تحميل رواية «ملك بلا مملكة» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
&; الفصل الأول وقف يامان فى هيئته البديله آمام مكتب روان ،يرتدى قميص موف وسترة من الجينز وبنطال ازرق ،شعره مصفف بعنايه وقميصه الضيق يبرز عضلاته المتينه ،تنهد وطرق باب روان ادخل !! كانت روان منشغله فى ملفاتها ولم تنظر إلى الزائر ظنته واحد من موظفى الشركه، مرفعتش عنيها تأملها يامان بعنايه ،روان رغم نظارتها الطبيه الا انها فتاه جميله ،مرحه وجذابه ،لا تتعمد الإغراء لكنها مثيره دون أن ترفع بصرها سألت روان خير ؟ مشى يامان وقعد على الكرسى ،ولع سيجاره وهو يبتسم المفروض ان معايا ميعاد مع صاحبة الشركه رفع...
رواية ملك بلا مملكة الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسى
رواية ملك بلا مملكة &; الفصل الأول
وقف يامان فى هيئته البديله آمام مكتب روان ،يرتدى قميص موف وسترة من الجينز وبنطال ازرق ،شعره مصفف بعنايه
وقميصه الضيق يبرز عضلاته المتينه ،تنهد وطرق باب روان
ادخل !!
كانت روان منشغله فى ملفاتها ولم تنظر إلى الزائر
ظنته واحد من موظفى الشركه، مرفعتش عنيها
تأملها يامان بعنايه ،روان رغم نظارتها الطبيه الا انها فتاه جميله ،مرحه وجذابه ،لا تتعمد الإغراء لكنها مثيره
دون أن ترفع بصرها سألت روان خير ؟
مشى يامان وقعد على الكرسى ،ولع سيجاره وهو يبتسم
المفروض ان معايا ميعاد مع صاحبة الشركه
رفعت روان عنيها بسرعه واتخضت لدرجة انها وفقت فى مكانها بسرعه
اسفه اعتقدتك واحد من موظفى الشركه
انت ؟
ايوه انا قال يامان بلا عنايه
انا سعيده جدا أن حضرتك وافقت تقبل دعوتى، الصراحه انا مبهزره بيك جدا
شعر يامان بالملل حكايات البنات لا تنتهى
لكن انا مش صاحبة الشركه وضحت روان ليامان انا مجرد مديرة الشركه
ممكن اعرف انتى طلبتى تقابلينى ليه ؟ يامان قال انك معجبه بيا
ابتمست روان الصراحه يامان عايز يخلص منى بأى طريقه
اعجابى بحضرتك مقتصر على انك أقوى ذئب فى مملكة الذئاب، انت حاربت هشمير أقوى مستذئب فى العالم التالت وانتصرت عليه بسهوله
لكن انا طلبت اقابلك عشان حاجه تانيه ومحبتش اشغل يامان بيها
وضع يامان قدم على قدم وبص فى عنين روان
خير قولى ؟
همست روان سولين
انتفض شعر يامان عندما سمع الاسم، شعر صدره اصبح مثل الشوك واخترق وقميصه وتمكنت روان من رؤيته بسهوله
مالها سولين سأل يامان بجديه
رفعت روان ايدها، انا وصلتنى معلومه ان سولين بتحضر لهجوم على عشيرة ايمير لأنها الاقوى بين عشائر الذئاب
سولين بتحضر جيش كبير مهجن
ممكن اعرف انتى بتشاركينى المعلومه دى ليه ؟
رائع همست روان، لأن ليه مصلحه خاصه بشغلى
سولين مش بس بتمثل خطر على المستذئبين
لا دى بدأت تنافسنى فى السوق وبتصرف أموال مهوله عشان تقضى على شركاتنا يعنى المصلحه واحده
انا أشعر بخيبة آمل همس يامان بمكر، حضرت هنا من أجل سهره جميله هادئه ،لا من أجل شؤن الذئاب
شعرت روان بالخوف تعرف قوة الذئب الذى يجلس أمامها
لكن يامان لم يمنحها فرصه
انا غير مهتم بسولين انا مهتم بك انت ثم اقترب منها وحشرها عند المكتب اريد قبله قبل أن ارحل
أغمضت روان عيونها ،اذا كنت تريد قبله واحده سأمنحها لك لكن بشرط واحد
اى شرط همس يامان بصوت مرعب ؟
انا تأخذها بعد ان تحول لذئب
تحول يامان لذئب ضخم وسط المكتب نظر إلى روان التى ترمقه باعجاب ،لكن لم يقترب منها، انا لست ذئب عادى ولا اركض خلف احد ،استدار وقفز من الشرفه من ارتفاع الطابق الخامس، تابعته روان باعجاب وهو ينصرف وهى تلعق فمها بلسانها.
الوسوم روايات اسماعيل موسى
رواية ملك بلا مملكة الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسى
رواية ملك بلا مملكة &; الفصل الثاني
الجزء الثانى
حلقه 2
اختفت من الشارع وانا حاسس بعيون لورا بتلاحقنى
بعدت عن الطريق العام وانا بفكر سولين زعيمة الذئاب تخطط للغزو ؟
المعاهدة بين مصاصى الدماء والمستذئبين تمت عام 812 ومن وقتها والمعاهدة صامده حتى الآن لكن واضح ان طموح سولين ملهوش حد على قدر غيظى وغضبى الا انى إبتسمت
الشجاعه إلى تملكها سولين أكبر من شجاعة والدها وباقى سلالتها ،ان تتجراء على مهاجمة الذئاب وفيهم الهنطاع وادم وهشمير وايمير وزعماء العشائر التسع يشعرنى بسر غامض
ليه انتظرت سولين منافسة الذئاب حتى نهايتها لتقرر هجومها ؟
ولم أجد سوى اجابتين اولاهم ان سولين لم تجد بين المتسابقين ذئب واحد يستطيع أن يقف فى وجهها
كنت اعرف ان عيونها تراقب المسابقه وتتجسس عليها
والأخر ان تكون سولين نجحت فى امتلاك سلاح متطور يضمن لها الاسبقيه.
على كل انا مش مهتم بعشيرة الذئاب، فليدافع عن الذئاب ملكهم ايمير وقائد جيشه ادم وابطالهم الهنطاع وهشمير
لكن انا عندى رحله لازم اقوم بها
زيارة تولين فى غابة الانكا وجماعتها المتطرفه ،مكنتش عارف ان كانت تولين هترحب بزيارتى بعد القطيعة الطويله إلى استمرت بينى وبينها
لكن تولين تواصلت معايا قبل المنافسه ودى بادرة كويسه منها
رجعت على كوخى وقبل ان اصل شممت رائحة جود داخل الكوخ.
رجعت لهيئتى ومشيت ببطيء وعندما رأيتها انحنيت بأدب
أميرة الذئاب فى كوخى المتواضع ؟
ابتسمت جود وبرقت اسنانها الامعه
همست جود _يامان البشرى ؟
قلت نعم
اه تنهدت جود بخفه ورفعت زيلها كانت جود فى هيئتها الذئبيه لأول مره داخل كوخى
همست جود انت مش هتتوقف عن اكاذيبك يا يامان ؟
قلت اى اكاذيب يا أميرة ؟
قالت انت مش بشرى، انت ذئب ،ذئب قوى، ذئب ربما كسب المسابقه
جلست على الأرض ورحت اضحك ،يا أميرة كيف صور لك عقلك اننى ذئب ؟
وحتى لو كنت ذئب كيف انتصر على اسطوره مثل هشمير ؟
قالت جود بثبات انا كنت معاك لما هشمير قدر يعرفك ويكشف سرك ،يمكن مقلش كده صراحه لكن انا فهمت كل حاجه.
قلت ،يا اميره مؤكد ان هشمير كان بيخلط بينى وبين شخص تانى
انا عمرى ما تحولت لذئب ثم إن اصلى عائله فقيره
وانتى اكتر واحده تعرف أن الفقراء حتى لو تحولو بيكونو أضعف من الساده، بيكون قدرهم يكونو عبيد وخدم
رفعت جود زيلها، ما هو دا إلى محيرنى، كل ما أقرب اقطع الشك باليقين اصطدم بالمنطق
يعنى انت مش ذئب يا يامان ؟
قلت لا طبعا ،انا مجرد بشرى يا اميره
رفعت جود رأسها تجاه النجوم واطالت النظر ،ثم غنت الاغنيه القديمه ،كان هناك ذئب كاذب
ذئب جميل لكنه مراوغ
ذئب قوى لكنه استخف بعقول الأخرين
ذئب وليس إى ذئب كان يقطع النهر بقفزة، ويكسب المعركه بضربه لكنه كاذب، كاذب كاذب.
ممكن يا بشرى تحضر طعام العشاء ؟
اميرتك ستشرفك بالبقاء معك الليله
قلت اعتذر يا اميره جود لكن انا ورايا سفر طويل
سفر ؟ سألت جود
سفر ايه ؟
قلت هقوم بزياره عند اقربائي
اقربائك ؟ودول مكانهم فين يا بشرى ؟
قلت فى مكان بعيد خلف التلال المتجمده
دارت جود حول نفسها ، التلال المتجمده ؟ مفيش إى شخص عايش هناك او رجع من هناك يحكى قصه
انت هتموت قبل ما توصل هناك؟
قلت لو مت يبقى قدرى يا اميره
همست جود بشرود ولو رجعت هيبقى حاجه تانيه خالص
قفزت جود برشاقه وضحكت بخجل
كما ترى يا بشرى اكيد لن ارغمك على تقبيلى سلام.
اختفت جود ولم اتعب نفسى بالتفكير، جود فتاه طائشه قدرها سرير ناعم ترقد فيه جوار ادم بطلها
لكنى اخطط لاشياء أخرى ،جمعت حزمة ملابس قليله
صعدت التله عاينت النجوم التى ستقودنى إلى الشمال
نجمة فغىيما السحريه ونجمة بانسوك وثلاثية برياسون
كانت النجمات تلمع فى السماء الصافيه عندما ركضت تجاه الشمال.
الوسوم روايات اسماعيل موسى
رواية ملك بلا مملكة الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسى
رواية ملك بلا مملكة &; الفصل الثالث
ركض يامان نحو الشمال والنجوم تقوده كما لو أنها خيوط مشدودة في صدر السماء، كان يعرف الطريق لا من الخرائط بل من البرودة، فكلما اشتد الهواء وتجمدت أطرافه فهم أنه يقترب من التلال المتجمدة التي تفصل عالم العشائر عن أرض الانعزال.
الأرض تغيرت تدريجيا، اختفت الأشجار الكثيفة وحل مكانها صخر رمادي ممتد، تكسوه طبقات رقيقة من الجليد، الرياح هناك لا تعوي بل تصفر، كأنها تمر عبر شقوق قديمة في العالم نفسه، وكان يامان يتحرك بخطوات ثابتة، لا يسرع بلا داع ولا يبطئ خوفا، جسده يعرف كيف يوفر الحرارة، وكيف يوزع النفس حتى لا يخونه.
عبر مرتفعا بعد آخر، وفي منتصف الطريق لمح شيئا لم يتوقعه، خيط دخان رفيع يصعد من جهة جبل مهجور، جبل عارٍ من الشجر، أسود القمة، لا يسكنه أحد بحسب القصص القديمة، توقف لحظة، رفع رأسه، شم الهواء، كان الدخان حقيقيا لا وهما، يحمل رائحة احتراق عميق لا يشبه نار صياد عابر.
ظل يراقبه لثوان طويلة، ثم أدار وجهه وأكمل سيره
لم يكن الجبل في طريقه، ولم يكن يبحث عن إجابات جانبية الآن، هناك أشياء يجب أن تُترك لوقتها، وأخرى إن اقتربت منها مبكرا ابتلعتك، ويامان لم يأتِ إلى الشمال ليطارد ظلالا.
كلما اقترب من غابة الانكا أصبح الصمت أثقل، حتى الريح بدت وكأنها تتراجع عند خط معين، وكأن هناك حدودا غير مرئية تفصل أرضا عن أخرى، لاحظ أن الثلج تحت قدميه لم يعد عاديا، بل متماسك بصلابة غريبة، وأن آثار خطواته لا تدوم طويلا، كأن الأرض تمحو الغرباء،ثم بدأت الأشجار تظهر من بعيد.
لم تكن أشجارا عادية، جذوعها عالية داكنة، وأغصانها متشابكة كأنها أذرع نساء واقفات في دائرة حماية، الغابة لم تفتح فمها لاستقباله، بل وقفت ككيان واحد يراقب القادمين
توقف يامان عند الحد الفاصل، هناك حيث ينتهي الحجر المتجمد وتبدأ التربة الداكنة، خفض رأسه قليلا لا خضوعا بل اعترافا، هذه ليست أرض عشيرة، وليست أرض ملوك، هذه أرض اختارتها نساء محاربات رفضن الانحناء، نساء تخلين عن الدفء السهل واخترن العيش على حافة العالم.
اعتقد إن تولين تقودهن بعقل لا يرحم وقلب لا يتردد، وإن جماعتها لا تؤمن بالعروش ولا بالتحالفات القديمة، بل تؤمن بالقوة المصقولة بالانضباط، وبأن الذئب لا يولد سيدا بل يصير كذلك،خطا يامان خطوة داخل حدود الغابة،فورا تغير كل شيء.
الهواء صار أدفأ رغم البرد، العيون وإن لم يرها أحاطت به، والظل تحرك في أطراف بصره، لم تكن حركة عشوائية، بل تموضع حراسة، يعرف هذا الإيقاع، يعرف كيف تتحرك المحاربات حين لا يردن أن يُرَين.
لم يمد يده لسلاح، ولم يعلن اسمه، وقف فقط، منتظرا، لأن من يدخل أرض تولين دون دعوة لا يقطع مترا إضافيا قبل أن يُسمح له.
ومن بين عمق الأشجار، في مكان لا تحدده العين بل تحدده الغريزة، شعر بأنفاس تعرفه، أنفاس ليست عدوا ولا صديقة، بل ماضٍ لم يُحسم.
رفع بصره إلى الظلال وقال بصوت ثابت، وصلت يا تولين
ولم يجب أحد، لم تتواصل معه تولين
لم تمر لحظات على وقوفه داخل حدود الغابة حتى تبدلت الرطوبة في الهواء، وصار للصمت وزن يمكن لمسه، ومن بين الجذوع الداكنة انزلقت ظلال رشيقة، لم تكن خطواتهن تُسمع بل كانت تُحس، نساء يتحركن بانضباط عسكري لا تشوبه فوضى.
لم تمتد يد إلى سيف، ولم يُطلق عواء إنذار، بل انطلق سهم صغير من جهة لا تُرى، لا يحمل نصلًا بل حفنة مسحوق أخضر، ارتطم قرب وجه يامان وتفتت في الهواء، تسلل العشب المسحوق إلى أنفه قبل أن يلتفت، عرف الرائحة.
عشب إغماد الحواس، نادر، لا يُستخدم إلا في الأسر، يبطئ العضلات ويثقل الدم دون أن يطفئ الوعي تمامًا.
كان يستطيع أن يقاوم لثوان، أن يقفز، أن يتحول، أن يختبر حظهن، لكنه لم يفعل، ترك جسده يلين قليلًا، ركبتاه لامستا الأرض ببطء، لم يكن سقوطًا بل اختيارًا، ورفعت عيناه آخر مرة نحو الأشجار قبل أن تُحاط به الدوائر الضيقة.
ثبتت القيود حول معصميه، قيود من جلد قاسٍ مخلوط بشيء معدني بارد، لم تكن لإهانة بل لضبط كائن غير معروف القوة، وسُحب بين صفين من المحاربات عبر ممر لا يُرى إلا لمن يُقاد إليه.
الغابة في عمقها لم تكن كما تخيلها، لم تكن فوضى أشجار، بل مدينة مخفية بين الجذوع، منصات خشبية مرتفعة، حبال تمتد من شجرة إلى أخرى، نار مشتعلة داخل تجاويف لا يطفئها المطر، وكل شيء يتحرك في إيقاع محسوب.
أُلقي به داخل قفص من قضبان سوداء سميكة، ليس ضيقًا بما يكفي للإذلال ولا واسعًا بما يكفي للحركة، وُضع القفص في ساحة دائرية تتوسط الغابة، الأرض هناك مضغوطة وكأن أقدامًا كثيرة وقفت فيها لسنوات،ثم ارتفعت الطبول
لم تكن طبولا صاخبة، بل عميقة، بطيئة، تضرب بإيقاع يشبه نبضًا جماعيًا، ومع كل ضربة كانت المشاعل تُرفع أعلى، فتشتعل الوجوه حوله بلهب برتقالي يكشف القوة لا الزينة، وجوه نساء لا يعرفن التردد، عيون ثابتة، أكتاف مستقيمة، ندوب لا يوارينها.
في منتصف الدائرة، على منصة من خشب داكن، جلست زعيمة العشيرة،
لم تكن كبيرة في السن كما قد يتخيل غريب، بل شابة، شعرها طويل مربوط بعقد محكمة، في عينيها زرقة باردة لا تتزحزح، جسدها يحمل أثر التدريب لا المظهر، وسكونها كان أخطر من صراخ ألف محارب.
وقفت حين وُضع القفص أمامها، لم تصعد إلى مستوى أعلى، لم تحتج إلى عرش، مجرد وقوفها جعل الحلقة كلها تضيق،
ضربت الطبول ثلاث مرات متتابعة، فسكتت الأصوات فورًا،
اقتربت خطوة، عينان بعينين، لم تنظر إليه كغريب فقط، بل كمخالفة، كاختراق لنظام لم يُكسر من قبل، لأنه الرجل الأول الذي يعبر حدود غابتهم حيًا.
لم يصرخ أحد، لم يُشهر سيف، لم تُعلن إهانة، بل ساد ذلك الجو الثقيل الذي يسبق الكلمة الأخيرة
النار اشتعلت أعلى، المطر في الخارج توقف عند حدود الساحة، والقبضات المتوترة حول الرماح لم ترتعش،
وقف يامان داخل القفص، ظهره مستقيم رغم القيود، ونظر إليها بثبات لا تحدٍ فيه ولا اعتذار.
وفي تلك اللحظة، قبل أن تُنطق أي كلمة، كان واضحًا أن هذه الليلة لن تكون مجرد محاكمة غريب، بل مواجهة بين تاريخين، بين غابة لم تسمح لرجل أن يحكمها، وذئب اختار أن يدخلها دون سيف.
المشاعل تترنّح مع نَفَس الريح القادمة من فم الجبل، والطبول تُدق بإيقاع بطيء يشبه نبضًا متحفظًا لا يريد أن يفلت من صدر الغابة.
كان القفص الحديدي قائمًا في قلب المجلس، ويامان داخله واقف، ساكنًا كجذع شجرة أصابه المطر ولم يُحنِه.
الزعيمة الشابة جلست على عرش منحوت من خشب أسود، خلفها رموز القبيلة محفورة كأنها تاريخ محفور في العظم، عيناها ثابتتان لا تفضحان ميلًا ولا رفضًا. حولها دائرة المحاربات، سيوفهن مغروسة في الأرض، وأرديتهن الجلدية تلتصق بأكتافهن من أثر المطر الصقيع،أول صوت خرج كان حادًا كحدّ النصل.
محاربة عريضة الكتفين تقدمت خطوة، وقالت إن الأرض لفظته قبل أن يعترف بذنبه،أشارت نحو الجبل البعيد، حيث فم الحمم يضيء السماء بلونٍ أحمر خافت، وقالت إن النار أعدل من البشر، تحرق ولا تجادل، وإن مصيره يجب أن يُلقى إلى الحمم البركانية ليعود رمادًا كما يعود كل غازٍ،لم يكن في نبرتها غضب، بل يقين قديم، كأنها تنفّذ قانونًا مكتوبًا قبل أن تُولد.
صوت آخر ارتفع، أكثر هدوءًا لكنه أشد قسوة،محاربة نحيلة ذات ضفائر طويلة اقترحت الشنق بين شجرتي السدر العتيقتين عند مدخل الغابة، ليبقى جسده معلّقًا علامة لا تُخطئها عين.
قالت إن الموت السريع رحمة لا يستحقها، وإن الاختناق البطيء يُذكّره بكل نَفَس أخذه من أرض ليست له،
ثم انحنت ثالثة، أصابعها تمسّ مقبض رمحها كما لو كانت تمسّ فكرة،اقترحت تقطيعه أربعة أجزاء، يُدفن كل جزء في جهة من جهات الغابة الأربع، ليصير جسده حارسًا صامتًا للحدود التي انتهكها،كان اقتراحها يُغذّي الطبول إيقاعًا أعلى، كأن الخشب تجاوب مع قسوة الفكرة.
لكن الهمس الذي تسرّب من الخلف لم يكن من حديد، بل من طين ورغبة في البقاء
محاربة أكبر سنًا، وشعرها الأبيض مربوط بخيط أحمر، رفعت يدها ببطء،قالت إن الغابة لا تنقصها الجثث، بل تنقصها الدماء الجديدة، أكدت أن النساء هنا ورثن الشجاعة، لكنهن ورثن أيضًا العزلة،وهذا أول رجل يعبر الحدود حيًّا، نظرت نحو القفص، لا بشهوة ولا برأفة، بل بحساب،قالت إن استخدامه لإعادة النسل ليس ضعفًا، بل استثمار في بقاء القبيلة،
ساد صمت قصير، ثقيل. حتى المطر بدا كأنه يخفّ وقعُه ليستمع.
تبادلت المحاربات نظرات متوترة، بعضهن قبِلن الفكرة كحاجة قاسية تفرضها الطبيعة، وأخريات شددن قبضاتهن على السيوف كأن الاقتراح إهانة مستترة لكبرياء السلالة التي لم تحتج يومًا إلى رجل كي تحكم أرضها.
ويامان داخل القفص لم يتحرك لم يدفع القضبان، لم يحتج، لم يرفع صوته. كان واقفًا فقط، عيناه تتجولان في دائرة الوجوه،لم يبدُ عليه خوف من الحمم، ولا اكتراث بحبل، ولا نفور من فكرة تحويله إلى أداة، كأنه يعرف أن المجلس، رغم صخبه، لم يصل بعد إلى جوهر المسألة،الطبول هدأت تدريجيًا
المشاعل تصاعد منها دخان أزرق، واختلط في الهواء برائحة المطر والرماد،والزعيمة ما زالت صامتة،لم تصدر حكمًا
لكن في عينيها كان شيء يتشكل… ليس رحمة، ولا قسوة
بل قرار ينتظر لحظة مناسبة كي يولد.
الوسوم روايات اسماعيل موسى
رواية ملك بلا مملكة الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسى
رواية ملك بلا مملكة &; الفصل الرابع
حين أُغلق القفص على يامان، لم يرَ في الحديد سوى شكلٍ من أشكال الانتظار،كان واثقًا أنه استسلم بإرادته، وأنه هو من اختار ألّا يقاوم،كان يظن أنه هو من سمح للعشب أن يُرشق على أنفه، وهو من ترك ركبتيه تلينان لحظة، لا عجزًا، بل حسابًا وتقديرًا للموقف، هكذا أقنع نفسه، وهكذا بنى داخله روايةً متماسكة عن سيطرته الكاملة على ما حدث.
لكن غابة الإنكا لم تكن أرضًا عادية. لم تكن محروسة فقط بمحارباتها، بل بشيء أقدم منهن جميعًا؛ شيء يتنفّس تحت التربة، ويجري بين الجذور، ويصعد بخارًا من شقوق الصخور. كان سحرًا لا يُرى بالعين، لكنه يُحس كخيطٍ دقيق يلتف حول المعصم ويضيق دون أن يُلاحظ.
حين وقف يامان داخل القفص، قرر أن يختبر أبسط ما يملكه من قدراته، أغمض عينيه محاولًا أن يلتقط همسات الريح البعيدة، وأن يحصي خطوات الحراس خارج الدائرة، وأن يميّز نبض القلوب في مجلس المحاربات كما اعتاد أن يفعل في أراضٍ أخرى، لكنه لم يسمع سوى إيقاع الطبول المتكرر،كان السمع كأنه مغطّى بستار كثيف يحجب التفاصيل الدقيقة التي تميّز بها دائمًا.
فتح عينيه بهدوء، ثم جرّب أن يمدّ ظلّه، فالظل كان دومًا جزءًا من أدواته،كان يستطيع أن يجعله يطول ويتقدّم عليه، وأن يتسلّل بين الصخور أو يلتف حول خصومه قبل أن تتحرك قدماه، لكنه هذه المرة رأى ظلّه ثابتًا تحت القفص، قصيرًا ومنكمشًا، كأنه ظلّ رجل عادي لا أكثر. عندها تسلّل شيء بارد إلى أطراف أصابعه.
حاول بعدها أن يستدعي القوة الخام التي تسري في عروقه كلما أراد. تلك الحرارة التي تبدأ من صدره وتمتد إلى أطرافه، وتتحول إلى اندفاعة صافية من التركيز والقوة، ركّز ذهنه وأطلق الإرادة كما يفعل دائمًا، منتظرًا ومضة أو شرارة،لكن شيئًا لم يحدث،لم تكن القوة مفقودة تمامًا، بل كانت كأنها خلف جدار شفاف، قريبة ومحجوبة في آنٍ واحد.
تحرك داخل القفص ببطء، لا ليهرب، بل ليتحسس الهواء من حوله،كانت رائحة الأعشاب التي رُشقت على أنفه باقية، غير أن أثرها الجسدي زال منذ وقت،جسده استعاد توازنه، لكن قواه لم تعد،رفع بصره نحو قمم الأشجار العالية، فرأى بخياله المدرب خيوطًا باهتة من طاقة خضراء تتشابك بين الأغصان، أدرك أن تلك الخيوط لم تكن وهمًا، بل شبكة قديمة من سحر نسوي منسوج حول الغابة كقبة غير مرئية.
عندها بدأ الشك يتحول إلى يقين. لم يكن قد استسلم لأنه أراد، بل لأنه لم يكن يملك القدرة على المقاومة كما اعتاد، غابة الإنكا لم تكن تمنع الرجال من الدخول فحسب، بل كانت تُخضع أي قوة لا تنتمي إلى سحرها، لذلك لم تطارده المحاربات بجنون، ولم تقيده بالسلاسل، إذ كانت الغابة نفسها هي القيد الأكبر.
لم يغضب يامان، بل شعر بشيء مختلف، شيء أقرب إلى الاعتراف الهادئ، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، وجد نفسه واقفًا في أرض لا تطيعه ولا تخضع لإرادته،كان شعورًا لم يعرفه منذ طفولته الأولى. ومع ذلك، لم يشعر بالضعف، بل باهتمام عميق، لأن الأرض التي تستطيع أن تحجب معظم قواه لا بد أن تخفي سرًا يستحق الفهم.
وهنا فقط أدرك الحقيقة كاملة، لم يكن استسلامه بطولة محسوبة ولا خطة محكمة كما ظن، بل كان خدعة نسجتها الغابة من حوله بهدوء، وأقنعته بأنه هو من اختار الطريق.
ساد الصمت في مجلس المشاعل حين وقفت الزعيمة،
لم تكن الأكبر سنًّا بينهن، بل كانت الأصغر تقريبًا، لكن حضورها كان يُغني عن السنوات،كانت تقف مستقيمة الظهر، قصيرة القامة نسبيًا، إلا أن ظلها على جدار الصخور بدا أطول من الجميع،شعرها الأسود الطويل مضفور بخيوط حمراء داكنة، وعيناها بلون العسل المحروق، ثابتتان لا ترتجفان.
حين تحدثت، لم ترفع صوتها، ومع ذلك، انخفضت الطبول وحدها،
قالت إن الرجل الذي دخل أرض الإنكا هو أول ذكر يعبر حدود الغابة منذ أجيال طويلة، وإن الغابة نفسها لم تقتله ولم ترفضه، بل تركته يُقاد إلى المجلس، وهذا في عرفهم علامة، وليست صدفة،
نظرت إلى يامان داخل القفص نظرة لم تكن عدائية، بل فاحصة. ثم أعلنت قرارها:
لن يُقتل الآن.
لن يُشنق.
ولن يُلقى في الحمم،عليه أن يحدد قدره بنفسه.
سيُفك قيده عند بزوغ الفجر، ويُمنح حق القتال،سيخوض نزالات متتالية ضد خمس من محاربات الإنكا، إن استطاع أن ينتصر على اثنتين منهن قبل أن يُهزم، فسيُمنح العفو ويُسمح له بمغادرة الغابة حيًا، تحت مراقبة سحرها،أما إن هُزم… فسيُعتبر ملكًا للغابة، ويُترك للمحاربات الخمس أن يستخدمنه بالطريقة التي يرغبن بها، وفق قوانين المجلس التي لا تُناقش،
لم تبتسم وهي تنطق بالشطر الأخير، ولم تحتج إلى توضيح
ارتفعت الطبول مرة أخرى، لكن بإيقاع أبطأ، أثقل، كقلبٍ يستعد لركضة طويلة،ثم تقدمت أولى المختارات.
كانت خمسًا، وقفن صفًا أمام المشاعل، يتقدمن خطوة واحدة في آنٍ واحد، كأن الأرض تحفظ ترتيب أقدامهن
الأولى كانت طويلة، ذات بشرة برونزية داكنة، وندبة تمتد من كتفها إلى عظم ترقوتها،عيناها سوداوان، بلا رمشٍ زائد، وحول معصمها أساور نحاسية سميكة. كانت تحمل رمحًا قصيرًا مزيّنًا بعظام مصقولة. حضورها أقرب إلى العاصفة المكبوتة.
الثانية أقصر قليلًا، لكن جسدها مشدود كقوس. شعرها الكستنائي القصير ينسدل حتى عنقها، وعلى وجهها نقاط طلاء أزرق تحيط بعينيها الواسعتين. لم تحمل سلاحًا ظاهرًا، بل وقفت ويداها فارغتان، بثقة من يعرف أن جسده سلاح كافٍ.
الثالثة كانت بيضاء البشرة نسبيًا، بعينين خضراوين صافيتين، وشعر أشقر داكن مربوط إلى الخلف،ارتدت جلدًا داكنًا خفيفًا يسمح بالحركة السريعة، وعلى فخذها خنجران من حجر بركاني أسود، يلمعان بحدة غير طبيعية.
الرابعة بدت الأكثر هدوءًا. شعرها طويل ومفرود، تتخلله ضفائر رفيعة تحمل خرزًا ملونًا. عضلات ذراعيها واضحة لكنها غير متضخمة، متناسقة كانت تمسك بقوس قصير مصنوع من خشب داكن، وعلى ظهرها جعبة سهام ريشها أسود بالكامل. عيناها لم تفارقا يامان لحظة.
أما الخامسة، فكانت الأصغر سنًا بعد الزعيمة، وربما الأقرب إليها ملامحها ناعمة بشكل لافت، لكنها تحمل قسوة متعمدة في نظرتها. على ذراعيها وشم دائري يشبه الشمس نصف المحروقة، وسيفها المنحني يتدلّى منخفضًا، كأنه جزء من ساقها لا يفارقها، لم تكن تبتسم، لكنها لم تبدُ غاضبة أيضًا؛ بل فضولية.
وقفن جميعًا في صمت، تتراقص ألسنة النار على وجوههن، فترسم ظلالًا حادة على عظام الخدود والفكوك في القفص، كان يامان يراقب.
شعر بالسحر الأخضر للغابة لا يزال يضغط على صدره، يحجب معظم قوته، لكنه لم يعد يلوم نفسه على الاستسلام الآن فقط فهم اللعبة،ليست معركة قوة مطلقة، بل اختبار بحدود مفروضة،رفعت الزعيمة يدها، فتوقفت الطبول
قالت إن الفجر هو الحكم.
ثم انطفأت بعض المشاعل، وبقيت الأخرى مشتعلة، تتراقص في ليل الغابة الكثيف.
الوسوم روايات اسماعيل موسى
رواية ملك بلا مملكة الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسى
رواية ملك بلا مملكة &; الفصل الخامس
مع أول خيط رمادي للفجر، فُتح القفص دون ضجيج. لم تكن هناك قيود تُفك، لأن يامان لم يُقيد أصلًا بسلاسل؛ كانت الغابة نفسها هي القيد الخفي.
خرج بخطوات ثابتة إلى ساحة دائرية من ترابٍ رطب، تحيط بها أعمدة خشبية تتدلّى منها رموز منحوتة بعناية. كان الهواء باردًا، والندى يلمع فوق الأرض كطبقة رقيقة من الزجاج.
وقف يامان في المنتصف، وشعر بذلك الثقل غير المرئي لا يزال جاثمًا على صدره، لم تكن قوته غائبة بالكامل، لكنها كانت بطيئة الاستجابة، كأن هناك مسافة فاصلة بين إرادته والطاقة التي اعتاد أن تطيعه فورًا.
تقدّمت المحاربة الأولى، الطويلة ذات الندبة الممتدة من كتفها إلى ترقوتها، وهي تمسك رمحًا قصيرًا بيد واحدة. لم تندفع إليه كما يفعل المقاتلون عادة، بل بدأت تدور حوله بخطوات محسوبة. كانت تتحرك خطوة إلى الأمام ثم جانبًا، ثم تتوقف فجأة بلا سبب ظاهر، حاول يامان أن يلتقط نمط حركتها كما اعتاد أن يفعل مع خصومه، لكنه لم يجد إيقاعًا ثابتًا يُبنى عليه.
اندفعت فجأة، لا مباشرة نحوه، بل إلى جانبه، ثم انحرفت نصف انحرافة وغرست الرمح في الأرض عند قدمه، مجبرةً إياه على القفز لتجنب الاصطدام. قفز يامان فعلًا، لكنه أدرك في الهواء أن الضربة لم تكن موجهة لإصابته، بل لدفعه إلى حركة محسوبة مسبقًا،عند هبوطه، التف حبل جلدي منخفض حول كاحله، وتعثرت قدمه لحظة قصيرة كافية لإرباك توازنه.
استعاد وقفته بسرعة، وانتزع الرمح من يدها بقوة جسدية صافية، لوهلة قصيرة ظن أنه قلب الموازين، لكن ابتسامتها الهادئة أخبرته بعكس ذلك.
تركت الرمح طواعية، واستغلت اللحظة التي احتاجها ليستعيد ثباته، فسددت ركلة دقيقة إلى داخل ركبته أربكت مركز ثقله،في الحركة التالية كانت خلفه دون أن يلتقط صوت خطوتها، وضغطت بكوعها خلف عنقه وسحبت ساقه المقيّدة جزئيًا بالحبل، فسقط أرضًا.
ثبتت الرمح عند عنقه دون أن تغرسه، وضربت الأرض ثلاث مرات إعلانًا لانتهاء الجولة الأولى.
نهض يامان ببطء،لم يكن الألم ما أثقل صدره، بل الإرباك، لم يفهم أسلوبها، لم يستطع قراءة نيتها قبل الحركة، ولم يستطع استشعار انتقالها كما اعتاد، لأن سحر الغابة كان يعطل أدواته المعتادة في التحليل والاستشعار.
تقدّمت المحاربة الثانية، الأقصر قامة ذات الطلاء الأزرق حول عينيها، وقد وقفت أمامه بلا سلاح ظاهر. اقتربت منه أكثر مما يسمح به المنطق في مواجهة رجل يتمتع ببنيته القوية.
بدأ الاشتباك بسرعة؛ تفادى يامان أول ضربة وردّ بأخرى أصابت كتفها، لكنه لاحظ أن أثر ضربته بدا أضعف مما توقع، كأن الأرض امتصّت جزءًا من قوتها.
تحركت حوله بخطوات قصيرة سريعة، ومع كل خطوة شعر باهتزاز خفيف في التربة تحت قدميه،لم تكن الطبول تُدق، ومع ذلك بدا أن الأرض نفسها تضبط الإيقاع، حين تقدم خطوة للأمام، انزلقت قدمه في انخفاض طفيف لم يكن موجودًا قبل لحظة،لم تُحفر الحفرة بيد، بل كأن التربة لانت في موضع قدمه تحديدًا.
استغلت اختلال توازنه، فأمسكت معصمه والتفت حول ذراعه بحركة حلزونية أربكت مفصل كتفه، حاول أن يتحرر بقوة عضلاته، لكن كلما شد ازداد انزلاقه،وجهت ضربة مفتوحة إلى صدره أربكته، ثم كنسَت ساقه وهو غير مستقر بالكامل، سقط مرة أخرى، وفي لحظة كانت ركبتها تثبت معصمه وذراعه ملتوية بزاوية مؤلمة.
ضربت الأرض ثلاث مرات، معلنة نهاية الجولة الثانية
ارتفعت ضحكات خافتة من أطراف الساحة. لم تكن ضحكات صاخبة، بل نبرات ساخرة واثقة. قالت إحداهن إن قوته كبيرة لكن قدميه لا تعرفان أرضهم، وأضافت أخرى أن الغابة لا تحارب معه بل عليهم ،ابتسمت الأولى وهي تعيد ترتيب حبالها، وكأن النزال كان درسًا بسيطًا.
وقف يامان مرة أخرى، وهذه المرة شعر بصدمة حقيقية. لم تكن هزيمته هي ما أوجعه، بل عجزه عن فك الشفرة،لم يكن قتالهن فرديًا، بل شبكة مترابطة بين الجسد والأرض، كل حركة تصدر من محاربة تستكملها الغابة بنعومة خفية،أدرك أن مشكلته لم تعد مجرد قوة محجوبة، بل افتقاد لفهم النظام الذي يتحركن داخله.
حاول أن يستدعي طاقته، لكن الجدار الشفاف لا يزال قائمًا. عندها فقط تسلل إلى داخله سؤال لم يطرحه من قبل: هل عجزه سببه سحر الغابة وحده، أم أنه لم يتعلم يومًا كيف يقاتل دون الاعتماد على قوته الخاصة؟
كانت ضحكات الإنكا تتردد في خلفية الفجر، خفيفة لكنها واضحة، وللمرة الأولى منذ سنوات بعيدة، شعر يامان أن خصومه لا يرونه أسطورة… بل تحديًا يمكن تفكيكه.
بعد الجولة الثانية، لم يطلب يامان نزالًا ثالثًا
ظل واقفًا في منتصف الساحة، صدره يعلو ويهبط ببطء محسوب، وعيناه لا تنظران إلى المحاربات الخمس، بل إلى عرش الزعيمة.
تقدم خطوة واحدة فقط، علامة احترام لا خضوع،
قال بصوت هادئ إن القتال بلا فهم ليس شجاعة، وإنه يطلب مهلة، لم يطلب شفقة، ولم يشتكِ من سحر الغابة، بل قال إنه يريد وقتًا يتدرب فيه وحده داخل حدودهم، حتى يخوض النزالات كما ينبغي،ساد همس حاد بين الصفوف
إحدى المحاربات سخرت قائلة إن الذئب يطلب أن يتعلم المشي بعد أن انكسرت قدماه.
أخرى اعترضت بأن أرض الإنكا ليست ساحة تدريب للغرباء، وأن من يعجز يُحسم أمره، لا يُمنح فرصة ثانية.
ارتفعت الأصوات قليلًا، لكن الزعيمة الشابة رفعت يدها، فعاد الصمت بسرعة.
نظرت إلى يامان طويلًا، كأنها تقيس ليس قوته بل صموده تحت الإهانة، ثم قالت إن الغابة لم ترفضه، وإنها لن ترفض طلبه،ستمنحه يومين كاملين داخل حدود الغابة.
يومين يتدرب فيهما بمفرده، دون أن يُساعده أحد
لكن الشرط لن يكون بسيطًا.
إذا فاز بعد اليومين على اثنتين من المحاربات، فلن يكون ذلك كافيًا،عليه أيضًا أن يهزمها هي شخصيًا، إن انتصر عليها، نال حريته الكاملة وخرج حيًا كما وعدت، أما إن عجز عن هزيمتها، حتى لو تغلب على الأخريات، فلن يُمنح الحرية
لم تشرح السبب،ولم يعترض أحد
وافقت المحاربات على الشرط بصمت، لأن الزعيمة حين تدخل نفسها في المعادلة، يتحول الأمر من لعبة إلى اختبار مصيري.
أُطلق سراح يامان داخل الغابة، لكن تحت رقابة غير مرئية. لم يرافقه أحد، ومع ذلك شعر أن الجذور تنصت إلى خطواته
ابتعد عن الساحة، وسار نحو عمق الأشجار حيث الضوء أخف والهواء أثقل،كان يبحث عن الأعشاب.
لم يكن جاهلًا بعالم النبات،يعرف أوراق السلفان، وجذور الهربان، ورائحة الليرما الزرقاء التي تعيد الصفاء إلى الحواس، اعتقد أن بإمكانه إيجاد ما يخفف أثر السحر الأخضر الذي يحيط بالغابة،راح يتتبع الروائح الخفيفة بين الأشجار، ينحني أحيانًا ليفحص نبتة، ويترك أخرى، وجد أعشابًا تعيد النشاط الجسدي، وأخرى تهدئ التنفس، لكنه شعر أن ما يحجبه ليس تسممًا ولا وهنًا طبيعيًا،في منتصف اليوم الأول، لمح شيئًا غريبًا.
بين جذعين ملتفين، كان هناك حجر مسطح نصف مدفون في الأرض، تتسرب من تحته نسمة باردة غير منسجمة مع حرارة النهار. انحنى، وأزاح بعض الطين، فاكتشف حلقة حديدية صغيرة مخفية بعناية،رفع الحجر بصعوبة، فكشف فتحة ضيقة تقود إلى درج حجري ينحدر نحو الأسفل،لم تكن تلك فتحة طبيعية.
نزل ببطء، متحسسًا الجدران الرطبة، حتى وصل إلى قبو عميق محفور في الصخر، كان الضوء خافتًا، يأتي من شق صغير في الأعلى،وهناك، في زاوية القبو، رآها
فتاة صغيرة السن، لا تتجاوز الخامسة عشرة، بشعر أسود كثيف غير مرتب وعينين واسعتين بلون رمادي باهت،لم تكن مقيدة بالسلاسل، لكن الرموز المنقوشة على الجدران حولها أوضحت أن السجن سحري لا مادي
نظرت إليه بدهشة لم تخلُ من ابتسامة خفيفة
قالت إنها لم تتوقع أن يكون أول من يعثر عليها رجلًا
عرّفت نفسها بأنها عرافة صغيرة، وأن رؤاها أقلقت مجلس المحاربات. لم يقتلوها، لكنهم حبسوها هنا لأن نبوءاتها لا تناسب قوانين الغابة دائمًا.
اقترب يامان خطوة، متفحصًا الرموز المحيطة بها، شعر أن السحر هنا مختلف عن سحر الساحة؛ أقدم، أهدأ، وأشد عمقًا
قالت له إنها تعلم سبب ضعفه.
وإن الأعشاب التي يبحث عنها لن تعيد له قوته، لأن ما يقيّده ليس نباتًا ولا سمًا، بل ميثاق قديم بين الغابة والسماء
ثم رفعت رأسها نحوه وقالت بصوت خافت:
ساعدني على الخروج،وأخبرك كيف تقاتل الغابة بدل أن تقاتلك
لم يكن في صوتها رجاء طفولي، بل يقين محسوب.
الوسوم روايات اسماعيل موسى
رواية ملك بلا مملكة الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى
رواية ملك بلا مملكة &; الفصل السادس
بعد أن استلقى يامان على قمة الصخر وكانت أصابعه ما تزال تنبض ألمًا لم يشعر بالزهو بل شعر بإحساس عميق يتشكل داخله إحساس بأن ما يجري داخل هذا الكهف لا علاقة له بنزالات الساحة ولا بمحاربات الإنكا وحدهن كان التدريب يبنى حوله هو حول الجسد حين يُجرد من كل امتياز وحين يُترك عاريًا من أي قوة خارقة اعتاد الاتكاء عليها.
كان يراقب الساحرة الصغيرة وهي جالسة على صخرتها المنقوشة بهدوء لم تتدخل لتنقذه من سقوط ولم تمنحه سرًا يعيد له طاقته ولم تواسه بكلمة كانت تتركه يصطدم بالأرض ويعود وحده كان صبرها أوسع من حدود اليومين وتكوّن في داخله شعور ثقيل بأنها لا تعده لنزالين بل لشيء أكبر من غابة الإنكا نفسها وأكبر من أسرارها شيء يشبه حربًا قادمة لا يعرف عنها شيئًا بعد.
تغير جسده تدريجيًا لم يعد حمل الصخور مستحيلًا صار يلتقط الكتل التي أسقطته في البداية ويرفعها بثبات الكتف والقدمين دون انفعال أعمى برزت عضلات ساعديه بخطوط واضحة واتسع ظهره وتماسك جذعه وصارت خطواته أثقل قوة وأخف ارتباكًا ركض بين الأشجار لمسافات أطول دون أن ينهار صدره وتسلق الجدار الصخري مرة أخرى لا لأنه أُمر بل لأنه أراد أن يختبر نفسه وهذه المرة صعد بثقة موزعة بين يديه وساقيه حتى بلغ القمة دون سقوط.
أعطته الساحرة رمحًا خشبيًا بسيطًا وسيفًا بلا زخارف ولا طلاسم وطلبت منه أن يتعلم الاقتصاد في الحركة تدرب على طعنات قصيرة محسوبة وعلى دوران الجسد حول محور القدم بدل القفز غير المدروس كرر الحركات مئات المرات حتى صارت عضلاته تتحرك قبل أن تكتمل الفكرة في ذهنه وصار السيف امتدادًا لمعصمه والرمح امتدادًا لكتفه
وحين استقامت عضلاته بالكامل وتماسك جسده في هيئة متوازنة بلا ميل ولا اندفاع ظن أن المرحلة التالية ستكون العودة إلى الساحة لكن الساحرة نهضت أخيرًا وتمتمت بكلمات لم يفهمها فتغير الهواء داخل الكهف وامتلأ ببرودة مفاجئة ومن الظل خلفه تشكل كيان مظلم لم يكن إنسانًا بالكامل ولا ظلًا خالصًا كانت له هيئة واضحة وعينان حادتان باردتان يتحرك بخفة غير طبيعية كأنه خال من الوزن
اندفع الكيان نحوه قبل أن يستقر السؤال في ذهنه كانت الضربة الأولى سريعة حد الإهانة تلقاها بصعوبة وتراجع خطوتين حاول أن يرد بطعنة مستقيمة لكن الكيان لم يكن حيث ظنه اختفى من أمامه وظهر إلى جانبه وأسقطه بضربة خفيفة محسوبة نهض يامان سريعًا وهاجم بسلسلة حركات تعلمها حديثًا وتحرك حول خصمه بدل الاندفاع المباشر ولحظة قصيرة ظن أنه يقترب
لكن الكيان كان أسرع وأخف وأكثر برودة في قراراته كان يضرب حيث يختل التوازن ويتراجع حين يجب ويهاجم حين يظن يامان أنه استعاد الإيقاع حاول يامان أن يضبط أنفاسه كما تعلم وأن يصغي لحركة قدميه على الأرض دون اعتماد على أي طاقة محجوبة ومع ذلك كانت كل مواجهة تنتهي بسقوط مرة يُلقى بضربة كتف ومرة يُنزع رمحه بحركة التفاف سريعة ومرة يُثبت السيف عند عنقه كما حدث في الساحة.
تكررت المواجهة مرات عديدة وفي كل مرة كان ينهض ويحسن حركة ويطيل نفسًا ويختصر ضربة لكن الفجوة ظلت واسعة كان الكيان المظلم سريعًا كريح خفيفًا كظل قاسيًا بلا انفعال قويًا بلا مبالغة حكيمًا في التوقيت وبارعًا في استغلال الخطأ وبعد نزال طويل سقط يامان على ركبته وسيفه بعيد نصف خطوة حاول أن ينهض لكن القدم المظلمة ثبتت على صدره ثم اختفى الكيان كما ظهر وعاد الصمت إلى الكهف
نظر يامان إلى يديه وإلى اتساع كتفيه وإلى الصخر الذي صار يحمله بسهولة وأدرك حقيقة مرة كل ما بناه لا يساوي ربع قوة وخبرة ذلك الكيان رفعت الساحرة الصغيرة نظرها إليه وقالت بهدوء إن هذا ليس خصمًا بل ما سيواجهه يومًا ثم سكتت وتركته يواجه الفكرة وحده.
لم تقل له الساحرة الصغيرة إنه ضعيف ولم تسخر من عجزه أمام الكيان الذي صنعته بل جلست فوق صخرتها المسحورة تتأمل اضطراب أنفاسه ثم أخبرته بهدوء أنه ما زال يعتمد على عضلاته ويظن أن العالم يُهزم بالقوة وحدها وأن القوة ليست إلا ظلًا للحقيقة وأن الظل لا ينتصر إن لم يعرف مصدر نوره.
طلبت منه ألا يعتمد على جسده فقط وأن يكف عن مطاردة النصر بالسيف وأن يجلس في حضرة الغابة كما يجلس التلميذ أمام معلمه فخرج من الكهف وسار بين الأشجار حتى بلغ فسحة يتسلل إليها الضوء وجلس كما أمرته وظهره مستقيم ويداه على ركبتيه وأنفاسه ما تزال ثقيلة من أثر القتال.
قالت له أن يستمع لا إلى الأصوات الظاهرة وحدها بل إلى ما يكمن تحتها فسمع حفيف الأوراق حين تمر بها الريح ثم أحس بنبض خفي يسري في جذوع الأشجار وشعر بالأرض من تحته كأنها كائن حي يتنفس لا جماد صامت ثم طلبت منه أن يترك عقله يتحرك بلا قيد وأن يراقب أفكاره دون أن يقاتلها أو يتمسك بها حتى بدأت الأفكار تهدأ وصار ذهنه ينساب بعيدًا كجدول ماء لا يعترضه حجر.
تبدلت ملامحه وخفت توتر عضلاته ولم يعد صدره يعلو بعنف بل صار النفس يدخل ويخرج في سكينة وشعر بالهواء كأنه تيار يجري خلاله لا مجرد أنفاس ثم أمرته أن يتخيل حجرًا بعيدًا خلف الأشجار لا ليحمله بل ليعرفه وأن يستشعر ثقله وبرودته ومكانه دون أن يلمسه فغاص في إحساسه حتى شعر بذلك الحجر كأنه بين يديه وإن لم يتحرك من موضعه
أخبرته أن العالم لا يُخترق بالقوة وحدها بل بالفهم وأن من يفهم التيار يسير معه دون أن يغرق وأن العقل إذا صفا صار أبصر من العين وأشد مضاءً من السيف فجلس يامان أيامًا طويلة تحت سلطان زمنها لا يشعر بمرور الساعات وفي تقويم البشر لم تكن سوى يومين حتى هدأ صوته الداخلي ولم يبق داخله إلا صمت صاف عميق.
وحين فتح عينيه لم يشعر بأنه ازداد قوة في جسده بل شعر أنه اتسع من الداخل وأن الغابة لم تعد محيطة به فقط بل صارت ممتدة في أنفاسه وأن المعركة القادمة لن تكون اختبارًا لذراعيه وحدهما بل لصفاء عقله وسكون قلبه وقدرته على الإصغاء لما لا يُرى ولا يُسمع إلا لمن تعلم.
الوسوم روايات اسماعيل موسى
رواية ملك بلا مملكة الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسى
رواية ملك بلا مملكة &; الفصل السابع
بعد أن استلقى يامان على قمة الصخر وكانت أصابعه ما تزال تنبض ألمًا لم يشعر بالزهو بل شعر بإحساس عميق يتشكل داخله إحساس بأن ما يجري داخل هذا الكهف لا علاقة له بنزالات الساحة ولا بمحاربات الإنكا وحدهن كان التدريب يبنى حوله هو حول الجسد حين يُجرد من كل امتياز وحين يُترك عاريًا من أي قوة خارقة اعتاد الاتكاء عليها.
كان يراقب الساحرة الصغيرة وهي جالسة على صخرتها المنقوشة بهدوء لم تتدخل لتنقذه من سقوط ولم تمنحه سرًا يعيد له طاقته ولم تواسه بكلمة كانت تتركه يصطدم بالأرض ويعود وحده كان صبرها أوسع من حدود اليومين وتكوّن في داخله شعور ثقيل بأنها لا تعده لنزالين بل لشيء أكبر من غابة الإنكا نفسها وأكبر من أسرارها شيء يشبه حربًا قادمة لا يعرف عنها شيئًا بعد.
تغير جسده تدريجيًا لم يعد حمل الصخور مستحيلًا صار يلتقط الكتل التي أسقطته في البداية ويرفعها بثبات الكتف والقدمين دون انفعال أعمى برزت عضلات ساعديه بخطوط واضحة واتسع ظهره وتماسك جذعه وصارت خطواته أثقل قوة وأخف ارتباكًا ركض بين الأشجار لمسافات أطول دون أن ينهار صدره وتسلق الجدار الصخري مرة أخرى لا لأنه أُمر بل لأنه أراد أن يختبر نفسه وهذه المرة صعد بثقة موزعة بين يديه وساقيه حتى بلغ القمة دون سقوط.
أعطته الساحرة رمحًا خشبيًا بسيطًا وسيفًا بلا زخارف ولا طلاسم وطلبت منه أن يتعلم الاقتصاد في الحركة تدرب على طعنات قصيرة محسوبة وعلى دوران الجسد حول محور القدم بدل القفز غير المدروس كرر الحركات مئات المرات حتى صارت عضلاته تتحرك قبل أن تكتمل الفكرة في ذهنه وصار السيف امتدادًا لمعصمه والرمح امتدادًا لكتفه
وحين استقامت عضلاته بالكامل وتماسك جسده في هيئة متوازنة بلا ميل ولا اندفاع ظن أن المرحلة التالية ستكون العودة إلى الساحة لكن الساحرة نهضت أخيرًا وتمتمت بكلمات لم يفهمها فتغير الهواء داخل الكهف وامتلأ ببرودة مفاجئة ومن الظل خلفه تشكل كيان مظلم لم يكن إنسانًا بالكامل ولا ظلًا خالصًا كانت له هيئة واضحة وعينان حادتان باردتان يتحرك بخفة غير طبيعية كأنه خال من الوزن
اندفع الكيان نحوه قبل أن يستقر السؤال في ذهنه كانت الضربة الأولى سريعة حد الإهانة تلقاها بصعوبة وتراجع خطوتين حاول أن يرد بطعنة مستقيمة لكن الكيان لم يكن حيث ظنه اختفى من أمامه وظهر إلى جانبه وأسقطه بضربة خفيفة محسوبة نهض يامان سريعًا وهاجم بسلسلة حركات تعلمها حديثًا وتحرك حول خصمه بدل الاندفاع المباشر ولحظة قصيرة ظن أنه يقترب
لكن الكيان كان أسرع وأخف وأكثر برودة في قراراته كان يضرب حيث يختل التوازن ويتراجع حين يجب ويهاجم حين يظن يامان أنه استعاد الإيقاع حاول يامان أن يضبط أنفاسه كما تعلم وأن يصغي لحركة قدميه على الأرض دون اعتماد على أي طاقة محجوبة ومع ذلك كانت كل مواجهة تنتهي بسقوط مرة يُلقى بضربة كتف ومرة يُنزع رمحه بحركة التفاف سريعة ومرة يُثبت السيف عند عنقه كما حدث في الساحة.
تكررت المواجهة مرات عديدة وفي كل مرة كان ينهض ويحسن حركة ويطيل نفسًا ويختصر ضربة لكن الفجوة ظلت واسعة كان الكيان المظلم سريعًا كريح خفيفًا كظل قاسيًا بلا انفعال قويًا بلا مبالغة حكيمًا في التوقيت وبارعًا في استغلال الخطأ وبعد نزال طويل سقط يامان على ركبته وسيفه بعيد نصف خطوة حاول أن ينهض لكن القدم المظلمة ثبتت على صدره ثم اختفى الكيان كما ظهر وعاد الصمت إلى الكهف
نظر يامان إلى يديه وإلى اتساع كتفيه وإلى الصخر الذي صار يحمله بسهولة وأدرك حقيقة مرة كل ما بناه لا يساوي ربع قوة وخبرة ذلك الكيان رفعت الساحرة الصغيرة نظرها إليه وقالت بهدوء إن هذا ليس خصمًا بل ما سيواجهه يومًا ثم سكتت وتركته يواجه الفكرة وحده.
لم تقل له الساحرة الصغيرة إنه ضعيف ولم تسخر من عجزه أمام الكيان الذي صنعته بل جلست فوق صخرتها المسحورة تتأمل اضطراب أنفاسه ثم أخبرته بهدوء أنه ما زال يعتمد على عضلاته ويظن أن العالم يُهزم بالقوة وحدها وأن القوة ليست إلا ظلًا للحقيقة وأن الظل لا ينتصر إن لم يعرف مصدر نوره.
طلبت منه ألا يعتمد على جسده فقط وأن يكف عن مطاردة النصر بالسيف وأن يجلس في حضرة الغابة كما يجلس التلميذ أمام معلمه فخرج من الكهف وسار بين الأشجار حتى بلغ فسحة يتسلل إليها الضوء وجلس كما أمرته وظهره مستقيم ويداه على ركبتيه وأنفاسه ما تزال ثقيلة من أثر القتال.
قالت له أن يستمع لا إلى الأصوات الظاهرة وحدها بل إلى ما يكمن تحتها فسمع حفيف الأوراق حين تمر بها الريح ثم أحس بنبض خفي يسري في جذوع الأشجار وشعر بالأرض من تحته كأنها كائن حي يتنفس لا جماد صامت ثم طلبت منه أن يترك عقله يتحرك بلا قيد وأن يراقب أفكاره دون أن يقاتلها أو يتمسك بها حتى بدأت الأفكار تهدأ وصار ذهنه ينساب بعيدًا كجدول ماء لا يعترضه حجر.
تبدلت ملامحه وخفت توتر عضلاته ولم يعد صدره يعلو بعنف بل صار النفس يدخل ويخرج في سكينة وشعر بالهواء كأنه تيار يجري خلاله لا مجرد أنفاس ثم أمرته أن يتخيل حجرًا بعيدًا خلف الأشجار لا ليحمله بل ليعرفه وأن يستشعر ثقله وبرودته ومكانه دون أن يلمسه فغاص في إحساسه حتى شعر بذلك الحجر كأنه بين يديه وإن لم يتحرك من موضعه
أخبرته أن العالم لا يُخترق بالقوة وحدها بل بالفهم وأن من يفهم التيار يسير معه دون أن يغرق وأن العقل إذا صفا صار أبصر من العين وأشد مضاءً من السيف فجلس يامان أيامًا طويلة تحت سلطان زمنها لا يشعر بمرور الساعات وفي تقويم البشر لم تكن سوى يومين حتى هدأ صوته الداخلي ولم يبق داخله إلا صمت صاف عميق.
وحين فتح عينيه لم يشعر بأنه ازداد قوة في جسده بل شعر أنه اتسع من الداخل وأن الغابة لم تعد محيطة به فقط بل صارت ممتدة في أنفاسه وأن المعركة القادمة لن تكون اختبارًا لذراعيه وحدهما بل لصفاء عقله وسكون قلبه وقدرته على الإصغاء لما لا يُرى ولا يُسمع إلا لمن تعلم.
الوسوم روايات اسماعيل موسى
رواية ملك بلا مملكة الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسى
رواية ملك بلا مملكة &; الفصل الثامن
لم يعد يامان يجلس كما يجلس المحارب الذي ينتظر إشارة القتال بل صار يجلس كما تجلس شجرة لا تعرف إلا الثبات وكان في أيامه الأولى يصمت بجهد وكأن الصمت معركة جديدة لأن عقله كان يعود إليه كحصان جامح كلما حاول أن يتركه يرعى بعيدًا وكانت صورة الكيان المظلم تنبثق في داخله فيشتعل الغضب كشرارة صغيرة لكنه تعلم ألا يقاتل هذه الشرارة بل يراها ويتركها تحترق وتنطفئ من تلقاء نفسها
كان يجلس تحت الأشجار ساعات طويلة لا يعد الزمن ولم يعد يبحث عن نتيجة وكان يستمع أولًا إلى أصوات الغابة ثم بدأ يستمع إلى استماعه نفسه فكان يسمع الريح ثم يدرك الهدوء الذي يليها ويسمع دقات قلبه ثم يلاحظ الفراغ القائم بين الدقة والأخرى وهناك في ذلك الفراغ الصغير بدأ يفهم أن القوة لا تكمن في الضربة بل في اللحظة التي تسبقها وأن الفعل يولد من سكون خفي وأن السكون أعمق من كل حركة
تعمق أكثر فصار يجلس منذ شروق الضوء حتى انكساره عند حواف الجبال ثم ينهض قليلًا ليشرب من النبع ويعود وكان الألم يمر في ركبتيه وظهره من طول الثبات لكنه لم يهرب منه بل صار يتأمله كما يتأمل فكرة عابرة فكان يرى الألم ثم يرى نفسه وهو يراه ثم يكتشف أن بين الرائي والمرئي مسافة وفي تلك المسافة شعر بحرية لم يعرفها من قبل
شيئًا فشيئًا لم تعد الغابة تحيط به فقط بل صار يشعر أنه قائم داخلها كما هي قائمة داخله وأن صوت الطائر ليس صوتًا خارجيًا بل اهتزاز في وعيه وأن برودة الهواء ليست ملامسة للجلد فحسب بل مرور صفاء في صدره وحين جاء الليل ذات مرة لم ينهض بل جلس في العتمة وترك الخوف يظهر وترك صورة الكيان تقف أمامه في ذهنه لكنها لم تعد ترعبه ولم تتضخم بل بدت صورة عابرة ثم ذابت كما تذوب السحابة في فضاء واسع
وفي صمته الطويل لم يعد يسأل إن كان سيهزمه ولم يعد يقيس نفسه بقوته بل صار يريد أن يعرفه وأن يعرف سر اكتماله وموضع نقصه هو وحين نهض أخيرًا بعد أيام من الغياب في أعماقه لم يكن في وجهه تحد ولا في عينيه نار بل كانت فيهما سكينة عميقة تشبه بركة ماء لا يعكرها حجر ثم سار نحو الساحرة ووقف أمامها بهدوء وقال دعيني أواجهه من جديد ولم يكن يطلب النصر هذه المرة بل كان يطلب الفهم.
حين اندلع الهجوم لم يكن أحد قد لمح ظلَّه بعد
كانت سولين قد اختارت ليلًا بلا قمر، ليلًا خاليًا من العلامات، كأن السماء نفسها تواطأت معها لتُخفي الحركة الأولى، فانفتحت أطراف الغابة على صمت ثقيل، ثم انشطر الصمت فجأة كما ينشطر الزجاج تحت ضربة غير مرئية
لم يأتِ جيش مصاصي الدماء كجيشٍ تقليدي، لم تُسمع صيحات، ولم تُرفع رايات، بل تدفقت الظلال بين الأشجار في سرعة خاطفة، كانت تتحرك بخفة لا تترك أثرًا، وبقسوة لا تعرف ترددًا، فضُربت مواقع الحراسة قبل أن يُطلق فيها عواء إنذار واحد
استُبيحت أطراف المعسكر، وسقطت الصفوف الأولى من الذئاب قبل أن تُكمل تحوّلها الكامل، ومن استطاع أن يتحول وجد نفسه في مواجهة خصمٍ لا يخطئ، يضرب في المفاصل، ويختار القلب أو الحنجرة بضربة واحدة محسوبة
حاول الملك إيمير أن يعيد تنظيم صفوفه، فارتفع صوته فوق ساحة القتال كهديرٍ يأمر بالتماسك، لكن الفوضى كانت أسرع من أوامره، فالميمنة سُحقت، والميسرة انعزلت خلف جدار من نار سوداء أشعلها سحرة سولين، وانقطعت الإمدادات بين الكتائب
في قلب الساحة تقدم آدم قائد الجيش، مقاتلًا كما لم يقاتل من قبل، كان رمحه يثقب الظلال ويطرح اثنين أو ثلاثة في كل اندفاع، لكن سولين لم تدخل الميدان إلا بعد أن أنهكت المدافعين، ظهرت فجأة أمامه كما يظهر حدُّ سيفٍ من العدم، تحركت بخفة غير بشرية، وتبدلت مواقعها بين رمحه وصدره في ومضة واحدة، وحين حاول أن يثبت قدميه وجد الأرض نفسها قد انزلقت من تحته
دام اشتباكهما لحظات بدت دهورًا، ثم أُصيب آدم بضربة خاطفة قطعت اتزانه وأسقطته أرضًا، وقبل أن ينهض كانت أنيابها قد لامست عنقه دون أن تقتله، تركته حيًا مهزومًا ليرى السقوط كاملًا
سقط عرش إيمير قبل أن يُدرك أنه سقط، اقتُلع من ساحة القصر الحجري، وكُسرت رايته، وانسحبت من بقي من الذئاب إلى عمق الغابة في فوضى ممزقة، أما الذين أُحاط بهم من كل جانب فقد طُرِحوا أرضًا، قُيِّدت أطرافهم بسلاسل داكنة من سحرٍ قديم، ولم يُقتلوا، بل اقتيدوا أسرى، عبيدًا في خدمة سيدة الليل
كانت سولين لا تريد إبادةً كاملة، كانت تريد إذلالًا ممتدًا، أرادت أن ترى الذئب راكعًا، وأن تسمع صوته وقد استُبدل بالعواء صمتًا مطيعًا
حين بلغ الخراب ذروته وصل الهنطاع ومعه هشمير، دخلا ساحة القتال كريحين متعاكستين، الهنطاع اندفع مباشرة إلى قلب الاشتباك، سيفه يشتعل بقوة جسدية هائلة، يمزق صفوف مصاصي الدماء في مسار دموي صريح، بينما وقف هشمير في الخلف، ينسج كلماتٍ غامضة، يرسم دوائر من طاقة تعصف بالظلال وتدفعها بعيدًا
للحظة ظن بعض الذئاب أن الميزان يتعدل
لكن سولين كانت تنتظر
فصلت الهنطاع عن هشمير بحاجزٍ من ظلام كثيف كالجدار، ثم هاجمتهما بخطة لا تعتمد على المواجهة المباشرة، بل على الاستنزاف والتحكم، أرسلت ثلاثًا من نخبتها لتشتيت الهنطاع، كل واحدة تضرب ثم تختفي، تجرّه خطوة بعد خطوة نحو أرض مكسوّة بسحرٍ كامن، وحين ارتفع سيفه ليسدد ضربة قاضية انطلقت القيود الداكنة من تحت قدميه، التفّت حول ساقيه وأسقطته على ركبتيه
أما هشمير فقد واجهتها بنفسه، لكنه حين رفع يديه ليستدعي قواه القديمة اكتشف أن تعاويذه تتبدد في الهواء كدخان، كانت قد أعدّت حقلًا مضادًا يسلبه تركيزه، وكلما نطق بكلمة انعكست عليه، حتى ضاق صدره وتعثرت أنفاسه
لم يُقتلا
ذلك كان أقسى
جُرِّد الهنطاع من سيفه أمام من تبقى من الذئاب، وضُرب حتى انحنى دون أن ينكسر، وأُجبر هشمير على الركوع في دائرة الظلال التي حاول أن يكسرها، وأمرت سولين بتركهما أحياء ليشهدا بداية عهدها
وفي تلك الليلة لم يكن السقوط عسكريًا فقط، بل كان سقوطًا في الكرامة والمعنى، إذ أدرك الجميع أن الحرب التي بدأت لم تكن غارة عابرة، بل إعلان سيطرة، وأن سيدة مصاصي الدماء لم تأتِ لتختبر قوتهم، بل لتُثبت أنها صارت القوة الأعلى في الغابة كلها
بعد سقوط العرش لم تتوقف سولين عند حدود المعسكر المحترق بل وسّعت هجماتها كمن يرسم دائرة نار حول خصمه حتى يضيق عليه الهواء
تحركت قواتها ليلًا على دفعات منظمة لا تشبه الفوضى الأولى بل تشبه إدارة باردة لحرب محسوبة فكانت القلاع الحجرية للذئاب تُهاجَم واحدة بعد الأخرى تبدأ بقطع طرق الإمداد ثم إسكات أبراج الإشارة ثم اختراق البوابات من الداخل عبر عملاء بايعوها خوفًا أو طمعًا
في قلعة الشمال سقطت الأسوار بعد ثلاث ليالٍ من الحصار الصامت إذ تسللت نخبتها عبر الممرات الجبلية وفتحت الأبواب الثقيلة من الداخل فدخلت الظلال كالسيل وأخمدت آخر جيب مقاومة خلال ساعة واحدة
وفي حصن الوادي حاولت الذئاب القتال حتى آخر ناب لكن سولين لم تواجههم بقوة مباشرة بل أرهقتهم بالعطش والخوف وأرسلت رسائل واضحة أن كل من يستسلم يُترك حيًا ومن يعاند يُمحى اسمه من السجلات فلم تمضِ أيام حتى فُتحت البوابة وخرج القادة منحنين يقدمون مفاتيحهم
أما القلعة الشرقية فقد شهدت المعركة الأعنف إذ تجمعت بقايا المقاتلين حول قائدهم الجريح أملاً في استعادة الهيبة غير أن سولين حضرت بنفسها تلك الليلة وكسرت مقاومتهم في ساحة القلعة أمام عيون الجميع ثم أمرت بتركهم أحياء ليحملوا خبر الهزيمة إلى سواهم
هكذا تتابعت السقوطات حتى لم تبقَ قلعة واحدة خارج سلطانها وأُجبرت القبائل أن تأتي إلى حدود عرشها تحت عشرها صاغرين مستسلمين يدفعون العشر من قوتهم ومحاصيلهم وحتى من صغارهم الذين يُؤخذون رهائن لضمان الطاعة ولم يعد أحد يجرؤ على رفع راية دون إذنها
ثم بدأت مرحلة الترسـيخ
أعلنت نفسها سيدة الليل والدم والحدود وأصدرت قوانين جديدة أولها حظر أي تجمّع مسلح للذئاب دون موافقة ممثليها وثانيها إلزام كل قبيلة بتسجيل أعدادها وقادتها وتحركاتها وثالثها منع التحالفات السرية تحت طائلة الإبادة الجماعية
قسّمت الأرض إلى قطاعات يشرف على كل منها قائد من مصاصي الدماء يعاونه مخبرون محليون وبنت نقاط مراقبة عند المعابر الجبلية ومصبات الأنهار وأقامت أبراج حراسة سوداء على التلال العالية تُضاء بلهيب أزرق عند أي حركة مريبة
كانت الأبراج متباعدة على مسافات محسوبة بحيث ترى كل واحدة الأخرى فإذا أُشعلت إحداها اشتعلت السلسلة كلها خلال دقائق وصار الليل شبكة إنذار لا فجوات فيها
نُصبت حاميات صغيرة داخل بعض القلاع ذاتها لا للحماية بل للتذكير الدائم بمن يملك القرار وأُقيم سجل مركزي للأسرى والرهائن تُحدّث بياناته كل شهر وألزمت القبائل بإرسال مندوبين إلى مجلسها كل اكتمال قمر لتجديد العهد
بهذا لم تعد السيطرة مجرد انتصار عسكري بل نظام حكم مكتمل يقوم على الخوف المنظم والرقابة الدائمة والعقاب السريع
وتحت هذا النظام لم تعد الذئاب تسأل كيف هُزمت بل كيف تعيش يومًا إضافيًا دون أن تثير انتباه سيدة الليل التي أحكمت قبضتها على الغابة كلها دون أن ترفع صوتها أكثر من اللازم
الوسوم روايات اسماعيل موسى
رواية ملك بلا مملكة الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسى
رواية ملك بلا مملكة &; الفصل التاسع
حين عاد يامان إلى ساحة الكهف لم يكن يحمل في عينيه رغبة في الغلبة بل صفاء عميق يشبه صفحة ماء ساكنة وكانت الساحرة الصغيرة تراقبه في صمت ثم أشارت بيدها فانبثق الكيان المظلم من العتمة كما لو أنه ظل انفصل عن جسد العالم ووقف قبالته بلا صوت وبلا تهديد ظاهر
تقدما خطوة واحدة في اللحظة نفسها كأن بينهما خيطا خفيا يشد الحركة ويوحد الإيقاع وانطلقت الضربة الأولى لا كعدوان مباغت بل كافتتاح مقطع موسيقي يعرف كل عازف فيه متى يدخل ومتى يصمت فالتقت قبضته بساعد الكيان والتف جسده مبتعدا نصف دائرة بينما دار الكيان حوله بخفة هواء لا يُمس
استمر القتال ساعات طويلة لم يعد فيها الزمن يُقاس بالدقات بل بالأنفاس ولم تعد الضربات عشوائية بل حركات متتابعة في تناغم غريب فحين يهاجم يامان يتراجع الكيان بخطوة محسوبة ثم يعود بخط مائل يصنع فراغا يجبر يامان على الدوران وحين يندفع الكيان بسيفه المتشكل من الظل ينزلق يامان تحته كما تنزلق نغمة هادئة بين ضربتين قويتين
كان العنف حاضرا في كل تماس وكانت الصخور تتشقق تحت الأقدام وكانت الشرارات تتطاير كلما التقت طاقة بطاقته ومع ذلك لم يكن في المشهد فوضى بل نظام دقيق يشبه رقصة قديمة يتبادل فيها الشريكان القيادة دون اتفاق مسبق يعرف كل واحد موضع قدمه وموعد انحناء جسده
أدرك يامان أنه لا يقاتل خصما يريد قتله بل مرآة مكتملة تعكس سرعته وقوته وذكاءه وتتفوق بخطوة كلما اعتمد على العجلة فترك العجلة وترك الرغبة في الحسم وبدأ يتحرك كما تعلم في صمته يستمع لثقل الهواء ويقرأ المسافة بين النبض والنبض فخف وقع ضرباته وصار ينتظر الفتحات الصغيرة التي لا تُرى إلا لمن هدأ داخله
تقدم الكيان بهجوم واسع يقصد إخضاعه فامتص يامان القوة بدلا من مقاومتها ودفعها جانبا كما يُدفَع مجرى ماء عن صخرة ثابتة ثم رد بحركة منخفضة أصابت توازنه للحظة لكن الكيان استعاد اعتداله في انسياب كامل كأنه لا يسقط بل يبدل اتجاهه
توالت الجولات بلا عد ولا إعلان وكان التعب يظهر على جسد يامان عرقا واهتزاز عضلات بينما ظل الكيان خفيفا قاسيا مكتمل الهيئة ومع ذلك لم يعد الفارق شاسعا كما كان من قبل فقد صار الإيقاع مشتركا وصارت المبادرة تنتقل بينهما كما تنتقل النغمة من وتر إلى آخر
وحين اقتربت اللحظات من نهايتها اندفعا معا في هجوم متزامن التقت فيه القوتان في قلب الساحة فاهتز الكهف وارتد كل منهما خطوتين وتوقفت الحركة دفعة واحدة كما تتوقف رقصة عند آخر إيقاع وبقيا واقفين يتنفس كل منهما بعمق ينظران في عيني بعضهما لا غالب ولا مغلوب
كان التعادل حاضرا لا كعجز عن الحسم بل كاعتراف متبادل بأن كل واحد بلغ حدود الآخر وأن المعركة لم تعد صراعا على البقاء بل حوارا بالقوة والفهم معا وفي صمت ما بعد القتال أدرك يامان أنه لم ينتصر ولم يُهزم بل أصبح مساويا لظله لأول مرة.
بعد أن هدأ الغبار واستقرَّ الصمت في عمق الكهف ظل الكيان المظلم واقفًا قبالة يامان لحظات طويلة لا يتحرك وكانت أنفاس يامان ما تزال عميقة لكنها ثابتة لا رجفة فيها ثم حدث ما لم يتوقعه
انحنى الكيان ببطء أمام يامان انحناءة كاملة لم تكن خضوعًا بل اعترافًا وتكسر صوته للمرة الأولى وهو ينطق بكلمات خرجت كأنها تعبر مسافة قرون فقال إنه سيكون حليفه إذا احتاجه يومًا ما وإن الرابطة التي وُلدت بينهما في القتال لن تنقطع ثم أدار وجهه نحو الساحرة الصغيرة كمن يؤدي تحية قديمة بين رفيقين يعرف كل منهما سر الآخر
تلاشت أطرافه أولًا كضباب يُسحب إلى العلو ثم انطفأت عيناه المضيئتان وبقي صدى حضوره لحظة في الهواء قبل أن يختفي تمامًا
ظل يامان ينظر إلى الموضع الذي كان يقف فيه ثم التفت إلى الساحرة وسألها عن اسمه وعن حقيقته إذ لم يكن شبحًا عابرًا ولا وحشًا مصنوعًا من وهم
ابتسمت ابتسامة خفيفة وأخبرته أن ذلك الكيان لم يكن ظلًا بلا أصل بل أحد أمراء الجان الأزرق وأن اسمه كان يُتلى يومًا في مجالس النار والريح وأنه صديق قديم لها يعود عهد معرفتهما إلى زمن سبق هذه الغابة نفسها وأنه أدى دينًا عليها حين استدعته لتختبر به يامان فلبّى الدعوة ثم عاد إلى عوالمه بعد أن اكتمل العهد
وقبل أن يسألها سؤالًا آخر انقطع الخيط الزمني فجأة كأن صفحة طُويت دفعة واحدة وتبدّل الهواء من حوله ولم يعد الكهف حاضرًا بل اختفى كما يختفي حلم عند اليقظة
شعر بخطوة ثقيلة خلفه ثم أخرى وارتفع صوت احتكاك رماح بحجارة وعندما رفع رأسه وجد نفسه في ساحة مفتوحة تحت سماء غابة الانكا وقد انقضت المهلة التي حددتها زعيمة محاربات الانكا وانتهى اليومان في تقويم البشر كما وُعد
كان الحراس يحيطون به من كل جهة دوائر متتابعة من المحاربات المدججات بالسلاح عيونهن ثابتة لا تحمل سخرية هذه المرة بل انتظارًا رسميًا للحكم ولم يعد أمام يامان سوى أن يتقدم إلى قلب الساحة حيث يُحسم مصيره في المواجهة التي طلبها بنفسه
اصطفّت المحاربات في دائرة واسعة تحيط بالساحة وكانت أنظارهن ثابتة على يامان بعد أن استعاد موقعه في قلب الميدان وقد مضت جولتان متكافئتان لم تحسمهما ضربة قاطعة
دخلت المقاتلة الثالثة بخطوات واثقة ووقفت أمامه في صمت قصير يسبق العاصفة وكانت عينا يامان هادئتين على غير ما عُرف عنه فقد كان يعرف أن ميزان التحدي لم يعد مجرد قوة جسد بل حسابات أعمق تتعلق بما سيأتي
بدأت الجولة الثالثة سريعة خاطفة تبادلت فيها الأجساد الاقتراب والانسحاب واشتعلت الشرارات بين حد السيوف ووقع الأقدام على التراب الرطب وكان يامان قادرًا على قراءة حركتها كما قرأ غيرها لكنه في لحظة حاسمة فتح ثغرة صغيرة في دفاعه لم تكن زلة بل قرارًا محسوبًا فتقدمت ضربة المقاتلة وأصابته إصابة واضحة أسقطته على ركبة واحدة ثم أطاحت بسلاحه من يده أمام الجميع
ساد صخب قصير ثم ارتفعت صيحات السخرية إذ بدا المشهد كأنه انكسار جديد يضاف إلى رصيده ولم يبذل يامان جهدًا لاستعادة سلاحه بل ترك النتيجة تُعلن عليه فاعتُبرت الجولة هزيمة صريحة له ولم يتبقَّ له سوى هزيمة واحدة ليصبح خاضعًا بالكامل لحكمهن كما يقضي الشرط المعلن.
وحين علت ضحكات بعض المحاربات رفع يامان رأسه وبدا على شفتيه انحناء ساخر لم يكن تحديًا أجوف بل إشارة إلى أن ما حدث لم يكن نهاية الحساب تبادل النظرات معهن بلا اضطراب كأنه يرى ما لا يرين فاشتدت سخريتهن وعددن الهزيمة الأخيرة مسألة وقت لا أكثر.
عندها تقدم خطوة إلى الأمام وقال بصوت مسموع إن التأخير لا معنى له وطلب أن يواجه النزالين التاليين دفعة واحدة وأن تُضاف إليهما الزعيمة إن رغبت حتى يُحسم الأمر بلا تجزئة همهمت الصفوف وتبدلت النظرات بين الدهشة والرفض إذ رأت بعضهن في طلبه تهورًا أو حيلة غير مفهومة
أما زعيمة محاربات الانكا فقد ظلت صامتة لحظات تزن كلماته ثم أعلنت أنها توافق على مواجهة ثنائية فقط وأن نزالها معه سيؤجل إلى النهاية إن بلغها وأشارت بيدها لتدخل مقاتلتان من الصفوف في آن واحد وتبدأ الجولة الجديدة بينما بقيت هي تراقب بعينين لا تفوتهما حركة واحدة كأنها تنتظر أن ينكشف سر ابتسامته الساخرة في اللحظة المناسبة
اندفعت المقاتلتان في آن واحد كما لو أن الساحة ضاقت به وحده وصارت تختبر صبره قبل قوته لكن يامان لم يندفع هذه المرة بل تركهما تقتربان في إيقاع محسوب يقرأ الظل قبل الجسد ويتحرك في الفراغ الذي يتشكل بين خطوتيهما فتفادى الضربة الأولى بانحناءة دقيقة وجذب الثانية إلى مسار خاطئ جعل سيفها يصطدم بسلاح رفيقتها ثم استدار حركة كاملة مستفيدًا من اختلال التوازن وأسقط الأولى أرضًا بضربة غير قاتلة وأزاح سلاح الثانية من يدها بحركة خاطفة قبل أن يضع حد سيفه عند عنقها معلنًا نهاية النزال.
ساد صمت ثقيل لم تعهده الساحة من قبل ثم تراجع خطوة وطلب بصوت واضح أن يواجه الزعيمة وأن تضم إلى صفها من تشاء من محارباتها إن أرادت حسمًا لا لبس فيه ارتفعت همهمات بين الصفوف لكن كبرياء زعيمة محاربات الانكا منعها من الاستعانة بأحد فتقدمت وحدها إلى قلب الدائرة وأمرت الجميع بالتراجع
بدأت المواجهة عند ارتفاع الشمس ولم تتوقف مع اقترابها من كبد السماء كانت حرب نصف يوم كاملة لا تعتمد على البطش وحده بل على قراءة النفس قبل الحركة كانت الزعيمة سريعة حادة كحد صاعقة تضرب من الأعلى وتنسحب قبل الرد وكان يامان ثابتًا عميق الجذور يمتص الهجوم ثم يعيده متحولًا إلى انسياب خاطف كلما سنحت اللحظة تبادلا الهجوم والدفاع مرات لا تحصى تشققت الأرض تحت أقدامهما وتكسرت أسلحة احتياطية واستبدلاها دون كلمة ولم يكن في القتال صخب سوى صوت الاحتكاك وصوت الأنفاس المتلاحقة
عند انكسار الظل نحو الغرب بدأت ملامح الإرهاق تظهر على الجانبين لكن يامان كان قد بلغ تلك النقطة التي تتحد فيها إرادته مع سكونه فقرأ ترددًا عابرًا في كتف الزعيمة واستثمره بخدعة قصيرة تبعها دوران كامل أنهى به النزال حين أوقف سيفه عند صدرها دون أن يمسها فتجمدت الحركة وساد صمت عميق أعلنت فيه الزعيمة هزيمتها ورفعت يدها إقرارًا بانتصاره
في تلك اللحظة ظهرت تالين عند حافة الساحة كانت قد عادت من رحلة طويلة خارج الغابة تحمل أخبارًا لم تُعلن بعد وتقدمت نحوه بعينين تلمعان بشيء من الفخر والقلق معًا إذ أدركت أن ما ينتظره أكبر من هذه الساحة
اجتمع يامان والزعيمة في مجلس خاص بعيدًا عن العيون وتوصلا إلى اتفاق يقضي بأن يلبى جيشها ندائه إذا احتاجهم يومًا في حرب قادمة على أن يلتزم هو بشرط واحد همست به في سره شرط يتعلق بميزان القوى في الغابة وبألا يُستدعى جيشها إلا في معركة لا يكون فيها سعي إلى مجد شخصي بل ضرورة تحمي الأرض كلها فقبل يامان الشرط وأعطى كلمته
وبعد أن انتهى المجلس وهدأت الساحة قرر العودة إلى أرض غابته حيث تقبع مملكة الذئاب الجريحة المهزومة هناك حيث سقط العرش وتغيّر وجة الغابه.
<img class="x16dsc37" role="presentation" src="data:;base64, &; width=&;18&; height=&;18&; />
<img class="x16dsc37" role="presentation" src="data:;base64, &; width=&;18&; height=&;18&; />
كل التفاعلات:
١٥٤١٥٤
الوسوم روايات اسماعيل موسى
رواية ملك بلا مملكة الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسى
رواية ملك بلا مملكة &; الفصل العاشر
العاشره
عاد يامان في الطريق الطويل نحو غابة الذئاب لا كما خرج منها يومًا، بل كما يعود نهر بعد أن تعلّم مجرىً جديدًا في أرض بعيدة
كانت خطواته ثابتة لا تحمل عجلة ولا تردّد، وكأن كل حجر يطأه يعترف بثقله الجديد، لم تعد حركته اندفاع محارب يريد أن يثبت نفسه، بل اتزان رجل عرف حدوده ثم تجاوزها في صمت، قوته البشرية التي صقلها في غابة الانكا لم تختفِ حين غادرها، بل استقرت فيه كجذع شجرة غليظ لا يُرى نموّه لكنه يُحَسّ في ثباته.
كانت عضلاته قد استقامت على نظام جديد، لا تضخم أعمى فيه ولا استعراض، بل مرونة محكمة، سرعة محسوبة، ونفس طويل لا ينكسر بسهولة، وحين كان يتذكر صخر الكهف الذي حمله بيديه العاريتين كان يشعر أن جسده صار أداة واعية لا كتلة قوة خام، أداة تطيع العقل ولا تسبقه.
أما تحوّله، فقد تغيّر هو الآخر، لم يعد انفجارًا غضبيًا كما كان، بل انتقالًا سلسًا بين حالتين، كأن الذئب داخله لم يعد وحشًا منفصلًا، بل امتدادًا واعيًا لجسده البشري، وحين كان يستدعيه لم يكن يفقد السيطرة، بل يوسع نطاق حضوره، تصير أنفاسه أعمق، وحواسه أحدّ، وقوته مضاعفة فوق أساس بشري متماسك
كان يسمع الغابة قبل أن يراها
وحين اقترب من حدود المنطقة المحرمة، حيث كوخه الخشبي القائم بين الظلال القديمة، شعر بشيء يتردد تحت التربة، همس خافت، كأن الأرض نفسها تحفظ ذكريات الألم، لم تكن الأصوات كلمات واضحة، لكنها كانت حكاية تُروى بلا لسان، حكاية عن ليل طويل مرّ، عن صرخات مكتومة، وعن عرش سقط وراية انكسرت
توقف لحظة وأغمض عينيه، فانبثقت في وعيه صور لم يرها بعينيه، أبراج أُطفئت أنوارها، حراس فرّوا في فوضى، وسلاسل ثقيلة سُحبت فوق حجارة القصر القديم، لم يكن هذا سحرًا صريحًا، بل مهارة اكتسبها في تأمله الطويل، صار عقله يلتقط ما يتركه الحدث من أثر في نسيج المكان
كانت الغابة تحكي له، لا تشكو، بل تُخبر، تنقل إليه اضطرابها كما ينقل الجسد ألَمه إلى القلب، وحين فتح عينيه لم يكن الغضب أول ما شعر به، بل إدراك عميق بأن ما تغيّر فيه لم يأتِ عبثًا، وأن تدريباته لم تكن لنزال عابر، بل لهذا الطريق
تقدم نحو كوخه في المنطقة المحرمة، المكان الذي تجنبه كثيرون رهبةً أو احترامًا، وكان البيت الصغير ينتظره كما تركه، لكن الهواء حوله أثقل، كأن الغابة نفسها تنتظر قراره
في تلك اللحظة فهم أن عودته ليست زيارة، بل بداية مرحلة، وأن ثباته الجديد سيُختبر أمام جراح مملكة كاملة، وأن قوته البشرية وقوة تحوله معًا لن تكونا كافيتين إن لم يصحبهما ذلك السكون الذي تعلّمه، السكون الذي جعله يسمع الغابة وهي تهمس له بأن زمن الصمت يوشك على الانتهاء
حين وطئت قدماه أرض الغابة شعر يامان بأن شيئًا خفيًا قد انكسر في روحها، لم تكن الأشجار أقل ارتفاعًا ولا الهواء أقل نقاءً، لكن الإيقاع تبدّل، صار الحفيف أبطأ، وصارت الطيور أكثر حذرًا، حتى الضوء الذي يتسلل بين الأغصان بدا باهتًا كأنه يمر عبر طبقة من حزن غير مرئي
لم يحتج إلى سؤال ليعرف أن عرش إيمير قد سقط، كان السقوط واضحًا في ارتباك المسارات وفي غياب الدوريات وفي ذلك الصمت الذي يخلفه الخوف حين يصبح عادة يومية، القلاع التي كانت تلوّح براياتها من فوق التلال لم تعد تلمع كما كانت، وبعضها بدا مطفأ الروح كبيت تُرك على عجل
ومع ذلك لم يندفع يامان نحو قلب الأحداث، لم يشعر بنداء يدفعه إلى رفع سيفه فورًا، كانت الحرب التي اجتاحت الغابة واسعة متشابكة، مليئة بديون قديمة وصراعات سلطة لا تعنيه في أصلها، هو لم يخرج طلبًا لعرش، ولم يعد سعيًا لانتقام، بل عاد لأنه يعرف الأرض، لا لأنه يطلب حكمها
قال لنفسه إن الانسياق الأعمى خلف كل نار مشتعلة ليس شجاعة، وإن ما تعلّمه أن يزن الخطوة قبل أن يخطوها، فتقدم نحو كوخه في المنطقة المحرمة محافظًا على مسافة بينه وبين طرق الجيوش ومسارات الدوريات، عيناه ترصدان، وقلبه ثابت لا يتعجل اتخاذ موقف
لكن القدر لم يتركه في عزلته طويلًا
من خلف صف أشجار كثيفة سمع أولًا صوت احتكاك حديد بحجر، ثم وقع أقدام جماعي ثقيل، فتسلل إلى ظل مرتفع يطل على الممر الترابي، وهناك رأى الطابور
كان مئات الأسرى من المستذئبين يُساقون في صفوف طويلة مكبّلين بسلاسل داكنة تلتف حول أعناقهم وأذرعهم، يسيرون ببطء مرهق، وعلى جانبيهم يتحرك حرس من أتباع سولين بوجوه باردة لا تُظهر شفقة ولا غضب
لم يكن المشهد صداميًا فحسب، بل مهينًا، إذ لم يُترك للأسرى حتى كرامة الانكسار الفردي، كانوا كتلة واحدة من التعب تُدفع إلى مصير مجهول، بعضهم مطأطئ الرأس وبعضهم يرفع عينيه في تحدٍ صامت، وآخرون يسيرون كأنهم فقدوا الإحساس بالاتجاه
ثم رآها
وسط الصف، وإن حاولت السلاسل مساواتها بغيرها، بقيت في هيئتها ما يميزها، كانت جود تمشي مكبّلة مثلهم لكن رأسها مرفوع، في وجهها أثر إرهاق واضح، وعلى جبينها جرح قديم لم يلتئم تمامًا، غير أن عينيها ظلّتا حادتين لا تعرفان الاستسلام
شعر يامان بشيء يتحرك في صدره، ليس اندفاعًا أعمى ولا غضبًا صاخبًا، بل انقباض عميق، إدراك أن الحرب التي قال إنها لا تعنيه قد مرّت الآن قربه، تمشي مكبّلة في وضح النهار
ظل في ظله لم يتحرك، يراقب الطابور وهو يبتعد ببطء، والسلاسل تترك خلفها أثرًا خافتًا في التراب، وكان يعرف أن قراره القادم لن يعود بسيطًا كما أراد له أن يكون، لأن بعض المشاهد لا تسمح للمرء أن يبقى محايدًا مهما حاول أن يقنع نفسه بذلك
هبط يامان من الظلال إلى الممر الترابي بهيئته البشرية ثابت الخطوة واضح الملامح حتى اعترض مقدمة الطابور ورفع يده إشارة حازمة فتوقفت السلاسل لحظة وتباطأت الأقدام ونظر الحراس إليه بشيء من الدهشة المشوبة بالاحتقار
تقدم نحو أقرب حارس وقال بصوت مسموع إنه يطالب بتحرير جود فورًا وأن الطابور لن يواصل سيره قبل أن يتلقى ردًا واضحًا ثم تحرك قائد مصاصي الدماء من قلب الصفوف يتبعه حارسان وتوقف قبالته بعينين باردتين وسأله وماذا لو لم نفعل
أجاب يامان بثبات وثقة إذا لم تفعل فاعرف أن حربًا سوف تقوم فارتفع حاجب القائد وقال باستخفاف حرب من أجل امرأة
مال يامان قليلًا وهمس دون أن يخفض نظره إنها ليست مجرد امرأة بل امرأة تعنيني وتخصني
تصلب وجه القائد وصرخ غاضبًا وماذا يمنعني أن أحطمك الآن وأنتهي منك
ضم يامان قبضته دون أن يرفع سيفًا وقال سولين لن تسامحك إذا تسببت في بداية حرب لن تنتهي إلا وعنقها تحت قدمي
الوسوم روايات اسماعيل موسى