تحميل رواية «كواسر أخضعها العشق ❤️🔥» PDF
بقلم نورهان العشري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
توقف بي قطار الحياة على عتبة الترقب. أتطلع إلى كل ما يحدث حولي بسكون تام يتنافي مع ضجيج قلبي الذي لا يكف عن إرهاق عقلي بتلك التساؤلات المضنية.. إلى متى ؟ ولماذا عليّ البقاء هكذا أشاهد فحسب؟ فهل لم أعد أملك طاقة لكسر ذلك السكون المميت والمضي بحياتي التي لم أملك زمامها يومًا؟ أم أن رغبتي في التلاشي التي تزداد يومًا بعد يوم هي من تعيقني عن المتابعة من حيث وقفت؟ الأسئلة تطن بعقلي كالذباب والإجابات تراوغني أو أراوغها لا أدري، ولكن من كل قلبي أتمنى لو أستيقظ ذات صباح من نومي أجدني امرأة اخرى مع أشخاص...
رواية كواسر أخضعها العشق ❤️🔥 الفصل الأول 1 - بقلم نورهان العشري
توقف بي قطار الحياة على عتبة الترقب. أتطلع إلى كل ما يحدث حولي بسكون تام يتنافي مع ضجيج قلبي الذي لا يكف عن إرهاق عقلي بتلك التساؤلات المضنية..
إلى متى ؟ ولماذا عليّ البقاء هكذا أشاهد فحسب؟ فهل لم أعد أملك طاقة لكسر ذلك السكون المميت والمضي بحياتي التي لم أملك زمامها يومًا؟ أم أن رغبتي في التلاشي التي تزداد يومًا بعد يوم هي من تعيقني عن المتابعة من حيث وقفت؟
الأسئلة تطن بعقلي كالذباب والإجابات تراوغني أو أراوغها لا أدري، ولكن من كل قلبي أتمنى لو أستيقظ ذات صباح من نومي أجدني امرأة اخرى مع أشخاص آخرين ، بزمان ومكان لا يشبهوا أي شيء مما يدور حولي.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
تركت القلم من يدها أثر ضجيج الساعة التي تشير إلى الثامنة والنصف، موعد استيقاظ طفلها الوحيد "إياد" والذي بلغ السنة الثالثة من العمر.
ثلاث سنوات كان هو النور في وسط حياة باهتة لا معنى لها ولا لون.. زهرة حمراء مثمرة وسط حديقة سوداء قاحلة تشبة الجحيم الذي أسود من فرط احتراقه.
خطت أقدامها بهدوء نحو مخدعه، وانحنت تلثم رأسه بحنو سكبته حروفها حين نادته بخفوت:
إياد.. صغيري.. هيا استيقظ.
تململ الصغير بين يديها ورفرف برموشه السوداء الكثيفة، التي اكتسبها من رجلٍ حمل لقب زوجها لأربع سنوات وحاميها ومربيها لأربع وعشرين سنة!
اصطدمت عينيها بشمسٍ مشرقة أنارت كونها، فارتسمت ابتسامة عذبة على شفتيها حين قالت:
وأخيرًا استيقظ بطلي الهُمام.
ارتسمت ابتسامة جميلة على فم الصغير، قبل أن يقول بصوت متحشرج:
صباح الخير يا أمي.
احتوته بنبرتها الحنونة:
صباح الورود يا قلب أمك.. اقترب لأعانقك.
عانقت صغيرها فابتهج قلبها واكتست طرقاته بالورود، فوجوده هو الشيء الوحيد الذي يضيء حياتها ويعطي لها معنى.
"هيا لنبدل ثياب النوم وننزل سويًا لتناول الفطور."
"أجل يا أمي."
بعد وقت قصير هبطت الدرج إلى الأسفل وتوجهت إلى غرفة الطعام وما أن خطت قدميها أعتاب الغرفة، حتى توقفت إثر نداء والدتها الصارم :
"نور"
التفتت بصورة شبه آلية، لتجد والدتها تقف أمام غرفة المكتب وهي تقول بصرامتها المعتادة:
اتركي إياد لمربيته لتطعمه وتعالي .. أريد الحديث معك في أمر هام.
ابتلعت غصة مريرة تشكلت في حلقها واومأت بصمت، قبل أن تلتفت إلى صغيرها بعينين تعانق بهم الحزن والخيبة معًا وقالت بنبرة خافتة:
ستتناول فطورك مع ملك وسآتي بعدها لنلعب سويًا، اتفقنا.
الطفل بإذعان:
اتفقنا.
سلمت الطفل إلى مربيته وتوجهت بأقدام متراخية وخطوات مترددة إلى غرفة المكتب، وبداخلها تتضرع إلى الله ألا تخوض معركة أخرى مع والدتها، فهذا هو المعتاد بينهما
"صباح الخير يا أمي."
هكذا تحدثت نور بلهجة رسمية وملامح جامدة تشبه ملامح فريال، التي قالت ببرود كان أكثر ما يميزها:
صباح النور.. اجلسي لدينا ما نتحدث به.
أطاعتها بصمت دام لثوان، قبل أن تقول فريال بصوت جامد:
لِمَ لم تطلعيني على قرارك بشأن ما تحدثنا به قبل أسبوعين؟
انكمشت ملامحها بحيرة تجلت في نبرتها حين قالت:
عن أي قرار تتحدثين؟ لا أتذكر شيئًا؟
فريال بحدة طفيفة:
لا تتغابي يا نور.. تعلمين تحديدًا ما أتحدث عنه.
خبأت الهواء الحارق بصدرها وواصلت جمودها حين قالت:
لا أتغابى يا أمي، ولكنِ حقًا لا أعرف عما تتحدثين؟
فريال بنفاذ صبر:
عن الزواج.. تحديدًا زواجك!
ألقت الكلمة بوجهها الذي امتقع لثوان قبل أن تحاول السيطرة على ملامحها ونبرة صوتها، حين قالت بجمود:
عذرًا يا أمي، ولكننا أغلقنا هذا الموضوع في يومه. لذا لم أتوقع أن تسأليني عنه الآن؟
فريال بجفاء:
لم نغلقه، ولن نغلقه فأنا أعطيتك فرصة للتفكير، واليوم أريد أن أعرف قرارك.
تجاهلت جفاءها وتابعت بهدوء:
حسنًا إن لم أوضح قراري يومها بالشكل المطلوب فسأخبرك الآن، جوابي هو لا.. لن أتزوج مرة ثانية.
زفرت فريال بحنق تجلى في نبرتها حين قالت:
سأعيد كلماتي لكِ مرة أخرى، أنتِ ما زلتِ شابة صغيرة، لا يمكنك البقاء هكذا للأبد.
استفهام مرير خرج من فمها مرورًا بقلبها:
لمَ؟
فريال بحدة:
لأن هذا أمرً مرفوض، و ضد الطبيعة كل امرأة تحتاج إلى رجل، وخاصةً إن كانت جميلة ومثقفة وذات أصل وثراء مثلك.
ابتسامة ساخرة شوهت ملامحها الجميلة التي يقطر منها الغضب والحزن:
من المفترض أن يشعر المرء بالفرح من تلك المميزات التي ذكرتها، ولكن في حالتي أنا فأنا أمقتها لكونها ستجعلني أخضع لقرارت عائلتي الظالمة مرة أخرى.
هبت فريال من مقعدها غاضبة وصاحت بإستنكار:
قراراتنا الظالمة؟ عن أي ظلم تتحدثين؟!
اندفعت أبخرة الغضب إلى عقلها وبلغ السيل الزبى، فهبت من مقعدها تصيح بغضب دون الانتباه إلى نبرتها التي تعدت حدود المسموح به:
الكثير من الظلم. ظلمكم لي حين أجبرتموني على التنازل عن حلمي بالالتحاق بكلية الفنون الجميلة وممارسة هوايتي المفضلة بحجة أن الأمر لا يتناسب مع عائلتنا ولا مستواها الرفيع وإجباري على الالتحاق بكلية الهندسة لأشرف عائلتكم النبيلة .. ظلمكم لي بحبسي في هذا المنزل لسنوات وحرماني من الاستمتاع بحياتي بحجة أن قواعد عائلتكم الراقية لا تسمح لنا بالاندماج وسط باقي البشر.. ظلمكم لي حين أجبرتموني على الزواج وأنا بعمر العشرين من رجلٍ لم أكن أخشى بحياتي سواه، بحجة أنه ابن عمي وهو الأفضل لي .. والآن بعد أن أستطعت استرداد أنفاسي الهاربة تريدون تزويجي مرة أخرى، حتى تضمنوا أنني لن أشكل لكم أي عائق مستقبلًي؟ ألا يكفيكِ كل هذا الظلم في حقي؟
لونت الصدمة تعابيرها وبهت لونها لثوان قبل أن يتشعب الغضب إلى داخلها، فهدرت بعنف:
هل جننتي أم ماذا؟ أن نحافظ عليكِ ونؤمن مستقبلك تعتبريه ظلم؟ أن نزوجك من خيرة رجال المجتمع الراقي والذي كانت تتهافت عليه جميع الفتيات لنيل نظرة واحدة منه تعتبريه ظلم؟ ألهذا الحد أنتِ جاحدة ناكرة للجميل؟
نور بقهر:
لست جاحدة أو ناكرة للجميل .. أنا فقط أريد أن أحيا مثل باقي البشر.. أن اتحكم بحياتي ولو لمرة واحدة، لمَ أنا دائمًا مُسيرة؟ لمَ لا أملك زمام أموري مثل الجميع؟
فريال بتأفف:
كفاكِ هراءً.. تمتلكين حياة يحسدك عليها الجميع.
نور بإندفاع:
أمقت تلك الحياة بقدر ما يحسدونني عليها.
فريال بنفاذ صبر:
أخبريني لم ترفضين الزواج إن كنتِ تكرهين فراس وتنقمين على زواجك منه؟
زوبعة من المشاعر أثارها اسمه بداخلها، أولها الخوف الذي لا زالت تشعر به حين يأتي أحد على ذكره، على الرغم من أنه توفي منذ أكثر من عام، ولكن شبحه لا زال يطاردها أو لنقل خوفها منه أصبح هاجسًا لا يفارقها رغم موته:
لم أكره فراس يومًا، ولكنه لم يكن فارس أحلامي .. ولم أشعر معه بأي شيء سوى الخوف فقط.
فريال باندهاش:
بالله عليكِ ما هذا الكلام؟ لم يؤذيكِ يومًا لقد حماكِ ورعاكِ طوال عمرك .. لم يكن يسمح لأي شخص منا بالتعرض لكِ ولو بنظرة.. كيف تقولين ذلك؟
أغمضت عينيها لوهلة تتذكر هيئته الضخمة ووسامته الخشنة وعينيه التي كانت تحمل وهجًا من شأنه إحراق الجميع بلحظة واحدة. تخشاه ولا زالت! لم تستطع التغلب على خوفها منه، فقد كانت نبرة صوته باردة حادة كنصل السكين الذي تخشى أن يطال عنقها بأي لحظة.
هدوءه مريب وغضبه مرعب تشعر وهي أمامه بأنها أمام أسدٍ جسور. قد تكون هي فريسته بلمح البصر ولن ينقذها أحد منه، فمن يستطيع أن يقف أمام "فراس النعماني"!
"لِمَ الصمت الآن؟ ألأن ضميرك يؤنبك تجاه فراس رحمه الله؟ أم لأنكِ راجعتي نفسك بشأن قراراتك الغبية وآرائك المجحفة بحق عائلتك؟"
فتحت عينيها اللتان اختلط بهما الألم والغضب معًا وجاءت نبرتها متحشرجة حين قالت:
لا هذا ولا ذاك.. ولا زلت مصرة على موقفي، لا أريد الزواج.. أريد أن أربي ابني وأحيا بهدوء، وأرجو أن تحترمي قراري.
جاءت لهجتها كالسيف الذي نحر عنقها حين قالت:
يؤسفني ان أخبرك بأنني لا اهتم لموقفك ولن أعطي بالًا لقراراتك الغبية وستتزوجين عاجلًا أم آجلًا يا نور.
هربت الدماء من وجهها ونشب الحزن أظافره بقلبها، الذي لم يحتمل كل هذا التجبر، وجاءت صرختها مرتجفة حين قالت:
لم تفعلين معي هذا؟ ألست ابنتك؟ ألا تشفقين علي أبدًا؟
تسلل خيط رفيع من الذنب إلى قلبها، ولكنها تجاهلته وقالت بترفع:
و هل كنت أفعل ذلك لولا أنك ابنتي وأريد مصلحتك.
بلغ الألم ذروته بداخلها وهي تعلم بأنها خاسرة في هذه المعركة كما هي العادة، فرقت نبرة فريال قليلًا وهي تقول بإقناع:
اسمعيني جيدًا أعلم ماذا تعني الوحدة، وكم أن الندم مرهق.. ولا أريدك أن تندمي بعد فوات الأوان واعلمي أني لا أريد سوى سعادتك.. فكري مليًا.
تجاهلت كلماتها التي لا تسمن ولا تغني من جوع وقالت بجفاء:
إصرارك هكذا يوحي بأن هناك من تقدم لخطبتي؟ هل ظني صحيح؟
تبدلت ملامحها إلى أخرى متحفزة حين قالت:
نعم.. حدثك صحيح. هناك من تقدم لخطبتك وينتظر موافقتك بفارغ الصبر.
تشدقت ساخرة:
أثرتي فضولي كثيرًا.. هل لي أن أعلم من هو؟
اشتدت ملامحها وتبلور الترقب في عينيها وهي تقول:
أشرف الرشيد.
امتقع قلبها وانحبست الأنفاس بصدرها حين سمعت حروف اسمه، الذي كان ذات يوم حلمًا لم تكن تملك الجرأة لإدراكه أو السماح له بأن يتجاوز حدود قلبها، والآن يقف هذا الحلم على أعتاب حياتها، ينتظر أن تفتح له الباب.
"أرى مقدار دهشتك، وللعلم فأنا اعرف السبب خلفها لذلك واصلت الضغط عليكِ، فأنا أعلم جيدًا ما يحدث خلف الأبواب الموصدة."
تربعت على المقعد خلفها بهدوء يتنافى مع ضجيج مشاعرها وتخبطات أفكارها، بينما عكست عينيها صراعًا مريرًا بين بشاعة ما تشعر به وهول ما يحدث معها. فيما اكتفت شفتيها باستفهام مزري:
تعرفين ما يحدث خلف الأبواب الموصدة ومع ذلك وافقتي على إزهاق قلبي بتلك الطريقة؟
جفلت من سؤالها وهبت نافية عن نفسها تهم كلماتها:
يجب عليكِ أن تفهمي أنه لم يكن بمقدوري فعل شيء .. فسابقًا الوضع كان مختلفًا .. منذ أن أبصرتي النور وأنتِ المختارة لفراس .. زواجك من رجل آخر غيره كان دربًا من دروب المستحيل.
ابتلعت غصة صدئة تشكلت بحلقها وقالت بمرارة:
والآن تحقق ذلك المستحيل.. أليس كذلك؟
زفرت بحدة قبل أن تقول بلهجة معتدلة:
أشرف يحبك منذ زمن، ولكنه مثل الجميع كان يجب عليه احترام القواعد التي تربينا عليها.
تشدقت ساخرة:
اخرجي الحب من حديثنا يا أمي بالله عليكِ، إنها القواعد كما قلت، فبعد موت فراس لا يجب ترك أرملته هكذا، لذا فالزواج هو أنسب الحلول.
فريال بنفاذ صبر:
لا تجعلي الأمر بهذا السوء، لطالما شعرت بمشاعرك نحوه منذ أن كنتِ مراهقة، وأعلم انه كان فارس أحلامك بيوم من الأيام .. فلتتجاوزي عن كل ما حدث في الاربع سنوات الماضية، ولتسعدي معه ما رأيك؟
مزقت ثوب الألم بابتسامة مريرة لم تصل إلي عينيها وقالت ساخرة:
أحقًا تسأليني عن رأيي؟ أمي هل حددتي معه موعد الزفاف أم لا؟ هيا أخبريني لا تخجلي.
ضاقت ذرعًا من حديثها الذي يحمل من الصواب الكثير، وذلك الإحساس الغبي بالذنب، الذي لا تعلم من أي جهة تسرب إليها فهدرت بنفاذ صبر:
سأتجاوز عن تلك السخافات وسأعتبر أن هذه موافقة مبدئية.
رفعت أحد حاجبيها ساخرة، فتجاهلت فريال حديثها إذ قالت بجفاء:
اقترح أن نعقد القرآن وتتاح لكليكما فرصة للتعرف إلى بعضكما عن قرب، وبعدها سنحدد موعد الزواج.. وهكذا لا يكون الأمر مُجحفًا لأحد، ما رأيك؟
مرت شاحنة القدر فوق قلبها مرة أخرى، بينما هي تقف كعادتها مكتوفة الأيدي، تنظر إلى ما يحدث حولها وكأنه لا يعنيها، بينما الأحداث تمر من خلالها وتضعها في طرقات مجهولة لا تعلم حتى إن كانت تمتلك القدرة على خوض غمارها.
"لا فرق عندي.. فلتفعلي ما ترينه مناسب.. كما تفعلين دائمًا."
قالت جملتها الأخيرة بسخرية مريرة لم تخطئها فريال، التي لاحقتها بأعين اختلط بها الشفقة والغضب معًا.
**************
بارك الله لكما وبارك عليكما"
تمايلت هناء بين يدي شاهين بدلال وهي تتلقي التبريكات والتهاني من الجميع، بينما هو كان صامتًا، فقط ابتسامات خالية من المرح لم تصل إلى عينيه مجاملة للمهنئين، ويديه تحتضن خصر زوجته الجديدة وداخله شعور غريب لا يمت للفرح بصلة ولا يقترب من الحزن، فقط عدة صور تجتاح مخيلته ووجوه يتمنى لو يراها الآن ويعرف وقع فعلته عليها.
"حبيبي.. هيا لنرقص قليلًا."
هكذا تحدثت هناء بجانب أذنيه، فأجابها بسخريته المعهودة:
تعرفين أنني لن أقف بمنتصف الغرفة وأهز بخصري يمينًا ويسارًا.. لذا انسي الأمر.
اغتاظت من حديثه وقالت بلوم:
هل ستحزنني بيوم زفافنا؟
شاهين ساخرًا:
لم أخطط لذلك، ولكن الأمر متروك لكِ.
زمت شفتيها وقالت بعدم رضا:
إذن سأرقص أنا.
لم يتأثر قيد أنملة، فقد اكتفى قائلًا بملل:
توقفي عن العبث واستمتعي بالقدر الذي أسمح لكِ به.
أنهى جملته وهو يشدد من احتضانها، ثم أردف بغمزة محذرة:
هذا أفضل للجميع.
فهمت على الفور أن النقاش معه مضيعة للوقت، فهي تعلم كم هو متملك غيور، وقد كانت شخصيته تلك التي جذبت انتباهها إليه، إضافةً إلى الأساسيات كونه محاميًا لامعًا وابن عائلة ثرية مع مزيج مثير من الرجولة الفذة التي تتمثل في طول فارع وملامح خشنة بقدر وسامتها، مع القليل من العبث والكثير من السخرية التي كانت جزءًا لا يتجزأ منه.
كان رجلاً لا يقاوم يجذب النساء كما تجذب ألسنة اللهب الفراشات علي الرغم من كونه متزوج، ولكن ذلك الأمر لم يشكل لها عقبة في اعتزامها على الفوز به والقبول بأن تكون زوجة ثانية، وهي التي لم يسبق لها الزواج من قبل، ولكنه كان إغراء من المستحيل عليها مقاومته وبعد محاولات وخطط دامت لستة أشهر، ها هي الآن تصل إلى مبتغاها وتصبح زوجته.
"هيا سنكمل سهرتنا في مكان آخر."
هكذا تحدث وهو يقودها بين الجموع دون أن يكترث لنظراتهم المستفهمة، فقد تجاهل حتى الأسئلة الصريحة وتحرك بفظاظة وغرور يميزه ليخرج وهي معه إلى سيارته، التي كانت فارهه تشبه كل شيء يمتلكه.
"عزيزي لقد تصرفت بفظاظة مع أصدقائي.. أظنهم غاضبون الآن"
هكذا تحدثت هناء بدلال يشوبه اللوم، فأجابها بفظاظة وعينيه مسلطتان على الطريق أمامه:
عليهم أن يعتادوا، حتى لا يغضبوا كثيرًا في المستقبل.
كلماته أثارت حنقها أكثر، ولكنها حاولت أن تخفي ذلك قائلة برقة مفتعلة:
وماذا لو أخبرتك بأنني أغضب من طريقتك هذه.
أفرجت شفتيه عن ابتسامة ساخرة تشبه لهجته حين قال:
باستطاعتي امتصاص غضبك حتى آخر قطرة، فقط أخبريني عندما تكوني غاضبة.
ردود ذلك الرجل قد تصيبها بجلطة دماغية ذات يوم، لذا آثرت تغيير دفة الحديث وابتلاع حنقها، إذ قالت بدلال:
إلى أين تأخذني؟
"ستعرفين بعد قليل."
ابتلعت غصة غاضبة بحلقها ورسمت ابتسامة جميلة فوق ملامحها وهي تنظر أمامها بعد أن آثرت الصمت، حتى تحافظ على الباقي من ثباتها أمام كتلة الوسامة والجليد القابع بجانبها.
ماهي إلا ثوان حتى توقفت السيارة أمام أحد الفنادق، والذي لم يكن فارهًا ولا من ضمن لائحه الفنادق التي يرتادها أفراد الطبقة المخملية، فانكمشت ملامحها بصدمة، ترجمتها شفاهها على هيئة استفهام مستنكر:
لماذا توقفت هنا؟
أجابها بخفة أفزعتها:
لقد وصلنا.
لم تستطع إخفاء صدمتها ولا نفورها وهي تترجل من السيارة خلفه، لتقع عينيها على بساطة المكان، التي تتنافى بقوة مع جموح تخيلاتها عن كيفية قضاء ليلة زفافها بأرقى الأماكن في المدينة، والآن تحطم سقف توقعاتها العالية فوق رأسها وهي تخطو بجانبه إلى القاعة، التي كانت دافئة تحمل طابعًا شرقيًا أنيقًا، تزينه شموع تفرقت بصورة مدروسة في جوانب المكان أضفت جوًا حالميًا دافئًا في المكان، الذي كان يتوسطه طاولة صغيرة تحمل مأكولات وحلويات كثيرة معدة لشخصين، وبجانبها طاولة اصغر يوجد بها أنواع عديدة من المشروبات، وقد صمم كل شيء بطريقة جميلة وأنيقة، ولكنها لم تكن كافية لإرضائها، فالتفتت تناظره بغضب انبعث من عينيها، ولكنها حاولت تفاديه في نبرتها حين قالت:
أهذا هو المكان الذي خططت لأن نحتفل به بزفافنا؟
لون الصفاء معالمه وكذلك نبرته، حين قال وعينيه تبحران حوله بإعجاب مثير لأعصابها:
نعم.. ما رأيك أليس رائعًا؟
أغمضت عينيها لثوان تحاول قمع أعيرة غصبها في العبور من بين شفتيها اللتان زمتهما بقوة، قبل أن تطلق زفرة قوية حارقة من جوفها، ثم قالت بنبرة هادئة مغايرة تمامًا لما تشعر به:
أجل.. رائع.. بل أكثر.
ازدادت ابتسامته وحاوطها بذراعيه فألصق ظهرها بصدره وهو يقول بجانب أذنيها بلهجة خشنة:
كنت أعلم أنه سيعجبك.. هيا لنحتفل.
ابتلعت حنقها منه ومن هذا المكان اللعين وتوجهت معه إلى الطاولة المعدة خصيصًا لهما، وجلست أمامه تنتظر النادل الذي أتى ووزع المشروبات بناءًا على طلبها، فلم تكن لها شهية للأكل وكذلك هو، وهكذا انتصف الليل وهي جالسة معه تتجاذب أطراف الحديث، بعد أن اقنعت نفسها بأن تغض بصرها عن كل شيء حولها ما عداه، فهو هدفها وزوجها وغايتها الدائمة.
************
يمر قطار العمر حاملًا معه ذكريات وأحلام، وربما أمنيات كانت مدفونة بين طيات قلوبنا، التي أرهقها كثرة ما تحمله من أثقال لا نعلم بأي محطة سنسقطها؟ أو ربما سنسقط نحن ونفارق؟ ويا ليت الحياة تصنع لي معروفًا وتغادرني مثلما غادرتها منذ أمدًا بعيد.. فلا أنا أشعر بأنني على قيدها ولا هي تشعر بوجودي..
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
انقضى أسبوع لا تعلم كيف مر عليها، ولا كيف استطاعت التماسك وهي ترى حياتها تمر من أمامها، فقد جاء "أشرف" لخطبتها وتم الاتفاق على عقد القرآن بنهاية الأسبوع أي اليوم!
أجل اليوم سيعقد قرانها على ذلك الفارس الذي حلمت به ذات يوم، لتستيقظ على كابوس انتمائها لآخر!
رجفة قويه ضربت أنحاء جسدها الذي اهتز ما أن مر ببالها عينين متوهجة بنيران لا تعلم منبعها، ولكنها لا تنضب أبدًا كما لم ينضب خوفها منه!
"مات فراس.. اهدئي يا نور.. لم يعد موجودًا.. لا داعي للخوف."
هكذا رددت شفاهها وهي تحتضن نفسها أمام المرآة لتنعكس صورة لشبح امرأة حاصرتها الأشواك بكل مكان، وانتزعت الأيام بهجة شبابها الذي كُتِب عليه الموت مدفونًا بين جدران ذلك المنزل وتلك العائلة.
صورتها المزرية في المرآة كانت كالشرارة التي أيقظت كبريائها الأنثوي، الذي أبى عليها الظهور بمظهر العجوز الشمطاء، وأيضًا حفاظًا على ما تبقى من ماء وجهها أمام الجميع والذين حتمًا يعلمون أنها مجبرة على هذه الزيجة،
التقطت يداها أدوات زينتها وأخذت ترسم ملامحها بإتقان وكأنها لوحة وقعت فريسة لأيدي تتوق إلى التمرد وكسر جميع قيودها.
"نور.. هل انتهيت؟"
هكذا تحدثت هدى وهي تدخل إلى الغرفة، لتتصنم بمكانها حين التقمت عينيها تلك التي بدت كحورية هاربة من أحد العصور القديمة بذلك الزي الذي يعانق خصرها بقوة أظهرت مدي رشاقته، يضيق من الأعلى ليبرز جمال منحنياتها ودقتها وينسدل في دوامات بسيطة تصل إلى أعلى كاحلها، يتجانس لونه الزمردي مع شعرها الأشقر الذي رفعته إلى الأعلى في ثنايا متموجة، حدت من طوله ليصل إلى منتصف ظهرها، بينما تركت بعض الخصلات الهاربة من الجانبين لتشعراها بنوع من التحرر الذي تحتاجه.
فيما كان وجهها كتمثال جميل نُحِت بأيدي فنان مبدع أتقن رسم تفاصيله بحرفية، بدأً من جبهة عريضة بيضاء نضرة وعينين تعانقت بهما أشجار الزيتون، يحاوطهما سياج من الرموش الكثيفة التي ظللتها بطريقة أضفت لها طولًا وكثافة، وأنفها الدقيق الذي يرتفع عند مقدمته يتوسط خديين تناثرت على ضفافهما الورود الحمراء التي شابهت لون ثغرها الممتلئ، الذي يعلو ذقن دقيق، فكان وجهها آية في الجمال، الذي ضاعفه رقبة طويلة تزينت نهايتها بقوس مميز على هيئة عظمتي الترقوة البارزتان بإغراء من مقدمة ثوبها:
أجل، انتهيت.
أجابتها نور متجاهلة صدمتها، ولكن هدى لم تستطع إلا أن تقول بانبهار:
أنتِ آية في الجمال يا نور، فليحفظك الله.
شوهت ملامحها الجميلة إبتسامة ساخرة أضفت مرارة قاسية إلى لهجتها حين قالت:
أحقًا تدعين بأن يحفظني الله؟ وأنا الذي ظننت بانكِ تكنين لي بعض المشاعر يا هدى!
تنافت ملامحها الجميلة مع تلك المرارة التي تقطر من حروفها وتنبعث من عينيها التي لم تفلح في تزيين نظرات الألم بهما، لذا اقتربت منها هدي قائلة بلهجة يشوبها الشفقة:
هوني على نفسك يا نور، وأحسني الظن بالله، فمن يعلم ماذا يخبئه الغد؟
اومأت برأسها في محاولة لتصنع اللامبالاة، وهي تهندم ثوبها من الأمام قبل أن تقول بملل:
صدقيني لم أعد أهتم.. هيا لننزل حتى لا نجعلهم ينتظرون أكثر.
لم تستطع هدى أن تمرر ما حدث، فرغمًا عنها تقدمت واحتوت نور بضمة قوية كانت الأقسى على ثباتها الذي تشحذه بكل الطرق، فتبدلت نظراتها إلى أخرى ليلية ملبدة بسحب كثيفة قد تنفجر في أي لحظة وهي في غنى عن ذلك، لذا اكتفت بأن تربت بلطف فوق كتف هدى وتنتزع نفسها من بين ذراعيها بخفة تزامنًا مع الطرق على باب الغرفة، الذي انفتح وأطل منه عمها زين النعماني، الذي كانت الشفقة تحيط بقلبه لأجل تلك الفتاة لسبب لا يعلمه، ولكنه تجاهل ما يشعر به وهو يقول بوقار:
مُبارك لكِ يا نور.. تبدين رائعة.
تمتمت بخفوت:
شكرًا لك.
تساءل في حرج:
هل أنتِ جاهزة؟ لقد وصل الشيخ بالأسفل.
ابتلعت غصة صدئة تشكلت في حلقها، وقالت بجمود:
نعم.. هيا لننزل.
تأبطت ذراعه وخطت بأقدام تتوسل لها أن تهرب وتركض بعيدًا عن هذا المكان وهؤلاء الناس ولكنها كانت أجبن من أن تفعل ذلك .. على الرغم من هذا الشعور المقيت الذي يهيج داخلها منذ البارحة، حتى سلب النوم من عينيها بأن هناك كارثة ستحدث!
زفرت بقوة وكأنها تريد أن تخرج خوفها مع ذرات ثاني أكسيد الكربون، ليتناثر في الهواء بعيدًا عنها، ولكن كلما خطت خطوة تعاظم الخوف بداخلها أكثر حتى أن دقاتها صارت تتخبط بصدرها بطريقة مؤلمة، جعلتها تتوقف عند أسفل الدرج لثوان تحاول تنظيم أنفاسها الهاربة ودقات قلبها الثائرة
"ماذا هناك؟ لم توقفتي؟"
هكذا جاءها استفهام عمها لتبلل حلقها وهي تجاهد حتى تخرج كلماتها، حين قالت بخفوت:
لا شيء، هيا لنكمل.
أطلت بشمسها على أعين الموجودين التي اتسعت بعضها إعجابًا وبعضها اندهاشًا وآخر استنكارًا، ولكنها لن تكن في وضع يسمح لها بمراقبة ما يحدث، فقد كانت بوادي آخر تجاهد لإخراج أنفاسها التي تثقل أكثر وأكثر، حتى أصبحت على وشك الاختناق، فلم تلحظ أنها جلست على طاولة عقد القرآن بجانب عمها وفي المقابل كان أشرف يناظرها بأعين تلتمع بوهج الحب والإعجاب، الذي كان يقطر من نظراته، ولكنها أيضًا لم تلاحظ!
"هيا لنبدأ."
هكذا تحدث الشيخ وهو يمد إليها دفتره بيد وبالأخرى يناولها قلمه لتملئ الاوراق فلم تعرف ماذا دهاها؟ شعرت بأن يديها تيبست ولم تستطع التحكم بها، فتوقفت جميع الأعين عليها بترقب جعل دمائها تثور خجلًا ورهبة، ولكن جاء صوت زين لينقذها حين قال بوقار:
هيا يا أشرف وقع أنت أولًا ونور ستوقع بعدك.
اومئ أشرف بصمت وقام بالتوقيع على الأوراق، ثم مد يده الممسكة بالقلم إليها ووقع للحظة فريسة لعينيها الفاتنة، التي بدت ضائعة تتململ كزورق تتقاذفه مياه الحيرة، فلا هو يغادر مكانه ولا يذهب في طريق مرساه.
"هيا يا نور.. وقعي."
أخرجها من بحر حيرتها صوت عمها الصارم، فابتلعت شهقة ذعر داهمتها وبصعوبة مدت يديها لتمسك بالقلم وبداخلها شعور مريع يراودها بأنها قاب قوسين أو أدنى من الموت، الذي جاء على هيئة زئير قوي تزلزلت له الأبدان:
بحق الجحيم ما الذي يحدث هنا؟
يتبع....
رواية كواسر أخضعها العشق ❤️🔥 الفصل الثاني 2 - بقلم نورهان العشري
كان الأمر أشبه بسفينة عادت إلى شطها مهزومة ، مُثقلة بـ تصدعات وشروخ خلفتها عواصف وأعاصير رحلة مُضنية مع القدر، وحين لاحت بوادر الإتيان إلى ديارها. لم تواتيها الجرأة على معانقة مرساها أو الاستكانة بين أحضان مرفأها فظلت عائمة تتقاذفها رياح الهوى غير عابئة بجراحها. يُذكرها تأرجحها بين جنبات المياه الضحلة بأن ترياق أوجاعها أمرًا بعيد المنال مهما بدا قريبًا ، و أن ما خفى كان أشد وأقسى ..
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
" ما الذي يحدث هنا بحق الجحيم؟؟"
صعقة قوية أصابت الجميع حين سمعوا ذلك الصوت الجهوري الغاضب، الذي لم تخطئه الآذان أبدًا، فقد كان مميزًا كصاحبه الذي ما أن وقعت عليه أعينهم، حتى تجمد الجميع بمكانه وتشابهت الوجوه جميعًا لتبدو بنفس الهيئة؛ أعين جاحظة، شفاه مُتدلية للأسفل، ملامح مشدوهة، وأنفاس محبوسة في الصدور، فكان المشهد وكأنهم تماثيل نُحِتت من الحجر يحيط بها صمت مطبق لم يطيقه أكثر، فزأر بقوة:
فليجيبني أحد؟ ماذا يحدث هنا؟
" فراس ولدي"
كان أول من استفاق من حالة الصدمة المخيمة على المكان هي جليلة النعماني والدته، التي هرولت إليه تحتضنه بقوة وهي تبكي وتتمتم بكلمات غير مفهومة عن كونها غير مصدقة أنها تراه، أما عنه فقد كانت جميع حواسه وعلى رأسها عينيه مسلطة على تلك التي لا زالت متيبسة بمكانها تطالعه بنظرات جامدة وبيدها قلم!!
" اختفي الآن يا أشرف"
هكذا تحدث زين بصوت خفيض نفذ إلى مسامع أشرف، الذي ما أن فطن لما يحدث حتى شعر بالذعر يسري في دمائه، حتى قدماه لم تطاوعه لتنفيذ ما قاله زين، الذي لاحظ جمود أشرف فصاح بقوة وهو يندفع نحو فراس الذي اسودت ملامحه أكثر وبدت عينيه قوس يطلق سهامًا مشتعلة تجاههم
" فراس.. هل أنت هنا حقًا؟ يا إلهي.. إنها معجزة "
لحظة خاطفة مرت على الجميع؛ ليتنبهوا لما يحدث، وفجأة تبدل السكون إلى جلبة كبيرة إذ اندفع الجميع يعانقون ذلك القادم من الموت، وسط صيحات دهشة وتهليل لم تنجح في إخراجها من صدمتها، فقد ظلت بمكانها تراقب ما يحدث وكأنها في عالم آخر، وما يحدث لا يعنيها وليس واقعًا ملموسًا تحياه.
" لقد عدت من الموت يا فراس هل هذا حقيقي؟"
هكذا تحدث ساجد شقيقها إلى فراس، الذي تبدلت ملامحه كليًا لتبدو أكثر شراسة من ذي قبل، فمن الواضح أنه خابر أيام عصيبة انطبعت على قسمات وجهه، التي أصبحت خشنة ولونه الذي دكن فأصبح مائل للسمرة، وقد استطال شعره كثيرًا وكذلك لحيته، وتعمق تجويف عينيه التي كانت الشيء الوحيد الذي لم يتغير به، فما زالت شمسها حارة متوهجة بلونها العسلي المدجج بخيوط حمراء توحي بمقدار غضبه، الذي لون ملامحه وهو يراقبها جالسة بمكانها دون حراك، وذلك القلم الذي لا يزال بين إصبعيها.
" نعم لقد عدت من الموت.. ولحسن حظي فأنتم تقيمون حفلًا!"
قست عينيه أكثر وهو يبصق الكلمات من فمه تجاههم:
ترى هل شعرتم بعودتي أم ماذا؟
عاد الصمت مرة أخرى، ولكنه كان مشحونًا بأنفاسهم الملتهبة والمترقبة لما سيحدث، ولكن لم يدم الأمر طويلًا، فقد تدخلت فريال قائلة بوقار:
أهلًا بعودتك يا فراس.. تعال لنجلس ونتحدث قليلًا.
أجابها بقسوة:
وهل يعقل أن أتحدث قبل أن أسلم على زوجتي؟ التي من الواضح أنها لم تتجاوز صدمتها بعد!
كانت محاولة واهية منها لصرف نظره عن تلك التي ما زالت قابعة بمكانها، ولكن تبدلت صدمتها إلى ذعر كبير جمدها بأرضها، فبداخلها صوت يتوسل إليها بالهروب وآخر يخبرها بأن ما يحدث حلم، بل كابوس وسينتهي سريعًا. فحتمًا لم يعد .. هو ليس موجود، تلك العينين لابد وأنهما قدمتا من الجحيم لإخافتها فحسب.
تشاجرت أنفاسها وازدحمت بداخل صدرها، وكذلك أخذت دقات قلبها تدق بعنف آلمها، حين سمعت كلماته التي تحوي الوعيد بين طياتها وهي تراه يقترب منها، إلى أن وقف أمامها مباشرة، ودون أن تعي وجدت نفسها تقف على ساقٍ هلامية بالكاد تحملها وعينين مرتعبتين وقعت أسيرة لأخرى غاضبة، تشبه يديه الخشنة التي امتدت تحيط بذراعيها محدثة رجفة قوية في سائر جسدها، فظلت أمامه للحظات بدت دهرًا، قطعها صوته القاسي حين قال:
أهلًا يا زوجتي الصغيرة .. ألم تشتاقي لي؟
كان ما يحدث أكبر من قدرتها على الاحتمال، وفوق مستوى تفكيرها فلم تستطع شفاهها سوى أن تهمس بخفوت:
ف.. فراس ..
دارت الأرض من حولها وأشفق عليها جسدها واستجاب لهوة سوداء أغرته بالهرب من بين براثن الأسد، الذي قست عينيه أكثر حين شاهدها تهوي مُغشيًا عليها، فقامت يديه بإمساكها وحملها بسهولة، فيما أحدث فستانها صوت خشخشة بفعل بطانته السميكة وتموجات القماش وكأن ما يحدث لم يكن يكفي ليجن جنون غضبه، حين لاحظ فستانها الجريء والمبهر! والذي ارتدته لأجل ...
شهقات خرجت من أفواه الجميع خلفه حين لاحظوا سقوطها، ولكنه تجاهل كل شيء وتوجه بها إلى الدرج، فهرولت فريال خلفه تقول بجزع:
سأحضر الطبيب ليفحصها.
كل شيء يحدث منذ أن وطئت أقدامه باب القصر يقوده إلى الجنون، ولكنه يتمسك بآخر ذرة صبر لديه، حتى لا يحرق الجميع في الجحيم الخاص به، لذا صاح بقسوة وهو يتابع صعوده بها:
استدعي الطبيب لأجلكِ، فأنت من ستحتاجينه قريبًا وليس هي.
شهقات مرتعبة خرجت من أفواه الجميع رعبًا مما يحدث، فقد عاد فراس بعد سنة ونصف من تلك الحادثة التي أعلن فيها موته! فقد احترقت طائرته بكل من فيها وقد أخرجت الجثث منها متفحمة فكيف حدث ذلك؟
" هل يعقل هذا؟ هل عاد بالفعل؟ إنها معجزة"
هكذا تحدثت ناريمان وهي تنظر إلى والدها زين، والذي لا يزال تحت تأثير الصدمة التي جعلته يقول دون احتراز:
بل المعجزة في التوقيت الذي عاد فيه.. لقد عاد في أكثر توقيت خاطئ.
قاطعته جليلة بقسوة:
تقصد أصح توقيت يا زين.. لقد عاد قبل أن تحدث الكارثة.. تلك الجريمة التي كنتم سترتكبونها بحق ولدي وطفله.
اندفعت فريال بقسوة أطلت من عينيها أولًا:
أي جريمة تقصدين يا جليلة؟ هل زواج أرملة مضى على موت زوجها سنة ونصف يُعد جريمة؟ هل تعتنقين دينًا آخر لا نعرفه؟
توجهت جليلة بخطٍ شامته وعينين أطلت منهم السخرية التي كانت تقطر من حروفها حين قالت:
لا يا عزيزتي لا اعتنق دينًا آخر، ولكنِ أؤمن بأن الوفاء هو سمة النبلاء.. اعذريني أن ظننت بأن كل النساء مثلي.
خربشت كلماتها ركنًا خاصًا بقلب فريال، التي امتقع وجهها لثوان قبل أن تسيطر على نفسها وتقسو ملامحها ونبرتها حين قالت:
لا ليست كل النساء مثلك، وهذا من رحمة الله.. وإن أردتِ الحديث عن الوفاء فيجب عليكِ أن تعرفي بأنه خيار وليس فرضًا.
جليلة بحدة:
ماذا تقصدين؟
ارتسم الاستمتاع على ملامح فريال، التي قالت بتهكم:
يعني الوفاء هو أن تختار المرأة البقاء على ذكرى زوجها الراحل بكامل إرادتها، لا أن تجبر على ذلك نظرًا لأنه لم ينظر إليها أحدهم من الأساس.
جليلة بإنفعال:
كيف تجرؤين؟؟
" توقفا عن العبث أنتما الاثنتين "
هكذا تحدث زين بصراخ ليوقف معركة دامية على وشك أن تنشب بين المرأتين، ثم تقدم يناظرهم بحنق تجلى في نبرته حين قال:
نحن بصدد حدوث مجزرة إن فطن فراس لما كان يحدث منذ قليل وأنتما تتشاجران كالأطفال هنا.
تدخل ساجد بلهفة:
اعتقد أنه لم يلاحظ، فقد اختفى أشرف ومعه الشيخ قبل أن يعلم ماذا يحدث.
تدخلت زينات في الحديث ساخرة:
أحمق يا ساجد.. لقد فطن فراس لما يحدث منذ أن وطئت أقدامه باب القصر .. يا بني هذا فراس.. فراس النعماني. ولن أكون زينات النعماني إن لم يهدم القصر فوق رؤوسنا، وذلك بعد أن يقطع عنق أشرف الرشيد وينهي نسله من الوجود.
اغتاظت فريال من حديث زينات الذي يحمل الكثير من الصواب، ولكنها حاولت التماسك حين قالت بتقريع:
أخبريني يا زينات أين هو ابنك المبجل؟ ألم يكن يعلم بعودة صديقه حتى يأتي وينبهنا؟
امتقع وجه هدى حين ذكرت فريال أمر زوجها، الذي لا تعلم أين هو ولا متى سيأتي، فقد أوضح رأيه القاطع في تلك الزيجة، وأنه لن يحضر زفاف زوجة أخاه وابن عمه وصديقه الراحل .. لن يحتمل حدوث ذلك أمام عينه، وبالتأكيد إن كان يعلم لكان أوقف كل ذلك، ولكنها كعادتها اختارت الصمت، ولكن زينات لم تفعل مثلها أبدًا، فقد ردت على هجوم فريال بآخر مضاد حين قالت بجفاء:
ابني لم يكن موافقًا على ما يحدث، لذا لم يحضر والحمد لله أنه فعل.
تدخلت جليلة تثني على حديث زينات قائلة بتشفي:
والله إنه رجل بحق.. لم يستطع أن يشارك في تلك الخيانة بحق صديقه الوحيد.
تعاظم حنقها من أولئك الأفاعي اللائي لن يتركن ما حدث يمر دون أن يبثوا سمومهم للنيل منها، ولكنها لن تسمح بذلك لذا قالت بسخرية:
والله لقد أفرحني اتحادكن بتلك الطريقة وأتمنى أن يدوم ذلك للأبد.
لم يجيبها أحد وغرق كل واحد منهم بأفكاره، والتي كانت جميعها تصب في الأعلى تحديدًا عند تلك الغرفة المغلقة، التي من وجهة نظر الجميع ستشهد معركة دامية غير متكافئة بين ذلك الأسد الغاضب وبين تلك العصفورة الصغيرة، التي بدأت تستعيد وعيها شيئًا فشيئًا بعد أن ظلت قرابة الساعة فاقدة للوعي؛ لتبدأ بالعودة إلى الواقع المرير الذي تمثل في رجل لا يعرف الرحمة ولا تعرف أي السبل قد تسلك معه حتى تنجو من بين براثنه؟
تململت في نومتها وهي ترفرف برموشها، حتى استطاعت فتح عينيها، لتجد الغرفة من حولها غارقة في الظلام الذي يخترقه شعاع خافت لضوء القمر المنعكس على جسد ضخم يقف أمام النافذة مُعطيًا إياها ظهره، فشعرت بقلبها يهوي بين قدميها وتزاحمت الأنفاس بصدرها فلم تعرف كيف تخرجها، وتجاوز الألم حدود احتمالها فحاولت الاعتدال لتصبح نصف جالسة، وقد علا صوت تنفسها ليصل إلى مسامعه فعرف أنها استفاقت.
سمعت نفسه القوي الذي خرج من جوفه، قبل أن يخترق مسامعها صوته القاسي وهو يقول:
كيف أصبحتِ الآن؟
لم يكن حلمًا ولا كابوسًا، بل إنه واقع مرير، وضعتها الأيام تحت رحمته وتركتها فريسة له، ولذلك الضخم الذي تعلم أنه سينتهي بها الحال هالكة بين يديه.
" بخـ . بخير"
هذا كل ما استطاعت قوله؛ لتضرب جسدها رجفة قوية حين وجدته يستدير بسائر جسده لينظر إليها نظرة شملتها كليًا بل أحرقتها.. فقد شعرت بلهيب نظراته على الرغم من أن هناك عدة خطوات تفصله عنها، ولكن كان هناك تيار كهربائي يغزو الهواء حولهما.
" ألن تُسلمي علي؟ "
لم تكن ترى ملامحه بسبب الظلام، ولكنها شعرت بخيط من السخرية يتخلل نبرته وقد ضاعف ذلك من خوفها، فقد كان يلاعبها كما يلاعب الأسد فريسته قبل التهامها، وقد كانت حرب الأعصاب تلك أكبر من قدرتها على الاحتمال، لذا قالت بنبرة مرتجفة:
حمد لله على سلامتك.
سمعت ضحكة خافت أفلتت من بين شفتيه، والتي حتمًا لن تكون ضحكة مرح بالتأكيد أنه يسخر منها.
اختنق الهواء حولها وأصبح محترقًا وهي تراه يقترب منها ويجلس بثقله على السرير بجانبها وعينيه تحاصرها بنظرة قوية مشتعلة يشوبها خطوط حمراء قادمة من الجحيم، الذي كان يستعر بداخله ولكنه تجاهل كل شيء، وقال بصوت هامس محتقن:
حين كنت أصارع الموت كاد أن يهزمني مرات ومرات، وبكل مرة كانت صورتك تطفو على ذاكرتي فتمدني بقوة كانت أكثر من كافيه لجعلي اهزمه.. وبالنهاية انتصرت، وعدت.
صمت لثوان قبل أن تقسو عينيه وتظلم ملامحه حين أردف:
وهذا هو السبب الوحيد الذي يمنعني من قتلك الآن.
شهقة خافتة خرجت من جوفها يتبعها سيل من العبرات الغزيرة، التي حفرت وديان الألم فوق خديها، فامتدت أصابعه الخشنة تزيل عبراتها وهو يقول بهسيس مرعب:
هششش.. لا تبكي، لا تفسدي صورتك الجميلة.
طافت عينيه فوق ملامحها ومفاتنها التي أبرزها ثوبها الرائع فتبدلت نظراته إلى أخرى غامضة وأردف بخشونة:
تشبهين كثيرًا تلك الصورة التي تخيلتك عليها حين أعود، بل تتفوقين عليها.. فأنتِ أروع مما تخيلت.
لم يكن غزلًا بالمعنى المتعارف عليه، فقد كان مروعًا في أثره على نفسها.. تشعر وكأنها تريد تمزيق وجهها الذي يثني عليه بتلك الطريقة المرعبة، التي لم تكن تحتملها فهمست بشفاه مرتجفة:
فراس، أنت تخيفني.
لم تتبدل ملامحه، إنما امتدت يديه تحيط بوجهها وأخذت أنامله تعبث في خصلات شعرها برقة تتماشى مع كلماته الهادئة، التي كانت تحمل الوعيد بين طياتها:
في الواقع يجب عليكِ أن تخافي يا صغيرتي.. فالقادم مُرعِب بحجم جمالك الأخاذ هذا.
أخذت ترتجف بين يديه كورقة شجر باغتتها رياح خريفية مفاجئة أوشكت على اقتلاعها من غصنها، فترنحت بين يديه التي امتدت لتحاوط خصرها وأحكمت جسدها بين أحضانه فيما اقتربت شفاهه من أذنيها، قائلًا بهسيس مرعب:
هل اقترب ذلك الرجل من أملاكي؟
هبت بإندفاع:
أقسم لك بأنه لم يقترب مني أبدًا.
ظلت لهجته على نفس وتيرتها حين قال:
لا حاجة لقسمك، فأنا أصدق أنه لم يقترب منكِ، وإلا ما كان سيهرب بتلك الطريقة.
خربش الفضول قلبها فقالت بإرتجاف:
كيف؟ كيف تعلم؟
تبدلت لهجته إلى أخري خشنة حين قال هامسًا:
من تذوق نعيم الجنة لا يغادرها أبدًا بمحض إرادته ، ويهلك حين يطرد منها، فأنا أكثر من يعلم ذلك.
من فرط خوفها لم تكن تلحظ المعاني المستترة خلف كلماته فقد بلغ التعب مبلغه منها ورغمًا عنها وجدت نفسها تستند برأسها على كتفه، الذي احتوى عبراتها الغزيرة وامتص شهقاتها التي تردد صداها بقلبه بصورة لم يعهدها مسبقًا، ولكنه بدا جامدًا لا يتأثر كذلك كانت نبرته حين قال:
عودي للنوم، غدًا لدينا يوم طويل.
لم تصدق ما سمعته أذناها، ورفعت رأسها تناظره بصدمة تخطاها وهو يقف ناصبًا عوده الفارع متجاهلًا استفهام كان يطل من عينيها، ولم تقدر على قمعه حين هبت بإندفاع:
ما الذي تنوي فعله بهم؟
توقف بمكانه والتفت يناظرها بأعين مشتعلة تشبه لهجته القاسية حين قال:
من تقصدين؟
نور بلهفة:
أمي والجميع؟
ضنت شفتاه بالحديث وقال بإختصار بلهجة كافية لإنهاء الحديث:
ما يستحقونه.
****
كانت أفعالهم كهجوم إرهابي كاسح على قرية جميع سكانها عُزل فلكم أن تتخيلوا بشاعة ما فعلوه.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ترتجف بردًا أو قلقًا لا تعلم، ولكن جل ما تعلمه أنها غير مرتاحة فقد تأخر الوقت كثيرًا وهو لم يعد .. لا تعلم لما شعرت بأنها تريد أن تنتظر عودته اليوم، لم يتغلب عليها الإرهاق ككل ليلة بل تغلب عليها القلق، حتى سلب النوم من عينيها وتزاحمت الأفكار برأسها وهي تتفقد ساعتها بين الفينة والأخرى وسرعان ما تعود تتعلق بمدخل القصر علها تلمح طيفه يأتي، حتى تستطيع الخلود إلى النوم براحة.
لم يكن من عادتها انتظاره فهو دائم التأخر وهي كثيرة الانشغال تقضي اليوم بأكمله تركض بين أطفالها ومهامها في القصر كزوجة الابن الأكبر لزين النعماني وزينات المالكي، وما أدراك ما زينات المالكي؟ امرأة أرستقراطية من الطراز الرفيع، مسيطرة لأبعد الحدود، متسلطة تهوى التحكم بالبشر من حولها وتريد جعل الجميع نسخة منها من فرط اعتزازها بنفسها، وقد كانت هي أكثر من يعاني مع طباعها الحادة لمدة عشر سنوات إلى أن أصبحت وجهًا آخر لها يشبهها في كل شيء، حتى طريقتها في ارتداء الملابس التي لم تكن تتناسب مع سنوات عمرها التسع وعشرون، وأيضًا طريقة تصفيفها لخصلات شعرها التي التزمت بها بناءً على تعليمات زينات، والتي بررتها بأنها تعطيها وقارًا وهيبة تليق بكنة عائلة النعماني! وكونها شخصية مسالمة هادئة الطباع، لم تكن تجادل كثيرًا حتى ولو لم تكن راضية يكفيها أن يمر كل شيء بسلام، حتى ولو كان نقيضه بداخلها.
دقائق مرت وهي شاردة حتى رأت وميض سيارة قادمة من الخارج، عرفتها على الفور فهي سيارة زوجها "شاهين النعماني "
زفرت براحه قبل أن تتراجع خطوتين إلى الخلف لتغلق باب الشرفة، ولكنها توقفت حين التقمت عينيها خطواته المبعثرة وهو يترجل من سيارته، فهالها أن تراه بتلك الطريقة وهوى قلبها حين ظنت بأن مكروهًا قد أصابه، لذا تراجعت بلهفه للخلف وسحبت مئزرها تحيط به جسدها وتوجهت للخارج بخطٍ حافظت على هدوئها، لتجده يغلق باب القصر خلفه وهو يترنح بطريقة مريبة فتوقفت في منتصف الدرج إثر صراخه الهستيري حين رآها:
اها.. هل زوجتي المصون تنتظرني أم أنني أعاني من هلوسات بصرية؟
اغتاظت هدي من سخريته وخاصةً حين أدركت أنه كان مخمورًا، فتابعت هبوطها الدرج وهي تقول بتقريع:
اخفض صوتك رجاءً فالجميع نيام هنا، ولا داعي لأن يستيقظوا على صراخك.
تململ بوقفته وأخذ يهز رأسه بملل، قبل أن يقول وهو في حالة من اللا وعي:
اممم، أنتِ محقة يكفيني رؤية وجوههم المُكفهرة في الصباح، لا داعي لأن أراهم الليلة حتى لا أصاب بالكوابيس المفزعة.
اغتاظت من مظهره وقالت بحنق:
وهل حالتك تلك ستجعلك ترى الأحلام مثل باقي الناس؟ لا تقلق فالخمر سيغيب عقلك ليومين على الأقل.
زفر بحنق وصاح دون وعي:
يا إلهي! من أين ابتُليت بتلك المرأة؟ إنها لا تكف عن إزعاجي، حتى الخمر لا يفلح معها.
حوافر كلماته لامست جوانب قلبها فخدشته، مما جعلها تقول غاضبة:
تأتي مخمورًا في منتصف الليل تترنح يمينًا ويسارًا، ثم تشكو مني! ماذا أفعل أنا هل أصيح وأولول على حظي العاثر مع رجل مثلك؟
لم يكن غائبًا عن الوعي للحد الذي يجعله لا يفطن لمعاني كلماتها، والتي أغضبته وأشعلت فتيل الانتقام بداخله، لذا قست نظراته وكذلك نبرته على الرغم من أنها لم تخلو من السخرية حين قال:
تعلمين سأعطيكِ أسباب أكثر فاعلية للصياح والولولة.. خذي تلك المفاجأة السارة يا زوجتي، فاليوم كان زفافي على أخرى.
شعرت بنصل حاد ينحر صدرها بوجع غير مسبوق جراء تلك القنبلة التي ألقاها بوجهها، والتي لم يكن عقلها قد استوعبها، فهمست بنبرة فاقدة لكل معاني الحياة:
ما.. ماذا تقول؟
هدر بصوت أجش به عنف مكبوت:
لقد تزوجت عليكِ اليوم.
" شاهين "
كان هذا صوت زينات التي استيقظت من النوم على صوت صراخ ولدها، الذي كان أصعب ابتلاء مر عليها في حياتها.
" أهلًا أمي.. تعالي وانضمي إلينا، فقد كنت أزف أخبارًا سارة إلى هدى وأود أن أشاركك إياها."
تخبطت سحبها فأمطرت ألمًا فاض به قلبها، الذي لم يتخيل يومًا أن يحدث معه هذا.
" انظر إليّ أيها الأحمق، كف عن ثرثرتك الآن واذهب إلى غرفتك، ولتكف عن أسلوبك الساخر هذا، فزوجتك ستصدقك."
قهقهة مدوية خرجت من جوفه على حديث والدته، ثم صاح بملء صوته:
اه يا سيدة زينات، لا تصدقين حديثي وتدعيه بالحماقات، وتخشين أن تصدقه زوجتي النسخة الأسوء منكِ.. إذن سأثبت لكِ.
أنهى جملته وسط نظرات متبادلة بين كل من زينات التي تتمنى لو أنه يهذي، وهدى التي كانت كالشاة المذبوحة غدرًا
" هيا انظرا"
هكذا قالها شاهين، وهو يضع الهاتف الخاص به أمامهم لتظهر صورته بجانب حسناء ترتدي ثوب أبيض خلاب وهو بجانبها يحيط بخصرها، فشعرت بقلبها ينشق إلى نصفين كلاهما يتمنى الموت في تلك اللحظة وفجأة برقت عينيها حين شاهدت ...
يتبع ..
رواية كواسر أخضعها العشق ❤️🔥 الفصل الثالث 3 - بقلم نورهان العشري
❤️🔥الخضوع الثالث❤️🔥
تحيا القلوب وتهلك بيد ساكنيها، ذلك الشخص الذي تضعه في المنتصف بينك وبين روحك هو وحده القادر على ترميم تصدعات وشروخ عمرًا مضى وإعادة بناء عمرًا جديدًا تغلفه السعادة التي ظننتها يومًا مستحيلة، ولكن ماذا لو أصبح هذا الشخص هو قاتلك؟! فعلى قدر قربه جاءت طعنته إلى قلبك نافذه فصرت كروح مذبوحة ترفرف بين كفي قاتلها تستجدي إنقاذًا لدماء بريئة أزهقت على يد حارسها!! حينها يتخطى الألم حدود العقل ويصبح الغفران دربًا من دروب المستحيل.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁
_آه يا سيدة زينات لا تصدقين حديثي وتدعيه بالحماقات وتخشين أن تصدقه زوجتي النسخة الأسوأ منكِ.. إذن سأثبت لكِ.
أنهى جملته وسط نظرات متبادلة بين كلًا من زينات التي تتمنى لو أنه يهذي وبين هدى التي كانت كالشاة المذبوحة غدرًا.
_هيا انظرا.
هكذا قالها شاهين وهو يضع الهاتف الخاص به أمامهما لتظهر صورته بجانب حسناء ترتدي ثوبًا أبيضَ خلاب وهو بجانبها يحيط بخصرها فشعرت بقلبها ينشق إلى نصفين كلاهما يتمنى الموت عله يرحمها من وطأة ذلك الألم الهائل الذي يعصف بسائر جسدها.
فجأة برقت عيناها حين شاهدت يد زينات التي ارتفعت تنوي أن تصطدم بخد شاهين، الذي أمسك بكف والدته قبل أن يطال وجنته، وقد اسودت معالمه وبرقت عيناه وخرجت لهجته قاسية حين قال:
_لا يا أمي، لن أسمح لك بفعلها، فلم أعد ذلك الطفل الصغير الذي كان يرتجف رعبًا منكِ.
تراجعت زينات للخلف بذهول من حديث ولدها الذي كانت تظن بأنها تحكم سيطرتها حوله.
_هل جننت يا شاهين؟!
هكذا قالت بذهول فأجابها بصوت جهوري غاضب:
_بل كبرت وصارت حياتي ملكي أتصرف بها كيفما أشاء.
جاءهم صوت غاضب من الخلف كان لزين الذي قال بتقريع:
_نعم كبرت ولكنك لا تتصرف كالبالغين، بل كطفل أفسده الدلال.
التفت الجميع على صوت زين الغاضب، والذي لم يعِره شاهين أي اهتمام بل كانت عينيه منصبة على تلك التي تقف بجمود كتمثال نُقِش على ملامحه الوجع، الذي كان يُطِل من عينيها التي كانت تعاتبه بقسوة على جريمته النكراء في حقها الذي لن تسامح فيه أبدًا، فتبدلت نظراتها إلى أخرى كارهة، قبل أن تلتفت لتغادر من أمامهم تريد أن تنفرد بنفسها لتلعق كبريائها الجريح وكرامتها المهدورة.
_أخبرني منذ متى أصبحت بهذا السوء؟!
هكذا تحدث زين بغضب بعد أن شاهدها تغادر، فأجابه شاهين بملل:
_ لا طاقة لي للحديث الآن فأنا متعب وأريد النوم.
اكفهرت ملامح زين، فتدخلت زينات في محاولة لتهدئة الأمور، حيث قالت بلهجة جافة:
_ اتركه الآن يا زين فهو ليس في وعيه، في الصباح سنكمل من حيث توقفنا.
أوشك على المعارضة، ولكنه أدرك أنها للأسف محقة، فشيعه بنظرات الاحتقار قبل أن يلتفت إلى غرفته صافقًا الباب خلفه.
****
" لمَ لم تأتي لنتحدث؟!
هكذا تحدثت فريال إلى فراس، الذي كان يتوسط مقعده خلف الطاولة الخشبية في غرفة المكتب الخاصة به في السابق، فقد أمضى الليل بأكمله بها، بعد أن اختار البقاء وحيدًا ليعيد ترتيب أفكاره ودراسة خطواته القادمة.
_هل يوجد بيننا حديث وأنا لا أعلم؟!
هكذا تحدث بفظاظة أغاظتها، ولكنها تجاهلتها وقالت بجفاء:
_لا تتظاهر بالغباء فهذا لا يليق بك، أخبرني ما الذي تنوي فعله بابنتي؟!
طافت أنظاره المتمهلة عليها بطريقة مستفزة، كان يتقصدها قبل أن يقول بلهجته الخشنة:
_ما رأيك أنتِ؟ هل اعاقبها مثلما سأفعل معكم أم أعفو عنها؟
هدرت بغضب:
_لا تلعب معي، تعلم أن نور لا تملك من أمرها شيئًا وأنا من ضغط عليها لتوافق على هذا الزواج.
فراس بلهجه حادة كنصل السكين:
_ أتملكين الجرأة لإخباري بذلك؟ والله لقد أدهشتني بسالتك.
تسلل الخوف إلى قلبها، ولكنها تجاهلته واتبعت حكمة خير وسيلة للدفاع الهجوم فقالت بتقريع:
_كما أدهشتني وقاحتك حين علمت بأنك كنت مسافر مع عشيقتك.
انكمشت ملامحه بغضب وزوى ما بين حاجبيه في استفهام حاد فصاحت تجيبه:
_نعم، لورا عشيقتك التي كنت مسافرًا معها، هل تنكر ذلك؟!
فاجأها حين قال بسلاسة:
_لا لا أنكر.
كانت وقاحته أكبر من قدرتها على الاستيعاب فهبت غاضبة:
_أنت أوقح مما تخيلت، ولا تستحق امرأة كنور أبدًا، وأنا لست نادمة على ما فعلت.
قست ملامحه وشابهتها لهجته حين قال:
_سأجعلك تفعلين.
تجاهلت خوفها منه وقالت بقوة:
_ لا تقدر، فأنتَ من يجب عليه أن يندم لا أنا.
نصب عوده الفارع ودس يديه بجيوب بنطاله وهو يتوجه إلى الناحية الأخرى من المكتب قائلًا بخشونة:
_ولمَ الندم برأيك؟
فريال بحنق:
_ على خيانتك لابنتي أتظن أنني لن أخبرها عن الأمر؟ لقد خبأت الأمر عنها حتى لا أفسد صورتك بعينها، ولكن الآن يجب أن تعلم بأمر خيانتك لها مع تلك الساقطة.
لم يتأثر بتهديدها وظلت ملامحه على حالها حين أجابها بجفاء:
_تلك الساقطة كانت شريكتي ليس أكثر من ذلك.
صاحت بانفعال:
_بل عشيقتك.
أجابها بلا مبالاة:
_لا يهمني رأيك كثيرًا.
_ماذا يحدث هنا؟!
صدح صوتها المرتجف من خلفهما، فالتفتت يناظرها وهي تتقدم بخطٍ غير ثابتة وملامح مشدوهة بما سمعته منذ ثوان.
_نور، منذ متى وأنتِ هنا؟!
هكذا تحدثت فريال التي امتقع وجهها حين رأت نور تقف خلفهما:
_منذ أن كنتِ تقولين عشيقته، هل لي أن أعلم ماذا تقصدين؟!
كانت نبرتها مهتزة، وكذلك حدقتاها فقد تشكلت بهم طبقة كريستالية من الدموع التي تهدد بالهطول في أي وقت.
التفتت فريال تناظره، وقد هالتها تعابيره المكفهرة وعينيه التي تحمل وعيدًا لم تخطئ في فهمه، فحاولت أن تبدو لهجتها ثابته حين قالت:
_لا، من المؤكد أنك أخطأتِ السمع، فأنا لم أقل.
_بل قلتي وأنا متأكدة أنني سمعت بطريقة صحيحة.
هكذا قاطعتها بلهجة غاضبة توازي ألم عميق يتشعب بصدرها منذ أن سمعت حديثها معه وذكرها لأمر تلك العشيقة، دام صمت مطبق، ولأول مرة ترى والدتها بهذا الضياع وتلك الحيرة التي تلون ملامحها فتضاعف الألم والغضب بداخلها، وقبل أن تعيد سؤالها سمعت صوته القاطع وهو يقول:
_اخرجي.
التفتت تناظره بصدمة، فوجدت عينيه مسلطة على والدتها التي كانت تتآكل من فرط الغضب، ولكنها لم تتفوه بحرف، بل التفتت تغادر الغرفة صافعه الباب خلفها بطريقة جعلت جسدها يهتز من فرط الخوف، الذي كان يلون ملامحها مما جعل الغضب يتعاظم بداخله، ولكنه تجاهله قائلًا بخشونة:
_ كيف حالك الآن؟
كانت أنفاسها مسموعة في الغرفة من فرط ما تشعر به، مما جعلها تتجاهل سؤاله وتقول بنبرة مهتزة:
_أريد أن أعلم ماذا قصدت والدتي بأمر تلك العشيقة.
زوى ما بين حاجبيه وقست نظراته وشابهتها نبرته حين قال:
_لا تبالي كثيرًا لحديث والدتك، فمن الواضح أن عقلها لم يعد يعمل بشكل صحيح.
كلماته أيقظت شرارة الغضب بداخلها، فجاءت نبرتها حادة على الرغم من أن صوتها لم يرتفع:
_هل تتهم أمي الآن بالجنون؟
فراس بفظاظة:
_لا أتهمها، بل أصف حالتها، ولننهي هذا النقاش اللعين فلست في مزاج جيد الآن.
قال جملته الأخيرة بغضب أفزعها، لذا تراجعت خطوة للخلف وهي تقول بنبرة شبه باكية:
_حسنًا، اعتذر عن إزعاجك.
التفتت تنوي المغادرة والهروب من بين براثن غضبه، ولكن تجمدت خطواتها أمام باب الغرفة حين قال بصرامة:
_ توقفي.
احتبست الأنفاس بصدرها وشعرت بجميع خلاياها تتحفز حين شعرت به خلفها، فأجبرت نفسها على الالتفات لتصطدم بوهج عينيه الذي أشعل شيء ما بجوفها، وخاصةً حين قال بهسيس خشن:
_للآن لم ترحبي بي بشكل صحيح.
لم تفهم ما ترمي إليه كلماته، فانكمشت ملامحها بحيرة سرعان ما تبددت وتحولت لصدمة حين وجدت نفسها تلتصق بسياج صدره ويديه تعتقل خصرها بقوة توازي قوة دقاتها حين وجدت نفسها قريبة منه لدرجة امتزاج أنفاسهما حد الاحتراق النابع من عينيه ولهجته، حين قال هامسًا بخشونة:
_هكذا يجب أن ترحبي بي يا زوجتي الصغيرة.
ما أن أنهى جملته حتى وجدت شفاهه تسطو بقوة على خاصتها في قبلة كانت مُدمرة شغوفة ومتطلبة، فقد كان يمتص أنفاسها بنهم ويرتشف ريقها بتلذذ، بينما يديه كانت تمارس فنون العبث بقسوة تليق به وتتنافى مع رقتها وطراوة جسدها الذي احتمى به وألقى بثقله على كاهله، فكان أكثر من مرحب بذلك وأخذ يعمق اقترابه منها أكثر، حتى أوشك على إزهاق روحها فتركها على مضض، وأخذ صدره يعلو ويهبط ويديه ما زالت تحتضنها بقوة، بينما هي كانت تحاول تنظيم أنفاسها الهاربة ودقاتها الجنونية إثر هجومه الضاري الذي لم تكن تتوقعه، كما لم تكن تتوقع كلماته الفظه حين قال:
_ينقصك الكثير لتتعلميه.
رفعت رأسها تطالعه بذهول، فاصطدمت بجمرتيه المشتعلتين بنيران لا تعرف سببها، وعلى الرغم من خوفها إلا أنها لم تستطع سوى أن تقول بغضب وهي تنتزع نفسها من بين يديه:
_أنت أيضًا ينقصك أن تتعلم كيف تتعامل مع البشر.
لا تعلم كيف واتتها الجرأة لتقول هذا، فقد صُدِم من حديثها وقد استغلت صدمته في أن تهرول من أمامه قاصدة غرفتها، فهي لا تأمن لغضبه، وقد كانت حالتها لا تسمح لها بأي هجوم آخر من جانبه لذا ما أن وصلت إلى غرفتها حتى دلفت إلى الداخل وأوصدت الباب خلفها، لتقف تستند عليه وصدرها يعلو ويهبط من فرط الانفعال فما حدث في الساعات الماضية تجاوز حدود المعقول، لقد عاد فراس من الموت.. عاد زوجها بعد سنة ونصف من اعتقادهم بأنه مات، وقد اختار أسوأ توقيت للعودة أو ربما كان أصح توقيت، هكذا أخبرها عقلها فلو تأخر لثانية أخرى لكان وجدها زوجة لرجل آخر وهذه هي الطامة الكبرى، رجفة قوية ضربت سائر جسدها وهي تتخيل ما كان سيفعله بالجميع وعلى رأسهم هي.
شهقة قوية خرجت من جوفها حين سمعت الطرق على باب الغرفة، فوضعت يدها فوق قلبها الثائرة نبضاته رعبًا من هوية الطارق، ولكنها هدأت قليلًا حين سمعت صوت والدتها يناديها:
_ نور، هل أنتِ بخير؟!
تنفست الصعداء ومدت يدها تدير قفل الباب، الذي انفتح لتجد والدتها تناظرها باهتمام قبل أن تتوجه إلى الداخل وتغلق الباب خلفها فالتفتت نور لتجلس على الأريكة وتستند برأسها للخلف في محاولة للاسترخاء الذي تعلم استحالة حدوثه وسط كل ما يحدث معها.
_ماذا حدث بينكما في الأسفل؟!
لم تفتح عينيها إنما أطلقت زفير قوي، قبل أن تقول بخفوت:
_لم يحدث شيء.
اقتربت فريال من ابنتها وهي تقول بجمود:
_ إذن لمَ حالتك هكذا؟!
فتحت عينيها تناظرها بتهكم مرير كان يقطر من بين حروفها حين قالت:
_وكيف ستكون حالتي وقد عاد زوجي من الموت لتوه ليجدني على وشك الزواج من رجل آخر؟ أخبريني أنتِ يا أمي لو كنتِ مكاني كيف ستكون حالتك؟
لأول مرة ترى بوادر حنان انبعث من عيني والدتها التي رقت نبرتها وهي تقول:
_ أعلم جيدًا ما تشعرين به، ولكنك لم تخطئي وقد أخبرته بذلك.
نور باستفهام:
_ما الذي أخبرته به؟!
_أخبرته بأنني من ضغطت عليكِ للقبول بهذا الزواج.
انكمشت ملامحها بصدمة تجلت في نبرتها حين قالت:
_هل قلتِ ذلك فعلًا؟!
فريال بتأكيد:
_نعم.
نور بتهكم:
_غريب! ألم تخافي من ردة فعله؟
فريال باستفهام:
_ولمَ أخاف؟ لم أفعل شيئًا خاطئًا وإن عاد بي الزمن سأعيد ما فعلته وهو لا يملك الحق في لومي.
انكمشت ملامحها بحيرة من حديث والدتها، فهدأت نبرة فريال قليلًا حين قالت:
_نور، أعلم أن ما سأرويه لكِ سيؤلمك، ولكنِ أريدك أن تكوني قوية ولتخلعي عنكِ ثوب الضعف هذا.. فإن أردتِ أن تحيي بسلام في هذا العالم عليكِ أن تكوني امرأة قوية لا تهابين شيئًا.
كلمات والدتها كان غريبة على مسامعها للحد الذي جعلها تقول باستنكار:
_أنتِ من تقولين هذا الكلام يا أمي؟!
_نعم أنا، أعلم بأنني كثيرًا ما أجبرتك على فعل أشياء رغمًا عن إرادتك، ولكن الزمان يتبدل وكل شيء تغير.
لاحت ابتسامة ساخرة على شفتيها، ففطنت فريال لما تفكر به فأردفت بجفاء:
_ لا تسخري من حديثي فأنا كل ما يهمني في هذه الحياة هو سعادتك أنتِ وشقيقك، ولهذا أجبرتك على الزواج من أشرف، لم أريدك أن تفني عمرك وحيدة بين جدران هذا القصر، أعلم ماذا تعني الوحدة وماذا يعني أن يضيق بكِ كل شيء ولا تجدي أحدًا تبكين على كتفه.
صمتت لثوانٍ تحاول نفض ما يعتريها من ألم، قبل أن تتابع بلهجة مشجبه:
_أردت رؤيتك سعيدة، أن تحيي ما حُرِمت منه أنا.
شعرت بأن والدتها تحمل الكثير في قلبها الذي فاض به الوجع، حتى بات يقطر من عينيها التي لأول مرة ترى بهما هذا الضعف، وما أن همت بالحديث، حتى فاجأتها فريال التي قالت بجفاء:
_فراس كان برفقة امرأة حين سقطت به الطائرة في تلك الرحلة.
تيبست لثوان بمكانها تطالع والدتها، التي كانت جامدة، ليس وكأنها للتو أشعلت بصدرها سهام مشتعلة تكوي بغير رحمة.
_ماذا تقولين؟!
هكذا تحدثت بنبرة مبحوحة، فأجابتها فريال بجفاء:
_ما سمعته، تلك المرأة هي إحدى شركائه، حين سقطت الطائرة وأعلنوا عن هوية من كانوا برفقة فراس تفاجئنا أنها كانت معه، وحين كنتِ بالمستشفى جاء زوجها مصدومًا، فقد أخبرته أنها ستسافر لرؤيه عائلتها وقد كذبت عليه وأخبرنا أنه كان يشك بأنها تخونه مع أحدهم والذي اتضح أنه فراس ولكنني في ذلك الوقت أشفقت عليكِ ولم أخبرك بالحقيقة.
راقبت فريال وقع كلماتها على مسامع نور، التي امتقع وجها وبهت لونه كما تزاحمت الأنفاس بصدرها، وهمست بنبرة فاقدة لكل معاني الحياة:
_إذن ما سمعته في الأسفل كان صحيحًا؟
فريال بتأكيد:
_ نعم كان صحيحًا، ولكنِ لم أخبرك ذلك لكي تنهاري أو تحزني.
كانت عينيها تغلي من فرط ما تشعر به من عذاب ولوعة، فأي ألم أشد على الأنثى من ألم الخيانة؟
_لماذا أخبرتني إذن؟!
اقتربت فريال منها قائلة بنبرة قوية مشددة على كل حرف تتفوه به:
_أخبرتك لتعلمي على أي أرض تقفين، ولتعلمي كيف تتعاملي معه وألا تجعلي ذلك الرجل يخيفك، أنتِ لم ترتكبِ أي شيء خاطئ.
فوجئت من حديث والدتها الذي كان ستارًا يخفي جراحًا عظيمة لا تعلم عنها شيئًا، وقد كانت جراحها تكفيها لذا صرخت بقهر:
_أمي هل تسمعي ما تقولين؟! إنك تتحدثين عن خيانة، لقد خانني، وأنا لم أعد أريد وجوده بحياتي بعد الآن، سأنفصل عنه.
صاحت بها فريال بغضب:
_مخطئة إن ظننتِ أن هذا الأمر محتمل حدوثه.
_ ماذا تقصدين؟!
هكذا استفهمت بقلة حيلة، فأجابتها فريال بقهر:
_الطلاق كلمة ليس لها وجود بقاموس العائلة، وما أن تتفوهي بها ستجدين ألف يد تصفعك حتى لا تعيديها مرة أخرى.
كانت كلماتها تقطر مرارة شعرت بها نور، التي قالت بألم:
_ ما بكِ يا أمي؟ أشعر بأن كلماتك تلك تخفي الكثير خلفها، ماذا يحدث؟
كان استفهامها إذنًا لفيضان كاسح من العبرات التي حبستها لسنوات، والآن لم يعد هناك شيئًا يفلح في قمعها:
_لا أريدك أن تصبحي مثلي، ولن أحتمل أن رؤيتك وأنتِ تعانين، لا أريد الخوض في تفاصيل ستؤلم كلانا، ولكنِ اسمعي أريدك أن تنجحي بحياتك وأن تصبحي امرأة قوية لا تهاب أحد.
نور باستفهام:
_تقصدين فراس؟
فريال بتأكيد:
_نعم، أعلم كم هو رجل قاسي وصعب المعشر، ولكنه أبدًا لن يؤذيكِ.. كما أعلم أن هناك شيئًا خاصًا لكِ بداخله، حتى ولو لم يفصح عنه، وهذه هي مهمتك.
نور بعدم فهم:
_ماذا تقصدين بمهمتي؟
فريال وهي تشدد على كل حرف تتفوه به:
_اخضعي ذلك الوحش واجعليه يصبح أسيرًا لكِ.
رددت ببلاهة:
_أسيرًا لي! وفراس؟ أمي هل عقلك ما زال في مكانه الصحيح؟
نهرتها فريال بحزم:
_تأدبي يا نور.. أعلم جيدًا ما أقوله، هو رجل وأنتِ امرأة، وبكِ كل ما يحتاجه أي رجل؛ جمال، وأنوثة، ورقي، بالإضافة إلى كونك زوجته، وهذا يجعل كل شيء أسهل.
لونت السخرية معالمها، حتى انطبعت على شفتيها في بسمة لم تصل إلى عينيها، وخرجت الكلمات مستنكرة من فمها، حين قالت:
_لا أصدق.. هل تطلبين مني إغوائه؟
فريال بسلاسة:
_وماذا في ذلك؟ هل عليّ أن أذكرك كل دقيقة أنه زوجك؟
ضاقت ذرعًا بما يحدث فهبت معاندة:
_أمي ما تقولينه دربًا من الجنون، فبعد أن علمت بخيانته لي لا أريد حتى رؤية وجهه وأتمنى أن يذهب إلى الجحيم الذي أتى منه، ولكن أتعلمين شيئًا؟ أنا أشعر بأن هناك سببًا آخر خلف حديثك هذا لذا رجاءً أخبريني به.
نظفت حلقها والتفتت إلى الجهة الأخرى، قائلة بمراوغة:
_أنتِ ما زلتِ تحت تأثير الغضب، ولهذا سأتركك لتهدئي قليلًا وبعدها نتحدث.
تعاظم الغضب بداخلها، ولكن نفذت طاقتها في الجدال فتجاهلت منحنى الرد وأخذت تتابع والدتها، التي توقفت أمام باب الغرفة ثم التفتت لتقول بجفاء:
_فكري بحديثي جيدًا وستجدين أنه الحل الصائب، ولتزيلي من عقلك فكرة انفصالك عن فراس؛ لأنها دربًا من دروب المستحيل.
لم تستطع تمالك نفسها وهي تصيح:
_أتعلمين شيئًا؟ بيوم من الأيام سأغادر هذا البيت ولن أعود أبدًا.
لأول مرة تراها بهذا الشكل وهذا التصميم الذي يتبلور بعينيها ولهجتها؛ لذا عادت أدراجها بخطوات وئيدة ونظرات غامضة لم تفهمها نور ولكنها فوجئت بها تقول:
_ للأسف لن تستطيعي فعل هذا أبدًا.
نور بحنق:
_استمري بهذا الحديث إلى أن يأتي ذلك الوقت وحينها سنرى.
استمهلت نفسها قبل أن تتحدث قائلة:
_أنا لن أمنعك ولكن إن كنتي تكنين بعض الولاء لذكرى والدك لن تفعلي.
نور بسخرية:
_حقًا وما دخل والدي بالأمر؟!
قابلت استفهامها بآخر:
أخبريني يا نور في الماضي كيف كانت علاقتك بفراس؟!
هكذا تحدثت فريال بترقب فشعرت نور بالتوتر الذي تجلي في نبرتها حين قالت:
_طبيعية، لمَ تسألين؟!
لم تكن جيدة في الكذب لهذا شملتها نظرات فريال التي قالت بجفاء:
_ لم تكن يومًا علاقتكما طبيعية يا نور وأنا أعلم ومهما حاولتِ أن تجعليها تأخذ هذا المسار لن تفلحي.
انكمشت ملامحها بحيرة من حديث والدتها وتجلى ذلك في نبرتها حين قالت:
_ماذا تقصدين؟!
أخذت نفسًا طويلًا كمن يعد نفسه لإشعال فتيل قنبلة يعلم ما ستحدثه من خراب ودمار وقالت بلهجة جافة:
_لقد كان فراس السبب في موت والدك.
بهتت ملامحها وانحبست الأنفاس بصدرها لثوانٍ بينما تدلى فكها للأسفل من فرط الصدمة فيما قامت فريال بمد يديها تحتوي كفوفها بحنان زائف تجلى في نبرتها حين قالت:
_أعلم وقع الصدمة عليكِ حبيبتي ولكن أرجو منكِ أن تتمالكي نفسك بسرعة؛ حتى لا نلاقي جميعنا نفس مصير أباكِ.
تقاذفت دقاتها بعنف آلم صدرها بينما جاهدت على إخراج الكلمات من شفتيها بصعوبة حين قالت:
_ ما الذي تقولينه يا أمي.
أطلقت تنهيدة قوية وتبدلت نظراتها إلى شجن تجلى في نبرتها حين قالت:
_لقد كان والدك رجل صالح وحنون ولكن لسوء حظه كان الابن الثاني للعائلة بعد رفيق والد فراس والذي كان بدوره يدير الشركات وجميع الأعمال وقد كان ماهرًا في ذلك أو هكذا ظننا.
صمتت لثوانٍ فأخذت نظرات نور المتوسلة تحثها على الحديث فتابعت:
_منذ أن تولى إدارة المجموعة حتى ازدهرت الأعمال وتزايدت الأرباح بشكل ملحوظ وقد جعل هذا والدك يشك وحاول أن يقطع شكه باليقين ليُصدم بأن أخاه يقوم بأعمال مشبوهة.
استطاعت بصعوبة إخراج صوتها حين قالت باستفهام:
_أي نوع من الأعمال المشبوهة؟!
_ السلاح والألماس وحتى المخدرات هذا ما توصل إليه والدك ذلك الحين وللأسف لم يتِح له الفرصة لمراجعة أخاه فقد توفي أو بالأحرى قُتِل.
وثبت شهقة قوية من جوفها تأثرًا بحديث والدتها التي تابعت تؤكد على حديثها:
_نعم هذا ما حدث والأدهى من ذلك أننا عرفنا بعد ذلك أنه كان متورطًا مع المافيا وهم من قتلوه.
همست بصوت خافت من فرط الصدمة:
_وما علاقة فراس بذلك؟!
فريال بقسوة:
_لقد حذا حذو أبيه وعمل معهم وحين حاول والدك ثنيه عن ذلك نهره وبشدة حتى أنه هدده بالقتل ولأن والدك كان رجلًا شريفًا لم ينصاع إليه وأخبره بأنه سيسلمه بيده للشرطة وهكذا وشي به فراس فقتلوه.
جرت عيناها على ملامح نور المصدومة وعيناها اللتان استنكرتا ما تسمعناه أذناها وأعلنت غضبها وهي تذرف دموع الألم فأتقنت فريال استغلال الفرص حين صبت النيران على بنزين غضبها وقالت وهي تشدد على كل حرف تتفوه به:
_ لقد قتل فراس والدك.
تخبطت سحبها فأمطرت ألمًا كانت تئن به كل خلية بها فقد كانت زوجة لقاتل أبيها لمدة أربع سنوات، اختلط الغضب بالحزن وصاحت بمرارة وكأن صبارًا نبت في جوفها:
_ولمَ وافقتِ إذن على زواجي منه؟! لمَ لم تقولي لا وتسانديني حين أردت رفض تلك الزيجة؟!
سؤال متوقع كانت تعِد إجابته قبل أن تطرح هذا الأمر الشائك فأتقنت ذرف عبرات مزيفة وهي تقول بحزن مفتعل:
_كنت أخشى عليك أنتِ وأخاك أن ينالك ما نال أباكم، كنت أخشي أن أفقد أي منكما.
سطا الاستنكار على ملامحها ونبرتها حين قالت:
_تخشي أن تفقدي أيًا منا! ولهذا أرسلتني إلى عرين الوحش بيديك! زوجتيني من هاديس أمير الظلمات ليسحبني إلى عالمه المظلم إلى الأبد.
توقعت ثورتها لهذا اقتربت تعانق كتفيها وهي تتقن ارتداء ثوب الوهن قائلة:
_لأني أعلم أنكِ الوحيدة القادرة على ردعه والنيل منه.
نور بذهول:
_ماذا؟!
أكدت فريال على كلماتها قائلة:
_ نعم، فراس يعشقك يا نور، أنتِ نقطة ضعفه الوحيدة.
تجاهلت تلك الضجة التي انتابت قلبها حين سمعت كلمات فريال وتحول ذهولها إلى رفض قاطع حين قالت:
_بالله عليكِ هل تستمعي لما تتفوهين به؟! منذ دقائق أخبرتني بأنه يملك مشاعر نحوي والآن تؤكدين أنه يعشقني أي عشق هذا الذي تتحدثين عنه؟!
قاطعتها فريال بانفعال:
_أعلم أنكِ تستنكرين حديثي ولكنها الحقيقة هو الآخر لا يدرك مشاعره نحوك لأنه فردًا من رجال تلك العائلة اللعينة الذين يعتبرون أن الحب ضعف.
صاحت نور بذهول:
_أمي هذه أول مرة أسمعك تسبين العائلة أو حتى تتحدثين بتلك اللهجة.
قاطعتها للمرة الثانية وهي تقول بلهجة أقل انفعالًا:
_اسمعيني جيدًا نور، هناك الكثير من الأشياء التي ينبغي عليكِ معرفتها وأولها أنني أكثر من عانى بسبب تلك العائلة ولكني لا أهتم، جل ما أريده هو الاطمئنان عليكِ وشقيقك والأخذ بثأر والدك.
نور بسخرية مريرة:
_حقًا، وكيف تعتزمين القيام بذلك؟
فريال مصححة:
_أنتِ من ستقومين بذلك وليس أنا.
*****
_ لا أصدق عيني... كيف تنام بتلك السهولة بعد أن أشعلت الحرائق بكل مكان؟!
هكذا تحدث زين، وهو يسكب قنينة المياه فوق رأس شاهين النائم بعمق على الفراش؛ ليهب من مكانه مفزوعًا حين لامس الماء المثلج جسده.
_ما الذي يحدث؟!
هكذا صرخ شاهين، وهو يناظر والده الذي كان الغضب يقطر من بين نظراته ويجتاح نبرته حين صاح به:
_وبكل وقاحة تسأل ماذا حدث؟ لقد تركت زوجتك وأطفالك المنزل وأنت نائم كالخنزير.
زفر شاهين بحنق وحاول أن يكظم غيظه الذي كان يأكل داخله، وتجاهل وقع ما حدث على قلبه، فأطلق زفيرًا حادًا قبل أن يقول من بين أسنانه:
_وما شأني إن تركت المنزل أم لا؟
جن جنون زين من حديثه وهدر بعنف:
_ما هذا الذي تقوله؟ أقول لك زوجتك تركت المنزل هي وأطفالك وذهبت إلى بيت والدها هل أنت معتوه أم ماذا؟
شاهين بقسوة:
_لست معتوهًا ولم أرتكب أي جريمة لأعاقب عليها.
زين بصياح:
_هدمت بيتك، هل هذه ليست جريمة في نظرك؟!
شاهين بسخرية مريرة:
_أي بيت هذا الذي تتحدث عنه؟ لم أكن اشعر بأنني متزوج من الأساس.
زين بسخرية:
_هل هذه مزحة؟ اسمعني إياك أن تتحدث بالسوء عن هدى وإلا...
قاطعه شاهين بجفاء:
_لن أفعل؛ ولذلك لا تضطرني للخوض في أسباب زواجي وتجاوز عن الأمر فما حدث حدث وانتهى.
احتقن وجه زين بالغضب الذي تجلى في نبرته حين قال:
_ لم ينتهِ، ولن نترك الأمر هكذا، فهدى لن تقبل به.
تجاهل طنين الألم بقلبه وقال بجفاء:
_لا أنتظر قبولها.
_ماذا لو طلبت الطلاق؟!
كان استفهامًا يراوغه منذ أن وطأت أقدامه أعتاب علاقته مع هناء، ولكنه لم يكن يملك الجرأة للمواجهة التي لم يجد بد منها الآن لذا أطلق زفيرًا قويًا من جوفه قبل أن يقول بفظاظة:
_سأنفذ ما تريده
.
تصدعت ملامح زين من فرط الصدمة التي تجلت في نبرته حين قال:
_بهذه السهولة تستطيع أن تضحي بها؟ إنها هدى! تلك الفتاة التي سلبت عقلك في الماضي وكنت تود اختطافها حين أخبرك والدها أنها ما زالت صغيرة على الزواج.
صرخ بقهر يسكن أعماق قلبه:
_لم تعد هي! لم تعد تلك الفتاة التي وقعت بعشقها سابقًا تحولت لامرأة أخرى أكره تفاصيلها.
كلماته حوت معاني مستترة فطن إليها زين الذي شعر بالشفقة على تلك الفتاة التي كانت ضحية لتسلط زوجته فقال بنبرة معاتبة:
_كان عليك أن تتحدث معها وتخبرها بأنك غير راضي على علاقتكما وعن تحولها بهذا الشكل.
لونت السخرية معالمه وانبثقت من بين حروفه حين قال:
_اللعنة على الحديث، لقد مللت منه، لقد تحدثت حتى ملت هي الأخرى وباتت تتجنبني مؤخرًا.
زين باستنكار:
_منذ متى ساءت علاقتكم بهذا الشكل؟!
تجاهل ذلك الجرح النازف بصدره وقال ساخرًا:
_منذ مدة أبعد من أن أتذكرها.
فرك عينيه بكلتا يديه وهو يتربع على المقعد خلفه، ثم أردف بجمود:
_اتركها عند والدها حتى تستطيع التفكير بروية، وأنا على ثقة أن حزنها لن يدوم طويلًا، فزوجتي أخرجتني من حياتها منذ زمن.
المرارة التي تقطر من بين كلماته توحي بعمق ما يشعر به وما يحدث داخله، لذا قال محاولًا التخفيف من وطأة الأمر:
_لا تقل هذا الكلام فهدى تحبك كثيرًا، وأنا أكثر من يعلم.
غصة صدئة تشكلت في حلقة تجاهلها بصعوبة قبل أن يقول بجفاء:
_لم يعد الأمر مهمًا... سأذهب للاستحمام قبل الذهاب إلى المكتب.
فجأة تذكر زين ما حدث البارحة فصاح بخشونة:
_أما زلت لا تعلم بعد.
قطب جبينه قبل أن يقول باستفهام:
_ما الذي لا أعلمه؟!
ألقى زين قنبلته بروية:
_ لقد عاد فراس أمس.
******
_فراس، هل أنت هنا حقًا، لا أصدق عيني.
هكذا قال شاهين، الذي ما أن سمع من والده بعودة فراس صديق عمره وابن عمه حتى هرول قاطعًا المسافة البسيطة التي تفصل القصرين في لمح البصر؛ ليتوجه رأسًا إلى غرفة المكتب الذي فتحه دون أن يطرق على الباب؛ ليتفاجأ بفراس الذي يجلس على مكتبه يمسك بالهاتف، الذي وضعه ما أن رأى شاهين يقف أمامه بأعين جاحظة غير مصدق.
_يا إلهي إنها معجزة.
فراس بسخرية:
_ إنها حقًا معجزة.
هتف بطريقة مضحكة:
_اللعنة، إنه صوته فعلًا، أنا لا أحلم.
لاح شبح ابتسامة على فم فراس حين قال بتخابث:
_اقترب أكثر لترى إن كان حلمًا أو حقيقة.
ابتلعت الفريسة الطعم واقترب شاهين قائلًا بشوق:
_لا أصدق أنك هنا يا صديقي، لقد اشتقت إليك كثيرًا.
ما أن أوشك على معانقته حتى تفاجئ بلكمة قوية أطاحت بفكه وجعلته يتراجع عدة خطوات للخلف، فصرخ بصدمة ممزوجة بألم:
_آه . ما هذا يا رجل؟ هل هكذا ترحب بي بعد طول غيبتك؟
اكفهرت ملامحه واسودت عينيه، حين زأر بغضب:
_ أي الأصدقاء أنت أيها الوغد؟ أعود بعد كل تلك الغيبة لأجد زوجتي تُزف لآخر؟ أين كنت مما يحدث؟
شاهين باندفاع:
_كنت أتزوج أنا الآخر.
انكمشت ملامحه بامتعاض وصاح مستنكرًا:
_ماذا؟!
أخذ يفرك مكان اللكمة، وهو يقول بحنق:
_مثلما سمعت، تزوجت على هدى.
تجاهل ضجيج قنبلته، وصاح بجفاء:
_هل أقتلك الآن أم ماذا؟
لون الملل ملامحه حين قال بامتعاض:
_ ولمَ تقتلني؟ هل أنا من أسقطت طائرتك وزوجت زوجتك، إنها زوجة عمك.. تلك الطاغية التي لا يقدر عليها سوى الله.
احتدت ملامحه الخشنة حين أتى شاهين على ذكرها وقست نظراته، فأردف شاهين باستفهام:
_هيا الآن أخبرني أين كنت كل تلك المدة؟ وكيف نجوت من ذلك الحادث البشع؟ لقد شاهدت بعيني الجثث المحترقة.
اكتظت عينيه بالخيبة التي تتنافى مع خشونة لهجته حين قال:
_قابلت أكثر من نصف العائلة منذ أن عدت، ولم يتذكر أحدهم بأن يسأل ماذا حدث لي طوال تلك المدة؟
تشدق ساخرًا:
_هذا يعني أنني صديق جيد أو لنقل صديقك الوحيد.
شيعه بنظرات محتقنه قبل أن يتمتم بخشونة:
_بل أسوأ الأصدقاء على الإطلاق.
شاهين بملل:
_لا تطل الأمر، فلم أكن موافقًا ولم أحضر تلك المهزلة وهذا كل ما استطعت فعله.
دار حول مكتبه ليجلس على المقعد خلفه وهو يقول بوعيد:
_ لا تثرثر كالفتيات بالنسبة إليّ أنت معاقب مثلهم.
صاح بحنق:
_اللعنة على همجيتك، وكيف تنوي عقابنا يا تُرى؟!
قست عيناه وأطلق سهام غضبه الحارقة:
_لن أكتفي بإحراقكم أحياء.
تقدم شاهين يجلس على المقعد أمام المكتب، وهو يقول ساخرًا:
_أمهلني بعض الوقت كوني لم أشارك مباشرة في هذه الجريمة ودعني أستمتع بزواجي أولًا؛ إكرامًا لصداقتنا.
زفر بملل وهو يتمتم:
_أسوأ ما في الأمر هو أنني سأضطر إلى تحمل سماجتك مرة أخرى.
تجاهل حديثه وقال بهدوء:
_هيا أخبرني ماذا حدث معك؟
ترك ما بيده وتشابهت عينيه مع لهجته حين قال بجمود:
_تلك السفرة كانت محاولة لقتلي.
_ماذا تقول؟!
أراح جسده للخلف وهو يجيبه بجفاء:
_أتذكر حين أخبرتك قبل السفر بثلاثة أيام أنني سأقابل الروس لإتمام صفقة الأسلحة؟!
_أجل، أذكر.
استطرد فراس بجمود:
_لقد كنت أعلم أنها تراقبنا وتستمع إلى محادثتنا، لهذا أردت تضليلها، من البداية أعلم أنها خائنة، ولكن تركتها لأعرف لحساب من تعمل.
شاهين يترقب:
_وهل علمت؟!
_ نعم.
شاهين بحماس:
_لحساب من تعمل؟ هيا أخبرني يا رجل يكاد الفضول يأكلني.
اختصر غضبه ووحشية ما يشعر به في كلمة واحدة:
_فريال.
يتبع ...
برجاء الدعاء لوالدتي بالشفاء العاجل ♥️
رواية كواسر أخضعها العشق ❤️🔥 الفصل الرابع 4 - بقلم نورهان العشري
قبل ما تقروا بليز متنسوش الڤوت و الكومنت تقديرًا لتعبي ♥️
و متنسوش الكومنتات على الفقرات اللي حبتوها ♥️
★★★★★
❤️🔥 الخضوع الرابع ❤️🔥
تلك الطعنات النافذة بأعماق روحي لم تأتِ من عدوٍ يمقتني، بل جاءت من حبيب أدرت له ظهري، وقد ظننت بأنه خير من يحفظني فكان أسوأ من قتلني، فلم يجهز على الروح وحسب! بل أذاقها ويلات الخذلان، فكان الألم مزدوجًا من ناحية هلاكِ ومن ناحية أخرى غدرك بي، وهكذا انقطع بيننا درب الغفران ليصبح هوة عميقة تُقصينا للأبد.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
انزع من قلبك كل ما يؤلمه حتى ولو كان عزيزًا، أطلقت من جوفها ثاني أكسيد الوجع الذي فاض به القلب وذرفته مقلتاها على هيئة أنهار من العبرات التي أغرقت صدرها ولم تفلح في إطفاء نيرانه، فقد كُسِر قلبها دون رحمة على يد من توجته على عرشه ملكًا فبغى وأفسد، وكانت هي أول ضحاياه.
لم يكن قلبها هو الضحية الوحيدة في الأمر، بل كبرياءها أيضًا نال حقه، فقد فضل أنثى أخرى عليها ووشمها باسمه لتصبح زوجته،
حقيقة مرة وواقع مؤلم وأسوأ ما قد يحدث لامرأة أن يتزوج عليها زوجها، ولم يكتفِ بذلك بل دهس بشاحنة اعترافه على جراحها دون أن يهتز له جفنٍ من الرحمة.
أي وحش هذا الذي عشقته واختارته زوجًا لها من دون الرجال؟
أطلقت آهات الألم من بين شفتيها التي تشققت من فرط البكاء وأخذت عيناها تنزف الوجع على هيئة أنهار لا تنضب أبدًا.
_ هل تنوين قضاء الباقي من عمرك في البكاء؟!
هكذا تحدثت "راوية"، والدتها التي تقطعت نياط قلبها حزنًا على رؤية ابنتها الوحيدة بهذه الحالة، ولكن لسوء الحظ فهي لا تملك أي شيء قد يخفف عنها عذابها.
_ اتركيني وحدي يا أمي.
"راوية" بحزن:
_ لا أستطيع تركك وأنتِ في هذه الحالة.
ارتجفت نبرتها من فرط الألم حين قالت:
_وما الذي سيحدث لي أسوأ مما حدث؟!
احتوت كتفاها بين ذراعيها وأسندت رأسها بجانب رأس ابنتها، قبل أن تقول بخفوت:
_هوني عليكِ يا حبيبتي.. لا شيء في العالم يستحق دموعك أبدًا.
تلوت أضلعها بداخلها من فرط الألم الذي كان يقطر من بين حروفها حين قالت:
_تلك الدموع ليست بشيء؛ فهناك جرحٍ غائرٍ بمنتصف قلبي ينزف دمًا.
امتزجت عبرات الأم وابنتها التي كانت ترتجف من فرط الألم الذي ينخر عظامها، فأخذت "راوية" تشدد من عناقها وهي تقول بلوعة:
_لا، لا، رجاءً توقفي عن قول هذا، فقلبي لا يحتمل رؤيتك هكذا.
شهقات متتالية، وعبرات غزيرة، وكلمات متقطعة كانت تخرج من بين شفتيها، فقامت "راوية" بالاعتدال وامتدت يديها تحاوط وجه "هدى" وهي تقول:
_اهدأي حبيبتي، كل شيء سيكون على ما يرام، أعدك.
جفت ينابيع الأمل بداخلها فقالت بمرارة:
_بالله عليكِ يا أمي ما الذي سيكون على ما يرام؟ هل ما زلت طفلة قد تضحكين عليها بمثل هذه الكلمات؟!
"راوية" بحنان ممزوج بالوجع:
_أجل، أنتِ بعيني طفلة لا تكبر أبدًا.
"هدى" بقهر يلون معالمها:
_كبُرت! تضاعف عمري حتى أصبحت أشعر بأني امرأة مسنة من فرط الوجع.
_يجب أن تتغلبي على هذا الوجع قبل أن ينهيك يا "هدى"، أعلم كم أن قلبك يؤلمك، الخيانة بشعة ووجعها لا يحتمل، ولكن يجب أن تكوني أقوى لأجل نفسك فهي تستحق.
هكذا قالت "راوية"، فأجابتها مغلولة:
_وجع قلبي ستتكفل به الأيام يا أمي، أما عن وجع كبريائي وكرامتي المهدورة فلن يهدأ ما دمت زوجة ذلك الحقير.
ناظرتها "راوية" بصدمة لم تتخطَ حدود شفتيها، فأردفت "هدى" بحزم بعد أن مسحت أناملها خط العبرات الذي لم ينقطع فوق وجنتيها:
_سأطلب الطلاق، وسأنفصل عن هذا الخائن في أسرع وقت ممكن.
_على جثتي أن يحدث هذا الأمر.
انتفضت المرأتان على ذلك الصوت الغاضب القادم من أمام باب الغرفة، والذي كان ل"رؤوف الوالي" والد "هدى"، التي هبت من مقعدها تناظره بصدمة انبثقت من بين شفتيها على هيئة حروف مبعثرة:
_ ما هذا الذي تقوله يا أبي؟!
تقدم إلى منتصف الغرفة بملامح متجهمة تشبه نبرته حين قال:
_ما سمعتِ، الطلاق أمر مرفوض بشكل قاطع، وعليكِ أن تُقصيه من عقلك.
اخترقت كلماته القاسية مسامعها مرورًا بقلبها الذي انتفض ذعرًا من تلك القساوة التي تنبعث من نظرات أقرب الناس إليها، فهمست بقهر:
_هل ستجبرني أن أكمل حياتي مع رجل خائن يا أبي؟
لم يتأثر خارجيًا ولم ترتخِ ملامحه قيد أنملة، إنما تابع بجفاء:
_لم يخنك، لقد تزوج على سنة الله ورسوله، ثم إن هذا الخائن كان من اختيارك وقد حذرتك سابقًا أن له تاريخ غير مشرف مع النساء ولكنكِ لم تهتمي، والآن لن أتحمل نتيجة سوء اختيارك، ولن أقبل أن تحمل ابنتي لقب مطلقة أبدًا، هل فهمتِ؟!
تزاحم الشعور بداخلها بعد أن تزايدت جرعات الخذلان في قلبها الذي لم يحتمل كل هذا القهر فتهدلت أكتافها وشيعت والدها بنظرات قاتلة تحمل الخيبة والألم معًا، فتجاهل ما شعر به من تأنيب ضمير تجاهها وواصل حديثه الجَدي:
_لقد هاتفني زين منذ قليل يخبرني بأنه سيأتي ليأخذك مساءً ولم أمانع، أما بخصوص زوجك المحترم فباستطاعتك أن تؤدبيه وأنتِ معززة مكرمة بمنزلك، أن تتركِ المنزل وتطلبي الطلاق ليس حلًا.
اختتم كلماته وغادرتها عينيه، حتى لا يرى وقع حديثه عليها، وتوجه بأنظاره إلى "راوية" التي كان العتب ينبعث من نظراتها، فلم يبالِ إنما قال بجفاء:
_أعيدي عقلها إلى مكانه وأخبريها كيف تتعامل مع زوجها، الذي بالمناسبة هو فقط من عليها إرضاءه.
قال كلمته الأخرى بحنق لم يفلح في قمعه، ثم غادر وسط أنظار "هدى" التي برقت عيناها من جملته الأخيرة، فالتفتت إلى والدتها تقول بصدمة:
_هل ما أسمعه حقيقي؟ هل يريد مني إرضاءه بعد ما فعل بي؟
تشابهت عينيها مع لهجتها حين قالت بحنان:
_لا يا حبيبتي لا يقصد ذلك، إنما والدك منذ فترة وهو غير راضي عن...
توقفت ولم تدرِ كيف تصيغ كلماتها فتضاعف الفضول بداخلها، وقالت تحثها على الحديث قائلة:
_ أكملي يا أمي، ما هو الذي لا يرضى عنه والدي؟!
_مظهرك يا هدى.
انكمشت ملامحها بصدمة:
_مظهري! وما به مظهري؟
"راوية" بسخرية:
_ أتسألين؟ انظري إلى نفسك وإلى تسريحة شعرك التي تشبه امرأة في الستين من عمرها وأيضًا ملابسك التي لا تشبهك أبدًا ولا تلائم عمرك، سأخبرك أمرًا فقد تنبأ والدك بما حدث منذ فترة، وأخبرني نصًا أن شاهين قد يفعلها ويتزوج على ابنتك إن لم تلتفت إلى مظهرها قليلًا.
أفقدتها الصدمة القدرة على الحديث لثوان، ثم انفلتت ضحكة ساخرة من بين شفتيها قبل أن تقول باندهاش:
_هكذا إذن، هل مظهري مريع إلى هذه الدرجة؟ ثم إن مظهري هذا يعجب كثيرًا السيدة زينات والدته، التي لم يقف لمرة واحدة أمامها ليحميني من بطشها وسموم كلماتها.
راوية بحنق:
_لهذه تحديدًا أخبركِ والدك بأن زوجك هو من عليكِ أن تطيعيه، لا والدته.
هدى بانفعال:
_ آه، هذا ما تقولينه أنتِ؛ لأنك لا تجلسين وجهًا لوجه معها أكثر من اثنا عشر ساعة في اليوم، وإن رأتك بشكل لا يعجبها . نظراتها فقط قادرة على جعلك تتمنين الموت محترقة أفضل لكِ.
_وها أنتِ احترقتِ، أين هي الآن؟
استفهمت راوية بغضب، فلم تستطع أن تجيبها هدى، فتابعت قائلة بتقريع:
_اخترت الاتجاه الخاطئ يا هدى، وقد نبهتك قبلًا ولم أخبرك عن السبب، ولكن شاهين قد تحدث معي وأخبرني بأنه لا يجدك، دائمًا منشغلة إما مع الأولاد أو مع والدته وقد أغضبه هذا كثيرًا.
صاحت بكل ما يعتمل بداخلها من قهر:
_أمي هل تخلقين له الحجج والمبررات لفعلته النكراء معي؟
راوية بلهفة:
_ لا أبدًا، ولكنِ أخبرك بما حدث، نعم هو مخطأ وخطأه لا يغتفر، ولكن واجبي أن أخبرك بخطئك أنتِ أيضًا.
اجتاح قلبها ألم هائل أفقدها القدرة على الحديث، فأردفت راوية بتعقل:
_الزواج أساسه العفة، أن تعفي زوجك في كل شيء فلا يلجأ لأخرى، رأيت بعيني كم أن زوجك يعاني وأخبرتك سابقًا، وحاولت لفت انتباهك، ولكنك اعتمدتِ علي حبه الكبير لكِ سابقًا ولم تبالي، ولكن الرجال يختلفون عنا؛ تبرد عواطفهم مع البعد وكثرة الإهمال.
لم تحتمل الصمت أكثر فأطلقت العنان لصرخاتها تملأ المكان:
_غير صحيح، لم أهمله بإرادتي؛ لقد كنت أهرول هنا وهناك مع أولاده، حتى أجعلهم شيئًا يفتخر به، إضافة إلى مهامي كزوجة الابن الكبير لزين النعماني والتي لا تنتهي وهو شاهد على طباع والدته الحادة وتسلطها، ولم يتدخل مرة للوقوف بجانبي أو التخفيف عني، الآن أصبحت أنا المذنبة والزوجة المهملة التي هرب منها زوجها وتزوج عليها؟! بالله عليكِ أي تجبر هذا الذي ترتكبونه في حقي؟
قالت جملتها الأخيرة بصراخ نابع من قهر كبير يستوطن خلايا قلبها، فاقتربت منها والدتها تحاول أن تخفف عنها وتهدئ من روعها قليلًا إذ قالت بحنو:
_ اهدأي حبيبتي رجاءً، نحن نقدر ما تشعرين به ولا نقصد التجبر عليكِ أبدًا، ولكن..
قاطعتها بانفعال:
_ولكن ماذا؟ كل هذا لأجل ألا اطلب الطلاق وتحمل ابنتكم لقب مطلقة، وكأنني ارتكبت ذنب عظيم، حسنًا يا أمي، قبلت، لن أتطلق سأقبل القهر والذل حتى لا تتأثر سمعة عائلتكم النبيلة.
حاولت راوية تهدئتها إذ قالت برفق:
_من فضلك اهدأي، لن يحدث إلا ما تريدينه، أعدك.
لم تسعفها الكلمات للحديث، فتهدلت أكتافها بقهر، وأراحت رأسها على كتف والدتها بتعب تقطر من عينيها على هيئة أنهار من العبرات، التي تروي حكاية وجع امرأة أسلمت روحها ذات يوم لرجل، فرشت له قلبها بالورد ظنًا منها أن الوفاء طبعه، ولكنها نست أن بعض الظن إثم! وأن للورد أشواك انغرست بقلبها دون رحمة، والذي كان خطأه الوحيد أنه أعطى الأمان لخائن.
**********
هب شاهين من مقعده، وهو يصيح باندهاش:
_ماذا؟!
تجاهل صدمته قائلًا:
_لم تكن تريد الخلاص مني فحسب، بل أرادت الخلاص من "لورا" أيضًا حتى تمحو جميع الدلائل خلفها.
شاهين بعدم فهم:
_على رسلك يا رجل، لقد أرسل مخي إشارات تعجب، لم أستطع استيعاب ما تقوله، كيف تأكدت من ذلك؟
توجه إلى النافذة يراقب الأجواء الشتوية في الخارج، وهو يجيبه بخشونة:
_قبل السفر بيوم أتتني لورا في الفندق، فقد كانت تعلم باجتماعي مع رؤساء المجموعة، وحاولت إغوائي وحينها وضعت جهاز تتبع بملابسها يمكنني من معرفة جميع تحركاتها و..
صاح شاهين يقاطعه بحماس:
لحظة، لحظة، لحظة.. أنت تفوت عليّ أهم الأحداث. قلت إنها جاءت لإغوائك، ثم قفزت إلى جهاز التتبع اللعين ذلك، أين ما حدث قبل أن تضع هذا الجهاز وكيف وضعته؟ هل ضاجعت تلك الحسناء؟
التفت يناظره بسخط تجلى في نبرته حين قال:
_بالله عليك كف عن التفاهة، فأنا قضيت أكثر من سنة ونصف أصارع الموت في تلك الجزيرة القاحلة وأنت هنا تسأل عن مضاجعة تلك اللعينة!
هب شاهين من مكانه قائلًا بحنق:
_ لا تحاول والله لن أتزحزح، ولا بد أن أعلم هل ضاجعتها أم لا؟
ابتلع غضبه الحارق قبل أن يقول بتوعد:
أعطيتها ما تريد على طريقتي، أنا لا أضاجع العاهرات، وإن سألت عن أي شيء في هذا الأمر أقسم سأبدأ بك الآن.
شاهين بامتعاض:
_اللعنة عليك، هل فوت تلك الفرصة؟ وماذا سأنتظر من رجل بليد مثلك.
اكفهرت معالمه وقست نبرته حين قال متوعدًا:
_هل ستصمت أم أكسر أنفك هذه المرة؟
تجاهل وعيده وقهقه بتخابث، قبل أن يقول مازحًا:
_أعتقد أن تلك المرأة ماتت مشلولة من برودك.. هيا أكمل ماذا حدث بعدما وضعت جهاز التتبع؟
تجاهل مزاحه وتابع بجفاء:
_أخبرت فريال بما حدث وعن أمر تلك السفرية، بعدما أخبرتها أن الجميع يعلم أنني مسافر إلى الهند وبناءً على ذلك اقترحت فريال عليها السفر برفقتي، وإيقاعي في شباكها حتى تستطيع تخليص ابنتها مني.
صاح شاهين بصدمة:
_ هل جنت تلك المرأة أم ماذا؟ كيف تخلصها منك وهي من كادت أن ترقص فرحًا حين طلبت يد نور للزواج.
أكمل بلهجة محتقنه:
_وقد نالت مرادها بالزواج، وإنجاب الوريث، فما حاجتها إليّ بعد الآن؟
شاهين بصدمة:
_لقد أرادت أخذ كل شيء، اللعنة كم أنها امرأة ساقطة.
فراس بوعيد أطل من عينيه التي كانت مشتعلة بنيران الانتقام:
_نعم ساقطة، تريد أن ترد الصاع وتنتقم لما حدث في الماضي، ولكن أقسم سأجعلها تندم.
شاهين بقسوة:
_هذا هو تحديدًا ما يجب أن يحدث، هيا أخبرني خطتك.
فراس بقسوة:
_سنبدأ بالحرب الباردة، فأنا أهوى تعذيب فريستي أولًا، لا أحب النهايات التي تأتي سريعًا.
شاهين ببسمة مستمتعة:
_لقد اشتقت للعب يا صديقي.
غزت ملامحه ابتسامة مخيفة تشبه نبرته حين قال:
_ستلعب حتى تمل، لا تقلق.
*****
_ استمع إليّ جيدًا يجب أن تغادر البلاد هذه الفترة حتى تهدأ الأجواء وسأطلعك بكل جديد لا تقلق.
هكذا همست فريال وهي تتحدث في هاتفها الخاص، فجاءها صوت أشرف المختنق رعبًا:
_هل أنتِ مجنونة؟ كيف أسافر في هذا التوقيت؟ أنتِ تعلمين وضع الشركة إنها على مشارف الإفلاس.. إن غادرت الآن يعني أنني انتهيت.
حاولت فريال طمأنته قائلة:
_اهدأ عزيزي لن يحدث ذلك، فأنا سأساعدك أقسم، عودة ذلك الوغد أفسدت كل مخططاتنا، ولكني لن أتركك لتسقط، أمهلني بعض الوقت.
صاح منفعلًا:
_كم من الوقت؟ أحتاج إلى المال حتى إن سافرت.
فريال بلهفة:
_سأعطيك، ولكن أرجوك غادر، فأنا لا أضمن هذا المتوحش، فهو حتمًا لن يتركك بعد ما حدث.
داهمته حوافر الخوف حتى جرحت ثباته، فأذعن لاقتراحها وقال بسخط:
_حسنًا سأغادر مساء اليوم إلى هولندا، ومن هناك إلى إيطاليا حتى لا يستطيع تتبعي.
فريال باندفاع:
_جيد، فقط استخدم الهاتف الآخر حتى أستطيع التواصل معك وأغلق هذا مع جميع حساباتك، فهذا الرجل خطير ولا يستطيع أحد أن يعرف بماذا يفكر.
أشرف بنفاد صبر:
_حسنًا، حسنًا فهمت، سأغلق الآن لقد سئمت من ثرثرتك.
أنهى المكالمة وقامت فريال بغلق الهاتف، ثم ألقته على السرير خلفها وهي تقول بحنق:
_اللعنة عليك فراس النعماني، اللعنة على كل تلك العائلة.
******
حاوطت صغيرها بذراعيها وكأنها تحتمي به من وحشة ذلك الشعور بداخلها، والذي كان عبارة عن مزيج من الحزن والغضب والخيبة، التي لونت ملامحها الجميلة فبدت واهنة ذابلة تشبه حياتها كثيرًا، فقد أمضت اليوم بأكمله برفقته، تنشد الهدوء والراحة هاربة من هذا الضجيج في الخارج.
_ أمي هل أنتِ بخير؟!
هكذا استفهم إياد فحاولت رسم ابتسامة هادئة على ملامحها، قبل أن تجيبه برقة:
_نعم أنا بخير، لا تقلق.
الطفل ببراءة:
_كنت أظنك ستكونين سعيدة، لقد عاد أبي من الجنة، وأنا سعيد للغاية، ألستِ سعيدة؟
كان سؤالًا لا تملك إجابته، فهي لا تعلم هل هي فرحة بأنه ما زال على قيد الحياة أم حزينة؟
شعور غريب داخلها استنكر الاحتمال الأخير، فحتمًا هي لا تتمنى له الموت بالرغم من معرفتها بأمر خيانته الذي كان قاس للغاية ومرير، حتى ولو لم تكن تعشقه، ولكن الخيانة أمر مريع لا تتحمله أو تقبله أي أنثى، وقد انتوت أن تستمع إلى كلمات والدتها وأن تأخذ ثأرها على طريقتها.
_هل سؤال إياد يحتاج إلى كل هذا التفكير؟!
شهقت متفاجئة حين وجدته يقف خلفها بطلته المخيفة وهيبته الطاغية ويداه تتشابك خلف ظهره، بينما كانت ملامحه كما عهدتها قاسية بل أقسى من ذي قبل وعينيه متوهجة مشتعلة وكأن الشمس اختارتها مسكنًا لها.
_منذ متى وأنت هنا؟!
كان استفهامًا خافتًا مرتجفًا من قبلها، مما جعله يتقدم خطوتين تجاهها وهو يعيد سؤاله بطريقة أخرى:
_منذ أن طرح إياد سؤاله عليكِ، ألستِ سعيدة بعودتي؟
التقت الأعين بنظرة طويلة بعثت الرهبة في أوصالها، فحاولت الهرب بعينيها منه حين قالت ويديها تلهو بخصل شعر إياد:
_وهل يمكن ألا أفعل؟
لم تهتز نظراته أو تفارقها، إنما قال بخشونة موجهًا حديثه إلى الصغير:
_إياد هيا لتناول عشاءك فالأنسة "ملك" تنتظرك بالأسفل.
تحرك الطفل وهو يقول بامتثال:
_حسنًا يا أبي.
كانت فرصتها الوحيدة للإفلات من بين براثن الأسد، فهبت خلف إياد قائلة:
_ انتظر سآتي معك.
ما كادت أن تمر به حتى اجتذبت قبضته الغير رحيمة خصرها، وبيده الأخرى أغلق الباب خلف الصغير، لتجد أنها وقعت في الفخ المنصوب تمامًا
_ إلى أين؟!
رجفة قوية ضربت سائر جسدها الذي كان ينتفض بين يديه، بطريقة جعلت الدهشة تخيم عليه للحظات قطعها صوتها المرتجف حين قالت:
_سأذهب مع إياد لأساعده في تناول طعامه.
فراس بفظاظة:
_وما دور المربية إذن؟
عاندته بخفوت:
_أنا والدته ويجب عليّ الاطمئنان على كل شيء يخصه.
اختصر حديثه في كلمات بثت الرعب في قلبها خاصةً حين أصبحت لهجته خافته مخيفة:
_في وقتٍ لاحق، والآن ألن تبرهني على سعادتك بعودتي؟
خفقة قوية ضربت قلبها الذي كان يدق بعنف دوى طنينه بأذنيها، ولكنها تذكرت كلمات والدتها حين أخبرتها بأنه لن يؤذيها، فقط أن تعرف كيف تتعامل معه؛ لذا حاولت أن تجعل نظراتها صافية براقة وهي تناظره، ورققت لهجتها حين قالت:
_وكيف تريد مني أن أبرهن على ذلك؟
غزت نظراتها تلك شيء ما داخله، فشعر بنبضة قوية تتعثر داخل قلبه، فاشتدت يديه حول خصرها لا إراديًا وتفرقت نظراته بين شفاهها المغوية وعيناها اللتان لا تقل إغواء عنها، وقال بخشونة:
_ استفهامك يتنافى مع تلك النظرة التي تطل من عينيك، ولكن باستطاعتي تجاهل ذلك التناقض وإخبارك.
أنهى جملته واقترب منها ينوي اقتناص شفاهها، ولكنه فوجئ بكفها الذي لا تعلم كيف وضعته على فمه تحول بينه وبين نيل مراده، فارتسم استفهام غاضب في عينيه، جعل الخوف يجتاحها ولكنها حاولت الثبات قدر الإمكان إذ قالت بخفوت:
_لا أستطيع.
اكفهرت ملامحه وزوى ما بين حاجبيه قبل أن يخرج استفهامه حادًا كنصل السكين:
_لم أفهم، كيف لا تستطيعين؟!
ابتلعت أكبر قدر ممكن من الأكسجين داخلها حتى تهدئ قليلًا، ورطبت شفتيها الجافة في حركة كانت في توقيت أكثر من خاطئ، فقد أشعلت نيرانًا هوجاء بداخله حاول التحكم بها قدر الإمكان، وقد لاحظت تبدل نظراته وذلك العرق النابض في عنقه، ولكنها لم تفهم السبب بل أجابته بنبرة خافتة:
_لم أستطع التأقلم على عودتك بعد، كما أنني أشعر بأنني متعبة ومشوشة كثيرًا لذا أرجوك لا تضغط عليّ.
أقبح عذر كان يمكن أن تقدمه له، خاصةً بتلك الطريقة التي كانت تغزو ثباته بوحشية إن انصاع لها سينال من كبريائه اللعين الذي يحول بينه وبين التهامها في تلك اللحظة، وبشق الأنفس استطاع أن يجعل عقله يستجيب له، وأومأ ببساطة قبل أن يقول بجمود كان جزءًا لا يتجزأ منه:
_كما تريدين.. فقط أخبريني عندما تكونين مستعدة.
برقت عيناها من تلك البساطة التي يتحدث بها، فقد ظنت أنه سيهدم الغرفة فوق رأسها حين يسمع كلماتها التي اختارتها بعناية كي ترسله إلى الجحيم جراء خيانته لها، وقتله لأبيها ولكن انقلب السحر على الساحر، وها هي من تحترق في جحيم الغضب حين تركها بتلك السهولة، وكأن قربها من عدمه واحد ولا يشكل فارقًا بالنسبة له ، و هذا يتنافى مع حديث والدتها ولكنها تجاهلت ما يدور بداخلها وتحدثت بهدوء
_حسنًا، سأذهب لرؤية إياد.
خرجت من الغرفة بهدوء يتنافى مع ضجيج أفكارها، وأغلقت الباب تاركة خلفها أسدًا غاضبًا للحد الذي جعله ينفث النيران من فمه وهو يخاطب أحدهم في الهاتف قائلّا بوحشية:
_موعدنا الليلة أريد ارتشاف الدماء بدلًا عن النبيذ.
***********
_حبيبي ماذا حدث لوجهك؟!
هكذا تحدثت هناء بذعر وهي تناظر وجه شاهين الذي كان يزينه كدمة كبيرة باللون الأزرق فوق شفتيه التي نالت نصيبها من آثار الضربة القوية التي وجهها فراس إليه فقد تورمت كثيرًا مما جعله لا يكُف عن لعنه طيلة الوقت.
_تذكرين ذلك الصديق الذي أخبرتك أنه مات وأني احزن كثيرًا على فراقه وأفتقده؟!
هكذا استفهم بلهجة ممتعضة فأجابته هناء على الفور:
_نعم أذكره، ما به؟!
لونت السخرية معالمه قبل أن بجيبها بجفاء:
_إن أخبرتك بأنني افتقده مرة ثانية فاصفعيني.
هناء بصدمة:
_ ماذا؟!
أجابها مغلولًا:
_ ذلك الضخم قد عاد من الموت وأول ما فعله هو لكمي حتى كُسِر أنفى وتورمت شفتاي كما ترين.
شهقة قوية خرجت من جوفها إثر سماعها كلماته اتبعتها قائلة باهتمام بالغ:
_آه يا حبيبي، سلامتك، إن هذا الرجل وحش بمعني الكلمة، كيف يتجرأ ويؤذي صديق رائع مثلك؟!
شاهين بسخرية:
_وغد ذو فم كبير، لا يقدر قيمة الأصدقاء الرائعين أمثالي.
طافت عيناها على ملامحه التي ولدت رغبة عارمة بالشغف داخلها فاقتربت منه تحاوط عنقه بأنامل رقيقة تعرف جيدًا أين تدق وأجابته بلهجة تقطر دلالًا:
_أنا وحدي من يعرف قيمتك يا حبيبي، فمن يملك شخصًا مثلك بحياته يجب أن يقضي الباقي من عمره يحمد الله.
أصابت كلماتها وترًا حساسًا بداخله وروت تربته القاحلة التي لا تحتاج سوى الاهتمام والدلال لذا لمعت عيناه بنظرات توحي بمدى تأثره حين التفت إليها قائلًا بلهجة خشنة:
_لي موعد اليوم مع تلك الشفاه الرائعة سأخبرها عن مدي امتناني لهذا الشهد الذي يقطر منها.
تشابهت عينيها مع نبرتها التي تتضور رغبة حين قالت:
_ أتحرق شوقًا لذلك الموعد.
لم يكد يجيبها حتى اخترق صوت الهاتف خلوتهما فأطلق سبة نابية من فمه وهو يلتقط الهاتف ليجيب على والده الذي ما أن فتح الخط حتى صاح بغلظة:
_ أريد رؤيتك والآن ولا أريد أي أعذار يا شاهين، الأمر لا يحتمل التأجيل.
تجهمت ملامحه وكذلك نبرته حين قال:
_لدي عمل سيستغرق ساعتين ثم سأعود إلى البيت.
زين بصراخ اخترق آذانهم جميعًا:
_لن أنتظرك لأكثر من نصف ساعة، لقد تحدثت مع والد هدى وهو ينتظرنا لنذهب ونراضيها وستأتي معي وإلا سأتبرأ منك ليوم الدين.
لم يهتز لتهديد والده وقد كانت هناء بجانبه تحترق غيظًا، نجحت ببراعة في تجاوزه وهي تشير إليه بالموافقة فانكمشت ملامحه بحيرة قبل أن يقول بإذعان كان نادرًا بالنسبة إليه:
_حسنًا أنا قادم.
أنهى المكالمة ونظر إليها بحنق تجلى في نبرته حين قال:
_لمَ كنتِ تشيرين برأسك كعروس الخيوط؟!
فرصة ذهبية لإبراز محاسنها وجعل صورتها لامعة بعينيه:
_لم أرد أن تحزن والدك، فهم من المؤكد يفتقدون الأطفال وأنتَ أيضًا لهذا كنت أشير إليكَ بقبول ما يطلبه منك.
كل ما بها يشير إلى صدق حديثها ولكن اهتزاز حدقتاها عند الحديث كان يشير إلى العكس ولكنه تجاهل كل شيء قائلًا بجفاء:
_ نعم أفتقدهم ولكن هذا أفضل بكثير للجميع
لم تفلح في إخفاء الحماس في صوتها حين هبت مندفعة:
_هل نويت أن تطلقها؟!
غافلته الكلمات وخرجت مندفعة من قلبه:
_بالطبع لا، ولكن كنت أريدها أن تهدأ قليلًا عند والدها فأنا أعلم أنها كلما تراني ستسوء حالتها أكثر.
كلماته كانت الشرارة التي أشعلت فتيل غضبها وخرجت عن ثوب المثالية الذي لا يليق بها وصاحت مغلولة:
_هل أنتَ خائف على شعورها لهذه الدرجة؟!
لم يعجبه حديثها ولم تعجبه الإجابة التي أعلنها قلبه فقال بفظاظة وهو يدير محرك السيارة:
_ ليس من شأنك، هيا لأوصلك إلى المنزل.
********
أن تنثر بذور الأمل في طريق أحدهم ثم تجنيها صبارًا قاسيًا تنغرز أشواكه في قلبك دون رحمة فـتنزف العين ألمًا ويحترق الخَلَد قهرًا وأنت مُكبلًا بأصفاد الكبرياء الموقدة التي تسلب روحك المذبوحة حقها أن ترفرف وهي تنازع أنفاسها الأخيرة... فتبدو من الخارج صلبًا... شامخًا لا تتأثر بينما داخليًا تحتضر بصمت، فقارب نجاتك اتضح بأنه مثقوب وبيرق العشق انكسرت رايته من موضع ثقة اندثرت أمام خذلان عظيم لم تتوقعه يومًا.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
أتاها الخذلان من أكثر مواطنها أمنًا فلم يؤذيها إلا أولئك الذين وضعتهم بالقرب من قلبها وعلى قدر قربهم جاءت طعناتهم إلى قلبها نافذة فتألم كل ما بها وأعلنت روحها الحداد على أجمل أيام عمرها التي قضتها زوجة لهذا الرجل الذي كان بيوم من الأيام سبب سعادتها في هذه الحياة واليوم هو السبب الوحيد لبؤسها.
_هل انتهيتِ حبيبتي؟!
هكذا تحدثت "راوية" وهي تطل برأسها من باب غرفة "هدى" التي كانت تلملم أشياءها قبل أن تغادر مع زين.
_نعم.
اقتربت "راوية" تعانق "هدى" بقوة وكأنها تعتذر لها بشدة عن كل ما طالها من أذى وألم كان يلون ملامحها بوضوح ويتساقط من عينيها على هيئة أنهار من الدمع الذي سئمته كما سئمت من كل شيء.
_هيا لا نجعله ينتظر أكثر.
هكذا تحدثت بجفاء وهي تتوجه إلى الخارج تحاول قمع ألمها وذلك الوجع الهائل الذي يجعل خطواتها ثقيلة وأنفاسها حارقة ولكنها خبئت كل ما تشعر به في ركنًا ما بداخل قلبها وخطت إلى داخل غرفة الصالون قائلة بجفاء:
_لقد استعديت والأولاد للمغادرة.
التفت إليها كلًا من زين ورؤوف الذي كان الذنب يقرضه من الداخل حزنًا وقد لام نفسه لمرات ومرات على قسوته معها ولكن بالنهاية نجح في إقناع نفسه بأن هذا هو الصواب للجميع.
_وأنا أنهيت قهوتي للتو، هيا إذن.
أنهى جملته تزامنًا مع دخول الأولاد الثلاثة إلى الغرفة ليث وباسل والصغيرة لين صاحبة الثلاثة أعوام والتي ما إن رأت زين حتى هرولت إليه تحتضنه بشوق كبير وكذلك فعل باسل البالغ من العمر خمسة أعوام فعانقهما زين بشوق كبير ثم نظر إلي ليث صاحب السبع سنوات الذي يقف بجمود يتنافى مع صغر عمره ولكنه كان النسخة المصغرة من عمه فراس لا يظهر مشاعره قليل الكلام بدرجة تستفز زين كثيرًا.
"من الواضح أن أحدهم لم يشتاق إلي.
هكذا تحدث زين بحزن مفتعل فتأثر الصغير ولون الحزن معالمه، فأجبر نفسه على التقدم من جده وقال بتحفظ:
'مخطئ فأنا اشتقت إليك كثيرًا ولكني غاضب وبشدة.
فوجئ زين فقال مستفهمًا:
_لماذا أنتَ غاضب يا ليث؟؟
ليث بجفاء:
_لأن أمي حزينة وأبي من أحزنها؛ لهذا أنا غاضب، فأمي لا تستحق أن تحزن أبدًا، إنها أجمل أم في الوجود.
خربشت كلماته جراحها ولامس دفاعه عنها أوتار قلبها الذي ارتج حتى تناثرت عبراته من مقلتاها فقد كبر طفلها وأصبح رجلًا يدافع عنها.
_تأدب يا ليث، لا تحادث جدك هكذا.
كان هذا صوت رؤوف الغاضب فالتفت ليث قائلًا بلهجة أهدأ قليلًا:
_لم اخطئ في حديثي ولم أخاطب جدي بقلة احترام ولكني أدافع عن والدتي وبالمناسبة أنتَ أيضًا أحزنتها وقضت الليل بأكمله باكية بسبب صراخك عليها.
كلماته كانت طلقات نارية في صدر رؤوف الذي لم يجد ما يقوله فلجأ للغضب فصاح معنفًا:
_اخرس يا ولد.
هرولت هدى تحتضن طفلها لتحميه من بطش والدها في الوقت الذي تدخل فيه زين قائلًا بحزم:
_توقف يا رؤوف، ليث لم يخطئ ولم يقلل احترام أحد، إنه يدافع عن والدته وهذا حقه.
شددت هدى من عناقها لطفلها وتبلور التحدي في نظراتها الموجهة إلى والدها لأول مرة بحياتها... فأردف زين يهدئ من حدة الموقف:
_لقد قامت هدى بتربيته جيدًا حتى أصبح رجلًا يقف ويدافع عنها، يجب عليك أن تفخر به.
التفت زين إلى ليث الذي كان يحتضن والدته بحماية وقال بفخر:
_أنتَ رجل جيد يا ليث وأنا فخور بك، ووالدتك ابنتي وأنا من سيأخذ حقها ممن أحزنها، لا تقلق، فقط ثق بي.
قال جملته الأخيرة وهو ينظر إلى "هدى" التي تبلور الألم بعينيها ولكنها كانت تثق في هذا الرجل أكثر مما تفعل مع أي شخص فلطالما كان الوحيد الذي يدافع عنها من بطش زوجته ويطيب خاطرها إذا ما رآها حزينة.
_هيا بنا إلى السيارة.
توجهت "هدى" مع أطفالها ثم أجبرت نفسها على الالتفات إلى والدها قائلة بجمود:
_عن إذنك يا أبي.
حوت نظراتها عتابًا قاسيًا عرف طريقه إلى صدر رؤوف الذي اهتزت ملامحه قليلًا فتوجه يعانق الأطفال ثم اقترب من ليث قائلًا بجانب أذنه:
_أنتَ الأقرب إلى قلبي، لا تغضب مني، وكن جوار والدتك دائمًا أنا أؤمنك عليها.
رقت نظرات ليث قليلًا وهو يومئ برأسه موافقًا على حديث رؤوف الذي التفت إلى ابنته فوجدها تودع والدتها ثم خرجت دون أن تلقي نظرة واحده عليه، كان يعلم بحزنها منه الذي انفطر له قلبه ولكنه كان يظن بأن هذا أفضل للجميع وأولهم هي.
توجه الجميع إلى السيارة التي قادها زين صامتًا إلى أن توقفوا أمام إحدى الحدائق الخاصة بالأطفال وقام بالالتفات إلى المقعد الخلفي موجهًا حديثه إلى الثلاثي القابع في الخلف:
_ما رأيكم بقضاء وقت ممتع أيها الأولاد الرائعين؟!
ابتهج الأطفال كثيرًا وهرولوا إلى الحديقة تحت أنظار كلاً من زين وهدى التي قالت بجمود:
_ لمَ فعلت هذا؟!
زين بهدوء:
_ أردت الحديث معك ولم أرد أن يسمعنا الأطفال وخاصةً ليث.
اختصرت حديثها قائلة:
_ أسمعك.
يعلم مقدار الألم الذي يتبلور في عينيها وينطبع على ملامحها الشاحبة وذلك التجويف الذي يحيط عينيها فيجعلها كبلورة رائعة وسط بحيرة من السواد الذي يحكي مرارة ما خابرته في اليومين الماضيين.
_أعلم جيدًا مرارة ما تشعرين به الآن، ولكن كم تحتاجين من الوقت لتجاوزه والمضي قدمًا بحياتك؟
انكمشت ملامحها بسخرية مريرة تجلت في كلماتها حين قالت:
_ حياتي! وهل تبقى لي حياة لأعيشها، لقد حُكِم علي بالإعدام ما دمت حية.
رق قلبه لحالها فهتف بتأثر:
_ لا تقولي هذا رجاءً.
_ولمَ؟! أعلم أنك تتألم لأجلي ولكن الحقيقة دائمًا تؤلم، وهذه الحقيقة المؤلمة أنا أحياها بكامل تفاصيلها.
كانت عيناها تغلي من الحزن حتى فاضت العبرات تحرق بسخونتها وجنتيها وخرجت الحروف من فمها جريحة كحال قلبها المُشجب:
_أنا شخص حُكِم عليه بالإعدام طوال حياته، فها هو ذلك الرجل الذي اخترته من بين جميع الرجال خذلني وطعنني في قلبي والرجل الآخر الذي هو من المفترض أن ألجأ له ليحميني تبرأ مني وأرسلني لقاتلي كبضاعة فاسدة لا نفع منها.
كتمت شهقاتها بداخل قلبها وفاضت مياه عينيها بغزارة بينما همسات بقهر:
_أتعلم شيئًا، لقد تذوقت أقسى شعورين في هذا الحياة بيوم واحد، الخذلان والقهر، والأقسى منهما أن من فعل هذا بي أقرب الناس إليّ.
اخترقت سهام كلماتها قلبه الذي كان يئن ألمًا وحزنًا على حال تلك الفتاة التي يعتبرها مثل ابنته والآن يراها تموت من فرط الوجع وهو عاجز عن فعل شيء، هنا تنبه عقله وقال بلهجة قوية:
_وهل ستقضين الباقي من عمرك تعانين بسبب ما فعلوه؟!
انكمشت ملامحها بحيرة من حديثه وقالت بيأس:
_ وهل أملك خيارًا آخر؟!
هتف بقوة:
_نعم تملكين، ذلك الوغد الذي هو زوجك يجب أن يندم ويعرف قيمتك ويأتي راكعًا يطلب السماح.
سخرت بمرارة:
_شاهين النعماني يركع لأحد طالبًا السماح! هل تسخر مني؟!
زين بحدة:
_هل تريني عجوز أخرق لأسخر منكِ في أمرًا كهذا؟!
شعرت بالحرج من كلماتها وحزنت أنها أغضبته فقالت بندم:
_أعتذر يا عمي.
قاطعها بقوة:
_لا أطلب اعتذارًا ولكن أريد أن أرى امرأة قوية تأخذ ثأرها وتجعل من أحزنها يعض أصابعه ندمًا.
أحيانًا يكُن الألم عظيمًا للحد الذي لا تستطيع الأحرف وصفه فنلجأ للصمت الذي يؤلم أكثر مما يفعل البوح، ولكنه في النهاية يبقى السبيل الوحيد لحفظ ماء وجه القلوب التي أضناها الأنين.
لم تستطع الحديث ولم تملك ما تقوله فما بداخلها أقوى من قدرتها على الاحتمال؛ لذا لجأت للصمت، فأردف زين بنصح:
_حين أخبرتني بألا أجلب شاهين معي لأخذك شعرت بمدى ألمك وكرهك لرؤيته ولكن الهرب ليس حلًا.
ارتسمت ابتسامة مريرة على شفتيها من كلماته وتشكلت غصة صدئة بحلقها فخرجت حروفها محملة بالأنين:
_لم أهرب من رؤيته، إنما شعرت بالخزي حين يعلم بموقف والدي مما حدث، شعرت بالذل أن يراني عائدة إليه كلقيطة ليس لها من تلجأ له من بطشه.
في تلك اللحظة شعر بأنه يكره ولده الغبي ويكره والدها المتجبر ولكنه تجاهل شعوره وقال بحدة:
_لا تقولي مثل هذا الكلام مرة أخرى، أنتِ منذ اللحظة مسؤولة مني وستستمعين لما أقوله أفهمتِ؟!
ناظرته بعدم فهم تبعه سؤالها الواهن:
_ماذا تريد مني أن أفعل؟!
زين بهدوء:
_تلك الفتاة التي أوقعت ذلك الوغد منذ أكثر من ثماني سنوات أريد رؤيتها مرة أخرى.
أوشكت على الحديث فقال بحدة:
_لا أريد سماع أي جدال، فما أقوله ستقومين بتنفيذه.
أومأت بإذعان فتابع بحنق:
_تلك الفتاة التي تزوجها هذا الغبي لن تسعده أنا أعلم ولن يجد عندها ما كان يفتقده بحياته؛ لذا اتوقع بأنه قريبًا سيمل منها ويطلقها.
تحولت كرات دمها إلى جمرات محترقة بفعل الغضب الذي تجلي في نبرتها حين قالت:
_ماذا تقول يا عمي؟! ليس أنتَ أيضًا، هل تبرر له فعلته؟! بماذا قصرت معه أخبرني؟!
زين بهدوء:
_لا أبرر له فعلته، ولا لن أخبرك أيضًا، هو من سيخبرك هذا، ولكن أقترح عليكِ أن تبحثي بداخلك لتعرفي ووقتها أتمنى أن تأتي إلي وتخبريني بأنكِ جاهزة لتلقينه درسًا قاسيًا.
طمس الغضب جميع الحقائق بعينيها فالتفتت تنظر أمامها متجاهلة منحنى الرد ليردف زين بلهجة معاتبة:
_أعلم أنكِ ذكية ولكن الغضب يعميكِ الآن لهذا خذي وقتك في التفكير بروية، واعلمي أمرًا أنني ما أعدتك إلى المنزل لأجل الأطفال بل لأجلك أنتِ أولًا فأنتِ ابنتي، واعلمي أيضًا أن حمايتي لكِ تشمل الجميع، والقادم سيكون مختلفًا كثيرًا عما مضى.
تعلم ما يرمي إليه جيدًا ولكن ألمها كان يطغي على كل شيء؛ لذا اكتفت بإيماءة صغيرة من رأسها وابتسامة خافتة تعبر عن امتنانها، ثم التفتت تنظر أمامها وقلبها يناجي خالقه بأن يترأف بحالها.
***********
مر يومين لم يحدث بهم جديد ولم يقترب منها للحد الذي أدهشها فقد كانت ترتعب من حلول الليل حتى لا يأتي ويطالبها بما لا تستطيع منحه إياه ولكنه لم يأتِ وما زاد من دهشتها أن هناك شعور بالغضب بدأ يتسلل إلى قلبها مع كل يوم يمر وهو لا يأتي إليها،
الأسئلة تطن برأسها كالذباب، ترى هل بحياته أخرى تشبع متطلباته كرجل؟ وكل تلك المدة كيف قضاها وهل قضاها وحيدًا؟ رجل مثله لا يمكنه البقاء طوال تلك المدة من دون امرأة فهي أكثر من يعرفه لقد كانت زوجته لسنتين وتعلم مدى قوته وعنفوانه.
سرت قشعريرة بجسدها وهي تتذكر أوقات خاصة جمعتهما، لا تنكر أنه كان يشعرها بسعادة لا مثيل لها، ولكن سعادة مؤقته سعادة خالية من المشاعر لا تمس القلب فقد سعادة جسدية تنتهي بانتهاء لقائهما وقد تأقلمت على ذلك؛ حتى أنها نحت قلبها جانبًا من حياتها التي كانت جامدة تشبه جموده الذي كان جزءًا لا يتجزأ من شخصيته.
زفرت بقوة وهي تحيط وجهها بيدها قبل أن تلتفت وتحتوي بكفوفها كوب القهوة الخاص بها لترتشف منه بتلذذ تحاول أن تصفي ذهنها قليلًا وتخرجه من تفكيرها، الذي أصبح ينصب عليه بطريقة باتت تضايقها؛ لهذا وضعت الفنجان على الطاولة ومدت يدها تلتقط الجريدة لتلهي نفسها قليلًا عن التفكير به، أخذت أناملها تلهو بين صفحاتها إلى أن توقفت عند كلمات جعلت نبضها يصل للمليون بلحظة وهبت من مقعدها وهي تصيح:
_ يا إلهي، هل هذا معقول؟!
_ماذا حدث يا نور؟!
التفتت علي سؤال والدتها التي دخلت لتوها إلى الغرفة لتتفاجئ بصياح نور فهوي قلبها رعبًا و وواجهتها نور بصدمه لا تعلم بماذا تجيبها فمدت إليها الجريدة لتقع عيناها على تلك الحروف المدونة المتبوعة بتلك الصورة التي مزقت قلبها تمزيقًا فصرخت دون وعي:
_لا.
اقتربت نور منها تحاول تهدئتها قائلة:
_اهدأي يا أمي، لم يمت يقولون إنه مصاب.
تلمست يديها الجريدة بقلب ممزق وعينان تقطران ألمًا على أشرف الذي كانت صورته مشوهه إثر تعرضه لاعتداء قاسي على يد مجهولين بهولندا مما أدى إلى دخوله إلى غيبوبة وحالته سيئة للغاية.
_ يا إلهي، لا أستطيع أن أصدق.
هكذا همست فريال التي كان وقع الأمر عليها محيرًا من جانب نور التي قالت باستفهام:
_أمي اهدأي لمَ أنتَ متأثرة بتلك الطريقة المبالغ بها؟!
جاءها سؤال نور كجرس إنذار دوى طنينه في عقلها مما جعلها تحاول لملمة جأشها وحاولت أن تشحذ ثباتها حين قالت:
_لقد صُدِمت وتأثرت كثيرًا إنه بريعان شبابه وقد كان قاب قوسين أو أدنى.
هنا ضربت عقلها حقيقة مرة بأن من فعل به هذا هو ذلك الوغد لذا خيم الغضب على ملامحها وتابعت مغلولة:
_لقد كان قاب قوسين أو أدنى من الزواج بك، وطبعًا لم ينجُ من عقاب زوجك المحترم.
انكمشت ملامحها بصدمة تجلت في كلماتها حين قالت:
_ما هذا الذي تقولينه؟! ما دخل فراس؟!
هنا تذكرت كلماته حين أخبرها بأنه ينوي إعطائهم ما يستحقونه وهنا تشعب الغضب إلى أوردتها وقد ضاقت ذرعًا بما يحدث وجاءت كلمات فريال لتصب الوقود على نيران غضبها المستعر.
_أرأيت ما أقصد؟! يذهب هو هنا وهناك و يعرف امرأة تلو الأخرى ثم يأتي ويحاول قتل الرجل الوحيد الذي كان يعشقك، مع أنه لم يفعل شيئًا خاطئًا، فقد أراد حمايتك بالزواج منك، الآن علمتِ أي الرجال هو زوجك؟!
انخفضت نبرتها قليلًا و لكنها تضمنت قدرًا كافيًا من البغض حين قالت
" هل صدقتني الآن حين أخبرتك بأنه قاتل ؟"
نجحت كلماتها في التعزيز من غضبها والمُطعم بالألم خاصةً عِندما ذكرتها بأمر مقتل والدها فنزعت الجريدة من يدها وخرجت تتشاجر مع خطواتها إلى أن اقتحمت مكتبه بأقدام غاضبة وخطٍ تتخبط بين دروب الوجع الذي تبلور في عينيها ونبرتها حين صاحت بانفعال:
_أنتَ من فعلت به ذلك، أليس صحيحًا؟!
قالت كلماتها وهي تضع الجريدة أمامه فجرت عينيه على ما هو مدون عليها بجانب تلك الصورة ثم رفع رأسه قائلًا بفظاظة:
_ما دخلي؟! اقرأي باقي العنوان، يقولون الاعتداء بهدف السرقة.
_كلانا يعلم أن الأمر غير صحيح، أنتَ من فعلت به ذلك؟!
هكذا صرحت بغضب تجاهله بشق الأنفس ثم قال بقسوة:
_ ما دمتِ تعلمين لمَ السؤال إذن؟!
احتارت بأي الصفات البشعة تصفه ولكن لم تسعفها الكلمات جل ما استطاعت قوله:
_لماذا؟! ما هي جريمته؟!
كان صوته بارد النبرة على عكس عينيه المشتعلة بنظرات تشملها كليًا حين قال:
"هذا عقابه لتجرأه علي ما يخصني.
تلوت أضلعها بداخلها من فرط الألم والذنب فقالت مغلولة:
_إذن لماذا لم تعاقبني أنا أيضًا؟!
احتدت نظراته أكثر وهو يجيب بجفاء:
_أعلم أن الأمر لم يكن برضاكِ.
هدرت بقوة لا تعلم من أين واتتها:
_مخطئ لقد كنت موافقه ومُرحِبة بالأمر.
نجحت في إشعال نيران ستكون هي أول ضحاياها وقد أدركت ذلك حين شاهدت عينيه العاصفتين ثم صوته القاسي حين قال:
_هل تختبرين صبري؟! أم أنكِ اشتهيت الموت؟!
شيطان لعين كان قد تلبسها فقد تذكرت حديث والدتها وأيضًا شعورًا قويًا بالذنب كان يكتنفها فلم يكن عقلها يعمل بشكل صحيح لذا قالت بحدة:
_لا هذا ولا ذاك، أخبرك بحقيقة ما حدث.
أبحرت عيناه عليها بطريقة أربكتها بينما عيناه تتلقفان كل حركة تصدر منها بنظرات بدت غامضة وقد لاحظ ارتجافها فتفنن في إخفاء مشاعره خلف جدار من الثلج فبدا جامدًا لا يتأثر أبدًا حين قال بصوته الخشن:
_تغيرتِ يا نور أم أقل كبُرتِ وصرتِ توافقين وتقررين، كم أن الأمر مثير للاهتمام.
كلماته تحوي استخفاف مبطن آثار حنقها فأجابته مُشدِدة على كل حرف يخرج منها:
_نعم كبُرت، وأصبحت أتحكم بحياتي فهي ملكً لي.
تحديها السافر أشعل بجوفه نيرانًا مُستعِرة ينبثق منها شعور غريب فهناك نبتة صغيرة نمت بقلبه على استحياء ظنها إعجاب بشخصيتها الجديدة أو هكذا كان يتمنى... ولكن مظهرها وذلك التحدي الممزوج بالخوف الذي يُغلف عينيها وينطبع بداخله يحجم جميع حواسه فلا يجرؤ على عقابها كما هو مطلوب بل يريد الاقتراب منها أكثر لتلبية نداء قوي بداخله يشتهيها بقوة لم يختبرها مُسبقًا فتقدم منها ناصبًا عوده الفارع وكفوفه مخبأه بين جيوب بنطاله.
_تقصدين ما قبل عودتي أليس كذلك؟!
هكذا تحدث بلهجة هادئة خطرة فبالنسبة إليها هدوءه كان يحمل الضدين الخير والشر معًا ولكنها تمسكت بالأول وأخذت قرارها ولن تتراجع وليحدث ما يحدث... فأجابته بنبرة قوية على الرغم من أنها لم ترتفع:
_لا. حياتي ملكي بوجودك أو بغيابك، وقد قررت أن لا مكان لك.
قاطعها يده التي امتدت للقبض على رقبتها فبلحظة وجدت نفسها تلتصق به، أنفها الرقيق مقابل أنفه الذي يطلق نيرانًا ملتهبة وعيناها الفيروزية مقابل عينيه المُشتعلة، وشفتاه تبتعد عن خاصتها بإنشات قليلة مكنته من الحديث بهسيس مرعب:
_استمعي إلي...
أظلمت عيناه أكثر وهو يتابع:
_لا تملكين في هذا الحياة سوى أنفاسك.
تقاذفت دقات قلبها بشكل فاضح عري خوفها الكبير منه وقد تلاشى ثباتها وراح أدراج الرياح خاصةً ويديه تقسو على عنقها وكذلك لهجته حين أردف:
_حتى هذه يمكنني أن أسلبها منك في لمح البصر؛ لذا لا تُعيدي هذا الحديث مرة أخرى، فهمتِ؟!
غدرت بها إحدى قطراتها التي تسللت من طرف عينيها
تحكي قهرًا وقعت تحت سطوته فقد كان مهيمنًا على الوضع بطريقة مُفزِعة أوحت لها بمدى خضوعها تحت سلطته حتى أن أنفاسها كانت تتعثر بصدرها خاصةً حين فوجئت بأنامله تمتد لتمسح تلك العبرات الهاربة بحنو يتنافى مع قسوة قبضته على عنقها وكذلك جاءت لهجته الخافتة:
_فهمتِ أم أعيد ما قلت بطريقة أكثر فاعلية؟!
_ فهمت.
هكذا أجابته هامسة فكان الوضع في الخارج مستقرًا بينما داخله يوجد زوبعة من الأعاصير التي تجتاح صدره مسببة فوضى عارمة؛ فعبراتها سقطت على قلبه بدلًا من خديها وشفتاها اللتان ذمتهما بطريقة مغوية أشعلت بجوفه نيران الشغف وبداخله تسلل شعور غريب بالندم لقسوته معها ولكنها الغيرة والغضب حين يجتمعان معًا يتولد طوفان غاشم لا يستطيع أحد مقاومته أو الوقوف في وجهه.
كان ماهرًا في تجاهل كل ما يشعر فتجاهل نيرانه المستعرة ورغبته الجامحة وقال ساخرًا:
_فتاة جيدة، تستحقين مكافأة.
باغتته نبرة الألم في صوتها حين همست:
_اتركني.
غافلته يداه وتركتها فشيعته بنظرات الخسة قبل أن تلتفت تنوي المغادرة فأوقفتها كلماته حين قال بفظاظة:
_هل ما زلتِ غير مستعدة بعد؟!
ودت أن تصرخ في وجهه وتخبره أن يذهب إلى الجحيم ولكنها لسوء حظها لا تستطيع أن تفعل ذلك فالتفتت قائلة بحنق وكأنها تبصق الكلمات من فمها:
_نعم.
طافت عينان عليها بنظرة شمولية اهتز لها جسدها قبل أن يلتفت متوجهًا إلى مقعده يتابع أعماله متجاهلًا وجودها فتمتمت بغضب:
_أتمنى أن تحترق في الجحيم.
ارتفع أحدي حاجبيه وهو يقول بتلذذ
" أعيدي ما قلته مرة أخرى !"
تجاهلت تلك الغصة التي مررت حلقها و تبلور التصميم في نظراتها حين أجابته بلهجة جافة
" أريد أن اعمل في الشركة .."
يتبع.
متنسوش تعملوا فوت كتير عشان الرواية تتشاف ♥️
رواية كواسر أخضعها العشق ❤️🔥 الفصل الخامس 5 - بقلم نورهان العشري
متنسوش تعملوا فوت و كومنت و فولو ليا ♥️
❤️🔥الخضوع الخامس❤️🔥
تجاوزت عن جميع زلاتك وتغاضيت عن كل أخطائك؛ ظنًا مني أني هكذا أُنقذ بيتًا شُيدت أعمدته بالحُب، وبُنيت جُدرانه بقوالب العشق، الذي كان خالصًا لك وحدك، ولكنك هدمته فوق قلبي، الذي لطالما كان بالود والحب عامرًا، والآن بات القهر والشقاق مسكنه.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
مر أسبوع منذ أن عادت من بيت والدها، وهي منكمشة على نفسها تحاول مداواة جراحها بالهرب، فقد كان شغلها الشاغل أن تلهي نفسها عن التفكير؛ عل ذلك يهدئ من ألمها القاتل الذي يستوطن كل خلية بها، فضاعفت اهتمامها بأطفالها وتجاهلت كل شيء يحدث حولها وعادت إلى حياتها الطبيعية، ومهامها التي كانت تفعلها ولكن بصمت... صمت متبادل مِن جميع مَن في المنزل، فقط نظرات متبادلة في أوقات الطعام التي كانت تجمعهم وقد كانت تتحملها بشق الأنفس وتحمد ربها كثيرًا أنه كان يغيب عنها، فلا طاقة لها برؤيته، يكفيها سماع صوته حين يتحدث مع الأولاد أو ينادي على الخدم، وقد تعطف عليها وحرمها من رؤيته وقام بنقل أغراضه إلى غرفة أخرى بعيدة عن جناحهما، ولا تعلم إن كانت فرحه لذلك أم غاضبة، هي متألمة وهذا كل ما تشعر به.
تقدمت بخطى ثقيلة إلى المطبخ لتتفقد الخدم، فبعد نصف ساعة سيحين موعد الإفطار، وما أن همت بالاقتراب من الباب حتى توقفت إثر طعنة مباغتة احتلت قلبها، حين سمعت حديث زينات وهي تقول بنبرة لينة:
_ أريد رؤية زوجتك والتعرف إليها.
لون الاندهاش ملامحه من طلب والدته، وتجلى في نبرته حين قال:
_هل تسخرين مني عند الصباح؟
زينات بهدوء:
_لا أبدًا، لمَ تقول ذلك؟
تشدق ساخرًا:
_طلبك غريب للحد الذي يجعلني أظن بأنكِ تعانين من صداع أو ربما حمى مثلًا؟
جعدت ملامحها بحزن زائف حين قالت:
_هل تسخر مني؟ وأنا التي أموت شوقًا لرؤيه تلك الفتاة التي سلبت عقل ابني للحد الذي جعله يتزوجها بتلك الطريقة.
شاهين بملل:
_الأمر ليس هكذا، ولا يشبه الوقوع في العشق وما شابه ذلك، ولكن إن أردتِ أن تريها فسأرى موعدًا مناسبًا وأخبرك.
تجمعت هزائم العالم أجمع بعينيها اللتين فاضا بهما الوجع، ولكن تلك المرة لم تبكِ إنما خبئت عبراتها بداخل صدرها المحتقن ألمًا، وتراجعت إلى الخلف قاصدة مكتب زين الذي فتحته دون أن تدق الباب وأغلقته بعنف، ثم تقدمت بخطى مبعثرة إلى أن توقفت أمام مكتبه تحت نظراته المندهشة، حين سمعها تقول مغلولة:
_ أوافق على ما عرضته عليّ سابقًا.
_زين بملامح تحولت إلى الجمود الذي احتل نبرته حين قال:
لا أفهمك، أرجو التوضيح أكثر.
قمعت عبراتها ووجعها الهائل وهي تقول بلهجة محتقنه:
_أريد الثأر، وجعل الجميع يدفع ثمن ما فعلوه بي، ولكن خطتي تشمل زوجتك أيضًا، فلتعلم هذا مسبقًا.
تفهم ما تمر به، ولدهشتها وجدته يبتسم بهدوء، قبل أن يقول:
_لا أريد معرفة ماذا حدث، ولكن سأخبركِ أمرًا يا هدى، الذنب ليس ذنب زوجتي ولا والدك ولا حتى شاهين، فهم أناس واضحين من البداية.. الذنب ذنبك لأنك ترين الأشخاص بنظارة يكسوها الغبار.. اخلعيها ولتري كل إنسان على حقيقته.
بقلب يرتجف ألمًا تحدثت:
_رأيت، رأيتهم على حقيقتهم، وهذا أكثر ما يؤلمني.
زين بقوة:
_اجعلي هذا الألم دافعًا قويًا لأن تعيدي بناء نفسك من جديد.
أومأت بألم، فأردف بخشونة:
_أقسى عقاب للرجل بعد هجره للمرأة أن يراها ناجحة وجميلة، وهذا يعني أن فراقه لم يؤثر فيها، وهذه أقوى صفعة قد يتلقاها كبرياءه.
صرخت بقهر:
_يا ليتني أستطيع فراقه، سأكون حينها أفضل.
_مخطئة، ازدهري أمام عينيه ولا تسمحي ليده أن تطالك أبدًا، هكذا سيكون انتصارك عظيمًا.
على الرغم من اقتناعها بحديثه، إلا أنه أثار بداخلها زوبعة من الاستفهامات والتي أفصحت عنها قائلة بجفاء:
_لمَ تفعل معي هذا؟ إن من نتحدث عنه هو ابنك ولن أصدقك إن أخبرتني بأنك تفضلني عنه، مهما بلغ غضبك منه.
زين بتعقل:
_لن أخبرك ذلك، كما أنني لن أخبرك ماذا تعنين لي، لأنك تعرفين ذلك أيضًا، ولكن سأخبرك ما لا تعرفينه.. قد تندهشين، ولكن تأكدي أنني لا أكذب أبدًا.
خربش الفضول جدران قلبها، فقالت بترقب:
_أسمعك.
زين بألم دفين:
_أكفر عن ذنبي بحق شاهين، نعم أخطأت بحقه وحق شقيقته باختياري لهم أمًا مثل "زينات" كنت أعرف جميع صفاتها السيئة، ولكنِ لم أحميهما من بطشها، كنت أرى إهمالها لهما واهتمامها بالمظاهر كثيرًا وجفائها اللامتناهي في معاملتهما ولكن لم أردعها، كنت مشغولًا بجمع المال والحفاظ على تراث العائلة، ولم ألتفت لهما.
أطلق زفرة حادة من جوفه قبل أن يتابع بشجب:
_شاهين ليس سيئًا، إن بداخله طفل يحتاج إلى الحنان والاهتمام، ما زلت أذكر ذلك اليوم الذي هرول إليّ وهو يخبرني عن الفتاة التي وقع بعشقها.
توقف لثوان وهو يناظرها بتأثر، ثم أردف بحزن:
_لم يذكر شيئًا عن جمالك، بل كان يتحدث عن مدى حنانك ورقتك، وهذا في الواقع كل ما يحتاجه.
تآزر بها الوجع، فهمست بصوت يتضور ألمًا:
_لقد أغدقته بحناني ولم أبخل عليه يومًا.
زين بتعقل:
_سأسألك سؤالًا وأنتظر منكِ أن تجيبيني بصدق.
_ سأفعل.
زين بترقب:
_متى آخر مرة جلستٓ مع شاهين وتحدثتما معًا مثل باقي الأزواج؟!
لم تعلم الإجابة، فهي أبعد من أن تتذكرها، لذا لم تجب، فواصل استجوابه:
_متى آخر مرة خرجتِ معه بمفردكما؟!
دام صمتها، فهذا السؤال أيضًا لا تعلم إجابته، فتابع بلهجة تشوبها الحد:
_هل هو السبب؟ هل طلبتِ منه ورفض؟!
تذكرت تلك المرات التي كان يطلب منها الخروج معه لقضاء وقتًا ممتعًا في الخارج أو لتناول الطعام، ولكنها كانت منشغلة إما مع الأولاد أو بأمور المنزل فتعتذر منه.
_هذا الصمت يعني أنه لم يكن السبب.
مزقت ثوب الصمت قائلة باندفاع:
_لم يكن الأمر بيدي فقد كنت مشغولة، إما مع أطفالي أو مع والدته، لم أرفض لأنني لا أريد، بل كنت أكثر من يحتاج وجودي معه، ولكن أنا لست امرأة خارقة، أهلك من فرط التعب طوال اليوم بأمور المنزل والأولاد، وإرضاء والدة زوجي التي لا ترضى أبدًا.
زين بهدوء:
_وهذا أعظم أخطائك، الوحيد الذي كلفك الله بإرضائه هو زوجك.
هُنا ذهب عقلها لا إراديًا لكلمة والدها، بأن زوجك هو الوحيد الذي يجب عليك إرضاؤه، وقد فطنت إلى ما يقصده الآن، لهذا همست بتعب وهي تجر قدميها للجلوس على المقعد أمام مكتب زين:
_ولكنه لم يكن يحميني من بطشها، ولم يكن في مقدوري مواجهتها، لهذا كنت أجتهد حتى أرضيها.
_وهذا هو خطأك الثاني، تقتلين نفسك لإرضائها وهي لا ترضى... لذا كان عليك التوقف عن فعل ذلك ما أن رأيتِ أن كل ما تفعليه يذهب أدراج الرياح.
كلماته أيقظت جروحًا غائرة بقلبها عن مدى تسلط تلك المرأة وتجبرها، وهتف عقلها مؤنبًا لمَ احتملتِ كل هذا؟
تابع زين بعدما رأى أن حديثه قد وصل إلى مبتغاه:
_انتظرت أن تشتكي مرات ومرات، ولكنك كنتِ مستسلمة بدرجة تثير حنقي، فاكتفي بتأنيبها ببضع كلمات، يكون ردها هي لم تشتكي لذا لا تتدخل.
همست بمرارة:
_أنتَ محق، لم أكن أشتكي، ولا أعلم لمَ كنت مستسلمة هكذا؟ ولأجل من؟!
صمتت لثوان قبل أن تهب مندفعة:
_نعم، اعترف أنني قصرت بحقه، قليلًا! ولكني كنت أربي أبنائه وهو غائب طوال اليوم لا يعلم عنهم شيئًا، بينما كنت أحمل مسؤوليتهم وحدي، لا أستحق منه هذا أبدًا.
أومأ برأسه وهتف قائلًا:
_نعم، وأنتِ بالمناسبة أم عظيمة، ولكنك غفلت عن واحد من أبنائك وأهملته وهذا الابن تلبسه الشيطان وأخطأ، نعم خطأ كبير، ولكن هل تتخلين عنه؟ هل تتخلى الأم عن أبنائها؟
ارتجفت الحروف على شفتيها وهي تقول:
_ ما الذي تقصده؟!
زين بتوضيح:
هنا نعود إلى سؤالك لمَ أفعل هذا معك؟ لأجل هذا الابن التائه الذي أعلن العصيان على والدته، وأراد أن يثبت لها أنه لا يحتاجها، وبمقدوره الاستغناء عنها، بينما هو لا يستطيع الابتعاد عنها أبدًا، فهي والدته.
لم ترد أن تجعل حديثه يحتل مكانًا بقلبها، لذا صاحت بعنف:
لست والدته، وأرجوك لا تحاول التأثير عليّ.
قاطعها بقوة:
_بلى، أنتِ والدته، أنتِ هي التي رأى بها ما يغنيه عن أم متسلطة لم يتذوق رشفة واحدة من حنانها.
بحثت بداخلها عن كلمات تجيبه بها فلم تجد، فأردف محاولًا الوصول إلى قلبها:
_اعترفتِ منذ لحظات أنكِ أخطأتِ، وقصرتي بحقه كزوج، وهذا ما يجعلني أطالبك بالغفران.
حين أوشكت أن تتابعه، صاح بقوة:
_هذا بعد أن تلقنيه درسًا قاسيًا يجعله يعرف قيمتك تمامًا وسأساعدك في ذلك، أقسم أن أساعدك حتى تجعليه يأتي باكيًا طالبًا منكِ الصفح، ولكن رجاءً لا تهدمي ذلك البيت، فأنا لن أثق بأحد سواك ليحافظ على بنيانه.
لا تنكر بأنه محق في أشياء كثيرة، ولكنه يطلب منها فوق طاقتها، لا تستطيع مسامحته، والغفران بالنسبة إليها درب من دروب المستحيل، خاصةً مع هذا الوجع القاتل الذي يثقل صدرها.
_لن أطلب منكِ ما هو فوق طاقتك، لذا سندع كل شيء يمضي كما هو مقدر له، وأنا عند وعدي لكِ سأساعدك حتى تستعيدي نفسك.
تشوش عقلها وطغى وجعها على كل شيء، فنظرت إليه بعينين واهنتين تشبهان نبرتها حين قالت:
_ أريد أن أرتاح قليلًا، هل تسمح لي؟!
زين بتفهم:
_بالطبع، تفضلي، وتذكري أنني هنا دائمًا لأجلك.
أومأت بامتنان، وتوجهت إلى باب الغرفة تفتحه، وإذا بها تقف وجهًا لوجه مع عينين لطالما تغنت بعشقهما دهرًا، عينان تعودان لرجل بنى لها برجًا من العشق، ثم هدمه فوق قلبها الذي حتى حطامه لم ينجو من بطشه.
تآزر بها الشوق والألم معًا، فحاولت أن تشحذ بعضًا من كبرياءها المهدور على يديه، وانتزعت عينيها اللتين وقعتا أسيرة لخاصته لثوان، وتوجهت إلى الأعلى بأقدام هُلامية بالكاد قادرة على حملها، فأخذت تبتهل إلى الله ألا تقع أمامه، فهي تعلم أن عينيه تراقبها، تشعر بنظراته تخترق ظهرها، لذلك كانت مرفوعة الرأس، حتى أنها لم تلتفت حين سمعت صوت زينات خلفها تناديها، بل تابعت صعودها إلى الأعلى بكبرياء تتمنى لو ترمم تصدعاته ذات يوم.
_هل أصيبت بالصمم أم ماذا؟!
هكذا تحدثت زينات غاضبة، فلم يعيرها اهتمامًا، فقد كان مشغولًا بتهدئة قلبه الثائر بقوة حين لمح الألم الذي يطل من عينيها ويلون ملامحها التي ذبلت، والسبب هو.
تجعدت ملامحه وقست نظراته، وتولى عقله مهمة إقناعه بأنه لم يخطئ، وأن ما فعله كان صائبًا.. لذا توجه إلى مكتب والده لينهي هذا الصراع اللعين، صافقًا الباب خلفه.
*****
" لا بأس . لم يحدث شئ . انا بخير " كلها عبارات معانيها بعيدة كل البُعد عما تحمله من آلام يجيش بصدر قائلها . فهو أكثر من يعاني في هذه الحياة و لين قلبه سببًا قويًا لشقائه لذا لم يخطئ من قال في السابق بُليت بلين القلب ! فوداعه القلوب تتناسب طرديًا مع مشقتها..
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
_ نور حبيبتي، هل أنتِ هنا؟ بحثت عنكِ كثيرًا ولم أجدك.
هذا كان صوت جليلة الذي اخترق مسامعها، وهي تغادر غرفة والدتها التي ارتفع ضغطها فجأة، ولأول مرة منذ وقت طويل تستوطن الفراش لمدة أسبوع كامل، اعتزلت به الجميع وأولهم هي، ولكن قلبها لم يطاوعها بتركها وحيدة، فقد كانت تجلب لها أدويتها بنفسها وكذلك الطعام، ولأن طيبة القلب أحيانًا تكون سبب شقائه، فقد كانت تأخذ النصيب الأكبر من غضبها بكل مرة تذهب إلى غرفتها، وبالرغم من ذلك لم تتركها أبدًا.
_ كنت أتأكد من أن أمي أخذت دوائها وتناولت الفطور، هل تريدين شيئًا؟
جليلة بنفي:
_لا أبدًا، سئمت الجلوس وحدي وأردت أن نتشارك فنجانًا من القهوة.
خيم الحرج على ملامحها، وجاءت كلماتها تحمل طابع الاعتذار:
_أعتذر منكِ كثيرًا، فأنا كنت أنوي الذهاب لرؤية هدى، فقد مضت على عودتها من بيت والدها أسبوعًا، ولم أستطع رؤيتها، وأنتِ تعرفين ما حدث لها.
قاطعتها جليلة بتأثر:
_أعلم وأشفق على تلك الفتاة كثيرًا، فما حدث ليس بالهين على أي امرأة.
أطلقت العنان لمشاعرها حين قالت بحزن:
_ أتعلمين ما المحزن في الأمر؟ أنها مجبرة على التعايش معه وتقبله.
جليلة بمرارة:
_هذا هو المتعارف عليه في عائلتنا وما يشبهها، الرجال يخطئون بمحض إرادتهم والنساء يغفرون رغمًا عنهم.
صمتت لثوانٍ، قبل أن تقول بترقب:
_ أخبريني يا نور لو كنتِ بمكان هدى هل ستتقبلين الأمر وتنصاعين لتلك القيود؟ أم ستنفصلين عن فراس؟
كان سؤالًا عابرًا في الظاهر، ولكن بينها وبين نفسها شعرت بأنه سهم مشتعل أصاب شيئًا ما بداخلها فتألم سائر الجسد، فأغمضت عينيها لثوان، قبل أن تخرج الكلمات من أعماقها تحمل طابع التمني:
_لن أستطيع تقبل ذلك الأمر أبدًا.
قطعت باقي جملتها وخبئته بصعوبة في جوفها، فلم تكمل ما أرادت قوله بأنها تتمنى أن تنفصل عنه، لأنه خائن قاتل وقد وبخها عقلها ونعتها بالجبانة، لكونها لا تستطيع حتى التفوة بكلمات واهية لا تملك الجرأة على تنفيذها.
_لمَ أشعر بأن لحديثك بقية؟!
هكذا استفهمت جليلة وهي تناظرها بأعين التمع بهما الترقب والفضول فحاولت المناص منها إذ قالت مراوغة:
_تعلمين أنني لا أجرؤ على قول ما هو أبعد من ذلك، والفضل يعود إلى هاديس أمير الظلمات الذي أنا زوجته... وأيضًا لقد أجبت على سؤالك.
بهتت ملامح جليلة من إجابتها، علي الرغم من أنها تعلم جيدًا كيف يمكن لولدها أن يتحول لهاديس بالفعل، ولكنها أرادت معرفة إلى أي مدى يصل سوء الأمور، فقالت باستفهام:
_أجبتِ على نصفه فقط وبصدد إطلاقك عليه هذا اللقب أخبريني يا نور هل أمورك مع فراس تسير على ما يرام؟
تنبهت إلى سؤالها الذي ترتاب في سببه كثيرًا، فلاحظت جليلة ذلك فأردفت موضحة:
_لا أقصد التدخل في شؤونكم الخاصة، ولكن ما حدث لم يكن سهلًا، خاصةً بأن عودته لم تكن متوقعة وجاءت في أكثر توقيت سيئ لأي رجل.
_أمي.
هوى قلبها بين قدميها حين سمعت صوته، الذي يدل أنه سمع حديث والدته، فانكمشت ملامحها بذعر ارتسم بقوة في عينيها، التي برقت وتنفسها الذي علا، إضافة إلى رجفة قوية ضربت سائر جسدها حين شعرت به يقف خلفها مباشرة، وغزا سمعها صوته الخشن حين قال:
_هل تعانين من الفراغ في مثل هذا الوقت من الصباح؟
كانت مشغولة بمراقبة نور التي ذكرتها بنفسها، فقد كانت ترتعب من زوجها بتلك الطريقة، ولكنه كان فظًا غليظ القلب يخشاه الجميع لسوء طباعه، ولكن فراس ليس هكذا... بالرغم من هيبته وقوته إلا أنه ليس سيئًا أبدًا.
_هكذا تُقال صباح الخير يا فراس؟!
شعرت بنظراته التي تخترق ظهرها من الخلف، ولكنها لجأت إلى التجاهل في التعامل معه منذ ما حدث بينهما آخر مرة، وكم كانت تتوق إلى أن يظل الأمر على هذا الحال بينهما للأبد، هي تتجاهله وهو لا يكلف نفسه عناء الالتفات إليها. حتى بأوقات العشاء التي يجتمعون بها لا تلمحها عينيه ولو مصادفة أو هكذا ظنت.
_ صباح الخير يا أمي.
تحمحمت بخفوت، بعد أن استعادت صوتها الذي فقدته منذ أن شعرت بوجوده وقالت بجمود:
_سأذهب لأتفقد إياد وأرى إن كان تناول فطوره أم لا.
أنهت جملتها، ثم التفتت تنوي المغادرة، فإذا بها تشعر بقبضة قوية تعتقل معصمها، فتوقف قلبها عن الخفقان للحظة تشابكت بها أعينهم حين التفتت تناظره، فأتاها صوته القاسي آمرًا:
_أريد فنجانًا من القهوة بعد نصف ساعة على مكتبي.
_حسنًا.
اكتفت بكلمة واحدة، بينما بداخلها آلاف من الصرخات التي تود لو تخترق جبهته ذلك القاسي المتجبر الذي يحادثها بأمر وكأنها خادمته.
تابعتها نظراته حتى اختفت عن الأنظار، وقد لاحظ من خطواتها أنها غاضبة وقد التمعت عينيه باستمتاع، قطعته والدته حين اقتربت تعانق ذراعه وهي تقول باستفهام:
_لمَ تتعامل مع نور بتلك الطريقة الفظة؟
تقدم عدة خطوات برفقتها، وهو يقول بلهجة فاحت منها رائحة الكبر:
_لا أرى أي شائبة بطريقتي معها.
تجعدت ملامحها باستنكار تجلى في نبرتها حين قالت:
_هل يعقل ذلك؟ ألا تلاحظ أنك تخيفها كثيرًا؟
لم تتبدل ملامحه، إنما تشابهت عينيه مع لهجته حين قال بجمود:
_القليل من الخوف لا يضُر.
اغتاظت من حديثه، فقالت بحنق:
_القليل! إنها ترتعب منك.. أخبرني يا فراس هل تحب نور حقًا؟
انكمشت ملامحه باستنكار ينافي تلك الدقة القوية التي شعر بها في صدره، ولكنه تجاهلها وهدر باستياء:
_ حب؟ من أين أتيتِ بهذه الكلمة؟!
اغتمت ملامحها، وقالت بتهكم مرير:
_منك، ظننت أنك فعلت ذلك بأشرف لأنك تغار على نور وتحبها.
اكفهرت ملامحه، وقست عينيه ونبرته حين قال:
_فعلت ذلك به لأنه تجرأ على أملاكي، وليس لأجل تلك التُرهات التي تتفوهين بها.
لم يدهشها حديثه كثيرًا، ولكنها لم تمنع نفسها حين استفهمت بسخرية:
_هل الحب من وجهة نظرك ترهات؟
أجابها باختصار، متجاهلًا شعورًا مزعجًا يجتاح داخله بقوة:
_نعم.
لن تستسلم، فقد رأت اهتزاز حدقتيه للحظة، وهذا يعني أنه ليس صادقًا بنسبة كبيرة، لذا أرادت أن تعري ما بداخله، فقالت بقوة وهي تقف معه أسفل الدرج:
_أتعلم شيئًا؟ أرى بعمق عينيك مشاعر قوية تجاه نور، وسأصلي وأدعو الله أن تعلم ماهية تلك المشاعر وتصلح علاقتك بزوجتك قبل أن تخسرها، وقبل أن تكرهك.
لاح الاستنكار على ملامحه من تلك الكلمة، التي رددها باندهاش:
_تكرهني؟
أجابته بمرارة:
_نعم، فخوفها الكبير منك قد يتحول إلى كره كبير قد لا تتحمله.
كلماتها أثارت غضبه، وزوبعة من المشاعر بقلبه، لذا أراد إنهاء ذلك النقاش السخيف قائلًا بفظاظة:
_أمي يكفي، فوقتي ثمين ولن أضيعه في هذا العبث.
تجمعت جيوش الغضب بداخلها من غباءه، فهي ترى به الآن صورة مصغرة من زوجها، وهذا أقسى من أن تتحمله، لذا قالت بدون احتراز:
_أنت حقًا تستحق لقب هاديس كما أطلقت عليك نور.
تحفزت فرائسه وانكمشت ملامحه بصدمة، تجلت في صوته حين قال:
_هاديس!
شعرت بالغبطة لصدمته وتأثره من ذلك اللقب، وهذا يعني أن جموده وفظاظته ستار يخفي وراءه مشاعر يكنها لزوجته، لذا قالت بتأكيد:
_نعم، سأخبرك شيئًا وأتمنى ألا يمر عليك مرور الكرام.
تنبه لكلماتها التي لامست شيئًا بداخله:
_إن أعطتك الحياة فرصة ثانية، لا تكرر أخطاء الماضي مرة أخرى، واعلم أن بعض الأشخاص خسارتهم قد تكلفك عمرًا بأكمله.
ظلت كلمات والدته تتردد بأذنه، وهو يفكر ماذا سيكون موقفه إن خسرها مرة أخرى؟
لم يكن عاشقًا لها حين تزوجها، إنما كان زواجًا مرتبًا من قبل العائلة، وقد وافق كلًا منهما عليه دون أي اعتراض، ولكن بأعماقه كان هناك انجذاب قوي تجاهها، ومشاعر عميقة تجتاحه بمجرد أن يتردد اسمها على عقله فهو قد تولى رعايتها منذ أن مات عمه، وقد اعتبرها أمانته، لذا كان يحاوطها بحمايته، وقد عزز انجذابه لها بأنها امرأة جذابة وجميلة، كما أنها رقيقة بدرجة كانت تستفزه، فقد كان يشعر بأنها أمامه كعصفور صغير يرتجف إن علا صوته ويعلن استسلامه في كل موقف يجمعهما، حتى في أوقاتهما الحميمية كانت خجولة هادئة مستسلمة.
أخرجه من شروده طرقها الخافت على باب الغرفة، فسمح لها بالدخول، فانفتح الباب لتطل عليه بطلتها الآسرة .. لطالما أعجبته كامرأة على الرغم من ضآلة حجمها، ولكنها كانت ترضيه وتشعل الشغف بجوفه فيصبه عليها نيرانًا حارقة.
_هل تريد شيئًا آخر؟!
هكذا تحدثت بجمود، بعد أن وضعت القهوة على المكتب أمامه، وعيناها تراوغ حتى لا تتقابل مع عينيه، التي طافت عليها بنظرات تحمل وميض الشغف والرغبة، فأظلمت أشعتها التي أشعلت شيئًا ما بداخلها، لم تعرف كنهه وخاصةً حين قال بخشونة:
_ إذن أنتِ أطلقت عليّ لقب هاديس أي أمير الظلام.
رهبة قوية اجتاحتها جراء استفهامه، مما جعلها تلتف موجهة أنظارها إلى النافذة وهي تقول بتوتر:
_من أخبرك هذا؟
شعرت بحرارة تكتنف جسدها من الخلف إثر اقترابه منها، مما جعل حزمة قوية من الوخزات تغزو عمودها الفقري، فحاولت الثبات قدر الإمكان، لتأتيها نبرته التي كانت تحمل وعيدًا مبطنًا:
_لا يهم، المهم الآن هل حقاً تريني بتلك الصورة؟!
صمتت لثوان لم تسعفها الكلمات، وخاصةً وهو بهذا القرب الذي يثير بداخلها زوبعة من المشاعر القوية، فعضت على شفتيها بقوة، وكأنه شعر بها فقام بوضع يديه فوق رسغها يديرها إليه، فالتقت أعينهما بنظرة طويلة، قطعتها حين أسبلت جفنيها بارتباك قائلة:
_وهل أجرؤ على قول الحقيقة؟
في تلك اللحظة كان أسيرًا للزيتون الذي يتلألأ بإغواء في حدقتيها اللتان لمعتا بهما ومضة من التحدي، راقت له كثيرًا فقال بخشونة:
_نعم، أريد سماع الحقيقة منكِ.
لا تعلم من أين جاءتها تلك الجرأة، فقد خرجت الكلمات مندفعة من بين شفتيها:
_نعم أطلقت عليك هذا اللقب لأنك بالفعل تملك قلبًا مظلمًا متوحشًا لا يليق سوي بأمير الظلمات.
_ومن أين تعرفين أن قلبي مظلمًا؟!
صدمة كبيرة اجتاحتها من سؤاله غير المتوقع، فقد ظنت أنها ستكون فريسة لغضبه المريع، ولكن نظراته ولهجته الهادئة أمرًا يدعو للدهشة، أو ربما الريبة، هكذا حذرها عقلها، ولكنها تجاهلت تحذيراته، وتوهجت نظراتها التي كانت مفعمة بالتحدي وهي تواصل هجومها السافر قائلة:
_إن لم يكن كذلك فمن المؤكد أنك كنت ستشعر بالبشر من حولك، ولكنك ...
توقفت حين وجدته يعض على شفته السفلية بطريقة بعثت الرجفة إلى أوصالها، التي شعرت بها ترتخي حين قال بهسيس مرعب:
_ أتعلمين؟ كل ما أشعر به الآن أنني أريد سحق عِظامك.
أخفت ذعرها خلف ستار الاستنكار، حين قالت تتوارى خلف خداع واه:
_ستقتلني لأنني أخبرتك الحقيقة؟
ارتفع أحد حاجبيه باندهاش، قبل أن يقول مستفهمًا:
_ من أين اتيتِ بفكرة القتل الآن؟
بللت حلقها قبل أن تقول بسخرية:
_ألم تقل إنكِ تريد سحق عظامي؟
لاح شبح ابتسامة على شفتيه، واكتفى بالتحديق الملي في تفاصيل وجهها، فقد كان يشتاقها كثيرًا فمنذ سنة ونصف لم يقترب من امرأة، وقد كان هذا شاقًا على رجلٍ مثله، وحتى عندما عاد لم يقترب منها سوى بتلك القبلة التي مضى عليها أسبوعًا، فتوهجت ألسنة الرغبة بقلبه، وتعاظم الغضب، وربما الخوف بداخلها فصاحت بانفعال:
_ أرأيت؟ تريد قتلي لمجرد كلمات بسيطة تفوهت بها.
كان هناك بركانًا ثائرًا في قلبه، يقترب من الفوهة قاذفًا جمراته في عروقه النافرة، قائلًا بهمس محترق:
_لا، ليس هذا هو السبب.
حمرة طفيفة تسللت إلى وجنتيها، وتبعثرت كلماتها عند شفتيها تزامنًا مع تلك الفوضى داخلها التي أثارتها لهجته ونظراته
_ وما هو السبب إذن؟!
غافلته الكلمات وانبعثت من بين شفتيه، حين قال بلهجة خشنة وعينين تشملها بنظرات متوهجة تطلقان سهامًا مشتعلة إلى سائر جسدها:
_لأنكِ تبدين فاتنة بدرجة يصعب عليّ احتمالها.
انتفضت أوردتها، وكأن كرات دمها تحولت لجمرات جراء غزله المباغت، فيما انكمشت ملامحها بصدمة سكبتها حروفها حين قالت:
_ما الذي تقصده؟ لا أفهم؟!
رجل مثله يعتبر أن الحديث ما هو إلا مضيعة للوقت، فهناك أشياء لا تفلح معها الكلمات، لذا قام بمد يديه لتعانق خصرها مقربًا إياها حتى تعانقت أضلعهما، وهو يمسد بإبهامه فوق ذقنها برقه تتنافى تمامًا مع طباعه الحادة وملامحه الخشنة حين قال هامسًا:
_هذا لأنك تثرثرين كثيرًا.
ارتجفت الحروف على شفتيها حين قالت:
_ ماذا تفعل؟
نظر إليها بعينين براقتين يمتزج بهما الشغف والرغبة، قائلًا بهسيس قاتل:
_أريكِ كيف تُسحق العظام.
لم تستطع استيعاب كلماته، فوجدت نفسها خاضعة لسطوة رجل يملك كل شيء، ولم يعطها أي شيء، والآن يسكب فوق شفاهها مشاعرًا قوية لا تملك القدرة على التصدي لها أو مقاومتها، بل إنها أصبحت تغرق أكثر بين ذراعيه وعلى شاطئ صدره يستكين شيء ما بداخلها، و يديه اللتان كانتا تتأرجحان بحرية على ساحة جسدها الذي تهاوت حصونه شيئًا فشيئًا، فأعلن استسلامه لرجل له سلطة مطلقة على كل شيء حولها، حتى أن حواسها أصبحت خاضعه له بدرجة أخافتها.
***
_هل لي أن أعلم لمَ حضرتك لا تتعطفين وتجيبين على ندائي؟!
هكذا تحدث زينات بتهكم، وهي تنظر إلى هدى التي كانت تتابع تحضير الطعام في المطبخ، فجاءها صوت حماتها البغيض، فاندلعت شرارة الغضب بداخلها، ولكنها حاولت قمع حنقها والتفت تجيبها ببساطة مثيرة للاستفزاز:
_لم أسمعك.
نجحت في استفزازها، فقالت ساخرة:
_لم تسمعيني وأنا في أسفل الدرج وأنتِ في منتصفه؟ ترى هل أصبت بالصمم أم ماذا؟
تشابهت نظرتها مع لهجتها حين قالت بجمود:
_على الأغلب لم يصبني الصمم، ولكن يمكن أن تقولي إنني كنت مشغولة بأمور مهمة، لذا لم التفت.
كانت المرة الأولي التي ترد عليها بمثل تلك الطريقة، فتعاظم غضبها وقالت بجفاء:
_أكملي لم التفت للتفاهات.
تعلم الفخ الذي تنصبه لها، وقد عزمت أن توقعها فيه، لذا قالت بسخرية:
_لم أقل ذلك.
_أردت الإيحاء به.
هكذا صرخت زينات بغضب، فالتفتت هدى إلى الجهة الأخرى وهي تقول بهدوء أصابها بالجنون:
_اعذريني فأنا مشغولة الآن، وليس لدي الوقت للجدال.
صرخت زينات بغضب من تجاهلها لها بتلك الطريقة:
توقفي عندك.
توقفت هدى بمكانها، فاقتربت منها زينات التي أعماها الغضب، فصاحت بها:
_هل بلغت بكِ الوقاحة لأن تغادري وأنا أحادثك؟
لم تفلح في قمع غضبها من إهانة تلك السيدة، فقالت بتحذير:
_سيدة زينات رجاءً انتبهي لكلماتك
هدرت بعنف:
_وما الذي سيحدث إن لم أنتبه؟
تبلور الغضب في عينيها، وقالت بحدة:
_ سأرد الصاع صاعين.
أنهت جملتها وهي ترفع رأسها بعنفوان، سرعان ما تحول لصدمة كبيرة حين ...
يتبع ...
ملحوظة (هاديس أمير العالم السفلي عند اليونان انا بحب الميثولوجيا جدا و هي شيقة اوي لو حد حابب يقرأ فيها ♥️)
رواية كواسر أخضعها العشق ❤️🔥 الفصل السادس 6 - بقلم نورهان العشري
حين يزورك الحنين فقط تذكر،
تذكر تلك الكلمات القاسية التي أزهقت روحك وظل صداها يتردد كسهام مشتعلة بين جدران قلبك،
وتلك العبرات الغزيرة التي كنت تحاول كتمانها أمام نظراتهم الشامتة بعد أن أقسمت لهم يومًا بأنه مختلف، ورائحة الدموع التي تفوح من وسادتك كل صباح لتُعلن كم كانت ليلتك مُروعة،
حينها فقط ستخلد إلى النوم حاملًا ذلك الحنين بقلبك تُخبئه بين طياته حتى لا تُضيف أوجاع جديدة إلى حقيبة جراحك النازفة.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
صُعِقت زينات من كلماتها وسرعان ما تحولت صدمتها إلى غضب حارق أعماها فلم تتماسك نفسها إذ قامت بجلب كوب من الماء الموضوع على المنضدة أمامها وقذفته في وجهها وهي تبصق الكلمات من فمها:
_أيتها الحقيرة كيف تجرؤين على قول ذلك؟!
صاعقة أصابتها حين ألقت زينات المياه فوقها بتلك الطريقة المُهينة فتسمرت قدماها في الأرض للحظات قبل أن ينتفض جسدها وكأن المياه التي سقطت فوقه تحولت إلى نيران فأظلمت عيناها وتحول جمودها إلى ثوران كاد أن يطيح بتلك المرأة لولا ذلك الصوت الذي جاء صارمًا ليحول بينها وبين ارتكابها لجريمة قتل.
_ما الذي يحدث هنا؟!
لم تكن الصدمة من نصيب "هدى" فحسب ولكن زينات أيضًا فوجئت من فعلتها وكيف أنها لم تتحكم في غضبها وارتعبت من ظهور "زين" في هذه اللحظة واستفهامه الذي لا تعرف كيف تجيب عليه وخاصةً حين رأت عيني "هدى" اللتين تجمع بهما غضب العالم أجمع لذلك هتفت باندفاع:
_أبدًا لقد وقع كوب المياه من "هدى" وأغرق ملابسها أليس كذلك يا "هدى"؟!
ألقت استفهامها بنبرة يشوبها التهديد الذي انبثق من نظراتها وقد كانت تعلم بالرغم من غضب "هدى" إلا أنها سترضخ فهي لطالما كانت مسالمة لا تحب المشكلات.
_لا ليس هكذا، بل أنتِ من ألقيتني به.
هكذا تحدثت "هدى" بغل لون ملامحها وقهر انبعث من عينيها فخرجت زمجرة قوية من فم "زين" الذي قال بانفعال:
_هل هذا صحيح يا "زينات"؟!
لم يكن يتخيل أن تبلغ "زينات" تلك الدرجة من الوقاحة ولكنها تجاوزتها بكثير إذ صاحت بتبجح:
_ما هذه الوقاحة؟! كيف تتهميني اتهامًا بشعًا مثل ذلك؟ أجننتِ؟!
صرخت "هدى'' بحدة:
_إذن تعترفين أنه اتهامًا بشعًا، والأبشع من ذلك أن تنكري ما حدث وأنتِ تنظرين إلى عيني.
صرخت "زينات" بغضب:
_كم أنكِ وقحة.
تدخل "زين" بصرامة:
_ "زينات" توقفي.
التفتت "هدى" تناظره وهي تقول بغضب:
_أقسم لك بأنني لا أكذب وقد حدث هذا بالفعل.
"زينات" بتبجح:
_كاذبة.
"زين" بصراخ:
_يكفي، سأعرف من منكن التي تكذب وأقسم سأعاقبها عقابًا مُريعًا.
انقبض قلبها ذعرًا وارتجفت نبرتها حين قالت:
_وكيف ستعلم؟!
داخله كان يشعر بأنها تكذب فقد رأى القهر والألم بعيني "هدى" ولكن كان لا بد له أن يقطع الشك باليقين ويملك دليلًا ليحاسبها عليه.
_هل نسيتِ أن المطبخ به كاميرات مراقبة يا ترى؟!
لم تتمالك شهقتها التي شقت جوفها وتوقف تنفسها للحظة كيف نسيت ذلك؟! كيف تركت الغضب يتمكن منها لتلك الدرجة؟! ماذا ستفعل الآن؟! كانت التساؤلات تطن برأسها كالذباب وهي ترى "زين" الذي أحضر حاسوبه ليفرغ الكاميرات تحت أنظارها المرتعبة وأنظار "هدى" التي كانت الشماتة تلون ملامحها مع ابتسامة ساخرة تغزو ثغرها فانضم الغضب إلى الخوف في ساحة قلبها الذي كاد يقف من فرط الانفعال، كان "زين" يتابع الحديث بينهما على شاشة الحاسوب إلى أن توقف عند تلك اللقطة حين حملت "زينات" كوب المياه وألقت به في وجه "هدى" التي امتقع وجهها ولأول مرة منذ سنين كادت أن تبكي.
_إذن يا سيدة "زينات" فالآن علمنا من المخطئ الكاذب.
علا تنفسها وازداد توترها وآثرت قلب الأمور إذ صاحت بانفعال:
_لا أسمح لك يا "زين" لقد حاولت أن أخبئ الأمر عنك؛ حتى لا تغضب منها حين تعلم ما فعلته.
"زين" بقسوة:
_أيًا كان ما فعلته لا يجعلك تفعلين هذا، لقد أخطأت وتماديت في الخطأ واتهمتها بالكذب، ألا تخجلين؟!
شعرت وكأن دلوًا من الماء قد انسكب فوقها جراء إهانات "زين" لها أمام "هدى" التي كانت تتابع ما يحدث باستمتاع... فتلك المرأة لطالما كانت تتجبر عليها وعلى الجميع، والآن أتى دورها لتتجرع بعضًا مما كانت تفعله بهم.
_"زين" استمع إليّ أنتَ لا تعرف ماذا حدث.
نهرها بقسوة:
_ولا أريد معرفة أي شيء، والآن اعتذري من "هدى" فقد أهنتها عمدًا واتهمتها بالكذب دون خجل.
بهتت ملامحها وتدلى فكها للأسفل من فرط الصدمة، هل ما سمعته لتوها صحيح؟! هل طلب منها الاعتذار لتلك المرأة وهي حماتها؟!
_كيف تقول هذا الكلام؟! أنا والدة زوجها، كيف؟!
صاح بتهكم:
_ أخبريني ما هي السلطات التي يعطيها لكِ هذا اللقب يا ترى؟!
ما زالت تحت وطأة الصدمة حين قالت:
_هل تسخر مني؟!
تشابهت عينيه مع نبرته القاسية حين قال:
_لا سمح الله أن أسخر من السيدة "زينات النعماني"! ولكن أتعلمين الأمر يدعو للسخرية فعلًا.
قال جملته الأخيرة وهو يطلق ضحكة ساخرة خشنة، ثم أردف بجفاء:
_إن ظننتِ أن كونك والدة زوجها هذا يعطيكِ الحق في إهانتها فأنتِ مخطئة، الإلزام الوحيد لها تجاهك هو الاحترام فقط و هذا لا تستحقيه ما دُمتِ لم تحترميها، ضعي هذه الكلمات في رأسك .
قست لهجته أكثر عند جملته الأخيرة ثم التفت إلى "هدى" قائلاً بلهجة مغايرة تحمل اللين والود:
_أنا أعتذر منكِ يا "هدى" عن كل ما حدث نيابة عن زوجتي وعن كل العائلة.
شعرت بالانتشاء في هذه اللحظة من موقف "زين" وحديثه معها وتولد بداخلها شعورًا عارمًا بالندم كونها رضخت لتجبر تلك المرأة سابقًا.
_لا عليك يا عمي فأنتَ لم تفعل لي شيئًا، ولكن أنا شاكرة لمحاولتك النبيلة في مراضاتي.
كانت المرة الأولى التي تتلقى الإهانة بها طوال حياتها فلم تسعفها الكلمات ولم تطاوعها يداها في خنق تلك الفتاة التي يلون الاستمتاع ملامحها فوجود "زين" منعها من فعل الكثير ولكنها حتمًا لن تمرر ما حدث على خير هكذا كانت تفكر وهي تطالعهما ببغض لم تحاول إخفاءه ثم لاذت بالفرار من أمام أعين "هدى" الشامتة.
**************
_بالله عليكِ "لينا" أريد الاطمئنان عليه.
هكذا تحدثت "فريال" بتوسل عبر الهاتف ولم يعجبها الجواب، فصاحت بانفعال:
_لا تخبريني هذا الكلام فأنا أحاول منذ ثلاثة أيام محادثته وهو يرفض، ما ذنبي بكل ما حدث؟! هل أنا من جلبت هذا الشيطان من الجحيم ليعود ويخرب حياتنا مرة أخرى؟!
أخفضت رأسها و زفرت بتعب وهي تستمع إلى عبارات المواساة على الطرف الآخر من الهاتف فضاقت ذرعًا من الكلمات التي تسمعها كل يوم منذ أن استفاق "أشرف" من غيبوبته؛ لذا قالت بتوسل:
_أرجوكِ أخبريه بأنني لن أتركه أبدًا وسأخذ بثأره ولن أمرر ما حدث وذلك الوحش سيعاقب على فعلته أقسي عقاب قد يتخيله.
طرقات على الباب جعلتها تسرع في إنهاء المكالمة ثم أمرت الطارق بالدخول فأطلت "نور" من الباب وهي تحمل صينيه الطعام كما هي عادتها منذ أن مرضت ثم توجهت لتضعها على المنضدة أمام السرير والتفتت قائلة باقتضاب:
_هل تريدين شيئًا آخر؟!
تبدلت نبرتها التي لطالما كانت قاسية ولانت نظراتها قليلًا وهي تقول:
_ تعالي يا "نور" أريد الحديث معك قليلًا.
فوجئت "نور" من تبدل حال والدتها إلى النقيض فقد نالت منها جفاء وقسوة طوال الأسبوع الماضي يكفياها لباقي عمرها، ترى ما الذي بدل حالها هكذا؟
لم تفصح "نور" عن تساؤلاتها إنما اقتربت بهدوء من السرير الذي ترقد عليه "فريال" التي قالت بابتسامة هادئة:
_اجلسي بجانبي.
تعاظمت دهشتها ولكنها لم تجادل إنما أطاعتها بهدوء ينافي ضجيج استفهاماتها التي لم تفصح عينيها في كتمانها ولم يخفى ذلك على "فريال" التي حادثتها قائلة:
_أعلم كم كنت قاسية معك طوال الأيام الفائتة ولهذا أردت الاعتذار منكِ.
برقت عيناها من فرط الدهشة وتدلى فكها إلى الأسفل فبدا شكلها مضحكًا وهذا ما حدث فقد ابتسمت "فريال" على مظهرها وأردفت بمزاح نادرًا ما يخرج منها:
_أغلقي فمك سيدخل به الذباب.
تنبهت "نور" إلى نفسها ولكنها لم تستطع تجاوز أن والدتها تريد الاعتذار منها، لم تكن تتخيل حتى بأحلامها أن تلك المرأة الوقورة الجادة القاسية أحيانًا والتي لم يجمعها بها يومًا حديث شيق ولا علاقة متفهمه كعلاقة الأم مع ابنتها الآن تريد الاعتذار.
_هل سأظل أتحدث مع نفسي طوال الوقت؟!
قالتها "فريال" بنفاد صبر فتحمحمت "نور" قبل أن تقول بخفوت:
_عذرًا، لم أقصد.
"فريال" بهدوء:
_ لا عليكِ، أرجو أن تعذريني؛ فقد كنت متعبة وكنت أخرج غضبي بكِ، فكما تعرفين أنا أكره العقاقير والأدوية ولا أحب الالتزام بتناولهم وتعليمات الطبيب أثارت غضبي.
ابتهج قلبها من كلمات أمها وتجاهلت صدمتها وحزنها في الأيام السابقة وقالت بلهفة ظمآن يتوق لبعض قطرات المياه كي تروي عطشه:
_ لا عليكِ يا أمي، المهم أنكِ بخير الآن.
"فريال" بلطف:
_الفضل يرجع إليكِ وإلى اهتمامك بي طوال الأسبوع المنصرم.
لونت البهجة معالمها وتحدثت بلهفة:
_لا لا لم أفعل شيء.
"فريال" بابتسامة لم تصل إلى عينيها:
_دائمًا كعادتك حانية ومسالمة.
أنهت جملتها وهي تتابع ملامح "نور" حين تابعت بتخابث:
_ولكن للأسف العالم مكان قاسي للغاية والبشر أصبحوا سيئين وأنا أخشى عليك كثيرًا.
انطفئ شهب عينيها الدافئ وتبدلت ملامحها المبتهجة إلى أخرى يخيم عليها الحزن الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
_لمَ تقولين هذا الكلام؟!
سارت على نهج خطط له عقلها المسموم فقالت بتخابث:
_واجبي كوني والدتك أن أنبهك، أعلم أن العلاقة بيننا لم تكن وطيدة في السابق ولكن أنا أريد تعويض ما فاتنا.
لم تعرف بما تجيبها فقد خيم الحزن والحيرة على ملامحها ولكنها أومأت بالقبول فتابعت "فريال" تدق على الحديد وهو ساخن:
_لم يتبقَ لي الكثير وأريد أن أصلح أخطائي وأترك لأولادي وخاصةً أنتِ ذكريات جميلة حين أموت.
_لا تقولي هذا أرجوكِ، أدامك الله فوق رؤوسنا.
هكذا اندفعت الكلمات من فم "نور" فابتسمت "فريال" وبدا الارتياح على ملامحها وهي تقول:
_إذن هل نبدأ صفحة جديدة؟!
_بلى يا أمي، فأنا أفتقدك كثيرًا.
أشعلت كلماتها نيران الذنب بقلبها ولكنها سرعان ما نفضت عن قلبها ذلك الشعور وقالت بجمود:
_ من الآن وصاعدًا لن تفتقديني، والآن لدينا أمرًا هامًا يجب أن نتحدث به.
انكمشت ملامحها بحيرة تجلت في نبرتها حين قالت:
_ تحدثي، أسمعك.
"فريال" بترقب:
_هل بدأتِ بوضع خطة من أجل ثأرنا؟!
**********
الهرب ليس سيئًا في بعض الأحيان، فحين يكون الواقع مؤلم للحد الذي يُشعِرك بأن العالم كله لا يتسع لشخص مثلك فحينها يُمكنك الهرب دون أن تهتم ما إن وصفك أحدهم بأنك جبان، ولكن الأهم من ذلك هو إلى أين يمكنك الهرب؟ وأنت منبوذ من أقرب الأماكن إلى قلبك.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ضاقت ذرعًا بنظرات الشفقة التي تطل من أعين جميع العاملين بالمنزل الذي بالرغم من اتساعه فقد شعرت بأنه ضيق حتى كادت جدرانه أن تخنقها فأرادت الاختباء في غرفتها من ذلك الوزر الذي لم ترتكبه ولكنها تدفع ثمنه من كبريائها وكرامتها التي هُدِرت على يد الشخص الوحيد الذي أسلمت له قلبها ولكنه على قدر قربه منها جاءت طعنته نافذة بخنجر الخيانة المسموم الذي يسري سمه في أوردتها فلا هي تقوى على تحمله ولا هو يقتلها، بل يدعها تتألم بصمت هذا هو حال كل امرأة فضل زوجها أخرى عليها.
صعدت درجات السلم بوهن وعينان تغلفها عبرات مشتعلة شوشت الرؤية أمامها فلم تلحظ نظرات الأفاعي من حولها ولكنها سمعت فحيحها جيدًا حتى اخترق قلبها المكلوم:
_اهدئي يا أمي واعذري "هدى" أيضًا لقد ألقى بها زوجها وتزوج أخرى حتي أنه لم يلحظ غيابها عن المنزل أو لنقل لم يهتم.
هكذا تحدثت "ناريمان" بصوت مرتفع قليلًا ليصل إلى مسامع "هدى" التي كادت أن تقع أرضًا من فرط الألم الذي تضاعف حين سمعت كلمات "زينات" القاسية:
_لا تلومي على أخيك فهو محق فمن الرجل الذي يحتمل امرأة مثلها؟؟ انظري إليها إنها تشبه المعلمة العانس.
"ناريمان" بتأثر زائف:
_أمي رجاءً لا تقولي مثل هذا الكلام عن "هدى" فهي امرأة امممم لنقل هادئة.
"زينات" بسخرية:
_ بالله عليكِ لا تقولي امرأة، أحمد الله أن "شاهين" قد وجد امرأة تليق به جميلة، متعلمة، ذكية، وها هو الآن يقضي شهر عسله معها.
شهقت "ناريمان" بسعادة وهي تقول بصوت مرتفع قليلًا:
_لا تقولي أن "شاهين" الآن مع زوجته يقضون شهر العسل؟ لمَ لم يخبرني؟!
"زينات" بتهكم:
_الحيطان لها آذان يا حبيبتي وولدي يخشى أن تنقلب رحلته السعيدة إلى مأتم من تلك العينين الكبيرتين التي قد تفلق الحجر.
تآزر بها الوجع للحد الذي جعل جسدها يرتجف فقد أصابوا بكلماتهم القاسية قلبها وكبريائها الأنثوي في الصميم، نجحوا في إغراقها في وحل الإهانة والتحقير من شأنها بالقدر الكافي لجعلها تتمنى الموت حتى ينتهي هذا العذاب الذي يجيش بصدرها، لا تعلم كيف وصلت إلى غرفتها فتوجهت إلى المرحاض لتقف بثيابها أسفل المياه وهي تبكي بل تنتحب وعلت شهقاتها حتى دوى طنينها في الجدران من حولها ولكن أي بكاء قد ينفع مع روح مزقها الألم وقلب أحرقته أفعال البشر التي نست أن الله تعالى يُمهِل ولا يُهمِل وأن لكل منا نصيبه من أفعاله وجزائه على أخطائه وأن ظننا أن حديث اللسان يُنسي فهذا ضلال... فالكلمة ما إن تخرج من بين شفاهنا حتى تدون في صحائفنا ليسقى كل ساقٍ بما سقى.
أفرغت ما بجوفها من ألم على هيئة عبرات غزيرة تركت عينيها كبركة من الدماء المحتقنة وقامت بلف المنشفة حول جسدها وهي تخرج من المرحاض لتتوجه بآليه إلى طاولة الزينة تجلس على المقعد أمامها، وعيناها تطوفان على ملامح وجهها التي كانت باهته حزينة لا تشبه المرأة التي كانت عليها في السابق، كيف وصلت إلى هذه الحالة؟! كيف تركت نفسها تشيب قبل تقدم عمرها؟!
إجابة قاتلة أضاء بها عقلها حين أخبرها بأنهم محقون، أنتِ بالفعل لستِ امرأة، تقمعين جمالك وكل ما هو أنثوي بكِ في هذه الثياب التي تليق بمن هم أضعاف عمرك وخصل شعرك الثائرة التي تقمعيها بتلك الدباييس اللعينة التي تخنق جمالها في تسريحة قبيحة تجعلها بالفعل كما أطلقوا عليها المعلمة العانس.
_ هل يراني هكذا؟!
سؤال مؤلم وإجابته أكثر ألمًا وهي لم تعد تحتمل؛ لذا هبت من مقعدها وهي تلتف إلى الطاولة بجانب السرير تلتقط هاتفها لتجري مكالمة وحين أتاها الرد همست بألم:
_"نور" أحتاجك كثيرًا الآن.
لم تحتج إلى قول أكثر من ذلك وسقط الهاتف من يدها وكذلك سقطت هي فوق مخدعها ترتجف من فرط بكاء يذرفه قلبها دمًا،
دقائق وجيزة لم تشعر بها حين وجدت باب غرفتها يفتح و"نور" تطل برأسها منه ثم أغلقت الباب وهرولت إليها تحتضنها بقوة وهي ما زلت مرتميه على السرير وما أن شعرت ب"نور" التي عانقتها بقوة حتى علت شهقاتها في شكوى مريرة لا تفلح الكلمات في صياغتها:
_ هل أنتِ أفضل الآن؟!
هكذا تحدثت "نور" بعد مرور أكثر من نصف ساعة و"هدى" تبكي إلى أن هدأ بكائها شيئًا فشيئًا ولكنها لم تستطع الإجابة على سؤال "نور" فأومأت بموافقة حزينة صامتة، فهمست "نور" بحزن على حالها:
_لا أحد في هذا العالم يستحق كل هذه الدموع صدقيني.
لم تجِبها ولكنها اعتدلت حتى أصبحت تجلس أمامها، ثم قالت بصوت مبحوح من فرط البكاء:
_ أعلم، ولكني لا أبكي عليه ولن أفعلها، أنا أبكي على نفسي وعلى ما أوصلتها إليه.
تأثرت "نور" من حديثها فقالت تواسيها:
_ إذن لا تجهزي عليها فهذا الحزن قد يقتلك يومًا إن لم تقتليه أنتِ.
تشابهت عينيها مع نبرتها حين قالت بجمود:
_ أعلم، ولا تقلقي لقد قتلته، ذرفته وسط تلك العبرات المريرة وتخلصت منه، والآن أريد استعادة نفسي القديمة والأخذ بثأرها.
بهتت ملامح "نور" من حديث "هدى" وقالت باستفهام:
_عذرًا لم أفهم، أي ثأر هذا؟!
تجاهلت سؤالها وهي تهب من مكانها تتوجه إلى غرفة الملابس لتخلع عنها المنشفة ثم قامت بدس جسدها في أحد المآزر قبل أن تقوم بجمع كل تلك الملابس الباهتة التي تشبه سكان هذا المنزل وتقدمت إلى منتصف الغرفة وقامت بإلقائها أرضًا ثم عادت وجمعت الباقي وأعادت ما فعلته مرة أخرى وسط أنظار "نور" المندهشة:
_"هدى" ما هذا الذي تفعلينه؟!
_ أتخلص من كل هذه القمامة.
أنهت جملتها وتوجهت إلى الباب وقامت بفتحه والنداء على إحدى الخادمات التي هرولت إليها، فقالت "هدى" آمرة:
_هذه الثياب لكِ يا سيدة "مديحة"، هيا خذيها.
ابتهجت الخادمة كثيرًا وشكرتها بعمق وتوجهت تلتقط الثياب وهي تخرج من الغرفة فرحة، فأغلقت "هدى" الباب خلفها ثم التقطت الهاتف لتقوم بإجراء مكالمة هاتفية وما أن أتاها الصوت على الطرف الآخر حتى قالت آمرة:
_ جهز لي السيارة سأخرج بعد عشر دقائق.
ضاقت ذرعًا بما يحدث فهتفت بنفاد صبر:
_هل لي أن أعلم ماذا تفعلين؟! وإلى أين أنتِ ذاهبة؟!
أجابتها "هدى" بسلاسة:
_ سنذهب للتسوق.
*****************
_لمَ لا تجيب على اتصالاتي أيها الوغد؟!
هكذا تحدث "فراس" وهو يترجل من سيارته قاصدًا باب القصر الداخلي بعد رجوعه من عمله، فأجابه "شاهين" ساخرًا:
_هل هكذا تخبرني أنك اشتقت لي أيها الدب ذو الفم الكبير؟!
"فراس" بفظاظة:
_لا تثرثر كثيرًا فلا طاقة لي باحتمال سماجتك.
واصل سخريته قائلًا:
_سماجتي أفضل بكثير من رياء تلك الأفاعي التي تسكن معها.
زفر بملل قبل أن يقول بجفاء:
_كلاكما أسوأ من بعض، هيا أخبرني متى ستعود؟!
"شاهين" بلهجة خيم عليها التعب:
_لا أعلم ولا أريد العودة من الأساس.
فراس بصرامة:
_ ثلاث أيام وأجدك أمامي، الخميس القادم ستقيم والدتي حفلًا في القصر وستكون أول الحاضرين.
صاح "شاهين" بنفاد صبر:
_لمَ أنتَ حقير إلى هذه الدرجة؟! أي حفل هذا الذي سأحضره؟!
"فراس" بتوعد:
_سأريك مدى حقارتي إن لم تأتِ في الموعد المُحدد، هذا الحفل يجب أن تجتمع به العائلة بأكملها وللأسف أنتَ فرد منها.
"شاهين" بامتعاض:
_هذا من سوء حظي.
قام بخلع قميصه وهو يقول ساخرًا:
_إذن سنعلن تبرأنا منك في الحفل؛ لذا لا تفوت العرض.
قهقه "شاهين" على كلماته ولم يكد يجيبه حتى أغلق "فراس" الهاتف وهو يتوجه إلى غرفة الملابس وما إن اختفى داخلها حتى دلفت "نور" إلى الداخل وعلى الفور قامت بخلع حذائها وإلقائه بتعب؛ فقد قضت أكثر من سبع ساعات في التسوق مع "هدى" حتى بلغ منها التعب ذروته، فألقت الحقيبة التي بيدها أرضًا وارتمت على السرير بكامل ثقلها؛ حتى ترتاح قليلاً قبل موعد العشاء، فلم تلحظ رنين هاتفه الذي جعله يقوم بجذب ملابسه متوجهًا إلى الخارج، فإذا به يرى ذلك الجسد الصغير يتمدد براحة على السرير فتوقف لثوانٍ طافت عيناه بهم بروية على تقاسيمها المغوية قبل أن تأخذه خطواته المهيبة إليها، فدار حول السرير ليرى وجهها الذي بدت معالمه هادئة مستكينة فجثى على ركبتيه أمامها ليصبح بالقرب الذي يمكنه من التمتع بمطالعة حسنها، فجرت عيناه عليها بنظرات مظلمة تولد بها الشغف والرغبة معًا... فامتدت يديه ترسم ملامحها بخفة. عيناها المغلقتان، أهدابها الطويلة، أنفها الدقيق، وجنتاها الناعمة وشفتيها، توقف لبرهة يكابح نفسه؛ حتى لا يطلق جيوشه الضارية لتنال من شفاهها المغوية التي زمتها حين ضغط بأنامله على ضفتيها الناعمتين التي استفزته بقوة... فلاحت ابتسامة صغيرة على شفتيه القاسيتين وأخذ يتذكر كم كانت ترافقه تلك الملامح طوال السنة ونصف المنصرمة... وكم كانت دافعًا قويًا له ليعود، لا يعلم السبب لذلك فهو لم يكن عاشقًا يومًا ولكنه رجح بأن السبب أنها كانت أكثر من يحتاجه.
أخرجه من بحر أفكاره شهقة قوية خرجت من جوفها حين فتحت عينيها وجدته بهذا القرب منها فهوى قلبها رعبًا ولم تتمالك نفسها إذ هبت من مكانها مذعورة فالتفت ذراعيه تعانق خصرها لمنعها من السقوط أرضًا وهو يقول بخشونة:
_ اهدأي إنه أنا، لمَ كل هذا الخوف؟!
أخذت نفسًا طويلًا قبل أن تجيبه بشفاه مرتجفة وصدر يعلو ويهبط من فرط الصدمة:
_ لم أكن أعلم بوجودك في الغرفة لهذا ارتعبت حين شاهدتك.
_ها قد علمتِ، لمَ ترتجفين إذن؟!
هكذا تحدث بتهكم فأصابتها عينيه بجمود لحظي سرعان ما تجاوزته وقالت باندفاع:
_ إنه من تأثير الصدمة فقط.
رجفة جسدها بين يديه كان لها وقعًا قويًا عليه فهاجمته حزمة من المشاعر المختلطة لذا قال بهسيس خشن:
_ما رأيك أن أجعلك تهدئين؟!
_لا أشكرك، هلا تركتني حتى أستعد لموعد العشاء؟!
هكذا صاحت بلهفة من يريد الخلاص من وطأة هيمنته على الأوضاع وتخبطها وارتباكها بين يديه فرطبت بلسانها شفتيها التي جفت من فرط التوتر مما جعل نبضة قويه تتعثر بداخل بقلبه حين رآها، لم يكن الأمر رغبة فقط! إنما تجاوز ذلك بكثير فبداخله توجد نزاعات لمشاعر غريبة لم يختبرها مسبقًا وكيف لنظرة واحدة منها أن تجعل طبول الحرب تضرب بداخله؟
تفسير واحد اختاره ليبرر ما يحدث معه وهو اشتياق رجل لامرأته وما أن ينالها سيذهب كل ذلك أدراج الرياح؛ لذا لم يطِل صمته كثيرًا وأجابها بنبرة خشنة:
_أعتقد أنني تركتك أكثر من اللازم ألا توافقيني الرأي؟!
كرد فعل عفوي منها امتدت يدها تقف حائلًا بينها وبينه فلامست ساحة صدره العريض لتحترق بنيران لم تعهدها مسبقًا فالآن فقط فطنت لكونه عاري الصدر فتعلقت نظراتها به للحظات ولم تجبه فلم يسعفها عقلها برد مناسب ربما من فرط الخوف أو تأثرًا بقربه فقد بدا وسيمًا بطريقة مُهلكة لأي أنثى وأيضًا تلك الهيبة البدائية التي تحيط به لها تأثيرًا عظيمًا على ثباتها الذي أوشك على التلاشي لولا تدخل عقلها في تلك اللحظة لينبهها باقترابها من دائرة الخطر فذلك الرجل خائن.
_رجاءً لا تطلب مني أشياء لا أقدر على فعلها.
هكذا قالت بجفاء فقاطعها قائلًا بفظاظة:
_أطلب مرة واحدة فقط، بعد ذلك أخذ ما أريد بطريقتي.
لم يكن رجلًا يفرض نفسه على امرأة ولكنه أيضًا يعلم ما أن كانت المرأة التي أمامه ترغبه أم لا و قد رأى وميض الإعجاب بعينيها وشعر بتجاوبها معه ولكن هناك شيء جعلها تتراجع بتلك الطريقة.
_وهل ستأخذه قسرًا؟!
هكذا تحدثت بجفاء تحاول ردعه بأي طريقة قبل أن يقترب أكثر فعندها لن تستطيع مقاومته فيما كان وجهه غارقا في حلاوة عنقها البض يستمتع بمذاق بشرتها الرهيفة فجاءته كلماتها التي أشعلت فتيل غضبه فقال بهسيس مرعب:
_وهل فعلتها سابقًا؟!
لم يعطِها الفرصة للإجابة، إنما أردف محذرًا:
_ لا تثيري غضبي "نور" فأنا أتجاوز عن أشياء كثيرة حتى أحميكِ منه.
تشقق قناعها الثلجي الذي حاولت ارتدائه أمام هجومه الساحق بالرغم من ذلك حاولت الثبات إلى النهاية فقالت هامسة:
_أنا لست جاهزة بعد.
_ سأتأكد من ذلك.
هكذا تحدث بعد أن تخلى عنه ثباته أمام حُسنها وشوقه الضاري لها... فقام بجذبها بقوة توازي قوته وهو يفرض سطوته على روحها وسائر جسدها... الذي خضع أمام هجومه المباغت... فقد كان يشعر بالعطش إليها بطريقة لم يعهدها من قبل... فصار ينهل من عذوبتها ويتنعم بجنان فتنتها و يغدقها دلالًا حملها معه إلى عالم غريب عنها ولكنه رائع مليء بأحاسيس ومشاعر قوية لم تتذوقها سابقًا، وهكذا دام لقائهما لساعات لم تكن كافية لإشباع جوعه الشديد لها، الذي كان يجعله يقسو أحيانًا ثم يعود لـيغدقها دلالًا وحنانًا، لا يعلم من أي جهة تسرب إلى قلبه الذي كان يدق بسرعة توازي سرعة دقات قلبها التي تجاوزت مليون دقة في الثانية حتى وإن استحال الأمر علميًا إلا أنها كانت تشعر بذلك وأمام عنفوان تلك المشاعر الثائرة سقطت مرهقة تفترش صدره العريض مستسلمة لغفوة اختطفتها غافلة عن أعين لامعة تناظرها بافتتان وشغف تجاوز حدود استيعابه... فاقترب يضع قبلة قوية في هذا التجويف بمنتصف ذقنها... ثم استسلم لغفوة أنقذته من أسئلة تدور برأسه كالطواحين التي لا تهدأ أبدًا.
يتبع....
رواية كواسر أخضعها العشق ❤️🔥 الفصل السابع 7 - بقلم نورهان العشري
❤️🔥الخضوع السابع❤️🔥
يحدث أن تسلُك كل الطرق للهرب من هيمنة شخص ما استملك كل ذرة من كيانك وطغى هواه للحد الذي يجعلك عاجزًا عن مقاومته، ولكن ما إن تغادره يجتاحك شعور مَضَّاء بالغربة وكأنك طير طَرِيد يشتاق لتراب وطنه.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
_ ألم يحن الوقت للعودة بعد؟!
هكذا تحدث "شاهين" بنبرة عالية يغلب عليها الامتعاض الذي لون معالمه، فلفت انتباه "هناء" التي التفتت تحتوي انزعاجه بعناق شغوف واضعه قبلة صغيرة على وجنته وهي تقول باستعطاف:
_حبيبي لا تقل أنك مللت فالسهرة ما زالت في بدايتها.
رمقها باستياء تجلى في نبرته حين قال:
_ لا أحتاج إلى أن أقول أنني مللت، أنتظر أن تلاحظي ذلك بنفسك.
تصاعدت أبخرة الغضب إلى رأسها ولكنها حاولت تجاهلها وإضفاء الحزن على لهجتها حين قالت:
_هل مللت مني؟!
ارتفع إحدى حاجبيه وكأنه يخبرها بأن خداعه ليس بالأمر السهل ولكنه اكتفى بتصحيح ظنها قائلًا بفظاظة:
_ لقد مللت من كل هذا الصخب وهذه الضوضاء.
_ "شاهين" أرجوك هذا شهر عسلي وأريد أن أستمتع قدر الإمكان.
هكذا تحدثت بحنق تجاهله فأخذ ينظر أمامه باستياء فلم يكن من محبين الضجيج أو الأصوات العالية بل كان أكثر من ينشد الراحة والهدوء وعلى ذكر الهدوء أخذ قلبه يستعرض بعضًا من ذكرياته معها.
عودة لوقت سابق..
_ حبيبتي هيا سنتأخر على الحفل.
هكذا صدح صوت "شاهين" وهو يدخل إلى الشاليه الخاص بهما في أحد المناطق الساحلية وأخذت عيناه تبحثان عنها في كل مكان إلى أن سمع صوت طرقات كعب حذائها يأتي من أعلى الدرج فارتقى بنظراته إلى حيث تقف ليتوقف الزمن به لثوانٍ وهو يبصر جمالها الأخاذ بذلك الثوب الأسود الرائع عاري الأكتاف والذي يحتوي تقاسيم جسدها الكُمثري مبرزًا بجود منحنياته الخلابة وينتهي عند حدود ركبتيها الوضاحة لينبلج ذلك التضاد بينهما بطريقة أججت نيران الشوق والرغبة بقلبه الذي تعانقت دقاته مع ضربات حذائها ذو الكعب العالي وهي تهبط الدرج الذي ما أن وصلت إلى نهايته حتى وهبته أجمل ابتسامتها التي لطالما زينها الخجل راويًا خديها فنبت الورود فوقه وعيناها المتلألئة بوميض العشق الذي أوقد الهواء حولهما فشعر بالاحتراق الهائل بين أوردته من مجرد نظرات عابرة إلى حُسنها الذي ضاعفته خصل شعرها التي تناثرت حولها بصخب وتحدٍ مهووس يشبه هوس قلبه بها.
_ لقد انتهيت من تجهيز نفسي، ما رأيك؟!
هكذا أجابته بلهجة خجولة متوترة من نظراته الجريئة وعيناه اللتان أظلمتا برغبة قاتله سرعان ما تحولت إلى غضب حارق تجلى في نبرته حين قال:
_أجننتِ يا "هدى"؟! هل تظنيني أخرق لأجعلك تخرجين بهذه الثياب أمام الرجال؟!
تجاهلت غضبه واقتربت منه بخطٍ وئيدة وعينان براقتان وهي تقول بنبرة خافتة:
_لا داعي لأن تغضب هكذا، لم أكن أقصد إزعاجك.
أجابها بفظاظة:
_ ماذا تقصدين إذن من ارتدائك هذه الثياب ونحن بصدد الخروج؟!
توقفت على بعد عدة خطوات منه وهي تقول على استحياء:
_كنت أفكر ماذا لو أقمنا حفلًا خاصًا بنا هنا؟
ضيق عينيه وهو يناظر بترقب توترها الملحوظ وشفتيها المذمومة برقة ويديها اللتين كانت تفركهما ببعضهما البعض وسرعان ما تبدلت نظراته إلى العبث وهو يقترب منها بخطٍ سلحفية وعيناه تأسران عينيها كما أسر خصرها بذراعيه حتى امتزجت أنفاسهما ليقول هامسًا أمام شفتيها:
_أشعر بأن أحدهم يفكر في مفاجأتي هل هذا صحيح؟!
بللت حلقها الذي جف من اقترابه منها بتلك الطريقة ثم بصعوبة حاولت إخراج صوتها ليبدو همسًا على أذنيه:
_ليس أحدهم، إنه أنا، ونعم أود مفاجأتك لو لم يزعجك عدم الخروج اليوم.
خجلها وهمسها وارتباكها وأيضًا خداها المتوردان كل تلك الأشياء تثيره حد الجنون الذي يحاول كبحه الآن حتى لا يفسد مخططاتها لذا مرر أنفه على ملامح وجهها إلى أن وصل إلى أذنيها فهمس من بين أنفاسه المحمومة:
_وجودك دواء فعال لكل أنواع الإزعاج، يكفي أن تكوني بجواري لأكون في قمة السعادة واللهفة.
صمت لثوانٍ يناظرها بشغف رأى وقعه على جسدها المرتجف بين يديه ثم أردف بخشونة:
_لذا هيا فاجئيني حتى أستطيع أن أروى ظمأي منكِ فأنا بالكاد أسيطر على شوقي الضاري لكِ.
تأجج قلبها من فرط السعادة بكلماته التي أكدتها نظراته المشتعلة نحوها وقامت بسحبه من يده دون حديث لتخرج به إلى الحديقة الخلفية للشاليه فإذا به يتفاجئ بروعة المكان الذي زينته بشموع حمراء وأخرى بيضاء على شكل ممر طويل ينتهي بقلب يتوسطه طاولة وضع فوقها قالب من الحلوى وبجانبه اثنان من الشمعدان مع أنواع عديدة من الشراب صُفت بطريقة منمقة جذابة وكذلك كان المكان بأكمله بسيط ورائع للحد الذي جعله يمد يديه بغتة لتحتضن خصرها بقوة رافعًا إياها بأحضانه حتى باتت أقدامها لا تلامس الأرض فأطلقت شهقة قوية من فعلته المباغتة ولكن سرعان ما علقت أنفاسها بصدرها حين اقتنص شفاها بخاصته في قبلة شغوفه تعبر عن مدى سعادته بما رآه... واشتد عناقه لها تأثرًا بتلك المفاجأة التي أدخلت السرور على قلبه... الذي تعثرت نبضاته بقوة من قربها فأخذ ينهل من رمقها بشغف إلى أن ضاقت رئتيهما وهاجت اعتراضًا فتركها لتسترد أنفاسها الهاربة، فأسند جبهته على خاصتها وهو يقول بصوتٍ أجش:
_ تلك المفاجأة لا تكفيها قبلة واحدة بل لن يكفيها عمرًا بأكمله لوصف مدى روعتها.
اغتبطت بقوة من كلماته التي توحي بمدى إعجابه بمفاجأتها فخرجت حروفها مبتهجة ومتلهفة حين قالت:
_سعيدة لأن مفاجأتي أعجبتك، فقد كان عيد ميلادك الأول ونحن معًا لذا فكرت أن أجعله مميزًا وأن يكن ذكرى جميلة بيننا بعيدًا عن صخب حفلات عيد الميلاد.
أجابها بسرور:
_فكرة رائعة تشبهك، وأنا أحب تكرار تلك الأفكار كثيرًا.
ابتسمت بخجل وقالت بخفوت:
_ أعلم أن الجميع ينتظرنا للاحتفال ولكن أعدك بأن لا نتأخر عليهم و...
قاطعها بلهفة وعينان شغوفتان تهيمان بها:
_فليذهب الجميع إلى الجحيم فذكرى مولدي أصبحت عيدًا؛ لأنكِ معي.
تهللت أساريرها وقالت من بين أنفاسها المتلاحقة:
_إذن لن تفتقد حفلتك الصاخبة التي تقيمها العائلة كل سنة؟!
"شاهين" بعذوبة وعينان يطلان منهما الهيام:
_صخب تلك الحفلات لا شيء مقارنة بصخب قلبي بحضورك.
كان كمن يعبث بإعداداتها وخاصةً حين غازلتها عينيه بتلك الطريقة فعرفت كفوفها طريقها إلى وجهه لتحتويه بحب انساب من بين حروفها حين قالت:
_ كل عام وأنتَ بخير ولتكن جميع أعوامك سعيدة.
صحح كلماتها بنبرة محمومة بوهج العشق:
_كوني معي إذن حتى تكون جميع أعوامي سعيدة.
همست بدلال:
_أنا معك دائمًا.
ابتلع باقي كلماتها بجوفه ليطفئ نيران شوقًا ضاريه لا تهدأ أبدًا.
عودة إلى الوقت الحالي.
_"شاهين"، "شاهين"؟!
أخرجه صوتها من عالمه الذي يحاول الفرار من بين براثنه بكل قوته فالتفت يناظرها بعينين حانقتين من ذلك القلب الذي لا ينفك عن تسميم عقله بذكريات باتت مؤلمة ليسحبه من واقعه إلى حلمًا جميلًا كانت أقصى أمنياته أن يدوم إلى الأبد.
_ماذا بك؟! وبمَ أنتَ سارح؟! ولمَ تنظر إليّ هكذا؟!
قاطع سيل استفهاماتها بقبلة قوية يحاول بها محو ذاكرة لعينة لا تبارح قلبه الذي يحاول تجاهل أنينه قدر الإمكان وعلى الرغم من أن قبلته كانت تُغذيها رغبة عاتية لا مشاعر دافئة ولكنها لم تهتم بل بادلته إياها بشغف حتى فصلها هو ليقول بصوتٍ أجش:
_هيا لنعود.
لهجته وملامحه وعينيه كانت توحي مقدار ما يعانيه من مشاعر مختلطة لا تود معرفة كنهها ولكنها كانت أذكى من أن تجعلها تتفشى أكثر بقلبه وتتملك منه خاصةً وهو برفقتها لذا اتكأت برسغها فوق كتفه فقد كان قريبًا منها نظرًا لأنه كان يجلس وهي واقفة وبيدها الأخرى لامست شفتيه أناملها بإغواء أتقنت تزيين نظراتها به وكذلك نبرتها حين قالت:
_إذن هل تعدني بأن تعوضني عن تلك السهرة بأخرى أكثر جمالًا عندما نعود؟!
كانت قريبة منه بدرجة كافية لتثير غريزته التي استفزتها تلك الذكرى اللعينة وخاصةً وهي تناظره بتلك النظرات المغوية والتي تعد بالكثير والكثير لذا امتدت يديه تجذبها من خصرها بقوة لتلتصق به أكثر وهو يهمس بخشونة بجانب أذنها:
_ أعدك بسهرة أكثر حرارة وشغفًا عزيزتي، الجمال تركته لكِ لتُمتعيني به.
***************
جاء الصباح وبعثرت الشمس أشعتها على ستائر الليل السوداء... فأضحت منيرة متوهجة تبعث الأمل في القلوب أن بعد الظلمات نورًا سيبدد عتمة الماضي وينير الحاضر... ولكن هناك من أحرقته نيران ذلك الماضي ونالت منه ظلمته للحد الذي جعلها تنطبع على ملامح وجهها وذبول عينيها التي ذرفت العبرات كما تذرف السحب أمطارها بعد أن قضت ليلتها بين أحضان رجل جاء من الجحيم ليُجهِز على ما تبقى من حُطامها.
كتمت شهقاتها بصعوبة حتى لا تصل إلى أذنيه فقد تسللت من بين أحضانه التي حاوطتها بعد ليلة مشتعلة قضتها بين ذراعيه مغيبة عن واقعها الأليم وهو أن هذا الرجل قتل والدها، شهقة خافتة خرجت من جوفها حين باغتها طرق قوي على الباب يوازيه قوة صوته حين قال:
_هل أنتِ بخير؟!
حاولت إيجاد صوتها لتُجيبه بنبرة حاولت جعلها ثابتة:
_ نعم، سأخرج بعد قليل.
_حسنًا.
لامست في نبرته شوائب الغضب ولكنها لم تُعلق بل أخذت تنظر بخزي إلى جسدها الذي أصبح خريطة حبرها قبلاته السخية التي لم تدع إنشًا واحدًا منها إلا وزخرفته بنقوش ستبقى آثارها طويلًا لتذكرها بمدى وضاعتها وخنوعها لعواطف حسية مندثرة وخاصةً حين داهمت عقلها كلمات والدتها التي تعلق عليها كل آمالها.
_عديني أنكِ ستأخذين بثأر والدك يا نور، عديني أنكِ لن تضعفي أمام هذا الرجل أبدًا.
همست بقهر وهي تشدد من احتضان كتفيها:
_أعدك يا أمي أنني سآخذ بثأر والدي وسأرسل "هاديس" إلى الجحيم الذي أتي منه.
أنهت حمامها وخرجت تتمنى لو تجد الغرفة خالية منه، وقد تحققت أمنيتها حين لم تجده، فتوجهت إلى غرفة الملابس لترتدي ثيابها وحاولت أن تخفي تلك العلامات بأدوات الزينة وهي تحاول ألا تتذكر شيئًا مما حدث أمس، وتركز على خطتها في تحقيق مآربها في والأخذ بثأرها مهما كلفها الثمن.
كانت غارقه بأفكارها وهي تغلق باب غرفتها للتوجه إلى الأسفل فوجدت "ساجد" يرفع "إياد" عاليًا والأخير يصرخ باستمتاع فهوى قلبها خوفًا من أن يفلت الصغير من بين يدي شقيقها فهرعت إليهما وهي تصرخ بانفعال:
_توقفا عن هذه الألعاب المؤذية.
لم تكد تنهي جملتها حتى التوت قدمها اليمنى أسفلها لتسقط أسفل الدرج وهي تصرخ بألم فهرول الصبيان إليها وهما يهتفان بذعر:
_"نور".
اخترق اسمها أذنيه فأطلق لساقيه الريح لتحمله إليها بلمح البرق ليجدها تفترش الأرض مُتألمة والجميع حولها فهرول إليها وفي ومضة عين وجدته يجثو بجانبها وهو يتفحص كاحلها الذي ما أن لامسه بيده حتى تأوهت بألم اجتاز قلبه بقوة، فوثب قائمًا وهو يحملها بين يديه إلى الأعلى، بعد أن أمر "ساجد" بإحضار الطبيب ليتوجه بها إلى غرفتهما، وقد كانت قريبة منه للغاية للحد الذي جعلها تستشعر دقات قلبه الجنونية، وقد تحيرت في هذا الأمر كثيرًا هل هو خائف عليها لتلك الدرجة؟!
لم يفلح عقلها في الإجابة فقد وضعها على مخدعها برفق بينما لم تتركها يديه التي ظلت تحاوط كتفها بحنو لامست آثاره في لهجته حين قال:
_اهدئي.. سيأتي الطبيب في الحال.
اهتمامه بتلك الطريقة وحنانه معها وخوفه عليها أشياء ليست بالهينة أبدًا وخاصةً على عقلها الذي شعرت به يرسل إشارات خاطئة وكأن فيروسًا قد أصابه ليفقد قدرته على العمل فلم تلحظ نظراتها المتفحصة له ولا شفتيها التي كانت منفرجة بطريقة مغوية كان لها آثر ليس بالهين على قلبه الذي تلاحقت ضرباته واشتعلت عينيه وهي تبحر بتراخي على ملامحها لتمتد يده وتغلق فمها برقة تتنافى مع خشونة لهجته حين قال:
_هل تأذى لسانك في تلك الوقعة أم أنكِ ما زلتِ تخشين هاديس؟
أعادتها كلماته التي تتخللها السخرية إلى الواقع ولمسته التي ألهبت وجهها وكذلك مشاعرها فتحمحمت بخفوت قبل أن تقول بهمس:
_فقط أتألم.
لم تخلو لهجته من العبث حين قال:
_إذن لم تعودي تخشين هاديس؟
حاولت تجاهل ذلك الصخب بداخلها وقالت بلهجة بدت واثقة:
_ لا.
أفرجت شفتاه عن بسمة خافتة قبل أن يتابع إضرام نيران الخجل بداخلها أكثر:
_اممم، أظن أن ليلة البارحة بدأت تظهر فاعليتها منذ الصباح.
عند هذا الحد لم تستطع مجاراته فهي تعلم أنها كالعصفور الذي يقف في مواجهة أسد جسور ناهيك عن ألم قدمها الذي تفاقم أكثر؛ لذا همست بحنق وهي تدير رأسها إلى الاتجاه الآخر:
_مستفز.
سطعت بسمته تلك المرة أقوى وهو يشاهد حنقها الذي تحاول قمعه أكثر فأردف بخشونة قاصدًا إسهاب توترها:
_أملك الكثير من الخصال التي قد تُثيرك أكثر من الاستفزاز.
لم تفلح في الرد عليه فقد دق باب الغرفة معلنًا قدوم الطبيب الذي فحصها وأخبرهم بأنها لوت كاحلها بطريقة سيئة وقد يستغرق الأمر أسبوعًا قبل أن تستطيع الحركة بسلاسة مرة أخرى وقام بوصف بعض العقاقير التي تساعد في شفائه ومن بينهم مرهمًا شدد أن يُدلك به كاحلها يوميًا قبل النوم.
فالتمعت عيناها حين سمعته يقول بفظاظة:
_ لا تقلق أيها الطبيب سأتأكد بنفسي من أن يحدث ذلك.
أنهى جملته ثم شكر الطبيب وقام بإيصاله إلى الأسفل ليتركها حانقة على كل ما يحدث معها وخاصةً مشاعرها اللعينة بقربه ولكنه لم يمهلها أكثر من عشر دقائق فقد عاود أدراجه إليها وهو يقول بفظاظة:
_الخادمة ستحضر لكِ طعام الإفطار هنا، ثم ستتناولين أدويتك وترتاحين كما أمر الطبيب.
اغتاظت من لهجته الآمرة ومن هذا العبث والمكر اللذان يزينان نظراته فتعاظم الغضب بداخلها وتجلى بنبرتها حين قالت:
_فقدت شهيتي لا أريد تناول الطعام.
فوجئت حين اقترب منها ليتربع في مواجهتها على السرير وهو يقول بلهجة عابثة:
_إذن سأجعلك تستعيديها مرة أخرى.
تحدثت بترقب وهي تنظر إلى عينيه اللتين أظلمتا فجأة:
_كيف ذلك؟!
لم تكد تنهي جملتها حتى وجدته يهوي على شفتيها بقبلة كاسحة أضرمت النيران بقلبها ودكت ثباتها الذي تلاشى من فرط سطوته عليها وعلى جسدها الذي يخشع إليه دون ذرة مقاومة وصدرها الذي حلقت الفراشات بفضائه وكأن كل شيء يتآمر ضدها معه.
_هل عادت شهيتك الآن؟! أم أعيد المحاولة مرة أخرى؟!
هكذا تحدث بنبرة خشنة عابثه بعد أن فصل قبلته المحرورة وأخذ يروي عينيه من ملامحها المتوهجة بفعل قبلته ينتظر إجابتها بينما هي كانت صامتة تحاول استعادة جأشها بعد هجومه الضاري فباغتتها كلماته حين قال يُداعبها:
_هل أعتبر صمتك هذا دعوة لإعادة المحاولة؟
تململت بارتباك لتُفلت من بين يديه وبالكاد استطاعت إخراج صوتها حين قالت باندفاع:
_لا داعي لذلك، أستطيع تناول بضع لقيمات صغيرة.
لم تبتسم ملامحه ولكن عينيه فعلت فتعانقت نظراتهما لثوانٍ قبل أن تجده وثب قائمًا وهو يغلق أزرار بذلته قائلًا بلهجة آمرة:
_سأغادر إلى الشركة الآن، وسأعود قبل العشاء، لا داعي لأن أخبرك أن تتبعي إرشادات الطبيب.
لم تجِبه فقد كانت تغلي من الغضب الذي تعاظم أكثر وهي تجده يرفع إحدى حاجبيه احتجاجًا على صمتها فهمست من بين أسنانها:
_حسنًا.
**************
_هل تتحدث بجدية الآن؟! هل سنعود غدًا؟!
هكذا صاحت "هناء" بحنق قوبل بالجمود من ناحيته حين قال باختصار:
_نعم.
اهتاجت من فرط الغضب فلم يمضِ ثلاثة أيام على بقائهما هنا في هذا المدينة الساحلية الرائعة التي كانت من ضمن أحلامها التي لم تجرؤ حتى على تمني تحقيقها ولكنها تحققت معه والآن وقبل أن تستمتع بوجودها فيها يخبرها بأنهما سيعودان غدًا.
حاولت قمع غضبها قدر المستطاع واستبدلته بخيبة الأمل التي مزجتها بسحرها الذي مارسته باحترافيه وهي تتلمس صدره العاري:
_أرجوك حبيبي أخبرني أنك تمزح، فلم تتح لنا الفرصة للتمتع معًا بجمال المكان، وأيضًا ألم تعدني بقضاء شهر عسل كامل هنا؟؟
غمرت السخرية ملامحه وتجلت في نبرته حين قال:
_شهرًا كاملًا هنا! من أين أتيتِ بهذا الآن؟ أنا حتى بزواجي الأول لم أقضِ شهرًا كاملًا برفقة "هدى".
ذكر اسم غريمتها كان سهمًا مشتعلًا أضرم نيران الحقد والغضب بأوردتها فتجمدت يديها على صدره للحظة قبل أن تتراجع باندفاع إلى الخلف وهي تقول بشراسة لم تستطع التحكم بها:
_ما الذي أتى على ذكرها الآن؟؟ ولمَ تتحدث هكذا؟ هل زوجتك الأولى أفضل مني أم....
قاطعها بفظاظة وهو يحاول قمع فيضان غضبها قبل أن يتمادى ويغرقهما:
_توقفي يا "هناء"، لا يستدعي الأمر كل هذه الضجة.
"هناء" بانفعال:
_حقًا! ذكر اسم زوجتك الأولي بيننا في شهر عسلنا وبتلك الطريقة لا يستدعي؟!
تفاقم غضبه أكثر فهدر آمرًا:
_إن قلت لا يستدعى معناها هو كذلك، كان الأمر في سياق الحديث فقط، ثم إني لا أحب تبرير أي شيء أقوله أو أفعله فلتعلمي هذا.
تجيد لعبة الشد والجذب حتى وأن وجدت الأمور بدأت تحتدم تسلحت بضعفها الذي هو خير وسائلها معه فقامت بإخفاض رأسها مطلقة العنان لعبراتها بالهطول ثم قالت بنبرة جريحة:
_حسنًا، سأجمع أغراضنا حتى لا نتأخر على الطائرة صباح الغد.
سر قوة المرأة في ضعفها فهو القشة التي تقسِم جبروت الرجل عن طريق استفزاز غريزته في حماية الأنثى حتى من الحزن فيتقهقر غضبه أمام عبراتها سالكًا كل الطرق لمراضاتها:
_لا تحزني، أعدك سأعوضك عن هذه الرحلة في أقرب وقت.
هكذا تحدث ويده تمتد لتمسك برسغها توقفها عن المضي وحين التفتت تفاجئ من ذلك الحزن الي تبلور في عينيها وتقاسيم وجهها الذي كوبه بين يديه يحاول أن يراضيها فرفرفت برموشها وهي تتحدث بحزن خالطه الدلال:
_ لقد أحزنتني في أكثر الأوقات التي من المفترض أن أكون سعيدة بها، ولن أسامحك
"شاهين" بخشونة:
_ستفعلين.
_ لن أفعل.
عاندته بدلال فتركها وهو يتوجه إلى الطاولة بجانب السرير ليخرج منها علبة من القطيفة الزرقاء وقام بفتحها لتبرق عيناها تزامنًا مع هذا البريق المطل من تلك الإسورة الماسية التي جعلتها تشهق من فرط جمالها:
_ يا إلهي، لا تقل أنها لي.
"شاهين" بسخرية:
_ حسنًا لن أفعل.
قالها وهو يغلق العلبة ليمازحها فقامت بانتزاع العلبة من بين يديه وهي تصيح:
_لا لا إنها لي.
قهقه بصخب على فعلتها واقترب يمازحها قائلًا:
_ هل ما زلنا متخاصمان؟!
التفتت تناظره وحين أوشكت على الرد توقفت لثوان واستعادت ملامحها الحزينة قائلة بنبرة يشوبها الأسى:
_ أجل ما زلنا.
"شاهين'' بسخط:
_"هناء" لا تطيلي الأمر أكثر
اقتربت منه بنظرات مغوية ونبرة تشبهها حين قالت:
_تبقى أمرًا بسيطًا بهذا القدر.
كانت تشير بإصبعيها فاستفهم بجفاء:
_أخبريني ما هو؟!
"هناء" بدلال:
_أريد أن نذهب للسهر اليوم، رجاءً حبيبي لا تقل لا، فهذه هي أمنيتي الأخيرة.
بعد مرور خمس ساعات تحدث "شاهين" باستياء:
_هل يمكننا للمغادرة الآن فقد انتصف الليل.
اقتربت "هناء" تحيط خصره وهي تتدلل قائلة:
_حبيبي دعنا نبقى لبعض الوقت فالحفل ما زال في بدايته.
لون الامتعاض ملامحه قائلًا بملل:
_اللعنة على تلك الحفلات.
اقتربت تقبله على صدغه في محاولة منها للقضاء على ذلك العبوس الذي يلون تقاسيمه ثم قالت بغنج:
_هيا تخلص من هذا العبوس لا يليق بوسامتك حبيبي.
تمطى بكسل وعيناه تطلقان سهامًا عابثة قبل أن يقول بتخابث:
_هذه مهمتك وأنتِ لا تقومين بها على أكمل وجه؛ لذا احذري قد أبحث من بين أولئك الشقراوات عن واحدة تستطيع القيام بها بدلًا عنكِ.
يعلم كيف يُلاعِبها مثلما يُلاعِب القِط الفأر فقد انتفضت من بين أحضانه تنظر أمامها فوجدت مجموعة من الفتيات ينظرن نحوهما بنظرات تحوي الإعجاب فجن جنونها وبادلتهن النظرات بأخرى غاضبة قبل أن تهب من مكانها قائلة بحنق:
_أريد أن أغادر.
لون العبث ملامحه قبل أن يقول باستمتاع :
_لمَ! فالحفل ما زال في بدايته وأعتقد أن المرح قادم.
ابتلعت غصة حارقة في جوفها فهذا اللعين يعرف كيف يُسيرها كيفما يشاء ويتلاعب بثباتها بمنتهى السهولة مما جعلها تقول مغلولة:
_الجو أصبح خانقًا؛ لذا اريد الرحيل.
نصب عوده الفارع ومد ذراعه القوية ليجذب خصرها إليه بتملك أطاح بسائر غضبها وهو يقول بخشونة:
_ لكِ ما تريدين.
تمايلت معه أمام أعين تراقبها بحسد بينما هي تشعر بالسعادة الغامرة كون هذا الرجل يخصها من بين كل هؤلاء النساء.
***********
كانت نائمة على الفراش تتقلب وكأنها تتقلب على جمر مشتعل لا يهدئ أبدًا كتلك الأفكار التي تدور برأسها دون أن تجد لها أي إجابة فقد انقلب عالمها رأسًا على عقب منذ أن عاد، لم تقصد عالمها الخارجي فقط... إنما داخليًا لم تعد مستقرة وكأن إعصارًا ضربها ففجر بها كوامن الشعور التي لم تختبرها مسبقًا... كل شيء أصبح مختلفًا لا يشبه ما سبقه شعورها نحوه الذي كان يقتصر على الخوف فقط، تخللته مشاعر أخرى لا تعرف كنهها وتخشاها للحد الذي يجعلها تهرب حتى من التفكير بها.
انتشلها من بحر أفكارها طرق خافت على باب الغرفة فأمرت الطارق بالدخول فأطلت "هدى" برأسها وهي تقول بمرح:
_ هل لي أن أدخل؟!
"نور" بلهفة:
_أجل بالطبع.
دلفت إلى الداخل وأغلقت الباب خلفها متوجهه إلى "نور" وهي تقول بمزاح:
_علمت بأن الأميرة سقطت ولوت كاحلها والأمير الوسيم حملها وطار بها إلى هنا فجئت لأطمئن عليها.
تفاقمت دقات صدرها حين سمعت كلمات "هدى" عن أميرها الوسيم ولكنها رسمت الامتعاض على ملامحها وكذلك نبرتها حين قالت:
_لا تكوني لئيمة يا "هدى"، ليس أنتِ.
ابتسمت "هدى" على كلماتها وقالت تشاكسها:
_وأنتِ لا تكونين خجولة إلى هذه الدرجة فتفضحك وجنتاك فها هو محصول الطماطم بدأ بالظهور.
ابتسمت "نور" على حديثها وقالت مغيرة الموضوع:
_كيف حالك الآن؟!
تجاهلت الغصة التي تتوسط بلعومها وقالت بجفاء:
_كيف أبدو لكِ؟!
"نور" بشجن وهي ترى أبعد مما تريد "هدى" أن تظهره:
_تحاولين التظاهر بأنكِ بخير.
توقعت أن تجادلها ولكنها فوجئت ب"هدى" التي قالت بجمود:
_وهل أنجح في ذلك؟!
_ بالنسبة لشخص لا يعرفك نعم وبدرجة امتياز ولكن أنا...
قاطعتها "هدى" قائلة بجفاء:
_عزيزتي "نور" لا أحد يعرفني جيدًا حتى أقرب الناس إلي، وطبقًا لكلامك فإذن أنا على الطريق الصحيح.
تحدثت ''نور" بلهجة مشجبه:
_إلى متي ستطول لعبة التظاهر تلك؟!
"هدى" بجمود ينافي ألم عينيها:
_إلى أن أستعيد نفسي القديمة وأيضًا حين أستطيع أن أقف على قدماي دون أن أحتاج إلى أحد.
خربشت أنياب الفضول عقلها لذا قالت مستفهمة:
_ ماذا تقصدين؟!
_سأعمل.
"نور" بذهول:
_ماذا؟! هل تمزحين؟!
"هدى" بسخرية:
وأين المزاح في ذلك؟! ونعم سأعمل حتى أنني بحثت عن عمل في مجال دراستي ووجدت وسأذهب السبت القادم لإجراء المقابلة.
"نور" باندهاش من حديثها:
_هل يعلم "شاهين" بذلك؟! أقصد هل سيوافق؟!
ولد ذكره شحنات من الغضب داخلها ولكنها تجاهلتها وهي تقول بلا مبالاة:
_لم أفكر بإعلامه وموافقته هي آخر شيء أحتاج إليه.
"نور" بتعقل:
_"هدى" أنتِ تشعلين النار بينكما أكثر.
"هدى" بقهر أخفته خلف قناع الجمود حين قالت:
_النار كان هو أول من أشعلها وأنا أول من احترق بها والآن لنتبادل الأدوار.
أوشكت "نور" على الحديث فسبقتها "هدى" التي قالت باستهلال:
_الآن أخبريني كيف هي أحوالك مع "فراس"؟!
قشعريرة جارفة اجتاحت جسدها حين سمعت اسمه وازدهر الزيتون بنظراتها ولكنها حاولت الظهور بمظهر اللامبالاة حين قالت:
_عادية، لا شيء مهم لذكره.
شعرت "هدى" بأن هناك أشياء أبعد من العادي كما ذكرت "نور" لذا تدبرت كلماتها حين قالت:
_ إن أردت نصيحتي اجعليها غير ذلك.
"نور" باستفهام:
_ماذا تعنين؟!
واعظتها قائلة:
_"فراس" رجل لا يقدر بثمن، فهو شهم ونبيل وأيضًا وسيم وذو سلطة ونفوذ... أي امرأة في مكانك ستكون في غاية السعادة لامتلاكها رجلًا مثله؛ لذا حاولي أن تجعلي حياتك معه أكثر بهاءً، لا تعتمدي على عشقه لكِ فقط.
كانت تركز على كل كلمة تتفوه "هدى" بها وهي تستعرض ملامحه ونظراته وأفعاله معها ولكن عقلها توقف عند تلك الكلمة التي جعلت قلبها يرتج داخل صدرها للحد الذي جعل حروفها تخرج مرتبكة من بين شفتيها حين قالت:
_ماذا؟! عن أي عشق تتحدثين؟!
انكمشت ملامح "هدى" باندهاش تجلى في نبرتها حين قالت:
_ماذا بكِ "نور"؟! هل أصبتِ عقلك حين سقطتِ؟! أقصد عشق "فراس" لكِ.
للمرة الثانية التي تستمع إلى تلك الجملة التي تفعل الأفاعيل بقلبها الذي رفض هذا التخبط الذي ينتابه كلما ألقيت على مسامعه هذه الكلمات فتشدقت "نور" ساخرة:
_والله لا أعلم من منا الذي أصيب في عقله! أنتِ أم أمي؛ فهي أيضًا قالت تلك الجملة ولا أعلم على أي مصدر تستند لتتفوه بها والآن أنتِ.
أجابتها "هدى" بفطنة:
_أنا أتحدث وفق حقائق لامستها بنفسي ورأيتها بعيني.
عاودتها تلك الوخزات التي تفشت في جسدها بالكامل تلك المرة وهي تتحدث بترقب:
_أي حقائق تلك؟! وماذا تقصدين بما رأيته بعينك؟!
صمتت "هدى" لثوان قبل أن تعيد سرد أحداث من الماضي:
_أتذكر يوم ولادة "إياد" حين كانت حالتك خطرة كاد أن يجن في الخارج وأخذ يصيح هنا وهناك حتى أصابهم بالهلع فكان طاقم المستشفى بالكامل يدعو لكِ بأن تلدي بالسلامة، حتى أنه لم ينظر إلى "إياد" حينما أخرجته الممرضة على سريره وكانت أنظاره متعلقة على باب غرفة العمليات وكأنه يتوسل أن تخرجي منها على خير، وأيضًا كانت تلك المرة الأولى التي أراه يدخن بها ولم يكن الأمر عاديا فقد استهلك علبة تبغ كاملة في مدة لا تتعدى الثلاث ساعات، في تقييمي كانت محاولة للانتحار من جهته.
قالت جملتها الأخيرة بسخرية ولكن "نور" كانت في عالم آخر مع ذكرياتها في هذا اليوم فهي استيقظت وجدت الممرضة بجانبها وبعدها توافدت عليها العائلة بأكملها وكان هو آخر من جاء لزيارتها واكتفى بجملة قصيرة لا تسمن ولا تغني من جوع:
_حمدًا لله على سلامتك أنتِ والطفل.
ولم يمكث معها لأكثر من ربع ساعة بعدها اقترب مترددًا ليضع قبلة جافة على جبهتها وهو يخبرها أن لديه عمل ولا يستطيع التأخر عنه ثم غادر، جذبت أنظار "هدى" تلك المرارة التي ارتسمت بمقلتيها فتحدثت باستفهام:
_ ماذا هناك؟! لمَ وجهك تغير هكذا؟!
"نور" بمرارة:
_ لا لا شيء، ولكن ما ذكرتيه يتنافى كثيرًا مع حقيقة شعوره تجاهي فأنا في هذا اليوم لم أحصل سوى على قبلة جافة وجملة مقتضبة لا أتذكرها حتى؛ لذا فأنا لا أعول كثيرًا على هذا الموقف.
فوجئت "هدى" من حديثها ولكنها كانت متشددة تجاه حدثها لذا عاندتها قائلة:
_ وماذا عن ما فعله بأشرف؟ فالمسكين ما زال في المستشفى ليومنا هذا.
هدرت بحنق:
_إنه رد فعل طبيعي لرجل مثله عاد ليجد زوجته تُزف لآخر.
_كنت لأوافقك لو لم يخبره عمي زين بأنها كانت زيجة مدبرة من قبل العائلتين حفاظًا عليكِ وعلى إياد وأن أشرف لم يتجاوز حدوده أبدًا حتى أنها كانت المرة الأولى التي يراكِ بها منذ وفاته.
استرعى كامل انتباهها حديث "هدى" فهي لم تكن تعلم أن ذلك حدث وقد اندهشت كثيرًا من أنه وبالرغم من ذلك أقدم على معاقبة أشرف بتلك الطريقة:
_هل أنتِ متأكدة من حديثك هذا؟!
"هدى" بتأكيد:
_أجل متأكدة، هل أكذب في شيء كهذا؟! ثم إنه كان يومًا حافلًا فقد أخذ يصيح ويتوعد له بالهلاك وقد كانت السيطرة عليه أصعب من السيطرة على ثور هائج... وقد تعب عمي "زين" من محاولة تهدئته وانتهى الأمر به قائلًا أن من يتجرأ ويقترب منكِ سيدق عنقه، يعني في تفسيري لو قال من يقترب من امرأتي أو زوجتي كنت سأقول أنه رجل متملك ولكنه قال اسمك، أي يخصك أنتِ.
لم تأخذ فرصتها بالرد على "هدى" فقد آتاهما طرق قوي على الباب الذي انفتح وأطلت منه "فريال" لتنضم إليهما وقد تفرقت نظراتها المرتابة بينهما قبل أن تقول بفظاظة:
_أهلاً "هدى".
لم تنتظر أن تجيبها "هدى"؛ لأنها التفتت إلى "نور" قائلة بجفاء:
_كيف أصبحتِ الآن؟!
استاءت من طريقتها مع "هدى"؛ لذا أجابتها بفتور واختصار:
_بخير.
أومأت برأسها وهي تنظر إلى "هدى" بطريقة توحي بأن وجودها لم يعد مرغوبًا وقد فهمت "هدى" الرسالة بطريقة صحيحة؛ لذا اقتربت تعانق "نور" وهي تقول بخفة:
_سأغادر الآن لكي لا أتأخر على أطفالي وغدًا سآتي لأطمئن عليكِ.
ابتسمت "نور" بحرج وهي تودعها إلى أن خرجت وأغلقت الباب خلفها فالتفتت تنظر إلى "فريال" بحدة تجاهلتها وهي تقول بجلافة:
_ لم يكن وقت تمثيليتك السخيفة الآن يا نور؟
تدلي فكها من فرط الصدمة حين وقعت على مسامعها حديث "فريال" التي تجاهلت صدمتها وتوجهت لتقف أمام الشرفة فجاءتها كلمات "نور" المستنكرة:
_أي تمثيلية سخيفة تقصدين؟!
"فريال" بجفاء:
لم يأتِ التواء كاحلك في الوقت الصحيح فهناك أشياء كثيرة ستتعطل الآن بسببك.
تعاظمت صدمتها وتبدلت نظراتها إلى أخرى ضائعة كنبرتها حين قالت:
_ما الذي تقصدينه بتلك الكلمة هل تظنين أنني حين سقطت كان الأمر متعمدًا؟!
"فريال" بسخرية:
_ألم يكن الأمر كذلك؟!
تحولت صدمتها واستنكارها إلى حزن جلل ولكنها حاولت السيطرة على حزنها وهي تقول بجفاء:
_لا لم يكن كذلك وأنا لا أفعل مثل هذه الأمور أبدًا.
أومأت "فريال" برأسها دلالة على عدم اقتناعها فأرجأت "نور" تغيير الموضوع حتى لا يحدث صدام بينهما فهذه والدتها وهذه طباعها التي لم تتغير:
_ثم ما هي تلك الأشياء التي تقصدين أنها تعطلت بسببي؟!
ناظرتها "فريال" بجمود تجلى في نبرتها حين قالت:
_تدمير "فراس"، الأخذ بثأر والدك، لقد أعددت خطة للقيام بذلك بصورة مُرضية؛ لذا عليك الشفاء بأسرع وقت حتى تشرفين على نهاية ذلك الشيطان بنفسك.
يتبع...
رواية كواسر أخضعها العشق ❤️🔥 الفصل الثامن 8 - بقلم نورهان العشري
الفصل الثامن..
علينا أن ندرك جيدًا بأن هُناك لحظات فاصلة في حياتنا لا يعود بعدها كل شيء كما كان .. لحظات أحيانًا من فرط مرارتها تشعر أنها النهاية ولكنها لم تكن سوى البداية .. أو لنقل أنها ولادة روح جديدة بداخلك خُلِقت من رحِم المعاناة و قساوة الخذلان الذي حتى و أن استطعت تجاوزه ستظل مرارته عالقة بجوفك لتذكرك بأن لا تغفر أبدًا ..
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
" تدمير فراس و الأخذ بثأر والدك .. لقد أعددت خطة للقيام بذلك بصورة مُرضية لذا عليك الشفاء بأسرع وقت حتى تشرفين على نهاية ذلك الشيطان بنفسك "
هالها ذلك الحقد الذي يقطُر من كلمات والدتها ناهيك عن تلك الشراسة التي تطلُ من عينيها و قد كانت تلك أشياء جديدة كليًا عليها ! و هكذا لاح إستفهام مُلح على خاطرها وهو أن كل هذا البغض و الحقد على فراس سببه ما فعله بوالدها إذن لما لم يظهر عليها أي شيء من هذا في السابق فلطالما كانت تتملق فراس و تتودد إليه !
كيف يمكنها أن تجيد التظاهر بعكس ما تشعر به بتلك الطريقة ؟
أضاء عقلها بإجابة تحتمل الكثير من الصواب بأنه ربما حدث شيء جعلها تُعلِن الحرب عليه هكذا والتي بدأت مُنذ أن عاد من الموت أو أن عودته هي السبب !
كانت غارقة في تساؤلاتها فلم تلحظ دخول فراس إلى الغرفة و تلك النظرات القاتمة المتبادلة بينه و بين والدتها التي تحمحمت وهي تقول بجفاء :
سأنزل للأسفل حبيبتي .. و أن أردتي شيء ابلغيني .
لم تكن وحدها من خيمت الدهشة على ملامحها من حديث فريال كان هو أيضًا و لكنه كان بارعًا في إخفاء ما يجول بداخله لذا لم يعلق بل اكتفى بأن ينزل جاكت بذلته في تؤده وكأنه يخبرها بأنه ينتظر خروجها فتعاظم حنقها منه أكثر و تجلى ذلك في إغلاقها باب الغرفة بعنف جعل إبتسامة ساخرة تتراقص على شفتيه .
في تلك اللحظة شعرت بأن هناك الكثير مما يجب عليها معرفته فلم تستطيع منع الكلمات من المرور من بين شفتيها حين قالت بترقب :
هل تحب والدتي ؟
بسطت الدهشة خيوطها علي ملامحه للحظات فقد توقع أن ترتاب في طبيعة العلاقة بينه و بين والدتها ولكن أن تسأله عن مشاعره نحوها كان أكثر من صادم له :
ألا تلاحظين أن سؤالك غريب بعض الشئ ؟
ما أن اتتها كلماته الساخرة حتى شعرت بغبائها و حاولت تصحيح الأمر قائلة بتوتر:
قصدت أن أعلم .. هل تكن لها مشاعر . يعني أقصد .. أشعر أن علاقتكما …
انتهى من خلع "جاكت" بدلته و قام بوضعه على أحد المقاعد ثم تخلص من رابطة عنقه ثم توجه إليها وهو يقاطع حديثها الغير مُرتب مُجيبًا علي سؤالها بفظاظة:
أُحِبُها بقدر ما تُحِبُك هي …
ناظرته بضياع من إجابته التي تحمل الكثير من الاحتمالات والتي كانت جميعها سيئة ولكنها حاولت أن تُجاريه حين قالت ساخرة:
إذن أنت تُحبها كثيرًا .
" هل تظنين ذلك ؟"
إستفهامه أضفى على الأمر غموضًا من نوع آخر جعل الأفكار تتلاحق بعقلها الذي شعر بالإرهاق من فرط التفكير فحاول التدخل لإنقاذها من تلك الضوضاء التي تحيط بها :
كيف حال كاحلك الآن ؟ هل لازال يؤلمك ؟
هكذا تحدث وهو يتفحص كاحلها باهتمام و يداه تتلمساه بحنو وهما تضعان الدهان فوق إصابتها تنافى مع كفوفه الضخمة التي توحي بمدى قوته الجسدية وعند هذا الحد شعرت بشرارة تندلع في معدتها تأثرًا بقربه فتحشرجت نبرتها حين أجابته:
بخير .. ولا لا يؤلمني كثيرًا ..
جيد .
هكذا تحدث بعد أن اعتدل في جلسته ما أن انهى تفحصه لإصابتها فأصبح أمامها مباشرةً وعينيه تُبحِران على ملامِحها بنظرات مُشتعِلة ألهبت وجنتيها حد الإثارة التي جعلت يده تمتد لتُلامسهما والتنعم بدفئهم قبل أن يقول بخشونة :
أري أن الراحة قد فادتك كثيرًا فقد عاد لونك الشهي إلى وجنتيكِ مرة أخرى .
هل كان ذلك غزلًا؟ طرأ هذا السؤال على عقلها الذي لم يُسعفها بالإجابة فوجدت نفسها تهمس بخفوت :
أجل
تراقصت ابتسامة خافتة على شفتيه قبل أن يقول باستفهام :
هل تناولتِ عشاءك ؟
إجابته بخفوت :
لا.. لم اتناوله بعد .
ضيق عينيه بتخابث بينما فاحت رائحة المكر من بين كلماته حين قال:
لا تقولي أنكِ تنتظريني لنتناوله سويًا..
هبت بإندفاع:
بالطبع لن أقول ذلك .. ولكن لم تكن لدي شهية .
أسقط الذئب فريسته في الفخ بمهارة فانفرجت شفتاه عن ابتسامة ماكرة حين قال بأسف مفتعل:
اممممم .. أمرًا مؤسفًا .. ولكن تعلمين هناك طريقة فعالة تجعلك تستعيدين شهيتك المفقودة .
شهقت بصدمة من كلماته و ذلك المكر الذي يطل من عينيه فقد وقعت بغبائها في شراكة فحاولت أن تصلح الأمراض قائلة بلهفه:
لا اقصد ذلك ولكن …
قاطعتها يداه التي امتدت إلى خصرها وجذبتها بقوة لتشتبك صدورهم حد امتزاج نبضات القلوب بينما تلامست أنوفهم التي كانت أنفاسها محرورة نابعة من إحتراق قوي يكتنف كليهما مما اضفى حشرجة عذبة على نبرته حين قال :
حتي و إن لم تقصدي فهذه فرصة ذهبية سأكون أحمق إن لم اغتنمها .
لم يمهلها الوقت لإسترداد أنفاسها الهاربة من وقع كلماته فقد سطى بقوة على شفتيها يتَمَزَّزَ بخمرِها العذب ويرتشف حلاوة رمقها بتريث و كأنه يملك كل الوقت بالعالم لفعل ذلك بينما كانت هي غارقة بلُجة مشاعر قوية جرفتها كتيار كهربائي أصاب قلبها الذي تعثرت نبضاته بقوة داخله و صار يتخبط بعُنف بين صدرها الذي رفض الإستماع الى إنذارات عقلها بالابتعاد عنه ولكن أي ابتعاد فقد كان يُهيمن حتى على أنفاسها فقد كان يفصل القبلة لثوان يستنشق ما تلفظه رئتيها من ثاني أكسيد الكربون و كأنه يستلذ بكل شيء منها حتى ولو خالف هذا المنطق و الطبيعة ..
غيبتها لمساته عن الواقع و انصاع كل شيء بها خلف سحره الآسر الذي امتزج مع مشاعر هوجاء اجتاحت كليهما من دون هوادة حتى قضا علي المتبقي من حولها لتستند بثقلها فوق صدره الذي عزفت نبضاته الجنونية سيمفونية رائعة زخرفتها كلماته التي غافلته و تسللت من بين شفتيه بنبرة موقدة:
كيف تكونين مُشِعة بتلك الطريقة ؟ تُحيط بكِ هالة من الطاقة تجذبني إليكِ كالمغناطيس و كأنك مركز الحياة على هذه الأرض و موضع نبضها.
كانت كلماته كأول شعاع من النور ابصرته عيني شخص أتى إلى الحياة ضرير .. كأنشودة عذبة تنساب على مسامع شخص أوشكت أذناه على الصمم من فرط الصُراخ
رفعت عينيها تُناظره بإندهاش و على شفتيها الكثير من الاستفهامات الذي لم يكن يملك إجابتها فلأول مرة يترك العنان لقلبه يقوده بتلك الطريقة لذا اجتذب نفسه عنوة عن عينيها و سحرهم الخلاب لينصب عوده قائلًا بفظاظة تتنافى مع رقته معها منذ سويعات :
سأخبرهم أن يجلبوا طعام العشاء إلى هنا .. حتي تتناولين أدويتك و تخلدين إلى النوم .. فقد تأخر الوقت .
كيف فعل هذا ؟ تبدل حاله بلمح البصر من الإحتراق بين ذراعيها إلى ذلك الجليد الذي تجلى في نبرته و ارتسم في نظراته ! أي رجل هذا ؟ و أي حظ عاثر القاها بين هؤلاء البشر اللائي يستبدلون قلوبهم بأحجار صماء …؟
************
مرت الأيام سريعة وأتت نهاية الأسبوع و كان الجميع متأهب لذلك الحفل الصاخب الذي تُقيمه " جليلة النعماني" احتفالًا برجوع فراس الذي كان دائم الغياب طوال الأيام المُنصرمة يخرُج صباحًا ويأتي في جوف الليل مُتأخرًا ولدهشتها وجدت نفسها حانقة على هذا الوضع كثيرًا على الرغم انها لا تنقاد نحو مشاعر الفقد التي تحتاجها في غيابه ولا تنفك تتجاهلها ولكن هناك شيء آخر ينغز بقلبها حتى بات ألمه لا يُحتمل ألا وهو الشوق !
زفرت بتعب وهي تتوجه إلى غرفة الملابس لترتدي فستانها الذي كانت قد ابتاعته مع هدى في جولة التسوق الأخيرة وقد نال إعجابها كثيرًا حتى أنها حين اشترته لم تكن هُناك مناسبة خاصة لترتديه إلى أن جاء ذلك الحفل ..
انقضت نصف ساعة آخرى وها هي تضع اللمسات الأخيرة لزينتها تزامُنًا مع صوت إغلاق باب الغرفة تخشبت أناملها الممسكة بطلاء الشفاه وهي تشعر باقتراب خطواته من غرفة الملابس و رئتاها التي بدأت تنتشي برائحة عطره النفاذة التي دائمًا ما تسبقه إضافة إلى ضربات قلبها المُتلاحقة تأثرًا بوجوده الذي افتقدته طوال الأيام المُنصرِمة فأغمضت عينيها تُحاول استجداء ثباتها الواهي ليقف معها أمام هذا التخاذل الكبير الذي تستقصيه الآن مع جميع حواسها المُتلهفة إليه بينما كان هو الآخر يُحارب بضراوة لهفة خطواته التي تقوده إليها و كأنها نهرًا عذب وهو اللهبان الذي يتوق لقطرة واحدة من رمقها كي يعود إلى الحياة من جديد .. و الذي لدهشته شعر بأنها غادرته حين غاب عنها في الأيام المُنصرمة..
تشبثت قدماه بمكانها حين هوت عينيه على تلك الحسناء التي بدت وكأنها استأثرت بأكثر من نصف جمال العالم في ملامحها و طلتها البراقة في ذلك الثوب الذي كان باللون الأخضر الداكن يلف جسدها بتملك فيبدو و كأنه جزء منها ليبدع في إبراز منحنياتها دون امتهان فقد كان يغطي قدها و ذراعيها و يتوسطهما بفتحة دائريه لم تصل إلي مقدمة صدرها ولكن تفننت في إظهار قوسي الجمال المُتمثِل في عظمتي الترقوة خاصتها و يضيق بإغواء إلى أن يصل إلى ركبتيها ثم يتسع بطيات تماوجت اقمشتها ما بين الشيفون و الستان لينتهي بذيل طويل خلفها فقد كان رائعًا كروعتها خاصةً بتلك الخصلات الشقراء التي موجتها لتحيط بها كأشعة الشمس الحارقة ليجد نفسه يقترب منها دون وعي ليصبح خلفها مباشرةً فتتشكل في المرآة صورة لفاتنة أخضعت بعشقها الكواسر .
" افتحي عينيكِ.."
قالها فراس بخشونة بينما ترددت أنفاسه الموقدة على أذنيها لتشتعل تلك الشرارة بداخلها مرة أخرى و خاصةً حين شعرت بكفوفه الغليظة تحيط بخصرها فأطاعته بصمت لتصطدم بصورتهما في المرأة فهي تبدو كطير صغير يغوص بين أحضان أسدًا جسور .
" هل كنتِ تنتظرينني؟"
بدت لهجته خشنة تتناسب مع وهج عينيه التي كانت تشملها بنظرات حارقة في المرآة فأجابته بلهجة خافته تعكس اضطراباتها العظيمة في حضرته:
أجل .. ألا يجب أن ننزل إلى الحفل معًا..؟
ضاقت نظراته وهو يسألها بنبرة جافة :
هل هذا فقط ما يجعلك تنتظريني ؟
صارت ضربات قلبها جنونية حتى دوى طنينها في أذنيها و لم تعد تعرف بماذا تجيبه و تخشى هيمنته القوية عليها فانفرطت الكلمات من بين شفتيها دون أن تملك القدرة على إيقافها لذا آثرت تغيير دفة الحديث قائلة بنبرة متحشرجة:
ما رأيك هل أبدو جميلة في هذا الثوب ؟
لو فكرت لثوانٍ لم تكن لتخرج هذا الاستفهام من بين شفتيها ولكنها كانت تريد الهرب من طلقات الرصاص لتجد نفسها عالقة في حقل ألغام تفجر بصدره حين أعادت انتباهه إلى جمالها الآخاذ و حضورها الطاغي لتجد يده تضغط على خصرها بطريقة جعلت الدماء تندفع إلى خديها ثم توقف نبضها حين سمعت همسه الخشن بجانب أذنيها :
تشبهين شمسًا حارقة تتوسط جبال من الثلوج أن اقتربت منكِ سأموت احتراقًا و أن ابتعدت عنكِ سيقتلني صقيع فراقك !
علقت الأنفاس بصدرها ووقعت عينيها أسيرة لنظراته الشغوفة و لكلماته التواقة التي أضرمت النار في سائر جسدها و من المؤكد أنه شعر بكل ما يحدث بداخلها فحاولت استجداء بعضًا من ثباتها وهي تقول :
إذن هل أصبحت أشبه نساء المجتمع المخملي أم أنك لازلت تعتبرني زوجتك الصغيرة ؟
تراقصت إبتسامة مُتلذذة على ملامحه قبل أن تُديرها يديه لتصبح في مواجهته فازداد الأمر سوءًا بالنسبة إلى كليهما و خاصةً هي فقد كانت أضعف من مقاومته و مقاومة كل تلك المشاعر المُتأججة تجاهُه و التي لا تفلح كلماته في إخمادها أبدًا :
لا يجوز مقارنتك بهؤلاء النساء أبدًا ؟
برقت عينيها تُنذر بهبوب عاصفة غضب هوجاء فهل يجرؤ على التقليل من أنوثتها أمام أولئك النساء بالرغم من أنه كان يتغنى بجمالها منذ لحظات؟ :
ولما لا يجوز المقارنة بيني و بينهم لا أفهم ؟
جاء صوته الخشن كسيمفونية عذبة زخرفتها نظراته الشغوفة حين أجابها:
بإستطاعتي أن أقارنك بالنجوم .. بالمطر ..أو مع شروق الشمس .. تلك الأشياء النادرة هي فقط ما يشبهك نور.
انشرح صدرها بحبور ولم تفلح في إخماد ابتسامتها و التي لا تصف ما يتأجج به قلبها من مشاعر جياشة لغزله الساحر و الغير متوقع فلم تستطيع منع نفسها من إعتراف المزيد منه فهمست قائلة :
أتعني أن المقارنة هكذا ستكون عادلة ؟
التنعم برؤية إبتسامتها التي ضاعفت حُسنها أكثر كان أمرًا يفوق حتى أحلامه التي أصبحت مُؤخرًا لا تدور سوى حولها لذا أجابها بخشونة:
لا.. فبرأيي النتيجة محسومة من البداية وهذا ليس عدلًا .
استفهمت برقة :
كيف ذلك ؟
أجابها بشغف يقطر من عينيه قبل نبرته:
أعتقد أنتِ تفوقين كل شيء خيالي و نادر في الوجود
همست بخجل :
أعتقد أنك تُبالغ قليلًا ..
أظلمت نظراته و شابهها لهجته حين قال ويديه تُلصقانها به:
بإمكاني اقناعك..
حين أوشك على اقتناص جنتها اوقفهما طرق قوى على باب الغرفة و الذي كان للخادمة التي أخبرتهم بأن الجميع في الأسفل بانتظارهم لذا تحمحم بخشونة قبل أن يقول :
ستبدأين بالعمل معي بدءً من الاسبوع القادم
خرجت شهقة خافته من جوفها فيما نالت الصدمة من ملامحها و لهجتها حين قالت:
هل حقاً ما تقول ؟
-" أجل .. سأُخبِرُك بجميع التفاصيل لاحقًا .. هيا لننزل الآن .."
أوصد أمامها مقاليد الحديث فلم تجد مفر سوى الامتثال لأوامره ملبية ندائه الصامت حين مد يديه لتتأبط ذراعه فأطاعته بصمت لينزلا الدرج سويًا حيث الجميع ينتظرهما.
*************
أحمق يا عزيزي إن ظننت أن قلب المرأة أن أحب لا يكره . فعلى قدر حُبها يكون وجعها عظيم و انتقامها أعظم . و سلامًا عليك إذا ظننت يومًا أنك تستطيع الإفلات منه ..
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
خطت أقدامها إلى الداخل بثقة لا تعلم من أين واتتها ربما كان خلفها وجع عظيم ولد رغبة هوجاء في الإنتقام الذي جعلها تتفنن في انتقاء كل شيء بدءً من هذا الحذاء الأنثوي ذو الكعب العالي الذي يدُق بإغواء كُلما خطت أقدامها إلى ذلك الثوب العاري الأكتاف بلونه الأسود الذي غير معلوم أن كانت هي من زادت من بهائه أو هو من أضاف إلى حُسنها تُزينه ألماسات براقه تشبه نجوم مُتَلأْلِئة في سماء حالكة السواد ينعكس بريقها على بحرها الأسود اللامع الذي يُظلله سياج كثيف من الرموش الحالكة التي يتماشى سوادها مع سواد حاجباها الكثيفان المرسومان بإحترافيه من صنع الخالق عز وجل يزينان وجهًا وضاحًا دائري كالبدر المنير بوجنتين ممتلئتين يزدهر فوقهم محصول التفاح الشهي يتوسطهما أنف رقيق فوق قوس شفاهًا مُكتنزة بترغيب صبغتهما بلون النبيذ الأحمر المغوي لمن يراه و المسكر لمن يرتشفه .. ثم قامت برفع شعرها إلى الأعلى تاركة بعض الخصل المتمردة تنساب بنعومة حول وجهها الذي كان يعلو رقبه طويلة مُثيرة زينتها بسلسال رقيق على شكل وردة حمراء جميلة كصاحبتها..
شقت طريقها بين المدعوين برأس مرفوع و أنف شامخ متجاهلة تلك النظرات التي تحاوطها من كل الاتجاهات و أيضًا تلك الهمهمات التي منها مُتعجبة و آخرى مُعجبة ولكنها لم تهتم فقد كانت تبحث عن نور التي وجدتها تقف وحدها بعد أن انشغل فراس في الحديث مع أحد رجال الأعمال لتشعر بأحدهم يضع يده فوق كتفها فقامت بالالتفات لتقع عينيها على هدى التي كانت تناظرها بإبتسامة جميلة فصاحت نور بانبهار:
هدى هل هذه أنتِ؟
هدى بسخرية :
لا أنا عفريت.. نعم أنا ماذا أصابكِ نور؟
نور وهي لازالت على حالتها من الإنبهار:
يا إلهي تبدين رائعة .. أين كنتِ تخفين هذا الجمال يا فتاة ؟
انكمشت ملامحها بسخرية تشوبها المرارة التي اوضحتها نبرتها حين قالت:
هل كان مظهري بشعًا إلى هذه الدرجة؟
فطنت نور إلى ما تُشير إليه فحاولت أن تُجمل كلماتها قدر المستطاع حين قالت :
لا .. طبعًا لا اقصد ذلك .. أنتِ دائمًا جميلة .. ولكن الآن أنتِ تفوقين الجمال بمراحل .. تبدين .. ماذا أقول ؟ تبدين مُبهرة .
أثقلت كلمات نور ثقتها بنفسها و عززت من غرورها الذي تفشى في نبرتها وهي تقول :
من الآن فصاعدًا سأكون هكذا .. هدي القديمة لم يعد لها وجود .
ناظرتها نور بخبث ثم قالت تمازحها :
أعترفي أنكِ أردتِ تسديد سهم قاتل في مرمى شاهين ! ولكن اعلمي انكِ هكذا ستتسببين في خسائر فادحة
تجاهلت صخب دقاتها من حديث نور و قالت بجفاء:
فليحترق بنيرانه التي أشعلها ، و أيضًا انا لا أضعه في حساباتي فقد رسمت حياتي بدونه وأنا الآن أفضل بكثير .
لم يكُن حُبا مستحيلا و لكنه ايضا لم يكُن مُمكنًا. لم تُفرقنا الأقدار بل اختارنا الفُراق بأنفُسنا . اختارته انت و لم اقاومه انا .احتملت من الالم و العذاب و الحزن ما لم يتحمله أحد و كنت كل ليله أُخبِر نفسي بأنه لايزال مكاني بقلبك شاغرًا إلى أن جائتني صدمة انتمائك لغيري . في البداية لم استوعبها و رفضها قلبي للحد الذي أتى بي جرًا اليك لنضحك سويًا علي تلك المزحة السخيفة لآراك تُعلِنها بملء إرادتك دون النظر إلى قلبي الذي تمزق لاشلاء أمام سهام غدرك و الذي لا أعلم أن كُتِب له الحياه بعدك مرة ثانية ام لا ؟ و بالرغم من كل هذا لم اندم علي عشقك يومًا لم يكُن بالعشق المُر أو القاسي و لكنه كان عشق قتلني بقدر ما أحياني …
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
****************
- " مرحبًا أيها الضخم.. "
هكذا تحدث شاهين بصخب و هو يضرب كتف فراس بعُنف فالتفت الأخير يُناظره بجمود قبل أن يُجيبه بفظاظة:
لم تأخرت أيها الوغد ألم أخبرك أن تأتي في الموعد ؟
تململ شاهين بضيق تجلى في نبرته حين قال:
بربك هل تحاسبني يا رجل ؟ امتلك زوجتان لا تجرؤ إحداهما على محاسبتي هكذا ؟
لم يجيبه إنما لمعت عينيه بمكر قبل أن يقول بتخابث :
هل استمتعت بوقتك في المالديف إذن ؟
تشدق ساخرًا:
وهل يستمتع من يمتلك صديق مثلك ! لقد أفسدت علي شهر عسلي و تسأل أيضًا ؟
فراس بفظاظة:
يالك من ناكر للجميل لقد أنقذتك ولا يمكنك إنكار ذلك ..
قهقه بصخب قبل أن يقول بسخرية:
أجل .. و تستحق أن أشكرك على انقاذك لي فقد كدت أفقد سمعي من كثرة الحفلات الصاخبة التي تعشقها زوجتي المصون .
كان يتحدث و عينيه تدور في كل مكان بالحفل إلى أن التقمت عينيه نور التي تقف و بجانبها إمرأة تبدو من الخلف جذابة للغاية فوجه حديثه إلى فراس قائلًا باستفهام:
من هذه الفاتنة التي تقف مع نور ؟
فراس بتهكم:
أيعقل أنك لا تعرفها ؟
ضيق عينيه بتفكير بينما نظراته تتفحصانها بدقة و سرعان ما برقت عينيه حين فطن إلى هوية المرأة فأخذت ضربات قلبه تدق كالطبول فصاح بصدمة :
مهلًا .. مهلًا هل هذه هدى زوجتي ؟
ناظره فراس باستخفاف لم يلحظه فقد كان مشغولًا بالنظر إليها و إمارات العجب والإعجاب بادية على وجهه حين قال باستفهام:
ماذا حدث لها يا تُرى ؟ هل أصابتها قُنبلة نووية حطمت دبابيس شعرها اللعينه و بعثرت خصلاتها هكذا؟
تعاظمت صدمته حين التفتت هدى لتسلم على أحدى السيدات فرأي وجهها ليهتف بإندهاش:
لحظة هل تضع مساحيق التجميل ؟ هل ماتت أمي و أنا لا أعرف ؟
ضاق ذرعًا من سخريته وقال بجفاء
كفاك سخرية و لتعلم قيمة ما لديك قبل أن تفقده .
امتعض شاهين من كلماته فقد كان يُجاهد قلبه الذي أخذ ينتفض بداخله تأثرًا برؤيتها هكذا و صاح بإنفعال:
اصمت يا غبي أنت لا تعلم شيئًا فأنا لم أرى خصلات شعرها منذ ولادة طفلنا الأول .
كان يشعر بما يقصده شاهين و ما يخابره معها ولكنه حاول أن يضعه على الطريق الصحيح قائلًا :
شاهين استمع إلي .. أنا أتحدث بجدية زوجتك إمرأة صالحة تمتلك العديد من الصفات الحسنة لا تُضيعها من بين يديك .
لون الامتعاض ملامحه وهتف بلهجة جافة:
هل تُغازل زوجتي أيها الدب ذو الفم الكبير؟
برقت عيني فراس و زمجر بغضب :
لو نعتني مرة ثانية بذو الفم الكبير و خاصةً أمام نور سأدق عنقك أقسم .
رمقه شاهين بمكر قبل أن يُضيق عينيه قائلًا بتخابث:
نور ! اها .. أخبرتني الآن … هل خضع الأسد أخيرًا و أستسلم لمشاعره..؟
لم يعجبه ما يرمي إليه بكلماته فهتف بحدة:
اصمت يا غبي
-" حسنا سأصمت فأنا لا اكترث لك الآن.."
لم يكُن يُعيره أي انتباه فقد كان مشغولًا بمراقبتها من بعيد وهي توزع ابتسامتها العذبة على من حولها وقد شعر بالغيرة التي تجاهلها على الفور و حاول قدر الإمكان أن يظهر بمظهر اللامبالي خاصةً أمام نظرات فراس المتفحصة فلجأ إلى سخريته المعتادة حين قال :
يا إلهي لو تعلم كم تمنيت أن تخرج فتوى من دار الإفتاء تُحرِم تلك التسريحة اللعينة .. الحمد لك يا الله فالمعجزات تحققت أخيرًا
أخذ يهز برأسه يمينًا و يسارًا بيأس من عناد صديقه الذي يُحاول قمع شعوره تجاهها و إقناع نفسه و الجميع أنه لا يتأثر بينما هو يحترق من الداخل ..
*********
" انظري هناك من يحترق في الخلف"
هكذا قالت نور بتخابث فشعرت هدى بقلبها الذي تبعثرت نبضاته حين علمت بأنه جاء إلى الحفل ولكنها و بشق الأنفس حاولت الثبات و رسم الجمود على ملامحها و نبرة صوتها حين قالت :
لا أهتم .. و لا أريد حتى أن أضيع وقتي بذكره
كانت صديقتها و تشعر بما يعتمل بداخلها و قد أعطتها الحق في ذلك لذا آثرت الصمت و النظر أمامها و كذلك فعلت هدى التي كانت تشعر بنظراته تخترقان ظهرها و تشعلان جراحها الدامية والتي لا تعرف كم تحتاج من السنوات لمداواتها ..
اهتز الهاتف في حقيبتها فقامت بالتقاطه إذًا مربية الأطفال تتصل بها فتوجهت بخطى مُتلهفة إلى الخارج لتُجيبها و شاركتها خطواته بنفس ذات اللهفة حيث قادته إليها حين وجدها تتوجه إلى الخارج فتبعها كالمُغيب وهو يشق طريقه بين الناس بصعوبة متجاهلًا مجاملاتهم الزائفة التي كان يرد عليها بإبتسامة صفراء إلى أن وصل حيث تقف فوجدها تتحدث على الهاتف بإنفعال فشعر بضربات قلبه تتقافز بداخله وهو يقترب منها ليستمع إلى صوتها المرتعب وهي تقول :
حسنًا سآتي على الفور .
أغلقت المكالمة وهي تلتفت مسرعه ليصطدم جسدها بقوة بآخر شخص تود رؤيته في هذا العالم لترتد إلى الخلف من فرط الصدام حتى كادت أن تقع لولا ذراعيه القويتين التي حاوطت خصرها بلهفة لمنعها من السقوط وياليته لم يفعل فقد كانت تُفضل أن تسقط أرضًا أهون عليها من أن تسقُط بين ذراعيه بتلك الطريقة فيُلامس وقع قربه على جسدها المُرتجف و قلبها الذي يكاد يخرج من بين ضلوعها من فرط قوة دقاته
رفعت عينيها تُناظره فأسرتها نظراته الشغوفة لثوان قبل أن تتدارك الأمر و تجذب نفسها بعُنف من بين يديه تنوي المغادرة لتوقفها قبضته القوية حول رسغها و نبرته التي تشوبها اللهفة حين قال :
ماذا هناك ؟ هل حدث شيء ؟
اهتمامه و لهفة نبرته ولدوا داخلها شعورًا قويًا بالغضب جعلها تقول بجفاء وهي تنزع ذراعها من بين يديه:
ابتعد .
أغضبته نبرتها و طريقتها في الحديث فقسى صوته وهو يقول آمرًا:
أجيبيني ؟
لون الاحتقار ملامحها و أبرزته عينيها بسخاء بينما احتدت نبرتها اكثر وهي تقول:
لا أريد حتى النظر إلى وجهك فلا تحلُم بأن اشكو لك ما يحدث معي .. لذا ابتعد من أمامي
أيقظت وحوشه الكامنة فاشتد طوق أنامله فوق رسغها حتى كاد يطحن عظامها وهو يقول بنبرة قاسية :
هذه هي المرة الأولي و الأخيرة التي سأسمح لكِ بمُحادثتي بتلك الطريقة .. وأن كررتها أقسم أنني لن أتردد في اقتلاع لسانك من فمك هل فهمتي ؟
نجحت في إنتزاع يدها من قبضته الغير رحيمة وهي تُجاهد عبرات الألم بضراوة بينما هسهست بجفاء:
لن أتردد في تكرارها أن اعترضت طريقي مرة اخري .. و تهديدك هذا لا يُخيفني أبدًا..
لم تُتيح له الفرصة للرد فقد أنهت كلماتها وانطلقت إلى داخل الحفل لتتركه كبركان مشتعل من فرط الغضب الذي حول دمائه إلى جمرات جعلته يطلق أسوأ أنواع السباب وهو يغادر الحفل ..
بينما كانت هي تُهرول باحثه عن زين لتخبره بأن طفلتها تُعاني من آثار الحمى فقد هاتفتها المربية لتخبرها بضرورة أخذها إلى المشفى .. وحين سمع زين ذلك توجه معها على الفور إلى المنزل لنقل الطفلة إلى المشفى الذي ما أن وصلوا إليه حتى هرول قسم الطوارئ لاستقبالهم و لنجدة الطفلة التي كانت ترتجف من شدة إرتفاع حرارتها مما جعل هدى تفقد أعصابها وتنهار أمام باب المشفى فالتقطتها يد زين وهو يحاول تهدئتها بشتى الطرق ولكنها كانت ترتعب كلما تذكرت حالة الطفلة.. أخيرًا و بعد عناء نجح في تهدئتها و خاصةً حين جاءت الممرضة لتخبرها بأن الأطباء قاموا باللازم و قد زال الخطر نسبيًا و إن أرادت رؤيتها فقد وضعوها في غرفة مُنفردة :
بالطبع أريد رؤيته ابنتي .. أين هي ؟
أخذتها الممرضة إلى حيث غرفة الطفلة و خلفها زين الذي ما أن أوشكت أن تدلف إلى داخل الغرفة حتى أوقفها سؤاله الذي أثار حنقها كثيرًا :
هل أخبرتي شاهين بما حدث ؟
اكتفت بكلمة واحدة مقتضبة :
لا ..
كان يعلم الإجابة مُسبقا وحتى لو لم تُعجبه فهو لن يُجادلها الآن فهو يعلم أنها فعلت ذلك امتثالًا لأوامر كبريائها و أيضًا لتثبت له و للجميع بأنه خارج نطاق حياتها هي و أطفالها …
بعد أكثر من نصف ساعة خرجت من الغرفة تجر أقدامها التي ثقلت تحت وطأة الحزن الذي يرثو فوق قلبها المرتعب على طفلتها التي تمكن منها الإعياء و لم يحتمل جسدها الهزيل فراحت في سبات عميق لتخرج هي إلى الرواق حتى تدعها ترتاح قليلًا .
" كيف هي ؟ "
"أخبرينا كيف حالها ؟"
هكذا تعالت الاسئلة فوق أفواه الجميع الذين هرعوا إلى المشفى حين هاتفهم زين وما أن شاهدوها تخرج من الغرفة حتى اندفعوا بلهفة ليطمئنوا على حال الصغيرة و من بينهم هو .. ولكنها أعطته قدره من التجاهل حيث توجهت بحديثها إلى زينات و ناريمان و زين قائلة بصوت مبحوح من فِرط البكاء :
أنها نائمة.
مظهرها وحده كفيل بشرح ما يجيش بداخلها من ألم شعر به ينطبع داخله على الرغم من غضبه منها ولكن مظهرها احزنه فأخذت عينيه تطوف على ملامحها الشاحبة و عينيها التي تغزوها شعيرات حمراء تبدو كلوحة ملونة بالدماء تحكي قصة أمرأة أضناها العذاب و خصلات شعرها التي كانت مُسترسِلة فوق ظهرها تحاوط أكتافها التي تهدلت من فرط التعب فاقترب زين منها وهو يلتقط كفها بين يديه قائلًا بلهجة مطمئنة:
لا عليكِ يا بنيتي .. أن شاء الله ستكون بخير .
رددت بنبرة مرتجفة من بين عبرات لا تفلح في قمعها :
أن شاء الله
سُرعان ما امتدت يد زين تحيط بكتفيها ليجذبها لتجلس على المقعد وهو يردد بخفوت :
اللهم رب الناس أذهب البأس و اشف حفيدتي أنت الشافي المُعافي .
مرت دقائق تبدو ثقيلة عليها خصوصًا في حضوره الذي كانت تمقته على قدر ما كانت تشتهيه سابقًا ولكن لا حيلة لها فمن بالداخل طفلته ولا تستطيع أبعادها عنه أو الصراخ بوجهه بأن يغادر .. بينما هو كان يتآكل من فرط الألم المُطعم بغضب حارق كونه يرى حزنها من بعيد ولا يجرؤ على الإقتراب منها و غرسها بداخل أحضانه لتسكين وجعها ولو قليلًا .
تنبهت حين جاءت الممرضة لتقول بأن الطبيب المُختص بمعالجة الطفلة قادم ليخبرهم بكل شيء عن وضعها فارتفع دبيب قلبها و تناثرت دقاته ترقبًا وخوفًا ولكن سرعان ما اعتلت الدهشة معالمها حين شاهدت هذا الطبيب الذي كان له نصيبًا كبيرًا من دهشتها فصاح بصدمة:
هدى !
يتبع…
عايزة منكوا طلب صغير اقترحوا الرواية لأصحابكوا عشان تتقرأ لإنها تستحق على حد كلامكوا و رأيكوا فيها ♥️ و متنسوش تعملوا فوت و كومنت على الفقرات اللي تحبوها ♥️ و أن شاء الله هنزلكوا فصل جديد بكرة ♥️
رواية كواسر أخضعها العشق ❤️🔥 الفصل التاسع 9 - بقلم نورهان العشري
"الفصل التاسع"
جاء خُذلانك ليهدِم كُل أحلامي الوردية ويلوث كِل أشيائي الثمينة ومن بينهم قلبي، قلبي الذي كان بالود عامرًا، والآن بات البغض والقهر مسكنه، فلا تتساءل أين ذهب غلاك،
فقد تساقط من قلبي كعقدٍ من اللؤلؤ انفرطت حباته مع كل دمعة ذرفتها روحي وهي تنعي جرح رجل أحببته بقدر السماء وقتلني بقدر ما أحببت.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
_"وليد" هل هذا أنتَ! ما هذه المصادفة.
هكذا استفهمت بينما ملامحها افرجت عن ابتسامة عفوية كانت الشرارة التي أشعلت فتيل غضب "شاهين" الذي كان يشاهد ما يحدُث بعينين جاحظتين، فاقترب منهما تزامنًا مع كلمات "وليد" الذي تحولت دهشته إلى سعادة عارمة:
_أجل إنها مصادفة ولكن رائعة، وأنا ممتن لها كثيرًا، كيف حالك؟!
لون الحزن معالمها فانمحت بسمتها وهي تقول بخفوت:
_بخير أشكُرك.
تنبه لتبدُل حالها وقال باستفهام:
_أعتقد أن تلك الطفلة الجميلة بالداخل هي ابنتك أليس كذلك؟!
"هدى" بلهفة:
_نعم أخبرني ما هي حالتها؟!
"وليد" بطمأنينة:
_هدئي من روعك فالأمور تحت السيطرة، سأطمئِن عليها وأرى مؤشراتها الحيوية وأخبرك.
"هدى" برقة:
_حسنًا أنتظرك.
ابتلع غصة حارقة داخل جوفه وحاول قهر ذلك الغضب الذي تشعب داخله بشراسة فلو أطلق له العنان لوقع ضحيته الجميع وأولهم هي... فقد كانت تستند بثقلها على الجدار المُلاصق لباب الغرفة وكأنها تتوسل بصمت لذلك الطبيب الأحمق بأن يخرُج ويطمئنها على حالة طفلتها، كان مظهرها يوحي بمدى ألمها؛ لذا استمع إلى صوت العقل الذي أمره بأن يُمرر الموقف إلى حين انتهاء هذا الظرف الطارئ.
بعد وقت ليس بكثير خرج "وليد" وهو يخصها بنظراته متجاهلًا أسئلة الجميع ليجيب على توسلها الصامت بلهجة مُراعية:
_اطمئني يا "هدى" فقد زال الخطر ومؤشراتها الحيوية عادت إلى طبيعتها.
تعالت صيحات الحمد من بين شفتيها بينما الجميع كان يراقب هذا المشهد النادر لشاهين الذي لم يستطع السيطرة على نظراته الشرسة لهذا الطبيب الذي لم يرتَح له ولا لنظراته لتلك الغبية كما وصفها داخله والتي كان الامتنان يتساقط من نظراتها ونبرتها حين قالت:
_أشكرك كثيرًا يا "وليد" لقد كاد قلبي أن يتوقف من فرط الخوف.
_رجاءً لا تقولي هذا الكلام مرةً أخرى، فالحمد لله مر الأمر على خير، والطفلة ستكون بخير في غضون أيام.
هكذا تحدث "وليد" بلهفة رجلٍ وقع بالعشق في الماضي واصطدم بصخرة القدر الذي جعل حبيبته لرجلٍ آخرٍ، ومن سوء حظه أن يكُن هذا الرجل خلفه الآن مُباشرةً ينوي الفتك به... لولا تدخُل "زين" الذي كان يُراقب ما يحدُث بصمت ولكن ما إن شعر بأن الأمور على وشك الخروج عن السيطرة حتى تدخل في الحال.
_شكرًا لك أيها الطبيب، هل يمكن أن تدخل "هدى" لتطمئن على الطفلة؟!
"وليد" بلهفة:
_أجل بالطبع يمكنها ذلك، ولكن يجب أن ترتاح هي أيضًا حتى لا تسقط فيبدو أنها تعاني الإرهاق والتعب.
كان هذا أكثر من قدرته على التحمل فحين أوشك على الحديث أوقفته نظرات والده المُحذرة وكلماته التي جعلته يتراجع عن لكمه:
_لا تقلق أيها الطبيب و نشكرك على اهتمامك فنحن لا نفرط بهدى فهي ابنتي وزوجة ابني.
شعر "وليد" بالحرج و قد تغضن وجهه قبل أن يلتفت ليُناظر "شاهين" شذرًا ثم نقل نظراته إلى "هدى" قائلًا:
_حمدًا لله على سلامتها.
كانت ترى ما يحدث واختارت برضا أن تتجاهله وتتجاهلهم وهي تتوجه إلى طفلتها داخل الغرفة مُغلقة الباب خلفها... لتخرج ضحكة ساخرة من فم "ناريمان" التي اتبعتها قائلة بسخرية:
_أتذكر أنني رأيتُ هذا المشهد في فيلم هندي وغالباً انتهى بأن أتى الفارس المغوار لينقذ البطلة من بين براثن الوحش.
كانت تظن أنها مجرد كلمات عابرة ولكنها كانت كالبنزين الذي سكبته على نيران غضبه المشتعل للحد الذي جعل ظلمة عيناه تزداد أكثر... فتراجعت "ناريمان" إلى الخلف ذُعرًا من مظهره وكذلك "زينات" التي حاولت تصحيح الموقف قائلة بتوتر:
_ الحمد لله على سلامتها يا شاهين، سنغادر إلى المنزل ونرسل إلى هدى بعض الثياب فهي لم تبدل فستانها بعد.
وكأنه بحاجةٍ لأن تذكره بهذا الفستان اللعين الذي يُبرز فتنتها بسخاءٍ قادرٍ على إدارة رؤوس الرجال، أطلق زفرةً قويةً وهو يتوجه إلى داخل الغرفة مُغلقًا الباب خلفه بهدوء يتنافى مع جحيم غضبه المُشتعل ليخطو عدة خطوات مُتجاهلاً وجودها وهو يقترب ليضع قبلةٍ دافئةٍ على جبين طفلته وسط أنظارها الجامدة والتي تتحاشى الاصطدام به تتمنى لو يغادر؛ حتى تستطيع استرداد أنفاسها ولو قليلاً... ولكنه أطال الوقوف ممَ ضاعف شعورها بالغضب منه فحاولت أن تكظمه قدر الإمكان وعم الهدوء المكان حولهم إلا من صدى أنفاسهم ورائحة الكبرياء التي تسيطر على الأجواء حولهم.
طرق خافت على باب الغرفة أتبعه دخول الممرضة التي كانت تحمل كوبًا من اللبن بيدها وهي تتقدم بحرج من هدى التي انكمشت ملامحها بدهشة تعاظمت حين سمعت كلماتها:
_ تفضلي أرسله دكتور وليد إليكِ وهو يتمنى أن تتناوليه حتى تتحسن حالتكِ فأنتِ تبدين مرهقة ووو
قاطعها ذلك الوحش الغاضب وهو ينتزع كوب اللبن من يدها ويتوجه إلى إبريق المياه الموضوع بجانب السرير وقام بإفراغ كوب اللبن به ثم توجه بعينين تلونتا بلون الجحيم الذي بث الذُعر إلى قلب الفتاة وخاصةً حين زمجر بشراسة:
_أخبري هذا المُخنث أن شاهين النعماني سيقحم هذا الكوب في مؤخرته إذا أقدم على إرسال شيء آخر إلى زوجتي.
_ما هذا الجنون الذي تتفوه به؟!
هكذا صاحت "هدى" بانفعال حين سمعت كلماته الهوجاء إلى الفتاة التي هرولت إلى الخارج مذعورة... فتفاجأت به يلتفت وهو يُناظرها بعينين أعماهما الغضب الذي تجلى في نبرته وهو يقول بشراسة:
_أقسم لكِ إن تفوهتِ بحرفٍ واحدٍ سأريكِ كيف يكون الجنون وسأقوم بسفك دماء ذلك الوغد أمام عينيكِ الآن.
شهقة مذعورة خرجت من جوفها حين رأت مظهره المُرعِب وكلماته المروعة التي كانت أكثر من كافية لجعل أعصابها تنهار فقد كان يومًا عصيبًا... ولم تعد تحتمل؛ لذا همست بنبرة مختنقة بفعل محاولاتها لقمع انفجارها في البكاء أمامه:
_ارحل من هنا، لم أعد أحتمل وجودك أكثر.
نفذت كلماتها إلى منتصف قلبه الذي ارتج من فرط الألم الذي أتقن تجاهله وهو يرتدي ثوب الغضب الذي تجلى بعروقه التي نفرت بصورة مرعبة لم تؤثر فيها بل احتدت لهجتها أكثر وهي تصيح:
_لا أنا ولا ابنتي بحاجة إليك؛ لذا ليس مسموحًا لك بالتواجد هنا.
كان رجلاً باردًا لا يغضب بسهولة، ولكن اليوم استنفذ مخزون صبره لسنوات قادمة فقد بلغ غضبه الذروة... فقام بجذبها من مرفقها بعنف لم تختبره معه مسبقاً وقام بإلصاقها بالحائط خلفها وهو يزأر بشراسة:
_لا أنتظر الإذن منكِ لأتواجد هنا فهذه هي ابنتي وأنتِ زوجتي وعليكِ تقبل ذلك أو أقحمه في عقلكِ الغبي هذا؟!
قال جملته الأخيرة بصراخ انتفض له جسد الصغيرة التي أفزعها صُراخه، فأخذت تبكي بذُعر، فانتزعت هدى ذراعها من بين يديه بحنق، وهرولت تحتوي الصغيرة بين يديها وهي تهدهدها بحنو يتنافى مع نظراتها المستاءة نحوه، فتجاهله متسلحًا بالجمود في مواجهتها.
*************
_"شاهين" هيا استيقظ فأنتَ نائم منذ ثلاث ساعات.
تململ "شاهين" في نومته حتى فتح عينيه اللتين وقعتا على "هناء" ليجدها ترتدي ملابس سهرة فجعد ما بين حاجبيه وهو يقول:
_ لمَ هذه الثياب الآن؟!
"هناء" بغنج:
_لقد وعدتني أن تعوضني عن شهر عسلي، و هذان اليومان اللذان امضيتهم مع الصغيرة في المشفي وانا هنا وحيدة وأيضًا لقد مللت من الجلوس بالمنزل لنخرج للسهر قليلًا، اه .. و لتجلب لي العقد الخاص بتلك الإسورة فأنا سأموت لأكمل الطقم.
امتعضت ملامحه وزفر حانقًا وهو يقول بجفاء:
_لا يوجد لا عقد ولا خروج، هيا بدلي هذه الثياب فغدًا لدي مُرافعة وأريد أن أنام جيدًا؛ حتى أستطيع الاستيقاظ مُبكرًا.
لم تحتمل جفاءه وذلك القيد الذي يحكمه حولها؛ لذا صاحت دون احتراز:
_"شاهين" لا تفعل ذلك أرجوك... لا خروج ولا دخول ولا نقود ولا مجوهرات لقد مللت.
قالت جملتها الأخيرة بصوت أشبه بالصراخ، فلم يستطع الصمت أكثر خاصةً وهو يحمل كل هذا الغضب بداخله، فهتف بجفاء:
_ألا تملي من طلب النقود ومشاوير السهر هذه؟!
فطنت لفداحة ما تفوهت به وخاصةً بعد أن فوجئت من لهجته وملامحه التي كانت مُمتعضة كثيرًا فحاولت التبرير بلهجة أهدأ:
_وما الذي يغضبك في ذلك؟ أنا أتجمل لأجلك.
هكذا تحدثت وهي تتقدم منه لتلهو بأزرار قميصه العلوية تحاول إغوائه فشعر بنفور كبير من طريقتها تلك؛ لذا تحدث بجفاء:
_عزيزتي "هناء" لمَ بكل مرة نتحدث بها بأمر حيوي تفعلين ذلك وينتهي الأمر بنا في السرير؟!
صاعقة قوية ضربتها فزلزلت ثباتها وخاصةً حين أكمل بقسوة:
_لمعلوماتك لم أتزوجك لأن علاقاتي الخاصة بزوجتي ليست على ما يُرام ولكني تزوجتك لأنني أردت زوجة حقيقية أتشارك معها كل شيء.
صمت لثوان قبل أن يردف بفظاظة:
_لا تحصري تفكيرك في العلاقة فقط، نعم إنها من أساسيات الزواج ولكن هناك أمور أخرى لها نفس أهميتها أيضًا.
تحدثت بنبرة فاقدة لكل معاني الصبر:
_ما الذي تريده من هذا الحديث؟!
_أريد المشاركة والسكينة، أريد الهدوء يكفي ذلك الصخب الذي يسيطر على حياتنا.
امتقع وجهها وشعرت برغبة قوية في الصراخ بوجهه ولكنها اكتفت قائلة:
_هل مللت مني؟!
لم يتوانَ عن مصارحتها قائلًا باختصار:
_نعم ولهذا أردت تنبيهك.
بدأت بفقدان أعصابها تدريجيًا فتحدثت بانفعال:
_هل تفكر بالزواج علي؟!
لم يستطع تحمل نظرتها السطحية للأمور وأسلوبها الغبي في التفكير.. فصاح مُتأففًا:
_يا إلهي كيف يصل الحديث إلى عقلك؟!
تساقطت عبراتها التي بدت حقيقية فلم يتأثر إنما تحدث بجفاء قائلًا:
_أخبرتك ما افتقدته بزواجي الأول... ولا أريد تكرار نفس الأخطاء بزواجي منك افهمي.
استفهمت بانفعال:
_ إذن أخبرني بصراحة ما الذي تريده؟!
شاهين بخشونة:
_أريد الراحة، أريد زوجة مُحبة تشاركني هواياتي، تنتظرني عندما أعود من العمل، تهدهدني كطفل صغير حين أغضب، أستطيع أن أخبرها بمشادة قمت بها مع سائق تاكسي لعين قام بالكسر علي أثناء القيادة دون أن تمل من حديثي بل تستمع إلي وكأنها تملك كل الوقت لفعل ذلك.
صمت لثوان وصورتها تتبختر أمام عينيه لتزيد من ألمه ولكنه حاول طرد شبحها وتلك النظرات المُعاتبة التي أمطرته بها ودقق النظر في عيني "هناء" قائلًا بتقريع:
_أُريد دفء وسكينة، أن أشعُر أنني مُهم في حياة زوجتي لا حافظة نقود مُتنقلة.
لم يعجبها حديثه فلم يكن يشبهها ولا يشبه تطلعاتها فصاحت بانفعال:
_ألم تخبرني أنك تريد أن تعيش حياتك كما يحلو لك، تفعل كل شيء جنوني بعيد عن قيود عائلتك! لقد كنت تريد ذلك الصخب الذي تشكو منه الآن، ألم تقل هذا نصًا أريد امرأة شغوفة تمتلك روح ثائرة لتجعل حياتي مُبهجة؟!
"شاهين" بندم:
_نعم قلت هذا ولكنني كنت مُخطئًا، فلم يكُن ذلك ما أحتاجه من امرأتي، لقد أردت امرأة حنونة تسكُب بقلبي الطُمأنينة وتروي تربته بحنانها الذي لم أتذوقه مع أقرب الناس لي.
كان يقصد والدته.. بينما هي ظنت أنه يقصد "هدى" فاهتاجت أعصابها وجن جنونها... فصاحت بانفعال:
_لا تأتي على ذكر تلك المرأة أمامي مرة أخرى، فلتذهب إلى الجحيم ونرتاح منها؛ فأنا لم أعد أحتمل.
قطعت جُملتها تلك الضربة القوية التي سقطت فوق وجهها فأدارته للجهة الأخرى تزامُنًا مع صوته القاسي حين قال:
_إياكِ أن تتحدثي عنها بهذا السوء مرة أخرى وإلا اقتلعت لسانك من مكانه.
*************
مر من الزمن سبعة أيام خارجيًا لم يحدث بها ما يُذكر ولكن كان الجميع يحترق بصمت أما "فراس" كان يعاند كبريائه ويحاول قمع مشاعره العاتية نحوها والتي كانت تتفجر ما إن يضع إصبعًا عليها فيضرب بعرض الحائط كل شيء وينخرط معها في مشاعر رائعة وأحاسيس دافئة ما زال يُعاند ويضعها تحت بند الرغبة الحسية فقط.
بينما كانت هي الأخرى تُعاني وكأنها قدمت نفسها كوجبةٍ شهيةٍ لبراثن الذنب الذي لا ينفك يُحاصرها تجاه والدها بكل مرة تكن معه ناهيك عن قلبها الذي لا تعلم كيف ومتى أفلتته من بين يديها ليصبح أسيرًا لذلك الرجل.
فقد وضعتها الحياة أمام مطرقة الاختيار ما بين واجبها تجاه والدها ومشاعرها القوية تجاهه والذي رفضت هي الأخرى تسميتها وتركتها تحت طائلة الرغبة الحسية فقط.
جاء الصباح مُشرقًا كملامحها التي تأسره للحد الذي يجعل عيناه تنتشي برؤيتها وتتملكه رغبة قوية في إخفائها عن جميع الأعين فهي الوحيدة القادرة على إنهاء تلك الصراعات المحتدمة بقلبه وتلك الحيرة التي تلازمه وضجيج تساؤلاته هل يسحبها إلى عالمه المظلم كما فعل هاديس مع برسيفوني ويُخفيها عن الأعيُن؟! أم يترُكها ويترُك نفسه لها تسحبه بنورها إلى عالمها الوردي؟!
أم يخبرها كل شيء ويترُك لها حُرية الاختيار، طافت عيناه على تقاسيم وجهها التي لا يمل من تأمُلها أبدًا وخاصةً عيناها التي كانت كنافذةٍ تُطل على الجنة، جنته التي اشتاقها كثيرًا فتحركت أنامله بخفةٍ على قسماتها لتستيقظ وتشرق بشمسها على عالمه المظلم... فأخذت تتململ بانزعاج جعلها تبدو شهيةّ أكثر فاقترب منها ليسحب أكبر قدر من رائحتها برئتيه ثم هوى بشفاهه يعزف ألحانه العذبة على ملامحها حتى استيقظت تمامًا فتوقف عن أفعاله العابثة حين اخترق قلبه همسها الخافت باسمه:
_فراس.
أشعلت بجوفه لهيبًا لا يطفئه سوى شهدها الذي لا يرتوي منه أبدًا ولا يكتفي، فاقترب هامسًا أمام شفتيها منبع هلاكه:
_همسكِ بتلك الطريقة قد يقودني إلى قتلكِ بالفعل.
سابقاً كانت كلماته تلك تُربكها وتبث الذُعر إلى صدرها ولكن الآن فهي توقد ألسنة الشغف بقلبها وسائر جسدها الذي أسلم راية الهوى أمام جموح مشاعره تجاهها... فهمست ببحة مثيرة:
_إذن هل غيّر هاديس نشاطه الليلي وأصبح يأتي في الصباح الباكر؟!
غمرت ملامحه بسمة جميلة زينتها لهجته الشغوفة حين قال:
_ما رأيكِ لو أسحبكِ إلى عالمي كما فعل هاديس مع بريسفوني؟!
همست تداعبه:
_تتفوق على هاديس بنقطةٍ فهو فقد خدعها أما الآن أنت تُخيرني أم أنني مُخطئة؟!
ظاهريًا كانت تُمازحه ولكن هناك استفهامًا يُطل من عينيها اللتين لا يستطيعا إلا الامتثال أمام طغيانهم وقد كان ذلك هو الخضوع الأول له في الحياة؛ لذا قال بخشونة:
_لم يخدعها هاديس فقد أحبته.
قاطعته مصححة:
_لم يخبرها ماذا ينتظرها في عالمه وإلى أي درجةٍ يمتد ظلامه.
_وإن أخبرها هل كان ليشكل فارقًا في مشاعرها نحوه؟!
هكذا استفهم بغموض وقد شعرت بجسده الذي تصلب بجانبها ولكنها وصلت إلى نقطة اللا تراجع حين قالت بنبرة تحوي التوسل في طياتها:
_على الأقل كانت ستشعُر بأنها ليست مُرغمة على شيء، فإن اختارته فسيكون ذلك بملء إرادتها.
أظلمت نظراته لثوانٍ قبل أن يقترب واضعًا قبلة سطحية فوق جبهتها قبل أن تجده يُغادر السرير ناصبًا عوده مُتجهًا إلى باب الغرفة ولكنه التفت قائلاً بفظاظة:
_سأنتظركِ في المكتب بعد نصف ساعة من أجل العمل.
أومأت بصمت وهي تشاهده يخرج مغلقًا الباب خلفه فشعرت بقلبها الذي كان يئن بداخلها من فرط الخوف ولكنها حاولت طمأنته وهي تتذكر حديثها مع عمها "زين" قبل أربعة أيام.
عودة إلى وقت سابق...
_كيف حالك عمي؟!
هكذا تحدثت بخفوت إلى "زين" الذي كان يجلس في الحديقة يقرأ أحد الكتب وما إن سمع صوتها حتى التفت يناظرها بحنان تجلى في نبرته حين قال:
_أهلا بكِ يا نور، أنا بخير، أنتِ كيف حالك؟!
نور بهدوء:
_بخير، هل أزعجتك؟!
"زين" بلهفة:
_لا أبدًا هيا تعالي لنجلس معًا فالجو جميل اليوم.
أطاعته وهي تجلس على يمينه بينما ترك هو الكتاب من يده وهو يقول باهتمام:
_أخبريني كيف تسير أموركِ مع فراس؟!
فوجئت من السؤال الذي بدا وكأنه يشغل تفكير الجميع، فلم يتبقَ أحد لم يسألها عن أمورها معه.
_لا أقصد التطفُل فقط أردت الاطمئنان أن الأمور بينكما على ما يرام بعد ما حدث.
فطنت إلى ما يرمي إليه فرسمت ابتسامة هادئة على ملامحها وقالت بلهجة شابها التردد:
_آه، أجل، لا تقلق نحن بخير.
شعر بترددها في الإجابة فاحتضن كفوفها التي تبسطها أمامها على الطاولة وهو يناظرها بحنان أبوي:
_رجاءً أخبريني إن كان هناك شيء.
لامست فعلته جدران قلبها وكذلك نبرته الحانية فحاولت التماسك قدر الإمكان قبل أن تقول بتأكيد:
_لا تقلق عمي.
شعر بتأثرها واهتزاز جفونها من فرط ما تحمله من عبراتٍ فحاول صرف انتباهها حين قال مازحًا:
_إن أقدم ذلك الوحش على إغضابك فقط أخبريني وأعدك أنني سأدق عنقه.
فاجأته حين قالت مستفهمة:
_وهل يجرؤ أحد على فعل ذلك؟!
لم يخفي اندهاشه من استفهامها الذي قابله بآخر:
_هل لكِ أن توضحي أكثر؟!
نظفت حلقها قبل أن تقول نبرة مُلحة لمعرفة الإجابة:
_هل يستطيع أحدهم الوقوف بوجه فراس النعماني أو التصدي له؟!
ضيق زين عينيه وقال باندهاش:
_ما هذا الكلام نور؟!
اعتدلت في جلستها وأخذت تفرك كفيها ببعضهما البعض وهي تتلو مخاوفها دون احتراز:
_ إنه فقط... أنا... يعني أقصد منذ أن كنت صغيرة وأنا أجد الجميع يهابه يخشى مواجهته، بعمري لم أرَ أحد يعارضه أو يجرؤ على قول لا أمامه.
زين باستفهام:
_وهل يُزعجكِ الأمر؟!
كيف تخبره بما تشعر به من ضياع؟! كيف تصيغ مخاوفها تجاهه؟! وتخبطاتها برفقته، فهو الشخص الوحيد الذي تشعر بالأمان معه حيث لا أحد سيجرؤ على أذيتها أو المساس بها عداه، هو الشخص الوحيد الذي يمكنه أذيتها دون أن يردعه أحد.
كان وجهها مرآة لما تشعر به؛ لذا اختار زين أن يجيبها على تساؤلاتها ويحد من حيرتها تلك:
_أنتِ مخطئة عزيزتي نور، نحن لا نهاب فراس، نحن فقط نحترمه، كونه شخص جدير بالاحترام فهو يحمل على عاتقه أعباء عائلة بأكملها، وهنا لا أقصد الشركات والمصانع وما شابه ولكن هو يحمل هموم الجميع وإن تأذى أي شخص منا ففراس قد يهدم الدنيا لأجله، فهو تحمل الكثير من أجل سلامة الجميع تمامًا كوالده، فقد كنا جميعًا نحترمه ونقدره؛ لأنه كان يستحق.
بدأ شعور من الراحة يتسرب إلى داخلها شيئًا فشيئًا من حديث عمها ولكن بقى الكثير مما تتوق إلى معرفته كما أن هناك الكثير من الثغرات التي تود إغلاقها إلى الأبد لذا قالت باستفهام:
_لمَ لم تتولى أنت أو أبي إدارة شؤون العائلة بعد وفاة عمي "رفيق"؟! أقصد لمَ فراس؟! فأنت وبابا تكبرانه ومن المؤكد أنكما تتفوقان عليه من ناحية الخبرة بحسب العمر.
توقع هذا السؤال منها فابتسم قبل أن يجيب ببساطة:
_سأخبركِ أمرًا قد يدهشكِ ولكن لا أنا ولا والدكِ كنا جديرين بهذا الأمر.
تبلور الاندهاش بعينيها... فتابع زين وهو يسرد ماضي يحمل الكثير والكثير:
_نعم نحن نعمل معًا وكلاً منا يفعل ما بوسعه من أجل العائلة ولكن أن تكون القائد أمرًا صعبًا وأيضًا في شبابنا لم نكن بهذا التعقل.
انكمشت ملامحه بحزن دفين قبل أن يتابع بشجن:
_كنا طائشان قليلاً وكثيرًا ما كنا نجلب المشكلات على عكس "رفيق" كان رجلاً مُنضبطًا صالحًا وكذلك "فراس" إنه يشبه أباه في كل شيء فهو رجل شهم ونبيل والأكثر من ذلك أنه ليس أنانيًا،
على عكس ما توقعت لم يستطع حديثه سد ثغرات الماضي المُبهم بالنسبة لها؛ بل فتح أبواب لاستفهامات أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها؛ لذا حاولت أن تحثه على المتابعة حين قالت:
_بالطبع لا يوجد أحد منا كاملاً ولكن "فراس" أيضًا له أخطاء.
زفر "زين" بشجن وفاجأها حين قال بلهجة مشجبه:
_ قد تندهشين من حديثي ولكن في كثير من الأحيان يكن خطأكِ الوحيد أنكِ شخصٌ جيد.
لونت الدهشة ملامحها وتجعد ما بين حاجبيها بحيرة فقام "زين" باحتواء حيرتها بكفوفه التي عانقت كفوفها المتوترة وهو يحاول أن يطمئنها فقال لها:
_ اسمعيني جيدًا نور، أكثر شخص تستطيعين الوثوق به في هذا العالم هو "فراس"، لا تضجرِ رأسكِ بتلك الأسئلة فوالله لو طلب مني أن ألقي بنفسي في البحر لأطعته؛ لأني أعلم أنه لو لم يكن الأمر في مصلحتي لما طلب مني فعل ذلك.
تعاظمت دهشتها أكثر وتجلى ذلك بنبرتها حين قالت:
_لهذه الدرجة؟!
زين بصدق:
_نعم، والأمر لا يقتصر عليّ فقط بل الجميع هنا كذلك.
طرأ استفهام مُلح على عقلها ولم تستطع شفتاها قمعه حين قالت بترقب:
_وهل ينطبق الأمر على والدي أيضًا؟!
"زين" مشددًا على كل حرف يخرج منه:
_والدك كان أكثرنا ثقة به وإلا لمَ كان سيوصيه عليكِ قبل أن يموت؟!
عودة للوقت الحالي...
اخترقت كلمات "زين" عقلها الذي لم يتوقف عن التفكير بها منذ ذلك الحين ولكنها لن تستطيع الإنكار أنها أفسحت لها المجال للتنفس قليلاً وإضفاء بعضٍ من السكينة على قلبها برفقته وإخماد نيران الذنب بصدرها كلما كانت معه.
***************
_نعم هناء، ما الذي تريدينه صرعتي رأسي باتصالاتكِ منذ الصباح ماذا هُناك؟!
هكذا صاح شاهين في الهاتف باستياء فأتاه صوت هناء المُحتقن غضبًا:
_هل هكذا تحادثني بعد ما فعلته بي ذلك اليوم و تركتني بعده اسبوعًا بأكمله لا أعلم عنك شيئًا؟!
تجاهل ما تشير إليه بصفعه لها وصاح باستهجان:
_تركتكِ أسبوعًا! كم عمركِ لتقولي هذا الكلام؟! وأيضًا هل أنا تركتكِ في أحد الشوارع؟! أنتِ تجلسين مُعززة مُكرمة في منزلك.
فاض الكيل بها فصرخت بانفعال:
_منزلي أم تقصد ذلك السجن الذي زججتني فيه محرمٌ عليّ الخروج إلا معك، تمنع عني أبسط الأشياء كرؤية أصدقائي أو الترفيه عن نفسي ولو قليلاً.
شاهين محاولاً قمع غضبه قدر الإمكان فقد ضربت بحديثه عرض الحائط:
_سامحيني كنت أحاول أن أجعلك امرأة مُحترمة يا سيدة هناء.
شهقت بصدمة من حديثه وقالت متألمة:
_هل تراني غير مُحترمة يا شاهين؟!
شاهين بقسوة:
_فلتوجهي هذا السؤال لنفسكِ، ماذا يطلقون على المرأة التي تُريد السهر بالخارج دون زوجها؟ وتتفاخر بمجموعة من الحمقى وتطلق عليهم لقب أصدقائها.
صاحت بانفعال:
_لقد تزوجتني وأنتَ تعلم أن هذه هي حياتي.
قاطعها مصححاً بقسوة:
_لا ليس كذلك، تزوجتكِ بعدما كررتِ مئات المرات عن كونك مللتِ من هذه الحياة وتودين الاستقرار والهدوء والآن اتضح أن كل ذلك كان عبارة عن تمثيلية لم تحتملي دوركِ بها لأكثر من شهر.
ضاقت ذرعًا بتجبره من وجهة نظرها فهدرت بعنف:
_أجل لم أعد أحتمل كما لم أعد أحتمل تسلطك بتلك الطريقة.
شاهين بصوت حاد كنصل السكين:
_حسنًا كما تريدين، لن أُجبركِ على شيء.
قالها وأغلق الهاتف بوجهها وهو يترجل من سيارته ليتوجه إلى داخل القصر
************
_أخبرتني أنك تريدني من أجل العمل.
هكذا تحدثت "نور" بهدوء وهي تجلس على المكتب أمامه، فطالعها بعينين التمعا بهما الشغف والإعجاب للحظات؛ فقد كانت جميلة بقدر بساطة ما ترتديه، لم تُفرط في زينتها ولا تبرجها إنما ارتدت فستانًا صيفيًا بلون الكريمة وتركت شعرها ينساب كستارةٍ حريريةٍ أحاطت ظهرها من الخلف واكتفت بوضع ملمع شفاه أضفى بريقًا رائعًا على مظهرها.
انتهت عيناه من تقييمها قبل أن تعود عينيه إلى لونهما الطبيعي وهو يتحدث بعمليةٍ تليق برجلِ أعمال مثله:
_نعم هذا صحيح، في الواقع نحن بصدد بناء فندق كبير في أحد المُدن الساحلية ونحتاج إلى فكرة تكُن مُميزة تليق بروعة المكان وتجذب الأنظار إليها من دون الحاجة إلى عمل دعايا أو إعلان.
مازحته قائلة:
_اممم تريد أن توفر أموال الدعايا إذن، يا لك من رجل أعمال ناجح.
تراقصت الابتسامة على شفتيه من مُزاحها وقد راق له تحسن مزاجها بدرجةٍ كبيرةٍ:
_هذه ميزة أخرى يمكنكِ إضافتها بجانب كوني مستفز.
هكذا تحدث ساخرًا، فهبت مستنكرة:
_وهل الاستفزاز بالنسبة إليك ميزة؟!
فراس بخشونة:
_الأمر نسبي.
_بمعنى؟!
أسند ظهره إلى المقعد خلفه ليسترخي أكثر في جلسته قبل أن يقول بكسل:
_يتوقف الأمر على الشخص الذي أمامي، مثلاً إن كانت امرأة فاتنة بعينين تزدهر بهما أشجار الزيتون و كأنهما قطعتي زمرد فالاستفزاز يكون متعة بالنسبة إلي،
كلماته جعلت دماء الخجل تروي خديها فنبت الورد فوقهما مما جعله يقول بنبرة موقدة:
_وأكون ممتنًا له كثيرًا حين يجعل الزهور تنبت فوق وجنتيها هكذا، فيُضاعف فتنتها وعذابي.
تأجج صدرها من فرط التأثر بكلماته ونظراته التي كانت تبثها مشاعر قوية جعلت أنفاسها تتشاجر بداخلها ولم تفلح في إيجاد كلمات تعبر عن ما يجول بخاطرها فأنقذها دخول شاهين بوجهٍ مُغبرٍ ومزاج سوداوي تجلى في كلماته حين قال:
_اجعل الخادمة تجلب لي القهوة وسأكون ممتنًا لو وضعت بعض قطرات السُم بها.
كان يود لو يلكمه بكل قوته حتى تندثر معالمه ذلك اللعين الذي أتى في أكثر الأوقات خطأً على عكسها فقد كانت ممتنة كثيرًا لدخوله في تلك اللحظة فقد احترق الهواء من حولهما ليجعل الأمر يزداد خطورة لولا دخول شاهين الذي أخذ يناظرهما بخُبث جعل حنقها يتضاعف فهمست بامتعاض:
_ليتها تفعل وتُريحنا منك.
ضيق شاهين عينيه وهو يقول باندفاع:
_ما بها هذه هل فعلت لها شيئًا؟!
فراس بفظاظة:
_وهل تجرؤ على ذلك؟!
تعاظم الحنق بداخله فزفر مغلولاً:
_لا طاقة لدي للشجار الآن وأجواء العشاق هذه تجعل معدتي تشمئز؛ لذا سأغادر قبل أن أتقيأ من فرط التأثر.
أمره فراس بغلظة:
_كُف عن التذمر وأخبرني ماذا فعلت؟ هل أمنت الشاحنات التي ستنقل السلاح من الميناء إلى المخازن؟!
برقت عينا شاهين من حديث فراس وكذلك نور التي احتبست الأنفاس بصدرها من حديثه المباشر عن عالمه المظلم أمامها دون احتراز وتعاظم ذهولها حين وجدت شاهين يجيبه بسلاسة:
_نعم والرجال الآن يُفرغون المخازن استعدادًا لاستقبال الشحنة، ولكن أخبرني هل ستشرف حقًا على استلامها بنفسك؟!
_نعم سأفعل.
هكذا أجابه فراس.. فقام شاهين بمد أحد المجلدات إليه وهو يقول:
_كما تُريد، هذه أوراق الشحنة وسيكون رجالنا هُناك ليُمهدون لك الإجراءات.
أخذ فراس المُجلد منه وهو يلتفت ليضعه في الخزنة الضخمة التي على يمينه وعند هذا الحد لم تحتمل نور فقد كشف جميع أوراقه أمامها ولا تعلم لمَ شعرت أنه يقصد ذلك؛ لذا التفتت إليه قائلة بلهجة بدت مهتزة:
_حين تتفرغ أرسل لي المعلومات الكاملة للمشروع وصور للمكان الذي سيقام عليه.
قام فراس بجذب أحد المجلدات من الدرج وناولها إياه وهو يقول بفظاظة:
_ كم تحتاجين من الوقت لإنجازه؟!
شعرت به يتحداها فقابلت تحديه بآخر وهي تقول دون احتراز:
_ ثلاثة أيام.
حاول قمع ابتسامته قدر المستطاع قبل أن يقول بلهجة خشنة:
_أمامكِ أسبوع من الآن لتُنجزيه.
اغتاظت من تخطيه لحديثها وخاصةً حين وصل إلى مسامعها ضحكة شاهين الخافتة فهبت مُعترضة:
_لا أحتاج إلى كل هذا الوقت، باستطاعتي إنجازه في أقل من ثلاثة أيام.
عض على شفتيه السفلية قبل أن يقول بتسلية:
_أوافقكِ الرأي ولكن هذا إن كنتِ مُتفرغة.
_ أنا بالفعل كذلك، حتى أنني أضجر من الجلوس دون فعل شيء طوال اليوم.
هكذا حادثته بعفوية ليتدخل شاهين في الحديث بحُزن مفتعل:
_آه يا فراس، عيب عليك يا رجل أن تُعاني زوجتك الجميلة من الضجر وأنتَ موجود، هذا سيئ بحق سُمعتك.
احتقن وجهها بالدماء وخاصةً حين سمعت ضحكته الخافتة فالتفتت لتجده أحكم قمعها وهو يقول بعينين يتراقص بهما العبث:
_سُمعتي ستسوء بسببك.
هتفت بحنق:
_حقًا؟!
فراس بتسلية:
_أجل، ولكن اطمأني سأحرص على ملء هذا الفراغ بطريقتي الخاصة، فلا يمكنني التهاون في شيء يخص سُمعتي.
طفح الكيل ولم تعُد تحتمل تسلية هذان اللعينان ولكن لن تكون نور النعماني إن لم ترُد الصاع صاعين؛ لذا استبدلت الغضب بالسخرية حين قالت موجهة الحديث لفراس المستمع بمراقبة انفعالاتها:
_عزيزي فراس يؤسفني القول بأن سُمعتك كهاديس لن تتحسن ولو بذرةٍ واحدةٍ حتى لو ملأت فراغ جميع سكان العالم.
لأول مرة لم يفلح في قمع ضحكته أمامها خاصةً حين التفتت إلى شاهين قائلة بسخرية:
_وأنتَ أيها الظريف لن أضيع وقتي معك؛ لأني على موعد مع زوجتك المصون للاطمئنان عليها خاصةً وأن اليوم هو أول يوم عمل لها.
ما أن سمع شاهين جملتها الأخيرة حتى وثب قائمًا وقد اسودت معالمه وخشنت نبرته حين قال:
_ما هذا الهراء! من التي بدأت بالعمل اليوم؟!
بطريقة مسرحية ضربت نور جبهتها بيدها وهي تقول بحزن مفتعل:
_ أوبس، هل يعقل أنك لا تعلم بأن هدى بدأت بالعمل في السفارة اليوم! أخ يا لهذه المهزلة.
لون التشفي ملامحها وتساقط من بين حروفها حين قالت:
_الآن أنا من يُشفق عليك فقد أصبحت سُمعتك بالوحل.
قهقه فراس بصخب فقد أصبحت قطته مشاكسة كثيرًا للحد الذي يجعله يود الآن التهامها... ولكن شاهين لم يدع له الفرصة فقد اندفع إلى الخارج كالثور الهائج... الذي تتراقص أمامه عباءة حمراء فتزيد من جنونه أكثر ومن يراه الآن يظن بأنه بصدد ارتكاب جريمة قتل... فقد كان يتشاجر مع خطواته وهو يسُب ويلعن ويتوعد لها بالهلاك فلم يلتفت لنداءات "جليلة" التي صدمها رؤيته بهذا الحال خاصةً حين دلف إلى غرفته المشتركة مع "هدى" وهو يغلق الباب خلفه بعنف... جعل جسد تلك الأخيرة ينتفض هلعًا خاصةً حين التفتت لتراه بتلك الهيئة المرعبة... والشرر يتطاير من عينيه ولهجته حين هسهس قائلاً:
_هل حقًا خرجتِ إلى العمل من دون أن تُعلميني؟!
ابتلعت ريقها بصعوبة بعد أن فرت شجاعتها أمامه ولكنها علمت بأن وقت المواجهة قد حان؛ لذا حاولت استعادة جأشها وهي تقول بجمود:
_نعم فعلت.
اشتدت شراسة معالمه وهو يتقدم منها قائلًا بجهامة:
_كيف تجرؤين على فعل ذلك؟!
بالكاد استطاعت السيطرة على قدميها التي تتوسل إليها الهرب من أمامه الآن... فهي لأول مرة بحياتها تراه غاضبًا إلى هذا الحد... ولكنها لا تملك مفر من الثبات أمامه فهي معها كل الحق بتجاوزه:
_ أجرؤ على فعل كل شيء ما دام أنه ليس خطأ وأيضًا هذه هي حياتي لي الحق بأن أُسيرها كيفما أشاء.
تجاهل غصة أصقلت جوفه وقال بسخرية تتنافى مع شراسة معالمه:
_هل برأيكِ أن تذهب الزوجة إلى العمل دون أن تُعلِم زوجها ليس خطأ؟!
هدرت بغضب يمتزج مع ألمها القاتل الذي تبلور بعينيها وهي تقول:
_لقد أخرجتك من حياتي مُنذ ذلك اليوم؛ لذا لا تنتظر مني أن أُعلمك أي شيء يخُصني.
توقعت منه الصراخ وتحطيم كل شيء حولها وحتى صفعها ولكنها أبدًا لم تتوقع هدوئه المباغت ونبرته الجامدة حين قال:
_وهل فكرتِ بتبعيات فعلتك يا تُرى؟!
جاء جوابها مُقتضبًا حين قالت:
_لا يستحق الأمر أن أضيع وقتي بالتفكير فيه.
شيء واحد يمنعه من دق عنقها الآن وهي تلك اللمعة التي تتبلور في عينيها اللتين تهتز جفونهما من فرط ما تحمله من عبرات... فقد كان يعلم أنها تفعل ذلك فقط لتغضبه ولتثأر لكرامتها وقد توقع ذلك بعد رؤيته لها في الحفل بذلك التغيير الهائل في مظهرها:
_إذن وأنا أيضًا لن أُضيع وقتي في الحديث به .. لذا كوني عاقلة ولا تُكرري فعلتكِ هذه مرة أخرى وانسي أمر هذا العمل إلى الأبد.
بدلاً من أن تُثير جنونه فعل هو بلهجته الآمرة وطريقته التي توحي بأنها عبدة عنده خاصةً حين وجدته يلتفت ينوي المغادرة... فلم تتمالك نفسها وأخذت تُدبدب بقدميها على الأرض كالأطفال وهي تصرخ بانفعال:
_كُف عن التدخُل بحياتي وإلقاء الأوامر فسأفعل ما يحلو لي ولتذهب أنت وأوامرك إلى الجحيم.
طرقات حذائها العالي الكعبين على الأرض كان له وقعًا قويًا على أُذنيه فالتفت ينظر إليها وسُرعان ما احتدمت نظراته وهو يرى تلك التنورة القصيرة التي تصل لفوق ركبتها... وذلك القميص الذي يلتصق بجسدها بتلك الفتحة التي تبرز مقدمة صدرها بطريقة أججت نيران رغبته وهو زوجها فكيف إن رآها رجل آخر، لم يحتمل هذا الشعور فزمجر بوحشية:
_من سمح لكِ بارتداء هذه الملابس؟! أن يظهر نصف جسدكِ أمام الرجال ليس خطأ أيضًا!
تجاهلت جملته الأخيرة وقالت بجفاء:
_ومن قال لك أني أنتظر من أحدهم السماح لي بارتداء ما أُريد؟!
يعلم أنها الآن تحاول استفزازه بتلك الطريقة فهي منذ أن علمت بحادثة زواجه لم تتحدث معه وقد كان يتوقع انفجار منها ما أن يحدُث بينهما أي حديث؛ لذا قطع الفرصة عليها وهو يقول بتحذير:
_ انظري إليّ لا تُثيري غضبي الآن ولا تقومي بارتداء هذه الأشياء مرة أخرى.
قاطعته بعنف:
_لست في وضع يُمكنك إلقاء الأوامر عليّ.
تشدق ساخرًا:
_حقًا؟!
_نعم.
تأججت نيرانه أكثر والتي كان يحاول قمعها قدر الإمكان ولكن تحديها وفتنتها بهذه الملابس كان لهما وقعًا قويًا على ثباته؛ لذا اقترب منها قائلاً باستفزاز:
_ مُخطئة فأنا لا يمكنني إلقاء الأوامر فقط... بل وإجباركِ أيضًا على تنفيذها.
كان على الطريق الصحيح فقد هبت عاصفتها الهوجاء حين صاحت مغلولة:
_لا تملِك حق إجباري على شيء.
طافت عيناه بوقاحة عليها وهو يقول بخشونة:
_اسمعيني جيدًا، ما دُمت زوجتي وتعيشين تحت سقفي فأنتِ تحت إمرتي هل هذا واضح؟!
صاحت بقهر منبعه جرح ما زال ينزف بقلبها:
_مُجبرة، أنا هنا مُجبرة، ولهذا لا أستطيع تحمل أي إجبار آخر.
لامس حزنها قلبه فقال بلهجة هادئة:
_هدى صدقًا لا أود أذيتكِ أكثر.
قاطعته ساخرة:
_رجاءً لا تُعطي لنفسك هذا القدر، من أنت لتؤذيني؟! بالنسبة إلي أنت والهواء واحد، فأنا حقًا لا أراك.
يُجيد التلاعب بالكلمات فهذه وظيفته في قضاياه وإلا لما لمع في مهنة المحاماة فقد كان ماهرًا في قلب كل شيء ليصل في كفته؛ لذلك تحدث بلهجة فاحت منها رائحة الكبر:
_ولكنكِ لا تستطيعين العيش من دوني.
صاحت مغلولة:
_مغرور أحمق.
عاندها باستمتاع:
_بل هي حقيقة يُعميكِ الغضب عنها.
لم تلحظ اقترابه إلى هذا الحد حتى بات على بعد خطوةً واحدةً فقد كانت مُنشغلة برد هجماته بأقوى منها؛ لذا تحدثت بجفاء يشوبه السخرية:
_لا هي أحلامك البائسة، إن كنت تظن أن لك مكان بحياتي بعد ما فعلت أو أنك تؤثر فيّ ولو بهذا القدر فأنت مخطئ.
أظلمت عيناه أكثر من حديثها وتغلبت مشاعره القوية إضافة إلى فتنتها التي لم يستطع مقاومتها أكثر فهمس بلهجة موقدة:
_يروق لي هذا التحدي كثيرًا.
لم تكد تستوعب ما يقصد حتى وجدت نفسها أسيرة لذراعيه التي جذبتها لتصطدم بصدره القاسي، بينما اقتنصت شفاهه خاصتها بشغفٍ قاتل تملكه نحوها وعزز ذلك شوقه الضاري لها والذي كان يحاول التبرأ منه... ولكن هيهات أن يستطع الصمود أكثر من ذلك فقد قادته بأفعالها وتحديها إلى الجنون الذي كان يسكُبه بولع على ضفتي شفاهها دون أن يُتيح لها أي فرصة لمقاومته... فقد كان يُكبل جسدها وروحها بأصفاد ساخنة قذفت حممها إلى قلبها وسائر جسدها، الذي تحولت كراته إلى نيران هوجاء فلم تُمانع وهو يتراجع بها ليسندها على الحائط خلفها حتى يُحكِم سيطرته عليها أكثر، فنهمه إليها قاتل للحد الذي جعله يغترف من حسنها بقسوة كانت الشيء الوحيد للارتواء من قربها... ولكنه أشفق على رئتيها اللتين كادتا أن تنفجران طلبًا لبعض الهواء وعلى مضض تركها، بينما ذراعيه لم تفعل المثل مع خصرها وكأنه لم يكتفِ فقام بجذب خصلها للخلف ليتسنى له التنعم بمطالعة حُسنها عن قرب والتمتع برؤية تأثيره بها، بينما همست شفاهه أمام خلصتها بلهجة محرورة:
_ لو تعلمين كم كنت أتوق لفعل هذا مُنذ أن رأيتكِ في الحفل بذلك الثوب اللعين.
همست بخزي من استسلامها المُهين له:
_ابتعد عني.
ارتفعت يده تمسكها بقوة من فكها قائلًا بهمس مُستعر:
_وأيضًا لتعلمي بأن سيطرتي عليكِ مُطلقة وأن انتمائكِ لي لا جدال فيه.
كلماته أشعلت نيران هوجاء بداخلها فباغتته بدفعه قويه جعلته يتراجع للخلف خطوة وهي تقول بقسوة:
إذن أنصحك بألا تفعل هذا مرًة أخرى لألا يُصاب غرورك المريض بصفعة رفض قاسية لن أتردد في توجيها لك ..
يعرف جيداً كيف يلعب بإعداداتها فقد تجاهل تهديدها قائلاً بنبرة شغوفة:
مضى وقتاً طويلاً حتى رأيت عيناكِ تبرقان هكذا .. تقريباً مُنذ آخر لقاء جمعنا.. تري هل تتوقين إلي بتلك الطريقة ؟ و هل هذه دعوة لتكرار هذا اللقاء ؟
أن تركت له المجال ولو قليلًا فسيُصيبها بسكتة قلبية لذا استخدمت نفس حيلته حين حاولت تهدئة انفعالاتها لتقول ساخرة:
بأحلامك.. أي لقاء قد يجمعنا لن يتجاوز حدود الأحلام ..
رفع يده يحك بها فكه وعيناه تُبحران علي جسدها بوقاحة :
أنا بارع بتحقيق أحلامي لذا فأنا مُطمئن أن لقائنا قريب للغاية ..
أوشكت على صفعه ولكن رنين هاتفها أوقفها عن ذلك و ما أن توجهت إلى الطاولة خلفه لتري من المتصل تفاجأت بيديه التي التقطته قبلها و قد تحولت نظراته إلى الجنون وهو يزمجر بشراسة
لماذا يتصل بكِ هذا الرجل؟
تجاهلت توترها و صخب قلبها مما يحدُث وقالت بجفاء:
_ هل يُمكن لأنه الطبيب الذي يُتابع حالة ابنتك
لم تُعجبه إجابتها ولكنه اكتفى بالصمت مع نظرات متوعدة أربكتها ولكنها تصنمت بمكانها حين وجدته يلتفت و يُلقي هاتفها في الحائط بقوة ليتهشم أمام عينيها التي كانت تبرق من شدة الصدمة ..
يتبع….
متنسوش تقترحوا الروايه لأصحابكم و تعملوا فوت و كومنت على الفقرات اللي تحبوها ♥️
رواية كواسر أخضعها العشق ❤️🔥 الفصل العاشر 10 - بقلم نورهان العشري
"الفصل العاشر"
إلي اين يذهب الإنسان حين تخونه كل الأماكن المُفضلة و تلفظه كل الشوارع و الطرقات المُحببة ، حين يتلفت في جميع الاتجاهات ليجد نفسه وحيدًا بعد أن خسر معركته في هذه الحياة دون أن يعرف بأي ذنب هُزِم !
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
_"نور" أريدك حالًا في غرفتي.
فوجئت "نور" من والدتها التي أرسلت لها رسالة نصية على هاتفها مما جعل الدهشة تُخيم على ملامحها ولكنها بالنهاية لم تجد مفرًا من الذهاب إليها وتجاهل ذلك الثُقل الذي يرثو فوق قلبها مما قد تخبرها به، فهي تشعر بمدى حنقها كلما رأت "فراس" بالقرب منها وقد كانت تحاول أن تتجاهلها قدر الإمكان ولكن الآن لم يعد أمامها شيء سوى المواجهة؛ لذا تركت ما بيدها من أدوات فقد كانت تضع اللمسات الأخيرة على التصميم الذي يخص هذا الفندق فقد أخذ الأمر منها أسبوعًا كما أخبرها وقد اجتهدت كثيرًا وبذلت ما بوسعها حتى تكون النهاية مُرضية وخاصةً حين شعرت أن هذا العمل بمثابة اختبار لها إن كانت جديرة بالعمل معه أم لا،
أخذت نفسًا طويلًا قبل أن تقوم بالطرق على باب غرفة والدتها التي سمحت لها بالدخول فأطلت برأسها من الباب لتجدها تقف أمام الشرفة تنتظر قدومها... فدلفت إلى الداخل مغلقة الباب خلفها... ثم اقتربت من "فريال" بهدوء فباغتتها الأخيرة بالحديث بجفاء:
_جاء وقت تنفيذ ما اتفقنا عليه "نور"، هل أنتِ مستعدة؟!
جلبة قوية اجتاحت صدرها لتشق عليها أمر التنفس مما جعل حلقها يجف وهي لا تعلم بماذا تجيب والدتها التي تابعت باستفهام ساخر:
_هل أكلت القط لسانك يا تُرى؟!
نظفت حلقها قبل أن تقول بتوتر:
_لا ولكني أنتظر أن تُكملي حديثك.
"فريال" بجفاء:
_حسنًا، "فراس" يُخطط لإدخال شحنة كبيرة من السلاح إلى البلاد، أريدك أن تعلمي ميعاد استلام تلك الشحنة ومكان تخزينها.
هوى قلبها رعبًا حين اخترقت مسامعها كلمات والدتها التي كانت تتابع كل انفعالاتها بترقب ومن المؤكد أنها حتمًا لاحظت امتقاع وجهها فما يحدث ليس عادلًا فما تُريد والدتها معرفته موجود بخزانته في الأسفل، وقفت متكتفة أمام هذا المأزق الذي وضعتها به الحياة ولا تملك أي سبيل للهرب منه، سحبت نفسًا قويًا عبأ صدرها قبل أن تقول بجمود وهي تتوارى خلف خداع واهي كان هو مُنقذها من هذا المنعطف الحاد:
_حسنًا.
"فريال" بتهكم:
_من الجيد أنكِ أخيرًا استطعتِ إخراج صوتك.
حاولت الحديث بملامح حيادية لا تعكس شعورها:
_فقط كنت أفكر في كيفيه فعل ذلك.
"فريال" بسخرية:
_ لا تقلقي أنا مُتأكدة من أنكِ ستنجحين بذلك مهما كانت الطريقة.
تفشت علة الفضول بقلبها فاستفهمت قائلة:
_على ماذا تستندين بحديثك هذا؟!
لون المكر ملامحها وهي تقول بفخر زائف:
_ على ما أراه يحدُث بينكما عزيزتي، فأنتِ لستِ ساذجة كما ظننتك.
خيم الذهول على ملامحها وفي نبرتها حين قالت:
_ما الذي تقصدينه؟! أنا لا أفهمك.
_ أخضعتِ الوحش، هنيئًا لكِ.
هكذا أجابتها بسخرية فتجاهلت "نور" مُنحنى الرد فقد نالت من تلك المرأة ما يكفي من الخُذلان الذي جعلها تكتفي فلم يعُد هناك مكان لجرح جديد منها؛ لذا قالت بجفاء:
_هل تُريدين مني شيئًا آخر؟!
"فريال" بحنان زائف:
_لا حبيبتي، يكفي أن تفعلي ما طلبته منكِ.
أومأت "نور" بصمت وهمت بالالتفات تنوي المغادرة فأوقفتها كلمات "فريال" المشبعة بالزيف والخداع:
_تذكري يا "نور" أن ما تفعليه سيجعل والدك يرتاح بقبره ويفخر بامتلاكه ابنة مثلك، لم تنسه وسط فوضى الشعور وفضلت الأخذ بثأره على مصالحها الشخصية،
ودت بأن تلتفت لتصرخ بوجه تلك المرأة المُسماة بوالدتها وتُخبرها أي نوع من الجحيم هذا الذي تُلقيها به ولكنها تعلم أن ذلك لن يلقى صداه داخلها؛ لذا ابتلعت ألمها الحارق وتوجهت إلى باب الغرفة لتغادر هذا الجحيم.
***********
_استمعي إلي يا "هناء"، لن تُفلتي هذا الرجل من يدك أبدًا هل تفهمين؟!
هكذا تحدثت "صابرين" والدة "هناء" بغضب فهبت الأخيرة غاضبة:
_ ماذا عليّ أن أفعل هل أتوسل له كي يأتي؟!
_إن لزم الأمر فستفعلين، فكري جيدًا من أين ستحصلين على رجل مثله مرة أخرى؟! إنه غني ومحامي لامع وعائلته من أغنى أغنياء البلاد، كما أنه شاب وسيم جميع الفتيات تتمنى ولو نظرة واحدة منه.
صاحت مغلولة:
_لا أحتاج منك أن تُذكريني بميزاته فأنا أكثر من يعلمها ولهذا أنا أحترق أمامك الآن.
"صابرين" بحنق:
_ستحترقين أكثر لو أطلقتِ العنان لغبائك ليقودك هكذا.
_ماذا فعلت أنا؟!
"صابرين" بتقريع:
_ فعلتِ المستحيل لتحصلي عليه حتى أنكِ لازمتي المنزل لأكثر من ثلاثة أشهر؛ حتى تظهرين أمامه بمظهر الفتاة الهادئة المحترمة، والآن بكل غباء تظهرين وجهك الحقيقي وتتشاجرين معه لأجل السهر والتسكع مع أولئك الحثالة! وتسألين حقًا ماذا فعلتِ؟!
هدرت بانفعال:
_لقد مللت يا أمي لا أُجيد الجلوس في المنزل هكذا وأيضًا أنا غاضبة منه كثيرًا فمنذ أن عدنا من ما يُسمى بشهر العسل لم أره، ويريد مني الالتزام في البيت كامرأة عانس، لا خروج ولا سهر ولا أي متعة، هذه ليست الحياة التي كنت أظن أنني سأحياها برفقته.
_منذ أن كان عمرك ثمانية عشر عامًا وأنتِ تخرجين وتسهرين كل يوم، ألم تملي من فعل تلك الأشياء اللعينة لمدة عشر سنوات؟!
"هناء" بانفعال:
_هذه هي حياتي ولأجل ذلك تزوجته؛ لكي يوفر لي الإمكانيات لعيشها بطريقة أفضل.
زفرت "صابرين" بتعب قبل أن تصيح:
_إذن سيضيع "شاهين" من يدك وحينها ستخسرين، ولا تظني أنه بإمكانك أن تستندي حقوقك التي لا تساوي قرشين أمام أمواله الطائلة.
داهمتها حوافر القلق فأخذت تشرد أمامها وهي تفكر في حديث والدتها التي قالت بجفاء:
_فكري مليًا واعلمي أن هذا الرجل ذكي جدًا فهو يمهلك الفرصة كي تكوني مثلما يريد وإن تماديتِ أو فكرتِ بخداعه سيُلقي بك عند أول مفترق طرق ولن يتلفت إلى الوراء أبدًا.
***********
كانت تجلس في شُرفة غرفتها تنظُر بشرود حولها وعقلها يعمل كالآلة تُريد الخلاص ولا تُدرك أين تاه دربه، تقف عند مُفترق طُرق أن خطت قدماها بأيًا مِنهُما لن تستطيع التراجع أبدًا... ناهيك أن خطوتها القادمة ستُحدد مسار حياتها القادمة، إن كانت جنة برفقته أو جحيمًا من دونه وللحظة تمنت أن تراه الآن؛ لتستند بثقلها فوق صدره الذي كان يحتوي جزعها ويمتص طاقتها السوداء حين تحتويها ذراعيه وكأنها تُخبرانها بأن كل شيء يكون على ما يرام ما دامت برفقته.
أخرجها من شرودها رنين هاتفها الذي التقطه لرؤية المتصل فشعرت بقلبها ينتفض كطفل صغير حين وجدت اسمه يضيء شاشة هاتفها وكأنه شعر بها فقد كانت تحتاجه بشدة.
نظفت حلقها قبل أن تجيب بلهجة هادئة:
_"فراس".
باغتها حين قال بلهجة خشنة:
_كنتِ تُفكرين بي أليس كذلك؟!
عاندت شوقها واحتياجها إليه وهي تحتال عليه قائلة:
_لا من أخبرك ذلك؟!
كان يتوقع إجابتها؛ لذا قال بتخابث:
_إذن لما خداك مُحمران بتلك الطريقة المغوية؟
هبت من مكانها وهي تقول باندفاع:
_هل تراني؟! أين أنتَ؟! هل أتيت؟!
وصلها صوت قهقهاته الرجولية التي أثارت زوبعة من المشاعر داخل قلبها وخاصةً حين قال يُعري شوقها الضاري له:
_هذا يعني أنكِ كنتِ تفكرين بي، لما الكذب إذن؟!
تعاظم الحنق بداخلها كونه فطن إلى كذبها فهدرت بغضب:
_لأنك مغرور لعين.
ابتسم على غضبها وقال محذرًا:
_ لسانك يا فتاة، أعدك بأن ثاني شيء سأفعله ما إن أراكِ هو معاقبة ذلك اللسان السليط.
تراقصت دقات قلبها على أنغام كلماته وهمست بخجل:
_وما هو أول شيء ستفعله إذن؟!
أجابها "فراس" بنبرة موقدة تحمل الشغف واللوعة:
_سأعانقك حتى تئِن عظامك بين ذراعي.
أشعلت كلماته بركانها الثائر بداخلها ولكنها حاولت تجاهل تأثيره عليها وهي تقول بغنج:
_مُفترس.
أجابها صوته الرجولي الخافت:
_لا بل مُشتاق.
تراقصت أضلُعها بداخلها من فرط السعادة فقد كانت تُشبه أرضًا قاحلة تتعطش لقطرات المطر حتى تلتئم صدوعها وشروخ قلبها؛ لذا حاولت أن تغترف من عشقه المزيد... فتظاهرت بأنها لم تسمع حين قالت:
_ لم أسمع جيدًا ماذا قلت؟!
شعر بحاجتها إليه التي كنقطة في بحر احتياجه لها فقال بهمس محترق:
_أقول اشتقت إليكِ للحد الذي سيجعلني أُعانقك حتى تئِن عظامك طالبة للرحمة.
لمعت نجوم الحب في سماء عينيها وتأجج لهيب الشغف بداخلها فهمست بنبرة محرورة:
_ ألم أقل أنك مفترس؟!
باغتها حين قال بلهجة خشنة مُستعِرة بلهيب الصبوة:
_وذلك المفترس يريد رؤيتك الآن.
لم تكد تجيبه حتى فوجئت بسيارته التي دخلت من بوابة القصر فقالت بلهفة:
_هل أتيتَ؟!
_لا بل سيارتي هي من أتت لتجلبك إليّ، فاليوم سأتأخر وهناك بعض الأوراق الهامة التي أريدك أن تجلبيها إليّ.
ما إن أنهى جملته الأخيرة حتى تولد شعورًا بالقلق داخلها أدى إلى ارتجاف صوتها حين قالت:
_أي أوراق؟!
"فراس" بعُجالة:
_هل تذكرين الملف الذي أعطاني إياه "شاهين" ذلك اليوم الخاص بشحنة الأسلحة؟!
هوى قلبها بين ضلوعها وتلاحقت الأنفاس بصدرها وهي تجيبه:
_نعم أذكره.
_أحتاج إلى هذا الملف الآن ولا أثق بشخص آخر غيرك حتى يجلبه لي، هل تستطيعين ذلك؟!
لم تعد أقدامها قادرة على حملها فهوت على الأريكة خلفها، فها هو القدر يضعها وجهًا لوجه أمام مطرقة الاختيار، بل ويُجبرها على المواجهة التي كانت تحاول بكل الطرق الهروب منها.
_" نور" هل تسمعينني؟!
هكذا صاح "فراس" بنبرة مرتفعة، فأجابته بارتباك:
_نعم أنا اسمعك، أجل أستطيع.
"فراس" بعجالة:
"حسنًا في غرفة الملابس تحديدًا في الرف الثالث ستجدين مِفتاح الخزانة اجلبيه وقومي بفتحها وجلب الملف ثم اغلقيها جيدًا وأعيدي المفتاح إلى مكانه وسيأتي بكِ السائق إلي.
اكتفت بقول كلمة واحدة:
_حسنا.
أغلقت الهاتف وهي تغمِض عينيها بألم شعرت به يغزو سائر جسدها... فقد وصلت إلى نقطة اللا رجوع وعليها الاختيار الآن على أي الجانبين عليها أن تقف.
تشعُر وكأنها مكبلة من عنقها بأصفاد قويه تجذبها تجاه حق والدها و الأخذ بثأره… علماً بأنه هُناك شيء داخلها يُخبرها بأن الأمر ليس كما تصفه والدتها... وأصفاد أخرى منبعها قلبها الذي يتعلق بعشقه ولا يريد التفريط به بل ويتمسك به بكل ما أوتي من قوة ولا ينفك أن يُردد على مسامعها بأن "فراس" ليس ذلك الشخص السيئ كما تحاول والدتها أن تصفه، وكلما أحكم أحد الطرفين على موقفه تشعر بأنها تختنق حتى كادت أن تصرخ بملء صوتها قائلة:
كفى فلم يعد بمقدورها التحمل أكثر.
توجهت إلى حيث أخبرها عن مكان المفتاح ووجدته في مكانه فأخذته والتقطت حقيبة يدها لتتوجه إلى الأسفل وهي تحاول أن تصُم أذنيها إلى الاستماع لأي من تلك الأصوات التي تزأر بداخلها ونفذت ما أمرها به وحين أمسكت بالملف توقفت للحظات تنظر إليه وإلى الهاتف في يدها الأخرى تُنازع رغبة تحثها على نسخه وأخرى تنهاها عن ذلك وتُذكرها بأنه يثق بها للحد الذي يجعله يضع ملفًا بهذه الخطورة بين يديها... بينما أخذت كلماته تنخر بقلبها وهو يقول:
_ لا أثق بشخص آخر غيرك حتى يجلبه لي.
حسمت أمرها وقامت بمسح عبراتها التي كانت تتدحرج على خديها حتى سقطت على الملف في يدها وتوجهت إلى حيث ينتظرها السائق واستقلت السيارة تحاول أن لا تفكر فيما فعلته وماهي عواقبه، بعد نصف ساعة كانت تترجل من السيارة أمام الشركة لتشق طريقها بين الموظفين قاصدة الطابق التاسع حيث مكتبه الذي ما إن وصلته حتى سحبت نفسًا قويًا بداخلها عله يهدئ من توترها قليلًا قبل أن تقوم بطرق الباب ليأتيها صوته يأمرها بالدخول وما إن أطلت برأسها من الباب حتى وجدته يترُك كل شيء ويتقدم منها ليسحبها إليه بغتة هاويًا على شفتيها بقبلة كاسحة قضت على حيرتها و تخبطها وأشعلت بجسدها نيران الشوق التي كان إضعافها بقلبه فصار يعمق اقترابه أكثر وهو يشدد من عناقها والتهامها بشغف كان أكبر بكثير من أن يُمكنها مجاراته فتركت له الأمر ليقودها عشقه كيفما يشاء حتى انتهى بها الحال مستندة على صدره الذي كان يعلو ويهبط من فرط الانفعال وكذلك جسدها الذي كان يرتجف بين ذراعيه من شدة المشاعر التي بثها إياها لتتفاجئ به يضع قبلة دافئة فوق جبهتها فرفعت رأسها تناظره فأسرتها عيناه اللتان أطلت منهما نبرة لمع بها شيء للحظة ربما كان امتنانًا لا تعرف فقد ضاعت في حلاوة كلماته حين همس بنبرة محترقة:
_ أي سحر تمتلكين بين شفاهك تلك؟!
أخفضت رأسها خجلًا فقام برفعها وهو يقول بصوتٍ أجش:
_لا تخفضي عينيكِ عني فلو تعلمين إلى أي درجة أشتاقهم.
همست بخفوت:
_ أخبرني إذن.
_ألا تشعرين؟!
تحدث وهو يُناظرها بعينين تتوهجان بنيران العشق الذي لم يُفصِح اللسان عنه بل تشاركت القلوب به سرًا ولكنها ولأول مرة بحياتها كانت جشعة، نهمة لكل شيء منه؛ لذا قالت تحثه على الحديث أكثر:
_ لقد كّنا معًا في الصباح أي منذ خمس ساعات هل اشتقت إليهما بتلك السرعة؟!
يعلم إلى أين تريد الوصول ولكن كان هناك الكثير مما يعوقه إضافة إلى أنه كان حديثًا في صف العاشقين فلم يكُن يعلم كيف يُصيغ كلماته لذا قال بخشونة:
_ سأترك الأمر لإحساسك أن يخبرك.
اغتاظت من إجابته فقالت بنبرة يشوبها الحدة:
_ولمَ لا تُخبرني أنتَ؟!
_لست ممن يُجيدون صياغة الكلمات.
هكذا أجابها بسلاسة ليزداد إصرارها وهي تقول:
_لا يهم، فلا أريد كلمات مُنمقة أو عبارات مُزخرفة، أُريد معرفة كيف تراني عينيك، حتى أنني سأكتفي بتشبيه يُماثِل ما تشعُر به هنا.
قالت جملتها الأخيرة وهي تشير بيدها إلى قلبه الذي انتفض تحت لمستها وتأججت مشاعره التواقة إليها والتي انسابت من بين شفتيه حين همس بنبرة متقدة:
_تُشبهين الأمان لبلدة يُحيط بها القصف من جميع الاتجاهات.
لم يترك للخوف مكانًا بقلبها؛ فقد احتل عشقه كل شيء، حتى عقلها خلع عباءة الحذر معه وانصاع خلف وهج الحب الذي احتدم بقلبها ما أن سمعت كلماته التي كانت اعترافا رائعًا بالحب لم تتوقعه أبدًا؛ لذا اندفعت تعانقه بكل ما أوتيت من شغف... حاوطتها به ذراعيه في عناق اكتملت به أرواحهما وتوحدت نبضاتهما بعزف سيمفونية العشق الأبدي الذي لا يقدر عليه سلطان.
أخرجهما من لُجة مشاعرهما ذلك الرنين المُستمر للهاتف فأطلق "فراس" لعناته وهو يترُكها على مضض ليتوجه إلى مكتبه مُجيبًا بينما كانت هي ما زلت تعاني انخفاض في ضغط القلب... الذي لم يستطع تحمل كل تلك المشاعر التي يبثها إياها فبقيت بمكانها لدقائق ريثما ينهي مكالمته ثم توجهت بخطوات هُلامية تضع الملف المنشود أمامه فالتف يُناظرها بعينين أظلمتا لثوان قبل أن يُعيد انتباهه إلى مكالمته التي ما إن انتهت حتى باغتته كلماتها حين قالت بعتب:
_لمَ تفعل هذه الأشياء السيئة؟!
قابل استفهامها بآخر حذر:
_أي الأشياء السيئة تقصدين؟!
أجابته نظراتها حين تفرقت بينه وبين الملف المُلقي أمامه على المكتب... فأخذ الأمر منه ثوان قبل أن يُجيبها باقتضاب:
_ليست كل الأشياء كما تبدو في الظاهر.
لم تكن تنتظر منه إجابة قد تشفي ظمأ فضولها الذي قمعته بداخلها خوفًا من معرفة حقائق قد تُعيدها إلى غياهب الألم مرة أخرى؛ لذا قامت بفتح حقيبتها وإخراج تصميم الفندق الذي كلفها به ووضعت التصميم أمام عينيه اللتين كانتا تراقبان معالمها بترقب وسرعان ما تبدلت نظراته إلى الدهشة حين وقعت على تصميمها الرائع والذي كان عبارة عن فندق على شكل صدفة بها لؤلؤة كان بها بنيان الفندق فقد بدا التصميم رائع ولكنه اكتفى بأن يقول باختصار:
_تصميم جيد ومختلف.
انكمشت ملامحها بحنق من كلماته البسيطة والتي كانت لا تفي تصميمها حقه فهدرت حانقة:
_هل هذا كل ما استطعت قوله؟!
فطن إلى حنقها مما جعل بسمة هادئة تلون ثغره فقال باستمتاع:
_أرى أنكِ مؤخرًا تخليتي عن طبيعتك القنوعة.
عاندته ساخرة:
_أنتَ الذي ما زلت تتمسك بطبيعتك البخيلة.
تعجبه شخصيتها الجديدة التي تشاكسه ولا تنفك عن مواجهته ومبارزته فقد كان يريد إخراجها من ثوب الضعف الذي كان يتلبسها.
توالت المكالمات حوله وانغمس في ممارسة أعماله وهي جالسه بصمت... ضاقت ذرعًا به فوثبت قائمة تلملم حاجياتها وهي تنتظر أن ينهي مكالمته حتى تخبره بعزمها على المغادرة ولكنها لم تحتج إلى ذلك؛ فقد كانت عينيه عليها لا تغفل حتى عن نفس ضاق بصدرها؛ لذا هم بإنهاء المكالمة وهو يتوجه تجاهها حيث تقف بجانب النافذة فيما امتدت يديه تعانق خصرها وهو يقول بخشونة:
_هل مللتِ؟!
تأثرت بقربه حتى خرجت لهجتها مبحوحة:
_لا ولكنِ لا أريد التأخر على "إياد" أكثر من ذلك.
نثر ورد عشقه على طول عنقها البض قبل أن يقول بنبرة خشنة:
_ أنتِ وهو بمثابة مكافأة من القدر لي.
لم تستطع منع نفسها من الالتفات تناظره بتوسل يناقض حدة لهجتها حين قالت:
_إذن حافظ على نفسك لأجلنا.
غاص بعينيها اللتين دكن لونهما دلالة على الخوف، فامتدت يديه ترجع خصلة من شعرها خلف أذنها التي تلمسها برقة تتنافى مع نبرته الجامدة حين قال:
_أخبريني ما الذي يؤرق تفكيرك هكذا؟!
لم تعلم كيف تُصيغ كلماتها وتجلى تخبطها بوضوح في عينيها ولم تفلح في إيقاف الكلمات حين اندفعت من بين شفاهها:
_ألا تخاف من ممارسة تلك الأعمال؟! أنت تُخالف القوانين ودولتنا لا تتهاون في مثل تلك الأمور.
بعثرة كلماتها كانت مرآة لهلعها الذي تحول لدهشة حين قال بفظاظة:
_قانون الدولة لا يشملني.
لم تكد تجيبه حتى جاء الطرق على الباب وقد كانت مُديرة مكتبه تُخبره عن موعد الاجتماع بعد عشر دقائق مما جعلها تقول بجفاء:
_سأغادر الآن نلتقي مساءً في المنزل.
أومأ بصمت فغادرت تفر من أمامه ومن وطأة وجع قاتل لا ينفك أن يعود إليها مرة أخرى مهما حاولت لفظه بعيدًا عنها، استقلت السيارة تنوي الذهاب إلى أي مكان عدا القصر؛ فهي لا تُريد رؤيه أحد وهي في تلك الحالة، فأمرت السائق أن يتوجه إلى المقابر وها هي تجلس أمام قبر أبيها تذرف أطنان الوجع الكامن بصدرها على هيئة عبرات لا تنضب ولا تنقص من وجعها شيء.
_أعلم أنك لو كنت موجود لما كنت أجرؤ على التفوه بحرف مما يدور بداخلي، ولكن أنت غير موجود وأنا أكاد أموت ألمًا ولا أجد أحدًا بهذا العالم أستطيع إخباره بوجعي.
هكذا تحدثت بقهر موطنه قلبها الذي تآزر به الوجع واستبد به الذنب... فأخذت تنوح باكيه حتى اخترق صوت نحيبها هدوء وسكينة المكان من حولها:
_أرجوك أن تُسامحني يا أبي، لم أستطع فعلها، أنا لسه بخائنة، لا أُجيد الغدر ولم أستطع أن أضربه بظهره.
تعالت شهقاتها وهي تسترسل في ذرف وجعها:
_كما أنني أشك كثيرًا بحديث والدتي والذي يتناقض أيضًا مع حديث عمي "زين" وشعوري بأن يديه ليست مُلطخة بدمائك.
أخفضت رأسها بتعب قبل أن تُضيف بحرقة:
_لا دخل لعشقي له بما أُخبرك به أقسم.
أخيرًا اعترفت بمشاعرها نحوه وهي تُتابع نحيبها وتتعالى شهقاتها التي كانت تشق جوفها من فرط قسوتها وأردفت بصدق:
_ولكن أعدك إن كان لي ثأر معه فسآخذه عيانًا، سأنظر إلى داخل عينيه وأخبره بأنني سأقتص منه لأجلك، لن أتوارى خلف خدع واهية وحيل قذرة.
صمتت لثوان قبل أن تقول بخفوت:
_لا يليق بي هذا، هكذا فقط يُمكنني أن أرقد بسلام.
**********
دلفت إلى القصر بعد يوم طويل من العمل الذي كان يخفف كثيرًا من وطأة ما تحمله من أثقال وأيضًا شعورها بأن لديها حياة خاصة خارج هذا السجن كان رائعًا.
_أخيرًا عادت السيدة ماري كوري من العمل.
هكذا استوقفتها كلمات "زينات" الساخرة وهي على وشك صعود الدرج... لتتوقف بمكانها تحاول قمع غضبها بشتى الطرق، لتحاول "زينات" استفزازها أكثر حين قالت بتهكم:
_هل أصبحنا أقل من مستواكِ فلا تنظري إلينا يا سيدة "هدى"؟!
التفتت "هدى" قائلة بجفاء:
_ليس أنتِ بل حديثك الساخر الذي لا يليق بامرأة في عمرك.
"زينات" بقسوة:
_لقد طال لسانك كثيرًا ولن أكون "زينات النعماني" إن لم أقصه،
العين بالعين والقسوة بالقسوة ولينال الظالم ما يستحقه.
_وأنا "هدى الوالي" ولا يستطيع أحد المساس بي، فلتضعي هذا في عقلك.
ناظرتها باحتقار شملها كليًا وتحدثت بنبرة ضمنتها أقصى درجة من التشفي والبغض:
_وهل لا أعلم، ولكن أود تذكيرك بأن والدك قد ألقى بكِ أمام عتبة بيتنا وكأنكِ عبأ أراد التخلص منه.
استقرت كلماتها كسهام مسمومة اخترقت جرحًا مُحتدم داخلها فجاءت كلماتها جريحة:
_ لأنه من سوء حظي أنه يشبهك.
صاحت "زينات" بغضب:
_قليلة الأدب.
استمدت قوتها من عمق جراحها الغائرة فقد حان الأوان لرد الصاع صاعين فقالت بقسوة:
_لا لست كذلك، بل أنا امرأة صريحه ليس إلا، ولتضعي في عقلك بأنه لا يستطيع أي شيء في هذا العالم كسري أو إزلالي.
جاءت ضحكة "زينات" الساخرة كوقود يُعزز رغبتها في الانتقام حين قالت بجفاء:
_أنا امرأة احتملت أن يتزوج عليها زوجها، أن يُلقي بها والدها على عتبة بابه، وأن يُناظرها الناس بشفقة، ولكن أتعلمين هناك سبب قوي لذلك.
تنبهت "زينات" لحديثها فتابعت "هدى" بقسوة:
_وهو أبنائي تحملت كل شيء لأجلهم... فقط لأجلهم، حتى لا يصبحوا مرضى نفسيين كأبنائك.
لم تحتمل "زينات" تلك الإهانة ورفعت يدها لتصفع "هدى" فأوقفتها يد "شاهين" الذي قبض على معصمها بعُنف تجلى في نبرته حين قال ينهرها:
_توقفي يا أمي.
مجيء "شاهين" في ذلك الوقت كان أمرًا غير متوقع ولكنها ستُحسن استخدامه في مصلحتها؛ لذا قالت بتخابث:
_زوجتك المصون ترى أننا مرضى نفسيين.
أكدت "هدى" على حديثها بنبرة قوية:
_نعم أرى ذلك.
نشب الغضب حوافره بقلبه فالتفت قائلًا بقسوة:
_إذن أمي محقة حين قالت أنكِ عديمة الاحترام.
_لا تقل هذا عن أمي.
أنهى "ليث" كلماته وتوجه إلى "هدى" يحتضنها وكأنه أرد أن يحميها من بطشهما فصاحت به "زينات" مغلولة:
_اذهب إلى غرفتك.
عاندها الصغير بجسارة:
_لا لن أتركك تؤذين أمي، لطالما كنت تصرخين عليها وترهقيها بالعمل الشاق.
شعرت بتبدل نظرات "شاهين" فارتبكت لثوان وهي تصرخ على الصغير:
_اخرس أيها الولد، قليل الاحترام مثل والدتك.
لم يتحمل الطفل قسوتها فصاح بانفعال:
_وأنتِ متوحشة وأنا أكرهك.
لم يتحمل شاهين فظاظة الطفل وتطاوله على والدته فقام برفع يده وصفعه بقوة وهو يزمجر بقسوة:
اخرس يا ولد.
وكأن صفعته سقطت فوق قلبها، فقامت باحتضان طفلها بينما جاءهم صوت "زين" الغاضب من الأعلى:
_ما الذي يحدث هُنا؟! هل مات صاحب هذا البيت لتتبادلوا الصراخ والصفعات بتلك الطريقة؟!
التمعت عبرات الألم في عين الصغير الذي أبى كبرياءه ذرفها على الرغم من قساوة الصفعة التي تركت بصماتها على خده الصغير للحد الذي آلم قلب "شاهين" كثيرًا فلم يحتمل التواجد بينهم وغادرهم قاصدًا غرفة المكتب لتترك "هدى" صغيرها مع "زين" وهي تلحقه بخطواتٍ مُشتعِلة بجحيم الغضب الذي تجلى في نبرتها وهي تقول:
_استمع إلي لن أسمح لك بالتعرض لابني مرة أخرى.
ارتفعت زاوية فمه بسخرية تجلت في نبرته حين قال:
_ابنك! ألا تُلاحظين أنني أكون والده؟!
"هدى" بسخرية متعمدة:
_والده! عذرًا كدت أنسى ذلك.
لم تمهله الوقت للحديث حين انفعلت نبرتها وهي تعيد تحذيرها له:
_أحذرك لا تقترب منه أبدًا.
صاح "شاهين" بغضب:
_بل أنا من يُحذرك من التدخل في تربيتي لابني.
تشدقت ساخرة:
_تربيته! وأين كنت أنتَ حين كنت أواصل الليل بالنهار أعتني به وهو محموم؟! أين كنت أنتَ حين كنت أسهر معه بالساعات للدراسة؟ وأين كنت أنتَ حين ضربه معلمه وجاء يبكي يبحث عنك حتى يحتمي بك ولم يجدك؟!
عددت خطاياه لتجعلها نُصب عينيه فلا يجرؤ على الهرب منها أو تجاوزها كي تُحجِم من أحقيته بهم وهي تقول بجفاء:
_استمع إليّ جيدًا، سأعيد عليك ما قلته لوالدتك، ما جعلني أحتمل وجودي في هذا المنزل اللعين هو أطفالي؛ لذا أمنعك من الاقتراب منهم أو أذيتهم فحينها لن أكتفي بموتك.
أيقظت كلماتها وحوشه الضاربة فزمجر غاضبًا:
_وتُهدديني أيضًا؟!
"هدى" بقوة:
_نعم أُهددك بألا تقترب منهم.
اقترب منها قاطعًا الخطوات التي تفصلهما وهو يقول بهسيس مرعب:
_ باستطاعتي أن أقتلع لسانك الآن ولكن أعلم أن ما تمُرين به ليس سهلًا؛ لذا سأتغاضى عن تلك التُرهات.
شعرت وكأن مطرقة قوية هوت على قلبها... فقد كانت تظنه يقصد حادثة زواجه... فامتقع وجهها من فرط الألم الذي غيب عقلها أيضًا... فتولى الحقد زمام الأمور يُغذي انتقام أهوج جعلها تبرع في تسديد سهمها لينفذ إلى أعماق جراحه الغائرة:
_أنا أيضًا أعذرك لقسوتك مع "ليث" فعلاقتي به تؤلمك وتبرز ذلك النقص في داخلك، فليث والدته تحبه وتهتم به أما أنتَ والدتك لطالما نبذتك ولم تحبك يومًا.
لم يتخيل يومًا أن تكن نهايته على يديها، قتلته كلماتها التي رواها ذات يوم إلى قلبها وهو بين أحضانها يتوسل ألا تُذيقه مرارتها يومًا وها هي الآن تذبحه بسكين اعترافاته السابقة لها مما حول الألم الهائل بداخله إلى ألم مروع جعل يده تمتد إلى عنقها تخنقها بعنف وهو يصيح كأسد جريح:
_اخرسي.
أخذت عيناه تعاتب عينيها بعتاب مرير كيف تفعل به ذلك؟! ألم يكفيها تخليها عنه سابقاً والآن جاءت كلماتها لتنحر كبرياءه وتفتت قلبه وتقطع آخر خيوط اجتماعهما فقام بدفعها بكل قوته لتسقط أرضًا بينما صاح بقسوة:
_أنتِ طالق يا "هدى".
يتبع …
****""***
متنسوش تقولولي رأيكوا و بليز متبخلوش عليا بفوت و كومنت حلو يفرحني و عرفوني ايه رأيكوا في الأحداث و تتوقعوا ايه اللي جاي ♥️