تحميل رواية «قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة"» PDF
بقلم Hya Ssin
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بسم الله الرحمن الرحيم وأهلا وسهلا بكل رواد روايتي الكرام.. عدت من جديد برحلتي الثالثة مع روايتي الجديدة "فِي قَلْبِكَ مَنْفَايَ".. التي أتمنى أن تنال إعجابكم وكلي يقين بأن الأمر لن يكون سهلًا.. فكلما زاد رصيد المرء في قراءة الروايات كلما ارتقى ذوقه وأصبح إرضاؤه صعبًا.. ومن ترضيه في البداية روايات بسيطة لتمضية الوقت ستعجز عن إرضاءه لاحقًا تسع روايات من كل عشرة يقرأها.. مَنْفَايَ أَنْتَ وَمَنْ سِوَاكَ يُعِيدُ لِي رُوحِي؟ وَمَنْ ذَا عَنْ جَفَاكَ يُصَبَّرُ؟ انت وطني : انتَ منفاي انتَ كل اﻟﺎشياء الت...
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الحادي وأربعون 41 - بقلم Hya Ssin
جناح مُصعب ونورين..
استلقت نورين على السرير تستند بجسدها لظهر السرير تقرأ الرواية الغامضة تلك التي طلب منها مُصعب قراءتها..
بعد أن أنهت الجزء المقرر الذي حددته لتقرأه هذا اليوم، أغلقت الكتاب ووضعته جانبا ثم مالت إلى مُصعب النائم بجانبها ومدت كفها تتحسس وجهه بحنان وشفتاها ترسمان ابتسامة دافئة..
رفعت حاجبيها عاليا عندما صدح صوت رنين هاتفه..
تناولته بيدها وبالأخرى هزت كتف مُصعب الذي تململ قائلا بصوتٍ ناعس حانق
((ماذا تريدين أيتها العفريتة!))
قالت بدهشة وهي تهزه بشكل أقوى
((إنه رقم دولي.. استيقظ.. هل تعرف أحد في الخارج؟))
ببطء اعتدل مُصعب نصف جالس يتمطى بتكاسل ثم تناول الهاتف منها يجيب بصوتٍ ناعس أجش
((مرحبا.. من معي؟))
ابتعدت نورين عنه لتأخذ حماما صباحيا منعشا أما مُصعب فجاءه صوت أنثوي من الجهة الأخرى للهاتف
((مرحبا يا مُصعب))
سرت رعدة باردة كالثلج عبر جسده يستدرك صاحبة هذا الصوت.. حتى شعر بأطرافه تتجمد وقد تيقظ كل ما فيه.. فتمتم بحذر وبطء
((رشا؟ هل هذه أنتِ؟))
تسمرت يد نورين التي كانت تهم بفتح باب الحمام ما إن تناهى هذا الاسم إلى سمعها وشحب وجهها.. ما إن مرت ثانية أو اثنتين حتى انتفضت كالملسوعة تركض للسرير وتجلس بجانبه واضعة أذنها على الهاتف الذي يضعه مُصعب بقرب أذنه..
التفت مُصعب لها يحدجها بنظرات مقتضبة وهو يضع الهاتف إلى جهة أذنه الأخرى بعيدا عنها متسببا بسخطها دون أن يعير الاهتمام إلا للتي يحادثها.. فعادت رشا تقول بنفس نبرة صوتها الناعم
((نعم أنا رشا.. كيف حالك يا مُصعب؟))
أجابها بصوتٍ فاتر أجوف وهو يعدل من جلسته
((أنا بخير يا ابنة العم))
خيم الصمت للحظات والتردد يعصف بأنفاسها قبل أن تتنهد بحسم وتقول أخيرا
((أعرف أني آخر شخص قد تود سماع صوته.. لكن أنا..))
بتر كلماتها المرتبكة وهو يسألها مباشرة ببرود
((لماذا لم تأتي مع والدتك لعزاء أخيك يحيى يا رشا؟))
عاد التردد يشوب أنفاسها لتتحجج في النهاية بوهن
((صدقني كنت احترق هنا عندما وصلني خبر وفاته دون أن أكون قادرة على العودة للبلاد وحضور عزائه على الأقل، لكن ما باليد حيلة! أنا لا أستطيع العودة هنا))
هدر مُصعب بجمود لها بكلمات باطنها الرجاء
((رشا، إذا أردت زيارة قبر أخيك الوحيد أنتِ وأمك، فعودي وأضمن لك ألا يمس أحد شعرة منك هنا))
ازداد شحوب نورين لما سمعته يخرج من شفتيه وشعرت بهزة ترج أعماقها.. ابتعدت قليلا عنه تناظر وجهه بغير تصديق.. لكن لم يشعر بها وهو يصغي باهتمام لابنة عمه وزوجته السابقة تقول
((أنا أثق بك يا مُصعب، لو قلت لي بأنه يمكنني أن أعود للبلاد وأزور قبر أخي دون أن يمسني مكروه فأنا لن أشكك بكلمة تخرج منك.. لكن لا أثق في الرجال من حولك.. لا تتخيل الرعب الذي عشته بعد هروبي بسبب تهديدات أخيك مُؤيد بأنه سيجدني أينما كنت وسيقتلني دون أن يهتز له جفن))
أجابها مُصعب بهدوء يشوبه خيبة الأمل فيها مما فعلته في الماضي
((قال ما قاله حمية لي، لأنه لم يتحمل ما كان يتحدث به أهل القرية وراء ظهورنا عني بعد انتشار خبر هروبك))
قالت رشا بصلابة
((حتى ولو.. لم يكن له حق في تهديدي بالقتل، ابن عمي يبقى ابن عمي وله كل الاحترام.. لكن لا يعرف شيئا مما مررت به وليس هناك من شيء يبرر ما هددني به.. لكن على الأقل أنا..))
راقبت نورين ملامح مُصعب تتضاعف تجهما وتزداد توترا وهو يسألها بوضوح
((أنتِ ماذا؟ لماذا اتصلت الآن يا رشا بعد كل هذه السنوات إذا كنت لا تريدين أن تعودي؟))
لم تجبه في البداية فران الصمت مجددا بينهما قبل أن تطلق رشا تنهيدة من أعماق روحها وتغمغم
((لا يوجد سبب معين، أنا آسفة لإزعاجك.. لكن حلمت بأخي الليلة الماضية.. وشعرت أني بحاجة للتحدث لك.. ولو لمرة أخيرة.. فقد كنت أكثر من ابن عمٍ لأخي يحيى.. كنت صديقه وأخاه الأقرب إليه من والديه حتى..))
ظل مُصعب محافظا على ثبات أنفاسه وجمود ملامحه وهو يسمعها تكمل
((عزائي الوحيد أن أخي سامحني لهربي وتفهمني وعذرني.. أما أنتَ.. فأنا متأكدة..))
قاطعها مُصعب بنبرة جليدية
((لقد تمنيت آنذاك أن تحضري عزائه بما أنك فوتي عزاء والدك لكن أنتِ وأمك أدرى بوضعكما، إلى اللقاء يا رشا.. إلى اللقاء يا ابنة العم.. لا ترددي في الاتصال بي إذا ما شعرت بحاجة لذلك أو غيرت رأيك بشأن العودة))
أبعد مُصعب الهاتف عن أذنه ينهي المكالمة وهو مستمر بعدم الانتباه لتلك الجالسة بجانبه الغارقة في شعور مؤلم حاد يمزق قلبها بعنف..
كان لا زال شارد الذهن والنظر عندما غمغمت نورين ساخرة بنبرة مخنوقة
((كم هي محظوظة ابنة العم تلك لتجد مُطلقها يخبرها بكل بساطة أن تتصل به متى تشاء بل يحثها على العودة لـ"أحضان" البلاد))
شددت على كلمة "أحضان" بنبرة ذات مغزى.. قاتلة..
مما جعل مُصعب المتجهم ينظر له مقطب الحاجبين قائلا
((رغم كل شيء حدث بيننا تظل ابنة عمي وتعيش مع أمها في بلد أجنبي وحيدة بلا سند ولا تواصل مع أحد من عائلة والدها، فهل كنتي تريدين مني أن أتبرأ منها لمجرد انفصالنا؟))
حدقت نورين به بخيبة أمل وارتفعت ابتسامة ساخرة مريرة فوق شفتيها لتهمس
((إذن هل ستكون الاتصالات المشابهة لهذه متكررة في المستقبل؟ وماذا سيحدث لو عادت إلى هنا؟))
ضيق مُصعب عينيه مغمغا
((كوني واضحة بكلامك، ما الذي تريدين أن تصلي له؟))
صمتت للحظات تحدق به بحدقتين مهتزتين قبل أن تقول بقهر مكتوم
((لماذا تبدو الآن أمامي شخص مختلف؟ كأني ما عرفتك سابقا، لم يسبق وأن سمعت منك هذه النبرة طوال فترة زواجنا من قبل..))
سألها بصوتٍ محايد
((أي وجه مختلف هذا؟))
انفلتت لجام أعصابها وهي تهتف
((انظر للهجتك معي، وطريقة كلامك وجفائك، كأني لو تماديت أكثر في توضيح قصدي فلن تتواني عن الانفجار في وجهي والانقضاض عليّ! هل عندما يتعلق الأمر بها تصبح عدوانيا تجاه أي أحد يمثل عائق أمامك للوصول لها؟))
اتسعت عينا مُصعب قليلا مما تقوله فغمغم بصوتٍ واجم وهو يمعن النظر بوجهها الذي اعتلته الغيرة والعصبية متضامنين
((أي عائق تقصدين؟ لم أفهم أي شيء من بداية حديثك.. أعطني جملة واحدة مفيدة..))
أجابته باتهام لاذع
((أقصد بالعائق أنا! هل الآن أصبحت عائقا أمامك بعد أن اتصلت ابنة عمك بك ولامست من حديثها أملا من بعيد يخص عودتها إلى البلاد.. ولك أنتَ؟))
شبح ابتسامة مر على شفتيه وهو يتمتم ساخرا
((أنتِ تهذين!))
هتفت به صارخة لا تعي على نفسها
((أنا لا أهذي.. انظر للقسوة الموحشة التي كانت تطل من عينيك تجاهي الآن..))
حافظ مُصعب على أعصابه بانضباط انفعالي ليقول ببرود
((دعيني أوضح لك شيء مهم، عودتي أنا ورشا مستحيلة كليا، من جهتي ومن جهتها، أتمنى منك تفهم هذا جيدا وعلى أساسه عدم تبني محض تخيلات، فاهتمامي بعودتها هنا فقط لأني أريدها أن تزور هي وأمها قبر يحيى، لا يهون عليّ أن تمر كل هذه المدة ولا تحضرا لزيارة مقبرته بسب تهديد أخي الأحمق مُؤيد))
ترقرقت الدموع في مقلتي نورين وقسوة كلماته السابقة تصيبها في الصميم.. فتتشتت مشاعرها المضطربة والمترددة بتيه في عقلها..
لمح عَبَراتها فانفجرت ملامحه تلقائيًا وعاتبها برفق
((نورين، سبق وأخبرتك بأني لم أحب رشا يوما، لا قبل ولا حتى أثناء زواجنا، كل ما في الأمر أنها شقيقة يحيى رحمه الله وابنة عمي، كنت حقا اشعر بالقلق على حالها لأنها قطعت الاتصال بنا جميعا، هذا كل ما في الأمر ولن يكون هناك شيء أكثر من ذلك))
تبدلت ملامحها من الحزن للغضب العارم وأظلمت عينيها فجأة لتميل نحوه تتشدق بنار مشتعلة مندلعة من جحيم حرقتها
((هل تمازحني؟))
احتدم صوته قليلا وهو يقول بحزم
((بل أريد منك أن تثقي بي ولا تسمحي للشك أن يدخل بيننا، هل سبق وأن كذبت عليك بشيء من قبل؟))
تمتمت له بفتور
((لا لم تفعل من قبل، ولكن لن أنتظرك حتى تفعل مرتك الأولى))
هتف محذرا بنفاذ صبر
((نورين..))
علا صوتها على صوته
((تتصل بك ابنة عمك التي تزوجتها في الماضي رغما عنها فجأة فترحب باتصالها بطريقة غير مريحة بل وتحثها على العودة هنا وفي نفس الوقت تطلب مني التفهم بل وتشجعيك على ما تقوم به!))
توهج الغضب في مقلتيه فمسح صفيحة وجهه بكفيه لعله يقلله.. ثم ما لبث أن قال بتحذير ضمني
((نورين أنا لن اسمح لك أن تُكملي كلامك المبطن هذا، سبق وأعلمتك بشكل جيد وواضح بأني لا أحب الخوض في أي شيء متعلق بزواجي))
لم يتراجع غضبها ووجهها يفقد لونه شيئًا فشيئا حتى قالت مسترسلة بعدم اتزان
((وأنا وافقت على عدم فتح سيرة زواجك السابق لأني بأن لا أحد له حق أن يحاسب الآخر على ماضيه، لكن الآن أنا لن أتنازل عن معرفة كل شيء متعلق بماضيك حتى أشعر بالأمان في حاضري معك، ما الذي دفعك لتقوم بأمر كهذا مع رشا!))
تُحرك عضلة بجانب فكه كانت الدليل الوحيد على تأثره بما قالته، ليهمس
((مهما كان مُبررك فلا يحق لك أن تحاسبيني على ما فعلته بالماضي أو تطالبيني بكشف دوافعي، لو سمحتي لا تفتحي سيرة زواجي السابق لأني لن أتحدث بأي شيء عنه.. الآن هيا عودي للنوم.. ما زال الوقت باكرا..))
كان يرتخي في جلسته ليتوسد فوق سريره عندما سمعها تقول بصلابة ظاهرية
((سأذهب للاستحمام ثم سأخرج للخارج لأتمشى، لكن هذا الموضوع لم ينتهِ بيننا، فقط ارتأيت أن أتوقف في الوقت الحالي عن الكلام لتهدأ أعصابي ويخفت شيء من غضبي فلا أقول أو أفعل ما قد أندم عليه))
كانت تهم في الاستدارة عندما غمغم لها بفتور وجمود
((الموضوع انتهى ولن تفتحي سيرته بعد الآن..))
أطبقت على أسنانها وهي تقول بإصرار عارم وعينيها تنطقان بالتحدي
((بل سيُفتح..))
لم يستطع هنا ألا يلتفت بوجهه لها صارخا بصوتٍ هزّ به أرجاء المكان
((نورين..))
جفلت بخوف تسرب إليها رغما عنها من هيئته لكنها ازدردت ريقها تلقن نفسها القوة وهي تقول بصوتٍ متذبذب
((بدأت أشك بصحة ما أخبرتني به "بعدم حبك لها"، أشعر أنك تخطط لإجبارها مرة أخرى على الزواج منك كما فعلت بعرف النهوة أول مرة))
عاد يستقيم مُصعب في جلسته وكله مشدوه في النظر لها ليجد نفسه يسألها وهو يضيق عينيه دون أن يشعر على نفسه أو يفهم قصده
((حتى لو كان هذا ما أخطط له ماذا ستفعلين؟))
وقع ما قاله عليها كطعنات نافذة لا واحدة.. وفي ذات الوقت شعر بإحدى الطعنات التي وجهها لها دون تفكير من أثر استفزازها له ترتد إليه..
كيف وصل به الأمر ليقول ذلك؟
حاولت نورين تحريك شفتاها تنطق بأي شيء لكن بقية كلماتها كما عبراتها الحارقة حبيسة جوفها لا قدرة على التعبير بما يجيش في صدرها..
بعد دقيقة تحلت بالعنفوان والكبرياء لتقول أخيرا بصوتٍ متهدج.. مستنكر.. واهن
((ماذا سأفعل! هل هذا سؤال حقيقي يصدر منك؟ هل تريد أن تبين لي بأني لن أستطيع الاعتراض مهما فعلت لأني مجرد زوجة اتخذتها لحل النزاع بين عشيرتين!))
أحنت رأسها قليلا تغالب طعنات الألم التي اخترقت ضلوعها وهي تسترسل غافلة عن وجهه الذي بهتت ألوانه
((معق حق ليس هناك ما أستطيع فعله، كنت أتحدث قبل قليل بتبجح وثقة كأن لي حق في رميك بتلك الأسئلة لكن أنتَ السبب في ذلك، أنتَ من جعلتني أشعر بالراحة في التصرف كزوجة طبيعية لك، رفعتني لعنان السماء قبل أن تخسف بي إلى أسفل السافلين وتعصر قلبي دون رحمة أو شفقة.. لكن من هذه اللحظة كل شيء سيعود لنصابه الصحيح، وسأبدأ التصرف على هذا المنوال بما أني رفضت بعاطفة غبية وحماقة متسرعة عرضك بالحصول على الطلاق والعودة لكنف عائلتي وتحقيق أحلامي دون أن يعود النزاع للعشيرتين..))
فغر شفتيه ولم تكن ملامحه تختلف شيئا عن ملامحها خاصة عندما أبدت ندما حقيقيا وحسرة على رفضها التحرر منه عندما أهداها حق الاختيار!
هو لا يفهم ما رمى إليه بجملته السابقة وما قصده! لكنها استفزته بإلحاحها بكشف ماضيه مع ابنة عمه رغم تأكيده أن هذا الموضوع بالذات يستفزه ويوتره ويخرجه عن طوره!
وقبل أن تسمع نورين منه أي كلمة دلفت للحمام ثم فتحت صنبور المياه.. هناك فقط انفجرت الدموع تشهق معها بصوت متألم.. لقد قتل حبها له وهي على قيد الحياة.. حتى آخر لحظة بقي غامضا معا ولم يفصح عما يدور في عقله..
لقد تغير كل شيء بينهما كليا ولن يعودا للسابق بعد الآن.. وكله بسبب حماقتها وتعمدها أن تغفل عن حقيقة إنها رسمت أحلاما سعيدة ووردية لها مع مُصعب رغم أنه لم يسبق وأن اعترف لها ولو مرة بصدق وشغف أنه يحبها ويريدها هي "فقط" زوجة له!
=============================
في حديقة القصر..
كانت سمية جالسة مع والديّ مَالك حول طاولة خشبية موضوعة في الحديقة بعد أن طلباها لتحتسي الشاي معهم..
وضع الحاج يعقوب كأس الشاي على الطاولة بعد أن ارتشف القليل منه ثم قال بروية بملامحه البشوشة
((لقد تعمدت طلبك في وقت لا يكون مَالك هنا لأسألك إذا كان سيناسبك أن يكون عقد القران والزفاف بعد أسبوعين؟ هل هو وقت كافٍ لك لتتجهزي؟))
نكست سمية رأسها بتوتر وقالت خجلة بصوتٍ خافت
((أي وقت تجدونه مناسب يمكنني تجهيز نفسي خلاله))
هدر لها بود بالغ
((ممتاز، أنا سعيد جدًّا لأنك ستصبحين فردا من عائلتنا يا سمية))
ابتسمت سمية بتردد وهي تستشعر بدفء وطيبة والد مَالك لتقول بامتنان
((أنا أيضًا سعيدة، وأتمنى أن أكون عند حسن ظنك للنهاية))
التفت يعقوب يقول بابتسامة لزوجته المتجهمة منذ جلوس سمية بمحاولة تلطيف الأجواء
((ما رأيك يا زاهية بكنتك المستقبلية؟))
تطلعت زاهية لسمية دون أن تنحسر ملامحها ثم ردت باقتضاب
((لا بأس بها، طالما يريد مَالك الزواج بها فليتزوجها وسأكون سعيدة من أجله))
اختلجت شفتا سمية فضمتهما تحاول السيطرة على الألم الذي هاجمها.. شعرت بدونية شديدة.. كأنها دمية بالية معروضة أمام والدة مَالك التي تصوب نظراتها التقييمية عليها بعدم رضا ومع ذلك تتنازل وتشتريها ثم تهديها لابنها طالما هو مصر على اقتنائها ولا يريد غيرها!
ولم تقف زاهية عند هذا بل كانت تحاول أن تستفزها أكثر وهي تستدرك سائلة إياها بنبرة ذات مغزى
((هل هيأتي ابنك حتى يعيش عند والده؟))
انسحب لون وجه سمية.. وارتبكت قليلا فتغضنت ملامح زاهية وهي تشكك
((لماذا لا تجيبين؟ ألم يتحدث معك مَالك عن هذا الموضوع؟))
سارعت سمية تنفي بتوتر
((بلى فعل، كما قال لكم، يزيد سيعيش عند عائلة والده))
ازدردت ريقها وهي تشعر بالعار.. إنها الآن تتلاعب بالكلمات أمامهم بقلة نضج وسخافة فقط لأن مَالك طلب منها ألا تبوح بالحقيقة قبل عقد قرانهم حتى لا يحدث ما قد يفسد زواجهم!
تمتمت زاهية وهي لا تزال تحاول ابتزاز سمية عاطفيا ودفعها على التراجع من زواجها من ابنها
((هذا جيد، فليعين الله الصغير على فراقك فهو متعلق جدًّا بك))
لكن تفاقم الامتعاض الذي يلف الحاجة زاهية وهي لا ترى أي تأثر جلي على سمية لفكرة تخليها عن ابنها من أجل زواجها من مَالك! سرعان ما زاد احتقارها تجاهها أكثر..
لكن الأخرى استقامت من مكانها تقول بتهذيب
((أنا سأغادر، لم أكمل عملي في الحديقة الخلفية))
أمرها يعقوب بهدوء ولطف
((دعك من العمل هناك، من اليوم سأتحدث مع مدبرة المنزل نعمة لتجد امرأة أخرى لتأخذ مكانك في العمل))
تضرجت وجنتا سمية بالحمرة القانية وهي تفهم مقصده، عملها الوضيع في الحديقة لم يعد يناسبها بعد أن ارتبطت بإحدى أولاده! أغمضت عينيها للحظات بتعثر ثم ابتسمت رغم تشنج قسماتها وغمغمت ((لكني أحب كثيرًا العمل في البستان ولا أريد أبدًا أن أتركه، حتى بعد زواجي..))
قاطعتها زاهية باحتدام وصرامة
((هل جننت؟ ماذا سيقول الناس عندما يعرفون بأن كنتنا باقيه في عملها السابق عندنا ولم تتركه..))
بترت زاهية كلامها على مضض عندما شعرت بيد زوجها تربت فوق ظاهر كفها يحثها على تركه يتحدث هو مع سمية ليقول
((زوجتي محقة يا ابنتي، لا يصح أن تظلي في عملك السابق بعد زواجك من مَالك، لكن لا تقلقي فزوجتي ُتعد جناحا لمَالك في القصر يحتوي على شرفة كبيرة، يمكنك زراعة ما تشائين فيها وممارسة هوايتك))
لم تستطع سمية ألا تستجيب لأمرهم رغم حبها المتأصل فيها للزراعة والحدائق.. لكن طالما وافقت على الزواج من مَالك فعليها أن تتنازل من جهتها.. عليها أن تكون زوجة لائقة به بدلا من أن تظل مجرد عبء وحمل ثقيل على كتفيه.. فهزت رأسها وتمتمت بخفوت طائعة
((حسنًا، إذا فقط سأهتم بآخر الأمور المتعلقة بالحديقة الخلفية قبل أن تأتي من تأخذ محلي..))
قاطعتها زاهية بحدة صوتها
((بل من الآن.. من الآن تصرفي كزوجة مستقبلية لمَالك وانسي تماما عمل الحديقة))
تعثرت سمية بالخجل مرة أخرى فأومأت على وهن ثم ألقت السلام وهي تستدير على عقبيها مغادرة..
بمجرد أن حسب يعقوب بأن سمية ذهبت عاتب زوجته بوجوم
((لقد كنت قاسية ومحتدة في الكلام معها))
تمتمت له زاهية دون تردد أو ندم
((بذلت جهدي لأكون ودودة معها بقدر ما أستطيع))
تنهد باستسلام ثم اقترح
((إذن بما أنه لم يبقَ الكثير على عقد القران فلماذا لا تستعجلين يا زاهية في إعلان زواجهما؟))
هزت زاهية رأسها بنفي ثم قالت وصوتها يتهدج برفض
((لا دعنا نتمهل قليلا، ربما يتم التراجع عن الزواج ويغير مَالك رأيه في آخر اللحظات..))
نظر يعقوب لدمعات ترقرقت في عيني زوجته فسألها بنفاذ صبر
((زاهية.. ألم تقولي بلسانك أنك موافقة أمام مَالك؟))
نظر لها بعتاب مجددا فغمغمت له بعتاب أشد
((أنت السبب في مضيه نحو هذا الزواج، لو لم توافق ما كان هناك امل في حدوثه))
تنهد يعقوب بإنهاك قبل أن يقول
((كم مرة عليّ أن أخبرك بأني لست سعيدا من اختيار ابنك.. لكن لا أريد تركه عازب للأبد))
قالت له مستنكرة بمنطقها
((هل صدقت بأنه كان سيبقى عازب للأبد لو لم يتزوجها؟ تفكيره مجرد طيش شباب وكلامه كان سيذهب مع الريح بعد مدة))
خالفها يعقوب هادرا
((صدقيني ابنك عنيد ولن يركن قبل أن يفعل ما يريد، بعد الزواج منها سيعرف الصواب، لكن إذا لم يجرب بنفسه ستظل فكرة الزواج منها عالقة في خاطره وسيوقف حياته للأبد عليها))
تحسرت زاهة بقهر
((المشكلة هي أن زواجه حتى لو انتهى لاحقا لن يكون خاليا من الخسائر له، ماذا سيفعل إذا ابتلي منها بولد أو ولدين، سيظل مربوطا بها للأبد حتى لو طلقها..))
عقب يعقوب بعملية وبساطة
((أين الخسارة التي سيتكبدها يا زاهية في إنجابه أطفالا منها لو تطلقا؟ لا أرى أي خسارة له في ذلك وهذا ما جعلني أوافق على زواجه منها))
سألته بخوف وقلق مستقبلي
((لكن ماذا لو استطاعت تلك البستانية أن تحكم قبضتها عليه ولم تسمح له بتركها، ماذا لو ظل متزوجا بها وواقعا صريعا في هواها لآخر حياته؟))
فتح يعقوب كلتا يديه مستسلما وهو يجيب بتلقائية
((وقتها سيكون قد أحسن الاختيار وسيكون محبا لها بالفعل وما يكنه من مشاعر حقيقية وصادقة، وليس لنا أن تعترض ونعيقه عما يريده))
رفعت زاهية منديلا تمسح عبراتها وهي تبوح بما كانت تكتمه
((هل تعرف يا حاج يعقوب لماذا رفضت في الماضي اقتراحك المتمثل بتزويج الفتاة التي ستكون فتاة ثأر من مَالك بدلا من مُصعب خوفا من أن يظلمها الثاني لأنها قريبة لقاتل يحيى؟))
ظل يعقوب يناظر زوجته بهدوء لتكمل
((لأنه لم يهن عليّ أن يتزوج مَالك من فتاة بتلك الطريقة.. لم يهن عليّ مُصعب أيضًا.. لكن قلت في نفسي مُصعب سبق وأن حظي بزواج سابق على عكس مَالك الذي لا يعقل أن يكون أول بخته زواج متمثل بزواج الدية، لأصدم الآن بأنه سيتزوج من سمية! تلك البستانية! ليته تزوج من عروس الثأر لا سمية!))
أطلقت زاهية نفسا مرتجفا وهي لا تتحكم بذرفها المزيد من قبل أن ترفع يدها تدلك جبينها مغمغة بوجعة قلب أقرب من أن يكون وجع جسدي
((آه يا رأسي))
تنهد يعقوب ليقول بمنطق خبرته في هذه الحياة
((وافقت على زواج مالك منها لمصلحته قبل أي شيء، فأنا لا أضمن ما سيفعله إذا لم يتزوجها ولم يسيطر على نفسه، قراري هذا لم يكن وليد اللحظة بل بعد تفكير عميق في كل مرة قبضت عليه يسترق النظر لها ويخرج معها برفقة ابنها، كما تعلمين فالنظرة الواحدة تكفي لأن تولّد خيال ثم فكرةً ثم شهوةً ثم همًّا يولّد إرادة ثم تشتدّ الإرادة فتصير عزيمةً جارفة، فيقعُ الفعل.. فلماذا لا نقطع الطريق على الشيطان من أولّه ونزوجه إياها طالما لا يريد غيرها!))
ثم عقد حاجبيه كمن تذكر شيئا ونبّه زوجته
((زاهية إذا ما قامت سمية باستضافته ابنها إلى هنا بين الحين والأخر، فعليك ألا تتعاطى معه بنبرة استعلاء أو تثقّل من وجوده، تذكري أن ابنك هو من أقدم على زواجه من أمه بكامل وعيه وإرادته، هذا يحتّم عليك التصرّف بأقصى درجات اللباقة والكياسة معه، وأي ملاحظات حول مواعيد الزيارات أو حول المسؤولية المالية أو غير ذلك من تفاصيل ترتبط بابنها يزيد، يجدر بك مناقشتها مع سمية نفسها بعيدًا عن مسمع طفلها الذي قد تتأذى مشاعره من تلك الملاحظات))
هزت زاهية رأسها له منصاعة بعجز ليس بيدها إلا ذلك..
=============================
في مكتب مُعاذ..
بعدما أنهى جزء من عمله استل هاتفه من جيبه يطلب رقم أخيه مَازن ناشدا التحدث معه باختصار وحزم وقد أجل هذه المحادثة طويلا بسبب انشغاله بعمله..
عندما كان بانتظار الرد قُرع باب مكتبه فسمح للقارع بالدخول.. ألقى الضابط تحيته العسكرية ثم هتف
((سيادة الرائد هناك شكوى بحق الملازم الأول حمد))
وضع مُعاذ هاتفه على طرف الطاولة وأولى تركيزه للضابط أمامه وهو يقول بشيء من الانفعال عند ذكر سيرة حمد
((ماذا فعل ذلك الملازم الأول؟))
تحدث الضابط باستياء لا يظهره
((لقد قرر من تلقاء نفسه أن يمر على حراس العنابر ليتفقدهم وإذا وجد حارسا في يتوضأ أو يأكل أو يصلى أمر بسجنه والخصم من مرتبه، الآن لقد ضجوا الحراس ويريدون شكايته لك قبل أن يصعدوها لمرتبة أعلى))
قطب مُعاذ حاجبيه وصوته يعلو باحتدام
((ماذا يظن نفسه ذاك الملازم الأول هنا؟ أنا بنفسي لا أجرؤ على الخصم بمزاجي!))
ثم استقام واقفا من مكانه يردف بصوتٍ جهوري وهو يشير للباب بيده
((ناد عليه ليحضر، لن أكتفي هذه المرة بزجره وتوبيخه بل سأسحب منه كل الاختصاصات وأولهم صلاحيته في التوقيع على دفاتر الحراس))
هز الضابط رأسه لكن بدا عليه شيء من التردد.. أو الخشية.. لما يتمتع به الملازم الأول حمد من وساطات..
فهتف به مُعاذ بحزم ممزوج بالغضب
((ماذا تنتظر؟ هيا اذهب وناد عليه))
ودون أن ينحسر الغضب عن مُعاذ جلس على مقعده تزامنا مع وصول رد خافت له من الهاتف
((هل أنتَ معي يا سيادة الرائد؟))
تناول معاذ هاتفه وقربه من أذنه هاتفا
((مَازن لقد نسيت أني كنت أتصل بك))
عقب مَازن بسخرية متأصلة بطبعه
((لا بأس، استمتعت بسماع صراخك الآن، طبعك في العمل لا يختلف عن طبعك معنا في البيت))
صحح له مُعاذ بجفاء
((بل هو مختلف كليا، إلا معك أنتَ، لا أحد راضي عنك مؤخرا، حتى أمي))
تناهى إلى سمع مُعاذ صوت محرك وكأن أخيه يقود سيارته وهو يتحدث معه بينما يجيب
((بكل صراحة لقد توقعت اتصالك، فعندما أتجاهل اتصالات أمي أتوقع أن يتواصل أبي معي، وعندما أتجاهل اتصالاته أتوقع اتصالاتك أنتَ))
تنهد مُعاذ وحث نفسه على الصبر والحلم الذي يختفي فجأة فيه حينما يتعلق بأصغر إخوته.. ثم قال بهدوء
((أخبرني ما هي مشكلتك يا مَازن الآن؟ لماذا لا ترد على اتصالات والديّك!))
لم يكن مَازن المركز في الطريق أمامه يملك من الصبر ما يجعله يعيد للمرة الألف سبب تصرفاته فاكتفي أن يقول متهكما لا يظهر الغصة العالقة فيه
((بدون أي سبب محدد))
أطبق مُعاذ على أسنانه وهو يقول
((مَازن أنا مشغول هذه الأيام، ولست متفرغا لعبثك هذا.. إياك أن تتجاهل اتصالات أحد منا من الآن وصاعدا، لأنك لو فعلت فلن أناقشك بل سأقطع عنك مصروفك..))
تشتت نظر مَازن أثناء قيادته ونجح مُعاذ في إخراجه من واجهة الاستهتار ليعترض
((أنا لا آخذ أية نقود منك بل هي من أبي، لا حق لك في تهديدي..))
أكد مُعاذ بلامبالاة
((أيا كان صاحب النقود الذي يرسله لك فسينقطع عنك، لذا احكم عقلك لمصلحتك))
مرت لحظات طويلة صامتة لا يسمع إلا صوت محرك سيارة قبل أن يقول مَازن بصوتٍ فاتر
((حسنا.. لا يهمني.. أيا كان.. اقطعوه من الآن عني.. فأنا لم أجد عملا في مكاني هنا بعد، وقتها سأضطر بقلة حيلة أن أعود للبلاد وهذا ما أهدف له من البداية))
هدر مُعاذ بنفاذ صبر موشك
((مَازن كفاك صبيانية، ألم تكن متحمسا للسفر للخارج!))
قاطعه مَازن بجفاء وصلف
((ثم اكتفيت وأردت العودة فلماذا....... أه لااا))
بتر مَازن آخر كلماته ما إن رأى سيارة أمامه تنحرف عن الطريق لتنقلب رأسًا على عقب فما كان منه إلا أن يميل بسيارته للاتجاه الآخر بحركة غريزية فيصطدم بجذع شجرة.. فأخذ الخوف كل مأخذ من مُعاذ وهو يدرك بأن أخاه قد وقع له حادث بالسيارة.. خانته يده وبدأت ترتجف وهو يتساءل بتوجس
((مَازن ماذا حدث؟ مَازن أجبني حالا))
تمَالك مُعاذ نفسه بصعوبة وهو يزدرد ريقه ويهم للخروج من مكتبه..
فتح الباب ليجد الملازم الأول حمد واقفا أمامه هاتفا وهو يرفع ذقنه بشموخ
((نعم يا سيادة الرائد مُعاذ، بماذا طلبتني مع..))
قاطعه مُعاذ وهو يدفعه عنه بعنف متجاوزا إياه
((اغرب عن وجهي..))
=============================
عصرا..
كانت نورين لا تزال في الخارج في إحدى المزارع القريبة جدًّا من القصر.. فبعد أن استحمت صباحا سارعت ترتدي ملابسها واندفعت للخارج..
لم ترد على أي من رسائل مُصعب التي طالبها فيها بالعودة لتتناول وجبة الفطور أو الغذاء معهم..
فقد كانت قد أعدت لها شطائر لتأكلها هنا.. من الأساس هي لا تشاركهم الأكل على نفس المائدة عندما يعود مُؤيد من المدينة للقصر..
تابعت التجول بالمزرعة القريبة وحيدة تستمتع بالمناظر الخلابة فيها.. تفكر بأن عليها الليلة أو في الغد على أبعد تقدير أن تعود وتتحدث مع مُصعب وتطلب منه أن يناقشها بوضوح وصراحة عن خططه وأفكاره بخصوص ابنة عمه.. ثم فليتركها تفكر بقرارها..
فإذا خرجت من إطار الصراعات والأنانية وحب التملك الذي لن تسمح لنفسها بالتمتع به طويلًا وتقييد مُصعب بها.. فهو يريد ابنة عمه..
يحبها أو لا يحبها لا يهم.. إلا أنه يريدها.. وإلا لما أقدم على تلك العادة القميئة وأقام النهوة عليها..
ثم إن الأنانية صفة غير مرغوبة.. خاصة في المشاعر وليس من المقبول أن تشعر بالراحة وهي تعي جيدا أنه مجبر على العيش معها جسد بلا روح.. قلب بلا مشاعر.. نظرات بلا معنى.. كلمات بلا إحساس..
إذا كانت قد ظُلمت بزواجها منه رغما عنه بهذه الطريقة فليس من العدل أن تجره ليتشارك مناصفة ويتجرع مرارة ظلم هذا الزواج!
في النهاية إذا كان هناك من يمكن أن تلقي اللوم عليه على ما تعيشه فهم عائلتها.. والديها.. هما من سمحا لتلك المهزلة والعادة البالية أن تتم!
وخطأ مصعبه الوحيد أنه كذب عليها وقال لها في إحدى المرات أنها دعوات أمه بالسعادة في ساعة استجابة..
أخذت نورين نفسا عميقا تحاول إيقاف تلك الأفكار العشوائية التي تتزاحم في عقلها لتستمتع بهذه المناظر من حولها قليلا.. هي بحاجة أن تظل في أحضان الطبيعة هنا لوقت أطول لعلها تهدأ من أعصابها المتلفة وقلبها الحزين مؤقتا!
انتشلت هاتفها من إحدى جيوب عباءتها تفتح كاميرته وتبدأ بالتقاط الصور.. لقطة لفراشة تنتقل من زهرة إلى أخرى.. وخراف صغيرة بدأت المشي حديثة العهد.. وغيوم تسبح في سماء صافية تطاردها أشعة الشمس الذهبية.. إحدى الفلاحين يتجول على ظهر خيل أصيل..
هنا لفتها الدهشة وهي تلاحظ إقبال بعض الرجال من المزارعين لداخل المزرعة.. لم تكن تعرف بأن أحد سيعمل هنا في هذا المكان! فهمّت بالعودة للقصر عندما داهمها من الخلف صوت رجولي خشن
((ما الذي تفعلينه هنا يا امرأة؟))
جحظت عينيها وهي ترى مُؤيد يقف أمامها يتلون بها بالغضب الحارق وهو يهتف بها مجددا
((ما الذي تفعلينه هنا بالقرب من هؤلاء الرجال؟))
تصلبت يد نورين الممسكة بالهاتف قبل أن تواجهه مدافعة عن نفسها رغم صوتها المرتجف
((الآن فقط جاءوا للعمل، لم يكونوا هنا قبل قليل))
شعر مُؤيد برغبته في حرقها بناره العاصفة الهوجاء التي لم تخمد وهو يراها تقف أمامه بكل كبرياء وثبات فصرخ بها بجنون مستعر
((اخرسي.. ولا تردي بجواب))
هتفت به بتلقائية وشجاعة
((لا تتحدث معي بهذا الشكل، أنا لا أسمح لك فأنا لم اقترف أي خطأ))
شعر مُؤيد بالدم يفور صعودا لرأسه وبعين متسعة نظر إلى خلفها حيث بعض المزارعين يصبون نظرهم نحوه بتعجب من صوته العالي.. والذين وبمجرد أن وقع نظره عليهم أسرعوا متخبطين يدعون انشغالهم في عمل المزرعة..
عاد يسدد نظره لنورين يأمرها بخفوت بكلمات موجزة حازمة لا تهاون فيها
((هيا للدار، هيا عودي للدار قبل أن أحطم عظامك))
لم تستطع منع شعور الرعب من التسلل إلى داخلها من مظهره المخيف النابض بكل التوعد.. حتى الرغبة العارمة في القتل بدت جليه في مقلتيه.. لكنها تماسكت وهرعت مسرعة تخبئ الهاتف في جيب عباءتها قبل أن تطلق ساقيها للريح نحو القصر.. كانت تشعر به يسير خلفها بخطوات واسعة ليستدركها فزادت من سرعتها..
.
.
في غرفة المعيشة حيث كان معظم أفراد العائلة مجتمعين أمام التلفاز جفلوا على نورين التي دلفت للمكان فجأة وهي تتنفس بوتيرة عنيفة قبل أن تغلق الباب خلفها..
كانت تجول بعينيها باحثة عن مُصعب الجالس والذي بمجرد أن صوبت نظرها عليه حتى انفجرت في البكاء وارتمت في أحضانه..
لفت الصدمة وجوه الجميع وهم يرونها على هذه الهيئة المريعة تبكي بمرارة وعنف..
تجمد الدم في عروق مُصعب وهو يشعر باختضاض جسدها.. وكان يبادل الجميع نظرات الاستهجان قبل أن يزدرد ريقه ويبعد نورين المتشبثة به بقوة متسائلا بقلق عارم
((ماذا حدث معك؟ لماذا تبكين؟))
لهثت نورين في محاولة صعبة للسيطرة على نفسها لتفشل فتقول بصعوبة وغشاوة من الدموع تغطيها
((لقد كنت في المزرعة القريبة قبل قليل..))
أحاط مُصعب وجهها بكفيه يحثها على الإكمال وقلقه عليها يتفاقم
((نعم وماذا بعد؟))
عند هذه اللحظة فُتح الباب بصوت مدوي بينما يدخل مُؤيد بملامح متوحشة ثائرة
((هل جُنت زوجتك يا مُصعب لتتجول في المزرعة أثناء عمل المزارعين وبينهم؟))
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الأربعون 40 - بقلم Hya Ssin
الفصل السابع عشر
قال وليد وملامحه تزداد قتامة ورعبا
((إذن سأفعل ما قد يقتضي عليك عدة بل ويصعب حصولك على هذا الطلاق يا كحيلة العينين))
تصاعدت خفقات قلبها بخوف عنيف وتسارعت أنفاسها رغمًا عنها وهي تحاول خنق الخوف منه ومما قد يفعله في هذه اللحظة خاصة وقد تزاحمت الأفكار العشوائية في عقلها.. وبينما يمد كفه لشعرها يجر خصله الى فمه بعنف يقبله وهو يهمس بثمالة العشق
((الليلة أنتِ حقي، سيحدث الآن ما كان يجب أن يحدث قبل سنوات))
بدت شيرين منفعلة وسط الجنون الذي يحدث من حولها فدفعته بقوة جعلته يتراجع عنها للخلف عدة خطوات..
تفاجئ وليد من ردة فعلها.. لكن سرعان ما عادت القسوة تغزوه.. عليه أن يكسرها.. عليها أن تدرك بأنه ليس هو من يُقال له "لا".. لقد مضى عهد الحب والحنان الذي كان بينهما قبل سنوات.. وشيرين بعد كل هذا لم تعد نفس الفتاة الناعمة التي أحبها في الماضي بل أضحت فرسا جامحة ولزام عليه أن يجيد تركيب اللجام من حولها لترويضها! فألقى نظرة سريعة بضراوة نفضتها من مكانها قائلا
((هل تريدين مني أن ألجأ للعنف؟))
تحدته باستهانة
((لن تقدر حتى لو أردت، انصرف فأنا أريد ارتداء ملابسي ومغادرة المكان))
رد بأنفاس متسارعة كأنه يخوض حربًا ويده المرتجفة من الغضب تبحث عن أزرار قميصه البيتي ليحلها
((ليس قبل أن أخذ حقي من امرأتي، زوجتي))
نزع قميصه القطني أمام ناظريها ورماه على الأرض وعينيه تحومان حول تفاصيلها.. فحاولت ازدراد ريقها لكن عبثا أن تجد ما ترطب به جوفها وقد جف حلقها من ذلك التهديد الرهيب الذي يسكن حدقتيه ونبرة صوته التي لم تسمعها قط تعبر من بين شفتيه
((لا تجبريني على شيء أمقته لأمنعك من المغادرة))
تصادمت النظرات أحدهما مرتعبة.. متسائلة عما إذا كان سينفذ تهديده.. والأخرى متوعدة.. حارقة.. لا يرتجي من وراءها خيرا إذا ظلت على عنادها..
صرخت بأعلى صوتها وهي تهرول نحو الباب المغلق تحاول فتحه.. فأحبط محاولتها وهو يكبلها ويحملها بينما تسبه بأفظع الشتائم..
ألقاها بعنف فوق الفراش ثم وقف يلهث قبل أن يزمجر بغضب جنوني
((اصمتِ وتقبلي مصيرك معي، لا تجبريني على فعل ما هو أسوء، أنتِ تحبينني وتريديني كما أحبك وأريدك، يكفينا عنادًا وكبرياءً.. سأسامحك على تلك الغراميات مع نائل وزواجك من ابن عمي وأنتِ عليك مسامحتي على نزوتي مع تلك المتدربة التافهة وتركي لك في يوم زفافنا))
ارتدت شيرين للخلف وقد ولدت نظراته النارية رعب لا مثيل له داخلها لتتمتم
((لن أسامحك على ما اقترفته بحقي، وأنا لم أخطأ بحقك يوما حتى تمنّ عليّ بمسامحتك! سأغادر وأخلعك دون أن يرف لي جفن فقد خسرت حقك بي بالكذب عليّ وخداعي))
مد قبضته بعنف يضرب بها الحائط خلفها حتى استجارت مفاصل يده ليهتف بشراسة ملامحه المحتدة
((لا تحلمي أن تصبحي لأحد غيري بعد زواجنا هذا، لأني سأبطش بك وبمن تفكري به، فقد سبق وجربتي مع ابن عمي مُعاذ ورأيت كيف طلقك بكلمة مني!))
كادت نظراته ترديها أرضا وقد تسارعت أنفاسه أكثر وأكثر ورمى الغضب ظلاله الدموية على قسماته لتشق تلك البسمة المهددة شفتيه..
شعرت بأن ساقيها ستخذلانها في أي لحظة.. مع ذلك حاولت الهروب لكنه أحبط محاولتها مجددا وعلى وجهه تلوح نظرات شيطان قادم من أعماق الجحيم بينما يقول
((قلت لك لا تعانديني حتى أتعامل معك بلطف في أول ليلةٍ خاصةٍ بيننا!))
هتفت به بنفور وكره جارف يطل من مقلتيها
((ابتعد عني، سأخلعك دون أن أسمح لك بلمسي جزاء لك على خداعك لي بلا وجه حق))
استفزته مما جعله يتمكن من كلتا يديها ويثبتها بثقله ثم بدأ يحررها من المئزر الذي ترتديه بينما لا يجد منها إلا المقاومة الضارية..
خربشته.. عضته.. ركلته.. دون فائدة..
انفجرت بالبكاء وهي تتوسل له برجاء
((ابتعد يا وليد.. اتركني.. أرجوكَ..))
مقاومتها الرهيبة لإبعاده عنها كانت تعود عليها بمزيد من العنف منه.. بل كانت تزيد من جحيم غضبه.. فصفعها بقوة جعلت رأسها يلتف للجهة الأخرى وينزف خط دماء من أنفها.. رغم كل ذلك لم تهدأ ولم تستكين ولم يخفت صوت صراخها..
نفورها منه جراء قربه يفقده ما تبقى من عقله.. يفتت قلبه.. لم يتوقع ردة الفعل هذه منها إطلاقا!
سحب حزامه الجلدي وكبل معصميها معًا ثم لفه حول قائم عمود الفراش وأحكم قيدها فتوسلت له بصوتها الذي بُح
((أرجوك يا وليد توقف.. أتوسل لك..))
مال نحو أذنها هامسا من بين لهاثه الجنوني
((سأتوقف، لكن عليك أن تنسي تماما موضوع الطلاق، سنعيش أنا وأنتِ ونكمل حياتنا سويا سيسامح كلانا الآخر على الماضي))
هزت شيرين الباكية وجهها له بهستيريا
((حسنا، حسنا، لكن اتركني وابتعد عني أولا))
كادت أن تقطع أنفاسه المتسارعة بينما يقول بنبرة قوية
((تقبلي قربي الآن لتبرهني لي صدق موافقتك))
انتفضت هاتفة وانفعالاتها الهائجة تنفلت
((لا وألف لا، لن أسمح لك بالقرب مني، اتركني الليلة وسنتحدث في هذا الشأن لاحقا، لكن اتركني الآن))
كانت تريد اختلاق أي شيء لتبعده عنها لكن أن يصل الأمر بها بالمسايرة أن تستسلم له فلا يمكن!
ابتسم وليد فوق بشرتها ابتسامة وحشية وهمس
((لست أحمقا يا كحيلة العينين حتى تخدعيني! تريدين أن أتركك الليلة حتى اسمح لك بالفرار؟))
ثم أردف بضراوة وأنامله تمزق ما تبقى من ملابسها
((سلمي لي نفسك كزوجة محبة أو ستجبرينني أن أفعل اللازم حتى أضمن وجودك!))
شهقت وتعالى نشيجها لكنها هتفت وهي تهز رأسها برفض
((حتى لو فعلتها فلن تضمن بقائي معك أبدًا، أنت خدعتني وغدرت بي ومهما يحدث فلن أبقى معك أبدًا))
تشبثها بالرفض وكلماتها التي ترشقه كسهام نارية قاتلة أطلقت الرصاص على كل ذرة تعقل لديه تجاهها.. جعلته لا يفكر في هذه اللحظة إلا كيف يكبلها به.. كيف يروي رجولته العطشى لها منذ ما يزيد عن عقد خاصة وهو يرى الآن كل ما يتعلق بها يصرخ أنوثة..
جحيم غضبه سيطر عليه فلم يستطع التحكم به، فنالها بهمجية بلا ذرة رأفة أو رحمة لتندمج صرخة ألمها المشروخة بصيحة تعلن ذبحها..
بعد مرور دقائق ابتعد عنها وقد استطاع نيلها أخيرا..
فك قيدها فارتمت أرضًا تنفجر بالبكاء بصوتٍ كالشاة المذبوحة..
شعر بنياط قلبه هو جلادها يتقطع عليها..
دقيقة أخرى.. أو أكثر مرت وشفتاها فاغرتين ولسانه يهمهم بضياع.. والظلام المنتشر على نظراته المستقرة عليها يتلاشى.. ارتدى بنطاله القطني وقد دقت طبول وعيه على ذهنه المشوش بآثار العاطفة التي اكتسحته..
شعر بنفسه مبعثرا.. مشتتا.. شاحبا.. فمرر أصابعه بين خصلات شعره الناعم المشعث.. ثم رفع وجهه المتعرق والمصدوم إليها يسألها هامسا بتيه من بين أنفاسه اللاهثة
((هل.. هل كنتِ عذراء؟))
أغمضت شيرين جفنيها لوهلة حتى تسيطر على الألم الجسدي والنفسي الذي كان يجتاحها.. لم توارِ حتى عريها.. فقط أصابعها الممسكة بالغطاء الذي انتشلته تقلصت..
فتح وليد فمه ثم أغلقه بعجز قبل أن تلتهب مقلتيه كالجمر يسألها بخشونة دون أن تحيد نظراته المحتدة عنها كأنه يفرغ بها غضبه من نفسه
((لماذا لم تخبريني بأنك ما زلت بكرا؟))
مجددا لم يلقَ منها إجابة فاحتد صوته بنبرة مرعبة وهو يسألها من بين أنفاسه المتلاحقة
((أنا لن أسامحك على ما دفعتي بي لفعله بك))
هنا نأى بنظره جانبا ولم يعد يجرؤ أن يضع عينيه مباشرة في عينيها.. فأولاها ظهره كأنه يحاول تصفية ذهنه وألا يشهد على جريمته النكراء..
تقبضت يده حتى ابيضت مفاصله.. وظل يخبر نفسه كالمجنون أنها هي من جلبت الأمر لنفسها.. أنها تستحق كل ما فعله بها..
مرت دقيقة كاملة قبل أن تفتح شيرين عينيها تطلق ضحكة تبدو ظاهريا كضحكة.. لكن لجلادها الذي كان ينصت لها بقلبه كانت صرخة استنكار تستتر بأنين لا يلتقطه إلا صدى وجعها وألمه على ما فعله بها..
كلما ظنت بأنه لا يمكن أن يكون أسوء من ذلك يأتي ليفاجئها بما يخيب ظنها.. فغرت شفتيها تقول بخفوت ساخر أخيرا
((هل كنت لتمتلكني بطريقة أرحم لو كنت عرفت بعذريتي؟))
رمش وليد بأهدابه بصدمه ثم قال بعذاب وحرقة متجاهلا سخريتها وهو يعود لينظر لها
((بل لم أكن لأقدم على ما فعلته أساسا! لكن كيف.. أنا لا أفهم.. ألم تبقي متزوجة من مُعاذ ما يزيد عن شهر؟))
ارتسم شبح ابتسامة مريرة على وجهها وقالت
((إياك أن تأخذك غطرستك وغرورك الذكوري البحت لتفكر بأني من امتنعت عنه ويتشبع صدرك بالانتشاء لأن جسدي لم يمسه مخلوق قبله..))
اتسعت عيناه وهو على عدم فهمه لتردف باشمئزاز وبصوتٍ لا يحمل للحياة أثر
((أيها الأحمق أنا لم أتزوج مُعاذ من الأصل))
ردد وليد ما سمعه بذهول وعدم تصديق
((أنتِ لم تتزوجي مُعاذ من الأصل!))
هزت رأسها نافية ثم قالت بوهن
((كان هناك مشروع زواج لهذا حجز الفندق لنا لكنه لم يكتمل.. ما كنت لأتزوج من أحد دون أن أسجل الزواج بالمحكمة لأحفظ حقوقي))
كانت غافلة عن التباعد في عينيه وعضلات جسده المشدودة.. والجفاء الذي حكم صوته وهو يقول
((وما مصلحة مُعاذ في مجاراة كذبتك؟))
كان يقترب منها وقد عاد الغضب المستعر يظهر على ملامحه وهو يدرك بأنه كان أكثر حماقة منها وقد تم خداعه بهذا الشكل المخزي.. لا يصدق كيف انطلت عليه خدعتها السخيفة بهذه السهولة!
لكن بمجرد أن مرت دقائق أخرى عليه حتى مرر عينيه على جسدها ثم رفع الغطاء فوقها بيدين مرتجفتين..
لكن بمجرد أن لامس بشرتها حتى تصارعت خفقات قلبها تكاد تلقي حتفها لتتوسل بوهن وصوتها الباكي يخترق مسامعه ويؤلمه
((ابتعد أرجوكَ عني..))
احتقن قلبه بالمشاعر وتألقت عيناه بالندم وهو يعود ليتذكر جريمته خاصة وهي تلح عليه بتوسل
((أرجوكَ.. ابتعد عني..))
لكن في نفس الوقت كان يشعر بطوفان غضب شرس يكتسحه ويؤلمه.. ولا سبيل إلى تسكين هذا الألم المبرح وقد تسبب لها بهذه الأوجاع وفعل بها مالا يغتفر..
لكنها ستغفر له.. ورغما عنها.. لطالما كانت تغفر له مهما طال الوقت أو قصر.. صبّ جل اهتمامه في وقت خطبتهما بمتدربة في المكتب وغفرت له بمجرد أن ترك المتدربة عندما ملّ منها! تركها في نفس يوم زفافهما معرضًا سمعتها هي وعائلتها للخدش وغفرت له بمجرد أن عاد وتزوجها أمام أهل القرية الذين تركها أمامهم!
تزوج من جُمان التي كانت من اختيار والديه وأسكنها في البيت الذي اختارت هي أثاثه وتنسيقه بنفسها وغفرت له بمجرد أن طلقها!
فلماذا لن تغفر له هذه المرة أيضًا؟ هي فقط بحاجة للقليل من الوقت.. وإبداء الكثير من الندم.. ثم ستغفر له..
وضع وليد مزيدا من الأغطية عليها ليسمعها تقول بصوتٍ مرتجف واهن فاقد لآخر ذرة من القوة
((الآن وقد بت أرضًا منتهكة ووفيت وعدك بالانتقام مني فحررني منك، أخذت ما أردته بل وأكثر بعد أن عرفت بأن لا رجل سبقك إلى))
تنهد وهو يميل لوجهها ويلثمه فلا يجد منها إلا الصد والاشمئزاز.. ابتلع ريقه الجاف ثم قال بصوتٍ أبح
((وهل بقيت لسنوات أحفى خلفك وأذل من نفسي لأتزوج منك حتى أتركك بالنهاية! أبدًا لم أهتم بأول من امتلكك بقدر أن أكون أنا آخر رجل في حياتك كما ستكونين آخر امرأة في حياتي! ثم توقفي عن تلك النعوت التي تطلقينها على نفسك فأنا لا أسمح لأحد حتى أنتِ أن تتحدثي بهذا الشكل عنك))
تشدقت بلا حياة مستنكرة
((لا تسمح لي أن أتحدث بهذا الشكل عن نفسي لكن تسمح لنفسك بفعل كل ما فعلته!))
غصّت تغيم مقلتيها بدموع أخرى أبت تحريرها
((أعتقني وحررني يا وليد))
اضطربت حدقتي وليد بألم مبرح.. جارف.. مطل منهما..
هي من عليها أن تعتقه! فلا قلبه يكف عن حبها.. والآن جسده لن ينفك يطالبه عن الانصهار بجسدها مجددا..
همس بصوتٍ خافت يكاد يكون مسموعا
((ستغفرين وستنسين كل شيء فعلته وسنكمل حياتنا سويا بسعادة.. لقد ندمت على تركي إياك قبل ما يزيد عن عقد بعد أن فشلت في نسيانك بجُمان، وبعد أن عجزت عن انتزاع حبك من قلبي لذلك لن أتركك.. ليس مجددا))
رفعت شيرين عينيها تتأمله بملامح منقبضة من شدة الوجع وهو يغادر الغرفة بعد أن أغلق الإضاءة عليها..
ثم أطرقت بوجهها وهي تنكمش على نفسها بارتباك وخوف من مستقبل مجهول ينتظرها معه.. لكن لا.. يكفي سلبية.. ذل.. وهن.. ضعف..
والد سهر لم يكن إلا ذريعة لها لتعود له! نعم هي عادت لوليد بكامل إرادتها متحججة بوالد سهر لشح الفرص أمامها وخوفا أن يمضي العمر بها دون أن تجد رجلا يناسبها فانتهى الأمر بها منتهكة من قبله..
هي من تهاونت بنفسها ورمت بها بيديها في الهاوية..
حتى سهر استشفت هذا الأمر منها وهذا ما جعلها لا تعترض على اختيارها.. لكن ومن هذه الليلة سيتغير كل شيء..
ستحتاج لوقت قصير تلعق فيه جراحها قبل أن تستعيد قوتها.. بعيدا عن هذا المسخ المهووس بها باسم الحب..
الآن أدركت حقيقة أن ليلة واحدة فقط هي أكثر من قادرة على صُنع إنسانة أخرى لا تُشبه التي قبلها!
=============================
في غرفة المعيشة..
كان مُؤيد جالسا على الأريكة بجانب رتيل عندما تغضن جبينه فجأة وهو ينتبه لدارين ابنة أخيه ترتدي ملابسا للخروج وتخطو نحو الباب فأستوقفها متسائلا
((إلى أين ستغادرين يا دارين هكذا بلا سلام أو كلام؟))
أجابته دارين بهدوء وبساطة
((سأذهب مع عمي مُصعب، إنه ينتظرني في الخارج))
عقد مُؤيد حاجبيه وسألها بفضول
((ستذهبين مع عمك مُصعب؟ لكن إلى أين؟))
هزت دارين كتفيها مجيبة
((إلى بيت صديقتي!))
استقام مُؤيد فجأة من مكانه ثم تساءل بصوتٍ غاضب
((وهذه الصديقة ألا ينفع أن تأتي هي عندك!))
انكمشت ملامح دارين لكنها حافظت على رباطة جأشها
((هي تأتي بالفعل عندنا وتزورني أكثر مما أزورها))
قال مُؤيد لها ساخطا بصوته الجهوري
((تزورينها؟ كيف تذهبين لزيارة صديقاتك دون أن تخبريني!))
زمّت دارين شفتيها بطفوليه وقالت بحنق
((عمي أنتَ تعيش في المدينة ولا تزورنا هنا إلا عدة أيام كل أسبوعين، بالتأكيد لن أخبرك بكل شيء أفعله))
تجلت الصدمة على وجه مُؤيد ثم تطلع لزوجته يستنكر
((انظري يا رتيل لها كيف تتحدث معي بهذه الجرأة!))
تنحنحت رتيل ثم اتخذت صف مُؤيد حتى لا يصب غضبه عليها وقالت لدارين رادعة
((عيب يا دارين أن تتحدثي مع عمك هكذا، إنه عمك مُؤيد الذي تحبينه أكثر من والدك وينزهك كلما جاء هنا أكثر من أولاده))
تقارب حاجبي دارين بعبوس لمغزى كلمات زوجة عمها وقالت
((نعم أحبك يا عمي أكثر من أبي ولكن هذا لا يعني أن أدخلك بخصوصياتي أو اسمح لك أن تتحكم بي))
فغر مُؤيد شفتيه وكاد يشهق من وقاحة ابنة أخيه معه! تشتت نظره للحظات ثم صرخ بأعلى صوته وهو يقترب من الباب المفتوح للخارج
((مُصعب، مُصعب.. تعال حالا إلى هنا))
اقترب مُصعب منه وقال بحنق وانزعاج
((لماذا تصرخ يا مُؤيد؟ وأنتِ يا دارين لماذا لم تأتي الآن؟ لقد وضعت حقيبتك الكبيرة بالسيارة))
لف الاستهجان مُؤيد متسائلا
((أي حقيبة كبيرة؟))
ناظر مُصعب أخيه وأجاب بهدوء أثار استفزازه
((تريد أن تبيت عند صديقتها وطلبت أمي أن أوصلها، فسبقتها وحملت حقيبتها داخل السيارة))
جحظت عينا مُؤيد بشدة ثم صرخ مستنكرا بصوتٍ يستعر غضبا
((نوم عند صديقتها! ما هذا الهراء الذي تتفوه به! ومنذ متى ونسمح لبنات عائلتنا بالنوم عند صديقاتهن!))
استاءت ملامح مُصعب وردّ
((وما دخلي أنا! أمي طلبت أن أوصلها فهل أقول "لا" لأمي!))
تميز مُؤيد غضبا وهو يرى مُصعب يتحدث معه ببرود وكأنه لا مشكله فيما يفعله! فتهجم عليه وهو يمسك مقدمة قميصه، ثم قصف به بصوته الغاضب
((نعم قل "لا" لها، فكيف ستأمن لنوم دارين عند صديقتها ونأمن للذئاب البشرية من نهش عفتها وعفافها! اذهب وأحضر حقيبتها وأنا سأتحدث مع أمي كيف تسمح لمراهقة صغيرة مثلها بالنوم في الخارج!))
دفع مُصعب كفي أخيه عنه بشيء من العدوانية وأعاد هندمة قميصه ثم قال بفتور لدارين المتجهمة
((دارين حبيبتي أنا ليس عندي متسع للوقت للنقاش مع ثور مثله، اذهبي واشكيه لجدتك وإذا أقنعته فدعيه هو من يوصلك لبيت صديقتك، لأن لدي موعد مهم جدًّا لا يحتمل التأخير أكثر))
توجه مُصعب نحو سيارته، يخرج الحقيبة ويضعها أرضا قبل أن يغادر المكان مما جعل مُؤيد يأمر دارين صارخا باحتدام
((خذي حقيبتك واغربي حالا من وجهي وإياك ثم إياك أن تلمحي ولو مجرد تلميح لزيارة لأحد))
اتسعت مقلتي دارين بدهشة ممزوجة بالحرقة وشعرت بالعبرات تخزهما.. ضربت بقدمها الأرض بغضب مصدره شعورها بالاضطهاد.. ثم استدارت بكليتها لتهرول منصرفة.. فتطلع مُؤيد لاهثا لزوجته
((فلتحمد الله ابنة أخي يا رتيل أني عرفت بخروجها ومنعتها قبل أن تغادر فعلا))
ازدردت رتيل ريقها بصعوبة.. وخشيت أن تخبره أن دارين حقا سبق ونامت عند صديقتها عدة مرات متفرقة بالأوقات التي يكون فيها في المدينة.. ولكن ما عليها أن تخشى منه حقا أن يعرف بما تفعله من وراء ظهره!
التقط مُؤيد نفسا عميقا ثم خطا نحو الأريكة وتمدد عليها.. لكن تفاجأ بعد دقائق بعودة دارين ثم وقوفها عنده قبل أن تمد يدها وتناوله هاتفها ليتحدث مع أحد ما..
رفع مُؤيد حاجبه الأيمن وتساءل بخشونة
((من هذا يا دارين؟))
مر شبح ابتسامة متشمتة على وجهها وأجابته بنعومة خبيثة
((أبي يريد التحدث معك))
أصدر مُؤيد صوتا ساخرا حانقا قبل أن يسحب الهاتف منها بغلاظة ويضعه على أذنه فيأتيه صوت أخيه الغاضب
((أولا يا مُؤيد ليس لأحد الحق بالتحكم في خروج أو دخول ابنتي إلا أنا، ثانيا بما أن السائق ليس هنا فقم الآن كرجل محترم وأوصل ابنتي لبيت صديقتها))
تدلى فك مُؤيد بصدمة حتى كاد أن يرتمي أرضا مما يسمعه! ثم قال بصوتٍ باهت
((مُعاذ هل أنتَ مجنون! منذ متى ونحن نسمح للفتيات أيا كان سنهن في عائلتنا بالنوم خارج البيت!))
قال مُعاذ ببرود
((مُؤيد أنا أعرف والد صديقتها معرفة شخصية وهو يقضي معظم الأسبوع خارج البيت وليس عندهم إلا ابنتين صديقات لدارين وزوجته معروفة بطيب أخلاقها وسيرتها الحسنة، فاذهب لإيصال ابنتي وأغلق فمك الكبير هذا))
اتسعت عينا مُؤيد حتى كادتا أن تخرجا من محجريهما وتطلع لرتيل التي تهربت من نظراته ثم قال بصوتٍ يزداد بهوتا
((هل تقصد أنها سبق ونامت في الخارج لعدد من المرات قبلا؟ هل جننت يا أخي؟ ألا تسمع بالمصائب التي تحدث جراء امتلاك الفتاة عائلة مهملة تسمح لها بالنوم عند القريب والغريب؟ هل نحن بآخر الزمان؟))
هتف مُعاذ به باستياء
((مُؤيد اشغل نفسك بأولادك ولا تتدخل بابنتي))
ضرب مُؤيد بقبضته القوية فوق الطاولة أمامه وصرخ قائلا
((لو وضعت سيف على رأسي ما قبلت أن أخرج ابنتك أو أسمح لأحد غيري أن يخرجها))
تحدث مُعاذ بخشونة
((تتحداني وتدخل بيني وبين ابنتي! حسنًا، سأتصل بمَالك وأطلب منه أن يوصلها هو))
أغلق مُعاذ الخط على أخيه تاركا الصدمة والتعجب تلفانه أما دارين فبرقت عيناها ببريق المنتصرين ومدت يدها تنتشل هاتفها من متناول يد مُؤيد قبل أن يفرغ غضبه به ويكسره فلديه الكثير من السوابق في كسر الهواتف!
وقبل أن تستدير قالت بطفولية له
((فجأة لم تعد عمي المفضل، ولن ألوم زوجة عمي أو أكرهها على ما تفعله بك))
لم يهتم أحد من رتيل أو مُؤيد بمقصد دارين.. لكن بمجرد أن خرج مُؤيد من صدمته بأخيه حتى ضرب الطاولة بقدمه صارخا
((أخي ذاك الأحمق! إنه مجنون))
انتفضت رتيل واقفة من مكانها تطالع النثريات التي كانت فوق الطاولة وأصبحت الآن أشلاء لتمسك يديّ زوجها هاتفة ((لا تفرغ غضبك بهم))
لكن مُؤيد انفلت رباط أعصابه وهو يهتف بزوجته مستنكرا تفكير أخيه
((الغبي يسمح لابنته الصغيرة الغير واعية بالنوم عند أناس غرباء! أذكر مرة بصغرها كانت تريد النوم عند خالها فرفضت بصرامة ومشت كلمتي أنا، فكيف الآن وقد أصبحت صبية كبيرة وفريسة للذئاب الجائعة أن أسمح لها بالنوم وحيدة عند عائلة غريبة عنا!))
نفض ذراعي زوجته عنه وهو يكمل مستنكرا
((أنتِ نفسك يا رتيل بالكاد أسمح لك بالنوم ببيت أمك، ألا تذكرين عندما أخبرتني في إحدى المرات بأن هناك مناسبة عند بيت عمتك القابع بجانب بيتكم وتريدين النوم عندهم مع أمك ومع ذلك رفضت باستماته!))
زمّت رتيل شفتيها ثم قالت حانقة
((نعم أذكر ذاك اليوم جيدا، وقتها أمي مع باقي العائلة باتوا عندها باستثنائي أنا الوحيدة))
أشار مُؤيد بيده يقول مؤكدا
((نعم لأن هذا هو التصرف الصحيح، ولو يصح لي لم أكن لأقبل لك أن تنامي عند أمك من الأساس.. أنا الآن أشعر بالغضب إلى الحد الذي أريد أن أذهب لابنة أخي وأكسر رأسها قبل أن أسمح لها أن تذهب عند صديقتها!))
مسح مُؤيد صفيحة وجهه يهدئ من أعصابه المنفلتة فرفعت رتيل يدها تطبطب فوق ظهره مهدئة
((هدئ من نفسك يا حبيبي، أخوك مُعاذ مخطئ بتربيتها لكن لا تتلف أعصابك بسببه))
كانت رتيل تحاول أن تأخذ صفه بالكلام وتدعم تفكيره مرغمة حتى لا يشك بها هي الأخرى..
يكسر خاطرها هذا القرار العفوي ولكن عليها حقا التوقف عن الذهاب لغنوة مؤقتا لأن مُؤيد لو اكتشف ما تقوم به من خلف ظهره فلن يبقِ منها عظمة سليمة!
=============================
كان يعقوب جالسا في المجلس وحيدا.. يظهر الضيق عليه وهو ينتظر إجابة الشخص الذي يتصل به.. والذي جاء صوته متوجسا ما إن فُتح الخط
((أبي؟ هذا أنتَ؟ لماذا تتصل؟ هل حصل شيء؟))
تنهد يعقوب وهو يرفع الهاتف إلى أذنه ثم سأله بجفاء
((ما بك مفزوع بهذا الشكل لمجرد تلقي اتصال مني؟ هل فعلت أي شيء يستدعي القلق يا مَازن؟))
خرجت ضحكة خافتة مستهترة من الآخر وهو يقول متهكما
((لا.. لكن أنا اعتدت منك طوال سنوات غربتي ألا تتصل بي إلا عند حدوث كوارث))
عبست ملامح يعقوب فجأة ودمه يغلي ليبدأ بتوبيخ ابنه بطريقته الصارمة
((لا تتواصل مع زوجتك وابنتك ولم أتدخل لأن هذا هو مطلب الطرفين.. لكن لماذا لا تتحدث أيها العاق مع أمك ولا ترد على اتصالاتها؟))
اختلطت نبرة مَازن بجفاء وتمرد وهو يقول
((حر يا أبي حر.. أرد على من أريد وأتجاهل من أريد))
هتف به يعقوب باستياء
((هذه أمك أيها العاق))
ابتسم مَازن بقسوةٍ ساخرة وهو يرد متمردا
((أنا أتجاهل اتصالاتها لمصلحتها، بما أنك لن تسمح لي بالعودة للوطن لا الآن ولا في المستقبل القريب، فعليها أن تعتاد على تلاشيّ من حياتها تدريجيا، بدءً من تجاهل اتصالها مرة وراء مرة حتى ينقطع صوتي عنها وتنسى ملامح وجهي))
شحب وجه يعقوب قليلا من وقع حديث ابنه القاسي على قلبه قبل أحد آخر.. فهو في النهاية يبقى والده..
أغمض عينيه للحظة محاولًا التغلب على الرفض المقبض بداخله ثم أخذ نفسًا عميقًا وهمس يؤنبه ((مَازن))
قال مَازن ساخرا يواري الألم في داخله
((لا أعرف أحدا يدعى مَازن.. اسمي هو العاق.. أنسيت؟ وسأظل هكذا طوال الفترة التي تحكم لي بها أن أبقى في هذا المنفى))
قال يعقوب بما تبقى فيه من قدرة على ادعاء الحزم
((ولماذا تريد العودة؟))
أجابه مَازن منفعلا وقد نجح والده بإبعاد واجهته الباردة والمثيرة للاستفزاز
((لأني ببساطة أعاني من الوحدة وافتقاد الأنس))
أطرق الحاج برأسه ثم قال أخيرًا ببساطة لا تناسب الموقف
((لقد حاولت معها أن تذهب عندك لكنها ترفض وأنا لا أريد إجبارها أو الضغط عليها أكثر))
تشدق متهكما بسخريته السوداء المألوفة
((أبي بكل صراحة لا تهمني مسألة قدومها هي بالذات، فالأمر ليس وكأنني هائم بلوح الثلج تلك، أنا فقط بحاجة لأنيس يا أبي، فأنا لم أنجح هنا بتكوين صداقات عميقة))
أجابه يعقوب بعملية وتحفظ
((إذن يمكنك الزواج إذا أردت..))
لم يجد أي رد منه في البداية وران الصمت بينهما لا يسمع إلا صوت أنفاسه الثائرة.. حتى قال أخيرا بثبات انفعالي
((أحيانا أشعر أنك والدها هي لا أنا.. لا تلمني بتصرفاتي وأقوالي.. ألست أنتَ من اخترت الوقوف إلى جانب زوجة ابنك وكأنها هي من صلبك لا أنا؟ ألست أنتَ من طلبت منى السفر وفضلت راحتها عليّ حتى لو ترتب على غربتي هذا الشقاء؟))
انفلتت أعصاب يعقوب هنا وهو يهتف به باحتدام
((أيها الأخرق ألست أنتَ من وافقت على اقتراحي للسفر بكل حماس وعنفوان؟))
ردد مازن باستهانة
((نعم والان تراجعت، وأريد العودة ولكنك ترفض!))
عقب يعقوب بتلقائية
((نعم سأرفض، ولن أفرط بالراحة التي أعيشها هنا بعيدا عن رعونتك ونتائج أفعالك المخزية التي لا تتوقف))
=============================
في بيت والدة نجلاء..
جلست زاهية في غرفة الضيافة بعد أن رحبوا بها للداخل وبجانبها رتيل التي جاءت معها دون أن تعرف سر الزيارة لتقول بهدوء ظاهري
((زيارتي اليوم لا يعلم سببها أحد من أفراد عائلتي، فأنا جئت يا نجلاء أسألك في موضوع شخصي، وأريد ردك الفوري قبل أن نقوم به على حسب الأصول))
تراجعت نجلاء في مكانها على الأريكة ولم تشِ ملامح وجهها عن أية تعابير وهي ترد
((ادخلي في أي موضوع تريدينه يا خالة أم مُعاذ، كلي آذان صاغية))
أخذت زاهية نفسًا عميقًا وتجرعت من فنجان قهوتها لتستجمع بعض شجاعتها ثم هدرت بشكل مباشر
((هل تقبلين يا نجلاء الزواج من ابني مَالك؟))
اتسعت عينا نجلاء وظلت للحظات طويلة تنظر إلى التي تجلس أمامها بلا فهم قبل أن تقول بصوت مبحوح متفاجئ
((تقصدين مُصعب؟ ولكنه متزوج!))
عقدت زاهية حاجيها لتوضح
((لا ليس مُصعب، إنه سعيد بحياته وأنا سعيدة لأجله.. أنا أتحدث عن مَالك))
التمعت عينا نجلاء بقوة وهي تصرح بوضوح شديد
((لكني أريد مُصعب لا مَالك))
انزعجت ملامح زاهية فابتلعت نجلاء ريقها بصعوبة وأخفت ارتجاف أصابعها حول فنجان قهوتها وهي تهمس بألم دون تردد
((هل تظنيني يا خالة أم مُعاذ لعبة بين يديك، مرة تطلبين يدي لمُصعب والمرة الأخرى لمَالك؟ إذا رفضت مَالك فهل ستعرضين عليّ ابن ثالث لك؟))
وضعت نجلاء فنجان قهوتها على المنضدة بعنف واقفة ثم غادرت المكان بذقن مرفوع دون أن تتفوه بكلمة أخرى..
تعجبت زاهية من عدم احترامها لها في حين قالت والدة نجلاء بامتعاض
((يا حاجة زاهية ابنتي محقة بكلامها، ثم إن والدها رافض أن تتزوج قبل أن تنهي دراستها ولذلك رفض زواجها من مُصعب ولن يغير رأيه عندما تعرضين الزواج عليها من ابن آخر لك))
عقبت زاهية بصراحة دون مجاملات
((كلنا نعرف يا أم نجلاء أن دراستها ما هي إلا حجة اتخذها زوجك ليداري الحرج عن مُصعب أمامي أنا والحاج يعقوب بعد أن استشعر رفضه للزواج من نجلاء))
نظرت أم نجلاء إليها بتعجب لتهمس بحنق وقد حانت نظرة منها تجاه رتيل
((ما الداعي لهذا الكلام يا زاهية!))
قالت زاهية ((المهم.. وعلى ضمانتي الشخصية فمَالك أفضل لها من مُصعب بدرجات))
بدأت والدة نجلاء ترتشف من فنجان قهوتها والأفكار العشوائية تتزاحم بعقلها قبل أن تردد
((إنه يعمل معلم وإداري في مدرسة القرية الثانوية رغم صغر سنه، صحيح؟))
ابتسمت زاهية باستدراك وهي تجيب
((نعم، صحيح، كلهم أولادي وأحبهم لكن شهادة حق فمَالك أفضل من مُصعب من كل النواحي، لا أدري ماذا أعدد لك مميزات فيه أكثر، ولكن ربما يكون سبب رفض مُصعب الحاسم لنجلاء في الماضي لأن نصيبها كان مقدرا أن يكون مع مَالك))
هزت والدة نجلاء رأسها وشردت بعينيها تفكر وهي تقول
((مع أني ووالدها نريد حقا أن تتزوج بعد انتهائها من الجامعة، لكن أعدك أن نفكر في الموضوع))
قالت زاهية بجدية وهي تربت على كتف رتيل تعلمها بأنه قد حان وقت المغادرة
((فكري بسرعة فلا وقت لدينا))
.
.
بمجرد أن وصل السائق واستقلتا السيارة التفتت رتيل بانزعاج لحماتها وقد التزمت الصمت تماما أثناء الزيارة
((عمتي كيف تخطبين لابنك فتاة هائمة من أعلاها لأسفلها بأخيه؟))
أغمضت زاهية عينيها بخيبة أمل لم تستطع إخفاءها من نفسها وهي تجيب
((لقد فقدت آخر ذرات عقلي بسب ما يريد مَالك الإقدام عليه، ثم إن البحث عن عروس مناسبة له بحاجة لوقت قد يطول لأسابيع وأشهر، ولا أعرف فتاة مناسبة له غير نجلاء))
لم تعقب رتيل ونظرها يحوم في الخارج عبر الزجاج الشفاف لنافذة السيارة قبل أن تسمع حماتها تسترسل كلامها
((أعرف يا رتيل بأني بدأت أجن مع كبر سني، لكني لست راضية عن زواجه من تلك البستانية، والله لست راضية، ليس فارق واحد بينهما بل فوارق، وفوقها فهي مطلقة مرتين وعندها صبي صغير))
نظرت رتيل لها باستغراب وتساءلت
((لكن مَالك قال بأنك موافقة أنتِ ووالده على زواجه منها!))
تمتمت زاهية بامتعاض بالغ
((وافقت لأنه ضغط عليّ هو والحاج، لكن بعيدا عن ابتزازه العاطفي فلا أستطيع بلع أو تقبل زواجه منها))
.
.
في حديقة المنزل..
حيث كان يجلس الحاج برفقة ابنه مَالك يتحدث معه بتفاصيل زواجه تفاجئ بوقع خطوات زوجته نحوه فالتفت لها متسائلا
((عدتي سريعا يا زاهية من زيارتك أنتِ ورتيل!))
أخذت زاهية مكانا لتجلس عليه حول الطاولة تنضم لهم وهي تجيب
((نعم كنت عند والدة نجلاء))
رفع مَالك وجهه ينظر إليها مضيقا عينيه ليتمتم متسائلا بتشكيك
((نجلاء.. نجلاء.. هل هي نفسها؟))
قالت زاهية بتأكيد
((نعم يا مَالك إنها ابنة صديقتي وقريبتي، أنتَ تعرفها..))
قطب مَالك حاجبيه ثم قال بنبرة عادية
((نعم أعرفها، تلك التي كنتي تريدين من مُصعب أن يتزوجها))
تجهمت ملامح زاهية وقالت بشيء من العصبية
((لكنها لم تتزوجه فلا داعي لذكر سيرة زواج أخيك منها بعد الآن!))
لفت الحيرة ملامح مَالك من انفعال امه فقال باستغراب عارم
((لم أقصد أي شيء معين))
أغمضت زاهية عينيها للحظات وهي تدرك فرط انفعالها ثم تمَالكت نفسها وتدربت ابتسامة وهي تسأله
((لا بأس، لكن أخبرني يا مَالك ما هو رأيك بنجلاء كفتاة؟))
سألها مَالك بصوتٍ واجم وبشيء من التوجس
((ماذا تقصدين؟))
تغضن جبين زاهية وهي تقول بجدية تكتنفها
((قصدي واضح، كيف تراها كامرأة؟ كيف تقيمها من منظورك كرجل؟))
ضاقت عينا مَالك وهو ينظر إليها ثم تساءل بعتاب وألم
((أمي ما حاجتك لقول هذا؟ أنا سأتزوج من سمية، لماذا تتصرفين كأن لا إحاطة لك بزواجي القريب منها!))
ردت زاهية بملامح منقبضة وعينان زائغتان
((حسنا.. معك حق.. لكن لا ترمقني بتلك النظرة))
لامس مَالك كف والدته يربت فوقها خشية حزنها أكثر رغم أنها فعلا تصيبه بالجنون متأرجحة بين الموافقة والتراجع لا ترسو على قرار واحد! ثم لم يجد أمامه إلا الوقوف وطلب إذن المغادرة من والده بهدوء..
بمجرد أن ابتعد عنهم حتى التفت يعقوب لزوجته يسألها بشيء من الامتعاض
((لقد ذهبتي إلى والدة نجلاء لتري إذا ما كان هناك أمل في زواجها من مَالك، صحيح يا زاهية؟))
هزت زاهية رأسها المنكس ثم قالت بوجع قلب وعينين احتشدتا بالدموع فجأة
((نعم فلو قبل مَالك أن يتزوج من نجلاء سيكون زواجهما رائعا، هما مناسبان لبعضهما، هو سيتحمل المسؤولية وهي ستجد من يكسبها مهارة أكثر في الحياة))
قال يعقوب بهدوء حليم
((نجلاء صغيرة العقل يا زاهية كما سبق سمعت من مُصعب، سيعاني معها مَالك لو تزوج منها))
ثم أطلق عدة أنفاس كانت تجيش في صدره قبل أن يكمل
((صدقيني أنا مثلك لست راضيا تماما عن زواج مَالك من سمية، لكنها أفضل من نجلاء كزوجة لمَالك لأنها من النوع الهادئ والعاقل وكامرأة وصلت لمرحلة من النضوج الفكري الذي يجعلها قادرة على الحكم على الأمور بعقلانية وحكمة، لذا دعينا فقط نأمل أن يكون توافقهما الفكري واندماج شخصيتهما قادرا على تذليل فرق السنوات بينهما))
رغم أنه لم يتلقى أي إجابة منها إلا أنها ظلت تهز رأسها بوهن وعدم اقتناع..
=============================
ليلا..
منزل وليد..
فتح وليد غرفة نومه التي يعم فيها ظلام حالك وفتح الإنارة الخافتة ثم اقترب نحو السرير الذي كانت شيرين تتوسده نائمة..
منذ ما حدث بينهما في تلك الليلة وهي لا تغادر هذه الغرفة.. حتى الطعام الذي يجلبه لها عند موعد كل وجبة لا تأكل منه إلا ما يبقيها فقط على قيد الحياة..
وبالرغم من اتصالات سهر الملحة في البداية إلا أنها لم تجب إلا على آخرها لتطلب منها بكلمات مختصرة مقتضبة بأنها ستحادثها لاحقا..
أخفض نظره لوجهها المستكين وتشربت عيناه ملامحها أثناء نومها بظمأ عطش لم يستطع لجمه رغم أن ملامحها البائسة بدت كالمغشيّ عليها من الموت..
لقد آذاها جسديا بشكل فجّ إلى حد جعلها لا تستطيع الوقوف من مكانها إلا بصعوبة شديدة حد اضطراره إلى جلب طبيبة لها هنا..
شعر وليد بعينيها تتململ مكانها فشك في أنها مستيقظة..
مد يده بتردد.. كأنه يصارع ضميره المرمي جانبا ويتساءل إذا ما كان له الحق بلمسها بعد ما فعله بها.. أم عليه الانتظار أكثر قبل أن يقدم على أي شيء! لكنه حافظ على رباطة جأشها ومدّ يده لعنقها يلامس نعومتها الحريرية هامسا بصوتٍ أجش
((سأعوضك عن تلك الليلة ولن تكوني إلا راضية، ستنسين كل ما اقترفته بحقك))
مال برأسه يلثم زاوية شفتيها برقة على خلاف قبلاته في تلك الليلة.. وكأنه يعتذر عن جريمته وانتهاكه لها مجددا..
فتحت شيرين عينيها بقوة وبصعوبة ثم استوت شبه جالسة تناظر وجهه القريب منها باشمئزاز وملامح متلبدة ميتة المشاعر..
بينما هو بقي يحدق لدقائق بملامحها الشاحبة.. شعرها الأسود المشعث.. بقايا آثار قبلاته الضارية..
جلس بجانبها ملتصقا بها.. ثم هدر أخيرا بخفوت بينما يميل بفمه نحو وجهها وهو يستنشق رائحتها شاعرا بعاطفة ملتهبة
((لا بد أني آذيتك بما فعلته، لكن تهديدك بالرحيل أفقدني آخر ما تبقى من عقلي، وعاد الانتقام ليعميني، لكن على الأقل لم يبقَ منه شيء في قلبي.. لا أفكر الآن إلا بإكمال حياتي معك والإنجاب لنحظى بعائلة مثالية))
صوته.. رائحة عطره الرجولي المميز.. الدفء المنبعث من قربه.. صوت أنفاسه..
كل هذه الأمور كانت تتجمع لتصيبها فتشعر برغبة ثقيلة بالتقيؤ.. ومشاهد من تلك الليلة تأبي أن تختفي من ذاكرتها..
رفعت كفها تدفعه عنها بوهن هادرة
((لا أطيق قربك، ولا أطالبك بأكثر من أن تحررني منك))
أطلق وليد عدة أنفاس كان يكتمها ثم قال بوجوم
((شئت أم أبيت ستكونين زوجتي وتبقين ملكي))
ثارت أنفاسها.. تشتت أفكارها وتلقائيا انزعجت ملامحها باختناق وهي تسمعه يردف
((ولا تفكري بطلب العون من أحد غيري لتبتعدي عني فأنا مستعد للفتك بأي أحد يقف في طريقي))
هتفت في وجهه بصوت مختنق
((أنت مجنون، هل تظن بأنه يمكنني أن أنسى ما فعلته بي بكل وحشية في تلك الليلة وأكمل حياتي معك؟ الجروح والرضوض والكسور التي تسببت بها لي يمكن أن تشفي لكن الأذى داخلي سأبقى أتذكره لآخر لحظة))
أغمض وليد عينيه بقوة كأنها طعنته عندما ذكرت ما حدث.. لكنه تحامل على الألم وقال وهو يرسم ابتسامة واثقة رغم إنهاكها
((بل سُتشفى وستنسيها، سأحرص على ذلك وسأجتهد في تعويضي لك، وأنتِ ستسامحينني لأنكِ أذكي من أن تعني الرحيل.. مهما فعلتِ عيناك تفضحكِ، عيناكِ الكحيلتانِ تقولان بأنكِ ما زلتِ تحبينني، لم يتلاشى هذا الحب من داخلك حتى على الرغم من مرور كل تلك السنوات، لا تكابري.. أعرف بأني سأظل أؤثر عليك بطريقة أو بأخرى))
استشرت ملامحها وتوهجت نيران خضرة عينيها..
إنه يتلاعب بالكلام معها!
هتفت له بكره جارف مطل من عينيها
((أنتَ واهم، أنا لا أملك نحوك إلا الكره!))
أظهر المزيد من واجهة الغرور والتسلط وهو يردف بعجرفة
((لا تنكري! فأنتِ في المقابل تجرين بشراييني ولا يمكننني حتى لو أردت أن أتخلص منك أو من سحرك الطاغي عليّ))
قنوط مريع اكتنفها وهي تستمع له لتقول بلهجة مشمئزة
((تحدث فقط عن نفسك، أما بالنسبة لي فأنا لا أشعر بشيء تجاهك إلا الكره والحقد، وزاد هذا الكره عندما كنت أنتَ السبب في تراجع مُعاذ عن الزواج مني، ثم زاد أكثر وأكثر عندما خدعتني لتوقع بي في فخ الزواج.. لا أصدق بأني أقدمت على هذا الزواج حاملة بعض الظنون السخيفة بأن يصلح حالك وأعيش معك كزوجين طبيعيين، كان عليّ ألا اغفر لك ما فعلته بحقي))
بصقت شيرين كلمتها الأخيرة باشمئزاز موجهة له وعيناها تبرقان بكره أعمى خرج عن عقاله..
أما هو فتحولت ملامحه الحادة بلحظة لصخر يابس وطارت التسلية ليظهر الشر جليا فيها فتساءل من بين أسنانه المطبقة يخفي جرح عينيه
((أخبريني كل ما بينك وبين مُعاذ.. كيف كان سيتزوجك ولماذا تراجع؟))
أجابته بإقدام دون أن تتزحزح نظراتها الجامدة عنه قيد أنملة
((رجولته وشهامته سلبت لب عقلي وحلمت أن أكون زوجة لرجل رائع مثله فعرضت عليه الزواج وهو وافق، ثم لا أدري تحديدا ما جعله يتراجع في اللحظة الأخيرة بعد أن أعاد التفكير))
تراشق وليد النظرات الساخطة معها ثم قال
((إذن أنتِ من عرضتي عليه الزواج؟ هل المشاعر التي حملتيها له هي مشاعر موجهة نحو رجل نبيل وحسب؟))
أكتسحها الخوف من تهديده المبطن لكنها تمَالكت نفسها مجيبة بصراحة دون أن يرف لها جفن
((أنا نفسي لا أعرف كيف أصف المشاعر التي حملتها نحو الرائد مُعاذ، لكن كنتُ أريد الزواج منه بشدة والانتماء لحياته، حتى قلبي كان متعلقا به، شعرت عند موافقته الأولية على عرضي أنه هدية القدر لي بعد طول معاناة مررت بها بسببك، وأنّ عليّ أن أتشبت به بكل ما أملك من قوة حتى لا أخسره، يكفي أنه الوحيد من القرية الذي وقف بجانب أبي في أيامه الأخيرة))
توحشت ملامح وليد بشكل لم ترَ له مثيل في حياتها من قبل.. ورغم الخوف النابض الذي شل أطرافها من مظهره هذا حيث أنه قد ينقض عليها بأي لحظة إلا أنها أجبرت نفسها على القول بجرأة يحركها قهرها
((لا تحاول إيذائي جسديا مرة أخرى، فأشباه الرجال فقط من يتعاملون بالعنف مع امرأة قواها الخائرة لن تمكنها من الدفاع عن نفسها أو التصدي له))
كان يكبح باقي غضبه بشق الأنفس وهو يغمغم بازدراء
((لم أكن من أشباه الرجال مع جُمان، أمضيت معها سنوات طويلة لم يسبق وأن تلفظت بكلمة واحدة تسيئها أو أرفع يدي إلا مرة واحدة ندمت عليها أيما ندم، على خلاف الآن، فكلما وضعت عيني في عينيك تشتد رغبتي المستعرة في دفنك حيّة))
قطبت حاجبيها برفض وقالت بصوتٍ خرج مهتزا رغما عنها
((إذن حررني منك تخلص مني))
قصف صوته الرجولي الغرفة ليخترق أذنيها
((اخرســـــــــــي))
عمّ الصمت حولهما ووتيرة أنفاس كليهما في تزايد.. بعد صمت طويل قال بصوتٍ صلب.. مشتد كالوتر
((لا تفكري أبدًا في الافتراق عني! فلا مكان يحتويكِ سواي، أنتِ تحبينني أنا، ولا تقدرين على العيش من دوني))
نكست وجهها صاغرة تعرف بأنها غير قادرة على التصدي له إلا بسم الكلام النابع من جحيم أعماقها
((قبلت الزواج منك متأملة بوجود أمل طفيف لتجاوز كل ما قمت به في الماضي لشح الخيارات أمامي لكنك بددت هذا الأمل ثم أعدمته بعدما فعلته بي، لن أسامحك أبدًا، أبدًا، سأقدم على رقع قضية خلع لأتخلص منك))
كان وليد يهم بمغادرة الغرفة لكن ثارت كرامته مما قالته فاستدار نحوها بملامح مغلفة بقناع القسوة يهتاج بحقد
((ممتاز.. ما دمت قد خسرت حبك لي بكل الأحوال.. إذن أنا لن أخرج من هذا الزواج بدون أن آخذ حقي منك كاملا، وتلك الليلة لا تغني ولا تسمن من جوع))
جحظت عينا شيرين لا تفهم مغزى كلامه وما ينوي فعله وسرعان ما أطلت نظرة الهلع من عينيها كأنها أمام ذئب مفترس جائع..
أما هو فتسلل شعور مبتهج يستلذ بالخوف الظاهر عليها إلى داخله.. ورغبة بالمزيد تقدم منها أكثر بعينين مشتهيتين ليتساءل وابتسامة وحشية تشق فاهه
((لماذا ترتجفين خوفا؟))
هتفت شيرين بفقدان سيطرة على أعصابها وهي تتراجع لظهر السرير
((ابتعد عني، لا طاقة لي حتى بالصراخ ابتعد عني.. أرجوك..))
مال برأسه هادرا بتسلية
((اهدئي يا شيرين))
انفرجت شفتيها وهي تتنفس بسرعة محاولة استجداء عطفه بينما هو لم يستجب لها بل زاد من طغيانه عندما انحنى نحوها ليدس انفه بين خصلات شعرها العطرة فأزكمت رائحة عبيرها أنفاسه..
تحركت حنجرتها وهي تزدرد لعابها بصعوبة بالغة..
لن يطول الأمر عليه قبل أن ينهشها مجددا دون لحظة تردد أو ندم!
تمتمت بهيستيريا وغلالة من الدموع تحتشد في عينيها
((لا يا وليد، ابتعد عني، أرجوك ابتعد..))
بدأت تتلوى بجنون بين ذراعيه عندما بدأ يحررها من ملابسها.. وكانت تريد المقاومة أكثر لكن قواها الخائرة المخدرة لم تسعفها.. إذ منذ أيام لم يدخل الطعام بشكل كافٍ لجسدها.. فلم تجد بدا من الاستسلام له والسماح له لينتهكها مجددا.. خدرت جسدها الذي تنملت أطرافه دون أن تظهر له المزيد من المقاومة والاعتراض..
.
.
رغم مرور وقت على ما حدث إلا أنها كانت تنتفض بين ذراعيه كالطير المذبوح بشكل لم يرَ مثله قط..
مال وليد إلى أذن شيرين المنتحبة يحاول تهدئتها وهو يشعر بجسدها المختض
((اهدئي يا حبيبتي، لقد كنت رائعة))
بدا منتشي كأنه للمرة الأولى يلمس امرأة.. كأنه لم يسبق وأن كان متزوجا من غيرها لسنوات طويلة..
تدريجيا هدأ جسدها إلا من بعض الاختلاجات والشهقات رغم أن كلماته لم يكن لها فضل عليها في ذلك..
خيم الصمت الى أن تمتم بصوته المبحوح
((لقد بادلتني القليل من تلك المشاعر، إياكِ أن تنكري ذلك، فأنت تدركين حبي لك وموقنة منه، وإلا لم أكن لأعد بعد كل هذا!))
مجددا يحاول التلاعب معها بالكلام!
لوت شفتها السفلى باستهزاء شحذ غضبه منها كشرارة حرب.. لتقول له باشمئزاز بصوتها المرتجف
((أنت لا تعرف أصلا ما هو الحب يا وليد، ولن تعرفه يوما))
سحب نفسا حادا إلى صدره المزدحم بالأحاسيس المحمومة وبخشونة قبض على ذقنها ليرفع وجهها له قائلا بصوت متهدج من الحنق
((إذا كنت لا تصدقين بحبي لك فأنتَ على الأقل متيقظة لحقيقة أني أريدك أنتِ وكل عظمة فيكي، وهذا كافي حتى أبقيكِ بجانبي، فلو كنتي حقا تعرفينني يا كحيلة العينين لتكوني على يقين بأني ما كنت لأتنازل عن شيء أريده))
سخريته اللاذعة جعلت الصمت بينهما يصم الأذان.. إلا أنه بعد لحظات مال نحو جبينها المتفصد بالعرق ليقبله فأغمضت شيرين عينيها تتمتم مختنقة بدموعها
((أنتَ إنسان حقير ومنتهك))
رماها بصوتٍ هازئ زاد من قهرها فشدت من إغماض عينيها ورغما عنها خرج صوت آنين مكتوم منها.. عبس وجه وليد وتمرد لسانه على غضبه وتضامن مع قلبه ليسألها بجدية يخفي قلقه
((هل تشعرين بأي ألم يا شيرين الآن؟))
أجابته من بين دموعها بصوتٍ متهدج
((دعني أتألم.. الألم يريحني.. الألم ينسيني ما أنا فيه من
خنوع وذل معك))
لم يجد أمامه إلا أن يقول بصوتٍ يضج الألم من نبرته
((سأذهب لأجهز لك حماما دافئا كما أوصت الطبيبة عندما عاينتك))
وبمجرد أن اعتدل جالسا ووضع قدميه أرضا ينوي الوقوف حتى التفت لها فشعر بانكماشها.. إلا أنه مال نحو أذنها هامسا
((معك حق في غضبك الحالي عليّ لكن صدقيني سأجعلك تسامحيني على كل ما حدث في الأيام القادمة، ولن تكوني إلا راضية))
ثم مضى مغادرا وتركها مكانها مسجاه تنتحب جسدًا وروحًا انتهكهما دون رحمة! لكن ما كان يهوِّن عليها أن الطبيبة التي جاءت من أجلها في تلك الليلة عرفت ما حصل لها رغم عدم إشارتها للموضوع أمام وليد.. فاستطاعت هي في لحظة دهاء أن تغافل وليد وتطلب منها كتابة تقريرا بما حدث لها يساعدها في طلب الطلاق أو الخلع منه لاحقا.. ولم تردها الطبيبة خائبة..
=============================
في منزل سهر..
وضع قصي باقة الزهور الخلابة التي كان يحملها جانبا ثم جلس منكس الرأس على الأريكة يهز ساقه بتوتر..
ارتفع صوت خطوات رشيقة ذات نغمة رتيبة على الأرض المصقولة تقترب منه فسارع يعتدل واقفا ويقول بابتسامة مرتبكة
((كيف حالك يا حماتي الجميلة؟))
بادلته تمارا ابتسامة بسيطة وهي تمد يدها له تدعوه للجلوس ففعل بعد أن جلست هي واضعة ساقا فوق الأخرى..
مدت تمارا يدها تناظر سبابتها حيث يطوقها خاتم براق ذات قيمة باهظة وذوق متعالي ثم تمتمت
((لقد أعجبتني هديتك لي يا قصي، أنتَ رجل المفاجآت حقا كما تدعوك سهر))
ضحك قصي بخفوت ليقول بمجاملة وذوق
((أنتِ والدة سهر وسعادتك لا تقل أهمية بالنسبة لي عن سعادتها))
مطت تمارا شفتاها بتفكير ثم قالت بفطنة
((لكن أتمنى ألا تكون هذه الهدية بمثابة رشوة لي لأصالحك مع ابنتي، فهذه هي مهمتك أنتَ))
عقد قصي ما بين حاجبيه وقال بشيء من الحنق
((ردة فعل سهر مبالغة جدًّا، خاصة وأنه لم يكن عندها قبل هذا أي مشكلة في تأجيلنا الزواج))
تحقير قصي من مسألة تأجيله للزواج أغضبها لكنها ناظرت الخاتم ببريقه اللامع لتمنع انفلات غضبها ثم صححت له بنعومة
((أوه قصي لا تكن أحمقا، الفتيات لا يقصدن ما يقلنه حرفيا، من المؤكد أن ابنتي كغيرها من البنات تريد أن تتزوج وتحظى بأطفال في أسرع وقت ممكن، وأنت تأخرت في تأجيلك، تأخرت كثيرا..))
أكد عليها قصي مصححا
((هذا ما سيحصل وسبق وتحدثت مع السيد فايد زوجك.. وعائلتي ستأتي أخيرا لزيارتكم وتحديد موعد زفاف مناسب لنا جميعا، لكن أريد القليل من الوقت، القليل فقط))
اكتسحت فرحة محققة تمارا وتفجرت أساريرها لتردد
((هل ما تقوله حقيقي يا قصي؟))
ابتسم قصي ببشاشة ملامحه وببريق المنتصرين
((نعم يا سيدة تمارا))
((قصي ماذا تفعل هنا؟))
قاطع جلستهم صوت سهر التي وصلت وهي تكتف ذراعيها.. فوقفت تمارا من مكانها تحث ابنتها بحزم
((تعالي يا سهر واجلسي مع خطيبك، لا يصح أن تظلا متخاصمين لوقت طويل، أنا سأذهب لأطلب شيئا منعشا لكما))
كانت تمارا تهم في المغادرة عندما لمحت سهر الخاتم حول سبابة أمها.. فانزلق ثغرها بابتسامة جانبية وقد فهمت سر تبدل حال أمها صعبة الإرضاء مع قصي! إنه لا يفشل أبدًا في التعامل مع أمها ونيل رضاها من جديد مستغلا عشقها للجواهر اللامعة والباهظة! جلست أمام قصي على الأريكة تسأله بقهر مبطن
((كم هو ثمن الخاتم الذي أحضرته لأمي؟))
تغضن جبين قصي بالضيق مغمغما
((ما هذا السؤال الفظ يا باربي!))
أغمضت عينيها تأخذ نفسا عميقا للحظات وزفرته ببطء قبل أن تعقب
((لم أعد أحب هذا اللقب منك، ثم أني أريد معرفة ثمن الهدايا الباهظة التي أهديتها لأمي منذ عقد قراننا حتى أجمعهم وأبيعهم في مزاد واحد ثم أبتاع بثمنهم فيلا مناسبة لنا والمتبقي سيكون لحفل الزفاف الذي تحلم أمي بإقامته لي))
تشابكت كفي قصي ببعضها ليقول بلامبالاة ظاهرية
((كنت أقول لأمك بأني وخلال أسبوعين سآتي برفقة عائلتي لزيارتكم))
تشدقت سهر بنبرة تحمل رنة سخرية
((مضى سنوات على عقد القران، ألا تظن بأنه من المبكر قدومهم؟))
عقب قصي على كلامها معاتبا إياها برقة
((تعرفين أن زواجنا لم يكن عاديا كله، ولكن ها أنا أثبت لك بأني لا أراوغ ولا أتهرب من زواجنا بل أريده بمقدار لا يقل عن مقدار رغبتك أنتِ))
هتفت به بامتعاض
((لم تكن بحاجة لفعل ذلك أو إجهاد نفسك بإثبات أي شيء فلا أسهل من أن تطلب فسخ خطبتنا))
((ما هي الحاجة لذكر الانفصال بيننا! أنتِ لا تعرفين ما مررت به الفترة الماضية لأبذل جهدي لأسرع بزفافنا))
تنهدت سهر وانفرج عبوسها لتعاتبه
((وهل كنت بحاجة أن أهددك بتركك وأخاصمك لبعض من الوقت لتعجل بإجراءات الزفاف! ألم تستطع أن تسرعه من تلقاء نفسك!))
قام قصي من مكانه ليجلس على نفس أريكة سهر ملاصقا لها ثم أمسك بكفها بألفة قبل أن يقول بلطف
((لا تصدقين كم مناسبة أو فعالية كنت أريد الذهاب لها دون أن أقدر لأن رفيقتي بالمتعة لا تحدثني وترفض الخروج معي!))
لانت ملامحها قليلا وهي تمعن النظر في وجهه تلاحظ فعلا نحالته بينما يردف بصوتٍ مثخن بالعاطفة
((باربي لا تسمحي لخصام أن يتسبب بافتراقنا.. فأنا مررت بوقت عصيب في الأيام السابقة))
كادت تذوب العاطفة المشعة بعيني سهر وهي تهز رأسها له لتشرق ملامحه بهجة.. لكن حادت بوجهها جانبا وهي تزدرد ريقها قبل أن يقع نظرها على الزهور فتتساءل بعفوية
((هل أنت من جلبت هذه الأزهار؟))
ردّ قصي بالإيجاب لتبتسم فقربت الباقة منها ثم أغرقت وجهها في البتلات الناعمة..
تجلت ملامح الحب على وجهه وهو يراها تأخذ نفسًا عميقًا برائحة الأزهار الفواحة.. هذه هي محبوبته!
كان هذا أول شجار يحصل بينهما ورغم قسوته إلا أنه مر على خير.. ومتأكد بأنه لن يمر بطريقهما أي مشكلة من هذا القبيل مجددا بمجرد فقط أن يفي عمه بوعده له!
وقف قصي من مكانه وهو يمسك مرفق سهر ويحثها على الوقوف بحماس
((بمناسبة صلحنا علينا أن نذهب لإحدى أماكننا المفضلة))
ورغم أن سهر كانت تريد أن تطيل في غضبها منه إلا أنها لم تستطع منع تلك الابتسامة من الظهور على وجهها والموافقة.. فقد اشتاقت لخروجهما سويا..
لا أحد ينجح في إسعادها في هذه الحياة كقصي!
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل التاسع وثلاثون 39 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
لم الكلمات هجرتنى؟ هل الأمواج تحاصرنى؟
أم أن الطيور تراقبنى؟ أم أنها تخيلات تتملكنى؟
هل ينتظرون لحظة وقوعى؟ أم يخطون سطور نصرى؟
لم قد صرت وحدى؟ رغم وجود الجميع حولى؟
هل صدر الحكم بسجنى؟ أم تتفاوت أنفاس حريتى؟
لم تتفاوت دقات قلبى ؟ لم قبعت ها هنا بأسرى؟
لقد وجدت حقيقتى ففى قلبك منفاى ووطنى
**************
بقلم: سالي
ما زلت أقبع على الحدود
ليس لى هنالك من وجود
أدور دون توقف لأعود
لكن الفرصة تاهت بالمدود
تحملنى أو تتركنى فلا أسود
لكننى محاصر وسط السدود
تحتجز روحى بدواء محدود
لكنه يهلك النفس حتى تحيد
عن طريق مرسوم بتأكيد
لأبقى محلى ضائع شريد
أبحث عن ملجأ من جديد
لأجد فى قلبك منفاى الأكيد
**************
بقلم : سالي
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثامن وثلاثون 38 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
اتسعت عينا سمية وهي تتساءل بلا تصديق للرجل الواقف أمام باب بيتها بتبختر
((وأيضا والدتك موافقة يا مَالك؟))
لمعت عيناه ببهجة خالصة ممتزجة بعذاب الشوق والعشق بينما يؤكد عليها
((قريبا سنجتمع نحن الثلاثة تحت سقف واحد! بالكاد أتحكم بنفسي حتى الموعد الذي سنحدده لزفافنا متمنيا أن يكون الأسبوع القادم، وهذه المرة ستنتمين لي بعقد لا رجعة فيه))
ازدردت لعابها على عسر ثم قالت بحنق
((لا افهم لماذا لا تستوعب بأن العائق الوحيد الذي يحول دون موافقتي ليس عائلتك فقط!))
مسح على وجهه بنفاذ صبر وتهكم بدرامية مفتعلة
((نعم اعرف بشأن العوائق الأخرى، أنتِ لا تثقين بي وموقنة بأن زواجنا لن يستمر كثيرًا بسبب تلك الفوارق! ولكن أنا احبك وأنتِ تبادليني شيئا من هذا الحب فدعينا ننسى أي شيء أخر ونتزوج، وبعد الزواج سأحرص مليا على دحض كل تلك الظنون والشكوك من قلبك، فلا تعقدي الأمور أكثر من ذلك))
قطبت ما بين حاجبيها بتساؤل منفعل رغم هدوئها لتقول
((مفهوم الحب واضح يا مَالك ولكن الالتزام بالوعود هو المعدوم، أنتَ تعلن بكل صراحة وجراءة أنك تحبني لكن هل كلفت نفسك عناء التفكير إذا ما كنتَ قادرا على الوفاء بالعهد؟ وهل تعي حجم مسؤولية تكوين أسرة معي؟ بظروفنا وأوضاعنا هذه؟))
ارتسمت البلاهة على ملامح مَالك وهو يتمتم ((ماذا!))
صمتت لثواني تستجمع قواها الواهية وهي تستطرد
((أنا سأجيب نيابة عنك يا مَالك.. لا أنتَ لم تفكر.. فكل ما يهمك هو أن تعيش اللحظة وإذا ما تغير أي شيء في مشاعرك أو موقفك في المستقبل القريب أو البعيد تجاهي يمكنك أن تستبدل تلك المرأة التي اخترتها مع تقلب الفصول، ولتذهب بدموعها للجحيم))
تجهمت ملامحه فقال بجدية يشوبها الحزم
((أتفهم أفكارك وكلامك، ولكن لا املك لك ردا أخر، لن أستطيع أن اثبت لك صدق مشاعري إلا من خلال الحياة التي سنعيشها معًا بعد زواجنا، لذا لا تحاولي المماطلة في الموافقة فأنا لا طاقة لي للانتظار والتحمل أكثر فقد تعبت من تلك المحاذير الموجودة بيننا ومن تلك الواجهة الخشبية التي تصدرينها لي دائما حتى تبعديني عنك))
رفعت سمية نظرها لتجد عينيه تطوفان بخضرتهما المتوسلة فوق وجهها ليكمل بعاطفة وشجن جميل
((مهما أنكرت يا سمية لكن الحقيقة هي أنك ملكي أنا منذ البداية.. منذ أن كنتي في حياتي.. منذ كنا نتجاذب أطراف الحديث من وقت لأخر.. منذ أن رأيت فيك صديقة.. منذ أول مرة لهج لسانكِ بالدعاء لي.. منذ زواجنا الأول.. منذ إنجابك قطعة مني ومنك.. منذ أن أصبحتِ الحقيقة الوحيدة الثابتة في يومي..))
لانت تعابيره وهو يرى الدموع تترقرق في مقلتيها ثم تنهد بعمق وهو يمرر أنامله بين خصلاته المموجة قائلًا
((إذن هل ستريحيننا نحن الثلاثة وتوافقي؟ أم هيهات لقلبك القاسي أن يرأف بنا ويلين؟))
فغرت شفتيها قليلا ليقول بتحذير يواري عن مرحه
((سمية عليك أن تعلمي أني لن أتحمل أكثر من هذا.. إذا ما تجاوزت حدودي معك فلا تلوميني.. فأنتِ لا تتصوريني في كم مشهد احتجت أن أضمك واحتضنك في فرح أو مواساة دون أن أقدر، أنا بحاجة أن أتخلص من القيود التي تلجمني عن كل هذا))
أنبته إياه برقة وخفوت
((مَالك.. يكفي..))
أصر بعبث يشوف ملامحه
((لا لن اكتفي قبل أن اسمع موافقتك، وتكفي عن كونك مفسدة لذة.. سوداوية.. محبطة.. مخيبة أمال..))
احتدمت ملامح سمية وكانت تنوي الرد عليه قبل أن تشعر بابنها يهز ثوبها قائلًا بإلحاح وتوسل طفولي
((أمي وافقي أرجوك))
بدا وكأنها أخيرا انتبهت لوجوده منذ أن طرق مَالك باب منزلها.. وبخفوت حاني غلف دهشتها قالت ليزيد الذي يظلل وجهه الخشية والانقباض وتشي خطوط وجهه بالإحباط والحزن
((يزيد.. حبيبي.. اهدأ قليلا))
لكنها كانت في هذه اللحظات تعيش دوامة من الصراعات.. من جهة عقلها وبقايا تحفظها يحثها على إكمال رفضها لمصلحتهما هما الاثنين.. ومن جهة أخرى يلجمها وجيب قلبها لتوافق وتعيش حلمها الذي ترفض الاعتراف به حتى بينها وبين نفسها في الاجتماع معه ومع يزيد فيبيت واحد!
حسمت أمرها متنهدة قبل أن تقول بانكسار وخفوت
((أنا بارعة في صبّ نكدي عليك.. اعلم.. لكني أرجوك اعذرني فأنا أخشى يا مَالك أن يمر العمر وتختبر عشق حسناوات يصغرنك، وأعود وحيدة مجددا، أنا لا زلت اشعر بتخبط، لذا أناشدك الصبر وعدم الضغط عليّ حتى أعاضد عقلي قبل أن أصل بقراري النهائي دون ندم أو تردد فأنتَ لا تتصور رهبة الأمر بالنسبة لي))
ناظرها بإحباط وخيبة امل يقول
((ولكن إلى متى؟ إلى متى يا سمية؟ هل تعرفين كم هو عمر يزيد؟ نحن منفصلين منذ ولادته بالضبط.. ومنذ ذاك الوقت وانا أحاول بقدر استطاعتي الابتعاد عنك وإعطائك مساحة للتفكير حتى لا تشعري بأني اضغط عليك.. كان بإمكاني وفي نفس اللحظة أن أخبر كل عائلتي، لكنني رفضت أن أنالك قبل أن أُكون نفسي وأصبح قادر على تحمل المسؤولية فأظفر بك))
أغمضت سمية عينيها توبخ ذاتها وتشتم انفعالاتها العاطفية.. والعقلانية أيضًا مغمغة
((أنا آسفة لك يا مَالك لك أنتَ ويزيد..))
تنهد مَالك بضيق وتمتم بنبرة متفهمة
((لا داعي للاعتذار..))
ثم سألها بابتسامة وهو ينخفض ليحمل يزيد
((ا أخبري الشقي هذا.. هل أنتِ موافقة أو لا؟))
راوغت لتشتت محاصرته
((لا تدخل يزيد في مواضيع الكبار))
تلاعب مالك ((إذن اعطي موافقتك لي أنا لا ليزيد))
ردت بحنق ((بل سأعطيها له هو))
تبسم في وجهها لأنه انتزع موافقتها وقال بعاطفة
((اعطيها لابنة الجيران، المهم أنك موافقة))
ارتبكت سمية من نظراته، ليدرك أنها لا تجاري قدرته بالكلام فقالها صريحة وبقرار محتم عليهما معًا
((الأسبوع القادم سيكون عقد قراننا، أمفهوم؟))
زمّـت شفتيها ثم قالت بنبرة تمسدها برسمية تخفف من حميمة المشهد بينهما
((حسنًا.. سأكون أنانية واهتم فقط بمصلحتي وبمصلحة ابني وأوافق على عرضك هذا الذي لا يعوض))
ما قالته كان بمرح يخالف جديتها المصطنعة فتبعثرت البهجة والانشراح بصدر مَالك.. ثم تنفس الصعداء ودفء القرب منها وحرارة التواصل معها وحمى الرغبة بأن تكون له ومعه كلها تتسلل لقلبه..
في حين امتلكت يزيد البهجة من الوريد للوريد وهو يفهم من كلمات والدته بأنها ستعود له..
لكن هلعت ملامح سمية فجأة وقالت بقلق
((ولكن كيف سنخبرهم عن الماضي وكيف سنشرح حقيقة يزيد! لن تكون ردة فعلهم بسيطة!))
تنهد مَالك قبل أن يهدر بجدية تكتنف صوته
((لأصارحك القول في البداية كنت أظن بأن موضوع يزيد هو الطريقة الوحيدة لجعلهم يباركون زواجنا! لكن فجأة بدأت أرى أن نتزوج أولا قبل أن نبوح بحقيقته))
لوث الحزن ملامح يزيد البريئة ثم تساءل منكسا وجهه
((هل أنا مصدر مشكلة لكما؟))
ارتعشت شفتا سمية وهي تناظر ابنها لتهز رأسها مجيبة باختناق
((لا تقل هكذا..))
في حين رفع مَالك ذقن طفله بأنامله وخاطبه بصوتٍ أجش
((لا يا حبيبي أنتَ لست مصدرا لشيء في حياتنا إلا الأمل والحب والبهجة))
ثم ناظر سمية يقول بحسم وهو يشدد من ضم يزيد
((بمجرد أن ينتهي زفاف وليد سيحين دورنا، الأسبوع القادم))
عاد خوف رهبة المواجهة والقلق منها يتسرب لسمية فحبت ابتسامة حالمة ببطء على شفتيه تشاكس قسماته الجادة.. عليه أن يخطو بحذر وتمهل نحوها حتى لا يحول تخبطها وخوفها دون موافقتها..
سمعها تقول بصوتها المرتبك وهي تبوح بدواخلها
((عندما تعرف أمك الحقيقة ستندم على كل خير جادت به على عائلتي! لقد تفضلت عليّ وسمحت بعملي هنا لأكافئها في الوقوع بحب ابنها بل والزواج منه))
مع نهاية حديثها استحالت ابتسامته الى قهقهة عالية ليقول
((تتحدثين وكأنك تزوجتِ من زوجها لا ابنها))
=============================
بعد أن أمضت رتيل ساعات في الإشراف على الطهي في المطبخ وممارسة بعض التمارين الرياضية الشاقة في غرفتها.. رأت أن الوقت قد حان لتمنح نفسها بعض الطقوس اليومية البسيطة التي تعود بمنافع عديدة على صحة جسمها وتشعرها بالاسترخاء والراحة..
ولم يكن هناك أجمل من تدليل نفسها بحمام منعش يمنح جسدها العطر الفواح، وبشرتها ملمسا ناعما ومتوهجا ويزيل آثار التوتر والتعب..
ملأت حوض الاستحمام بالماء، وشغلت موسيقى هادئة في الخلفية ثم أشعلت تلك الشموع العطرية التي كانت قد اشترتها من اجل ليلة رومانسية لها ولمُؤيد.. قبل أن يتضح بأنه لا يستحقها بعدما فعله..
تأوهات باسترخاء وهي تغمر نفسها في الماء الحار الممتلئ بالفقاقيع والرغوة ذات رائحة طيّبة والغنية بالمكوّنات الطبيعية والزيوت الأساسية..
كانت تمسد وجهها بالزيت عندما سمعت صوت وقع أقدام نحو الحمام..
فُتح عليها الباب فجأة ليطل زوجها منه والذي سرعان ما استدار يقول بصدمة
((رتيل كيف تستلقين في الحوض بهذا الشكل؟))
نظرت إليه قليلا كيف ينأى بنظره بعيدا عنها ويغض البصر عنها فأغمضت عينيها تجز على أسنانها بقوة ثم فتحتهما لتجيبه بهدوء كأنها تخاطب شخصا مجنونا بلا عقل
((ادخل، ادخل يا مُؤيد اعتبر نفسك مثل زوجي))
ببطء وتجهم التفت مُؤيد نحوها وكادت أن تضحك ملء شدقيها عليه لكنها اكتفت بابتسامة جميلة وهي تسمعه يقول بوجوم
((ماذا تفعلين الآن؟))
أجابته وهي تغمر جسدها كله باستثناء رأسها تحت ماء الحوض المليء بالفقاعات والرغوة الملونة
((كما ترى، استرخي لأجهز نفسي لحفل زفاف ابن عمك الليلة))
غمغم مُؤيد مغتاظ وهو يرشقها بنظرات ساخطة
((أخر مرة سنذهب لزفاف.. صدقيني))
رفعت حاجبيها تقول باستفزاز
((لماذا! كل هذا لأني اهتم بنفسي؟))
هتف بها بغير رضا
((ما الحاجة لامرأة متزوجة أن تهتم بنفسها قبل الذهاب للزفاف؟ إذا كنت أنا زوجك اقبل بك كيفما كنت فلماذا تحبين الاهتمام بنفسك!))
ابتسامة جانبية لم تعلم أكانت ساخرة أم منكسرة ارتسمت على وجهها وهي ترد
((اهتم بنفسي من اجل نفسي وحسب، لا تقلق أي ملابس ضيقة ولن أضع زينة على وجهي في الزفاف))
سألها بحنق وهو يمعن النظر بها كلها
((متى ستنتهين؟ أريد الاستحمام أنا الأخر))
تراخى جسدها أكثر في الماء وقالت
((لم أقم بحمام الزيت ولا التقشير، اخرج لا زال أمامي الكثير حتى انتهي))
حدجها بحنق وقبل أن يستدير نبهته
((مُؤيد تذكر ما اتفقنا عليه، لا تطلب منا أن نرحل قبل عرض البوفيه، هذا إذا أردت ألا تستمتع لمناحة أولادك بعد الحفل))
تساءل مُؤيد بامتعاض وعيناه تطالان بالنظر لرسم مفاتنها ونحرها المكشوف بعدم غفلة منها
((أي طلبات أخرى يا هانم؟))
وبقي شيء في مُؤيد يجعله يتسمر مكانه ويراقبها باهتمام وبدقيق رجولي.. فهبّت الغيرة المتأصلة في أوردته على روحه وهو لا يفهم منطقه بمنع نفسه من التمتع بكل هذا الجمال المتشكل على هيئة زوجته!
حركت رتيل حاجبيها بمشاكسة هادرة وهي تغمزه
((أخبر نجوم أن تعد لي بعض الشاي والفاكهة والماء المُنكّه بالليمون..))
رفعت رتيل يدها تتابع تمسيد وجهها بنعومة.. مدركة أن نظراته تلتهمها لكنها لم تشعره بانتباهها..
=============================
جفل قصي على دوى صوت قائد فريقه وهو يقول بينما يتطلع لساعة يده
((ألم تنتهي نوبتك الصباحية لهذا اليوم قبل ساعة يا قصي؟))
همهم قصي وهو يضيق عينيه بتفكير، يتذكر بأن ساعات عمله في الشركة بالفعل انتهت قبل الساعة من الآن.. تابع قائد فريقه معتز يقول
((نعم يا قصي أنا متأكد من أن نوبتك اليوم تنتهي في الساعة الثامنة مساء.. أي أنك قد عملت اليوم لساعة إضافية بالفعل))
اغلق قصي حاسوبه وتمطى وهو يقول بإجهاد
((لم اشعر بالوقت بكل صراحة))
رفع معتز سبابته محذرا كمن تذكر شيئا
((إياك أن تطالب ثمن هذه الساعة الإضافية، لن تنال شيئا مقابلها فنحن لم نطلبها منك))
مال قصي بشفته بامتعاض ثم سخر بمرارة
((ليس وكأن المبلغ الإضافي الذي سأناله مقابل هذه الساعة قد يفرق على راتبي الضئيل الذي أتقاضاه))
استنكر معتز باستغراب
((مرّ عليّ موظفين يغادرون عملهم قبل انتهائه بحجة النسيان، أما أن يعملوا أكثر من ساعات عملهم الرسمية بنفس الذريعة فأنتَ أول من يفعلها))
اغلق قصي حقيبته ثم رفع أنامله يدلك جبهته ويقول بإنهاك
((معك حق، لقد كنت منغمسا في تلقي المكالمات ومركز فقط في كيفية حل مشاكل العملاء))
همهم معتز ثم قال بفضول دون مواربة
((حالك متغير هذه الأيام، لقد صرت موظفا مواظبا تأتي قبل العمل بوقت ولا ترحل إلا بعد أن ينتهي على أتم وجه، حتى مواعيد راحتك لا تأخذها كاملة من شدة اجتهادك.. ما هو سرك؟))
تمتم قصي باستياء وغيظ
((لم يمر إلا شهر واحد على التزامي هذا فلا تحسدني من الآن، عجيب أمرك يا معتز))
سأله معتز باستغراب
((ما هو العجيب؟))
قال قصي بحنق بالغ
((لا يعجبك تسربي وإهمالي لعملي في السابق والآن لا يعجبك التزامي واجتهادي.. هل أعود لقصي القديم؟))
مال معتز بوجهه له يرسم له تعابير متهكمة باطنها محذرة
((هل تعرف بأنه ينقصك خطأ واحد قبل أن يتم فصلك من هذا العمل ونودعك للأبد؟ إياك أن تغتر وتظن بإمكانك أن تنجو بفعلتك مثل المرة الماضي عندما طالب مدير القسم من المشرفة شيرين أن تسامحك وتتجاوز عن خطأك ذاك.. فمدير القسم لا يعرف بوجودك من الأساس ولا يهتم بشأنك، لقد وقف بجانبك لأنه أراد أن يستفز شيرين ليزيحها من منصبها.. لا أكثر ولا أقل.. وأنتَ لست محظوظا كفاية لتسلم الجرة معك في كل مرة))
قال قصي بضجر وسخرية
((حقا يا معتز!))
أجابه قائد فريقه باهتمام وجدية
((نعم يا حبيبي وهل تظن بأننا سنظل نسايرك ونتحمل إهمَالك ونتجاوز أخطائك في عملك هنا؟ لا يا حبيبي دلالك هذا مارسه في شركة الوالد أما هنا فلا أحد يتحمل الأخر..))
شيء من العبث.. أو حتى الحسرة توهجت في عيناه ثم تمتم
((هل حقا أستطيع ممارسته في شركة الوالد؟ لأني اشك بذلك))
لوح معتز بيده هادرا بتأكيد
((على العكس لو كان والدك رجلا مقتدرا فاطلب منه أن يشتري لك محل تجاري ويوظفك فيه وبعدها تدلل وغب عن العمل بقدر ما تشاء ولن يحاسب أحد ابن صاحب المكان))
ارتد رأس قصي للخلف وغمغم بصوتٍ منطفئ
((أحقا لن يحاسب أحد الموظف إذا ما كان ابن صاحب المكان؟))
مال معتز ليتكئ على الحائط متسائلا بفضول
((دعك من شكوكك هذه الغير مفهومة وأجبني.. كم هو عمرك يا قصي؟))
عقد قصي حاجبيه وهو يجيبه باستغراب
((في عيد ميلادي القادم سأكون في الرابعة والثلاثين..))
اتسعت عينا معتز قليلا وبدا أنه تفاجئ كثيرًا من عمر قصي الذي ظنه أصغر بكثير مما يبدو عليه.. ليس بسبب مظهره الخارجي وتوهج الشباب والعنفوان الذي يعطيه عمرا أقل بل بسبب روحه المرحة والبسيطة وشخصيته اللامبالية ومزاحه خفيف الظل.. تنحنح معتز قليلا قبل يعقب
((تصغرني بعدة سنوات أنتَ، لكن بكل صراحة لم تعد يافعا، من في مثل سنك يملكون وظائف تدر عليهم رواتب محترمة، عملك كموظف في خدمة العملاء هنا لا يناسب رجلا ثلاثيني لا من الناحية المالية ولا من الأمان الوظيفي، عندما كنت مثلك موظف خدمة عملاء لم يكن يكفي راتبي إلا ثمن السجائر والمواصلات، ولو لم أترقَ هنا وأصبح قائد فريق براتب مضاعف لكنت تركت هذا العمل وبحثت عن غيره))
تراخى قصي في جلسته وقلب عينيه للأعلى.. كيف لو يعرف معتز بأن راتبه الشهري الذي يتقاضاه من عمله في هذه الشركة يدفعه فقط ثمنا لرسوم ناديه الرياضي الذي لم يعد يذهب له أكثر من مرة أسبوعيا وقد أصبح يحب ممارسة الرياضة في البيت حيث هناك صالة ضخمة مجهزة له!
امسك معتز كتفه وهو يتابع بجدية بالغة
((لماذا لا تؤمن على نفسك وتبحث عن عمل أخر؟ ما هي شهادتك؟ اذكر بأني قرأت في سيرتك الذاتية بانك خريج هندسة من جامعة في الخارج، نعم أتذكر هذا جيدا فقد لفتني امر دراستك في الخارج))
ظهر شيء من الارتباك على قصي وهو يجيبه بأول ما خطر على ذهنه
((نعم معك حق، سبق ودرست هندسة إنشاءات في الخارج عندما كنت اسكن هناك مع عائلتي، لكن هي جامعة بسيطة وليست حتى ذات صيت عالي، لا يغرنك اسمها الإنجليزي))
تشدق معتز ببساطة ((نعم بالتأكيد وهل أناس بسيطين من أمثالنا يمكن أن يلتحقوا بتلك الجامعات الإنجليزية دون أن تملك عائلته ثروة طائلة أو يملك هو عقلا منفردا يتيح له منحة!))
تنهد قصي ببؤس وقال
((لقد تخرجت قبل عشر أو تسع ولكن لم اعمل ولو ليوم واحد في شهادتي، ولهذا لا أظن بأني قادر على إيجاد عمل فيها))
هز معتز راسها متفهما لكلام قصي الذي استقام واقفا من مكانه وهو يحمل حقيبة ظهره ويلوح له بالسلام..
خرج قصي من قاعة العمل وعن الممر لمح مشرفته شيرين ولم ينسىَ رشقها بتلك النظرات الساخطة وهو يتجاوزها..
وقفت شيرين تنظر لظهره وهو يغادر هذا القسم من المبنى ثم طالعت معتز الذي كان يسير نحوها لتقول بانزعاج
((انظر له كيف يرشقني بنظرات تحمل كره العالم كلما رآني!))
عقب معتز على كلامها
((لقد تغير قصي، كان في الماضي شخصا فكاهيا وحليما يتقبل أي مزحة أو حتى سوء معاملة ببشاشة وصدر رحب متسامح لكن الآن بات شخصا كئيبا))
ضيقت شيرين عينيها بشك ثم قالت مستغربة
((تتحدث كثيرًا عن قصي يا معتز.. هل هو الموظف الوحيد الحزين في قسمنا هذا؟ أنتَ حتى لا تحفظ حتى أسماء الباقيين!))
لف الارتباك معتز وهو يحاول التبرير
((الأمر ليس هكذا، لكن هو الموظف الوحيد الذي أتعبني بإهماله وعدم مبالاته منذ أن عملت هنا، ولفتني كثيرًا أن اعرف سر تغيره مؤخرا))
أجابته شيرين بإيجاز ووضوح
((سر تغيره هو نقلي له لمكان أخر أكثر صعوبة وانشغالا))
قال معتز لها وقد أثر عليه بؤس وحزن قصي
((معك حق.. ربما هذا هو السبب.. شيرين أعديه لمكانه الأصلي، حرام عليك لقد نال عقوبته كاملة بل وأكثر))
شعت عينا شيرين بالغل لترفض رفضا قاطعا مشوبا بالسخرية
((لا أريد ولن افعل.. بسببه تلقيت توبيخا من رئيس القسم.. سيبقى هناك لمدة أطول.. وليدع جزيرة الواق واق التي فضلّ الذهاب إليها ولو على حساب طرده من هنا أن تنفعه))
=============================
كان مُؤيد يناظر بامتعاض طلة زوجته الآسرة وهو يراها ترتدي فستانا نبيذيا أنيقا بحمّالتين رفيعتين وبطبقات ثلاث مقصوصة بشكل عرضيّ تعلو إحداهما الأخرى وحزام ذهبي حت صدرها محدّدا إيّاها بفتنة مهلكة..
فقال بعبوسه وملامحه المشدودة كالوتر
((هل سترتدين هذا الثوب الضيق الخليع في حفل الزفاف؟))
حادت رتيل بنظراتها بعيدا عنه وهي تمسك العباءة
((نعم، ما المشكلة؟ لن اخلع العباءة إلا بمجرد أن يغادر ابن عمك العريس قاعة النساء))
هتف بها بغضب متقد وهو يمسكها من كتفيها ويديرها ليناظر ظهرا المكشوف
((أنا لن اسمح لك بارتداء شيء كهذا حتى أمام النساء))
هتفت به بحنق واضح
((تتحدث وكأن ثوبي شبه عاري!))
تأجج غضب مُؤيد فصرخ بها منبها
((انظري لانعكاس ظهرك للمرآة، مكشوف للغاية))
ابتسمت بدلال تغيظه بادعاء البراءة ثم قالت
((لا ليس مكشوف الظهر كثيرًا))
ثم عقدت حاجبيها فجأة تقول بتحذير
((وإياك أن تحاول دفعي لأبدله، منذ ساعات وانا أتجهز))
لم تكن قد أكملت كلامها وهي تشعر به يقترب منها بغضب مستعر يلمع في عينيه ويمسك شعرها المرفوع بمحاولة فكه فصرخت به بهلع وهي تضرب يده وتبعدها عن شعرها
((ماذا تفعل؟ اترك شعري.. اتركه..))
ابتعد مُؤيد عنها مزمجرا بسخط
((أطلقي العنان لشعرك الطويل ليخفي شيئا من ظهرك المكشوف))
تشدقت بسخرية ثم هتفت به بضيق وانفعال
((هل تعرف كم من الوقت قضيته في تصفيفه!))
كاد مُؤيد أن يسحق أسنانه وهو يرمقها بغيظ.. بل أوشك أن يشد شعرها ويقتلعه ليخفي ظهرها المكشوف وبانت رغبته هذه جلية في عينيه.. فحاصرها بخيارين
((يا أن تبدلي الآن هذا الثوب بأخر أكثر حشمة أو تخفي الجزء المكشوف من ظهرك بشعرك))
ضيقت عينيها المشتعلتين بنار الغضب وكادت هي الأخرى أن تقتله في هذه اللحظة لكن انفرجت ملامحها فجأة وقالت بلامبالاة وهي تتوجه لخزانة ملابسها
((عندي وشاح ملائم تماما لهذا الثوب سأرتديه فوق كتفي وسيغطي ظهريا))
ظهر شيء من الرضا على وجه مُؤيد إلا أنه قال بتهديد شرس
((وإياك أن تخلعي هذا الوشاح هناك، هل فهمتِ؟))
رسمت رتيل ابتسامة متشنجة لتؤكد
((رغم أنه لا خطأ في ثوبي هذا أمام النساء ورغم أنك رجل متزمت ورجعي لكن لا بأس سأفعل كما تريد..))
ردد مُؤيد بخشونة وجدية
((رتيل انعتيني بما شأتِ، لكن مجددا أحذرك من التحرر من هذا الوشاح))
فاجأته وهي تميل رأسها برقة تتلاعب بنظراتها ما بين استعطاف وتدلل هامسة
((على الأقل قل بأنك تغار عليّ من حسد وعيون النسوة هناك لذلك تريد مني إبقاء الوشاح على كتفيّ.. جمّل أوامرك المتخلفة ولو ظاهريا واكذب عليّ))
ظل على تجهمه وهو يقول بجدية تلف كلماته متجاهلا سخريتها
((لن أكون موجودا هناك لكن أثق بأنك لن تخالفي ما قلته، رغم كل سيئاتك إلا أني أثق بأنك زوجة مطيعة وصالحة وستلتزمين بأوامري))
شحب وجهها قليلا وتمنت لو لا يلاحظ مُؤيد الاختلاف الذي طرأ على تقاسيمها وهي تبتلع غصة مسننة ثم تقول وهي ترفع ذقنها بصوتٍ مخنوق
((مُؤيد.. استرخي قليلا.. طالما قلت لي أن استر ظهري ولا اظهر منه شيء فلن افعل حتى لو كان سيقلل من جمال الثوب.. منذ متى وانا أخالف ما تأمرني به!))
أكد مُؤيد على كلامها باطمئنان وثقة يحسد عليها
((نعم أنا اعرف، أفضل شيء في حياتي امتلاكي زوجة مثلك أستطيع استئمانها على بيتي وأولادي وكلي ثقة بان قدمها لن تخطو خارج البيت إلا بعلمي وستحفظ أمانتي))
حاولت رتيل أن تمتلك أعصابها وهي تحث نفسها ألا تتأثر من الكلام الذي سمعته منه.. ولتخفف شيء من تأنيب ضميرها ذكرت نفسها بتسكعه مع تلك النسوة تحت رداء الزمالة والعمل!
حثها مُؤيد وهو يناولها العباءة
((هيا ارتدي العباءة والحجاب فوق هذا الثوب المقيت ولنخرج الآن قبل أن نتأخر))
=============================
بدأ حفل زفاف وليد وشيرين صدح صوت الموسيقى صاخبا بأغاني حماسيّة تليق بحفلات الزفاف.. لكن حتما لم تكن الأغاني حماسية بشكل كافي لتبدو العروس بهذا الشكل.. مر بعض الوقت حتى تم عرض بوفيه العشاء في حفل الزفاف فتساءلت رتيل والفضول يقفز من عينيها
((لماذا لم يأتي زوجك للحفل يا نورين؟))
هزت نورين كتفها مجيبة
((لا أدري، أنه كتوم بشأن وليد لكن يبدو أنه لا يحبه أبدًا.. ولولا والدته لما طلب مني أن أرافقها))
ظهر شيء من التردد على رتيل وهي تقول بخبث متأصل فيها غير قادرة على الكتمان
((هل تعرفين بان هذا المدعو وليد هو من كان يجب أن يتزوجك!))
امتقع وجه نورين مغمغمه
((نعم اعرف وحمد الله أنه لم يفعل، كنت أظن أنه معترض على الزواج من اجل زوجته لكن اتضح بأن يضمر في عقله قصة أخرى))
هزت رتيل وجهها لتبوح
((كلنا صدمنا بخبر طلاقه من جُمان، لا أدري أين ذهب بالحب والهيام الذي كان يظهره لها أمامنا، كان يقول بانه يعشقها ويحبها وبان الله أبدله بخير من تلك المدعوة شيرين، وبعد كل هذه السنين يطلقها من اجل شيرين لا من أجل عدم إنجابها.. الرجال في قمة الحقارة))
عقبت نورين باستياء
((بصراحة لست مهتمة أن اعرف شيئا عن حياته العاطفية، فقط احمد الله باني لم يكن من نصيبي، حتى شكله فهو غير مريح رغم حسن مظهره))
قالت رتيل بنبرة تحمل رنة سخرية
((معك حق، أنه مكروه في كل هذه القرية لتجبره وعجرفته.. أكثر من مُؤيد))
ثم سرعان ما اتسعت عيناها وهي تهتف لابنها بردع
((فهد لن يطير الطعام من أمامك، امضغ الطعام بفمك أكثر من مرة قبل ابتلاعه))
قال فهد الذي كان يقوم بتعبئة طبقه بمختلف الأصناف
((أمي أنا أريد التهام كل الأصناف المعروضة))
حثته رتيل بتأنيب
((قال والدك بانه لن يستعجلنا الرحيل مثل العادة، لا داعي للاستعجال يا فهد))
تطلع فهد لامه يقول بحنق
((قد يغير رأيه وأنا عليّ أن اكل كل شيء هنا))
تنهدت رتيل بيأس من صغيرها ثم تطلعت لنورين مبررة
((ولداي الاثنين يظنان طعام البوفيه قادم من الفضاء ومختلف عن طعام المنزل! فلا تظني بهما السوء لمجرد انهما يريدا تجربة كل شيء كالمشردين))
هزت نورين رأسها بتفهم
((لا تقلقي يا رتيل))
.
.
أذعن وليد الذي كان جالسا بجانب شيرين لأمر قلبه والتفت يناظرها.. لم يراها جيدا منذ أن خرجت من صالون التجميل..
بدأ يحدق ويتشرب بنظره كل تقسيم من وجهها.. حتى وصل لعينيها الخضراوين المكحلتين البهيتين..
التفتت شيرين بعد أن ارتدت الذهب في الحفل تسأله بعفوية وشيء من التوجس
((لماذا تناظرني بهذا الشكل؟ هل أبدو جميلة؟ لقد اكتفيت الليلة بوضع لمسات بسيطة فوق وجهي من الكحل وأحمر الشفاه))
رد بصوت أجش
((هذا الكحل الذي يليق على عينيك العربيتين هو أكثر من كافٍ بالنسبة لي وثَمِلٌ أنا بسحره))
أمسك ذقنها حتى لا تحد بنظراتها المضطربة عنه لكنها نفضت يده قائلة
((نعم اعرف، لطالما أحببت الكحل العربي عليّ))
ناظر وليد بخفر حركة عنقها الأبيض كلما ابتلعت ريقها توترا ثم أمرها بهدوء
((ابتسمي قليلا، أنتِ أول عروس تبدو متجهمة في حفل زفافها رغم أنها ستتزوج برجل هو مطمع لكثير من النساء ومن هن أفضل منها))
هاجت خضرة عينا شيرين غضبا كاره وهي تقول ببغض
((ما كنت لأتزوجك وأعطيك فرصة الانتقام مني والتشفي لولا والد سهر))
رفع حاجبيه يقول بعبث ولم تدري شيرين بأنه كان يختبر ردة فعلها ويقيمها
((إذا كنت تزوجت مني من اجل والد سهر فتخيلي أن يتم هذا الزواج دون أن أتبرع لوالدها؟))
همست له بعدوانية
((لا تمزح في أمر كهذا، والا سأقلب الزفاف عليك))
زمّ شفتيه بحنق واضح منها لكنها تمادت وهي تضيف
((اليوم ليست ليلتك يا عريس، فأنتَ تتذكر اتفاقنا بانك بعدم الاقتراب مني قبل عملية والد سهر.. سأخبر سهر أن تبشر والدها في الغد))
التزم وليد الصمت وهو يناظرها بوجه خالي التعابير قبل أن يقول بنبرة فاترة قليلا
((سنرى الليلة يا شيرين))
جحرته بعينيها ليقول بابتسامة جانبية
((لا تناظريني هكذا! أنا هكذا.. مميز دائما بكل شيء واملك في جعبتي الكثير بما يذهل من يتعامل معي))
حركت حاجبيها وهي تقترب منه بجرأة ووجهها مقابلا لوجهه لتهمس وعيناها تتحديان عينيه
((إذن لا تدع تميزك هذا يغرك يا وليد))
مال ناحية خدها يلثمه بشفتيه قبل أن يميل أكثر ويهمس قرب أذنها
((لا تقلقي فتميزي لم يغرني قط بل يزيدني ثقة))
لامست ظاهر يده هادرة بسخط
((هيا اذهب إلى قاعة الرجال، طال بقاؤك هنا))
ناظر عينيها طالبا
((لن اذهب قبل أن اخذ قبلة.. ولو صغيرة))
فعلت المثل وهي تميل بشفتيها لخده تلثمه بسطحية هامسة
((بما أني سأعيش معك عمرا طويلا فمن الآن سأجبر نفسي ع قربك))
ثم ابتسمت له رغم تشنج ابتسامتها وهي ترمش بإغراء مفتعل
((هيا اذهب الآن، سأشتاق لك يا حبيبي.. راضي الآن؟))
كان يعرف بأن وقت هنا طال وعليه المغادرة وتلقي التهاني مع الرجال في القاعة الأخرى.. لكن كل شيء يجبره على البقاء هنا..
أفلتت عيناه من سيطرته فهامتا بحرارة مشتعلة من وجهها لعنقها لفتحة فستانها ثم لامست فتنة ورشاقة قدها الذي أظهرته قصة فستان زفافها الأبيض المثيرة والأنيقة..
جف حلقه وهو يفكر بأنه الليلة.. سيذهلها حقا!
وقف من مكانه للمغادر لعله يسيطر على موجة رغبته فيها التي ضربته بشكل الآن بعنف..
ساعات.. فلينتظر فقط ساعات وستكون له.. الليلة..
سيثمل.. سيغرق فيها..
.
.
بمجرد أن انتهى حفل الزفاف قامت سهر بتوديع صديقتها التي استقلت السيارة تحثها
((قد تستغربين كلامي، لكن لمست حبه لك، صحيح أن ما قام به في الماضي تجاهك لا يغتفر، لكن عليك أن تحاولي النسيان وتجاوز ما حدث بما أنك اخترت الزواج منه، حاولي الانسجام معه والإنجاب))
قالت لها شيرين بصوتٍ خافت وكئيب
((للأسف هذا ما سأفعله، لا لشيء إلا لشح الفرص والخيارات المتاحة أمامي.. رغم أني..))
رفعت سهر حاجبيها لتحثها على الإكمال فأكملت شيرين باستسلام
((رغم أني أواجه صعوبة في تقبّل وليد بعدما أنهيته من حياتي في الماضي، حتى وهو الآن يحاول أن يكون أقل سوءً من قبل، لكن لسبب أو لأخر لا أحبذ فكرة التعايش معه للمرة الثانية.. لكن سأحاول التشبث بأي يشيء يصل للراحة أو إلى جزء من السعادة))
ابتسمت سهر وهي تلوح لها بكفها تقول بعاطفة
((إلى اللقاء يا عروس، لا اصدق أنك تزوجتِ حقا))
بالكاد منعت شيرين نفسها من البكاء وهي تشدد على عناقها ثم تبادلها الوداع..
أسرعت سهر الخطى نحو أمها التي كانت تنتظرها في السيارة.. جلست خلف المقود وكانت تريد تشغيل المحرك عندما أمسكت أمها مرفقها تقول باستياء
((شيرين خُطبت ثم فسخن ثم خطبت ثم تزوجت وأنتِ لا زلت تنتظرين قصي ذاك المحتال ليتمنن علينا))
ابتلعت سهر الغصات التي نكأت حنجرتها من أمر قصي ثم تمتمت
((أمي أرجوك لا تفسدي عليّ فرحتي بصديقتي))
ضغطت تمارا أكثر على مرفق ابنتها فأوشكت الأخرى أن تطلق آهة توجع بينما تهدر فيها بخفوت وغيظ
((سأسكت وادعك تفرحين بخيبتك، انه حتى لم يعرفنا على عائلته، ووالدك بارد بخصوص هذا الموضوع بشكل لا يطاق، دائما يخبرني أن اصبر وأثق بقصي.. يا رب رحماك ما سر ثقته هذه وبروده تجاه قصي))
قالت سهر بجفاء
((أمي لأصارحك فأنا لا اتحدت مع قصي أبدًا ولا أرد على اتصالاته، أخبرته أن يُعجل بالحفل أو سيكون فسخ كل ما بيننا هو الحل الوحيد.. صدقيني اقتنعت بكلامك وبدأت اخذ الموضوع بجدية أكبر من السابق))
حررت تمارا مرفق ابنتها أخيرا وهي تقول بقهر مكتوم
((أحسنتِ.. فحتى الأعمى يدرك بأنه لا يعاني من أي ضائقة مالية، إنه فقط محتال يريد الاستمتاع برفقة فتاة جميلة مثلك تشبه دمية الباربي وبمجرد أن ينتهي منك سينهي كل شيء، ولولا الأمل البسيط في داخلي بانه يحبك والا لكنت أنهيت كل شيء بينكما))
بدأت سهر في قيادة سيارتها وعمّ الصمت بينهما إلا من صوت المحرك عندما قالت والدتها بغتة باستغراب يلفه الفضول
((لماذا لم تبدُ شيرين سعيدة؟ عشيرة هذا المحامي مرموقة ووضع عريسها الاجتماعي والمالي ممتاز))
تمتمت لها سهر التي كانت تشعر بقلق عارم على شيرين
((دعي صديقتي في حالها يا أمي، تمنى لها فقط أن تسير الأمور في هذا الزواج على نحو جيد..))
=============================
بمجرد أن أنهت شيرين من حمامها الحار حتى دلفت لغرفة النوم وهي تلف شعرها الأسود بمنشفة صغيرة..
كانت تجلس بين حقائبها تحاول تفريغ البعض منها وإخراج منامة مريحة بعد هذه الليلة المتعبة عندما داهمها صوت وليد الخشن
((هل انتهيت من الاستحمام؟))
حانت نظرة من شيرين ناحية وليد الذي بدا وانه قد أنهى الاستحمام في الحمام الأخر.. ثم انتهبت على نظراته المتفحصة لمفاتنا التي يظهرها مئزر الحمام القصير هذا.. فتنحنحت قبل أن تخبره بصوتٍ واجم
((عليك أن تختار النوم في مكان أخر في المنزل، فأنتَ تتذكر اتفاقنا! وغدا في الصباح علينا البدء في أول تدابير موضوع التبرع لوالد سهر))
وضع وليد يديه في جيبي بنطاله القطني وتقدم للداخل قائلا
((بخصوص هذا الموضوع فقد طرأ بعض التغيرات))
انقبض قلب شيرين لما يمهد به لها فكلامه لا يريحها.. ابتلعت ريقها قبل أن تسأله
((ماذا حدث؟ إياك أن تقول بأنك ستتراجع!))
تحدث وليد بنبرة عادية وكأنه يعلن عن شيء بسيط اعتيادي
((تحليلاتي لم تطابق المعايير المطلوبة ولن أقدر على التبرع له من الأساس))
امتقع وجه شيرين وكأنه أصابها بمقتل! فسألته بصوتٍ مرتجف ممتعض
((وليد هل تظن مزاحك مضحك؟ هل ترى أن الظرف مناسب لمزاحك بعد حفل زفاف طويل ومرهق؟))
أجابها وليد مستدعيا كل قدرته التمثيلية ليدعي بحزن
((أنا لا امزح لكن تحليلاتي غير متطابقة مع والد سهر ولا يمكنني أن أتبرع له رغم رغبتي الحقيقية في ذلك))
همست شيرين بتشكك وكأنها ترفض مواجهة حقيقة بأنه خدعها بكل سهولة ودون أن يرف له جفن
((ولكن ماذا عن التقارير الطبية التي رأيتها أنا وسهر وتأكدنا من صحتها))
زمّ وليد شفتيه يقول ببساطة
((إنها صحيحة بالفعل، لكنها تعود لرجل أخر، استطعت بطرقي الخاصة أن أزور الاسم وادعي بأنها لي))
هدرت من بين أسنانها بكلمات تقطر قهرا
((إذن تعترف بدم بارد الآن بأنك خدعتني!))
قال وليد وعينيه تفيضان بالتجبر والسلطة
((ليس تماما، فأنا أمضيت وقت طويل ومجهد في البحث عن أقارب سهر خاصة أن معظمهم يعيشون في الخارج، وطلبت منهم أن يجروا فحوصات معينة فانطبقت التحليلات على رجل واحد فطلبت منه أن يتبرع لوالد سهر وهو وافق مقابل بعض الخدمات مني.. بالنهاية وبالنسبة لوالد سهر أن يجد متبرع ولن يهمه هويته))
عقدت حاجبيها بقهر دفنته خلف أسوار مقلتيها اللتين تسلحتا بالعنفوان وهي ترفع ذقنها متسائلة بسذاجة
((حسنا.. معك حق.. إذن متى سيتبرع ذاك الشخص لوالد سهر؟))
زمّ وليد شفتيه مفكرا ثم قال وهو يقترب منها أكثر
((هنا المشكلة.. لقد تراجع في أخر اللحظات، قائلا بانه لم يعد بحاجة لخدماتي وخائف من الخوض في غمار هذه العملية الجراحية رغم أنه لا يوجد ما يثير القلق فيها))
تجمدت شيرين وهي لا تزال على صدمتها وحدقتيها تهتزان بينما تتساءل
((ما الذي تقصده؟ لا يوجد متبرع الآن لوالد سهر؟))
هز وليد كتفيه يجيبها وهو يشرف فوقها بثقة
((لا أريد الحكم من الآن، لا زلت قادرا على ابتزاز ذاك الرجل لإجباره على التبرع، سأحاول حقا أن تتم عملية التبرع لكن لا أعدك بذلك..))
انتفضت شيرين واقفة في مكانها لتصرخ به في جنون
((أيها الحقير منذ متى ومثل هكذا عمليات تتم بالإجبار أو الابتزاز أو استغلال حاجة الناس! أليس عندك ذرة خوف من الله أن ترتد أعمَالك عليك؟))
لم يتحرك فيه شيء بل وبكل بساطة واستفزاز تقدم منها وهو لا يزال يضع يديه في جيبه بينما تسمرت عيناه على عظام ترقوتها الفاتنة والتجويف اللذيذ بين عظمتيها ليقول
((لندخل في صلب الموضوع الأهم، بما أن العملية لن تتم الآن وسنكون بحاجة أن ننتظر أكثر.. أسبوع.. شهر.. شهرين.. أو ربما لا تحدث من الأساس.. فعلينا إلغاء فكرة "تأجيل علاقتنا الزوجية لما بعد العملية الجراحية" فأنا لست مستعدا للانتظار أكثر من ذلك!))
أخفضت شيرين وجهها وهي تشعر بألمٍ شديد في حلقها ثم ردت ساخرة
((هل هذا ما يشغل كل تفكيرك به؟ وهل تظن أساسا باني سأبقى معك بعد أن عرفت بخدعتك؟))
ثم تمتمت بخفوت كمن تحدث نفسها
((من الجيد أني لم أخبر والديّ سهر! سيكون أمرا فظيعا إعطاءهم أملا كاذبا مقابل لا شيء))
رفع حاجبيه يسألها بتشكيك واضح وبنبرة متلاعبة
((أستطلبين الطلاق في نفس يوم زفافنا؟ هل تعرفين ماذا سيتحدث الناس عنا؟ اقصد عنك أنتِ؟))
شمخت شيرين بذقنها تدّعي القوة وهي تقول بصوتٍ خانها فخرج مضطربا
((في كل الأحوال لم يتبقَ شيء لم يتحدث به الناس عني بسببك، الآن سأحزم أغراضي وأغادر من هنا وإذا كان فيك الخير أخبر من يسأل عن سبب طلاقنا باننا لم نتفق ولا تقرب صوب سمعتي..))
صدرت عنه ضحكة ذاهلة لا تحمل أي مرح.. ثم هز رأسه غير مصدقًا قبل أن يرفع وجهه يقول بنبرة جليدية قاسية
((أنتِ حقا مجنونة يا شيرين، قلت لك قد أستطيع جعل الرجل يوافق للتبرع، هو كان موافقا على التبرع وكان سيتم كل شيء، لكن نيتك السوداء هي ما حالت دون موافقته))
استدارت تواجهه وقد تجلدت مقلتيها لتقول بفتور
((أنا لن أثق بك مجددا أو أتأمل خيرا منك، لقد كنت تظن بأنك لو أخبرتني بعد الزواج ووضعتني تحت الأمر الواقع فأنا لن اطلب الطلاق، لكن الآن سأثبت لك زيف أوهامك، أنا لم اعد املك في هذه الدنيا ما اخسره أيها الدنيء))
لم يجب عليها بل مضى خطوتين نحو الباب يغلقه ثم أدار القفل وعلى صوت تكته قفزت نبضة في قلب شيرين.. لكنها بقيت صامدة ونظراتها لا تنحني بإظهار ما يعتمل داخلها اللحظة..
تباطأت نظرات وليد التي بدأت تحدق بجسدها من قمة رأسها وحتى أخمص قدميها.. ولم يجبها.. كانت نظرات عينيه في هذه اللحظة محتدمة.. مظلمة.. وراغبة.. ونهمة لتذوق حقه الذي تركه بملء أرادته في الماضي من أنوثتها الرقراقة بعد أن صُدم برسائل خطتها لرجل أخر.. غيره..
دقت الطبول بينهما لتعرف أنها أطلقت الأسد من عرينه أو هي من دخلت إليه بسذاجة.. المهم أن التمزق الى أشلاء بين أنيابه واحد.. فازدردت ريقها قبل أن تقول
((ما الذي تفكر في فعله؟))
وعندما لم يجبها تغلبت على الخوف الرهيب الذي بدأ ينتشر داخلها بشق الأنفس لتظهر اللامبالاة والبرود
((غادر يا وليد أريد أن أبدل ملابسي قبل أن أرحل))
ارتسمت على شفتيه ابتسامة أسد جائع يتسلى بافتراس ضحيته على مهل وببطء جعل لعابه يسيل عليها..
لكنه تحكم بنفسه وهو يجيبها ساخرا بواقعية
((إلى أين ستذهبين يا كحيلة العينين؟ وهل عندك مأوى أخر باستثناء بيت سهر؟ لن يكون من اللائق بعدما أرحتها هي وعائلتها من حملك الثقيل أن تعودي لهم بعد منتصف الليل كمفاجأة غير سارة! عدت لهم أول مرة مطلقة من الرائد بعد أيام والآن تريدين أيضًا الطلاق مني والعودة لهم فقط بعد أيام من زواجك؟ اخجلي على نفسك ولا تثقلي عليهم أكثر من ذلك.. كم من سنة وأنتِ جالسة عندهم؟ منذ وفاة أبيك صحيح؟))
دمعة قهر بالغ أوشكت أن تغدر بشيرين فلم تمهل نفسها الغرق بشعور الذل والعجز لتهاجمه
((بسببك أنتَ اضطررت أن اترك منزلنا القديم وأجاره المنهك واسكن عند سهر لادخر راتبي من أجل القضايا التي حرضت موكلك على رفعها عليّ ظلما وقهرا))
كان الاثنين يحدقان ببعض عن قرب شديد بينما يضيف وليد وشيء من بواقي ألم مبرح يطل من عينيه
((كان هذا جزءً من انتقامي لك، والذي بالمناسبة أفكر بأن ينتهي الآن ولا أتمادى بها كما كنت أخطط، هل تعرفين لماذا؟ لأني أنهكت من لعبة الانتقام هذه.. آنى لي ولك أن نحظى بالسلام ونكمل بقية حياتنا بحب ووئام بعد أن اكتشف كلانا أنه لن يستطيع العيش دون الأخر))
وجدت نفسها ودون أي تفكير مسبق تقول بمقت شديد وهي تنظر في عينيه بتحدٍ
((ابتعد عني أنتِ وأحلامك وظنونك الواهمة فأنا سأغادر، حتى لو اضطررت للنوم للشارع فلن أبالي.. لن ابقَ هنا.. سأرفع قضية خلع عليك وأتخلص منك دون أن يكون لدي عدة بما أنك لم تلمسني))
قال وملامحه تزداد قتامة ورعبا
((إذن سأفعل ما قد يقتضي عليك عدة بل ويصعب حصولك على هذا الطلاق يا كحيلة العينين))
تصاعدت خفقات قلبها بخوف عنيف وتسارعت أنفاسها رغمًا عنها وهي تحاول خنق الخوف منه ومما قد يفعله في هذه اللحظة وبينما يمد كفه لشعرها يجر خصله الى فمه بعنف يقبله وهو يهمس بثمالة العشق
((الليلة أنتِ حقي، سيحدث الآن ما كان يجب أن يحدث قبل سنوات))
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل السابع وثلاثون 37 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل السادس عشر
انزوى ما بين حاجبيّ رتيل لتتساءل باستنكار
((لماذا تضحك يا مُؤيد؟))
تعالت ضحكاته أكثر ورأسه يرتد للخلف حتى دمعت عيناه فضغط عليها للحظات حتى هدأ لتظل ابتسامة عالقة على شفتيه وهو يقول
((أمي ستُجن، بل ستفقد عقلها عندما تعرف بأن ابنها المدلل سيتزوج من تلك البستانية بدعم من أبي))
عادت ضحكاته تتعالى فلم تستطع رتيل ألا تبادله الضحك.. لكنها تملكت نفسها لتقول بوجه يصطنع الاحتقان وهي بالكاد تقدر على كبت ضحكاته
((إنها أمك يا مُؤيد، لا تشمت بها!))
قال من بين ضحكاته الصاخبة
((ألم تدلل تؤاميها الصغيرين على حسابنا نحن! فلتحصد إذن))
لكزته بيدها وهي تقول موبخه
((وما شأنك بها! فلتدلل من تريد، لطالما كنت أنتَ ومعاذ المفضلين عند والدك.. ولم يعترض أحد!))
نظر مُؤيد لها بتشكيك هادرا
((وأنتِ أيضًا لا بد أنك سعيدة بأن البستانية ستتزوج أخي وتغدو سلفة لك فعلى حد علمي تحبينها كثيرًا))
نفخت رتيل وجنتيها قبل أن تتشدق بحركة تمثيلية
((نعم أحبها كثيرًا، لا تتصور سعادتي))
تنحنح بملامح جادة ليستعيد تركيزه قائلا
((على كل حال، فمَالك ذاك أكثر إخوتي جنونا، سيندم في المستقبل، أنا متأكد))
هزت كتفها قبل أن تقول بحيادية
((ولكن اشعر بأنه يحبها من قلبه، حب غريب لكنه الحب، يقال بأنه لا يجمع إلا المختلفين.. كإثنين بينهما فارق كبير في العمر، أو أحدهما له ماضي والآخر يحب لأول مرة.. أو.. أو زوج متزمت ورجعي وزوجة مسكينة ومظلومة))
أخر مثال خرج من رتيل وهي تشدد على كلماته فسدد مؤيد نظرات ممتعضة وقال
((وما أدراك بأمور الحب وهذه الترهات؟))
ردت عليه بتلقائية
((اقرأه في المجلات المختصة بشؤون المرأة))
أمرها مُؤيد حانقا
((أحرقي كل هذه المجلات السخيفة، كلها فجور وكلام يشجع على هدم البيوت))
تجهمت في وجهه لكنها لم ترد عليه بل دفعته برفق ليستلقي على بطنه وبدأت تحرك يدها على ظهره بلطفٍ بالغ تحاول تخليصه من تشنجات عضلاته المؤلمة فقد ذهب نيابة عن والده للمزرعة منذ الصباح الباكر وبدا مجهدا عند العودة..
بمجرد أن انتهت استلقت على ظهره واحتضنت جذعه.. وبدأت أناملها تتراقص على بشرته الكستنائية العارية ليجتاحه شعور لذيذ أقوى من أن يأمرها بالتوقف والابتعاد عنه كما هو معتاد عندما تقترب منه!
طبعت قبلةً رقيقةً على جبينه وهمست تطلب بدلال
((حبيبي.. أريد أن اذهب الأسبوع القادم عند أمي..))
فتح مُؤيد الذي كان مسترخيا عينيه فجأة وقال بشيء من الحنق
((ألا تلاحظين أن زياراتك لامك باتت مؤخرا امر مبالغ فيها خاصة وأنك تبيتين عندها لأكثر من يومين؟ يمكنك الذهاب غدا ولكن سأصحبك في المساء))
ابتعدت عنه تنظر له باحتجاج.. لن تستطيع الاستمتاع بوقتها عند غنوة إذا لم تجلس هناك ليومين على الأقل تتسكع معها في أرجاء المدينة! كتفت ذراعيها معترضة
((ستكون يا مُؤيد في المدينة فماذا يفرق معك وجودي من عدمه هنا؟))
تجهمت ملامح مُؤيد وهو يعتدل شبه جالس مكانه..
وكان يريد أن يزجرها بصوتٍ عالي عندما فتح ابنه فهد الباب بغتة مناديا أمه دون أن يطرقه.. فسارع مُؤيد يتناول قميصه المنزلي ويرتديه بينما يوبخ ابنه
((كم من مرة عليّنا أن أنبه عليك أنتَ وأخيك ألا تدخلا غرفة النوم قبل أن أأذن لكما؟))
ثم ناظر زوجته يستطرد بحدة
((ارتدي شيئا ساترا فوق هذا الثوب الساتر، كم من مرة عليّ أن أنبهك ألا ترتدي مثل هذه الملابس الضيقة حتى لو كنت بمفردك في الجناح؟))
أغمضت رتيل عينيها تحث نفسها على الصبر وهي تستوي واقفة من عليّ السرير لتغير ثوبها وتجنب نفسها الاستماع لمحاضرة زوجها الخلوق المحترم! في حين تطلع فهد الذي كان يمسك صندوقا من الصور بوالده ببراءة وهو يزم شفتيه معتذرا
((أنا اسف ولكن أمي طلبت مني أن اختار صوري المفضلة من هذا الصندوق لتضعهم بألبوم خاص بي وها قد انتهيت من الاختيار))
ضيق مُؤيد حاجبيه باستهجان وقال بحيرة مشوبة بالتعجب
((ما قصة الألبومات هذه؟ اسمعها منك كل فترة وأخرى))
تبدلت نظرات فهد للتأنيب وهو يقول بتلميح طفولي
((عمي مَالك يظل يلتقط الصور مع يزيد وصنع له أكثر من البوم لصورهما معًا، فأخبرت أمي وقالت بأنها ستبحث عن صور قديمة لي لتصنع البوم خاص بي))
عندما بدا أن فهد لم يحتمل ثقل الصندوق أكثر وضعه على السرير، وبفضول تحرك نظر مُؤيد عليه فبدأ يقلب بيديه الصور داخله بعشوائية والتي كانت معظمها لفهد قبل أن يضيق عينيه بتدقيق على إحدى الصور التي وقع بصره عليها!
ببطء وتردد مد أصابعه يلتقط الصورة ويقربها من عينيه يمعن النظر في المرأة الظاهرة بها متسائلا عن هويتها..
كانت الصورة لامرأة شقراء بشعر قصير ومساحيق تجميل صاخبة تقف من بعيد في منزل عادي.. وبدا شكل المرأة له أيضًا مألوفًا للغاية، أين يا ترى رآها؟
لو كانت الصورة الملتقطة مقربة لوجهها بشكل أكبر ربما لعرف من هي!
((مُؤيد كيف تنظر لخصوصياتي؟))
خرج مُؤيد من شروده جافلا على زوجته وهي تسحب الصورة من بين يديه بحدة.. فتوتر وتلعثم قائلا
((أنا.. لم افعل.. لم اقصد.. أعني..))
ثم تماسك قليلا يهاجمها بعدوانية كأفضل وسيلة للدفاع
((أي خصوصيات هذه التي وضعتها في هذا الصندوق وأعطيته لطفلك!))
اتسعت عينا رتيل وبررت بشيء من الارتباك
((لقد جمعت صور فهد ووضعتهم في هذا الصندوق ليختار صوره المفضلة.. لم انتبه لوجود هذه الصورة هنا.. لكن كيف تنظر بهذا السفور للمرأة في الصورة! هل هذا غض البصر الذي تعلمته يا مُؤيد؟))
تغضن جبين مُؤيد بالضيق ثم قال بفضول ظاهري مغيرا الموضوع
((هل هذه صورة شخصية لممثلة أو مغنية ما؟ تبدو مألوفة بشكل رهيب، لكن لا أستطيع تذكر أين رأيتها!))
اتسعت عينا رتيل وتأتأت لثوان قبل أن تجيب مُختَلِقة
((لا ليست صورة لممثلة.. بل صورة لإحدى صديقاتي))
مال وجهه باستهجان ثم تساءل
((وماذا تفعل صورة احدى صديقاتك عندك؟ انظري لملابسها القصيرة وزينة وجهها))
دب الخوف في رتيل لكنها ردت بثبات انفعالي
((هذه الصورة لها في منزلها، ما المشكلة أن تتصور مكشوفة في منزلها؟))
لمع بريق مخيف في وجه مُؤيد مستنكرا
((المشكلة هي سحبها للصورة! ماذا إذا رآها أحد غريب ولو عن طريق الخطأ كما فعلت أنا الآن؟ ماذا لو قام أحد أولادها بإعطاء صورها لأخرين مثلما فعل ابن سمية كما أخبرتني))
ثم بصرامة لا تحمل شيء من التهاون رفع مُؤيد سبابته يحذرها
((إياك يا رتيل أن تسحبي صورك وتهديهم لأحد حتى لو كنت ساترة تماما، لا أتحمل أن تصل صورك لأي رجل غريب يمعن فيها بقدر ما يشاء))
تحرك حلق رتيل ثم رسمت تعابير مبتسمة وهي تتساءل بدلال
((هل هذه غيرة؟))
أمسك مُؤيد مرفقها بقسوة يقربها منه ليقول بنبرة شديدة وعينين مخيفتين تبرقان تهديدا
((رتيل بمثل هذه الأمور نحن لا نتهاون أبدًا))
ثم نفض ذراعها بقسوة يبعدها ويغادر المكان بعصبية..
دعكت رتيل مكان إمساكه لذراعه بألم وهي تمتم شاتمة إياه قبل أن تصدر منها ضحكة خافتة وهي ترفع الصورة وتعيد النظر لها!
هل حقا ظنها ممثلة أو مغنية مألوفة؟
نعم هي المرأة في الصورة.. التقطتها غنوة لها في احدى المرات التي مكثت في بيتها بعد أن وضعت لها زينة وجه وباروكة لشعر أشقر قصير.. لطالما ظنت أن الصبغة الشقراء تناسب شعرها وبشرتها الحنطية!
من الجيد أن زوجها المتزمت لم يسبق وأن رآها أمامه تضع مساحيق التجميل صاخبة على وجهها والا لكان تعرف عليها بسهولة!
=============================
في غرفة الجلوس..
وضعت زاهية الهاتف على المنضدة جانبها متنهدة ببؤس ثم قالت وهي تهز رأسها يائسة
((أنه لا يرد مجددا))
انتبهت على نظرات زوجها المتسائلة بحيرة تُسدد لها فهدرت بحزن يجتاحها
((مَازن.. لا يتصل بي.. ولا يرد على اتصالاتي.. يقاطعني منذ أخر مكالمة جرت بيننا))
عقد يعقوب حاجبيه وهو يضع فنجان القهوة على المنضدة أمامه قائلا بسخط
((ولماذا العاق لا يرد عليك؟))
ابتلعت زاهية شيء ما في حلقها وهي تنظر إلى زوجها بعينيها الحزنتين.. وكأنها تعاتبه سلفا.. وتخبره ألا ينعت ابن قلبها بالعاق.. ثم لم تدرِ كيف أفلتت الكلمات من بين شفتيها دون أن تستطيع منعها
((أساسا أنا من أخطأت، فأخر مرة تكلمت فيها معه كانت لهجتي شديدة، وربما أحزنته وضاق صدره مما سمعه مني، لهذا لا يريد التحدث معي))
غمغم يعقوب بغلظة واستياء
((حتى ولو كان الأمر كذلك فلا تبرير لمقاطعته لك! أنتِ أمه يمكنك الحديث معه كيفما تريدين بل وتكسري رقبته أيضًا دون أن يحق له الاعتراض.. سأتحدث الآن معه، وإذا تجرأ على رفض اتصالي سأحرمه من مصروفه الشهري الذي أرسله له))
نهرته زاهية برجاء وصوت واهن
((يا حاج لا تتحدث أنتَ معه، دع أحد من إخوته يتحدث معه، مُصعب أو مَالك، أو حتى مُؤيد، لكن مُعاذ لا فهو لا يقل قسوة منك على أخيه الصغير))
تنهد يعقوب بغير رضا.. ولم يقاطع الجو المتوتر بينهما إلا صوت مَالك يطرق باب الغرفة المفتوحة هادرا
((السلام عليكم يا والديّ..))
رد الاثنين السلام على ابنها ثم ناظر يعقوب زوجته هامسا
((سنتحدث يا زاهية فيما بعد عن مَازن..))
شيء من الاستغراب لف ملامح مَالك عند ذكر سيرة أخيه لكنه سرعان ما نسيه في خضم ما يشغل تفكيره..
ازدادت ابتسامته اتساعا عندما طلب والده منه أن يجلس بجانبه بصوته الرخيم المميز.. فجلس مَالك حيث يطبطب والده بجانبه على الأريكة وهو يأخذ نفسا عميقا بينما يحث نفسه على التفاؤل.. لن تكون المواجهة الآن مع والدته صعبة طالما والده موافق..
قالت زاهية مبتسمة بإجهاد
((تبدو سعيدا اليوم يا مَالك، أخبرنا ماذا هناك؟))
بشيء من التردد وبصوت خافت أجاب
((لقد فاتحت أبي برغبتي في الزواج قريبا))
تلاشت الابتسامة من زاهية وتيقظت حواسها وهي تتساءل بينما توزع أنظارها للاثنين
((تريد الزواج وجئت لي لأبحث لك عن عروس مناسبة؟ هل هذا ما تقصده يا مَالك؟))
أجابها مَالك بنفس نبرة صوته الخافتة وهو يسبل أجفانه
((لا أمي، لقد اخترت المرأة التي أريد الزواج منها))
تضرج وجه زاهية بحمرة الغضب وهي تقول بشيء من الانفعال
((وهل عندي فكرة عن هوية المرأة التي تريد الزواج منها؟))
رفع مَالك وجهه قائلا بهدوء رغم التوتر الذي بدأ يتسرب إلى صوته
((نعم أمي تعرفينها جيدا))
تحدثت مباشرة وهي تقف على قدميها بحدة
((وهل تظن بأني سأسمح لك أن تتزوج امرأة مثلها بكل تلك الفوارق بينكما؟))
وقف مَالك من مكانه يقول بنفس الهدوء وقد حانت منه نظرة إلى أباه الذي لم ينطق بحرف بعد
((إنها المرأة الوحيدة التي أريدها، ولن اقبل الزواج من غيرها حتى لو ظللت عازبا لأخر يوم في حياتي))
شهقت زاهية وهي تضرب على صدرها
((يا إلهي.. هل وصل الأمر بك أن تتحدانا من أجلها؟ ماذا فعلت بك لتسحرك طوال هذه السنوات؟))
حاول مَالك بتوتر التعقيب
((أمي أنا من ألاحقها وانا من أحبها، هي حاولت كثيرًا أن تبعدني عنها ولكني لا زلت لا أرى غيرها زوجة لي))
تساءلت زاهية بقهر عارم
((لماذا هي بالذات! ما الذي تمتلكه هي دون غيرها من النساء؟ إنها حتى ليست بذاك الجمال الذي يسلب اللب لأقول بأنه ما جعلك مأخوذا بها لسنوات!))
غامت عين مَالك ليجيب بعاطفة لا تتناسب الموقف
((مهما تساءلت بيني وبين نفسي عن سبب حبي لها، لا أجد جوابا إلا أنها الوحيدة الّتي بوجودها حولي تمحي أي حزن أو غم مثقل في داخلي وكأنه لم يكن..))
جحظت عينا زاهية بغضب وقالت بحدة
((هراء، أنا لن اسمح لك بالزواج منها، لو كنت قصرت بشيء في حقك لعذرتك على حب امرأة بصفاتها وعمرها.. لكن.. لكن..))
حاول مَالك أن يمسك كفيّ والدته ويتوسل
((أمي أنتِ أفضل أم قد يحظى لها أحد.. أكثر ما احبه بسمية هو شبهها بك.. بعطفك وحنانك واهتمامك الصادق بي.. أنها تشبهك برقتك ورجاحة عقلك))
بنفس الحدة السابقة قالت زاهية والدموع رغما عنها تتجمع في عينيها
((هناك الكثير من الأخريات اللاتي قد تجد عندهن كل ذلك وأكثر فإنساها وجد غيرها))
شردت خضرة عينيه ليقول بكلمات مثقلة بالعشق
((لن أقدر يا أمي فقد ملأت سمية كل قلبي منها ولم يتبقَ أي مكان خالي لسواها))
حررت كلتا يديها منه بانفعال ثم أخذت نفسا عميقا مرتجفا تحاول أن تتمَالك أعصابها قبل أن تسترسل بلهجة حاسمة لابنها
((إيجاز نقاشنا هذا يا مَالك هو أني لن اسمح لك أن تتزوجها، لن اسمح لك أن تفعل هذا بنفسك يا مَالك..))
تضرج وجه مَالك بالألم معاتبا أمه برقة
((أمي لم اعهد قاسية هكذا أمي، أنتِ تقسين بكلامك هذا عليّ قبل أن تقسي عليها))
قللت زاهية من احتدام تعابيرها قليلا ثم قالت دون أن يرف لها جفن
((افعل هذا لمصلحتك مَالك، فأنا لا أرى أي إيجابيه ولو واحدة فيها تجعلني أتنازل واقبلها زوجة لك، إنها مطلقة مرتين، وأم لطفل، تكبرك بسبع سنوات، لا مستواها الاجتماعي ولا الثقافي يشبهك))
هنا جاء صوت يعقوب واضحا هادئا في حزم وهو يجد بأنه قد حان وقت تدخله الآن
((كل هذا هو نصيبها من الله يا الحاجة زاهية! لا ذنب لها فيه! ثم لا يجب عليك أن تتحدثي وتعامليها مع صفة "مطلقة" وكأنها وصمة عار، ولا تصلح أن تكون زوجة لابنك))
ارتبكت زاهية وشحبت ملامحها قليلا وهي تدرك أن زوجها الذي التزم الصمت منذ البداية يقف بصف ابنه.. فتمتمت بلا تصديق
((كيف تقول ذلك وكنت أكثر المستائين من قرب مَالك من ابن سمية! كنت تطلب مني أن اللح عليه في الإسراع في الزواج كباقي إخوته لأجدك اليوم تعينه لينساق للهاوية!))
رد يعقوب بنفس الهدوء والوقار المتأصل فيه
((ولا زلت حتى الآن على رأيي فيهما الاثنين سويا، لكن طالما ابنك مُصر على الزواج بها فأنا لن احرم ما احله الله له خاصة واني لا أعيب في أخلاق المرأة، لدي بعض التحفظات عليها ولكن في النهاية لن أحرم حلالا))
برقت خضرة عينا مَالك بامتنان وتأثر لوالده في حين ازداد ارتباك زاهية ولم تجد ما تقول بينما أكمل الحاج يعقوب
((لأنه الله أكرمنا بكل هذه النعم من حولنا فلا يجب علينا أن نشكره بأن نعتبر أنفسنا من عِلية القوم ونترفع عمن هم اقلوا منا حظا! فلا تصوري ابنك وكأنه مخلوق من غير طين ولا يمكن أن يقبل بفتاة أقل منه))
لف الخجل والندم وجه زاهية بسبب طريقة حديثها السابقة لتتمتم بينما تجلس على طرف الأريكة
((أنا لم اقصد أن أبدو بمظهر إنسانة مغترة ومتعجرفة، قصدت فقط أن أقول بأنهما غير ملائمين لبعضهما فمن أسس الزواج الناجح التوافق في معظم أمور الزوجين))
مسح يعقوب على وجهه مستدعيا الصبر قبل أن يؤيدها بقناعة راسخة
((وهذا ما كنت أحاول قوله له، لكن إذا كان مصرا فليقدم على ما يريده وليتحمل هو نتيجة قراره، أنه ليس صغيرا، وأنا كأب لا أريد إلا سعادته وزواجه من امرأة تعينه في أمور دينه ودنياه، لو تحبين ابنك بحق لما اختلف موقفك عني))
تمتمت زاهية وعينيها تفيضان من الدمع
((لا أحد قد يراهن على حبي له، لكن إذا وافقت على زواجه منها، فماذا سيقول كل من في القرية؟ ماذا لو تسألوا فيما بينهم عن سبب موافقة الحاج يعقوب ابنه زواجه من البستانية التي تعمل عندهم.. هذه المرة أنا لا اقصد التقليل منها، لكن ماذا سنبرر لهم؟))
خرج يعقوب عن ثباته هادرا
((وما شأننا بالناس وكلامهم؟ لطالما ابني لم يتعدّ حدود الله فأنا لن اهتم بشيء أخر ولست مستعدا أن احرم ابني من فرحته لأجل أحد))
ازدرد مَالك ريقه وهو يلاحظ ازدياد الاحمرار الظاهر على ملامح والدته والناتج عن ارتباكها أمام أبيه.. فجلس بخفة بجانبها يعيد احتضان يديها وقد أشفق عليها فكل انفعالها السابق كان بدافع حبها ورغبتها بالأفضل من وجهة نظرها له..
التفتت زاهية تنظر في وجه ابنها وعيناها تتيهان في ملامحه ثم غمغمت بصوتٍ محشرج
((لا أحد يحبك يا مَالك ويريد مصلحته مثلي.. الأمر فقط.. أني..))
قال مَالك بتأثر صادق
((أنا أكثر من يعي هذه الحقيقة، ولهذا اعتبر نفسي من أكثر البشر حظا لأنك أمي.. لكن صدقيني لا أريد زوجة أعيش معها تحت سقف واحد إلا سمية))
كتمت زاهية شهقة خارجة منه ليحاول مَالك تشرب حزنها وهو يتوسل لها
((أرجوكِ يا أمي وافقي على اقتراني بالمرأة الوحيدة التي أحببتها! أنتِ تعرفين بأن لن أقدر على الإقدام إلى هذا الزواج دون موافقتك..))
تذمرت زاهية بمرارة
((لا اصدق ذلك.. أنتَ فقط تحاول تخفيف ذنبك تجاهي))
حرر مَالك احدى يديها واخذ يلامس خصلات شعر والدته التي ورث منها لونه وقال مربتا على قلبها
((لا أمي من المستحيل أن أقدر على الارتباط بها دون موافقتك، لن أستطيع فعل ذلك دون رضى أغلى إنسانة على قلبي.. حتى أبي يدرك حقيقة أني احبك أكثر منه))
أخر جملة قالها هامسا في أذنها فخرجت ضحكة متحشرجة من يعقوب قبل أن يقول بروح رياضية
((قلها بصراحة يا مَالك فأنا أيضًا كنت أحب أمي أكثر من أبي رحمهما الله))
شعرت زاهية بالغصة تؤلم حلقها لكنها دفعته عنها وهي تقول بحزم مزيف بعد لحظات بينما تضع عينيها في عيني ابنها
((حسنًا موافقة أنا على زواجك من تلك البستانية ولكن عندي شرط بخصوص ابنها، لن يعيش هنا منا))
ابتسم مَالك بحزن وعينيه يطفو فيهما ألم مبرح ثم قال
((بالتأكيد يا أمي، سبق وتناقشنا أنا وأبي في هذا الموضوع))
اتسعت عينا زاهية بذهول لسرعة بديهية وتلقائية إجابته.. ثم تمتمت بتساؤل
((وأين سيذهب؟ امه وحيدة لا معارف مقربين لها))
هز مَالك كتفيه يقول ببساطة بثّت الريبة في قلب والديّه
((لوالده يا أمي! أبا يزيد هو أولى الناس برعايته))
رغم التعجب والريبة التي كانت تغزو زاهية إلا أنها تمتمت بتيه
((والده! صحيح والده هو أولى فيه عند زواجك من امه))
ثم طالعت ابنها تتابع بتأكيد وحزم
((ما أقوله لمصلحتك يا مَالك، فكيف ستهتم بك سمية وبأولادكم إذا انشغلت فيه، ثم أنه ليس طفلا رضيع، والده كيفما كان سيعرف كيف يعتني به))
وافقها مَالك القول بجمود ودون أدنى اعتراض
((أنا معكما في هذا الموضوع.. يزيد لعائلة أبيه))
ظلت زاهية تنظر في ملامح ابنها بتوجس للحظات طويلة تحاول أن تستشف شيء فيه قبل أن تتساءل بريبة عميقة
((ولكن هل حقا سمية موافقة على ترك ابنها عند عائلة زوجها السابق؟ هل هي من قالت لك ذلك بوضوح؟ أخشى أن تغير رأيها))
قال ملك بمواربة وببسمةٍ لطيفةٍ لا تتناسب مع توقعاتهما
((نعم أمي، لا نقاش في هذا، الآن أريد سماع موافقتك))
امتقعت ملامح زاهية.. وشعرت بكره أكبر تجاه سمية..
فهل هي نفس تلك المرأة التي هتفت بعنف في أمس قريب بأنها لن تتزوج وستهب حياتها كلها من اجل تربية ورعاية صغيرها! لكن الآن وقد تغير العريس المُتقدم لها وأصبح مَالك، ابن الحاج يعقوب الكانز، كبير وجهاء القرية.. اختلف الأمر معها وصار لابنها والد يهتم به ومستعد لأخذ حضانته منها إذا ما تزوجت!
عكفت زاهية فمها بازدراء.. وموجة من الكآبة طغت على حواسها المرهفة وهي تطرق رأسها بانهزام، ورغم عدم رضا قلبها الكامل إلا أنها شعرت بلزوم إسعاد قلب ولدها والموافقة.. فابتسمت بارتجاف وهزت رأسها بوهن موافقة أمام ملامح ولدها العاشق هادرة
((سأوافق يا مَالك، فقط لأجلك، لأني لا أريد إلا سعادتك أنتَ ولن أتحمل حزنك))
انفجرت أسارير مَالك هاتفا ببهجة
((هل تقولينها من أعماق قلبك؟))
ردت زاهية على مضض دون أن تنحسر ابتسامتها
((يمكنك قول ذلك))
طالبها مَالك بلهفة
((إذن منك أنتِ سأسمع أول زغاريد حفل زفافي بسمية))
سالت دموع مكتومة على وجنتي زاهية لتقول بصوتٍ مرتعش تتغالب على ألمها
((نعم أول زغرودة ستكون مني أنا..))
حث يعقوب زوجته وهو يلامس كتفها برقة
((إذن هي اسمعينا واحدة يا زاهية))
انحسرت ابتسامة زاهية قليلا لتتردد
((لا ليس الآن، ما زال الوقت باكرا))
قطب الحاج يعقوب ما بين حاجبيه يعترض
((ليس باكرا ولا شيء من هذا القبيل، سأطلبها له في أسرع وقت نقدر عليه))
أدرك مَالك مدى الضغط الذي تعيشه أمه فقال لوالده
((لقد قالت أمي لك لاحقا، فلا داعي لنستعجلها))
ثم ناظر أمه يتابع بعينين تذوبان تأثرا وحبا لها
((أنا احبك أمي، أنتِ أغلى إنسانة في حياتي))
أمال مَالك رأسه واخذ يلثم يداها الحانيتان في سعادة لا توصف.. ثم قام بعدها وتوجه ناحية أبيه يقبّل يده هادرًا بامتنان وعرفان
((لولا دعمك لما تجرأت على مواجهة أمي، أنا محظوظ بك))
غامت عينا الحاج يعقوب بحنان لتلك البهجة الخالصة في ملامح ابنه.. خاصة مع ذاك الصدق والعشق المختلط بنبرته.. فقال بصوتٍ أجش
((والله يا مَالك لا أريد من هذه الدنيا إلا رؤيتك أنتَ وإخوتك تعيشون في سعادة وهناء، مبارك بنيّ))
عاد مَالك يكرر امتنانه بعاطفة
((شكرا لك يا أبي، حفظك الله لنا))
ابتسمت زاهية قليلًا على هذا المشهد رغم أن الألم لا يزال حيًا في عمق عينيها على إصرار ولدها في اختياره..
تنهدت وهي تمد ذراعيها وتجذب ابنها إليها وتضمها إلى صدرها بينما تلثم شعره..
في حين قال يعقوب وهو يطبطب فوق كتف زوجته بكلمات مواسية لا يعلم انه لا يواسي بها إلا نفسه
((ستكونين فخورة وسعيدة بنفسك لأنك اعنت ابنك على ما يحب ويريد))
في هذه اللحظات دخلت عليهما دارين بمرح كما حالها كلما تعود من الخارج بعد قضائها وقتا لطيفا مع أبيها.. فابتسم الجدين ببشاشة لها وتساءل يعقوب وهو يحثها على الاقتراب منه بيده
((لماذا تأخر والدك في العودة هنا يا دارين؟))
اقتربت دارين من جدها قافزة بسعادة وتناولت يده تقبلها فتحوز منه على كلمات الرضا قبل أن تجيبه بصوتٍ مبهج
((لقد ذهبنا أنا وهو لإحدى المطعم بعد أن انتهينا من زيارة قبر أمي كما العادة))
عقبت زاهية بعتاب مرح
((هل رأيت كيف يخرج معك وينزهك كلما اتيحت الفرصة له! لا تلوميه عندما يهملك في فترة من الفترات وتضغطي عليه بالعتاب والاتهامات المجحفة، فطبيعة عمله تجبره أن يسكن بعيدا عنا ولا يتفرغ لنا بشكل كامل))
عقدت دارين حاجبيها بطفولية واعترضت
((جدتي نحن لا نذهب لزيارة قبر أمي إلا مرة أو مرتين في الشهر أي أني لا أرى أبي واخرج معه إلى مكان مميز للتنزه إلا قليلا، فكيف يكون هذا كافيا؟))
ثم تراخت ملامحها الحانقة قليلا وتطلعت لمَالك تقول بمكر لذيذ وكأنها أمسكت به متلبسا
((أما الآن فقولوا لي من الذي سيتزوج؟ عمي مَالك؟))
انفرجت ضحكة عن مَالك ليهز رأسه لها بإيجاب ويمد كلتا يديه قارصا وجنتيها الممتلئتين
((نعم سأتزوج والعقبى لك بعد أن تنهي دراستك كاملة))
=============================
أوصدت نورين باب جناحها خلفها بعدما دلفت للداخل ثم سألت لمُصعب الجالس بين كومة صناديق على الأرض
((عدت من بيت مصعب وأنت لا تزال تنظم أغراضك؟))
أجابها وهو يعتدل واقفا يبدأ بإغلاق أول صندوق
((لقد كدت انتهي من تجميع هذه الزوائد التي لا حاجة لها حتى أتخلص منها))
هزت رأسها مغمغمه ((جيد))
بمجرد أن بدأ بإغلاق الصندوق حتى لمح الكتاب الذي وضعه جانبا.. فسعل قليلا قبل أن يناظرها متهجما بطارف عينيه ويسألها
((لم تسأليني منذ مدة عن موضوع الكتب؟))
شبكت كفيها ببعضهما خلف ظهرها وقالت وهي تطالع الصناديق بفضول متأصل بها عندما يتعلق الأمر بأي شيء يخص مُصعب
((لم افهم قصدك))
أمسك الكتاب وناظرها يقول بشيء من التردد
((أعني ألن تطلبي مني أن اجلب لك كتب سبق وقرأتها لتقرئيها وتتناقشي بها معي؟))
توقفت مكانها تبادله النظر باستغراب لتردد
((لكنك أنهيت قراءة كل الكتب التي قرأتها ولم يعد لديك شغف لقراءة المزيد.. هكذا قلت لي))
رفع الكتاب الذي يمسكه ولوح به قائلا
((ما زال هناك كتاب أخير قرأته ولم أطلعك عليه، لكن هل تحبين قراءة الروايات؟))
فجأة تبدلت ملامحها إلى أخرى تضج بالشقاوة وهي تميل له هادرة
((لم يسبق وأن قرأت رواية، لكن إذا اقترحت عليّ سأفعل، اهم شيء أن تكون رواية رومانسية))
تجهمت ملامحه وهو يرد عليها
((لا إنها ليست رومانسية لا من قريب ولا من بعيد))
زمّت شفتيها تتمتم بإحباط
((متوقع منك!))
تنهد وبدا أنه يجاهد فيما يقوم به لحاجة أن تقرأها هي ثم قال
((اقصد أني أريد أن اقترح عليك رواية سبق وقرأتها عدة مرات تتعلق بإنسان يبحث عن حريته.. فهل تحبين قراتها أنتِ الأخرى؟))
ضيقت عينيها تشعر بالريبة منه.. فتناولت منه الكتاب تتفحصه سريعا متسائلة بوابل من الأسئلة الفضولية التي خطرت على بالها
((ما اسم الكاتب؟ ليس هناك أي تفاصيل مكتوبة على الغلاف حتى لو سيرة ذاتية أو اسم دار النشر))
كتف ذراعيه وهو يجيبها
((سأخبرك المزيد عن هذه الرواية لاحقا، لكن طالعيها أولا))
((تبدو كبيرة بالنسبة لرواية، هل سبق وقرأتها كاملة؟))
((نعم فعلت في الماضي وقرأتها في المشفى بين مناوباتي، لأصارحك البداية مملة قليلا فكنت اقرأ على مضض لكن شعرت بشيء من الحماس لاحقا ولم اتركها قبل أن أكملها للنهاية))
ردت عليه وعيناها تعودان لتشردان في الكتاب بتدقيق
((تبدو رواية مثيرة للاهتمام طالما أنها نالت إعجابك أنت الكاره للقراءة))
لم يعقب في البداية لكنه عاد يسألها بجدية بالغة
((إذن هل تريدين أن تطالعيها ثم تخبريني فيما بعد برأيك بها؟))
اتسعت عيناها قليلا وعادت تحتل التسلية ملامحها لتقول بدهشة مصطنعة
((وتصر على أخذ رأيي أيضًا! فعلا مثير للاهتمام!))
بدا عليه الحنق وهو يقول
((نورين أنا جاد.. أريد رأيك فيها))
ازدادت ابتسامتها الحلوة اتساعا لترد
((حسنًا، سأقرأ هذا الكتاب لكن ماذا قلتي لي هو نوع الرواية؟))
تنهد قبل أن يجيبها برتابة وهو يعطيها ظهره ويعيد إغلاق ثاني صندوق
((كما قلت لك سابقا، إنها رواية تتحدث عن أنسان يعيش في احدى الدول الأوروبية في العصور الوسطى، يناضل من اجل حريته وحرية شعبه))
ضبطت نظراته المختلسة إليها بين الحين والأخر فقوست شفتيها بشبه ابتسامة مكتوبة وسألته باهتمام
((يبدو أن هذه الرواية لم تعرض للنشر من قبل وصاحبها قام بطباعتها من اجل نفسه فليس لها عنوان حتى!))
خفت صوته وهو يجيب
((نعم صحيح، لان الكاتب ببساطة أنا فقط اعرفه))
ضيقت عينيها تسدد مرمى نظراتها المتوجسة له للحظات طويلة ثم تساءلت
((أنتَ لست الكاتب.. صحيح؟))
صدرت منه ضحكة خافتة قبل أن يقول بصراحة
((صدقيني لم أكن لأضحي بساعات راحتي ووقت فراغي المحدود في هذه الحياة في كتابة أو قراءة شيء!))
تمتمت نورين مخففة من وطأة ضغطها عليه رغم الحيرة التي لا تزال الحيرة تلفها
((نعم وانا أكثر من يشهد على هذا، فأنتَ لست من النوع المولع بالكتابة أو القراءة لذا اهتمامك بهذه الرواية بالذات مثير للريبة!))
خاطبها بصوتٍ عادي
((نورين بعيدا عن أي شيء أخر، أعطِ نفسك الفرصة للتفكير والتأمل مع هذه الرواية فأنا أريد رأيك الحقيقي بها))
استجابت ((نعم سأفعل..))
اخفض مُصعب بصره ورفع أنامله يدلك جبينه كمن لا يعرف كيف يشرح الأمر الآن.. ثم عاد يلح عليها باهتمام
((أريد منك أن تجعلي قراءتك لها كعملية بحث واكتشاف مستصحبة الصبر والجلد لكي تستوعبي ما تقرئي))
ردت بشيء من الامتعاض والتوجس وهي تعيد تضييق عينيها
((تشعرني يا مُصعب بأنك ستختبرني بعد أن انتهي من قراءته، وانا لا أريد أن أعيش ضغط أيام الامتحانات والمشاريع في الجامعة مجددا))
ثم خبأت الكتاب جانبا لتقرأه لاحقا وعادت تنظر له متسائلة
((ما كل هذه الملابس التي جمعتها؟))
أجابها مُصعب وهو يهم بإغلاق أخر صندوق
((معظمها باتت واسعة عليّ سأتخلص منها، أو ربما أتبرع بها.. المهم سأدبر لها تصريفه))
اتسعت عينا نورين ما إن وقع نظرها على تلك السترة التي تعلو باقي الملابس وسارعت تتناولها قبل أن يغلق الصندوق هادرة
((هذه السترة الصوفية جميلة عليك، لا تتخلص منها))
اعترض ((لم ارتديها أبدا هذا الشتاء.. أنتِ من كنتي ترتدينها يا نورين..))
قهقهت وهي تتأمل السترة ثم قالت
((صحيح، أحب ارتداء ستراتك الرجالية فهي تبدو جميلة عليّ وتجمع بين النمط الكلاسيكي الأنيق والكاجوال العصري، هذه أخر صيحات الموضة))
تهكم رغم جديته
((اشعر بالسوء لأجلك فأنا سأتخلص منها))
هتفت متوسلة وهي تتشبث بذراعه
((لا أرجوك.. احتفظ بها.. أنا أحبها جدًّا))
مد يده لتعطيه السترة أمرا بحزم
((أكره تكديس الأشياء أو الاحتفاظ بأشياء اعرف باني لن احتاجها))
ألحت في توسلها الرقيق وهي تبعد السترة عن مرمى يده
((سأحتفظ بها عندي إذا كنت تتخلص من الملابس من اجل المساحة في الخزانة))
لم يتأثر بتوسلها ليقول متشبثا بعناده
((لا نورين.. ضعيها في الصندوق))
رسمت ابتسامة جانبية ثم لمعت عيناها لتشاكسه
((إذا كنت تريدها فالحق بي))
كانت تسير نحو الباب وتفتح مقبضه عندما حذرها مُصعب
((نورين لست صغيرة لألحقك، هاتيها))
هتفت من بين ضحكاتها التي تجتاحها بلا توقف
((سأخبها في مكان أخر، إلى اللقاء))
حذرها مُصعب من التمادي
((لا تجبرني على اللحاق بك))
فتحت الباب وخرجت منها هاتفة ((إلى اللقاء))
التمعت عيناه بتوعد ليهتف بعلو صوته
((تعالي إلى هنا يا نورين))
صرخت بتحد وقد خرجت من الجناح بالفعل
((لن آتي، الحق بي وخذها))
ثم هرولت سريعا تهبط درجات السلم وبالكاد تكتم ضحكاتها الصاخبة التي تدوي في أنحاء القصر..
وصلها صوته وبدا بأنه خرج من الجناح أخيرا
((حسنًا سألاحقك ولكن حينها ستعاقبين.. ستعاقبين بنفس المكان الذي اقبض فيه عليك وحتى لو كان حولنا أحد))
وصلت للصالة وقد عرفت بأنه ضيعها ولم يعد خلفها، فقالت بشقاوة من بين أنفاسها المتصاعدة
((لن تستطيع الإمساك بي))
قلّت سرعة جريها تدريجيا وشعرت بنفسها يكاد يتقطع من الإجهاد وتخمة معدتها الممتلئة من الأطايب التي أكلتها عند سمية قبل قليل.. لكن ضلت ضحكاتها التي لم تسيطر عليها صاخبة وهي تدخل المطبخ..
وسرعان ما شهقت بذهول وتلاشت هذه الضحكات عندما لاحظت وقوف مُؤيد عند الرخام بينما يرتشف من كوب شاي قام بإعداد بنفسه..
شحب وجهها قليلا وهي تنتبه أنه لا أحد في المطبخ غيره فالآن هو وقت راحة العاملين فيه..
وقعت أنظار مُؤيد المخيفة عليها فلم تتجرأ أن تمر إلى داخل المطبخ وتتجاوزه لتصل للباب الخارجي.. فوقفت متسمرة مكانها بينما تلهث بقوة.. لكن سرعان ما تزحزحت من مكانها واستدارت كليتها تعود أدراجها لا تجرأ للدخول للمطبخ وهو موجود..
كانت خفقات قلبها في تزايد.. من هرولتها قبل قليل أم من رؤيته فلا تعرف..
عادت للصالة بتوتر شاردة الذهن قبل أن تسمع صوت مُصعب الظافر
((ها قد وجدتك يا عفريته))
شهقت بخوف وهي تدور حول منضدة ما تقول بدفاعية
((لا تحلم أن تمسك بي))
صدرت منه ضحكة ساخرة رغم جدية قبل أن يقول
((لن تظلي هاربة للأبد، لقد أمسكتك تقريبا))
لكنها ظلت تراوغ وتناور للإفلات منه رغم محاصرته لها.. حاولت أن تسرع الخطى للباب الخارج من الصالة إلا أنه كان أسرع منها وقبض على اعلى ذراعيها هاتفا بنفس تجهمه
((ها قد أمسكت بك يا عفريتة))
رفعت له الكنزة ورمتها على الأريكة هادرة بلهاث
((أنا آسفة، لم اعد أريدها، تبرع بها للأقل حظا))
لمع شيء من الشقاوة في عينيه لم تنتبه لها ثم قال وهو يميل بوجهه منها
((سأخذها بكل الأحوال لكن ليس قبل معاقبتك بعد كل هذه الفوضى التي تسببت بها من اجل الكنزة الصوفية!))
استطاعت أن تلتقط صوت أنفاسه والتي باتت تعلم منها مقياس استفزازه.. فحاولت أن تتملص من قبضته هاتفة
((اعتذر منك.. أنا آسفة.. مُصعب لا تدع عصبتيك النادرة تنفلت الآن، لقد أردت أن أمازحك قليلا، الأمر لا يستحق الغضب..))
لكن صمتت للحظات بينما انحنت عيناه بتأثير جبار وبدأت أنفاسه الحارة تتهدج قليلا.. تلفحها وتوهن المتبقي من قدرتها على المقاومة.. وحين تكلم قال أخيرًا بصوتٍ ساخر رغم الدفء الذي لم يستطع إخفائه في نبرته
((لست أنا من تجعله زوجته يركض خلفها في أرجاء المنزل))
خرجت ضحكة ناعمة مرتجفة من بين شفتيها وهي تلمس عبثه الآن..
مال برأسه جانبًا حتى يتمكن من مس جبينها بشفتيه مرة بعد مرة بكل نعومة.. فارتفعت على ركبتيها تحيط عنقه بذراعيها لتقربه منها أكثر وتشعر بدفئه الذي لم تعرف مثيله في حياتها من قبل بينما هو يتابع تقبيل وجهها بحرارة..
أراحت رأسها على كتفه.. فهمس في أذنها ويده تداعب خصرها
((لن أمرر الأمر دون عقاب))
سألته مبتسمة بصوتٍ منتشي وأنفاسه تداعبها
((ماذا ستفعل إذن؟ خدعة خلية النحل لم تعد نجدي نفعا))
رفع حاجبيه متعجبا ليهمس بخفوت من بين أنفاسه المتحشرجة بينما يكتم ضحكته
((حقا أيتها العفريتة لم تعد تنطلي عليك؟ إذن سأجرب غيرها الآن..))
لم ترد عليه واكتفت بالمحافظة على ابتسامتها الشقية لما قاله.. ولم يكن ينقص هذا المشهد إلا شعورهم بسعال رجولي خشن عالي جعلتهما ينتفضان بعيدا عن بعضهما..
مرّ مؤيد من الصالة مكشرا بغضب ثم غمغم باشمئزاز
((استغفر الله العظيم.. ما هذه الميوعة! ألم تستطع أن تنتظر حتى تصعد لغرفة النوم بدلا من الصالة! أم الحديقة في الخارج أمام الملأ مناسبة أكثر لك؟))
بدا شعور مُصعب بالإحراج واضحا جدًّا إلا أنه ردعه باستياء
((يكفي يا مُؤيد، فهمنا يا أخي، نسيت أين أنا ولم أشعر باقترابك من هنا))
رماه مُؤيد بنظرة أكثر اشمئزازا من السابقة ومقللة منه قبل أن يتجاوزهما مبتعدا.. فطالع مُصعب نورين يقول بتأنيب وقد ظهر غضب حقيقي على وجهه
((هل أعجبك ما سمعته بسببك يا هانم! لقد جعلتني أنسى أين نحن، تخيلي لو مر أحد والديّ من هنا!))
عبست ملامحها من تأنيبه المجحف لها.. ليس وكأنها هي من بادرت غمره في القبل بل هو! لكنها أرادت أن تخفف من حدة الموقف فسارعت بحركة فجائية بدغدغته ضاحكة.. لكن خفتت ضحكاتها وهي تستشعر عدم تأثر جسده الصلب بشيء..
رفعت وجهها له لتجده يناظرها بملامح جامدة ثابتة التعبير.. فابتعدت عنه قليلا وأدركت بأن الوقت لم يكن مناسبا لهذه الحركة الطفولية.. فنكست رأسها تحاول ألا تتمادى أكثر وكانت تريد أن تتجاوزه لتغادر لكنها شهقت عندما قيد رسغها وجذبها نحوه..
اتسعت عيناها عندما دفعها لترتمي على ظهرها فوق الأريكة برفق.. قبل أن يبدأ بدغدغتها ولم تستطع إلا أن تُطلق ضحكةً رنانة.. أغمضت عينيها بقوة وقالت من بين ضحكاتها
((يكفي.. يكفي إلى هنا..))
توقف لوهلة يكتفي من عقابها هذا ثم ابتسم لها هو يتأملها.. ضحكتها هذه قريبا ستخل بتوازنه!
عند هذه الفكرة علاها ليدغدغها أكثر بلا رحمة غير آبها لتوسلاتها وهي بالكاد تلتقط أنفاسها
((لا أرجوك.. أرجوك.. سأموت يكفي))
كان صوتها مجهد من شدة الضحك وقد التمعت الدموع في عينيها.. ولم يكون ليبتعد عنها منتفضا لولا صوت مُؤيد الذي عاد أدراجه للصالة يهتف بتعجب مستنكر
((أما زلتما هنا!))
انتفضا مبتعدين عن بعضهما..
اعتدلت نورين واقفة وهي تلملم خصلاتها الثائرة من تحت الحجاب وتغادر مهرولة المكان، ثم لحقها مُصعب حتى لا يسمع المزيد من شقيقه الذي هتف به
((سأخبر أبي وإذا لم يطردك أنتَ وزوجتك من هنا فسأنتقل من هنا إلى مكان أخر أنا وعائلتي فأنا بصراحة عليّ أنا أخاف على طفليّ من الانحراف))
ثم غمغم بغيظ مستعر يعاني في كبحه بينه وبين نفسه
((مثيرين للاشمئزاز!))
وكان مُصعب قد ترك السترة على الأريكة في الصالة.. وكأنه ظل يلاحقها ليجاريها في عبثها معه وحسب لا أكثر!
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل السادس وثلاثون 36 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
جلست رتيل حول الطاولة تذاكر واجبات ولديها برفقة يزيد لعل وجوده بينهما يحفزهما على حلها بنشاط وحيوية.. انشغلت بتسميع الدرس لباسم عندما صدح صوت فهد عاليا وهو يقول ليزيد الجالس بجانبه متحديا
((انظر كيف سأكتب اسمي كاملا بخط أوضح وأكبر من خطك))
مال فهد منخفضا يبدأ كتابة اسمه متمتا بما يكتبه
((فهد مُؤيد يعقوب الكانز))
برقت عينا يزيد بتحدٍ مماثل لفهد وهو يقرب دفتره منه ويكتب هادرا
((دعني أنا الآخر أكتب اسمي بخط أفضل من السابق.. يزيد مَالك..))
توقف يزيد عما تخطه أصابعه الصغيرة بالقلم وشحب وجهه قليلا وهو يدرك أن اسمه الثالث والرابع هو نفس اسم فهد.. تذكر كيف أن معلم صفه دائما ما يحرص عند مناداة أسمائهم عند أخذ الحضور أو الغياب بمناداته فقط باسم يزيد مَالك على عكس باقي الطلاب كما طلب أباه منه!
فالقرية صغيرة والحاج يعقوب الكانز غني عن المعرفة..
أخذ الخوف كل مأخذ منه وهو يدرك بأنه كاد أن يفضح نفسه ويكشف والده الحقيقي.. قبل أن يجفل بارتباك عندما لكزه فهد متسائلا
((والدك اسمه "مَالك"؟ مثل اسم "عمي"!))
أومأ يزيد بوهن دون أن ينحسر بهوت وجهه فقال فهد بإدراك طفولي
((لهذا تحب عمي مَالك، لأن اسمه مشابه لاسم والدك))
عاد يزيد يومئ مجددا في حين سحبت رتيل التي لفت انتباهها الاسم دفتره تطلع على اسمه المكتوب تقول
((اسمك يزيد مَالك، هذه أول مرة أعرف أن اسم والدك هو "مَالك"))
تطلع فهد باسما لأمه يعقب
((اسم "مَالك" جميل يا أمي؟))
أعادت رتيل الدفتر ليزيد وهي تقول مبتسمة لابنها
((معك حق إنه اسم جميل، الآن تابع نسخ الدرس أنتَ ويزيد))
=============================
صعد وليد الدرج بخطوات سريعة برفقة زميله في العمل بعد أن عادا من المحكمة.. ثم توجها إلى حيث مكتبهم في هذا الطابق..
مال ثغر وليد في ابتسامة جانبية هادرا وهو يناظر شيرين الجالسة على أريكة الاستقبال بمكتب مساعدته بانتظاره
((هل تأخرت عليك يا حبيبتي؟))
خرجت شيرين الشاردة بأفكارها على صوته وانتبهت على قدومه لتتململ مكانها قبل أن تقول بهدوء
((لا بأس أنا من جئت مبكرا))
استقامت شيرين من مكانها تتجه نحوه ليصلها صوت زميل وليد بلباقة
((مبارك عليكما عقد القران، وجمع بينكما في خير إن شاء الله))
ردت شيرين بتهذيب على الزميل
((شكرا لك يا سيد))
أمر وليد مساعدته أن تطلب لهما القهوة بينما يفتح باب مكتبه.. أشار بيده لشيرين أن تجلس.. فاستجابت ببرود وجلست بينما تضع ساقا فوق الأخرى..
أخذ زميل وليد بعضا من الأوراق يضعهم في حقيبته المكتبية وبدأ يهيأ نفسه للخروج عندما تساءل بود
((إذن متى سيكون حفل الزفاف؟ عليك إقامة حفل كبير بما أن حفل عقد القران كان على الضيق))
أجلى وليد صوته هنا متنحنح ثم ردّ
((في الحقيقة هذا ما كنت أقوله لشيرين في السابق، لكن بعد إعادة النظر في الموضوع أرى بأن عليّ أن أقيم حفلا بسيطا يكون هو الآخر على الضيق))
تجلى الاستغراب على ملامح شيرين لما سمعته! لو عاد الأمر لها فهي لا تريد حتى إقامة حفل لزواجها إلا لتزيل أي بقايا من إشاعات تمس سمعتها حبكت عليها زورا وبهتانا! لكن تعجبت الآن من تراجع وليد عما قرره سابقا وقد كان متحمسا لإقامة حفل زفاف ضخم!
تغضن جبين زميل وليد بعدم فهم ثم سارع يدنو منه ثم ينخفض قريبا من أذنه يتساءل بصوتٍ خافت حائر
((هذا غريب يا وليد، أعني ألست سعيدا بزواجك منها؟))
ناظر وليد شيرين المتجهمة بطارف عينه ثم عقب باسترخاء
((أنا اسعد مِمّا تتصور ولكن كيف أقوم بإظهار فرحي بارتباطي بشيرين وأنا أخشى على مشاعر مطلقتي التي أكن لها كل الخير وليس بيننا عداوة! خاصة وأنه لم يفت الكثير على طلاقنا، لم نكمل السنة حتى كما أن دوائر علاقاتنا وصداقاتنا متشابكة جدًا ويصلها كل شيء))
شيد زميل وليد وهو يطبطب فوق كتفه
((ترددك لإظهار فرحك بزيجتك الجديدة يدل على كرم أخلاقك وطيب أصلك ومراعاتك وذوقك فأكمل جميلك للنهاية ولا داعي للإسراف في إظهار الفرحة وإن كان من حقك هذا))
اختلس وليد النظر لشيرين مجددا ليؤكد
((بالضبط، فكما يقال الفرحة في القلب وليس بالمظاهر))
حرك زميله عينيه بين وليد وشيرين يقول بلباقة
((إذن استودعكم الله الآن إلى لقاء أخر))
غادر زميل وليد مغلقًا الباب خلفه بهدوء فمال وليد بكرسيه المتحرك الأسود ناحية شيرين يقول بتلاعب دون أن يعير شرودها الشاحب انتباها
((بالنسبة لقضية الحادث المروري وتعويضاتها المرفوعة عليك من قبل موكلي فقد انتهت يا شيرين بدون داع للخوص في تفاصيل أخرى))
رفعت شيرين وجهها له وقد بدا ذهنها مشغول بشيء لا علاقة له بما يقوله.. تحرك حلقها بارتباك قبل أن تسأله بصوتٍ أجش
((مطلقتك، ذكرني ما اسمها؟))
رفع وليد حاجبيه قبل أن يجيب
((جُمان.. جُمان الطائل.. والدها كان يعمل عند أبي ولكنه كان صديقا مقربا، رغم أن طرقي مع جُمان لم تتقاطع قط إلا أن عائلتينا كانوا قد اتفقوا على أن نتزوج منذ البداية))
حدّقت به بصدمة تقول بتوتر
((ماذا! ولكن.. لكن أنا لم أسمع بشيء كهذا من قبل!))
هز وليد كتفيه بأناقة ثم قال
((نعم أعرف.. لأني اخترت ألا أخبرك، فعند أول مرة رأيتك بها يا كحيلة العينين همت فيكي حبا، وقررت أن أتمرد على إرادة والديّ وألا اسمح للكبار أن يتحكموا بحياتي أو اختيار المرأة التي أريد الزواج منها!))
ثم مال ثغره بابتسامة يستطرد باستفزاز
((من كان يظن بأن سخرية القدر ستكون متمثلة بأن أتركك في نفس يوم زواجنا وأتزوج الفتاة التي اختارتها عائلتي، ثم ننفصل بعد سنوات وأعود لك))
نفخت شيرين أنفاسها المحترقة ومشاعرها تنفلت برغبة كاللغم داخلها وهي لا تصدق حقا ما قاله! فهتفت به بكل حنق العالم وإحساس جديد مستفز يعلو داخلها
((لقد بدا الشعور بالذنب طافحا على وجهك قبل قليل، لم يهن على قلبك أن تقيم حفلا كبيرا وتسرف في فرحك خوفا على مشاعر جُمان، في حين أنك قمت بتركي في نفس اليوم الذي كان مقررا فيه أن نتزوج دون الاهتمام بشعوري وسمعتي أو والديّ حتى لو كنت خائنة كما أخبرت سهر كاذبا في ذلك اليوم))
زمّ وليد شفتيه لا يبالي ولا يظهر ندما لها بينما يقول
((هذه المقارنة غير عادلة أبدًا يا شيرين))
عجزت أطراف شيرين عن الحركة والغضب يشب بها ويسري مسرى الدماء.. لكنها ظلت صامتة طويلًا قبل أن تتساءل من بين أسنانها
((هل أحببتها؟ أو هل شعرت بشيء يتحرك فيك تجاهها ولو مرة خلال سنوات زواجكما؟))
ازدادت ابتسامة وليد المتلاعب اتساعا! الحق يُقال فرغم سنوات زواجه الطويلة من جمان ورغم حبه لعشرتها وشخصيتها الفريدة.. إلا أنه لم يصل ولو نقطة من بحر عشقه لشيرين.. ذاك العشق الثائر الذي يشكل خطرا عليه هو نفسه! فعشقها يسيطر عليه ويتحكم به.. بل محتل له ويمتلكه ويأسره!
ربت وليد بسيجارة لم يشعلها فوق العلبة وهو يجيب
((لن أستطيع أن أكون صادقا في هذا الأمر لأنه أمر معقد، ولكن يمكنك أن تقولي بأن مشاعري تجاه جُمان لم تكن حبا بقدر ما كانت شعورا بالألفة التي تخلق شيئا من الراحة.. الراحة التي ستكتمل بعد زواجنا))
كان هناك تهديد ووعيد خفيين في نهاية حديثه! لا زال على انتقامه! فلا قلبه ولا روحه ستخمدان إلا بالانتقام!
بينما هي لم تنتبه لأي إشارة منه وحقدها تجاهه في داخلها يتصاعد.. ليته امتلك شيئا من هذه الحنية والرأفة عندما تركها في نفس يوم زواجهما بهذا الشكل المهين!
بسببه ولسنوات هجرها النوم وأمضت ليالي تشهق من فرط بكائها.. بينما يأكل الحزن قلبها بنهم.. بسبب ما فعله ضاق الأمر بها ذرعا ومن ثقله كانت تظن بأنه سيودي بها للهاوية..
قال وليد لها بتسلية وهو يرفع حاجبيه
((بماذا شاردة كحيلة العينين؟ هل تشعرين بالغيرة من جُمان؟))
تسارعت خفقات قلبها واحتدت عيناها فأكمل
((لا داعي للقلق من مسألة جُمان، لقد تزوجت منها على أمل بأنها ستنجح يوما ما في أخذ شيء من قلبي وأنساك ولكن لم يحدث ذلك ففي المشاعر لا يحل أحد مكان أحد))
تشدقت ساخرة بمرارة
((لم يبد حقا بأنك عجزت عن نسياني، بل حتى وانا في المدينة كانت تصلني أخبار عن مدى حبك لها على الرغم من عدم إنجابها، لم يبدُ عليك الندم أو الحزن لما فعلته بي))
يلتف حول مكتب إلى أن جلس بجانبها
((معك حق فلم تكن هناك أي مشاكل بالنسبة لي بعدما هدمت كل شيء بيننا وتزوجت من جُمان، إلا في الحنين للحظات السعيدة التي اكتشفت فيها متأخرا أن الإنسانة الوحيدة التي أحببتها لم تعد موجودة في حياتي))
وضع عينيه في عينيها مردفا
((فهي لم تكن بالنسبة لي أكثر من فرصة ثانية.. خطة احتياطية.. وعلاج مؤقت))
لم تكن لتحب المرأة التي قبلت على نفسها أن تتزوجه في نفس اليوم الذي تركها فيه وتساعده على تدمير حياتها.. لكنها حقا شعرت بالاشمئزاز منه ومن انحطاطه.. وعلى غفلة منها مأخوذة بصدمتها وقهرها.. أحنى رأسه وقبل وجنتها.. فشهقت وهي تبعده بعنف عنها هاتفة به بجنون
((ابتعد يا وليد، عقد قراننا لا يعني زواجنا))
تأملها وليد بضيق يستنشق رائحتها العطرة وقد اشتعلت حواسه لقربها منه لتزلزل مشاعره ورغباته المكتومة منذ سنوات طويلة تجاهها.. ليهمس لها بوله
((معك حق، لأني لو بدأت شيئا فلن أستطيع منع نفسي من الانجراف بعيدا))
شعرت شيرين بأن معدتها ستنقلب وهي تراه يقف أمامها بكل تبجح نظرته القوية المغرورة!
اعتدل وليد واقفا من مكانه يتناول سيجارة ويشعلها هادرا بحيادية
((غالبا لن يحضر ابن عمي حفل زوجنا.. خسارة.. هل لا زلتي حزينة لأني جعلته يطلقك؟ أريد منك أن تتأكدي بأني لن أنسي موضوعه أبدًا أبد الدهر، وسأتأكد من جعلك تدفعين ثمنه غاليا بعد زواجنا))
شعرت بالحسرة أنه سيعرف خدعة زواجها من ابن عمه.. لكنها تمَالكت نفسها وهي تنظر له بحدة عيناها كالزجاج تحرقها الدموع والانفعال مكتومًا داخلها
((إياك أن تظن بأنك تخيفني! وإذا كنت تعتقد أنك كسرتني عندما جعلته يبتعد عني فأنتَ مخطئ، على العكس فليست أول مرة أترك بطريقة فظيعة! لذا أنا من سأحرص بعد زواجنا أن أجعلك تندم على الاقتران بي والعودة لحياتي، لا تلمني على كل ما سأجعلك تتجرعه))
تشدق ساخرا
((أنتِ تبذلين جهدك لتثبتي بأنك في أعماقك لا تريدين هذا الزواج لكن سنرى))
واجهته بنظراتها بكل جمود عفوي وصلابة ترد
((أنا حقا لا أريد أن أمضي فيه فمن يعرف يا وليد قدر نفسه يعز عليه أن يمضي في سبيل لا ينتمي إليه، وتلك الأيام الثقال التي مررت بها بسببك صنعت مني إنسانة لا تميل ولا تلين، لكنه كله يهون من أجل سهر ووالدها التي أنا ممتنة لها جدًّا، ففي كل مرة احتجت فيها رفقة أو سند كانت موجودة لتساعدني في التغلب على هذا الشعور أو الاحتياج والاستمرار، وبالمناسبة لقد صححت لها كذبتك عني بشأن الخيانة، وجعلتها تدرك بأنك أنتَ من كنت الخائن فيما مضى))
أطفأ وليد السيجارة ليشرب من قهوته دون أن ينبس ببنت شفة وهو يراها تغادر مكتبه.. فما لا تعرفه شيرين أن كبريائه اللعين الذي أجبره قبل سنوات طويلة أن يتركها قتله.. أيامه السابقة التي عاشها بدونها لم يكن فيها إلا جسدا خاويا بلا روح..
عقد ساعديه العضليين على المنضدة الخشبية القديمة هامسا بوعيد
((انتظري يا شيرين حتى نتزوج، لم يكن عليّ في الماضي تركك أبدًا))
أشاحت شيرين بنظرها عن وجهه البغيض على قلبها الآن بعد حب زائل ثم خرجت مكتبة ثم من المبنى.. لترفع عينيها للسماء التي بدأت تمطر بغزارة..
لم تأبه لتبلل ملابسها وبقيت واقفة مكانها تسمح للأمطار بالهطول عليها.. لربما عليها أن تستقبل الحزن في حياتها كما تستقبل المطر.. وتجعله يغسلها من الداخل..
أخيرا سمحت للدمع أن ينطلق من عينيها رقراقًا.. لعله يداوي بعضا من أوجاع قلبها..
=============================
في حديقة القصر الخلفية..
حركت الرياح الناعمة الأزهار والأعشاب وتمايلت أغصان أشجار الزيتون..
أغمض يزيد الجالس مع أبيه حول الطاولة الخشبية عينيه فلامست رموشه السوداء بشرته الناعمة..
مال برأسه إلى الوراء ليُعرض عنقه لأشعة الشمس.. فتهادى شعره المموج الأسود على كتفيه وقميصه القطني..
فتح عينيه فجأة شاهقا كمن تذكر شيئا.. ثم سارع يتناول حقيبته المدرسية يفتحها مستدعي انتباه مَالك الذي توقف عن تصفح هاتفه وهو يسأله باستغراب
((عمّ تبحث يا يزيد؟))
تطلع يزيد لأبيه مجيبا بحماس
((هل تذكر عندما أخبرتك عن الألبوم الذي يحتوي صور لي لم يسبق لك وأن رأيتها عندما كنت رضيعا؟))
هز مَالك رأسه له ليكمل يزيد وهو يرفع الألبوم بيده ويلوح به مردفا
((لقد استطعت جلبه معي بعد أن أخذته من أمي بخفة!))
توهجت عينا مَالك بلهفة ثم سارع يتناول الألبوم منه هادرا بفضول لهف
((يزيد أنتَ مذهل، دعنا نرى صورك، لا يحق لأمك أن تخفي أي صور تخصك عني..))
فتح مَالك بفضول الألبوم يبدأ التحديق بها وسرعان ما أغلق الألبوم فجأة وتلاشت الابتسامة عن شفتيه تدريجيًا حتى اختفت تمامًا..
تطلع بتجهم في ابنه ليرتبك الأخر وهو يسمعه يؤنبه
((مهلا يزيد.. هذه الصور لك مع أمك، وشعرها مكشوف..))
ازداد ارتباك الصغير إلا أنه أوما برأسه هامسا
((نعم أعلم))
وبخه مَالك مجددا بقسوة وعلو
((لهذا أمك لم تريني صورك هذه، لأنها تظهر بمعظمهم، لم يكن عليك جلبه لي))
تمتم يزيد بخدين مضرجين بحمرة ومتسائلا بغير وعي
((وماذا فيها لو رأيت صورها؟ أليست هي أمي وأنتَ..))
قاطعه مَالك بحدة صوته الذي تزايد وتيرته بغير وعي منه
((يزيد، هي الآن لا تحل لي، سأذهب بهذا الألبوم لأمك وأخبرها أن تخفيه جيدا، وإياكَ أن تدع أحدًا غريب يرى هذه الصور لها حتى لو كنت أنا))
نكس يزيد رأسه بكسرة خاطر ثم همس بشفتين مرتجفتين ((حسنا..))
كان لا زال مَالك ينظر إليه بصرامة حتى جفل فجأة على صوت يهتف باسمه.. رفع رأسه للواقف أمامه وسارع يقف من مكانه متسائلا بصدمة
((أبي.. ماذا تفعل هنا؟))
أشار الحاج يعقوب الذي كانت تعابير وجهه غير مقروءة بذقنه لرتيل الواقفة بجانبه وقال
((جئت أنا وزوجة أخيك للجلوس هنا في الحديقة كما هي العادة))
ظهر شيء من التردد على مَالك وهو يتساءل
((هل سمعتما شيء مما..))
قاطعه والده بصوتٍ رخيم
((نعم يا مَالك.. صوتك العالي وصلنا))
ثم التفت ينظر لزوجة مؤيد يطلب منها بلطف
((تناولي يا رتيل الألبوم منه وأعطيه لأم يزيد، وأخبريها أن تخبئ خصوصياتها جيدا عن متناول طفلها الصغير))
هزت رتيل رأسها بطاعة وتناولت الألبوم من مَالك لتذهب نحو بيت سمية القريب من هنا..
تنهد مَالك ثم عاد يجلس ويميل نحو يزيد يسأله بخفوت
((هل أحزنتك؟))
رفع يزيد له عينيه المغرغرتين بالدموع وهدر بمعاتبة رقيقة
((ألم تخبرني أن أجلب صوري التي لم تراها لي من قبل؟))
رفع مَالك يده يربت فوق شعر الصغير وعاتبه برفق وهو يأخذ دوره الحقيقي معه كأب
((نعم لأني فهمت من كلامك أن الصور لك وحدك لأني لا أحتفظ بالكثير من صورك عندي! لكن لم أعتقد أن أمك تظهر فيها دون وشاح..))
كان الحاج يعقوب الجالس معهم يصله صوتهما الهامس ولم يكن يعجبه ما يسمعه.. فبأي صفة يطلب ابنه مَالك صور يزيد ويحتفظ بها! فصدح صوته هاتفا باسم ابنه ليلتفت مَالك له بتساؤل.. فقال يعقوب مشيدا دون أن تنحسر الشدة عن صوته أو ملامحه
((ما زلت غاضبا عليك لحديثك الدائم بين الحين والآخر مع أم يزيد وعلى خروجك في ذاك اليوم معها، لكن رؤيتك الآن لا تستسهل الحرام وتردع نفسك عن رؤية صورها مكشوفة الرأس جعل غضبي عليك يخفت قليلا.. فالنظرة الأولى الواقعة دون قصدٍ أنت غيرُ مؤاخذٍ عليها لأنك لم تتعمدها لكن النظرة التي بعدها أنت كذلك، فكن حذرا من أن تتبع النظرة بنظرة))
كان مَالك ينظر لوالده بانشداه لا يفهم كثيرا ما الذي يريد أن يصل له.. فرقّ صوت يعقوب وهو يسترسل
((وكما تعلم يا مَالك على المرء عندما يحب أن يخلص ويتعفف، لا يقبل أن يدنّس حبّهُ بذنب قد يحرمهُ إياه))
كان الحاج يعقوب يريد التحدث بشيء عندما وقف مَالك فجأة وقال بتوجس
((لحظة من ذاك الرجل الواقف أمام منزل سمية))
عقد يعقوب حاجبيه وهو يستدير نصف استدارة يتطلع نحو منزل سمية الصغير الذي يمكن رؤيته من هنا..
وقبل أن ينطق بشيء كان مَالك يهرول باتجاهه هناك قبل أن يقف أمامهم ويتبين له أن الرجل هذا ما هو إلا.. كامل.. زوج سمية الأول.. ومع امرأة.. غالبا تكون زوجته والتي كانت أرملة أخيه..
.
.
هتفت سمية والتي كانت بجانبها رتيل بكامل عاليا
((أخبرتك أن تُعلم أمك بأني سامحتها على كل ما فعلته بي فلا داعي أن أذهب لمقابلتها))
صرخ كامل بها معترضا بفظاظة
((لكن أمي مصرة أن تأتي بنفسك عندها وتقفي أمامها))
هدرت سمية له بانزعاج يشوبه الحزم
((لا أريد يا كامل، لذا غادر لو سمحت.. أنتَ وزوجتك..))
شهقت زوجة كامل وهي تضرب صدرها بيدها والتفتت لزوجها متذمرة
((انظر يا كامل كيف تتحدث عني؟))
هدر كامل وهو يرشق سمية بنظرات الامتعاض
((دعك منها تلك المتعجرفة، بدلا أن تشكرك من أنك موافقة على عودتي لها وتربية ابنها تعاملك بهذه الصلف!))
ما إن انتهى كامل من قوله حتى كان قد طفح الكيل بمَالك الذي حضر وفاض الأمر به.. لم يعد قادرًا على إعطاء قلبه المهدئات ويستمع أكثر لباقي حوارهم الذي يحاول كامل من خلاله إقناع سمية بالعودة له.. فسارع يتهجم عليه ممسكا بمقدمة قميصه يجذبه له صارخا
((أخبرتك أن ابتعد من هنا، فما الذي تعجر عن فهمه؟))
شهقت النسوة من قدوم مالك في حين حاول كامل الاعتراض إلا أن مَالك رفع قبضة يده ليلكمه في وجهه بغضب مكتوم جعله يتراجع خطوات للخلف وكاد أن يفقد توازنه..
دب الذعر في كامل من تواجد ابن الحاج يعقوب الكانز.. فسارع يهتف بهلع مدافعا عن نفسها وهو يجفف خيط الدم الرفيع الذي انساب من فمه
((سيد مَالك.. لحظة.. سيد مَالك دعني أشرح لك موقفي، أنا وزوجتي جئنا هنا لإقناع سمية أن تعود لي بعد أن طال على بقائها مطلقة مرتين سنين طويلة، وهكذا نكسب أجرا في تربية طفلها البائس بدلا من أن يعيش كيتيم ووالده الحقير على قيد الحياة لا يسأل عنه))
آخر كلمات كامل هي من جعلت مَالك يضيق ذرعًا فيتهجم عليه ويقبض على تلابيبه باحتدام.. بينما كامل يحاول تخليص عنقه والتملص حتى لا يختنق تحت يدي مَالك الذي يفوقه قوة وطولا.. سارعت سمية تصرخ فيه بفزع
((مَالك.. مَالك أرجوك ابتعد.. ابتعد ولا تتدخل..))
كانت خائفة مما قد يقدم عليه حتى أنها لم تنتبه أنها تنادي اسمه مباشرة دون أن يسبقه أي ألقاب كما هي معتادة على مناداته عند تواجد أحد من حوله..
رفع مَالك قبضته ينوي ضرب الآخر مجددا حين دوى صوت والده الذي يعلن عن قدومه
((مَالك توقف عما تقوم به))
توقفت قبضة مَالك عاليا في الهواء وكل ما فيه يرتجف من شدة الغضب..
فتح كامل إحدى عينيه تدريجيا بذعر يتأكد من أن وجهه لن يُضرب ثم فتح عينه الأخرى ونفض يد مَالك عنه ليتراجع للخلف..
تقدم الحاج يعقوب من كامل يسأله بحزم
((أجبني ماذا تريد من أم يزيد؟))
كان كامل يتنفس بعنف وخوف مما حدث ويناظر بطارف عينه مَالك الذي يرشقه بنظرات متوعدة يتطاير الشرر منها بينما يخفض قبضته للأسفل جانبه كما طلب والده منه..
عاد كامل يتطلع للحاج يعقوب يحاول استمالته
((أنا كنت يا حاج أحاول وزوجتي التحدث معها بخصوص شيء متعلق بنا..))
اندفع مَالك نحو بغضب منفلت
((لا شيء يخصها متعلق بكم))
حذر الحاج يعقوب ابنه بصرامة عينيه من التهجم على الرجل مرة أخرى.. فتدخلت زوجة كامل مدافعة عن موقفهم
((أقسم يا حاج يعقوب بأننا جئنا لنتحدث مع أم يزيد بخصوص موضوع يهمنا نحن الثلاثة، وحثها على لقاء والدة زوجي وجها لوجه كم طلبت))
قاطعها مَالك منفعلا
((ليس هناك من شيء يربطها بكما أنتما الاثنين))
زجر الحاج يعقوب ابنه ليهدأ ثم تطلع لكامل هادرا
((وهي أخبرتكم بوضوح سلفا بأنها لا تريد المجيء، لذا غادر يا كامل ولا تقرب عتبة بيتها مجددا.. لا أنتَ ولا زوجتك))
ظهر غلم عارم على وجه زوجة كامل في حين هزّ كامل رأسه بخوف قبل أن يلتفت سريعا ويغادر
((حسنا يا حاج يعقوب.. أدامك لنا..))
تطلع يعقوب بسمية التي كان الشعور بالذنب طافحا على وجهها خوفا من أن يوبخها.. فهي سبب تهور مالك الآن بهذا الشكل! إنها جلابة المشاكل له..
إلا أن رتيل التي كانت تقف بجانبها قالت للحاج يعقوب وهي تمسكها من رسغها وتدفعها للداخل
((سأتحدث قليلا مع سمية في الداخل يا عمي، ثم آتي عندكم))
هتفت رتيل بيزيد الذي كان بالقرب منهم واقفا بخوف يغزو ملامحه البريئة
((ادخل بسرعة يا يزيد))
سدد يعقوب نظره لابنه ليقول آمرا بلهجة مغلفة بالغضب من تصرفه الأرعن قبل قليل
((الحقني يا مَالك))
لم يجد مَالك أمامه إلا الانصياع لأمر أبيه ولحاقه..
.
.
جلس يعقوب على إحدى الكراسي حول الطاولة المتواجدة في الحديقة الخالية.. ثم هتف بنبرة توبيخ ساخطة لابنه الذي جلس مقابله
((هل أعجبك تهجمك على الرجل قبل قليل؟))
قال مَالك بثبات انفعالي دون أن يهزّ جفن له أو يظهر ندما
((ألم تسمع ما قاله؟ كان يتحدث بشيء يخص العودة.. إنه يريد أن يعيد سمية له! على أي أساس يقول هذا بعد كل هذه السنوات التي انقضت على طلاقهما؟ لا والأنكى أنه تحدث بسوء عن والد طفلها يزيد))
هتف والده به باستنكار
((وما شأنك أنتَ؟ سواء كان يريد هو أو والد طفل سمية أن يعود لها فلا حق لأحد في التدخل))
احتقن وجه مَالك وهو يجد صعوبة في البوح بالحقيقة! فحافظ على ثباته قائلا
((أتفهم أن يعود والد طفل سمية لها فهناك ما يربطهما، لكن كامل! كامل! لماذا قد تعود له وقد انتهي كل شيء بينهما! حتى طلاقهما أظهر قبح وانحطاط أخلاقه معها!))
زعق به يعقوب
((وأنتَ مجددا ليس لك علاقة بكل هذا! في النهاية سمية هي فقط من لها الحق باتخاذ أي قرار في حياتها مهما بدا لمن حولها غير معقول!))
لم يعي مَالك على نفسه وهو يقول بتملك شرس
((كيف لا دخل لي أنا؟ لا تدَعي يا أبي أنك لا تعرف بأني أحبها))
اتسعت عينا يعقوب ولم يظن يوما أن ابنه سيقولها صراحة أمامه هكذا بلا خجل أو حياء لكن مَالك لم يندم على ما قاله بل كرر بلوعة
((نعم أحبها! أحبها! ولن أسمح لأحد غيري أن يتزوجها))
اضطربت ملامح مَالك في نهاية حديثه وهو يشعر بغيرة غريبة تدب في أعماقه على نحوٍ لم يتخيله متذكرا ما كان يريده كامل منها! ورغم شعور والده به إلا أنه هتف به
((مَالك، راقب ما يخرج من فمك جيدا، هل تعي ما قلته؟ أنا لا أسمح لك أن تتصرف بهذا الاستبداد والتجبر، كيف تتحدث عن زواجك منها وكأنه أمر مسلم به؟ وماذا إذا كانت هي لا تريد الزواج منك؟))
شمخ مَالك بذقنه وقال بثقة ناظرًا في عينيه
((أبي هي بنفسها من أخبرتني أنها تحمل مشاعر لي، لكن بسبب ذاك المنحط كامل وعودته المفاجئة هذه، وبسبب خوفها من سخطكم وغضبكم عليها أظن الآن بأنها ستقبل العودة له حتى لو كُرها لمجرد أن ترضيكم))
دمدم يعقوب بهدوء ورفق
((مَالك اهدأ يا بني))
أغمض مَالك عينيه يأخذ نفسا عميقا قبل أن يفتحهما ويقول بنبرة حرص بجهد ألا تبدو صدامية مع والده فلا تشعره أن الأمر ينطوي على صراع أو تحدي
((أبي أنا أريد الزواج من سمية، لن أقول بأنها تحبني، ولكنها تميل لي، على الأقل أريد أن أحظى بفرصة إقناعها بأني الرجل المناسب لها! أريد منكم أن تعينوني على ذلك وتظهروا لها الدعم لتعرف بأنه مرحب بها هنا معنا))
ظل يعقوب ينظر في عيني ولده للحظات طويلة بصمت يتمعن في الثبات والصلابة المتوهجة من حدقتيه.. ثم قال أخيرا بآخر شيء توقع مَالك أن يسمعه منه
((وأنا موافق يا مَالك))
فتح مَالك فمه ينوي الاعتراض على تعنت والده وإجحافه بالرفض قبل أن يرتفع حاجباه متسائلا بدهشة يكاد لا يصدق ما سمعه
((هل أنتَ موافق حقا؟))
أومأ والده بإيجاب وملامحه لا تظهر إلا الجدية.. فسارع مَالك يقول بصوتٍ مختلج
((إذن عليك أن تطلب يدها لي ونتزوج بأسرع وقت ممكن))
صدر صوت ساخر من يعقوب على لهفة ابنه! الحقيقة هي أنه ووافق بينه وبين نفسه على زواجه من سمية سلفا وانتوى اليوم أن يفاتحه في أمر موافقته بعد أن لامس خطورة ما قد يرتكبه مَالك أو يتجاوزه من حدود حمراء إذا منعه مما يريد.. وما حدث قبل قليل أمام زوج سمية الأول كان خير برهان! أطلق الحاج يعقوب عدة أنفاس كانت تجيش في صدره ثم تحدث بحكمة يجتذب تركيزه
((إذا كانت سمية موافقة على الزواج منك فأنا بنفسي سأطلب يدها لك، ولكن قبل كل شيء أريد منك أن تضع في حسبانك أن الإقبال على هذا الزواج يتطلّب منك كثيرًا من المروءة في الالتزام بتبعات هذه الخطوة والتفكّر جيدًا بالمعطيات المطروحة قبل الارتباط بها! كي تقيّم الوضع جيدًا، ليس من أجلك، بل من أجلها هي.. أريد أن أتأكد بأنك بعد أن تتزوجها لن تنسحب وتتركها في منتصف الطريق لمجرد أنه لم يرق لك الوضع! فوفقا لمقتضيات الرجولة والشهامة على الرجل أن يتحمّل مسؤولية تبعات قراره وألا يظلم امرأة تزوّجها بكامل إرادته))
أشار مَالك بيده لنفسه مستنكرا وهو يميل بوجهه للأمام
((أنتَ لا تثق بحبي لها يا أبي؟))
تحدث يعقوب بفطنة
((في الوقت الحالي أنا واثق من صدق ونقاء المشاعر التي تكنها لها، لكن في نفس الوقت أنا أعرف مشاعر الحبّ التي تجعل الإنسان في لحظات الذروة العشقيّة يقول ويفعل مثلك أمورا قد يندم عليها مستقبلا، لذا يجب أن تترك لعقلك موضع قدم في قرارك هذا لتضبطه، وتسمح له أن يطلّ من بين العواطف والأحاسيس والانفعالات، وأن يقول كلمته، والأمر بعد ذلك لك، إن شئت سمعت له وإن شئت أعرضت))
عقد مَالك ما بين حاجبيه بتساؤل
((أبي لم أعد أفهمك! أنتَ موافق أو لا؟ هل كانت موافقتك سابقة ما هي إلا موافقة شكلية قبل الدخول لهذه المقدمات؟ كأنك تدعي موافقتك وتأخذني على مقدار عقلي حتى تستطيع أن تقنعني بالمنطق والعقل أن أتراجع وكأني مجنون متهور لا يدرك ما يفعله! ماذا سيحدث لو لم أقتنع أيضًا هكذا؟ ماذا ستفعل لتمنعني من الزواج منها أنت أو أمي؟))
كان مَالك في نهاية حديثه متحديا دون وعي منه.. ومع ذلك لم يغضب يعقوب بل تحمل وجلده بصبر قبل أن يقول بصوته الوقور الرخيم
((فلتعلم يا مَالك بأني لا أنا ولا والدتك لنا الحق في منعك من الزواج من المرأة التي تريدها، على العكس دائما ما أدعو الله أن نعينك أنتَ وإخوتك على برنا، وأنا لم ولن أكون الوالد الواقع في دوامة بعض العادات البالية أو أشعرك لا سمح الله بأنّ زواجك من بستانية مطلّقة تكبرك هو زواج من مواطنة من الدرجة الثانية، هذا شيء غير صحيح، فقد تكون هي خيرًا لك من غيرها، أنا فقط أحاول نصحك وبيانك وتوضيح الأمور لك بما أملكه من خبرة الحياة، لا أكثر من ذلك))
ظل مَالك يتطلع في والده باهتمام وتركيز ليسترسل يعقوب وحروفه تدخل لمَالك بحكمة وصبر
((أكرر عليك يا مَالك بأن زواجك من سمية ليس بحرام ولا هو بالعيب.. كلّ ما في الأمر أنّ على الإنسان أن يدرس إمكاناته التي تكون بعد زواجه.. وإذا رأيت من حالتك والظروف المحيطة ما يجعل الاستمرار ممكنًا وطبيعيًّا فأقبل على هذا الزواج.. وأما إذا رأيت أنّ عواطفك فقط هي التي تحرّكك وأنّ المعطيات تقول بأنّ احتمال نجاح هذا الزواج قليلٌ.. فإنّ الأفضل.. بمنطق العقل.. هو الذهاب نحو خيار آخر أفضل وألا تجعل الخيال الحالم الرومانسي يسحبك بعيدًا))
أرخي مَالك أجفانه يقول بخفوت وهو يمسك بيديه كف والده
((لقد درست يا أبي ما أن مقبل عليه من كل الجوانب، لذا عليك أن تدعمني أنتَ وأمي ولا تقفا ضدي، هذا الأمر سيشجع سمية على الموافقة))
شدّ يعقوب على يده ابنه ثم قال مبتسما
((كما سبق وأخبرتك فأنا لم أعد ضد زواجك منها، لكن أنا أعوز عليك التفكير في هذه الخطوة مليًّا وبتبعاتها قبل الإقدام عليها وتعرف أن ثمة صعوبات ومعيقات كثيرة قد تواجهك، وتضع كل التفاصيل والسيناريوهات في حسبانك حتى لا تكون متفاجئًا أو مصدومًا عند حدوثها))
ضيق مَالك عينيه ليوضح له يعقوب
((زواجك من سمية سينطوي على بعض الصعوبات، وأولها انشغالها بابنها وهمومه ومشاكله، لن تكون الوحيد الذي ستنفرد بتفكيرها وعاطفتها له، ثمة من سيقتسم معك هذا دومًا وهو ابنها، أعرف بأنه سيكون بعيدا عنها ولكنها ستظل منشغلة به فكريًا ووجدانيًا، وستحاول رعايته عن بُعد، وستضطر في بعض الأحيان أن تتواصل مع والد طفلها لأجل مناقشة أمر يتعلق به، بل قد تضطر أنتَ نفسك التواصل معه بشأن يزيد))
تغضن جبين مَالك بحيرة ولم يكن شيء قد لفت انتباه إلا جزئية يزيد فتساءل باستغراب
((ولماذا سيعيش يزيد بعيدا عن سمية بزواجها مني؟))
أجاب يعقوب سؤاله بسؤال أخر
((وهل كانت لديك أي نية في أن يعيش يزيد هنا في القصر؟))
ملامح وجه مَالك نطقت بالجواب فسارع يعقوب يقول بحزم
((لا يا مَالك.. يزيد لن يعيش معكما هنا في هذا القصر ولن تخطوا قدمه عتبته إلا في زيارات محددة وبعد أخذ الأذن مني أو من والدتك))
اهتزت حدقتا مَالك قليلا وهمس باستهجان
((أبي هل تريد أن تحرم الأم من ابنها؟))
شاب شيء من الغضب نبرة يعقوب وهو يقول
((مَالك أنا لا أحاول تعجيزك أو تصعيب موضوع زواجك.. كما لست متحجر القلب لأبعد أم عن ابنها.. ولكن يزيد سيظل غريبا عنا حتى بعد زواجك من أمه وأنتَ لا تعيش في هذا القصر وحيدا، فكيف تريد من بنات إخوتك أن يعشن في نفس المكان الذي يعيش فيه شخص غريب ويأخذن راحتهن!))
فغر مَالك شفتيه باستنكار قبل أن يحتج ا
((أبي يزيد لا يزال في السابعة من عمره، لم ينهي الصف الثاني بعد))
قاطعه والده يحسم نقطة الخلاف
((الصغير سيكبر يا مَالك، وإذا لم نضع حدود من الآن فلن نستطيع لاحقا، لقد ظننت بأني لن أكون بحاجة أن أنبهك على هذا الأمر، لكن الآن تجعلني أعيد التفكير بموضوع موافقتي في زواجك من سمية!))
أطرق مَالك بوجهه مفكرا.. بإمكانه الآن وفي هذه اللحظة أن يخبره والده بأن يزيد ابنه وينهي مهزلة هذا الحديث الساخر! فهو لا يصدق أن الحال وصل به أن يتناقش مع والده عن يزيد وكأنه حقا ابن رجل آخر غيره! لكن شيء ما يجهله في داخله جعله يتراجع في اللحظة الأخيرة عن البوح له.. بل بدا أن جلالة إعلام والده الحقيقة مهيبا وليس بذاك الاستخفاف الذي كان يظنه! وشعر بأن والده الذي بدا الآن شبه موافق على زواجه من سمية قد يتراجع ويثور عليه لو عرف بحقيقة يزيد، وسيدخله بدوامة أخرى تفيض بالعتاب والاحتقار لأنه اخفى عليهم مثل هذه الحقيقة!
هزّ مالك رأسه مقتنعا.. ليتزوج سمية ويعلن زواجه منها وبعد ذلك لكل حادث حديث! فهمس أخيرا بعد فترة تفكير طويلة وهو يرفع وجهه
((حسنا يا أبي.. معك حق.. بمجرد أن يتم زواجي أنا وسمية سينتقل يزيد للعيش مع والده))
لوح يعقوب بسبابته محذرا ابنه من التلاعب
((أنتِ رجل ناضج ولست شابا أهوجا يتراجع عن كلمته، فإذا ما قلت لك بأن يزيد لن يعيش هنا فأنا لا أتوقع منك أن تُّخل بالتزامنا بعد زواجك منها، أو ستضطرني أن أطردك من هذا القصر وتعيش مع سمية وابنها في منزل آخر!))
وارى مالك بريق التلاعب المشع من عينيه وقال
((لن أخل باتفاقنا يا أبي! أعطيك كلمة رجل بأن يزيد لن يسكن هنا في هذا القصر إلا إذا كنت راضيا أنتَ وأمي))
امتعضت ملامح يعقوب وقال
((وأنا وأمك لن نرضى أن يسكن ولد غريب هنا، لذا نبه سمية أن ابنها بعد الزواج سيأتي إلى هنا في زيارات أسبوعية ويجلس مثل الضيف لساعات محدودة ثم يغادر، ولا تتوقع أكثر من ذلك))
=============================
في منزل سمية الصغير..
ربتت رتيل على كتفها تدعمها ثم سألتها
((هل هذه أول مرة يأتي كامل هنا إلى منزلك؟))
هزت سمية رأسها نافية ثم أجابت بوهن وخفوت
((لا.. هذه هي ثاني مرة.. جاء في الأمس أيضًا))
غزت أمارات الدهشة ملامح رتيل ثم ناظرت يزيد الذي كان يقف منكمشا على نفسه بشيء من القلق
((يزيد اذهب لغرفتك حبيبي، أريد التحدث مع أمك))
استجاب يزيد بصمت وطاعة وولج لغرفته ثم أوصد الباب تاركا القليل منه مفتوح ليسترق السمع لحديثهما..
بلهفة عادت رتيل توجه بصرها لسمية متسائلة
((ماذا يريد منك هو وزوجته؟))
ابتسمت سمية بتهكم وأجابت بنبرة مغلفة بالمرار
((قال لي في الأمس بأن أمه تريد مني أن أزورها، فهي من منظورها الشخصي تعتقد أن تخلي زوج ابنتها عن ابنتها بعدما أنهكها المرض هو جزاءً على ما فعلته بي في الماضي هي وابنها، لذلك تريد الآن الاعتذار لي))
اتسعت عينا رتيل متسائلة
((وأنتِ ماذا قلتي له؟))
هزت سمية كتفيها قبل أن تقول ببلادة اكتسبتها
((قلت له في الأمس بأني أسامح والدته على كل ما فعلته بي ولكني لا أرغب بمقابلتها، فرؤيتها ستعيد لي ذكريات قاسية ومؤلمة لا أحب تذكرها، فجاء اليوم قائلًا بأن والدته طلبت منه أن يعيدني على ذمته تكفيرا عن ذنوبهم بحقي، فجلب معه زوجته ليريني بأنها موافقة بنفسها أن تتنازل وتقبل أن يستر عليّ ويرعى ابني وينفق عليه!))
برقت عينا سمية بحاجزٍ رقيق من الدموع ثم تمتمت بخفوت كمن تحدث نفسها
((الأخرق! لو كنت لا زلت أريد العودة له فهل كنت لأتركه من الأساس!))
في هذه اللحظة تماما تاهت عينا سمية متذكرة أشد لحظات حياتها وجعًا وضياعًا وظلمًا عاشتها.. ولن تكذب إن قالت بأن الله أعاد مَالك لحياتها لينتشلها من قاع الكآبة الذي كانت تغوص فيه.. فبعد أن كان الحزن والقهر يلتهمانها وكل تفكيرها منحصرا في الغرق في الذكريات المريرة والقاسية من زواجها السابق جاء هو ليقتحم حياتها ويبعثرها لتنسى كل مرت به تماما وتنشغل في الفوضى التي أحدثها مَالك بعد زواجه منها! بل هي أيضًا لا تنكر أنه خلال تلك الأشهر التي استمر فيها زواجهما ولاها كل رعاية ممكنة ومنحها طمأنينة ومواساة حتى تسترد الجزء المفقود من صحتها جراء الحزن والخيبة التي نالت منها ما نالت.. فخضعت فيها لعاطفته واحتوائه بعد رحلة طويلة مضنية كانت فيها تعاني الألم والهجران والكتمان..
خرجت سمية من دوامة الماضي على صوت رتيل المتسائل
((إذا كانت والدته تريد منك فقط أن تأتي لزيارتها وطلب السماح فلماذا لا تذهبين فقط؟))
ازدردت ريقها ثم قالت بصوتٍ متحشرج
((عندما تزوجت من كامل ومنذ أول يوم وهي تعاملني بقسوة واحتقار وتجبرني على العمل في حقلهم المستأجر لساعات طويلة دون أن تأخذها بي شفقة أو رأفة وإذا رفضت مساعدتهم يوما بسبب الإرهاق أو المرض كانت تعنفني، حتى صارت طريحة الفراش في يوم وليلة وساءت حالتها، وقتها نسيت كل الماضي وكنت أقوم بنفسي برعايتها والاهتمام به والسهر على مرضها وهي تظل طوال الوقت تبكي لي وتطلب الصفح والغفران..))
تمتمت رتيل تحثها على المتابعة
((هذا جيد.. ماذا حدث بعد ذلك؟))
أجابت سمية بنفس نبرتها السابقة
((بعد أشهر من العناية بها تحسن حالها واشتد عودها وعادت صحتها كالسابق وعادت معها شخصيتها الصعبة وقسوتها في التعامل معي بل وأشد حتى أنها أقنعت كامل الزواج من أرملة أخيه.. وبعدها تعرفين ما حدث))
غمغمت رتيل بامتعاض
((امرأة كريهة، جرعتك المرار والآن تطلب بكل جرأة أن تأتي لقعر دارها لتعتذر منك!))
أطلقت سمية تنهيدة تكتمها ثم قالت بملامح تضج ألما
((لست بحاجة لاعتذارها فقد جربته مرة ولن أرغب بتكراره، أريدهم فقط أن يكفوا بلائهم عني، بعد أن انفصلت عن كامل عانيت لأشهر يمزقني الاشتياق ويلازمني الخواء وأقضي ليالي طويلة أختنق فيه من ظلم الاختيار الذي وقع عليّ دون ذنب أو جريرة!))
لم تصدق كيف كان يتحدث كامل معها بترفع قبل قليل هو وزوجته بأنه سيعيدها له! إنه غبي إن ظن بأنها كانت تنتظر رأفته بأن يعود لها! لقد سبق وقامت ذكرياتها المرة معه بتنحية قاسية لأفكارها العاطفية البلهاء تلك..
وبعد إنجابها يزيد أقسمت أن تستعيد قوتها بالكامل وألا تضيع المزيد من أيام عمرها بالتفكير به!
عادت رتيل تطبطب فوق كتفها هادرة بمؤازرة
((لا تحزني، سأخبر عمي بشأن كامل..))
قاطعتها سمية وهي تطالعها بلهفة تحمل توسل ضمني
((لا أرجوكِ لا تخبريه بشيء، لا أريد إثارة المشاكل، ثم لن يتجرأ كامل على اعتراض طريقي مرة أخرى بعد تهجم مَالك المتوحش عليه))
هزت رتيل كتفيها تخضع لرغبتها ثم استقامت واقفة تقول من قبل أن تغادر
((حسنا سأذهب الآن))
.
.
أغلقت رتيل باب المطبخ الخارجي الذي دلفت منه للداخل من خلاله لتتساءل ((ماذا تفعلين يا نجوم؟))
أجابتها نجوم وهي منهمكة بعملها
((أمسح المطبخ مرة أخرى، أنا متفرغة وأشعر بالملل))
همهمت رتيل لها قبل أن تفاجئ بمَالك يندفع لداخل المطبخ كالعاصفة يسألها وينهال عليها بوابل من الأسئلة
((أم فهد.. أين كنتي؟ هل عدتي الآن من بيت سمية؟))
ضيقت عينيها بتلاعب ثم قالت تعقد معه صفقة
((أخبرني ما كنت تتحدث به مع والدك، أخبرك ما قالته سمية لي))
كتف مَالك ذراعيه حانقا من فضولها الذي بررته ببساطة
((إذا لم أعرف ما يحدث من حولي وأشبع فضولي لن يعرف النوم أي طريق لي لأيام))
تنهد مَالك بضيق وهو يخضع لها لكنه لوهلة عقد حاجبيه يناظر نجوم التي تصب كل تركيزها معهما والتي سارعت تقول بتأكيد ((أنا جيدة في كتم الأسرار حتى عن أمي.. قولي كلمة يا سيدة رتيل هل سبق وأن أفشيت سرا من أسرار ما يحدث في داخل هذا القصر للخارج؟))
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الخامس وثلاثون 35 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الخامس عشر
في منزل وليد الفاره والواسع تم حفل خطوبته بشيرين وعقد قرانهما فيه.. على أن يقام حفل زفاف ضخم بعد أسابيع أمام القرية بأسرها.. على عكس هذا الاحتفال البسيط الذي ضم بعض من معارفهما..
تطلع وليد لشيرين يختلس النظر لها.. يعرفها منذ مدة طويلة وكانت خطيبته لسنوات.. لكن الآن فقط بعد أن عقد قرانه بها وصارت حلاله.. مد يده يضعها فوق يدها الناعمة وارتعاشه لذيذة تمر بأوصاله.. مهما كان هناك من غضب وانتقام وتوعد يضمره في صدره لها بعد زواجهما.. إلا أن إحساس الراحة الذي يشعر به في هذه اللحظة لا يقدر بثمن.. أخيرا سينالها وستصبح ملكه قولا وفعلا..
ألبس وليد شيرين خاتمها ببطء.. ثم تطلع لها وثغره يميل مبتسما بزهو.. تبدو فاتنة بثوبها الزاهي وتفاصيله الذهبية.. أما الكحلة التي خطتها فوق جفونها فقد أكملت مظهرها الملكي..
حدق في سواد الليل على رموش عينيها الخضراوين.. ليخيل إليه أن الليل في محراب النهار مستقر فيهما.. فيضيع الزمان والمكان من حوله..
خرج من ضياعه فيها عندما شدت يدها التي يمسكها هادرة بوجوم
((هذا يكفي، حرر يدي))
جلست شيرين باقتضاب على المقعد الطويل المذهب في حين مال وليد بوجهه منها وكأنه ينوي تقبيل وجنتها إلا أنه همس في أذنها بصوتٍ أجش غاضب دون أن تنحسر ابتسامته الرجولية الجذابة
((أزيلي واجهة العبوس حالا من على ملامحك يا كحيلة العينين، أنتِ وسط حفل عقد قرانك لا عزاء))
أدارت شيرين وجهها قليلا تنظر إلى عينيه القريبتين من عينيها ثم رسمت ابتسامة عريضة متشنجة وهدرت من بين أسنانها
((حسنا سأبتسم الآن أمام الناس، فقط من أجل مظهري))
لكن سرعان ما تنهدت وانحسرت ملامحها المتكلفة بمجرد أن ذهب وليد بحماس منطفئ نحو الصالة التي يجلس فيها الرجال.. وهي بقيت مكانها جالسة دون أن تتحرك أو تنطق بشيء للمهنئين والمدعوين حتى ينتهي هذا الحفل.. لم تكن مبتهجة أو ضجرة.. لكن كان هناك خدرٌ يسري في روحها.. لا تصدق بأنها فعلا قد عقدت قرانها على وليد وستصبح زوجته.. وكل ما فعله بها في الماضي هو ووالديّه سيبقى معلقا على أغصان أعصابها، خاصة وأن ذاكرتها تأبي محو تلك الأحداث التي أزهقت روحها في الماضي وأقسمت مرارا ألا تنساها..
.
.
مال مُؤيد لأخيه مَالك متسائلا
((لماذا لم يحضر مُعاذ أو مُصعب حفل عقد قران وليد رغم أن زوجة مُصعب جاءت مع أمي وزوجتي؟))
هز مَالك الذي بدا شاعرا بالملل بانتظار انتهاء هذا الحفل كتفيه ثم هدر
((ربما مشغولين، وربما سيعوضان الأمر على وليد في حفل زفافه، فحفل قرانه هذا على الضيق))
أومأ مُؤيد برأسه بتفكير وهو يأكل بالشوكة التي يمسكها قطعة أخرى من طبق الحلوى الذي يمسكه.. ثم تعجب
((ابن عمك هذا غريب أمره، ألم يفسخ خطبته من هذه المرأة قبل سنوات طويلة بذريعة خيانتها له كما قالت أمه؟))
تطلع يعقوب لولده ورمقه بنظرة ساخطة وهو يقول
((كل من في القرية يعرف يا مُؤيد بأن الفتاة ليست كما قالت والدة وليد عنها، خطؤها أنها لم تقل لوليد عن تقدم أحد الشباب لخطبتها أثناء انفصاله عنها، ولو أنها ليست ملزمة بذلك فلم يكن هناك أي شيء رسمي بينها وبين الشاب.. ولكن كلام والدة وليد رحمها الله وغفر لها كان السبب في الافتراء على المخلوقة وتمادي الناس في التحدث حتى عن شرفها.. أنا سعيد الآن أنه تزوجها، لعله يعوضها بشيء من الظلم والإجحاف الذي تسبب به لها في الماضي))
وضع مُؤيد الطبق الذي كان يأكل منه على المنضدة أمامه متذمرا
((بكل صراحة أنا لست مهتما كثيرًا، وأشعر بالتعب، أريد العودة للنوم بما أني أديت واجبي وانتهيت))
رفع يعقوب حاجبيه يقول بغير رضا
((هل جئت لتجلس فقط نصف ساعة وتغادر من باب تأدية الواجب! أين هو فرحك لابن عمك الوحيد الآن؟ ألم تندم يوم وفاة يحيى رحمه الله على عدم قربك منه وتمنيت لو يعود الزمن حتى تقوي من صلتك به؟ الآن لو حدث لا سمح الله شيء لوليد أو لك ستندم مجددا على كل تقصيرك تجاهه))
استقام مُؤيد من مكانه وبدأ يطلب رقما ما بينما يقول بجدية مزيفة
((أبي أنا فعلا ندمت بعد وفاة يحيى لأنه عندما مات كنت مقاطعا له لذنب أخته المنفلتة وما فعلته بأخي مُصعب، لكن وليد بالنسبة لشخص مثله أنا أفعل ما عليّ وزيادة، بل وحالي أهون من حال إخوتي))
بمجرد أن فُتح الخط حتى وضع مُؤيد الهاتف بالقرب من أذنه آمرا
((مرحبا رتيل.. سأغادر.. جهزي نفسك والأولاد ولنلتقي خارج المكان حتى أقلكم للبيت))
بالكاد جاءه صوت رتيل الساخط واضحا من ضجة الأغاني حولها
((هل تمزح؟ لم يدعو الحضور لبوفيه الطعام بعد.. هل تريد مني أن أذهب قبل أن آكل شيئا؟))
تهكم مُؤيد بشيء من الغضب
((اسكتي وغادري أنتِ والولدين قبل أن يسمعك أحد ويظن أن ثلاجتنا خالية من كل ما لذ وطاب))
اعترضت متذمرة
((ولكن أمك وزوجة أخيك ستبقيان هنا فلم علينا نحن أن نعود؟))
هتف بها بصرامة وحزم
((ليس لي علاقة إلا بزوجتي وأولادي، أريد المغادرة فجهزي نفسك ولاقيني في الخارج بعد خمس دقائق))
حاولت مجددا الاعتراض بقهر
((ولكن يا مُؤيد..))
قاطعها يحسم الجدال
((رتيل لا تجعليني أكرر كلامي، إذا تأخرت في المغادرة لدقيقة واحدة سأقسم بأغلظ الأيمان ألا أخرجكم معي لأي مناسبة مرة أخرى))
.
.
دلفت رتيل إلى جناحها بخطوات عنيفة ثم قذفت حقيبتها جانبا بقوة.. بينما لحقها فهد وباسم اللذان كانت الدموع تلطخ وجهيهما..
أخيرا جاء مُؤيد الرائق خلفهم وهو يتمتم بأغنية علقت في دماغه في الحفل الذي عاد منه مع عائلته قبل قليل..
بدأ مُؤيد يتحرر من حلته الداكنة عندما شاهد ابنه يجلس على طرف السرير ويغمر وجهه بكفيه يبدأ في بكاء صاخب.. فعقد حاجبيه يسأل ابنه الذي لا يفشل بإيجاد سبب للبكاء كل يوم بنبرة جهورية
((لماذا تبكي يا ولد؟))
رفع فهد وجهه المحتقن قائلا بحرقة طفل
((لقد أجبرتنا أن نغادر في نفس اللحظة التي قاموا فيها بعرض بوفيه الطعام في الحفل))
صدر من مُؤيد صوت فيه رنة سخرية قبل أن يصرخ به موبخا
((أيها التافه الصغير! إذا سمعك أحد في الخارج سيظن أن مصدر عشاءنا في هذا القصر هو بوفيهات الحفلات والمناسبات فإذا لم نذهب لاحتفال ننام الليل بمعدة فارغة! اسكت يا ولد واطلب من والدتك أن تعد العشاء لك))
زفرت رتيل بصوتٍ عالي ثم تقدمت من ابنها تسأله بحنو وتخفف عنه
((ماذا تريد أن أضع لك يا فهد أنتَ وأخيك على العشاء؟))
تدخل باسم الحانق يقول باعتراض
((لا نريد عشاء البيت، نريد نفس الأطعمة التي كانت معروضة بالبوفيه))
كتف مُؤيد ذراعيه يتساءل بغضب وامتعاض وهو يرفع هاتفه ينوى طلب رقما ما
((وما هو الطعام الذي كان معروضا هناك؟ هل هو نوع من أنواع الحلويات؟ أخبرني نوعه وسأطلبه الآن من إحدى المطاعم))
تذمر فهد بصوته المتهدج الباكي
((وما أدرانا ماذا كان معروضا هناك! ففي كل مرة نحضر حفل زفاف أو خطوبة تجبرنا أن نغادر قبل أن نرى ماذا يعرضون من أنواع طعام في البوفيه..))
وضع مُؤيد هاتفه جانبا يصرخ بابنه
((أيها الغبي وماذا قد يعرضون على بوفيه الاحتفالات؟ أطعمة مخصصة للفضائيين والجن؟ بالتأكيد نفس الأطعمة والمقبلات التي تأكلها هنا))
غمغمت رتيل بحنق وقد حانت نظرة منها لزوجها
((لا تنعت ابني بالغبي يا مُؤيد))
تمتم باسم بصوتٍ خافت إنما مسموع
((صديقة أمي محقة عندما كانت تسميه بـ"أستاذ مانع" فأنتَ تمنعنا حتى من التنفس))
شهق مُؤيد بصدمة ثم ناظر زوجته وهو يشير لابنه الصغير بسبابته
((هل سمعت كيف يتحدث ابنك بانعدام احترام عني؟ إنها تربيتك؟))
لوت رتيل فاهها ثم قالت معترضة
((إذا قام بفعل حسن يكون تربيتك، أما الآن فهو تربيتي؟))
صرخ مُؤيد بها بامتعاض
((صديقتي أم صديقتك تلك التي كانت تنعتني بأستاذ مانع!))
لوحت رتيل بكفيها وهي تهتف بانزعاج
((مُؤيد يكفي صراخا.. رأسي يؤلمني.. في المرة الأخرى التي سنحضر فيها لأي احتفال دع الأولاد يدخلوا قاعة الرجال معك ولا تتركهم معي، لأنهم يعرضون بوفيه الطعام عند الرجال قبل قاعة النساء تكثير، وأولادك باتوا كالمشردين أقصى أمانيهم رؤية كيف يكون بوفيه حفلات الزفاف))
قال مُؤيد باستخفاف
((عندما يكبران في العمر سأفعل، أما الآن فمستحيل.. ما هو منظري أمام الرجال وأنا أجر طفلين خلفي!))
شعرت رتيل برغبة ملحة في قتله.. لكنها تمَالكت رغبتها المكتومة وباشرت تساعد ولديها في خلع حللهم قبل أن تطلب منهم الاستحمام..
في أثناء ذلك عندما تحرر فهد من قميصه الأبيض وقعت عينا رتيل بذهول على كدمة كبيرة على يده.. فهلعت تمسك ذراعه تتفحصها وهي تسأله بلهفه قلقة
((ما هذه الكدمة يا فهد؟ لم تكن موجودة قبل أن نخرج؟))
التفت مُؤيد يناظر ذراع ابنه بتوجس في حين زمّ فهد شفتيه مجيبا بحزن
((لقد وقعت على ذراعي أثناء مغادرتنا))
صرخت رتيل به موبخه بغضب دافعه القلق عليه
((كم من مرة عليّ أن أخبرك ألا تركض أو تسرع في الأماكن المزدحمة حتى لا تقع))
خرج صوت فهد مرتجفا ينذر بوصلة بكاء أخرى لكن مدافعا عن نفسه
((ألم تقولي لي بأن علينا اللحاق بك على الفور لأننا لو تأخرنا لدقيقة أخرى والدي سيحرمنا من الخروج مرة أخرى معه؟ كنت أودع أصدقائي بشكل سريع وأحاول اللحاق بك حتى لا نتأخر أكثر))
هنا أدركت رتيل أن موجة الغضب التي تجتاحها خرجت عن نطاق سيطرتها فانتفضت واقفة تثور عليه بسخط
((لقد طفح الكيل منك يا مُؤيد، أنا لن أتحمل المزيد))
هتف مُؤيد باستنكار
((هل جننت يا رتيل؟))
ضربت الأرض بقدمها بقوة وهي تزعق به تفرغ كل حنقها الذي تشع به تجاهه
((نعم جننت، عندما يصل الحال بولديك الاثنين الى هذا النحو فأنا لن أسكت أكثر، انظر لحجم الكدمة الذي تسبب بها لنفسه خوفا مما سيلاقيه منك لو تأخرنا في المغادرة! هل كنت ستخسر قدما أو يدا لو انتظرتنا نصف أو حتى ثلث ساعة؟))
ارتفع صوت مُؤيد قاصفا وهو يزجرها
((اخفضي صوتك))
غامت عينا رتيل بحقد عليه وهي تقترب منه تقول بغل
((بعرفك السينما والمطاعم عيب رغم أني أعرف بل متأكدة من أنك لا تنكب عن الذهاب لتلك الأماكن في المدينة.. لكن أن يصل الحال بك ألا تسمح لنا حتى بالذهاب والاستمتاع في المناسبات الاجتماعية مثل البشر والخلق! فلا وألف لا))
اتسعت عيناها ببريق رافض وأردفت ثائرة
((ها قد فوتنا نهاية حفل خطوبة ابن عمك بسببك، لكن فليكن بعلمك في حفل زفافه القادم أنا وفهد وباسم لن نغادر قبل أن ندخل لقاعة الطعام ومع باقي أفراد عائلتك، لن أقبل أن نغادر قبلهم))
كانت عينا مُؤيد تضيقان وتضيقان مع كل كلمة تهتف بها.. حتى بدت في آخر كلماتها كخط رفيع من الخطر والشرر.. وما إن توقفت مكانها تلهث حيث هيئت نفسها للصراخ بالمزيد من الكلمات فما بجعبتها من كلام ضده لا ينتهي.. لكن صمت زوجها الغير مألوف فيه ونظراته جعلانها تتردد.. فرمشت بعينيها ليقول أخيرا ببرود لها
((في أحلامك سيحدث هذا))
رفعت ذقنها رغم توترها الداخلي.. وهتفت
((إذن أنا لن أذهب أنا أو الولدين، اذهب لوحدك لحفل الزفاف وحيدا محرجا بدون أي رفقة إلا أبويك))
تساءل مُؤيد بلهجة أكثر هدوءً لكن أشد خطورة
((هل أنتِ واعية لما تهددينني به يا هانم؟))
كتفت ذراعيها تقول بلهجة يلفها الإصرار
((نعم أنا واعية يا أستاذ مانع، عندما نذهب لمكان ما فنحن نريد أن تستمتع ونحظى بوقت جيد مثلك تماما، ولسنا مجبرين على المغادرة لمجرد أنك تريد ذلك، أو لن نرافقك لأي مكان..))
فغر مُؤيد شفتيه لا يصدق تحديها السافر وما زاد عليه تضامن صوت ابنه الطفولي معها وهو يقف بجانبها
((نعم نحن مع أمي))
بقي مُؤيد صارم الملامح مشتعل العين ببريق خطير وهو يقول بغضب مكتوم بينما يوزع أنظاره لهم
((ممتاز، كم أنا محظوظ بامتلاك زوجة وأولاد صالحين ومطيعين مثلكم، لكن لست أنا من أسمح لأمثالكم أن يفرضوا رغباتهم عليّ، أنا من أحدد متى نذهب ومتى نعود فقط لا غير))
ازداد شيء من خوفها من ردة فعله إلا أنها رفعت وجهها وهي تقول بأناقة مستفزة
((إذن يمكنك الذهاب إلى حفل ابن عمك وحيدا كرجل عازب))
سألها مُؤيد بلهجة خطيرة
((هل أنتِ متأكدة؟))
ردت رتيل بلا مبالاة متشحة بالمرارة والقهر
((نعم أنا متأكدة يا أستاذ مانع))
رد عليها مُؤيد بصوتٍ واضح وهادئ
((إذن سأعتذر من الآن لوليد عن ذهابي ونيابة عنكم عن الذهاب إلى حفل زفافه))
حررت رتيل ذراعيها وهي تنظر له متغضنة الجبين بلا تصديق! ازدردت ريقها ثم اقتربت منه تهتف بقهر وبعينين لامعتين تخاطب عواطفه
((لماذا تفعل هذا يا مُؤيد بنا؟ لماذا تُصر على التصرف كأستاذ مانع وتمنع عنا كل مصادر الفرح!))
رفع مُؤيد إحدى حاجبيه يردد بصرامة وحزم
((لست أنا من يسمح لامرأته وأطفاله بالتحكم به))
اقتربت أكثر منه وخرج صوتها مرتعشا وهي تهتف به باستهجان والقهر في داخلها يتفاقم صارخا
((لماذا يا مُؤيد لا نستطيع أن نحيا حياة سعيدة وهانئة خالية من تسلطك وأوامرك المجحفة التي تزيد بؤسنا!))
اهتزت حدقتي مُؤيد من كلامها دون أن تنحسر واجهة الصرامة عن ملامحه مما جعل رتيل تستطرد هاتفة
((مهما حاولنا إسعادك تقابلنا بالعصبية والبرود، أنتَ لا تحاول حتى أن تشعره ولديك بحنان الأب.. أنتَ لا تجلس ولا تضحك معنا ولا تقبل حتى أن تتناقش معنا بشكل عادي وعليك أن تكون الوحيد الذي يقرر كل شيء متعلق بنا، تستخف بآرائنا ورغباتنا.. كيف تريد من فهد وباسم أن يبرانك بعد ما تكبر إذا كنت تعاملهما بهذا الشكل! بدون مبالغة أنتَ تعامل العاملين والموظفين أفضل منا.. تتصدق عليهم بابتسامة لا نجدها منك))
ما إن انتهت رتيل من كلامها حتى كانت الصرامة تنحسر عن ملامح مُؤيد واهتزت حدقتيه لكنه لم يرمش.. أيضًا لم يستطع أن يحدد إن كان الضيق المتسلل له من جرأة زوجته أو من حقيقة كلامها الذي لا يعترف بأنه أمر مجحف لهم! فاختلس النظر إلى طفليه اللذان بدآ يبكيان ثم صرخ معترضا يخفي غضبه من نفسه لأنه كان السبب ببكائهما
((انظري للمناحة التي حصلت الآن! كل هذا لأني طلبت منكم أن نغادر الحفلة قبل عرض بوفيه الطعام؟))
عقبت على اتهامه
((بوفيه الحفلة لم يكن إلا القشة التي قصمت ظهر البعير، لكن أنتَ مجملا لا تحب أن تسعدنا))
اتسعت عينا مُؤيد لشهقات ولديه وهما مستمران في البكاء فهتف بها بارتياع
((اجعلي الولدين يصمتان، لا أحب صوت البكاء والعويل))
إلا أنها زمّت شفتيها وأشاحت بوجها المحتقن بعيدا مما جعل مُؤيد يهتف بهما باستياء
((اسكت أيها الأحمق وأنت الآخر أيضًا، الفتيات فقط من يبكين))
زفر مُؤيد بضيق وانخفض نحو ابنه فهد الجالس على الأرض، ورفعه وهو يحتضنه بمحاولة منه لجعله يتوقف عن البكاء.. وتوقف فعلا فهد وهو يبعد كفيه عن وجهه يطالعه من بين دموعه الممتلئة بالدموع بتوجس..
لفت الحيرة ملامح مُؤيد من نظرات ابنه لتسارع رتيل التعقيب بمرارة متهكمة
((انظر كيف هو مستغرب من أحضانك! طبيعي تصرفه فأنتَ حتى لا تقضي معهما الوقت ولا يوجد بينك وبينهما أي علاقة أبوية))
هز مُؤيد ابنه الذي يحمله وهتف على مضض
((حسنا.. حسنا.. حسنا يا أولاد.. لن أطلب منكما مغادرة حفل زفاف قادم قبل أن تكتفوا بالجلوس))
توقف فجأة الاثنين عن البكاء وناظراه بدهشة هاتفين بصوتٍ واحد
((حقا؟))
ضيق مُؤيد عينيه وأنزل ابنه الذي يحمله أرضا بنزق ثم قال أمام أنظارهم المصوبة له بامتعاض
((هل هكذا أصبحت أبا نموذجيا ومثاليا؟))
لفت الدهشة ملامح الصغيرين وسارع فهد يتشبث بساق والده هادرا بلهفة
((وهل سنذهب للسينما والمطاعم أيضًا؟))
مال مُؤيد بعينه له بنظرة تحذيرية بألا يتمادوا في طلباتهم حتى لا يتراجع في كلامه فسارعت رتيل تحث ولديها على المغادرة
((يكفي يا فهد، اذهبا لغرفتكما قبل أن يغير والدكم الحبيب كلامه، غيرا ملابسكما وسألحق بكما))
أغلقت رتيل الباب خلفهما ثم تطلعت ببهجة لم تستطع كبتها فقال مُؤيد من بين أسنانه وهو يتناول مئزر الاستحمام
((هل أنتَ راضية الآن؟ أنا أعرف بأنك العقل المدبر وراء تصرفاتهما))
اقتربت رتيل من زوجها ووقفت أمامه ترفع عينيها لعينيه قائلة بدلال وهي تحيط وجهه بكفيها الناعمتين
((ولا كلمة تعبر كفاية عن مقدار حبي لك))
نفض كفيها عن وجهه بازدراء ليقول بعبوس
((حسنا سأذهب لأستحم.. ابتعدي عني))
كان يهم بأن يستدير لكنها أمسكت كتفيه تديره لها لتعض شفتها السفلى المكتنزة بأنوثة وتقول بتردد يلفه الإغواء المفتعل
((هل تريد أن أفرك لك ظهرك؟))
للوهلة الأولى أطل بوجهه شيء من الامتعاض والرفض من تصرفاتها هذه.. ورغم امتعاض ملامحه إلا أنه حدق بعمق عينيه بملامحها التي تتلون بدهاء الأنوثة وهي تُرسَم أجمل ابتساماتها.. أشعرته بأنها كالأفاعي التي تلتجئ لنعومتها حتى تحصل على غايتها.. فازدرد ريقه يقول بحنق ظاهري
((أريد أن تغربي عن وجهي أنتِ وغنجك السخيف))
اقتربت رتيل أكثر حتى كادت تلتصق به وعطرها الثقيل يغمر أنفه ويفقده التركيز.. ثم ارتفعت يداها بحذر تنتظره أن يوقفها لكنه لم يفعل.. فاستقرتا على صدره لتقول بنبرة خافتة وبصوتٍ أجش
((سأغرب عن وجهك بعد أن أتأكد من أنه لا ينقصك شيء))
تذكر هي منذ زواجها به وهو كان يضع حاجزا صلبا بينهما يمنعها من التقرب منه.. ويمنعها أن تكون له أكثر من زوجة.. وأم أطفال.. يريدها أن تكون امرأة منطوية عن العالم الخارجي وقليلة الاطلاع.. من خلال إحاطتها بصرامة قوانينه وحصونه المغلقة بأسوارها عالية..
لكن كل هذا لم يعد فعالا كثيرا معه في الأشهر الأخيرة وقد فتحت بواباته رغمًا عنه ووهنت حصونه..
امتزجت أنفاس رتيل معه بدقات قلبها الهادرة لتحيط عنقه بكفيها لتمد جسر العاطفة بدعوة مساء فاتنة الهمس
((أنا أحبك يا مُؤيد))
ورغما عنه ازدادت وتيرة أنفاسه وهو يطالع ملامحها الناعمة الفاتنة.. ولا يدري كيف اختفت يداه في كثافة شعرها حالك السواد.. ولم يعي أحدهما إلى اهتزاز هاتف مُؤيد بإشارة اتصال إحدى العميلات عنده التي كان اسمها يعلو شاشته.. "دموع"..
=============================
مدرسة القرية الثانوية للبنين..
صدح صوت الجرس عاليا ينبئ بانتهاء آخر حصص هذا اليوم الدراسي.. بعد أن غادر كل طلاب فصل مَالك وخرجوا بدأ يجمع أوراقه ويضعهم في ملفه قبل أن ينتبه على بقاء طالب واحد مكانه لم يحزم كتبه بعد ولم يتجهز للمغادرة فهتف مَالك به يسأله باستغراب
((لماذا لم تخرج من الفصل ولا زلت جالس هنا في مقعدك؟ انتهى دوام هذا اليوم!))
رفع الطالب وجهه الطافح بالعبوس يقول
((أنا مستاء من علامة الامتحان الذي سلمتنا نتائجه اليوم))
رفع مَالك حاجبيه ثم اقترب منه يقف أمامه قائلا
((لقد حصلت على ثمانية من عشرة، إنها أعلى علامة بالفصل))
هتف الطالب معترضا بصوتٍ مثقل بالحنق
((ولكن علاماتي السابقة كلها كاملة والدرجتين اللتين خسرتهما في هذا الامتحان ستحول دون حصولي على مئة من مئة في اللغة الإنجليزية هذا الترم))
ابتسم مَالك لطالبه ابتسامة جانبية ثم ناغشه
((ثمانية وتسعين علامة لا تقل روعة عن مئة))
كتف الطالب ذراعيه يقول بصوت متحشرج
((كنت أتمنى أن أحصل على مئة ودرست مادتك هذا الترم بجد واجتهاد لأحصل عليها ونتيجة هذا الاختبار أحبطت كل ما كنت أعمل عليه))
ازدادت ابتسامة مَالك وهو يرى نفسه في هذا الطالب عندما كان بعمره.. فكان على عكس أخيه التوأم على قدر عال من الذكاء وإذا استثنى حياته العاطفية فقد كان له شغف وحيدٌ يتعلق بمساعيه الأكاديمية..
وضع مَالك يديه في جيبي بنطاله يهمهم بتفكير قبل أن يقول له بنبرة عادية
((حسنا بما أن علامتك كانت الأعلى في الفصل، فما رأيك لو أزيد درجتين لكل الفصل وهكذا ستحصل على علامة كاملة وتبقى تطلعاتك عالية للامتحان النهائي وتحصل في مقرر اللغة الإنجليزية على مئة!))
اتسعت عينا الطالب بذهول ووقف من مكانه كمن دبت فيه الحياة فجأة ليقول بلا تصديق
((حقا؟ هل ستزيد علامتين لكل الفصل؟))
التمعت عينا مَالك بتسلية وهو يهز رأسه مؤكدا قبل أن ينبهه
((نعم ولكن لا تحلم بمثل هكذا زيادات مستقبلا))
قفز الطالب فرحا قبل أن يميل ويقبل جبينه بحركة فجائية
((أول وآخر مرة، شكرا لك يا أفضل أستاذ في المدرسة))
ضحك مَالك بخفوت على الطالب وهو يراه يقوم بتجميع كتبه ووضعهم في حقيبة ظهره بنشاط وهمة..
عندما كان بعمره لم يكن أي أستاذ ليقدم له هذا العرض السخي.. لذا هو يتفهم فرحته..
كما أنه سبق وكان يوما طالبا على مقاعد الدراسة ويعلم عظم الأثر الذي يتركه أي أستاذ في عقل وروح كل تلميذ من تلاميذه.. ولذلك يحاول مراقبة أدق تصرفاتهم ويقومها دائما! بل حتى يخجل أحيانا من زلات لسانه أو تجاهل نداء خافت من أحدهم.. فبالنهاية المعلم هي أشرف المهن وأكثرها تأثيرا على مسار المجتمع..
غادر الطالب مهرولا نحو الخارج ينوي إخبار باقي الفصل بهذه الهدية لينتبه مَالك لدخول أحد أصدقائه وزملائه الذي يعملون معه في المدرسة متهكما
((كيف حالك يا أفضل أستاذ في المدرسة؟))
خطا مَالك نحو الطاولة يلتقط ملفه ويحمله هادرا
((اصمت أيها السخيف))
خرجت ضحكة ساخرة من صديقه ثم عقب
((هذه مبادرة فريدة من نوعها أن تقوم بزيادة درجتين كاملتين لكل الفصل! ليست أبدًا من طبعك))
هز مَالك كتفيه يجيبه بحيادية
((قررت أن أتجاوزها هذه المرة من باب عدم تنفير طلابي من الدراسة عبر الأسلوب المتشدد أو التجاهل المستمر للزيادات))
تنحنح صديقه قبل أن يقترح
((ما رأيك أن نذهب فجر عطلة نهاية الأسبوع للعب كرة القدم مع باقي الرفاق؟))
صمت مَالك للحظات يزم شفتيه قبل يصارحه
((لا أدري، في الحقيقة لا رغبة لي في القيام بأي شيء.. لكن إذا كان مزاجي حينها مناسب لكرة القدم سأرافقكم))
بمجرد أن غادر الاثنين المدرسة من البوابة الحديدية الضخمة حتى تفاجأ مَالك بصوتٍ طفولي يهرول نحوه لينتبه بأنه يزيد..
ابتسم مَالك له وهو يحمله قائلا بدهشة
((مرحبا يا يزيد، لماذا جئت لهنا؟))
غمغم يزيد بفرحة
((السائق قال بأنه سيحتاج لدقائق قبل يعيدنا للبيت فجئت ألقي السلام عليك، هل أعود معك يا أبي بدلا من السائق؟))
وسرعان ما شهق يزيد وهو يصحح كلامه بتلعثم وارتباك ما إن انتبه للشخص الأخر الذي يقف معهم
((أقصد.. كنت اقصد يا عمي؟))
ازدرد مَالك غصة مريرة مسننة.. وهو ينعت نفسه بأبشع الصفات لكل ما يمر به طفله الصغير بسببه هو وسمية..
عليه حقا أن يعجل في موضوع إطلاع والديه بحقيقة يزيد.. وبصعوبة حافظ على ابتسامته مطمئننا
((لا تقلق إنه مُدرس يعمل معي في المدرسة ويعرف بشأنك يا يزيد، لكن عد برفقة السائق مع أولاد عمك، ففهد سيحزن لو عرف بأنك عدت معي بدونه.. ثم أنا لم آتي اليوم للمدرسة بالسيارة وسأعود سيرا على الأقدام))
أخفض مَالك ابنه أرضا ورفع يده ملوحا له يحثه أن يعود مع السائق الذي كان يركن سيارته أمام مدرسة يزيد الابتدائية والمقابلة لمدرسته هاتفًا
((إلى اللقاء يا يزيد، سأراك بعد عودتي))
مد صديق مَالك يده يبعثر شعر يزيد الكثيف بود مبتسما له قبل أن يعود الصغير أدراجه.. فالتفت لمَالك يقول
((ابنك هذا لطيف جدًّا))
أومأ مَالك له وهو يضع كفيه في جيبا بنطاله ويسير معه في الطريق فعاد صديقه يضيف بنبرة ذات معنى
((مَالك، ألا تلاحظ بأنك الوحيد بين شلتنا الذي لم يسبق بكل حياتك أن خرجت وتكلمت على الهاتف مع أي فتاة؟ حتى هاتفك لم يسبق وأن ورده اتصال من أنثى إلا أمك.. ووالدة ابنك))
التفت مَالك بوجهه ينظر لصديقه أثناء سيره يستنكر
((وما الغريب في هذا؟ هل صار الالتزام تهمة؟))
أطلق صديقه تنهيدة عميقة قبل أن يقول له
((أنتَ صديق عمري وطفولتي ولست زميل عملي في المدرسة وحسب، وأنا لا يهون عليّ أن تبقى أعزب وتبقى حياتك خالية من أي لمسة أنثوية، أنتَ في الثامنة والعشرين عليك أن تفكر بجدية في الزواج))
قطب مَالك حاجبيه يقول بتأكيد
((وهذا ما أعمل عليه حاليا، لقد قررنا أنا ووالدة يزيد أن نعود لبعضنا.. في الحقيقة أنا قررت فقط من جهتي.. لكن أظن أن عودتنا لبعضنا صارت وشيكة))
تجهمت ملامح صديقه قائلًا
((لقد قالت لك بأنها لن تعود، فاحترم رغبتها، كما أنها حقا غير مناسبة لك، أدعو فقط أن يلهمك الله نسيانها وإزالة حبها من قلبك والزواج بمن تناسبك))
عكف مالك حاجبيه يقول عابسا
((لا أريد أن أتجاوزها أو أنساها، حتى لو لم تكن من نصيبي، لأنه سيكون تجاوزا حزينا باهتا))
هز صديقه رأسه بيأس وهو يعي صعوبة إقناع مَالك بما يراه هو الصواب.. فنظر مَالك أمامه وهو ما زال يسير في الطريق قبل أن يقطع الصمت بينهما قائلا بذهن شارد
((لم أستطع فعل شيء لأمنعها من الزواج أول مرة فقد كانت فتاة في عمر الورود وجاهزة تمامًا للزواج بينما أنا بالكاد قد دخلت المرحلة الجامعية، لكن الآن اختلف الوضع تماما، لقد بذلت أقصى جهدي حتى أعمل وأدخر مبلغا مناسبا يؤهلني لأكون قدر المسؤولية في الزواج))
تنهد صديقه بقنوط ثم قال
((سبب رفضها هي تلك الفوارق العمرية والاجتماعية؟))
أومأ مَالك إيجابيا قبل يجيب
((نعم، لم أستطع حتى الآن أن أحوز على ثقتها وأثبت لها بأن تلك الفوارق لن تؤثر على زواجنا))
همهم صديق مَالك يدعي استغراق التفكير قبل أن يقول
((على ما أذكر هناك معلم أيضًا زميل لنا في المدرسة تزوج من جارة له رغم أنها كانت تكبره بخمسة أعوام، وفضلًا عن فرق السن فقد كانت أرملة وأم لولد بعمر العاشرة، لكن هو تزوجها لأنه كان يبحث عن الاستقرار العاطفي والاجتماعي ولم يكن لديه آنذاك مصدر دخل ثابت، ولا إمكانية للزواج، فكان زواجه من جارته حلًا مثاليًا بالنسبة لهما، هي تكبره بالعمر وأرملة وأم لولد، لكنها خلوقة وجميلة وتملك منزلًا ومورد دخل جيد، فكان الأمر مفيدا بالنسبة له، أما أنتَ فلا أرى أي إيجابية لزواجك من تلك المرأة التي تحبها مع تلك الفوارق بينكما))
انكمشت ملامح مَالك بانزعاج مما يقصده صديقة.. في البداية ضغط على أسنانه يمنع لسانه لكنه خرج في النهاية منه منفعلا بحدة مستنكرة
((أخبرك بأني لم أحب امرأة غيرها وفي نفس الوقت هي والدة يزيد ومع ذلك ترى بأنهم أسباب غير كافية لنعود أنا وهي؟))
مسح صديقه وجهه بيأس قبل أن يعود لينظر له موضحا
((مَالك لا تفهمني بشكل خاطئ، أنا لا أكن أي ضغينة تجاه المرأة التي تحبها فأنا من الأساس لا اعرفها، ولكن بما أن الطلاق حصل بينكما، فلا داعي لعودتكما حتى لو كان هناك طفل بينكما بما أنكم الثلاثة متكيفين منذ سبع سنوات على هذا الوضع، فأنت من تلاحقك الفتيات بالعشرات لا يجب عليك أن تتزوج بفتاة بهذه المواصفات))
ارتفع صوت مَالك محذرا بالكاد يمنع مزيدا من نيرانه الاندلاع بوجه صديقه
((اسكت.. أنا لست بحاجة لرأيك))
اندفع صديقه يقول وهو يرفع كلا كفيه
((مَالك سبب حنقي من عودتك لها هو فقط لأن قصتك مشابهة لابن خالي، لا أقدر ألا أسقط ما مر به عليك))
سأله مَالك دون رغبة حقيقية بمعرفة قصته
((ما به ابن خالك هذا؟))
تنهد صديقه بأسى لا يعرف كيف يبدأ قبل أن يسرد عليه
((ابن خالي ذاك كان مثلك يحب امرأة تكبره سنا ومطلقة تزوج منها ومن دون التفكير الجدي بالعواقب، لا سيّما أن والديه عارضا بشدّة علاقته معها، لكنه وعلى حسب ما قاله لاحقا فقد كان أعمى حين قرر الزواج منها، ليس عيبًا فيها هي، ولكن لأن الواقع المحيط يفشي رفضه لمثل هذا الزواج فملامح وجه زوجته كبرت فجأة حتى أن الناس اعتقدوا أنها أخته الكبرى، وكذلك فإن المشاكل بين زوجته وأمه كانت تلاحقه باستمرار، ليكتشف متأخرًا بعد نار الحب والتمرد على الواقع سيصبح الطلاق نهاية لا محالة لها، هو الآن يلوم نفسه على الزواج لأنه عاند الجميع، وبات الآن مطلقًا))
عقد مَالك حاجبيه يقول
((أنا متأسف لما مر به ابن خالك، ولكني الآن ناضج والتمرد لأجل التمرد ليس شيء مألوف في شخصيتي، أما بالنسبة لفارق العمر فالسعادة الزوجية لن تقاس وفق معياره))
انزعجت ملامح صديق مَالك فهدر باستياء
((إنه قرارك وأنت مسؤول عنه، لكن عليك أن تعرف بأن عالمنا الشرقي محكوم بمعايير محددة على عكس نقيضه الغربي في اختيار شريك الحياة ومن الصعب قهرها، وإن فعل الرجل ذلك فسيكون ضحية لقراره، إلى أن يؤول الزواج إلى الانفصال))
لكز مَالك كتفه بقوة من دون أن يعي وهو يزجره
((أيها السخيف، لم نتزوج بعد وتأمل انفصالنا الثاني))
شهق صديقة من قوة ضربته ورفع يده يدلك مكان الضربة مدمدما بصوتٍ محتقن
((أمزح.. أمزح معك..))
لوح مَالك بكفه التي شعر فيها بشيء من الألم من قوة ضربته قبل أن يقول بجدية تكتنفه
((لا أريد منك إلا أن تتمنى لي حياة هنيئة معها لأخر العمر))
ناكفه صديقه مازحا
((بعد حديثنا هذا لا يسعني أن أقول إلا أنك فعلًا تحبها ومخلص جدًا لحبها، وإما أنك أبله.. أيهما أقرب لك))
مال مَالك إليه مجددا يحاول أن يضربه لكن هذه المرة بنظرات أكثر وعيدا إلا أن صديقه هرول من أمامه صارخا بمرح
((ليكمل كل واحد منا الطريق لوحده))
=============================
شركة القاني..
بمجرد أن وصل قصي إلى شركة القاني حتى ركن سيارته الفارهة في المكان البعيد بشكل جزئي عن الشركة كعادته منذ أن بدأ العمل فيها.. فلا ينقصه أن تبدأ الشكوك والنظرات تصوب نحوه بتزايد عن كيفية امتلاك موظف مثله براتب متدني هكذا نوع من السيارات بل وتبدليها بأفضل منها بين كل حين وأخر..
رفع هاتفه يتصل على سهر مجددا للمرة الألف فقوبل اتصاله بالتجاهل كما سابقه من اتصالات.. هل ستطول فترة ابتعاد سهر وخصامها هذا؟ لأنه لن يستطيع التحمل أكثر.. بل كل ما يفعله ويعيشه من صعوبات من أجلها..
زفر بحنق هو يغمر وجهه بكفيه يمسحه بإجهاد، يا له من شوق لرؤيتها اللحظة لا يعادله قوة إلا شوق الزواج بها..
نعم هو يريد أن يتزوج منها ويعيش معها تحت سقف واحد برغبة تفوق رغباتها.. لكن ما بيده حيلة..
عمه يظل يؤجل بوعوده فلا يسعه هو الأخر إلا بتأجيل وقت إفصاحه بالحقيقة لها ولأمها.. ولكن بما أن عمه لا يبدِ حاليا أي نية بتحقيق وعوده عليه أن يخبرها الآن كل شيء!
لو كانت أمها امرأة أكثر تفهما وأقل جشعا لكان حاول أن يشرح لها موقفه..
رفع قصي وجهه وتناول حقيبة ظهره وهو يترجل من السيارة ويغلق الباب خلفه بقوة.. وقف أمام باب قسمه ثم رفع بطاقة تعريفه الإلكترونية يمررها في المكان المخصص ليفُتح الباب الزجاج الضخم له ويتجاوزه للداخل..
زفر بحنق وهو يجلس خلف حاسوبه يبدأ عمله المقيت في عالم "السماعة" حيث يبدأ في تلقى الاتصالات كموظف خدمة العملاء ويتحمل أمام العملاء أخطاء وفشل كافة الإدارات..
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الرابع وثلاثون 34 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️//////////////////
افضل دعاء يوم عرفة
دعاء يوم عرفة مستجاب باذن الله فهو من أفضل الأيام حيث وردت الكثير من الأحاديث عن رسول الله في فضل هذا اليوم والأعمال الصالحة فيه وكذلك الصيام والتقرب الى الله سبحانه وتعالى بالصدقه وذكر وقراءة القران والدعاء الى الله سبحانه وتعالى لما يحبه المسلمين ومن افضل هذه الادعيه التي يمكن ان يرددها المسلمون يوم عرفة
اللهم نسألك العفو والعافية في الدنيا والأخرة، اللهم أغفر لنا ذنوبنا ويسر لنا أمورنا وتوفنا مع المسلمين.
اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم يسرني لليسرى وجنبني العسرى.
يا رحمان يا رحيم يا مجيب الدعوات، اللهم أرزقني السعادة والرضا في الدنيا والأخرة، اللهم تقبل مني العمل الصالح، اللهم تجاوز عن سيئاتي برحمتك يا أرحم الراحمين يا الله.
للهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد، أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، والساعة حق، ومحمد حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لى ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهى لا إله إلا أنت.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ
رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء، رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافية وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، نستغفرك اللهم من جميع الذنوب الذنوب والخطايا ونتوب إليك، لا ملجأ ولا منجى إلا إليك.
اللهم إني أستغفرك لكل ذنب خطوت إليه برجلي أو مددت إليه يدي أو تأملته ببصري أو أصغيت إليه بأذني أو نطق به لساني أو أتلفت فيه ما رزقتني ثمّ استرزقتك على عصياني فرزقتني، ثمّ استعنت برزقك على عصيانك فسترته عليّ، وسألتك الزّيادة فلم تحرمني ولا تزال عائدا عليّ بحلمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين .
################
فضل صيام يوم عرفه
يستحب ان يصوم المسلمون يوم عرفة ولكن غير الحج فلم يصوم الرسول يوم عرفه عندما كان على جبل عرفات لانه فيه تعب واجهاد على كل حاجة وقد أكدت العديد من مذاهب في كراهة الصوم للحاج في يوم عرفه وبعض المذاهب اكدت انه جائز ولكن بشرط ان يكون هذا الحاج من المقيمين في داخل مكه ويكون قد ذهب الى عرفة في الليل اما اذا كان في النهار فان صيام عرفة في هذه الحالة مخالف و بالنسبة لغير الحاج في الصيام يوم عرفه سنه وله فضل كبير وثواب عظيم ويستحب الإكثار من النوافل في هذا اليوم والتكبير وخروج صدقه الاكثار من الصلاة وذكر وقراءة القرآن.
#################
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا ابراهيم وعلى آل سيدنا ابراهيم إنك حميد مجيد
اللهم بارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا ابراهيم وعلى آل سيدنا ابراهيم إنك حميد مجيد
لا تنسوا الباقيات الصالحات :
سبحان الله
الحمد لله
لا إله إلا الله
الله أكبر
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
لاتنسوا في هذه الايام المباركات التكبير والتهليل
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد
الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثالث وثلاثون 33 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
دلفت نورين إلى مجلس النساء حيث حماتها تجلس حاملة صينية بها فنجاني قهوة عربية مركزة..
تقدمت قليلا تسير فوق السجادة السميكة التي كتمت صوت خطواتها فلم تشعر بها زاهية الواقفة أمام نافذة المجلس الواسعة المطلة على الحديقة بينما تضع الهاتف بالقرب من أذنها..
وضعت نورين الصينية فوق الطاولة ثم انتصبت قامتها وتقدمت خطوة باتجاه حماتها.. لكنها ضيقت عيناها وهي تمعن النظر في وجه حماتها الظاهر على الزجاج العاكس فتجد وجها غريقا بالحزن..
فغرت نورين شفتيها بتعجب تنوي سؤال حماتها قبل أن يصدح صوتها بانفعال ثابت للشخص الذي تتحدث معه أخيرا
((إذن لا خطط مستقبلية في بالك عن العودة للبلاد حتى بعد تخرجك يا مَازن؟))
وصلها صوت ابنها قائلا بصوتٍ منهك يتلمس تفهمها
((نعم يا أمي، أريد أن أبقى في الخارج وأعمل هناك بدون أن أعتمد على نقود أبي، أريد أن أكون عصاميا وأبني نفسي بنفسي))
صدر صوت مستهزئ من زاهية! من يريد أن يكون عصاميا ولا يعتمد على نقود والده! مَازن! ابنها هي مَازن! لكن ورغما عنها عادت تقول له بحرقة قلب
((ألا يمكن لك أن تكون عصاميا إلا في الخارج يا مَازن؟))
بدت أنفاس مَازن تائهة وهو لا يعرف ماذا يجيب أمه وبماذا يتحجج أكثر.. إلا أنه حسم أمره بعزم وتصميم
((للأسف لن ينفع إلا في الخارج لقلة فرص العمل وضعف الرواتب مقارنةً بتكاليف الحياة اليومية في بلادنا))
قالت زاهية بصوتٍ متحشرج
((لقد اقتنعت بسفرك يا مَازن وسمحت لك بالذهاب فقط لأنك أقنعتني بأنه أمر مؤقت، سينتهي بمجرد إنهائك دراستك، لكن يبدو أن الأمر سيطول أكثر..))
صمتت قليلا قبل أن تستطرد بنبرة تخنقها العبرة وغصة البكاء
((لكن ألم تفكر قبلا كيف ستصمد زوجتك على رحيلك طوال هذا الوقت؟))
بدت مترددة فيما ستضيفه ولكن قست على قلبها المغمور بأمومة خالصة.. وعلى ابنها على حد سواء وهي تقول بجدية واحتدام
((أنت أناني يا مَازن، تسير وراء نزواتك في الخارج ولربما متزوج وتخفي عنا الأمر بينما تترك زوجتك تقوم بمسؤوليات الأم والأب معًا لابنتك الوحيدة.. وبالمناسبة أنا أدرك كذب ياسمين عليّ بشأن تواصلها معك، وأنا أعذرها، فهي لا ترغبك لأنك ترفض العودة وترفض أيضًا استقدامها عندك متعذرا بحجج واهية..))
صمتت زاهية وهي تلهث بروحٍ تذوي ببطء.. ولم يصلها أي صوت من ابنها.. فأطبقت عينيها بشدة ثم همست أخيرًا بصوتٍ جامد
((هل تسمعني يا مَازن؟))
أخيرا جاء الرد منه بأن قطع الخط وفصله..
فتحت زاهية عينيها وهي تزدرد ريقها مبتلعة ألمها في جوفها وشوقها العارم لأصغر أبنائها يعذبها.. لقد أضناها بعده.. ولم تعد رؤيته على شاشة الهاتف وسماع صوته من هناك تخفف من لوعتها.. لكم تتمنى أن يعود هنا لأرض الوطن ويعيش تحت جناح والده..
وما كادت زاهية تبعد الهاتف عنها وهي ترفع هامتها المتطأطئة تعبًا وكمدًا.. حتى اتسعت عينيها قليلا وهي تتمتم بتعجب
((منذ متى وأنتِ هنا يا نورين؟))
أخفضت نورين عينيها وهي تفرك أصابعها ببعضهم في حركة أصبحت ملازمة لها عند توترها قبل أن تقول مبتسمة بتشنج وإحراج
((لقد كنت واقفة هنا منذ مدة، لكنك لم تشعري بي.. وقد جلبت فنجاني قهوة لي ولك))
ظلت زاهية ترشقها بوجومٍ شديد ثم قالت بعد هنيهة
((اجلسي هنا ودعينا نتذوق قهوتك))
انفجرت ملامح نورين بإشراق لمبادرة حماتها ثم جلستا متقاربتين ترشفان القهوة وتستنشقان باستمتاع بخارها الشهي الرائحة..
وضعت نورين فنجانها أولا ثم التفتت إلى حماتها تسألها بشيء من التوتر والتردد
((لقد تزوج ابنك ياسمين وبالكاد كان قد أتم الواحد والعشرين من سنه صحيح؟ إنه توأم مَالك وبعمره..))
لم تعترض زاهية على نبش نورين للماضي بل ابتسمت بمرارة وهي تغمغم مجيبة بتنهد
((نعم وهي كانت في الثامنة عشر من عمرها))
تساءلت نورين باستغراب عفوي
((كيف وافقتم على زواجهما بهذا السن الصغير؟))
تنهدت زاهية قبل أن تجيبها بعقل شريد
((لا أدري.. لا أدري شيء.. زواجهما كان يلفه الغموض واللبس.. لم يكن حتى مَازن قد أنهى تعليمه الجامعي..))
عقدت نورين حاجبيها تسألها
((كيف يعني؟ اشرحي لي))
ضاعت عينا زاهية في دوامات الماضي والذكريات تذبحها ببرود.. رفعت فنجان القهوة ترتشف منه ثم أجابت
((كان الغم والكآبة يلفان منزلنا بعد وفاة زوجة ابني الأكبر مُعاذ بعد صراعها الطويل مع المرض فولادتها لدارين أنهكتها.. وأردنا أنا نفرح قليلا وندخل الفرح لمنزلنا فقمنا بعد سنة بتزويج مُؤيد من رتيل، ولم يكن قد مر أشهر قليلة حتى تفاجأت بيعقوب يخبرني في نفس اليوم بأنه سيعقد قران مَازن على زميلة له في الجامعة يحبها))
أسرّ الذهول نورين للحظات قالت فيهنّ بتساؤل
((ماذا! كيف زوجه من زميلته هكذا بدون لا مقدمات؟))
عمّ الصمت بينهما وعادت زاهية ترفع فنجانها ترتشف من قهوتها السوداء وملامحها تنغلق على ألمها مجيبة
((في البداية ظننت أن زوجي يمازحني مزاحا غير مألوف فيه، لكن ملامح وجهه الصارمة والمنهكة لم تدع أي مجالا للشك في جديته))
سألت نورين بتركيز لاستيعاب ما حدث
((ألم تسأليه عن سبب قبوله أن يزوج مَازن بهذا الشكل والسرعة!))
وضعت زاهية فنجانها فوق المنضدة برنين لقى صدى بقلبها لتجيب
((أخبرني أن مَازن لاقى الرفض من عائلتها لصغر سنه.. وكان والد ياسمين يريد تزويجها من رجل آخر آنذاك لكن إلحاح زوجي عليه جعله يرضخ لطلب الزواج بشرط أن يتم على الفور دون الحاجة لإقامة احتفال أو أي شكليات أخرى، فطلبها في نفس اليوم وأقاموا حفلا بسيطا عند دارهم ثم جلبوها إلى هنا.. تخيلي بأننا لم نكن أساسا قد جهزنا أثاثا أو أعددنا جناح يليق بهما كزوجين بعد!))
أطرقت نورين بنظراتها تتمتم بحيرة
((شيء مثير للريبة..))
رفعت زاهية بغتة رأسها بشموخ وقالت بحسم صارم منتهٍ
((قد يتناهى لعقل أي أحد يعرف بقصة ابني بأنه قد أخطأ معها لذا وافق والدها على تزويجها منه وتم الأمر على عجل دون أن يدعوا أحد.. لكن مُحال.. أنا من ربيت ابني وأعرف أنه من المستحيل أن يقرب الحرام أو يمسه))
شهقت نورين في نهاية حديث حماتها وهي تفهم ما ترمي له لتسارع نافية بلهفة وهي تلوح بيديها
((من المستحيل أن أفكر هكذا، لم أظن به هذا السوء))
تنهدت زاهية وهي تقول بنفس الصرامة
((أنا قلت لك هذا الكلام تحسبا فقط، لأنه حتى أنا خطر على بالي والعياذ بالله بسبب ظروف زواجها مثل هذه الظنون، ولولا أن يعقوب أقسم لي أغلظ الأيمان أن مَازن لم يمسها ولم يقترب منها قبل عقد قرانهما، لربما ظل للشك مكان في قلبي، لكن الحمدالله تربيتي في ابني لم تخيب..))
تنحنحت زاهية بوقار قبل أن تقول بحزم
((ولكن يا نورين إياك ذكر هذه التفاصيل أمام أي أحد))
أومأت لها نورين بتفهم وهي تربت بلطف فوق كفها وقد اتضح لها شيء من غموض علاقة ياسمين بمَازن الذي لم تراه حتى الآن ولا مرة!
=============================
في مكتب مُعاذ..
حيث هو منهمك في كتابة تقرير ما طرق أحد الضباط الذي يرتدي زيا تقليديا الباب ثم تقدم منه يقول بتفكه
((اليوم هو إجازتك ومع ذلك تعمل يا حضرة الرائد، إذا كنت مصرا على عدم الزواج حتى هذا العمر، فأنا أعرف مكانا يمكننا أن نقضي فيه وقتا مسليا مع أجمل الفتيات في الإجازات.. ما رأيك يا حضرة الرائد؟))
توقف مُعاذ عن الكتابة ثم رمق الضابط صقر الذي يعمل تحت إمرته من بين رموشه بنظرات يتطاير منها الشرر قبل أن يصيح به بصرامة
((هل أنتَ واعي لم تدعوني له؟))
انحسرت على الفور الشقاوة الظاهرة على ملامح الضابط صقر وهو يبدي ندمه سريعا
((أعتذر منك يا حضرة الرائد.. كنت أمازحك))
همّ مُعاذ بتعنيفه بالمزيد من الغضب المكبوت في داخله.. إلا أنه تمَالك أعصابه بشق الأنفس قبل أن يهز رأسه له بمعنى أن يغرب من أمام وجهه..
شد الآخر جسده ورفعه في حركة رأسية قبل أن يؤدي التحية بكفه
((تمام يا حضرة الرائد))
غادر المكتب وهو يقفل الباب خلفه مما جعل مُعاذ يطيح بكل ما أمامه على المكتب أرضا.. هدأ للحظات يتنفس بانفعال قبل أن يجلس بإجهاد ثم يغمر وجه بكفيه..
لا يصدق كيف فجر كل الغضب المكبوت بداخله دفعة واحدة وصاح قبل قليل بصوتٍ أفزع كل من وصله..
رغم أن الضابط تجاوز حدوده في المزاح إلا أنه لم يكن يستدعي الأمر أن يتعامل معه بهذا الجفاء والاحتدام..
وهو يعرف أن سبب الغضب المندلع في صدره هو أن اليوم يصادف حفل خطبة وليد وشيرين البسيطة..
هو الآن رائد يعمل داخل مؤسسته وخلال دوامه الرسمي وعليه أن ينسى كل شيء عدا ذلك..
رفع مُعاذ وجهه وشرد بعقله بعيدا وهو يتكئ على ظهر مقعده ويعود للتفكير بشيرين.. تشدق بعينين تلمعان قسوة.. لم يغفو له جفن منذ أن جاءت بطاقات الدعوة له بسبب الأفكار المقيتة التي كانت تعصف بعقله.. لقد عرفت حقا كيف تتلاعب به وتستغله لتنتقم مما فعله وليد بها.. ونجحت! فهو لم يخبر وليد عن خطتها بالزواج منه زواجا صوريا أبدًا.. لأنه وببساطة مُعاذ.. ابن عشيرة الكانز.. ابن دار الرفعة والشأن.. لم يكن ليتصرف إلا بما يتناسب مع مبادئه وهيبته وشرف نفسه وطيب أصله..
ثم ليس وكأنه أحبها أو شعر بشيء تجاهها..
كل ما في الأمر أنه شعر بشيء من الميل لها فلم يجد أفضل من أن يتزوجها حتى يكون سندا لها في وحدتها وضعفها من جهة.. وتكون هي له واجهة أمام الناس ينجب منها ذرية ويعف كرجل حاجاته التي أنكرها على نفسه بعد أن توفت حبيبته سناء.. فالدوائر الاجتماعية من حوله غير متفتحة وتمارس ضده ضغوطا تقليدية دون أن تستوعب بأن اختياره بعدم الزواج هو خيار شخصي.. وهو لم يعد يتحمل نظرة المجتمع له كرجل في السابعة والثلاثين من عمره لا زال أعزبا ومحاصرته بالأسئلة..
كلمَ لا تتزوج وقد مرّ على وفاة زوجتك سنوات؟ هل تعاني مشكلة ما؟ هل تسلك طريق الحرام لتعف نفسك؟
لكن على كل شيء أن يتغير وعليه أن يفكر جديا بإخبار والدته أن تبحث له عن زوجة..
قاطعت طرقات صقر نفس الضابط السابق على الباب خلوة مُعاذ.. والذي ما إن سمح له بالدخول حتى دلف للداخل يؤدي التحية العسكرية قبل أن يقول بارتباك
((حضرة الرائد، هذه المرة جئت لأشكو لك تصرفات طائشة للملازم حمد))
اتسعت عيني مُعاذ بدهشة قبل يغمضهما وهو يخفض رأسه بإنهاكٍ حتى استند به لكفه وهو يغمغم بخشونة
((ذاك الملازم الأول يسبب لنا مشاكل كثيرة ويظن بأنه ملك زمام الكون.. تبا له))
رفع مُعاذ رأسه للضابط أمامه يسمعه يضيف
((كل يوم عن يوم وتصرفاته تصبح أكثر تهورا ونزقا، لا ينقص إلا أن يعلق بعض المساجين ويضربهم بالكرابيج))
احتدمت ملامح مُعاذ وفغر شفتيه ينوي التحدث قبل أن يفاجئ بتشدق شخص يصدر من رجل يدلف للداخل
((هل تشكوني للرائد مُعاذ مجددا الآن؟))
بدا في الضابط صقر شيء من الهلع من تصرفات الملازم حمد.. فهو يعرف بأن هذا الملازم السادي ليس عاديا.. ولديه من الوساطات والمعارف ما يؤهله لفعل ما يشاء هنا سواء بزملائه أو المساجين دون أن يرف له جفن..
انتفض مُعاذ من مكانه على الفور وقد ثارت ثورته من انعدام احترام الملازم حمد أمامه.. ثم صرخ فيه بقوة فيغدو وجهه كوجه أسدٍ غاضب
((قف باحترام عندما تدخل هنا أيها الملازم الأول))
ارتجف شيء من الملازم الأول حمد وهو يطالع بوجوم مُعاذ.. يتأمل وقفته الصلبة بملابسه العسكرية التي تظهر جسده العريض القوي بمهابة فخمة الرجولة..
تنحنح متماسكا يذكر نفسه بأنه ليس مجرد ملازما أول..
لكنه تحلى بشيء من الحذر أمام الرائد الذي يقف أمامه..
فابتسم تلك الابتسامة المقيتة قبل أن يتشدق بفجاجة
((ماذا الآن؟ أخبرتني أن أتوقف عن سياسة العقاب الجماعي للعنبر كله وتوقفت، هل هناك من شيء آخر بحاجة أن تزجرني وتوبخني عليه؟))
هدئت ملامح مُعاذ دون أن تظهر أي تعبير يعكس ما بداخله ليهتف به بنبرة جليدية
((إياك أن ترفع يدك على سجين هنا، والا فلا تلومنّ إلا نفسك))
ثم تقدم مُعاذ منه يكمل بنبرة ذات مغزى
((نصيحتي لك ألا تغتر كثيرًا في نفسك وقوتك، فربما ينتهي بك المطاف واقعا في كارثة أو مصيبة تضيع مستقبلك وتذل نفسك، أو حتى تضعك في السجن))
أنكر حمد كلامه واستهجانه ورفضه من فرط التهور القابع في داخله
((أنا ينتهي بي الأمر مسجونا!))
ارتفع حاجب مُعاذ من فجاجة وقاحته واستخفافه ثم مال برأسه نحوه يحدق به بنظرات غامضة للحظات قبل أن يقول بهدوء قاتم
((أعذرك فما زلت في أوج شبابك، لكن ستدرك عظمة هذه المعاني وقيمتها في سنوات نضجك وعقلك، عليك أن توازن بين اعتدادك كضابط بنفسك وقوتك في الحق، وبين تواضعك للناس وانكسارك أمام رب الناس، فأنتَ في النهاية حارس للقانون وليس أول من يخرقه))
شدّ حمد على أسنانه ولم يرد على مُعاذ المزعج بالنسبة له.. فرغم كل وساطته وخلفيته الاجتماعية والعسكرية التي لا يستهان بها إلا أن الرائد أمامه حاد وصريح لا يخشى في الحق سلطان ولا غفير.. وليس من الحكمة أن يتورط معه..
=============================
في مكتب وليد..
توتر فك وليد.. تحشرجت أنفاسه.. أغمض عينيه لينقر بظاهر إبهامه على جبهته وشيء به يثور كما اعتاد عند فورة أعصابه..
قاطع أخيرا الرجل الذي يتحدث معه على الهاتف بجفاء
((كن واضحا معي يا هذا.. ما الذي تريد أن تصل له بعد هذه المقدمة الطويلة؟))
بدا الرجل على الهاتف خائفا ومرتبكا وهو يجيبه بصوت أجش خفيض
((أريد أن أخبرك بأني تراجعت عن التطوع للتبرع لقريبي السيد فايد أبا سهر))
ضرب وليد بكفه منضدة مكتبه يثور هائجا ليقف بتحفز وهو يصرخ به
((لماذا أيها الأحمق؟ ألم أخبرك بأني سأدفع عنك من حر مالي كل تلك الغرامات عليك؟))
تلعثم الرجل من على الطرف الأخر قبل أن يجيب بتوتر
((لقد قرر الطرف الآخر مسامحتي على كل شيء مقابل التزامي بدفع كل ما تكبدوه من خسارات مالية، وأقاربي مستعدون لدعمي ماليا، لذلك لا حاجة لي الآن لمساعدتك يا سيد وليد))
هتف وليد بسخط وشراسة
((أيها الأحمق، والد سهر هو قريبك، حتى لو كان دون مقابل، ألن ترغب في التبرع له بجزء من كبدك وإنقاذ حياته؟))
ازداد التوتر المشوب بصوت الرجل وهو يقول بنبرة أقرب للتوسل
((لا.. لا أريد يا سيد وليد، ثم.. ثم إن فكرة التبرع بشيء من جسدي تثير ذعري))
استنكر وليد بنبرته الهائجة
((مما قد تخاف أيها السخيف؟ كبدك بشكل عام لن يتأثر لو تبرعت فخلاياه ستجدد وترمم نفسها بنفسها))
ازدرد الرجل ريقه قبل أن يقول بصوتٍ مرتجف
((لا أريد يا سيد وليد، لقد سمعت من أحد زملائي بأنه قام بها وحصل له ردّ فعل تحسّسي كمضاعفات للعملية نتيجةً للتخدير وتشكّل فتق في بطنه وندبات في جلده، هذا غير أن شعوره بالألم والانزعاج لم يختفي بسرعة))
صرخ به وليد متشدقا بسخرية قاتمة
((هل أنتَ مجنون؟ هذه الأضرار هي نفس الأضرار التي تنتج بسبب أي عملية جراحية))
لم يجب الرجل بشيء فعم الصمت بين الاثنين لا يسمع إلا وتيرة أنفاس وليد المنفعلة في تزايد.. فأغمض عينيه للحظات ليقول بتشدد من بين أسنانه
((أين أنتَ يا هذا؟))
ازدادت وتيرة أنفاس الرجل ارتعاشا وخوفا من وليد.. يخشى بطشه بعد أن نقض عهده معه.. لكن سلامة نفسه كانت أكثر أهمية.. فردد على نفسه بأنه يعيش في بلدة أخرى وبأن وليد لن يصله بسهولة.. فتشجع قائلا بثبات مزيف
((أعتذر منك.. ولكن لا أريد.. سامحني))
بمجرد أن انقطع الصوت نظر وليد للهاتف أمامه وسرعان ما جحظت عيناه وتسمر مكانه وهو يدرك بأن الآخر أنهى المكالمة.. سارع يقوم بالاتصال عليه مجددا ليجد أن الخط بات مفصولا..
لم يجد أمامه إلا أن يرمي ما طالته يده من أوراق وأدوات أرضا يهدر بلهاث عصبي
((تبا لك))
جلس وليد على كرسيه يغمض عينيه وهو يهز ساقه بعصبية.. لقد بحث بجد عن أقارب سهر الذين يعيشون في الخارج وحاول أن يطلب منهم واحد واحدا إجراء الفحص اللازم للتبرع لوالد سهر.. وما إن وجد أخيرا الرجل الذي يملك فحوصا متطابقة وتصح عليه شروط التبرع حتى استغل حاجته للمال مقابل التبرع بجزء من كبده لوالد سهر.. وعندما وافق استطاع بطرقه الخاصة تزوير التقرير الطبي الذي أعطاه لشيرين ليظهر لها بأنه هو المتبرع.. كان ليقول لها بعد زواجهما وضمانه لها أن المتبرع قريب سهر لا هو.. لكن لولا جهوده الحثيثة في البحث عنه وإجباره على الفحص والتبرع لما فعل ذلك..
فتح وليد عينيه وبريق العزم يتوهج من عينيه.. ليترك كل هذا جانبا.. مبدئيا فشيرين لا يجب أن تعرف بأي شيء قبل أن يتم الزواج!
لقد حاول الانتقام بعد ما عرف أنها فعلته بالسابق وتركها في نفس يوم زواجهما وكان يريد المضي بحياته ونسيانها ولكن قلبه فشل في ذلك.. وعليه أن يوقن بأن روحه وقلبه على حد سواء لن تجدا السلام إلا إذا تزوجها وصارت ملكه.. وحينها يمكنه الثأر منها لكل ما فعلته ثم العيش معها حياة طبيعية كأي زوجين..
=============================
كان يزيد مستغرقا في حل واجباته عندما دلفت والدته لغرفته وهي تتحدث على الهاتف هادرة
((نعم يا مَالك أنا بالفعل أنهيت نقل العلامات ووضعتهم بمغلف بُني وناولتهم لنجوم لتعطيهم لك))
أسقط يزيد القلم من يده وانتصبت أذنه وهو يرخي قبضته الأخرى عن كتابه بينما تتابع والدته
((لا شكر على واجب.. طابت ليلتك))
وضعت سمية هاتفها على منضدة جانبية ثم أمسكت جهاز التحكم عن بعد تشغل التلفاز وتقول
((أنهِ يا يزيد نسخ درسك حتى أراجع ما كتبته، لقد اقترب موعد نومك))
استوى يزيد واقفا من على كرسيه الصغير واتجه إلى حيث تجلس والدته على الأريكة يسألها ببراءة
((هل ستتزوجين يا أمي من أبي مجددا؟))
فغرت سمية شفتيها قليلا متعجبة مما سمعته من ابنها وهي تحرك رأسها نحوه.. فكرر يزيد سؤاله بشيء من التردد
((أمي هل ستعودين له أم لا؟))
جفلت سمية التي كانت شاردة في النظر له وسارعت تغلق التلفاز ثم تحمل ابنها وتجلسه في حجرها متسائلة
((هل فهمت شيئا من حديثي مع مَالك عصر اليوم؟))
أومأ يزيد برأسه وقال بيأس
((نعم أمي سمعته وفهمت بأنك ترفضين العودة له))
انتبهت سمية لتقوس شفتي ابنها بعبوس، فسألته سمية بصوتٍ متحشرج
((هل ستكون سعيدا لو عدت له؟))
حطت ببصرها على عينا يزيد اللامعتين تتلمس فرحته البريئة والفائضة لمجرد معرفته باحتمالية عودتها لأبيه!
بينما هز يزيد رأسه بلهفة متمنيا من صميم قلبه
((نعم، نعم هذا ما أحلم به يا أمي أن نعيش نحن الثلاثة في مكان واحد))
أشرق وجه يزيد وهو يتوقع موافقة أمه وارتسم على محياه أجمل ابتسامة صادقة.. رقيقة.. مُشبعة بالبراءة.. وملوثة بالحزن.. حزن اُطعم بالإصرار على نيل أمنياته البسيطة بالعيش بين أحضان والديه!
لكنها خيبت ظنه وهي تحدثه بشيء من التردد
((ربما لا نتزوج.. لذلك لا أريد أن أعشمك بشيء لست متأكدة منه))
انحسرت البهجة من وجه يزيد وهو ينكس نظره أرضا ويهز رأسه متفهما.. فتجمعت الدموع في عيني سمية بينما تلك الخيبة الطافحة على وجه ابنها البريء تخدش جدار قلبها..
كانت تشعر حرفيا بنيران تحيط قلبها قبل أن تكويه بها..
كرهت نفسها وكل جزء بها.. ليتها كانت تليق بمَالك.. ليت تلك الفوارق بينهما لم تكن موجودة..
وقتها لما كانت رأته أخا وصديقا فقط! وقتها لما قبلت أن تتزوج غيره من البداية! وقتها لم يكن يزيد ليعاني النبذ من طرف عائلة والده الذين يجهلون حقيقته!
تفاقم بهوت وجه سمية ونصال وجع وحيدها وألمه يفتت جدار صلابتها.. وبشق الأنفس أخفت شهقة بين شفتيها بينما تهدر بصوتٍ متهدج وهي تغمر وجه ابنها بكلتا يديها
((لكن حتى لو لم نعد يا يزيد لبعضنا فعليك أن تعرف بأن والدك يحبك، هو أفضل أب في هذا العالم، إنه دائما ما يبذل جهده لإسعادك، عليّ الاعتراف بأني لم أتوقع منه ربع ما يفعله كأب لك، ومهما أفعل أنا له كرد جميل فسيكون قليل بحقه، أنا حقا ممتنة له لأنه باهتمامه ومسؤوليته نحوك خفف من ذنبي تجاهك))
توهجت عينا سمية وهما تمران على صفحة وجه ابنها العابس.. ثم غمرت أصابعها في شعره المموج الكثيف الذي ورثه من مَالك.. بينما ورث لونه حالك السواد منها.. إنه يماثل مَالك شكلا وشخصية! صحيح أن الهدوء لطالما كان متأصلا في مَالك على عكس يزيد المشاغب لكن كلاهما يملكان نفس صفة التمرد والصلابة والعناد..
ابتسمت بحنو وهي تفكر بأنه سيكون في منتهى الوسامة كأبيه بمجرد أن يكبر في العمر أكثر.. قبل أن تخرج من شرودها على صوت طرقات الباب.. فاعتدلت واقفة تتجه نحوه وما إن فتحته حتى جحظت عيناها بغير تصديق وهي تتمتم ذاهلة
((أنتَ؟ كامل؟ لماذا جئت لمنزلي؟))
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثاني وثلاثون 32 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الرابع عشر
بمجرد أن انتهى الأمر بينهما حتى سارعت رتيل ترفع الغطاء توارى نفسها وترفع نظرها لزوجها الذي يستلقي على ظهره بجانبها فوق السرير.. يتوسّد رأسه كفّيه وهو يرمق السقف بشرود وبملامح خالية من أي تعبير..
مرّ على هذا الحال دقائق قبل أن يقول لها دون أن ينظر لها وهو على وضعه
((لم أحب مظهرك وأنتِ تحاولين أن تكوني مغوية، تشعريني بأنك امرأة أخرى.. أخرى مثيرة للاشمئزاز لسنا متزوجان حديثا وتعرفين طباعي جيدا..))
اهتزت حدقتاها مما تسمعه منه وخفق فؤادها بألم.. إلا أن عيناها سرعان ما برقتا بقسوة وردت عليه بجفاء
((معك حق.. يفترض بي أن أعرف بعد ثمانية سنوات من الارتباط بك طباعك وتناقضاتك جيدا، أعتذر منك يا أستاذ مانع على تفكيري السخيف بأنك صرت أقل رجعية وتزمتا وبأنه لا خطأ في محاولة أن أبدو مثيرة وجميلة لزوجي حتى أسعده))
هتف بها بشيء من العدوانية وهو ينظر جهتها
((ومن طلب منك أن تكوني مثيرة أو تحاولي إسعادي؟ أنا سعيد دون محاولاتك هذه، لو لم أكن كذلك لما أبقيتك على ذمتي طوال هذه السنين))
اعتدلت رتيل جالسة وهي تحكم لف الغطاء من حولها ثم مال ثغرها في ابتسامة مريرة تناقض ألمها الذي غرس في كل خلية نابضة لما قاله الآن لتقول باستهزاء
((هل تهددني بالطلاق؟))
عقد حاجبيه يغمغم بخشونة
((لم أهددك بشيء، وإياك أن تنعتيني مرة أخرى بأستاذ مانع.. لن أكون متساهلا معك إذا قلتيها مجددا.. بسببك صار الولدين يكررانها عليّ أيضًا بانعدام احترام كلما أرفض لهما طلبا))
هتفت به بعنف وانفعال منفلت
((عندما تتوقف عن "منع" السعادة والهناء وراحة البال من الدخول لحياتنا سأتوقف عن نعتك بأستاذ مانع))
شدّ على أسنانه وضرب ظهر السرير بيده هاتفا
((تبا لك..))
تنهدت بعمقٍ تجلي حشرجةً بالية تدرك مصدرها ثم خفت انفعالها وهي تسأله بعتاب حزين
((أنا لم أنسَ كيف رفضتني في البداية بطريقة مهينة لأنوثتي وكرامتي، إياك أن تكررها))
زفر مُؤيد بوجومٍ وأشاح بعينيه جانبا وهو يبرر
((لم أقصد ذلك، أنا فقط كنت مصدوم ومتفاجئ مما كنت ترتدينه من قطع خليعة ترتديها الراقصات والنساء المبتذلات))
هتفت فيه باستنكار ونظراتها المتسائلة بتعجبٍ ترشقه
((ولكن أنا أرتدي هذه القطع الخليعة أمام زوجي!))
أغمض مُؤيد عينيه ويرد
((لا داعي للنقاش في هذا الموضوع أكثر، فقط لا ترتديها لأنها لا تناسبك))
صدر منها صوت مستهزئ قبل أن تسأله بمرارة
((ولماذا لا تناسبني؟))
فتح عينيه ينظر تجاهها يقول بجدية مؤكدا
((لأن تلك الملابس الكاشفة وزينة وجهك الجريئة تجعلك تبدين حقا كامرأة أخرى مبتذلة فيها))
تملكها شعور بالقهر والغيظ مما قاله فرفعت ذقنها بشموخ ثم استنكرت في عبوس حانق
((ليس هناك أحد مبتذل غيرك أنتَ لترفضني بعدما تجملت لك وحاولت أن أكون مثيرة أمامك))
غمر وجهه بكفيه يمسحه.. بدا أكثر إجهادا من أن يستمر في الخوض بهذا الجدال العقيم.. ثم رفع وجهه ليقول بهدوء قاتم
((بالنسبة لي، مناماتك العادية أكثر إثارة من تلك الملابس الخليعة!))
تطلعت له بنظرات متعجبة! ألهذا بعدما غيرت ملابسها اقترب منها؟ هل من المعقول أن منامتها العشوائية البسيطة أثارته أكثر من غلالة النوم الفاضحة التي بالكاد تخفي شيئا من جسدها؟
أخفضت عينيها بتفكير.. مزاج مُؤيد معها في العلاقة الزوجية غريب جدًّا.. جدًّا.. فهو لا يقترب منها إلا عندما يكون هو المبادر.. وتكون هي أمامه عفوية.. متمنعة.. خجولة.. وفي ذات الوقت أن تبدي استعدادًا.. تجاوبًا.. لكن بشكل غير مباشر..
لكن.. إذا كان الأمر هكذا.. لماذا يصر على التسكع وإبداء الإعجاب بالنساء المنفلتات اللاتي يقابلهن في المدينة بذريعة العمل!
تعانقت شفتاها وتشابكت رموشها فرسمت أمام عينيه لوحة شجن عذبة وهي تتمتم
((حسنا يا مُؤيد))
=============================
جلست سهر على السرير وفتحت إحدى المغلفات تخرج منها صورها ثم تطلعت لشيرين بوجه بلا ملامح
((سأسألك سؤالا لأختبر ذاكرتك فيه.. من هذا الشاب؟))
نظرت شيرين إلى حيث تشير سهر بإبهامها إلى أحد الوجوه في الصورة للحظات.. ثم شق ثغرها شبح ابتسامة متهكمة قاطعة الصمت أخيرًا وهي تقول
((إنه نائل.. كان زميلا لي أيام الجامعة.. لم تكن الضحكة تفارق شفتيه إلا ّوقت الامتحان))
تجهمت ملامح سهر الناظرة لها.. إلا أن شيرين ردت عليها بتسامح ونبرة عتب رقيق
((أكرر لك بأني أعذرك تماما حتى تسمعي ذات القصة من طرفين متناقضين.. تلك الرسائل التي كتبتها لزميلي في الجامعة لا تعد خيانة فقد كنت وقتها منفصلة عن وليد، وأي شيء قمت به خطأ في حقه كان ردود أفعال لمواقف وليد الغير مخلصة وغير المنصفة تجاهي))
خرج من شيرين نفس عميق قبل أن تنفرج ملامحها لأخرى ساكنة وتشرد عينيها في ظلال الماضي وتسرد ما حدث
((والدته كانت رافضة كليا زواجي منه.. فأصول والدي من خارج القرية.. وأمي حتى لو كانت عائلتها تنحدر من القرية إلا أن عائلتها بسيطة وميسورة الحال))
بدأت سهر تنظر لوجه صديقتها بتمعن أكبر.. تراقب ملامح وجهها وعينيها الشاردتين الحزينتين.. قبل أن تسألها بنفس تجهمها
((وهو خطبك رغما عنهم؟))
أومأت شيرين وهي تكمل
((لا والده ولا والدته كانا قادرين على رفض ما يريده أو يرغب به، حتى لو عنى الأمر أن يتزوج ولدهما الوحيد من فتاة لا تليق به، فوافقوا على مضض بشرط ألا يعقد قراننا قبل أن ننهي نحن الاثنين دراستنا الجامعية، وهكذا مضت خطبتنا لسنوات نعيش فيها أجمل مشاعر الحب من بعيد لبعيد وكل ما بيننا اتصالات ورسائل وزيارات بحضور أفراد العائلة.. كانت أياما جميلة ونقية.. حتى حان موعد التخرج))
بدت تعابير شيرين لصديقتها غير مفهومة وهي تتعمق أكثر بالخوض في غمار ماضيها.. وكأنها ترى وجهها لأول مرة.. فتساءلت
((ماذا حدث بعد تخرجكما؟))
شبكت شيرين أناملها مجيبة
((وليد أنهى جامعته قبلي بسنة من فرط اجتهاده، وبدأ يتدرب في مكتب محاماة في حين كنت لا زلت أدرس في جامعتي.. وهنا بدأ يتغير تدريجيا معي حتى عدت لا أعرفه))
تساءلت سهر وهي تتبع نظراتها
((ما الذي تغير؟))
قست ملامح شيرين ولمع الألم في عينيها وهي تجيبها
((كانت هناك متدربة معه في نفس المكتب، لها أصول غربية من طرف أمها.. وبدا أنه مهتم بها بشكل كبير، عرفت بالأمر صدفة عندما فاجأته بقدومي مباغتة حيث يتدرب، وهناك عرفت سبب قلة اتصالاته وتغير أحواله وغيرته المفتعلة عليّ التي كان يتذرع بها ليخاصمني ويتوقف عن زيارتي، لقد كان كل هذا من أجل أن يقصيني ويزيحني عن طريقه معظم الوقت ليهنأ له الحال مع تلك المتدربة))
دون أن تشعر شيرين كانت تشد من إحكام كفيها المشتبكتين وهي تضيف
((كان ينكر اهتمامه بها ويدعي أن غيرتي غير مبررة.. لكن كان قد طفح الكيل معي فخيرته بين أن يترك تدريبه في مكتب المحاماة هذا وبين أن يتركني، وهو رد عليّ بغروره المتأصل به بأن ليس هو من يُلقى عليه الأوامر.. وهكذا تابع تجاهلي وزادت جرعة اهتمامه في تلك المتدربة التي بدأت تبادله هذا الاهتمام وقد كان سعيدا لأني تركته وأرحته من تذمري المستمر فهو كان يريد وجودي وفي نفس الوقت التسكع والتحدث مع تلك المتدربة دون أن يجد مني أي اعتراض))
عقدت سهر حاجبيها وتجعد جبينها باستنكار فوري وهي تتساءل
((فقررتِ أن تبادليه الخيانة وتتخذي لك صديق كما فعل هو؟))
هتفت شيرين على الفور بانفعال ودفاعية
((غير صحيح لم أفعل فلم نفسخ خطبتنا وقتها بعد، حتى جاءت والدته لمنزلنا وافتعلت شجارا معنا وأهانت أمي وقللت من عائلتها البسيطة فقامت بطردها من منزلنا، وبالطبع أخبرت ولدها الحبيب عن طرد والدتي لها وجاء هو عندنا يأمر والدتي أن تعتذر من أمه))
تمتمت سهر من بين أسنانها بغل شاتمة إياه
((المنحط، النذل))
أكملت لها شيرين وهي ترخي جفنيها نصف ارتخاء
((أمي كادت أن تجن عندما قال لها وليد بأنه سينهي كل علاقاته بي لو لم تعتذر وكانت مستعدة للركوع على قدميها وتوسله هو وأمه من أجلي، لكن أنا منعتها وأخبرتها عن أمر المتدربة وأن وليد فقط يريد سببا ليفسخ علاقته بي ويرتبط بها))
تساءلت سهر بازدراء
((فنفذ وليد وعده لك وفسخ خطبته؟))
زفرت شيرين نفسا ضائقا وهي تجيب
((نعم فعل ذلك وكان سعيدا، بل في قمة سعادته، وأذكر آنذاك بأني ذهبت مرة مع صديقاتي للتسوق ورأيته صدفة مع تلك المتدربة يتناولان الطعام في إحدى الكافيهات، أنهرت كثيرًا وقتها، ولم أستوعب كيف نسى كل ما بيننا من حب ومشاعر لأجل متدربة لم يكن يعرفها قبل شهور قليلة))
تساءلت سهر بفطنة
((إذن وقتها بدأت علاقتك مع ذاك الشاب؟))
تنهدت شيرين قبل أن تومئ برأسها إيجابا وتهدر
((نعم كنت قد فسخت خطبتي بشكل رسمي عن وليد وكل من في القرية يعرفون ذلك، ولم أكن قد رأيته وجها لوجه منذ أشهر.. وفي يوم تخرجي سألني أحد زملائي يُدعى نائل إذا ما كنت موافقة أن يأتي مع عائلته ليطلبني.. ولأنني كنت أعيش فراغا عاطفيا وافقت على الفور))
سألتها سهر باستغراب
((ووافقوا والديك؟))
لف الضيق صوت شيرين مجيبة
((نعم وافقوا من أجلي وقالوا بمجرد أن يستعد نائل ويكون نفسه سيشهرون خطبتنا في حفل عقد القران.. وأثناء ذلك كنت أكتب وأبادله الكثير من رسائل الحب وأخطط معه لمستقبلنا))
((وبعدها؟))
((أخبر نائل والدي بأنه يريد السفر للخارج لأنه فقد الأمل في إيجاد عمل هنا، ولن يقدر على عقد قراننا قبل أربع أو خمس سنوات فرفض والديّ أن يربطاني به كل هذه المدة وتم فسخ كل شيء بيننا، وأنا تلقائيا تركتُ نائل بعد أن عرفت بأنه ليس هناك أمل في علاقتنا.. حدث الأمر تزامنا مع شعور وليد بالضجر من تلك المتدربة ومعاودته التواصل معي))
ارتفع حاجبا سهر وهي تسألها باستهجان
((تركها هكذا بكل بساطة وعاد لك؟))
هزت شيرين كتفيها وهي تقول
((نعم فقد كان ما جذبه لها في البداية شخصيتها الغربية وجمالها وتعجبه من فكرة أنها لا تعيره أي اهتمام كباقي الفتيات من حوله، لكن بمجرد أن بادلته الاهتمام وبدأت تحبه وتتمنى قربه والاستحواذ على قلبه، حتى بات الأمر مملا بالنسبة له، فقرر تجنبها بما أن مدة التدريب كانت قد انتهت))
سألتها سهر بانزعاج واستنكار
((وأنتِ سامحته وعدتي له بمجرد أن طلب ذلك؟))
ضحكت شيرين ضحكة عجيبة وهي تجيب بصوت أجش ساخر
((نعم سامحته بكل بساطة بمجرد أن أخبرني بأنه لا يجب أن نسمح لمشاكل الكبار أن تؤثر علينا، وبأنه لم يكن راضيا أن تقلل والدتي من شأنها وقدرها وتعتذر من أمه، فعدت له، وبالتأكيد والديه مجددا لم يملكا أن يرفضا طلبه في العودة لي..))
بترت حديثها السابق وقد خانها صوتها وخنقتها العبرات لكنها تمَالكت نفسها وهي تكمل
((لا أدري كيف سامحته على خيانته لي لكن شعرت بلهفته حقا عند عودته وبأنه لا يستطيع أن يعيش من دوني وأن تلك المتدربة ما هي إلا انبهار مزيف ونزوة سرعان ما فاق منها، كما أنه توقف عن رؤيتها وقطع كل علاقاته ووسائل الاتصال معها فكانت تتصل بي منتحبة تهدد بالانتحار إن لم يعد لها.. كل هذا عزز غروري الأنثوي وشجعني على أن أعود له))
ترققت ملامح سهر تعاطفا معها فحاوطت كتفها بذراعها وهي تضمها بمواساة في حين أكملت شيرين بصوتٍ متحشرج
((وجاء يوم زفافنا الكبير حيث تم دعوة كل من في القرية وتم إقامة الولائم والذبائح من اجل هذه المناسبة.. كنت أتجهز للزواج منه في أسعد أيام حياتي كما ظننت في ذلك الوقت، قبل أن أفاجئ بنائل يرسل كل الرسائل والغراميات التي كتبتها له عندما كنت على علاقة معه لوليد وعائلته، كتب نائل أيضًا رسالة لوليد يخبره أني أحبه هو ولكني تركته من أجل مال وليد واتهم والديّ أيضا بأنهما ذليلان وعبدين للمال))
هتفت سهر من بين أسنانها بغضب مشتعل
((اللعين الكاذب.. أين هي أراضيه الآن؟))
أجابتها شيرين وهي ترفع أناملها وتمسح عبراتها المتساقطة على وجنتيها
((لقد سافر للخارج في نفس اليوم الذي قام بإرسال كل تلك الرسائل لوليد وأفسد حياتي، كان مصرا بأني تركته بعد أن عاد وليد لحياتي لا لأنه كان يريد ربطي به سنوات قبل عقد القران، وطبعا باقي القصة أنتِ تعرفينها.. وليد قرأ ما كتبته لنائل وسألني عن صحتها وعندما لم أنكر شيء يُصعب الإنكار شعر بجرح في كبريائه، وقام بتركي في نفس هذا اليوم وتزوج من فتاة أخرى على ذوق والده))
جرت تعابير القهر والشعور بالظلم على محيا شيرين كالسيول العارمة لتزيد من دموعها المنزلقة.. بينما غمغمت سهر بنبرة قوية شرسة وقد بدت الأمور بالنسبة لها ساطعة الوضوح وهي تضرب يدها فوق مسند السرير الخشبي
((الآن توضحت الصورة لي))
فجأة غمرت شيرين وجهها بكفيها وأخذت تجهش بالبكاء وتقول بصوتٍ متقطع
((وكأن ما فعلوه بي غير كافي، قامت والدته بنشر ما حدث وقذف سمعتي، قالت بأني كنت أواعد رجلين في نفس الوقت وأتلاعب بهما وتحت علم والديّ الاثنين.. بقيت لأيام أؤكد لنفسي بأن وليد حتى لو تركني فلن يسمح أن يفتري عليّ أحد وسيبوح بالحقيقة في كل أرجاء القرية، لقد اتكلت كثيرا على حب ظننته يسكنه كما يسكنني، تصورت بغباء أن كل المرارة التي تلبدت بغيومها الكريهة في سمائنا لن تمحو بشكل كامل حلاوة عاطفة مجنونة جمعتنا لسنوات.. لكنه لم يفعل))
أبعدت سهر وجهها تناولها منديلا لتمسح دموعها بينما تقول بهدوء جاد
((سأقتله بنفسي، وأخبره ألا يحلم بالاقتراب منك..))
أخذت شيرين نفسا عميقا ثم أطلقته ببطء لتقول بعينين باردتين عازمتين
((لا يا سهر بل سنكمل زواجنا، وسيكون بأقرب وقت ممكن، أنا لا أفعل هذا من أجل والدك وحسب، بل من أجلي أيضًا، لأسباب أخرى معقدة لن يفهمها أحد غيري))
ثم ذابت البرودة من عينيها دون أن تتلاشى العزيمة منهما بينما تهمس
((أريدك فقط أن تظلي بجانبي، ولا تخبري والديك عن تبرعه حتى لا تعشميهما فقد يكون يتلاعب بنا))
وما كان لسهر إلا أن تومئ بخضوع.. فقد كانت لهجتها باترة.. قاطعة.. لا تقبل النقاش..
=============================
عصرا.. في الحديقة الخلفية..
جلست سمية هي وطفلها تستظل تحت شجرة معمرة وراقة وبعض من أشعة الشمس تداعب وجنتيها بدلال بينما رائحة العشب الطبيعي تنعش رئتيها.. النسمات التي كانت تهفهف من حولها تتلاعب بحجابها الخفيف..
وبينما كانت مستغرقة في التفكير جفلت على صوت مَالك يلقي السلام وهو يقترب منهما.. فسارعت تعيد خصلات شعرها الثائرة بفعل الهواء العليل أسفل حجابها..
أما يزيد هتف ببهجة وهو يستقيم واقفا
((أبي هنا!))
خرجت من حالة الاسترخاء التي تعيشها لتهمس بجزع تؤنب ابنها
((يزيد! كيف تقولها هكذا! وبصوت عالي أيضًا!))
انكمشت ملامح يزيد بشعور بالذنب ليصلها صوت مَالك وهو يقترب منها واضعا يديه بجيبي بنطاله الجينز
((أنا من أخبرته بذلك، سأحسم الأمور قريبا وأضعها في نصابها الصحيح))
زمّ يزيد شفتيه وخطا نحو أبيه الذي وقف أمامه بطوله الفارع وهو يوجه نظراته الصلبة لسمية التي هدرت به بنبرةٍ متحشرجة تحمل اللوم والعتاب
((هل هذا أسلوب جديد من أساليبك لتضغط عليّ؟))
جلس مَالك بجانبها متربعا ومحافظا على مسافة جيدة بينهما ثم أجلس يزيد بحجره.. ارتسمت نظرة غامضة ضائقة بعينيه لا تحمل نفس المشاعر الودودة السابقة ثم هدر لها ببرود تام ((الأمر لا دخل به بزواجنا، إنه فقط متعلق بيزيد، أنا لن أتحمل جهل عائلتي بأني والد لطفل في السابعة من عمره أكثر من ذلك))
اتسعت عيناها لما قاله وبدا وكأن شحنات كهربائية مخيفة تنتقل بينهما.. لتقول بثورة
((أنتَ تمازحني صحيح؟))
أجابها بخشونة وجدية
((لا.. أبدًا))
تصاعد التوتر بينهما وأصبح مختلطًا بمشاعر كثيرة مشوشة لكن مستعرة ليطفو الغضب على السطح فتقول
((لكن هذا ضد ما اتفقنا عليه، إذا ما علم والديك أن يزيد ابنك ومن صلبك، فسيثوران عليّ بل سيحرمانني منه..))
رد عليها بغضب نبع وتفجر بتدفق من تراكماته تجاهها
((توقفي عن هذه الترهات والخيالات المَرَضية فقد تعبت في مجاراتك بها طوال السنين الماضية، طفح الكيل، أنا لن أصبر أكثر، لن أتحمل أن يتم معاملة ابني كدخيل من قبل أفراد عائلتي، ربما سيشعر أبي بشيء من السخط تجاهي لأني أخفيت هذه الحقيقة عنه لكن أمي ستعرف كيف تخمد غضبه، لن يهون عليها أن يبقى غاضبا مني.. قد يهون الجميع على أمي إلا أنا))
اختنقت داخل عينيها عبرة عجز لكنها امتصتها سريعا وهي تغلق جفنيها سريعا.. تشدقت ما فتحتهما
((أنت تتحدث بثقة كبيرة يا مَالك))
ازدرد مَالك ريقه وهو يعاند إحساسه القاتم بأن والديه لن يتقبلا أمر يزيد دون عقبات.. بل وأجبر مشاعره على الاستبشار خيرًا وتحقق كل ما يتمنى، ثم قال بواجهة ثابتة
((معرفة والديّ بحقيقة يزيد ستجعل عودتنا لبعضنا أسهل، ولن تجعلهما ينتزعانه منك كما يصور لك خيالك المريض.. الأمر أبسط مما تتوقعين..))
تحرك رأسها قليلا بتشنج وشفتاها تشتدان كالوتر فتحاول الاعتراض
((ولكن يا مَالك..))
قاطعها بنبرة صلبة مغلفة بالجفاء
((سمية أنا لا آخذ مشورتك بل أُعلمك بالفعل بأني سأحدث والديّ في نهاية الأسبوع عن حقيقة يزيد، كوني مستعدة، الأمر ليس متعلقا بك فقط بل بابني، إذا كان لا يهمك كل ما يتعرض له وإذا كان قلبك ميتا تجاهه فأنا لن أظل مثلك))
استنكرت بعتاب عارم
((توقف عن الافتراء عليّ، أنا أكثر من يهتم بيزيد في هذا العالم، إنه كل ما أملكه في هذه الحياة))
رفع مَالك حاجبيه مصرا وهو يرمش بعينيه
((أنتِ تملكينني أيضًا، هذه حقيقة أخرى تصرين على إنكارها، أما بشأن يزيد فلو حقا كنت تهتمين بشأنه لكنت أنتِ من أصريت على عودتنا لبعضنا وإعلان زاجنا أمام كل من في القرية من أجله!))
زمّت شفتيها لدقيقة قبل أن تقول
((لماذا علينا العودة وإعلان زواجنا أمام من في القرية حتى يظهر يزيد للنور باعتباره ابنك أنتَ؟ لماذا تشعرني أنه جاء بطريقة غير شرعية؟ تستطيع أن تعلن بأنه ابنك دون الحاجة لنا أن نتزوج مرة أخرى))
أظلمت ملامحه حتى صارت خضراويه أكثر عمقًا.. وألمًا لا نهاية له.. يحدق في وجه امرأة أحبها بكل جوارحه.. وهي ترفضه بكل شراسة رغم اعترافها بحمل مشاعر له..
تحدث أخيرا بصوتٍ فاتر أجوف
((ما لا أستطيع مسامحة نفسي عليه حتى الآن أني سمحت لك بالضغط عليّ والتحكم بي مستغلة صغر سني وقلة خبرتي حتى أطلقك، لكن لن أسمح لك أن تتولي زمام أمورنا نحن الثلاثة بعد الآن))
بدا الجرح الذي تسببت به لخضراويه شاحبا.. لا تصدق أنها السبب بألمه! وبذات الوقت كانت لا تزال مصرة بأن تفعل ما تفعله لأجله.. ولأجلها هي.. فهي لن تتحمل الدخول في علاقة مستقبلها الفشل..
لم تجد أمامها إلا أن تبدأ بمهاجمته ووضع اللوم عليه.. فسارعت تقرب يزيد منها وتضع كلتا يديها فوق أذنيه تمنعه من الاستماع لكلامها وهي تقول بحدة مهاجمة
((عمرك كان يزيد عن العشرين عاما عندما تزوجنا، فلا تشعرني بأنك كنت قاصرا، أنا المسكينة والتي على الرغم من حكمتي ورزانتي وقعت تحت تأثير إغوائك فاستطعت استغلال تلك الفترة العصيبة التي كنت أمر بها بعد طلاقي من زوجي أقبح استغلال))
أختنق صوت مالك وفكه يتوتر بتصلب
((إغوائك! لماذا تصوريني الآن بأني شاب دنيء! ألم توافقي على مبادرتي في الزواج بكل قواك العقلية؟))
ظهر بسواد حدقتيها الحالك طيف ناري وهي تتحفز بكبريائها بينما تجيب
((نعم وافقت أن أتزوجك زواج صوري لأن أمي أقنعتني أني بحاجة لرجل يرافقني إلى حيث يقع ذلك المنتجع العلاجي في مدينة بعيدة عنا ولا أكثر من ذلك))
لم يعرف كيف تمكن من الابتسام الباهت المرير وهو يعقب بنبرة خافتة
((وأمك أخبرتني أن أتبع معك قاعدة "يتمنعن وهن راغبات"))
شعت عيناها غضبًا ووجهها ازداد احمرارًا من وقاحة مقصده فوجدت لسانها ينطلق بحنق
((كاذب كنت تعرف آنذاك بأني لا أحبك بل لا أراك أكثر من أخ وصديق، ومع ذلك استغللت ضعفي وزواجنا الشرعي وذهبت لتثبته في المحكمة قبل أن تبدأ في التسلل لغرفتي في الفندق، لا مرة أو مرتين، بل لأشهر))
قال بصوت خافت وأنفاسه يشعرها تخرج من فمه حارة
((لقد انصهرتِ بين ذراعيّ من أول ليلة اقتربت فيها منك، فكيف لي أن أعرف بأنك ترفضين ما يحصل؟ لم أكن أعرف أن العلاقة الجسدية بالنسبة لك شيء مختلف تماما عن الحب))
كان يرى ارتجاف جسدها بأُم عينيه لكنها تقاومه بينما تقاطعه بهدوء يشوبه الخجل
((اصمت يا مَالك وتوقف عن هذه الحركات الصبيانية))
يثير جنون ذاك النفور الذي تحاول إظهاره نحوه.. خاصة وهي تتحدث معه كأنه لا زال ذاك الشاب عديم الخبرة وصغير السن! ومن دون وعي ضربت الدماء بعقله فجأة ليقول بمنتهى الوقاحة
((لماذا أصمت؟ ما الخطأ الذي قلته؟ هل تحبين أن أذكركِ أكثر بتلك الليالي التي كنت تضيعين فيها تماما بين يدي هذا الشاب رغم أنك لم تكوني تحملين له شيء من الحب بل لم تكوني تعتبريه حتى رجلا بالنسبة لك! لا تنكري بأني كنت أعرف كيف أجعل عواطفك تتقد بداخلك فتنجرفين بأقصى ما لديك معي قبل أن أنالك كاملة دون أن أسمع منك همسا بكلمة اعتراض!))
اختض جسدها داخليا برعشة عند ذكره تلك التفاصيل العاطفية لتسارع بالوقوف على قدمين مرتجفتين بالغضب وتقول بنبرة جادة قاطعة
((اصمت ولا تتحدث بهذا الشكل فأنا لم أعد أحل لك وما تقوله هو منتهى الفجر، نحن لم نعد زوجين، لا تتخطى حدودك معي حتى بالكلام يا مَالك))
كانت خفقات قلبها تتصاعد بعنف قوي وهي عالقة بتلك التفاصيل العاطفية.. حتى أنها لم تعِ أنها أبعدت يديها اللتين كانتا تسدان أذني يزيد عنه وبدأ يصغي لما يسمعه..
أما مَالك فقد فاتسعت ابتسامته وهو يمعن النظر بخديها المُحمرين ونظراتها الغاضبة التي ترمقه بها.. قبل أن ينحسر المزاح عن وجهه وهو يسمعها تردف بجدية
((دعنا نعود للموضوع الأول، مسألة إخبار والديك عن يزيد ليست بسيطة كما تظن، ليس من السهل إيجاد طريقة تخبرهم من خلالها عن زواجنا في الماضي وإنجابنا له دون أن تتسبب بذبحة صدرية لأحدهما، عليك أن تتروى في مسألة إعلامهم بأمر كهذا.. من أجلهما))
استقام من مكانه واقفا مقابلها يقول حانقا نافذ الصبر
((لا تحاولي ثنيي عن الأمر، أنا سأخبرهم ولن أتراجع عن قراري، وبكل الأحوال فالحقيقة هذه لن تبقَ مستترة طويلة.. كل من درس يزيد من معلميه ومدير مدرسته يعرفون بأنه ابني والله أعلم إن أخفوا السر أم أفشوه لآخرين، بالمناسبة.. أنتِ لا فكرة لديك عن نظراتهم المشمئزة والمُحقرة التي يوجهونها لي كلما نظرت في وجه أحدهم، يظنون بأني من أريد إخفاء هذه الحقيقة وأظلمك وأظلم ابني معي))
رق وجه سمية قليلًا شاعرة بالذنب والغضب من نفسها..
لكنها تمَالكت نفسها وقالت برفق
((مَالك.. أنا أتفهمك ولكن.. لن أستطيع أن أغامر بخسارة ابني لمحض توقعات فقط، أنا لن أستطيع خسارته، لن أتحمل أن أسمح لهم أن يأخذوه وأقتات أنا على رؤيته فقط من حين لآخر، لو تنتظر أكثر حتى يكبر ويعي على نفسه بحيث لو حاول والديك انتزاعه مني يكون هو لهم بالمرصاد))
ثم بدأت شفتاها ترتعشان وهي تبتسم قائلة بصوت مبحوح يفيض توسلًا رقيقًا لا يقاوم
((أما علاقتي بك فهي مستحيلة قبل أن تبدأ مجددا، لذا عليك التفكير بنفسك ومستقبلك، وصدقني بعد زواجك من فتاة أخرى تناسبك ستكون ممتنا لأني منعتك من الانجرار نحو نزوة متهورة!))
خنقه وجيب قلبه وهو يقول لها بثبات
((أنا لن أستطيع الاقتراب أو الزواج من غيرك، خاصة بأنه سبق وتزوجنا وتذوقت نعيم قربك.. لو لم نتزوج.. ولو لم أقترب منك.. لكان الأمر.. ربما أقل وطئا..))
ازدردت سمية ريقها وقلبها يخفق بـ..
هل هو توتر أم انتشاء ما يجعل قلبها يخفق هكذا؟
تمَالكت نفسها لتقول بخفوت تستمر بوضع الحواجز بينهما
((ليس وكأننا تزوجنا زواجا طبيعيا، استمر الأمر لأشهر فقط، لا تضخم من الأمر))
انقبضت يدا مَالك وتصلبت ملامحه وبدت خضراويه بئرين من جحيم يطفو من صدره المستعر ليرد بتحشرج
((لا فكرة لديك ما هو الشعور الهائل بالفراغ الذي ينتابُني حينما اعتدت أنك من حقي في هذه الشهور ثم انتزع مني هذا الحق فجأة))
ظلت سمية على صمتها.. وهي تشعر بالتشتت من حولها يزداد..
استدار مَالك على عقبيه يعطيها ظهره ليقول
((أنا سأذهب فلدي الكثير من أوراق الامتحانات التي عليّ أن أفرغها على دفتر العلامات ثم الحاسوب.. هل تريدين شيئا مني؟))
دس كفيه في جيبي بنطاله عندما رفعت وجهها تناظر ظهره وتسأله وهي تزم شفتيها ببراءة
((ابعث لي الأوراق لأفرغ العلامات عوضا عنك، أعرف أن هذا أكثر ما تكرهه في مسألة التدريس))
التف نصف استدارة لها يقول بجدية مصطنعة وقد تخلى عن الوجوم فعلا
((أساسا كنت سأرسلهم لك لتفرغيهم بالفعل، فأنا لا أثق بأحد غيرك في نقل العلامات بحذر وحيطة شديدة دون أن يظلم أحد طلابي))
ابتسمت له بود ليعود هو وينظر أمامه ماضيا بخطوات ثابته نحو الباب الخارجي للمطبخ وضحكته الخافتة تصلها فتتلاعب بقلبها.. بشكل مؤلم..
أطلقت تنهيدة بائسة وسعت الكون ثم ناظرت يزيد بملامحه الحائرة وفي عقلها مائة سؤال وسؤال عن مستقبلها معه!
.
.
أغلق مَالك باب المطبخ خلفه ليشهق جافلا
((أم فهد؟ ماذا تفعلين هنا؟))
كتفت رتيل ذراعيها ثم قالت بنظرات متسليه
((لا تقلق لا أحد في المطبخ إلا أنا ونجوم.. كنا ننظر لك أنتَ وسمية من هذا الباب بمواربة منذ أن جئت وجلست عندها))
سألها بتوجس وهو يميل برأسه
((هل سمعتما أي شيء من حديثنا؟))
رفعت حاجبيها بتعجب من توتره لكنها أجابته بمنطقية
((كيف سنسمع شيئا من هنا؟))
تجهمت ملامح مَالك وهو يقول
((ليس وكأنني خائف من أن يسمع أحد شيء.. لكن..))
تنحنح في نهاية حديثه يجلي صوته للحظات قبل أن يكمل
((على كل حال يا زوجة أخي، سأتزوج قريبا أنا وسمية، لذا أرجوك لا تفتعلي أي إشاعات قبل أن أتحدث مع والديّ بهذا الخصوص))
لف الفضول وجه رتيل متسائلة
((ومتى ستتحدث؟))
رد مَالك عليها بنبرة فاضت حزما
((في أقرب فرصة، لا طاقة لي لأتحمل الانتظار أكثر..))
لوت رتيل فاهها قبل تتشدق بما يشبه الدعابة
((كل من في المنزل يعرف بك أيها العاشق، لا أدرى ماذا كنت تنتظر قبل أن تتخذ هذه الخطوة؟))
تنهد مَالك قبل أن يجيب
((فعلا كان عليّ أن أعمل على الموضوع بشكل أسرع))
رفعت رتيل حاجبها تحاول مجاراة جديته لتقول دون أن تنحسر ابتسامتها
((على كل حال، الأيام القادمة ستكون في غاية الإثارة، فوالدتك لن تكون لينة معك بموضوع كهذا، إنها حتى تكره يزيد المسكين الذي لا ذنب له إلا أن ابنها المفضل يحب أمه))
رفع مَالك عينيه المتمردتين إليها يقول بصرامة
((أنا لست شابا في بداية عمره، بل في الثامنة والعشرين ولست أنا من ينتظر أحد والديه أن يزوجوه))
ضحكت رتيل ثم همست مصفرة بصوتٍ حار قبل أن تغادر المطبخ
((أيها الخطير! لكن لن أستخف بك وسأرى كيف ستقنع والدتك))
رغم الخوف الذي تسلل لداخله ولا يشعر مصدره لمعت حدقتيه بشيء من الأمل.. عليه ألا يتشاءم فقد اقترب أخيرا من أن يحصل على سعادته واستقراره مع سمية ويزيد.. ذاك الحلم الذي داعب خياله الأبوي وقلبه لسنوات..
=============================
قال قصي يوجه سهر التي كانت تقود السيارة
((ركزي يا باربي أثناء القيادة وانظري فقط أمامك))
نظرت إلى عينيه بابتسامة وقالت
((أنا آسفه لكن هذه السيارة.. إنها فقط تسرق الأنفاس.. مذهلة.. لا أصدق أني أقودها بهذه السلاسة))
صارحها قصي وهو يكتف ذراعيه
((لقد كنت أحاول منذ مدة الحصول على سيارة مماثلة لها))
انطلقت كلماتها بإعجاب حقيقي غير مألوف لها
((لست شغوفة بالسيارات، لكنها تبدو رائعة، مبارك يا قصي.. أنا سعيدة لأنك جعلتني أقود غاليتك هذه، فأنا أعرف بأنك تعتبر أسطول سياراتك مثل أبنائك))
تمتم قصي ببساطة
((إنها لك..))
لاحظ تغير تعابيرها إلى الدلال والغنج اللطيف وهي تقول
((بالتأكيد فكل شيء يملكه زوجي المستقبلي هو لي، وكل ما أملكه أنا حتى قلبي فهو له))
مالت زاوية شفتاه بابتسامة جانبية ليقول بلمعة تفاخر
((أنا أتحدث بجدية، هذه السيارة اشتريتها لك))
تغيرت ملامحها للتجهم وهي تناظره لتتساءل
((ماذا؟ كيف؟))
كانت سهر تحاول إيقاف السيارة حتى تستطيع التحدث معه فأجابها
((عرفت بأنك لم تغيري سيارتك.. منذ.. أو بالأحرى لم تغيريها أبدا.. شعرت بالعار من فكرة امتلاكي لعدد من سيارات وتغيريهم بشكل منتظم في حين أني لم أفكر ولو لمرة بتجديد سيارتك))
أوقفت سهر سيارتها فجأة فاختض جسديهما للأمام قليلا ولولا حزام الأمان الذي كان يحاوط كل منهما لكان اصطدما في زجاج السيارة الأمامي.. لم تهتم سهر لذعرها وهي تسأله بلهفة
((هل أنتَ بخير؟))
ابتسم لها وهو يقول مطمئنا بينما صدره يتنفس بقوة
((نعم.. لا تقلقي.. فقط اركني السيارة على جانب الطريق..))
شغلت السيارة لتركنها حيث أشار بينما تقول بمشاعر مرتبكة
((قصي.. الأمر ليس أنني لا أملك ثمن سيارة جديدة، لكن سيارتي لطالما كانت تفي بالغرض.. أنا لن أستطيع أن اقبل كل هدية باهظة تهديني إياها))
هدر قصي بشقاوة تشوب ي نبرته
((هراء.. لقد اشتريتها لك وهذا أمر غير قابل للنقاش))
حاولت الاعتراض بوهن
((أنا أعرف بأن لا شيء يجعلك تشعر بالسعادة أكثر من الحصول على سيارة جديدة لذا لا أظن بأن عليّ قبولها))
صحح لها وهو يفتح مقبض بابه
((بل رؤيتك تقودينها ببهجة سيجعلني أكثر سعادة))
دار قصي حول السيارة نحو سهر يفتح بابها يساعدها في الارتجال منها لتهدر
((قصي أنا حقا لا أعرف كيف أشكرك! أنتَ رجل المفاجآت حقا))
لم يرد عليها قصي بل سحب مفتاح السيارة وناولها لأحد الموظفين ليهتموا بركن السيارة.. ثم تشابكت كفه بكف سهر وهو يقول ونظره مصوب نحو واجهة مطعم فخم وراقي
((مطعم جديد تم افتتاحه حديثا، أحببت حقا أن أذهب له معك))
.
.
غادر النادل بعد أن أخذ طلباتهما الاثنين.. فبدأ قصي بتجاذب الحديث معها متسائلا بفضول حقيقي
((إذن هل ستتزوج هذه المرة صديقتك شيرين حقا؟))
خرجت سهر من شرودها على سؤاله وهي تومئ له
((نعم.. ستتزوج.. وهذه المرة إياك أن تعتذر، عليك أن تحضر معي وترافقني لحفل زفافها؟))
ازدرد قصي ريقه بارتباك ثم همس معترضا بصوت واهٍ
((باربي ولكن.. أقصد..))
تنهدت قبل أن تقول بجدية غير مألوفة بها
((قصي لا تعتذر أرجوك.. هل أنت مستاء منها لأنها لم تحضر حفل عقد قراننا قبل سنتين ونصف من بدايته؟ أخبرتك وقتها بأنها لم تستطع أخذ إجازة من عملها!))
سارع قصي ينفي ما تظنه سهر هادرا بشيء من التوتر
((الأمر ليس كذلك، أنا لست طفوليا بهذا الشكل!! الأمر فقط أني أيضا قد أكون مشغولا في عملي..))
قاطعته سهر بمنطقية واحتدام
((قصي هي مجرد موظفة في شركة لا ترحم فعذرها كان مقبولا.. أما أنت فتدير شركة عائلتك ولن يحاسبك أحد لو أخذت إجازة أو ساعات مغادرة.. أنا لن أقبل إلا أن تحضر يا قصي.. أو سأحزن منك فعلا))
قال متلمسا تفهمها
((لا يا باربي، لا يهون عليّ أن أكون سببا في حزنك، سأحاول أن آتي لحفل زفاف شيرين.. لكن لن أعدك))
تمتمت سهر بضيق وهي تشيح بعينيها جانبا
((معنى هذه الجملة أنك لن تأتي، حسنا فهمت))
ضيق قصي عينيه بتدقيق عليها.. سهر مؤخرا لا تبدو طبيعية معه! باتت تشح في مكالمتها ورسائلها له وتتعمد قدر الإمكان إخفاء شوقها ولهفتها عنه.. وبلا شك أمها هي السبب في ذلك! حتى أن فرحتها قبل قليل كانت مصطنعة وكأنه لم يهن عليها ألا تجامله مقابل ما تكبده في إحضار هديته الباهظة لها!
خرج قصي من دوامة أفكاره على صوت سهر متذمرة بينما ترفع الفرو الأبيض الفاره على كتفيها حينما شعرت بنسمات الهواء تتحرك
((بأحب قضاء الوقت هنا ولكن الجو بارد قليلا، لماذا لم تزرني في بيتي كما اقترحت عليك قبل الخروج؟))
مد قصي يديه يسحب كفها الناعمة ثم أحاطها وهو ويضغط عليها برفق متأسفا بدفء
((لأني أريد الخصوصية معك، أنتِ تعرفين بأن أمك وصديقتك تبقيان أيام العطل في منزلكم.. ولم أجد من اللائق دعوتك لشقتي وحيدة حتى لو كان بيننا عقد قران..))
تنهدت سهر بإجهاد ثم سألته ببرود بنبرة ذات مغزى
((وماذا فيها لو دخلت منزلنا أثناء وجود أمي؟ هل تخشى أن تجلب لك سيرة تعجيل حفل زفافنا؟))
تكدرت ملامح قصي ليقول بصراحة مطلقة
((نعم.. معك حق.. صرت أخشى من هذا الموضوع.. ومن كلامها الفج واتهاماتها المجحفة الصريحة بأني أماطل بلا داعي وأخدعك))
ارتشفت سهر القليل من مشروبها الدافئ بغير شهية ثم قالت ببرود
((ليست اتهامات مجحفة، أنت حقا تتصرف كما لو أنك تتهرب من الزواج مني، كل شيء فيك حالم ورائع حتى يحين موعد تحديد الزفاف، وقتها تنقلب هيأتك تماما وتبدي الاستياء لي وتبدأ بالتهرب من الإجابة))
رفع قصي نظراته المتفاجئة لها ليقول معترضًا بقوة ومتفاجئا من مسار تفكيرها الذي بدأت تتخذه
((سهر، الأمر ليس كذلك، أنا فقط لا زلت بحاجة للمزيد من الوقت قبل أن أدخر المال لشراء الفيلا وإقامة الزفاف الأسطوري الذي تحلم به والدتك من أجلك، أنت تعرفين بأنها لن تقبل أقل من ذلك..))
قاطعته سهر بعبوس مقترحة وداخلها يجيش معترضا
((لا داعي لكل هذا، يمكننا أن نكتفي بزفاف وشراء منزل بسيط يصح أن يكون في الحد الأدنى المقبول في سلم مجتمع والدتي الراقي، المهم أن نتزوج))
قلب قصي عينيه للأعلى بضجر مثيرا استفزازها قبل أن يردد
((سهر.. أقسم لك بأني متلهف أكثر منك لإتمام زواجنا وأكاد أموت توقا لأجعلك امرأتي قولا وفعلا ولكن، ولأصارحك.. فأنا حقا لا أملك سيولة تخولني حتى أن أشتري لك منزلا أو أقيم زفافا يناسب معايير الحد الأدنى لمجتمع والداك الراقي))
كزّت سهر أسنانها وهي تراه يتحدث معها عن هذا الموضوع كما عادته مستريحًا مسترخيًا لا مهتما كما يدعي.. فاستنهضت كل عزيمتها وهي توبخه
((والسيارة التي أهديتها لي قبل قليل؟ بدون أن أعرف ثمنها بالضبط أقدر أنها كلفتك ثروة صغيرة، هذا باستثناء طبعا رحلتك القصيرة الأسبوع الماضي مع أصدقائك الى مدريد لمدة يومين والتي كانت ستطول لو أنك استطعت أخذ إجازة أطول من شركتك! توقف فقط عن الإنفاق بهذا الترف والبذخ على سفرياتك وسياراتك، وخلال فترة معقولة ستوفر المبلغ المطلوب..))
كبح قصي لجام غضبه الذي تولد في هذه اللحظة وهو يغمض عينيه ويسبلهما.. يحاول اكتساب أكبر قدر مُمكن من الحُلمَ والصبر.. لم يفقد ولا مرة طوال فترة تعرفه عليها أعصابه.. لم يفلت أمامها شيء من غضبه..
لم ترَ منه إلا وجه العاشق المتفهم الذي لا يبحث عن شيء إلا إسعادها.. ولن يفعل الآن عكس ذلك.. فزفر نفسًا كان يكتمه ببطء.. ثم قال ببرود واعتراض
((لا أستطيع يا سهر، هذا هو أسلوب حياتي المعتاد عليه منذ أن ولدت، لا أستطيع تغييره ولو ليوم واحد، لذا أتمنى أن تستمري على تفهمك ولا..))
قاطعته سهر بثبات انفعالي دون أن تظهر المشاعر التي تخفيها رغم أن عيناها تفضحانها كما رعشة كفيها
((حسنا.. ممتاز.. لقد وصلتني الفكرة، أمي محقة تماما.. أنت لا تراني إلا صديقة وحبيبة تحب قضاء وقتك معها للمتعة فقط، ولا تريد أن ينتهي الأمر بنا للزواج والمسؤوليات، لكن أنا آسفة لأني مضطرة أن أنهي كل شيء بيننا لأني لا أملك وقت لأضيعه أكثر مع أمثالك))
تناولت سهر حقيبتها الجلدية الباهظة واستقامت واقفة من مكانها تنوي المغادرة.. فاتسعت عينا قصي لردة فعلها غير المتوقعة وسارع يتشبث بذراعها مغمغما
((سهر لحظة.. توقفي..))
قاطعته بصلف متعجل لتختصر وهي تنفض ذراعها عن يده
((لا تثر جلبة من حولنا، أنا حقا بحاجة أن أختلي بنفسي والتفكير بشكل أعمق في علاقتنا، لا تتصل بي الفترة المقبلة لو سمحت لأني لن أرد عليك))
كانت سهر تغلي غليانًا وهي تحث الخطى للخارج.. تقف على الشارع العام وتطلب سيارة أجرة.. في حين تهالك قصي على كرسي يعاود الجلوس.. يبدو أنه أخفق في حساباته وظنونه.. سهر التي لم يبدُ عليها يوما اهتماما بتسريع زواجهما بدأت الآن أفكارها تأخذ منحى مختلف..
تقبضت يده وضرب بها المنضدة غير آبها لنظرات من حوله التي جذبها له.. تبا لكل شيء وللعجز الذي يحاوطه.. صدقا لو كان الأمر بيده لتزوجها منذ أول مرة وقعت عيناه عليها..
تفاقم الإجهاد المتجلي على وجهه.. عمه يماطل في تحقيق وعده له وهو بالمقابل يماطل في إتمام زواجه من سهر.. متى سيصل إلى مرحلة يقتنع فيها أن عمه الذي يكره وجوده لن يحقق شيئا مما وعده له وبالمقابل فليس أمامه إلا البوح بحقيقته لسهر ويأمل منها التفهم حتى لا يخسرها!
أساسا مع وجود شيرين في نفس مكان الشركة والقسم ففرصة كشف كذبه وخدعه ستكون كبيرة! لذا عليه أن يكون حذقا ويفصح هو بالحقيقة لسهر قبل أن يشي أحد به وتعرفها من غيره!
=============================
في منزل والد جمان..
في المطبخ تعد قالب الكعك وتزينه برفقة الصبية ريمة التي تواظب على زيارتها بين حين وآخر قبل أن تقول فجأة بحنق طفولي واقتضاب
((أنا قررت يا سيدة جُمان بأني لن أتزوج، فإذا كان حدث ما حدث معك فكيف بي أنا؟))
ابتسمت جُمان بخفة لاحتقان الصبية أمامها قبل أن ترد
((لا تقولي يا ريمة هذا! أنتِ لا زلت مراهقة وفي مقتبل عمرك على هذا التفكير السلبي))
استنكرت ريمة بانفعال طفيف
((ليس تفكيرا سلبيا بل إدراك للواقع، الحب لا يأتي منه إلا الألم.. وأساسا لا فائدة منه))
هزت جُمان رأسها نافية قبل أن تقول بروية شديدة
((هذا غير صحيح، فالحب والمشاعر والعواطف أمور مهمة جدا لي ولك ولكل البشر، وبدونهم تصبح الحياة قاسية وبلا مذاق ممتع لها مهما أنجزنا ونجحنا في حياتنا العملية والدراسية، ولكن الحب على رونقه وجماله يحتمل الفراق ويحتمل حرية طرفيه ويحتمل ألوانا من المشاعر المختلفة داخل العلاقة نفسها.. غضب.. ألم.. مسافات تقترب وتبتعد..))
اهتز فؤاد جُمان فجأة بينما تستطرد بصوتٍ أجش
((أنا حقا أتألم وأتجرع لوعة الفراق والفقد، ولكني مؤمنة بأني بعد فترة طالت أو قصرت أستطيع إكمال مشوار حياتي))
أخذت ريمة عدة أنفاس كأنها تستعد لقتال الضواري ثم كتفت ذراعيها تقول بغضب موقود تكتمه
((أنا أتمنى أن يُجازى على ما فعله بك، ويرد له في أكثر شيء يحبه ويتمناه في عمره هذا، فدخوله العابث في مسار حياتك، وتركك بهذا الشكل القاسي هو شيء دنيء))
أطلقت جُمان تنهيدة قبل أن تقول بصوتٍ دافئ
((ريمة حبيبتي لا تتحدثي بهذا الشكل ولا تتمني السوء له))
اتسعت عينا ريمة تستنكر باهتياج
((هل أنتِ من تقولين هذا؟))
ابتسمت جُمان قليلا وهي تطرق بوجهها ثم هدرت بصوتٍ ناعم
((نعم أنا من أقولها، فعندما تنتهي علاقتي بأحد أكره أن أضره أو أمسه بشيء، حتى لو كان من خلال الكلام أو الدعاء عليه))
نفخت ريمة وجنتيها وهي تتمتم بحنق
((أنتِ طيبة جدًّا))
أحنت جُمان رأسها قليلا تغالب طعنات الألم وهي ترد بحشرجة
((لزام عليّ أن أكون كذلك، فنحن بين رحلة حضور وغياب، فلماذا قد أتسبب بسرقة فرحة أحد، أو قهر قلبه!))
لم تمتلك ريمة إلا أن تشيد بجمال روحها رغم عدم رضاها
((أنتَ يا سيدة جُمان لا تعوضين، ولا تتكررين.. وبعد أن يتزوج من تلك الأخرى، سيندم ويبكي ويرجو الله أن يعيد الزمن إلى الوراء حتى لا يترك امرأة رائعة مثلك، أما تلك المرأة التي سيتزوجها فـ..))
رفعت جُمان حاجبها باعتراض تبتر كلمات ريمة
((توقفي يا ريمة.. وما ذنب تلك المرأة التي سيتزوج منها في الأمر؟ مشاعر وليد نحوها تخصه وحده.. هي لم تجبره.. ولم تكن بينها وبينه علاقة حسب ما أظن عندما كنا متزوجين.. لذا..))
أومأت ريمة طائعة بحنق ثم قالت
((حسنا، ولكن يقال بأن المرأة التي سيتزوج منها السيد وليد هي نفس المرأة التي كان خاطبا منها قبل سنوات.. لكن.. لا أفهم سبب عودته لها.. هل سحرته؟))
تجمدت ملامح جُمان للحظة لكنها سرعان ما تجاوزت ردة فعلها وهي تتمتم بينما تهز كتفيها
((إنه فقط لا زال يحبها.. فهل الحب يحتاج لسبب؟))
عادت جُمان تركز في تزيين قالب الحلوى لاهية عن عذابات روحها التي تيقظت.. في حين أسبلت ريمة أهدابها للأسفل بعقل شريد لدقائق قبل أن يصدح رنين هاتفها لتشهق متنبهة بأن الوقت طال دون أن تشعر به.. وتقول بعجلة
((لقد تأخرت على أمي.. سأذهب.. إلى اللقاء))
ابتسمت لها جُمان وهي ترافقها حتى الباب
((رافقتك السلام يا ريمة))
أوصدت جُمان الباب خلف ريمة ثم عادت للمطبخ تكمل إعداد قالب الحلوى بملامح شاردة حزينة... حتى شعرت بأحد يدخل المطبخ ويقف ليراقبها طويلًا بصمت.. عرفت بأنه والدها الذي كان يجلس في الصالة يصغي لمعظم حديثهما.. فلم تكن قادرة على الالتفات إليه.. لم يكن لديها الطاقة حتى كسر والدها هذا الصمت هادرا بسؤال طال كتمانه في داخله
((وأنتِ لماذا استسلمت هكذا وانسحبت من حياته بهذه البساطة؟))
((لقد كنا متزوجين لأكثر من عشر سنوات، وعلى ما يبدو لم أستطع جعله يحبني، ولا حتى بمقدار يسير من حبه لها.. كما بات وجوده معي في البيت واقعًا باهتًا لا يحمل في نفسي شيئًا من الحب))
اعترض والده
((لكن لا يمكنك أن تسمحي لها..))
توقفت جُمان عما تفعله وقالت مقاطعة والدها بتهذيب
((أرجوك أبي.. يكفي..))
همس اسمها بألم
((جُمان..))
استمرت بمتابعة ما تفعله وهي تقول بصوتٍ مختنق
((صدقني يا أبي ليس بيدك كسب قلوب الناس ولو بذلت ما بذلت مِن جهدٍ، وليس من اليسير استمالة قلب زوجٍ آثَر غيري، الاستمرار في العيش في هذا العذاب من أجل أمل كاذب هو أكبر عذاب))
تابعت جُمان عملها حتى سمعت صوته المتحشرج يهمس
((ما الذي يجعلك يا ابنتي تقولين هذا الكلام؟ كل من حولنا يستطيع أن يرى بوضوح الشمس أن وليد كان يحبك، لو لم يكن يحبك لما حرص كل الحرص على الحفاظ على كرامتك ولما صبر على عدم إنجابك))
ردت عليه مباشرة وبتلقائية
((أبي أنا امرأة ولي حدسي، وليد كان يفعل كل تلك الأمور أثناء زواجه مني لأنه كان يشعر تجاهي بالشفقة والمسؤولية))
بترت جُمان كلماتها وهي تبتلع غصة في حلقها ببطء..
تُقدر حزن والدها عليها لكن كيف يريد منها أن تبقى بحياة وليد وتقتنع بأنها المرأة التي بلا طعم ولا لون في حياته، وترضى العيش في البقعة الباهتة الصامتة من حياته.. فهو لا زال واقعا في حب خطيبته القديمة.. التي لا تفوقها جمالا ولا أدبا ولا أخلاقا.. ولكنها هي المرأة التي أحبها..
اعترض والدها بعد دقيقة صمت
((لكن كل هذا هو معنى من معاني الحب))
تمتمت متهكمة بخفوت
((نعم حب الصداقة أو حب الأخوة مثلا؟))
لفت جدية أكبر صوت والدها وهو يقول
((جمان.. لا توجد صداقة أو أخوة بين رجل وامرأة))
تمتمت له وهي تهز رأسها
((معك حق، لهذا أعود للنقطة الأولى وهي بأنه لم يكن يبادلني الحب))
تركت جُمان ملعقة الزينة من يدها وهي ترفع وجهها له هادرة بعينين بارقتين
((وحين يكون الحب من طرف واحد فهو ليس حبا وإنما استنزافا للمشاعر، فالحب حتى يصبح حبا يحتاج لأن تكون المشاعر والاحتياج لها متبادلان بين الشخصين هما لا غيرهما))
أومأ والدها بنفس الانطباع..
هي مدركة بأنه يشعر بمأساتها.. قلبها الجريح.. آهاتها الصامتة.. حزنها العميق.. فكل الأشياء من حولها تدعوها ِلتبكي إلا أنها لا تزال تظهر واجهة الصلابة..
فقال أخيرا بصوتٍ حنون ودافئ
((ولكن يا ابنتي لا تنسي بأنه من حقك أن تشعري بألم الفراق والانفصال عمن كنت تشاركينه حياتك ولا بأس من التعبير عن مشاعرك بين الحين والآخر، فالمثالية الزائدة عمل لا إنساني، لا يوجد كائن بشري قادر على ضبط مشاعره في كل وقت إلا المُتصنع))
بادلته بسمة صافية لتظهر معها إشراقة وجه نفض عنه التعب والإرهاق في هذه اللحظة ورددت
((سأفعل يا أبتي، لكن باعتدال، ودون أن أحاول دفع مشاعري لتبقى طوال الوقت حاضرة، ففي النهاية عليّ أن أمضي قدما في حياتي))
=============================