تحميل رواية «قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة"» PDF
بقلم Hya Ssin
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بسم الله الرحمن الرحيم وأهلا وسهلا بكل رواد روايتي الكرام.. عدت من جديد برحلتي الثالثة مع روايتي الجديدة "فِي قَلْبِكَ مَنْفَايَ".. التي أتمنى أن تنال إعجابكم وكلي يقين بأن الأمر لن يكون سهلًا.. فكلما زاد رصيد المرء في قراءة الروايات كلما ارتقى ذوقه وأصبح إرضاؤه صعبًا.. ومن ترضيه في البداية روايات بسيطة لتمضية الوقت ستعجز عن إرضاءه لاحقًا تسع روايات من كل عشرة يقرأها.. مَنْفَايَ أَنْتَ وَمَنْ سِوَاكَ يُعِيدُ لِي رُوحِي؟ وَمَنْ ذَا عَنْ جَفَاكَ يُصَبَّرُ؟ انت وطني : انتَ منفاي انتَ كل اﻟﺎشياء الت...
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الحادي وثلاثون 31 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
طلب يزيد من والدته أن يتصفح صوره القديمة فلبت طلبه وعرضت كل الصور أمامه.. بمهارة طفل وخفة استطاع أن يسرق البوم صور له ويغادر متعذرا بأنه اكتفى من الاطلاع على هذه الصور.. تاركًا أمه تطالع بشجن الصور وحيدة قبل أن تقع بين يديها صورة قديمة لها فتلتقطها بأصابعها.. فتبدأ تتكالب عليها ذكريات الماضي لتنهش بقسوة شيء من قلبها..
رحلت ذاكرتها للماضي.. إلى ما قبل سنين..
بعدما تطلقت من زوجها الأول كامل وفقدت طفلها منه..
مرت لأشهر بوقت عصيب جدًّا.. ما بين كآبة وانهيار..
والدها قد توفي حديثا وأمها المريضة تبذل جهدها لمواساتها دون فائدة..
صرخت فجأة وهي تتهالك أرضا لتسارع والدتها بلحاقها.. فتجدها تكشف قميصها عن ظهرها لتفهم أمها أن سبب انهيارها وبكائها المفاجئ هو ملاحظتها بأن الطفح اليوم انتشر على ظهرها أكثر مما سبق..
بدأت أمها تبكي لبكاء ابنتها الوحيدة وهي تراها في حالة انهيار تام بعد طلاقها.. شكت إلى الله بينها وبين نفسها جور العباد.. ثم تمتمت بصوتٍ متحشرج
((انسيه يا سمية.. انسيه.. لقد طلبتِ الطلاق منه وأصررتِ عليه فتحملي مسؤولية قرارك..))
قالت سمية من بين بكائها بصوتٍ متقطع النبرات
((لم أتوقع أنني سأعاني بهذا الشكل بعد طلبي الفراق عنه..))
جثت والدة سمية على ركبتها إلى جوارها والتقطت كفها بين راحتيها قائلة بإرهاق
((إذا كنت ستعانين في الحالتين.. إذن سأذهب له، وأتوسل منه لو تطلب الأمر حتى يعيدك له.. ما رأيك؟))
هزت سمية رأسها يمينا ويسارًا وهي تتمتم بتوسل يائس حتى الموت
((لا أمي، من المستحيل أن أعود له.. لن أستطيع تحمل ما كنت أتحمله عندما كنت متزوجة منه.. لن أستطيع..))
ثم أردفت بشعور الغدر ذاك
((لقد عرفت بأن والدا كامل طلبا منه أن يفسخ خطبته مني ويتزوج من أرملة أخيه عندما مات شقيقه ولكنه رفض بحجة أنني انتظرته منذ سنوات ولا يستطيع أن يتركني فجأة فضلا عن اعتقاده بأنه يستحق فتاة لم يسبق وأن تزوجت مثله.. لكن بعد زواجه مني اكتشف فجأة بأنه بدأ يحبها))
تراخت تعابير الصدمة على وجه والدة سمية ثم فتحت ذراعيها لابنتها لتستجيب سمية منهكة وتلتجأ إليها معانقة.. شددت والدتها من احتضانها شاعرة بارتجاف جسدها لتقول
((ستتخطين الأمر إذن، وستعود بشرتك صافية نقية كما السابق))
قالت سمية من بين بكائها
((ولكن حساسيتي الموسمية هذه لم تكن يوما بهذه الفظاعة وهذا الانتشار بجلدي كما هي الآن!))
رفعت أمها يدها تمررها على شعرها بحنان وهي تؤكد
((ربما ولكنها ستزول))
أغمضت سمية عينيها ثم تمتمت بيأس
((لا أصدق بأن كل الأطباء الذين ذهبنا لهم عجزوا عن إيجاد علاج لي مكتفين أن يشخصوا سبب تفاقم حساسيتي الموسمية أنها أسباب نفسية فقط))
ابتعدت عنها أمها قليلا تحدثها بالمنطق
((إنهم محقون فالعوامل النفسية تزيد من حِدتها، والأطباء يعرفون العلاقة بين التوتر والقلق والجلد.. وكل هذا الطفح الذي انتشر سيزول عندما تتحسن حالتك النفسية، فتوقفي عن الحزن والانعزال وتسليم نفسك كفريسة للانطواء والاكتئاب))
تمتمت سمية بحشرجة وهي تهز رأسها
((الأمر ليس سهلا يا أمي))
مدت والدة سمية يدها تحيط يد ابنتها مجددا وهي تقول
((لذلك عليك الذهاب في أقرب وقت مُمكن إلى إحدى الحمامات المشهورة الحارة وسط صخور الجبل، والبقاء هناك لأسابيع بين شلالاتها الكبريتية الحارة وأملاحها الفريدة لعل الله يكتب لك علاج كل هذا الطفح والحساسية))
انزوى ما بين حاجبي سمية بينما ارتخت أهدابها وهي تسبلهما لتقول
((سأذهب إلى هناك أنا وأنتِ؟ هل سنتحمل أن نمكث أسابيع هناك؟ أنتِ تعرفين يا أمي أن أسعار الفنادق باهظة في الأماكن العلاجية والسياحية))
قالت أمها بصوتها المجهد
((لا زالت أموال مؤخرك معك وسأضيف عليها مبلغا إضافيا كنت أذخره منذ مدة لوقت الحاجة))
تطلعت سمية لأمها بحيرة وتردد قبل أن تتساءل بتوجس
((متى ادخرتِ تلك الأموال يا أمي؟))
قالت والدتها بشيء من الأسى
((سمية أصغي لي، لن أذهب معك فصحتي لن تتحمل أن أتنقل هنا وهناك.. سيذهب شخص آخر معك..))
صمتت سمية لدقائق قبل أن تسألها مجددا وصوتها يرتعش إرهاقا وضياعًا
((من هو هذا الشخص يا أمي؟))
برقت عينا والدة سمية بعزيمة.. ستنفذ ما تخطط له.. لن يهمها مصلحة أحد إلا ابنتها.. يعلم الله بأنها ما كانت تلجأ لهذا الأمر وتدمر مستقبل شاب كان لوالديه فضلا عليها هي وعائلتها بعد الله.. ولكن لقد نفذت من رأسها الحلول باستثناء هذا الحل..
.
.
بعد ذلك لم تعرف سمية ماذا حدث بالضبط أو كيف.. لكنه حدث! لا تدري كيف أقنعتها والدتها أن مَالك الذي لم تراه منذ زواجها بكامل وحتى بعد طلاقها منه قد عرض عليها الزواج فقط ليحل له مرافقتها إلى تلك البقعة العلاجية.. وبمجرد أن تنتهي رحلة علاجها حتى يطلقها دون أن يسجل هذا الزواج في المحكمة! حتى لا يعلم بزواجهما أحد من عائلته التي سبق وتحجج مَالك لهم بأنه سيؤجل إحدى فصوله الجامعية ليسكن مؤقتا في مدينة أخرى من أجل أخذ إحدى الدورات المهمة لتخصصه الجامعي!
لم تكن سمية مقتنعة أبدًا بهذا الكلام لكن إلحاح والدتها وعدم توازنها النفسي أو العقلي جعلها ترضخ في النهاية.. فتزوجته أمام الشيخ وأمها وقريبين لها وصديق له.. ثم حزمت أمتعتها.. وكانت تجلس بجانبه في إحدى الحافلات الذاهبة للمكان المنشود إليه.. دون أن تتحدث معه بكلمة في الطريق..
.
.
في اليوم الأول..
كانت قد وصلت إلى المنتجع السياحي والعلاجي.. حيث تسقط فيه مياه حارة من جبال قاحلة لتكون أحواض ماء أو حمامات صحية طبيعية تحيطها جبال داكنة.. وبفعل الحرارة الجوفية، تشق المياه الحارة صخورا نارية لتنهمر عيونا وشلاّلات، راسمة لوحة بانورامية ألوانها أحضان الطبيعة وعمقها إرث تاريخي..
بقيت سمية هناك طوال اليوم وعندما عادت إلى الفندق الذي تقيم فيه لم تجد أي أثر لمَالك..
لكنها لم تهتم بل عادت لتغرق في أحزانها وبكائها..
وفي صباح اليوم الثاني.. كان مَالك من أيقظها بعد أن أحضر لهما وجبة الفطور بوجه خال التعابير..
بعد الفطور أوصلها إلى الشلالات ثم مضى مغادرا تاركا إياها بمفردها.. ولم تكن تعرف بأنه يراقبها عن كثب من بعيد دون أن تشعر.. ومضى نفس المنوال لأسبوع كامل.. بعد ذلك عادت كعادتها من المنتجع إلى غرفتها في الفندق لتُفاجأ به يعود خلفها بدقائق ويخبرها بأنه سينام في نفس الغرفة معها.. لم تعترض أبدًا بل شعرت بحملها الثقيل عليه فقد كان ينام طوال الأيام السابقة عند الشلالات في العراء.. رغم أنه لم يكن في غرفة الفندق فراش أو غطاء إضافي إلا أن مَالك نام على أريكة صغيرة لا تتسع لطوله بعد أن أبدت هي رفضا غير منطوق بأنه لا يمكنه مشاركتها نفس السرير الواسع..
توسدت فراشها هي بملابس محتشمة ولم تتحرر حتى من حجابها..
حاولت سمية عند حلول الليل أن تكتم بكائها وانهياراتها المعتادة يوميا كروتين في مثل هذا الوقت لكنها لم تقدر..
فهلعت للحمام مهرولة تغلق الباب خلفها.. وقفت بملابسها تحت رشاش الماء في حوض الاستحمام تحتضن جسدها بانهيار.. وكل خلية في جسدها تنتفض..
ومع الثواني التي تزداد كان بكاءها يحتد فتنزلق عبراتها كالجمر وقلبها يئن بألم.. بوجع.. بشوق.. بضياع..
فُتح مقبض الباب فرفعت رأسها مصدومة.. لتجد مَالك يدلف للداخل ويقف أمامها وبصره يوجه لها نظرات ممعنة لم يسبق وأن وجهها إليها من قبل..
ظنته سيسارع الاعتذار لدخوله عليها هنا بالخطأ.. إلا أنه لم يفعل.. بل تقدم منها دون اكتراث يغلق رشاش الماء ثم يجتذبها له معانقا إياها بقوة غير آبها لملابسه التي تبللت أيضًا معها..
كانت منهكة الأعصاب.. متفجرة الحواس.. لم تملك قدرة أن تبعده بل على العكس.. ارتفع صوت بكائها عاليا..
وهو لم ينطق بحرف طوال الوقت بل شدد أكثر من احتضانها.. وظلا هكذا لدقائق.. طويلة.. جدًّا..
شعرت خلالها بطمأنينة تجتاحها من يده التي تمسد على شعرها المبلل بينما يهدهدها كطفلة بائسة.. وعندما خفت بكائها وهدأت ابتعد قليلا عنها ثم رفع وجهها المنكس قائلا بهمس حازم
((سمية افتحي عينيك))
ببطء فتحت عينيها تصوب نظرها المشوش بفعل الدموع عليه فأكمل
((انسيه وركزي على نفسك، لقد تزوج وانتهى الأمر، لقد سمعت أيضًا بأن أرملة أخيه بل من أصبحت زوجته حامل بالفعل بطفله))
لم تكن تعرف بأمر حمل أرملة أخيه.. فكان الأمر بمثابة القضاء على آخر أمل متبقي لها من أمنية سخيفة متمثلة في ندم كامل على ما فعله ويعود معتذرا لها.. وعندها فقدت أي قدرة لها على الثبات أو الصلابة وعادت تنفجر في البكاء وهي تنفض يده عن وجهها الذي أشاحته جانبا.. لكن مَالك لم ييأس فحاوط رأسها المبلل بكفيه ورفع وجهها لتنظر إليه عنوة ويخبرها
((لقد باعك بالرخيص فلماذا لا تنسينه وحسب؟))
هزت رأسها مُؤيدة بعزم ممزوج بالإرادة
((سأفعل.. سأنساه.. سأنساه مثلما فعل..))
مد مَالك إحدى ذراعيه دون أن يفلتها بالذراع الأخرى ليلتقط أقرب منشفة تطالها يده.. ثم لفها حولها وهو ينهضها من مكانها هادرا
((تعالي للداخل، عليك تغيير ملابسك))
استجابت وخضعت لأمره بهدوء مريب وهناك أجلسها على مقعد بلاستيكي.. ثم لثم جبينها يهمس بصوتٍ أجش
((سأذهب لإحضار ملابس جافة لك))
لكن وقبل أن يبتعد سارعت تحتضنه وهي تهمس بامتنان ورهبة منه
((شكرا لك يا مَالك لقدومك معي.. شكرا لك))
صدمت نفسها قبل أن تصدمه بما فعلته، بل تقبلها لقربه ما صدمها أكثر.. حتى لو كانت الآن زوجة له لكن هذا القرب كله منه.. ولثمه لها.. وعناقها له.. كله لم يكن يجب أن يحدث! أما مَالك فحرك حلقه بصعوبة وهو يشعر بنفسه غير قادر على التحمل أكثر.. بالكاد هو يمسك نفسه.. لكنه استدار وضمها إليه بقوة حتى كاد أن يدخلها في ثنايا عظامه.. قبل أن تتصاعد وتيرة أنفاسه فيبعدها عنه وتمضي نظراته لتستقر على عينيها المليئتين بالدموع.. ثم تهبطا إلى.. شفتيها..
((رباه..))
همس بصوتٍ أجش من إثر الرغبة وهو يجاهد للتحكم برباطة جأشه وعدم الانهيار.. لكنه كان أضعف بكثير وهو يرى حلمه متمثل أمامه.. بل ويربطهما رابط شرعي!
من جهتها لم تهبه أيّ رد وهو لم يكن بحاجة لإذن ليميل بوجهه عنها ويروي عطشه من منبع شفتيها بقبلة ناعمة شعر أثنائها باختضاض جسدها.. وبشيء من الرفض!
حرّرها مَالك وأسند جبينه على جبينها وتمتم بصوت أجش ومرتجفا بعض الشيء
((أنا.. أحبك))
ارتعشت خفقات قلبها بقوة وهي تنظر له بانشداه.. بردة فعل منها مختلفة كليا عندما اعترف لها بحبه أول مرة!
كانت تلهث بجنون فتشعل جنونه المشتاق لهفة ورغبة في التهور أكثر..
حاولت سمية الاعتراض ولو بكلمة لكن اختنقت الكلمات بالهجوم العاطفي السافر الثاني على شفتيها.. حتى كادت أن تقع أرضا لولا التفاف ذراعيه حول خصرها.. ودقيقة وراء أخرى أحس برفضها يقل وبسكونها يزيد.. وسرعان ما بدأت تذوب بسيل قبلاته الحارة.. وتنهدات روحه المحترقة.. وخفقات قلبه المتزايدة..
بعد مدة وجيزة.. أحست سمية بتشوش ذهنها وبدا كل شيء من حولها ضبابيا.. لم تعد تعرف أين هي وماذا تفعل! وكيف ذابت بين ذراعي مَالك حتى نالها كاملة.. بمنتهى الرقة.. منتهى العاطفة..
انتهى الأمر به يعانقها بقوة بينما يترك لها العنان لتبكي بقدر ما تشاء.. لم تكن تصدق ما حدث! كيف لم تستمر بمقاومتها له؟ هل بسبب فيض لمساته العجيبة؟ أم بسبب صبره وحنانه الذي أبداه نحوها؟
استمرت غارقة في دوامة الذنب وتأنيب الضمير، حتى أسدلت جفنيها تغط في نوم عميق.. أما هو فشدد من اجتذابه لها في هذا الظلام الدامس وقد أنهكه نيل المراد أخيرا أكثر من انتظاره!
.
.
في الصباح..
ابعد مَالك خصلة شعر عن خد سمية الذي سلبته الدموع الجافة نعومته ثم مرّر إصبعا واحدا على طول خدها قبل أن يتحرك للأعلى ليمرره بخفة بالغة فوق رموشها المنسدلة.. لم يكن يصدق كيف ضاعت في الأمس بين ذراعيه!
ورغم همس اعتراضاتها الواهنة إلا أن ارتباكها بدا كارتباك اللمسة الأولى.. حتى ثغرها الرقيق بدا وكأنه يختبر معنى القبلة الأولى منه هو.. بدت وكأنها تجربتها الأولى كما هي تجربته الأولى، فلم يشعر بأي حرج أو تردد..
تململت سمية من مكانها وما إن فتحت جفنيها المثقلين حتى وضع واجهة الثبات وهو يعلمها ببرود
((لقد جلبتْ خدمة الفندق طعام الفطور، تناوليه لوحدك ثم اذهبي للمنتجع.. وانا سأغادر الآن))
بمجرد أن انصرف حتى تذكرت كل ما حدث معها في الأمس وانفجرت بالبكاء.. كان عقلها رافضا كليا ما حدث ولا يتقبله.. فمَالك بالنسبة لها مجرد صديق.. أخ صغير..
.
.
ذهبت للمنتج العلاجي وأمضت طول النهار فيه بوجه شاحب لا تصدق استسلامها المخزي له في الأمس..
كررت على نفسها بصرامة ألا تسمح لمَالك بالاقتراب منها لو قرر النوم مرة أخرى في نفس الغرفة معها..
لكن عندما حل الليل وعاد مَالك مباشرة ورائها أدركت بأنه يمضي نهاره في مراقبتها..
حاول مَالك مجددا الاقتراب منها ولصدمتها لم تستطع أن تعترض أمامه إلا باعتراضات واهية استطاع هو إخمادها لتتلاشى من أمامه.. فبعد أن أمضت طول اليوم بين الشلالات غارقة في الذنب والخزي وتأنيب الضمير جاء الليل ليمحو كل ما عزمت عليه لتستسلم بسحر عجيب له.. وتلك الرابطة الشرعية بينهما هي ما تجعل اعتراضاتها أوهن..
.
.
وهكذا مضى الشهرين في المنتجع العلاجي..
في النهار يغيب عنها ولا يظهر إلا عندما يريد توصيلها للمنتجع.. وفي الليل يبيت بعضها في الخارج وبعضها الآخر في داخل غرفتهما حيث يحرص كل الحرص على وجودها بين ذراعيه بعد أن يعرف كيف يوقد عواطفها ويطوعها بصبره وحنانه.. إنه يعرف كيف يخترق حصونها فقد أمضت وقت طويل مضني ومثقل بالألم والهجران والقسوة ولم يكن هناك أسهل من أن تخضع لإرادته ورغبته وتتغيب عن إدراكها، خاصة وهو حريص على إرضائها ومراعاتها كل الحرص والمراعاة..
قبل أن تأتيه مرة بوجه شاحب تطلب منه أن يعيدها لقريتهم فقد اكتفت من وجودها في هذا المنتجع.. لم يعرف سر إصرارها على العودة رغم تحسن حالها هنا لكن عندما نظر بتمعن في وجهها المتشنج عرف بأن الأمر جلل..
ولم يجد أمامه إلا أن يخضع أمام رغبتها وهو يحضر نفسه لاطلاع عائلته بزواجه منها وتحمل مسؤولية كل شيء بصلابة وثبات..
استقلا الاثنين الحافلة التي تقلهما من المدينة التي يتواجد فيها المنتجع إلى المدينة التي تتواجد بها قريتهم..
جلست سمية بجانبه باضطراب وقسمات وجهها متشنجة بينما ذهنها شارد تماما.. يجلدها ويؤنبها على انزلاقها في هذا المنحدر.. لقد سقطت في الهاوية متناسية تلك الفروق بينهما.. متناسية أن من أمامها هو مَالك.. صديقها.. أخاها الصغير.. ابن أسيادها..
أي هوان تلبسها لتمحو إدراكها وتنسى حقيقة وضعها وتمنح نفسها الحق في خوض غمار تلك العاطفة مع شاب لا تملك له أية مشاعر حب تجاهه حتى لو كان يربطهما رباط مقدس الآن!
وبمجرد أن حطت الحافلة عند مدخل القرية حتى سارعت سمية تستقل بحقائبها الكثيرة سيارة أجرة إلى بيتها دون أن تطلب منه مرافقتها.. فاستقل سيارة أجرة أخرى له..
وصل للقرية ثم اتجه نحو بيت سمية.. وقف أمام باب منزلها المفتوح وهتاف سمية الباكي يتصاعد عاليا مع والدتها ليصله..
((أمي أقول لك بأني حامل.. حامل.. أنا متأكدة من أني حامل..))
((أنا لم أتوقع بأنك قد تحملين بظرف شهرين..))
((وأنا أيضًا كنت أظن بأني أعاني من خطب ما، فأثناء زواجي من كامل لم أستطع الإنجاب إلا بعد سنتين.. الآن ماذا سأفعل بهذه الفضيحة!))
((اسكتي يا سمية ولا تتحدثي وكأن ما في بطنك ابن حرام))
((لا أقول ابن حرام ولكننا لم نثبت زواجنا في المحكمة.. ووالد الطفل شاب لم يتخرج من جامعته بعد.. لقد دمرت مستقبله ومستقبل ابني قبل أن يخرج للحياة.. أفضل الموت قبل أن أؤذي مَالك أو أعرض طفل لا ذنب له لكل هذه التساؤلات القاتلة..))
((توقفي عن الدعاء على نفسك، أنتِ لم تخطئي بشيء، ابن الحاج يعقوب الكانز تزوج منك بكامل قواه العقلية وجعلك تحملين بطفله.. ليست مشكلتك.. هو رجل وعليه أن يتحمل مسؤوليتك ومسؤولية زواجه منك ويعلنه..))
((لا يا أمي لن أسمح بذلك، لم يخطأ بشيء إلا عندما تنازل وألحت عليه شهامته أن يتزوجني ليرافقني للمنتجع البعيد من هنا، إنه خطأي أنا لم يكن عليّ أن استسلم أنا الناضجة))
((توقفي عن لوم نفسك، في اللحظة التي غادرت بها القرية نشرت أخبار زواجك في كل مكان والجميع يعرف الآن أنك برفقة زوجك وقريبا سنعلن هويته))
((أمي كيف تفعلين هذا؟ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ هل تكافئين مَالك على معروفه لي بوضعه في مثل هذه الورطة؟ هل كنت من البداية تخططين للإيقاع به وإجباره على إعلان هذا الزواج حتى لو لم أحمل منه أيضًا!))
((سمية زواجك مثبت في المحكمة.. أنتِ بنظر القانون كما الشرع زوجته أيضًا..))
((ما هذا الذي تقولينه يا أمي؟ كيف ثبتي العقد؟ ماذا سيقول مَالك لو عرف بأنك خدعتيه بما قد يدمر مستقبله ويستدعي سخط والديه؟ لن أسامحك أو أسامح نفسي على ما فعلناه به))
كانت سمية تحاول الخروج من المنزل لكنها شهقت بصدمة عندما وجدته واقفا أمام الباب وقد سمع أغلب ما دار بينهما..
شحب وجهها شحوبا يحاكى الموتى وتمنت لو تنشق الأرض وتبتلعها! بدأت تذوب من الحرج.. تتآكل من سخطها على روحها.. تستنفذ أشنع النعوت وأحقرها لتلقيها على نفسها..
خنقتها غصة خزي من حالها لكنها كانت تجاهد لإخراج الصوت من شفتيها والنطق بأي شيء قد يحاول تخفيف موقفها أمامه وتخبره بأنها لم تقصد توريطه وإيذائه..
لكن مَالك أشاح بوجهه المتجهم جانبا عنها.. وبدا وكأنه.. وكأنه.. وكأنه غير متفاجئ مما سمع.. حتى قال أخيرا بصوتٍ خشن
((أنا بنفسي من قمت بتثبيت زواجنا في المحكمة، وليس لأحد حق الاعتراض..))
تدلى فك سمية حتى كاد يقع أرضا واتسعت عيناها..
مَالك كان لديه فكرة واضحة تماما عن تخطيط أمها بل وساعدها على ذلك!
خرجت من حالة الجمود وسارعت تخرج رأسها من طرف الباب تتأكد من أن لا أحد هنا ثم سحبت مَالك من مرفقه للداخل وأغلقت باب منزلهم..
كانت تلهث بشكل غريب عندما أجلسته على الأريكة وجلست بجانبه لتقول بإصرار رغم تشتتها
((عليك أن تطلقني فورا يا مَالك.. من أجلك أقول هذا.. لا يجب أن يعرف أحد من والديك بزواجنا..))
وكأنها صفعته بأصابع حديدية! فزادت حدقتاه اتساعًا وتلبدت أطرافه لثوان قبل أن يصرخ مستنكرا
((أنتِ تحملين طفلي فكيف تريدين مني أن أحررك؟))
أغمضت عينيها تحاول استعادة رباطة جأشها قبل أن تقول بهدوء مغيظ
((مَالك عليك أن تطلقني هذا ما يجب أن يحدث))
هدر مَالك بجنونٍ مطبق وقد اسودت الرؤية أمام عينيه
((مستحيل.. سأذهب الآن لأخبر عائلتي بزواجي منك وبأنك حامل بالفعل))
ابتلعت الغصة وهي مستمرة في محاولة التماسك
((لا لن تفعل.. ستقيم الدنيا ولن تقعد لو أخبرت عائلتك بما حصل..))
قاطعها هاتفا بحنقٍ أهوج
((لن يحدث شيء فأنتِ حامل وزواجنا مسجل ولا مجال للتراجع عن أي شيء))
انفلتت أعصاب سمية فقالت بنفاذ صبر وهي تضرب فوق ذراع الأريكة بانفعال
((بل سيحدث الكثير، سيضعك والداك بين خيارين أحلاهما مر، سيخيرونك بين تطليقي مقابل مسامحتك على ما فعلته وبالطبع بمجرد أن ألد سينتزعون الطفل مني وسيحرمونني من رؤيته وتربيته..))
مال مَالك بوجهه قليلًا عاقدًا حاجبيه ثم وجد نفسه يردد بشرود متشنج
((لن يحصل، مستحيل، لن أتخلى عنك ولن أسمح لأحد بانتزاع الطفل منك))
لوحت سمية بيدها متوترة ثم هتفت بعصبية
((إذن فأنتَ ستجبرهم على الخيار الأخر.. وهو التبرؤ منك ومن ولدك، سيقطعون عنك دعمهم المالي وسيطردون عائلتي من هنا، وبالتالي ستضطر لترك جامعتك والعمل للإنفاق علينا..))
مال بعينيه نحوها يقول بتحدٍ سافر
((لا يهمني سأتركها، وسأبحث عن عمل))
ردت سمية بقنوطٍ واقتضاب
((أنت في سنتك الأخيرة.. يكفي الفصل الذي أجلته بسببي.. لا تتهور أكثر من ذلك.. وأي عمل هذا الذي سيدر عليك دخلا يجعلك تعيش بنفس الرفاهية التي اعتدت على عيشها منذ صغرك.. لن تستطيع..))
انبثقت تعاسة العاشق على وجهه بينما يغمغم رافضا
((لا يهمني إلا أن أكون مع المرأة التي أحبها..))
أظهرت سمية واجهة جامدة وهي تقول بحسم رغم اضطراب صوتها
((مَالك لقد حسمت الأمر.. ستطلقني.. وأنا سأربي هذا الطفل بنفسي وسأتحمل لوحدي مسؤوليته.. وبمجرد أن يكبر الطفل ويحين الوقت المناسب ستخبر عائلتك.. هكذا حتى لو فكروا بحرماني من الطفل فلن يقدروا بعد أن يكون قد أدرك بأني أمه))
دفن رأسه بين كفيه وهو يميل للأمام محدقًا في الأرض بتخاذل في حين وضعت أمها يدها تغطي فمها وهي تقول بصوتٍ باكي متحسر على ابنتها الوحيدة
((هل ستطلقين للمرة الثانية أيتها الغبية؟ ماذا سنقول للجميع بعد طلاقك الثاني؟ كيف سأبرر الأمر لهم؟))
استقامت سمية من مكانها والتفت نحو أمها تقول بجفاء وقسوة
((مثلما أخبرتِ الجميع بزواجي للمرة الثانية يمكنك أن تعاودي نشر خبر طلاقي بعد حملي منه))
ثارت أعصاب مَالك فجأة فلوح بيده لتهبط على المنضدة الموضوعة أمامه هاتفًا بسخط جعل كل من سمية وأمها تنتفضان مكانهما لوهلة
((لماذا لا ترينني رجلا كفاية لأتحمل مسؤوليتك ومسؤولية الجنين الذي في بطنك؟))
وقف مَالك بعنف من مكانه تزامنا مع نهاية حديثه.. لكنها لم تعطيه أي رد فعل إلا أن ضاقت عيناها للحظات ثم قالت له بتبلد
((لا تنظر للموضوع من هذه الزاوية، ثم أنتَ ستشكرني بعد سنوات على ما أفعله!))
تسمر مَالك مكانه بوجهٍ مسود وقد تحفزت جميع خلايا عقله قبل أن ينطق مستنكرا ببطء
((أشكرك على ماذا؟ أشكرك لأنك تحاولين الضغط عليّ وتدمير ما بيننا؟))
ازداد انعقاد حاجبيه وزمّ شفتيه يريد الصراخ أكثر بوجهها مستنكرا لكنها رفعت يدها معترضة تقول بصوتٍ باتر
((أنتَ لا زلت في مقتبل عمرك وأمامك الكثير لتجربه قبل أن تربط نفسك بامرأة.. عندما تمضي السنوات ستعي بأن ما فعلته أنا كان لمصلحتك.. ستشكرني وستكون ممتن لي.. فليس من السهل أن تتحمل مسؤولية زوجة تكبرك وغير متكافئة معك))
مسح على وجهه بإعياء مستغفرا قبل أن يهمس بوهن يحمل إصرارا بدأ يتفتت
((سمية أنا لن أطلق، وسأخبر الآن عائلتي بحملك))
توقفت مكانها للحظات وأصابعها تنفرد على بطنها بحركة غريزية ثم قالت بصوتٍ متحشرج دون أن تلتفت له
((إذا أردت منهم أن ينتزعوا طفلي بعد أن ألده ويجبرونني على الرحيل من هذا البيت الذي عشت فيه طوال عمري فيمكنك إخبارهم.. ولكن سننفصل أيضًا في النهاية))
وهكذا استطاعت بالضغط النفسي والعاطفي على مَالك أن تقنعه بالطلاق وكتمان سر يزيد على أن يعلنوه لاحقا بعدما يكبر!
عاشت أياما صعبة وقاسية أثناء حمل يزيد وما زاد الأمر ألما فقدانها لوالدتها.. لكن مَالك كان معها لآخر لحظة.. وكان هو من يمدها بسيولة مالية تكفي حاجتها وأكثر..
فقد كان يتملكه الخوف أن ما يدفعه لا يكفي أن يغطي كل نفقاتها هي وابنه..
وهو أعلم الناس بعفة نفسها واستحالة السؤال عن حاجتها لأحد ولو كان من والد ابنها والمسؤول عنها!
لم يطلب من والديه أي مصروف إضافي حتى لا يلاحظا ما قد يثير الريبة.. فاضطر أن يبيع حاسوبه وألعاب البلايستيشن الباهظة التي كان يحب مشاركة توأمه في لعبها..
.
.
عقب إنجاب سمية لطفلها بقيت لدقائق تطالع سقف غرفة المشفى الأبيض.. كانت متعبة.. مرهقة.. مستنزفة.. إذ مرت بأصعب وأقسى ساعات مرت في حياتها..
أغمضت عينيها لدقائق قبل أن تفتحهما عندما أوقظتها حاجتها الأمومية لاحتضان طفلها الذي لم تكن قد رأته بعد..
دخل فجأة عليها مَالك وهو يحمل الطفل بين يديه بحذر وحيطة فغمغمت بوهن وهي ترفع إحدى يديها
((هاته أضمه لصدري يا مَالك))
مد مَالك يديه لها بالطفل لتتناوله منه بلهفة شديدة بينما تسمعه يقول بحنو
((لقد أذنت في أذنه اليمنى..))
بدأت عينا سمية تأخذها برحلة استكشاف حول ملامح طفلها.. قبل أن تضمه بخوف وقد بدأت دموعها تسيل فوق وجنتيها بنعومة وبلا صوت.. كانت ترتجف أثناء احتضانها ابنها.. لقد عاشت الأشهر الأخيرة في خوف من أن يعرف أحد من أفراد عائلة مَالك بحقيقة ما جرى ويأخذوه منها رغما عنها..
ابتسم مَالك بحنو لها رغم القلق الذي استبد به عليها قبل قليل.. منظرها آسرا وهي تضم طفلهما بأمومة فياضة رغم تعبها وضعفها.. لكنه احتاج فعلًا أن يربط جأشه ويتحكم بلهفته المشتعلة في مقلتيه كما الجمر في فؤاده شوقًا لها.. فهي الآن بعد إنجابها انتهت عدتها ولم تعد تحل له.. لم يعد يربطه شيء بها إلا هذا الطفل الملائكي الصغير..
ابتلع مَالك تلك الغصة المسننة وهو يفكر بهذه الحقيقة المرة بألم..
رباه! هي لم تعد امرأته.. لم تعد ملكه.. لقد منحها الطلاق الذي أرادته وتركها تحرق فؤاده.. كل شيء انتهى..
شعر باختناق رهيب يسحق كل فرحته بقدوم هذا الطفل..
لكنه تجاهل أنين فؤاده وتطلع عليها عندما سألته بابتسامة خلابة رغم شحوب وجهها وإجهاد صوتها
((ماذا ستسميه؟))
ترققت نظراته تأثرًا له وهو يهمس بتردد
((أنا؟ أنا من سأسميه؟))
هزت رأسها مصرة دون أن تنحسر ابتسامتها
((أنت والده وأريدك أنتَ أن تسميه))
سالت دمعة حارّة على خدّ سمية وهي تراه يداعب بإبهامه وجه الصغير بحذر قبل أن يتمتم
((يزيد.. سأسميه يزيد))
يزيد كان هو اسم والد أمه التي لم تنفك عن تمنى تسمية أحد أحفادها بهذا الاسم بعد أن رأت أبيها في منام مؤخرا.. وبما أن مؤيد يصر أن يكون فهد هو اسم الطفل الذي تحمل زوجته به سيفعل هو..
نفضت سمية تراب الماضي وهي تعود بذهنها للواقع..
إنجاب يزيد وقدومه للحياة أسعد قلبها وأضاف شيئا من الحب والاهتمام لحياتها التي كانت تلونها الكآبة والبؤس.. فكانت تتلمس في أحضانه العزاء، السلوان، والصبر..
حنانه وضحكاته ومشاكساته كانت هي ما تواسيها في كل ما يواجهها في هذه الحياة بوحدتها وقلة سندها..
لن تنكر أن مَالك كان دائما أمامها وخلف ظهرها..
يقف في جانبها.. ماديا ومعنويا.. لكن لم تكن تشعر بالسعادة لما تتلقاه منه إنما شعرت بأنه استغلال واستنزاف له.. على عكس ما تتلقاه من ابنها..
يؤلمها أن يكبر يزيد بين عائلة والده وأولاد عمه دون أن يعرفوا حقيقته.. ويؤلمها أن يعاني منهم النبذ والكراهية.. لكنها في صميم قلبها لم تكن لتغير شيئا لو عاد بها الزمن.. لم تكن لتسمح لهذه الحقيقة أن تُعلن وتخسر الشيء الوحيد المتبقي في حياتها!
=============================
تنهدت رتيل بشيء من البؤس وهي تناظر تلك القطع التي اشترتها.. منذ أن ذهبت في ذاك اليوم للتسوق مع نورين ولمحت بمصادفة ما اشترته من ملابس خاصة حتى أجبرها عقلها أن تدخل هي نفس المتجر..
صحيح بأن مُؤيد كان يطالعها باشمئزاز كلما كانت ترتدي مثل هذه القطع الجريئة في بداية زواجهما ويخبرها بكل وضوح ألا تكرر ارتداءها مجددا.. لكن وبما أنه قد مر سنوات على زواجهما.. وحواجز التزمت والانغلاق في مُؤيد بدأت تنهار فيه شيئا فشيئا.. فلم لا تعود لتجربة هذه الأشياء أمامه لعلها تجتذبه قليلا لها وهي التي سبق ويئست بدل المرة ألف مرة من التأثير عليه؟
لمعت عينا رتيل بعزم.. الليلة ستفعلها..
أمسكت هاتفها تكتب بكلمات قليلة رسالة مختصرة وترسلها لزوجها.. ثم عادت تنظر للقطع التي اشترتها والتي كانت بألوان من درجات الأحمر الفاقع الجريء بتصاميم مختلفة وقمة في الإثارة..
بدأت ترتدي أكثر قطعة جرأة مصممة من قماش الكشمير الناعم والدانتيل الفاخر.. وقفت أمام المرأة الطويلة تناظر نفسها بانبهار وغرور.. كانت غلالتها الحمراء الرقيقة لا تلبسها الفتاة إلا بين يدي عشيقها..
خفتت الإضاءة.. وبمجرد أن فتح مقبض الباب ودلف منه مُؤيد حتى هتف بحنق
((بماذا تريدينني يا رتيل؟ ولماذا هذه الغرفة مظلمة؟ أين أنتِ يا..))
بتر مُؤيد كلماته عندما شعر بها تقترب من مصباح موضوع جانبا وتشعل إضاءته الخافتة ثم تسير بخطوات رشيقة لتستقبله
((أنا هنا..))
انتشر الوجوم فجأة في ملامح مُؤيد عندما تبين له ما ترتديه زوجته.. فسارع يغلق الباب خلفه بإحكام خوفا من دخول أحد الغرفة وهو لا يزال يصوب نظره نحوها..
اهتزت ثقة رتيل عندما ازدادت ملامح وجهه وجوما..
لكنها لم تظهر أي شيء من ذلك بل تقدمت ببطء وهي تتمايل بإثارة مقصودة نحوه..
رفعت أصابعها الرشيقة تفتح أول أزرار القميص الذي يرتديه إلا أنه رفع كفه ينفضها عنه قائلا ببرود
((أنا متعب..))
أتعست عيناها لردة فعله فتابع سيره نحو الأريكة ليجلس عليها بينما يفتح هاتفه باقتضاب..
ازدردت ريقها ثم جاهدت نفسها ألا تستسلم.. اقتربت منه مجددا.. فجلست على ذراع الأريكة بجانبه لتسأله بصوت مبحوح ودعوة أكثر جرأة وبطريقة غير مسبوقة لها منذ زواجهما
((هل أنتَ متعب؟ سأقوم بتمسيد عضلاتك))
أبعد ذراعها عنه بقوة واشمئزاز وهو يقول
((رتيل، هل يمكن أن أطلب منك أن تقومي بتغيير ما ترتدينه؟))
فغرت شفتيها برجفة وتبدل لونها ثم سألته بصوتٍ خفيض
((ألم يعجبك؟))
أغمض عينيه وبذل مجهودًا مضاعفًا بلجم انفعاله ثم فتحهما يقول ببرود جليدي وشرارات النفور من كلماته تصل لها
((فقط غيريه وارتدي شيئا آخر من مناماتك المعتادة))
ازداد انخطاف لون رتيل من كلامه وازداد لون عينيها قتامة وهي تراه يحطم أنوثتها وكبرياءها برفض هذه المبادرة منها!
وبدأ شيء من القهر.. النبذ.. الاحتقار.. يتسلل للظلام في داخلها..
لماذا لا يمكن أن يتصرف ولو لمرة واحدة كرجل طبيعي!
لماذا لا يبهجه محاولاتها في إسعاده؟
لملمت رتيل بقايا كرامتها ثم ذهبت للحمام تتحرر مما كانت تلبسه.. وقفت أمام المياه المتدفقة الحارة فوقها بينما تغرقُ في أفكار سلبية عديدة.. وكل دقيقة تمر عليها كانت حرارة المياه تزداد إلا أنها لم تشعر بالألم.. فما بداخلها كان أكبر وأشد حرارة.. بل احتراقا..
لم أزعجه ما ارتدته له؟ هل كان هناك خطئا في زينة وجهها الصارخة؟ لماذا كره مبادرتها هذه؟
أليست جميلة كتلك النساء اللاتي يحب أن يتسكع معهن؟
لا بل هي كذلك وأجمل منهن.. ليست بحاجة أن تراهن لتعرف هذه الحقيقة..
كل ما في الأمر أن زوجها لا حاجة له أن يمتع ناظره في زوجته حلاله.. وعنده بديل يسد احتياجاته..
استندت رتيل بكفيها الى الحائط وقد بدأ الألم يزداد في داخلها.. ويصبح عنيفا.. عنيفا جدا.. أكثر من أي لحظة مرت عليها في حياتها.. مهما أنكرت يظل ألم نفوره منها وعدم تأثره بها أكثر من أن تتحمله!
خرجت من الحمام وسارعت تجفف نفسها وترتدي إحدى منامتها العشوائية..
اقتربت من السرير تنفض الغطاء الذي وضعت فوقه مجموعة من الشموع العطرية وأوراق الورد قبل أن تسحبهم بواسطة المكنسة الكهربائية..
عندما انتهت سمعت صوت وقع خطواته يقترب منها بملامح مبهمة.. فبادلته النظرات ببغض..
اقترب مُؤيد أكثر منها يمعن النظر في وجهها الصافي والخالي من أي مساحيق ومنامتها الداكنة التي ترتديها..
وبمجرد أن وقف أمامها حتى تجاوزته نحو غرفة النوم ثم اندفعت بكل غيظ نحو فراشها تدس نفسها به.. تكورت كالجنين وأرادت أن تبكي، إلا أن طبيعتها الصلبة منعتها..
شعرت به بعد دقائق يدلف للغرفة.. يطفئ النور.. يقترب منها.. ثم يدخل الفراش ويضع يده على كتفها هادرا بصوتٍ أبح ((رتيل انظري لي..))
نفضت كفه من على كتفها ورفضت النظر له مما جعله يلتصق بها ويدفن وجهه في شعرها..
حاولت أن تبعده عنها وتنسل من بين ذراعيه هادرة
((ابتعد عن يا مُؤيد.. أريد النوم))
لم يعطها مجال فأردفت بصوتٍ يلفه تناقضاته
((توقف عن العبث بمشاعري والتلاعب بأعصابي، توقف عن التصرف وكأنك مجنون!))
لكنه جذبها نحوه أكثر يعتصر ضلوعها في أحضانه هامسا وهو يضع شفتيه فوق بشرة وجهها
((أنا لا أعبث.. سنتحدث لاحقا))
اشتدت شفتاها كالوتر تنفر رفضا
((فقط ابتعد عن زوجتك القبيحة))
إلا أنه أسكتها عندما انحدر بفمه نحو ثغرها بينما تسللت يديه أسفل منامتها لتجوب جسدها.. هامسا لها بصوتٍ أجش بالرغبة ((زوجتي أنا جميلة))
رغم الرفض الذي كانت تصر عليه أمامه.. إلا أن اجتياحه اللحوح وهو يقبل عليها بكل هذه الرغبة كان أقوى من أن تصر على رفضها.. لم تكن تصدق ما يحدث.. لقد كان حقا راغبا بها أكثر من أي مرة مضت..
لكن إذا كان يقمع كل تلك الرغبة بها فلماذا فعل ما فعله قبل قليل؟
تلاشت تلك الأفكار السلبية وتوقفت عن التفكير بأي شيء إلا الغرق معه في هذه الدوامات..
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثلاثون 30 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الثالث عشر
((أبي.. أبي.. أنتَ تخنقني))
ابتعد مَالك عنه وكلمة "أبي" تدق نبض قلبه.. ليهدر
((ما أحلاها كلمة "أبي" منك حقا يا يزيد.. المهم ماذا كنت تريد أيها الغالي ابن الغالية؟))
ابتعد مَالك عنه وكلمة "أبي" تدق نبض قلبه.. ثم قال له مبتسما
((ما أحلاها كلمة "أبي" منك حقا يا يزيد.. المهم ماذا كنت تريد أيها الغالي ابن الغالية؟))
عقد يزيد حاجبيه وهو يرمش بعينيه وشرد يتذكر ماذا كان يريد أن يسأله من البداية قبل أن يشهق متذكرا ثم يتساءل ببراءة
((لماذا لون عينيّ مختلف عن لون عينيك؟))
احتارت ملامح مَالك وهو يسأله مستغربا
((ماذا تعني!))
وضح يزيد له بجدية تشوبها العجب
((لون عينا فهد وباسم مشابه للون عيني والدهما الفاتح، أما أنا فعيني لونهما مختلف عنك، حتى لون شعري الأسود مختلف عن لون شعرك البُني المحمر..))
ارتسمت ابتسامة مستمتعة على شفتي مَالك بينما يتابع يزيد التحسر بطفولية
((أستاذي يقول بأن ملامحي شبيهة بك تماما باستثناء اختلاف لون العينين والشعر))
تلاشت ابتسامة مَالك وهو يتأمل ملامح ابنه التي تشبهه، بل نسخة مصغرة منه عندما كان بعمره.. وفجأة باغت كلام يزيد عن أستاذه عقله ليجتذب عقله إحدى المواقف، عندما طلب من معلمي يزيد، معلما تلوى المعلم بخزي ألا يخبروا أحد بأبوته ليزيد، فيزيد يدرس في مدرسته الابتدائية القابعة بالقرية ومعظم الطلاب والمعلمين يعرفون والده الحاج يعقوب! وكم تمنى لو تدرك سمية الألم والطعنات التي يتلقاها من أنظار كل من يعرف بأن يزيد ابنه الذي يخفيه عن الجميع! لو أنها تعيش ربع الذي يعيشه هنا بين الرجال ممن يعرفون حقيقة أن يزيد ابنه لما أصرت بأنانية عليه أن يخفي الأمر حتى يصير يزيد أكبر..
أغمض مَالك عينيه محاولا التغلب على ذلك الشعور القاسي وهو يفكر كم سيضيع من عمره وعمر ابنه قبل أن يستطيع أن يعترف به ابنا أمام الجميع؟
فتح عينيه متنهدا بحرقة قلب وأجاب ابنه شارحا له بابتسامة مرهقة وقلبه يعود ليهدر بإحساس الأبوة الذي يسترقه في هذه الساعات
((لون عينيّ شبيه بلون عينا أمي زاهية يا يزيد، أخذت منها أيضًا لون شعرها أنا وتوأمي.. رغم شبهك الكبير بي إلا أنك ورثت من أمك الجميلة لون شعرها وكذا العينان.. أتذكر بأنها كانت تمتلك شعرًا خلابًا أسودًا..))
بتر مَالك كلماته وتوقف عن وصف شعر سمية واجتذاب الذكرى ثم هز رأسه ينفض تلك الخيالات المهلكة من رأسه.. لا يجوز أن يتذكرها وهي الآن لم تعد تحل له.. هي لم تعد زوجته منذ أن أنجبت يزيد.. ولا يحق أبدًا أن يظل محتفظا بهذه الذكريات قبل أن يعاود الاقتران بها..
حول مَالك أنظاره عن يزيد والتفاؤل يغمره بأنه وعلى الأقل عليه أن يحمد الله أن زواجه القصير منها أثمر بطفل ملائكي يبلغ السابعة من عمره سيربطه بها إلى الأبد..
أخذ نفسا عميقا وزفره بإرهاق تزامنا مع صوت ابنه الحائر
((توأمك؟ اسمه مَازن؟))
ابتسم مَالك وأومأ برأسه يجيبه
((نعم تؤامي مَازن، شقيقي التوأم بمثل عمري ولكن يصغرني بدقائق قليلة، للأسف لم تتاح الفرصة لك لتتعرف عليه..))
ثم اتسعت ابتسامة مَالك وشعت عيناه بوهج مثير خاصة وهو يقول بينما يستوي واقفا ويمسك رسغه جاذبا إياه وراءه
((انهض يا يزيد دعني أريك صوري في طفولتي))
فتح مَالك نور غرفته وبدأ بفتح جواريره بحماس يبحث في أشيائه القديمة.. بمجرد أن وجد الألبومات القديمة حتى أخرجها ثم أجلس يزيد فوق حجره وبدأ يتصفحها أمامه.. بدآ يمضيان وقتًا ممتعًا بدرجة لا توصف وهو يريه كل الصور وذكرى التقاطها المحفوظة في ذهنه..
من أصدقائه القدامى أو ذكريات مشتركة سعيدة مع عائلته تعيده سنوات إلى الوراء..
وفي غمره لهفة يزيد الذي يتطلع بالصور جفل كمن تذكر شيئا وقال
((هل تعرف بأن هناك صور لي لم يسبق وأن رأيتها أنتَ! لو لم ترفض أمي لكنت جلبتها لك))
غمغم مَالك وشرارات الحنق يتطاير من عينيه
((تلك اللئيمة، هل رفضت حقا؟))
فتن يزيد على والدته دون أن يهزّ له جفن
((نعم رفضت لكن سأتسلل وأسرق الألبوم لأطلعك عليه دون علمها))
صوب مَالك نظرات مريبة تجاه طفله قبل أن يغمز له إحدى عينيه
((لا يا يزيد، إذا كانت أمك ترفض أن تريني الألبوم فلا تجلبه لي، عيب أن تخالف كلام أمك))
كتم يزيد ضحكته وهو يفهم مقصد أبيه المناقض لكلامه..
فيما عاد مَالك يناظر صور الألبوم الذي يمسكه ليقول بحنين وهو يشير لإحدى الصور
((هذا أنا الواقف يمين أمي ومَازن يقف يسارها))
أشار يزيد الي صورة أبيه وقال بصدق طفولي
((أنتَ أوسم من عمي مَازن يا أبي))
نظر مَالك بتأثر ليزيد لدقيقة ثم جذبه بعناق قوي قبل أن يبتعد ويلثم جبينه ثم يقول
((فلتسلم كلمة "أبي" من ثغرك يا حبيبي أنتَ))
كسى الاحمرار وجه الصغير ليهمس بخجل
((أنا جاد، أنتَ أوسم من عمي رغم تشابهكما..))
نظر مَالك للصورة موافقا
((فعلا نحن متشابهان جدًّا، حتى بعد أن تخطينا سن الثامنة والعشرين، لكن وجهي أنحف منه ويميل للسمار، وشعري مموج على عكس شعره الأملس))
تغضنت ملامح الصغير فجأة بالألم وهو يمعن النظر لباقي الصور التي كانت تضم والده وعمه مع والديهم ثم تساءل بصوتٍ حزين مشبع بالبراءة
((هل أبيك وأمك هم جدي وجدتي؟))
ضيق مَالك عينيه ثم رفع إحدى حاجبيه متهكما
((بالتأكيد أيها الذكي.. وهل هذا سؤال منطقي!))
رفع يزيد حاجبيه يتساءل بنبرة تشوبها البراءة وشفافية روحه
((هل سيحبانني جدي وجدتي مثل فهد وباسم إذا ما عرفوا بأني ابنك؟))
انتزع صوت يزيد الضعيف ونبرته المشدوهة قلب مَالك من مكانه ومزقه شر تمزيق.. كلمات طفله هزته حتى أعمق أعماقه وهو يدرك مقصده.. فازدرد ريقه بصعوبة ثم قال بابتسامة متشنجة
((نعم بالتأكيد.. بالتأكيد يا حبيبي..))
تهدل كتفي يزيد يقول بحزن رقيق يلين الحجر
((لكن لا أشعر بأن أمك يمكن أن تحبني..))
اشتدت عينا مَالك بنظرة مؤكدة لامعة مؤكدا
((أيها السخيف ستحبك هي بالذات أكثر من أي حفيد آخر فأنا أسميتك على اسم والدها، ستكون أنت المفضل عندها))
طالعه يزيد بحزن ظلل عينيه ثم تشدق بغير اقتناع
((سأكون المفضل! لا أظن ذلك))
زفر مَالك نفسا مثقلا بالذنب الذي يتعاظم داخله في كل ثانية تمر وهو يخفي هذه الحقيقة! فقال بشيء من الثبات وهو يحاول الابتسام
((أعرف أنهما لا يظهران أي مودة لك لكن صدقني بمجرد أن يعرفا حقيقتك سيغدقانك بالحب والحنان، قريبا سنعود أنا وأمك لبعضنا وستعيش معنا هنا ولن يعترض أي أحد على وجودك))
تخضب وجه يزيد ومقلتيه بالدموع فأخفاهما في كفه وأطلق لهم العنان..
عقد مَالك حاجبيه بشدة والألم ينال كل جوارحه كأب نذل مقصر بحق ابنه من كل النواحي والأبعاد.. ثم شد على يزيد إلى صدره يعاهده
((سنعود أنا وأمك.. أما بالنسبة لعائلتي فبمجرد أن يعرفوا بأني سبق وكنت متزوجا من سمية حتى يسارعوا بالموافقة على زواجنا الثاني دون أي مشاكل وسنكمل حياتنا بكل سعادة وهناء))
كان مَالك يرتب لكل شيء في عقله بسلاسة عجيبة رغم شعوره بشيء من الخوف المفاجئ يدق قلبه حول مسألة تقبل عائلته لزواجه السابق من سمية! فهل حقا عليه أن يحمل هما إزاء أي رفص منهم؟
=============================
ليلا.. في جناح نورين..
أحضرت الأطباق من رفوفها وبدأت ترتب سفرة رومانسية على الطاولة بينما تملأ المكان بالشموع والورود الحمراء.. فتحت الأكياس التي جلبتها عند ذهابها للسوق مع رتيل في ذاك اليوم.. الليلة مناسبة لكل ما خططت له كمكافأة لمُصعب على تحملها الفترة الماضية واحتوائه لحزنها وبؤسها ومساعدتها على تخطي خسارة جنينها..
كانت قد اشترت الكثير من القطع بألوان رومانسية حالمة بدرجات فاتحة ومشرقة من اللون الوردي.. ارتدت أكثر قطعة ناسبت قوامها وأخفت من عيوب جسدها الذي اختلف قليلا بعد فترة حملها.. فبدت القطعة فيها بالغة في الرقة المزدانة وبلمسات رائعة جذابة.. أما شعرها الأشقر انساب إلى منكبها النحيل وجزء منه استلقى بدلال على ظهرها..
شعرت بصوتٍ فتح مقبض الباب.. إنه موعد عودة مُصعب..
ارتدت فوق تلك القطعة مئزرا حريريا قصيرا ثم سارعت تسير بخطوات مترددة لتستقبله..
أوصد مُصعب الباب خلفه بإحكام ثم استدار على عقبيه ليتخشب مكانه وهو يطالعها تقف أمامه مبتسمة ببشاشة رغم ارتباكها وهي تقول
((أخيرا جئت! لقد جهزت لك العشاء هنا))
لف الذهول ملامحه ولم يستجب لها بحرف مِمّا جعلها تمسكه من يده وتجره للداخل دون أن تنحسر ابتسامتها
((هيا اغتسل وغير ملابسك ريثما انتهي من اللمسات الأخيرة للعشاء))
مجددا لم ينطق بشيء بل ظل يطالعها بانشداه أبله.. فتخضبت وجنتيها خجلا وأكملت جره نحو الحمام قائلة أمام نظراته التي تجردها من المئزر المغوي الذي ترتديه
((هيا يا مُصعب..))
انتهى من تغيير ملابسه ثم دخل إلى الغرفة الأخرى لجناحهما ليجدها تقوم بإشعال آخر الشموع العطرية الموضوعة فوق طاولة العشاء والمنسقة بطريقة رومانسية لافتة.. بدا عاجزًا عن الكلام قبل أن ينطق وهو يسحب كرسيا ليجلس عليه
((ما هذا الذي تفعلينه؟))
قبل أن تنضم له سارعت بمغادرة المكان وهي تقول
((سأحضر لك كأس مشروب غازي نسيت أن أضعه))
فتحت الثلاثة الصغيرة وأخرجت على الفور عبوة مشروب غازي ثم أفرغتها في كأس زجاجي.. حلت رباط مئزرها ثم تقدمت منه ببطء قاصدة لفت انتباهه لما كانت ترتديه تحت المئزر.. وضعت الكأس أمامه وسألته بشيء من التوتر
((هل اختلف مظهر جسدي عن قبل؟))
لم يرد عليها وهو على تعابيره مِمّا جعلها تزداد توترا..
حاولت أن تستدير لتجلس مكانها مقابله إلا أنه أمسك رسغها يقربها منه هامسا
((هل هذه الفاتنة المتلاعبة التي أمامي هي حقا زوجتي نورين العفريتة والطفولية؟))
تطلعت له بدلال حانق تقول
((هل أنا طفولية؟))
ما إن رآها تزمّ شفتيها وتهم بالابتعاد عنه حتى شدها له يدفن وجهه في عنقها يتحسس ريحها العبقة..
وصله صوت ضحكاتها الخافتة باعتراض
((ليس الآن، بعد العشاء الذي جهزته يا مُصعب))
قال بعاطفة حارة وقد هز الشوق قلبه وأضناه
((هل تعرفين منذ متى لم أقاربك يا نورين؟))
أبعدت وجهها عنه قليلا تطالع عيناه المتوقدتان بولع التوق فتزيد من خفقات قلبها.. لقد جهزت كل هذا أساسا لتعلمه باستعدادها لقضاء ليلة خاصة معه فهما لم يحظيا بواحدة منذ أن خسرت جنينها! إلا أنها قالت بخفوت وهي تحاول أن تنسل من محبسها بين ذراعيه
((حسنًا ولكن ليس قبل أن تأكل شيئا مِمّا أعددته..))
لكنه جذبها نحوه أكثر يعتصر ضلوعها في أحضانه هامسا بثمالة وهو يقبل كل إنش في وجهها
((أنتِ.. الليلة.. عشاءي.. يا.. نورين))
حاولت مجددا بتلاعب محبب أن تعترض إلا أنه أسكتها قبل أن تنحدر قبلاته نحو شفتيها هامسا بصوتٍ أجش بالرغبة
((لقد اشتقت حقا لك))
وما مرت دقيقة حتى حملها بذراعيه نحو سريرهما لتشهق عاليا قبل أن يتصاعد رنين ضحكاتها المبتهجة وهي تحيط رقبته بكلتا يديها.. لقد تغير معها.. ليس للحد الذي تريده.. لكنه لم يعد ذاك الرجل البارد.. الهادئ طوال الوقت معها..
.
.
في الصباح..
استند مُصعب على مرفقه مبتسما بخفة ينظر إليها تتململ أثناء نومها فمال لها ينثر القبلات الناعمة بأنحاء وجهها.. لقد أنهكها كل ما تبادلاه في ليلة الأمس..
لكن عليه التفكير بجدية في الانتقال من هذه المساحة الصغيرة المتاحة لهما في القصر إلى شقة خاصة بهما..
تململت في فراشها أكثر قبل أن تفتح عينيها الناعستين..
تمطت في مكانها لتعقد حاجبيها بنصف وعي وهي تراه يطالعها بنظرات مستمتعة..
بادلته النظر لتتضرج وجنتيها بحمرة الخجل عند تذكر ما حدث بينهما من أحداث ليلة أمس العاصفة..
ابتسم مُصعب المتنعّم بقربها الشديد منه ثم ربت على مقدمة رأسها بحنان وراقب نظراتها هادرًا
((صباح الخير))
ازدادت حُمرة وجنتيها إلا أنها استوت جالسةً وهي تتمتم بخفوت حانق
((لكن لم تأكل شيء مِمّا أعددته في الأمس))
ضحك من قلبه على كلامها ثم رفع إحدى ذراعيه ليلامس بأصابعه خصل شعرها هادرًا بعاطفة
((كنتِ في غاية الجمال والسخاء دون تحفظ في الأمس))
برقت عينا نورين فجأة لتقول بلهفة ونعومة
((انتظر قليلا سأذهب لأغسل وجهي أولا.. ثم آتي لك بشيء))
قفزت من السرير تتجه نحو الحمام وسرعان ما خرجت منه وهي تجفف وجهها بينما تسأله عن الجلبة التي حدثت قبل قليل
((هل كان أحد هنا؟))
أخبرها مُصعب الذي يضع طبقا ممتلئا فوق المنضدة الملاصقة للسرير
((لقد جلبت لي نجوم طبق طعام تقول بأنه من سمية))
سارت نورين إلى خزانتها تفتحها وتخرج شيئا منها
((أنا محظوظة بسمية، إنها ترسل لي منذ أن خسرت الجنين يوما بعد يوم من الأطايب التي أحبها))
تساءل وعينيه على الكيس الورقي الفخم الذي تمسكه
((هل هذه الهدية لي؟))
جلست على السرير متربعة وهي تقول بحماس بينما تناوله الكيس
((نعم، اشتريت لك هدية عطر رجالـي فاخر، كنت سأريه لك في الأمس، لكن لم تسمح الفرصة))
انتهى مُصعب من إزالة الورق اللامع ولف الذهول نظراته فقال وهو يتفحص العطر
((إنه من ماركة غالية جدًّا، لماذا اشتريته لي؟))
عبست في وجهه تدعي التدلل
((تسأل عن السعر بدلا من أن تعبر عن امتنانك لي))
التفت لها وزاوية ثغره تميل لترسم ابتسامة جانبية
((نعم سأعاتبك، مدخرات مصروفك الذي أعطيه لك لا تسمح لك باقتناء شيء بهذا السعر! أخبريني كم سعره بالضبط حتى أعوضك؟))
ناغشته ردًا وهي ترفع يدها كي تلامس ذقنه
((لا علاقة لك بسعر هذه الهدية..))
زادت ابتسامته الرجولية اتساعا ليعبث
((إذن سأكون ملزما أن أردها لك بهدية أبهظ منها))
ابتسمت له بغنج ناعم بينما تهز كتفيها
((هذا الأمر يعود لك))
مد مُصعب يده يلتقط الطبق الذي صنعته سمية قائلا
((كلي قليلا منه..))
أقترب أكثر منها ورفع الملعقة يحشرها داخل فمها قائلا
((عليك أن تنهيه كله..))
وهي لم تمتنع فقد كانت شهيتها مفتوحة والطبق بغاية اللذة..
=============================
في شركة القاني..
في إحدى القاعات الضخمة داخل مبنى الشركة كانت تقام احتفالية سنوية تأسيس فرع شركة القاني الثانية.. اليوم هو الذكرى العاشرة على تأسيس هذا الفرع فكان الحفل ضخما وأكبر بكثير من حفل الإطلاق نفسه.. حتى أن الاحتفال رعاه دولة رئيس الوزراء وحضر معه ثلة من أصحاب المعالي والعطوفة وعدد من مسؤولي الشركة وشركائها المحليين، إضافةً لممثلي الصحافة والإعلام والمختصين والخبراء في هذا المجال..
من كثرة الأشخاص المهمين شعرت شيرين بنفسها غاية في الضآلة أمامهم.. لكنها لم ترغب بمغادرة هذا الحفل وقد شعرت بجمال شعور أن تكون بين الأناس الأغنياء والمهمين وممن يحظون بمناصب مرموقة..
جذب انتباهها صوت أحد الرجال بينما يتقدم منها لترسم ابتسامة وهي تنتبه بأنه أحد مدراءها السابقين عندما كانت مجرد موظفة خدمة عملاء في هذه الشركة..
قال المدير الخمسيني لها بترحيب وحفاوة
((لا أصدق لقائنا هذا، لم أراكِ أبدًا منذ انتقالي لفرع العاصمة))
تألقت الابتسامة على ثغرها لتقول بمرح
((أنا مسرورة جدًّا لرؤيتك يا سيدي، أنتَ من أكثر المدراء الذين قابلتهم في شركة القاني لطفا، بل الأصح أن أقول الوحيد، حتى عندما أصبحت مشرفة لم أعرف أن أتحلى ولو بربع تفهمك ولطفك))
قهقه المدير عاليا يشاركها الضحك على كلامها ولم تجد شيرين أي ضرورة للتحفظ معه وهو فعلا من أكثر المدراء الخلوقين والخدومين الذين مروا عليها.. خفتت ضحكات المدير بينما يسألها
((ما هي آخر أخبارك يا شيرين؟ هل تزوجتِ؟))
ارتبكت ملامح شيرين فجأة وترددت قبل أن تجيبه
((لا ما زلت عزباء))
ورغما عنها انحسرت ابتسامتها ولولا يقينها بأخلاق مديرها هذا لم تكن لتسمح له بمثل هذا السؤال الشخصي..
هتف أحد الرجال من زملاء المدير باسمه يدعوه للتسليم على رجال آخرين فتطلع المدير لشيرين يقول بعجل لا يخلو من التهذيب
((أنا أعرف يا شيرين رجل خلوق ذو مكانه مرموقة تعب من العزوبية ويريد الزواج، ويبحث عن بنت حلال مثلك، سأرسل صورته لك على رقم هاتفك لو تكرمتي وأعطيته لي الآن، وإذا ما شعرت بأي بادرة قبول أعلميني رجاءً لعل النصيب يحدث بينكما))
ازدردت شيرين ريقها وأخفضت بصرها بينما يكمل المدير بحرج واعتذار
((يبدو أن كلامي كان مباشرا وبدون مقدمات وبطريقة غير لائقة، ولكن أنا أتمنى حقا من أعماق قلبي أن تعطي الرجل فرصة))
ابتسمت شيرين بتشنج لتقول بينما تكتب له رقمها على هاتفه
((لا بأس أرسل لي صورته ورقمه وسأفكر بالعرض))
أشرق وجه المدير بالفرح هادرا
((لا تتصورين سعادتي الآن! صديقي هذا رجل محترم وأتمنى أن ينال إعجابك))
غادر المدير يلحق بزميله الذي لا يزال يشير إليه للانضمام لهم.. ولم يمضِ وقتٌ حتى وصلت رسالة لشيرين تتضمن صورة صديق المدير.. ففتحتها وسرعان ما جحظت عيناها بصدمة.. فصورة العريس كانت لرجل خمسيني أو ستيني.. المهم أن رأسه قد اشتعل شيبًا.. والله أعلم ما سبب بقائه حتى الآن بلا زواج! شعرت بإهانة بالغة جعلتها ترغب أن تجهش بالبكاء وسط جموع الناس في هذا الاحتفال.. خاصة وأن الموسيقى من حولها وربما لن ينتبه أحد لها!
هل هي بنظر الناس وصلت للعمر الذي يجعلها عروسًا مناسبة لرجل مثله؟ صحيح أنها في السنوات الأخيرة أصرت أنها لن تتزوج إلا من رجل يكبرها بالكثير فمعظم الذين يتقدمون لها من عمرها أو أصغر منها
يخبرونها صراحة بأنهم تقدموا لها على شرط أن تظل بعملها وتساعدهم بالإنفاق! هي لا تريد ترك عملها بعد الزواج ولكنها في ذات الوقت لن تقبل أن يتزوجها صعلوك عاطل عن العمل من أجل راتبها وحسب..
لكن لا يعني أن تقبل الزواج برجل يكبرها بهذا المقدار!
أغمضت عينيها وأخذت نفسا عميقا! ربما عليها التفكير بجدية في عرض وليد بالزواج ليس من أجل والد سهر وحسب بل من أجلها هي.. فذلك اللعين وليد هو من ضيع عليها كل تلك الفرص في زواج مكافئ بعدما شوه سمعتها ثم حاصرها طوال هذه السنوات!
.
.
مساءً.. منزل عائلة سهر..
عادت شيرين من الخارج ثم دخلت غرفة النوم لتتمدد على السرير بينما تطلب رقما ما على الهاتف.. تنهدت تُقوي نفسها وما إن جاءها الرد حتى باشرت دون مقدمات
((بعد تفكير مضني وعميق أريد أن أخبرك بأني موافقة على عرضك للزواج مني يا وليد))
همهم لها وليد قبل أن يتهكم
((تفكير حكيم من شخص متهور ومتسرع مثلك))
قاطعته بصلابة تملي عليه
((لكن لدي شروط..))
ارتفعت زاوية فاهه قائلا
((ما هي؟ أفحميني..))
بنفس نبرتها السابقة أجابت
((أريد كل الأوراق التي تثبت بأنه يمكنك التبرع بجزء من كبدك لوالد سهر، وأنا بطرقي الخاصة سأعرف كذبها من صحتها حتى أتأكد من أنك لا تخدعني، فقد سمعت بأن التبرع بالكبد يجب أن يكون من قريب للمريض وأنت لا تمت بأي صلة لسهر.. هذا أولا..))
قال بثقة دون أن يرف له جفن
((لك كل الحق، بعد انتهاء عملك مري على مكتبي وسأكون قد جهزت لك كل الأوراق اللازمة))
صمتت قليلا ولا تنكر أن ثقة وسرعة ما قاله أراحها قليلا.. قد يكون حقا صادق ولا يتلاعب بها.. فتمتمت
((ممتاز..))
حثها وليد على الإكمال
((وثانيا؟))
قالت شيرين بصوتٍ أجوف.. أقرب للموت
((ثانيا أريد أن تتحدث عن براءتي من البهتان الذي قلته في حق سمعتي وما قذفتني به قبل سنوات عندما تركتني في ذلك اليوم..))
لم يدعها تكمل وهو يقاطعها بشيء من الانفعال وقد نجحت في جعله يتخلى عن تسليته في استفزازها
((وهل كنت لأتحدث علنا في سمعة فتاة كنت أعرف جليا بأني لن أتركها طويلا وسأعود لأتزوجها عاجلا أو آجلا! إنها أمي وبغير علمي من نشرت ذاك الكلام، وفي الحقيقة لم ألمها فقد كان قلبها محروق على وحيدها وهو يتعرض للخيانة من خطيبته، ففعلت ما فعلته بغير وعي أو إدراك منها.. لكن على كل حال، فمجرد عودتي لك سيكمم الأفواه في القرية عن أي كلام قد طالك))
أرجعت رأسها للخلف وهي تهدر بغضبٍ شديد
((لن أتحدث في موضوع الخيانة، فأنا وأنت نعرف أنه في الماضي لم يكن هناك خائن بيننا سواك يا وليد..))
حاول وليد التحلي بالصبر والهدوء وهو يسمعها.. رغم يقينه من أنه لن يتقبلها كزوجة له إلا بعد أن ينتقم لنفسه من خيانتها له في الماضي.. وخيانتها له في الحاضر.. إذا لم يفد بعده عنها طوال السنوات الماضية وزواجه من غيرها في إطفاء النيران المتأججة في قلبه أو تطييب جراحه.. فزواجه منها سيفعل! فتمتم أخيرا بفتور
((هل هناك شرط ثالث؟))
زمّت شفتيها بضيق للحظة.. ثم قالت على مضض
((نعم.. العلاقة الزوجية..))
زاغت عيني وليد بخفر عند هذه الكلمة ليتذكر حقيقة أنها تزوجت رجل قبله.. خطى في الرواق بضع خطوات ثم توقف وهو يتراجع حتى استند للجدار برأسه محدقًا في السقف بعينين زجاجيتين.. ودون أن يشعر وجد كفيه تضغطان الهاتف بكل قوته حتى نفرت العروق في عنقه..
أخيرا سألها من بين أسنانه
((ما بها العلاقة الزوجية! ألا يكفي بأنك تزوجت من رجل قبلي.. وليس أي رجل.. بل ابن عمي!))
هدرت شيرين بدفاعية توقفه عند حده
((على رسلك يا وليد.. فأنتَ أيضًا تزوجت من امرأة قبلي.. كنت تعاشرها طوال عشر سنوات أما أنا فلم يستمر الأمر بيني وبين مُعاذ أكثر من أسابيع..))
وجد نفسه يصرخ بهياجٍ مكانه وهو يركل جدارًا بقدمه غير آبها لسماع أحد العاملين في مكتبه له
((ادخلي مباشرة في الشرط الثالث وحسب))
تلاعبت ابتسامة جنونية بشفتيها أخفت عنه بؤسها وأرضتها.. لا تصدق حقا بأن خدعة زواجها انطلت عليه.. حقا لا تصدق! كما لا تصدق أن مُعاذ لم يفشِ بحقيقة ما حدث.. كل الأمور تسير إلى صالحها بسلاسة رهيبة! تلك الفكرة المجنونة التي ظهرت لها بغتة وارتسمت أمامها بلا سابق تخطيط كلوحة واضحة المعالم قد نجحت..
لكن تسرب المقت فجأة إلى خلايا جسدها وتحسرت بأنه عاجلا أو أجلا سيكتشف وليد حقيقة أن زواجها من مُعاذ ما هي إلا خدعة سخيفة..
قطع وليد حبل أفكارها بنفاذ الصبر
((أنا أنتظر يا شيرين شرطك الثالث..))
أجابته بهدوء خادع
((شرطي الثالث بأنه لن يحدث بيننا أي علاقة زوجية قبل أن تتم الجراحة وتتبرع للسيد فايد! كنت سأشترط ألا نتزوج قبل عملية والد سهر الجراحية لكن أعرف بأن الثقة بيننا معدومة لذلك سأقبل أن يقام حفل الزواج، هنا نكون قد وصلنا لحل وسط يرضينا نحن الاثنين))
توترت قليلا عندما لم تجد منه ردا لكنه سرعان ما قال بهدوء قاتم ((موافق..))
ردت عليه شيرين بنفس الهدوء
((عملي وصديقاتي لن يتغير فيه شيء بعد زواجي منك، يفترض أن يكون هذا الأمر مفروغ منه لهذا لم أضعه في قائمة شروطي المبدئية، وإذا وجدت أي حاجة لإملاء المزيد من الشروط سأطلعك عليها يا وليد لاحقا))
خرج منه صوت مستهزئ قبل أن يقول بصوتٍ مغتاظ
((سأكون أكثر من مرحب لأستمع لها بأي وقت..))
أبعد وليد الهاتف عن أذنه ينوي إغلاقه قبل أن تعاود القول
((لحظة، وليد.. هل لا زلت معي؟))
عقد حاجبيه يسألها بخشونة
((نعم أنا كذلك.. هل طرأ على ذهنك أي شروط أخرى؟))
قالت شيرين له بصوتٍ يلفه التحقير والنفور في آن واحد
((لا ليس شروط.. لكن أجد بأني مضطرة بحكم الأخلاق أن أخبرك بأن حياتك ستكون كالجحيم معي، فأنت أكثر رجل أكرهه وأشمئز منه ولا أطيقه في هذا العالم، ولولا والد سهر وعائلتها التي أدين لها بالكثير لما كنت سمحت لنفسي أتزوج من حقير مثلك))
ثم أغلقت شيرين الهاتف دون أن تنتظر منه أي كلمة.. يكفيها الانتشاء برشقه بين الحين والأخر بكلمات سامة لها مفعول قاسي على أي رجل يمتلك كبرياء..
غادرت شيرين غرفة النوم للخارج دون أن تلاحظ شحوب ملامح سهر التي استمتعت لمحادثتهما كاملة..
=============================
في اليوم التالي..
دلف وليد لداخل مكتبه ينكب على عمله ويدفن نفسه بين ملفاته وأوراقه المتكدسة عندما وصل إليه صوت جلبة وضجيج من الخارج.. استقام واقفا من مكانه باندفاع عندما فُتح باب مكتبه بهمجية ودلفت منه امرأة للداخل يبدو عليها علامات العدوانية..
أمسكت مساعدة وليد ذراع المرأة معتذرة بحرج
((لقد دخلت يا سيد وليد هنا رغما عني ولم تقبل أن تعطيني اسمها لأعرف إذا ما كان لها حجز اليوم))
كانت مساعدته لا تزال تحاول جر المرأة الواقفة بصلابة أمام وليد إلى الخارج.. عندما غمغم بصوتٍ متشكك وهو يضيق عينيه المصوبتان نحوها
((سهر.. سهر الفايد؟))
كانت سهر واقفة مكانها تلهث وكأنها قطعت سباقًا طويلًا فقد كانت تسابق خطواتها السريعة في صعود الدرج للوصول إلي حيث يقبع مكتب وليد في هذه البناية.. فتمتمت مجيبة بأنفاسها المتقطعة
((نعم صحيح أنا سهر))
تطلع وليد بملامحه الحادة لمساعدته يأمرها
((يمكنك تأجيل أي شيء في جدولي لوقت لاحق))
أومأت له المساعدة برأسها مطيعة بينما تستدير على عقبيها للخارج وتوصد الباب خلفها.. فسارعت سهر إلى المنضدة أمام وليد تنحني وهي تضرب على سطح مكتبه بقبضتيها هاتفة بنبرة نارية
((بدون أي مقدمات، يمكنك مشكورا أن تتبرع لوالدي إذا أردت لكن أنا لن أسمح لك أن تتزوج من صديقتي))
ظل وليد ينظر لوجهها بصمتٍ قاتم للحظات ثم تساءل بهدوء وبريق خافت متهكم يلمع من عينيه
((هل شيرين هي أكثر أهمية عندك من والدك؟))
اشتد الغضب داخل سهر واندفعت الدماء برأسها في غليان متصاعد.. يستحيل أن تقبل على صديقتها الزواج برجل مثله! بدون وعي هتفت به بشراسة
((لا أنا ولا والدي قد يقبل لشيرين أن تتزوج من شخص حقير قاسي مثلك..))
نظراتها العدوانية المصوبة نحوه بثت النشوة في جسده فأكمل بنبرة مستفزة
((حسنا لن أتزوجها ولن أتبرع))
ألقت سهر عليه سيل من الأسئلة المستنكرة بغضب ملامحها ونبرتها الصلبة المشحونة
((لماذا لن تتبرع له؟ ما الذي قد يضرك لو تبرعت؟ سيأخذون بعملية جراحية جزء من كبدك ويضعونه داخل أبي، وكبدك سينمو ويعود إلى حجمه الطبيعي وقدرته في غضون شهرين بعد إجراء الجراحة، وفي الوقت نفسه سينمو جزء الكبد عند أبي ويستعيد وظائف الكبد الطبيعية لديه.. ما الذي قد تخسره لو فعلت ذلك؟))
كتم وليد ضحكة صاخبة مكتفيا بابتسامة مستهزئة رققت ملامحه الحادة ليقول أخيرا مختصرا
((الحقيقة لا أحب أن أقوم بأي شيء دون مقابل))
مسدت سهر جبهتها بأصابعها مرتبكة ثم قالت على مضض
((إذن فلا تفكر بأني قد أسمح لك أن تتزوج من شيرين، ولو أصرت شيرين فسأخبر أبي بكل شي وهو بنفسه من سيرفض عرض تبرعك، لا يمكن أن يعيش أبي على حساب عذاب شيرين))
ثم شمخت بنظرها وحدجته بنظرةٍ حادة أخيرة وهي تردف من بين أسنانها بتحدٍ سافر
((مقدما أقول لك أن زواجك بها لن يتم، هي اكبر من أن تتزوج من رجل كان أهون ما فعله بها في الماضي تركه لها في ليلة زواجهما والتزوج من أخرى))
بلحظة واحدة طفا شيطان وليد فضاعت ابتسامته بإظلام عينيه اللتان تلونتا بشيء من لون الدماء.. وتوحشتا..
يدرك بأن سهر قادرة فعلا على إثناء شيرين عن موافقتها.. وبحركة محتدة كان يستدير لإحدى الخزائن الموضوعة في ركن ما ويفتحها.. أخرج من إحدى جواريرها مجلدا كان قابعا في الداخل.. ثم استدار نحوها يهتف بقوة
((وهل سألتي نفسك عن السبب الذي جعلني أتركها في نفس يوم زفافنا؟))
ازدردت سهر ريقها من انقلاب هيئته لتجيب
((بلى أعلم، لقد أخبرتني شيرين عن سبب تركك إياها..))
قاطعها بحدة ((لا أظن فعلا بأنها أخبرتك بخيانتها لي فتصرفاتك وكلامك لا يوحي بأن هذا ما قالته))
شحبت ملامح سهر وخفق قلبها بخوفٍ حقيقي بينما تتمتم باقتضاب
((خيانة؟ لا يمكن لشيرين أن تخونك أبدًا..))
غمغم وليد ببرود
((بلى فعلت))
كانت سهر تهز رأسها غير مستوعبة ما نطقه لذا همست متهكمة
((هل تقصد بكلمة "خيانة" معنى مجازي أم معنى..))
قاطع شكوكها بنبرته الحادة الراسخة وهو يناولها الأوراق الموضوعة في ملف
((خذي واقراي تلك الرسائل التي كتبتها للشاب الأخر، وكلها مكتوبة بخطها، كانت قد كتبتها قبل وقت قصير جدًّا من موعد يوم زفافنا.. يدعى ذاك الشاب نائل.. هذه هي صورته))
في نهاية حديثه أخرج صورة لشاب بدا في مقتبل عمره فنظرت سهر إلى الصورة
((لا يمكن أن أصدق ذلك..))
قال وليد بصوت مشروخ متحشرج
((وأنا لم اصدق هذه الرسائل، فواجهتها وسألتها، كنت مستعدا أن اصدقها لو كذبت عليّ وقالت بأن كل ما كتبته لذاك الشاب ما هو إلا أوهام وأكاذيب، ولكنها لم تفعل، بل قالت بشكل واضح وصريح بأن ما شعرته تجاه ذاك الشاب نائل كان حبا))
رفعت سهر يدها إلى عنقها شاعرة بغصة تمنعها عن التنفس وهي تهمس بغير تصديق ((أنتَ كاذب))
رد وليد بصوتٍ ميت ((أنا أتفهمك ولكان عندي نفس ردة فعلك لو كنتُ مكانك، ولكن خذي وقتك يا سهر في قراءة هذه الرسائل ثم واجهي شيرين))
هتفت سهر بتخاذل
((لا يمكن.. مستحيل.. لم أسمع بهذا المدعو نائل طوال عمر صداقتي مع شيرين..))
تضاربت مشاعر وليد بعنف ليطل منها احتياج صارخ أن يحطم أي شيء أمامه.. فتابع هتافه بنبرته القوية
((ضعي نفسك مكاني، ماذا كنت ستفعلين لو عرفت في نفس اليوم المقرر لزفافكما بأن المرأة التي حاربت الجميع للزواج منها تخونك بالمشاعر وتتبادل رسائل الحب مع شاب آخر؟))
راقبت بتوجس رهيب تجهم ملامحه ونظراته النارية..
إنه يكذب.. مؤكد هو يكذب.. ازدردت ريقها قبل أن تسأله
((كيف عرفت بها؟))
ردّ بصوتٍ مخيف رغم انخفاض نبرته
((الشاب نفسه كتب لي رسالة يشرح فيها الانهيار والدمار الذي يكتسحه لأنها تركته ورفضت أن تتزوجه من أجلي، لأني من عائلة ذات خلفية اجتماعية واقتصادية أفضل منه))
تسمرت مكانها وقد فقدت ملامح وجهها جميع ألوان حيويتها فعرض عليها ببساطة
((أُفضل أن تذهبي لمكان آخر وتقرأي هذه الرسائل على راحتك، فاليوم حافل بالنسبة لي وهناك مواعيد مهمة مع عملائي، لا أستطيع أن أضيع وقتي أكثر..))
ارتجفت يدي سهر الممسكة بالأوراق بينما تتلعثم بارتباك وتشتت
((وليد أنا.. أنا سأقرأ كل شي ولكن.. لكن..))
بدا صوت وليد أجش وهو يقول
((أنتَ مستغربة مني أني لا زلت أريدها حتى بعدما خانتني أول مرة بتلك الرسائل، وخانتني المرة الثانية بعد زواجها من ابن عمي، نعم معك حق، ولكن ماذا أفعل! هذه هي إرادة قلبي السخيف! إنه مُصر على إذلالي))
تماسكت سهر بشق الأنفس وكانت تريد أن تستدير للخارج عندما ناداها مجددا وهو يناولها أوراقا أخرى
((قبل أن تغادري، أعطي هذه الأوراق لشيرين، لقد طلبتها مني حتى تتأكد من صدق كلامي بشأن التبرع))
تشبثت سهر بإطار الباب وهي تترنح بملامح شاحبة لكنها أجبرت نفسها على سحب الأوراق منه بعصبية قبل أن تغادر للخارج بخطواتٍ سريعة مندفعة..
.
.
مساء..
كانت شيرين تتوسد سريرها وتقرأ كتابا ما كمحاولة للاسترخاء بعد ضغط يوم عمل مرهق.. عندما طُرق باب الغرفة سمحت للطارق بالدخول لتدلف تمارا والدة سهر تتقدم نحوها بعصبية هادرة بجنون
((أين هي سهر؟ هاتفها مغلق وخطيبها المسوف المحتال يرن عليّ منذ ساعة! يبدو أنها لا ترد عليه حتى))
اعتدلت شيرين شبه جالسة وهي تقول بخفوت
((وأنا أيضًا لا ترد عليّ))
رفعت تمارا هاتفها تنظر له بغل عندما صدح صوت رنينه مجددا ثم ناولته لشيرين تقول بغيظ عارم
((ردي على هذا المحتال فهو يتصل بي بإلحاح ويظنني من أمنع سهر من الرد عليّه، أخبريه أن سهر ليست هنا، لأني لو أجبت على اتصاله لن يحدث خيرا أبدًا))
غادرت تمارا غرفة النوم تترك شيرين في مأزق حرج وهي محتارة إذا ما كان عليها الرد على خطيب سهر..
لكن وقبل أن يخفت رنين الهاتف سارعت تجيب بادئة بلطف زائد رغم توتر صوتها
((مرحبا سيد قصي.. أنا شيرين.. صديقة سهر..))
استغربت شيرين سماع صوت تأتأة من جهته وكأنه صدم من هوية المجيب.. قبل أن يسعل بمحاولة تجلية صوته ويرد عليها برسمية وصوته الرخيم يدل على هيبته صاحبه
((مرحبا، آنسة شيرين..))
تشنجت قسمات شيرين المبتسمة بينما تقول بصوتٍ لبق
((سهر ليست في البيت، نحاول الاتصال عليها ولا ترد، لكن أظن بأنها بخير، لا تقلق عليها يا سيد قصي))
رد قصي بإيجاز قبل أن يغلق الخط عليها
((إلى اللقاء..))
اتسعت عينا شيرين باستغراب وهي تنظر للهاتف لا تصدق كيف اختصر حديثه معها بهذا الشكل! منعدم اللباقة.. لكن شردت عيناها قليلا وهي تفكر بأن صوته مألوف جدًّا لها رغم أنها لم تتحدث له سابقا! هي أصلا لم تراه إلا مرة أو مرتين من بعيد أثناء عقد قرانه بسهر!
ضيقت شيرين عينيها تعتصر عقلها وتحاول جيدا تذكر من لديه صوت مشابه له دون فائدة..
انتشلها من شرودها صوت سهر فرفعت نظرها لها لتجدها تقف عند عتبة الباب بملامح متجهمة..
اتسعت عيناها وتحفزت تقوم من مكانها نحوها تسألها باستهجان
((سهر أين كنت طوال هذا الوقت؟ هاتفك مغلق، حتى أنك لم تعلمي أحد بمكان تواجدك))
في آخر حديثها رفعت يدها تمسك مرفق سهر التي سرعان ما نفضتها لتقول بصوتٍ متعب
((اتركيني يا شيرين))
بدت سهر بوجه آخر وهي تتحدث معها.. وجه متعب ومرهق رغم تماسكه.. لتتوجه ببطء نحو السرير تجلس على طرفه بإنهاك قبل أن ترمي كومة الأوراق التي تمسكها فوق السرير.. فتساءلت شيرين بتردد وشعور من عدم الاطمئنان يتسرب لقلبها
((ما هذه الأوراق؟))
رفعت سهر وجهها الجامد تجيبها بفتور
((هذه إثباتات بأن وليد قادر على التبرع لوالدي بجزء من كبده))
نظرت شيرين لها بتشكك وتبين لها سبب تصرف سهر معها.. فتصلبت نبرتها وهي تتساءل
((هل كنتي عند ذاك المنحط وليد؟))
زمّت سهر شفتيها للحظات قبل أن تجيبها بنبرة لائمة
((شيرين لقد أخبرني وليد عن سبب تركه لك في يوم زفافكما..))
كتفت شيرين ذراعيها تتساءل بصوتٍ قوي
((وماذا أيضًا قال لك لتنقبلي عليّ بهذا الشكل الفظيع؟))
ردت سهر بلامبالاة ظاهرية
((لا يوجد مزيد، فقط أخبرني عن السبب، وعن تلك الرسائل التي كتبتها لزميلك المدعو نائل))
مالت شيرين بفمها ممتعضة لكنها قالت ببرود
((دعيني أخبرك كل ما حدث بالتفصيل قبل يوم زفافنا، فكل الأحداث تبدو مثالية حينما تُروى من طرف واحد، لكن سرعان ما ستتغير نظرتك بل وتنقلب إلى الضد ما أن تسمعيها من الطرف المقابل))
ضيقت سهر عينيها تسألها بتوجس
((وضحي لي كل شيء وسبب ما كتبتيه))
=============================
في المدينة..
أمام منزل غنوة..
ركنت غنوة دراجتها النارية لتحرر رتيل أخيرا أصابعها المتشبثة بقوة بمعطفها وتترجل من الدراجة النارية بحذر.. خلعت الخوذة الواقية بينما تقول بنشوة
((رباه كم هو جميل ركوب الدراجة يا غنوتي، كلما اعتلي الدراجة خلفك بينما تقودينها أشعر وكأنني أحلق))
ضحكت رتيل بانتشاء وبهجة تجربة الدراجة النارية ثم تمتمت مردفه
((عندما سمعت مُصعب مرة يسأل زوجته عن شعورها وهي تستقل الدراجة وتجلس خلفه وأنا أنام وأحلم بركوبها، وبفضلك تحقق حلمي في تجربتها، أضحى أحب ما على قلبي المجيء عندك وركوبها كما تجرب نورين دراجة زوجها))
ركنت غنوة الدراجة النارية عند منزلها ثم وضعت الأقفال عليها متهكمة
((جربتيها بالضبط كما فعلت نورين، بل وعلى نفس دراجة زوجها تلك التي سرقتها))
اختفت ابتسامة رتيل تماما بغيمة سوداء أخفت لمعان عينيها وهي تتذكر أن هذه الدراجة كانت هي السبب في جعل غنوة تسرقها من مُصعب.. صحيح بأنها قامت بالتسلل ووضع مغلف في سيارته بثمن قيمتها بل وأكثر.. لكن هذا لا يقلل من ذنب السرقة! فتمتمت باختناق
((أحكمي إغلاق قفل الدراجة يا غنوة))
ولجت رتيل منزل غنوة ثم أوصدت الباب خلفها.. بدأت جلبتها في حل عقد وشاحها لتقول غنوة بحنق وهي تقفز متمددة على إحدى الأرائك
((رتيل عليك التوقف عن ارتداء تلك القمصان الطويلة والحجاب عندما تأتين إلى هنا، إنها حتى تعيق ركوبك للدراجة، لا أعرف كيف تستمتعين أثناء ارتداء مثل هذه الأشياء الفضفاضة الواسعة، الحجاب مكانه القرية فقط))
حدجتها رتيل بنظرات خطيرة وهي تتمتم بتحذير
((اختصري يا غنوة! كم من مرة عليّ أن أقول لك لا تتناقشي معي بهذا الموضوع))
لوت غنوة فاهها وهي تشيح بوجهها جانبا.. أما رتيل فقد كانت حقا تحب غنوة وتحب الأيام التي تقضيها معها هنا في منزلها في المدينة.. بل هي أفضل أيام حياتها.. لكن المشكلة فيها هي وساوسها وضغطها عليها بأن تتحرر من كل القيم التي تتبناها.. وهنا فقط تحاول إيقافها عند حدها.. كما فعلت الآن قبل أن تحاول تلطيف الأجواء وهي تعود لهالة ذهولها السابق
((من علمك قيادة الدراجات يا غنوة؟ لطالما أصابني شغف الدراجات النارية منذ طفولتي))
رفعت غنوة رأسها بغرور فطري وقالت منتشيه بفخر
((معي الرخصة منذ زمن! ولشح المال لم أستطع توفير ثمن الدراجة لكن بفضلك أو بفضل شقيق زوجك ها قد أصبحت عندي واحدة))
أومأت لها رتيل رأسها فقالت غنوة مقترحة بحماس وهي تعتدل جالسة على الأريكة
((ما رأيك أن نستضيف الآن حفلة راقصة؟))
تسرب الضيق لوجه رتيل وهي تقول بامتعاض
((لا.. لا أريد..))
غمغمت غنوة باقتضاب
((لماذا؟ سأضع أغانيك المفضلة والأضواء وسنستمتع سويا مع صديقاتي اللاتي سأدعوهن، ربما أعلمك أيضًا بعض حركات رقصة جديدة لا تعرفينها))
كتفت رتيل ذراعيها تقول بهدوء متناقض مع السخرية التي علت ملامحها
((لا يا غنوة، لا أريدك أن تدعي أحدا آخر عندما يأتي موعد زيارتي الأسبوعية لك، لا أرتاح لصديقاتك، إنهن أسوء منك بالتحرر.. أوه فقط انسي..))
هزت رتيل كتفيها في نهاية حديثها بلامبالاة لا تريد الخوض أكثر في الحديث.. في حين عادت غنوة تقترح وهي تلامس خصلات شعرها
((كنت أفكر بأنه مضى وقت طويل لم أغير تصفيفة ولون شعري.. هل تحبين أن تغيري أيضًا وتجددي معي؟))
تنهدت رتيل ثم قال بصوتٍ يلفه البؤس متحسرة
((لا لن أغير شيء، مُؤيد يكره أن أصبغ شعري ويحذرني أن أفكر في ذلك حتى، لا لشيء إلا أنه كرجل متخلف ينظر لصبغ الشعر نوع من أنواع الانفلات!))
قالت غنوة بامتعاضٍ أقرب للشعور بالغثيان
((يا إلهي أستاذ مانع وصل لمرحلة صعبة حقا، دماغه متعبة ولست متفائلة بأنه قد يُشفى يوما من التخلف))
أخفضت رتيل بصرها تقول بصوتٍ خافت
((بعد كل هذه السنين صرت أفهم تناقضاته وطباعه وأحاول التعامل مع غيرته واندفاع أفعاله قدر الإمكان))
نظرت غنوة بطارف عينيها لرتيل تقول بنبرة ذات مغزى
((لو كنت مكانك لتطلقت وارتحت منه..))
انتفضت رتيل كالعاصفة الهوجاء وعيناها تتطايران بشرر ناري لتهتف بغضب متأجج
((توقفي عن جلب سيرة الطلاق في كل مرة يا غنوة وإلا لن آتي هنا مرة أخرى، لقد بات الموضوع فعلا مزعج.. ألا حديث عندك إلا طلاقي؟))
لم ترتبك ملامح غنوة حرجًا.. بل على العكس ارتسم على وجهها الاستياء وهي ترد بامتعاضٍ شرس
((ألهذه الدرجة تحبينه رغم خيانته لك؟))
قالت رتيل بمنطقها وبصوتٍ أجش حزين
((المسألة ليست مسألة حب، بل إن الحياة مع رجل مثله أرحم من الحياة مع عائلتي المتعصبة، هل تعرفين أن العودة لمنزلي مطلقة حيث تعيش أمي المتزمتة بعادات الماضي المتخلفة وإخوتي الأكثر تشددا من مُؤيد يعني الانتحار؟ لن أقدر وقتها على القدوم عندك حتى!))
رفعت غنوة حاجبيها تمعن التفكير بكلام رتيل لتكمل الأخرى باقتضاب
((لو لم تكن لدي عائلة كعائلتي فأقسم لك لحاولت الطلاق حتى لو ترتب عن الأمر أن أتخلى عن ولديّ، ولجئت هنا لأعيش عندك بحرية))
وعند ذكر سيرة ولديها فهد وباسم.. تقوست شفتي رتيل لترتجف حزنا وحسرة
((آه ولديّ المسكينين! إنهما يخطران على بالي في كل مرة آتي هنا خاصة عندما أذهب معك لأي مطعم أو سينما، أقصى أمانيهم أن يذهبا معي أو مع والدهما إلى هذه الأماكن لكن مُؤيد يرفض رفضا قاطعا..))
تطلعت غنوة إلى ملامحها الشاردة الحزينة والذابلة ثم تساءلت بحيرة
((لماذا لا تجلبيهما معك؟))
أجابت رتيل بحزن وشعورٍ كئيب يغلف قلبها
((لا أستطيع أن أخاطر، إنهما صغيران وأخاف أن يفتنا عليّ لوالدهما أو أحد من العائلة فهما لا يستطيعان كتم السر أبدًا.. عليّ أن أكون حذرة إذا أردت ألا ينكشف هذا السر ولا ينفصل رأسي عن باقي جسدي))
ثم ازدادت ملامح رتيل بؤسا مكملة
((غدا عليّ أن أعود للقرية إلى حيث النكد والتكتم.. يا إلهي لا أريد العودة.. لا أريد.. لماذا تمر الأيام سريعة بشكل رهيب عندما أكون عندك، وتمر بطيئة كالجحيم عندما أكون هناك!))
تنهدت غنوة وتقدمت نحو رتيل تمد ذراعها تحيط به كتفيها وهي تشجعها
((حسنا دعينا نستغل آخر ساعات لك هنا قبل العودة بالمرح بدلا من التحسر والغرق في مآسي الحياة، هل أذهب بك لزيارة متحف أو معرض للفنون رغم كرهي لهذه الأماكن المملة؟))
تبدلت ملامح رتيل للنقيض لتتحمس ببهجة
((نعم.. نعم يا غنوة.. أعشق المتاحف وكل شيء له صلة بالتاريخ والفنون.. دعينا نذهب لهناك))
قالت غنوة بمرح وهي تغمزها بابتسامة
((من عيوني.. سأذهب لأبحث الآن عن المعارض المقامة قريبًا ونذهب لها معًا.. ربما يستضيفون أنشطة جانبية كالندوات والمحاضرات وعروض الأفلام أيضًا..))
حلقت عينا رتيل بلهفة وانفجرت أساريرها بينما تصفق بيديها
((سيكون هذا من حسن حظي..))
أما غنوة ففكرت بأن عليها أن تقلل من تحريض رتيل على الطلاق.. على الأقل بشكل مبدئي.. ثم هي وبل الأحوال تستفيد منها ماديا كلما جاءت عندها.. يكفي بأنها تدفع لها مبالغ طائلة كإيجار من نقودها عن كل يوم تمكثه هنا!
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم Hya Ssin
قبل الفصل خاطرة للجميلة اماني عن مؤيد ورتيل..
تختال أمامي بتجاهل تحسبني تمثال ...
أوجه اوامري لها ...
تنظر لي باستهزاء و تأبى الإمتثال ...
جعلت مني انسان يضع ألف احتمال و احتمال ...
و المثير للغرابة !
كلما زدت خنقي لها يزداد عندها الغنج و الدلال ...
كأنها تقول مت عش سم الهجران ...
قلبي الذي حسبته ميتا تبين انه حي و بدأ بالإعتلال ...
تلك التي أمامي ليست رتيل ...
لقد غيروها ! ان تكون هي مستحيل...
ما كانت تعرف التمرد ...
لم تكن كل يوم تزداد جمالا و تتورد ...
لم تكن حلمي الذي أغمضت عيني عنه ...
حلمي الذي أتجرع للآن ألمه ...
أحبها ؟
أيعقل
سؤال يقف بين رافض و مؤيد ...
و المؤيد طاغ ...
أضحى لكل أرائها خير صاغ...
و مستمتع، لسكوتها غير باغ ...
أضحت الرتيل أمنية ...
ضحكاتها أغنية ...
هجرانها ذلك بالتأكيد إنتحار ...
و اصبحت مربوطة به و لا تملك خيار ...
و الأغرب أصبحت قلبه رغم كل إحتيار ...
رتيله !
و هاء الملكية جديد ...
بعدما جرب بعدها ...
عرف انها ضربة بقبضة حديد ...
بين رتيل و مؤيد عواصف و براكين ...
تخمد بلمسة يد و تلاقي العينين ...
انتهى.
***********
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
في غرفة المعيشة حيث مُصعب وأخيه متمددان فوق الأريكة أمام التلفاز.. تململ مُصعب الذي كان يحدق في التلفاز بشرود في مكانه وهو ينظر لساعة يده.. ثم تحرك بكسلٍ لينهض عن الأريكة متمتما وهو يتمطى
((كم أشعر بالنعاس!))
رفع مُؤيد نظره لأخيه بتساؤل
((إلى أين أنتَ ذاهب؟ انتظر ستأتي أم فهد بالشاي هنا لنا))
أجابه مُصعب تزامنا مع دلوف رتيل للداخل ووضع صينية الشاي أمامهما
((سأذهب برفقة زوجتي للتسوق، لقد وعدتها منذ مدة، سأتركها هناك وأعود لأقلها عندما تنتهي فأنا أكره التجول في الأسواق لساعات))
تجهمت ملامح مُؤيد فورا ثم اعتدل بجلوسه وتساءل بصوتٍ واجم
((ولماذا تذهب أنتَ! دع زوجتي ترافقها))
رفعت رتيل حاجبيها بدهشة ثم لكزت كتفه بخفة تعترض
((أنا لست متفرغة يا مُؤيد، سأساعد ابنك بحل فروضه المدرسية بعد قليل))
التفت مُؤيد يرشقها بنظرات صارمة يحذرها الرفض ثم تهكم بتسلط
((لا تتصرفي وكأن ابني في الثانوية العامة.. إنه فقط في السابعة من عمره.. هيا اذهبي ورافقي زوجة أخي))
ضيقت رتيل عينيها وهي بالكاد تكظم غيظها من زوجها!
عندما كانت تتوسل له أن تتسوق أو تتنزه كان يخرج عليها بالصوت العالي رافضا بحجة أنه لا يحب من زوجته أن تطأ قدمها عتبة البيت.. أما الآن فلأنه يخشى أن تتكرر مسألة هرب نورين فهو يريد منها أن تترك أشغالها حتى تعمل كحارسة عنده وتمارس سياسة تعكير الأجواء على عروس الثأر! لكن فجأة لانت ملامحها ورسمت ابتسامة ماكرة لتقول موافقة بشكل مثير للريبة
((حسنا سأذهب، تذكرت بأن هناك أمورا عليّ أن أجلبها من السوق))
كتف مُؤيد ذراعيه يقول لأخيه بلامبالاة مزيفة
((أوصلهما هناك للسوق وزوجتي ستبقى معها))
شرد مُصعب بعينيه جانبا بتفكير وهو يضم شفتيه ثم قال
((لا سأعطي نورين سيارتي وسأنام الآن))
=============================
جناح نورين..
حيث تضع نورين هاتفها أمامها وتتحدث مع أمها صوتا وصورة.. تنهدت بحزن وبكاء أمها يستمر بشكل يدمي القلب وتمنت لو أنها أمامها لتربت فوق كتفها.. فتحشرج همسها وهي تناجيها
((أمي لا تقلقي سأحمل قريبا وأنجب طفلا غير الذي فقدته.. أنتِ فقط توقفي عن البكاء))
شهقت ريحانة والدة نورين ببكائها الحار ثم تمتمت بضعف موجوع بالفجعة والحسرة
((أصدقيني القول يا نورين.. هل قام أحد بضربك أو تعنيفك أو تقصد وقوعك على الدرج ليفقدك الجنين؟))
اتسعت عينا نورين ثم سارعت تنفي مستنكرة
((أمي يا للهول من أين جئتِ بهذه الأفكار! سبق وأخبرتك يوم الحادثة بأني شعرت فجأة بألم في بطني وعندما خرجت من جناحي وهبطت السلم تعثرت ببضع درجات وحدث ما حدث، لماذا لا تصدقيني وتصرين أنه كان متعمدا!))
ردت ريحانة من بين بكائها الذي ينحر قلب ابنتها عليها
((لكن قلب الأم يخبرني بأنك تخفين حقيقة ما يجري لك هناك حتى تخففي من شعورنا بالذنب لأننا أجبرناكِ على هذا الزواج دون جريرة منك))
ابتسمت نورين بشحوب، ثم قالت
((لندع الماضي جانبا أمي، الآن أنا سعيدة هنا ومع مُصعب، وإلا لما استطعت التحدث معكم بمكالمات مصورة بشكل منتظم))
اهتز جسد ريحانة ببكائها الحارق ثم قالت بصوتها المتهدج
((هذه المحادثات والمكالمات لا تغني ولا تسمن من جوع، لن يطمأن حالي إلا عندما أراك وأتفحصك بيدي هاتين وأضمك وأتشمم رائحتك، لا اصدق بأني لم أراك وجها لوجه منذ سنة..))
دمعت عينا نورين وهي تنظر لوجه أمها المبلل دموعًا فانطبقت شفتاها ألما ووجهها الرقيق يتوجع على أمها أكثر من حالها فقالت تحاول التخفيف عنها
((أمي لا بأس، أنا أيضًا مشتاقة لك بحجم السماء، ولكن ما باليد حيلة!))
لكن كانت دموعها لا تتوقف وتنزلق من عينيها دون مجهود.. تنبع من صميم قلب الأم..
مرّ دقائق على حالها قبل أن تخفت أنفاسها ويتعب صوتها لتعلن بصوتٍ جاد رغم ذبذبة النبرة
((لقد أخذنا قرارا أنا ووالدك وعليّ أن أطلعك به لأننا سننفذه قريبا))
تساءلت نورين بملامح متوجسة
((ما هو يا أمي؟))
رغم ارتباك الأم إلا أنها حسمت أمرها وقالت
((والدك يخطط لنسافر نحن جميعا للخارج، وسننتشلك معنا ولن نعود هنا))
اتسعت عينا نورين وأخذ الأمر منها ثوان لتدرك ما تسمعه وتهتف بها بصدمة
((أمي وماذا بشأن الاتفاق الذي..))
غمغمت ريحانة بسخط
((فليذهبوا للجحيم، أنتِ أهم))
تنهدت نورين ثم تمتمت بشيء من ألم الماضي الذي شعرت به بسبب عجز وقلة حيلة والديها
((الآن عرفتم أنني أهم! ألم تعرفوا ذلك قبل أن ترفضوا ابن صديق أبي الذي تقدم لي ووعدني أن أسافر معه وأكمل دراساتي العليا في الخارج!))
مسحت ريحانة عينيها المحترقة بالدمع المالح لتقول بوجع وخزي
((كبار القرية ووجهائها كانوا يضغطون على والدك، ولكن لم يفت الأوان على إصلاح خطئنا.. المهم هو أننا ستحتاج لوقت حتى يتدبر والدك أمر السفر..))
قاطعتها نورين بجزع من سخافة ما تسمعه
((أمي لن يسافر أحد فينا للخارج ولن يترك أبي هنا مصالحه وأملاكه من أجل فكرة غير مدروسة كهذه))
انطبقت شفتا ريحانة فقامت بتغطيتهما بكفها تحارب وخز البكاء.. أما نورين فقد انتظمت أنفاسها لتهدأ رغم أعصابها المتشنجة من عدم مسؤولية والديها..
كانت نورين تريد فتح شفتيها لتقول شيئا لأمها قبل أن تحين منها نظرة إلى حيث شعرت فجأة بطيف أحد يقف عند الباب..
انخطفت أنفاسها وهي تدرك أن هذا الشخص ما هو إلا مُصعب! انقبض قلبها وظلت على حالها لثوان قبل أن تعود وتنظر لأمها الظاهرة على شاشة هاتفها وتقول بارتباك قبل أن تغلق المحادثة
((أمي سنتحدث لاحقا، إلى اللقاء الآن))
وضعت نورين هاتفها على المنضدة بجانبها بينما ترى مُصعب متجهم الوجه يتقدم ببطء ويجلس على الطرف الآخر من السرير..
أخفت قلق قلبها وارتجافه بين أضلعها بينما تسارع بالدوران حول السرير والجلوس بجواره..
ابتلعت الغصة وهي تتماسك وتسأله بخوف رهيب
((مُصعب هل سمعت شيء؟))
هز رأسه وهو يقول بشيء من الشرود
((عندما فتحت مقبض الباب بقيت لمدة لم أرد فيها أن أقاطع حديثك مع أمك.. وأصغيت لحديثك الأخير))
كان كل ما سمعه يتدافع بعقله ويشوش أفكاره فرفعت نورين كلتا يديها تمسك وجهه وترفعه لينظر لها بينما تخبره بلهفة ممزوجة بالقلق
((إياك أن تأخذ ما سمعته من أمي على محمل الجد، والدي الاثنين متقلبان المزاج والمشاعر وعاطفيان ويتخذان قرارات متهورة سرعان ما يتراجعان ، صدقني لو اتصلتُ مرة ثانية بهما سيقولان لي بأنهما تراجعا عن هذا القرار بعد دراسته من كل الجوانب))
لم يجبها مُصعب بشيء فازداد التوتر المشع من عينيها لتسأله بصوت خافت يشوبه التردد
((هل أنتَ غاضب يا مُصعب؟))
كان يتنفس بانتظام مريب عاقدا حاجبيه قبل أن يضع عينيه في عينيها ويقول بكلمات كانت تنبض ثقته فيها
((أنا أثق بك، حتى لو طلبا منك الرحيل أو الهرب، لن تفعلي وتسببي مشاكل للأخرين.. أنتِ بنفسك أخبرتني بأنك باقية هنا برضاك التام بعد أن خيرتك لانفصال بيننا لا يسبب لأحد مشاكل.. صحيح؟))
اهتزت حدقيتها وسارعت تقول بلهفة قلبها نافية
((معك حق مستحيل أن أفعلها.. مُصعب الحقيقة هي..))
ترددت في نهاية حديثها.. إلا أنها ازدردت ريقها ثم رفعت ذقنها لتقول
((نعم أنا سبق وفكرت بالهرب..))
ازداد انعقاد حاجبيه دون أن يبدي شيئا من احتدامات مشاعره ينتظر ما تريد إكماله.. فتنهدت لتلقن ذاتها القوة والشجاعة ثم هدرت مسترسلة كلامها
((لا تستغرب ما تسمعه، أنتَ من أشعرتني بأنه يمكنني أن أمضي في قول الصدق دون أن أخاف من شيء))
سألها بصوتٍ ثابت دون أن يحيد بعينيه عنها
((متى فكرتي بالضبط أن تهربي؟))
أجابته بصوتٍ أجش
((قبل الزواج بأيام، قبل أن أعرف من سيكون زوجي.. لأنني..))
هدر بما يحثها أن تكمل
((لأنك ماذا؟))
أجابته بصدق وطيف الماضي يمر من أمامها
((لأنني كنت لا أفكر إلا بنفسي.. كنت أؤمن بشدة أنى أستحق الحب ولم تهن نفسي عليّ أن اقترن بهذه الطريقة، لم أتحمل فكرة أن أظل لآخر عمري أدفع ثمن شيء لم أقترفه..))
انفرجت ملامحه قليلا لكن شابها الاستغراب وتساءل
((ولماذا توقعتِ وحكمت بتأكيد أن الشخص الذي ستتزوجينه سيكون سيئا؟))
ردت عليه بابتسامة شاحبة
((وهل من المنطقي أن أتزوج من رجل بهذه الطريقة ويكون إنسانا جيدا؟ لقد كنت مرعوبة أن تأخذني بذنب قريب عائلتي الذي قتل ابن عمك بلا وجه حق وبالتالي تظلمني وتسيء معاشرتي وتذيقني شتى أنواع الإهانات والشتائم والضرب، كيف هكذا سيكون موقفي أمام أطفالي ولومهم لي لأني قبلت أن أتزوج من أب سيء!))
ترققت ملامح مُصعب أكثر لتهز برأسها وهي تسترسل
((وحتى لو قررت أن تخاف الله بي وقررت ألا تأخذني بذنب قريبي، فلن نتمتع بحياة جميلة مطمئنة كما أحلم ولن نحظى بأسرةٍ متماسكة، لربما بسبب نقص في التناغم أو اختلاف الشخصيات والاهتمامات، إذا كان الأزواج وبعد فترة خطوبة طويلة وتعارف يجدون أنفسهم غير قادرين على التكيف مع بعضهما فما بالك بزواجي من شخص لم يسبق وأن رأيت شكل وجهه إلا في يوم عقد قراننا!))
ثم رسمت ابتسامة حانية وهي تستطرد كلامها مؤكدة
((لا تتعجب يا مُصعب فأنا لم أكن لأتزوج من أي كان دون خطبة وفترة تعارف لأدرس الشخص الأخر بصدق وتروٍ، وأقف على شخصيته وطريقة تفكيره ومشاعره وميوله واتجاهاته وهواياته ومزاجه وخلقه، فالزواج ليس نزهة أو فترة عابرة في حياة الإنسان، بل إنّه التزام أبدي وتعايش بين اثنين تحت سقف واحد وفيه مسؤوليات كبيرة وثقيلة على الاثنين))
مالت زاوية شفته بابتسامة باهتة على ما قالته.. لكن لم ينحسر صمته..
مرت دقائق عليهما قبل أن يقول بصوتٍ غريب
((وهل هذا ما فعتله مع ابن صديق والدك الذي وعدك بان يرافقك للسفر في الخارج؟ ألم تقولي لي عندما كنا في بركة مزرعتنا البعيدة بأن الدكتوراه لتخصصك غير متاح دراستها إلا في الخارج؟ فهل زواج الثأر كان سببًا في عدم زواجك من شخص يناسبك ويرضيك؟))
نظرت في عينيه بتنبه من نوع آخر وانخفضت كلتا يديها إلى حجرها لتجيب بشيء من التردد لكن بصراحة
((كانوا يشهدوا له بحسن السيرة والخلق لكن لم أكن أعرف عنه إلا القليل، وعندما طلب والده يدي من أبي تحمست لأنه كان بكل الأحوال سيسافر خارجا حيث يعمل وحيث يمكنني أن أكمل تعليمي معه.. أما بشأن كلامي السابق أمام أمي كان بمثابة عتاب لهما لعدم تمكنهما من حمايتي، ولم يحمل شيء من الحسرة أو السخط.. على العكس.. زواجي منك كان أفضل شيء حدث لي، وكأني امتلكت حظ الدنيا أجمع.. متأكدة من أني مهما جبت الدنيا فلن أجد رجلا أفضل منك))
ثم رسمت بسمة عذبة أذابت بها ما تبقى من تعابير متشنجة فيه، وشرحت قلبه المنقبض.. لتسترسل كلامها
((أكره الظروف التي جمعتنا وأكره طريقة زواجنا لكني احبك.. أحبك جدًّا.. جدًّا.. ولا أتخيل بأني أقدر على أن أكون مع رجل غيرك.. أمي كانت تدعو لي ليل نهار أن يكون من نصيبي رجل صالح طيب المعشر لا أهون عليّه أبد الدهر.. وها قد تحققت دعوات أمي متمثلة فيك))
أمسكت بيديها كفه لتضيف بوله دون أن تحيد بعينيها عنه
((أنا سعيدة أني متزوجة من رجل مصبوغ بالحنان مثلك، أنا احبك))
أخيرا انفرج فمه عن ابتسامة رجولية تضج جاذبية وهو يميل برأسه ليقبل جبينها ثم يضمها جاذبا إياها لصدره ومتنهدا بهمس رقيق
((أحبك أنا أيضًا))
هذه المرة.. ورغم أنها لم تشعر بذاك الشغف والحب في كلمات حبه إلا أنها بدت مختلفة عن سابقاتها.. وتأثرت بها وهو يقولها بصوته ورجولته وعاطفته..
ارتاحت نورين على صدره بينما تسدل أهدابها وتستمتع بذلك الشعور وكل مخاوفها مما سمعه من كلام متهور لأمها تضمحل.. بينما روحها تنشرح..
استمر عناقهم العاطفي لدقائق لم يكن فيها مُصعب حقا يريد أن يفارقها وهو مستمتع باستنشاق رائحة الياسمين المنبعثة من خصلات شعرها قبل أن تقول نورين فجأة
((من أجل الخروج إلى السوق اليوم فلا أريد أن أفعل، لا اليوم ولا لاحقا.. لا أريد أن اخرج إلا وأنا معك جنبا إلى جنب حتى لا تشعر بذرة قلق من ابتعادي أو هربي))
أبعدها فجأة عنه وأمسك كتفيها بيديه ليقول بحزم
((نورين لا تعقدي الأمور في بعضها.. ستخرجين كما سبق وأخبرتك وزوجة أخي ستذهب معك))
قالت له بجدية تكتنف ملامحها
((لا مُصعب ألغي الخروج كله.. أهم شيء بالنسبة لي هو أن أحافظ على ثقتك، لا أريد أن تشعر بذرة قلق من أني قد أنصاع لكلمات أحد والدي ولو أني واثقة بأنه سيندثر أدراج الريح بعد أن ينقضي حزنهم عليّ))
تألقت ابتسامة متلاعبة على شفتيه هادرًا
((نورين حبيبتي أيتها العفريتة.. أنا أثق بك.. وأثق بوالديك أيضًا.. لا بد أنهما والدين رائعين لتخرج من كنفهم ابنة رائعة مثلك! ثم أنا أخبرتك بأنك ستذهبين مع زوجة أخي، أي لن أوصلك وهذا يعني بأني سأعطيك مفاتيح سيارتي))
أشرق وجهها بدهشة ممزوجة بالسعادة مرددة
((حقا؟ سأذهب للتسوق بسيارتك؟))
أبعدها مُصعب عنه وقام من مكانه يتجه إلى حيث يعلق مفاتيح سيارته وهو يقول
((بدلي ملابسك، زوجة أخي قد تكون استعدت منذ وقت.. هيا أسرعي))
كمن دبت الحياة فيها فجأة تحركت وهي تذهب للاغتسال قبل أن تستعد للخروج..
بمجرد أن انتهت من تغيير ملابسها وغطت شعرها بالوشاح حتى أخذت مفتاح سيارته الذي وضعه لها على المنضدة..
اقتربت منه حيث يتوسد السرير ويحاول النوم لتنخفض وتلثم جبينه هامسة بنعومة
((نوم هنيء يا أميري..))
ما إن همت أن تستدير على عقبيها حتى تشبث بذراعها يجذبها نحوه لترتطم به.. استوى جالسا بينما يميل ليقترب من أذنها هامسا بصوتٍ حار عاطفي
((نورين، أريد أن أقول لك بأني أيضًا كنت أشعر بالتعاسة عند عقد قراني بك، لأني سأفقد وقتها فكرة الاستقرار مع امرأة تناسبني، لكنني سعيد بأن المطاف انتهى بي معك.. أنت أجمل هدايا القدر وأحلى عطايا العمر، أنتَ أيضًا دعوة أمي الصادقة بالسعادة لي في ساعة رضا))
أدارت وجهها المشدوه بعينيها المتسعتين والمتفاجئتين مما قاله نحوه بارتجاف لا تكاد تصدق ما سمعته من كلام هز الأنثى بداخلها أيما هزة.. فسألته بصوتٍ مرتعش متلعثم
((مـــ.. ماذا قلت الآن؟))
تمتم مُصعب لها ببراءة مصطنعة
((قلت فقط أنك دعوة أمي لي بالسعادة..))
لكنها كانت لا زالت مشدوهة لا تستوعب بعد ما نطق به من بين شفتيه فقام من مكانه، قبض على ذراعها وجرها نحو الباب وهو يوصيها
((لا بد أن زوجة أخي تتوعدك على تأخرك عليها، بطاقتي التي زودتك بها ممتلئة فلا أريدك أن تكوني مقتصدة وإلا سوف آخذ الموضوع بشكل شخصي.. قودي بحذر خاصة عند الازدحام والمنعطفات..))
ثم فتح الباب على مصراعه يدفعها للخارج كمن يطردها ويقول ملوحا بيده
((إلى اللقاء يا عفريتة))
كانت كلماته العاطفية شيئا فشيئا تأخذ مسارها نحو أعماقها حتى شعرت بقلبها يرفرف كأجنحة طير..
لكن سرعان ما خرجت من حالة الذهول التي تلبستها فحاولت أن تعترض له متلعثمة بينما تحاول الدخول مجددا
((لحظة.. لحظة يا مُصعب أريدك أن تعيد ما قلته.. أرجوكَ..))
لكن بقوته الجسدية استطاع دفعها للخارج وإحكام إغلاق الباب عليه بالمفتاح.. مما جعلها تضرب الأرض بقدمها متذمرة ثم تمتمت بينها وبين نفسها بدلال أنثى منزعجة يتلاعب بها الهوى
((لماذا لم يقل تلك الكلمات بوقت آخر مناسب حتى أعيش اللحظة كما يجب..))
أغمضت عينيها ساخطة ولوهلة كانت تريد الصراخ به بأنها لا تريد الذهاب مع رتيل والنقاش أكثر بأول غزل يسمعها إياه.. فهو لم يكتفِ بأن يقول بأنها طيبة وسهلة المعشر بل كلامه حمل الكثير من معاني ومشاعر وامتنان وعاطفة.. لكن تدريجيا اختفت المشاعر السلبية وتألق وجهها بابتسامة جميلة بينما يصيب الحياء منها ما يصيب.. تشابكت أناملها ببعضها تتلاعب بهم وهي تنزل شاردة الذهن للأسفل متوردة الوجه.. ولو كان مُصعب هنا لأدرك وقع كلماته القليلة على بسكويت هش مثلها..
=============================
ركنت نورين سيارة مُصعب التي كانت تقودها أمام مركز تجاري ضخم ثم ترجلت هي ورتيل للخارج.. سارتا الاثنتين لنصف الطريق قبل أن تمسك رتيل ذراعها لتوقفها مكانها وتُعلمها ببرود
((حسنا نورين ها نحن في منتصف المركز التجاري، سنفترق هنا، وعندما أنتهي أنا من ابتياع ما أحتاجه سأتصل بك لنعود للمنزل بسيارة مُصعب))
لف الاستغراب ملامح نورين بينما تقول معترضة باستنكار
((نفترق؟ ولكن لماذا؟ أنا لم آتي إلى هنا مسبقا وأنتِ جئت معي لتدليني وترشديني))
رشقتها رتيل بازدراء لتقول
((نورين كفي عن التذمر فأنتِ لست طفلة صغيرة، سيري في الأرجاء وتعرفي على الأماكن بنفسك، إذا تهت فاسألي المارة، من يسأل لا يضيع))
كتفت نورين ذراعيها واعترضت من بين أسنانها بقهر
((كم أنتِ مزعجة يا رتيل سيضيع الوقت وأنا أسال عن أماكن المتاجر بدلا من ابتياع ما أحتاج))
قلبت رتيل عينيها ببرودة أعصاب ثم قالت لها ببساطة وهي تعطيها ظهرها وتغادر
((لنفترق الآن))
حاولت نورين أن تلحق بها وتقنعها بألا يفترقا بشيء من التعقل وهي تكتم غيظها.. لكنها عرفت مسبقا بأنها لن تستجيب لها وهي بالفعل تكاد تتلاشى من أمامها..
تخصرت نورين وهي تزفر أنفاسها بقوة مفكرة بحل ما!
قبل أن تتسع ابتسامتها تدريجيا وتبرق عينيها بتلاعب..
ربما عليها أن تستغل مسألة تسوقها وحيدة لتذهب لإحدى تلك الأماكن الخاصة بملابس النساء والابتياع منها شيئا خاصا.. وهذا ما فعلته وهي تجد أخيرا متجرا كبيرا فخما متعدّد الأقسام مخصص لهذه الأمور..
دلفت للداخل ونظرت بذهول مشدوهة لكل القطع الباهظة والجذابة التي يعرضها..
وقفت حائرة مكانها وهي توزع نظرها في المكان لا تعرف من أين تبدأ.. إنها تعرف مقاسها جيدا ولها اطلاع على علاماتها التجارية المفضلة لكن المشكلة بأنها لا تعرف التصاميم التي يفضلها مُصعب! لكن لا بأس..
بشكل مبدئي عليها أن تكون جريئة في اختيارات الألوان والخامات والتصميم.. فهي ومنذ زواجها به لم ترتدي أمامه إلا تلك المنامات الفضفاضة وطفولية المظهر!
جاءت مساعدة المبيعات لسؤالها إذا ما كانت بحاجة لأي مساعدة فأخبرتها نورين عما تبحث عنه.. وبدورها ساعدتها في تضييق نطاق الاختيار وهي تطلعها على أحدث ما وصلهم من قطع عديدة بطيف من الألوان النابضة بالحياة..
.
.
أما رتيل كانت محتارة إلى أين تذهب تحديدا.. فهي سبق وأخذت إذن زوجها لزيارة أمها في نهاية الأسبوع القادم.. وكالعادة ستدعي ذهابها هناك وبدلا من ذلك ستذهب إلى صديقتها غنوة التي تسكن في المدينة..
لقد اتفقت معها عندما تزورها أن تقيم في أول يوم حفلة للطهي ويخترن فيها بعض الوصفات المناسبة لطهيها..
ربما الآن عليها أن تذهب لأحد المتاجر الغذائية وتتسوق لتشتري المكونات المطلوبة.. ثم ستشتري بعض الحاجيات التي ستحتاجها للتخييم في حديقة منزل غنوة كما اتفقت معها أن تفعل في المساء!
تنهدت وهي تبدأ رحلة ابتياع الأغراض دون حماس..
فهي لا تحب التسوق لوحدها ومعتادة على وجود غنوة معها.. حتى لو لم تكن تريد شراء شيء فكانت تذهب معها كلما زارتها لتستمتع معها بالمشي وسط المتاجر ومشاهدة المعروضات وتجاذب أطراف الحديث.. لكن فجأة عقدت حاجبيها عندما لمحت نورين تخرج من أحد المتاجر الخاصة بالقطع النسائية وهي تحمل أكياسا كثيرة!!
=============================
كاد غروب الشمس أن يكتمل ومَالك يقود سيارته في دروب القرية عائدًا الى قصر عائلته وإلى جواره يجلس يزيد.. همهم مَالك لسمية التي كانت تحدثه على الهاتف هادرة بامتعاض
((مَالك تأخر الوقت.. أنا سأنهي آخر ما بيدي وأعود للمنزل.. أعد يزيد حالا))
نظر مَالك ليزيد الذي كان يلعق مستمتعًا من المثلجات الموضوعة فوق مخروط البسكويت والمزينة بالألوان والنكهات ثم غمغم
((يزيد سينام عندي.. لقد مر وقت طويل منذ أن شاركني النوم في غرفتي))
وصله زفرة طويلة منها وهي تقول متذمرة
((لا أحب أن ينام برفقتك، يجلب الكثير من الأقاويل))
أبعد مَالك الهاتف عنه ومال نحو يزيد يهمس له متهكما ((أمك محقه، سأحملك وأخبأك تحت معطفي قبل أن نتسلل بك للداخل))
هتف يزيد بإثارة وحماس
((نعم.. مرحى))
عاد مَالك للانتباه إلى الطريق أمامه بحذر ثم غمغم مسارعا قبل أن تغرقه بمزيد من نكدها
((إلى اللقاء يا سمية))
انتفخ صدره بنشوة التحكم وفرض إرادته ثم وضع هاتفه في المكان المخصص له في السيارة.. وأوصى يزيد
((لا تخبر فهد عن ذهابنا للسينما سيحزن جدًّا، المرة المقبلة ربما آخذكم جميعا لهناك، وقتي معك هو سرنا))
رسم يزيد شِبح ابتسامةً متصنعة على شفتيه وهو يهز رأسه بطاعة.. وبقدر ما كانت ابتسامته متفهمة كانت متألمة أيضا..
.
.
في الحديقة الخلفية..
عقب أن أنهت سمية مكالمتها مع مَالك هزت رأسها بيأس ثم عادت تمر من الباب المؤدي للمطبخ.. سحبت كرسيا ثم جلست عليه حول الطاولة تكمل تقطيع الخضراوات.. فقالت نجوم الجالسة مقابلها بامتنان
((لست مضطرة أن تساعديني في عملي أنا في المطبخ))
تجلت البشاشة على وجه سمية وهي تخبرها بطلف بالغ
((نجوم أقل ما قد أفعله لقاء كل خدماتك لي واعتناءك بيزيد هو هذا.. أنتِ ألطف شابة أراها بكل حياتي))
تألقت ابتسامة على ثغر نجوم هي الأخرى لتصدقها القول
((وأنتِ لطيفة جدًّا يا سمية))
لوت منال التي كانت منشغلة بعمل آخر في المطبخ شفتيها غلا، فابنتها السخيفة تعامل تلك البستانية سمية وكأنها من إحدى سيدات هذا المنزل! تنحنحت قبل أن تقول بصوت حانق مغيظ
((أين هو يزيد ذاك الشقي؟ في العادة دائما ما يحوم حولك ويصدع رؤوسنا))
أجابت نجوم أمها على الفور
((رأيته عصرا مع السيد مَالك، لا أدري إذا ما كان لا زال معه!))
آخر جملة خرجت من نجوم كسؤال وهي تناظر سمية فاضطرت الأخيرة أن تجيبها على مضض بصوتٍ خافت
((نعم هو كذلك))
بنظرة صلف وقحة قالت منال موجهة حديثها لسمية
((السيدة زاهية ستستشيط غضبا إذا عرفت بأن ذاك الشقي برفقة السيد مَالك.. ستفكر بجدية بطردك من منزلك الصغير ثم من القرية كلها.. صدقيني سمعتها بأذني أكثر من مرة تقول ذلك))
ثم التمعت عيناها بنظرة خبث وهي تضيف باستدراك مصطنع
((أوه كيف قلت هذا الكلام أمامك بلا وعي.. لا تذهبي وتخبري السيد مَالك فيعاود طلب طردنا مرة أخرى))
أغمضت سمية عينيها بغيظ شديد وقد توقفت يديها عن تقطيع الخضرة التي أمامها.. حتى لا تلمح ابتسامتها الخفية الهازئة منها وقد عادت أكثر أذية لها من السابق.. لكنها لم تجد إلا أن تقول بصوتٍ متحشرج وبصلابة مزيفة بعد أن فتحت عينيها
((أخبري السيدة زاهية بأني سأغادر هذه القرية.. لكن إذا وافق مَالك فقط))
مالت شفتا منال بنظرة احتقار لتسارع سمية تصحيح ما قالته بلحظة انفعال وهي ترسم ابتسامة لا معنى لها
((أقصد بأنه متعلق بيزيد وربما يحزن لو ابتعد عنه ويزيد هو الآخر سيحزن لهذا لن أستطيع المغادرة.. أما لو وافق السيد مَالك على مغادرتي وابتعادي من هنا فسأفعل دون جدال))
كانت نعمة طوال الوقت تلتزم الصمت، تجاهد ألا تكرر ما حصل قبل أشهر لكن وجدت نفسها هنا تدخل بصوتٍ جهوري صارم لها وحاجباها يرتفعان بعلامة رقم ثمانية
((وما دخل السيد مَالك ليوافق؟ إياك أن تحاولي أن تستقوي به لمواجهة سيدة هذا البيت؟ إياكِ أن تظني بأن العطف الذي يوجهه لابنك يعني بأنك تعنين له شيء))
ثم استرسلت موبخه سمية بصوتٍ أعلى
((هل أنتِ واعية لهذا الجنون والترهات التي تخرج من شفتيك! أدركي حقيقتك يا امرأة.. من هو يزيد ابنك هذا لتتحدثي عنه وكأنه كنز للسيد مَالك سيوافق بسببه أن يعصي أمه ولا ينفذ رغباتها! اسكتي فأنتِ تثيرين أعصابنا.. إياك أن تظني بأن هناك شيء اختلف عن السابق.. لا زال غير مرحب بك هنا لا أنتِ ولا ابنك))
غمغمت منال بصوتٍ مستهزئ مقصود شاكرة مدبرة المنزل
((سلّم الله ثغرك يا سيدة نعمة))
أشاحت سمية بعينيها بعيدا عنهن وهي تعيد نظرها نحو الخضراوات التي عادت تقطعها.. لم يكن عليها الانفعال هكذا.. لطالما كانت معتادة أن ترد بذكاء وتتجاهل مقاصد الثرثارين المزعجين الذين يعملون هنا دون أن تكشف دخيلة نفسها..
شعرت نجوم بأن أمها جرحت سمية فتركت ما تقوم به ومدت يدها تلامس كف سمية بدعم هامسة
((لا تحزني يا سمية، لكن حقا عليك بأن تقللي من وجود يزيد مع السيد مَالك))
تطلعت سمية لها باستغراب ((لم أفهم!))
ضيقت نجوم عينيها دلالة على أهمية ما تقوله مسترسلة
((دائما ما يشددوا على عدم الثقة المطلقة في أحد وألا نترك الأطفال مع الغرباء.. وإن استدعى الأمر يجب أن يكون هناك نوع من المراقبة والملاحظة..))
في البداية لم ترد سمية عليها وهي تبادلها التحديق ولكن بتجهم.. قبل أن تؤكد عليها
((نعم أنا حذرة جدًّا من هذه الناحية، أضع يزيد بعيني، ولا اتركه وحيدا مع أحد خوفا من أن يساء معاملته أو يتعرض لانتهاك أو تحرش عافانا وعافى أولادنا))
تدلى فك منال حتى كاد يسقط أرضا ثم تشدقت بصوتٍ يشوبه الذهول من الهمس الذي وصل لها
((غريب ما تقولينه أيتها الفيلسوفة سمية! بل والأنكى أنه مناقض لتركك قرة عينك خمسة وعشرين ساعة في اليوم مع السيد مَالك))
شحبت قسمات سمية وهي تلتفت فجأة لمنال وما تقوله..
هل هذه هي نظرتها حقا إزاء تقرب مَالك من يزيد؟
في حين زعقت نعمة بتعابير مخيفة بمنال تردعها عن التمادي أكثر من ذلك في تلمحيها
((اخرسي يا منال.. ما هذا الذي تلمحينه عن سيد مَالك!))
وكأن منال توا انتبهت على ما قالته فسارعت تبرر بجزع فيما يشبه الاعتذار وهي ترفع كفها وتضعه مفرودا على صدرها بإخلاص
((لا.. لا.. لا إياك أن تفهمي ما تظنينه.. حاشَ أن أقصد أي سوء خصال السيد مَالك.. لكن قصدت أن أقول.. أعني اتخاذ تدابير الحماية والوقاية خير من العلاج..))
عادت نعمة تهتف بها بصوتٍ صارم
((يكفي لا أريد أن اسمع همسك..))
غادرت نعمة المطبخ وقد سئمت مما تسمعه فلحقتها منال متمتمه من خلفها بعبارات التبرير وتوضيح سوء الفهم الذي نتج عن كلماتها المتسرعة غير الحذرة..
جفلت سمية عندما هزت نجوم يدها وهي تقول
((لا تنزعجي من كلامي، لكن أمي لم تكن مخطئة تماما.. أنا أرى حقا بأنك تثقين بالسيد مَالك كثيرا بل وابنك يتخذه كصديق في مقام عم له، مَعاذ الله أن ألمح بشيء يمسه.. ولكن في زمننا هذا فالمرء لم يعد يأمن على أبنائه حتى مع أقاربه فما بالك..))
بترت نجوم كلامها متمنية أن تكون فكرتها وصلتها لسمية لكن الأخرى تمتمت متسائلة بشفتين استحال لونهم للأبيض الشاحب
((ماذا تقصدين يا نجوم؟))
أوضحت الأخرى دون مواربة
((لا تفهمي كلامي خطأ، فأنا أنظر للسيد مَالك نظرة مليئة بالاحترام، ولكن حتى لو أنه من جهته لا نية سوء له تجاه يزيد.. لكن هل أنتِ على يقين أنه يفعل ما يفعله لك دون هدف أو غاية؟ ماذا إذا كان يزيد بالنسبة له ما هو إلا وسيلة للوصول إليك أو الاستحواذ عليك؟))
نكست سمية ببطء وجهها بذنب جلي لتتابع نجوم بتحذير
((كل ما أعرفه أنه ليس لطيفا مع أحد غيرك ولا يتخلى عن طبعه الهادئ والرزين إلا معك، أخبريه إذا كان يشعر تجاهك بأي شيء عليه أن يتزوجك وبشكل رسمي، وإذا رفض بسبب الفوارق بينكما فعليك أن تعرفي بأن نيته ليست سليمة تجاه ابنك))
اكتفت سمية أن تتمتم بشرود
((مَالك ليس بتلك الدناءة والقبح يا نجوم.. إنه فقط..))
وبدأت موجات من تأنيب الضمير والذنب تجتاح سمية بلا هوادة.. لا تلوم تفكيرهم أو تحذيرات نجوم سليمة النية تجاهها.. فأي شخص قد يلاحظ اهتمام مَالك بابنها سيظن أسوء الظنون.. كله بسببها.. بسببها هي.. ابن وأب لا يستطيعون ممارسة علاقتهم بشكل طبيعي إلا بالخفاء بسببها هي!
.
.
في غرفة مَالك.. حيث تضج الغرفة بظلام دامس غمغم يزيد المتمدد على فراشه الصغير أرضا
((عمي مَالك.. هل أنتَ مستيقظ؟))
فتح مَالك عينيه ببطء ثم أضاء المصباح الخافت القابع فوق المنضدة الصغيرة الملتصقة بسريره..
مد يده للأسفل يقول بحنو
((اصعد يا يزيد عندي، دعنا ندردش قليلا قبل النوم))
بحماس قفز يزيد من مضجعه ثم تسلق سرير مالك الواسع ليتوسد الطرف الأخر.. فمرر مَالك أنامله الرجولية فوق شعر يزيد المموج وهو يسأله
((لماذا تناديني عمي يا يزيد؟ ألهذه الدرجة أنا لا أستحق حتى سماع كلمة "أبي" العذبة منك؟))
رد يزيد بحذره الطفولي
((أمي أخبرتني حتى لو كنا بمفردنا فعليّ أنا أدعوك بـ"عم" خوفا من أن أخطئ بمناداتك بغير وعي عندما نكون مع الآخرين))
كانت ملامح مَالك وهو يتلقى الإجابة من ابنه الذي من صلبه هادئة لا تحمل أي تعبير وإن كان قد ظهر في عمق خضرة عينيه نوعًا من خيبة الأمل والجرح.. لكن عادت ابتسامته الرجولية المفعمة بالحنو تتألق على شفتيه ليقول بينما يمسك كف يزيد الصغيرة الغضة
((عندما نكون وحيدين أريد منك أن تدعوني فقط "أبي".. لم أتحدث بشأن هذا معك في الماضي لأني كنت أرى بأني لم أفعل لك ما يجعلني أستحقها.. لكن ألا يمكن أن أكون أنانيا وأطلب الآن ما لا أستحقه منك؟))
احتارت ملامح يزيد بدون أن ينطق برد.. فزفر مَالك نفسا ملتهبا بالذنب الذي يتعاظم داخله ثم عاد يقول
((أرجوك ادعني ب"أبي" لا "عمي"))
خرجت الحروف من بين شفتي الصغير بعفوية
((أبي أنتَ..))
ضغط مَالك على كف يزيد بقوة وكأنه نسى أنها يد طفل لكنه لم يشعر بنفسه وهو يتأثر إزاء تلك الحروف الجميلة المنسابة إلى أذنه..
رفع كف يزيد يلثمها بعينين لامعتين وقلبه يهدر بإحساس الأبوة الذي يستمتع به في هذه اللحظات المسروقة.. ثم استوى جالسا على السرير بحركة فجائية وهو يحمل يزيد ويأخذه بحضنه يضمه متمتما بحرارة
((أنا أحبك يا ابني))
شدد مَالك من ضمه وعَبرة غير ملحوظة تنزلق على وجنته فتحرق صدره قبل عينيه.. ليقول بصوتٍ متحشرج
((عندما نكون معا وحيدين لا أريد أن أسمع منك إلا هذه الكلمة قبل أي جملة يا يزيد.. مفهوم؟))
شعر يزيد بعظامه تكاد تئن فحاول التخلص من تكبيل والده ليرد باختناق
((أبي.. أبي.. أنتَ تخنقني))
ابتعد مَالك عنه وكلمة "أبي" تدق نبض قلبه.. ليهدر
((ما أحلاها كلمة "أبي" منك حقا يا يزيد.. المهم ماذا كنت تريد أيها الغالي ابن الغالية؟))
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الثاني عشر
في ساعات الليل الأولى..
كان وليد لا زال في مكتب عمله برفقة زميله في العمل ينهيان بعض قضاياهم المتراكمة والمتكدسة عليهما..
أخذ وليد استراحة من عمله ووقف أمام نافذة المكتب الواسعة ينفث دخان سيجارته محاولًا بها التخلص من المشاعر السوداء المشحونة في داخله..
عادة التدخين التي بدأها بعد انفصاله أول مرة عن شيرين ثم أقلع عنها بشق الأنفس ها قد عاد لها..
ورغم اعتقاده التام بأن شيرين ستوافق على طلب زواجه من أجل والد صديقتها إلا أن أيامه التي يقضيها من فرط الترقب في انتظار ردها ثقيلة.. مرهقة.. موجعة..
كم هو مثير للتهكم أنها ترفض الآن وبكل بجاحه العودة له! ألا يكفي بأنه لا زال يريدها بعد أن خانته للمرة الثانية.. حتى لو كانت تلك الخيانتين مشروعتين لأنها لم تكن مرتبطة به! تبا لقلبه الأحمق الذي جعله يلاحقها طوال الفترة الماضية..
لكن على كل حال عليه أن يتحلى بالهدوء وبعد الزواج منها سيكون له كلام آخر معها.. سيجعلها تدفع الثمن غاليا وسينتقم منها على كل لحظة شوق حارق وعذاب عاشها بسببها.. هذه هي الطريقة الوحيدة لإخماد الحرائق المضرمة في داخله..
لصالح شيرين أن توافق بالحسنى لأنها لو لم تفعل فهو لن يتوانَ عن اتباع أخس الطرق وأكثرها نذالة لتعود تحت جناحه! لون ينفعها وقتها معاذ أو غيره..
بدأ كل ما في وليد يغلي بالغضب عند اجتياح معاذ دوامة تفكيره.. معاذ ابن عمه علّم عليه.. المنحط لم يجد غير شيرين ليتزوج منها هي دونا عن باقي النساء؟
بعد أن قاربت سيجارة وليد التي لا يعرف رقمها على الانتهاء عاد يمج منها لمرة أخيرة يملأ صدره بدخانها الرمادي الكريه قبل أن يتيقظ من زحامه على سؤال زميله الفضولي
((متى ستتزوج يا وليد؟))
ألقى وليد سيجارته على بلاط ارض المكتب الفاره بعنفٍ ثم سحقها بقدمه بقوة وهو يجيب ((قريبا..))
غمغم زميله بتساؤل
((لكنك لا تبدو سعيدا))
عاد وليد ينظر أمامه للخارج عبر الزجاج بعينين غائرتين محدقًا في الليل القاتم الممتد أمامه
((أنا أكره فكرة أني لا زلت أريدها.. أكره فكرة أني أحبها.. أكرهها جدًّا..))
قال زميله الممعن في النظر له بصوتٍ رخيم
((إذن لا تتزوجها..))
عم صمت قاتم في المكتب حتى ظن زميله بأنه لن يجيبه.. ثم جاء صوته وكأنه شارد التفكير
((لا أستطيع، لا قلبي ولا روحي ولا عقلي قد يستكينوا قبل أن تعود ملكي، في الواقع هي لطالما كانت ملكي لكن أريدها أن تعود لذمتي))
نكس نظره أرضا مردفا ببحة
((لكن أحيانا أتساءل لماذا لا أستطيع أن أنساها رغم أنني تركتها لسبب لا يغتفر في قاموسي!))
أجابه زميله بالمنطق
((هذا طبيعي، لأن تفكيرك متمحور حولها وأيضا لأنك في عقلك الباطن لم تكن تريد لأمر كهذا أن يحدث))
عاد وليد ليجلس خلف مكتبه بينما يقول زميله مغيرا السيرة
((الكثير من أصدقائنا وزملائنا يسألونني عنك ومنذ أشهر، إلى متى ستبقى غارق في هذه العزلة؟))
دمدم وليد وهو يتطلع على ملف مفتوح
((أنا أحاول التعافي بعدم رؤية أحد إلا عملائي.. لذلك لا أعرف متى سأوافق على مقابلة أحد))
.
.
بعد مدة تمطى زميله وتثائب بإرهاق فأخبره بأنه سيعود لبيته الآن موصيا عليه ألا يطيل وقت بقائه هنا هو الآخر..
فرك وليد ما بين عينيه بإرهاقٍ بالغ وهو يجد نفسه غير قادر على التركيز على أي شيء ولا يسعه قذف شيرين خارج أفكاره.. شيء ما جعله دون وعي يمسك هاتفه ويبدأ بطلب رقم ما..
جاء صوت أنثوي لم يسمعه منذ أشهر طويلة فتساءل بجمود
((كيف هو حالك يا جُمان؟))
لم ترد عليه في البداية.. لكنها أجابت سؤاله بسؤال أخر
((هل هناك شيء؟))
سألها بنفس النبرة السابقة
((هل أنتِ في بيت والدك الآن؟))
بدا عليها الحيرة وهي لا تعرف إلى ماذا يريد الوصول لكنها أجابت
((نعم أنا كذلك.. عدت من عملي قبل ساعات بالتأكيد.. هل هناك شيء مهم؟))
عندما كررت السؤال تنهد وهو يدور في كرسيه ثم أجاب
((فقط أردت الاطمئنان على حالك.. كيف هو والدك؟))
ردت باختصار وبرود
((لقد تحسن قليلا))
شرد نظر وليد وهو يسألها
((هل تكرهينني لما تسببت به من فوضى في حياتك؟ أو هل تأتيك مثلا أفكار إجرامية تودين اقترافها بي؟))
صمتت قليلًا وهو لم يدفعها للكلام حتى تسللت الكلمات أخيرًا من بين شفتيها لتلتهم الصمت البائس بينهما
((وليد.. سبق وأخبرتك بأنك لن تجدني مؤذيًة لك أو معادية مهما فعلت أنتَ ونسيت ما بيننا مِن فضل، لقد غادرتك بلطف ولن تجد أي ردة فعل مختلفة تبدر مني تجاهك مستقبلا))
تساءل وليد بصوتٍ مختلف
((ألا يمكن أن نكون أصدقاء يا جُمان؟))
أجابته جُمان بتلقائية ((مستحيل))
عقد حاجبيه متسائلا بخشونة ((لماذا؟))
قالت بهدوء يكتسح صوتها
((لأني مقتنعة بمبدأ أن الصداقة قد تصبع حبا، أما العكس فلا، بل هو مجرد تخدير وألم))
تشدق بلا مرح
((أنتِ متزمتة وضيقة الأفق))
صححت له بصوتٍ يعتريه البرود
((بل لا أحب أن أخل بمبادئي، كما أن قبولي صداقتك بعد الطلاق دون أن يربطنا شيء يشعرني بأني امرأة سهلة المنال يمكنها التوفر في حياتك متى ما أردت أنتَ))
تكدرت ملامح وجهه إلا أنه قال بخشونة
((حسنا كما تشائين))
أغلقت جُمان الخط من جهتها ولم تكن ستغير ما قالته أو تسحبه فجأة.. هي تستحق أفضل من هذا.. وكلما استهلكت مشاعر أكثر معه وتأخر الانسحاب من حياته كلما تأذت بشكل أقوى وطبعت على روحها ندوب سيظل مفعولها على المدى الطويل..
=============================
انزعجت ملامح سهر النائمة في غرفتها عند صدوح رنين هاتفها.. فتحت جفنيها المتثاقلين بصعوبة لتمد يدها نحو الهاتف الموضوع فوق المنضدة الملاصقة لسريرها ثم فتحت الخط على هذا المتصل الملح..
ردت بصوتٍ أجش ناعس وما إن أدركت تدريجيا هويته حتى فتحت عينيها على اتساعهما وهي تقول ببهجة
((قصي! مرحبا حبيبي))
ابتسم قصي من الجهة الأخرى وهو يسمع اسمه يُعزف برقة بين شرايين قلبه فهمس لها
((أهلا يا باربي، هل أيقظتك من النوم؟))
تراجعت إلى الوراء تسند رأسها إلى ظهر السرير ثم قالت بابتسامة مشعة ولا تزال آثار بحة النوم عالقة بصوتها
((أنتَ بالذات يمكنك الاتصال بي متى شئت))
همس لها بصدق عاطفته
((كم أنا محظوظ بامتلاكي إياكِ))
بعفوية نظرت سهر للساعة الظاهرة على هاتفها ثم تساءلت بغتة بعجب
((لكن هل هناك شيء مهم؟ إنها الثالثة صباحا..))
همهم لها باستمتاع قبل أن يقول لها بصوتٍ مبحوح
((لقد كنت أتصفح الإنترنت، وأحببت فقط أن ألقي على مسامعك قصيدة أعجبتني وجدتها الآن))
بدأ يلقيها على مسامعها بينما داعبت ابتسامة جميلة ثغرها.. إنها حقا واقعة في حب رجل غير تقليدي..
بعدما أنهى إلقاءها سألها باهتمام
((هل أعجبتك يا باربي؟ وأنا أقراها شعرت بك مختبئة بين سطورها))
ضحكت بخفوت فأطلق قصي تنهيدة حارة قبل أن يقول بشقاوة
((لو تعرفين كم أتمَالك نفسي بصعوبة وألجم نفسي حتى يأتي يوم زفافنا في الوقت الذي ستصيرين فيه ملكي بالمعنى الحرفي))
بدت منهكة فجأة وهي تقول بتوسل ضمني
((إذن عجل فيه حالا، لقد مرت سنتين ونصف على خطبتنا وعقد قراننا))
صمت للحظات قبل أن يقول لها بصوتٍ بدا منهكا
((سأفعل صدقيني.. أبذل أقصى جهودي لأتعجل بالموضوع))
التفتت سهر تناظر ظهر شيرين النائمة والمتمددة جانبا فوق سرير قابع بجانب سريرها ثم هدرت
((دعني أذهب لغرفة أخرى للتحدث معك حتى لا تستيقظ شيرين على صوت هسيسنا، المسكينة تنهض يوميا للعمل صباحا في وقت مبكر ولا تستحق منا أن نتسبب في إراقة نومها))
عند ذكر سيرة شيرين امتقع وجه قصي وتبدل وهو يغمض عينيه ويجز على أسنانه يكاد يتميز غيظا منها..
لو تعرف سهر كيف يتحمل صديقتها التي تكون في نفس الوقت مرؤوسته البغيضة في العمل فقط لأجلها!
جعل قصي صوته ودودا وهو يقول مُؤيدا
((معك حق يا باربي لا تزعجيها))
غادرت سهر غرفة نومها وهي تمشي على أطراف أصابعها بحذر شديد في حين فتحت شيرين التي كانت قد استيقظت على صوت رنين هاتفها منذ الوهلة الأولى عينيها.. ابتسمت على علاقة سهر بخطيبها اللطيفة..
وعادت للفكرة التي بدأت تشغلها مؤخرا..
هل عليها أن تتخلى عن حلمها في الزواج من رجل مناسب وتتزوج فقط من وليد إذا ما اتضح أن كلامه بشأن التبرع بجزء من كبده صحيح ولا يتلاعب بها كعادته؟ ألا تستحق سهر منها التضحية هي ووالدها؟
هي الوحيدة التي لم تتركَها وحيدة.. حفِظت سِرها.. شَدت ظهرها.. وهمُهاُ أمرها.. وكانت وقت الضعفَ قوتها..
تنهدت شيرين بعمق وقد اتخذت قرارها.. بالتأكيد سهر تستحق..
.
.
في الغرفة الأخرى..
خرجت سهر منها بعدما أنهت مكالمتها مع قصي بينما تشعر بكل شيء من حولها ينبض بالحب.. متى ستتزوج من قصي وتجتمع معه في منزل واحد دافئ تكمل حياتها بحب للأبد!
كانت سهر غارقة في عالمها الوردي تماما عندما جفلت شاهقة بلا صوت على أمها تقف بوجهٍ متهجمٍ في نهاية البهو وتتمتم لها بصوتٍ خطير
((هل كنت تتحدثين مع الخطيب المتهرب يا سهر؟))
أخذت سهر نفسا مخطوفا بينما تضع راحة كفها فوق صدرها تهدئ من روعها بعدما أخافتها أمها ثم تذمرت
((أمي لقد أفزعتني.. منذ متى وأنتِ هنا؟))
كتفت تمارا ذراعيها ورفعت إحدى حاجبيها ترد
((ألم أخبرك بأن عليك التوقف عن التحدث مع قصي.. لقد عقدتكما قرانكما قبل سنتين ونصف وإلى الآن لم يحق مطالبي، أحواله المادية ليست متعسرة فهو يغدقنا بالهدايا الباهظة بين الحين والأخر، ما سبب مماطلته!))
قالت سهر بارتباك لأنها تدرك صحة ما تقوله أمها وضعف موقفها
((أمي.. يكفي..))
زعقت أمها بها دون اهتمام بمن قد يسمعها من الخدم أو شيرين أو والدها
((قصي أيتها الحمقاء لا يريد الزواج منك.. لهذا يؤجل تعريفنا على عائلته بحجة أنهم يعيشون في الخارج، ولم يحدد وقت للزفاف حتى الآن))
أطرقت سهر بعينيها أرضا ولا وجه أو جرأة لديها أن تدافع عنه الآن بينما تكمل أمها بغضب
((إنه صاحب وعود كاذبة وتسويف مستمر، إنه يتلاعب بنا، وحينما ينهي وطره منك سيهجرك بلا أي إحساس، على الانفصال أن يكون من جهتنا، اكتفيت منه وسأجعله يفسخ هذه الخطبة ولا يضيع وقتك أكثر من هذا))
همت تمارا أن تستدير على عقبيها فقالت سهر برجاء
((أمي أنا لن أنفصل عن قصي أبدًا.. سأخبره في الغد بأني لا أريد منه حفل زفاف ضخم ولا فيلا فارهة، أريد فقط أن نتزوج بأسرع وقت ممكن))
جحظت عينا تمارا وهي تتمتم بسخط
((هل أنتِ مجنونة يا سهر؟ أنا لن أقبل أن أزوجك بدون حفل زفاف ضخم وفيلا فارهة، سأجبرك أن تتركيه وتتزوجي من غيره إذا لم يوفر ذلك))
صممت سهر بعزم يعتريها
((سأكون مجنونة فقط لو تركته.. إنه يجعلني أشعر وكأني خلقت فقط يوم دخوله لعالمي، له ذلك التأثير الهادئ على روحي ووحده من أشعر معه بالسكينة، لا يمكن أن أتزوج غيره))
نعتتها تمارا وهي تستوعب أن ابنتها غارقة بانجراف بحب وعاطفة ذلك المخادع المسوف للوعود
((أنتِ مجنونة))
=============================
جناح مُصعب ونورين..
تحركت جفون نورين الشبه مستلقية فوق سريرها بتثاقل مستكينة الملامح.. فاستقامت نجلاء من مكانها وهي تمسك باقة الورد التي جلبتها معها منذ البداية.. ثم مدتها باتجاه مُصعب هادرة بشيء من التردد
((هذه الأزهار من أجل زوجتك يا مُصعب))
تناول مُصعب منها الباقة قائلا بلباقة وتهذيب
((شكرا لك يا نجلاء، أنا أقدر منك هذه اللفتة))
ازدردت نجلاء لعابها بصعوبة ثم غمغمت بخفوت
((حسنا سأذهب الآن، إلى اللقاء))
استدارت نجلاء على عقبيها نحو الباب فوصلها هدير نورين البغيض على قلبها
((إلى اللقاء يا نجلاء، أحكمي إغلاق الباب جيدا ورائك))
أغمضت نجلاء عينيها وهي تكز على أسنانها بغيظ لكنها أحكمت مسك أعصابها لتغادر وتؤصد الباب خلفها بهدوء..
تطلع مُصعب متهجم الملامح لزوجته يعاتبها
((لم يكن عليك قولها لها بهذه الطريقة الفظة، ألا يكفي أنها جاءت من المدينة في عز وقت امتحاناتها الجامعية لتطمأن عليكِ؟))
رفعت نورين له عيناها الباهتتان وثبتت نظراتها صوب وجهه، ثم ملأت ثغرها بضحكةٍ هازئة بينما تنطق
((يمكنك الركض خلفها والاعتذار عن تصرفي إذا أردت، لم تبتعد كثيرا))
كتم معصب ضحكته.. وحنقه على جفائها مع نجلاء يتبخر من داخله.. فقال بتلاعب
((لماذا تنظرين لي بهذه الطريقة؟ هل تغارين؟))
في الحقيقة هي وطوال الأشهر الماضية تعاملت مع زيارات نجلاء المتكررة هنا بشكل طبيعي ولم تمنحها الفرصة لتستمتع بغيرتها وتتباهي عليها بأن مُصعب سبق وكان يريد الزواج منها.. بل كانت تحاول إظهار كم هي سعيدة في حياتها معه مهما كانت ظروف زواجها منه في البداية وكيف أن مُصعب سيصبح أبا لطفلها..
فلم تُزعج مُصعب بشأن دواخلها وقلقها من نجلاء.. بل كانت تكتفي أن تشعره بأنها مصدر راحة له.. لكن الآن تخشى من أن تتسرب بارقة أمل لنجلاء بحدوث شرخ في علاقتها مع مُصعب لمجرد فقدانها الجنين.. فكانت معاملتها قبل قليل معها ورغما عنها باردة وجافة بشكل واضح..
أبعدت نورين غمامة هذه الأفكار المزعجة ثم مدت يدها لتمسك رسغ مُصعب وتشده لها ليستجيب ويجلس على السرير بجانبها بينما يسمعها تهمس له بكبرياء أنثوي
((بالطبع سأغار على الرجل الذي أحبه))
رفع مُصعب أنامله يمشط خصلات شعرها الشقراء المبعثرة وهو يخبرها بحنو
((وأنا أيضًا أحبك يا نورين))
كان قد سبق وأخبرها عدة مرات سابقا بأنه يحبها كرد على كلمات حبها.. لكنها لم تشعر في أي مرة بالحب فعلا ينبض بين كلماته.. لكن لا تعطي الأمر الكثير من الاهتمام..
مدت نورين يدها تمسك كفه وتقربه لثغرها وما إن قبلت أول مفاصل أصابعه حتى سحب يده على الفور ومال نحو جبينها يلثمها..
ابتسمت بحب متدفق له وهي ترفع نظرها لعينيه وتسأله
((هل مللت من الحزن والبؤس الذي لازمني مؤخرا؟))
جذب مُصعب رأسها ليرتاح على صدره وراح يمسد خصلاتها بلطفِ العالم أجمع بينما يتمتم بنبرته الدافئة
((قطعا لا، أنا حزين مثلك بالضبط للجنين الذي خسرناه، لكن متأكد بأنه لا يضاهي حزنك فأنتِ من حملتيه في أحشائك لستة أشهر))
أغمضت نورين عينيها تتمتع بلمساته الحنونة والدفء المنبعث منه قبل أن تفتحهما وتقول
((هل تعرف بأنه لا يوجد أي سبب طبي يمنعني مباشرة بعد توقف نزف الإسقاط أن..))
سارع يقاطعها بحزم
((نورين الأفضل أن نتريث أكثر قبل أن تحملي مجددا.. أنتِ بحاجة للاستعداد والاستقرار أولا))
رفعت رأسها معترضة برقة
((ولكني قلت لأمك بأني سأفعل..))
قاطعها مجددا يربت على قلبها بحديثه الرزين
((أعرف أن عائلتي تضغط عليك وتزيد ما تشعرين به من ضغط نفسي وحزن ولوم، لكن علينا الانتظار لأشهر قبل ذلك، حتى تفرغي مشاعرك وتستعيدي عافيتك النفسية قبل بدء محاولة الحمل مرة ثانية))
أومأت موافقة بلا مجادلات فأعاد جذب رأسها الى صدره عنوة واعتصرها بين ضلوعه.. فتبسمت بهدوءٍ عميق وكم احتاجت هذا الشعور.. الأمان والدفء المنبعث من جسده الهائل ينسيها أي حزن يحوم حولها..
قالت بعد دقائق وفي عينيها لمعة شقاوة
((حسنا.. لكن متى ستحضر لي كتاب أخر لأقرأه؟))
أخذ نفسا عميقا ليقول بامتعاض مزيف وهو يفكها من قيده
((لا تجلبي لي سيرة الكتب وإلا فعلا سأحطم خلية النحل المفضلة لي على رأسك، لقد أعطيتك كل الكتب التي سبق وقرأتها، لم يبقَ شيء الآن، إلا إذا أردت أن أجلب لك كتبي ومقرراتي الجامعية لتطلعي عليها))
كتمت ضحكاتها المستمتعة وهي تقترح عليه ببساطة
((إذن اشتري لي كتابا جديدا لم يسبق وأن قرأه أحدنا ودعنا نقرأه سويا ونتناقش حوله من وقت لآخر))
همهم بتفكير قبل أن يقول
((حسنا ألم أقل بأني سأذهب بك للتسوق نهاية الأسبوع؟ هناك اشتري كتبا بقدر ما تريدينه))
حذرته بحزم رقيق
((ولكن هكذا عليك أن تقرأه معي في نفس الوقت لأن الهدف من مطالعتي للكتب هو خلق حديث معك))
تذمر لها بنبرة مغتاظة
((أما أنا لم أنتهي من دراستي المدرسية والجامعية حتى يأتي من يلزمني بقراءة شيء رغما عني))
استوى واقفا من على السرير وأعطاها ظهره حتى لا ترى ابتسامته التي داعبت زاوية فمه.. يحبها عندما تكون مزعجة بكلامها الطفولي الشقي.. على الأقل تنسي نفسها وتنسيه ما فقدوه مؤخرا..
رسمت نورين الحنق وهي تراه يبتعد عنها فهتفت متذمرة
((ما بك؟ لماذا ابتعدت؟))
أجابها متهكما وهو يفتح خزانة ملابسه ويخرج ثيابا مريحة
((كنت لا أحبذ القراءة في السابق ولكن بت أكرهها مؤخرا بسببك))
غمغمت معترضة ((لا تبالغ..))
أنهى ارتداء ملابسه ثم قال لها مبتسما
((على كل حال انهضي لنهبط للأسفل ونشارك عائلتي طعام الغداء، الكل مجتمع بما فيهم أخي مُعاذ))
تبدلت ملامحها لأخرى ممتقعة مترددة وهي تمتم بتوتر لم تقدر على إخفائه
((لا.. لا لست جائعة ثم أنا اشعر بالتعب ولا أريد أن أبارح مكاني))
استنكر مُصعب بريبة تشوب نبرته
((لقد لاحظت بأنك لا تنزلين للأسفل ولا تجلسين على مائدة الطعام عندما يكون مُؤيد متواجدا.. لماذا تهابين وجوده من حولك؟))
بدأت تتلاعب بأناملها كحركة ملازمة لها عند ارتباكها وهي ترد بخفوت
((لا أحب أن أكون متواجدة في نفس المكان معه))
ضيق عينيه بتوجس واقترب منها متسائلا وهو يمعن النظر فيها
((لماذا؟ هل قال أو فعل أي شيء لك؟))
رفعت وجهها له تنفي بلهفة ثم صارحنه
((لا.. لكن أخافه.. إنه عصبي جدًّا..))
عقد حاجبيه وتصلبت ملامحه ليقول بينما يمد يده لها ويجذبها لتقوم من مكانها
((نورين أنا مصر بأن عليك النزول برفقتي، ماذا لو قرر مُؤيد أن يستقر هنا ويترك شقته في المدينة؟ هل ستحبسين نفسك طوال الوقت هنا؟))
استجابت له على مضض ورغبة منطفئة بينما يحثها
((اغسلي وجهك وبدلي ملابسك حالا))
.
.
في غرفة المعيشة..
حيث يجلس جميع أفراد سكان هذا المنزل حول مائدة الطعام.. يأكلون ويتجاذبون أطراف الحديث بينما صوت ضحكاتهم وهمهماتهم يرتفع..
سحب مُصعب كرسي لنورين التي كانت منكسة الوجه بارتباك وهمس لها يحثها
((هيا تعالي اجلسي هنا))
استجابت له وسحب له الآخر كرسيا ليجلس عليه حول هذه المائدة العامرة بأطباقها الشهية..
رفع مُؤيد نظره نحو نورين يطالعها بشرر.. منذ زواجها من أخيه قبل سنة لم يراها حتى أكثر من أربع أو خمس مرات.. حتى أنه ينسى شكلها أحيانا.. لكن لا زالت نار الثأر الذي لم يؤخذ لموت ابن عمه يحيى لم تخمد في داخله.. كل عشيرته ستبقى موصومة بالعار لتنازلها عن هذا الثأر، والرضا بصلح الدية عن طريق زواج الدية هذا!
والأنكى أن أخاه الأحمق يعامل عروس الثأر أفضل معاملة كما لو كان تزوجها في زواج عادي وطبيعي..
تصاعد الشرار المنطلق من عيني مُؤيد عندما رأى مُصعب يضع الأرز وقطعة من الدجاج في طبقها ويناولها ملعقة فيشع وجهها بهيام ابتسامتها المسحورة به..
كانت رتيل تتلاعب بالملعقة فوق طبقها منذ انضم نورين ومُصعب لهم.. لم تستطع ألا تنتبه على نظرات زوجها تجاه نورين.. وبالتالي لم تقدر إيقاف تلك الغيرة المتشعبة حول قلبها التي انعكست على صفحة وجهها الذي بهت..
ازدردت تلك الغصة المسننة بحنجرتها.. إنها تعرف بأن نورين بالفعل متزوجة من أخيه بل وكانت حامل بطفله.. وتعرف بأن نظرات مُؤيد لها لا تضمن إلا الاشمئزاز والكره فهو لا يراها إلا الطريقة الأخيرة المتبقية لأخذ ثأرهم.. لكن يظل الأمر صعبا أن تراه ينظر لغيرها..
أبعدت طبقها الذي لم تأكل شيئا منه إلا القليل ثم اعتدلت واقفة تقول بصلابة مصطنعة تجاهد ألا تظهر استعار نار قلبها ((سأذهب لأحضر قدر الحساء من المطبخ وقد أتأخر قليلا))
غمغم مُعاذ لابنته عند ابتعاد رتيل آمرًا
((دارين اذهبي وساعدي زوجة عمك))
زمّت دارين شفتيها ثم قالت باقتضاب
((يمكنها أن تطلب مساعدة منال أو نجوم في المطبخ..))
رشقها مُعاذ بنظرات صارمة يكرر عليها
((دارين اذهبي وساعديها فكل من في المطبخ قد يكونون الآن في وقت راحتهم))
نفخت دارين أوداجها وقامت من مكانها بعنف مغمغمه بامتعاض ((سأذهب..))
بمجرد أن غادرت دارين غمغم الحاج يعقوب وكأنه يتحدث بشيء عابر
((بالمناسبة، سمعت من وليد بأنه سيتزوج قريبا))
توقفت الحاجة زاهية عن مضغ ما بفمها وهي تنظر لزوجها سائلة بدهشة
((حقا؟ ومن هي سعيدة الحظ التي سيتزوجها؟))
دمدم لها يعقوب بخفوت يعكس عدم رضاه
((لم يعطني أي تفاصيل غير أنها نفس الفتاة التي كان مخطوبا لها قبل جُمان، تلك التي تدعى شيرين))
صمتت زاهية تفكر بما سمعته قبل أن تتحدث
((عجيب أمر ابن أخيك، كان يحب شيرين لكنه تركها فجأة في يوم زفافهم وتزوج من جُمان، وكان يظهر أمامنا طوال العشر سنوات الماضية عشقه لجمان التي لا يبدلها بنساء الدنيا رغم أنها لم تنجب منه، حتى أنه رفض أن يتزوج ممن ستكون عروس الثأر من أجل جُمان وفجأة طلقها بهدوء ليتزوج من شيرين! لو كان والداه على قيد الحياة لم يكونا ليسمحا بحدوث كل هذا))
ولم ينتبه أحد للذي أظلمت ملامحه فجأة حتى صارت عيناه أكثر عمقًا.. وألمًا.. بداخل معاذ حرب مشتعلة بغير حساب.. لا يكذب أنه في لحظة من اللحظات قرر الزواج من شيرين.. لا يعرف سببا محددا إلا أنها كانت أول امرأة يشعر تجاهها براحة وانجذاب بعد أكثر من ثمانية سنوات عزوبة ووحدة.. لم يحمل أكثر من مشاعر الود ولم يرَ فيها أكثر من امرأة مناسبة ليكمل حياته وينشأ عائلة معها.. لكن ما كانت هي تخطط لفعله أصاب رجولته بمقتل! فهي الأخرى لم تراه أكثر من وسيلة لتغيظ وليد وتجعله يندم على كل ما اقترفه بحقها!
نعم.. هو مُعاذ.. الرائد.. الصلب.. يهابه من حوله ويعمل له ألف حساب.. تقلل امرأة منه وتستهين به وتستخدمه لتغيظ به ابن عمه!
استقام مُعاذ واقفا بعنف غير آبه لنظرات الجميع التي صوبت باستهجان له وهو يغادر المكان بدون ولا كلمة..
.
.
دلفت دارين للمطبخ لتجد زوجة عمها تميل متكئة على الرخام ونظرها شارد.. فسألتها وهي تخرجها مما هي مستغرقة بالتفكير به
((لماذا لا تحبين زوجة عمي مُصعب؟))
توشحت عينا رتيل بدموع تنخزها فحاولت حبسها ومداراتها عنها ثم أجابتها بصوتٍ حاد وملامح قاسية
((لست بحاجة لسبب لأحبها، أنا فقط أكرهها))
قالت دارين برنة تحمل سخرية لا تناسب الوضع
((الكره بدون سبب هو مرض نفسي))
بدت عينا رتيل زائغتين ونبرة صوتها خاوية وهي تقول
((أنتِ تكرهينني بدون سبب، هل تتحدثين عن نفسك؟))
تبدلت ملامح وجه دارين فجأة لأخرى مقتضبة معترضة
((لا أكرهك بلا سبب.. بل هناك سبب وكبير..))
امتعضت ملامح رتيل وتساءلت باهتمام حقيقي
((وما هو هذا السبب؟))
أغمضت دارين عينيها بضيق بالغ.. لا تفهم كيف تستطيع زوجة عمها أن تكون دائما واثقة جدًّا من نفسها ولا تقلق من فكرة افتضاح أمرها وسرها! لقد سمعتها أكثر من مرة على الهاتف مع صديقتها تلك التي تُدعى غنوة دون أن تنتبه.. إنها في كل مرة كانت تدعي أنها ذاهبة لبيت والدتها مستغلة ثقة عمها الشديدة بها كانت في الحقيقة تذهب إلى بيت صديقتها غنوة القابع في إحدى مناطق المدينة وتنام عندها.. إنها تغدر بعمها مُؤيد باستهانة.. وما يدفعها هي كدارين حتى الآن أن تكتم هذا السر هو أملها أن تتوقف عما تفعله وتعود لصوابها وتتوب.. فهي من رعتها بصغرها وكانت أما ثانية لها.. لكن لا فائدة..
فتحت دارين عينها وكل ما فيها يحثها ألا تكشف حقيقة ما تعرفه.. ليس الآن على الأقل.. فاكتفت أن تقول بحنق واضح
((أنتِ تغضبين عمي مُؤيد الذي أحبه جدًّا، بل هو أكثر عم أحبه من بين جميع أعمامي وأكثر من أبي.. ولهذا لا أحبك.. أنتِ تزعجينه وتكرهينه ولا تبحثين عن راحته))
تدلى فك رتيل لما تسمعه ثم قالت متهكمة باستهزاء
((أنا من أغضبه ولا أريحه! هل أنتِ واعية يا دارين لما تقولينه؟))
عقدت رتيل حاجبيها وهي تعيد التفكير بما قالته دارين لتعاود سؤالها بشك واستغراب
((لحظة.. هل حقا تحبين مُؤيد أكثر من أبيك؟ هل هذا قول يصدر من فتاة صالحة؟))
أشاحت دارين بنظرها جانبا وازدردت ريقها قبل أن تقول بلا ندم
((عمي مُؤيد يطمأن عليّ أكثر مما يفعل هو ودائما ما يخرجني أنا وهدى ويشتري لنا مثلجات وحلوى لذيذة عند عودته إلى هنا.. أما أبي..))
ثم تجلت ملامح الألم على وجهها وتحشرج صوتها وهي تستطرد
((اشعر بأنه أحيانا يعتبرني السبب في وفاة أمي التي فقدناها بعد سنوات من إنجابي بسبب المضاعفات التي حصلت لها أثناء حملها بي))
لم تكن دارين منصفة تجاه والدها، فهو وبشكل أسبوعي أحيانا يصحبها لزيارة قبر أمها وينفد كل طلباتها بلا نقاش.. لكن في ذات الوقت أحست بألم تجاهها وقد كانت هي فعليا من ربتها منذ أن قدمت لهذا البيت وشهدت على معاناتها ومشقتها بعد فقدها لأمها.. فسارعت تصحح ما تظنه الصغيرة وهي تقول لها برزانة
((لا إياكِ أن تقولي هذا الكلام وتدعي الأفكار الخبيثة تحوم حولك، هذا هو قدر والدتك، ولو كانت على قيد الحياة أنا متأكدة بأنك ستكونين بارة بها وتفعلين ما بوسعك لإسعادها والاهتمام بها، لكن بما أنها بالفعل انتقلت لرحمة الله فلا أمامك الآن إلا الدعاء لها))
نكست دارين نظرها أرضا فظلت رتيل تنظر إليها طويلا قبل أن تمد كفها لتربت على كتفها وكأنها تؤازرها قبل أن تعود من حيث جاءت وقد نسيت إحضار قدر الحساء..
في حين بقيت دارين تخفض نظرها أرضا برأسها أفكارها السوداوية عن والدتها المتوفاة تدور بعقلها دون هوادة قبل أن تطلق من شفتيها زفرة مثقلة حارة من الهموم الكبيرة على سنها الصغير..
=============================
في حديقة القصر الخلابة حيث تحيطها أشجار الليمون والبرتقال والزيتون كان يجلس الحاج يعقوب والحاجة زاهية مع ابنيّ مُؤيد..
بعد أن عاد مَالك من الخارج صدح صوته عاليا وهو يقترب بوجه بشوش من والديه الجالسين في أحضان الحديقة
((أمساكم الله بالخير))
التفتت الحاجة زاهية نصف استدارة لترتسم ابتسامة وهي تقول بحنو الأمومة
((هل جئت يا مَالك! كيف حالك؟))
اقترب مَالك من والدته يرفع يدها ويلثمها هادرا
((أنا بخير، كنت في الخارج وجئت مباشرة لكما))
ثم مال على والده يلثم جبينه بينما يدمدم الآخر له
((عافاك الله يا مَالك))
مد مَالك يده يبعثر شعر فهد مداعبا إياه قبل أن يسحب كرسي ويجلس برفقته هادرا
((أبي لا داعي غدا لزيارتك الأسبوعية لمزرعتنا البعيدة، ذهبت بنفسي منذ الصباح واستفقدت كل شيء..))
تطلع يعقوب عاقد الحاجبين يعاتب ابنه برقة
((ولكن أنا أحب أن اذهب هناك لأتأكد من كل شيء بنفسي وأسمع من أفواه المزارعين..))
قال مَالك باهتمام صادق يقاطعه
((أبي لقد كنت متعبا في الأمس ولا زلت بحاجة للراحة))
عاد والده يقول معترضا
((ولكن لا أريد أن أتعبك في يوم إجازتك.. كان عليك اليوم الاستمتاع بوقتك بدلا من الاستيقاظ باكرا وتفقد أحوال المزرعة!))
عبس مَالك في وجه أبيه وهو يقول
((أي تعب يا أبي! أمضيت عطلتي في الأمس خارجا ألعب كرة القدم، فلماذا لا أدخر اليوم للاهتمام بشيء من أمورك!))
قال يعقوب لولده بفخر يلف صوته
((بارك الله فيك يا بني، أنتَ وإخوتك ذخيرتي بعد الله في هذه الحياة))
اتسعت ابتسامة زاهية رغما عنها بتأثر للحديث الذي تسمعه.. وكم شعرت بالراحة والبهجة أن الأمور عادت أفضل من السابق بين مَالك ووالده بعد المشادة الأخيرة التي حصلت بسبب إصرار مَالك على استبدال الخدم..
لقد ربت وأنشأت كل أولادها الخمسة تربية صافية وبعيدة عن الحقد والكره وفعل السوء للناس.. وكم هي سعيدة أن الحب والحنان ممزوج في خصالهم الطيبة.. فقد تعبت عليهم لتغرس فيهم ما يجعلهم يكونون سندا لها ولزوجها وولائهم لبعضهم..
تمتمت لمَالك بعاطفة أمومية متدفقة كالشلالات الهادرة
((حفظك يا مَالك أنتَ وإخوتك لنا أنا وأباك))
رد مَالك على أمه وهو يربت فوق يدها بحنو
((وحفظكما الله لنا يا أمي))
استوت زاهية من مكانها تميل لتلثم خده ثم تقول بمزاج حلو
((سأذهب الآن لآمر أن يصنع لكما قهوة))
بمجرد أن غادرت زاهية تساءل يعقوب بعفوية يفتح حديثا عشوائيا مع ابنه
((هل كنت تلعب كعادتك مع أصدقائك كرة القدم؟))
اضطربت ملامح مَالك وأجابه بشيء من الارتباك
((الحقيقة لا.. كنت مع يزيد..))
رفع فهد حاجبيه يقول بعفوية
((ولكنه قال لي بأنه ذهب بالأمس مع أمه للتنزه!))
أغمض مَالك عينيه لأن الصغير فضح أمره.. عاد يفتحهما ويقول بنبرة مبهمة خافتة كأنه يتوارى عن الأمر
((نعم صحيح))
تطلع يعقوب بدهشة لابنه الذي كان يشيح بنظره عنه وسرعان ما صارت الدهشة ذهولا وانفعال وهو يتساءل
((ما هو الصحيح يا مَالك؟ لا تقل لي بأنك ذهبت مع يزيد وسمية سويا للتنزه ولعب كرة القدم!))
ابتسم مَالك بابتسامة متشنجة وهو ينظر باتجاه والده مغمغما
((دعني أشرح لك يا أبي..))
رد يعقوب بانفعال أفلت منه
((ماذا ستشرح لي؟ كيف ترافق امرأة لا تحل لك؟ هل اعتبرت طفلها الصغير هو محرم لها؟))
بهتت ابتسامة مَالك وعاد يقول بلطف
((أبي اهدأ قليلا.. الأمر..))
وبخه يعقوب بغضب مكتوم
((ماذا لو رآكما أحد هناك وتعرف عليك وتساءل عن هوية المرأة التي تمشي مع ابن الحاج يعقوب؟))
حاول مَالك أن يهدئ من غضب والده وهو يقول
((أبي كنا نلعب ونتنزه في ملعب المدينة، ولا مجال لأحد أن يرانا هناك))
وكان مفعول كلامه هو العكس فقد اشتعل غضبه أكثر وهو يقول بينما يلوح بيده خارجا عن وقاره
((والله ألن يراك أينما تكون ومع من تكون! ما هو مبررك للتنزه مع امرأة لا تربطك أي صلة بها أو معرفة! مَالك هذه ليست المرة الأولى، لا زلت أذكر تلك المصيبة التي حدثت بسببك عندما ذهبت معها لإحدى المطاعم.. أنا تجاوزت عن الأمر فقط لأن زوجة أخيك مُصعب كانت معكما هي والصغير ولكن ليست كل مرة ستسلم الجرة))
صمت مَالك وهو يشعر بالتشتت.. من لا يستطيع الآن البوح لوالده برغبته في الزواج من سمية قبل أن يقدر على إقناع سمية نفسها به، لأنه ببساطة لن يقدر على الدخول بصراعين في آن واحد.. والديه وإقناعهما من جهة.. وجعل سمية تؤمن بحبه لها من جهة أخرى..
صمت مَالك أمام والده مِمَّا جعله ينفجر به هاتفا
((تحدث يا مَالك، أين ذهب لسانك يا ولد!))
قال مَالك وهو يهز كتفيه مبررا
((أبي هي كانت ستخرج للتنزه مع يزيد في كل الأحوال وطلبت سيارة أجرة لهما فعرضت عليها أن أرافقهما وأجلس في المقعد الأمامي بجانب السائق، فكيف يكون تواجدي معها جريمة إذا كان من المألوف استقلالها هي ويزيد سيارة أجرة مع رجل غريب))
فغر يعقوب شفتيه بعجب ثم تساءل بصوتٍ خطير
((وهل اكتفيت في إيصالها للمتنزه أم أنك أيضًا رافقتها للخارج وجلست معها ولعبت كرة القدم مع ابنها!))
ازدرد مَالك ريقه وعاد يشيح بوجهه بعيدا فعرف يعقوب الإجابة وأغمض عينيه بخيبة أمل ليسارع مَالك التبرير مجددا قبل أن ينفجر به صارخا مرة أخرى
((أبي كنا في مكان عام لا مغلق وكان الناس من حولنا.. عدتُ للقرية أنا ويزيد وحدنا وهي كانت بحاجة للتسوق فعادت بعدنا وحيدة))
هز يعقوب رأسه يدمدم بيأس وإحباط
((لا حول ولا قوة إلا بالله، تتحدث ببساطة وكأنك لم تخطأ بشيء))
تغضن جبين مَالك بالضيق وقال وهو يضع راحة يده فوق كتف والده
((حسنا يا أبي لربما كلامك صحيح، لم يكن عليّ التساهل بأمر كهذا..))
قاطعه والده وهو ينفض يده من كتفه هاتفا بانفعال
((ربما؟ بل مؤكد كان عليك احترام تعاليم ديننا وعاداتنا وتقاليدنا، منذ متى كان من المستهل أن تتكلم وتخرج وتتنزه مع امرأة لا يربطك بها شيء؟ خيبت ظني بك يا مَالك، لم تكن هكذا في السابق، لا أصدق بأنك الشاب الرزين الهادئ من يفعل هذا! لو كان توأمك مَازن والله لكان الأمر أقل وطئا وصدمة عليّ!))
تمتم مَالك برجاء ووهن
((أبي.. أرجوك.. لا تغضب..))
بدأ غليان الدم يزداد في عروق الحاج لأن مَالك لا يعترف بتجاوزه الحدود.. فرفع سبابته يلوح بها أمامه قائلا بغضب ساحق
((مَالك من الآن وصاعدا لا أريد منك أن تتحدث مع يزيد أبدًا، لأنه من الواضح بأنك لا ترى هذا الصغير إلا وسيلة لك لتقترب من أمه، وهي الأخرى مدانة بسماحها لك تجاوز الحدود معها، مَالك أنا أتحدث معك بصراحة ووضوح شديدين، إياك أن تنساق لعلاقة محرمة))
اتسعت عينا مَالك بدهشة مستعرة وقال مستنكرا برفض بالغ
((أبي! أي علاقة محرمة.. هذه الكلمة كبيرة جدًّا))
لم يقل يعقوب شيء بل ظل الصمت بظلاله قاتمًا من حولهم إلا أنفاس صدره الذي يعلو ويهبط في انفعال ويكاد يجن من أفعال ولده المعهود له بالرزانة إلا فيما يتعلق الأمر بتلك البستانية! وحتى فهد انكمش على نفسه بتأنيب الضمير وهو يشعر بأنه السبب في هذه المشادة!
كسر يعقوب الصمت أخيرا وقال بتشديد
((مَالك أنا أريدك حذرا ويقظا من تصرفاتك، فأي علاقة محرمة تكون بين رجل وامرأة تبدأ بنظرة فابتسامة فإعجاب ومن ثم تبادل الكلام والخروج وتبدأ العلاقة الشيطانية المزيفة تحت غطاء الحب وكلمات الغرام.. إياك أن تغتر وتظن نفسك قادرا على المحافظة على نفسك وتمتنع عن أي خطيئة كبيرة ظانا أن ما تفعله من مقدمات لها هي أمور عادية))
ثم استطرد كلامه وهو يمنح ابنه نظرة تهديد صريحة
((مَالك لا تجبرني أن أسحب منها عملها هنا ومسكنها وأجبرها على الرحيل لمكان آخر وأقطع برزقها بسببك))
شعر مَالك بثقل الهم فوق صدره مع هذا التهديد.. ألا يكفي أنه يخوض معركته في إقناع سمية!
قال أخيرا لوالده وصوته يخرج خافتا ضائقا معاتبا
((أبي لقد علمتني درسا قاسيا بأن لا أتسبب بخسارة إنسان عمله أو مصدر رزقه والآن تهددني بفعل هذا لامرأة وحيدة يتيمة لا أحد لديها سوى الله ثم نحن))
زجره يعقوب مصححا بانفعال
((أنتَ من ستتسبب بالمتاعب لها لو لم تبتعد عنها وعن ابنها))
صمت مَالك مجبرًا كارهًا لأنه لا يستطيع حقا التحدث بشأن رغبته في الزواج منها بعد.. وقال عوضا عن ذلك باقتضاب يتلاعب بالكلمات
((أبي دعك منها مبدئيا.. ولكن ما دخل يزيد! أنا معتاد على وجوده في كل تفاصيل يومي، في البداية كنت أشفق عليه وأهتم به من باب العطف.. لكن الآن تغير الأمر وأصبح بالنسبة لي كابن من صلبي))
اكتسح الألم وتأنيب الضمير مالك فهو كاذب دنيء بامتياز!
كز يعقوب على أسنانه مجيبا بنبرة مغتاظة وقد انفلتت أعصابه عندما سمع جملة "ابن من صلبي"
((أقفل فمك وتوقف عن التحدث بهذه الترهات.. أي أب هذا.. بينك وبين الصغير ربما عشرين سنة فكيف تعتبره كابن لك أيها الأبله؟))
زمّ مَالك شفتيه ثم قال وهو يهز كتفيه
((أنا أكبره بعشرين سنة ونصف.. إذا كان مَازن نفسه تزوج في هذا العمر وكان في الواحدة والعشرين عندما رزق بابنته هدى))
أغمض يعقوب عينيه وكأنه تذكر فعلا أن هذا هو فرق العمر بين مَازن وابنته هدى أيضًا! ثم فتحهما يأخذ نفسًا طويلا أطبق على صدره ليقول آمرا باختناق وكأنه ما عاد يستطيع التحمل
((مَالك اغرب عن وجهي حالا))
عقد مَالك حاجبيه مطأطأ الرأس معاناة يحملها وحده والألم يتوارى بوضعه ثم قال بصوتٍ منطفأ
((انتظر حتى أرتشف القهوة التي ستجلبها أمي..))
صرخ يعقوب به كابحا رغبته في كسر رأسه
((لا أريد أن تتسمم أكلا أو شربا هنا.. هيا اغرب من أمامي فأنا في هذه اللحظة لا أطيق حتى رؤية وجهك))
أومأ مَالك رأسه في صمت وفضل فعلا أن يغادر علّ غضب والده منه يهدأ فاعتدل واقفا من مكانه يغادر ليسارع فهد اللحاق به والتشبث بساقه هادرا
((عمي أنا آسف لأني سبب توبيخك من جدي لذكري سيرة يزيد))
نظر مَالك للأسفل ثم انخفض يحمل ابن أخيه هادرا وهو يرسم ابتسامة مطمئنة
((لا يا حبيبي أنتَ لست كذلك، رافقني لأشتري لك المثلجات))
تهللت أسارير فهد هاتفا بحماس
((حقا؟ أريد نفس المثلجات التي تشتريها ليزيد عندما تأخذه لنزهة سريعة معك من خلف ظهورنا))
شعر مَالك بشي من الذنب أنه لا يولي فهد ولو نصف اهتمامه بيزيد حتى لو كان محقا، فقال له بحنو
((بل سأذهب بك لمكان يبيع مثلجات ألذ منه))
هتف فهد وهو يصفق بكلتا يديه
((مرحى لنذهب حالا))
نظر مَالك للخلف يسأل والده بشيء من التردد
((أبي سأذهب للخارج هل تريد مني شيء؟))
زعق به والده دون أن يلتفت له
((فقط اغرب عن وجهي))
استجاب مَالك وهو ينسحب من الحديقة بهدوء للخارج بينما لا يزال يحمل فهد.. أما الحاج يعقوب فأغمض عينيه وهو يريح جسده على ظهر الكرسي الذي يجلس عليه.. وعقله يذهب لذلك اليوم عندما أخبرته زوجته زاهية بأن مَالك قد حزم ملابسه في حقيبة ويريد الخروج من القصر فذهب هو غاضبا له ليوبخه ويزجره على تفكيره الطفولي الغير مألوف منه لمجرد أنه يرفض طرد الموظفين الذي يعملون في قصره منذ ما يزيد عن عقد!
وعندما لم يجده بغرفته أخبره فهد الصغير بأنه رآه يسير نحو المطبخ مع حقيبته التي حزمها.. وقتها استغرب ذهابه لهناك خاصة وأنه لم يكن أحد يعمل في المطبخ في الوقت الحالي.. لكنه على كل حال اتجه هناك وتفاجأ من وجود تلك البستانية تتحدث معه هناك بعد أن دخلت للمطبخ من الباب الخارجي.. فوقف مكانه متخشبا عند عتبة المطبخ يسمع حوارهما الذي كانت سمية فيه تقنعه ألا يغادر القصر ويبقى هناك.. وهو كان ينصت بهدوء لها بملامح منغلقة.. وما إن ألحت في توسلها وذكرت سيرة ابنها يزيد وبأنه سيحتاج رؤيته يوميا وسيفتقده إذا ما سكن بعيدا حتى لانت ملامحه..
لم تحتج تلك البستانية أكثر من جملتين أو ثلاث تطلب فيهم أن يسامح من قام بطردهم حتى أومأ لها بجمود مؤكدا عليها بأنه سيتراجع عن المغادرة فقط لأنها طلبت ذلك! فهللت بفرح وهي تغادر المطبخ من الباب الخارجي وهي تخبره بأنها ستسرع لتبشر يزيد الحزين على رحيله..
عاد يعقوب للواقع والسخط يشع أكثر على وجهه.. لا ينكر أن مَالك حاول جاهدا أن يصالحه ويمحي آثار المشادة الأخيرة التي حصلت بينهما حتى عادت علاقتهما أفضل من السابق.. لكن كيف يمكن لابنه هذا الخضوع بهذه البساطة لبستانية تعمل عنده في حين أنه عاند وأصرّ على قراره رغم اتباعه معه أسلوب اللين والمنطق!
أومأ يعقوب برأسه وهو يقر بأنه يعرف بأن ابنه منجذب لها ومن صغره.. لكن لم يتوقع بأن الأمر بدأ يتخذ منحنى جدي معه تجاهها..
شتت يعقوب نظره في الأرجاء وإحساس رهيب خانق يداهمه بأن عليه أن يوقف مالك عند حده قبل أن يتطور الأمر ويصعب إيقافه وتتكرر مسألة توأمه مَازن!
وعند ذكر سيرة ابنه الآخر مَازن بدأت أطياف من الذكريات المسمومة تقفز بين عيناه وتجلد روحه..
فرفع أنامله يدلك بين عينيه بإرهاق..
لربما عليّه أن يسأل مالك إذا ما كان يرغب في الزواج من تلك البستانية؟ وإذا ما كان رده بالإيجاب هل عليه الموافقة حتى مع وجود تلك الفوارق الرهيبة بينهما حتى لا يحاسبه الله بأنه كان سببا في سلوك ابنه طريق الحرام لأنه لم يعنه على الحلال!
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
استلقى مَازن على ظهر الأريكة بينما يمسك أداة التحكم عن بعد للعبة الفيديو وهو منسجم كليا في ممارستها..
منذ تخرجه من الجامعة وعدم إيجاده عمل هنا وهو يحبس نفسه في إحدى غرف شقته المستأجرة طوال الوقت.. فلا يخرج منها إلا لتناول الطعام أو الصلاة.. بعد إيقافه حياته كاملة متفرغًا لألعاب الفيديو فقط..
ضرب مَازن بيده الطاولة أمامه بعنف وإحباط لخسارته الجولة وبتلقائية قام برمي أداة التحكم أرضا بقوة محطما إياها لجزأين وكأنه يفرغ شيئا مما يقبع في داخله..
تنهد وهو يعيد رأسه للخلف ويغمض عينيه بإنهاك فقد كان يلعب منذ ساعات طويلة.. لقد أصبح بالفعل أسير عالم مزيف افتراضي حتى يبتعد ولو مؤقتا عن واقعه الحقيقي في هذه البلاد الباردة.. هو حقا ليس سعيدا بهذه الحياة التي يعيشها هنا.. وقد تحول لشخص مكتئب ومنعزل..
قبل أن يوافق بحماس وغباء أن يُنفى الى هنا ويغرق في هذه الحياة الباردة قبل سنوات كان شابًا طبيعيًا.. غامرًا.. يستمتع بممارسة الرياضة والسباحة والمشي.. وارتياد السينما مع أصدقائه.. والتخييم..
أحيانا يتساءل.. هل هو حقا غير قادر على إيجاد عمل هنا وغير قادر على تكوين صداقات رغم طبيعته الاجتماعية؟ أم هو فقط لا يريد أن يربط نفسه هنا بأي رابط مهما كان؟
أطلق تنهيدة حسرة حارة وهو يتساءل مجددا متى سيعود لبلاده ويعود كما كان محبًا للحياة والمغامرة والطبيعة يخرج مع أصدقائه بدلا من أصدقاء اللعب الخياليين أو الافتراضيين!
فتح مَازن عينيه جافلا عند رنين هاتفه فامتدت يده ليتناوله.. ليجد رسالة من أخيه مُؤيد ففتحها وهو يرفع حاجبيه استغرابا ليجد السؤال
"أخبرني باختصار يا مَازن هل أنتَ متزوج؟"
تدلى فك مَازن لسؤال أخيه العجيب! فكتب له ومعالم البلاهة ترتسم على وجهه بغير فهم مقصده
"ما مناسبة هذا السؤال؟"
"فقط أجبني يا مَازن هل أنتَ متزوج؟"
"لماذا تسأل؟"
"سواء كنت متزوجا أو لا فهو حقك الذي لا يختلف عليه اثنين.. فأنتَ في الغربة بحاجة لأنيس.. لذا لا تخفي الأمر وأخبرني الحقيقة.. هل أنتَ متزوج؟"
"لا.. للأسف"
ثم أغلق مَازن هاتفه وقذفه على آخر الأريكة.. نعم للأسف هو ليس كذلك.. ولن يستطيع التزوج وربط نفسه بأي شيء أو أحد ينتمي لهذه البلاد الباردة..
=============================
قالت رتيل التي كانت تقف فوق رأس زوجها أثناء محادثته مع شقيقه باقتضاب
((لماذا يا مُؤيد تشجع أخيك على الزواج في الغربة؟ لا تقل حتى يعف نفسه، فزوجته هنا وحيدة وهو ليس الوحيد الذي يمتلك رغبات وحاجات وبحاجة ليعفها بالحلال))
استنكر مؤيد بقلة صبر ونزق من تصرفاتها اليوم
((مــــاذا! ماذا تقصدين يا رتيل؟))
خفت أجيج انفعال رتيل خوفا من إغضابه فتنحنحت تجلي صوتها وجاهدت في إخراجه ودودا وهي تقول بإقناع
((أعنى عليك أن تكون محايدا بين مَازن وزوجته.. بدلا من الميل له لأنه فقط أخيك))
خرج صوت مُؤيد مشتدا صارما وكأنه لا يحتمل النقاش في هذا الموضوع
((الموضوع ليس متعلقا بكونه أخي أو لا، بل لأنه رجل.. والرجل فاعل والمرأة مفعول بها.. يَطلب فتَعْطي.. انتهى))
هتفت رتيل غير مستوعبة منطقه
((ولكن احتياجاتها فطرية متأصله في أي امرأة وحاجة أنثوية خالصة..))
رد مُؤيد منفعلا يقاطعها
((بل دليل وقاحة وقلة حياء وانعدام أخلاقي.. منذ متى وعلى الرجل أن يلبي رغبات زوجته! المعاشرة حقه وحده يحصل عليها متى يشاء ويتركها متى يشاء))
كان يتأجج في عيني مُؤيد غضب شديد فضحت رتيل بلحظة تهورها ودارتها وهي تدير وجهة أي شك متولدة بعيدا عنها وهي تقول بتأكيد
((صحيح معك حق))
ثم لوت فاهها يمينا ويسارا بالاشمئزاز منه.. فهكذا هو يعاملها.. وعاء يصب فيه الرغبة وحسب.. إنه رجل متزمت لا يفهم بحقوق الغير شيء!
غمغم مُؤيد بنبرة تشكك
((لا أرى عينيك تؤيد ما تقولينه يا رتيل))
سارعت تتصنع التأييد وهي تمسك كفه بيديها الناعمتين
((لا على العكس، أنا معك في كل حرف))
نفض يديها عنه وهو يقول ممتعضا
((هل هذا جزائي لتساهلي معك مؤخرا بناء على طلب أبي وسماحي لك لزيارة أمك والمبيت عندهم لأيام كل أسبوع أثناء وجودي في المدينة!))
كانت خائفة حقا من أن يتراجع عن سماحه لها بالمغادرة فلم يكن أمامها إلا مهادنته ونفاقه لتقول بلهفة مزيفة
((إياك أن تظن بأني أقصد إزعاجك.. أنا فقط أحبك..))
نفض كفيها عنه بكره حاول اختلاقه وهو يتمتم
((لا ينقصني الآن أن تجلبي سوى جلب سيرة الحب..))
طُرق باب الجناح ثم دلف فهد الصغير للداخل يقول مباشرة دون مقدمات بتبرم طفولي
((أبي هل تعرف أن يزيد خرج مع عمي مَالك للمطعم لتناول وجبة الغداء؟ يوما بعد يوم يخرج يزيد مع عمي لشتى مختلف المطاعم ونحن هنا أنا وباسم لا خيار لدينا إلا تناول طعام المنزل الرديء..))
تدلى فك مُؤيد بتعجب من تذمر صغيره وسرعان ما سأل بتهكم ممزوج بالعجب
((الآن صار طعام المنزل رديئا!))
أشاح فهد بعينيه جانبا وهو يكتف ذراعيه مصرا على رأيه فأومأ مُؤيد برأسه وقال وهو يفتح هاتفه
((لا تهون عليّ يا سيد فهد ابن الكانز! سأتصل الآن بخدمة توصيل أحد أفخم المطاعم.. هل هناك شيء محدد تريد مني أن أطلبه لك وأخاك؟))
ازدرد فهد ريقه وقال بإباء وترفع
((لا أريد أن تطلبه للبيت.. أريد الذهاب للمطعم مثلما يذهب عمي مَالك مع يزيد كما السينما أيضًا خلسة حتى لا نعرف نحن، رغم أني أعرف بالنهاية بطرقي الخاصة))
رمق مؤيد ابنه بملامحه المتجهمة ثم لاحت ابتسامة على وجهه وهو يعقب ساخرا على طلبه البريء
((وما رأيك يا صاحب الطرق الخاصة أن أذهب معك للمطاعم والسينما؟ هذا ما ينقصني!))
تدخلت رتيل تقول وهي تمسك كتف زوجها
((وماذا فيها يا مُؤيد؟ لماذا لا تذهب بنا لهذه الأماكن الترفيهية؟))
تطلع لها بتعجب وكأنها تقول شيء عجيب ثم انفعل
((هل جننت؟ وماذا سأجيب عائلتي لو سألوني إلى أين أنا ذاهب بكم؟))
هزت رتيل كتفيها تقول بتلقائية
((أخبرهم ببساطة أنك ستذهب بنا إلى مطعم أو سينما.. بسيطة))
تهكم مُؤيد بتشدق لاذع
((لا ليست بسيطة.. ما رأيك أن نقول لباقي الأقارب والجيران أني اذهب بكم لأماكن كهذه!))
عقبت على كلامه مستنكرة
((شخصيتك قوية ولن يجرؤ أحد على الاعتراض أو منعك حتى أو التعليق على ذلك))
دمدم لها بامتعاض وهو يشيح بعينيه
((الموضوع ليس موضوع شخصية.. بل ما قد يقولونه من خلف ظهري..))
لم يبالي فهد بكلام والده وهو يتشبث بملابسه ملحا برجاء طفولي
((أبي دعنا نذهب مثلما يفعل عمي مَالك مع يزيد..))
هتف به مُؤيد بصرامة وحزم
((تبا لك وليزيد ولعمك مَالك.. لا يوجد عندي أحد يذهب لهذه الأماكن.. عندما تكبران في العمر يمكنكما الذهاب مع الأصدقاء.. لكن الآن أنتم عائلتي وحر بكم))
عقدت رتيل ساعديها واضعة ساقا فوق الأخرى تقول
((إذن المشكلة بي أنا.. لا تريد مني أنا أن أذهب معكم للخارج))
وقف مُؤيد يطل عليها بطوله ويرد بتسلط
((نعم لا أريدك أنتِ أن تخرجي.. هل عندك اعتراض؟))
ظلت تحدق به للحظات ثم قالت باستسلام
((لا ليس عندي اعتراض ولو أني لا أفهم سبب كرهك للخروج معي))
علا صوته أكثر وهو يهتف باستنكار
((وما الحاجة لامرأة متزوجة ومحترمة للذهاب إلى تلك الأماكن الترفيهية؟))
نظرت لعينيه باتساع وصدمة قبل أن تزعق وطريقة تفكيره المتخلفة والمتزمتة تفقدها لجام صبرها
((مُؤيد هل جننت؟ أنا أتحدث عن مطعم أو سينما لا نادي ليلي))
ساد صمت مريع تحيطه أنفاسهم ثم قال بصوت مشتد صارم
((أنا لن أتناقش في هذا الموضوع بكلمة زيادة))
اتسعت عينا رتيل وهي تدرك مجددا نتيجة إغضابه.. فاستقامت واقفة تجبره على الجلوس وهي تقول لابنها
((هيا اذهب الآن للخارج، والدك بحاجة للراحة))
تهدلت كتفا فهد وهو يخرج من جناح والديه ثم يغلق الباب بقوة يفرغ من إحباطه وخيبة أمله..
اقتربت رتيل من زوجها تمد أناملها على كتفيه تدلكهما
((دعني أدللك قليلا يا حبيبي))
أظهر مُؤيد شيء من التمنع وهو يبعدها بخفة هادرا
((ابتعدي عني))
لكنها ألحت بصوتٍ ناعم مغوي
((لن أبتعد قبل أن تسترخي تماما))
لوهلة ارتبك مُؤيد من لمساتها وكاد أن يفتضح ارتباكه هذا وهو يشعر بها تدفع بقشعريرة لذيذة لكل خلية في جسده..
رغم مبادراتها الشبيهة لهذه في بداية زواجهما إلا أنه كان يردعها ويتباعد عنها متعمدا ألا يسمح لها أن تخترقه بعاطفتها ولمساتها الأنثوية.. إلا أنه مؤخرا ولأنه بات يسمح لها في الخروج من المنزل أسبوعيا لزيارة والدتها -على حسب اعتقاده- عادت تعرض عليه هذه المبادرات الأنثوية الخالصة وإذا ما رفضها بخشونة لا تمل بل تلح حتى يرضى مرغما أن تخترقه بتأثيرها..
ورغم استرخائه تحت أناملها إلا أنه كره ذلك..
=============================
عصر يوم مشمس.. حيث السماء ملبدة بالغيوم والجو جميل والهواء عليل.. وفي إحدى حدائق المدينة العامة الممتلئة بالعائلات ممن جاؤوا لها لقضاء وقت جميل وتعزيز أواصر المحبة والتآلف فيما بينهم.. كان مَالك ويزيد يتجاذبان الكرة بشكل مستمر فيما بينهما.. الشغف ملؤهما والأدرينالين لا يتوقف عن الجريان في عروقهما..
في حين كانت سمية تجلس فوق غطاء فرشته فوق العشب الأخضر بينما الدراجات النارية تمر بالشارع العام من خلفها..
بدأت تقوم بإعداد شطائر لهم منفرجة الأسارير وهي تحول نظرها بين الفينة والأخرى عليهما وهما يلعبان والبهجة على وجوههم وقلوبهم..
طفلها الصغير يزيد كان يلعب بروح وعزيمة وحميَّة يفتقدها الأطفال الذين في سنه.. مستمتعا بعيش متعته الخاصة في لعب كرة القدم حيث يراوغ ويمرر ويحاول تقليد لاعبه المفضل.. لقد كانت تجد وقتا صعبا في منح يزيد الوقت بسبب عملها المزدحم في حديقة الحاج يعقوب الكانز لذا وعدته أن تأتي هنا..
وما زاد الوقت متعة وجمالا تواجد مَالك معهم الذي كانت رفقته لهم عفوية وغير مخططة.. بل بمجرد أن رآهما ذاهبين مع سلة النزه حتى عزم على الذهاب معهما غير آبه لأي اعتراض..
أمسك مَالك الكرة بيديه ولوح ليزيد ليلحقه بينما يتجه حيث تجلس سمية.. أعطته بلطف منشفة وماء فتناولهم منها بامتنان مشيدا
((يزيد عليك أن تكون فخورا لامتلاكك موهبة في كرة القدم، أنتَ في غاية التفرد))
تطلع يزيد لأمه قائلا بفخر
((هل سمعتي يا أمي؟))
ناكفته ((إنه دائما ما يبالغ في مدحك.. لا أريد أن أكون قاسية لكن عليك أن تكون يقظا لحقيقة الواقع))
سارع مَالك ينفي كلامها بتأكيد
((لا لست أمزح، يزيد يوما عن يوم تزيد مهارته في الكرة.. وهذه موهبة وبذرة كامنة متأصلة تحتاج الى من يخرجها من قمقمها ويكبر معها))
هتف يزيد بصوتٍ مفحم بالحالمية والحماس
((أحلم أن أكون لاعب كرة محترف ومتميز بجانب حلمي في أن أصبح طيارا))
ابتسمت سمية وهي تناظر ملامح وجه ابنها الصافية وبشرته المفعمة بالحياة في هذه اللحظة بينما تسقط أشعة الشمس الهادئة على خصلات شعره الفاحم..
قال مَالك وهو يضع المنشفة خلف رقبته
((إنسَ الطياران، وركز في كرة القدم))
ناظرته بطارف عينها تقول
((مَالك كف عن حشو أفكاره بهذه الأمور، ما زال في السابعة من عمره وعليه أن يهتم بدراسته أكثر))
تناول مَالك الشطيرة التي أعدتها سمية له وهو يتربع بجلسته شاعرا ببهجة وانتعاش رهيبين لاجتماعهم الثلاثة سويا.. لم يحدث هذا منذ مدة طويلة..
ثم نظر ليزيد وقال وقد لون الحنين صوته
((تذكرني يا يزيد في أيام صباي الجميلة، كنت ألعب أنا وأخي مَازن دائما مع أصدقائنا كرة القدم))
هتف يزيد بطفولية ودهشة عارمة
((حقا؟ احكي لي أكثر عنها؟))
شرد مَالك بعينيه يقول وتلك البسمة على وجهه
((يمكنك القول بأني كنت ألعب كالمجنون وأحارب من أجل فريقي كمن يحارب عن بلاده))
تنهد مَالك بحنين ثم استرسل كلامه
((كان أخي مَازن هو من يحضر الكرة وبالتالي هو المتحكّم في اللعب يُدخل من يشاء ويُخرج من يشاء لأرض الملعب.. بل والأنكى إن هُزم بعد مضيّ اللعب يأخذ الكرة وينصرف لبيتنا بينما أمطره أنا والباقيين بالشتائم وعدم المروءة.. ونعود نتلاوم فيما بيننا عن الذي تسبب بإغضابه وأضاع علينا فرصة لعب الكرة))
ضحكت سمية لذكرى ما يقوله بنعومة ثم قالت
((كنت تخبرني هذه التفاصيل دائما.. وكنت أنتَ أمهر لاعب فيهم ولأنك طولهم.. ومطلوبٌ بشدة من كلا الفريقين وكنت تُحسب باثنين من اللاعبين عند التقسيم))
تدفقت لمَالك المزيد من ذكريات الكرة مع إخوته وأصدقائه فعاد يقول ضاحكا
((وحتى مُؤيد أيضًا كان إذا جاء ورآنا نلعب يترك من يمشي معهم ويأتينا بكل عنجهية ويصرخ نافخًا صدره أن نسمح له بمشاركتنا اللعب أو سيفسده علينا فنضطر مرغمين لإدخاله الملعب ونحن نشتمه في دواخلنا وننتقم بعدم تمرير الكرة له حتى يضجر ويذهب))
رفعت سمية حاجبيها تضيف
((مُصعب كنتم تجبرونه أن يكون حكم المباراة إذا مر في الطريق عليكم))
تعالى صوت ضحكات مَالك وهو يقول متهكما
((نعم.. كنا نحبه أن يكون الحكم لأنه يتميز بالنزاهة))
علت ضحكاتهم الثلاث بلا توقف.. ضحك متواصل تخطى دقيقة كاملة.. حتى تعبوا وخفت الصوت وبقيت أنفاسهم اللاهثة تنتظم ببطء..
متى آخر مرة ضحك أحدهم بهذا المقدار؟
قضم يزيد من شطيرته بشهية مغمغمًا
((سنعود للعب بعد تناول الشطيرة!))
رد عليه مَالك مبتسما
((سنفعل.. أمامنا الكثير من الوقت حتى غروب الشمس))
فجأة تبدلت ملامح سمية والتفتت بغتة لمَالك!
أحقا يعتقد أنها ستسمح لها وليزيد أن يظلا في الخارج حتى يعم الظلام المكان؟ سارعت تحطم السعادة التي تلف الأجواء وهي تعترض
((أي غروب شمس بالله عليك يا مَالك؟ عليّ أن أعود أنا ويزيد خلال ساعة.. هل نسيت أن الأعين عليّ كأم عازبة تعيش في بيت صغير مع ابنها وحيدين؟))
رد عليها بملامح واجمة
((نعم أعرف..))
استغفرت سمية بسرها ثم تمتمت
((لا يبدو بأنك تعرف.. لو كانت حقا سمعتي ومظهري أمام الناس يهمك لما كنت ستقول ما قلته..))
كان غضبها قد انفلت قليلا لشيء من التراكمات التي حدثت في الماضي.. فتجهمت ملامح مَالك واستلبسه الغضب وهو يراها تقلب الأجواء بينهم لغم ونكد..
وكأنها لا تطيق أن تحل السعادة عليهم ولو لوقت قصير ولن ترتاح إلا إذا عادوا للقرية عابسين غاضبين! ودون شعور منه هتف بغضب مماثل
((سمية أنتِ تعرفين بأني أحرص الناس على سمعتك والحفاظ عليها من أي خدش.. ولذلك أنا حريص على الاقتران بك مجددا والخروج بعلاقتنا للنور))
وكأن سمية تذكرت وجود يزيد فناظرته لتجد الحيرة والحزن يلفان وجهه من انقلاب الحال المفاجئ بينهما..
فسارعت تبحث عن حقيبتها وأخرجت منها محفظة لتقول
((يزيد خذ هذه القطع النقدية واشتري لك المثلجات.. قف على الدور ولا تتجاوزه))
كان يزيد يشعر بوجود خطبا ما بينهما لكنه أومأ برأسه طائعا ولسانه يتباطأ بضعف وهو يمد راحته لتناول المال منها ((حسنًا.. أمي..))
بمجرد أن ذهب يزيد حتى قامت سمية بإغلاق العلب المفتوحة تستعد للمغادرة بينما تقول بشكر وعرفان
((مَالك شكرا على الوقت الطيب، سنعود للقرية منفصلين))
كز على أسنانه يأخذ نفسا ليهدأ ثم قال
((لماذا دائما ما تنهين حوارنا عندما أجلب سيرة الزواج؟ هل يعجبك وضعنا هكذا؟))
قالت ((معك حق خروجنا بهذا الشكل سويا حتى لو كنا في مكان عام لا يجوز لا شرعا ولا عرفا، ولأننا نعرف هذا نقوم به بالخفاء))
مسح مالك على وجهه الأحمر لكتمان الغضب ثم أدار وجهه بعيدا يجيبها بقتامة
((بيدك أنتِ أن تجعليه جائزا شرعا وعرفا ودينا.. وبيدك جعل علاقتنا رايةً مرفوعةً على ساريةٍ عالية.. ألا زلت بالنسبة لك ذاك المراهق الذي يصغرك بسبع سنوات؟))
تجمدت كل حركتها وظلت تناظره بملامح ضائعة للحظات طويلة قبل أن تخبره بصوتٍ متحشرج وبعاطفة صادقة
((أكذب عليك إن لم أقل بأني مؤخرا بدأت أشعر بمشاعر تجاهك.. لا أستطيع تحديد إذا ما كانت حبا أم لا، لكنها مشوبة بعواطف تخصك أنتَ))
لم يكد يصدق ما يتناهى لسمعه.. آخر ما توقعه أن تكون فعلا تشعر شيئا تجاهه عدا الحاجة أو تلك المشاعر الأخوية! وللحظة انتبهت هي لاهتزاز حدقتيه الخضراوين وهو يناظرها بعينين واسعتين متفاجئتين لتكمل
((وهذا الأمر يجعلني غاضبة كثيرا، لأني مدركة بأني لو أحببتك فلن يكون متبادلا.. عدى عن أنك تستحق الأفضل))
صمت فجأة مشدوه النظرات بذهول وكلماتها واعترافها يشع في عقله بلا مقدمات ليقول بنبرة تحيا بعد موت
((دعك من فكرة بأني أستحق الأفضل، لأنه من وجهة نظري أنا أستحق ما أحب.. لكن ما الذي يجعلك تظنين أنه غير متبادل؟ أنا أتوسل منك الحب منذ سنوات طويلة وأنتِ تقولين بأنه لن يكون متبادلا؟))
زمّت شفتيها ثم قالت بصبر
((نعم ليس متبادلا، لأن الوهم الذي تعيشه لا يمكن أن يكون حبا..))
وأضافت وصوتها الهادئ الواثق رغم التوتر المحسوس يستفزه
((مَالك.. أنتَ غير مدرك للكارثة التي تريد مني أن أقع فيها! أرجوكَ لا تستدرجني لأقع في هاوية حبك وابتعد عني، لأني اعرف أن الأمر سينتهي بجعلي إياك تتغلغل في نفسي إلى الحد الذي أعري نفسي بالكامل أمامك وأضع كل حبي وعاطفتي عليك ظنا مني بأني وجدت السعادة المنتظرة التي ستعوضني عن كل ما مررت به.. ثم.. ثم..))
خطفت عيناه وجهها بنظرة مدمرة ثم عقد حاجبيه يحثها على الإكمال هادرًا ((ثم ماذا؟))
تيقظت عينيها بالقوة وبكل تأكيد أكملت
((ثم أجدك أرضيت غرورك وكبريائك وملأت خزائن رهاناتك بي.. وقد اكتفيت من ذكرياتي الحزينة وماضيي المرير، وملامحي الباهتة، وجسدي الهرم، ثم تقرر أن تمضي قدما من دوني.. مع امرأة غيري تستحقك.. تاركا إياي وحيدة مع حزن مضاعف وقلب مشروخ.. وأنا لن أتحمل أن تخذل قلبي وروحي وتضرب بهما عرض الحائط قبل أن تتخطاني))
شعرت بقلبها ينتفض نبضا.. إنها تائهة ومشتتة بين احتياجها له وقد تأقلمت على أنه يستحوذ على جزء من حياتها.. وبين بدئها تجاوز كل خطوطها ودفاعاتها معه..
تنهد مَالك تنهيدة محتدمة وتقبضت يده، ثم زمّ فكيه قبل أن يقول بنبرة مبهمة لا تحمل من روحه المحترقة شيئا
((إذن أنتِ تشعرين بشيء تجاهي وغالب ظنك أنه الحب، لكن ما يجعلك لا تريدين التغلغل في هذا الشعور ومبادلتي إياه هو بأنك لا تثقين بي.. حسنًا ممتاز.. لقد قطعت أكثر من نصف الطريق تجاهك هكذا.. الآن أنا فقط بحاجة أن أثبت لك مسؤوليتي تجاه ما أشعر به وأجعلك تشعرين بالأمان والاحتواء.. ثم كله يهون.. حتى عائلتي سيقتنعون ببساطة))
تضرجت ملامحها ببطء مع كلماته وعيناها ترمشان بلا توقف لتمنع الدموع التي تجمعت بها.. فابتسم دون أن يشعر ليستطرد معترفا
((لا أصدق بأني حقا اقتربت من الحصول عليك بعد كل السنين التي يأستُ فيها من أن تشعري بشيء تجاهي، الحب من طرف واحد قاتل ومؤذي))
لم تجبه بشيء فهمس بصوتٍ أجش خفيض وكأنه ينطق باسمٍ فيه الترياق
((سمية..))
وتابع بتهديد ضمني
((أنا لن أتوانى عن أي طريقة ألجأ لها لتعودي لي))
ثارت عيناها نارا متقدة لتنفلت أعصابها لذكرى تهديده السابق بسلبها يزيد.. فسارعت ترفع رأسها شامخة مثله وأكثر قائلة بحسم صارم منتهٍ
((ماذا تقصد بأي طريقة تلجأ لها؟ لا تفكر أن تسلك طريق مساومتي على ابني يا مَالك.. إذا كنت سأعود لك فيجب أن يكون السبب نابع من رغبتي بذلك وبدون أي ذرة ضغط من قبلك.. تجربة زواجي الأولى هي ما أوصلتني لما أنا عليه.. إذا لم أكن أرغب في العودة لك فلن أعود حتى لو كان من أجل يزيد.. لذا لا تفكر أن تستخدمه للضغط عليّ))
كان لا يزال يمعن النظر في وجهها الحازم إلا أنه لم يرد بشيء.. فترققت ملامحها ووهنت نبرة صوتها شيء فشيء وهي تستطرد
((لن أتحمل مرة أخرى أن أكون زوجة لشخص يجدني عبئ عليه.. رغم أنه أشبعني حبا في البداية))
ازدادت طرقات قلبه مخاوفها التي هي سبب عنادها وإصرارها على التباعد وبناء جدار عازل بينهما.. فأخذ نفسا طويلا وأطلقه كحياة ردت بصدره.. انفعلت عيناه هائجة المشاعر كلسانه الذي نطق بصوتٍ مضطرب
((لماذا لا تستطيعين إدراك كل ما أكنه لك! إني صريع في هواكِ.. أهواك أنتِ بلا حدود.. أنتِ لا فكرة لديك عن جنون وطيش آهاتي التي تنادي باسمك ليل نهار.. فكل آمالي هو حبك وأجمل أمنياتي هو أنتِ))
قالت باختناق مشاعر وهي تشعر بخضرة عينيه تخترق دواخلها وتبصر قلبها
((توقف يا مَالك عما تقوله))
هز رأسه نافيا ثم ابتسم وقال بصوتٍ خافت.. بنغمة تثير الشجن
((لن أتوقف.. منذ البداية لامستِ قلبي برقتك المعهودة.. وشغلتِ عقلي وتفكيري بك ليلًا نهارًا.. كل ما فيك أسرني.. شخصيتك.. عقلك الراجح.. حتى أصبحت جزءً هامًا في حياتي لا أستطيع الاستغناء عنه.. وأفتقده إن غاب للحظات))
التمعت عيناها ثم قالت بصوتها العائد من سنوات الفراق بالحياة ونبرة مريرة ممزوجة بذكريات الماضي متعمدة ألا تذكر اسم زوجها الأول وتغضبه
((حتى هو كان هكذا في البداية.. كان غارقا في عشقي وكان يخبرني مثل تلك الكلمات بل ويتوسل لي دائما أن أصبر عليه حتى يُكون نفسه ويتزوج بي.. ثم تغير قلبه فجأة))
تجهم وجهه بغضب بارد مبعدًا عينيه عنها حتى لا يطفو غضبه ثم قال
((هذا لأنه لم يكن ليجد امرأة جميلة تقبل بضيق حاله ووضعه إلا أنتِ.. كان هو المخطئ ومن توقف عن حبك فجأة فلا تلومي نفسك بل لوميه هو))
أطلقت نفسا مرتعشا من أعماق قلبها المتدافع نبضه ثم ردت بخفوت وهدوء مفتعل
((لقد تجردت من عاطفة اللوم منذ زمن بعيد ولن ألوم أحد على أي شيء))
تحرك حلق مَالك وهو يبتلع ريقه ثم قال بعاطفة نابعة من أعماقه المجتاحة
((لقد انتظرتك يا سمية لأني آمنت بأن كل شيء سيحدث بوقته.. عندما أكون ناضجا وجاهزا.. كل شيء يأتي عندما أستحقه.. ولا أجد أفضل من هذا الوقت..))
بنفس اللهفة الناطقة بعينيه إن لم تكن أكبر كانت تشعر بها.. فهمست بشيء من التردد
((ولكني قلتُ بأن كل ما أحمله لك هو مشاعر مبهمة))
رد عليها بجدية واستعداد تام
((أنا لا أريدك أن تغرقي فجأة في حبي وتتعلقي بي.. على العكس.. أريد أن تتعلقي بي برفق.. لأن الأشياء التي يتعلق القلب بها فجأة يفقدها فجأة))
راقبت سمية دواخل عينيه وبريقهما.. وتلك الإشراقة التي أحاطت وجهه فقط الآن..
عيناه الخضراوين سنةٌ كل فصولها ربيع أخضر.. تعتلان في سحرهما جمال النجوم.. تجيدان إرباكها.. تلفتان قلبها قبل نظرها.. تسحرانها ببريق لا يقاوم..
كانت تشعر حقا بأنها في عالم آخر لا يتواجد فيه إلا هما الاثنين ولم يعدها إلى الواقع إلا صوت يزيد يقطع حوارهما وهو يقترب منهما بتذمر
((لقد أكلت مثلجاتي كاملة وأنتما لم تنتهيا من الحديث الذي صرفتماني من أجله؟))
اتسعت عينا سمية لتنتبه على ابنها وتستوي واقفة محاولة استعادة توازن كاذب يضيع بنبرتها الخافتة
((أيها الشقي ساعدني في حزم المفرش والأغراض))
بدأ مَالك يساعدهم هو الأخر بينما يقول
((سأوقف الآن سيارة أجرة..))
تطلعت سمية له معترضة
((يكفي أنك رافقتنا عندما أوقفت السيارة واستقللت المقعد الأمامي.. الآن لا يصح أن تعود برفقتنا أيضًا))
عقد مَالك حاجبيه يقول
((ما رأيك أن نوقف سيارة واحدة وقبل أن ندخل القرية سأنزل منها وأكمل الطريق إلى بيتي سيرا على الأقدام))
قالت له عقب أن أطلقت تنهيدة
((مَالك.. سأذهب لأبتاع غرضا من متجر ما، عد مع يزيد وأعطني هذه الأغراض لأعود لوحدي))
تجهم وجهه يقول متذمرا بغضب منبعه خوفه عليها
((هل ستعودين وحيدة يا هانم؟ وفي أي ساعة إن شاء الله؟))
كررت عليه بنبرة ممزوجة بالرجاء
((لن أعود وحيدة بسيارة أجرة، بل سأستقل حافلة القرية لأعود بها.. أرجوكَ خذ معك يزيد واتركني على راحتي))
صمت لثوان ثم تدبر ابتسامة عادية
((حسنًا سأعود أنا ويزيد.. وأنتِ عودي بعدما تتبضعي حاجتك.. استودعك الله))
بادلته الابتسامة وهي تحمل الصندوق الذي وضبت فيه الأغراض.. بقيت واقفة أمامه تراه يمسك بيد يزيد ويقف أمام الشارع العام.. ثم خطت نحو إحدى المحلات تشتري لها عصير مثلج وهي تشعر بالندم يتسرب لكل خلية في جسدها على كل ما اعترفت فيه له..
الرادع الأكبر بينهما هو إيمانها بأنه يستحق من هي أفضل منها بجانب يقينها من أنها مستقبلا ستراه نادما غير مقتنعا بزواجه منه..
لذا عليها أن تبذل جهدا أكبر مستقبلا في ردعه عنها..
ثم هي ومع أنها لا تنكر تأقلمها الشديد على وجوده في حياتها واعتمادها عليه وأهمية دوره في حياة يزيد..
إلا أنها لن تموت لو قامت برميه خارج حياتها..
سبق وتعلمت بأنه ليس لها أحد سوى نفسها مهما كثر الذين يخبرونها بأنّها تعني لهم..
هي سند نفسها وقوتها.. وعليها ألا تضع نفسها في مكان لا يليق بها..
.
.
وصل مَالك للقرية قبل سمية بطبيعة الحال فاصطحب يزيد معه لداخل قصرهم ثم إلى غرفة نومه ريثما تصل سمية..
دخل للحمام المرافق لغرفته يغتسل بينما تسلق يزيد مقعد مَالك الموضوع أمام مكتبه.. سحب ورقة وقلم وبدأ يكتب واجب تعبيره الذي طلب الأستاذ منهم كتابته وتسليمه في ورقة خارجية في الأسبوع القادم..
كان التعبير أن يكتب عن نزهة ذهب فيها مع والديه..
تنهد يزيد ثم بدأت يده تخط في الكتابة التي يبرع فيها وتدوين ما مر به اليوم وبعد أن كتب ما يدور في عقله من تفاصيل رفع الورقة بانتظار أن ينتهي مَالك من الاستحمام حتى يراجع له الأخطاء الإملائية..
لكن جفل فجأة واستدار نصف استدارة للخلف عندما سمع صوت طرقات الباب..
نقل بصره بين باب الغرفة وبين باب الحمام وصوت المياه المنهمر المستمر دليل على استغراق مَالك في الاستحمام وعدم سماعه صوت الطرقات..
شعر يزيد بحيرة وإذا ما كان عليه فتح الباب أو لا..
لكن باغته الطارق وهو يفتحه ليتضح بأنها والدة مَالك تهتف بصوتها الوقور المستغرب
((مَالك.. هل عدت يا بني؟ أين..))
بترت الحاجة زاهية كلامها واتسعت عيناها بصدمة وهي ترى يزيد جالس على الكرسي ويمسك بورقة فسألته ذاهلة وغاضبة
((من سمح لك أن تدخل هنا؟))
نكس يزيد رأسه كشخص مذنب ثم تمتم مجيبا
((جئت مع عمي مَالك إلى هنا، إنه في الداخل يستحم))
انسحبت الدماء من وجه زاهية وهي تفغر شفتيها للحظات قبل أن تتمكن من التحدث بفظاظة وغضبها يشتد
((إذا كان يستحم في الداخل فماذا تفعل هنا؟ هيا اذهب يا يزيد لبيت والدتك لا يصح أن تبقى هنا..))
ازدرد يزيد ريقه وأمسك الورقة ثم قفز من على الكرسي أرضًا وتابع السير نحو الباب دون أن يتفوه بكلمة أو يرفع رأسه..
أغلقت زاهية باب غرفة مَالك خلفها بعنف وأمضت طريقها نحو حديقة المنزل حيث يجلس زوجها ورتيل بينما تشتعل غضبا من الداخل!
تلك البستانية تحاول شبك خيوطها حول مَالك كأنثى العنكبوت السوداء إلى الحد الذي يعجز مَالك الطلب من ابنها مغادرة غرفته حتى في وقت استحمامه!
ماذا لو جاء أحد الخدم أو إخوته ودلفوا لغرفته ووجدوه يستحم في الداخل بينما الصغير جالس أمام مكتبه!
وقتها من قد يمنع الظنون السيئة من الحوم حوله!
جلست زاهية على مقعدها تتمتم بكراهية
((عممي على العاملين هنا ألا يدخلوا ذاك الولد الصغير القصر، إنه يتجول هنا وهناك وكأنه ابن أصحابه))
عقدت رتيل حاجبيها وقد فهمت من تقصد حماتها..
في حين قال الحاج يعقوب باستغراب
((لا تبالغي يا زاهية.. يزيد مجرد طفل))
التفتت زاهية تنظر لزوجها بانفعال متقد بعينيها
((لا طفل ولا هم يحزنون.. غدا سيكبر وستبقى طباعه على ما اعتاد عليه.. وحبذا لو جعلت أمه البستانية ترحل من كل هذه القرية.. لا تتصور رغبتي الرهيبة بطردها من عملها في حديقتنا اليوم قبل الغد))
عبس يعقوب باستهجان واضح لما يسمعه من زوجته الرزينة ليعترض
((ما هذا الذي تقولينه يا زاهية؟ وهل القرية لنا لنتحكم في وجود من نريد فيها؟))
برقت عينا زاهية لتضيف بنبرة ذات معانٍ
((إذن أعطها قدر ما تشاء من النقود مقابل الابتعاد والرحيل من هنا))
تدخل فهد الذي كان يجلس بجانب أمه يمسك كأس عصير وقال ببراءة ودفاع مستميت
((ولكن يا جدتي أنا أحب يزيد.. إنه قوي ويقف بوجه أي متنمر يحاول أن يقترب مني أنا أو باسم))
طل الحزن من عيني رتيل وهي تلقي اللوم على مُؤيد لضعف شخصية ابنيها على عكس يزيد رغم أن والده بعيد عن عينه وقلبه..
أجابته زاهية بما لا يناسب عمره بينما الكره يطل من عينيها صارخًا صريحًا
((أما أنا فأكرهه، كرهي له مزروع في داخلي ويمر بشرياني كتدفق الدماء))
اتسعت عينا يعقوب وهو يجد بأن الأمر بدأ يأخذ مع زوجته منحدرا غير طبيعيا فقال مستنكرا
((هل أنتِ نفسك زوجتي الحنونة والحكيمة من تتحدث عن طفل بكل هذا الكره والنفور؟ لا أكاد أصدقك))
قالت له بعبرة مخنوقة
((لن تفهم وجع قلبي..))
لم تستطع إتمام جملتها وهي تسارع بإغماض عينيها ومنع عبرة أخرى من الانزلاق على وجنتها..
كرهها ليزيد لا دخل له بكرهها لأمه.. بل هناك نغزه في قلبها تشعر بها فقط عندما ترى هذا الطفل الصغير.. لسبب مبهم لا تدركه أبدًا!
مال يعقوب لزوجته متسائلا باستهجان
((هل هذه دموع؟ ما الذي يحصل معك؟))
كفكفت عبراتها بباطن كفيها وقالت بنبرة تجلى له فيها شجنها الشديد
((لا أدري سبب هذه الدموع، ولا سبب ألم قلبي.. ولكني أشعر به كلما أرى ابن البستانية وأتمعن في ملامح وجهه الطفولية))
أطرق يعقوب مليًا وغلب ظنه أن زوجته فقط تخشى من ميل مَالك لأمه وبالتالي طلب الزواج منها!
لطالما كان التوأم أقرب أولادها إلى قلبها.. يكفي أنها حرمت من اختيار عروس مَازن ومن الاحتفال بمظاهر الزفاف عندما تزوج من ياسمين.. ولا تريد أن يحدث نفس الشيء مع مَالك..
تنهد ثم قال بعد هنيهة من الصمت
((لا بأس عليك يا زاهية..))
في حين قالت رتيل التي كانت لا تفهم شيء مِمّا يدور حولها
((هل تكرهين يا عمتي وجود يزيد أو امه بسبب ما تقوله منال عنها.. مرة قالت بأن يزيد هو ابن.. أقصد كانت تلمح بأننا لم نرَ يوما زوجها الثاني ولم يحضر أحد في القرية حفل زواجها منه.. ولم تسمع مرة أن يزيد ذهب في زيارة عند والده أو أحد أقاربه من جهة والده..))
بترت رتيل كلامها جافلة عندما صدح صوت حماها باسمها بغضب مستعر
((رتيل توقفي ولا تكملي الحديث.. هل تعرفين أن ما تقولينه هو قذف للمحصنات.. استغفري الله وتوبي من ذنبك فورا..))
رفعت رتيل كلتا يديها لفاهها وهي تتمتم بذنب
((استغفر الله.. لم أقصد ذلك.. لكن خفت أن تصدق عمتي تلك الإشاعات المقيتة التي تتمتم بها منال لتلمح بأن يزيد هو ابن سفاح، لأن هذا غير صحيح وإلا فكيف تمكن من الذهاب للمدرسة بأوراق قانونية!))
عاد يعقوب يصدح صوته بصرامة
((كله كلام عار عن الصحة لا يصدر إلا عن شخص فاسق.. لقد قالت والدة سمية لي بنفسها آنذاك بعد طلاق سمية الأول بأشهر بأنه قد طلبها رجل من خارج القرية وستتزوج منه وتعيش عنده.. لكن نصيبها كان ألا تكمل زواجها هناك))
=============================
انتهى الفصل
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الحادي عشر
بعد مرور ستة أشهر..
ارتدت شيرين سترتها تستعد للخروج من البيت مساء لتقوم برياضة المشي التي تدأب على ممارستها في أيام إجازتها.. اقتربت من الباب للخروج وعندما صدح رنين الجرس طالعت العين السحرية فاتسعت عيناها وهي تجد الطارق ما هو إلا.. وليد..
وضعت يدها على فمها شاهقة وقلبها يطرق بقوة..
ابتعدت عن الباب خطوة شاعرة بالحصار وما هي إلا دقيقة وسمعت طرقاته على الباب مجددا.. ورغم ترددها إلا أنها لم تملك إلا أن تفتح الباب على الفور فهي قد تحتمل أي شيء إلا أن يثير جلبة أو فضيحة في منزل سهر.. عليها مواجهته رغم عجزها وقلة حيلتها أمامه الآن..
حررت القفل وفتحت الباب وللوهلة الأولى سرت رجفة في جسدها وهي تنظر لوجه وليد الواثق وهو يبادرها
((علينا الحديث يا شيرين في موضوع مهم))
صوب عيناه على وجهها يتشرب ملامحها بنهم..
فهو لم يراها منذ ما يزيد عن ستة أشهر وقد اكتفى بتعيين رجل يراقبها ليتأكد من أنها حقا لا تلاقي أي رجل أخر.. ولم تعد لمُعاذ بعد أن طلقها على حسب ظنه..
كان وجهها شاحب ومرهق أما عينيها الخضراوين الكحيلتين فقد بدتا زائغتين ومنهكتين.. والحال لم يكن مختلفا عنده..
قطعت شيرين لحظة الصمت هذه وهي تبسط كفها للخارج قائلة
((دعنا نتحدث في المطعم المقابل))
قال بهيبة وهو يبتعد ليفسح لها المجال للخروج
((هيا اخرجي وسأتبعك))
جلست شيرين بجمود على مقعد حول طاولة مربعة صغيرة وفي مقابلها جلس وليد وهو يفتح زر سترته..
بدأت المحادثة قائلة بنبرة جافة لا ترحيب بها
((ماذا تريد يا وليد؟))
انعقد حاجباه ببداية متوقعة لكنه جهز نفسه لها طويلا ليقول بجدية اكتنفت صوته
((جئت أعقد معك صفقة))
قالت بفتور مختصرة
((لا اتفاقات بيننا))
رفع حاجبيه قائلا بنبرة ذات مغزى
((ألا يجب عليّك في البداية أن تعرفي ما هي الصفقة؟))
صمتت وهي ترمقه بنظرات كره وصلت حد الاشمئزاز قبل أن تقول من بين أسنانها بشراسة
((لا أريد أن أعرف شيئا عنك أو عن صفقتك، إذا لم يكن لديك أي شيء آخر، فلا تأتي إلى بيت عائلة سهر مرة أخرى، لا تجبرني أن ألجأ للقانون ليردعك عند حدك))
لم يرد عليها بل رأته يخرج علبة دخان من جيب حلته ويخرج سيجارة منها فتمتمت متسائلة بغير وعي
((متى بدأت التدخين يا وليد؟))
بدأ وليد يمج من سيجارته التي أشعلها ثم ينفث دخانها ليجيب بصوتٍ مبحوح
((منذ سنة..))
كان هادئا تماما ولا يجاريها في الانفعال فقد عاهد نفسه أن يمضي في هذا الحوار للنهاية وقد اقتنع أن العناد لن يجلب له أو لها إلا خسارة المزيد من سنين حياتهما..
يكفي ما ضيعاه حتى الآن.. فقال أمام عينيها المترقبتين لأقواله بقلق مستتر
((بالعودة لموضوعنا فلا زلت مصرا بأن عليك أن تعرفي ما هي الصفقة خاصة وأنها متعلقة بصحة والد سهر))
تمتمت له وقد بهت وجهها
((والد سهر؟ ماذا تقصد يا وليد؟))
رد وهو يرفع نظراته الجليدية لعينيها الكحيلتين
((وجدت متبرعا له))
وثب قلبها فجأة لإعلانه الذي لم تصدقه.. فسألته مسروقة الأنفاس
((من هو هذا المتبرع يا وليد وكيف علمت بشأن مرض والد سهر؟))
أجابها وليد بثقة واعتداد يليق به
((أنا يا شيرين من سأقوم بالتبرع بجزء من كبدي لوالد سهر في عملية زرع حية، أجرى طبيبه المختص بنفسه الفحوصات اللازمة لي وأخبرني بأني مناسب للتبرع له))
اتسعت عيناها ذهولا من الرد الذي لم تتوقعه.. وأخذ الأمر منها لحظات طويلة قبل أن تقول بتوجس وكأنها توازن كلماته
((وماذا تريد مقابلا له؟ ماذا ينقصك يا وليد؟))
أعاد عينيه إليها قائلا بتصميم هادئ
((أريدك أنتِ يا كحيلة العينين))
هزت رأسها بلا تصديق للإصرار الذي تسمعه بصوته وبدأ صدرها يتشنج وجعًا فقالت مستهجنة
((هل جننت أم تمازحني؟ لقد ظننت اختفاءك من حياتي في الستة أشهر السابقة كان بسبب عودة عقلك لرأسك! ثم ماذا تريد مني بعد وقد سبقك رجل غيرك إلى جسدي؟ هذا ليس منطقك!))
وضع عينيه باحتدام في عينيها وهو يقول
((حتى لو سبقني رجل لك وحتى لو أصبحت مستعملة بجسد سقيم فلا زلت أريدك..))
تساءلت بتوجس وهي تشبك أصابع كفيها فوق الطاولة باضطراب واضح
((إذن لا زلت تريدني للانتقام لأني تزوجت من ابن عمك قبلك؟ ألم يكفك الذل الذي أذقتني إياه طوال السنوات السابقة؟ ألم يكفك هجري في نفس يوم زفافنا والزواج بأخرى بدلا مني))
قال وليد بهدوء يشوب صوته وهو يرفع هامته باعتداد
((لم يتسنى أن أخبرك بأني مطلق منذ أشهر))
أمل أن يرى في عينيها ولو اختلاجة واحدة فقط تدل على فرح أو راحة لأنه انفصل عن جُمان من أجلها.. لكن لم يرى شيء من ذلك.. وكأن طلاقه أو لا لا يهمها ففي كل الحالات ليست مهتمة فعلا بالعودة له!
حافظت شيرين على واجهة ملامحها الجامدة وهي تقول
((وما الذي تغير بعدما طلقتها؟ ماذا بشأن فضحك لشرفي بين الملأ والتشكيك بأخلاقي لمجرد ردي على رسائل حب كتبها زميل لي بعد انفصالنا أنا وأنت، وكان هذا الزميل طلبني من عائلتي رسميا))
خرج صوت وليد ممزوج بالشجن وهو يعقب
((لست من فضحتك، أكن لأفضح امرأة كنت أعرف بأني لن أسمح لغيري بالزواج منها سواء الآن أو بعد سنوات بعد أن يخفت غضبي تجاهها))
هتفت عاليا بانفعال كاره وقد انفلتت أعصابها لتلك الذكرى
((لا يهم.. سواء كنت أنتَ أو أمك من تحدث بسوء عني.. فالأمران سيان بالنسبة لي))
بنظرة صارمة مخيفة أمرها قائلا
((اخفضي صوتك))
رمشت بعينيها ثم نقلت نظراتها فيما حولها بحرج وبعض الوجوه تنظر ناحيتهما..
عاد وليد يقول ببرود مستفز
((سأتزوجك في كل الحالات، لذا على الأقل دعيني أفعل شيئا جيدا في حياتي))
رفعت حاجبيها تقول بجدية وبطء
((بالنسبة للعملية فقد ينطوي عليها مخاطر عديدة.. لماذا قد تجريها وتخاطر بنفسك؟))
لم تنحسر نظراته عنها وهو يعقب
((لا شيء يدعو للتشاؤم فقد قيل لي بأنّها من أكثر العمليات الجراحية أمانًا، ومن يقوم بها يمكنه أن يعيش حياة طويلة وصحية بمشيئة الله))
رفعت حاجبيها تقول متسائلة عن مدى جديته
((حتى لو كانت آمنة نسبيا لك فلا بدّ من حدوث بعض المضاعفات والآثار الجانبية والأضرار بسببها..))
أفرج عن بسمة واهية لم تصل لعينيه ثم أجاب وهو يطفئ سيجارته
((لا داعي للقلق عليّ، فجميع أضرار عملية التبرّع بجزء من الكبد هي أضرار جميع العمليات الجراحية بشكل عام، وعادةً ما تزول هذه الأعراض بعد فترة زمنية قصيرة من تلقاء نفسها))
قالت بحزم أكسبها إياه الألم الذي عانته بسبب كل ما فعله بها في الماضي ولا زال يفعله
((أنا أرى بأن عليك التفكير في الموضوع وتعطيه جديه أكبر قبل أن تقرر المضي قدمًا في الجراحة))
شع بريق الانتصار من عينيه وهو يقول
((لماذا! هل وافقتِ؟))
لحظة خاطفة أفلتت منها لتظهر الإجابة جلية في خضرة عينيها.. وقالت
((أريد منك أن تكون واثقا من قرارك ثم تحضر لي كل الأوراق الطبية التي تثبت بأنك مناسب للتبرع لوالد سهر وبعدها سآخذ وقتا للتفكير إذا ما كان يجب أن أوافق أو لا، لكن لا أريد لسهر أو عائلتها أن يعرفوا شيئا عن كلامنا حتى لا يصابوا بخيبة أمل إذا ما اتضح لي أنك تخدعني بدناءة))
انتصب واقفا من مكانه يقول وهو يرميها بتلك الابتسامة الواثقة
((يبدو أن علينا التخطيط من الآن لحفل زفافنا يا كحيلة العينين))
أنهى كلامه بغمزة عابثة رغم الإجهاد الواضح على ملامح وجهه وبلقبها ذاك الذي لطالما أسرها عند تغزله فيها بلهجتهم القروية التي تزيد كلماته سحرا..
ظلت عيناها عليه وهي تراه يبتعد مغادرا نحو سيارته كما جاء.. واثقًا رصينًا.. كأنه ملكًا يأمر فيطاع..
=============================
بعد مرور الستة أشهر المنصرمة لم يكن قد طرأ أي جديد على علاقة مصعب ونورين إلا إسقاطها لجنين كانت تحمله في أحشائها بعد أن انزلقت أثناء هبوطها السلم نزولا في حادثة غير متعمدة..
تحركت جفون نورين بتثاقل وبعض لمحات إجهاضها الذي حدث قبل أيام يقفز إلى عقلها.. عندما كانت مستلقية على سرير المستشفى وتمسك بأنامل مُصعب بينما تحدق في الجدران البيضاء الباردة..
عادت نورين على أرض الواقع بينما يأتيها سؤال سمية بصوتها الذي يشري فيه الدفء
((هل أعجبك مذاق العصيدة؟))
سارعت نورين ترسم ابتسامة باهتة رغم إنهاكها النفسي والجسدي على حد سواء
((إنها لذيذة جدًّا))
قالت لها سمية وهي تتناول الصينية الموضوعة فوق ساقيها وتضعها على منضدة صغيرة بجانبها
((من الجيد للمرأة تناول هذا النوع من الأطعمة بعد الإسقاط، سأرسل لك منها يوميا لتأكليها))
قالت لها نورين بامتنان صادق
((أنا أتعبك كثيرًا معي يا سمية))
ربتت سمية فوق يدها وهي تخبرها بحنو
((أنا أتفهم ألمك يا نورين بالفقدان والأسف بعد الإسقاط خاصة بصفتك امرأة يمر جسمك أيضًا بهذه الخسارة معك ويمكن أن يكون هناك الكثير من التغيرات الهرمونية التي تؤثر حقًا على صحتك النفسية))
حاولت نورين أن تستوي جالسة مقاومة شعورها الجم بالألم والإعياء بينما كل ما فيها ينجذب باهتمام لكلام سمية التي أكملت بصوتٍ يسحقه الألم
((وكلما تقدم الحمل بعد ذلك وزادت ذكرياته وتجاربه والإحساس بالجنين ستزداد المعاناة.. لقد جربته قبل إنجاب يزيد.. أثناء زواجي الأول))
سألتها نورين باستغراب وهي ترفع حاجبيها بدهشة
((هل تزوجت أكثر من مرة؟))
توجع وجه سمية بملامحه الرقيقة ألما لذكرى الماضي وأجابت
((نعم تزوجت أول مرة لمدة ثلاث سنوات.. أما الثانية فكانت من والد يزيد واستمر الزواج لأقل من سنة))
نهش شيء من الفضول عقل نورين عن سر طلاق سمية لمرتين! فهي امرأة ناضجة وجميلة وعطوفة ولا ينقصها شيء لتكون حلم أي رجل.. لكنها لم تتحدث بشيء من أفكارها ولم تحاول حتى أن تخمد فضولها غير اللائق حتى لا تجرح سمية وتنبش ماضيها..
بينما أكملت لها سمية بصوتٍ متحشرج
((في زواجي الأول، حملت من كامل بعد سنتين انتظار لذا كان خسارة الجنين صعبة للغاية عليّ))
تنهدت نورين بإعياءٍ وتمتمت بنظراتٍ زائغة
((إنه أمر حزين حقا))
نفضت سمية غبار الماضي عنها وهي تسارع برسم ابتسامتها المعهودة قائلة
((دعكِ مني، وركزي بنفسك خلال رحلة التعافي ستجدين الكثير من الأشخاص المقربون منك يطالبونك بأن تتجاوزي الأمر وتنسيه تمامًا، ولكن لا تحاولي الضغط على نفسك لتنسي التجربة المؤلمة التي مررت بها فالألم الذي تشعرين به هو شيء طبيعي وأنتِ لست في حاجة إلى لوم نفسك أو الاعتذار عنه))
استقامت سمية واقفة وقالت لنورين وهي تجلب لها بعض الوسائد وتضعها خلف ظهرها تساعدها على الاستلقاء جيدا براحة فطالعتها نورين هاتفة بالشكر والعرفان
((شكرا على المعنويات العالية التي أمددتني بها))
لوحت سمية لها وهي تمسك مقبض الباب
((إلى اللقاء يا نورين، أتمنى لك دوام العافية))
خرجت سمية من جناح نورين وهي تغلق الباب خلفها بلطف.. بينما شرد ذهنها للماضي أثناء سيرها للخارج..
تحديدا إلى تلك الفترة التي عاشتها مع كامل..
كامل لم يكن أول حب في حياتها وحسب بل أول رجل ذاقت معه الحنان والرعاية والاهتمام.. وفي أول ليلة جمعتهما بعد زواجهما اختفى فيها كل ذلك الحب بسبب شكّه "بعذريتها"..
فهو لم يمهلها الوقت الكافي لترتاح.. بل حاول إتمام الأمر على وجه السرعة مبررًا ذلك بحبه الكبير لها..
كانت من جهتها متساهلة ومتعاونة بل وتحاملت على نفسها وقبلت رغم تعبها الشديد.. لكن عبارات العشق والحب اختفت فجأة وتبدل وجهه وملامحه في لحظات وأعلن شكه بعفتها بطريقة لا تخلو من الريبة والشك..
في تلك اللحظة كانت نظراته لها مثل خناجر غرزت في صدرها.. قتلها دون أن يدري.. نبذها لأيام ولم يحاول حتى التحدث إليها بل تركها مهملة كما لو كانت متهمة وتنتظر محاكمتها..
كانا قد ناقشا أمورًا كثيرة قبل الزواج.. حتى عن ليلة الزفاف التي كانت من المفترض أن تكون أسعد ليلة لهما.. خُيل إليها أنهما يعرفان أشياء كثيرة عن بعضهما.. لكن ذهب كل ذلك في مهب الريح بعد عدم ظهور إشارة ما يسمونه بالعذرية..
وصُعقت بموافقته على اقتراح زوجة مُعاذ آنذاك بزيارة الطبيب للتأكد من عذريتها معرضا إياها للامتهان وعلى مرأى اثنين من أولاد الحاج يعقوب الكانز.. مُصعب ومَالك..
وما إن اتضحت براءتها أمامه حتى طفح الندم وتأنيب الضمير على ملامح وجهه بل وسرعان ما اعتذر منها وحضنها باكيا وعاهدها بأنه سيعوضها من صميم قلبه حتى نهاية عمرهما عن شكّه بها في تلك الليلة وعن إهانته لها وانتقاصه من كرامتها أمام ثلاثة أشخاص غرباء عنهما..
لم يستطع قلبها الرقيق الغارق في حبه إلا أن يغفر له ويسامحه متطلعا للمضي قدما معه وإيمانا منها بحبه وندمه تجاهها.. حتى أنها شعرت بأنها أحسنت الاختيار بمسامحته فقد صدق بوعده في التكفير عن ظلمه المجحف وقسوته تجاهها في تلك الليلة، فكان يكرمها ويعظم حقوقها ويرفق بها ولا يهينها بكلمة أو فعل.. ومضت حياتهما على هذا المنوال على الرغم من بعض المشاكل والمنغصات من جهة عائلته تخص عدم حملها رغم مرور سنتين على زواجهما..
حتى بدأت تلاحظ على كامل إسرافه في زيارة بيت أبيه وبيت أرملة أخيه التي تسكن هي وأبنائها فوق بيت عائلته.. فبدأ الخوف يتسرب لقلبها وعقلها لكنها سرعان ما كانت تطرد كل هذه الأفكار السلبية فشقيق كامل رحل من هذه الدنيا قبل سنين طويلة ولو كان يريد الزواج من أرملة أخيه لكان فعلها قبل سنوات ولم يكن ليتزوجها..
لاحقا.. وصل القلق لمرحلة ينهش فيها روحها وقلبها بلا هوادة وكامل يكثف اهتمامه في أرملة أخيه وأولادها في حين يهملها ويهمل عمله على حد سواء..
وكالعادة بقيت تكبت كل تلك الشكوك والمشاعر السلبية داخل قلبها ولا تصرح بها..
ورويدا رويدا انهارت بها الدنيا عندما حاول أن يصارحها كامل بنفسه ويستشيرها في نيته للزواج من أرملة أخيه.. بل تمنت أن تنشق الأرض وتبلعها قبل أن تسمع ما نطقه لسانه..
فلم ترد عليه إلا بالرفض والاعتراض الجليان الغير قابلين للمناقشة..
وعندما لم يجد كامل أي بد أو أمل من موافقتها ظهر الوجه الآخر له.. نفس الوجه الذي كان عليه في ليلة زفافهما.. وأخبرها بصرامة بأنه سيفعل ما يريد دون أن يعطي بالا أو اهتماما إلا لرغبته هو..
حتى جاء الفرج من الله كما ظنت آنذاك واتضح حملها المنتظر أخيرا.. ظنت بأنها لو أخبرت كامل وعائلته ببشرة حملها سيتراجعون عن أمر زواجه لكن أخبرها كامل بصريح العبارة أنه لن يتراجع حتى لو أنجبت له من الأبناء عشرة..
انهار جسدها وقلبها فأصبحت لا تنام الليل تعاني آلام الحمل من جهة.. وآلام قلبها من جهة أخرى..
استمر هو يجهز لعقد قرانه بأرملة أخيه دون اهتمام بمشاعرها بينما تلقى خطوته مباركة من طرف عائلته..
وخطبا رسميا.. وخلال هذه الفترة تفننت أرملة أخيه في تشويه سمعتها بين عائلته والكيد لها فانقلب الجميع عليها وضمنت ألا يحدث ما قد يفسد زواجها من كامل الذي كان مأخوذا بشكل كامل فيها..
وكأنها سحرته.. واستحوذت.. واستولت على كل جزء فيه.. فلم يحب طوال فترة حملها قضاء الوقت في منزلها بل يتهرب وينشغل عنها لمختلف الأعذار حتى اللا معقولة منها ويمضي معظم لياليه في شقة عائلته القابعة تحت شقة أرملة أخيه.. يخططان لزواجهما وكأنهما الاثنين سيتزوجان للمرة الأولى..
وبعد أن يأست سمية من جعله يتراجع عن قراره.. أو يعود لحنانه وحبه وعطاءه المعهود معها على الأقل.. بدأت تتلاشى من حياته وعالمه..
قررت أن تنطوي على نفسها وتنطوي في بيتها الذي يلفه الصمت والكآبة وتعاني فيه الهوان والذل.. وكل من يعرفها يرشقها بنظرات الشفقة والعطف وبالتالي قطعت علاقاتها بكل من تعرفه..
في يوم الزواج وعندما صار قلبا وقالبا ملكا لأرملة أخيه قررت أن تحزم أمتعتها..
لاحقا أرسل كامل لها عشرات التحذيرات والتهديدات بأنها لو تطلقت منه سيأخذ طفله بمجرد أن تضع حملها.. ولم تستطع ألا تصدقه وهي تدري بساطة والديها وعجزهما فهما مجرد بستانيين بسيطين يعملان في مزارع الحاج يعقوب الكانز.. فأمضت فترة وجودها في بيت عائلتها ببكاء وهم مضاعف من أن يصدق كامل في تهديده..
قبل موعد ولادتها المنتظر شعرت بألم في بطنها وظهرها على حد سواء قبل أن تتدفق منها مياها ثم ينزل الجنين..
وكان مخلقًا كاملًا بدون أي تشوهات لكن فاقدا للحياة..
كان وقع الابتلاء مؤلمًا جدًا عليها وقد انتظرت قدومه منذ ما يقارب التسعة أشهر ليكون عوضها في هذه الدنيا.. لكن ألمها النفسي هو من تسبب بإصابة أعضاءها بالوهن والإعياء ومن ثم وفاة جنينها..
لكنها سلمت أمرها لله وتقبلت نصيبها.. فهي إرادة الله التي لم تكن تريد منها أن تنجبه حيا..
=============================
في شركة القاني..
كانت شيرين في مكتب مدير القسم لغاية اجتماع سريع يخص العمل وقد أنهته عقب أن كلفها المدير بحزمة من المهام والأوامر..
قالت مؤكدة بينما كانت تجمع الأوراق
((لا تقلق يا سيدي، أنتَ تعرف بأني لم أصبح مشرفة في هذا القسم عبثا، سأقوم بكل ما يجب فعله على أكمل وجه وسأكون صارمة بهذا الخصوص))
شبك المدير أصابع يديه فوق المكتب ثم قال على مضض
((أتمنى ذلك حقا.. فأنتِ تعرفين أن الكثير ممن حولك في هذه الشركة يترصدون الأخطاء لك.. أتمنى أن تظلي على الطريق الصحيح للنهاية))
توقفت شيرين فجأة عما تفعله وناظرته عابسة
((ألا تثق بي يا سيدي؟ كنت تشيد بي كثيرًا عندما كنت موظفة مواظبة تعمل بجد قبل أن أصبح مشرفة هنا))
بدا على المدير الاستياء وهو يجيبها بنبرته الغليظة بفطرته
((نعم كنت أشيد بك كثيرًا آنذاك.. لكن الموظف الممتاز لا يعني أنه سيظل كذلك عندما يتسلم وظيفة إدارية))
ثم استطرد كلامه باستهانة واستخفاف
((ينظر الناس عادة للترقي الوظيفي على أنه نجاح مهني لكنه قد يعني أيضا الحصول على منصب أنت لست مؤهلا ولا مستعدا لتوليه، ومن ثم يقودك إلى الفشل))
ضيقت شيرين عينيها وهي تدرك جيدا أن كل من في القسم حتى مدراءها الذين كانوا يشيدون بها وزملائها الذين كانوا يودونها في السابق يكرهونها ويحسدونها الآن بعد ترقيها..
لكن كلامه الغامض هذا بدأ يثير قلقها فتساءلت بتوجس
((ما الذي تقصده؟ هل لديك أي تحفظات على طريقة إدارتي للأمور هنا؟))
التزم المدير الصمت للحظات قبل أن يقول ببطء
((لا تحفظات يا آنسة شيرين، يمكنك الانصراف الآن))
كانت شيرين تمعن النظر به وهي تجاهد ألا تظهر ضيقها ثم ألقت السلام بصوتٍ هادئ قاتم بينما تستوي واقفة..
غادرت شيرين مكتب مديرها بخطوات رزينة وسارت باتجاه مكتبها.. دلفت للداخل ووضعت الملفات والأوراق بعنف فوق الطاولة ثم استدارت حول المكتب لتجلس على مقعدها تزامنا مع دخول معتز من الباب المفتوح يلقي السلام..
لم ترد عليه شيرين الشاردة فتساءل باستغراب وهو يناظر وجهها المحتقن وملامحها الممتعضة
((تبدين غاضبة هل حدث شيء يا شيرين؟))
أخذت نفسا عميقا تحاول استعادة شيء من توازنها
((لا أبدًا.. لكن بدأت أخاف على نفسي هنا، الكل يطمع في منصبي ويظن بأني غير مؤهلة له لأني حصلت عليه بجهدي لا بوساطة كما الأغلب هنا))
أومأ معتز بلا اهتمام حقيقي لها وقال
((عليك أن تكوني أكثر حذرا))
أخذت نفسا آخر أسرع وسألته بعفوية وهي تبحث عن فأرة حاسوبها من بين الأوراق والملفات المتكدسة فوق المكتب الفوضوي
((المهم أخبرني كيف هو حال قصي سامح؟ هل تجيد يا معتز جعل حياته هنا جحيما؟))
صدرت صوت ضحكات مستمتعة من معتز قبل أن يتفاخر بشر
((أقوم بذلك على أحسن وجه، لا زالت حاقدة عليه؟))
تطلعت شيرين متجهمة في معتز ثم قالت بصوتٍ يقطر غلا
((بالتأكيد لا زلت حاقدة عليه))
نعم غيظها من قصي يكاد يلتهمها.. فبعد أن أرسلت كتابا بتخلفه عن الدوام لأسبوع وسفره للخارج لسبب غير مبرر كالاستجمام، قام قصي باللجوء لمدير القسم الذي بدوره طلب منها أن تتجاوز عما فعله وتسحب الشكوى التي رفعتها بحقه فهو موظف مسكين.. وهي بالتأكيد لم تستطع الرفض أو المناقشة فلا مصلحة لها في إغضاب أحد المدراء.. خاصة وهي تظن أن قصي حجة لهم لإثارة استفزازها حتى تخطئ..
شد معتز على أسنانه وهو يقول بنبرة مغتاظة
((ذاك الأحمق قصي محظوظ جدًّا، إنه أكثر موظف مهمل وغير مسؤول مر عليّ في كل حياتي، رغم تدنى رواتب الموظفين هنا إلا أن الجميع يبذلون أقصى جهودهم ليحتفظوا بمكانهم هنا في شركة القاني.. إلا هو))
ارتفع ضغط دمها فائرا وهي تذكر كيف نجا قصي بفعلته رغم استهانته واستهتاره الشديدين ثم استنكرت
((معك حق ففي هذا القسم يعمل تحت إدارتي أكثر من ثلاثمائة موظف ولم أرَ من أحدهم شيء مما أراني إياه قصي سامح منذ عملي هنا))
مطّ معتز شفتيه ثم قال
((على كل حال سأذهب لأتفقد قصي وأتأكد من أنه يقوم بعمله على أكمل وجه بعد أن كلفته بموقع مختلف أكثر صعوبة عمّا كان عليه في السابق))
لكن قبل أن يخرج رفع هاتفه يناظر الصورة التي أرسلها لها قصي آنذاك وهو يستجم أمام البحر عندما سأله معتز عن سبب غيابه عن الدوام ليغمغم بصوتٍ يفيض حسدا ذا أنين حار
((اللعين يبدو أنه كان في بلد أوروبي.. انظري لخلفية صورته.. الغبي سبق وأخبرني بأنه خاطب وعلى وجه زواج ومع ذلك ينفق أمواله بإسراف وربما يقوم بالاقتراض بدلا من ادخارهم))
زوت شيرين حاجبيها ومدت يدها تقول بفضول غير معهود عليها
((أرني الصورة يا معتز..))
رمى لها الهاتف فتلقفته منه بمهارة ثم نظرت في الصورة مغمغمه
((معك حق.. يبدو أنه سافر لجزيرة خلابة، البحر الظاهر من خلفه.. أوه لحظة هناك خصلة متطايرة لفتاة تظهر في صورته..))
رفع معتز احدى حاجبيه يدمدم
((لا بد أن خصلة الشعر هذه لخطيبته.. ما بك؟))
قامت شيرين بتكبير الصورة وهي تمعن النظر في لون خصلات الشعر الفريد الذي بدا لها مألوفا جدًّا..
لونه البُني المتداخل بخصل ذهبية.. ثم غمغمت
((ليس هذا ما أقصده، لكن لون خصلة الشعر هذه..))
بترت شيرين كلماتها وذهنها يستغرق بالتفكير ليتشدق معتز ساخرا
((هل أعجبك لون شعر خطيبته من خصلة شعرها الظاهرة؟ يا إلهي أنتن النساء كيف تدققون وتهتمون بالتفاصيل!))
تغضن جبين شيرين بضيق.. فهي محجبة ولم تحب تلميحه فوضعت هاتفه على طرف المكتب وقالت بوجوم
((اذهب معتز من هنا لعملك، أنا مشغولة الآن))
.
.
دلف معتز إلى قاعة العمل حيث يجلس مئات الموظفين خلف حواسيبهم يعملون ويتلقون الاتصالات والاستفسارات من العملاء بانضباط واجتهاد..
توجه إلى حيث يجلس قصي وما إن انتبه له الأخر حتى اعتدل واقفا من مكانه مغادرا، فأضطر معتز أن يهرول ليلاحق خطواته.. وعندما أدركه سأله عابسا بصرامة
((لحظة.. لحظة.. لحظة يا قصي إلى أين تذهب؟))
نظر قصي بوجه شديد التجهم لقائد فريقه ثم أجابه وهو يشد على ضروسه
((بدأ وقت راحتي..))
ابتسم معتز له بلؤم وقال وابتسامته عالقة على وجهه لا تتزحزح
((لم تكمل تلقي عدد الاتصالات المطلوب منك لذا لن تقوم من أمام الحاسوب قبل ذلك))
رسمت ملامح الصدمة على وجهه وقال ذاهلا منفلت الأعصاب
((وقت الراحة هذا من حقي فكيف تجرأ على الأخذ منه؟ يمكنني أن أرتاح إذا أردت في وقت العمل لكن العكس فلا تحلم))
كان معتز في غاية الفخر لقدرته على إخراج قصي من طوره واستفزازه فمنذ دخوله شركة القاني وهو يحافظ على واجهة الشاب البشوش الودود المحب للمزاح..
حتى قام هو وشيرين بتكليفه بعمل آخر أكثر صعوبة بمراحل من عمله السابق في هذا القسم..
فرد معتز عليه وابتسامته المرسومة بعناية فائقة لتستفزه تتسع
((أنتَ حر يا قصي ولكن أنتَ تعرف قوانين الموقع الذي نقلناك له جيدا.. عندما ترد على أقل من ثلاثين عميل في الساعة سيتعرض راتبك للخصم))
اتسعت عينا قصي وبدا أنه لا يعرف هذا القانون فقال ذاهلا
((هل ما تحاول قوله بأن عليّ الرد على ثلاثين عميل في كل ساعة لكي أحصل على الامتيازات التي هي من حقي الأساسي من راتب كامل وفترة راحة؟))
صدرت من معتز ضحكات خافتة لئيمة خبيثة ثم أجاب وهو مستمتع بلعبة الانتقام من قصي واستهتاره السابق
((بالضبط.. المهم ما رأيك بعد أن ينتهي دوامك أن تخبرني القليل عن جزر الواق واق التي ذهبت لها مع خطيبتك!))
كز قصي على أسنانه وهو يحاول هذه المرة جره للجدية بعيدا عن المزاح والاستهتار وقد تبدلت الأدوار بينهما
((أنتَ لست عادل يا معتز.. متى سينتهي عقابي وتعيدوني لعملي السابق! لقد كانت إجازة أسبوع فقط التي أخذتها للسفر مع خطيبتي.. لا يستحق الأمر أن تعاقبوني لستة أشهر!))
رد معتز دون أن يتخلى عن سلاح الفكاهة
((بل تستحق أكثر من هذا.. فقد تغيبت لأسبوع كامل في أكثر أيام السنة ضغطا يا قصي، احمد ربك بأنك لم تفصل من عملك))
رفع معتز يده ملوحا بوداع ومزيدٍ من الاستفزاز والشماتة وهو يبتعد عن قصي الذي تمتم من بين أسنانه
((ليتكم فصلتوني، لكان أهون من نقلي لهذا الموقع))
تنهد قصي وهو يعود ببؤس لمكانه ثم يضع السماعات على أذنيه ليبدأ تلقى المكالمات..
لو يعرفوا هؤلاء العملاء الحمقى أن موظفي خدمة العملاء الذين يعتبرونهم "ظالمون" في مكالمتهم معهم لطلب خدمة أو تقديم شكوى.. هم على الناحية الأخرى مظلومون.. ويعيشون تحت ضغط هائل من المعاناة والمشقة التي يخفونها خلف نبرة صوت تدعى الهدوء والمودة رغم أنها تخفي كثيرا من الألم والتحمل والصبر..
=============================
بينما كانت رتيل تقوم بجمع ملابس زوجها وتوزيعها ما بين كي وغسيل التقطت معطف حلته..
بدأت تقوم بإفراغ جيوبه الداخلية قبل أن يستدعي انتباهها وجود ورقة بيضاء مطوية.. ففتحتها بفضول أنثوي لتجدها عبارة عن فاتورة مطعم.. باهظة الثمن..
اضطربت يد رتيل الممسكة بها..
كل هذه القيمة هي فاتورة مطعم واحد!
انعكف فمها في سخرية.. وهل كانت لتقبل زميلات عمله الخروج معه لو لم يكن يملك المال وقادر على إنفاق ثروة صغيرة على وجبة واحدة في المطعم!
جفلت على رنين هاتف مؤيد فجعدت الورقة التي تمسكها وهي تعيد المعطف مكانه مقررة ألا تقوم بكيّه من أجله..
بملامح غامضة رفعت ذقنها تقترب منه وهي تراه مشغول في كتابة رسالة ردا على المتصل الذي فصل على اتصاله بسرعة رهيبة..
بدأ رنين هاتف مؤيد يتصاعد مرة أخرى فزمّت شفتيها وهي تسير نحو الغرفة المرافقة له تعطيه مجالا للرد..
وما إن شعر مُؤيد بها تغادر المكان حتى سارع يجيب اتصاله بصوتٍ خافت
((أهلا يا دموع.. كم مرة عليّ أن أخبرك ألا تتصلي بي عندما أكون في البيت!))
((مُؤيد أنا لا أتصل بك لأني أريد ذلك، بل من أجل العمل وآخر دفعة عليّ استلامها منك..))
قاطعها مُؤيد بهسيس خافت
((حسنا لا بأس.. لكن لنتحدث لاحقا.. ليس هنا وأنا اقضي إجازتي في بيت العائلة))
وقام على الفور بفصل الخط عليها ما إن شعر برتيل تعود إدراجها..
سارع يكتب رسالة ما لدموع بينما رتيل تجلس بجانبه فوق السرير هامسة بنبرة ناعمة
((مُؤيد أعرف بأنه لم يمضِ إلا أسبوع منذ آخر مرة ذهبت لزيارة أمي! ولكن يجب عليّ أن أزورها مجددا..))
أخبرها مُؤيد على الفور متوترا وهو مشغول بكتابة الرسالة ويميل بجسده خوفا من أن تقرأ زوجته ما يكتبه
((حسنا.. حسنا.. ولكن خذي هذه المرة الولدين معك..))
زمّت رتيل شفتيها تعترض وهي تمرر أناملها بين خصلات شعرها
((لا أستطيع.. ألا يكفيها أمي أولاد أخويّ؟ كما أنك لا تهتم بهما أو تتفقد أحوالهما أثناء غيابي فلماذا تقلق بشأن بقائهما هنا؟ نجوم سترعاهم جيدا))
توقف مُؤيد عما يفعله وناظرها قائلا بامتعاض
((رتيل ألا ترين أن ذهابك ليومين كل أسبوع عند والدتك والنوم هناك أمر مبالغ به!))
جفل مُؤيد على صوت وصول رسالة له فعاد يولي الهاتف اهتمامه بينما تجيبه رتيل بدلال مقصود
((مُؤيد أنا أحب والدتي جدًّا.. إياك أن تفكر بأن تحرمني منها لأشهر كما فعلت سابقا))
تحرك حلقه عندما ازدرد ريقه بينما غمغم لها بدون تركيز وهو يمسح سجل المحادثات التي أرسلها أخيرا
((حسنا معك حق.. كله إلا الأم.. يمكنك الذهاب))
داعبت ابتسامة المنتصرين زاوية ثغر رتيل..
إذا كان مصر على الالتقاء والتسكع مع نسوة غيرها بحجة العمل في أماكن مختلفة في المدينة.. فهي من حقها أن تخون ثقته وتكذب بشأن خروجها وتذهب إلى حيث تسكن غنوة في نفس المدينة وتقضي معها أوقاتا حرة طليقة.. نعم عليها أن تتابع ذهابها لغنوة دون أن تسلعها أسواط تأنيب ضمير..
الكل يريد منها أن تكون امرأة مستسلمة تنتظر عودة زوجها كل أسبوعين عندما يعود من المدينة بعد أن يفرغ من قضاء وقت متعته عله يتنازل ويمنحها نظرة رضا..
وهي مجبرة بكل أسف أن تخضع لمثل هذا النوع من الحياة المسالمة التي يطبعها عليها مُؤيد ومن قبله عائلتها لكي تتكيف عليها.. لكن هذا لن يحدث!
ستظل في كل مرة تذرع بزيارة أمها في القرية المجاورة وفي المقابل تذهب لزيارة غنوة في المدينة!
مالت لمُؤيد الذي أغلق هاتفه بعد أحكم إخفاء جريمته ثم طبعت قبلة على وجنته بود يناقض ما تكنه في باطنها له..
رسم مُؤيد ملامح اشمئزاز مزيف على وجهه وهو يرفع راحة يده ويقوم بمسح مكان قبلة زوجته..
في حين قاطع المشهد عليهما طرقات الباب لهدى الصغيرة وهي تهتف
((عمي أنتَ هنا!))
تغيرت ملامح مُؤيد لأخرى لطيفة وهو يعتدل مكانه ويلامس الأرض بقدميه هاتفا
((تعالي يا هدى))
فتح مُؤيد ذراعيه بينما تهرول الصغيرة نحوه في عناق جميل هادرة
((عمي مُؤيد.. جدتي تناديك لتحضر على الغداء))
سألها على الفور باهتمام وهو يستقيم واقفا بينما يحملها
((أيتها الساحرة الصغيرة.. كيف حالك؟ لم تسلمي عليّ اليوم))
راقبته رتيل عن كثب وجمود وهو يلاعب هدى.. ثم سألته
((هل تحب ابنة أخيك كثيرا؟))
أجابها مُؤيد وهو لا زال يداعب الصغيرة حتى صدحت قهقهتها عاليا ببراءة وعذوبة
((بالتأكيد.. أحبها.. إنها ابنة أخي وهل هناك أحب على قلبي منها هي ودارين؟))
ضيقت رتيل عينيها بغل على أبوته الموضوعة بغير مكانها.. فولديها أولى.. ثم غمغمت بخفوت
((نعم هذا واضح جدًّا.. أنتَ تحبها أكثر من ولديك الاثنين المسكينين..))
توقف فجأة مُؤيد عما يقوم به والتفت لها متجهما بينما ينزل هدى على الأرض بحذر
((رتيل ألن ننتهي من تلميحاتك هذهّ! بنات إخوتي ومن الطبيعي أن أغرقهن بالاهتمام والدلال، أما فهد وباسم فلن يصبحا رجلان صلبان قادران لو دللتهما))
بدت رتيل مترددة للحظة واحدة ثم وكأنها اتخذت قرارها وهي تسأله بسؤال مكتوم في داخلها
((مُؤيد ماذا ستفعل لو تزوجت هدى أو دارين من رجل يسيء معاملتهما عندما تكبرا؟))
تطلعت الصغيرة بحيرة لزوجة عمها لا تفهم ما تقوله في حين رد مُؤيد بعدوانية وملامحه تزداد تجهما
((سأمحيه من وجه الأرض))
رسمت شبه ابتسامة متهكمة فوق وجهها.. لولا أن الصغيرة هدى لا ذنب لها وإلا لكانت تمنت أن يأتي رجل يحمل طباع مُؤيد ويتزوج منها..
فيرى زوجها كل ما كان يفعله بها يتمثل أمامه ويعرف كم هو ظالم بكسره لقلبها.. تعمده لإهانتها.. وعدم حبه لمجالسته معها.. وتجاوزه الحدود مع النساء عندما يكون في المدينة..
اكتفت رتيل أن تتمتم بخفوت ساخر
((لا أشك بذلك يا مُؤيد))
قطب حاجبيه قليلا بارتياب لمقصدها ثم قال بنبرة قوية
((وهل تعتقدين بأني سأقبل أن أزوجها لرجل قبل أن أتأكد من أني أقدر أن أؤمنه عليها وبأنه يستحق ثقتي وسيصونها ويسندها.. سواء هدى أو دارين فهاتان ليسا أي بنتين بل حفيدتي الحاج يعقوب الكانز))
زفرت رتيل نفسا ضيقا وهي تختصر على نفسها نقاش لا طائل منه وخرجت من جناحه تنضم لهم أثناء وجبة طعام الغداء..
.
.
على سفرة الطعام حيث يجتمع أفراد العائلة غمغمت الحاجة زاهية بنبرة عادية
((أين هي نورين يا رتيل؟ كنا بياسمين التي لا تخرج من غرفتها والآن انضمت نورين لحزبها))
صمتت رتيل للحظة فالجميع يعرف أن نورين لا تجتمع معهم وقت الطعام في حالة تواجد مُؤيد.. لكن مؤكد حماتها تسأل عن سبب انطوائها في غرفتها طوال اليوم!
فأجابتها وهي تمسك رغيف خبز
((تعرفين كم هي حزينة لفقدها جنينها.. كانت في الشهر السادس.. لربما تفضل هذه الأيام الانعزال على نفسها))
غمغمت زاهية بشيء من الامتعاض
((نعم أعلم ذلك ولكنها ليست أول من تفقد جنينها ولن تكون الأخيرة.. كلنا حزنّ على فقدها ذاك الجنين ولكن هذا لا يعني أن تدفن نفسها في غرفتها طوال الوقت))
صدح صوت يعقوب وهو يسير نحوهم وبرفقته ياسمين
((السلام عليكم جميعا..))
سحب الحاج بحركة لبقة كرسيا لياسمين لتجلس عليه ثم جلس على رأس المائدة حيث مكانه المعهود.. ولم يستغرب أحد.. فإذا كان هناك شخص يتحدث مع ياسمين ومقرب منها في هذا البيت فهو الحاج يعقوب فقط..
غمغمت زاهية برضا لكنتها
((أحسنت يا ياسمين مؤخرا بدأتي تخرجين معنا من تلقاء نفسك وتختلطين.. هذا الأمر جيد لك ولصحتك))
ابتسمت ياسمين لها بمجاملة وموافقة في حين طلبت دارين بفظاظة
((اسكبي لي يا زوجة عمي رتيل القليل من الحساء))
تدبرت رتيل ابتسامة متكلفة لدارين وهي تتناول طبقها..
ران الصمت وبدأ الجميع يتناول الطعام وما انتهت زاهية من طبقها حتى أراحت جسدها على ظهر الكرسي وعادت تسألها بهدوء
((هل تتحدثين مع مَازن يا ياسمين مؤخرا؟))
أجابتها ياسمين بآلية جوابها المألوف
((نعم.. لا تقلقي..))
ردت زاهية وهي تتصنع التوجس والحذر
((معظم الشباب عند السفر ينسلخون عن دينهم وعاداتهم وتقاليدهم يا ياسمين وزوجك أنتِ..))
ثم توقفت زاهية عن إتمام جملتها عن عمد وكأنها تهاب النطق بالكلمات فهتفت ياسمين تحثها على المتابعة
((وزوجي مَازن ما به؟))
صمتت زاهية للحظة ثم أكملت
((ليس به شيء لكنه شاب يضجّ رجولة ووسامة وأناقة بين الرجال.. أينما يذهب تكون عيون النساء عليه.. لا بد أنك لاحظتي ذلك..))
قالتها زاهية وعيناها تدرسان ردة فعل ياسمين التي التقطت أول الخيط وذاك التوجس يلتمع في عينيها لتجيب أخيرا بشيء من الاستغراب وهي تضيق عينيها
((لا أفهم ما ترمين له يا عمتي.. أرجوكِ كوني مباشرة في حديثك))
أجابت زاهية بسلاسة خبيثة ناعمة
((أظن بأن ولدي متزوج.. بل أنا متأكدة من ذلك دون أن يخبرني أحد.. فهو وطوال سنوات غربته لم يأتي هنا إلا أياما معدودة.. كما أنه ليس موافق على استقدامك لتعيشي معه هناك.. ولا حتى لو بشكل مؤقت.. فماذا يعني هذا غير أنه متزوج؟))
لم تهتز ولم يرتجف أصغر رمش في ياسمين وهي تبادل الحاجة زاهية النظرات العنيفة بأخرى متحدية مشوبة باللامبالاة لتجيبها
((وماذا لو كان متزوجا.. لا عيب ولا حرام..))
اتسعت عينا زاهية من ردة فعلها ثم قالت بنبرة خرجت منفعلة دون وعي
((أقول لك بأن زوجك المغترب الذي لا يكلف نفسه زيارتك أو السؤال عنك أو ابنتك متزوج وتردين عليّ بهذا الشكل؟ لا عجب أن ابني لا يناديكِ إلا لوح الثلج.. لا أعصاب لك حقا))
خرج صوت ياسمين باردًا هادئًا
((أشكرك يا عمتي على قلقك ومشاعرك النبيلة الصادقة تجاهي ولكن أتمنى ألا تشغلي نفسك بي..))
ثم استقامت من مكانها تدمدم بخفوت
((الحمدالله.. شبعت))
تمتمت زاهية بذهول وهي تناظر وجوه الحاضرين
((ستفقدني عقلي تلك المخلوقة.. إنها حقا لوح ثلج))
في حين استوى يعقوب بهدوء واقفا وهو يغادر المكان مكفهر الملامح.. وللعجب تمنى أن يكون ابنه متزوج في الحلال.. على الأقل أفضل من انشغاله في ملاحقة النساء وربما الراقصات في الملاهي الليلية الموجودة في كل بقعة من بلاد الغرب يبعثر المال عليهن كما يصور له ذهنه أحيانا!
تعجبت زاهية من زوجها كيف غادر ملتزما الصمت..
فسارعت تلتفت لمُؤيد تسأله بلهفة ممزوجة بالقلق
((بماذا أنتَ شارد يا مُؤيد؟ هل تعرف أي شيء عن أخيك))
عقد مُؤيد حاجبيه بصرامة وهو يرد
((لم يخبرني أي شيء، لكن من الأساس يا أمي تسع وتسعون بالمئة من الرجال في الخارج متزوجون.. وهذا حقهم))
ثم أخرج هاتفه وقال وقد شبع هو الآخر
((انتظري سأذهب لاتصل به وأحدثك بما يدور بيننا))
وبطبيعة الحال لحقته رتيل مهرولة خلفه لتعرف..
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
نزل مَالك خطوات الدرج الذي ينتصف الصالة يستعد للخروج مع أصدقائه للعب كرة القدم.. خرج من باب القصر ومر على حديقة منزله حيث يجلس والديه في العادة ليلقي السلام عليهما قبل مغادرته..
سار نحوهم ولحظات حتى تسرب التوجس لملامحه وهو يلاحظ بأن هناك امرأة تجلس مع والديه ومُؤيد..
اقترب أكثر منهم ليتبين له أن تلك المرأة ما هي إلا.. سمية..
اتسعت عيناه وتسمر مكانه يكاد لا يصدق بأنها هي فعلا وسرعان ما عاد الوعي له ليخطو بسرعة نحوهم.. توقف أمامهم بريبة ثم قال من بين أنفاسه اللاهثة قليلا ينبههم على وجوده
((السلام عليكم..))
انتبه كل من الحاجة زاهية والحاج يعقوب على ابنهم ونكست سمية التي جفلت على صوته وجهها أرضا..
دعاه مُؤيد ليجلس معهم وهو يشير لكرسي فارغ بينهم
((وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. تعال وانضم لنا في جلستنا يا مَالك ريثما تعد أم فهد الشاي))
بدا على زاهية الضيق لوجوده وكأنها لم تتمنى أن يعرف حتى بشأن هذا اللقاء..
قال مَالك بحذر وهو يسحب كرسيا ويجلس عليه
((بماذا تتحدثون مع سمية؟))
غزا الارتباك وجه سمية لتتشابك تلقائيا أصابع يدها بتوتر في حين قال يعقوب بوقار
((لا شيء مهم.. أحد الأشخاص قد سبق وطلب يد سمية مني لأن لا أحد من أقاربها هنا، فطلبت مني أن أمهلها وقتا للتفكير والآن طلبتها أمك لتسمع ما يجول في خاطرها بما أن الرجل يلح على تلقي الرد منها))
تخشب مَالك في جلسته لتتجمد ملامحه كسطحٍ رخامي باهت..
هل حقا ما يسمعه! والديه الاثنين يحاولان السعي في تزويجها ويسردان عليه الأمر بكل بساطة! والأنكى بأن الهانم لم ترفض بل طلبت وقتا للتفكير والسؤال عن العريس المحظوظ الذي تقدم منها! تمَالك نفسه وهو يزدرد ريقه ثم طالع سمية التي كانت رأسها تزداد انخفاضا وكأنه أمسكها متلبسة بخيانته!
ثم قال أخيرا بصوتٍ يبطنه الألم وهو يشمخ بذقنه
((والسيدة هنا ما هو ردها؟))
عقدت زاهية حاجبيها بتوجس ثم قالت بجفاء
((إنها موافقة..))
رفعت سمية وجهها الشاحب تفغر شفتيها تهم بالاعتراض فأكملت بصرامة
((لكن هناك بعض المخاوف الذي تداهمها لذلك نتحدث هنا معها حتى نبددها لها))
بدأت أصابع مُؤيد تطرق على يد الكرسي بترقب وتسلية لردة فعل أخيه!
أما سمية فتجرأت تقول بصوتها الواهن
((أنا لا اعرف ذلك الرجل الذي طلبني بشكل شخصي.. لهذا أظن بأن عليّ التريث قليلا))
طالعتها زاهية تقول بامتعاض
((ولماذا ليس عليك المضي قدما فيه؟ هل يعجبك الحال بأن تظلي هكذا؟ أنتِ تعيشين في مجتمع ذكوري فاسد الفطرة لا يؤمن بصلاح المرأة إلا وهي تحت جناح ذكر.. برأيي عليك أن تقبلي به حتى لو كان الرجل لا يعجبك، مهما كان فيه من صفات لا تروق لك تجاوزيها فهو المتاح الوحيد أمامك))
تعجب يعقوب من حال زوجته.. غضب ملامحها ونبرتها الصلبة المشحونة لم تكن في محلها..
في حين أخذ مَالك يتطلع لسمية بتدقيق مبالغ فيه أشعرها بعدم الارتياح لترد بارتباك جلل
((ولكن أنا حاليا لا أريد التركيز إلا في تربية ابني..))
ضاقت عينا زاهية وهي تقول منفعلة
((وهو لم يطلب منك التخلي عن يزيد للزواج منه!))
تطلع يعقوب بسمية يسألها بصراحة وتروي
((هل تفكرين في الزواج يوما ما يا سمية؟))
أجابت زاهية عنه بانفعال فشلت في خمده
((ولم قد لا تفكر؟ أليس من حقها كإنسانة أن تتزوج وتستقر حتى لو سبق لها الزواج قبلا؟))
شعرت سمية بكل ما حولها يطبق عليها حصارا خانقا لروحها.. فقال يعقوب بوقار ورزانة
((أنا من جهتي يا ابنتي أرى بأنه إذا جاءك ابن الحلال الذي تشعرين بأنه قد يرعاكِ ويرعى ابنك فلا تترددي أبدًا، أعطي نفسك فرصة للتعرف على الرجل الذي طلب يدك))
ضاقت عضلات جسد مَالك بل شعر بصدره ينقبض من شدة الانفعال وكفيه يتكوران بشدة.. ولم يستطع منع نفسه أن يقول بصلابة وقسوة الخضرة في عينيه تتعلقان بنظرها الهارب منه
((أبي ليس من المنطق أن تشجعاها على الزواج ولديها طفل صغير بحاجة لرعايتها!))
نظر يعقوب لابنه وابتسم ببطء ثم عقب
((لماذا؟ ما المانع من زواجها حتى لو كان عندها طفل؟ مطلقها الأول ووالد ابنها سبق وتزوجا وكل واحد منهما صنع له عائلة أخرى.. فلماذا لا تفعل هي نفس الشيء؟ أم لأنها امرأة فحقها مهضوم))
عقد مَالك حاجبيه يقول بثبات وشموخ رغم القهر الذي يتشعشع بروحه
((بل أن ابنها يزيد من حق والده لو تزوجت))
آخر جملة خرجت منه وهو يرفع إحدى حاجبيه بنبرة ذات مغزى أمام وجه سمية المتجهم الذاهل لحديثه.. وبين كبرياء رجولته وعشقه لها كانت هناك صرخة ألم يخفيها بعينيه المتحجرة بترفع..
كتف مَالك ذراعيه ثم قال مؤكدا على كلامه السابق يجيب على النظرات المستفهمة من حوله
((بديهي أن أي امرأة تتزوج تخسر حضانة ابنها لوالده.. فإذا قبلتي يا سمية الزواج حتى لو ترتب الأمر عليك خسارة ابنك الوحيد فأنتِ معدومة الأمومة))
رآها تنكمش على نفسها وأدرك أن كلامه أخافها.. لكن الغيرة في داخله وهو يسمعها تتحدث مع عائلته عن أمر ذاك الخاطب كان أشد وطأة عليه ولا يحتمل!
قال يعقوب معترضًا على كلامه
((لا يحق لك يا مَالك أن تتهم أي امرأة تفضل الزواج مرة أخرى بانعدام الأمومة.. إذا كان قد أحل الزواج لأي امرأة بعد الطلاق لأن فطرتها واحتياجاتها تستدعي ذلك فمن أنتَ لتقول هذا الكلام القاسي عنها؟))
كانت الحيرة تسكن وجه زاهية ويتعسر عليها فهم ابنها.. رغم أن كلامه الحالي يشير بأنه لا يفكر أبدًا في الزواج منها على عكس مخاوفها.. إلا أنها غمغمت تدعم كلام زوجها بغية تشجيع سمية على الزواج وإخماد نيران مخاوفها تماما
((حتى لو أعطت سمية حضانة ابنها لوالده فهذا لا ينقص من أمومتها شيء.. بالتأكيد لو كان بيدها الزواج والاحتفاظ بحضانة ابنها لما توانت عن فعله))
كان كل ما في سمية يرتجف ويثور في نفس الوقت وهي تسمع مَالك يقول صراحة عن نزع ابنها من أحضانها في حالة ما فكرت في الزواج ثانية.. بل فعليا للمرة الثالثة! فقالت بخفوت أمام عينيه الغاضبتين وقوة لا تستحضرها إلا في مواجهته هو
((أنا لن أتزوج أبدًا، وابني من المستحيل أن أتخلى عنه أو أسمح له أن يبتعد عني))
لم يختلج شيء في تقاسيم وجه مَالك بل كان باردا كقطعةٍ من جبلٍ جليدي وهو على حاله..
شعرت زاهية بالغيظ لأن سمية تراجعت، وكانت تريد التحدث إلا أن صوت رتيل التي جلبت صينية فوقها إبريق الشاي قطع حديثهم.. حيث أنها وضعت الصينية فوق الطاولة بقوة وإهمال شاعرة بالحنق وهي ترى نفسها من تقوم بالتخديم هنا.. حتى أن البستانية جالسة معهم تتجاذب الحديث في موضوع ما وهي من تقدم الشاي لها..
استدارت رتيل بهدوء ليصل لها صوت زوجها المستفز
((رتيل أحضري كأسًا لمَالك ليحتسي الشاي معنا))
تجمدت رتيل مكانها وأغمضت عينيها تتميز من الغيظ خاصة ووالدة مُؤيد تضيف على كلام ابنها
((واجلبي دلّة القهوة أيضًا لو سمحتي))
فتحت رتيل عينيها تقول بفتور
((أنا متعبة، اعتذر لك، اطلبي من غيري جلبها وجلب كأس لمَالك))
تدلى فك زاهية وعرفت رتيل أن ردها صدمهم جميعا دون أن تستدير وتراهم! لكنها لم تكن لتتراجع عما قالته أو تندم! فحتى والدة مُؤيد لا ترحمها بطلباتها..
وتطلب منها أن تعمل فوق طاقتها دون أن تهتم بكونها لا تنال أي قسط من الراحة! بل وأحيانا تتذمر وتتأفف إذا ما تأخرت بالاستجابة لطلباتها رغما عنها دون تقدير بأنها زوجة الابن الوحيدة التي تخدم في هذا القصر منذ أن طُرد العاملين فيه!
ماذا استفادت من كونها الكنة المطيعة الوحيدة هنا غير الإجهاد النفسي والجسدي؟ عليها أن تعيد حساباتها من جديد وتتغير معهم جميعا..
استدارت رتيل نحوهم بوجه صلب لتقول
((أنا متعبة وبحاجة أن أعود الآن للراحة، ومن يرد شيئا فليذهب ليجلبه بنفسه))
همس مُؤيد المصدوم
((انظري لوقاحتك وأنتِ تتحدثين أمامنا بفجاجة))
حذرته والدته تحاول تخفيف حدة الموقف
((انتظر يا مُؤيد هي لا تقصد ذلك..))
قاطعتها رتيل قائلة بثبات وتصميم
((بل أقصد كل حرف مما قلته.. فأنا من الصباح للمساء كل ما افعله هو خدمتكم جميعا، أنا متأكدة من أني حتى لو كنت أتجرع المرض أو الموت لم يكن زوجي ليكلف خاطره ويفعل معي ربع هذه الأشياء التي افعلها الآن.. لذلك لن أتجرد من إنسانيتي من اجل عيناه وسأذهب لأريح نفسي..))
اجتاحت جسد مُؤيد فورة غضب لجرأة زوجته الوقحة فانتصب واقفا من مكانه بقوة حتى أن الكرسي الذي كان جالسا عليه اهتز ووقع خلفه.. ثم هتف بصوتٍ خطير وهو يحدجها بنظراته المهددة
((هل تتمردين يا رتيل؟))
أخذ الخوف كل مأخذ منها إلا أنها نجحت بإخفاء شيء من هذا الخوف وهي تردد على نفسها بأنه لن يستطيع أن يفعل شيئا أكثر من إغراقها في جحيم عتابه وجلده وتوبيخه.. فقالت أخيرا بصوتٍ مضطرب
((هذا ما عندي يا مُؤيد، لقد تعبت، لا دخل لي إلا بتنظيف جناحي، نحن بشر من لحم ودم، وقد أمرنا الله بأن لا يكلف الفرد نفسه فوق طاقتها))
ساد صمت قاتم بينهما للحظات اشتعلت فيه حرب تراشق الأعين.. الوعد من جهته.. والتحدي من جهتها.. أما الحاج يعقوب الذي شهد الموقف هذا ذاهلا ظل ثابتا رغم حنقه بمهارة عمره قبل أن يتدخل أخيرا
((ولماذا هي من تقوم بأعمال البيت؟ أين هي نعمة ومنال وغيرهن؟))
ردت رتيل عليه على الفور بتحفز
((ابنك الآخر مَالك قام بطردهم جميعا، ومُؤيد يرفض أن يحضر غيرهن ويريد مني وحيدة أن أقوم بعملهن))
تدخل مُؤيد يقول بخشونة
((لست وحيدة فنجوم تساعدك، لكن سأطردها قريبا لتتعلمي كيف تحترمين نفسك في المرة المقبلة))
كلماته كانت نصالًا حادة يصوبها إلى صدرها مستنزفًا نفسها المرهقة وآملًا في القضاء على الجزء المتبقي من كبريائها! فهتفت والقهر يتجلى على ملامحها
((لماذا تحب أن تهينني وتقلل من شأني أمام الجميع! لماذا تحب أن تحطمني؟ ولا تتواني عن تحقيري؟))
ازدادت ملامح الصدمة على مُؤيد لما قالته فعاد ذاك الخوف يدب في قلبها لكنها حثت نفسها على عدم التراجع.. وإلا ستمضي ما تبقى من عمرها هنا على هذا المنوال.. وستبقى هنا للخدمة والعمل والبذل والعطاء الذي لا تجد مقابلا لهم إلا الجحود والنكران والانتقاد والعتاب القاسي.. والويل لها من مُؤيد وكل الويل لو فكرت أن تعترض ولو مجرد تفكير! فاستطردت معقبة لحماها تثير استعطافه بما مرت به وهي تشكوه مُؤيد غير عابئة به
((لقد رفض العودة لعمله في المدينة حتى يراقبني ويتربص بي طوال فترة وجوده هنا، أشعر بأن عملي لهذا اليوم تسبب لي بأوجاع الظهر واحتكاك في عظام ركبتي وتشنجات في عضلات الرقبة واليدين))
تقارب حاجبا مُؤيد بغضب أشد يستعر في داخله.. وهم يقترب منها حتى أنها تراجعت خطوات للخلف.. لولا أن الحاج يعقوب وقف على الفور هاتفا بابنه بصرامة
((مُؤيد توقف مكانك واحترم وجودي))
تطلع مُؤيد لوالده يقول مستنكرا وهو يشير لزوجته
((ألا تراها كيف تتحدث معي بهذا الشكل؟ لو كان متواجدا أحد غريب هنا للامني أنا على قلة أدب واحترام زوجتي تجاهنا))
قبض الحاج يعقوب على غضبه والتفت لمَالك يتساءل بهدوء قاتم
((من سمح لك أن تطرد أحد هنا؟))
ازدرد مَالك ريقه إلا أنه أجاب بصلابة
((لأنهم لا يحترمونني أبدًا.. كما أن وجودهم وعدمه واحد فقد حولوا المطبخ لمجلس نميمة بدلا من العمل))
تغضن جبين يعقوب لمَالك وتطلع بتلقائية لسمية التي كانت غارقة في توتر رهيب.. ثم تطلع لزوجته بصرامة
((من الآن يا أم مُعاذ تطلبين من جميع من كان يعمل هنا العودة لعملهم، وادفعي لهم أجر الأيام الفائتة كما لو كانوا في عملهم، وسنتحدث فيما بعد بشأن إخفاء هذا الأمر عني، لقد خيبت ظني بك! كيف جعلتِ رتيل تقوم بكل شيء وحيدة هنا؟))
ترققت ملامح رتيل لدفاع حماها عنها في حين تدخل مَالك يقول بشيء من الحدة الغير مقصودة
((أبي لقد سبق وتخلينا عن خدماتهن فلماذا تريد عودتهم!))
غمغم يعقوب بخشونة
((استهدي بالله يا مَالك))
ثم أتبع قوله بما لا يقبل النقاش
((من كانوا يعملون هنا سيعودن وإياك أن تفكر بطرد أحد مجددا))
قست عينا مَالك كشظيتين من الجليد الأخضر المؤذي.. أما وجهه فسكن دون أي تعبير..
طال الصمت بينهما إلى أن قال أخيرا
((ماذا يعني هذا يا أبي؟ أليس لي اعتبار هنا كابن للحاج يعقوب الكانز؟))
رفع يعقوب حاجبيه يقول بحكمة
((بالطبع أنتَ ابني ولك كل الاعتبار هنا.. ولكن بحدود المعقول))
أطبقت شفتا مَالك في خطٍ قاسٍ وكأن ما تناهى لمسامعه لم يكن الجواب الذي ينتظر سماعه منه.. حتى سقط قناع البرود عن وجهه وحل محله تعبير الدهشة والاستنكار وهو يقول بانفعال طفيف
((أي معقول هذا وأنت تنسف الأوامر التي أصدرتها))
قال يعقوب بصرامة وحدة دون أن يتخلى عن وقاره
((اخفض صوتك يا مَالك فأنت تتحدث مع والدك، عندما أموت يمكنك أنت وأخوتك أن تتحكموا بمسألة التوظيف هنا.. لكن طالما أنا على قيد الحياة فأنا من أقرر))
تمهل مَالك قبل أن ينظر إلى عينيه قائلا بصوت يشوبه الذنب
((فليبعد الله عنك أي شر وليحفظك لنا.. أنا سبق وقلت للجميع بأننا سنستغني عن خدماتهم هنا، إذا كنت مصرا على رأيك يا أبتي فأنا من سأغادر المكان))
وكان مَالك يهم أن يستدير مغادرًا إلا أن والده هتف باسمه بحزم يمنعه.. فتسمر مكانه بثبات..
اقترب الحاج يعقوب منه أكثر يقول بغضبٍ مفاجئ
((لا تصغر نفسك أمام من يعمل عندك.. فأنت كبير يا مَالك))
أشاح مَالك بوجهه وهو يزفر بمشاعرٍ محتدمة ثم قال في النهاية ببرودٍ دون أن يرف له جفن
((قلت ما عندي يا أبي.. إذا أصررت على عودة من قمت أنا بصرفهم فسأجد مكانا آخر لأنتقل له))
ما حدث وآخر كلام مَالك جعل قلب سمية ينسحق ببطء مؤلم ودوى صاخب.. وكم تمنت أن تتشبث به وتمنعه من هذا العناد الأحمق دون أن تعرف السبب! ربما لأنها لن تتحمل أن يكون بعيدا عن يزيد؟
كان مَالك قد بدأ يسير مبتعدا عندما هتف والده باسمه مجددا ((مَالك.. انتظر))
اقترب يعقوب منه ثم وقف أمامه دون أن تلين ملامحه أو تتجلى أي من مشاعر تفهم لما فعله.. بل ظل وجهه جامدا كقناع قاسي وهو يقول له بصوتٍ رزين
((لا تستقوى بنفسك على الضعيف ولا تكن سببا في قطع رزق أحد فيتعلق رزقك فيما تحب))
نكس مَالك بوجهه أرضا يتدبر بكلام والده فيما التفت الحاج يعقوب لابنه الأخر آمرا إياه بخشونة
((اتبعني للمجلس لنتحدث بشأنك أنتَ يا مُؤيد))
رمش مُؤيد بعينيه وارتبكت ملامحه للحظة إلا أنه عزم أمره وتبع والده وما إن تجاوز رتيل حتى رماها بنظرة نارية أخيرة محملة بالتهديد والوعيد..
.
.
أغلق مُؤيد باب المجلس خلفه وجلس قريبا من والده على كرسيه الأثير في زاوية الغرفة العطرة ببخورها الدائم.. نكس وجهه قليلا بتخبط وقبل أن يبدأ والده في الحديث قال بتسرع متهور
((أعرف يا والدي بأنك تريد لومي على وقاحة زوجتي قبل قليل في الخارج، وأنا لا أقول بأني لست مخطئ.. على العكس أنا المُلام فلو كنت رجلا صارما معها وشديدا لما تجرأت على قول ما قالته، الخطأ عليّ فأنا من دللتها حتى صارت تريد أن تكون امرأة مهملة ومقصرة في حق عائلتها وغير مقدرة للنعم من حولها، لكن صدقني ودون الحاجة لتوبيخي الآن سأحاسبها على ما قالته ولن تكرره مجددا))
استنكرت ملامح يعقوب كل ما يقوله ابنه بصمت وما إن انتهى حتى أخذ نفسا عميقا يحث نفسه على الصبر في الحديث ثم قال له بروية
((أنا جلبتك هنا للتعقيب على ما تفعله أنتَ لا زوجتك))
اعترض مؤيد ((هل تقصد يا أبي بأنك ستوبخني لأني لم أسمح لأمي أن تحضر عاملات بدلا من اللاتي طردن؟ ولكن يا أبي من البداية لماذا جلبناهم وعندنا نساء في القصر؟ لماذا نتزوج إذا كان واجبا علينا أن نحضر خدم للقصر ولإعداد وجبات طعام المزارعين؟ أبي في الماضي هل جلبت لأمي ولو خادمة واحدة تساعدها؟ نساء هذا الزمان مدللات أما أمي فكانت تقوم بتربيتنا والاعتناء بشؤون البيت في الداخل، وتحطب وتساعدك في المزرعة بلا كلل أو ملل.. حتى في فترات حملها))
نظر يعقوب بذهول غاضب لولده ليهدر
((لست عادلا يا مُؤيد بمقارنتك العشوائية هذه.. فهذا الذي نعيش فيه هو قصر لا منزل صغير كالذي امتلكته مع أمك في الماضي))
ثم بسط يديه المجعدتين أمامه يستطرد بتصميم أكبر
((في شبابي كنت ليل نهار أعمل في الزراعة وأحرث الأراضي واسحب الماء من الآبار وأخصب الثمار، في البرد، وتحت أشعة الشمس الحارقة.. كنا نعاني من شح المعيشة آنذاك وقلة المال))
كانت الدهشة مرتسمة على ملامح مُؤيد رغم أن كلام والده هذا لم يكن أول مرة يسمعه منه! هم بالتحديث لكن والده أكمل بملامح مكفهرة ((إذا كنت تقارن زوجتك بأمك.. فقارن نفسك بي.. هل حياتك مشابهة لحياتي أنا عندما كنت بسنك؟ أنتَ تملك بجانب عملك المكتبي في المدينة شقة مرفهة واسعة، تظل خلف مكتبك جالسا براحة واسترخاء وأمامك على الطاولة كوب قهوة ترتشف منه بينما تتصفح دفتر الحسابات.. هل من المنطقي أن تقضي أنتَ الرجل ذو الجسد الصلب يومك بالترف وتطلب من زوجتك أن تقوم لوحدها بعمل عدة نساء من عمل منزلي شاق ومضني في هذا القصر؟))
تفشى الضيق في وجه مُؤيد لمنطقية كلام أبيه ونكس وجهه أرضا بينما يكرر والده عليه
((أجب يا مُؤيد))
تمتم مؤيد بوهن وضعف حجة
((بالطبع لا يا أبي.. ولكن..))
((لو كنت تعمل يا مُؤيد ممرض كمُصعب أو معلم كمَالك حيث يقف كل واحد منهما في عمله طوال النهار على قدمه.. لما لمتك بشدة.. لكن أنتَ بالذات لا يحق لك الاعتراض فبعد تخرجك مباشرة أعطيتك رأس مال لتبدأ في مشروعك ووفرت لك أكثر من خبير في مجالك ليشور عليك، وعندما كسرت تجارتك في احدى المواسم دعمتك ماليا حتى استطعت في النهاية أن تثبت نفسك في السوق! صحيح يا مُؤيد؟))
ازداد المقت المتجلي على وجهه لما قاله أبيه الذي أتبع سؤاله
((ثم أنا من أدفع أجر كل موظف يعمل في المزارع والقصر يا مُؤيد.. هل سبق وطلبت منك أو أحد إخوتك أي مساعدة في دفع الأجور؟))
اتسعت عينا مُؤيد وهو يرفع رأسه ويدافع عن نفسه
((حاشا أن يكون هذا قصدي يا أبي، أساسا القصة ليست في أجور العاملين..))
قاطعه والده ببطء وروية
((أنا أفهمك يا مُؤيد وعلى كل حال حتى لو قامت زوجتك بالأعمال المنزلية فهي تقوم بها تكرما منها وليس لأنها خادمتك التي أحضرتها لها والدتك))
مسح مُؤيد وجهه بكفه زافرًا بعمق قاتم ليقول أبيه
((لا أنكر أنه على سيدات هذا المنزل الاهتمام بشؤون المنزل، ولكن كما للبيت عليها حق، فأولادك ونفسها عليها حق أيضًا فهي بحاجة إلى جسد معافى لا تهرمه أعمال البيت والمطبخ))
استوي الحاج يعقوب من مكانه فتبعه مُؤيد.. ثم فتح يعقوب الباب ليجد رتيل تستند برأسها على إطار باب مقابل له قبل أن تجفل على خروجهما.. تواصلت عينا يعقوب في عيني رتيل الواقفة بترقب قلق فطمأنها بابتسامة مراعية وغمغم بقرب أذن مُؤيد
((الآن اذهب لزوجتك واعتذر منها بوردة وأخبرها بأن كل شيء سيعود لسابق عهده.. هيا يا مُؤيد))
اشمأزت ملامح مُؤيد إلا أنه قال طائعا على مضض
((سأفعل أبي، لكن لاحقا))
ثم أشاح بوجهه ليسير بسرعة نحو الخارج وكاد أن يصطدم بمُصعب الذي كان يدخل المكان.. وقبل أن يزعق به جاءه سؤال مُصعب
((مُؤيد هل أنتَ من أخذت دراجتي النارية؟))
رفع مُؤيد إحدى حاجبيه باستعلاء ورد
((وما حاجتي لدراجتك وانا أمتلك أفضل وأحدث منها بمراحل))
ظل مُصعب متغضن الجبين وهو يردد بحيرة
((ومَالك أيضًا قال بأنه لم يأخذها، من يا ترى اقتحم أرضنا وأخذها، إنها مفقودة!))
برقت عينا مُؤيد بتوجس قبل أن يقول بريبة وشراسة
((تعال معي لنتأكد من المصف والأرض مجددا، من هذا الذي تجرأ على الدخول لأراضينا وسرقتها!))
ثم لمعت عيناه بشراسة وهو يكمل من بين أسنانه
((لقد بات الجميع يستهين بنا.. ولا ألومهم فنحن من سمحنا لأحد أبناء الهنادل التعدي على أراضينا والغدر بابن عمنا يحيى الذي لم نثأر له بل وقبلنا بالصلح دون أخذ دم محل دمه))
امتعض مُصعب من ذكر مُؤيد الموضوع بهذا الشكل المبتذل! أخيه ومن أتفه سبب يعيد ذكر سيرة الثأر والدم!
تجاهله وهو يعود للأرض يحاول أن يبحث ويسأل عن دراجته مرة أخرى ومُؤيد خلفه ينادي عليه.. أما المنزوية رتيل هناك فقد انسحب الدم من وجهها عندما عرفت بفقدان مصعب لدراجته!
وعلى الفور اندفعت رتيل لجناحها تطلب رقم غنوة وما إن جاءها الرد حتى سألتها بترقب واضطراب
((هل أنتِ من سرقتي دراجة مُصعب يا غنوة؟))
كانت غنوة تثائب قبل أن تسألها مدعية الجهل
((من هو مُصعب؟))
هدرت فيها بغيظ ونفاذ صبر
((مُصعب شقيق زوجي يا غنوة، سبق وسألتني عن مكانها ولمحتي لي بأنك ستأخذينها.. كيف فعلتيها وقمت بسرقتها!))
أقرت غنوة ببرود بالحقيقة
((دفعت لرجل أعرفه حتى يقوم بسرقتها بعد أن أخبرته بالضبط متى وأين يجدها، كانت مرمية في بيت إسمنت بسيط دون حماية أو مراقبة وسط المزرعة الكبيرة.. لا تقلقي ليس هناك أي كاميرات مراقبة أو ما شابه ذلك))
كادت رتيل أن تولول لما سمعته وهي تمسد جبينها بأصابعها بخوف من القادم قبل أن تقول بتخوف
((يا إلهي لم يكن عليّ إعلامك عن مكانها، هكذا أصبحت مشاركة في السرقة معك.. ماذا أفعل يا إلهي!))
حاولت غنوة أن تبسط لها أمر السرقة وتهدئها لكن رتيل ظلت تهمس بقهر وخوف
((لقد جعلتي مني سارقة يا غنوة.. هل يعجبك هذا؟))
اعترضت غنوة ((لست سارقة فالدراجة النارية ملك شقيق زوجك أي ملك زوجك أي ملكك أنتِ))
أطرقت رتيل رأسها تمسح جبينها بصدر مختنق تتأوه بعمق ثم تمتمت بقلة حيلة
((أنتِ تجعليني أكره نفسي هكذا بما فعلتيه))
ردت غنوة بأسلوب مستفز يميل الى سخرية مبطنة
((اعتبريها استعارة لا سرقة يا حبيبتي.. سنستمتع بها أنا وأنتِ لبعض الوقت وسأعلمك ركوبها عندما تزوريني بشقتي ثم سنعيدها له))
ازدردت رتيل ريقها وهي تتمتم بشيء من مخاوفها
((أنا متأكدة بأنه أمر الحارس أن يتيقظ بحراسة بيت الإسمنت، لن تستطيعي إرجاع الدراجة لاحقا دون أن يتم إمساك أحد فينا متلبسا))
قالت غنوة بلامبالاة وبرود
((إذن فلن نعيدها..))
ضربت رتيل راحة كفها فوق ساقها وقالت
((ولكن هكذا صار ما فعلتيه يُسمى "سرقة" لا استعارة))
تلاعبت غنوة بها وهي تزين لها فعلتها
((أوه رتيل أنتِ فعلا تعقدين الأمور! انتظري فقط أن تحضري عندي وسأعلمك قيادتها كما كنت تحلمين))
تنهدت رتيل مستسلمة لها بعجز
((تبا لك يا غنوة.. لن أسامحك على ما فعلتيه.. وأيضا..))
بترت رتيل كلماتها واتسعت عيناها بفزع ما إن شعرت بخطوات قادمة نحوها فسارعت تغلق الهاتف وتخفيه تحت الوسادة..
عادت تجلس مكانها تخفي ارتعاش جسدها اللاإرادي لتتظاهر أمام مُؤيد الذي فتح الباب متجهما بأنها لم تكن تتحدث على الهاتف..
أغلق مُؤيد الباب خلفه وأخذ الأمر منها ثوانٍ وهي تحدق في وجهه الذي يزداد تجهما حتى اتسعت عيناها بسرعة وهي تتذكر ما أنستها محادثة غنوة أنها فعلته..
لقد صرخت عليه وأحرجته قبل قليل أمام والده وباقي عائلته ولا بدّ أنه جاء الآن للانتقام منها فقد توعدها بشده..
اكتسحها الرعب لكنها تداركت نفسها وهي تقفز من مكانها تبتعد عنه مهرولة لتنجو بحياتها.. لكن استطاع مُؤيد اللحاق بها وإيقافها مكانها حينما أمسكت أنامله بشعرها الأسود المنسدل..
أغمضت عينيها بخوف وسمحت له أن يجتذبها نحوه من شعرها برفق ثم يوقفها أمامه..
تنحنح مُؤيد بخشونة قبل أن يرفع الوردة التي يمكسها بيده الحرة ويرميها بخشونة في منتصف وجهها..
والده الحاج يعقوب قال له أن يجلب وردة لها كاعتذار.. وحسب.. ثم تسربت خصلاتها الناعمة من بين أنامل يده الأخرى وهو يحرره مبتعدا بغيظ عنها لأن أمره ورغبته اليوم لم ينفذا كما هو معتاد..
فتحت رتيل عينيها اللتين كانت تشد عليهما تدريجيا ببطء بمجرد أن أحست به يبتعد عنها.. ثم رفرفت بأهدابها مستغربة وهي تنخفض لتلتقط الوردة التي رماها بها..
ترققت ملامحها بتعجب وشعرت بها بادرة لطيفة منه رغم أنه بدا متعمدا في اختيار أذبل وأقبح وردة من حوض الأزهار في حديقة القصر!
=============================
في شركة القاني..
وفي القسم والدور الذي تعمل فيه شيرين.. كانت منهمكة أمام حاسوبها في العمل.. لقد ذهبت سهر مع خطيبها ووالديها وسافروا للاستجمام ورغم إلحاح سهر عليها أن تأتي معهم إلا أنها رفضت بإصرار..
فعدا عن أن الضغط المنصب على قسمهم في هذه الأيام لا يتحمل تغيب أحد.. إلا أنه أيضًا لم يكن من المعقول أن تسافر معهم وتكون دخيلة عليها هي وخطيبها..
ألا يكفي أنهم غادروا وبقيت هي في منزلهم تتصرف فيه وكأنها صاحبته!
تنهدت شيرين في بؤس وهي تردد على نفسها المتعبة والمنهكة بأنها ستكافئها برحلة سفر في الأيام المقبلة إذا أتيح لها أخذ إجازة من العمل! سيكون السفر إلى إحدى الأماكن التي تتحملها ميزانيتها فرغم شغورها هنا في شركة القاني في منصب مرموق إلا أن راتبها لن يتحمل تكاليف أي تذكرة إلى الأماكن الذي تزورها سهر!
ابتسمت شيرين وهي تتمنى حقا من صميم قلبها أن تحظى سهر بوقت ممتع فهي تستحق ذلك فدوما كانت المبادرة للمساعدة والمعطاءة بلا حدود..
عادت شيرين للواقع وهي تنظر باتجاه الباب حيث يطرق معتز الذي يشغر منصب "قائد فريق"..
دلف معتز للداخل بوجه محتقن بالغضب فعرفت شيرين على الفور سر غضبه.. فمعتز لا يأتي إلى مكتبها إلا إذا كانت لديه شكوى ضد أحد الموظفين في فريقه..
وهذا الموظف لن يكون أحدا غير ذاك المدعو بـ "قصي سامح".. قطبت حاجبيها بتوجس ثم تساءلت عابسة
((ماذا فعل قصي سامح هذه المرة يا معتز؟))
أخذ معتز نفسا عميقا مرتجفا من شدة حنقه وغيظه تجاه قصي ثم قال من بين أسنانه المطبقة بغيظ
((لم يحضر في موعد نوبته في العمل هذا اليوم.. وعندما اتصلت به أطلب منه أن يستعجل فهناك ضغط كامن على الجميع ولن يتحمل فريقي غياب أي أحد.. أرسل صورة له أمام البحر يخبرني أنه لن يستطيع القدوم فقد أعطى لنفسه إجازة قد تمتد لأسبوعين.. هل تصدقين ذلك يا شيرين؟))
رفرفت برموشها غير قادرة على استيعاب ما تفوه به معتز! من المستحيل أن يمتلك موظف في هذه الكرة الأرضية هذا الكم الهائل من الاستهتار ليقوم بمثل هذا الأمر! حتى لو قرر أن يستقيل من الشركة فهو ملزم بإعطائهم شهر إنذار قبل أن يقدم الاستقالة!
كانت لا تزال شيرين تستوعب أنه حقا سافر وقرر أن يأخذ إجازة بلا إذن أو حتى بدون أن يعلمهم سابقا بينما يتابع معتز وهو يكاد يتميز غيظا وقهرا
((عندما طلبت منه أن يعود حالا من سفره قال مستهزئا بأنه فات الأوان ووصل فعلا إلى جزر الواق واق! لم يراعِ الوقت الحرج الذي نعيشه وأن غيابه سيحيل ضغط أكبر على باقي زملائه.. أناني جدًّا))
تمتمت شيرين بإصرار وقد انفلتت أخيرا أعصابها
((هل تعرف شيئا يا معتز؟ بدأت أشعر بأنه يتحدانا.. إنه يتعمد أن يستفزنا لأنه متأكد بأننا مراعين أكثر من أن نستطيع طرده! لذا ولأول مرة في تاريخ حياتي المهنية سأكون سببا في فصل موظف وسأرسل الآن رسالة إلكترونية للقسم المعني بمخالفاته وتغيبه الغير مبرر حتى يتم أمر فصله))
كانت شيرين قد بدأت في الكتابة على جهاز الحاسوب شكوى بحقه بينما يشجعها معتز قائلا بامتعاض
((لستِ السبب في فصله بل هو السبب في فصل نفسه بلامبالاته وإهماله وعدم إحساسه بالغير))
كانت شيرين منهمكة في كتابة كل مخالفات قصي وهي تنوي فعلا طرده بلا رحمة أو هوادة..
دائما في تعاملها مع الموظفين في شركة القاني تراعي الله فيهم وتتذكر أن كل واحد منهم يعمل تحت إمرتها خلفه عائلة يطعمها أو مريض متكفل بعلاجه أو أنه سند لأطفال صغار يرجونه بعد الله.. فلم تفكر يوما لو حتى مجرد تفكير أن ترفع شكوى ضد موظف مهما كانت فداحة خطأه.. حتى لا تزيد حياتهم قسوة فكل واحد يحظى بما فيه الكفاية بنصيبه من الحزن والفقد والإنهاك ولا ينقصه المزيد.. فهي سبق وعاشت هذه المآسي ولا يوجد أقبح من أن يعود أحد لبيته بجلباب الحزن والانكسار!
لو كان عند قصي ظرف قاهر وأخبرها لتفهمت وساعدته مهما ترتب الأمر عليها من متاعب!
لكن لا.. هو حقا مهمل بشكل فظيع ويستحق الفصل!
=============================
جلس مُصعب على مقعده خلف المقود.. وما إن مال ليفتح باب السيارة لنورين التي كانت تسير نحوه حتى ضيق عينيه ينتبه إلى وجود ظرف أبيض موضوع على المقعد بجانبه..
رفع عينيه لزجاج النافذة لينتبه بأنه عندما ركن سيارته آخر مرة في مصف سيارات العائلة لم يغلق النافذة كلها فظل هناك مجالا لأحدهم أن يمرر من خلال الفراغ المتبقي هذا الظرف..
بتوجس مد يده يمسك الظرف ويفتحه وسرعان ما ارتفع حاجبيه بريبة لمرآ النقود فانتشلها قبل أن يقرأ الرسالة الموضوعة داخلها..
في هذه الأثناء طرقت نورين بيدها فوق الزجاج بحنق لمُصعب الذي لم يفتح لها باب السيارة بعد! فجفل مُصعب على صوت طرقاتها ثم سارع يفتح مقبض الباب من الداخل لها لتستقل جالسة بجانبه وهي تقول باستغراب
((ما هذا الظرف بيدك؟))
تمتم مجيبا وهو يعدُّ النقود
((ظرف فيه مبلغ تقريبي لثمن دراجتي النارية، مع اعتذار صادق لسرقتها مني، وعدم إظهار أي نية لإرجاعها مستقبلا))
تشدقت بتهكم ممزوج بالاستغراب
((السارق يعرف الحلال والحرام، مذهل))
قال مُصعب شارد العينين بتفكير وهو يلوح بالظرف الأبيض
((السارق اللطيف الذي قام بطباعة هذه الرسالة ووضع المال في الظرف لا بد أنه يعيش في القصر كونه يمتلك صلاحية الدخول إلى مصف سيارات العائلة))
سألته ذاهلة من استنتاجه
((هل تقصد أن السارق من القصر؟))
صحح لها بتلقائية
((لا أقول السارق، بل الذي وضع الظرف هنا هو من القصر))
هز كتفيه في نهاية حديثه لتسأله نورين بتوجس
((ماذا ستفعل بهذا المال؟))
مط شفتيه ثم قال ببساطة
((سأشتري به دراجة أخرى بدل تلك التي سُرقت، لا داعي لأن يعرف أحد بشأن هذا الظرف.. سأتجاوز عن تعرضي للسرقة))
قطبت حاجبيها لا تجد مشتبها به يمكن أن تشك به في هذا القصر.. قبل أن تنتبه لابتسامة مُصعب الجذابة قائلا
((هل ترافقيني الآن لتختاري الدراجة التي سأقتنيها؟))
لمعت عينيها ببريق اللهفة وهي تقول بحماس عارم
((حقا سنشتريها الآن؟ ولكن أنا لا افهم بالدراجات))
قال وهو يشغل محرك السيارة
((ساعديني فقط في اختيار مظهرها الخارجي، وبعدها سنجرب ركوبها سويا في مزرعة البركة البعيدة))
=============================
بعد مرور ستة أشهر..
ارتدت شيرين سترتها تستعد للخروج من البيت مساء لتقوم برياضة المشي التي تدأب على ممارستها في أيام إجازتها.. اقتربت من الباب للخروج وعندما صدح رنين الجرس طالعت العين السحرية فاتسعت عيناها وهي تجد الطارق ما هو إلا.. وليد..
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل العاشر
وقفت رتيل في المطبخ تقوم بإعداد ذاك النوع من الحلويات الذي طلب مُؤيد منها صنعه.. هذه الأيام لا يفعل شيء إلا المكوث في البيت وطلب ما لذّ وطاب من الأطعمة التي يشتهيها.. وكأنه امرأة حامل تتوحم..
نجوم تساعدها بقدر ما تستطيع.. هي الوحيدة المتبقية من العاملات اللاتي تم صرفهن! لا بد أن مَالك لم يطردها لأنها الوحيدة التي تعامل يزيد بشكل جيد..
وقفت رتيل أمام الموقد تمسك بيدها ملعقة خشبية تحرك بها ما في القدر.. وباليد الأخر تمسك كتاب فهد تذاكر له..
وعندما شعرت بترنح من التعب والإعياء تهالكت بعذاب على مقعد بجانب فهد الذي كان يكتب الكلمات التي تلقنه إياهم.. صححت له ما كتبه وأثناء ذلك انتبهت لعبوسه الملازم له منذ أن عاد من المدرسة.. فسألته باهتمام وقلق
((هل أنتَ منزعج من شيء يا حبيبي؟))
نكس فهد وجهه يتبرم بغضب طفولي
((اليوم عرفت بأن عمي مَالك قام بإعطاء يزيد ألبوم صور لهما الاثنين سويا.. ولا أذكر أنه قام بأخذ صورة لي معه))
تدلى فك رتيل ذاهلا لما سمعته.. هل جن شقيق زوجها ليصل به الاهتمام بيزيد إلى هذا الحد؟ هل طبيعي ما يقومه به! إنه لا يكف عن إدهاشها يوما بعد يوم فيما يقوم به ليزيد! لكنها تداركت الأمر وقالت لابنها مواسية
((حبيبي فهد لا تقلق.. أنا معي هاتف وسألتقط كل يوم لك صورة وسأصنع ألبوما أجمل منهما..))
رفض فهد كليا وهو يقول بمنطقه الذكوري الذي يتسرب إليه من فكر والده
((لا أريد فأنتِ امرأة.. لن أستطيع أن أعرض الألبوم متباهيا على أصدقائي في المدرسة))
لم تعقب على كلامه بل ابتسمت له بحنو الأمومة مقترحة
((إذن ما رأيك أن التقط صور لك مع أصدقائك أو أخيك باسم؟))
لمعت عينيه بالدموع الخفيفة وهو يقول بإصرار
((أيضًا لا أريد.. أريد رجلا كبيرا أن يلتقط معي الصور..))
لوهلة شعرت بالحيرة والتخبط لكنها تساءلت
((رجل كبير؟ إذن لماذا لا تخبر والدك؟))
هز فهد رأسه برفض مجددا ثم قال
((لا أريد.. سيرفض.. أنا اعرفه.. أخبري عمي مُصعب أو مُعاذ أن يهتما بي كما يفعل عمي مَالك مع يزيد))
تنهدت رتيل بتعب ثم وعدته وهي تطبطب فوق شعره
((حسنا سأفعل))
قاطعهما في هذه الأثناء دخول نورين قائلة
((مرحبا رتيل.. كيف حالك؟))
رفعت رتيل عينين مُخيفتين نحوها ثم قالت بجفاء
((إذا لم تكوني تريدين المساعدة فلا تدخلي المطبخ))
ادعت نورين الاستغراق بالتفكير للحظات وهي تزم شفتيها ثم ابتسمت بتسلية لرتيل وقالت
((بودي حقا مساعدتك، لكن قلبي الحقود يأبى ذلك وعقلي لا ينفك عن جعلي أتذكر تلك الأيام العصيبة الأولى التي عشتها هنا عندما كنت تجبريني على العمل هنا كخادمة وفوق طاقتي يوميا))
ضيقت رتيل عينيها وكاد الشرر يتطاير منهما وهي تقول بغل مهددة ((نورين سأعد للثلاثة إذا لم تغادري من هنا، فلا تلوميني على ما سأفعله الآن بك))
كتفت نورين ذراعيها ثم قالت متحدية بصلابة
((لن أغادر.. ماذا ستفعلين؟))
ضيقت رتيل عينيها أكثر وما أن استقامت واقفة حتى انتفضت نورين من مكانها شاهقة بذعر وهي تفر هاربة من المطبخ..
.
.
أغلقت رتيل باب جناحها ثم وضعت طبق الحلوى الذي أعدته لمُؤيد فوق المنضدة بقوة.. ثم وقفت متخصرة أمام التلفاز الذي كان يتابعه زوجها باهتمام هادرة
((تفضل طبق الحلوى الذي طلبته))
غمغم مُؤيد لها بانزعاج وهو يلوح لها بيديه جانبا كي تبتعد
((ضعيه هنا واغربي عن وجهي أنتِ تعيقين مشاهدتي للتلفاز))
استدارت تغلق التلفاز من الزر المخصص له ببساطة ثم عادت تنظر لزوجها متجهمة بينما تكتف ذراعيها.. فزعق بها باستنكار وهو يعتدل جالسا على السرير..
ازدادت ملامحها تجهما وهي تتحدث بجدية
((اقضي القليل من الوقت مع فهد وباسم، بدلا من الترفيه على بنات أخوتك، اخرج مع ولديك))
استبد الغضب به مما تتحدث به فقال محذرا وهو يلوح أمامها بسبابته
((إياك يا رتيل التدخل بعلاقتي مع أي من بنات إخوتي، هدى أو دارين))
دمدمت له بغيظ يعتريها
((إذا كنت لا تريد مني التدخل فاقضي بعض الوقت مع ولديك وأخرجهم معك للتنزه أيضًا))
برر مُؤيد وجهة نظره باقتضاب
((أحب تدليل الفتيات أما الأولاد فيجب التعامل معهم بحزم بعيدا عن اللين))
حادت بعينيها عن عينيه متخاذلة إلا أنها أصرت أن تفرغ ما بجعبتها فعادت تنظر له هاتفة بانفعال
((لا أقول دلل ولديك، ولكن اقضي معهما بعض الوقت))
ضيق مُؤيد عينيه متسائلا باستهجان
((بماذا سأقضي معهما الوقت؟))
((قم بالأمور التي يحبها كل واحد على طريقته الخاصة، وخاصة فهد.. لأنه كطفل يحز في نفسه عندما يرى عمه يهتم بابن البستانية بدلا منه، ووالده يهمله))
ازدادت عيناه ضيقًا لكن النظرة فيهما تحولت إلى شيء آخر أكثر خطورة.. ثم تمهل قبل أن يهدر ببطء
((كل هذا جراء غيرتك من معاملة مَالك مع ابن البستانية!))
زمّت شفتيها ثم قالت حانقة
((نعم.. لأن كل الأطفال حتى ابن البستانية يجدون من يهتمون بهم إلا أولادك..))
هدأت ملامح مُؤيد واستكانت قليلا لدرجة السكون المزعج والغير معبر عن شيء وهو يمعن النظر في وجهها قبل أن يهدر أمامها بنبرةٍ خفيضة مبهمة
((هل تعرفين لماذا يهتم مَالك بابن البستانية؟ لأنه وببساطة يحب أمه فيعوض استحالة إمكانيه زواجه منها بالاهتمام بابنها، لذلك اتركي مالك جانبا ولا تعقدي مقارنات))
ترقق حاجبي رتيل ثم سألته بشك
((ولم يستحيل أن يتزوج مالك من البستانية؟))
تنهد مُؤيد تنهيدة طويلة فاقد الصبر ليجيبها بشيء من البديهيات
((لأنه لا أمي ولا أبي سيوافقان أن يتزوجها! كيف يقبلا من مدللهم مَالك الراكز أن يتزوج من امرأة تكبره بسنوات ومطلقة مرتين ولديها ابن!))
أطبقت رتيل شفتيها بتفكير ثم نبهته بفطنة
((لا تحكم من الآن فأنتَ لا تعرف ما سيحدث مستقبلا!))
عاد يستلقي على ظهره قائلا بنبرة لا تحتمل التشكيك
((لن يقدر أن يتزوجها ولو أراد.. اسمعي مني أنا..))
ثم عاد يلوح لها بيده
((ابتعدي جانبا عن التلفاز وعودي لعملك فكما قلت لك لن أوظف أحد هنا، انتهى عهد دلالك))
عاد الغل والحقد يرتسم على وجهها من كلامه وابتعدت عن التلفاز تسمح له بتشغيله منصرفة من الغرفة!
=============================
كانت الحاجة زاهية جالسة تلاعب حفيدتها الصغيرة هدى بعرائسها تستمتع بهذه اللحظات معها قبل أن تقول الصغيرة ما يستدعي استغرابها
((جدتي هل أخبرك سرا عن أمي؟))
رفعت زاهية حاجبيها تحثها على المتابعة لتكمل
((كلام أمي غير صحيح، هي لم تعطيني الهاتف في الصباح وأنا لم أتكلم مع أبي كما قالت))
تلك الخطوط الجانبية التي ارتسمت عند عيني زاهية ازدادت عبوسا لترد
((ولكن والدك قال بأنه يتحدث معك بشكل يومي.. فهل الاثنين يكذبان عليّ؟))
نظرت هدى لجدتها بوجه رقيق ملامحه شفافة قلقة وهي تتساءل ببراءة
((هل أخطأت بما قلته؟ هل يُعد هذا إفشاء للأسرار؟))
قالت الحاجة زاهية بحنو وقد أثارت حفيدتها فيها عطفا
((لا تقلقي يا حلوة.. اذهبي لوالدتك لتستعدي للنوم))
أطاعتها هدى وهي تحمل عرائسها ثم تهرول للخارج..
في حين عادت زاهية تجلس بالقرب من النافذة ثم اتكأت للخلف متصلبة الأوصال تناظر الخارج عبر الزجاج تفكر بحال أولادها.. في هذه الأيام أكثر من يشغلها أصغرهم مَازن الذي بدأت تشك في صحة كلامه عندما يؤكد عليها بأنه يتفقد حال هدى دائما على الهاتف.. هل تحرمه ياسمين من التواصل مع ابنته؟ ولكن لماذا؟ هل هذه طريقتها لتضغط عليه حتى يعود للبلاد؟ راقت هذه الفكرة لزاهية وشعرت بأن كنتها أخيرا بدأت تتصرف كما تريد..
دلف الحاج يعقوب للداخل يغمغم بالسلام بعد أن أنهى صلاة المغرب جماعة في مسجد القرية.. ثم سأل زوجته متأملا ملامحها الشاردة ((ما هي أخر الأخبار؟))
خرجت زاهية من حالة تصلبها قليلا وهي تفرد قدميها المطويتان ثم سألته مباشرة دون سابق تفكير
((هل انتهت إجراءاتك لمحاولة استقدام ياسمين عند زوجها؟ فأنا كلما راجعت مَازن بالأمر يخبرني أن أسألك أنتَ))
أشاح يعقوب بعينيه جانبا وأجاب
((هذا ما كنت أريد التحدث معك بشأنه.. فياسمين لن تسافر عند زوجها))
سألته زاهية بتوجس وعينيها تمران على ملامح وجهه
((لماذا؟ هل معنى هذا الكلام بأنه هو من سيعود أخيرا))
حافظ يعقوب على صمته قبل أن يجيبها أخيرا
((لا لن يعود مَازن لهنا حتى بعد تخرجه.. فهو يريد أن يستقر هناك ويبدأ عمله الخاص.. لذا لن يتغير شيء في حياة ياسمين أو مَازن))
هدرت زاهية بغضب
((أي مشروع عمل هذا الذي جاء به؟ لقد ترك جامعته هنا في سنته الأخيرة، وذهب ليدرس نفس تخصصه في إحدى جامعات الغرب ولم نتدخل، والآن يريد أن يستقر هناك ويفتح مشروعا خاصا به؟ لماذا لا يقوم بمشروعه هنا))
غمغم لها يعقوب قاطب الحاجبين
((اهدئي يا زاهية))
زفرت باختناق ثم غمغمت له بحزن مكتوم
((أنا فقط لا افهم حاجته للاغتراب.. والأنكى أنك تدعمه يا يعقوب في ترك زوجته ومنزله والبقاء في الغربة!))
سقط كفه على حجرها وتمتم لها بائسا بمرارة
((وماذا تريدين أن افعل إذن؟))
أغمضت زاهية عينيها بإشارة رفض وعتاب ثم وجهته
((قل لابنك بأنه لا يجوز للرجل أن يتغرب عن زوجته أكثر من أربعة أشهر إلا بإذنها فكيف هو المغترب لست سنوات! أنا لا أجبره على العودة هنا لكن على الأقل فليستقدمها عنده هو وابنته.. لماذا يرفض ذلك؟ ماذا يخبأ هناك؟))
أغمضت عينيها متنهدة للحظات ثم سألت تبغي الحقيقة
((في الظروف الطبيعية ما يمنع الرجال من استقدام نسائهم للخارج ليشاركنهم مرارة الغربة هي عدم تحمل النفقات الإضافية.. لكن في حالة ابنك ما هي حجته؟))
نظر يعقوب إليها بقلة حيلة ودمدم فاتحا راحة يديه
((لا أدري بماذا أجيبك!))
غمغمت زاهية بإجهاد وصدر متألم
((أحيانا أشك أن السبب الكامن وراء انعزالها هو وقوعها تحت ضغوطٍ إضافية من ابتعاد زوجها عنها، وجعلها فريسة لمسؤوليات لا قبل لها بها))
ثم عادت تنظر من خلال النافذة تواصل همسا حائرا
((لكن على كل حال سأبحث في أمره وأتمنى أن يكون ما أظنه ليس صحيحا!))
تغضن جبين يعقوب متسائلا
((إلى ماذا تلمحين؟))
سألته بوضوح مباشرة وحدقتيها تهتزان
((هل هو متزوج هناك يا يعقوب؟))
لفه الارتباك عند سؤالها هذا لكن آثر أن تصدق هذا الأمر حتى تتوقف عن البحث عن مَازن فقال بثبات مفتعل
((وإذا كان متزوج، أليس رجلا ولا يستطيع العيش دون أن يعف نفسه؟ ما المشكلة في ذلك؟))
التفتت إليه بحدة تقول بانفعال مكتوم
((بل مشكلة كبيرة وفيه ظلم لزوجته.. لأن من حقها أن تتمتع بمعاشرة زوجها كما يتمتع هو بمعاشرة غيرها))
غمغم يعقوب بضيق
((زوجته راضية بغيابه ومتنازلة عن حقها في المبيت خلال هذه الفترة الطويلة، ثم هو تركها في مكان آمن لا يخاف عليها فيه، فلا حرج عليه))
ارتجفت شفتاها لا تجد ردًا أمامه في البداية قبل أن تغمغم
((حتى لو كانت زوجته راضية فعليه أن يعدل بين الزوجتين، والتسوية بينهما في النفقة والكسوة والمبيت.. كيف سيحقق العدل بين زوجتيه وإحداهما تقيم معه بشكل دائم.. والأخرى يراها أياما معدودة خلال سنوات!))
عاد يعقوب يلتفت بهيئته الوقورة لها قائلا
((لا داعي للنقاش في أمر لسنا متأكدين منه أساسا))
هزت رأسها له وهي تعود لتشرد في النافذة..
=============================
أطلق مُصعب تأوهاته في أحلامه بينما يهلوس بكلمات غير مفهومة.. منذ لقائه الأخير مع وليد وشقيقه مُعاذ وقد انقلب حاله رأسًا على عقب.. وكلمات وليد القاتلة تطارده في أبشع كوابيسه التي يلوم فيها نفسه بأنه كان السبب في موت يحيى لأنه من أرسلن لفض تلك المشاجرة بدلا منه.. وماضيه مع طليقته رشا وابنة عمه عند زواجه منها..
رغم أن وليد يعرف تماما حقيقية كل شيء.. حتى حقيقته مع رشا يعرفها هو ومعاذ دونا عن الباقي.. يعرف حقيقة أن رشا كانت تعاني من بطش والدها ويئست من أن يوقف أخيها يحيى أو أحد أعمامها والدها عند حده.. فلجأت له لكونه صديقا مقربا من يحيى قبل أن يكون ابن عمها وطلبت منه أن يتزوجها بعُرف النهوة لأن والدها مُصِر على تزويجها من صديقه كبير السن بعد أن أصبح شريكه في تجارته وسيعقد قرانه عليها قريبا رغما عنها.. فما كان منه إلا أن يستجيب لتوسلاتها وإلحاحها وفرض النهوة عليها أمام كل وجهاء وأهل القرية بشكل مفاجئ..
بالطبع اعترض عمه أمام الجميع بحجة أن ابنته مخطوبة لصديقه وتحبه.. لكن ولأن عُرف النهوة الجائر كان أقوى منه لم تلاقِ أيًا من اعتراضاته صدى عند أحد..
ورغم أن رشا تعرضت للكثير من التعنيف الجسدي والمعنوي من والدها بعد أن لامس موافقتها عليه إلا أن الزواج بينهما تم..
لم يبالِ مُصعب أبدًا ولم يهتم بسمعته أمام الناس وهو يظهر أمامهم بواجهة ابن العم الظالم الذي يفرق ابنة عمه عن خطيبها الحبيب ويتزوجها رغما عنها بإحدى تقاليد مجتمعهم البالية.. وهو المعروف عنه أخلاقه الحسنة وسمعته الطيبة..
بعدها بدأ فصل جديد من حياته مع رشا مثقل بالبرود والجفاء.. فمهما حاول أن يبني معها جسور تواصل بينهما ويزرع الود أو القبول في حياتهما يجد صدا منها!
أخيرا.. لم يتوقع أن ترد له معروفه بعد أشهر من زواجهما بأن تطلب الطلاق في يوم وفاة والدها.. تحديدا بعد ثالث يوم من عزاه! لكنه مع ذلك استجاب لطلبها مع وعد صادق لها بأنه لن يبوح لأحد بسر هذا الزواج حتى لو ترتب عليه أن يكمل حياته دون يصحح ظنونهم الخاطئة نحوه حفاظا على سمعتها..
لكن من جهتها لم تبذل أي جهد للحفاظ على هذه السمعة عندما سافرت خلسة للخارج عند والدتها بمجرد أن انتهت عدتها دون علمه أو حتى علم أخيها يحيى..
كان جسد مُصعب يهتز أثناء نومه كأنه يصارع شيء ما حتى أن حالته هالت نورين وهي تراه يتنفس بصعوبة والعرق يتفصد من جبينه.. يهذي بكلمات غير مفهومة.. عن ابن عمه.. وأيضا.. ابنة عمه.. ورغم حنقها اللاإرادي إلا أنها جلست جواره برفق على حافة السرير ثم مدت يدها لتلامس شعره توقظه على مهل
((مُصعب.. مُصعب استيقظ))
لم يستجب لها فبدأت تهزه بشكل اقوى وتناديه ليفتح عينيه أخيرا بتثاقل بتنهيدة حارة ((هل مات حقا؟))
عقدت حاجبيها لا تفهم سؤاله لكنها توقعت أن يكون له علاقة بيحيى ابن عمه.. كما أدركت أن مُصعب لم يستيقظ تماما بل لا زال يهذي فهزته بخفة وصوتها يصطبغ بلهفة واضحة
((مُصعب أنتَ تحلم..))
تطلع لها واجما ثم تجول نظره في غرفة النوم بينما يستوي شبه جالس.. وعى على نفسه أين هو لتقول له متجهمة
((بدوت وكأنك تعايش كابوس في نومك))
أرخى رأسه للخلف عابس الملامح مغمض العينين يتمتم ((نعم.. ربما))
وضعت عدة من الوسائد وراءه ليرتاح أكثر وسكبت له كأس ماء وهي تسأله بينما يُسمع وقع قطرات الأمطار من الخارج
((ماذا كنت ترى في نومك؟))
تجرع من كأس الماء بهدوء فشعر بتحسن والماء يُصب بجوفه ليطفئ ظمأه ثم رد
((فقط كابوس مزعج))
مدت يدها لتحتضن كفه بينما تنظر لوجهه المرهق وتتساءل هامسة
((لا أدري ما بالك مؤخرا! نومك بات خفيفا بعد أن كنت تقضي معظم يومك فيه))
لم يضع عينيه بعينيها بل أغلقهما بشدة وهو يتنفس بعمق ثم هدر ((نعم مؤخرا بدأ الأرق يلازمني ويجعلني استيقظ كثيرًا خلال نومي))
تجمعت الدموع في عينيها وهي تشدد من احتضان يده
((أخبرني ما هو السبب؟))
لم يرد بل زمّ شفتيه وهو يلوم وليد في داخله!
فليس هناك أبرع من ابن عمه في إطلاق سم الكلام اللاذع.. وبعثرة كيانه كرجل وهزّ عرش السلام النفسي الذي ناله بشق الأنفس.. فأشاح مُصعب بعينيه بعيدا عن وجهها العابس هادرا
((فيما بعد نورين.. فيما بعد))
ابتسمت بشحوب لتقول بصوتٍ مرير ونظرات شاردة
((لماذا كُتبت ألا تدوم السعادة بيننا!))
رفعت يدها نحو وجنتها تمسح تلك الدمعة التي سقطت بلا وعي منها فأمسك مُصعب يدها بغتة وشد عليها وهو يقول متجهما بقلق
((ماذا تقصدين بوصلة الكآبة هذه!))
دمدمت له مباشرة
((أنتَ السبب فيها))
تجلت الدهشة على وجهه وهو يردد
((أنا! ماذا فعلت لك؟))
رأى جرحا في عينيها يمزق القلب بينما تحاول انتزاع يدها منه وهي ترد باقتضاب متعمد
((لم يدم تغيرك السحري معي إلا وقتا قصيرا متمثلا في ليلة واحدة))
قطب مُصعب حاجبيه يسألها
((ماذا تقصدين؟))
ابتلعت غصة مسننة بحلقها ثم همست تطرح جل مخاوف أفكارها المتخبطة بين جنبات قلبها
((بعد أن ظننت بأنك تغيرت معي أخيرا، عدت كالسابق بل أسوء.. ما الذي حدث معك! حتى الأرق في الليل لا يتوقف عن مبارحتك! وكأنك ندمت على عرضك في أن يكون الزواج طبيعي!))
تمتم لها بصوتٍ مجهد
((الأمر ليس هكذا..))
تشنجت قليلا وهي تقول بثبات رغم اضطراب صوتها
((مُصعب هل يمكن أن نتحدث بشيء سبق وتجاهلناه سابقا؟))
تساءل هامسا ((ما هو؟))
صمتت فجأة ثم رمشت بعينيها سائلة بتردد
((أظن بأنك لم تصدق عذريتي في تلك الليلة، وسكت عن الأمر لأنك أردت انتهاء النزاع بين القريتين، لهذا كنت تنفر مني، ونادم على تغيرك معي..))
تنهيدة حارة صدرت منه وهو يضع أنامله على شفتيها يقطع استرسالها بالكلام وقد فهم مقصدها من صوتها المختنق ثم تمتم
((أنتِ مخطئة))
دمعة حائرة تعلقت بجفنيها وهي تهمس بتهدج
((لا تنظر لي هكذا.. فرغم أن تفهمك أراحني جدًّا آنذاك إلا أنه في بعض الأحيان تناوبني الشكوك أنك قلت هذا الكلام بغير اقتناع))
تجمدت نظراته بينما اشتدت لمعة نظراتها فقال بصلابة
((لا أشك بعفتك، عدم نزفك أمر فعلا طبيعي))
وهي تظن أيضًا بأنه طبيعي، فرغم كمية الرعب والخوف الذي كانت تعيشه آنذاك إلا أن تعامل مُصعب معها في تلك الليلة هو السبب.. فقد كان لطيفا معها.. متمهلا.. ورفيقا.. ولم يقم ببدء أي شيء إلا عندما شعر بأنها مرتاحة ومسترخية..
سادت لحظات من الصمت.. وكان المطر لا يزال يهطل بغزارة وصوت وقعاته يصل عندها..
تساقطت عبرة.. أو عبرتين من عينيها.. فيما همت بمسحهما على الفور وهي تقول بصوتٍ متحشرج
((لماذا تتصرف معي ببرود إذن؟))
تنهد مُصعب قبل أن يقول
((إن الذي تفسرينه بالبرود يعني بأني مرتاح معك..))
امتقعت ملامحها شاعرة برجفة في جسدها فشدها لتجلس بجانبه وهو يردد باختصار
((إذن هل يمكن أن ننهي هذا الموضوع تماما ولا تجلبيها في كل مرة تشعرين بضيقي الذي قد يكون سببه أمرا ليس متعلقا بك))
تقوست شفتاها للأسفل إلا أنها هزت راسها قائلة
((نعم))
مزق قلبه رؤيتها بهذا الشكل ضائعة.. تائهة.. وجهها شاحب وبريق عينيها خافت.. فشدد من ذراعه التي تحيط كتفها وهو يقول ((ظننت أن كونك متعلمة وفتاة ذات طموح عالي ستعرفين أنه أمر طبيعي ذلك دون الحاجة لذكر الموضوع من حين لأخر))
رفعت رأسها له ولم تقاوم جاذبية الانبهار فيه وهي تناظره ثم ابتسمت له من أعماق قلبها.. بادلها الابتسامة ثم قال لها بنبرة خاصة
((تخلصي من مخاوفك عن أفكاري، ولا يصح أن يظل ذهنك مشغولا فيه لهذه الدرجة رغم حساسيته يا نور))
استدارت نحوه تحيطه بيديها هامسة
((أريد عناقك.. أشعر بحاجة ماسة إلى دفئك))
دفن وجهه في شعرها الأشقر ومرر يده فوق ظهرها متقبلا إياها باحتواء ورغبة دون أي ذرة رفض..
فتمتمت له بحنق كمن تذكرت شيئا
((لا تدعوني بنور لو سمحت))
ضحك بخفوت ثم ناكفها
((لماذا؟ نورا.. نوران.. نورين.. كله مشتقات نور..))
تحركت نورين من رقدتها على السرير معتدلة بجذعها تنوي الابتعاد
((سأذهب من هنا))
مال هو الأخر بجذعه يتشبث برسغها ويعود ليجتذبها عنده قائلا بمرح
((أنا أمزح معك أيتها العفريتة))
استلقي فوق السرير ضاحكا معها.. وهي رغم تجهمها إلا أنها عندما سمعت ضحكته اهتز قلبها بين أضلعها واحمر خداها لتشعر بتخبط متفجر في صدرها بينما يأتيها صوته ببحته الخاصة ساخرا
((منذ متى وأنتِ لا تتحملين المزاح يا نورين!))
تخبطت نبضاتها في اهتياج لذيذ.. وكل حواسها ابتهجت استجابة لاسمها على شفتيه ثم قالت وهي تبتسم رغما عنها ((ألم تلاحظ بأنك لم تشتري لي كتاب أخر سبق وقرأته حتى نتناقش فيه يا مُصعب؟))
ضحكت بخفوت وهي ترى الحنق يبدأ بالتجلي على ملامحه بينما يقول
((اذكري لي موضوع الكتاب مرة وأخرى وسأحطم خلية النحل التي رأيتها حقا على رأسك))
قالت له بدلال متفاخرة
((لن أهون عليك، أنا أعرف..))
قال لها بعاطفة مغيرا الموضوع وهو يداعب خصلات شعرها الأشقر
((أريدك يا نورين من الآن وصاعدا أن تعرفي بأني عندما لا أوليك اهتماما فهذا لا يعني بالضرورة أنني أُهملك، قد أكون حزينًا أو مشغولا ولا أريدك أن تغرقي معي، قد أكون غارقا في عالم أخر لا تعرفين عنهُ شيئًا.. فالتمسي لي عذرًا))
أومأت له موافقة وابتسمت له ابتسامة يشوبها الحزن لأنه لا يُعلمها شيئا عن مكنونات قلبه.. ثم دفنت نفسها أكثر فيه.. إنها تعشقه.. وتعشق نظرته وحنوه..
تسربت طيب رائحة عطرها النفاذ له وهي قابعة بين أحضانه فلم يجد نفسه إلا أنه يريد أن ينال شيئا مما تهفو إليه روحه الليلة! أبعدها قليلا عنه يرفع أنامل يده ليلامس بها وجنتها بنعومةٍ ولمعان عينيه يشع في تعبير عميق.. ثم مال بشفتيه يلتقط ثغرها بقبلة ناعمة.. ليحلق بها إلى عالم أخر..
.
.
بعد ساعات..
وعندما يأس مُصعب من أن يجد النوم له طريقا مثل العفريتة بجانبه استوى واقفا من مكانه.. أزاح الستائر عن الجدران الزجاجية العازلة عن الشرفة ليستمتع بمنظر المطر.. ثم أطرق رأسه يفكر بكلام نورين الذي قالته قبل قليل وضيق عينيه يجتذب الذكرى التي مر بها قبل سنوات.. عندما كان قد مضى على زواج سمية من كامل فقط أيام.. وكان أخيه الأصغر مَالك لا زال غارقا في دوامة من البؤس والكآبة ووجهه ذابل منطفأ وكأنه فقد عزيز له.. جلس هو في غرفة مَالك بجانبه ليحاول بيأس التخفيف عنه وإخراجه من البؤس وهو متأكد بأنه سينسى بل سيضحك على نفسه عندما يكبر ويتذكر حبه لها.. استلقى كل من الاثنين على الأريكة يتابعان برنامج ما على التلفاز بدون تركيز حقيقي.. عندما صدح رنين هاتف مَالك أثناء ذلك لكنه تجاهله كما يتجاهل معظم الاتصالات الواردة له منذ أيام..
انتبه مُصعب بأن الرقم المتصل بهاتف مَالك هو رقم غريب وغير مسجل فلكز كتف شقيقه بخشونة آمرا
((رد على هاتفك أيها الكئيب))
تطلع مَالك بوجوم له وتمتم ببلادة
((إنه رقم غريب وأنا لا أرد على الأرقام الغريبة))
((لماذا؟))
((أخشى ألا تكون أرقاما غريبة))
لكزه مُصعب مجددا بخشونة أكبر مختصرا
((فقط رد أيها المتحذلق الكئيب))
تناول مَالك هاتفه وخرجت تنهيدة مغلفة بطبقة غليظةٍ من البؤس منه قبل أن يجيب ((من معي؟))
وصله صوت أنثوي مرتعش خافت يعرف صاحبته جيدا
((مرحبا.. مَالك))
انتفض مَالك على الفور جالسا وهو يمسك الهاتف بشكل جيد..
في حين اتسعت عينا مُصعب وهو يقرب أذنه من الهاتف يسترق السمع لها بينما يقول مَالك بلا تصديق
((سمية هل هذه أنتِ؟))
وصله همسها منتحبا بصوتٍ مختنق
((نعم مَالك هذه أنا.. سمية))
شعر مَالك بقلبه يرتجف داخل أضلعه من نبرة صوتها الغير مبشرة.. ثم تسائل باستغراب
((سمية هل اشتريت هاتفا؟))
طالع مَالك شقيقه المتجهم بدهشة شديدة لترد هي
((لا إنه هاتف زوجي كامل، وانا أحفظ رقمك))
كان لا زال كل ما في مَالك يرتجف خوفا مما قد يكون حدث معها.. ما الذي يستدعيها أن تتصل به بعد أيام فقط من زواجها بكامل؟
فأخذ نفسًا عميقًا ثم قال متسائلا بصوتٍ جاهد في خروجه ثابتا وهو يتمَالك أعصابه
((أوه حقا؟ ما به صوتك؟ هل أنتِ بخير؟))
تمكنت من النطق بكلماتٍ متداعيةٍ منهارة وكأنها تتكسر
((مَالك أنا سأقتل نفسي الليلة، أموت قبل أن أشهد اللحظة التي سأكون فيها سبب إخفاض وكرامة والديّ))
شحب وجهه وهو يستمع إليها واتسعت عيناه بصدمة يحدد الخوف إطارهما ثم سألها بصوتٍ خفيض خشن
((ماذا تقولين! سمية هل جننت؟ أين أنتِ الآن؟))
في نهاية حديثه انفلتت أعصابه فخرج صوته منفعلا بلهفة قلقة عليها.. فردت عليه بصوتٍ مغلف بالخزي
((كامل يتهمني بعفتي.. وأيضا..))
أظلمت عيناه وقد انحنى حاجباه قليلًا وكأنما لكمه أحدهم فلم يستطع النطق في البداية كما مُصعب الذي جحظت عيناه مما يسمعه.. ثم قال مَالك بانفعال
((مستحيل.. لو رأيتك بأم عيني فلن أصدق))
أخذت سمية تهذي بكلمات مشتتة متلاحقة
((بل صدق، ويتهمني معك، إنه يحبسني في المنزل بانتظار اللحظة التي سيفضحني بها عند والدي، قال بأنه سيفعل ذلك في الغد، وسيسترد كل قرش دفعه لقاء بضاعة معطوبة))
تمتم مَالك بنبرة صلبة
((المنحط الدنيء))
همست له بصوتٍ متعثر بيأس
((توقف عن شتمه.. اشتمني أنا.. هو الضحية وأنا الفاجرة..))
ضرب بيده على الحائط منفعلًا وهو يهتف بشراسة
((اخرســي لا تقولي ذاك عن نفسك..))
بكت أكثر وانتحبت بإصرار وهي تتابع هذيانها
((قطعة القماش لا يمكن أن تكذب، موتي هو خلاصي فأنا لن أتحمل أن ينفذ ما يهدد به في الغد))
كانت كلمتها بصوتها المرتعش تطوف برأسه وتخترق قلبه كالطعنات وهو يشعر بالألم والأذى اللذان أصاباها بما يفوق احتمالها.. فغمغم لها بصوتٍ يكسوه الرجاء
((سمية توقفي.. اهدئي أرجوكِ))
هتفت بانهيار ((عليّ أن أموت، لكن أنا أجبن من أن افعلها وسأرى أبي يدفن وجهه في الوحل بسببي))
كلامها البائس ونبرتها الواهية أقلقت مُصعب أيضًا عليها والذي كان لا يزال يحاول استيعاب ما يسمعه.. فهمس على الفور في أذن مَالك
((أخبرها أن تنتظر.. ستأتي سناء.. لتساعدها))
سمعته يأخذ نفسًا وكأنه يحاول أن يجلي حلقه ثم أخبرها بصرامة
((سمية أرجوكِ اهدئي الآن.. سأذهب لأخبر سناء.. سناء زوجة أخي مُعاذ.. وهي ستأتي لمساعدتك..))
زاد انتحابها وهي تخبره برجاء ممزوج بالخوف
((لا تفعل أرجوكَ.. لا أريدها أن تعلم))
انتصب مَالك واقفا على الفور وقال مهرولا للخارج
((إياكِ أن تتحركي من مكانك.. ستأتيك سناء حالا))
غمغمت له من بين بكائها برجاء مُلّح
((لا تخبرها، لن أتحمل بؤس وهوان أكثر من هذا))
همس لها والبريق الحزين في خضرة عينيه يشاركها أنّاتها قبل أن يغلق الخط
((أعدكِ أن كل شيء سيكون بخير.. ثقي بي))
.
.
فتح كامل باب منزله يضيق عينيه ثم سأل بحذر وهو ينظر لوجوه الثلاثة الواقفين أمام بيته
((ماذا تفعلون هنا يا سيد مُصعب؟ هل حصل شيء))
تطلعت زوجة مُعاذ لوجه كامل ولاحظت بأن وجهه هو الأخر شاحب نحيف والظلال القاتمة تظلل ما تحت عينيه المرهقتين الذابلتين.. فتنهدت قبل أن تقول بصلابة وثبات
((أنا هنا لأزور سمية، لم أراها منذ زواجكما قبل أيام.. هل يمكن أن أدخل عندها والاطمئنان عليها لو سمحت؟))
عقد كامل حاجبيه وقد شك بمعرفتها ما حدث رغم جهله عن الطريقة! فهو لم يسمح لسمية بالحديث مع أحد أو الخروج ريثما يفكر كيف سيكون تصرفه وردة فعله! حتى عائلته وعائلتها لم يسمح لهم بالقدوم.. فرد بصوتٍ أجوف مبحوح على سناء أخيرا وهو يتطلع بوجوم على الشابين خلفها
((ولكن ماذا يفعل السيد مُصعب ومَالك هنا؟))
أجابته ((لقد طلبت منهما أن يحضرا وينتظراني في الخارج معك.. فليس من المعقول أن آتي لهنا وحيدة))
.
.
كانت سناء قد ذهبت مع سمية لتقصد معها عيادة طبيبة معروفة بعد أن طلبت سيارة أجرة لهما.. في حين مُصعب عرض على كامل أن يوصله للمشفى وجاء مَالك معهما رغما عن اعتراضات أخيه العديدة! وهناك قبل أن تدخل سمية غرفة الطبيبة رفع مَالك وجهه يتأمل مظهرها.. تسير بجانب سناء بخطواتٍ ثقيلة مجهدة.. وجهها بدا وكأن آلاف الأعوام قد أضيفت إلى عمرها الأصلي وتركت آثارها فوق تضاريسه.. كتفاها متهدلين بعزمٍ مشتت كتلك النظرة في عينيها الحزينتين المكلومتين.. لم يسبق له أن رآها في كل حياته أكثر بؤسًا وهشاشة من تلك اللحظة!
استغرق الأمر دقائق قبل أن تخرج الطبيبة التي كانت تكشف عليها وتنادي زوجها وسناء للداخل.. ومرت دقائق أخرى أطول قبل أن تخرج الطبيبة ثم تتجاوزهما دون أن تلقي نظرة عليهما أو تطمئنهما بكلمة..
ولم قد تفعل تتحدث بخصوصيتها مع شابين لا تعرف أساسا سبب وجودهما في عيادة نسائية!
ثم خرجت زوجة أخيهما فاندفع مَالك نحوها بلهفة قلقة
((ماذا حدث؟ ماذا قالت الطبيبة؟))
ابتسمت سناء ببهوت وهي تطمئنه وكأن له علاقة بها
((لقد قالت بأنها لاتزال عذراء وغشاء مثل هذا النوع لا يتمزق بسهولة، وقد يستمر إلى الولادة الأولى))
شد مُصعب على أسنانه وهو يقول مغتاظا
((كما توقعت من ذاك المتخلف الذي تزوجته..))
تطلع مَالك لهما بشر قائلا بعزم
((سأجعل تلك الطبيبة تدون تقريرا عن حالتها وتعطيني إياه حتى نقاضي كامل الحقير الذي طعن في عرض زوجته وحبسها لأيام يخفيها عن الجميع ليتسنى له تعذيبها، لقد أذلها وأهانها وعليّ أن أقتص لظلمها))
ثم تسربت شحنات الانفعال له وهو يستطرد قائلا بينما يهم لدخول تلك الغرفة
((ماذا لا زال يفعل في الداخل؟ سأذهب لألقنه درسا))
أمسكه مُصعب من مرفقه بقوة يعيده هامسا بشراسة
((على رسلك أيها الأحمق، إلى أين أنتَ ذاهب؟))
توقف مَالك مكانه واستطاع أن يتطلع من فتحة الباب على من في الداخل.. ليرى سمية جالسة على أريكة ومرتمية على صدر زوجها كامل.. مغمضة العينين.. تبكي كطفلة صغيرة متأذية بينما هو يضمها إليه بذراعه ويريح ذقنه فوق رأسها هامسًا بكلمات يهدهدها ويعتذر لها راجيا مغفرتها.. وهي كأنها تتشبث به رغم جرحها منه.. تختبأ في صدره من ظلمه وشكه.. تشكوه إليه.. تلومه وتلفظ روحها بين يديه...
تمتم مَالك بتخبط ودهشةٍ أفلتت عقال غيرته ونظره لا يزال مصوبا نحوهما
((انظر له كيف يعانقها يا مُصعب، وكأنه لم يكن هو من قام طوال الأيام السابقة بمعاملتها بلا أي إنسانية فضلا عن قذفها بعرضها.. وفي نفس ليلة زفافهما))
هز مُصعب مرفقه الذي يمسكه وتمتم له يعيده لواقعه
((وما شأننا يا مَالك! لا يحق لك أن تفعل أي شيء إذا لم تشتكي هي.. أنتَ تتحدث عن امرأة متزوجة وتتدخل بينها وبين زوجها.. يُقطع رقاب الرجال في أمور كهذه، كيف ستتصرف لو عرف والديّ اللذين يتفاخران دائما بهدوئك ونضج سنك بالنسبة لعمرك بما تفعله!))
كان قلب مَالك يتفتت بالألم لهذا المشهد بل فارت مشاعره بجموح لتنهش صدره.. وشعر مُصعب به فأطبق بيده بقوة مشددا على مرفقه بينما قالت سناء التي اقتربت منهما
((أعرف أن ما قام به غير إنساني لكن الرجل بدا لي في حالة يرثى لها.. وجهه عندما كان يتحدث مع الطبيبة كان مثقلا بالألم والذنب والندم.. لا بد أن همساتها الباكية الآن تنساب مذبوحة في أذنيه))
تطلع مَالك لها يقول بوجه معذب
((هل تمازحيني؟ لا يمكن أن تعود له بعد كل ما فعله بها من امتهان وازدراء! ألم ترِ مظهرها قبل قليل فقد بدت كمن لم تأكل أو تشرب شيئا منذ حينها!))
عقدت سناء حاجبيه تقول بجدية
((لا بد أنها هي الأخرى واقعة في صراع مرير بينها وبين نفسها في أن تسامحه وتكمل حياتها معه أو تتركه فلا تزد الأمور تعقيدا يا مَالك..))
غمغم مَالك بنبرة مستهجنة
((يتوسل لها؟ بعد ماذا؟ بعد أن غرس سكينه في روحها وطعن في شرفها وحبها وثقتها))
ثم عاد يطالعهما داخل الغرفة ليرجعه مُصعب بصرامة وهو يهز مرفقه بقوة
((مَالك لا تتعدى على خصوصيتهما.. إنه زوجها.. لا شرع ولا عادات تبرر ما تفعله الآن))
أيدته سناء وهي تحثه بجدية
((مَالك إياك أن تتدخل فيما لا يعنيك ولا يحق لك.. ولننسى نحن الثلاثة ما حدث الآن))
زم مَالك شفتيه وهو يشعر بصحة ما يقولانه رغم الغضب المستعر الذي يجتاحه في هذه اللحظة ورغبته العارمة لقتل كامل وهو يجد ما فعله بسمية غير مبرر..
بدأت أنفاسه ترتفع وهو يعافر ليتركها في حالها للأبد ويبتعد عنها.. فنفض مرفقه من يد مُصعب بقوة واستدار يهرول مسرعا مغادرا..
وفي خارج المشفى وقف يرفع رأسه للسماء من فوقه ثم أغمض عينيه يستقبل حرقة الشمس بإرادة جادة في أن تحرق كل ما فيه بما فيها من مشاعر وعاطفة ليست في محلها..
عليه أن يعي ويدرك بأنها قد عقدت قرانها وتزوجت من رجل آخر ولم يعد يحل له أن يفكر بها حتى في خيالاته ونومه!
ومنذ آنذاك حاول مَالك قدر الإمكان ألا يفكر فيها أبدًا وكان يسمع أحيانا من زوجة أخيه سناء بأن سمية تعيش سعيدة مع زوجها كامل وعلى خير ما يرام.. وأنه بالفعل يعوضها بصدق لينسيها قسوته وظلمه السابق لها..
=============================
في شركة القاني..
كان قصي جالس على مقعده أمام الحاسوب يستقبل المكالمات من العملاء كما يتطلب عمله منه كموظف هنا.. استقبل مكالمة أخرى يبدأ بالقول
((مساء الخير يا سيدي.. معك قصي من..))
((موقعكم لا يعمل))
((لا تقلق يا سيدي.. هل يمكن أن تزودني برقم..))
((ألا تفهم؟ أخبرك بأن موقعكم لا يعمل بجهازي))
لم تنحسر ابتسامة قصي البشوشة وكأن العميل أمامه وهو يكمل الحديث بلطفه المعتاد والمفروض عليه
((حسنًا هل يمكن أن تعطيني رقم..))
قاطعه العميل صارخا بنفس العصبية التي بدأ فيها المكالمة
((الآن أريد منه أن يعمل.. شغّله من عندك حالا))
أغمض قصي عينيه يحاول ألا تنفلت أعصابه.. فهو كموظف خدمة العملاء عليه أن يتمتع بمهارات اتصال مع العملاء وعليه أن يكون دائما قادرا على المساعدة حتى لو واجهه عميل غير سوى أو حدثه بعصبية.. بل حتى لو تطاول عليه العميل عليه أن يحافظ على هدوءه وصبره وأن يصل لمستوى راقي ومتحضر لإرضائه..
((في البداية أود أن أسألك يا سيدي، ماذا يحدث عندما تحاول الدخول للموقع؟))
أجابه العميل ببساطة
((لا شيء.. إنه فقط لا يعمل))
((نعم أنا أفهمك ولكن ما هو الخطأ..))
قاطعه العميل بفظاظة
((أخبرتك بأنه لا يعمل، ألا تفهم؟))
بشق الأنفس تمَالك قصي نفسه وهو يقول بلطف
((هل يمكن يا سيدي أن تحاول كتابة اسم الموقع الإلكتروني على متصفح الإنترنت وتخبرني ما يظهر عندك؟))
((يظهر لي مستطيل طويل فارغ.. هل اكتبه فيه؟))
((نعم يا سيدي))
((كتبته وظهر لي الموقع))
كان قصي يمارس أقصى أنواع التحمل والصبر وهو يقول بصوتٍ مغتاظ
((هذا يعني بأن الموقع يعمل يا سيدي))
((هل تكذبني؟ أنا أخبرك بأنه لا يعمل))
((اكتب أي شيء واضغط على محرك البحث وستجد بأنه قد بدأ يعمل يا سيدي))
((نعم نعم.. ها هو الموقع بدأ يعمل..))
وقبل أن يسمح لقصي بالرد عليه كان يقفل الخط في وجهه..
.
.
بمجرد أن انتهت نوبة قصي في عمله حتى أزال سماعته من فوق رأسه.. وسجل خروج من الموقع ينهي عمله البغيض وهو يشعر ككل يوم بألم في جميع مفاصله من إثر الجلوس لساعات طويلة على الكرسي وببحة في صوته لعدم مضي دقيقة عليه دون التحدث..
أمسك بتكاسل حقيبة ظهره يجرها بيده لا يمتلك القوة يجرها بينما يغادر.. وقبل أن يخرج من القسم حتى عقد حاجبيه عندما ناداه قائد فريقه معتز
((قصي.. تعال هنا للحظة.. أنا بحاجة لتوقيعك))
اتسعت عينا قصي بصدمة.. توقيع؟ التوقيع يحتاجه قائد الفريق معتز فقط بحالة تم إعطائه تنبيه أو إنذار!
استدار قصي وخطا بغضب نحو معتز يغمغم بانفعال
((لماذا تريد أن تعطيني تنبيها يا معتز؟ ماذا فعلت؟ لم افعل شيء وبالتالي لن أوقع على شيء! وإذا ما فكرت أن توقع عني سأشتكي عليك وأنا لا امزح))
طالع معتز تهديد قصي باستهانة قبل يتشدق متهكما
((هون على نفسك فلن أوقع عنك، بل ستوقع أنتَ ورغما عنك على التنبيه الذي تستحقه، لكن بما أنه قد مضى ثلاث أشهر على احدى إنذاراتك وقد تلاشى من سجلك فلن تطرد بسبب هذا التنبيه.. لا تقلق))
اعترض قصي من بين أسنانه المطبقة
((ولماذا ستعطيني تنبيه من الأصل؟ أنا ملتزم أكثر من أي فترة مضت طوال فترة عملي وأتحامل على نفسي حتى لا انتهك أي قواعد هنا))
تطلع معتز له بتشفي يتلذذ بقهره كما كان يعذبه بعدم التزامه في السابق ثم قال ببساطة
((باختصار سبب تنبهيك هذه المرة هو تقييم العملاء المنخفض لك في نهاية المكالمات))
اهتزت أنفاس قصي وذهوله يبلغ قمته فغمغم
((ماذا! تقييم منخفض؟ وما ذنبي أنا بتقييمهم؟ ألا يكفي أنهم يروني كموظف هنا فرصة لتصفية الحسابات مع الموقع الإلكتروني، بل يتعاملون معي بعصبية وتعالٍ ويحملوني مسؤولية أخطاء باقي الموظفين!))
رسم معتز تلك الابتسامة المستفزة المتشمتة بينما يشده نحو الحاسوب
((أتفهم استيائك لكن هذه هي سياسة شركة القاني، الآن وقع على تنبهيك))
سكنت تعابير قصي ثم أرخى أهدابه وهو يشعر بأنه فعلا لا مناص له من أخذه للتنبيه ولن يفيده الاعتراض أكثر.. فتنهد بحرقة خرجت من جوفه محملة بقهر سنتين من العمل في شركة القاني بينما يمارس على نفسه حدوده القصوى من ضبط النفس للالتزام في العمل هنا وبذل اقصى جهده وهو الذي لم يسبق وأن امتهن وظيفة في حياته! ثم بكل آلية قام بإجراءات توقيعه على التنبيه على الحاسوب..
أخيرا انتصب واقفا وطالع معتز المتشمت به بعينين بليدتين يبصق الكلمات المرصوصة داخله
((تبا لها من سياسة، وتبا لشركة القاني، وتبا لهؤلاء العملاء الأغبياء الذين يظنون أن الاستبيان الذي يحصلون عليه بعد أي مكالمة لهم هو تقييم للموقع الإلكتروني لا تقييم لمدى رضاهم عن الموظف الذي رد على كل الأسئلة!))
وعلى الفور استدار يضع حقيبته على كتفه بعنف ليجد معتز يهتف به بصوتٍ عالي
((لا تنسى أن تأتي غدا على الموعد حتى لا تأخذ تنبيها آخر يا قصي))
إلا أن قصي الذي كان يطحن ضروسه من شدة الغيظ قرر أنه وبكل استهتار لن يحضر غدا.. ولا بعده..
ولا الذي بعده..
سيُعطي لنفسه من تلقاء نفسه إجازة أسبوع ليسافر مع سهر إلى تلك الإجازة التي كان سيفوتها بسبب قراره الأحمق في الالتزام بالعمل هنا.. طالما العمل بجد والتزام يعطي نفس نتيجة غيابه وتسربه فلا داعي لبذل جهد لا طائل منه!
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم Hya Ssin
وردت الكثير من الأدعية في السنة النبوية عن الاستغفار، إلا أن ذلك لا يمنع من أن بعض الصيغ غير واردة في السنة ولكن يجوز الدعاء فيها، ومن الأدعية:
(اللَّهمَّ أنتَ ربِّي ، لا إلَهَ إلَّا أنتَ ، خَلقتَني وأَنا عبدُكَ ، وأَنا على عَهْدِكَ ووعدِكَ ما استطعتُ ، أعوذُ بِكَ من شرِّ ما صنعتُ ، وأبوءُ لَكَ بنعمتِكَ عليَّ ، وأعترفُ بِذنوبي ، فاغفِر لي ذنوبي إنَّهُ لا يَغفرُ الذُّنوبَ إلَّا أنتَ).[١]
(اللهمَّ إنِّي أعوذُ بك من العجزِ والكسلِ ، والجبنِ والبخلِ ، والهرمِ ، وعذابِ القبرِ ، وفتنةِ الدجَّالِ ، اللهم آتِ نفسي تقواها ، وزكِّها أنت خيرُ من زكَّاها ، أنت وليُّها ومولاها ، اللهمَّ إنِّي أعوذُ بك من علْمٍ لا ينفعُ ، ومن قلْبٍ لا يخشعُ ، ومن نفسٍ لا تشبعُ ، ومن دعوةٍ لا يُستجابُ لها).[٢]
(رَبِّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتي وجَهْلِي، وإسْرَافِي في أمْرِي كُلِّهِ، وما أنْتَ أعْلَمُ به مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي خَطَايَايَ، وعَمْدِي وجَهْلِي وهَزْلِي، وكُلُّ ذلكَ عِندِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ما قَدَّمْتُ وما أخَّرْتُ، وما أسْرَرْتُ وما أعْلَنْتُ، أنْتَ المُقَدِّمُ وأَنْتَ المُؤَخِّرُ، وأَنْتَ علَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ).[٣]
(أستغفرُ اللهَ العظيمَ الذي لا إلهَ إلَّا هو الحيَّ القيومَ وأتوبُ إليه)،[٤] من قاله غفر له وإن كان فرّ من الزحف.
(اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، ولَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أنْتَ، فَاغْفِرْ لي مَغْفِرَةً مِن عِندِكَ، وارْحَمْنِي، إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ).[٥]
(اللَّهمَّ اغفِر لي وارحَمني وارزُقني وعافِني).[٦]
(اللَّهُمَّ لكَ أسْلَمْتُ، وبِكَ آمَنْتُ، وعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وإلَيْكَ أنَبْتُ، وبِكَ خَاصَمْتُ، وإلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لي ما قَدَّمْتُ وما أخَّرْتُ، وأَسْرَرْتُ وأَعْلَنْتُ، أنْتَ إلَهِي لا إلَهَ لي غَيْرُكَ).[٧]
أدعية للاستغفار من الذنوب
يوجد بعض الأدعية التي يمكن أن تقال، لكنها لم ترد في السنة النبوية، ومنها:
أستغفر الله العظيم من كل ذنب أذنبته، ومن كل فرض تركته، ومن كل إنسان ظلمته، ومن كل صالح جـفوته.
اللهم يا بارئ البريات، وغافر الخطيئات، وعالم الخفيات، المطلع على الضمائر والنيات، يا من أحاط بكل شيء علماً، ووسع كل شيء رحمة، وقهر كل مخلوق عزة وحكماً، اغفر لي ذنوبي، وتجاوز عن سيئاتي إنك أنت الغفور الرحيم.
أستغفر الله العظيم لي ولوالدي ولذوي الحقوق علي، وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، وصلّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين إلى يوم الدين.
اللهم إن حسناتي من عطائك وسيئاتي من قضائك، فجد بما أنعمت علي، جللت أن تطاع إلا بإذنك، أو تعصى إلا بعلمك، اللهم ما عصيتك حين عصيتك استخفافاً بحقك، ولا استهانة بعذابك، لكن لسابقة سبق بها علمك، فالتوبة إليك، والمغفرة لديك، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم غفار الذنوب، ذا الجلال والإكرام وأتوب إليه من جميع المعاصي كلها والذنوب والآثام، ومن كل ذنب أذنبته عمداً أو خطأ ظاهراً وباطناً، قولاً وفعلاً، في جميع حركاتي وسكناتي وخطراتي وأنفاسي كلها، من الذنب الذي أعلم ومن الذنب الذي لا أعلم، عدد ما أحاط به العلم وأحصاه الكتاب وخطه القلم، وعدد ما أوجدته القدرة وخصصته الإرادة، ومداد كلمات الله كما ينبغي لجلال وجه ربنا وجماله وكماله وكما يحب ربنا ويرضى.
اللهم إنى أسألك باسمك الأعظم الذي إذا دُعيت به أجبت، وإذا سئلت به أعطيت، أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، أن تغفر لى ذنوبي إنك أنت الغفور الرحيم.
اللهم إني أستغفرك من النعم التي أنعمت بها علي فاستعنت بها على معاصيك.
اللهمّ إنّي أعوذ بك من الكفر والفقر، وأعوذ بك من عذاب القبر، اللهمّ إنّي أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من أن أردّ إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدّنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر، لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيءٍ قدير، اللهمّ لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجد.
اللهمّ إنّي أسألك بأنّي أشهد بأنك أنت الله لا إله إلّا أنت الواحد الأحد، الفرد الصّمد، الّذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، اللهمّ عاملنا بما أنت أهله ولا تعاملنا بما نحن أهله فأنت أهل التّقوى وأهل المغفرة، سبحان الذي لا يضرّ مع اسمه شيء في الأرض ولا في السّماء وهو السميع العليم.
اللهمّ إنّي أسألك عيش السّعداء، ونزل الشّهداء، ومرافقة الأنبياء، والنّصر على الأعداء، يا سميع الدّعاء، يا ذا قولٍ وعطاء، وجّهت وجهي للّذي فطر السموات والأرض حنيفاً، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين.
اللهمّ أنت الملك لا إله إلّا أنت ربّي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنّه لا يغفر الذنوب إلّا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلّا أنت، واصرف عنّي سيّئها لا يصرف عنّي سيّئها إلّا أنت، لبّيك وسعديك، والخير كلّه بيديك، والشرّ ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
اللهمّ إنّي أستغفرك لكلّ ذنب خطوت إليه برجلي، ومددت إليه يدي أو تأمّلته ببصري، وأصغيت إليه بأذني، أو نطق به لساني، أو أتلفت فيه ما رزقتني ثمّ استرزقتك على عصياني فرزقتني، ثمّ استعنت برزقك على عصيانك فسترته عليّ، وسألتك الزّيادة فلم تحرمني ولا تزال عائدا عليّ بحلمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهمّ إنّي أستغفرك من كلّ سيّئة ارتكبتها في بياض النّهار وسواد الليل، في ملأ وخلاء وسرٍّ وعلانية وأنت ناظر إليّ، اللهمّ إنّي أستغفرك من كلّ فريضةٍ أوجبتها عليّ في آناء الليل والنّهار تركتها خطأً أو عمداً أو نسياناً أو جهلاً، وأستغفرك من كلّ سنّةٍ من سنن سيّد المرسلين وخاتم النبيين سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم تركتها غفلةً أو سهواً أو نسياناً أو تهاوناً وجهلاً أو قلّة مبالاة بها، أستغفر الله وأتوب إلى الله ممّا يكره الله قولاً وفعلاً وباطناً وظاهراً، اللهمّ صلّ وسلّم على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه الطيّبين الطّاهرين.
أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه من الذنوب التي تحل النقم، ومن الذنوب التي تغيـر النعم، ومن الذنوب التي تورث الندم، ومن الذنوب التي تحبس القسم، ومن الذنوب التي تعجل الفناء، ومن الذنوب التي تقطع الرجاء، ومن الذنوب التي تمسك غيث السماء، ومن الذنوب التي تكشف الغطاء.
أستغفر الله العظيم حياء من الله، أستغفر الله العظيم رجوعاً إلى الله، أستغفر الله العظيم ندماً واسترجاعاً، أستغفر الله العظيم فراراً من غضبِ الله إلى رضى الله، أستغفر الله العظيم فراراً من سخطِ الله إلى عفوِ الله، أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه من الإفراط والتفريط، ومن التخبيط والتخليط، ومن مقارفة الذنوب، ومن التدنس بالعيوب.
أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه من كل ذنب يصرف عني رحمتك أو يحل بي نقمتك أو يحرمني كرامتك أو يزيل عني نعمتك، أستغفر الله من كل ذنب يورث الأسقام والضنا ويوجب النقم والبلاء ويكون يوم القيامة حسرةً وندامة، ومن كل ذنب تبت إليك منه ونقضت فيه العهد فيما بيني وبينك جراءة مني عليك لمعرفتي بعفوك.
أستغفر الله العظيم من كل ذنب يزيل النعم ويحل النقم ويهتك الحرام ويورث الندم ويطيل السقم ويعجل الألم، ومن كل ذنب يمحق الحسنات ويضاعف السيئات ويحل النقمات ويغضبك يا رب السموات، ومن كل ذنب يوجب سواد الوجه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، ومن كل ذنب يدعو إلى الكفر ويطيل الفكر ويورث الفقر ويجلب العسر ويصد عن الخير ويهتك الستر ويمنع اليسر، ومن كل ذنب يدني الآجال ويقطع الآمال ويشين الأعمال، ومن كل ذنب يدنِّس مني ما طهرته ويكشف عني ما سترته أو يقبِّح مني ما زينته.