تحميل رواية «من نبض الوجع عشت غرامي» PDF
بقلم فاطيما يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
حلَّ الليلُ على البيت، وغرقت البلدة في صمتٍ ثقيل، كأن كل شيء توقف عن الحركة ليترك السكون يسود. في الطابق السفلي عند نهاية الممر الطويل، وُجِدت تلك الغرفة ذات الباب الرمادي، مغلقة كعادتها في مثل هذا الوقت. لا أحد يقترب منها، ولا أحد يسأل. "فريدة" بخطواتٍ هادئة لا تُحدث صوتًا، هبطت السُّلم وهي تحتضن بين يديها كتابًا كانت تقرأه قبل قليل لكنها لم تستطع التركيز. هناك شيء ما منذ أيام يتحرك في عقلها ولا تستطع الإمساك به. حدس خافت، شعور بأن ثمة ما يتسلل من بينها وبين "فارس". حين اقتربت من الغرفة توقفت....
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم فاطيما يوسف
أمام المشفى ليلا، وبالتحديد في الساعة الحادية عشر قرب منتصف الليل، استعدت فريدة للخروج من المشفى. فقد أنهت عملها وسهرتها في المشفى، ثم خرجت أمام الباب وأخرجت مفاتيح سيارتها التي اشتراها بالتقسيط حديثا، كي تتحرك للجانب الآخر التي تركن به سيارتها.
وعلى نفس الجانب كانت سيارة سوداء مفخمة تقف بجانب سيارتها وعلى أهبة الاستعداد.
فقال أحدهم:
ــ تقريبا هي دي اللي عليها العين. يالا أجهزوا بسرعة علشان مش عايزين شوشرة ولا من شاف ولا من دري.
كان فارس يعد حاله هو الآخر لمغادرة المشفى في نفس التوقيت، ولكنه كان في سيارته ممسكا بهاتفه يرد على أحد أصدقائه. ولم يراه الواقفون بتلك السيارة نظرا لأن سيارته هو الآخر مفخمة.
تحركت صوب سيارتها، فلمحها فارس وتلقائيا نظر إليها وظلت أنظاره مثبتة عليها. ثم على حين غرة لمح هؤلاء الأشخاص يقتربون منها. ومن ثم كـ.ـتم أحدهم أنفاسها كي لا يعلو صوتها، والآخر قام برش ذاك الرذاذ. وفي لمح البصر غابت عن الوعي وحملوها السيارة، وكل ذلك في غصون ثواني.
كاد أن يجن من ما رأته عيناه وعقله يكاد يكون متوقف. ولكنه فكر سريعا، إن نزل من السيارة ستختفي ولا يستطيع الوصول إليها، فأدار محرك سيارته على الفور.
أما هؤلاء الخاطفين لها، انطلقوا بالسيارة وهي بداخلها، والانتصار يزين ملامحهم فقد تمت مهمتهم بنجاح دون أي عواقب. فهم يراقبونها منذ ثلاثة أيام وسألوا عنها وعن مواعيد عملها وكل شيء يخصها ويخص عائلتها. وذاك التوقيت والمكان الذي تركن به سيارتها منجرف قليلا عن المارة والوقت أصبح قرب منتصف الليل.
أما هو، جن جنونه ما إن رأى ذاك الموقف أمامه. فكر كثيرا حتى يستطيع إخراجها من سيارة هؤلاء وهو يحاول اتباعهم. ولكن ما لفت انتباهه أرقام تلك السيارة وعلم لمن تكون. فضـ.ـرب الجنون بعقله من أفعال أبيه التي حتما ستصيبه بالانهيار. وبسرعة بديهة خالف الطريق، فهو قد حفظ ذاك المكان. ثم قابلهم من شارع جانبي ومن ثم اعترض طريقهم ووقف بعرض الطريق. وقبل أن يستوعبوا الأمر، أخرج سلاحه وقام بإطلاق الرصاص النفاذ في إطارات السيارة بطريقة متدرب ماهر. مما جعل هؤلاء الأشخاص يطلقون رصاصهم. فعلى صوته هاتفا بتهديد:
ــ أنا عارف مين باعتكم. اهدو، أنا فارس عماد الالفي، وأكيد سيد اللي متفق معاكم. وخلو بالكم متعملوش شوشرة، إحنا هنا في الصعيد وأهلها لو طلعوا هتتبهدلوا. سيبوا البنت منك ليه، يا أما مش هيحصل كويس.
ما زالوا يطلقون الرصاص حتى أصيب ذاك الفارس بطلقة في كتفه الأيسر وهو يحاول تفاديهم. ولكن رئيسهم هاتف سيد المتفق معهم كي يستفهم منه وهو يأمرهم:
ــ اصبروا، متضربوش نار، أمنوا نفسكم كويس.
ثم أتاه الرد وفورا أبلغ سيد:
ــ بقولك ياباشا، فيه واحد بيقول إن اسمه فارس عماد الألفي. فجأة اعترض طريقنا وضـ.ـرب رصاص على العربية. فاضطرينا نتعامل معاه وجت له رصاصة في كتفه. بس الغريب بيقول إنه عارفك وأننا جايين تبعك. هو انت كنت مكلف حد بالمهمة دي غيرنا ولا إيه؟ علشان هو مصمم ياخد البنت.
شعر سيد بالذعر مما استمع إليه الآن. لاااا بل شعر أنه على حافة الهلاك على يد عماد الألفي مما سيفعله به. ثم انطلق لسانه وهو يسب ذاك الرجل:
ــ الله يلعـ.ـنك يا بن ال... إنت ضـ.ـربت نـ.ـار على فارس ابن عماد بيه ياغبي يامتخلف.
أصيب الرجل هو الآخر بالذعر، ثم علل بنبرة ترتعد من الخوف:
ــ والله ماكنت أعرف إنه يخص عماد بيه. إحنا اتعاملنا على أساس إنه حد بيهاجمنا، وخاصة إنه اعترض الطريق. وأول ماسمعت الإسم كلمتك علطول. وكمان متقلقش، الطلقة جت في دراعه.
جز "سيد" على أسنانه غاضبا، ثم أمرهم:
ــ ارمي البنت من العربية وسيب المكان فورا. وهو هيسيبكم مش هيجي ناحيتكم، هو عايز البنت بس. وتعالولي فورا.
ابتلع الرجل ريقه بصعوبة والخوف سرى في عروقه وهو يتخيل نفسه الآن فريسة الذئب الكبير وما سيفعله به. ثم قال بأسنان تصتك:
ــ طب اوديه المستشفي علشان الطلقة اللي جت في دراعه.
هدر به سيد بصوت عال:
ــ سيبه يابني أدم إنت وتعالى. هو جمب المستشفى وهيعرف يتصرف. وانجز قبل ماحد ياخد باله.
أنهى أمره وأغلقت الهاتف في وجهه. ثم ظل يفكر، يخبر سيده عماد أم لا. ولكن فارس سيحكي لأبيه عن ماحدث له. وظل يشاور عقله كثيرا.
أما عند فارس وفريدة، فقد فر هؤلاء الأوغاد هاربين بعد أن قذفوا فريدة أرضا. فانطلق إليها وكان قد ربط ذراعه كي يكتم الدـ.ـماء التي تسيل من ذراعه.
ثم تحامل على نفسه وحملها بين ذراعيه وأدخلها سيارته وهي تائهة بسبب ذاك المخدر. ثم رجع وأغلق سيارتها وأخذ حقيبتها ومفاتيحها. ثم ركب سيارته وانطلق بسيارته إلى شقته كي لا يثير الإنتباه لهم، فهو يخاف عليها من الموقف ككل ومن القيل والقال.
وصل إلى شقته ثم هبط من سيارته وحملها إلى الأعلى.
دلف إلى بهو الصالة الواسع بفراشه الوثير، ثم وضعها برفق على الأريكة وحاول إفاقتها. ولكنها ما زالت غائبة عن الوعي ويبدو أن ذاك المخدر سيأخذ وقتا طويلا. تركها في الأمان، ثم فكر سريعا في رد فعل أهلها، فأخرج هاتفها من حقيبتها وجذب أصبع يدها فقد رآها وهي تفتحه قبل ذاك. تبسم وجهه وشعر بالانتصار حينما فتح أمامه. ثم أتى برقم والدها وفتح الواتساب وقام بتدوين الرسالة وحاول أن يتحدث بلغة الصعيد بقدر الإمكان:
ــ أني هاخد نبطشية كمان النهاردة علشان في حالة طوارئ في المستشفي. متقلقش علي ومتبعتليش لاني داخلة العمليات دلوك ومهعرفش أرد عليك وهقفل الموبايل.
لم يمر غصون ثواني حتى أرسل إليها والدها رسالة داعيا لها:
ــ ماشي ياداكتورة ربنا يعينك يابتي.
تفاعل على رسالة أبيها ثم أغلق الهاتف وهو يتنفس براحة. ثم بدأ بجلب أدواته الطبية كي ينتشل الرصاصة من كتفه، فهو جراح ماهر ويرث دهاء أبيه في الجراحة. ثم تحامل على حاله وانتشلها من كتفه، وما ساعده أنها كانت في كتفه الأيسر.
بعد مدة ما يقرب من أكثر من ساعتين، كان جالسا بجانبها غافيا من أثر المخدر الذي وضعه على كتفه. بدأت تتملل في نومتها على الأريكة وفي غصون دقائق كانت تتأوه وهي تشعر بالدوار وتدلك جبينها. أما هو فاق على تأوهاتها. ثم أفاق الاثنين وكلاهما يمسح على شعره. فقد نزع عنها حجابها كي تستطيع التنفس. وعيناي كلاهما التقت في عيناي الآخر. فنظرتها له تعني الذهول من الموقف ولم تدرك إلى الآن أنها منزوعة الحجاب. أما هو تسهم إليها وهو ينظر إلى جمالها برغبة ويبتلع ريقه بصعوبة. فقد كان تأوهها رقيقا جعله يتعمق النظر إليها ويود أن يحذبها بين يداه الآن.
أما هي، سألته بلسان ثقيل وما زال الدوار يتملك منها:
ــ أني ايه اللي جابني اهنه.
ثم شهقت وهي ترى خصلاتها هبطت على عينيها، فمسحت على رأسها بتعجب وأكملت وهي تهدر به وعيناها تجول المكان تبحث عن حجابها:
ــ إنت عملت ايه ياسافل فين حجابي ياللي ايدك عايزة تتقطع قبل ما تمد يدك وتكشف ستري.
لم يشعر بالضيق من سبابها له، بل ابتسم بتسلية لشراستها وتمردها وسألها متأدبا:
ــ تصدقي أنا دكتور وليا برستيجي ومحدش في الدنيا قدر يتكلم معايا بالطريقة دي غيرك. بس ممكن نتفاهم بالراحة يادكتورة.
ما إن ناداها بلقب دكتورة حتى شعرت بالراحة غزت في جسدها وأحست بالأمان. ثم تبدلت من نبرتها الشرسة إلى نبرة أكثر هدوءا وهي تسأله:
ــ ممكن أعرف حوصل ايه وايه اللي جابني اهنه.
ثم تذكرت أمر هؤلاء الرجال الذين قامو برش ذاك المخدر عليها وهي تهتف بذعر:
ــ وه!
افتكرت أنا كان في ناس رشوا عليا مخدر وبعدين لقتني هنا. انت جبتني إزاي وليه؟ ولا تكون انت اللي أجرتهم عليا علشان تخطفني؟
ضحك بشدة لأول مرة في شبابه منذ أن فارقته أمه على طريقتها التي تتحدث بها وذعرها. ثم تحدث من بين ضحكاته بنبرة سعيدة:
ــ تصدقي إنك مسلية موووت وطريقتك في الكلام حلوة قوووي. من زمان ما ضحكتش قوي كدة. لااااا ده من سنين ملهاش عدد يادكتورة.
سرّ قلبها لسعادته، بل وخطفتها ملامح وجهه المبتسمة. ودق ذاك النابض بين أضلعها ولم تعرف مالسبب وراء كل تلك الدقات.
تسمّرت نظراتها أمامه وعينيها سكنت عيناه. وكالعادة ما إن استقرت عينيها داخل عينيه تشعر بذاك السحر الغريب العجيب الذي يجذبها لإطالة النظر بهما. تتسمّر وتدخل في تيهة المشاعر وتخبط الإحساس بالاحتياج داخلها بشعور غريب لم يوصف بعد. وكأن عيناه أكبر لص تحت قبة السماء.
أما هو، فسكتت ضحكاته عندما رأى نظرتها المتسمّرة تلك ولم يفسر معناها بعد. فدق قلبه هو الآخر، وللعجب أنه نفس شعورها معه، هو نفس ما يشعر به هو الآخر.
ثم حدثتها عيناه:
ــ أتعلمين ما العجز يا حبيبتي؟ العجز أن أرى هذه العيون الجميلة ولا أستطيع تقبيلها.
وأجابته عيناها وهي تشعر بغرابة المشاعر داخلها:
ــ عندما أنظر إلى عينيك تأخذني إلى عالم آخر، عالم من الخيال لا كلام يحاكيه ولا اقتباس ينصفه.
ظل تائهاً في لون عينيها البنيتين وشعر فيهما بالدفء والاحتواء والحنان. شعر فيهما بأنهم يجذبانه لها دون إرادة منه أو مقاومة. ثم اقترب بخطواته منها وهمس أمام عينيها:
ــ عيونك فيهم دفا غريب قوي محستش بيه من زمان. هما إزاي جمال قوي كدة بالرغم من إن لونهم منتشر.
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة من كلماته التي خدرتها، وغير أنها مازالت تشعر بالدوار من أثر المخدر. ثم تمتمت بخفوت بكلمات غير مرتبة لأنها لم تستطع لملمة أعصابها المشتتة بعد. وقد ضرب الخوف صدرها من سحر اقترابه ولم تستطع السيطرة على حالها حينئذ:
ــ هو انت بتبص لي أكده ليه؟ أوعى تكون جايبني هنا علشان تضحك على عقلي وتقول دي بنت خام وهعرف ألفها بكلمة ونظرة وابتسامة.
مازال يشعر بالاختلاف والجمال في حديثهم. فهي تختلف اختلافا كليا عن كل الحسناوات الذي قابلهن في حياته. لا تشبه عيناها أي عيون. ولا حديثها سمعته أذناه قبل ذلك. بل فريد، ساحر، مملوء بالعزة التي تليق بكِ فريدة زمانك. ما أجمل هاتين العينين البحريتين اللتين أهلكتا قلبي لشدة جمالهما!
ثم تحدث بحنو كي يطمئنها:
ــ يعني لو عايز أضحك عليكي زي ما بتقولي، هستنى ساعتين لما تفوقي من الغيبوبة اللي كنتي فيها مثلاً؟
مانا كنت ممكن أعمل اللي أنا عايزه وانتِ غايبة عن وعيك ولا من شاف ولا من دري.
ثم سألها باندهاش:
ــ هو انتِ ليه مصممة إني شهواني للدرجة دي أو إني ممكن أستغل ضعف ست قدامي وأجبرها على علاقة مش حباها وغصب عنها؟ وحتى لو قدرت أسحبها بكلامي وأستغل ضعف مشاعرها مش هعملها. أنا ماما الله يرحمها علمتني إن أبقى راقي ومستغلش قلوب الناس ولا ضعفها ولا أعمل حاجة تغضب ربنا أبداً. علمتني قيم مش موجودة دلوقتي عند أغلب الشباب. وانتِ بجد لما تعرفيني هتعرفي إني لا يمكن أعمل حاجة فيكي تخليكي تخافي مني أبداً.
كانت تستمع إليه باندهاش. فهو في شخصيته تلك راقياً إلى أبعد الحدود. فكيف لتلك الشخصية أن تفعل ما فعله بها؟
أيعقل أن ذاك الانفصام يحول الشخص مائة وثمانون درجة!
لاحظ اندهشها من تسمّر عينيها وفمها المفتوح ببلاهة ثم سألها:
ــ انتِ مالك مسهمة كدة ليه يابنتي؟ هو أنا بقول حاجات غريبة ولا إيه بالظبط؟
حمحمت بتوتر ثم خرجت من حالة الذهول وسألته:
ــ طب أنا جيت هنا إزاي؟ سألتك السؤال دي ميت مرة ومجاوبتنيش.
التفت بوجهه للناحية الأخرى ثم مسح على شعره وهو يشعر بالاشمئزاز من أفعال أبيه التي حتماً ستجعله يود الفتك به. ثم نظر إليها مجيباً إياها:
ــ والله أنا كنت جوه عربيتي بالصدفة وقت مرواحي وشفت من بعيد تلت رجالة رشوا عليكِ المخدر ومشيوا بالعربية. وفي لحظة لفيت لهم من الطريق التاني واتعاملت معاهم.
ثم وجه أنظاره إلي ذراعه الملفوف مكملاً شرحه لها:
ــ اضطريت إني أضرب نار عليهم علشان أعمل لهم دوشة. فخافوا ورموكي من العربية. بس زي ما انتِ شايفة كدة أخدت طلقة في دراعي. وشلتك جبتك على هنا عشان ما كانش ينفع أدخل بيكي المستشفى وأعمل لك شوشرة. وفتحت موبايلك بالبصمة وبعت رسالة لوالدك إن إنتي عندك حالة طوارئ في المستشفى ومش هتيجي إلا بكرة علشان ميقلقش عليكي.
ــ شلتني!
شلتني إزاي يعني؟ جملة استفهامية نطقتها فريدة وهي تود أن تخنقه بين يديها، وأكملت باستنكار:
ــ آااه دي إنت إنت خدت على كده عاد واستحليت الحوار ده بقِي وبتقول دي هبلة ومش هيفرق لها.
عاد لنوبة ضحكاته مرة أخرى، ثم هدأ وهو يرى تذمرها مرددًا بصوت مصطنع لائم:
ــ يعني هو ده اللي إنت فهمته وركزت فيه؟ وما همكش إني أخذت طلقة في دراعي عشان خاطرك وإني أنقذتك من اللي كانوا هيخطفوك؟ ويحسروا قلب أبوكي عليكي ويعملوا فيكي البدع؟ ده آخرة المعروف يا دكتورة.
هزت رأسها باستنكار واهتز فكها ساخرًا:
ــ دكتورة مين؟ هو إنت خليت فيها دكتورة؟ أنا بقيت حاسة إني عرضة بين إيدين الباشا يعمل اللي على كيفه وقت ما يحتاج.
امتعضت ملامح وجهه وهو يتساءل:
ــ تقصدي إيه بكلامك ده؟ هو أنا أذيتك في حاجة قبل كده عشان تقولي كده؟ ولا إنت بتلوميني عشان أنقذتك؟ ولا كنت أسيبهم ياخدوكي عشان ما لكِش حد؟ ولا كنت دخلتك المستشفى وأنا شايلك بردو وذراعي بينزف؟ وساعتها بقى مش هنخلص، وكل هب ودب هيجيب سيرتك. ولا أنا وإنتي هنعرف نبرر واحنا داخلين على نص الليل وفي الصعيد كمان؟
تداركت خطأها في خلط شخصياته الاثنان الذي يحياهم، وألّامت حالها ثم اعتذرت له:
ــ إني متأسفة يا دكتور، بس اللي حصل لي ده ما يصدقهوش عقل. إني ليه حد يخطفني أصلًا؟ في حاجة إني مش فاهماها.
تلون وجهه بالحمرة من تذكره لما فعله أبيه، ولم يعرف بما يجيبها، ولكنه حاول تهدئة حاله وأجابها بإنكار وكأنه لم يعرف شيئًا:
ــ مش عارف هما مين ولا كانوا عايزين إيه منك. وبعدين كل اللي كنت مركز فيه إزاي أنقذك منهم.
ضمت شفتيها بامتعاض من ما حدث لها، ثم رددت بحزن:
ــ مش عارفة إني بالذات ليه بيحصل معايا كده؟ مع إني ماشية جمب الحيط ومش بعمل مشاكل مع حد وكافية خيري شري.
اقترب منها ثم تحدث بهدوء وهو يجذب حجابها وناولها إياه، مما جعلها تندهش من حركته تلك وشعرت برجفة في جسدها، شعر بها هو الآخر من هزة يدها وهي تتناول منه الحجاب، مما جعله هو الآخر اهتز جسده وهو يتأثر بحالتها تلك:
ــ البسي حجابك الأول عشان شعرك الأحمر ده ما يخلنيش أعمل حاجة مش عايز أتهور وأعملها. ده أولًا. ثانيًا بقى يا دكتورة، لازم تعرفي إن أقدار الله كلها خير، ودايمًا ربنا هتلاقي ساتر اللي قريب منه قوي. ومهما كانت حجم المشكلة أو البلاء، ربنا بيبعت معاه صبر وجبر هيخلوا الإنسان من حلاوة عطايا ربنا وهبته لينا بالخير كله، هينسونا هموم الدنيا واللي جرى لنا. فحطي دايما في بالك إن ربنا بيجعل دايما مخرج للي بيتقيه.
كانت تستمع إليه بقلب بدأ ينبض شعورًا غريبًا عنها لم تجربه من قبل، ولكنه شعور لذيذ هائل أحبته وأحبت الإحساس به وتمنته الآن أن يدوم. ثم لملمت خصلاتها المبعثرة وثبتتها بدبوس الشعر، ثم لفت حجابها وأحكمته على رأسها وهتفت بامتنان ووجهها يصحبه البسمة:
ــ كلامك مريح قوي وجميل وعامل كيف البلسم وريحني قوي.
ثم هتفت وهي تبدل نبرتها الهادئة المبتسمة إلى أخرى شرسة جعلتها تندهش من تغير علامات وجهها مابين لحظة وأخرى:
ــ طب ممكن بقى لما يحصل لي حاجة تاني ما تجيش ناحية حجابي وتكشف ستري عشان دي حاجة بتخنقني قوي وبتخليني قرفانة من نفسي يا فارس.
دق قلبها لسماعه اسمه من بين شفاها بدون لقب دكتور، ثم حرك رأسه للأمام بموافقة:
ــ حاضر يا دكتورة، مش هتتكرر تاني. بس لما خلعته عنك عشان أثر المخدر ونفسك يضيق، بس إن شاء الله مش هيحصل حاجة تاني.
بعد أن أنهى طمئنته لها، قام من مكانه ودلف إلى المطبخ وقام بصنع كوبان من القهوة كي يفيقا من أثر المخدر.
ظلا يتحدثان كثيرًا، هو يفتح مواضيع عدة يتعرف بها على شخصيتها وظروفها، وهي تسأله عن علاقته بأمه وحياته قبل ذلك. وبالتقريب عرف كلاهما كل شيء عن حياة الآخر. فهو قد حكى لها عن حياته المستقرة الآمنة ولم يذكر شيئًا عن حياته المريرة التي عاشها، وهي كانت خير منصت له. وإلى اليوم بل وتلك الساعة بالتحديد، ولد قلب الدكتورة فريدة على يد فارس الألفي بالحب الذي كبل مشاعرها الآن تجاهه.
مر كثير من الوقت وهم لم يملوا بعد من حديثهم مع بعضهم، حتى أشرق الصباح وأعلنت الشمس عن طلوع يوم جديد يحمل بين طياته الكثير من أقدار الله لعباده. فحملت حالها وغادرت المكان، وتركت ذاك العاشق الثاني الذي يشعر بنفس مشاعرها تجاهه. فقد نبض القلب المظلم وبالغرام أصبح بها متيم.
في منزل عماد الألفي، حيث أتى إليه سيد وهو يرتعب من الخوف مما سيبلغه به، ولكنه مضطر والمضطر يركب الصعاب، وهو ونصيبه.
دلف إليه وبالطبع أخذ موعدًا معه، فكان يجلس على أريكته وهو يرتدي الروب الخاص به من قماش الستان اللامع، عاري الصدر تحته إلا ذاك السروال الذي يصل لركبتيه، وأمامه مشروب الكحول الذي يحتسيه، ثم تحدث وهو يرتشف بتمهل من الكوب:
ــ ها يا سيد، جبتوا البت الدكتورة اللي قلت لكم عليها؟
زاغت عيناي ذاك السيد ثم تهته بخوف:
ــ ها... أصل...
ــ ما تخلص يا سيد، هو أنا فاضي لك.
جملة اعتراضية نطقها عماد بحدة أرعبت ذاك الواقف، الذي نطق على الفور:
ــ أصل الشباب حصل معاهم مشكلة بعد ما جابوا البنت ودخلوها العربية، وكل حاجة كانت ماشية تمام لحد فجأة طلع لهم فارس بيه ابن حضرتك في وشهم وضـ.ـرب عليهم نار، وتقريبًا عرفهم من العربية بتاعتك يا باشا. بس كان... كان...
ابتلع ريقه برهبة ولم يستطع الإكمال، فهدر به عماد وهو يلقي بالكوب الزجاجي على المنضدة بحدة، مما جعله يتهشم على الفور، مما دب الرعب في صدر سيد كثيرًا:
ــ أه، وبعدين يا بوز الفقر؟ إنت ما أنا عارف أنا مشغل معايا بهايم يغرقوا في شبر ميه.
ارتعش جسد سيد من عيني عماد الحمراء من الغضب، ثم ابتلع ريقه بصعوبة بالغة وأكمل في دفعة واحدة، وطبق الحكمة: وقوع البلاء أفضل من انتظاره:
ــ وفارس بيه أخذ طلقة في دراعه.
اتسعت مقلتاي عماد، ثم قذف المنضدة بما عليها، فهو في غضبه غشيم للغاية. ثم خطى إلى سيد الذي وقف يتشهد الآن، ومن رعبه أفلتت المياه من بين ركبتيه من هلعه، ثم أمسكه من تلابيب قميصه يهزه بعـ.ـنف:
ــ ينهار أبوكم! مش فايت بقى تضـ.ـربوا ابني طلقة! هات لي الجحوشة دول هنا عشان هبعتهم لعشماوي.
وأكمل متسائلًا بنبرة حادة:
ــ وبعدين جرى له حاجة؟ وعمل إيه مع البنت؟
أجابه بصوت يكاد يخرج من حلقه غصبًا، وهو يطمئنه كي ينجو من براثنه:
ــ متقلقش يا باشا، أنا سيبت واحد فيهم يطمن عليه من غير ما ياخذ باله. بس فيه حاجة غريبة هوريها لك يا باشا.
تركه عماد وإشارات وجهه تدل على الاستفسار. ثم أخرج سيد الهاتف من جيبه وفتحه أمامه، وأتى بذاك الفيديو ووضعه أمام عيني عماد، الذي شاهده باندهاش من أفعال ابنه الغير مفهومة لديه، ثم سأله بعد أن شاهد الفيديو مرة ثانية:
ــ هو وداها فين بعد اللي حصل وعمل إيه؟
أجابه سريعًا:
ــ وداها عنده البيت يا باشا، وفضلت موجودة معاه لحد الساعة ٥ الصبح. وبعدين الراجل شافه وهو بيوصلها لعربيتها، هي ماشية قدام وهو ماشي وراها ولافف دراعه بشاش وكان كويس.
ضم عماد شفتيه بامتعاض من تصرفات ابنه التي تستدعي ذهوله. فمنذ متى وهو يحنو على جنس حواء؟
منذ متى وهو ينظر إليهم بتلك النظرة العاشقة المتمنية؟
ومـ.ـن مـ.ـن؟ من ابنة بواب!
ثم أتى برقم فارس وهاتفه، وما إن آتاه الرد حتى تحدث إليه بنبرة باردة:
ــ والله أنا مستغربك جدًا يا فارس. يعني واحدة ضـ.ـربتك وهزقتك ومرمطت بكرامة أهلك الأرض، وجيت أجيبها لك تحت رجلي عشان أعلمها الأدب، عشان اتجرتأت على أسيادها بنت البواب، وفي الآخر تعرض حياتك عشانها للخطر؟
اهتز فكه بسخرية من تفكير أبيه، ثم تحدث بنفس النبرة الباردة:
ــ والله يا باشا، اختياراتي سواء مدمرة حياتي أو مظبطاها، أنا حر فيها. ملكش اختيار في حاجة زي دي طالما دي حريتي الشخصية.
ابتسم ببرود اعتاد عليه مع ولده هاتفا بنبرة ساخرة:
ــ بس متوصلش لبنت بواب. ارتقي شوية في اختياراتك وخليك ناصح ولو مرة واحدة في حياتك، وسيبك من قلبك الخرع ده. لو منبهر بيها، خدها لفة أو لفتين أو عشرة لحد ما تتكيف، وبعدين طوحها بطول دراعك. بس متنزلش للمستوى اللي شفته منك في الفيديو لما الرجالة رموها، ولا نظرة الخوف والرعب اللي كانت في عينيك عليها يا فارس يا ألفي.
جز فارس على أسنانه بغضب، ثم هتف بتوعد لأبيه:
ــ طب من الآخر كده يا باشا، ملكش دعوة بيا ولا بيها، ولا تتدخل في أي حاجة تخصني. إحنا اتفقنا على كده قبل ما تجيبني هنا إجباري. ولا ناسي تهديدك ليا؟ المرة دي بقى أنا اللي ههدد. لو قربت من فريدة بالذات، هكشف المستور، وبعدها هخلص من حياتي خالص. والساعة اللي كنت جايبها لي هدية وأنا جاي هنا، وهي اللي عرفتك كل حاجة عن اللي حصل، ولـ.ـعت فيها وخلصت منها. أنا خلاص كشفت كل أعيبك وحوارتك.
قهقه عماد من تحذيرات ابنه، ثم هدأت ضحكاته ليقول بنبرة جليدية:
ــ بتهدد أبوك اللي وصلك للعز والمركز اللي إنت فيه ده كله يا فارس، عشان بنت البواب! والله واكتشفت دلوقتي إني ربيتك تربية ناقصة يا ابن عبير.
ــ إنت ما ربتنيش يا عماد يا ألفي، وعبير دي هي صاحبة أي حاجة حلوة لسه فاضلة فيا. أما إنت مسبتليش غير المرار العلقم اللي افتكره لك، واللي إنت شربته لي بالكوم من وأنا طفل صغير ولسه مكمل... تلك الكلمات التي خرجت من فم الفارس بمرارة يشعر بها أي إنسان يسمعه، مما زاد عماد حقدًا على عبير، ليعقب على كلماته بغل وغيظ:
ــ والله لو أطول أعمل في عبير أكتر من اللي عملته، لا هعمل فيها عشان ربت عيل خرع فاشل زيك ومش هيعرف يحافظ على إمبراطورية عماد الألفي يا نوغة عبير.
هدر به فارس بغيظ:
ــ متجيبش سيرة ماما على لسانك تاني يا عماد يا ألفي، لو لسه باقي على حياتي وحياتك إنت كمان. عشان ما أعملش حاجة تخليك تندم، أو ما تلحقش تندم أصلًا.
ثم أكمل تحذيراته لأبيه قبل أن يغلق الهاتف في وجهه:
ــ آه، آخر حاجة حابب أعرفها لك عشان ما تتهورش وتتغشم زي عوايدك، لو قربت من فريدة بالذات أو صابها أي أذى هي أو أهلها، لههد المعبد عليك وعليا وعلى الدنيا بحالها. فريدة خط أحـ.ـمر، وإنت عارف الخطوط الحمراء الدموية بالنسبة لي بتمثل إيه، وأظنك جربت قبل كده لما عيونك دمعت من الخوف. فبلاش نوجع بعض، وكل واحد يخليه في منطقته يلعب على كيفه وزي ما هو عايز.
أنهى كلماته وأغلق الهاتف في وجهه، مما أثار غضبه، فقذف الهاتف هو الآخر في الحائط وهو يشعر بالجنون. ثم جلس على الأريكة وأشغل الموسيقى، ومن ثم المطربة المفضلة لديه ألا وهي كوكب الشرق أم كلثوم، وتبدلت حالة الجنون إلى الرواق وهو يدندن معها. تبدلت الحالة من النقيض إلى النقيض تمامًا في جزء من الثانية، ثم احتسى مشروب الكحول مرة ثانية وهو يجلس على الكرسي الهزاز منسجمًا بهدوء، من يرى ذاك الشائب ينخدع فيه انخداعًا كليًا.
*********************
في فيلا آدم المنسي، حيث بدأ ذاك البث المباشر وهو يطرب فيه بأنشودة للعفاسي بصوت عذب جميل، وما إن اندمج في الأنشودة، قرأت عينيه بعض الـ.ـتي أثرت في نفسه وجعلته يحزن كثيرًا، وبدأ حماسه يقل رويدًا رويدًا. وبالرغم من أن أكثر الـ.ـ معجبة وبشدة للأنشودة بصوته، إلا أن الـ.ـ السلبية هبطت من عزيمته. ثم أغلق البث وبدأ بفرز الـ.ـ، والتي كانت أغلبها:
ــ جرى إيه يا نجم؟ فينك؟ وحشتنا ووحشتنا أغاني الرومانسية اللي كانت بتطلعنا العالي. سيبك من جو المشيخة ده، إحنا مش في الجامع.
وقرأ تعليقًا آخر:
ــ Oh No! بقي آدم المنسي النجم اللي كانت البنات هتتجنن عليه وبتطلع له على المسرح تحضنه وتبوسه وترقص معاه، يدفن نفسه وموهبته بالحيا كده عشان مجرد حتة بنت صعيدية فلاحة، وهو كان بيترمى تحت رجليه ملكات جمال! لااا لااا يا نجم عود لعهدك ومجدك يا نجم وقول وسمعهم وغني ومتعهم.
وتعليقًا آخر:
ــ إيه بجد الحاجات المقرفة اللي بتحصل دي؟ يعني إنت ضحيت بنجوميتك ومجدك وشهرتك عشان شخص في أي وقت لو حصل أي حاجة، هينساك ويسيبك، بس بعد ما يكون خسرلك كل حاجة حلوة في حياتك، وفي الآخر هيقولك: محدش طلب منك تضحي. ووقتها هتكون خسرت نفسك وجمهورك الكبير اللي قعدت سنين تبنيه.
ظل يقرأ المزيد والمزيد وهو يشعر بالتحطم من تلك الـ.ـ وأحس بأن أنفاسه ضاقت ذرعًا. فأغلق الهاتف ورماه أرضًا حتى انكسـ.ـرت شاشته. ومن ثم كانت مكة تهبط الأدراج بخطوات متمهلة، ورأت ما فعله فاندهشت وأسرعت خطواتها إليه وهي تجذب الهاتف وتقلب فيه بيدها، ثم ضمت شفتيها بحزن عليه، فخطت إليه ووجهت شاشة الهاتف أمام عينيه وهي تسأله باندهاش:
ــ طب ممكن أفهم إيه اللي حصل عشان ترميه وتكسره بالشكل ده أصلًا؟
شعر بالاختناق من استفسارها، فقد أثرت الـ.ـ السلبية عليه بشدة وجعلته الآن غير متزن فكريًا. ثم أجابها بخفوت وهو يوجه أنظاره ناحية الحديقة بعيدًا عن عينيها:
ــ مفيش، مخنوق شوية بس.
استشفت حزنه من وأنه بالتأكيد مملوء بالهم وأنه على غير عادته الطبيعية، ثم اقتربت منه وبدأت تدلك رقبته من الخلف بحنو كي تجعل جسده يشعر بالاسترخاء:
ــ طب ممكن نهدي ونستغفر ربنا الأول ونستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ودقيقة ذكر كده عشان نطمن قلبنا ونعرف نتكلم بهدوء، لأن وقتها الشيطان هيكون انطرد.
أخذ نفسًا عميقًا وهو يمسح وجهه بيديه، ولم يفعل ما قالته لينطق برجاء لها:
ــ معلش يا مكة، سيبيني لوحدي شوية. مش قادر أتكلم في أي حاجة ولا فيا طاقة إني أفتح أي حوار. وكمان مش عايز وأنا متعصب ومخنوق نتناقش، اصبري لما أهدى شوية عشان أتكلم بأعصاب هادية، ولا أنا أضايقك ولا إنتي تزعلي مني في أي كلام أقوله لك.
تنهدت بحزن عميق من هيئته التي أوجعت قلبها، ثم رددت بطاعة وقد لمع الدمع في عينيها لحالته تلك، وطريقته التي لأول مرة يتعامل بها معها:
ــ حاضر يا آدم، هسيبك لوحدك.
أنهت كلماتها وحملت مصحفها في يدها وخرجت إلى الحديقة كي تقرأ وردها اليومي. أما هو، فهاتف هند أخته فور خروجها، وبعد السلام والتحية، طلب منها أن تقرأ الـ.ـ التي دَوّنت له على بثه. وبالفعل قامت بقرائتها، وبعد أن أنهت معظمها، سألته بتعجب:
ــ طب إيه بقى اللي في الـ.ـ مضايقك قوي كده؟ ممكن أفهم؟
أجابها بضيق:
ــ يعني مش شفتي طريقة الناس عاملة إزاي وكلامهم اللي زي السم؟
تفهمت وجعه جيدًا، ثم تحدثت باستجداء:
ــ أه، شفت الناس الكتيرة قوي اللي بتشكر في محتواك وهم مليانة قلوب على إلقائك للأنشودة وأنك أبهرتهم في لونك الجديد.
تنفس بصوت عالٍ وصل إليها، ثم قال بحيرة:
ــ طب والـ.ـ التانية؟ ما أخذتيش بالك منها ولا قصدتي تعمي عينك عنها؟
أجابته بثقة:
ــ يا سيدي، هو الناس ليها عندك إيه يعني عشان تشغل بالك برأيهم ولا بكلامهم؟ وهم السخيفة؟
بص على الحلو الكتير قوي اللي مالي الـ.ـ، وسيبك من الناس اللي لا هتودي ولا بتجيب من وراها إلا الهم. فكأنك مش شفتهمش وتنكد على نفسك. وطالما الآراء الكتيرة عجبهم اللون ده، يبقى نكمل ومنشغلش بالنا بالمحطمين. وبعدين يا سيدي، طالما مستريح وحابب اللي بتعمله، يبقى طظ والف طظ فيهم، ولا كأننا شفناهم قدامنا ولا كلامهم يفرق لنا يا دوومة. وبصراحة بقى، إنت أنشدت الكلمات حلوة قوي، وأنت عارف إن العفاسي شيخي المفضل، عشان كده هطلب منك كتير حاجات حلوة للعفاسي بصوتك.
استطاعت شقيقته تهدئته ببراعة فائقة، وهو يشعر بالاقتناع، فهتف بقلب مطمئن:
ــ من زمان قوي وإنتي بتبسطي الأمور وبتحليها بكلامك وتقلبي الوحش اللي ماليها لحاجة حلوة تطمن القلوب يا هنودة.
ابتسمت شقيقته ورددت بقلب مملوء بالحنان بنبرة تصحبها الدعابة:
ــ روّق يا نجم النجوم، الناس مبتتفقش على حد، وحتى على نفسهم. فكبر الجي يا فنان.
قهقه آدم على دعابتها، ثم شكرها بامتنان:
ــ حبيبة أخوها، منحرمش منك. هقفل أنا بقى عشان شديت مع موكة، هروح أروّق عليها.
أنهى حديثه معها، ثم ألقى هاتفه وخرج إلى الحديقة، وجد مكة تقرأ القرآن بتتمعن وقلب مطمئن، فاقترب منها واحتضنها من ظهرها وقبلها من جبينها هاتفا بجانب أذنها بحنو:
ــ حبيبي اللي زعلته، حقك عليا.
أغلقت المصحف الشريف وقبلته، ثم وضعته على المنضدة الموجودة أمامها، وتحدثت إليه بنبرة ملامة، وقد رأت الـ.ـ على البث المباشر وعرفت سبب ضيقته:
ــ لا، إني مخاصماك وقلبي زعلان منك قوي.
جذب يدها بين كفي يديه وهو يقبلها:
ــ طب متزعليش مني، عشان إنتي عارفة مقدرش على زعلك ولا إن قلبك يكون مضايق من حاجة.
تهجمت ملامحها بامتعاض، فكفاها تعب حملها الشديد عليها والذي أثر على نفسيتها بشدة، وجاء هو وأكمل عليها، ولم تدعه لأسفه اهتمامًا:
ــ ليه يا آدم؟ لما نزلت البث وجت لك بعض الـ.ـ السلبية، وشك قلب وزعلت قوي كده؟ بجد إني اتضايقت من ضيقتك، ومش بس كده، له إني زعلانة كمان بسببها، مش بسبب إنك قلت لي بعدي عني دلوقتي.
تنهد بضيق من تفكيرها، ثم تحدث بنفس تهجمها:
ــ هو ده كل اللي هامك وضايقك عشان نفسك، مش عشان زعلانة إني اتضايقت؟ بجد أنا مصدوم فيكي دلوقتي وفي طريقة تفكيرك، وحاليًا حسستيني إن عقلك صغير ومبتعرفيش تحتوي زعلي ولا ضيقتي زي ما أنا بعمل معاكي.
اشتد الاحتدام بينهم وهتفت بحدة:
ــ عقلي صغير!
هو انت هتعايرني إنك هتراضيني وتحتويني؟ دي واجب عليك على فكرة إنك تراعي أهل بيتك.
قام من مكانه وألقى الكرسي جانباً ثم هدر بها:
ــ لا، انتي أكيد مش طبيعية لأن طريقتك في الكلام مش مقبولة بالمرة، وآدي المكان ليكي يا ستي، ولا تكلميني ولا أكلمك، وخلّيكي بقى في نكدك ده لما تعرفي تتعاملي إزاي مع جوزك، وتتعلمي إنك ما تبقيش حادة معاه في الكلام وتغيّري من أسلوبك، نبقى نتكلم وقتها.
ألقى كلماته في وجهها ثم ترك لها المكان، فأدمعت عيناها لما حدث بينهما، ثم شعرت بالدوار يهاجمها وشعرت أنها تريد أن تتقيأ، فمعدتها انقلبت بسبب حزنها وجرت ناحية الحمام وأفرغت ما في معدتها.
استمع إلى تعبها وهو يهبط الدرج، فنظر إليها من بعيد بأسى وخطى بخطواته إليها كي يقف بجانبها، ولكنه تذكر كلماتها اللاذعة له، فغيّر اتجاهه وغادر المكان تاركاً إياها تنفرد بحالها.
أما هي، فرأت تقدمه وتراجعه فشعرت بالألم النفسي وأنه تركها دون أن يحنو عليها كعادته، فبكت بشدة بعد أن جففت وجهها وخرجت من الحمام وصعدت إلى غرفتها وارتمت على تختها وهي تبكي بأسى لشجارهم الذي لم يكن من الأساس.
***
في مكتب جاسر، وبالتحديد في الساعة الثامنة مساءً، أنهى مقابلته مع موكله ثم عاد إلى مكتبه.
ألقى السلام على مها الجالسة المنكبة على الملف الذي بيدها، فردت السلام بخفوت بنبرة حزينة:
ــ وعليكم السلام.
اندهش لنبرتها، ثم عاد بخطواته إليها متسائلاً إياها بنبرة حنون:
ــ مالك يا مها؟ صوتك متغير أكده ليه؟
لم ترد رفع وجهها إليه، فهتفت وهي تحاول الانشغال بالملف الذي بيدها:
ــ مفيش يا متر، إني زينة، متقلقش.
اندهش لعدم نظرتها له، وبات داخله يتساءل: ماذا فعلت بكِ كي لا تريني وجهكِ وتتحدثين معي بتلك النبرة الحزينة؟ فسألها:
ــ هو إني ضايقتك في حاجة يا مها؟ عشان ما تبصيليش؟ وإني هكلمك؟
تخبط قلبها داخلها لأجل حزنه وما وصل إليه من نبرتها، فهو يتعامل معها برقي وذوق لم تعهده في جنس الرجال من قبل، بل إنه يحنو عليها ويخاف على حزنها كأنها كقطعة زجاج رقيقة يخشى عليها الكسر أو الخدش، فهو أثبت لها أن الرجال مختلفون متنوعون، أنساها كل ما حدث لها من مرارة، جعل قلبها ينبض بالحب الراقي الحلال لأول مرة في عمرها بأكمله. ثم رفعت عينيها المغشيتين بالدموع وأثر الاحمرار الشديد نابع منهما، فانقبض قلبه داخله لأجل حزنها الشديد البائن على ملامحها المنطفئة المملوءة بالقهر:
ــ لا والله يا متر، يعلم ربي إني عمري ما شفت منك إلا كل طيب وكل رجولة، إني بس اللي نفسيتي تعبانة شوية.
أنهت كلماتها ثم أدارت وجهها بعيداً عنه، وقد لمعت الدموع في عينيها ثانية، فخطى تجاهها وهو يشعر بالوجع لوجعها، ثم اقترب منها وكل ذرة بداخله ثائرة، فحبيبته حزينة، بل عيناها ممتلئة بالدموع التي جعلت القابع بين أضلعه يريد اختطافها بين أحضانه كي يخفف ألمها، ثم همس أمام عينيها برقة أذابتها:
ــ مش حرام العيون دي تدمع؟ مالك بس يا أم الزين؟
ما إن ناداها بـ "أم الزين" حتى شهقت في بكاء مرير، جعله واقفاً أمامها يشعر بالعجز الآن ويود جذبها بين أحضانه كي يشعرها بالأمان الذي جافاها، ثم مد يده دون أن يخشى أي شيء وأزاح يدها من على عينيها الباكية ورفع وجهها إليه حتى استقرت عيناها داخل عينيه الزيتونتين، مما جعلها تهتز بإثارة من اقترابه وهو يطمئنها:
ــ له، ما أتحملش بكاكي ولا إني أشوفك أكده، ومقدرش أضمك لقلبي وأخفف عنك وأوريكي إن الدنيا لسه مليانة حب واحتواء، وأعرفك إن قلبك جميل ميستاهلش إلا كل جميل.
تطلعت بمقلتيها الحمراوين من البكاء وهي تشعر بأنها في أكثر وقت لاحتياجه الآن، فهو أتاها في عز ضعفها، في عز تشتتها، فأكمل هو:
ــ كفاياكي دموع وقولي لي جرى إيه خلاكي هتبكي بشدة قوووي أكده؟
هدأت من شهقاتها ثم تمتمت بنبرة خافتة حزينة:
ــ أصل النهاردة كان عيد ميلاد زين وزيدان، وكنت بجهز للاحتفال باليوم دي من قبلها بيومين، وكنت أعرف أي حاجة نفسهم فيها وأكتبها أول بأول وأجيبها لهم.
ثم ذرفت دموعها وهي تحاكيه عنهم مرة أخرى، وهو يجلس أمامها على المكتب ويستمع إليها بإنصات شديد محبب إلى قلبه:
ــ كانوا روحي وقلبي والنفس اللي هتنفسه في أحضانهم، بيكفيني وبيراضي قلبي عن أي وجع، بس هما مشيوا وما بقاش ليا إلا الوجع. مشيوا وأخدوا وياهم ضحكتي وفرحتي وحياتي وحشة من غيرهم.
ابتسم لها مردداً بحنو:
ــ ياه يا مها، قد أكده كنتي أم عظيمة وبتهتمي بيهم وهتحبيهم أكتر من نفسك؟ لدرجة إن عيونك مليانة دموع لحد دلوقتي على فراقهم!
مررت لسانها على شفتيها من جفاف حلقها، ثم تحدثت وعيناها تلمعان عشقاً لطفليها الراحلين:
ــ واكتر من أكده كمان، أصلك ما تعرفش زين وزيدان دول كانوا متربيين كيف؟ وكانوا كيف النسمة مهتحسش بوجودهم. وكانوا جمال في الشكل والأسلوب والتربية وكل حاجة حلوة كانت زين وزيدان.
ثم أكملت وقلبها ينبض بالوجع لفقدانهم:
ــ شكل ما تكون الدنيا حالفة ما تخلييني أتهنى على أي حاجة حلوة، وما تسيبليش غير الوحش كله.
تحدث بنبرة دعابية كي يخرجها من حالة الحزن الكئيب الذي اعتراها، وهو يغمز لها بعينيه:
ــ طب ما دي سهلة خالص يا أم الزين، ممكن ببساطة تجيبي زين وزيدان غيرهم في تسع شهور بس، انتي احني وارضي.
فتحت فمها ببلاهة من وقاحته، ثم أدارت وجهها للناحية الأخرى وهي تشعر بالخجل الشديد من وقاحته، فجذب وجهها مرة أخرى وشاكسها مزيداً:
ــ له، مش وقت كسوف خالص، إحنا لسه بنقول يا هادي، تقومي تتداري عيونك عني وتخلي الدنيا تضلم يا أم الزين.
تطلعت لعينيه بخجل ثم تحمحمت باستفسار:
ــ اممم..
غمز اليها مرة أخرى وأكمل مشاكستها بنبرة دعابية:
ــ لا واني بقول عنك كلك فهم يا أم الزين. هي كلمة نجيب زين وزيدان تنين في تسع شهور بس محتاجة استغراب واندهاش وعقل يروح ويجي ودراسة جدوى يعني وحوارات.
وأكمل وهو يجبرها على النظر داخل عينيه:
ــ دي حاجات ومحتاجات بتتحس. إلا بصحيح انت محستهاش يابطل.
شهقت بشدة شهقة عالية ثم تحدثت:
ــ ها انت بتقول يامتر هي وصلت لبطل كمان.
ــ مالها بطل هو انت اول مرة تسمعي الكلمة دي ولا ايه. كلمات مشاغبة نطقها وهو مازال مكملا بطريقته الساحرة التي حبست أنفاسها في اقترابه ووقاحته وغزله المختلف التي أول مرة تسمعه ثم قام من أمامها وقد تيقن أنه أخرجها من حالة الحزن التي اعترتها وهو يردد:
ــ طب كفاية عليكي اكده النهاردة علشان خدودك احمروا على الآخر واني خايف عليهم يولعوا. كفاية الولعة اللي أني حاسس بيها مش هنوبقي احنا الاتنين اصل اني هخاف عليكي قوي ياحب.
ما زالت تنظر إليه ببلاهة فهو بدأ يصارحها بمشاعره بطريقة مباشرة وانتقل من تخبئته المشاعر إلى وضوحها مما جعلها تجرب إحساس لن تلقاه طيلة عمرها مما جعل النابض داخلها تعلو دقاته حتى أنه ردد قبل أن يغلق الباب بنفس المشاكسة:
ــ شفتي روقت عليكي في ثانية وخليت صوت قلبك طالع وبيسمع حتى المكتب الخشب اللي هتقعدي عليه علشان تعرفي بس إنك بطل.
أنهى غزله به وأغلق الباب وتركها تتخبط بمشاعرها من تحوله المفاجئ وكلامه الهائم به الممتزج بوقاحة الغزل الذي لم تسمعه أذناها يومًا من الأيام وتبدلت لحظات الحزن إلى لحظات من الهيام من كلام ذاك الجاسر لحظات جعلت قلبها يخفق داخلها ويطالبه بالمزيد والمزيد. تريد أن تسمع منه كثيرا. وتتشبع أذناها بما لم تطرب به يومًا من الأيام. تريد أسبابه الملفقة وعلاته الكثيرة والكثيرة كي يختلق أحاديث معها ويدق القلب بمشاعر المحبين الذي لم يتذوقها قبل ذاك. شعرت الآن بالهدوء بعد اللحظات التعيسة التي فكرت بها وجالت بخاطرها ثم أسندت رأسها على الكرسي وعلامات الاستمتاع بحديثه الخاص بها بدت على معالمها ثم أغمضت عينيها بانتشاء ووجهها يتبسم بحالمية وعقلها يعيد كلماته لها كثيرا. فما أجمل حديث المحبين العاشقين للمتلهفين المحرومين!
حديث يشعرنا باللذة والمتعة.
في منزل ماهر الريان ليلا كان يستند على الشزلونج ومتكئا عليه باسترخاء وهو يفكر في معشوقة روحه التي قلبت حياته رأسا على عقب وهو يشعر بالإنهاك منها ومن جنونها التي تفعله به ثم جال بباله أن يهاتفها فالتقط هاتفه وقام بالاتصال عليها عبر الماسنجر وانتظر ردها وبداخله ينتوي لها ويتوعد بالويلات إن لم تجيبه ثم أجابته فور اتصاله فردد هو بنبرة صوت أجش تليق به وهو يشاكسها:
ــ جدعة ياصغنن طلعتي بتسمعي الكلام أو خفتي من اللي كنت هعمله فيكي أيهما أقرب.
ضحكت بسخرية يصحبها الدعابة من كلامه ثم رددت بثقة:
ــ ها خوف مين يامتر انت عارف وواثق إني مهخافش غير من اللي خالقني فهخاف منك انت. ها دي بعدك إن رحمة المهدى تخاف من حد واصل.
قهقه عاليا من حديثها وثقتها بنفسها ثم قال وهو يمسك على عنادها كي يثير استفزازها:
ــ بس بقى بلاش كلمتين فاضيين دي انت اترعبتي مني امبارح من مجرد نظرة مرعبة بعد العك اللي عملتيه ونفذتي الأوامر في ثانية.
بالفعل استطاع استفزازها فهو يعشق الحديث المثير المملوء بالمشاغبة معها يشعره بأن صدره مثلج. أما هي تحدثت بتهديد له ولم يهمها:
ــ لا هو انت متصل بيا علشان تقول الكلمتين دول وتتفرعن علي ولا ايه يامتر. إذا كان اكده عادي البلوك موجود وشيل دي من دي يرتاح دي عن دي.
ازداد غضبا من كلماتها ثم هدر بها:
ــ طب قسما عظما يابنت سلطان إن ماظبطي لسانك دي معاي وبطلتي المناطحة الند بالند دي لاهخليكي تعيطي لمي لسانك يارحمة واعرفي انك هتتحدتي ويا جوزك اللي بإذن الله لما تاجي بيته هيقص لك لسانك دي.
ضحكت بانتشاء فقد استطاعت استفزازه كما فعل ثم قالت:
ــ والله انت اللي حضرت العفريت فاستحمل بقي يامتر هو انت مفكر هتهددني وتعاملني بالطريقة داي وهسكت لا دي عندها.
ابتسم بتسلية لشراستها وتمردها ثم هتف بوقاحة وهو يغير مجرى الحديث:
ــ طب بقول لك ايه يارحمتي سيبك بقي من الحوارات دي. هو انت رميتي قلم الروج الأحمر اللي كنتي حطاه على شفايفك اخر مرة اتقابلنا.
اندهشت من استفساره ولكنها أجابته بصدق:
ــ له مهرميهوش ياماهر حاجتي اني بعتز بيها جدا.
رفع حاجبه الأيسر هاتفا باستمتاع:
ــ طب مترميهوش هاتيه معاكي ضمن حاجتك الشخصية علشان حبيته عليكي ولونه مثير وجذاب.
شهقت بخجل من تصريحاته وعقلها لم يصدق ماتفوه به ماهر الريان وهي تبعد الهاتف عن أذنها وهي تنظر إليه ببلاهة ثم تمتمت بنبرة ذهولية خافتة:
ــ اممم انت بتقول ايه هو انت ماهر اللي هتتحدت وياي ولا انت مين بالظبط.
ابتسم بتسلية من ذهولها ثم هتف مشاغبا إياها:
ــ هو انت مش مرتي وفرحنا كمان يومين فيها ايه لما اقول اللي يحلالي. دي اني اقول واعمل كمان يارحمتي.
ــ هااااااا تعمل ايه ياماهر ايه الطريقة دي انت شارب حاجة.
قالتها رحمة وهي ما زالت مندهشة من كلامه الوقح وعبثه معها ثم عقب هو:
ــ رحمتي افتحي الفيديو حالا عايز اكلم كلامنا صوت وصورة.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم فاطيما يوسف
ابتسم بتسلية من ذهولها ثم هتف مشاغبا إياها:
ــ هو انت مش مرتي وفرحنا كمان يومين فيها ايه لما اقول اللي يحلالي؟ دي اني اقول واعمل كمان يارحمتي.
ــ هااااااا تعمل ايه ياماهر؟ ايه الطريقة دي انت شارب حاجة؟
قالتها رحمة وهي ما زالت مندهشة من كلامه الوقح وعبثه معها ثم عقب هو:
ــ رحمتي افتحي الفيديو حالا عايز اكلم كلامنا صوت وصورة.
اندهشت من طلبه الذي لأول مرة يطلبه منها فاليوم زاد تعجبها منه كثيرا من طريقة كلامه ومن طلباته العجيبة التي ظهرت فجأة دون اي مقدمات ثم تمتمت وهي تتلفت حولها كي ترى ما إذا سمعه أحدا أم لا:
ــ أفتحه كيف يعني وليه؟
ثم أكملت حديثها بذهول تكاثر على ذهنها اليوم:
ــ إنت سخن ولا فيك حاجة يامتر النهاردة؟
ضحك بشدة من كلماتها وذهولها ثم أجابها وهو على نفس طريقة تسليته معها:
ــ كانك انت اللي سخنة والله. على فكرة آني جوزك لو انت هتنسي وكمان يومين فرحنا ياهانم وافتحي الفيديو خلينا نتعرف أكتر ويوبقى في بينا لغة حوار نحاول نفك بيها التوتر اللي انت فيه قبل ما تدخلي العش برجلك ياحبيبي.
ــ عش دي ايه إن شاء الله؟ هو إنت هتتجوز بطاية ولا ايه يامتر!
كلمات استنكارية نطقتها رحمة وعقب عليها وهو يمرر لسانه بتسلية على شفتيه من حديثهم المختلف كليا والذي أحبه بشدة:
ــ بذمتك في بطاية توبقي صغنونة وعاملة كيف العصاية اكده! له ياحبيبي البط لازم يوبقي ملفوف وكيرفي يملى العين.
رفعت حاجبها بغيظ وفهمت من كلماته ان جسدها النحيف لن يعجبه وهتفت بنبرة حادة وهي تستنكر كلماته:
ــ لااا يابابا اني قوامى قوام عارضات الأزياء والفنانات بيصرفوا ملايين علشان يبقوا في رشاقتي بس اني بقي طبيعي والطبيعي يكسب.
ــ طب ماتفتحي الفيديو يارخمة علشان نعاين القوام الفتاك وندرس الأبعاد بطريقة الفور جي كمان.
كلمات عاشقة كناية عن الغزل نطقها ذاك الماهر مما أخجلها وجعلها أطبقت على فمها والي الآن استيعابها لطريقته تحت خط الصفر. لم يجد منها ردا على غزله لها فهتف بعبث جعل القابع بين أضلعها يتخبط:
ــ لااا دي انتي عايزة دروس إعادة تأهيل وتدريب على حاجات كتير قووي يارحمتي أولهم متاخديش وضع الصامت دي مهحبوش عايز رد على كل حاجة والرد يكون فعل قبل القول. ثانيا عايزك تسيبي لي نفسك خالص علشان اعرف أتحكم براحتي لحد ما أتمكن ووقتها هتاخدي على الموضوع خالص وهيوبقى حاجة رواق لقلبك وعقلك ياحبيبي.
دق قلبها بوتيرة سريعة داخلها ثم تمتمت بنبرة خافتة مغلفة بالاندهاش التي مازالت عليه:
ــ إنت كنت اكده اصلا ولا إنت سخن النهاردة ولا ماسك قضية صعبة مأثرة عليك؟
رفع حاجبه الأيسر ووجهه مبتسما بمكر ونطق مجيبا إياها بكلمات صريحة:
ــ له اني اكده ياحبيبي من زمان بس الحاجات داي ليها وقتها ومعادها وناسها وانت دلوك بقيتي أساسها.
ثم على حين غرة أغلق الهاتف وأعاد رناته عليها مرة أخرى فيديو كول كي يضعها أمام الأمر الواقع مما جعلها تتأفف من عناد ذاك الماهر وإصراره ثم وضعت حجابها على رأسها ونظرت يمينا ويسارا كي ترى ما إذا كان أحدهم في الحديقة ولم تجد ففتحت المكالمة وجدته مثبتا الهاتف على الرينج لايت وسماعات الأذن في وجهه ومستندا على الشزلونج أمام حمام السباحة وهو يرتدي بنطالا باللون الاسود وتشيرت قطني بنفس اللون وأشعة الشمس منعكسة على وجهه مما زاده جمالا أثارها فابتلعت ريقها ما إن رأته.
أما هو ما إن رآها أمامه بذاك الترينج المنزلي الذي ترتديه بلون اللافندر وأكمام بيضاء وحجابها الموضوع بإهمال على رأسها وبعض من خصلاتها الشاردة على جبينها حتى غمز لها هاتفا بطريقة أخجلتها:
ــ ايه الألوانات الجامدة دي يارحمتي انت اكده معايزاش فور جي عايزة ميكروسكوب خماسي الأبعاد يستكشف كل حاجة عيون تطولها.
وأكمل عبثه بطريقة جعلت الخجل يرتسم كخريطة على وجهها:
ــ بصي ابقي كتري من اللافندر ده كتيير وخاصة في لبس البيت. ها لبس البيت. فهماني؟
أدخلت خصلاتها الشاردة على وجهها بخجل من تصريحاته ثم همست بخفوت وهي تنظر جانبا ولا تستطيع النظر داخل عينيه المتفحصتين لها:
ــ على فكرة بقي انت رخم قووي وبتكسفني.
أنهت كلماتها وأعادت النظر اليه فباغتها بقبلة بين يديه وأرسلها إليها وكأنه يقذفها بها مما جعلها تبتسم خجلا واستقبلت قبلته الشفافة وضمتها إلى قلبها مما أثار غريزته فغمز لها بكلتا عينيه مرددا على طريقتها التي جعلت تفاحة آدم المنتفخة في حلقه تتأرجح صعودا وهبوطا:
ــ لااا دي إحنا طلعنا جامدين وأشقيا أهو.
استمري على وضعك بقي يا بابا علشان عجبني النظام نكمل عليه بقي ونحاول نتطور يارحمتي ولا ايه رأيك؟
عضت على شفتيها السفلى بخجل نال إعجابه ثم أكمل:
ــ هو احنا مخطوبين لبعض بقي لنا أكتر من سنة وكاتبين الكتاب زيادة عن أربع شهور ليه مكناش بنتكلم فيديو صوت وصورة دي طلع الموضوع حلو قووي ولذيذ وله متعة خاصة.
إلا قولي لي انت هتحسي دلوك انك مستمتعة واحنا هنتحدت فيديو يارحمتي؟
ابتسمت ابتسامة عذبة أثلجت صدره ثم أجابته برقة وقد راق لها تدلله وعبثه معها:
ــ أقول لك الحق. مبسوطة قووي إنك هتتعامل وياي اني حبيبتك وروحك واني بالنسبة لك الدنيا وما فيها. كلامك ومشاغبتك ليا دايما شاغلني ومخليني عايزة أشوفك وأكلمك كل وقت أنا بقيت بحس اني مقدرش أعمل حاجة ولا أتحرك خطوة بدون ماتكون انت فيها.
كانت عيناه تنظر إلى فمها المتحدث بهيام وهي تتجول على ملامحها تتشبع منها فتارة ينظر إلى عينيها وتارة إلى شفتيها وتارة أذناه تتعمق في معسول كلامها لذاته. لقد أهلكت قلبه وعقله وأيضا جسده الذي يود أن يخترق ذاك الهاتف الفاصل بينهما ويجذبها من يدها ويسحقها بين أحضان الحب والغرام فتلك الصغيرة سلبت لبه ثم تحدث بنبرة صوت هائمة:
ــ يوه عليكي يابت سلطان بدلتي الحجر الصوان لعاشق متلهف لضمتك. صغيرة انتي بس حقيقي مهلكة قووي.
ثم أكمل وجال بخاطره استفسارا عن عرسهم:
ــ جهزتي كل حاجة الفرح واتفقتي مع الميكب ارتيست والفستان والحاجات داي ولا لساتك دماغك معاندة؟
تبسمت عينيها لاهتمامه بها ثم حركت رأسها للأمام:
ــ أه حضرت كل حاجة اختارت اصلا الفستان أون لاين ورحت قيسته من يومين اني ومرت اخوي وكل حاجة تمام.
سألها باهتمام:
ــ طب مش نفسك في حاجة معينة أو فقرة نعملها في الفرح تكوني حباها؟
حركت رأسها للأمام بابتسامة عريضة وأجابته:
ــ أه حاجة مهمة قوووي هموت عليها.
ــ وه! وتموتي ليه يارحمة اي حاجة هتطلبيها قولي عليها من غير كسوف داي ليلة العمر حقك.
كلمات عاشقة نطقها ماهر فعقبت عليها بعيناي يملؤها الشغف:
ــ عايزة عصام صاصا يغني في الفرح بتاعي.
رفع حاجبه الأيسر بذهول وردد باستنكار:
ــ عصام مين ياختي! مسمعتش عنه في طبق اليوم قبل اكده. داي اسمه بس بيقول أنه مش ولابد.
حركت رأسها برفض وهتفت بإقتناع وهي تتشبث برأيها:
ــ مين دي اللي مسمعتش عنه دي اشهر مطرب مهرجانات في الوطن العربي دلوك ومليش صالح لازم تجيبه لي.
جز على أسنانه بضيق من تشبسها ليقول باستنكار:
ــ انت عايزة ماهر الريان يروح يجيب واحد اسمه صاصا في فرحي وأني كمان اللي أكلمه! دي إنتي دماغك هبت منك ياهانم وغاوية تعجزيني بطلباتك وتنكدي علينا.
ارتعب داخلها من ضيقه وغضبه ثم تحمحمت وهي تبدي رأيها:
ــ أمم متكلمهوش انت احاول اوصلهم اني علشان متتضايقش.
نفخ بضيق أرعبها ثم هدر بها:
ــ رحمة متخنقنيش ياهانم واظبطي كلامك صاصا مين ده اللي عايزة تكلميه مركب قرون اني علشان تتفقي مع رجالة على فرحك وكمان واحد زي دي!
تأفأفت بضيق هي الأخرى من تحكماته في وجهة نظرها ثم نطقت بغيظ:
ــ والله بقيت بحس اننا مقرور علينا والعين راشقة فينا كد اكده. هو أني بقول لك هروح اطلب يده ياماهر علشان تتعصب علي قووي اكده! ولا هخرج اتفسح وياه. وبعدين ده اشهر نجم مهرجانات في الوطن العربي مش قاعد على الوايتر هو يتكلم مع اللي بيحجزو.
مازال الضيق يسيطر على أعصابه فبمجرد سماع اسمه الغريب انقلبت معالمه الفرحة إلى حزينة ثم تحدث بنبرة متشبسة:
ــ لااا والله مايحصل الكائن دي ياجي فرحنا ويحيي ليلتنا. وبعدين هو مش النجم آدم المنسي يوبقى قريبكم خليه ياجي راقي ومحترم وحاجة تليق بينا.
ابتسمت بسخرية يصحبها الدعابة وهي تردد:
ــ والله! إنت عارف آدم في فرح يعني ايه!
دي فنان كبير والفيزيتا بتاعته فوق يامتر في العالي.
واسترسلت حديثها بعيناي تلتمع بشقاوة:
ــ أما صاصا الفيزيتا بتاعته متاجيش نصه وكمان هيشعلل الفرح.
ــ والله انت اللي قاصدة تشعلليني وتموتيني ناقص عمر يامجنونة انت! حد طلب منك انك تتكلمي في الفلوس أصلا! دي انت عيونك هتلمع وهتتنطط من الفرحة وانتي هتقولي اسمه.
جملة استنكارية نطقها ماهر وهو يكاد يصاب بالجنون من تلك الصغيرة ثم أكمل بإنهاء المناقشة:
ــ بصي متحاوليش لاني مش هجيبه نهائي فبلاش نطول في الحوارات وترجعي تعيطي وتقولي بتعيطني وبتزعلني وانت اللي هتنكشي الزعل بالحوارات بتاعتك داي.
زمت شفتيها بامتعاض وتحدثت وهي تشعر بالغيظ الشديد منه:
ــ طب خليك انت فاكر انك رفضت تنفذ لي طلب هتجنن عليه في ليلة العمر وانت اللي هتزعلني بردو.
خلل أصابعه بين خصلات شعره ثم جلب الهاتف وبحث عنه على جوجل وهو يسألها عن اسمه الذي نسيه في لحظة وما إن جائت نتيجة البحث حتى تسمرت عيناه بذهول أدهشها من نظرته المتفحصة لصفحات جوجل ثم وجه الهاتف في وجهها هاتفا بنبرة ساخرة:
ــ بقي عايزة تجيبي واحد يشعلل لك الفرح وهو مسجون على ذمة قضية قـ.ـتل!
قسما بالله انك هتجلطيني ياشيخة.
واسترسل حديثه بنبرة ساخرة وهو يتذكر كلماتها:
ــ قال اشهر مغني مهرجانات في الوطن العربي تاتك خيبة يارحمة. سكي بقي على الحوار ومش هياجي الفرح غير آدم فقط لاغير.
ثم أبدل نظراته الساخرة الغاضبة إلى أخرى عابثة وهو يرى تزمتها بعيناي يملؤها الشغف:
ــ بس مقلتليش ايه اخبار الروج الأحمر أخدتيني في الكلام على اسمه ايه دي ونسيت اكمل استفسارات عن الكلام المفيد.
قطعت كلماته مرددة بتعجب:
ــ هو الكلام عن الروج الأحمر مهم ومفيد في وجهة نظرك!
غمز لها بطريقة جعلت جسدها يتفتت خجلا وهو يهتز بمشاعر الاحتياج:
ــ وه أمال إيه!
انت لساتك صغيرة على الحاجات دي ويومين بالظبط وهبدأ أديكي دروس تقوية في العلاقات العاطفية بس انت ركزي علشان تبقي تلميذة شاطرة علشان تاخدي تقدير امتياز في حب ودوبان ماهر الريان.
يوووه ياماهر انت بتكسفني بجد بطل بقى طريقتك دي وياي هو انت موركش غير انك تتكلم معاي بالطريقة دي واصل من ساعة ماكلمتك.
الله مش عريس داخل على جواز وانتي العروسة فلازم يدرس الأبعاد ويستكشف يبدأ اللعب إزاي.
هااااااااا انت على فكرة سافل ومتحرش كمان.
وماله ياصغنن هو أنا بتحرش بحد غريب دي في حالتنا دي التحرش حلال قوووي.
طب لو هتفضل تتكلم كده هقفل والله.
ويرضيكي تقفلي وتسيبي المتر هيشيط من غير ماتحني وتطبطبي وتدلعي.
والله أنا اللي محتاجة الدلع والطبطبة مش انت هي الآية انقلبت.
وأنا جاهز قووي وفي الدلع مقولكيش بس انت ظبطي الأداء وهتلاقي نفسك طايرة في السما يارحمتي.
والله انت كل يوم هتسحبني لحدك بكلامك ده ومعرفش هوصل وياك لحد أنهي شط يابن الريان.
سيبلي نفسك يابت المهدي وملكيش صالح واني سباح ماهر هيوصل لك لشط الغرام اللي هتدوبي فيه.
رحمتي.
اممممم.
بحبك وهحبك ونفسي قلبي بقي يضم قلبك.
وأني كمان هحبك ياماهر ونفسي ربنا يجمعنا على بعض واليومين دول يعدوا على خير.
هيعدوا يابابا وهتوبقي اجمل عروسة في الدنيا بحالها.
***
في منزل حافظ الهنداوي يجلس يستشيط من الغضب من أفعال ابنة أخيه فبعد أن أعلن عن زواج ابنه منها وبدأ مراسم كتب الكتاب هربت يوم كتابها وجعلته يقف عاريا أمام المدعوين ولم يعرف بما يجيبهم.
جعلت سيرته على ألسنة الجميع بالعروس التي هربت ورفضت الزواج من ابن المحافظ.
ثم هتفت زوجته والغيظ يرتسم على معالمها:
البت دي كسفتنا وحرجتنا قدام الناس وخلتنا ما نسواش قدامهم تعريفة لازم تجيبها وترميها تحت رجلي هنا وتعرف ان الله حق علشان الحركة اللي عملتها دي وكسرت بقلب ابني يوم كتب كتابهم ومن يومها يا حبيبي وهو ما بيخرجش من اوضته بعد ما وعدناه انه هيتجوزها وهيلاقي واحدة تعيش معاه.
كان الآخر مغتاظا وبشدة ثم هتف بوعيد:
ومين قال لك ان انا هسيبها ده انا هخليها تندم على اليوم اللي فكرت فيه تعمل الحركة دي بس المشكلة انها مع محامي عقر ومش شوية في البلد اللي هو فيها وكمان صعيدي يعني لو رحت لحد هناك برجلي هبقى بجيب لنفسي المشاكل لأنه راجل مش سهل خالص بس فيه خطة في دماغي هحاول اعملها واجيب البنت دي هنا تحت رجلي وانسيها دلع ابوها وأعلمها الأدب اللي ما تعلمتهوش في عمرها كله.
سألته باستكشاف وفضول:
خطة ايه يا حافظ ما ترسيني على الدور علشان خاطر ابقى عارفة كل حاجة وما ابقاش زي الأطرش في الزفة.
ضـ.ـرب بقبضة يده على الأخرى ثم أجابها:
الناس اللي انا مكلفهم يراقبوا المحامي ده ويعرفوا عنه كل حاجة جابوا لي اخباره ان فرحه كمان يومين فأنا هستغل اليوم ده وهجيب البت دي.
هو هيكون مشغول في فرحه ومش فاضي يبص لها ولا هيعرف ياخدها من تحت ايدي ونبقى نشوف بقى هيعمل ايه لما يعرف انها جت هنا في منطقتي يبقى يجي بقى ووقتها هو الجاني على نفسه.
ابتسمت لخطته ونالت استحسانها ثم هتفت بتشجيع له:
برافو عليك يا حافظ دماغك بتعجبني قوي لسه زي ما هي شغالة في السليم.
اقوم بقى اطمن ابني ان هي هترجع له تاني تحت رجله واخليه يفرح.
أمسكها من يدها ومنعها من التحرك قائلا بنصح:
اصبري ما تبقيش متسرعة وتزعلي الولد تاني بعد ما عشمناه المرة اللي فاتت لما كل حاجة تتم في السليم وتيجي هنا قدامه ساعتها هيطمن بالفعل مش بالقول خلينا نظبطها الأول وارتب مع الرجالة وفي الآخر يحلها الحلال في التأني السلامة يا بيبي.
حركت رأسها للأمام واقتنعت برأيه تماما ثم تحدثت بنبرة يملؤها الشماتة:
حلو قوي مش هتكلم ولا حد هيعرف أي حاجة بس بليز يا حافظ خلي بالك وانت بتنفذ الحوار ده مش عايزين حاجة تبقى غلط في الموضوع.
وظل كلاهما يتحدثان بنبرة يملؤها الشر في كيفية التعامل مع تلك الشمس حين رجوعها الى منزلهم واجبارها على الزواج من ابنهم المعوق وهم يرون انهم على حق ويتهمونها بالتسيب ولكن هل يستطيع حافظ اخراج تلك الشمس من بين براثن ماهر الريان.
فلنرى ماذا سيحدث.
***
في كافيه مشهور بمدينة قنا يجلس جاسر ومعه ذاك الموكل في غداء عمل ويتحدثون في قضيته منذ ساعة وكانت تحضر ذاك الغداء مها فهي السكرتارية الخاصة به ونوعا ما لابد ان تحضر معه بعض المقابلات او بالأحرى هو من يجعلها تخرج معه كي يراها في كل وقته وكي يجعلها تخرج من دوامة الماضي برؤية أناس كثيرين وتغيير الأماكن كنوع من الرفاهية انتهى جاسر من الحديث مع موكله ثم استأذن كي يغادر ومد يده لجاسر وتبادل معه السلام ثم مد يده كي يسلم على مها هي الأخرى وهو يردد بابتسامة جعلت ذاك الجاسر يقف مغتاظا:
سعيد جدا اني اتعرفت عليكي واتمنى نشوف بعض تاني.
بادرت مها بمد يدها كي تبادله سلامه ولكن سبقها جاسر وهو يسلم عنها بابتسامة سمجة لذاك البارد في وجهة نظره قائلا بتبرير:
الشرف لينا ياباشا معلش اصل الأستاذة مش بتسلم وموكلاني من أول يوم اشتغلت معايا فيه انها مهتسلمش على رجالة واصل.
أعادت مها يدها سريعا وتمسكت بحقيبتها حرجا وأدارت وجهها للناحية الأخرى حتى يمشي ذاك الرجل الذي تحدث لجاسر مستئذنا بخجل وهو يشعر بانجذاب تجاه تلك المها بخجلها وأدبها:
أه تمام على معادنا يامتر في المحكمة وخلي بالك مني.
ابتسم جاسر بابتسامة باردة ثم طمئنه:
متقلقش ياباشا كله هيوبقى زين وبالنسبة للمواعيد مهتلاقيش اكتر مني التزام.
كان ذاك الموكل عيناه تجول ناحية مها التي جلست تقلب في صفحات هاتفها كي تشغل حالها ولم تركز معهم مما أثار حفيظة جاسر فتحرك خطوتان حتي وقف أمامها ومنع رؤيتها عن ذاك الأبله الذي لم يبالي بحركة جاسر في حجب رؤيتها عنه حتى استأذن وغادر المكان. أما جاسر فور تأكده من مغادرة موكله استدار بجسده إليها وهو يشعر بنيـ.ـران الغيرة تأكل في صدره ثم ضـ.ـرب على المنضدة بحدة أذهلتها وفي نفس الوقت أرعبتها وهو يهدر بها:
انت ازاي يا أستاذة كان عندك نية تمدي يدك وتسلمي على السمج البارد ده هو أنا طرطور ولا حاجة علشان تعملي كده.
تطلعت بمقلتيها بذهول لذاك المستشاط ولم تدرك سبب حدته تلك إلى الآن ثم سألته بنبرة هادئة كعادتها دون أن تتعصب:
ممكن تقعد ونتكلم وأعرف جرى ايه لعصبيتك دي وصوتك العالي وحدتك معاي في الكلام. حاصل ايه لدي كله.
جلس مكانه وهو يعبث في جاكيت حلته بزهق ثم أجابها صريحا:
فيها انك مينفعش تمدي يدك وتسلمي على راجل غريب عنك وكمان واني واقف وياكي دي أني معملتهاش لحد دلوقتي تقومي تمدي يدك للسمج ده.
تحدثت بهدوء كي تفهمه مقصدها وما زالت تحتفظ برقيها في الحديث معه:
طب ماهو اللي مد يده هكسفه يعني!
من الذوق اني اسلم عليه بكل هدوء وخلاص.
أه دي عندها بقي يا أستاذة. جملة اعتراضية نطقها جاسر وعقب عليها بتحذير قاطع:
الذوق ده تبليه وتشربي مايته أو من الأحسن تروحي تدفنيه وتخلصي منه علشان ميمشيش معايا خالص مليش في التحضر بتاع اليومين دول أصل اني راجل دقة قديمة قوووي.
تهجمت ملامحها بامتعاض من كلماته وأوامره وكأنها زوجته أو اخته وليست مجرد عاملة معه ثم سألته بنبرة جادة:
طب معلش يامتر دي بمناسبة ايه يمشي معاك ولا ميمشيش علشان تستدعي دي كله ممكن تفهمني لو سمحت.
ابتلع غصته بروح منهكة من استفسارها ثم اعترف لها صريحا دون لف كي يريح قلبه ويعرف مشاعرها تجاهه قبل أن يجذبها أحدهم:
بمناسبة اني راجل بغير وبغير جدا كمان ولازم تراعي نقطة زي دي ولا تتكلمي مع راجل ولا يدك تلمس يد راجل حتى لو بالسلام من باب الذوق.
تطلعت بمقلتيه لتتحدث بنبرة تائهة ودقات قلبها تنفض داخلها من تلك الكلمات التي لأول مرة تسمعها مع تنهيدة حارة خرجت من صدرها:
بتغير عليا بردو كيف مفهماش يامتر.
لـوهـلـة غـاص فـي عـيـنـيـهـا وفـي مـلامـحـهـا الـجـمـيـلـة. لـوهـلـة أخـذه فـؤاده لـشـعـور أن يغمرها بين يديه ويعترف لها بعشقه لها ثم استجمع شتاته وانطلق الاعتراف صريحا من على لسانه:
واللي هيغير يا أم الزين على حد قوووي توبقى معناها ايه الغيرة دي. يمكن علشان هحبك وكل لما اجي المكتب محبش إن يومي ينتهي والدقيقة الأخيرة تطول من عمري وعمرك علشان متسبنيش وتمشي.
واسترسل حديثه باستفسار وهو مازال يتعمق النظر ببحر عينيها العسليتين:
هو انت قلبك محسش بقلبي وبحبي لحد دلوقتي يا ام الزين.
تعلقت عيناها به بنظرة ضائعة أرجفت ذلك القابع بين أضلعه ثم بللت حلقها الذي جف من كثرة خجلها وخوفها وعدة من المشاعر المتضاربة داخلها ثم هتفت بنبرة ضائعة مشتتة:
أني منفعكش يا جاسر انت لسه الدنيا قدامك تختار منها اللي تناسبك وتستحق توبقى معاك أما أني مجرد واحدة عايشة وخلاص بتقضي أيامها ولياليها بقلب مـ.ـيت.
حرك رأسه رافضا بقطع ماتقول ثم أعلمها بنبرة واثقة:
مين قال إنك متنفعنيش! بنيتي احساسك وحكمك دي على أي أساس!
هو القلب اختارك انت وأمور القلوب ملناش يد فيها وبعدين ليه هتستكتريني عليكي انت مينقصكيش اي شئ عن أي ست. وبالعكس أني حاسس أننا شبه بعضنا قوووي نفس الهدوء نفس الرزانة في الأمور فندي لبعض فرصة نتعرف أكتر وكل طرف فينا يدرس التاني عن قرب من قبل ما تحكمي.
رفعت جفونها ببطء ثم قالت بنبرة بائسة:
صدقني يا جاسر أنا منفعش اكون معاك ولا مع غيرك ولا انفع اربط انسان بيا علشان أنا جوايا حطام وعندي تفاصيل وجع تكفي الدنيا بحالها.
واسترسلت حديثها وقد تعمقت عينيها بالنظر داخل عينيه كثيرا وهي تبتلع ريقها:
منكرش اني حسيت معاك مشاعر عمري كست وكأنثى عشتها مع غيرك. حسستني اني كست متشافة ومهمة بكل المواقف اللي هتعملها معاي وبكل كلامك الجميل اللي يجذب أي ست بس صدقني أنا وأنت مننفعش مع بعض. لازم تختار واحدة انت اول راجل في حياتها محدش داقها غيرك ولا كشف تفاصيلها الحلوة غيرك. تعيش معاها تفاصيل البدايات الحلوة اللي تبسط اي راجل.
دق على المنضدة بأطراف أصابعه والتوتر أصبح سيد الموقف بينهم ولكنه لم يقتنع بأي من كلماتها وما تفوهت به الآن هراء بالنسبة له ثم رد على كلامها بنبرة متشبسة بها بوجودها بجانبه:
ليه مصممة تقفليها يامها!
لحظات السعادة بين أي راجل وست ملهاش علاقة بالتجارب ولا الزمان ولا المكان ،
ثم أشار ناحية قلبه بقبضة يده مكملاً بإصرار لخوض التجربة وهو على ثقة في نجاحها :
ــ طالما القلب ده عشق يوبقى كل حاجة ليها حل وحكاية الأحاسيس والمشاعر بتاعت البدايات اللي هتقولي عليها دي متفرقش معايا خالص ، كل اللي يفرق معايا انك تحبيني زي ماهحبك ، تتمني قربي ووجودي في حضنك زي ماهتمنى .
تغلغل الشعور بالفقدان داخلها ما إن ذكرها بكلمة "الحضن" فطالما عاشت امرأة متزوجة مايقرب من عشرة سنوات لم تعرف معنى الحضن معنى الدفئ ومعنى الاحتواء ، لم تعرف في تلك السنين غير الجفاء ، غير الشعور بالحرمان من اي احساس ومشاعر من حقها كأنثى وللعجب أن لحظات البدايات التي قالت عنها لجاسر ستجعله يحياها معها بشراهة فلم تجربها من قبل ، لم تجرب شعور الاحتواء بين أحضان رجل بالرغم من سنوات زواجها ولكنها تقل له أية أسباب كي تجعله يبتعد عنها لما اقترفته في حق ربها ،
ولكن ايها المها إلى متي ستعاقبين حالك !
لقد حرمتي من كونك انثى سنوات لأجل الإحساس بجريمتك ؟!
الى متى ستقحمين حالك داخل دوامة الماضي الأليم وتعاقبينها على أن نفسك مازالت حية تتنفس على قيد الحياة ؟
لاحظ شرودها ، تخبطها ، وجعها ، تيهتها ، فأكد لها أنه يفهم ذلك بل ويعيه بشدة :
ــ طبيعي التخبط والتيهة والخناقات الكتيرة اللي جواكي دلوك مابين الحاضر والماضي والمستقبل ، طبيعي إنك تخافي تتقدمي خطوة أو انك تدي قلبك من جديد لتجربة جديدة وتتوجعي تاني ، بس مين فينا بيعيش لحظات السعادة كاملة ! مين فينا مش بتجي له أوقات بيحس أنه محطم وأنه كاره نفسه وكاره الدنيا وان الناس كلها وحشة وان الدنيا أضيق من خرم الإبرة في عنيه وبعدين لما يهدي ويفكر هنلاقي نفحات ربنا بيبعتها لنا تحسسنا إن زي ما فيه ناس حوالينا وحشين فيه كتيير قوووي حلوين ، وزي ما تجربة فشلت ننساها ونعيش غيرها وربنا يبارك فيها ،
واسترسل حديثه بنبرة راجية :
ــ ها ايه رأيك في كلامي مش ننسي بقي اللي فات من حياتك وحياتي ولا اني عايز اعرِف عنيها شئ ولا انتِ تعرِفي عن حياتي القديمة شئ وندفن الماضي تحت التراب ونعيش ولاد النهاردة بمشاعر اتولدت جديدة على يدنا احنا الاتنين بشخصية مها الجديدة ؟
اقتنعت باقتراحه نوعا ما ثم نطقت بخوف :
ــ بس حاسة بخوف ورهبة يا جاسر من التجربة .
تفحص شفاها التي نطقت اسمه بذاك الهمس الرقيق رغم خوفها فأراد أن يخرجها من دوامة الخوف مرددا بدعابة أخجلتها وهو يسبل كلتا عينيه لها :
ــ يووه على جاسر وسنينه يا ام الزين كمان مرة وهشدك من يدك وعلى المأذون طوالي تكتب الكتاب ونعلى الجواب والأميرة تسكن احضان الأمير بتاعها واول ماتسكن أحضانها جوة مدينة عشقه هتستكين والقلب يرتاح ،
ثم أكمل بمشاكسة وهو يغمز لها بكلتا عينيه:
ــ بس العواصف العاطفية هتشعلل ووقتها هياجي دورك بقي علشان تطفيها وتهدي النـ.ـار يا بطل .
ابتسمت برقة مصاحبة للخجل من مشاكسته لها ثم هتفت وهي تنظر جانباً:
ــ يوووه انت يادي بطل اللي كل شوية هتناديني بيها والله انت واخد فيا مقلب .
بنفس طريقته الدعابيه أكد لها:
ــ طب ما تيجي ابحث واكتشف بنفسي المقلب الجامد بالقووي اللي هتقولي عليه ووقتها هطلب منك مقالب ملهاش اخر ياأم الزين .
ضحكت بشدة على طريقته وملامح وجهه في الحديث معها التي تشعرها بعد الملل وأنها تريد المزيد والمزيد ولكنها شعرت أنها تأخرت كثيراً فنظرت في ساعتها ثم وجهت انظارها اليه قائلة:
ــ على فكرة الوقت سـ.ـرقنا واني اكده اتأخرت وماجدة هتخليني اقعد من الشغل خالص .
حمل مفاتيحه وقام على الفور آمرا إياها:
ــ له وعلى ايه كل الا زعل جدة العيال وتقعدك من الشغل وأحتاس اني قومي يالا اركبي عربيتك ونتحرك حالا.
هتفت باندهاش :
ــ جدة العيال مين انت عليك كلام …
قبل أن تكمل غمز لها :
ــ يدوخ صح ويجنن ويخليكي مش عايزة تمشي وتفارقيني يا أم الزين ؟
حملت حقيبتها وهاتفها ثم قالت :
ــ لاااا دي انت لو قعدت شوية كمان معاك هتجبلي تروما من كلامك الغريب دي يامتر .
ضحكا كلاهما بشغف بقلبان يتفتحان من جديد لحياة يتمنوا أن تكون الافضل على الاطلاق كي تنسيهم أياما مريرة عاشوها في تجاربهم الفائتة ولكن ماذا يخبئ لهم الزمان ؟
******""""*****"""***
ونمضي بخيالنا إلى ذاك الثنائي المتعَب "آدم المنسي" وزوجته "مكة الجندي" حيث مرت ليلتهم كئيبة عليهم بسبب عناد كلاهما وتيبس رأسهم هو يرى أنها لم تحتويه في أشد لحظات احتياجه لها وهي ترى أنه تركها في عز تعبها وهي في تلك البلدة وحيدة لا أم معها ولا أخت كي ترتمي في أحضانهم اوقات تعبها وليس لديها غيره تحتمي من أوجاعها داخله ،
ولكن هو لام نفسه كثيرا على تركه لا ولكن وساوس الشيطان هي من جعلته تركها في لحظة غضبه ، كانت حبيسة الغرفة على حالها ولم تريه وجهها منذ ليلة أمس فهي شعرت بالحزن منه ،
وقف أمام باب الغرفة التي تحبس حالها داخلها يقدم قدماً ويؤخرها وهو في شتات بين كرامته وأوامر قلبه وفي الآخر استجاب لنداء قلبه ثم دق على الباب مناديا إياها:
ــ مكة أنا جهزت الفطار وعايز نفطر مع بعض ممكن تفتحي الباب ؟
لم يجد منها رداً غير البكاء مما جعله يمسح على شعره بضيق من تركه لها فمهما كان ليس لها غيره ثم دق على الباب برفق مستجديا إياها باستعطاف :
ــ طب ممكن تفتحي الباب علشان تفطري اللي في بطنك على فكرة ملهوش ذنب في إنك تذنبيه من غير أكل والدكتور مأكد عليكي الغذا ووجبة الفطار بالذات علشان الانيميا اللي عندك وجسمك الضعيف ، وبعدين الأكل والشرب ملهمش علاقة بأي زعل بينا .
كانت في الداخل تبكي بدموع صامتة فهي تشعر بالضيق منه كثيراً ولكن كلامه صحيحاً طفلها أمانة داخل أحشائها ووجب عليها الحفاظ عليه ثم قامت بأقدام بطيئة ناحية الباب وفتحته مما جعله ابتسم وهو يشعر بالانتصار لنجاح محاولته معها في جعلها تفتح الباب وتنير الكون بطلتها أمامه ،
ما إن رآها حتى جذبها إلى أحضانه حتى وهو يرى تملصها من بين يديه ولكنه كان يشعر بالارتياح ثم تاسف لها بجانب أذنها:
ــ معلش حقك عليا اني سيبتك وانتِ تعبانة امبارح.
ثم أخرجها من أحضانه وقبلها من جبينها وكلتا عينيها وهو مازال يعتذر لها في كل قبلة ولكنها أبعدته بيديها وهي تشعر بأن رائحة البريفيوم الخاص به تشعرها بالغيثان وتلك حالتها منذ أن حملت ثم دفعته وجرت مسرعة إلى الحمام وأفرغت ما في معدتها مما جعله اندهش من حركتها ودفعها له وفسر حالتها على انها مشمئزة منه أو لم تريد الاقتراب منه ثم نفخ بضيق من حالتهم تلك وذهب ورائها واقترب منها كي يطمئن عليها ولكنها ما إن اقترب منها واشتمت رائحته مرة أخرى حتى ازداد غثيانها فابتعد عنها بعض السنتيمترات وهو يسألها بعتاب :
ــ قد كدة كارهة قربي ومش طايقة لمستي ولا وجودي جمبك يامكة ليه كل ده يعني !
اللي حصل بينا موقف عادي جداً وزعل بسيط أقل ما بيحصل بين أي زوجين.
كانت تلتقط أنفاسها بصعوبة، فهي في الأسبوعين الأخيرين من ذاك الوقت وهي متعبة بشدة، وحتى أنفاسها لا تطيقها. ثم جففت وجهها المبتل.
لاحظ شحوب وجهها وأن الموضوع أكثر مما يتصور أو يتخيل، فمد يده لها كي تستند عليه وخرجا من الحمام. ثم عللت له وهي تداري عينيها عنه لأنها ما زالت تشعر بالضيق منه:
"معلش إني زقيتك أكده بس غصب عني، ريحة البرفان بتاعك مش طايقاها بسبب الحمل، مش عارفة إيه الإحساس الغريب دي."
جذب وجهها إليه برفق، ثم أبعد يداه الممتلئة برائحة البريفيوم كي لا يتعبها أكثر، ثم عاتبها على تخبئة وجهها عنه:
"طب هغيره لنوع تاني إنت اللي هتختاريه بنفسك وتكوني متقبلاه، بس ليه بقي بتداري عيونك عني؟ انت لسه زعلانة؟"
التمعت عينيها بالدموع وهي تتذكر تركه لها، ثم تمتمت بنبرة خافتة لائمة:
"آه طبعاً، لسه زعلانة منك قوي. انت سبتني في عز ضعفي واحتياجي ليك امبارح عشان حاصل بينا مشكلة صغيرة وشد في الكلام مني ليك. إني معترفة إني غلطت معاك في أسلوبي وفي طريقة الحوار، بس دي ميخليكش تسيبني وأنا بتوجع وتهرب وتمشي وانت عارف إني هنا وحيدة وبعيدة عن أهلي ومليش غيرك. وكمان إن مكنتش انت تتحملني لو ضايقتك بكلامي عشان شهور الحمل الأولى الست بتبقى نفسيتها صعبة جداً، مين هيتحملني؟"
أنهت كلماتها ودخلت في بكاء مرير. وكاد أن يقترب منها كي يجذبها إلى أحضانه، ولكنه تذكر رائحته. ثم ربت على ظهرها بحنو معتذراً لها بندم:
"طب معلش، حقك عليا إني المفروض مكنتش أخلط بين خناقتنا واختلافنا وتعبك. وعموماً يا حبيبتي بوعدك إني عمري ما هسيبك تاني."
ثم بدل طريقه المعتذرة إلى أخرى عابثة مردداً بشقاوة:
"انت لازم تشوفي لك حل في حكاية البرفيوم دي كده، مينفعش يا موكتي انت. عارفة النجم ميقدرش يبعد عن أحضان حبيبه."
ابتسمت برضا وقبلت اعتذاره وندمه، ثم اعتذرت له هي الأخرى:
"وأني كمان آسفة إني شديت معاك في الكلام، المفروض كنت أتعامل مع الموقف بهدوء أكتر من أكده، بس هي ساعة شيطان بقي."
ربت على بطنها التي تحمل جنينهما بحنو، ثم أرضاها بكلماته الراقية التي تليق بمثله:
"ربنا يخليكي لينا وميحرمناش من وجودك جنبنا يا قلبي، وإن شاء الله مفيش زعل تاني."
في منزل سلطان المهدي، كانت زينب تشاهد التلفاز ولكنها كانت في عالم آخر، ولم تشعر بدخول سلطان عليها، حتى أنها ردت سلامه بغير بال. وفسر ذلك اندماجها مع المسلسل التي تسمعه، حيث كان المسلسل "عائلة الحاج متولي". هو يعرف مدى عشقها لذاك المسلسل، وكان المشهد بالتحديد عندما كان "متولي" جامعا لنسائه الثلاثة كي يخبرهم بزواجه من الرابعة. فنحدث إليها:
"أهو الراجل دي كان عنده قوة على نسوانه التلاتة جبارة، وكل واحدة فيهم قبلت على نفسها إنه يتجوز غيرها وقعدت جاره وحطت بلغة في بقها."
كانت غير منتبهة لبداية حديثه، ولكنها اندمجت معه عندما استمعت أذناها إلى غرابته. ثم رفعت حاجبها بغيظ من كلامه وهتفت باستنكار:
"آه وايه تاني يا خوي؟ فطمني أكده وكلمني عن متولي وعقليته الجامدة اللي خلت أربع نسوان تحت رجله، أمال إيه."
تحمحم لبداية العاصفة التي لمحها على معالمها، والتي بالتأكيد ستبدأ آنذاك وسينعكس رأيه في المسلسل عليه الآن:
"أمـم.. مش المقصد يعني يا زينب. إني قصدي إنهم كانوا هيحبوه لدرجة تنازلهم عنه، وإن كل واحدة فيهم قبلت يبقى ليها شريك معاها فيه. والعجب كماني إن فيهم المتعلمة والمعلمة والأستاذة، وآخرهم البت الصغيرة، داي كان جايب قدرة الاقناع ليهم كيف تخليهم ميستغنوش عنه ويتمنوا له الرضا يرضي كماني."
ما زالت تتخذ وضع الهجوم الذي ستشنه عليه الآن. ثم نظرت إلى التلفاز وحدثته كأنه إنسان يجلس معهم بطريقة ساخرة أزعجت سلطان، لأن الأمر بمجمله لن يعجبها:
"سايق عليك النبي "صلى الله عليه وسلم" يا حاج متولي، تقول لسلطان جوزي ابو عيالي بالفِت دماغ الحريم كيف وخلّيتهم هيحبوك ويرضوا يكونوا مثنى وثلاث ورباع يا خوي عشان عايز يتعلم."
ضرب بعصاه أرضاً بطريقة تدل على غضبه منها، ثم عنفها:
"بالك انت يا زينب؟ إنتي ولية مبتفهميش وميتقعدش معاكي أصلاً، ويوبقى الواحد مبيفهمش إنه هيتحدت وياكي كيف الحريم الزينة اللي هتتناقش مع أحوازتهم عدل، لكن انت مبتعرفيش غير تنطحي وبس، وأدي القعدة ليكي أها متسعناش إحنا التنين."
لم يعجبها كلمة "نطح" التي ذكرها، فهدرت به هي الأخرى قبل أن يغادر المنزل ويتركها:
"إيه تنطحي داي يا سلطان؟ شايفني بهيمة قدامك ولا إيه؟ ابقى حاسب على كلامك اللي هتقوله لمرتك أم عيالك الزين اللي ربيتهم تربية عالية قبل ما تقول لها تنطحي."
نفض عن كلامها بيده مما جعلها تغتاظ بشدة. وفور أن غادر المكان، تمتمت مع حالها وهي تتآكل غيظاً من كلماته وتستهزأ بها:
"تاتكو نيلة، رجالة نكد وتجيبو وجع الراس."
قال إيه يتمنوا له الرضا يرضي وهيموتوا فيه.
ثم نظرت إلى التلفاز مرة أخرى وابتسمت لمسلسلها المفضل وهي ترى متولي يغازل عروسه الرابعة وعيناها تلتمع شغفاً وهي تشاهده. ومنذ قليل كانت تعترض عليه أمام سلطان في موقف يشيب شعر الرأس من تقلبات تلك زينب.
ثم بعد قليل هبط عمران من شقته قرب أذان العشاء، فاقترب منها وقبلها من رأسها كعادته وهو يلقي السلام عليها:
"كيفك يا حاجة زينب؟"
ثم جالت عيناه تلقائياً ناحية التلفاز ووجد نفس المسلسل التي تشاهده زوجته في الأعلى:
"يوووه يا دي المسلسل الحمضان دي. هو مفيش غيره فوق وتحت واتفرجتوا عليه ياجي ٢٠٠ مرة؟ إيه مهتزهقوش من الفرجة عليه واصل؟"
ضحكت زينب لاعتراض ولدها وقبلته بصدر رحب على عكس سلطان وحديثه عنه، ثم أكدت له:
"ولو دخلت عند أم علي وأم جمال وأم حسين جيراننا ونص بيوت مصر هتلاقيهم متنحين أكده قدام المسلسل وهيتفرجوا عليه وابتسامتهم من الودن داي للودن داي، أصله عامل أكده زي الجبنة المش، مهما كلنا منها بنشتاق، وكانها البتاعة اللي هتسموها نوتيلا داي."
ضحك عمران بشدة على كلمات زينب، ثم انتصب واقفاً وهو يستأذنها مردداً بدعابة تعشقها من ولدها المحبب إلى قلبها:
"إذا كان أكده ماشي يا أم عمران، ربنا يسعدك ويفرح قلبك. وطالما متولي هيخليكي مبسوطة ويضيع الوقت الفاضي حداكي، اتفرجي عليه. همشي أني بقى، هروح أصلي العشا في الجامع وهقابل محمد صاحبي."
نظرت إلى الأعلى بانتصار، فحان وقت التحدث مع سكون في ذاك الموضوع الذي يؤرق صدرها ويتسبب لها في عدم نومها ليلاً ونهاراً، فهو ابنها الوحيد وتشعر بالقهر لأجل حرمانه من نعمة البنون. ثم نظرت إليه هاتفة بدعاء:
"حرمة مقدماً يا ولدي، ربنا يجعلك في كل خطوة سلامة."
وأكملت برجاء لرب العباد:
"ربنا يجبر بخاطرك ويديك على قد حنيتك وطيبة قلبك ورضاك ليا دايماً يا ابن قلبي وعمري."
أمن على دعائها بقلب مطمئن، ثم ودعها وغادر المكان. فقد بدأ المؤذن تكبيراته لآذان العشاء. وفور تيقنها لخروجه وتأكدها من خلو المنزل غيرها هي وسكون، صعدت إليها وهي تنوي أن تتحدث معها كي يستريح قلبها ويهدأ داخلها لأجل ولدها.
وصلت إلى شقته ثم دقت على الباب دقات هادئة وانتظرت حتى فتحت لها سكون الباب، والذي ما إن رآها حتى شعرت الارتياب والخوف لأول مرة وسقط قلبها بين قدميها. ثم أشارت بيديها إليها أن تدلف بلسان يرجف:
"اتفضلي يا ماما الحاجة، دي احنا زارنا النور."
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم فاطيما يوسف
وصلت إلى شقته ثم دقت على الباب دقات هادئة وانتظرت حتى فتحت لها سكون الباب والذي ما إن رأتها حتى شعرت الارتياب والخۏف لأول مرة وهوى قلبها بين قدميها ثم أشارت بيديها إليها أن تدلف بلسان يرجف
"اتفضلي ياماما الحاجة دي احنا زارنا النور."
خطت زينب إلى الداخل بأقدام واثقة ثم ربّتت على ظهر سكون
"تعيشي يابت الأصول يامرت الغالي."
أشارت إليها سكون أن تجلس بترحاب
"ارتاحي هنا يا ماما هتلاقي رجلك ۏجعتك من السلم."
جلست زينب على الأريكة ثم نظرت أمامها وجدت المسلسل التي كانت تشاهده معروضا علي شاشة التلفاز فسألتها وكأنها لم تكن تعرف
"ايه ده هو انتي بتتفرجي على متولى وعيلته والله كنت بتفرج عليه تحت."
ابتسمت سكون وهي توجه أنظارها لشاشة الهاتف
"اه أصل أني بحبه قوووي وبالنسبة لي المسلسل المفضل هو وعبدالغفور البرعي بعشقهم قووي وأكيد إنتي كمان."
حركت رأسها للأمام بابتسامة عريضة
"قوووي بحس فيهم ريحة ايام زمان لما كنت عيلة صغيرة بضافير بس وقتها لما كان بيتعرض ليه ذكرى وحشة معاي ابوي خلاني خدت الاعدادية ومرضيش يخليني أكمل."
ربّتت سكون على ظهرها بحنو وهي تردد بفخر لها
"بس والله ياماما الحاجة عقلك ماشاء الله كبير وحكيمة جدااا وبتوزني الأمور بميزان العقل أحسن من اللي معاهم شهادات وعلام عالي."
أحست زينب بالفخر من كلمات سكون ثم شكرتها بامتنان وأن رأيها عنها في ذاك الوقت أتى بموعده
"منحرمش من لسانك الزين يابتي طمنيني عنك كيفك وصحتك عاملة ايه دلوك."
تحمحمت سكون من استفسارها عن صحتها ثم أجابتها باختصار
"اممم.. زينة الحمد لله."
ثم غيرت مجرى الحديث سريعا وانتصبت واقفة وهي تسألها
"تحبي تشربي ايه ولا أعمل لك قهوة باللبن معاي."
تحدثت زينب بمغزى
"هشرب قهوة معاكي بس سكر بسيط علشان البتاع دي اللي اسمه الرجيم اللي هعمله مينفعش معاه سكر كتير."
ارتسمت على شفتاي سكون ابتسامة هادئة ثم رددت بطاعة مصاحبة للدعابة
"عاش ياحاجة زينب عندك إرادة قمرر هدخل اعملها بقى بسرعة وجيالك."
دلفت سكون إلى المطبخ بينما تابعت هي المسلسل بتيهة وهي تفرك مكانها ولا تعرف كيف تبدأ معها في الحديث. جال عقلها كثيرا وكثيرا وكل الطرق تؤدي إلى الطريق المباشر في الاستفسار. ظلت الأفكار والسيناريوهات تتهافت على مخيلتها حتى أرهقتها ولكن صممت على أن تطمئن على ولدها فداخلها يتآكل يرتعب عليه ولم يشعر أحد بتآكلها بالتأكيد هي مؤمنة بإرادة الله ولكن رب العباد بذاته وهبنا من الحلول كثيرا فماذا عن عدله أن ننكره! ماذا عن عطاؤه لعباده في حل معضلاتهم أن نرميها عرض ظهورنا ولم نضعها كحل منصف يرضي نفوسنا جميعا!
أما عند سكون في المطبخ كانت تقف بأقدام واهية تكاد تكون كهلام على الأرض من شدة خوفها من استفسار زينب فقد قرأت بعينيها الإصرار ومن نبرتها التغير ومن كلامها أنها ستستفرد بها الآن ويبدو أن معركتها معها أشد من معركة صلاح الدين الأيوبي قاهر الصلبيين بذاتها معركة حياتها عشقها الوحيد غرامها المتيمة به لا هي قادرة على الفراق ولا قادرة على أن تشاركها فيه غيرها.
نظرت إلى السماء وهي تقلب الإناء الموضوع على النار بعقل غائب عنه وهي تناجي ربها بقلب يئن ألمًا ورهبة شديدة
"قل لي ربي ماذا أنا بفاعلة بأمري مالي بغيرك راجية وأتمنى الحصاد بعد سنوات العجاف.
ما لي غيرك أشكو وأدعوا وأطلب وأبتهل في دعائي كي تجبرني فانا غير قادرة على الفراق.
فاللهم يا مسهل الشديد ويا ملين الحديد ويا منجز الوعيد ويا من هو كل يوم في أمر جديد أخرجني من حلق الضيق إلى أوسع الطريق فبك أدفع ما لا أطيق."
تلك الابتهالات التي نادت بها ربها المنصف لها دائما ولم يتركها فدوما يرعاها ولم تيأس أبدا.
فاقت من شرودها على صوت قدح القهوة فحملت الإناء سريعا قبل أن يفسد صنعها وصبته في الأكواب المخصصة له وقبل أن تخرج أمسكت بالوعاء الذي يحمل الأكواب بإحدى يديها ثم وضعت يدها الأخرى على صدرها في حركة عفوية منها تحاول بها تهدئة صدرها المولع بالخۏف من هدم أمانها.
استطاعت بقدر الإمكان كبت خوفها داخلها ثم خطت بساقيها المرتعشتين إلى الخارج حتى وصلت إليها وهي جاهدة في رسم البسمة على شفاها. ناولتها الكوب بتأدب مصاحب للذوق الرفيع التي تربت عليه ويليق بخلقها.
"اتفضلي ياماما دوقي عمايل ايديا هتعجبك قووي وهتظبط لك دماغك."
تناولت الكوب منها ثم ارتشفت منه بتلذذ لصنيعها وشكرتها بامتنان.
"تسلم عمايل يدك يابتي زينة ومظبوطة زي ما قال الكتاب."
واسترسلت حديثها وهي تتحدث عن رحمة ابنتها بسخرية
"مش شكل اللي كانت رحمة اللي تنزغد عاملاها لي من يومين كانت شبه وشها العكر."
ضحكت سكون بشدة على طريقة زينب في الحديث عن رحمة ثم هتفت بتبرير بعدما هدأت من ضحكاتها
"طب والله لو زي وشها بحق توبقى قمرررر يا أم عمران داي رحمة اللهم بارك حلوة وكيف البدر."
استطاعت زينب إخراج سكون من حالة الړعب التي قرأتها في عينيها من أول وهلة طلت عليها منذ دقائق وهذا ما كانت تسعى إليه فهي تتميز بالحنكة والدهاء وتعرف كيف تغزل خيوط الحديث بذكاء كي لا يفتل منها ثم أكملت طريقتها الدعابية.
"والله انتوا هتاخدوا في البت داي مقلب واللي هتتجوزوا كمان يومين دي هيشيل هم تقييل وبدل ما تعمله الزين كلاته هتوكله وتشربه عجن دي ان عرفت تعمل العجن كماني مش المحروق والشايط."
لم تستطع سكون كتم ضحكاتها وهي تنظر إلى طريقة زينب الفكاهية في التعبير ثم تحدثت من بين ضحكاتها
"متهيألك البنت مننا بتدلع في بيت أبوها ووقت ما تروح على بيت جوزها بتطلع أحسن ما عندها علشان تبسط جوزها وتريحه على الآخر ورحمة مهتلاقيش زييها زينة البنات واصل ياماما الحاجة."
إلى هنا واكتفت زينب بالفكاهة وأمسكت طرف الخيط من كلمات سكون ورددت بوجه حزين والحزن صادق بالفعل
"بس أني نفسي ابني هو كمان ينبسط ياسكون يابتي وأشوف الفرحة في عيونه بدل الحزن اللي طافي ملامحه وروحه اللي هشوفها كاتمة الفرحة جواها طوالي."
انقشعت أخيرا غمامة الصبر تجاه زينب وبدت أولى تفجيرات كتمانها لما تشعر به لسكون التي شعرت وكأن دلوا من الماء البارد سكب على وجهها في يوم بارد شديد البرودة في عز وقت الصقيع. ثم ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة لتقول باستفسار واهية كشعورها الآن
"طب وايه اللي هيطفي فرحة عمران يا ماما اللي هتشوفيها وحدك داي."
"كانك معرفاش ياداكتورة ولا هتعملي حالك مش واخدة بالك!"
تلك الكلمات التي نطقتها زينب على رأس هذه السكون دون مراعاة لما تشعر به هي الأخرى ولكن هذا ابنها قرة عينيها وما على الأم في خوفها على وليدها ملام.
تحمحمت سكون وهي تفرك في يدها بتوتر بالغ وهي تأتي بآخر زينب
"اممم.. ممكن أفهم تقصدي ايه ياماما الحاجة خلينا نتكلم واضح علشان اني مليش في الكلام الملفلف."
أجابتها زينب صريحة وقد فاض الكيل بها
"يعني هتعملوا ايه في حوار حبلك يابتي اللي طال وقته بالقووي وعمران ابني سنه مبقاش صغير واني بصراحة اكده أم قلبها م ۏلع على ابنها والوحيد كماني حسوا بيا ياناس."
ما إن قالتها صريحة حتى انهمرت الدموع من وجنتاي سكون غزيرة على وجهها من چرح قلبها ومشاعرها.
أتعجب عندما أرى الكثير من الأشخاص يتحدثون عن الحب ولكنهم في الحقيقة هم أكثر الأشخاص الذين قاموا پتمزيق الكثير من المشاعر في قلوب غيرهم وكانوا سبب في ألم نفسي لا يمكن علاجه.
فأخطر أنواع الچروح هي چروح المشاعر تلك الچروح التي لا يشعر بها سوى صاحبها تلك الچروح التي لا يقدر أحد أن يداويها بداخل الشخص فقط يكفيه الأنين عند الشعور بها.
فالمشاعر مثل ثوب الحرير أي قطع بسيط به لا يمكن علاجه وفي حالة النجاح في علاجه سوف يترك أثر قوي لا يمكن إخفائه.
المشاعر هي الخيط الرفيع الذي يحافظ على النفس البشرية ففي حالة انقطاعه سوف تنساب النفس البشرية على الأرض ولن تقوم مرة أخرى وجرحها مثل الچرح المخفي تحت سرج الحصان لا يشعر به أحد سوى الحصان ولا يكتفي سوى بالأنين في صمت. والآن سكون أصبحت قاب قوسين أو أدنى بين نيران عشقها لزوجها ورفيق دربها وبين نيران زينب ولهفتها على حفيد. فتلك اللهفة تأكدت منها الآن لهفة واحتياج وشوق تضاهيهم قوة لن تقدر عليها تلك المسكينة. ثم رددت بصوت خفيض وهي تومئ برأسها بالأسفل.
و BMW هذا الارتباط بين سعر الصرف وسوق السيارات يحدد قدرة المستهلكين على اقتناء المركبات.
طب وأني ذنبي ايه في قدر ربنا وتدابيره.
وأكملت وهي تشهق بشدة تنفطر لها القلوب.
يعلم ربنا أني عملت اللي عليا بدل المرة عشرة وحاولت كتير إني أخلي عمران يخليني أمشي لكن مرضيش أبدا، وأخر حاجة عرضت حياتي للخطر علشان أفرحكم كلكم، لكن ما باليد حيلة ربنا لسه ما أرادش.
ما إن رأت زينب دمعاتها حتى جذبتها إلى أحضانها على الفور وهي تنفي على الفور ما قالت وتحاول تهدئتها بقلب حاني صادق.
له بعد الشر يابتي، طلاق إيه، كفى الله الهم والغم وخرب البيوت دي، ربنا يخليكي لجوزك وميحرمكوش من بعض أبدا.
اتسعت مقلتاي سكون بذهول من كلمات زينب، ثم خرجت من أحضانها وتبدلت معالم حزنها إلى نظرات أمل رحمة من الله، ثم تحدثت بلهفة وبعيني آملة برجاء الله.
بجد ياماما! يعني انت مش عايزاني أسيب عمران؟
حركت زينب رأسها برفض وهتفت بنفي قاطع.
مين قال سيبان وفراق وبعاد يابتي، أني حبيتك ودخلتي قلبي ومتخيلش البيت ده من غيرك، واعتبرتك كيف حبيبة ورحمة، وربنا يبارك فيكي لجوزك.
كانت معالم الفرحة والسعادة بادية على سكون وكأن اليوم يوم عيدها، وشعرت بأن هم الجبال انزاح من فوق رأسها مع دقات قلبها التي أعلنت الطبول مما استمعت إليه من زينب، ولكن لم تكتمل فرحتها حيث أكملت زينب بما جعل دقات قلبها الفرحة تبدلت في لمح البصر، بل في رمشة عين، بل شعرت بأن أحدهم رماها من أعلى التلال، والآن نظرتها واستماعها لها ماهو إلا حلاوة روح.
في حل تاني يرضينا كلنا يا دكتورة محللة، ربنا يعني عمران أشوف له عروسة بنت ناس غلابة ويتيمة يتجوزها، بس انت مفيش غيرك في قلبي وفي قلبه، معايزاكيش تردي عليا دلوقتي، وطلب كماني متقوليش لعمران حاجة علشان فرح أخته كمان يومين ومش عايزاه ينشغل عنها، لو كنتي هتحبيني أمانة عليكي متجيبيش له سيرة واصل، وموضوع الجواز ده فكري فيه على راحتك وشوفي الموضوع من جميع أبعاده وانت هتلاقي إن دي أنسب حل.
واسترسلت حديثها وهي تربت على ظهرها بحنو صادق وكأنها لم تقل شيئًا يضاهي الموت بالحياة لتلك السكون كي تكسب تعاطفها وتجعل الموضوع هينا لينا عليها، وقد انذرفت دموعها الصادقة أيضًا من عينيها.
انت متعرفيش أني بطلب منك الطلب ده كيف، يعلم ربي إنك كيف بناتي وإني مهتمناش لواحدة فيهم اللي انت فيه، وإنك غالية على قلبي، بس دي ولدي الوحيد ابن عمري، عشت طول حياتي أربيه وأكبره، ولما شد عوده اتمنيت له إنه يلاقي بت الحلال اللي غلبني ليالي جرت سنين طويلة على ما لقاكي ياسكون، ولما ربنا جبر بخاطري واتجوزك كنت هعد الأيام والليالي علشان أشيل عوضه على يدي وأخده بين أحضاني وأقعد أشم ريحة عمران فيه، أصلك متعرفيش أنا بنيت لحفيدي من يوم ما عمران ماتجوزك بيت في قلبي كبيييييير قوي قوي، اتخيلته هياجي الدنيا وأشيله معاكي ليل نهار لحد مايتعلم يحبي، وأول ما يشوفني يجري علي أقوم فاتحة له دراعاتي على وسعهم وأضم عليه وأدفيه، واتخيلته وهو هينادم علي ويقولي ياستي أني هحبك قوي ويبوسني من خدي علشان يطلب مني حاجة، معايزينش تجيبوها له، وطلبها مني أني اتخيلته هياجي غضبان منك انتي وأبوه ليالي كتيرة ويختار حضني أنا علشان يرتمي فيه ويتمسح فيا ويقول لي هنام جارك ياستي وههمل بوي وأمي، حاجات كتيرة قوي استنيتها سنين من قبل ماعمران يعرفك أصلا، بس كلها اتبخرت أول ماعرفت اللي بيكي وخبتيه عني وزعلت قوي إنك مقلتليش من الأول علشان أجري معاكي وأساعدك وأدور معاكي، استنيتك سنتين ودخلنا في التالتة وقربت تنتهي ومعرفش اللي بيكي إلا صدفة.
كانتا كلتاهما تبكي بغزارة في أحضان بعضهم وتشهقان بحزن شديد وكل منهم لسببه المختلف كليًا والمضاد للآخر.
لكنها إرادة الله يعطي من يشاء وقتما يشاء وكيفما شاء، إرادة الله التي يعجز البشر عن تحديها، ولكن سبحانه وتعالى أحن على عباده، وعندما ينزل البلاء ينزل معه رحمته كي تكون بردا وسلاما على قلب المبتلى، ظلتا تبكيان حتى أخرجتها زينب من أحضانها ونطقت بأسف حقيقي وهي تنظر داخل عينيها الداميتين.
حقك عليا يابتي، حقك علي عيني وراسي وقلبي.
ثم أمسكت يدها وحاولت تقبيلها كنوع من التعاطف والتأثير عليها، ولكن سكون استنكرت فعلتها تلك وسحبت يدها لتقول زينب.
أبوس يدك يابتي ماتزعلي من طلبي ولا كلامي اللي أكيد وجعك، ومتفارقيش ولدي علشان عارفة إنك روحه وحياته كلها، ولو فارقتي وسيبتيه روحه هتروح وراكي، ومهما عملت مش هيرتاح، أني عارفة إن طلبي صعب قوي عليكي.
بس أني هوعدك إنك والله لا هتفضلي ست دارك ومالية مقدارك، ومهخلكيش تحسي بأن فيه حاجة غريبة خالص، ولا هخليها تعمل شغل الضراير دي وياكي، وهخليها طوع أمرك كماني، بس انت وافقي وريحي قلبي.
حاولت سكون ظبط أنفاسها المكتومة من أثر البكاء الشديد، وعقلها مازال لم يستوعب ما سمعته أذناها من زينب، لقد رمتها وسط حريق مشتعل وتطلب منها أن تتحمل لهيبه لأجل العامل المشترك الأكبر والأهم، بل وكل المهم عمران.
يا الله عمراني، لقد أهلكت سكونك وذبلت واقتحم حياتها العذاب النفسي والجسدي والمرئي والمسموع وكل أنواع العذاب.
لاحظت زينب تخبطها وصدمتها فقامت من مكانها وهي تسحب منديلا ورقيا تجفف به عبراتها كي تتركها تنفرد بحالها وبعد ذاك يحلها رب العباد، وهي تملس يدها على خصلات شعرها.
هسيبك دلوقتي يابتي بزيادة كده عاد بكا وهوني على حالك كيف ما أني ههون على حالي وأصبرها أيام وليالي، وأني وانت على مركب قهر واحدة مش انت لحالك.
ثم قبلتها من رأسها بحنان أم صادق وكأنها لم تقل شيئًا وكأنها لم تعبث هناء السكون وعمران.
فور أن خرجت ارتمت جرت سكون على غرفتها تبكي وتشهق بشدة حتى غفت وأجبرت حالها على النوم كي لا يرى عمران وجهها، فهي طلب منها الأنين بصمت، وما أدراكم ما صوت الأنين المكتوم.
كان عمران في ذاك التوقيت جالسًا مع صديقه محمد وقد قص عليه كل شيء منذ أن حدث وعلم ما به زوجته، فهو نعم الصديق الصدوق الخلوق الذي دوما يبدي له نصائحه، ثم عرض عليه بعد تفكير في معضلته تلك.
طب عندي راي تاني ليك يحل لك مشكلتك ويبعد عنك المشاكل خالص انت ومرتك، أو على الأقل ما تبقاش عايش فيها ليل نهار.
و BMW هذا الارتباط بين سعر الصرف وسوق السيارات يحدد قدرة المستهلكين على اقتناء المركبات.
تلهف عمران بنظرة راجية ثم سأله بعينين تملؤهما الشغف:
"طب قول الله يرضى عنك يا صاحبي، حكم إني حياتي اتمررت على الآخر ما بين سكون وأمي."
ربت محمد على فخذه ناطقًا بتشجيع:
"معلش، كل البيوت على حالك، أكده مرت الابن وحماتها دايمًا. حتى إنت كمان أهون من غيرك، يا عمران، على الأقل مراتك عاقلة وأمك مش من نوع الحموات اللي هيخربوا على ولادهم عشان ينفذوا اللي في دماغهم. ولولا ظروف الدكتورة الخاصة ما كانش حصل مشاكل خالص، بس ادي الله وادي حكمته."
واسترسل حديثه وهو يعرض عليه الحل كي يجعله يهدأ ويطمئن، وهو يرى اللهفة تشع من عينيه:
"إنت كنت في الأول ناوي تتجوز في بيت بعيد عن أمك وأبوك، اللي إنت جهزته من البداية. خد مراتك وعيشوا في البيت دي لحالكم، وبالطريقة دي مش هيحصل احتكاك كتير ما بينك وما بين مراتك والدتك، إلا في أضيق الحدود. وهي هتحس إنها هتعرف تطلع وتنزل وتتحرك وتخرج عشان مش حاسة إنها مراقبة 24 ساعة. وبرضه إنت هتبقى جار أمك وأبوك، والسبب اللي خلاك أصلًا ما تهملهمش كان وجود مرات أبوك الله يجحمها مطرح ما راحت، والحمد لله السبب زال. ف ليه ما تاخدش مراتك وتبعدوا عن المشاكل عشان تقدروا تعيشوا وتقدر تتعالج، لأن نص العلاج على النفسية. إني دكتور وعارف إن النفس بتأثر جدًا في تقدم أي علاج."
لمعت عينا عمران ببصيص من الأمل، ولكن أصابه الإحباط مرة أخرى عندما تذكر رد فعل والدته، ثم سأله بنبرة غير مطمئنة:
"طب فكرك لو عملت أكده أمي مش هتزعل ولا هتقلبها مناحة بعد ما جربت إننا قعدنا معاها؟ وكمان هتقول إن بسبب الموضوع ده ابعد عنها، وإنت ما تعرفش أمي واصل. بعد ما عرفت سبب تأخير سكون في الحمل، عمرها ما هتخليني أهمل البيت وهدخل في متاهات تانية خالص. وكمان رحمة هتتجوز، مش هيبقى فيه غيرها في البيت هي وأبويا. الموضوع صعب قوي مش زي ما إنت متخيل."
أجابه صديقه بنبرة قوية تشجيعية على ذاك الحل المناسب من وجهة نظره للجميع:
"شوف يا عمران، لما يبقى مشاكل هينة شوية هتقدر تتحكم فيها، لأن الحوارات موجودة أكده أكده على طول، فمش هتفرق وانت موجود في البيت من وانت بعيد. بل بالعكس، وانت بعيد شوية مراتك مش هتسمع حاجة ولا هتشوف ملامات ولا نظرات ولا همسات ولا أي حاجة من الحوارات دي. انت بس اللي هتبقى في وش المدفع، فتتحمل عنها. وكمان الزعلان مسيره هيروق، وأمك عمرها ما هتفضل مخاصماك ولا واخدة جنب منك كتير، مسيرها هترضى بالأمر الواقع، خاصة لو كان ده حقك ما فيهوش عقوق منك ليهم، لما هتلاقيك هتبرهم على طول."
"فكر في الحل ده هتلاقيه مناسب جدًا صدقني، وما فيش حل غيره."
تنهد عمران بضيق، فكل الطرق تؤدي إلى المشاكل، ولكن ما قاله صديقه الآن أهون من أن يرى سكون تغير والدته معها وكلامها، ووجد أنه سيبدأ تنفيذ هذا الحل بعد زفاف أخته، فلا يوجد أمامه سوى الفرار هو وزوجته في منزل منعزل عن والدته ووالده، كي تأمن حياتهم ويستطيع البحث والخوض في تجربة علاجها بنفس مطمئنة آمنة، ثم هز رأسه للأمام باقتناع:
"مقداميش حل غير إني أوافق وأعمل أكده. إني فكرت في الحل ده كتير، وكل مرة يصعب عليا إني أهمل أمي وأبويا في السن دي يعيشوا لوحدهم من غير أنيس ولا ونيس. كفاية إني هطلع وهنزل عليهم في اليوم كتير، بس خلاص ما بقاش ينفع. الموضوع بقى معقد جدًا، وربنا يستر من اللي الحاجة زينب هتعمله عشان مش هتمرر الموضوع ده مرور الكرام أبدًا. بس على رأيك، حبة زعل مع حبة مراضية مني ليها وهتتعود بعد كده. الله المستعان يا صاحبي."
تبسم محمد في وجهه ابتسامة أمل كي يجعله ينسى الهموم وهو يردد بطريقة دعابية جعلت عمران هو الآخر يبتسم:
"كنا زمان مش عارفين هنجوزك كيف، ودلوقتي مش عارفين هنخليك تخلف كيف."
"تكونش وجدت عملتها وهي في السجن المزغوطة على قلبها، ولا قبل ما تخش السجن؟ ولا إيه؟ حاكم البت دي سرها باتع، ربنا يولع فيها البعيدة."
ضحك عمران بفتور على دعابته ثم هتف:
"يا شيخ افتكر لنا حاجة عدلة بدل سيرة البت اللي هتغم من نفسي دي، كانت قرفاني في عيشتي وخنقاني طول الوقت. الله لا يخليها تكسب ولا تربح أبدًا."
ضحكا كلتاهما وظلا يتحدثان في عدة أمور، ومحمد يحاول التخفيف عنه بطريقته الدعابية كي ينسى الهموم، وتنتهي جلستهم ويذهب لزوجته بحال أفضل مما أتى إليه به كي يهون عليه، ولكن ماذا حدث أيها العمران؟ ويبدو أن الصراعات ستظل خليفتك في كل خطوة تخطوها.
عاد عمران إلى المنزل متأخرًا بعدما جلس مع صديقه كثيرًا وكثيرًا، فهو يريحه بشدة وييسط له الأمور. نظر حوله كي يجد والدته ويلقي عليها تحية المساء ويطمئن عليها، ولكن لم يجدها، ويبدو أنها دخلت إلى غرفتها كي تنام، فصعد سريعًا إلى سكونه، فهو تأخر عليها اليوم في جلسته مع صديقه كثيرًا وهو ليس معتادًا على ذلك.
دخل الشقة لم يجدها في الصالة، ثم دلف إلى غرفتهم وبحث عنها بعينيه، وجدها على سجادة الصلاة تؤدي قيام الليل التي اعتادت عليه كل ليلة. انتظرها حتى تنتهي من صلاتها، وقد أبْدل ملابسه وارتدى ملابس قطنية مريحة. أنهت سكون صلاتها، ثم نظرت إليه بابتسامة عذبة لتقول له بترحاب نال إعجابه:
"حمد لله على السلامة يا سي عمران، يا اللي فت مراتك عشان تسهر بره مع أصحابك لنص الليل، وباين أكده ابتديناها بدري."
جذبها من يدها بعدما خلعت إسدال الصلاة حتى ارتطمت بعظام صدره القوية ليقول بنبرة يملؤها العشق:
"وماله لما أتدلع على حبيبي عشان أشوف غلاوتي عنده، وأشوف هيسهر الليل يستنى جوزه لما يرجع من برة، وأشوف الشوق في عيونه كمان."
ثم احتضن خصرها بتملك مكملًا بعشق وهو ينظر لها برغبة ويغمز بكلتا عينيه بشقاوة:
"وجيت لقيت حبيبي سهران مستنيني، وعايز حضن حبيبه ومتلهف كمان، ولا إني بيتهيألي يا سكوني؟"
حاولت جاهدة رسم البسمة على شفتيها والتعمق معه في الحديث كي لا يشعر بشيء أبدًا مما حدث بينها وبين والدته، ثم حركت رأسها للأمام بدلال اصطنعته بأعجوبة:
"أها طبعًا يا بابا، أمال هسيبك تسهر برة وتيجي تلاقيني نايمة، فتتعود على أكده. أما لما ترجع تلاقيني صاحية ومفنجلة عنيا، مش هتطول في القعدة بعد كده، ولا إيه."
ردد بحنو بالغ وهو يتعمق بالنظر في ملامحها الذي يبدو عليها معالم الحزن، ولكنه لم يستطع قراءتها بالكامل:
"طب رني عليا بس وقولي لي اتوحشتك يا عمراني، تعالى دلوقت، وأني لما أصدق، هركب لك جناح الشوق وأطير لعندك يا سكوني، بس انتي معملتيهاش."
ضحكت بهدوء ثم مدت شفتيها للأمام بطريقة أثارته:
"أه وترجع تقول ده، عملت زي الستات النكدية وتقول لي بتتصلي بيا وبتقوميني من مع صاحبي وحوار كبير سمعته قبل كده من ياجي 20 ممرضة معاي في المستشفى."
"وهو إنت سمعتي حوارات الراجل الصعيدي المصري وحرمته دي كتير قبل كده يا سكوني؟"
حركت رأسها للأمام بموافقة بابتسامة بشوش:
"يوووه كتير قوي يا عمران، وعندي خزائن كده من حوارات المشاكل الزوجية اللي مبتنتهيش، وفيه حاجات كتير بفتكرها وأقعد أضحك عليها قوي."
ضحك هو الآخر على طريقتها ثم تحدث من بين ضحكاته مرددًا بثناء:
"يسلم لي حبيبي العاقل الرزين الراسي اللي بيتعلم من مشاكل غيره."
ثم استرسل حديثه وهو يغمز لها مرة أخرى بسؤال عابث:
"طب كانوا هيحكوا لك المشاكل والنكد بس، مكانوش هيحكوا لك حاجة تانية أصلًا."
سألته بنبرة بريئة:
"حاجة إيه دي اللي هيحكوا لي عليها؟ مفهماش تقصد إيه."
رفع حاجبه الأيسر باستنكار:
"دي إنت طلعتي طوب وطينة خالص يا سكوني، يعني مسمعتيش قبل كده إن الواحدة فيهم اللي سهرانة هتستنى جوزها بتبقى مستنياه بلهفة ولابسة له حاجة من اللي تجيب من الآخر له، وكمان تشغل عمنا الحكمدار عبد الباسط وتروق عليه ليلته وتنسيه الدنيا واللي فيها."
رفعت شفتيها الأعلى باستنكار لما قال ثم هتفت:
"آآآه قول كده بقى إنك هترسم لحوار كبير وليلة طويلة، وإني مفيش ليا في الحكمدار ولا لغيره."
اصطنع الحزن على معالم وجهه من اعتراضها ثم أقسم عليها:
"طب يمين بعظيم يا سكون، لأه تقومي دلوقت وتنصبي النصبة وتبتدي الوصلة، أنا صاحب مزاج وعايز أتكيف."
استنكرت كلماته التي استخدمها في التعبير:
"أنصب النصبة وأبتدي الوصلة! كأنك هتتكلم مع الغازية اللي هتهز في القهوة، مش مراتك يا عمران."
جذبها إليه عنوة فارتطمت بعظام صدره القوية:
"أه انت كيف الغوازي مش هزيتي قلبي أول ماشفتك، وأطلع لك ياحبيبي يالا روّقي الجو ولطفي القعدة أكده، خلي السهرة تحلو والقلب ينتعش والجسم برضه."
أنهى كلماته بغمزة جريئة، وما زالت دقات قلبها تدق الطبول عند اقترابه، رغم أنهم متزوجون منذ عمر طويل إلا أنه يستطيع بكلامه سرقة قلبها، ثم هتفت وهي تحتضن وجنتيه:
"ياه لو تعرف هحبك كده إيه يا عمران، وبرضه مش هتقدر توصل لمدى حبي وعشقي ليك."
"هتحبيني إزاي وكيف وكده إيه يا سكوني؟ احكي لي، نفسي أسمع."
"بحبك بجميع المشاعر اللي بحملها، وكأني جيت الحياة عشان أغرق بيك في بحر هواك، وأغرق منك في كلامك الجميل."
"إني هحبك بمرك وحلوك، بقليلك وكثيرك، بكل ما فيك، والله هحبك يا اللي غيرت لي حياتي، يا اللي بقربك راضي قلبي ولاقيه نفسي. هحبك لو مالي على وصلك غير الحيلة، وهحبك لو تبطي بيك الأيام عني."
"حبيبي متستغربش من جنوني في حبك، أنا مجنونة لأني هحبك بجد يا عمران، وهعشق ريحتك ونفسك وكل حاجة حلوة في حياتي، هو انت."
أنهت وصفها ثم أدمعت عينيها بشدة من روحها المهلكة لما هو قادم ومن كلمات زينب وحوارهم، ولا تعرف كيف القادم سيكون وكيف ستتحمل.
في المشفى، كانت فريدة تجلس في حديقتها تشتم بعض الهواء بعد أن أنهت الفحوصات المكلفة بها. ثم جالت سكون بخاطرها وتذكرت أمر ذاك الطبيب. فقامت بفتح تطبيق جوجل وبحثت عن اسمه. فمجرد أن كتبت الاسم، حتى وجدته يغمر الموقع. فدخلت على إحدى الصفحات الخاصة بذاك الطبيب ووجدت عدد لا بأس به من العمليات التي أجراها. كما فتحت بعد ذلك على صفحته الخاصة على تطبيق الفيسبوك ووجدت نفس الإشادات الإيجابية من كثيرين ممن أجروا معه تلك العمليات الجراحية والحقن المجهري. فشعرت بأن الأمل يطوف أمامها وقررت أن تفاتح سكون في ذاك الموضوع بعد زفاف رحمة. ولابد عليها أن تشكر ذاك الفارس لأنه عرض عليها ذاك الأمر. وعلى سيرته وجدت هاتفها يعلن عن مكالمة، وإذا به يتصل بها. ثم أجابت بصوت هادئ.
"السلام عليكم ورحمة الله."
تحدث هو الآخر عندما سمع سلامها بنبرة دعابية.
"ده إيه السلام الجميل المريح اللي كأن الواحد خارج من الجامع ده يا فوفا. مفيش hello يا بيبي. وحشتني. مجيتش المستشفى النهاردة ليه؟"
"تطمني عليا وتسألي عني. قد كده وجودي من عدمه مش فارق معاكي. أنا زعلان منك خالص يا فوفا."
توت شفتيها بامتعاض ما إن سمعته يناديها بـ "فوفا". فهتفت على الفور بنفس نبرته كي تزين له أنها على خطاه، كي يبدي لها ما وراءه من شخصيته الغير مفهومة.
"معلش يا بيبي، أصل النهاردة المستشفى زحمة قوي وفي حالياً طوارئ كتير. فما كنتش مالكة نفسي خالص إني أكلمك، لكن أنت حقك تزعل. I am so sorry Fares."
حرك الكأس بين يديه بهوجاء وقد أعجبه ردها، ثم أمرها.
"طب بقول لك إيه، أنا زهقان وعايز حد أتكلم معاه ومليش نفس أخرج من البيت. ما تيجي كده نقعد مع بعض شوية ندردش وبالمرة نشرب كاسين سوا."
اتسعت مقلتيها بذهول من طلبه، فهو يطلب منها أن تأتي إلى منزله، والأدهى يدعوها أن تتناول معه.
ذاك الحساء المسكر، ويبدو أنه قد ذهب عقله بالفعل. ولكن حاولت تهدئة حالها قبل أن ترد عليه، ثم فكرت سريعاً وأخبرته بأي حجة.
"له ما ينفعش، أهمل المستشفى، واصل فيه عملية كمان ساعة بيتجهز لها والدكتور بلغني إني هكون موجودة فيها. معلش مرة تانية بقى."
تأفأف بامتعاض من حجتها.
"أوووف بقى إيه الرخامة دي يا فوفا. ماشي روحي للعملية بتاعتك."
ثم أغلق معها الهاتف وتناول حساءه بملل. فهو كان يريدها في جلسته تلك كي يتحدث معها. فحديثها يشعره بالراحة. ثم ألقى الكوب من يده وقرر أن يدلف إلى الحمام كي يتنعم بحمام بارد. وبالفعل توجه إلى كبينة الاستحمام ومكث ما يقرب من نصف ساعة. ثم خرج وارتدى ملابسه وقرر الذهاب إلى المشفى. فهو يشعر بالاكتئاب دون سبب. فساقته قدماه إلى هناك كي ينعم قلبه برؤيتها، وكأنه أعطاه هذا الأمر أن يذهب إليه.
قبل أن يصل إلى المشفى، وجدها ذاهبة إلى سيارتها. فاندهش وهو ينظر في ساعته كي يرى موعد العملية انتهى أم ماذا. ولكن وجد أن موعدها الآن كما قالت له. واستشف خداعها له. فتحرك بسيارته حتى وقف أمامها بعرضه، مشيراً إليها بإصبعه أن تدلف إلى السيارة. مما أرعبها بشدة. فلم تكن تتوقع مجيئه، خاصة أنها استشفت في صوته السكر.
أما هي تنهدت بعدم راحة، ثم ذهبت إليه قبل أن يفعل أفعالاً جنونية تثير الانتباه إليهم. وخاصة أنه لم يكن في وعيه. صعدت السيارة بجانبه. ولكنه فور استقرارها تحرك بالسيارة بسرعة هوجاء، مما أرعبها وجعلها تستنكر فعلته تلك وهدرت به.
"انت مجنون! سوق بالراحة وأنت رايح فين أصلاً. إزاي تتحرك بالعربية من غير ما تقول لي."
"ممكن تقف لو سمحت وتنزلني. أنت شكلك سكران."
ما زال على سرعته التي جعلت الخوف يجري بجسدها مجرى الدم في العروق. مما جعلها تمسكت بباب السيارة المغلق بإحكام. ولكنها لم تستطع التحكم به، فلجأت إلى حزام الأمان. وسمعته يهدر بها.
"مطلعتيش سهلة ولا قطة مغمضة زي ما كنت فاكرك يا دكتورة! طب قولي لي إنك مش عايزة تيجي مش تخترعي حوارات مشتريهاش بمليم. عيب عليكي ده إنتي مع البابا اللي بيفهمها وهي طايرة يا فوفا."
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة من كشفه لها. فذاك الداهي لم يخفِ عليه حجتها. ثم تمتمت بنبرة خافتة وهي تحكي سبباً آخر غير مقنع له.
"اممم… أصل إني كنت تعبانة وحاسة بدوخة رهيبة ومش قادرة أتحرك. شكلي داخلة على دور برد. فقلت لك أي سبب جه على بالي علشان مقلقكش علي."
رفع حاجبه الأيسر والأيمن بعدم تصديق لما قالته. ثم توقف بسيارته ووضع يده على جبينها بحركة مفاجئة وهو يهتف بنبرة عابثة.
"تعبانة قلتي لي. استنى كده لما أشوفك سخنة ولا لا."
ثم مرر يده على جبينها ووجنتيها بطريقة جعلت جسدها يتفتت خجلاً وخوفاً معاً من حركاته المفاجئة لها. ثم حاولت نزع يده برفق ناهية إياه.
"ممكن تشيل يدك وممنوع اللمس والاقتراب. أنت متفق معايا على كده. ما تخلفش وعدك وياي."
ما زال يتحدث بنفس نبرته العابسة.
"الله مش بشوفك يمكن دافية ولا حاجة. على حسب مهنتي كطبيب مش كمغرم يا فوفا."
يا الله ماذا تفعل هي الآن! أتتجاوب معه وتترك لمشاعرها أن تنخرط لكلماته المعسولة، أم تقف كصد منيع أمام قلبها وإحساسها تمنعهم أن ينجرفوا وراء ذاك الماكر العابس بقلبها وكأنها لعبة بين يديه.
ثم سألته بنبرة متعجبة.
"مغرم! يعني إيه بقى يا دكتور."
"قولي لي يا فارس بلاش دكتور يا فوفا… جملة راجية طلبها منها ذاك الفارس بمشاكسة. ثم غمز لها بكلتا عينيه متسائلاً إياها وما زال على نفس مكره.
"الا قولي لي يا فوفا هو شعرك الأحمر الناري ده وراثة ولا أنت كده طالعة زي حوريات البحر تجنني يا بيبي."
نفخت بضيق ثم عنفته بنبرة حادة بعض الشيء.
"يادي شعري الأحمر الناري اللي موريكش غيره. هو باين عليا هصبه أسود مهبب علشان تستريح وتبطل تجيب سيرته تاني."
"طب اعمليها كده وأنا هوريكي. قلبتي على حق. حذاري ثم حذاري تلعبي في لونه ولا تيجي ناحيته. لون شعرك نفس لون شعر عبير وأنا حبيته عليكي زي ما كنت بحبه على عبير. سيبيه زي ماهو."
"هي عبير كانت حلوة قوي كده؟"
تبسم ثغره وهو يصف لها عبير.
"ياه حلوة دي شوية قوي على عبير. كانت جميلة الجميلات وجمالها ينضرب به المثل ورقتها وهدوئها ورقيها يخلوا أي حد يحب يتعامل معاها."
ثم تغيرت معالم وجهه المبتسمة إلى حزينة وهو يتذكر والدته.
"بس تصوري ساعات الجمال بيكون نقمة على صاحبه وبيوديه للقبر طوالي."
ارتعد جسدها خوفاً من نظرة عينيه المثبتة عليها والمفتوحة على وسعيهما عندما ذكر سيرة القبر المرتبط بجمال الأنثى وبالتحديد والدته. ثم سألته وهي تحاول تهدئة جسدها من التوتر والخوف.
"ليه هي اتحسدت على جمالها دي كتير وعلشان كده فارقتك وفارقت الحياة صغيرة؟"
حرك رأسه رافضاً. ثم ترك يدها المثلجة من هلعها من يديه ورمى رأسه على الكرسي وأغمض عينيه ودخل دوامة الماضي الأليم.
"ياريته كان حسد. على الأقل لما الإنسان يتحسد بيلجأ لربنا وللصدقة وهيتعافى. لكن أمي كان قدرها حكم بالإعدام. كانت زي النسمة بس كانت فقيرة. كان أبوها بيعلمها بشقاه والقدر وقعها في طريق من لا يرحم. اضطرت إنها تتجوزه وكان جابرها إنها متخلفش منه. هي حكت لي كل الحاجات دي قبل ما تموت وتسيبني لوحدي. لكن كان نفسها تبقى أم. فحملت غصب عنه. لكن ما رحمهاش من اللي كان بيعمله فيها. مخلهاش تعيش شبابها ولا تتهنى بيا ولا أنا أتهنى بيها. ودخلها معركة الجبابرة."
قطعت حديثه وهي تسأله بفضول.
"طب أنت عرفت الحاجات دي كلها إزاي واللي باباك كان بيعمله فيها؟"
أجابها وهو ما زال على وضعه.
"بابا كان مركب كاميرات في الفيلا بتاعتنا كلها صوت وصورة. وفي مرة وقتها كنت في إعدادي كنت بلعب والكورة بتاعتي وقعت في الأوضة اللي فيها الكاميرات. وطبعاً بابا قافلها جداً. فعملت المستحيل ودخلتها. وببص على الكاميرات بالصدفة لقيته ماسكها من دراعها وبيضربها جامد. شغلت الصوت المكتوم للشاشة وسمعت كل حاجة. كانت بيطلبها منها. ما تتصوريش مدى العذاب اللي ماما اتعذبته معاه وهو مكنش بيرحمها. وبعد كده كل لما يقول لها تعالي عشان عايزك أشوف نظرتها المرعوبة. أدخل من نفس المكان اللي دخلت فيه الأوضة وأشوف كل حاجة وأسمع هو عايز منها إيه."
ما زال الفضول ينتابها وهي تسأله استفساراتها التي لم تنتهي بعد.
"طب هي ليه ما سابتهوش أو خدتك وهربت بيك في أي مكان وبعدت عنه حتى لو هتاكل عيش وملح."
اهتز فكه بابتسامة ساخرة وهو يجيب.
"تفتكري عبير كانت هتعرف تفلت من إيد عماد الألفي ده؟ أنت طيبة!"
"اصلك ما تعرفيش هو إيه ولا مين ولا وراه إيه ولا وراه مين. حاولت مرة وندمت نفسها على إنها فكرت تهرب. وراها العذاب ألوان فوق ما تتخيلي."
ثم فتح عينيه وأدار جسده إليها وأكمل وجعه المخبأ داخل صدره.
"تصوري حرمها مني وحرمني منها شهر بحاله. وأنا كنت صغير وقتها ومحتاجها. محتاج وجودها جنبي. حنيتها اللي ما كانش فيه زيها في الدنيا. ولما ماتت فارس الطيب الأخلاق اللي بيمشي يبتسم في وش أي حد زي ما هي علمتني. مات معاها."
ظلت التساؤلات تدور بمخيلتها كي تكشف اليوم الكثير والكثير من أسرار الفارس.
"هي كانت علاقتها إيه بربنا. مش يمكن كانت بعيدة عنه وهو ده اللي خلاها متفلتش من تحت إيده."
تبسم وجهه ابتسامة عذبة أثلجت صدرها وجعلتها تأمل في تغير الفارس وهي ترى وجهه الذي يتغير مائة وثمانون درجة وهو يتحدث عنها مجيباً إياها.
"عبير علاقتها بربنا كانت جميلة قوي. أنت عارفة كانت عاملة ركن في بيتنا للعبادة. وكانت في كل صلاة تشدني من إيدي وتعلمني إزاي أصلي وإزاي بعد ما نخلص الصلاة نقعد نشكر ربنا ونذكره كتير."
"كانت دايماً بتقول لي إن الذكر بيطمّن القلوب. ودايماً كانت تنبهني إني مش بعد الصلاة آخد بعضي وأجري على اللعب على طول. كانت معرفاني معنى الآية اللي كانت دايماً بترددها لي على طول."
"فإذا فرغت فانصب."
لكن مش كل الناس بتاخد رزقها في الحياه راحه وماما ما ارتاحتش الا لما قابلت ربنا.
ارتاح قلبها لسماع كلامه ولا تعرف ما السبب رغم قساوة ما يحكي، لتقول باستفسار آخر:
"طب هي ماتت إزاي يعني؟ قصدي ربنا بعت لها قضاة من عنده؟"
"أنا اللي موتتها بإيدي، أنا اللي دفنتها بإيدي، أنا اللي قضيت على حياتها المرة، أنا الجاني والمجني عليه، أنا القاتل وأنا المقتول."
أنا يادكتورة أنا…
تلك الكلمات التي نطقها فارس بحسرة ودمع عينيه الغزيرة هبطت على وجنتيه. ولأول مرة يعترف لأحدهم هذا الاعتراف الذي جعل فريدة تتصنم للأمام بهلع ورعب من قاتل أمه الذي تجلس معه الآن ويعترف لها. مما جعلها تتيقن أن ما تخيلته فيما حدث لوالدته لم يكن إلا هفوة، رغم تخيلها الصعب ورسمها للأمور أصبح هينا لينا بجانب ما سمعته الآن.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم فاطيما يوسف
مازالت تداعب رقبته من الخلف حينما شعرت بتأثره فنطقت بدلال أثاره:
ــ يعني هو اني اللي هقول لك يامتر هيقولو ايه ! قول بقي انك حافظ مش فاهم.
ابتسم لمشاعبتها ثم ضغط على خصرها بشدة جعلتها تأوهت بصوت خفيض:
ــ آاااه وجعتني.
غمز لها بطريقة أذابتها بين يديه كقطعة الشوكولا التى انصهرت في كوب من الحليب الساخن الممتزج بالقهوة التي تظبط المزاج فهي تظبط لها مزاجه مثل ذاك الكوب بالتمام:
ــ لا احنا لسه هنقول يا هادي وهوريكي الحافظ مش فاهم دي هيعمل فيكي ايه بس يتقفل علينا باب واحد وأنفرد بيكي بس.
كانت تتنقل بين يديه كالفراشة ثم سألته بمشاغبة:
ــ مين قال اكده انت متعرفنيش على فكرة بعرف أصد الهجمات كويس بس انت تكون متدرب كويس علشان المنافس صعب وعنيد وشرس.
ــ ياراجل قول غير كده... كلمات مشاكسة نطقها ماهر وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة جانبية من مشاغبة رحمة له وأكمل بنفس المشاكسة:
ــ يا جامد هات أخرك معايا وملكيش صالح بقي بس مترجعيش تعيطي وتقولي انا مش هقدر أكمل المباراة ياماهر اصل تعبت ياماهر واعملي حسابك بعون الله تسع شهور بالدقيقة من دخولنا هيشرف "سفيان ماهر البنان".
كانت تنظر له بخجل في بداية كلامه ثم انقلبت معالم الخجل الي مقلتيها اللاتى اتسعتا من ما قال وهي تردد بذهول:
ــ "سفيان" مين دي إن شاء الله اللي هتقول عليه؟
غمز لها مكملا شرحه لها عن معرفة كنية "سفيان":
ــ اول ولد ليا منك ياحلوة بإذن الله بعد تسع شهور من دلوك.
ابتسمت له لتقول بعيناي عاشقة:
ــ طب سيبك من ثقتك اني هجيب الواد بعد تسع شهور داي مين قال اني هسمي أول طفل ليا سفيان ياموري؟
قرصها من خصرها بلطف خفيف ناهيا إياها:
ــ بلاش موري دي في الليلة المفترجة دي علشان لما هتقوليه بتقلب نكد وبعدين اه هسميه سفيان ودي مفيهش كلام دي امر مفروغ منه ياأستاذة.
ضمت شفتيها بعبث ناهية إياه:
ــ طب متقوليش يا أستاذة داي خالص انت عارف بتجيب لي ضيق تنفس ياماهر.
حرك رأسه مبتسما بمكر:
ــ لما تبطلي موري دي هبطل أستاذة وأناديكي ياصغنن قلبي اللي منور الدنيا بجماله وحلاه مغطى على القمر والنجوم اللي في السما كلاتهم.
ــ بجد ياماهر اني عروسة حلوة النهاردة وعجبتك؟ جملة استفهامية نطقتها رحمة بقلب يخفق عشقا لذلك المتمكن من قلبها بل كيانها ثم أجابها صريحا بلهفة عاشق لامرأة بغرامها متيم:
ــ هو دي سؤال ياقلب ماهر وعمر ماهر داي انت طلتك بالأبيض النهاردة مختلفة عن كل نساء الدنيا في عيوني قولي لي يارحمتي هحبك وهتمناكي اكتر من اكده ايه حاسس إن نبضات قلبي قربت تخلص على حبك انت وبس.
اعتلت أنفاسها المتسارعة داخل جسدها من فرط تأثيرها بكلام ماهرها له فكيف لاتعشق تحكمه وهو لها نبض القلب الذي تعيش به ولأجله؟
ثم رددت بعيناي عاشقة وبغرام ذاك الماهر هي أيضا متيمة:
ــ من القلب للقلب يا حبيب أيامي وحلم السنين ربنا يخليك لقلبي ياقلبي.
ثم تابعت وهي تطلب منه برجاء قبل ان تدلف معه إلى عش الزوجية:
ــ خلي بالك على قلبي متزعلهوش ودايما طبطب عليه ومتقساش عليه ابدا هو سلم واستسلم ليك بكامل إرادته يا ماهر.
ابتسم لها بعشق جارف ثم اقترب علي وجهها وأسند جبهته بجبهتها وتحدث وهو ينظر داخل عيناها ويتنفس أنفاسها مرددا بغرام:
ــ متوصنيش على قلبك وتأكدي لحد اخر يوم من عمري وعمرك مفيش غيرك ست هتقدر تحتل موطنك ولو حتى عندها جيوش من الأنوثة اللي هتحرك أي راجل علشان وطن ماهر الريان مش للجميع دي لرحمته بس خاص جدا جدا.
ثم انتهت الغنوة وقبل أن يستمع إلى تصفيق المدعوين حملها وظل يدور بها في المكان بسعادة كبيرة جمعت قلبيهما الجميل.
ثم احتضن كف يدها بين يديه وخطى بها إلى مكانهم المخصص لهم كي تستريح بضعة من الوقت ليكون لديها القدرة على تكملة الحفل.
تجلس سكون على تلك الطاولة وعلى وجهها الابتسامة الباهتة فسألها عمران بقلق:
ــ مالك ياسكون حاسس انك متغيرة من بقى لك يومين في حاجة تعباكي ياحبيبي؟
ضيقت نظرة عينيها ثم رمقته بنبرة هادئة:
ــ كان شكلك حلوو قووي اللهم بارك وانت يدك في يد رحمة وداخل بيها تسلمها لعريسها بسم الله ماشاء الله شكلكم يفرح القلب.
ثم أكملت بنبرة حزينة وهي تنظر له وغشاوة الدموع تلتمع في عينيها:
ــ كان نفسي يوم فرحي يكون ليا أخ يسلمني ليك وأشوف وألمس منه الحنية اللي شفتها في عيونك لرحمة اللهم بارك حتى مكانش ليا أب يسلمني ليك ويبوسني من راسي ويحضني وهو بيقول لك خلي بالك منها زي مانت ما عملت اكده من شوي. الحاجة دي كانت مقصرة فيا قوووي.
شعر بحيرتها وتخبطها وحزنها فجذبها من يدها وجعلها تقوم من مكانها تحت اندهاشها وخرج بها إلى الخارج إلى مكان منعزل عن الجميع وما إن اختفيا عن أعين الجميع حتى جذبها إلى أحضانه بشدة فهو شعر الآن باحتياجها الشديد إليهما من نبرته الحزينة وشعور الاحتياج الذي استشفه من نبرتها وما كان منها إلا انها تمسكت بأحضانه بشدة وبكت كثيرا وكثيرا مما جعل جسده يصاب بالرهبة لأول مرة. تركها تبكي وتخرج مافي صدرها إلى أن استمع اليها تردد أخيرا بما قضى على أخر ذرة صبر تجاه وجعها:
ــ حتى مهيكونش ليا ولد من صلبي وصلبك أحس معاه بالحرمان اللي هحسه دلوك ياعمران.
على صدره صعودا وهبوطا من فرط حزنه منها وعليها ثم اخرجها من أحضانه وحاوط وجنتيها بكف يديه الحنونتين ورمقها بنبرة لائمة وهو يجبرها على النظر داخل عينيه:
ــ كد اكده حضن عمران مش هيخليكي تحسي بالأمان ومخليكي تحسي بالحرمان والفقدان ياسكون؟
حركت رأسها بين يديه برفض لما قاله ثم عللت له ما تشعر به:
ــ له ياعمران متفهمنيش غلط في حاجات منقدرش نداريها العيون فضاحة بيها انت مليكش ذنب وانت ولد وحيد انك تعيش عمرك كمان وحيد مليكش عيل من صلبك يكون سندك وضهرك وقوتك زي مانت سند وضهر وسد منيع لأمك وأبوك.
ما أن انهت كلماتها التي أنهكت قواها ألتقطت أنفاسها بصعوبه اقترب منها أكثر ليقف أمامها يرمقها بدون أي تعبير من كلماتها التي لاتنفض عنها:
ــ اني تعبت منك وليكي ومعاكي ياسكون. تعبت علشان فهمتك كتيير قووي إن الموضوع دي مش فارق معاي وانك الوحيدة اللي فارقة معاي. يعني انت شايفة ان دي وقت بكا ونكد وحزن؟
النهاردة عندنا فرح ياسكون فرح رحمة أقرب حد ليكي ادخلي اقفي جمبها وافرحي معاها وفرحي قلبك بيها. ادخلي وانت هتدي لقلبك فرصة ميضيعش لحظات السعادة والفرح وتخلي عقلك ينكد عليه في كل وقت.
انسى ياسكون انسي يابابا الوجع والهم وسيبك اللي جواكي كلاته لربنا وهو أدرى بتدابير أمور حياته.
هرولت إليها وارتمت داخل أحضانها الحانية وتحدثت وهي تتمسح بنبرة باكية وهي تتذكر كلمات زينب:
ــ والله انت بيهم كلاتهم ياعمران بأبويا وأخويا وسندي وحتى ابني اللي هترجاه من ربنا متتخلاش عني وخليني في حياتك حتى لو هبقى في ركن صغير في قلبك.
ضمها أكثر وقربها لصدرها وتحدث بنبرة صادقة مؤكدة لها وهو ينفي احساسها الذي يصيبها بذاك الحزن:
ــ ركن صغير ايه ياسكوني؟
انت كلّي، إنتي ليكي في قلبي الأركان كلها، ركن الأم والأخت والزوجة والحبيبة والبنت والابن. وكمان ليكي ركن عشق روحي لروحك، وركن راحتي وأماني ومأمني ليكي انتِ بس. انتِ بيهم كلهم، بكل ست مفكرة إن عندها حاجة هتعطيها لي مش عندك. مش محتاج وجود أي حد غيرك، كل يوم وكل وقت هقول لك الكلمتين دول يا سكوني.
ثم رفع وجهها إليه وقبلها من عينيها الباكيتين وأكمل بعشق كي يدخل السرور على قلبها:
ــ أما بقى ركن الدلع والدلال لعمران، مش ركن في قلبي بس لاااا، دي ركن في عيوني اللي هتشوفك أجمل ست في الدنيا. وركن في إيدي اللي هتلمسك بعشق وتحسسك بحبي ليكي. وركن لكلي اللي ميحبش غير سكون اللي هتدلعه وتخليه واصل لأعلى قمم السعادة والراحة وياها.
أنهى كلامه ووجد شفاها تناديه بشراهة، فاقترب منها واقتنصها بحب تحت تململها بين يديه لعدم شعورها بالراحة معه في ذلك المكان المكشوف. وأخيراً حاولت إبعادها عنه وهي تنظر حولها تستكشف بعينيها إن أحداً رآهم أم لا:
ــ انت مجنون ياعمران، كيف تتهور أكده واحنا في مكان عام.
أجابها بمشاغبة وهو يضع يديه في جيب بنطاله:
ــ أه مجنون وأتهور مكان ما يعجبني يا سكوني.
زمت شفتاها وأنزلت بصرها للأسفل بحزن ممزوج بدلال وتحدثت بنبرة استيائية مفتعلة:
ــ وإيه مخايفش حد يشوفنا يقول علينا إيه بنعمل فعل فاضح في الطريق العام.
رفع منكبيه باستكانة وبنبرة تقطر عشقا تحدث:
ــ وماله، هقول لهم كنت بشوف عيونها اللي دوبوني بيوجعوها كيف.
ابتسمت بخجل من تبرير ذاك العمران الذي مد يده لها آمراً إياها:
ــ طب يلا ندخل الفرح بقى علشان ما حدش ياخد باله من اختفائنا.
ولا بقول لك إيه، ماتيجي أخْدَك ونروح على البيت على طول، بلا فرح بلا بتاع، ونشغل الحكمدار وتبقى ليلة ولا ألف ليلة وليلة يا سكوني.
شهقت بشدة من طلبه الغريب، ثم أسرعت بخطواتها إلى داخل الحفل مما جعله يبتسم وهو يردد:
ــ والله انتِ الخسرانة، كنت هروّق عليكي وأفرفشك وأخرج لك الاكتئاب في دقيقة، بس يلا بقي ملكيش نصيب في ساعة الحظ الحلوة.
غمزت له وهي تدير وجهها إليه مرددة له صراحة لأول مرة دون أن تخجل:
ــ مين قال إن ما ليش نصيب، لما نروح هاخد نصيبي كله كامل مكمل يا حبيبي.
حرك لسانه داخل فمه بانتشاء لغمزتها وهو يعلمها:
ــ يخربيت جمال غمزتك اللي أول مرة أشوفها يا دكتورة، ابقي كَتّري منها بقي في الليلة المفترجة الحلوة دي.
ثم نظر إلى السماء داعياً بجدية:
ــ يارب اكرمنا والفرح يخلص ومحدش يبص لنا في الليلة دي علشان القمررر دي خلاني هفرقع دلوقتي ومحتاج مطافي.
ضحكت بدلال أثاره، فنهاها بعينيه عن دلالها ذاك وهم دالفون إلى القاعة. رأتهم زينب من بعيد قادمين، فعينيها تتبعتهم منذ خروجهم وشعرت بوجود خطب ما وانتابها القلق من هيئتهم وقتها. ثم شعرت بالراحة اجتاحت أوصالها فور دلوفهم إلى القاعة وعلى وجوههم علامات الابتسامة، فوجهت أنظارها إلى ابنتها وقد زال القلق من صدرها، فهي كانت خائفة أن تحكي سكون لعمران ما قيل بينهما، ولكنها لم تقل له مما جعلها تطمئن وتشعر بالارتياح بأن ما تخطط له يسير على ما يرام بوجه مبتسم.
ما زالت أجواء الزفاف مستمرة. كانت مها تقف على الاستيدج تصفق بيدها وهي سعيدة لأجل رحمة، وبعض من عيون الرجال تتابعها كما يحدث في حفلات الزفاف، وكثير من الأقارب يعرف أنها الآن وحيدة وأصبحت متاحة للجميع أن يطلب يدها. وكان من ضمن العيون ذاك الجاسر الذي كل همه في ذاك الوقت أن يراقب عيون الجميع المتجهة صوبها ولم يرتكز مع أي من الموجودين في الزفاف غيرها. ثم وجد حاله يمسك هاتفه ويرسل لها رسالة:
ــ تعالي برة في الكافيه بتاع القاعة، عايزك في كلمتين مهمين في السريع يا أم الزين، متتأخريش.
اهتز الهاتف بين يديها ففتحته ووجدت رسالة على الواتساب من جاسر، فقرأتها ثم التفت حولها ولم تجده، فذهبت إلى ماجدة قائلة لها وهي تختلق أي سبب كي لا تسأل عنها:
ــ هروح الحمام يا أمي، هظبط الطرحة وجاية طوالي، متقلقيش علي.
حركت ماجدة رأسها بموافقة مع ابتسامة هادئة ارتسمت على وجهها، ثم تابعت الفرح مرة أخرى وبجانبها مكة التي لم تتركها منذ أن أتت، وكأن آدم ألقى عليها تعاليمه أن لا تتحرك من مكانها نظراً لتعبها في حملها، كما أنها تشعر بالدوار الشديد.
أما في الخارج، وصلت إلى الكافيه المتنحي قليلاً عن القاعة، فأشار إليها أن تصعد إليه، فعرفت مكانه وذهبت إليه على استحياء. وما إن وصلت حتى قام من مكانه وأفسح لها المجال أن تجلس في حركة راقية منه يفعلها معها لثاني مرة، مما جعلتها تكن له امتناناً ورقياً.
استقرت في مكانها وهي تنظر حولها بخجل وتنتظر منه أن يخبرها سبب استدعائها له، حتى أنه رأى علامات الخجل تجوب وجهها، فهتف مشاكسًا إياها كعادته:
ــ إيه يا أم الزين، في إيه.
اندهشت من استفساره وسألته هي الأخرى:
ــ إيه، انت في إيه.
انت اللي باعت لي على فكرة.
ارتسمت ابتسامة جانبية على جانب شفتيه وأجابها بعينين عاشقتين:
ــ هتبطلي تخطفي قلبي كل لما بشوفك، ميتة.
هو انتِ مسلطة أسهم عيونك عليا بالقووي أكده ليه، وحاسس إني بحارب في ساحة حياتنا وحدي.
نظرت عينيها أرضاً تلقائياً وهي تراه ينظر لها نظرته الولهة بها، ثم تحدثت بخجل راق له:
ــ انت ندهت لي دلوقتي علشان تقول الكلمتين دول يا متر، إني قلت في حاجة مهمة حصلت.
نظرها بنظرة متفحصة هائمة:
ــ هو في أهم من إني هقول لك إيه القمر دي كله، وإني هغير عليكي من عيون الناس اللي تحت دي والستات قبل الرجالة.
ثم أكمل طالباً منها برغبة ألحت عليه:
ــ بقول لك إيه، ماتيجي نتجوز بقى علشان يرتاح ويهدى.
ابتلعت أنفاسها بصعوبة بالغة من خجلها، ثم سألته:
ــ هو مين دي اللي يرتاح ويهدى.
ــ قلبي... كلمة واثقة نطقها من فهمها وأكد عليها:
ــ آه قلبي اللي مش قادر يصبر، فا إيه رأيك إنزل جمب ماجدة جدة العيال واستغل وجودها في الفرح وأقول لها أنا عايزك تبقي جدة عيالي من أم الزين يا ماجدة.
ضحكت بخفوت على طريقته، ثم قالت:
ــ هو انت طريقتك دي مبتتغيرش خالص في الكلام، انت بجد بتضحكني، متزعلش مني.
شبك كلتا يديه في الأخرى وهتف:
ــ طب وماله، أعيش أضحكك وأبسطك كمان، هو في أحسن من إن الواحد يدخل السرور والبهجة على قلب حبيبه يا بطل.
ضحكت مرة أخرى، فهي معه وحده دوناً عن العالم أجمع يستطيع إخراج الضحكة من قلبها دون أي تكلف، ثم هدأت من ضحكاتها وتبدلت معالم وجهها الضاحكة إلى أخرى حائرة لتقول له:
ــ عارف من وقت كبير مضحكتش من قلبي قوي أكده. وأقول لك على حاجة كمان، أنا عمري ماسمعت كلمات الغزل وحسيت بالمشاعر اللي أنا حساها معاك دلوقتي طول حياتي.
نظر لها بتمعن منتظراً تكملة حديثها، إلا أنه قاطعها متسائلاً إياها:
ــ طب هتحسيني إيه وأنا معاكِ، ومشاعرك تجاهي حساها بردو إزاي؟ احكي لي نفسي قوي أسمع منك وبكل صراحة وبدون خجل، كأنك بتتحدتي مع حالك.
أخرجت تنهيدة حارة وأنزلت بصرها وأردفت قائلة بنبرة محملة بأثقال من الهموم:
ــ حاسة معاك إني لسة بنوتة صغيرة مش ست كاملة، بمعنى قلبي بيدق قوي أول ما أشوف اسمك على تليفوني وبقيت بحب آخد جنب وإني هتكلم معاك. حاسة إنك عايز تخليني سعيدة ومرتاحة ومتخلنيش أفكر في أي حاجة تزعلني. بحس كمان إنك خليت نفسك مسؤول عني وبتخاف عليا من الهوا الطاير، ولما دخلت عليا المرة اللي فاتت المكتب حسيت إني مش طبيعية من مجرد سلامي البارد وقتها.
ثم رفعت عينيها ودققت النظر داخل عينيه وسألته بنبرة متوترة:
ــ هو انت بجد حقيقي وموجود في حياتي، ولا إني بتخيل إني هكلمك وقاعدة معاك وإني أنا اللي رسمت شخصية وجودك في حياتي وفي عقلي الباطن يا جاسر. أصل مش معقول ربنا يبعت لي حد يحبني ويشوفني ويتمناني زي ما عيونك شايفني أكده.
لأول مرة يتجرأ وتتحرك أصابع يديه حتى وصلت إلى كف يدها الصغيرة ووضع كف يده على يدها وضغط عليها بحنو حتى أصابها القشعريرة في جسدها من لمسة يده، وأغمضت عينيها بتأثر من دفء يده مما أصابه الآخر بشعور الاحتياج لوجود يدها ساكنة داخل كف يده وأن لا يتركها. بشعور الاشتياق لضمته لها بين ضلوعه حتى تسكنها دوماً ويسقيها من عشقه لها أنهاراً. ماذا بها تلك المها حتى ينجذب إليها بتلك الدرجة؟
ماذا بها عن نساء العالم حتى يشعر بأنه يريد أن يسحقها بين أحضانه ويسقيها من شهده الحلال عشقا مسكراً لكليهما؟
ثم فجأة سحبت كف يدها من يديه وهي تبتلع ريقها بصعوبة بالغة، ثم نهته عن فعلته تلك معها:
ــ ممكن بلاش الحركة دي تاني، مش حابة أي لمس مش من حقنا، متخلينيش أحس بحاجة مش حابة أحسها إلا لما يأذن ربنا.
ود أن يقبل يداه التي احتضنت كف يدها كي يشتم رائحة عبيرها بين كفه، ثم علل فعلته تلك لها:
ــ إني لمست يدك علشان أحسسك إني حقيقي وإني موجود وإنك فعلاً مرغوب فيكي وبالقووي كمان. علشان تحسي من لمستي إني هحبك بجد يا أم الزين وإنك مش مرحلة وخلاص ووقت وهيمر أو إنك نزوة لواحد لسه مدخلش دنيا الجواز. إنتي تستاهلي إن يكون في حياتك حد يحبك ويخاف عليكي ويحسسك إنك أهم حاجة في حياته، صدقيني مش هتلاقي حد يحبك قدي يا مها.
ــ أول مرة تنطق اسمي من غير أم الزين أو يا بطل... قالتها مها بعينين تلتمع شغفاً لاسمها الذي خرج من شفتيه وأثر بها، وعقب عليه هو:
ــ بناديكي بأم الزين علشان أعرفك إني حابب اللقب ده قوي ومش فارق معايا إنك كان ليكي حياة قبل كده ولا لأ، وبناديكي ببطل علشان انتي فعلاً بطل.
وأكمل بدعابة كي يدخل السرور على قلبها:
ــ ومش بس بطل ومهلكة كمان، وإني غلبان يتيم وعايز قلب يحتويني.
ضحكت على طريقته التي حفظتها منه، ثم حملت حقيبتها وهاتفها كي تترك له المكان مرددة بنفس دعابته:
ــ طب قوم يا غلبان يا يتيم علشان ماجدة متخرجش تدور علي وتلاقيك قاعد تغازل أم الزين بكريتها اللي هتغير عليها من الهوا فتقوم مطيراك.
انتصب واقفاً ثم غمز لها مجيباً على كلامها:
ــ وماله، ماهي هتطيرني وأقوم ألبس في بيتها، وتوبقى أحلى لبسة دي ولا إيه يا بطل جيلي.
حركت رأسها بغلب من كلماته التي لا ينفض عنها أبداً، ثم تحركت هي الأول وقام هو بدفع الحساب للكاشير وتحرك ورائها، ولكن مشى في اتجاه غير اتجاهها كي لا يلفت الأنظار إليهما، فهو يخشى عليها من الهمز واللمز بشدة.
أما في القاعة وبالتحديد عند العروسين، صعدت شمس إليهما، ثم مدت يدها وسلمت على رحمة وباركت لها، وجاء دور تسليمها على ماهر الذي مد يده لها بذوق تحت استشاطة رحمة التي تود اختناقها الآن، وهي تخرج هاتفها طالبة منه:
ــ ممكن نتصور مع بعض يا أبيه، حابة نتصور مع بعض وانت عريس.
إلى هنا واكتفت رحمة بسماجة تلك الشمس، ثم رمقتها بتحذير وهي تجز على أسنانها بغضب:
ــ شكلك عايزة تتهزقي قدام العالم ده كله، لمي نفسك وخذي موبايلك واخفي من وشي يا باردة، بدل ما أكسره لك هو كمان زي اللي فات واخلي اللي ما يشتري يتفرج عليكي، إني مجنونة ومهمنيش.
اتسعت مقلتا شمس من قلة ذوق رحمة معها، ثم اشتكتها إلى ماهر الذي نفخ بضيق من ذاك الثنائي:
ــ شايف يا أبيه بتتكلم معايا إزاي، وأنا مجيتش ناحيتها أصلاً ولا جريت شكلها علشان تتكلم بالطريقة بتاعتها دي معايا.
اعتذر لها ماهر:
ــ معلش يا شمس، حقك عليا، إني بلاش تصوير لو سمحتي، واتحملي كلامها علشان خاطري إني.
دبت في الأرض بغيظ من رحمة، ثم بدلت غيظها وابتسمت لها بسماجة لاعتذاره لها:
ــ علشان خاطر غلاوتك عندي يا أبيه، مش زعلانة وربنا يتمم لك على خير.
أنهت كلماتها ثم تحركت من أمامه، وما إن مشت حتى سخرت منها رحمة وهي تقلد كلماتها الأخيرة باستهزاء، ثم توعدت لماهر:
ــ وبتعتذر لها كمان يا ماهر، طب قابلني بقى لما نروح إن شفت بس شعراية مني يا بتاع شمس.
اهتز فكه بسخرية من وعيدها، ثم أفسده عليها:
ــ دي بعدك يا هانم، من أول ما نركب العربية ونروح على بيتنا هيوبقى خلاص زمام أمورك في يدي، وبقول لك إيه، عدي ليلتك على خير يا رحمة، علشان انتِ عارفاني عصبي وخلقي ضيق.
رفعت حاجبها بغيظ، ثم قالت:
ــ طب لما نشوف يا ماهر.
في خارج القاعة، توجد تلك السيارة التي اتفق معها حافظ أن يأتوا له بابنة أخيه، يتحدث ذاك الرجل:
ــ خلاص ياباشا، الفرح قرب يخلص، وأكيد هي هترجع لوحدها وهجيبها، يعني هجيبها.
حذره حافظ قائلاً:
ــ على الله تيجي من غيرها، مش هيحصل طيب.
طمأنه ذلك الرجل، وبعد مرور نصف ساعة بالتحديد، انتهى حفل الزفاف وانطلق العروسان، ومن سوء الحظ هؤلاء الرجال، أن السيارة التي أعطوها ماهر لشمس كي تأتي بها الزفاف تسير وسط السيارات التي ذهبت خلف سيارات العريس وعروسه، فهي أحبت أن ترى هذه الأجواء، حتى وصلوا إلى منزلهم وشاهدت الزفة التي قاموا بها لرحمة، وبعد أن دلفا العروسان إلى منزلهم، انفض الجميع من حولهم، ولكن عمران استأذن سكون:
ــ معلش يا حبيبي، اركبي مع عربية الحاج والحاجة، فرسة تعبانة جداً والسايس كلمني هروح أشوفها، هو طلب لها الدكتور، وبعدين هبقى أجي لك. أوعي تنامي.
ربت على ظهره بحنو وهي تحرك رأسها بموافقة مع ابتسامة مصاحبة لوجهها وهي تطمئنه على فرسته العزيزة على قلبها:
ــ متقلقش ياعمران، هتوبقى زينة، هستناك متقلقش.
ابتسم لها وعرف والديه وصعد إلى سيارته وانطلق بها إلى مزرعتهم. بعد أن تحركت السيارة مسافة طويلة، إذا به يرى شيئاً غريباً من بعيد، سيارة أحدهم تعترض سيارة أخرى على الطريق الزراعي المظلم ذاك، ففتح درج سيارته وشد أجزاء سلاحه ليستعد لمساعدة السيارة الأخرى، ثم زاد من سرعة سيارته وهو يرى اقتحامهم لتلك السيارة وإخراج تلك الأنثى منها، وما إن رأوه من بعيد حتى أسرعوا في جذبها، ولكنه لحقهم سريعاً. ولكن حدث ما لا يحمد عقباه.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم فاطيما يوسف
ابتسم لها وعرف والديه وصعد إلى سيارته وانطلق بها إلى مزرعتهم.
بعد أن تحركت السيارة مسافة طويلة إذا به يرى شيئًا غريبًا من بعيد، سيارة أحدهم تعترض سيارة أخرى على الطريق الزراعي المظلم ذاك. ففتح درج سيارته وشد أجزاء سلاحه ليستعد لمساعدة السيارة الأخرى. ثم زاد من سرعة سيارته وهو يرى اقتحامهم لتلك السيارة وإخراج تلك الأنثى منها.
وما إن رأوه من بعيد حتى أسرعوا في جذبها، ولكنه لحقهم سريعًا. ولكن حدث ما لا يحمد عقباه، فقد تعامل هؤلاء الأشخاص بالسلاح فور رؤيتهم لسيارة عمران تقتحم سيارتهم. فقد صوبوا سلاحهم على عجلات القيادة لسيارة عمران كي تقف ولا تتحرك من مكانها.
فاضطر هو الآخر لاستعمال سلاحه، ولكن طلقته أصابت أحدهم في ذراعه مما جعلهم جميعًا يرتعبون. فهم ليسوا قادمين إلى تلك البلدة من أجل سفك الدماء، ولكن الآن تعرض صاحبهم لإصابته بطلق ناري في ذراعه. فبدأوا بإطلاق النيران على عمران هو الآخر، ولكن أحدهم نهاهم وهو ينظر حوله برعب:
"انتوا اتجننتوا مش شايفين الكاميرات اللي مالية المكان والعواميد بتاعتهم؟ هاتو البت دي بسرعة يلا خلينا نتحرك."
كانوا ثلاثة أشخاص، أصيب أحدهم والآخر يحاول التلاعب مع عمران، أما الثالث فيحاول جذب تلك الشمس وإدخالها عنوة إلى السيارة. ولكن جسدها الخفيف يجعلها تتحرك بسرعة من بين يده وهي تحاول الدفاع عن نفسها.
وكل ذلك لم يهب عمران شيئًا، فأمامه رجال يقومون بخطف امرأة. ففاضطر الرجل بضرب الرصاص على عمران ولكنه لم يصيب الهدف، فهو تعامل معهم بذكاء نظرًا لتمكنه من حفظ المكان. ثم اختبئ بجانب شجرة أمامهم وعلى صوته وهو يتصنع التحدث في الهاتف كي يصيبهم بالرعب ويشتت شملهم:
"انت فين يابني أقل من دقيقة تكون قدامي انت وعشرة كمان وسلاحكم معاكم وحاوطوا الطريق الزراعي كله، عايزاه مقفول ميعديش منه دبة نملة."
ثم على صوته إليهم وهو يحتمي بجذع الشجرة ويصوب عليهم طلقات النار بشجاعة دون أن يهابهم:
"سيبوها يا عرة منك ليه ومش هتخرجوا من اهنه الا على جثتي."
ارتعب أحدهم ورماها أرضًا وهرول سريعًا وتركهم وهو يردد بهلع حينما استمع إلى مجيء الرجال وإغلاقهم للطريق:
"مع نفسكم ياروح ما بعدك روح."
تركه عمران كي يستطيع التعامل مع هذا الواقف بمفرده، الذي ردد لعمران وهو مازال يتمسك بقبضة من حديد بذراع شمس التي تصرخ وهو يتحلى بشجاعة واهية:
"انت متعرفش احنا جايين تبع مين، سيبنا ناخدها ونمشي هنرجعها لأهلها الهربانة منهم وأهلها ناس تقال قوي في البلد، مدخلش نفسك في حوارات انت لا غنى عنها."
كان يتحدث وعمران يتحرك بخطوات أشبه بدبة النمل كي لا يشعر ذاك المتسلح الذي انشغل مع كلمات شمس ومحاولة إفلات نفسها من بين يده:
"متصدقهوش يابشمهندس دول عايزين يخطفوني وأنا والله ما أعرفهم، انت راجل صعيدي متسبش الحرامية اللصوص دول ياخدوني أبوس إيدك لو رحت معاهم هضيع."
كان المضروب رصاصة في كتفه يرى قدوم عمران من الخلف وهو قادم على زميله. فهدده عمران بالسلاح في صمت كي لا يتنفس وهو يتهادى بخطواته الهلامية حتى باغته بضربة على رأسه من الخلف جعلته يفقد توازنه. فابتعدت هي فورًا واشتبك عمران مع ذاك الرجل الذي بدأ بالدفاع عن نفسه.
أما ذاك الذي أصيب في ذراعه، فر هاربًا هو الآخر. ولم يتبق سوى الذي يتبارز مع عمران بحرفية، فالآخر قوي البنيان مثله بل ومدرب على تلك الحركات القتالية. ولكن عمران يجابهه بشراهة وبكل ما يملك من قوة رجل صعيدي، وتلك المبارزة بالنسبة له تعد من التفاهات في بلدتهم. وهو يأمر شمس:
"روحي على عربيتك اقفلي على نفسك ومتتحركيش من مكانك، لأن اللي هربوا ممكن يترصدوكي استنيني."
ارتعبت من كلامه فجرت سريعًا إلى سيارتها والخوف ضرب بأوردتها ضربًا. ولكنها تعثرت بفستانها الطويل وكعبها العالي حتى سقطت أرضًا. وحدث ما لم تكن تتوقعه، فقد وقعت على تلك الحجارة الكبيرة الممتلئة بالحديد المدبب. ولم تراها فالليل وإنارة الشوارع غير كافية، غير ذلك أنها كانت لا ترتكز في جريها. فخرت مغشيًا عليها والدماء تسيل من جنبها.
مما أصاب عمران بالقلق من ذاك المشهد، فأنهى أمر ذاك الرجل سريعًا بإطلاق رصاصة أخرى كان لا يريد اللجوء إليها في مبارزته في قدمه مما جعله يتهادى أرضًا. ثم هاتف الشرطة وأبلغ عنهم على الفور وذهب ليطمئن على تلك الملقاة ودماؤها تسيل. فرفعها بين ذراعيه ويده تحاول الكشف عن مكان جرحها حتى استقرت في جنبها. فخلع الجاكيت الخاص به ودثرها جيدًا. ثم حملها وهي غائبة عن الوعي وأدخلها إلى سيارتها لأن عجلات القيادة لسيارته قد تعطلت بسبب هؤلاء الأوغاد.
ثم عاد سريعًا إلى هذان الرجلان اللذان يحاولان الهرب. ولكنه أطلق رصاصة في الهواء جعلتهم وقفوا مكانهما. ولم يصبر كثيرًا حتى حضرت الشرطة وقص عليهم ما حدث سريعًا، فهو معروف عند رجال الشرطة لأنه تحدث مع صديقه. فهتف له على الفور:
"اني مضطر أمشي دلوقت لأن البنت وقعت على الحجر وهي بتجري منهم وجنبها اتخبط في سنون الحديد، هروح بيها على المستشفى العام وانت ابقي تعالى حقق هناك. ده غرقانة في دمها وربنا يستر."
أشار إليه أن يتحرك بها بعد أن مشى بجانبه ورأى حالتها تلك. فصعد عمران سيارتها وذهب بها إلى المشفى وهو يقود سيارتها بسرعة كبيرة. وفي طريقه هاتف سكون وأبلغها ما حدث فهلعت لأجله:
"وانت جرى لك حاجة ياعمران طمني بسرعة؟"
طمأنها على عجالة كي لا يستدعي قلقها:
"متخافيش ياسكون اني بخير مفيش حاجة عفشة، اني قلت اعرفك بس علشان متقلقيش علي."
همت واقفة واتجهت إلى خزانة ملابسها لتقول له والقلق نهش بها:
"اني هلبس وجاية لك المستشفى ومتعارضش علشان جاية يعني جاية."
نهاها بقوة:
"له ياسكون كيف هتخرجي من البيت في الساعة دي؟!"
"اعقلي يابت الناس اني زين ومفيش حاجة حاصلت لي خليكي في دارك وهطمنك علطول في التليفون."
أصرت سكون على أن تأتي له:
"مهما يكون الوقت ياعمران هاجي يعني هاجي متحاولش معايا."
نفخ بضيق من تصميمها، فيكفيه ما به الآن. ثم هتف بنفاذ صبر:
"ياسكون اقعدي بقي ومتتعبنيش وياكي عاد، اني اللي فيا ومعاي مكفيني مش ناقص أشغل بالي في الوقت بمجيك انتي كمان."
شعرت بالقلق والتوتر أكثر من ذي قبل من كلماته:
"له هو انت فيك حاجة ياعمران!"
والله لا هاجي يعني هاجي .
ثم أغلقت الهاتف معه وارتدت ملابسها على عجالة مما جعل عمران يختنق من تصرفها الأهوج ذاك.
ثم هاتف أبيه وأبلغه ما حدث كي لا يترك سكون وحدها ويأتي معها.
وسمعت زينب ما قاله عمران فرددت بعويل وهي تضرب على صدرها بعد أن أغلق سلطان الهاتف:
ــ وه يا ولدي كان متخبي لك فين البلاوى داي؟
ثم قامت هي الأخرى وأصرت أن تذهب معه كي تطمئن على ولدها.
وحاول سلطان منعها ولكنها كانت متشبسة هي الأخرى بتصميم.
هبطت سكون الأدراج في هدوء كي لا تسبب الإزعاج لسلطان وزينب.
ولكنها وجدت سلطان يجلس في الصالة فتحمحمت بهدوء وهي تلقي السلام:
ــ السلام عليكم ورحمة الله. بعد إذنك يابا، هروح المستشفى ضروري.
قام من مكانه وهو يتعجل زينب مما جعل سكون تندهش:
ــ يلا يا حاجة. وعليكم السلام يا بنتي. إني رايح معاكي. عمران كلمني والحاجة زينب راسها ألف سيف تروح هي كماني.
خرجت زينب وهي تحكم خمارها على رأسها وتحركوا جميعًا ذاهبين إلى عمران.
بعد وقت قليل وصلا إلى المشفى وزينب تركض في الطرقات ركضًا.
وتلتها سكون والقلق ينهش قلبهم حتى عرفت سكون مكانه فهي تحفظ المشفى عن ظهر قلب.
وما إن وصلتا إليه حتى اختطفته يد زينب إلى أحضانها قبل سكون.
التي تقف الآن لا تستطيع صبرًا، وخاصة وهي ترى الكدمات في وجهه من أثر الاشتباك:
ــ يا حبيبي يا ولدي. كان متخبي لك فين يا نضري؟ احكي لي جرى لك إيه وإيه اللي حصل؟
تنهد عمران وهو ينظر لسكون بملامة فهو كان لا يريد أن يصيب قلبي والديه بالهلع.
أما هي نظرت إليه نظرات احتياج تريد أن تضمه إلى قلبها وتطمئن عليه.
فهو اليوم قد تعارك بالسلاح وكان من المحتمل أن تصيبه طلقة نارية تؤدي بحياته.
ثم شدد على احتضان والدته مطمئنًا إياها:
ــ متقلقيش يا حاجة، إني زين قدامك أهو ومفيش حاجة فيا. ولدك راجل من صلب راجل مش عيل صغير علشان تترعبي عليه أكده.
أما سلطان سأله باستكانة:
ــ إيه اللي خلى العيال دي تتعرض لك يا عمران وتشتبك وياهم؟ هو إني مش منبه عليك لما تكون وحدك متدخلش أي معركة؟
ليه ماتصلتش علي وواجهتهم لحالك؟ افرض كان حصل لك حاجة لا سمح الله؟
قص عليه عمران ما حدث بالتفصيل.
ثم سألته سكون:
ــ طب والبنت دي حالتها كيف وفين شنطتها؟ نشوف أهلها علشان ييجوا يستلموها.
هنا تحدثت زينب بشفقة:
ــ يا عيني يا بتي. يا ترى عملوا فيكي إيه وكشفوا سترك ولا إيه؟
هتف عمران نافيًا ظنها:
ــ له يا حاجة. ملحقوش يعملوا فيها حاجة عفشة لا سمح الله. إني شفتهم قبل ما يوقفوا عربيتها ومن وقتها الاشتباك بيناتنا ابتدى. بس هي الله أعلم حالتها عاملة كيف. دي وقعت على حجر أسمنت مدبب بالحديد ونزفت دم كتير قوي.
كانوا يتحدثون وقلوبهم تدق بعدم الراحة.
ثم خرجت إليهم الممرضة وطلبت منهم:
ــ الحالة اللي جايه معاكم يا جماعة محتاجة نقل دم ضروري جدًا.
هتفت سكون إلى الممرضة وهي تسألها:
ــ فين المسؤول عن القسم يا آنسة؟ ماتجيبوا من بنك الدم وأنقذوا الحالة.
أجابتها الممرضة وهي تعرفها جيدا:
ــ إنتي عارفة يا دكتورة إن بنك الدم مفيهوش رصيد كفاية.
سألها عمران:
ــ أنا هديها أنا. فصيلتي O بتدي كل الفصايل.
اعترضت زينب وهي تمنعه أن يتحرك:
ــ له متديهاش حاجة؟ هي كمان هتاخد دمك وانت كنت هتموت بسببها؟ مش كفاية وشك ودراعك اللي هتحمله على يدك دي دم كماني؟
خلل عمران أصابعه بين خصلات شعره ثم نطق بنفاذ صبر:
ــ وه يا حاجة. هي ذنبها إيه في اللي هتقوليه ده؟ دي أمر الله عاد وهو اللي بعتني في طريقها علشان أنقذها. ودلوقتي في يدي حاجة بسيطة أعملها علشان أنقذ حياتها. أسيبها عاد؟ همليني بقي يا حاجة زينب الله يرضي عنيكي. خلينا نخلص من الليلة دي.
كانت سكون تقف صامتة بمشاعر مختلفة تستحوذ على عقلها وقلبها.
والأغلب أنها مشاعر مخيفة يشعر بها قلبها ولم تعرف ما سببها أو ما وراءها.
ولكنها كانت في وضع غير مريح لها ولعمرانها وفضلت الصمت ومشاهدة ما يحدث حولها دون أن تتفوه ببنت شفة.
تركهم عمران ودلف إلى غرفة الفحص.
وبعد عدة أسئلة عن صحته اكتشفوا أنه لن يعاني من شيء.
فسحبوا منه ما سيحتاجونه من كمية الدم المطلوبة.
ثم حول أنظاره إلى تلك النائمة في ملكوت وجعها وهو يتحقق من ملامحها التي رآها بريئة.
وبات داخله يسأل: ماذا كان لهؤلاء الرجال مع تلك الصغيرة التي يبدو على وجهها الآن أنها بوجه ملائكي حتى يفعلوا معها هكذا؟
أيعقل أن تكون هاربة من أهلها كما قال له الرجل؟
ظلت تلك التساؤلات تجوب خيال عمران حتى انتهى من إعطائها الدم المطلوب وقام من مكانه بسكون لشعوره بالدوار قليلا.
خرج من الغرفة وجد سكون تنتظره أمامها وبيدها زجاجة من العصير الفريش أتت بها له من كافتيريا المشفى.
تناوله منها سريعًا فهو كان يشعر بالاحتياج إليه كثيرًا نظرًا لعطشه أولًا وشعوره بالدوار ثانيًا.
وبعد أن روى ظمئه نظر إليها وجد ملامحها باهتة حزينة فأراد ادخال السرور على قلبها وهو يرى تغيرها:
ــ شفتي أهي الليلة انضربت يادوب ولا غمزة ولا همزة ولا شقاوة ولا حتى حكمدار وعين ماهر رشقت فيا وزمانه هو اللي دايب في الغمزات والحوارات وأنا لبست في حوار مهبب وواحدة مرمية جوه بين الحيا والموت.
ضحكت من كلماته بل وخرجت الضحكات من قلبها على دعابته معها في تلك الظروف.
ثم رددت بأسف على آخر كلامه:
ــ معلش غصب عني ضحكت والله. بس مين قال إنها عين ماهر بس دي الراجل زين والعيبة مبتطلعش منه؟
حرك رأسه رافضًا بقطع:
ــ لااا اسكتي. أصلك متعرفيش حاجة. دي عينه كانت هتاكلني واني مودي له رحمة وخصوصي لما بوستها من راسها. دماغه تعبانة. قريت في عينيه أنه عايز يديني بوكس في وشي اللي زمانه بردو دلوقتي هيدوق العسل وأني أهنه هدوق الدم والمحاليل ولسه حوار التحقيقات اللي هيفضل للصبح.
لكزته سكون بغيظ من كلامه:
ــ الله! هو الجدع مولود فوق راسك؟ انت اللي هتنق عليهم أهو. ربنا يستر عليهم بقي. وبعدين هي مش مرته؟ تبقى أختك. أتمنى لهم السعادة وراحة البال.
ــ سعادة وراحة بال في جملة واحدة مع رحمة أختي دي في الأحلام... جملة استنكارية نطقها عمران بدعابة.
ثم أكمل بنفس دعابته:
ــ دي رحمة هتنسيه اسمه من جنانها ودماغها المفوتة.
ثم داعب وجنتيها بأصابع يديه هاتفا بمشاكسة:
ــ يسلم لي العاقل الرزين اللي كان في ليلة فرحنا ملاك وقمر قوي.
ثم غمز لها مكملا:
ــ ماتيجي نعيد الأمجاد ونروح كده أي بلد نقضي أسبوع أكده. أصل الجو أهنه اليومين دول بقي ملبش ومش عاجبني كاتم على أنفاسي.
اتسعت مقلتيها بذهول:
ــ بجد ياعمران؟ نسافر بالله عليك. أصل إني مخنوقة قوي وعايزة أهج من أهنه وأغير جو شوية.
رفع حاجبه الأيسر هاتفا باستمتاع:
ــ آه قولي بقي إنك وحشك الدلع وعايزانا نرجع أيام الشقاوة واحنا في مكان محدش يعرفنا فيه.
ابتسمت بخجل ثم حركت رأسها للأمام بموافقة وهي تحاول أن تتناسى الزمان والمكان والموقف ككل وانشغلت بعمرانها:
ــ اها وحشني وعايزة أستفرد بيك. عندك مانع؟
غمز لها مرددا بعبث:
ــ ياباشا إني أصلا راجل صاحب مزاج وكيف عالي وبعشق الاستفراد والحوارات دي أصلا. سكتي بس محتاج فرصة عدم الإزعاج علشان كله يستريح.
سألته ببراءة:
ــ كله مين يا عمران؟ اللي يستريح؟
حرك إبهامه على وجنتها قائلا بمكر:
ــ لما نروح هناك هبقى أشاور لك على كله حاجة حاجة. بس إنت كثر الدعوات نخلص من الحوار دي وبعدين كله يستريح.
لكزته بخفة في كتفه:
ــ إنت رخم قوي على فكرة.
ــ هو في أحلى من الرخامة؟ بتعمل شغل عالي ياسكوني.
ــ لااا دي إنت باين إنك كنت واخد جرعة وقاحة من شوية مش بوكسين معلمين في وشك.
ــ ومالها الوقاحة مش أحسن من النكد بذمتك؟ وياريت الواحد عارف يطولها بمزاج. داي شكل ما يكون كل حاجة متفقة عليا النهاردة تضيع الليلة والترتيبات اللي كانت في دماغي. بس يالا الحمد لله خيرها في غيرها.
كانوا يقفون مندمجين مع بعضهم في مشهد أليف جميل يمسح على حزنها كالقط الوديع وهي تبتسم له وتبادله خفته معه بلطف اعتادت عليه.
إلى أن استمعا إلى صوت زينب التي ذهبت تصلي الفجر وعادت إليهم تردد:
ــ كيفك يا ولدي؟ حاسس بدوخة من نقل الدم؟
طمأنها عمران وهو يربت على ظهرها بحنو:
ــ زين يا حاجة. متقلقيش. مش تروحي ترتاحي عاد؟ واني هفضل بس لحد ما الظابط ييجي. هو كان قايل لي هكون عندك 8 الصبح. خدي أبوك وروحوا ارتاحوا في فرشتكم.
اعترضت تمامًا على اقتراحه ثم قالت بتصميم:
ــ مش هتحرك من أهنه ولا إني ولا أبوك غير يدك في يدي. متتعبش حالك.
ثم ناولت سكون الحقيبة الخاصة بتلك الفتاة:
ــ خدي يا بتي شنطة البونية اللي جوه أهيه. شوفي فيها إيه خلينا نعرف عنها أي حاجة.
أخذت منها سكون الحقيبة ثم فتحتها واخرجت منها البطاقة الشخصية الموجودة فيها.
وقرأتها وعرفت هويتها وأنها من القاهرة ولكن بالطبع لن يعرفون عنها شيء.
ثم بحثت في الحقيبة ووجدت ورقتان أخرتان فناولتهم لعمران.
فقرأهم وإذا به يشعر بالشفقة تجاهها.
أنها شهادة وفاة أبيها وأمها.
فردد عليهم بذهول وهو يتحقق من اسم والدها في البطاقة ووجده مطابقًا لشهادة الوفاة:
ــ يا حول الله. دي أمها وأبوها ميتين وهي يتيمة ودول شهادات وفاتهم.
هنا ضربت زينب على صدرها وهي تشعر بالشفقة والعطف تجاه تلك المسكينة:
ــ يا عيني عليكي يا بتي. يعني زي ما قالت إنهم كانوا جايين يخطفوها وهي فعلاً يتيمة الأب والأم. وربنا بعتك ليها في وقت الضيقة. الله أعلم كان هيعملوا فيها إيه اللي ينشلوا في إيديهم دول.
أتى سلطان واقف بجانبهم وقصوا عليه ما حدث.
فشعر بالعطف تجاهها هو الآخر ثم قال:
ــ خلاص يا ولدي. لما تفوق هاتها عندينا على البيت لحد ما تتعافى خالص. وبعدين نشوف أمرها إيه. أو هي موجودة أهنه ليه؟ ما ينفعش إننا نتخلى عنها واصل. إحنا عندنا ولايا علشان ربنا يبعت لهم اللي يقف جنبيهم وقت الضيق.
وجدت سكون هاتفها فأخرجته هو الآخر.
ثم ضغطت على الزر الخاص به وإذا بها تنصدم من الصورة التي رأتها.
فكان ماهر زوج رحمة وهو يحملها بين يديه ويبدو أنها كانت طفلة صغيرة.
ثم هتفت وهي تعرض عليهم شاشة الهاتف:
ــ إيه ده؟
داي باينها طلعت عارفة ماهر ومتصورة معاه كمان وهي طفلة صغيرة. معقولة تكون قريبة ماهر؟ وكانت بتحضر الفرح والناس داي اتعرضت لها!
تفحصت أعينهم جميعا الصورة والاندهاش ملأ ملامحهم. ثم اخرج عمران هاتفه كي يتحدث مع ماهر ويعرف أمرها. ولكن والدته جذبت منه الهاتف، وقد فهمت ما ينتوي فعله، ناهية اياه:
ــ هتعمل ايه يا ولدي؟ بلاش ترن على جوز أختك في الوقت ده عشان ما يقلقوش، وكمان دول عرسان وداي ليلة دخلتهم. الصباح رباح، وهي أكده أكده ما دريناش بحاجة. لما تفوق وناخدها عندنا البيت، نبقى نكلمه ونشوف حوار البنية داي إيه؟
استجاب لرأي أمه ووقفوا جميعا يتحدثون، وكل منهم يلقي ظنونه برأيه في ذاك الحادث، مما جعلهم حائرون للغاية. بعد مرور ساعتين من التعب والإرهاق لجميعهم، دلفت سكون إليها لتطمئن على حالتها، وفعلت معها بعض الأشياء إلى أن فاقت. فخرجت إليهم وأعلمتهم بإفاقتها، فدخلوا إليها جميعا. وما إن رأت زينب هيئتها الغاية في الجمال حتى رددت بتكبير:
ــ الله أكبر، تبارك الله. البنتة جميلة جمال غير عادي. بس يتيمة يا حبة عيني، والزمن بيودي ويجيب. فيها كبدي عليكي يابتي.
في ذاك الوقت بالتحديد، شعرت سكون بأن شيئًا ما يهدد أمانها بعدما سمعت تلك الكلمات من زينب. وضـ.ـرب الخوف بأوردتها مجرى الدم في العروق، وخاصة كلمة "يتيمة" التي رددتها زينب وزادتها "بجميلة". ثم استمعت إلى باقي حديثها الذي زادها هلعًا من التركيز مع تلك البنت بشدة:
ــ هو انت ملبسها الجاكيت بتاعك يا ولدي؟ ولا أنا بتهيأ لي؟
أجابها عمران بتدقيق وهو يرى الخوف والغيرة يدوران في مقلتي سكون، فهو يفهمها من نظرة عن ظهر قلب:
ــ شكل ما انت شايفة يا أمي، هي مش محجبة ولبسها ما كانش متداري، وكمان كانت بتنزف. فاضطريت إني ألبسها الجاكيت بتاعي عشان أسترها.
ظلت زينب تتحدث عنها وهي تنظر إليها بعيناي معجبة بها ومتلهفة لقدومها معهم إلى المنزل بتشجيع هائل، مما جعل سكون لا تشعر بالراحة في كل كلمة تخرجها زينب من فمها.
وسألت سكون بحكم أنها طبيبة بعد أن عرفت حالتها بالكامل:
ــ هي دلوك فيها حاجة إنها تفضل في المستشفى؟ ولا ناخدها ونروح يا بتي؟
أجابتها سكون بفتور:
ــ لا، هي الجروح اللي فيها طلعت سطحية الحمد لله. لكن مضطرين نستنى التحقيقات، ما ينفعش تخرج من المستشفى إلا لما الظابط يجي ويحقق معاها.
بعد قليل، فاقت شمس وهي تشعر بالدوار الشديد في رأسها، وتتأوه بصوت رقيق أدهش زينب، ويبدو أنها تهذي من أثر المخدر:
ــ آه آه دماغي. آه متسبنيش ليهم أرجوك. دول عايزين يرجعوني لعمي الظالم. متسبنيش.
ربتت زينب على ذراعها بحنو ثم طمأنتها وهي تحاول إفاقتها:
ــ ما تقلقيش يا بتي، انتي زينة وبخير وكلنا جارك. إنتي بقيتي في أمان دلوك.
بدأت شمس بفتح عينيها رويدًا رويدًا وهي تشعر بالدوار الشديد وغمامة أمام عينيها. وهي تنظر للاشخاص المحاطين بها ولسانها يردد:
ــ أنا عطشانة. عايزة أشرب.
أتت لها سكون بكوب من الماء وناولته إياها، وقامت بمساعدتها على تناوله برفق. وبعد أن تجرعته، بدأت بفتح عينيها على وسعيهما ثم استوعبت أخيرًا الرؤية الواضحة. حتى استقرت عينيها على عمران الذي أنقذها بشجاعة باسلة من يد هؤلاء الغادرين. وقد تسهمت نظراتها عليه بامتنان مصاحب للانبهار بأن ذاك الرجل أنقذها من موت كانت ستعيشه بالحياة دون أن يهابهم. ثم شكرته بنبرة رقيقة:
ــ انت اللي انقذتني منهم وما خفتش يجرى لك حاجة رغم السلاح اللي كان معاهم. أنا مش عارفة أشكرك إزاي. انت انقذت حياتي كلها من الدمار اللي كنت هعيشه. أنا مديونة لك بعمري كله عشان خرجتني من ورطة كبيرة قوي. مش عارفه اشكرك ازاي يا...
نطقت زينب متلهفة لكي تعلمها اسم ابنها الشجاع الذي أنقذها:
ــ اسمه عمران يابتي. ابني اللي مشرفني ورافع راسي في كل حتة.
نطقت "عمران" اسمه من شفتيها برقة مصاحبة لبحة في صوتها نظرًا لمرضها:
ــ "عمران". اسمك يليق للفرسان اللي انت عملته معايا أشبه بالفارس النبيل الشهم. أنا لو فضلت أشكرك عمري كله على وقفتك جمبي مش هوفيك حقك.
واسترسلت حديثها وقد تبدلت كلماتها الرقيقة إلى أخرى حزينة وقد بدأت في البكاء. فهي تشعر بالذل:
ــ أصلكم متعرفوش عمي الظالم ده باعت ياخدني إجباري عشان يجوزني ابنه المعوق اللي جوازي منه أصلا ولا يرضي الشرع ولا القانون. بس عشان أنا يتيمة ولا ليا أب ولا أم ولا أخ، وهو الوحيد اللي ليا بيذلني. وحتى مرضيش يديني حقي في بيت بابا إلا لما اتجوز ابنه. وأنا الموت عندي أهون من إني اتجوز البني آدم ده.
شعر "عمران" بالشفقة لأجلها والجميع أيضا. وحتى "سكون" شعرت بالشفقة عليها هي الأخرى. ثم رددت زينب بحنو وهي تمسح بيدها على خصلات شعرها الناعم:
ــ ياحبيبتي منه لله عمك دي. هي الناس خلاص كلت بعضها وهيفتروا وياكلوا حق اليتيم اللي ملهوش ضهر. اشتكيه لربنا وهو هياخد لك حقك منه الضلالي دي.
أحست "شمس" بأنها تود أن ترتمي داخل أحضان زينب كي تشعر بحنان الأم التي حرمت منه. فطلبت منها وهي تنظر لها بعيناي ممتلئة بالدموع:
ــ انتي جميلة قوي يا طنط. هو إنت ممكن تاخديني في حضنك؟ بقالي كتير نفسي حد يحضني ويطبطب عليا.
أسرعت زينب بأخذها بين أحضانها وهي تربت على ظهرها وتمسح على شعرها بحنان بالغ، والأخرى تمسكت بأحضانها باحتياج. فاليتم والقهر شعوران يؤديان بالإنسان إلى أعلى مراتب الفقدان بكل ما هو جميل.
أما سلطان، تحمحم متسائلا إياها:
ــ هو انتي تعرفي المتر ماهر الريان منين؟ أصل إحنا لقينا صورتك وياه على تليفونك، أصل إحنا فتحناه عشان نعرف إنتي مين.
خرجت "شمس" من أحضان زينب ثم جففت عبراتها بالمنديل الورقي الذي ناولته لها سكون وأجابته:
ــ ماهر كان جوز أختي اللي ماتت من عشر سنين. وهو اللي مربيني وبعتبره أخويا الكبير. جت له واحتميت فيه وهو مقصرش معايا رغم تهديدات عمي ليه. وجاب لي مكان أعيش فيه. وعمي تقريبا عرف إن فرحه النهاردة وإني أكيد هروح. فدبر لي حكاية الخـ.ـطف دي. لأن الكومباوند صعب إن حد يدخل ويخرج منه أو حد يخطـ.ـف حد فيه. لأن ماهر مشدد على الأمن إنهم ياخدوا بالهم مني. فعلشان كده استغل فرصة الفرح.
هنا هتفت "زينب" بما جعل "شمس" تندهش:
ــ ولا برواة عليك ياماهر يا جوز بتي. طلعت راجل وأصيل وشهم.
ــ هي "رحمة" تبقى بنتك يا طنط؟ ... جملة استفهامية نطقتها شمس بذهول وحدسها لم يستوعب أن تلك السيدة الطيبة الحنون التي احتضنتها تكن والدة تلك "الرحمة" الشرسة التي تجبرت عليها كثيرا. فعقبت زينب عليها بتأكيد:
ــ أه رحمة تبقى بتي وماهر جوز بتي.
قطع حديثهم دخول الظابط أخيرا كي يأخذ أقوالهم. وبدأ بالفعل أسئلته لشمس وعمران وأجابوه بما حدث بالتفصيل. استمرت أسئلته ما يقرب من نصف ساعة حتى حصل على استجوابهم بالكامل. وقد اعترفت على عمها وأنه هو الوحيد الذي سيفعل بها هكذا. وكما أن عمران عرّفه ما قاله له أحد الرجال أثناء العراك عن أهلها. وانتهى التحقيق وخرج الظابط من الغرفة. ثم قالت زينب لها:
ــ طب يابتي، إنتي مش هتعرفي تروحي على شقتك لأنك تعبانة ومتقدريش تخدمي حالك. وكمان مش عايزين ماهر ياخد خبر. دي عريس. إحنا هنقوم بالواجب معاكي بداله. انتي هتيجي معانا على دارنا واخدمك بعيني لحد ما ربنا يتم شفاك على خير وتوبقي زينة يا بتي.
انتابها شعور بالإحراج الشديد من عرض زينب. ثم هتفت برفض لحفظ ماء الوجه:
ــ معلش يا طنط مش هينفع. أنا هعتمد على نفسي واللي هقدر عليه هعمله. مينفعش أتقل عليكم. ومتقلقيش مش هكلم ماهر ولا هزعجهم معايا.
حركت زينب رأسها برفض لما قالته وأخبرها سلطان:
ــ مينفعش الكلام اللي هتقوليه دي يابتي. إحنا أهنه صعايدة والصعايدة أهل واجب وكرم وعمرهم ما يشوفوا حد في ضيقة ويسيبوه واصل. فانتي هتاجي ويانا معززة مكرمة لحد ما ربنا يشفيكي وياخد بيدك. وبعدها اعملي اللي على كيفك واللي يريحك.
كانت أنظارها تلتفت إليهم جميعا بخجل. إلى أن ارتكزت على عمران. فابتسم وجهها تلقائيا بحالمية لذاك الرجل منقذها في اللحظة الحاسمة والفارقة في مستقبلها بل وكل عمرها الذي كان سيندثر تحت أرجل معدومي الرحمة.
رأت زينب نظراتها تلك فدق قلبها فرحا. ويبدو أن عقلها سيبدأ الآن بنسج خيوط الحكاية الأولى والأخيرة التي تعيش وتفكر بها وتستحوذ على كل كيانها. ويبدو أيضا أن القادم عاصف لامحالة. وأخيرا وافقت "شمس" على الذهاب معهم إلى منزلهم، وستبدأ رحلة "شمس" و "زينب" و "سكون" مثلث الرعب لعمران.
قبل عدة ساعات من الآن، وبالتحديد بعد منتصف الليل في منزل العروسين "ماهر" و "رحمة" بعد دخولهما إلى منزلهما. يقف ماهر أمام باب غرفتهم التي ستجمعهم سويا في أول يوم لهما معا. واليوم الذي حلما به كثيرا كلتاهما. حيث يقف أمام الباب ويدق عليه بشدة هادرا بها. فقد نفذ الصبر من صبره وهو يقف يحايلها منذ ما يقرب من نصف ساعة. فقد خدعته صغيرته الشقية وأغلقت الباب على حالها فور دخولهما:
ــ قسما عظما أني جبت أخري منك والصبر زهق من صبري عليكي يا مجنونة. انتي افتحي الباب يا بت يا أما هكسره على دماغك دلوك.
انصعقت رحمة داخل الغرفة من نعتها لها بكلمة "بت". وهدرت به هي الأخرى:
ــ بت لما تبتك يابتاع شمس. إني اسمي الباش محامية رحمة سلطان المهدي.
هدر بها مرة أخرى لردها عليه الكلمة بكلمتها:
ــ وبتردي عليا كمان وبتقلي أدبك على جوزك واحنا لسه في أول ساعة جواز. يابت سلطان اللي رباكي تردي على جوزك الكلمة بكلمتها. داي ليلة هتبقى غامقة على دماغك بإذن الله.
ثم كرر دقاته على الباب مرة أخرى بعنف وهو مازال متعصبا منها بشدة:
ــ الله الوكيل لهندمك النهاردة على وقفتي دي ودماغك الناشفة العنيدة داي معايا واحنا في أولها ولسة بنقول يا هادي. سمعتي العالم بينا ياعيلة.
امتلأ الخوف جسدها من تهديده لها ودقات الرعب صارت تدق كالطبول بين أضلعها وتخفق بشدة. ولكنها ما زالت تتحلى ببعض الشجاعة. فهتفت بعند كاد أن يـ.ـقـ.ـتـ.ـلـ.ـه:
ــ حتة العيلة داي جننتك وخليتك واقف دلوك هتموت بس عشان تطولها يا كبير ياعاقل يابتاع شمس.
أنهت كلامها وخرجت لسانها له من الداخل. فسمع حركتها تلك ولكنه ضحك لتلك الحركة. ففي بضع ثواني أبدلت تلك الصغيرة ضيقه الشاسع منها إلى ضحكات. فكيف لها أن تفعل به هكذا. ثم حاول استخدام اللين معها كي يستعطفها:
ــ طب افتحي يارحمتي. عايز أغير هدومي عشان حاسس بالاختناق من البدلة داي. يرضيكي موري حبيبك يتبهدل اكده ويوبقى مخنوق ياقمري.
شعرت بالشفقة تجاهه وأعجبها بشدة تحايله عليها وشعرت بالانتصار عليه. ثم ابتسم سنها وقالت وهي تلعب بأظافرها باستمتاع:
ــ دلوك موري عاجباك. مش كنت بتقفل منها؟ طب اتحايل علي شوية كمان عشان قلبي يهدي من اعتذارك لشمس حـ.ـريقة.
ضحك مرة أخرى لذاك اللقب الذي لقبته لتلك الشمس. فحقا لقد شعر بالمتعة واللذة معها رغم عنادها معه وتذنيبها له. ويبدو أن لقاهم سيكون عاصف تلك الليلة. فهو يعشق اللقاء الصعب والتمرد والشراسة في التعامل تكسبه إحساس بالانتشاء والاستمتاع مع تلك الصغيرة على الحب بأفعالها الجنونية تلك.
ثم ربع ساعديه أمام صدره واستند على الحائط بجانب الباب محاولا التأثير عليها بكل بساطة بما استفزها وجعلها استشاطت بالداخل:
ــ طب تمام. طالما مش عايزة تفتحي، بقي آخد بعضي وأروح لشمس حـ.ـريقة. هي اللي تحتويني وتطبطب عليا طالما مرتي مش عايزة تحن علي.
انصعقت كمن أصابها ماس كهربائي جعلها هرولت إلى الباب وبيدها الوسادة وفتحت الباب سريعا وهي تجز على أسنانها بغضب عارم. وجدته يقف يستند على الباب وعلامات الشماتة بها والبسمة تعتلي وجهه وهو يمرر لسانه على شفتيه. فضـ.ـربته بالوسادة التي بيدها عدة ضـ.ـربات مفاجئة مما جعله أمسكها بأصابعه الغليظة. فانقطعت الوسادة وخرج الفايبر الكثيف منها في مشهد يجعل من يراه يشاهده باستمتاع ولذة دون أن يشعر بالملل قط ولو للحظة. ألقى الوسادة في وجهها فتناثر الفايبر على وجهها وفستانها وتمسك بعضه فيها نظرا للتطريز وحبيبات الخرز التي تملأ فستان زفافها. ثم قبض على معصمها بقوة وهو يردد بانتشاء لحصوله عليها الآن أخيرا بين يده يفعل بها ما يحلو له:
ــ أخيراً وقعتي ولا حدش سمى عليكي يابت سلطان. دي انتي هتتدغدي وعضمك هيتدشدش النهاردة من اللي هعمله فيكي. وليلتك الحنينة اللي كنتي مستنياها هتقلب عواصف ورعد وبرق على راسك. ومهما تعيطي بدل الدموع دـ.ـم مش هرحمك النهاردة.
ارتعب داخلها من هيئته وتهديداته لها ووعيده الصارم. فعلى حين غرة ابتسمت له بانتصار ورددت وهي تغرس أسنانها في معصم يده المتمسك بها بشدة:
ــ دي بعدك تقدر تمسني ولا توجعني يابتاع شمس.
لم يتحمل قضمها ليده فنزع يده على الفور فطارت من أمامه وهو يتوعد لها:
ــ يابنت المجنونة. والله لا أعيد تربيتك من أول وجديد يارحمة وأخليكي تقولي ياريت اللي جرى ماكان.
هرول ورائها ولخفة جسدها جرت سريعا وهي تحمل فستانها بحرفية وهو يهبط الأدراج ورائها. وبدأ عراك القط والفأر. ثم قذفته على حين غرة بريموت التلفاز كي تشتت انتباهه. ولكنه لم يبالي وظل يلاحقها من كل صوب وحدب. حتى تعثرت بفستانها وسقطت على الأريكة. فانقض عليها على الفور وهو يقبض على معصمي يدها بشدة. لم تستطيع إفلاته منه ولا حتى أن تصل بوجهها إليه. فهتفت بهدوء وهي تستخدم سلاح الهدنة:
ــ انت هتستقوى على واحدة ست كائن ضعيف وفي ليلة فرحي كمان. أوعى تعمل حاجة ولا تمد يدك. الراجل الشهم ميمدش يده على مرته. أخلاق الفرسان متقلش اكده ياموري.
قرصها من وجنتها قرصة خفيفة لكن آلمتها هاتفا باستمتاع ولذة الانتصار عليها وهي بين يده محاولا استفزازها:
ــ وفي واحدة عاقلة تعمل في عريسها اكده ليلة دخلتهم يا أستاذة!
آني هعيد تأهيلك وتربيتك من أول وجديد. مش هخليكي تشوفي النوم بعنيكي. يا رحمة على اللي عملتيه! دي تخليني ساعة كاملة واقف على باب الأوضة متذنب علشان أوهام في دماغك وتخيلات في عقلك المريض. يا أم عقل صغير له دي! إنتي ما حداكيش عقل واصل، شايلة دماغك ومركبة مكانها صرمة وقديمة كمان.
زمت شفتاها وأنزلت بصرها للأسفل بحزن ممزوج بدلال، وتحدثت بنبرة استيائية مفتعلة وهي تحاول التأثير عليه كي تكتسب عطفه:
آه، ايدي وجعتني. حرام عليك، متستقواش على ست رقيقة وضعيفة وانت قدي مرتين وتستغل ضعفي.
صمت لثوان، ثم حدق في عينيها وأردف باستنكار أزعجها كثيراً:
هو إنتي كائن ضعيف وست زي الستات الرقيقة اللي في يوم جوازهم بيبقوا هيجيبوا نجمة من السما لأجوازتهم ياروحي؟ دي إنتي عضاضة وعشر ألسن في بوقك اللي عايز يتخيط ده.
رمقته بغضب مستطير من رماديتها المشتعلة:
لاحظ إنك عمال تغلط كتير واني ساكتة أها ومحترماك علشان تعرف إني مش ناشز ومطيعة وقلبي طيب.
إتسعت عيناه ذهولاً من نبرتها المستكينة، فأشار إليها بكفيه وقال:
بس ياحنينة، بس دلوك قلبتي قطة ياجبانة لما بقيتي تحت يدي!
ثم أدلى عليها أوامره بنبرة لا تقبل النقاش كي يستفزها ويرى من شراستها التي نالت إعجابه المزيد والمزيد.
وهو يترك يدها وما زال محتجزها بجسده حتى إن دخل عليهم أحدا لم يراها.
ــ هتقومي دلوك تقلعيني الجاكيت والجرافتة وتسخني ماية وتحطي لي رجلي في ماية وملح وتروقي عليا وتجهزي لي عشا رايق اكده اني عريس وداخل على معركة مع واحدة بتهبش فلازم يكون عندي صحة ليها يالا ياروحي ومتفكريش تطلعي وتهربي وتقفلي على حالك علشان لو عميلتيها الله الوكيل هتلاقيني سابقك وشوفي وقتها هسويكي الجنبين ومش هخلي عينك تشوف النوم تلت ليالي من اللي هعمله فيكي يابت سلطان.
خشيت أن تضعف أمامه فيستغل شعورها بالخوف فصاحت به بقوة مصتنعة وهي تلومه بشدة.
ــ دي ظلم وافترا ماية سخنة مين ياعنيا دي في أحلامك عصر سيدنا السيد خلص من زمان ياعم الخط انسى دي بعدك قال ماية سخنة قال وكمان أدخل أطبخ في ليلة فرحي بدل ما اتعامل معاملة الهوانم!
لكزها بيده على كتفها وهو ينهيها.
ــ متعليش صوتك يابت سلطان اهنه الكلام دي ممنوع وبعدين انتي اللي بديتي ولعبتي في عداد عمرك لما فكرتي تعملي عملتك داي.
وبعدين هو إنت ادتيني فرصة أتعامل معاكي المعاملة اللي تستاهلها البنات الرقيقة يوم فرحك دي انتي ياقادرة وقفتيني ساعة أتحايل عليكي وأراضيكي واعتذرلك على موقف تافه وكلمتين قلتهم للبنت علشان ألم الحوار ومنفرجش علينا الناس في فرحك اللي كنتي هتبوظيه بدماغك الصغيرة.
نظرت بعيد عن عينيه تحاول كبت عبراتها ظنها انه بالفعل سيجعلها تفعل ما قاله لها ولم يريد استفزازها فقط لكنها إستعادت قواها وأخفت كل مشاعرها التي تملكت منها كلماته بكل قوة.
ــ امال كنت عايزني أسيب الزفتة الباردة داي تتصور معاك دي في أحلامك انت وهي يامتر.
أقترب منها ليزيح خصلة فوق عينيها يتلمس وجنتها نزولا إلي فكها ثم صعد إلي شفتيها يتلمس كل منهما بإبهامه كي يستطيع تهدئتها فهو قد أثار غضبها وانتقم منها كما فعلت معه وانتهى الأمر هاتفا بعيناي يملؤها الاشتياق لصغيرته.
ــ ما هو انتي اللي هبلة ودماغك صغيرة أني كنت هرفض بذوق ياحبيبي أصل مفيش حد يزعل حبيبه ليلة دخلتنا لازم العريس يتمني العريس لمرته الرضى ترضى.
نظرت له بعيون تخفي ضعف يستكين بداخلها وقلب يخفق عشقا ترتجف من لمساته التي تجعلها تود أن ترتمي علي صدره ويدفئها بحرارته المنبعثة من توهج عشقه لها لتقول وهي تبتلع ريقها بصعوبة بالغة وهو مازالت يداه تعبث بها كي يثيرها.
ــ طب اوعي بقى علشان نومة الكنبة وحصارك دي وجعلي ضهري يارخم.
بدا شبح ابتسامة خفيفة على ثغره ولكنها سرعان ماختفت في بحر لهفته لها وهو يغمز لها.
ــ أحلى رخم دي ولا ايه اتدللي براحتك واتدلعي ما الليلة ليلتك ياصغنن وهشوفي وتحسي بالدلع اللي هينسيكي الدنيا باللي فيها يارحمتي.
تدلت بأنظارها إلى قميصه وهي منغمسة في فتحه وهمست بدلال أثاره.
ــ فين دي هو اني شايفة غير هولاكو جاي لي بزعابيب أمشير ويقولي ماية وملح وعايز ي لي ريحتي بصل وزفارة يوم فرحي.
استطاعت بلماستها البسيطة وفعلتها تلك إثارته فأمسك يدها وقبلها قبلة عاشقة متيمة مغرمة بها وبأنوثتها ودلالها المفرط أن تجعل ذرات الصبر داخل جسده تتفتت في قربها وهمسها مرددا مع كل قبلة ليدها تارة ولوجنتها تارة وجانب شفتيها تارة أخرى.
ــ مطلعتيش سهلة يابت سلطان وخليتي الجبل اللي مايهزه ريح يتحرك من مكانه والسفينة لقت مرساها خلاص بعد ضياع.
أنهى كلماته بقبلة عاصفة لشفتيها تاهت بها في اقترابه العاصف بها لأول مرة تشعر بلذتها تلك في اقترابه واندمجت معه بخجل أثار غريزته وجعله يلهث بالمزيد منها واستطاع سحبها لعالمه المشتاق المتلهف لقربها بفعل أشياء لم تكن تتوقعها من ذاك الماهر فكان معها كالعطشان لقرب أنثاه التى أهلكته في عشقها فأوجعها قليلا بهوجاء اقترابه ولم يراعي أنها أول مرة لها بين يديه ولم يراعي جسدها الضئيل ولكنها صبرت وتحملت فهي الأخرى عشقت شراسته تلك وأخيرا سكنت السندريلا قلب أميرها الذي سقاها من شهد اقترابه أنهارا من العسل المصفى الذي راق لها وأصبح هناك هناك لمسة يد وضربة جزاء واضحة وضوح العاشق على المتلهف لأن الكورتين تعدوا الخط الأبيض باجتياز ومهارة.
في الساعة الحادية عشر صباحا استيقظ جاسر من نومه بعدما قضى ليلته طوال الليل يحلم بطيفها وهي بين يديه ويسقيها من شهد عشقه لها مما جعله أمسك هاتفه على الفور وأتى بصورها التي التقطها ليلة أمس وهم في حفل الزفاف وهو يتعمق بالنظر فيهم بقلب يخفق عشقا لتلك التى أسرته ثم وجد حاله يفتح الواتساب ويرسل لها تلك الكلمات من أعماق قلبه المتلهف لوجودها بجانبه.
ــ يا نسيم الحب ويا أمواج الشوق احملي قلبي لمحبوبي لأقول له صباح العشق ليتني كعصفور الصباح يزقزق تحت النوافذ دون أن يحاسبه أحد ويطير بخفة دون أن يشعر به أحد بوسع السماء أحبك وبجمال الصباح أشتاق لك صباح الحب والشوق لمن سكن قلبي صباح التفاؤل والورد لك صباح الحب والشوق صباحي فنجان قهوة أنت فيها قطعة السكر صباحي ورد وياسمين وأنت البستان الأخضر صباحي قلب يشتاق لك.
ثم أكمل له رسالتها بإيموشن غامز.
ــ صباح الخير على بطل الأبطال وبطل قلبي اللي بحلم بيه طول الليل ومسابنيش لحظة.
كانت تجلس على تختها تتمطأ فهي الأخرى استيقظت للتو وكادت أن تقوم كي تتوضأ وتصلي صلاة الضحى استمعت إلى هاتفها يعلن عن وصول رسالة فجذبته كي ترى من المرسل فوجدت ذاك الجاسر هو من أرسل رسالته إليها فدق قلبها على الفور من رؤيتها لنقش اسمه فقط ثم فتحت رسالته على عجالة وقرأتها بقلب ينبض بدقات سريعة لكلماته الرقيقة التى أرسلها إليها.
شعرت بأنها أنثى في عمر العشرين وحبيبها يملأ قلبها الممتلئ احتياجا لتلك الكلمات نظرا لسنوات العجاف التى عاشتها وهي لم تشعر بأنوثتها يوما ما.
قرأت رسالته مرارا وتكرارا وهي لم تصدق أن كل كلمات الغزل الرقيق تلك لها وحدها فكم كان بارعا ذاك الجاسر في سـ.ـرقة لبها وقلبها بل وكل كيانها بتلك الدرجة السريعة ثم وجدت من الذوق أن ترد عليه ولكنها شعرت بيدها تنملت ولم تستطيع الكتابة فسجلت ذاك الفويس بصوتها الناعس الذي ما إن سمعه حتى قضى على ذرات الصبر داخله وهاتفها على الفور بعد ان استمع الى كلماتها الرقيقة وصباحها الأشبه بنسمات رقيقة نزلت على قلبه رطبته.
ــ صباح الخير يامتر ايه الصباح الرايق دي وكلماتك الرقيقة دي كلها ليا وحدي.
فور سماعه لرسالتها الصوتية التى دغدغت مشاعره هاتفها وما إن أتاه ردها حتى هتف لها بقلب ملتاع.
ــ ياخراشي على المتر وسنينه ارحمي قلب اليتيم الغلبان الوحداني من كتلة الرقة والجمال والنعومة دي ياشيخة هو انا مبصعبش عليكي يا أم الزين علشان تحني بقي وتقولي لي تعالى ياجاسر اتقدم بقي بدل مانت مش رحماني حتى في أحلامي يابطل.
ارتفعت ضحكاتها الرنانة ودقت في أرجاء الغرفة وأردفت بمشاكسة له.
ــ هو انت مستعد علطول اكده بكلمات المعاكسة دي يامتر من غير ما تفكر شكلك حافظهم ومجودهم كتييير.
نظر إلي السقف وقال بتلهف وهو يقسم لها أن تلك الكلمات خارجة من قلبه وأنها المرأة الأولى التى سمعت كلامه ذاك.
ــ له يا أم الزين دماغك متروحش لبعيد طب يمين بعظيم انت أول ست كلامي ده يتقال لها هو انت شوية يابطل علشان تحرك الجبل اللي ساكن جوايا.
أرجعت خصلاتها الشاردة على عينيها بخجل من كلماته.
ــ طب بس بقى بطل كلامك دي هتكسفني عاد ياجاسر.
تحمحم كي ينظف حنجرته وتحدث بملامح جادة لملامح وجه متلهفة ارتسمت على وجهه ببراعة مكملا مشاكستها.
ــ طب مش هتحني انت بقي والشامي يتلم على المغربي والأميرة تسكن قلب الأمير علشان تبدأ المعارك العاطفية بقي.
شهقت بخجل من تلميحاته لها ثم هتف لسانها تلقائيا بسبابه دون أن تلقي بالا لما تفوهت به.
ـــ هاااا إنت قليل الأدب على فكرة.
رفع حاجبه الأيسر باستمتاع لسبابها وكأنها نعتته بصفة عظيمة.
ــ هو انتي لسه شفتي قلة أدب يابطل وبعدين بلاش اندهاش علشان لسه التقيل مجاش يعني بالمختصر يا عزيزي تيكت ايزي.
ضحكت عاليا على كلامه ثم قالت بنهي له ولكلامه.
ــ والله إن ما بطلت كلامك دي هقفل في وشك.
ــ يخريبت جمال ضحكتك يابطل ومالها قلة الأدب بتمعلش النفسية وبتخرجها من مود الكئابة.
ثم أكمل وهو يعلق على ضحكتها الرقيقة.
لااا قلبي الضعيف لايتحمل احلم بك ليلا وتضحكي في أذني نهارا اكده كتير علي اليتيم المسكين اللي زيي يا أم الزين.
تنهدت بارتياح وهي تشعر بأن الدنيا أخيرا ضحكت لها وفتحت أمامها أبواب الراحة بعد سنوات الحرمان والفقدان شعرت مع ذاك الجاسر بمشاعر الأنوثة التي حلمت أن تعيشها كثيرا مع رجلها يتحدث معها في الهاتف حديث المحبين الذي دوما سمعت عنه ورأته في الأفلام والمسلسلات وقرأته في الروايات وكانت قد فقدت الأمل في أن تعيشه.
دق قلبها بشغف وراق لها حياتها التي تعيشها الآن في كنان ذاك الفارس الذي يثبت لها دوما أنها أنثى كاملة الأنوثة وبرغم أنها تزوجت قبل ذلك وكانت أما لطفلين إلا أنه يشعرها أنها لم تعرف رجلا قطا في سنوات عمرها أكمل.
فما أجمل أن تجد المرأة رجلا وليس ذكرا حينها تمسك فيه بقبضة من حديد ولم تفرط في وجوده جانبها قط فجاسر كان لسفينتها الشط الذي رست فيه واستراحت بعد رحلة شاقة طويلة كان لها محطة الوصول الأخيرة لرحلة تمنت أن تصل إليها بعد شقاء وأي شقاء عشتيه تلك المها كان قاضما للظهر.
ثم سألته برقة.
ــ كل الكلام الحلو دي ليا يا باشا براحة علينا شوية ياعمنا أني اللي قلبي الضعيف لايتحمل كلامك دي واصل.
بلل حلقه الذي جف من كثرة عطشه إليها واحتياجه لوجودها جانبه هي فقط من حسناوات حواء لاغيرها امرأة من النساء ثم غازلها برقة.
ــ والله انت اللي باشا وعمنا وعلى راسنا من فوق.
ثم ناداها بهمس.
ــ أم الزين.
أجابته بهمس رقيق مماثل.
ــ اممم.
خرج الاعتراف المكبل في قلبه من فمه صريحا واضحا.
ــ أني هحبك ورايد قربك ومشتاق لوجودك معاي مرتي حلالي أم عيالي إنتي ومفيش غيرك يا مها.
لانت ملامحها وشعرت براحة اجتاحت روحها لاعتراف ذاك العاشق الذي وصل لأعماق قلبها وتوغل في روحها وبات يدق سريعا وهو يردد داخله بوله من حالة السحر التي اعترتها وجسدها المتوتر الذي تدق كل خلية به وتطالب بالمزيد منه والمزيد.
ــ كفاك أيها الجاسر لقد ذاب فيك قلبي وتناثرت دقات قلبي خفقا بين ثنايا أضلعي.
أرهقتني من فرط رجولتك الجياشة معي وبت أنتظر هتافك معي بت أنتظر كلماتك الرقيقة لذاتي.
فقلبي الآن اصبح بغرامك متيم ولم يستطيع الاعتراف يشعر بالخجل داخلي.
ثم نطق داخلها براحة مرة ثانية.
ــ حلو شعور التخطي حلو إنك تحس ان الحرب انتهت ما بين قلبك وعقلك.
حلو ان المراقبة تنتهي والحنين ينتهي. حلو احساس ان المحاولات خلاص وقفت.
حلو الشعور بتاع ان انا بحس بنفسي بحس بكرامتي بحس بأهمية وجودي في حياة حد عايزني بجد. حلو ان الألم يخلص والوجع يخلص والعياط يخلص.
حلو إن الأمل في وجود شخص يحبني ينتهي ويروح.
حلو فكرة انه خلاص خلصت أيام التعب.
لاحظ تخبطها فتمتم برجاء راقي.
ــ لسه محستيهاش يا أم الزين علشان تقوليها بقي.
ابتعلت أنفاسها بصعوبة بالغة ثم تنهدت بخجل وهي تلوي خصلات شعرها بين يديها بتوتر.
ــ مش حكاية محستهاش اصلللل عمري مانطقتها قبل اكده ولا أعرف صداها ايه ولا اعرف ايه اللي هيترتب عليها عاد ولا عمري نطقتها قبل اكده باختصار ياجاسر كل مشاعر بحسها وياك جديدة كل كلمة بتقولها لي عمري ماسمعت زييها أبدا. انا معاك كأني بنوتة في سن المراهقة عمرها ماسمعت بحبك ولا وحشتيني ولا عيونك الحلوين اللي سهروني ولا يابطل ولا حتى أم الزين اللي هتطلع منك ليا كأنها ترنيمة بتسحرني وشداني للعالم بتاعك قوووي. فاهمني ياجاسر.
كان يستمع إليها بقلب ينبض سعادة فهو لم يكن يتخيل أن تلك المشاعر والأحاسيس التي يلقيها على مسامعها كانت البدائية لها. لم يكن يتخيل أن زوجها كان مهملا لمشاعرها بتلك الدرجة. لم يريد سؤالها عنه ولا عن ماضيها بل يكفيه أنه علم أنه الأول في حياتها من ناحية الحب والعشق وأي رجل لم يحتاج غير ذلك والباقي تستطيع المعاشرة الطيبة محوه من الذاكرة ومسحه للأبد ثم تحدث بنبرة صوت متحشرجة من أثر سماعه لكلامها المرمم لقلبه والشافي لجرحه هو الآخر مرتان قبل ذاك لذا أقسم على أن لايتركها مهما طال الزمان ومهما قابلتهم العواصف وصدتهم الأزمات سيقف لها وبها ومعها كالفارس المغوار الذي يدافع عن حقه فيها وسيبذل قصارى جهده في امتلاكها.
ــ وانا مش متعجل وهستناكي تقوليها ولسانك ينطقها لوحده ويكفي اني حاسس بيها منك يا أم الزين.
كادت أن ترد عليه إلا انها استمعت إلى جرس الباب يعلن عن وصول أحدهم ويبدوا ان والدتها في الحمام لتأخرها عن الرد فقالت له.
ــ خليك معايا اكده هشوف مين على الباب.
وافقها وظل معها على الهاتف. فأخذت الهاتف معها وارتدت خمارها ثم خرجت من الغرفة ووجدت والدتها تحاول النداء عليها كي تفتح الباب للطارق فطمئنتها أنها ستفتحه وبعد أن فتحته إذا بها تتصنم مكانها من ما رأته وهي تردد بذهول.
ــ عامر.
وجدته يبتسم لها وهو يحمل بيده طفلين أحدهم في اليد اليمنى والآخر في اليد اليسرى.
ــ ازيك يا مها. كيفك. اتوحشتك قوووي.
تبلكت كثيرا وخصوصا ان جاسر الذي استمع الى ذاك الطارق يردد لها كلماته وبالتحديد "اتوحشتك قوووي" فهلع من مكانه وقد ركبته عفاريت الجن والإنس الآن ومن يراه يظن انه سيرتكب جريمة من هيئته الغاضبة بشدة.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم فاطيما يوسف
حبايبي الحلوين ازيكم عاملين ايه اعذروني مقدرتش اكتب غير 5000 كلمة بس. أنا عارفه إن البارت كده قصير بس قلت أجيب لكم أي حاجة علشان خاطر ما تتعلقوش معايا أحسن من ما فيش خالص مستنية تفاعلكم على البارت وعايزة رأيكم ويا ريت التفاعل يزيد وتحسسوني بقيمة الرواية شوية وبقيمتي معاكم وأسيبكم مع البارت قراءة ممتعة حبيباتي.
ــ ازيك يا مها؟ كيفك؟ اتوحشتك قوي.
تلبكت كثيراً وخصوصاً أن جاسر الذي استمع إلى ذاك الطارق يردد لها كلماته وبالتحديد "اتوحشتك قوي" فهلع من مكانه وقد ركبته عفاريت الجن والإنس الآن، ومن يراه يظن أنه سيرتكب جريمة من هيئته الغاضبة بشدة.
أما هي كانت تقف تنظر إليه بصدمة، فلم تكن تتوقع أنها ستراه مرة ثانية، فقد مر عامان على عدم وجوده وتوقعت أنها لن ترى طيفه يوماً من الأيام ثانية، ومن دواعي الاندهاش ما يحملهم بين يديه طفلان يبدو عليهما أنهم في عمر السنة، إحداهما ولد والأخرى بنت جميلة يهبط شعرها على عينيها وجمالها فائق للغاية.
أما هو مجرد أن رآها أمامه تسهمت نظراته عليها بشدة، فقد شعر بالوحشة تجاهها بطريقة لا توصف. ظلا كلتاهما ينظر إلى الآخر نظرات مختلفة، هي نظراتها ذهول، تعجب، صدمة من رجوعه بل ومجيئه إليها. دقات قلبها ثارت بداخلها وذكرتها بكل شيء حدث وكأنه الأمس وليس من سنوات مضت، وبقيت ملامحها الضائعة عالقة في كل كيانها.
أما هو نظراته عليها عاشقة، متيمة، فقد هرب منها إليها. حاول أن ينساها بكل الطرق ولكنه لم يستطع محوها ولو بذرة من قلبه وعقله. ثم تحمحم وهو لم يستطع تفسير معنى نظراتها له:
ــ أممم.. مش هتقولي لي اتفضل أو حمد لله على السلامة ولا الخالة ماجدة مش موجودة أمشي وأجي وقت تاني.
فاقت من تيهتها وحالة الذهول التي اعترتها على كلماته، كما أن ابنته ما إن رأتها ظلت تشب عليها بشدة وتكاد أن ترتمي بين يديها مما أثر بمها، فهي تعشق الأطفال بشدة.
فأتت والدتها هي الأخرى من ورائها وهي تسألها قبل أن تصل إليها وترى من الواقف:
ــ واقفة أكده ليه يابتي مين على الباب؟
وما إن وصلت إليها ورأت ملامحه حتى ردد لسانها تلقائياً والبسمة اعتلت وجهها:
ــ عامر، ياه كيفك يا ولدي؟
لساتك فاكرنا! والله فيك الخير يا ولدي حمد لله على سلامتك يا حبيبي.
ثم أشارت إليه أن يدلف إلى الداخل وهي تلوم ابنتها:
ــ اتفضل يا ولدي البيت بيتك، ليه سايباه واقف يابتي على الباب وفي يده عيلين كمان؟
ثم لفت انتباهها أخيراً هذين الطفلين فسألته:
ــ مين دول ياعامر؟ ولادك؟ انت اتجوزت وخلفت كمان من غير ما نعرف!
كانت تسأله وهي تمد يدها له وتناولت منه أحد الطفلين الذي أخذته منها وضمته إلى صدرها تهدهده بحنو راق لذاك الطفل. ثم أجابها وما زالت عيناه لم تفارق مها:
ــ الله يسلمك يا خالة تسلمي وتعيشي من كل شر.
ثم أجابها أخيراً، وهو يرى تلهف مها إلى معرفة صفة هؤلاء الطفلين له:
ــ دول ولادي زين وماهي.
انصعقت مها من تسميته لولده باسم زين ولدها وابنتها اسمها قريباً من اسمها، فازداد قلبها دقات بداخلها، وخاصة أن زين يشبه ولدها بشدة ولما لا فهو كان أبيه أيضاً. ثم أكمل عامر ونظرات مها المشتتة لذاك الطفل وأبيه أرعبتها من الداخل، فهي الآن تود اختطافه من إيد والدتها وسحقها له بين أحضانها وهي تشعر بالحنين الشديد لولديها فيه:
ــ أول ما سافرت علطول بعدها بشهر اتعرفت على بنت هناك كانت لسه جايه الشغل جديد والمعرفة ما أخذتش وقت طويل، تقريبا اتجوزنا بعد شهرين وسبحان الله بعد تسع شهور بالظبط كنا خلفنا زين وماهي.
ثم استرسل حديثه وقد تبدلت ملامحه إلى حزن عميق:
ــ بعد ما ولدتهم بتلت أيام جالها حمى نفاس ما قدرناش نسيطر عليها وماتت وسابت لي الطفلين دول في رقبتي، جبت لهم مربية لحد ما تموا السنة وقررت أن أنا أرجع وبقى لي أسبوع هنا في البلد لحد ما أموري استقرت ودورت لهم على ست صحتها كويسة، صاحبي جابها لي ومجوزة عيالها تقعد معاهم وتراعيهم معايا بس بردو على قدها واهي ماشية.
كانتا تستمعا إليه وشعرت ماجدة بالشفقة الشديدة عليه ثم التوى ثغرها بحسرة:
ــ يا عيني عليك يا ابني وعلى اللي جرى لك واللي انت شفته في السنة دي لحالك وولادك اللي اتحرموا من أمهم بدري بدري. دي هتلاقيك شفت المرمطة بيهم على ما كبروا السنة.
تنهد بثقل وألم نفسي انتابه جراء كلماتها التي ذكرته بعام كامل من الأوجاع وهو يحمل على عاتقه مسؤولية طفلين كان لهما أب وأم:
ــ والله يا خالة أصعب سنة مرت عليا بعمري كله، أتاري الأمومة صعبة قوي وما طلعتش بالساهل واصل، بس نحمد الله مرت بعد روحي ما قربت تروح وقلت أرجع بيهم بلدي يتربوا فيها ويحتموا بيها وسط ناسهم.
نظرت ماجدة إلى ابنتها وعينيها تلتمع بشيء ما، بل وتمنته داخلها أن يكون ذلك العامر وأبناؤه من نصيب ابنتها كي يعوضاها عن ما فقدته من زوج وأبناء وبيت وحياة، وخاصة أنها ترى في عامر الرجولة التي لم تجدها في أخيه يوماً من الأيام، حيث كان يقف في صفهم دوماً ويدافع عنها أمام أخيه ولم يخشى من توجيهه للصواب يوماً. ثم قامت من مكانها وناولت الطفل لمها مرددة بمغزى وهي تلقيه في أحضانها:
ــ خدي يابتي سمي الله، والله حسيته شبه زين وزيدان. امسكي هدخل أعمل لابو زين حاجة يشربها وأرجع لكم طوالي.
ناولتها الطفل في أحضانها فشعرت برجفة اجتاحت أوصالها فور احتضانها لذاك الطفل، وما كان منها إلا أنها ضمته بحنو اعتادت عليه في التعامل مع هؤلاء البريئة، كانت دقات قلبها تدق بوتيرة سريعة نظراً لشعورها بأن الماكث في أحضانها وليدها وليس طفلاً تحتضنه لأول مرة. إنه لإحساس صعب للغاية لهذه المها.
ملأ الطفل أحضانها المحرومة من أبنائها، كملئ الابتسامة لوجهها وهي تداعب الطفل بين يدها، ثم قربته من أنفها تشتم رائحته، فهي تعشق رائحة الأطفال في ذاك السن بشدة.
لطالما كان للحضن سحر خاص يميزه عن أي لغة أو تعبير آخر، فهو لغة عالمية يفهمها الجميع، لغة لا تحتاج إلى ترجمة، لغة تتحدث من القلب إلى القلب، لغة تلامس المشاعر وتسكّن الروح. سكناً ومأوى لمن حرم من منزل أحضان حبيبه، وهذا الطفل الساكن الآن بين أضلعها جعلها تشعر بكل هذه الأشياء.
فاقت على صوت عامر الذي أعجبه المشهد بشدة وأثلج صدره وشعر الآن بأن القادم سهلاً للغاية لامحالة، بعد أن رأى تعلقها الشديد بالطفل وهو بين يديها:
ــ ياه لساتك هتحني للأطفال وتشمي ريحتهم وانتي هتضميهم يا مها؟ لساتك رقيقة وناعمة زي ما انتي والدنيا مش زايداكي غير الحلا وبس يا أجمل ما شافت عيوني.
أغمضت عينيها وهي تحاول أن لا تنظر له وهو يلقي عليها كلماته الناعمة التي سحبتها لشباك الخطيئة يوماً من الأيام، تلك الخطيئة التي أفقدتها الغالي والنفيس، فكان عقاب رب العالمين جراها مؤلماً لروحها. أما هو فسر إبعاد عينيها عن مرمى عينيه بأنها تشعر باللذة والانتشاء جراء كلماته المعسولة.
ولكنها استجمعت قواها المشتتة الآن وهتفت بنبرة جادة دون أن تنظر إليه:
ــ انت رجعت ليه يا عامر؟
اهتز جسده بلهفة لسماع اسمه من بين شفاها بعد أن حرم منه مدة طويلة وقصد النظر داخل عينيها وهو يجيبها:
ــ القدر هو اللي رجعني. هربت منك واستغليت فرصة أول واحدة حسيتها مشدودة لي واتجوزتها علشان أنسى المر العلقم اللي مرينا بيه وبعدت وقدرت واتأقلمت ومضايقتكيش وحاولت أعيش مراتي سعيدة ومظلمهاش بقلبي اللي اتعلق بيكي وكنت بكابر مع نفسي، لكن في عيونها كنت بشوف عيونك انتي يا مها. وفي ملامحها كنت راسمك انتي قدامي مش هي. حتى لما عرفت أنها حامل في توأم فرحت قوي فوق ما تتخيلي، قلت ياه ربنا كرمني وعفا عن غلطتي وقبل توبتي وهيديني تاني ومحرمنيش، لكن القدر قال كلمته وماتت وسابت لي الطفلين دول اللي أول ما جم الدنيا سميتهم زين ومها.
اتسعت مقلتاها بذهول من اعترافاته والكلام الكبير الذي يلقيه على مسامعها وهتفت بنبرة ذهولية:
ــ هي اسمها مها مش ماهي؟
هز رأسه للأمام بتأكيد:
ــ قلت قدام خالتي ماجدة إن اسمها ماهي علشان ما تلفش الانتباه للاسم وأسبب لك إحراج، لساتي بخاف عليكي حتى من نظرة أي لوم وعتاب.
شعرت بأن الدنيا تدور حولها وبأن غمامة الماضي الأليم تعود تنسج خيوط الألم من جديد حول أمانها الذي بنته طيلة المدة المنصرمة. ماذا بكِ أيها الأزمات ألم تتركيني بعد وتلتفي حول غيري؟
لقد صدقت أنني رممت جراح الماضي وأجملت خطيئتي وذنبي برضاي وتوبتي. ولكن لا الماضي يريد أن يبتعد ولا الحاضر يريد أن يمهلني ولا المستقبل الذي حلمت به سيأتيني محلقاً بجناحات الراحة لكِ يا مها.
ثم حاولت تهدئة مشاعرها الثائرة المقاتلة لأجل أن تواجه بصرامة متسائلة إياه:
ــ طب والمطلوب مني إيه يا عامر؟
استوعب سؤالها واردف بنبرة هادئة متجنباً كل القلق الذي يشعر به داخله من نظراتها الغير مفهومة له وأغلبها جامدة:
ــ نقول بسم الله وجاي أطلب يدك. عايز أتزوجك يا مها.
وأكمل سريعاً كي يلاحق أفكارها التي تهاجم مخيلتها:
ــ وقبل ما دماغك تروح لبعيد أني ما عايزكيش مربية لولادي ولا دي غرضي أني استغلك في النقطة دي.
ثم استرسل حديثه وهو يرمقها بنظرات هائمة:
ــ أني عايز أتزوجك علشان محتاجك إنتي بالذات، ارجوكي كفاية عناد بقي.
اهتز فكها ساخراً من عرضه وكل كلماته، وبالتحديد كلمته الأخيرة:
ــ له هو انت فاكر اني رفضت زمان عناد يا عامر!
وأكملت بتشبث برأيها:
ــ اني رفضت زمان علشان انت مينفعش تبقى موجود في حياتي اللي دخلتها غدر من الأساس، ودلوقتي بردو لنفس السبب، علشان ما بني على باطل فهو باطل.
قوس فمه بتعجب من كلامها:
ــ يعني إيه؟ ما كل حاجة خلصت ورفضك دلوقتي ملهوش مبرر، اني أولى بيكي من أي راجل، انتي كنتي مرة أخويا اللي مات وأي حد عاقل قاعد معانا هيقول لكلام الراجل ده عين العقل يا مها.
لوت فمها وتحدثت بنبرة ساخطة:
ــ حد مين دي يا عامر؟ هو الحد اللي انت هتتكلم عنه ده عارف انت عملت إيه فيا؟
واسترسلت وهي تشير إليها بكفي يديها بامتعاض:
ــ انت دمرتني نفسياً وجسدياً وخلتني حطام ست. خلتني كرهت نفسي. كرهت أمومتي. كرهت أي راجل. وجاي دلوقتي تقول لي إني أولى بيك وبتملى بوقك بيها كمان!
يا شيخ حرام عليك، إني ما صدقت لقيت مها اللي ضاعت واندفنت من سنين جواك انت واخوك الله يرحمه.
ــ إيه انتي بقي كفاياكي ذل فيا انتي!
ملعون أبو قلبي يا شيخة اللي راهن حاله تحت رجلك. ملعون أبو القلب اللي عشقك سنين وضيع شبابه عليكي.
كلمات وجه مقتضبة بملامح وجه مكفهرة، ثم نهض غاضباً وتحرك من أمامها. يبدو عليه القهر، فلم يكن يتوقع أن يكون ذلك ردها له ومقابلتها الجافة الباردة له، وكأنها رأت أكثر شيء تكرهه في حياته، بل وثقيل ثقل الجبال على قلبها.
واستطرد قائلاً بنبرة جادة:
ــ كلامي بقى مع أخوالك ووالدتك عشان إني جبت أخري منك يا مها. بس مش دلوقتي، بعدين هسيبك تهدي من مفاجأة رجوعي وتستوعبي كل الكلام اللي اتكلمنا فيه. وبعدين يفرجها ربنا. ابقي قولي لخالتي ماجدة إني مشيت عشان العيال تعبوني.
رفعت إحدى حاجبيها متعجبة وأكدت له بقوة:
ــ والله أنت اللي محتاج تستوعب إني مبقتش مها الهبلة الخنوعة بتاعت زمان يا عامر. لااا، إني دلوقتي واحدة فرمتها الظروف. وإنها جت على نفسها من أول مرة اتنازلت عن حقوقها كزوجة مع أخوك. كنت المفروض زمان أقف في وش الكون كله وأهبش حقي من اللي ظلموني. بس لما ركبت قطر التنازل اللي جر وراه محطة الخطيئة، بقت تذكرة رجوعي غالية قوي. بس على ما وصلت دفعت التمن غالي، وأنت عارفه كويس.
ثم أخرجت تنهيدة حارة وأنزلت بصرها وأردفت قائلة بنبرة محملة بأثقال من الهموم:
ــ زمان كنت هخاف من كلام الناس وملام أمي وأوامر خوالي اللي هتتحدث عنهم، ودفنت حالي ورضيت باللي مترضاش بيه أي ست. وكان على يدك. بس خلاص، دفعت التمن غالي ومش هعيد الماضي الأليم ده تاني وياك يا عامر. مهما سقت عليا الخلايق كلها، مش هبص غير لحالي واللي يسعدني ويرضيني وبس، عشان دي حقي اللي ربنا اديهولي.
كان يستمع إليها بقلب يخفق وجعاً، بل ينزف دماء الحيرة والتعلق بها. ماذا يفعل هو الآخر بقلبه؟ لم يستطع إخراجها منه ولو يوماً واحداً. كي يجرب كيف تكون نظرة الحياة له بدون وجودها فيها. ما بك أيها الحب الغريب؟ لم يستطع فهمك أحداً.
قدر واثق الخطى يهبط على قلب بني آدم، ويرغمه على الرضوخ ضد إرادته. ضد ظروفه، والأدهى أنه يجبرك أن تتحمل النتائج وترضخ لها عنوة، وغصباً!
مشاعر مختلفة، الفراق والحبيب أمام أعيننا. الغربة والوطن محتومين علينا.
فالمشاعر عين تشير للجسد، والجسد يعطي أوامره للقلب، وليس العقل. والقلب يتغشم ويلقي حاله في غيابات جب المشاعر، دون أن يرأف أو يسمح للعقل بتمعن الظروف التي تليق بك أيها القلب أم لا.
بعد أن أنهت كلماتها، ناولها يده كي تعطيه الطفل دون أن يرد على كلمة واحدة مما قالتها. فقط عيناه اللائمة هي من قامت بالواجب معها. ضمت الطفل النائم إلى صدرها بحنو بالغ وقبلته بنهم، والشعور بالحنين يسري بجسدها مجرى الدم في العروق.
ثم ناولته الطفل بيدين ترتعشان ويصعب عليها اعطائه له، فقد شعرت بدفئه بين أحضانها بشدة. ولكن قوت حالها وأعطته إياه ووجهت أنظارها بعيداً عنهم. ثم حمل أطفاله وخرج ليعود بقلب محطم. فقد جاء آملاً وخرج خائباً.
أما هي، فتنفست الصعداء فور خروجه، ثم خطت طرقة منزلهم الطويلة ودخلت إلى المطبخ كي ترى والدتها ماذا تفعل، وتلوم عليها لأنها تركتها وحدها مع ذاك العامر. فاندهشت وهي تراها تشعل الخلاط الكهربائي وأمامها كمية الطماطم الكثيرة تلك، ويبدو أنها نسيت أمرها، أو يبدو أنها هي التي تناست برغبتها.
ثم سألتها بذهول:
ــ هو انتي نسيتي إن عندنا ضيف بره راجل غريب وقاعدة هنا تسبكي وتضربي طماطم وسبتيني لحالي وياه؟
رفعت حاجبيها وهتفت باستنكار:
ــ وهو عامر ضيف يابتي؟ دي عشرة عمر وصاحب مكان. واني قلت أسيبكم تدردشوا مع بعض شوية. هو هياكلك يعني؟
ضيقت عيناها ووجهت لها سؤالاً بذهول:
ــ وه هو مبقاش راجل غريب عني ولا إيه؟
لو سمحتي يا أمي، لو جه تاني بلغيه أي وقت إني مش موجودة. مش عايزة أقابله خالص.
تحدثت والدتها بنبرة صوت فخورة وإطرائية وهي تمدح ذاك العامر:
ــ ليه بقى إن شاء الله؟ دي جدع متربي وزين وعمر العيبة ما طلعت منه. وشكله راجع وناوي على خير. افتحي إنتي سكة الخير وياه ومتقفليش على حالك يابتي. إني قرأت في عينيه إنه رايد الود والقرب، واني عيني متكذبش أبداً.
اهتز فكها ساخراً من كلام والدتها، وكأن الجميع اتفقوا اليوم على قهرها:
ــ وأني بقولها لك أهه بكل تصميم، واحنا لسه هنقول يا هادي، إني ولا عايزة ود ولا قرب ولا عايزة ألمحه خالص.
لم تعطي ماجدة لحديثها أهمية، وفسرت موقفها ذاك على أنها رافضة مبدأ دخول أي رجل في حياتها، وليس عامراً بالتحديد، وأنها لن تتعافى من صدمتها بعد. فهدأتها بكلمات أتت ببالها كي تهدأ، وبعد ذلك تفاتحها بهدوء:
ــ ماشي يابتي، اللي على كيفك. روحي يالا انتي، البسي وروحي على شغلك عشان متتأخريش.
شهقت مها بشدة وهي تتذكر جاسر، وأنها أغلقت الهاتف في وجهه فور رؤيتها لعامر وسماعها أولى كلماته. فضـ.ـرب الخوف بأوردتها، والآن هو بالتأكيد يستشيط من ما سمعه وإغلاقها للهاتف. فجرت من أمام والدتها مسرعة، فذاك الجاسر لها أصبح النفس ومنياها والعوض والجبر وهواها الذي انتشلها من الضياع ووضعها جميلة أمام أعينها. جعلها تشعر بأنوثتها وكينونتها، وأنها امرأة مرغوبة. فهو لها الآن بكل الرجال، بل وأعظمهم وأهمهم. هو لها الآن الترياق لقلبها المهموم، صاحب الغرام الأول المتيم لقلبها المحروم.
هرولت إلى غرفتها سريعاً وأغلقت الباب ورائها، ونسيت كلمات والدتها وأمر ذاك العامر وكل شيء. وذهبت لكي ترفق بحال مسكين يتأوى الآن على جمر النـ.ـار مما سمعه.
فتحت هاتفها، وما إن فتحته حتى أتتها رسائله التي لا حصر لها، وما زال الهاتف يشعل نغمة الرسائل واحدة تلو الأخرى. ولكنها لم تهنئ على قرائتها، بل وجدت نقش اسمه على الهاتف فور أن أتته رسالة بأن الهاتف متاح الآن. وما إن أجابته حتى هجم عليها كالوحش الضاري:
ــ انتي إزاي تقفلي التليفون واني هكلمك يا مها؟ ومين الباشا اللي كان هيقول لك اتوحشتك قوي يا مها كيفك؟ انطقي حالا، يا إما هرتكب جريمة بسببك النهاردة.
ابتعلت أنفاسها خوفاً من هجومه الضاري عليها، وأنه استمع بالفعل إلى كلمات ذاك الأرعن الذي جعلها الآن لم تستطع النطق ولا إجابته ببنت شفة. مما جعله يعتلي صوته مرة أخرى آمراً إياها، وهو يدور في المكتب حول نفسه بغضب عارم وصل عنان السماء والأرض من صمتها الذي جن جنونه أكثر:
ــ وكمان ساكتة؟ والزفت عمال هيتجنن على دماغه بسببك يا هانم. شوفي قدامك ربع ساعة وتاجي دلوقتي على المكتب يا مها. ورب الكون إني اتأخرتي لهكون قدام بيتك بعدها بدقائق، واللي يحصل يحصل.
تمتمت سريعاً وهي تذهب ناحية خزانة ملابسها، وما زال الخوف من هوجاء ذاك الجاسر وغيرته فتت أعصابها وجعلتها مرتعبة للغاية. فلأول مرة تراه هكذا:
ــ حاضر والله هلبس بسرعة وجاية. بس انت اهدي، مفيش حاجة حصلت لدي كله.
ضـ.ـرب على المكتب بقبضة يديه، وما زالت الغيرة من صوت ذاك الرجل وكلماته التي سمعها تشعل النيران في جسده، هادراً بها:
ــ أهدى مين يا هانم؟ عايزاني أسمع راجل جاي لك لحد بيتك ويقول لك كيفك، وإنك وحشتيه، وأهدى!
ثم مسح على خصلاته بضيق شديد، وما زالت مشاعر الغيرة تزداد أكثر عن ذي قبل بكل كيانه:
ــ مفيش حاجة اسمها أهدى خالص. هو انتي شايفاني مجنون قدامك؟ انجزي يا مها، إني على أخري دلوقتي ومش طايق دبان وشي.
أغلق معها الهاتف ورماه على المكتب بعنف، وحالته الآن يرثى لها، وداخله ثائر كالبركان على وشك الانفـ.ـجار. فهو مع تلك المها بالتحديد لن يتحمل خسارتها، لاااا. بل لن يسمح أن تبتعد عنه. فهي المرأة الوحيدة التي شعر معها باحتياجها له. هي المرأة الوحيدة التي رأى في عينيها نظرة الانبهار به وبشخصه. رأى تعلقها به دون أن تحكى. فيها من معالم الرقة والسحر والجمال ما جعله وقع صريعاً في هواها من مجرد صورة فقط. ظل يدور في المكتب بأعصاب هائـ.ـجة ثائـ.ـرة، يود أن يذهب إلى منزلها الآن ويسألها عن مكان ذاك الرجل ويهرول إليه ويختنقه بين يديه. لأنه نعت حبيبته ومغرمته بوحشتها له. فما بالك أيها الجاسر إن علمت من يكون ذلك العامر ولماذا أتى؟
ظل هكذا والأفكار والمخيلات تعصف بعقله كالرياح العاتية، وداخله يردد بتصميم:
ــ كلهم غير إلا إنتي يا مها. كلهم خسارتهم ولا حاجة ولا تسوى شيء إلا انتي يا أم الزين، إلا انتي.
دلفت مها إليه مهرولة وهي تشعر بالارتياب والارتباك معاً من صوته الغاضب. وما إن دلفت ورأته بتلك الهيئة الغاضبة بشدة، وعلامات الوجوم تعتلي وجهه، ولأول مرة تراها على وجهه، فدوماً تراه سمحاً مبتسماً لها، فاتحاً أبواب قلبه الجميل بسعة صدر لها. والآن يبدو أنها ستبدأ مواجهة الصعاب معه، وخاصة في وجود ذاك العامر من جديد. ألقت السلام بنبرة هادئة تبدو عليها الاستكانة حتى لا يرى توترها:
ــ السلام عليكم ورحمة الله. إني جيت أهه. في شغل مطلوب مني؟
قام من مكانه وأشار إليها أن يذهبا إلى الأريكة الموجودة بالمكتب كي يستطيعا التحدث، وهو يحاول كبت غضبه وغيرته داخله ويحاول التعامل بهدوء. وبعد أن استقرا، سألها بنبرة جليدية استدعاها خصيصاً لأجل أن يهدأ ثوران مشاعره:
ــ مين الحلو اللي كان هيقولك كيفك واتوحشتك. هو انتي عندكِ أخوات رجال وأني معرفش؟
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة وأجابته وهي تحرك أصابع يديها بتوتر:
ــ دي عامر أخو مجدي الله يرحمه، لسه راجع من السفر.
ضـ.ـرب على المنضدة التي أمامه بغضب، ولم يستطع التعامل ببرود، وخاصة بعدما عرف كينونة ذاك الشخص واسمه:
ــ عامر مين يا أستاذة؟ قولي تاني أكده مسمعتش!
وهو أخو المرحوم. هيقولك اتوحشتك عادي أكده. داي نبرة صوته وهو هيقولها. وصلت لي وجمعت. شكله أكده وهو هيبص لك ويقولها لك. اللي تتخزق عينيه إن شاء الله.
وهو الحلو جاي يهز طوله من أنهي داهية حدفته علينا. عايز إيه؟ وياريت تحكي كل حاجة بصراحة من غير ما تخبي حاجة. واعرفي إن مش هقبل بأي حاجة تخصك تخبيها عني.
علشان انت لازم تعرفي إن اللي يخصك يخصني. علشان إنتي كلك على بعضك بتاعتي يا أم الزين. والموضوع دي إحنا خالصين منه. ومستني حضرتك تديني الإشارة علشان أجي وأطلب يدك. لأن وضعنا أكده ما يرضيش عبد ولا رب. وأني بصراحة متعودتش أعمل حاجة ما أرضاهاش على اختي لو كان ليا أو بنتي في يوم من الأيام. فطبيعي لازم نرتبط رسمي. علشان كفاية بقي أكده. وعايز أعرف عامر دي ظروفه إيه دلوك معاكي. علشان النقط تتحط على الحروف.
ـ إني كنت متجوزة مجدي وعامر كان صغير وكان بيقعد معانا أكتر الوقت. فكان معتبرني زي أخته.
ـ بسسس لما مات مجدي عرض عليا الجواز. بس رديت وقتها إني شايفاه زي أخويا ومقبلتش.
ـ عرض عليكي الجواز ورفضتي؟ راجع تاني ليه يا أم الزين يقول لك وحشتيني!
ـ راجع بعياله اللي خلفهم ومرته ماتت. وجاي عايز يتجوزني.
ـ يتجوز مين بروح أهله! دي إني أصور لك قتيل النهاردة إنتي وهو.
ـ جاسر إيه الطريقة دي؟ أول مرة أشوفك متعصب وبتقول كلام زي دي!
ـ له يا حبيبتي. دي الطريقة اللي هتاخدي عليها بعد أكده. لما سيرة عفريت العلبة دي تيجي على لسانك. اللي طلع لنا من حيث لا ندري. وقال إيه يتجوزك!
إحنا خلاص اتعرفنا الحمد لله. وعرفنا ظروف بعض وكل حاجة ليا وليكي واضحة. نقفل على القديم بالضبة والمفتاح. وأجي لوالدتك النهاردة أطلب يدك ونكتب الكتاب طوالي. واسم النبي حارسه وصاينه يروح يدور على دادا لولاده. أما إنتي بتاعتي وتخصيني.
ولا إيه بقي يابطل قلبي؟ نتجوز بقي وأخدك ونطير قد شهر أكده من البلد اللي كتمت على أنفاسنا دي. ونقضي شهر العسل وكل واحد فينا يريح التاني. ولا إيه رأيك؟
ولا أقول لك متقوليش رأيك. إني خلاص قررت. إنتي تروحي دلوك تدي فكرة لجدة عيالي. إني هاجي بالليل إني وعمران ولد عمي في زيارة. وهكلمه دلوك هخليه بردوا يديها فكرة. روحي بقي استريحي لك شوية واظبطي الآداء. علشان مش ماشي من بيتكم النهاردة إلا واحنا متفقين على كتب الكتاب يا أم الزين.
طب مش إحنا أكده بنتسرع يا جاسر؟ مش نصبر شوية؟ ومتقلقش موضوع عامر دي مقفول بالنسبة لي.
بصي يا أم الزين. طالما المبدأ موجود يوبقى ليه التأجيل دي؟ اولا. ثانيا نفسي واني هقول لك بحبك محسش بالحرام. واني هسـ.ـرق وقت من الزمن علشان أقولها لك. نفسي لما اجي أبص لك محسش إني هعمل حاجة تغضب ربنا. ماهي النظرة والكلمة حرام وسهم من سهام إبليس. واني ما أرضاش إننا نكلم بعض في السر. أو إني أستغل شغلك معاي أهنه في المكتب علشان أعلقك بيا. وكل دي بيتسجل علينا سيئات.
إني رايدك في الحلال. وحابب كل كلمة ونظرة وهمسة وتفاصيل كتيرة قوووي. حابب أقولها لك وأعيشها وياكي في حلال ربنا ورضاه. ها قلتي إيه يا أم الزين يا تاعبة قلبي معاكي؟
ضحكت يعني قلبها مال وخلاص. نروح بقي لجدة العيال توكلنا على بركة الله. بس الله يرضى عنك خفي عليا سهم هواكي شوي. لحد ما الأسبوع دي يخلص والعصفورة تسكن عشها اللي هيحاوطها برموش عنيه.
حاضر يا جاسر. همشي بقي عن إذنك.
قلب جاسر يا باشا. امشي يا بطل علشان متهورش دلوك وأني بصراحة هموت وأتهور.
ـ ازيك يادكتورة؟ عاملة إيه؟ بقالي كتير أووي مشفتكيش ولا اتكلمنا مع بعض.
ـ الحمد لله يادكتور فارس. كيفك انت؟
ـ يارب دايما. ممكن اقعد؟
ـ اه طبعا اتفضل يادكتور.
ـ هو انا ممكن أقول لك إني كنت متضايق وانت واقفة مع زميلك ومش عارف سبب ضيقتي إيه!
بجد كنت حاسس إن في حاجة ضايقة على نفسي وأنت واقفة معاه.
يا ترى عندك تفسير للإحساس ده يا دكتورة؟
تطلعت بمقلتيه مع تنهيدة حارة خرجت من صدرها مع ارتفاع دقات قلبها عقب استفساره، فهو أعلن غيرته عليها من وراء حجاب سؤاله لها، ثم استنكرت عدم معرفتها السبب.
"مش عارفة بصراحة يادكتور إيه سبب ضيقتك واختناقك."
ثم دققت النظر داخل عينيه الساحرتين لها لتسترسل بدهاء كي تجعله ينطقها صريحة، فهي تود سماعها.
"دور جوه قلبك وعقلك واسألهم وشوف الجواب إيه، ورجاءً جاوبني أنا كمان علشان إنت حيرتني معاك."
راق لها دهائها وابتسم لها ولاهتمامها وهو يكاد يسمع دقات قلبها كالطبول في أذنه ولمعة عينيها وهي تتحدث معه، ثم قال:
"قلبي وعقلي محيرني ومش مرسيني على بر، وعايزين يتكلموا بصراحة على اللي حاسينه بس خايفين."
"خايفين من إيه؟ بلغهم إن الصراحة راحة للكل وبتقصّر الطرق وبتقرب المسافات قوووي..." كلمات مشجعة نطقتها فريدة بنبرة حماسية هادئة لفارسها، فعقب عليها بابتسامة ساحرة سرقت لبّها أكثر وأكثر.
"طب لما القلب والعقل يقولوا الصراحة، مش ضامنين رد فعل اللي قدامهم هيبقى عامل إزاي أو هيتقبلوه ولا لأ، فهيخافوا يخسروا بعد ما اتقدموا شوية."
كانت تشعر بسعادة تملأ العالم أجمع بحديثهم ذاك، ثم شجعته ثانية وهي تتوق لسماع اعترافه بعشقه لها، فقد أحبت جلستهم تلك مثلها كمثل الأنثى الراغبة باعتراف حبيبها لها بأنه يعشقها، ونسيت كل شيء وضربت بكل ظروفه عرض الحائط.
"الخسارة الحقيقية لما الخوف من فقدان شيء يفضل يسيطر على الإنسان فيخليه فعلاً يخسر ويضيع من إيده حاجات أغلى من روحه، لو قعد عمره كله مش هيعرف يرجعها تاني."
وأكملت وهي تبثه بنصائحها وعينيها الساحرتين مازالت ساكنة عينيه الحائرتين.
"قوّي قلبك وعقلك وشوف هما عايزين يقولوا إيه، ومتحيرهمش معاك، وتوكل على الله."
نفذ إرشادها له على الفور، معترفاً لها اعتراف عاشق لامرأة بغرامها متيم، اعتراف مختلف عن كل العاشقين، جعل كل خلية بحسدها تهتز داخلها، وكأنه ألقى عليها تعويذة سحر وترنيمات عذبة رطبت قلبها العاشق لأول مرة بعمره.
"طب عقلي سمع كلامك وقال لقلبي يبلّغ قلبك إنه شايفك حبيبته، شايفك مستقبله وحياته، شايفك شعاع النور اللي هينوّر ضلام الفارس، شايفك أجمل بنت شافتها عيونه، وأجمل شكل في كل البنات، وأجمل غنوة سمعها قلبه وعقله منسيهاش، شايفة عقلي بلغ قلبي يبلغك سلام حبه إزاي يا فريدة؟"
"اصمت أيها الفارس، كفاك كلماتك الرقيقة الساحرة لقلبي المسكين."
تسمّرت عيناها أمامه ونطق قلبها بما خجل به لسانها.
"أحببتك لدرجة أنه قد اجتمع حب العالم بأسره في قلبي ووصلت معك لمرحلة العشق الأبدي. اعترفت مسبقاً أني أحبك بقلبي وأفعالي، واليوم أعترف أيضاً أني أعشقك يا قلبي وروحي. سأخبرك عن كل ما في قلبي طال كتمانه ولم يعد قلبي يحتمل ذلك. إنه حباً لك أوقعته نظرة شقت قلبي نصفين ونقشت في أعماقه ملامحك الفتانة حتى صرت أنظر إليك في كل وقت. وحين صار قلبي معلقاً بك، اليوم أعترف بأني أحبك ولكني امرأة شرقية خدشت قلبها وأنت الدواء والجرح وأنت الصديق والحبيب الذي لطالما أخبرته ما لا يقال، وها أنا أعترف مرتين أني أحبك. مرة أمامك ومرة أمام عيناك دون أن يتحدث فمي وتنطقها شفتاي."
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم فاطيما يوسف
اليوم أعترف بأني أحبك ولكني امرأة شرقية خدشت قلبها وأنت الدواء والجرح وأنت الصديق والحبيب الذي لطالما أخبرته مالا يقال وها أنا أعترف مرتين أني أحبك مرة أمامك ومرة أمام عيناك دون أن يتحدث فمي وتنطقها شفتاي.
رأى خجلها والاحمرار غزى وجهها ببراعة فأكمل بهمسه الأجش بما قضى عليها وجعلها تود أن تطير من أمامه:
ــ معقولة لسه في بنات بتخجل ووشها بيحمر زيك كده لما حبيبها يعترف لها إنه بيحبها بجد اللي زيك خلصوا من زمان.
تفوهت بلسان يرجف من خجلها متسائلة إياه:
ــ ليه يعني؟
طبيعة البنت الخجل وأنها تتكسف لما حبيبها يعبر لها عن إعجابه بها.
حرك رأسه نافيًا ما تفوهت به معللًا نفيه بما عايشه مع أصدقائه وما رآه بأم عينيه:
ــ مين قال لك كده! أصلك مخرجتيش برة قوقعة حياتك المغلقة وشفتي اللي أنا شفته دلوقتي. البنات هي اللي بتكراش على الشباب وممكن كمان تبعت له وتقول له بص بقي من الآخر أنا معجبة بيك وبكراش وهموت عليك فتيجي سكة ودوغري معايا يابني انت علشان مش هتلاقي واحدة تحبك قدي ولا زيي.
شهقت بشدة مما قاله ولم يستوعبه عقلها ثم هتفت بعدم تصديق:
ــ هاااا إيه الكلام ده! لا يمكن البنت تعمل أكده وأصل مستحيل البنت طبعها الاستحياء.
اهتز فكه بسخرية من برائتها ثم أكد لها:
ــ الاستحياء ده كان على أيام بنات سيدنا شعيب أما دلوقتي إنتي في القرن الرابع والعشرين يا دكتورة. البنت حاليًا بقت متفتحة قوي واسبور وشايفة إن من حقها تختار شريك حياتها وتحب وتتحب.
وأكمل بنفس سخريته:
ــ تصوري البنت بقت بتحب الشاب اللي مسقط البنطلون وعامل شعره بطريقة غريبة واللي ممكن يستشوره ويكويه وميصليش باليومين علشان ميجيش عليه ماية وتضيع التسريحة اللي قعد ساعات يظبط فيها. البنت بقت بتحب اللي يقولها سوري في اللفظ اللي هتسمعيه: بحبك يابنت الجزمة. وألفاظ شنيعة عن دي وهطلع مش عارف إيه أبوكي وأمك ويشتم أهلها كله وهي تضحك وتحبه أكتر. قال ده بقي الواد الشبح اللي مفيش منه اللي اختارها من وسط البنات كلهم علشان هي جميلة الجميلات اللي مفيش زيها.
كانت تنظر إليه بمقلتين تتسع ذهولًا مما يحكيه فلأول مرة تسمع تلك الكلمات. فهي قليلة الاختلاط بالبنات ولم تهتم في حياتها غير بتعليمها وعملها وأهلها ولذلك ذهلت عندما سمعت منه تلك الحوارات لتقول باستعاذة:
ــ أعوذ بالله معقول الحالة وصلت بالبنات لحد أكده اللهم عافينا.
أمن على كلامها ثم أكمل وهو يتعمق تارة في مقلتيها وتارة تجول عيناه لشفتيها وتارة أخرى لوجنتيها. مختلفة هي عن كل بنات حواء الذي قابلهن. يسير الحياء في تعبيراتها. ونظراتها. ووجهها المستنير بحمرة الخجل البدائي الذي لم يراه قط في مجتمعه الذي عاش فيه طيلة عمره:
ــ بس انتي غيرهم كلهم يا ست البنات. إنتي تخطفي القلوب من هدوئك ورقتك. تركيبة جديدة مقابلتهاش في المحيط اللي عايش فيه طول عمري. علشان كده قلبي مال وابتدى الحب معاكي وبإذن الله هينهيه وياكي ومش بس كده يافيري ده عمري الحقيقي ابتدا وياكي.
ثم شبك كلتا يديه في الأخرى متسائلًا إياها برجاء وهو يريد أن يسمعها:
ــ انتي إيه رأيك في كلامي ومقلتليش بردوا رأيك في عرض حبي ليكي أستاهل أتحب ولا لا؟
خفضت رأسها للأسفل بخجل وداخلها يرد عن لسانها بما لا يستطيع قوله من شدة خجلها ولم تعرف بما تجيب ولكنها ألح عليها ولم يتركها إلا حينما يسمعها بالرغم من أنه قرأها بامتياز في حمرة وجهها وصمتها ودقات قلبها. ثم أكمل بنبرة هائمة:
ــ بصي مش هسيبك إلا لما أعرف إحساسك بيا إيه وتنطقيها علشان أنا لحوح جدًا ومعنديش صبر إني أقعد أسهر وأعد النجوم علشان أفكر بتحبني ولا لا زي ما أنا بحبك. بتفكري فيا زي ما أنا بفكر فيكي ولا لا.
شاغل كل تفكيرك زي ما انتي شاغلة كل تفكيري. أصلك متعرفنيش إني في حبي بخاف على حبي قوي إنه ميكونش مطمئن علشان أهم حاجة في العلاقة الاطمئنان.
عند ذكر كلمة الاطمئنان خفق قلبها ألمًا. فكيف تطمئن معه وهو في حالته تلك؟
كيف تشعر بالارتياح وهي معه تخطو خطوات إلى مجهول لم تعرفه ولم تعلم أيضًا. هل ستستطيع المقدرة على مجابهته أم لا؟
غموض لن تقدر إلى الآن كشفه ورغم كل ذلك إلا أنها عشقته بشدة. ما إن ترى طيفه أو تشم رائحته أو تعلم تواجده في نفس المكان الموجودة به تلقائيًا. تنهال الدقات التي تخفق بين أضلعها على قلبها المسكين فتهلك جسدها غرامًا به.
رأى تغيرات وجهها مابين لحظة وضحاها من النظرة الحالمة الهائمة به وباعترافه الموثق بغرامها إلى النظرة الخائفة التي يمسها الفقدان وعدم الاطمئنان. ولكنه انتظرها وسينتظرها مهما طالت حيرتها حتى تهدأ ومهما طال خوفها حتى تطمئن. ثم شعرت بلهفته عليها وعلى أن تريح قلبه. وكعادتها قررت أن تسلم أمرها بيد الله الذي وضع محبته في قلبها بتلك الدرجة. ثم رفعت أنظارها الخجلة إليه:
ــ مش عارفة أرد أقول إيه أو أطمنك إزاي علشان مش عارفة الإحساس اللي أنا حاسة بيه دي حب ولا له.
واسترسلت حديثها وقد تعلقت عينيها بعينيه بنظرة حانية أرجفت ذاك القابع بين أضلعه:
ــ بس إحساسي اللي أنا فيه جديد عليا محستهوش قبل أكده حتى لو في كذا زميل قبلك اعترفولي نفس اعترافك مكنتش يعني بحس نفس الإحساس ده خالص. فمش عارفة بقى يا فارس.
سألها باستكشاف وقد راق له جوابها:
ــ طب الإحساس ده نابع من عقلك ولا من دقات قلبك اللي مش مبطلة دلوقتي ولا من خجلك الكبير قوي ولا من عيونك اللي قريت فيهم كلام كبير وأهمهم إني شايفني بلمع جواهم دلوقتي؟
تحمحمت بتوتر من حصاره لها لتجيبه بنبرتها الرقيقة الشبيهة لملامحها:
ــ اممم.. كل دي أسئلة محتاجة أجوبة كده حرام عليك متاخدنيش على الحامي كده خلينا واحدة واحدة علشان متهش منك.
ابتسم وجهه ابتسامة عذبة:
ــ وماله لما تتوهي وأنا ألاقيكي وبعدها أخبيكي جوايا وأخلي رمش عيوني يحرسوكي علشان متوهيش تاني.
ابتسمت هي الأخرى نفس ابتسامته:
ــ متقلقش على جواك أصل أنا بطبعي هادية قوي ومش بعمل قلق في أي مكان.
ــ وأنا أكتر حاجة عجبتني فيكي هدوئك الراقي. عارفة بتفكريني بهوانم جاردن سيتي أيام السبعينات بتوع السبيرتاية والقهوة وكاظم الساهر ونجوم الليل وسماه وقمره. أهو أنا بقي بحلم اللي أتجوزها تكون زيهم كده بالظبط.
ــ وبتحلم بإيه تاني يا سي فارس والمرأة الساحرة الكيوتة تنفذه لك؟
وضع سبابته على فمه مجيبًا بعد تفكير وقد نال حديثهما المختلف ذاك إعجابه:
ــ بحلم ياستي إني أنا وفتاة أحلامي اللي هي زوجتي المستقبلية إننا قاعدين قدام البحر على الرملة وواخدها في حضني وجايب لها آيس كريم وشوكولاتة من اللي هي بتحبها وبأكلها لها بإيديا وهي تسألني يومك كان عامل إزاي وتهتم بكل تفاصيلي وأنا كمان أهتم بكل تفاصيلها. وأدلعها وأحبها قوي وأغير عليها قوي.
ثم تعمق في عينيها الساحرتين معبرًا بهيام:
ــ بحلم بيكي تكوني انتي شريكة الليالي اللي حلمت بيها وتكوني إنت بطلتها وأميرتها.
كعادة عيناه سرقتها من العالم والزمان والمكان ونسيت هي من وأين تكون ونسيت كل شئ مجرد أن تتسهم نظراتهم. ثم قالت جملتها التي أسعدت قلبه:
ــ ويابختي بقلبك يا فارس. يابختي بحبك الجميل. يابختي بوجودك جنبي. ويامحلى الصدفة اللي جمعتني بيك يامحلاها قوي.
شهقت رحمة شهقة عالية رجت أرجاء المنزل فطاح ماهر على أثرها ما بيده وجرى مسرعًا إلى المطبخ فقد استشف أنها حرقت حالها. فجرى عليها سريعًا وقلبه هوى بين قدميه من شهقتها العالية.
دلف إلى المطبخ وجدها تصفق بيدها وهي تقرب الإناء إلى أنفها وتشتم رائحة صنيعها. فخلل أصابع يديه بين خصلات شعره وهو ينفخ بضيق من أفعال تلك الصغيرة التي حتمًا ستصيبه بالجنون. ثم خطى إليها وأمسكها من كتفها مرددًا بهدوء ما قبل العاصفة:
ــ ممكن أعرف إيه؟
حركت رأسها بتعجب من سؤاله وسألته وهي ترفع شفتيها العليا باستنكار:
ــ إيه إيه إيه أنت؟
رفع حاجبه ونفخ بملل من أفعالها:
ــ مش شايفة حضرتك عملتي إيه دلوقتي!
جيت لك على ملا وشي من فوق وفي الآخر أجي ألاقييكي مبتسمة. انتي بتعملي إيه أصلًا؟
ابتسمت ببلهاء ثم أتت بملعقة من صنيعها "ملوخية" وأقربتها من فمه وهي تريده أن يتذوق:
ــ كنت بعمل ست بيت ونزلت المطبخ عملت لك ملوخية وفراخ شمورت تستاهل بقك ياموري ومتقلقش دي أنا شهقة لها شهقة مقولكش عليها.
ــ أه ما أنا دريت بشهقتك دي قطعت لي الخلف وأنا لسه عريس والنهاردة صباحيتي.
مطت شفتيها للأمام بدلال وهي تقرب الملعقة من فمه:
ــ طب دوق ياعريس وقول لي إيه رأيك في عمايل يدي.
تذوقها وفور أن دخلت فمه كاد أن يشعر بالغثيان. فذهب إلى الحوض وافرغها من فمه مما جعلها تعيد شهقتها ثانية وهي تهتف بذهول:
ــ هااااا إيه دي اللي انت عامله!
أخذ الملعقة من يدها ورماها في الحوض، ثم حمل الإناء بأكمله وأقربه من فمها مجبراً إياها أن تتذوق من صنيعها. مما جعلها تبتعد على الفور، فقد استشفت من حركته أنها سيئة المذاق للغاية. ولكنها ابتعدت وهو يقترب أكثر، فحقا كان منظرهم يهلك من الضحك من أفعالهم. حتى شربت عنوة وإجباراً، وما إن نزلت معدتها حتى بان على ملامحها الكراهة لصنعها. وفعلت نفس ما فعله بل ويزيد، مما جعله أثلج صدره. ثم سألها ببرود:
ــ ها إيه رأيك حلوة ياروحي؟
ثم أكمل داعياً عليها:
ــ منك لله كرهت الملوخية والجواز والصباحية وكرهت صنف الحريم كلهم على يدك يابت سلطان.
كانت تريد أن تختبئ أو تطير من أمامه، فهي تقف كالفأر المبلول الآن من شدة خجلها. فمن يتذوق صنيعها الحادق الثقيل ثقل الجبال بمنظره الذي يبعث في النفس الاشمئزاز يكره حاله.
كانت تنظر إليه وهي تصطنع الحزن، ثم أمسكها من كتفها متسائلاً إياها وقد فاض به الكيل من أفعالها:
ــ هو في عروسة يوم صباحيتها تسيب عريسها نايم وتروح تعمل ملوخية يارحمة؟
لأ طلعتي مختلفة في دخلتك وصباحيتك أشهد لك باكده ياللي هتشليني واحنا لسه هنقول يا هادي. يا ماما خفي شوية أفعالك دي من أولها اكده هتوصلني للانتحار.
قوست فمها بانزعاج منه وهتفت بنبرة لائمة:
ــ يعني الحق عليا اللي كنت عايزة أكلك من إيدي يوم صباحياتنا ونزلت وتعبت عشان أعمل لك الأكل وفي الآخر تقول لي هتجننيني وهتشليني علشان عايزاني أشوفني شاطرة وحلوة من أول يوم.
ــ هي الشطارة في وجهة نظرك تقومي من جاري يوم صباحيتك وتعملي ملوخية وفراخ شمورت؟ يا الله منك يا فصيلة يامجرمة!
ــ هااااا بقي أنا مجرمة وفصيلة يا بتاع شمس حريقة!
لكزها من كتفها:
ــ بس يابت يا بتاعت الملوخية اللي عايزة تتقرص. دي انتي عايزة تتصوري جمبها ويتعمل لك هاشتاج "العروسة والملوخية يوم الصباحية". هتبقي ترند الموسم يابت سلطان.
ــ اتريق قوي اتريق ياماهر بدل ما تشجعني وتاكل منها وتجبر بخاطري عشان أحسن من مستواي في المطبخ.
ــ أه أشجعك وأكل منها ويجي لي تلبك معوي ويودوني على المستشفى طوالي وأبقى قضيت شهر العسل لحالك يا اللي هتجيبي أجلي بدري بدري.
دبت قدمها في الأرض هاتفة بانزعاج وهي تلكمه في صدره:
ــ والله العظيم أنت أرخم حد شفته ومليش صالح بيا وطلقني حالا بالا.
ــ طلقني حالا بالا! والله العظيم أني متجوز طفلة لسه في اللفة. أطلقك مين هو أنا لسه لحقت أتجوزك ولا عارف أتلم عليكي عدل زي أي عريس وعروسته في ليلة جوازهم الأولى!
العريس يصحى الصبح أكده يلاقي عروسته نايمة جاره فيصحيها بطريقته أكده ويروق عليها ويدلعها ويهننه ويدلعها وتخليه ملك زمانه مش يصحى على شهقة تجيب أجله وهي سايباه وهتعمل ملوخية! إنتي بجد رهيبة ومحصلتيش ولو في نسخة كمان منك على الدنيا السلام.
ضحكت بشدة من كلماته وسخريته المغلفة بالدعابة ثم أكدت على كلامه وهي تداعب رقبته بأناملها وهددته بمشاكسة:
ــ أنا فعلاً رهيبة ومحصلتش ولسه هتشوف من الاختلاف أنواع وأشكال وكل يوم هبهرك ياموري بس انت قول يارب.
أمسكها من يدها مقبلاً إياها قائلاً بمحايلة:
ــ لأ أبوس يدك كفاية انبهار واندهاش أني عايز أشوف وياكي وأعيش الحاجات اللي هيعيشها الراجل ومرته يا رحمتي.
ضحكت بشماتة:
ــ طول ما أنت بتتريق علي مش هبطل أبهرك أما لو فضلت تمجد في أفعالي وتنفخ فيا كده وتخليني أمشي نافخة ريشي هتلاقي واحدة بس صايعة معاك.
ــ صايعة معايا!
اتحشمي في حديتك يابت سلطان من الآخر ارتقي يارحمة بدل ما هيخلص صبري عليكي وأروح أتجوز واحدة غيرك تدلعني.
أمسكت السكين بيدها واقتربت منه وهي تنظر له بجنون قائلة بتهديد:
ــ طب اعملها اكده يابن الريان وأني هقطعك انت وهي شرايح شرايح وأعبيك في أكياس وأوديك للأخرة.
غمز لها وهو يحتضنها من خصرها ويقربها منه:
ــ وأهون عليكي يابت سلطان تـ.ـقتلي جوزك حبيبك اللي عيشك امبارح ليلة ولا ألف ليلة وليلة فاكراها يارحمتي.
شعرت بفكاك جسدها بين يديه وخجلت بشدة من تلميحاته ثم قالت بدلال أثاره:
ــ آه ووجعتني قوووي وهديت حيلي لحد مبقاش فيا نفس بالراحة عليا اني لسه صغيرة وراعي فرق الطول والعرض والارتفاع.
احتضن وجنتيها بين كفاي يديه ثم قبلها منهم:
ــ بالراحة مين دي لسه استفتاح والشوط الأول لازم ياخد حقه وبعدين استريحتي استراحة محارب وعايزين نكمل الشوط التاني والوقت الإضافي وضربات الجزاء كمان يا صغنن.
ــ إنت قليل الأدب على فكرة واللي يشوفك وانت في المكتب عامل فيها هولاكو ميقولش انك اكده واصل.
ــ قليل الأدب مين يا أم لسانين هو انا شاقطك من شارع الهرم ولا حاجة اني يحق لي أعمل وأقول وألعب وأمسي وأصبح وكل اللي على كيفي دي حق ربنا وانتي ما عليكي غير السمع والطاعة يا رحمتي.
ــ ليه جايبني من سوق عكاظ ولا ايه ياموري.
ــ كل لما تقولي موري دي كل لما المباريات تطول وانت تحتاجي تتغذي كويس علشان تقدري تقاومي يا روحي.
ــ لعلمك بقي أني قدك وقدود وهطلع عينك يابن الريان.
ــ طب ماتيجي بقي نطلع أوضتنا ولا المطبخ عاجبك قوووي ميضرش بردوا.
ــ طب اغسل المواعين الأول ورتب معايا المعجنة داي وأني أعمل لك اللي انت عايزه.
ــ لااا داي انت لسعتي وفوتتي على الآخر وباين انها هبت منك بقي اني أقف أغسل مواعين وأنضف مطابخ!
ــ وماله فيها ايه اعمل حسابك الحياة مشاركة ولو مغسلتش معايا المواعين مش هلعب مباريات ولا أشواط ولا يحزنون وذنبك على جنبك ياموري.
جذبها من يدها على حين غرة ثم حملها وصعد بها إلى الأعلى حيث غرفتهم ثم أغلق الباب خلفهم تحت تذمرها وهي تتململ بين يديه ووضعها على التخت ثم هتف مشاكسا إياها:
ــ ولا ذنب ولا يحزنون ياقلب موري وطالما طلعتي عش ماهر الريان وانتي هتعاندي قابلي بقي علشان هتتدمرى دلوك ولسانك دي اللي عامل كيف المبرد مش هينطق غير بالآه علشان توبقي تتحديني ياصغنن.
أنهى كلماته المشاكسة واقترب منها ينهل من شهد عسلها المكرر والمحبب إلى قلبه في أسعد لحظات راقت لهما وكأن مشاكستهم المختلفة هي من تعطي لعلاقتهم روحا وحياة فحقا الاختلاف في الحب والتعبير عنه لا يفسد للغرام قضية.
في منزل النجم أدم المنسي حيث كان يجلس هو ومكة جلسة تحدي في الأسئلة الدينية العامة تلك اللعبة التي اقترحتها عليه مكة وبها عقاب فبدأت مكة بالسؤال الأول بحماس:
ــ من هو النبي الذي تزوج بأختين في وقت واحد.
صدم ادم من سؤالها فلم يكن يتخيل ان الأسئلة التي ستلقيها عليه ستكون صعبه فهو لم يعرف إجابة السؤال وحاول التفكير كثيرا ولكنه لم يجب فتحدث بنبرة خائبة:
ــ مش عارف إجابة السؤال انا خسرت اول جولة.
ابتسمت بشماتة لأجل خسارته فهي ستحكم عليه حكما لم يكن يتوقعه ثم أجابته بقامة مرفوعة وهي تشعر بالفخر بحالها أمامه:
ــ الإجابة هي سيدنا يعقوب عليه السلام وفي الوقت ده تحريم الزواج بأختين ما كانش لسه نزل وبعد كده ربنا سبحانه وتعالى حرمه في التوراة.
حقا لم يكن يعرف الإجابة ثم تحدث وهو يصطنع الحزن لأجل الحكم الذي سيحكم عليه:
ــ تمام يا ستي اتفضلي احكمي هنخلص الأسئلة خالص وبعدين بقى كل واحد ينفذ الأحكام.
عضت على شفتيها السفلى بمكر وهي تفكر في عقاب يجعله يجن فهي تعشق جنونه ثم جال بخاطرها تلك الفكرة التي حتما ستصيبه بالجنون من أحكامها:
ــ حكمت عليك تعمل لي بيتزا وبطاطس محمرة ومليش دعوه مش هدخل معاك المطبخ ولا هشارك في اي حاجة وزي ما استلمت المطبخ نضيف تسلموا لي نضيف.
اتسعت مقلتيه ذهولا من حكمها فلم يكن يتوقع ان تكون بتلك المكر وتحكم عليه ذاك الحكم ان يدخل المطبخ ويفعل لها تلك البيتزا التي تطلبها ثم رفع حاجبه هو الآخر ماكرا مرددا بانتصار:
ــ عادي أمرها سهل ولا ابهدل المطبخ ولا حكاية اطلب لك بيتزا يا ستي وبطاطس محمرة من أفخم مكان فيكي يا مصر حكم تافه.
حركت رأسها برفض قاطع وهي تفقده الأمل في ان يفعل ذلك بتاتا:
ــ لا يا بابا ما ليش دعوة انا عايزه أكلها من ايدك وفريش مش جاهزة من برة ولا من مطاعم وانت اللي تعملها لي ولازم تلتزم بالحكم زي ما انا هلتزم بالأحكام لو انا ما جاوبتش.
نفخ بضيق من اصرارها ثم حرك رأسه للأمام بموافقة وهو ينتوي لها بسؤال صعب ولا تستطيع اجابته كي يحكم عليها هو الآخر بما لا تطيق به ذرعا والند بالند:
ــ تمام اما خليتك تقولي حق برقبتي ما بقاش أنا يا مكة يلا بقى جاوبي على السؤال يا حلوة دورك.
نظرت اليه بشموخ وهي لديها الثقة الكاملة بأنها ستجيب على كل الأسئلة الدينية التي سيطرحها عليها بكل تأكيد ولكن انقلبت معالمها عندما استمعت الى سؤاله الذي لم تكن تتوقعه ان يكون صعبا بتلك الدرجة وتسهمت أمامه مما جعله ابتسم هو الآخر بانتصار فكان السؤال:
ــ من هو النبي الذي رفض الله له طلبه.
فكرت كثيرا ولم تعرف الإجابة وحاولت ان تجول بعقلها ولكن لن تستطيع او لم يكون التوفيق حليفها رغم أن الإجابة سهلة وهي تعرفها ولكن طريقة السؤال هي المختلفة مما جعلتها تلبكت وطلبت منه الإجابة فأجابها هو الآخر بشموخ مماثل كما فعلت معه وهو يرفع كتفيه باستكانة:
ــ هو سيدنا موسى عليه السلام لما طلب من ربنا ان هو يشوفه وربنا سبحانه وتعالى قال له لن تراني.
بالفعل كانت إجابته صحيحة وبالرغم انها تعرفها الا أن طريقة السؤال كانت ملتفة جعلتها لم تعرف الإجابة ثم طلبت منه الحكم وهي تمط شفتيها للأمام بضيق فأحكامه بالتأكيد ستكون على هواه ثم صفق بيديه بفرحة شديدة ونطق حكمه:
ــ شوفي يا موكتي حكمي عايز نقضي سهرة لذيذة ترقصي لي فيها على أنغام كوكب الشرق وتدلعيني أنا محروم من الدلع من ساعة ماحملتي وعايز أتدلع.
اتسعت مقلتيها بذهول مماثل عندما استمع الى حكمها ثم حركت رأسها برفض قاطع وهي تعلل رفضها:
ــ رقص ايه دي ما ينفعش طبعا انت عارف آني حامل والحركة الكتيرة غلط عليا شوف حكم تاني بطل صياعة عليا يانجم.
رفض بشدة هو الآخر مؤكدا عليها:
ــ لا يا ماما انت اللي ما تشتغلينيش الدكتور قال تتحركي طبيعي جدا بل بالعكس الحركه حلوه ليكي وللجنين.
ثم أكمل حديثه بغمزة شقية لها:
ــ وبعدين الحركة اللي انا عايزها هتبقي بهدوء وتروق لك مزاجك وتروق لي مزاجي انا كمان وعلى انغام الست يعني ما فيش روقان بال احسن من كده واعملي حسابك انا رضيت بحكمك القاسي وانت كمان هترضي ما فيناش من الغش خليكي قد اللعب يا بيبي.
زمت شفتيها باعتراض وهي لم تستطيع الإفلات منه واضطرت للموافقة ثم رددت سؤالها الثاني وهي تنوي له بأحكام تجعله حينما ينهيها يشعر بالإجهاد الشديد فينام من شده تعب جسده:
ــ ماشي خد بقى السؤال التاني وجنت على نفسها براكش يانجم.
ما هو الجماد الذي يكون النظر اليه عبادة.
ظل يفكر كثيرا وهو لم يمهلها فرصة بالانتصار عليه تلك المرة وهي تتحايل عليه كي تشتت انتباهه ولكنه فصل عنها عقله حتى وصل الى الإجابه أخيرا وهو يصفق على يديه بانتصار مجيبا اياها بثقة جعلتها تهدمت آمالها فيما كانت تنتويه:
ــ الإجابة هي الكعبة الشريفة التي يكون النظر إليها عبادة والطواف حولها صلاة.
رغم أنه أجاب سؤالها وأفسد عليها فرحتها بالحكم عليه الا أنها شعرت بالفخر من إجابته وسعد داخلها. ثم جاء دوره في السؤال وهو سعيد بفوزه في تلك الجولة:
ــ حلو قوي أسأل انا بقى وكده 1-0 ليا يابيبي.
هل ينام المؤمنون في قبورهم.
انفرجت اساريرها من سؤاله فهي تعرف اجابته وفورا انطلق لسانها بالإجابة التي ابهرته بها وجعلته يشعر بالفخر بكون تلك الراقية زوجته:
ــ اذا كان من المؤمنين نام نومه العروس ولا يوقظه الا احب اهله اليه عندما يزوره وهو يسلم عليه.
انهت اجابتها قائلة وهي تربت على ظهره بسعادة للتعادل بينهم:
ــ كده متعادلين يا نجم أسأل انا بقى سؤالي.
من هو الذي لم يشعر بألم الموت اذا مات.
كان السؤال صعبا ولم يستطيع الإجابه رغم التفكير فتهدمت آماله وهو يطلب منها الإجابة التي القتها على الفور بابتسامة سعيدة لأنها ستحكم عليه مره ثانية:
ــ هو الشهيد في قول النبي صلى الله عليه وسلم "ما يجد شهيد من مس القتل الا كما يجد أحدكم من مس القرصة".
ثم زاغت اعينها بسعادة وهي تلقي عليه الحكم الذي جعله اغتاظ منها للمرة الثانية بشدة:
ــ احكم بقى الحكم بتاعي بعد ما تعمل لي البيتزا وتروق الدنيا اكده في المطبخ تاخد المكنسة وتعيد لي على السجاد اللي في الدور دي كلاته.
فتح فاهه بتعجب من حكمها ثم هتف بنبرة استنكارية:
ــ ايه يا ماما الأحكام بتاعتك دي انت مفكرة اني الخدامة الفلبينية بتاعتك اللي جابوها لك ولا ايه.
عدي ليلتك يا مكة واحكمي حكم تاني بدل ما اجيب لك سؤال واخليكي تقولي يا ريت اللي جرى ماكان ومش هخليك تنامي تلت ايام ورا بعض وانت حرة بقى.
رفضت ما قاله رفض قاطع وهي تصر اصرارا شديدا على حكمها مما جعله توعد لها وبدا بالقاء سؤاله:
ــ ما هو الفعل الذي فعله المسلم عذب في قبره بسببه.
فكرت سريعا ثم أجابته بانتصار لسؤاله مما جعله اغتاظ بشدة:
ــ هو الذي لا يتطهر من بوله والذي يمشي بين الناس بالنميمة كما رآها النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعذب في قبرهم.
وظل كلتاهما يسأل الآخر وهم ماهرون في الإجابة حتى اتى السؤال الأخير ولم تعرف الإجابة عليه فابتسم بانتصار واصبح الحكم متعادل بينهما والفوز والخسارة ايضا متعادلين وقام بالحكم عليها مما اذهلها:
ــ كده تمام يا بيبي أحكم بقى الحكم بتاعي هعمل البيتزا وهنفذ حكمك الأولاني وانتي هتنضفي المطبخ ورايا عقبال ما انفذ الحكم التاني ونطلع بقى على عش الحب عشان تنفذي الحكم الأولاني والسهرة صباحي يا جميييل.
لكزته في كتفه وهي مغتاظة:
ــ انت وحش على فكرة بقي ورخم وعايز تتعبني.
غمز لها بطريقة أخجلتها:
ــ وماله تعب الحبيب للحبيب لذيذ والشقاوة مطلوبة بردو يابيبي.
ــ بس اني حامل وانت عايزني ارقص واكده ظلم وميرضيش ربنا.
ــ ظلم مين دي عز العدل ياحلوتي توكلنا على الله بقى علشان نبدأ تنفيذ الأحكام ياروح قلبي وبعدين أطلع اجهز الجو فوق اطلع لك البدلة اللي مركونة في الدولاب فوق دي وقربت تبوظ من الركنة واشغل الست وتروقي عليا باللي اطلبه وتنفذيه وحذاري أي حاجة أطلبها تتحججي وتقولي تعبانة مش هتصعبي عليا خالص على فكرة وهعمل كأني مش سامع حاجة علشان الإنسان جايب آخره منك ومن دلعك عليا وانتي فهماني طبعا.
دبت في الأرض بقدميها وهو تركها ودلف إلى المطبخ فذهبت ورائه كي تنظف مايفسده أولا بأول وهي تندم على حكمها ذاك.
قضيا مدة ما يقرب من ساعتين ينفذون أحكامهم وبعد ان انتهي حملها ادم على حين غرة وصعد الى غرفتهم بخطوات تسابق الريح وهو يتوعد لها وهي بين يديه:
ــ ده إنتي هتموتي ياسوسو. استعنا على الشقى بالله.
ثم أدخلها غرفتهم وكلاهما تنعم بحمام دافئ بعد تلك العلقة التي مكثوها في الطهي والتنظيف وأشعل آدم الموسيقى على أغنية كوكب الشرق المحببة إلى قلبه "سيرة الحب" وبدأت مكة تتمايل في رقصتها بهدوء أثاره وقضى ليلتهما كل منهما يبث الآخر بشوقه وعشقهم كان حقا راقيا وفريدا من نوعه.
وأخيرا أتت اللحظة المنتظرة لجاسر والذي انتظره بشدة وقلبه فرحا لتلك الخطوة الذي حلم بها ليال عدة. كان يمشي بجانب عمران وهو في قمة سعادته وقبل أن يهبطا من السيارة نبه جاسر عليه بشدة:
ــ شوف بقى يا عم عمران انت تعمل مع ابن عمك الصح ومش همشي من اهنه غير واحنا محددين ميعاد كتب الكتاب اللي هو بعد اسبوع ان شاء الله فشد حيلك مع الحاجة ماجدة أني عارف انها هتحبك كيف ولدها بالظبط وعلشان اكده اني هستغل النقطة داي ياواد عمي.
نظر له عمران بنصف عين مرددا:
ــ وه ياجاسر ماهي المصالح بتتصالح بردو وانت هتستغلني وهياجي اليوم اللي هستغلك فيه اني كمان ولا يهمك سيب موضوعك دي على العبد لله هخلصه لك في مينيت داي ماجدة في جيبي متقلقش.
تبسم جاسر بسعادة غامرة وتأكيد عمران له اشعره بالراحة والسكون في إتمام مهمة زواجهما ثم ربت جاسر على ظهره هاتفا بامتنان:
ــ دي العشم بردو ياحبيب اخوك وربنا يقر عينك بالذرية الصالحة يارب وتشوف عوضك يارب.
أمن عمران على دعائه بشدة فهو الآخر يحلم ان يكون ابا يوما من الأيام ولكن حكم الله هبطا كلتاهما من السياره وقلب الجاسر يدق بين اضلعه شوقا لتلك الحبيبه الذي يود ان يسابق الزمن وأن تكن الليلة ليلة زفافهم وليس خطبتهم ثم صعدا إلى حيث تتواجد معشوقتيهما الاثنين فسكون قد سبقته واتت لتكون بجوار مها.
أما في غرفة مها تجلس متوترة للغاية وكأنها أول مرة تطلب يدها وكأنها أيضا بنتا في سن العشرين والتوتر البالغ هو الساكن معالمها الآن وبجانبها سكون تهدئها:
ــ اهدي بقي يابنتي في ايه وترتيني معاكي ومحسساني انك داخلة امتحان الثانوية في ايه يامها هدي حالك يا اختي الليلة حلوة وقمرر قووي اهي.
وأكملت وهي تغمزها بدعابة أسفل معدتها:
ــ مجرد ما رحتي اشتغلتي عند الراجل كعبلتي في كذا شهر وخليتيه مش على بعضه وبقى طالب الود والقرب اه منك ما طلعتيش سهله يا ام الزين.
ابتسمت مها أخيرا من دعابة شقيقتها ثم سألتها بحيرة:
ــ تفتكري بيحبني بجد وعايزني اكون زوجة وام لعياله رغم ظروفي يا دكتورة.
ضمت سكون حاجبيها بدهشة من حيرتها ثم طمئنتها بحفاوة:
ــ ومالها ظروفك يا مها يا حبيبتي انت اي حد يتمناكي في الدنيا جميلة وصغيرة وهادية ورقيقة وناعمة وفيكي كل الصفات اللي يتمناها اي راجل ده يا بخته وامه داعياله اللي انك تكوني في حياته والله. مش علشان اختي والله بقول لك الكلام ده علشان فعلا انتي فيكي كل الصفات اللي يتمناها اي راجل تكون في الست بتاعته ولأنه واثق ومتأكد من حبه ليكي زي ما عمران قال لي انه هيحبك قوي يا مها ومش عايز في الدنيا غير وجودك جنبه وانك تكوني زوجته وشريكته واني بشجعك انك تاخدي الخطوة داي وتتقدمي في حياتك وتنسي الماضي الأليم لأن الدنيا مجبرين ان احنا نعيش فيها ونتقبل كل ظروفها الحلوة والوحشة وبرضو نتقبل اقدار ربنا سبحانه وتعالى فعلشان اكده بقول لك افرحي واتمني لنفسك أحسن حاجة في الدنيا علشان بجد انتي احسن ست في الدنيا كلاتها ويا بخت اللي تكون في حياته مها الجندي.
انهت سكون طمئنتها لمها ثم جذبتها الى احضانها وظلت تهددها بحنو مبالغ فيه كي ترزقها الهدوء والسكينة وتجعل دقات قلبها الحائرة داخلها تهدأ قليلا ويصفوا ذهنها كي تفرح في ذاك اليوم الذي عوضه الله فيه بهذا الرجل الراقي الشهم الذي حكى لها عنه عمران كثيرا وعن رقيه وأدبه وأخلاقه الشديدة مما جعلها نقلت كل ذلك الى ماجدة التي تتردد كثيرا.
أما في غرفة ماجدة وجدت هاتفها يعلن عن وصول مكالمة نظرت الى الرقم المتصل عليها وجدته غير مسجل فأجابت وهي تسأل عن ماهية المتصل فأبلغها انه عامر وبعد كثير من الأسئلة عن الحال لكليهما وسألته ايضا على ابنائه دخل عامر في طلبه منها مباشرة:
ــ شوف يا خالة أني رجعت من السفر ورايد مرت اخوي الله يرحمه تكون حلالي ان ما كانش عنديكي مانع اني اولى بيها من الغريب واي حد مكاني هيقول اكده فانتي ايه رايك.
ابتلعت ماجدة ريقها بصعوبة فإبنتها سيأتي أحدهم لخطبتها الآن ومن كلام عمران انه يتسم بالشهامة والرجولة والأخلاق العالية ويريدها بشدة ومن تشجيع عمران ايضا ان توافق مما جعلها حائرة فعامر كلامه بالنسبة لها صحيح ومعقول ووقفت الآن لا تعرف بما تجيبه ولكن كي تنهي ذاك الحوار لأنها سمعت قدوم جاسر من صوتهم في الخارج فقد فتحت لهم سكون الباب:
ــ طب يا ولدي احنا عندينا ضيوف دلوك هكلمك بعدين او تاجي البيت عندينا لأن الكلام في الموضوع دي في التليفون ما ينفعش واصل واللي عايزه ربنا ومقدره بالخير هو اللي هيكون مع السلامة.
أغلقت معه الهاتف ثم خرجت لاستقبال الضيف وألقت عليهم السلام بابتسامة ووجه بشوش وبعد التعارف بينهم دام لأكثر من نصف ساعة تحدث جاسر بما أتى إليه بملامح سعيدة:
ــ بعد اذنك يا خالة أني جاي اطلب يد مها على سنة الله ورسوله وجاهز من كل حاجة ومش محتاج غير موافقتك انتي وأم الزين وأي حاجه هتطلبيها وهي كمان تشاور عليها هتكون ملك يمينها في التو والحال.
واكمل عمران مشجعا ماجدة:
ــ شوفي يا أمي مش عشان هو ولد عمي اني هدافع عنيه وهقول كلام واوصف صفات في مش موجودة فيه لا سمح الله بس اني حابب اقول لك مش هتلاقي راجل لأم الزين احسن من جاسر ولد عمي هيحطها في عيونه وهيحافظ عليها وهو رايدها دونا عن ستات الدنيا كلاتها قلتي ايه.
كانت ماجدة في موقف حائر للغاية وانطلق لسانها بما قاله لها عامر مما صدمهم جميعا فجعل ذلك الجاسر يمسك أعصابه غصبا عنه وبالتحديد عندما نظر اليه عمران الا يتحدث وأن يترك له الأمر برمته:
ــ شوف ياعمران ياولدي انت وكلامك وولد عمك على راسي من فوق واني أتشرف بنسبكم تاني إللي مشفتش منيه غير كل خير بس في حاجة اكده لازم اقولها. اخو زوجها الله يرحمه كلمني عنيها ورايدها وبيقول اني أولى بيها واي حد هيسمع طلبه ليها من اخوالها هيقولوا عين العقل والصح ومصمم عليها وأني دلوك وشي منك في الأرض ياعمران انت والأستاذ.
سألها عمران:
ــ طب هو كان فين اخو جوزها دي يا امي طول السنتين دول.
ولا بعد مارجع بعيلين جاي عايزها الدادة بتاعت ولاده مش تقولي كلام يعقل يا ست الكل.
فقد أبلغ جاسر عمران بعرض عامر وأعلمه بجميع ظروفه كي يتفادى حدوث ذلك الأمر وما فكر به جاسر بحنكته ودهائه وجده الآن ويكاد أن يتركهم في التو والحال ويذهب لذلك العامر ويختنقه بين يديه كي يتخلص منه وينهي أمره فقد أصبح الآن كالشوكة في الحلق ومن الواضح أن والدتها تميل إليه والي عرضه أكثر من جاسر والموقف الآن أصبح محتدما. ثم أجابته بما دله عليه عقلها:
ــ طب وهو ذنبه ايه ياولدي في اليتامى اللي هيربيهم وبعدين دول لسه حتة لحمة حمرا ومها تعتبرهم مكان ولادها وتربيهم وتكسب فيهم ثواب وهي هتحب العيال زي عينيها فالمشكلة دلوك مش في العيال خالص.
تحدث جاسر بتعقل ولم يستطيع الصمت أكثر من ذاك وهو يستدعي الهدوء بأعجوبة:
ــ طب لما هو بيقول إنه أولى بيها ياخالة ليه سابها سنتين بحالهم وراح اتجوز وخلف وعاش حياته يعني لو كانت مرته مراحتش للي خالقها كان هيريدها بردو وياجي ينفش ريشه ويقول اني اولى بيها من الغريب.
فكرت ماجدة سريعا في كلامه ثم أجابته بفطنة لأنها مائلة لعامر أكثر من جاسر:
ــ يابني هو اتجوز مرته بعد موت اخوه بشهرين علطول مكانتش مها تنفعه وقتها وبعدين اللي حوصل حوصل إحنا في الأمر الواقع دلوك يعني متآخذنيش ياولدي هو انسب ليها منك وظروفهم مناسبة لبعض اكتر أما أنت بنات الناس كلاتها تتمناك أما مها اني شايفاها لأخو المرحوم.
ضرب عمران كفا بكف من إصرار حماته ثم هتف باستنكار:
ــ يعني يا امي هي مها بيعة وشروة للمرحوم ولما مات اخوه يورثها اي عقل بيقول اكده.
واسترسل حديثه باستجواد:
ــ انت مش يهمك في الموضوع دي كلاته ان مها تتستر زيها زي اخواتها مع راجل يحبها ويخاف عليها ويقدرها يوبقى العقل هيقول اللي تختاره ام الزين هو اللي يوبقى من حدها ونصيبها يعني احنا دلوك عمالين نقول عامر ولا جاسر وناسيين ان هي صاحبة الشأن وهي اللي ليها القرار الأول والأخير في حياتها اللي جاية وما ينفعش انك تقرري عنيها زمن اجبار البنت او الست على الجواز عشان العادات والتقاليد او العقل والمنطق خلص من زمان يا أمي.
حركت رأسها للأمام باستحسان لكلام عمران ثم نظرت الى جاسر معتذرة له على طريقتها في الحديث التي بانت أنها جافة:
ــ اللي تقول عليه عمران يا ولدي وشايفه صح اني هعمله اني معتبراك دلوك ابني البكري اللي ما خلفتوش خلاص هستشير مها وهتحدت وياها واللي هي عايزاه هو اللي هيمشي داي يا حبة عيني ما شافتش يوم راحه في حياتها مع المرحوم ومش عايزه أشيل ذنبها اللي باقي من عمري. وانت يا جاسر يا ولدي ما تزعلش مني ان كان بان ان طريقتي ناشفة وياك بس لازم اعرض عليكم الأمر كله لأن الموضوع كبير مش صغير ومش عايزه حد يلوم علي ولا ياكل وشي وان شاء الله هبلغ عمران بردنا بعد ما اتحدت وياه وانت زينة الشباب وما فيش حاجة تعيبك ابدا والله لولا ظروفها انا ما كنت رجعتك ابدا الا وانت مجبور الخاطر بس الموضوع والحوار كلاته محتاج حبة صبر هبابة ولو هي وافقت على بركة الله وربنا يبختها لك.
لاحظ عمران أن جاسر لن يستطيع صبرا وانه يريد أن يخرج من هذا المنزل اليوم وهي مكتوبة بإسمه ومن نظرة عينيه استشف إلحاحه عليه أن يسرع في اتمام هذه الزيجة اليوم لا بل الآن وفي تلك الدقيقة فتحدث وهو ينظر الى ماجدة راجيا اياها:
ــ طب بعد اذنك يا أمي هدخل اني لام الزين واخد رايها ما اني اخوها الكبير برده وخير البر عاجله لو وافقت نتمم الموضوع ونتفق على كل حاجة دلوك خليها تفرح وتشوف حياتها وتعيشها بدل التأجيل اللي ما لهوش عازه دي.
نظرت إليهم ماجدة بخجل فهي تريد التحدث مع ابنتها وإدلاء رأيها لها وأنها ترى من وجهة نظرها الصحيحة أن عامر أنسب من جاسر فهي لديها قدرة في التأثير عليها ثم عللت لهم:
ــ معلش يا عمران يا ولدي اني رايدة اتحدت وياها الاول اني وهي لحالنا وبعدين اقعد معاها على كيفك وشوف رأيها بس آني عايزة اتكلم معاها في حاجات هي ما وعياش ليها وبعدين في التأني السلامة ومش هتصبر كتير دي كلاتهم يومين تلاتة اتكى على الصبر يا ولدي.
لم يستطيع عمران إقناعها بشتى الطرق وقد فقد جاسر الأمل في ان تكتب على اسمه اليوم ودق قلبه بعنف داخله من تلك الظروف التي منعته عن حبيبته فقد كان حاملا لها في قلبه اليوم من الغزل والهيام والغرام ما لم تحلم به امرأة من قبل فهو قد منى حاله برؤيتها والجلوس معها في حلال الله كي يقول لها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ولكن ليت كل ما يتمناه المرء يدركه.
فهتف برضا كي ينهي الموضوع فوالدتها لديها تصميم أن تتحدث معها أولا ومهما حاول عمران اقناعها لن تجدي محاولته نفعا فالصح والمعقول أن يهدأ ولكن سيفعل ما جال بخاطره كي يبتعد ذاك العامر عن أنثاه التي عشقها ولم يسمح له بالاقتراب منها وبداخله نيـ.ـرانا مشـ.ـتعلة من ذاك العامر:
ــ خلاص اللي تشوفيه يا امي بعد اذنك يعني تسمحي لي اقول لك يا أمي.
مش هنضغط عليكي بس عايزك تعر في اني شاري أم الزين بالقووي ومش شايف ولا عايز غيرها واوعدك بردو اني عمري ما هزعلها في يوم من الأيام ولا هشيلها الهم وهحطها جوة عيوني وهستنى منك الرد بكرة بالكتيير معلش مش هقدر استنى في تعب الأعصاب دي كتير.
أعجبت ماجدة بكلامه ولباقته في الحديث وتأدبه معها ورضوخه لأمرها ثم قالت بموافقة:
ــ منحرمش منك ولا من كلامك الزين اللي هينقط ادب واخلاق عالية يابن الطيبين. حاضر ياولدي بكرة بالليل إن شاء الله….
قبل أن تكمل هتف هو بثقة مصاحبة للدعابة:
ــ هتقولي لي تعالى ياجاسر نبل الشربات مش هلاقي زيك عريس لبتي وخليكي فاكرة ياحاجة الكلمتين دول علشان هتقوليهم لي بالنص اكده.
ضحكت على طريقته وأعجبها ثقته بحاله ثم هتفت بدعابة مماثلة:
ــ حاضر ياولدي حفظتهم خلاص وطالما انت واثق اكده ربنا يفرح قلبك ويسعدك يارب.
انهي مناقشتهم ثم استأذن جاسر في المغادرة وهو يشعر بالحزن داخله فقد كان آتيا بقلب عطشان لتلك الحورية التي خطـ.ـفت قلبه والآن خرج بقلب ظمآن فنزل معه عمران الذي ربت على ظهره وهتف مطمئنا إياه:
ــ ما تقلقش يا جاسر بإذن الله هتحدت مع خالتي ماجدة لحالنا مش قدامك يعني وهتكلم مع مها وهحاول اخليها ما تأثرش عليها عايزك تروح تسترخي وتهدي اعصابك وان شاء الله كل حاجة هتوبقى تمام وخليك واثق ان طالما قلبك رايدها ومتمسك بيها هتكون ليك بإذن الله.
التوي ثغره بحسرة:
ــ كل اللي غايظني البني ادم ده طلع لي منين وامتى مش عارف!
لا وكلمها قبل ما اجي شوف يا اخي الصدف لما توجب مع الانسان قوي.
ضحك عمران بخفوت كي لا يثير حنقه فهو الآن مهدم مما حدث ثم حاول تهدئته:
ــ حظك نحس يا جاسر يا ابن عمي مش عارف والله رجع لنا عامر دي منين!
بس وعهد الله ما هخليه يطولها وما فيش غيرك هيتجوزها وابقى قول عمران قال يلا يا جدع روح نام واستريح وشوف شغلك وبإذن الله على بكرة هخليك تقعد معاها قعدة الخطيب وخطيبته اللي كنت هتموت عليها دلوك واني فاهمك زين.
قطب جبينه وهز رأسه بعدم فهم وتسائل متعحبا:
ــ والله ما عارف ايه النحس ده دي الواحد عمال من الصبح يعيد ويزيد ويقول في عقل باله هيعمل ايه وهيلبس ايه ولا البرفان والبدلة الجديدة اللي منه لله اللي اسمه عامر دي خلى الواحد يومه قفل واكتئب ربنا يسد نفسه البعيد.
ضحكا كلتاهما على كلمات جاسر ثم ودعه وصعد عمران الى الأعلى كي يرى ذاك الموضوع وبداخله تصميم أن يحضر جلسة ماجدة ومها ولن يتركهم وحدهم الا بعد ان يجعل الأمور مستقرة لصالح ابن عمه فهو يرى انه يستحقها وعلم منه أيضا أنها تنجذب له وتريده وطالما الموضوع كذلك فلن يصمت ذاك الفارس عمران.
سألت زينب شمس وهي تطمئن عليها:
ــ عاملة ايه يابتي وصحتك اخبارها ايه يارب تكوني زينة.
ابتسمت لها شمس وأجابتها:
ــ الحمدلله يا خالة أنا كويسة قووي بفضل ربنا ثم إنتي إللي مسبتنيش لحظة من ساعة ما خرجت من المستشفى والله ما عارفة اقول لك ايه على اللي بتعمليه معايا ده ولا هرد لك جميلك ده ازاي.
ربتت زينب على ظهرها بحنو:
ــ ما تقوليش اكده يا غالية انتي كيف رحمة بتي اللي لو كانت في ظروفك لا قدر الله كنت هعمل وياها اكده واكتر كماني.
تنهدت شمس وهي تشعر باليتم الشديد وفي حالتها تلك تشعر بأنها شريدة لا مأوى لها ثم تذكرت امر عمران الفارس الذي انقذها من هؤلاء الأوغاد المختطفين لها لتقول باستفسار عنه:
ــ والله يا طنط انا ما شفتش ناس زيكم طيبين من زمان ودلوقتي انا بقيت معرضة للخطر قوي وحسيت في بيتكم بالأمان اللي انا افتقدته حسيت بإن عمي الحاج سلطان زي بابا بالظبط وانتي امي التانية من اللي عملتيه معايا في اليومين دول ولولا الأستاذ عمران المتربي تربية ما بقتش موجودة في الزمن ده دلوقتي كان زماني في خبر كان بجد انا شايفاه دلوقتي في نظري فارس وشجاع مش موجود كتير اللي هو فين يا طنط ما شفتهوش خالص من ساعة ما جيت البيت.
ابتسمت زينب لكلامها وشعرت انها على مطاف جبران ولدها وان تلك الكلمات التي نطقتها شمس ستسهل عليها مهمتها القادمة فهي لمحت لمعة عينيها وهي تسأل عن عمران فأجابتها على الفور:
ــ عمران مع مرته عند امها بيزوروها وهيجوا طوالي وهبقى اخليه يدخل يطمئن عليكي.
انصعقت شمس وشعرت بأنها سقطت من جبل مرتفع الهاويه وألقى بها في أسفل الأراضين وهي تسألها:
ــ هو عمران متجوز.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم فاطيما يوسف
حبايبي الحلوين كالعادة البارت إليكم عايزه تفاعل.
لأني أنا عيطت كتير قوي وأنا بكتب البارت ده من كلام مها هي وأمها وكلام عمران.
لكم أن تتخيلوا كم الدموع اللي أنا دمعتها وأنا بكتبه.
كتبته لكم بإحساسي، يا ريت تتفاعلوا عليه وما تطنشوش اللايك قبل القراءة.
وعايزة ريفيوهات كتير بعد القراءة.
وأسيبكم مع البارت.
قراءة ممتعة حبيباتي، ومحدش يقول لي الفصل قليل عشان هو 6000 كلمة.
انصعقت شمس وشعرت بأنها سقطت من جبل مرتفع الهاوية وألقي بها في أسفل الأراضين وهي تسألها:
ــ هو عمران متجوز؟
اقتربت منها زينب في جلستها عندما لاحظت حزنها، وهي تؤكد لها وقد تبدلت معالم وجهها إلى الحزن الصادق النابع من قلبها المولـ.ـع بحفيد لولدها وهو على مشارف الأربعين:
ــ وهو انتي مكنتيش تعرفي؟
أه يابتي متجوز الدكتورة سكون اللي كانت معانا في المستشفى، بس ياحبة عيني مخلفش لحد دلوقتي وحالته تصعب على الكافر.
شعرت شمس بالشفقة والعطف عليهما:
ــ كنت بحسبها بنتك وأخت رحمة، بس ياحبيبتي صعبوا عليا قوووي.
واسترسلت باستفسار:
ــ هو العيب من مين ياطنط؟
لم تجبها زينب على استفسارها بالإجابة الصحيحة مراعاة لحرمة ولدها وكما أن سكون لا تستحق منها ذلك:
ــ أمر الله يا بتي، لاهو فيه عيب ولا هي اسم الله عليها فيها حاجة. الاتنين عفايا الحمدلله، بس حكم ربنا كل شي له معاد. بس مخبيش عليكي قلبي متشحتف على حفيد من صلب ولدي ومتحملاش الانتظار.
ضمت شمس حاجبيها بحزن صادق ودعت لهما:
ــ ربنا يفرح قلبك بيهم يا حبيبتي ويرزقهم يارب ويجيبولك الحفيد اللي بتتمنيه. عمران راجل قوووي وباين إن الدكتورة سكون محترمة وطيبة وجدعة وبنت ناس. علشان كدة يا خالتوا خلي عندك ثقة في ربنا كبيرة إنه هيرزقهم بالخير كله بإذن الله، بس كله بأوانه.
لم تتفائل زينب من كلامها الذي صبرت به حالها كثيراً، ثم قالت بتشاؤم يملأ نبرتها:
ــ مش باين يابتي، دول بقى لهم أربع سنين متجوزين ومش باين لهم أي علامة، وأني ولا بعرف أنام الليل حتى من كتر الفكر فيهم.
مطت شمس شفتيها باستنكار لتشاؤمها ثم طمأنتها:
ــ ياطنط ماما دايماً كانت بتقول لي مبيخلاش من عند الله رزق، ومبيمنعش إلا علشان يدي ويجبر بالكتير قووي جبر يتعجب له أهل السما والأرض.
يعني عندك أنا مثلاً دلوقتي مطرودة ويتيمة من غير أب ولا أم ولا أخ وعمي ظالمني، بس دايماً بقول أكيد ربنا له حكمة في كدة.
واسترسلت وهي تحلم بمستقبل أفضل:
ــ وبالرغم من كده بحاول أصحى وأعيش يومي وأنفض عن دماغي همي اللي عايشة فيه. وتصوري إن محاولة خطـ.ـفي جت لمصلحتي قووي، عمي كلمني وقعد يتحايل عليا أتنازل عن القضية لأن اسمه جه فيها وهيديني حقي كامل ومش هيقرب لي تاني. بس أنا لسة مستنية آخد رأي أبيه ماهر عشان هو المتكفل بقضيتي كلها. يعني بالمختصر يا أمي رب ضرة نافعة.
ابتسمت زينب لكلامها ونظرت إليها بحالمية لرجاحة عقلها التي استشفتها من طريقة كلامها وهدوئها واستكانتها:
ــ والله يابتي إنتي عندك عقل زين ووشك كيف النسمة وكلامك كيف البلسم اللي هيرطب على قلب الواحد وينسيه همومه. وكلك على بعضك حلوة قوووي وتستاهلي زينة الشباب كلهم ومحبتك دخلت قلبي ومهخليكيش تمشي من اهنه واصل إلا لما أطمن عليكي مع إللي يستاهلك ياحلوة إنتي ياقمرة.
ابتسمت لها شمس ثم شكرتها بامتنان على كلامها:
ــ شكراً ياطنط على كلامك الجميل واحتوائك ليا. شكل ما يكون ربنا بعتك ليا عشان كنت في الحالة اللي أنا فيها. واللي حصل لي كنت هتمنى الموت، بس أكيد اللي حصل لسبب عند ربنا هو الأعلم بيه. بس معنديش شك إن كله خير.
دق قلب زينب بسعادة، فكلام شمس لها أسعدها كثيراً. ثم ربتت على ظهرها بحنو لتقول بمغزى وهي تتفحصها بإعجاب من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها:
ــ أكيد طبعاً في سبب والسبب هيوبقى خير لينا كلاتنا يازينة البنتة، بس انتي ربنا يعافيكي وتوبقي بخير.
***
ــ إيه يا أستاذ فارس، رحت هناك وقلت عدولي ولا جبت لي طلبي اللي بعتك علشانه؟ هو مش كان اتفاق بينا وانت وافقت وعشمتني ورحت قعدت تحب لي هناك وبتلف ورا الدكتورة بنت البواب وطنشتني خالص.
تأفف فارس بضيق شديد على إصرار والده فيما يريده ثم هتف برفض قاطع:
ــ انسي إني أعمل لك اللي انت عايزه أو إنك تستخدمني زي عروسة الماريونيت تحركني على كيفك في الأعمال اللي انت عايزني أعملها دي. يستحيل يا عماد إني أكون نسخة تانية منك.
تنهد بقوة، فأغلقت عيناي فارس من هول زفيره الذي وصل إلى أذنه ثم ألقى على مسامعه بصوت هدر:
ــ طب وراس عبير أمك الله يرحمها مطرح ما راحت وسابت لي عيل خيخ زيك مش عارف يلم أعصابه شوية ويسترجل ويحافظ على اللي أنا بنيته ومش هسمح لك تهده يا بن عبير.
عثت في جوفه حرب أشد من أن يتحكم بها ومن أن يقاومها، ما إن أتى بسيرة والدته الحبيبة العزيزة إلى قلبه. ودخل الآن دوامة فارس المنفصم وهو ينهه بصوت أجش مفحم بالغلظة:
ــ قلت لك ميت مرة ما تجيبش سيرة أمي على لسانك تاني.
أقول لك على حاجة أحسن انت تنساني وتطلعني من حياتك ومش عايز منك ولا فلوس ولا مستشفيات ولا حتى اسمك. عايزة أنا كرهتك وكرهت اسمك وكرهت حياتي كلها بسببك. ابعد عني يا عماد.
اندلعت ثورة الغضب من عماد وهو يستمع إلى كلمات ابنه اللاذعة له وهدده بثقة:
ــ احترم نفسك وانت بتتكلم معايا يا ولد واعمل حسابك انت مش هتمشيني على كيفك ولا حتى نفسك هتمشي على كيفك.
يا أما وشرفي اللي ما بحلف بيه كده جثة أمك اللي أنا مجمدها تحت إيدي هعمل فيها اللي على كيفي واللي انت عارفه كويس قوي.
أدمعت عيناي فارس عندما ذكره بجثمان والدته الذي مازال تحت قبضة يد أبيه. وهو يريد أن يسابق الريح ويذهب إلى ذاك العماد ويشق ضلعه بخنجر مسموم ويتخلص منه ومن أذاه. وهتف بنبرة ذليلة لذاك القلب المتبلد المتحجر:
ــ انت إيه يا شيخ قلبك ده؟ قلب حجر؟ إنت أصلاً مش بني آدم ولا تنفع تكون أب ولا كنت ليها زوج ورجل!
هو جسمها ناقص حرام عليك. مش كفاية إنك ما دفنتهاش لحد دلوقتي. انت عايز توصلني إني أنتحر وأسيب لك الدنيا كلها وأشبع بيها بقى يا عماد.
ضرب عماد بقبضة يده على مكتبه وصاح به محذراً إياه:
ــ طب أعملها كده يا ابن عبير أو جرب بس وشوف هعمل إيه في جثة أمك. ده انتحارك ده هيخليني ما أرحمهاش وانت فاهمني كويس قوي.
تلاحقت أنفاس ذاك الابن المقهور وأصبح الآن يشعر بالاختناق الشديد وأنه على مشارف الموت بسبب النقاش اللاذع الذي حصل بينه وبين أبيه عديم الرحمة. ثم أصر على رفضه:
ــ اعمل حسابك مهما عملت مش هعمل اللي انت عايزه مني. الناس هنا غلابة قوي ابعد عنهم بشرك وكفاية الميغة اللي انت بتعملها هناك. يا أما أنا كمان هقلب الترابيزة عليك وتهديد قصاد تهديد وتبقى خربت على دماغي ودماغك. انت أكتر مني بكتير أنا ما عنديش حاجة أخسرها. انت كل حاجة عندك هتخسرها.
ذم عماد شفتيه بغضب من رأس فارس اليابس. ثم هدأ من نبرة صوته وهو ينهي النقاش الذي احتدم بينهم كالمعتاد آمراً إياه:
ــ طب ارجع لي بقى مصر. هلغي انتدابك. قدامك يومين بالظبط تشوف فيهم حالك.
فور أن أدلى عليه أمره بتلك السلطة شعر وطلب منه ترك تلك البلدة حتى هوى قلبه بين قدميه. وظل ينقبض وينبسط في آن واحد. كأن أحدهم يطلب منه أن يخرج من الجنة كي يسقطه في الجحيم السعير. وضع يديه على أذنيه يصمهما عن أكثر صوت يكرهه في حياته. والآخر على ثرثرته التي جعلته صـ.ـرخ بقهر يدمي القلوب:
ــ بسسسسسسسس. اسسسسسسسكت. هو أنا عبد المأمور؟ تعالى يبقى يجي لك سافر غصب عنك يسافر. مش راجع ومش جاي لك ولا عايزة أشوف وشك خالص. ابعد عني بقى أنا كرهت نفسي بسببك. ابعد عني.
ثم أغلق الهاتف في وجهه مما جعل الآخر يلقي بهاتفه عرض الحائط حتى وقع هشيمًا في أرجاء المكان. وهو يهتف بعلو صوته بسباب مغلف بغضب عارم هو الآخر:
ــ أبو اللي جابك على عبير على القرف اللي أنا شايفه بسببك. إن ماندمتك يابن عبير على أغلى حاجة عندك مبقاش أنا. ولا إني اسمح لك تهد الإمبراطورية العالية اللي أنا عملتها سنين عمري ودفعت تمنها أغلى ما عندي.
كانت فريدة في ذاك الوقت تسير في طرقة المشفى. ولكنها وجدت حالها تتباطأ بخطواتها أمام مكتبه علـ.ـها تأمل في رؤيته. حتى انقبض قلبها هي الأخرى من سماعها لصراخه في الداخل. وبالتحديد كلماته الأخيرة. وهي تنظر حولها كي ترى ما إن سمعه أحدهم أم لا. ولأجل الحظ الذي كان معه لم يكن أحدهم بالقرب من غرفته إلا هي. فعلى الفور دخلت ويا ليتها لم تدخل. فقد كان في أشد حالات الهوجاء التي تعتريه وهو في انفصامه. فقد نفذ الصبر من صبره من كلمات والده وجعله الآن يجلس بعينين قاتمتين مظلمتين من شدة غضبه. بل ولمعة الدمع ما زالت ظاهرة كعلامة للأعمى يراها. وما إن رأت حالته تلك حتى وضعت يدها على شفتيها تكتم شهقتها من منظره الدامي الذي جعل قلبها يدق بعنف داخلها شفقة وحزنًا على ذاك الحبيب المقهور. ولم تعرف ما السبب. فاقتربت منه وياليتها لم تقترب وهي تسأله بفم يرتجف:
ــ فارس مالك صوتك عالي قوووي وخرج لبرة وقلقني عليك. في إيه؟
رفع رأسه فجأة وفتح عيناه على وسـ.ـعيهما وهو يدقق النظر داخل عينيها بنظرة مخيفة. ولمعتهما كأنهما مضيئيتان بشر قادم لا محال. نظرته تشبه قط ممسوس أصاب جسدها بالرجفة المخيفة قبل قلبها الذي يرى الآن الغرفة أضيق من خرم إبرة. وهي تراه الآن كمثل جنيـ.ـًا متجسدًا في صورة إنسان.
اقترب منها بخطواته الأشبه بخطوات ذئب مفترس يهجم على فريسته في لحظة تقشعر لها الأبدان. من ما فعله في أقل من ثلاث ثواني. حيث جذبها بعنف من ذراعها حتى ارتطمت بعظام صدره الصلبة القوية كمن صدمت في جذع شجرة متين منذ الأزل. وبيده الأخرى خلع عنها حجابها حتى أسقطه أرضًا تحت تململها السريع بين يديه. وهي تحاول الوصول إلى الباب الذي في لمحة البصر حجبه عنها. وهو يحاوطها بجسده ذو الطول الفاره. فكانت تصل لمنتصف صدره. وهو يمد قدمه من الخلف صافعًا الباب بقوة اهتزت معها أرجاء قلبها الضعيف المسكين. الذي أوقعها تحت براثنه الآن في لحظة حاسمة فارقة بينهما.
أدارت جسدها للناحية الأخرى وكلاهما يدور حول الآخر بعينين تختلف نظراتها عن الأخرى. كانت بقدر رعبها منه إلا أنها مشفقة بشدة عليه الآن. ويبدو أنه كان يتحدث مع أبيه وهو الذي أوصله إلى تلك الحالة.
ثم حاولت استدعاء الهدوء. وبالتحديد وهو يضع يده في منتصف شعرها من الخلف ويلوي خصلاته الذي فككها ورمى رابطته أرضًا بهوجاء. فتحملت ألم قبضته لخصلاتها وهي تغمض عينيها وملامح الوجع شبه مخبئة على معالمها. ثم أسند جبهته بجبهتها وهو يحتضن خصرها بشدة مرددًا أمام شفتيها وعينيها المغمضتين بارتعاب وشفتيها ترتجف أمامه خوفًا من القادم. عندما تنفست أنفاسه والخطر بدأ يتصاعد في جسدها الساكن الآن بين يديه. وما زال يدور بها وأنفه تلامست أنفها:
ــ جيتي لقدرك اللعين بين إيدين الشيطان يا الملاك الضايع بين إيدين قدرك بحظك المسموم.
على صدرها صعودًا وهبوطًا. وهي تضع كف يدها الصغيرة على صدره وأسنانها تصطك هلعًا. ولكن تحاول أن تسكن ملامحها الهدوء كي تست
طب بمناسبتي إيه عاد؟
فتح عينيه فور سؤاله ليجيبها على الفور:
ـ بمناسبتك صاحبتي وهشغلك معايا في المستشفى بتاعتنا.
تقبلت هرائه بهدوء:
ـ طب عندنا في الصعيد أهنه البنت متخرجش من بلدها ولا تسافر غير ويا جوزها، حكاية الشغل والصحاب داي متمشيش معانا خالص.
ـ خلاص أتّجوزك يافوفا إذا كانت حتة الورقة دي العائق وماله مفيش مشكلة خالص...
كلمات واثقة نطقها فارس، فعقبت عليها وهي تزم شفتيها للأمام بدلال مصطنع وهي تحاول مجاراته:
ـ هو الجواز مني مجرد حتة ورقة؟
له اني زعلانة خالص منك، هو انت شايفني وحشة ومستحقش أبقى زي البنات ويتعمل لي كيف ما بيتعمل لهم؟
عض على شفتيه السفلى قائلاً وهو يغمز لها بوقاحة أخجلتها:
ــ بنات مين دول؟ ده إنتي وحش الكون ده، كفاية شعرك اللي مجنني. خلاص نعمل لك زي البنات واللي تشاوري عليه فارس يرميه لك تحت رجلك يا فوفا، إحنا يهمنا راحتك بردوا.
مطت شفتيها بامتعاض من وقاحته ونظرته، ثم ابتسمت بمجاملة:
ــ تمام أكده، ابعد يدك بقى ومتلمسنيش خالص إلا لما تيجي تتقدم لي علشان أحس إني غالية وإنك هتشتاق لحلالي معاك. وقول لي بقى عايز تسافر ليه؟ هو الجو هنا معجبكش؟
ــ بالعكس يا مزتي، ده الجو هنا جميل ورايق، كفاية إن انت موجودة فيه... نطقها بنفس غمزته ووقاحته، ثم أكمل وقد تبدلت ملامحه الوقحة إلى ممتعضة فور تذكره أمر أبيه:
ــ اللي مش عايزني أرتاح خالص في الدنيا بعت لي أوامر إني لازم أسافر له، وهو بيمشيني على كيفه وهددني لو ما رحتلهوش بأغلى حاجة في دنيتي وآخرتي.
ثم نظر إليها مكملاً، وقد لمعت عينيه بالدموع مرة أخرى:
ــ تعرفي إن أبوكي الراجل البواب الغلبان ده نعمة لازم تشكري ربنا عليها ليل ونهار، يا ريتني طلعت من أسرة فقيرة وأب وأم متساويين نفسياً، ولا إن عماد الجاحد ده يبقى أبويا.
سالته بفضول:
ــ هددك بإيه؟
أجابها وهو يبتلع غصته بمرارة كمرارة العلقم:
ــ بجثة أمي اللي مجمدها، هيبهدلها وهي ميتة زي ما دمرها وهي عايشة.
تجمدت عروقها من هول ما سمعت منه، وابتلعت أنفاسها بصعوبة بالغة وهي تردد بذهول:
ــ هو مدفنهاش؟
دي إكرام الميت دفنه، وكيف مخبي جثتها وليه مدورتيش على حد يساعدك أكده؟ حرام قوي.
حرك رأسه للأمام وتحدث بأسى:
ــ لسه عارف إنها مندفنتش من سنة واحدة بس، وأنا أضعف مما تتخيلي إني أقف قدام عماد الألفي كده، هبقى بغامر بيها وبعمري.
ابتلعت ريقها برعب وهي تتخيله يضيع من بين يديها بسبب ذاك العماد، وهبطت دمعة شاردة من مقلتيها وحذرته خوفاً من فقدانه، فقد وقعت في سهم هواه وقضي الأمر:
ــ خلاص يا فارس، خليك هنا متسافرش وتسيبني، أنا محتاجة وجودك قوي أكتر منك.
سألها بعينين حائرتين متمنياً سماع شئ ما يتردد داخله:
ــ ليه يا فوفا مش عايزاني أسافر؟ ومحتاجاني إزاي؟ أرجوك اتكلمي.
نطقها لسانها رغماً عنها وهي تتطلع إلى رجاؤه وهو في حالة انفصامه، ورأسها متدلياً للأسفل بخجل، فهو إن مشى حتماً ستنهار:
ــ إني هحبك يا فارس، ومش متصورة حياتي هنا من غيرك، أرجوك انت متتمشيش، خليك هنا جنبي، مبتبعدنيش عنك، خليك قصاد عيني يا عمري علشان قلبي في بعدك هيتوجع، وخلينا هنا نبني حياتنا مع بعض بعيد عن عماد دي خالص.
دق قلب فارس المنفصم هو الآخر لتلك الملاك، دق قلب الحجر الذي لا يلين لاعترافها الشامخ بحبه، ولكنه خاف وتصارعت الدقات في قلبه ما بين العشق والخوف بالتساوي، ثم ترجاها أن تبتعد كي ترحم حالها كي لا ينكوي قلبه عليها هي الأخرى، فطريقه مكلل بالأشواك:
ــ عماد مش هيسيبك ولا هيسيبني، عماد هيدمرك وهيدمرني، من الأفضل تبعدي عني، انتي مش حمل عواصفي.
حركت رأسها برفض وهتفت بنبرة تأكيدية وهي متمسكة بوجوده:
ــ متقلقش، هنعدي الصعاب مع بعض، بس انت فوق يا فارس.
ضم حاجبيه متسائلاً:
ــ أفوق من إيه؟
ــ فوق من وهم الماضي واخرج برة قوقعة عماد واتحدى الجبروت بإيمانك، وبرة قوقعة عبير واتحدى الخوف بيقينك إنها بين أيادي الله، ومهما يعمل هي خلاص روحها عند ربنا والجسد نايم ومش دريان.
ــ إزاي؟ انتي عايزاني أسيبه يمثل بجثة ماما؟
ــ سيدنا حمزة بن عبد المطلب مثل بجثته ولقب بأسد الله وسيد الشهداء، واللي عملت فيه كده ربنا عاقبها عقاب أليم، وصدقني هو بيهددك بس وبيخوفك علشان تخضع له، وطول ما انت بترفض طلباته وبتقول لا هيفقد الأمل فيك، ولو كان عايز يأذيك مكانش كبرك ووصلك للمرحلة دي، هو مجنون بيك وعمره يا فارس وممكن يضغط عليك بكل الطرق إلا أذيتك.
ــ بس ممكن يأذيني بنبض قلبي، يأذيني بيكي يا فريدة.
ــ إيه ده؟ انت نطقت فريدة دلوقتي من غير فوفا ولا مزة ولا الحوارات دي واصل!
انت دلوقتي واعي، وأوعاك تدخل جوة قوقعة ماضي الفارس الأليم تاني.
ــ مش بمزاجي، بلاقي دماغي راحت للوجع وبحلم بعبير كتير وبلاقيني اتحولت ونفسي بتجبرني أتشرد وأشرد اللي حواليا.
ــ أول ما نفسك تيجي تجبرك افتكرني وافتكر بسمتي وأملي في إني هغيرك، علشان انت جميل يا فارس.
ــ انتي هدية ربنا ليا، ولو خسرتك انت كمان هضيع في ظلمات تشرد نفسي أكتر وأكتر.
ــ أوعدك إني عمري ما هفارق إلا لو ربنا أراد ياخد أمانته.
ــ بعد الشر عنك يا ملاكي، إن شاء الله عماد مليون مرة وانت تعيشي تنوري الدنيا وتنوري ضلام الفارس.
ــ طب قوم بقى اتوضى وصلي العشا وصلي كتير قوي واقرأ قرآن كتير واذكر ربنا كتير، الذكر بيطمن القلوب قوي.
بابتسامة عذبة أنارت وجهه هتف بطاعة وأكمل مشاغباً إياها:
ــ حاضر يا دكتورة، قومي البسي حجابك، شكلك نسيتي.
وضعت يدها على رأسها وشهقت بذهول من نسيانها حالها وهي تجذب حجابها:
ــ حرام عليك يا فارس اللي هتعمله فيا دي، والله انت خربطت لي دماغي على الآخر ونسيتني اسمي وشكلي وهويتي، وشكلك عايز تنسيني ديني وهدخل جهنم وبئس المصير على حس عبثك دي، ارحمني لما تيجي غضبان مش أول حاجة تعملها تمد يدك على حجابي، ارجوك مد اليد حرام ومن أكبر الحرام والغلط.
غمز لها ونطق بطريقة دعابية:
ــ طب ماتلميني من الحرام والغلط واتجوزيني، وساعتها لما أشيل حجابك أو أي حاجة تانية تقابلني في الطريق يبقى حلال الحلال.
قامت من مكانها وهي تعدل هيئتها:
ــ كل بأوانه يا فارسي، واتقل تاخد حاجة نضيفة.
قوس فمه بانزعاج مصطنع ليقول بمشاغبة:
ــ آه، بعد فارسي دي الآوان ده مينفعش خالص، وكله لازم يدوق طعم الحلال يا فوفا.
ابتعدت عنه:
ــ يوووه يا دي فوفا، متقولهاش تاني، أول ما تقولها قلبي بينقبض، أبوس يدك متبهدلنيش وياك.
مد يده بعبث:
ــ طب بوسة يا فيري، ده يبقى يوم السعد والهنا.
غمزت بعينيها بشقاوة وقد ظهرت غمازتيها في منتصف وجنتيها بطريقة ساحرة جعلته هرول إليها، ولكنها ألقت كلماتها وهربت على الفور مما جعله وقف مغتاظاً:
ــ دي بعدك يا دوك.
وقف مبتسماً ينظر إلى طيفها بسعادة لا توصف، فقد دلفت إليه وهو في قمة الحزن بل وأعلى درجاته، ثم أبدلت حزنه إلى سعادة وجعلته يتمنى أن يلقيها في أحضانه الآن كي تكتمل سعادته، وداخله يردد بانتشاء وما زالت عيناه تتبعها:
"عناقك يخذل برد أربعين شتاء"
في منزل "ماجدة" حيث أصر "عمران" أن يحضر جلستها مع مها تحت تزمتها، ولكنه لم يدعها تنفرد بها، فهو وعد "جاسر" أن يجعله يأتي غداً، وأنه بفضل الله أولاً ثم مجهوده سيجعله يجبر غداً.
كانت مها تجلس بتوتر للغاية، فهي قد استشفت من مغادرة جاسر قبل أن يلتقيان وجود مشكلة ما، عندما استدعتها والدتها بعد أن غادر جاسر، فتحدثت ماجدة:
ــ شوفي يا بتي، انت دلوقتي جاي لك عريسين، عامر أخو جوزك الله يرحمه، وجاسر اللي انت شغالة عنده. عامر لسه مكلمني من شوية على التليفون قبل ما جاسر ييجي وشايف إن هو أولى بيكي لأنك كنتِ مرت أخوه، وأي حد مكانه هيقول كده وأي حد هيسمع هيقول عين العقل.
دلوقتي عايزة أعرف رأيك، بس حابة أعرفك إني مرجحة كفة عامر أكتر من جاسر، جدع زين ولد حلال وانت معاشراه وعارفاه كويس قوي إنه هيتقي ربنا فيكي. أما جاسر مجرد إنك اشتغلتي عنده ولا تعرفيه ولا تعرفي طبعه، خليكي في اللي نعرفه أحسن من اللي منفهموش.
كادت أن تعترض رأي والدتها، إلا أن سكون تحدثت باستجداء:
ــ بعد إذنك أنتِ يا أم الزين، اصبري قبل ما تقولي رأيك. طب ليه يا أمي ترجع تتجوز أخوه؟ هي ما عندهاش أولاد علشان خاطر تنجبر تتجوزه؟ إيه اللي يخليها ترفض فرصة عريس زي جاسر متمسك بيها وبيحبها ومحترم وابن ناس وشاريها قوي؟
إيه اللي يخليها ترجع لعامر وتفتكر الأيام السودا اللي كانت عايشاها مع أخوه وتفتكر أولادها اللي ماتوا؟
أنا مش معاكي أبداً في رأيك يا أمي.
دلوقتي الرأي رأيك يا مها، شوفي اللي هترتاحي له فيهم مين؟
واللي شايفه نفسك هتقدري تتنفسي وتشوفي الدنيا وتعيشيها معاه. شوفي راحتك أنتِ الأول يا حبيبتي فوق أي اعتبارات، دي حقك اللي اداه لك ربنا.
هنا هتفت ماجدة باعتراض على كلام سكون:
ــ طب والجدع يعيبه إيه يا بتي، دي حالة يصعب على الكافر بولاده اللي رجع بيهم، وأهم هيعوضوها عن ولادها اللي فقدتهم.
هنا تحدث عمران معترضاً هو الآخر على كلام ماجدة مردداً بهدوء كي لا يثير ضيقها:
ــ طب وهي فين من كلامك يا أمي؟
على حسب ما عرفت إن المرحوم ربنا يغفر له ويسامحه كان موريها المرار وما شافتتش معاه يوم حلو، من حقها تغير العتبة خالص.
وخلي بالك ولاده اللي انت هتتكلمي عنيهم دلوقتي وهي هتربيهم في النهاية هتبقى مرت أبوهم، ويا مربي غير ولدك يا باني في غير ملكك، فخليها تشوف بنفسها هي عايزة إيه من غير ضغط مني ولا من سكون ولا منك ولا من أي حد. ربنا سبحانه وتعالى ادى للست حقها في الاختيار، مداش للظروف الحق في الاختيار.
حركت ماجدة رأسها للأمام باقتناع لكلام عمران، ثم سألت مها:
ــ خلاص اللي تشوفه يا ولدي. وانت يا مها رأيك إيه؟ واعتبري اللي قلته ما لوش لازمة.
رمقتها مها بنظرات خذلان وهي تسألها بعتاب قبل أن تجيب من منهم ستختار:
ــ أظن يا أمي إني لما رجع عامر قلت لك أنا مش عايزة أشوفه ولا أعرف عنه أي حاجة، ولما يسأل عني تقولي له إني مش موجودة، ده يدل على إيه؟
يدل على إني كارهة دخول البيت ده تاني، البيت اللي اندفنت فيه أحسن سنين شبابي اللي ضاعت في روحي وهي بتداس كل يوم. وأنا كنت أشتكي لك كل يوم والتاني وانت كنت هتقولي لي استحملي واصبري، ما عندناش طلاق. مش لو كنت أطلقت منه وبعدت أنا وأولادي زين وزيدان كان زمانهم عايشين دلوقتي وياي من غير هم أبوهم ومن غير ما أنشغل عنيهم.
أنهت كلامها وانهمرت الدموع من عينيها لتذكرها الماضي الأليم، وذاك السبب بالتحديد من ضمن الألف سبب التي لم تحب سيرة عامر بسببها، ناهيك عن السبب الأكبر خطيئتها التي ارتكبتها معه، فهي الآن لا تريد أن تراه أمامها. تريده أن يبتعد. أن يتركها تعيش وتتنفس وتنسى الماضي الأليم الذي ارتكبته معه. تريد أن تنسى خطيئتها. وعند تذكرها لخطيئتها تلك تزداد دموع عينيها أكثر فأكثر، فقد دفعت ذنبها الغالي والنفيس وما زالت تتألم من فقدان عزيزي عينيها مهما ظهرت ضحكاتها، ولكن الألم يكمن ورائها بما يفيض أنهاراً.
وكل ذلك وماجدة لم ترتكز إلا على نقطة واحدة لامتها بقسوة:
ــ يعني دلوقتي هتجيبي سبب موت ولادك فيا؟ إني أخص عليكي يا بنت بطني. ربنا يسامحك، لكن قلبي مش مسامحك.
لاحظ عمران وسكون أن الموقف بدأ يحتدم، فهتف عمران على الفور:
ــ يا أمي اهدى على حالك وعليها، مش شايفاها افتكرت ولادها وهتتقطع عليهم!
أي أم هتتحمل ولادها وبتتحمل أي كلمة منهم طالما موجوعين قوي، واللي حصل لها يقطم الضهر وما حدش يستحمله واصل، ألمه ثقيل قوي، وهي ما تقصدش اللي انت فهمتيه واصل.
شعرت مها بثقل وألم نفسي شديد انتابها عقب كلمات والدتها الثقيلة على قلبها، ثم رددت وهي ما زالت تنفطر من البكاء:
ــ حرام عليكي يا أمي، بزيادة كفاية عاد!
ليه هتحمليني ذنبك في اللي هتفتكريه؟ هو إني ناقصة اللي فيا مكفيني؟
كل اللي إني محتاجاه منك إنك تشوفي راحتي إني قبل أي إنسان. تشوفي إيه اللي هيسعدني قبل ما يسعد غيري. إني أولى بعطفك من أي حد.
هدأتهم سكون بكلماتها وهي ترى الحزن والضيق يخيم على ملامحهم بكثرة:
ــ يا أمي مها تقصدش اللي وصل لك، ممكن نهدى عاد ونسيب اللي فات ومنفتحش في القديم ونطويه، كل لما هنفتح النفوس هتشيل.
تنهدت ماجدة بحزن وهي ترى انفطار ابنتها الكبرى وتذكرها أبنائها وتبدل حالتها إلى السوء فور أن أتت سيرة عامر، فتفهمت الآن وجهة نظر عمران وخطت إليها وجذبتها بحنو بالغ إلى أحضانها وهي تهدهدها بحنان بالغ:
ــ بس يابتي، بس يا غالية، ما عايزاش أشوف دموعك اللي هيقطعوا في قلبي كيف السكاكين، يغور عامر طالما هيخليكي بالحالة السودا دي. هرد عليه النهارده وهقول له كل شيء قسمة ونصيب، وخليكي يا بتي مع جاسر طالما دي هو اللي هيسعدك. بس ياحبيبتي.
ازدادت شهقاتها في أحضان والدتها وتمسكت بها بشدة وهي تحثها على أن تضمها أكثر، فهي في أشد لحظات ضعفها الآن وتحتاج إلى عناقها الذي يخذل ألف وجع وألم لم يتحمله بشر:
ــ احضنيني قوي يا أمي، إني أكتر واحدة في الدنيا محتاجة حضنك، أكتر واحدة محتاجة عطفك. إني حاسة إني هشة قوي من جواي، وأي حد لو نفخ فيا وفي مشاعري بكلمة هطب ساكتة، ويا ريت يوحصل وأرتاح وأروح للغالين خلاص، معايزاش جواز ولا من دي ولا من دي، هقعد وياكي هنا.
شهقت "سكون" و"ماجدة" وهتفتن في آن واحد وهي تشدد على احتضانها:
ــ بعد الشر عنك يابتي. يديم حسك وبسمتك وطلتك اللي كيف النسمة لأمك يا غالية. دي إني يجرالي حاجة لو مسك الوجع دي، انتي بت عمري بكريتي اللي شافك قلبي قبل عيوني، ودايماً كنتي حاملة هم خواتك وياي وربيتيهم معاي. طول عمرك حمالة القسية يا حبيبتي. اهدى يا أم الزين بعد الشر عليكي من الوجع وفطرة قلبك. لا يا حبيبتي اتجوزي وحبي واتحبي واتهني، إني مهدومش ليكي العمر كله.
وظلت كلتاهن يبكين مما جعل "سكون" هي الأخرى تبكي لبكائهن، وعندما رأى "عمران" دموعها جذبها إلى أحضانه على الفور وهو يهدئها:
ــ له يا حبيبي مهتحملش كله إلا دموعك، اهدى يا دوك.
تمسكت بأحضانه الحانية، فشدد عليها وقبلها من رأسها قبلة محب عاشق، ثم ترك "ماجدة" و "مها" تفرغان شحنة حزنهما، فالحضن الآن بمثابة الوطن يحتضن الوجع والألم. حضن بمثابة الاحتياج للرغبة في المعيشة، ثم ردد "عمران" أخيراً:
ــ خلااااص بزيادة كفاية بكاء، إحنا عايزين الفرح مش الحزن الناقع دي. أهم الحريم كده لما يمسكوا في النكد ملهمش كتالوج.
خلاص يا أم الزين جواز إيه ده اللي مريداهوش، واليتيم الغلبان اللي مستني على نار دي مين هتتجوزه غيرك، كأنك أمك داعية لك والله بحق.
ها يا أمي أتصل على جاسر وأقول له ييجي بكرة إن شاء الله؟
ربتت على ظهر مها متسائلة إياها:
ــ ها يابتي موافقة نقول له ييجي؟
صمتت ولم تجب، فرددت سكون على الفور:
ــ وه يا ماجدة لسه هتستني رد، السكوت علامة الرضا يا حاجة.
ثم نظرت إلى "عمران" وطلبت منه:
ــ يالا يا عمران كلمه دلوقتي، خير البر عاجله، خلي الفرح يدخل قلوبنا والحزن يبعد عنينا.
نظر "عمران" إلى "ماجدة" متسائلاً بعينيه، فأومأت هي الأخرى برأسها للأمام ورمشت بأهدابها كعلامة للموافقة، فقام "عمران" وهاتف جاسر، الذي فور أن سمع الخبر هلل بسعادة، أخيراً لنيل مبتغاه، ثم عبر عن سعادته لعمران:
ــ الله الوكيل لو أخويا ابن أمي وأبوي ما أحبه زيك يابن عمي. جميل، عمري ما أنساه لك أبداً.
زمجر "عمران" بضيق من كلمته:
ــ جميل إيه يابن عمي، إحنا أصلاً خوات، وإن مكنتش أقف جارك وأكون شقك اللي يتمنى لك السعادة والفرح من غيري يا جدع!
ابتسم "جاسر" قائلاً بتسرع:
ــ طب إحنا لسه بدري أجي دلوقتي؟
منعه "عمران" بشدة:
ــ لااااا، دلوقتي إيه؟ دي هتبكي هي وأمها لما شبعانة، خليك بكرة أحسن تكون هدت.
ــ وه بكيتوا أم الزين يا عمران، والله حرام عليكم!
كلمات استنكارية نطقها جاسر بنبرة معترضة حزينة على حبيبته، فعقب عليها عمران بنفي عن حاله:
ــ وه وأني مالي يا جدع واحدة وأمها هيبكوا مالي أني!
خلاص هقفل دلوك علشان أخد مرتي ونمشي، وبكرة عاد من النهاردة ميفرقش.
أغلق معه الهاتف، وظل جاسر يدور حول نفسه بغضب وهو يشعر بالضيق على حبيبته ومعشوقته، وهي تبكي الآن وحزينة، ويود أن يذهب إليها كي يخفف عنها آلامها وينهاها عن البكاء، فهو يشعر بأن قلبه يتمزق من الداخل لأجلها الآن.
في الساعة العاشرة مساءً، خرجت فريدة من المشفى وانهت ورديتها، ثم هاتفت سكون قبل أن تصعد سيارتها، وبعد أن أجابتها:
ــ اللي وحشاني وما بتسألش عليا، انت فين من ساعة ما أخدتي الإجازة؟ ما بتساليش عني يا وحشة! عايزة أقعد معاكي نص ساعة لكده قبل ما أروح.
اعتذرت لها سكون عن تقصيرها معها:
ــ حبيبة قلبي، انت عارفة ما أقدرش أستغنى عنك ولا أبعد، بس موضوع عمليتي وبعدين فرح رحمة وحوارات كتير أكده، هبقى أحكيلك عنها أول ما نقعد مع بعض وحدينا.
تفهمت فريدة ظروفها، ثم طلبت منها:
ــ طب عايزة أقعد معاكي دلوك ضروري، عايزاني في موضوع مهم، قولي لعمران يجيبك وتعالي لي على البحيرة نقعد هناك شوي في الهوا ونتكلم مع بعض، الموضوع ضروري حبيبتي.
كانت سكون مفعلة السماعة الخارجية، فسألت عمران بعينيها، فأومأ برأسه بموافقة، فأجابتها:
ــ خلاص يا فيري، عشر دقايق وهكون هناك في المكان اللي بنقعد فيه على طول، استنينا.
أغلقت الهاتف، فسألها عمران بتعجب نظراً لإلحاحها:
ــ يا ترى في إيه اللي مخليها مستعجلة قوي أكده؟ استر يا رب.
ابتسمت له سكون وطمأنته:
ــ ما تقلقش يا عمران، أكيد ما فيش حاجة صعبة، طريقة كلامها هتقول إنه خير بإذن الله.
تعجل في سرعته كي لا يجعلاها تنتظر كثيراً، ثم وصلا إليها في دقائق بسيطة، وجدوها تجلس أمام البحر تنتظرهم. ذهبوا إليها وبعد السلام والاطمئنان، كل منهم على حال الآخر، تحمحمت فريدة قبل أن تبدأ حديثها:
ــ أمممم... في حاجة زينة قوي عايزة أخبرك بيها يا صاحبتي يا حبيبتي، بس خلي صدرك واسع وياي علشان خاطر إني هحبك وهتمنى لك الخير من كل قلبي.
نظرت سكون إلى عمران نظرة اندهاش، وبالأخير أومأت برأسها بموافقة، فأكملت فريدة بوجه بشوش كي لا تصيبها بالذعر، لأن تلك المسألة أصبحت بالنسبة لسكون رعبها الأول والأخير:
ــ شوفي يا حبيبتي، في دكتور زميلنا جاي منتدب من بقاله شهر أكده في المستشفى، ولما شاف حالتك وسمع عنها لما كنت هتعملي العملية، فجالي بعد ما عملتيها، وكان عارف كل حاجة عن حالتك، وقال لي على دكتور كبير قوي في مصر، ووراني فيديوهات كتيرة قوي ليه، وبصراحة إني شفت الفيديوهات، حالات انتِ ما تجيش جنبها حاجة، وما شاء الله تبارك الله، حملت وكملت حملها وبقيت أم، وانتِ الحمد لله مشكلتك مش معضلة قوي زيهم، فقال لي إنه هيحجز لك هناك بنفسه، هو والد صاحبه، وهيتابع معاكي الحالة. وبيقول كمان إن كل الحالات اللي عنده ما بتكملش خمس شهور، وبأمر الله بتحمل، لأنه دكتور شاطر جداً، وكل الأجهزة اللي بيستخدمها من بره، ومفيش حالة بتستعصى عليه، ودايماً يقول للحالة إن ربنا عنده الكتير والكتير، لدرجة إن في حالات حملت عنده وهي في سن الـ 45 بعد ما عملت عمليات ملهاش أول من آخر.
إني شايفة يا سكون إنك تروحي له، وربنا هيكرمك على يده بإذن الله، وممكن يكون ربنا بعت فارس في الوقت دي علشان خاطرك انتِ. هو في مشكلة واحدة بس، إن الكشف عنده غالي قوي والعمليات غالية، ودي طبعاً مش هتستعصى عليك يا عمران.
تبسم وجه عمران بأمل، ثم نظر إلى سكون مردداً بانتصار:
ــ مش قلت لك ربنا ما بينساش حد أبداً!
مش قلت لك اصبري، الصبر جميل، واني عارف إن ربنا مش هيكسر بخاطرنا أبداً يا سكون.
ثم نظر إلى فريدة مشجعاً إياها:
ــ انتِ لسه هتسألي؟ خليه يحجز طبعاً ونروح ونعمل كل اللازم، داي سكون يعني فداها كنوز الدنيا كلها، ولو هبيع عمري مش هستخسره فيها، كله اللي هي.
كانت سكون في ذاك الوقت متمسكة بيده، فضغطت عليها بامتنان وهي تشعر بالفخر بكون ذاك الرجل زوجها، بل أعظم انتصاراتها، ودقات قلبها أعلنت الطبول مما قاله، ولكنها خائفة وما زالت، فهتفت بنبرة ضائعة فاقدة للأمل:
ــ بلاش يا عمران نروح، مش عايزة أدّي اللي حواليا أمل جديد، وفي الآخر لو ما حصلش نصيب يحسوا بالهزيمة، وساعتها الدنيا هتبقى وحشة قوي في عيني.
لامها بنظراته بشدة، ثم نظر إلى فريدة وهو يشد يدها للقيام، مؤكداً عليها:
ــ خليه يحجز يا فريدة، واني هتابع معاكي أول بأول، وإن شاء الله نروح، واللي فيه الخير يقدمه ربنا، سواء كان بالجبر أو بالصبر، كل أقدار ربنا خير، وما حدش هيعرف بالموضوع ده خالص غير لما ربنا يكرمنا، لا أمي ولا أبويا ولا أي حد في الدنيا، ولا حتى أهلها. هنروح مننا لنفسنا نتابع كل حاجة. ومعلش يا سكون، ما تجيبيش سيرة لحد خالص، مش عشان خاطر يزعلوا أو ما يزعلوش، عايزين كل حاجة تتم في الدرج عشان ربنا يكرمنا، وعلشان نشيل همنا بنفسنا.
بعد أن أنهى كلامهما وشكرها، أخذها عمران، وطيلة طريقهما يلومها على كلامها وعلى إحساسها بالتشاؤم الذي أزعجه كثيراً، حتى وصل إلى المنزل، فسبقته إلى الداخل، وبدوره يصطف سيارته ويطمئن على خيله قبل أن يدخل.
دخلت سكون، وجدت زينب تنتظرها في بهو المنزل وحدها في ركن جانبي بعيداً عن الأعين، وكانت شمس قد خرجت إلى البحيرة في جانب المنزل أو تبعد عنه بمسافة بسيطة، فقد أرسلت زينب معها الخادمة التي تعمل بالمنزل كونيس. فنادت على سكون تستدعيها للجلوس معها، وبعد أن اطمأنت على حالها وعلى والدتها، دخلت في صلب الموضوع الذي ستتحدث فيه على الفور، مما جعل سكون قلبها يهوى بين قدميها من كلمات زينب:
ــ شوفي يا سكون يا بتي، عمران لما يدخل دلوك هتكلم وياه في الموضوع اللي اتفقنا عليه، كل ما عليكي إنك تقولي إنك موافقة، ودي الوعد اللي انتِ وعدتيه لي قبل سابق، لما اتكلمنا ويا بعض. أنا قلبي متشحتف على حفيد لولدي اللي خلاص داخل على الأربعين، ما تزعليش من كلامي، زي ما قلت لك قبل أكده، والله قلبي بيتقطع وأنا بقولها لك، بس من جوة كل حتة في قلبي وفي كل كياني رايدة لولدي العزوة وزينة الحياة الدنيا.
أظلمت عيناي سكون بغشاوة الدمع، فهي الآن بين قاب قوسين أو أدنى، ماذا تفعل تلك الأم المحقة في إحساسها؟
وماذا تفعل في ذاك المرض اللعين المحاوط رحمها؟
وجدت حالها تومئ رأسها للأمام بقلة حيلة، وهي لم تجد التفكير الآن، فقد حصرتها زينب في خانة أضيق الحدود، وتوقف عقلها الآن عن أي رد فعل، والأخرى تربت على ظهرها كي تستعطفها، ثم أتت اللحظة الحاسمة، ودلف عمران إليهما، وجد سكونه في حالة يرثى لها، فشعر بوجود خطب ما، فسألهم:
ــ مالكم مبلمين أكده ليه؟ في حاجة حصلت ولا إيه؟
ابتسمت زينب، ثم أمسكته من يده وجعلته يجلس بجانبها، وهي تنفي وجود شيء كي تجعله يهدأ وتستقر نفسه، وبعد طمأنتها له بأنه لم يكن شيئاً ووجدت معالمه هدأت واستقرت، حتى قالت أمامهما بما صدم عمران:
ــ شوف يا ولدي، الموضوع ده كلمتك فيه قبل أكده، إني عايزك تبقى هادي، واني هتكلم وياك فيه، وخليت مراتك تبقى موجودة بالتحديد علشان كل حاجة تكون قدام عينيها وبرضاها وبدون غصبانية.
وأكملت حينما برزت عروق رقبته مما استشفه من حديثها ورأت ذلك، فقالت كلماتها دفعة واحدة، جعلت ذاك الجالس يعلن عن ثورة عارمة لم تكن تتوقعها من ولدها الوحيد، كي لا يتسبب في أزمة لزوجته، بل كل حياته وروحه، عشقه الوحيد، عشق العمران:
ــ إني اتكلمت ويا سكون في موضوع جوازك تاني، عشان رايدة الحفيد وعايزة لك عزوة وزينة الحياة الدنيا، وهي ما عندهاش مانع، فليه تكابر طالما مفيش مشكلة هتحصل بينك وبينها، وربنا يكرمك والدنيا هتمشي.
هنا امتنعت عقارب الساعة عن الدوران إجلالاً لما نتج من تحدي العناد أمام جيوش الغضب.
ثم تنهد بقوة، فأغلقت عيناها من هول زفيره، وهو يترك كلام والدته بأكمله، ويتمسك في جملة واحدة:
ــ حقيقي اللي هتقوله أمي دي يا سكون؟
حقيقي إنك موافقة إن إني أتزوج عليك؟
صمتت سكون ولم تعرف بما تجيبه، فقد غرزت زينب السكين في صدرها أمامه، وقضي الأمر، وتقف الآن كالمتهم في قفص الجريمة، ولا تعرف بما تجيبه.
ليس لديها سوى الصمت هو الذي يتحدث عنها، سوى الدقات المرتفعة التي يعلن عنها صدرها صعوداً وهبوطاً، هما فقط من يراهم، فعلم أنها وافقت، فأمسكها من كتفيها يهزها بعنف، ولأول مرة ترى سكون غضب العمران بتلك الدرجة الشديدة، مما جعلها سقطت مغشياً عليها من هول الموقف، ولأول مرة يحدث ذلك، وهو لا يتعاطف معها ولم يهتز لغفوانها، فهو كان جيش حامي بسيوف العشق الشديد لها، وهي أول من سن سيفه وطعنه به في صدره، حتى ردد قبل أن يغشى عليها:
ــ وافقتي يا سكون؟
وافقتي إن حضن عمران يبقى لغيرك، وكلام الحب اللي هيقوله لك عمران يبقى لواحدة تانية!
اتنازلتي عني بالسهولة دي؟
كد أكده حضني وحبي وعشقي ليكي ومحاوطتي ليكي في كل حاجة، طلع تمنهم رخيص؟ حفيد لأمي وابن ليا من واحدة غيرك؟
خسرتي رهان قلبي عليكي. صدمتيني فيكي. كنت ردي عليها وقولي لها لا لعمران.
كنتي تسيبيني إني في وش المدفع، وكنت هبقى الكفيل بكل حاجة، بس ما توافقيش بالسهولة دي. كنت حصنك المنيع قدام أي حد مهما كان غلاوته عندي، بس كنت هاجي في آخر الليل وأترمى في حضنك وأشبع من حبك وعشقك وحنانك اللي ما كنتش عايز من الدنيا غيرهم.
حسسيني إني عندك أغلى من كل حاجة في الدنيا، وأغلى حتى من استعطاف اللي حواليكي ليكي، حتى لو كانت أمي، أنا مصدوم فيكي صدمة العمر.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم فاطيما يوسف
في مجلس ماجدة، موعد لقاء عاشقان جمعهم القدر أخيرًا. قلبان تقابلا بوجعهما وخيباتهما، وكل منهم رمم للآخر أوجاعه وبدل خيباته لجبر وعوض وأمان. قلبان ظلت الظروف تدهسهما بأقدامها المتجبرة، ورؤيتهما لبعضهما رطبت جروحهما ورممتها بكل الحب والغرام والهيام. قلبان عاشا محرومان، وكل منهم يبحث عن نصفه الآخر ويكمله حتى التقيا في نقطة الغرام المتيم وولدا عشقًا جديدًا أسماه ذاك المتيم بها عشق الجاسر للمها.
كان الجمع حولهم سكون وعمران وماجدة يقرؤون الفاتحة بعد أن اتفقا على كل شيء. وإن كتب كتابهم بعد أسبوع واحد من الآن، سينتظره جاسر على أحر من الجمر كي يطمئن.
بعد جلسة دامت أكثر من ساعة، تركوهم كي يتحدثان وحدهم. وما إن جلسا وحدهم حتى نطق ذاك العاشق الولهان:
ــ هي القاعدة بتقول إيه يا أم الزين؟
ابتسمت بوله لطريقته المحببة إلى قلبها، التي اتبعتها بدعابة مماثلة:
ــ قاعدة إيه؟ هو إحنا في حصة علوم يا متر؟
اقترب بجلسته منها غامزًا بإحدى عينيه وهو معجب بطريقتها، فخفة الدم تليق عليها بشدة، أعجبته:
ــ له حلوة وعجبتيني. استمري بقى علشان يطلق علينا الكابل المشاغب.
بالنسبة للقاعدة هتعرفيها، بالنسبة للحصص دي شغلانتي معاكي، هعلمك ألف باء في أبجديات عشق الجاسر.
وأكمل مشاغبته:
ــ نقول القاعدة بقى يا بطل؟ الحلو لازم نقول له في وشه ياحلو، وانت يا باشا مش حلو بس، دي انت كسرت القاعدة وفرتكت قلب الباشا ياباشا. إيه يا أم الزين؟ سيبي حبة حلا للبنات والستات الغلابة يابطل قلبي.
زينت البسمة الحالمة قلبها، فقد زراها الغزل أخيرًا بعدما ظنت أنها لن تصلح للغزل كباقي النساء. ثم نظرت أرضًا بخجل، فلأول مرة تجرب تلك المشاعر، ولأول مرة تسمع أذنها تلك الكلمات، مما جعل ذاك الجاسر يشعر بالرغبة بها الآن، فهي كتلة من الأنوثة المتفجرة لأي رجل. ثم طلب منها بنبرة مبحوحة تأثرًا بخجلها:
ــ أم الزين... متشليش عيونك الحلوين دول من عيوني، كفاية أشواق بقى. خلينا نبص لبعض كتير ومنضيعش وقت، غير وإن كنتِ ساكنة عيني وقلبي.
رفعت جفونها ببطء، وقلبها يكاد يقف من دقاته، وهي لم تصدق أنها كانت محرومة من كل تلك المشاعر والأحاسيس التي أُلقيت على مسامعها للتو. فقد كانت لا تصدق أنها سيحلوا لها العمر في غمضة عين عندما قابلت ذاك الجاسر. ثم سألته بنبرتها الرقيقة وعينيها الساحرتين، سكنت عينيه العاشقتين:
ــ عايزة أسألك سؤال. انت حبتني إمتى أو إيه اللي شدك ليا خلاك تشوفني بطل أحلامك؟
بدا شبح ابتسامة خفيفة على ثغره، ولكنها سرعان ما اختفت في بحر لهفته لاحتضانها، وقد أعجب بسؤالها بشدة وسعد لاستجابتها لمشاعره الفياضة:
ــ مش هتصدقي حبيتك إزاي!
حبيتك من صورتك وقلبي في نفس اللحظة اللي شافت صورتك فيها اتعلق، وعيوني فضلت تتأمل الجمال اللي صوره ربنا فيكي. وتصدقي كمان، جمعت شخصيتك الرقيقة الهادية الناعمة من صورتك. وقد كان قلبي مكذبش عليا من أول ما شفتك وسمعت صوتك في المكتب، كان هاين عليا أقوم أستقبلك بالأحضان وأهمس لعينك بحمد الله على السلامة يا أم الزين، رممتي صحرا الجاسر ورويتي عطشه الملهوف للعشق من ونسه اللي كان هيتمناه. باختصار بسيط يوصف حب جاسر ليكي. لما اتقابلنا إحنا الاتنين، لقتني بجزم من جوايا إن لا حد بعدك يملي عيوني ولا حد قبلك حبه يرضيني. وقد تمنيتك بروح الروح، حبيتك يا أم الزين.
بللت حلقها الذي جف من كثرة كلماته العذبة التي سحبتها لعالم الخيال، سحبتها لعالم ممتلئ بالورود والبساتين وحوله الشموع المضيئة، وهي وهو يتمسكان كل منهم بيد الآخر ويطوفون حول الورود الحمراء والبيلسان في عالمهم الساحر. وهي ترطب على قلبه هو الآخر:
ــ طب تعرف إن إني أول مرة أحب؟ أول مرة قلبي يدق في عمري؟ معشتش سن مراهقة حتى؟ معرفش يعني إيه سكن وسكينة اللي ربنا قال عليهم؟ معرفش يعني إيه حضن يدفي، ولا أعرف يعني إيه إيدين تسحبني لعالم المشاعر اللي بين راجل وست؟ عارف الجفاف العاطفي الاسم ده ينطبق عليا قوي.
كان متعمق النظر على شفاها وهي تلقي على مسامعه ترنيمات أعذب الألحان. ثم تحدث بإعجاب لحديثها المثلج لقلبه المسكين في الغرام:
ــ الله الله يا أم الزين على كلامك اللي أسعدني وخلاني طاير في السما، وكأنك إنتي النجوم اللي مزينة قلبي من جوة.
شوفي بقى إنتي أكده جيتي في منطقتي. منطقة الراجل اللي يعرف يدلع الست اللي معاه ويخليها تحس إنها منفردة على ساحة العشاق، لأني بقدر الحب قوي. يعني من النوع اللي مبهبش التلكيك على أي حاجة في العلاقة. بحب فيها الهدوء النفسي والسلام اللي يخلي اللي بحبها وعايشة معايا تمام وهي مطمنة على نفسها. بمعنى هوصلك معايا لدرجة إنك لو غلطتي في حاجة تيجي بنفسك وتحكيهالي، وإني هفهمك قوي بكل هدوء ونحاول نصلح الخطأ بكل هدوء برضه. يعني مش هتلاقي واحد داخل يشخط وينطر عمال على بطال. الحياة دي بالنسبة لي مزعجة قوي، ما فيهاش روح، فيها دايما تعب أعصاب. وإني حابب إني أعيش وياك أجمل سنين العمر، يا أحلى حاجة في العمر كله قابلتها في حياتي، بطلة عشق الجاسر وأحلامه وأيامه.
سألته برهبة المشاعر الثائرة والمثيرة التي اقتحمها ذاك العاشق:
ــ معقولة تكون إنت الصبر الجميل اللي اتحملته طول السنين دي كلها اللي ربنا قال عليه "فصبراً جميلاً" وبعته ليا في أشد لحظات احتياجي؟
رد عليها بنفس المشاعر ونفس رهبتها وإثارتها:
ــ ومعقولة إنتي الحب الكبير اللي استنينه واتمنيته وطلع حلو قوي، شكل ورقة ونعومة. إنتي العوض اللي ربنا قال عليه "مدخلاً كريماً" ودخلتني جنتك الحلوة في أشد ساعات حرماني!
ثم نظرا كل منهما إلى الآخر بعشق توغل في قلبيهما. عشق حقيقي لن ينتهي مهما مرت عليه القرون. وحدثتها عيناه بلهفة مغرم متيم:
لقد أتاك قلبي متلهفًا كي يهدأ
برؤيا عيناك كمثل "قيس"
الذي أتى "ليلى" بأسباب ملفقة
وما أكثر أسباب الحب وعلاقاته.
وشعرت بالانتصار بالفوز بك
كمثل "أنطونيو" الذي سن
سيفه وهزم أعداؤه وحلق بارعًا
كي يركب جناحات الشوق
ويستقر تحت أقدام "كليوباترا"
سمى أمنياته.
جئتك متمنيًا، راغبًا، أراقب
نافذتك كمثل "روميو" في
سُهدِه الليالي وعيناه ساهرتين
آملًا نظرة واحدة من "جوليت"
كي تهدأ ثوراته.
ها_ماتم
وكأنها فهمت ما قالته عيناه، فحدثته عيناها بغرام متيم لرجلها الأول والأخير:
ــ نحتاج أحيانًا لبداية جديدة..
لنقطة من أول السطر.
نريد ترتيب أوراقنا.
نحلم بأن نحكم على الأشياء بعقولنا.
نريد فتح صفحة لم يكتب
فيها حرف، لم تتلوث بخيبة،
ولم تشهد على كسر خاطر ووجع قلب.
نحتاج لأن نكون مثل فصل الخريف،
ندع كل ما يؤلمنا يتساقط من داخلنا،
لنفسح المجال لربيع قادم.
أتى يوم الجمعة واستيقظ العروسان، فاليوم قد أتما أسبوعًا على زواجهما. فاق ماهر أولًا وهو ينظر إلى تلك الغافية في سبات عميق، وطيلة الليل كلما تغمض عيناه ويذهب هو الآخر في سباته، يستيقظ على حركاتها المصارعة في نومها وهي تتململ وكأنها على حلبة مصارعة وليست على التخت. ثم عض على شفتيه غيظًا وقرر أن يوقظها رعبًا، فضربها على جبهتها بغيظ يملؤه. ف قامت مرتعبة ووجدته من فعل بها هكذا. فصرخت به بغيظ مماثل بعدما أرهبها:
ــ إنت اتجننت؟ في حد بيصحي حد بالطريقة دي يا مفتري.
ثم قامت من مكانها في لحظة واعتلته، وهو مستلقٍ على ظهره وهي تلكمه بقبضتها الصغيرة بغيظ شديد منه، ولكنها لم تكمل. فتبدل الوضع سريعًا، وهو يلقيها على التخت ويثبت كلتا يديها، وهو يشعر بالانتشاء وكأنه ينتقم منها ليقول باستنكار مصطنع وهو يجز على أسنانه:
ــ هو إنتي كنتِ بتلعبي مصارعة وإنتي صغيرة، ولا كان حلم حياتك تبقي من المصارعات يا أندرتيكر نسخة نسائية! طول الليل ألاقي رجلي في بطني وضهري وكف على وشي، وما عرفتش أنام منك ثانية، وكأني نايم جنب عيلة صغيرة مش ست رقيقة أكده نايمة جنب جوزها. ده إنتي كسرت قواعد النسوة الناعمة يا بت سلطان.
حاولت فكاك يدها من يده، ولكنه كان ممسكًا بها بقبضة من حديد، وهو ينظر إليها بشماتة الانتصار عليها:
ــ مش هتقدري، دي إنتي في قبضة الأسد. اللهم لا حسد ياحلوة.
على حين غرة، باغتته بضربة من قدمه أسفل بطنه جعلته أفلت يده وهو يمسك أسفل بطنه هاتفا بآه نطق من لسانه تلقائيًا:
ــ آااه يابت المجانين، هتضيعي مستقبلك في لحظة يا أم مخ تخين.
ضحكت بانتصار الآن عليه وهي تباغته بضربات متتالية وهو في تألمه الآن بمهارة وشقاوة:
ــ هو إنت مفكرني هستسلم ولا إيه يا متر؟ إذا كنت إنت الأسد اللهم لا حسد، فأنا التوب والموب والكنتالوب يا موري.
ــ توب وموب وكنتالوب!
دي القافية عندك واخدة حقها تالت ومتلت.
كلمات متوعدة نطقها بغيظ وهو يجز على أسنانه ويتوعد لها بأن يهلكها ويجعل جسدها الذي تستقوي به عليه هشيما بين يديه الآن.
ثم حاول إمساكها وهو يردد:
ــ طب تعالي بقي والله لا أربيكي ومش هخلي حتة في جسمك سليمة يابت سلطان شوفي هعاملك معاملة الشاذيين النهاردة.
لم يستطيع امساكها فجرت من أمامه مسرعة وهو يحاول اللحاق بها وهي بجسدها الرشيق وخفتها المتناهيه جعلته جن جنونه من أفعالها لتقول اثناء هرولتها بإغاظة له:
ــ ده انت وقعت مع الخطر ولا حد سمى عليك يا ابن الريان دي اني هدوخك اكتر واكتر وهخليك تقول حقي برقبتي واما نشوف مين اللي هيكسر مين ويدوخ مين النهاردة يانا يا انت فاهمد بقى على الصبح بدل الاصطباحة اللي توجع القلب دي.
قذفها بالوسادة في وجهها وهو ينهال عليها سخرية:
ــ ايه الالفاظ البيئه دي يابتاع الكنتالوب دي انا مش متجوز اندرتيكر بس دي باين اني اتجوزت جمالات آداب الرقاصة اللي في شارع الهرم يابتاعت الاصطباحة.
أعادت الوسادة قذفا في وجهه فتفاداها بعيدا عنه وهو يجري وراءها مثلهم كمثل القط والفأر ومن يراهم يسقط أسفله ضحكا من أفعالهم واخيرا بمهارة استطاع امساكها ثم حملها ورماها على التخت ونزع ملابسه عنه وهو يقترب منها بقوة جعلتها ارتعبت مرددا بانتشاء وهو يرى الرعب والهزيمة واضحين في عينيها:
ــ دي انتي هتتقطعي وهتتفرمي والقطر هيدوس عليكي يا أندرتيكر دلوك وهتصيحي ومش هتلاقي حد ينجدك ياجوجو.
كانت تحاول الافلات من قبضته ولكنه ممسكا بها بشده من كلتا يديها واقدامها بمهارة فهي رغم ضعف جسدها الا أنها خفيفة ولديها فرط حركة بطريقة لا توصف وهي تنطق باندهاش:
ــ مين جوجو دي انت تعرف واحدة عليا اسمها جوجو انطق يا خاين.
ــ جوجو دي دلع جمالات آداب اللي تليق عليكي يا روحي.
جملة دعابية نطقها وهو قاصد استفزازها ثم أكمل:
ــ وفري بقى طاقة الهري اللي انتي عمال على بطال شغالة فيها داي لصحتك احسن ما تلاقي نفسك رحتي في خبر كان دلوك يا بت سلطان عشان تعرفي ابن الريان اللي هتتريقي عليه هيسويكي على الجنبين.
ثم اقترب منها في عاصفه هوجاء نالت استحسانها مما جعله جنه جنونه اكثر من تلك المتغيره عن جميع نساء حواء والتي جعلته عاد وكأنه شابا في العشرينات وليس رجلا أربعيني.
بعد مرور ما يقرب من ساعة كانت تقف أمام المرآه تمشط شعرها وهي تشعر بالسعادة من كون هذا الرجل زوجها الذي أدخلها جنات عشقه المولع بها. وكان هو الآخر قد ارتدى جلبابه البيضاء فكان حقا في زيه الأبيض وبالجلباب بالتحديد مثيرا للغاية فالتقطت عيناه عيناها في المرآه فغمز لها بشقاوة جعلتها أثيرت فالتفتت إليه وهي منبهرة بطلته التي جعلت قلبها يخفق داخلها فلأول مره تراه بالجلباب فتركت المشط من يدها وخطت اليه وكادت ان تلمسه كي ترتمي في أحضانه ولكنه ابتعد عنها على الفور وكأن عقرب سيلدغه مما جعلها تندهش من حركته تلك وهو يردد بتحذير مغلف بالدعابة:
ــ هتعملي ايه يا متهورة بعدي يدك عني اني متوضي وخلاص فاضل على الجمعة عشر دقايق فما تلمسنيش.
ثم غمز لها بدعابة:
ــ ولو عايزه مباراة تانية معنديش مانع بعد الصلا يا رحمتي.
ضحكت باستمتاع للحديث الثائر بينهم ثم غازلته بعشق سوقي نال إعجابه وهي تبادله غمزته:
ــ ماشي يا حضرة المتر بس عايزة اقول لك الجلابية البيضا عليك حاجة قمر قوي قوي يخربيت رجولتك وجمالك فيها يا جدع واخد الرجولة كلها لوحدك بس الحمد لله صبت عند رحمة.
ــ وه هتحسديني عيني عينك اكده يا رحمتي اكده خطر يا خطر انت على جنس آدم.
كلمات دعابية نطقها ذلك الماهر بنفس طريقتها فحقا كانوا مبهرين ثم نظر الى ساعته وجد انه لم يتبقى الا القليل من الوقت على الصلاة فودعها قائلا بمودة استقرت قلبها ورزقته السكينة:
ــ خلي بالك من نفسك يا رحمتي عقبال ما اجي علشان في كلام طويل لسه عايزين نحقق وندقق فيه ونشوف أصله ايه وفصله ايه يوم مبارك علينا يا صغنن.
انهي كلامها ثم تركها وذهب الى تأدية فريضة الجمعة وانظارها الهائمة متعلقة به وكأن الكون بأكمله يدور حول ماهرها متيمها المغرمة به.
بعد مرور نصف ساعة قضتها في المنزل تشعل البخور وجدت حالها تشعر بالحر الشديد فخرجت الى الحديقة كي تجلس بها أمام حمام السباحة الذي ما ان جلست أمامه حتى أغرتها المياة والجو حر للغاية فوجدت نفسها تلقي بحالها داخل الحمام كطفلة صغيرة وتوقفت في نقطة مستوى جسدها فحمام السباحة مقسم إلى نقاط على حسب الطول وظلت تداعب المياه بسعادة عارمة وتلهو داخل المسبح وتناست الوقت فالابحار في المياه يسحب من يسكنها وكأنها سحر.
إلى أن سحبتها المياه العذبة وهي لم تجيد السباحة ووجدت حالها تغطس داخل المياه ولا يستطيع جسدها النحيف أن يلاحق قوة سحب المياه لجسدها أسفله ظلت تجدف بذراعيها بقوتها ولكنها لم تستطيع والان شعرت بالخطر الشديد وباتت تجزم انها على مشارف الموت وزوجها لم يكن موجودا وفقدت كل قوتها في ان تنجد نفسها من ظلمات البحر والموقف اصبح خطرا بل بدا اكثر خطورة ثم استسلمت لواقعها الأليم ولم تستطيع انقاذ نفسها فغابت عن الوعي داخل المسبح.
بعد مرور بضعا من الوقت عاد ماهر من الصلاة وأقدامه تسابق الخطوات كي يرتمي داخل احضان معشوقته التي غيرت حياته وجعلت يومه وباله مشغولا دائما بها وأصبح محور سعادته يدور حولها وحدها.
وصل المنزل أخيرا وقبل أن يدلف إلى باب الفيلا مر من الحديقة وكأن القدر من بعثه في ذلك الوقت. ولاحظت عيناه من بعيد شيئا ما داخل حمام السباحة من مياهه الزرقاء الصافية فمن يقف أمامه يرى أرضه واضحة كوضوح الشمس في كبد النهار.
أحس بانقباض قلبه وعيناه تتفحص المسبح من بعيد وأقدامه جرت مسرعة وكأنه يشعر بوجود خطب ما وما إن وصل ورآها حتى اتسعت مقلتيه ذهولا من الموقف وهو ينادي بأعلى صوته عليها:
ــ رحمممممممممممة. رحمممممممممممة.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الخمسون 50 - بقلم فاطيما يوسف
شعر بانقباض قلبه وعيناه تتفحص المسبح من بعيد، وأقدامه جرت مسرعة وكأنه يشعر بوجود خطب ما. وما إن وصل ورآها حتى اتسعت مقلتيه ذهولاً من الموقف، وهو ينادي بأعلى صوته عليها:
"رحمممممممممممة... رحمممممممممممة."
خلع جلبابه على الفور حتى يكاد أن يتقطع بين يديه، وقفز داخل حمام السباحة سريعاً. وقلبه وعيناه من الهلع يشيبان الرؤوس. ظل يسحب بيديه سريعاً، وفي أقل من خمس ثوانٍ كان قد وصل إليها، ورفع جسدها عن الماء بين يديه وهو يحتضنها بشدة. ثم أبحر بقدميه حتى أخرجها من المسبح ووضعها أرضاً.
وبدأ بضغط يديه أسفل معدتها حتى تخرج المياه من بطنها. ظل يفعلها كثيراً إلى أن وجدها لم تفق. فهوى قلبه بين قدميه فزعاً عليها. فأمسك ذراعها كي يرى نبضه، وجده بالفعل لم يتوقف عن نبضاته. فحملها على الفور وهرول مسرعاً بأقدام تسابق الزمن، ووضعها في سيارته وانطلق على الفور إلى المشفى.
كان ينظر إليها وهي مغشياً عليها في الكرسي الخلفي طيلة الطريق، وهو يدعو الله أن تكون بخير. فهو إن فقدها لن يستطيع العيش يوماً واحداً بعدها. فهي أصبحت له كل شيء في عمره. أصبحت له النفس الذي يخرج من رئتيه. فبدونها ستكون الحياة صحراء جرداء قاحلة.
فمن غيرها أذاقه الحُلو بنعيمه؟
ومن غيرها أذاقه شهد الحياة الدنيا؟
ومن مع غيرها سيبتسم ويشعر بأنه كائن حي على وجه الأرض، غير تلك الرحمة التي أرسلها الله له؟ وبالفعل كانت رحمة لقلبه المسكين الذي عاش سنوات من الفقدان المرير عقب ذكرياته الأليمة مع جنس حواء.
وصل إلى المشفى، ثم حملها بين ذراعيه ودلف داخل الاستقبال وهو ينادي بأعلى صوته:
"حد يلحقنا بسرعة قبل ما نبضها يقف."
أقبل إليه عدد من الممرضين، ويليهم طبيبان، واستلموها من بين يديه. وهرول وراءهم ولم يتركها، وهو يوضح لهم ماذا جرى لها وهو ينهج بشدة:
"رجعت من الصلاة لقيتها غرقانة في حمام السباحة. حاولت أفوقها ما عرفتش، فجبتها على هنا طوالي. ممكن تتصرفوا بسرعة."
دلفوا بها إلى غرفة الفحص السريع وبدأوا بإنعاشها، ولكن يبدو أن الحالة خطيرة للغاية. وهو يقف معهم يمسك يدها، والرعب يزداد داخل قلبه عليها. وكل تفكيره الآن أنها ستضيع من يده.
أما هي، نائمة بحالة يرثى لها. فتحدث الطبيب سريعاً وهو يرى شفتيها الزرقاء:
"لازم تدخل العناية المركزة حالا. الجسم محروم من الأكسجين، ودي ممكن تسبب ضرر لأعضاء الجسم، خصوصاً الدماغ. يلا بسرعة بلغيهم يجهزوا العناية."
أما ذاك الماهر، ردد بفزع لما استمع إليه:
"يعني إيه؟ حد يفهمني. هي كويسة ولا له! وليه عناية مركزة؟ هي حالتها خطيرة للدرجة دي؟"
تفهم الطبيب فزعه وتحمل علو صوته، فهو الآن رجل مرتعب على زوجته التي بين أيادي الله:
"للأسف حالتها صعبة جداً. ولو الـ 24 ساعة عدوا عليها، هتبقى بخير. فادعي ربنا تعدي على خير. بعد إذنك ممكن تخرج دلوقتي، علشان نشوف شغلنا، لأن التأخير ثانية واحدة خطر على حياتها، فخلينا نسعف الحالة."
اتسعت مقلتيه هلعاً من كلام الطبيب له، ثم ارتخى جانباً على الحائط كي يفسح لهم المجال لإسعافها.
نقلوها سريعاً إلى غرفة الرعاية، وهو لم يفارقها رغماً عنهم. وارتدى هو الآخر ملابس العناية، وهو يقف بجانبها. وقد بدأوا بتوصيل خراطيم التنفس لها وإمدادها بالأكسجين، وهو فقط ينظر إليها وعيناه تحكي لها آلاف الحكايات، وكأنها تترجاها أن ترفق بحالته هو، لا بحالتها، وهي الآن ملقاة على تخت الموت.
فعل لها الأطباء كل الإسعافات الأولية، وظلوا أكثر من ساعتين يجرون إسعافاتهم حتى تركوها لأثر الأجهزة تتفاعل معها، وهو مازال بجانبها لم يتحرك. وما إن خرجوا حتى جلس على الكرسي الموجود بجانب التخت، وأمسك يدها واحتضنها بين كفي يديه، وبدأ يقبلها، قبلات خوف من الفقدان، وهو يضع إحدى يدها على وجنته ويردد لها كما لو أنها تسمعه:
"متسبنيش يارحمة. مش هقدر أعيش ثانية من غير وجودك في حياتي. إنتي بالذات خسارتك معناها موتي."
ومع كل كلمة تخرج من شفتيه، ينهيها بقبلاته لباطن يديها، كي يشعرها بدفء وجوده، وهذا ما أوصله له عقله، وهو يشعر بأن قلبه يتمزق وجعاً بين أضلعه على نصفه الآخر، وكماله.
بعد مرور ساعة وهو على حالتها، صدح آذان العصر، فشعر بأنه يريد أن يناجي ربه أن يرعاها ويجعلها في كنفه، وأن يحفظها له.
ثم وضع يدها برفق وقبلها من جبينها، وتركها، وذهب إلى المسجد كي يؤدي فريضة العصر، ويدعو الله لها أن يشفيها.
بعد أن أنهى صلاته، جلس يناجي ربه بقلب خاشع:
"يارب تخليها لي وتشفيها. مش هقدر على فقدانها هي كمان. لاااا، هي فقدانها من حياتي يعني موتي، مش هقدر أعيش من غيرها. انت اللي وضعت حبها الكبير في قلبي يارب، متحرمنيش منها ولا توريني فيها وحش يارب."
وظل يدعو ربه ويناجيه، ثم خرج من المسجد، وقام بمهاتفة سلطان، فهو أبوها، كي يبلغه ما حدث لها. وما إن علم حتى أصابه الفزع هو الآخر، فذهب لزينب، الذي ما إن رآه حتى نظرت إليه بغل يملأ العالم بأكمله مما فعله بها. وكاد أن يتحدث معها، إلا أنها منعته بيدها قبل أن يلفظ بكلمة واحدة:
"متتكلمش معاي خالص من ساعة ما اتجرأت ومديت يدك علي. ومليكش صالح بيا خالص. إني هعيش وياك منظر بس قدام الناس، عشان خاطر ولادي يا خاين العشرة يا أبو يد طويلة واستقويت بيها علي."
لم يكن لديه طاقة على الإطلاق لمجاراة تلك المتشبسة العنيدة، حتى أبلغها بما جعلها تفزعت وقفزت من مكانها هلعاً:
"ولا كلام دلوقتي ولا يحزنون، قومي بتك غرقت في حمام السباحة. جوزها راح يصلي الجمعة ورجع لقاها غرقانة وخدها على المستشفى، ودلوقتي في العناية المركزة بين أيادي الله. لو هتيجي وياي، يالا."
انصعقت مما قال، بل فزعت ونطقت برعب وهي تضرب بيدها على صدرها:
"إيه ده؟ انت هتقول إيه؟ بتي رحمة العروسة اللي مبقالهاش أسبوع! انت بتكدب عشان ترعبني يا سلطان."
ضرب بعصاه في الأرض، وهو الآن لم يتحمل تساؤلها وابنته بين الحياة والموت:
"هو أنا هزر دلوقتي؟ قومي البسي عشان نروح نشوف حصل إيه، على ما أبلغ عمران."
قامت على الفور وهي تندب بلسانها وقلبها يدق بنيران الخوف داخلها، وأشرعت في ارتداء ملابسها بهوجاء.
أما في الخارج، أبلغ عمران، الذي انصعق هو الآخر، وقام بتبليغ حبيبة، هي الأخرى. وجميعهم من صدمتهم كأن الطير أكل رؤوسهم.
بعد وقت قليل، وصلوا جميعاً متتالين إلى المشفى بأوجه يملؤها الرعب على تلك الرحمة.
هرولت زينب مسرعة إلى ماهر وهي تسأله على حالة ابنتها:
"إيه؟ طمني يا ولدي، بتي زينة، صح؟"
أجابها بأسى يملأ معالم وجهه وعينيه محمرتان من أثر الحزن:
"ادعي لها يا أم عمران، الحالة مش مطمئنة خالص، وربنا يستر."
عادت بعويل وهي تخبط بيدها على رأسها:
"آه يابتي ياصغيرة وملحقتيش تفرحي بجوازك ولا شبابك."
نهاها سلطان وقطع عويلها صارخاً بها:
"وإنتي هتعدي على البت وهي لسه عايشة على وش الدنيا؟ بدل كلامك دي، ادعي لها ربنا ياخد بيدها وتقوم بالسلامة."
قطعت عويلها وأبدلته بدعواتها وهي تشهق بشدة. ثم وجه سلطان أنظارها إلى ماهر متسائلاً إياه:
"هو الدكتور قالك إيه يا ابني؟"
أجابه وعينيه متعلقة بغرفة العناية النائمة فيها، وقلبه ينفطر ألماً عليها:
"قال لي لو عدت الأربعة وعشرين ساعة على خير، هتفوق. لو معدتهمش هندخل في حوارات تانية، ربنا الستار منها."
أقبل عمران مهرولاً عليه هو الآخر، ومعه سكون وحبيبة، التي خطف لونها هي الأخرى على شقيقتها الصغرى. وسألهم على حالتها، وعلموا ما بها، أجمعهم والخطر بداخلهم بدأ يتصاعد. فحالتها يبدو أنها صعبة للغاية.
عدد من الساعات هو الفارق لراحة قلوبهم على صغيرتهم المحببة إلى قلوبهم، ولكنها تمر عليهم كالسنوات.
ظلوا يدعون إليها كثيراً، وأعين بعضهم تذرف دمعاً.
على الجانب، يجلس عمران بجانبه سكون تهدئه، ومن داخلها تتآكل خوفاً على رحمة، فهي طبيبة وتعلم مدى خطورة الحالة، وأن الغريق لن ينجو بسهولة:
"متقلقش ياعمران، هتبقى زينة وربنا هياخد بيدها وهترجع لنا بالسلامة بإذن الله."
تعلقت عيناه الحزينة بالغرفة الماكثة بها شقيقته ليقول بدعاء:
"يارب... يارب... حكم إنتي متعرفيش رحمة دي بالنسبة لي إيه!"
هي مش أختي الصغيرة بس له داي بنت قلبي اللي كنت بحكي لها كل أسراري وكانت تحلها معايا بحكمة ورغم شقاوتها إلا إن عقلها كبير ويوزن بلد لو جرى لها حاجة مش هتحمل والله العظيم ما هتحمل.
ربتت على ظهره بحنو وهي تهدهده بكلماتها البلسم الشافي لقلقه:
ــ لااا إن شاء الله مش هيجرى لها حاجة طالما طلعت من المسبح فيها النفس يوبقى إن شاء الله هتروق مجرد ما جسمها ياخد الأكسجين اللي ناقصة ويستكفى هتوبقي زينة متقلقش ياعمران.
سألها بتشتت:
ــ بجد يا سكون ولا انت بتهديني وخلاص؟
أكدت له بما لم تتأكد منه هي الأخرى، فبالفعل حالتها صعبة ومن المحتمل حدوث جلطة دماغية أو شلل نصفي بسبب الغرق، ولكن لم تريد أن تشعفه عليها:
ــ بجد ياقلب سكون ربنا بإذن مهيضرناش فيها.
ثم جالت ببصرها وجدت زينب تبكي بشدة، فاستأذنت من عمران أن تذهب إليها كي تهدئها وتقف بجانبها، ولكنه توجس خيفة من رد فعل زينب، فهي الآن جانية عليهم بشدة لخروجهم من عرينها، فقام معها ووقفت سكون بجانبها تطمئنها:
ــ متبكيش يا ماما الحاجة هي هتتحسن بإذن الله، إني دخلت اطمنت على مؤشرات القلب والتنفس لقيتها ماشية الحمدلله بمعدل كويس.
رمقتها "زينب" بنظرات لائمة وسط حزنها، وصعب عليها حالها أن ترد على طمأنتها لها، ثم أدارت وجهها للناحية الأخرى مما أزعج عمران كثيراً، فاحتضنها من كتفها وقبلها من رأسها بحنو جعلها ابتسمت له بتقبل لموقف والدته، مما جعل حركته تلك تشعل نيران الغيرة داخل "زينب"، فهي ظنت أنه بتلك الحركة يكيدها بأنه الداعم لزوجته ضد أفعالها.
لم يعجب سلطان تصرفها هو الآخر، فتحمحم متسائلاً سكون كي ينزع عنها الحرج من موقف زوجته ويحفظ لها ماء الوجه:
ــ يعني حالتها هتتحسن يابتي ولا هتفضل في الحالة الخطرة داي؟
أحست "سكون" باللطف من رد فعل "سلطان" معها، فأجابته بابتسامتها الملائكية:
ــ طبعا يابابا متقلقش، إني هدخل لها دلوك وهطمن عليها وهطمنكوا، وبإذن الله ربنا مش هيوجع قلوبنا عليها.
رمقها "سلطان" بنظرات ممتنة راقت "لعمران" وشعللت في قلب "زينب" أكثر، ونظرت لها بأعين تكاد أن تفتك به:
ــ مننحرمش منك يازينة البنات، روحي يابتي وطمنينا، ربنا يجعل في وشك القبول، ويراضيكي ويرضيكي يارب.
أمنت على دعائه بابتسامة ثم تركتهم، وتلاها "عمران" فهو صمم أن يدلف معها كي يطمئن على شقيقته ويهدأ قلبه المولع.
أما "سلطان" بادل "زينب" بنظرات التحدي التي شنتها عليه:
ــ انت قاصد تكيدني صوح! طب اعمل لزعلي منيهم اعتبار، ولا اني أصلاً مليش اعتبار عندك يا عشرة عمري بالاسم بس!
أجابها بقوة وغيظ وهو يعيرها بنظرات حادة لائمة:
ــ إحنا في ايه ولا ايه يامرة إنتي!
اشغلي حالك ببتك اللي بين أيادي الله جوة داي، ولا انت ما بتتعظيش!
ربنا عمل فينا اكده علشان خاطر جاية على الغلبانة اليتيمة اللي عماله تقتي فيها كل شوية، اداكي فوق دماغك علشان خاطر تبعدي عنها، وبرده مش سالمين منك ولا من نظراتك ولا من نارك يا زينب.
قال على راي المثل قال:
الحما حما لو كانت نازلة من السما.
حدجته بريبة لتنهره بحدة:
ــ ماشي يا حنين يا ابو قلب طيب، واني ام قلب شرير، ربنا يخليك للغلابة واليتامى، واني ربنا يجحمني عشان اني ست قاسية.
نفخ "سلطان" بضيق من كلماتها ثم نهرها بحدة وهو يضرب كفاً بكف:
ــ لا حول ولا قوة إلا بالله. لمي تعابينك يا زينب، اني ما متحملش دلوك واعصابي تعباني بسبب اللي احنا فيه. هو انت ايه ما بتحسيش يا ولية انت!
الله الوكيل لو ما قفلتي خشمك ده لهكون مكسر العصاية دي على راسك دلوك قدام الخلق طالما مش متعظة حتى. قبر يلم العفش.
زمجرت بغضب شديد من طريقته الحادة معها ثم توعدت له:
ــ طب وأيمان الله يا سلطان لهكون فايتاها لك ومش قاعدة لك فيها، وابقي شوف مين هيعبرك بقي تاني لما بتي تخرج بالسلامة.
دب بعصاه أرضاً من تشبش رأس تلك الثائرة هادراً بها:
ــ طب ابقي عتبي برة عتبة البيت اكده من غير اذني، واني هكون كاسر لك رجلك قبل ما تعمليها ومش هخليكي فيكي حتة سليمة.
حدجته بنظرات نارية لتقول بإصرار:
ــ لما تشوف هتضرب وهتكسر كيف، وبردوا هنفذ اللي في دماغي ومش هطولك شعراية مني تاني اللي لما تتأسف على اللي انت عميلته معاي.
نفض جلبابه بحدة ليعنفها قبل أن يمشي من جانبها:
ــ حرق أبو اللي جابك يابت نفيسة. أدي المكان ليكي اهري وانكتي في حالك لحد ما راسك توج من الهرى والنكت اللي هترطيه من خشمك. حرمة بدرجة عقرب.
اختمرت الفكرة برأسها وقررت تنفيذها بعد أن تركها مغتاظاً من هرائها وهم في تلك الحالة، وهي تحدث نفسها بضيق عارم:
ــ ماشي يا سلطان، إن ما عرفتك كيد الحريم بحق مبقاش حرمة بدرجة عقربة زي ما هتقول، وانت اللي جبته لحالك.
وظلت على حالها ذاك، فاقتربت منها حبيبة عندما وجدت ها تحدث حالها هكذا:
ــ في ايه يا ماما هتكلمي حالك ليه؟
مطت شفتيها بامتعاض وهي تجيبها:
ــ فيه ان الدنيا اتقلب حالها وما عادش لست البيت هبيتها ولا كرامتها، وكله بقي هينهش فيها، ودي كلاته عشان رايدة الخير للكل.
مطت حبيبة شفتيها هي الأخرى بعدم فهم وهي تسألها:
ــ وه حصل ايه دي، أني فايتني كتير بقي عاد؟
التوى ثغرها بحسرة وهي تلقي اللوم على حبيبة هي الأخرى:
ــ أه مانتي التانية من ساعة ما خلفتي ولادك وانتي ما بقيتيش تسألي في امك إلا لما ياجي لك كيفك، شكل ما يكون ربيت وكبرت للغايبة والغايب، وما بقاش ليا حد أشكي له همي، واني وحدي لا أب ولا أم ولا أخ ولا حتى واد ولا بت، مفيش غير الوحيدة اللي بين أيادي ربنا اللي كانت واخدة بالها مني وهتحبني وتخاف علي.
ثم أكملت ببكاء عليها:
ــ ربنا يشفيكي يابتي ويرجعك ليا بالسلامة، وتقومي على خير. حسدوكي يا الغالية على جوازتك وملحقتيش تتهني بجوزك ولا يتهني بيكي.
رفعت حبيبة جفونها ببطء ثم قالت باعتذار من تقصيرها في حق والدتها، وقد تعلقت عينيها بالغرفة الملقاة فيها شقيقتها بين أيادي الله:
ــ معلش يا أمي حقك علي، انت عارفة التوم مطلعين عيني ومش مخليني أبص وراي حتى، غير اني قاعدة مع حماتي برضو مش وحدي، وبعدين ربنا يخلي لك عمران ومرته ماليين عليك الدار، هتعوزي مننا ايه تاني احنا. وبعدين برضو يا امي مش وقته الكلام في الموضوع دي، ورحمة دلوك بين ايدين ربنا لما نروح بيها نتعاتب براحتنا.
ربنا يقومك بالسلامة يا خيتي.
تأففت بامتعاض لحماقتها فيما قالته عن "عمران" وزوجته:
ــ أها عمران ومرته!
بس يا بتي بس كفاياني حسرة على اللي أني فيه.
شكل الدنيا قررت تديني فوق دماغي لحد ما تجيب أجلي، أهو الواحد يرتاح ويقابل رب كريم من الهم اللي هو عايش فيه.
لم ترد حبيبة أن تستفسر عن ما تقصده والدتها، لا الزمان ولا الظرف ولا المكان يسمحوا بتلك الهرائات من وجهة نظر حبيبة، ففضلت الصمت.
وأصبحوا جالسين، كل منهم ينهشه القلق على تلك الملقاة داخل غرفة الرعاية.
أما بداخل العناية المركزة، وبعد مرور عدة ساعات أخرى، يجلس ذاك الزوج المنفطر ألمًا على حبيبته وهي الآن بين أيادي الله متعبة بشدة.
ويتحدث معها بشجن كما أنها تسمعه:
ــ حرام عليكي يارحمة، بزيادة بقى.
بقى لك أكتر من عشر ساعات غايبة عني وعن وعيك، فوقي بقى يابت قلبي.
فوقي، خلي قلبي اللي هيبكي بين ضلوعي يبطل نبض وجع ممتحملش.
ليه تعملي في حالك وفيا أكده؟
إنتي عارفة إني مليش غيرك.
وانتي بالذات لو مقمتيش منها ورجعتي لي، هعيش ميت بالحيا.
ماهر الريان الصلب اتولد على يدك ورجع شاف الحياة الحلوة وبهجتها بسببك، ولو رحتي فيها مهيرجعش تاني واصل.
ارحمي قلبي وفوقي يارحمة، إنتي قوية وقدها وقدود وهتقدري وهترجعي لي.
ثم نظر إلى السماء مناجيا ربه بأسى:
ــ ياااااااااااارب رجعها لي يارب وقومها منها سالمة غانمة يارب.
وظل يتحدث معها كما أنها تسمعه كي يسكن صوته عقلها الباطن، فهذا ما يبلغه قلبه به أن يفعله.
***
في المشفى التي تعمل بها فريدة، فاليوم موعد سهرتها في المشفى.
كانت تقف في الشرفة المطلة على غرفة فارسها متيمها ومالك روحها بحالمية.
كانت تنظر إليها وتتمنى أن يخرج الآن كي تراه وتستقر عينيها في عينيه، فقد شعرت بالاشتياق إليه كثيرًا.
وأصبح يومها لم يكتمل بدونه وبدون مشاغباته معها وبدون كلامه المعسول الذي يلقيه على مسامعها.
أصبحت تفكر به ليلا ونهارا وصار النوم يجافي عينيها كثيرًا.
وعقلها لم يتوقف عن التفكير به وقلبها لم يتوقف علي أن يحلم به.
ويبدو أنها أصبحت مغرمة به ولن يحلو يومها أو يكتمل بهاه بدون أن تعرف كيف قضى يومه.
كيف كان مزاجه؟
هل دخل دوامة فارس المنفصم اليوم أم لا؟
كل تلك الأسئلة كانت تراود عقلها وما زالت عينيها متعلقة على باب مكتبه وداخلها يرغب شوقًا في النزول إليه وأن تتحدث معه.
ولكن لا يصح، فهو في كل مرة ذهبت إلى مكتبه تكون رغما عنها منه.
ظلت على حالها هكذا ساعة بأكملها إلى أن رأت مشهدًا جعلها انصعقت.
ذاك المشهد الذي رأته قبل ذاك، تلك الممرضة دالفة إليه غرفة مكتبه.
فلم تفكر كثيرًا، فهرولت مسرعة وهي تهبط الأدراج سريعًا حتى التوت قدمها مع آخر درجة وتأوهت بشدة وهي تجلس مكانها تمسك قدمها بيدها.
وكأن القدر يمانعها على أن تدلف لذاك الفارس معذبها، ولكنها أصرت على القيام وتعرجت بقدمها كي تصل إليه.
فهي لديها تصميم أن تدخل عليه في ذاك التوقيت خصيصًا كي تواجهه أمام خطيئته وتعطيه درسًا لن ينساه حتى تجعله يفيق من تلك الدوامة التي تنتابه في اليوم عشرات المرات.
ظلت تعرج بقدمها التي تؤلمها بشدة ومن الواضح أنها أصابها كسر حتى وصلت إلى الغرفة التي أغلقتها تلك السافرة للتو والتهى معها ذاك الفارس ونسي إغلاقها من الداخل.
فتحت الباب فجأة وعلى حين غرة باغتتهم بوقوفها أمامهم ورأته في أقذر مشهد يمكن أن تراه أنثى لحبيبها.
ذاك المشهد الذي جعلها أغمضت عينيها من قذراته وعدم تحمله أي أنثى عاشقة لرجلها الأول.
حيث وجدته يحتضن تلك السافرة ويقبلها بطريقة مقززة.
تلك الثواني التي رصدتها عينيها وجعلتها في تلك اللحظة تود أن تكون عمياء ولا أنها ترى ذلك الفارس في ذاك المشهد المريع لقلبها المسكين في العشق الأول.
أما هم نظروا إليها بصدمة من تلك الممرضة.
أما ذاك الفارس نظر إليها نظرة مهتزة في البداية ثم تبدلت نظراته المهتزة إلى جاحدة هادرًا بها:
ــ انتي إزاي يابني أدمة إنتي تقتحمي المكتب بالشكل الهمجي ده؟
هو انت هنا في الصعيد بهايم للدرجة دي معندكوش أداب الاستئذان؟
لم تعتري كلامه أدنى اهتمام، ثم نظرت إلى الممرضة آمرة إياها بحدة لاذعة:
ــ يالا يا سفلة يا سهلة يا رخيصة استري حالك واخرجي من اهنه حالا ومتتكررش تاني.
وخلي بالك دي تاني تحذير مني ليكي، المرة الجاية وعهد الله لا هكون جايبة المستشفي كلها ورايا وأعملك أحلى تشريفة تليق بوساختك يا مجرمة.
ثم تحركت خطوتان حتى وهي تعرج بقدمها ولكزتها في كتفها وكأنها تنتقم منها بتلك الحركة ورددت وهي تجز على أسنانها بغضب شديد فقد انطبع مشهدهم القذر في ذهنها ومن الصعب أن تنساه:
ــ وعهد الله المرة الجاية لهكون جاية بأمن المستشفي وأخليهم يلفوكي في ملاية واللي ما يشتري يتفرج عليكي ويوبقى إنتي الجانية على نفسك.
أطلقت تلك الممرضة نظراتها المشمئزة وهي ترتدي تنورتها التي عبث بها ذاك الفارس على الفور وعدلت من كنزتها المفتوحة وهتفت بوجه مكشوف هي الأخرى:
ــ دي من بعض ما عندكم يا دكتورة يا صاحبة الصون والعفة.
ما اني بردو بشوفك وانت داخلة أوضة الدكتور وهتقعدي وياه بالساعة لحالكم هتكوني بتعملي ايه غير اللي هعمله يعني؟
فمتعشيش دور الطاهرة الشريفة، كلنا في الهوا سوا يا حبيبتي.
اندلعت ثورة الغضب من تلك الفريدة وهي تنظر لذاك الفارس نظرات لائمة تحمل بين طياتها الجلد.
وعلى حين غرة باغتت تلك السافرة بصفعة على وجهها جعلت الأخرى ترنجت على أثرها وهي لم تصدق أن تلك الصفعة هوت على وجهها مع إطلاق فريدة سبابها لمكشوفة الوجه تلك:
ــ اخرصي قطع لسانك يا مجرمة.
إنتي عايزة تشبهيني بيكي وبقرفك دي!
وضعت تلك الممرضة يدها على وجهها وهي لم تصدق إلى الآن أنها صفعت للتو.
ثم اقتربت منها ورددت بفحيح لتلك الأبية:
ــ بقى انتي يابت البوابين تمدي يدك علي!
طب يمين على يمينك لأكون أني اللي جايبة لك الأمن اهنه لما تدخلي له ياحية وهشوف مين هيلبس مين الملاية يا داكتورة.
بادلتها فريدة نفس نظرات التحدي دون ان تكترث لهرائها وبعيناي قويتين تشع منهما كرامة الأنثى الذي أهين أبوها للتو فتتت قوتها الواهية:
ــ دي بعدك ونجوم السما أقرب لك من انك تشوفيني في منظر زي دي.
فوقي يا سافلة مش كلنا زي بعض ولا كلنا في الهوا سوا.
اني اه بت بواب زي ما انتي ما قلتي، بس البواب ده طلعني دكتورة قد الدنيا ويمشي يفتخر ببته وسط الخلق.
اني مش هجيب سيرة ابوكي ولا امك ولا هعايرك بيهم عشان هم غلابة ما يستاهلوش ان هم يتعايروا بسبب واحدة رخيصة زيك هتجيب لهم العار.
وان كنت عاملة حسابك على اللي في دماغك فدي بعدك لاني داخلة اهنه لزميل ليا بنتناقش في مرضى مشتركين فيها احنا الاتنين.
ثم أكملت وهي تلكمها في صدرها مما جعل الغل يكاد يضئ النيران من عيناي تلك المستفزة:
ــ ولو جبتيهم حداي اهنه مش هتشوفي نفس منظرك السافر لاني مش شبهك اصلا ولا عمري هبقى شبهك.
فمهما تعملي مش هتقدري توصلي للي في دماغك علشان اني لما ابقى داخلة اهنه اولا بسيب الباب مفتوح ثانيا بدخل قدام كل الناس مش في انصاص الليالي.
واللي خلاني ادخل دلوك اني شفتك زي ما شفتك قبل اكده فاحترمي نفسك ولميها علشان هي متبعترة قوي وان ما لمتيهاش اني اللي هلمها لك.
يلا يا بت اطلعي بره من هنا وحذاري أشوفك تعتبي باب الأوضة دي تاني.
اقتربت منها تلك الممرضة وهي تنظر لها بغيظ شديد ثم قررت أن ترد لها القلم الذي هوى على وجهها قبل أن تخرج، فهي لن تستطيع أن ترده لها إذا ذهبت من أمامهم الآن.
ثم ناظرتها بغلظة ورفعت يدها وكادت أن تهبط على وجهها وقد تبدلت نظراته الغليظة إلى مبتسمة باستفزاز لتخيلها أنها اخذت حقها في صفعتها الآن.
ولكنها لم تلحق ان تشعر بانتصارها فقد علق يداها ذاك الفارس في الهواء وهو ينظر لها بفحيح مما أرعبها ملقيا تهديده عليها:
ــ هتعملي ايه يا بت انتي؟
اوعاكي اشوفك تتكلمي معاها بالطريقة دي تاني يا اما هخليكي تروحي لعزرائيل راكبة طيارة.
حذاري طريقة الكلام ولا رد فعلك اللي شفتها دلوقتي تتكرر تاني والا انتي عارفة هيحصل لك ايه وهوديكي فين.
ومش عايز اشوف خلقتك دي تاني في المستشفى خالص يعني تاخدي بعضك وتلمي نفسك وتقدمي استقالتك وما اشوفش وشك هنا تاني يا اما هخليكي تتندمي انك اتولدتي في الدنيا دي علشان يبقى لسانك ده يحترم نفسه بعد كده.
ثم أكمل بأمر قاطع لا يقبل النقاش:
ــ ودلوقتي اعتذري لها حالا على الطريقة اللي كلمتيها بيها يا زفتة انتي يا اما مش هيحصل لك طيب.
ارتعبت تلك الممرضة بشدة من تحذيرات فارس فلم تكن تتوقع أن يقف في صف تلك الفريدة خاصة أنه في بداية دخولها عليهم هدر بها وعنفها بشدة.
ولم تتحمل أمر استقالتها فهي تحتاج إلى عملها بشدة فاقتربت منه وهي تتوسل إليه:
ــ أرجوك يا فارس بيه هعتذر لها مش هاجي ناحيتها خالص بس ما تخلينيش اسيب شغلي.
اني بصرف بيه على بيتي وعلى عيالي عشان متجوزة راجل ما لوش لازمة في الدنيا.
ثم وجهت أنظارها إلى فريدة تتوسل اليها هي الأخرى كي تجعله يسامحها ويعفو عنها فهي علمت مدى جبروته.
كما انه يهددها بتلك الصور والفيديوهات التي يمسكها عليها ورأتها بأم عينيها.
وهي تقترب منها كي تسحب راسها وتقبلها بتحايل ولكن فريدة كانت تبعد رأسها ولا تريدها ان تقترب منها فهي تشعر بالاشمئزاز منها بشدة:
ــ ارجوكي يا دكتورة ما تخليهوش يأذيني.
انتِ عارفة احنا غلابة وشغلي دي مصدر رزق واكل عيشي اني وولادي.
واني والله بعتذر لك وحقك عليا وهطلب نقلي من الدور دي خالص لا القسم دي خالص وهروح القسم اللي جنبنا مش هتشوفي وشي تاني.
بس ما تخليهوش يعمل فيا حاجة ولا يفضحني.
أبعدتها فريدة بيدها وهي تشير ناحية الباب أن تخرج من الغرفة:
ــ طب يلا روحي شوفي شغلك واطلبي نقلك من الدور دي خالص ومش عايزة اشوف وشك تاني اهنه.
ويا ريت تحافظي على اكل عيشك ورزقك اللي ربنا بيبعته لك بالحلال ما تلوثيهوش بالقرف اللي انت بتعمليه دي وتبرري تقصير جوزك معاكي بإنك تعملي الخطيئة وتغضبي ربنا اللي سترك مره واتنين والتالته مش هيسترك.
واحمدي ربنا انك وقعتي تحت يدي اني لأني ما بحبش الفضايح لحد.
يلا اتفضلي.
هرولت من أمامهم وهي تدعي لفريدة بالستر بأنها تركتها تعمل وتسترزق دون أن تقدم استقالتها وأجزمت داخلها أنها لن تمر من هذا القسم مره ثانية وأن تبتعد عن ما يؤذيها فقد تأدبت تلك المرة بشدة.
أما فريدة نظرت إلى فارس ولم تستطيع أن تصمت فأقدمت إليه ووقفت أمامه ثم لكمته في صدره بقوة وهي تعيره بنظراتها النارية الثاقبة:
ــ انت ايه يا اخي ها!
ايه اللي انت فيه دي!
ازاي توصل نفسك إنك ترتكب ذنب وكبيرة من الكبائر، وإنت في مكان زي ده، مستشفى لمعالجة المرضى؟
انت إزاي بتقدر تعمل كده؟ فوق بقى، أنا تعبت منك ومن أفعالك اللي قربت تجنني.
نظر لها ببرود مميت اصطنعه لحاله كي لا يضعف أمامها، وكأنها لم تقل شيئًا. ثم أخرج سيجاره وبدأ ينفث دخانه بشراهة أذهلتها، فهو لم يكترث لغضبها ولم يعِ له أدنى اعتبار. فأخذت منه السيجار ودهسته تحت قدميها، مما جعله يقترب منها بهوجاء وهزها من كتفها مرددًا بجحيم أذهلها:
ــ شكلك نسيتي نفسك واديتيها حجم أكبر من حجمها معايا، أنا فارس عماد الألفي يا هانم. فوقي لنفسك واعرفي إنتي واقفة قدام مين وبتتكلمي مع مين!
وما تتدخليش في حاجة ما تخصكيش. أنا حر أعمل اللي على كيفي، مش إنتي. ربنا اللي هيحاسبني. ويلا اطلعي بره بدل ما أعمل حاجة تخليكي تندمي عليها طول عمرك. يلا.
انتفضت عينيها بحدة وهي تطالع ذاك الفارس الذي تحول لشرس كالذئب المخيف بنظراته القاتمة وعينيه الحمراوتين، ثم هتفت بإصرار:
ــ مش هخرج يا فارس. وريني بقى هتعمل إيه علشان خاطر ما يحصلش طيب النهاردة بسببك وبسبب دماغك الناشفة دي. فوق يا فارس بقى، أنا تعبت منك ومعاك بقى لي كذا شهر معاك وإنت على الحالة دي. فوق بقى حرام عليك. إزاي تعمل في نفسك كده وتدمر نفسك بالطريقة المجرمة دي.
أجابها متهكمًا بكلمات خرجت من بين أسنانه بحدة:
ــ أنا مش فاهم إنتي ليه مصرة تتعبي نفسك معايا. امشي، أنا ما فيش مني فايدة. مش عايز أشوفك تاني، يا إما هتتأذي بسببي.
ثم أبدل طريقته الحادة إلى أخرى هادئة، وكأنه المتحكم الوحيد في انفعالاته، وذلك من حالته التي يحياها ودمرته بأكمله:
ــ امشي يا فريدة أحسن لك. أنا مش عايز أقلب حياتك المستقرة الهادية لعواصف، ولا أنا أنفعك ولا إنتي تنفعيني.
قطبت جبينها وهزت رأسها بعدم فهم وتساءلت متعجبة:
ــ مش بمزاجك تقرر تبتديها وبمزاجك تقرر تنهيها. إحنا خلاص مصيرنا بقى واحد. وإني محتاجة منك إنك تفوق. وكل ما تيجي تدخل دوامتك المهلكة ليك ولروحك، تفتكر كلامي اللي هقوله لك ده. بص للسما وقول لربنا: يا رب فوقني، يا رب ارحمني من ضعفي. استنجد باللي خلقك، ما تستنجدش بالضعف يا فارس. إنت حد جميل وراقي ولازم تواجه عماد إنك مش هتستمر في اللي هو عايزه منك.
تنفس بحدة وصدره يعلو ويهبط وهو يخبرها بما يضيق في صدره، وانطلق به لسانه:
ــ أصل إنتي متعرفيش هو بيعمل إيه. عماد ما سابش حاجة غلط وحرام إلا وعملها. ما بيهمهوش، ضعيف ولا ست ولا راجل ولا كبير ولا صغير.
ثم لاحظ تمدد ملامحه بضحكة هادئة، ثم همس في مسامعها بصوت هدر أرعبها وجعلها تبتعد بخطواتها قليلاً:
ــ أصل عماد بيتاجر في الأعضاء وبيأجر رحم ستات للتقال أوي اللي في البلد، وزراء ومستشارين ومستويات، علشان مراتاتهم مش عايزة تحمل وتبوظ جسمها بالحمل، أو اللي ما لهاش في الحمل أصلًا.
ثم أكمل بنفس نظراته المرعبة التي يطالعها بها وهو يكمل مدى قساوة ما عاشه مع ذاك العماد:
ــ تعرفي كان بيعمل كده مع عبير؟ كان بيأجر الرحم بتاعها كل سنتين مرة لحد ما الرحم بتاعها ما بقاش يتحمل، وهي كمان جسمها ضعف من كتر ما خلاها تعمل العملية دي. ولما ما لقاش منها منفعة في الحوار ده، بدأ يتسرسب على أعضائها من غير ما تعرف ولا تاخد بالها، مرة كلية ومرة طحال. لحد ما قرر في الآخر لما بقت على سرير المرض جسمها ما بقاش متحمل مضادات ولا مخدرات، ما بقتش قادرة تتحرك. جالها جلطة من اللي عملوا فيها، واللي هي عرفته بالصدفة لما راحت كشفت على نفسها وعملت فحص كامل لجسمها وطلع واخد منها الأعضاء دي. اتجلطت في ساعتها، قرر إن هو ياخد منها قرنية عينيها لبنت واحد له مركز كبير قوي في البلد، وهي كانت عينيها الوحيدة اللي سليمة اللي فيها. سمعته بالصدفة وهو بيتفق مع الراجل ده، وكان متفق كمان مع الدكاترة اللي هيعملوا لها العملية. ولقيتني بعيط تحت رجليها وبقول لها: فاكرة؟ مش سامعاني؟ ولما اكتشفت كده، اترجتني إني أشيلها المحلول وأريحها من الدنيا، لأنها كانت قاطعة الأكل والشرب خالص وعايشة على المحاليل.
شهقت فريدة شهقة عالية وهي تضع يدها على فمها تكتم شهقتها إثر ما استمعت إليه، فلم تكن تتخيل أن يكون ذاك العماد بتلك الفظاعة من فظاظة القلب، وحدسها لم يكاد يصدق ما استمع إليه الآن. ولأول مرة ترى ما تشاهده في التلفاز في المسلسلات والأفلام بام عينيها متجسدًا أمامها. وهي تحرك رأسها برفض قاطع لما قاله ذاك الفارس وردد لسانها باستنكار:
ــ معقولة يكون في بني آدم عايش على وش الدنيا بالطريقة دي!
إزاي مامتك استحملت كل دي!
وإزاي أصلًا تقدر تبص في وشه!
وإزاي قادر تقول له يا بابا!
دي شيطان بيتحرك على الأرض في جسد إنسان. إني مش متخيلة أصلًا إن في بني آدم أكده!
قول إنك مزودها شوية، وأنا اللي سمعته ده من بحر الأوهام.
كل التساؤلات دي فرضتها فريدة على مسامع ذاك الفارس، اللي ابتسم بسخرية لمجرد دهشتها لما استمعت إليه. فما بالك أيتها الفريدة لو عشتيه لحظة بلحظة!
لو أتاكي وجعه ودق في معالم جسدك يوماً بيوم!
لو عشتي الخذلان يوماً واحداً من أقرب الناس ليك!
الخذلان من أقرب الناس قد يخلف في القلب جرح لا يلتئم أبداً. الخذلان لا يطاق ولا يحتمل، فقد يجعله يكره القلب والروح. وإذا انكسر في القلب شيء لن يعود. فخذلان الأحبة هزيمة لا انتصار بعدها، ويوم الخذلان عظيم لا يمكن أن يمحى من الذاكرة.
فقد كان متألقاً في خداعي، فأنا أشهد له أنك مخادع عظيم. وضجيج الجرح ما زال يؤلمني، فطريقته في الأذى كانت قاسية.
كل تلك الكلمات اللي كانت تصارحها بيها عيناه، وكأنها فهمت ووعت لما يقوله. وهي تشفق عليه لما أوصله لتلك الحالة. بل إنه تحمل ما لم يتحمله بشر منذ أن كان طفلاً صغيراً، وهو يعاني من ذاك الشيطان اللي يعيش معه. وجعله فقد طفولته وأحب الناس إلى قلبه، بل ودمره كلياً. حتى وصلوا إلى تلك المرحلة من العناء.
فهل تستطيعين فريدة إخراجه من هذه الدوامة والظلام القاحل اللي يعيش به؟
كيف ستداوين كل تلك الجروح والندبات اللي تملأ قلبه بتلك الدرجة؟
وهو أيضاً محق في تلك الدوامة اللي يعيش بها. ولربما كانت تلك الدوامة هي من جعلته يعيش إلى الآن، فهي أخف من أي قضاء. ومن الممكن أيضاً أن تكون تلك الدوامة اللي يهرب بها من الواقع المرير كانت قضاء الله له كي يجعله يستمر وأن لا يؤذي بحياته إلى الموت. فسبحان الله، رب ضرة نافعة.
ثم وجدت حالها تقترب منه وتنظر في عينيه بقوة، وهي تبثه الثقة في نفسه.
"بس انت من جواك رافض الوحش اللي بيعمله عماد وبتستنكره. وطالما أكده يبقى انت حد كويس قوي يا فارس. فإني عايزاك تنسى اللي فات وتمحيه من حياتك بإستيكة وتبعد عن عماد وتهدده إنه لو جه ناحيتك هتموت نفسك وهتبلغ عنه. وهو طالما ما جاش ناحيتك من البداية يبقى بيخاف عليك جداً. لأنه أكده هيعتبرك راس ماله في الحياة. وفي وجهة نظره انت اللي هتحافظ وهتستلم الإمبراطورية اللي هو عملها. فعلشان كده مهما يحاول يهددك ما تستسلمش وما تدخلش جوه الدوامة اللي بتخليك تشوف نفسك زيه بالظبط. أرجوك يا فارس إني محتاجاك في حياتي ومحتاجة وجودك وانت آمن."
"إني وانت بقى قدرنا واحد. لازم تفوق يا فارس. لازم تنسى الماضي بألمه وجرحه وعذابه."
تنهد بأنفاس عالية لكلماتها اللي اقتحمت مخيلته وقلبه وعقله. وما عاد قادراً على الاحتمال أكثر من ذلك بين الماضي والحاضر، وبين الألم والأمل، وبين الجبر والصبر. وشعر بأنه أصابه الدوار في رأسه. فترنّح قليلاً في وقفته. فعل الفور أسندته بدرع حامي له، وكأنها تؤكد له أنها لن تتركه أبداً مهما كان ومهما حدث. ثم جعلته يجلس على الأريكة الموجودة وهو يسترخي بجسده. ثم رددت على مسامعه آيات من القرآن الكريم كي تجعله يهدأ. وبالفعل شعرت بانتظام أنفاسه ودقات قلبه العالية هدأت قليلاً. وهي تبتسم في وجهه لتقول بأمل مغلف بالتمسك بالحياة وحقهم فيها.
"ممكن تاخد نفس عميق وتهدى خالص. وصدقني طول ما انت قريب من ربنا طول ما انت هتبقى بخير."
"عبير ماتت يا فارس. الوجع اللي كان بيهددك وبيخليك تدخل جوه الدوامة دي بقت بين إيدين ربنا. فما بقتش محتاجة إنك تتوجع عشانها. ما بقتش محتاجة غير إنك تقول ربنا يرحمك يا أمي. ربنا يرزقك الجنة على حس تعبك في الدنيا. هي مش عايزة منك غير كده. وكمان عايزة تشوفك ناجح في أمان بعيد عن عماد. فانت لازم تتحدى الوجع وتتحدى أي ظرف هيخليك تمشي في طريق عماد."
"انت جراح شاطر جداً. ابدأ حياتك لوحدك بدماغك ودراعك. والحسنة الوحيدة اللي عملها لك في حياته إنه علمك كويس. امشي طريقك زيك زي أي شاب وكأنك يتيم ما لكش أب. ابنها بعيد عنه. اهنه في بلدنا. وإن شاء الله إني واثقة إنك هتبقى حاجة كبيرة قوي."
رفع جفونه ببطء ثم قال بنبرة أجش مبحوحة تأثراً بحديثها في إعلانها عن احتياجها له وأن يظل بالقرب منها.
"ياه. شايف في عينيكي حب كبير قوي. عمري ما كنت اتخيل إني أقابله في يوم من الأيام وأعيشه وأحسه وأخاف عليه وأخاف حد يمسه أو يجي ناحيته. يعني دلوقتي إحساسي ناحيتك يا فريدة خوف من الفقدان وخوف من المستقبل اللي جاي. خوف عليكي قوي وأنا مش ضامن أنا أصلاً هعيش ولا لا."
منعته أن يكمل.
"ششش. ما تكملش أرجوك. ومتجيبش سيرة الموت. إحنا لسه في أول يوم حب ورجا من ربنا إن انت تبقى لي. اوعدني يا فارس وعد المحبين إنك هتجاهد عشان تبقى وياي. اوعدني إنك مش هتدخل دوامة فارس المنفصم تاني. إني عايزة منك وعد صريح ليا وأني واثقة إنك هتبقى قد الوعد."
ابتلع أنفاسه بصعوبة وهو متردد أن يعدها بشيء ويخلفه معها. ثم همس برجفة.
"أنا عايز أبقى معاكي. ونفسي تكوني ليا وأضمك لقلبي وعيوني متشوفش غيرك. بس خايف أوعدك موفيش."
دب القلق في صدرها مع تنهيدة حارة خرجت من ثغرها وهي تظن أنه لن يُشفى وأن كلامه معها لم يؤتِ ثماره. شعرت للحظة بفقدان الأمل. ولكن دقات قلبها السريعة من نظراته المتمنية لها أعادت لها الثقة به. وهي تؤكد له أنه سيستطيع. فنطقتها:
"أنا واثقة يا فارس إنك لما توعدني هتنفذ الوعد. عشان عبير الله يرحمها ربت فارس بجد. اسم على مسمى."
ثم أكملت حديثها وهي تعطيه أملاً في الحياة من جديد. وهي تومئ رأسها للأسفل بخجل.
"عارف يا فارس أنا حبيت عبير قوي من كلامك عنها. وبجد لما نتجوز بإذن الله ويكون لينا بيت صغير يجمعنا مع بعض في حلال ربنا. هدعي لها كتير قوي إنها جابت للدنيا إنسان زيك عشان يكون من نصيبي. وكمان أول ما أخلف بنوتة هسميها عبير على اسمها. ودايماً هكلمها عنها وأقول لها تيته كانت قد إيه جميلة وقد إيه كانت راقية قوي. ونقعد ندعي لها ونقرأ لها قرآن كتير قوي. هخليك تشوف عبير قدامك على طول."
"إني واثقة ومتأكدة في ربنا إنه هيجبرك قوي يا فارس."
تبسمت عيناه أملاً وعشقاً. وشعر اليوم أنه ولد من جديد على يد تلك الرائعة الراقية. وشعر الآن بمدى رحمة الله به بأنه أوقعها في طريقه. ثم هتف بامتنان لها وهو يعدها الآن.
"شكراً إنك موجودة في حياتي يا فريدة. شكراً إنك رحمة ربنا ليا في أشد أوقات احتياجي لحد يخرجني من اللي أنا فيه واللي أنا عيشته. شكراً ليكي إنك استحملتي تعب نفسيتك بسببي وبسبب اللي انتي عانيتيه معايا."
ثم تذكر الممرضة اللي كانت معه منذ قليل وأكمل وهو يشعر بالخجل من حاله.
"شكراً إنك استحملتي تشوفيني في وضع زي اللي انت شفتيني فيه مع الممرضة وأصرتي إنك ما تمشيش وطلعتيني من وحل خطيئة كنت هرتكبها."
ثم تمعن النظر في مقلتيها ونطق متأثراً بحالمية وجودها معه. فدوماً يبعثها الله كطاقة النور في أشد أوقات عتمته.
"إنتي شعاع النور وسط ضلمة الفارس. وانتي المكان الآمن لخوف الفارس. وانتي كل حاجة حلوة في حياة الفارس. ربنا يخليكي للفارس ويديمك نعمة في حياتي يا فريدة."
لقاء نسيمه الشوق وعبيره الإخلاص ينبع من بساتين الحب في ربيع العمر في أرض القلوب في لحظة اللقاء. ما أجمل العيون ونظراتها وما أجمل الأحاسيس وتصويراتها لحظة لقاء الحبيب. فهي إبحار في فضاء الدفء والحنان في أجمل مراكبها. مراكب الدموع السعيدة دموع الفرح وبسمة السعادة وشعور القلوب.
وهكذا كان لقاء الفارس المظلم بضياء النور فريدة الفريدة حقًا.
***
أمام تلك البحيرة أتت "شمس" كي تتنفس هوائها الجميل وسط الخضرة الرائعة. فمنذ أن أتت هنا تلك المرة الماضية وهي أحبت ذاك المكان بل وتوغل عشقه في قلبها وأشعرها بالراحة والسكينة. فهي الآن تجلس بقلب مطمئن لأول مرة منذ أن مات والدها. فقد استيقظت ولم تجد زينب في المنزل. كان التوقيت قبل غروب الشمس وبالتحديد في الساعة السادسة مساءً. فقد شعرت بالاختناق وهي تجلس في المنزل وحدها طيلة اليوم ولم تريد أن تهاتف "زينب" كي لا تزعجها، ففكرت الإتيان إلى ذاك المكان دون تردد.
في نفس المكان كان يجلس ذاك العامر الذي أغلق الهاتف للتو وعلى معالمه الغضب الشديد. فقد كانت ماجدة تهاتفه وتخبره برفض طلبه منهم وعلقت على القسمة والنصيب.
كان يحمل بين يديه ابنته مها التي لم تسكت عن البكاء مما أزعجه كثيرًا. فحتى لحظات الحزن لم يستطيع الآن الخلوة بنفسه كي يرمم ما يشعر به قلبه من جروح وندبات. فكان بكاء تلك الصغيرة كالسوط لروحه. فهتف بضيق وهو يوجه كلامه لتلك الصغيرة وكأنها تعي ما يقول:
"انت هتبكي كانك حاسة بابوكي وبنار قلبه القايده بين ضلوعه. سميتك على اسمها علشان خاطر احنن قلبها عليا بيكي وبردوا ما شافتنيش. كأن القدر حالف يعاند معايا ومعاها."
"كأن القدر حالف لا يندمني عمري كله على الذنب اللي ارتكبته. اني هعيش شارد طول عمري."
"متبكيش يا حبيبتي. ما كنتش عايز غيرها ام ليكي ولا كنت عايز غيرها زوجة لي."
ثم دق على قلبه بيديه بشدة وهو يعنفه:
"شيلها من جواك يا قلبي. حرام عليك عذاب نفسك. حرام عليك السنين دي كلها. حرام عليك عذابي اللي هيهون عليك. شيلها من قلبك وانساها وعيش حياتك. عيش لاولادك زي ما هي هتعيش وزي ما هي قدرت تقسى وتنسى."
كان بكاء الصغيرة يزداد تصاعدًا مما جعله نظر إلى السماء وهو يهددها ونيران القهر تنهش بصدره:
"يا رب قويني يا رب على اللي اني فيه. مش قادر اتحمل ولا عارف اتحمل. اديني القوة والصبر والنسيان ان اني اقدر اعيش واكمل. اديني القوة ان اني أقدر اتخطاها يا رب. ده كل آمالي في الدنيا."
ثم أكمل بوجع وهو يتأوه ويداه على موضع قلبه:
"آآآآآه. نسيانك صعب قوي. مرض ملهوش علاج."
كل ذلك والصغيرة ما زالت تزداد في البكاء، فقام من مكانه يتمشى بها في تلك الحديقة ونبض الوجع يزداد في قلبه من حالته التي يحياها.
كان صراخ الصغيرة صعبًا للغاية وكأنها تشعر بوجع أبيها وتحطمه. حتى أن صراخها لفت انتباه شمس الجالسة في ذاك الركن. وظلت تنظر إليهم. وجدته حائرًا بالصغيرة ولم يستطيع فعل شيء معها. ظلت تنظر لهم كثيرًا ما يقرب من نصف ساعة وبكاء الصغيرة لم ينتهي بعد. فشعرت بالشفقة على والدها وهي تراه قد نفذ الصبر من صبره وهو لم يستطيع تهدئتها. فتحلت بالشجاعة وقامت من مكانها وذهبت إليه وهي تمد يدها له كي يعطيها الصغيرة متسائلة إياه:
"ممكن تديها لي احاول معاها يمكن تسكت معايا. هي فيها ايه او مامتها فين سايباك لوحدك ليه؟"
التفت إلى مصدر الصوت الأنثوي الرقيق الذي وصل إلى مسامعه الآن. وجد أمامه ذلك الوجه الذي يحوي من الجمال الرباني الهدوء والنعومة. جعلته تحمحم مجيبها وهو يرفض بذوق أن يعطيها ابنته:
"معلش مش عايز اتعبك وياي. هي مش بتسكت مع حد خالص وهي أصلاً مقريفة على طول أكده."
زينت البسمة محياها وهي ما زالت تمد يدها له. فهي تعشق الأطفال بشدة وهي ما زالت تعرض المساعدة عليه:
"طب ممكن تديها لي وتقعد انت تستريح شوية وانا هعرف اتعامل معاها ازاي. انا بحب الأطفال جدا."
لمس تصميمها على أن يعطيها ابنته. والحق يقال أنه أهلك بشدة من بكائها ولم يستطيع أن يجعلها تصمت مهما أعطى لها من الطعام أو الشراب ومهما دار بها في المكان. بكاؤها يزداد. فاعطاها لها وهو يردد بنبرة دعابية:
"اتفضلي يا ستي انت اللي جبتيه لحالك. حكم البنات دلوعة قوي بطبعها واني بتي شكلها هتطلع في الدلع ما عندهاش. يا اما ارحميني وهتطلع عيني. قالوا هيقولوا البنات هاديين وهم في النكد ما لهمش مثيل."
تبسمت تلك الشمس ضاحكة من كلامه ثم قالت بوجه بشوش وهي تهدد ابنته بين يديها:
"حرام عليك مش كل البنات ما تظلمناش. ما عندك اهو انا بنت لكن هادية خالص. هي هتلاقيها بطنها بتوجعها. فسيبني انا هعرف اتعامل معاها. انا شفتك وانت عمال تأكلها وتشربها وهي مش مستجيبة معاك خالص."
ثم مدت يدها له وهي تطلب منه:
"ممكن تديني حاجتها هنقعد انا وهي هناك كده وسيبني بقى اتعامل وياها وانت اقعد ارتاح شويه علشان تاخدها لمامتها وهي ساكتة. هتلاقيها يا عيني ما بتعرفش تنام منها خالص."
اختفت البسمة من على وجهه عندما ذكرته بوالدتهم. ثم ردد لسانه تلقائيًا بحزن:
"أمهم ماتت بعد ما ولدتهم بأسبوع. اصل هي ليها اخ توأم."
اتسعت مقلتيها بحزن شديد مما قاله. ثم رددت بأسف:
"انا متأسفة جدا ما كنتش اعرف والله. ربنا يرحمها يا رب."
لاحظ الحزن الشديد على معالمها:
"له ولا أسف ولا حاجة دي حكم الله ولازم نرضى بيه. بس اني شايف ان لهجتك مصراوية مش من الصعيد عندينا اهنه؟"
أومأت رأسها للأمام وهي تؤكد ما قال:
"أيوه انا مصرية بس قاعدة هنا عند جماعة قرايبي بقضي معاهم شويه وراجع مصر تاني. من يومين جيت المكان الجميل ده وحسيت ان انا متعلقة بيه. فلقيت نفسي جيت النهاردة تاني."
ثم احتضنت الصغيرة بين يديها وشددت على احتضانها بحنو بالغ وأكملت بوجه هادئ رقيق:
"بس شكل ربنا بيحبني وجابني النهاردة مخصوص عشان اشوف البنوتة القمر دي اللي سكتت بين ايديا اهي. عشان تعرف بس ان احنا عندنا مغناطيس لبعضنا وبنعرف نتعامل كمان مع بعضنا."
أخيرًا زارت البسمة وجهه بعد ان كان حزينًا يناجي ربه فيما يتعلق الحزن بقلبه. ثم ظل يتحدث معها وهو يسألها عن أشياء تخصها. وهي الأخرى تسأله بمحض الصدفة والحديث دار بينهم. وكل منهم شعر بالارتياح تجاه الآخر. واتفقا على ان يأتيا كل يوم في ذاك الميعاد هو وابنته وأن يحضر ابنه الآخر معهم كي تراه. وكل منهم أحس بأن وقته مر مع الآخر دون أن يدري.
تكمن السعادة الحقيقية في المشاركة. فهناك أشخاص يتحدثون معك وقت الفراغ. وأشخاص يتفرغون لمحادثتك. ولكن صاحب الأسلوب الرائع والكلمة الجميلة كل شيء مقبول منه حتى العتاب. ليس من الواجب علينا إجبار الناس على حبنا. فقليل من الأخلاق تمثل كثيرًا من الحب. فإن السعداء بالدنيا غدًا هم الهاربون منها اليوم. لو كانت السعادة تعني الحياة بلا قلق. لكان المجانين هم أسعد الناس. فالناس تبحث عن السعادة. أما السعادة فتبحث عمن يستحقها. فربما كلمة تشجيع صادقة أو خدمة إنسانية تقدمها لمن يحتاجها يكون لها مفعول السحر على من حولك ومن شأنها أن تملأ قلبك بالفرح.