثانيًا كل البرامج عندي مقفولة بباسورد محدش يعرف يفتحه غيري.
وأكمل وهو يلصقها بأحضانها أكثر:
_ هو معقول أخلي حد يشوف روبانزل بتاعتي!
قولي لي بقي قاعدة لوحدك ليه؟
لم تستطع التحكم في حالها وهي في قربه المهلك، ثم تمتمت بخفوت راجية إياه أن يتركها:
_ طب ممكن تسيبني ونقعد نتكلم براحتنا؟
حرك رأسه رافضًا بقطع:
_ لا يمكن أبدًا أسيبك بعد ما لقيتك اتكلمي واحنا زي ماحنا كده.
وأكمل مشاغبًا إياها:
_ قولي بقي إنك ضعفتي وحنيتي ومش قادرة تتنفسي في قربي.
حاولت الإفلات من يده ولكنها لم تفلح، ثم سألته:
_ طب انت عايز إيه دلوك يا آدم؟
_ عايز أفضل كده حتى لو هفضل باصص جوه عيونك من غير كلام.
_ حرام عليك انت بتتعبني وبتتعب أعصابي كده.
_ فيها إيه يعني مانت تعبّة أعصابي وقلبي وعيوني وكل حاجة فيا بتقول آآه منك يا بنت قلبي.
_ ليه يعني هو أنا عملت إيه؟
_ تؤتؤ، قولي معملتيش إيه، سهر وسهرتيني، دوخة ودوختيني وراكي، تعب أيام وليالي ومرمطتي اللي خلفوني، مش عايزاني بقى أتعبك شوية.
_بردو مردتيش على إنت عايز إيه دلوك؟
_ عايزك.
أغمضت عيناها من طريقته وتلميحاته، وبات جسدها يدق بعنف داخلها وأعصابها تفككت من نبرته ونظراته لها.
أما هو، حينما أغمضت عيناها لم يستطع التحكم في حاله، واقترب منها يقبلها برغبة، فهو رجل وهي امرأته بين يديه، فهو عاشق وبين يديه أنثى راغبًا بها بشدة، وهي مشاعرها عذرية لم تفقه في قوانين القرب شيئًا، فجعلته يتمنى المزيد. صار في دوامة قربه منها، وهي لم تستطع الإفلات منه، تريد الابتعاد وجسدها خانها. تريد أن تدفعه وتجري من أمامه وتختبئ بين جدران غرفتها كي تهدأ مشاعرها الثائرة، ولكنها غير قادرة على الحراك. أخذتها الأماني والحلم معه إلى بعيد، فهي لم يرضيها عذابهما. فهما قد وصلا قمة الحب، وحبًا، وبالرغم من ذلك حكم البعاد مسيطر على حالها.
لم يفصل قبلته عنها حينما لم يجد اعتراضها، ولكن فصل قبلته عندما رأى دموع عينيها الساخنة هابطة على وجهها، فأغمض عيناه هو الآخر ودفن يداه خلف رقبتها وأسند جبهته بجبهتها مرددًا بعتاب:
_ ليه كدة يا حبيبتي؟ ليه العذاب ده؟ انت بتحبيني وكل حتة فيكي عايزاني ومش قادرة تبعدي، يبقى ليه كدة؟
كانت الأخرى مغمضة العينين، وكأن عيناهما هي سر ضعفهما، فهربا كلتاهما من نظرات تضعفهم، ثم تحدثت أخيرًا عما يجيش في صدرها من أرَق:
_ لأني مش مرتاحة، حاسة إن الأكل اللي باكله من فلوس حرام، والمكان اللي قاعدين فيه من مال حرام، والعيشة داي كلها من الحرام.
حقا أدمته تلك الحقيقة التي نطقتها الآن، ولكن ماذا يفعل الآن؟ هو عمله ولقد رزقه الله بتلك الموهبة ومن ورائها اكتنز ذاك المال، فهو لم يسرق أو يقتل أو يتاجر في الأشياء الممنوعة. ثم أخذ نفسًا عميقًا وزفره بعمق، حتى هي شعرت بأنفاسه الساخنة تلفح وجهها، فاستشعرت إزعاجه، ثم تحدث بنبرة موجعة:
_ طب أعمل إيه دلوقتي؟ ده شغلي ومعرفش أعمل غيره. يا مكة افهميني، دي موهبة ربنا رزقني بيها، ليه أدفعنها وأضيع نفسي في حاجات هتوه فيها؟
قررت أن تفتح عيناها الآن وتسحبه معها لعالمها الجمييييل، عالم طاعة الله ورضاه. عالم لم تكفيه كنوز العالم، ثم بدأت لأول مرة غنواها له بصوت ساحر جعله أن يصدم له ولم يصدق حدسه مما استمع إليه الآن، وهي تجذبه من يداه وتجلسه على الأريكة، وبدأت بالتمايل أمامه كفتيات الفيديو كليب، بل ويزيد.
كانت حركتها التي تفعلها مع طريقة غنواها الساحرة جعلته ثائرًا، وجسده يأمره الآن أن يرفعها أرضًا ويهرول بها إلى غرفتهم ويقضي معها أوقات من السعادة التي تجعله يهدأ عندما يفرغ طاقة غرامه المشحونة بها، فقد كانت تغني له بطريقة مثيرة:
أنا
أنا بعشقك أنا، أنا كلي لك أنا
ده أنا بعشقك أنا، أنا كلي لك أنا
أنا، أنا، أنا، أنا، أنا، أنا
يا من ملك روحي بهواه، روحي بهواه
الأمر لك طول الحياة، طول الحياة
يا من ملك روحي بهواه، روحي بهواه
الأمر لك طول الحياة، طول الحياة
الماضي لك وبكرة لك وبعده لك
ده الماضي لك وبكرة لك وبعده لك
أنا في سهادي وفي منامي بندهك وبسألك
بتحبني ولا الهوى عمره ما زارك
بتحبني ولا إنكتب على القلب نارك، نارك
بتحبني ولا الهوى عمره ما زارك
بتحبني ولا إنكتب على القلب نارك، نارك
قول يا حبيبي، حبيبي قول
قول يا ملاك
أنا، أنا، أنا بعشقك
أنا، أنا، أنا بعشقك
أنا بعشق الكلمة اللي بتقولها وبعشق ضحكتك
أنا، أنا، أنا بعشقك
أنا بعشق الليل اللي في عيونك وبعشق رقتك
أنا، أنا، أنا بعشقك
أنا بعشق الأرض اللي عديت يوم عليها خطوتك
أنا، أنا، أنا بعشقك.
ثم أنهت غنواها وجلست أمامه قائلة بشيء صدمه منها:
_ إيه رأيك مش أني عندي موهبة برضو ومدفونة؟ إيه رأيك لو عملت فيديو كليب بذمتك مش هينجح؟ إنت فنان وعارف العرب والمقامات، هل أنا غلطت في طريقة إلقائي؟
كان ما زال منبهراً مصدوماً مما استمعه للتو، لقد كانت رائعة، جذابة، مثيرة.
كفاكي يا امرأة، ماذا تقصدين الآن بما فعلتيه الآن؟ ثم سألها بصدمة:
_ مكة إنت بتعرفي تغني؟
سألته هي الأخرى:
_ جاوب الأول، هل غنيت صح؟ هل غلطت في طريقة إلقائي؟ هل صوتي ينافس الفنانات الموجودين على الساحة دلوك؟
أجابها وهو ما زال غير مصدق ما استمعته أذناه الآن:
_ ده إنت مش بتعرفي بس، ده إنت عظمة على عظمة يا بنتي، ده إنت خطيرة جداً.
ثم ضرب كفًا بكف وهو ما زال على صدمته:
_ إنت بتعرفي تغني من امته؟
تعمقت مع بالحديث بأريحية، فهي انتوت توبته ولن تكل ولن تمل، ولم تفعل ذلك بالغصب والكلام الجارح، فهي متدينة وتعرف ربها، فـ "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي":
_ إني طلعت على الدنيا لقيتني بغني زيي زي الأطفال، ومع الوقت لقيتهم بينبهروا بصوتي وبيقولولي إن صوتي حلو. لكن لما كبرت شوية وعرفت الصح من الغلط والحرام من الحلال، بطلت أغني خالص وبقيت بستغل صوتي في قراءة القرآن لحد ما كله نسي إني بعرف أغني وإن صوتي حلو.
ثم أكملت وهي تفرغ قنبلتها أمامه، وهي متأكدة أنه سيثور عليها، فهو عاشق ويغار، ومن يغار لا يتحمل ما ستقول، ولكنها تحاول معه بالعقل:
_ طب تمام، إيه رأيك بقى أخلع النقاب وأخرج بالحتة السواريه وأروق على شكلي كده وتعلن عن مولد فنانة جديدة تهز أركان الوطن العربي بصوتها اللامع، وأعمل لي كام فيديو كليب كده مع حبة شباب طول بعرض مرمين على القهاوي وألعب بالملايين لعب. أمال إيه عاد، ماني عندي موهبة حرام أدفعنها بالحيا.
انتفضت أعينه بحدة، ثم قطب جبينه وهز رأسه بعدم فهم وتساءل متعجبًا:
_ نعم ياماما، سمعيني كده، إنت قلتي إيه تاني؟
مطت شفتيها بدلال اصطنعته جيدًا كي تبرع في تنفيذ ما انتوت عليه:
_ اللي انت سمعته، فيها إيه يعني دي، إني موهبة ومينفعش تفضل مكمورة كده في الضلام، وكمان حرام الملايين دي تضيع علي.
انتصب واقفًا بغضب، ثم قام من مكانه وجذبها من كتفها وهدر بها بحدة وكأنه صدق أنها ستفعل ذلك، فتلك المكّة كل يوم يكتشف بشخصيتها أشياء جديدة:
_ موهبة مين يا أستاذة!
طب جربي تخلعي حجابك كده ولا نقابك ولا اعملي اللي انتِ بتقوليه ده.
انتصبت واقفة هي الأخرى وبنفس نظرات التحدي أردفت بتصميم كي تقنعه:
_ بس أكده حرام تحلل لنفسك حاجة وتحرمها علي. إحنا بني آدمين مخلوقين زي بعض بالظبط وداي تفرقة عنصرية.
_ لا ياماما أنا راجل وانتِ ست.
_ مفرقتش يافنان إني صوتي حلو وانت كمان ومنفرقش عن بعض يبقى ليه تحجر علي.
بمجرد أن استمع إلى هرائها ذاك اندفع فيها ليشن حروب أفعالها فوق رأسها بعنفوان.
كادت أن تكمل كلامها ولكن نظراته الحادة أرغمتها أن تبتلع ما علق في حلقها من كلمات وتتراجع للخلف.
فتتقدم خطواته بقدر تراجعها ويغرس خنجر سؤاله في صدرها:
_ انتِ عايزة إيه بالظبط؟ عايزة بدماغك دي توصلي لإيه معايا؟
أنا تعبت منك. تعبت من جريي وراكي. تعبت من المحايلة والدلع وخلاص الصبر خلص من صبري وإن مشلتيش الحوار من دماغك يبقى هعاملك معاملة ماتمناش تشوفيها مني.
تشعب الغضب برأسها ثم رددت بعناد وهي تحمل جلبابها كي ترتديه وهدرت به:
_ تمام لحد ما تفكر في كلامي ولا هاكل من الأكل اللي هتجيبه ولا هشاركك أي ترفيه ولا أي قعدة ولا هقبل منك أي مصاريف تخصني وأكلي هجيبه لنفسي من الكريدت بتاعتي ولو هاكل عيش وجبنة.
امسك الجلباب من يدها ورماه بحدة في البحيرة ثم جذبها من يدها ودلف بها إلى الداخل فقد استفزته بكلامها وفجّرت بركان الغضب داخله وكما تقل الحكمة "اتقِ شر الحليم إذا غضب" وقد كان وصل غضبه عنان السماء ثم دلف بها إلى غرفته ورماها على التخت.
حاولت القيام والخروج من الغرفة فهي لأول مرة تجرب غضبه ولكنه أمسكها من يدها بقبضته القوية فهو ذو لياقة بدنية عالية مدرب عليها بمهارة.
لم تستطيع الإفلات من يده وأغلق الباب بالمفتاح ووضعه في جيب بنطاله ثم رماها على التخت هادرًا بها بأنفاس لاهثة:
_ طب طالما بتتكلمي عن الحرام والحلال يبقى أنا هاخد حقي فيكي حالا وبحلال ربنا بردو.
لاحظت أنه الآن خرج عن سيطرة وعيه وبدأ يقترب منها فوضعت يدها على صدره مانعة إياه بصوت ضعيف باكي كي تجعله يتأثر ويبتعد ولكن هيهات لم يبتعد فهي قد جرحته بشدة وأشعرته بأنه قليل ورمت بكرامته في أرذل القمامة.
فاقترب منها مرددًا قبل أن ينهال على شفتيها:
_ خلاص وقت البكا راح.
ثم اقترب منها وبدأ ممارسة حقه الشرعي فيها ولم يأبه لتوسلاتها في غصبها على تلك العلاقة التي لم تستعد لها نفسيًا. ولكن كان حنونًا معها ولم يستخدم معها العنف في علاقتهم. كان في قربها مغيبًا عن أي ظروف محيط
ليه تخلي أجمل لحظة في حياة كل بنت مع جوزها اللي حبيته تبقى غصبانية؟
وأكملت بكائها وهي تضع وجهها بين يديها:
_ مش مسامحاك يا آدم مش مسامحاك.
نفخ هو الآخر بضيق من تهوره وما وصلا إليه كلتاهما، ولكن تدخل الشيطان بينهما وجعله فعل ما فعل بها. ولكنه لم يتركها وحدها الآن. سيداوي وجعها منه به.
جذبها إلى أحضانه عنوة حتى ارتطمت بعظام صدره القوية وجسدها بدأ يهتز بسبب رفضه الاقتراب منها.
ولكنه ظل متشبسا بها مانعًا إياها من الخروج من أحضانه حتى تشبست به هي الأخرى ودفنت رأسها في رقبته وهي مازالت تبكي.
لحظات من الضعف من الانهيار من القوة من التمسك في آن واحد شعرت بهم تلك مكة.
وظلوا هكذا في أحضان بعضهم، هي تبكي وهو يعتذر، وكله تصميم على أن لا يتركها تحترق وحدها حتى هدأت عندما أفرغت شحنة غضبها منه بالبكاء، ثم احتضن وجنتيها بين يديه وردد بأسف للمرة التي لم يعرف عددها:
_ حقك على قلبي يا قلبي. والله العظيم ما هتتكرر تاني غير برضاكي وعمري ما هغصبك على حاجة تاني.
ثم قام من مكانه وجذب قميصها الملقى أرضًا وألبسها إياه كي يستر جسدها العاري.
ثم تحدثت أخيرًا بصوت خرج من حلقها إجبارًا:
_ ممكن تسيبني لحالي دلوقت لو سمحت.
ثم قامت بتسوية شعرها المبعثر من أثر هجومه عليها وعقدته برابطة الشعر الخاصة بها. وكررت كلامها مرة أخرى وهي تداري عيناها عن عيناه وتنظر جانبًا:
_ لو سمحت عايزة أبقى لوحدي.
حرك رأسه برفض قاطع:
_ يا مكة مش هقدر أسيبك لوحدك. غصب عني. ارجوكِ خليني جنبك. خليني أفضل جنبك عشان قلبي يفضل مطمئن عليكي.
رأت التصميم في عينيه فشعرت أن جسدها يرتعش بردًا. ورآها في حالتها فدثرها جيدًا بالغطاء، ولم تلبث بضع دقائق حتى ذهبت في سبات عميق، فقد أرهق جسدها من عاصفة اقترابه وتلك المرة الأولى في اقترابه منها، وكما أن البكاء جعلها تشعر بالدوار.
وجدها نامت فاستراح بجسده جانبها، ثم جذبها إلى أحضانه وهو ينظر لها بخوف خشية فقدانها، ثم ذهب في نومه هو الآخر وهو مازال متشبسا بأحضانها.
فما أجمل الفرار من الحبيب إلى الحبيب.
في منزل سلطان تجلس زينب ومعها خبيرة التجميل التي أحضرتها رحمة لها منذ أكثر من ست ساعات، فقد قامت بصبغ شعرها إلى اللون الأحمر الكستنائي، فذاك اللون يليق على لون بشرتها، ثم جعلت الخبيرة تجري لها جلسة بروتين حتى تصبح كالنجمات الشاشة، وحقًا فذاك اللوك أصغرها أعوامًا وأعوامًا.
ثم قامت بتنظيف بشرتها بجميع مراحلها حتى نضر وجهها والتمع وظهر لون عينيها مع بريق وجهها، مما أعطاها مظهرًا جذابًا للغاية.
وبعد أن انتهت الخبيرة تحدثت بانبهار:
_ ماشاء الله يا حاجة كانك صغرتي عشرين سنة. ده انتِ اللي يشوفك ميصدقش إنك مامت رحمة خالص.
كانت زينب تنظر لحالها في المرآة وهي غير مصدقة أن ذاك شكلها.
ثم تحدثت بانبهار وهي تشكر تلك الخبيرة بامتنان:
_ تسلم يدك يا شيرين ده أنا معرفتنيش. هو كده أكده الستات مهملة في نفسها لدرجة إن نص يوم يظبطوا فيه حالهم يلمعوا كده!
دي انتِ رجعتيني عشرين سنة لورا يا اللي يدك تتلف في حرير.
ابتسمت لها الخبيرة، ثم أعطتها زينب مبلغًا من المال يزيد عن طلبها لما فعلته معها الآن.
ثم قالت رحمة لها:
_ يا عيني عليكِ يا بوي ده انتِ جايلك أيام مهببة من كيد زينب واللي هتشوفه على إيديها.
وأنا أقول انتِ يا بت طالعة قوية وحربوقة لمين؟ اتارييي.
على حين غرة ألقت زينب نعلها في وجه تلك رحمة وهي تهدر بها:
_ اقطع لسانك من لغلوغه يا أم لسانين يا قليلة الرباية. بقى أنا حربوقة يا بت الجزمة انتِ.
ماتت الخبيرة ضحكًا على تلك الزينب وابنتها وهي تحاول الفكاك بينهم، فزينب تلاحقها بالغرفة ومصممة على ضربها حتى استطاعت الفصل بينهم، ورحمة تردد لها بكيد:
_ بقى كده يا زينب آخرة المعروف الضرب بالكفوف. ولا انتِ عشان بقيتي شبه الممثلات دلوقتي هتكبري على بتك يا قمرة انتِ يا وحشة.
فحقًا كان خناقهم مضحكًا للغاية، ثم قالت زينب لها بتهديد:
_ وأديكي بالجزمة كماني لو ما قصرتيش لسانك ده يا بت سلطان.
_ دلوقتي بقيت بت سلطان يا زينب. ما صحيح خير إن تعمل ضرب وتهزيق وشتيمة تلقى ماشي.
ابقي قابليني لو خليتك تلعلطي كده تاني ومعرفتيش تغيظي أبو السلاطين يا ناكرة الجميل.
مازالت شرين تضحك عليهم وهي تقف مانعة زينب من الانقضاض عليها، ثم حذرتها شرين:
_ والله يا رحمة إن ما سكتي لأسيّبها عليكي وأنا بصراحة هموت وأسيبها عليكي.
شعرت رحمة بأن زينب فقدت أعصابها من كيدها لها، ثم اعتذرت لها وهي تضحك على حالهم:
_ الله يا زوبة متكونيش أفوشة كده بهزر معاكي يا وحش الكون انتِ.
سعدت زينب من ذاك الوصف، ثم سألتها:
_ بجد يا بت رحمة بقيت زي وحش الكون كده؟
_ أمال إيه عاد دي انتِ تفلقيها بجمالك اللي يدوب أج دعها شنب وخصوصي شنب أبو السلاطين.
ظلوا يبتسمون مع بعضهم بعضًا من الوقت، ثم قالت رحمة لوالدتها:
_ خلاص يا زوبة ادخلي انتِ خديلك شاور كده والبسي من الهدوم الجديدة اللي جبتها لك واخرجي اقعدي برة كده وسيبي شعرك وحطي رجل على رجل وكيدي الأعادي.
بعد مرور ساعة كانت زينب تجلس في بهو منزلها بذاك الجلباب الأبيض المزخرف بالنقوش السوداء وبه خطوط طويلة أظهرت تناسق جسدها الممتلئ قليلاً، ويزين أكمامه دانتيل باللون الأسود ويصل إلى نصف ذراعها، وكذلك صدره مزين بذاك الدانتيل ومفتوح بعض الشيء يبرز عضلات صدرها الأبيض اللامع، وتفرد شعرها على ظهرها من الخلف ورائحتها الجميلة الساحرة عبأت المكان بأكمله.
كان سلطان في ذاك الوقت يهبط الأدراج وهو يدندن، فقد كان يقضي وقته مع تلك الوجد.
ثم نظر إلى الأسفل ووجد امرأة غريبة تجلس بتلك الأريحية والانكشاف في بيته.
نزل سريعًا كي يرى من تلك الجريئة التي تجلس بذاك الشكل.
أما هي سمعته وهو يدندن أعلى الأدراج فاغتاظت بشدة وتوعدت أن تسقيه الويلات.
وصل إليها حتى وصل أمامها ثم تحدث مندهشًا:
_ زينب! إيه اللي انتِ عميليته في حالك ده؟
وضعت قدمًا فوق الأخرى وأجابته وهي تتصفح ذاك الهاتف بين يديها ولم تنظر إليه:
_ عملت إيه يعني؟
أجابها باستنكار:
_ قولي معملتيش إيه!
حطالي أحمر وأخضر، وقاعدة لابسة قميص النوم ده ومش مختشية. لا ولدك يدخل عليكي دلوك. قومي يا ولية اتحشمي ولمي شعرك دي وامسحي وشك.
انتصبت واقفة أمامه واقتربت منه وهي تردد برفض قاطع:
والله يا عمران يا ابني لو شافني عريانة حتى مليكش صالح أنت. واعمل حسابك إن دي شكلي ودي لبسي في بيتي، بعد أكده مش عاجبك طلقني يا سلطان وهمل البيت ليا ولولادي وخد الحرباية اللي إنت اتجوزتها علي وسيبوني براحتي في بيتي ألبس كيف ما يعجبني وأعمل اللي على كيفي.
كسـ.ـر دماغك على دماغ اللي يتشدد لك يابت نفيسة الدلالة.
ثم جذبها من رسغها وأدخلها غرفتها عنوة عنها، وهي لم تستطيع الإفلات من يده فكان متمسكا بها بإحكام.
رأتهم من الأعلى تلك الوجد، فغلت الدـ.ـماء في عروقها حينما وجدته قد أغلق الباب خلفهم.
فدلفت إلى غرفتها وهي تتمشي فيها بحقد يأكلها وهي تحدث نفسها:
داي حتى أنت يازينب يا شايبة، منتيش سهلة.
ولا الولية بتاعت الأعمال داي كمان، ولا عيملت حاجة من وقت مارحت لها.
ثم ضربت بقبضة يدها في الحائط وهي تكمل بغيظ:
هو في إيه بالظبط؟ اني معدتش مستريحة.
ثم ارتدت الخمار التي تجلس به في شرفتها وأخذت هاتفها وخرجت إلى الشرفة واتصلت بتلك الدجالة التي ما إن رأت رقمها حتى هدرت بها:
إيه ياحضرة الشيخة هانم، مش شفتلكيش كرامات ظهرت ولا حاجة؟ وبقالي أكتر من أسبوعين مستنية، هو إيه أصله ده؟
كانت تلك الخضرة قد نسيت أمرها والآن ذكرتها بما حدث لها بسبب جلبها لذاك القطر الملعون من وجهة نظرها وكما أسمته، ثم هدرت بها هي الأخرى:
صوتك ميعلاش على الشيخة خضرة يابت إنت. وبعدين عايزة حاجة تاجي لي حدي، ونتحدتوا. كلام التليفون داي مبحبوش. واعملي حسابك عملات للبت داي معملش، وأعلى ما في خيلك اركبيه ويالا من غير سلام.
أغلقت الهاتف في وجهها، ثم جلست تلك الوجد تشطاط غضبا فقد ابتلعت نقودها في بطنها ولم تفعل لها شيئا.
وصارت تجلس بأقدام تدب أرضا، وهى ترى نفسها ملقاه خارج المنزل دون أن تثأر لقلبها من ذاك العمران ولكرامتها من تلك الرحمة.
ثم اتصلت بصديقتها أولا، وبعد أن أجابتها طلبت منها:
شوفي بقي أني عايزة أربع نسوان شداد، نسوان مش أي كلام.
سألتها صديقتها:
ودول عايزاهم لايه دوول؟
عايزة أخد حق ضلعي اللي اتكـ.ـسر وحق الضـ.ـرب اللي انضربته، والعين بالعين.
طب ودول عايزاهم امته يا أم دماغ يابس انت؟
بكرة بالظبط، هقول لك تخليهم مستنينها على أول الزراعية على الساعة ٨ بالليل. تكون اللي ماتتسمى اللي اسمها رحمة راجعة من شغلها، هبعت لك كذا صورة ليها تخليهم يحفظوا شكلها كويس. عايزاهم يكسـ.ـرو لها ضلوع يدها الاتنين ورجليها كمان ويخـ.ـزقوا لها عينيها ويخلوها تمشي عورة، وزي ما عيملت فيا هي وأمها المرة الشايبة العايبة يتعمل فيهم ويزيد.
أنهت كلامها وهي تنظر بحقد لذاك المنزل التي ماعادت تطيق الجلوس به، ولكن لها تارا ستأخذه منهم جميعا. ثم جلست تفكر ماذا هي فاعلة بعد الآن.
أما في غرفة سلطان وزينب كان يهدر بها:
أني صبرت عليك كـ.ـتير، والظاهر أكده إن دماغك ناشفة، وانت اللي جبتيه لنفسك يازينب.
ارتعبت من طريقته، ثم قامت من مكانها وقصدت الباب كي تخرج وتهرب من أمامه. فعمران وسكون في عملهما ورحمة خرجت، ولم تجد أيا منهم تستنجد به مهما صرخت.
لاحظ نظراتها على الباب، فسبقها وأغلق الباب. حاولت أن تأخذه منه، ولكنها لم تفلح. فرمى عصاه وعبائته أرضا واقترب منها وهو يلف ذراعها خلفها مكملا بغضب:
مش قلت لك يازينب قبل أكده، اللي مياجيش طيبة ياجي غصيبة، واهه محدش هينجدك من يدي واصل يابت نفيسة.
تحدثت وهي تحاول الفكاك من يده فلم تستطع، فلجأت إلي أسنانها وغرزتها في يداه. فتوجع من فجأتها وأفلتت يداه فابتعدت عنه. لحقها ولكنه لم يستطيع جذبها، ثم قالت:
متبقاش عيل صغير يا سلطان وهملني لحالي. مرايدكش يا أخي، هي عافية ولا إيه؟
مش بمزاجك يازينب، وحقي الشرعي هاخده منك غصب عنك.
قررت اللجوء للحيلة الآن، فهو لن يتركها. فبكل هدوء تمددت على التخت وقالت له بنبرة جدية مصطنعة:
آه ياني فرهدتني على الفاضي. وريني هتاخدوا إزاي وأني مش طاهرة يا سلطان.
شعر بالخزي للمرة الثانية، ثم سألها:
مش طاهرة كيف يعني؟
أجابته بثقة وتأكيد جعلته لم يشك بها:
هو أني مش كيف الحريم ولا إيه يا سلطان؟ مبياجيش علي أيام جوزي، مينفعش يقرب مني. لو عايز تتأكد أخليك تتأكد.
هي تعلم أن نفسه تتموع من ذكر تلك العادة أمامه.
ثم تحمحم وهو يأخذ عبائته مرددا لها بتحذير والشر يتطاير من عيناه:
طب يمين بعظيم يازينب، لو خرجتي من الأوضة بالمسخرة داي تاني، لاهيتكسـ.ـر لك رجلك علشان متعرفيش تخرجي منيها تاني.
رأت غيرته النابعة من عيناه، ففرح قلبها بشدة وقررت السكوت الآن. إلى أن ارتدي جلبابه ثم خرج من الغرفة. فوقفت على أعتابها، وعندما رأته اقترب من الباب نادت عليه بعلو صوتها مرددة بكيد جعله يركض إليها، لكنها أغلقت الباب بسرعة:
نئبك طلع على شونة يا سلطان. أني لسه مصلية العصر دلوك علشان تعرـ.ـف إنه بخطري، وبردو مهخليكش تلمس شعرة مني. وخليك بنـ.ـارك أكده يابتاع وجد وزفت الطين.
ظل يسبها بأبشع الألفاظ، فأشغلت الهاتف على صوت الموسيقى العالية كي لا تسمع سبه لها، وهي تنطق لنفسها داخلا:
ولسه يا سلطان، إن ما خليتك تقول حقي برقبتي مبقاش أني زينب بت نفيسة الدلالة.
أما في الأعلى عند وجد، قررت أن ترسل تلك الفيديوهات التي دمجتها مع بعضها والتي صورتها لعمران وهو نائم، وهي كانت تتدلل في أحضانه بأوضاع غير مريحة. من يرى عمران يظن أنه مغمض العينين ويتنعم في قربها من تقلبه بين يدها.
أرسلت الفيديو لسكون ودونت أسفله:
قلت لك كتير وحذرتك قبل ما تدخلي البيت دي. قلت إنه عشقان مرت أبوه، وهي كمان عشقاه، وانت مصدقتنيش. أني بقول لك انفدي بجلدك دلوك منه، وخلي بالك لو وريتي حد الفيديو دي، هو وابوه هيتعاركو واحتمال يموته.
وصل ذاك الفيديو لسكون ورأته مرارا وتكرارا، وحقا انصعقت مما رأته وهبطت دموع عينيها كالشلالات، وأصبح حالها يرثى له.
في اليوم التالي وبالتحديد في غرفة عمران وسكون، على صوتهما بعض الشيء، ومن الواضح أنهما واقفين من عدة ساعات على حالتهما تلك، والنقاش احتدم بينهم مما اكتشفه عمران من تلك السكون وجعله ينصدم.
تشنجت عضلاته وهو ينظر إليها بغضب ساحق مغلف بالاندهاش، ثم امسكها من كتفيها مرددا بغضب وهو يهزها بعنف:
من ميته وإنتي اتحولتي أكده؟
من ميته وإنتي حالك اتعوج، ومحدش بقي عارف يكلـ.ـمك، وبقيتي كيف الأسد لما يعيش دور ملك الغابة؟
ثم استرسل حديثه بنبرة زادتها الدهشة وهو يدور بها في الغرفة وعيناه مثبتة بداخل عيناها:
ولا انتي كنتي أكده أصلا، ومكنتش شايفك على أصلك اللي بان وبالجامد أووي!
نفضت يداها بغضب مماثل، ثم هدرت به بحدة:
سيبك بقى من جمودك اللي زهقت منه ده وتعاملك الناشف وياي. واعمل حسابك أني خلاص مش هتحمل أعيش في البيت ده تاني بعد اللي شفتـ.ـه بعيني. المستور انكشف، ويا عيني على المغدور بيه لما يعرف اللي بتعمله.
وأكملت وجعها وعلامات وجهها تحكي آلاف الحكاوى المريرة وهي تضم حاجبيها بحزن:
مع إن ربنا بعت لي تحذيره مرة واتنين، بس عاندت وكبرت دماغي ومشيت ورا قلبي، وقلت لاااا يستحيل يطلع منه أكده!
متمشيش يابت ورا هواجس شيطانك وعيشي حياتك وافرحي بحبـ.ـك ده السند اللي ربنا عوضك بيه.
صفق بيداه وفكه يهتز بسخرية من حالة ظلم النفس التي تظنها، وردد باستنكار:
ياريت متعشيش الدور وتمثلي دور المظلومة، وأنك الملاك، وأنك المجني عليها في الرواية.
ثم اقترب منها وحضن وجهها بين كفاي يداه، وأكمل بتهديد وعيناه قاتمتين من شدة غضبه:
بس ورب الكون لاهندمك على كل لحظة وجع عيشتها لي.
على كل لحظة حب اديتهالك ملقتش قصادها غير غدر.
على كل لحظة ائتمنتك فيها على قلبي وخنتي الأمانة، وافتكري إنك اللي بديتي والبادي أظلم.
وضعت كفاي يداها على كفاي يداه، وبنفس طريقته ونظراته نطقت:
كل كلمة ووعد وتهديد وتحذير وجهته لي دلوك لك زيه وأكتر، وزيد عليهم كيد النسا اللي تدعي ربنا ينجيك منه.
صار كليهما يدوران في نفس المكان ونظراتهما تحوي آلافا من تحدي العناد وجيوش الغضب. وكل منهما يظن أن الآخر قد غدر به ونسي عشقه، وكل منهم يردد داخله نفس المقولة
"على الباغي تدور الدوائر"