تحميل رواية «ملك بلا ممكلة» PDF
بقلم اسماعيل موسي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
وقف يامان فى هيئته البديله آمام مكتب روان ،يرتدى قميص موف وسترة من الجينز وبنطال ازرق ،شعره مصفف بعنايه وقميصه الضيق يبرز عضلاته المتينه ،تنهد وطرق باب روان ادخل !! كانت روان منشغله فى ملفاتها ولم تنظر إلى الزائر ظنته واحد من موظفى الشركه، مرفعتش عنيها تأملها يامان بعنايه ،روان رغم نظارتها الطبيه الا انها فتاه جميله ،مرحه وجذابه ،لا تتعمد الإغراء لكنها مثيره دون أن ترفع بصرها سألت روان خير ؟ مشى يامان وقعد على الكرسى ،ولع سيجاره وهو يبتسم المفروض ان معايا ميعاد مع صاحبة الشركه رفعت روان عنيها بس...
رواية ملك بلا ممكلة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم اسماعيل موسي
مع غروب الشمس بدأت السماء تميل إلى لون أرجواني داكن فوق حدود الأرض المحرمة، وكانت الضبابات الثقيلة تتجمع ببطء فوق المياه الراكدة في المستنقع الملعون،هناك على حافة تلك الأرض التي لا يجرؤ أحد على عبورها منذ زمن طويل بدأ جيش سولين في التوقف أخيرا بعد مسيرة طويلة عبر الغابات والجبال.
امتدت صفوف مصاصي الدماء على طول الضفة الموحلة للنهر الذي يفصل المستنقع عن قلب الأرض المحرمة، كانت الخيام السوداء ترتفع واحدة بعد الأخرى بينما اشتعلت مئات المشاعل التي انعكس ضوؤها الأحمر فوق الماء الداكن، تحرك الجنود بصمت منظم وهم يثبتون الرايات الطويلة التي تحمل شعار سولين، وكان الشعار يرفرف ببطء في الرياح الباردة القادمة من داخل الأرض المحرمة.
في الخلف كانت المنجنيقات الضخمة تُنصب فوق التلال الطينية، ووقف المهندسون الحربيون يربطون الحبال السميكة ويختبرون أذرع الرمي الثقيلة،وعلى مسافة أبعد كانت الأقفاص الحديدية الكبيرة تُدفع فوق العربات، وكانت تتحرك ببطء بينما يصدر من داخلها هدير وحوش مقيدة لم يرها معظم الجنود من قبل.
أما الصيادون الليليون فقد انتشروا على أطراف المعسكر، عيونهم تراقب الغابة المظلمة في الجهة الأخرى من النهر وكأنهم ينتظرون أن يظهر شيء من الظلال،
كان الجيش هائلا، آلاف المحاربين يقفون الآن عند حافة،الأرض التي رفضتهم من قبل،ورغم ذلك لم يعبر أحد النهر بعد.
فالماء الذي يجري بين الضفتين كان الخط الفاصل بين عالمين، وبين ضفتيه كان المستنقع الملعون يتنفس ببطء ككائن حي قديم، تطفو فوق مياهه فقاعات داكنة بينما ترتفع أبخرة باردة من بين الأعشاب السوداء.
وفي قلب الأرض المحرمة، وعلى مسافة بعيدة فوق التلال الخربة التي تشرف على النهر والمستنقع، وقف يامان وجود يراقبان المشهد.
كانا يقفان فوق صخرة مرتفعة تتآكل حوافها منذ قرون، ومن هناك كان يمكن رؤية أضواء المشاعل التي لا تنتهي في الأسفل،لم تكن مجرد حملة عسكرية،كان جيشا كاملا.
وقف يامان صامتا، عيناه تلمعان في ضوء القمر بينما كان ينظر إلى الصفوف الممتدة من الجنود والخيام والآلات الحربية.
كان يسمع أصواتهم بوضوح حتى من تلك المسافة، صرير الحديد، وقع الأقدام، وصوت الوحوش المحبوسة في الأقفاص.
وقفت جود إلى جانبه وقد عقدت ذراعيها فوق صدرها وهي تنظر إلى السهل الممتد أمامها،قالت بصوت منخفض
لم أرى جيشا بهذا الحجم من قبل
لم يرد يامان في البداية، ظل يراقب المعسكر الضخم للحظات طويلة قبل أن يقول بهدوء،لقد جلبت كل ما تملك
تحركت الرياح فوق التلال فرفرفت عباءة جود قليلا وهي تضيق عينيها نحو الأفق المشتعل بالمشاعل.
قالت إنهم آلاف يا يامان رد وهو لا يزال يراقب المعسكر
أعرف،ثم أشار ببطء نحو النهر الذي يفصلهم عن الجيش
لكنهم لم يعبروا بعد
نظرت جود إلى الماء الداكن الذي يلمع بين الضفتين وقالت
المستنقع الملعون لن يسمح لهم بالمرور بسهولة
ابتسم يامان ابتسامة خفيفة لكنها كانت تحمل شيئا من القسوة
ولا أنا
ساد الصمت للحظة بينما كانا يراقبان الجنود في الأسفل وهم يتحركون كبحر من الظلال تحت ضوء المشاعل.
ثم قال يامان أخيرا
غدا سيحاولون العبور
التفتت جود إليه
وماذا سنفعل
نظر مرة أخرى إلى الجيش الهائل ثم إلى الغابة الممتدة خلفهما، إلى الأرض التي يعرف كل شجرة فيها وكل صخرة،
ثم قال بصوت هادئ لكنه حاسم،سيتعلمون لماذا يسمونها الأرض المحرمة.
ظل يامان واقفًا فوق التلال الخربة يراقب أضواء جيش سولين التي تملأ الأفق عند المستنقع الملعون، وكانت المشاعل تبدو من بعيد كأنها نهر من النار يمتد على طول الضفة الأخرى من النهر.
وقف صامتًا لوقت طويل بينما كانت الرياح الباردة تمر فوق الصخور الجافة وتحمل معها أصوات الجنود والوحوش المقيدة في المعسكر.
قالت جود وهي تنظر إلى الأفق المشتعل بالمشاعل إنهم أكثر مما توقعت، وإذا حاولوا العبور مع الفجر فستكون معركة لا تشبه أي شيء واجهاه من قبل.
لم يجب يامان فورًا، بل ظل ينظر إلى الظلام الممتد خلف الجبال البعيدة وكأنه يبحث في ذاكرته عن شيء قديم. ثم قال أخيرًا بصوت منخفض إن هذه الحرب لن تُحسم بالقوة وحدها، فالأرض المحرمة واسعة لكن جيش سولين أكبر مما يمكن لشخصين إيقافه.
التفتت جود نحوه وسألته عما يفكر فيه،
قال يامان إن هناك من يعرفون هذه الأرض كما يعرفها هو، محاربات قديمات لا يخضعن لممالك البشر ولا لمصاصي الدماء. ثم نطق الاسم الذي لم يُذكر في هذه الغابة منذ زمن طويل، محاربات الإنكا.
قال إنهن يعشن خلف الجبال السوداء في الهضاب الحجرية،المتجمده ، قبيلة من النساء المحاربات اللواتي أقسمن منذ قرون على حماية الطرق القديمة ومنع جيوش الظلام من عبور الأرض. كانت جود قد سمعت قصصًا عنهن من قبل لكنها لم تكن تعلم أن يامان يعرف طريقه، أو أنه ذهب إلى أرضهم وحارب ضدهم وساعدهم فى حربهم قبل رحيلة
مد يامان يده نحو صدره وأخرج من بين ثيابه قلادة حجرية صغيرة عليها نقش قديم يشبه شكل ذئب وقمر. قال إن هذه العلامة كانت هدية من قائدتهن منذ سنوات عندما ساعدهن في معركة ضد صيادي الظلال،ثم قال إن الوقت قد حان لطلب الدين القديم.
رفع رأسه نحو السماء وأطلق عواء طويلًا عميقًا خرج من صدره كنداء قديم يتردد بين الجبال،لم يكن عواء ذئب عادي، بل نداء حرب يعرفه من عاش طويلًا في تلك الأرض،
تردد الصوت فوق التلال والصخور ثم اختفى في المسافات البعيدة خلف الجبال،وقفت جود تستمع إلى الصدى وهو يبتعد في الليل وقالت بهدوء إن الأمل أن تسمعه محاربات الإنكا قبل أن يبدأ الهجوم،لكن قبل أن يجيب يامان سمع شيئًا آخر يتحرك بين الصخور خلفهما،التفت الاثنان في اللحظة نفسها،ظهرت ظلال عدة تتحرك ببطء بين الأعشاب الجافة عند سفح التلال الخربة،لم تكن حركة جيش ولا حيوانات برية، بل مجموعة صغيرة تتقدم بحذر شديد وكأنها تخشى أن تُكتشف،اقتربت الظلال أكثر حتى أصبح شكلها واضحًا في ضوء القمر،كانوا رجالًا ونساءً لكن أعينهم كانت تحمل ذلك البريق الأصفر المميز، ووجوههم تحمل ملامح التحول التي يعرفها يامان جيدًا،مستذئبون،كانوا نحو عشرة في البداية ثم خرج آخرون من خلف الصخور حتى أصبح عددهم أكثر من عشرين. كانت ثيابهم ممزقة وأجسادهم مليئة بالجروح القديمة، وكأنهم هاربون من مطاردة طويلة.
وقفوا عند حافة التل ينظرون إلى يامان بحذر واضح،
تقدم أحدهم خطوة للأمام وكان أكبرهم سنًا، وقال بصوت خافت إنهم هربوا من قبضة سولين بعد أن استخدمتهم في حروبها لسنوات طويلة.
قال إنهم سمعوا أن الذئب الحارس عاد إلى الأرض المحرمة وأنه الوحيد القادر على الوقوف أمام جيش مصاصي الدماء،
نظر يامان إلى وجوههم واحدًا واحدًا. كان يرى الخوف في أعينهم، خوف من الجيش الذي ينتظر عند المستنقع وخوف من المصير الذي قد يواجهونه إذا فشلوا.
قال الرجل بصوت متعب إنهم لم يعودوا يملكون مكانًا يهربون إليه، فإذا انتصرت سولين فسيُعاد أسرهم أو يُقتلون، وإذا خسر يامان فسيجتاح الجيش الأرض كلها.
ساد الصمت فوق التلال بينما كانت الرياح تمر بين الصخور.
نظر يامان إلى النهر البعيد حيث تلمع مشاعل جيش سولين ثم عاد بنظره إلى المستذئبين الواقفين أمامه.
قال أخيرًا بصوت هادئ لكنه قوي إن من يقف في هذه الأرض لن يكون عبدًا لأحد بعد اليوم.
رفع رأسه نحو الجيش البعيد ثم قال إن المعركة القادمة لن تكون سهلة، ومن يقاتل معه قد لا يرى شروق شمس أخرى.
لكن أحد المستذئبين تقدم خطوة وقال إنهم يعرفون ذلك، وإنهم يفضلون الموت أحرارًا على العودة إلى قيود سولين،
وقفت جود تنظر إليهم ثم قالت بهدوء إن التلال الخربة لم تشهد تجمع هذا العدد من المستذئبين منذ أجيال.
وفي تلك الليلة، فوق الصخور القديمة التي تطل على الأرض المحرمة، بدأ يتشكل أول حشد صغير يقف إلى جانب يامان في مواجهة الجيش الذي ينتظر خلف المستنقع.
رواية ملك بلا ممكلة الفصل الثلاثون 30 - بقلم اسماعيل موسي
اندفعت جود تركض فوق الجليد بكل ما تبقى لها من قوة وكانت أنفاسها تتكسر في صدرها من شدة الإرهاق لكن عينيها لم تفارقا ذلك المشهد البعيد حيث كان يامان يسير هناك حيًا ولم يكن هذه المرة حلمًا
صرخت باسمه مرة أخرى بصوت مبحوح وهي تنحدر من فوق الجبل غير عابئة بالألم الذي يمزق قدميها ولا بالجروح التي فتحت من جديد وكانت تراه يقترب خطوة بعد خطوة وكل خطوة كانت تعيد إليها الحياة وكل خطوة كانت تعيد الأمل الذي ظنت أنه مات
اتسعت عيناها وارتسمت على وجهها ابتسامة مرتجفة وهي تهمس لنفسها أنه حي وأنها ستصل إليه وأن كل شيء سينتهي الآن وبدأت الصور تتزاحم داخل رأسها عودته ونظراته وصوته وهو يناديها وشعرت أن العالم كله يعود إلى مكانه الصحيح
ركضت أسرع مما ظنت أنها قادرة عليه حتى كادت تسقط لكنها تماسكت واستمرت ولم تعد تشعر بالبرد ولا بالتعب ولا بالخوف ولم يعد هناك سوى شيء واحد فقط وهو الوصول إليه
كان قريبًا جدًا قريبًا لدرجة أنها كادت تلمح ملامحه بوضوح فرفعت يدها وهي تصرخ باسمه مرة أخرى
لكن في تلك اللحظة تغير كل شيء وبدأ الضباب يزحف من أمامه ومن تحت قدميه ببطء أولًا ثم بسرعة مخيفة وارتفعت خيوطه البيضاء من الأرض كأنها كائن حي يستيقظ من سباته واندفعت بين التلال والسهول حتى وصلت إليه
تجمدت جود في مكانها واتسعت عيناها بصدمة وهي ترى الضباب يبتلع المشهد أمامها فصرخت بكل قوتها ورفعت يدها كأنها تستطيع الإمساك به من تلك المسافة لكن الضباب كان أسرع فالتف حول يامان والفتاة وغمرهما ثم أخفاهما تمامًا
اختفى يامان أمام عينيها كأنه لم يكن هناك من الأساس ووقفت جود في مكانها لا تتحرك وأنفاسها متقطعة وقلبها يدق بعنف ولم تستوعب ما حدث لأن قبل لحظة كان هناك وكان قريبًا وكان على بعد خطوات والآن لا شيء
اندفعت فجأة تركض نحو المكان الذي اختفى فيه تتعثر وتسقط ثم تنهض من جديد حتى وصلت إلى حافة الضباب فتوقفت للحظة ثم دخلت لكن داخل الضباب لم يكن هناك شيء لا أثر ولا صوت ولا رائحة وكأن العالم نفسه اختفى
دارت حول نفسها ببطء وهي تحاول أن ترى أي شيء أي علامة أو دليل لكن الفراغ كان كاملًا وهمست بصوت مكسور باسمه ثم ارتفع صوتها تدريجيًا وهي تناديه لكن لا أحد أجاب
توقفت عن الحركة وشعرت بشيء ينكسر بداخلها ليس الألم بل الأمل نفسه ذلك الأمل الذي عاد قبل لحظات فقط ثم تحطم بالكامل
سقطت على ركبتيها وسط الضباب ويداها ترتجفان ولم تبك في البداية بل ظلت تنظر أمامها بعينين فارغتين وكأن عقلها يرفض تصديق ما حدث ثم فجأة انهارت وبدأت دموعها تتساقط بلا توقف
كان قريبًا وكان حيًا وكان يمكنها أن تصل إليه لكنها تأخرت لحظة واحدة فقط وكانت تلك اللحظة كافية
رفعت رأسها ببطء وصرخت باسمه مرة أخيرة لكن هذه المرة لم يكن في صوتها أمل بل كان فيه انكسار صوت شخص رأى كل شيء يعود إليه ثم فقده مرة أخرى بشكل أقسى بكثير
تقدمت جود داخل أرض الضباب دون أن تعرف إلى أين تذهب وكانت خطواتها بطيئة ومضطربة بينما يبتلعها البياض من كل اتجاه ولم يعد هناك فرق بين الأرض والسماء
كانت تنادي باسمه في البداية ثم خفت صوتها تدريجيًا حتى تحول إلى همسات متقطعة قبل أن يسقط الصمت تمامًا
الضباب كان كثيفًا لدرجة أنها لم تعد ترى يديها بوضوح وكانت كل خطوة تشعرها وكأنها تغوص في عالم بلا نهاية
حاولت أن تعود إلى الخلف لكنها لم تجد طريقًا ولم تستطع تمييز الاتجاهات وكأن الأرض نفسها تغيرت تحت قدميها
مرت الساعات أو ربما أيام ولم تعد قادرة على التمييز بين الزمن واللحظة
بدأ العطش يحرق حلقها وجف فمها حتى أصبحت شفتيها متشققتين وكانت تبحث بعينيها عن أي مصدر ماء لكن كل ما حولها كان ضبابًا صامتًا لا يمنح شيئًا
ثم بدأ الجوع ينهش جسدها وأصبحت حركتها أبطأ وأثقل وكل خطوة تحتاج إلى جهد أكبر من السابقة
سقطت مرة على الأرض ثم حاولت النهوض لكنها تعثرت مرة أخرى وارتطمت بوجهها على التراب البارد
جلست على ركبتيها وهي تلهث ويداها ترتجفان ثم رفعت رأسها بصعوبة وهمست باسمه مرة أخيرة لكن صوتها كان ضعيفًا بالكاد يُسمع
بدأت رؤيتها تتشوش والضباب من حولها صار يدور كدوامة بطيئة تسحبها إلى الداخل
شعرت بالبرد يتسلل إلى جسدها وبالضعف يسيطر عليها تمامًا
سقطت على جانبها وأغمضت عينيها ببطء وكأنها تستسلم أخيرًا،لم يعد هناك ألم، ولا خوف،فقط تعب عميق
واستسلام هادئ،وقبل أن تغرق في الظلام تمامًا
سمعت صوتًا بعيدًا،غير واضح،كأن أحدهم يتحدث
ثم شعرت بشيء يهز كتفها برفق
فتحت عينيها بصعوبة وكانت الرؤية ضبابية لكنها رأت ظلين يقفان فوقها،صوت رجل قال بهدوء لقد وجدناها
وصوت فتاة أصغر سنًا قالت إنها لا تزال حية
حاولت جود أن تتكلم لكن صوتها لم يخرج
انحنى الرجل بجانبها ووضع يده قرب أنفها ليتأكد من تنفسها ثم قال إنهما يجب أن ينقذاها قبل أن تموت هنا
اقتربت الفتاة أكثر ووضعت قليلاً من الماء على شفتيها المتشققتين فتسللت قطرة صغيرة إلى فمها وكانت كأنها تعيد الحياة إليها للحظة
حملها الرجل بحذر على كتفيه بينما كانت الفتاة تسير بجانبه تراقب الطريق داخل الضباب بثقة غريبة،كان واضحًا أنهما يعرفان هذه الأرض جيدًا،يتحركان فيها دون تردد
وكأن الضباب لا يربكهما،ابتعدوا بها ببطء حتى اختفت آثارهم داخل البياض مرة أخرى
وبينما كانت جود شبه فاقدة للوعي شعرت بحركة خفيفة وصوت خطوات منتظمة،لم تعرف من هما، ولا إلى أين يأخذانها،لكنها أدركت شيئًا واحدًا قبل أن تفقد وعيها تمامًا
أنها لم تمت بعد، وأن هناك من أعادها من حافة النهاية مرة أخرى
كان الشاب يتحرك داخل الضباب بثقة لا تشبه أي مسافر عادي بينما كانت أخته تسير خلفه بخطوات ثابتة تمسك بطرف حبل طويل يربطهما معًا حتى لا يفقد أحدهما الآخر وسط ذلك البياض الخادع
كان الحبل ممتدًا بينهما كخيط حياة لا ينقطع وكلما تقدما خطوة شد الشاب الحبل قليلًا ليطمئن أنها ما زالت خلفه بينما كانت هي ترد بشد خفيف تؤكد به وجودها
لم يكونا يعتمدان على النظر لأن الضباب كان يخدع العين ويغير المسافات لذلك كان الشاب يمد يده بين الحين والآخر ليتحسس الأرض والصخور وكأنه يقرأ الطريق بلمسه
كان يضع علامات صغيرة على الأرض كل عدة خطوات حجرًا مميزًا أو قطعة قماش مربوطة في شجيرة أو خدشًا واضحًا على صخرة حتى لا يدورا في نفس المكان دون أن يشعران
أحيانًا كان يتوقف فجأة ويغلق عينيه ثم يستمع لصوت الرياح أو لحركة خفيفة في الفراغ وكأن للضباب لغة خاصة تعلم كيف يفهمها
أما أخته فكانت تحفظ عدد الخطوات بين كل علامة وأخرى وتهمس بالأرقام بصوت منخفض حتى لا يضيع الإيقاع الذي اعتادا عليه منذ سنوات
كانا قد عبرا هذه الأرض من قبل مرات كثيرة لكنهما لم يستهينا بها أبدًا لأن خطأ واحد فقط كفيل بأن يبتلعهما الضباب للأبد
حمل الشاب جود على كتفه بينما كانت أخته تراقب الطريق وتعدل اتجاههما كلما شعرت بانحراف بسيط وكانت بين الحين والآخر تضع قطرات ماء على شفتي جود لتبقيها على قيد الحياة
استمروا في السير وقتًا طويلًا حتى بدأ الضباب يخف تدريجيًا وأصبحت الظلال أكثر وضوحًا والهواء أقل ثقلًا
توقفت الفتاة فجأة وقالت بصوت منخفض لقد اقتربنا
شد الشاب الحبل مرة أخيرة ثم تقدم خطوة أخرى
وفجأة
انشق الضباب خلفهم أخيرًا وخرجوا إلى أرض أكثر وضوحًا لكن المشهد أمامهم لم يكن مهجورًا كما ظنوا في البداية
امتدت أمامهم مدينة واسعة نابضة بالحياة تقف عند الحد الفاصل بين عالمين عالم الضباب خلفهم وعالم آخر مختلف تمامًا
كانت الأسوار العالية تحيط بها من كل جانب مبنية من حجارة ضخمة متراصة بإحكام تعكس قوة المكان وهيبته وكانت الأبراج ترتفع فوقها يقف عليها حراس بثبات يراقبون الأفق بلا انقطاع
البوابة الرئيسية كانت هائلة مصنوعة من خشب سميك مدعوم بشرائط حديدية سوداء وتفتح على طريق واسع يؤدي إلى الداخل وكان أمامها صف من الحراس المدججين بالسلاح يقفون بنظام صارم لا يسمح لأي عابر بالمرور دون تفتيش أو إذن
ومن خلف الأسوار كانت الحياة واضحة حتى من هذه المسافة
أشخاص يتحركون في الشوارع عربات تجرها الدواب تمر ببطء وأصوات خافتة تصل كهمس بعيد يدل على مدينة لا تنام
البيوت متراصة على جانبي الطرق بأسقف مائلة وشرفات ضيقة والجدران تحمل آثار زمن طويل لكنها ما زالت صامدة وكأن المكان لم يضعف يومًا
الطرق مرصوفة بحجارة قديمة تعكس تاريخًا عميقًا ونظامًا صارمًا يحكم كل شيء
كان المشهد كله يوحي بمدينة قوية منظمة تعيش على قوانين واضحة وتحرس نفسها جيدًا
توقف الشاب عند حافة الطريق المؤدي إلى البوابة وهو لا يزال يحمل جود على كتفه وحدق في المدينة بحذر واضح
وقفت أخته بجانبه تمسك الحبل وقد خفضت صوتها وهي تقول إن هذا المكان ليس سهلًا وأن الدخول إليه قد يكون أخطر مما يبدو
ظل الاثنان واقفين يراقبان الحراس وحركة الداخلين والخارجين دون أن يخطوا خطوة واحدة نحو البوابة
كانوا قد وصلوا أخيرًا
لكنهم لم يعبروا بعد
رواية ملك بلا ممكلة الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم اسماعيل موسي
ي
اقترب يامان وبريسا من بحيرات الشمال المتجمدة وكانت الأرض هناك قاسية والهواء باردًا يلسع الوجه بينما تمتد المياه المتجمدة كمرآة شاحبة تعكس السماء الرمادية وكانا يسيران بصمت حتى اهتز الهواء فجأة بحركة سريعة بين الأشجار الجليدية المحيطة بالبحيرة
توقف يامان ونظر حوله بحذر بينما ضيقت بريسا عينيها تستشعر وجودًا خفيًا ثم ظهرت المحاربات فجأة وخرجن من بين الأشجار كأشباح الغابة وكانت أجسادهن مغطاة بدروع خفيفة مزينة بالريش وأيديهن تمسك بالرماح والأقواس وعيونهن ثابتة لا ترمش
أحاطت المحاربات بهما في لحظات بصمت تام كأن الأرض نفسها أنجبتهم ثم تقدمت الزعيمة بخطوات واثقة نحو يامان وكانت ملامحها حادة وقوية وعيناها تحملان معرفة قديمة به وتوقفت أمامه مباشرة ونظرت في عينيه وكأنها تبحث عن شيء مفقود
لكن يامان لم يتحرك ولم يظهر عليه أي رد فعل وظل ينظر إليها كأنها غريبة فعقدت الزعيمة حاجبيها قليلًا قبل أن تتكلم لكن بريسا سبقتها بخطوة وقالت بهدوء إن يامان كان مريضًا مرضًا شديدًا وهذا أثر ما زال عليه وربما فقد ذاكرته لكنه سيتذكر مع الوقت
ساد صمت قصير بين المحاربات وتبادلن النظرات وفي تلك اللحظة تقدمت محاربة أخرى من الخلف وكانت تولين واقتربت بخطوات سريعة ثم توقفت أمام يامان للحظة وكأنها لا تصدق ما تراه
ثم اندفعت نحوه واحتضنته بقوة فتجمد يامان في مكانه وارتسمت الدهشة على وجهه ولم يعرف كيف يرد أو ماذا يفعل وشعر بحرارة ذلك العناق وقوة المشاعر التي لا يفهمها
ابتعدت تولين قليلًا ونظرت إلى وجهه وعيناها تلمعان بشيء بين الفرح والألم ثم قالت بصوت ممتلئ بالعاطفة إنها تعرف أنه لا يتذكر لكنها لن تسمح له بأن يضيع مرة أخرى
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت إنهم جاؤوا لأنهم تلقوا طلبه للحرب وأنهم هنا لمساعدته مهما حدث وأضافت بنبرة قوية أنه حتى لو فقد ذاكرته فإنه سيظل هو يامان أقوى المحاربين وأكثرهم شجاعة
وقف يامان صامتًا ينظر إليها دون أن يفهم كل ما يقال لكنه شعر بشيء يتحرك داخله شيء قديم لم يمت تمامًا
أما بريسا فكانت تراقب المشهد بعينين ضيقتين ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة عندما أدركت أن هذا الرجل الذي أنقذته ليس مجرد شخص عادي بل محارب له مكانته وقوته
اقتربت خطوة وقالت بهدوء إنها ترحب بمرافقتهم وإنها لن تتركه الآن بعد أن أصبحت جزءًا مما يحدث ولم تعترض الزعيمة واكتفت بإيماءة خفيفة ثم أصدرت أمرًا قصيرًا فتحركت المحاربات فورًا
ومع أول خيط من الفجر دقت الطبول وكان الصوت عميقًا قويًا يهز الأرض ويعلن بداية مسيرتهم نحو الحرب وتحرك الجيش عبر الثلوج والغابات باتجاه الأرض المحرمة وكانت أصوات الطبول تتردد مع خطواتهم كنبض واحد لا يتوقف
خلال الطريق كانت تولين تحاول الاقتراب من يامان والتحدث معه على انفراد محاولة أن تذكره بأي شيء أو تلمس داخله ما تبقى من ماضيه لكن في كل مرة كانت بريسا تظهر وتقترب منه وتقاطعه وتعيده إلى جانبها وكانت تراقب كل نظرة وكل كلمة وكأنها لا تسمح لأي شيء أن يعيده بعيدًا عنها
أما يامان فكان يسير بينهما بين ماضٍ لا يتذكره وحاضر يلتصق به ودون أن يدرك كان يُسحب ببطء نحو صراع أكبر مما يتخيل
وصل جيش يامان إلى حدود الأرض المحرمة مع أول ضوء للنهار وكانت التلال الخربة تمتد أمامهم كأطلال معركة قديمة لم تنته آثارها بعد بينما وقف يامان في المقدمة ينظر إلى المكان دون أن يشعر بأي ذكرى تعود إليه وكأنه يرى أرضًا غريبة لم تطأها قدمه من قبل
كان الصمت يسبق العاصفة ثم بدأ المشهد يتضح أمامهم تدريجيًا ومعه انقبضت القلوب
امتدت جحافل الموتى الأحياء على مد البصر أجساد متحركة بلا روح تقف في صفوف لا نهاية لها وبينهم تحركت مجموعات ضخمة من مصاصي الدماء المدرعين يملؤون الأرض كطوفان أسود يسيطر على كل شيء
كانت الأرض نفسها تبدو وكأنها سقطت في قبضة ذلك الجيش ولم يعد فيها مكان للحياة
وقف يامان صامتًا وعيناه تتفحصان المشهد وكأن غريزة قديمة تحاول أن تستيقظ داخله لكنه لم يتذكر شيئًا ومع ذلك شعر بثقل الحرب يهبط على صدره
أصدرت الزعيمة أوامرها سريعًا فانتشر جيشهم فوق التلال الخربة واتخذوا مواقع مرتفعة تمنحهم أفضلية الرؤية بينما بدأت المحاربات والمستذئبون في ترتيب الصفوف وتجهيز الأسلحة
وقف يامان بينهم يستمع ويشارك في وضع الخطة وكأن جسده يعرف ما يجب فعله حتى إن عقله لم يتذكر كيف تعلم ذلك
تم تقسيم القوات إلى مجموعات صغيرة سريعة الحركة تعتمد على الكر والفر واستغلال تضاريس الأرض القاسية لتفريق صفوف العدو بينما تمركزت الرماة في الأعلى استعدادًا لإمطار ساحة المعركة بوابل من السهام
ومع أول اندفاع للظل فوق الأرض
بدأت الحرب
انطلقت صيحات القتال واهتزت الأرض تحت وقع الأقدام واندفعت القوات نحو بعضها البعض كأمواج متصادمة
كان القتال شرسًا منذ اللحظة الأولى وكانت الأعداد الهائلة للعدو تضغط عليهم من كل اتجاه لكنهم لم يتراجعوا
قاتلت المحاربات بشراسة وقاد يامان الهجوم الأمامي بجسده الذي يتحرك بقوة غريزية لا تحتاج إلى ذاكرة وكان يضرب ويصد ويهاجم وكأنه خُلق لهذا فقط
سقط المئات في اليوم الأول من الجانبين وتحولت الأرض مرة أخرى إلى ساحة دماء وصراخ ولم يكن هناك منتصر واضح مع غروب الشمس
مع حلول الليل خفتت أصوات القتال وتراجع الطرفان قليلًا لإعادة ترتيب صفوفهم بينما امتلأت التلال بالخيام والجرحى وصوت الألم المكتوم
جلس يامان أمام خيمته بعد أن هدأ القتال وجسده مثقل بالإرهاق وعيناه تنظران إلى الظلام وكأن شيئًا داخله يحاول أن يفهم كل ما يحدث دون جدوى
لم يمض وقت طويل حتى غلبه التعب واستسلم للنوم على الأرض الباردة أمام الخيمة،في هدوء الليل، ظهرت تولين
تقدمت نحوه بخطوات صامتة وعيناها تراقبان وجهه النائم وكأنها ترى شخصًا ضاع منها وعاد غريبًا
جلست بجانبه للحظات ثم أخرجت عشبة صغيرة من بين ملابسها ونظرت إليها بتردد قبل أن تضعها برفق في فمه
انتظرت قليلًا حتى تأكدت أنه ابتلعها ثم ظلت جالسة بجواره تنظر إليه بصمت وعيناها تحملان أملًا خافتًا بأن يعود كما كان
مدت يدها وكادت تلمس وجهه لكنها توقفت قبل أن تفعل
وفجأة،سمعت حركة قريبة
رفعت رأسها بسرعة ونظرت نحو الظلام حيث ظهرت ملامح ظل يقترب،كانت بريسا
تراجعت تولين في لحظة واحدة واختفت بين الخيام قبل أن تُرى بينما بقي يامان نائمًا لا يعلم شيئًا عما حدث حوله
وفي تلك الليلة، بدأت خيوط صراع خفي،أعمق من الحرب نفسها
استيقظ يامان مع أول خيط من الضوء وكان جسده ساكنًا للحظة بينما أنفاسه تتسارع كأن شيئًا انفجر داخله فجأة
فتح عينيه بسرعة وجلس منتصبًا وكأن قوة خفية أعادته من نوم عميق إلى يقظة كاملة،وضعت يده على رأسه وبدأ الألم يضربه من الداخل لكن هذا الألم لم يكن ضعفًا بل كان امتلاء
الذكريات عادت،اندفعت داخله كطوفان لا يمكن إيقافه صور معارك أصوات صرخات وجوه سيوف دماء غابات ظلال كل شيء عاد دفعة واحدة، اتسعت عيناه وهو يلهث كمن عاد من زمن آخر وبدأت ملامحه تتغير تدريجيًا من الحيرة إلى الإدراك،تذكر من هو، تذكر اسمه، يامان
تذكر الأرض المحرمة،تذكر الحرب،تذكر سولين
وتذكر ذلك الكائن المرعب أمير الموتى الأحياء الذي وقف أمامه كند لا يقل عنه قوة وتلك المعركة التي كسرت الأرض من تحت أقدامهم،تذكر كيف قاتل كيف سقط كيف عاد كيف وقف من جديد، كل شيء عاد، كل شيء، إلا شيء واحد
كان هناك فراغ، فراغ واضح وسط تلك الذكريات كأن جزءًا من حياته قد اقتلع بالكامل دون أثر
لم يشعر به في البداية لكنه كان موجودًا كصمت بين الضوضاء،حياة كاملة اختفت، اسم لم يعد له وجود
وجه لم يعد له ملامح، شخص كان يجب أن يكون هناك لكنه لم يعد، لكن يامان لم يتوقف عند ذلك،لأن ما عاد إليه كان كافيًا ليملأ عقله بالحرب،نهض ببطء ووقف أمام الخيمة وعيناه تنظران نحو الأفق حيث تمتد أرض المعركة،كانت نظرته مختلفة الآن،لم تعد نظرة رجل ضائع،بل نظرة قائد عاد إلى ساحة الحرب،تصلب جسده وكأن كل خلية فيه عادت لتتذكر دورها،لم يعد يتساءل من هو،بل ماذا يجب أن يفعل
وفي أعماقه دون أن يدرك،كان هناك شيء مفقود
شيء لو عاد،قد يغير كل شيء مرة أخرى