تحميل رواية «من نبض الوجع عشت غرامي» PDF
بقلم فاطيما يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
حلَّ الليلُ على البيت، وغرقت البلدة في صمتٍ ثقيل، كأن كل شيء توقف عن الحركة ليترك السكون يسود. في الطابق السفلي عند نهاية الممر الطويل، وُجِدت تلك الغرفة ذات الباب الرمادي، مغلقة كعادتها في مثل هذا الوقت. لا أحد يقترب منها، ولا أحد يسأل. "فريدة" بخطواتٍ هادئة لا تُحدث صوتًا، هبطت السُّلم وهي تحتضن بين يديها كتابًا كانت تقرأه قبل قليل لكنها لم تستطع التركيز. هناك شيء ما منذ أيام يتحرك في عقلها ولا تستطع الإمساك به. حدس خافت، شعور بأن ثمة ما يتسلل من بينها وبين "فارس". حين اقتربت من الغرفة توقفت....
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم فاطيما يوسف
مازالت تداعب رقبته من الخلف حينما شعرت بتأثره فنطقت بدلال أثاره:
ــ يعني هو اني اللي هقول لك يامتر هيقولو ايه! قول بقي انك حافظ مش فاهم.
ابتسم لمشاعبتها ثم ضغط على خصرها بشدة جعلتها تأوهت بصوت خفيض:
ــ آاااه وجعتني.
غمز لها بطريقة أذابتها بين يديه كقطعة الشوكولا التى انصهرت في كوب من الحليب الساخن الممتزج بالقهوة التي تظبط المزاج فهي تظبط لها مِزاجه مثل ذاك الكوب بالتمام:
ــ لا احنا لسه هنقول يا هادي وهوريكي الحافظ مش فاهم دي هيعمل فيكي ايه بس يتقفل علينا باب واحد وأنفرد بيكي بس.
كانت تتنقل بين يديه كالفراشة ثم سألته بمشاغبة:
ــ مين قال اكده انت متعرِفنيش على فكرة بعرف أصد الهجمات كويس بس انت تكون متدرب كويس علشان المنافس صعب وعنيد وشرس.
ــ ياراجل قول غير كده...
كلمات مشاكسة نطقها ماهر وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة جانبية من مشاغبة رحمة له وأكمل بنفس المشاكسة:
ــ يا جامد هات أخرك معايا وملكيش صالح بقي بس مترجعيش تعيطي وتقولي انا مش هقدر أكمل المباراة ياماهر، اصل تعبت ياماهر، واعملي حسابك بعون الله تسع شهور بالدقيقة من دخولنا هيشرف ” سفيان ماهر البنان ”.
كانت تنظر له بخجل في بداية كلامه ثم انقلبت معالم الخجل الي مقلتيها اللاتى اتسعتا من ما قال وهي تردد بذهول:
ــ ” سفيان ” مين دي إن شاء الله اللي هتقول عليه؟
غمز لها مكملا شرحه لها عن معرفة كنية “سفيان”:
ــ اول ولد ليا منك ياحلوة بإذن الله بعد تسع شهور من دلوك.
ابتسمت له لتقول بعيناي عاشقة:
ــ طب سيبك من ثقتك اني هجيب الواد بعد تسع شهور داي، مين قال اني هسمي أول طفل ليا سفيان ياموري؟
قرصها من خصرها بلطف خفيف ناهيا إياها:
ــ بلاش موري دي في الليلة المفترجة دي علشان لما هتقوليه بتقلب نكد، وبعدين اه هسميه سفيان ودي مفيهش كلام دي امر مفروغ منيه ياأستاذة.
ضمت شفتيها بعبث ناهية إياه:
ــ طب متقوليش يا أستاذة داي خالص انت عارف بتجيب لي ضيق تنفس ياماهر.
حرك رأسه مبتسماً بمكر:
ــ لما تبطلي موري دي هبطل أستاذة وأناديكي ياصغنن قلبي اللي منور الدنيا بجماله وحلاه مغطى على القمر والنجوم اللي في السما كلاتهم.
ــ بجد ياماهر اني عروسة حلوة النهاردة وعجبتك؟
جملة استفهامية نطقتها رحمة بقلب يخفق عشقا لذلك المتمكن من قلبها بل جُلِّ كيانها ثم أجابها صريحاً بلهفة عاشق لامرأة بغرامها متيم:
ــ هو دي سؤال ياقلب ماهر وعمر ماهر، داي انتِ طلتك بالأبيض النهاردة مختلفة عن كل نساء الدنيا في عيوني، قولي لي يارحمتي هحبك وهتمناكي اكتر من اكده ايه حاسس إن نبضات قلبي قربت تخلص على حبك انتِ وبس.
اعتلت أنفاسها المتسارعة داخل جسدها من فرط تأثيرها بكلام ماهرها له فكيف لاتعشق تحكمه وهو لها نبض القلب الذي تعيش به ولأجله؟
ثم رددت بعيناي عاشقة وبغرام ذاك الماهر هي أيضاً متيمة:
ــ من القلب للقلب يا حبيب أيامي، وحلم السنين، ربنا يخليك لقلبي ياقلبي.
ثم تابعت وهي تطلب منه برجاء قبل ان تدلف معه إلى عُش الزوجية:
ــ خلي بالك على قلبي متزعلهوش ودايما طبطب عليه ومتقساش عليه ابدا هو سلم واستسلم ليك بكامل إرادته يا ماهر.
ابتسم لها بعشق جارف ثم اقترب علي وجهها وأسند جبهته بجبهتها وتحدث وهو ينظر داخل عيناها ويتنفس أنفاسها مرددا بغرام:
ــ متوصنيش على قلبك وتأكدي لحد اخر يوم من عمري وعمرك مفيش غيرك ست هتقدر تحتل موطنك ولو حتى عندها جيوش من الأنوثة اللي هتحرك أي راجل علشان وطن ماهر الريان مش للجميع دي لرحمته بس خاص جداً جدا.
ثم انتهت الغنوة وقبل أن يستمع إلى تصفيق المدعوين حملها وظل يدور بها في المكان بسعادة كبيرة جمعت قلبيهما الجميل،ثم احتضن كف يدها بين يديه وخطى بها إلى مكانهم المخصص لهم كي تستريح بضعة من الوقت ليكون لديها القدرة على تكملة الحفل.
تجلس سكون على تلك الطاولة وعلى وجهها الابتسامة الباهتة فسألها عمران بقلق:
ــ مالك ياسكون حاسس انك متغيرة من بقى لك يومين في حاجة تعباكي ياحبيبي؟
ضيقت نظرة عينيها ثم رمقته بنبرة هادئة:
ــ كان شكلك حلوو قووي اللهم بارك وانت يدك في يد رحمة وداخل بيها تسلمها لعريسها، بسم الله ماشاء الله شكلكم يفرح القلب.
ثم أكملت بنبرة حزينة وهي تنظر له وغشاوة الدموع تلتمع في عينيها:
ــ كان نفسي يوم فرحي يكون ليا أخ يسلمني ليك وأشوف وألمس منه الحنية اللي شفتها في عيونك لرحمة اللهم بارك، حتى مكانش ليا أب يسلمني ليك ويبوسني من راسي ويحضني وهو بيقول لك خلي بالك منها زي مانت ما عملت اكده من شوي، الحاجة دي كانت مقصرة فيا قوووي.
شعر بحيرتها وتخبطها وحزنها فجذبها من يدها وجعلها تقوم من مكانها تحت اندهاشها وخرج بها إلى الخارج إلى مكان منعزل عن الجميع وما إن اختفيا عن أعين الجميع حتى جذبها إلى أحضانه بشدة فهو شعر الآن باحتياجها الشديد إليهما من نبرته الحزينة وشعور الاحتياج الذي استشفه من نبرتها وما كان منها إلا انها تمسكت بأحضانه بشدة وبكت كثيرا وكثيراً مما جعل جسده يصاب بالرهبة لأول مرة، تركها تبكي وتخرج مافي صدرها إلى أن استمع اليها تردد أخيراً بما قضى على أخر ذرة صبر تجاه وجعها:
ــ حتى مهيكونش ليا ولد من صلبي وصلبك أحس معاه بالحرمان اللي هحسه دلوك ياعمران.
على صدره صعوداً وهبوطاً من فرط حزنه منها وعليها ثم اخرجها من أحضانه وحاوط وجنتيها بكف يديه الحنونتين ورمقها بنبرة لائمة وهو يجبرها على النظر داخل عينيه:
ــ كد اكده حضن عمران مش هيخليكي تحسي بالأمان ومخليكي تحسي بالحرمان والفقدان ياسكون؟
حركت رأسها بين يديه برفض لما قاله ثم عللت له ما تشعر به:
ــ له ياعمران متفهمنيش غلط في حاجات منقدرش نداريها العيون فضاحة بيها انت مليكش ذنب وانت ولد وحيد انك تعيش عمرك كمان وحيد مليكش عيل من صلبك يكون سندك وضهرك وقوتك زي مانت سند وضهر وسد منيع لأمك وأبوك.
ما أن انهت كلماتها التي أنهكت قواها ألتقطت أنفاسها بصعوبه، اقترب منها أكثر ليقف أمامها يرمقها بدون أي تعبير من كلماتها التي لاتنفض عنها:
ــ اني تعبت منك وليكي ومعاكي ياسكون، تعبت علشان فهمتك كَتيير قووي إن الموضوع دي مش فارق معاي وانك الوحيدة اللي فارقة معاي، يعني انتِ شايفة ان دي وقت بكا ونكد وحزن؟!
النهاردة عندنا فرح ياسكون فرح رحمة أقرب حد ليكي ادخلي اقفي جمبها وافرحي معاها وفرحي قلبك بيها، ادخلي وانتِ هتدي لقلبك فرصة ميضيعش لحظات السعادة والفرح وتخلي عقلك ينكد عليه في كل وقت، انسى ياسكون انسي يابابا الوجع والهم وسيبك اللي جواكي كلاته لربنا وهو أدرى بتدابير أمور حياته.
هرولت إليها وارتمت داخل أحضانها الحانية وتحدثت وهي تتمسح بنبرة باكية وهي تتذكر كلمات زينب:
ــ والله انت بيهم كلاتهم ياعمران بأبويا وأخويا وسندي وحتى ابني اللي هترجاه من ربنا متتخلاش عني وخليني في حياتك حتى لو هبقى في ركن صغير في قلبك.
ضمها أكثر وقربها لصدرها وتحدث بنبرة صادقة مؤكدة لها وهو ينفي احساسها الذي يصيبها بجُلِّ ذاك الحزن:
ــ ركن صغير ايه ياسكوني؟! انتِ كُل كلِّي، إنتي ليكي في قلبي الأركان كلها، ركن الام والأخت والزوجة والحبيبة والبنت والابن، وكمان ليكي ركن عشق روحي لروحك، وركن راحتي وأماني ومأمني ليكي انتِ بس، انتِ بيهم كلهم بكل ست مفكرة ان عندها حاجة هتعطيها لي مش عندك، مش محتاج وجود أي حد غيرك كل يوم وكل وقت هقول لك الكلمتين دول ياسكوني.
ثم رفع وجهها إليه وقبلها من عينيها الباكيتين وأكمل بعشق كي يدخل السرور على قلبها:
ــ أما بقى ركن الدلع والدلال لعمران مش ركن في قلبي بس لاااا دي ركن في عيوني اللي هتشوفك اجمل ست في الدنيا، وركن في يدي اللي هتلمسك بعشق وتحسسك بحبي ليكي، وركن لكلي اللي ميحبش غير سكون اللي هتدلعه وتخليه واصل لأعلى قمم السعادة والراحة وياها.
أنهى كلامه ووجد شفاها تناديه بشراهة فاقترب منها واقتنصها بحب تحت تململها بين يديه لعدم شعورها بالراحة معه في ذلك المكان المكشوف وأخيراً حاولت ابعادها عنه وهي تنظر حولها تستكشف بعينيها إن أحدا رآهم أم لا:
ــ انت مجنون ياعمران كيف تتهور اكده واحنا في مكان عام.
أجابها بمشاغبة وهو يضع يديه في جيب بنطاله:
ــ أه مجنون واتهور مكان ما يعجبني ياسكوني.
زمت شفتاها وأنزلت بصرها للأسفل بحزن ممزوج بدلال وتحدثت بنبرة استيائية مفتعلة:
ــ وه مخايفش حد يشوفنا يقول علينا ايه بنعمل فعل فاضح في الطريق العام؟
رفع منكبيه باستكانة وبنبرة تقطر عشقاً تحدث:
ــ وماله هقول لهم كنت بشوف عيونها اللي دوبوني بيوجعوها كيف.
ابتسمت بخجل من تبرير ذاك العمران الذي مد يده لها آمرا إياها:
ــ طب يالا ندخل الفرح بقى علشان ما حدش ياخد باله من اختفائنا، ولا بقول لك ايه ماتيجي اخدك ونروح على البيت على طول بلا فرح بلا بتاع ونشغل الحكمدار وتبقى ليلة ولا الف ليلة وليلة يا سكوني.
شهقت بشدة من طلبه الغريب ثم أسرعت بخطواتها الي داخل الحفل مما جعله يبتسم وهو يردد:
ــ والله انتِ الخسرانة كنت هروق عليكي وأفرفشك وأخرج لك الاكتئاب في مينيت بس يالا بقي ملكيش نصيب في ساعة الحظ الحلوة.
غمزت له وهي تدير وجهها إليه مرددة له صراحة لأول مرة دون أن تخجل:
ــ مين قال ان ما ليش نصيب لما نروح هاخد نصيبي كله كامل مكمل يا حبيبي.
حرك لسانه داخل فمه بانتشاء لغمزتها وهو يُعلمها:
ــ يخريبت جمال غمزتك اللي اول مرة اشوفها يا دوك ابقي كتري منها بقي في الليلة المفترجة الحلوة داي، ثم نظر إلى السماء داعيا بجدية:
ــ يارب اكرمنا والفرح يخلص ومحدش يبص لنا في الليلة داي علشان القمررر دي خلاني هفرقع دلوك ومحتاج مطافي.
ضحكت بدلال أثاره فنهاها بعينيه عن دلالها ذاك وهم دالفون إلى القاعة، رأتهم زينب من بعيد قادمين فعينيها تتبعتهم منذ خروجهم وشعرت بوجود خطب ما وانتابها القلق من هيئتهم وقتها ثم شعرت بالراحة اجتاحت أوصالها فور دلوفهم الى القاعة وعلى وجههم علامات الابتسامة فوجهت أنظارها الى ابنتها وقد زال القلق من صدرها فهي كانت خائفة ان تحكي سكون لعمران ما قيل بينهم ولكنها لم تقل له مما جعلها تطمئن وتشعر بالارتياح بأن ما تخطط له يسير على ما يرام بوجه مبتسم.
ما زالت أجواء الزفاف مستمرة، كانت مها تقف على الاستيدج تصفق بيدها وهي سعيدة لأجل رحمة وبعض من عيون الرجال تتابعها كما يحدث في حفلات الزفاف وكثير من الأقارب يعرف انها الآن وحيدة وأصبحت متاحة للجميع أن يطلب يدها وكان من ضمن العيون ذاك الجاسر الذي كل همه في ذاك الوقت ان يراقب عيون الجميع المتجهة صوبها ولم يرتكز مع أياًّ من الموجودين في الزفاف غيرها ثم وجد حاله يمسك هاتفه ويرسل لها رسالة:
ــ تعالي برة في الكافيه بتاع القاعة عايزك في كلمتين مهمين في السريع يا أم الزين متتاخريش.
اهتز الهاتف بين يديها ففتحته ووجدت رسالة على الواتساب من جاسر فقرأتها ثم التفت حولها ولم تجده فذهبت إلى ماجدة قائلة لها وهي تختلق اي سبب كي لاتسأل عنها:
ــ هروح الحمام يا امي هظبط الطرحة وجاية طوالي متقلقيش علي.
حركت ماجدة رأسها بموافقة مع ابتسامة هادئة ارتسمت على وجهها ثم تابعت الفرح مرة أخرى وبجانبها مكة التي لم تتركها منذ أن أتت وكنا أن آدم القى عليها تعاليمه أن لاتتحرك من مكانها نظراً لتعبها في حملها كما أنها تشعر بالدوار الشديد، أما في الخارج وصلت إلى الكافيه المتنحي قليلاً عن القاعة فأشار إليها أن تصعد إليه فعرفت مكانه وذهبت إليه على استحياء وما إن وصلت حتى قام من مكانه وأفسح لها المجال أن تجلس في حركة راقية منه يفعلها معها لثاني مرة مما جعلتها تُكنُّ له امتنانا ورقياًّ، استقرت في مكانها وهي تنظر حولها بخجل وتنتظر منه أن يخبرها سبب استدعائها له حتى أنه رأى علامات الخجل تجوب وجهها فهتف مشاكسا إياها كعادته:
ــ ايه يا ام الزين في ايه؟
اندهشت من استفساره وسألته هي الأخرى:
ــ ايه انت في ايه؟ انت اللي باعت لي على فكرة.
ارتسمت ابتسامة جانبية على جانب شفاه وأجابها بعيناي عاشقة:
ــ هتبطلي تخطفي قلبي كل لما بشوفك ميتة؟ هو إنتِ مسلطة أسهم عيونك عليا بالقووي اكده ليه وحاسس اني بحارب في ساحة حياتنا وحدي؟
نظرت عينيها أرضا تلقائياً وهي تراه ينظر لها نظرته الولهة بها ثم تحدثت بخجل راق له:
ــ انت ناده لي دلوك علشان تقول الكلمتين دول يامتر أني قلت في حاجة مهمة حوصلت؟
رقمها بنظرة متفحصة هائمة:
ــ هو في أهم من إني هقولك ايه القمر دي كلاته واني هغير عليكي من عيون الناس اللي تحت داي والستات قبل الرجالة.
ثم أكمل طالبا منها برغبة ألحت عليه:
ــ بقول لك ايه ماتيجي نتجوز بقى علشان يرتاح ويهدى؟
ابتلعت انفاسها بصعوبة بالغة من خجلها ثم سألته:
ــ هو مين دي اللي يرتاح ويهدي؟
ــ قلبي...
كلمة واثقة نطقها من فهمها وأكد عليها:
ــ آه قلبي اللي مش قادر يصبر فا ايه رأيك انزل جمب ماجدة جدة العيال واستغل وجودها في الفرح وأقول لها أنا عايزك توبقى جدة عيالي من ام الزين ياماجدة؟
ضحكت بخفوت على طريقته ثم قالت:
ــ هو انت طريقتك دي مبتتغيرش خالص في الكلام انت بجد بتضحكني متزعلش مني.
شبك كلتا يديه في الأخرى وهتف:
ــ طب وماله أعيش واضحكك وابسطك كمان هو في أحسن من إن الواحد يدخل السرور والبهجة على قلب حبيبه يا بطل؟
ضحكت مرة أخرى فهي معه وحده دونا عن العالم أجمع يستطيع إخراج الضحكة من قلبها دون اي تكلف ثم هدأت من ضحكاتها وتبدلت معالم وجهها الضاحكة إلى أخرى حائرة لتقول له:
ــ عارف من وقت كبير مضحكتش من قلبي قووي اكده، وأقول لك على حاجة كمان أنا عمري ماسمعت كلمات الغزل وحسيت بالمشاعر اللي أني حساها معاك دلوك طول حياتي.
نظر لها بتمعن منتظراً تكملة حديثها إلا أنه قاطعها متسائلاً إياها:
ــ طب هتحسيني ايه وأني معاكي، ومشاعرك تجاهي حساها بردو إزاي احكي لي نفسي قووي أسمع منك وبكل صراحة وبدون خجل كأنك بتتحدتي مع حالك؟
أخرجت تنهيدة حارة وأنزلت بصرها وأردفت قائلة بنبرة محملة بأثقال من الهموم:
ــ حاسة معاك اني لسة بنوتة صغيرة مش ست كاملة بمعنى قلبي بيدق قووي اول ماشوف اسمك على تليفوني وبقيت بحب اخد جنب واني هتكلم معاك، حاسة انك عايز تخليني سعيدة ومرتاحة ومتخلنيش افكر في اي حاجة تزعلني، بحس كمان انك خليت نفسك مسؤول عني وبتخاف عليا من الهوا الطاير ولما دخلت عليا المرة اللي فاتت المكتب حسيت اني مش طبيعية من مجرد سلامي البارد وقتها.
ثم رفعت عينيها ودققت النظر داخل عينيه وسألته بنبرة متوترة:
ــ هو انت بجد حقيقي وموجود في حياتي ولا اني بتخيل اني هكلمك وقاعدة معاك وان أنا اللي رسمت شخصية وجودك في حياتي وفي عقلي الباطن يا جاسر، اصل مش معقول ربنا يبعتلي حد يحبني ويشوفني ويتمناني زي ما عيونك شايفني اكده؟
لأول مرة يتجرأ وتتحرك أصابع يديه حتى وصلت إلى كف يدها الصغيرة ووضع كف يده على يدها وضغط عليها بحنو حتى أصابها القشعريرة في جسدها من لمسة يده وأغمضت عينيها بتأثر من دفئ يده مما أصابه الآخر بشعور الاحتياج لوجود يدها ساكنة داخل كف يده وان لايتركها، بشعور الاشتياق لضمته لها بين ضلوعه حتى تسكنها دوما ويسقيها من عشقه لها أنهارا، ماذا بها تلك المها حتى ينجذب إليها بتلك الدرجة؟
ماذا بها عن نساء العالم حتى يشعر بأنه يريد أن يسحقها بين أحضانه ويسقيها من شهده الحلال عشقا مسكراً لكليهما؟
ثم فجأة سحبت كف يدها من يداه وهي تبتلع ريقها بصعوبة بالغة ثم نهته عن فعلته تلك معها:
ــ ممكن بلاش الحركة دي تاني مش حابة اي لمس مش من حقنا متخلنيش أحس بحاجة مش حابة أحسها إلا لما يأذن ربنا.
ود أن يقبل يداه التي احتضنت كف يدها كي يشتم رائحة عبيرها بين كفه ثم علل فعلته تلك لها:
ــ اني لمست يدك علشان أحسسك اني حقيقي واني موجود وانك فعلاً مرغوب فيكي وبالقووي كمان، علشان تحسي من لمستي اني هحبك بجد يا ام الزين وانك مش مرحلة وخلاص ووقت وهيمر أو انك نزوة لواحد لسه مدخلش دنيا الجواز، إنتي تستاهلي إن يكون في حياتك حد يحبك ويخاف عليكي ويحسسك انك أهم حاجة في حياته صدقيني مش هتلاقي حد يحبك قدي يامها.
ــ اول مرة تنطق اسمي من غير أم الزين أو يابطل…
قالتها مها بعيناي تلتمع شغفا لاسمها الذي خرج من شفاه وأثر بها وعقب عليه هو:
ــ بناديكي بأم الزين علشان أعرفك اني حابب اللقب دي قووي ومش فارق معاي انك كان ليكي حياة قبل اكده ولا له وبناديكي ببطل علشان انتي فعلاً بطل، وأكمل بدعابة كي يدخل السرور على قلبها:
ــ ومش بس بطل ومهلكة كمان واني غلبان يتيم وعايز قلب يحتويني.
ضحكت على طريقته التي حفظتها منه ثم حملت حقيبتها وهاتفها كي تترك له المكان مرددة بنفس دعابته:
ــ طب قوم ياغلبان يا يتيم علشان ماجدة متخرجش تدور علي وتلاقيك قاعد تغازل ام الزين بكريتها اللي هتغير عليها من الهوا فتقوم مطيراك.
انتصب واقفاً ثم غمز لها مجيبا على كلامها:
ــ وماله ماهي هتطيرني وأقوم البس في بتها وتوبقى أحلى لابسة داي ولا ايه يابطل جيلك.
حركت رأسها بغلب من كلماته التي لاينفض عنها أبدا ثم تحركت هي الأول وقام هو بدفع الحساب للكاشير وتحرك ورائها ولكن مشي في اتجاه غير اتجاهها كي لايلفت الأنظار إليهما فهو يخشى عليها من الهمز واللمز بشدة، أما في القاعة وبالتحديد عند العروسين صعدت شمس اليهما ثم مدت يدها وسلمت على رحمة وباركت لها وجاء دور تسليمها على ماهر الذي مد يده لها بذوق تحت استشاطة رحمة التي تود اختناقها الآن وهي تخرج هاتفها طالبة منه:
ــ ممكن نتصور مع بعض يا أبيه حابة نتصور مع بعض وانت عريس؟
الى هنا واكتفت رحمة بسماجة تلك الشمس ثم رمقتها بتحذير وهي تجز على أسنانها بغضب:
ــ شكلك عايزة تتهزقي قدام العالم داي كلاتها لمي نفسك وخدي موبايلك واخفي من وشي ياباردة بدل ما اكسره لك هو كمان زي اللي فات واخلي اللي ما يشتري يتفرج عليكي اني مجنونة ومهيمنيش.
اتسعت مقلتاي شمس من قلة ذوق رحمة معها ثم اشتكتها الى ماهر الذي نفخ بضيق من ذاك الثنائي:
ــ شايف يا أبيه بتتكلم معايا ازاي وانا مجيتش ناحيتها اصلا ولا جريت شكلها علشان تتكلم بالطريقة بتاعتها دي معايا.
اعتذر لها ماهر:
ــ معلش يا شمس حقك عليا اني بلاش تصوير لو سمحتي واتحملي كلامها علشان خاطري اني.
دبت في الأرض بغيظ من رحمة ثم بدلت غيظها وابتسمت لها بسماجة لاعتذاره لها:
ــ علشان خاطر غلاوتك عندي يا أبيه مش زعلانة وربنا يتمم لك على خير.
انهت كلماتها ثم تحركت من أمامه وما ان مشت حتى سخرت منها رحمة وهي تقلد كلماتها الأخيرة باستهزاء ثم توعدت لماهر:
ــ وبتعتذر لها كمان يا ماهر طب قابلني بقى لما نروح ان شفت بس شعراية مني يا بتاع شمس.
اهتز فكه بسخرية من وعيدها ثم أفسده عليها:
ــ دي بعدك ياهانم من أول مانركب العربية ونروح على بيتنا هيوبقى خلاص زمام امورك في يدي وبقولك ايه عدي ليلتك على خير يارحمة علشان انتِ عارفاني عصبي وخلقي ضيق.
رفعت حاجبها بغيظ ثم قالت:
ــ طب لما نشوف ياماهر.
في خارج القاعة توجد تلك السيارة التي اتفق معها حافظ أن يأتو له بابنة أخيه يتحدث ذاك الرجل:
ــ خلاص ياباشا الفرح قرب يخلص وأكيد هي هترجع لوحدها وهجيبها يعني هجيبها.
حذره حافظ قائلاً:
ــ على الله تيجي من غيرها مش هيحصل طيب.
طمأنه ذلك الرجل وبعد مرور نصف ساعة بالتحديد انتهى حفل الزفاف وانطلق العروسين ومن سوء الحظ هؤلاء الرجال ان السيارة التي اعطوها ماهر لشمس كي تأتي بها الزفاف تسير وسط السيارات التي ذهبت خلف سيارات العريس وعروسه فهي احبت ان ترى هذه الأجواء حتى وصلوا الى منزلهم وشاهدت الزفة التي قاموا بها لرحمة وبعد أن دلفا العروسين الى منزلهم انفض الجميع من حولهم ولكن عمران استأذن سكون:
ــ معلش يا حبيبي اركبي مع عربية الحاج والحاجة الفرسة تعبانة جدا والسايس كلمني هروح اشوفها هو طلب لها الدكتور وبعدين هبقى اجي لك، اوعي تنامي.
ربنا على ظهره بحنو وهي تحرك رأسها بموافقة مع ابتسامة مصاحبة لوجهها وهي تطمئنه على فرسته العزيزة على قلبها:
ــ متقلقش ياعمران هتوبقى زينة هستناك متقلقش.
ابتسم لها وعرَّف والديه وصعد إلى سيارته وانطلق بها إلى مزرعتهم، بعد أن تحركت السيارة مسافة طويلة إذا به يرى شيئا غريباً من بعيد سيارة أحدهم تعترض سيارة أخرى على الطريق الزراعي المظلم ذاك ففتح درج سيارته وشد أجزاء سلاحه ليستعد لمساعدة السيارة الأخرى ثم زاد من سرعة سيارته وهو يرى اقتحامهم لتلك السيارة وإخراج تلك الأنثى منها وما إن رأوه من بعيد حتى أسرعوا في جذبها ولكنه لحقهم سريعاً ولكن حدث ما لا يحمد عقباه.
يتبع…
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم فاطيما يوسف
ابتسم لها وعرَّف والديه، وصعد إلى سيارته وانطلق بها إلى مزرعتهم.
بعد أن تحركت السيارة مسافة طويلة، إذا به يرى شيئاً غريباً من بعيد. سيارة أحدهم تعترض سيارة أخرى على الطريق الزراعي المظلم ذاك. ففتح درج سيارته وشد أجزاء سلاحه ليستعد لمساعدة السيارة الأخرى، ثم زاد من سرعة سيارته وهو يرى اقتحامهم لتلك السيارة وإخراج تلك الأنثى منها.
وما إن رأوه من بعيد حتى أسرعوا في جذبها، ولكنه لحقهم سريعاً. ولكن حدث ما لا يحمد عقباه، فقد تعامل هؤلاء الأشخاص بالسلاح فور رؤيتهم لسيارة عمران تقتحم سيارتهم. فقد صوبوا سلاحهم على عجلات القيادة لسيارة عمران كي تقف ولا تتحرك من مكانها.
فاضطر هو الآخر لاستعمال سلاحه، ولكن طلقته أصابت أحدهم في ذراعه. مما جعلهم جميعاً يرتعبون، فهم ليسوا قادمين إلى تلك البلدة من أجل سفك الدماء، ولكن الآن تعرض صاحبهم لإصابته بطلق ناري في ذراعه.
فبدأوا بإطلاق النيران على عمران هو الآخر، ولكن أحدهم نهاهم وهو ينظر حوله برعب:
"انتوا اتجننتوا؟ مش شايفين الكاميرات اللي مالية المكان والعواميد بتاعتهم؟ هاتو البت دي بسرعة يلا خلينا نتحرك."
كانوا ثلاثة أشخاص. أصيب أحدهم، والآخر يحاول التلاعب مع عمران، أما الثالث فيحاول جذب تلك الشمس وإدخالها عنوة إلى السيارة. ولكن جسدها الخفيف يجعلها تتحرك بسرعة من بين يده وهي تحاول الدفاع عن نفسها.
وكل ذلك لم يهب عمران شيئاً، فأمامه رجال يقومون بخطف امرأة. فاضطر الرجل بضرب الرصاص على عمران، ولكنه لم يصيب الهدف. فهو تعامل معهم بذكاء نظراً لتمكنه من حفظ المكان.
ثم اختبئ بجانب شجرة أمامهم وعلى صوته وهو يتصنع التحدث في الهاتف كي يصيبهم بالرعب ويشتت شملهم:
"انت فين يابني؟ أقل من دقيقة تكون قدامي انت وعشرة كمان وسلاحكم معاكم وحاوطوا الطريق الزراعي كله. عايزاه مقفول ميعديش منه دبة النملة."
ثم على صوته إليهم وهو يحتمي بجذع الشجرة ويصوب عليهم طلقات النار بشجاعة دون أن يهابهم:
"سيبوها يا عرة منك ليه ومش هتخرجوا من اهنه إلا على جثتي."
ارتعب أحدهم ورماها أرضاً وهرول سريعاً وتركهم وهو يردد بهلع حينما استمع إلى مجيء الرجال وإغلاقهم للطريق:
"مع نفسكم ياروح ما بعدك روح."
تركه عمران كي يستطيع التعامل مع هذا الواقف بمفرده، الذي ردد لعمران وهو مازال يتمسك بقبضة من حديد بذراع شمس التي تصرخ وهو يتحلى بشجاعة واهية:
"انت متعرفش احنا جايين تبع مين. سيبنا ناخدها ونمشي هنرجعها لأهلها الهربانة منهم وأهلها ناس تُقال قوي في البلد. مدخلش نفسك في حوارات انت لا غنى عنها."
كان يتحدث وعمران يتحرك بخطوات أشبه بدبة النمل كي لا يشعر ذاك المتسلح الذي انشغل مع كلمات شمس ومحاولة إفلات نفسها من بين يده:
"متصدقهوش يابشمهندس دول عايزين يخطفوني وأنا والله ما اعرفهم. انت راجل صعيدي متسبش الحرامية اللصوص دول ياخدوني. أبوس ايدك لو رحت معاهم هضيع."
كان المضروب رصاصة في كتفه يرى قدوم عمران من الخلف وهو قادم على زميله، فهدده عمران بالسلاح في صمت كي لا يتنفس وهو يتهادى بخطواته الهلامية حتى باغته بضربة على رأسه من الخلف جعلته يفقد توازنه.
فابتعدت هي فوراً واشتبك عمران مع ذاك الرجل الذي بدأ بالدفاع عن نفسه. أما ذاك الذي أصيب في ذراعه، فر هارباً هو الآخر. ولم يتبقى سوى الذي يتبارز مع عمران بحرفية. فالآخر قوي البنيان مثله، بل ومدرب على تلك الحركات القتالية. ولكن عمران يجابهه بشراهة وبكل ما يملك من قوة رجل صعيدي، وتلك المبارزة بالنسبة له تعد من التفاهات في بلدتهم.
وهو يأمر شمس:
"روحي على عربيتك اقفلي على نفسك ومتتحركيش من مكانك لأن اللي هربوا ممكن يترصدوكي. استنيني."
ارتعبت من كلامه، فجرت سريعاً إلى سيارتها والخوف ضرب بأوردتها ضرباً. ولكنها تعثرت بفستانها الطويل وكعبها العالي حتى سقطت أرضاً. وحدث ما لم تكن تتوقعه، فقد وقعت على تلك الحجارة الكبيرة الممتلئة بالحديد المدبب. ولم تراها فالليل وإنارة الشوارع غير كافية.
غير ذلك أنها كانت لا ترتكز في جريها، فخرت مغشياً عليها والدماء تسيل من جنبها. مما أصاب عمران بالقلق من ذاك المشهد. فأنهى أمر ذاك الرجل سريعاً بإطلاق رصاصة أخرى. كان لا يريد اللجوء إليها في مبارزته، في قدمه مما جعله يتهادى أرضاً.
ثم هاتف الشرطة وأبلغ عنهم على الفور، وذهب ليطمئن على تلك الملقاة ودماؤها تسيل. فرفعها بين ذراعيه ويده تحاول الكشف عن مكان جرحها حتى استقرت في جنبها. فخلع الجاكيت الخاص به ودثرها جيداً. ثم حملها وهي غائبة عن الوعي وأدخلها إلى سيارتها لأن عجلات القيادة لسيارته قد تعطلت بسبب هؤلاء الأوغاد.
ثم عاد سريعاً إلى هذان الرجلان اللذان يحاولان الهرب، ولكنه أطلق رصاصة في الهواء جعلتهم يقفوا مكانهما. ولم يصبر كثيراً حتى حضرت الشرطة وقص عليهم ما حدث سريعاً. فهو معروف عند رجال الشرطة لأنه تحدث مع صديقه، فهتف له على الفور:
"اني مضطر أمشي دلوك لأن البنت وقعت على الحجر وهي بتجري منهم وجنبها اتخبط في سنون الحديد. هروح بيها على المستشفى العام وانت ابقي تعالى حقق هناك. داي غرقانة في دمها وربنا يستر."
أشار إليه أن يتحرك بها بعد أن مشى بجانبه ورأى حالتها تلك، فصعد عمران سيارتها وذهب بها إلى المشفى وهو يقود سيارتها بسرعة كبيرة. وفي طريقه هاتف سكون وأبلغها ما حدث، فهلعت لأجله:
"وانت جرى لك حاجة ياعمران؟ طمنني بسرعة؟"
طمئنها على عجالة كي لا يستدعي قلقها:
"متخافيش ياسكون اني بخير مفيش حاجة. عفشة اني قلت اعرفك بس علشان متقلقيش علي."
همت واقفة واتجهت إلى خزانة ملابسها لتقول له والقلق نهش بها:
"اني هلبس وجاية لك المستشفى ومتعارضش علشان جاية يعني جاية."
نهاها بقوة:
"له ياسكون كيف هتخرجي من البيت في الساعة دي؟ اعقلي يابت الناس اني زين ومفيش حاجة حوصلت لي. خليكي في دارك وهطمنك علطول في التليفون."
أصرت سكون على أن تأتي له:
"مهما يكون الوقت ياعمران هاجي يعني هاجي. متحاولش معاي."
نفخ بضيق من تصميمها، فيكفيه ما به الآن. ثم هتف بنفاذ صبر:
"ياسكون اقعدي بقي ومتتعبنيش وياكي عاد. اني اللي فيا ومعاي مكفيني مش ناقص اشغل بالي في الوقت بمجيك انتي كمان."
شعرت بالقلق والتوتر أكثر من ذي قبل من كلماته:
"له هو انت فيك حاجة ياعمران؟ والله لا هاجي يعني هاجي."
ثم أغلقت الهاتف معه وارتدت ملابسها على عجالة، مما جعل عمران يختنق من تصرفها الأهوج ذاك. ثم هاتف أبيه وأبلغه ما حدث كي لا يترك سكون وحدها ويأتي معها. وسمعت زينب ما قاله عمران فرددت بعويل وهي تضرب على صدرها بعد أن أغلق سلطان الهاتف:
"وه ياولدي كان متخبي لك فين البلاوى دي."
ثم قامت هي الأخرى وأصرت أن تذهب معه كي تطمئن على ولدها. وحاول سلطان منعها ولكنها كانت متشبسة هي الأخرى بتصميم.
هبطت سكون الأدراج في هدوء كي لا تسبب الإزعاج لسلطان وزينب، ولكنها وجدت سلطان يجلس في الصالة. فتحمحمت بهدوء وهي تلقي السلام:
"السلام عليكم ورحمة الله. بعد اذنك يابابا هروح المستشفى ضروري."
قام من مكانه وهو يتعجل زينب مما جعل سكون تندهش:
"يلا ياحاجة، وعليكم السلام يابنتي. اني رايح معاكي عمران كلمني والحاجة زينب راسها والف سيف تروح هي كماني."
خرجت زينب وهي تحكم خمارها على رأسها وتحركوا جميعاً ذاهبين إلى عمران. بعد وقت قليل وصلا إلى المشفى وزينب تركض في الطرقات ركضاً وتلتها سكون والقلق ينهش قلبهم. حتى عرفت سكون مكانه، فهي تحفظ المشفى عن ظهر قلب.
وما إن وصلتا إليه حتى اختطفته يد زينب إلى أحضانها قبل سكون التي تقف الآن لا تستطيع صبراً، وخاصة وهي ترى الكدمات في وجهه من أثر الاشتباك:
"ياحبيبي ياولدي كان متخبي لك فين يانضري. احكي لي جرى لك ايه وايه اللي حوصل؟"
تنهد عمران وهو ينظر لسكون بملامة، فهو كان لا يريد أن يصيب قلبي والديه بالهلع. أما هي نظرت إليه نظرات احتياج تريد أن تضمه إلى قلبها وتطمئن عليه، فهو اليوم قد تعارك بالسلاح وكان من المحتمل أن تصيبه طلقة نارية تؤدي بحياته.
ثم شدد على احتضان والدته مطمئناً إياها:
"متقلقيش ياحاجة اني زين قدامك اها ومفيش حاجة فيا. ولدك راجل من صلب راجل مش عيل صغير علشان تترعبي عليه اكده."
أما سلطان سأله باستكانة:
"ايه اللي خلى العيال دي تتعرض لك ياعمران وتشتبك وياهم؟ هو اني مش منبه عليك لما تكون وحدك متدخلش أي عاركة؟ ليه ماتصلتش علي وواجهتهم لحالك؟ افرض كان حوصل لك حاجة لاسمح الله؟"
قص عليه عمران ما حدث بالتفصيل. ثم سألته سكون:
"طب والبنت دي حالتها كيف وفين شنطتها؟ نشوف أهلها علشان ياجو يستلموها."
هنا تحدثت زينب بشفقة:
"يا عيني يابتي ياترى عيملوا فيكي ايه وكشفوا سترك ولا له؟"
هتف عمران نافياً ظنها:
"له يا حاجة ملحقوش يعملوا فيها حاجة عفشة لاسمح الله. اني شفتهم قبل ما يوقفوا عربيتها ومن وقتها الاشتباك بيناتنا ابتدى. بس هي الله اعلم حالتها عاملة كيف داي وقعت على حجر اسمنت مدبب بالحديد ونزفت دم كتير قوي."
كانوا يتحدثون وقلوبهم تدق بعدم الراحة. ثم خرجت إليهم الممرضة وطلبت منهم:
"الحالة اللي جاية معاكم ياجماعة محتاجة نقل دم ضروري جداً."
هتفت سكون الى الممرضة وهي تسألها:
"فين المسؤول عن القسم يا آنسة؟ ماتجيبوا من بنك الدم وانقذوا الحالة."
أجابتها الممرضة وهي تعرفها جيدا:
"إنتي عارفة يا داكتورة إن بنك الدم مفيهش رصيد كفاية."
سألها عمران:
"أنا هديها أنا فصيلتي O بتدي كل الفصايل."
اعترضت زينب وهي تمنعه أن يتحرك:
"له متديهاش حاجة هي كمان هتاخد دمك وانت كنت هتموت بسببها مش كفاية وشك ودراعك اللي هتحمله على يدك دي دم كماني؟"
خلل عمران أصابعه بين خصلات شعره ثم نطق بنفاذ صبر:
"وه ياحاجة هي ذنبها ايه في اللي هتقوليه دي؟ دي امر الله عاد وهو اللي بعتني في طريقها علشان أنقذها ودلوك في يدي حاجة بسيطة اعملها علشان انقذ حياتها. اسيبها عاد همليني بقي ياحاجة زينب الله يرضي عنيكي خلينا نخلص من الليلة دي."
كانت سكون تقف صامتة بمشاعر مختلفة تستحوذ على عقلها وقلبها. والأغلب انها مشاعر مخيفة يشعر بها قلبها ولم تعرف ما سببها أو ما وراءها. ولكنها كانت في وضع غير مريح لها ولعمرانها وفضلت الصمت ومشاهدة ما يحدث حولها دون أن تتفوه ببنت شفة.
تركهم عمران ودلف إلى غرفة الفحص. وبعد عدة أسئلة عن صحته اكتشفوا أنه لن يعاني من شئ. فسحبوا منه ما سيحتاجونه من كمية الدم المطلوبة. ثم حوَّل أنظاره إلى تلك النائمة في ملكوت وجعها وهو يتحقق من ملامحها التي رآها بريئة. وبات داخله يسأل؛ ماذا كان لهؤلاء الرجال مع تلك الصغيرة التي يبدو على وجهها الآن أنها بوجه ملائكي حتى يفعلوا معها هكذا؟! أيعقل أن تكون هاربة من أهلها كما قال له الرجل؟!
ظلت تلك التساؤلات تجوب خيال عمران حتى انتهى من إعطائها الدم المطلوب وقام من مكانه بسكون لشعوره بالدوار قليلاً. خرج من الغرفة وجد سكون تنتظره أمامها وبيدها زجاجة من العصير الفريش أتت بها له من كافتيريا المشفى. تناولها منها سريعاً فهو كان يشعر بالاحتياج إليه كثيراً نظراً لعطشه أولاً وشعوره بالدوار ثانياً.
وبعد أن روى ظمئه نظر إليها وجد ملامحها باهتة حزينة فأراد إدخال السرور على قلبها وهو يرى تغيرها:
"شفتي أهي الليلة انضربت يادوك ولا غمزة ولا همزة ولا شقاوة ولا حتى حكمدار وعين ماهر رشقت فيا وزمانه هو اللي دايب في الغمزات والحوارات وأنا لبست في حوار مهبب وواحدة مرمية جوه بين الحيا والموت."
ضحكت من كلماته بل وخرجت الضحكات من قلبها على دعابته معها في تلك الظروف. ثم رددت بأسف على آخر كلامه:
"معلش غصب عني ضحكت والله. بس مين قال إنها عين ماهر بس دي الراجل زين والعيبة مبتطلعش منه؟"
حرك رأسه رافضاً بقطع:
"لااا اسكتي اصلك متعرفيش حاجة دي عينه كانت هتاكلني واني مودي له رحمة وخصوصي لما بوستها من راسها دماغه تعبانة. قريت في عينيه أنه عايز يديني بوكس في وشي اللي زمانه بردو دلوك هيدوق العسل وأني اهنه هدوق الدم والمحاليل ولسه حوار التحقيقات اللي هيفضل للصبح."
لكزته سكون بغيظ من كلامه:
"الله هو الجدع مولود فوق راسك انت اللي هتنق عليهم اهه ربنا يستر عليهم بقي. وبعدين هي مش مرته توبقى اختك اتمنى لهم السعادة وراحة البال."
"سعادة وراحة بال في جملة واحدة مع رحمة أختي دي في الأحلام..." جملة استنكارية نطقها عمران بدعابة. ثم أكمل بنفس دعابته:
"داي رحمة هتنسيه اسمه من جنانها ودماغها المفوتة."
ثم داعب وجنتيها بأصابع يديه هاتفاً بمشاكسة:
"يسلم لي العاقل الرزين اللي كان في ليلة فرحنا ملاك وقمر قوي."
ثم غمز لها مكملاً:
"ماتيجي نعيد الأمجاد ونروح كده أي بلد نقضي أسبوع أكده اصل الجو اهنه اليومين دول بقي ملبش ومش عاجبني كاتم على انفاسي."
اتسعت مقلتيها بذهول:
"بجد ياعمران! نسافر بالله عليك اصل اني مخنوقة قوي وعايزة أهج من اهنه وأغير جو شوية."
رفع حاجبه الأيسر هاتفاً باستمتاع:
"آه قولي بقي انك وحشك الدلع وعايزانا نرجع ايام الشقاوة واحنا في مكان محدش يعرفنا فيه."
ابتسمت بخجل ثم حركت رأسها للأمام بموافقة وهي تحاول أن تتناسى الزمان والمكان والموقف ككل وانشغلت بعمرانها:
"اها وحشني وعايزة أستفرد بيك عنديك مانع."
غمز لها مرددا بعبث:
"ياباشا اني اصلا راجل صاحب مزاج وكيف عالي وبعشق الاستفراد والحوارات دي اصلا سكتي بس محتاج فرصة عدم الإزعاج علشان كله يستريح."
سألته ببراءة:
"كله مين ياعمران اللي يستريح؟"
حرك إبهامه على وجنتها قائلاً بمكر:
"لما نروح هناك هبقى أشاور لك على كله حاجة حاجة بس انتي كترى الدعوات نخلص من الحوار دي وبعدين كله يستريح."
لكزته بخفة في كتفه:
"انت رخم قوي على فكرة."
"هو في احلى من الرخامة بتعمل شغل عالي ياسكوني."
"لااا دي انت باين انك كنت واخد جرعة وقاحة من شوية مش بوكسين معلمين في وشك."
"و مالها الوقاحة مش أحسن من النكد بذمتك وياريت الواحد عارف يطولها بمزاج داي شكل ما يكون كل حاجة متفقة عليا النهاردة تضيع الليلة والترتيبات اللي كانت في دماغي بس يالا الحمد لله خيرها في غيرها."
كانوا يقفون مندمجين مع بعضهم في مشهد أليف جميل يمسح على حزنها كالقط الوديع وهي تبتسم له وتبادله خفته معه بلطف اعتادت عليه إلى ان استمعا إلى صوت زينب التي ذهبت تصلي الفجر وعادت إليهم تردد:
"كيفك ياولدي حاسس بدوخة من نقل الدم؟"
طمئنها عمران وهو يربت على ظهرها بحنو:
"زين ياحاجة متقلقيش، مش تروحي ترتاحي عاد واني هفضل بس لحد ما الظابط ياجي هو كان قايل لي هكون عندك ٨ الصبح. خدي ابوي وروحو ارتاحوا في فرشتكم."
اعترضت تماماً على اقتراحه ثم قالت بتصميم:
"مش هتحرك من اهنه ولا اني ولا بوك غير يدك في يدي متتعبش حالك."
ثم ناولت سكون الحقيبة الخاصة بتلك الفتاة:
"خدي يابتي شنطة البونية اللي جوة أهي شوفي فيها ايه خلينا نعرف عنها اي حاجة."
أخذت منها سكون الحقيبة ثم فتحتها واخرجت منها البطاقة الشخصية الموجودة فيها وقرأتها وعرفت هويتها وأنها من القاهرة. ولكن بالطبع لن يعرفون عنها شيء. ثم بحثت في الحقيبة ووجدت ورقتان أخرتان فناولتهم لعمران فقرأهم، وإذا به يشعر بالشفقة تجاهها. إنها شهادة وفاة أبيها وأمها. فردد عليهم بذهول وهو يتحقق من اسم والدها في البطاقة ووجده مطابقاً لشهادة الوفاة:
"ياحول الله داي امها وابوها ميتين وهي يتيمة ودول شهايد وفاتهم."
هنا ضربت زينب على صدرها وهي تشعر بالشفقة والعطف تجاه تلك المسكينة:
"يا عيني عليكي يا بتي يعني زي ما قالت انهم كانوا جايين يخطفوها وهي فعلا يتيمة الأب والأم وربنا بعتك ليها في وقت الضيقة. الله اعلم كان هيعملوا فيها ايه اللي ينشلوا في ايديهم دول."
أتى سلطان واقفاً بجانبهم وقصوا عليه ما حدث فشعر بالعطف تجاهها هو الآخر ثم قال:
"خلاص يا ولدي لما تفوق هاتها عندينا على البيت لحد ما تتعافي خالص وبعدين نشوف امرها ايه او هي موجودة اهنه ليه ما ينفعش ان احنا نتخلى عنيها واصل. احنا عندينا ولايا عشان ربنا يبعت لهم اللي يقف جنبيهم وقت الضيق."
وجدت سكون هاتفها فأخرجته هو الآخر ثم ضغطت على الزر الخاص به وإذا بها تنصدم من الصورة التي رأتها. فكان ماهر زوج رحمة وهو يحملها بين يديه ويبدو أنها كانت طفلة صغيرة. ثم هتفت وهي تعرض عليهم شاشة الهاتف:
"ايه دي! داي باينها طلعت عارفة ماهر ومتصورة معاه كمان وهي طفلة صغيرة. معقولة تكون قريبة ماهر وكانت بتحضر الفرح والناس دي اتعرضت لها؟"
تفحصت أعينهم جميعاً الصورة والاندهاش ملأ ملامحهم. ثم أخرج عمران هاتفه كي يتحدث مع ماهر ويعرف أمرها. ولكن والدته جذبت منه الهاتف وقد فهمت ما ينتوي فعله، ناهية إياه:
"هتعمل ايه يا ولدي بلاش ترن على جوز اختك في الوقت ده عشان ما يقلقوش وكمان دول عرسان وداي ليلة دخلتهم الصباح رباح. وهي اكده اكده ما داريناش بحاجة لما تفوق وناخدها عندينا البيت نوبقى نكلمه ونشوف حوار البونية دي ايه؟"
استجابت لرأي أمه ووقفوا جميعاً يتحدثون وكل منهم يلقي ظنونه برأيه في ذاك الحادث مما جعلهم حائرون للغاية. بعد مرور ساعتين من التعب والإرهاق لجميعهم، دلفت سكون اليها لتطمئن على حالتها وفعلت معها بعض الأشياء إلى ان فاقت. فخرجت إليهم وأعلمتهم بإفاقتها فدخلوا إليها جميعاً.
وما إن رأت زينب هيئتها الغاية في الجمال حتى رددت بتكبير:
"الله أكبر تبارك الله البنتة جميلة جمال غير عادي. بس يتيمة يا حبة عيني والزمن بيودي ويجيب فيها كبدي عليكي يابتي."
في ذاك الوقت بالتحديد شعرت سكون بأن شيئاً ما يهدد أمانها بعدما سمعت تلك الكلمات من زينب وضـ.ـرب الخوف بأوردتها مجرى الدم في العروق. وخاصة كلمة "يتيمة" التي رددتها زينب وزادتها "بجميلة". ثم استمعت إلى باقي حديثها الذي زادها هلعاً من التركيز مع تلك البنت بشدة:
"هو انت ملبسها الجاكيت بتاعك يا ولدي ولا انا بتهيأ لي؟"
أجابها عمران بتدقيق وهو يرى الخوف والغيرة يدوران في مقلتي سكون، فهو يفهمها من نظرة عن ظهر قلب:
"شكل ما انتِ شايفة يا امي هي مش محجبة ولبسها ما كانش متداري وكمان كانت بتنزف فاضطريت اني ألبسها الجاكيت بتاعي عشان أسترها."
ظلت زينب تتحدث عنها وهي تنظر إليها بعين معجبة بها ومتلهفة لقدومها معهم إلى المنزل بتشجيع هائل، مما جعل سكون لا تشعر بالراحة في كل كلمة تخرجها زينب من فمها. وسألت سكون بحكم أنها طبيبة بعد ان عرفت حالتها بالكامل:
"هي دلوك فيها حاجة انها تفضل في المستشفى ولا ناخدها ونروح يا بتي؟"
أجابتها سكون بفتور:
"لا هي الجروح اللي فيها طلعت سطحية الحمد لله. لكن مضطرين نستنى التحقيقات ما ينفعش تخرج من المستشفى الا لما الظابط يجي ويحقق معاها."
بعد قليل فاقت شمس وهي تشعر بالدوار الشديد في رأسها وتتأوه بصوت رقيق أدهش زينب ويبدو أنها تهذي من أثر المخدر:
"آه آه دماغي آه متسبنيش ليهم أرجوك دول عايزين يرجعوني لعمي الظالم متسبنيش."
ربتت زينب على ذراعها بحنو ثم طمئنتها وهي تحاول إفاقتها:
"ما تقلقيش يا بتي انتي زينة وبخير وكلنا جارك إنتي بقيتي في أمان دلوك."
بدأت شمس بفتح عينيها رويداً رويداً وهي تشعر بالدوار الشديد وغمامة أمام عينيها وهي تنظر للاشخاص المحاطين بها ولسانها يردد:
"انا عطشانة، عايزة اشرب."
أتت لها سكون بكوب من الماء وناولته إياها وقامت بمساعدتها على تناوله برفق. وبعد ان تجرعته بدأت بفتح عينيها على وسعيهما ثم استوعبت اخيراً الرؤية الواضحة حتى استقرت عينيها على عمران الذي انقذها بشجاعة باسلة من يد هؤلاء الغادرين. وقد تسهمت نظراتها عليه بامتنان مصاحب للانبهار بأن ذاك الرجل أنقذها من موت كانت ستعيشه بالحياة دون أن يهابهم.
ثم شكرته بنبرة رقيقة:
"انت اللي انقذتني منهم وما خفتش يجرى لك حاجة رغم السلاح اللي كان معاهم. انا مش عارفة اشكرك ازاي انت انقذت حياتي كلها من الدمار اللي كنت هعيشه. انا مديونة لك بعمري كله عشان خرجتني من ورطة كبيرة قوي مش عارفه اشكرك ازاي يا..."
نطقت زينب متلهفة لكي تعلمها اسم ابنها الشجاع الذي انقذها:
"اسمه عمران يابتي، ابني اللي مشرفني ورافع راسي في كل حتة."
نطقت "شمس" اسمه من شفتيها برقة مصاحبة لبحة فى صوتها نظراً لمرضها:
"عمران. اسمك يليق للفرسان اللي انت عملته معايا أشبه بالفارس النبيل الشهم. انا لو فضلت أشكرك عمري كله على وقفتك جمبي مش هوفيك حقك."
واسترسلت حديثها وقد تبدلت كلماتها الرقيقة إلى أخرى حزينة وقد بدأت في البكاء فهي تشعر بالذل:
"أصلكم متعرفوش عمي الظالم ده باعت ياخدني إجباري علشان يجوزني ابنه المعوق اللي جوازي منه أصلاً ولا يرضي الشرع ولا القانون. بس علشان انا يتيمة ولا ليا أب ولا أم ولا أخ وهو الوحيد اللي ليا بيذلني وحتى مرضيش يديني حقي في بيت بابا إلا لما اتجوز ابنه. وأنا الموت عندي أهون من اني اتجوز البني أدم ده."
شعر "عمران" بالشفقة لأجلها والجميع أيضاً، وحتى "سكون" شعرت بالشفقة عليها هي الأخرى. ثم رددت زينب بحنو وهي تمسح بيدها على خصلات شعرها الناعم:
"ياحبيبتي منه لله عمك ده هي الناس خلاص كلت بعضها وهيفتروا وياكلوا حق اليتيم اللي ملهوش ضهر. اشتكيه لربنا وهو هياخد لك حقك منه الضلالي ده."
أحست "شمس" بأنها تود أن ترتمي داخل أحضان زينب كي تشعر بحنان الأم التي حرمت منه. فطلبت منها وهي تنظر لها بعين ممتلئة بالدموع:
"انتي جميلة قوي ياطنط هو إنتِ ممكن تاخديني في حضنك بقالي كتير نفسي حد يحضني ويطبطب عليا."
أسرعت زينب بأخذها بين أحضانها وهي تربت على ظهرها وتمسح على شعرها بحنان بالغ. والأخرى تمسكت بأحضانها باحتياج. فاليتم والقهر شعوران يؤديان بالإنسان إلى أعلى مراتب الفقدان بكل ما هو جميل.
أما سلطان تحمحم متسائلاً إياها:
"هو انتي تعرفي المتر ماهر الريان منين؟ اصل احنا لقينا صورتك وياه على تليفونك اصل إحنا فتحناه علشان نعرف انتي مين؟"
خرجت "شمس" من أحضان زينب ثم جففت عبراتها بالمنديل الورقي الذي ناولته لها سكون وأجابته:
"ماهر كان جوز أختي اللي ماتت من عشر سنين وهو اللي مربيني وبعتبره أخويا الكبير. جت له واحتميت فيه وهو مقصرش معايا رغم تهديدات عمي ليه وجاب لي مكان اعيش فيه. وعمي تقريبا عرف إن فرحه النهاردة واني أكيد هروح فدبر لي حكاية الخطف دي. لان الكومباوند صعب إن حد يدخل ويخرج منه أو حد يخطف حد فيه. لأن ماهر مشدد على الأمن إنهم ياخدوا بالهم مني. فـ عشان كده استغل فرصة الفرح."
هنا هتفت "زينب" بما جعل "شمس" تندهش:
"ولا برواة عليك ياماهر ياجوز بتي طلعت راجل وأصيل وشهم."
"هي "رحمة" توبقى بنتك ياطنط؟" جملة استفهامية نطقتها شمس بذهول وحدسها لم يستوعب أن تلك السيدة الطيبة الحنون التي احتضنتها تكن والدة تلك "الرحمة" الشرسة التي تجبرت عليها كثيراً. فعقبت زينب عليها بتأكيد:
"أه رحمة توبقى بتي وماهر جوز بتي."
قطع حديثهم دخول الظابط أخيراً كي يأخذ أقوالهم. وبدأ بالفعل أسئلته لشمس وعمران وأجابوه بما حدث بالتفصيل. استمرت أسئلته ما يقرب من نصف ساعة حتى حصل على استجوابهم بالكامل. وقد اعترفت على عمها وأنه هو الوحيد الذي سيفعل بها هكذا. وكما أن عمران عرفه ما قاله له أحد الرجال أثناء العراك عن أهلها. وانتهى التحقيق وخرج الظابط من الغرفة.
ثم قالت زينب لها:
"طب يابتي إنتي مش هتعرفي تروحي على شقتك لانك تعبانة ومتقدريش تخدمي حالك وكمان مش عايزين ماهر ياخد خبر دي عريس. إحنا هنقوم بالواجب معاكي بداله انت هتاجي معانا على دارنا واخدمك بعيني لحد ما ربنا يتم شفاكِ على خير وتوبقي زينة يا بتي."
انتابها شعور بالإحراج الشديد من عرض زينب. ثم هتفت برفض لحفظ ماء الوجه:
"معلش ياطنط مش هينفع. انا هعتمد على نفسي واللي هقدر عليه هعمله. مينفعش أتقل عليكم ومتقلقيش مش هكلم ماهر ولا هزعجهم معايا."
حركت زينب رأسها برفض لما قالته وأخبرها سلطان:
"مينفعش الكلام اللي هتقوليه ده يابتي. إحنا اهنه صعايدة والصعايدة أهل واجب وكرم وعمرهم مايشوفوا حد في ضيقة ويسيبوه واصل. فانتي هتاجي ويانا معززة مكرمة لحد ما ربنا يشفيكي وياخد بيدك وبعدها اعملي اللي على كيفك واللي يريحك."
كانت أنظارها تلتفت إليهم جميعاً بخجل إلى أن ارتكزت على عمران. فابتسم وجهها تلقائياً بحالمية لذاك الرجل منقذها في اللحظة الحاسمة والفارقة في مستقبلها بل وكل عمرها الذي كان سيندثر تحت أرجل معدومي الرحمة. رأت زينب نظراتها تلك فدق قلبها فرحاً ويبدوا أن عقلها سيبدأ الآن بنسج خيوط الحكاية الأولى والأخيرة التي تعيش وتفكر بها وتستحوذ على جُلِّ كيانها. ويبدو أيضاً أن القادم عاصف لامحالة.
وأخيراً وافقت "شمس" على الذهاب معهم إلى منزلهم وستبدأ رحلة "شمس" و "زينب" و "سكون" مثلث الرعب لعمران.
***
قبل عدة ساعات من الآن، وبالتحديد بعد منتصف الليل في منزل العروسين. "ماهر" و "رحمة" بعد دخولهما إلى منزلهما يقف ماهر أمام باب غرفتهم التي ستجمعهم سوياً في أول يوم لهما معاً واليوم الذي حلما به كثيراً كلتاهما.
حيث يقف أمام باب الغرفة ويدق عليه بشدة هادراً بها فقد نفذ الصبر من صبره وهو يقف يحايلها منذ ما يقرب من نصف ساعة فقد خدعته صغيرته الشقية وأغلقت الباب على حالها فور دخولهما:
"قسماً عظماً أني جبت أخري منك والصبر زهق من صبري عليكي يا مجنونة انتِ افتحي الباب يا بت يا اما هكسره على دماغك دلوك؟"
انصعقت رحمة داخل الغرفة من نعتها لها بكلمة "بت" وهدرت به هي الأخرى:
"بت لما تبتك يابتاع شمس أني اسمي الباش محامية رحمة سلطان المهدي."
هدر بها مرة أخرى ليرد عليها الكلمة بكلمتها:
"وبتردي عليا كمان وبتقلي أدبك على جوزك واحنا لسه في أول ساعة جواز يابت سلطان اللي رباكي تردي علي جوزك الكلمة بكلمتها داي ليلة هتوبقى غامقة على دماغك بإذن الله."
ثم كرر دقاته على الباب مرة أخرى بعنف وهو مازال متعصباً منها بشدة:
"الله الوكيل لهندمك النهاردة على وقفتي دي ودماغك الناشفة العنيدة داي معايا واحنا في أولها ولسة بنقول يا هادي سمعتي العالم بينا ياعيلة."
امتلأ الخوف جسدها من تهديده لها ودقات الرعب صارت تدق كالطبول بين أضلعها وتخفق بشدة. ولكنها ما زالت تتحلى ببعض الشجاعة فهتفت بعند كاد أن يقتله:
"حتة العيلة دي جننتك وخليتك واقف دلوك هتموت بس علشان تطولها ياكبير ياعاقل يابتاع شمس."
أنهت كلامها وخرجت لسانها له من الداخل. فسمع حركتها تلك ولكنه ضحك لتلك الحركة. ففي بضع ثواني أبدلت تلك الصغيرة ضيقه الشاسع منها إلى ضحكات. فكيف لها أن تفعل به هكذا. ثم حاول استخدام اللين معها كي يستعطفها:
"طب افتحي يارحمتي عايز أغير هدومي علشان حاسس بالاختناق من البدلة دي يرضيكي موري حبيبك يتبهدل اكده ويوبقى مخنوق ياقمري."
شعرت بالشفقة تجاهه وأعجبها بشدة تحايله عليها وشعرت بالانتصار عليه. ثم ابتسم سنها وقالت وهي تلعب بأظافرها باستمتاع:
"دلوك موري عاجباك مش كنت بتقفل منها، طب اتحايل علي شوية كمان علشان قلبي يهدي من اعتذارك لشمس حريقة."
ضحك مرة أخرى لذاك اللقب الذي لقبته لتلك الشمس. فحقا لقد شعر بالمتعة واللذة معها رغم عنادها معه وتذنيبها له. ويبدو أن لقاهم سيكون عاصف تلك الليلة، فهو يعشق اللقاء الصعب والتمرد والشراسة في التعامل، تكسبه إحساس بالانتشاء والاستمتاع مع تلك الصغيرة على الحب بأفعالها الجنونية تلك.
ثم ربع ساعديه أمام صدره واستند على الحائط بجانب الباب محاولاً التأثير عليها بكل بساطة بما استفزها وجعلها استشاطت بالداخل:
"طب تمام طالما مش عايزة تفتحي بقي أخد بعضي وأروح لشمس حريقة هي اللي تحتويني وتطبطب عليا طالما مرتي مش عايزة تحن علي."
انصعقت كمن أصابها ماس كهربائي جعلها هرولت إلى الباب وبيدها الوسادة وفتحت الباب سريعاً وهي تجز على أسنانها بغضب عارم. وجدته يقف يستند على الباب وعلامات الشماتة بها والبسمة تعتلى وجهه وهو يمرر لسانه على شفتيه. فضـ.ـربته بالوسادة التي بيدها عدة ضـ.ـربات مفاجئة مما جعله أمسكها بأصابعه الغليظة فانقطعت الوسادة وخرج الفايبر الكثيف منها في مشهد يجعل من يراه يشاهده باستمتاع ولذة دون أن يشعر بالملل قط ولو للحظة.
ألقى الوسادة في وجهها فتناثر الفايبر على وجهها وفستانها وتمسك بعضه فيها نظراً للتطريز وحبيبات الخرز التي تملأ فستان زفافها. ثم قبض على معصمها بقوة وهو يردد بانتشاء لحصوله عليها الآن أخيراً بين يده يفعل بها ما يحلو له:
"أخيراً وقعتي ولا حدش سمى عليكي يابت سلطان دي انتي هتتدغدي وعضمك هيتدشدش النهاردة من اللي هعمله فيكي وليلتك الحنينة اللي كنتي مستنياها هتقلب عواصف ورعد وبرق على راسك ومهما تعيطي بدل الدموع دم مش هرحمك النهاردة."
ارتعب داخلها من هيئته وتهديداته لها ووعيده الصارم. فعلى حين غرة ابتسمت له بانتصار ورددت وهي تغرس أسنانها في معصم يده المتمسك بها بشدة:
"دي بعدك تقدر تمسني ولا توجعني يابتاع شمس."
لم يتحمل قضمها ليده فنزع يده على الفور فطارت من أمامه وهو يتوعد لها:
"يابنت المجنونة والله لا أعيد تربيتك من أول وجديد يارحمة وأخليكي تقولي ياريت اللي جرى ماكان."
هرول ورائها ولخفة جسدها جرت سريعاً وهي تحمل فستانها بحرفية وهو يهبط الأدراج ورائها. وبدأ عراك القط والفأر. ثم قذفته على حين غرة برموت التلفاز كي تشتت انتباهه ولكنه لم يبالي وظل يلاحقها من كل صوب وحدب حتى تعثرت بفستانها وسقطت على الأريكة. فانقض عليها علي الفور وهو يقبض على معصمي يدها بشدة. لم تستطيع افلاتها منه ولا حتى أن تصل بوجهها إليه. فهتفت بهدوء وهي تستخدم سلاح الهدنة:
"انت هتستقوى على واحدة ست كائن ضعيف وفي ليلة فرحي كمان اوعى تعمل حاجة ولا تمد يدك الراجل الشهم ميمدش يده على مرته أخلاق الفرسان متقلش اكده ياموري."
قرصها من وجنتها قرصة خفيفة لكن آلامتها هاتفاً باستمتاع ولذة الانتصار عليها وهي بين يده محاولاً استفزازها:
"وفي واحدة عاقلة تعمل في عريسها اكده ليلة دخلتهم يا أستاذة! دي أني هعيد تأهيلك وتربيتك من أول وجديد مش هخليكي تشوفي النوم بعنيكي يارحمة على اللي عملتيه دي تخليني ساعة كاملة واقف على باب الأوضة متذنب علشان أوهام في دماغك وتخيلات في عقلك المريض ياأم عقل صغير له دي انتي محداكيش عقل واصل شايلة دماغك ومركبة مكانها صرمة وقديمة كمان."
زمت شفتاها وأنزلت بصرها للأسفل بحزن ممزوج بدلال وتحدثت بنبرة استيائية مفتعلة وهي تحاول التأثير عليه كي تكتسب عطفه:
"آه ايدي وجعتني حرام عليك متستقواش على ست رقيقة وضعيفة وانت قدي مرتين وتستغل ضعفي."
صمت لثوان ثم حدق في عينيها وأردف باستنكار أزعجها كثيراً:
"هو انتِ كائن ضعيف وست زي الستات الرقيقة اللي في يوم جوازهم بيبقوا هيجيبوا نجمة من السما لأجوازتهم ياروحي، دي انتي عضاضة وعشر ألسن في بوقك اللي عايز يتخيط ده."
رمقته بغضب مستطير من رماديتها المشتعلة:
"لاحظ انك عمال تغلط كتير واني ساكتة أها ومحترماك علشان تعرف إني مش ناشز ومطيعة وقلبي طيب."
إتسعت عيناه ذهولاً من نبرتها المستكينة فأشار إليها بكفيه وقال:
"بس ياحنينة بس دلوك قلبتي قطة ياجبانة لما بقيتي تحت يدي!"
ثم أدلى عليها أوامره بنبرة لاتقبل النقاش كي يستفزها ويرى من شراستها التي نالت إعجابه المزيد والمزيد. وهو يترك يدها وما زال محتجزها بجسده حتى إن دخل عليهم أحداً لم يراها:
"هتقومي دلوك تقلعيني الجاكيت والجرافتة وتسخني ماية وتحطي لي رجلي في ماية وملح وتروقي عليا، وتجهزي لي عشا رايق اكده اني عريس وداخل على معركة مع واحدة بتهبش فلازم يكون عندي صحة ليها يالا ياروحي ومتفكريش تطلعي وتهربي وتقفلي على حالك علشان لو عميلتيها الله الوكيل هتلاقيني سابقك وشوفي وقتها هسويكي الجنبين ومش هخلي عينك تشوف النوم تلت ليالي من اللي هعمله فيكي يابت سلطان."
خشيت أن تضعف أمامه فيستغل شعورها بالخوف فصاحت به بقوة مصتنعة وهي تلومه بشدة:
"دي ظلم وافترا ماية سخنة مين ياعنيا دي في أحلامك عصر سيدنا السيد خلص من زمان ياعم الخط، انسى دي بعدك، قال ماية سخنة قال وكمان أدخل أطبخ في ليلة فرحي بدل ما اتعامل معاملة الهوانم!"
لكزها بيده على كتفها وهو ينهيها:
"متعليش صوتك يابت سلطان اهنه الكلام ده ممنوع، وبعدين انتي اللي بديتي ولعبتي في عداد عمرك لما فكرتي تعملي عملتك دي، وبعدين هو إنتِ ادتيني فرصة أتعامل معاكي المعاملة اللي تستاهلها البنات الرقيقة يوم فرحك دي انتي ياقادرة وقفتيني ساعة أتحايل عليكي وأراضيكي واعتذرلك على موقف تافه وكلمتين قلتهم للبنت علشان ألم الحوار ومنفرجش علينا الناس في فرحك اللي كنتي هتبوظيه بدماغك الصغيرة."
نظرت بعيد عن عينيه تحاول كبت عبراتها ظناً أنه بالفعل سيجعلها تفعل ما قاله لها ولم يريد استفزازها فقط، لكنها استعادت قواها وأخفت كل مشاعرها التي تملكت منها كلماته بكل قوة:
"امال كنت عايزني أسيب الزفتة الباردة دي تتصور معاك دي في أحلامك انت وهي يامتر؟"
أقترب منها ليزيح خصلة فوق عينيها يتلمس وجنتها نزولاً إلى فكها ثم صعد إلى شفتيها يتلمس كل منهما بإبهامه كي يستطيع تهدئتها، فهو قد أثار غضبها وانتقم منها كما فعلت معه وانتهى الأمر هاتفاً بعينين يملؤها الاشتياق لصغيرته:
"ما هو انتي اللي هبلة ودماغك صغيرة أني كنت هرفض بذوق ياحبيبي، أصل مفيش حد يزعل حبيبه ليلة دخلتنا لازم العريس يتمني العريس لمرته الرضى ترضى."
نظرت له بعيون تخفي ضعف يستكين بداخلها وقلب يخفق عشقاً، ترتجف من لمساته التي تجعلها تود أن ترتمي على صدره ويدفئها بحرارته المنبعثة من توهج عشقه لها لتقول وهي تبتلع ريقها بصعوبة بالغة وهو مازالت يداه تعبث بها كي يثيرها:
"طب اوعي بقى علشان نومة الكنبة وحصارك دي وجعلي ضهري يارخم."
بدأ شبح ابتسامة خفيفة على ثغره ولكنها سرعان ما اختفت في بحر لهفته لها وهو يغمز لها:
"أحلى رخم دي ولا إيه، اتدللي براحتك واتدلعي ما الليلة ليلتك ياصغنن وهتشوفي وتحسي بالدلع اللي هينسيكي الدنيا باللي فيها يارحمتي."
تدلت بأنظارها إلى قميصه وهي منغمسة في فتحه وهمست بدلال أثاره:
"فين دي هو اني شايفة غير هولاكو جاي لي بزعابيب أمشير ويقولي ماية وملح وعايز ي لي ريحتي بصل وزفارة يوم فرحي."
استطاعت بلمستها البسيطة وفعلتها تلك إثارته فأمسك يدها وقبلها قبلة عاشقة متيمة مغرمة بها وبأنوثتها ودلالها المفرط أن تجعل ذرات الصبر داخل جسده تتفتت في قربها وهمسها مردداً مع كل قبلة ليدها تارة ولوجنتها تارة وجانب شفتيها تارة أخرى:
"مطلعتيش سهلة يابت سلطان وخليتي الجبل اللي مايهزه ريح يتحرك من مكانه والسفينة لقت مرساها خلاص بعد ضياع."
أنهى كلماته بقبلة عاصفة لشفتيها تاهت بها في اقترابه العاصف بها، لأول مرة تشعر بلذتها تلك في اقترابه واندماجت معه بخجل أثار غريزته وجعله يلهث بالمزيد منها واستطاع سحبها لعالمه المشتاق المتلهف لقربها بفعل أشياء لم تكن تتوقعها من ذاك الماهر. فكان معها كالعطشان لقرب أنثاه التى أهلكته في عشقها فأوجعها قليلا بهوجاء اقترابه ولم يراعي أنها أول مرة لها بين يديه ولم يراعي جسدها الضئيل. ولكنها صبرت وتحملت فهي الأخرى عشقت شراسته تلك وأخيراً سكنت السندريلا قلب أميرها الذي سقاها من شهد اقترابه أنهارا من العسل المصفى الذي راق لها وأصبح هناك هناك لمسة يد وضربة جزاء واضحة وضوح العاشق على المتلهف لأن الكورتين تعدوا الخط الأبيض باجتياز ومهارة.
***
في الساعة الحادية عشر صباحاً استيقظ جاسر من نومه بعدما قضى ليلته طوال الليل يحلم بطيفها وهي بين يديه ويسقيها من شهد عشقه لها. مما جعله أمسك هاتفه على الفور وأتى بصورها التي التقطها ليلة أمس وهم في حفل الزفاف. وهو يتعمق بالنظر فيهم بقلب يخفق عشقا لتلك التي أسرته. ثم وجد حاله يفتح الواتساب ويرسل لها تلك الكلمات من أعماق قلبه المتلهف لوجودها بجانبه:
"يا نسيم الحب، ويا أمواج الشوق احملي قلبي لمحبوبي لأقول له صباح العشق، ليتني كعصفور الصباح يزقزق تحت النوافذ دون أن يحاسبه أحد، ويطير بخفة دون أن يشعر به أحد، بوسع السماء أحبك، وبجمال الصباح أشتاق لكِ، صباح الحب والشوق لمن سكن قلبي، صباح التفاؤل والورد لكِ، صباح الحب والشوق، صباحي فنجان قهوة أنتِ فيها قطعة السكر، صباحي ورد وياسمين وأنتِ البستان الأخضر، صباحي قلب يشتاق لكِ."
ثم أكمل له رسالتها بإيموشن غامز:
"صباح الخير على بطل الأبطال وبطل قلبي اللي بحلم بيه طول الليل ومسابنيش لحظة."
كانت تجلس على تختها تتمطأ فهي الأخرى استيقظت للتو وكادت أن تقوم كي تتوضأ وتصلي صلاة الضحى. استمعت إلى هاتفها يعلن عن وصول رسالة فجذبته كي ترى من المرسل فوجدت ذاك الجاسر هو من أرسل رسالته إليها. فدق قلبها على الفور من رؤيتها لنقش اسمه فقط. ثم فتحت رسالته على عجالة وقرأتها بقلب ينبض بدقات سريعة لكلماته الرقيقة التي أرسلها إليها. شعرت بأنها أنثى في عمر العشرين وحبيبها يملأ قلبها الممتلئ احتياجاً لتلك الكلمات نظراً لسنوات العجاف التي عاشتها وهي لم تشعر بأنوثتها يوماً ما.
قرأت رسالته مراراً وتكراراً وهي لم تصدق أن كل كلمات الغزل الرقيق تلك لها وحدها. فكم كان بارعاً ذاك الجاسر في سرقة لبها وقلبها بل وكل كيانها بتلك الدرجة السريعة. ثم وجدت من الذوق أن ترد عليه ولكنها شعرت بيدها تنملت ولم تستطيع الكتابة فسجلت ذاك الفويس بصوتها الناعس الذي ما إن سمعه حتى قضى على ذرات الصبر داخله وهاتفها على الفور بعد ان استمع الى كلماتها الرقيقة وصباحها الأشبه بنسمات رقيقة نزلت على قلبه رطبته:
"صباح الخير يامتر، ايه الصباح الرايق ده وكلماتك الرقيقة دي كلها ليا وحدي."
فور سماعه لرسالتها الصوتية التي دغدغت مشاعره هاتفها وما إن أتاه ردها حتى هتف لها بقلب ملتاع:
"ياخراشي على المتر وسنينه ارحمي قلب اليتيم الغلبان الوحداني من كتلة الرقة والجمال والنعومة دي ياشيخة، هو انا مبصعبش عليكي يا أم الزين علشان تحني بقي وتقولي لي تعالى ياجاسر اتقدم بقي بدل مانتِ مش رحماني حتى في أحلامي يابطل."
ارتفعت ضحكاتها الرنانة ودقت في أرجاء الغرفة وأردفت بمشاكسة له:
"هو انت مستعد علطول اكده بكلمات المعاكسة دي يامتر من غير ما تفكر شكلك حافظهم ومجودهم كتيير."
نظر إلى السقف وقال بتلهف وهو يقسم لها أن تلك الكلمات خارجة من قلبه وأنها المرأة الأولى التي سمعت كلامه ذاك:
"له يا أم الزين دماغك متروحش لبعيد طب يمين بعظيم انتِ أول ست كلامي ده يتقال لها. هو انت شوية يابطل علشان تحرك الجبل اللي ساكن جوايا."
أرجعت خصلاتها الشاردة على عينيها بخجل من كلماته:
"طب بس بقى بطل كلامك دي هتكسفني عاد ياجاسر."
تحمحم كي ينظف حنجرته وتحدث بملامح جادة لملامح وجه متلهفة ارتسمت على وجهه ببراعة مكملاً مشاكستها:
"طب مش هتحني انتِ بقي والشامي يتلم على المغربي والأميرة تسكن قلب الأمير علشان تبدأ المعارك العاطفية بقي."
شهقت بخجل من تلميحاته لها ثم هتف لسانها تلقائياً بسبابه دون أن تلقي بالاً لما تفوهت به:
"هاااا، إنت قليل الأدب على فكرة."
رفع حاجبه الأيسر باستمتاع لسبابها وكأنها نعتته بصفة عظيمة:
"هو انتي لسه شفتي قلة أدب يابطل وبعدين بلاش اندهاش علشان لسه التقيل مجاش. يعني بالمختصر يا عزيزي تيكت إيزي."
ضحكت عالياً على كلامه ثم قالت بنهي له ولكلامه:
"والله إن ما بطلت كلامك دي هقفل في وشك."
"يخريبت جمال ضحكتك يابطل، ومالها قلة الأدب بتعمل النفسية وبتخرجها من مود الكئابة،" ثم أكمل وهو يعلق على ضحكتها الرقيقة: "لااا قلبي الضعيف لاي
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم فاطيما يوسف
#بقلمي_فاطيما_يوسف
حبايبي الحلوين ازيكم عاملين ايه اعذروني مقدرتش اكتب غير 5000 كلمه بس، انا عارفه ان البارت كده قصير بس قلت اجيب لكم اي حاجه علشان خاطر ما تتعلقوش معايا احسن من ما فيش خالص مستنيه تفاعلكم على البارت وعايزه رايكم ويا ريت التفاعل يزيد وتحسسوني بقيمه الروايه شويه وبقيمتي معاكم واسيبكم مع البارت قراءه ممتعه حبيباتي 🥰 🥰
ــ ازيك يا مها ، كيفك ، اتوحشتك قوووي.
تلبكت كثيراً وخصوصاً ان جاسر الذي استمع الى ذاك الطارق يردد لها كلماته وبالتحديد “اتوحشتك قوووي” فهلع من مكانه وقد ركبته عفاريت الجن والإنس الآن ومن يراه يظن انه سيرتكب جريمة من هيئته الغاضبة بشدة .
أما هي كانت تقف تنظر إليه بصدمة فلم تكن تتوقع انها ستراه مرة ثانية فقد مر عامين على عدم وجوده وتوقعت أنها لن ترى طيفه يوماً من الأيام ثانية ومن دواعي الاندهاش ما يحملهم بين يديه طفلان يبدوا عليهم أنهم في عمر السنة إحداهما ولدا والأخرى بنتاً جميلة يهبط شعرها علي عينيها وجمالها فائق للغاية ،
أما هو مجرد أن رآها أمامه تسهمت نظراته عليها بشدة فقد شعر بالوحشة تجاهها بطريقة لا توصف ، ظلا كلتاهما ينظر إلى الآخر نظرات مختلفة هي نظراتها ذهول ، تعجب ، صدمة من رجوعه بل ومجيئه إليها ، دقات قلبها ثارت داخلها وذكرتها بكل شئ حدث وكأنه الأمس وليس من سنوات مضت وبقيت ملامحها الضائعة عالقة في جُلِّ كيانها ،
أما هو نظراته عليها عاشقة ، متيمة ، فقد هرب منها إليها ، حاول أن ينساها بكل الطرق ولكنه لم يستطيع محوها ولو بذرة من قلبه وعقله ، ثم تحمحم وهو لم يستطيع تفسير معنى نظراتها له :
ــ أممم .. مش هتقولي لي اتفضل أو حمد لله على السلامة ولا الخالة ماجدة مش موجودة أمشي وأجي وقت تاني .
فاقت من تيهتها وحالة الذهول التي اعترتها على كلماته كما أن ابنته ما إن رأتها ظلت تشُبُّ عليها بشدة وتكاد أن ترتمي بين يديها مما أثر بمها فهي تعشق الأطفال بشدة ،
فأتت والدتها هي الأخرى من ورائها وهي تسألها قبل أن تصل إليها وترى من الواقف :
ــ واقفة اكده ليه يابتي مين على الباب ؟
وما إن وصلت إليها ورأت ملامحه حتى ردد لسانها تلقائياً والبسمة اعتلت وجهها :
ــ عامر ، ياه كيفك ياولدي ؟
لساتك فاكرنا ! والله فيك الخير ياولدي حمد لله على سلامتك ياحبيبي.
ثم أشارت إليه أن يدلف إلى الداخل وهي تلوم ابنتها :
ــ اتفضل ياولدي البيت بيتك ، ليه سايباه واقف يابتي على الباب وفي يده عيلين كمان ؟
ثم لفت انتباهها اخيرا هذين الطفلين فسألته :
ــ مين دول ياعامر ولادك ؟ انت اتجوزت وخلفت كمان من غير ما نعرف !
كانت تسأله وهي تمد يدها له وتناولت منه أحد الطفلين الذي أخذته منها وضمته إلى صدرها تهدهده بحنو راق لذاك الطفل ثم أجابها وما زالت عينيه لم تفارق مها:
ــ الله يسلمك ياخالة تسلمي وتعيشي من كل شر ،
ثم أجابها أخيراً وهو يرى تلهف مها إلى معرفة صفة هؤلاء الطفلين له :
ــ دول ولادي زين وماهي .
انصعقت مها من تسميته لولده باسم زين ولدها وابنتها اسمها قريباً من اسمها فازداد قلبها دقات داخلها وخاصة أن زين يشبه ولدها بشدة ولما لا فهو كان أبيه أيضاً ثم أكمل عامر ونظرات مها المشتتة لذاك الطفل وأبيه ارعبتها من الداخل فهي الآن تود اختطافه من ايد والدتها وسحقها له بين أحضانها وهي تشعر بالحنين الشديد لولديها فيه :
ــ اول ما سافرت علطول بعدها بشهر اتعرفت على بنت هناك كانت لسه جايه الشغل جديد والمعرفه ما اخذتش وقت طويل تقريبا اتجوزنا بعد شهرين وسبحان الله بعد تسع شهور بالظبط كنا خلفنا زين وماهي ،
ثم استرسل حديثه وقد تبدلت ملامحه إلى حزن عميق :
ــ بعد ماولدتهم بتلت أيام جالها حمى نفاس ما قدرناش نسيطر عليها وماتت وسابت لي الطفلين دول في رقبتي جبت لهم مربية لحد ما تموا السنة وقررت ان انا ارجع وبقى لي اسبوع هنا في البلد لحد ما اموري استقرت ودورت لهم على ست صحتها كويسه صاحبي جابها لي ومجوزة عيالها تقعد معاهم وتراعيهم معايا بس بردو على قدها واهي ماشية .
كانتا تستمعا إليه وشعرت ماجدة بالشفقة الشديدة عليه ثم التوي ثغرها بحسرة:
ــ ياعيني عليك يابني وعلى اللي جرى لك واللي انت شفته في السنة داي لحالك وولادك اللي اتحرموا من امهم بدري بدري ، داي هتلاقيك شفت المرمطة بيهم على ماكبروا السنة .
تنهد بثقل وألم نفسي انتابه جراء كلماتها التي ذكرته بعام كامل من الأوجاع وهو يحمل على عاتقه مسؤولية طفلين كان لهم أباً وأماً :
ــ والله ياخالة اصعب سنة مرت عليا بعمري كلاته اتاري الأمومة صعبة قوووي ومطلعتش بالساهل واصل بس نحمد الله مرت بعد روحي ماقربت تروح وقلت ارجع بيهم بلدي يتربوا فيها ويحتموا بيها وسط ناسهم .
نظرت ماجدة إلى ابنتها وعينيها تلتمع بشئ ما بل وتمنته داخلها أن يكون ذلك العامر وأبنائه من نصيب ابنتها كي يعوضاها عن مافقدته من زوج وأبناء وبيت وحياة وخاصة أنها ترى في عامر الرجولة التي لم تجدها في أخيه يوما من الأيام حيث كان يقف في صفهم دوما ويدافع عنها أمام أخيه ولم يخشى من توجيهه للصواب يوماً ، ثم قامت من مكانها وناولت الطفل لمها مرددة بمغزى وهي تلقيه في أحضانها:
ــ خدي يابتي سمي الله والله حسيته شبه زين وزيدان ، امسكي هدخل أعمل لابو زين حاجة يشربها وارجع لكم طوالي .
ناولتها الطفل في أحضانها فشعرت برجفة اجتاحت أوصالها فور احتضانها لذاك الطفل وما كان منها الا انها ضمته بحنو اعتادت عليه في التعامل مع هؤلاء البرئاء كانت دقات قلبها تدق بوتيرة سريعة نظرا لشعورها بأن الماكث في أحضانها وليدها وليس طفلا تحتضنه لأول مرة ، إنه لإحساس صعب للغاية لهذه المها ،
ملأ الطفل أحضانها المحرومة من أبنائها كملئ الابتسامة لوجهها وهي تداعب الطفل بين يدها ثم قربته من أنفها تشتم رائحته فهي تعشق رائحة الأطفال في ذاك السن بشدة ،
لطالما كان للحضن سحر خاصّ يميزه عن أيّ لغة أو تعبير آخر فهو لغة عالمية يفهمها الجميع، لغة لا تحتاج إلى ترجمة، لغة تتحدث من القلب إلى القلب، لغة تُلامس المشاعر وتُسكّن الروح ، سكناً ومأوى لمن حرم من منزل احضان حبيبه وهذا الطفل الساكن الآن بين أضلعها جعلها تشعر بكل هذه الأشياء ،
فاقت على صوت عامر الذي أعجبه المشهد بشدة وأثلج صدره وشعر الآن بأن القادم سهلاً للغاية لامحالة بعد أن رأى تعلقها الشديد بالطفل وهو بين يديها :
ــ ياه لساتك هتحني للأطفال وتشمي ريحتهم وانتي هتضميهم يامها ، لساتك رقيقة وناعمة زي مانتِ والدنيا مش زايداكي غير الحلا وبس يا اجمل ما شافت عيوني .
أغمضت عينيها وهي تحاول أن لا تنظر له وهو يلقي عليها كلماته الناعمة التي سحبتها لشباك الخطيئة يوماً من الأيام تلك الخطيئة التي أفقدتها الغالي والنفيس فكان عقاب رب العالمين جراها مؤلما لروحها ، أما هو فسر إبعاد عينيها عن مرمى عينيه بأنها تشعر باللذة والانتشاء جراء كلماته المعسولة ،
ولكنها استجمعت قواها المشتتة الآن وهتفت بنبرة جادة دون أن تنظر إليه:
ــ انت رجعت ليه ياعامر ؟
اهتز جسده بلهفة لسماع اسمه من بين شفاها بعد أن حُرم منه مدة طويلة وقصد النظر داخل عينيها وهو يجيبها :
ــ القدر هو اللي رجعني ، هربت منك واستغليت فرصة اول واحدة حسيتها مشدودة لي واتجوزتها علشان انسى المر العلقم اللي مرينا بيه وبعدت وقدرت واتأقلمت ومضايقتكيش وحاولت اعيش مراتي سعيدة ومظلمهاش بقلبي اللي اتعلق بيكي وكنت بكابر مع نفسي لكن في عيونها كنت بشوف عيونك انتِ يامها ، وفي ملامحها كنت راسمك انتِ قدامي مش هي ، حتى لما عرفت انها حامل في توأم فرحت قوووووي فوق ماتتخيلي قلت ياه ربنا كرمني وعفا عن غلطتي وقبل توبتي وهيديني تاني ومحرمنيش لكن القدر قال كلمته وماتت وسابت لي الطفلين دول اللي اول ماجم الدنيا سميتهم زين ومها .
اتسعت مقلتيها بذهول من اعترافاته والكلام الكبير الذي يلقيه على مسامعها وهتفت بنبرة ذهولية :
ــ هي اسمها مها مش ماهي ؟
هز رأسه للأمام بتأكيد:
ــ قلت قدام خالتي ماجدة إن اسمها ماهي علشان ملفتش الانتباه للاسم واسبب لك إحراج لساتي بخاف عليكي حتى من نظرة اي لوم وعتاب .
شعرت بأن الدنيا تدور حولها وبأن غمامة الماضي الأليم تعود تنسج خيوط الألم من جديد حول أمانها الذي بنته طيلة المدة المنصرمة ، ماذا بكِ ايها الأزمات الم تتركيني بعد وتلتفي حول غيري ؟!
لقد صدقت أنني رممت جراح الماضي وأجملت خطيئتي وذنبي برضاي وتوبتي ، ولكن لا الماضي يريد أن يبتعد ولا الحاضر يريد أن يُمهلَنِي ولا المستقبل الذي حلمت به سيأتيني محلقاًّ بجناحات الراحة لكِ مها .
ثم حاولت تهدئة مشاعرها الثائرة المقاتلة لأجل أن تواجه بصرامة متسائلة إياه:
ــ طب والمطلوب مني ايه ياعامر ؟
استوعب سؤالها واردف بنبرة هادئة متجنباً كل القلق الذي يشعر به داخله من نظراتها الغير مفهومة له وأغلبها جامدة :
ــ نقول بسم الله وجاي اطلب يدك ، عايز اتجوزك يامها ،
وأكمل سريعاً كي يلاحق أفكارها التي تهاجم مخيلتها :
ــ وقبل ما دماغك تروح لبَعيد أني معايزكيش مربية لولادي ولا دي غرضي اني استغلك في النقطة داي ،
ثم استرسل حديثه وهو يرمقها بنظرات هائمة :
ــ اني عايز اتجوزك علشان محتاجك إنتي بالذات ارجوكي كفاية عناد بقي .
اهتز فكها ساخرا من عرضه وكل كلماته وبالتحديد كلمته الأخيرة:
ــ له هو انت فاكر اني رفضت زمان عند يا عامر !
وأكملت بتشبس برأيها :
ــ اني رفضت زمان علشان انت مينفعش توبقى موجود في حياتي اللي دخلتها غدر من الأساس ودلوك بردو لنفس السبب علشان ما بني على باطل فهو باطل.
قوس فمه بتعجب من كلامها :
ــ يعني ايه ما كل حاجة خلصت ورفضك دلوك ملهوش مبرر اني اولى بيكي من اي راجل انتي كنتي مرت اخوي اللي مات وأي حد عاقل قاعد معانا هيقول لك كلام الراجل دي عين العقل يامها .
لوت فمها وتحدثت بنبرة ساخطة :
ــ حد مين دي يا عامر هو الحد اللي إنت هتتكلم عنيه دي عارف انت عميلت فيا ايه ؟
واسترسلت وهي تشير إليها بكفاي يديها بامتعاض :
ــ انت دمرتني نفسياً وجسدياً وخلتني حطام ست ، خلتني كرهت نفسي ، كرهت امومتي ، كرهت اي راجل ، وجاي دلوك تقول لي اني اولى بيكي وبتملى بوقك بيها كمان !
ياشيخ حرام عليك اني ما صدقت لقيت مها اللي ضاعت واندفنت من سنين جواك انت واخوك الله يرحمه.
ــ ايه انتي بقي كفاياكي ذل فيا إنتي ! ملعون ابو قلبي ياشيخة اللي راهن حاله تحت رجلك ، ملعون ابو القلب اللي عشقك سنين وضيع شبابه عليكي …كلمات وجه مقتضبة بملامح وجه مكفهرة ثم نهض غاضباً وتحرك من أمامها ويبدو عليه القهر فلم يكن يتوقع أن يكون ذلك ردها له ومقابلتها الجافة الباردة له وكأنها رأت أكثر شئ تكرهه في حياته بل وثقيل ثُقل الجبال على قلبها ،
واستطرد قائلاً بنبرة جادة:
ــ كلامي بقي مع اخوالك ووالدتك علشان اني جبت أخري منك يامها بس مش دلوك بعدين هسيبك تهدي من مفاجأة رجوعي وتستوعبي كل الكلام اللي اتكلمنا فيه وبعدين يفرجها ربنا ابقي قولي لخالتي ماجدة اني مشيت عشان العيال تعبوني .
رفعت احدي حاجبيها متعجبة وأكدت له بقوة :
ــ والله انت اللي محتاج تستوعب اني مبقتش مها الهبلة الخنوعة بتاعت زمان يا عامر ، لااا اني دلوك واحدة فرمتها الظروف وأنها جت على نفسها من أول مرة اتنازلت عن حقوقها كزوجة مع اخوك ، كنت المفروض زمان اقف في وش الكون كله وأهبش حقي من اللي ظلموني بس لما ركبت قطر التنازل اللي جر وراه محطة الخطيئة بقت تذكرة رجوعي غالية قوووي بس على ما وصلت دفعت التمن غالي وانت عارفه كويس ،
ثم أخرجت تنهيدة حارة وأنزلت بصرها وأردفت قائلة بنبرة محملة بأثقال من الهموم :
ــ زمان كنت هخاف من كلام الناس وملام امي وأوامر خوالي اللي هتتحدت عنيهم ودفنت حالي ورضيت باللي مترضاش بيه اي ست وكان علي يدك بس خلاص دفعت التمن غالي ومش هعيد الماضي الأليم دي تاني وياك يا عامر مهما سقت عليا الخلايق كلاتهم مش هبص غير لحالي واللي يسعدني ويرضيني وبس علشان دي حقي اللي ربنا ادهولي.
كان يستمع اليها بقلب يخفق وجعا بل ينزف دماء الحيرة والتعلق بها ، ماذا يفعل هو الآخر بقلبه لم يستطيع إخراجها منه ولو يوما واحداً كي يجرب كيف تكون نظرة الحياة له بدون وجودها فيها ، ما بك ايها الحب الغريب لم يستطيع فهمك أحدا ؟
قدر واثق الخطى يهبط على قلب بني آدم ويرغمه على الرضوخ ضد إرادته ، ضد ظروفه والأدهى أنه يجبرك أن تتحمل النتائج وترضخ لها عنوةً وغصباً !
مشاعر مختلفة الفراق والحبيب أمام أعيننا ، الغربة والوطن محتومين علينا ،
فالمشاعر عين تشير للجسد والجسد يعطي أوامره للقلب وليس العقل والقلب يتغشم ويلقي حاله في غيابات جب المشاعر دون أن يرأف أو يسمح للعقل بتمعن الظروف التي تليق بك ايها القلب ام لا ،
بعد أن أنهت كلماتها ناولها يده كي تعطيه الطفل دون أن يرد على كلمة واحدة مما قالتها فقط عيناه اللائمة هي من قامت بالواجب معها ، ضمت الطفل النائم إلى صدرها بحنو بالغ وقبلته بنهم والشعور بالحنين يسرى بجسدها مجرى الدم في العروق ،
ثم ناولته الطفل بأيدٍ ترتعش ويصعب عليها اعطائه له فقد شعرت بدفئه بين أحضانها بشدة ولكن قوت حالها وأعطته إياه ووجهت أنظارها بعيدا عنهم ثم حمل اطفاله وخرج ليعود بقلب محطم فقد جاء آملاً وخرج خائباً ،
أما هي تنفست الصعداء فور خروجه ثم خطت طرقة منزلهم الطويلة ودخلت إلى المطبخ كي ترى والدتها ماذا تفعل وتلوم عليها لأنها تركتها وحدها مع ذاك العامر فاندهشت وهي تراها تشعل الخلاط الكهربائي وأمامها كمية الطماطم الكثيرة تلك ويبدو أنها نست أمرها أو يبدوا أنها هي التي تناست برغبتها ،
ثم سألتها بذهول :
ــ هو انتي نسيتي ان عندنا ضيف برة راجل غريب وقاعدة اهنه تسبكي وتضربي طماطم وسبتيني لحالي وياه ؟!
رفعت حاجبيها وهتفت باستنكار :
ــ وهو عامر ضيف يابتي دي عشرة عمر وصاحب مكان واني قلت اسيبكم تدردشوا مع بعض شوية هو هياكلك يعني ؟
ضيقت عيناها ووجهت لها سؤال بذهول:
ــ وه هو مبقاش راجل غريب عني ولا ايه ؟!
لو سمحتي يا امي لو جه تاني بلغيه اي وقت اني مش موجودة مش عايزة أقابله خالص .
تحدثت والدتها بنبرة صوت فخورة وإطرائية وهي تمدح ذاك العامر :
ــ ليه بقي إن شاء الله دي جدع متربي وزين وعمر العيبة ما طلعت منيه وشكله راجع وناوي علي خير افتحي إنتي سكة الخير وياه ومتقفليش على حالك يابتي اني قريت في عينيه أنه رايد الود والقرب واني عيني متكذبش أبدا.
اهتز فكها ساخرا من كلام والدتها وكأن الجميع اتفقوا اليوم على قهرها :
ــ وأني بقولها لك اهه بكل تصميم واحنا لسه هنقول يا هادي اني ولا عايزة ود ولا قرب ولا عايزة المحه خالص .
لم تعطي ماجدة لحديثها أهمية وفسرت موقفها ذاك على أنها رافضة مبدأ دخول أي رجل في حياتها وليس عامرا بالتحديد وأنها لن تتعافي من صدمتها بعد فهدئتها بكلمات أتت ببالها كي تهدأ وبعد ذلك تفاتحها بهدوء:
ــ ماشي يابتي اللي على كيفك روحي يالا انتِ البسي وروحي على شغلك علشان متتأخريش .
شهقت مها بشدة وهي تتذكر جاسر وأنها أغلقت الهاتف في وجهه فور رؤيتها لعامر وسماعها أولى كلماته فضـ.ـرب الخوف بأوردتها والآن هو بالتأكيد يستشيط من ما سمعه وإغلاقها للهاتف فجرت من أمام والدتها مسرعة فذاك الجاسر لها أصبح النفس ومنياها والعوض والجبر وهواها الذي انتشلها من الضياع ووضعها جميلة أمام أعينها ، جعلها تشعر بأنوثتها وكينونتها وأنها امرأة مرغوبة فهو لها الآن بكل الرجال بل وأعظهمم وأهمهم هو لها الآن الترياق لقلبها المهموم صاحب الغرام الاول المتيم لقلبها المحروم ،
هرولت إلى غرفتها سريعاً وأغلقت الباب ورائها ونست كلمات والدتها وأمر ذاك العامر وكل شئ وذهبت لكي تراف بحال مسكين يتأوى الآن على جمر النـ.ـار مما سمعه ،
فتحت هاتفها وما إن فتحته حتى اتتها رسائله التي لا حصر لها وما زال الهاتف يشعل نغمة الرسائل واحدة تلو الأخرى ولكنها لم تهنئ على قرائتها بل وجدت نقش إسمه على الهاتف فور أن أتته رسالة بأن الهاتف متاح الآن وما إن أجابته حتى هجم عليها كالوحش الضاري :
ــ انتي إزاي تقفلي التليفون واني هكلمك يامها ؟! ومين الباشا اللي كان هيقول لك اتوحشتك قوووي يامها كيفك ، انطقي حالا يا إما هرتكب جريمة بسببك النهاردة.
ابتعلت أنفاسها خوفا من هجومه الضاري عليها وأنه استمع بالفعل إلى كلمات ذاك الأرعن الذي جعلها الآن لم تستطيع النطق ولا إجابته ببنت شفة مما جعله يعتلي صوته مرة أخرى آمرا إياها وهو يدور في المكتب حول نفسه بغضب عارم وصل عنان السماء والأرض من صمتها الذي جن جنونه أكثر :
ــ وكمان ساكتة والزفت عمال هيتجنن على دماغه بسببك يا هانم ، شوفي قدامك ربع ساعة وتاجي دلوك على المكتب يامها ورب الكون إني اتأخرتي لهكون قدام بيتك بعدها بدقايق واللي يحصل يحصل .
تمتمت سريعا وهي تذهب ناحية خزانة ملابسها وما زال الخوف من هوجاء ذاك الجاسر وغيرته فتتت أعصابها وجعلتها مرتعبة للغاية فلأول مرة تراه هكذا :
ــ حاضر والله هلبس بسرعة وجاية بس انت اهدي مفيش حاجة حوصلت لدي كلاته .
ضـ.ـرب على المكتب بقبضة يديه وما زالت الغيرة من صوت ذاك الرجل وكلماته التي سمعها تشعل النيران في جسده هادرا بها :
ــ أهدى مين يا هانم عايزاني اسمع راجل جاي لك لحد بيتك ويقول لك كيفك وانك وحشتيه وأهدى !
ثم مسح على خصلاته بضيق شديد وما زالت مشاعر الغيرة تزداد أكثر عن ذي قبل بكل كيانه :
ــ مفيش حاجة اسمها اهدى خالص هو انتي شايفاني مجنون قدامك ، انجزي يامها اني على اخري دلوك ومش طايق دبان وشي .
أغلق معها الهاتف ورماه على المكتب بعنف وحالته الآن يرثى لها وداخله ثائر كالبركان على وشك الانفـ.ـجار فهو مع تلك المها بالتحديد لن يتحمل خسارتها لاااا بل لن يسمح أن تبتعد عنه فهي المرأة الوحيدة التى شعر معها باحتياجها له ، هي المرأة الوحيدة التي رأى في عينيها نظرة الانبهار به وبشخصه ، راي تعلقها به دون أن تحكى ، فيها من معالم الرقة والسحر والجمال ماجعله وقع صريعاً في هواها من مجرد صورة فقط ، ظل يدور في المكتب بأعصاب هائـ.ـجة ثائـ.ـرة يود أن يذهب إلى منزلها الآن ويسألها عن مكان ذاك الرجل ويهرول إليه ويختنقه بين يده لأنه نعت حبيبته ومغرمته بوحشتها له فما بالك أيها الجاسر إن علمت من يكون ذلك العامر ولماذا أتى ؟!
ظل هكذا والأفكار والمخيلات تعصف بعقله كالرياح العاتية وداخله يردد بتصميم :
ــ كلهم غير إلا إنتي يامها ، كلهم خسارتهم ولا حاجة ولا تسوى شئ إلا انتِ يا ام الزين إلا انتِ .
دلفت مها إليه مهرولة وهي تشعر بالارتياب والارتباك معا من صوته الغاضب وما إن دلفت ورأته بتلك الهيئة الغاضبة بشدة وعلامات الوجوم تعتلى وجهه ولأول مرة تراها على وجهه فدوما تراه سمحا مبتسماً لها فاتحاً ابواب قلبه الجميل بسعة صدر لها والآن يبدوا أنها ستبدأ مواجهة الصعاب معه وخاصة في وجود ذلك العامر من جديد ،
القت السلام بنبرة هادئة تبدو عليها الاستكانة حتى لايرى توترها :
ــ السلام عليكم و رحمة الله ، اني جيت اهه في شغل مطلوب مني ؟
قام من مكانه وأشار إليها أن يذهبا إلى الأريكة الموجودة بالمكتب كي يستطيعا التحدث وهو يحاول كبت غضبه وغيرته داخله ويحاول التعامل بهدوء وبعد أن استقرا سألها بنبرة جليدية استدعاها خصيصا لأجل أن يهدأ ثوران مشاعره :
ــ مين الحلو اللي كان هيقولك كيفك واتوحشتك هو إنتِ عنديكي خوات رجالة واني معرفش ؟
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة واجابته وهي تحرك أصابع يديها بتوتر :
ــ دي عامر اخو مجدي الله يرحمه لسه راجع من السفر.
ضـ.ـرب على المنضدة التي أمامه بغضب ولم يستطيع التعامل ببرود وخاصة بعدما عرف كينونة ذاك الشخص واسمه :
ــ عامر مين يا استاذة قولي تاني اكده مسمعتش ! وهو أخو المرحوم هيقولك اتوحشتك عادي اكده داي نبرة صوته وهو هيقولها وصلت لي وجمعت شكله اكده وهو هيبص لك ويقولها لك اللي تتخزق عينيه إن شاء الله ،
واستطرد قائلاً:
ــ وهو الحلو جاي يهز طوله من أنهي داهية حدفته علينا عايز ايه وياريت تحكي كل حاجة بصراحة من غير ما تخبي حاجة واعرفي ان مش هقبل بأي حاجة تخصك تخبيها عني ،
وأكمل بإصرار وهو ينظر داخل عينيها مما اصابها برجفة في جسدها من نبرة التملك التي يتحدث بها :
ــ علشان انتِ لازم تعرِفي إن اللي يخصك يخصني علشان إنتي كلك على بعضك بتاعتي يا أم الزين والموضوع دي احنا خالصين منه ومستني حضرتك تديني الإشارة علشان أجي وأطلب يدك لأن وضعنا اكده ميرضيش عبد ولا رب وأني بصراحة متعودتش اعمل حاجة مرضهاش على اختي لو كان ليا او بنتي في يوم من الأيام فطبيعي لازم نرتبط رسمي علشان كفاية بقي اكده وعايز اعرف عامر دي ظروفه ايه دلوك معاكي علشان النقط تتحط على الحروف .
ظلت كما هي في حالة الخوف اتخبره بطلب عامر أم لا ولكن هو كان رجلاً وشهما معها للغاية وهي احبته ولم تستطيع خسارته مهما كان فقررت أن تبوح له ببعض من أسرار ذاك العامر :
ــ اني كنت متجوزة مجدي وعامر كان صغير وكان بيقعد معانا اكتر الوقت فكان معتبرني زي أخته ،
كانت تتحدث بتوتر وعينيها زائغة فهي كانت لاتريد التحدث عن عامر مع جاسر ولا تريد ذكره من الأساس ، كانت ترجوا أن تُمحى ذكراه من قصتها ولكن هو موجود بالفعل وهذه بلدته ولا بد أنه كان سيعود يوماً من الأيام:
ــ بسسس لما مات مجدي عرض عليا الجواز بس رديت وقتها اني شايفاه زي اخويا ومقبلتش .
ــ عرض عليكي الجواز ورفضتي راجع تاني ليه يا ام الزين يقول لك وحشتيني ! جملة استنكارية نطقها جاسر بحزن وعقبت عليها ومازالت في توترها من الموضوع ككل :
ــ راجع بعياله اللي خلفهم ومرته ماتت وجاي عايز يتجوزني .
قوس فمه بذهول :
ــ يتجوز مين بروح أهله ! دي اني أصور لك قتيل النهاردة إنتي وهو ،
كان يتحدث بتلك اللهجة الغريبة كليا عنه وخرجت تلك الكلمات بصدمة من فمه لمها التي قالت بتعجب:
ــ جاسر ايه الطريقة داي اول مرة أشوفك متعصب وبتقول كلام زي دي ؟!
اهتز فكه بابتسامة ساخرة أرهبتها ويبدوا أن ذلك الجاسر في غيرته يفعل ما لا يخطر على بال بشر :
ــ له يا حبيبتي داي الطريقة اللي هتاخدي عليها بعد اكده لما سيرة عفريت العلبة دي تاجي على لسانك اللي طلع لنا من حيث لا ندري وقال ايه يتجوزك !
وأكمل بأمر لايقبل النقاش :
ــ إحنا خلاص اتعرفنا الحمدلله وعرفنا ظروف بعض وكل حاجة ليا وليكي واضحة نقفل على القديم بالضبة والمفتاح وأجي لوالدتك النهاردة أطلب يدك ونكتب الكتاب طوالي واسم النبي حارسه وصاينه يروح يدور على دادا لولاده أما إنتي بتاعتي وتخصيني ،
ثم بدل حالة العصبية والهوجاء التي اعترته مكملا بطريقته المشاغبة الخاصة بها معه :
ــ ولا ايه بقي يابطل قلبي نتجوز بقي وأخدك ونطير قد شهر اكده من البلد اللي كتمت على أنفاسنا داي ونقضي شهر العسل وكل واحد فينا يريح التاني ولا ايه رأيك ؟
ثم أكمل وهو يشير بيده برفض أمام عينيها:
ــ ولا أقول لك متقوليش رأيك اني خلاص قررت إنتي تروحي دلوك تدي فكرة لجدة عيالي اني هاجي بالليل اني وعمران ولد عمي في زيارة وهكلمه دلوك هخليه بردوا يديها فكرة ، روحي بقي استريحي لك شوية واظبطي الآداء علشان مش ماشي من بيتكم النهاردة إلا واحنا متفقين على كتب الكتاب يا أم الزين .
لاحقها بالكلام وأصبحت محاصرة الآن من جنونه في عشقها ولكنها الاخرى لم تكن تتوقع انه يعشقها بتلك الدرجة وأنه سينفعل لأمر تواجد عامر بهذه الطريقة وسيتحرك ويتعجل في خطوة ارتباطهم بتلك السرعة لكنها تشعر بالقلق بسبب عامر وكلامه لها وتواجده ككل ، فكانت تريد أن تستقر مع ذاك الفارس الذي اشعرها بجمالها ووجودها وأنها امرأة مرغوب بها دون وجود ذاك العامر الذي حتماً لن يتركها تهنئ مع جاسر ثم قالت بقلب قلق :
ــ طب مش احنا اكده بنتسرع يا جاسر مش نصبر شوية ومتقلقش موضوع عامر دي مقفول بالنسبة لي .
حرك رأسه رافضاً وعلل بحكمة :
ــ بصي يا أم الزين طالما المبدأ موجود يوبقى ليه التأجيل دي اولا ، ثانيا نفسي واني هقول لك بحبك محسش بالحرام واني هسـ.ـرق وقت من الزمن علشان اقولها لك ، نفسي لما اجي ابص لك محسش اني هعمل حاجة تغضب ربنا ماهي النظرة والكلمة حرام وسهم من سهام إبليس واني مهرضاش إننا نكلم بعض في السر أو إني استغل شغلك معاي اهنه في المكتب علشان اعلقك بيا وكل دي بيتسجل علينا سيئات ،
ثم تابع حديثه وهو ينظر إليها بغرام هائم بها:
ــ اني رايدك في الحلال وحابب كل كلمة ونظرة وهمسة وتفاصيل كتيرة قوووي حابب اقولها لك واعيشها وياكي في حلال ربنا ورضاه ، ها قلتي ايه يا ام الزين يا تاعبة قلبي معاكي ؟
ابتسمت له بعشق مماثل له وهي تومئ برأسها للأسفل فردد مشاغبا إياها :
ــ ضحكت يعني قلبها مال وخلاص نروح بقي لجدة العيال توكلنا على بركة الله ، بس الله يرضى عنك خفي عليا سهم هواكي شوي لحد ما الاسبوع دي يخلص والعصفورة تسكن عشها اللي هيحاوطها برموش عنيه .
لاحظ خجلها فهي بالفعل خجلة من كلماته فهي لأول مرة تسمعها مما راق له ذلك ثم قالت بصوت يكاد يخرج من حلقها عافية وهي تحمل حقيبتها :
ــ حاضر ياجاسر ، همشي بقي عن اذنك.
غمز لها بكلتا عينيه وهو سعيد بأن اليوم سيكون خطبتهم :
ــ قلب جاسر يا باشا ، امشي يا بطل علشان متهورش دلوك وأني بصراحة هموت واتهور .
هرولت من أمامه سريعا بقلب يخفق سعادة فكيف أن لا ينبض قلبها بعشق ذاك الجاسر وهو من اكتشف قلبها ودلله وغنجه وهواه وأراحه وأشعره بوجوده ؟!
أما هو كان لابد أن يتمسك بها و بوجودها فقد عشقها وهي بالتحديد لن يتحمل خسارتها ، هي الوحيدة من زارته في أحلامه وشغلت يقظانه وأشعلت بداخله احساس الرجل بالاحتياج لامرأة ولذلك مهما حدث ومهما سيحدث لم ولن يتركها .
ثم هاتف عمران وأبلغه بكل شئ مما استدعى ذهوله من الموضوع ككل ولكنه وافقه بشدة ووعده أنه سينهي له ذاك الموضوع وأنه سيقف جانبه وبدوره ابلغ سكون هي الاخرى وشعرت بالفرحة لأجل شقيقتها الكبرى التي تعذبت كثيراً ولاقت من هموم الجبال أهوالا
**”******”*****’*”*****
في المشفى حيث كانت فريدة تقف في الطرقة مع صديق لها يتحدثون في أمور الحياة العامة كزملاء عمل وكان ذاك الفارس يقف يتابعها من بعيد ويشعر بنيـ.ـران تغلي في جسده من وقفتها مع زميلها ذاك ،
يريد الآن بكل قوة أن يجذبها من يدها من أمامه ويضرب بالمعقول واللامعقول عرض الحائط ولا أن يحادثها أحدهم رغم وقفتها باحترام وعدم اختلاقها الضحكات التي تفعلها البنات وأنها لم تخضع بالقول ولا بالفعل ، ولكن داخله يشعر بالغيرة عليها بشدة ولم يستطيع أن يذهب إليها ،
أما هي كانت تنظر بالصدفة وهي تضحك ورأته وسكنت عيناها عيناه وما إن نظرت إليه حتى أحست بضيقه الشديد ولامته نظرات عيناه لها فأحست بالحزن عليه ولم تعلم لم انتابها هذا الشعور ؟
لم لمْ يتحمل قلبها رؤية ملامحه اللائمة العاتبة لها على وقفتها تلك ؟
فوجدت حالها تستئذن من زميلها بذوق وتركته وذهبت إلى مكان منفصل عن الجميع وهي تعلم أنه سيأتي ورائها ولذا اختارت هذا المكان الهادئ خصيصا فلديها رغبة قوية أن تتحدث معه ، باتت هي الاخرى تتوق للحديث معه في وقت فارس الطبيب الراقي ووقت فارس المتكبر الشرس المغرور ، بات عقلها وفكرها مشغول به كثيراً بل إنه استحوذ على الكثير من تفكيرها ، في يقظتها وفي أحلامها وأمام مرآتها تراه يحدثها تراه ينظر إليها نظراته المختلفة ، أصاب قلبها البرئ بأسهم عشقه وأصبحت في عدم راحة فأمر القلوب صعب للغاية وخاصة التى لم ترسي على بر ،
والآن اجزمت أن فريدة عشقت الفارس بل وتتمنى قربه ، عشقت من كشف سترها دون أن تشمئز منه بعد أن علمت أنه ليس في وعيه ولكن ماذا بك أيها القلب ستلقى من رجل عشقته ومحاط بالأشواك فقلبها الآن يبكي داخلها لوعة،
ماتوقعته حدث فقد اشتمت رائحته النفاذة واخترقت قلبها قبل انفها ومع كل خطوة يقتربها يخفق ذلك القابع بين أضلعها بدقات متتالية وأعصاب مفككة ، رائحته كأنها مسكرة تجعلها تريد أن ترتمي بين أحضانه وتنعم بها ،
اقترب منها أخيراً مرددا سلامه بوقار :
ــ ازيك يادكتورة ؟ عاملة ايه ؟ بقالي كتير اووي مشفتكيش ولا اتكلمنا مع بعض.
ابتلعت انفاسها بصعوبة تستدعي فيها الهدوء النفسي وهي في حضرة ذاك الوسيم والآن لقبها بدكتورة فعلمت أنه الآن في حالة الصفاء الذهني وهو في تلك الحالة بالتحديد تحسد حالها على الجلوس معه وأنه انتقاها خصيصاً عن حسناوات النساء وهو يحبذ الجلوس معها فرددت سلامه بنبرة رقيقة أثرته :
ــ الحمد لله يادكتور فارس ، كيفك انت ؟
استأذنها في الجلوس برقي :
ــ يارب دايما ، ممكن اقعد ؟
راق لها تأدبه معها فأشارت إليها بابتسامتها الهادئة التي ملئت فمها وأشبهتها له بالملائكة من رقتها :
ــ اه طبعا اتفضل يادكتور .
جلس أمامها مباشرة كي يستطيع أن يتشبع من رؤية ملامحها ثم وجد حاله يعترف لها :
ــ هو انا ممكن اقول لك اني كنت متضايق وانتِ واقفة مع زميلك ومش عارف سبب ضيقتي ايه ! بجد كنت حاسس ان في حاجة طابقة على نفسي وانتِ واقفة معاه،
يا ترى عندك تفسير للاحساس ده يا دكتورة ؟
تطلعت بمقلتيه مع تنهيدة حارة خرجت من صدرها مع ارتفاع دقات قلبها عقب استفساره فهو أعلن غيرته عليها من وراء حجاب سؤاله لها ثم استنكرت عدم معرفتها السبب :
ــ مش عارفة بصراحة يادكتور إيه سبب ضيقتك واختناقك،
ثم دققت النظر داخل عينيه الساحرتين لها لتسترسل بدهاء كي تجعله ينطقها صريحة فهي تود سماعها :
ــ دور جوة قلبك وعقلك واسألهم وشوف الجواب ايه ورجاءا جاوبني أني كمان علشان انت حيرتني معاك .
راق له دهائها وابتسم لها ولاهتمامها وهو يكاد يسمع دقات قلبها كالطبول في أذنه ولمعة عينيها وهي تتحدث معه ثم قال :
ــ قلبي وعقلي محيرني ومش مرسيني على بر وعايزين يتكلموا بصراحة على اللي حاسينه بس خايفين .
ــ خايفين من ايه بلغهم إن الصراحة راحة للكل وبتقصر الطرق وبتقرب المسافات قوووي … كلمات مشجعة نطقتها فريدة بنبرة حماسية هادئة لفارسها فعقب عليها بابتسامة ساحرة سـ.ـرقت لُبَّها أكثر وأكثر :
ــ طب لما القلب والعقل يقولوا الصراحة مش ضامنين رد فعل اللي قدامهم هيبقي عامل ازاي او هيتقبلوه ولا لا ، فهيخافوا يخسروا بعد ماتقدموا شوية .
كانت تشعر بسعادة تملأ العالم أجمع بحديثهم ذاك ثم شجعته ثانية وهي تتوق لسماع اعترافه بعشقه لها فقد أحبت جلستهم تلك مثلها كمثل الأنثى الراغبة باعتراف حبيبها لها بأنه يعشقها ونسيت كل شئ وضربت بكل ظروفه عرض الحائط :
ــ الخسارة الحقيقية لما الخوف من فقدان شئ يفضل يسيطر على الإنسان فيخليه فعلاً يخسر ويضيع من يده حاجات أغلى من روحه لو قعد عمره كلاته مش هيعرف يرجعها تاني ،
وأكملت وهي تبثه بنصائحها وعينيها الساحرتين مازالت ساكنة عينيه الحائرتين :
ــ قوي قلبك وعقلك وشوف هما عايزين يقولوا ايه ومتحيرهمش معاك وتوكل على الله .
نفذ إرشادها له على الفور معترفاً لها اعتراف عاشق لامرأة بغرامها متيم اعتراف مختلف عن كل العاشقين جعل كل خلية بحسدها تهتز داخلها وكأنه ألقى عليها تعويذة سحر وترنيمات عذبة رطبت قلبها العاشق لأول مرة بعمره :
ــ طب عقلي سمع كلامك وقال لقلبي يبلغ قلبك انه شايفك حبيبته ، شايفك مستقبله وحياته ، شايفك شعاع النور اللي هينور ضلام الفارس ، شايفك أجمل بنت شافتها عيونه ، وأجمل شكل في كل البنات ، وأجمل غنوة سمعها قلبه وعقله منسيهاش ، شايفة عقلي بلغ قلبي يبلغك سلام حبه إزاي يافريدة ؟!
اصمت ايها الفارس كفاك كلماتك الرقيقة الساحرة لقلبي المسكين ،
تسهمت عيناها أمامه ونطق قلبها بما خجل به لسانها :
ــ أحببتك لدرجة أنه قد اجتمع حب العالم بأسره في قلبي ووصلت معك لمرحلة العشق الأبدي، اعترفت مسبقاً أني أحبك بقلبي وأفعالي واليوم أعترف أيضاً أني أعشقك يا قلبي وروحي، سأخبرك عن كل ما في قلبي طال كتمانه ولم يعد قلبي يحتمل ذلك، إنه حبا لك أوقعته نظرة شقت قلبي نصفين ونقشت في أعماقه ملامحك الفتانة حتى سرتُ أنظر إليك في كل وقتٍ وحين وسار قلبي معلقٌ بك ، اليوم أعترف بأني احبك ولكني امرأة شرقية خدشت قلبها وانت الدواء والجرح وانت الصديق والحبيب الذي لطالما أخبرته مالا يقال وها أنا اعترف مرتين اني احبك، مرة امامك ومرة امام عيناك دون أن يتحدث فمي وتنطقها شفتاي .
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم فاطيما يوسف
رأى خجلها والاحمرار غزى وجهها ببراعة فأكمل بهمسه الأجش بما قضى عليها وجعلها تود أن تطير من أمامه:
ــ معقولة لسه في بنات بتخجل ووشها بيحمر زيك كدة لما حبيبها يعترف لها إنه بيحبها، بجد اللي زيك خلصوا من زمان.
تفوهت بلسان يرجف من خجلها متسائلة إياه:
ــ ليه يعني؟
ــ طبيعة البنت الخجل وانها تتكسف لما حبيبها يعبر لها عن إعجابه بيها.
حرك رأسه نافياً ماتفوهت به معللاً نفيه بما عايشه مع أصدقائه وما رآه بأم عينيه:
ــ مين قال لك كدة! أصلك مخرجتيش برة قوقعة حياتك المغلقة وشفتي اللي انا شفته دلوقتي، البنات هي اللي بتكراش على الشباب وممكن كمان تبعت له وتقول له: بص بقي من الآخر أنا معجبة بيك وبكراش وهموت عليك فتيجي سكة ودوغري معايا يابني انت علشان مش هتلاقي واحدة تحبك قدي ولا زيي.
ــ هاااااا إيه الكلام دي، لا يمكن البنت تعمل اكده واصل، مستحيل البنت طبعها الاستحياء؟
اهتز فكه بسخرية من برائتها ثم أكد لها:
ــ الاستحياء ده كان على ايام بنات سيدنا شعيب، اما دلوقتي إنتي في القرن الرابع والعشرين يا دكتورة، البنت حاليا بقت متفتحة قووي واسبور وشايفة ان من حقها تختار شريك حياتها وتحب وتتحب.
ــ تصوري البنت بقت بتحب الشاب اللي مسقط البنطلون وعامل شعره بطريقة غريبة واللي ممكن يستشوره ويكويه وميصليش باليومين علشان ميجيش عليه ماية وتضيع التسريحة اللي قعد ساعات يظبط فيها، البنت بقت بتحب اللي يقولها سوري في اللفظ اللي هتسمعيه؛ بحبك يابنت الجزمة، وألفاظ شنيعة عن دي وهطلع مش عارف إيه ابوكي وأمك ويشتم أهلها كله وهي تضحك وتحبه أكتر. قال ده بقي الواد الشبح اللي مفيش منه اللي اختارها من وسط البنات كلهم علشان هي جميلة الجميلات اللي مفيش زيها.
كانت تنظر إليه بمقلتين تتسع ذهولا مما يحكيه فلأول مرة تسمع تلك الكلمات، فهي قليلة الاختلاط بالبنات ولم تهتم في حياتها غير بتعليمها وعملها وأهلها، ولذلك ذهلت عندما سمعت منه تلك الحوارات لتقول باستعاذة:
ــ أعوذ بالله، معقول الحالة وصلت بالبنات لحد اكده، اللهم عافينا.
أمن على كلامها ثم أكمل وهو يتعمق تارة في مقلتيها وتارة تجول عيناه لشفتيها وتارة أخرى لوجنتيها، مختلفة هي عن كل بنات حواء الذي قابلهن، يسير الحياء في تعبيراتها، ونظراتها، ووجهها المستنير بحمرة الخجل البدائى الذي لم يراه قط في مجتمعه الذي عاش فيه طيلة عمره:
ــ بس انتي غيرهم كلهم يا ست البنات، إنتي تخطفي القلوب من هدوئك ورقتك، تركيبة جديدة مقابلتهاش في المحيط اللي عايش فيه طول عمري، علشان كدة قلبي مال وابتدى الحب معاكي وبإذن الله هينهيه وياكي، ومش بس كدة يافيري ده عمري الحقيقي ابتدا وياكي.
ثم شبك كلتا يديه في الأخرى متسائلاً إياها برجاء وهو يريد أن يسمعها:
ــ انتي ايه رأيك في كلامي ومقلتليش بردوا رأيك في عرض حبي ليكي، أستاهل أتحب ولا لا؟
خفضت رأسها للأسفل بخجل وداخلها يرد عن لسانها بما لا يستطيع قوله من شدة خجلها ولم تعرف بما تجيب، ولكنها ألحَّ عليها ولم يتركها إلا حينما يسمعها بالرغم من أنه قرأها بامتياز في حمرة وجهها وصمتها ودقات قلبها ثم أكمل بنبرة هائمة:
ــ بصي مش هسيبك إلا لما أعرف احساسك بيا إيه وتنطقيها، علشان أنا لحوح جداً ومعنديش صبر إني أقعد أسهر وأعد النجوم علشان أفكر بتحبني ولا لا زي مانا بحبك، بتفكري فيا زي ما انا بفكر فيكي ولا لا، شاغل كل تفكيرك زي مانتي شاغلة كل تفكيري، أصلك متعرفنيش إني في حبي بخاف على حبي قوووي إنه ميكونش مطمن، علشان أهم حاجة في العلاقة الاطمئنان.
عند ذكر كلمة الاطمئنان خفق قلبها ألماً، فكيف تطمئن معه وهو في حالته تلك؟! كيف تشعر بالارتياح وهي معه تخطو خطوات إلى مجهول لم تعرفه ولم تعلم أيضاً هل ستستطيع المقدرة على مجابهته أم لا؟! غموض لن تقدر إلى الآن كشفه، ورغم كل ذلك إلا أنها عشقته بشدة، ما إن ترى طيفه أو تشم رائحته أو تعلم تواجده في نفس المكان الموجودة به تلقائياً تنهال الدقات التي تخفق بين أضلعها على قلبها المسكين فتهلك جسدها غراماً به.
رأى تغيرات وجهها مابين لحظة وضحاها من النظرة الحالمة الهائمة به وباعترافه الموثق بغرامها إلى النظرة الخائفة التي يمسها الفقدان وعدم الاطمئنان، ولكنه انتظرها وسينتظرها مهما طالت حيرتها حتى تهدأ ومهما طال خوفها حتى تطمئن.
ثم شعرت بلهفته عليها وعلى أن تريح قلبه، وكعادتها قررت أن تسلم أمرها بيد الله الذي وضع محبته في قلبها بتلك الدرجة، ثم رفعت أنظارها الخجلة إليه:
ــ مش عارفة أرد أقول إيه أو أطمنك إزاي علشان مش عارفة الإحساس اللي إني حاسة بيه دي حب ولا له.
واسترسلت حديثها وقد تعلقت عينيها بعينيه بنظرة حانية أرجفت ذاك القابع بين أضلعه:
ــ بس إحساسي اللي إني فيه جديد عليا، محستهوش قبل اكده، حتى لو في كذا زميل قبلك اعترفولي نفس اعترافك مكنتش يعني بحس نفس الإحساس ده خالص، فمش عارفة بقى يا فارس.
سألها باستكشاف وقد راق له جوابها:
ــ طب الإحساس ده نابع من عقلك ولا من دقات قلبك اللي مش مبطلة دلوقتي ولا من خجلك الكبير قووي ولا من عيونك اللي قريت فيهم كلام كبير وأهمهم إني شايفني بلمع جواهم دلوقتي؟
تحمحمت بتوتر من حصاره لها لتجيبه بنبرتها الرقيقة الشبيهة لملامحها:
ــ اممم.. كل داي أسئلة محتاجة أجوبة اكده، حرام عليك متاخدنيش على الحامي اكده، خلينا واحدة واحدة علشان متهش منك.
ابتسم وجهه ابتسامة عذبة:
ــ وماله لما تتوهي وأنا ألاقيكي وبعدها أخبيكي جوايا وأخلى رمش عيوني يحرسوكي علشان متوهيش تاني.
ابتسمت هي الأخرى نفس ابتسامته:
ــ متقلقش على جواك أصل إني بطبعي هادية قوووي ومش بعمل قلق في أي مكان.
ــ وأنا أكتر حاجة عجباني فيكي هدوئك الراقي، عارفة بتفكريني بهوانم جاردن سيتي أيام السبعينات بتوع السبيرتاية والقهوة وكاظم الساهر ونجوم الليل وسماه وقمره، أهو أنا بقي بحلم اللي أتجوزها تكون زيهم كده بالظبط.
ــ وبتحلم بايه تاني ياسي فارس والمرأة الساحرة الكيوتة تنفذه لك؟
وضع سبابته على فمه مجيباً بعد تفكير وقد نال حديثهما المختلف ذاك إعجابه:
ــ بحلم ياستي إني أنا وفتاة أحلامي اللي هي زوجتي المستقبلية إننا قاعدين قدام البحر على الرملة وواخدها في حضني وجايب لها آيس كريم وشوكولاتة من اللي هي بتحبها وبأكلها لها بإيديا وهي تسألني يومك كان عامل إزاي وتهتم بكل تفاصيلي وأنا كمان أهتم بكل تفاصيلها، وأدلعها وأحبها قوووي وأغير عليها قووي.
ثم تعمق في عينيها الساحرتين معبراً بهيام:
ــ بحلم بيكي تكوني انتي شريكة الليالي اللي حلمت بيها وتكوني انتِ بطلتها وأميرتها.
كعادة عيناه سرقتها من العالم والزمان والمكان ونسيت هي من وأين تكون ونسيت كل شئ مجرد أن تتسهم نظراتهم ثم قالت جملتها التي أسعدت قلبه:
ــ ويابختي بقلبك يا فارس، يابختي بحُبك الجميل، يابختي بوجودك جنبي، ويامحلى الصدفة اللي جمعتني بيك يامحلاها قوووي.
“””******””””****””**
شهقت رحمة شهقة عالية رجت أرجاء المنزل فطاح ماهر على أثرها ما بيده وجرى مسرعاً إلى المطبخ فقد استشف أنها حرقت حالها فجرى عليها سريعاً وقلبه هوى بين قدميه من شهقتها العالية.
دلف إلى المطبخ وجدها تصفق بيدها وهي تقرب الإناء إلى أنفها وتشتم رائحة صنيعها فخلل أصابع يديه بين خصلات شعره وهو ينفخ بضيق من أفعال تلك الصغيرة التي حتماً ستصيبه بالجنون.
ثم خطى إليها وأمسكها من كتفها مردداً بهدوء ما قبل العاصفة:
ــ ممكن أعرف إيه؟
حركت رأسها بتعجب من سؤاله وسألته وهي ترفع شفتيها العليا باستنكار:
ــ إيه إيه أنت؟
رفع حاجبه ونفخ بملل من أفعالها:
ــ مش شايفة حضرتك عملتي إيه دلوك! جيت لك على ملا وشي من فوق وفي الآخر أجى ألاقيكي مبتسمة، انتي بتعملي إيه أصلاً؟
ابتسمت ببلهاء ثم أتت بملعقة من صنيعها “ملوخية” وأقربتها من فمه وهي تريده أن يتذوق:
ــ كنت بعمل ست بيت ونزلت المطبخ عملت لك ملوخية وفراخ شمورت تستاهل بقك ياموري ومتقلقش دي إني شهقة لها شهقة مقولكش عليها.
ــ أه ما إني دريت بشهقتك داي قطعت لي الخلف واني لسه عريس والنهاردة الصباحية بتاعتي.
مطت شفتيها للأمام بدلال وهي تقرب الملعقة من فمه:
ــ طب دوق ياعريس وقول لي إيه رأيك في عمايل إيدي.
تذوقها وفور أن دخلت فمه كاد أن يشعر بالغثيان، فذهب إلى الحوض وافرغها من فمه مما جعلها تعيد شهقتها ثانية وهي تهتف بذهول:
ــ هااااا إيه دي اللي انت عميلته! هي معجبتكش؟
أخذ الملعقة من يدها ورماها في الحوض، ثم حمل الإناء بأكمله وأقربه من فمها مجبراً إياها أن تتذوق من صنيعها من الإناء مما جعلها تبتعد على الفور فقد استشفت من حركته أنها سيئة المذاق للغاية، ولكنها تبتعد وهو يقترب أكثر، فحقا كان منظرهم يهلك من الضحك من أفعالهم حتى شربت عنوة وإجبارا وما إن نزلت معدتها حتى بان على ملامحها الكراهة لصنعها وفعلت نفس ما فعله بل ويزيد مما جعله أثلج صدره.
ثم سألها ببرود:
ــ ها إيه رأيك حلوة ياروحي؟
ثم أكمل داعياً عليها:
ــ منك لله كرهت الملوخية والجواز والصباحية وكرهت صنف الحريم كلاتهم على يدك يابت سلطان.
كانت تريد أن تختبئ أو تطير من أمامه، فهي تقف كالفأر المبلول الآن من شدة خجلها، فمن يتذوق صنيعها الحادق الثقيل ثقل الجبال بمنطره الذي يبعث في النفس الاشمئزاز يكره حاله.
كانت تنظر إليه وهي تصطنع الحزن، ثم أمسكها من كتفها متسائلاً إياها وقد فاض به الكيل من أفعالها:
ــ هو في عروسة يوم صباحيتها تسيب عريسها نايم وتروح تعمل ملوخية يارحمة! لأ طلعتي مختلفة في دخلتك وصباحيتك أشهد لك باكده ياللي هتشليني واحنا لسه هنقول يا هادي، يا ماما خفي شوية أفعالك داي من أولها اكده هتوصلني للانتحار.
قوست فمها بانزعاج من تعليقاته ثم هتفت بنبرة لائمة:
ــ يعني الحق عليا اللي كنت عايزة أكلك من إيدي يوم صباحياتنا ونزلت وتعبت عشان اعمل لك الأكل وفي الآخر تقول لي هتجننيني وهتشليني علشان عايزة تشوفني شاطرة وحلوة من أول يوم.
ــ هي الشطارة في وجهة نظرك تقومي من جاري يوم صباحيتك وتعملي ملوخية وفراخ شمورت! يا الله منك يا فصيلة يامجرمة؟
ــ هاااا بقي أني مجرمة وفصيلة يا بتاع شمس حريقة!
لكزها من كتفها:
ــ بس يابت يا بتاعت الملوخية اللي عايزة تتقرص، دي انتي عايزة تتصوري جمبها ويتعمل لك هاشتاج “العروسة والملوخية يوم الصباحية” هتوبقي ترند الموسم يابت سلطان.
ــ اتريق قووي اتريق ياماهر بدل ما تشجعني وتاكل منها وتجبر بخاطري علشان أحسن من مستواي في المطبخ؟
ــ أه أشجعك وأكل منها وياجي لي تلبك معوي ويودوني على المستشفى طوالي وابقى قضي شهر العسل لحالك يا اللي هتجيبي أجلي بدري بدري.
دبت قدمها في الأرض هاتفة بانزعاج وهي تلكمه في صدره:
ــ والله العظيم انت أرخم حد شفته ومليكش صالح بيا وطلقني حالا بالا.
ــ طلقني حالا بالا! والله العظيم أني متجوز طفلة لسه في اللفة، أطلقك مين هو أني لسه لحقت أتجوزك ولا عارف أتلم عليكي عدل زي أي عريس وعروسته في ليلة جوازهم الأولى! العريس يصحى الصبح أكده يلاقي عروسته نايمة جاره فيصحيها بطريقته أكده ويروق عليها وتدلعه وتهننه وتخليه ملك زمانه مش يصحى على شهقة تجيب أجله وهي سايباه وهتعمل ملوخية! إنتي بجد رهيبة ومحصلتيش ولو في نسخة كمان منك على الدنيا السلام.
ضحكت بشدة من كلماته وسخريته المغلفة بالدعابة ثم أكدت على كلامه وهي تداعب رقبته بأناملها وهددته بمشاكسة:
ــ إني فعلا رهيبة ومحصلتش ولسه هتشوف من الاختلاف أنواع وأشكال وكل يوم هبهرك ياموري بس انت قول يارب.
أمسكها من يدها مقبلاً إياها قائلاً بمحايلة:
ــ له أبوس يدك كفاية انبهار واندهاش أني عايز أشوف وياكي وأعيش الحاجات اللي هيعيشها الراجل ومرته يا رحمتي.
ضحكت بشماتة:
ــ طول ما انت بتتريق علي مش هبطل أبهرك أما لو فضلت تمجد في أفعالي وتنفخ فيا أكده وتخليني أمشي نافخة ريشي هتلاقي واحدة بس صايعة معاك.
ــ صايعة معاي! اتحشمي في حديتك يابت سلطان، من الآخر ارتقي يارحمة بدل ما هيخلص صبري عليكي وأروح أتجوز واحدة غيرك تدلعني.
أمسكت السكين بيدها واقتربت منه وهي تنظر له بجنون قائلة بتهديد:
ــ طب أعملها أكده يابن الريان وأني هقطعك انت وهي شرايح شرايح وأعبيك في أكياس وأوديك للأخرة.
غمز لها وهو يحتضنها من خصرها ويقربها منه:
ــ وأهون عليكي يابت سلطان تقـ.ـتلي جوزك حبيبك اللي عيشك امبارح ليلة ولا ألف ليلة وليلة، فاكراها يارحمتي.
شعرت بفكاك جسدها بين يديه وخجلت بشدة من تلميحاته ثم قالت بدلال أثاره:
ــ آه ووجعتني قوووي وهديت حيلي لحد مابقاش فيا نفس بالراحة عليا إني لسه صغيرة وراعي فرق الطول والعرض والارتفاع.
احتضن وجنتيها بين كفاي يديه ثم قبلها منهم:
ــ بالراحة مين دي لسه استفتاح والشوط الأول لازم ياخد حقه وبعدين استريحتي استراحة محارب وعايزين نكمل الشوط التاني والوقت الإضافي وضربات الجزاء كمان يا صغنن.
ــ إنت قليل الأدب على فكرة واللي يشوفك وانت في المكتب عامل فيها هولاكو ميقولش انك أكده واصل.
ــ قليل الأدب مين يا أم لسانين هو انا شاقطك من شارع الهرم ولا حاجة إني يحق لي أعمل وأقول وألعب وأمسي وأصبح وكل اللي على كيفي دي حق ربنا وانتي ما عليكي غير السمع والطاعة يا رحمتي.
ــ ليه جايبني من سوق عكاظ ولا إيه ياموري؟
ــ كل لما تقولي موري دي كل لما المباريات تطول وانتِ تحتاجي تتغذي كويس علشان تقدري تقاومي يا روحي.
ــ لعلمك بقي إني قدك وقدود وهطلع عينك يابن الريان.
ــ طب ماتيجي بقي نطلع أوضتنا ولا المطبخ عاجبك قوووي ميضرش بردوا.
ــ طب اغسل المواعين الأول ورتب معايا المعجنة داي وأني أعمل لك اللي انت عايزه.
ــ لااا داي انتِ لسعتي وفوتتي على الآخر وباين إنها هبت منك، بقي إني أقف أغسل مواعين وأنضف مطابخ!
ــ وماله فيها إيه اعمل حسابك الحياة مشاركة ولو مغسلتش معايا المواعين مش هلعب مباريات ولا أشواط ولا يحزنون وذنبك على جنبك ياموري.
جذبها من يدها على حين غرة ثم حملها وصعد بها إلى الأعلى حيث غرفتهم ثم أغلق الباب خلفهم تحت تذمرها وهي تتململ بين يديه ووضعها على التخت ثم هتف مشاكسا إياها:
ــ ولا ذنب ولا يحزنون ياقلب موري وطالما طلعتي عش ماهر الريان وانتي هتعاندي قابلي بقي علشان هتتدمرى دلوك ولسانك دي اللي عامل كيف المبرد مش هينطق غير بالآه علشان توبقي تتحديني ياصغنن.
أنهى كلماته المشاكسة واقترب منها ينهل من شهد عسلها المكرر والمحبب إلى قلبه في أسعد لحظات راقت لهما وكأن مشاكستهم المختلفة هي من تعطي لعلاقتهم روحا وحياة فحقا الاختلاف في الحب والتعبير عنه لا يفسد للغرام قضية.
“”*”*****”*****”*”***
في منزل النجم أدم المنسي حيث كان يجلس هو ومكة جلسة تحدي في الأسئلة الدينية العامة، تلك اللعبة التي اقترحتها عليه مكة وبها عقاب.
فبدأت مكة بالسؤال الأول بحماس:
ــ من هو النبي الذي تزوج بأختين في وقت واحد؟
صدم آدم من سؤالها، فلم يكن يتخيل أن الأسئلة التي ستلقيها عليه ستكون صعبة، فهو لم يعرف إجابة السؤال وحاول التفكير كثيرا ولكنه لم يجب فتحدث بنبرة خائبة:
ــ مش عارف إجابة السؤال، انا خسرت اول جولة.
ابتسمت بشماتة لأجل خسارته، فهي ستحكم عليه حكما لم يكن يتوقعه ثم أجابته بقامة مرفوعة وهي تشعر بالفخر بحالها أمامه:
ــ الإجابة هي سيدنا يعقوب عليه السلام، وفي الوقت ده تحريم الزواج بأختين ما كانش لسه نزل وبعد كده ربنا سبحانه وتعالى حرمه في التوراة.
حقا لم يكن يعرف الإجابة، ثم تحدث وهو يصطنع الحزن لأجل الحكم الذي سيحكم عليه:
ــ تمام يا ستي اتفضلي احكمي، هنخلص الأسئلة خالص وبعدين بقى كل واحد ينفذ الأحكام.
عضت على شفتيها السفلى بمكر وهي تفكر في عقاب يجعله يجن، فهي تعشق جنونه ثم جال بخاطرها تلك الفكرة التي حتما ستصيبه بالجنون من أحكامها:
ــ حكمت عليك تعمل لي بيتزا وبطاطس محمرة ومليش دعوة مش هدخل معاك المطبخ ولا هشارك في أي حاجة وزي ما استلمت المطبخ نضيف تسلموا لي نضيف.
اتسعت مقلتيه ذهولا من حكمها، فلم يكن يتوقع أن تكون بتلك المكر وتحكم عليه ذاك الحكم أن يدخل المطبخ ويفعل لها تلك البيتزا التي تطلبها، ثم رفع حاجبه هو الآخر ماكرا مردداً بانتصار:
ــ عادي أمرها سهل، ولا ابهدل المطبخ ولا حكاية اطلب لك بيتزا يا ستي وبطاطس محمرة من أفخم مكان فيكي يا مصر، حكم تافه.
حركت رأسها برفض قاطع وهي تفقد الأمل في أن يفعل ذلك بتاتا:
ــ لا يا بابا ما ليش دعوة، أنا عايزة آكلها من إيدك وفريش مش جاهزة من برة ولا من مطاعم وانت اللي تعملها لي ولازم تلتزم بالحكم زي ما أنا هلتزم بالأحكام لو أنا ما جاوبتش.
نفخ بضيق من إصرارها ثم حرك رأسه للأمام بموافقة وهو ينتوي لها بسؤال صعب ولا تستطيع اجابته كي يحكم عليها هو الآخر بما لا تطيق به ذرعا والند بالند:
ــ تمام أما خليتك تقولي حق برقبتي ما بقاش أنا يا مكة، يلا بقى جاوبي على السؤال يا حلوة دورك.
نظرت اليه بشموخ وهي لديها الثقة الكاملة بأنها ستجيب على كل الأسئلة الدينية التي سيطرحها عليها بكل تأكيد، ولكن انقلبت معالمها عندما استمعت إلى سؤاله الذي لم تكن تتوقعه أن يكون صعبا بتلك الدرجة وتسهمت أمامه مما جعله ابتسم هو الآخر بانتصار، فكان السؤال:
ــ من هو النبي الذي رفض الله له طلبه؟
فكرت كثيرا ولم تعرف الإجابة وحاولت أن تجول بعقلها ولكن لن تستطيع أو لم يكون التوفيق حليفها رغم أن الإجابة سهلة وهي تعرفها ولكن طريقة السؤال هي المختلفة مما جعلتها تلتبك وطلبت منه الإجابة فأجابها هو الآخر بشموخ مماثل كما فعلت معه وهو يرفع كتفيه باستكانة:
ــ هو سيدنا موسى عليه السلام لما طلب من ربنا أن هو يشوفه وربنا سبحانه وتعالى قال له لن تراني.
بالفعل كانت إجابته صحيحة وبالرغم أنها تعرفها إلا أن طريقة السؤال كانت ملتفة جعلتها لم تعرف الإجابة، ثم طلبت منه الحكم وهي تمط شفتيها للأمام بضيق، فأحكامه بالتأكيد ستكون على هواه، ثم صفق بيديه بفرحة شديدة ونطق حكمه:
ــ شوفي يا موكتي حكمي عايز نقضي سهرة لذيذة ترقصي لي فيها على أنغام كوكب الشرق وتدلعيني، أنا محروم من الدلع من ساعة ما حملتي وعايز أتدلع.
اتسعت مقلتيها بذهول مماثل عندما استمع إلى حكمها ثم حركت رأسها برفض قاطع وهي تعلل رفضها:
ــ رقص إيه دي ما ينفعش طبعا انت عارف آني حامل والحركة الكتيرة غلط عليا، شوف حكم تاني بطل صياعة عليا يانجم.
رفض بشدة هو الآخر مؤكدا عليها:
ــ لا يا ماما انت اللي ما تشتغلينيش، الدكتور قال تتحركي طبيعي جدا بل بالعكس الحركة حلوة ليكي وللجنين، ثم أكمل حديثه بغمزة شقية لها: وبعدين الحركة اللي انا عايزها هتبقي بهدوء وتروق لك مزاجك وتروق لي مزاجي انا كمان وعلى انغام الست يعني ما فيش روقان بال احسن من كده واعملي حسابك انا رضيت بحكمك القاسي وانتِ كمان هترضي ما فيناش من الغش خليكي قد اللعب يا بيبي.
زمت شفتيها باعتراض وهي لم تستطيع الإفلات منه واضطرت للموافقة ثم رددت سؤالها الثاني وهي تنوي له بأحكام تجعله حينما ينهيها يشعر بالإجهاد الشديد فينام من شدة تعب جسده:
ــ ماشي خد بقى السؤال التاني وجنت على نفسها براكش يانجم، ما هو الجماد الذي يكون النظر إليه عبادة؟
ظل يفكر كثيرا وهو لم يمهلها فرصة بالانتصار عليه تلك المرة وهي تتحايل عليه كي تشتت انتباهه ولكنه فصل عنها عقله حتى وصل إلى الإجابة أخيراً وهو يصفق على يديه بانتصار مجيبا اياها بثقة جعلتها تهدمت آمالها فيما كانت تنويه:
ــ الإجابة هي الكعبة الشريفة التي يكون النظر إليها عبادة والطواف حولها صلاة.
رغم أنه أجاب سؤالها وأفسد عليها فرحتها بالحكم عليه إلا أنها شعرت بالفخر من إجابته وسعد داخلها، ثم جاء دوره في السؤال وهو سعيد بفوزه في تلك الجولة:
ــ حلو قوي أسأل أنا بقى وكده 1-0 ليا يابيبي، هل ينام المؤمنون في قبورهم؟
انفرجت أساريرها من سؤاله، فهي تعرف اجابته وفوراً انطلق لسانها بالإجابة التي ابهرته بها وجعلته يشعر بالفخر بكون تلك الراقية زوجته:
ــ إذا كان من المؤمنين نام نومة العروس ولا يوقظه إلا أحب اهله إليه عندما يزوره وهو يسلم عليه.
أنهت اجابتها قائلة وهي تربت على ظهره بسعادة للتعادل بينهم:
ــ كده متعادلين يا نجم أسأل أنا بقى سؤالي، من هو الذي لم يشعر بألم الموت إذا مات؟
كان السؤال صعبا ولم يستطيع الإجابة رغم التفكير فتهدمت آماله وهو يطلب منها الإجابة التي القتها على الفور بابتسامة سعيدة لأنها ستحكم عليه مرة ثانية:
ــ هو الشهيد في قول النبي صلى الله عليه وسلم “ما يجد شهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القُرصةِ”.
ثم زاغت أعينها بسعادة وهي تلقي عليه الحكم الذي جعله اغتاظ منها للمرة الثانية بشدة:
ــ احكم بقى الحكم بتاعي بعد ما تعمل لي البيتزا وتروق الدنيا أكده في المطبخ تاخد المكنسة وتعيد لي على السجاد اللي في الدور دي كلاته.
فتح فاهه بتعجب من حكمها ثم هتف بنبرة استنكارية:
ــ إيه يا ماما الأحكام بتاعتك دي انتِ مفكرة اني الخدامة الفلبينية بتاعتك اللي جابوها لك ولا إيه؟ عدي ليلتك يا مكة واحكمي حكم تاني بدل ما اجيب لك سؤال واخليكي تقولي يا ريت اللي جرى ماكان ومش هخليكِ تنامي تلت أيام ورا بعض وانتِ حرة بقى.
رفضت ما قاله رفض قاطع وهي تصر إصرارا شديدا على حكمها مما جعله توعد لها وبدأ بالقاء سؤاله:
ــ ما هو الفعل الذي فعله المسلم عذب في قبره بسببه؟
فكرت سريعا ثم أجابته بانتصار لسؤاله مما جعله اغتاظ بشدة:
ــ هو الذي لا يتطهر من بوله والذي يمشي بين الناس بالنميمة كما رآها النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعذب في قبرهم.
وظل كلتاهما يسأل الآخر وهم ماهرون في الإجابة حتى أتى السؤال الأخير ولم تعرف الإجابة عليه فابتسم بانتصار وأصبح الحكم متعادل بينهما والفوز والخسارة أيضا متعادلين وقام بالحكم عليها مما أذهلها:
ــ كده تمام يا بيبي أحكم بقى الحكم بتاعي هعمل البيتزا وهنفذ حكمك الأولاني وانتِ هتنضفي المطبخ ورايا عقبال ما انفذ الحكم التاني ونطلع بقى على عش الحب عشان تنفذي الحكم الأولاني والسهرة صباحي يا جميييل.
لكزته في كتفه وهي مغتاظة:
ــ انت وحش على فكرة بقي ورخم وعايز تتعبني.
غمز لها بطريقة أخجلتها:
ــ وماله تعب الحبيب للحبيب لذيذ والشقاوة مطلوبة بردو يابيبي.
ــ بس إني حامل وانت عايزني أرقص وأكده ظلم وميرضيش ربنا.
ــ ظلم مين دي عز العدل ياحلوتي توكلنا على الله بقى علشان نبدأ تنفيذ الأحكام ياروح قلبي وبعدين أطلع أجهز الجو فوق اطلع لك البدلة اللي مركونة في الدولاب فوق دي وقربت تبوظ من الركنة واشغل الست وتروقي عليا باللي أطلبه وتنفذيه وحذاري أي حاجة أطلبها تتحججي وتقولي تعبانة مش هتصعبي عليا خالص على فكرة وهعمل كأني مش سامع حاجة علشان الإنسان جايب آخره منك ومن دلعك عليا وانتي فهماني طبعاً.
دبت في الأرض بقدميها وهو تركها ودلف إلى المطبخ فذهبت ورائه كي تنظف ما يفسده أولا بأول وهي تندم على حكمها ذاك.
قضيا مدة ما يقرب من ساعتين ينفذون أحكامهم وبعد أن انتهى حملها آدم على حين غرة وصعد إلى غرفتهم بخطوات تسابق الريح وهو يتوعد لها وهي بين يديه:
ــ ده إنتي هتموتي ياسوسو، استعنا على الشقى بالله.
ثم أدخلها غرفتهم وكلاهما تنعم بحمام دافئ بعد تلك العلقة التي مكثوها في الطهي والتنظيف وأشعل آدم الموسيقى على أغنية كوكب الشرق المحببة إلى قلبه “سيرة الحب” وبدأت مكة تتمايل في رقصتها بهدوء أثاره وقضى ليلتهما كل منهما يبث الآخر بشوقه وعشقهم كان حقا راقيا وفريدا من نوعه.
“*”*****”**”****”******”””
وأخيراً أتت اللحظة المنتظرة لجاسر والذي انتظرها بشدة وقلبه فرحا لتلك الخطوة الذي حلم بها ليالٍ عدة، كان يمشي بجانب عمران وهو في قمة سعادته وقبل أن يهبطا من السيارة نبه جاسر عليه بشدة:
ــ شوف بقى يا عم عمران انت تعمل مع ابن عمك الصح ومش همشي من اهنه غير واحنا محددين ميعاد كتب الكتاب اللي هو بعد اسبوع ان شاء الله فشد حيلك مع الحاجة ماجدة أني عارف انها هتحبك كيف ولدها بالظبط وعلشان اكده اني هستغل النقطة داي ياواد عمي.
نظر له عمران بنصف عين مرددا:
ــ وه ياجاسر ماهي المصالح بتتصالح بردو وانت هتستغلني وهياجي اليوم اللي هستغلك فيه اني كمان ولا يهمك سيب موضوعك دي على العبد لله هخلصه لك في مينيت داي ماجدة في جيبي متقلقش.
تبسم جاسر بسعادة غامرة وتأكيد عمران له أشعره بالراحة والسكون في إتمام مهمة زواجهما ثم ربت جاسر على ظهره هاتفاً بامتنان:
ــ دي العشم بردو ياحبيب اخوك وربنا يقر عينك بالذرية الصالحة يارب وتشوف عوضك يارب.
أمن عمران على دعائه بشدة، فهو الآخر يحلم أن يكون أباً يوماً من الأيام ولكن حكم الله هبطا كلتاهما من السيارة وقلب الجاسر يدق بين أضلعه شوقا لتلك الحبيبة الذي يود أن يسابق الزمن وأن تكن الليلة ليلة زفافهم وليس خطبتهم.
ثم صعدا إلى حيث تتواجد معشوقتيهما الاثنين، فسكون قد سبقته واتت لتكون بجوار مها.
أما في غرفة مها تجلس متوترة للغاية وكأنها أول مرة تُطلب يدها وكأنها أيضاً بنتا في سن العشرين والتوتر البالغ هو الساكن معالمها الآن وبجانبها سكون تهدئها:
ــ اهدي بقي يابنتي في إيه وترتيني معاكي ومحسساني إنك داخلة امتحان الثانوية في إيه يامها هدي حالك يا اختي الليلة حلوة وقمرر قووي أهي، وأكملت وهي تغمزها بدعابة أسفل معدتها: مجرد ما رحتي اشتغلتي عند الراجل كعبلتي في كذا شهر وخليتيه مش على بعضه وبقى طالب الود والقرب اه منك ما طلعتيش سهلة يا ام الزين.
ابتسمت مها أخيرا من دعابة شقيقتها ثم سألتها بحيرة:
ــ تفتكري بيحبني بجد وعايزني أكون زوجة وام لعياله رغم ظروفي يا دكتورة؟
ضمت سكون حاجبيها بدهشة من حيرتها ثم طمئنتها بحفاوة:
ــ ومالها ظروفك يا مها يا حبيبتي انتِ أي حد يتمناكي في الدنيا جميلة وصغيرة وهادية ورقيقة وناعمة وفيكي كل الصفات اللي يتمناها أي راجل ده يا بخته وامه داعياله اللي انك تكوني في حياته والله، مش عشان اختي والله بقول لك الكلام ده عشان فعلا انتي فيكي كل الصفات اللي يتمناها أي راجل تكون في الست بتاعته ولأنه واثق ومتأكد من حبه ليكي زي ما عمران قال لي إنه هيحبك قوي يا مها ومش عايز في الدنيا غير وجودك جنبه وانك تكوني زوجته وشريكته واني بشجعك انك تاخدي الخطوة داي وتتقدمي في حياتك وتنسي الماضي الأليم لأن الدنيا مجبرين أن احنا نعيش فيها ونتقبل كل ظروفها الحلوة والوحشة وبرضو نتقبل أقدار ربنا سبحانه وتعالى، فعلشان اكده بقول لك افرحي واتمني لنفسك أحسن حاجة في الدنيا عشان بجد انتي أحسن ست في الدنيا كلاتها ويا بخت اللي تكون في حياته مها الجندي.
أنهت سكون طمئنتها لمها ثم جذبتها إلى أحضانها وظلت تهدئها بحنو مبالغ فيه كي ترزقها الهدوء والسكينة وتجعل دقات قلبها الحائرة داخلها تهدأ قليلا ويصفو ذهنها كي تفرح في ذاك اليوم الذي عوضه الله فيه بهذا الرجل الراقي الشهم الذي حكى لها عنه عمران كثيرا وعن رقيه وأدبه وأخلاقه الشديدة مما جعلها نقلت كل ذلك إلى ماجدة التي تتردد كثيرا.
أما في غرفة ماجدة وجدت هاتفها يعلن عن وصول مكالمة، نظرت إلى الرقم المتصل عليها ووجدته غير مسجل فأجابت وهي تسأل عن ماهية المتصل فأبلغها أنه عامر.
وبعد كثير من الأسئلة عن الحال لكليهما وسألته أيضا على ابنائه دخل عامر في طلبه منها مباشرة:
ــ شوف يا خالة أني رجعت من السفر ورايد مرت اخوي الله يرحمه تكون حلالي ان ما كانش عنديكي مانع اني اولى بيها من الغريب واي حد مكاني هيقول أكده فانتي ايه رايك؟
ابتلعت ماجدة ريقها بصعوبة، فإبنتها سيأتي أحدهم لخطبتها الآن ومن كلام عمران أنه يتسم بالشهامة والرجولة والأخلاق العالية ويريدها بشدة ومن تشجيع عمران أيضا أن توافق مما جعلها حائرة، فعامر كلامه بالنسبة لها صحيح ومعقول ووقفت الآن لا تعرف بما تجيبه ولكن كي تنهي ذاك الحوار لأنها سمعت قدوم جاسر من صوتهم في الخارج فقد فتحت لهم سكون الباب:
ــ طب يا ولدي احنا عندينا ضيوف دلوك هكلمك بعدين أو تاجي البيت عندينا لأن الكلام في الموضوع دي في التليفون ما ينفعش واصل واللي عايزه ربنا ومقدره بالخير هو اللي هيكون مع السلامة.
أغلقت معه الهاتف ثم خرجت لاستقبال الضيف وألقت عليهم السلام بابتسامة ووجه بشوش، وبعد التعارف بينهم دام لأكثر من نصف ساعة تحدث جاسر بما أتى إليه بملامح سعيدة:
ــ بعد اذنك يا خالة أني جاي اطلب يد مها على سنة الله ورسوله وجاهز من كل حاجة ومش محتاج غير موافقتك انتي وأم الزين وأي حاجة هتطلبيها وهي كمان تشاور عليها هتكون ملك يمينها في التو والحال.
وأكمل عمران مشجعا ماجدة:
ــ شوفي يا أمي مش عشان هو ولد عمي اني هدافع عنيه وهقول كلام وأوصف صفات في مش موجودة فيه لا سمح الله بس اني حابب أقول لك مش هتلاقي راجل لأم الزين أحسن من جاسر ولد عمي هيحطها في عيونه وهيحافظ عليها وهو رايدها دونا عن ستات الدنيا كلها قلتي إيه.
كانت ماجدة في موقف حائر للغاية وانطلق لسانها بما قاله لها عامر مما صدمهم جميعا فجعل ذلك الجاسر يمسك أعصابه غصبا عنه وبالتحديد عندما نظر إليه عمران ألا يتحدث وأن يترك له الأمر برمته:
ــ شوف ياعمران ياولدي انت وكلامك وولد عمك على راسي من فوق واني أتشرف بنسبكم تاني إللي مشفتش منه غير كل خير بس في حاجة أكده لازم أقولها، أخو زوجها الله يرحمه كلمني عنها ورايدها وبيقول إن الأولى بيها وأي حد هيسمع طلبه ليها من أخوالها هيقولوا عين العقل والصح ومصمم عليها وأني دلوك وشي منك في الأرض ياعمران انت والأستاذ.
سألها عمران:
ــ طب هو كان فين اخو جوزها دي يا أمي طول السنتين دول؟ ولا بعد ما رجع بعيلين جاي عايزها الدادة بتاعت ولاده مش تقولي كلام يعقل يا ست الكل.
فقد أبلغ جاسر عمران بعرض عامر وأعلمه بجميع ظروفه كي يتفادى حدوث ذلك الأمر وما فكر به جاسر بحنكته ودهائه وجده الآن ويكاد أن يتركهم في التو والحال ويذهب لذلك العامر ويختنقه بين يديه كي يتخلص منه وينهي أمره فقد أصبح الآن كالشوكة في الحلق ومن الواضح أن والدتها تميل إليه وإلى عرضه أكثر من جاسر والموقف الآن أصبح محتدماً.
ثم أجابته بما دله عليه عقلها:
ــ طب وهو ذنبه إيه ياولدي في اليتامى اللي هيربيهم وبعدين دول لسه حتة لحمة حمرا ومها تعتبرهم مكان ولادها وتربيهم وتكسب فيهم ثواب وهي هتحب العيال زي عينيها فالمشكلة دلوك مش في العيال خالص.
تحدث جاسر بتعقل ولم يستطيع الصمت أكثر من ذاك وهو يستدعي الهدوء بأعجوبة:
ــ طب لما هو بيقول إنه أولى بيها يا خالة ليه سابها سنتين بحالهم وراح اتجوز وخلف وعاش حياته يعني لو كانت مرته مراحتش للي خالقها كان هيريدها بردو وياجي ينفش ريشه ويقول اني اولى بيها من الغريب؟!
فكرت ماجدة سريعا في كلامه ثم أجابته بفطنة لأنها مائلة لعامر أكثر من جاسر:
ــ يابني هو اتجوز مرته بعد موت اخوه بشهرين علطول مكانتش مها تنفعه وقتها وبعدين اللي حصل حصل إحنا في الأمر الواقع دلوك يعني متآخذنيش ياولدي هو أنسب ليها منك وظروفهم مناسبة لبعض أكتر أما أنت بنات الناس كلها تتمناك أما مها إني شايفاها لأخو المرحوم.
ضرب عمران كفا بكف من إصرار حماته ثم هتف باستنكار:
ــ يعني يا أمي هي مها بيعة وشروة للمرحوم ولما مات اخوه يورثها أي عقل بيقول أكده!
واسترسل حديثه باستجداء:
ــ انتِ مش يهمك في الموضوع دي كُله إن مها تتستر زيها زي اخواتها مع راجل يحبها ويخاف عليها ويقدرها، يوبقى العقل هيقول اللي تختاره ام الزين هو اللي يوبقى من حدها ونصيبها يعني احنا دلوك عمالين نقول عامر ولا جاسر وناسيين إن هي صاحبة الشأن وهي اللي ليها القرار الأول والأخير في حياتها اللي جاية وما ينفعش إنك تقرري عنها زمن اجبار البنت أو الست على الجواز عشان العادات والتقاليد أو العقل والمنطق خلص من زمان يا أمي.
حركت رأسها للأمام باستحسان لكلام عمران ثم نظرت إلى جاسر معتذرة له على طريقتها في الحديث التي بانت أنها جافة:
ــ اللي تقول عليه عمران يا ولدي وشايفه صح إن إني هعمله، إني معتبرك دلوك ابني البكري اللي ما خلفتوش خلاص هستشير مها وهتكلم وياها واللي هي عايزاه هو اللي هيمشي داي يا حبة عيني ما شافتش يوم راحة في حياتها مع المرحوم ومش عايزة أشيل ذنبها اللي باقي من عمري، وانت يا جاسر يا ولدي ما تزعلش مني إن كان بان إن طريقتي ناشفة وياك بس لازم أعرض عليكم الأمر كله لأن الموضوع كبير مش صغير ومش عايزة حد يلوم علي ولا ياكل وشي، وان شاء الله هبلغ عمران بردنا بعد ما أتكلم وياه وانت زينة الشباب وما فيش حاجة تعيبك أبدا والله لولا ظروفها أنا ما كنت رجعتك ابدا إلا وانت مجبور الخاطر بس الموضوع والحوار كله محتاج حبة صبر هبابة ولو هي وافقت على بركة الله وربنا يبختها لك.
لاحظ عمران أن جاسر لن يستطيع صبراً وانه يريد أن يخرج من هذا المنزل اليوم وهي مكتوبة باسمه ومن نظرة عينيه استشف إلحاحه عليه أن يسرع في اتمام هذه الزيجة اليوم لا بل الآن وفي تلك الدقيقة فتحدث وهو ينظر إلى ماجدة راجياً إياها:
ــ طب بعد اذنك يا أمي هدخل إني لام الزين واخد رايها ما إني اخوها الكبير برده وخير البر عاجله لو وافقت نتمم الموضوع ونتفق على كل حاجة دلوك خليها تفرح وتشوف حياتها وتعيشها بدل التأجيل اللي ما لهوش عازه دي.
نظرت إليهم ماجدة بخجل، فهي تريد التحدث مع ابنتها وإدلاء رأيها لها وأنها ترى من وجهة نظرها الصحيحة أن عامر أنسب من جاسر، فهي لديها قدرة في التأثير عليها ثم عللت لهم:
ــ معلش يا عمران يا ولدي إني رايدة أتكلم وياها الأول إني وهي لحالنا وبعدين أقعد معاها على كيفك وشوف رأيها بس إني عايزة أتكلم معاها في حاجات هي ما وعياش ليها وبعدين في التأني السلامة ومش هتصبر كتير دي كلها يومين تلاتة اتكى على الصبر يا ولدي.
لم يستطيع عمران إقناعها بشتى الطرق وقد فقد جاسر الأمل في أن تُكتب على اسمه اليوم ودق قلبه بعنف داخله من تلك الظروف التي منعته عن حبيبته فقد كان حاملاً لها في قلبه اليوم من الغزل والهيام والغرام ما لم تحلم به امرأة من قبل، فهو قد منَّى حاله برؤيتها والجلوس معها في حلال الله كي يقول لها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ولكن ليت كل ما يتمناه المرء يدركه.
فهتف برضا كي ينهي الموضوع فوالدتها لديها تصميم أن تتحدث معها أولا ومهما حاول عمران إقناعها لن تجدي محاولته نفعا فالصح والمعقول أن يهدأ ولكن سيفعل ما جال بخاطره كي يبتعد ذاك العامر عن أنثاه التي عشقها ولم يسمح له بالاقتراب منها وبداخله نيران مشتعلة من ذاك العامر:
ــ خلاص اللي تشوفيه يا أمي بعد اذنك يعني تسمحي لي أقول لك يا أمي؟ مش هنضغط عليكي بس عايزك تعرفي إني شاري أم الزين بالقووي ومش شايف ولا عايز غيرها واوعدك بردو إني عمري ما هزعلها في يوم من الأيام ولا هشيلها الهم وهحطها جوة عيوني وهستنى منك الرد بكرة بالكتير معلش مش هقدر استنى في تعب الأعصاب دي كتير.
أعجبت ماجدة بكلامه ولباقته في الحديث وتأدبه معها ورضوخه لأمرها ثم قالت بموافقة:
ــ منحرمش منك ولا من كلامك الزين اللي هينقط أدب وأخلاق عالية يابن الطيبين، حاضر يا ولدي بكرة بالليل إن شاء الله….
قبل أن تكمل هتف هو بثقة مصاحبة للدعابة:
ــ هتقولي لي تعالى يا جاسر نبل الشربات مش هلاقي زيك عريس لبتي وخليكي فاكرة ياحاجة الكلمتين دول علشان هتقوليهم لي بالنص أكده.
ضحكت على طريقته وأعجبها ثقته بحاله ثم هتفت بدعابة مماثلة:
ــ حاضر يا ولدي حفظتهم خلاص وطالما انت واثق أكده ربنا يفرح قلبك ويسعدك يارب.
أنهى مناقشتهم ثم استأذن جاسر في المغادرة وهو يشعر بالحزن داخله فقد كان آتياً بقلب عطشان لتلك الحورية التي خطفت قلبه والآن خرج بقلب ظمآن.
فنزل معه عمران الذي ربت على ظهره وهتف مطمئناً إياه:
ــ ما تقلقش يا جاسر بإذن الله هتكلم مع خالتي ماجدة لحالنا مش قدامك يعني وهتكلم مع مها وهحاول أخليها ما تأثرش عليها عايزك تروح تسترخي وتهدي أعصابك وان شاء الله كل حاجة هتوبقى تمام وخليك واثق إن طالما قلبك رايدها ومتمسك بيها هتكون ليك بإذن الله.
التوى ثغره بحسرة:
ــ كل اللي غايظني البني ادم ده طلع لي منين وامتى مش عارف! لا وكلمها قبل ما اجي شوف يا اخي الصدف لما توجب مع الإنسان قوي.
ضحك عمران بخفوت كي لا يثير حنقه فهو الآن مهدم مما حدث ثم حاول تهدئته:
ــ حظك نحس يا جاسر يا ابن عمي مش عارف والله رجع لنا عامر دي منين! بس وعهد الله ما هخليه يطولها وما فيش غيرك هيتجوزها وابقى قول عمران قال يلا يا جدع روح نام واستريح وشوف شغلك وبإذن الله على بكرة هخليك تقعد معاها قعدة الخطيب وخطيبته اللي كنت هتموت عليها دلوك واني فاهمك زين.
قطب جبينه وهز رأسه بعدم فهم وتسائل متعجبا:
ــ والله ما عارف إيه النحس ده دي الواحد عمال من الصبح يعيد ويزيد ويقول في عقل باله هيعمل إيه وهيلبس إيه ولا البرفان والبدلة الجديدة اللي منه لله اللي اسمه عامر دي خلى الواحد يومه قفل واكتئب ربنا يسد نفسه البعيد.
ضحكا كلتاهما على كلمات جاسر ثم ودعه وصعد عمران إلى الأعلى كي يرى ذاك الموضوع وبداخله تصميم أن يحضر جلسة ماجدة ومها ولن يتركهم وحدهم إلا بعد أن يجعل الأمور مستقرة لصالح ابن عمه فهو يرى أنه يستحقها وعلم منه أيضاً أنها تنجذب له وتريده وطالما الموضوع كذلك فلن يصمت ذاك الفارس عمران.
“”****”*******”**”****
سألت زينب شمس وهي تطمئن عليها:
ــ عاملة إيه يابتي وصحتك أخبارها إيه يارب تكوني زينة؟
ابتسمت لها شمس وأجابتها:
ــ الحمدلله يا خالة أنا كويسة قووي بفضل ربنا ثم إنتي إللي مسبتنيش لحظة من ساعة ما خرجت من المستشفى والله ما عارفة أقول لك إيه على اللي بتعمليه معايا ده ولا هرد لك جميلك ده إزاي.
ربتت زينب على ظهرها بحنو:
ــ ما تقوليش أكده يا غالية انتي كيف رحمة بتي اللي لو كانت في ظروفك لا قدر الله كنت هعمل وياها أكده وأكتر كماني.
تنهدت شمس وهي تشعر باليتم الشديد وفي حالتها تلك تشعر بأنها شريدة لا مأوى لها، ثم تذكرت أمر عمران الفارس الذي أنقذها من هؤلاء الأوغاد المختطفين لها لتقول باستفسار عنه:
ــ والله يا طنط أنا ما شفتش ناس زيكم طيبين من زمان ودلوقتي أنا بقيت معرضة للخطر قوي وحسيت في بيتكم بالأمان اللي أنا افتقدته، حسيت بإن عمي الحاج سلطان زي بابا بالظبط وانتي امي التانية من اللي عملتيه معايا في اليومين دول ولولا الأستاذ عمران المتربي تربية ما بقتش موجودة في الزمن ده دلوقتي كان زماني في خبر كان بجد أنا شايفاه دلوقتي في نظري فارس وشجاع مش موجود كتير اللي هو فين يا طنط ما شفتهوش خالص من ساعة ما جيت البيت.
ابتسمت زينب لكلامها وشعرت أنها على مطاف جبران ولدها وأن تلك الكلمات التي نطقتها شمس ستسهل عليها مهمتها القادمة فهي لمحت لمعة عينيها وهي تسأل عن عمران فأجابتها على الفور:
ــ عمران مع مرته عند امها بيزوروها وهييجوا طوالي وهبقى اخليه يدخل يطمئن عليكي.
انصعقت شمس وشعرت بأنها سقطت من جبل مرتفع الهاوية وألقى بها في أسفل الأراضين وهي تسألها:
ــ هو عمران متجوز؟
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم فاطيما يوسف
أنصعت شمس وشعرت بأنها سقطت من جبل مرتفع إلى الهاوية.
ــ هو عمران متجوز؟
اقتربت منها زينب في جلستها عندما لاحظت حزنها، وأكدت لها وقد تبدلت معالم وجهها إلى الحزن الصادق النابع من قلبها المولع بحفيد لولدها وهو على مشارف الأربعين.
ــ أه يابتي متجوز الدكتورة سكون اللي كانت معانا في المستشفى، بس ياحبة عيني مخلفش لحد دلوك وحالته تصعب على الكافر.
شعرت شمس بالشفقة والعطف عليهما.
ــ كنت بحسبها بنتك وأخت رحمة، بس ياحبيبتي صعبوا عليا قوووي.
ــ هو العيب من مين ياطنط؟
لم تجبها زينب على استفسارها بالإجابة الصحيحة مراعاة لحرمة ولدها، وكما أن سكون لا تستحق منها ذلك.
ــ أمر الله يا بتي، لاهو فيه عيب ولا هي اسمها الله عليها فيها حاجة. الاتنين عفايا الحمدلله، بس حكم ربنا كل شي له معاد، بس مخبيش عليكي قلبي متشحتف على حفيد من صلب ولدي ومتحملاش الانتظار.
ضمت شمس حاجبيها بحزن صادق ودعت لهما.
ــ ربنا يفرح قلبك بيهم يا حبيبتي ويرزقهم يارب ويجيبولك الحفيد اللي بتتمنيه. عمران راجل قوووي وباين إن الدكتورة سكون محترمة وطيبة وجدعة وبنت ناس، علشان كدة يا خالتوا خلي عندك ثقة في ربنا كبيرة إنه هيرزقهم بالخير كله بإذن الله، بس كله بأوانه.
لم تتفائل زينب من كلامها الذي صبرت به حالها كثيراً، ثم قالت بتشاؤم يملئ نبرتها.
ــ مش باين يابتي، دول بقى لهم أربع سنين متجوزين ومش باين لهم أي علامة، وأني ولا بعرف أنام الليل حتى من كتر الفكر فيهم.
مطت شمس شفتيها باستنكار لتشاؤمها، ثم طمأنتها.
ــ يا طنط ماما دايما كانت بتقول لي مبيخلاش من عند الله رزق ومبيمنعش إلا علشان يدي ويجبر بالكتيير قووي جبر يتعجب له أهل السما والأرض. يعني عندك أنا مثلاً دلوقتي مطرودة ويتيمة من غير أب ولا أم ولا أخ وعمي ظالمني، بس دايما بقول أكيد ربنا له حكمة في كدة.
ــ وبالرغم من كده بحاول أصحى وأعيش يومي وأنفض عن دماغي همي اللي عايشة فيه، وتصوري إن محاولة خطفي جت لمصلحتي قووي، عمي كلمني وقعد يتحايل عليا أتنازل عن القضية لأن اسمه جه فيها وهيديني حقي كامل ومش هيقرب لي تاني. بس أنا لسة مستنية أخد رأي أبيه ماهر علشان هو المتكفل بقضيتي كلها، يعني بالمختصر يا أمي رب ضرة نافعة.
ابتسمت زينب لكلامها ونظرت إليها بحالمية لرجاحة عقلها التي استشفتها من طريقة كلامها وهدوئها واستكانتها.
ــ والله يابتي إنتي عندك عقل زين ووشك كيف النسمة وكلامك كيف البلسم اللي هيرطب على قلب الواحد وينسيه همومه، وكلك على بعضك حلوة قوووي وتستاهلي زينة الشباب كلاتهم، ومحبتك دخلت قلبي ومهخلكيش تمشي من اهنه واصل إلا لما أطمن عليكي مع إللي يستاهلك ياحلوة إنتي ياقمرة.
ابتسمت لها شمس، ثم شكرتها بامتنان على كلامها.
ــ شكراً يا طنط على كلامك الجميل واحتوائك ليا، شكل ما يكون ربنا بعتك ليا علشان كنت في الحالة اللي أنا فيها واللي حصل لي، كنت هتمنى الموت بس أكيد اللي حصل لسبب عند ربنا هو الأعلم بيه، بس معنديش شك إن كله خير.
دق قلب زينب بسعادة، فكلام شمس لها أسعدها كثيراً، ثم ربتت على ظهرها بحنو لتقول بمغزى وهي تتفحصها بإعجاب من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها.
ــ أكيد طبعاً في سبب، والسبب هيوبقى خير لينا كلاتنا يازينة البنتة، بس انتي ربنا يعافيكي وتوبقي بخير.
***
ــ إيه يا أستاذ فارس، رحت هناك وقلت عدولي ولا جبت لي طلبي اللي بعتك علشانه؟ هو مش كان اتفاق بينا وانت وافقت وعشمتني ورحت قعدت تحب لي هناك وبتلف ورا الدكتورة بنت البواب وطنشتني خالص.
تأفف فارس بضيق شديد على إصرار والده فيما يريده، ثم هتف برفض قاطع.
ــ انسي إني أعمل لك اللي انت عايزه أو إنك تستخدمني زي عروس الماريونيت تحركني على كيفك في الأعمال اللي انت عايزني أعملها دي، يستحيل يا عماد يا الفي أكون نسخة تانية منك.
تنهد بقوة، فأغلقت عيناي فارس من هول زفيره الذي وصل إلى أذنه، ثم ألقى على مسامعه بصوت هدر.
ــ طب وراس عبير أمك الله يرحمها مطرح ما راحت وسابت لي عيل خيخ زيك مش عارف يلم أعصابه شوية ويسترجل ويحافظ على اللي أنا بنيته ومش هسمح لك تهده يا بن عبير.
عثت في جوفه حرباً أشد من أن يتحكم بها ومن أن يقاومها، ما إن أتى بسيرة والدته الحبيبة العزيزة إلى قلبه، ودخل الآن دوامة فارس المنفصم وهو ينهنه بصوت أجش مفحم بالغلظة.
ــ قلت لك ميت مرة ما تجيبش سيرة أمي على لسانك تاني. أقول لك على حاجة أحسن، انت تنساني وتطلعني من حياتك ومش عايز منك ولا فلوس ولا مستشفيات ولا حتى اسمك، عايزه أنا كرهتك وكرهت اسمك وكرهت حياتي كلها بسببك، ابعد عني يا عماد.
اندلعت ثورة الغضب من عماد وهو يستمع إلى كلمات ابنه اللاذعة له، وهدده بثقة.
ــ احترم نفسك وانت بتتكلم معايا يا ولد، واعمل حسابك انت مش هتمشيني على كيفك ولا حتى نفسك هتمشي على كيفك، يا إما وشرفي اللي ما بحلف بيه كده جثة أمك اللي أنا مجمدها تحت ايدي هعمل فيها اللي على كيفي واللي انت عارفه كويس قوي.
أدمعت عيناي فارس عندما ذكره بجثمان والدته الذي مازال تحت قبضة يد أبيه، وهو يريد أن يسابق الريح ويذهب إلى ذاك العماد ويشق ضلعه بخنجر مسموم ويتخلص منه ومن أذاه، وهتف بنبرة ذليلة لذاك القلب المتبلد المتحجر.
ــ انت إيه يا شيخ قلبك ده؟ قلب حجر، انت أصلاً مش بني آدم ولا تنفع تكون أب ولا كنت ليها زوج وراجل! هو جسمها ناقص حرام عليك، مش كفاية إن انت ما دفنتهاش لحد دلوقتي، انت عايز توصلني إني أنتحر وأسيب لك الدنيا كلها وأشبع بيها بقى يا عماد.
ضرب عماد بقبضة يده على مكتبه وصاح به محذراً إياه.
ــ طب اعملها كده يا ابن عبير أو جرب بس وشوف هعمل إيه في جثة أمك ده، انتحارك ده هيخليني ما أرحمهاش وانت فاهمني كويس قوي.
تلاحقت أنفاس ذاك الابن المقهور، وأصبح الآن يشعر بالاختناق الشديد وأنه على مشارف الموت بسبب النقاش اللاذع الذي حصل بينه وبين أبيه عديم الرحمة، ثم أصر على رفضه.
ــ اعمل حسابك مهما عملت مش هعمل اللي انت عايزه مني، الناس هنا غلابة قوي، ابعد عنهم شرك وكفاية الميغة اللي انت بتعملها هناك، يا إما أنا كمان هقلب الترابيزة عليك وتهديد قصاد تهديد وتبقى خربت على دماغي ودماغك، انت أكتر مني بكتير، أنا ما عنديش حاجة أخسرها، انت كل حاجة عندك هتخسرها.
ذم عماد شفتيه بغضب من رأس فارس اليابس، ثم هدأ من نبرة صوته وهو ينهي النقاش الذي احتدم بينهم كالمعتاد، آمراً إياه.
ــ طب ارجع لي بقى مصر، هلغي انتدابك، قدامك يومين بالظبط تشوف فيهم حالك.
فور أن أدلى عليه أمره بتلك السلطة، شعر وطلب منه ترك تلك البلدة حتى هوى قلبه بين قدميه وظل ينقبض وينبسط في آن واحد، كأن أحدهم يطلب منه أن يخرج من الجنة كي يسقطه في الجحيم السعير.
وضع يديه على أذنيه يصمهما عن أكثر صوت يكرهه في حياته، والآخر على ثرثرته التي جعلته صرخ بقهر يدمي القلوب.
ــ بسسسسسسس، اسسسسسسسكت. هو أنا عبد المأمور؟ تعالى يبقى يجي لك سافر غصب عنك يسافر، مش راجع ومش جاي لك ولا عايزه أشوف وشك خالص، ابعد عني بقى أنا كرهت نفسي بسببك، ابعد عني.
ثم أغلق الهاتف في وجهه، مما جعل الآخر يلقي بهاتفه عرض الحائط حتى وقع هشيمًا في أرجاء المكان، وهو يهتف بعلو صوته بسباب مغلف بغضب عارم هو الآخر.
ــ أبو اللي جابك على عبير على القرف اللي أنا شايفه بسببك، إن ماندمتك يا بن عبير على أغلى حاجة عندك مبقاش أنا، ولا إني اسمح لك تهد الإمبراطورية العالية اللي أنا عملتها سنين عمري ودفعت تمنها أغلى ما عندي.
كانت فريدة في ذاك الوقت تسير في طرقة المشفى، ولكنها وجدت حالها تتبطئ بخطواتها أمام مكتبه علَّها تأمل في رؤيته، حتى انقبض قلبها هي الأخرى من سماعها لصراخه في الداخل، وبالتحديد كلماته الأخيرة، وهي تنظر حولها كي ترى ما إن سمعه أحدهم أم لا.
ولأجل الحظ الذي كان معه، لم يكن أحدهم بالقرب من غرفته إلا هي، فعلى الفور دخلت ويا ليتها لم تدخل، فقد كان في أشد حالات الهوجاء التي تعتريه وهو في انفصامه، فقد نفذ الصبر من صبره من كلمات والده وجعله الآن يجلس بعينين قاتمتين مظلمتين من شدة غضبه، بل ولمعة الدمع ما زالت ظاهرة كعلامة للأعمى يراها.
وما إن رأت حالته تلك، حتى وضعت يدها على شفتيها تكتم شهقتها من منظره الدامي الذي جعل قلبها يدق بعنف داخلها شفقة وحزنًا على ذاك الحبيب المقهور، ولم تعرف ما السبب.
فاقتربت منه، وياليتها لم تقترب، وهي تسأله بفم يرتجف.
ــ فارس مالك؟ صوتك عالي قوووي وخرج لبرة وقلقني عليك، في ايه؟
رفع رأسه فجأة وفتح عيناه على وسعيهما، وهو يدقق النظر داخل عينيها بنظرة مخيفة، ولمعتهما كأنهما مضيئتان بشر قادم لا محال.
نظرته تشبه قط ممسوس أصاب جسدها بالرجفة المخيفة قبل قلبها، الذي يرى الآن الغرفة أضيق من خرم الإبرة، وهي تراه الآن كمثل جنيًّا متجسدًا في صورة إنسان.
اقترب منها بخطواته الأشبه بخطوات ذئب مفترس يهجم على فريسته في لحظة تقشعر لها الأبدان من ما فعله في أقل من ثلاث ثوانٍ، حيث جذبها بعنف من ذراعها حتى ارتطمت بعظام صدره الصلبة القوية، كمن صدمت في جذع شجرة متين منذ الأزل.
وبيده الأخرى خلع عنها حجابها حتى أسقطه أرضًا تحت تململها السريع بين يديه، وهي تحاول الوصول إلى الباب الذي في لمحة البصر حجبه عنها، وهو يحاوطها بجسده ذي الطول الفاره، فكانت تصل لمنتصف صدره.
وهو يمد قدمه من الخلف صافعًا الباب بقوة اهتزت معها أرجاء قلبها الضعيف المسكين الذي أوقعها تحت براثنه الآن في لحظة حاسمة فارقة بينهما.
أدارت جسدها للناحية الأخرى، وكلاهما يدور حول الآخر بعينين تختلف نظراتها عن الأخرى.
كانت بقدر رعبها منه، إلا أنها مشفقة بشدة عليه الآن، ويبدو أنه كان يتحدث مع أبيه، وهو الذي أوصله إلى تلك الحالة.
ثم حاولت استدعاء الهدوء، وبالتحديد وهو يضع يده في منتصف شعرها من الخلف ويلوي خصلاته الذي فككها ورمى رابطته أرضًا بهوجاء، فتحملت ألم قبضته لخصلاتها، وهي تغمض عينيها وملامح الوجع شبه مخبأة على معالمها.
ثم أسند جبهته بجبهتها، وهو يحتضن خصرها بشدة مرددًا أمام شفتيها وعينيها المغمضتين بارتعاب وشفتيها ترتجف أمامه خوفًا من القادم، عندما تنفست أنفاسه والخطر بدأ يتصاعد في جسدها الساكن الآن بين يديه، وما زال يدور بها وأنفه تلامست أنفها.
ــ جيتي لقدرك اللعين بين ايدين الشيطان يا الملاك الضايع بين ايدين قدرك بحظك المسموم.
على صدرها صعودًا وهبوطًا، وهي تضع كف يدها الصغيرة على صدره وأسنانها تتصك هلعًا، ولكن تحاول أن تسكن ملامحها الهدوء كي تستطيع مجابهته في أهم لحظة بينهما، هي الفارقة في طريقهما، فلو كسرها الآن وهزم جندها الضعيف وسرق منها أثمن ما لديها، ستنقلب كفته حتى ولو كان مغيبًا.
ــ ملاكك ممكن يبقي ملك يمينك برضا، وساعتها هتستمتع أكتر، فوق يا فارس أنت أجمل من إنك تلوثني.
زفر أنفاسه بقوة في وجهها، ليقول برغبة ملئت جسده الآن من تشبثها بها.
ــ اشمعن أنا اتلوثت وعبير كمان مش بس اتلوثت دي اتفحتت وداس عليها قطر القهر والظلم.
ثم استرسل وجعه وهو يحتضن وجنتيها بكف يديه، وهو يتحسسهما بإثارة أصابت جسدها بالقشعريرة.
ــ وانتي شبه عبير قووي تصدقي، حتى ريحتك شبهها، وأنا عايزك، وما فيش قوة في الأرض هتمنعني عنك.
شعرت بسخونة وجهها تحت يديه، وأنها على مشارف الخطر، ثم تلامست يداها يداه المحتضنة وجهها، فباغتها بقبلاته في باطن يديها، مما جعلها اهتزت وأبعدت يديه فورًا عن وجهها، فاستجاب لها.
ثم أردفت بتصميم وهي تتجه بعينيها ناحية الأريكة الموضوعة في الغرفة، وهي تحاول تشتيت أفكاره.
ــ طب بقول لك إيه، إني رجلي وجعتني من الوقفة وانت ميرضكش تعبي من أولها، تعالى نقعد هناك وقول اللي على كيفك.
زاغت عينيه بينها وبين الأريكة، ثم قال بتشبث.
ــ لا إنتي عاجباني كدة أكتر ومزاجي عايز كدة يافوفا.
جذبته من يداه وهي تترجاه بتدلل.
ــ طب وغلاوة فوفا عندك لا تيجي اهنه وتستريح، لسة بدري، هو أنا ههرب منك وانت مكلبشني اكدة.
تحرك معها وهو ما زال متمسكًا بخصرها وخصلاتها، ثم جلس على الأريكة، ولكنها جعلته ينام ويستريح عليها، وهي تحاول أن تملس يدها بين خصلات شعره كالطفل وأمه كي تجعله يهدأ ويشعر بالأمان معها.
وبالفعل أغمض عينيه هاتفًا ووجهه متأثرًا بوجع.
ــ انتي مريحة قووي يافوفا، وبفكر أخدك معايا مصر، بقيتي زي الإدمان بالنسبة لي، لو مشيت وسيبتك هبقي حاسس إني سايب نصي التاني هنا ومش هبقي مستريح، فتيجي معايا أحسن.
سألته بنبرة مستكينة.
ــ طب هو ينفع أجي وياك! طب بمناسبتي إيه عاد؟
فتح عينيه فور سؤاله ليجيبها على الفور.
ــ بمناسبتك صاحبتي وهشغلك معايا في المستشفى بتاعتنا.
تقبلت هرائه بهدوء.
ــ طب عندنا في الصعيد اهنه البنت متخرجش من بلدها ولا تسافر غير ويا جوزها، حكاية الشغل والصحاب داي متمشيش معانا خالص.
ــ خلاص أتجوزك يافوفا، إذا كانت حتة الورقة دي العائق، وماله مفيش مشكلة خالص.
كلمات واثقة نطقها فارس، فعقبت عليها وهي تذم شفتيها للأمام بدلال مصطنع، وهي تحاول مجاراته.
ــ هو الجواز مني مجرد حتة ورقة! له إني زعلانة خالص منك، هو انت شايفني وحشة ومستحقش أبقى زي البنات ويتعمل لي كيف ما هيتعمل لهم؟
عض على شفتيه السفلى قائلاً وهو يغمز لها بوقاحة أخجلتها.
ــ بنات مين دول، ده إنتي وحش الكون ده، كفاية شعرك اللي مجنني، خلاص نعمل لك زي البنات واللي تشاوري عليه فارس يرميه لك تحت رجلك يافوفتي، إحنا يهمنا راحتك بردو.
مطت شفتيها بامتعاض من وقاحته ونظرته، ثم ابتسمت بمجاملة.
ــ تمام اكده، ابعد يدك بقي ومتلمسنيش خالص إلا لما تاجي تتقدم لي علشان أحس إني غالية وانك هتشتاق لحلالي معاك، وقول لي بقي عايز تسافر ليه؟ هو الجو اهنه معجبكش؟
ــ بالعكس يامزتي، ده الجو هنا جميل ورايق، كفايه إن انت موجودة فيه.
نطقها بنفس غمزته ووقاحته، ثم أكمل وقد تبدلت ملامحه الوقحة إلى ممتعضة فور تذكره أمر أبيه.
ــ اللي مش عايزني أرتاح خالص في الدنيا بعت لي أوامر إني لازم أسافر له، وهو بيمشيني على كيفه وهددني لو ما رحتلهوش بأغلى حاجة في دنيتي واخرتي.
ثم نظر إليها مكملاً وقد لمعت عينيه بالدموع مرة أخرى.
ــ تعرفي إن أبوكِ الراجل البواب الغلبان ده نعمة لازم تشكري ربنا عليها ليل ونهار، يا ريتني طلعت من أسرة فقيرة وأب وأم متساويين نفسيًا، ولا إن عماد الجاحد ده يبقى أبويا.
سألته بفضول.
ــ هددك بإيه؟
أجابها وهو يبتلع غصته بمرارة كمرارة العلقم.
ــ بجثة أمي اللي مجمدها، هيبهدلها وهي ميتة زي ما دمرها وهي عايشة.
تجمدت عروقها من هول ما سمعت منه، وابتلعت أنفاسها بصعوبة بالغة، وهي تردد بذهول.
ــ هو مدفنهاش؟! دي إكرام الميت دفنه، وكيف مخبي جثتها وليه مدورتش على حد يساعدك اكده؟ حرام قووووي؟
حرك رأسه للأمام وتحدث بأسى.
ــ لسه عارف إنها مندفنتش من سنة واحدة بس، وأنا أضعف مما تتخيلي إني أقف قدام عماد الألفي كده، هبقى بغامر بيها وبعمري.
ابتلعت ريقها برعب وهي تتخيله يضيع من بين يديها بسبب ذاك العماد، وهبطت دمعة شاردة من مقلتيها، وحذرته خوفًا من فقدانه فقد وقعت في سهم هواه وقضي الأمر.
ــ خلاص يا فارس خليك هنا متسافرش وتسيبني، إني محتاجة وجودك قوووي أكتر منك.
سألها بعينين حائرتين متمنيًا سماع شيء ما يتردد داخله.
ــ ليه يافوفا مش عايزاني أسافر، ومحتاجاني إزاي؟ أرجوكِ اتكلمي.
نطقها لسانها رغماً عنها، وهي تتطلع إلى رجاؤه وهو في حالة انفصامه ورأسها متدليًا للأسفل بخجل، فهو إن مشى حتمًا ستنهار.
ــ إني هحبك يافارس، ومش متصورة حياتي اهنه من غيرك، أرجوك انت متمشيش، خليك اهنه جمبي، مبتبعدنيش عنك، خليك قصاد عيني يا عمري علشان قلبي في بعدك هيتوجع، وخلينا اهنه نبني حياتنا مع بعض بعيد عن عماد دي خالص.
دق قلب فارس المنفصم هو الآخر لتلك الملاك، دق قلب الحجر الذي لا يلين لاعترافها الشامخ بحبه، ولكنه خاف وتصارعت الدقات في قلبه مابين العشق والخوف بالتساوي، ثم ترجاها أن تبتعد كي ترحم حالها كي لا ينكوي قلبه عليها هي الأخرى، فطريقه مكلل بالأشواك.
ــ عماد مش هيسيبك ولا هيسيبني، عماد هيدمرك وهيدمرني، من الأفضل تبعدي عني، انتي مش حمل عواصفي.
حركت رأسها برفض وهتفت بنبرة تأكيدية، وهي متمسكة بوجوده.
ــ متقلقش، هنعدي الصعاب مع بعض، بس انت فوق يا فارس.
ضم حاجبيه متسائلاً.
ــ أفوق من إيه؟
ــ فوق من وهم الماضي واخرج برة قوقعة عماد واتحدى الجبروت بإيمانك، وبرة قوقعة عبير واتحدى الخوف بيقينك إنها بين أيادي الله، ومهما يعمل هي خلاص روحها عند ربنا والجسد نايم ومش دريان.
ــ إزاي؟ انتي عايزاني أسيبه يمثل بجثة ماما؟
ــ سيدنا حمزة بن عبد المطلب مُثِّل بجثته ولقب بأسد الله وسيد الشهداء، واللي عملت فيه كده ربنا عاقبها عقاب أليم، وصدقني هو بيهددك بس وبيخوفك علشان تخضع له، وطول ما انت بترفض طلباته وبتقول لا هيفقد الأمل فيك، ولو كان عايز يأذيك مكانش كبرك ووصلك للمرحلة دي، هو مجنون بيك وعمره يا فارس وممكن يضغط عليك بكل الطرق إلا أذيتك.
ــ بس ممكن يأذيني بنبض قلبي، يأذيني بيكي يافريدة.
ــ إيه ده؟ انت نطقت فريدة دلوك من غير فوفا ولا مزة ولا الحوارات داي واصل! انت دلوك واعي واوعاك تدخل جوة قوقعة ماضي الفارس الأليم تاني.
ــ مش بمزاجي، بلاقي دماغي راحت للوجع وبحلم بعبير كتير وبلاقيني اتحولت ونفسي بتجبرني أتشرد وأشرد اللي حواليا.
ــ أول ما نفسك تيجي تجبرك افتكرني وافتكر بسمتي وأملي في إني هغيرك، علشان انت جميل يا فارس.
ــ انتي هدية ربنا ليا، ولو خسرتك انتِ كمان هضيع في ظلمات تشرد نفسي أكتر وأكتر.
ــ أوعدك إني عمري ما هفارق إلا لو ربنا أراد ياخد أمانته.
ــ بعد الشر عنك ياملاكي، إن شاء الله عماد مليون مرة وانتِ تعيشي تنوري الدنيا وتنوري ضلام الفارس.
ــ طب قوم بقي اتوضى وصلي العشا وصلي كتييير قوووي واقرأ قرآن كتييير واذكر ربنا كتييير، الذكر بيطمن القلوب قوووي.
بابتسامة عذبة أنارت وجهه هتف بطاعة وأكمل مشاغبًا إياها.
ــ حاضر يا دكتورة، قومي البسي حجابك شكلك نسيتي نفسي.
وضعت يدها على رأسها وشهقت بذهول من نسيانها حالها وهي تجذب حجابها.
ــ حرام عليك يا فارس اللي هتعمله فيا دي، والله انت خربطت لي دماغي على الآخر ونسيتني اسمي وشكلي وهويتي، وشكلك عايز تنسيني ديني وهدخل جهنم وبئس المصير على حس عبثك دي، ارحمني لما تيجي غضبان مش أول حاجة تعملها تمد يدك على حجابي، ارجوك مد اليد حرام ومن أكبر الحرام والغلط.
غمز لها ونطق بطريقة دعابية.
ــ طب ماتلميني من الحرام والغلط واتجوزيني، وساعتها لما أشيل حجابك أو أي حاجة تانية تقابلني في الطريق يبقى حلال الحلال.
قامت من مكانها وهي تعدل هيئتها.
ــ كل بأوانه يا فارسي، واتقل تاخد حاجة نضيفة.
قوس فمه بانزعاج مصطنع ليقول بمشاغبة.
ــ اهو بعد فارسي دي الآوان ده مينفعش خالص، وكله لازم يدوق طعم الحلال يا فوفا.
ابتعدت عنه.
ــ يووووه يادي فوفا متقولهاش تاني، أول ما تقولها قلبي بينقبض، أبوس يدك متبهدلنيش وياك.
مد يده بعبث.
ــ طب بوسي يا فيري، ده يبقي يوم السعد والهنا.
غمزت بعينيها بشقاوة وقد ظهرت غمازتيها في منتصف وجنتيها بطريقة ساحرة، جعلته هرول إليها، ولكنها ألقت كلماتها وهربت على الفور، مما جعله وقف مغتاظًا.
ــ دي بعدك يا دوك.
وقف مبتسمًا ينظر إلى طيفها بسعادة لا توصف، فقد دلفت إليه وهو في قمة الحزن بل وأعلى درجاته، ثم أبدلت حزنه إلى سعادة وجعلته يتمنى أن يلقيها في أحضانه الآن كي تكتمل سعادته، وداخله يردد بانتشاء وما زالت عيناه تتبعها.
"عناقُكِ يخذُلُ بردَ أربعينَ شتاء"
***
في منزل ماجدة، حيث أصر عمران أن يحضر جلستها مع مها تحت تزمتها، ولكنه لم يدعها تنفرد بها، فهو وعد جاسر أن يجعله يأتي غدًا، وأنه بفضل الله أولًا ثم مجهوده سيجعله يُجبر غدًا.
كانت مها تجلس بتوتر للغاية، فهي قد استشعرت من مغادرة جاسر قبل أن يلتقيان، وجود مشكلة ما عندما استدعتها والدتها بعد أن غادر جاسر.
فتحدثت ماجدة.
ــ شوفي يا بتي، انت دلوك جاي لك عريسين، عامر أخو جوزك الله يرحمه، وجاسر اللي انتِ شغالة عنديه. عامر لسه مكلمني من شوي على التليفون قبل ما جاسر يجي، وشايف إن هو أولى بيكي لأنك كنتِ مرت أخوه، وأي حد مكانه هيقول أكده، وأي حد هيسمع هيقول عين العقل. دلوك عايزة أعرف رأيك، بس حابة أعرفك إني مرجحة كفة عامر أكتر من جاسر، جدع زين ولد حلال، وانتِ معاشراه وعارفاه كويس قوي إنه هيتقي ربنا فيكِ، أما جاسر مجرد إنك اشتغلتي عنده، ولا تعرفيه ولا تعرفي طبعه، خليكي في اللي نعرفه أحسن من اللي ما نعرفوش.
كادت أن تعترض رأي والدتها، إلا أن سكون تحدثت باستجداء.
ــ بعد إذنك انتِ يا ام الزين، اصبري قبل ما تقولي رأيك. طب ليه يا أمي ترجع تتجوز أخوه؟ هي ما عندهاش أولاد علشان خاطر تنجبر تتجوزه؟ إيه اللي يخليها ترفض فرصة عريس زي جاسر متمسك بيها وبيحبها ومحترم وابن ناس وشاريها قوي؟ إيه اللي يخليها ترجع لعامر وتفتكر الأيام السودا اللي كانت عايشاها مع أخوه وتفتكر ولادها اللي ماتوا؟ أنا مش معاكي أبدا في رأيك يا أمي، دلوك الرأي رأيك يا مها، شوفي اللي هترتاحي له فيهم مين؟ واللي شايفه نفسك هتقدري تتنفسي وتشوفي الدنيا وتعيشيها معاه، شوفي راحتك انتِ الأول يا حبيبتي فوق أي اعتبارات، دي حقك اللي اداه لك ربنا.
هنا هتفت ماجدة باعتراض على كلام سكون.
ــ طب والجدع يعيبوا إيه يا بتي، دي حالة يصعب على الكافر بولاده اللي رجع بيهم، وأهم هيعوضوها عن ولادها اللي فقدتهم.
هنا تحدث عمران معترضًا هو الآخر على كلام ماجدة، مرددًا بهدوء كي لا يثير ضيقها.
ــ طب وهي فين من كلامك يا أمي! على حسب ما عرفت إن المرحوم ربنا يغفر له ويسامحه كان موريها المرار وما شافتتش معاه يوم حلو، من حقها تغير العتبة خالص، وخلي بالك ولاده اللي انتِ هتتكلمي عنيهم دلوك وهي هتربيهم في النهاية هتبقى مرت أبوهم، ويا مربي غير ولدك ياباني في غير ملكك، فخليها تشوف بنفسها هي عايزة إيه من غير ضغط مني ولا من سكون ولا منك ولا من أي حد، ربنا سبحانه وتعالى أدى للست حقها في الاختيار، مداش للظروف الحق في الاختيار.
حركت ماجدة رأسها للأمام باقتناع لكلام عمران، ثم سألت مها.
ــ خلاص اللي تشوفه يا ولدي، وانتِ يا مها رأيك إيه؟ واعتبر اللي قلته ما لهوش لازمة.
رمقتها مها بنظرات خذلان، وهي تسألها بعتاب قبل أن تجيب من منهم ستختار.
ــ أظن يا أمي إني لما رجع عامر قلت لك أنا مش عايزة أشوفه ولا أعرف عنه أي حاجة، ولما يسأل عني تقولي له إنني مش موجودة، ده يدل على إيه؟ يدل على إني كارهة دخول البيت دي تاني، البيت اللي اندفنت فيه أحسن سنين شبابي اللي ضاعت في روحي وهي بتداس كل يوم، وأنا كنت اشتكي لك كل يوم والتاني وانتِ كنت هتقولي لي استحملي واصبري، ما عندناش طلاق. مش لو كنت طلقت منه وبعدت أنا وأولادي زين وزيدان كان زمانهم عايشين دلوك وياي من غير هم أبوهم ومن غير ما أنشغل عنيهم.
أنهت كلامها وانهمرت الدموع من عينيها لتذكرها الماضي الأليم، وذاك السبب بالتحديد من ضمن الألف سبب التي لم تحب سيرة عامر بسببها، ناهيك عن السبب الأكبر خطيئتها التي ارتكبتها معه، فهي الآن لا تريد أن تراه أمامها، تريده أن يبتعد، أن يتركها تعيش وتتنفس وتنسى الماضي الأليم الذي ارتكبته معه، تريد أن تنسى خطيئتها، وعند تذكرها لخطيئتها تلك تزداد دموع عينيها أكثر فأكثر، فقد دفعت ذنبها الغالي والنفيس وما زالت تتألم من فقدان عزيزي عينيها مهما ظهرت ضحكاتها، ولكن الألم يكمن ورائها بما يفيض أنهارًا.
وكل ذلك وماجدة لم ترتكز إلا على نقطة واحدة لامتها بقسوة.
ــ يعني دلوك هتجيبي سبب موت ولادك فيا؟ أخص عليكي يا بنت بطني، ربنا يسامحك لكن قلبي مش مسامحك.
لاحظ عمران وسكون أن الموقف بدأ يحتدم، فهتف عمران على الفور.
ــ يا أمي اهدي على حالك وعليها، مش شايفاها افتكرت ولادها وهتتقطع عليهم! أي أم هتتحمل ولادها وبتتحمل أي كلمة منهم طالما موجوعين قوي واللي حصل لها يقطم الضهر وما حدش يستحمله واصل ألمه تقيل قوي وهي ما تقصدش اللي انتِ فهمتيه واصل.
شعرت مها بثقل وألم نفسي شديد انتابها عقب كلمات والدتها الثقيلة على قلبها، ثم رددت وهي ما زالت تنفطر من البكاء.
ــ حرام عليكِ يا أمي بزيادة عاد! ليه هتحمليني ذنبك في اللي هتفتكريه؟ هو إني ناقصة اللي فيا مكفيني؟ كل اللي اني محتاجاه منك إنك تشوفي راحتي إني قبل أي إنسان، تشوفي إيه اللي هيسعدني قبل ما يسعد غيري، إني أولى بعطفك من أي حد.
هدأتهم سكون بكلماتها، وهي ترى الحزن والضيق يخيم على ملامحهم بكثرة.
ــ يا أمي مها تقصدش اللي وصل لك، ممكن نهدى عاد ونسيب اللي فات ومنفتحش في القديم ونطويه، كل لما هنفتح النفوس هتشيل.
تنهدت ماجدة بحزن وهي ترى انفطار ابنتها الكبرى وتذكرها أبناءها وتبدل حالتها إلى السوء فور أن أتت سيرة عامر، فتفهمت الآن وجهة نظر عمران وخطت إليها وجذبتها بحنو بالغ إلى أحضانها، وهي تهدهدها بحنان بالغ.
ــ بس يابتي، بس يالغالية، ما عايزااش أشوف دموعك اللي هيقطعوا في قلبي كيف السكاكين، يغور عامر طالما هيخليكي بالحالة السودا داي، هرد عليه النهاردة وهقول له كل شيء قسمة ونصيب، وخليكي يا بتي مع جاسر طالما دي هو اللي هيسعدك، بس ياحبيبتي.
ازدادت شهقاتها في أحضان والدتها وتمسكت بها بشدة، وهي تحثها على أن تضمها أكثر، فهي في أشد لحظات ضعفها الآن وتحتاج إلى عناقها الذي يخذل ألف وجع وألم لم يتحمله بشر.
ــ احضنيني قوي يا امي، إني اكتر واحدة في الدنيا محتاجة حضنك، اكتر واحدة محتاجة عطفك، إني حاسة إني هشة قوي من جواي، وأي حد لو نفخ فيا وفي مشاعري بكلمة هطب ساكتة، وياريت يوحصل وأرتاح وأروح للغاليين، خلاص ما عايزااش جواز ولا من دي ولا من دي، هقعد وياكي اهنه.
شهقت سكون وماجدة وهتفن في آن واحد، وهي تشدد على احتضانها.
ــ بعد الشر عنك يابتي، يديم حسك وبسمتك وطلتك اللي كيف النسمة لامك يالغالية، دي إني يجرالي حاجة لو مسِّك الوجع دي، انتي بت عمري بكريتي اللي شافك قلبي قبل عيوني، ودايما كنتي حاملة هم خواتك وياي وربيتيهم معاي، طول عمرك حمالة القسية ياحبيبتي، اهدي يا أم الزين بعد الشر عليكي من الوجع وفطرة قلبك، لااا ياحبيبتي اتجوزي وحبي واتحبي واتهني، إني مهدومش ليكي العمر كله.
وظلت كلتاهن يبكين، مما جعل سكون هي الأخرى تبكي لبكائهن.
وعندما رأى عمران دموعها جذبها إلى أحضانه على الفور، وهو يهدئها.
ــ له يا حبيبي مهتحملش كله إلا دموعك، اهدى يادوك.
تمسكت بأحضانه الحانية، فشدد عليها وقبلها من رأسها قبلة محب عاشق، ثم ترك ماجدة ومها تفرغان شحنة حزنهما، فالحضن الآن بمثابة الوطن يحتضن الوجع والألم، حضن بمثابة الاحتياج للرغبة في المعيشة.
ثم ردد عمران أخيرًا.
ــ خلااااص بزيادة عاد بكا، إحنا عايزين الفرح مش الحزن الناقع دي، أهم الحريم اكده لما يمسكوا في النكد ملهمش كتالوج. خلاص يا أم الزين جواز إيه دي اللي مريداهوش واليتيم الغلبان اللي مستني على نار دي مين هتتجوزه غيرك، كانك أمك داعية لك والله بحق. ها يا أمي أتصل على جاسر وأقول له ياجي بكرة إن شاء الله؟
ربتت على ظهر مها متسائلة إياها.
ــ ها يابتي موافقة نقول له ياجي؟
صمتت ولم تجب، فرددت سكون على الفور.
ــ وه يا ماجدة لساتك هتستني رد؟ السكوت علامة الرضا ياحاجة.
ثم نظرت إلى عمران وطلبت منه.
ــ يالا يا عمران كلمه دلوك، خير البر عاجله، خلى الفرح يدخل قلوبنا والحزن يبعد عنينا.
نظر عمران إلى ماجدة متسائلاً بعينيه، فأومأت هي الأخرى برأسها للأمام ورمشت بأهدابها كعلامة للموافقة، فقام عمران وهاتف جاسر، الذي فور أن سمع الخبر هلل بسعادة، أخيرًا لنيل مبتغاه، ثم عبر عن سعادته لعمران.
ــ الله الوكيل لو أخوي ابن أمي وأبوي ما أحبه زيك يابن عمي، جميييل عمري ماهنساه لك أبدًا.
زمجر عمران بضيق من كلمته.
ــ جميييل إيه يابن عمي، إحنا أصلاً خوات، وإن مكنتش أقف جارك وأكون شقك اللي يتمنى لك السعادة والفرح من غيري ياجدع!
ابتسم جاسر قائلاً بتسرع.
ــ طب احنا لسه بدري أجي دلوك؟
منعه عمران بشدة.
ــ لااااا دلوك إيه دي هتبكي هي وأمها لما شبعانة، خليك بكرة أحسن تكون هديت.
ــ وه بكيتوا أم الزين يا عمران؟ والله حرام عليكم!
كلمات استنكارية نطقها جاسر بنبرة معترضة حزينة على حبيبته، فعقب عليها عمران بنفي عن حاله.
ــ وه وأني مالي ياجدع، واحدة وأمها هيبكوا مالي أنا! خلاص هقفل دلوك علشان أخد مرتي ونمشي، وبكرة عاد من النهاردة ميفرقش.
أغلق معه الهاتف، وظل جاسر يدور حول نفسه بغضب وهو يشعر بالضيق على حبيبته ومعشوقته، وهي تبكي الآن وحزينة، ويود أن يذهب إليها كي يخفف عنها آلامها وينهاها عن البكاء، فهو يشعر بأن قلبه يتمزق من الداخل لأجلها الآن.
***
في الساعة العاشرة مساءً، خرجت فريدة من المشفى وانهت ورديتها، ثم هاتفت سكون قبل أن تصعد سيارتها، وبعد أن أجابتها.
ــ اللي وحشاني وما بتسألش عليا، انتِ فين من ساعة ما أخدتي الإجازة؟ ما بتسأليش عني يا وحشة، عايزة أقعد معاكي نص ساعة لكده قبل ما أروح.
اعتذرت لها سكون عن تقصيرها معها.
ــ حبيبة قلبي انتِ عارفه ما أقدرش أستغنى عنك ولا أبعد، بس موضوع عمليتي وبعدين فرح رحمة وحوارات كتير اكده، هبقى أحكي لك عنها أول ما نقعد مع بعض وحدينا.
تفهمت فريدة ظروفها، ثم طلبت منها.
ــ طب عايزة أقعد معاكي دلوك ضروري، عايزة أتي في موضوع مهم، قولي لعمران يجيبك وتعالي لي على البحيرة نقعد هناك شوي في الهوا ونتكلم مع بعض، الموضوع ضروري حبيبتي.
كانت سكون مفعلة السماعة الخارجية، فسألت عمران بعينيها، فأومأ برأسه بموافقة، فاجابتها.
ــ خلاص يا فيري عشر دقايق وهكون هناك في المكان اللي بنقعد فيه على طول، استنينا.
أغلقت الهاتف، فسألها عمران بتعجب نظرًا لإلحاحها.
ــ يا ترى في إيه اللي مخليها مستعجلة قوي اكده؟ استر يارب.
ابتسمت له سكون وطمأنته.
ــ ما تقلقش يا عمران، أكيد ما فيش حاجة صعبة، طريقة كلامها هتقول إنه خير بإذن الله.
تعجل في سرعته كي لا يجعلاها تنتظر كثيرًا، ثم وصلا إليها في دقائق بسيطة، وجدوها تجلس أمام البحر تنتظرهم.
ذهبوا إليها وبعد السلام والاطمئنان كل منهم على حال الآخر، تحمحت فريدة قبل أن تبدأ حديثها.
ــ أممممم… في حاجة زينة قوي عايزة أخبرك بيها يا صاحبتي يا حبيبتي، بس خلي صدرك واسع وياي، علشان خاطر إني هحبك وهتمنى لك الخير من كل قلبي.
نظرت سكون إلى عمران نظرة اندهاش، وبالأخير أومأت برأسها بموافقة، فأكملت فريدة بوجه بشوش كي لا تصيبها بالذعر، لأن تلك المسألة أصبحت بالنسبة لسكون رعبها الأول والأخير.
ــ شوفي يا حبيبتي، في دكتور زميلنا جاي منتدب من بقاله شهر أكده في المستشفى، ولما شاف حالتك وسمع عنها لما كنت هتعملي العملية، فجالي بعد ما عملتيها، وكان عارف كل حاجة عن حالتك، وقال لي على دكتور كبير قوي في مصر، ووراني فيديوهات كتيرة قوي ليه، وبصراحة إني شفت الفيديوهات، حالات انتِ ما تجيش جنبها حاجة، وما شاء الله تبارك الله حملت وكملت حملها وبقيت أم، وانتِ الحمد لله مشكلتك مش معضلة قوي زيهم.
فقال لي إنه هيحجز لك هناك بنفسه هو والد صاحبه، وهيتابع معاكي الحالة، وبيقول كمان إن كل الحالات اللي عنده ما بتكملش خمس شهور، وبأمر الله بتحمل، لأنه دكتور شاطر جدًا، وكل الأجهزة اللي بيستخدمها من بره، وما فيش حالة بتستعصى عليه، ودايمًا يقول للحالة إن ربنا عنده الكتير والكتير، لدرجة إن في حالات حملت عنده وهي في سن الـ 45 بعد ما عملت عمليات ملهاش أول من آخر.
إني شايفة يا سكون إن انتِ تروحي له وربنا هيكرمك على يده بإذن الله، وممكن يكون ربنا بعت فارس في الوقت ده علشان خاطرك انتِ، هو في مشكلة واحدة بس، إن الكشف عنده غالي قوي والعمليات غالية، ودي طبعًا مش هتستعصى عليك يا عمران.
تبسم وجه عمران بأمل، ثم نظر إلى سكون مرددًا بانتصار.
ــ مش قلت لك ربنا ما بينساش حد أبدًا، مش قلت لك اصبري، الصبر جميل، وإني عارف إن ربنا مش هيكسر بخاطرنا أبدًا يا سكون.
ثم نظر إلى فريدة مشجعًا إياها.
ــ انتِ لسه هتسألي؟ خليه يحجز طبعًا ونروح ونعمل كل اللازم، دي سكون يعني فداها كنوز الدنيا كلها، ولو هبيع عمري مش هستخسره فيها، كله اللي هي.
كانت سكون في ذاك الوقت متمسكة بيده، فضغطت عليها بامتنان، وهي تشعر بالفخر بكون ذاك الرجل زوجها، بل أعظم انتصاراتها.
ودقات قلبها أعلنت الطبول مما قاله، ولكنها خائفة وما زالت، فهتفت بنبرة ضائعة فاقدة للأمل.
ــ بلاش يا عمران نروح، مش عايزة أدي اللي حواليا أمل جديد، وفي الآخر لو ما حصلش نصيب يحسوا بالهزيمة، وساعتها الدنيا هتبقى وحشة قوي في عيني.
لامها بنظراته بشدة، ثم نظر إلى فريدة وهو يشد يدها للقيام مؤكدًا عليها.
ــ خليه يحجز يا فريدة، واني هتابع معاكي أول بأول، وإن شاء الله نروح، واللي فيه الخير يقدمه ربنا، سواء كان بالجبر أو بالصبر، كل أقدار ربنا خير، وما حدش هيعرف بالموضوع دي خالص، إلا لما ربنا يكرمنا، ولا أمي ولا أبويا ولا أي حد في الدنيا، ولا حتى أهلها، هنروح مننا لنفسنا نتابع كل حاجة، ومعلش يا سكون ما تجيبيش سيرة لحد خالص، مش عشان خاطر يزعلوا أو ما يزعلوش، عايزين كل حاجة تتم في الدراما عشان ربنا يكرمنا، وعلشان نشيل همنا بنفسنا.
بعد أن أنهى كلامهما وشكرها، أخذها عمران، وطيلة طريقهما يلومها على كلامها وعلى إحساسها بالتشاؤم الذي أزعجه كثيرًا، حتى وصل إلى المنزل، فسبقته إلى الداخل، وبدور يصطف سيارته و سيطمئن على خيله قبل أن يدخل.
دخلت سكون وجدت زينب تنتظرها في بهو المنزل وحدها في ركن جانبي بعيدًا عن الأعين، وكانت شمس قد خرجت إلى البحيرة في جانب المنزل أو تبعد عنه بمسافة بسيطة، فقد أرسلت زينب معها الخادمة التي تعمل بالمنزل كونيس، فنادت على سكون تستدعيها للجلوس معها.
وبعد أن اطمأنت على حالها وعلى والدتها، دخلت في صلب الموضوع الذي ستتحدث فيه على الفور، مما جعل سكون قلبها يهوى بين قدميها من كلمات زينب.
ــ شوفي يا سكون يا بتي، عمران لما يدخل دلوك هتكلم وياه في الموضوع اللي اتفقنا عليه، كل ما عليكي إنك تقولي إنك موافقة، ودي الوعد اللي انتِ وعدتيه لي قبل سابق لما اتكلمنا ويا بعض، أنا قلبي متشحتف على حفيد لولدي اللي خلاص داخل على الأربعين، ما تزعليش من كلامي زي ما قلت لك قبل أكده، والله قلبي بيتقطع وأنا بقولها لك، بس من جوه كل حتة في قلبي وفي كل كياني رايدة لولدي العزوة وزينة الحياة الدنيا.
أظلمت عيناي سكون بغشاوة الدمع، فهي الآن بين قاب قوسين أو أدنى، ماذا تفعل تلك الأم المحقة في إحساسها؟ وماذا تفعل في ذاك المرض اللعين المحيط برحمها؟
وجدت حالها تومئ رأسها للأمام بقلة حيلة، وهي لم تجد التفكير الآن، فقد حصرتها زينب في خانة أضيق الحدود، وتوقف عقلها الآن عن أي رد فعل، والأخرى تربت على ظهرها كي تستعطفها.
ثم أتت اللحظة الحاسمة ودلف عمران إليهما، وجد سكونه في حالة يرثى لها، فشعر بوجود خطب ما، فسألهم.
ــ مالكم مبلمين أكده ليه؟ في حاجة حاصلت ولا إيه؟
ابتسمت زينب، ثم أمسكته من يده وجعلته يجلس بجانبها، وهي تنفي وجود شيء كي تجعله يهدأ وتستقر نفسه.
وبعد طمأنتها له بأنه لم يكن شيئًا ووجدت معالمه هدأت واستقرت، حتى قالت أمامهما بما صدم عمران.
ــ شوف يا ولدي، الموضوع دي كلمتك فيه قبل أكده، إني عايزك توبقى هادي، واني هتكلم وياك فيه، وخليت مراتك توبقى موجودة بالتحديد علشان كل حاجة تكون قدام عينيها وبرضاها وبدون غصبانية.
وأكملت حينما برزت عروق رقبته مما استشفه من حديثها ورأت ذلك، فقالت كلماتها دفعة واحدة جعلت ذاك الجالس يعلن عن ثورة عارمة لم تكن تتوقعها من ولدها الوحيد كي لا يتسبب في أزمة لزوجته، بل كل حياته وروحه عشقه الوحيد عشق العمران.
ــ إني اتكلمت ويا سكون في موضوع جوازك تاني عشان رايدة الحفيد وعايزة لك عزوة وزينة الحياة الدنيا، وهي ما عندهاش مانع. ف ليه تكابر طالما مفيش مشكلة هتحصل بينك وبينها وربنا يكرمك والدنيا هتمشي.
هنا امتنعت عقارب الساعة عن الدوران إجلالاً لما نتج من تحدي العناد أمام جيوش الغضب.
ثم تنهد بقوة، فأغلقت عيناها من هول زفيره، وهو يترك كلام والدته بأكمله ويتمسك في جملة واحدة.
ــ حقيقي اللي هتقوله أمي دي ياسكون؟ حقيقي إنك موافقة إن إني أتزوج عليكِ؟
صمتت سكون ولم تعرف بما تجيبه، فقد غرزت زينب السكين في صدرها أمامه وقضي الأمر، وتقف الآن كالمتهم في قفص الجريمة ولا تعرف بما تجيبه، ليس لديها سوى الصمت هو الذي يتحدث عنها، سوى الدقات المرتفعة التي يعلن عنها صدرها صعودًا وهبوطًا هما فقط من يراهم.
فعلم أنها وافقت، فأمسكها من كتفيها يهزها بعنف، ولأول مرة ترى سكون غضب العمران بتلك الدرجة الشديدة، مما جعلها سقطت مغشيًا عليها من هول الموقف، ولأول مرة يحدث ذلك، وهو لا يتعاطف معها ولم يهتز لغفوانها، فهو كان جيش حامي بسيوف العشق الشديد لها، وهي أول من سن سيفه وطعنه به في صدره، حتى ردد قبل أن يغشى عليها.
ــ وافقتي يا سكون؟! وافقتي إن حضن عمران يبقى لغيرك وكلام الحب اللي هيقوله لك عمران يبقى لواحدة تانية! اتنازلتي عني بالسهولة دي؟! أكده حضني وحبي وعشقي ليكي ومحاوطتي ليكي في كل حاجة طلع تمنهم رخيص حفيد لأمي وابن ليا من واحدة غيرك؟! خسرتي رهان قلبي عليكي، صدمتيني فيكي، كنت ردي عليها وقولي لها الا عمران، كنتي تسيبيني إني في وش المدفع وكنت هبقى الكفيل بكل حاجة بس ما توافقيش بالسهولة دي، كنت حصنك المنيع قدام أي حد مهما كان غلاوته عندي، بس كنت هاجي في آخر الليل وأترمى في حضنك وأشبع من حبك وعشقك وحنانك اللي ما كنتش عايز من الدنيا غيرهم، حسسيني إني عندك أغلى من كل حاجة في الدنيا وأغلى حتى من استعطاف اللي حواليكي ليكي، حتى لو كانت أمي، أنا مصدوم فيكِ صدمة العمر.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل السادس عشر 16 - بقلم فاطيما يوسف
ليلاً في مجلس ماجدة كان موعد لقاء عاشقين جمعهم القدر أخيراً. قلبان تقابلا بوجعهما وخيباتهما، وكل منهم رمم للآخر أوجاعه وبدل خيباته لجبر وعوض وأمان. قلبان ظلت الظروف تدهسهما بأقدامها المتجبرة، ورؤيتهما لبعضهما رطبت جروحهما ورممتها بكل الحب والغرام والهيام. قلبان عاشا محرومين، وكل منهم يبحث عن نصفه الآخر ومُكمِله، حتى التقيا في نقطة الغرام المتيم وولدا عشقا جديدا أسماه ذاك المتيم بها عشق الجاسر للمها.
كان الجمع حولهم سكون، وعمران وماجدة يقرآن الفاتحة بعد أن اتفقا على كل شيء. وإن كُتب كتابهما بعد أسبوع واحد من الآن، سينتظره جاسر على أحر من الجمر كي يطمئن.
بعد جلسة دامت أكثر من ساعة، تركوهما كي يتحدثا وحدهما. وما إن جلسا وحدهما حتى نطق ذاك العاشق الولهان:
"هي القاعدة بتقول إيه يا أم الزين؟"
ابتسمت بوله لطريقته المحببة إلى قلبها، التي اتبعتها بدعابة مماثلة:
"قاعدة إيه؟ هو إحنا في حصة علوم يا متر؟"
اقترب بجلسته منها غامزاً بإحدى عينيه، وهو معجباً بطريقتها، فخفة الدم تليق عليها بشدة، أعجبته:
"له حلوة وعجبتيني، استمري بقي علشان يطلق علينا الكابل المشاغب. بالنسبة للقاعدة هتعرفيها، بالنسبة للحصص دي شغلانتي معاكي، هعلمك ألف باء في أبجديات عشق الجاسر."
وأكمل مشاغبته:
"نقول القاعدة بقي يا بطل؛ الحلو لازم نقول له في وشه يا حلو، وانت يا باشا مش حلو بس، دي إنتَ كسـ.ـرت القاعدة وفرتكت قلب الباشا ياباشا. إيه يا أم الزين، سيبي حبة حلا للبنات والستات الغلابة يابطل قلبي."
زينت البسمة الحالمة قلبها، فقد زراها الغزل أخيراً بعدما ظنت أنها لن تصلح للغزل كباقي النساء. ثم نظرت أرضاً بخجل، فلأول مرة تجرب تلك المشاعر، ولأول مرة تسمع أذنها تلك الكلمات، مما جعل ذاك الجاسر يشعر بالرغبة بها الآن، فهي كتلة من الأنوثة المتفـ.ـجرة لأي رجل. ثم طلب منها بنبرة مبحوحة تأثراً بخجلها:
"أم الزين… متشليش عيونك الحلوين دول من عيوني، كفاية أشواق بقى. خلينا نبص لبعض كتير ومنضيعش وقت، غير وانتي ساكنة عيني وقلبي."
رفعت جفونها ببطء، وقلبها يكاد يقف من دقاته، وهي لم تصدق أنها كانت محرومة من كل تلك المشاعر والأحاسيس التي أُلقيت على مسامعها للتو. فقد كانت لا تصدق أنها سيحلو لها العمر في غمضة عين عندما قابلت ذاك الجاسر. ثم سألته بنبرتها الرقيقة وعينيها الساحرتين، سكنت عينيه العاشقتين:
"عايزة أسألك سؤال، انت حبتني إمتى أو إيه اللي شدك ليا خلاك تشوفني بطل أحلامك؟"
بدأ شبح ابتسامة خفيفة على ثغره، ولكنها سرعان ما اختفت في بحر لهفته لاحتضانها، وقد أُعجب بسؤالها بشدة وسعد لاستجابتها لمشاعره الفياضة:
"مش هتصدقي حبيتك إزاي! حبيتك من صورتك وقلبي في نفس اللحظة اللي شافت صورتك فيها. اتعلق وعيوني فضلت تتأمل الجمال اللي صوره ربنا فيكي. وتصدقي كمان، جمعت شخصيتك الرقيقة الهادية الناعمة من صورتك. وقد كان قلبي مكذبش عليا، من أول ما شفتك وسمعت صوتك في المكتب، كان هاين عليا أقوم استقبلك بالأحضان وأهمس لعينك بحمد الله على السلامة يا أم الزين، رممتي صحرا الجاسر ورويتي عطشه الملهوف للعشق من ونسه اللي كان هيتمناه. باختصار بسيط يوصف حب جاسر ليكي؛ لما اتقابلنا إحنا الاتنين، لقتني بجزم من جوايا إن لا حد بعدك يملي عيوني ولا حد قبلك حبه يرضيني. وقد تمنيتك بروح الروح، حبيتك يا أم الزين."
بللت حلقها الذي جف من كثرة كلماته العذبة التي سحبتها لعالم الخيال، سحبتها لعالم ممتلئ بالورود والبساتين وحوله الشموع المضيئة، وهي وهو يتمسكان كل منهم بيدي الآخر ويطوفون حول الورود الحمراء والبيلسان في عالمهم الساحر، وهي ترطب على قلبه هو الآخر:
"طب تعرف إن إني أول مرة أحب؟ أول مرة قلبي يدق في عمري. معشتش سن مراهقة حتى، معرفش يعني إيه سكن وسكينة اللي ربنا قال عليهم. معرفش يعني إيه حضن يدفي، ولا أعرف يعني إيه إيدين تسحبني لعالم المشاعر اللي بين راجل وست. عارف الجفاف العاطفي الاسم ده ينطبق عليا قوووي."
كان متعمق النظر على شفاها وهي تلقي على مسامعه ترنيمات أعذب الألحان، ثم تحدث بإعجاب لحديثها المُثلج لقلبه المسكين في الغرام:
"الله الله يا أم الزين على كلامك اللي أسعدني وخلاني طاير في السما، وكأنك إنتي النجوم اللي مزينة قلبي من جوة. شوفي بقي إنتي أكده جيتي في منطقتي، منطقة الراجل اللي يعرف يدلع الست اللي معاه ويخليها تحس إنها منفردة على ساحة العشاق، لأني بقدر الحب قوووي. يعني من النوع اللي مهحبش التلكيك على أي حاجة في العلاقة، بحب فيها الهدوء النفسي والسلام اللي يخلي اللي بحبها وعايشة معايا تمام وهي مطمنة على نفسها. بمعنى هوصلك معايا لدرجة إنك لو غلطتي في حاجة تيجي بنفسك وتحكيهالي، وإني هفهمك قوووي بكل هدوء ونحاول نصلح الخطأ بكل هدوء بردو. يعني مش هتلاقي واحد داخل يشخط وينطر عمال على بطال. الحياة دي بالنسبة لي مزعجة قوي، ما فيهاش روح، فيها دايماً تعب أعصاب، وإني حابب إني أعيش وياكِ أجمل سنين العمر يا أحلى حاجة في العمر كله قابلتها في حياتي، بطلة عشق الجاسر وأحلامه وأيامه."
سألته برهبة المشاعر الثـ.ـائرة والمثـ.ـيرة التي اقتحمها ذاك العاشق:
"معقولة تكون إنت الصبر الجميل اللي اتحملته طول السنين داي كلها اللي ربنا قال عليه "فصبراً جميلاً" وبعتك ليا في أشد لحظات احتياجي!"
رد عليها بنفس المشاعر ونفس رهبتها وإثارتها:
"ومعقولة إنتي الحب الكبير اللي استنينه واتمنيته وطلع حلو قووي. شكل ورقة ونعومة، إنتي العوض اللي ربنا قال عليه "مدخلاً كريماً"، ودخلني جنتك الحلوة في أشد ساعات حرماني!"
ثم نظرا كلتاهما إلى الآخر بعشق توغل في قلوبهما، عشق حقيقي لن ينتهي مهما مرت عليه القرون. وحدثتها عيناه بلهفة مغرم متيم:
جئتُكِ بقلبٍ مُتلهفٍ كي يهدأ
برؤى عيناكِ كمثلِ "قيسٍ"
الذي أتى "ليلى" بأسبابٍ مُلفقةٍ
وما أكثرَ أسبابَ الحبِّ وعلاَّتِه.
وشعرتُ بالفوزِ بكِ
كمثلِ "أنطونيو" الذي سنَّ سيفهُ وهزمَ أعداءَهُ
وحلَّق بارعاً كي يركبَ جناحاتِ الشوقِ
ويستقرُ تحتَ أقدامِ "كليوباترا"
أسمى أُمنياتِه.
جئتُكِ مُتمنياً، راغباً، أُراقبُ
فذتكِ كمثلِ "روميو" في سُهدِ الليالي
وعيناهُ ساهرتينِ
آملاً نظرةً واحدةً من "جوليت"
كي تهدأَ ثوراتِه.
وكأنها فهمت ما قالته عيناه، فحدثته عيناها بغرام متيم لرجلها الأول والأخير:
"نحتاج أحياناً لبداية جديدة.. لنقطة من أول السطر
نريد ترتيب أوراقنا
نحلم بأن نحكم على الأشياء بعقولنا
نريد فتح صفحة لم يكتب فيها حرف، لم تتلوث بخيبة
ولم تشهد على كسر خاطر ووجع قلب
نحتاج لأن نكون مثل فصل الخريف،
ندع كل ما يؤلمنا يتساقط من داخلنا
لنفسح المجال لربيعٍ قادم."
********
أتى يوم الجمعة واستيقظ العروسان، فاليوم قد أتما أسبوعاً على زواجهما. فاق ماهر أولاً وهو ينظر إلى تلك الغافية في سبات عميق، وطيلة الليل كلما تغمض عيناه ويذهب هو الآخر في سباته، يستيقظ على حركاتها المصارعة في نومها وهي تتململ وكأنها على حلبة مصارعة وليست على التخت. ثم عض على شفتيه غيظاً وقرر أن يوقظها رعباً، فضـ.ـربها على جبهتها بغيظ يملؤه. فقامت مرتعبة ووجدته من فعل بها هكذا، فصرخت به بغيظ مماثل بعدما أرهبها:
"انت اتجننت؟ في حد بيصحي حد بالطريقة دي يا مفتري."
ثم قامت من مكانها في لحظة واعتلته وهو مستلقٍ على ظهره، وهي تلكمه بقبضتها الصغيرة بغيظ شديد منه، ولكنها لم تكمل فتبدل الوضع سريعاً وهو يلقيها على التخت ويثبت كلتا يديها وهو يشعر بالانتشاء وكأنه ينتقم منها، ليقول باستنكار مصطنع وهو يجز على أسنانه:
"هو انتِ كنتِ بتلعبي مصارعة وانتِ صغيرة، ولا كان حلم حياتك تبقي من المصارعات يا أندرتيكر نسخة نسائية! طول الليل ألاقي رجل في بطني وضهري وكف على وشي، وما عرفتش أنام منك ثانية وكأني نايم جنب عيلة صغيرة مش ست رقيقة أكده نايمة جنب جوزها. ده انتِ كسرت قواعد النسوة الناعمة يا بت سلطان."
حاولت فكاك يدها من يده، ولكنه كان ممسكاً بها بقبضةٍ من حديد وهو ينظر إليها بشماتة الانتصار عليها:
"مش هتقدري، دي إنتِ في قبضة الأسد، اللهم لا حسد ياحلوة."
على حين غرة، باغتته بضـ.ـربة من قدمه أسفل بطنه، جعلته أفلت يده وهو يمسك أسفل بطنه هاتفا بآهٍ نُطق من لسانه تلقائياً:
"آااه يابت المجانين، هتضيعي مستقبلك في لحظة يا أم مخ تخين."
ضحكت بانتصار الآن عليه وهي تباغته بضربات متتالية وهو في تألمه الآن بمهارة وشقاوة:
"هو انت مفكرني هستسلم ولا إيه يا متر؟ إذا كنت إنت الأسد، اللهم لا حسد، فأنا التوب والموب والكنتالوب يا موري."
"توب وموب وكنتالوب! دي القافية عندك واخدة حقها تالت ومتلت…" كلمات متوعدة نطقها بغيظ وهو يجز على أسنانه ويتوعد لها بأن يهلكها ويجعل جسدها الذي تستقوي به عليه هشيماً بين يديه الآن. ثم حاول إمساكها وهو يردد:
"طب تعالي بقي والله لا أربيكي ومش هخلي حتة في جسمك سليمة يابت سلطان، شوفي هعاملك معاملة الشاذيين النهاردة."
لم يستطع امساكها، فجرت من أمامه مسرعة وهو يحاول اللحاق بها، وهي بجسدها الرشيق وخفتها المتناهية جعلته جن جنونه من أفعالها، لتقول أثناء هرولتها بإغاظة له:
"ده انت وقعت مع الخطر ولا حد سمى عليك يا ابن الريان، دي إني هدوخك اكتر واكتر وهخليك تقول حقي برقبتي. واما نشوف مين اللي هيكسر مين ويدوخ مين النهاردة، يانا يا إنت، فاهمد بقى على الصبح بدل الاصطباحة اللي توجع القلب دي."
قذفها بالوسادة في وجهها وهو ينهال عليها سخرية:
"إيه الألفاظ البيئة دي يابتاع الكنتالوب؟ دي أنا مش متجوز أندرتيكر، بس دي باين إني اتجوزت جمالات آداب الرقاصة اللي في شارع الهرم يابتاعت الاصطباحة."
أعادته الوسادة قذفا في وجهه، فتفاداها بعيداً عنه وهو يجري وراءها مثلهم كمثل القط والفأر، ومن يراهم يسقط أسفله ضحكاً من أفعالهم. وأخيراً بمهارة استطاع امساكها، ثم حملها ورماها على التخت ونزع ملابسه عنه وهو يقترب منها بقوة، جعلتها ترتعب مردداً بانتشاء وهو يرى الرعب والهزيمة واضحين في عينيها:
"دي إنتِ هتتقطعي وهتتفرمي والقطر هيدوس عليكي يا أندرتيكر دلوك، وهتصيحي ومش هتلاقي حد ينجدك يا جوجو."
كانت تحاول الإفلات من قبضته، ولكنه ممسكاً بها بشدة من كلتا يديها وأقدامها بمهارة. فهي رغم ضعف جسدها، إلا أنها خفيفة ولديها فرط حركة بطريقة لا توصف، وهي تنطق باندهاش:
"مين جوجو دي؟ انت تعرف واحدة عليا اسمها جوجو؟ انطق يا خاين."
"جوجو دي دلع جمالات آداب اللي تليق عليكي يا روحي…" جملة دعابية نطقها وهو قاصد استفزازها، ثم أكمل:
"وفري بقى طاقة الهري اللي انتي عمال على بطال شغالة فيها دي لصحتك أحسن ما تلاقي نفسك رحتي في خبر كان دلوك يا بت سلطان، عشان تعرفي ابن الريان اللي هتتريقي عليه هيسويكي على الجنبين."
ثم اقترب منها في عاصفة هوجاء نالت استحسانها، مما جعله جن جنونه أكثر من تلك المتغيرة عن جميع نساء حواء، والتي جعلته عاد وكأنه شاباً في العشرينات وليس رجلاً أربعيني.
بعد مرور ما يقرب من ساعة، كانت تقف أمام المرآة تمشط شعرها وهي تشعر بالسعادة من كون هذا الرجل زوجها الذي أدخلها جنات عشقه المولع بها. وكان هو الآخر قد ارتدى جلبابه البيضاء، فكان حقاً في زيه الأبيض وبالجلباب بالتحديد مثيراً للغاية. فالتقطت عيناه عيناها في المرآة، فغمز لها بشقاوة جعلتها أثيرت. فالتفتت إليه وهي منبهرة بطلته التي جعلت قلبها يخفق داخلها، فلأول مرة تراه بالجلباب. فتركت المشط من يدها وخطت إليه وكادت أن تلمسه كي ترتمي في أحضانه، ولكنه ابتعد عنها على الفور وكأن عقرب سيلدغه، مما جعلها تندهش من حركته تلك وهو يردد بتحذير مغلف بالدعابة:
"هتعملي إيه يا متهورة؟ بعدي يدك عني، إني متوضي وخلاص فاضل على الجمعة عشر دقايق فما تلمسنيش."
ثم غمز لها بدعابة:
"ولو عايزة مباراة تانية معنديش مانع بعد الصلاة يا رحمتي."
ضحكت باستمتاع للحديث الثائر بينهم، ثم غازلته بعشق سوقي نال إعجابه وهي تبادله غمزته:
"ماشي يا حضرة المتر، بس عايزة أقول لك الجلابية البيضا عليك حاجة قمر قوي قوي، يخربيت رجولتك وجمالك فيها يا جدع، واخد الرجولة كلها لوحدك، بس الحمد لله صبت عند رحمة."
"وه وه، هتحسديني عيني عينك أكده يا رحمتي؟ أكده خطر يا خطر إنت على جنس آدم." كلمات دعابية نطقها ذاك الماهر بنفس طريقتها، فحقا كانوا مبهرين. ثم نظر إلى ساعته، وجد أنه لم يتبق إلا القليل من الوقت على الصلاة، فودعها قائلاً بمودة استقرت قلبها ورزقته السكينة:
"خلي بالك من نفسك يا رحمتي، عقبال ما أجي علشان في كلام طويل لسه عايزين نحقق وندقق فيه ونشوف أصله إيه وفصله إيه. يوم مبارك علينا يا صغنن."
أنهى كلامها ثم تركها وذهب إلى تأدية فريضة الجمعة، وأنظارها الهائمة متعلقة به، وكأن الكون بأكمله يدور حول ماهرها، متيمها المغرمة به.
بعد مرور نصف ساعة قضتها في المنزل تشعل البخور، وجدت حالها تشعر بالحر الشديد، فخرجت إلى الحديقة كي تجلس بها أمام حمام السباحة. الذي ما إن جلست أمامه حتى أغرتها المياه والجو حر للغاية، فوجدت نفسها تلقي بحالها داخل الحمام كطفلة صغيرة، وتوقفت في نقطة مستوى جسدها، فحمام السباحة مقسم إلى نقاط على حسب الطول. وظلت تداعب المياه بسعادة عارمة وتلهو داخل المسبح، وتناست الوقت، فالإبحار في المياه يسحب من يسكنها وكأنها سحر.
إلى أن سحبتها المياه العذبة، وهي لم تجيد السباحة، ووجدت حالها تغطس داخل المياه، ولا يستطيع جسدها النحيف أن يلاحق قوة سحب المياه لجسدها أسفله. ظلت تجدف بذراعيها بقوتها، ولكنها لم تستطع، والآن شعرت بالخطر الشديد، وباتت تجزم أنها على مشارف الموت، وزوجها لم يكن موجوداً، وفقدت كل قوتها في أن تنجد نفسها من ظلمات البحر، والموقف أصبح خطراً، بل بدا أكثر خطورة. ثم استسلمت لواقعها الأليم، ولم تستطع إنقاذ نفسها، فغابت عن الوعي داخل المسبح.
بعد مرور بضعاً من الوقت، عاد ماهر من الصلاة، وأقدامه تسابق الخطوات كي يرتمي داخل أحضان معشوقته التي غيرت حياته وجعلت يومه وباله مشغولاً دائماً بها، وأصبح محور سعادته يدور حولها وحدها. وصل المنزل أخيراً، وقبل أن يدلف إلى باب الفيلا، مر من الحديقة، وكأن القدر من بعثه في ذلك الوقت. ولاحظت عيناه من بعيد شيئاً ما داخل حمام السباحة من مياهه الزرقاء الصافية، فمن يقف أمامه يرى أرضه واضحة كوضوح الشمس في كبد النهار. أحس بانقباض قلبه وعيناه تتفحص المسبح من بعيد، وأقدامه جرت مسرعة وكأنه يشعر بوجود خطب ما. وما إن وصل ورآها حتى اتسعت مقلتيه ذهولاً من الموقف، وهو ينادي بأعلى صوته عليها:
"رحمممممممممممة، رحمممممممممممة."
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل السابع عشر 17 - بقلم فاطيما يوسف
أحس بانقباض قلبه وعيناه تتفحص المسبح من بعيد.
أقدامه جرت مسرعة وكأنه يشعر بوجود خطب ما.
وما إن وصل ورآها حتى اتسعت مقلتيه ذهولا من الموقف.
وهو ينادي بأعلى صوته عليها:
رحمممممممممممة، رحمممممممممممة.
خلع جلبابه على الفور حتى يكاد أن يتقطع بين يديه.
وقفز داخل حمام السباحة سريعاً وقلبه وعيناه من الهلع تشيبان الرؤوس.
ظل يسحب بيديه سريعاً وفي أقل من خمس ثواني كان قد وصل إليها.
رفع جسدها عن الماء بين يديه وهو يحتضنها بشدة.
ثم أبحر بقدميه حتى أخرجها من المسبح ووضعها أرضاً.
وبدأ بضغط يديه أسفل معدتها حتى تخرج المياه من بطنها.
ظل يفعلها كثيرا إلى أن وجدها لم تفق.
هوى قلبه بين قدميه فزعا عليها.
فأمسك ذراعها كي يرى نبضه.
وجده بالفعل لم يتوقف عن نبضاته.
فحملها على الفور وهرول مسرعاً بأقدام تسابق الزمن.
وضعها في سيارته وانطلق على الفور إلى المشفى.
كان ينظر إليها وهي مغشيا عليها في الكرسي الخلفي طيلة الطريق.
وهو يدعو الله أن تكون بخير.
فهو إن فقدها لن يستطيع العيش يوما واحدا بعدها.
فهي أصبحت له كل شيء في عمره.
أصبحت له النفس الذي يخرج من رئتيه.
فبدونها ستكون الحياة صحراء جرداء قاحلة.
فمن غيرها أذاقه الحلو بنعيمه؟
ومن غيرها أذاقه شهد الحياة الدنيا؟
ومن مع غيرها سيبتسم ويشعر بأنه كائن حي على وجه الأرض غير تلك الرحمة التي أرسلها الله له.
وبالفعل كانت رحمة لقلبه المسكين الذي عاش سنوات من الفقدان المرير عقب ذكرياته الأليمة مع جنس حواء.
وصل إلى المشفى ثم حملها بين ذراعيه ودلف داخل الاستقبال.
وهو ينادي بأعلى صوته:
حد يلحقنا بسرعة قبل ما نبضها يقف.
أقدم إليه عدد من الممرضين ويليهم طبيبان واستلموها من بين يديه.
هرول وراءهم ولم يتركها وهو يوضح لهم ماذا جرى لها وهو ينهج بشدة:
رجعت من الصلا لقيتها غرقانة في حمام السباحة.
حاولت افوقها ما عرفتش فجبتها على اهنه طوالي.
ممكن تتصرفو بسرعة.
دلفوا بها إلى غرفة الفحص السريع وبدأوا بإنعاشها.
ولكن يبدو أن الحالة خطيرة للغاية.
وهو يقف معهم يمسك يدها والرعب يزداد داخل قلبه عليها.
وكل تفكيره الآن أنها ستضيع من يده.
أما هي نائمة بحالة يرثى لها.
فتحدث الطبيب سريعاً وهو يرى شفتيها الزرقاء:
لازم تدخل العناية المركزة حالا.
الجسمُ محروم من الأكسجين ودي ممكن يسبِّب ضرر لأعضاء الجسم خُصُوصًا الدِّماغ.
يالا بسرعة بلغيهم يجهزوا العناية.
أما ذاك الماهر ردد بفزع لما استمع إليه:
يعني ايه حد يفهمني هي كويسة ولا له!
وليه عناية مركزة هي حالتها خطيرة للدرجة دي؟
تفهم الطبيب فزعه وتحمل علو صوته فهو الآن رجل مرتعب على زوجته التي بين أيادي الله:
للأسف حالتها صعبة جداً.
ولو ال ٢٤ ساعة عدوا عليها هتوبقى بخير.
فادعي ربنا تعدي على خير.
بعد اذنك ممكن تخرج دلوك علشان نشوف شغلنا لان التأخير ثانية واحدة خطر على حياتها.
فخلينا نسعف الحالة.
اتسعت مقلتيه هلعاً من كلام الطبيب له.
ثم ارتخى جانباً على الحائط كي يفسح لهم المجال لإسعافها.
نقلوها سريعا إلى غرفة الرعاية وهو لم يفارقها رغما عنهم.
وارتدى هو الآخر ملابس العناية وهو يقف بجانبها.
وقد بدأو بتوصيل خراطيم التنفس لها وإمدادها بالاكسجين.
وهو فقط ينظر إليها وعيناه تحكي لها آلاف الحكوى.
وكأنها تترجاها أن ترفق بحالته هو لا بحالتها.
وهي الآن ملقاه على تخت الموت.
فعل لها الأطباء كل الإسعافات الأولية وظلوا أكثر من ساعتين يجرون إسعافاتهم.
حتى تركوها لأثر الأجهزة تتفاعل معها.
وهو ما زال بجانبها لم يتحرك.
وما إن خرجوا حتى جلس على الكرسي الموجود بجانب التخت.
وأمسك يدها واحتضنهم بين كفاي يداه.
وبدأ يقبلهم قبلات خوف من الفقدان.
وهو يضع إحدى يدها على وجنته ويردد لها كما لو أنها تسمعه:
متسبنيش يارحمة.
مش هقدر أعيش ثانية من غير وجودك في حياتي.
إنتي بالذات خسارتك معناها موتي.
ومع كل كلمة تخرج من شفتيه ينهيها بقبلاته لباطن يديها كي يشعرها بدفء وجوده.
وهذا ما أوصله له عقله وهو يشعر بأن قلبه يتمزق وجعا بين أضلعه على نصفه الآخر ومُكمِلَه.
بعد مرور ساعة وهو على حالتها صدح آذان العصر.
فشعر بأنه يريد أن يناجي ربه أن يرعاها ويجعلها في كنفِه وأن يحفظها له.
ثم وضع يدها برفق وقبلها من جبينها وتركها وذهب إلى المسجد كي يؤدي فريضة العصر ويدعو الله لها أن يشفيها.
بعد أن أنهى صلاته جلس يناجي ربه بقلب خاشع:
يارب تخليها لي وتشفيها.
مش هقدر على فقدانها هي كمان.
لاااا هي فقدانها من حياتي يعني موتي.
مش هقدر أعيش من غيرها.
انت اللي وضعت حبها الكبير في قلبي يارب متحرمنيش منها ولا توريني فيها وحش يارب.
وظل يدعوا ربه ويناجيه.
ثم خرج من المسجد وقام بمهاتفة سلطان فهو أبوها كي يبلغه ما حدث لها.
وما إن علم حتى أصابه الفزع هو الآخر.
فذهب لزينب الذي ما إن رأته حتى نظرت إليه بغل يملأ العالم بأكمله مما فعله بها.
وكاد أن يتحدث معها إلا أنها منعته بيدها قبل أن يلفظ بكلمة واحدة:
متتكلمش معاي خالص من ساعة ما اتجرأت ومديت يدك علي.
ومليكش صالح بيا خالص أني هعيش وياك منظر بس قدام الناس علشان خاطر ولادي يا خاين العشرة يا ابو يد طَويلة واستقويت بيها علي.
لم يكن لديه طاقة على الإطلاق لمجاراة تلك المتشبسة العنيدة.
حتى أبلغها بما جعلها فزعت وقفزت من مكانها هلعاً:
ولا كلام دلوك ولا يحزنون قومي بتك غـ.ـرقت في حمام السباحة.
جوزها راح يصلي الجمعة ورجع لقاها غرقانة وخدها على المستشفى ودلوك في العناية المركزة بين ايادي الله.
لو هتاجي وياي يالا.
انصعقت مما قال بل فُزعت ونطقت برعب وهي تضـ.ـرب بيدها على صدرها:
انت هتقول ايه بتي رحمة العروسة اللي مبقلهاش أسبوع!
انت بتكدب علشان ترعبني يا سلطان.
ضـ.ـرب بعصاه في الأرض وهو الآن لم يتحمل تساؤلها وابنته بين الحياة والمـ.ـوت:
هو أني ههزر دلوك قومي البسي علشان نروح نشوف حوصل ايه على ما أبلغ عمران.
قامت على الفور وهي تندب بلسانها وقلبها يدق بنيـ.ـران الخوف داخلها.
وأشرعت في ارتداء ملابسها بهوجاء.
أما في الخارج أبلغ عمران الذي انصعق هو الآخر.
وقام بتبليغ حبيبة هي الأخرى وجميعهم من صدمتهم كأن الطير أكل رؤوسهم.
بعد وقت قليل وصلوا جميعا متتالين إلى المشفى بأوجه يملؤها الرعب على تلك الرحمة.
هرولت زينب مسرعة إلى ماهر وهي تسأله على حالة ابنتها:
في ايه طمني يا ولدي بتي زينة صح؟!
أجابها بأسى يملأ معالم وجهه وعينيه محمرتان من أثر الحزن:
ادعي لها يا أم عمران الحالة مطمنش خالص وربنا يستر.
عدَّدت بعويل وهي تخبط بيدها على رأسها:
آه يابتي ياصغيرة وملحقتيش تفرحي بجوازك ولا شبابك.
نهاها سلطان وقطع عويلها صارخا بها:
وه انتِ هتعددي على البت وهي لسه عايشة على وش الدنيا بدال كلامك دي ادعي لها ربنا ياخد بيدها وتقوم بالسلامة.
قطمت عويلها وأبدلته بدعواتها وهي تشهق بشدة.
ثم وجه سلطان أنظارها إلى ماهر متسائلاً إياه:
هو الدَكتور قالك ايه يا ابني؟
أجابه وعينيه متعلقة بغرفة العناية النائمة فيها وقلبه ينفطر ألماً عليها:
قال لي لو عدت الاربعة وعشرين ساعة على خير هتفوق لو معدتهمش هندخل في حوارات تانية ربنا الستار منها.
أقبل عمران مهرولا عليه هو الآخر ومعه سكون وحبيبة التي خُـ.ـطف لونها هي الأخرى على شقيقتها الصغرى.
وسألهم على حالتها وعلموا ما بها أجمعهم والخطر بداخلهم بدأ يتصاعد فحالتها يبدوا أنها صعبة للغاية.
عدد من الساعات هو الفارق لراحة قلوبهم على صغيرتهم المحببة إلى قلوبهم ولكنها تمر عليهم كالسنوات.
ظلوا يدعون إليها كثيراً وأعين بعضهم تذرف دمعاً.
على الجانب يجلس عمران بجانبه سكون تهدئه ومن داخلها تتآكل خوفاً على رحمة فهي طبيبة وتعلم مدى خطورة الحالة وأن الغريق لن يُنجى بسهولة:
متقلقش ياعمران هتوبقى زينة وربنا هياخد بيدها وهترجع لنا بالسلامة بإذن الله.
تعلقت عيناه الحزينة بالغرفة الماكثة بها شقيقته ليقول بدعاء:
يارب، يارب، حكم إنتي متعرِفيش رحمة داي بالنسبة لي ايه!
هي مش أختى الصغيرة بس، له داي بنت قلبي اللي كنت بحكي لها كل اسراري وكانت تحلها معاي بحكمة ورغم شقاوتها إلا إن عقلها كَبير ويوزن بلد.
لو جرى لها حاجة مش هتحمَل والله العظيم ما هتحمَل.
ربتت على ظهره بحنو وهي تهدهده بكلماتها البلسم الشافي لقلقه:
لااا إن شاء الله مش هيجرى لها حاجة طالما طلعت من المسبح فيها النفس يوبقى إن شاء الله هتروق مجرد ما جسمها ياخد الأكسجين اللي ناقصة ويستكفى هتوبقي زينة متقلقش ياعمران.
سألها بتشتت:
بجد يا سكون ولا انتِ بتهديني وخلاص؟
أكدت له بما لم تتأكد منه هي الأخرى فبالفعل حالتها صعبة ومن المحتمل حدوث جلطة دماغية أو شلل نصفي بسبب الغرق.
ولكن لم تريد ان تشعفه عليها:
بجد ياقلب سكون ربنا بإذن مهيضرناش فيها.
ثم جالت ببصرها وجدت زينب تبكي بشدة فاستأذنت من عمران ان تذهب اليها كي تهدئها وتقف بجانبها.
ولكنه توجس خيفة من رد فعل زينب فهي الآن جانية عليهم بشدة لخروجهم من عرينها.
فقام معها ووقفت سكون بجانبها تطمئنها:
متبكيش يا ماما الحاجة هي هتتحسن بإذن الله.
اني دخلت اطمنت على مؤشرات القلب والتنفس لقيتها ماشية الحمدلله بمعدل كويس.
رمقتها “زينب” بنظرات لائمة وسط حزنها وصَعُبَ عليها حالها أن ترد على طمئنتها لها.
ثم أدارت وجهها للناحية الأخرى مما أزعج عمران كثيراً.
فاحتضنها من كتفها وقبلها من رأسها بحنو جعلها ابتسمت له بتقبل لموقف والدته.
مما جعل حركته تلك تشـ.ـعل نيـ.ـران الغيرة داخل “زينب” فهي ظنت أنه بتلك الحركة يكيدها بأنه الداعم لزوجته ضد أفعالها.
لم يعجب سلطان تصرفها هو الآخر فتحمحم متسائلاً سكون كي ينزع عنها الحرج من موقف زوجته ويحفظ لها ماء الوجه:
يعني حالتها هتتحسن يابتي ولا هتفضل في الحالة الخِطرة داي؟
أحست “سكون” باللطف من رد فعل “سلطان” معها فأجابته بابتسامتها الملائكية:
طبعاً يابابا متقلقش اني هدخل لها دلوك وهطمَن عليها وهطمنكوا وبإذن الله ربنا مش هيوجع قلوبنا عليها.
رمقها “سلطان” بنظرات ممتنة راقت “لعمران” وشعللت في قلب “زينب” أكثر.
ونظرت لها بأعين تكاد أن تفتك به:
ممنحرمش منك يازينة البنات روحي يابتي وطمنينا ربنا يجعل في وشك القبول ويراضيكي ويرضيكي يارب.
أمنت على دعائه بابتسامة ثم تركتهم وتلاها “عمران” فهو صمم ان يدلف معها كي يطمئن على شقيقته ويهدأ قلبه المولع.
أما “سلطان” بادل “زينب” بنظرات التحدي التي شنتها عليه:
انت قاصد تكيدني صوح!
طب اعمل لزعلي منيهم اعتبار ولا اني أصلا مليش اعتبار عندك يا عشرة عمري بالاسم بس!
أجابها بقوة وغيظ وهو يعيرها بنظرات حادة لائمة:
إحنا في ايه ولا ايه يامرة إنتي!
اشغلي حالك ببتك اللي بين أيادي الله جوة داي ولا انتِ ما بتتعظيش!
ربنا عمل فينا اكده علشان خاطر جاية على الغلبانة اليتيمة اللي عماله تقتي فيها كل شوية اداكي فوق دماغك علشان خاطر تبعدي عنيها وبرده مش سالمين منك ولا من نظراتك ولا من نارك يا زينب.
قال على راي المثل قالالحما حما لو كانت نازلة من السما.
حدجته بريبة لتنهره بحدة:
ماشي يا حنين يا ابو قلب طيب واني ام قلب شرير ربنا يخليك للغلابة واليتامى واني ربنا يجحمني عشان اني ست قاسية.
نفخ “سلطان” بضيق من كلماتها ثم نهرها بحدة وهو يضـ.ـرب كفا بكف:
لا حول ولا قوة الا بالله، لمي تعابينك يا زينب اني ما متحملش دلوك واعصابي تعباني بسبب اللي احنا فيه.
هو انتِ ايه ما بتحسيش يا ولية انتِ!
الله الوكيل لو ما قفلتي خشمك ده لهكون مكسر العصاية دي على راسك دلوك قدام الخلق طالما مش متعظة حتى، قبر يلم العفش.
زمجرت بغضب شديد من طريقته الحادة معها ثم توعدت له:
طب وأيمان الله يا سلطان لهكون فايتاها لك ومش قاعدة لك فيها وابقي شوف مين هيعبرك بقي تاني لما بتي تخرج بالسلامة.
دب بعصاه أرضاً من تشبش رأس تلك الثائرة هادراً بها:
طب ابقي عتبي برة عتبة البيت اكده من غير اذني وأني هكون كاسر لك رجلك قبل ما تعمليها ومش هخليكي فيكي حتة سليمة.
حدجته بنظرات نارية لتقول بإصرار:
لما تشوف هتُضرُب وهتكسِر كيف وبردوا هنفذ اللي في دماغي ومش هطوِلك شعراية مني تاني اللي لما تتأسف على اللي انت عميلته معاي.
نفض جلبابه بحدة ليعنفها قبل أن يمشي من جانبها:
حرق أبو اللي جابك يابت نفيسة، أدي المكان ليكي اهري وانكتي في حالك لحد ما راسك توج من الهرى والنكت اللي هترطيه من خشمك، حرمة بدرجة عقرب.
اختمرت الفكرة برأسها وقررت تنفيذها بعد أن تركها مغتاظاً من هرائها وهم في تلك الحالة.
وهي تحدث نفسها بضيق عارم:
ماشي يا سلطان إن ما عرفتك كيد الحريم بحق مبقاش حرمة بدرجة عقربة زي ما هتقول وانت اللي جبته لحالك.
وظلت على حالها ذاك فاقتربت منها حبيبة عندما وجدتها تحدث حالها هكذا:
في ايه يا ماما هتكلمي حالك ليه؟
مطت شفتيها بامتعاض وهي تجيبها:
فيه ان الدنيا اتقلب حالها وما عادش لست البيت هبيتها ولا كرامتها وكله بقي هينهش فيها ودي كلاته علشان رايدة الخير للكل.
مطت حبيبة شفتيها هي الأخرى بعدم فهم وهي تسألها:
وه حوصل ايه دي أني فايتني كَتير بقي عاد؟
التوت ثغرها بحسرة وهي تلقي اللوم على حبيبة هي الأخرى:
أه مانتي التانية من ساعة ما خلفتي ولادك وانتي ما بقيتيش تسألي في امك إلا لما ياجي لك كيفك شكل ما يكون ربيت وكبرت للغايبة والغايب وما بقاش ليا حد اشكي له همي واني وحدي لا اب ولا ام ولا اخ ولا حتى واد ولا بت مفيش غير الوحيدة اللي بين ايادي ربنا اللي كانت واخدة بالها مني وهتحبني وتخاف علي.
ثم أكملت ببكاء عليها:
ربنا يشفيكي يابتي ويرجعك ليا بالسلامة وتقومي على خير.
حسدوكي يا الغالية على جوازتك وملحقتيش تتهني بجوزك ولا يتهني بيكي.
رفعت حبيبة جفونها ببطء ثم قالت باعتذار من تقصيرها في حق والدتها وقد تعلقت عينيها بالغرفة الملقاة فيها شقيقتها بين أيادي الله:
معلش يا أمي حقك علي انتِ عارفة التوم مطلعين عيني ومش مخليني أبص وراي حتى غير اني قاعدة مع حماتي بردو مش وحدي وبعدين ربنا يخلي لك عمران ومرته ماليين عليكِ الدار هتعوزي مننا ايه تاني احنا.
وبعدين برده يا امي مش وقتَه الكلام في الموضوع دي ورحمة دلوك بين ايدين ربنا لما نروح بيها نتعاتب براحتنا، ربنا يقومك بالسلامة يا خيتي.
تأففت بامتعاض لحماقتها فيما قالته عن “عمران” وزوجته:
أها عمران ومرته!
بس يا بتي بس كفاياني حسرة على اللي أني فيه شكل الدنيا قررت تديني فوق دماغي لحد ما تجيب اجلي اهو الواحد يرتاح ويقابل رب كريم من الهم اللي هو عايش فيه.
لم تريد حبيبة أن تستفسر عن ما تقصده والدتها لا الزمان ولا الظرف ولا المكان يسمحوا بتلك الهرائات من وجهة نظر حبيبة.
فظلت الصمت وأصبحوا جالسين كل منهم ينهشه القلق على تلك الملقاة داخل غرفة الرعاية.
أما بداخل العناية المركزة وبعد مرور عدة ساعات أخرى يجلس ذاك الزوج المنفطر ألماً على حبيبته وهي الآن بين أيادي الله متعبة بشدة ويتحدث معها بشجن كما أنها تسمعه:
حرام عليكي يارحمة بزياداكي بقي.
بقى لك أكتر من عشر ساعات غايبة عني وعن وعيك فوقي بقي يابت قلبي.
فوقي خلي قلبي اللي هيبكي بين ضلوعي يبطل نبض وجع ممتحملش.
ليه تعملي في حالك وفيا اكده.
إنتي عارفة اني مليش غيرك وانتي بالذات لو مقمتيش منها ورجعتي لي هعيش ميت بالحيا.
ماهر الريان الصلب اتولد على يدك ورجع شاف الحياة الحلوة وبهجتها بسببك.
ولو رحتي فيها مهيرجعش تاني واصل.
ارحمي قلبي وفوقي يارحمة إنتي قوية وقدها وقدود وهتقدري وهترجعي لي.
ثم نظر إلى السماء مناجيا ربه بأسى:
ياااااااااااارب رجعها لي يارب وقومها منها سالمة غانمة يارب.
وظل يتحدث معها كما أنها تسمعه كي يسكن صوته عقلها الباطن فهذا ما يبلغه قلبه به أن يفعله.
في المشفى التي تعمل بها فريدة فاليوم موعد سهرتها في المشفى.
كانت تقف في الشرفة المطلة على غرفة فارسها متيمِها ومالك روحها بحالمية.
كانت تنظر إليها وتتمنى أن يخرج الآن كي تراه وتستقر عينيها في عينيه.
فقد شعرت بالاشتياق إليه كثيراً وأصبح يومها لم يكتمل بدونه وبدون مشاغباته معها وبدون كلامه المعسول الذي يلقيه على مسامعها.
أصبحت تفكر به ليلا ونهارا وصار النوم يجافي عينيها كثيراً وعقلها لم يتوقف عن التفكير به وقلبها لم يتوقف علي أن يحلُم به.
ويبدو انها أصبحت مغرمة بها ولن يحلو يومها أو يكتمل بهاه بدون أن تعرف كيف قضى يومه؟
كيف كان مِزاجُهُ؟
هل دخل دوامة فارس المنفصم اليوم أم لا؟
كل تلك الأسئلة كانت تراود عقلها وما زالت عينيها متعلقة على باب مكتبه وداخلها يرغب شوقا في النزول إليه وأن تتحدث معه.
ولكن لا يصح فهو في كل مرة ذهبت إلى مكتبه تكون رغما عنها منه.
ظلت على حالها هكذا ساعة بأكملها إلى أن رأت مشهداً جعلها انصعقت.
ذاك المشهد الذي رأته قبل ذاك تلك الممرضة دالفة إليه غرفة مكتبه.
فلم تفكر كثيرا فهرولت مسرعة وهي تهبط الأدراج سريعاً حتى التوت قدمها مع آخر درجة وتأوهت بشدة وهي تجلس مكانها تمسك قدمها بيدها.
وكأن القدر يمانعها علي أن تدلف لذاك الفارس معذبها.
ولكنها أصرت علي القيام وتعرجت بقدمها كي تصل إليه.
فهي لديها تصميم أن تدخل عليه في ذاك التوقيت خصيصا كي تواجهه أمام خطيئته وتعطيه درساً لن ينساه حتى تجعله يفيق من تلك الدوامة التي تنتابه في اليوم عشرات المرات.
ظلت تعرج بقدمها التي تؤلمها بشدة ومن الواضح أنها أصابها كسر حتى وصلت إلى الغرفة التى أغلقتها تلك السافرة للتو والتهى معها ذاك الفارس ونسي إغلاقها من الداخل.
فتحت الباب فجأة وعلى حين غرة باغتتهم بوقوفها أمامهم ورأته في أقذر مشهد يمكن أن تراه أنثى لحبيبها.
ذاك المشهد الذي جعلها أغمضت عينيها من قذراته وعدم تحمله أي أنثى عاشقة لرجلها الأول.
حيث وجدته يحتضن تلك السافرة ويقـ.ـبلها بطريقة مقززة.
تلك الثواني التي رصدتها عينيها وجعلتها في تلك اللحظة تود أن تكون عمياء ولا أنها ترى ذلك الفارس في ذاك المشهد المريع لقلبها المسكين في العشق الأول.
أما هم نظروا إليها بصدمة من تلك الممرضة.
أما ذاك الفارس نظر إليها نظرة مهتزة في البداية ثم تبدلت نظراته المهتزة إلى جاحدة هادرا بها:
انتي إزاي يابني أدمة إنتي تقتحمي المكتب بالشكل الهمجي ده.
هو انت هنا في الصعيد بهايم للدرجة دي معندكوش أداب الاستئذان؟
لم تعتري كلامه أدنى اهتمام ثم نظرت إلى الممرضة آمرة إياها بحدة لاذعة:
يالا يا سـ.ـفلة يا سـ.ـهلة يا رخـ.ـيصة استري حالك واخرجي من اهنه حالا ومتتكررش تاني وخلي بالك دي تاني تحذير مني ليكي.
المرة الجاية وعهد الله لا هكون جايبة المستشفي كلها ورايا وأعملك أحلى تشريفة تليق بوساختك يا مجـ.ـرمة.
ثم تحركت خطوتان حتى وهي تعرج بقدمها ولكزتها في كتفها وكأنها تنتقم منها بتلك الحركة.
ورددت وهي تجز على أسنانها بغضب شديد فقد انطبع مشهدهم القذر في ذهنها ومن الصعب أن تنساه:
وعهد الله المرة الجاية لهكون جاية بأمن المستشفي وأخليهم يلفوكي في ملاية واللي ما يشتري يتفرج عليكي ويوبقى إنتي الجانية على نفسك.
أطلقت تلك الممرضة نظراتها المشمئزة وهي ترتدي تنورتها التي عبث بها ذاك الفارس على الفور وعدلت من كنزتها المفتوحة وهتفت بوجه مكشوف هي الأخرى:
دي من بعض ما عندكم يا دكتورة يا صاحبة الصون والعفة.
ما اني بردو بشوفك وانتِ داخلة أوضة الدكتور وهتقعدى وياه بالساعة لحالكم هتكوني بتعملي ايه غير اللي هعمله يعني فمتعشيش دور الطاهرة الشريفة كلنا في الهوا سوا يا حبيبتي.
اندلعت ثورة الغضب من تلك الفريدة وهي تنظر لذاك الفارس نظرات لائمة تحمل بين طياتها الجَلد.
وعلى حين غرة باغتت تلك السـ.ــافرة بصـ.ـفعة على وجهها جعلت الأخرى ترنجت على أثرها وهي لم تصدق أن تلك الصفـ.ـعة هوت على وجهها مع إطلاق فريدة سـ.ـبابها لمكشوفة الوجه تلك:
اخرصي قـ.ـطع لسانك يا مجـ.ـرمة إنتي عايزة تشبهيني بيكي وبقرفك دي!
وضعت تلك الممرضة يدها على وجهها وهي لم تصدق إلى الآن أنها صفعت للتو.
ثم اقتربت منها ورددت بفحيح لتلك الأبية:
بقى انتِ يابت البوابين تمدي يدك علي!
طب يمين على يمينك لأكون أني اللي جايبة لك الأمن اهنه لما تدخلي له ياحية وهشوف مين هيلبس مين الملاية يا داكتورة؟
بادلتها فريدة نفس نظرات التحدي دون ان تكترث لهرائها وبعيناي قويتين تشع منهما كرامة الأنثى الذي أُهين أبيها للتو فتتت قوتها الواهية:
دي بعدك ونجوم السما أقرب لك من انك تشوفيني في منظر زي دي.
فوقي يا سافلة مش كلنا زي بعض ولا كلنا في الهوا سوا.
اني اه بت بواب زي ما انتي ما قلتي بس البواب ده طلعني دكتورة قد الدنيا ويمشي يفتخر ببته وسط الخلق.
اني مش هجيب سيرة ابوكي ولا امك ولا هعايرك بيهم عشان هم غلابة ما يستاهلوش ان هم يتعايروا بسبب واحدة رخيصة زيك هتجيب لهم العار.
وان كنتِ عاملة حسابك على اللي في دماغك فدي بعدك لاني داخلة اهنه لزميل ليا بنتناقش في مرضى مشتركين فيها احنا الاتنين.
ثم أكملت وهي تلكمها في صدرها مما جعل الغل يكاد يضئ النيـ.ـران من عيناي تلك المستفزة:
ولو جبتيهم حداي اهنه مش هتشوفي نفس منظرك السافر لاني مش شبهك اصلا ولا عمري هبقى شبهك، فمهما تعملي مش هتقدري توصلي للي في دماغك علشان اني لما ابقى داخلة اهنه اولا بسيب الباب مفتوح ثانيا بدخل قدام كل الناس مش في انصاص الليالي.
واللي خلاني ادخل دلوك اني شفتك زي ما شفتك قبل اكده فاحترمي نفسك ولميها علشان هي متبعترة قوي وان ما لمتيهاش اني اللي هلمها لك.
يلا يا بت اطلعي بره من هنا وحذاري أشوفك تعتبي باب الأوضة دي تاني.
اقتربت منها تلك الممرضة وهي تنظر لها بغيظ شديد ثم قررت أن ترد لها القلم الذي هوى على وجهها قبل أن تخرج فهي لن تستطيع ان ترده لها اذا ذهبت من أمامهم الآن.
ثم ناظرتها بغلظة ورفعت يدها وكادت أن تهبط على وجهها وقد تبدلت نظراته الغليظة الى مبتسمة باستفزاز لتخيلها أنها اخذت حقها في صفعتها الآن.
ولكنها لم تلحق ان تشعر بانتصارها فقد علق يداها ذاك الفارس في الهواء وهو ينظر لها بفحيح مما أرعبها ملقيا تهديده عليها:
هتعملي ايه يا بت انتِ اوعاكي اشوفك تتكلمي معاها بالطريقة دي تاني يا اما هخليكي تروحي لعزرائيل راكبة طيارة.
حذاري طريقة الكلام ولا رد فعلك اللي شفتها دلوقتي تتكرر تاني والا انتِ عارفة هيحصل لك ايه وهوديكي فين ومش عايز اشوف خلقتك دي تاني في المستشفى خالص يعني تاخدي بعضك وتلمي نفسك وتقدمي استقالتك وما اشوفش وشك هنا تاني يا اما هخليكي تتندمي انك اتولدتي في الدنيا دي علشان يبقى لسانك ده يحترم نفسه بعد كده.
ثم أكمل بأمر قاطع لا يقبل النقاش:
ودلوقتي اعتذري لها حالا على الطريقة اللي كلمتيها بيها يا زفتة انتِ يا اما مش هيحصل لك طيب.
ارتعبت تلك الممرضة بشدة من تحذيرات فارس فلم تكن تتوقع أن يقف في صف تلك الفريدة خاصة أنه في بداية دخولها عليهم هدر بها وعنفها بشدة.
ولم تتحمل أمر استقالتها فهي تحتاج الى عملها بشدة فاقتربت منه وهي تتوسل إليه:
أرجوك يا فارس بيه هعتذر لها مش هاجي ناحيتها خالص بس ما تخلينيش اسيب شغلي اني بصرف بيه على بيتي وعلى عيالي عشان متجوزة راجل ما لوش لازمة في الدنيا.
ثم وجهت أنظارها إلى فريدة تتوسل اليها هي الأخرى كي تجعله يسامحها ويعفو عنها فهي علمت مدى جبروته.
كما انه يهددها بتلك الصور والفيديوهات التي يمسكها عليها ورأتها بأم عينيها.
وهي تقترب منها كي تسحب راسها وتقبلها بتحايل ولكن فريدة كانت تبعد رأسها ولا تريدها ان تقترب منها فهي تشعر بالاشمئزاز منها بشدة:
ارجوكي يا دكتورة ما تخليهوش يأذيني انتِ عارفة احنا غلابة وشغلي دي مصدر رزق واكل عيشي اني وولادي واني والله بعتذر لك وحقك عليا وهطلب نقلي من الدور دي خالص لا القسم دي خالص وهروح القسم اللي جنبنا مش هتشوفي وشي تاني بس ما تخليهوش يعمل فيا حاجة ولا يفضحني.
أبعدتها فريدة بيدها وهي تشير ناحية الباب أن تخرج من الغرفة:
طب يلا روحي شوفي شغلك واطلبي نقلك من الدور دي خالص ومش عايزه اشوف وشك تاني اهنه ويا ريت تحافظي على اكل عيشك ورزقك اللي ربنا بيبعته لك بالحلال ما تلوثيهوش بالقرف اللي انت بتعمليه دي وتبرري تقصير جوزك معاكي بإنك تعملي الخطيئة وتغضبي ربنا اللي سترك مره واتنين والتالته مش هيسترك واحمدي ربنا انك وقعتي تحت يدي اني لأني ما بحبش الفضايح لحد يلا اتفضلي.
هرولت من أمامهم وهي تدعي لفريدة بالستر بأنها تركتها تعمل وتسترزق دون أن تقدم استقالتها وأجزمت داخلها أنها لن تمر من هذا القسم مره ثانية وأن تبتعد عن ما يؤذيها فقد تأدبت تلك المرة بشدة.
أما فريدة نظرت إلى فارس ولم تستطيع أن تصمت فأقدمت إليه ووقفت أمامه ثم لكمته في صدره بقوة وهي تعيره بنظراتها النـ.ـارية الثاقبة:
انت ايه يا اخي ها!
ايه اللي انت فيه دي!
ازاي توصل نفسك انك ترتكب ذنب وكبيرة من الكبائر واهنه في مكان زي دي مستشفى لمعالجة المرضى؟!
انت ازاي بتقدر تعمل اكده فوق بقى اني تعبت منك ومن افعالك اللي قربت تجنني؟
نظر لها ببرود مميت اصطنعه لحاله كي لايضعف أمامها وكأنها لم تقل شيئا.
ثم أخرج سيجاره وبدأ ينفس دخانه بشراهة أذهلتها.
فهو لم يكترث لغضبها ولم يعي له أدنى اعتبار.
فأخذت منه السيجار ودهسته تحت قدميها مما جعله اقترب منها بهوجاء وهزها من كتفها مرددا بجحيم أذهلها:
شكلك نسيتي نفسك واديتيها حجم اكبر من حجمها معايا انا فارس عماد الالفي يا هانم فوقي لنفسك واعرفي انتي واقفة قدام مين وبتتكلمي مع مين!
وما تتدخليش في حاجة ما تخصكيش انا حر أعمل اللي على كيفي مش انتي ربنا اللي هتحاسبيني.
ويالا اطلعي برة بدل ما اعمل حاجة تخليكي تندمي عليها طول عمرك يلا.
انتفضت أعينها بحدة وهي تطالع ذاك الفارس الذي تحول لشرس كالذئب المخيف بنظراته القاتمة وعينيه الحمراوتين.
ثم هتفت بإصرار:
مش هخرج يا فارس وريني بقى هتعمل ايه علشان خاطر ما يحصلش طيب النهاردة بسببك وبسبب دماغك الناشفة دي.
فوق يا فارس بقى اني تعبت منك ومعاك بقى لي كذا شهر معاك وانت على الحالة دي فوق بقى حرام عليك.
ازاي تعمل في نفسك اكده وتدمر نفسك بالطريقة المجرمة دي.
أجابها متهكما بكلمات خرجت من بين أسنانه بحدة:
انا مش فاهم انتِ ليه مصرة تتعبي نفسك معايا.
امشي انا ما فيش مني فايدة مش عايز اشوفك تاني يا اما هتتأذي بسببي.
ثم أبدل طريقته الحادة إلى أخرى هادئة وكأنه المتحكم الوحيد في انفعالاته وذلك من حالته التي يحياها ودمرته بأكمله:
امشي يا فريدة أحسن لك انا مش عايز اقلب حياتك المستقرة الهادية لعواصف ولا انا انفعك ولا انتِ تنفعيني.
قطبت جبينها وهزت رأسها بعدم فهم وتسائلت متعحبة:
مش بمزاجك تقرر تبتديها وبمزاجك تقرر تنهيها.
احنا خلاص مصيرنا بقى واحد واني محتاجة منك انك تفوق وكل ما تيجي تدخل دوامتك المهلكة ليك ولروحك تفتكر كلامي اللي هقوله لك دي.
بص للسما وقول لربنا يا رب فوقني يا رب ارحمني من ضعفي استنجد باللي خلقك ما تستنجدش بالضعف يا فارس انت حد جميل وراقي ولازم تواجه عماد انك مش هتستمر في اللي هو عايزه منك.
تنفس بحدة وصدره يعلوا ويهبط وهو يخبرها بما يضيق في صدره وانطلق به لسانه:
أصلك متعرفيش هو بيعمل ايه عماد ما سابش حاجة غلط وحرام الا وعملها ما بيهمهوش ضعيف ولا ست ولا راجل ولا كبير ولا صغير.
ثم لا حظت تمدد ملامحه بضحكة هادئة ثم همس في مسامعها بصوت هدر أرعبها وجعلها تبتعد بخطواتها قليلاً:
أصل عماد بيتاجر في الأعضاء وبيأجر رحم ستات للتقال اوي اللي في البلد وزراء ومستشارين ومستويات علشان مراتاتهم مش عايزه تحمل وتبوظ جسمها بالحمل او اللي ما لهاش في الحمل اصلا.
ثم أكمل بنفس نظراته المرعبة التي يطالعها بها وهو يكمل مدى قساوهة ما عاشه مع ذاك العماد:
تعرفي كان بيعمل كده مع عبير كان بيأجر الرحم بتاعها كل سنتين مرة لحد ما الرحم بتاعها ما بقاش يتحمل وهي كمان جسمها ضعف من كتر ما خلاها تعمل العملية دي ولما ما لقاش منها منفعة في الحوار ده بدا يتسرسب على أعضائها من غير ما تعرف ولا تاخد بالها مرة كلية ومره طحال لحد ما قرر في الآخر لما بقت على سرير المرض جسمها ما بقاش متحمل مضادات ولا مخدرات ما بقتش قادره تتحرك جالها جلطة من اللي عملوا فيها واللي هي عرفته بالصدفة لما راحت كشفت على نفسها وعملت فحص كامل لجسمها وطلع واخد منها الأعضاء دي اتجلطت في ساعتها قرر ان هو ياخد منها قرنية عينيها لبنت واحد له مركز كبير قوي في البلد وهي كانت عينيها الوحيدة اللي سليمة اللي فيها سمعته بالصدفة وهو بيتفق مع الراجل ده وكان متفق كمان مع الدكاترة اللي هيعملوا لها العملية ولقيتني بعيط تحت رجليها وبقول لها فاكرها مش سامعاني ولما اكتشفت كده اترجتني ان انا اشيلها المحلول وأريحها من الدنيا لأنها كانت قاطعة الأكل والشرب خالص وعايشة على المحاليل.
شهقت فريدة شهقة عالية وهي تضع يدها على فمها تكتم شهقتها إثر ما استمعت إليه.
فلم تكن تتخيل أن يكون ذاك العماد بتلك الفظاعة من فظاظة القلب وحدسها لم يكاد يصدق ما استمع اليه الآن.
ولأول مره ترى ما تشاهده في التلفاز في المسلسلات والأفلام بام عينيه متجسدا أمامها.
وهي تحرك رأسها برفض قاطع لما قاله ذاك الفارس وردد لسانها باستنكار:
معقوله يكون في بني ادم عايش على وش الدنيا بالطريقة دي!
ازاي مامتك استحملت كل دي!
وازاي اصلا تقدر تبص في وشه!
وازاي قادر تقول له يا بابا!
دي شيطان بيتحرك على الأرض في جسد انسان.
اني مش متخيلة اصلا ان في بني ادم اكده!
قول انك مزودها شوية واني اللي سمعته دي من بحر الأوهام.
كل تلك التساؤلات فرضتها فريدة على مسامع ذاك الفارس الذي ابتسم بسخرية.
فما بالك أيتها الفريدة لو عشتيه لحظة بلحظة!
لو أتاكي وجعه ودق في معالم جسدك يوما بيوم!
لو عشتي الخذلان يوماً واحداً من أقرب الناس اليكِ؟
الخذلان من أقرب الناس قد يخلف في القلب جرح لا يلتئم أبداً.
الخذلان لا يطاق ولا يحتمل، فقد يجعله يكره القلب والروح وإذا انكسر في القلب شيء لن يعود.
فخذلان الأحبة هزيمة لا انتصار بعدها و يوم الخذلان عظيم لا يمكن أن يمحى من الذاكرة.
فقد كان متألقاً في خداعي، فأنا أشهد له أنك مخادع عظيم.
وضجيج الجرح ما زال يؤلمني، فطريقته في الأذى كانت قاسية.
كل تلك الكلمات التي كانت تصارحها بها عيناه وكأنها فهمت ووعت لما يقوله وهي تشفق عليه لما أوصله لتلك الحالة بل إنه تحمل ما لم يتحمله بشر منذ أن كان طفلاً صغيراً وهو يعاني من ذاك الشيطان الذي يعيش معه وجعله فقد طفولته وأحب الناس إلى قلبه بل ودمره كلياً حتى وصلوا الى تلك المرحلة من العناء.
فهل تستطيعين فريدة اخراجه من هذه الدوامه والظلام القاحل الذي يعيش به؟
كيف ستداوين كل تلك الجروح والندبات التي تملئ قلبه بتلك الدرجة؟
وهو ايضا محقٌّ في تلك الدوامة التي يعيش بها ولربما كانت تلك الدوامة هي من جعلته يعيش إلى الآن فهي أخف من أي قضاء ومن الممكن أيضاً ان تكون تلك الدوامة التي يهرب بها من الواقع المرير كانت قضاء الله له كي يجعله يستمر وأن لا يؤذي بحياته إلى الموت فسبحان الله رب ضرة نافعة.
ثم وجدت حالها تقترب منه وتنظر في عينيه بقوة وهي تبثه الثقة في نفسه:
بس انت من جواك رافض الوحش اللي بيعمله عماد وبتستنكره وطالما اكده يوبقى انت حد كويس قوي يا فارس فاني عايزاك تنسى اللي فات وتمحيه من حياتك بأستيكة وتبعد عن عماد وتهدده انه لو جه ناحيتك هتـ.ـموت نفسك وهتبلغ عنه وهو طالما ما جاش ناحيتك من البداية يبقى بيخاف عليك جدا لأنه اكده هيعتبرك راس ماله في الحياة وفي وجهة نظره انت اللي هتحافظ وهتستلم الامبراطورية اللي هو عميلها فعلشان اكده مهما يحاول يهددك ما تستسلمش وما تدخلش جوه الدوامة اللي بتخليك تشوف نفسك زيه بالظبط.
أرجوك يا فارس اني محتاجاك في حياتي ومحتاجة وجودك وانت آمن.
اني وانت بقى قدرنا واحد لازم تفوق يا فارس لازم تنسى الماضي بألمه وجرحه وعذابه.
تنهد بأنفاس عالية لكلماتها التي اقتحمت مخيلته وقلبه وعقله وما عاد قادرا على الاحتمال أكثر من ذلك بين الماضي الحاضر وبين الألم والأمل وبين الجبر والصبر.
وشعر بأنه أصابه الدوار في رأسه فترنج قليلاً في وقفته.
فعل الفور أسندته بدرع حامي له وكأنها تؤكد له أنها لن تتركه ابدا مهما كان ومهما حدث.
ثم جعلته يجلس على الأريكة الموجودة وهو يسترخي بجسده.
ثم رددت على مسامعه آيات من القرآن الكريم كي تجعله يهدأ وبالفعل شعرت بانتظام انفاسه ودقات قلبه العالية هدأت قليلاً.
وهي تبتسم في وجهه لتقول بأمل مغلف بالتمسك بالحياة وحقهم فيها:
ممكن تاخد نفس عميق وتهدى خالص وصدقني طول ما انت قريب من ربنا طول ما انت هتوبقى بخير.
عبير ماتت يا فارس الوجع اللي كان بيهددك وبيخليك تدخل جوه الدوامة دي بقت بين ايدين ربنا فما بقتش محتاجة انك تتوجع عشانها ما بقتش محتاجة غير انك تقول ربنا يرحمك يا امي ربنا يرزقك الجنة على حس تعبك في الدنيا هي مش عايزة منك غير اكده وكمان عايزة تشوفك ناجح في أمان بعيد عن عماد فانت لازم تتحدى الوجع وتتحدى اي ظرف هيخليك تمشي في طريق عماد.
انت جراح شاطر جدا ابدأ حياتك لوحدك بدماغك ودراعك والحسنة الوحيدة اللي عملها لك في حياته انه علمك كويس.
امشي طريقك زيك زي اي شاب وكأنك يتيم ما لكش اب.
ابنيها بعيد عنه اهنه في بلدنا وان شاء الله اني واثقة انك هتوبقى حاجة كبيرة قوي.
رفع جفونه ببطء ثم قال بنبرة أجش مبحوحة تأثراً بحديثها في إعلانها عن احتياجها له وأن يظل بالقرب منها:
ياه شايف في عينيكي حب كبير قوي عمري ما كنت اتخيل اني أقابله في يوم من الأيام واعيشه واحسه واخاف عليه واخاف حد يمسه او يجي ناحيته.
يعني دلوقتي احساسي ناحيتك يا فريدة خوف من الفقدان وخوف من المستقبل اللي جاي خوف عليكي قوي وانا مش ضامن انا اصلا هعيش ولا لا.
منعته أن يكمل:
هششش متمكلش أرجوك ومتجيبش سيرة المووت.
احنا لسه في أول يوم حب ورجا من ربنا ان انت توبقى لي.
اوعدني يا فارس وعد المحبين انك هتجاهد علشان توبقي وياي.
اوعدني انك مش هتدخل دوامة فارس المنفصم تاني أني عايزة منك وعد صريح ليا وأني واثقة انك هتوبقى قد الوعد.
ابتلع أنفاسه بصعوبة وهو متردد أن يعدها بشئ ويخلفه معها.
ثم همس برجفة:
أنا عايز أبقي معاكي ونفسي تكوني ليا وأضمك لقلبي وعيوني متشوفش غيرك بس خايف أوعدك موفيش.
دب القلق في صدرها مع تنهيدة حارة خرجت من ثغرها وهي تظن أنه لن يُشفى وان كلامه معها لم يؤتي ثماره.
شعرت للحظة بفقدان الأمل.
ولكن دقات قلبها السريعة من نظراته المتمنية لها اعادت لها الثقة به.
وهي تؤكد له انه سيستطيع ان نطقها:
انا واثقة يا فارس انك لما توعدني هتنفذ الوعد علشان عبير الله يرحمها ربت فارس بجد اسم على مسمى.
ثم أكملت حديثها وهي تعطيه أملاً في الحياة من جديد وهي تومئ رأسها للأسفل بخجل:
عارف يا فارس انا حبيت عبير قوي من كلامك عنها وبجد لما نتجوز بإذن الله ويكون لينا بيت صغير يجمعنا مع بعض في حلال ربنا هدعي لها كتير قوي انها جابت للدنيا انسان زيك عشان يكون من نصيبي.
وكمان أول ما اخلف بنوتة هسميها عبير على اسمها ودايما هكلمها عنها واقول لها تيته كانت قد ايه جميلة وقد ايه كانت راقية قوي ونقعد ندعي لها ونقرأ لها قران كتير قوي هخليك تشوف عبير قدامك على طول.
اني واثقة و متأكدة في ربنا انه هيجبرك قوي يا فارس.
تبسمت عيناه أملاً وعشقاً وشعر اليوم أنه ولد من جديد على يد تلك الرائعة الراقية.
وشعر الآن بمدى رحمة الله به بأنه أوقعها في طريقه.
ثم هتف بامتنان لها وهو يعدها الآن:
شكراً انك موجودة في حياتي يافريدة.
شكراً انك رحمة ربنا ليا في أشد أوقات احتياجي لحد يخرجني من اللي أنا فيه واللي انا عيشته.
شكراً ليكي انك اتحملتي تعب نفسيتك بسببي وبسبب اللي انتي عانتيه معايا.
ثم تذكر الممرضة التي كانت معه منذ قليل وأكمل وهو يشعر بالخجل من حاله:
شكرا انك استحملتي تشوفيني في وضع زي اللي انت شفتيني فيه مع الممرضة وأصريتي ان انتي ما تمشيش وطلعتيني من وحل خطيئة كنت هرتكبها.
ثم تمعن النظر في مقلتيها ونطق متأثراً بحالمية وجودها معه فدوماً يبعثها الله كطاقة النور في أشد أوقات عتمته:
إنتي شعاع النور وسط ضلمة الفارس وانتي المكان الآمن لخوف الفارس وانتي كل حاجة حلوة في حياة الفارس.
ربنا يخليكي للفارس ويديمك نعمة في حياتي يافريدة.
ما أحلى تلك المشاعر التي تنتابنا عند اللقاء، وما أرق تلك الأحاسيس، وما أصدق تلك القلوب، وما أجمل اللقاء!
لقاءٌ نسيمُه الشوق وعبيره الإخلاص، ينبع من بساتين الحب في ربيع العمر، في أرض القلوب في لحظة اللقاء.
ما أجمل العيون ونظراتها وما أجمل الأحاسيس وتصويراتها لحظة لقاء الحبيب.
فهي إبحار في فضاء الدفء والحنان في أجمل مراكبها، مراكب الدموع السعيدة دموع الفرح وبسمة السعادة وشعور القلوب.
وهكذا كان لقاء الفارس المظلم بضياء النور فريدة الفريدة حقاًّ.
أمام تلك البحيرة أتت “شمس” كي تتنفس هوائها الجميل وسط الخضرة الرائعة.
فمنذ ان أتت هنا تلك المرة الماضية وهي أحبت ذاك المكان بل وتوغل عشقه في قلبها وأشعرها بالراحة والسكينة.
فهي الآن تجلس بقلب مطمئن لأول مرة منذ أن مات والدها.
فقد استيقظت ولم تجد زينب في المنزل كان التوقيت قبل غروب الشمس وبالتحديد في الساعة السادسة مساءً.
فقد شعرت بالاختناق وهي تجلس في المنزل وحدها طيلة اليوم ولم تريد ان تهاتف “زينب” كي لا تزعجها.
ففكرت الإتيان إلى ذاك المكان دون تردد.
في نفس المكان كان يجلس ذاك العامر الذي أغلق الهاتف للتو وعلى معالمه الغضب الشديد.
فقد كانت ماجدة تهاتفه وتخبره برفض طلبه منهم وعلقت على القسمة والنصيب.
كان يحمل بين يديه ابنته مها التي لم تسكت عن البكاء مما أزعجه كثيرا.
فحتى لحظات الحزن لم يستطيع الآن الخلوة بنفسه كي يرمم ما يشعر به قلبه من جروح وندبات.
فكان بكاء تلك الصغيرة كالسوط لروحه.
فهتف بضيق وهو يوجه كلامه لتلك الصغيرة وكأنها تعي ما يقول:
انتِ هتبكي كانك حاسة بابوكي وبنـ.ـار قلبه القايده بين ضلوعه.
سميتك على اسمها علشان خاطر احنن قلبها عليا بيكي وبردوا ما شافتنيش.
كأن القدر حالف يعاند معايا ومعاها.
كأن القدر حالف لا يندمني عمري كلاته على الذنب اللي ارتكبته اني هعيش شارد طول عمره.
متبكيش يا حبيبتي ما كنتش عايز غيرها ام ليكي ولا كنت عايز غيرها زوجة لي.
ثم دق على قلبه بيديه بشدة وهو يعنفه:
شيلها من جواك يا قلبي حرام عليك عذاب نفسك حرام عليك السنين دي كلاتها حرام عليك عذابي اللي هيهون عليك.
شيلها من قلبك وانساها وعيش حياتك عيش لاولادك زي ما هي هتعيش وزي ما هي قدرت تقسى وتنسى.
كان بكاء الصغيرة يزداد تصاعدا مما جعله نظر الى السماء وهو يهددها ونيران القهر تنهش بصدره:
يا رب قويني يا رب على اللي اني فيه مش قادر اتحمل ولا عارف اتحمل اديني القوة والصبر والنسيان ان اني اقدر اعيش واكمل اديني القوة ان اني أقدر اتخطاها يا رب ده كل آمالي في الدنيا.
ثم أكمل بوجع وهو يتأوه ويداه على موضع قلبه:
آآآآه، نسيانك صعب قووووي مرض ملهوش علاج.
كل ذلك والصغيرة ما زالت تزداد في البكاء فقام من مكانه يتمشى بها في تلك الحديقة ونبض الوجع يزداد في قلبه من حالته التي يحياها.
كان صراخ الصغيرة صعباً للغاية وكأنها تشعر بوجع أبيها وتحطمه.
حتى أن صراخها لفت انتباه شمس الجالسة في ذاك الركن.
وظلت تنظر إليهم وجدته حائراً بالصغيرة ولم يستطيع فعل شيء معها.
ظلت تنظر لهم كثيرا ما يقرب من نصف ساعة وبكاء الصغيرة لم ينتهي بعد.
فشعرت بالشفقة علي والدها وهي تراه قد نفذ الصبر من صبره وهو لم يستطيع تهدئتها.
فتحلّت بالشجاعة وقامت من مكانها وذهبت إليه وهي تمد يدها له كي يعطيها الصغيرة متسائلة إياه:
ممكن تديها لي احاول معاها يمكن تسكت معايا.
هي فيها ايه او مامتها فين سايباك لوحدك ليه؟
التفت الى مصدر الصوت الأنثوي الرقيق الذي وصل إلى مسامعه الآن.
وجد أمامه ذلك الوجه الذي يحوي من الجمال الرباني والهدوء والنعومة.
جعله تحمحم مجيبها وهو يرفض بذوق أن يعطيها ابنته:
معلش مش عايز اتعبك وياي هي مش بتسكت مع حد خالص وهي أصلاً مقريفة على طول اكده.
زينت البسمة محياها وهي ما زالت تمد يدها له فهي تعشق الأطفال بشدة وهي ما زالت تعرض المساعدة عليه:
طب ممكن تديها لي وتقعد انت تستريح شوية وانا هعرف اتعامل معاها ازاي انا بحب الأطفال جدا.
لمس تصميمها على أن يعطيها ابنته والحق يقال انه أُهلَك بشدة من بكائها ولم يستطيع أن يجعلها تصمت مهما أعطى لها من الطعام أو الشراب ومهما دار بها في المكان بكاؤها يزداد.
فاعطاها لها وهو يردد بنبرة دعابية:
اتفضلي يا ستي انتِ اللي جبتيه لحالك حكم البنات دلوعة قوي بطبعها واني بتي شكلها هتطلع في الدلع ما عندهاش يا اما ارحميني وهتطلع عيني قالوا هيقولوا البنات هاديين وهم في النكد ما لهمش مثيل.
تبسمت تلك الشمس ضاحكة من كلامه ثم قالت بوجه بشوش وهي تهدد ابنته بين يديها:
حرام عليك مش كل البنات ما تظلمناش ما عندك اهو انا بنت لكن هادية خالص هي هتلاقيها بطنها بتوجعها فسيبني انا هعرف اتعامل معاها.
انا شفتك وانت عمال تأكلها وتشربها وهي مش مستجيبة معاك خالص.
ثم مدت يدها له وهي تطلب منه:
ممكن تديني حاجتها هنقعد انا وهي هناك كده وسيبني بقى اتعامل وياها وانت اقعد ارتاح شويه علشان
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم فاطيما يوسف
في المشفى، حيث أصبحت الساعة الخامسة صباحاً، وهؤلاء القلقين يجلسون على جمر النار منتظرين ساعة الفرج من عند الله. كان ماهر، زوجها، هو الوحيد المتواجد معها بالغرفة، متمسكاً بيدها وهو يجلس على الكرسي بجانب السرير، وقد غلبه النوم برأسه بجانب قدمها.
أما رحمة، فأخيراً تأوهت بشدة وبهمهمات خفيفة، جعلت ماهر ينتفض بسعادة غامرة على أثرها، واقترب منها وهو يقبلها من رأسها، لينطق لسانه فرحاً بتأوهاتها:
"يااااااه، أحمدك يارب، أخيراً يارحمة، أخيراً ربنا بعت لي رحمته."
ثم قبلها من عينيها ووجنتيها وهو يطمئنها:
"حبيبتي، متقلقيش، إنتي بخير وأني جارك ومش هسيبك، بس هروح للدكتور ييجي يشوفك ويطمن عليكي ويطمنا."
ثم تركها وهرول بأقدام مسرعة. وكان في الخارج عمران وسلطان، اللذان صمما أن تذهب حريمهم إلى المنزل، فوجودهم ليلاً ليس له فائدة. شعر عمران بخروجه من الغرفة وهو يهرول، فهوى قلبه بين قدميه ظناً منه أن شقيقته أصابها مكروه، وهو يهتف لماهر بفزع:
"إيه اللي فيه يا ماهر؟ هتجري أكده ليه؟ رحمة جرى لها حاجة لا قدر الله؟"
أجابه ماهر مبتسماً بسعادة:
"الحمد لله، فاقت يا عمران، ادخلها خليك جارها وأني هنده على الدكتور."
ارتاح قلب عمران بدقاته الثائرة بخوف شديد على شقيقته، ثم منعه:
"لا، روح إنت خليك جار مراتك، وأني هجيب لها الدكتور، هي محتاجاك إنت أكتر من أي حد."
حرك أهدابه بامتنان لذاك عمران الذي هرول سريعاً للطبيب، أما هو فعاد إليها متلهفاً. وما إن دلف إليها حتى احتضن كفي يديها بين يديه، كي يبثها الدفء ويجعلها تشعر بالأمان في وجوده، وهو يردد لها بحمد:
"حمد لله على سلامتك يا رحمتي، أكده تعملي في ماهر عملتك دي وتزلزلي قلبي عليكي! إنتي متعرفيش غلاوتك في قلبي كد إيه!"
ظل يلقي على مسامعها عبارات الحب والاحتياج لوجودها بجانبه، كي يجعلها لا تتأوه وتنسى ما هي به واللحظات الصعبة التي مرت بها. ثم أتى عمران هو والطبيب، الذي بدأ بالفحص الكامل لها وحقنها، كي يجعلها تفيق ويستطيع التحدث معها، كي يعرف حالتها. وأول سؤال بدأ به:
"اسمك إيه وتعرفي إيه عن نفسك؟"
أجابته بوهن، بعدما بدأ المصل يجري مفعوله وفاقت من تيهتها رويداً رويداً:
"اسمي رحمة سلطان المهدي، متزوجة ماهر الريان."
سألها الطبيب وهو يشير إلى كلاهما:
"إنهي واحد في اللي واقفين دول يبقى جوزك، والتاني يبقى مين؟"
كانوا مندهشين من أسئلة الطبيب، أما ماهر فنظر إليها وهو منتظر إجابتها كي يهدأ قلبه، وهو لم يصدق أنها لن تتذكره. أما هي، فأشارت إلى ماهر بعينين تلمعان بوميض من العشق، وهي تردد بدعابة اعتاد عليها لسانها حتى في أشد لحظات مرضها، مما جعلهم يبتسمون جميعاً على طريقتها:
"وهل يخفى القمر؟ دي ميتنسيش، في حد يقدر ينسى هولاكو."
ضحكوا جميعاً على إجابتها، أما هو فنظر إليها بنصف عين بنفس دعابتها، وهو يداعب أسفل ذقنه بيديه ويتوعد لها بخفة. وأكملت وهي تشير بيدها تجاه عمران:
"ودي عمران أخويا حبيب قلبي، ربنا ما يحرمني منه أبداً."
حرك الطبيب رأسها براحة وبدأ بعمل تمارين ليديها، وجدها تحركها بسلاسة دون أي إعاقة، ثم طلب منها أن ترتفع بجسدها قليلاً كي تتكئ على الوسادة دون أن يساعدها أحد، غير أن ماهر عدّل من وضعية الوسادة خلفها. فأسندت يديها على السرير ثم رفعت جسدها على الوسادة، مما جعل الطبيب يطمئن لهذا المؤشر.
ثم استأذن من ماهر أن يتناوب في عمل تمارين لقدميها، فرفع ماهر الغطاء قليلاً وعدل من هندامها كي لا تظهر قدماها، فهو يغار عليها بشدة. ثم بدأ بتحريك قدميها، ولكن رحمة لم تشعر بهم على الإطلاق، مما جعلها ترد بذهول:
"إني مش حاسة برجلي خالص، هو في إيه؟"
انصدم عمران وماهر من ما قالته للتو، مما جعل الطبيب يتنهد بأسى، مما شك فيه من البداية. فاستأذن من ماهر:
"بعد إذنك، ممكن تبعد أشوف شغلي."
ابتعد ماهر وخطى إليها وأمسك كفي يديها واحتضنه بين يديه، وباليد الأخرى يربت على ظهرها بحنو كي تهدأ. أما الطبيب، فبدأ بعمل تمارين لقدمها وهو يسألها، وكل ما تجيبه أنها لن تشعر بشيء أبداً. فقام بشك قدمها بذلك الدبوس، ولكنها أيضاً لم تشعر ولم تتأوه، مما جعلهم جميعاً منصدمين من عدم شعورها بشكة الدبوس. حتى نطقت بصدمة:
"معقولة؟ هو أنا أكده اتشليت يا دكتور؟"
خطى عمران إليها هو الآخر، ثم شملها بنظرة حانية، وهو يربت على ظهرها كي يرزقها السكينة والهدوء. ثم تحدث الطبيب بنبرة حزينة، وهو يعلمهم حالتها:
"الحمد لله، قضى أخف من قضى، ربنا نجاكي من الموت بمعجزة من عنده، لو كان جوزك اتأخر عنك دقيقة واحدة بس، كانت هتفرق في عمرك. فمش عايزين اللي حصل يأثر على نفسيتك، علشان في مشوار علاج لازم هتكمليه، وبإذن الله ربنا بيخلف في قضاه ألف رحمة."
انهمرت الدموع من عينيها بغزارة، وكأنها كانت تعلم كم ذاك الوجع الذي سيسكن قلب تلك رحمة. وشعرت أن الدنيا أظلمت من حولها. أيعقل بعد أن كانت تلهو وتلعب وتجري بشقاوة وتملأ الكون من حولها بهجة وسعادة، لاااا، بل هي صاحبة السعادة بنفسها، أن تقضي باقي عمرها على كرسي متحرك!
أما ذاك ماهر هو وعمران، فانصدموا بشدة. وعمران نطق بلسان غير مصدق:
"يعني إيه كلامك ده يا دكتور؟ هي أكده مش هتقدر تمشي تاني على رجليها؟"
أجابهم الطبيب بعملية:
"مش أنا اللي هقدر أحدد دي، لسه هنعمل أشاعات وتحاليل، ودكتور عظام هو اللي هيتابع معاها ويعرف حالتها إيه بالظبط وهتمشي إزاي. بس إن شاء الله، ما تقلقوش، ممكن يبقى فترة مؤقتة وترجع لطبيعتها تاني، بس أهم حاجة الصبر والحالة النفسية، دول أهم من أي علاج. فإنا هبعت لكم دكتور عظام كويس جداً، هو اللي هيتابع الحالة بتاعتها."
أنهى الطبيب فحصه لها وإخبارهم بكل شيء يخص حالتها، وأجابهم على جميع أسئلتهم، ثم خرج. معه عمران وهو يسأله صريحاً بعيداً عنها:
"يعني يا دكتور، ممكن تقعد قد إيه في حالتها دي من نظرتك؟ ولا هي أصلاً هتفضل أكده على طول قاعدة على كرسي متحرك؟"
تنهد الطبيب بأسى وهو يصارحه:
"مش هقدر أجزم في حالتها وأريحك بحاجة، إني ما هعرفهاش ومش متأكد منها، لكن في حالات كانت زيها بالظبط، ومع العلاج والمداومة والمتابعة مع دكتور العظام، ربنا كرمهم رجعوا يمشوا على رجليهم تاني. وزي ما قلت وأكدت، الحالة النفسية هي العامل الأساسي لشفاء المريض. فأول حاجة هتشتغلوا عليها معاها هي إنكم تحسنوا من نفسيتها، وما حدش يزعلها وما حدش يحسسها إن هي فيها حاجة مختلفة. لازم تتعاملوا معاها بحذر جداً، لأن هي الفترة الجاية هتتصرف تصرفات عدوانية جداً، لأنها هتحس بتقلها على كل اللي حواليها. مش هتحب تشوف نظرات العطف ولا الشفقة. إني هقول لك الكلام ده عشان تاخدوا بالكم منها كويس قوي، ولازم تحطوا قدام اعتباركم إنكم هتشوفوا إنسانة جديدة خالص غير اللي أنتم تعرفوها، لأن اللي حصل لها مش شوية. إن الإنسان يكون بيمشي ويجري ويلعب ويروح كل مكان ويعتمد على نفسه في كل حاجة، وفجأة يلاقي نفسه قاعد على كرسي متحرك، مش قادر حتى يخدم نفسه ولا قادر حتى يعمل لنفسه أقل الأشياء البسيطة. فبالتالي الدنيا هتسود في عينيه. وعلشان أكده لازم الدعم النفسي أولاً وآخراً وكل شيء. وطالما الدعم النفسي موجود، إن شاء الله العلاج هيجيب نتيجة. أما المدة قد إيه، فلازم ما نعرفهاش للمريض عشان ما يبنيش أمل عليها، وبعد كده لما تخلص المدة وما يلاقيش نفسه استجاب للعلاج هينتكس. فنقول للمريض كل شيء بأمر الله، وإحنا نعمل اللي علينا. حبيت أعرفك كل حاجة عشان تكون على علم، ولازم تبلغ جوزها بالكلام اللي إني قلته لك، وربنا يشفيها يا رب وترجع لكم بألف سلامة."
تركه الطبيب وذهب من أمامه، وهو يقف مستنداً على الحائط بحزن شديد على شقيقته الصغيرة التي كانت تملأ الكون حولهم بالحب والشقاوة، فحرمت من بهجة حياتها. يقف في حيرة، كيف يخبرها بما قاله الطبيب عن حالتها؟ كيف ستتعامل معهم بعد تحذيرات الطبيب تلك، وخاصة أن رحمة كانت تحب الحركة كثيراً والخروج، وليس من طبعها الكسل.
أما في الداخل عند رحمة وماهر، كانت تبكي بكاءً شديداً يقطع نياط القلوب في صدر زوجها، الذي التقطها إلى أحضانه الدافئة، وهو يحاول أن يهدئها ويطمئنها بأن الأمور ستسير على ما يرام. ولكن ما وصلت إليه الآن، وعلى حين غرة، لن يستطيع عقلها تحمله. ثم غفت في نوم عميق من أثر الأدوية التي دخلت جسدها ومن أثر البكاء التي بكته بشدة. ويجلس ماهر وعمران بجانبها، وعلى وجوههم حزن يكفي العالم بأكمله. وقد سرد عليه عمران ما قاله الطبيب، وهم ينظرون لهيئتها النائمة كالملاك، وقلوبهم تتألم بحسرة على ما حدث لها. ولم يعلموا كيف سيكون القادم، وكيف ستكون هي؟ هل ستتقبل الأمر برضا بقضاء الله، أم ستكون الصدمة شديدة ولم تتحملها؟ كل تلك الأسئلة التي دارت بمخيلتهم وهم ينظرون إليها، والصمت أصبح سيد الموقف من كليهما.
بعد مرور ثلاثة أشهر على الأحداث، حيث أن سكون لم تذهب للطبيب نظراً لظروف رحمة، وأجلت الموضوع قليلاً. العلاقة بين شمس وعامر تتطور بسرعة رهيبة، وهم يأتون كل يوم في نفس الموعد عند غروب الشمس، والكلام يأخذهم حتى اعتادوا على الحديث مع بعضهم بشدة. وهي تعلقت بالطفلين بطريقة لا توصف، فقد شعرت معهم بالإحساس بالعائلة التي تفتقده، حتى بات يومها يفقد طعم اللذة بدونهم إن اختفوا عنها. وكذلك فارس وفريدة، فقد أصبح فارس إنساناً جديداً بشخصية واحدة بعد محاولات فريدة الشرسة في الوقوف بجانبه، وصار متعلقاً بها بشدة ولم يستطع الإبعاد عنها، وهي الأخرى هكذا.
أما ذاك العاشقان جاسر ومها، حيث أنهم قد قرروا تأجيل كتب الكتاب حتى تستقر حالة رحمة، فقلوبهم لم تستطع الفرح ورحمة بتلك الحالة. ولكن اليوم، أتى عمران خصيصاً لجاسر، وبعد أن جلسا يتحدثون في أمور عامة، تحمحم عمران متسائلاً:
"أمال هتتجوز ميتة إنت وأم الزين بزيادة تأجيل عاد يا بن عمي؟"
أومأ جاسر عينيه للأسفل بخجل، فهو لم يستطع التحمل أكثر من ذاك، وكأن الظروف تعانده في راحته، ولكن لابد عليه أن يصبر. فرحمة ليست ابنة عمه فقط، ولكن هي من كانت صاحبة النبض الأول من الحب في قلبه، ومكث كثيراً كي يخرجها من قلبه ويعتبرها مثل أخته. وبالتأكيد هو حزين لأجلها. ثم أجابه بتأنٍ:
"مش وقته يا عمران، لما نطمئن على رحمة الأول، وبعدين نشوف الموضوع ده. أصلاً الواحد ملوش نفس يفرح بسبب اللي حصل، بس اهو قدر ربنا وتدابيره في خلقه."
قوس عمران فمه بأسى، لينطق بامتنان لموقف جاسر النبيل في ذاك الموضوع:
"ده العشم بردو يا بن عمي، بس إن جيت للحق، ما ينفعش إننا نتأخر أكتر من أكده. إنت كان زمانك متجوز من أول شهر خطبت فيه، وكمان موضوع الفرح ده هيوبقى كويس لرحمة، هيخرجها من جو الاكتئاب اللي هي دخلت فيه من ساعة اللي حصل لها. علشان أكده هاخدك ونروح لأم مها ونخلص الموضوع ده وتتجوّزوا على خير وتتهنى إنت وأم الزين اللي الدنيا حلفة تعطّل فرحتها بالقوي."
كان جاسر من داخله يريد أن يقفز فرحاً من قرار عمران له، فهو ينتظر زواجه عاجلاً غير آجل، فقد زهق الصبر من صبره. فهو بات يحلم بها ليلاً ونهاراً، فقد شغفها حباً، حتى ظهرت معالم الفرحة على وجهه، مما جعل عمران ينطق مداعباً إياه:
"إيه يا عم جاسر، إيه يا عم النحنوح؟ إش حال ما كنتش عمال تقول لا مش وقته، وإنت الفرحة هتطق من عينك؟ بالراحة على نفسك شوية يا عمنا، بكرة تتجوز وتبقوا في بيت واحد وتعمل ما بدالك."
ابتسم جاسر وهتف بدعابة مماثلة اعتاد عليها مع عمران:
"إيه يا عمنا؟ ما هو إنتوا السابقون وإحنا اللاحقون، ولا إنت عايز تدوق العسل لوحدك من غير ما تسيب لحد تاني حبة يحلي حياته."
ضم عمران حاجبيه باقتضاب وهو ينظر للناحية الأخرى، مكبراً في وجهه بنفس الدعابة:
"يا أعوذ بالله، هو الواحد هيرتاح يوم بسبب العيون اللي هتلاحقه كل شوية دي؟ مش عارف الواحد هيلاقيها منين ولا منين؟ والله مش كفاية اللي إني عايش فيه، له وكمان مستكترين علينا حبة عسل." ثم أكمل وهو يكبر في وجهه بأصابعه العشرة بطريقة مشاكسة له: "خف عنا يا أبو عمو، خليها ماشية أكده مستورة، حكم الواحد شاف بلاوي ما يعلم بها إلا ربنا، وادعي ما يوقعك فيها يا جدع."
وطال الحديث بينهم، وقد اتفقوا على كل شيء، ما بين مداعبتهم لبعضهم ومشاكستهم، وما بين الجد. واتفقوا على أن يبلغ مها بأنهم سيذهبون لها اليوم كي يتفقون على موعد زواجهم، وهو بدوره سيبلغ ماجدة، فلا داعي للتأجيل. مما جعل قلبه يكاد يقفز من السعادة بين ضلوعه. وبالفعل، أبلغ مها بما اتفق عليه هو وعمران. ورغم اعتراضها هي الأخرى، لأنها تحب رحمة حباً جماً، ولكن لم تستطع بسبب ملاحقة جاسر وراءها، فوافقت على مضض.
وبالفعل، مرت الساعات سريعة، ويجلس هؤلاء الجمع يتحدثون بسعادة لاتفاقهم على موعد الزفاف بعد أسبوعٍ من الآن. ولكن سألتهم ماجدة السؤال الذي حيرها كثيراً:
"طب ما قلتوليش يا ولاد، هتعملوا فرح ولا هتمشوا دنيتكم كيف؟"
أحست مها بأن موضوع الفرح ثقيل على قلبها، فهي ستخجل بشدة، فمجمل الأمر صعب بالنسبة لها، فهي كانت أماً. ولكن استمعت إلى جاسر يجيب بتأكيد، مما صدمها:
"طبعاً يا خالة ماجدة، هنعمل فرح وفي أحسن قاعة فيكي يا قنا، إيه اللي ما يخليناش نعمل فرح أصلاً؟"
أنهى كلماته وهو ينظر إلى مها كي يستشف رد فعلها، فوجد أن وجهها متغير ويبدو عليها الانزعاج، فسألها مندهشاً:
"مالك يا مها؟ هو إنت عندك اعتراض على الفرح؟ ممكن تقولي رأيك؟"
هنا قام عمران وهو يشير إلى ماجدة وسكون آمراً إياهم:
"طب نقوم إحنا بقى ونسيبهم يتكلموا على راحتهم ويتفقوا على كل حاجة، وأيًّا كان قرارهم هم حرين فيه."
أطاعوه وقاموا خارجين، وتركوا لهم المكان كي يتناقشوا بحرية. فاقترب منها جاسر قليلاً مع حفظ المسافات، وهو يسألها عن ذاك الأمر، وهو يرى التوتر بادياً على وجهها:
"مالك يا أم الزين؟ من ساعة ما سيرة الفرح جت وإنتِ متغيرة، وشك قلب وحاسس بالتوتر اللي إنتِ فيه على الآخر. هو إنتِ مش عايزة الفرح؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة، وهي خائفة أن تخبره برفضها لذاك الحفل، فهي خجلة بشدة ولن تستطيع أن تقف بين حشد من الناس بمظهر العروس، لأن ظروفها مختلفة عن أي أنثى في حالتها تلك. ثم فهمته مقصدها بهدوء، وخاصة عندما رأت هدوء أعصابه معها وطريقة سؤاله بعيدة كل البعد عن الانفعال، وخاصة أنه استشف رفضها وتوترها. ولكن ذاك جاسر دائماً يفاجئها برجولته معها وعدم عصبيته وتلقيه منها جميع الأمور بسلاسة، مما جعلها تهدأ قليلاً وهي تخبره بما تريد دون خوف. وهكذا هي العلاقات المريحة لكلا الطرفين، علاقات خالية من التعقيد وخالية من الجبن، حيث أن الطرفين فيها يشعر دائماً بالأمان. والأمان هو سبب نجاح أي علاقة بين رجل وامرأة، فحينما وجد الأمان وُجد الحب ووُجدت السعادة:
"إنت من حقك طبعاً تعمل فرح، لأن دي أول مرة ليك في الحياة الجديدة دي، بس مش عارفة، حاسة إني هبقى مكسوفة أو مش مستريحة أو مش هعرف أتعامل مع الجو، لأن إني ظروفي مختلفة. مش حابة أشوف في نظرات الناس لوم، مش حابة أشوف نفسي في عيونهم الست اللي جوزها مات، ولادها ماتوا، فراحت اتجوزت ونسيتهم. مش حابة أشوف في عينيهم إني ما عنديش دم، حاسة وقتها النظرات دي هتقتلني وهتخليني أنكد عليك فرحتك. بس الموضوع كله لما اتقال دلوقتي قلقني قوي، ما كنتش بفكر فيه قبل أكده. فيا ريت تتفهم موقفي من غير زعل، إني حبيت أوصل لك كل اللي في قلبي."
تنهد جاسر بأنفاس عميقة، وهو ينصت إلى تخوفها بانتباه، ثم نظر إليها نظراته المفعمة بالحب الشديد، وهو لم يحزن قط من تخوفها ذاك، ويطمئنها كالعادة ببلسم كلماته:
"يعني كل خوفك من الناس وكلام الناس ونظرات الناس، يا أم الزين! طب ما تسيبك من نظراتهم ولومهم اللي هي أصلاً ما بتخلصش على أي حاجة مهما عملتي. يعني لو إنتِ مثلاً ما اتجوزتيش وعايشة لوحدك، هيقولوا: شوفوا ماشية على حل شعرها وعايشة لوحدها وبتلبس وبتخرج، ولا هاممها أي حاجة. ولو الست اللي جوزها مات اتجوزت، هيقولوا: شفتي يا أختي، كأنه كلب وغار وراحت اتجوزت. ولا لو نزلت جابت حاجة لولادها وعاشوا حياتهم ولا فسحتهم، هيجلدوها وبرضه مش هيسيبوها في حالها. فإحنا ليه نشغل دماغنا بكلام الناس ونظرات الناس اللي هم أصلاً مؤذيين في جميع الحالات؟ المفروض كل إنسان يشغل باله في حاله، أصل ما حدش هيحس بالست الوحيدة قد إيه بتعاني من غير وجود سند جنبها، زي ما هي حاسة. ما حدش هيحس بوحدتها آخر اليوم وهي بتضم نفسها على نفسها زي الأطفال بالظبط، وهي خايفة من بكرة، خايفة على ولادها، خايفة على نفسها، عشان الناس عمرها ما هطبطب عليها."
وأكمل كلماته المطمئنة لها بطريقته الرائعة تلك التي رطبت على قلبها:
"المفروض محدش يشغل دماغه بحد، كل واحد يسيب التاني في حاله بهمومه، بالشيلة التقيلة اللي هو شايلها. والله لو ده حصل، الدنيا حالها هيتعدل، لكن طبعاً عمره ما هيحصل، عشان كله عينه على كله، ومحدش مكتفي باللي عنده. فإيه لازم إحنا بقى؟ ليه نضيع لحظات السعادة اللي ربنا بيبعتها لنا تفرح على قلوبنا وتدخل لها السكينة، عشان خاطر كلام الناس! لا طبعاً ما نعملش أكده، يغوروا الناس المؤذية اللي هتحسي من نظراتهم عدم حب الخير للغير. إحنا نفرح ونفرح القريبين منا قوي، نفرح قلوبنا اللي الحزن عشش فيها كتير، والناس آخر حاجة نفكر فيها، طالما ما بنعملش حاجة تغضب ربنا، ودي أهم شيء لازم نحطه في اعتبارنا، ربنا وربنا ادانا الحق إننا نفرح، يبقى خلاص يا أم الزين، تنزلي تختاري فستان جميل ونختار كل حاجة مع بعض تخص تفاصيل الفرح، حاجات أكيد ما عشتيهاش قبل أكده زي اللي في بالي، وإني مصمم إنك تعيشيها معايا. مش حابب أي تفصيلة حلوة أخليها تفوتك، الحاجات دي هتفضل محفوظة قوي في الذاكرة بإنها ذكريات جميلة ما بتتنسيش، وإني حابب أحفر معاكي ذكريات حلوة قوي، لما تيجي على بالك تحبيني أكتر."
كانت تستمع إليه بأذنين ملهمة لكلماته الجميلة الراقية الناعمة. فلو حاول العالم كله أن يسعدك وأنت بداخلك منغلق على حزنك، فلن تكون سعيداً ولو بمقدار ذرة. فالسعادة تأتي من داخل الإنسان لا من الخارج. المستقبل لم يعدك أن يحقق لك السعادة ويعوضك عن تعاسة الماضي، عليك أن تفعل ذلك بنفسك. فقد يهاجر الناس بسبب تفاقم القلق، بسبب الإحساس المقيت بأنه مهما عملوا بجدية فلن يأتيهم بنتيجة، وأن ما يعمرونه في سنة قد يدمره الآخرون في يوم، بسبب الإحساس بأن المستقبل مقفل، وأنهم إن دبّروا أمورهم فلن يتمكنوا من تدبير أمور أطفالهم، بسبب الإحساس بأن شيئاً لن يتغير، وأن السعادة والازدهار ممكنان فقط في مكان آخر. فقد أثبت لها ذاك الجاسر بكلماته أن الماضي ما هو إلا حلم، وما المستقبل إلا رؤية، وعيشك الحاضر بحب تام لله سبحانه وتعالى يجعل من الماضي حلماً من السعادة، ومن المستقبل رؤية من الأمل. فالسعادة شيء يدخل في حياتنا من أبواب لا نتذكر حتى أننا تركناها مفتوحة. فالحياة رحلة في مهرجان إلهي مقام للبشر في كل مكان وفي كل أوان، فاستثمر قوتك وانطلق، وتمتع بجماله ما دمت فيه، وتعاطف مع الأرواح القريبة من روحك، ولا تنس أن هذه الرحلة برمتها هي معبر لحياة خالدة، فالتمس السعادة في الدنيا والسعادة الأبدية في الآخرة.
تلك الكلمات الذي قالها ذاك الجاسر عبرت في قلبها وأثرت بها بشدة وجعلتها تشعر بالسعادة المبالغ فيها، وهي تظن أنها في حلم وخافت أن تفيق منه في أي وقت. فهو الآن بعد أن طمأنها بهدوء ولم ينزعج من رفضها لفكرة زفافهم وتفهم الأمر جيداً، منتظراً ردها. وهي قرأت اللهفة في عينيه، فطمأنته بموافقتها هي الأخرى، ولكن لها وجهة نظر ثانية عرضتها عليه، وقد زال التوتر قليلاً:
"طيب نعمل الفرح بس في نطاق معين، يعني مش عايزين معازيم كتير، القريبين مننا قوي هما اللي نعزمهم وأصحابك برده المقربين، يعني بالمختصر حفلة على الضيق."
تطلعت بمقلتيه برجاء بعد أن أنهت طلبها. أما هو، فتنهيدة حارة خرجت من صدره، وهو لم يعرف بما يجيبها. ففكر قليلاً ليقول بموافقة كي يجعلها تقضي ساعات الفرح بأمان دون قلق أو خوف من شيء ما:
"خلاص يا أم الزين، ده إنتِ اللي تأمري بيه، لازم يتنفذ يا بطل."
ثم غمز لها بدعابة:
"أهم حاجة إننا هنتجوز أخيراً، عشان في حاجة مهمة نفسي فيها قوي أول ما نتجوز، هموت عليها فوق ما تتخيلي."
سألته ببراءة وقد راق له سؤالها أو بالأحرى انتظره:
"حاجة إيه دي اللي هتموت عليها وإني معرفهاش؟"
أجابها بشقاوة أخجلتها:
"أحضنك، نفسي قوي أحضنك حضن كبير، ووقتها هتحسي فيه بمعاني كتير قوي، وأني كمان هحس بنفس المعاني، بس صدقيني الحضن الأول ده عمرك ما هتنسيه أبداً، وعمر الليالي ما هتقدر تعوضه ولا تخلينا نحس بلذته زي أول مرة، لأن الحضن ده حضن الحرمان اللي استنّيناه كتير."
كانت تنصت إليه بقلب يخفق عشقاً، لا بل شغفها عشقاً هو الآخر، عشق لم يذكره الزمان ولا دونته أساطير الأولين للحب، عشق بمثابة النفس ونبض القلب، فهو قد أشبعها من كلمات المحبين وجعلها تشعر ملايين المرات أنها امرأة مرغوب بها، لاااا بل أنها غير كل نساء العالم. جعلها تشعر أنها الوحيدة المنفردة بساحة الغرام، المتيم عن جميع النساء. ثم سألته على استحياء:
"هو الحضن أنواع وليه معاني كتير؟"
هزته نبرة صوتها الهائمة ونظراتها التي تحمل شجناً وشوقاً لجميع معاني العشق وأسماها، وأجابها بعيني احتضنت عينيها الساحرتين:
"طبعاً أنواع، يعني في حضن تحسي فيه بالارتياح العادي، بس ولما تطلعي منه مبيأثرش فيكي ومش هتحسي بعد كده إنك مشتاقة له. وفي حضن بارد، تأدية واجب وخلاص، ودي بقى ملهوش لازمة. أما في حضن بتحسي فيه إنك ما بترتاحيش إلا جواه، ما يعوضهوش أي حضن تاني، وفي حضن أي كلام، اللي هو مجرد ما الشخصين يحضنوا بعض، الحضن ذات نفسه بيعبر عن معاني كتير قوي، فيها الصدق، فيها الاحتواء، فيها الأمان، فيها كل حاجة حلوة، ودي بقى بالذات بيبقى حضن إدمان، ما بنقدرش نتعافى منه بسهولة لو فقدنا صاحبه. وفي حضن أخير بقى بيبقى حضن المشاعر بتاع اللحظات الدافية اللي بين الراجل والست، وخلي بالك طالما سميته مشاعر، يبقى لازم الطرفين فيه هيحسوا بمشاعر محدش هيحسها غيرهم."
عيناها كانت مرتكزة نحو صدره، تفكر في كلماته وهي تتخيل كيف يكون طعم الحضن داخل صدره، وأي من المعاني التي قالها سوف تشعر بها معه؟ فهي لم تجرب حضن الاحتواء ولا حضن الأمان ولا حضن المشاعر ولا حضن الإدمان، لم تجرب الحضن من الأساس، فبالتالي لم يفصل القابع بين أضلعها عن الدقات وهي تسمعه وتشتاق التجربة داخل أحضانه. فكلماته ذاتها حانية وناعمة وراقية وتحمل كل معاني الهناء لقلب جفاه الحرمان وضناه الضياع، ولم يرى يوماً من الجبر، فماذا بالفعل عن أحضانه؟ ماذا عن طعمها، إحساسها، عن دفئها، عن جمالها؟ كل ذاك العراك يدور بخلدها ويتخبط داخل أضلعها، عن ماذا وراء ذاك العاشق الولهان بغرامها له وغرامه بها، أطاح بذرات الصبر داخل قلبها المسكين، وتود الآن أن ترمي بين أحضانه كي تنعم بضمة الأمان.
أما هو، فقرأ في عينيها الاشتياق واللهفة والعشق، الذي لأول مرة يراهم في جنس حواء له، مما راق له وجعله يشعر بالانتصار ويفخر بحاله بأنه فاز بعشق المها بعيونها المها وقلبها الصبي الذي ولد على يده وعقلها الرزين، الذي جعله يشعر شعور الملوك بأنه امتلك الانتصار الأعظم في بلاد حواء، إنه عشق "أم الزين". ثم شاغبها كعادته:
"عارفة إني حاسس دلوقتي إنك نفسك في حضن الإدمان دلوقتي، وبصراحة إني هشتاق قوي زيك بالظبط. فعلشان أكده هقول لك تصبحي على خير يا أم الزين، ونتقابل بكرة إن شاء الله نرتب أمورنا للفرح، بدل ما أتهور وأشدك لحضني، ووقتها هروح أجيب المأذون، ولا فرح ولا يحزنون، وتضيع التفاصيل، وإني راجل بيعشق التفاصيل اللي فيها قلة أدب قوي، هيموت فيها."
خجلت من نظراته وهمساته، وكالعادة أول مرة تُلقى على مسامعها تلك الأنشودات العذبة، فابتسمت له وأودعته السلامة وذهبت إلى غرفتها، واحتضنت وسادتها بحس مرهف، وهي ترمي على تختها بحالمية كالفتيات المراهقات، وهي لن تصدق أن ذاك المشهد الذي تقوم بفعله الآن مر عليها أخيراً، بعد أن ظنت أنها لن تعيش تلك التفاصيل. فحقا عشقك أيها الجاسر، كأنهار من العسل المصفى الذي لم يتغير طعمه، عشقك من الجنة يا من بغرامك صرت متيمة. أن تعشق إنساناً ذلك يعني أن ترى كل ما فيه جميل، فلا تضعه في حيز مقارنة، ولا ترهقه في أطر الكمال. في العشق تحلق الأرواح بلهفة كعصافير حب عرفت لتوها معنى الطيران. العشق داء ودواء، وزاد وماء، هو سكينة وهو الاحتواء. في فضاء العشق يسبح العاشقان حيث لا أحد فيه غيرهما، وغير حلمهما السرمدي باللقاء. وها نحن على موعد لقاء الجاسر والمها أخيراً، بعد رحلة عناء لكليهما.
في منزل عمران وسكون، حيث خرج من حمامه وبحث عن سكون ولم يجدها، فارتدى ملابسه وهي عبارة عن تي شيرت بحمالات من النوع القطني ذو اللون الرصاصي، ومن الأسفل شورت قصير من اللون الأسود، ثم خرج من الغرفة يبحث عنها بأقدام هلامية كي لا تشعر بقدومه. وجدها أخيراً تقف في المطبخ تطهو طعام الفطور، فاليوم يوم الجمعة، اليوم الوحيد الذي يتناول كلاهما وجبة الفطور مع بعضهما. فكانت تعد لذاك اليوم طعاماً شهياً غير جميع الأيام، لأنه اليوم الوحيد المختلف في الأسبوع. وجدها تصنع الفطائر التي يعشقها ورائحتها الذكية تعبئ المكان. فاقترب منها واحتضنها من ظهرها على حين غرة، وهو يقبلها بجانب أذنها هامساً لها بصوت أجش من أثر اقترابه بها:
"صباح الجمال على عيون الحلوين اللي قاموا ونزلوا من جنب حبيبهم وسابوه لوحده من غير ما يصبح عليهم، عشان يعمل الروائح اللي تفتح النفس دي."
دقات قلبها أعلنت الطبول من حركته تلك التي أثرتها. فهي حلمت يوماً من الأيام ببيت هادئ ورائحة الخبز تفوح في المنزل في كل مكان، وحوله حديقة صغيرة تجلس بها مع من تحب وحولها أطفالها، وأن يكون لديها عائلة صغيرة تحتضنها بكل حب. ثم استدارت بجسدها إليه بعد أن وضعت الفطائر في الفرن، وهي تحتضنه من وجنته وترد على صباحه بنبرتها الرقيقة:
"صباح الخير على حبيبي. قلت بقى أنزل أعمل لك الفطير اللي إنت بتحبه، إنت عارف بحب يوم الجمعة يبقى مميز، عشان دي اليوم الوحيد اللي بنفطر فيه مع بعض."
واسترسلت حديثها وهي تنظر له نظرة هائمة، وقد راق لها احتضانه لها وبثه الحب دائماً في قلبها:
"تعرف يا عمران، إني كنت دايماً بحلم ببيت صغير زي اللي إحنا عايشين فيه، وله جنينة زي اللي إنت عاملها لي بالظبط. وكمان زي ما إنت ما عملت دلوقتي، تصحى الصبح تحضني وأنا واقفة في المطبخ بعمل لك الأكل، زي ما بشوف في المسلسلات، كنت بحلم ببيت دافي وجميل زي ده."
ثم انقلبت معالم السعادة البادية على وجهها إلى معالم الحزن، وهي تكمل ما كانت تحلم به، مما جعله يتنهد بأنفاس عميقة من هول زفيرها، استنشقتها وعبأت صدرها بالكامل:
"ولادي بيدوروا حواليا في المكان، وإني وجوزي قاعدين نتفرج عليهم وإحنا البسمة مزينة وشنا، ونقوم نشاركهم اللعب ونقضي يوم الإجازة كله إني وإنت وولادنا في هنا ومرح، واستنى لما ييجي تاني في آخر الأسبوع من جماله. ونقعد نتخانق إني وإنت وأقول لك ابني شبهي مش شبهك، وإنت تقول لي بنوتي شبهي إني مش شبهك إنتِ. بس مش كل حاجة بيتمناها الإنسان بتحصل، الحمد لله على السراء والضراء."
لقد تمزق داخله من إحساسها بالحرمان الشديد، وحالتها تلك جعلته يحزن بشدة، فهو لم يرد أن يراها حزينة يوماً من الأيام. ولكن مثلما قالت، ليت كل ما يتمناه المرء يدركه، ولو كان بوسعه أن يحقق لها جميع ما تحلم به فورب السماء لفعلها دون أن تنطق. فبمجرد أن يرى في عينيها لهفتها على شيء ما، لجلبته تحت قدميها في رمشة عين. ولكن ريثما أشياء لا يستطيع المرء أن يفعلها، لأنها لم تتحقق إلا بيد الله سبحانه وتعالى. لم يرد أن يبين لها أنه انزعج من كلامها، ولكن هكذا عمران دوماً يفاجئها. فالتقطها بين أحضانه ودخل معها عالم الأحلام، وهو يربت على ظهرها بين يديه:
"أنا كمان زيك بالظبط بحلم، وأنا راجع من الشغل ولادي يحضنوني ويجروا عليا ويقولوا لي جبت لنا معاك إيه يا بابا، ويتخانقوا مين يحضني الأول، وأقعد معاهم عقبال ما إنت تعملي لنا الأكل عشان نتجمع كلنا على سفرة واحدة، وهم يقعدوا يحكوا لي يومهم عامل إزاي. بس أنا بقى يا سكوني، عندي أمل وثقة في ربنا كبيرة قوي إنه مش هيحرمنا، وإنه هيدينا على قد صبرنا خير كبير قوي، صدقيني من حلاوته هنشكره عليه العمر كله. زي ما إني واثق برده إننا لازم نصبر ونتعب، وعلشان أكده هقول لك إن إني تواصلت مع فريدة من بقى لي يومين، وحجزت عند الدكتور النهاردة، إن شاء الله هنصلي الجمعة ونلبس ونتكل على الله عشان نبدأ رحلة العلاج، وإني واثق في ربنا إن شاء الله إنه هيجبر بخاطرنا، بس أهم حاجة الأمل لازم يكون في قلبك والتفاؤل كمان، ونمشي على سنة رسول الله عليه الصلاة وأفضل السلام: تفائلوا بالخير تجدوه، وربنا هيرزقنا ونحقق كل أحلامنا، وبكرة تقولي عمران صدق."
كانت تتمسح بأحضانه، وهي تشعر أنها بين أحضان الأمان حقاً. فقد كان عمران ونعم السند ونعم الرجل لها. كان يقوم معها بدور عظيم كالجيش الذي يحمي مدينته ويخاطر بحاله لأجل أن يحميها من مخاطر نفسها ومخاطر من حولها. ما زالت تحتضن وجنته بين كفي يديها، ودقات قلبها ما زالت تدق الطبول في اقتراب عمرانها، وهي تشكره من أعماق قلبها:
"شكراً إنك موجود في حياتي يا عمران. لااا، شكراً إنك إنت بالتحديد رجلي وسندي وبقيت كل عزوتي. شكراً إنك متحملني وضاممني بروحك وقلبك، وعلشان أكده من كل قلبي هقول لك إني رغم ابتلاء ربنا الكبير والصعب ليا، إلا إنه رزقني بيك يا مكفيني وساند قلبي ومحتوي وجعي. شكراً لربنا إنه خلقني من ضلعك إنت، لأن ضلعك شملني قوي."
ثم أكملت ببسمة مختلطة بلمعة الدمع:
"بص، هي حاجات كتير قوي ممتنة بيها لربنا إنك موجود في حياتي، وممتنة ليك إنك رفعت راسي وعليتها، وحسستني إنك مكتفي بيا قوي، وإن مهما تعدي علينا أزمات، هقعد وهحط رجل على رجل وأنا عارفة إني مسنودة على أماني، مسنودة على راجل بمعنى الكلمة."
أخذ نفساً عميقاً ثم زفره بهدوء، وقلبه هو الآخر يدق رغبة بها بين أضلعه. ثم اقترب على وجهها وأسند جبهته بجبهتها وتحدث وهو ينظر داخل عينيها ويتنفس أنفاسها، مردداً بغرام متيم:
"المفروض ما تشكرنيش، عشان اللي أنا بعمله ده اللي واجب كل راجل يعمله مع مراته. لكن إني اللي لازم أشكرك على وجودك إنتِ في حياتي يا سكوني. أصلك ما تعرفيش إني عانيت من إيه، ولا عمر هييجي في بالك ولا في خيالك إني كنت إيه وكنت إزاي؟ إني اتولدت على إيدك يا سكون، قلبي وإحساسي الراجل بالست اتولد على إيدك إنتِ، وما حدش قدر يخرجني من إحساس الفتور اللي كنت عايش فيه وخلاني أتحرك غير حبك، لما وقعتي بين إيديا يا أجمل صدفة ربنا بعتها لي في الوقت ده. وعلشان أكده مش فارق معايا السن، أصل إني عشت سنين ضاعت من عمري وإني تايه مش عارف إني بعمل إيه ولا فين، وإني واقف مكاني ما بتحركش ليه! فهزعل على حاجة بإيد ربنا وإني كنت شارد ومش لاقي نفسي أصلاً، كنت تايه ومش عارفني."
ثم قبلها قبلة رقيقة من عينيها وأكمل همسه وهو يداعب أرنبة أنفها:
"يعني حياتي الحلوة اتولدت على إيدك يا سكوني. لما اتقابلنا إحنا الاتنين، لقيتني بصيت للسما وأني هقف في شباك المستشفى عند محمد وهبص عليكي في اليوم اللي وقعتي فيه بين إيديا، لقيتني بقول: يارب تكون دي اللي من حظي ونصيبي، واللي على إيديها يفوق عمران من نبض وجعه."
تعمقت النظر في مقلتيه وهي تسأله بتعجب لكلماته التي فهمتها للتو:
"إنت كنت هتشتكي من حاجة تعباك أو مريت بتجربة قبل أكده خليتك تعاني قوي أكده؟"
أغمض عينيه لوهلة، وهو يتذكر تلك السنوات الشنيعة التي مرت بعمره وجعلته كارهاً لحاله، ثم فتح عينيه حتى استقرت مرة أخرى في عينيها الساحرتين، ثم أجابها وهو ينفض عن باله:
"أكيد هحكي لك كل حاجة في يوم من الأيام، بس مش دلوقتي. الكلام في الموضوع ده عشان خاطر هنفطر وهروح أصلي، وبعدين ورانا مشوار سفر طويل، يلا يا حبيبي."
كعادتها المريحة، ابتسمت له ولم تلح عليه، ثم بدأت بتكملة طهي الفطور، ثم تناولوه في سعادة تليق بقلوبهما الرائعة في جو من الألفة والأمل الذي لم ينتهي عمران عن إلقائه على مسامعها مع كل نظرة وابتسامة وهمسة.
كانت تجلس أمام حمام السباحة على كرسيها المتحرك، وهي تنظر إلى مياهه التي سلبت أغلى ما بها. فقد أصبحت فاقدة الشغف بكل شيء في الحياة بعد ما أصابتها تلك الوعكة، بعدما فقدت إشراقها في الحياة، بل فقدت كل الجميل التي كانت تعيشه. فقدت المرح. كان ماهر رافضاً أن تخرج للحديقة حتى لا تتذكر ما حدث لها، ولكنها كل يوم تصر على أن تجلس في الحديقة، وبالتحديد أمام هادم ملاذها. وبجانبها مشغل الموسيقى على تلك الأغنية التي تعشقها وتتفاعل معها، وبالتحديد كانت عندما تستمع إليها قبل ذاك، كانت تطير كالفراشة التي ترفرف في الفضاء، تهرب من مكائد الحياة، ولكنها الآن جليسة على كرسي متحرك، لن تستطيع أن تحلق في سماء الحرية كما كانت تفعل تلك الفراشة الرقيقة. وكانت تلك الغنوة:
لولا الملامة يا هوى لولا الملامة
لأفرد جناحي عالهوى زي اليمامة
وأطير وأرفرف في الفضا
وأهرب من الدنيا الفضا
كفاية عمري اللي انقضى
وأنا بخاف الملامة
وآه من الملامة
سألوني كتير سألوني
سألوني عليه
بتحبيه أيوا أيوا وهنكر ليه
بصولي ملام وقالولي كلام جراح
فرشولي الأرض
آه فرشولي الأرض دموع
والشمس جراح
كل ده كله عشان حبيت
ولا عشان قلت أنا حبيت
لولا الملامة يا هوى لولا الملامة
لأفرد جناحي عالهوى زي اليمامة
وأطير وأرفرف في الفضا
وأهرب من الأرض الفضا
كفاية عمري اللي انقضى
وأنا بخاف الملامة
وأنا بخاف الملامة
وآه من الملامة
يا عيون عطشانة عطشانة سهر
يا قلوب تعبانة تعبانة سفر
يا عيون عطشانة عطشانة سهر
يا قلوب تعبانة تعبانة سفر
كتروا من الحب تلاقوا تلاقوا
تلاقوا في الظلمة ألف قمر
بنحب يا ناس
نكذب لو قلنا ما بنحب
بنحب يا ناس
ولا حدش في الدنيا ما حبش
وبنحب يا ناس
من غير الحب ما تنحبش
من غير الحب ما تنحبش
حتى اللايمين زينا عاشقين
لكن خايفين
لايمين تانيين
انهمرت الدموع من مقلتيها بغزارة كعادتها كل يوم، فقد تزورها الدموع في اليوم والليلة كثيراً، بعدما كانت ضيفاً أصبحت صاحبة مكان داخل عينيها. في ذاك الوقت، كان ماهر قد خرج للتو من المنزل وبيده كوبان من القهوة الفرنسية التي تعشقها. وعندما وصل عندها، تبدلت البسمة التي زينت محياه إلى حزن عميق عندما رأى عينيها المغمضتين تنسدل منهما الدموع الغزيرة، وتستند برأسها على ذاك الكرسي. فاقترب منها وهو يتنهد بأنفاس عميقة كي يدخل لرئتيه قدراً كبيراً من الطاقة الإيجابية ليقوم بإلقائها داخل صدر رحمة. ثم اقترب بمقعده منها ودنى منها كثيراً، حتى أصبح وجهه مقابلاً لوجهها، ووصل إليها دفء أنفاسه الحانية، وهو يمد يده يمسح لها دموعها بحنو بالغ، وقلبه ينفطر وجعاً لأجلها. ثم جذبها إلى أحضانه، فتحول البكاء الصامت إلى بكاء بصوت عالٍ وصل إلى قلبه فمزقه، وهو يقف ضعيف مكتوف الأيدي أمام حالتها تلك. ثم ظل يهدهدها وهو يربت على ظهرها:
"بس يارحمتي، حرام والله اللي هتعمليه في حالك دي. مش قادر أشوفك أكده ومقدرش أعمل حاجة. ارحمي نفسك وارحمييني بالطريقة دي العلاج مش هيجيب نتيجة، وكل مرة الدكتورة تيجي فيها تمشي ومتوصلش لنتيجة بسبب حالتك النفسية اللي هتدمرى نفسك بيها. أرجوكي يارحمة، إني عايز رحمة الفرفوشة ترجع لي تاني تملي عليا الكون بهجة. تجدد حياتي بجنونها زي ما كنتي هتعملي معايا. إني ضايع من غير ضحكك ومن غير شقاوتك يارحمة."
هدأت من بكائها رويداً رويداً، ثم خرجت من أحضانه واحتضنت وجنتيه بكفي يديها، وخرجت كلماتها المحملة بنبض الوجع من أعماق قلبها لتقول بشجن:
"مبقاش قادرة، فقدت طاقة الحرية اللي كانت هتخليني أطير زي الفراشة وأملى دنيتي ودنيتك مرح. رحمتك هزمها الابتلاء ومبقتش تتحمل وبقيت ضعيفة."
ثم أكملت وهي تهدئ من شهقاتها، وهي تتعمق النظر داخل عينيه، ولأول مرة منذ حادثتها، يخرج ذاك الكلام من قلبها:
"كان نفسي أعيش معاك تفاصيل ملحقتش أعيشها وأجربها. كان نفسي أجرب معاك اللعب والجري والمرح في كل مكان في بيتنا. كنت محضرة لك تفاصيل في قلبي وعقلي كل يوم أفاجئك بيها وبتجددها عشان أسعدك. كان نفسي ألعب معاك استغماية وتجري ورايا متلحقنيش. كان نفسي أقف أعمل لك أكل في مطبخي وتاجي تحضني من ضهري وتحتويني وتحسسني بدفاك وانت هتقول لي شكلك قمر وانتِ ست بيت تحبي أساعدك في إيه. كان نفسي ييجي عليا وقت أقومك من عز النوم وأقول لك خرجني وأكلني درة مشوي واحنا في عز الليل وأتشاقى عليك زي ما أكون بنوتك وتتحمل شقاوتي. كان نفسي في تفاصيل كتير قوي يا ماهر أعيشها معاك وملحقتش، ودلوقتي أبسط الأمور مبعرفش أعملها لحالي، لازم مساعدة من أي حد حواليا، إنت وماما وسكون وإخواتي وهانم، بعد ما كنت مفكرة نفسي سوبر هيرو ومكنتش بشيل حد همي خالص ولا كنت بشتكي لحد خالص، دلوقتي بقيت أضعف إنسانة على وجه الأرض."
كان يستمع إليها بقلب يخفق ألماً، وقد تراشقت عباراتها بألم كنصل سكين حاد غرز في صدره للتو، وتماسك الدمع في عينيه إجباراً عنه كي لا تظنها شفقة فتشعر بالحزن أكثر. ثم قبلها من عينيها الدامعتين، وقد تذوق بفمه طعم دمعها المرير، ثم تحدث وهو يحتضن كفي يديها كي يرزقها السكينة والطمأنينة:
"طب مين قال إنك الحاجات دي كلها مش هنعملها؟ يعني إنتِ ممكن تصحيني من عز النوم في نص الليل ولو حتى الفجر وتقولي لي خرجني، والله لا أشيلك جوه قلبي وأضمك بضلوعي وأخدك ونخرج وأبسطك وأدلعك يارحمتي. دي إنتِ الصغننة بتاعتي وبنت قلبي وكل اللي نفسك فيه أعمله لك لو هعطل كل حاجة وأقعد تحت رجلك عشان أعمل أي حاجة تسعدك وأشوف بس بسمتك، والله لهعملها ومش هتأخر أبداً."
ثم أكمل وهو ينظر لها برجاء:
"بس أرجوكي يارحمة، مش عايز أشوف دموعك ولا عايز أحس انكسارك، ولا حابب لحظات الضعف اللي هتتملك من قلبك دي. إنتِ هتخفي وهترجعي تمشي على رجلك تاني وهتملي البيت فرح وهتجري وهتتنطي، بس مش محتاجة حاجة منك غير حبة أمل وتفاؤل على حبة صبر على حبة قوة على حبة ثقة على حبة طاقة إيجابية إنك هتقدري وهتكملي. دي إنتِ الباش محامية رحمة المهدي، اللي كانت تدخل المحكمة تهزها بمرافعة محبوكة محدش عرف يعملها زيك في السن الصغير دي."
ضيقت نظرة عينيها، ثم رمقته بنبرة هادئة مستكينة ومستسلمة لمرضها اللعين الذي سيطر على عقلها وقلبها:
"متهيأ لي إن كل حاجة هتنفع، إني مبحبش أشوف نظرات العطف والشفقة في عيون الناس. مش هقدر أتحمل إني أمشي جنبك على كرسي متحرك وأتصعبن على الناس، إني خلاص حياتي هقضيها بين حيطان البيت ومرايدة أشوف الشارع ولا الناس تاني."
ضمها أكثر تلك المستكينة وقربها لصدره، وتحدث بنبرة مشجعة كي يخرجها من حالة الضيق:
"طب شوفي بقى كلامك ده تنسيه خالص، لأنه مش هيحصل وهتتابعي يا رحمة مع الدكتورة وهتفيقي لنفسك وهتنسي الوهم اللي إنتِ عايشة فيه، وهو إنك هتفضلي على الكرسي دي. كل الدكاترة والآشعة والتحاليل أكدوا إن إنتِ في حالة مؤقتة، فأكيد مش هنفهم أكتر منهم. وبرضه كلاتهم أكدوا إنك لازم تفوقي من حالة الصدمة وتتشجعي وتتعاملي مع المرض بكل قوة عشان تهزميه، مش هو اللي يهزمك. وإني مش هسيبك يا رحمة تستسلمي لوجعك وألمك، يستحيل ده يحصل طول ما إني جنبك. لازم تثقي إنك هتتسندي على درع حامي هيواجه وياكي كل المراحل. لازم تبقي أقوى من الظروف وتعانديها، وإنتِ أصلاً رحمة المهدي الشرسة العندية، اللي محدش يقدر عليها ولا يقدر يهزمها."
زمت شفتاها بفقدان صبر وأنزلت بصرها للأسفل بحزن ممزوج بقهر، وتحدثت بنبرة مضحية منهزمة:
"إنت لازم تطلقني وتعيش حياتك مع واحدة تستاهلك. إنت تعبت في حياتك يا ماهر وعانيت قوي. أما إني سيبني لمصيري بزيادة وجعك اللي عانيته في..."
لم يتحمل حدسه كلامه عن فراقهم، ثم كتم شفاها مانعاً إياها أن تكمل هرائها ذاك، وهو ينهرها بحدة بالغة:
"إياكي أسمعك تقولي الكلمة دي تاني يارحمة، هو إنتِ إزاي استسهلتيها قوي أكده! إزاي أصلاً عقلك أدرك إن إني ممكن أسيبك وأبعد عنك! هو إنتِ فيكي حاجة أصلاً تستدعي إني أبعد عنيكي، ولا مفكرة أزمتك دي هتخليني أسيبك وأفرط في كنزي الآمن؟ إنتِ انتشلتيني من الضياع، خرجتيني من صومعتي المقفولة اللي كنت عايش فيها بلا روح ولا إحساس. إنتِ اتحديتي معايا وجعي وقهري ومر عيشتي بكل قوتك اللي إنتِ هتستنكريها على حالك دلوقتي ومصعباها على نفسك. وإني جه دوري معاكي يارحمة، هتحدي الصعاب وياكي بكل قوتي، ولا يمكن أسيبك إلا بموتي. باختصار بسيط، إنتي الحلم اللي ملهوش مدى والحقيقة اللي ملهاش نكران في قلبي. باختصار أكتر يارحمتي، هل جزاء الإحسان إلا الإحسان."
وأكمل وهو يناولها كوب القهوة الذي أصبح بارداً، وهو يشاكسها:
"أكده حرام القهوة اللي عملتها ليا وليكي بردت، ودي ميرضيش ربنا وعقابك هتشربيها باردة عشان بعد أكده متنكديش علينا وقت القهوة بالذات يا غشيمة إنتِ."
اتسعت مقلتاها بذهول، وهو ينعتها بالغشيمة، هادرة به:
"وه مين دي اللي غشيمة؟ ما تظبط لسانك دي يا ماهر، وإنت هتتحدث وياي."
تبسم ضاحكاً بعدما استطاع إخراج رحمة الشرسة الآن، وهو يباغتها بقبلة سريعة بجانب شفتيها:
"ياه، أخيراً يا عمنا سمعنا صوتك الشرس يا بتاع الكنتالوب والتوب إنت."
ابتسمت لتذكره تلك الكلمة، ثم قالت:
"ياه، إنت لسه فاكر يابتاع الأسد، اللهم لا حسد."
ضحك بشدة، ثم حرك رأسه للأمام وتحدث بنبرة مشاكسة:
"يعني إنتِ نسيتي عشان إني أنسى يا صغننة، وبعدين هي دي لحظات تتنسي عاد!"
ثم غمز لها بطريقة أذابتها:
"طب بقول لك إيه؟ ماتيجي بقى نطلع فوق أوضتنا ونشهص شوية ونروق الجو ونظبط الديكور، وأنعنشك أكده، أصلك مش عاجباني خالص وكمان إني مشتاق بالجامد."
أومأت له وهي تربت على وجنته، وقد ارتفعت دقات قلبها الرنانة ودقت في أرجاء قلبه، وأردفت بدلال:
"هو إنت مبتزهقش والاشتياق عندك مبيبططلش؟ أووو، تصدق نسيت إنك الأسد، اللهم لا حسد."
اقترب منها ليزيح خصلة فوق عينيها، يتلمس وجنتها نزولاً إلى فكها، ثم صعد إلى شفتيها يتلمس كل منهما بإبهامه، وهو ينظر لها باشتياق جارف:
"ماهو إنتِ السبب يارحمتي، كل يوم هتزيدي حلاوة وجمال وهتجنيني أكتر من اليوم اللي قلبه، وأني بضعف قدامك قوي."
ثم حملها وصعد بها إلى غرفتهم، ووضعها على السرير برفق، وقبلها من جبينها وتركها وذهب إلى الحمام كي ينعم بحمام دافئ، يستعيد به نضارة جسده وحيويته، وكي يترك لها وقت لكي تستعد نفسياً للقائه، فقد قالت له الطبيبة أنهم يستطيعون أن يعيشوا حياتهم الزوجية الطبيعية دون أي عائق.
بعد مدة مضت، قضاها هؤلاء الكابل الشرس يتنعمون في أحضان بعضهم، كانوا يجلسون على السرير، وهو يحتضنها برعاية ويخبرها:
"في خبر حلو قوي هقول لك عليه، جاسر كلمني وقال لي إن فرحه كمان أسبوع. عمران أصر إن هو يعمل الفرح عشان خاطر كفاية تأجيل، وكمان فرصة حلوة إن إنتِ تخرجي من الجو الكاتم اللي حبسه حالك فيه وتحضري الفرح مع حبايبك. فإيه رأيك نبدأ من دلوقتي نشوف هتلبسي إيه أو هتجيبي اللوك منين، أو أجيب لك ديزاينر هي اللي تعمل لك اللي إنتِ عايزاه أهنه، فقولي لي رأيك نعمل إيه يا حبيبي؟"
انقبض قلبها من فكرة تواجدها بين جمع من الناس وهي بحالتها تلك، من ناحية، ومن ناحية أخرى سعدت لأجل إتمام زفاف جاسر ومها أخيراً، فهما يستحقون السعادة بحق. لاحظ تشتتها ذاك، فسألها:
"مالك؟ إيه اللي خلاكي سرحتي أكده وريأكشناتك قلبت مرة لمحة حزن ومرة بسمة؟"
ابتلعت غصتها بمرارة مثل مرارة الصبار، وتركت لسانها يتفوه:
"مش عارفة، مش متقبلة فكرة إن إني أكون في تجمع مع الناس دلوقتي، ما عنديش استعداد نفسي لحاجة زي دي. وفي نفس الوقت عايزة أفرح مع مها وأفرحها، ومش عايزة أحسسها إن هي عملت حاجة تزعلني في وقت زي ده، لأني بجد فرحت لهم قوي، فمتلخبطة ومش عارفة أفكر."
ابتسم بهدوء، وأمسك كفها وطبع بداخله قبلة لثوانٍ، ثم نظر إليها وأخبرها بما عرفه له جاسر، مما جعلها تبتسم وتطمئن:
"له ما تقلقيش من النقطة دي، جاسر قال لي إن الفرح هيوبقى في نطاق ضيق، أهل يعني في بعض، لأن خطيبته هي اللي طلبت دي عشان ظروفها اللي إنتِ عارفاها، فبالتالي مش هيوبقى في قلق، كل اللي هيبقوا موجودين في الفرح حبايبك، وفرصة حلوة تتجمعي معاهم. وبعدين يا رحمة، عايزك تنسي وتتعايشي على الوضع وتعيشي حياتك وما تضيعيش الفرص السعيدة اللي هتخرجك من الجو المقفول ده وتديكي تفاؤل إنك تكملي مشوار علاجك، وإنتِ عندك طاقة إيجابية، والحاجات اللي زي دي بتفرح قلوبنا وبتخلينا ننسى شوية اللي إحنا فيه."
وضعت كفي يديها الحنونتان وحاوطت بهما وجنتي ذاك الرائع، وتحدثت بحب صادق ظهر بينا داخل عينيها وهي:
"ربنا يخليك لقلبي وتوبقى طول العمر جنبي.
وكل حاجة حلوة ليا منك بتأكد لي إني اخترت صح.
إنت اللي جنبك ببقى حاسة بالأمان.
إنت جيت حياتي تملى كل سنيني.
فرحمة حسن حظي إني قابلتك."
احتضنها بحب جارف، وتحدثت عيناهما بحب، وهم يدعون الله أن يجعلهما يشعرون دوماً بالسعادة، وأن لا تفرقهم الأقدار.
وهكذا، لا يستغني الناس في هذه الحياة عن بعضهم، ولا يستطيع الإنسان أن يعيش وحده في فضاء الحياة، فلا بد من مشاركة الغير في أمور الزمان، ورد الجميل واجب علينا، ومن حسن أخلاق المسلم حفظ المعروف ورد الجميل ومقابلة الإحسان بالإحسان، وقد نهى الإسلام والرسول محمد عليه الصلاة والسلام عن نكران الجميل.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم فاطيما يوسف
أنا المرأة القوية التي جمعت كل أحزاني السوداء ثم تكحَّلت بها وحينما تنظر داخل عيناي سترى أحزاني صامدة بقوة كي أُضعِفَك، أنا التي تقبلت سُمَّ الكلام من فمك ثم مزجته بدموعي ووضعته في إناء قلبي وتجرعته بعقلي حتى أهُزُّ ثقتك وأجعلك تهابني ألف مرة قبل أن تجرحني، أنا المرأة التي لايشغلني غائب ولا أطيق انتظارك فأنا إمرأة تاج العزة يُزين رأسها وتلبس ثوب العفاف والوقار عقلها عقل ناضج وقلبها صندوق من الأسرار.
تستند مها على تختها وقد قررت أن تعلن ارتباطها بـ “جاسر ” علي الفيس بوك ونشرت صورة يديهم بخاتم الزفاف ودونت فوقها:
ــ ليس فقط جمالك الخارجي يجذبني، بل أيضاً عمقك وروحك الرائعة أنت مصدر السعادة في حياتي، وأصبحت رفيق دربي نحو الأمان والحب كيف يلتقي أحلامي، فهنيئا لقلبي بك أيها الرائع.
دونت رسالتها وفعلت إشارة المتابعين وكان من ضمن المتابعين ذاك العامر الذي ما إن رأى ذاك المشهد حتى تحسر قلبه بشدة وعلم الآن أنه خسرها للأبد ولكن حرضه عقله أن يحادثها حتى لو كانت تلك محادثتهم الأخيرة وهو يلومها بتلك الرسالة:
ــ دلوك عرفت سبب رفضك ليا ايه انك لقيتي الحب اللي كنت هتستنيه زي ما اني لقيتك قبل اكده واستنيتك كتير واتمنيتك أكتر بكل مافيا وأني كنت عايزك وفي الآخر برده قلبي اتحـ.ـرق من جواه في بعدك ودلوك في خسارتك ياأغلى ذكرى عشتها في حياتي.
كانت جالسة تستقبل تلك التعليقات على منشورها ووجدت رسالته التي صدمتها للتو فقرأتها وهي تشعر لأول مرة بالشفقة تجاهه ثم وجدت أنها لابد أن ترد عليه كي تغلق صفحته للأبد تجاهها وبعدها تقوم بحظره فهي امرأة الآن على اسم رجل عاشقة له ولن تخونه أبداً حتى ولو بالكلام:
ــ يا ريت تنساني يا عامر وحاول تطلعني من دماغك وقلبك زي ما اني ما عملت من سنين، ودور حواليك هتلاقي الحب زي ما اني ما لقيته واقفل الماضي اللي بيني وبينك وما تحاولش تنبش فيه تاني، اني عارفة ان انت عمرك ما هتفضح اللي بينا وعارفة قد ايه رجولتك في الحتة دي بالذات هشيلها لك في قلبي اللي بيدعي لك كأخت لأخوها ربنا ينزع حبي من قلبك ويرزقك زوجة طيبة وحنينة تقدر تنسيك كل حاجة مرت ما بينا أرجوك يا عامر ما تبعتليش تاني لأني بجد بحب خطيبي جدا وما صدقت الدنيا فتحت لي أيامها الحلوة فمش عايزة أخسر تاني كفاية الخسارة اللي خسرتها وخلتني عايشة أيامي بلياليها وجع على الغاليين لحد دلوك ما بردش، أرجوك انسي مها من حياتك ياعامر.
عند الفراق اترك لعينيك الكلام فسيقرأ من أحبك سوادها، واجعل وداعك لوحة من المشاعر يستميت الفنانون لرسمها ولا يستطيعون، فهذا آخر ما سيسجله الزمن في رصيدكما، فما أصعب أن تبكي بلا دموع، وما أصعب أن تذهب بلا رجوع، وما أصعب أن تشعر بضيق وكأنّ المكان من حولك يضيق، فبعد الفراق لا تنتظر بزوغ القمر لتشكو له ألم البعاد؛ لأنّه سيغيب ليرمي ما حمله، ويعود لنا قمراً جديداً، ولا تقف أمام البحر لتهيج أمواجه وتزيد على مياهه من دموعك؛ لأنّه سيرمي بهمك في قاع ليس له قرار ويعود لنا بحراً هادئاً من جديد، وهذه هي سنة الكون يوم يحملك ويوم تحمله بعد خيبتها العاطفية الأولى، لم تُعطِ قط نفسها كلياً خافت الألم، والخسارة، والفراق، وهي أمور لا مفرّ منها على طريق الحب، ولاجتناب المعاناة ينبغي التخلي عن الحب، الأمر أشبه بأن نقتلع أعيننا كي نُغشي نظرنا عن بشاعات الدنيا فإذا ما جاء الفراق يوماً وجاء بعد الفراق العيد فلا تنسَ أن تفرح، ولا تنسَ أن تضحك، ولا تنسَ أن تلبس الجديد.
فما كان منه إلا أنه وضع ملصق قلباً منقسم إلى نصفين وكأنه بذاك الملصق يعبر عن حالته له تجاه كلماتها وما كان منه إلا أنه فعل مثلها وقام بحظرها في نفس اللحظة التي قامت هي الأخرى بحظره وانتهت أخيراً قصة عامر والمها وكل منهم يشق طريقه بعيداً عن الآخر طالما اختار القدر ذلك.
تهبط زينب الأدراج وهي تنتوي الخروج كي تذهب إلى ابنتها رحمة التي أصبحت شغلها الشاغل وملهاها وكل تفكيرها أصبح الآن منصب تجاهها فاليوم موعد جلستها مع الطبيبة وفي كل جلسة لم تتركها وتقف بجانبها، رآها سلطان وهي تتجه إليه وتردد بطريقتها الحادة معه منذ ثلاثة أشهر وهي لن تجعله يمسها فقد جرحها وأصابها بسُمِّ الكلمات ما يجعلها غاضبة:
ــ أني رايحة حدا رحمة الداكتورة جاي لها النهاردة الوكل عنديك في المطبخ لأني هقعد معاها النهار بطوله ومش هفوتها.
زمجر “سلطان” بضيق وهو يسألها بفقدان صبر:
ــ لحد ميتة هتفضلي مقفلة دماغك ومنشفاها بالقووي يازينب وأني وانتي كل واحد فينا في ركن وحديه الطريقة داي متنفعش ولا ترضي عبد ولا رب؟
نظرت له بنصف عين وهي تتشبس بعنادها معه وأجابته بنبرتها الجليدية:
ــ لحد ما تعترف انك غلطت في حقي لما مديت يدك علي وأهنتني وأني مرة حرة مقبلش الإهانة واصل ولولا ظروف بتي واللي حوصل لها مكنتش قعدت معاك اهنه يوم واحد بس معملتش اكده علشان خاطرها هي بس علشان نفسيتها متتأثرش بيا وبيك لكن أني خلاص زهدت فيك وزهدت صنف الرجالة كلاته.
حاول أن يستدعي الهدوء كي يجابه تلك الشرسة ورغم كبَرِها إلا أن عقلها ما زال عقل امرأة مراهقة فتحمحم متسائلاً إياها بنبرة باردة:
ــ أممم.. يعني عايزة ايه يا زينب مكفاكيش الشهور دي كلماتها عند ومكملة بردو وهتهلفطي بكلام وخلاص؟
رفعت قامتها لأعلى بشموخ اعتادت عليه للأخذ بحقها فهو أهانها ومهما كان السبب ما كان ينبغي أن يمد يدها عليها مجيبة إياه بمكر:
ــ والله انت اللي استقويت وافتريت ومديت يدك علي وكسرتني وأني في السن دي مع انك المفروض كنت تحتوي الموقف وتاخدني في حضنك وتهديني ان ابني الوحيد ومرته خرجوا من البيت ومهما كان حجم المشكلة وكل واحد فينا بيفكر ازاي علشان يحلها من وجهة نظره كلنا وقت المشكلة بنشوف ان احنا مش غلطانين واي انسان اكده لكن انت اسهل حاجه عنديك الضـ.ـرب والإهانة وآديني اهو قاعدة اني وانت لوحدنا في البيت ولا حد بيقول لنا باب ريحكم فين.
وأكملت بأسى وهي تشعر بالحسرة وتنظر حولها من فراغ منزلها بعد أن كان مملوءا بنَفَس أبنائها حولها:
ــ وولادي اللي عشت هحابي عليهم العمر كلاته واحدة خلفت وانشغلت مع جوزها وحماتها وما بشوفهاش إلا كل شهر مرة والتانية ربنا ابتلاها وبقت قاعدة على كرسي متحرك والوحيد اللي كنت حاطة أملي فيه هيملا لي البيت عيال ربنا قدره له الوحدة والسن بيجري بيه والراجل اللي أني اتجوَزته لو طال يمـ.ـوتني هيمـ.ـوتني ومش حاسس بنـ.ـار قلبي القايدة على ضنايا اللي فر وسابني وبعد دي كلاته مش عايزني أنقهر يا سلطان؟
أحس بكل ماتحكيه وتشكيه وهو ينظر حوله هو الآخر ويشعر بنفس وجعها ثم قام من مكانه وجذبها من يدها برفق وهو يقبلها من رأسها مرددا بندم:
ــ طب معلش حقك عليا اني مديت يدي عليكي كانت ساعة شيطان وراحت لحالها مش هتتكرر تاني يا ام عمران، وبعدين اني كمان زيك بالظبط وفارق معاي فراق العمران ومرته وخروجهم من البيت بس هي دي سنة الحياة ومسيرهم كل واحد له طريق هيمشيه بس انتِ ما تكركبيهاش على دماغك وفوتي عشان المركب تمشي.
أنهى تطيب خاطرها بكلماته ثم جذبها بين أحضانه وهو يتلهف شوقاً لها فقد شنت عليه مكر الأنثى بجدارة ولكنها أبعدته عنها ووالته ظهرها وهي ترفض هدنة صلحه لها لتقول بتصميم:
ــ هو بمزاجك ولا ايه يا سلطان وقت ماتُضرب تُضرُب ووقت ما شوقك يغلبك تحن وتقدم فروض الولاء والطاعة وأني المفروض اقول سمعاً وطاعة.
ثم أدارت جسدها إليه ثم ناظرته بكل ما أوتيت من قوة بفم مملوء بالرفض لو رآها أحدهم للقبها بامرأة الجبروت ولكنها امرأة أُهينت على يد سكنها الآمن:
ــ له يا سلطان مش اني اللي تنضـ.ـرب وتعمل فيها اكده وتتصالح بسهولة اني كرامتي عندي فوق كل اعتبار فوق أي عشرة فوق أي قوانين فرضها الراجل القوي على ست ضعيفة ولو فاكر انك لما تبوسني من راسي اني هحن لك وهنسى توبقى بتحلم انت حطيت حاجز كبير قووي بيني وبينك عمرى ما هنساه.
كان واقفاً يستمع إليها باندهاش فمن أين عرفت ذاك الكلام الكبير الذي ألقته على مسامعه للتو وظل ينظر إليها بعين ونصف حتى استشف ما عرفها ذلك هاتفاً لها:
ــ أه مانتي بقيتي قاعدة على المخروب اللي اسمه الفيس بوك دي وتتفرجي لي على النساوين اللي هتقوي الستات على رجالتها وهتعلمهم يهجروا اجوازتهم.
ثم أكمل بتحذير وهو يقسم لها صدقا مما جعل داخلها يهاب من قسمه:
ــ أني راضيتك وبوستك من راسك علشان مكانش ينفع أمد يدي عليكي لكن قسما عظما هتظيتي فيها وهتفضلي نافرة وهاجرة لا هعمل اللي مهتحبيهوش واني قسمي مش هينزل ولا هتراجع عن اللي في دماغي، اني بقالي تلت شهور بطبطب شوية وساكت وسايبك على راحتك شوية ومكبر دماغي عشرة لكن هتزيدي فيها اكتر من اكده هتلاقي مني ماتكرهي وانتِ حرة يا زينب متطوليش اكتر من اكده وخلي في معلومك لانتي بقي ليكي غيري ولا إني بقي ليا غيرك العيال اتجوزو واستقروا في بيوتهم الله يعينهم على شقى الحياة فخلينا نوبقى حلوين مع بعض علشان الدنيا تمشي وخلينا ونس لبعض احسن ما نوبقي أعداء.
ارتعب داخلها من تهديده وهوى قلبها بين قدميها فهو لن يقسم هباءً منبثاَّ ثم اصطنعت الكبرياء كي لا يرى ضعفها فيكمل مابداه لتقول بقوة واهية وهي تستعد المغادرة:
ــ لما نشوف هتعمل ايه يا سلطان وهتكسرني بأنهى طريقة تاني، اني ماشية رايحة لبتي.
ــ مع السلامة ومتقطعيش الجوابات يا بتاعت النت والنتيت انتِ… جملة ساخرة نطقها “سلطان” لـ “زينب” جعلتها تغتاظ منه وهرولت من أمامه وهي تدب أرضاً ولكنها تشعر بالسعادة كثيراً فقد أرضت غرورها ناحيته وجعلته اعتذر لها وقبل رأسها وبدورها قررت أن تتعامل معه بمكر حواء تلين مرة وتشُد عشرة كي لا تجعله يكرر فعلته معها أخرى.
أما هو فور خروجها نطق بغيظ وهو يضـ.ـرب كفاً بكف:
ــ يقطع النت على النتيت على اللي هينتتوا عليه على صنف الحريم كلاته اللي خلاهم هيتفرعنوا على رجالتهم نساوين عايزة حش رقابيها.
ثم أكمل متوعدا وهو يشعر بالغيظ منها:
ــ الله الوكيل يازينب لو ما اتعدلتي وسيبتي اللؤم دي لا هكون مقطع لك سلك المخروب دي خالص ومهخلكيش تطوليه بعد اكده.
أما في الخارج صادف خروج زينب دلوف عمران فهو قد صلى الجمعة وقبل أن يسافر هو وزوجته ذهب ليطمئن على والديه وعندما رأته دق قلبها شوقاً لوحيدها الذي أصبح غريبا عن أحضانها وتراه كل يومان بعد أن كانت تراه صباحا ومساء وفي كل وقت، نظرت إليه بلوم مغلف بالقهر وقلة الحيلة ووجهت أنظارها للناحية الأخرى عن قصد كي تداري شوق عينيها التي حتما ستفضحها وقلبها حزين منه بشدة ثم اقترب عليها وهو يجذب رأسها كي يقبله وما كان منها إلا أنها أبعدت رأسها عنه بقصد جعله حزن للغاية:
ــ طب ليه يا امي هان عليكي تنفري عمران ولدك اللي نفسه في حضنك ومحتاجه قووي علشان يقدر يكمل؟! بزياداكي جفا يا حاجة أني اللي فيا مكفيني وربك اعلم بما في الصدور وأكيد إنتي حاسة بيا.
لم تستطيع أن تستمر في معاملتها الجافه وجذبته الى احضانها وهي تقبله من راسه ووجهه وسحبته لأحضانه بحنو واشتياق لو رآه أحدهم لأجزم ان وليدها ذاك مسافراً منذ زمن بعيد وهي تشهق في أحضانه بشدة وتشعر بأن الشوق لولدها الوحيد يمزق داخلها، أما هو حزن بشدة لبكائها الشديد وشعر بالخزي من حاله من أنه أحزنها وجعلها تشعر بالوحدة والاستياق له بتلك الدرجة وخُيِّل له أن ولده الذي يترجاه من ربه سيفعل به يوماً من الأيام ويتركه لأي أسباب مهما كانت معضلة وإلى شعر بالحزن الشديد وأنه أصبح قاب قوسين أو أدنى والموقف في قلبيهما صار متأزماً للغاية ثم أخرجته من أحضانها واحتضنت وجنتيه بين كفاي يديها وبعيناي باكيتين دعت له قبل أن تتركه سريعاً وتهرب من شوقها الجارف له:
ــ ربنا يراضيك ويرضيك ويرضي عنك يابن عمري يابن قلبي.
دعت له وفرت هاربة من أمامه بقلب يخفق من ألم فراقه فخروجه من أحضانها كان هادما لها، وهو وقف ينظر على أثرها بحزن شديد ثم وقف قليلا يستجمع شتاته المفرق قبل أن يدلف إلى والده ثم هدئت أعصابه ودخل إلى والده الذي رآه يحدث حاله ويبدو عليه الإنزعاج الشديد فاندهش لحالته تلك فألقى السلام وتسائل متعجباً من حالته:
ــ عليك السلام والرحمة ياحاج، ايه مالك مين مزعلك بالقوي ومخليك هتحدت حالك وانت مخنوق اكده عاد؟
نظر إليه “سلطان” وهو يجيبه ساخراً:
ــ آه ماهو انت تعيش في العسل لحالك ويا مرتك واني اتحمَل فرك من اهنه يا حيلتها!
زمجر “عمران” برفض مصطنع لشكوى أبيه ليهتف باستنكار:
ــ وه وأني مالي يا حاج باللي هتعمله زينب وياك مانت اللي مش عارف تبلف عقلها بكلمتين وهتلاقيك زي عوايدك هتشخط وتنطر.
ثم أكمل بنصح وهو يجلس بجانبه:
ــ يا ابوي الست كائن ضعيف مش عايزة إلا المعاملة الزينة وصدقني هتلاقيها وياك فل الفل وميت عشرة سيبك من أسلوب الزعيق والتهديد وكمان بتوصل مد اليد وامي ما هتجيش معاك بالطريقة داي ابدا اتعامل وياها بهدوء وبلين وصدقني هتلاقيها معاك حاجة تانية خالص، الست عموما هتحب اللي هيدلعها ويطبطب عليها حتى لو كانت غلطانة اكده هتريح وتستريح.
ضم “سلطان” حاجبيه بعبث وهو يهتف برفض:
ــ وانت يا ابن امبارح هتعلمني كيف هتعامل ويا مرتي؟ أمك هتدلع على كبر وأني دماغي ما لهاش في الحديت دي واصل وزهقت من عمايلها وقربت اطفش واهج منيها خالص عشان تستريح.
ضـ.ـرب عمران كفاً بكفٍ باستنكار من تصميم أبيه على المشاكل:
ــ يا ابوي حاشا لله اني هعلمك بس داي امي واني ما احبش اشوفها مقهورة بالشكل دي واكيد حوصل منك انك زعلتها او مديت يدك عليها خليتها بالشكل دي واني لازمن ازعل عليها.
اتسعت مقلتي “سلطان” مما قاله “عمران” هادراً به:
ــ ده انت طلعت ابن امك بصحيح واني اللي عميلت دي كلاته عشان تعيش انت مرتاح وهادي البال وفي الآخر تزعل على امك وما تزعلش على ابوك، اسفوخس عليك يابن زينب تصدق طلعت عيل واطي وخسارة فيك اللي كنت هجاهد فيه علشانك.
لوي “عمران” شفتيه بامتعاض ليقول بهدوء:
ــ متشكرين يا حاج اي حاجه تطلع منك هتقبلها مهما تقول بس انت روق بالك كده واجمد الست عايزه الراجل طويل البال عشان يتحمل النكد بتاعها عماله على بطال مش قصدي انك تزعل مني.
أجابه بإقتضاب:
ــ حاضر يابن امبارح ياللي هتدي ابوك درس في معاملة الحريم اللي معايزاش غير حش رقابيها والله، وأكمل وهو يهدئ من نبرة غضبه ويسأله عن أحواله:
ــ كيفك انت و مرتك عاملين ايه؟ورحتوا للدكتور اللي قلت لي عليه قبل اكده ولا لسه مأجل الموضوع يا ولدي؟
أجابه عمران مطمئناً إياه:
ــ احنا بخير يا ابوي اطمَن علينا، انت عارف كنت مأجَل الموضوع دي عشان اللي حوصل لرحمة أختي بس اني قلت اجي لك واعرِفك ان احنا مسافرين النهاردة رايحين للدكتور إن شاء الله وربنا يجعل القبول من حظنا ونصيبنا.
ابتسم “سلطان” تلقائياً وهو يدعي له ويربت على ظهره بحنو:
ــ على بركة الله يا ولدي ربنا هيراضيك ان شاء الله عشان انت وِلد حلال وهيراضينا كلاتنا ربنا العالم أني مستني الحفيد دي كد ايه اكتر من زينب ميت مرة بس ادي الله وادي حكمته و واجب علينا نصبر، ربنا يجعل تعبكم في سفركم على خير ان شاء الله ويجبركم ويجبرنا اني متفائل خير ياولدي.
أمن عمران بلهفة لدعاء والده:
ــ يا رب يا ابوي يسمع منك يا رب، بس أمانة عليك يا ابويا ما تجيب سيرة لامي انت عارف ما عايزهاش تتعلق بأمل لسه ما عرِفناش عنه حاجة خلينا اكده على الحياد وهي هتعرف إننا مستنيين أمر الله وفرجه علينا كفاية اللي حوصل لحد اكده وقت ما ربنا يريد هتعرف كل حاجة في وقتها.
حرك والده رأسه بموافقة وظل يدعو له وتحدثا قليلاً ثم استأذن عمران في المغادرة كي يذهب إلى سكون ليستعدوا الى رحلة المجهول بالنسبة لهم والتي تعتبر أهم رحلة في حياتهم والتي بدورها ستكن لهم إما آمنة وجابرة لقلوبهم وإما محطمة لآمالهم والله المستعان لهم.
استعد “عمران” و “سكون” للسفر أخيراً وصعدوا الى السياره وهم يرددون دعاء السفر والذي لابد أن يردده الإنسان عند سفره ليأمن شر الطريق فهو دعاء يرزق الإنسان السكينة والاطمئنان فبهذا الدعاء يستودع الإنسان نفسه وعائلته في أمان الله فقد علمته له سكون وبدوره في كل مرة يسافر فيها يردد الدعاء وهو يتذكرها بالخير دائما فألقاه عمران بصوت عالي وهي تؤمن وراءه بصوت منخفض:
ــ بسم الله توكلت على الله، اللهُمَّ أنتَ الْصَاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر، سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ.
اللهم أنت الصاحب في السفر، اللهم هون على سَفَرَي هذا، وَاطْوِ عَنَّي بُعْدَهُ.
اللهم اهدنا في من هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت.
يا رب أسألك في سفري هذا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى.
يا رب احمنا مِنْ وعثَاءِ السَّفَرِ، وكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ.
اللهم ارزقنا في سفرنا هذا أمنًا وسلامة ورزقًا طيبًا وعودًا حميدًا.
اللهم اجعل التوفيق حليفنا في سفرنا هذا ويسر لنا طريقنا، وجنبنا من كل سوء.
اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.
يا رب استودعتك روحي ونفسي وجسدي فردني إلى أهلي سالمًا وأعوذ بك من وعثاء السفر.
بعد ان انتهى عمران من إلقاء دعاء السفر توجهوا في طريقهم ولكن كان عمران صامتاً طيلة الطريق بسبب لقاء أمه وما فعلته معه ولم يشعر بالإرتياح وأحست سكون بذلك فسألته وهي ترى حالته المتغيرة:
ــ مالك يا عمران حساك متغير في حاجة مضايقاك أو مزعلاك ما كنتش اكده الصبح وشك قالب خالص؟
تحمحم كي ينظف حنجرته وتحدث بنبرة جادة لملامح وجه منهكة ارتسمت رغما عنه:
ــ مش عارف ماما مش راضية ترضى بالأمر الواقع لحد دلوك وكل أما اقابلها ما ترضاش تسلم علي وتحسسني بالذنب ناحيتها مع ان اللي اني عميلته دي طبيعي لأي إنسان بيعمله لما بيتجوز بيستقر في بيته اللي هو عمله علشان يبدأ فيه حياته ولحد دلوك مش متقبلة الوضع خالص بقى لنا كذا شهر والعناد والزعل ما قالوش بل بالعكس مش عارف اعمل معاها ايه تاني؟
أخرجت تنهيدة حارة وأنزلت بصرها وأردفت قائلة بنبرة محملة بأثقال من الهموم وهي تحمل حالها ذنب فراق الابن وأمه:
ــ غصب عنها يا عمران ابنها الوحيد فاتها وساب لها البيت فاضي عليها وهو كان أملها انه هيملا البيت عليها من تاني، لازم نتحمَلها ونتحمَل اي طاقة زعل تخرجها من قلبها لحد ما تستسلم للأمر الواقع وبصراحة اكده الذنب مش عليك انت الذنب عندي اني عشان اني السبب في كل اللي بيوحصل دي.
ضم حاجبيه وعبس وجهه وسأل مستفسرا بدهشة ظهرت على وجهه وهو يستنكر ما نسبته اليها:
ــ ليه الذنب عندك انتِ! من البداية اني بنيت البيت دي من قبل ما نتجوز وكنت عامل حسابي ان احنا هنستقر فيه ولولا الظروف اللي حوصلت كان زماننا متجوزين فيه من البداية وما كانَتش زعلت اصلا يعني اللي احنا فيه دي كان أمر واقع بس اتنفذ متأخر شوي، ما تحاوليش تحملي نفسك اكتر من طاقتها إنتي كمان يا سكون كفاية اللي إنتي فيه، وبعدين ما تشيلنيش ذنبك إنتي كمان كفاية عليا أمي أرجوكي.
تنهدت بثقل وألم نفسي انتابها جراء كلماته ثم وجدت أن تغير مجرى الحديث كي لا تجعله يحزن فكفاهم من الهموم ما كفى:
ــ ولا ذنب ولا يحزنون يا حبيبي قل لي بقى قدامنا قد ايه في الطريق على ما نوصل؟
تنهد وتحدث باستجواد مُعلِماً إياها:
ــ باذن الله قدامنا خمس ساعات ونوصل على خير.
أخذت نفساً عميقاً ثم زفرته بهدوء وعرضت عليه بشغف:
ــ حلوين قوي يلا نقرأ سورة البقرة تسميع مع بعض واحنا ماشيين انت صفحة واني صفحة لحد ما نخلصها هتاخد مننا ساعة تقريبا وبعدين ندخل على يس وبعدين على الملك والواقعة وما تقولش لا علشان احنا ما سمعناش مع بعض بقى لنا كتير ودلوك بقى هختبر مدى حفظك يا سيد عمران.
ابتسم وأماء برأسه بموافقة على اقتراحها بصدر رحب وبالفعل بدأ كلاهما بالقراءة والترتيل بصوتٍ عذب والساعات تمر عليهم كالدقائق وهم مشغولون بالتسميع ويتناسون الطريق في حضرة القرآن الكريم وأي حضرةٍ هذه فهي تعطي القلب راحة وخشوع وهدوء لم يشعر بهم الإنسان إلا في ذكر الله” ألا بذكر الله تطمئن القلوب “.
واخيرا وصلوا للمكان الذي ستجري الفحص فيه وهم يقفون أمامه بقلب ينبض بالخوف تاره وبالأمل تارة أخرى ومشاعرهم تنعكس على وجوههم فأحياناً يبتسمون وأحياناً يتيهون وأحياناً ينظرون إلى السماء يترجون من الله أن يكون معهم، ثم احتضن عمران كف يدها بحنو ودلفوا إلى العيادة وقام بالاستعلام عن دوره واذا بها تقف تلك المسؤلة عن الأدوار لتقول لهم بترحاب واسع وهي تتمشى معهم في بهو المشفى الواسع الممتلئ بالأناس من مختلف الأشكال والألوان وهم ينظرون إلى ذاك الجمع باندهاش وداخلهم يردد أن من المعقول كل هؤلاء الناس يشكون مثل ما هم يشكون! ثم اشارت لهم الممرضة:
ــ اتفضل بعد اذنك يا فندم انت والمدام الدكتور قدامه حالة وانتم اللي هتدخلوا وراها على طول وكل الأشعة المطلوبة هنعملها جوه عند الدكتور على طول هو مستنيكم ومنبه علينا أول ما توصلوا ندخلكم فوراً ما تستنوا دور.
نظروا لبعضهم بدهشة وبعد أن تركتهم الممرضة نظر عمران لسكون مرددا بذهول:
ــ دي فريده صاحبتك طلعت واصلة بقى دي المستشفى أمم يعني لو هنمشي بالدور والحوارات دي هنقعد هنا اليوم بحاله.
ثم تابع بتحقيق جال بباله بطريقة دعابية أضحكت سكون:
ــ ولا الدكتور اللي جابنا هنا اصلا ايه حكايته هو وهي؟ حاسس إن الموضوع في إن، هي مش فريدة دي صاحبتك ومش المفروض تكوني عارفة التفاصيل دي ولا ايه ولا انتِ صاحبة اكده وخلاص لقب وبس ومش مسيطرة يعني؟
حاولت كتم ضحكتها على استفساراته ثم هدات وهي تجيبه:
ــ وه انت هتعمل المفتش كرومبو على صاحبتي ولا ايه مش المفروض نشكرها برده على الواجب الكبير اللي عملته معانا دي ولا نقعد ندور وراها في حوارات في خيالك انت يا عمران افندم.
رفع حاجبه بغيظ من ردها ثم ظل يشاكسها الى أن أتى دورهم فشعرت بدقات قلبها تنبض سريعاً بين ضلوعها وهو الآخر حالته لا تقل عن حالتها ثم احتضن كف يديها بقوة وهو ينظر داخل عينيها محاولاً بث الهدوء والطمأنينة فيها:
ــ ممكن نهدى بقى عايزين ريلاكس أعصاب هادية مش عايزين توتر عايزين نقعد قدام الدكتور بثقة والخوف ودقات قلبك اللي مش مبطلة دي، نهدى يا ماما عشان الدكتور يشوف شغله مظبوط، عايز ثبات انفعالي تمام يا سكوني.
حركت رأسها للأمام وهي تأخذ نفساً عميقاً تستدعي فيه الهدوء ثم دلفوا إلى الطبيب وهم يدعون ربهم أن يجبرهم على يد ذاك الطبيب بفضله سبحانه وتعالى، ثم دخلوا إلى الطبيب الذي قام واستقبلهم بنفسه وقلما يحدث ذاك مع الحالات التي تجري الكشف عنده وهو يسلم على عمران:
ــ اهلا وسهلا يا باشمهندس نورتوا العيادة، اهلا وسهلا يا دكتورة سكون.
ثم ابتسم وهو يشير إليهم للجلوس مكملاً ترحابه بهم:
ــ ما تستغربوش اني عرفت المعلومات دي فارس موصيني عليكم جامد وفارس ده زي ابني بالظبط يمكن اكتر كمان فعايزكم تعتبروا نفسكم في مكانكم بالظبط.
بادلوا ترحيبه بابتسامة تنم عن راحتهم لذاك الطبيب البشوش ولمقابلته لهم ثم فحص الطبيب الأوراق إلى أن أنهاها ثم نظر اليهم قائلاً:
ــ طبعا وصل لك انك لازم تعملي آشعة الفور دي لما بلغت فارس يبلغك وعملتيها وآشعة رنين، تشخيصي لحالتك انك ما عندكيش أي سبب إن حملك يكمل غير ان آشعة الفور دي بينت ان انتي عندك فيروس هو اللي مسمم الرحم بتاعك هنعمل عملية بسيطة جدا مع بعض الأدوية المستوردة اللي موجودة هنا في المركز وطبعا اللي انا هقول لك عليه والخطوات اللي هنمشي بيها لازم تعمليها زي ما انا ما بقول بالظبط عشان نأمن المفاجآت ده أولا، ثانيا انا مستغرب انك ازاي طبيبة امراض نسا وتوليد وفقدتي الأمل وما بحثتيش كتير في حالتك دي والمفروض إنك درستي في كلية الطب ان ما ينفعش المريض يفقد الأمل تماما في الشفاء ودايما تبثي الطاقة في المريض اللي قدامك ان ربنا سبحانه وتعالى عنده المزيد والمزيد من الخير واللي وصل لي انك ما عملتيش كده ممكن اعرف ازاي يا دكتورة؟
نظرت لعمران كي تستشف منه القوة فرمش بأهدابه وهو يشجعها أن تتحدث مع الطبيب بأريحية فأجابته وهي تفرك بيدها بتوتر:
ــ اولا تشرفت بمعرفه حضرتك يا دكتور وشرف عظيم ليا ان انا اقعد قدام حضرتك، ثانيا الطبيب لما يكون هو ذات نفسه المريض بينسى كل اللي هو ذاكره وكل اللي هو عرفه وبيشوف ان هو فاقد الأمل زيه زي المريض العادي بالظبط وكمان الجو اللي كان حواليا كنت حاسة بالضغط منه في الموضوع دي بالذات وعلشان اكده ما قدرتش أوصل لنتيجة أو اني كنت ضعيفة زي ما حضرتك ما بتقول.
ابتسم الطبيب بوجه بشوش ثم طمئنها:
ــ تمام انتِ حالتك بسيطة جدا الرحم بتاعك كويس جدا التبويضات عندك ممتازة وكمان بطانة الرحم لا غبار عليها كل الحكاية الفيروس هو اللي عمل القلق ده كله وطبعا انتِ ما عملتيش آشعة الفور دي ولا جت في بالك أصلا علشان لو كنتي عملتيها كنتي اكتشفتي الفيروس ده بكل سهولة واوعدك أربع شهور بالظبط والجنين هيتثبت في بطنك بإذن الله، طبعا هنعمل منظار والمنظار اللي عندي مش موجود في مصر كلها لأني بجيب أجهزتي الحديثة أول بأول فإن شاء الله هنعمل حبة آشعة وتحاليل وبعدين العملية هتبقى كمان يومين.
حركت رأسها برفض ولسانها نطق على الفور:
ــ ما ينفعش كمان يومين يا دكتور، ممكن نخليها الأسبوع الجاي لأن فرح أختي كمان تلت أيام ممكن أعمل الآشعة والتحاليل وكل حاجة تطلبها حضرتك مني وممكن اعملها اهنه في المركز كمان قبل ما امشي بس نأجل العملية كمان اسبوع.
أومأ مع الطبيب بموافقة ثم تحدث مع عمران بأن يجري تحاليل هو الآخر وأكد عليه أنه لابد من تلك التحاليل وبعد جلسة دامت أكثر من نصف ساعة غادروا غرفه الطبيب وهم يبتسمون ويشعرون أن مشكلتهم أتفه مما تكون فلم تكن تتوقع سكون أن يكون لديها فيروس وذلك لأن ما أجرته من آشعة وتحاليل لم يبين ذاك، ويبدو أن ذاك الطبيب ماهر بحق، ثم خرجوا من العيادة بعد أن أجرت جميع الآشعة التي طلبها منها الطبيب هي وعمران وذهبوا إلى مطعم لكي يتناولوا طعام العشاء في جو من البهجة والسعادة ومضوا تلك الليلة في نزهة في كثير من الأماكن في القاهرة التي ودت سكون أن تذهب إليها ولم يحرمها عمران من زيارتها ثم حجز ليلة في الفندق كي يستريحون من عناء السفر ويعودوا إلي بلدتهم صباحاً بجسد منتعش بعد أن أخذوا قسطاً كافياً من الراحة.
بعد يومان قررت مها أن تذهب لرحمة مع سكون كي تقوم بعزيمتها على زفافها بنفسها فهي تحبها كثيراً ولم تستطيع أن تفرح بدونها وبالتأكيد استأذنت سكون من مها لزيارتها ففرحت جدا لتلك الزيارة فذهبوا إليها وكانت في تلك الوقت في غرفتها على تختها وفضلت عدم الجلوس على الكرسي المتحرك فهي لا تحب أن يراها أحداً على ذاك الكرسي الذي لم تعتاد عليه أمام أحدهم إلى الآن غير والدتها وزوجها، دلفت إليها مها وهي تستقبلها بالأحضان وما كان من الأخرى إلا أنها احتضنتها بسعادة لتردد بمرح كعادتها:
ــ ياخراشي يا ناس علطول اكده ريحتك حلوة وهدومك كانها جاية من باريس يا ام الزين والجمال والأناقة عنوانك، حرام عليكي ياشيخة هتعقدي الستات من حلاكي اللي هيزيد كل يوم والله ليه حق جاسر ولد عمي يسيح على حاله أول ما يبص لك بس.
كانت تحدثها وهي تشدد على احتضانها ثم تحدثت “مها” بمشاغبة لتلك الصغيرة التي دوماً تدخل السرور على قلوب الجميع رغم حالتها الصعبة:
ــ وه هتحسديني إياك اقوم اتنكس وابن عمك اللي هيسيح على حاله كيف ما هتقولي يجرى لَه حاجة!
قهقن جميعاً على مشاغبتهن فلأول مرة تضحك رحمة من قلبها بعد ما حدث لها ثم تحدثت سكون بنفس المرح وهي تجذب الغطاء من على رحمة:
ــ طب بقول لك ايه اني ماليش في جو اوض النوم والقعدة فيه دي احنا هنقوم ننزل تحت نفطر مع بعض احنا جايبين فطار معانا معتبر من اللي انت هتحبيه في الجنينة تحت وكمان نشرب الشاي بتاعنا في الهواء الطلق بدل الخنقة اللي انتِ قاعدة فيها دي.
تبدلت معالمها من الضحك إلى الحزن وهي تتمتم بخفوت:
ــ معلش خلينا اهنه علشان ماهر مش موجود هو اللي بينزلني لتحت.
حزن الاثنتين لأجلها ولأجل نظرة الحزن النابعة من عينيها لتقول مها بأريحية كي تخرجها من حالة الحزن التي اعترتها:
ــ أمال احنا لازمتنا ايه يا رحوم! بعون الله احنا نشيلك على عيوننا مش بس نتحرك بيكي على سلم يا جميلة إنتي مستهونة بجنس حواء ولا ايه دي الست مننا تقدر تطلع الأهرامات وهي شايلة عيلين على كتفها مش درجتين سلم.
ثم احتضنتها بحنو يليق بشخصية تلك المها فهو امرأة حنون بدرجة امتياز:
ــ هونيها على حالك يا غالية وربك شافي السقيم من أشد الوجع وانتي قوية وهتقدري يا رحمة أني عارفة انك قدها وهتعدي من أزمتك داي على خير وهترجعي تهدي الدنيا تاني.
ابتلعت ريقها بصعوبة وقد التمعت عينيها بغشاوة الدموع ولسانها ينطق بضعف وقلة حيلة:
ــ والله أني مش معترضة على أمر ربنا وحكمته في اللي حوصل لي لكن لسه مش قادرة أتأقلم على الوضع ولا عارفة أصلا هتأقلم كيف بس كل اللي اني محتجاه دلوك.
ثم نظرت إليهم وعينيها اللامعتين بالدموع انهمرت اخيرا بعد أن حاولت حبسها لتسترسل بشجن:
ــ انكم تكونوا جاري ومتسيبونيش وحدي والأيام تلهيكم عني وتنسوني انتو اللي ليا أصحاب وأهل، متنشغلوش في حياتكم وتسيبوني لضعفي اني محتجاكم قووي أكتر من اي فترة في حياتي.
انذرفت دموعهن هن الأخريات فقد كانت طريقتها مؤثرة جداً واحتضنتها كلتاهن والبكاء أصبح سيد الموقف ثم هدئت سكون وهي تلقي عليها عبارات الصبر:
ــ انتِ اكتر حد في الدنيا دعمني وقت محنتي وقفتي جنبي وسندتيني وكنتي حصن حصين للي هيتكلم عني وتهدي من نـ.ـار اللي حواليا وتردي غيبتي، كنتي زي ضلي اللي أول ما فارقك الاقي نسمة كلامك البلسم ملاحقاني في اي مكان، انتي مش بس اخت الغالي إنتي بالنسبة لي حاجة عظيمة وكبيرة قووي يارحمة ارجوكي متتهزيش ومتضعفيش علشان اني هتقوى بيكي في ابتلائي اللي ربنا قدره لي اني كمان، احنا كلنا مبتلين وصدقيني في ناس اكتر مننا اني وانتي وسبحان الله البسمة مهتفارقش وشهم أما إحنا بنستسلم بسهولة، ارجوكي اجمدي يارحمة علشان اني واخداكي قدوة للست القوية.
وظلتا كلتاهن تبكيان فحاولت مها أن تربط جأشها وتسيطر على بكائها كي تساعد تلك البائستين في نوبة آلامهم لتمسح دمعة فرت من عينيها لتنطق بدعابة وهي تمنع الدموع إجبارا عنها وكأن الله قد ساعدها على ذلك فهي كانت من المبتلين وبشدة:
ــ وه منكم لله انتو الاتنين علشان أني عروسة ياناس واخواتها اللي هرمونات النكد طفحت عليهم هينكدو عليها وهيبكوها، والله لاشتكيكم لحقوق المرأة ومنظمات حقوق الإنسان واخلي اللي مايشتري يتفرج عليكم علشان هتنكدوا علي واني اكتر واحدة في الدنيا ربنا ابتلاها لما شبعت.
ثم أكملت دعابتها وهي تترجاهم بنبرة حزن مصطنع مما أضحكهم:
ــ انتو اكده هتثبتولي اني نحس من الدرجة الأولى وان جزء الدلع والفرفشة والحوارات بتاعت الستات داي اني وش فقر ياناس، اني وش فقر ياعالم ومليش حظ في الجواز ولا الرجالة ولا حتى اصحابي ولا اختي، ارحموني اني استغيث.
استطاعت بالفعل تبديل حزنهم إلى مرح وضحكتا الثلاثة فتيات وتبدل بكائهم إلى ضحكات وهم بحتضون بعضهم بسعادة تليق بقلوبهم، ثم قامتا بحمل رحمة كالطفل الصغير وهم مازالوا يضحكون بسعادة وعدلوا من وضعية الكرسي المتحرك كي يهبط الأدراج بمساعدتهن فقد كانت مها من الخلف وسكون من الأمام يمسكون بالكرسي فقط وهي تتجه به بزر الكهرباء الذي يحركه كيفما تشاء فقد جلبه لها ماهر من الخارج كي تستطيع التحرك في كل مكان في المنزل حتى لا تشعر بالتقيد، ثم هبطوا للأسفل ودلفت سكون للمطبخ وبدأت بطهي طعام الفطور بمساعدة هانم ثم خرجوا للحديقة ودعوا هانم لتناول الطعام معهم وجلسوا يتسامرون بسعادة تليق بقلوبهم الجميلة ثم أنهوا إفطارهم وقرروا أن يلهوا في الحديقة بعيدا عن المسبح كي تستطيع رحمة التحرك بالكرسي معهم وبالفعل ظلوا يتسابقون ويمرحون كالأطفال ورحمة تتشجع معهم وهي تعلي من سرعة الكرسي المتحرك الكهربائي وبعد أن أنهكوا من السباق ارتموا جميعا مستلقين على ظهورهم في الحديقة وهم يلتقطون أنفاسهم بإنهاك راق لهم واستطاعوا تبديل مزاج رحمة السئ وأشعروها بأن الحياة يستطيع فيها الإنسان وهو في أشد حزنه ان يبدله الي لحظات سعيدة وحينما يُجبر يتذكرها وحينها يبتسم ويحن لتلك اللحظات ويرجع هذا لفضل الله وفضل تلك الشقيقتين اللاتي خففا عنها وجعها وبعد عدة ساعات وعدتها رحمة انها ستكون بجانبها يوم زفافها وأنها ستجعل ماهر يأتي بها إليها منذ الصباح وأنها ستقضي معها اليوم بأكمله، فالصديق أحسن وقاية من الصدمات، لأنّك في كل مرّة تكاشفه فيها، تتحلّل نفسك ثم يتمّ تركيبها من جديد في سياق سليم فهناك من يكون حضوره في حياتك يجعلك لن تستطيع إكمال الحياة بدونه فهنيئا لمن وجد خليلاً خلاًّ يبعث في نفس خليله معنى الوفاء.
وأخيراً اتى اليوم المنتظر حفل زفاف “جاسر” “مها” اليوم الذي سيتقابل فيها قلبان تردوا في العشق بخزي مرات، اليوم الذي لن ينسوه أبداً لأنه بالتأكيد سيكن مميزاً للغاية، إنه اليوم الذي يطلق عليه “ليلة العمر” وما أجملها تلك الليلة، حيث استيقظ “جاسر” منذ الصباح الباكر وأدى فريضة الفجر ثم جلس وقرأ من القرآن ما تيسر منه وقرأ أذكار الصباح حتى شعر باطمئنان صدره وهو كان في معية الله ثم قرر أن يهاتف تلك التي سلبت لُبَّه كي يسمع صوتها الناعس فيزداد شوقاً ولهيب الاحتياج لها يتأجج في كل كيانه حتى آتاه ردها بصوت رقيق متحشرج من أثر نومها مما جعله استند على التخت باستمتاع وهو يردد بوله:
ــ ياحلاوتك يا جمالك يا أم الزين لما دي صوتك بس وانتِ هتصحي من النوم آمال الهيئة كيف! أكيد مختلفة وبارعة، دي صوتك بس على ليفل الاشتياق عِندي والود ودي توبقى دلوك جاري وأني كنت هسقيكي العسل يا عسل.
ابتسمت بحالمية وهي لم تفيق بعد وظنت أنها ما زالت تحلُم به وهي تردد في غفوانها:
ــ والله انت اللي أجمل حاجة في دنيتي يا جاسر واني هعشقك وهدوب من كلامك.
اعتدل في نومه وهو لم يكاد يصدق ما استمعته أذناه فقد اعترفت “أم الزين” بعشقها له بنبرتها الهامسة النائمة وشعر بأن جسده الآن أصيب بالقشعريرة من همسها وفورا نطق بهيام وهو ما زال متأثرا بهمسها وكلماتها وكل خلية تدق شوقا واشتياقا لتلك الحبيبة العاشقة:
ــ والله ما عارف مين أجمل حاجة في دنية مين، بجد يا مها انا نفسي في وجودك جنبي قووي، نفسي أجرب طعم الحب في حضنك حاسس انه هبقي وقتها أسعد راجل في الدنيا.
وأكمل هيامه بها حتى أنها فاقت من حديثه المعسول وهي تستند على تختها كالمراهقات وتتحدث مع خطيبها وحبيبها واليوم سيصبح زوجها حديث العشاق:
ــ والله ما عارف أتخيل اللحظات الحلوة وإنتي في حضني علشان مديش للتخيل مساحة إنه يسحبني وبعدين وقت الجد لما تكوني بين ايديا ومعايا توبقى اللحظات دي متخيلتهاش حتى من جمالها ورقتها وجمالك معاهم.
تاهت في سحر كلماته العذبة وكأنها أعذب الألحان، ترنيمات ساحرة ألقاها ذاك التو على مسامعها لتقول بنبرة يملؤها همس الشجن المغلف بالعشق:
ــ ياه يا جاسر عمري كله حلمت ان حبيبي يكلمني الصبح وأصحى على صوته وهو بيسمعني كلامه الجميل وأحس إني كنت بحلم بيه وبعدين صوت قلبي يفوقني ويقول لي اصحي وفوقي وافتحي قلبك إنتي حبيبك بيناديكي، ركزي علشان ما توحشكيش اللحظات الحلوة دي اللي مش بتتكرر كتير بس لو سمعتيها هيفضل صوت قلبك يرددها لك علطول فأقع في حبه أكتر.
واسترسلت بهيام:
ــ باختصار يا جاسر انت حبيب العمر والقلب، انت حبيبي اللي اتمنيته يكون ليا.
أجابها بنفس الهيام وقد شعر بتخدر أعصابه من كلامها وجسده أصبح يهتز بالشوق لها:
ــ تصدقي أحلي وأجمل كلام سمعته في حياتي كلاتها يا روحي أنا، باختصار يا أم الزين الليالي الحلوة والشوق والمحبة، من زمان والقلب شايلهم عشانك.
ثم أغلق الهاتف كليهما وهما يشعران بأنهما طائران يحلقان في سماء العشق والغرام المتيم ثم عادت لنومها وهي تبتسم بشوق أوصلها له ذاك العاشق الولهان الذي لا ينفض عن بث كلمات الشوق داخلها وأنساها مرار الأحزان، أما هو بعد أن أغلق الهاتف فتح صورتها وقبلها بهيام وكأنه بذلك يريح توتر جسده الثائر داخله الذي يريدها بشدة الآن بين أحضانه ولكن مهلاً أيها الشوق مهلاً لم يتبقي من الزمن سوى القليل كي تحظى بمعشوقة القلب والروح ومن ملكت الفؤاد والكيان، مر اليوم سريعاً في ترتيبات الفرح والجميع فرحين لهذين العاشقين بسعادة بالغة واتت اللحظة التي ستتوج فيها مها كعروس، يضـ.ـرب الليل أطنابه ويفتح السهر أبوابه عندما تبدأ الشمس بجمع خيوطها معلنة دخول قمر الليلة بزفاف “أم الزين” المبارك على رفيق دربها “جاسر” فكانت مثل القمر اليوم وقد هلت كل عيون الناس على النبي المختار صلت (عليه الصلاه وازكى السلام) من جمالها الآخاذ وطيور الفرح غنت وعصافير الحب غردت وبديارنا علا وبعرسهم عساهم خير مولد، ذهب إليها بأقدام تسابق الزمن ثم وقف أمامها وهو ينظر إليها بهيام بعد أن عقد قرانهم أخيراً والآن يحق له احتضانها، يحق له أن يشم رائحتها عن قرب، كان الجميع ينظرون إليه وهم يلقون عبارات التكبير والتسمية لتلك العروس التي تشبه البدر في ليلة تمامه، كانو يقفون حولها ينثرون الورود الحمراء والبيضاء والبينك بسعادة غامرة ثم تركوهم وحدهم بعد ان هنئوهم وباركوا لهم، اقترب منها وجدها تنظر للأسفل بخجل شديد مثلها كمثل العروس في زفافها الأول بوجهها الأحمر من شدة حيائها، نظر لشفتاها وابتلع لٌعابه وبدأ صدره ينتفض ويعلو ويهبط من شدة إحتياجه لها، وماكان حالها أفضل منه، كانت تنظر عيناها لأسفل بفاه مفتوحة مٌرتعشة وقلبٍ يرتجف يريد الإرتماء داخل أحضانه ونسيان خجلها منه ولكنها لم تستطيع، بقيا مدة علي وضعهما هذا كلاً منهما يحترق شوقاً للأخر فكيف لا يقف أمام حسنها صامتاً فالصمت في حرم الجمال جمال والصمت في حضرة عيون المها سحر فاق الخيال وتوقف الزمان على تلك الطلة من ذاك العاشق الولهان وأنير المكان ببسمة ذات الحسن والجمال وعدد دقات القلوب تعدت الخيال، ثم اقترب منها أخيراً وهو يضع يده أسفل ذقنها كي يجبرها على أن تنظر لعينيه فالشوق قد أنهى على صبره ثم جذبها من يدها برفق وهو يتمسك بهم بين يديه ويدلكهما بقوة كي تشعر بلمساته فما كان منها إلا أنها أغمضت عينييها كي تستشعر سحر اللحظة مما راق له شعورها الهائل بدفئ يده فتحدث هامساً بصوت أجش:
ــ ياه مكنتش أعرِف إن اللحظة دي هتوبقى بالجمال والروعة دي قبل اكده يا أم الزين، فتحي عيونك ومتشليهمش من عيوني خليني أشوف لهفتك جواهم زي ماني ملهوف دلوك لأهم حاجة هعملها في حياتي، فتحي عيونك علشان هتجربي حضن الأمان يا أم الزين.
رفع رأسها برفق ثم فتحت عينيها الهائمتين بعشق ذاك الحنون الراقي وحينما رأى حاله داخل عينيها اللامعتين جذبها لأحضانه أخيراً ويديه تحتضن خصرها بتملك قووي للغاية وهو يهمس بجانب أذنها:
ــ دي انتِ مش بس قربك إدمان ولا حضنك أمان له دي انتي ريحتك بس تجنن يا مها.
وكانت هي الأخرى ساكنة داخل أحضانه تجرب حضن الأمان الذي وصفه لها وياله من إدمان بالفعل، الحضن الحلال أيتها المها، الحضن المتغلغل بنيـ.ـران شوق الرجل لأنثاه الذي لم تجربيه أبداً في حلال الله، الحضن الدافئ الذي جعل كل خلية في جسدها تطالبه بالمزيد والمزيد، ثم أخرجها من أحضانه المتشبسة بها واحتضن وجنتيها بين كفاي يديه وهو يتلمسه برفق تارة يصعد إبهامه لعينيها وتارة لشفتيها والذي ما إن وصل إليها حتى لم يستطيع التحمل فاقتنصها على حين غرة مما جعلها تتفاجئ من قبلته المباغتة لها حتى تأوهت بخفوت مما أثاره وجعله ينجذب أكثر وأكثر حتى أبعدته يدها برفق وهي توقظه من غفلة المشاعر التي تأججت في جميع جسده لها:
ــ الناس مستنيانا برة وحجابي اتبهدل واحنا لسه مخرجناش الفرح، لسة الليلة طويلة.
أخرجها من أحضانه ثم اسند جبهته بجبهتها وأنفاسهم مختلطة بثورة اقترابهم وهو يهمس لها بنبرة مبحوحة مصاحبة للمشاغبة:
ــ دي هتوبقي ليلة ولا ألف ليلة يا بطل ما يهزك ريح، دى انتِ عليكي حضن يسفر الكائن الحي لرحلة الفضاء الرومانسي ويخليه يغادر كوكب الأرض ومعايزش يرجع له تاني.
ثم داعب أرنبة أنفها مكملا بشغف عشقها المتغلغل في جُلِّ كيانه:
ــ لما انتِ اكده مبهرة وانتِ بكامل احتشامك أمال لما نكشف عن المكنون ايه اللي هيحصل في الغلبان اليتيم.
ثم غمز لها بكلتا عينيه ليسترسل بدعابة مغلفة بالعشق وهو ينظر لجسدها بنظرات أخجلتها ويمسك يدها ويجعلها تدور كالفراشة حول حالها مما أسعدها بشدة:
ــ طلع لقب أم الزين مش لقب دي حقيقة قلباً وقالباً ومحتوى، على رأي المثل ما هيقول القالب غالب يا حلو الليالي والأيام.
أوقفها بعد أن تدللت ثم قررت أن تلقي على مسامعه من شهد لسانها هي الأخرى فهي قررت أن لا تترك للخجل باباً يفسد عليها اللحظات:
ــ إذا كنت أني حلو الأيام والليالي فانتعلى رأي الست ما بتقول هقول لك قد إيه من عمري قبلك راح، راح وعدّى يا حبيبي قد إيه من عمري راح ولا شاف القلب قبلك فرحة واحدة ولا داق في الدنيا غير طعم الجراح إبتديت دلوقتي بس أحب عمري إبتديت دلوقتي أخاف، أخاف لا العمر يجري كل فرحة اشتاقها من قبلك خيالي.
إبتسم بغرام وأمسك كفها وطبع بداخله قبلة لثوان ثم نظر إليها وقال:
ــ دي هتوبقي ليلة رايقة هيشهد فيها علينا فيها الليل وسماه ونجومه وسهره وقمره وانت وأنا ولا حدش زينا.
ثم عدل من حجابها مما راق لها فعلته ثم جعلها تضع ذراعها بين ذراعيه وهو يخرج بها كالأميرة المتوجة أمام الجميع والزعاريد تتهافت عليهم من كل مكان وانطلقوا جميعاً إلى اليخت الذي يقيم فيه حفل الزفاف وتلك المفاجأة أبهرتها وجعلتها تشعر بأنها تملك سعادة العالم أجمع، كانت ترقص معه بسعادة على أنغام الموسيقى والجميع حولهم يصفقون لهم والفرحة تخرج من قلوبهم لذاك الثنائي المميز بجماله ومن يراها تقف بجانبه لا يظن أنها تزوجت قبل ذاك والجميع يحسدونه على تلك الحورية التي تشبه حوريات الجنة من جمالها الملائكي الآخاذ ورقتها في رقصها وحركاتها فقد كانت كتلة جمال تتحرك برشاقة وخفة على سطح اليخت وكأنها تداعب أمواج البحر كحورياته مما جعل ذاك الجاسر يشدها لأحضانه لينهاها بغيرة وهو يهمس في أذنها أن تهدأ فقد كانت جميع العيون مسلطة عليها منبهرين بها وعندما قربها من أحضانه تصنمت أعين المقربين وجميع من بالخيت لحركته تلك فمنظرهم جعل الرجال الذين لم يتزوجوا يشتهون الزواج بسبب هذان العاشقان:
ــ اهدى يابطل مش عايز حد ينشك عين على سحرك وجمالك فالليلة تنضرب وبعدين اني هغير عليكي من العيون فبزياداكي رقص.
احتضنت رقبته هي الأخرى وتناست الجميع وهي تردد على مسامعه وبجانب أذنيه:
ــ عايزة أبسطك وأخليك متنساش الليلة دي وأعوضك عن اني رفضت فرح كبير في القاعة عايزة أعيشك التفاصيل الحلوة زي مانت ما توجتني ملكة على عرش قلبك الكبير الراقي شبه أخلاقك.
ــ يخربيت جمال همسك ياشيخة بقولك ايه يابطل جيلك اهدى عليا بقي خلينا على الهادي مش هتوريني الحلا كلاته في يوم واحد أني كدة هدوب… تلك الكلمات التي ألقاها في أذنها هو الآخر مما جعلها ضحكت بدلال داخل أحضانه فجعلته همس ثانياً:
ــ طب أني بقول ايه كفاية بقي فرح ولمة أني اصلا كنت غلطان في حوار الفرح دي يعني أقول لك كفاية همس يا أم الزين تضحكي بدلال ورقة تدوبيني اكتر ربنا يسامحك علي اللي هتعمليه.
ظلوا بحالتهم تلك حديث العشاق صار مبتغاهم وجميع من بالحفل منبهرين بجمال ذاك الثنائي الآخاذ المميز، وأخيراً بعد مرور ساعة أخرى انتهى حفل الزفاف وانفض الجميع من حولهم فهو قد حجز اليخت له فلا يوجد عليه غير سائقيه فقط فذهب بها إلى الدور العلوي لليخت في غرفة جانبية جهزها بجميع ماسيحتاجونه من مأكل وملبس وكل شئ، وما إن وصل حتى احتضن وجنتيها مباركاً لها:
ــ مبروك عليا البطل بحلاوته وشقاوته وعبيره وهناه مبروك عليا “أم الزين”.
رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل العشرون 20 - بقلم فاطيما يوسف
نظرت للمكان حولها بانبهار من جماله الخاطف للأنظار.
ثم حوَّلت أنظارها إلى ذاك العاشق الولهان وهي تسأله:
ــ كيف لك أن تقضي وقتاً طويلاً وأنت تصنع لي ذاك الجمال بكل الأنوار؟
فأجابتها عيناه عن أسباب هواها وهو يعدُّ على أصابعه بافتخار:
ــ هذه الورود المتناثرة لعيناكي وتلك الشموع المضيئة لرؤياكي وهذي الحلوى المزينة بوجهك لأنول رضاكي.
فما كان منها إلا أنها سجدت شكراً لله على نعمته لأن جعلها من نصيب ذاك الراقي.
***
أخيراً بعد مرور ساعة أخرى انتهى حفل الزفاف وانفض الجميع من حولهم. فهو قد حجز اليخت له فلا يوجد عليه غير سائقيه فقط. فذهب بها إلى الدور العلوي لليخت في غرفة جانبية جهزها بجميع ماسيحتاجونه من مأكل وملبس وكل شئ.
وما إن وصل حتى وقف أمام الغرفة واحتضن وجنتيها مباركاً لها:
ــ مبروك عليا البطل بحلاوته وشقاوته وعبيره وهناه مبروك عليا “أم الزين”.
نظرت أرضاً بخجل فهي الآن تُوِّجت عروسه للتو على سنة الله ورسوله وانتهى حفل زفافهما. وهو يقف أمامها كالمسحور ودقات قلبه لن تصمت دقة تلو الأخرى.
ثم همست برقة تليق بها ومن غير “أم الزين” كائناً رقيقاً مرهف الحس:
ــ الله يبارك فيك يا جاسر.
نظر إلى السماء وهو يتنفس بعمق كي يعبأ صدره بزفير كافٍ لكي يستعد للقاء الشوق لمن ملكت القلب والفؤاد. وهو يرفع وجهها يجبرها على النظر داخل عينيه ثم قبلها من جبينها قبلة يعبر بها عن مدى هيامه بها. وهتف بنبرة صوت متحشرجة وهو يفعل ما يفعله كل رجل عاشق لامرأته في ليلتهم الأولى. وهو ينحني يرفعها أرضا ويهبط بها الأدراج كي يصلا الي الغرفة التي بمثابة جنة نعيمهم.
وما كان منها إلا أنها شهقت بخجل من فعلته التي لم تأتي بمخيلتها قبل ذاك أن تُحمَل بين أحضان العشق كأي عروس. تلك الأشياء التي كانت تراها فقط في أحلامها وداخلها متيقن انها لن تحياها يوماً من الأيام.
ففعلت مثلما رأتهم يفعلون دفنت حالها في رقبته مما جعله هام بها عشقا لحركتها تلك. ثم وصلا إلى غرفتهم ففتحها بإحدى يديه سريعاً وهو ما زال يحملها بين أحضانه. وما إن دلفا إلى الغرفة حتى أنزلها برفق وهو يتمتم بعشق:
ــ ياهلا بالزين ياهلا والله.
أما هي نظرت للمكان حولها بانبهار من الورود الحمراء والبيضاء المتناثرة على التخت على شكل قلب. ويتوسط القلب المزين بالورود صورتها الأولى التى رآها اول مرة وحينها سكنت القلب دون استئذان.
ثم جالت عينيها فإذا بالستائر الشفافة باللون الوردي تحاط بالتخت الذي سيشهد أول لقاء عاصف لكلا العاشقين. ثم نظرت جانباً وجدت تلك المنضدة المرصعة بالشموع المضيئة بالألوان المختلفة وتفوح منهما رائحة أذكى العطور. وتلك النوافذ الشفافة التي تطل على البحر بأمواجه الثائرة. واختار تلك النوافذ خصيصا حتى يقضيان ليلتهم على ضوء الشموع ونور القمر وصوت أمواج البحر الهادئة.
ثم أنهت كشف كل ما في جنتها الصغيرة. نعم فقد أسمت تلك الغرفة جنة لأنها وجدت بها ما لا عينها رأته ولا أذنها سمعته ولا خطر على بالها يوماً.
ثم حدثته عيناها بوله:
ــ فأي جو رتبته انت يارجل جعلتني جننت به لاا بل بهرتني به لا بل سحرتني. لا بل كل عبارات الانبهار لن تكفيك أيها الرائع! فأي رجل أنت أيها الجاسر ومن أين أتيتني وانتشلتني من وحل الذكريات التي كانت ستفتك بي وسحبتني إلى عالم ظننت لااا بل تيقنت أنني لا أعيشه يوماً من الأيام؟ حقا كل عبارات الحب لا تكفيك ولا كل رسائل الشوق تُرثيك ولا كلمات المعجم بأكمله تكفيك أيها العاشق الذي لقبتك ملاكي العاشق ومن ملكت الفؤاد والكيان.
أما هو كان ينظر إلى انبهارها بسعادة لا تضاهيها سعادة. فلم يكن يتخيل أنها ستسعد برؤية تلك الأشياء البسيطة التي فعلها لأجلها بتلك الدرجة. ظل منتبهاً مع نظراتها التي تتنقل تارة مابين الانبهار وتارة مابين السعادة التي قرأها فكانت واضحة للغاية وتارة مابين الشكر والامتنان. وآخر شئ لاحظه قرأ حديث عينيها لأجله وفهمه بشدة وكأنها رددته بفمها الملثَّمِ.
وما كانت من عينيه إلا أنها احتضنت عبارتها بترحاب بل وحدثت عيناها بالمكنون الذي قرأته هي الأخرى:
ــ أيتها الأميرة عيناكِ خضر تموج ببحر الحب. والوجه أبيض كالقمر المنير. والثغر عصفور يردد لحنه متفائلا فوق الغدير. والقلب مثل الفراشة يلهو ويطرب ويطير. والشعر ليل والجبين كأنه البدر الأمير. تمتد فيه جداول بمياهها العذب النمير. وأقولها خِفيةً وعلناً أهواكِ فراشتي فخَطي على أحلى غدير.
كان حديثهم صامتاً لكن يعني آلاف التعابير والحكوى كأعذب الألحان. ثم اقترب منها وهو يتحدث أخيراً وهو يغمز لها بمشاغبة كي ينفك عنها التوتر:
ــ ايه رأيك في الجو الشاعري دي بذمتك مش يجنن؟
تبسَّم وجهها وأجابته وهي مازالت تلتفت في الغرفة خجلاً من أن تنظر في عينيه:
ــ بصراحة انت بهرتني قووي وخلتني أحس بالتميز اللي عمري ما كنت بشوفه إلا في خيالي.
ثم رفعت عيناها وأكملت بامتنان:
ــ بجد شكراً قووي طالعة من قلبي ليك على كل حاجة حلوة عملتها علشاني يا جاسر. انت أسعدتني بطريقة متتصورهاش. خلتني أحس إن اللي فات من عمري قبل ما أشوفك وأعرفك ضاع.
كان نظره متعمقاً على شفاها الورديتين والمكتنزتين بوله وهو يستمتع بحكواها ليقول باحتياج للمزيد من همسها الرائع المحبب لقلبه ويداه تتحسس وجنتها بحنو:
ــ أممم… وايه تاني يا أم الزين أطربيني بكلامك الساحر الجميل وأني كلي آذان صاغية وبصراحة أني محتاج أسمع صوتك وهمسك بأحلى كلام ليا واحنا في أهم ساعة صفا في حياتنا.
ما كان منها إلا أنها وضعت يدها على كف يده الموضوعة على وجنتها كي تشعره بحنان ودفئ ملمسها بل ونعومته. مما أثاره تلك الحركة لتقول بعشق صادق ظهر بيناًّ في عينيها اللامعتين بوميض عشقه الساحر والجو الخلاب حولهم جعلهم يندمجون في لحظات السعادة مما:
ــ طب نفسك أقول ايه بالظبط وأني هقول؟
داعب أرنبة أنفها مجيباً بحزن مصطنع:
ــ وه هو أني اللي هقول لك على اللي انتي حاسة بيه دلوك!
واسترسل بنبرة عاشقة يصحبها الدعابة:
ــ عايزك تقولي لي هحبك يا جاسر وهعشقك وانت الحتة الحلوة اللي ركنتها لك في قلبي سنين. وتختميها بـ هحبك يا أبو عيالي.
ضحكت لطريقته الدعابية وتركت جميع كلامه وتمسكت بكلماته الأخيرة لتسأل بذهول:
ــ أبو عيالي واحنا لسه هنقول يا هادي كيف داي؟
بحركة مفاجأة باغتها بنزع حجابها برفق كي يرى شعرها الذي حلُم كثيراً أن يراه. وحينما ارتمى حجابها أرضاً انسدلت خصلاته السوداء الساحرة أسفل ظهرها وعلى عينيها مما جعلها شهقت بخجل لمفاجئتها بحركته تلك. ويبدوا أنه عاشق ماكر يفهم قوانين القرب بجدارة.
وقبل أن ينهال عليها عاشقاً حتى ردد وكأنه يلهث في سباق:
ــ طلعتي تجنني يا أم الزين. خديني في أحضانك علشان نفسي أدوق حنانك وخرجيني برة الدنيا ودخليني جنتك يا “أم الزين”.
ثم لم يدرى كلتاهما بشئ من العالم حولهم وهم يقتنصون من الزمن لحظات من السعادة التي لم ولن تذق طعمها تلك المها إلا مع ذاك الجاسر. فقد كان طعم عالمه الخاص وهي بين يديه حقا مبهر وساحر بل وفاق الخيال.
أما هو كان يشعر معها بأنه الرجل الأول في حياتها وبأنها ما زالت امرأة خام في تصرفاتها معه مما زاد دهشته. أيعقل أن تكون تجرعت من حرمان العاطفة ولم تتشبعها وهي امرأة دامت في أحضان رجل عشر سنوات؟
بعد وقت مضاه ذاك العاشقان في جولتهم الأولى التى أدخلت السرور إلى قلوبهم وهدأت مشاعرهم الثـ.ـائرة قليلاً من عاصفة اقترابهم. ولم ينفض عقله عن ذاك الاستفسار وظل يلح عليه أن يسألها حتى يعرف عنها كل شئ فهو أصبح الآن رجلها.
كانت قابعة في أحضانه مسترخية على صدره وهي تشعر بسعادة الكون بأكمله. فكيف له أن يرفعها في سماء العشق والغرام والهيام بتلك الدرجة. لحظات حالمة قضتها بين يديه أنثى مدللة مرغوب بها وقلبها يشهد عليه قائلاً له ودقاته الناطقة عن لسانها؛ فلتشهد نجوم السماء بكواكبها وليشهد قمرها بنوره المعتم على أنك رجلي الأول والأخير أيها الفارس المغوار في العشق.
أما هو شعر بحالة الانتشاء التي تحياها وهي تتململ بين يديه فوجد لسانه المُلِح عليه يتساءل بهمس أجش من فرط تأثيره بقربها المهلك:
ــ إلا قولي لي يا أم الزين هو إنتِ يعني، أمممم… أقصد ازاي كنتي متجوزة وعشتي عشر سنين مع جوزك اللي مات ومشاعرك وحالتك وانتِ بين ايديا مشاعر كأنها مولودة من جديد، ولا حتى فيه خبرة تجربة بدرجة عشرة من مية.
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة من استفساره وهي ترجع خصلاتها الثائـ.ـرة بهوجاء على عينيها. ثم تحدثت وهي تجيبه بخجل مصاحب للتوتر البالغ ويبدوا أنه سيسألها كثيراً عن أشياء لم تريد تذكرها ولكنه رجل عاشق يريد أن يعرف كل شيء عن أنثاه:
ــ أصلــ .. .. انت يعتبر الأول اللي هجرب معاه المشاعر دي. مجدي الله يرحمه كانت حياته فاترة مفيهاش المشاعر. مكانش بيعرف يفرق بين اللحظات الحلوة أو الخاصة أو بمعني أصح حتى تقضية الواجب على الماشي كانت كل فترة وفترة. أو بمعنى أصح أكتر مكانش بيشوف فيا حاجة تجذبه أنه يتعامل معايا زي أي راجل وست طبيعين.
اتسعت مقلتيه بذهول من كلامها وهتف لسانه مستنكراً وهو يقوم عنها وينظر داخل عينيها متعجباً:
ــ مكانش بيشوفك إنتي ست حلوة! كيف وازاي يا أم الزين وانتِ الحلا كلاته، آمال ولادك جم ازاي بالمشاعر الباردة دي، واتحملتي ازاي تتنازلي عشر سنين بحالهم وانتِ محتاجة حضن الأمان.
واسترسل استفساراته التي جرت ورائها مجهولا أكثر واحد تلو الآخر:
ــ اتحملتي ازاي وأني كنت حاسس باحتياجك للمشاعر اللي بين راجل وست في حضـ.ـني دلوك! وهو اتحمل ازاي وانتِ ست تحركي جبل الجليد يا مها، معقولة في راجل اكده؟
لم تتحمل كل تلك الاستفسارات وبالتحديد عندما سألها كيف وضعت توأمها وهي كانت امرأة لرجل بارد وتذكرت خطيئتها وكأن حكم القدر أن تنتهي لحظاتها السعيدة إلى محزنة للغاية بل قمة الأحزان التى تملأ الكون بأكمله. وما كان منها إلا انهمرت الدموع الصامتة من عينيها بغزارة جعلته فزِع لأجلها وهو ينصدم من بحر الدموع التي انقلبت إلى شهقات مرتفعة جعلت قلبه هوى بين قدميه وهو يتفاجئ من ردة فعلها الغير متوقعة له. وفسر معنى دموعها المنهمرة على أنه ذكرها بـ “زين” و “زيدان”. مما جعله يعتذر لها كثيراً وهو يقبلها من عينيها الدامعتين ووجنتيها والتقطها بين أحضانه:
ــ حقك عليا والله ما أقصد أزعلك أو أخليكي تعيطي بالطريقة دي. مكنتش أعرف انك حساسة قوووي للدرجة داي يا أم الزين.
وكلما تحدث كلما ارتفعت شهقاتها مما جعله ود أن يؤدي بحاله إلى الجحيم بسبب حزنها الجم بتلك الدرجة التي لم يكن يتوقعها. وظل يهدهدها كثيراً حتى غفت بين يديه وعينيها منتفختين من أثر الدموع بهما. مما جعله ظل يسخط حاله ويلعن لسانه الذي جعلها نامت ليلتها الأولى معه وهي بكل تلك الدموع وتبدلت ليلتهم الهانئة الى حزينة لأعلى درجة.
مما جعله قام من جانبها وهو يقف أمام النافذة ويلعن حاله آلاف المرات. ولكن ظل عقله يسأل وعقله يلح عليه بذاك السؤال:
ــ معقولة كل الدموع دي بالطريقة دي علشان بس افتكرت زين وزيدان؟
فيرد عليه قلبه ببرهان لها:
ــ هو انت سألتها عن زين وزيدان بس دي انت مبطلتش أسئلة عن جوزها وعن علاقتها بيه وفكرتها بأوحش أيام مرت عليها في حياتها وهي كانت متجوزاك علشان تنسى الماضي بيك علشان تداوي جرح قلبها اللي اتيتَم سنين.
فيرجع عقله يتناوب عليه بتفكيره:
ــ له بردوا يا متر فيه حاجة غامضة فيها. حداها نظرة ندم هشوفها في عينيها كَتير أني حفظتها عن ظهر قلب ومفاتيح مشاعرها بقت في يدي.
فيتَنهد بأنفاسٍ عميقة خارجة من أعماق رئتيه وهو ينظر إليها في نومها وما زالت الدموع تفر منها حتى وهي نائمة وقلبه ينهر عقله بشدة:
ــ بس بقي اسكت ياشيخ حرام عليك هما ولادها اللي ماتو دول وحديهم يقطـ.ـعوا قلب الحجر فما بالك بيها ست رقيقة حتى مشاعرها خام. ده انت تقيم الأفراح علشان مطلعتش محروم انك تعلمها أبجديات عشقك على يدك. هتعلمها كيف تسعدك وكيف تكون معاك وهي ست في لحظاتكم الخاصة على هواك زي أي راجل.
ثم تناوب قلبه عليه ينهره كثيراً وكثيراً وعقله لم يستطيع مجابهة قلبه وخسر عقل الجاسر معركته الأولى ضد قلبه العاشق:
ــ بلاش الماضي يا جاسر بلاش تخليها تخاف تقرب منك بلاش تعقدها بأسئلئتك اللي مهتجنيش من وراها غير الخسارة وانت لو خسرت أم الزين قلبك ولا عقلك اللي هيخليك تخرف هيعرِف يصلح اللي هيوزك بيه.
وعلى الفور بعد أن أنهى تأنيبه لنفسه حتى خطى إليها وهو يختطفها بين أحضانه ويقبلها بكل انش بوجهها حتى تململت في نومها وشعرت بالفزع ففتحت أهدابها سريعاً ورأى نظرة الفزع ظاهرة في عينيها فعلى الفور ضم وجهها إليه وهو يقبلها من عينيها بندم:
ــ متخافيش يا مها اوعاكي تحسي بالفزع والرعب دي وانتي معاي النظرة داي هتقتلني. أرجوكي تقبلي اعتذاري اني هحبك. له أني عديت مراحل الحب أني هعشقك ياقلب قلبي ومعايزكيش تنامي زعلانة اكده وعيونك بكيانة.
فما كان منها إلا أنه احتضنته بشدة وهي تقبله من رقبته هامسة بجانب أذنيه وهي تشعر بالذنب تجاهه هي الأخرى بأنها أفسدت عليه لحظات السعادة مع عروسه في ليلتهم الأولى:
ــ مش زعلانة ياحبيبي انت اللي حقك عليا اني نكدت عليك أول ليلة في جوازنا بعياطي اللي زاد عن حده.
راق له قبلتها وهمسها ونداؤه بلقب “حبيبي” مما جعل جسده يشعر بالقشعريرة فهمس هو الآخر في أذنـ.ـها برغـ.ـبة تأججت في كامل جسدها:
ــ له بعد كلمة حبيبي داي مفيش نوم الليلة يا عروستي لازم ختم السهرة يعلم في قلبك يا أم الزين يا أحلى من القمر بذاته.
***
كانت جالسة على تختها وهي تمسك الهاتف بيدها تتصفح صفحته وتتابعها بجدية كي تراقبه من بعيد دون أن تجرح مشاعره باستفساراتها. فمن منشوراته ستعرف حالته المزاجية ما إذا تعدلت أم يوجد بعض الرتوش البسيطة. وهذا ما قرأته عن حالته أنه لابد من المراقبة عن بعد بعد شفاء المريض من مرض الانفصام.
وكما أن صديقتها الطبيبة النفسية أبلغتها أن العامل الأساسي أو الشخص الذي جعل المنفصم يعود للحياة الطبيعية يكون هذا الشخص للمنفصم بمثابة الجنين لأمه والفقيد لوطنه. فإذا اختفت الأم وضاع الوطن انتكس مرة أخرى ومن الصعب أن يعود لحالة الشفاء مرة أخرى بل ممكن يؤدي بحياته إلى الانتـ.ـحار بسبب حالته المزاجية التي انقلبت رأساً على عقب مرة واحدة. فلم يتحمل عقله الباطن و “فريدة” بالنسبة لـ “فارس” الأم والوطن والحبيبة والمعشوقة باختصار هي روحه التي لو ابتعدت عنه ستنسحب أنفاسه المتعلقة بها معها.
وجدت أمامها تلك الصورة التي جعلت قلبها يخفق من أناقته. ففارس للشياكة والأناقة عنوان. فقد كان يرتدي حلته ذات اللون الكحلي وأسفلها قميصاً باللون الابيض المعتاد الذي يعشقه ويزيده وسامة. ويزين معصم يده تلك الساعة الأنيقة بنفس لون المنديل في جيب الجاكيت الذي يرتديه. ويرتدي نضارة شمسية بنفس لون الساعة. وهو يضع إحدى يديه في جيب بنطاله وينظر تجاه الشمس. فمن يراه يظنه عارضاً للأزياء بحق طلته التي خطفت أنفاس فريدة وجعلت الغيرة تدب في صدرها من تلك الصورة التي نشرها على الانستجرام والفيس بوك ويدون أعلاها تلك الكلمات:
ــ ليس من الضروري أن نحكم على الإنسان من مظهره الذي يلفت الأنظار فالملابس تداري القلوب الموجوعة وندوب الجروح فأنتم رأيتم الظاهر وحكمتم عليه بالنعمة والله أعلم بما في الصدور من هموم وغمة.
فتحت التعليقات فعدد المعلقين كثير جدا. وجدت اكثر المتابعين لهم من الإناث مما جعلها تغتاظ. وهي تجلس على تختها وتقضم اظافرها وعينيها تلتهم التعليقات كالذئب المفترس.
وعلى الفور وجدت حالها تهاتفه. فجابها مشاغباً إياها:
ــ oh my God الدكتورة فريدة ذات نفسها بتتصل بيك يا فارس! ده انت النهاردة تقيم الأفراح علشان حضرة البرنسيسة فريدة حنت عليك وجابت رقمك عشان تطمن عليك مش مصدق نفسي والله.
وأكمل مشاغبته متسائلاً إياها:
ــ ولا انا بيجي لي تهيؤات ومش بتتصلي عشان تطمني عليا او انا وحشتك مثلا؟
كانت في ذاك الوقت لا تسمع لكلامه بتركيز بمقدار ما بداخلها من غيظ أفرغته فيه. ما إن استمعت إلى كلماته:
ــ صوح عنديك حق انت هتجيلك تهيؤات، اني ما هتصلش علشان خاطر اطمن أني هكلمك عشان اقول لك ايه كمية البنات اللي معلقة لك على البوست بتاعك اللي انت لسه منزلَه من ساعة وانت لابس البدلة والنضارة والساعة الشيك اني انصدمت من كمية البنات اللي عنديك دول يا دكتور؟
أحس بسعادة العالم أجمع في قلبه عندما استشف غيرتها عليه بتلك الطريقة. فلم يكن يتخيل أن تلك الفريدة تحب بهذه الدرجة. فهتف على الفور وقد اعتلى صفيره بإعجاب من غيرتها مما جعلها تعجبت من صفيره في أذنها:
ــ oh no! بقى البرنسيسة فريدة بتغير عليك يا فارس والله مش مصدق وداني واللي انا سمعته. لا واضح كمان إن الغيره عمياء.
جزت على ىسنانها بغضب من طريقته المستنكرة لغضبها. وهي تأمره بحدة:
ــ والله هو دي بس اللي انت فهمته من كلامي يا دكتور! هو انت ينفع اصلا الأكونت بتاعك يوبقى عليه كل البنات دي كلاتها؟ من فضلك يا فارس الأكونت دي يتمسح خالص بكل اللي عليه وتعمل واحد جديد علشان اكده ما ينفعش واصل.
حاول استفزازها أكثر فقد راق له غيرتها عليه بتلك الدرجة الشديدة التي لم يكن يتوقعها. مرددا:
ــ دي انتي طلعتي بقى بتغيري جامد. طب مش همسحه إلا لما تعترفي انك بتغيري عليا قولا وفعلا يا فيري.
ظلت تقضم أظافرها بغيظ من ذاك الفارس الذي يسخر من غيرتها:
ــ يعني هو دي وقته الكلام دي! شايفني زهقانة ومتعصبة فتقول لي مش همسح. هو ينفع يكون عِندي اكونت وعليه عدد رجالة زي الستات اللي عنديك داي كلاتها وانزل صورتي ويقعدوا يمدحوا فيها ويتأملوا جمالها واني أبقى مبسوطة من التعليقات اللي هتتغزل في جمالي زي ما بيحصل بالظبط على البوست بتاعك دلوك؟
رفع حاجبه باستنكار من تشبيهها. الذي يردد بنفي مطلق:
ــ والله هو ينفع الكلام اللي انت بتقوليه ده اصلا انا راجل وانتي ست. يعني مثلا ربنا شرع للراجل انه يتجوز أربعة شرع للست برده انها تتجوز أربعة عشان تشبهي الراجل بالست في حوار الاعجاب والصفحات والصور؟
احتدم النقاش بينهم بطريقة حادة. وهي تترك مشكلة منشوره وما عليه من تعليقات وتمسكت بكلامه عن الزواج بأربعة. وكأنه أشعل الفتيل بذاك التشبيه:
ــ وه! هو ايه دخل حوار جواز الراجل بأربعة باللي اني هقول لك عليه. ولا انت بقى من نوع الرجالة اللي عنديه استعداد يتجوَز على الست بتاعته مرة واتنين وتلاته يا سي فارس.
أعجبه طريقتها الغاضبة بشدة. فما كان منه الا انه شاغبها أكثر مما جعلها استشاطت من كلامه:
ــ وفيها ايه يافوفا ده ربنا اللي شرع للراجل الجواز بأربعة. واحدة للدلع وواحدة تبقى واجهة وواحدة كمان للدلع لما التانية تبقى عطلانة ومعروفة في واحدة فيهم بتحب النكد فدي وقت أما الإنسان يكون مبسوط زيادة يروح لها تنكد عليه وهكذا تدور الدائرة.
شهقة مرتفعة خرجت من أعماق أحبالها الصوتية مما جعلته أبعد الهاتف عن أذنه من صدى صوتها. وهي تسأله بهدوء ما قبل العاصفة:
ــ أهااااااااا، انت هتتحدت بجد يا فارس! وبعدين ايه فوفا اللي انت هتقولها لي داي هو اني مش قلت لك ما تقولهاليش تاني انت بتستفزني قوي على فكرة فما تفتكرنيش طيبة تقول لي اي كلام يخليني انقهر وهسكت. لا الست الطيبة وقت ما تلاقي الراجل جاي عليها بتفترسه.
عض على شفتيه السفلى بتلذذ وهو منبهر بحديثهم الجديد كلياً عن طريقتهم مع بعضهم. واستند على كرسيه ناطقاً باستمتاع:
ــ واو تفترسيني! طب انا اموت في الست الشرسة اللي تفترس هسيب لك نفسي على الآخر اعملي ما بدالك يا فيري وعد مني مش هقول لك انت بتعملي ايه وتبقي انتي بقى المزه بتاعه الدلع.
كأن أذنيها لم تصدق ما استمعت إليه وهي تنظر الى الهاتف بعدم تصديق من كلام ذاك الفارس. أيعقل أنه مؤمن بالزواج بأربعة وفي يوم من الأيام سيأتي عليها بهم. فوجدت حالها تحذره تحذيراً قاطعاً وكأنه يتحدث بصدق لعقل تلك الصغيرة الذي أصابه بالجنون ذاك الفارس:
ــ مزة! ايه الكلام الغريب اللي هتقوله دي. دي انت المفروض الدكتور فارس المحترم الراقي يقول مزة! وبعدين هو انت فعلا ممكن تتجوز عليا الله الوكيل لو حصل وعميلتها يا فارس لهكون مرتكبة جريمة فيكم وانت اللي ابتديت والبادي أظلم يا ابن الألفي.
وجد حاله أنه عاندها كثيراً. ثم تراجع على الفور كي لا يجعلها تصاب بالجنون من عناده لها. وهو يتلطف معها بنبرة حنون:
ــ ايه يا بنتي جو القفش اللي انتي فيه ده هو الواحد ما يعرفش يهزر معاكي خالص وبعدين يا فيري هو في حد يحب الدكتورة فريدة بعيونها اللي يهلكوا وغمازاتها اللي يجننوا ورقتها اللي تدوب ولسانها اللي ما بيقولش الا الحلو كله وكله كوم وقوامها الفتاك بقى كوم تاني.
ضحكت لطريقته بعدما أوصلها للغضب عنان السماء. فهو لديه قدرة أن يبدل مزاجها بمجرد بضع كلمات فقط. ثم تقمصت ذاك الدور الذي ظنته جداً وما هو إلا فكاهة منه:
ــ اه هي وصلت بقى للقوام الفتاك وجو سيد القصري اللي انت داخل فيه ومزة و الألفاظ الغريبه دي ونستني الموضوع الأساسي شكلك أصلاً كنت بتوهني علشان خاطر ما اتكلمش فيه وأرجع واقول لك يا فارس احذف الأكونتات اللي مليانة بنات علشان خاطر ما يحصلش حوارات وتدوش دماغك ده بنكد الستات.
ــ الله إيه الحلاوة دي ومتلحنة كمان يافيري … قالها فارس بنبرة مستمتعة وأكمل مشاكستها:
ــ بجد الحوار النهاردة لذيذ خالص ما بيني وما بينك مختلف تماما انا كده عرفت انك بتحبي التجدد بصراحة طلعتي مبهرة فيه وانتظري مني كل ما هو جديد يا قلب الفارس.
داعبت خصلات شعرها بأناملها وهي الأخرى سعيدة بالحوار معه. ثم سألته بنبرة جادة:
ــ طب ممكن نتكلم بقى جد شوية علشان بجد انا متضايقة من التعليقات ومن كمية البنات اللي انا شفتها عندك ممكن بقى تتصرف ولا هتسيبني زعلانة.
طمئنها على الفور:
ــ ده انت تؤمر يا جميل هو انا اصلاً في حد فيهم يفرق معايا كلهم انتي عارفه هما عندي من بقى لهم كثير وبصراحه ما جاش في بالي ان انا افرز الاكونت بتاعي فانا بقى ولا هفرز ولا بتاع وهحذفه خالص عشان عيون حبيبي اللي وحشوني وسلمي لي عليهم قوي على فكرة.
ثم أكمل بحزن وقد تذكر سفره إلي أبيه فحتما لابد من المواجهة بينهم في ان يبتعد عنه:
ــ واللي هيوحشوني أكتر وانا مسافر وبصراحة مش عارف هرجع امتى بس خلي بالك من نفسك عقبال ما ارجع ويا ريت لو تاخدي أجازة من المستشفى احسن لحد ما اظبط الأمور وأجي أطلب ايدك من باباكي.
هلع قلبها من فكرة ابتعاده فقد اعتادت على وجوده بجانبها ولن تتخيل أنها تذهب الى المشفى بدونه ولم يكن موجوداً بها. والأدهى من ذلك أنها مرتعبة من مواجهته مع ذاك الظالم المستبد وقلبها يدلها على انه لم ياتي الى هنا ثانية وسينساها. فسألته بتوجس:
ــ هو لازم المواجهة دي؟ مش لازم يا فارس ارجوك اني مش عايزك تسافر هخاف تروح ما ترجعش تاني او يجبرك على حاجة ومش يخليني اشوفك تاني ارجوك ما تسافرش اني قلبي مش مطمن أو انك تستحلى الجو هناك تاني وتبعد عني وتنساني.
شعر بخوفها بشدة وترك كل كلامها وتمسك بآخره:
ــ هو انتِ مفكرة اني ممكن اسافر وانساكي ومرجعش هنا تاني؟
ثم أكمل مستنكراً بشدة:
ــ ازاي اصلا بعد ما حبيتك وشفت وعيشت الامان معاكي ولقيت نفسي بعد ما كنت ضايع امشي وما ارجعش تاني. هو انت يا فريدة مش عارفة انتي بالنسبة لي ايه؟
أدمعت عينيها بخوف شديد من ابتعاده بل برهبة من ذاك الأب المتبلد القاسي. فسمع شهقاتها التي جعلته أغمض عينيه لوهلة بحزن لدموعها وهي تهتف برعب:
ــ اني عارفة اني بالنسبة لك ايه لكن وانت جنبي اهنه مش بَعيد عن عيني. خايفة يجبرك على حاجة ويخليك تنسى كل حاجة عشناها مع بعض سوا وكل المواقف تتنسي من مجرد غصبانيته ليك. اما اني عارفه كويس انت بالنسبة لي ايه انت بقيت كل حاجة في حياتي يافارس اني اصلا ما كنتش متوقعة ان اني هحب بالطريقة داي وهتعلق قوي اكده. فبجد اني خايفة قوي مش هكذب عليك وهطمنك على شئ اني مرعوبة منيه.
خلل أصابعه بين خصلات شعره وهو يشعر بالضيق لأجل دموعه. ثم همس بإسمها بصوت أجش مملوء بعاطفة هواه بها جعلها أغمضت عينيها وصوته الرجولي ونداؤه لها وهمسه بإسمها:
ــ فريدة متعيطيش يا حبيبتي وما تقلقيش وخليكي واثقة فيا اللي بينا مش حب زي أي راجل وست خالص يا فيري. انا اتولدت على ايدك من جديد فانتي بالنسبة لي مش حبيبة هقضي معاها لحظات سعيدة او هنعمل بيت زينا زي اي اتنين بيرتبطوا ببعض خالص انتي بالنسبة لي أمي اللي عوضتني عن الغالية اللي راحت. صاحبتي اللي بتفهمني من عيوني اذا كنت زعلان او فرحان او مهموم او حتى مش في حالتي الطبيعية. أختي اللي أول ما بتشوف حاجة بعملها غلط بتجري عليا وتمنعني ان انا اعمل الغلط. وكل ده كوم واني قلبي متعلق بقلبك واني مش بس بحبك يا فريدة لا ده انا بعشقك ووصلت معاكي لقمة الحب اللي ما تذكرش في الدنيا دي قبل كده كوم تاني خالص.
ثم أكمل بقوة وهو يطمئنها:
ــ اطمني يا فريدة انا راجع بس هرجع لك وانا مستريح ومصفي كل الهموم اللي ورايا علشان خاطر نفتح صفحة جديدة مع بعض واتقدم لباباكي وتبقي مطمنة أكتر لازم المواجهة ما بيني وما بين عماد. لازم اقف قدامه بكل قوة ورجولة وانا بطلعه من حياتي واطلع القرف اللي هو عايش فيه من جذوري ومهما كانت العواصف اللي هتقابلني حبك واني هرجع لك تاني باذن الله هيقووني.
تنهدت بعمق وهي تتنفس بشدة وما زال الخوف مسيطرا عليها مهما قال ومهما طمئنها. ثم سألته:
ــ طب ليه تسافر يا فارس وليه المواجهة من الأصل؟ خليك هنا وهو مش هيعمل لك حاجة أكيد بلاش المواجهة وبلاش تسافر. اني خايفة منه وخايفة عليك وقلبي مش مطمن للسفر قلبي مش مطمن أصلاً انك تقف قصاده وتتكلم معاه وتعارضه في حاجة.
ثم أكملت وقد ارتفعت شهقاتها من شدة خوفها عليه:
ــ اصل انت مش هتتخيل أني حبيتك واتعلقت بيك كد إيه! ومش ممكن أتصور حياتي من غيرك ولا من غير وجودك فيها. وكمان مش هعرف اجي وراك لو حوصل حاجة او اتأخرت عليا او ما قدرتش أوصل لك أو الظروف بعدتك عني تخيل بقى مدى الخوف اللي هيفضل مربوط في قلبي عليك لحد ما ترجع لي بالسلامة.
حزن كثيراً لأجلها ولم يعرف كيف يطمئنها؟ فداخله هو الآخر ليس مطمئناً للغاية. ولكن مواجهته مع أبيه وأن يرسى معه لبر الأمان هو في حد ذاته أمانها هي لا هو. فهو خائف ان ادخلها في حياته وتهور ذاك العماد وأفسد عليهم معيشتهم فحينئذ وقتها لم يستطيع تحمل أن يصيبها أذى.
ومع ارتفاع شهقاتها قرر أن يقابلها أولاً قبل أن يسافر كي يطمئنها وجهاً لوجه:
ــ طب أمانة عليك بطلي عياط بقى و كفاية خلاص مش هسافر النهاردة عشان خاطرك. ممكن تيجي تقابليني بكرة في المستشفى عايز اتكلم معاكي قبل ما امشي عايز اطمنك علشان تستريحي. بس كفاية دموع حرام عليكي انا مش متحمل اسمع دموعك وانتي بعيد عني ومش قادر أمسحهم عنك. أرجوكي يا فريدة اهدي بقى ما تصعبيهاش عليا انتي المفروض على فكره تهونيها علشان أسافر وأنا مطمن عليكي.
ظلا يلقي على مسامعها عبارات الإطمئنان حتى هدأت واتفقا على أن يتقابلا في صباح الغد. ولكن ماذا يخبئ القدر لذاك العاشقان بشدة؟ ماذا يخبئ لهم بعد أن ان تعلقت أرواحهم ببعضهم وهم ليسوا على استعداد للفراق فالفراق بينهم يعني الموت لا محالة لكليهما.
***
كان “عمران” عائداً من العمل بالتحديد الساعة التاسعة مساءً. فقرر أن يفاجئ “سكون” ويذهب إلى المشفى وينتظرها أمام المشفى. فذاك الوقت هو معاد خروجها من المشفي. فكانت سهرتها اليوم دون أن يتصل بها كي يفاجئها ويدخل السرور على قلبها باهتمامه بها.
وقبل أن يصل ركن سيارته أمام السوبر ماركت الذي لاحظ في الفاترينة الخاصة به أنه يحتوي على أنواع الشوكولا التي تعشقها. ثم جلب لها من جميع الأنواع التي تعشقها وصعد سيارته مرة أخرى كي يذهب إليها.
ثم وصل إلى المشفى ووقف أمامها ولكن متنحياً جانباً كي لا تراه وتفسد عليه مفاجأته. وبالفعل لم ينتظر سوي عشرون دقيقة. خرجت سكون من المشفى وهي تنظر إلى الطريق كي تذهب لسيارتها. ثم خطت خطوات هادئة تليق بها في ذاك المكان الهادئ.
وعلى حين غرة وجدت شاباًّ وقع تحت قدميها يمسك ببطنه ويتألم منها بشدة. وعينيه تعلقت بها برجاء ان ترفعه أرضاً وهو يردد بتوجع:
ــ اه الحقيني يا أبلة قوميني مش قادر.
على الفور دون تفكير مدت يدها له. وما إن تلامست أيديهم حتى قام جاذباً إياها بقوة أرعبتها حتى ارتطمت بعظام صدره القوية وحاصرها بين أحضانه وهو يردد لها:
ــ اركبي معايا العربية من السكات يا اما هتلاقي نفسك في خبر كان في ثانية المطوة جمب ايدك اللي جمب قلبي يابطل بعيون تهبل هنقضي ليلتين رايقين وهسيبك بهدوء ومتعليش صوتك علشان ولا تلفتي الإنتباه يا اما هتلاقي حالك في خبر كان دلوك.
وكاد أن يلقيها في سيارته ونظراتها ارتعبت. حتى وجد أحدهم وكأنه أتى من الهواء يباغته بضـ.ـربة قاضـ.ـية على رأسه أوقعه أرضاً ووضع قدمه على صدره وهو يردد بفحيح:
ــ بترفع تنطق الشهادة يا روح أمك ولا تتوكل على الله يا نجس وانت اللي زيك ميعرفهاش.
لم يرتعب ذلك الرجل وهو يعرض عليه:
ــ طب يا باشا خدها كادو مني ليك قضي معاها الليلتين هي مزة وهتبسطك اني جربتها خطيرة وهتشوف الهنا علي ايديها وسيبني أمشي.
شهقت سكون بشدة وهي تصيح في ذاك المفتري الكاذب:
ــ انت هتقول ايه يامجنون انت! هو انت شفتني قبل اكده يامفتري.
نطق ذاك الكاذب:
ــ أمال يابت إنتي هتظيتي دي إنتي ..
وكاد أن يكمل إلا أن “عمران” رفعه أرضاً ولكمه بقوة جعلته ابتلع باقي كلماته. ثم وجه أنظاره إلى “سكون” هادراً بها بحدة أرعبتها:
ــ انت تخرسي خالص روحي على العربية واقفلي على نفسك مش عايز اسمع نفَسك دي واصل يا لا.
ثم عاد لذاك المفتري وظل يلكمه كثيراً. فتمسكت بذراعه عندما وجدت ذاك الشاب تنهمر الدماء من جانب فمه. ثم أخرج السكينة من جيبه مما أرعب “سكون” وهي تتمسك بعمران وتردد بهلع:
ــ أرجوك يا عمران سيبه كفاية هيموت في يدك دي طلع المطوة وسيبه وتعالى نروح هو كفاية خد اللي يكفيه.
لكمه “عمران” سريعاً حتى اهتز توازنه وسقطت السكينة من يده. ثم هدر بها مرة أخرى وهو يدفعها كي تبتعد عنهم بيده حتى وقعت أرضاً من تنحيه لها. وهو يردد بغضب من مظهرها ذاك ووقوعها على الأرض:
ــ هو اني مش قلت لك ارجعي العربية سيبيني أخلص عليه اتفضلي روحي على العربية وما لكيش دعوة أهو كله بسبك.
قامت من مكانها سريعاً وذهبت إلى السيارة وقلبها يدق خوفا بشدة من الموقف ككل. وكل ذلك لا يعنيها أكثر من خوفها من غضب “عمران” بعدما ينتقم من ذاك المتعدي عليها باليد والكلام. وكل ذلك بسبب سذاجتها وطيبة قلبها في أنها وقفت تساعد ذاك المدعي عليها بالافتراء والكذب. وما أصابها غير ليلة لن تمر عليها مرور الكرام من “عمران” الذي لو لم يكن موجودا في ذاك الوقت لكانت الآن في عداد الموتى بين يدي هذا الوغد الذي ينال من “عمران” تلك اللكمات التي لم يستطيع مجاباتها. فهو في غضبه الشديد وحينما يعتدي أحد على عرضه لن يتركه إلا وهو مشلول الأيدي والأقدام. فهي تعرفه وقت الغضب يطلق عليه حرفياً “اتقي شر الحليم اذا غضب”.
أما “عمران” ظل يسدد اللكمات لذاك الوغد حتى غاب عن الوعي من شدة ساعديه التي اودت به الى غياهب اللاوعي. ثم جره من قدميه وسحبه ووصل به إلى باب المشفى. فرآه الأمن من بعيد وهو يصيح عليهم بأعلى صوته. وعندما وصلوا اليه نبه عليهم وهو ينهج:
ــ الكلب دي كان هيخـ.ـطف الداكتورة سكون وهي خارجة من المستشفى ولولا ان أني وصلت في الوقت المناسب كان زمانه دلوك واخدها والله أعلم كان هيعمل فيها ايه تقدروا تراجعوا الكاميرات اللي حوالين المستشفي لازم تسلموه للأمن بعد اما يفوق وبكره هروح النيابة بنفسي واقدم في بلاغ اللي زي دي ما ينفعش يفضل موجود في الشوارع يأذي خلق الله ويحمد ربنا إنه طالع من تحت يدي عايش من غير ما اموته انا رايح اشوف مرتي وعلى الله يفلت من يدكم هقدم فيكم وفي المستشفى وكل اللي فيها بلاغ وانا مش هين علشان ما تفتكروش ان اني بهوش لو هرب من ايديكم مش هتشوفوا طيب.
ثم أكمل كمل ساخراً منهم وقد أعماه الغضب ولم يدري بما يقول:
ــ لأن دي شغلكم أمن المستشفى واللي حواليها لكن انتم قاعدين تشربوا شاي ومروقين نفسكم وسايبين كلاب الشوارع ينهشوا في الناس اللي ماشية. حرام عليكم اتقوا الله في شغلكم شوية حالات الخـ.ـطف زادت في البلد كتير قوي الأيام دي وأنتم قاعدين ولا على بالكم.
ثم تركهم وهم يرتعبون من فكرة شكواهم. فأخذوا ذاك الملقى ثم اتخذوا الإجراءات اللازمة معه.
أما هو أسرع بأقدامه كي يخرج لتلك الساذجة وهو يعزم على أن يلقنها درس لن تنساه بحياتها. وما إن رأته قادماً من بعيد وعلامات الغضب الشديد مرسومة على وجهه مما أفزعها. وظلت تدعو الله أن يهدأ. وحينما وصل إليه فتح باب السيارة بغضب شديد ثم أغلقه عليهم. ثم بدأ بالتحرك بالسيارة والغضب يصل الى ذروته معه.
حتى نطقت هي حينما رأت سرعته في القيادة:
ــ سوق بالراحة يا عمران لو سمحت اني خايفة.
لم ينطق بكلمة واحدة بل زاد سرعته أكثر حتى وصل إلى منزلهم وهو يأمرها أن تنزل بحدة. فهبطت من السيارة ودخلت المنزل سريعاً. أما ما هو أغلق سيارته على الفور وتبعها. وما إن دلفا إلى منزلهم حتى سحبها من ذراعها واذا به يهبط على وجنتها بصفعة مدوية طاح جسدها أرضاً على أثرها.
مما يجعلها تضع يدها على وجنتها وهي لم تصدق ما فعله “عمران” للتو. فقد مد يده عليها. ثم وجدته يهبط لمستواها وهو يردد بفحيح وصورتها وهي في أحضان ذاك الوغد وهو يتحسسها بين يديه لم تهرب من خياله. فهي من سلمته يدها بكل سذاجة وجعلته فعل بها ما فعل. ولولا أنه وصل في الوقت المناسب لكانت الآن في عداد الموتى:
ــ اعملي حسابك مفيش شغل تاني ومفيش خروج برة البيت إلا ورجلك على رجلي طالما انتي طلعتي هبلة للدرجة دي وأي حد هيطلب منك أي حاجة تنفذيها في ثانية اكده من غير ما تفكري، انتي صدمتيني فيكي. خليتي واحد كلب ما يسواش يقول عنك إنك بتمتعي الرجالة يقول لجوزك انك هتبسطيه وهيسيبك ليه.
أما هي كانت في عالم آخر فقد صـ.ـفعها “عمران” على وجهها في لحظة وهي لم تصدق إلى الآن. وهي تضع يدها على وجنتها الحمراء من آثار يده وقلبها يدق بعنف داخلها. فلم تكن تتخيل أن يضـ.ـربها “عمران” يوماً من الأيام وإذا به فعلها.
كانت دقيقة من الصمت بينهم. هو في تخيلاته وهي في أحضان ذاك الوغد ويده تتحسس ظهرها وهو يجري سريعاً كي يخرجها من أحضانه والمشهد ككل يجعل داخله يزداد جنونا من الغضب عن ذي قبل. وعيناها تتحدث بدلاً عن لسانها وهي تنظر داخل عينيه:
حين يغمرك الحزن تأمل قلبك من جديد، فسترى أنك في الحقيقة تبكي ممّا كان يوماً مصدر بهجتك.
أما هو أجابتها عيناه:
ــ الدموع ليست هي الحزن، الحزن هو أن تستطيع أن تمنع نفسك من أن تبكي أمام أحد من أجل هذا الأحد. لا زلت أمسك نفسي متلبساً بشعور الحزن على أشياء رأتها عيناي يرفض عقلي أن يصدقها. فالموقف يراه الآن حفنة من السعادة في كفة الميزان وجبل من الحزن في الكفة الأخرى.