تحميل رواية «قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة"» PDF
بقلم Hya Ssin
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بسم الله الرحمن الرحيم وأهلا وسهلا بكل رواد روايتي الكرام.. عدت من جديد برحلتي الثالثة مع روايتي الجديدة "فِي قَلْبِكَ مَنْفَايَ".. التي أتمنى أن تنال إعجابكم وكلي يقين بأن الأمر لن يكون سهلًا.. فكلما زاد رصيد المرء في قراءة الروايات كلما ارتقى ذوقه وأصبح إرضاؤه صعبًا.. ومن ترضيه في البداية روايات بسيطة لتمضية الوقت ستعجز عن إرضاءه لاحقًا تسع روايات من كل عشرة يقرأها.. مَنْفَايَ أَنْتَ وَمَنْ سِوَاكَ يُعِيدُ لِي رُوحِي؟ وَمَنْ ذَا عَنْ جَفَاكَ يُصَبَّرُ؟ انت وطني : انتَ منفاي انتَ كل اﻟﺎشياء الت...
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثاني وخمسون 52 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
عند الساعة الخامسة.. مساء..
ارتدت شيرين حقيبتها وأغلقت مكتبها مستعدة للرحيل بعد انتهاء عملها.. فهي لا تطيق الانتظار حتى رؤية سهر والتحدث معها بشأن ذلك المحتال!
مرّت من بهو الشركة عندما لمحت بطارف عينها اقتراب أحد منها لم تره منذ مدة طويلة جدًّا.. فاعتراه الذهول وتمتمت متسعة العينين
((الرائد.. الرائد مُعاذ!))
وقف مُعاذ أمامها بهيئته المهيبة القوية ثم تمتم لها
((لم أعرف أي ساعة بالضبط تُنهين عملك فقلت في نفسي أن أنتظرك هنا))
لفّها شيء من الارتباك وهي تتساءل
((لقد أنهيت عملي الآن، هل انتظرتَ كثيرًا؟))
ابتسم لها بركازه ثم أجابها مطمئننا
((لا، لقد وصلت هنا منذ وقت لا يزيد عن الربع ساعة))
هزّت شيرين له رأسها مما جعله يتنحنح ثم يقول
((هل يمكن أن أتحدث معك بخصوص موضوع هام.. وبشكل موجز.. في أحد المطاعم العامة))
احتّلها الصمت قليلا ثم قالت باحترام وتوقير خاص له
((بالطبع، هناك مطعم قريب يبعد مسافة خمس دقائق عن بيت صديقتي))
أكّد عليها مُعاذ بلهجة لها وقع الهيبة
((أُقدر وضعك وبأنه لن يكون لطيفا لو رآك أحد تجلسين مع رجل غريب عنك حتى لو كان في مكان عام.. لكن أنا فعلا بحاجة للتحدث معك وسيكون كلامي مختصرا.. استقلي سيارتك وأنا سألحقك بسيارتي))
بمجرد أن وصلا لإحدى المطاعم المفتوحة المليئة بالزبائن حتى جلسا حول الطاولة.. طلب مُعاذ لكلاهما مشروبا باردا منعشا ثم شبك أصابعه فوق الطاولة وتحدث بهدوء
((أباك كان يتحدث عنك كثيرًا في أيامه الأخيرة، كان يخبرني بأنك امرأة قوية ومستقلة وتعرفين كيف تحافظين على الحدود وتحمين نفسك، وأنا متأكد بأنك لا زلت كذلك رغم عيشك في المدينة وحيدة بعد وفاته، كان لوالدك نظرة محقة بك))
أرخت شيرين أجفانها وتحركت شفتاها في شبه ابتسامة
((فعليًا لا أعتبر نفسي وحيدة، فصديقتي ألحت عليّ أن أترك منزلي المستأجر وأعيش عندها، كانت نعم الصديقة معي ولولاها لا أعرف كيف كنت سأتجاوز كل الصعاب التي مررت بها، وأنت أيضًا مشكور ساعدتنا كثيرا أيام والدي الأخيرة، رغم أنك لم تكن تعرفه))
للحظات ظلّ مُعاذ يصغي لها بتدقيق كأنه يدرس ما وراء كلماتها قبل أن يومئ برأسه ثم يقول بنبرته الرخيمة
((الحقيقة أنا لم أكن أعرف والدك فهو كان من خارج قريتنا رغم أنه عاش فيها معظم حياته بعد زواجه من أمك، لكن لن أكذب عليك وأنكر بأن ما فعله ابن عمي بكم قبل عقد مضى كان مخزيًا، خاصة وأننا جميعا كنا نعرف بأنه انفصل عنك في الفترة التي تقدم لك ذاك الشاب..))
أظلمت عينا مُعاذ قليلا وهو يُكمل
((آنذاك قاطع والدي عائلته ولم يحضر أحد منا زفافه من زوجته السابقة.. كان أبي ساخط على والدته لنشرها تلك الأقاويل عن عرضك بين نساء القرية مبررة سبب ترك ابنها لك، وبعد رحيلكم من القرية ظلّ والدي يفكر بكم.. وعندما سمع بمرض والدك طلب مني أن أزوركم بين الحين والآخر))
سَكَنت ملامح شيرين وهي تقول
((والدك رجل مُهيب وكل ما فيه يشي بحكمة وقوة قراره، أنتَ تشبهه كثيرا من الخارج والداخل.. عندما قررت الطلاق قبل مدة قصيرة لم أجد غيره هو وأخوالي ليكونوا عونا لي بعد الله.. موقنة بأنه سيقف مع الحق حتى لو كان يعني أن يقف ضد ابن أخيه.. الآن رفعت دعوى الطلاق للضرر ولا بد أن الأوراق وصلت وليد))
ردّ مُعاذ بصوتٍ خشن هادئ
((لقد أخبرني والدي بكل ما فعله وليد بك، من تحريض عائلة الطفل الذي صدمتيه حتى يوكلوه محاميا لهم ليستغلوك ماليا، ثم ملاحقته لك وتهديديك بكل الطرق حتى يخدعك بمسألة التبرع لوالد صديقتك المقربة))
لفهّا شيء من المرار وهي تقول بحرج
((نعم وضف على ذلك بأنه بعد زواجنا أساء معاملتي بطرق لا أحب أن أفصح عنها..))
ثم صمتت قليلا قبل أن تكمل
((أنا أعتذر عن عرضي الزواج عليك سلفا يا مُعاذ، لكن غايتي كانت باللجوء لك لحماية نفسي من وليد.. فأنتَ كنت أكثر رجل استقامة وعلى قدر من الوقار والاحترام رأيته في حياتي.. ظننت أيضًا بأن انحدارك من نفس عشيرة وليد سيجعلك رادعا لما قد يفعله لي))
ضيًّق مُعاذ عينيه وهو يقول
((أكان هذا هو السبب الحقيقي وراء طلبك الزواج مني وإصرارك على أن يكون صوريا؟ كان عليك مصارحتي وإخباري الحقيقة، فقد كان بإمكاني أن أخلصك من بطش وليد دون الحاجة لزواجنا))
شعرت بالذّل يلفها من كلماته فازدردت ريقها بصعوبة،
تنّهد مُعاذ بعبوس يضفي على وسامة ملامحه جاذبية مميزة مع شعر ذقنه الأسود المختلط بقليل من وقار الفضة..
إذن هي عندما طلبت منه الزواج آنذاك لم تكن تحاول استغلاله لتثير غيظ وليد! بل كانت تستنجد به حتى يساعدها في التصدي لبطش وتجبر وليد!
كانت ترى فيه السند والحامي وهو عجز عن رؤية كل هذا بسبب غيرته السّخيفة وكبرياءه! لو كان أكثر فطنة لكان هو من تزوج منها!
نعم.. كفاه كذبًا على نفسه.. لو لم يُكن لشيرين الإعجاب لما كانت هي المرأة الوحيدة التي فكر بها كامرأة بعد وفاة زوجته الحبيبة! لكن فات الأوان ولم يعد من الصحيح التفكير بشيرين من هذا المنظور!
فهي لم ترد منه شيئا أكثر من أن يحميها من وليد!
تململ مُعاذ في جلسته ثم قال
((على كل حال وصلني ما تنشدينه، أقدمي عليه ولك كلمتي وكلمة والدي بأن وليد لن يتعرض لك مجددا.. أكد عليّ والدي اليوم ألا أدعك تحتاجين أي شيء أو تعانين.. وهو يحاول أيضًا إقناع وليد بالحسنى أن يطلقك بلا عناد قبل أن يلجأ معه لطرق أخرى لن تنال إعجابه))
ازدردت شيرين ريقها ثم استقامت واقفة تتمتم بكلمات موجزة خافتة امتنانًا له.. موقنة بأنها أصابت عندما لجأت للحاج يعقوب للتخلص من بطش وليد..
بمجرد أن رحلت شيرين حتى استقلّ مُعاذ سيارته يختلي بنفسه وسط الهدوء.. والصمت حوله يغرقه بأمواج الماضي.. موجة تتبعها موجة..
تمنى ببؤس لو يعود الزمن للوقت الذي طلبت منه شيرين الزواج.. فيحاول الإلحاح عليها أن تخبره سر هذا الطلب وبكل ما تعانيه ويمنع عنها ابن عمه صاحب النفس الرذيلة..
عند ذكر وليد استغرب مُعاذ قليلا.. بل كثيرا..
فشيرين تحاول التخلص منه رغما عنه وإلى الآن لم يأخذ هو أيّ ردة فعل قاسية مألوفة في أفعاله ضدها!
ما الذي يخطط له ابن عمه الحقير؟
=============================
منزل عائلة سهر..
زفرت تمارا المتمددة على إحدى الأرائك بقنوطٍ وهي ترفع يدها لتدلك بها جبهتها المصابة بصداعٍ مرعب بعد فجيعة ما عرفوه اليوم عن قُصي.. ثم قالت لابنتها بصوتٍ محتدم يحمل طابع نفاذ الصبر والغضب
((شيرين تأخرت علينا يا سهر، ألم تقل بأنها ستأتي وتتحدث معنا بشأن خطيبك المخادع الذي اتضح بأنه كان يعمل عندها!))
تنهدت سهر المجهدة ثم تمتمت بخفوت
((اصبري يا أمي قليلا، ربما حدث معها شيء ما وأخرها))
قدمت إحدى عاملات المنزل لتمارا حبة دواء مسكن للألم وكأس ماء ثم قالت بعفوية
((لقد رأيتها في المطعم المقابل لنا تجلس مع رجل ما وتحدثه))
انتفضت سهر مكانها تقول بقلق لهف
((يا إلهي هل هو وليد؟ صفي لي ذاك الرجل؟))
شَرَدت العاملة بنظرها مفكرة وهي تجيب بتيقظ
((كانت تجلس مع رجل بهيبة له ملامح جذّابة تزيده وسامة بطريقة رجولية مُلفتة..))
قاطعتها سهر عاقدة الحاجبين
((توقفي، توقفي أنتِ لا تساعديننا بهذا الشكل!))
صَدَح صوت رنين الجرس فقالت العاملة وهي تهرول للخارج
((ربما تكون تلك السيدة شيرين سأذهب لفتح الباب لها))
وكان حدسها صحيح بينما تدخل شيرين على عجلة إلى غرفة سهر بعد أن ألقت سلامًا سريعًا.. ثم جرت باندفاع نحوها تسألها بلهفة
((ماذا حصل معك؟ هل جاء عندك قصي؟))
أوصدت سهر باب الغرفة وجلست بجانب والدتها تقول بصوتها المتعب
((نعم واعترف بنفسه بكذبه عليّ وبأنه ليس ثريّا وشخص ذو شأن كما كان يدعي أمامنا، ليس هذا وحسب بل قلب الأمور عليّ لأصبح أنا المذنبة الطامعة وبأنه لم يكن غرضه وراء كل ما فعله إلا التّقرب منى فأمي لم تكن ستسمح إلا لرجل من نفس مستوانا المادي أن يقع في غرامي))
غمغمت تمارا بقهر وهي تكاد تموت كمدًا
((الدنيء مجرد موظف بسيط وأوهمنا بأنه صاحب شركة مرموقة تقبع في الخارج! لكن الحق ليس عليه بل على والدك الذي فشل في استقصاء حقيقة ما كان يدعيه، إنه مجرد منقب عن الذهب يحاول ادعاء الثراء ليصطاد فريسته الثرية..))
صمتت قليلا ثم أظهرت ملامح مشمئزة وهي تسترسل
((أشعر بالتقزز كلما أتذكر كيف كان يتحدث مع العميل الذي كان معه على الخط كخادم فقير يريد نيل رضا سيده))
نظرت سهر بملامحها المعذبة نحو شيرين تقول وهي تشير لنفسها بيدها بدفاعية
((أنا لستُ ضد أن يعمل بوظيفة بسيطة، كيف أعيبه وأنا سبق وعملت في وظائف متدنية كثيرة في المطاعم والفنادق في كل مرة أهرب بها من البيت.. أنا فقط ضد تقربه مني وكذبه بالكلمات المنمّقة والمعسولة التي تخفي وراءها العديد من الأهداف غير النزيهة، إنه حقا منقب عن الذهب كما قالت أمي))
لامست شيرين كتف سهر بكفها ثم قالت بتأكيد
((أنا بنفسي عملت كموظفة خدمة عملاء مثله بالضبط قبل أن أترقى في وظيفتي.. الوظيفة مهما كانت فليست عيبا، العيب في خداع الناس، لكن في نهاية الأمر ها قد عرّيناه من خداعه وعرفنا حقيقته كمفلس متطفل يسعى للزواج بك ليتسلق على كتف عائلتك الثرية))
كزّت تمارا على أسنانها وتشوّشت ملامحها بحقد
((لقد تلاعب بسهر عاطفيا.. عبارات غزله وكلماته المعسولة كانت بداية طريقه لصيده الثمين بابنتي..))
ضيقت سهر عينيها بلوم نحو أمها ثم صححت
((بل تقصدين هداياه الثمينة والباهظة لك من وقت لآخر.. لحظة..))
بترت سهر كلامها والحيرة تلفها ثم تساءلت بصوتٍ خطير حائر
((على سيرة هداياه الباهظة فمن أين كان مصدرها.. وسياراته؟ لقد أشبعني كلاما عن غرامه في السيارات وحب تبدليهم بين الحين والآخر))
تنهدت شيرين ثم كتفت ذراعيها وهي تقول بقنوط
((لقد عرفت مؤخرا بأنه كان يعمل سائقا عند صاحب شركات القاني.. تخيلي؟ لابد أن عمله كسائق لعائلة ثرية وعريقة مثل عائلة القاني جعله يتلقى الكثير من الهدايا كتذاكر سفر ويتاح له صلاحية استخدام أي سيارة من أساطيل سياراتهم..))
فَغَرت سهر شفتيها وتدريجيا بدأت تُدرك وتنكشف أمامها أسرار قُصي! إذن كان سرّ النعيم الذي يعيشه ويظهره لها هو عمله لدى عائلة غنية وذو شأن!
شعرت في هذه اللحظة وكأن قصي أمسك قلبها وشطره لنصفين!
في حين قالت تمارا وهي تضرب قبضتها فوق ذراع الطاولة
((إذن لا نلام على خداعه لنا بهذه السهولة طوال السنوات الثلاث الماضية فقد كان كل شيء يقوله مدعم بالأدلة والصور، لقد نجح بالكذب بشأن عائلته ووالديه وخلفيته الاجتماعية والمالية من خلال ما جناه من هدايا أثناء عمله السابق كسائق لدى تلك العائلة الثرية.. حتى أنه تطبّع بطباعهم فنجح في الظهور أمامنا والتصرف كرجل نبيل وسليل عائلة راقية))
أظهرت شيرين الاستياء وهي تقول
((بعد عملي في شركة القاني لما يزيد عن ثمانية سنوات صرت خبيرة في مثل هذا النوع من الأشخاص))
تطلعت سهر لها بحيرة لتكمل شيرين شارحة
((أقصد أنك أحيانا قد تلتقين بأشخاص يبدون كأنهم يمتلكون العالم كله في راحة أيديهم لكنك سرعان ما ستكتشفين أنهم لا يمتلكون حقا أي شيء، سيخبرونك عن "أصدقائهم" وستكون ألقاب أصدقائهم الخياليين هي أسماء عائلات مشهورة وغنية.. وسيخبرونك أيضا عن مقتنياتهم الثمينة والساعات المبالغ بسعرها.. والفيلات الصيفية لكنهم كاذبين))
شَرَدت سهر بنظرها وبدأت تستعيد مشاهد سريعة في بداية تعرفها بقصي.. وتحاول استيعاب الغموض الذي كان يلف شخصيته.. حياته.. حديثه.. ثم تمتمت بإدراك وفطنة متأخرة
((نعم معك حق.. أتذكر أنه في أول لقاء بينه وبين والدي لم يتوقف عن الحديث عن معارف وأصدقاء أثرياء وممتلكات عائلته الثرية من يخوت وسيارات وعقارات..))
عقبت شيرين هادرة ((الأغنياء الحقيقيون يتجنبون هذا التصرف الذي يفتقر للباقة، ثم إن الشخص المُعتاد على الترف والأشياء الثمينة لن يرغب بذكر هذه الأمور في كل شاردة وواردة))
عندها قتمت ملامح سهر واشتعلت نظراتها هادرة
((الآن فهمت فقط سبب فتوره ومحاولاته لتغيير الموضوع بذرائع مختلفة كلما تطرقت لموضوع التعرف على عائلته أو أقاربه))
تغضّن جبين سهر بالضيق ثم تساءلت
((لكن ما لا أفهمه هو سبب تأجيله لحفل الزفاف.. أعني كان من مصلحته أن يتزوج بي بسرعة ويصبح صهرا لوالدي الغني!))
قالت شيرين بشك ووجل
((هذا الأمر مثير للحيرة.. لكن هل حاول إحدى المرات أن يطلب منك المال؟ أو هل تركك تدفعين فواتير نزهتكما معًا وسفركما مع عائلتك؟))
أجابت سهر بتلقائية
((لا أذكر مرة بأنه سمح لي بدفع فاتورة أو بدا أنه يحاول أن يكون بخيلا معي أو يستغلني ماديًا بانتهازية، بل صحّ أن أقول بأنه من كان يدفع كل شيء وسبق واشترى الكثير والكثير من الهدايا الباهظة لي ولأمي..))
ازدردت شيرين ريقها ثم أمسكت كتفي سهر ووجهت نظرها مباشرة لها تستشف الحقيقة ثم تساءلت بحمية
((هل أنتِ متأكدة يا سهر؟ فهناك الكثير من الرجال الأذكياء الذين لا يطلبون المال مباشرة ويتركون المبادرة للفتاة كي تعرض خدماتها المالية، بعد أن يحكي لها عن أزمة اقتصادية أو مشروع يريد تنفيذه ليساعده على الزواج منها))
توترت حدقتي سهر والتقطت شيرين هذه الحركة لكن اكتنفت الجدية صوت سهر وهي تجيب
((نعم أنا متأكدة، هل تعرفين ماذا أيضًا؟ مرة اقترحت عليه أن أساعده ماديا لأني شعرت بأن أمي التي تثقل عليه بطلباتها هي السبب بتأخير زواجنا.. لكنه اعترض بصرامة وأخبرني ألا أفتح موضوع المُشاركة مجددا فهو كرجل لا يمكنه أن يكون عبئًا ماديًا على امرأته))
ضيقت شيرين عينيها بتفكير ثم خمنت قائلة
((لابد أن كان يخطط لشيء أكبر بكثير مما نظن، لكن أهم شيء أننا عرفنا حقيقته قبل الزواج))
أظلمت عينا تمارا وهي تتمتم ساخطة بشرود
((ذلك الفقير اللعين))
=============================
في غرفة الطعام..
اجتمع بعض أفراد عائلة الحاج يعقوب حول مائدة الطعام يتناولون طعام الغذاء.. وزاهية كعادتها لم تتنازل عن الجلوس بجانب يزيد لتبدأ بتعبئة طبقه بنفسها ولا تنسى بين الحين والأخر أن تضع له قطع دجاج وصلصة فوق الأرز..
ضيق فهد عينيه بنظرة تشوبها الغيرة وهو يشاهد جدته تغدق على يزيد من الحب والحنان والرعاية والهدايا المبالغ بها.. لم يختلف عليه شيء منذ أن عرف بأنه ابن عمه إلا بأن نزع آخر ما تبقى من اهتمام موجه له من أفراد هذه العائلة نحوه.. فصار يزيد هو رفيقهم في النزهات والزيارات وهو من يجلس في حجر جدته لتقص عليه قصص ما قبل النوم..
لكن سرعان ما اختفت هذه الغيرة لدى فهد من انتقائية الجميع نحو يزيد وهو يتذكر أنه محروم من والدته ولم يراها منذ أسابيع.. فتطلع لأمه بتلقائية شاعرًا براحة تتسلل له لوجودها بقربه..
طرقت نجوم في هذه الأثناء باب الغرفة ودلفت للداخل تقول للحاجة زاهية بشك
((هناك شاب يا حاجة في الخارج يدّعي أنه مَازن ابن حضرتك، أخبرته أن مَازن مسافر ولكنه مُصر على الدخول، فهل اسمح له أن ينتظر في مجلس الرجال أم اصرفه من هنا؟))
لم يكن الحاضرين قد استوعبوا ما تقوله نجوم حتى صدح صوت صاخب لشاب طويل في أخر العشرينات من عمره.. وسيم ودود الملامح
((مرحبـــــًـا جميعا))
عرفت نجوم أن الشاب دخل من باب المطبخ فاندفعت نحوه موبخه بامتعاض
((كيف تدخل هنا بدون إذن؟ هل اتصل بالشرطة لتعدّيك على حرمات هذا البيت..))
توقفت نجوم عن التكلم عند اندفاع زاهية نحو هذا الشاب وهي تضمه إلى صدرها هاتفة بحرارة
((إنه مَازن يا نجوم.. إنه ابني.. ألم تريه عندما جاء هنا عند عزاء ابن عمه!))
اتسعت عينا نجوم وبالفعل أمعنت بملامحه لتجده شبيه بملامح مَالك..
أما مَازن فبقي يعانق أمه الباكية فرحا لدقائق قبل أن يبتعد قليلا عنها ويناظر والده الواقف بصدمة مكانه كما باقي أفراد عائلته.. ثم يقول له بوجه بشوش
((لن تصدق كم أنا سعيد برؤيتكم يا أبي))
تغضّن جبين يعقوب في حين كفكفت زاهية دموعها وهي تقول برقة معاتبة
((لماذا لم تعطينا أي خبر مسبق؟ كنّا أحسنّا استقبالك وذهب أحد إخوتك لأخذك من المطار))
ضحك مَازن بمرح ثم قال عقب أن لثم جبين أمه
((كنت أخطط أن اجعل قدومي هنا مفاجئة))
ثم مال لأذنها هامسا بصوتٍ مسموع
((أخبرت أبي سلفا أني سأعود قريبا دون أن أحدد تاريخا، وأثبت أبي ولاؤه لي باحتفاظه بالأمر سرا))
شهقت زاهية بدهشة ثم تطلعت لزوجها معاتبه بحزن
((وهل هذا سر يمكن أن تحتفظ به بعيدا عني يا يعقوب؟ سامحك الله.. أقولها لك بقلب أم محروق))
ضيّق يعقوب وهو يناظر ابنه وابتسامته الواسعة بينما يغمز له بإحدى عينيه..
هل يستمتع هذا المستهتر بالإيقاع بينه وبين أمه؟
اقترب مَازن من شقيقه مُؤيد الوحيد المتواجد هنا يعانقه بقوة عناق رجولي قبل أن يتركه ليتوجه نحو زوجته ياسمين بملامحها الذاهلة التي لا تستوعب بعد أنه عاد حقا إلى هنا.. فيضمها إلى صدره هاتفًا بشدة كمن غارق في عشق زوجته حتى أذنيه
((كيف حالك يا زوجتي الجميلة؟ عدت من أجلك أنتِ بالذات بعد أن عجزت عن الابتعاد عنك أكثر وقد بلغ حبك بين جنباتي ذلك المبلغ العسير!))
زمّت ياسمين شفتيها ما إن وعت على ما يحدث ثم همست بخفوت غاضب
((لماذا رجعت هنا ومتى ستعود؟))
ابتعد مَازن ينظر لها ثم أمسك وجنتيّ وجهها النحيف غير الصالح للقرص لتشهق متألمة وهي تسمعه يقول بنفس بشاشته المغيظة
((لن ابتعد عنك مجددا يا زوجتي الحبيبة.. مطلقا.. سأبقى ملازما لك ولابنتنا الصغيرة أشبعكم من الحب الذي افتقدتماه بغيابي، فوَدّعي أيام الحرقة والبؤس))
اشمأزت ملامح ياسمين من تمثيله وكلامه، في حين تساءلت زاهية باهتمام ولهفة
((لا بد أنك متعب من السفر، أين هي أمتعتك يا مَازن؟ اذهب للاستحمام وسيصل الطعام إلى جناحك..))
استدار مَازن لها بينما يسحب كرسيا حول المائدة
((أمي ساعدني البواب بوضع حقائبي في المطبخ.. لكن الآن أنا أتضور جوعا ولن أتحمل أن أبقى دقيقة أخرى فارغ المعدة))
ابتسمت زاهية بحنو على جوع ابنه وقربت أطباق الطعام أمامه كمن تريد ألا يأكل أحد غيره من على السفرة..
جلس الجميع في مقاعدهم.. أما يزيد فأخذ الذهول به كل مأخذ وهو يتطلع بذهول لمَازن والذي يراه على ارض الواقع لأول مرة..
يشبه أباه كثيرًا لولا أن وجه أبيه أنحف ويميل للسًّمار كما قيل له!
أما هدى الصغيرة ضلت تطلع بهذا الرجل الذي يُقال بأنه والدها متجهمة مما جعل مَازن ينتبه لها أثناء تناوله الطعام ليقول بفمه الممتلئ متسائلا
((من هذه الصغيرة يا أمي؟))
طالعت زاهية حفيدتها ثم قالت بفرحة
((إنها ابنتك يا مَازن.. قبلّي أباكِ يا هدى وسلمّي عليه))
ازداد تجهم هدى بينما أجاب مَازن مدعيّا الذهول
((لقد كنت أتساءل بيني وبين نفسي منذ أن وقع بصري عليها أين رأيتها فوجهها مألوف.. تعالي يا حلوتي))
عَبَست ياسمين وهي تهمس له بغضب
((توقف يا مَازن عن مزاحك الثقيل هذا))
غمغمت هدى وهي تضيق عينيها بتشكيك بينما تتذكر شكله بزيارته القصيرة أثناء وفاة ابن عمه
((شكله مختلف عن آخر مرة رأيته، كان وجهه أسمن قليلا))
لفّ الحزن وجه زاهية وهي تنظر لمازن بعين متفحصة وتغمغم
((لطالما كنت يا مَازن نحيف البنية لكنك بالفعل ازددت نحافة عن قبل وحتى وجهك فقد رونقه، ابنتك محقة))
ازدادت ابتسامة مَازن اتساعًا وهدر لامه
((لا تحزني، ها قد عدت وجاءتك الفرصة لتساعديني على استعادة تلك الكيلوغرامات التي خسرتها مؤخرا))
تنحنح مُؤيد ثم تساءل بنبرة ذات مغزى
((هل جئت وحيدا يا مَازن؟))
قطب مَازن حاجبيه واختفت ابتسامته متسائلا
((إلى ماذا تلمح يا مُؤيد؟))
منع مُؤيد ابتسامة من أن تشق محياه وهو يقول
((يبدو أنك لم تكن تكذب عندما نفيت أمر زواجك سابقا))
في هذه اللحظة تجلت ملامح التسلية في وجه مَازن ومدّ ذراعه حول كتف ياسمين يجتذبها نحوه بعناق جانبي وهو يقول
((أنا لست متزوجا غير ياسمين حقا، أساسًا ما زلت صغيرا على تكرار تجربة الزواج الثاني لكن بالطبع ليس لدي أي مانع من فعلها مستقبلا، ولكن بشرط موافقة ياسو فأنا لا أحب أن أُغضب حبيبة قلبي))
بصعوبة وفظاظة أبعدت ياسمين ذراع مَازن عنها وتطلعت له مبتسمة بسماجة لتقول
((وأنا موافقة.. ثم ومن قال بأنك صغير؟ لا أحد صغير على الزواج، إنوها فقط وسأختار أنا لك عروسا))
رفرف مَازن بعينيه وهو يطالع ياسمين دون أن تنحسر ابتسامتها أو يرف لها جفن..
ووسط وجوه جميع الحاضرين الذاهلة من إجابة ياسمين مرّت ثانية أو اثنتين حتى انفجروا جميعا ضاحكين بصخب..
فقط زاهية هي التي انزعجت ملامحها وهي تفكر أن ياسمين لا تستحق جوهرتها مَازن ورجلها المدلل والغالي..
امتقع وجه مَازن وصرّ على أسنانه يتميز غيظا لا يكاد يصدق كيف أحرجته ياسمين بهذا الشكل أمامهم! إلا أنه ابتسم ولثم جبينها هادرا بحب مصطنع
((كم أنا محظوظ بك يا زوجتي الصالحة!))
انزعجت ملامح يعقوب من تقبيل مَازن لزوجته أمامهم بلا حياء أو خجل دون أن يحتوي مشاعره فهتف عبوس
((كفوا عن الحديث وقت الغذاء))
انتبهت ياسمين على ملامح حماها ثم تطلعت لزوجها هامسة من بين أسنانها
((توقفت عن التغزل بي وتقبيلي بحميمية يا محترم أمامهم.. أنتَ لست في الغرب.. والدك على شفا حفرة من الانفجار والانقضاض عليك! ثم هل أنتَ جاد بمسألة عودتك هنا للأبد؟ هل تريد أن تنتهي حياتك على يد أبي؟))
ابتسم مَازن ساخرًا من كلام ياسمين فهي تظن بسخافة أن سبب بقائه في الخارج حتى الآن هو والدها الذي لم يفعل أساسا أي شيء لمن خطفوها شخصيا أكثر من إرسال من يبرحهم ضربا.. لكنه مال برأسه نحو أذنها يجيبها بنفس الهمس
((ياسو يا ابنة قلبي مرّ على هذه التهديدات أكثر من ثمانية سنوات لن يذكرها والدك الكهل، على الأرجح بما أنه لم يراك طوال هذه السنوات أنه نسيك شخصيّا..))
بمجرد أن لمحت زاهية نجوم تمر من المكان حتى نادته
((تعالي يا نجوم وعبئي القدر هذا مرة أخرى، فمَازن ما زال جائعا..))
ببطء وحياء اقتربت نجوم من المكان لا تزال حرجة من الموقف الذي حصل لها قبل قليل مع مَازن فرفع مَازن وجهه يطالع ملامحها المتوردة بخجل متسائلا باهتمام
((هل هذه نجوم؟ نجوم ابنة منال؟ رباه متى كبرتِ هكذا وصرت شابة جميلة يا نجوم!))
تخضبت وجنتا نجوم بالاحمرار وكتمت ابتسامة خجولة بينما تسمع مَازن يكمل بنبرته الرجولية المنبهرة
((رباه منذ متى لم أراك! لا أتخيل كم هي قادرة سنوات قليلة أن تغير في المرء!))
حدّقت ياسمين الواجمة بملامح حماها وبدا لها أن الأمر لن يطول قبل أن يفجر كل ذلك الغضب المكبوت تجاه ولده.. فقرصت من تحت الطاولة ذراع مَازن بقوة تعمدتها وهي تهمس مغتاظة
((أغلق فمك فأنتَ تتحدث وكأنك لم ترَ فتاة طوال حياتك))
كتم مَازن تأوهاته المتألمة ثم أجابها بهمس ووجهه يتهلل بالسعادة لأنها غارت من مدحه لنجوم كما يظن
((أحب أن أشيد على الجمال أينما وكيفا كان))
تساءلت نجوم التي كان لا يزال يلفها الخجل
((هل أجلب شيئا غير الحساء؟))
أومأت لها زاهية بالنفي في حين قال مَازن يريد أن يستفز ياسمين أكثر
((لقد تركت هذا القصر وكنتِ لا زلت مراهقة قصيرة.. التغير الحاصل لك مذهل! قوامك يناسب فتاة ناضجة تبهر الجميع بجمالها وبأنوثتها لا فتاة في العشرين من عمرها))
جحُظت عينا يعقوب عند هذه النقطة وارتجفت يده الممسكة بالمعلقة من غضبه المستعر في داخله تجاه مَازن.. ولم تكد تخرج نجوم من الغرفة حتى هتف غاضبا وهو يقف من مكانه يُقلب مائدة الطعام رأسًا على عقب على المتواجدين.. حتى أنهم شهقوا جميعا بصدمة وهم يهرعون مبتعدين عن المائدة حتى لا ينسكب عليهم شيئا من الأطباق..
تطلع الكل مصدومين ليعقوب الذي هتف بنبرة مشحونة محملة بالانفعال
((أيها المنحط كيف تتجرأ وتتحرش بإحدى عاملات المنزل التي تعمل هنا تحت مسؤوليتي الكاملة!))
اتسعت عينا مَازن المبهوت ثم استنكر
((تحرش؟ تحرش يا أبي! أنا كنت.. اقصد كنت أجاملها))
استشاط يعقوب غضبا أكثر من ذي قبل ليصرخ به
((وأين تحسب نفسك أيها الخسيس لتقول هذه المجاملات))
بدأ صدر يعقوب يرتفع وينخفض بانفعال أكبر مما جعله يهمس باشمئزاز
((بئس الابن وبئس الأخلاق))
تمتم مُؤيد بصوتٍ خافت معقبا
((يبدو أنه عاد أسوء مما ذهب يا أبتي، وكأنه غادر ليتطبّع بطباع الغرب جنبا إلى طباعه ثم يعود، الآن عرفت فقط لما كان متحمسا للسفر ورافضا أن يعود ويلبي توسلات أمي له))
ضيقت رتيل عينيها وقد كانت الوحيدة التي تفهم سبب تصرفات زوجها ثم همست له موبخه
((توقف يا مُؤيد، فإظهار عيوب إخوتك في كل موقف لن يجعل والدك يظن بأنه لم يفلح في تربية أحد غيرك))
بدأت رتيل تتفقد ولديها باسم وفهد وإذا ما كان قد طالهم أي شيء من أطباق الطعام في حين فزعت زاهية عند علو شهقات يزيد التي كان يحاول كتمانها
((لماذا تبكي يا يزيد؟ لماذا تبكي يا مُهجة القلب؟ هل انسكب عليك شيء من الحساء الساخن؟))
كانت زاهية تتفقد كل ما في يزيد بقلق عارم فغمغم الصغير مجيبًا من بين شهقاته الرقيقة
((لقد خفتُ أن يضربني أيضًا))
تطلعت زاهية له بروع وقالت
((جدك يحبك، ولا يريد إلا رضاك وراحتك))
ضاقت ملامح يعقوب المحاطة بالتجاعيد الوقورة وندم على انفعاله التلقائي أمام يزيد الذي لا يزال يحاول الاعتياد عليهم.. فأطبق شفتيه بقوة وسخطه على مَازن يتفاقم لأنه كان السبب في كل هذه الجلبة..
ثم قال لزوجته بصوته الوقور الثقيل الذي يشع صرامة
((زاهية من الآن وصاعدا وطوال تواجد ابنك في هذا المكان لا أريد من نجوم أو من أي شابة عاملة هنا أن تتواجد بالأرجاء.. أمفهوم كلامي!))
أومأت زاهية له بوجه مسوّد فغادر زوجها على الفور مما جعلها تنظر لابنها مَازن بحزن معاتبة
((سامحك الله يا مَازن هل أعجبك الكلام الذي طالك بسبب ما قلته!))
هاجت ملامح مَازن واندلعت نيران الغضب داخله من ردة فعل والده أمام الجميع! ها هو يقرر الاستقرار بعد سنوات طويلة من الغربة وهكذا تمّ الترحيب به! فتجاهل كلام أمه وغادر ضاربًا الأرض بخطواته الثائرة..
فقال مُؤيد باستياء لامه
((انظري لمدللك كيف انصرف وكأنه لم يخطأ بشيء! لقد نلنا جميعا سخط أبي الذي سيضل عابسا أمامنا لأشهر بسبب ابنك يا أمي))
رفعت هدى وجهها لأمها التي كانت تضم جسدها الخائف لها ثم تساءلت بحزن طفولي ((هل أبي رجل سيء؟))
أجابها مُؤيد بهتاف عال
((نعم إنه سيء.. أنظري كيف قلب المنزل رأسا على عقب ولم يمضِ على وجوده هنا إلا ثلث ساعة!))
لكزت رتيل زوجها تؤنبه
((مُؤيد لا تتحدث عن والد البنت أمامها هكذا!))
رفعت هدى عينيها تستنجد بأمها وملامحها تنذر بالبكاء فأحاطت ياسمين وجهها بكفيه لتضُمها باحتواء..
أما زاهية فتنهدت بحزن على هذا اليوم السعيد الذي انقلب لغما ثم رفعت يدها تحيط وجه يزيد النسخة الطفولية عن مَالك تتعمق النظر بتفاصيله التي لا تشبع منها ثم تساءلت بصدق مشاعرها الحانية
((هل شبعت يا يزيد؟))
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثالث وخمسون 53 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الثاني والعشرون
في مجلس الرجال..
جلس الحاج يعقوب في منتصف المجلس يضم عباءته على جسده ويقول بصلابة لمَازن الذي يقف أمامه بملامح عابسة
((الآن ستغادر.. سأتصل بمُعاذ وأطلب منه أن يحجز لك أسرع طائرة تعيدك للخارج))
ردّ مَازن له دون أن يرف له جفن
((لن أذهب لأي مكان.. إذا كنت مُغرمًا بذاك البلد أنا من سأتصل بمُعاذ وأطلب منه أن يحجز لك أسرع طائرة تطير بك إلى هناك))
غمغم يعقوب بسخط
((ما أقلّ أدبك يا ولد))
رفع مَازن حاجبيه يقول بنبرة ساخرة قاتمة
((وما الجديد؟ أنا عاق ولا أملك من الأدب والاحترام شيئا.. كثيرًا ما تُردد هذه الكلمات على مسامعي ومع ذلك تتفاجأ في كل مرة أردّ عليك الكلام!))
توغل الذهول في ملامح يعقوب وهو يردد
((وفخور بنفسك أيها الوقح!))
قوّس مَازن حاجبيه وقال بوضوح وهو يرفع ذقنه
((أنا لست فخورًا بنفسي لكني تعبت من البقاء هناك، تلك البلاد تُزار لأسبوع أو اثنين سنويًا كاستجمام لا للإقامة أبدية))
ظلّ يعقوب ينظر لابنه بصرامة فطرية أشاح عنها مَازن، ليقول أخيرا بصوتٍ قاطع آمرًا له وقع هيبته
((مَازن ستعود من حيث جئت))
احتَقَن وجه مَازن بالضيق وهدد بسفور
((أبي لن أذهب لأي مكان، حتى لو طردتني من بيتك، سأذهب لأقرب مسجد أنام فيه ليلًا وأتسول أمامه نهارًا، عندما يعلم المحسنون من الناس بأني ابن الحاج يعقوب الكانز سيكرمون في عطيّاتهم وصدقاتهم عليّ))
غمغم يعقوب بنظراته المحتدمة
((أيها الدنيء هل تهددني بتشويه سمعتي؟ أدفنك مكانك قبل أن تفعلها!))
كان يريد مَازن إخراج نفسًا ضائقًا لكن تراجع احترامًا لوالده وقال بملامح مُعذبة
((أبي أنا لا أهًددك بشيء.. لا تأخذ كلامي على محمل شخصي.. أنا فقط لا أريد مبارحة أرض وطني الغالي.. ثم أبي.. أقصد..))
تلعثم في آخر كلماته وحانت منه نظرة نحو الباب المُوارب قليلا وما إن لمح هوية من تتوارى خلفه حتى هتف
((ادخلي يا ياسمين أنتِ وهدى، لا داعي للتصنت))
بخجل وتردد ولجت ياسمين وهي تمسك يد هدى الصغيرة ليشير مَازن لهما ويكمل محاولة نيل استعطاف أبيه
((انظر يا أبي إلى زوجتي المسكينة كيف ظهر أثر الإجهاد والعمر على وجهها الرقيق وقد أثقل كاهلها لعب دور الأب والأم لابنتها))
ثم تقدم مَازن أكثر من ابنته ينخفض ويقبل جبينها بينما يكمل بدرامية
((انظر إلى تلك البريئة الصغيرة كيف تعيش هنا كيتيمة ووالدها حي يرزق! إذا لم يهمك أمري فعلى الأقل اهتم بشأن هاتين المسكينتين))
رفعت هدى الصغيرة يدها تمسح آثار لثم والدها الوهمية ولم تشعر تجاهه بالحب بينما رفع مَازن وجهه لزوجته يقول
((صحيح يا ياسو ما أقوله أم ماذا؟ هيا تحدثي بشيء))
تنحنحت ياسمين تُجلي صوتها ثم قالت بتعثر
((أعني.. بصراحة لم أشعر يومًا بأنّ هدى تحتاجك، أعمامها ينوبون عنك بل وزيادة.. خاصة عمها مُؤيد دائما ما يُلاعبها ويسأل عن أخبارها واحتياجاتها ولا يُقصر معها أبدًا.. لا أبالغ لو قلت بأنه يعاملها هي ودارين أفضل من أولاده))
اتّسعت عينا مَازن لما يسمعه فقالت هدى
((نعم صحيح يا أمي عمي مُؤيد رائع))
ربتت ياسمين فوق شعر ابنتها لتقول ببراءة مصطنعة
((هل أصغيت يا مَازن لكلام ابنتك؟ صدقني نحن هنا على خير ما يرام فلا تعطل مصالحك وعد من حيث جئت.. صدقني سنعتني ببعضنا جيدا حتى لا تحمل همّنا هناك))
تسللت كلمات بريئة من فم هدى تلقائيا
((نعم أبي يمكن أن تعود ونحن سنكون بخير من دونك لا تقلق.. لن أتأفف أو أُبدي ضيقا إذا ما طلبت جدتي أن أتحدت معك على الهاتف إذا كان هذا يُسعدك))
استقام مَازن واقفا من مكانه وكُل ما فيه ينذر بالشر.. ثم مال يشد ضفيرة طفلته بقوة وطفولية قبل أن يبارح المكان بغضب..
شهقت هدى مما فعله وسرعان ما اغرورقت عيناها بالعبرات لتبدأ بالبكاء.. فحضنتها ياسمين وهي تربت فوق شعرها وتَتَطلع لحماها بحزن تستدعي شفقته وتغمغم
((هل رأيت يا عمي كيف شدّ شعر هدى!))
.
.
ليلًا..
ارتدى مَازن قميص منامته بعدما انتهى من استحمامه وفرغ حقائبه.. رفع المنشفة يجفف شعره البني المائل للحمرة..
فتحت ياسمين عليه الباب بعد أن تأكدت من نوم هدى.. وكانت تشعر بالحُزن الممزوج غضبًا من حماتها التي أصّرت عليها أن تجعل هدى تنام في نفس غرفة دارين وتتوقف عن النوم بجانبها بسبب عودة مَازن..
ما أن انتبهت ياسمين على نظرات مَازن تحوم عليها حتى عبست ووبخته
((هل أعجبك ما تسببت به؟ تتحرش لفظيا بنجوم دون أي رادع وتتسبب بسخط والدك وغضبه منك وعلينا))
أثقلت ملامح مَازن الوسيمة بالذّنب لتجاوزه الحدود بالكلام إلى الحدّ الذي وصل به أن يتحدث عن قوامها! ومن أجل ماذا! فقط من أجل إغاظة ياسمين! فقال بصوتٍ خافت
((لقد أخطأت، معك حق، سأذهب الآن لأعتذر منها))
كان يهُم حقا بالخروج فاتسعت عينا ياسمين وقبضت على رسغه تردعه عن الخروج باستنكار كمن تحادث أبلهًا
((أين تذهب؟ ألا تفكر؟ لو رآك عمي الآن أمام نجوم سيدفنك تحت الأرض دون ذرة ندم))
أطرق مَازن وجهه أرضًا وهو يعي صحة ما نبهّته إليه.. وازداد غضبه من نفسه.. فهو في نهاية العشرينات من عمره ولا زالت تصرفاته تشي بتصرفات مراهق أرعن لا يفكر بنضج أو رزانة..
أطلق تنهيدة عميقة كان يكتمها وهو يتجه نحو السرير بينما يراقب ياسمين تفك حجابها المنزلي من على رأسها فيتساقط شعرها البُني بكثافته شلالًا على كتفيها..
افترس مَازن النظر لشعرها بانبهار مسروق الأنفاس ثم تمتم
((شعرك الطويل الخلاب ما زال كما هو ولم تقصّيه! هل أخبرك سرًا؟ منذ أن تزوجنا وأنا أحب غمر أصابعي وتمريرهم فيه.. إنه غزير وطويل ويخطف اللُب))
تطلعت له بنظرات تشعّ رفضًا وقالت
((تعرف أني أكره أن يلمس أحد شعري))
تغضّن جبينه مازن مكفهرا واعترض
((بل سألمسه، ألست زوجتي؟))
ثم مال نحوها يحاصره بنظراته المحتدة مردفا بكلمات طال وقت كتمانها في داخله
((أنا لم أخطأ بحقك بشيء إلا بسكوتي عن خُطتهم الدنيئة لكن الآن لم أعد أشعر بالذنب أو الشفقة تجاهك لأنك لا تستحقينها، لكن وبما أن حظي التَعس جعل والدي يظن بأني مشترك معهم وأجبرني على الزواج منك فأنا لن أتنازل عن أي شيء من حقي فيك بعد الآن))
ثَارت ملامحها دون أن تتفوه بحرف وهي تفهم ما يُلمحُ له بينما تسمعه يُعيد فتح دفاتر الماضي بينهما.. فأكمل لها بصوتٍ واضح قاتم
((نعم كنت أسمعهم يعرضون عليّ مشاركتهم التخطيط بخطف فتاة تجرّأت على تحدي زعيم عصابتهم وتسببت بفصله من الجامعة لكني رفضت بل وانسحبت تمامًا من شلتهم وقد اقتنعت بكلام أصدقائي بأنهم شلة سوء فاسدة ولن يأتي من ورائهم إلا المصائب.. لكن أحد أفراد عصابتهم أقنعني بأنه انسحب من العصابة وطلب ودّي وببلاهة صدقته وقبلت صحبته، ثم ذاك الشّاب أقنعني بحجز غرفة له في إحدى الفنادق باسمي ومالي ليمكث فيها عدة أيام بعد أن طرده والده من البيت، وأنا لبّيت طلبه بحسن نيّة وعندما فكرت بزيارته ودخول الغرفة بعد أن دَعَاني صُدمت على صريخك في وجهي وتفاجأت بأمن الفندق يحتجزني بانتظار وصول الشرطة))
ضيقت عينيها وقالت بنبرة مكتومة تحمل غلا تجاهه
((نعم أعرف هذه القصة التي سردتها عليّ ألف مرة في الماضي، بغض النظر إن كنت صادقًا تمامًا أم لا.. فأنا لا أَتَقبلك ولم أخْترك زوجًا لي إلا بسبب ظروفي))
ردد بنبرة مظلمة دون ندم أو تردد
((لا يهمني أن تقتنعي أنتِ أو أبي بأني مظلوم.. لكن ليكن بعلمك لو عاد بي الّزمن لم أكن لأستجيب لأمر أبي في الزواج منك مهما كلفني الأمر))
غامت عيناها بالحقد المصوب له إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يكمل وهو يفتح يديه
((هل فاجأك تَغيري؟ نعم يا ياسو الحبيبة أنا لم أعد مَازن القديم ذاك الذي تزوجك وتحمل منك كل أنواع السّخط، سامحًا لك بإفراغ جام غضبك وحزنك فيه لأنه يُشفق على الظّلم الذي تعرضتِ له من كل من حولك))
كلماته كانت كنصالٍ حادة يصوبها إلى صدرها ويهبط بها مُمزقا روحها بكل جنون.. مستنزفًا إيّاها وآملًا في القضاء على الجزء المتبقي من كبريائها الذي يدفعها أن تُنغص عليه حياته لعدم تصديقها أن صداقته مع شباب منحلين وفاسدين كهؤلاء يمكن أن تجعل منه شخصا جيدًا!
قَسَت عيناها في هذه اللحظة كشظيتين من الجليد المؤذي.. لتنطق أخيرا بصوتٍ مثقل بالقهر والنقمة
((ومن سمح لك أن تشفق عليّ! هل تظنني سعيدة في الزواج منك وحبس نفسي بين أُناس لا أشعر بالانتماء لهم طوال تلك السنوات؟))
كانت كل ملامحه خالية من التعبير وهو يقول بفتور
((أعرف بأنك لست سعيدة لكن عليك أن تعلمي أن هذا الشّعور متبادل.. وبما أننا وللأسف متزوجان بالفعل ومنذ سنوات وتربط علاقتنا طفلة بيننا فمُضطر أن أقبل بنصيبي البائس وأظل معك))
هَتَفت به بانفعال
((لكن أنا لا أريد أن تظل معي.. لولا عائلتي لكنت طلبت الطلاق منذ زمن..))
أَطبق شفتاه في خطٍ قاسٍ قبل أن يمرر عيناه عليها من أعلاها إلى أخمص قدميها بنظرة رجولية متفحصة بعد أن خلعت عباءتها وظهرت بمنامتها البيتية الضيقة ثم قال بجفاء
((لكنك لم تفعلي وطالما أنتِ أمامهم زوجة لي سنكمل حياتنا كما كانت قبل سفري.. هيا الآن تجهزي))
خيم صمت ثقيل فوق رأسيهما.. وازدردت ريقها من نظراته ثم تساءلت غير مطمئنة
((أتجهز إلى ماذا؟))
رفع حاجبيه لها وقال بصوتٍ غريب جرّدها من كبريائها
((أريد حقوقي الزوجية! ما هو غير المفهوم؟))
أخذت ياسمين نفسًا عميقًا كي تسيطر على ألم رُوحها.. ثم نظرت إليه بابتسامة تواري قهرها وهي تبدأ بفك أزرار قميصها ثم بصقت كلماتها من فمها بنظرات احتقارٍ
((تفضل خذ حقوقك))
نظر مَازن لجسدها وتقاسيمه التي تسلب عقله كأنه يراها لأول مرةٍ في حياته! أو أن رغبته الجائعة زيّنت له طلتها!
في بداية زواجهما ما إن يبادر للاقتراب منها حتى تتجمد جسدًا وروحًا قبل أن تسمح له بنيْلهَا، فَكَرهَ العلاقة الزّوجية كلها ولم يقترب منها إلا على مضض..
لكن وبعد مرور تلك السنوات ونمو الرّغبات فيه كرجل اختلفت نظرته للأمر..
فلم يشعر بنفسه وهو يندفع نحوها اندفاعًا كاد يُسقطها لولا دعمه لها بين ذراعيه..
بخفة ألقى ظهرها فوق السرير قبل أن يميل برأسه نحوها ويجتاح شفتيها بعُنفٍ.. ولمساته تمتد بكل إنش فيها يستحضر كل فنون الإغراء التي يُتقنها أي رجلٍ بالفطرة.. انهمك يخضع جسدها ويجعله طوْع بنَانَه.. وفي النهاية نال استجابتها لكن بطريقه لم ترضيه.. وشعر بالدماء الساخنة داخله.. تستحيل لصقيع!
.
.
فجرًا..
فتحت ياسمين عينيها ثم هدرت بوجع محاولة دفعه جسده المطوق لها بقوة حديدية عقب أن حررّت ذراعيها أخيرًا
((ابتعد يا مَازن، تكاد تحطم ضلوعي))
تململ قليلا أثناء نومه إلا أنه لم يتحرك إنشا كالجبل..
بل تلكك فمه ثم دفن وجهه في عنقها يستنشق رائحة غسول شعرها الممزوج برائحتها الأنثوية لتُكون عطرَا خاصا بها..
عندما همّت بالقول مجددا قاطعها بصوتٍ ناعس أجش
((شششــ... هل تعرفين أن سبب إصراري على العودة هنا هو لهذا السبب؟ فبعد أن أنهيت دراستي الصعبة وازداد وقت فراغي لم أعد أفكر إلا بالعلاقة الزوجية، وأنا الآن بحاجة لقربك حتى أُعَوض))
غمغمت له بحنق مكتوم وهي لا تزال تعافر لتتحرر كليا من عناقه المتملك
((تريد أن تعوض على حساب خنقي؟ ابتعد يكاد نفسي ينقطع))
التفت أصابعه حول خصلات شعرها ولثم زاوية شفتها هامسا
((عودة لأحضاني علّ شيئا من الثلوج التي خلفتها الغربة في روحي تذوب))
تمتمت له بصوتٍ مخنوق وهي تنأى بوجهها عنه
((ألا تستطيع هذه الثلوج أن تذوب بطريقة غير هذه الطريقة؟ أنتَ تخنقني))
تشدق متهكمًا ((للأسف ليس هناك طريقة أخرى))
رددت له بامتعاض ملح
((مَازن.. مَازن الصّلاة.. سيطلع الصبح.. ولم نصلي الفجر بعد))
أخيرا خفف من قبضته حولها لتتحرر من بين ذراعيه وتتراجع جالسة عند زاوية مكدسة بالوسائد واللحف بينما تسمعه يقول بصوتٍ ناعس يغمض إحدى عينيه
((أوه فعلا الصلاة))
نهضت ياسمين من مكانها ليأتيها سؤال مَازن المستغرب
((بالمناسبة يا ياسو، أنا لم أرَ أخي مَالك طوال اليوم وهاتفه مغلق، هل تعرفين أين ذهب ومتى سيعود؟))
تجهمت ملامح ياسمين وقالت
((وهل تذكرت الآن أن تسأل عنه؟ ألم يلفت انتباهك وجود طفل يُدعى يزيد مع أمك طوال الوقت!))
بدت ملامح الحيرة متجلية تماما على وجه مَازن فأكملت
((سأخبرك لاحقا))
ثم قفزت أرضا وهي تحيط الملاءة حول جسدها هادرة
((لكن سأستحم قبلك))
ناظرها مَازن تمر من أمامه باستمتاع ورأسه فوق ذراعيه..
=============================
شركة القاني..
خرج قصي من سيارته الشبابية مفتوحة السقف ثم ولج للشركة وفي عينيه تلتمع نظرة تنذر بالشر.. حديثه مع عمه أفقده أي ذرة تعقل بقيت فيه..
دخل إلى المستودع يأخذ كل أغراضه من خزانته الخاصة.. قبل أن يُسلم استقالته..
بمجرد أن سلم مفتاح خزانته للقسم المعني حتى توجه نحو قاعة العمل ثم إلى حاسوبه لأخذ أغراضه التي نسيها في ذلك اليوم الذي غادر به الشركة فجأة..
قبل أن يخرج لاحظ زميله طه يتشنج غيظا أثناء حديثه مع عميل ما على الخط..
ضيّق قصي عينيه يميل لزميله ويمعن النظر في احمرار وجهه بينما يسمع صوت العميل يشتمه بكل وضوح ويصرخ عليه..
قال الموظف طه بصوتٍ مضطرب
((سيدي لو سمحت لا تخرج عن نطاق المكالمة وإلا ستضطرني أن أغلقها..))
عاد العميل يشتمه وقبل أن يكرر طه تحذيره الثاني كان قصي يسحب السماعة منه ويتحدث هاتفا
((أيها العميل الغبي تحدث بأدب مع الموظف، إنه يرتدي سماعة الأذن على مدار تسع ساعات متواصلة وردّ على أكثر من مائتين عميل بمشاكل وطلبات وثقافات مختلفة بترحيب ومودة واحتواء، فلا داعي أن تزيد عليه بشتمك إياه))
صرخ العميل بقُصي وهو يلاحظ اختلاف صوت الموظف
((أيّها اللعين من أنتَ لتتحدث معي بهذا الشكل؟ حسّنوا من خدمات موقعكم الإلكتروني ولن يكون هناك داعي أن نتصل بكم أيها الحثالة........))
اتسعت عينا قُصي وهو يسمع العميل يشتمه شخصيًا فما كان منه إلا أن انفلتت لجما غضب وهمس به بتشنج غاضب مقهور
((أيها الأحمق كيف تشتمني بهذا الشكل؟ أنا مجرد ممثل للخدمة ولست صاحبها الحقيقي، لأن هناك موظفون غيرنا قائمون على الخدمة.. أنا فقط أمثلهم فليس من العدل أن تحملني فشل البقية))
((بل سأحمٌّلك أيها الفاشل .................))
شدّ قصي على نواجده يكاد يتميز غيظًا ليرد
((أيها الرجل ليس هناك أحد @#$ #@$ غيرك أنتَ يا @#$ ^%$$ %$$^ &^% $$%))
أغلق قُصي المكالمة من النظام مِمّا جعل عينا طه تجحظان ممّ تفوه به ليقول مستنكرًا من هول فعلته
((كيف قمت يا قًصي بشتمه بهذه الألفاظ الفظيعة!))
غمغم قصي من بين أنفاسه المتلاحقة كمن خرج من الحرب توًا
((هو من بدأ بشتمك وشمتي أولا))
قال طه منهارا وهو يكاد يفقد ذرات عقله
((أنا كنت سأنبهه ألا يكرر شتيمته حتى لا أغلق المكالمة عليه.. يحق لنا إغلاق المكالمة في حالة تجاوزه في الكلام علينا ثلاث مرات.. هذه هي القوانين))
قال قصي بصوت كالهسيس من بين أسنانه المصطكة
((هل كنت تريد مني انتظاره أن يشتمني ثلاث مرات لأغلق المكالمة؟ فلتذهب هذه القوانين للجحيم))
رَفَع طه يديه يمسح وجهه قائلا بينما يرى نفسه في موقف لا يُحسد عليه
((ماذا إذا تم سماع مكالمتي أو رفع هذا العميل شكوى عليّ؟ ماذا سأفعل؟ سيتم طردي من هذا العمل))
ارتدى قصي حقيبة ظهره وأجاب قبل أن يتجاوزه
((قل لهم بأني أخذت السماعة منك رغمًا عنك وحمّلني كافة المسؤولية فبكل الأحوال أنا سأستقيل.. إلى اللّقاء))
تعجب طه من استقالة قُصي المفاجئة.. خاصة وأنه مظهره كان مختلفا تماما.. فوجهه بدا كأنه قدّ من صخر.. بذقنه النابتة بهمجية.. وعينيه الخاليتين من الحياة..
توجه قصي نحو البهو قبل أن تبرق نظرة شر خاطفة في مقلتيه وهو يرى شيرين تظهر من العدم وتقف أمامه قاطعة عليه الطريق..
كتّفت الأخرى ذراعيها ورفعت ذقنها تتحدث بعملية
((لماذا جئت يا قُصي للشركة؟ أنا بالفعل رفعت شكوى بغيابك المُتكرر بجانب مغادرتك المفاجئة في ذلك اليوم.. صدّقني لن تنجو هذه المرة من الطرد))
اتقد الجمر في حدقتي قصي المخيفتين لكنه أطبق على صدره وهو يسبل أهدابه ليسجن خلفهم مشاعر تعصف بكل كيانه تحثه بالفتك بثبات هذه المرأة أمامه.. التي تسببت بحدوث شروخ بينه وبين سهر..
لقد كان قريبًا من الاعتراف لسهر بحقيقته.. كاد يبوح لها بكل شيء عنه وعن عائلته لولا شيرين.. تلك.. تلك.. تبّا لها..
وبشق الأنفس قاوم رغبته الملحة في الإنقاض على هيئتها المزعجة التي تضخ دماء الحنق في قلبه كالمضخة الهادرة.. ثم تابع الطريق أمامه متجاوزًا إيّاها ببرود ظاهري..
اجتاح القهر خلايا شيرين لتجاهله إياها وودت لو تلحقه وتوسعه ضربا جزاء على خداعه لسهر ولكن الغضب المحتجز في مقلتيه المظلمتين حذرها من الولوج في منطقة رجل مفتول العضلات مثل قصي خاصة وهو متشنج الأعصاب هكذا! فتركته وذهبت لمكتب رئيس القسم.. طرقت الباب قبل أن تدلف قائلة بشكل مباشر
((مرحبا سيدي.. أريد أن أعرف ماذا حدث بخصوص ما أرسلته لك على البريد الإلكتروني قبل عدة أيام عن موظف يُدعى "قصي سامح"؟))
توقف رئيس القسم فجأة عما يقوم بكتابته على حاسبه الآلي كروبوت أوقف أحد شحنه.. ثم تطلّع لشيرين بوجه خالي الملامح للحظات قبل أن يسألها مضيّقا عينيه
((ما به؟))
تمَالكت شيرين أعصابها من بروده في مسألة طرد قصي الذي لم يحضر منذ أيام للشركة.. ثم تنحنحت قبل أن تتحدث بعملية وتحفظ
((هناك موظف يدعى "قصي سامح" تكررت مخالفته من غياب ومغادرات بلا أعذار.. وتعبت أنا وقائد فريقه من إعطائه الفرص، لذا أفضل علاج للموظفين أمثاله الطرد إذا لم يقرر الاستقالة بنفسه.. لقد كتبت لك كل هذا بالرسالة الإلكترونية.. وأنا مستغربة من عدم تلقي ردّ أو اهتمام منك حتى الآن بهذا الشّأن))
ظل رئيس القسم يتطلع بتركيز في ملامح شيرين ثم قال بصوتٍ خافت
((هذا لأني حذفت الرسالة بمجرد أن قرأتها، سيدة شيرين لو سمحتي لا تشغلي نفسك كثيرًا مع ذاك الموظف الذي يُدعى قصي.. فقد لاحظت مؤخرًا بأنك تَتَقصّدينه كمن تتبعين متعمدة أخطائه))
لفّ شعور من الغضب شيرين واعترضت
((سيدي أنا هنا كمشرفة لا أقوم بشيء بعيد عن واجباتي، أنا لا أتعمد التنقيب ورائه.. لكن مخالفاته أكثر من أن يتم التغاضي عنها.. هل تحب أن أذكرها؟ أنا أعمل هنا في شركة القاني منذ ما يقارب الثمانية سنوات ولم أرَ بحياتي موظفًا بإهماله واستهتاره))
شاب صوت رئيس القسم شيء من الصرامة وهو يقول
((سيدة شيرين للمرة الأخيرة سأقولها لك.. اتركي قُصي بحاله ولا تشغلي نفسك به.. ولا تضطريني أن أتخذ إجراءات ضدّك.. ربما أضطر أن أنقلك لقسم آخر برتبة أقل من مشرفة))
اهتزّت حدقتا شيرين بصدمة مِمّا تسمعه ثم قالت بصوتٍ خطير وهي تقترب منه
((سيدي هل تهددني؟))
أجابها بحيادية ((بل أحذرك وحسب))
رفعت شيرين حاجبيها وهي تقول
((بل تهددني بنقلي كمشرفة من هذا القسم إن لم أتغاضى عن أخطاء ومخالفات موظف مهمل! على كل حال بما أنك حذفت ما أرسلته لك ولم تُلقِ أي بالًا له.. سَأُصعّد هذه الشكوى لمن هو أعلى منك رتبة))
أرخى مدير القسم ظهره ثم قال ببرود
((لن تتدمر الشركة ولن تتراجع كفاءة القسم لمجرد تغيب قصي عن دوامه لعدة أيام.. لا تضّخمي من الأمر ولا تٌعقّديه))
اتسعت عينا شيرين مما تسمعه بتعجب!
هل هذا المدير جاد وواعي فيما يتحدث به؟ بل هل هو نفسه مدير القسم الصّارم الحازم الذي لا يعرف الرّحمة في العمل مع أحد فيه؟
سَاورها شكّ رهيب وهي تسأله باستهجان
((هل يقربك "قصي سامح" بشيء؟ لأني غالبًا سأرفع شكوى عليك قبله.. موظف بتسيبه وإهماله لو لم يكن له واسطة من حضرتك لم يكن ليتم التغاضي عن أخطائه ببساطة))
تلاعبت ابتسامة خبيثة على شفتي مدير القسم وهو يمعن النظر في شيرين بتسلية ثم قال باستخفاف
((حسنا صعدي شكوى ضدي لرفضي طرد الموظف المدعو "قُصي سامح".. يمكنني أن أزودك إذا أردت بنموذج الشكوى للأقسام العليا المعنية بالشكاوى ضد أي مسؤول))
ازدردت شيرين ريقها وتسللت الريبة لقلبها مِمّا يتفوه به.. فلم لا يبدِ أي خوف أبدًا من شكواها عليه! ازدادت حيرة شيرين ولم تعرف إذا ما كان عليها التحرك أو التراجع فعِناد مسؤولين أكبر منها لن يكون في صالحها!
كانت تَهُم بالمغادرة عندما استرسل مدير القسم بلهجة محذرة
((شيرين أنتَ امرأة ذكية لذا سأنصحك لمرة أخيرة أن تمارسي عملك هنا بذكاء.. الكل يتقنص أبسط فرصة ليأخذ محلك))
عَبَست ملامح شيرين فقرأ المدير في خُضرة عينيها الكثير من التساؤلات.. كأنها تنتظر منه توضيحًا وكشفًا لمَا يُلمح له.. لكن لم يعطها ما تأمله وهو يعيد بصره نحو حاسبه الآلي ويكمل عمله!
=============================
كاد يزيد يُدمي شفتيه غارسا ثنايا أسنانه بهما ليمنع ارتجافهما.. يتخبط بألَم لا يتحّمله قلبه البض الصغير بينما يتمتم بألم
((أريد أمي.. متى سأراها؟))
صوت بكائه ونحبيه أحرق قلب زاهية الجالسة بجانبه وعاجزة عن إسكاته كما تستطيع أحيانًا..
رفعت يدها تُمسد رأسها الذي بدأ يخترقه صداع رهيب وقالت بصوتٍ مُعذب
((لماذا لا ينجح أحدكم بجعله يأكل ويتوقف عن البكاء!))
تذمرت دارين بعجز وبراءة
((مرات ننجح في تهدئته ومرات أخرى لا نستطيع عندما يستفحل شوقه لأمه، فماذا نفعل!))
قالت زاهية لزوجها بقلة حيلة تغزوها
((لو كان رضيعا يا حاج لما وجدنا صعوبة في تكيّفه هنا، لكنه بعمر يدرك غياب أمه ومُصر ألا يهدئ من روعه قبل أن يراها الآن))
عقب يعقوب بتعنت غير مألوف فيه
((لن يرَ أمه أبدًا بعد الآن ولن أتراجع عن كلامي))
اعترضت رتيل تحاول تليين قلبه
((لكن يا عمي إنه يبكي منذ الأمس لأنه يريد أمه ولم يأكل شيئًا.. انظر إلى وجهه الشّاحب))
أمسكت زاهية يديّ يزيد بحنو وتوسلت له
((يزيد حبيبي ألم نتفق بأنك ولد كبير لا يجب عليه البكاء؟ هيا كل يا حفيدي حتى تلعب مع أولاد عمك باسم وفهد))
قال يزيد من بين شهقاته التي تشق القلب
((كل مرة تَعدني الخالة رتيل الذهاب لأمي لا تفِ بوعدها))
عاتبت زاهية كنتها
((لماذا وعدتيه يا رتيل بشيء لن يتحقق؟))
تنحنحت رتيل قبل أن تمد يديها وتمسك يد يزيد تحثه على الوقوف
((أعطني إيّاه يا عمتي لربما أقنعه في المطبخ أن يَأكل شيئَا يسد فراغ معدته))
أومأت زاهية لها وقالت بنبرة متحشرجة
((خديه يا رتيل وحاولي معه أرجوكِ.. أملي فيكِ أنتِ))
هَدَرت رتيل وهي تغادر
((تعالي معي يا دارين))
أطاعتها دارين وسارت نحو المطبخ بجانبها هي ويزيد الذي لا تزال دموعه تتدفق على وجنتيه..
لكن دارين تَفَاجأت وهي تسحبهم إلى خارج باب المطبخ فقالت باستهجان
((أين تذهبين إلى خارج المطبخ يا زوجة عمي؟))
قالت رتيل بجمود احتلّ ملامحها
((سنذهب به إلى أمه))
اعترضت دارين بوهن
((وماذا لو عرف جديّ؟))
عقبت رتيل بحدة تكتسح لهجتها
((لن يعرف لو حافظتي على صمتك))
في هذه اللحظة خفت بكاء يزيد ورفع يده الحرة يكفكف دمعه وهو يلحظ أن رتيل تأخذ بيده فعلا حيثما يقع بيتهم الصغير.. والذي بمجرد أن اقتربوا منه حتى ترك يد رتيل وهرول نحوه هاتفًا بصوتٍ متهدج من إثر البكاء
((أمي.. أمي أين أنتِ؟))
لم تَطُل طرقاته كثيرًا حتى فتحت سمية الباب وسارعت بلهفة تنخفض وتعانقه بعد أن تملكّها الحزن طيلة فترة ابتعاده عنها وتسّرب الأمل من بين يديها أن تضمه قريبا.. فشدّدت من عناقه وهي تهدر بشوق قاتل
((يزيد حبيبي لقد اشتقت لك))
وسرعان ما اهتزّت المشاعر وانتاب سمية وابنها الإثنين نوبة من البكاء والنشيج..
في داخل المنزل ظلت سمية تعانق ابنها بحضنها الذي افتقده لأسابيع.. فكان العناق حارًا وباكيًا في مشهد عَاطفي وإنساني مُؤثر أبسط ما يمكن أن يقال عنه أنه فَطَر قلب كل من رتيل ودارين..
وما إن مرّ الوقت وتعب الاثنين من البكاء قالت رتيل ببرود محاولة ألا تظهر عاطفتها الحقيقية
((لم يأكل يزيد شيئًا منذ الأمس، معك فقط نصف ساعة حتى تطعميه قبل أن آخذه لجدته، فقد جئت إلى هنا أنا ودارين متسللتين))
اتسعت عينا سمية مِمَّا تسمعه لكنها هرعت بلهفة نحو المطبخ هاتفة
((حسنا.. دقائق قليلة.. سأذهب لأحضر طعامه المفضل))
أعدًّت سمية شيئًا سريعًا ليزيد ورفعت الملعقة تلقمه بنفسها بحنان..
حتى بعد ما أعلن يزيد شبعه ظلت ترجوه أن يكمل الطبق حتى نهايته ويريح قلبها.. فعقبت رتيل باستياء
((إذا قال لك بأنه نال كفايته من الطعام فلا تجبريه على أكل المزيد، أريد أن نعود قبل أن يشعر أحد أني هرّبته من البيت))
التفت يزيد لها بخوف طفولي
((لا أريد العودة هناك بدون أمي أو عمي مَالك))
صححّت له رتيل بصرامة
((توقف عن قول "عمي"، إنه والدك، ادعوه بـ "أبي"))
نَكَس يزيد رأسه شاعرًا بالتخبط، فحدجت رتيل سمية بنظرات غاضبة وتمتمت بحنق
((أيها المسكين لا بد أنك كنت تعيش في إرهاب فظيع عند والدتك التي تجبرك على مناداة أبيك بـ"عمي" وحرمتك من حقك كحفيد للحاج يعقوب الكانز))
نأت سمية بنظرها والذنب يثقل كاهلها لتقول
((توقفي يا رتيل، لقد فعلت كل هذا لمصلحة الجميع))
هتفت رتيل بها باستنكار مغلف بالغضب
((وأين مصلحة مَالك في أن يحرم من أن يعيش أبوته مع ابنه الوحيد إلا بالخفاء؟ وأين حق يزيد الذي عاش حياته أقل من تلك التي يحق له أن يعيشها))
وضعت سمية الطبق على الطاولة أمامها وهي تجيب بحزن خالص
((لم أكن أخطط لإخفاء الحقيقة للأبد، وإلا لما كنت أخبرت طفلي منذ صغره وقبل أن يُدرك شيئًا في الحياة أن والده هو مَالك.. كل ما في الأمر أني كنت أريد أن أؤخر الأمر قدر الإمكان حتى يكبر ويُصعب نزعه مني.. فهو ما تبقى لي في هذه الحياة))
لاحت على شفتا رتيل ابتسامة ساخرة متسائلة
((نزعه منك؟ من كان سيجرؤ على أخذه من والدته!))
تطلعت سمية لها بعينين تشعان عذاب وهي تقول
((تخيلي لو عرف والدا مَالك بأن أصغر أبنائهم تزوج من امرأة تكبره بسبع سنوات ومطلقة؟ هل تظنين بأنهما كانا ليتقبلا الأمر بكل بساطة؟ كانا ليجبرا مَالك على طلاقي ثم أخذ الطفل مني.. ثم كانا ليزوجاه من امرأة أخرى تتولى هي رعاية يزيد والاجتهاد في تربيته وما كنت لأمثل له شيء أكثر من أم بيولوجية تقتات على رؤيته بين الحين والآخر بوقت شحيح.. وأنا بت وحيدة بعد طلاقي الأول ووفاة والديّ، وكان وجود يزيد بجانبي هو ما يمدني بالحياة.. الآن حتى لو أخذوه مني فلن يقدروا على نزعي من قلبه وروحه للأبد، لن يستطيعوا أن ينفوني من حياته أبدًا))
تهكمت رتيل بمرارة
((إذن ساهمت في إخفاء حقيقة يزيد من أجلك أنتِ فقط))
قالت سمية بإصرار صوتها المهتز
((بل من أجله أيضًا فالاهتمام والحب الأمومي اللا مشروط أفضل له بكثير من مال وجاه عائلة الكانز، لن تكون زوجة أبيه أحنّ وأكثر عطفا عليه مني))
زعقت رتيل بها بانزعاج
((لماذا تنشغلين بالتفكير في زوجة أبيه غير الموجودة بدلًا من التفكير في كيفية جعل مَالك يعود ليتزوجك ثم يتقبلك الحاج يعقوب! هكذا ستعيشين بجانب ابنك دون أن تحرميه أي شيء من حقوقه!))
تحشرج صوت سمية وهي تقول
((لأن مَالك يستحق الأفضل.. يستحق أن تكون عنده زوجة تناسبه ويكون هو أول رجل في حياتها))
فتحت رتيل يديها تقول وهي تتميز غيظا
((وما دخلك به! هو رجل بالغ عاقل وأدرى بمصلحته! إذا كان معمي على عينه ومضروب على عقله وقلبه ولا زال يريدك فعليك القبول أولا من أجل يزيد ثم من أجل نفسك، لو تزوجت من مَالك ستعيشين معه في كنف الرّخاء المادي وكل طلباتك ستكون مُجابة والأكثر من هذا فإنه مجنون ويحبك أكثر من نفسه))
تنهّدت سمية وهي تعقب
((مشاعره الجارفة هذه تجاهي تجعلني لا أثق فيه على الإطلاق.. لأني في سابق العهد كنت متزوجة من كامل الذي عندما رفض والديّ في البداية طلبه للزواج مني بسبب ضيق حاله المادي حاول الانتحار.. وعندما تزوجته أهداني الحب والاهتمام بغير حساب وهون عليّ بطش والدته سيئة الطباع.. لكنه خذلني في النّهاية بعدما هجرني وعلّق زواجي ثم تخلّى عني وجعلني أعيش أيامًا عصيبة بسببه! بسبب كامل عشت الانتكاسة والإحباط وانطويت على نفسي))
هدرت رتيل بخشونة
((لا تقارني مَالك بكامل..))
ازدردت سمية غصة مسننة قابعة في حلقها ثم هدرت
((رغم أن مشاعري التي أكّنها لمَالك أكبر من أن تقارن بمشاعري الباهتة والبسيطة التي كنت أحملها لكامل في الماضي، لكن الفوارق التي بيني وبين مَالك تجلب لي ذلك الشعور، نعم أنا أشعر على طول الخط أنه بعد زواجنا لن يختلف عن كامل.. هذا الإحساس لا يفارقني، لقد بات الهدف الذي أتمنى بلوغه بطريقة لا شعورية.. نعم يتبادر إلى ذهني أنه لو صدق حدسي سأهنأ بحياتي ولن أنتظر بعدها المصير المجهول الذي يتربّص بي))
رفعت رتيل يديها تمسح وجهها ثم غمغمت ممتعضة
((سمية أنتِ لست نكديه وحسب! بل معقدة ومريضة! لو كنت مكانك لأسرعت في الزواج من مَالك قبل أن يدرك أية مصيبة وبؤس سيق فيه عند زواجه منك!))
زمّت سمية شفتيها ثم قالت بصوت مشتد حزين
((أحاول أن أتخلص من هذه الأفكار لكنها تأبى مفارقتي وتفرض عليّ الرغبة في أن يكرهني مَالك لأرتاح من التفكير في أمر نتيجته حتمية))
قاطعتها رتيل حانقة بنفاذ صبر
((سمية أنا لست مصلحة اجتماعية لأعرف ما الذي يجب أن أنصحك به.. لكن عليك أن تتخلصي من هذه الأفكار، عليك أن تتعلمي أن تطلقي العنان لمشاعرك المكبوتة وتتزوجي مَالك وتعيشي حياة بسيطة معه بعيدا عن فلسفتك! إذا ما حدث وأصبح مثل كامل بإمكانك ببساطة أن تفترقي عنه ولن تخسري شيئا.. الحياة متعتها بالمغامرة والتجربة))
ثم استقامت واقفة من مكانها تقول آمرة ليزيد باحتدام
((هيا يا يزيد لنغادر الآن))
أبدى يزيد اعتراضا وهو يتمسك بخوف بأمه
((لا أريد الابتعاد عنك يا أمي، لقد اشتقت لأبي أيضًا))
تنّهدت سمية وهي تجتذب ابنها إلى صدرها تضُمه بقوة.. تقبل أعلى رأسه وتمسد ظهره بحنو هادرة
((يزيد حبيبي اذهب مع خالة رتيل وهي ستأتي بك الى هنا معها بين الحين والآخر، أعدك، لكن حتى يتحقق ذلك عليك أن تكون مطيعا))
ابتعد عنها والدّموع تترقرق في عينيه فدغدغته سمية بحركة مفاجئة ليتصاعد صوت ضحكاته الصبيانية التي خطفت قلبها وهي تذكرها بمثيل لها لكن أكثر نُضجا وأقل أريحية..
عادت سمية تضمه لمرة أخيرة بحنان هامسة له
((لا تحزن يا حبيبي هو وضع مؤقت، أهم شيء ألا تتعب خالة رتيل وجدّيك))
أبعدته عنها وقبلتّه على وجنتيه تتمتع بذلك الدفء.. فرفع يزيد وجهه يلثم وجنتها وهو يقول بطاعة
((حسنًا يا أمي..))
=============================
غرفة نوم سهر وشيرين.. قُبيْل الفجر..
تململت شيرين في نومها على صوت سهر المكتوم والمنخرطة ببكاء مرير..
استوت مكانها وهي تفتح إحدى عينيها الناعستين بينما تناظر سهر تحدق في شاشة هاتفها المنبعث منه نور خافت.. لا بد أن النوم لم يعرف طريقه إليها حيث قضت ليلتها تتقلب في فراشها..
فركت شيرين عينيها وحطت قدميها أرضًا ثم جلست بجانب سهر التي جفلت على اقترابها..
مالت برأسها لهاتف سهر لتلاحظ أن الحمقاء كانت تحدق في صورة قصي تشبع نظرها من وجهه فغمغمت بقهر عليها
((قصي سامح ذاك المخادع..))
أغلقت سهر هاتفها وهي تضيء المصباح الخافت فوق المنضدة لتقول
((أنا فقط لا أستطيع تَقبل انتهاء كل ما بيني وبين قُصي والمضيّ قُدمًا دون وجوده في حياتي، أكثر من فكرة خداعة لي))
لامست شيرين وجنتها بحنو وهي تقول
((أنا أتفهم ما تَمُرين به))
انعقد حاجبي سهر وهي تقول بألم جعد ملامحها الناعمة
((لا أنتِ لا تفهمين.. كل ثانية تمر عليّ أنشغل بها بالتفكير بقصي، ولا أستطيع تقبل فكرة إبعاده عن حياتي.. الاشتياق له يفترسني.. لقد نجح خلال السّنوات الثلاث أن يجعلني مدمنة عليّه.. أفسدني دلالًا إلى حدّ أشعر بأني لن أكون صالحة لرجل غيره.. لن يأتي رجل شبيهًا له ويفعل حتى نصف ما كان يفعله قُصي في حياتي))
تغضّن جبين شيرين وهي تقول بإصرار
((بالتأكيد الأمر ليس سهلا أبدًا خاصة وأنك اعتدتِ عليه وبنيت الكثير من الآمال التي تخص مستقبلك وحياتك معه.. لكن مُجملًا فلا وجود لرجل يمضي كل ثانية في حياته في تدليل امرأته، قُصي كان يفعل ذلك بهدف استمالتك وكسب رضاك حتى يحصل على ثروة عائلتك.. الرّجال كلهم من نفس الطينة، وكل شيء متوقع منهم.. حتى لو بدا في البداية رجل مراعي ومحب ومتفهم لكنه بالتأكيد لن يظل هكذا للأبد.. سيأتي يوم عليه ويتحكم به العرق الحقير ليقعل ما يقوم به باقي الرجال من أحط الأفعال.. من الآن فصاعدًا عليك ألا تتعلقي بأحد وكوني مستعدة لرحيله يا سهر))
خفت شيء في بريق عيني سهر وهي تقول بصوتٍ لا حياة فيه
((ولكن يظل من الصعب عليّ أن أتحمل حجم الألم الذي سببه لي، لقد كنت أعيش معه حياة وهمية، ومع ذلك لا زلت أحمل بعض المشاعر له بعد خطبة ثلاث سنوات، خلالهم سافرنا معا.. حلمنا معا.. قضينا وقتنا معا!))
لَانَت ملامح شيرين أما سهر فارتجف جسدها بشهقات بكاء خافتة كأنها لا تصدق أنها أخرجت ما بداخلها هكذا وهي التي لم تشعر في كل حياتها بحزن كهذا!
جذبتها شيرين لصدرها ثم ربتت على شعرها الذهبي قبل أن تجفل على صوت هاتفها يصدح بوصول رسالة..
بهدوء امتدت يدها تتناول هاتفها دون أن تتوقف عن احتضان سهر التي سألتها ((من هذا؟))
تشدّقت شيرين بمرارة
((إنه وليد، يرسل لي بعض الرسائل التّهديدية من حين للآخر))
لكن في داخلها كان يَجتَاحها شعور مُريب عن سبب اكتفاء وليد بإرسال هذه التهديدات وعدم اتخاذه حتى الآن أي ردة فعل مألوفة بأفعاله وفكره الإجرامي!
=============================
في الليل..
كانت نورين متمددة فوق سريرها في مكان خال من المُلهيات التي قد تُعيقها أو تقطع عليها تركيزها خلال القراءة.. قبل أن تغلق الكتاب وتقول بحماس
((لقد ختمت الرواية أخيرا..))
حانت نظرة من مُصعب الذي كان يرتشف من كوب الشاب أمامه لها متسائلا
((أي رواية؟))
ثم شهق وهو يكمل متذكرًا
((أوه صحيح الرواية التي أعطيتها لك.. لقد نسيت أمرها فقد كان قبل فترة طويلة))
قالت له وهي تعيد خصلة شعر خلف أذنها
((في الفترة التي تَشَاجرنا فيها لم أستطع القراءة فأنا لا أحب القراءة عندما أكون في حالة عصبية منفعلة.. القراءة هي أمر مقدس بالنسبة لي ولها أجواء معينة لا أستطيع التخلي عنها.. لذلك تأخرت في إنهائها..))
أومأ لها للحظات بشرود ثم سألها باهتمام
((هل الرواية جيدة؟))
قالت له بجدية دون أن تنحسر ابتسامتها
((نعم.. إنها عبارة عن قصة واقعية لإنسان فعل المستحيل من أجل الحصول على حريته وحرية شعبه.. الرواية تأخذك بأحداثها إلى عالم آخر مليء بالسّحر والغموض الحزن والآلام وصولا إلى الحرية))
بادلها الابتسامة وهو يقول
((سعيد لما أسمعه منك))
((إنها حقا يا مُصعب رواية ممتعة جدًّا رغم أنه لا يوجد بها جانب رومانسي.. لم تترك صنفا من البشر إلا وطرحته.. فيها المتدين والملحد.. المجنون والعاقل.. الوضيع وصاحب الأخلاق.. المظلوم والظالم.. ناهيك عن أسلوب السرد المشوق المثالي والوصف الدقيق الذي ينقلك لعالم الرواية الذي لا يمل))
((نعم فقد عمد الكاتب على عدم ذكر أي زمن أو دولة بعينها.. مجرد أحداث تعود لما بعد أواخر القرون الوسطى في دول أوروبية وعربية بأسماء وهمية))
((ما هي جنسية الكاتب؟))
((كاتب عَربي سبق وقرأ المئات من الكتب التي تخص ما بعد العصور الوسطى في الدول الأوروبية))
ضيّقت عينيها واقتربت منه تدلل برجاء ضمني
((ألن تخبرني من هو الكاتب؟))
تنّهد واعتدل جالسًا وهو يجيبها
((إنه ابن عمي يحيى..))
لفّها الذهول قليلا وهي تقول متسائلة بخفوت
((هل تقول الصّدق؟))
شَاب صوته شيء من الشًّجن وهو يقول
((نعم.. كتب هذه الرواية وكان يريد نشرها.. لكن دار النشر رفضت لأنها كانت تريد منه تغيير بعض الأمور.. لكنه رفض وامتنع عن نشرها.. لذا أفكر بأن أحاول عرضها على دار نشر أخرى مرموقة قريبا.. أهديت لروحه الراحلة الكثير من الصدقات الجارية على حسب ما تسمح لي مدخراتي وراتبي الشّهري وأبي أيضًا لم يقصر.. لكن سأحب أيضًا أن أنشر له هذه الرواية))
تألقت ابتسامة نورين بحنو وهي تقول بينما تمسك كفه وتشبك أصابعها بأصابعه
((هذا مذهل، هل تحب أن تتحدث معي عن ابن عمك؟))
مال برأسه يلثم أرنبة أنفها ثم قال بصوتٍ أجش
((نعم سأحب ذلك يا عفريتة.. لكن لاحقا..))
أيدته بتركه عند رغبته وهي تقول بعينين تتوهجان حبًا
((حسنًا يا أميري كما تريد))
نَكَس مُصعب رأسه وأطلق نَفَسا حارًا ثم تعانقت النظرات وهو يقول
((إذن.. ما رأيك أن نخرج الآن لنتمشى؟))
اتسعت عيناها وطالعت ساعة يدها لتقول بدهشة
((إنها الثانية عشرة ليلًا! الظلام الدّامس منتشر في الخارج))
اعتدل واقفا من مكانه بينما يحثها بحرارة ولهفة
((لن نبتعد كثيرًا سنسير في الأرجاء حول البيت.. هيا))
جلب عباءة لها رماها عليها فاستجابت له تحت طاعة القلب..
في خارج المنزل حيث الظلام الدامس منتشر لا ينير المكان إلا ضوء القمر الواهي وقد انقشعت عنه السّحب بدأ الاثنان يتمشيّان بهدوء جنبا لجنب بحميمية..
تنهّدت نورين بعمق وهي تقلب وجهها في السماء فينعكس ضوء القمر الخافت على وجهها ويضيئه بينما تسمع صوته الأجش يقول
((هل تعرفين بأن أبي كان يمنعنا من الخروج بعد صلاة العشاء حتى بعدما كبرنا؟ عندما كنت في الجامعة أتذكر بأني اضطر أن أطيل الرّجاء له حتى يسمح لي بالنوم عند ابن عمي رحمه الله.. ولأن عمي أبعد ما يكون عن صرامة أبي كنّا لا نبيت في منزله ونخرج مع باقي أصدقائنا نتسكع طوال الليل، وكله دون علم والدي))
مالت شفتاها بجمالِ دافئ رغم ارتجافهما من البرد وهي تسأله مبتسمة
((حتى بعدما تخرجّت وبدأت تعمل يمنع نومك في الخارج؟))
همس لها بجدية تغزو ملامحه
((هناك ليالي لا أعود فيها للمنزل إلا بعدما يحل الصباح بسبب عملي في المشفى فلا يبدي أبي الضيق.. لكن إذا ما عرف بأني أريد قضاء الوقت في الخارج في يوم إجازتي يسارع بالمنع بصرامة))
تغضّن جبينها بحنق لذيذ وهي تقول معترضة
((لكن ألا تحلو نزهاتك مع أصدقائك إلا في الليل؟))
أجابها بنبرة خاصة
((هذا لأننا كنا نجتمع في مكان صحراوي اكتشفناه للشواء والمبيت والسمر، ذاك المكان السّري عشت فيه أجمل ليالي حياتي في العشرينات.. لكن للأسف لم يجتمع أحد منا هناك بعد وفاة ابن عمي))
حامت بعينيها تستشف وجهه لتقول بتردد
((كنت أريد أن أطلب منك أن تأخذني هناك يوما ما في الليل.. لكن أظن بأنك لن ترغب في السهر هناك مجددا))
عقد حاجبيه ينفي
((ومن قال ذلك؟ على العكس يمكنني الذهاب بك إلى هناك وربما المبيت معك أيضًا لكن ليس الآن))
سألته بلهفة طفلة وإلحاح
((متى ستأخذني هناك إذن؟))
مالت زاوية ثغره بابتسامة جانبية مجيبا
((لا أدري.. ربما عندما تتحسن علاقتك معي أكثر))
ادعّت الحنق وهي تقول متذمرة
((تتحدث كأني أعاملك معاملة زوجة الأب! أنا أعاملك مثل الأمراء))
انفرجت منه ضحكة رققت من ملامحه وجعلتها تبتسم في وجهه بمرح لتدس كفها في جيب معطفه المنزلي الصوفي..
بينما هو كان فعلا يخطط قريبا لأن يطلعها على مكانهم السّري الذي اكتشفه.. حيث حدوده أرض لا نهاية لها..
تطلّع مُصعب جانبه لملامحها الشّاردة دون أن تنتبه يفكر بأنه لم يتخيل أبدًا أن تكون المرأة التي رُتب لزواجها به بمحض الصّدفة تشبهه دون مجهودٍ يُذكر.. وقبل حتى أن تتعرف عليه!
سألته نورين بشقاوة
((هلا سألت أخاك ماذا يحب أن يأكل على الغداء غدا؟))
تنهد مُصعب بثقل عند ذكر سيرة أخيه المتشرد ثم قال بيأس
((أصر مالك عليّ ألا أرسل الطعام له فهو يدبر نفسه جيدا، لكن مع ذلك احسبي حسابه بالطعام كالعادة غدا وانا سأرسله للفندق الذي يمكث فيه.. فقط لو أن هذا العنيد يصغي لي ويعيش عندنا فغرفة الضيوف هنا شبه منفصلة عن البيت ولن يضايقنا أبدًا وجوده))
أيدته نورين متمتمه
((معك حق مكوثه في الفندق طول هذا الوقت هو فقط إهدار لماله))
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الرابع وخمسون 54 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
=============================
شركة القاني.. مكتب مدير القسم..
حاولت شيرين أن تتحلى بالهدوء رغم اهتزاز أنفاسها المنفعلة.. ثم قالت بانضباط منفعل أمام طه الذي يجلس على كرسي أمامها منكس الوجه كأنه طالب مذنب أمام معلمته الصارمة
((ركز معي يا طه، وأخبرني من شتم العميل عندما كان يتحدث معك؟))
أغمض طه عينيه وهو يزدرد ريقه.. يشتم قصي بأفظع الشتائم على الموقف الذي وضعه فيه..
نفسه تمنعه أن يشي به حتى لو ترتب على ذلك أن يُطرد وهو في أمسّ الحاجة لهذه الوظيفة.. ففتح عينيه يقول لشيرين بصوتٍ واهن
((لقد شتمني العميل فقمت أنا بشتمه بأمه، أنا آسف يا شيرين))
انتفخت عروق شيرين الزرقاء في يديها وهي تكور قبضتيها بجسد مشتد كالوتر وعينين مهددتين ((لقد استمعت للمكالمة المسجلة، لقد شتمك العميل وقمت بتنبيهه أن يلزم حدوده، لكن بعدها جاء صوت موظف آخر يأخذ عنك زمام المكالمة وهو من قام برد أفظع الشتائم للعميل قبل أن يغلق الخط في وجهه.. أخبرني من هو الموظف الآخر؟))
شعر طه بأنه مُحاصر فرفع يده يرخي من ربطة عنقه ثم قال باختناق
((أنا آسف إنها غلطتي.. ما فعله الموظف الآخر كان بسببي فحاسبيني أنا حتى لو ترتب عليّ أن أطرد))
صرخت شيرين به بانفلات أعصاب
((الأمر لن يتوقف على طردك وحسب.. فالعميل قام بالتواصل مع أصحاب الموقع الإلكتروني وطلب تعويضا ضخما مقابل عدم نشر المكالمة التي سجلها، وبالتالي فأصحاب الموقع وشركة القاني على حد سواء سيقومون بمقاضاة الموظف الذي شتم العميل بهذه الألفاظ النّابية، فلا تُنهي مستقبلك المهني من أجل موظف آخر))
شَحَب وجه طه لما يسمعه فشعرت شيرين بأنها نجحت في إقناعه بالبوح باسم الموظف الآخر رغم أنها لم تبالغ فيما قالته فأردفت مُلحة
((هيا أخبرني الآن من هو هذا الموظف! فأنتَ لن تحتمل أن يسجنوك ويقاضوك لذنب ليس لك علاقة به))
نكّس طه وجهه الذي يفيض بالذّنب والخوف من القادم وهو مستمر برفض الإدلاء عن قصي..
خَلَع مدير القسم نظارته ثم ضرب بكفه القوية فوق الطاولة يهز أرجائها هاتفا بنفاذ صبر
((شيرين لا فائدة من تضييع الوقت مع طه، اتصلي بالقسم المختص وانظري إذا ما انتهوا من مراجعة المقاطع التي سجلتها كاميرات المراقبة في نفس الوقت الذي تمت فيه هذه المكالمة لنعرف اسم الموظف الذي وقف خلف طه وشتم العميل.. علينا أن نعرف اسم الموظف ونقوم بكل الإجراءات اللازمة معه قبل أن يتحاسب القسم كاملا عن خطئه الفادح هذا..))
بتر مدير القسم كلامه عندما صدح رنين هاتفه عاليًا فتناوله ليجيب على الاتصال..
وبين لحظات صمت وإجابات بنعم أو لا.. ازداد امتقاع وجهه قبل أن يغلق الهاتف ويتهدل كتفيه معلنا
((لقد قام الموكلون أصحاب الموقع الإلكتروني بسَحب الحساب كاملا من شركة القاني وبالتالي قسمنا كله انتهى ولم يعد له وجود هنا..))
شَهق طه بصدمة أما شيرين فازدردت لعابها بصعوبة وهي تقول بفجيعة
((يا إلهي! هل حقا قاموا بسحب القسم كاملا من هنا؟ لكن هناك أكثر من ثلاثمائة موظف يعملون في هذا القسم، ماذا سيحل بهم؟ هل سيطرد الجميع؟))
تجمّد الدم في عروق طه عندما قال مدير القسم ببهوت وهو يمسد ما بين عينيه
((نعم فمعظمهم يعملون بدوام جزئي يتجدد شهريا.. لذا لن يتم التوقيع على العقد الجديد لأي واحد منهم.. لقد خسرت شركة القاني خسارة فادحة بسبب خطأ موظف تَافه))
في هذه الأثناء توجه قائد الفريق معتز مُهرولا إلى مكتب مدير القسم بعد أن كانت قد طلبته شيرين بصورة مستعجلة.. بمجرد أن وصل لاهثا للمكتب حتى دخل ولفّه الاستغراب وهو يطالع وجوه الثلاثة الشاحبة الممتقعة فتقدم بقلق متسائلا
((شيرين لقد عرفت توًا بأن هناك أحد الموظفين قام بشتم عميل بألفاظ نابية وأن العميل تواصل مع وكيل الموقع الإلكتروني.. مُجملًا من المستحيل أن يقوم أحد الموظفين العاملين تحت إدارتي بشتم العميل بأمه! لا أدري لم أخبرتني أنا بالذات من بين كل قادة الفرق أن أحضر))
أغمضت شيرين عينيها للحظات شاعرة بانقباض صدرها.. ثم عكفت حاجبيها مغمغمه بسخرية فظة نابعة من قهرها وهي تشير للموظف الجالس
((ناديتك لأن الموظف طه يعمل تحت إدارة فريقك.. لكن لا داعي للخوض في المزيد بهذا الحديث يا معتز فوكيل الموقع الإلكتروني تواصل مع إدارة القاني وقاموا بالفعل بسحبه منهم إلى صالح شركة اتصالات أخرى.. أكثر احترافية..))
جحُظت عينا معتز مدمدما بصدمة
((قاموا بسحب الموقع الإلكتروني من شركتنا! ماذا يعني؟ هل فقدنا هذا القسم كاملا؟ أتعنين بأن شركة القاني فقدت قسم يعمل فيه ثلاثمائة موظف))
وكأن البركان خمد خمودا كاذبا في غليانه هزّت شيرين رأسها له بإيماءة لا حياة فيها، فضرب معتز كفيه ببعضهما بغضب مشتعل في داخله ثم انفعل
((عليهم أن يحاسبوا قائد فريق ذاك الموظف قبل أن يحاسبوا الموظف نفسه.. أريد الآن أن أعرف من هو قائد فريق الموظف.. أريد اسمه..))
غزت السخرية ملامح شيرين لترد باستهزاء
((فلنعرف أولا اسم الموظف قبل أن نعرف قائد فريقه يا معتز))
وفي هذه اللحظة جاء شيرين اتصال مُتأخر من القسم المعنى بالمراقبة فردّت على الاتصال بفتور وسرعان ما كادت عينيها تخرج من محجريهما وهي تتلقى اسم الموظف الذي قام بإهانة العميل وشتمه!
أغلقت شيرين المكالمة التي لم تستمر لأكثر من دقيقة وطالعت بوجه محتقن غاضب كل من مدير القسم وقائد الفريق معتز ثم همست من بين أسنانها المطبقة وعينيها تطلقان شرارات خطرة
((اسم الموظف الذي أخذ السّماعات من طه وأكمل المكالمة مع العميل بأسلوب سوقي وشوارعي هو.. هو قُصي.. قٌصي سامح))
=============================
في المدينة.. في منزل غنوة..
جلست رتيل متمددة فوق إحدى أرائك صالة غنوة.. بالكاد استطاعت إقناع مُؤيد وأمه بحاجتها لزيارة أمها حتى تجيء لبيت غنوة وترفه عن نفسها.. وافقت حماتها على مضض بعد أن ألزمتها أن تعود في الغد فيزيد بحاجة لقربها!
أظهرت غنوة التعاطف المتكلف لها
((أعانك الله يا حبيبتي رتيل على ما تلاقينه في بيت زوجك..))
تطلعت رتيل بحماس وقالت
((المهم يا غنوة بما أني لن أستطيع أن أبقى عندك طويلًا مثل العادة، إذن أرغب في أن أعيش لحظات لا تُنسى اليوم.. مثلا لنذهب إلى متحف أو نشاط ثقافي.. تعرفين عشقي للتاريخ والفن))
لمعت عيني غنوة بمكر.. هذه فرصتها لتنفذ ما خططت له منذ زمن مع دموع! تنحنحت وهي تقترب منها ثم قالت
((لا أظن بأن هناك شيء مثير للاهتمام.. أوه لا مهلًا..))
ادّعت غُنوة التذكر فجأة ورفعت سبابتها وهي تكمل
((نحن في موسم المهرجانات، كثير من المدن في بلادنا تقدم هذه الأيام تذاكر مُخفضة لحضور الفعاليات الثقافية التي يمكن أن نذهب لها معا))
عقدت رتيل حاجبيها وعقبت
((غنوة أيتها السخيفة كم من مرة عليّ أن أخبرك ألُا تقلقي من مسألة المال أبدًا! ماذا سأفعل بكل هذه الثروة التي آخذها كمصروف من مُؤيد إذا لم أنفقها على نفسي؟ هل سأدفن مالي معي عندما أذهب لقبري؟))
اتسعت ابتسامة غنوة وهي تخبرها
((حسنا إذن سنذهب لمهرجان جميل سيقام في العاصمة الليلة))
تغضن جبين رتيل بالعبوس واعترضت
((العاصمة؟ لكن سيأخذ الطريق من مدينتنا للعاصمة ساعتين ذهابا وساعتين إيابا وربما أكثر بسبب الازدحام، لن نصل إلا بعد منتصف الليل))
لكزت غنوة رتيل بكتفها ثم عاتبتها بميوعة
((وماذا فيها لو عدنا للبيت بعد الفجر؟ هل نسيت بأنك تبتين هنا في بيتي؟ وأنا لا يوجد عندي أي قواعد صارمة بخصوص موعد العودة))
اعتدلت رتيل جالسة وقالت على مضض
((ولكن أنا يا غنوة..))
قاطعتها غنوة بحسم
((لا أريد أي اعتراض يا رتيل))
استسلمت رتيل لها وشعور من عدم الراحة يتسلل لها..
صحيح بأنها تكذب على مُؤيد وتخون ثقته في الخروج لبيت غنوة بدلا من بيت أمها.. لكنها لم يسبق وأن خرجت في الليل أثناء مكوثها هنا.. فكيف عندما تعود وقت الفجر!
قَسَت ملامح رتيل فجأة وخففت من شعورها بتأنيب الضمير والندم بما تفعله في تذكر أن مُؤيد يتسكّع مع نساء غيرها في المدينة ويراسلهن على الهاتف أحيانا..
فخرجت من ضياعها على صوت غنوة تقول
((سأذهب للمتجر لشراء بعض الوجبات الخفيفة والتسالي، هل أجلب لك معي أي شيء آخر؟))
جلبت رتيل شيئا من حقيبتها وناولتها لغنوة بزهو
((غنوة اعتبري البطاقة ملكك وأنفقي على ما تشائين منها، لا زلتي تذكرين الرقم السري ها؟))
كاد أن يسيل لعاب غنوة وهي تتناول منها البطاقة..
تلك البطاقة الائتمانية هي أجمل شيء في قدوم رتيل عندها!
غمغمت بحسرة
((ليتك يا رتيل تُطلقين من أستاذ مانع وتعيشين معي للأبد))
تنهدت رتيل ببؤس وتذمرت
((أنا أحلم بالطلاق منذ سنوات من مُؤيد لأتحرر مثلك،
لكن ما يحول دون ذلك أن طلاقي يعني عودتي عند بيت عائلتي وأنتِ تعرفين كيف كانوا يقمعوني ويحدّوا من حريتي قبل زواجي فما بالك بعد طلاقي!))
صمتت رتيل للحظات ثم أردفت بصوتٍ محايد
((غنوة أريد أن أسألك سؤالا شخصيًا))
حثّتها غنوة أن تتابع وهي تلامس البطاقة البنكية فلفها التردد قبل أن تسألها
((لماذا تطلقت من زوجك؟))
قَتمت ملامح غُنوة عند ذكر زوجها السابق ثم أجابت
((كنت أريد الطلاق منه منذ أول يوم تزوجت به، فقد تزوجته عندما كان عمري فقط سبعة عشر))
شابت الحيرة وجه رتيل لتشرح غنوة
((لقد كان غولًا بشكل حرفي، أول ليلة بيننا قام حرفيّا بمعاشرتي بشكل عنيف، كان الأمر فظيعا لدرجة جعلني أرتعد خوفًا كلما طلبني للفراش، وفي إحدى المرات حاولت دفعه بقدمي فكسر إحدى عظماتي..))
فغرت رتيل شفتيها وتوجّع قلبها عليها، لكن غنوة هزت كتفيها ثم تابعت ببرود
((الحقير حتى لم يقبل أن يصحبني للمشفى وجعل إحدى جارات والدته التي تعمل كحكيمة أن ترجع عظمتي إلى مكانها))
سألتها رتيل وملامح الألم تعُم فوق وجهها
((ألم تخبري عائلتك عنه؟))
أجابتها غنوة بنفس النبرة الصقيعية
((أخبرتهم وأشَادوا على ما يفعله فهو رجل ومن حقه ذلك))
اتسعت عينا رتيل وتساءلت بصدمة
((إذن كيف طلقّوك منه!؟))
رسمت غنوة ابتسامة مريرة وهي تجيبها بصوتٍ سقيم
((ذاك الغول الجشع قام بالتلاعب في أموال أبي فقد كان يعمل محاسبا في متجره مما جعل والدي يطرده ويُطلقني منه))
تمتمت رتيل بخفوت
((صحيح أن مُؤيد إنسان غير متحضر وشخصيته المتزمتة والمتخلفة بعيدة كل البعد عن عالم الفكر، لكنه أهون من زوجك السابق))
قالت غنوة بامتعاض
((بالتأكيد أهون فزوجي السابق كان محبطا ولا يريد مني إلا أن أطهو وأدفئ فراشه.. دعينا ننهي هذه السيرة الكئيبة ونجهز للمهرجان الذي سنذهب له الليلة))
=============================
منزل عائلة سهر..
دلفت شيرين للمنزل ثم توجهت لغرفة النّوم بوجه مجهد.. أغلقت الباب خلفها تناظر سهر التي كانت شاردة النظر في جهاز حاسوبها المحمول.. وكأنها في عالم آخر.. عالم المرارة والفقد.. عالم يسوده الأسود والكآبة وقد غادره كل ما هو جميل..
تنحنحت شيرين تنبهها على حضورها مما جعلها تتطلع لها متسائلة بصوتٍ واهن
((هل جئت الآن يا شيرين!))
ابتسمت لها بتشنج ثم تشدقت ساخرة
((كيف حال الباربي الجميلة؟))
عاتبتها سهر بحنق
((هل هذا وقت مناسب لمزاحك؟))
وضعت شيرين حقيبتها فوق السرير ثم قالت
((بل جئت لأخبر الباربي بأن خطيبك السابق الذي اتضح أنه مخادع ومزيف بسببه سيخسر ثلاثمائة شخص وظائفهم في شركة القاني.. لكن بالطبع أنا لن يمسّني شيء لأني قدمت طلبًا لنقلي إلى فرع العاصمة وتم الموافقة عليه رغم أنه سيضعني في منصب أقل))
أخذ الخوف كل مأخذ من سهر وهي تتساءل
((ماذا فعل قصي؟))
رسمت شيرين تلك الملامح المثقلة وهي تقول من فيض المرارة والقهر
((قام بشتم عميل بأمه.. فوصلت المكالمة للوكيل وسحب الموقع الإلكتروني كاملا من شركة القاني.. لكن لا تقلقي بالتأكيد ستقوم شركة القاني بجانب شركة الوكيل برفع قضية على قُصي، مستقبله ومستقبل عائلته انتهى.. ستكون نهاية إنسان مؤذي ومخادع مثله السجن))
فَغَرت سهر شفتيها ونظراتها الباهتة تحمل الصدمة والمزيد من خيبة الأمل.. سرعان ما امتلأت عيناها بالعبرات وعضت شفتيها للحظات تمنع رجفتهم..
ثم عاتبتها بصوتٍ متحشرج
((كيف تدعين عليه بالسجن يا شيرين هكذا!؟))
كتّفت شيرين كفيها وقالت ممتعضة
((لأن ضرره هذه المرة طال غيره، هل تعرفين بأنه ورغم تدنّي الرواتب التي تعطيها شركة القاني للموظفين إلا أن الكثير منهم يعتمدون على هذا الراتب بشكل أساسي للإنفاق منه على أسرهم))
تساءلت سهر بشيء من التردد وبدت أنها لا تهتم إلا بقصي
((وماذا يمكن فعله حتى يخفف على قصي وطأة عقاب ما فعله؟))
تطلعت شيرين لسهر بشرر فكما يبدو أنها نست بلمح البصر خداعه لها طوال ثلاث سنوات ثم تحررت من حجابها وهي تقول بإنهاك
((وما أدراني!؟ لا يغرنّك دراستي للمحاماة.. فأنا لم أمارسها بعد تخرجي ولا لدقيقة.. لكن بالتأكيد سيطالبونه بدفع الكثير من التعويضات للشركة وفقير مثله لن يقدر على ذلك فسيتم الزجّ به في النهاية في السجن))
انشدهت سهر لها بفمها ونظرها وعقبت
((هل تقصدين أن تقولي بأنه لو دفع تعويضات للشركة سيخفف من حكمه في السجن أو قد لا يدخله!))
قوّست شيرين حاجبيها ورشقت سهر بنظرات قاتمة وهي تقول بصوتٍ خطير
((ما الذي تفكرين به يا سهر؟ إياكِ إياكِ أن تقولي بأنك قد تدفعين عنه المال حتى تنقذيه))
هزت سهر رأسها نافية ثم ردت بوهن
((لا يا شيرين لن أدفع، لكنه كان طوال السنوات الماضية ينفق الكثير من المال على الهدايا الباهظة والفخمة التي يجلبها لي ولأمي.. وبما أننا سنفسخ خطوبتنا يجب عليّ أن أعيدها كلها له.. هذا حقه.. ساعة الألماس وحدها التي أهداها لأمي تساوي ثروة صغيرة.. أنا في كل الأحوال كنت سأتخلص من كل هداياه المعنوية فما بالك تلك الباهظة؟))
رفرفت شيرين بعينيها ثم قالت بحيادية
((صحيح أتذكر بأنه جلب لأمك أكثر من مرة مجوهرات تساوي كل واحدة منها مبلغ ضخم! لكن السؤال هنا من أين جاء بالمال ليشتريها؟ أعني لو كان يملك المال ليشتري مثل هذه الأمور فما حاجته لأن يخدعكم ويستولي على ثروتكم!))
رفعت شيرين كلتا يديها تبعثر شعرها الأسود وهي تشعر بأنها غارقة في حيرة شديدة بينما تسترسل مغمغمه
((سهر أنا أشعر بأني لا أفهم أي شيء.. فمن أين له كل هذه السيولة المالية! لا أصدق بأن العائلة التي كان يعمل كسائق عندها تعطيه هذا الكم من الأموال إلا لو كان يسرقها من عندهم أو يعمل بالممنوعات أو الأسوأ مثل..))
هتفت بها سهر برجاء منهار
((توقفي عن هذه التخمينات السّخيفة فلو كان يعمل بالممنوعات ما حاجته في العمل بمثل هذه الوظيفة البسيطة بل ومحاولته الارتباط بامرأة غنية!))
بارحت سهر غرفتها متوجهة إلى غرفة أمها تفتح الباب عليها دون أن تطرقه فانتفضت تمارا مكانها أمام منضدة زينتها وهي تقول متفاجئة
((ماذا هناك يا سهر؟))
ضيقت سهر عينيها وهي تناظر الساعة الألماسية التي كانت أمها في هذه اللحظة تقوم بالتنظيف الروتيني الحذر لها.. كأن قلب أمها نكزها قبل دقائق وأخبرها بأنها ستودع هذه الساعة قريبا! فتقدمت منها ومدت يدها تقول بهدوء
((ناوليني الساعة الماسيّة))
قالت تمارا باحتدام وقوة
((أنتِ تعرفين يا سهر بأني لا أقرض مجوهراتي الغالية لأي أحد حتى لو كان هذا الشخص هو ابنتي))
غمغمت سهر من بين أسنانها بنفاذ صبر
((أمي اعطيني هذه الساعة وأي مجوهرات أخرى أهداها لك قصي منذ ارتباطي به..))
شهقت تمارا بصدمة مدوية ثم خبأت الساعة خلفها وهي تقول برفض قاطع
((لماذا؟ تلك كانت هدايا والهدايا لا تُرد أبدًا..))
اقتربت سهر من أمها تحاول سحب الساعة منها بالقوة وهي تهتف بامتعاض
((سأفسخ خطبتي من قُصي وبالتالي عليّ أن أعيد كل شيء أخذته إليه))
قالت تمارا وهي تناور بحركات دفاعية غريزية حتى لا تفقد الساعة
((لماذا! هل أعاد أي شيء مما أخذه منك؟))
قالت سهر بحنق واستنكار
((أمي هو فعليا لم يأخذ أي شيء مني.. صحيح بأنه كان يخطط للزواج بي لأني ابنة عائلة ثرية ثم الارتقاء بنفسه.. لكن لم يحصل هذا))
غمغمت تمارا بمنطقها
((وسنوات عمرك الثلاث ألم يأخذها؟ لو لم يخدعنا كنت لربما الآن متزوجة من رجل غيره ولديك ابن أو اثنين.. فلتعتبري سنوات عمرك الثلاث المهدورة ومشاعرك التي أخذها ولم تكن من حقه هي ثمن هذه المجوهرات))
استطاعت سهر أخيرا نزع السّاعة من قبضة أمها ثم ذهبت لتبحث عن باقي المجوهرات فغطت تمارا ثغرها بباطن يدها بألم يضج ملامحها، ودموع قلبها قبل عينيها تتساقط بحرقة على فقدها تلك الساعة المرصعة بكميات كبيرة من الألماس!
=============================
داخل مهرجان العاصمة.. ليلا..
تطلعت رتيل بقلق لأجواء هذا المهرجان من حولها التي تشجع على الفجورَ والسُكُر والاختلاط.. حتى أنه من شدة الاكتظاظ هناك شباب في كل مكان يقومون بالتحرش اللفظي والجسدي..
إنه ليس مهرجان ثقافي للعائلات والفرح والشعر كما أخبرتها غنوة بل أقرب لاحتفال ماجن يدعو للانحلال.. فهناك من يشربُ الكحول وهناك من يمارسُ تعديًا على الناس وهناك من يتراقص بابتذال وبملابس شبه عارية..
ورغم أنه يُقام بأفخم الفنادق ذات الخمس نجوم إلا أنها تشّك بكونه غير مرخص!
لو رآها أحد يعرفها من طرف عائلتها أو عائلة زوجها في هذا المهرجان الماجن لكان قتلها وسلمها لمُؤيد ظنًّا منه أنه يهديه هدية غسل عاره..
بل بعرفهم مجرد نومها في بيت غنوة بينما تدعّي أنها تنام في بيت أمها هو عار..
شعرت رتيل بالندم لمجيئها هنا.. ندم حقيقي فظيع..
لم يسبق وأن ذهبت لأي مكان مشبوه أو سبق وخرجت معها إلى وقت متأخر من الليل فلماذا فعلتها هذه المرة!
مالت نحو غنوة تقرص ذراعها بقوة وغل فتأوهت غنوة بألم مكتوم تكبحه ثم غمغمت
((لم أعد أستطيع تحريك ذراعي بشكل سليم بسبب الكدمات التي تتسببين لي بها من قرص ولكمات))
احتقَن وجه رتيل بالغضب وقالت ساخطة
((وسأكسرها أيضًا، هل هذا هو المهرجان الثقافي الذي أخبرتني عنه؟ انظري إلى الرجال السُكارى من حولنا، انظري لملابس الفتيات الفاضحة أيضًا.. أنا لم أسمع باسم هذه الفرقة الغنائية من قبل.. هل هذا المهرجان مصرح به من الأساس؟ تخيّلي أن تداهمنا الشرطة الآن وتقبض علينا؟ هل تُدركين بأنها ستكون نهايتي لو حدث هذا؟))
تمتمت لها غنوة بحنق
((هناك مئات الأشخاص هنا، فهل ستلقي الشرطة القبض عليهم جميعا؟))
دفعتها رتيل للأمام واستشرى غضبها هاتفة
((لنرحل الآن، لن أنتظر أي ثانية إضافية))
تبّرمت غنوة ثم تبدلت ملامحها للمكر وأمسكت ذراع رتيل تجرها للجهة الأخرى
((دعينا نرحل من هنا يا رتيل))
اعترضت رتيل باستغراب
((لكن الطريق الآخر مختصر!))
ألّحت عليها غنوة بخبث وجرّتها
((دعينا نمر من هنا يا رتيل، هيا سيري أمامي))
استجابت رتيل مستسلمة لها وسارت أمامها من الطريق الذي أصّرت عليه.. مشت بسرعة للأمام قبل أن تميل طارف عينيها وتتوقف مبهوتة مكانها كأن صاعقةً من السماء هبطت على رأسها!
شحُب وجهها كالرخام الأبيض واختّضّ قلبها بين ضلوعها.. فغرت شفتيها المرتعشتين كما كل خلية فيها، حتى كادت أن تنتفض مكانها وهي تتشدق بصعوبة
((مُـ.. مُـ.. يد.. مُؤيد! مستحيل!))
كان زوجها مُؤيد يقف هناك مع رجل آخر وامرأة وقبل أن تحاول رتيل النظر بتمعّن بهم أكثر.. تقهقرت للخلف تنكبُ على غنوة هاتفة بفزع
((هيا بنا لنرحل من الاتجاه الآخر.. هيا، هيا، هيا))
شعرت غنوة بالإحباط لأن رتيل من رأت زوجها أولًا لا العكس.. لكنها ادّعت البراءة وعدم الفهم متسائلة
((لماذا يا رتيل؟))
جرّتها رتيل خلفها بيدها المرتجفة تقول بذعر بالغ
((علينا أن نغادر وحسب.. الآن))
.
.
زمّ مُؤيد شفتيه وهو يقول من بينهما ممتعضًا بينما تتجول عينيه في المكان
((هيا بنا لنغادر لم يعجبني هذا المهرجان.. ماذا لو رآني أحد معارفي أو أصدقائي؟ ماذا سيقولون عني!))
كانت دُموع تتأمل مُؤيد بإعجاب.. من شعره الكثيف وملامحه الوسيمة وذقنه الخفيفة.. إلى قميصه مفتوح الأزرار والذي يظهر شعر صدره الناعم بطريقة مثيرة جعلت حلقها يجف.. لم يسبق وأن تسكعت مع رجل بهذه الإثارة والرجولة الصارخة.. والثُراء بالتأكيد..
بَلَعت ريقها بصعوبة وهي تتجه ناحيته تسأله بنعومة
((لماذا يا مُؤيد! هذا المكان من اقتراحي أنا، سنسهر هنا إلى مطلع الفجر.. هل تحب أن تراقصني قليلا هنا؟))
تطلع لها مُؤيد بتجهم يظهر علامات الرّفض الباترة فتبسمت دموع ابتسامة رقيقة مدروسة وبخفة رفعت أحد خصلها الشاردة خلف أذنها
((إذا لم يعجبك المكان فما رأيك أن تأتي لشقتي أنتَ وصديقك لنكمل السهرة عوضا عن هنا؟))
رماها مُؤيد بنظرة شملتها الاشمئزاز، لاقتراحها هذا ثم قال مهمهما بنبرة ساخطة
((سأرحل الآن بسيارتي))
حاول صديق مُؤيد أن يعترض ولا يفوت هذه السهرة في بيت دموع فأخبره مؤيد ببرود ساحق
((أنا لست راضيا عن البقاء هنا لذا سأرحل وابقيا هنا.. سلام))
صرّت دموع على أسنانها وهي تتميز غيظا فتطلعت لصديق مُؤيد تقول له بفظاظة
((سأرحل أنا الأخرى، إلى اللقاء))
أخذت دموع زاوية بعيدة عن المهرجان وأصواته الصاخبة وقربت الهاتف من أذنها وهي تنتظر ردّ غنوة التي اتصلت بها.. وبمجرد أن جاءها حتى هتفت بحنق
((لقد رحل مُؤيد بالفعل.. أين كنت أنتِ وزوجته؟))
غمغمت غنوة لها بهمس محبط
((لقد رأته رتيل هنا وتجمّد الدم في عروقها وهرعت هاربة.. لقد فشلت خطتنا..))
اندلعت النيران الغاضبة في مقلتي دُموع فوبختها
((تبا لك يا غنوة.. هل تعرفين كم أمضيت ساعات في إقناع مُؤيد للمجيء هنا؟ ولم يقبل إلا بوجود صديقه النّزق التافه أن يأتي معنا! والآن رحل.. كيف سنجمعهم مرة أخرى ليعرف أن زوجته تخرج من خلف ظهره ويطلقها!))
عاجلتها غنوة ((لنفكر لاحقا، لقد أوقفت رتيل سيارة أجرة وسنعود الي بيتي))
.
.
استقلت غنوة سيارة الأجرة مع رتيل في المقعد الخلفي وأغلقت الباب خلفها بينما تسمع رتيل تهتف بها بصوت متذبذب
((علينا أن نعود للمدينة التي يقبع فيها بيتك حالا، لا يجب أن نتأخر))
تطلعت غنوة لها باستياء وهي تمعن النظر في وجه رتيل الشاحب وجسدها المرتعش
((اهدئي يا رتيل، لم يرانا زوجك!))
رُعب لم تختبره رتيل من قبل كان يدبّ في أوصالها فأغمضت عينيها بيأس وهي تريح يدها المرتعشة على جبهتها الباردة ثم قالت
((هل تعرفين بأنه كان على شفا حفرة من رؤيتي!))
أطبقت رتيل عينيها أكثر وهي تردف باكية بصوتٍ هامس شديد الخفوت والجزع
((هل تعرفين ما كان سيحدث عندما يراني في مكان كهذا في منتصف الليل وهو يظن بأني الآن نائمة في بيت أمي؟))
قالت غنوة بامتعاض
((ولماذا لا يحاسب الأستاذ مانع نفسه هو أيضًا؟ فماذا كان يفعل في مكان كهذا؟))
رفعت رتيل وجها يفيض بالغل والإحساس العارم بالظلم ثم قالت والاشمئزاز يعلو ملامحها
((معك حق.. ماذا كان يفعل هناك من تلك المرأة والرجل بجانبها! هل تعرفين بأن المطاعم والسينما وزيارة أقربائي يحرمني منها ويعتبر خروجي لها معه أو مع الطفلين حرام وعيب في حقه؟))
حولت رتيل رأسها جانبًا عبر الشباك المفتوح تحدق في الطرق والظلام الدامس الذي أرخى سدوله منذ ساعات..
دمدمت غنوة ((إنه رجل حقير يذهب هناك مع عشيقته ويستكثر أمور مثل المطاعم والسينما عليك!))
انتفضت رتيل عند هذه الكلمة وتطلعت لصديقتها تقول بعينين بارقتين من الغضب مستنكرة
((عشيقة؟ أي عشيقة؟ ربما تكون زوجة الرجل الذي كان بجانبه!))
أمعنت غنوة للحظات في ملامح رتيل تدرسها قبل أن تقول بعد لحظات بصوتٍ غريب
((لا ليست زوجة الرجل الذي معه، فبعد فترة تفكير تذكرت أين رأيت هذه المرأة التي كانت ترتدي ملابس فاضحة مبتذلة.. إنها تدعى دموع.. بيننا أصدقاء مشتركون.. وربما تكون عشيقة زوجك أو زوجته السّرية فهي كانت تنظر له بسفور وإعجاب واضح))
استجمعت رتيل قوتها لتقاوم الألم الذي بدأ يضج في داخلها ثم ردت وهي تهز رأسها نافية كمن تهذي
((لا مستحيل.. مستحيل أن يصل الفسوق بمُؤيد أن يتخذ عشيقة أو زوجة غير معلنة!))
رفعت يديها المرتجفتين تشد من حجابها حول رأسها وهي تهز رأسها نافية بهذيان ((مستحيل.. مستحيل..))
لكن توقفت بغتة للحظات قبل أن تمسك كتفي غنوة بقوة دون أن تعي وتتساءل
((هل أنتِ متأكدة من أنك تعرفينها ولست مخطئة بظنك فيها!))
قالت غنوة وهي تدعّي التخمين
((نعم أظن بأنها هي دُموع التي أعرفها..))
قالت رتيل بإصرار عنيد وعقلها يصور لها عدة سيناريوهات
((حتى نعرف ماذا بينها وبين مُؤيد عليكِ أن تسألي الصديقات المشتركات عنها.. الآن))
عقدت غنوة حاجبيها وأخرجت هاتفها تقول بتعاطف مزيف
((لا تقلقي يا رتيل سأبذل قصارى جهدي لأعرف عنها كل شيء من خلال مصادري الخاصة والصديقات المشتركات، أعطيني القليل من الوقت))
قالت رتيل بصوتٍ متحشرج متوسل
((أسرعي إذن))
قالت غنوة وهي تمسك يدها مهدئة
((اهدئي يا رتيل.. اهدئي.. سأبدأ السؤال عنها))
بدأت رتيل تنظر أمامها بعينين زائغتين بشرود بينما تهز ساقها بارتباك طوال الطريق.. في حين غنوة مشغولة تماما بالنظر والكتابة على هاتفها مُدعية البحث فيه..
.
.
بعد ساعات وبمجرد أن أوصلهم السائق أمام باب بيت غنوة..
أوصدت رتيل الباب خلفهم بإحكام وأسدلت ستائر المنزل بينما تتساءل بصوتها المتحشرج
((ها يا غنوة! هل ردّت عليك إحداهن؟))
استدارت غنوة لها تقول بإيجاب
((أوه فعلا واحدة من صديقاتي ردت عليّ))
اندفعت رتيل نحوها كمن دبت فيها الحياة فجأة فهي لم تتوقع أن يصل لغنوة أي معلومات عنها.. ليس بهذه السرعة على الأقل! ثم سألتها بلهفة محترقة وهي تحاول سحب الهاتف منها
((أريني ماذا أرسلت لك.. هيا))
رفعت يدها الممسكة بالهاتف عاليا ترفض إعطائه لها.. لتقول بحزم
((لا يا رتيل ابتعدي عني وأنا سأقرأ لك ما كتبته لي))
أطاعتها رتيل وابتعدت عنها فأنزلت غنوة الهاتف تدعي قراءة شيء ما قبل أن تكمل تمثيليتها الرديئة وتقول بدهشة مصطنعة
((يا إلهي لا أصدق ما أراه.. لقد أرسلت لي صديقتي حسابها ورقمها السري على "الفيس بوك"))
كادت أن تخرجا حدقتا رتيل من محجريهما وهي تردد بغير تصديق
((مستحيل))
هزت غنوة كتفيها وقالت
((وأنا أقول بأنه مستحيل.. لذا سأرسل حسابها ورقمها السري برسالة لك الآن وتأكدي من صحته ريثما أذهب لأغير ملابسي..))
أخرجت رتيل هاتفها بلهفة وجلست على أقرب أريكة لتبدأ بتجريب الدخول للحساب المُرسل لها.. وسرعان ما شهقت بذهول عارم عندما اتضح أن المعلومات السرية للحساب صحيحة!
كان تمثيل غنوة رديئا، وخطتها بكاملها غير محبوكة إلى حد مكشوف.. ولو لم تكن رتيل بحالة غير متزنة لما انطلى عليها الأمر بسهولة!
بدأت رتيل تتصفح الصور الشخصية للحساب لتتأكد من أن هذه الصور تابعة لنفس المرأة التي كانت تقف مع مُؤيد وذاك الرجل! وهي بالفعل تُدعى دموع!
بعد مدة جلست غنوة بجانب رتيل لتقول الأخرى
((لقد دخلتُ إلى صندوق رسائل دموع وهناك رسالة من مُؤيد من حسابه الشخصي لها))
عقبت غنوة بمكر وهي تميل برأسها لهاتف رتيل
((اضغطي على حساب مُؤيد لنتأكد من أنه حسابه الحقيقي وليس آخر وهمي))
فعلت رتيل ما أملته عليها غنوة وتأكدت من أن الحساب عائد فعلا لمُؤيد! حساب مُؤيد الشخصي والرسمي الذي يتعامل من خلاله مع معارفه وأصدقائه!
في هذه اللحظة وبكل مكر انسحبت غنوة من مكانها تترك لرتيل المجال لتبدأ بقراءة الرسائل المتبادلة بين مُؤيد ودموع بهدوء!
بدأت رتيل تقرأ كل حرف من الرسائل.. كل كلمة.. والدموع تنسكب على وجهها بفيض..
كانت المرأة تلك التي تدعى "دموع" تجتذب مُؤيد عن طريق أسئلة رخيصة فضولية عما يحب ويرغب في امرأة أحلامه وهو رغم تمنعه في البداية إلا أنه سرعان ما انجّر في الحديث معها حتى وصل به الحال أن يتحدث عن كل ما يحبه ويرغب في فعله في العلاقة الزوجية ولا يتسنى له فعله مع زوجته وأم أولاده "المحترمة"!
لم تكن محادثاته معها تتعلق بالفراش وحسب بل كانت عن أحلامه وحياته في المدينة وكل ما يتمنى أن يجربه مع امرأة أحلامه.. والتي ما إن يجدها فلن يتردد في أن يدفع الغالي والنفيس للحصول عليها! لكنه لن يعلن زواجه منها أو يثبته في المحكمة ولن ينجب منها.. وسيخفيها عن أقاربه!
كتمت رتيل شهقة مريرة!
هي باردة ومحترمة معه في العلاقة الزوجية؟ أليس هو السبب في تكريس هذا الجمود والبرود معه ومن يطالبها بذلك؟
عقبت غنوة وهي ترى حال رتيل المثير للشفقة وهي مستمرة بمسك هاتفها بارتعاش
((لماذا تبكين؟ لا تقولي لي بأنك تحبينه وتشعرين بالغدر لأنه يخونك!))
أجهشت رتيل في البكاء وهي ترفع رأسها لغنوة بحرقة
((لا أحبه بالطبع لكن لا يعني أن أسكت على الأمور الحميمية التي تحدث بها مع دموع..))
تمهلت لثانيتين تأخذ نفسا مرتعشا ثم أكملت
((مُؤيد رجل صامت، جدّي للغاية معي.. وفي السرير هو روتيني جدًّا.. ما يتمنى أن يفعله مع فتاة أحلامه هو ما يستكثره عليّ.. لطالما حلمت أن يكون معي هكذا.. إنه يمنعني حتى من أن أتزيّن من أجله أو أرتدي ملابس تظهر أنوثتي!))
استمرت رتيل تنتحب بانهيار وحرقة وهي تحرر شعرها من الحجاب فيتناثر شعرها الناعم حالك السواد حول وجهها..
كُلها كان ينتفض بشديد الألم حتى شعرت كأن هناك حمى تهاجم جسدها بضراوة..
هي كانت تخون ثقة مُؤيد بها وتأتي إلى بيت غنوة في المدينة من أجلها.. من أجل الحصول على شيء من الحرية والمتعة التي تُصبّرها على حياتها معه..
لكن الآن وفي هذه اللحظة.. تَمَنت لو تستطيع فعل شيء لتؤلمه مثلما يؤلمها.. تمنت حقا لو يعرف بكل ما كانت تفعله منذ سنوات طويلة من خلف ظهره.. حتى لو ترتب الأمر عليه أن يقتلها.. المهم أن تجعله يدرك كم هو مخدوع مثلما جعلها تشعر الآن!
رغم أن ما تفعله لا يضاهي ما فعله سوءً.. على الأقل هي ليس لديها رجل أحلام تتمنى لقاءه يومًا مًا!
هَطلت دُموع أخرى ساخنة من عيني رتيل المائجتين بالغضب والقهر تكاد تحرق أجفانها ولسان حالها يردّد
((ليتني فقط أستطيع أن أوجعك يا مُؤيد مثلما أوجعتني.. ليتني أستطيع أن أرُد لك يا مُؤيد ما أشعر به أضعاف ألمي))
اقتربت غنوة منها تمرر يدها فوق ظهرها تحاول التخفيف بخبث خفيّ عنها فقالت رتيل
((هل تعرفين يا غنوة بأني لا أبادر في العلاقة الحميمة معه وأكتفي بالجمود أو بتفاعل لا يكاد يُذكر وأقمع رغباتي لأنه يريد مني ذلك؟ يقولها لي صراحة ألّا أبدي رغبة تجاهه وإلا سيشعر بي بأني امرأة فاجرة))
من حيث لا تدري تفاقمت حرقتها لتشبه الجمر الملتهب وتجوب داخل جسدها متوهجة.. وأنفاسها تسارعت بينما تذكرت مشهد قديم لها مع مُؤيد لتتابع
((في عدة مرات تصرفت معه بجرأة وحرية وأطلقت العنان لي وكأني فرس جامح، ولا يمكن أن اشرح لك كيف حركتُ الشكوك عنده بأني أرى مواقع محظورة على الإنترنت.. فعدت لما كنت أفعله بالسابق وتحلّيت بالسّلبية والجمود لأشعره كأنه ينام مع وسادة.. جسدا بلا روح.. حتى لا أدخل نفسي بدوامة من الاتهامات لن أخرج منها إلاّ بالطلاق مع فضيحة))
كانت تعرف رتيل جيدا بأن ما تتحدث به مع غنوة خاطئ تمامًا فالمرأة لا يجب أن تتحدث بمثل هذه المواضيع الخاصة والحميمية مع أحد.. لكن القيود الاجتماعية والكّبت الذي تعاني منها أجبرها على البوح بخيباتها أمامها!
لفّ الاستهجان غنوة وهي تقول
((هذا الأستاذ مانع رجل غريب))
امتلأت عينا رتيل دموعًا لا إرادية من جديدة فتاهت الرؤية كالضباب لكنها رفعت يدها تكفكف دموعها بعد أن هدأت قليلا واستدعت تعقُلها.. فأخذت نفسًا عميقًا مرتجفا ثم قالت بصوتها المجهد وهي تعتدل واقفة من مكانها
((غنوة سأنام لساعتين لأن عليّ المغادرة في الصباح الباكر.. حماتي أكدت عليّ العودة باكرًا فيزيد لا يسكت إلا معي أو مع نجوم.. سأتحدث معك لاحقا لأرى ماذا عليّ أن أفعل))
.
.
عصرا.. وبعد رحيل رتيل طرق باب منزل غنوة من قبل دموع ففتحت غنوة لها هاتفة بتلقائية
((صحيح بأننا فشلنا في جعل مُؤيد يراها في ذلك المهرجان المّاجن لكن نجحتُ بجعلها ترى كل الرسائل التي أرسلها مُؤيد لك))
ملأت ضحكات دموع الرقيعة المكان ثم قالت وهي تجلس على إحدى الأرائك تتكئ بغرور وعنجهية
((أحسنت يا غنوة.. لقد كتب تلك الرسائل عن فتاة أحلامه في لحظة ضعف وتوسّل لي أن أحذفها لكنني لم أفعل لأني عرفت بأني سأستفيد منها.. المهم هل اقَتنَعَت بأن مُؤيد خائن وعليها أن تخونه لترد اعتبارها؟))
قالت غنوة بزهوة الانتصار
((نعم أظن ذلك، والآن ما الخطوة التالية؟))
خفتت تلك الملامح المزهوة عن دموع بشكل تدريجي وقالت بشيء من عدم الحماس
((هل تعرفين شيئا؟ أنا لست لهفة كثيرًا لمُؤيد.. إنه لا يملك تلك الثروة اللافتة للنظر والمشجعة على إنهاك أنفسنا في التخطيط لإغرائه.. رجل غيره لكان وقع في المحظور واستجاب لإغرائي قبل أشهر وأعطاني ما أريد.. لكن مُؤيد هذا يتعبني بثقله وادعائه عدم فهم تلميحاتي))
قوست غنوة جبيها وتنحنحت قبل أن تقول بمكر
((قد لا تكون ثروته الحالية بذاك المقدار.. لكنه مستقبلا فالله أعلم كم ستصبح مع ما سيرثه من والده))
ضيقت دموع عينيها متسائلة
((هل والده ثري جدًّا؟))
أومأت غنوة بعيون بارقة وهي تجيب
((نعم.. إنه فاحش الثراء.. رتيل سبق وأخبرتني عن ثروته من جهة.. وقمت بتحرياتي الخاصة من جهة أخرى.. وعلمت بأن والد مُؤيد ذاك العجوز الثري يمتلك قصرا كبيرا، ومعرضًا للسيارات المستعملة ومزارع وأراضي شاسعة في قريته وفي قرى أخرى يعمل فيها الكثير من المزارعين.. وهناك في القرية تٌم تجديد مجلس كبير لعشيرتهم هو من تولى كلفته وهو من يصرف عليه وعلى ضيافة مرتاديه.. إنه كريم جدًّا ومحبوب من قبل أهل القرية بسبب المال الذي ينفقه ببذخ عليهم وعلى من يلجؤون له))
اتسعت حدقتي دموع لحظيًا مما تسمعه.. شردت تفكر بكلام غنوة.. ثم تساءلت باهتمام بالغ
((هل مُؤيد هو ابنه الوحيد؟))
أجابتها غنوة بعبوس
((للأسف لا عنده خمس أبناء.. لكن لا بأس فما سيرثه منه يظل مبلغا كبيرا))
ابتلعت دموع لعابها الذي لم يعد موجودًا تقريبًا وهي تجيب بنبرةٍ مبحوحة
((حمّستني أن أكمل خطتنا))
شيدت غنوة عليها
((أحسنت يا بنت))
قالت دموع بحماس جشع
((الليلة أو ربما في الغد أنا من سأعرض عليه الزواج، لا صبر لي حتى يعرض هو الزواج أولًا.. حتى لو كان زواجا عرفيا سأقبل))
ضحكت غنوة ضحكةً رقيعة انتقلت إليها من رفيقتها لتقول
((أيتها الحثالة ألهذا الحدّ أنتِ لاهثة للمال؟))
ثم أردفت بتخطيط
((من جهتي الليلة سأبدأ بإرسال رسائل الابتزاز لرتيل، دعينا تستنزف النقود التي بحوزتها قبل طلاقها.. سأرسل كل صورها بمنزلي بمرسل مجهول وأُهددها بفضحها بمقابل مادي.. طبعا هي ستلجأ لي إذا ما وصل لها أي رسالة تهديد فبفضل الأستاذ مانع ليس لها صديقات أخريات غيري.. وأنا من سأقنعها أن تدفع كل ما لديها مقابل سكوت من يهددها))
قالت دموع والمكر يشع في عينيها فالثروة أخيرا ستعرف لهم طريقا
((ابتزّيها واعصري المال منها اعتصارا قبل أن نجعل أستاذ مانع يظن بأنها كانت تخونه مع رجل آخر ويطلقها))
سارعت غنوة تحذرها
((لكن عليك أن تّقنعيه أن يتزوج منك كزوجة ثانية دون أن تجلبي له سيرة رتيل لأنه لو عرف ما تفعله زوجته فسيدخل في صدمة قوية تنسيه أمرك.. سينشغل بها بل وربما يقتلها فيرتمي خلف قضبان السجن بجريمة شرف وينتهي حلمنا أنا وأنتِ.. علينا أن نجعله يتزوج منك قبل أي شيء، وليحدث ما يحدث بعد ذلك))
=============================
ليلا.. مكتب وليد..
تنهد زميل وليد وهو يقترب منه قائلًا برجاء
((أنتَ تنهك نفسك في العمل، عليك أن تريح نفسك))
نظر وليد له بوجهه المجهد بتقاسيم جامدة وقال ببرود
((وهذا هذا الإنهاك يؤثر على عملي بالسلب أو يجعلني أقصر فيه؟))
هز زميل وليد رأسه نافيا فأكمل وليد بصرامة
((إذن لا تتدخل))
لم يستطع زميل وليد قول المزيد فاكتفى أن يتركه لرغبته ثم غادر المكان.. أما وليد فارتخى جسده على ظهر الكرسي يحدق بنقطة في الفراغ..
شيرين مُصرة كليا على الطلاق ووصل بها الحال أن تخبر أخوالها الذين كانت تعتبرهم أعداء بسبب رغبتهم بالتحكم في حياتها منذ وفاة والدها.. وأخوالها قاموا بالواجب ولجأوا لوجهات القرية الذين أخبروا عمه عنه وطالبوه أن يرضخ لطلبها بالطلاق.. عمه قالها صراحة بأنه لن يسمح له بالرفض لأنه سيصغر منه أمام وجهات القرية ووقتها سيسمح لأي كان محاربته! في النهاية هو وحيدا لن يقدر على عمه ووجهات القرية جميعهم..
كز وليد على أسنانه بغيظ..
شيرين رحلت لتعيش في العاصمة.. تظن لو رحلت هناك وطلبت الطلاق منه فأنه سيحررها وينساها.. لا والله أبدًا لن ينساها بل ستظل هي الوحيدة هدفه وكأنه لم يعرف سواها.. تلك البلهاء تظن أن سبب سكوته وعدم اتخاذه أي ردة فعل جدية حتى الآن سوى تلك الرسائل هز خوفه من تهديدات وجهات القرية.. لكن مالا تعرفه هو أنه غارق بمصيبة أخرى تأخذ منه كل وقته وذهنه وتفكيره..
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الخامس وخمسون 55 - بقلم Hya Ssin
في نقاش مهم..
كثير بقولوا لي عن تغير يعقوب وزاهية المفاجيء ب 180 درجة لمجرد انه طلع طلع حفيديهم مو ابن البستانية..
.. او انه سبب كرههم السابق ليزيد لانه ابن بستانية..
هلا في البداية سبب قسوة يعقوب من يزيد هو كان تعلقه الكبير بمالك الى الحد الي يوصل فيه ينام بغرفته..
كان الحاج يعقوب دايما ينبه على مالك انه يبعد عن يزيد بس بعدين لاحظ انه مالك ما بقدر لانه يزيد نفسه متعلق فيه لدرجة الالتصاق لهيك كان يحاول يكون صارم مع يزيد بقسوة حتى يبعده عن مالك..
وكان في مشهد العاملين في المطبخ بقولوا لسمية انه ما بصير تخلي ابنها قريب من رجل غريب عنها وبلمحوا أنه الزمن الحالي مافيه امان..
يعني مجملا كان بحاول يعقوب يبعد يزيد عن مالك خوف من كلام الناس وخوف ع سمعة ابنه.. حتى ما يقولوا ماخد الطفل وسيلة لحتى يوصل لامه او أنه متحرش فيه..
وبعد موافقة يعقوب على زواح مالك من سمية فهو رفض انه يزيد يعيش معاه لانه غريب عن حفيداته.. اكيد ابن العم مش محرم لكن بضل اهون من شاب غريب.. هيك نظام العائلات الممتدة والكبيرة..
بينما زاهية فكان قلبها شاعرها بوجود علاقة تربط بين يزيد ومالك او حتى يزيد وهي.. فكانت تكذب شعورها بانها تقسى على يزيد وترفض تمامااااا يدخل القصر عشان ما تشوف وجهه وملامح الشبيهة بمالك.. حتى اسمه كانت تقنع نفسها انها بتكرهه حتى ما توصل لها حقيقة يزيد.. لانها شايفتها غير معقولة.. وولا حتى بخيالها ممكن يكون مالك تزوج او حتى زنا مع سمية.. وكانت تقنع حالها انها بتكره يزيد لانه ابن سمية البستانية الي بتحاول تغري ابنها.. مو بسبب الشعور الي جوا قلبها تجاهه..
يعني لو يزيد مو ابن مالك ما كان شعرت زاهية باي احاسيس غريبة تجاهه وما كانت صوبت اي كره عليه ابدا..
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل السادس وخمسون 56 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الثالث والعشرون
أطلق وليد نفسا عميقا مُجهدًا ولمحات من ماض بعيد أخذت تتتابع على عقله..
بعد تخرّجه من كلية المحاماة واجه الكثير من المشاكل في عمله عرقلته، كسيطرة المكاتب الدولية على السوق، وصعوبات تحصيل الأتعاب مِمّا جعله ناقمًا على هذه المهنة ويفكر في تركها قبل أن يستطيع أحد المحامين المخضرمين في المجال أن يكتشفه ويدعوه ليكون من بعده محامي عائلته لما رأى منه من ثقافة، خبرة، إدراك، سعة ذاكرة، قوة الشخصية وطلاقة اللسان.. والأهم من كل هذا أنه ينحدر من عشيرة غنية ومعروفة ربّته على الشبع والأصول ولن يدفعه الجشع أو المال يوما أن يغدر بهم..
فاكتفى بالعمل كمحامي لدى تلك العائلة الثرية التي جعلته حامي حماها، وحافظ أسرارها، والواجهة عنها أمام القانون، ووكيلها الناطق في جميع شؤونها المالية، والعارف بكيفية تصريف حقوقها، وميراثها، وتوريثها..
كان أفراد العائلة من جانبهم، يأمنون جانبه، ويطمئنون إلى إجراءاته، وينامون رغدًا وهو السّاهر على ممتلكاتهم، والمدافع عن كرامتهم إنْ تعرّضوا لأي مشكلة، أو لظلم، أو حاول أحد النّيل منهم..
وبعد ثلاثة سنوات استيقظت هذه العائلة على فجيعة اتهام ابنتهم بجريمة قتل خطيبها..
كان واضحا أن الاتهام ملفق لها وأنها ضحية مهووس كان يلاحقها ولا يجد منها إلا الصدّ فتألمت كرامته وقام بنفسه بقتل خطيبها ثأرًا منها..
ولأن هذا المهووس هو ابن عائلة كبيرة.. عائلة من حيتان البلاد استطاع والده باستخدام نفوذه رمي سهام الاتهام نحوها..
بالطبع أمرت العائلة من وليد أن يكون على واجهة فريق الدفاع لتبرئة ابنتهم المكوية بنار الاتهام.. وكان هو طوق نجاتهم بعد الله سبحانه وتعالى.. فوضع كل تركيزه وطاقته ووقته على هذه القضية حتى يكون عند حسن ظن هذه العائلة التي وثقت فيه منذ البداية..
بدأت رسائل التهديد بالقتل والأذى تأتيه كما باقي المحامين المشاركين في الدفاع عن براءة الابنة في هذه القضية والذين استجابوا للتهديدات المثيرة للذعر خوفًا على أنفسهم وأموالهم وعائلاتهم ونفضوا أيديهم عنها قبل أن ينالهم أي سوء لا يُحمد.. إلا هو قد كان مُصرًا على الدفاع عن هذه الابنة حتى آخر رمق..
ليس هو من يجدي معه نفعًا أسلوب التهديد.. حتى لو كلفه الأمر حياته..
حتى أخيرا اكتشف والد المهووس أن هناك طرق أخرى بعيدة عن الترهيب والتهديد يمكنه من خلالها أن يسحب وليد لصفه بل ويكون ورقته الرابحة في هذه القضية.. وهي إغرائه بالمنصب والشهرة والمكانة وإتاحة فرصة لتقدمه المهني في عمله!
لم يطل الأمر كثيرا حتى وافق وليد على عرضه المغري والانسحاب كمحامي دفاع عن ابنة العائلة قبل أول مرافعة ثم الانضمام لفريق الدفاع عن الشاب المهووس مستغلا كل ما يعرفه من معلومات خاصة وسرية عن تلك العائلة..
كان هو السبب الأول والرئيسي في زجّ ابنة العائلة في السجن بتهمة القتل لسنوات طوال ظلمًا وبهتانًا بسبب ما كان يعرفه من معلومات وأسرار عن تلك العائلة.. وبعد أن اشتهر اسمه واكتسح مجال المحاماة أنشأ مكتبه الخاص وبدأ يتهافت على الترافع فقط في القضايا ذات الصيت أو ذات مقابل مادي مجزي دون تحري الحقيقة فيها رغم أنه كان مكتفيا ماديا..
لم يأبه لحقيقة أن دفاعه عن بعض موكليه يزهق الحق ويؤيد الباطل، بل كان يعمل بكل الوسائل الممكنة على استصدار الحكم لصالحه ظلما وزورا، مع الحرص على عدم ارتكاب مخالفات قانونية ظاهرة يمكن أن يحاسب عليها مهنيا أو يؤاخذ عليها أخلاقيا واجتماعيا..
ليقول في النهاية بصرف النظر عن وجه الحق وبكل افتخار أنه لم يعتد خسارة أي قضية يتولاها، ويعتبرَ الفوز في القضايا دليلا قاطعا على كفاءته كمحامي..
فشوّه الصورة المشرقة عن مهنة المحاماة واتبع كل أشكال الابتزاز، واللف والدوران، والاستنزاف ماليّا، والمساومات غير النظيفة، وتزوير أوراق وتقارير، وتدليس الحقائق وما شَابه ذلك للتحايل على القضاء لمصلحة موكّله..
وكان كل شيء يسير على خير ما يرام، حتى شعر بوخزة تؤنب ضميره عندما وصله خبر قتل ابنة تلك العائلة في السجن على أيدي بعض البلطجية من النزيلات معها..
لكن لم يعرف أن الأمر قد يتطور إلا عندما سمع عن مقتل ذاك الشاب المهووس من قبل شقيق ابنة تلك العائلة المغدورة والذي ما يزال حتى الآن هاربًا من أيدي العدالة..
وعندما وصلت له رسالة تهديد هو الآخر بأنه سيكون التالي على قائمة الانتقام أدرك آنذاك بأنه في خطر حقيقي.. فإذا كان الشاب المهووس ابن الرجل المعروف بصيته ونفوذه قد قُتل بكل إقدام فأين هو كي يختبئ من نيران انتقام تلك العائلة!
انتشل وليد نفسه من دوامات الماضي وهو يذكر نفسه بأنه أمضى وقته في الأيام الفائتة كلها بنقل أمواله وممتلكاته وتجهيز أوراقه للسفر للخارج خوفا على نفسه.. عليه أن ينجو بحياته ويبدأ في مكان آخر يكون أكثر أمانًا له..
لكن قبل كل شيء عليه أن يحاول استرداد شيرين، عليه أن يلجأ لأي طريقة مهما كانت ليحوز على رضاها وقبولها التام العودة له حتى يسافر معها للخارج بلا عودة إلى هنا..
=============================
المدينة.. داخل مكتب مُؤيد..
امتقعت ملامح دموع الجالسة أمام منضدة المكتب وهي ترى مُؤيد ينفجر ضاحكًا بصخب لم تألفه.. كتفت ذراعيها ثم قالت بصوتٍ مغلول وهي ترفع إحدى حاجبيها
((لماذا تسخر مني؟ هل قلت شيئا مثيرا للضحك؟))
تدريجيا خفت ضحك مُؤيد وتعانقت عيناها بعينين مظلمتين قاسيتين ترمقانها باستحقار تألفه ثم تهكم بقتامة
((كأنك تُلمحين أنك بانتظار أن أطلب يدك؟ لم تقوليها مباشرة لكن هكذا فهمت!))
اتسعت عينا دموع بإشعاع مخيف ومشاعر مريعة تتصارع داخلها تسطع ببشاعة على وجهها وهي تقول بغل
((لا لم أكن ألمح لك أن تتزوجني، لكن حتى لو كنت ألمح فما الخطأ؟ ماذا ينقصني لتطلب ودّي والزواج مني! متوفر بي كل صفات فتاة أحلامك مستعدة أن أتزوج منك عرفي ولن أطلب منك الإنجاب))
حدّق مُؤيد في عينيها للحظاتٍ طويلة فتلاشت الابتسامة عن شفتيه تدريجيًا حتى اختفت تمامًا.. ثم حدق بها بتجهم قبل أن يزعق
((هل أنتَ مجنونة أيتها الحثالة؟ بل هل أنتِ واعية لما تطلبينه مني؟ أنا مُؤيد ابن يعقوب الكانز كبير القرية التي أنحدر منها أتزوج امرأة مثلك؟))
أجفلت من زعيقه بها حتى أن رأسها قد تراجع للخلف قليلًا بصدمة وتسّمرت مكانها ناظرة إليه بفم فارغ.. قبل أن تقول بحرقة وقهر
((وما العيب بي لتتحدث بهذا الشكل يا مُؤيد عني؟))
لوى فمه باستهانة لسؤالها وفاضت مقلتاه المتكبرتان بالاشمئزاز منها وهو يرميها بكلماته المستحقرة لها
((أنا لو أردت الزواج ثانية سأتزوج من فتاة لم يسبق وأن خرجتُ معها.. لست ديوثا لأقبل أن أتزوجك والله أعلم كم خرجت أو تحدثتِ مع رجال قبلي))
رفعت له عينان تقدحان بالشّرر وهي تحذره بكبرياء قاتم
((أنا لا أسمح لك.. لم يسبق وأن تحدثت أو خرجت مع رجل قبلك.. ولم يكن بيننا أي شيء إلا بعض الخروجات لأماكن عامة ومحادثات على الإنترنت فالزم حدودك، كله إلا المسّ بشرفي وسمعتي..))
كانت تسمع أنفاسه الصاخبة بالغضب رغم انحنائه على سطح المكتب يضع عليه يديه الاثنين كأنه يحجم نفسه من نوبة غضب همجية بينما يقاطعها هاتفًا
((أين كان شرفك أو سمعتك عندما قبلت أن تخرجي معي أنا وصديقي بعد منتصف الليل لإحدى الحفلات الماجنة؟ أين كانت سمعتك وشرفك عندما قبلت أن أتحدث معك بأمور حميمية بين الزوج وزوجته على "الفيس بوك"!؟))
نظرت في عينيه مجيبة بثقة وبرود
((هل كنت أفعل هذا وحدي؟ ألم تكن معي وقتها يا شيخ مُؤيد صاحب الدين والالتزام!))
لم ترتبك ملامحه حرجًا.. بل على العكس ارتسم على وجهه الاستياء والاستنكار وهو يرد بامتعاض شرس
((أنا رجل لا يعيبني شيء مهما فعلت، خروجي معك كانت للتسلية وتقضية بعض الوقت مع امرأة جميلة مقابل أن أنفق عليها من أموالي بسخاء))
أغمض مُؤيد عينيه للحظات يحاول الحفاظ على رباطة جأشه ثم قال
((أنتِ يا دموع عاقلة لست بحاجة أن أختلق الكثير من الأعذار لأقطع علاقتي معك وأنهيها))
ارتعش جسد دموع غضبًا وتأثرا بنظراته الداكنة وقلبها يخفق حتى كاد يغادر صدرها.. أسبلت أهدابها الطويلة وهي تنهج انفعالا ووجلًا.. ثم قالت بصوتٍ مغلول
((لأني فقط طلبت منك يا مُؤيد أن نتزوج تخبرني بأنك تريدني أن أخرج من حياتك!))
رفع مُؤيد كفه في الهواء ناويًا الهتاف بعنفٍ وغيظ.. إلا أنه في اللحظة الأخيرة تمَالك نفسه وهو يضم قبضته ضاغطًا على أسنانه هامسًا بشراسةٍ
((وهل قليل طلبك!؟ هل يعقل أن أكون متزوجا من أم أولادي أم فهد ابنة الحسب والنسب القارورة المُصانة سيدة بيتها وملكة العفة، ثم أنزل من مكانتي ومكانة عائلتي وأتزوجك أنتِ التي كنت متاحة لرجال من قبلي لتمضية وقت تسليتهم؟ هل أنتِ مجنونة يا امرأة!؟))
احمّرت عيناها من نبرته المحقّرة لها وهو يُضرم بكلامه عن زوجته رتيل نار الحسد والغيرة بشرايينها الشيطانية.. لكنها شمّخت بذقنها بعنفوان وواجهته متحديّة.. صلبة.. ليخرج صوتها المشحون حقدًا
((سأنتقم منك يا مُؤيد.. سأنتقم منك وانتقامي سيكون في قارورة منزلك المصانة.. أو كما تعتقد أنتَ..))
قاطعها مُؤيد بنبرة قاصفة
((اغربي عن هنا ولا تريني وجهك، ولسانك هذا أقطعه لو جلب سيرة زوجتي المستورة بحيائها والملتزمة بأخلاقها.. اذهبي ما أنتِ إلا غفلة استيقظت منها ونزوة شيطانية كانت تحاول جرّي للرذيلة..))
لم تستجب له.. بل أجبرت قدميها على الانغراس بالأرض وعدم الهرب وهي ما تزال تحتفظ بشموخ وقفتها رغم الارتجاج الذي زلزل خافقها.. فاقترب منها ببطء.. حتى توقف على بعد مسافة معقولة وقال بخفوت خَطر
((هيا اغربي عن وجهي بدلا من أن أنادي البواب، وهذا ما لا أرغبه فقط لأنك امرأة.. هيا ارحلي))
ألقت دموع نظراتها الأخيرة بعينيها اللتان تشعان سوادًا على ملامحه ثم استدارت على عقبيها مغادرة..
أما مُؤيد فعاد خلف مكتبه يتكئ بمرفقيه إلى سطح الطاولة وهو يسند رأسه الثقيل المشحون بكفيه يقطع عهدًا على نفسه بأنه لن يخرج أو يتحدث مع أي امرأة لا تحل له مرة أخرى لغير الضرورة حتى لا يَعلق مع امرأة كهذه يصل بها الحال أن تَعرض عليه الزواج منها وتجمّله.. فإذا استطاع التخلص من دموع بسهولة فقد لا ينجح مجددًا مع أخرى..
.
.
في الخارج بعدما غادرت دُموع من المكان صاغرة وذاكرتها تأبى إلا أن تنغزها لتتذكر كل كلمة مستحقرة نطق بها نحوها.. أمّا كرامتها المهدورة تئن بالانتقام منه..
طلبت رقمًا سريعًا وسرعان ما جاءها رد صديقتها لتهتف بملامح شيطانية وبصوتٍ مغلول مشبع بالانتقام
((غُنوة.. غُنوة.. أرسلي لي الآن صور قرة ابن الكانز المصونة المتواجدة في هاتفك حتى أسحبها، وبالتأكيد لك مقابل مادي محترم عن كل صورة ترسلينها لي))
============================= في وقت راحة الجميع دخلت نجوم المطبخ مستغربة من صوت الجلبة فيه وهي تهتف بفضول
((من هنا في المطبخ؟))
كَسَى وجهها احمرارًا والكلمات تتسلل من شفتيها بصوتٍ خافت خجول
((هذا أنتَ يا سيد مَازن؟))
تطلع لها مَازن وما إن رآها حتى ابتسم لها بود وتأسّف
((أعتذر بشأن ما قلته في ذاك اليوم، أرجوكِ انسيه إذا تسبب بشعورك بأيّ ضيق مني))
بلهفة سارعت تنفي نجوم وهي تلوح بيدها
((لا تقلق لم يحدث شيء.. هل أساعدك بما تفعله؟ هل هذه حلوى شوكولاتة؟))
تطلعت باهتمام لما يصنعه بانهماك تام من تزيين لطبق يشبه حلوى الشوكولاتة الهلامية بينما يجيبها
((لا بل هي بالونات أخذتها من صغار البيت وملأتها بالماء والآن أقوم بتزيينها بالشوكولاتة وسـأقدمها لزوجتي العزيزة))
اتسعت عيناها بذهول وهي لا تفهم مقصده تمامًا بينما هو بدأ يبحث بعينيه عن شيء ما هادرًا
((أين هي عبوة المشروب التي قمت بخضّها لعشر دقائق!))
وجد العبوة فأخذها بحماس وقال وهو يغمز إحدى عينيه
((إنها مقالب سأصنعها بياسمين))
ظلّت نجوم مذهولة حتى مغادرته! هل حقا يخطط أن يقوم بهذه المقالب الطفولية بزوجته! وحينها تيقظت لحقيقة أنه هو وزوجته ياسمين لا تتناسب شخصيتهما معًا أبدًا..
فياسمين ليست من النوع الذي يختلط بالجميع سريعًا.. دائمًا هناك مسافة هائلة بينها وبين الذين تضطر إلى رؤيتهم كل يوم.. أما هو فحتى لو كان يوحي الانطباع الأول عنه بأنه لا يُطاق.. لكنه على العكس تمامًا يحمل داخله مرح ودهشة لا ينقطعان..
غادر مَازن المطبخ في نفس وقت دخول منال التي قالت لابنتها في تساؤل
((ماذا كان يعمل السيد مَازن هنا؟))
تلعثمت نجوم في البداية فأكملت منال بامتعاض
((الحاجة زاهية طلبت مني أن تبتعدي لمدة من هنا، وتذهبي عند العائلة حيث إخوتي يسكنون طبعا ستمكثين هناك مع دفع أجرة لك، حظك مبهر يا بنت))
أما نجوم فاتسعت عيناها لما تسمعه دون أن تجد تفسيرا لأمر الحاجة زاهية هذا!
.
.
تركت ياسمين المشغولات التي كانت تقوم بتطريزها ثم كتفت ذراعيها بضجر وهي تصغي بوجوم لعتاب مَازن الذي يضع أمامها طبق حلوى هلامية شهيّ المنظر كما يظهر لها
((لقد تعبت في إعداد هذا الشيء المغلف بالشوكولاتة لك، خذي الشوكة وكلي قطعة واحدة منها ولا تكسري بخاطري، اعتبريه عربون تصالح عن كل الكلام الفظّ الذي قلته لك))
رفضت وهي تبعد الشوكة التي يمدها لها
((لن آكل شيئا تحضره، لا أثق بك أبدًا))
تنهّد مَازن بحزن مصطنع ثم أبعد طبق الحلوى كما يظهر لها وأمسك عبوة المشروب الغازي ومدّها لها يقول برجاء ضمتي
((على راحتك، لكن على الأقل خذي عبوة المشروب الغازي الذي جلبته لك))
عكفت ياسمين فاهها وملامحه لا تطمئنها.. لكنها هَدَرت
((سآخذه بما أنه مغلق ولا احتمال أن تكون قد وضعت شيئا فيه))
تناولت العبوة منه بهدوء لكن وبمجرد أن فُتحتها حتى فار المشروب الغازي كله في وجهها كأنه انفجر من فوهة بركان بسرعة كبيرة..
شَهَقت بصوتٍ عالي وتساءلت أمام قهقهته العالية بقهر
((هل قمت بتحريك العبوة ورجّها قبل أن تعطيها لي؟))
ظلّ مَازن يضحك بصوتٍ عال حتى دمعت عينيه دون أن يجد قدرة على الإجابة.. في هذه الأثناء دخلت هدى ابنتهما للداخل وهي تقفز مكانها نحوهم وتقول
((أمي أريد أن أخرج مع..))
عقدت حاجبيها وهي تحوم بعينيها باستغراب على هيئة أمها الملطخة بالمشروب الغازي ثم أخفضت بصرها إلى الطبق الذي يمسكه والدها وتساءلت بانبهار يكاد يسيل لعابها
((لمن هذه الحلوى يا أمي؟ تبدو لذيذة))
خفتت ضحكات مَازن وهو يمد الطبق لابنته هادرًا
((إنها لك يا جميلتي، خذي الشوكة واقتطعي جزءً منها))
بلهفة تناولت هدى الطبق منه وغرزت الشوكة سريعا في طبق الحلوى الهلامية لينفجر طبق الحلوى بها..
أخذ الأمر منها لحظات حتى تفقدت هذه الحلوى المنفجرة واكتشفت بأنها بالون ممتلأ بالماء كان مغلفا بالشوكولاتة لتقول بصوتٍ مرتعش بالبكاء
((إنها ليست حلوى))
ضحك مَازن بخفوت على ابنته وملامحها، فهتفت ياسمين الغاضبة به وهي تكاد تنفجر غيظًا
((انظر كيف قمت بإهدار كميات كبيرة من الشوكولاتة من أجل مقلب سخيف طفولي! لا احترام لديك لنعم الله..))
أشار مازن لملائة السرير البيضاء وقال من بين ضحكاته
((لا تنسي أن تبدلي هذه الملاءة فقد غرقت بالمشروب الغازي والماء))
بمجرد أن غادر الغرفة مستمتعًا بما فعله بهما حتى ناظرت هدى والدتها تقول بحنق طفولي
((أنا لا أحبه أبدًا))
أيدتها ياسمين القول
((ولا أنا أحبه يا أيضًا))
=============================
أضنى التفكير رتيل وآرّقتها الأفكار المتعلقة بمُؤيد..
أرهفت لهسيس صوت رنين هاتفها الخافت الذي يعلن وصول رسالة ما..
شكّت رتيل أنها من غنوة! وقد تكون عرفت شيئا أخر عن دُموع ومُؤيد!
انتفضت مكانها تلتقط هاتفها وتفتح الرسالة.. جحظت عيناها بصدمة وهي تقرأ فحوى الرسالة..
هناك رقم مجهول أرسل لها الكثير من صورها ويطلب منها مبالغ خيالية مقابل ألّا يرسل هذه الصور لكل من يعرفها!
لم يكن هناك شيء يعيب صورها هذه إلا أنها تظهر فيها كاشفة الشعر وترتدي في بعضها تنانير قصيرة!
ارتجفت يد رتيل الممسكة بالهاتف وتصاعدت وتيرة تنفسها..
هل عليها أن تتصل بالشرطة الإلكترونية؟ لأنه لو وصلت هذه الصور لمُؤيد بطريقة أو بأخرى سيفتضح سرّها!
تفاقم الخوف الذي تملكها..
من هذا المرسل الذي يهددها؟ ومن أين حصل على هذه الصور لها؟
قوست حاجبيها وهي تنتبه للقاسم المشترك بين كل هذه الصور وهو أنه تم التقاطها جميعها عن طريق هاتفها أو طلبت من غنوة التقطاها لها! فكيف يمكن أن تصل لمخلوق آخر على وجه هذه الأرض!؟
عند تردد كلمة "غنوة" في عقلها اهتزت حدقتي رتيل!
شَرَدت بنظرها وبدأت تستعيد مشاهد سريعة من تلك الليلة.. تحاول استيعاب الغموض الذي حصل معها..
غنوة هي من كانت قد اقترحت عليها أن تذهب لذاك المهرجان دون أن تخبرها طبيعته رغم معرفتها بأن قدمها لا يمكن أن تطأ هكذا أماكن!
مُؤيد الذي يعمل في مدينة أخرى كان متواجدا في العاصمة وتحديدا في ذاك المهرجان في نفس الوقت بصدفة عجيبة!
عندما حاولت المغادرة من طريق آخر غُنوة ألحت عليها أن تسلك الطريق الذي يتجه حيث يقف مُؤيد مع صديقه ودُموع!
لم تكن غنوة قد شاهدت مُؤيد أو حتى المرأة التي تقف بجانبه ومع ذلك عرفت شكلها واسمها.. بل وخلال دقائق حصلت على حسابها ورقمها السرّي!
والآن هذه الصور!
شعرت رتيل بحُمقها وغبائها بينما إدراكها يصفعها مرةً تلو أخرى..
رفعت أصابعها تعبث بخصلاتها الناعمة بعُنف تحاول إخراج الغضب الذي تملّكها.. كَسَى الاحمرار عينيها التي تطايرت منهما شرارات الغلّ والوعيد وهي تطلب رقم غنوة.. ثم تقول بصوتٍ مبحوح وعينين مخيفتين بمجرد أن فُتح الخط
((غنوة سوف أزورك في الغد، هناك أحد يهددني بصوري ولا أحد أمامي ليخرجني من هذه الورطة غيرك أنتِ.. علينا أن نُسكت المُهدد حتى لو ترتب عليّ أن أدفع كل ما أملكه من أموال أو حتى أن أسرق من زوجي!))
وصلها صوت غنوة بصدمة مصطنعة
((لا أصدق ما تقولينه! من هذا النذل الذي قد يفعل أمرًا كهذا بك؟))
أجابتها دون أن تنحسر ملامحها الجامدة القاسية
((مجرد نذل كما قلتي..))
=============================
خرجت ياسمين من القصر إلى الحديقة ومعها مشغولات الخياطة حتى تقوم هي وحماتها بالتطريز كما هي العادة الجديدة بينهما.. لم تجد أحدا يجلس عند الطاولة إلا يزيد الذي كان يذاكر وجدته ليست معه..
استغربت ياسمين لكن تناهى إلى سمعها صوت جلبة من الحديقة الخلفية فمضت بطريقها تتبع الصوت لتفاجئ بالحاجة زاهية تشّد على ثوبها وتصرخ بمنال بوجه محتقن انفعالًا وتوترًا
((ألم تجدي يا منال غير مَازن كي يتسلق الشجرة ويقطف الليمون! الآن من سيقنعه أن ينزل!))
دهشت ياسمين ورفعت نظرها عاليًا إلى مَازن لتجده يجلس على أحد أغصان شجرة الليمون شاهقة الطول ضاحكًا..
استقام مَازن واقفا على الغصن العالي برشاقة ليقول مشاكسا
((أمي أنا أقطف الليمون وحسب، لم أبدأ بالشقلبة مثل القرد بعد!))
ذعرت زاهية ما إن وقف مَازن وزجرت ابنها بانفعال أكبر
((انزل يا مَازن من الشجرة، يكفي ما التقطته من ليمون، هيا انزل!))
بلحظة انتبهت زاهية على اقتراب ياسمين مذهولة فصرخت بها
((اتركي يا لوح الثلج مشغولات الخياطة ونادى على زوجك حتى يهبط من الشجرة))
ما إن انتبه مَازن على وجود ياسمين حتى تأرجح فوق الغصن بحركة بهلوانية خطرة جعلت قلب زاهية يقفز من مكانه ثم قال بشقاوة متأصلة فيه
((أمي انتظري قليلا، هناك ليمونة على طرف آخر الغصن، لن أنزل قبل أن أقطفها من أجل ياسو الجميلة))
تصاعد رعب زاهية وصرخت بياسمين
((أخبريه أنك لا تريدين ليمونًا واجعليه يهبط))
ضيّقت ياسمين عينيها وتطاير الشرًّر منها! إنه يوقع المشاكل بينها وبين أمه التي لا تحبها من الأساس!
اتسعت ابتسامة مَازن لأنه نجح في إغاظة زوجته التي لا يملك إلا استفزازها..
أعطت ياسمين صندوق مشغولات الخياطة لنجوم ثم اقتربت من الشجرة أكثر ورفعت رأسها تهتف عاليا
((انزل يا مَازن ولا تثر المشاكل))
أبدى مَازن تعابير التظلم على وجهه ليقول وهو يتحرك على الغصن الرفيع العالي
((أتعب نفسي لأجلب الليمون من أجلكم يا ياسو وتتهميني بإثارة المشاكل! ثم..))
بتر مَازن كلامه وشهق عندما تعثر في خطواته وبدأ يميل قليلا للأمام فصرخت والدته التي خطف لونها
((انتبه.. يا إلهي يا مَازن كنت ستقع..))
استعاد مَازن توازنه وكان يريد أن يطمئنها لكن ياسمين زعقت به
((ارحم قلب أمك يا مَازن وانزل من الشجرة))
رفع مَازن كفه ليضعها على أعلى صدره بحركة تأثر مصطنعة وهو يرقّق صوته عن عمد
((لوح الثلج صارت حنونة وتخاف على أمي أكثر مني))
رفعت نجوم يدها تكتم ضحكاتها على مَازن بينما زاهية تشدد من إمساك ثوبها وتقول بصوتٍ واهن من الذعر
((أنا لن أتحمل رؤيته هناك أكثر سأذهب ليزيد وما أن يهبط أخبريني))
غادرت زاهية الحديقة ولحقتها منال حتى تتأكد من أنه لن يحدث شيء لها بينما قالت ياسمين وهي تكاد تنفجر غيظا
((حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا مَازن، انزل بدل أن تقع على رأسك وتموت))
لم يظهر مَازن أي استجابة بأنه سينزل من الشجرة فتطلعت ياسمين للخلف تتأكد من أن حماتها بارحت المكان تماما ثم أمسكت ساق الشجرة تبدأ بهزّها وقد فاض كيلها من سخافته وطفوليته.. فصرخ بها مَازن بجدية وهو يتشبث جيدا في الغصن حتى لا يقع
((ما الذي تفعلينه أيتها المجنونة!؟ توقفي عن هزّ الشجرة! سأقع))
تلاشت ابتسامة نجوم وشعرت بقلبها يقف بينما ترى مَازن يتمايل ويكاد يفقد توازنه فرمت صندوق الخياطة من يدها وهرعت تمسك ياسمين من كتفيها وتبعدها عن ساق الشجرة هاتفة
((أرجوك اتركي الشجرة يا سيدة ياسمين، سيقع زوجك))
وما إن نجحت في إبعادها حتى شعرت كل من ياسمين ونجوم بشيء من خلفهم يسقط من الشجرة إلى الأرض..
ببطء وحذر استدارت ياسمين للخلف مخطوفة اللّون ونبض قلبها يخفق بجنون وهي تجد مَازن مسجى على الأرض بلا حراك مغمض العينين.. فهرولت نحوه هاتفة بصوتٍ مرتجف
((مَازن! مَازن ماذا حلّ بك؟))
انكبت ياسمين على ركبتيها جوار جثة مَازن وأفلتت من نجوم شهقة بكاء قائلة
((هل مات؟))
جحظت عينا ياسمين! هل يعقل أن يكون قد مات! لكنها هزّت الشجرة فقط حتى تخيفه وينزل منها ليتوقف عن أفعاله الطفولية! ثم وسط ذعرها الداخلي انحنت بأذنها إلى صدره لتسمع نبضات قلبه بوضوح.. تنفست الصعداء ولسانها يلهج بكلمات الحمد ثم التفتت لنجوم هاتفة
((لم يحدث شيء له، فقط أحضري عطرا ذا رائحة قوية))
استجابت نجوم لها وهرولت لداخل القصر فناظرت ياسمين وجه مَازن وقامت بصفعه عدة مرات بخفة بينما تردد بصوتٍ باكي مرتجف
((مَازن أرجوك استيقظ، أرجوك يا مَازن))
وعندما لم يستجب تحلت بشيء من القوة والصلابة ووضعت فمها على فمه تبثه أنفاسا سريعة قبل أن تقوم بالضغط على قلبه بصورة مستمرة ومتكررة لإنعاشه..
قررت أن تعيد إجراءات الإسعاف الفموي مرة أخرى فوضعت فمها بفمه تبثه الأنفاس قبل أن تشعر بشيء غريب.. كأنه مستيقظ.. بل ويستجيب لها!
حاولت أن تبتعد عنه فشعرت به يمسك رأسها بقوة رهيبة ويمنع ابتعادها حتى يتعمق في قبلته لها..
أخيرا استطاعت أن تحرر نفسها عنه لاهثة مقطوعة الأنفاس لتسمعه يقول من بين ضحكاته المبحوحة
((لقد كدتِ تصابين بأزمة قلبية من الخوف))
تقهقرت للخلف بأعصابها التالفة وهي تحدق به ببلاهة..
فرفرف بعينيه وصوت ضحكاته المجهدة في تصاعد..
وما إن أدركت ياسمين مقلبه بها حتى هبّت واقفة على قدميها وهي تركله بقدمها هامسة بغيظ
((أيها التافه، أنا أكرهك، أكرهك، أساسا كنت متأكدة من أنه مقلب، فقد وقعت بعد أن توقفت عن هزّ الشجرة))
امتقعت ملامح مَازن وتأوّه بألم هامسا
((لم أتعمد أن أقع حقا، ولو لم أمسك بآخر غصن لثوان قبل أن أهبط أرضا لتهشمت كل عظامي))
حضرت نجوم أخيرًا لاهثة وهي تمسك بخاخ للتنظيف برائحة قوية نفاذة.. تهلّلت أساريرها براحة عندما رأت مَازن مفتوح العينين لكن ياسمين سحبت منها بخاخ التنظيف بخشونة وقامت برشقه على وجه مَازن بكل غل وحقد مما جعله يهتف وهو يغطي وجهه بكلتا يديه
((توقفي، توقفي يا مجنونة كلها مواد كيميائية مضرة، سأختنق))
رمت ياسمين البخاخ أرضًا بغيظ وغضب ثم استدارت راحلة ولم تعرف أن دموعها أخذت تسيل دون وعي منها وكل خلية فيها ترتجف..
التافه حقا أوقع قلبها وتخيلت نفسها تتصدر أولى صفحات الجريدة المحلية كزوجة متوحشة قتلت زوجها بعد أن تسببت بوقوعه عن الشجرة!
اعتدل مَازن شبه جالسًا مُتأوها فأسرعت نجوم تعطيه منديلا ليمسح آثار مادة التنظيف بينما تقول بكلمات متناثرة وهي تشيح بوجهها حتى لا يرى أثر دموعها التي نزلت ذُعرًا عليه
((ألف سلامة عليك يا سيد مَازن))
=============================
العاصمة.. شركة القاني..
بدأت شيرين تذرع المكان ذهابا وإيابا بجسد متصلب..
لقد حزمت جميع أغراضها بالفعل وانتقلت لشقة أخرى في العاصمة بعد أن تم نقلها لفرع القاني في العاصمة..
وبدل أن تتشّمت بما سيحصل لقصي ذاك المخادع المؤذي ها هي تنصاع لرجاء وإلحاح سهر في محاولة معرفة مصيره والسؤال إذا ما كان سيدفع المال كشيء من التعويض لشركة القاني قد يقلل الجزاء الذي سينزل عليه!
رفعت مساعدة نائب المدير التنفيذي لشركة القاني وجهها لشيرين تقول بحنق
((يا سيدة شيرين توقفي عن المشي أنتِ تشتتينني عن عملي))
استدارت شيرين نحوها وقالت بإحراج
((أنا آسفة سأجلس))
زمّت المساعدة شفتيها ثم قالت
((لو أردت نصيحتي وفّري ما تبقى من وقتك وغادري فالسيد يوسف أخذ حديثا منصب نائب المدير التنفيذي وهو إنسان مشغول، يظل في مكتبه لما يزيد عن اثني عشرة ساعة، ولا أتوقع بأنه سيستقبلك بعد عودته من اجتماعه))
عقدت شيرين حاجبيها بحزم ثم قالت بإصرار عنيد
((مع ذلك أنا عازمة على انتظاره، لن أشغل الكثير من حيزه المهم.. هي فقط بضع دقائق قليلة..))
قاطعتها المساعدة متنبهة عند سمع وقع أقدام من البهو
((ها قد جاء السيد يوسف))
نظرت شيرين بعينين مشدوهتين نحو هذا الرجل المدعو يوسف غزوان.. نائب المدير التنفيذي لشركة القاني..
بدا وأنه في أواخر العشرينات أو حتى في بداية الثلاثينات.. المهم أنه يصغرها.. فهالها أن يصل لهذا المركز على الرغم من أنه ليس من عائلة القاني!
فما هذه الكفاءات أو المهارات التي يتمتع بها حتى تسمح له أن يتولى هذا المركز!
هناك حوله هالة مغناطيسية جاذبة له بينما تراه يمسك عدة ملفات يطالعهم بانشغال أثناء سيره نحو مكتبه.. لكن جاذبية مكتسبة وكأنّه تعلمها واكتسبها مع الزمن.. لا تلك الكاريزما الفطرية.. كهبة إلهية..
هزّت شيرين رأسها تنتشل نفسها من تفكيرها التحليلي السخيف ثم تقدمت منه بهدوء ورزانة تقول
((مرحبا سيد يوسف))
رفع يوسف وجهه لها وأمسك بيده نظارته الطبية بإطارها الأسود وهو يتساءل بعملية
((مرحبا يا سيدة، هل لديك موعد مسبق معي؟))
لم ينتظر إجابتها وهو يلتفت نحو مساعدته على الفور يلقي عليها وابلا من أوامره
((قومي على الفور بطباعة عدة نسخ لهذه الأوراق واجلبي لي الملفات التي أخبرتك عنها في الصباح من الأرشيف حالا))
همّ بالمغادرة نحو مكتبه دون أن يهتم بسماع إجابة شيرين فهرولت تقاطع طريقه تقول بشيء من الارتباك
((سيد يوسف أعتذر أني لم أحجز موعدا مسبقا قبل أن آتي ولكن أنا..))
تسرب الامتعاض لملامحه وهو يقاطعها
((يمكنك حجز موعد من مساعدتي بعدها قابليني للتحدث))
تمتمت بابتسامة متشنجة وهي تكز على أسنانها غيظًا منه ومن نفسها ومن الموقف برمته
((لكن مساعدتك رفضت أن تحجز لي موعدا عندك لأني..))
كشّر بوجهها وهو يقاطعها بصوتٍ باتر
((هذا يعني بأن مشكلتك مكانها ليس عندي وعليك أن تذهبي للقسم المعني))
تجاوزها يوسف ودخل إلى مكتبه الواسع الفخم فعادت شيرين تعترض طريقه وتقول
((أنا أعتذر منك لا أقصد أن أكون وقحة لكن لن آخذ من وقتك أكثر من دقائق قليلة))
لكنه أغلق الباب خلفه لا يكلف نفسه وقتا للحديث معها.. فتفاجأ من شيرين تفتح باب مكتبه متجاوزة حدودها.. تطلع لها بتعجب وخرجت نبرته عن طورها وهو يقول بصرامة
((كيف تتجرئين على الدخول إلى مكتبي بهذا الشكل؟ من أنتِ وهل تعملين هنا في شركة القاني؟))
وقفت شيرين مكانها تواجهه بثبات
((أنا اسمي شيرين.. سبق وشغرت منصب مشرفة في قسم الموقع الإلكتروني الذي سبق وتم سحبه من فرع شركة القاني الثاني..))
وضع يوسف الأوراق والملفات التي بيده على الطاولة ثم أخذ نفسا عميقا قبل أن يقاطعها بعملية
((الفرع تم سحبه بالفعل وأيٌّ استفسار يخص هذا الموضوع سواء كان بشكوى على المنصب والقسم الجديد الذي انتقلت له أو غير ذلك فمكانه ليس عندي يا سيدة شيرين))
أغمضت شيرين عينيها بغيظ أكبر للحظات.. إنه عجول جدًّا ومتسرع ولا يترك لها أي مساحة أو فرصة لتتحدث ولن يفعل إلا إذا دخلت مباشرة بصلب الموضوع دون مقدمات.. فهدرت على الفور
((سيد يوسف أنا أريد أن أسال عن الموظف قُصي سامح الذي تسبب بالمشكلة برمتها، ماذا سيحل به، وإذا ما كان بإمكاني التواصل مع الفريق القانوني للشركة لمعرفة مصيره وكم قد يلزمه أن يدفع ليخرج من هذه الورطة؟))
تغضّن جبينه بالضيق وبدا مستاءً من الموضوع الذي فتحته قبل أن يجيب بنفس عمليته
لن تقبل الشركة ولا حتى وكيل الموقع الإلكتروني من شركتنا أن يعرف أحد تفاصيل إجراءات المشكلة))
فغرت شيرين شفتيها قليلا قبل أن يتجه نحو الباب ويفتحه لها قائلا بهدوء
((الآن يا سيدة شيرين.. فأنا مشغول جدًّا.. لقد سمحت لك بمقاطعة عملي المهم معي دون موعد.. ونظرًا إلى أنك سبق وكنتي مشرفة في قسم مهم في الفرع الثاني من شركة القاني فأنا سأتجاوز ما فعلته، لكن وقتي ثمين ولا أستطيع الاستغناء عنه أكثر، وعليّ أن أطلب منك الرحيل.. فهل يمكنك ذلك؟))
قوست حاجبيها تقول بانزعاج
((لا.. ليس بعد..))
اتسعت عيناه مرددًا
((ماذا قلت؟))
تنحنحت شيرين بحرج قبل أن توضح
((أنا آسفة.. أقصد أني فقط أريد أن أعرف من هو القسم المعني في القضية؟ وكيف يمكنني التحدث مع..))
انخفضت نبرة شيرين في آخر كلماتها ثم بلعت ريقها بصعوبة وقد استشفت الغضب في ملامح يوسف..
يبدو أن عليه التوقف عن استفزازه.. ثم هي فعلا فعلت ما بوسعها لتحاول مساعدة قصي من أجل سهر وليس من المعقول أن تخسر وظيفتها من أجل ذاك المخادع! فما كان منها إلا أن هزّت رأسها بطاعة واستسلمت
((حسنا سأرحل بهدوء))
استدارت شيرين نحو الباب لكن تملكتها صدمة مباغتة ونظرها يقع على آخر شخص توقعت أن تراه.. قُصي...!! يرتدي ملابس سوداء شبابية يغلبها اللون الأسود تضفي على مظهره شيئًا من الغموض وبعيدة كل البعد عن الملابس الرسمية التي تلزمها الشركة على موظفيها أثناء فترات الدوام..
وضع قُصي يديه في جيبي بنطاله الجينز الغامق وهو يزم شفتيه.. ثم تساءل
((شيرين ماذا تفعلين هنا؟))
تسمرت شيرين مكانها واختلجت شفتيها مانعة أي كلمة من التسلل، ولم يخرجها من تخشّبها إلا صوت يوسف من خلفه يتساءل بذهول
((هل تعرفها يا سيد قُصي!؟))
تطلع قصي له بملامح عادية ليقول يوسف بتوتر كمن تذكر شيئا
((أوه.. صحيح سبق وأخبرتني بأنها كانت مشرفة للقسم الذي كنت فيه))
غزت الدهشة شيرين عندما تجاوزها قُصي وأكمل طريقه لداخل مكتب يوسف حتى جلس على الكرسي واضعا قدما فوق قدم بانعدام تهذيب متحدثا
((في الحقيقية يا يوسف ليس هناك سبب لقدومي هنا لكن قلت في نفسي ما المانع بما أني متفرغ أن أمر في زيارة لك ونحظى بدردشة سريعة أثناء احتسائنا فنجان قهوة))
بدا على يوسف الامتعاض من تصرف قصي الخالي من الذوق والاحترام إلا أنه ردّ على الفور بنبرة تجلى فيها مدى حرصه على تملقه
((فنجان قهوة! سأطلب من مساعدتي إحضار قهوتك كما تحبها.. حلوة ها؟))
ردًّ عليه قصي بترفع وفظاظة كمن يعامل خادمًا عنده
((أريدها سادة يا يوسف.. لكن مع قطعة شوكولاتة تخفف من مرارتها))
تمتمت مساعدته بحنق وانزعاج
((وهل مكتبنا بوفيه مفتوح؟))
اتسعت عينا يوسف وهو يحدجها بنظرات صارمة ثم يتمتم
((ششش اخفضي صوتك.. إنّه السيد قُصي))
أشار يوسف لشيرين برأسه حتى تبتعد خارجا عن عتبة مكتبه ليغلقه عليها تاركًا إيّاها بوجه باهت.. مصدوم.. وعقلها يتزاحم فيه مئات الأسئلة الحائرة..
توجه يوسف عند طاولة مكتبه يلملم أوراقه بينما يسأله قصي بنبرة مستفزة
((هل تشعر بالسّخط يا يوسف لأني قاطعت وقتك المهم؟))
تدبر يوسف ابتسامة متملقة وقال
((وهل هناك يا سيد قصي أهمّ منك؟))
حرك قُصي قبعته السوداء الأمريكية للخلف بتهكُم جرّد الآخر من كرامته
((أنتَ منافق بارع.. أمي محقة بكلامها عنك، أنتَ مستعد لتلعق حذاء عمي حتى يرضى عنك دائما))
ازدرد يوسف غصة مسننة عالقة في حلقه ثم توجه نحو قصي يبادله النظر وهو يقول بلهجة مقهورة مشوبة بالتوتر
((سيد قصي كلامك قاسي جدًّا، بغض النظر عن كل الخلافات بيننا أتمنى أن يظلّ الاحترام له مكان بيننا مهما حدث))
استحالت ملامح قصي لأخرى غير مألوفة فيه وهو يهتف بانفعال
((ومن أين سيأتي الاحترام بعد أن أخبرني عمي بقراركم بعد هذا الاجتماع؟))
ازدرد يوسف ريقه مُجددا قبل أن يقول وهو يمنع التواصل البصري بينهما
((قرار مثل هذا لا يؤخذ من قبل شخص واحد أو إثنين، بل كان بإجماع أصحاب الأسهم في شركات القاني.. أنا رفضت التصويت وكذا الأمر للسيد فارس واتخذنا جانب الحياد..))
ضرب قصي الطاولة بيده باحتدام وقال بنبرة خطيرة
((إذا كان عمي قد استغل وفاة أبي بسرقة حقي وحق أخي وكل ما يحق لنا من أسهم في هذه الشركة فلماذا لن يكون هو من حرّض الباقي على اتخاذ قرار كهذا!))
ردد يوسف بانضباط انفعالي
((سيد قصي أنت لم تمتهن شيء منذ تخرّجك من الجامعة إلا مؤخرا هنا كموظف بسيط وتسببت بكل تلك الخسارة للشركة وخسارة قسم كامل.. ربما الأفضل أن تطالب بحقك المهدور في ورثتك أنتَ وشقيقك دون الحاجة أن تعمل هنا))
استقام قصي من مكانه بعنف ليقول بغضب عام
((ما فعلته كان بسببكم أنتم! عندما أخبرني عمي قبل ثلاث سنوات أن أبدأ العمل في شركة القاني كموظف بسيط ومن ثم هو سيقوم بترقيتي تدريجيا حتى أصل للمنصب الذي أستحقه كوريث لأسهم شركة القاني فعلت ذلك وبدأت عملي باجتهاد لكن بعدما لاحظت بأني لا أتزحزح من مكاني ولا أترقى، أدركت بأنه سيظل على تسويفه وإبر تخديره ولا نية له أن يعطيني شيئا من حقوقي، لهذا بدأت استهتر وأهمل عملي..))
ظل يوسف للحظات يبادل قصي النظر قبل أن يقول
((ما الذي تريد أن تصل إليه يا سيد قصي الآن معي؟ تعرف أني كأيّ مجرد موظف هنا لا حول لي ولا قوة))
ضيَق قُصي عينيه وهو يجيبه بجدية اكتنفت صوته
((الذي أريد أن أصل له هو أني لن أهتم بقرار أصحاب الأسهم هنا.. أنا حتى وإن كان ليس هناك ما يثبت ذلك، أَرثُ مع شقيقي من أبي جميع أسهمه التي سلبها عمي منا مكتفيا بأن يتكفل بمصروفنا الشهري.. لذلك سأعود للعمل في الشركة، لكن في منصب يليق بي أنا قصي القاني.. ومكانك هذا لا تعتاد عليه فلن تظل به كثيرًا، إنه من حق أحد أبناء القاني))
رمقه قصي بنظرات تصغره وتحقر من شأنه قبل أن يستدير على عقبيه مغادرا مكتبه.. تقبضت يد يوسف بغيظ بالغ وغمغم بنبرة مشحونة
((أولاد القاني الأغبياء من أكبرهم لأصغرهم))
.
.
اندفع قصي من مكتب يوسف بفظاظة وظلّ يمضي قُدما بطريقه في الممر قبل أن يشهق وهو يخرج يديه من جيبي بنطاله بحركة تلقائية للتي ظهرت أمامه بملامح متجهمة..
التقط قصي أنفاسه يستعيد رباطة جأشه قبل أن يردد
((أفزعتني يا شيرين.. أعطي تنبيها قبل أن تقفزي أمامي بهذا الشكل))
ضيقت شيرين عينيها بنبرة تفحصيه..
فالرجل الذي دخل كملك له هيبته مكتب يوسف مختلف عن الواجهة المستهترة الودودة التي يظهر بها أمامها.. فسألته باختصار
((لماذا أنتَ مُهم؟))
رفع قصي حاجبيه يردد
((من هو المهم؟))
قطبت حاجبيها بغضب وتساءلت مكررة
((لا تدعّي البلاهة! ومن مهم غيرك!))
هز قصي كتفيه يجيب ببراءة
((أنا لست مُهمًا!))
أشارت شيرين بسبابتها نحو الاتجاه الذي يوصل إلى مكتب يوسف ثم قالت وهي تتحرر من صبرها
((بل مهم وإلا لماذا عاملك السيد يوسف غزوان بشكل وكأنه يهابك ويخشى غضبك!))
مرّ شبح ابتسامة على وجه قصي دون أن يجيبها، فاحتلت الصرامة وجهها قبل أن تردد
((قصي سامح.. من أنتَ؟ أرجوك صارحني وبدون أكاذيب يا منبع الكذب))
هزّ كتفه مجددا وهو يقول باستمتاع
((أنا هو أنا.. كما تعرفيني))
رفعت شيرين يديها تدلك جبينها بإنهاك وهي تتمتم بخفوت كمن تحدث نفسها
((هل تعرف يا قصي أن الكذب يُعتبر واحدًا من أسوء الصفات التي من المُمكن أن يتصف بها الإنسان؟ الرجل الكاذب هو شخصٌ مكروه وغير جدير بنيل ثقة من حوله حتى المقربين إليهِ))
تنهد ثم قال كمن أخذ على خاطره
((شكرا على ذمّي))
تطلعت له بغضب ورددت
((أنا لا أذمك وحسب بل أعريك أمام نفسك.. أنتَ كاذب يا قصي.. بل منبع للكذب.. يا أخي لماذا تحب أن تكذب؟ ما الممتع بالكذب وأن ينعتك الناس بلقب كاذب! الكذب يسقط الهيبات وهو أصل الرذائل، الشخص الكاذب تُبغضه الناس وتحتقره ولا يُقِيمون له وزنًا ولو صدَق يومًا فإنهم لا يصدقونه لأنهم لَم يتعوّدوا منه إلا الكذب))
أغمضت شيرين عينيها للحظات ثم قالت بجدية وهي تضع عينيها بعينيه
((سأسألك للمرة الأخيرة وكن رجلا صادقا فالحقيقة العارية أفضل من أجمل كذبة لباسًا.. من أنتَ يا قُصي؟))
ظل يبادلها تلك النظرات للحظات طويلة قبل أن يجيب بجمود
((حسنا أنا هو ابن أخ صاحب شركات القاني بفرعيها.. أنا قصي القاني.. وهذه هي شركة عائلتي))
لم تنحسر ملامح شيرين السابقة وهي تسأله بهدوء
((هل تعرف ماذا قال أدولف هتلر؟))
قال قصي بملامح مترددة مستغربًا
((ماذا قال؟))
أجابت شيرين بنفس الهدوء
((قال "اكذب كذبة كبيرة ثم حاول تبسيطها وكررها، في النهاية ستصدقها" وهذا ما يحدث معك.. لم تدع أحدا لم تحاول الكذب عليه بشأن عملك في منصب كبير في شركة عائلتك حتى نفسك صدقت كذبتك..))
كتّف قصي ذراعيه ثم قال بضيق
((هذه هي الحقيقية وليست كذبة.. نسبيًّا.. فأنا لا أعمل في منصب مهم في شركة عائلتي لكني أعمل بها..))
أخرجت شيرين ضحكة ساخرة خالية من أي مرح ثم احتقرته
((أنا كنت سأصدقك هذه المرة لو لم أرَ بنفسي معلومات سيرتك الذاتية يا قصي سامح يا منبع الكذب! من أين جلبت عائلة القاني لاسمك فجأة؟))
هزّ قصي كتفيه كمن يترك لها حرية التصديق أو لا وظل يسير للأمام إلى آخر الردهة وهي تسير خلفه بحذر وتصوب نظرها له بتوجس.. قبل أن تتوقف مكانها تناظر الرجل السّتيني الذي خرج من المصعد برفقة مرافق له شاب.. فتوقفت مكانها أمام هيبة هذا الرجل وملامح وجهه القاسي وقد عرفت هويته.. السيد فارس القاني.. رئيس مجلس إدارة شركات القاني..
بدأ السيد فارس يسدد عينيه لقصي هادرًا بهدوء صوته الرّخيم الخشن
((قُصي ماذا تفعل هنا؟))
زرع قصي تلك الابتسامة المستفزة مجيبا
((كنت عند يوسف وتحدثنا قليلا! لكن لم نصل لشيء لذا سنتابع حديثنا في البيت يا عمي))
حانت نظرة من فارس لشيرين بعنف مخيف ثم سأله والحزم يتدفق من نبرته القوية
((من هذه التي معك يا قصي؟ هل هي خطيبتك سهر؟))
أجابه قصي بهدوء
((لا إنها شيرين، كانت تعمل مشرفة لنفس القسم الذي كنت أعمل به، وسمعت بأنه تم نقلها لتعمل في هذا الفرع))
رمى فارس بنظرات قاتمة لقُصي يعلمه من خلالها بأن حديثهم لم ينتهي بعد وسيكمله في وقت ومكان لاحق.. ثم مضى الطريق أمامه بتلك الهيبة الفطرية.. تاركا قصي مكانه وفيضانات من الانفعالات المتناقضة تعصف بكيانه، كل خلجة من خلجاته شحنها بالكره البراق الى صدره..
فقالت شيرين بتردد ونظره معلق بأثر الذي بارح المكان
((إنه السيد فارس القاني.. صحيح؟))
أجابها قصي بمقت ((نعم))
كبّلت الصّدمة لسان شيرين وهذا اليوم يرفض التوقف عن رميها بالمفاجآت! أما قُصي تفهم ما تمر به فدعاها لتجلس مقابله على المقاعد الموضوعة بالبهو حيث يمر من هنا قلة من الموظفين تبعا لأن هذا الطابق مخصص فقط لقاعات الاجتماعات ومكاتب أصحاب المناصب الرفيعة في الشركة!
بصعوبة تحركت شيرين تجلس على إحدى المقاعد ونظرت لقصي تقول بذهول يلفها
((رباه.. رباه.. لكن كيف يعقل هذا؟ أنتَ قصي سامح لا قصي القاني))
أطلق قصي نفسا يكتمه ورد
(("القاني" هو اسم عشيرتي لكن في دفتر العائلة اسمي الرابع هو سامح.. كل عائلتنا نفس الشيء.. حتى عمي اسمه في هويته المدنية فارس سامح))
هامت شيرين وهي تشرد بعينيها للماضي محاولة استجماع الخيوط
((إذن لقد كنت صادقًا! نوعا ما! إذن أنتَ أغنى مما حتى كنت تدعّي! لا أظن أن عائلة سهر الغنية تضاهيك شيئا! والمسكينة سهر كانت منهمكة في تجميع كل المجوهرات التي أهديتها لأمها حتى ترجعها لك لعلها تنقذك من الورطة التي وقعت بها))
اتكئ برأسه للخلف وهو يقول بنبرة محبطة
((على كل حال، لقد عقد مجلس الإدارة اجتماعهم ووصلوا إلى نتيجة واحدة وهي أني لن أعمل هنا مجددا.. صحيح بأنه تأذى الكثير من الموظفين بسبب انفعالي وفقدوا وظائفهم لكن صدقيني شركة القاني لم تخسر شيئًا وسيأتي وكيل غير الذي ذهب.. لكن عمي استغل الأمر وحرضهم ضدي بعد إقناعهم أن وجودي هنا قد يسبب المزيد من الكوارث.. عمي فارس إنسان جشع، استغل وفاة أبي حتى يخون الأمانة ويسلب حقنا أنا وأخي وما ورثناه منه))
ترققت ملامحها وهي تقول
((وضعك معقد جدًّا..))
أكمل لها بما يجلي الكثير من الغموض الذي يلفه
((أمي بذلت جهدها لاستعادة حقوقنا المهدورة من عمي، لكنه أقنعها أن تتوقف عن محاربته مقابل الزواج منه وتكفلنا ماليا ففعلت، ثم أنجبت منه ولدا ولم تعد تهتم بأحد غير هذا الأخ))
((غريب أمر أمك، ألستم جميعا أولادها!))
((يمكنك القول بأن أولاد عمي من مطلقته الأولى علاقتهم منتهية به.. وأولاده من مطلقته الثانية وهي والدة يوسف نفسها فقدهم.. وابن عمي والذي هو نفسه أخي الغير شقيق هو ما تبقى له.. لهذا توقفت أمي عن النضال من أجل حقوقنا فهي ترى أن أموال وثروة عمي في النهاية ستكون لابنهما وبالتالي لها))
((يوسف ابن مطلقة عمك؟ لهذا استطاع أن يصل إلى منصب كهذا وهو في هذا العمر اليافع!))
((يوسف رغم بغضي له لكنه إنسان مجد ومجتهد لكن عمي أيضًا السبب بكل ما وصل له، إنه يعيش في ظله.. عمي النذل مستعد أن يفضل يوسف علينا نحن أبناء أخيه الراحل بل على أولاده ذاتهم..))
صمت قصي قليلا يظل سارحا بشروده قبل أن يكمل بملامح تقطر بالكمد
((أنا لم أهتم كثيرا بورثتي المنهوبة لأن عمي فارس ومنذ وفاة أبي وهو من يتكفل بكل احتياجاتي المالية.. ثمن مدرستي وجامعتي.. نشاطاتي وسفري.. وهو من شجعني على عيش حياتي كما أرغب وعدم أخذها بشكل جدّي عن طريق إمدادي ماليا بكل ما أحتاجه.. وأنا كشخص غير مسؤول لا يحب غير البحث عن متعته كنت راضيًا بذلك بل ممتنًا))
رفعت حاجبيها وهي تسأله
((لماذا قررت أن تغير هذا الأسلوب؟))
ناظرها وهو يجيب
((الحقيقة بعد استقراري هنا شعرت بحاجة للزواج وأمضيت الكثير من الوقت في البحث عن فتاة مناسبة لاهتماماتي وما أحبه وبالصدفة فقط تعرفت على سهر من بعيد وحاولت التقرب منها ونيل إعجابها هي وأمها قبلها، لكن خفت أن ترفضني عائلتها بعد أن تعرف أني فعليا لا أملك أي شيء وأعتمد ماليًا على عمي، ومتى ما سحب عمي دعمه المالي فلن يبقَ شيء لي، وقتها عرفت أهمية امتلاك وظيفة وأمان مالي وطلبت من عمي أن يوفر لي بشركة العائلة منصب مرموق حتى أستطيع التقدم لعائلة سهر مرفوع الرأس، لكنه وضعني بذاك المنصب البسيط مع وعد بترقيتي متى ما رأى أن الوقت مناسب، فذهبت وحيدا إلى عائلة سهر وكذبت عليهم بمعظم الأشياء على أمل أن عمي سينفذ وعوده خلال أشهر ولم أظن أن الأمر سيستغرق منه ثلاث سنوات من التسويف ثم سينقض الوعد بعد كل هذا))
اعترضت شيرين
((حقيقتك ليست مخزية، ولو أخبرتها لهم لم تكن لترفضك عائلة سهر!))
تنّهد قصي ثم قال شارحا بصوتٍ ينز مرارة
((والد سهر يعرف حقيقتي، عرفها عندما تقدمت لسهر وسأل عني، وأخبرني بأنه سيوافق على عقد القران لكن لن أتزوج سهر قبل أن يثبتني عمي بمنصب مرموق وثابت أو يفتح لي مشروع يدر عليّ دخل جيد فهو لن يزوج ابنته من رجل ليس هناك شيء مضمون فيه إلا اسم عائلته))
هزّت شيرين رأسها بإدراك، إذن والد سهر كان يعرف حقيقته كاملة! قالت له
((عليك أن تخبر سهر بالحقيقية، أي شيء أفضل من أن تظنك مجرد كاذب محتال، أعنى أنتَ على الأقل نصف كاذب ولم تكن تخدعها بمشاعرك ولم تكن تحاول أن تترقى بنفسك بزواجك منها ولم تكن طامعا بثروة عائلتها! بل كان عليك أن تخبرها كل شيء منذ البداية فهي لا تهتم بواجهتك المالية أو الاجتماعية))
اعترض قصي وهو يقول بصوتٍ يشوبه خيبة الأمل
((لم أبح لها بشيء لأني كنت أظنها نسخة من أمها الجشعة، وكنت أقول حقها أن ترغب بابن عائلة ذات صيت وغنية فهي جميلة ومشابهة للعبة الباربي، لكن كنت وصلت بالكذب لنقطة لا يمكن التراجع عنها وقررت ألّا أكشف شيئا حتى يصبح واقع كذبي حقيقة))
باغتت شيرين بما أدهشه قائلة
((هل تعرف بأنها من أجبرتني أن أذهب للشركة وأتواصل مع أي شخص مسؤول وأعرف ما قد يحول دون دخولك للسجن بسبب تلك المشكلة التي أوقعت نفسك بها!))
تساءل قصي بفطنة ولا تزال الدهشة تتملكه
((لهذا كنت عند يوسف؟))
أومأت شيرين له فانتصب قصي واقفا يقول بنبرة بائسة
((أتمنى فقط ألا تخبري شيئًا مما عرفتيه اليوم لسهر))
رفعت رأسها تُطمئنه
((لا تقلق.. لن أبوح لها بشيء ولن أتدخل بينكما إلا إذا كان الموقف يستدعي مني ذلك))
قال قصي ((لا أريد أن أطيل السيرة.. لكن ربما تكون هذه المرة هي الأخيرة لنا تحت سقف إحدى شركات القاني لذا أتمنى لك كامل التوفيق في حياتك المهنية والأسرية مع زوجك.. إلى اللقاء يا شيرين))
أظلمت ملامح شيرين وغمغمت بفتور
((سأتطلق من زوجي لذا لا تذكّرني به))
تأسّت ملامح قصي وقال
((لا أعرف ما أرده عليه فأنا لست بارعا أبدًا في المواساة وحياتك يا شيرين بائسة وحزينة أكثر مما يتحمله قلبي المفعم بالحياة وبهجتها.. بل أنا أعجز عن فهم كيف لسهر أن تلازمك طوال تلك السنوات الماضية دون أن تنقلي لها عدوى الكآبة.. فأنا لا أحب النّكد والبؤس.. ما لهذا خُلقنا..))
ابتسمت شيرين له ولوحت له بيدها تودعه فبادلها قصي الابتسامة بامتنان، ثم وضع يديه في جيبي بنطاله يستعد للمغادرة قبل أن يقف مكانه فجأة كمن تذكر شيئا ليلتفت لشيرين قائلا
((قبل أن أنسى، بالنسبة لقريب سهر الذي يعيش في الخارج والذي أقنعه زوجك أن يتبرع بجزء من كبده لوالد سهر.. أو بالأصح ابتزه عدتُ أنا للتواصل معه.. والشاب كان خلوقا ومتعاونا جدًّا معي، ووافق أن يتبرع لوالد سهر دون أي مقابل مادي أو معنوي.. وأكد لي أن هذه هي نيته من البداية لكن ذاك المدعو وليد الكانز كان يبتزه ويهدده مما جعله يبدي رد فعل عكسي لما يبتغيه في الحقيقة))
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل السابع وخمسون 57 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
طالعت رتيل بفخر غرفة يزيد التي جهزتها في الأيام السابقة وقامت بتنسيقها بنفسها.. لقد اهتمت بتفاصيلها وجعلتها ملائمة لتوفر له المساحة الكافية للعب ومناسبة لاحتياجاته.. وبألوانه المحببة.. ولم تنسَ أن تملأها من تلك الرسوم التي تخص إحدى شخصيات الأبطال الخارقين التي باح إليها بحبه لها..
هدر الحاج يعقوب بيزيد الذي يضعه بحُنو فوق حجره
((هل تحب جدك يا يزيد؟))
هزّ يزيد رأسه إيجابًا بصمت وسعادته الطفولية تلفه جراء الشكل النهائي لغرفته فعاد الجد يسأله وهو يمسح بيده فوق شعره الأسود المموج
((هل لا زلت غاضبا من جدك على ردة فعله غير المقصودة في ذلك اليوم؟))
هز يزيد رأسه نافيا فابتسم يعقوب برضا ثم قال بحنو
((أحسنت فجدك يحبك ولا يتحمل حزنك منه، أنتَ غالي هنا يا يزيد))
كان يعقوب راضيا تماما عن تغاضيه عن مسألة تسلل رتيل ودارين بين الحين والآخر بيزيد لأمه.. فقد توقف الصغير عن البكاء والسؤال عن أمه جزئيا رغم تباطئ تكيفه وتأقلمه هنا.. ففي نهاية المطاف هو لا يريد إلا أن يعتاد حفيده مكانه الأصلي هنا..
أنزله يعقوب أرضا ثم اعتدل واقفا وقال بينما يناول رتيل ظرفا مليئا بالنقود
((رتيل يا ابنتي أكرمك الله اذهبي للتسوق مع هذا الصغير واشتري أي شيء تقع عينيك عليه، واشتري أيضًا لفهد وباسم بالمثل فهم لا يقلان غلاوةً عندي منه))
غادر الحاج يعقوب الغرفة بهدوء.. فناظرت رتيل يزيد الذي جلس أرضا مع ابنيها فهد وباسم يشاركهم اللعب في المكعبات الملونة.. ثم سألته بمرح
((هل أنتَ سعيد لأنك تعيش كأكثر فرد مدلل هنا؟))
أجابها يزيد بحزن لمع في عينيه
((قليلا.. فقد اختفى أبي من حياتي وأمي لم أعُد أراها إلا خفية.. لو كنت أعرف أن هذا ما سيحدث لم أكن لأتمنى أن تكشف الحقيقة وأعيش هنا))
تفاعلت رتيل مع حزن الصغير وشعرت بقلبها يذوب حزنا عليه.. ربما عليها أن تجعله يرى والدته خفية أكثر من ذلك..
جفلت على دخول الحاجة زاهية حاملة "حلة" يتصاعد منها البخار.. فهرولت لتحملها عنها وتضعها فوق المفرش على الطاولة..
نظرتْ زاهية بفرحة ليزيد وقالت وهي تجذب يده نحوها
((أنتَ تحب هذا الحساء الشهي، أعددته لك بالمطبخ بنفسي))
بدأت تسكب زاهية الحساء وتضع أول طبقٍ ليزيد تحت أنظاره وتقول
((سأصنع لك رغيف الزبدة والسكر الساخن أمام الفرن في وقت لاحق وستحبه صدقني))
لاحظت رتيل لهفة حماتها وهي تبذل جهدها في صنع ما يحبه يزيد وتقف أمام النار وتطبخ فقط من أجل أن تنال حبه وودّه! إنها تحاول جاهدة أن تربط ذكراها عند يزيد بما طاب ولذ من الأطعمة والهدايا علها تبدد صورتها القديمة بعقله..
مالت برأسها لابنها فهد هامسة
((هل تشعر بالغيظ من اهتمام جدتك بيزيد؟))
أجابها فهد محتارا ((أحيانا فقط))
قالت له بنفس الهمس
((لا بأس، لكن صدقني أنه وضع مؤقت.. سيعود جدّيك للاهتمام بك كالسابق بمجرد أن يمر بعض الوقت أما بالنسبة لعمك مَالك فقد اتضح بأنه والده ومن حقه أن يغرقه باهتمام أكبر منك، فالعتب ليس عليه بل على والدك..))
صدح رنين وصول رسالة لهاتفها فجأة فبترت رتيل كلامها ورفعته بتوتر وسرعان ما ارتسمت ملامح الفجيعة عليها وهي تقرأ محتواها حتى أن حماتها انتبهت لملامحها وتساءلت بتوجس
((ماذا هناك؟ هل هي رسالة من أحد نعرفه يا رتيل؟))
زاغت عينا رتيل وهي تعي أن التهديدات التي تُرسل لها بغية الابتزاز باتت أكثر جدية وخطورة.. فالمبتز الآن يهددها بفضحها بصور أكثر خصوصية لها إذا لم ترسل له المال في وقت ويوم معين!
ماذا يقصد بأكثر خصوصية؟ لا تذكر بأن غنوة سبق والتقطت لها صورا بملابس فاضحة أو أماكن مشبوهة حتى!
اهتزّ بؤبؤي رتيل بارتياع وارتجفت شفتيها خشية أن تكون غنوة قد التقطت صور لها أثناء نومها في بيتها!
كيف يا ترى هي وضعية هذه الصور؟ لا وقت لديها ولا يمكن أن تؤجل موضوع غنوة أكثر..
عليها الآن.. الآن أن تذهب عندها وتبرحها ضربا وتلقنها درسا لن تنساه.. فخرج صوتها مجيبها بالهمس الضائع
((إنها عمتي.. متعبة جدًّا.. مريضة وطريحة الفراش))
عقدت زاهية حاجبيها بحيرة وتساءلت
((عمتك من؟ لم تخبريني مؤخرًا عن مستجدات عائلتك))
استقوت نبرة صوت رتيل وعيناها تومضان بدموع أبية منيعة لترد
((عمتي هذه إنسانة غالية عليّ وعلى كل أفراد عائلتي بلا استثناء، وأمي تطلب مني القدوم للمنزل لرؤيتها الآن فهي تقطن عندنا))
أظهرت زاهية الاستياء مستنكرة
((تريدين الذهاب إذن؟ لكنك عدت فقط منذ يومين يا رتيل.. أنا لا يعجبني وضعك أبدًا.. ليس هناك امرأة في القرية تبيت عند عائلتها بقدر ما تفعلين))
انهارت ملامح رتيل وخرجت الكلمات مخنوقة متوسلة
((حماتي أرجوكِ أنا بحاجة حقا للمغادرة الآن.. الآن.. عمتي ليست مريضة بل تحتضر.. دعيني أراها في آخر ساعات عمرها.. أعدك بأنها ستكون آخر مرة أذهب بها للمكان الذي سأتوجه إليه.. بعدها لن اطلب أبدًا.. أبدًا الخروج من البيت.. أرجوكِ..))
مع آخر كلمة قالتها صدرت شهقة منها لم تكن شهقة بقدر ما كانت صرخة مكتومة بعذاب خوفا من القادم..
هال زاهية ما تراه وقالت وهي تربت على كتفها
((لا تبكي هكذا، هل تريني امرأة لا تخاف الله حتى أحرمك من رؤية عمتك التي تحتضر.. اذهبي بسرعة وتفقديها وسأدعو أن يكتب الله لها الشفاء.. سأخبر مُؤيد أنا لا تقلقي))
انتفضت رتيل تقول بجزع
((لا.. أرجوكِ لا تخبري مُؤيد))
اعترضت زاهية بحزم
((لا يصح يا رتيل.. الرجل عليه أن يعرف بكل خطوة تخطوها زوجته للخارج.. كما أنه من النوع الذي يدقق))
أمسكت رتيل كفي حماتها تتوسل له برجاء فياض
((مُؤيد سيغضب كثيرًا إن عرف بأني ذهبت مرتين في الأسبوع عند عائلتي.. أرجوك دعيني أغادر فقط لأربع أو خمس ساعات دون أن تحيطيه علما بخروجي))
سحبت زاهية كفيها بانزعاج وقالت على مضض
((أنتِ تعرفين أني لا أحب أن أفعل شيئا من خلف أحد أولادي لكن حسنا اذهبي وليغفر الله لنا))
شكرتها رتيل بعرفان وامتنان قبل أن تبارح الغرفة مهرولة
((شكرا لك يا عمتي لن أنسى لك هذا المعروف))
.
.
في منزل غنوة..
وضعت غنوة المشط الذي كانت تصفف به شعرها فوق الطاولة ثم قالت على عجل بالهاتف
((هناك من يطرق الباب، لا بد أن رتيل وصلت لتتحدث معي بشأن الشخص الذي يهددها.. سنتحدث لاحقا يا دُموع))
تنحنحت غنوة تجلي صوتها ثم سارعت ترسم ملامح القلق والحزن على وجهها لاستقبال رتيل التي ستكون الآن بلا أي شك منهارة.. ففتحت الباب قائلة مباشرة
((رتيل الغالية لقد اشتقت لك وكم تمنيت لو كان سبب حضورك إلى هنا للاستمتاع بوقتك بدلا من تلك المصيبة التي حلّت علينا نحن الاثنتين فمشاكلك هي مشاكلي))
اندفعت رتيل للداخل ولم تغلق الباب حتى وهي تمسك مقدمة قميص غنوة بعنف صارخة باحتدام
((أنتِ المصيبة التي حلت عليّ يا غنوة المنحطة، هل تظنين أني غبية ولم أعرف بأن الرقم المجهول الذي يستمر بابتزازي بفضح صوري لك؟ من عساه غيرك يملك هذه الصور التي كنت ألتقطها فقط بهاتفي أو هاتفك؟ أخبريني ما هذه الصور الخاصة التي هددتني بها قبل ساعتين؟ هيا تحدثي قبل أن تقضي نحبك على يدي))
احتقن وجه غنوة وهي تلتقط أنفاسها بشق الأنفس فتوسلت بصوتٍ مخنوق أن تحررها رتيل
((اهدئي يا رتيل.. لا أستطيع التنفس.. أنا أختنق.. بالتأكيد استطاع هذا المبتز اتباع طرقه الخاصة للحصول على الصور من أحد هاتفينا))
هتفت بها رتيل قبل أن تلكُمها في وجهها وتبرحها أرضا
((توقفي عن خداعي أيتها المنحطة، هل تريني إنسانة غبية؟))
تألمت غنوة وهي تسقط على ظهرها لكنها لم تكن تهتم إلا بالتقاط أنفاسها وهي تلهث بصعوبة..
وقفت رتيل هي الأخرى بأنفاسها اللاهثة تقول باشمئزاز
((لقد ربطت كل ما حدث تلك الليلة وتوصلت إلى حقيقة أن دُموع ما هي إلا صديقة لك))
ثم سارعت دون أن تترك لغنوة وقتا للراحة بالانخفاض إلى مستواها ثم معاجلتها بلكمة أخرى على أنفها..
أمسكت غنوة أنفها النازف بغزارة وقد ارتعبت من منظر رتيل والتي هجمت عليها مجددًا تسحبها من مقدمة قميصها حتى أوقفتها على قدميها ثم ضربتها مجددًا لترتمي فوق الطاولة الخشبية وتسقط أرضا..
هدرت غنوة من بين نحيبها وألمها الفظيع
((ارحميني أرجوكِ، توقفي يا رتيل))
زاد لُهاث رتيل وبدأت تترنح قليلا بمكانها من القوة التي بذلتها.. لكنها رمقتها بنظرات نارية مستعرة بالغضب وهي تقول بصوتٍ متقطع
((وهل رحمتني أنتِ ودموع وأنتما تتكالبان ضدي؟ ما الذي فعلته معك حتى أستحق منك هذا؟ لم أبخل عليك بأموال قط وكنت مستعدة أن أعطيك المزيد لو طلبتي.. بدلا من أن تكوني ممتنة لي تطعنيني في ظهري؟))
عادت رتيل تمسك تلابيب قميصها ولم تكن ترى في هذه اللحظة سوى غشاءً أحمر يحجب عن عينيها أي شيء غير تلقين هذه الأفعى الرقطاء درسًا لن تنساه على غدرها بها غير آبهة لكلماتها المتألمة والمتوسلة
((ستزهقين حياتي.. أرجوكِ سامحيني.. أرجوكِ يا رتيل))
.
.
في هذه الأثناء..
وبمجرد أن عرفت دموع من غنوة أن رتيل وصلت عندها حتى هرعت تقود سيارتها إلى مكان عمل مُؤيد حتى تنفذ خطتها.. رغم أن ما ستفعله الآن سيجعلها تخسر هي وغنوة ممول مالي أساسي لهما لكن لم يهمها في هذه اللحظة سوى الانتقام من مُؤيد ونظراته المحقرة تجاهها بما أنه لن يتزوجها.. حتى لو أن ما ستفعله قد يؤذي غنوة نفسها!
أخذت دُموع نفسا عميقا تحاول استعادة رباطة جأشها ودلفت للداخل حيث كان مُؤيد يجلس مع رجل آخر يحثه
((أنا مُصر يا مُعاذ على عدم مغادرتك قبل أن ترتشف كأس شاي معي.. لا تحاول الاعتراض.. طلبته الآن دقائق حتى يأتي به الصبي..))
شهق مُؤيد في نهاية حديثه وانتفض واقفا من مكانه لدخول دُموع المباغت ليصرخ بها بغضب وعنف
((ما الذي تفعلينه هنا يا دموع؟ من سمح لك بالدخول هنا!))
حافظت دُموع على هدوئها وهي تجيب
((على رسلك.. جئت لأخبرك بأني نادمة على عرضي الذي قدمته لك في المرة السابقة))
خشي مُؤيد أن تتحدث بشيء وتفضحه أمام أخيه فصرخ بها بفظاظة وقوة
((لا أريد ندمك ولا شيء إلا أن تغربي بوجهك بعيدا عني))
أظهرت دموع المسْكنة وهي تقول
((لكن هناك ما أنا بحاجة أن أريه لك))
حرك مُؤيد رقبته للخلف إلى حيث يجلس مُعاذ بتوجس من الموقف الذي يحدث أمامه وقال برجاء مبطن
((أخي غادر المكان، ودعني أنتهي منها وأجعلها تفكر ألف مرة قبل أن تخطو قدمها عتبة هذا المكان ثم سنتحدث لاحقا في هذا الموضوع))
انتصب مُعاذ واقفا من مكانه وناظر دُموع وهو يسألها بملامح صارمة دبت الخوف في قلبها
((من أنتِ يا امرأة وماذا تريدين من مُؤيد؟))
ازدردت دُموع ريقها وهي تحث نفسها على التماسك ثم قالت بملامح حزن خبيثة تدعي القهر والظلم
((أنا فتاة مسكينة أحبها أخاك وأحببته بعنف وتطورت الأمور بيننا إلى حدّ جعلت عَلاقتنا كعلاقة الأزواج وبعدَ كل هذا خانَني ومضَى في حياته كأنّ شيئًا لم يكن، وعندما طلبت منه أن يصحح خطأه ويتزوجني بدأ يحدثني بأنّه سيشعر بالقرَف مني لو تزوجته..))
كانت ملامح مُؤيد تزداد صدمة مما يسمعه مع كل كلمة تنبثق منها حتى أن لسانه انعقد للحظات قبل أن ينتفض مكانه ويتهجم عليها مما جعلها تصرخ وتهرب للخلف لولا قبض مُعاذ عليه بقوة وتكبيله.. فصرخ مُؤيد بأخيه مدافعا عن نفسه ((كاذبة.. أقسم لك يا أخي كاذبة.. والله لم يحصل شيء بيننا إلا بضع خروجات وبعض المحادثات العادية على الإنترنت..))
هتفت به صارخة باعتراض يشوبه التهكم
(("عادية"؟ وهل تسمي تلك المحادثة التي كنت تخبرني فيها عما تفضله في فتاة أحلامك أثناء العلاقة الزوجية هي محادثات عادية؟))
بَهُت وجه مُؤيد ثم سكن قليلا مكانه وبدا موقفه واهنًا وهو يقول لأخيه بتذبذب
((مرة واحدة.. فقط مرة واحدة يا مُعاذ وهي من استدرجتني حتى أتحدث وآخذ راحتي في الحديث معها بمثل تلك الأمور المُشينة.. فلا تأخذ كلامها بمحمل الجد لأني سأتخلص منها الآن..))
كزّ مُؤيد على أسنانه وهو يحاول التنصل من قبضة أخيه والفتك بدموع لولا أن مُعاذ صرخ بغضب وزاد من تكبيله
((اهدأ يا مُؤيد..))
ثم تقدمه بجسده المهيب وهو يسألها بصرامة
((وأنتِ ما الذي تريدينه الآن؟))
أطرقت دموع وجهها ثم قالت بازدراء
((لا أريد شيئًا منه، حتى الزواج لم أعد أريده، لا يشرفني أن أتزوج من رجل عند زوجته عشيق يعوضها عن غيابه وتواجده في المدينة))
ما إن جلبت سيرة زوجته وكلامها عنها حتى زأر بها مؤيد كأسد غاضب مجنون وكل ذرة من تعقله تذهب أدراج الرياح
((اخرسي أيتها *** و*** أنتِ امرأة *** إياكِ أن تذكري زوجتي الطاهرة الصالحة على لسانك أيتها *** زوجتي امرأة صالحة متدينة تخاف الله))
كان مُعاذ بالفعل يبذل جهدا جبارا وهو يقبض على مُؤيد ويردعه عنها فنظر أثناء معافرته بدموع هاتفًا
((بارحي المكان فورا فأنا لن أستطيع الإبقاء عليه بعيدا عنك طويلًا))
نظرت دموع بملامح تصرخ شر إلى مُؤيد وهتفت وهي تخرج صور عديدة من حقيبتها
((حسنا سأغادر.. ولكنك تبدو رجل محترم لذا أرجوك اذهب واستر زوجة أخيك التي تستغل غياب زوجها عنها في زيارة عشيقها في المدينة.. عنوان منزل عشيق رتيل يبعد مسافة عشر دقائق عن هذا المكان..))
وضعت دموع ورقة العنوان والصور على الطاولة وهي تضيف
((وهذه بعض من صورها في منزل عشيقها الذي أخبرني كل هذا عنها.. كان مُؤيد يتبجح أمامي بأنّه لا يمكن أن يتزوج من امرأة سبق وأقام معها علاقة فنَصرني ربي وبيّن له حقيقة قارورته الفاسقة! الحمد الله))
عندما استطاع مُؤيد شبه أن يفلت نفسه من قبضة أخيه صرخت دموع مذعورة وهي تركض بسرعة للخارج إلى حيث تركن سيارتها..
أما مُؤيد اللاهث توقف مكانه عند الباب وهو لا يجد طائل من اللحاق بها وقد شغلت محرك سيارتها بالفعل.. فحثه أخيه بخشونة
((انظر للصور والأوراق التي تركتها))
اتجه مُؤيد نحو الطاولة يقول بإصرار لا يحتمل ذرة شك وهو يجعد الصور والورق
((لن أنظر لشيء أنا، زوجتي لا يمكن أن أشّك بها هي أهل الشرف والطهارة ولن..))
توقف مُؤيد عن الحديث تماما واتسعت عيناه حتى كادتا أن تخرجا من محجريهما عندما زلت طارف عينه لتقع على إحدى الصور..
كالمجنون بدأ يتفقد الصور جميعا والتي كانت فعلا لرتيل في منزل غريب.. لم تكن وضعيات رتيل توحي بشيء مشين لكنها كانت بملابس قصيرة جدًّا لا يسمح لها بارتدائها حتى أمامه.. تمتم بوجهه الشّاحب
((إنها صور رتيل.. لا يمكن.. ربما.. أنا سأذهب حالا لهذا المكان))
تناول مُعاذ الورقة التي كتب عليها العنوان وقال وهو يتوجه للخارج
((أعطني الورقة وسأقود أنا السيارة إلى هناك.. لم أقتنع بشيء مما قالته لكن أخشى أن تكون زوجتك في ذاك البيت فعلا وتحيط بها المخاطر فقد بدت هذه المرأة واثقة جدًّا من كلامها))
قاد مُعاذ السيارة بسرعة صاروخية نحو العنوان وما إن وصل أمام البيت المنشود حتى فتح مُؤيد الباب يترجل قبل أن يوقف أخاه السيارة حتى..
كان يخطط لكسر الباب لكنه وجده مفتوحا فيما تصدح من الداخل صرخات امرأة هاتفة
((أنقذوني يا عالم.. أنقذوني يا بشر.. أنا أموت))
وعلى الفور دلف للداخل هناك ليجد زوجته تجلس بمظهر أغبر فوق امرأة أخرى وتُبرحها ضربًا بغل..
قبل أن تتوقف فجأة وتنظر إليه ويزداد وجهها شُحوبًا وينهار جسدها ارتجافًا وهي تتمتم بذعر
((مُؤيد.. ماذا تفعل؟))
بالكاد استطاعت غنوة الاعتدال جالسة وهي تدفع رتيل بإعياء عنها.. فتقهقرت رتيل للخلف دون أن تقدر أن تباعد تواصلها البصري المرعب مع مُؤيد.. الذي سألها بشراسة من بين أنفاسه اللاهثة المخيفة المظلمة
((أين هو عشيقك؟ أين هو؟))
هتفت غنوة وهي تشير إلى النافذة بيدها وهي بالكاد تمتلك قوة جسدية أو نفسيه بعد كل هذا الضرب الذي تلقته
((لقد رحل من تلك النافذة المفتوحة بعد أن أشبعني ضربًا هو وزوجتك))
اتسعت عينَا رتيل لما تفوهت به أما مُؤيد فركض على الفور ثم قفز من النافذة التي تطل على الشارع الآخر..
تملك التيه والتشوش غنوة لكنها هرعت تهرول مترنحة نحو الخارج تنجو بحياتها..
انتبهت رتيل على دخول رجل آخر للمنزل ليتبين لها أنه شقيق زوجها الذي صُدم لرؤيتها وسألها صارخًا
((ما الذي تفعلينه هنا؟))
تجمّد الدم في عروقها وهي تجيبه بكلمات متذبذبة جزعا تكاد لا تكون مفهومة
((أقسم لك.. بأن الأمر.. ليس كما تظن.. يا شقيق زوجي.. أرجوك صدقني))
تقبضت يدا مُعاذ بعنف ثم أمرها صارخا وهو يفتح الباب على مصراعه
((عودي للقصر.. إياك أن تذهبي إلى مكان آخر بمظهرك هذا وسأهدأ مُؤيد قبل أن نعود ونسمع منك شرح ما حصل))
أوقف مُعاذ أول سيارة أجرة مرت بينما أسرعت رتيل تستقل المقعد الخلفي..
دفع مُعاذ للسائق أجرته وأخبره عن المنطقة التي يجب عليه أن يوصلها لها..
ثم هرع لداخل المنزل ما إن شعر بصراخ أخيه المهتاج
((أين هي رتيل؟ أين هي؟))
منعه مُعاذ بقوة من الخروج من البيت وهو يهتف به
((أنا من أخبرتها أن تبارح المكان حالا بعد أن أوقفت لها سيارة أجرة))
كان يكفي أن ينهي مُعاذ جملته حتى يقول مُؤيد هنا لتعقله السلام مودعًا.. فصرخ به باستنكار وجنون وهو يسدد اللكمات لصدره
((كيف تفعل هذا وتجعلها تغادر؟ إلى أين ستذهب الآن؟))
أبعد مُعاذ يديه عنه صارخا وقابضا على تلابيب قميصه عله يُهدأ من هيجانه
((اسكت وهدئ من روعك فلا شيء مما يحدث مترابط، دعنا نعود للقرية ونفهم منها ما حصل! هل يعقل أن تجلب فاسقة لك صور لزوجتك وتخبرك عنها بعض الأمور وتسارع في تصديقها؟))
زَفر مُؤيد بغضب يستعر بداخله استعارا ضاربا بقبضته الجدار وهو يقول بجنون
((قالت بأنها متواجدة الآن في هذا البيت وهذا ما كان بالفعل عندما جئنا هنا))
هتف مُعاذ به صارخا
((جئنا ووجدنا فعلا زوجتك هنا لكن أين العشيق الذي تحدثت عنه تلك المرأة؟ هل رأينا هنا أو في الأرجاء ما يدل على وجود رجل آخر؟ ما الذي يؤكد لنا صحة كلامها؟ لا بد أن هناك أمرًا اضطر زوجتك أن تأتي من أجله هنا فجأة.. دعنا نستمع لها وتشرح لنا موقفها))
عبر مُؤيد بملامحه المعذبة المتشنجة وهو يكاد يجن حقا
((وما هذا الأمر الذي جعلها تغادر القصر وتأتي هنا إلى هذا المنزل الغريب دون إعلامي؟))
أخرج مُؤيد الصور من داخل جيب قميصه وهو يجعدها بقوة لا يعي بها مردفا بقهر
((وهذه الصور.. من أين جاءت هذه الصور المختلفة لها؟))
جحظت عينا مُؤيد وعيناه تحومان البيت من حوله فجأة فتساءل مُعاذ بوجل
((ما بك؟))
همس مُؤيد بهذيان الجنون وهو يفتح الصور المجعدة
((صورها هنا مأخوذة في نفس هذا المكان.. من أصحاب هذا البيت؟ عليّ أن أتأكد))
عاد يناظر صورها بنفس الجنون وهو يقول
((من هو الذي سمحت له بالتقاط مثل هذه الصور لها؟ كيف وصلت إلى دُموع؟))
اتجه مُؤيد إلى الخارج حيث عجلة السيارة الخلفية.. يركلها.. ينفس عن غضبه، فشد مُعاذ فوق كتفه هادرا
((اهدأ يا مُؤيد.. سأحاول معرفة من صاحب هذا المنزل))
لكن مُؤيد صرخ بشدة وهو يضرب العجلة بكل قوة حتى أحس بأصابع رجليه تئن ألمًا.. حاول ألا يظهر شيئا من ألمه فالموقف لا يحتمل التفكير بشيء آخر.. لكنه بمجرد أن وضع ثقله على رجله حتى أحس بألم.. فظيع.. ينخر عظامه نخرا.. فأخفض جسده وهو يشد على أسنانه يكتم الألم القاتل..
كان بحالة يرثى لها قبل أن ينتبه لدراجة مركونة أمام المنزل ومثبتة بقيد حديدي.. وسرعان ما أشار لها بصدمة
((انظر للدراجة.. انظر يا مُعاذ.. أليست هذه هي دراجة مُصعب التي سرقت!؟))
اتسعت عينا مُعاذ وغزاه الذهول وهو يقترب من الدراجة ويتفقدها مغمغمًا
((إنها دراجة مُصعب فعلا.. تلك التي تم سرقتها منذ سنة أو أقل!))
ببطء التفت كل واحد منهما للآخر يبادله النظر.. وعقل مُؤيد المتخبط يعيث في روحه فسادًا وشكوكًا..
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل التاسع وخمسون 59 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الرابع والعشرون
ترّجلت رتيل من سيارة الأجرة التي أوصلتها أمام العنوان المنشود بهيئتها الفوضوية ووجهها الشاحب الملطخ بدموعها..
رفعت عباءتها تهرول باتجاه القصر بينما تنظر من خلفها بين كل ثانية وأخرى وأنفاسها تصدر منهكة من صدرها..
شهقت بذعر ما إن لمحت مُؤيد يصل بسيارته بعد أن استطاع اللحاق بها! وبالمقابل انتبه عليها مُؤيد فهرول هو الآخر يلحقها بخطوات مترنحة بسبب ألم قدمه دون أن يهتم بإغلاق باب السيارة خلفه أو سحب المفتاح حتى..
انكمشت ملامح رتيل التي شوهها الذعر وهي تزيد من سرعة ركضها.. تركض بأقصى سرعة.. وبكل ما أوتيت من طاقة.. دون أن تنظر خلفها أبدًا.. قلبها يكاد يقع بين قدميها كأنها هاربة من شيطان لا إنسان.. والخوف تعشش في كل أنحاء جسدها يتفاقم من صخب خفقات فؤادها المكلوم..
رباه.. لم تره يومًا بهذه العصبية والجنون!
ماذا سيفعل بها الآن عندما يدركها؟
دفعت باب القصر شبه المفتوح لتتوغل للداخل بقوة مثيرة الجلبة والتساؤلات لكل من يراها.. حتى أن حماتها لمحتها وتعجبت لمرآها فصرخت رتيل دون أن تتوقف عن الركض
((إنه خلفي.. سيلحقني الآن.. لن أستطيع التوقف!))
أطلقت رتيل صرخة مرتعبة عندما سمعت صوت زعيقه وهو يدلف للداخل وراءها.. فدخلت جناح والديّ مُؤيد الذي كان أقرب لها من جناحها وصفقت الباب خلفها بإحكام..
اتسعت عينا زاهية ثم تطلعت للخلف، لمُؤيد الذي توقف مكانه مُتأوهًا بألم يُلامس قدمه قبل أن يتقدم للأمام بينما يجر قدمه الأخرى جرًا متحاملا على ألمه بخطوات بطيئة إنما ثائرة.. هاتفا عاليًا
((لقد رأيتك يا رتيل.. لا تختبئي.. افتحي الباب))
بهُت وجه زاهية مغمغمه مكانها
((يا إلهي ما هذه الصدفة الفظيعة!))
خرج يعقوب من الغرفة ووقف بجانب زوجته متسائلا
((أين كان كل من رتيل ومُؤيد؟ وماذا يحصل معهما؟ لم يصرخان؟))
شعرت زاهية بالتوتر يجتاحها واحتارت إذا ما كان عليها اللحاق بابنها أو الشرح لزوجها الذي عاد يهتف بقلق وامتعاض
((ماذا يحدث يا زاهية؟ أجيبي))
أطلقت الحاجة زاهية تنهيدة بائسة ثم قالت بعجل
((أخبرتني رتيل بأن حالة عمتها خطرة وطلبت مني أن تغادر لساعات قليلة لتفقّد حالها، وتوسلت كثيرا أمامي ألَّا أخبر ُمُؤيد حتى لا يغضب، وأنا ضعفت أمام توسلاتها وسمحت لها بالخروج))
تغضَّنت ملامح يعقوب وهو يحثها على الإكمال فضربت زاهية كفا بكف وقالت
((الذي حدث على ما يبدو أنها وصلت تزامنا مع عودة مُؤيد المفاجئة إلى هنا ففرت هاربة.. سأذهب لأخبر ابنك أني من سمحت لها بالخروج ليخفف من اهتياجه هذا، أرجوك لا تتدخل يا حاج واترك لي أنا احتواء الأمر))
رغم استياء يعقوب مما يسمعه إلا أنه ترك لزوجته حل هذا الأمر مكتفي أن يعقب بغضب
((نعم اذهبي وأخبري ابنك هذا صلب الرأس وقليل الإدراك بأن عليّه أن يفهم أن الأمور لا تحل بهذا الشكل، وأنَّ زوجته لو لم تكن موقنة بأنه إنسان ظالم وغير متفهم لما خرجت وطلبت منك ألا تخبريه.. هيا أسرعي واردعي ابنك عن حماقته، صراخه وصل إلى هنا.. هل صارت عيادة العمة المريضة خطيئة!))
دمدمت زاهية له وهي تهم بالمغادرة
((ها أنا ذاهبة.. هداه الله))
عاد يعقوب لداخل الغرفة يجلس بين أحفاده.. فلو تدخل لن يترك ابنه دون زجره بقسوة..
بطريق زاهية جاءتها حفيدتها دارين راكضة تقول بملامح ترتعش بالبكاء
((بسرعة يا جدتي.. بسرعة.. زوجة عمي داخل جناحك وعمي يكاد يكسر الباب عليها لأنها ترفض فتحه له))
اكتسحت الصدمة زاهية وهي تسرع الخُطى باتجاههم
((المجنون سيفضحنا أمام من هنا بصراخه))
مسح مُؤيد بيده جبينه الذي تفصد بالعرق البارد وتحامل على تعبه وإجهاده وهو يعود لدفع الباب بكتفه بكل ما أوتي من قوة هاتفًا لها أن تفتحه..
آخر دفعة من مُؤيد نحو الباب جعلت جزءً من القفل يتحطم فاستطاع كسر الباب..
إلا أنه تفاجأ بها قد دخلت للغرفة المرافقة وأوصدت أيضًا الباب خلفها بالمفتاح فشتم عاليًا وهو لا يصدق أن أمامه بابا آخر ليكسره قبل أن يصل إليها..
وصلته شهقة والدته المصدومة بينما تتقدم منه هاتفة بعصبية
((ما الذي كسرته يا مُؤيد؟ يا قليل العقل الأمر ليس كما تعتقد، لقد طلبت الإذن مني قبل خروجها))
تطلَّع مُؤيد بملامحه المظلمة نحو والدته هاتفا
((طلبت إذنك؟ حقا يا أمي؟ وما الذي قالته لك لتذهب هناك؟))
وقفت زاهية أمامه بصرامة تقول
((عمتها مريضة جدًّا بل تحتضر وكان عليها الذهاب لقرية عائلتها))
انفلتت أعصاب مُؤيد في هذه اللحظة هاتفًا وهو يلوح بيديه بجنون
((أمي رتيل لم تكن في قرية عائلتها بل في المدينة، في نفس المدينة التي أعمل فيها.. جاءتني فاسقة تناولني صورها وتخبرني أن زوجتي الآن في بيت عشيقها كما هي معتادة بين الحين والآخر على زيارته أثناء غيابي))
كادت أن تخرج عيني زاهية من محجريها وهي تقول بصوتٍ باهت مصدوم
((مـ مـستحيل!! لا أبدًا.. لا أصدق!! مُؤيد كيف..))
قاطعها مُؤيد صارخًا وهو ينتشل الصور المجعدة من جيب بناطله
((لقد ذهبت قبل قليل إلى البيت ووجدتها هناك.. لو لم يوقف لها مُعاذ سيارة أجرة ويهرّبها مني لكنت قضيت عليها في نفس اللحظة..))
ازدردت زاهية ريقها بصعوبة وتزايدت دقات قلبها ثم أخفضت بصرها إلى حيت يمسك مُؤيد صور مجعدة بقبضتيه فتساءلت
((ما هذه الصور؟))
قذف مُؤيد الصور أرضًا وهو يجيب عاليًا بهيستيريا
((هذه الصور لها في نفس البيت الذي وجدتها فيه.. واحزري ماذا أيضًا؟ دراجة مُصعب النارية التي تم سرقتها كانت هناك.. الشخص الذي سرقها فعلها بأمر من رتيل بعد أن دلّته على مكانها!))
هزت زاهية رأسها تقول بنفي
((لا أصدق.. هناك سوء فهم.. لا بدَّ أن هناك سوء فهم..))
كان مُؤيد كالمجنون وهو يدور عاجزًا حول نفسه على وشك الانفجار.. قبل أن يقاطعها بصراخ يصم الآذان
((إذن اطلبي منها الخروج أمامي الآن لتشرح لنا سبب تواجدها هناك لأنه لو نفذ صبري سأكسر الباب وأقتلها بدم بارد دون أن يرف لي جفن..))
لم تجد زاهية التي كانت لا تصدق أي شيء مما تسمعه إلا أن تخفض جسدها وتلتقط الصور من الأرض لتنفي ما يقوله لكن ما إن طالعتها حتى شحب وجهها تماما..
بدأ مُؤيد يتنفس بقوة موجعة.. وصوت أنفاسه المتحشرجة كدوران الرحى بينما يقول بعينين زائغتين
((أنا الآن مشوش، بل حتى بدأت اشك في حقيقة كل مرة خرجت من هنا بذريعة زيارة عائلتها إذا ما كانت قد ذهبت هناك فعلًا أم لا..))
رفع أصابعه يغرسها في خصلات شعره يكاد أن يقتلعها بعصبية غير قادرًا على تصديق الكابوس الذي يعيشه منذ ساعات.. فاسترسل بقهر نابع من صميم رجولته المطعونة
((رباه! ارحمني))
سيفقد عقله.. والله سيفقده ولن يتحمل لوقت طويل قبل أن يقتل نفسه بعدما يقتلها!
انهمرت دموع دارين في هذه اللحظة بخوف على زوجة عمها ولم تستطع أن تكتم شهقاتها كلها..
فاتسعت عينا زاهية مرة أخرى كأنها أدركت أو تذكرت شيئا فنظرت لحفيدتها بغتة هاتفة
((دارين.. دارين ألم تكوني دائما تهددين بإفشاء سر زوجة عمك أمامي.. قولي لي ما هو هذا السر؟ ما هو يا دارين؟))
تطلعت دارين لجدتها بصدمة وازدردت ريقها قبل أن تقول بحنق طفولي تداري فيه فزعها من المشهد
((عندما كنت ألمح لك كنت لا تأخذيني على محمل الجد بل تخبريني ألا أقلل من احترامها فهي بمقام والدتي، ومفشي الأسرار طفل سيء.. الآن تطلبين مني وبكل بساطة أن أبوح!))
انتفض مُؤيد مكانه وصوب نظره لدارين ثم اتجه نحوها..
أمسك كتفيها ليهزها بقوة.. صارخًا عليها بصوت حارق
((أتعرف سرا عن رتيل؟ قولي ما هو؟ قوليها يا بنت الأمر لا يتحمل عناد طفولي))
عقدت دارين ما بين حاجبيها تردد بصوتها الباكي
((لا أريد أن أقول))
صمت مُؤيد قليلًا يغلق عينيه للحظات.. أبعد يده ليمسد ساقة التي تذبحه ألمًا.. ثم تحشرج صوته المخيف قبل أن يطلق هسيس مخيف
((دارين هيا تحدثي أخرجي الكلمات من جوفك، لا صبر لدي على مداراة مراهقة مثلك))
أخذت دارين تهز رأسها بلا هستيرية هامسة
((أنت تخيفني جدًّا وأنا لا أريد أن أقول شيئا))
صرخ مُؤيد بها بصوتٍ منفعل بخطورة
((سأخيفك وأجلدك أيضًا إن لم تتحدثي.. هيا قولي قبل أن أفعلها لأول مرة في حياتي وأشبع فتاة ضربًا))
زاد نحيب دارين والدُّموع المتدفقة منها فباحت بكل شيء خوفا من عنف عمها بصوتٍ مرتعش
((لقد سمعتها أكثر من مرة تتحدث مع صديقتها غنوة وتقول بأنها نجحت في الكذب عليك وإقناعك أنها ذاهبة للمبيت عند عائلتها في القرية المجاورة في حين أنها ستذهب عندها في المدينة لتحظى بالحرية والمتعة معها))
أظلمت عينا مُؤيد بتعبير لم تدركه بينما الغضب الأسود تصاعد فيه بشعاع متوحش كاد أن يحرقه هو نفسه..
أمَا دارين فشعرت بالندم والضيق فهي لم تكن تريد قول أي شيء قد يتسبب بإيقاع زوجة عمها بالمشاكل.. صحيح أنها كرهتها في وقت من الأوقات لأنها تفعل ما تفعله من خلف ظهر عمها.. لكن لم تكن لديها نية سابقا بالبوح بسرها وإيذائها! فركضت للخارج نحو جدّها..
مسح مُؤيد بكفه على وجهه الرمادي الشاحب قبل أن يرجع رأسه للخلف هاتفا بصوتٍ مرتعش رغم قوته وغضبه
((لقد كانت طوال السنين الماضية تستغفلني وتذهب إلى مكان آخر غير الذي تخبرني عنه.. ربَّاه..))
في هذه اللحظة دخل الحاج يعقوب عليهم هاتفًا
((مُؤيد كيف تجرأت على الصراخ في ابنة أخيك بهذا الشكل وتهديدها؟ أكسر يدك لو تجرأت ورُفعت على أحد أحفادي))
استقام مُؤيد من مكانه شاعرًا أن وقوفه يثقله والأرض تميد أسفل قدميه.. اتكأ على الجدار وزاغ البصر أمامه وهو يقول بصوتٍ أجوف أقرب للموت
((جميعكم اشهدوا أن زوجتي طالق.. لقد طلقتها وهي من هذه اللحظة لم تعد تعنيني))
شهقت رتيل التي كانت تقف خلف الباب الآخر ما إن وصلها صوته ورفعت يدها إلى فمها غير قادرة على تصديق الكابوس الذي تعيشه هي الأخرى وشعور الخزي يلفها.. لكنها أغمضت عينيها باستسلام يمزق نياط القلب لما ينتظرها.. قبل أن تفتحهما فجأة على صوت حماها يصرخ بزوجها بشراسة ومقت
((أيها الأرعن أخذتك عزتك بالإثم فطلقت زوجتك لأمر تافه كهذا! تبا لك يا مُؤيد أنتَ لا تتغير بل يوما عن يوم تغدو شخصا أكثر ظلما وتجبّرا.. لم أربيك أنا بهذا الشكل.. أبدًا لم أربيك))
أنهى يعقوب ما يقوله حتى يهبط بيده على وجه ابنه بصفعة مدوية.. جعلت الدُوار الذي كان يشعر به مُؤيد يتفاقم.. فتشوشت رؤيته قبل أن يقول بهذيان صوته المختنق ألما
((ساقي.. ساقي.. الألم فيها لا يطاق))
نسي يعقوب كل ما يدور من حوله واقترب منه يسأله بقلق بالغ
((مُؤيد.. مُؤيد.. ماذا يحدث لك؟))
لكنه لم يرد عليه وقد تبدل ما يراه وغشي السَّواد عينيه واختل توازنه..
سارع يعقوب هو وزوجته يمسكانه قبل أن يسقط مغشيا على الأرض الرخامية.. وولولت زاهية برعب على ابنها في حين جَرَّه يعقوب إلى مقعد قريب ورفع يده يضرب وجنته بمحاولة يائسة لإيقاظه.. عندما يأس من ردة فعله غادر الغرفة هادرًا
((سأتصل بالإسعاف حالا))
في هذه الأثناء استغلت رتيل التي كانت بحالة يُرثى لها انشغالهم حتى تخرج بهدوء وتسير بخفة على أطراف أصابعها نحو جناحها هي..
تناول يعقوب هاتفه وهاله كمّ الاتصالات الهائلة من أبنائه.. خاصة مُعاذ.. لكنه تواصل في البداية على رقم الإسعاف يدلهم على عنوانه وبمجرد أن أنهى المكالمة حتى كان مُعاذ يتصل به مجددا..
ردَّ عليه فورا فجاءه صوت مُعاذ المستاء الغاضب
((أوصل أخي مُؤيد عندكم يا أبي؟ هل هو هناك؟ أين زوجته؟))
ردَّ يعقوب على ابنه بشيء من الارتباك
((نعم إنه هنا.. ماذا حدث؟))
قال مُعاذ من بين أنفاسه اللاهثة مستنكرا
((هل يعقل يا أبي؟! أن أتصل على أرقام جميع من في القصر والعاملين فلا يرد عليّ أحد إلا إخوتي والذين هم أساسا بعيدين رغم أنهم اتصلوا بك أيضًا دون فائدة))
هتف يعقوب والقلق يستفحل بصوته
((أرعبتني يا مُعاذ قل ماذا هناك؟))
صمت مُعاذ لثوان يأخذ أنفاسه المسروقة ثم تساءل
((في البداية كيف حال مُؤيد؟ هل وصلت زوجته إلى هناك أم لا؟))
أجابه يعقوب بنفس النبرة
((نعم وصلا الاثنين وأخيك وقع مغشيا عليه بينما يهذي بأن ساقه تؤلمه وطلبت له الإسعاف))
ردَّ مُعاذ عليه بصوته المجهد
((أنا من الأساس مستغرب بأنه وصل عندكم وهو على قيد الحياة.. لقد خرج من السيارة التي أقودها مرتين دون أن أوقفها وضرب قدمه عمدا بإطار السيارة.. وشتتني أثناء القيادة فاصطدمت برجل وعندما أوقفت السيارة وترجلت منها حتى أتأكد من إصابة الرجل حلَّ مكاني خلف المقود وأكمل القيادة للقرية دون أن يعبأ بقدمه المصابة.. بالي انشغل في أن يكون قد تسبب بحادث وتأذى أو آذى غيره أثناء ذلك))
سأله يعقوب بصدمة تملكته
((وكيف حال ذاك الرجل الذي اصطدمت به يا مُعاذ؟))
ردّ عليه مُعاذ مطمئنا إيَّاه
((لا تقلق، بضع رضوض فبالكاد لامسته السيارة قبل أن تتوقف.. المهم أين زوجة أخي؟ هل هي بالقصر؟))
وعند ذكر هذا السؤال باغته صوت زاهية من الخلف تقول بعصبية
((يا حاج.. يا حاج زوجة ابنك فرت هاربة بحقيبتها للخارج))
التفت لها يقول بخشونة
((سنحل أمرها مع زوجها لاحقا، أهمُ شيء هو قدوم الإسعاف))
أخذت دارين الهاتف الذي تركه جدّها على الفور تقول لأبيها قبل أن يغلق الخط
((أبي هل هذا أنتَ؟))
قال مُعاذ بنزق وعجل
((دارين سأغلق الخط وسنتحدث لاحقا))
سارعت دارين تقول بصوتها المتهدج
((عمي مُؤيد عنفني بشدة قبل قليل وهددَّ بضربي، أنا أكرهه ولن أتحدث معه بعد اليوم))
رد عليها مُعاذ بصوتٍ يخبئ خلفه انفعالًا يهدد بفقدان السيطرة
((دارين ليس الآن وقت مشاكلك الطفولية، أنا لست متفرغا لك، سأغلق الخط))
تقوست شفتا دارين للأسفل بإحباط وخيبة أمل بينما تسمع جدتها تقول ما إن صدح صوت الإسعاف
((دارين اعتني بأولاد عمك جيدا سنذهب أنا وجدك إلى المشفى))
=============================
كان يراقب مَالك منزل سمية الصغير حتى خرجت منه فتتبعها من بعيد على بعد أمتار.. أوشك أن يفقد أثرها أكثر من مرة لكن كان حدسه يعيده إليها..
لطالما اعتاد ومنذ مراهقته عندما يراها تخرج مضطرة في وقت الغروب لتتسوق لكونها الابنة الوحيدة أن يتتبعها هكذا من بعيد ويتأكد من ذهابها ووصولها لبيتها بأمان.. فطرق قريتهم في هذا الوقت تكون شبه فارغة والسير على الأقدام فيها يكون خطر على فتاة وحيدة.. وبعد زواجهما وربط يزيد بينهما كان يأمرها بلهجة صارمة ألا تخرج أبدًا للتسوق بعد العصر، وإذا ما اضطرت لذلك أن تطلب منه هو إحضار ما تريده لها.. وكانت تصغي له..
خرج مَالك من شروده عندما توقفت خطواتها فجأة لتتوقف خطواته هو الآخر..
وصله صوتها المحمل بالجفاء وهي تسأله دون أن تستدير له
((لماذا تسير خلفي يا مَالك؟))
ابتلع ريقه بصعوبة وشوقه لها يلفه لفا..
موجوع ومضطرب.. يفتقدها.. يموت إلى جرعته المعتادة من صوتها.. ضحكتها.. حتى تجهمها ونكدها يحن إليه.. تنهد قبل أن يقول
((أنا سأدخل للمتجر لأبتاع بعض الأشياء))
أنهى كلامه ومضى قُدما أمامها نحو المتجر الضخم بهدوء فشعرت بقلبها ينخلع من مكانه وهي تخفض بصرها بحزن خالص..
لطالما كانت تعرف بإحساسها الذي لا يخيب أنَ مَالك غالبا ما يتتبعها في سيرها.. وربما هذا ما كان يجعلها تسير مطمئنة البال.. فبسبب عملها الذي ينتهي في وقت متأخر في البستان كانت لا تجد وقتا للتسوق لحاجيات المنزل إلا في المساء..
تابعت سيرها نحو المتجر ودخلت لتنذهل بمَالك الذي كان يجهز له أحد الموظفين في المتجر كل ما طلبه..
كانت أمامه أكياس كثيرة لا تعد بسهولة وممتلئة بالفواكه والخضروات والأجبان والمرطبات..
لفتها الدهشة وهي تسمعه يخبرها
((تعالي وأخبريني ما ينقص بيتك الآن حتى أبتاعه أيضًا))
استاءت ملامحها فهو يحدثها كأن أخْذها لهذه الأكياس أمر مفروغ منه فغمغمت
((مَالك أنت تجبرني أن أفقد آخر ذرات عقلي بما تفعله))
أخرج مَالك من محفظته حفنة من المال يقدمها للبائع ثم ناظرها ليجيب هامسا
((لقد أوقفك أبي عن العمل في الحديقة بسبب زواجنا الذي كان يفترض أن يُعقد قبل أسابيع ومنذ تلك اللحظة وأنتِ لا تتقاضين راتبًا منه.. ولغبائي لم أفكر في هذا الأمر إلا عندما لاحظت أخر مرة بأن ما ترسليه لي إلى الفندق أقل من المعتاد))
عقدت حاجبيها تقول بحزم
((حتى لو لم أكن أتقاضى راتبًا الآن فلدي الكثير من النقود التي كنت أذخرها.. سبق وأخبرتك أني كنت أقبل منك تلك الأموال الطائلة لأني كنت أنفقها على يزيد وأجلب له كل ما يريد رافضة أن أسمح لكبريائي أن يحرمه من رفاهية التمتع بأموال أبيه، لكن طالما أن يزيد ليس عندي لا يمكن أن أقبل منك أي شيء))
عقب مَالك ببرود
((هل انتهيت من ثرثرتك الكفاحية؟ سأحمل كل هذه الأكياس إلى بيتك وإذا ما صدر منك أي اعتراض فلن أتردد بجعلها فضيحة مدوية غير عابئ بشيء، أنتِ خطيبتي وسرعان ما سنتزوج بعد أن يرضى أبي عنا..))
ردت عليه بانزعاج
((كم أكره أسلوبك هذا في الابتزاز))
برقت خضرة عينيه بقوة وقال بجمود
((بعض ما عندكم.. تعلمته منك))
فجأة اختفى النور أمام مَالك وهو يجد أحد ما يقف خلفه ويعصب عينيه بيديه.. فرفع أصابعه يحاول التخلص من هذه اليد بقوة وعدوانية هادرًا من بين أسنانه بالكاد يمسك نفسه ألا يثير جلبة في هذا المتجر
((من هذا الوقح معدوم الذوق الذي يغطي عينيّ))
سمع مَالك صوت ضحكات خافتة مكتومة من الرجل الذي يغطي عينيه فانفلتت أعصابه ليهدده
((للمرة الأخيرة أبعد يديه قبل أن تجد قبضتي في منتصف معدتك))
لم يستجب الرجل الذي خلفه فرفع مَالك إحدى قدميه للخلف وركله مما جعل الآخر تلقائيا يسحب يديه ويتأوه بألم ثم ينخفض هادرا بصوتٍ مخنوق متوجع
((توقف يا مَالك، لا يستدعي ما فعلته كل هذا الغضب حتى لو كنت شخصا غريبًا))
عقد مَالك حاجبيه وهو يناظر الذي يقوم بتمسيد ساقه بملامح منغلقة متألمة وسرعان ما لفته الدهشة والذهول هاتفًا
((مَازن!؟ هل هذا أنت!؟ متى عدت إلى هنا؟ لماذا لم يخبرني أحد!؟))
تطلعت ياسمين التي كانت تقف بجانب مَازن هادرة
((سمية ماذا تفعلين هنا؟))
هدر مَالك بخشونة معقبا
((ما الذي تفعلاه أنتما هنا، هذا هو السؤال))
ابتسم مَازن ببشاشة وهو ينتصب واقفا ويرفع ذراعه حول كتفي زوجته يضمها له قائلا
((قررت أن أخرج مع زوجتي الحبيبة للخارج حتى نعيد التعرف على بعضنا، بالتأكيد الاغتراب طوال تلك السنين غيَّر الكثير فينا، واتضح أن ياسو لا زالت تلك المرأة المرحة البشوشة التي طالما عرفتها))
رفعت ياسمين عينيها إليه لتصفعه بنظرة غضب وتهمس
((لا تناديني ياسو أمامهم ولا تعانقني بهذا الشكل.. اخجل قليلا يا مَازن))
اختلق مَازن العبوس متذمرا بنفس الهمس
((كل مرة لا تقدرين تفاخري بامتلاك امرأة مثلك أشعر بقلبي يكاد ينخلع من صدري))
ثم نظر أمامه لأخيه يقول بنبرته المرحة
((لقد أخبرتني ياسمين عن زواجك السَّابق من سمية وإنجابك منها، لا تصدق كم أنا فخور بك، في الماضي كان أبي هو من يقول لي أن أصبح مثلك.. لكن سمعت مؤخرًا بأن الحال انعكس وبدأ يعايرك لأنك لست مثلي))
ردد مَالك باقتضاب
((لا ليس إلى هذا الحدّ يا مَازن))
لكزه مَازن بضربة رجولية وهو يقول بنفس النبرة المرحة
((كيف تنكر كلامي! أنا ولا حتى بأكثر رغباتي جُموحا لم أفكر في الزواج من خلف ظهر أهلي بل والإنجاب))
حدجه مَالك بغضب وتمتم
((مَازن لا تتدخل وحسب))
عقب مَازن باستياء
((انظر لنفسك كيف تعبس بوجه توأمك الذي لم تَرَه منذ وقت طويل!))
ثم اندفع مَازن نحوه يُعانقه بقوة قبل أن يَلثم جبينه مما جعل مَالك يدفعه عنه على الفور ويغمغم بغضب وهو يشد على نواجذه
((ابتعد عني أيها الأحمق.. كم من مرة عليّ أن أنبهك ألا تقّبل جبيني.. الرجال لا يتعانقون ويقبلون بعضهم بهذا الشكل المقزز!))
كتم الثلاثة ابتسامتهم على ما حدث أمَّا مَالك فانخفض يمسك نصف الأكياس ويأمر أخاه بجلافة
((رغم أن السير معك الآن أضحى شبهة لكن أنا مضطر أن أعلن حاجتي لمساعدتك في حمل هذه الأكياس معي إلى البيت..))
أخرج مَازن مفتاح السيارة من جيبه وقال بزهو
((معي سيارة والدي.. سأوصلك لتضع فيها الأغراض ثم سأوصلك إلى الفندق الذي تمكث فيه فقد سمعت بأن والدي طردك من المنزل.. كم أنتَ محظوظ يا مَالك لطالما بصغري كنت أحسد أصدقائي الذين يُطردون من منازلهم كعقاب، فوالدي يتبع الحبس في المنزل كعقاب، وعندما قرر أن يطبق العكس أخيرًا كنت أنت من نلت هذا الشرف!))
تجاهل مَالك كلامه وسأله باهتمام
((هل اتصل بك مُعاذ بشأن شيء يخص مُؤيد؟))
أجاب مَازن بعفوية
((نعم اتصل بي لكننا بالخارج كما ترى، سنعود الآن ونعرف ما حدث))
.
.
استقلوا جميعا السيارة مع مَازن..
مَالك يجلس بجانبه وسمية وياسمين بالخلف..
في البداية أوصل سمية إلى بيتها الصغير القريب من قصرهم وأنزل مَالك كل الأكياس عندها..
ثم أوصل مَازن أخاه إلى حيث يمكث هذه الأيام.. وفي أثناء عودتهم في الطريق مجددا إلى القصر جلست ياسمين بجانبه وقالت بامتعاض تقاطع دندنته بصوته المزعج
((لقد أحرجتنا أمام أخيك، رغم تشابهكما بالشكل إلا أن شخصياتكما مختلفة تماما، تماما.. هو هادئ وراكز ورزين، أما أنتَ فمنزوع الهيبة لا يعمل أحد أمامك أي حساب وتصرفاتك تشير لشخص غير ناضج))
نظر مَازن إليها بجانبه لثانية وقال وهو يعود للتركيز في الطريق أمامه
((بعيدا عن مدحك الجميل هذا فمعك حق مَالك وأنا لنا شخصيات واهتمامات مختلفة، هو لا يقبل أن يصادق إلا من يشبهونه في الهدوء، أما أنا فكنت أحب أن أعقد صداقات مع كل من هبَّ ودبَّ خاصة أصحاب المشاكل والمغامرات ومن يجعلونني أقضي معهم وقتا ممتعا.. لكن مع ذلك كله يظل مَالك تؤامي وأقرب لي من كل إخوتي))
للحظة اتسعت عيناها وهي تدرك بأنها كانت تصغي له باهتمام فاستعادت برودها وسيطرتها لترد عليه
((حسنا قلل من الحديث وركز في القيادة لنعد بسلام))
حاول مَازن تغيير الموضوع متسائلا
((هل أعجبتك نزهة اليوم إلى متاجر القرية؟ أين نذهب في المرة المقبلة؟))
عَبَست ياسمين وردت
((لا أريد أن أذهب مرة أخرى، وافقت أن أخرج معك لأجرب شعور الخروج من المنزل لأول مرة بعد زواجي بك))
اتسعت عينا مَازن ونظر جانبه لأكثر من مرة لها قبل أن يستهجن ببلاهة
((هل تقصدين بأن الشّمس لم تطل وجهك منذ أن تزوجنا؟ ألهذا هو ذابل أيتها المسكينة!))
زمًت شفتيها ثم قالت
((بالتأكيد كنت أخرج لحديقة المنزل والشرفة لكن لا لم يسبق لي وأن خرجت من أسواره وذهبت لزيارة أحد لهذا استجبت لإصرارك اليوم للخروج حتى أرى أرجاء القرية..))
قال لها بحمية جدية
((لا تقلقي من اليوم أنا لن يكون عندي عمل أو أحد يشغلني عن إخراجك إلى هنا وهناك..))
قاطعته باستخفاف وازدراء
((شكرا لعرضك لكن بعد تجربة اليوم فلا أريد.. ليس هناك شيء ممتع في الخروج من البيت.. أفضل حبس نفسي في غرفتي والاستمتاع بالخياطة وتصفح الإنترنت))
امتعضت ملامحه وتمتم قبل أن يركن سيارته في مصف العائلة
((محطمةٌ للمتعة أنتِ))
=============================
انزلقت دمعة من عين سهر على وجنتها رغم ابتسامتها الكبيرة فمسحتها بكفها المرتجف وهي تقول بحنو
((أنا متأكدة يا أبي بأنك ستعود بصحة أفضل.. المهم أن تنتبه على نفسك))
طبطب والد سهر بيده فوق يد ابنته الناعمة وهدر بصوتٍ أجش
((اهتمي جيدا بنفسك يا سهر، لن أتأخر بعودتي))
قالت سهر برجاء وهي تهم بإغلاق باب السيارة عليه
((أبي أنتَ من عليك الاهتمام بنفسك.. ربما ألحق بكم في الأسبوع المقبل))
أمسكت تمارا مرفق ابنتها وجرتها للخلف وهدرت لزوجها
((سأتحدث معها لدقيقة ثم سأجلس بجانبك لينطلق بنا السائق يا عزيزي))
طالعت تمارا ابنتها بامتعاض وهدرت وهي تهز مرفقها
((لا حاجة للحاقك بنا، سينهي والدك عمليته الجراحية على خير وسنعود على الفور.. أبقي هنا واهتمي بإجراءات الفسخ.. لأننا لو عدنا وعرفت بأنه لم يفسخ الخطبة، فلن تكون ردة فعلي حميدة خاصة أني سأكون متفرغة فقط له))
أغمضت تمارا عينيها وهي تخرج نفسًا عميقا ثم دمدمت بصوتٍ خفيض
((سنقول للجميع بأنك فسختي خطبتك لأن لم تتفقي معه وهكذا سيكون الأمر بمثابة إعلان بأنك عدت عازبة حتى أقدر على استقبال الخطاب من جديد لك..))
عقبت سهر بحنق بالغ
((أمي هذا ليس وقت التحدث عن علاقاتي المستقبلية.. دعينا ننتهي من قُصي أولا))
رمقت ابنتها باحتقار وهي تسترسل بحسرة
((كان مراد يريد تطليق زوجته قبل سنين وكان أمامك فرصة لتتزوجي منه لكن أنتِ من ضيعتها))
ضربت سهر يدها بجبينها بيأس ثم قالت وهي تتميز غيظا
((الحمدالله أني ضيعتها.. الحمدالله أني أطلعت والدة مراد على كل مصائبي التي تخص ماضيَّ المخزي وبالغت إلى الحد الذي جعلتها هي وابنها يشمئزا مني))
ردت تمارا بقهر عارم
((أيتها الحمقاء نحن لم..))
قاطعتها سهر بعصبية
((أمي كل ما أعانيه بسببك أنتِ.. لهذا قررت أني سأكون بحاجة لفترة راحة بعيدة عنك وعن كلامك الذي تستمرين بتقريعي به.. بما أن شيرين غادرت للعاصمة فأنا لا أرى فائدة من بقائي هنا، سأذهب عند إحدى صديقاتي وأبيت عندها))
شهقت والدتها بصدمة وقالت محذرة
((سهر إذا تجرأت وقمت بمغادرة هذا البيت سأقوم الآن بتعطيل كافة بطاقاتك الائتمانية وأتركك هنا بلا أي سيولة مالية))
ضيقت سهر عينيها وهي تقول بإقدام
((لا يهم سأذهب للعمل في أحد المطاعم التي كنت أعمل فيها بالماضي.. ابقي هنا لربع ساعة ريثما أخرج من هنا مع أغراضي))
اندفعت سهر لداخل المنزل تحقق وعيدها فغمغمت تمارا
((فقط انتظري عودتي يا سهر من سفري هذا وسترين ردة فعلي معك))
=============================
رش قُصي عطره الباهظ على قميصه بعد أن أنهى ارتداء ملابسه واستحمامه..
تناول هاتفه من على المنضدة وتصفح الرسائل التي وصلته ولفت انتباهه رسالتان الأولى من شيرين
"سافر والدا سهر بالفعل لكنها تشاجرت مع أمها، وقررت الخروج من المنزل والمبيت في بيت إحدى صديقاتها والعمل في أحد المطاعم"
والرسالة الثانية من والد سهر
"قُصي لقد نجحت في منع سهر من القدوم معي.. هذه هي فرصتك أولًا للاعتراف لها بحقيقتك وثانيا للاستقرار في وضع مرضي والاتفاق مع عائلتك الكريمة.. لقد راعيتك بما فيه الكفاية لأني وجدت فيك الرجل الوحيد الذي يناسب ابنتي فلا تتأخر أكثر ولا تخيب ظني بك.. تحياتي لك"
وضع قصي الهاتف في بنطاله والغيظ يتجلى بملامحه..
سهر ستعمل في مثل هكذا وظيفة؟
حسنا سبق وأخبرته في الماضي عن شغورها أعمال كثيرة كهذه في كل مرة تشاجرت فيها مع أمها، لكن لا يمكن الآن أن يسمح لها أن تعود لمثل هذه الوظائف..
صدح صوت طرقات فوق باب غرفته فسمح للطارق بالدخول ليظهر أنها والدته روزانا.. سيدة المجتمع اللبقة والراقية تطلب منه
((عمك يريدك يا قُصي الآن فتعال بسرعة))
تبع والدته ليهبط درجات السلم الذي ينصف الصالة نحو مكتب عمه فارس القاني..
دلف إلى غرفة عمه حيث كان يتناقش بشيء يخص العمل مع يوسف كالعادة، وما إن انتبه يوسف له حتى جفل وهمس له بتهذيب أقرب للذل
((لقد جاء السيد قصي يا سيد فارس، أستأذنك بالخروج))
على عجل أغلق يوسف الجهاز اللَّوحي الذي يمسكه وأطرق رأسه وهو يغادر المكان متجنبا أي التقاء بصري بينه وبين قصي..
مالت زاوية فم قصي بابتسامة ساخرة.. لا بد أن يوسف فعل شيئا له يستوجب سخطه لهذا يبدي توترًا أكثر من العادة عندما رآه.. فمن يصدق بأن هذا الأبله المجتهد الذي يُحظى بمنصب عالي في الشركة يلفه الارتباك لفًا ما إن يرى أحد من عائلة القاني أمامه!
تجاهله قصي وجلس على أريكة أمام عمه ووضع ساقًا فوق الأخرى يقول بعدم احترام لوجه عمه المتجهم بالفطرة
((تبدو في غاية الغضب يا عمي))
كان قصي يظهر تلك الواجهة الباردة الصلبة أمامه والبعيدة كل البُعد عن شخصيته التي تطّبع فيها أثناء عمله في الشركة كشاب ودود مستهتر.. وبعيدة حتى عن واجهة العاشق المنطلق والمحب للحياة التي يظهر فيها في كل أوقاته مع سهر.. قال
((لقد سمعت بأنكم استطعتم التعاقد مع شركة خاصة أخرى بدلًا من شركة الموقع الإلكتروني الذي سحبوه من عندنا.. وهذا يعني أولًا بأن ضميري سيرتاح لأن الموظفين سيعودون للعمل.. أما ثانيا حتى تراجع أنتَ وباقي أصحاب الأسهم بالشركة قرار فصلي النهائي..))
قاطعه فارس بصرامة لا يقبل كلمة تمس شركته التي دفع ثمنها دمًا لتصل إلى ما وصلت إليه الآن
((بالتأكيد حللنا المصيبة التي افتعلتها فالكل يتطلع للعمل مع شركة القاني لأن شركتنا معروفة أنها تعمل على تمكين أداء عملائها من كبرى الشركات في المنطقة وتوفر عناصر البنى الأساسية المعتمدة على أحدث وأرقى ما توصلت إليه التكنولوجيا في هذا المجال))
ازداد انعقاد حاجبي فارس ثم استرسل
((على كل حال أنا طلبتك هنا يا قُصي كرئيس مجلس إدارة شركة القاني لا بصفتي عمك.. فشركة القاني التي أسستها عائلتي أنا من قررت قبل سنوات أن أتوسع بها لتغطي محافظة أخرى.. لا زلت أذكر كيف أعلنت بنفسي عن بدء تقديم خدمات شركة القاني في الفرع الثاني الذي أرسلتك لتعمل به))
تجلت ملامح الازدراء على وجه قصي وهو يستمع لعمه يتحدث عن إنجازاته وانتصاراته في تطوير شركة القاني وما حققه من نجاحات تخصها بزهو واعتزاز ومسحة من الغرور.. بينما يتابع
((لقد حاولت يا قصي على مدار سنوات أن أجعل شركة القاني تتم كافة استعداداتها لإطلاق عملياتها والمباشرة بتقديم حلولها عبر شبكتها المتطورة والمتكاملة من مراكز الاتصال))
كان فارس منتبها لتنهدات قُصي المتتابعة دليل على ملله فحاول التحلي بصبر ليس من شيمه وهو يدخل في صلب الموضوع
((كان سبب آخر لإطلاقنا الفرع الثاني هو نابع من حس وطني لمساعدة الطلبة والشباب أبناء تلك المحافظة وتوفير فرص عمل لهم ودخولهم لسوق العمل إلى جانب تأمين دخل متوسط..))
قاطعه قُصي هاتفًا بانفعال
((ليس دخلا متوسطا بل متدنيا جدًّا.. فسبب النجاحات التي حققتها شركتنا وازدهارها واستقطابها المزيد من العملاء هو السعر الرخيص على حساب استغلال البطالة المتفشية في بلادنا واستغلال حاجات الشباب المستعدين للعمل بأي راتب مهما كان متدنيا، ودون توفير عقود للكثير منهم))
مالت روزانا لقصي هامسة بتأنيب وهي تسحب يديها على تنورتها الضيقة
((قصي لا تصرخ على عمك))
انتصب قُصي واقفا من مكانه هاتفا
((بل سأصرخ فقد سبق وعملت أنا هناك لثلاث سنوات ومعي مئات الموظفين في استقبال مكالمات لشركات خاصة نجيبُ من خلالها على استفسارات العملاء في معضلاتهم ومشاكلهم مقابل رواتب متدنية جدًّا، جدًّا))
تحرك صدر قصي بانفعال وهو يكمل ويُعري حقيقة عمه المُخزية
((تتبجح بمؤتمراتك الصحفية عن كونك ترفض الاستثمار خارج البلد رغم كل المغريات لأن هدف مشاريعك هو توظيف أكبر عدد من العاطلين عن العمل في البلاد والتقليل من البطالة لكن الحقيقة المغايرة هي أن هذه البلاد هي جنة بالنسبة لرجل جشع مثلك! فمن أين ستجد بلد مثل بلدنا تسمح لمليونير مثلك أن يحتكر السوق ويستغل شباب مثل الورود ليعاملهم كعبيد بدون حقوق عمل ومقابل مرتبات زهيدة! من أين ستجد في الخارج بلد مثل بلدنا يسمح لك بالتلاعب في عقود الموظفين وجعلهم يعملون في الإجازات الرسمية والعادية وطردهم متى ما انعدمت الحاجة لهم))
أظلمت عينا فارس بينما يقول بصوتٍ خطير
((لهذا كنت أول الموقعين على تلك العريضة مع باقي الموظفين ضد إدارة الشركة؟))
اتسعت عينا روزانا باستنكار
((ما الذي فعلته قصي؟))
أجابها فارس باستياء بالغ
((كان هناك أحد الموظفين يقوم بتجميع تواقيع وأسماء من الموظفين لتحريضهم على رفع قضايا جماعية ضد شركتنا وابنك لم يتوانى عن الانضمام لهم والتوقيع))
عَدَّل قصي من ساعته الثمينة التي يرتديها بيده اليسرى مُعقبا بصوت هزلي ساخر
((لم أخطئ بشيء، أنتَ فعلا تتلاعب بالقوانين التي تنصها وزارة العمل فكان عليّ أن أتضامن مع باقي الموظفين))
نجح قصي أخيرا في جعل عمه ينفعل ويستقيم واقفا له
((ألا تعرف أيها الأحمق أن وزارة العمل هي كابوس بالنسبة لشركتنا؟ ثم ما شأنك بهم وأنت تأخذ مصروفك وثمن سفراتك ودعواتك لأصدقائك وسيارتك مني أنا))
انمحت السخرية من ملامح قُصي وحلّ محلها صرامة غريبة وهو يقول
((لا تتصرف كأنك تمن عليّ بما تعطيه لي من مصروف، إنه حقي وحق أخي من ورثة أبي المنهوبة))
ظلّ فارس يناظر ابن أخيه للحظات صامتًا بملامح خالية من التعابير ثم قال بصوت فاتر أجوف
((ورثة والدك؟ ها قد عدنا مجددا لفتح الدفاتر القديمة! إذن ها هو القانون أمامك.. إذا استطعت أثبت أن لك حقا عندي.. وحتى ذلك فلا فلس سأنفقه عليك.. وأما شركة القاني فلم يكن قراري بفصلك وحدي بل قرار الأغلبية، حتى كعامل نظافة فلن تحلم في العمل بها يا قصي))
قَسَت ملامح قصي وهو يقول
((عمي فارس، أنا لست كابنك وابنتك اللذين رميتهما خارج ظلك ومأواك يصارعان الفقر والحاجة، فأنا مختلف عنهما، أنا هنا لن أتنازل عن فلس من حقي وعن حياة الرفاهية))
لم يرد فارس وبدا شارد الذَهن يعيد التفكير بشيء ما.. شيء يثير ألمه هو الرجل الصلب المعتدّ بنفسه.. ثم قال أخيرًا بصوتٍ صارم جاف
((اخرج الآن من قصري بهذا الشكل دون أن تأخذ شيئا من هنا.. أين الحرس؟))
هتف عاليًا عند آخر جملة ليتغلل الحرس داخل الغرفة بانتظار إشارة تأكيد أخرى من سيّدهم حتى يباشروا عملهم.. فاحتدمت ملامح قصي ونظر لوالدته هاتفًا
((أمي هل تسمعين زوجك ماذا يخبرني؟))
بهدوء متأصل فيه هتف فارس بزوجته
((روزانا إذا علمت بأنك قمت بإقراضه ولو فلس واحد فلا تلومي إلا نفسك))
هتف قصي بفظاظة
((لن تستطيع فعل ذلك بي))
أضحت مقلتي فارس أكثر عمقا وقتامة وهو يقول بفتور
((إذا كنت قد فعلتها في أولادي من صُلبي فلما قد لا أفعلها بك يا قصي يا ابن أخي؟))
حدق قصي بوالدته ثم هتف بها وهو يلوح بيده
((أمي الآن وفي هذه اللحظة عليك أن تختاري واحدا منا.. أنا ابنك بكرك حبيبك.. أم هو شقيق زوجك السابق الذي جعل أخاه يعاني في حياته وموته، وسرق حق أولاده وابتزّك للزواج منه))
توترت ملامح روزانا ثم نكست وجهها لا تعرف كيف تتعامل مع هذا الموقف، فاتسعت عينا قصي باستهجان
((أمي هل أنتِ جادة؟ هل يحتاج الاختيار أن تقعي بهذه الحيرة!))
أعطى فارس كلمته الباترة
((أيها الحرس الآن اقذفوه خارج القصر!))
أمسك كل واحد من الحارسين الشخصيين لفارس يد قصي بغية جرّه للخارج لكنه صرخ وهو ينفضهم عنه بانفلات أعصاب
((أنا سأخرج بنفسي، ابتعدوا عني))
غادر قصي المكان كله وصدره يعلو ويهبط باحتدام..
بمجرد أن غادر قصر عائلته حتى هدأت انفعالاته المتفجرة ورفع رأسه ببطء يحاول أخذ نفسا عميقا..
الاختناق يلفه.. والخيبة تعتمل بروحه.. والقهر يسكن جنباته..
=============================
جلست زاهية في مجلسها بعد أن عادت هي وزوجها من المشفى وبقي مُؤيد هناك ليتابعوا حالته..
رغم أنه لم يكن هناك في ساقه ما يستدعي القلق إلا أنه لم يهدأ بالها من أي قهر وعذاب بسبب ما عرفته اليوم عن زوجة ابنها رتيل.. كنّتها المفضلة التي اختارتها بنفسها من بين عشرات الفتيات ومن اعتمدت عليها في كل تفصيله في حياتها هنا.. يخرج منها كل هذا!
إلى الآن لا تصدق ما حدث! تكاد تقسم بأغلظ الأيمان بأنها لا تصدق أي شيء! لكن.. ماذا عليها أن تفعل الآن؟
لأنها لو أخبرت عائلة رتيل فلن ينتهي اليوم قبل أن يقتلوها دون حتى محاولة التأكد من صحة الكلام!
فهنا كل شيء إلا شرف وسمعة المرأة! لا يسمح لها أبدًا حتى أن تخدش!
دخلت نورين المجلس واتجهت إلى حيث تجلس حماتها وطالعت وجهها والانكسار المتجلي على مُحياها المجهد لتقول لها بابتسامة رقيقة
((لقد طلبت من منال أن تعد لك كوب عصير طازج يا عمتي بعد قليل))
خرجت زاهية من شرودها ثم نظرت لمُصعب الذي جاء هو وزوجته قبل ساعة هنا فبادلته الابتسامة بعد يوم طويل متحاملة على الألم الذي تشعر به..
مدّ مُصعب يده يلامس كتف أمه وهو يقول باهتمام وقلق عليها
((أمي وجهك شاحب للغاية، كل هذا من أجل إصابة مُؤيد؟ ألم يقل لنا الطبيب أنه سيكون بخير؟))
((دعك مني يا مُصعب.. هل سلمت على أخيك مَازن؟))
أجابها مُصعب ببشاشة
((بالطبع يا أمي.. سبب زيارتي هنا كان رؤيته والتسليم عليه وعليك قبل أن أسافر))
سألته زاهية باهتمام
((كم ستطول مدة سفرك من أجل ذلك المؤتمر الذي تم اختيارك لتذهب إليه بعد مدة؟))
عقد مُصعب حاجبيه قبل أن يقول
((المؤتمر سيكون لثلاثة أيام فقط لكن سأحتاج لأسباب أخرى لتمديده لأسبوعين، لا داعي للقلق عليّ فهو بمدينة أخرى غير مدينتنا لا بلد آخر))
اعترضت زاهية بصوتها الواهن الأبحّ
((أسبوعين لن تزورنا فيهم ولن نزورك.. كثير يا مُصعب))
تدخلت نورين في هذه اللحظة لتقول بحنق بالغ
((نعم أمك معها حق يا مُصعب، أسبوعين هما مدة طويلة وإذا كنت مضطرا للذّهاب له فدعني أبقى هنا))
حدجها مُصعب بنظرات صارمة وهو يقول بصوتٍ يشوبه الغضب
((إذا بقيت هنا فكيف سأدبر أموري لأسبوعين وحيدا؟ من سيكوي ملابسي وُيعد الطعام لي هناك؟ من سيوقظني على المواعيد؟))
شعرت زاهية بأمواج اضطراب تدور بين هذين الاثنين وناظرت نورين التي كتفت ذراعيها بحنق.. تشيح وجهها عنه.. وتهمس بغيظ
((لكن ألا يكفي أننا انتقلنا بناء على رغبتك من بيت العائلة لبيت آخر مستقل أصغر ولا نأتي إلى هنا إلا مرة كل أسبوع! والآن تريد مني السفر معك لأسبوعين))
عادت زاهية تنظر جهة مُصعب بنفس الاستغراب وهو يرد بصوتٍ يعلو قليلا
((يكفي يا نورين ضغطًا عليّ، هل أنا ذاهب هناك للاستجمام والراحة؟ سيمر الأسبوعين بسرعة لو كففت عن التذمر))
طالعت نورين مكشره الجبين حماتها وقالت برجاء
((قولي شيئا يا عمتي وتدخلي أرجوكِ))
تنحنحت زاهية تجلي صوتها قبل أن تقول بوقار مشوب بالحزم
((بماذا تريدين مني التدخل يا نورين! ابني محق في كل كلمة قالها، أنتِ زوجته وعليك أن تتواجدي أينما يذهب، الرجال لا يستطيعون تدبر كل شيء لوحدهم))
قالت نورين باختناق عبراتها
((ولكن أنا..))
قاطعتها زاهية بصرامة مشوبة بالحنية
((بدون لكن يا نورين، يفترض أن تتصرفي كامرأة ناضجة وتطيعي زوجك في كل كلمة يقولها وبكل قرار يتخذه))
طالعت زاهية الحزن الخالص الرقيق المتجلي على ملامحها فعادت تحثها مسترسلة
((لطالما عرفتك هادئة ورزينة فظلي عند حسن ظني للنهاية))
تَفَتت ملامح الحزن والضيق من على ملامح نورين لترفع وجهها وهي تقول مبتسمة برضا
((حسنا معك حق))
قال مُصعب لزوجته وهو ينتصب واقفا
((هذا جيد الآن يا نورين علينا المغادرة، اسبقيني))
أطاعته نورين بهدوء وهي تغادر المجلس بعدما ودعت حماتها..
أما مُصعب فلثم جبين أمه ثم همس لها بامتنان باسمًا
((كم أحب يا أمي حكمتك وطريقة إقناعك للكل، فليحفظك الله لنا))
ضحكت زاهية بخفوت أشرق وجهها الوضاء متحاملة على ما تشعره من آلام في داخلها بينما تسلم مودعة ابنها وداعية له..
ثم تنهدت ومدت يدها تداعب شعر يزيد الذي كان يجلس بجانبها.. فهي لا تبعده عنها طوال وجوده هنا..
كان مشغولا في اللعب على الجهاز اللوحي يلهي نفسه فيه لينسى شوقه العارم لأمه..
قاطعت منال الهدوء وهي تطرق باب المجلس
((تفضلي يا حاجة زاهية هذا الكأس))
غمغمت لها زاهية بشكر وهي تتناول منها كأس عصير برتقال طازج
((شكرا لك يا منال))
كسى صوت منال الألفة والود وهي تناظر يزيد وتقول
((وكأس الحليب الصغيرة هذه لك يا يزيد))
ناظرها يزيد مشدوها ثم رفض بتهذيب
((لست ظمآن.. لا أريده يا خالة منال))
قالت منال بحزم ممزوج بالحنان وهي تمسك الكأس وتمده له
((لا يجوز، عليك المداومة على شرب الحليب الطازج يوميا))
كان يزيد إلى الآن يستغرب تغير معاملة منال وباقي من يعملن في هذا القصر معه! فحتى عندما قام مَالك بطردهن في الماضي بسبب سوء معاملتهن له، عدن للعمل وزاد بغضهن في معاملتهن معه! لكن الآن مجرد أن عُرف بأنه حفيد سيد هذا القصر حتى اختلف كل شيء من جذوره في كل شيء!
آثر يزيد الاستجابة لإلحاحها وأخذ الكأس منها متمتمًا بعبارات الشكر..
رسمت منال له ابتسامة عريضة وهي تقول بمحبة ظاهرية
((صحتين على قلبك يا حبيبي الصغير))
وبمجرد أن غادرت منال المجلس نحو المطبخ ثم إلى حجرتها في الطابق السفلي حتى كشّرت عن وجهها وأظهرت واجهة الاشمئزاز..
لا تصدق أن هذا الصغير الذي كانت تعامله كابن للخدم تزجره وتوبخه حينًا.. وتعنفه حينا آخر مضطرة الآن لتعامله كابن أسيادها!
فجأة خفت الحقد والكره المشع في عينيها وهي تلاحظ فتح باب حجرتها فلفها الذهول..
من قد يكون اقتحم حجرتها في غيابها؟
ابنتها نجوم تمكث هذه الأيام في بيت عائلتها!
استدارت على عقبيها تهم بالمغادرة لتبلغ عن وجود أحد يملك مفتاح حجرتها دون علمها لولا أن سمعت صوت حركة وجلبة ما من داخل الخزانة..
شهقت وهي تتوجه نحو الخزانة وتفتح بابها لتتفاجأ بابنتها جالسة داخلها ومتكومة على نفسها..
جحظت عينيها وهي تحيط برسغها وتجرها للخارج..
وما إن أبصرت نجوم المرتجفة الضوء ووضحت لها ملامحها.. حتى صرخت منال بروع كالملسوعة وهي تحدق بآثار ضربات ودم ظاهر على وجهها وشعرها الأشعث.. وكأنها.. تعرضت.. لاعتداء غاشم!
بدأت تتجدد الدموع المتساقطة على وجنتي نجوم والدماء تنسحب منها وروحها تهوي بذاك الإعياء لتردد بصعوبة
((أنا أتمنى.. الموت.. يا أمي..))
.
.
بينما يسيران في الخارج متجهين نحو سيارته أحاط مُصعب بذراعه كتفيّ نورين التي كانت على شفتيها ضحكة تطربه وتسعد قلبه.. فابتسم وقال بحزم مزيف
((اخفضي صوت ضحكتك الرنانة في الأرجاء، ستفضحيننا))
خفتت قهقهة نورين ورفعت رأسها تقول بدلال عابث
((لا أصدق كم أنتَ مخادع ماكر، لوهلة كدت أصدق تمثيلك))
ضيّق مُصعب عينيه بابتسامة جانبيه وهدر
((تتحدثين أيتها الخبيثة كأنك الأخرى لم تتقني دورك، للحظة شعرت بك ستبكين من فرط حنقك وقهرك))
قالت نورين بنظراتٍ مشاكسة
((هذا لأني تدربت جيدا على الدور الذي طلبت مني أداءه، لم أرد أن أخيب ظنك))
ضحكة صادحة انطلقت منهما الاثنين قبل أن يزمّ مُصعب شفتيه بلا ندم على المسرحية التي قدمها قبل قليل ثم يقول
((أحب عائلتي لكن أكره تحكمهم في قرارات ومجريات حياتي حتى أنهم قد ظنوا أنه حق يكفله الشرع والقانون لهم.. لو عرفت أمي أو أبي أو حتى أخي مُؤيد وزوجته بأننا ذاهبان لأسبوعين للبحر في مدينة أخرى للاستجمام فلن نتخلص من كلامهم وامتعاضهم، سيذلوننا على هذه السفرة لآخر حياتنا))
سألته بلهفة وحماس
((هل سنبقى هناك لأسبوعين؟))
غمز وهو يجيبها
((أول ثلاثة أيام ستكون للمؤتمر الذي كلفت للذهاب إليه ورابع يوم فعليًا ستبدأ فيه عطلتا))
قالت وهي تلامس ظاهر يده
((أنا متحمسة ستكون هذه أول عطلة وسفر لنا منذ زواجنا))
أخفض ذراعه وطوق خصرها يضمها له أثناء مشيهما وهو يقول بصوتٍ أبح
((وأنا أيضًا متحمس للتحدي الذي وضعته لنفسي بتعليمك السباحة خلال هذه الأيام))
غزى الذهول لامح نورين وهي تسأله
((ما الذي تقصده؟))
تعانقت نظراتهما وقال بشقاوة
((ألم تخبريني في أول مرة ذهبنا بها للبركة بأنك تتمنين تعلم السباحة بعد أن فشل والدك في تعليمك إياها في صغرك؟))
توقفت نورين مكانها وابتعدت عنه لتنظر له جيدا بينما تسأله والدهشة تلف ملامحها الناعمة
((هل تقول الصدق يا مُصعب؟))
ابتسم تلك الابتسامة الخلابة وهو يؤكد
((وصدق الصدق، لا تتصورين كم بذلت مجهودا ليتم اختياري أنا للذهاب لذاك المؤتمر بعد أن عرفت بأنه سيقام في المدينة الوحيدة في بلادنا التي يتواجد فيها البحر، ثم بذلت مجهودا أكبر ليوافقوا على إجازتي بعدها))
برقت عيناها بحب جارف وهي تردد بعذوبة من أعماق قلبها
((أنا أحبك جدًّا يا أميري))
مد مُصعب يده يمسك يديها الناعمتين بكفيه وقال بتهديد مصطنع
((قولي كلمة "أميري" وسأتراجع عن كل هذا))
اتسعت ابتسامتها برضا أنثى ممتلئة بالثقة وهي تعقب بمشاغبة
((بل أنتَ أميري، أنتَ تحب هذه الكلمة لكنك تكابر))
ردد بحنق ظاهري
((لا لا أحبها كلمة "أميري" هذه! فهي تقال لابن السابعة لا لي))
لم ترد بل رفعت كفه التي تضم يدها تنوي لثمها إلا أنه سحبها بقوة وهو يقبض على يدها ويرفعها لثغره مقبلا إياها وجاعلا قلبها الصغير يقرع طربًا قبل أن يأخذها بين ذراعيه بقوة..
هدرت وهي تبادله الاحتضان بنفس القوة واللهفة
((بل تحبها أنا متأكدة))
ابتعد عنها قبل أن يراهما أحد وهما واقفان في مدخل القصر ثم تابعا المشي نحو سيارته المركونة متشابكي اليدين..
للحقيقة نعم هو لا يحب أن تنعته بهذه الكلمة لأنه لا يشعر معها بأنه أمير.. بل ملك..
منذ استقلالهم في بيتهم الصغير ذاك وهو يخرج تقريبا في الصباح وفي صدره دفء كبير لها..
يفكر فيها طوال فترة الدوام ومن شدة شوقه لا يقبل أي دعوة من أي صديق أو زميل للخروج بعد العمل فقط ليعود ويراها..
يعرف أن لا امرأة في الخارج قادرة أن تثير اهتمامه فيها فهو رجل مشبع.. مشبع جدًّا بزوجته التي يعود من العمل إلى البيت ليجدها قد حضرت وجبة الطعام وتستقبله بابتسامة جميلة وثوب مبهج ورائحة عبقة..
وليلًا في غرفة نومهم تنهي وضع لمساتها الأنثوية الرومانسية ليقضيا ليالي ساخنة تدفئ الأجواء الباردة..
يشعر بها في دمه وفي كل ذرة من كيانه..
رباه كم هو شعور الاستقرار رائع!
لم يتخيل ولو لمرة في حياته بأنه قد يرزق بزوجة مثلها، يشكل وجودها في حياته فارقًا عظيمًا في قلبه وتوازنه وخطواته واستقامته واستقراره..
استقل مُصعب سيارته دون أن يعرف أن أخيه مَازن الذي كان يقف أمام نافذة غرفة نومه المُطلة على الحديقة الأمامية كان يراقبهما لوهلة قبل أن يعي على نفسه ويغض بصره..
اغلق مَازن النافذة ومن ثم الستائر بعنف بالغ ينفس فيه عن الحسرة والسخط الذي يعتمل في داخله!
لا يكاد يصدق بأن أخاه مُصعب الهادئ.. الغامض.. تعامل بهذا الشكل مع زوجته! فمُصعب من النوع.. الذي لا يسهل عليه أن يعبر عن نفسه بسبب الصبغة الرجولية الكتومة التي تتسم بها شخصيته!
لم يكن هكذا أبدًا مع زوجته السابقة رشا ولا حتى بدرجة واحد في المئة..
لا بد أن زوجته هذه نجحت في مشاركته همومه واستخراج المشاعر الدفينة بداخله ليصل به الأمر أن يتصرف بهذا الود معها!
تنهد مَازن ببؤس..
فقط لو تفهم لوح الثلج التي عنده بأنه مخلوق حساس وإن تستر خلف الاستهتار.. بل هو كتلة من المشاعر الجياشة تحتاج للرعاية..
في السابق والماضي لم يكن يهتم إلا بأن يحظى في جل وقته مع رفقة وأصدقاء ممتعين..
لكن الآن وهو في نهاية العشرينات من عمره لم يعد يرَ أصدقاؤه كافيين لإشباع ذلك الفراغ في قلبه..
دلف مَازن إلى داخل غرفة نومه ليجد ياسمين جالسة تستمع إلى ثرثرة هدى المحببة إلى قلبها وهي تقول لها بصوتها الحزين الطفولي
((أمي بقيت دارين تبكي كثيرًا لأنّ عمي مُؤيد عنفها وكان يريد أن يضربها.. هل تصدقين ذلك؟ أنا أحب عمي مُؤيد أكثر من أبي ولا أصدق بأنه قد يفعل ذلك))
وضع مَازن كفيه داخل بنطاله القطني يقول بصوتٍ عال
((عرفت يا ياسو بأن ساق مُؤيد كُسرت لذلك ذهبوا به للمشفى.. وعادوا جميعا باستثنائه.. أيضًا جاء مُصعب قبل قليل لزيارتي مع زوجته، لماذا لم تستقبليهما معي؟ أحرجتني))
طالعته ياسمين هاتفة بفتور
((لا تقلق لن يعتب عليّ أحد فالجميع هنا يعرف طبعي))
دمدم مَازن بغيظ وهو يفتح صندوق ما ويخرج معداته منه
((لوح ثلج أنتِ حقا))
اجتاح الذهول هدى وهي تتجه نحوه متسائلة
((ما هذا الذي تقوم به يا أبي؟))
أوصل مَازن الأسلاك بالمقبس وأجاب
((أجهز معداتي لأقضي بعض الوقت على ألعاب البلايستيشن))
عقبت ياسمين بازدراء وهي تراقبه يجلس أمام شاشة التلفاز الضخمة عقب أن شغلها
((ألا زلت مدمنا على ألعاب الفيديو؟))
قفزت هدى مكانها بطفولية وقالت بحماس عارم
((أريد أن ألعب معك.. أرجوك أرجوك))
تجلى الضجر على وجه مَازن لكنه استسلم أمام لهفة ابنته وأعطاها يد تحكم عن بعد وبدأ يشرح لها وظائف الأزرار قبل أن يبدآ جولة لعب سويا..
أخرجت ياسمين عدة خياطتها ثم عقبت عندما رأت اندماج مَازن في اللعب
((مَازن ما دمت وافقت على اللعب معها دعها تفوز عليك أو ستبكي لو خسرت))
تهكّم مَازن على كلامها ثم غمغم بامتعاض
((هراء لست أنا من أسمح لأحد أن يفوز عليّ حتى لو كانت ابنتي.. لكن سأحاول ألا ألعب باحترافية شديدة))
كان كل تركيز مَازن متجها إلى لعبته عندما سألته ياسمين مجددا
((الآن بما أنك قررت العودة إلى هنا فماذا ستعمل؟ ومتى ستبدأ هذا العمل؟))
أجابها ببساطة وهو يدخل مع ابنته في الجولة الثانية بعد أن ربح الأولى
((لن أعمل، سأشترك في الضمان الاجتماعي وسأطلب من والدي أن يدفعه لي شهريا وحتى أخرج للتقاعد فهو من سينفق عليّنا))
كتفت ذراعيها وهي تقول موبخه
((ألا تخجل من أن تصل إلى هذا السّن وتأخذ مصروفك من والدك؟))
لوح مَازن بيده بحركة الانتصار الحماسية عندما فاز في الجولة الثانية ثم عقب على كلام زوجته
((لا أعرف أين الخطأ في مساعدة عائلتي لي! أعني أين الحكمة في تضييع أجمل سنين شبابي في الكد في العمل لادخار النقود بينما أبي يستطيع الإنفاق عليّ وعلى متعتي وطعامي وملبسي.. سن العشرين يا ياسو هو أجمل سنوات الإنسان))
غمغمت ياسمين باستياء
((لماذا لا تصبح أستاذ مثل أخيك؟ أنتَ درست اللغة الإنجليزية مثله.. انظر له.. لم يكمل الثلاثين وصار إداريا بالإضافة إلى كونه مُدرسًا))
فاز مَازن في جولة ثالثة ثم بادل ياسمين النظر وقال
((هذا بسبب وساطة أبي هل رأيت إداريا شابا في أي مدرسة في هذا العالم غير هنا؟))
عقدت حاجبيها هادرة
((إذن دعه يتوسط لك أيضًا واعمل مثله))
شدت هدى ذراع مَازن متسائلة بأمل كاذب طفولي
((أبي هل ما يظهر على الشاشة معناه أني فزت؟))
نظر مَازن لابنته ببرود وقال ببطء
((بل معناه أنك خسرت ثلاث جولات متتاليات بدقيقتين وهذا الطبيعي لطفلة لا تفهم قوانين اللعب هذه))
تقوست شفتي هدى بعبوس منذر بالبكاء واعترضت
((لا أريد أن ألعب مجددا معك))
دمدمت ياسمين بازدراء كمن تكلم نفسها وهي تنتصب واقفة
((ما أصغر عقلك!))
خطت ياسمين نحو منضدة الزينة تمسك المشط وتسرح شعرها استعدادا للنوم عندما انتبه مَازن لها وقال وهو منشده تماما لجمال شعرها الفاتح الطويل
((ألن تسمحي لي بلمس شعرك الخلاب يا ياسو؟ وربما صنع ضفائر؟))
نظرت له تحذره بعدائية
((لا أحب أن يلمس أحد شعري))
ابتسمت هدى وقالت بترحيب وهي تشد ذراع أبيها مجددا
((يمكنك أن تجدل شعري أنا يا أبي، لكن برقة فأمي تؤلمني أثناء تصفيفه))
رمق مَازن شعر ابنته بنظرة عدم إعجاب ثم قال بازدراء
((لا شكرا فشعرك قصير.. ومجعد قليلًا.. ورثته من أمك قبل أن تملس شعرها، فشعورنا هنا كلها ناعمة))
اضطربت ملامح هدى وارتبكت إلا أنها تحكمت بها بإباء طفولي وقالت لوالدتها
((تصبحين على خير يا أمي سأذهب للنوم))
ابتسمت ياسمين لابنتها بينما تترك شعرها مجدولا بارتخاء فوق كتف واحد ومتدليا بدلال فوق صدرها بطريقة مدغدغة لأعصاب مَازن الذي عاد يحدق به..
أغلقت ياسمين إضاءة الغرفة إلا من المصابيح الخافتة وتمددت على السرير دون أن تغفل عن عينيه البراقتين تقنصان كل حركة تقوم بها بنظرات صقرية قوية تنتظر لحظة الانقضاض على فريستها بفارغ الصبر..
وبمجرد أن استقام مَازن من مكانه ليتجه نحوها بانشداه كأنه مسير لا مخير حتى هتفت باستياء واضح
((ابتعد يا مَازن ليس اليوم أيضًا.. ألا تشبع؟))
رفع حاجبيه مرددا ببرود
((نعم أنا لا أشبع، هل لديك اعتراض؟))
غمغمت من بين أسنانها بتهكم
((لا ليس لدي اعتراض، لكن بعد أن عرفنا بأنك لم تكن متزوجا فهل تريد الآن إقناعي بأنك وطوال غربتك لم تنجر ولو لمرة واحدة للحرام؟ كيف استطاع شخص شهواني مثلك أن يتحمل))
نظر إليها نظرة طويلة باهتة.. خالية من أي مشاعر.. وهو يقول
((أنا لست شهواني.. لو كنت كذلك لما صبرت الأيام السابقة على الفتات الذي أقتاته منك! تقضين الوقت معي كأنك في مهمة وعليك إنهائها))
هتفت في وجهه بهمجية
((هذا صحيح ولا أكذب إن وضحت مدى النفور الذي أشعر به كلما اقتربت مني لأني أرضخ لك بدافع الواجب فقط.. ليس ذنبي أني لا اشعر برغبة بك وعاطفتي نحوك معدومة))
كان يستمع إلى صراخها جامد الملامح بعينين قاتمتين خاليتين من المشاعر وحتى من الغضب.. ثم قال أخيرا بصوتٍ فاتر
((توقفي عن كلامك المسموم.. لقد كنت ضحيتهم مثلك، جعلوني أحجز تلك الغرفة بإسمي ليوقعوني مثلك.. خطأي الوحيد كان معرفتي بأنهم يدبرون لشيء ضدك وسكوتي عليه حتى لا يسببوا لي المتاعب.. لذا أنا لا أسمح لك أن تعاقبيني أكثر))
ضغطت على شفتيها بقوة وهي تنظر إليه بكرهٍ.. وعينين قاسيتين.. فهو المجرم الوحيد من بينهم الذي سمح لها القدر الانتقام منه حتى لو كان أقلهم ذنبا..
همست باختناق نابع من غلها وحقدها
((بسبب خطأك هذا ها أنا خسرت كل شيء وسأظل أعاني للأبد.. ومن العدل أن تعاني معي.. وسأحرص طوال فترة تواجدك هنا أن أغرقك في البؤس والشقاء حتى تغادر مجددًا وتقرّ بأن الغربة أرحم لك، هكذا قلت لي بحماس فياض قبل سنوات عندما اقترح والدك عليك الدراسة في الخارج))
ابتسم مَازن ابتسامة باهتة ساخرة قبل أن يقول
((هل تعرفين ماذا؟ سُدت نفسي عن رؤيتك حتى.. أنا سأذهب لأنام على الأريكة وسأعتزلك للأبد.. في كل الأحوال قربي من لوح الثلج لا يختلف عن هجراني لها))
تمدد على أريكة جانبية غير مريحة فانتشر احمرار طفيف على بشرة ياسمين الخمرية.. احمرار الغضب والشعور بالإهانة لما تسمعه من كلام مرير قاسي ينطقه..
لكن الذي لا يعرفه هو أن هؤلاء الفاسدين لم يكونوا يخططون للنيل من سمعتها وحسب بل أكثر من ذلك..
ففي ذلك اليوم عندما استيقظت في الصباح وجدت نفسها عارية تماما.. والله أعلم ماذا فعلوا بها قبل ذلك..
لكن بالتأكيد لن تبوح بسر كهذا أمامه..
فربما لو عرف ذاك الغبي سيتملكه من الاشمئزاز ما يجعله يرفض حتى أن تبقي على ذمته ولو بالاسم فقط!
وهي بحاجة أن تكمل حياتها هي وابنتها هدى هنا..
فالحياة هنا أهون عليها من حياة الجحيم عند عائلتها التي قاطعتها تماما لذنب لم تقترفه!
تنهدت ياسمين وابتسامة جانبية مريرة ترتسم على وجهها.. على الأقل نجحت في جعله يعتزلها وتخلصت من لمساته الكريهة المقيتة وجعلته يقرر من تلقاء نفسه أن يهجرها وينأى بنفسه على الأريكة خلال مدة قصيرة جدًّا من مجيئه.. عليها الاستمرار على هذا المنوال وتجرعه البؤس والتنغيص على حياته لتنجح في جعله يقرر من تلقاء نفسه الابتعاد عنها..
مجرد تخيل الفكرة جعلت الراحة والبهجة تتسلل لقلب ياسمين.. فأغمضت عينيها ولا تذكر ما الذي جعل ذاكرتها تستحضر تلك الليلة التي تزوجت بها مَازن..
كانت قد دخلت هذا القصر وهي ترتدي ثوبا أبيضا مبهجا قليلا يناقض البؤس والخوف الذي كان يكتسحها..
خاصة ووجه والدة مَازن الواجم الذي لا يصدق دخولها عليهم مع زوجها وابنها الذي كان يحمل حقيبة صغيرة لها..
بقيت جالسة على هذا الفراش محاوطة جسدها بذراعيها كطفلة صغيرة مرتعبة.. كانت حقا طفلة وبالكاد قد أكملت الثمانية عشر من عمرها..
لم تكن تعلم أكان اختيارها صحيحًا أم لا..
هل بقاءها مع عائلتها الذين تفننوا في تجرعيها شتى ألوان وأنواع العذاب أهون أم زواجها من شاب لا تعرف عنه شيئا إلا صداقته بتلك العصابة!
آنذاك طلب مَازن منها بأدب أن تنام على السرير وتتركه يستلقي على الأريكة ببسمةٍ صغيرة ودودة.. ففعلت وهي تضم كتفيها بكفيها تفركهما في محاولة لإعطائهما الدفء.. قبل أن تشعر به يدثرها بغطاء سميك..
كان في الأيام الأولى لها يتعامل معها في منتهى الحذر واللطف وهي كانت تتقبل ما يقوم به بخوف.. بخشية.. بخجل.. ورويدا رويدا بدأت تتكيف على المكان وتعي ما حدث لها وأنها متزوجة من شخص كان السبب الرئيسي فيما حدث لها.. وأن تقبلها لما يفعله ليس صحيحا..
فليس من المنطقي أن يكون سببا بتحطيم حياتها ثم يتزوجها وتتقبله كزوج طبيعي! هنا وبدون خوف أو خجل بدأت تدرجيا تصب سخطها وانتقامها عليه..
لكن بنفس الوقت كانت مضطرة أن تدعي بأنها بخير معه أمام عائلته.. وتنام معه تحت سقف غرفة واحدة.. تسمح له بالاقتراب منها بل وحمل طفله في أحشائها..
لا حبًا فيه.. بل لقلة وشح الخيارات الأخرى المتاحة لها..
وبعد مرور أشهر على زواجهما جاء والده يقترح عليه إكمال دراسته في الخارج وهنا لم يتردد مَازن أبدًا بالخروج بل فاض حماسا لفكرة العيش وحيدا في الخارج بمكان مختلف عما هو مألوف لديه..
فتحت ياسمين عينيها فجأة وخرجت من شرودها على صوت مَازن وهو يقوم من مكانه ويقفز فوق السرير..
فاعتدلت شبه جالسة تناظره معترضة
((ألم تقل بأنك ستنام على الأريكة؟))
تشدق بصوتٍ لاذع قائلًا
((صحيح لكن اكتشفت بأن هذا يسعدك لذلك غيرت رأيي، سأنام كل ليلة على السرير ملتصقا بك كأني قابع فوق قلبك))
أطفأ مَازن المصباح الموضوع فوق المنضدة الملاصقة للسرير من جهة اليسار.. ثم مال نحو مصباحها يهم بإطفائه إلا أنها هتفت معترضة
((لا ابتعد عن مصباحي.. دعه مُضاء))
تجمدت يداه أمام المصباح فدفعته للخلف تبعده عنه ليردد
((ألا زلتي تحبين النوم تحت الإنارة؟))
عاندته بحنق
((نعم، كل واحد منا له مصباح وله حق التحكم به، دع مصباحي وشأنه))
رفع مَازن إحدى حاجبيه بانزعاج ثم تمتم وهو يرقد فوق الفراش
((تتصرفين كطفلة، طفلة مدللة، لا بأس، أظن بأن أمورنا ستكون على خير ما يرام إذا ما عاملتك كطفلتي المتطلبة))
زمّت شفتيها قبل أن تتهكم
((بل أنا أظن بأن أمورنا ستكون على خير ما يرام لو عاملتك كطفلي المعتوه))
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الستون 60 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
في مشفى القرية..
جلست الحاجة زاهية على كرسي قريب من سرير مُؤيد ثم قالت
((رضي الله عليك يا مُصعب على اهتمامك بأخيك، أعود للبيت كل يوم مطمئنة عليه لتواجدك هنا معه ومؤازرتك إياه))
تشتت نظر مُصعب بحرج من فيض دعاء أمه له ولإخوته هذه الأيام ثم تمتم بخفوت
((أمي لا داعي أن تبدو لهجتك كأني فعلت شيئا غير واجبي تجاه أخي الكبير))
تطلع مُؤيد بوجهه المُتعب لمُصعب يقول بابتسامة شاحبة
((بل مشكور يا مُصعب، فأنا أرى بوضوح كيف تبقى هنا أكثر من ساعات عملك اللازمة من أجلي، لم يبقَ طبيب أو ممرض في المشفى مَعنى بحالتي لم تطلب منه أن يهتم بي، حتى أنك تحرص على شراء وجبات الطعام المفضلة لدي ولا تتركني آكل من طعام المشفى.. سأرد جميلك هذا بعد خروجي من المشفى))
قطب مُصعب حاجبيه ولكز كتف مُؤيد هادرًا
((لا تبالغ يا أخي بكلامك.. ثم إني لا أتحمل هذا الشخص الباهت أمامي بل معتاد على مُؤيد العصبي الغير مراعي.. خاصة وأن إصابة قدمك عادية وكل الأطباء أجمعوا أن مشكلتك فقط مشكلة نفسية))
ابتسم مُعاذ وقال ببشاشة
((نعم أنتَ محق يا مُصعب، في الأيام المقبلة سأجلب عكازا له وسأجبره على مغادرة المشفى مشيا، فكسر قدمه لا يستدعي بقاءه هنا!))
ضحك مُصعب بخفوت وكان يريد المغادرة لولا أن قال مُعاذ مبشرا كمن تذكر شيئا
((مُصعب هناك شيء نسيت أن أقوله لك منذ مدة عن دراجتك النارية! لقد وجدتها))
لف الاستغراب وجه مُصعب وتساءل بهدوء
((أين وجدتها؟))
قال مُعاذ بصوتٍ مازح
((وما همك بالتفاصيل، المهم أني وجدتها وسأعيد دراجتك الحبيبة المفقودة لك))
خرج صوت مُصعب واجما
((ولكن لقد اشتريت بدلا منها أخرى أفضل))
استشف مُعاذ الريبة بملامح أخيه واعترض
((حتى ولو، تبقى هذه هي دراجتك الأولى ولها ذكرى مميزة عندك.. ثم يا أخي لم لا تبدو متحمسا لما أقوله؟ كأن الدراجة التي سرقت ليست لك!))
رفع مُصعب يده يفرك رقبته ثم قال بشيء من الإحراج
((مُعاذ لا تفهمني خطأ، لكن هل كنت تعرف من أخذ دراجتي من البداية وهل كنت تحاول استردادها منه طوال الفترة السابقة؟))
صمت مُعاذ قليلا يناظر أمه ومُؤيد ثم سأله بتيقظ
((لا أفهم ما ترمي له))
تنهد مُصعب قبل أن يوضح
((الحقيقية وفي نفس اليوم الذي سُرقت فيه دراجتي وجدت مبلغا تقريبيا لسعرها في ظرف داخل سيارتي، وأنت تعرف بأن مصف العائلة لا يستطيع أحد دخوله إلا أحد أفراد عائلتنا أو العاملين في المكان))
أدرك مُعاذ بأن زوجة أخيه مُؤيد هي من وضعتها.. إذن لقد صدقت غنوة بما أقرت به لاحقا!
مسح مُعاذ وجهه ثم قال بصوتٍ مجهد
((لا أدري كيف أشرح لك ما حدث، لكن حتى لا أسبب الحرج لأحد فاعتبر أن أحد أفراد هذا القصر قال أمام شخص غير مؤتمن أين تركن هذه الدراجة وذاك الشخص قام بسرقتها، والآن فقط استطعنا استرجاعها..))
لم يحاول مُصعب أن يرضي فضوله ويسأله عن التفاصيل واكتفى بالقول
((حسنا، سأبيع الدراجة القديمة التي معك وأزيد عليها الدنانير لأعيد نفس مقدار المال الذي وجدته في الظرف في سيارتي ثم أعطيه لهذا الشخص))
رد عليه مُعاذ ملوحا
((إنسَ ذلك يا مُصعب، النقود من حقك فقد سُرقت الدراجة منك منذ سنة، إلى اللقاء الآن لا نريد أن نشغلك عن عملك أكثر))
أومأ مُصعب له قبل أن يلقي السلام ويغادر فعليه أن يستعد للسفر للمؤتمر بعد أيام قليلة..
بمجرد أن أوصد الباب خلفه حتى سارع مُؤيد يسأله
((أخبرني يا مُعاذ كيف عرفت سارق الدارجة؟ هل أفشت تلك المدعوة غنوة بهويته؟))
أجابه مُعاذ وهو ينظر له
((عرفت منها اسمه وقبضت عليه واستجوبته ليخبرني عن الطرق التي سلكها بالتفصيل في ذلك اليوم! وشكله مشابه لهيئة الشخص الذي صورته الكاميرات.. أقرت غنوة أن زوجتك من أخبرتها عن مكان دراجة مُصعب فاستأجرت هي أحد الرجال أصحاب السوابق لسرقتها))
غمغمت زاهية بغضبها وغلها المنفلت عن زمامه
((إذن تلك الحقيرة رتيل هي من أخبرتها عن مكانها، ألا يكفي أنها خائنة ولا تصلح أن تكون زوجة تُستر في البيوت، وأيضا سارقة))
التفت مُؤيد إلى أمه يحاول تهدئة انفعالها قائلًا بخفوت رغم حاجته هو أكثر للتهدئة
((أمي لا تنعتيها بهذا الشكل، لقد أخبرك أخي أنها كانت تذهب هناك لترفه عن نفسها ولم يكن لديها عشيق كما ادعت تلك المنحلة غنوة))
لكن زاهية كانت تغلي بنيران المندلعة في داخلها وهي ترد عليه
((وما الذي قد يجعلنا نصدق تلك الأخرى غنوة السارقة؟))
تنهد مُعاذ وهو يحاول التربيت على كتف أمه ليقول بصوته الرخيم
((أمي أنتِ تعرفين بأني وطوال الأيام الماضية أهملت كل شيء من حولي، عملي وزملائي وواجباتي فقط لأتولى أمر غنوة.. سبق وأخبرتك أني استجوبتها أنا ورجالي لأيام وصدقيني جعلناها تعترف بكل شيء فعلته حتى قبل أن تلتقي بزوجة مُؤيد))
رفعت زاهية وجهها لبكرها الذي تابع يقول
((لقد سألتُ أيضًا الجيران وأكدوا عليّ جميعا بأن غنوة ورغم سمعتها السيئة في الحي إلا أنها لم يسبق وأن جلبت رجلا لبيتها، وغنوة نفسها التي كانت تحاول إيقاع زوجة أخي وتدبير مكيدة ضدها اعترفت لي بأن زوجة أخي لم يسبق وان تحدثت أو رفعت نظرها على رجل))
قال مُؤيد لأمه بقهر يعاني في كبحه
((هل سمعتي يا أمي مجددا؟ أرجوكِ توقفي عن اتهام زوجتي بتلك التهمة الباطلة أو سأقتل نفسي أمامك.. لقد طلقت رتيل وانتهى امرنا لكن من المستحيل أن أقبل أن يمس أحد أم أولادي بسوء))
ثم تطلع مُؤيد لأخيه بخشونة يتوسل بصمت منه أن يساند كلامه أكثر..
تفهم مُعاذ الندم الذي يحيط بأخيه لأنه باح بكل شيء لأمه بلحظة انفعال وفقدان سيطرة فسارع يلتفت لأمه هادرا
((أمي صدقيني بنفسي رأيت كل المحادثات بين غنوة وصديقة ابنك دموع من رسائل تحتفظ بها بينهما، قرأت كل كلامهما وسمعت المكالمات التي كانا يخططان فيها من البداية لإيقاع كل من البنك المركزي مُؤيد حتى تتزوج منه دموع))
تجهم مُؤيد وأطرق رأسه وكله مكلل بالعار والذنب والخطيئة لأنه كان لعبة بين يدي امرأتين مثلهما بينما يكمل مُعاذ كلامه
((بل حتى عرفت أن غنوة كانت تبتز رتيل بإرسال تلك الصور لمُؤيد لو لم تحول لها سيولة كبيرة من الأموال عن طريق رقم مجهول.. وللصراحة فرغم خباثة كل من هاتين المرأتين إلا أنهما صاحبتا تفكير بسيط وأخرق من أن يستدعي قلقنا، لذلك تركتهما بعد كتابة تعهد بأنهما لن يتصلا أو يلتقيا بزوجة أخي))
لم تنفرج ملامح زاهية المتصلبة وهي تقول بغل
((وما همنا أن التقت واحدة منهن برتيل أو حتى ناسبتها؟ رتيل لم تعد تعني لنا شيئا، لقد طلقها أخوك وليس لها عندنا لا زوج ولا ولد..))
عضت زاهية طرف شفتها تمنع نفسها البكاء قهرا وهي تستطرد
((لقد خاب ظني بنفسي، زوجة أخوك التي أعتبرها كنتي المفضلة وابنة صديقتي المحترمة التي تنحدر من أسرة متدينة ومعروفة بأصلها الطيب ما هي إلا امرأة فاسدة، رتيل هي كنتي الوحيدة التي اخترتها بنفسي من بين عشرات البنات هن من زينة بنات القرى.. لكن اتضح الآن بأنها لا تساوي ربع باقي زوجات إخوتك.. والله لست منزعجة على حظ مَالك بالزواج من البستانية كما أنا مقهورة على حظك العاثر الذي أوقعك بامرأة مثلها يا مُؤيد))
امتعضت ملامح مُؤيد مما يسمعه من أمه فأطبق على شفتيه يكتم دواخله وفقط عيناه من تنطقان بالألم المبرح!
لكن ماذا يقول وكيف يعترض أو يبرر حقيقة أن زوجته كانت منذ سنوات تكذب عليه وتخون ثقته وتذهب لتبيت في بيت تلك المرأة المنحلة!
قطب حاجبيه عند صدوح صوت أمه العدواني وهي تعلمه بصرامة
((مُؤيد من الآن سأذهب لأبحث لك عن عروس محترمة لتتزوج منها وتربى فهد وباسم تربية صالحة، فامرأة مثل رتيل لا خير يرجى فيها أو في تربيتها))
تخصر مُعاذ وهو يزفر أنفاسه بقوة ثم قال موجها كلامه لأخيه
((أنا فعلت يا مُؤيد ما عليّ واثبتُ لك بالرسائل والصور والمحادثات وكلام الجيران أن زوجتك ليست كما قذفتها دموع وغنوة بشرفها، أما مسألة طلاقك أو عودتك لها فهذا خاص بك أنتَ لتقرر إذا كان باستطاعتك مسامحتها أو لا.. وإلى هنا ينتهي دوري))
كأن مُعاذ صب الزيت على النار دون أن يشعر ليفاجئ بأمه تزجره بعينين تقدحان شررا
((أي مسامحة هذه التي تتحدث عنها بعد كل ما عرفنا أن زوجة أخيك كانت تفعله؟ تلك الفاسقة كانت وطوال السنوات الماضية تخدعنا والله فقط من يعلم إذا كانت بريئة من اتهامات تلك المدعوة غنوة كما توصلت يا مُعاذ أم لا))
في البداية أغمض مُؤيد عينيه كأنه ينقل نفسه إلى مكان آخر معزول لا يسمع فيه شيء لكنه لم يتحمل أكثر ففتحهما يقول بصوتٍ مثقل ومنهك
((أنا أعرف رتيل يا أمي أكثر منكم جميعا كما أعرف بأن قذفها بشرفها هو باطل بل كل ما قالته دموع هو حبكة قذرة لا تُصدق رغم أنها تمكنت مني في البداية.. رتيل كذبت عليّ وخرجت من دون إذني ولكن أبدًا لا يمكن أن تخونني ولو بنظرة.. وصورها تلك التي أعطتها دموع لي ليس بها ذاك الشيء المشين))
كانت فعلا تلك هي الحقيقة التي توصل إليها مؤيد بعد أيام من التفكير وترتيب أفكاره المتناثرة كرذاذ البحر وقبل حتى أن يطلعها عليها مُعاذ..
تجلى المقت على وجه زاهية وهي تهمس بفحيح
((لقد كانت تطلب إذنك للمبيت عند عائلتها لأيام وفي المقابل تذهب لغنوة.. ومهما أكد لي أخوك بناء على أقوال تلك المدعوة غنوة بأنها لم تكن تذهب لأماكن مشبوهة أو تقابل رجال غريبين إلا أنك لا تستطيع أن تكون متأكدا مئة بالمئة))
أطلق مؤيد نفسا كالمرجل جاش في صدره وقال بإعياء ونفاذ صبر
((يكفي أمي))
عقب مُعاذ لأمه برجاء
((أمي دعينا نغادر، أخي منهك جسديا ونفسيا))
بنفس الملامح ردت زاهية وهي تعتدل واقفة
((سأغادر الآن فأنا أشعر بالاشمئزاز من النظر لأخيك العرّة، والله كنت أعتقد بأني سأعاني في سبيل إقناعه أن يهدئ ولا يتسبب بفعل شي لامرأة مثل رتيل قد يجعله يهدر حياته بالسجن لأفاجئ به يفكر كرجل ديوث))
اتجهت زاهية نحو الباب تنوي المغادرة لكنها تسمرت مكانها عندما هتف مُؤيد يناديها.. ليكمل بعد لحظات بصوتٍ مثقل
((أمي لا تبوحي بسر زوجتي لأحد آخر حتى لو كان أبي، أو سأقتل نفسي أمامك))
أخرجت زاهية صوتًا متهكمًا ممتعضًا قبل أن تبارح المكان في حين تطلع مُؤيد بوجهه المضطرب لأخيه مستطردا
((وأنت يا مُعاذ نبّه على ابنتك أن تحتفظ بسر زوجتي حتى مماتها، إياك أن تتصرف دارين بطفولية خرقاء وتُخرجَ هذا السر لأحد))
قطب مُعاذ حاجبيه وقال بصرامة
((لا تقلق من ناحية دارين، أساسا في كل مرة أخرج معها تنهار باكية أمامي لأنك يا مُؤيد ضغطتَ عليها أن تبوح لك بما تعرفه عن زوجتك، فهي تحبها ولم تقبل على نفسها أن تضرها))
=============================
في المكتب السياحي..
ومكان عمل جُمان كانت منهمكة في تنظيم الحجوزات عندما تفاجأت بأحد يدخل المكان.. مرت دقائق ولم يبادر الشخص الذي دخل للحديث معها فرفعت وجهها وتملكتها الدهشة وهي تردد
((وليد؟ ماذا تفعل هنا؟))
خرج صوت وليد منهكا.. شبيها بملامحه المنهكة وهو يجلس على إحدى الكراسي
((فقط مررت أثناء قيادتي السيارة من هنا وفكرت أن ألقي السلام عليك))
جلست جُمان مقابله بتردد وتلكؤ لتقول بصراحة وتهذيب
((أنا لا أحبذ هذه الزيارات، لا أحاول أن أقلل ذوقي معك لكن أنتَ الأعلم بما يجوز فعله ولا))
تنهد وليد بثقل الموقف ثم قال
((نعم أعرف، لكن هل لديك أي علم بأني وشيرين سنتطلق؟ عمي والكثير من الوجهاء من حوله تحدثوا معي لذا أنا أفترض أن الأمر وصل لك))
أجابته جُمان برسمية وتحفظ
((لم يكن لدي أي علم مسبق، أتمنى أن تحلوا الأمور بينكما وآسفة لما سمعته))
تنفس وليد بتعب يوم مجهد كسابقه من الأيام ومسح صفيحة وجهه بينما يقول
((تبدو مصرة جدًّا في موضوع طلاقها، هل يعقل أن يكون سبب عدم نجاح الأمور بيني وبينها هو ظلمي لك؟))
ازدردت جُمان ريقها ولم تظهر في صوتها أو ملامحها أي شيء مما يعتمل في أعماقها ثم ردت
((نعم لقد ظلمتني فأنت تعرف أني تزوجت منك تحت وطأة ضغط من والديّ، وإلاّ فمن التي تقبل الزواج من شخص ترك عروسه في نفس يوم حفل زفافها وطلب يدها؟ والأنكى بأنك تزوجتني دون أن تصارحني بحقيقة أنك لا زلت واقعًا في الحب معها.. عدم معاتبتي لك لا تعني أن هذه الأمور بسيطة ويمكن أن تغتفر! لكن مع ذلك أنا أقولها لك لا تلم نفسك على ما فعلته.. على العكس.. فمجرد وضعي بمقارنة مع امرأة أخرى كان ليجعلني أغادرك))
ارتفع حاجبي وليد كأنه يحاول التأكد مما سمعه قبل أن يقول
((لم يسبق وأن عرفت بأنك تحملين كل هذا ضدي، لا بد أني آذيتك بقسوة.. كيف كان شعورك إزاء ما فعلته؟))
انزلق ثغر جُمان بابتسامة جانبية لتتشدق
((هل تقصد أن تسأل كيف هو شعوري بعد ما عرفت بأني مجرد ممر جانبي وخطة بديلة لك؟))
تحركت عيناه إلى عينيها واخترقتهما للحظةٍ ثم سألها بصوتٍ خفيض قاتم
((ألم تحبيني يوما أو تشعري تجاهي بأي مشاعر حب يا جُمان؟ أقصد أنتِ لم تظهري أي ذرة تمسك أو تملك تجاهي عندما عرفتي برغبتي العارمة في العودة لها بل غادرت بلطف بالغ..))
تجلت ملامح المرارة عليها وهي تجيب
((أحببتك أو لا لا يهم لأني كنت سأتركك بنفس الطريقة.. فأنا لست ذاك النوع من النساء الذي قد يتوسل أو يبكي لتجبرك على البقاء في حياتها.. أنا أدفن قلبي وأقتله قبل أن أسمح له أن يهين كرامتي))
لم يكن صوتها بل كبرياؤها من يتحدث.. فصمت وليد قليلا بإدراك..
جُمان امرأة بقلب نقي تجاه الجميع.. تفاصيلها هادئة.. بسيطة.. لا تشبه أحد ولا أحد يشبهها.. إذا أحبت صدقت وإذا كرهت ابتعدت.. إنها حقا عالم جميل.. ثابت.. قائم بذاته..
غمغم لها
((عندما رحلتي ذكرتني بخير على الملأ.. أما شيرين فلا أصدق حقا بأن وصل الأمر بها أن تفضحني عند عمي وأخوالها والوجهاء، أنتِ لا تشبهينها بأصلك الثابت هذا))
صدح رنين هاتف وليد عاليا ولم يكن يريد الإجابة لكنه في وضع لا يسمح له بتجاهل أي مكالمة وعليه الرد في أي لحظة.. فتنسل هاتفه من جيب معطف ولفت الدهشة وجهه وهو يطالع الاسم الذي يعلو شاشة هاتفه..
شيرين!
برقت عينيه بشيء من المتعة وأجاب على اتصالها مع تفعيل خيار أن يكون اتصال فيديو..
ليس فقط لتراه مع جُمان وحسب بل حتى يمتع عينيه المشتاقتين لها.. فلم تمانع شيرين قبول دعوة مكالمة الفيديو..
كانت هي في الفرع السابق لشركة القاني وفي القسم الذي تم إغلاقه لتقوم ببعض المهام التي يتوجب عليها القيام بها قبل المغادرة بعد أن أخذت إذنا لدخول القسم..
كان المكان الضخم بكل غرفه وقاعته فارغا من أي أحد سواها ومعظم النوافذ والإضاءة مغلقة إلا من مكتبها..
محاميها كان قد اتصل بها ليعلمها أن وليد يماطل في استلام الإعلان.. فلم تستطع أن تنتظر أكثر قبل أن تتواصل معه..
وضعت الهاتف أمامها وبمجرد أن ظهر لها وجهه الكريه لقلبها حتى صرخت به بإنهاك مُستنزَفة الأعصاب
((وليد إلى متى سترفض أن تحررني منك؟ إلى متى سترفض إطاعة كلام عمك ووجهاء القرية؟))
رأت عيناه تضيقان وجانبي فكه يتحركان بقوة كتمانه لذلك الجرح ليقول بصوت خافت حتى لا يشي بألمه
((لماذا تبدين غاضبة؟ ألم ترفعي عليّ قضية خلع! هيا امضي بها))
هتفت به بانفعال
((أنتَ تماطل من أشهر في استلام الإعلان وهذا دنيء جدًّا منك))
جمّد ملامحه بذاك الكبرياء وهو يرد بلا مبالاة
((وسأظل أماطل في استلام الإعلان لأربعة أشهر على الأقل، وإذا ما استلمته فلن أوقع ولن أحضر أي جلسة حتى يتم إعادة إعلاني لعدة أشهر أخرى، هكذا لن ندخل في الإجراءات والجلسات قبل عشر أشهر.. وعند آخر جلسة نطق سأقوم بطلاقك غيابيا وسأعيدك غيابيا قبل انتهاء العدة.. وهكذا تكونين عدتِ زوجتي بعد سنتين من الإنهاك في المحاكم.. وإذا فكرت برفع قضية خلع أخرى سأعيد كل هذه الخطوات، هكذا أضمن بأنك لن تتحرري مني قبل خمس أو أربع سنوات على الأقل.. في هذه الأثناء أكون أنا تزوجت وأنجبت..))
حركت شيرين شفتيها هامسة بصوتٍ أقرب للنحيب دون دموع
((كم أنتَ شخص..))
قاطعها قائلا بزهو المنتصرين
((ليس ذنبي أن القوانين في بلادنا منصفة جدًّا بحق المرأة..))
ثم ناظر جُمان الجالسة مقابله وهو يتعمد إمالة كاميرا الهاتف لتراها شيرين ليسترسل
((لا تصدقين كم أنا نادم على ترك جوهرة مثلك يا جُمان من أجل هذه المرأة))
اعتدلت شيرين في جلستها وهي لا تزال تنظر إليه غاضبة بنظراتٍ كادت أن تحرقه حيًا..
وهو كان مستمتعا بمبادلتها النظر والتمعن في وجهها الأحمر غضبًا وانفعالًا..
أخيرا همست به بشراسةٍ من بين أسنانها
((تبا لك ولجُمانك الحقيرة، حررني منك وتزوجها هي أو غيرها، لا أبالي بكما يا طيور الحب، لكن ليس على حسابي))
لف العبوس جُمان وهي تقول بغضب
((وليد هل أعجبك النعت الذي طالني بسببك؟ هيا غادر المكان من هنا))
ازدردت شيرين ريقها بارتجاف وهي تقول
((وليد أنا لا أمزح معك وإذا لم..))
شهقت شيرين وانتفض قلبها هادرة عند سماعها صوت سقوط شيء ثقيل
((يا إلهي ما هذا!))
جحظت عينا وليد عند اهتزاز الهاتف بيد شيرين وهتف بصدمة
((ما الذي هناك؟ شيرين ردي ما هذا الصوت؟))
استقامت شيرين واقفة والخوف يجتاحها.. وزعت نظرها في المكان وتقدمت ببطء وتردد للخارج.. تقدمت خطواتها أكثر لتفاجئ بأن شرفة القسم مفتوحة..
هتف وليد مجددا بانفعال مشوب بالقلق
((هيا أجيبي يا شيرين ماذا حدث!))
شعرت جُمان بتوتر فوقفت خلف وليد تطالع النظر تصوب نظرها في شاشة الهاتف لتقول شيرين بصوتها المرتجف
((هناك أحد في شرفة القسم والتي أساسا يمنع فتحها أو الخروج منها.. لكن المشكلة أن القسم كامل مطفأ الأنوار ويمنع الدخول له دون إذن))
هتف وليد بها بجدية منفعلة
((شغلي الكاميرا الخلفية.. شغليها هيا وسيري ببطء للأمام دعينا نرى ما تريه))
ازدردت شيرين ريقها وفعلت كما أمرها وهي مستمرة بالخروج نحو الشرفة وهدرت
((حسنا شغلتها))
كان كل من وليد وجمان يناظران الكاميرا بتركيز شديد رغم التوتر الذي يلفهما..
بمجرد أن شعرت شيرين بصوتٍ خطوات شخص خارج من الشرفة حتى هتفت بثبات ظاهري
((من هناك؟ من الذي وقع..))
وقف الشخص متسمرا مكانه يعطي ظهره لشيرين وهو لا يصدق بأنها رأته..
تدريجيا استدار للخلف يطالع شيرين بوجهه الشاحب والدموع تتجمع في عينيه وقد بدا في حالة انهيار كامل فهتفت شيرين بقوة
((من أنتَ؟ هيا قل من.. لحظة.. هل أنتَ فائق؟ ما الذي تفعله هنا في هذا القسم؟ وما الذي أوقعته من الشرفة؟))
هز فائق رأسه يمينًا ويسارًا يكاد لا يصدق ما حدث بينما يهدر بتوسل يائس حتى الموت
((أنا لم أوقع طه لم أقصد شيء.. كنت أقصد دفعه لأنه أجبرني أن أخرج من الشرفة.. وأنا أردت التدخين))
تراخت تعابير الصدمة عن وجه شيرين قليلا وهي تقول عاقدة الحاجبين
((طه! ماذا تقصد يا فائق..))
بترت كلماتها واكتسحتها الصدمة ما إن جمعت كلماته غير المترابطة بالصوت الذي خرج مدويًا قبل قليل متمتمه بصوتٍ شديد الخفوت أقرب للارتجاف
((يا إلهي.. يا إلهي!))
من هول ما فكرت به شيرين وقع الهاتف منها أرضا دون أن تعي وهرعت مهرولة نحو الشرفة..
استندت لسياج الشرفة الموجودة بالطابق الثاني تناظر جثة طه المسجاة أرضًا.. بينما يهرول ثلاث أشخاص حول جثته..
لم تكن تعرف أحد من الثلاث أشخاص الذين وقفوا أمامه إلا معتز الذي هتف بصدمة
((إنه شاب.. الشخص الذي سمعنا صوت ارتطامه على الأرض هو شاب.. من أين وقع؟ شيريــــــــن؟))
آخر كلمة قالها معتز بصدمة أشد وطئا وهو يرفع رأسه للأعلى نحو الشرفة فهتفت له
((لحظة وسأنزل يا معتز.. لحظات))
استدارت للخلف تخرج من هذا القسم نحو الأسفل..
ولم تشعر أو تفكر بفائق المرتعب الذي أظلمت عيناه قليلا والتقط هاتف شيرين يخبئه بجيبه ومن ثم يغادر المكان خلسة..
.
.
في الأسفل..
هتفت شيرين اللاهثة وهي تركض إلى حيث جسد طه قد سقط
((هل هو على قيد الحياة؟ ابتعد، ابتعد دعني أراه..))
وحيث كان الموظفين حوله لا أحد يجرؤ الاقتراب منه تقدمت وجلست أمامه تمد أصبعين تتفقد نبضه رغم الخوف الذي يقيدها لتتمتم بامتنان
((لا زال يتنفس.. هناك نبض.. اتصل بالإسعاف الآن))
كانت تناظر معتز وتأمره عندما تغضنت كل ملامحه بشراسة وهو يصرخ بها
((لماذا قذفتيه من الشرفة؟ هل جننت يا شيرين؟ مهما كان الشجار الذي حدث بينكما لم يكن عليه أن يحدث أثناء تواجدكم في هذه الشرفة التي يمنع الدخول لها!))
اتسعت عيناها ناظرة له وترددت طويلا قبل أن تقول بارتجاف وفجيعة
((ماذا تقصد؟ أنا لم أفعل شيئا! إنه.. إنه فائق..))
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الحادي وستون 61 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الخامس والعشرون
رأت نجوم ملامح والدتها ودبَّ الرّعب في جسدها فتراجعت للخلف حتى لامست بظهرها منضدة الزينة وهي تستجيرها بعينيها المذعورتين أن تهدأ..
لكن منال اقتربت منها بامتداد ذراعها وقبضت على شعرها الطويل صارخة
((من الذي فعل بك هذا؟ هيا أجيبِي))
أجابتها نجوم وذُعرها يتصاعد
((ابن أختك يا أمي.. إنه ابن أختك))
دفعتها منال دفعة واحدة خلفها على المنضدة ليهتز ما عليها ويسقط أرضا ثم قالت بنبرتها المُرعبة
((مستحيل! ابن أختي محترم وخلوق لا يمكن أن يفعل شيئا كهذا))
دارت الدنيا حول نجوم فأحاط بجسدها الألم وتجمعت الدموع بعينيها لتهتف بدفاعية
((أنت أدرى الناس بخصاله فلا تنكري ذلك الآن))
جذبتها منال من شعرها تكاد تقتلع خصلاتها من منابتها زاعقة
((ولماذا فعلها؟ هل رآك هكذا فجأة وقرر أنه يريد التعَّرض لك أيتها الخاطئة؟ لا بد أنك قمت بإغرائه وتبعا لطبيعته الذكورية فلم يحتمل ألا ينجَّر ورائك))
لم تحتمل نجوم الألم لتنتفض مع بكائها وتصيح بصوتها المذبوح
((نائمة.. كنت نائمة يا أمي.. عندما ذهبت في الأمس إلى الحجرة الصغيرة التي أنام فيها بالعادة في بيت جدي أغلقت الباب خلفي وتفاجأت بأنه كان تحت السرير يتربص بي، وقبل أن أفتح فمي كان يُغلقه بمنديل مُخدرًا إيّاي ويفقدني وعيي.. وعندما صحوت في الصباح كان هذا هو حالي، فسترت نفسي بأيّ شيء وهرعت إلى هنا قبل أن يستيقظ أحد من أفراد عائلتك ويعرفوا ما جرى لي))
لفت منال شعرها على كفها لتجرها أرضا هاتفة
((حتى لو فعل ذلك حقًّا، لا بد أنك من دفعتيه أن يفعلها.. إيّاك أن تنكري فقد سبق وكنت على علاقة حب معه عندما كنت مجرد مراهقة خرقاء))
توقفت منال عما تفعله للحظات والدّم يكاد ينفر منها وهي تطالع صدمة ابنتها وتناظر وجهها المغرق بالدموع والكحل الأسود..
أما نجوم فَفُجِعَ وجهها وسكنت للحظة واحدة كأنها نسيت الألم.. فقط لحظة قبل أن تغلي دماء أمها لتقول وهي تجذب رأسها لأعلى في مستواها هادرة
((ما بك صُدمتي؟ هل ظننتني لا أعلم؟ بل كنت محاطة بكل شيء وسكت عن هذا لعلّ وعسى تنجحي في جعله يتزوجك لكنك خائبة كأمك))
وبكل عنف عرْبد بعروق منال رمتها على الأرض..
حاولت نجوم الباكية الاعتدال شبه واقفة لكنها لم تستطع وساقاها لا تحملاها وجسدها يتثاقل لتستسلم وتبرر
((أمي صحيح أني كنت أحبه في الماضي لكني لم أغريه.. بل كيف يمكن لفتاة قاصر في الإعدادية أن تُغري شابا يكبرها بعشر سنوات، هو من كان يخدعني باسم الحب، وأنا نادمة على حبي له الضعيف والساذج ونادمة على تجاوزي حدودي معه، فقد شَوَّهتُ صورة أبي رحمه الله أمامَه))
غمغمت منال بقسوة
((وتتعذرين بحبك له! ليتني دفنتك مع والدك))
للحظة طلّ الكُره من عينيّ نجوم وهي تقول بمهانة
((نعم لقد أحببته بعنف وهو من خدعني، فتركته في حال سبيله لكن في كل مرة كنت أذهب لبيت عائلتك أجده يُحاول التقرب مني مهما حاولت صدَّه لأنه خاطب.. ليفعل بي ما فعله في الأمس))
زعقت بها منال بصوتٍ سقيم
((اسكتي يا بنت لا يهمني إن كان قد انتهكك أو سلمت له نفسك لكن الآن عليه أن يفسخ خطبته ويتزوجك أنتِ.. سأتصل به اليوم وأعلمه بهذا))
غادرت منال الغرفة وانهارت نجوم على الجدار خلفها الذي تتكئ عليه بلا أدنى قوة.. قبل أن تسكن بجلستها اليائسة.. وتهدأ الدنيا من حولها في صمت أسود فلا تسمع إلا أنفاسها الرتيبة الملتهبة..
لامست الجدار البارد بيدها المكدومة ثم استندت عليه لتقف بوهن تحاول الاغتسال والتصرف كأنّ لا شيء حدث متمنية ألا يكون صوتها هي وأمها قبل قليل قد وصل لأحد!
=============================
قسم الشرطة..
مضى على تواجد شيرين محبوسة بحجز قسم الشرطة قرابة العشر ساعات.. كانت حجرة الحجز صغيرة ومكتظة بما يقارب عشرين سجينة يزيد عددهم أو ينقص حسب دخول محتجزات جدد أو نداء الشرطي على أحد الأسماء..
لم تعرف لماذا المحتجزة التي تذهب لا تعود مرة ثانية للحجز.. هل أطلق سراحها أم أُخذت إلى أحد السجون؟
أخذت نفسًا عميقًا يائسًا..
كل أصابع الاتهام موجهة لها هي بدفع طه من الشرفة ودخوله في غيبوبة.. لم يصدق أحد كلامها عن فائق وقد شهد أصدقاؤه وزملاؤه ومن بينهم معتز أنه لم يغادر الكافتيريا ولم يصعد للطابق الذي يتواجد فيه القسم وأنها الوحيدة التي كانت متواجدة به..
هل يعقل أن تلصق التهمة بها وتكمل ما تبقى من حياتها في السجن ظلما!!؟
عند هذه النقطة نبض قلبها بعنف وتسارعت أنفاسها بجنون وبدأ العرق يتصبب من جبينها..
كل جسدها كان ينتفض.. ينعصر.. بل واكتشفت أن دموعًا تسيل على خدّيها.. ولا تجد أمامها إلا أن تُناجي ربها هامسة بتضرّع أن يخلصها من هذا الوضع الظالم الذي وقعت فيه!
رفعت يديها تمسح دموعها ثم استقامت واقفة لتقول بصوتٍ عال ثابت رغم اهتزازه تُلفت انتباه أحد رجال الشرطة
((سبق ودرست المحاماة وأعرف حقوقي جيَّدا.. يحق لي أن أتحدث بمكالمة واحدة على الأقل الآن))
رفع الشرطي حاجبه باستغراب ثم تهكم باستهزاء
((من أي قرن جئت يا امرأة؟ اطلبوا لها الهاتف ولتتحدث بقدر ما تشاء مع من تشاء))
.
.
تنهّد قُصي ببؤس ثم خرج من البنك التجاري وهو يضع يديه في جيبي بنطاله..
بطاقته الائتمانية هذه أيضًا لا تعمل! لقد قام عمه بتعطيل كافة بطاقاته وأصبحت الآن بلا فائدة.. من الجيد أن سيارته هذه مسجلة باسمه وإلّا لسحبها عمّه كما فعل مع الأخريات..
فقد بدا غاضبًا عليه للغاية ويريد الانتقام منه! ووصل به الأمر أن يتصل على كل أصدقائه وأمرهم ألّا يقبلوا مساعدته.. ولم يتجرأ أحد منهم على رفض أمر عمه.. أصدقاء مزيفين..
سحب قصي يده من جيب بنطاله وأخرج حافظته ليزداد البؤس المتجلي على وجهه وهو يدرك أنه لا يملك بمحفظته إلا عشرة دنانير بعد أن أنفق في الأمس مئة دينار إيجار ليلة أحد غرف الفنادق الفخمة التي تطل على بركة ضخمة..
عليه أن يكون أكثر حيطة في إنفاق المبلغ المتبقي معه.. على الأقل حتى يسامحه عمه اللعين ويعود للعيش معه!
تنهد مجددا وهو يتابع الطريق لأحد مطاعمه المفضلة وهناك أنفق على فطوره المعتاد ثمانية دنانير وبقي جالسًا يفكر في معضلته.. كيف سيعيش بالدينارين المتبقيين دون الحاجة للتسّول أمام أحد المساجد!
تخلل قصي شعره الناعم بأصابعٍ حادة كادت أن تقتلعه قبل أن يتصاعد رنين هاتفه..
رفع الهاتف وكَسَاه الاستغراب عندما طالع الرقم لكنه أجاب عليه.. وعندما جاءه صوت شيرين عقد حاجبيه متسائلا
((هذه أنتِ يا شيرين؟ هل حدث أي شيء مع سهر؟))
قالت شيرين بينما الدّموع الحارة تنحدر من عينيها
((لا بل هو أمر متعلق بي.. لم أجد غيرك للاتصال به وسهر لا تعرف شيئا.. أنا في النيابة ومتهمة بالتسبب بحادث في الشركة.. وقد أسجن قريبا))
هتف بها متسائلًا باستهجان
((حادث!؟ كيف هذا؟ هل مثلا ضربت موظفا أم شتمته؟ ما هي التهمة؟))
أجابته بصوتٍ متهدج
((دفْع طه من شرفة الشركة وإدخاله في غيبوبة))
كادت أن تخرج عيناه من محجريهما وهو يهتف عاليًا
((ماذا!؟ ولم قد تفعلين هذا؟ ما الذي قد يفعله طه أو أي موظف آخر ليستحق منك أن تدفعيه من شرفة الشركة؟ هل تأخر ساعة أو ساعتين عن العمل؟ هل قصَّر في مهامه؟ هل نتائج تقييمه كانت مزرية؟ حتى لو شتم عميل وتسبب بإغلاق قسم كامل كما فعلت أنا فلا يستحق منك ذلك))
كانت شرين في المحتجز تحوم بعينين حمراوين خائفتين في المكان.. قبل أن تغرورقا بالدموع والألم يتسارع بوتيرة فائقة.. قالت بينما تهز ساقها بتوتر مستفحل
((اخرس يا قُصي قد يسمعك أحد ممن حولي ويصدق الأمر! أنا لم أدفعه.. بل أحد زملائك والمدعو فائق من قام بدفع طه من الشرفة لكنه هرب، وبما أني كنت من دخلت الشرفة في نفس الوقت كنت المتهمة الأولى بل والأنكى أني كنت الوحيدة التي اقتربت من جسد طه ولمستُ ملابسه وبصماتي تعم موقع الجريمة.. عليك أن تُعيّن لي محامي وبمجرد خروجي من السّجن سأتفاهم معك))
لفَّ التوتر قصي إلا أنه قال مطمئنًا
((حسنا شيرين اهدئي ولا داعي للقلق سأتصل بيوسف الآن.. إلى اللقاء))
وفي لحظات كان يطلب رقما آخر ليأتيه الرد المتوتر بتوسل مندفع
((مرحبا سيد قصي أرجوك لا تطلب مني أن اُحول أي نقودٍ لك، لقد كان السيد فارس صارمًا عندما أمرني بعدم الردَّ على اتصالاتك أو مدك بأيّ مساعدة مالية بعد أن طردك ولو خالفتُ تعليماته..))
قاطعه قُصي بحدة
((اخرس، اخرس، اخرس يا يوسف وخذ نفسًا على الأقل قبل أن تنهار باكيًا كالنساء، لا أصدق كيف لشخص مثلك وبهذا العُمر أن يتولى منصبًا كبيرًا في شركة القاني.. من مصلحتك أن تكون شخصيتك أمامهم غامضة حتى لا يعرفوا ضُعفك المخزي وحقيقتك الهشَّة))
صمت قصي للحظات يلتقط أنفاسه ثم هتف بعنف
((على كل حال دعنا ندخل لصُلب الموضوع، أريد منك أن تُعيّن بنفسك محامي لشيرين.. سَبَق وكانت في منصب مشرفة في قسم الموقع الإلكتروني قبل أن يُسحب من شركتنا.. إنها مُتهمة بدفع أحدهم من الشرفة رغم أنها بريئة))
أخذ الأمر من يوسف لحظات قبل أن يعلق
((شيرين؟ الجميع يعرف بحادثة الشرفة فقد انتشرت بسرعة كسرعة انتشار الهشيم على الصفيح لكن السيد فارس طلب مني ألا أتدخل في هذا الأمر أبدًا وعيّن فريقا متخصصا لتولي الأمر بطريقة لا تُسيء لشركة القاني.. أنتَ تعرف أن الخروج لهذه الشرفات ممنوع فقد سبق وانتحر أحد الموظفين قبل سنوات طويلة وأشاعوا أن سبب انتحاره هو رواتب الشركة السيئة وضغط العمل فيها))
أغمض قصي عينيه وهو يقول بخفوت
((بعد أن عملتُ في الشركة أنا متأكد أنها ليست مجرد إشاعات.. لكن هذا الكلام ليس وقته الآن.. أريد منك مساعدتها))
تنهد يوسف قبل أن يقول بصوتٍ تكتنفه الجدية
((لأصارحك يا قُصي رغم أني لم أحاول التدخل بما حدث لكن الحادثة مريبة جدًّا.. حتى أن كاميرات المراقبة لا تعمل.. هناك أحد له سُلطة في الشركة عرف كيف يخترق النظام ويعطّلهم! كأن جريمة دفع طه كانت متعمدة))
شددَّ قصي على كلماته وهو يقول بتأكيد
((يوسف لا يهمني كل هذا، عليك أن تنتشل شيرين من هذه التهمة فهي بريئة..))
قاطعه يوسف المتوتر مستنكرًا
((إذا كانت بريئة دعْ التحقيقات تأخذ مجراها وبالتأكيد سيخلون سبيلها))
هتف قصي به باحتدام
((يوسف فقط قم بتعيين محاميًا محترفًا له اسمه من أجلها، أفهمت؟))
تنهد يوسف مجددا ببؤس ثم قال خاضعًا
((حسنا يا سيد قصي))
=============================
في مزارع الحاج يعقوب الكانز..
أبطأ مَازن الذي كان يتنزه في المزرعة القريبة من القصر خطواته ليُوازي سير ياسمين.. ثم التصق بجانبها وأمسك بساعدها يشدُ عليه رغم حنقها ليقول بمرح وحب ظاهري
((أنا سعيد يا ياسو أنك قبلتي التنزه معنا بما أنك ترفضين الخروج لإحدى المولات التجارية))
التفتت ياسمين للخلف تطالع بوجهها المتجّهم ابنتها الصغيرة هدى تقفز وتستمتع بوقتها بين الزهور والعشب ثم قالت
((أخبرك للمرة العاشرة.. لو لم تصر عليّ هدى للخروج الآن لما وافقت على التنزه معك هنا، فهي معتادة أن يُخرجها عمها مُؤيد بين الحين والآخر لكنه الآن بالمشفى))
رسم مَازن ملامح الجدية التي لا تليق به وقال بعزم
((من الآن فلتنسى عمّها مُؤيد كليًا، فأنا من سأتكفل بمسألة التّرفيه عنها وعن أمها))
ازداد عبوسها فمال مَازن برأسه يستنشق عطرها كمدمن محروم مغمغمًا
((بالمناسبة كنت أريد أن أسألك ما نوع هذا العطر الذي تضعينه فرائحته زكية جدًّا))
أخذ مَازن شهيقا طويلًا محملا برائحتها الممزوجة برائحة العطر.. فعقدت حاجبيها باستياء وصدته قائلة
((أنا لا أضع عطورا برائحة قوية لكن رششت منه قليلا لأننا سنخرج وحيدين في المزرعة.. ابتعد عني يا مَازن))
لكن بصلابة وثبات ظلَّ مَازن مكانه يدفن رأسه في عنقها يستنشق نعيم عطرها الذي أخذ بالتغلغل داخل ثنايا قلبه..
كاد أن يشعر بضلوع صدره تتمزق من شدة خفقان فؤاده الملهوف على هذه الرائحة الجميلة..
بالتأكيد الأمر ليس متعلقًا بياسمين فلا يمكنه أن يحب لوح ثلج مثلها.. إنما الأمر أنه بحاجة لامرأة مهما كانت في حياته.. فهمس بصوتٍ أجش من الرغبة
((لا تتوقفي عن وضع هذا العطر يا ياسو الحبيبة))
قالت ياسمين من بين أسنانها المطبقة بغيظ تفشل في كبحه
((أما أنتَ فتوقف عن استنشاقي يا مَازن كالكلاب البوليسية وابتعد عني، ابتعد يا مَازن))
لم يبتعد مَازن عنها إلا عندما صدح صوت هدى التي كانت مشغولة بتجميع الأزهار عنهما وهي تشير بإبهامها مستدعية انتباه والديها
((هل هذا بيت أسمنت الذي هناك؟))
التفتت ياسمين خلفها نحو بيت الأسمنت مما جعل خصلة تشرد من وشاحها من الخلف..
رفرف مَازن بعينيه وهو يناظر خصلة ياسمين البنّية بانشداه.. ثم سرعان ما قال لابنته وهو يشد ياسمين ويسير بها نحو بيت الأسمنت
((هدى العبي مكانك قليلا وإيَّاك، إيَّاك أن تدخلي هنا مهما يحدث فأنا أريد أمك في موضوع مهم في داخل بيت الأسمنت))
عسر على ياسمين فهم مَازن الذي يجرها لداخل البيت الأسمنتي الصغير وهتفت عاليا
((يدي يا مَازن، أنتَ تؤلمني.. ما الذي تريده مني!؟))
توترت ملامح ياسمين وهي تجده يغلق الباب عليهما والظلام الدامس يعمُ من حولهما.. ولولا الضوء المتسرب من النافذة الصغيرة العلوية والتي تسمح بنورها لهما برؤية وجهيْ بعضهما لصرخت به فكل شيء يمكن أن تتقبله إلا الظلام!
أيقظها مَازن من دوامة تفكيرها على نظراته التي يطالعها بها..
خضرة عينيه تفيض بالرَّغبة والتوق الدفين لقربها..
تحرك جسده عنوةً متعنتًا على أوامر العقل الذي يخبره أن الوقت والمكان غير مناسبين لما يفكر به..
مدّ ذراعيه على الحائط خلفها يحاصرها قبل أن يضمها ويدفن رأسه في حجابها الملفوف بينما يلامس بأنامله تلك الخصلة الشاردة..
تشنّج جسدها وسرعان ما هتفت وهي تدفعه من صدره عنها بعنف
((ابتعد، ماذا تفعل الآن يا مَازن؟ قد تدخل هدى علينا))
همهم لها مَازن بصوتٍ أبح وسبابته تمرّ بعبث على ملامحها الناعمة
((إنها مشغولة بأزهارها، لا تقلقي))
رشقته ياسمين بسخط، فقال بينما يصوب نظره على تلك الخصلة الشاردة
((خصلة شعرك الجميلة خرجت من وشاحك.. سأعيدها وأعقصها حتى لا تخرج مرة أخرى))
غمغمت به بازدراء
((يا إلهي أنتَ مجنون حقا! لم أرّ رجل مهووس بشعر امرأة مثلك، ابتعد عني))
لكن مَازن عاد يتنفس عطرها بشجن تلّبس قلبه.. ويستنشق ملئ رئتيه ثم يغرق بين طيات شعرها ليقول
((لطالما كنت أرى أن أجمل ما في المرأة شعرها.. لكن لم أكن مهووسا قبل أن أرى شعرك أنتِ))
ارتعبت ياسمين قليلا وهي تشعر بجسدها يرتفع عن الأرض، همست وعيناها على باب غرفة الأسمنت تغيم بلمعانٍ من الدموع خوفا من أن يفتحه أحد
((أرجوك ليس الآن))
لم يرد عليها فحاولت مجددا الابتعاد عنه بأنامل مرتجفة ليردع مَازن كل محاولاتها.. فكّ أزرار قميصه ثم خلعه..
هنا احتدت شراسة مقاومة ياسمين له وهي تدفعه عنها قبل أن تشعر به يرفع يدها بصلابة نحو فمه وكالذئب يعضها وبشيء من القوة..
تكدّست الدموع بمقلتيها بوجع وهي تحدق بملامح وجهه المستمتعة ويدها التي تأسرها أسنانه بينما يحررها من عباءتها..
انتفض قلبها وخفتت مقاومتها ولم تتمكن سوى من الاستسلام له بكل طواعية لتوقه وشغفه..
وتحقق ما كانت ياسمين تنبهه عليه طوال الوقت عندما فُتح باب غرفة الأسمنت بقوة عليهما..
شهق كل منهما بقوة نحو الباب الذي طلَّ منه الحاج يعقوب والشياطين تتراقص أمامه هادرًا بصدمة
((مَازن! مَازن أنتَ هنا!))
هرعت ياسمين لزاوية الغرفة تنكمش على نفسها وترفع العباءة تستر بها نفسها وشعرها بينما تمردت دمعاتها الحبيسة لتهطل على وجهها المخضّب بالإحراج والخزي..
صرخ يعقوب الذي لم يكن قد استوعب ما يجري إلا منذ ثواني
((أيها الفاجر ما الذي تفعله هنا معها؟))
بهُت وجه مَازن قليلا وهو يرى والده يقف مقابله وكان لا زال مشتت العقل ومتلبك الجسد من منظره هكذا.. وزع نظره هنا وهناك لعله يجد قميصه ويواري به عري صدره بينما يتلعثم مرتبكا
((أبي.. لا الأمر ليس كما تتوقعه..))
قاطعه أباه الذي اقترب منه بغتة يمسكه من كتفيه، يهزه بعنف ويصرخ به هادرًا
((اخرس أيها الفاسق ما الذي قد يبرر قذاراتك هذه التي أراها بأم عيني مع هذه الفاجرة!))
اتسعت عينا مَازن بصدمة تكتسحه وهو يرى والده يشير بيده نحو ياسمين الباكية فقال معارضًا باحتدام
((أبي لا تتحدث بهذا الشكل، إنها زوجتي))
شعر مَازن بذراعيه تنخلعان من مكانيهما من قوة لم يفقدها والده الذي يمسكهما بينما يغمغم بلا تصديق
((زوجتك؟))
حاول مَازن إبعاد ذراعي والده عنه برفق بينما يجيبه بقهر من هذا الموقف الذي وضع به
((نعم يا أبي أقسم أنها زوجتي))
إن كان مَازن يظن أن والده سيهدأ فقد أخطأ وهو يشاهد هيجان شياطينه يزداد بينما يصرخ عليه
((تزوجت على ياسمين؟ أيها النذل تزوجت عليها؟ ألم تتوسل لي أن أسمح لك بالبقاء هنا من أجلها هي وابنتك؟))
صمت يعقوب قليلا وشحب وجهه ليردف بصوتٍ يرتجف غضبا رغم انخفاضه
((إيَّاك، إيَّاك أن تقول لي أنك كنت متزوجا منها بالسر منذ أن كنت بالغربة وجلبتها بالخفية معك.. تحدث، تحدث وقل شيئا يا مَازن))
جحُظت عينا مَازن وتصّلبت ملامحه قبل أن يقول مستهجنا وهو يشير إلى تلك التي تجهش ببكاء مكتوم وصدرها يختنق بالشهقات
((إنها زوجتي ياسمين يا أبي.. زوجتي أم هدى..))
تمتم يعقوب بعينين متسعتين صدمة
((مــ.. ما.. ما الذي تقوله؟ هل هذه أنتِ يا ياسمين!؟))
لم يرَ مَازن والده المهيب الشامخ يومًا بهذا الارتباك والإحراج بينما تقول ياسمين بوجهها المحمر من البكاء وقد منعها الحياء من الاسترسال في الشرح
((إن.. إنه.. هذا أنا يا عمي.. يا ياسـمين))
لم تتحمل ياسمين أن تبقى على تماسك صوتها المتذبذب فتصاعد صوت بكائها المكتوم ليصدح عاليَّا قبل أن تنهض وتلتقط حجابها الذي خلعه مَازن منها وتضعه على رأسها كيفما كان وتخرج من الغرفة ودموعها لا تتوقف..
غادر يعقوب الغرفة مغمغا
((أستغفر الله العظيم.. أستغفرك يا ربي))
التقط مَازن قميصه وستر جسده بينما يخرج من الغرفة الأسمنتية ليجد والده يهتاج عليه هاتفا وهو يرفع سبابته
((إيَّاك أن تفتح فمك وتلمني على سوء ظني فأنتَ من جلبته لنفسك، ليست أول مرة تكون في موضع شبهات ولك الكثير من السوابق، لا مرة ولا اثنتين بل أكثر..))
ثم أردف بازدراء كمن يحدث نفسه
((لا أصدق أني في لحظة من اللحظات ذممت مَالك وفضلتك عليه! على الأقل مَالك له احترامه.. أبدًا لم يكن عابثا مثلك ومحبا للهو، سمعته كقطعة ألماس لا تطالها خدش كلمة))
تجلى الاستياء على ملامح مَازن مدمدمًا
((أبي ما الحاجة لذكر موضوع المقارنة هذه الآن!؟))
صرخ يعقوب به باحتدام
((ضاقت عليك الدنيا فلم تجد مكانا تفعل به أفعال الأزواج إلا هنا؟ ماذا لو كان أحدا غيري هو من فتح الباب وناظركم بهذا الشكل!؟))
غمغم مَازن بحنق ولامبالاة
((وما الذي قد يدفع أي شخص لفتح باب بيت الأسمنت بشكل مفاجئ كما فعلت أنتَ يا أبي؟))
فتح يعقوب شفتيه وأغلقهما وشياطينه تحلق فوق رأسه وتحرضه أن يضرب هذا التافه الذي أمامه.. لكنه تمَالك نفسه مجيبا
((قد يدفعه ما دفعني أنا، نبهني أحد العمال أنه رأى طفلة صغيرة تتنزه وحيدة، ولو لم أتعرف على هدى وآتي بنفسي لكان هو من جاء وسمع صوت الجلبة في البيت الإسمنتيّ وفتحه))
ازداد نشيج هدى التي كانت تتابع الموقف حتى استحال لبكاء.. بكاء لبكاء أمها وهي لا تعلم السبب..
فأشار مَازن لابنته التي توجه لها وقال ممتعضا
((أبي انظر كيف بدأت هدى تبكي، لقد تسببت بجعل ياسمين تبكي أيضًا))
استجاب مَازن لطوفان من المشاعر الذي شعر به وهو يرى ابنته تبكي لأول مرة فاقترب منها وضمها بعناق لطيف حتى استكانت..
ناظر يعقوب كنته ثم وبخها بلهجة قاسية
((ولدي عابث وغير مسؤول وأنا أدرى الناس به يا ياسمين لكن أنتِ العاقلة خاب ظني بك كثيرًا، وهل أي مكان يصلح أن تستجيبي فيه لرغباته؟ ألم تستطيعي إخباره أن ينتظر عشرة دقائق مسافة الطريق نحو القصر؟))
وبنفس الملامح المشمئزة استدار يعقوب يتجاوزهما مبتعدا..
بالكاد حافظت ياسمين على توازنها وبدأت تهرول باتجاه معاكس للحاج يعقوب.. باتجاه القصر..
ومَازن الذي يحمل هدى يسير خلفها هاتفا بتحذير وقلق
((لا تركضي حتى لا تقعي أرضا))
وبمجرد أن وصلا لجناحهما حتى اندفعت للداخل أما مَازن فانخفض أرضا يضع هدى بينما يسمع ياسمين تقرعه وهي تقف أمامه مواجهة
((هل أعجبك الموقف المخزي الذي وضعتنا به بسبب عدم قدرتك على كبت لجام نفسك؟ ألم أقل لك أن تتوقف خوفًا من أن يأتي أحد ويرانا؟))
انفلت الكره الذي تحمله ياسمين في داخلها لتجد نفسها ترفع يدها وتهبط بها على وجنته بكل ما تملك من قوة جسدية رغم أنها لم تؤثر به شيئا..
أظلمت عينَا مَازن وقام بصفع وجنتها كردة فعل تلقائية وعفوية.. ورغم أنه لم يودع أي شيء من قوته في يده إلا أنه ألمها إلى الحد الذي جعل وجهها يتحرك للجانب الآخر وقد ترك احمرارًا شديدًا للغاية مكان الصفعة.. هتف مَازن بها بغضب مشتعل بينما يقف باعتداد
((أخطأتُ وانتهى الأمر، لم يكن عليك تجاوز حدودك معي بهذا الشكل أمام ابنتي!))
اتخذ الأمر ثوان طويلة من ياسمين حتى تيقظت لما فعله فاتسعت عيناها مرتجفة تشهد على غضبه لأول مرة بحياتها ثم سالت دموعها بقهر بالغ..
شهقت هدى بوجهها الأحمر عاليا قبل أن تعاود الدموع التجمع في عينيها لتهتف وهي تضرب مَازن بساقه
((لقد ضربت أمي، لقد ضربتها، أنا أكرهك.. أكرهك.. هيا غادر من هنا))
كانت هدى تضرب ساقه بكل قوتها وتحاول جرَّه للخارج مما جعل مَازن يخفض رأسه لها هاتفًا بصرامة وعنف لم تره سابقا منه
((توقفي يا هدى))
تقوست شفتا هدى التي تركته مذعورة فشدتها ياسمين نحوها ثم انخفضت على مستواها تعانق ابنتها وجسدها ينتفض..
لامست هدى وجنة أمها المحمرة تطبطب فوقها متسائلة بصوتها الطفولي المرتجف
((أمي هل تؤلمك كثيرًا؟))
أمعن مَازن النظر في وجه ياسمين ليجدها متورمة وتنزف كأنه ضربها بيد من حديد.. فأخفض بصره إلى راحة يده.. ورغم أن أصابعه الرجولية لم تكن غليظة إلا أن إحداها كان محاطا بخاتم فضي كبير تسبب لها بهذا النزف..
رقت ملامحه وانطفأت جذوة الغضب التي أذهبت بعقله ليبقى الندم على عدم إمساكه لنفسه وصفعها بهذا الشكل! فقال بصوتٍ جعله خشنا يواري فيه قلقه وهو ينخفض إلى مستواهما
((دعيني أرى جانب خدَّك يا ياسمين))
صاحت هدى به بما يعتمل بصدرها من قهر على أمها رادعة والدموع تجري على وجنتيها أنهارا
((ابتعد عنها نحن نكرهك ولا نريد قربك، عد للخارج من حيث جئت))
شدَّت هدى شعره الأملس بيدها الصغيرة الغضة وبصعوبة استطاع مَازن أن يحرر شعره منها وهو يهتف باستنكار
((هل أنتِ عمياء يا بنت؟ ألم تصفعني أمك أولا؟))
ثم أشار إلى ياسمين هاتفًا
((هيا شدي شعرها كما فعلتي معي))
ضيقت هدى عينيها وهي تقول بوعيد
((سأخبر جدي عما فعلته بها))
ما إن همَّت هدى بالابتعاد حتى قبض مَازن على ذراعها يشدها نحوه لترتطم بصدره ويصرخ بها
((إياكِ يا هدى أن يصل ما حدث لجدك))
انتفض جسد هدى قليلا عندما صرخ بها وهي التي لم يسبق وأن صرخ أحد بها من قبل، لكنها تحلت ببعض الشجاعة وهي تعانده بسفور
((بل سأخبره))
أظلمت خضرة عينا مَازن وهو يرفع سبابته ويلوح بها بتحذير
((سأقطع لسانك لو أخبرتِ جدك، أنتِ لم تعودي صغيرة))
هتفت ياسمين بابنتها بحزم وهي تنتزعها من قبضة مَازن
((اسكتي يا هدى ولا تستفزيه أكثر.. آه))
تأوهت ياسمين ألمًا شاعرة كأن سكاكين تغرز بباطن فمها.. وفي غمرة ألمها لم تشعر بمَازن يحمل جسدها المرتعش بين ذراعيه واضعا إيّاها على السرير برفق تام وهو يسمع تأوهاتها الخافتة المكتومة التي تحاول ألا تخرجها..
ازدرد مَازن ريقه قبل أن يخرج ويعود بعد دقائق ممسكا بكيس من الثلج.. اقترب من ياسمين التي كانت متمددة على السرير وتحتضن ابنتها.. ثم حاول وضع الكيس فوق وجنتها إلا أن ياسمين نفضته عنها هاتفة باحتدام
((ابتعد عني))
طفح الذنب على وجهه وهو يناظر وجنتها ذات اللون القرمزي الداكن إلا أنه قال بصوتٍ باطنه الرّجاء
((دعيني فقط أضع الثلج على وجنتك، هذا ليس وقت العناد، ستتحسن كثيرًا))
هتفت به بقهر يتشعشع في داخلها
((لا تتصرف كأنك تهتم بي.. اليد التي تضرب لا يمكن أن تكون هي نفسها من تطبطب))
احتقن وجه مَازن بغضب متقد وبحركة مباغتة فجائية حاول اجتذابها نحو صدره بقوة رغم اعتراضاتها الواهنة والتي سرعان ما أضحت أكثر قوة ونفورا منه وهي تصرخ به أن يبتعد عنها.. فهمهم لها
((أنا آسف يا ياسو لم أكن أقصد))
لكنها استمرت تضرب صدره بقوة تحاول إبعاده عنها هاتفة بصوتٍ يقطر كرها
((ابتعد.. ابتعد.. اتركني.. إذا لم تتركني سأصرخ بأعلى صوتي))
شددّ مَازن من ذراعيه حولها يزيد بقوة من احتضانها علّها تستسلم عندما تشعر بالإنهاك لكنها استمرت بلا هوادة بدفعه عنها حتى ابتعد أخيرًا مستجيبا لها..
ناول كيس الثلج لهدى يأمرها بصوتٍ مجهد وعينين زائغتين
((ضعي يا هدى الثلج على وجنة أمك حتى تتحسن))
أوصد مَازن الباب خلفه مقررا النوم في الخارج في حين احتضنت ياسمين ابنتها غامرة وجهها بها تكتم شهقاتها.. تشعر بدموعها المنزلقة على وجنتها المصفوعة كالمادة الكاوية تسبب لها ألما مبرحا..
لتشعر بكف صغيرة غضّة تتلمس وجهها قبل أن تضع كيس الثلج فوقها..
قبلت هدى وجنة أمها برفق شديد تسبب بتأوه ياسمين التي ابتسمت بوهن لها ثم أخذت بكفّها عن وجهها تقبله بلطف..
=============================
بعد أيام.. في السجن..
بمجرد أن وضعت أصابع الاتهام على شيرين وقد تم نقلها مقيدة إلى أقرب مركز أمني ثم إلى مديرية الأمن صاحبة الاختصاص من أجل أخذ بصمات الأصابع والعيون..
وبعد طول انتظار داخل القفص في المركز الأمني تم اقتيادها مقيدة إلى سيارة الزنزانة والتي لم تكن تصلح لنقل الدواجن ولا المواشي فهي عبارة عن صندوق حديدي مغلق من جميع الجهات بشباك حديدي صغير مغطى بشبكة لا تسمح حتى بدخول الهواء..
بمجرد أن وصلت بوابة السجن الرئيسية تم اعتبارها مجرمة حقيرة لا يليق التعامل معها كإنسانة.. رغم أنها لا تزال موقوفة ولم تجرِ محاكمتها ولم تدان بعد..
اصطفت في طابور نحو غرفة التفتيش والتي تجردت فيها بكل احتقار من معظم ملابسها لفحصها بالأشعة..
تم تسليم كل ملابسها المدنية إلى أمانات السجن بعد وضعها في ماكينة الفحص..
ثم وضعوها في غرفة الإدخال والتي يتوجد بها عشر أسرة مزدوجة أرضي وعلوي وكان يتواجد فيها أكثر من خمسين نزيلة..
لكن تحسن الوضع لاحقا عندما تم نقلها إلى عنبر آخر لم يكن فيه أكثر من خمس نزيلات..
فزفرت نفسا عميقا ببؤس ثم طالعت المكان المقفر بعينيها.. رباه.. هل يعقل أنها هنا منذ أيام!
=============================
سجن النساء..
جاء موعد الزيارة بالنسبة لشيرين وتوقعت أنه قصي فهو الرجل الوحيد الذي يعلم بما حصل لها بجانب أخوالها.. بجانب سهر التي لم تكن تريد منها أن تعلم شيئا لكن اختفائها المريب جعلها تسأل بعض زملائها وأصدقائها في الشركة قبل أن تصل للحقيقة المفجعة..
جلست شيرين منكسة الوجه على المكان المخصص للزيارات ثم أطلقت تنهيدة طويلة قبل أن يقع نظرها على الشخص الذي يجلس مقابلها خلف الزجاج عينين غائرتين مظللتين بهالاتٍ مزعجة.. وما إن أدركت هوية الشخص الذي يقابلها حتى اتسعت عيناها وهي تردد ذاهلة
((وليد!؟ هذا أنتَ!؟ أنتَ آخر من توقعت رؤيته!))
تشدق وليد بتهكم قاتم
((كنت أظن أنك ستكملين الجملة "وأنت آخر من أود رؤيته في هذه اللحظة" لكن الفرحة التي أراها الآن على وجهك لرؤيتي لا تثمن))
نظرت إليه بعينين عاجزتين وهي تهز رأسها بعذاب ثم همست بصوت مُجهد
((وليد هذا ليس الوقت المناسب لكلامك، أنتَ تعرف ما حلًّ بي صحيح؟))
ارتفع حاجبا وليد وهو يقول ببطء
((نعم عرفت أن النيابة زجّت بك خلف القضبان بعدما عجزتِ أن تظهري براءتك في الاستجواب))
عقبت شيرين بصوتٍ خافت مرتجف
((لقد قرروا أن يستمروا بسلب حريتي وتوقيفي دون أمر قضائي بعد أن توافرت دلائل كافية على اتهامي بارتكاب تلك الجريمة خاصة وأن طه لا زال في غيبوبة غير معلوم أجلها))
صمت وليد لحظة وبدأ يتأملها ورغم كل الإنهاك البادي على وجهها إلا أنه أراد أن يشبع هذا الشوق العارم في داخله.. نعم لقد لسماع صوتها المحبب لقلبه.. اشتاق للتمعن بملامح وجهها الزاهي الذي فقد الآن حيويته.. اشتاق لعينيها اللتان بدتا كأنهما لم تتذوقا طعم النوم للحظة خلال ليالي مضنية سابقة، بل حتى أن عينيها الذابلتين بدتا مختلفتين لأنها لا تضع الكحلة الثقيلة التي كانت من طقوسها الدائمة.. فهي تضع الكحلة في كل الأوقات.. في أي ساعة وأينما تريد الذهاب.. وتراه جزءً مهما جدًا مـن جمال عينيها.. فقال أخيرا بصوتٍ فاتر
((رغم يقيني من براءتك لكن رجحان ارتكابك لتلك الحادثة هو احتمال حقيقي حتى لو كان لا يرتقي الى رتبة الاحتمال المنبثق عن الأدلة، ولا أدري كم سنة سيطول أمر بقائك هنا، لكن يجب التحفظ عليك والبقاء في السجن هنا احتياطيا خشية صدور حكم الإدانة ضدك))
أغمضت عينيها للحظات غير قادرة على الرد بعجزٍ قبل أن تقول بصوتٍ مهتز
((غير صحيح أنا متأكدة أن مدة توقيفي لن تزيد عن ستة أشهر وبعدها سيتم الإخلاء عني..))
قاطعها ببرود وملامح جامدة
((وربما يتم إحالتك للمحكمة المختصة لمحاكمتك بإصدار قرار بتجديد التوقيف لأكثر من ستة أشهر))
راقبها وهي تزدرد لعابها بصعوبةٍ تومئ برأسها دون كلام مما جعله يزم شفتيه برضا عن إتلاف أعصابها وقتل أي أمل فيها ليقول بعد فترة صمت بحذر
((شيرين في الحقيقة جئت لأخبرك أني استطعت حفظ واستخراج ذلك الفيديو على الأنترنت الذي وُثق من خلاله حديثي معك عندما وقع الموظف طه من الشرفة))
تدريجيا أشرق وجهها وهي تتساءل بأمل
((ما الذي تقصده؟))
قال لها ببساطة وهو يتململ بجلسته
((ألم أكن أتحدث معك بمكالمة صوتية ومرئية أثناء وقوع ذلك الحادث؟ الفيديو الذي قمت بحفظه يثبت أنك كنت تتحدثين معي أنا وجمان عندما كنت في داخل مكتبك حينما قام أحدهم بدفع طه من الشرفة، كما يثبت أنك عندما دخلتي تلك الشرفة خرج منها شخص يدعى فائق تحدث معك))
بدأ صدر شيرين يعلو وينخفض فرحًا بالفرج قبل أن تقول بارتجاف صوتها وهي تومئ له وقد تذكرت آخر ما حدث معها قبل تلك الحادثة المشؤومة
((صحيح.. نعم صحيح، نعم فائق، فائق.. هو فائق الذي قام بدفع طه لا أنا.. لكنه أنكر تواجده هناك وشهد أصدقاؤه وزملاء معه من بينهم معتز طول فترة الحادثة ولم تجد الشرطة أي تطابق بين بصماته وبصمات الأصابع على ملابس وجلد طه))
شقّ فاهه عن ابتسامة متلاعبة وهو يقول
((لا تقلقي يا كحيلة العينين الفيديو الذي امتلكه هو دليل قوي كما ستكون شهادتي أنا وجمان لصالحك))
سقطت دموع شيرين أنهارا وهي تستبشر
((كنت واثقة أن ظهور براءتي لن يطول فالله لا يخذل محتاج يناجيه))
أظلمت عينا وليد للحظة ثم قال بنبرة ذات مغزى
((ولكن هناك مشكلة قد تمنعني من إبداء شهادتي والدليل الذي أمتلكه))
تخشَّبت ملامح شيرين ليكمل وليد
((لقد سبق ورفعتي عليّ طلب الطلاق، لذا لا يعقل أن أحاول إخراجك من هنا لتستكملي إجراءًت خلعك لي))
اكتسحها غضب لتقول من بين أسنانها
((وليد هذا ليس وقتا مناسبًا لدناءتك، حررني من سجني أولا ثم لكل حادث حديث))
وضع وليد عينيه في عينيها وهو يقول ببرود
((شيرين سأقدم لك عرض الأحلام بما أن إنتقامي منك انتهى وأشعر أننا متعادلان، تنازلي عن دعوى خُلعك لي، تعهدي أمامي بأننا سنعود زوجين طبيعيين محبين كما كان يجب أن يحدث في الماضي.. بالإضافة إلى تسجيل كل شبر من ممتلكاتك ورصيدك البنكي بإسمي لأضمن أنك لن تتراجعي عن العهد الذي ستقطعينه وبعدها لن أتوانى ولو لدقيقة عن إخراجك من هنا))
احتقن وجهها بغضب متصاعد وتقبضت يديها وهي تقول
((أيها الشيطان هل صور لك خيالك الواسع المريض أن جنوني قد يصل إلى الحد الذي يدفعني أن أوافق أو أقبل على نفسي ولو واحدًا من شروطك هذه!؟ سبق وأعطيتك فرصة ثانية وتزوجت منك ليس من أجل والد سهر وحسب بل لأني ظننت أنني سأجد معك حياة زوجية مقبولة في ظل قلة الفرص وندمت، ولن أخوض غمار هذه التجربة مرة أخرى))
أغمضت عينيها متأوهة غير قادرة على السيطرة على حدة انفعالاتها المؤلمة أكثر.. تنهد وليد ثم سألها بهدوء شاعرًا بالتعاطف إزاء قرب انهيارها النفسي الواضح
((للمرة الأخيرة، اختاري السجن أو الشيطان العاشق الذي أمامك والذي سيجعلك تحبينه بقلب الفتاة العشرينية التي كنتيها))
قالت بشبه هيستيريا جذبت انتباه الشرطية التي كانت تقف جانبا
((لن أختارك مهما حدث، أغرب عن وجهي قبل أن أقتلك))
هز وليد كتفيه ثم قال
((على ما يبدو ستبقين طويلًا على ذمة التحقيق وستُودعين ليالٍ طويلة السجن..))
رفع يده ملوحا ببرود مستفز ثم غادر مبتعدا عنها تاركا إياها تحترق مكانها قبل أن يتوقف فجأة ويقول ملتفتا لها
((بالمناسبة.. ليس وليد الكانز من ترفع زوجته قضية خلع عليه.. شيرين.. أنتِ طالق))
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثاني وستون 62 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
ارتدى مُعاذ سترة بدلته العسكرية ثم وضع حزام السلاح الصغير حول خصره.. انتعل حذائه الضخم وخرج من الخيمة المنصوبة الخاصة به في المعسكر.. أشاح برأسه بعيدا وهو يعدل من نظارته الشمسية عندما لاحظ خروج الضابط صقر عن انضباط صفه ويتحدث مع أمرأه.. فتجهمت ملامحه وسار بثبات نحوهم..
بمجرد أن انتبه صقر لاقتراب مُعاذ منه حتى رفع له يده مؤديا التحية العسكرية ثم سارع الاعتذار بارتباك عارم
((أعتذر منك يا سيادة الرائد إنها أختي تعمل معنا هنا لكن بوحدة عسكرية مختلفة وكانت تحدثني بأمر طارئ وسأعود الآن فورا إلى واجبي))
همست أخته له بضيق شديد
((ولكن أنا لم أنتهي لك من سرد..))
حدجها صقر بغضب هامسا
((لاحقا، لاحقا سأتصرف والآن ادعي لي ألّا أُعاقب لخروجي من التدريبات بغير إذن))
ثم رمى مُعاذ بابتسامة متوترة وهو يسارع الانصراف قبل أن يتخذ معه أي إجراء.. لكن مُعاذ استوقفه ليتسمر الأخر مكانه بإحباط شديد.. لا مناص من العقاب على ما يبدو.. التفت بضيق نحوه مُتهيئًا لتلقي عقابه
((نعم سيادة الرائد))
ظلّ مُعاذ على ملامحه المتجهمة ثم قال له بهدوء
((انظر لحاجة أختك لنصف ساعة ثم عد لتدريباتك وأي دقيقة أخرى زيادة عن النصف ساعة ستحاسب عليها))
اتسعت عينا صقر للحظات قبل أن يقول بشكر وعرفان
((شكرا لك يا سيادة الرائد))
التوت زاوية فم مُعاذ بشبه ابتسامة وهو يومئ له برأسه وكان سيمضي قدما في طريقه عندما سمع من جانبه صوتا ساخرا بوقاحة فجّة
(("وأيُّ دقيقة أخرى زيادة عن النصف ساعة ستحاسب عليها"! هل تعتبر نفسك صارما بهذا الشكل يا سيادة الرائد مُعاذ؟ يجب أن يعاقب لأنه غادر موقعه بلا إذن لا أن يُكافئ))
ما إن أبصرت عينا مُعاذ الملازم الأول حمد حتى انفلتت أعصابه وتوجه نحوه بغته يمسكه من تلابيب سترته يهدده دون تحفظ
((لقد تجاوزت حدودك يا حمد، وإن سكت مرة وعشرة لن أتغاضى أكثر من ذلك، لا تمتحن صبري حتى لا أخرج عن طوري معك))
احتقن وجه حمد وكاد يختنق من شدة خشونة مُعاذ في إمساك مقدمة سترته فأفلته الأخر بازدراء حتى تراجع خطوات للخلف واختل توازنه قبل أن يقع أرضًا لاهثا بجنون..
صدح صوت معاذ بصوتٍ جهوري صارم
((أمامك نصف ساعة قبل أن تعود لتدريباتك يا صقر))
أومأ صقر بخوف وما إن غادر مُعاذ حتى أمسك يد أخته يفر من أمام نظرات حمد المرعبة..
كزّ حمد على أسنانه بغضب مستعر.. لقد أمسك نفسه بشق الأنفس عن افتعال مشكلة مع الرائد مُعاذ الذي يظل يقف له بالمرصاد لكن لن يستمر الحال طويلا.. ليهمس بتهديد هيستيري
((بل أنا يا مُعاذ من لن يسكت أكثر من ذلك))
=============================
في الفندق.. ليلا..
حيث يقضي مُصعب ونورين أجمل أيام حياتهم في المدينة الساحلية.. اقتربت نورين من مُصعب الذي كان يأخذ قيلولة وناظرته بوله.. منذ بدئهم هذه العطلة وهو يحرص كل الحرص على إسعادها.. حتى أن وجهها قد ازداد إشراقا بالصحة والانتعاش.. دائما ما يذهلها بلطفه وطيبة قلبه المستمرين بدون أي انقطاع..
مدت يدها برقة لتوقظه لكن تفاجأت به يفتح عينيه فجأة.. شَهقت بخوف وهي تتقهقر خطوات للخلف لكنه أمسك رسغها واجتذبها نحوه فارتطمت فوق صدره مما جعلها تطلق ضحكات منطلقة ومفعمة بالسعادة مغمغمه من بينها ((لقد أفزعتني))
طوقها وجعلها ترتاح فوقه وتتمدد بينما يقول بتلاعب
((أيتها العفريتة دعيني أنام لقد تعبت اليوم))
لامست ذقنه بأناملها وهي تقول له برقة
((لقد أوصلت خدمة الفندق عشاءنا وجهزته فوق الطاولة، استيقظ وانضم لي))
أرادت أن تنهض من عليه لكنه شد ذراعها وغمز لها وهو يقول
((ولكن لدي رغبة في تناول شيء آخر))
تمنعت بدلال مغمغمه
((قم واغتسل ثم دعنا نتناول طعام العشاء))
حرر مُصعب ذراعها ثم نهض من رقوده.. تناول الاثنين بالشرفة تحت أضواء السماء المتلألئة وجبة العشاء الفخم..
ارتشف مُصعب آخر ما تبقى من المشروب الغازي في كأسه لتعرض عليه نورين
((هل أسكب لك كأسا آخر؟))
ابتسم لها وأجابها
((لا فأنا أحاول ألا أحتسي المشروبات الغازية إلا في المناسبات))
((كنت أختبرك ولم أكن لأسكب لك كأسا أخر))
ضحك بخفوت على دعابتها في حين هي تناولت منديلا تمسح يديها ثم وقفت تناظر إطلالة البحر الخلابة التي تطل عليها الشرفة.. الأضواء تتلألأ من بعيد.. مع رقرقة الموج.. وسكون البحر..
شعرت فجأة بمُصعب يخَصرها بذراعيه ويجذبها نحوه معانقا جسدها ويهمس بالقرب من أذنها
((أشعر بالذنب لأن هذا الفندق أقل فخامة من سابقه))
كان يعقد مقارنات بين رفاهية الفندق الذي مكثوا فيه أثناء أيام المؤتمر على حساب المشفى وبين هذا الفندق الذي أكملوا فيه بقية عطلتهم على حسابه الشخصي والذي كان أقل رفاهية.. فاستدارت له نصف استدارة تناظر ذلك البريق الجميل الذي كان يتلألأ في عينيه وهمست
((لا يهم نوع الفندق الذي حجزته، أساسا نحن لا ندخل إلا ليلا، كما أننا بحاجة لكل دينار من راتبك لادخاره لتغيير بعض الأثاث وكماليات المنزل))
أومأ لها وقال بجدية غزت نبرته
((أعرف أني تأخرت بتغيير أثاث المنزل، ولكن أنا شخص من النوع الذي لا يحب أبدًا أن يقترض أو يضغط على نفسه بالأقساط أو حتى أطلب الأموال من والدي))
استدارت كُليا ورفعت يديها لتحتضن وجهه وقالت بفخر
((وهذا ما يعجبني بك على غرار باقي الشباب، إنه شيء مذهل أن تعتمد على نفسك ماديا وتعيش على قدر راتبك دون الحاجة للاقتراض وإغراق نفسك بالديون))
ابتسم لها تلك الابتسامة الخاصة وشرد بعينيه نحو البحر خلفها فتحسست يديها معالم وجهه قبل أن تسمعه يقول
((هل تذكرين الرواية التاريخية التي كتبها ابن عمي؟ كنت قد أرسلتها لإحدى دور النشر المرموقة وقبلوها مرحبين دون أن يعترضوا على أي تفاصيل فيها ويطلبوا تغييرها على غرار دور النشر السابقة.. أنا متحمس لنشرها باسمه))
اتسعت عيناها ببهجة هادرة
((أنت صديق حقيقي، ابن عمك محظوظ بك، فأنتَ لم تدخر أي جهد في الدعاء له والتصدق باسمه بصدقات جارية إلى جانب تحقيق حلمه في نشر هذه الرواية))
رفع كفيه يعانق يديها وهو يقول وشيء من الحزن يعتلي وجهه
((لا أظن أنه كان محظوظ بامتلاك ابن عم مثلي))
ازدردت ريقها قبل أن تقول بتردد
((أنتَ تقصد لأنك قمت بالنهو على شقيقته ضاربا بصداقتكما وقرابتكما عرض الحائط!))
انغلقت ملامحه بشيء من السخرية القاتمة وصحح لها
((قلت لك مئة مرة لا تجلبي هذه السّيرة، وبالنسبة لسؤالك فلا، بل لأنه في ذلك اليوم الذي توفي به، أنا من أرسلته عوضا عني للمزرعة التي حدثت فيها المشادة))
طافت عينيها حول وجهه بانشداه.. وهي ترمقه فاغرة الفاه.. تسبح في عالم آخر..
لقد فتح لها ما في قلبه أخيرًا وعرفت سبب عدم مرونته وتكيفه بعد وفاة ابن عمه.. وشعرت بأكوام من الحزن والعجز تنبثق منه..
الآن فهمت كم كان من عليه أن يتزوج من فتاة تقرب لقاتل صديقه وابن عمه الذي يشعر أنه أخطأ عندما أرسله عوضًا عنه إلى هناك! أخفضت بصرها أرضا وتساءلت بخفوت
((إذن أنتَ تحمل نفسك سبب موته؟))
تنهد مُصعب قبل أن يقول منغمسا أكثر في التحدث عن فقده في الماضي
((من وقت لأخر تداهمني الكثير من الكوابيس التي تدينني في كوني المتسبب في موته، لكن سرعان ما أستغفر الله وأدعو له بالرحمة، مدركا بأن كل ما يجري في هذا الكون هو بمشيئة الله، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يخرج عن إرادته في الكون شيء))
تطلعت لكلامه العاطفي الموزون الذي مس قلبها وأومأت بتأكيد
((نعم عليك ذلك فالقدر كله خير وحكمة وعدل ورحمة من الله سبحانه الذي قضى بتقدير المصائب والبلايا وكل ما يكرهه الإنسان لحِكم كثيرة.. ويحيى سيظل جزءً منك ما حييت، فاعتز بتلك الذكريات))
ثم أخفضت وجهها وشدت على يده المحيطة بها وأكملت بصوتٍ متحشرج
((اتضحت الصورة لي الآن أكثر.. شكرا لك لأنك فتحت لي قلبك بهذا الخصوص.. الآن عرفت سبب إفراطك في النوم في بداية زواجنا.. وسبب مداهمة تلك الكوابيس لك في بعض الأحيان عن يحيى))
رفع مُصعب وجهها بيده وسألها وهو يرفع إحدى حاجبيه
((لا تستخفّي أبدًا بقدرة النوم على مداواة جروحِك.. فهذا العلاج الساحر والبسيط هو ما استخدمته البشريّة طوال تاريخها لتخدير الألم مؤقتا))
ابتسمت نورين بخفة ليتساءل متشككا بضيق
((أكدرت عليك هذه الليلة؟))
نفت بابتسامة مطعمة بالألم
((لا أبدًا.. لا تصدق مقدار سعادتي لأنك بحت لي بهذا الأمر عن أقرب الناس لك))
أرخى مُصعب أجفانه وقال بصوته الحلو الممزوج بشجن الماضي
((كان فعلًا أقرب الناس لي، وأقرب لي من جميع إخوتي.. كان صديقي الذي آتيه بالهم وأعود بالابتسامة، كنت أستمد أشياء كثيرة منه.. رحل فجأة.. ربما رحل فقط لأنه يريد أن يخبرني أن لا شيء يدوم.. صحيح أن الحياة لا تقف على رحيل شخص ولكنها ستمر مؤلمة كنصل سيف يخترق الجسد ويدمي القلب.. كان رحيله نقطة تحول كبيرة في حياتي لم أعد أستطيع الانسجام في الحياة، كل شي أصبح بدون طعم وأصبح مكانا موحشا للغاية وكئيب.. حتى..))
صمت للحظات ثم استرسل وأعينهما تتعانقان بتأثر أعمق
((لطالما آمنت أن غياب يحيى عني لن يعوضه حضور العالم كله.. حتى رأيتك.. بالتأكيد ليس من أول مرة رأيتك فيها بل عندما بدأت تتغلغلين في داخلي.. أنتِ.. وحبك))
سألته بتوهج عاطفي وصوت متحشرج وعيناها لامعتان بالدموع الخفيفة
((حقا يا مُصعب تحبني؟ أنتَ تقولها هذه المرة مختلفة عن أي مرة سبق وقلتها))
مال مُصعب لها يلامس جبينها بجبينه وهو يجيب
((نعم.. ولأنك جئت في وقت رفضت فيه الحب، أحببتك أكثر))
ارتجفت دقات قلبها الحالم النقي..
لطالما ارتعبت من فكرة أنه في الواقع لا يحبها.. من فكرة احترامه لها وحنانه معها نابع فقط من كونها زوجته لا لشيء آخر، وأنه لو تزوج من غيرها لكانت نالت كل ما تناله هي.. فالمبادئ التي يتحلى بها رجل نبيل كمُصعب هي من تحتم عليه معاملة زوجته بهذا الشكل..
لكنه قالها.. أخيرًا..
فطوقت عنقه بذراعيها هامسة وعيناها تنطقان كلماتها معها
((أنا أحبك أكثر))
اشتدت ذراعاه حول جسدها يغمض عينيه لحظات.. قبل أن يبتعد عنها فجأة هادرا بحماس
((بلا مشاعر ولا كلام، سيضيع وقتنا، تعالي لنهبط إلى بركة هذا الفندق))
تنحنحت بحرج وقالت ضاحكة
((انتظر عشر دقائق فقط لأتجهز))
.
.
فناء الشاليه..
جلس مُصعب فيه يتأمل ضوء القمر المتلألئ فوق موج البحر في حين شرعت نورين تسبح وحدها في بركة الفندق التي لا تتجاوز الثلاثة أمتار.. وهي تشعر أنها كطفلة تترنح وتتعثر وتتشبث عندما تشعر فجأة بقواها العضلية تعينها على المشي لأول مرة في حياتها بثقة بنفسها ودون مساعدة من أحد..
لقد أفضت دروس مُصعب التي عانى فيها في الأيام السابقة القليلة إلى تعلمها السباحة دون مساعدته أو الحاجة لقربه.. وربما لم تتعلم بعد تماما لكنها فقط تغالي في تقدير مهارتها..
تذكر أول مرة حاول تعليمها السباحة صرخت فعلًا حين رفعت جسدها فوق المياه بحركة أو حركتين.. لكن استولى لاحقا عليّها إحساس غامر يتكثف بالسعادة..
بعد ساعة من السباحة المتواصلة خرجت نورين من البركة فمد مُصعب لها منشفة وسألها
((هل أطلب من الخدمة نوع معين من الوجبات الخفيفة؟))
أجابته وهي تحيط المنشفة بها
((أريد عصيرا مثلجا وحسب))
طلب مُصعب عصيرا لكليهما وقال لها مقترحا
((أفكر غدا في الصباح أن أستأجر دراجة مائية ونقودها في البحر الواسع، لقد اكتفينا من تجريب دراجتي النارية في مزارعنا))
كانت تريد أن تصرخ بحماس لاقتراحه إلا أنها شعرت بشيء يتقلب في معدتها فرفعت يدها تغطي فاهها فسألها مُصعب بقلق
((هل أنتِ بخير؟))
قالت له بقليل من الإعياء
((لا أدري سبب هذا الدوار المريع الذي يجتاحني أحيانا منذ أن وصلنا إلى هنا، هل هو دوار البحر أو ما شابه؟ لكنه غريب فأنا أشعر به حتى عندما أكون في شُرفتي وأناظر البحر))
قال مُصعب بنبرةٍ بدت رغم خشونتها.. مرتجفة بعض الشيء
((نورين اصعدي قليلا فوق وسألحقك بعد قليل))
عبست ملامحها متذمرة
((لكن ليس لدي أدنى رغبة في ترك الشاليه، فأنا أحظى هنا بوقت سعيد معك))
أخبرها بجدية تعتريه وهو يهم بالمغادرة متعجلا
((سأذهب لشراء أي شيء يخص فحص الحمل وأعود يا نورين لجناحنا في الفندق))
.
.
بعد وقت..
خرجت نورين وقالت بهدوء
((أنا حامل بالفعل))
تجمدت أطرافه عند الباب والتفت كالمنحوتة الحجرية يطالعها.. ثم تقدم نحوها مشدوهًا مما سمعه وتساءل
((إذن كنت محقا بتخميني قبل قليل؟))
طاقة هادرة من السعادة اندفعت في جسده كالدماء ليفقد زمام سيطرته على نفسه ويخطف مرفقها بقبضته لتتأوه..
انفرجت ملامحه عن ضحكةٍ صغيرة ثم انتفض مكانه يحملها بين ذراعيه غير آبه لشهقتها وبدأ يدور بها الغرفة بكل أرجائها.. بدا كأن قلبه يدور معه ويضحك له وعليه قبل أن تصرخ من بين ضحكاتها المنطلقة
((توقف يا مُصعب، أنزلني أرجوك أنزلني، الدوار الذي يجتاحني بدأ يتصاعد وقد..))
توقف مُصعب على الفور وانتابه القلق قائلًا
((لا أرجوكِ ليس هنا، سأذهب بك للمرحاض))
((لا بأس أنا بخير، أنا بخير، أوصلني للأريكة فقط))
استجاب لها وأراحها فوق الأريكة وبدأ يغرق بشرتها بقبلاته الكثيرة.. تساءلت حالمة
((ماذا تتوقع أن يكون جنس الجنين؟ الذي فقدناه مرة كان ذكًرا))
أجابها بعاطفة صادقة عقب أن لثم جبينها
((ما يهم هو أن يأتينا بكامل صحته وعافيته.. لا تصدقين مقدار سعادتي رغم رغبتي الحقيقية في أن نعيش بلا مسؤوليات أو أطفال لمدة أطول))
شهقت فجأة واتسعت عيناها كمن تذكر شيئا ثم قالت برجاء رقيق
((لكن لا تخبر عائلتك عن حملي الآن لأنهم لو عرفوا سيصرون عليك أن نعود حالا وأنا لا أريد أبدًا أن نقطع هذه الإجازة لأي سبب))
تشدق مصعب بما يشبه الدعابة
((ولكن بقي لنا يومين هنا))
ناغشته ردًا وهي ترفع يدها كي تلامس ذقنه
((لا أريد أن نفوت أي يوم من إجازتنا))
قهقه بانطلاق وقال وهو يقرص جنتيها
((حسنا لا بأس، ولكن عليك أن تكوني أكثر حذرًا يا نورين وألا تكوني بمثل تهورك في فترة حملك السابقة))
=============================
في غرفة المعيشة..
كان الحاج جالسا بين أحفاده اللاهين بلعبهم من حوله مشغول البال لا يعرف بأي مشاكل أبنائه عليه التفكير..
لكن أكثر من كان يشغله هو مُؤيد ومصيبة زوجته!
لا يصدق أن ابنه الأرعن طلق زوجته..
لقد أخطأ في السنوات الأخيرة بالتجاوز عن تفكير مُؤيد صعب المراس وتصرفاته الهوجاء ليصل به أن يدمر عائلته بسبب تفكيره الذكوري المتزمت!
عليه أن يجبره على إعادة زوجته بل والاعتذار لها ثم التعهد على عدم نطق كلمة "الطلاق" مجددا على سبب تافه كالسبب الذي طلقها من أجله..
تيقظ يعقوب من دوامات تفكيره على صوت باسم البريء وهو يشد ثوبه هادرا
((جدي يزيد يبكي منذ ساعات لأن أمي غادرت ولم تعد بعد))
تطلع يعقوب لحفيده بتجهم ثم غمغم
((عجيب أمره، إذا كنتما الاثنين لم تحزنا على مغادرة أمكما!))
ابتسم فهد وقال باعتزاز وفخر طفولي
((أنا وفهد معتادان على ذهاب أمي لعائلتها كل فترة لأيام وعودتها لنا محملة بالألعاب والهدايا والحلوى والشكولاتة، أما يزيد فهو حزين لابتعادها لأنها هي من كانت تقوم بإرساله إلى أمه.. آه))
بتر فهد كلامه متأوهًا بألم عندما لكزت دارين كتفه موبخه بصوتٍ خافت
((اسكت يا فهد الأحمق))
أنّبها جدها هادرا باستخفاف
((هل تظنين يا دارين أني غافل عن لقائه خفية بأمه؟))
طفح الندم على وجه دارين وتمتمت بحنق وهي تشير بيدها ليزيد الجالس وحيدا بالزاوية
((هل كانت هناك أي طريقة لإيقاف بكائه غير هذه يا جدي؟))
نست زاهية مصيبة ابنها مُؤيد وطالعت حفيدها الذي لم ينضب دمعه لتتوجه نحوه هاتفة بألم بالغ
((توقف يا حفيدي الغالي عن البكاء))
مدت زاهية يديها المرتجفتين وأخذت تمسح دموع يزيد المنهمرة من فيض اشتياقه لوالديه ثم عانقته تطبطب فوق ظهره قبل أن تمسكه من ساعده وتحثه على الجلوس معهم..
استجاب يزيد لها وسار خلفها فهدرت دارين لجدها
((كان يزيد يقول لي من بين بكائه المستمر أنه لا يفهم لما تكرهانه حتى الآن!))
اخترقت هذه الجملة زاهية فسألت يزيد بصدمة ممزوجة بالألم
((ألا زالت تلك الأفكار تقبع في داخلك! أنا وجدك لا نحب أحدا مثلك، إيَّاك! إيَّاك أن تظن العكس))
غمغم يزيد بوجهه المحتقن بالدموع
((لكن كنتما ترفضان أن أمضي وقتي مع أبي والآن ترفضان أن أرى أمي أيضًا.. أنا أشتاق لهما، لا أفهم ما الخطأ الذي قمت به لأحرم منهما!))
ثم تطلع يزيد ليعقوب مستنجدًا وعيناه تغيمان ببراءته الفطرية
((جدي أرجوك! سأظل أناديك بجدي لكن أرجوك اسمح لي برؤيتهما من وقت لآخر))
ارتجفت أنفاس يزيد ترقبًا بأفكاره التي لا تنتهي برأسه الصغير لرد جده الذي تأثر بكلامه فاحتضنته جدته نحو صدرها لتشعر بدقات قلبه السَّريعة.. ثم مدت يدها الأخرى إلى ذراع زوجها كأنها ترجوه بلا كلام أن يستجيب لرغبة حفيدهما..
ابتلع يعقوب غصة مبعدا ذراع زوجته ليرد بنبرة خافتة تخفي كل ما يشعر به من احتراق
((اذهبي يا دارين لعمك مَازن الآن واطلبي منه أن يتصل بمَالك ليحضر الآن للمنزل))
.
.
لم تكن قد مرت ثلث ساعة وقد طرق أحدهم مجلس الرجال الذي جلس فيه الحاج يعقوب.. سمح يعقوب للطارق بالدخول فدلف مَالك منه يتمتم بوهن
((السلام عليكم يا أبي، مَازن قال لي أنك طلبت مني أن أعود للبيت))
رفع يعقوب وجهه لابنه الذي أوصد الباب خلفه ووقف أمامه بكل هيأته الرجولية.. كانت ذقنه غير حليقه مما أعطاه مظهرا برّيا.. وجهه أكثر نحولا وشحوبًا يبدو عليه الإرهاق وقد أحاطت هالات سوداء عينيه..
رقَّ يعقوب قلبه له للحظة إلا أن عينيه أبت الاعتراف وهي تسدل ستارها على تلك المشاعر القوية التي ظهرت رغما عنه في لحظه خاطفة بينما يشير له بصمت أن يجلس بجانبه.. ثم نظر له بملامح جامدة قائلًا
((اليوم جاءني جارنا أبا أحمد واثنين من الجيران يطلبون مني أن أصفح عنك لزواجك من غير علمي))
اتسعت عينا مَالك وأخذت الدهشة منه كل مأخذ متسائلا
((ولكن.. كيف عرفوا؟))
أجابه أباه بنفس ملامحه الثابتة
((أخبرني أبا أحمد بأن ابنه يُدرس يزيد وبمجرد أن قرأ اسمه كاملا من أول مرة حتى عرف ذلك))
اضطربت حدقتي مَالك وهو يقول بشرود مرتبك
((نعم أحمد يعرف ذلك، وتحدث معي عن الأمر بصدمة، فاعترفت له أني والد يزيد وتوسلت له ألا يخبر أحدًا لأن لا أحد من أفراد عائلتي لديه علم))
أظلمت عينا يعقوب وهو يقول باستدراك غاضب
((هذا يعني أن جميع أساتذة قريتنا الذين سبقوا ودرسوا يزيد على علم بهذه الحقيقة وجميعهم أخبروا أقاربهم وعائلاتهم.. بل وقيل لي بأن والدة سمية أخبرت بعضًا من جاراتها أن زوج سمية الثاني الذي تزوجته خارج القرية وسافرت عنده ما هو إلا مَالك الكانز.. لكنهم كانوا يخشون ذكر هذا الأمر فيما بينهم حتى لا ينتشر ويصل لي الخبر، وأعرف بأن ابني يستغفلني ويقلل من قيمتي أمام الناس ويكسر هامتي!))
رد مَالك بسرعة نافيا والذنب يتجلى على وجهه المنهك
((أبي حاشا أن تُكسر هامتك..))
نظر يعقوب صوب عيني ابنه بكل ما يحمله من قوة ثم انطلق لسانه يصفعه بالحقيقة مقاطعًا إيّاه
((لقد كُسرت وانتهى الأمر.. هل تعرف كيف كان منظري أمام ثلاث من وجهاء القرية وهم يخبرونني أنهم لاحظوا إقصائي لك من القصر وجميع المناسبات التي تحدث هنا وبالتالي فقد أدركوا بأني عرفت حقيقة زواجك! طلبوا مني أن أسامحك وأتقبلك أنتَ وزوجتك ويزيد، فأنتَ لم تخفِ الحقيقة عني إلا خوفًا من رفضي زواجك من بستانية تعمل عندنا.. إنهم يعتقدون أني رجل متكبر أرفض أن أزوج أولادي لنساء من عائلات أقل منَا))
صمت يعقوب قليلا قبل أن يسترسل بقسوة
((تبا لك يا مَالك.. تبا لك يا مَالك.. أنا من أسمع مثل هذا النوع من الحديث في كبَري هذا! سامحك الله وهداك.. سامحك الله وهداك.. لن أدعو عليك أكثر من ذلك.. لو أخبرتموني عن زواجكما الأول منذ البداية لأعلنته وباركته لكما، ولم أكن لأقصر تجاهكما بشيء.. لكن أن تخفوه طوال هذه السنوات هو أفظع من أن أستطيع تقبله!))
همس مَالك بيأس
((أبي أرجوك سامحني، أنا أعتذر لك عن كل الحماقات التي بدرت مني وقبلها أعتذر ليزيد لأني أدركت أنه هو أكبر من أذنبت بحقه فعلًا، لو عاد بي الزمن لم أكن سأخفي حقيقته عنكم.. كنت سأكافح حتى لا يتم انتزاعه عن سمية لكن بنفس الوقت لم أكن سأقبل أن أخفيه وأحرمه من التمتع باسم عائلته علنًا))
ردد يعقوب بازدراء
((في السابق أخبرتني بكل فجاجة أنك لست نادمًا ولو عاد بك الزمن لما كنت ستغير شيئا فعلته))
ذرفت عينا مَالك دموعًا حارقة وأحنى رأسه بخزيٍ ضارعًا
((لقد كنت مخطئا تماما يا أبي))
في هذه الأثناء ُطُرق الباب ثم فتح قبل أن ينتظر الطارق الإذن بالدخول ليتضح أنها زاهية التي تقدمت للداخل تجلس بجانب زوجها الذي قال بهدوء
((حسنا، ندمك جيد ويخفف من سخطي عليك، فحب الآباء للأبناء حب غريزي عظيم لا يضاهيه حب، لأنّه قائم على الرعاية والاهتمام والإيثار.. الأب والأُم لا يترددان لحظة في افتداء أبنائهم بأنفسهم وأرواحهم.. لكن ما فعلته يا مَالك هو شيء ينافي كل مفاهيم الأبوة.. أنتَ كنت أكثر من ظلم وأضرَّ ابنك وأنت تجعله يعيش بهذا الشكل، لكن بعد كل شيء ندمك هذا ليس كافيًا لمسامحتك رغم أني مضطر الآن أن آمرك أن تتزوج من سمية وتجلبها إلى هنا اليوم قبل الغد))
عقب مَالك بلهفة بائسة
((ماذا تقصد يا أبي؟))
أجابه يعقوب بامتعاض ظاهري لا يخلو من الرزانة
((الجيران والوجهاء يعتقدون أنك لا زلت متزوجا سمية ولم تطلقها بعد وتنتظر رضاي عنك حتى تعلن الزواج، وأنا لم أصحح ظنهم الخاطئ، خشية لو عرفوا بأمر الطلاق أن يسيئوا الظن..))
اتسعت عينا مَالك وفغر فمه بينما يسمع أمه تقول بصوتٍ فاتر أجوف
((إيّاك أن تظن يا مَالك أننا راضيان عنك أو عن تلك البستانية لكن كله يهون لأجل يزيد.. لا أريد أن يشك أحد لا سمح الله أنه جاء بالحرام والعياذ بالله أو حتى بزواج عرفي.. بل جاء من زواج صحيح شرعا وقانونا وبعلم عائلة سمية))
زمّ مَالك شفتيه المرتجفين وهو يناظر أمه ويمعن النظر في وجهها المحبب لقلبه لأول مرة منذ وقت طويل فتترقق ملامحه وتوهن.. على الأقل سمية كان يراها بين الحين والآخر أمّا أمه فلم تكن تخرج من البيت ليتاح له رؤيتها..
انتبهت زاهية التي أصرت منذ دخولها إلى هنا أن تضع قناع القسوة إلى تحديقه بها بألم واعتذار لتفاجأ بعينيه تدمعان.. فذهلت ملامحها وهي ترى ابنها يجثو أرضا أمامها ويمسك كفيها.. سائلًا بيأس
((أمي أرجوكِ سامحيني، لن أتحمل غضبك أكثر من ذلك.. لم أصدق كيف مرت تلك المدة عليّ بدون ردك على اتصالاتي أو الاطمئنان عليّ.. أمي أنا لست معتادا على قسوتك أبدًا عليّ.. أرجوك سامحيني وارضي عني))
كانت هي المرة الأولى التي تراه في تلك الحالة المزرية... بكاؤه انتزع روحها من جسدها وطعنها في صميمها.. كلماته المرتجفة وأنفاسه التي زرعت البرد في عظامها أفزعت قلبها.. فلم تقدر أن تداري تأثرها واحتوته بين أحضانها بلا مقدماتٍ ومسدت على رأسه بحب جارف قبل أن تريح أصابعها فوق ظهره.. تهمس بصوتٍ مرتعش حنون أضعف من أن يقسو
((ليرضى الله عليك أنتَ وكل إخوتك))
عند هذه الكلمات اعتصر جسدها ودسّ وجهه بين ضلوعها.. وتساقط دمعه الحارق على ثوبها..
رفع رأسه من بين أحضانها ومازال جسده يلتمس منها الرضا
((أنا أحبك يا أمي فليحفظك الله لنا جميعا أنتِ وأبي))
ابتسمت زاهية له تزامنا مع دخول يزيد المجلس والذي ما إن لمح مَالك حتى هرع إليه راكضا بهتاف لهف مشتاق
((أبـــــي أنتَ هنا))
اندفع يزيد نحو أحضان مَالك الذي فتح له كلتا ذراعيه ليعانقه بحرارة وقوة عاطفته الأبوية بينما يسمعه يقول من بين بكائه
((أبي لقد اشتقت لك ولأمي))
شددّ مَالك من ضم يزيد وبكل قوته حتى آنّ طفله من الضغط على عظامه.. لكن كان قد اشتاق هو الآخر له كثيرًا.. لم يغب عنه يومًا بمثل هذه المدة.. شهقة مختنقة صدرت منه فابتعد عن يزيد.. مسح دموعه عنه بينما فَرَدَ صغيره كفه الغضة على وجهه بحزن وقال بابتسامة تضج ألم
((اشتقت لك أكثر))
بالكاد منعت زاهية دموعها من الانزلاق على وجنتيها وهي تقول بشرود
((انكشاف الحقيقة هي ما جعلتنا نفهم سبب معاملتك ليزيد أفضل من أولاد مُؤيد.. كم كان مؤلمًا عليك أن تعاني من أجل تمضية الوقت معه وإشباع أبوتك!))
أجلس مَالك يزيد على حجره ورفع وجهه لأمه يعقب بصوتٍ أجش
((كنت أكره أن أتعامل بحنية مع أي طفل لأني كنت أرى أن فاقد الشيء لا يعطيه.. وإذا كنت أحرمُ ابني من حناني ورعايتي وعزوة عائلته فلا يحق لي أن أعطيها لغيره))
غمغمت زاهية بحزن
((سامحك الله يا مَالك لو أنك لم تخفي الحقيقة لما كنت ستتسبب بألم لأحد))
ثم ناظرت يزيد تتساءل بعتاب رقيق
((هل قلّ كرهك يا يزيد لي أنا وجدك؟))
رد يزيد بتسامح وبراءة
((أنا لا أكرهك، أحيانًا تكونين قاسية لكنك تظلين والدة أبي))
نظرة تأثر عاطفي تجلّت في عيني زاهية وهي ترد بحنو
((حفيدي، يزيد أنتَ حفيدي الغالي))
فجأة أبعد مَالك يزيد عنه وانتفض واقفا يقول وقلبه يتراقص كقلبِ صبيٍ حديث في الحب
((أبي قبل أن يتأخر الوقت، سأذهب لأجر سمية الآن للمحكمة لنعقد القران.. سيذهب معي مَازن كشاهد.. ممممم ومن أيضًا سأصحب معي فباقي إخوتي ليسوا هنا.. حسنا إذن سأتحدث مع صديقي))
كان منظر مَالك مضحكا وهو يحدث نفسه قبل أن يغادر المجلس بينما طالع يعقوب زوجته قائلا بازدراء وسخط
((هذه هي أُبوة ابنك يا زاهية! لم يجلس مع ابنه إلا دقيقتين وسارع كالخروف يركض نحو نعجته))
=============================
منزل عائلة رتيل..
أطلقت رتيل الجالسة في غرفتها زفيرا بائسا.. لطالما ظنت أن علاقتها بغنوة هي علاقة مغلفة بقضاء أوقات ممتعة ولم تتصور أنها ستكون أول من يضرها بهذا الشكل بعد أن جمعتهما الثقة والاحترام.. تلك الكلمات التي قالتها غنوة لمُؤيد عن عشيقها المزعوم كانت كأحجار تلقيها على رأسها..
هل يمكن أن يقذف أحد آخر بشرفه وعرضه باطلا فقط لأجل حفنة من النقود؟
لقد أخطأت بكل ما كانت تفعله.. خطأها كان من العيار الثقيل! إذ منحت غنوة الأمان وأطلعتها على أسرارها حتى الزوجية منها دون الانتباه الى أنها حولتها إلى أداة لتهدم بها بيتها.. والآن خسرت كل شيء.. زوجها.. أولادها.. حياتها..
أغمضت عينيها وألم مبرح يداهمها.. لقد اشتاقت حقا لأولادها المساكين ولم تراهما منذ مدة طويلة.. ماذا يا ترى يفعلان الآن من دونها؟
تمنت لو أنها تنام لأعوام وحين تستيقظ يكون الألم الذي يعتصرها قد زال والمصيبة التي تحيطها قد تلاشت كأنها لم تكن..
في هذه اللحظة داهمتها طرقات عنيفة على ظهر بابها بينما أخوها يصرخ
((افتحي يا رتيل الباب، افتحيه الآن قبل أن أقتلك))
هتفت به رتيل بعصبية ورفض
((لماذا تصرخ؟ أنا لم أكن لأفتح الباب لك بالوضع الطبيعي فكيف تريدني أن أفتحه وأنت تصرخ بهذا الشكل العدواني!))
صدح صوت أخيها الآخر يقول بغضب مستعر وتهور
((لقد عرفنا أيتها الحقيرة لماذا أنتِ هنا.. لقد طلقك زوجك))
لطمت والدة رتيل على صدرها وهي تولول
((والله كنت أعرف أن بقاءها هنا منذ أيام طويلة ليس زيارة كما قالت فزوجها لا يحبها أن تخرج من البيت، كما أنها لو كانت زيارة لماذا تختبئ منذ وقت طويل في غرفتها ولا تخرج!))
صرخ الأخ الثاني في رتيل وهو يضرب الباب بعنف أشدّ
((افتحي الباب هيا يا رتيل لأشرب من دمك))
شحب وجه رتيل وانهار جسدها ارتجافًا وهي تسمع صوت تهديدات من كل من أخويها.. لا بد أنهما عرفا عن التهمة التي رمي بها شرفها زورا وبهتانا! فكيف سيصل لهما خبر طلاقها دون قصة عشيقها المزعوم! حانت نهايتها وها هي تعيش آخر لحظات حياتها!
قاطعت أمها ولولتها وهي تهتف لابنها متسائلة
((ماذا فعلت ابنتي لتستحق الطلاق؟ ماذا فعلت؟))
أجاب الأخ الأول بغضب
((لا ندري يا أمي، سألنا مؤيد عن السبب الذي أخبرتنا رتيل به عن طلاقها لكن عندما عرف أن لا علم لدينا بشيء طلب رؤيتنا للتحدث معنا))
هدأ شيء من روع رتيل المذعور وقلَّ ارتجافها! إذن مُؤيد لم يخبرهما بعد بما يظنه عنها..
سارعت الأم تقول بلهفتها وحرقتها
((هيا اذهبا الآن له وحاولا إقناعه أن يردها مهما كان السبب وأنا من سأربي أختكما وأستدرجها أن تقول حقيقة الطلاق..))
بترت الأم كلماتها وهي تستدرك بحيرة من الجلبة التي تصدر من داخل الغرفة
((ما هذا الصوت؟ ماذا تحركين يا رتيل في الداخل؟))
رغم ارتجاف أوصال رتيل إلا أنها أجابت
((أحرك الخزانة لأضعها خلف الباب.. عندي حمام مرافق لهذه الغرفة وطعام يكفيني لوقت جيد، فلا يحلم أحد أن افتح هذا الباب.. سأكافح لإنقاذ حياتي لآخر لحظة ممكنة))
بدأت رتيل تلهث وهي تبذل كل قوتها في تحريك الخزانة أما أمها قالت بعذاب وحسرة
((هيا قولي يا رتيل ماذا فعلتي ليطلقك زوجك؟ قولي))
لم تجبها رتيل وكل تركيزها منحصر في وضع الخزانة ومن ثم منضدة زينتها خلف الباب.. وبمجرد أن انتهت حتى وقفت مكانها تنهت بجنون وتمسح العرق المتفصد على جبينها..
هذه الحركة ستؤخر إخوتها لعدة ساعات قبل أن تلاقي حتفها على أيديهم.. فلا بد أن زوجها مُؤيد الحقير لن يوفر شيء عنها بالإضافة لتلك الأكاذيب التي قالتها غنوة ودموع له! ولكن هل حقا ستظل هنا تنتظر مصيرها الوشيك المظلم أم عليها أن تفعل شيئا آخر؟ الهرب ربما؟
هزت رتيل رأسها نافية..
لا، الهرب لا..
أن تموت على يدي أخويها هنا بسلام أفضل مئة مرة من هروبها وانتشار الفضيحة والأقاويل عنها والتي ستوثر مباشرة على ولديها!
عليها أن تدعهما يقتلاها بهدوء فلو انتشر الخبر أول ما سيقال لطفليها هو أن خالهما غسل عار أمهما!
أغمضت عينيها وازدادت الرجفة التي تهاجم جسدها..
رباه كم هي خائفة من مصيرها الذي ستلقاه بعد أن يعودا الاثنين من عند مُؤيد..
لكن فجأة لمعت القسوة في عينيها وأحضرت كرسيا وتضعه تحت النافذة.. استقرت قدماها فوقه وأخرجت رأسها من النافذة وبمجرد أن لمحت أول صبي تعرفه يمر بالطريق حتى هتفت باسمه ليأتيها مسرعًا بتساؤل
((نعم يا خالة رتيل؟ ماذا هناك؟))
قالت رتيل بلهفة وهي تفتح هاتفها
((أعطيني الآن حسابك على الفيس بوك، هيا أعطيه لي))
رغم تعجب الصبي إلا أنه أعطاها ما تريده بينما تتابع
((الآن أريد منك أن تطبع هذه الرسائل التي أرسلتها لك كاملة ثم تذهب لبيت عائلة زوجي في القرية المجاورة، وتبحث عن الحاج يعقوب الكانز وتعطي ما طبعته له وتخبره أن هذه هي فضائح ابنه، أريد منك أن تتأكد أنك ستسلمها له، عليه أن يعرف حقيقة ابنه الوضيع))
أخرجت رتيل من محفظتها مبلغا سخيا لا يحلم به صبي بعمره وقدمته له متسائلة
((هل يمكنني أن أثق بك؟))
تناول الصبي النقود من رتيل وخبأهم في جيبه ثم هز رأسه بجدية وحزم قائلا
((صدقيني لن تندمي أبدًا على اختياري لهذه المهمة يا خالة رتيل))
غادر الصبي وعقدت رتيل حاجبيها بغير ندم.. النذل مُؤيد لن يدور في باله أن تفضحه لو عرف.. لكن بما أنها خسرت كل شيء فلتمشي على سياسة "عليّ وعلى أعدائي"..
=============================
خرج وليد من المحكمة بعد أن ثبت طلاقه لشيرين.. على الدعوة أن تصل لها وتعرف أنه جاد بتهديده.. على عدتها أن تمر دون أن يردها وهي من عليها أن تتوسل له العودة..
استقل وليد سيارته وفتح هاتفه يناظر صورة زفافه مع شيرين المفضلة له والتي دائما ما تنجح في التغلغل إلى قلبه وتترك ديمومة في ذاكرته..
أمعن النظر في وجهها.. عينيها.. الأهداب الطويلة شديدة السواد.. لعيني شيرين الكحيلة لغة خاصة لا يفهمها إلا رجل عاشق لها.. وهي تعرف ذلك جيدا بل تزهو به وتفتخر بذلك فلا تدخر جهدا في تكحيل عينيها وإطالة أهدابها..
قاطع جلسة تأمله اتصال صاحبته كانت جُمان..
رد عليها فجاءه ردها اللهف بالعتاب على تجاهل مكالمتها فأطلق تنهيدة طويلة ضجرة قبل أن يقول
((قريبا سأحظرك يا جُمان، لم تتصلي بي بفترة زواجنا التي امتدت لعشر سنوات بقدر ما اتصلت عليّ مؤخرا من أجل شيرين))
هتفت به جُمان باستنكار متجاهلة سخريته المقيتة
((وليد أنتَ تحتفظ بذلك الفيديو ودليل براءة شيرين، لماذا لا تقدمه للعدالة؟ المرأة ستقضي حياتها لسنوات في السجن إذا لم يتم تبرأتها..))
همهم وليد بلامبالاة قبل أن يرد ببساطة
((لقد كنت في زيارة عندها سلفا وتحدثنا قليلا وبعدها قررت ألا أقدم هذا الدليل أو شهادتي))
استهجنت جُمان ما سمعته لتردد
((ما الذي قد يجبرك ألا تقدم شهادتك؟))
استهزئ وليد هادرا
((خففي من انفعالك يا جُمان فأنا لم أراك بهذا الشكل من قبل، ظننت أنك لن تبالي بمصير المرأة التي جعلت من كان زوجك يتركك لأجلها!))
هتفت به بانفلات أعصاب
((تبا لك ولها أنا لا يهمني شيء إلا أن هناك امرأة تقبع في السجن وأنا شاهدة على براءتها، وأريد منك أن تشهد معي بذاك الفيديو))
همهم وليد مُجددا للحظات طويلة يستمتع باستفزاز جُمان قبل أن يجيبها
((ساومتها على الدفاع عنها وإخراجها مقابل أن تتنازل عن دعوى الخلع ونعود لبعضنا كزوجيين ورفضت، لذا لن أفعل شيئًا يساعدها في الخروج))
هتفت به باستهجان عارم
((إذن هل ستدعها مسجونة لأنها رفضت العودة لك؟))
زفر وليد بضجر قبل أن يقول
((لا تقلقي.. بعد مدة سأعود للبلاد لأنقذها وأخرجها من هنا.. سيكون مدة وجودها هنا كفيلة بترويضها وخضوعها لي آنذاك، طبعا هذا لو بقيت على حبها بعد سنوات!))
شهقت جُمان بعمق صدمة مما يتفوه به
((أنتَ لست وليد الذي أعرفه، لم أكن أتخيل أن هناك شيطان يقبع داخلك))
تمتم وليد ببرود
((لطالما كنت هكذا..))
((ولكن أنا لن أسكت يا وليد، سأخبر عمك كل شيء وسأفضحك بكل مكان، على الجميع معرفة أيَّ شيطان أنت))
رد وليد بتلقائية
((لا أبالي فأنا سأسافر قريبا لفرصة عمل متاحة لي))
شعرت جُمان في هذه اللحظة أن مشاعرها تغلي على مرجل مشتعل.. وبالكاد تحافظ على الباقي من سلامتها العقلية.. فغمغمت
((هل تعرف شيئا يا وليد؟ أنا أعتذر لمغادرتي لك دون ترك كلمات تحرق روحك بشكل كافي، أنا نادمة لأنني غادرتك بِلُطف))
أغلقت جُمان هاتفها فأخرج وليد صوتا هازئًا قبل أن تتلاشى ملامح الاستمتاع من على وجهه وتكتنفه الجدية.. عليه أن يسرع في الرحيل.. عليه أن يتأكد من سلامة حياته قبل أن يعود لشيرين فحتى لو قدم دليل براءتها لن تخرج من هنا بسرعة!
=============================
انتهى الفصل.