تحميل رواية «قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة"» PDF
بقلم Hya Ssin
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بسم الله الرحمن الرحيم وأهلا وسهلا بكل رواد روايتي الكرام.. عدت من جديد برحلتي الثالثة مع روايتي الجديدة "فِي قَلْبِكَ مَنْفَايَ".. التي أتمنى أن تنال إعجابكم وكلي يقين بأن الأمر لن يكون سهلًا.. فكلما زاد رصيد المرء في قراءة الروايات كلما ارتقى ذوقه وأصبح إرضاؤه صعبًا.. ومن ترضيه في البداية روايات بسيطة لتمضية الوقت ستعجز عن إرضاءه لاحقًا تسع روايات من كل عشرة يقرأها.. مَنْفَايَ أَنْتَ وَمَنْ سِوَاكَ يُعِيدُ لِي رُوحِي؟ وَمَنْ ذَا عَنْ جَفَاكَ يُصَبَّرُ؟ انت وطني : انتَ منفاي انتَ كل اﻟﺎشياء الت...
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الحادي وخمسون 51 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
عند الساعة الخامسة.. مساء..
ارتدت شيرين حقيبتها وأغلقت مكتبها مستعدة للرحيل بعد انتهاء عملها.. فهي لا تطيق الانتظار حتى رؤية سهر والتحدث معها بشأن ذلك المحتال!
مرّت من بهو الشركة عندما لمحت بطارف عينها اقتراب أحد منها لم تره منذ مدة طويلة جدًّا.. فاعتراه الذهول وتمتمت متسعة العينين
((الرائد.. الرائد مُعاذ!))
وقف مُعاذ أمامها بهيئته المهيبة القوية ثم تمتم لها
((لم أعرف أي ساعة بالضبط تُنهين عملك فقلت في نفسي أن أنتظرك هنا))
لفّها شيء من الارتباك وهي تتساءل
((لقد أنهيت عملي الآن، هل انتظرتَ كثيرًا؟))
ابتسم لها بركازه ثم أجابها مطمئننا
((لا، لقد وصلت هنا منذ وقت لا يزيد عن الربع ساعة))
هزّت شيرين له رأسها مما جعله يتنحنح ثم يقول
((هل يمكن أن أتحدث معك بخصوص موضوع هام.. وبشكل موجز.. في أحد المطاعم العامة))
احتّلها الصمت قليلا ثم قالت باحترام وتوقير خاص له
((بالطبع، هناك مطعم قريب يبعد مسافة خمس دقائق عن بيت صديقتي))
أكّد عليها مُعاذ بلهجة لها وقع الهيبة
((أُقدر وضعك وبأنه لن يكون لطيفا لو رآك أحد تجلسين مع رجل غريب عنك حتى لو كان في مكان عام.. لكن أنا فعلا بحاجة للتحدث معك وسيكون كلامي مختصرا.. استقلي سيارتك وأنا سألحقك بسيارتي))
بمجرد أن وصلا لإحدى المطاعم المفتوحة المليئة بالزبائن حتى جلسا حول الطاولة.. طلب مُعاذ لكلاهما مشروبا باردا منعشا ثم شبك أصابعه فوق الطاولة وتحدث بهدوء
((أباك كان يتحدث عنك كثيرًا في أيامه الأخيرة، كان يخبرني بأنك امرأة قوية ومستقلة وتعرفين كيف تحافظين على الحدود وتحمين نفسك، وأنا متأكد بأنك لا زلت كذلك رغم عيشك في المدينة وحيدة بعد وفاته، كان لوالدك نظرة محقة بك))
أرخت شيرين أجفانها وتحركت شفتاها في شبه ابتسامة
((فعليًا لا أعتبر نفسي وحيدة، فصديقتي ألحت عليّ أن أترك منزلي المستأجر وأعيش عندها، كانت نعم الصديقة معي ولولاها لا أعرف كيف كنت سأتجاوز كل الصعاب التي مررت بها، وأنت أيضًا مشكور ساعدتنا كثيرا أيام والدي الأخيرة، رغم أنك لم تكن تعرفه))
للحظات ظلّ مُعاذ يصغي لها بتدقيق كأنه يدرس ما وراء كلماتها قبل أن يومئ برأسه ثم يقول بنبرته الرخيمة
((الحقيقة أنا لم أكن أعرف والدك فهو كان من خارج قريتنا رغم أنه عاش فيها معظم حياته بعد زواجه من أمك، لكن لن أكذب عليك وأنكر بأن ما فعله ابن عمي بكم قبل عقد مضى كان مخزيًا، خاصة وأننا جميعا كنا نعرف بأنه انفصل عنك في الفترة التي تقدم لك ذاك الشاب..))
أظلمت عينا مُعاذ قليلا وهو يُكمل
((آنذاك قاطع والدي عائلته ولم يحضر أحد منا زفافه من زوجته السابقة.. كان أبي ساخط على والدته لنشرها تلك الأقاويل عن عرضك بين نساء القرية مبررة سبب ترك ابنها لك، وبعد رحيلكم من القرية ظلّ والدي يفكر بكم.. وعندما سمع بمرض والدك طلب مني أن أزوركم بين الحين والآخر))
سَكَنت ملامح شيرين وهي تقول
((والدك رجل مُهيب وكل ما فيه يشي بحكمة وقوة قراره، أنتَ تشبهه كثيرا من الخارج والداخل.. عندما قررت الطلاق قبل مدة قصيرة لم أجد غيره هو وأخوالي ليكونوا عونا لي بعد الله.. موقنة بأنه سيقف مع الحق حتى لو كان يعني أن يقف ضد ابن أخيه.. الآن رفعت دعوى الطلاق للضرر ولا بد أن الأوراق وصلت وليد))
ردّ مُعاذ بصوتٍ خشن هادئ
((لقد أخبرني والدي بكل ما فعله وليد بك، من تحريض عائلة الطفل الذي صدمتيه حتى يوكلوه محاميا لهم ليستغلوك ماليا، ثم ملاحقته لك وتهديديك بكل الطرق حتى يخدعك بمسألة التبرع لوالد صديقتك المقربة))
لفهّا شيء من المرار وهي تقول بحرج
((نعم وضف على ذلك بأنه بعد زواجنا أساء معاملتي بطرق لا أحب أن أفصح عنها..))
ثم صمتت قليلا قبل أن تكمل
((أنا أعتذر عن عرضي الزواج عليك سلفا يا مُعاذ، لكن غايتي كانت باللجوء لك لحماية نفسي من وليد.. فأنتَ كنت أكثر رجل استقامة وعلى قدر من الوقار والاحترام رأيته في حياتي.. ظننت أيضًا بأن انحدارك من نفس عشيرة وليد سيجعلك رادعا لما قد يفعله لي))
ضيًّق مُعاذ عينيه وهو يقول
((أكان هذا هو السبب الحقيقي وراء طلبك الزواج مني وإصرارك على أن يكون صوريا؟ كان عليك مصارحتي وإخباري الحقيقة، فقد كان بإمكاني أن أخلصك من بطش وليد دون الحاجة لزواجنا))
شعرت بالذّل يلفها من كلماته فازدردت ريقها بصعوبة،
تنّهد مُعاذ بعبوس يضفي على وسامة ملامحه جاذبية مميزة مع شعر ذقنه الأسود المختلط بقليل من وقار الفضة..
إذن هي عندما طلبت منه الزواج آنذاك لم تكن تحاول استغلاله لتثير غيظ وليد! بل كانت تستنجد به حتى يساعدها في التصدي لبطش وتجبر وليد!
كانت ترى فيه السند والحامي وهو عجز عن رؤية كل هذا بسبب غيرته السّخيفة وكبرياءه! لو كان أكثر فطنة لكان هو من تزوج منها!
نعم.. كفاه كذبًا على نفسه.. لو لم يُكن لشيرين الإعجاب لما كانت هي المرأة الوحيدة التي فكر بها كامرأة بعد وفاة زوجته الحبيبة! لكن فات الأوان ولم يعد من الصحيح التفكير بشيرين من هذا المنظور!
فهي لم ترد منه شيئا أكثر من أن يحميها من وليد!
تململ مُعاذ في جلسته ثم قال
((على كل حال وصلني ما تنشدينه، أقدمي عليه ولك كلمتي وكلمة والدي بأن وليد لن يتعرض لك مجددا.. أكد عليّ والدي اليوم ألا أدعك تحتاجين أي شيء أو تعانين.. وهو يحاول أيضًا إقناع وليد بالحسنى أن يطلقك بلا عناد قبل أن يلجأ معه لطرق أخرى لن تنال إعجابه))
ازدردت شيرين ريقها ثم استقامت واقفة تتمتم بكلمات موجزة خافتة امتنانًا له.. موقنة بأنها أصابت عندما لجأت للحاج يعقوب للتخلص من بطش وليد..
بمجرد أن رحلت شيرين حتى استقلّ مُعاذ سيارته يختلي بنفسه وسط الهدوء.. والصمت حوله يغرقه بأمواج الماضي.. موجة تتبعها موجة..
تمنى ببؤس لو يعود الزمن للوقت الذي طلبت منه شيرين الزواج.. فيحاول الإلحاح عليها أن تخبره سر هذا الطلب وبكل ما تعانيه ويمنع عنها ابن عمه صاحب النفس الرذيلة..
عند ذكر وليد استغرب مُعاذ قليلا.. بل كثيرا..
فشيرين تحاول التخلص منه رغما عنه وإلى الآن لم يأخذ هو أيّ ردة فعل قاسية مألوفة في أفعاله ضدها!
ما الذي يخطط له ابن عمه الحقير؟
=============================
منزل عائلة سهر..
زفرت تمارا المتمددة على إحدى الأرائك بقنوطٍ وهي ترفع يدها لتدلك بها جبهتها المصابة بصداعٍ مرعب بعد فجيعة ما عرفوه اليوم عن قُصي.. ثم قالت لابنتها بصوتٍ محتدم يحمل طابع نفاذ الصبر والغضب
((شيرين تأخرت علينا يا سهر، ألم تقل بأنها ستأتي وتتحدث معنا بشأن خطيبك المخادع الذي اتضح بأنه كان يعمل عندها!))
تنهدت سهر المجهدة ثم تمتمت بخفوت
((اصبري يا أمي قليلا، ربما حدث معها شيء ما وأخرها))
قدمت إحدى عاملات المنزل لتمارا حبة دواء مسكن للألم وكأس ماء ثم قالت بعفوية
((لقد رأيتها في المطعم المقابل لنا تجلس مع رجل ما وتحدثه))
انتفضت سهر مكانها تقول بقلق لهف
((يا إلهي هل هو وليد؟ صفي لي ذاك الرجل؟))
شَرَدت العاملة بنظرها مفكرة وهي تجيب بتيقظ
((كانت تجلس مع رجل بهيبة له ملامح جذّابة تزيده وسامة بطريقة رجولية مُلفتة..))
قاطعتها سهر عاقدة الحاجبين
((توقفي، توقفي أنتِ لا تساعديننا بهذا الشكل!))
صَدَح صوت رنين الجرس فقالت العاملة وهي تهرول للخارج
((ربما تكون تلك السيدة شيرين سأذهب لفتح الباب لها))
وكان حدسها صحيح بينما تدخل شيرين على عجلة إلى غرفة سهر بعد أن ألقت سلامًا سريعًا.. ثم جرت باندفاع نحوها تسألها بلهفة
((ماذا حصل معك؟ هل جاء عندك قصي؟))
أوصدت سهر باب الغرفة وجلست بجانب والدتها تقول بصوتها المتعب
((نعم واعترف بنفسه بكذبه عليّ وبأنه ليس ثريّا وشخص ذو شأن كما كان يدعي أمامنا، ليس هذا وحسب بل قلب الأمور عليّ لأصبح أنا المذنبة الطامعة وبأنه لم يكن غرضه وراء كل ما فعله إلا التّقرب منى فأمي لم تكن ستسمح إلا لرجل من نفس مستوانا المادي أن يقع في غرامي))
غمغمت تمارا بقهر وهي تكاد تموت كمدًا
((الدنيء مجرد موظف بسيط وأوهمنا بأنه صاحب شركة مرموقة تقبع في الخارج! لكن الحق ليس عليه بل على والدك الذي فشل في استقصاء حقيقة ما كان يدعيه، إنه مجرد منقب عن الذهب يحاول ادعاء الثراء ليصطاد فريسته الثرية..))
صمتت قليلا ثم أظهرت ملامح مشمئزة وهي تسترسل
((أشعر بالتقزز كلما أتذكر كيف كان يتحدث مع العميل الذي كان معه على الخط كخادم فقير يريد نيل رضا سيده))
نظرت سهر بملامحها المعذبة نحو شيرين تقول وهي تشير لنفسها بيدها بدفاعية
((أنا لستُ ضد أن يعمل بوظيفة بسيطة، كيف أعيبه وأنا سبق وعملت في وظائف متدنية كثيرة في المطاعم والفنادق في كل مرة أهرب بها من البيت.. أنا فقط ضد تقربه مني وكذبه بالكلمات المنمّقة والمعسولة التي تخفي وراءها العديد من الأهداف غير النزيهة، إنه حقا منقب عن الذهب كما قالت أمي))
لامست شيرين كتف سهر بكفها ثم قالت بتأكيد
((أنا بنفسي عملت كموظفة خدمة عملاء مثله بالضبط قبل أن أترقى في وظيفتي.. الوظيفة مهما كانت فليست عيبا، العيب في خداع الناس، لكن في نهاية الأمر ها قد عرّيناه من خداعه وعرفنا حقيقته كمفلس متطفل يسعى للزواج بك ليتسلق على كتف عائلتك الثرية))
كزّت تمارا على أسنانها وتشوّشت ملامحها بحقد
((لقد تلاعب بسهر عاطفيا.. عبارات غزله وكلماته المعسولة كانت بداية طريقه لصيده الثمين بابنتي..))
ضيقت سهر عينيها بلوم نحو أمها ثم صححت
((بل تقصدين هداياه الثمينة والباهظة لك من وقت لآخر.. لحظة..))
بترت سهر كلامها والحيرة تلفها ثم تساءلت بصوتٍ خطير حائر
((على سيرة هداياه الباهظة فمن أين كان مصدرها.. وسياراته؟ لقد أشبعني كلاما عن غرامه في السيارات وحب تبدليهم بين الحين والآخر))
تنهدت شيرين ثم كتفت ذراعيها وهي تقول بقنوط
((لقد عرفت مؤخرا بأنه كان يعمل سائقا عند صاحب شركات القاني.. تخيلي؟ لابد أن عمله كسائق لعائلة ثرية وعريقة مثل عائلة القاني جعله يتلقى الكثير من الهدايا كتذاكر سفر ويتاح له صلاحية استخدام أي سيارة من أساطيل سياراتهم..))
فَغَرت سهر شفتيها وتدريجيا بدأت تُدرك وتنكشف أمامها أسرار قُصي! إذن كان سرّ النعيم الذي يعيشه ويظهره لها هو عمله لدى عائلة غنية وذو شأن!
شعرت في هذه اللحظة وكأن قصي أمسك قلبها وشطره لنصفين!
في حين قالت تمارا وهي تضرب قبضتها فوق ذراع الطاولة
((إذن لا نلام على خداعه لنا بهذه السهولة طوال السنوات الثلاث الماضية فقد كان كل شيء يقوله مدعم بالأدلة والصور، لقد نجح بالكذب بشأن عائلته ووالديه وخلفيته الاجتماعية والمالية من خلال ما جناه من هدايا أثناء عمله السابق كسائق لدى تلك العائلة الثرية.. حتى أنه تطبّع بطباعهم فنجح في الظهور أمامنا والتصرف كرجل نبيل وسليل عائلة راقية))
أظهرت شيرين الاستياء وهي تقول
((بعد عملي في شركة القاني لما يزيد عن ثمانية سنوات صرت خبيرة في مثل هذا النوع من الأشخاص))
تطلعت سهر لها بحيرة لتكمل شيرين شارحة
((أقصد أنك أحيانا قد تلتقين بأشخاص يبدون كأنهم يمتلكون العالم كله في راحة أيديهم لكنك سرعان ما ستكتشفين أنهم لا يمتلكون حقا أي شيء، سيخبرونك عن "أصدقائهم" وستكون ألقاب أصدقائهم الخياليين هي أسماء عائلات مشهورة وغنية.. وسيخبرونك أيضا عن مقتنياتهم الثمينة والساعات المبالغ بسعرها.. والفيلات الصيفية لكنهم كاذبين))
شَرَدت سهر بنظرها وبدأت تستعيد مشاهد سريعة في بداية تعرفها بقصي.. وتحاول استيعاب الغموض الذي كان يلف شخصيته.. حياته.. حديثه.. ثم تمتمت بإدراك وفطنة متأخرة
((نعم معك حق.. أتذكر أنه في أول لقاء بينه وبين والدي لم يتوقف عن الحديث عن معارف وأصدقاء أثرياء وممتلكات عائلته الثرية من يخوت وسيارات وعقارات..))
عقبت شيرين هادرة ((الأغنياء الحقيقيون يتجنبون هذا التصرف الذي يفتقر للباقة، ثم إن الشخص المُعتاد على الترف والأشياء الثمينة لن يرغب بذكر هذه الأمور في كل شاردة وواردة))
عندها قتمت ملامح سهر واشتعلت نظراتها هادرة
((الآن فهمت فقط سبب فتوره ومحاولاته لتغيير الموضوع بذرائع مختلفة كلما تطرقت لموضوع التعرف على عائلته أو أقاربه))
تغضّن جبين سهر بالضيق ثم تساءلت
((لكن ما لا أفهمه هو سبب تأجيله لحفل الزفاف.. أعني كان من مصلحته أن يتزوج بي بسرعة ويصبح صهرا لوالدي الغني!))
قالت شيرين بشك ووجل
((هذا الأمر مثير للحيرة.. لكن هل حاول إحدى المرات أن يطلب منك المال؟ أو هل تركك تدفعين فواتير نزهتكما معًا وسفركما مع عائلتك؟))
أجابت سهر بتلقائية
((لا أذكر مرة بأنه سمح لي بدفع فاتورة أو بدا أنه يحاول أن يكون بخيلا معي أو يستغلني ماديًا بانتهازية، بل صحّ أن أقول بأنه من كان يدفع كل شيء وسبق واشترى الكثير والكثير من الهدايا الباهظة لي ولأمي..))
ازدردت شيرين ريقها ثم أمسكت كتفي سهر ووجهت نظرها مباشرة لها تستشف الحقيقة ثم تساءلت بحمية
((هل أنتِ متأكدة يا سهر؟ فهناك الكثير من الرجال الأذكياء الذين لا يطلبون المال مباشرة ويتركون المبادرة للفتاة كي تعرض خدماتها المالية، بعد أن يحكي لها عن أزمة اقتصادية أو مشروع يريد تنفيذه ليساعده على الزواج منها))
توترت حدقتي سهر والتقطت شيرين هذه الحركة لكن اكتنفت الجدية صوت سهر وهي تجيب
((نعم أنا متأكدة، هل تعرفين ماذا أيضًا؟ مرة اقترحت عليه أن أساعده ماديا لأني شعرت بأن أمي التي تثقل عليه بطلباتها هي السبب بتأخير زواجنا.. لكنه اعترض بصرامة وأخبرني ألا أفتح موضوع المُشاركة مجددا فهو كرجل لا يمكنه أن يكون عبئًا ماديًا على امرأته))
ضيقت شيرين عينيها بتفكير ثم خمنت قائلة
((لابد أن كان يخطط لشيء أكبر بكثير مما نظن، لكن أهم شيء أننا عرفنا حقيقته قبل الزواج))
أظلمت عينا تمارا وهي تتمتم ساخطة بشرود
((ذلك الفقير اللعين))
=============================
في غرفة الطعام..
اجتمع بعض أفراد عائلة الحاج يعقوب حول مائدة الطعام يتناولون طعام الغذاء.. وزاهية كعادتها لم تتنازل عن الجلوس بجانب يزيد لتبدأ بتعبئة طبقه بنفسها ولا تنسى بين الحين والأخر أن تضع له قطع دجاج وصلصة فوق الأرز..
ضيق فهد عينيه بنظرة تشوبها الغيرة وهو يشاهد جدته تغدق على يزيد من الحب والحنان والرعاية والهدايا المبالغ بها.. لم يختلف عليه شيء منذ أن عرف بأنه ابن عمه إلا بأن نزع آخر ما تبقى من اهتمام موجه له من أفراد هذه العائلة نحوه.. فصار يزيد هو رفيقهم في النزهات والزيارات وهو من يجلس في حجر جدته لتقص عليه قصص ما قبل النوم..
لكن سرعان ما اختفت هذه الغيرة لدى فهد من انتقائية الجميع نحو يزيد وهو يتذكر أنه محروم من والدته ولم يراها منذ أسابيع.. فتطلع لأمه بتلقائية شاعرًا براحة تتسلل له لوجودها بقربه..
طرقت نجوم في هذه الأثناء باب الغرفة ودلفت للداخل تقول للحاجة زاهية بشك
((هناك شاب يا حاجة في الخارج يدّعي أنه مَازن ابن حضرتك، أخبرته أن مَازن مسافر ولكنه مُصر على الدخول، فهل اسمح له أن ينتظر في مجلس الرجال أم اصرفه من هنا؟))
لم يكن الحاضرين قد استوعبوا ما تقوله نجوم حتى صدح صوت صاخب لشاب طويل في أخر العشرينات من عمره.. وسيم ودود الملامح
((مرحبـــــًـا جميعا))
عرفت نجوم أن الشاب دخل من باب المطبخ فاندفعت نحوه موبخه بامتعاض
((كيف تدخل هنا بدون إذن؟ هل اتصل بالشرطة لتعدّيك على حرمات هذا البيت..))
توقفت نجوم عن التكلم عند اندفاع زاهية نحو هذا الشاب وهي تضمه إلى صدرها هاتفة بحرارة
((إنه مَازن يا نجوم.. إنه ابني.. ألم تريه عندما جاء هنا عند عزاء ابن عمه!))
اتسعت عينا نجوم وبالفعل أمعنت بملامحه لتجده شبيه بملامح مَالك..
أما مَازن فبقي يعانق أمه الباكية فرحا لدقائق قبل أن يبتعد قليلا عنها ويناظر والده الواقف بصدمة مكانه كما باقي أفراد عائلته.. ثم يقول له بوجه بشوش
((لن تصدق كم أنا سعيد برؤيتكم يا أبي))
تغضّن جبين يعقوب في حين كفكفت زاهية دموعها وهي تقول برقة معاتبة
((لماذا لم تعطينا أي خبر مسبق؟ كنّا أحسنّا استقبالك وذهب أحد إخوتك لأخذك من المطار))
ضحك مَازن بمرح ثم قال عقب أن لثم جبين أمه
((كنت أخطط أن اجعل قدومي هنا مفاجئة))
ثم مال لأذنها هامسا بصوتٍ مسموع
((أخبرت أبي سلفا أني سأعود قريبا دون أن أحدد تاريخا، وأثبت أبي ولاؤه لي باحتفاظه بالأمر سرا))
شهقت زاهية بدهشة ثم تطلعت لزوجها معاتبه بحزن
((وهل هذا سر يمكن أن تحتفظ به بعيدا عني يا يعقوب؟ سامحك الله.. أقولها لك بقلب أم محروق))
ضيّق يعقوب وهو يناظر ابنه وابتسامته الواسعة بينما يغمز له بإحدى عينيه..
هل يستمتع هذا المستهتر بالإيقاع بينه وبين أمه؟
اقترب مَازن من شقيقه مُؤيد الوحيد المتواجد هنا يعانقه بقوة عناق رجولي قبل أن يتركه ليتوجه نحو زوجته ياسمين بملامحها الذاهلة التي لا تستوعب بعد أنه عاد حقا إلى هنا.. فيضمها إلى صدره هاتفًا بشدة كمن غارق في عشق زوجته حتى أذنيه
((كيف حالك يا زوجتي الجميلة؟ عدت من أجلك أنتِ بالذات بعد أن عجزت عن الابتعاد عنك أكثر وقد بلغ حبك بين جنباتي ذلك المبلغ العسير!))
زمّت ياسمين شفتيها ما إن وعت على ما يحدث ثم همست بخفوت غاضب
((لماذا رجعت هنا ومتى ستعود؟))
ابتعد مَازن ينظر لها ثم أمسك وجنتيّ وجهها النحيف غير الصالح للقرص لتشهق متألمة وهي تسمعه يقول بنفس بشاشته المغيظة
((لن ابتعد عنك مجددا يا زوجتي الحبيبة.. مطلقا.. سأبقى ملازما لك ولابنتنا الصغيرة أشبعكم من الحب الذي افتقدتماه بغيابي، فوَدّعي أيام الحرقة والبؤس))
اشمأزت ملامح ياسمين من تمثيله وكلامه، في حين تساءلت زاهية باهتمام ولهفة
((لا بد أنك متعب من السفر، أين هي أمتعتك يا مَازن؟ اذهب للاستحمام وسيصل الطعام إلى جناحك..))
استدار مَازن لها بينما يسحب كرسيا حول المائدة
((أمي ساعدني البواب بوضع حقائبي في المطبخ.. لكن الآن أنا أتضور جوعا ولن أتحمل أن أبقى دقيقة أخرى فارغ المعدة))
ابتسمت زاهية بحنو على جوع ابنه وقربت أطباق الطعام أمامه كمن تريد ألا يأكل أحد غيره من على السفرة..
جلس الجميع في مقاعدهم.. أما يزيد فأخذ الذهول به كل مأخذ وهو يتطلع بذهول لمَازن والذي يراه على ارض الواقع لأول مرة..
يشبه أباه كثيرًا لولا أن وجه أبيه أنحف ويميل للسًّمار كما قيل له!
أما هدى الصغيرة ضلت تطلع بهذا الرجل الذي يُقال بأنه والدها متجهمة مما جعل مَازن ينتبه لها أثناء تناوله الطعام ليقول بفمه الممتلئ متسائلا
((من هذه الصغيرة يا أمي؟))
طالعت زاهية حفيدتها ثم قالت بفرحة
((إنها ابنتك يا مَازن.. قبلّي أباكِ يا هدى وسلمّي عليه))
ازداد تجهم هدى بينما أجاب مَازن مدعيّا الذهول
((لقد كنت أتساءل بيني وبين نفسي منذ أن وقع بصري عليها أين رأيتها فوجهها مألوف.. تعالي يا حلوتي))
عَبَست ياسمين وهي تهمس له بغضب
((توقف يا مَازن عن مزاحك الثقيل هذا))
غمغمت هدى وهي تضيق عينيها بتشكيك بينما تتذكر شكله بزيارته القصيرة أثناء وفاة ابن عمه
((شكله مختلف عن آخر مرة رأيته، كان وجهه أسمن قليلا))
لفّ الحزن وجه زاهية وهي تنظر لمازن بعين متفحصة وتغمغم
((لطالما كنت يا مَازن نحيف البنية لكنك بالفعل ازددت نحافة عن قبل وحتى وجهك فقد رونقه، ابنتك محقة))
ازدادت ابتسامة مَازن اتساعًا وهدر لامه
((لا تحزني، ها قد عدت وجاءتك الفرصة لتساعديني على استعادة تلك الكيلوغرامات التي خسرتها مؤخرا))
تنحنح مُؤيد ثم تساءل بنبرة ذات مغزى
((هل جئت وحيدا يا مَازن؟))
قطب مَازن حاجبيه واختفت ابتسامته متسائلا
((إلى ماذا تلمح يا مُؤيد؟))
منع مُؤيد ابتسامة من أن تشق محياه وهو يقول
((يبدو أنك لم تكن تكذب عندما نفيت أمر زواجك سابقا))
في هذه اللحظة تجلت ملامح التسلية في وجه مَازن ومدّ ذراعه حول كتف ياسمين يجتذبها نحوه بعناق جانبي وهو يقول
((أنا لست متزوجا غير ياسمين حقا، أساسًا ما زلت صغيرا على تكرار تجربة الزواج الثاني لكن بالطبع ليس لدي أي مانع من فعلها مستقبلا، ولكن بشرط موافقة ياسو فأنا لا أحب أن أُغضب حبيبة قلبي))
بصعوبة وفظاظة أبعدت ياسمين ذراع مَازن عنها وتطلعت له مبتسمة بسماجة لتقول
((وأنا موافقة.. ثم ومن قال بأنك صغير؟ لا أحد صغير على الزواج، إنوها فقط وسأختار أنا لك عروسا))
رفرف مَازن بعينيه وهو يطالع ياسمين دون أن تنحسر ابتسامتها أو يرف لها جفن..
ووسط وجوه جميع الحاضرين الذاهلة من إجابة ياسمين مرّت ثانية أو اثنتين حتى انفجروا جميعا ضاحكين بصخب..
فقط زاهية هي التي انزعجت ملامحها وهي تفكر أن ياسمين لا تستحق جوهرتها مَازن ورجلها المدلل والغالي..
امتقع وجه مَازن وصرّ على أسنانه يتميز غيظا لا يكاد يصدق كيف أحرجته ياسمين بهذا الشكل أمامهم! إلا أنه ابتسم ولثم جبينها هادرا بحب مصطنع
((كم أنا محظوظ بك يا زوجتي الصالحة!))
انزعجت ملامح يعقوب من تقبيل مَازن لزوجته أمامهم بلا حياء أو خجل دون أن يحتوي مشاعره فهتف عبوس
((كفوا عن الحديث وقت الغذاء))
انتبهت ياسمين على ملامح حماها ثم تطلعت لزوجها هامسة من بين أسنانها
((توقفت عن التغزل بي وتقبيلي بحميمية يا محترم أمامهم.. أنتَ لست في الغرب.. والدك على شفا حفرة من الانفجار والانقضاض عليك! ثم هل أنتَ جاد بمسألة عودتك هنا للأبد؟ هل تريد أن تنتهي حياتك على يد أبي؟))
ابتسم مَازن ساخرًا من كلام ياسمين فهي تظن بسخافة أن سبب بقائه في الخارج حتى الآن هو والدها الذي لم يفعل أساسا أي شيء لمن خطفوها شخصيا أكثر من إرسال من يبرحهم ضربا.. لكنه مال برأسه نحو أذنها يجيبها بنفس الهمس
((ياسو يا ابنة قلبي مرّ على هذه التهديدات أكثر من ثمانية سنوات لن يذكرها والدك الكهل، على الأرجح بما أنه لم يراك طوال هذه السنوات أنه نسيك شخصيّا..))
بمجرد أن لمحت زاهية نجوم تمر من المكان حتى نادته
((تعالي يا نجوم وعبئي القدر هذا مرة أخرى، فمَازن ما زال جائعا..))
ببطء وحياء اقتربت نجوم من المكان لا تزال حرجة من الموقف الذي حصل لها قبل قليل مع مَازن فرفع مَازن وجهه يطالع ملامحها المتوردة بخجل متسائلا باهتمام
((هل هذه نجوم؟ نجوم ابنة منال؟ رباه متى كبرتِ هكذا وصرت شابة جميلة يا نجوم!))
تخضبت وجنتا نجوم بالاحمرار وكتمت ابتسامة خجولة بينما تسمع مَازن يكمل بنبرته الرجولية المنبهرة
((رباه منذ متى لم أراك! لا أتخيل كم هي قادرة سنوات قليلة أن تغير في المرء!))
حدّقت ياسمين الواجمة بملامح حماها وبدا لها أن الأمر لن يطول قبل أن يفجر كل ذلك الغضب المكبوت تجاه ولده.. فقرصت من تحت الطاولة ذراع مَازن بقوة تعمدتها وهي تهمس مغتاظة
((أغلق فمك فأنتَ تتحدث وكأنك لم ترَ فتاة طوال حياتك))
كتم مَازن تأوهاته المتألمة ثم أجابها بهمس ووجهه يتهلل بالسعادة لأنها غارت من مدحه لنجوم كما يظن
((أحب أن أشيد على الجمال أينما وكيفا كان))
تساءلت نجوم التي كان لا يزال يلفها الخجل
((هل أجلب شيئا غير الحساء؟))
أومأت لها زاهية بالنفي في حين قال مَازن يريد أن يستفز ياسمين أكثر
((لقد تركت هذا القصر وكنتِ لا زلت مراهقة قصيرة.. التغير الحاصل لك مذهل! قوامك يناسب فتاة ناضجة تبهر الجميع بجمالها وبأنوثتها لا فتاة في العشرين من عمرها))
جحُظت عينا يعقوب عند هذه النقطة وارتجفت يده الممسكة بالمعلقة من غضبه المستعر في داخله تجاه مَازن.. ولم تكد تخرج نجوم من الغرفة حتى هتف غاضبا وهو يقف من مكانه يُقلب مائدة الطعام رأسًا على عقب على المتواجدين.. حتى أنهم شهقوا جميعا بصدمة وهم يهرعون مبتعدين عن المائدة حتى لا ينسكب عليهم شيئا من الأطباق..
تطلع الكل مصدومين ليعقوب الذي هتف بنبرة مشحونة محملة بالانفعال
((أيها المنحط كيف تتجرأ وتتحرش بإحدى عاملات المنزل التي تعمل هنا تحت مسؤوليتي الكاملة!))
اتسعت عينا مَازن المبهوت ثم استنكر
((تحرش؟ تحرش يا أبي! أنا كنت.. اقصد كنت أجاملها))
استشاط يعقوب غضبا أكثر من ذي قبل ليصرخ به
((وأين تحسب نفسك أيها الخسيس لتقول هذه المجاملات))
بدأ صدر يعقوب يرتفع وينخفض بانفعال أكبر مما جعله يهمس باشمئزاز
((بئس الابن وبئس الأخلاق))
تمتم مُؤيد بصوتٍ خافت معقبا
((يبدو أنه عاد أسوء مما ذهب يا أبتي، وكأنه غادر ليتطبّع بطباع الغرب جنبا إلى طباعه ثم يعود، الآن عرفت فقط لما كان متحمسا للسفر ورافضا أن يعود ويلبي توسلات أمي له))
ضيقت رتيل عينيها وقد كانت الوحيدة التي تفهم سبب تصرفات زوجها ثم همست له موبخه
((توقف يا مُؤيد، فإظهار عيوب إخوتك في كل موقف لن يجعل والدك يظن بأنه لم يفلح في تربية أحد غيرك))
بدأت رتيل تتفقد ولديها باسم وفهد وإذا ما كان قد طالهم أي شيء من أطباق الطعام في حين فزعت زاهية عند علو شهقات يزيد التي كان يحاول كتمانها
((لماذا تبكي يا يزيد؟ لماذا تبكي يا مُهجة القلب؟ هل انسكب عليك شيء من الحساء الساخن؟))
كانت زاهية تتفقد كل ما في يزيد بقلق عارم فغمغم الصغير مجيبًا من بين شهقاته الرقيقة
((لقد خفتُ أن يضربني أيضًا))
تطلعت زاهية له بروع وقالت
((جدك يحبك، ولا يريد إلا رضاك وراحتك))
ضاقت ملامح يعقوب المحاطة بالتجاعيد الوقورة وندم على انفعاله التلقائي أمام يزيد الذي لا يزال يحاول الاعتياد عليهم.. فأطبق شفتيه بقوة وسخطه على مَازن يتفاقم لأنه كان السبب في كل هذه الجلبة..
ثم قال لزوجته بصوته الوقور الثقيل الذي يشع صرامة
((زاهية من الآن وصاعدا وطوال تواجد ابنك في هذا المكان لا أريد من نجوم أو من أي شابة عاملة هنا أن تتواجد بالأرجاء.. أمفهوم كلامي!))
أومأت زاهية له بوجه مسوّد فغادر زوجها على الفور مما جعلها تنظر لابنها مَازن بحزن معاتبة
((سامحك الله يا مَازن هل أعجبك الكلام الذي طالك بسبب ما قلته!))
هاجت ملامح مَازن واندلعت نيران الغضب داخله من ردة فعل والده أمام الجميع! ها هو يقرر الاستقرار بعد سنوات طويلة من الغربة وهكذا تمّ الترحيب به! فتجاهل كلام أمه وغادر ضاربًا الأرض بخطواته الثائرة..
فقال مُؤيد باستياء لامه
((انظري لمدللك كيف انصرف وكأنه لم يخطأ بشيء! لقد نلنا جميعا سخط أبي الذي سيضل عابسا أمامنا لأشهر بسبب ابنك يا أمي))
رفعت هدى وجهها لأمها التي كانت تضم جسدها الخائف لها ثم تساءلت بحزن طفولي ((هل أبي رجل سيء؟))
أجابها مُؤيد بهتاف عال
((نعم إنه سيء.. أنظري كيف قلب المنزل رأسا على عقب ولم يمضِ على وجوده هنا إلا ثلث ساعة!))
لكزت رتيل زوجها تؤنبه
((مُؤيد لا تتحدث عن والد البنت أمامها هكذا!))
رفعت هدى عينيها تستنجد بأمها وملامحها تنذر بالبكاء فأحاطت ياسمين وجهها بكفيه لتضُمها باحتواء..
أما زاهية فتنهدت بحزن على هذا اليوم السعيد الذي انقلب لغما ثم رفعت يدها تحيط وجه يزيد النسخة الطفولية عن مَالك تتعمق النظر بتفاصيله التي لا تشبع منها ثم تساءلت بصدق مشاعرها الحانية
((هل شبعت يا يزيد؟))
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الخمسون 50 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الحادي والعشرون
كان سائق عائلة سهر يقود بهم السيارة حينما نبهّته سهر التي تجلس مع والدتها في المقعد الخلفي أن يقف
((ذاك المبنى الكبير هو مبنى شركة القاني، أوقف السيارة هناك لو سمحت))
استجاب السائق لسهر وما إن فتحت باب السيارة تهم بالخروج حتى ردعتها يد أمها
((سأترجل من السيارة معك))
طالعتها سهر بعبوس ورفض
((شيرين أكدت عليّ بأنها تريد مني الحضور وحيدة، يكفي مجيئك معي رغما عني.. فلا تلحقيني إلى هنا أيضًا))
حرّرت سهر ذراعها من قبضة والدتها وترجلت من السيارة مؤصدة الباب خلفها..
في حين تقبضت يدا تمارا من الغيظ للغموض الذي يلف الموقف.. عليها أن تعرف سبب اتصال شيرين وسؤالها السابق عن قصي خطيب ابنتها!
شيرين التي لم يسبق أن رأت أو تعاملت مع قصي ما حاجتها الآن للسؤال عن معلوماته الشخصية وصورته قبل أن تأمر سهر أن تأتي لها مع تأكيد صارم ألا تخبرها هي أمها بشيء!
زمّـت تمارا شفتيها وهي تعقد العزم على أن تتبع سهر بعد دقائق.. ستسأل عن قسم شيرين بأي طابق وتلحقها..
بعدما دخلت سهر للمبنى استقلت المصعد وبمجرد أن أوصلها إلى قسم شيرين حتى خرجت منه بهدوء ولباقة..
تفاجأت عندما وجدت شيرين تنتظرها عند باب مدخل القسم بينما تهز قدمها بتوتر وارتباك شاردة النظر كأنها لا تكاد تطيق صبرا على وصولها..
تقدمت سهر منها وهي ترسم ابتسامة مرحة هادرة
((شيرين لماذا تقفين هنا متعبة نفسك؟ كنتُ أنا من سأدخل عند مكتبك))
جفلت شيرين على صوت سهر وهرعت نحوها تقول بتحفز متجاهلة كلامها السابق
((أخيرا جئتِ يا سهر!))
استبد القلق في سهر وقالت دون أن تنحسر ابتسامتها المتشنجة
((ما بك يا شيرين؟ وجهك شاحب للغاية.. أنتِ تخفينني.. ألم تقولي بأنه موضوع بسيط؟ ها، ما هو الموضوع البسيط الذي جعلتني آتي هنا من أجله على الفور!))
ابتلعت شيرين ريقها الجاف ثم رفعت يديها تمسك كتفيّ سهر وتشد على كتفيها، لتقول بصمود نبرة عصية
((لا سهر ليس موضوعا بسيطا.. لم أستطع أن أخبرك به على الهاتف وانتظرت حتى تأتي إلى هنا..))
أغمضت شيرين عينيها في نهاية كلامها تحاول استعادة رباطة جأشها فازداد توجس سهر وهي تشعر بأن صديقتها ستتحدث معها بموضوع هام كأنه أمر حياة أو موت.. فغمغمت بجدية
((ماذا هناك يا شيرين؟ أخبريني))
عقدت شيرين العزم وهي تقول
((سهر أعرف بأنك ستتأذين مما سأخبرك به لكن عليك أن تعرفيه لمصلحتك.. أنتِ أعز صديقة عندي ولا أقبل أن تعيشي بوهم وتنخدعي باسم الحب لثلاث سنوات))
اهتزت حدقتا سهر واستغرق الأمر منها دقيقة قبل أن تعقد حاجبيها متسائلة
((ثلاث سنوات؟ هل تشيرين إلى خطبتي من قصي؟))
هزت شيرين رأسها ثم غمغمت باشمئزاز كأنها تبصق كلماتها
((نعم قصي، "قصي سامح" خطيبك.. ما هو.. إلا مخادع حقير))
حركت سهر كتفيها تبعد يدا شيرين عنها ثم تساءلت بحزم
((مخادع؟ وكيف يخدعني؟))
أمعنت شيرين النظر في زرقة مقلتي سهر وهي تقر
((إنه مجرد موظف بسيط جدًّا على عكس ما يدّعي ويتقاضى مرتبا لا يكفي حتى أن يُؤهله ليكون رب أسرة عادي))
أنكرت سهر كلامها متهكمة بلا مرح
((مستحيل.. لا أصدق هذا الكلام))
هدرت شيرين بانضباط انفعالي
((ولا أنا صدقته في البداية! فاضطررت أن أمعن النظر لصورة خطيبك التي أرسلتها لي آلاف المرات لأتأكد من أن خطيبك قصي هو نفسه "قصي سامح" الشاب المستهتر المستفز الذي يعمل في نفس القسم الذي أُشرف عليه!))
ثم قبضت شيرين على يدها تجرها هادرة
((اتبعيني وسيري خلفي إلى حيث يجلس قصي في عمله بالعادة، لكن بهدوء، دون أن تصدري أي صوت.. أرجوكِ لا تفكري بإظهار أي ردة فعل هنا.. فالقسم كبير وفيه مئات الموظفين الذي يعملون ويتلقون الاتصالات الآن ولا يجب أن نصدر أي هسيس ونزعجهم))
فكت سهر يدها بقوة من قبضة شيرين واعترضت بعصبية
((لن أذهب معك لأي مكان، أنا متأكدة من أن هناك سوء تفاهم.. أو لحظة..))
فتحت سهر حقيبتها تتفقد محتوياتها تكمل
((الصورة التي أرسلتها لك لم تكن واضحة لخطيبي قصي، سأريكِ الآن صورة أخرى أوضح جودة لتتأكدي من خطأ شكوكك))
ضربت شيرين الأرض بقدمها بنفاذ صبر ثم هدرت مجاهدة ألا يعلو صوتها أكثر ويجذب انتباه الموظفين المارين
((توقفي يا سهر عن الإنكار فهل يعقل أن يكون له نفس الاسم الرباعي أيضًا؟))
تطلعت سهر لها بتيه مصدومة ثم تلعثمت بتعثر
((لهما الاثنين نفس الاسم الرباعي! ولكن..))
قاطعتها شيرين هامسة بانفعال وهي تحكم قبضتها حول رسغ سهر بقوة مجددا
((اسكتي والحقيني لتريه بأم عينك..))
كانت تجرها خلفها كطفلة المشاكسة العنيدة..
ولم تنتبه كلتاهما على تمارا والدة سهر التي استمعت لمعظم حديثهما وشحب وجهها وكانت بالكاد تتماسك وهي تلحقهما لتتأكد من صحة ما قالته شيرين..
بمجرد أن دخلت شيرين القاعة الضخمة حيث يعمل فيها مئات الموظفين الجالسين خلف حواسيبهم حتى تركت يد سهر.. ثم أشارت بإبهامها حيث يجلس قصي
((إنه هناك.. في الزاوية))
شعرت سهر في هذه اللحظة بخفقات قلبها تكاد تصم أذنيها إلا أنها ازدردت ريقها بصعوبة وهي تقترب إلى حيث تشير شيرين..
تدريجيا تبينت لها هيئة الشاب والذي اتضح أنه لا أحد إلا قصي!
إنه قصي.. قصي حقا! خطيبها! خطيبها الثري الذي عقد قرانه عليها قبل ثلاث سنوات ولا تمر ساعة أو دقيقة إلا وتتحدث أو تخرج معه!
شحب وجهها وانسحبت آخر قطرة من الدماء منه.. بل وكادت عينيها تخرجان من محجريهما..
شعرت كأن الدنيا تدور بها بضلالات سوداء تخنق أنفاسها.. تزيد من دقات قلبها.. لكنها مع ذلك اقتربت أكثر من قصي وهي تراه وتسمعه في هذه اللحظة يقوم بعمله في الرد على اتصال أحد العملاء..
يتحدث مع العميل بلهجة مهذبة.. عملية.. تختلف عن تلك النبرة الجادة والمنمقة التي تسمعه يتحدث بها أمام الموظفين في شركته على حسب ما يقوله لها.. إذا ما ردّ على أحدهم أمامها!
لم تعرف سهر كيف تصف مشاعرها في هذه اللحظة!
وهي تشعر بأنها تعرضت للغدر وللخيانة بشكل فظيع من أكثر شخص أحبته من أعماق قلبها!
شعرت بأنها ستنهار بأي لحظة.. كأنها قد وقعت في وادٍ من الرمال المتحركة التي تسحبها لأسفل ببطء.. جسدها يقاوم كمّ الغضب فيها بتشنج يؤلمها حتى العظام..
أما تمارا التي كانت خلفهم تماما فأحست أن الدنيا تدور وتدور بها والضغط يزداد بعنف داخل رأسها وشعور صادم يجتاح جسدها قبل أن تصبح الرؤية شديدة السواد أمامها وتفقد توازنها خاصة مع ارتدائها لكعب عالٍ..
ولولا انتباه شيرين في اللحظات الأخيرة على وجودها وتلقفها لتسندها لكانت تهاوت على الأرض فاقدة الوعي..
كانت تمارا بين ذراعيّ شيرين وزميلة لها أخرى جاءت للمساعدة عندما انتبهت سهر على وجودها.. فاتسعت عينيها وهلعت للخلف نحو أمها تتفقدها بجزع
((أمي ماذا حصل لكِ؟))
وضعت سهر ذراع أمها حول رقبتها وتطلعت للموظفة الواقفة مع شيرين تطلب منها بقلق مستبد
((أرجوكِ ساعديني بإسناد أمي للمصعد، سنغادر))
رحبت الموظفة بمساعدة سهر وأسندت تمارا من الجهة الأخرى وكانت شيرين تهم بالذهاب معهن لكن الموظفة نبهتها
((طلبت مني الإدارة أن أناديكِ فَهم بحاجة لمناقشة أمر هام معك، يمكنك الذهاب وأنا سأساعد والدة صديقتك))
تطلعت شيرين لوجه سهر الشاحب وقالت معتذرة
((سامحيني سهر لن أستطيع الذهاب معك، بمجرد أن ينتهي وقت عملي سأكون ببيتكم))
أومأت سهر رأسها بتفهم وتابعت تسند والدتها حتى أوصلتها لسيارتهم المركونة أمام مبنى شركة القاني..
وما إن استقلت تمارا السيارة وجلست شبه متمددة في المقعد الخلفي حتى عقدت حاجبيها وهي ترى ابنتها تبتعد فهتفت بها عاليًا رغم إعيائها
((إلى أين ستذهبين يا سهر؟ توقفي))
لكن سهر عادت نحو الشركة وهي تشعر باندفاع الدّم الحار في أوردتها وكأن الحياة قد رٌدت لها فجأة بعدما كادت تزهقها عند معرفتها حقيقة خطيبها مُدّعي الثروة!
.
.
كان قصي لا يزال يجلس خلف الحاسوب يقوم بعمله ويتحدث مع العميل بتهذيب وعملية
((نعم سيدي سأقوم الآن بتفقد حسابك.. أوه..))
بتر قصي حديثه فجأة وأغمض عينيه متأوهًا بألم عندما رمى أحد شيء يشبه الحصوة على رأسه..
رفع يده يدلك مكان الضربة ثم فتح عينيه ببطء يجول بنظره فوق الطاولة، ليتغضن جبينه بحيرة ما إن لمح الشيء الذي ضُرب به والذي اتضح بأنه خاتم وليس حصوة كما توهم! أما العميل فكان يكرر بإلحاح على الخط
((هل أنتَ معي أيها الموظف؟ أين أنتَ؟))
لكن قصي كان بعالم آخر، فخلع السماعة من على رأسه وأبعدها ثم أمسك الخاتم المصنوع من الماس وسرعان ما جحظت عيناه عندما أدرك أن خاتم الألماس هذا يعود لخطيبته.. سهر!
انتفض واقفًا والتفت للخلف.. لينسحب اللون من وجهه وهو يرى سهر تقف مقابله.. متسارعة الأنفاس.. ثائرة الملامح..
بادلها قصي النظر زائغ العينين بصدمة وهو يشعر كأن حجرًا ضخمًا قد وقع على صدره ومنع عنه التنفس بصورةٍ طبيعية فما عاد يستطيع استنشاق الهواء من حوله..
شعور بالفزع بدأ يلتهم خلاياه كالدود الذي ينخر العظم كل شيء يتلاشى من أمامه ما عدا بريق زرقة عينيها المشعتان بالكُره تجاهه..
انفصل الاثنين عن العالم وخيم صمت طويل لم يحاول أي منهما تبديده لفترة ثقيلة مرهقة حتى قالت سهر بشراسة وغضب مستعر في داخلها
((لقد انتهينا للأبد أيها المخادع المنحط، مدّعي الثروة))
رمته بنظرات مشمئزة أخيرة قبل أن تغادر المكان مسرعة كما جاءت.. أما قصي فظل متجمدا مكانه لا يصدق ما حدث..
لا يعقل!
كيف عرفت مكان عمله؟ بل حقيقته؟
لم يكن هناك وقت للتفكير فسارع يهتف وهو يركض خلفها
((سهر.. سهر!))
كان قائد الفريق معتز يتجول في مكان العمل يتأكد من أن كل شيء على ما يرام بين الموظفين.. عندما لمح قصي يركض للخارج فناداه بذهول وتعجب
((قصي إلى أين تذهب!؟))
ثم سارع يتجه نحو حاسوبه لينصدم من صوت العميل الصادح من السماعة..
تمتم معتز بصدمة وهو لا يعرف كيف يتصرف
((أيها الأحمق كيف تترك المكالمة مفتوحة وتغادر!؟ مثل هذا التصرف يُطرد عليه الموظف! لم أرَ بحياتي موظف لعين مستهتر مثلك يا قصي..))
وقف معتز عاجزًا عن التصرف حتى أغلق العميل الخط من جهته فسارع معتز يُخرج قصي من النظام ويقول متوعدا بكل غيظ العالم
((والله لن أتوسط لك عند شيرين لو اتخذت أي إجراء ضدك.. للصبر والتسامح وإعطاء الفرص حدود يا قصي سامح!))
=============================
لم تكن سهر بعدما عادت لمنزلها قد خرجت من صدمتها كُليًا بعد!
والدها وصل البيت بناءً على اتصال مستعجل من والدتها وها هما داخل غرفة نومهما..
انكمشت سهر الواقفة أمام باب غرفتهما كأنها بكابوس مريع تسترق السمع لهما وهما يتناقشان باحتدام بعدما أعلمته تمارا حقيقة قصي!
في داخل الغرفة لوحت تمارا بيديها مهتاجة بغضب وهي تسأل زوجها صارخة
((هيا أخبرني يا فايد واشرح لي ما حدث، لقد قمت نفسك بالتقصي عن خطيب ابنتك المدعو "قصي سامح" منذ أن طلب يدها وقلت بأنك تأكدت من صحة ما يدعّيه والأموال التي يمتلكها!))
تنٌّهد فايد والد سهر بضجر لا يناسب احتدام وصدمة الموقف ثم أجاب
((نعم قمت بنفسي بالتقّصي عن قصي سامح حتى سابع جد من خلال مصادري الخاصة..))
قاطعته تمارا بانفعال مستنكر
((إذن أخبرني كيف خدعنا هذا المحتال المنقب عن الذهب! من هو الشخص الذي كلفته بمهمة التقصي عن أخباره؟ هل كان متفقًا معه؟))
تطلع فايد لها بهدوء يُحسد عليه ثم تمتم
((اهدئي يا تمارا.. الانفعال ليس جيدا لك))
علا صوتها أكثر وهي تزعق مكانها برفض
((لن أفعل.. لن أفعل.. لقد ضيّع على ابنتك ما يقارب الثلاث سنوات من عمرها في انتظاره.. كان يمكن لغيره أن يطلبها وتكون متزوجة الآن وأُمًا لطفل أيضًا))
زفر فايد بحنق ثم قال باستياء لزوجته التي تهالكت جالسة على طرف السرير
((لا تقلقي لم تخسر سهر الكثير، أنتِ تعرفين بأنها جميلة ومن عائلة ذات صيت وتتهافت عليها أفضل العائلات، وإذا ما انفصلت عن قصي يمكننا تزويجها اليوم قبل الغد))
شعرت تمارا بأن جفونها صارت ثقيلة كأنّ حمل السنين حطّ عليهما ومع ذلك جاهدت لترفعهما حتى تتأمل وجه زوجها وهي تعقب
((نعم أعرف ذلك لكن أنا لا أقبل أن أزوجها برجل يحمل إمكانيات مادية أقل من إمكانياتنا نحن.. على الأقل))
هتف بها فايد بامتعاض
((بسبب هذا الأمر تجبرينها على الزواج من رجال لا تحبهم، وبسبب هذا تدمرت علاقتي مع صديق عمري محمد الدّال بعد أن هربت ابنتك من الزّفاف.. يكفي تحكمك في حياتها))
عادت تمارا تنفعل عليه هادرة
((فايد.. لا تغير الموضوع فأنتَ لم تخبرني بعد كيف تمّ خداعك بسهولة بخصوص حقيقة خلفية قصي الاجتماعية والمالية!))
قال فايد بانضباط انفعالي
((سأتحقق من الأمر.. لكن اتركيني أهدأ واسمحي لنفسك بالهدوء أيضًا يا تمارا))
هاجت أعصاب تمارا لتهتف
((لن اهدأ ولن أرتاح قبل أن أعرف كيف تمّ خداعك.. أنا ألومك أنتَ قبل أن ألوم ذاك المحتال المنقب عن الذهب الذي استطاع أن يحكم خُطته طوال هذه المدة))
شعر فايد بوخز في قلبه نبّأه بأزمةٍ قلبيةٍ محتومة لو استمر هذا النقاش! فالتقط ما بقي من أنفاسٍ في الهواء وزاغ عنها هاربًا بنفاذ صبر إلى أي مكانٍ خارج البيت..
أما سهر فسارعت تبتعد مهرولة عن الغرفة حتى لا تتواجه مع والدها!
ولجت لغرفتها وأغلقت الباب خلفها.. فقط حينها هاجت دموعها مجددًا وأحرقت مآقيها فأغمضت عينيها وتركتها تسيل بحرية أنهارا تطفئ لهيب وجعها بسبب خداع من ظنته أقرب رجل لقلبها وروحها..
.
.
لم تكن قد مرت ساعة حتى جاءت إحدى عاملات المنزل تطرق الباب وتقول
((سيدة سهر خطيبك في الخارج بانتظارك، لقد سمحتُ له بالدخول لغرفة الضيوف))
اتسعت عينا سهر لما تسمعه! هل حقًا جاء قصي إلى هنا؟ لكن كيف تجرّأ ذلك المخادع على القدوم؟
اتجهت سهر نحو غرفة الضيوف لتواجهه دون أن تنسى أن تحث نفسها على الهدوء حتى لا تشعر والدتها النائمة في غرفتها بوجوده..
كان قصي جالسا في غرفة المعيشة زائغ العينين.. مشوشًا.. شاحب الوجه.. قبضته مضمومة أمام شفتيه الجافتين.. جسده بأكمله متحفز بانتظار قدومها..
ما إن أحس باقتراب سهر حتى وقف متأهبا يقول
((سهر.. لقد ترددت قليلا قبل المجيء.. لكن في النهاية قررت أن آتي حتى لا أتركك هنا مع ظنونك الخاطئة عني))
أغلقت سهر الباب من خلفها وهي تطالعه بنظرات محتقرة ومشمئزة.. ثم هتفت بقهر يكتسحها
((أيُها المخادع مُدعي الثروة، منقب الذهب..))
وعلى الفور اقتربت منه لتضربه على صدره بقوة.. تحترق.. تتحطم.. بل تموت! دموعها تسيل على خدّيها بعجز ووجع عميق..
كبّل قصي ذراعيها وقرّب وجهه من وجهها ليهدر ببطء وبصوتٍ جامد يحمل صلابة الفولاذ
((هل انتهيتِ الآن؟ دعيني أشرح لك أرجوكِ.. أقسم لك بأني كنت أخطط لإخبارك بكل شيء بعد أيام من الآن))
كانت تُناظره بانهيار ولا تعرف ما تقوله وهي تراه يتحدث ببرود خالي من أي أسف!
ازداد اشمئزازها منه وتملصت من أسر يديه بقوة ثم قالت بازدراء
((تفضل أنا أسمعك.. كلي آذان صاغية.. هيا فسّر لي عملك كموظف بسيط في شركة القاني بعد أن أوهمتني وأشبعتني أكاذيبًا عن شركة عائلتك في الخارج التي تديرها من هنا))
فَغَر شفتاه في البداية لكنه وجد نفسه عاجزا كيف يبدأ بالأمر.. فثارت عليه بصوتٍ أعلى
((هيا تحدث.. قل شيئا! برر أيها المخادع!))
أغمض عيناه يستعيد رباطة جأشه ثم قال ببرود
((نعم أنا أعمل في شركة القاني كموظف بسيط في خدمة عملاء موقع إلكتروني.. ولا أخجل من عملي هذا..))
نظرت سهر بعينين تبرقان وحشية ثم قاطعته بفظاظة مهينة
((من الواضح أنك لا تخجل أبدًا من عملك لهذا أخفيته عني وكذبت بشأن حقيقتك يا سيادة المدير العام!))
ازدادت عينا قصي قتامة.. وزمّ شفتيه للحظات طويلة..
بدا وكأنه تراجع بصدد ما كان ينوي قوله!
فجأة تبدلت ملامحه لأخرى لا تعبير فيها ثم قال بصوتٍ جامد.. ميت.. لا حياة فيه
((في النهاية نعم.. أنا لست ثري كما أوهمتك بل موظف بسيط.. لكنني أحببتك من أعماق قلبي.. أحببت كل شيء بك.. روحك.. شخصك.. وجهك..))
همست من بين أسنانها بعنفٍ شرس ملوحة بيدها ((تقصد أن تقول بأنك أحببت ثروة عائلتي.. أحببت أني الابنة الوحيدة لوالديّ حيث أنهما الاثنين قد سجلا بالفعل معظم ثروتهما باسمي))
انعقد حاجباه وهو يجيب بحدة يخفي ألمه مما كَالته له من اتهامات
((لا أسمح لك أن تستخف بمشاعري وحبي))
عكفت ثغرها بابتسامة مُحتقرة وهي تقول باشمئزاز
((وهل يعرف شخص مخادع منقب للذهب مثلك.. الحب؟))
ظل قصي يتأملها بحدقتين غائمتين بالحزن حتى انطفأ آخر ما تبقى من بريقهما وأصبحتا باهتتان دون أن ينقص من ثباته ذرة واحدة ليقول بجدية
((نعم أعرف.. فالحب لا يعرف الماديات ولا يُفرق بين غني أو فقير، أبدًا لا يعرف شيئا عن هذه الفوارق الاجتماعية))
توهجّت زُرقة عينيها الشرسة في هذه اللحظة ببريق متهكم مما جعل ملامحه تتشنج بشيء من قهر الرجال وهو يقول
((أتأسف على كذبي، لكن لو قبلتِ أن تكملي ارتباطنا سأكفّر عنه بحبي لك وحبك لي))
ازدادت ملامح السّخرية على وجه سهر فخرج عن طوره قليلا واقترب منها يمسك كتفيها ويشد عليهما دون أن يعي.. ثم مال بوجهه منها قائلا
((أنتِ تحبينني كما أحبك.. ولن تستطيعي الابتعاد أو العيش من دوني كما هو حالي من دونك، وإذا ما أنهيتِ كل شيء بيننا فلن تجدي أحدا يحبك أكثر مني، يفهمك ويشاركك هواياتك واهتماماتك))
كان يضع عينيه في عينيها ويتحدث بصوتٍ أجش يخترق أذنيها.. بصوتٍ بطيء متروٍ.. كأنه يحاول تنويمها مغناطيسيا وإقناعها بأنه لم يكن مخطئا بكذبه.. بينما يكمل
((أوليس أجمل ما في حياتنا أن نحب؟ أن نتبادل المشاعر والعواطف مع من تختارهم دواخلنا؟ ما بيننا هو شعور جميل ورائع مشاعر دافئة لا يمكن أن تموت بسبب وضعي المادي))
همست له نافية بصوتها المخنوق
((معك حق، فالوضع المادي مهما كان سيئا لا يقتل الحب.. بل الكذب والخداع والغش هو ما يفعل ذلك))
كادت جبهته أن تلامس جبهتها وهو يهمس ببحة
((لكنني فعلت ذلك لأني أحببتك.. أحببتك بكل ما داخلي ورأيتُ فيك توأم روحي))
هزّت سهر رأسها ببطء نافية.. لا.. لا يمكن أن تسمح لنفسها أن تصدق أكاذيبه مجددًا كالمغيبة وتُسامح كل خداعه.. لن تسمح له أن يبتزها أو يحتال عليها أو يوهمها عاطفيا بعد الآن..
وقبل أن تفقد إدراكها كان عليها أن تقاوم سحره فسارعت تهتف بانفعال بالغ وهي تنفض يديه عنها
((لقد اختفى كل هذا الحب الذي كنت أكّنه لك فور أن عرفت باحتيالك عليّ أيها الدّجال.. كما عرفت بأنك لم تحبني بل كنت بالنسبة لك سمكة ذهبية لتصل لثروة عائلتي كيف سولت لك نفسك أن تحبني وتحصل على مشاعري التي ليست من حقك))
اعترض ببطء ويداه تتقبضان
((أخذت مشاعر ليست من حقي؟ لماذا؟ لأني فقير لم يكن عليّ حتى الاقتراب منك؟ أليس من حق الفقير أن يحب؟ أم وجد في هذه الحياة فقط لكي يبحث عن لقمة العيش.. أليس هذا من الإجحاف؟))
راقبته بعينين شاخصتين ثم انفرج ثغرها ببسمة باهتة ساخرة لتقول
((لا داعي لهذا النقاش العقيم، كل ما بيننا انتهى.. سنفسخ خطبتنا اليوم بل الآن))
بهتت تعبيرات قصي عند ذكرها فسخ الخطبة قليلا ثم سرعان ما انفجر ضاحكًا.. يودع داخل قهقهته العالية كل توتر وتشنج اليوم!
اتسعت عينا سهر وتساءلت بانفلات أعصاب
((لماذا تضحك؟ هل تستفزني أيها المخادع؟ أنتَ مثير للشفقة..))
خفتت ضحكاته تدريجيا ثم ناظرها بابتسامة مستفزة وهو يقول بإقرار مرير
((الآن فجأة صرتُ مثيرا للشفقة بعد أن علمت بأني لست رجلا ثريًا؟ إذن كل المشاعر التي كنتي تتغنين بها أمامي اتضح في النهاية بأنها أكاذيب وأوهام؟))
صححّت له بقسوة
((بل حبك وكلامك المعسول الذي كنت لا تبخل في قوله بين اللحظة والأخرى هو الأوهام والتي كنت لأبقى غارقة فيها لو لم تكتشف شيرين بحمد الله بمحض مصادفة حقيقتك..))
اضطربت ملامحه مِمّا قالته فشعّ بريق عينيه بكره خالص تجاه شيرين! شيرين التافهة هي من أوشت به!
لن يمر الأمر دون أن يحاسبها! لكن عاد يصب تركيزه على سهر وهو ينطق بازدراء
((لطالما عرفتُ أن الرجال بالنسبة لوالدتك قيمتهم بعدد سياراتهم وأرصدتهم في البنوك والهدايا الباهظة المتمثلة بالجواهر المرصّعة بالألماس، لكن الآن فقط عرفتُ بأنك لا تختلفين عنها بشيء.. ففجأة بمجرد أن عرفت أني فقير خسرت حبك ومشاعرك وعاطفتك نحوي))
قاطعته مصححٌّة مجددًا بغضب مستعر
((ما الذي تريد أن تجعلني أصدقه؟ أنك معذور لخداعي والكذب عليّ باسم الحب والغرام؟ لقد خسرتَ حبي وعاطفتي ومشاعري لك بسبب كذبك عليّ لا بسبب فقرك الذي كنت تخفيه عني، لا تغير واقع أني هنا ضحية شجعك وطمعك وأنتَ المذنب، غادر منزلي ولا تنسى أن تذهب للمحكمة بأقرب وقت لتفسخ خطوبتنا))
شاب الألم ملامحه وهو يحاول ولو لمرة أخيرة نيل تراجعها ليقول بصوتٍ مخنوق
((لماذا ترددّين فسخ خطوبتنا بهذه السهولة؟ ألم نتعاهد يا سهر منذ أول يوم في عقد قراننا أن يكون التفاهم منهجنا والحب نبراسنا مهما عصفت بنا أمواج الحياة؟ ألن تستمري الآن على هذا العهد؟))
اشتّد ضغط شفتيها وهي تنظر إليه بكرهٍ بالغ.. وعينين قاسيتين تصوبان إليه سهام الحقد لتقول
((غادر من هنا حالا..))
في هذه اللحظة تناهى إلى سمعها فتح مقبض الباب من قبل تمارا التي طَلت بوجه جامد رغم إعيائها وتعبها ثم كتّفت ذراعيها وناظرت ابنتها مشيدة
((أحسنتِ يا سهر، أنتِ ابنتي العاقلة التي تعرف كيف تُحكم عقلها..))
ثم رفعت ذقنها باتجاه قصي وأردفت بجفاء
((أما أنتَ فكما سمعت ما طلبت سهر منك، تريد فسخ خطبتكما))
اقترب قصي من والدة سهر يتحدث معها رغم فقدانه الأمل منها
((قد لا أكون غنيا يا سيدة تمارا لكنني لست فقيرا إلى حدّ أن أكون مُعدّمًا، لن تعيش سهر حياة تقشف ويمكن أن أوفر لها حياة شبيهة بحياة بنات صديقاتك من المجتمع الراقي..))
هنا تدخلت سهر تعقب دون مراوغة وزُرقة عيناها تتوهجان بقسوة غير مألوفة
((وكيف ستوفر لي حياة مثلهم من ملبس ومخرج ومأكل بعملك هذا؟ أوه.. فهمت أنتَ تقصد من مال والدي وأملاكه؟))
شعّت الصرامة من عيني تمارا وهي تقول لقصي بتحذير شديد اللهجة
((عليك أن تنسى سهر.. واحمد الله بأني لن أرفع عليك أي قضية أخرى على ما لقيناه من خداع بسببك.. في النهاية من المستحيل أن تنال شيء من سهر وحُبها))
اقترب قصي بوجهه الخالي من التعابير من تمارا وطالعها بنظرة سوداء من عُلو ثم قال بنبرة ازدراء
((معك حق.. فعلى ما يبدو أن الرجال الأغنياء وحدهم من يستطيعون نيل الحب من سهر ووحدهم من يحق لهم أن يشتروا قلبها! فبعُرفك عندما يتكلم المال تصمت العاطفة وتذهب المشاعر الصادقة! فَقْري قتل حبها لي.. هذا لو كان موجودا من الأساس))
ردت تمارا له بهدوء قاتم
((فقرك لم يقتل حب سهر لك وحسب بل دفنه ومشى في جنازته بدون تردد))
اتسعت عينا قصي قليلا.. وانتشر احمرار طفيف أسفل بشرته.. احمرار الغضب والشعور بالإهانة من قبل والدة خطيبته بينما تكمل
((اعلم يا قصي أن الحب والمشاعر تموت في مستنقعات الفقر، وللفقير ضريبة إجبارية يدفعها على مدار الزمن وأولها فقدان من يحب، لأن للفقر حبال تلتف حول الشخص وتخنقه بكل قوة))
شعر قصي بقلبه يكاد يحتضر، وهو يدرك أنه لم يعد في قلب سهر له شيء.. فقد أبعدته عنها بكل قسوة..
آثر قصي الاحتفاظ بما تبقى من كرامة لديه وانصرف خارجا دون يتفوه بكلمة أخرى!
لم تنطق سهر ولم تتحرك من مكانها وهي تراه يخرج من الباب صافقًا إيّاه خلفه بقوة عنيفة كادت أن تخلعه، بعد أن تركها هي مع ألم يزداد.. ويصبح عنيفا.. عنيفا جدا.. أول مرة تذوق بحياتها التي عاشتها بمنتهى السطحية مثل هكذا ألم!
=============================
بعد عذاب طويل من البكاء مطالبا بوالدته تمكن النوم من يزيد..
طبطبت رتيل فوق كتفه بحزن يجتاحها.. هذا الصغير متعلق جدًّا بها وهي لن تستطيع أن تسُد مكانها كما تريد حماتها..
دثرّته برفق بالغطاء ثم غادرت غرفة ولديها.. ولم تكن قد مرت ساعتان حتى فتحت نجوم الباب وأضاءت إنارة غرفة الأطفال بغية تنظيفها..
تفاجأت من نوم أحدهم فهي سبق ورأت فهد وباسم في الخارج يُذاكران.. اقتربت أكثر من السرير واتسعت عيناها عندما عرفت بأن الطفل النائم ليس إلا يزيد..
جثت على ركبتيها أمام السرير ومدت يديها تهز يزيد بقوة وعندما شعرت به يتململ هتفت به باستنكار
((يا إلهي! يزيد ماذا تفعل هنا؟))
ساعدته بالاعتدال جالسا وهي تقول
((حبيبي يزيد استيقظ هيا بسرعة قبل أن يراك أحد))
قاوم يزيد شعوره الجمّ بالتعب والإعياء.. ثم قال بصوتٍ ناعس مجهد وهو يمسد رأسه
((رأسي يؤلمني))
استقرت عيناها المشفقتين على وجهه الشاحب ثم قالت بصوتٍ رقيق
((أيها المسكين تبدو متعبًا حقا.. هل أنتَ مريض؟ عليك أن تذهب على الفور عند أمك.. لا أظن بأن السيدة رتيل ستمانع لكن الحاجة زاهية ستغضب جدًّا لو رأتك هنا، مؤخرا تشتعل غضبا إذا ذكر أحد سيرتك))
فتح يزيد عينيه الاثنتين ثم تطّلع لنجوم يقول بصوتٍ متحشرج وبنبرة ذات مغزى لم تصلها
((هي تكرهني منذ زمن فعلا، ولا يمكن أن تحبني حتى لو ادعت عكس ذلك))
ازداد الإشفاق المُطل من عيني نجوم فرفعت يدها تمسح فوق ظهر يزيد هادرة
((الحاجة امرأة طيبة لكنها لا تقبلك بسبب غيظها من زواج أمك بالسيد مَالك))
زاغت عينا يزيد بشرود.. أما نجوم فاستقامت واقفة واستعجلته
((أعرف أنك متعب يا يزيد، لكن هيا لأذهب بك عند أمك بسرعة قبل أن يراك أحد هنا.. لم تدخل سمية المطبخ أو هذا القصر منذ عدة أيام، أمرها غريب!))
رفع يزيد وجهه بلهفة لنجوم وقد التمعت عيناه ببريق اشتياق ثم تسائل
((هل حقا ستأخذينني عند أمي؟))
عقدت نجوم حاجبيها لا تفهم سر ذهوله لكنها قالت بنبرة عادية
((نعم سآخذك، ما الغريب في ذلك يا يزيد؟))
انتفض يزيد خارجا من السرير بلهفة وهو بالكاد يمنع نفسه من البكاء
((هيا بنا نذهب عند أمي))
أمسكت نجوم بيده ورافقته للخارج نحو المطبخ.. وقفت أمام حوض المغسلة تخبره
((دعنا نغسل وجهك قبل الخروج فقد كنت نائما))
تطلعت منال بامتعاض إلى ابنتها ثم قالت بنبرة مقيتة
((أين كان نائم هذا الشّقي يا نجوم؟))
رفعت نجوم وشاحها لتخفي فمها كأنها تداري ما تخشى قوله أمام مدبرة المنزل نعمة ثم همست لوالدتها
((كان نائما بغرفة باسم وفهد لكن أرجوكِ يا أمي لا تبدئي بالصراخ فالطفل يبدو مريضا))
ضيّقت منال عينيها بتوعّد تغمغم من بين أسنانها المطبقة
((معك حق لا حاجة للصراخ، الضرب سيعلمه ألا يدخل هنا، أنتِ تعرفين بأننا من نتلقى التوبيخ لو رأته الحاجة زاهية هنا))
ارتعش شيء في يزيد واختبأ خلف نجوم فقالت نعمة بحزم
((منال اهدئي، كلامك صحيح لكن طريقتك خاطئة))
ثم التفتت نحو يزيد تسترسل كلامها بنفس الحزم لكن بلهجة أرفق
((يزيد أنتَ لم تعد طفلًا وأصحاب هذا المنزل عندهم حفيدات ولا يصحُ أن تدخل هنا متى ما أردت))
علا صوت منال محذرة إيّاه بازدراء
((إيّاك أن تظن أن زواج أمك القريب من السيد مَالك قد يغير شيئا من وضعك هنا؟))
بغتة علا صوت الحاجة زاهية وهي تهتف بينما تقترب من المطبخ
((يزيد.. يزيد.. أين يزيد؟))
قبضت نجوم على يد يزيد على الفور وهي تَحثُه بالخروج نحو باب المطبخ المطل على الحديقة الخلفية
((هيا اخرج بسرعة يا يزيد قبل أن تأتي الحاجة زاهية))
كانت بالفعل نجوم تهمّ بإخراجه عندما جفلت فجأة على صوت زاهية تستوقفها
((نجوم.. نجوم.. هل كان يزيد معك طوال الوقت؟))
أغمضت نجوم عينيها للحظات وعضت شفتها بعد أن تم إمساكها متلبسة ثم استدارت للخلف تنظر للحاجة زاهية مبتسمة بتشنج وتبرر
((نعم وها هو سيخرج حالًا..))
انخفضت زاهية للذي يقف خلف نجوم مُنكس الوجه بعبوس ثم اقتربت منه تقول بحنّية
((يزيد أين كنت يا صغيري؟ لقد كنت أبحث عنك))
توترت منال واستقامت واقفة من مكانها، تقول خشية أن تُحمّلها الحاجة زاهية مسؤولية دخول يزيد إلى هنا
((لا تقلقي يا حاجة سنُنبه على سمية ألا تدخل ابنها هنا، رغم شكّي أن تلتزم بتعليماتك بعد أن تتزوج بالسيد مَالك))
تَطلعت زاهية لها تقول بتلقائية
((يزيد حفيدي يا منال ومكانه فقط هنا))
اتسعت عينا منال باستهجان ثم قالت معترضة
((ولكن.. ولكن يا حاجة زاهية قبل أيام كنت تنبهين علينا ألا ندخله هنا داخل القصر حتى تأخذ حفيداتك راحتهن.. الآن فجأة صار مثل حفيدك!))
تَطلعت زاهية نحو يزيد الذي كان يتجلى عليه أطياف من العذاب والألم ثم ناظرت منال مؤكدة بوضوح
((منال.. إنه حفيدي.. حفيد يعقوب الكانز..))
صدرت شهقة جميع من في المطبخ، فازدردت زاهية ريقها ثم قالت بصوتها الوقور
((إنه ابن مَالك وسمية، أدرك صدمتكنّ مما تسمعنّ له بدون مقدمات، لكن الاثنين كانا متزوجان في السابق زواجًا صحيحًا شرعيًا قانونيًا.. سأشرح لكنّ التفاصيل لاحقا لكن ها أنا أقولها أمامكنّ حتى لا تداهمكن الظنون الخاطئة))
خرجت زاهية من المطبخ برفقة يزيد وهي تحدثه
((تعال يا يزيد لرؤية عمك مُعاذ، لقد ترك أشغاله كلها وجاء فورًا إلى هنا لرؤيتك ما إن أخبرناه عنك، كل العائلة الآن مجتمعة لتراك))
دخلت زاهية غرفة المعيشة وهناك توقف يزيد مكانه بخشية من تواجد جميع العائلة معه في نفس المكان وكل أنظارهم مصوبة له..
نهض مُعاذ من مكانه وكله مشدُوه للنظر والتّمعن في محيا يزيد.. اقترب منه خطوتين هامسًا بترحيب، فازداد خوف يزيد وتراجع خطوتين للخلف يمسك ثوب زاهية..
مَسدَت زاهية فوق شعر حفيدها تحاول زرع الطمأنينة في نفسه ثم قالت برفق
((لا تخجل يا يزيد إنه شقيق والدك.. عمك مُعاذ))
ثم تطلعت لمُعاذ تقول بحزن
((لم يسبق وأن تحدث معك من قبل.. وأيضا مَازن.. حتى مُصعب لم يختلط معه كثيرًا.. لذلك من الطبيعي أن يراكم كأغراب))
هزّ مُعاذ رأسه متفهما ثم طالع تلك النظرة الخائفة المُطلة من عينيه وحثه بحنية
((تعال يا صغيري.. يزيد تعال))
شعر مُعاذ بدقات قلبه تدقُ بشكل مختلف، وهو يرى نفسه واقفا أمام طفل يشبه شقيقه عندما كان بسنّه.. باستثناء شعره المموج حالك السواد كما لون حدقتيه..
فعجز عن قول شيء في البداية إلا مبادلته النظرات المتفحصة..
رباه!
أيا من يمعن النظر في عينيه العميقتين يدرك كم هما مليئتان بالأسرار.. هل كانت ملامحه الطفولية البريئة لتثير التساؤلات وتشعل الحيرة في داخله لو كان قابله من قبل ونظر له بهذا الانتباه والتمعن!؟
هدر فيه مجددا بصوتٍ هادئ حنون
((كيف حالك يا يزيد؟))
لم يُجبه يزيد بل نكس وجهه أرضًا وإحساس غريب مُحير يجتاحه من هذا الرجل الذي يواجهه بهذا الشّكل أول مرة..
تنهّدت زاهية وهي ترى أن حفيدها الصغير في جانب وهم جميعا في جانب آخر لا يستطيعون الوصول إليه..
تحسبنت كثيرًا على سمية لأنها السبب في هذا.. لا هي ولا حتى ابنها مَالك يعرفان معنى الأبوة..
عندما شعر يزيد بأن أنظار الجميع لا تزال مُصوبة نحوه تحت هذا الصّمت الثقيل رفع وجهه الصغير البريء قليل الفهم لهم..
ابتسم مُعاذ لعينيه الحائرتين فهدر يزيد بتردد
((كنت سأذهب إلى أمي الآن مع نجوم فهم يمنعوني عنها ولكن..))
انخفض معاذ أرضًا بمستوى يزيد متسائلا بهدوء
((هل يمنعونك عن أمك؟))
التفت يزيد إلى جدّته بتوتر خفي كأنه يخشى من الإجابة وإمداده بالتفاصيل فتدّخل الحاج يعقوب يقول متجهمًا
((لا تسكت.. أكمل.. أخبره بأننا نمنعك أيضًا من والدك معدوم المسؤولية والضمير..))
خيّم حزن أكبر على ملامح يزيد البريئة، فسارع مُعاذ يسأله
((هل تشتاق لوالدتك يا يزيد؟))
هزّ يزيد رأسه وبدأت شفتيه ترتجفان منذرتان بالبكاء ليجيب بحرارة
((أشتاق لها كثيرًا.. لم أرها منذ أيام.. أريدها))
توهّج الرّجاء بعينيه الحزينتين تجاه مُعاذ كأنه يتوسل منه أن يساعده في لقاء أمه.. فابتسم مُعاذ له وأمسك كفه الصغيرة متسائلا
((هل تريد رؤيتها الآن؟))
ابتسم يزيد وترققت ملامحه قائلا بلهفة
((نعم أريد ذلك والآن))
قبل مُعاذ كفه الغضة وقال بسماحة وجه
((يمكنك الذهاب لها بعد قليل))
تدخل يعقوب باستياء وحزم
((لا لن يذهب لرؤيتها.. ولن يرى حتى مَالك.. الاثنان لا يستحقان رؤية هذا الطفل البريء مرة أخرى))
لفّ مُعاذ رأسه لوالده يعترض
((لكن يا أبي حرمانهما من رؤيته سيكون عقابا ليزيد قبل أن يكون عقابا لهما..))
قاطعه والده بملامح متزمتة
((لا تعارضني يا مُعاذ.. شهر أو سنة سيعتاد في النهاية على فراقهما وينسى السّؤال عن والديه، إنه ضحية قلة نضجهما وانعدام ضميرهما))
ضغط مُعاذ على كف يزيد دون وعي منه غضبًا مما يقوله والده.. لكن آثر تأجيل هذا الحديث لاحقًا حتى يهدأ فما مرّ به ليس قليلا..
تأوّه يزيد متألمًا من ضغط مُعاذ على كفه، فسارع الآخر يُحرره معتذرا
((لم أنتبه.. هل تؤلمك؟))
مَسد مُعاذ له يده بينما تَاهت الأفكار داخل يزيد بمشاعر مختلطة، بين التشّبث به لعله من يعيده لأمه وبين الخوف منه لأنه لم يعتد عليه بعد.. حتى تطلع الأخر له قائلًا وهو يمنحه أملا
((حسنا يا يزيد سترى والدتك، ووالدك أيضًا لكن لاحقا))
زمّ شفتيه بحُزن خالص لكن وَثق بكلامه فهزّ رأسه له بطاعة..
حَملهُ مُعاذ وأشار الى أبناء أخيه مُؤيد قائلا بمرح
((فهد وباسم اللّذان هناك هما لم يعودا صديقان لك وحسب بل هما أيضًا ولدَيْ عمك.. ووالدهما هو عمك.. عمك مُؤيد.. والآخر هو عمك مُصعب.. وهناك عم آخر لك في الخارج يدعى مَازن.. إنه توأم والدك))
نجح مُعاذ في إثارة انتباه يزيد بحياته الجديدة فقال باهتمام شديد
((أراني أبي صور لعمي مَازن، إنه يشبهه..))
ابتسم له مُعاذ وقال
((معك حق لا يزال يشبهه كثيرًا حتى الآن، والدك مَالك فقط وجهه أنحف ويميل للاسمرار قليلا.. أما باقي الصفات فيتشابهان بها تماما))
اقتربت زاهية من يزيد تمرر أناملها في شعره محاولة استمالة رضا وحب الصغير
((نحن يا مُعاذ نجهز غرفة جميلة ليزيد هنا في هذا القصر، نريده أن يختار شخصيته الكرتونية المفضلة لنشتري الأثاث))
تطلع مُعاذ مُدعيا الذهول ليزيد وهو يقول
((هل سمعت يا يزيد؟ غرفتك ستكون جاهزة خلال أيام، هل ترى كم جدتك وجدك يحبانك؟))
جلس مُعاذ على الأريكة وأجلس يزيد على فخده فتفاجئ به ينكس رأسه ويقول بحزن براءته
((هما يكرهاني جدًّا.. وكانا يكرهان تقاربي مع عمي.. أقصد أبي مَالك..))
لم يتحمل يعقوب وهو يسمع كلمات حفيده أن يخفي دمعة حرقت صدره قبل عينيه فسارع يمسحها.. أما زاهية فشعرت بشيء يمزقها فتمتمت لنفسها بكل عذاب الدنيا
((إنه يظن أني أكرهه.. رباه.. كان يعرف أني جدّته طوال الفترة السابقة))
ثم أغمضت عينيها للحظات محاولة التغلب على ذلك الشعور القاسي الذي يتسرب إلى قلبها.. فزفر مُعاذ نفسًا ملتهبًا وهو يشعر بذنب أخيه يتعاظم أكثر وأكثر.. لم يكن عليه أن يستمر بإخفاء حقيقية يزيد وهو يرى والديه الاثنين لا يُحسنان معاملته.. كان عليه أن يفكر بموقفهما أمام يزيد بعد أن يتم كشف الحقيقية..
بدّل ملامحه لأخرى بشوشة وهو يقول ليزيد
((هل تعرف بأنك أيضًا أكبر حفيد في العائلة؟ أكبر حفيد ليعقوب الكانز؟ فأنتَ تكبر فهد بأشهر))
سأله يزيد ببراءة ورقة تلين الحجر
((أنا أكبر حفيد له!))
عقدت دارين الجالسة عند الزاوية حاجبيها بينما تُلامس الكتب المتراصة على أحد الأرفف ثم غمغمت بخفوت كمن تكلم نفسها بعبوس
((أنا هي أكبر حفيدة في هذا البيت!))
عند هذه النقطة لم تتمَالك زاهية نفسها والدموع تنسكب جارية على وجهها بينما تقول بحسرة وقلب ملتاع
((نعم يزيد هو حفيدنا الذّكر الأول.. إنه أوّل قطعة منا تمشي على الأرض.. وهذا الأمر وحده كان يفترض أن يجعل محبتنا له كبيرة، ومكانته مميزة لسائر العائلة.. هو من كان يفترض به أن يحظى باهتمام غير مسبوق، وبحنان وتدليل لا حدود لهما بداية من الاحتفال بقدومه وإقامة الأفراح والحفلات له.. والتي ستقام لغيره من الأبناء مكررة وتقليدية.. كان يفترض قبل ولادة يزيد أن نكون نحن العائلة مستعدين له بتجهيز الملابس الخاصة به وغرفته وألعابه وسريره، وحين يصل إلى الحياة نجتمع من حوله مهتمين بصحته ومداعبته.. ويكبر تحت جناحنا وحوله هذه المشاعر..))
حزن الجميع على زاهية المكلومة، وما تقوله أمّا دارين فتنهدت بمرارة ثم وقفت في مكانها بتذمر والدموع تترقرق في عينيها
((جدتي أنا أكبر حفيدة هنا لا يزيد.. أنا أكبره بست سنوات.. هذا تمييز واضح بين الذكر والأنثى))
تفاجأت نورين من هذه الثورة العارمة المباغتة من دارين خاصة وهي تلمح تلك الدمعة التي هطلت من عينيها..
عمّ التوتر في الأرجاء عند مغادرة دارين من الغرفة، قبل أن تأتي إحدى عاملات المطبخ تُعلمهم بانتهاء إعداد طعام الغذاء..
مالت نورين لرتيل تسألها هامسة
((رتيل أريد أن أسألك شيئًا عن دارين))
تَطلعت رتيل لها بتجهم ثم قالت بفظاظة قبل أن تغادر
((سألحق بدارين.. لم تأكل شيئا منذ الصباح))
عَبَست ملامح نورين.. فقد ظنت بعد رحيلها من هنا والمجيء في أوقات الزيارة قد يحسن من علاقتها برتيل.. لكن لا فائدة..
انتشلها مُصعب الذي كان يجلس بجانبها من شرودها هادرًا بفضول
((ماذا كنت ستسألينها يا عفريتة؟))
شعرت نورين بتردد ثم سألته
((كيف تَوَفت زوجة مُعاذ؟))
هزّ مُصعب كفيه ثم أجابها بهدوء
((عند حملها بدارين اكتشف الأطباء بأنها تعاني مشاكل في القلب وبأن الحمل خطر عليها وأمرها الأطباء بالإجهاض.. إلا أنها رفضت كليّا أن تجهضه..))
قاطعته متسائلة في حيرة
((وما ردة فعل أخيك على ذلك؟))
تنّهد قبل أن يجيب
((مُعاذ وعائلتي كادوا يجبرونها أن تجهض الحمل لكنها كانت مصرة على الاحتفاظ به وضغطت على أخي بكل النواحي العاطفية بل وهدّدت بالانفصال عنه إن أجبرها عليه.. كانت ترى بأن عائلتي ووالديّ بعقلية مُتحجرة وبأنهم سيقنعونه بالزواج عليها أو طلاقها لو لم تنجب له.. خاصة وأنهم سبق وأجبروه على جعلها تسكن هنا))
اتسعت عينا نورين بحزن ثم سألته
((وتوفت بعد إنجاب دارين؟))
هز رأسه نافيا ثم قال
((لا.. رغم أن الأطباء كلهم أكدوا بأنها لن تنجو لا هي ولا جنينها إلا أن إرادة الله كانت أن تنجب دارين وتبقى على قيد الحياة، لكن حدثت لها بعض المضاعفات وتوفت بسببها بعد عدة سنوات من إنجاب دارين))
شَرَدت نورين بنظرها جانبا ثم تمتمت بصراحة
((يبدو أن مُعاذ رغم نضج عقله وسنّه إلا أنه بطريقة أو بأخرى يلوم ابنته، ويعتقد بأن زوجته لو لم تنجب لما عانت من تلك المضاعفات في قلبها ولما توفت، رغم أنه قدر مكتوب بالنسبة لها))
ردّ مُصعب ((على العكس، أخي رجل مؤمن بالقدر، ثم الكثير من الأطباء قالوا بأن قدرها كان أن تموت بسبب قلبها الضعيف سواء أنجبت دارين أو لا..))
صَمَتت نورين وهي تسرح بذهنها ونظرها بحزن فهزّها مُصعب يقول وهو يستقيم واقفا
((تعالي لننضم إلى الغداء مع البقية قبل أن نغادر))
لكن تفاجأ مُصعب من قدوم والدته تسأله بحزن
((ألن تعود يا مُصعب إلى هنا؟))
أجابها مبتسما ينشد تفهمها
((أمي لا، اعرف بأنك كنت رافضة لاستقلالي منذ زواجي الأول، ولكن أنا مرتاح هكذا))
أومأت زاهية رأسها لولدها متقبلة رغبته أخبرا رغم رفضها السابق استقلال أي واحد منهم عن هذا القصر..
لكنها تعرف أن مُصعب بالذات من بين أبنائها شخصية استقلالية جدًّا.. وحياته الخاصة خط احمر..
.
.
ما إن لمح مُعاذ خروج رتيل من غرفة ابنته دارين حتى طرق الباب عدة مرات ودلف للداخل ليأتيه ردها بتلقائية حانقة
((لا تقنعني بالانضمام إلى الطعام معكم، زوجة عمي ستحضر لي صينية الطعام هنا))
اصطنع مُعاذ الامتعاض وهو يقول لابنته
((كم أنتِ طفولية! تأخذين على خاطرك فقط لأن جدتك قالت عن يزيد بأنه من كان يجب أن يحظى بأكبر دلال في العائلة لأنه أكبر حفيد ذكر!))
نفخت دارين أوداجها وقالت
((نعم لأن جدتي تُفرق بين الذكور والإناث))
انفرجت شفتا مُعاذ عن ضحكة رجولية خافتة قبل أن يقول وهو يغمر أصابعه بشعر ابنته النّاعم
((بل لأنه ابن ابنها الغالي على قلبها))
تَرَققت ملامح دارين الطفولية وسألته بصوتٍ متأثر
((وهل أنا غالية على قلبك مثلما عمي مَالك غالي على قلب جدتي؟))
تعجّب مُعاذ من سؤالها إلا أنه ابتسم وطلّ من عينيه حنان جارف وهو يتمعن بالنّسخة الصغيرة من وجه زوجته الراحلة ثم صَحّح لها
((وهل هناك أغلى على قلبي منك يا قرة عيني؟ بل هل هناك عندي غيرك يا دودو؟))
عقدت دارين حاجبيها الرقيقين وقالت بحنق مُبطن بالرّجاء والاشتياق
((أبي أنا افتقدك ولا أخرج معك إلا عدة مرات بالشّهر حتى نزور قبر والدتي، أريد أن أعيش معك حتى يتسنى لي رؤيتك والتحدث معك دائمًا))
وَخَز تأنيب الضمير قلب مُعاذ على ابنته التي يدرك كم هو مُقصر بحقها إلا أنه قال بصوتٍ فيه بحة
((كم من مرًّة علينا التحدث بهذا الموضوع يا دارين! أنا لا أستطيع جعلك تعيشين معي لوحدك فأنا أتغيب معظم وقتي عن البيت! كيف يعقل أن أتركك لوحدك في شقة بقلب حي لا تعرفين فيه أحد معظم الوقت خلال اليوم))
ردت دارين بإصرار
((ألم تقل لي في السابق أنك لن تتزوج إلا عندما أكبرُ خوفًا من أن تأتي لي بزوجة أب وتسيء معاملتي! ها قد كبرت ولن تقدر المرأة التي تتزوجها أن تسيء لي لو أرادت ذلك، فماذا تنتظر؟))
ابتسم مُعاذ على كلام ابنته ثم قال وهو يقرص وجنتها الوردية
((هذا الكلام في السابق، الآن أنا أخشى على المرأة التي سأتزوجها أن تسيئي أنتِ معاملتها))
ثم أمسك يدها يجبرها على الوقوف من مكانها بقوة محتفظا برفقه
((يكفي تدللًا وانضمي لتناول الطعام معنا، سأخبر بكل الأحوال زوجة عمك ألا تحضر الطعام لغرفتك))
=============================
رَكَن مَالك سيارته أمام الفندق الوحيد في القرية والذي بدأ بالمكوث فيه بعد طرد والده له من البيت..
عرض صديقه المقرب عليه كثيرًا أن يبيت عنده في بيته، بعد أن باح له بكل ما حدث لكن مَالك رفض باستماته لأنه لم يكن يريد أن يُثقل عليه وقد عرف بأن مدة نفيه عن البيت ستطول بعد أن انكشفت حقيقة يزيد المُفجعة لعائلته!
دلف مَالك داخل الفندق ومرّ عند الاستقبال ليأخذ مفتاح غرفته فوجد الموظف يُخرج له علب طعام عديدة
((لو بكّرت أيها السيد وجئت قبل دقيقة واحدة فقط لكنت التقيت بزوجتك))
اتسعت عينا مَالك وسأله بلهفة
((هل كانت هنا!؟ والى أين اتجهت!؟))
قطب الموظف حاجبيه لكنه أجاب
((نعم كانت هنا قبل دقيقة، ثم غادرت وانعطفت يسارا))
ما إن أنهى الموظف كلامه حتى أطلق مَالك قدميه للرّيح واتجه راكضا إلى حيث أشار..
فسمية وبعد انتزاع يزيد منها لم تتواصل معه إلا بعد يومين مما حدث من خلال رسالة قصيرة تطلب منه عنوان المكان الذي يمكث فيها.. لتبدأ بعدها يوميًا بالذهاب للفندق وقت عمله وتسليم موظف الاستقبال الذي يحسب أنها زوجته علب مليئة بالأطعمة الشّهية التي تعُدها له..
ولا تعرف سمية بفعلها هذا كم تجعله يشعر وكأن أرصدة الحياة تغدق السعادة عليه.. مدركا بأنها حتى وسط غرقها بلوعة ابتعاد يزيد عنها فهي لم تنساه ولم يَهُن عليها أن يظل لأسابيع لا يأكل إلا من طعام الفندق البارد الذي لا طعم له..
بمجرد أن أدركها مَالك ورآها تسير بالطريق حتى تباطأت خطواته تدريجيا.. وهي بمجرد أن شعرت بأحدهم يقف خلفها بهدير أنفاس متصاعد حتى استدارت للخلف ثم تساءلت بدهشة وقد انخطف قلبها خوفا عليه
((مَالك! لماذا لحقتني؟ هل حدث أي شيء؟))
ابتسم مَالك بلا وعي لعينيها وقال من بين أنفاسه المسروقة اللاهثة
((فقط.. اشتقت لك))
ارتجّ قلب سمية بل اضطربت ملامحها وكسى تعابيرها حزن فياض.. راقبها مَالك تعض شفتها السفلى فتفاعلت رجولته معها التي يحكمها عاطفة لا شهوة بينما يسألها
((هل تشتاقين ليزيد؟ يمكنني أن اجعل أحد العاملين عندنا يأخذه خلسة لمقابلتك لبعض الوقت لكن عليك أن تتوقفي عن البكاء فوجهك متورم وذابل))
رفضت سمية اقتراحه لتقول بوجع قلب
((لا، لا يا مَالك لا أريد أن أثير حفيظة والدك، كما أني أرجو من هذا الفراق أن يُكفر ولو جزءً بسيطًا من ذنوبي تجاه ابني وما جعلته يمر به من هوان بسبب أنانيتي وتملكي تجاهه))
كان مَالك يرفع يده ليمسد رقبته بحيرة عندما لاحظ وجود غصن شجرة صغير قد اخترق قميصه ومزّقه قليلا.. فتمتم بلا شعور
((هل علق هذا الغصن بقميصي أثناء ركضي قبل قليل؟ سأمر على السوق بعد قليل واشتري غيره فأنا لا املك إلا ثلاثة قمصان اشتريتهم مؤخرا بعد أن طُردت من بيت أبي دون فرصة لأحزم حقيبة صغيرة حتى!))
عقبت سمية بلهفة مقترحة
((لا داعي لشراء أي قميص آخر، اخلعه الآن وسأعيده لك غدا بعد أن اغسله وأخيط الجزء المشقوق، لا تقلق لن يبدو وكأنه تم خياطته فأنا ماهرة في الخياطة))
اختض قلبه قليلا إثر مبادرتها هذه وإقبالها عليه بالاهتمام.. لكنه حافظ على وتيرة نبضاته وبالكاد منع زاوية فمه من ابتسامة شقية متلذذة وهو يقول
((حقا؟ هل اعطيه لك؟))
خلع مَالك قميصه وظل ببلوزة بيضاء بلا أكمام بينما يناولها إياه.. فوضعته سمية سريعا في حقيبتها ثم ازدردت ريقها وكسى وجهها شيء من احمرار الخجل وهي تقول بعد لحظات تردد
((نحن بحكم المخطوبين رغم عدم عقد قراننا.. لا أدري.. اقصد.. لا أدري إذا كان يصحُ، لكن جَمّع لي باقي ملابسك لأغسلها..))
تنهد مَالك بحرارة قبل أن يتشدق هادرا
((هناك غرفة غسيل بالفندق واغسل فيها ملابسي يوميا، لا تقلقي بهذا الشأن، ولكني حقا أريد شراء المزيد، فأبي يبدو أنه حقا ساخط عليّ ولن يعيدني بسهولة للبيت، حتى أمي لم تتصل بي أو تطمئن عليّ ولو عن طريق وسيط.. تخيلي!))
دمعت عيناها بعجز عن الكلام مما تسمعه لتصمت قليلا ثم تهمس بصوت مسموع
((هذا لأنك يا مَالك أخطأت بإخفاء تلك الحقيقة عنهم، إنهم مصدومين بك.. وأنا السبب بكل هذا لأني من ضغطت عليك لفعل هذا! قد يكون لي عذر بإخفاء تلك الحقيقة عن عائلتك لأني خفت أن ينتزعوه مني لكن أنتَ وبعد أن أشبعوك دلالا واهتمامًا فلم يكن ما فعلته منصفًا بحقهم))
أحس مَالك بتأنيب الضمير وهو يشعر بصحة كلامها، فصمتت قليلا ثم ردت عليه بنبرتها الخاصة التي تحتضن قلبه
((إلى اللقاء يا مَالك، وحتى تهدأ الأوضاع علينا ألاّ نتقابل ولا لدقائق عابرة))
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل التاسع وأربعون 49 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
شركة القاني..
كانت شيرين تستلذ سماع صراخ وليد الثأر المحترق عبر الهاتف
((هل تحدثت بشيء عن علاقتنا أمام عمي يعقوب يا شيرين؟ لماذا اتصل عمي الآن بي للتحدث عنك؟))
((نعم فعلت يا وليد.. أخبرت أيضًا أخوالي بكل ما لاقيته منك مع إغفال بعض التفاصيل التي قد تؤذيني لو انتشرت، المهم أن أخوالي قد تحدثوا مع بعض وجهات القرية حتى يوقفوك عن حدك وتطلقني.. لن أعود اليوم إلى منزلنا الزوجي يا زوجي العزيز.. بل اقصد يا مطلقي الغالي.. سأعود لبيت سهر.. أوه قبل أن أنسى فإياك أن تفكر أن تأتي عندي للشركة فقد أعطيت تعليمات للأمن ألا يدخلوا أحدا باسمك))
أغلقت شيرين الهاتف عليه منتشيه بالانتصار..
في الأيام السابقة استطاعت بخفة ودهاء أن تنقل أغراضها المهمة من شقة وليد وتأخذها إلى منزل سهر..
والآن وبعد أن انتهت من أخذ كل الضروريات التي تخصها وضمنت سند أخوالها والحاج يعقوب في قرارها ها قد حان وقت الطلاق..
سيجبرونه الوجهاء على طلاقها ولن يستطيع رفض طلبهم والا سينبذ من القرية كافة!
بالطبع تمت الموافقة على الطلب الذي رفعته لنقلها لفرع شركة القاني الموجود في العاصمة لذا عليها أن تمكث هذه الأيام في منزل سهر ثم تستأجر بيت صغير لها هناك!
ولا داعي لأي قلق مادي بعد أن أُسقطت قضية حادث الطفل المرفوعة ضدها في المحكمة فقد أضحى راتبها كله لها..
تنهدت شيرين بارتياح تام واعتدلت واقفة من مكانها.. اشترت لها كوب قهوة وبدأت تسير في أروق القسم الخاص بها.. وبما أن فترة راحتها لم ينتهي بعد اتصلت بسهر والتي ما إن فتحت الخط حتى انفرجت بها بغضب
((هل يمكن أن اعرف سبب عدم ردك على معظم اتصالاتي وتجاهل رسائلي يا شيرين؟ أريد سببا منطقيا))
تشدقت شيرين بتهكم باهت
((الآن فقط أستطيع التقاط أنفاسي وأخبارك كل شيء أنشد فعله.. انتظري فقط عودتي لبيتك))
سألتها سهر بشيء من القلق
((هل فعل وليد لك شيئا ما؟))
وقفت شيرين عند إحدى النوافذ الواسعة في الممر تنظر من النافذة غاضبة من نفسها وكارهة جدًّا.. لغبائها السابق.. قيلة حيلتها.. ضعفها.. ثم تمتمت بخفر
((لن أستطيع إخبارك شيء قبل عودتي في المساء))
زفرت سهر بيأس لتقول بإيجاز
((حسنا.. سأصبر حتى عودتك، لقد نفذت كل ما طلبتي مني فعله في الأيام السابقة دون أن اعترض ولن يضر أن اصبر ساعات قليلة أيضًا.. وتذكري بأن الصديق الذي يخفى أحزانه عن صديقه يعني أنه لا يعتبره صديق حقيقي))
لم ترد شيرين بشيء لكن كان صوت أنفاسها مسموعا فأكملت سهر بعتاب رقيق
((شيرين إن لم نحس ببعضنا ولم نعتبر بعضنا شخصا واحدا فلا خير فينا ولا صداقتنا.. فالصديق من يشد على يده حتى يجتاز المحنة))
تحفزت شيرين بتشنج قبل أن تقول بصوتٍ شديد الإرهاق
((سبب اجتنابي الحديث معك في الأيام السابقة هو خوفي من مواجهتك، أعني بشأن عملية والدك.. لا أظن بأن وليد المخادع قادر على التبرع لوالدك والإيفاء بوعد..))
هنا صمتت سهر لدقيقة ولم ترد.. ولم تعرف شيرين عما يجول بعقلها أو الانفعالات التي تعتمل بداخلها..
لكن وصلها بعد لحظات صوت سهر هادئا
((هل هذا هو سبب تجاهلك لاتصالاتي؟ أيتها السخيفة كان أغلب ظني بأن هذا المخادع لن ينفذ وعده وهذا أصلا ما جعلني ارفض إخبار والديّ أو أعشمهما.. لكن لم أخبرك بظنوني الشبه مؤكدة هذه حتى لا أفسد عليك رغبتك في الزواج منه والتي شعرتها نابعه منك))
غمغمت شيرين والشعور بأنها خذلت صديقتها الوحيدة يتغلغل فيها
((أنا أدعوا الله ليل نهار أن يجد والدك متبرعا له))
قالت سهر بمرح تهون عليها
((وانا أدعوا الله وطالما أملنا بالله كبير فلن يخذلنا.. حسنا يا شيري، قصي يتصل بي الآن لذا سأنهي هذه المكالمة.. ولدي خبر مفرح عنا.. سنحدد قريبا موعد لحفل زفافنا.. واتفقنا أن يحضر عائلته الأسبوع القادم لنتعرف عليهم))
انفجرت أسارير شيرين بالبهجة هادرة
((حقا ما تقولينه؟ أنا سعيدة أكثر مما أستطيع أن أصف من أجلك))
ودعتها شيرين بفرحة حقيقية لم تذقها منذ مدة.. على الأقل واحدة منهن ستحظى بزواج سعيد..
أنهت ما تبقى من كوب قهوتها ثم ألقتها في المكان المخصص في سلة النفايات.. وكانت تهم في المغادرة والعودة إلى مكتبها بعدما انتهى وقت راحتها عندما لاحظت بأن الشرفة الواسعة المرافقة لقسمهم مفتوحة..
عقدت حاجبيها وتجهمت ملامحها وهي تدلف لداخلها وسرعان ما زاد تجهمها عندما اتضح أن من فتح الشرفة وجالس داخلها ليس إلا.. "قصي سامح"!
رغم علمه بإن إدارة الشركة تمنع منعا باتا فتح أي شرفة في أي طابق للمبنى إلا أنه باستهتار تجاهل الأمر وفتحها!
أظهرت شيرين الوجه الذي تستخدمه للعمل.. ذاك الوجه البارد.. الغير معبر.. الغامض.. ثم تقدمت بهدوء وركازه نحوه تهتف بحزم
((قصي.. كم من مرة عليّ أن أنبه بأنه غير مخول لأي موظف الدخول إلى هنا حتى أنا.. لو سمحت أخرج الآن))
جفل قصي على صوت شيرين ثم تمتم بصوتٍ خافت على الهاتف الذي يضعه قرب أذنه
((سأتصل بك يا باربي بعد خمس دقائق لأغير مكاني.. وداعا))
وضع قصي الهاتف في جيبه ثم ظل يرسم واجها عابسا.. مشمئزا أمام شيرين حتى تجاوزها دون أن يعيرها أي اهتمام..
أطبقت شيرين على أسنانها تكظم غيظها بشق الأنفس وقد فار دمها.. صحيح أن نقلها له لمكان أخر أصعب في القسم كان عقابا قاسيا لكنها تظل مرؤوسته وعليه أن يظهر لها بعض الاحترام.. فهتفت بصوتٍ عالي مهدد
((في المرة المقبلة سأتخذ إجراءً خطيا ضد أي موظف يخالف التعليمات.. لست مستعدة أن أتحمل توبيخا من مدير القسم من أجل عيون أحد..))
لكن قصي تجاهلها وتابع الخروج دون أن ينطق بحرف تاركا إياها مكانها تأكل نفسها من الغيض.. قبل أن تنفرج ملامحها تدريجيا.. بريبة.. وتوجس.. بتفكير..
هل قال لمن كان يتحدث معها على الهاتف قبل قليل.. "باربي"؟
أليس هذا ما يدعوه خطيب سهر لها والذي بمفارقة الرهيبة يُدعى أيضًا "قصي"؟
حتى أنها في إحدى المرات تهكمت بينها وبين نفسها من غزله هذا الذي انتهت صلاحية مع انتهاء القرن العشرين!
كانت قد مرت ثوانٍ حتى وجدت شيرين نفسها تنتفض وتهرول بخطوات متهورة نحو مكتبها..
نفس اسم "قصي" للاثنين.. نفس السيارة.. نفس الاتصال الآن.. كل هذا.. ليس.. صدفة!
جلست أمام الحاسب الآلي تراجع السيرة الذاتية لقصي سامح في السجل المحفوظ عندها بينما يدها الأخرى تطلب رقم سهر والتي عندما ردت عليها جاء صوتها مستغربا
((نعم يا شيرين؟ هل هناك شيء مهم؟ أنا أتحدث مع قصي))
سألتها شيرين بصوتٍ منقطع الأنفاس
((سهر هل يمكن أن تخبريني ما هو اسم خطيبك الكامل؟))
تعجبت سهر ((ماذا تقولين!))
كررت شيرين بعصبية
((أجيبِ وحسب))
رغم عدم فهم سهر إلا أنها أجابتها باسم قصي كاملا بشيء من التوجس..
اهتزت حدقتي شيرين المحدقتان باسم قصي الكامل الظاهر أمامها على الشاشة.. ثم تابعت تسأل سهر بوابل أسئلتها
((مواليد أي سنة؟ أي مدينة؟ اسم جامعته؟ تخصصه الجامعي؟ سنة تخرجه؟ أجيبِ بسرعة))
مع تطابق إجابات سهر لما كان مكتوب في السيرة الذاتية أمامها لقصي سامح كانت شيرين تفقد لون وجهها أكثر.. وأكثر.. بل كانت تشعر بضيق النفس فأبعدت يدها المرتجفة عن فأرة الحاسب.. قبل أن تقول باختناق
((سهر أنا رأيت خطيبك مرة وحدة في حفل عقد قرانكما قبل سنوات.. لكن أريد صورة حديث له الآن..))
سمعت صوت أم سهر الجالسة بجانبها تذمر باستهجان
((صديقتك مجنونة، ماذا تريد بصورة خطيبك قصي؟))
تماسكت شيرين وهي تقول بوضوح وجدية
((سهر أريد خلال ثوانٍ أن ترسلي لي أي صورة لخطيبك.. أي صورة))
أغلقت شيرين الهاتف وبدأت تحرك ساقيها بتوتر وعصبية بالغة حتى ظهر التنبيه الوامض من هاتفها دليل وصول رسالة سهر..
بدأت خفقات قلبها ترتج بعنف أكبر.. ومع كل دقة صاخبة تولد اهتزازات تقبض على معدتها..
فتحت الرسالة ببطء وحذر وسرعان ما جحظت عينيها وفر أخر ما بقي من لون في وجهها ليضحي شاحبا كالرخام..
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثامن وأربعون 48 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل العشرون
تنهدت سمية بإجهاد وهي تحاول مجاراة خطوات رتيل أمامها المتعجلة نحو القصر.. قبل أن تتوقف مكانها تلتفت لها بالخلف موبخه بوجه جامد غير مقروء
((أسرعي يا سمية.. الحاج يعقوب قال بأنه يريدك أن تحضري حالا))
شيء من الاستغراب حل على ملامح سمية وهي تستهجن طريقة تحدث رتيل معها العدوانية الممزوجة بالاحتقار وكأن الحاج يعقوب يريدها بعد أن سمع عنها شيء مخزي! ازدردت ريقها قبل أن تتساءل بوجل
((كيف كان شكله وهو يخبرك أن تناديني؟ هل كان غاضب؟ أم كانت ملامحه عادية؟))
ظلت رتيل ترمقها بنفس ملامحها الجامدة ثم التفت تمضي قدما للأمام هادرة
((لنصل عنده وستعرفين بعدها ماذا يريد منك!))
تابعت سمية السير خلفها وشكوك عديدة تقتحم مخيلتها!
لا بد أنه غاضب بشدة منها فهذا ما تنبئ به ملامح وجه رتيل!
لكن ما الذي فعلته وجعلته يستاء منها؟ هل مثلا غير موافقته بزواجها من مَالك بعد أن استحكم عقله ويريد منها أن تبتعد عنه!
نعم لا بد أنه شيء متعلق بزواجها من مَالك فلا يوجد شيء أخر قد يثير غضبه سوى هذا الأمر!
أدركت سمية خطوات رتيل لتسير بجانبها على الطريق ثم دمدمت بصوتٍ متحشرج لا تعرف سبب تفاقم ذاك الشعور الرهيب القاتل داخلها
((هل مَالك حاضر أم أن الحاج يعقوب يطلب رؤيتي وحيدة؟ اشعر بخوف مبهم))
قالت رتيل دون أن تنظر لها وهي تدلف من باب القصر
((نعم مَالك حاضر بل كلنا مجتمعون في غرفته.. هيا اتبعيني، أسرعي))
.
.
تطلع يعقوب بهدوء إلى حيث تجلس زوجته.. على سرير مَالك بينما تحتضن يزيد الصغير.. فجرت تعابير الذنب والندم على محياه كالسيول العارمة لتغسل قسوة ملامحه وترقق خطوط التجاعيد حول وجهه..
لم يكن عليه صفع مَالك أمام هذا الصغير!
خطى بإجهاد نحو السرير يجلس بجانب يزيد من الجهة الأخرى..
مدّ يده بارتباك نحو كتفه الصغير يديره نحوه مدمدمًا بخفوت
((يزيد.. حفيدي))
رفع يزيد الملتاع وجهه له يطالعه بخوف يسكن نظراته كمأوى دائم عندما يكون في حضرته هو وزاهية..
خصلات شعره الأسود تلتصق بوجهه المحتقن بالدموع.. يده الصغيرة المرتجفة متقبضة..
مد يعقوب كفه يلامس شعره فانتفص الأخر قليلا.. فبدت مشاعر يعقوب في هذه اللحظة متخبطة تمامًا مثل هذا الصغير.. وما يمر به الآن أكبر من أن يصفه.. أصعب من أن يفسره..
ويصل في النهاية لحقيقة مقيتة واحدة!
هذا الطفل الذي اتضح بانه حفيده.. يخشاه!
إنه يخشاه.. لطالما كان يخشاه.. يبغضه.. يكره وجوده معه في نفس المكان بسبب جفائه وبروده المتعمدان تجاهه!
رباه!
كم من مرة اسمع هذا الصغير الذي اتضح أنه حفيده بأقسى أنواع وأصناف الكلمات التي لا تتحملها هشاشة طفل!
كم من مرة عاتب مَالك أمامه على سماحه له للدخول إلى هذا المنزل دون أن يهتم بمشاعره!
شعر يعقوب بألمٍ وحشيّ ينخر قلبه لكنه سرعان ما خرج من دوامة جلد الذات على صوت مَالك يخبره
((يزيد يعرف بأنه حفيدك.. لا تقلق.. لم أخبئ عليه الحقيقة يوما!))
أطبق يعقوب على أسنانه وصوت مَالك يذكره بحقيقة أنه الجاني والسبب في كل هذا! هو من أخفى حقيقة حفيده عنه.. فتطلع له بوجه مزدر يقول بمرارة لاذعة
((بالتأكيد يعرف بأننا جديه، فهو يعي تماما بأنك والده!))
ثم استطرد من بين أسنانه مغمغما باشمئزاز
((هل تستلذ في تعريضنا لكل هذا؟ هل أنتَ مستمتع وأنت ترانا غارقين في الألم وجلد الذات؟ هل يرضيك أن تقتلنا؟))
عند هذه اللحظة وجدت زاهية نفسها ترفع كلتا يديها لتغمر وجه يزيد الصغير وتلومه بصوتٍ متهدج
((يزيد، لماذا يا حفيدي لم تخبرني بأنك ابن مَالك!))
أخفض يزيد عينيه وهو يشعر بضغط عصيب عليه! لا يعرف إذا ما كان أخطأ وبماذا أخطأ! خاصة ومن تكون جدته تعاود لومه بإلحاح وحرقة قلب
((لماذا يا حبيبي لماذا! أنتَ تكرهني الآن؟ أنتَ تكرهني!))
أغمضت زاهية عينيها وهي تتمتم بنفس الكلمات بنفس الألم حتى أخذت تنهت من تعب تكرارها وهتفت بفجيعة باكية كمن تحدث نفسها
((رباه! حفيدي يكرهني.. أنه يكرهني.. لا اصدق ذلك.. لطالما كنت اشعر بعواطف غريبة تجاهه.. وبدلا من أن استدل من خلالها بأنه من صلبي كانت أقسو عليه وأبغض رؤيته حتى لا تداهمني طيف تلك الحقيقة التي لم أجرأ حتى على تخيلها! كان عليّ أن اعرف بأنه حفيدي.. كان عليّ ذلك.. أي جدة متحجرة القلب ومنعدمة المشاعر أنا!))
فتحت زاهية عينيها تطالع زوجها الذي كان جسده الضخم في هذه اللحظة عبارة عن شعلة من المشاعر المتفجرة الغاضبة المكتومة لتتساءل بحرقة
((ما الذي علينا أن نفعله يا يعقوب؟ حفيدنا يكرهنا!))
أجابها يعقوب بنبرةٍ جافة حملت بردًا لاسعًا ونظره مسدد نحو مَالك
((علينا أن نعيد تربية ابنك الطويل الواقف هناك، لو كسرت رأسه الصلب هل سيلومني أحد؟))
انتفض يزيد الصغير في هذه اللحظة من بين يديه جدته وتطلع نحو جده هاتفًا بذعر
((لا أرجوك لا تفعل ذلك..))
كان يعقوب يريد إكمال حديثه إلا أن كلمات حفيده الصغير التي تناهت على مسامعه جعلت صوته يخونه.. وتخنقه العبرات وتهتز روحه كلها داخل جسده وكأنها تئن!
في حين اضطربت عواطف مَالك كالموج البارد.. تغرق قلبه وكيانه!
لطالما حرص على إخفاء حقيقة يزيد لا لشيء إلا لكسب ود سمية وفعل ما يريحها.. ولم يفكر يوما إذا كان إخفاء هذه الحقيقة الخطيرة من مصلحة يزيد أو لا.. بل هل تؤذيه أو لا! لكنه الآن وفقط أدرك فداحة ظلمه لابنه!
فرفع كفيه ليغرز أصابعه في شعره يضغط رأسه كأنه يريد تحطيمه.. فعقله القابع داخل هذا الرأس لم يسعفه ويبين له يوما فظاعة ما فعله!
في هذه اللحظة قطع هذه الأجواء المتوترة صوت فتح رتيل الباب ودلوفها للداخل ومن خلفها سمية تقول بخفوت مرتبك
((السلام عليكم جميعا.. كيف حالكم؟))
عند هذه اللحظة صوب يعقوب عيناه نحو سمية يطالعها بنظرات ساخطة أثارت الذعر في قلبها مِمّا ينتظرها وهتف
((ها قد جاءت زوجتك التي كنت تتحايل معي لأزوجها لك لأكتشف في النهاية بأنه زوجتك وأم ابنك بالفعل))
ازداد قلب سمية انتفاضا وتطلعت على الفور لمَالك تسأله بتلججٍ وذعر
((هل أخبرت والدك بكل شيء؟))
رشقته سمية بلوم وعتاب! لم يتفقا على إخباره بتلك الطريقة دون تمهيد! كيف فعل بها هذا ووضعها في موقف مخزي كهذا!
فهم مَالك الذي كان يبادلها النظرات ما تفكر بها وأشفق عليها مما ينتظرها رغم أن موقفه كان أسوأ! فازدرد غصة مسننة قبل أن يقول بصوتٍ فيه بحة
((لا، لم أخبره ولا أدري كيف عرف))
ثم طالع والده يكمل
((وسمية ليست زوجتي، نعم لقد كنا متزوجين منذ سنوات، زواج استمر لأقل من سنة واحدة، لكن انفصلنا بعد ذلك.. وكنا نخطط لأخذ موافقتكما قبل أن نعود لبعضنا، وهذا ما حصلنا عليه))
هتف يعقوب بابنه ساخطا
((لقد أخذت موافقتنا على أنه زواج طبيعي أول.. لقد تلاعبت بكلامك فينا.. لحظة..))
لف شيء من الشحوب وجه يعقوب وهو يشرد بنظره بعيدا متمما بتيقظ تائه
((لحظة.. هل قلت لي بأن زواجكما لم يزد عن سنة؟ إذن.. هل.. هل يمكن.. بأنكما تزوجتما لتنجبا يزيد ثم تطلقتما؟))
أغمض يعقوب عينيه للحظات يجد صعوبة حتى في التفكير بأمر كهذا لينطقه! لكنه أعاد سؤاله مجددًا بصوتٍ غريب.. شديد العمق والخطورة
((هل كان سبب الزواج.. هل كان والعياذ بالله سبب هذا الزواج لحملها أو..))
جحظت عينا مَالك ما إن فهم مقصد والده وسارع بانفعال دون سيطرة يصحح
((لا يا أبي، اقسم لك بالله العظيم بأني لم ألمس ولو شعره منها قبل عقد القران بيننا وأثباته في المحكمة، هي فقط مرة واحدة التي أمسكت يدها بغير وعي وصفعتني، وحدث هذا الموقف أمامك أنتَ))
صمت مَالك بعدها وصدره يعلو ويهبط بقوة وأنفاسه محتدمة.. وكأنه يزأر.. يزأر بالألم وعيناه تكادان تخرجان من محجريهما من شدة انفعاله..
نادم على كل شيء فعله وخطط له تسبب بجعل من حوله يسيئون الظن به وسمية!
همس يعقوب بازدراء وخشونة
((وهل هذا يقلل من حجم المصيبة التي قمت بها! لو أبرحتك الآن ضربا ولساعات فليس لأحد حق الاعتراض..))
هذه المرة انتفض يزيد كله وتملص من يديّ جدته بقوة ليندفع متقدما نحو مَالك.. يقف أمامه ويرفع كلتا ذراعيه بحمائية عفوية.. ويواجه جده قائلا بشجاعة رغم امتزاجها بالخوف
((لا أرجوك لا تضرب عمي مَالك..))
عض مَالك على شفته السفلى بوجع.. وإقدام طفله الصغير بالدفاع عنه يدفعه للبكاء بعذابه..
أما زاهية فاعتصرت نظرات حفيدها الملتاعة قلبها..
ترققت ملامح يعقوب المحتدة لما سمعه وبالكاد تماسك بصلابة ألا ينهار وهو يلامس كل هذا الحنان الفياض القابع بداخل حفيده تجاه مَالك رغم عدم استحقاقه له..
فابتلع مشاعره وتعابيره وغللها بإجحاف لا يريد فعل أو قول شيء لمَالك يحزن حفيده! لكنه مع ذلك هتف بغضب ملامحه ونبرته المشحونة
((إنه ليس عمك.. بل والدك يا يزيد.. والدك))
نكس يزيد وجهه أرضا في حين أنخفض مَالك لمستواه.. أحاط كتفيه وأداره له يضمه لصدره بقوة شعوره بالذنب تجاهه..
أما سمية التي كانت تناظر هذا المشهد تنفست بحرارة وهي تقول بصوتها الرقيق المتذبذب ليعقوب
((إنه يعرف بأنه والده.. لكن كنت ألقنه أن يدعوه بـ"عم" حتى لا يتعود لسانها على نطقها بغير وعي أو إدراك أمام أحد ويشتبه بالحقيقة))
انكمشت ملامح يعقوب الذي كان يبادل سمية النظر باشمئزاز منها..
كانت تعرف أنها الملامة الأكبر فهي الأنضج سنا ومن يفترض أن تكون الأوعى لكن يعقوب لن يلوم أحد إلا ابنه ففي عُرفه الرجل دائما من يتحمل المسؤولية الأكبر في الخطأ! لذا عاد يطالع ابنه مغمغمًا بصوتٍ سقيم
((من الجيد بأنه لا يناديك بـ "أبي" فأنتَ لا تستحق هذا اللقب، أنتَ لم تكن موجود له إلا كاسم في شهادة ميلاده لكنك في الحقيقة كالميت له تماما، ما فعلته بابنك هو انتكاسة للفطرة وآلام لها صدى سيؤثر على تفكيره للأبد))
عقد مَالك حاجبيه بشدة وكلمات والده اللاذعة تخترق روحه فتحرقها في عذاب لا ينتهي..
مسد يعقوب على صدره المُطبَق عليه بأنفاسه المختنقة مرددا بنبرة خافتة
((أنتما الاثنين بلا ضمير ولا أخلاق.. لماذا فعلتما ما فعلتماه! لماذا! لماذا! لماذا قد تحرمان حفيد من جديه.. لماذا تحرمانه حقه في النشوء في بيت عائلة أبيه والتمتع بكل حقوقه كاملة كحفيد للكانز!))
عقد مُؤيد حاجبيه وهو يناظر حركة يد والده فوق صدره فاقترب منه وامسك ذراعيه يدعوه للجلوس برجاء ضمني
((اهدأ يا أبي، أرجوك استرح، أنا قلق على صحتك))
غمغم يعقوب بقهر الرجال
((وهل بقي عندي صحة بعد الصدمة هذه التي عرفناها عن أخيك!))
أصر عليه مُؤيد بإلحاح
((حتى ولو يا أبي.. أرجوك اجلس.. أرجوك.. أن شاء الله لن يحدث إلا كل خير))
استجاب يعقوب لابنه وجلس بجانب زوجته التي كانت تكتم شهقاتها فربت بكفه فوق كتفها يهدئها ثم غمغم بخشونة
((بالطبع لن يحدث إلا خير.. فكما حرمونا من حفيدنا الذي لم نكن نعرف عن تواجده سأحرمهما إياه لأخر العمر.. هل تسمع أيها المنحط عديم الإنسانية؟))
تدخلت سمية على الفور هاتفة
((لا يا حاج يعقوب، إنه خطئي، خطئي بالكامل ومَالك ليس له ذنب فيما حدث، كل ما في الأمر أنه كان يجاريني.. أرجوك سامحني..))
تنحنحت مرارًا ليخرج صوتها بلا بحةٍ فيظنها محاولة بائسة منها لتثير شفقته قبل أن تستطرد
((اعترف أنه خطئي وأتحمل مسؤوليته كاملة، لم يكن عليّ قبول الزواج من مَالك منذ البداية.. لم يكن عليّ أن اقبل ذلك وأورطه مع امرأة تكبره عمرا.. ولكن إلا ابني.. لن أتحمل أن تبعده عني.. إنه سندي وأخر ما تبقي لي في هذه الحياة))
صرخ مَالك بها باحتدام
((توقفي يا سمية عما تقولينه وإظهاري بمظهر الغر عديم المسؤولية حتى وأنا أقف أمامك كرجل في نهاية العشرينات من عمره..))
تشدق يعقوب بمرارة هاتفًا بابنه
((رجل؟ رجل؟ هل تطلق على نفسك رجل أيها المنحط؟ أنت لا تتمتع بذرة رجولة أو أبوة.. ابنك لما يزيد عن السبع سنوات نشأ هنا كابن بستانية في حين أولاد عمه الذين يماثلونه عمرا يمشون مرفوعين الراس متفاخرين بأصلهم واسم عشيرتهم.. وتعتبر نفسك رجل؟))
امسك مُؤيد كتف والده يحثه على الهدوء مجددا فنفضها يعقوب هاتفًا بانفعال
((ابتعد عني يا مُؤيد ودعني أللقن هذا المتبختر بنفسه درسا لن ينساه.. سأمحي ملامح وجهه هذه وأشوهها..))
شدد يزيد من احتضان والده وهو يهتف بصوتٍ متهدج
((لا أرجوك، لا تضربه.. أرجوك لا تقترب منه.. لن أسمح لك..))
شعر مَالك بقلق ابنه ورعبه يتفاقم.. فهمس له بحنان وهو يحرر نفسه منه
((يزيد حبيبي ابتعد قليلا عني..))
استقام مَالك واقفا فنظر يزيد للأعلى له هادرًا بوجهه الأحمر الغارق في دموعه
((لن اسمحَ لأحد أن يمسك بسوء..))
اختلجت شفتا زاهية لوعة.. فدمدم يعقوب
((هل تدرك يا مَالك الآن كم أنتَ نذل؟ بل عار على الأبوة.. تبا لك يا مَالك.. تبا لك.. لا تستحق دفاع ابنك عنك أبدًا!))
ثم استطرد كلامه ساخطا بصوتٍ جهوري
((غادر يا مَالك الآن فأنا لا أريد أن أراك هنا ولا لثانية إضافية))
أمسك يزيد ذراع والده بقوة وغمغم بتوسل بعد أن انفجر ببكاء مرير
((لا.. لا تتركني.. أرجوك لا تذهب.. ألم تعدني بالعودة لأمي والعيش معها تحت سقف بيت واحد كعائلة طبيعية؟ هل ستتراجع عن وعدك؟))
ازدرد يعقوب ريقه وهو يشعر بمشاعره تتضارب داخله بعنف بينما يناظر حفيده الذي يطل من كلامه احتياج صارخ لوالده وحب جارف.. فاستقام واقفا يقول بصوتٍ أجوف عميق
((اتركه يا مَالك وألحقني الآن..))
اتجهت أنظارهم ليعقوب وهو يغادر الغرفة بصلابته لا يبدو عليه احتدامات مشاعره..
غمر مَالك يده بشعر يزيد المموج ثم ابتسم لعينيه هامسا بما يطمئنه
((سأذهب خلف والدي لأرى ماذا يريد ثم سأعود إلى هنا، فتوقف عن البكاء وابقَ قويا كما عهدتك))
أومأ يزيد له وهو يضم شفتيه يمنع نفسه من النحيب وأصابعه الممسكة بذراع مَالك تتراخى تدريجيا..
غادر مالك الغرفة يتبع والده وبتلقائية لحق بهم مُؤيد..
سارعت زاهية تمد يديها ليزيد هاتفة برجاء
((تعال يا حفيدي..))
ظل يزيد جامدا بينما تسحبه جدته وتضمه لصدرها.. ولم يقل شيئا إلا بعد دقائق وهو يناظر والدته الصامتة بينما تقف في الزاوية
((أمي لماذا طلب منه أن يتبعه؟ ماذا سيفعل معه فقد بدا غاضبا جدًّا؟))
رفعت سمية وجهها له وقالت مبتسمة بذبول
((لن يفعل شيء له يا حبيبي))
تطلعت زاهية نحوها لتهتف بحدة وكأنها انتبهت لبقائها
((لا تتحدثي معه واخرجي من هنا حالا))
تلعثمت سمية باعتراض ورجاء
((ولكن يا حاجة زاهية أنا..))
علا صوت زاهية أكثر
((أخرجيها يا رتيل من هنا قبل أن تنفلت أعصابي عليها))
تململ يزيد من أحضان جدته هادرًا بنفور
((سأذهب معها..))
تطلعت زاهية بذعر لحفيدها وهتفت وهي تحكم من إمساكه
((لا لن تذهب.. لا يا يزيد أنتَ مكانك هنا.. لا تفكر بالرحيل من هنا.. لا أنا لن أتحمل))
تطلعت رتيل بتجهم لسمية ووبختها
((حثيه يا سمية على البقاء هنا.. هل تريدين أن تلقى عمتي حتفها بسببك!))
لف الذنب سمية وقالت لولدها بحنان
((سأعود سريعا يا يزيد، عليك أن تظل هنا مع جدتك))
اغرورقت عينا يزيد بالعبرات وذابت نظراته في عينيها وهو يقول
((ولكني لا أحبها.. لا أحب أن أبقى هنا معهم وحيدا))
تجمدت دماء زاهية لما تسمعه بينما يديها التي تضمان حفيدها تتراخى عنه! لم تعتقد إنه يكن له مشاعر غير هذه لكن يظل سماعها صريحة واضحة من حفيدها لهو أمرا مفجع.. وأضعف مما يتحمله قلبها الضعيف!
اقتربت سمية نحو ابنها تقول بصوتٍ متحشرج وهي تحيط وجهه بكلتا يديها
((ألم تكن متحمسا قبلا للسكن هنا؟ ألم تكن متلهفا أن يكون عندك غرفة هنا؟ ماذا تغير الآن يا يزيد!))
ردّ يزيد بصوته المتهدج
((كنت متلهفا للعيش هنا لان عمي مَالك يسكن هنا.. كنت أريد أن أكون في أي مكان يكون هو فيه حتى أكون معكما..))
عقبت رتيل وهي تلكز سمية بخفة وتناظر وجه حماتها الشاحب
((انظري ما حدث لعمتي بسببك! غادري واتركيه هنا..))
أغمض يزيد عينيه ودموعه الحارة تتدفق باستمرار ثم رفع يده يحاول أمساك والدته مغمغما بأنفاس متقطعة
((لا أمي لا تذهبي أرجوكِ.. لا تذهبي..))
منعت سمية نفسها مشاركته البكاء بشق الأنفس وهي تأمره برجاء معجون بالحزم
((يزيد حبيبي أنتَ ولد مطيع، سأعود قريبا لأخذك لكن عليك أن تبقى هنا الآن))
واستدارت على عقبيها مغادرة الغرفة قبل أن يصبح الأمر أصعب عليها! عليها أن تذهب للحاج يعقوب وتحاول شرح المزيد له.. لن تستطيع ترك مَالك بمفرده وهي المسؤولة عن كل شيء!
تطلع يزيد الباكي لرتيل.. أقرب الأشخاص هنا له بعد مَالك وتوسل لها بصوته المهتز الرقيق
((أنا أريد اللحاق بها.. لا أحب أن أظل هنا وحيدا بدون أمي أو.. أو عمي مَالك))
أشاحت رتيل بوجهها بعيدا ولم تعرف ماذا تقول بينما أدارت زاهية وجه يزيد لها وهي تدمدم بصوتٍ معذب
((يزيد أنتَ تكرهني! صحيح؟))
انهمرت عبراتها عنوة تزامنًا مع زيادة اتساع بؤبؤيها..
سهام كلمات حفيدها التي نطقها قبل دقيقة مازالت منغمسة في صميمها حتى نزفت تعابيرها بالشجن والعذاب.. فألحت عليه بقهر وألم
((أنا هي جدتك.. أنا هي والدة أبيك.. أنتَ كنت تعرف ذلك من قبل.. لماذا لم تخبرني بحقيقتك؟ لماذا جاريت والديّك في إخفاء الأمر عنا؟))
جفلت قليلا كمن تذكرت شيئا ثم قالت بلهفة وهي تجتذبه نحوه
((يزيد.. هل تعرف لماذا اختار والديك اسم يزيد لك؟ هل أخبرك السبب))
نسي الصغير كل شيء حوله قليلا وركز بملامح جدته وهو يجيب ببراءة
((إنه اسم والدك.. قال بأنك كنتي ترغبين أن يكون أسم أحد أحفادك يزيد ولكن العم مُؤيد رفض..))
رغما عنها أفلتت زاهية ضحكة حلوة قصيرة منها لتميل بفمها وتلثم باطن كفه فيرتعش قلبه وهو يسمح لها أن تجتذبه منها أكثر وتحتضنه..
أسندت زاهية ذقنها فوق رأس الصغير وعَبرة من بحر دموعها سالت من عينها لتعبر من خدها الى وجنة حفيدها..
ثم أغمضت عينيها محاولة التغلب على ذلك الشعور القاسي.. فكم من مرة تعاملت بجفاء وبرود وقسوة وتعالي مع هذا الطفل الصغيرة جاهلة أنه حفيدها!
كم من مرة أظهرت له النفور والمقت كلما حاول أن يتعامل مع مَالك أو ينخرط في اللعب مع أولاد مُؤيد!
هل يمكن لطفل صغير مثله أن ينسى كل هذا ويتعامل معها فجأة كجدته؟
فتحت زاهية عينيها متنهدة بحرقة قلب لتغمغم بصعوبة
((قل لي "جدتي" يا يزيد.. أرجوك قلها لي..))
خيم صمت طويل بينهما وابتعدت زاهية قليلا عنه تطالع ملامحه بعمق طاف على محياها وهي لا تزال تحتضنه..
في البداية كان يزيد متشنجًا رافضًا لكن شيئا فشيئا تراخى جسده قليلًا ليهمس بصوته الطفولي الرقيق
((جدتي..))
ابتسمت زاهية وعيناها تشعان بوهج حنون خاص قائلة بنبرة متحشرجة
((دائما قلها لي يا يزيد.. فأنا جدتك))
تجمعت المزيد من الدموع في عينيها وضمت كفيّه الصغيران بيديها هادرة بندم حقيقي
((سامحني يا يزيد على تعاملي السابق معك، لقد كنت قاسية عليك دون أن اعرف بأنك حفيدي.. لكن منبع تلك القسوة كانت ريبتي الرهيبة من كل شيء متعلق بك.. وذلك الشعور الخانق الذي لا أجد له تفسيرا كلما مررت من جانبي.. وكلما نطق أحد اسمك.. وكلما تعامل معك مَالك بأبوة عجيبة.. وكلما نظرة إلى وجهك الشبيه بوجه أبيك))
احتارت ملامح يزيد وهو لا يبدي شيئا بينما يحتفظ بالصمت.. بعد لحظات نكس رأسه قليلا ثم همس بشيء من التردد
((أريد أمي..))
تضايقت ملامح زاهية وهي تقول
((لن تذهب لامك.. أنتَ ابن الكانز.. مكانك هنا.. يكفي تلك السنين التي فاتتنا دون أن نعرف حقيقتك..))
عاد يزيد يتشنج قليلا ثم قال بقلق عارم
((ألن أعود لأمي؟ خالة رتيل أنا أريد أمي))
تطلع أثناء جملته الثانية نحو رتيل متضرعا فقالت برجاء وتأني لحماتها
((لا تضغطي عليه يا عمتي وأرسليه لامه))
غمغمت زاهية بامتعاض وقهر
((أخبريه هو ألا يضغط عليّ ولا يحرمني منه بعد ما عرفت من يكون))
ثم تطلعت لعيني يزيد البريئة تقول باختناق وحرقة قلب
((يزيد أنا بحاجة أن أزيل كل ما شعرت به بسبب ا كنت أقوم به وافعله في الماضي بك، أنا بحاجة أن أكون جيدة معك وان افعل ما يستوجب منك مسامحتي))
لم يجد يزيد ما يجيب عليه إلا أن يتنهد بثقل لا يُحتَمل على صدره المنقبض.. فعادت زاهية تحتضنه وشيء في يزيد جعله رغم عدم اقتناعه يحاوطها بذراعيه في صمت ليحتضنها هو الآخر..
بقيا للحظات طوال هكذا متعانقين..
راقبتهما متجهمة بعينين مثقلتين حزنا عليهم وتعاطفًا وهي لا تجد ماذا تقول أو تفعل فغادرت المكان تعطي حماتها المساحة لتبقى مع حفيدها الذي عاش عمرا دون أن تعرف عنه شيئا..
=============================
في مجلس الرجال..
وقع نظر يعقوب على سوط مخبأ عند الزاوية فتقدم ناحيته يمسكه ثم يتلمسه بينما يقول بصوتٍ عميق أجوف
((الآن فقط أدركت فداحة خطئي عندما لم أعلق هذا السوط في البيت، فرؤية الأطفال للعصا والخوف منها هو ما يردعهم عن الخطأ ويُقوم أخلاقهم وسلوكهم ويجعلهم يسارعون إلى الالتزام، فالطفل إذا لم يحاسب على عناده ومشاكسته وأخطائه يكبر وهو يعلم بأنه مهما فعل فلن يعاقب))
ثم نظر ناحية مَالك يستطرد بصرامة
((كنت دائما ما أقول لأمك في تعاملها معك أنتَ وتؤامك أن الطفل بحاجة إلى علاج بالتأديب، لكي يحس بأن الأمر جادًا لا هزل فيه، فعندما يذوق ألم التأديب، يعرف قيمة الحنان والعاطفة التي تدفقت عليه من والديه قبل خطأه ويشعر بضرورة الانقياد والطاعة وحسن الخلق، لكنها كانت دائما ما تكتفي بشد الأذن ليعرف الواحد منكما ألم المخالفة وسرعان ما تضعف أمامكما، والنتيجة أنكما الاثنين دون أخوتكم كسرتما ظهري، ونكستما من هامتي.. وكأنه لن يهدأ لكما بالا قبل أن تفضحاني في كل أرجاء القرية..))
دمدم مَالك بصلابة وبصوت مثقل
((أنا لم أخطأ يا أبي، لا في زواجي منها ولا في انجابنا ليزيد، ربما كان الأجدر بنا ألا نخفي الحقيقة عنكم لكن كانت لدينا أسبابنا، على كلٍ إذا كنت ترى بأني مخطأ واستحق العقاب بالسوط التي تمسكه فيمكنك ذلك.. ابرحني ضربا على كل خطأ اقترفته منذ طفولتي وحتى الآن))
اتسعت عينا يعقوب من استهانة واستهتار حديث ابنه فطالع مُؤيد يهتف منفعلا بدون تصديق
((انظر لأخيك كيف يتحدث بتبجح معي دون أن يرف له جفن، والأنكى بأنه لا يرى نفسه مخطئا أبدًا.. بؤسا ليزيد لامتلاكه أبا مثله.. حرمه من أقل وابسط حقوقه ولا يبدِ أي ندم على ما فعله رغم أن الندم لن يغير شيء))
ثم طالع مَالك يصرخ به بأعصاب منفلتة
((هل تظن لمجرد أنك والده فسيكون لك على ابنك حقوقا مهما فعلت أو لم تفعل؟))
في نهاية حديثه تصاعد احمرار وجهه ونفرت عروقه كأعمدة بركان تتدفق حممه سخطًا فأمسك مُؤيد كتفه يحثه بهدوء
((تمَالك يا أبي نفسك واجلس قبل كل شيء..))
هتف مَالك مبررا
((نعم أنا اعترف بأنني ظلمت يزيد ولكن كما قلت لك كان لدي أسبابي وفعلت ما رأيت بأنه سيكون الأفضل له..))
قاطعه الحاج يعقوب صارخا باستنكار
((وما هي هذه الأسباب؟ أفحمني بها وبرر الجريمة التي ارتكبتها بحق ابنك قبل أن تكون بحق أحد أخر..))
برر مَالك ناشدا تفهمه
((لقد خفتُ إن عرفتم حقيقة يزيد وطلاقي لأمه أن تنتزعاه منها رغما عنها، وهي كانت متعلقة به جدًّا ولم تكن لتتحمل أن تبتعد عنه، ولم أكن لأقدر آنذاك على فعل شيء ومؤازرتها ضدكم لأني أعيش تحت ظلكم لعدم امتلاكي وظيفة تدر دخلا عليّ أو مكان أخر..))
قست عينا يعقوب ليقول بعنفه الغير طبيعي
((تقف بجانبها ضدنا؟ هل أنتَ مجنون؟ هل أخذت سمية كل عقلك إلى الحد الذي أنتَ فيه مستعد أنتَ تقف معها ضدنا؟))
اهتاجت ملامح يعقوب أكثر فاستقام يتابع كلامه بصوته الناري
((ابتعد يا مُؤيد واتركني ألقنه درسا لا ينساه، اخرج من هنا إذا كانت نيتك أن تحميه مني وتدافع عنه))
أبعد مُؤيد يده التي كانت مرتاحة على كتف والده وقال ببراءة
((أبي أنا امسك كتفك فقط ولا أمنعك عنه، لم أتي هنا لأدافع عنه بل لأشد على ازرك، ابرحه ضربا.. لكن دون أن تضغط على أعصابك أكثر))
أطبق مَالك على أسنانه وهتف بأخيه بشراسة
((مُؤيد ابتعد من هنا ستنحدر الأمور لمنعطف أسوء بسببك..))
صرخ مُؤيد في مَالك
((ماضيك المخزي هو ما سيجرك أنت إلى منحدر أسوء.. كيف سنخبر الآن كل من في القرية عن زواجك وابنك الغير معلن به.. ها أخبرنا بالله عليك كيف؟))
غلت الدماء في عروق يعقوب عند هذه النقطة فهتف بصوتٍ مجهد والقلق من القادم يستبد به
((هذا موضوع ثاني لم ندخل له بعد.. ماذا سيقول وجهاء القرية وأقاربنا وكل من حولنا عندما يعرفون بأن ابني تزوج سرا وعنده ابن يتجاوز عمره السبع سنوات! سيظنون الظنون الرابيات عنه وكلٌ سيؤلف على مزاجه سبب زواج مَالك من تلك البستانية وإخفائه لسنوات طويلة!))
تنهد مُؤيد وكتف ذراعيه مضخما من المصيبة
((معك حق يا أبي، مهما حاولت تخيل ماذا سيحدث عندما يعرف الجميع فوقع الأمر في الواقع سيكون أسوء.. كيف سنُعلم خدمنا وعمالنا ومن يعرفون البستانية سمية وأبنها بأنه ابن مَالك وحفيد يعقوب الكانز! يا إلهي الأمر أعقد وأسوأ مما قد نتخيله! هل قتل مَالك حلال يا أبي؟ لأنه من وجهة نظري لا حل أمامنا إلا إلقاء مدلل امه من وادي سحيق وإخفاء حقيقة يزيد.. أفضل وأسلم حل))
تمتم مَالك وعيناه تبرقان بالغضب
((مُؤيد اخرس وابتعد من هنا قبل أن أبرحك ضربًا..))
صرخ يعقوب بعلو صوته على مَالك
((اخرس أنتَ أيها النذل، أخاك معه حق..))
علا الدم في عروق مَالك حتى كاد ينفجر من عينيه المحمرتين وهو يقول بقهر
((أبي للمرة الثانية فأنا اقسم لك بأني لم اقترب منها قبل عقد قراننا وتثبيته في المحكمة! لذا توقفت أنتَ وابنك عن التلميح..))
نظرة سخرية لاذعة أطلّت من عيني يعقوب ليقول
((أقسمت لنا وصدقناك وماذا بشأن الناس؟ هل ستذهب لكل بيت في القرية بيتًا، بيتًا تلقى على مسامعهم أغلط الأيمان بأنك لم تخطئ مع سمية؟))
حافظ مَالك على رباطة جأشه مخالفا
((أبي هناك أوراق رسمية وهوية وسجل عائلي ليزيد لا يستطيع أحد أن يتجرأ ولو بكلمة..))
انفجر يعقوب به صارخا باستهجان
((أيها اللعين الأهوج أهون ما قد يخطر على بالهم عند انتشار حقيقة هو أن يزيد نتاج خطيئة ابن الكانز مع احدى العاملات عنده! والله ظنونهم وشكوكهم ستكون كالأنياب الشرسة التي تنهشنا بلا رحمة أو شفقة))
طفح الذنب على ملامح مَالك.. وكاد تأنيب الضمير في هذه اللحظة أن يلتهمه بلا هوادة.. كل دقيقة تمر عليه يدرك عظم خطأه.. لماذا لم تتبادر كل هذه الأمور على ذهنه سابقا؟ لماذا لم يحسب حساب ظلمه ليزيد ولعائلته عندما وافق سمية على إخفاء هذه الحقيقة؟
تزايدت وتيرة أنفاس يعقوب وتعالت فأنبه مؤيد
((أبي صحتك يا أبي، لا يجب أن تنفعل وتضر نفسك.. العصا قريبة منك استخدمها وأكسرها على رأسه.. أسهل من فك اللجام عن أعصابك في الحديث مع ثور عنيد مثله لا يرى أي خطأ في الجريمة التي اقترفها بحق اسم عائلتنا..))
تمتم يعقوب بصوتٍ ثقيل لا حياة فيه
((حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا مَالك.. ظلمت ولدك منذ ولادته وستفضحنا في القرية كاملة بعد أن تنتشر حقيقة الصغير.. حسبي الله ونعم الوكيل))
احتقن وجه مَالك بعذاب وهو يسمع احتساب والده عليه!
يشهد الله عليه بأنه لم يقصد إيذاء ابنه أو عائلته أو يتصرف بهذه الشكل الذي يشير لشاب أهوج أرعن.. لكن الظروف وصغر سنة وخبرته تكالبت عليه ليفعل ما فعله!
حاول أن يتمَالك نفسه وهو يقول بصوتٍ متحشرج دون قدرة له على مواجهة أبيه
((أبي أنا اسف.. اعرف بأن الأسف لن يغير شيء ولكن لو عاد بي الزمن فلا أظن بأن تصرفي سيتغير، لأني متأكد بأنكم لو عرفتم آنذاك بأني تزوجتُ من سمية ستأخذون الطفل منها وانا لن أتحمل أن أراكم تحرمونها منه واقف مكتوف اليدين أمامها))
عقد مُؤيد حاجبيه باحتقار تجاه أخيه! حتى هذه اللحظة يصر على التمسك بسمية رغم كل ما آل له الحال! كل هذا بسبب حبه السخيف لها..
حمد الله في سره بأن الله لم يبتليه في حياته بحبٍ كهذا لامرأة يقل من قدره وقيمته ويستجلب له غضب ونقمة والديه.. الحب هو امر مبتذل لا فائدة منه..
فرفع رأسه نحو مَالك يقول بصوتٍ واجم حازم
((بالتأكيد كنا سننزعه منه ونحرمها إياه، كنت أخذته وجعلت زوجتي ترضعه وتعامله كابن لها كباسم وفهد، على الأقل حتى تتزوج مرة أخرى وتجلب امرأة تكون أما له.. وهل كنا لنقبل أن تربى بستانية ابننا بعد أن تنفصل عنك؟))
أثارت كلمات مُؤيد الأخيرة في يعقوب شيء من الاحتدام ليقر
((لو أخبرتنا في نفس الوقت الذي تزوجت منها قبل سنوات لربما والله منعت حدوث الطلاق بينكما.. أما الآن والجميع يعرف بأن يزيد هو ابن زوج سمية الثاني الذي كان من خارج القرية فقد تعقد كل شيء))
ازداد انعقاد حاجبي مُؤيد لما أشار عليه والده فقال بتساؤل مستغرب
((لكن.. لماذا انفصلت عنها من الأساس يا مَالك إذا كانت لديك نية للرجوع لها!))
زاغت عينا مَالك وهو يجيبه
((لم أكن أريد الطلاق أبدًا لكن إصرارها الشديد جعلني أوافق على أمل العودة لاحقا بعد أن أتخرج وأكون نفسي وأكون رجلا يستحق المسؤولية بنظرها))
هتف مُؤيد وهو يرمي أخاه بنظرات الاحتقار
((وأنت بكل هوان أطعتها؟ جعلت امرأة ناقصة عقل تحكمها العاطفة تتحكم بك؟ عار عليك يا مَالك.. لا والأنكى بأنك لم تجد نفسك جاهزا لتحمل المسؤولية إلا بعد كل هذه السنوات! برأيي كان عليك أن تنتظر حتى يتزوج ابنك لتتزوجها.. كم سيكون مؤثرا أن يتزوج الأب والابن في نفس اليوم))
لم يعقب مَالك بل ظل صامتا يطبق على أسنانه ودماؤه تندفع تعمي بصره تجاه مُؤيد..
لكنه وجد نفسه مسيرا لا مخيرا يصرخ في النهاية به بكل نيران الغضب المندلعة داخله
((توقف عن السخرية يا مُؤيد وأغرب من هنا))
كسا الجمود محيا يعقوب وهو يقترب من مَالك قائلا
((أنتَ من عليك أنتَ تغرب من هنا.. بل من القصر كله.. لن تتزوجها يا مَالك.. لا تحلم بهذا.. انسَ أن هناك امرأة تدعى سمية كما عليها هي أن تنسى هي أن لها ابن اسمه يزيد..))
زمّ مَالك شفتيه للحظات ثم رفع ذقنه هادرا
((أبي يمكننا التناقش في كل شيء إلا في موضوع سمية.. زواجي منها محسوم، حتى أنت لا حق لك بمنعي من إتمامه، سيبقى موعد زواجنا كما هو، الدعوات جهزناها وبقي أن نعلم أهل القرية به..))
بتر مَالك كلماته عندما لاحظ إغماض والده لعينيه وشبه فقدانه لتوازن.. فسارع يسنده ويسأله بلهفة قلقه
((أبي هل أنتَ بخير؟ هل أجلب جهاز قياس الضغط؟))
فتح يعقوب عينيه ينظر إليه مطولًا وهو يستعيد توازنه
((لست بخير بعد كل ما عرفته، لا اصدق أنك أنتَ يا مَالك الرزين العاقل الهادئ يخرج كل هذا منك.. لو كان تؤامك مَازن لما استغربت.. والله لم استغربت فقد كان منذ صغره شقيا مشاكا قليل دين! لقد كنت دائما اضرب فيك المثل للجميع يا مَالك يا من كنت أرى دائما أن عقلك أكبر وأنضج من سنك.. خيبت ظني بك.. خيبت كل ظنوني بك..))
ثم أشار له بيده يتابع زاهدا
((اذهب من أمامي.. اذهب وتزوجها ثم ابتعد من هنا ولا تريني وجهك لأخر العمر.. لكن لن أسامحك على ما فعلته بحفيدي الذي سيبقى معنا فيكفي ما فاتنا من عمر لم نشاركه معه))
تحاشى مَالك النظر في عيني أبيه بينما أنتشلهم من هذا الجو المتوتر صوت طرقات الباب التي أعلنت سمية فيها القدوم إلى هنا.. دخلت تحت نظراتهم الصادمة قبل أن تحاول التحلي بالثبات والصلابة وهي تقول
((اعرف يا حاج بأن أخر وجه تريد رؤيته هو أنا لكن أرجوك أعطني فرصة لأتحدث قليلا))
بقي يعقوب واقفا مكانه يقول بملامح غير مقروءة
((تحدثي يا سمية وبرري.. فخطؤك لا يقل شيئا عن خطأ ابني بل وربما أكثر.. هو كان في العشرين من عمره وأنتِ في السابعة والعشرين عندما تزوجتِ به من وراء ظهر عائلته))
أخذت سمية نفسًا عميقًا ثم قالت بصوتٍ مهتز
((معك كل الحق.. كنت الأكبر وكان يجدر بي أن أكون الأوعى، لكنني خذلت نفسي وخذلته في كل ما حدث..))
اهتزت شفتيها قليلا قبل أن تستطرد كلامها
((عندي بشرة حساسة تتأثر عند تدهور حالتي النفسية، وبعد طلاقي الأول كنت بحاجة لعلاج طويل الأجل في احدى المنتجعات القابعة في مدينة بعيدة عن هنا.. وآنذاك لم يكن عندي إلا أمي الضعيفة التي لم تكن تملك صحة أو طاقة كافية لتسافر معي.. كنت امرأة مكسورة وضعيفة فأقنعت مَالك أن يعقد قرآنه عليّ دون أن يثبته في المحكمة حتى يتمكن من مرافقتي طوال فترة مكوثي هناك))
التفت مَالك لها بملامحه الثائرة يقاطعها
((لم تقنعيني بل أنا من أقنعت والدتك أن تحثك على الزواج مني بذريعة مرافقتك للينابيع الحارة وأن تؤكد عليك بأنه سيكون زواجا صوريا حتى لا تعترضي.. وسوء حالتك النفسية آنذاك وافتقارك للتوازن هما ما جعلاكِ توافقين أنتِ دون جهد!))
ثم ناظر مَالك والده وملامحه الناقمة عليه مستطرد
((وبعدها يا أبي..))
قاطعه مُؤيد هادرا باشمئزاز
((لا تكمل، لقد فهمنا.. فهمنا.. الزواج الصوري لا ينفع معك.. لا داعي لتشرح لنا التفاصيل الباقية))
بدون تفكير اندفع مَالك نحو أخيه يمسك تلابيب قميصه ويجره للخارج صارخا
((غادر أيها الحقير من هنا.. لا أريد منك أن تسمع شيء مما ستقوله))
كاد مَالك الذي يفوق مُؤيد طولا أن ينجح في إخراج أخيه رغم احتجاج الأخر ومقاومته العنيفة لكن صوت والده جاء صارما وهو يأمرهما
((توقفا أنتما الاثنين عن هذه التصرفات الطفولية!))
ثم ناظر سمية بصرامة ملامحه يحثها على الإكمال لتسترسل
((بعد ما عرفت بأني حامل في يزيد، أدركت فداحة الخطأ فأخبرت مَالك بحملي وضغطت عليه حتى يطلقني.. فقد أشفقت عليّه.. ليس من السهل على شاب في العشرين من عمره أن يتحمل مسؤولية زوجة وابن بشكل مفاجئ.. فألحت في ابتزازه عاطفيا حتى يرضخ لطلبي ولا يعلمكم بشيء.. خاصة بأمر يزيد.. حتى لا تأخذاه مني.. أقنعته أن أرعاه حتى يكبر قليلا ووقتها فحتى لو انتزع مني سيعود في النهاية لي..))
خفت صوت سمية تدريجيا وهي تضع عينيها في عيني الحاج يعقوب.. لقد أنهت كل ما لديها وتأمل الآن فقط أن تحصل على تفهمه.. عطفه.. أو حتى إشفاقه!
لكن ملامحه ظلت كما هي وهو يردد عليها بصوتٍ واجم
((سمعت تبريرك للنهاية.. لكن لم اقتنع به.. مالك لا زال يريد الزواج منك، تزوجيه وعيشي معه لكن بعيدا عنا.. يزيد سيبقى هنا في قصر جده ولن يبرح المكان))
نال الذعر منها فهتفت له برجاء
((أنا لن أقدر على الاستغناء عن ابني يا حاج أرجوك.. مستعدة لأتحمل مسؤولية أخطائي لأخر لحظة وفعل ما تريده، لكن إلا ابني.. إلا يزيد))
هتف يعقوب بانفلات أعصاب
((حرضت ابني على إخفاء حقيقة يزيد خوفا من أن ينتزعه أحد منا.. الآن بنفسي سأحرمك منه لنهاية العمر وأحقق أكبر مخاوفك عقابا لك على ما فعلتيه، سأبكيك دما))
اقترب مَالك نحو والده بحذر هادرا
((أبي أنا أقدر غضبك لكن إذا أردت أن تنتقم من أحد أو تعاقبه فأنا هنا.. سأتحمل مسؤولية خطأها بما أني كنت آنذاك زوجا لها، لكن لن اسمح لك أن تبعد يزيد عنها..))
صمتت سمية للحظات وقد هدأ ارتجافها وومضت عينيها بشيء ما لتقول بصوتٍ ضعيف
((سأخضع لما تأمره يا حاج، لقد أدركت الآن فداحة خطأي بحق ابني لذا سأقبل حكمك..))
تغضن جبين مَالك وكذا أخيه باستغراب من كلامها.. لكنها لم تظهر أي تراجع على ما نطقت به، فشعر الحاج يعقوب بشيء من لظى نيرانه تُخمد.. فتمتم بخفوت بارد إنما قاتم
((غادري الآن هذا المكان ولا أريد رؤية وجهك ولا وجه متيمك))
=============================
خرجت سمية من قصر الحاج يعقوب متجهة نحو بيتها الصغير وهي تشعر بالترنح والتيه والتشوش.. لا تصدق ما آلت الأمور عليه..
سارع مَالك الذي كان يسير خلفها باستعجال خطواته ليجاريها ومشى بالقرب منها ليقول ببؤس
((لقد كان يفترض أن نتزوج بعد مدة وجيزة، حتى أن والدي طلب مني أن أعجل بإعداد بطاقات الدعوة.. كيف حدث واكتشفوا الحقيقة بهذه السرعة! تبا.. تبا.. تبا لكل شيء))
تنهدت سمية تلفظ الألم ثم تطلعت له تقول بغيظ
((توقــــف.. لقد عرفا والديك بكل ما حدث وهما الآن ساخطين علينا! لقد قرروا أن يفرقوا ابني عني وأنت لا تفكر بشيء غير هذا الزواج اللعين))
تطلع لها قائلا دون أن يرف له جفن
((فترة مؤقتة وسيهدئان.. ثم لا تشعريني بأن قد اقترفنا أمرا محرما! لقد تزوجنا وبمباركة والدتك! ليس هناك ما نخجل منه))
انفرجت به صارخة بغضب مشتعل
((بل أخطأنا وكل الخطأ علينا.. وأنت لم يكن عليك أن تكون ضحية أمي.. لم يكن عليك قبول ما طلبته منك))
قاطعها مَالك بامتعاض
((توقفي عن لوم نفسك وأمك رحمها الله وكأني كنت آنذاك مراهقا قاصرا تم استغلاله من قبلكما! في الأساس زواجنا كله كان فكرتي.. ألم تسمعي ما قلته قبل قليل أمام أبي؟))
لفها الارتباك وهي تسأله
((ما الذي تقوله؟ أمي قالت..))
قاطعها يصحح ظنونها
((أنا من كنت بعد طلاقك من كامل أزور والدتك بين الحين والأخر وأطمأن عليك، هي لم تكن تخبرني أي شيء في البداية لكن في احدى المرات انهارت مستسلمة أمامي وباحت لي بكل ما تمرين به، فاقترحت عليها الزواج منك ولكنها رفضت أن تزوجني إياك رغم عن والديّ لما لهما من فضل عليكم، وهنا كان دوري أشد في إقناعها أن يكون زواجنا في البداية سريا حتى ننجب..))
تجلى الذهول أكثر على ملامحها ليكمل مَالك بثبات
((وبالطبع كنت أعرف بأنك لن توافقي على أمر كهذا.. فشددت على أمك أن تخدعك وتقول بأنه لن يكون أكثر من زواج صوري من أجل أن يتاح لي مرافقتك للشلالات دون مانع..))
كان مَالك أثناء حديثه ينظر لها متمعنا في ذلك الحزن الطاغي الذي يسكنها وعندما انتهى أشاحت سمية بنظرها جانبا هادرة
((لا أدري كيف سأقدر على النوم الليلة بدونه))
تنهد بإجهاد قبل أن يقول
((أنتِ من رضخت لأمر أبي بتركه عندهم ولو تركتي الأمر لي لما قبلت أن نخرج دون يزيد.. لكن لا تقلقي.. هي ليلة واحدة أو ليلتين.. وسيعود يزيد لك.. والدي لا زال غاضبا وبحاجة للقليل من الوقت قبل أن يهدأ ويعود لحكمته المتأصلة به.. ليس عديم الرحمة ليحرم أم من ابنها، ثم نحن والديّه ولن يستطيع أحد مهما كان يتمتع من سلطة أو قرابة أن ينتزعه منا))
نكست سمية رأسها وران الصمت البائس بينهما لدقائق وهما على حالهما.. قبل أن تقطعه أخيرا بصوتٍ مرتجف بالتعب الواضح
((اشعر بأني منهكة، أكثر من أي وقت مضى))
فجأة بدأت الدموع تتساقط على وجنتها بطريقة رقيقة للغاية تناسب نعومتها.. فقال مالك بجدية يعنيها
((سمية دعينا الآن نتزوج.. أرجوكِ))
ردت عليه ببؤس كأنه هو الآخر مصدر تعب لها
((أجننت؟ هل هذا وقت الزواج؟))
لم تَقِل جديته وهو يلح بنفاد صبر ((بل وقته.. لا أتحمل وقوفي هنا أمامك دون أن املك حق في مواساتك أو احتوائك، ودون أنا امتلك حقا بلمس يدك أو مسح دمعة من عينيك))
هزت رأسها نافية وقد تكلل وجهها بالبؤس
((لا مَالك.. ليس وقته.. عائلتك ساخطة إلى حد كبير علينا وإذا ما عرفوا بأننا عقدنا القران.. مجددا.. فسيكرهوننا للأبد))
طل الإصرار متوهجا من خضرة عينيه ليقول بينما تتقبض يديه
((بل سنذهب الآن لنعقد قراننا ونتزوج..))
زجرته بعصبية رادعة
((لا مَالك لن نفعل))
رفع أصابعه يغرسها في خصلات شعره يكاد أن يقتلعها بعصبية لتتابع سمية كلامها
((لقد أذيت والديّك الاثنين بسبب زواجي السابق منك.. ولن نؤذيهم أكثر من ذلك))
أفضت سمية ما في جعبتها ثم استدارت على عقبيها تغادر المكان..
وصلت إلى منزلها وولجت إلى الداخل.. كتفاها متهدلان بيأس وعيناها خاملتان باستسلام مرير.. الألم ينهش عظامها.. شعرت بالأرض تميد بها والسماء تهتز رثاءً وألمًا عليها..
ألقت بجسدها على الفراش لتنفجر في البكار غير مصدقة ما ألت إليه الأمور حقا..
أما هو فضل واقفا مكانه ثم أرخى ذراعيه الى جانبيه وحلمه في الزواج من المرأة التي يريدها أن تصبح أمرأته للأبد قد انهار أمام عينيه..
رفع رأسه للسماء يتأملها للحظات طويلة وكأنه يبحث فيها عن ضالة مجهولة ينشدها..
=============================
في شقة مُصعب..
دلف مُصعب للمطبخ بخفة وهدوء واقترب من نورين التي كانت تقف أمام الموقد وهي تطهو الطعام واحتضنها من الخلف يحيط كتفيها بذراعيه..
جفلت نورين على أنفاسه الحارة التي لفحت رقبتها من الخلف وهو يهمس برقة بجانب أذنها
((ماذا تُعدين اليوم لنا؟))
ضحكت له بنعومة تجيبه
((وجبتك المفضلة))
غمر مُصعب وجهه في عنقها بتطلب رهيب يستنشق عبيرها بشوق.. فاعترضت بدلال منبهة
((مُصعب ليس الآن.. لا أستطيع ترك الطعام على النار))
نفض وجهه عنه وقال محاولا التيقظ
((معك حق.. سأساعدك))
عندما ابتعد عنها ليرتدي مئزر المطبخ لوحت باعتراض
((لا داعي فقد قاربت على الانتهاء.. سأقطع السلطة سريعا واضع طعام الغداء))
هدر وهو يفتح الثلاجة ويتناول مكونات السلطة
((لا بأس سأفعلها أنا))
خضعت لما يريده وتجلت ابتسامة على ثغرها لتقول
((رغم أني أحبك عائلتك الطيبين لكني أكثر سعادة منذ أن انتقلنا هنا))
تمتم لها بجدية اكتنفته
((الأمر لا يتعلق بكون أهلي طيبون أو لا، لكني أرى أن انتقالنا هنا أفضل لأنه من حقي أنا وأنتِ الانفراد بحياتنا الخاصة، فبقاؤنا في قصر العائلة كان يعيق من حميمية علاقتنا، سنواتي الأولى معك هي أثمن سنوات عمرنا، إن لم نعشها بالطريقة الصحيحة متى سنعيشها؟))
فجأة تحولت نبرته للمشاكسة وهو يكمل
((أريد أن استمتع برؤيتك طوال فترة تواجدي هنا بملابسك المثيرة الخاطفة للأنفاس.. أريدك أن تضلي تبهريني بأفكارك وحماسك من عشاء خاص وأجواء حميمة تمهرين في ابتكارها قبل أن ننجب أطفال ويخفت حماسك))
توردت ملامحها لما تسمعه منه بينما تعترض بدلال
((حتى لو أنجبت عشرة أبناء فلن أتوقف أبدًا عن ذلك))
وقف مُصعب بجانبها يبدأ بتقطيع الخضراوات واستمرا يتجاذبا الحديث وبين اللحظة والأخرى يشاكسها مُصعب بقبلة سريعة ويداعبها بهمسة غير آبها لاعتراضاتها المنهارة من بين ضحكاتها..
بمجرد أن أغلقت نار الموقد وجلبت طبقا كبيرا للسلطة التي أعدها.. حتى شعرت به يجتذبها له يضع جبينه فوق جبينها.. ثم يكتسحها بعاطفته لتجتاح أعماقها وتشل حركتها.. أغمضت عينيها واستسلمت بينما شعرت بقلبها يدوي كطبول عنيفة وقوية..
ابتعد عنها لاهثا من هول اشتياقه الذي تفجر كبركان ليقول بنبرة خافتة أنفاسه تتسارع مع دقات قلبه
((تبدين في هذه اللحظة شهية للأكل أكثر من طعام الغداء))
بشق الأنفس رفعت يدها تحاول أبعاده عنها وهي تهتف من بين أنفاسها المسروقة
((الجرس.. الجرس يا مُصعب.. يرن منذ وقت..))
ابتعد عنها بمضض بأنفاس لاهثة بعنف وسمعته يشتم بخفوت غاضبا وقد اخترقه أخيرا صوت الجرس..
حاولت أن تعتدل جالسة وقالت بصوتٍ جاف لاهث
((بسرعة اجب على الطارق.. أنه يرن الجرس بإلحاح منذ دقائق..))
غمر مُصعب أصابعه بشعره يحاول تمشيطه وهو يتجه نحو الباب هاتفا بصوتٍ حانق
((قادم.. قادم.. ستحرق الجرس.. توقف))
فتح مُصعب الباب وتبدلت ملامحه للتجهم وهو يطالع الطارق قبل أن يخفض نظره للطفل الصغير الذي يمسكه..
تنحنح مُؤيد قبل أن يتحدث بجفاء
((هل ستجعلني انتظر كثيرًا في الخارج يا مُصعب؟))
رفع مُصعب وجهه له وملامح تزداد تجهما قبل أن يقول وهو يبتعد جانيا يسمح له بالدخول
((فقط لان معك طفل صغير لن أطردك..))
دلف مُؤيد للداخل وترك يد الصغير ليستريح عند أقرب أريكة في الصالة هادرا
((إذن بدون أي مقدمات أنا اعتذر منك عن أفعالي وأقوالي التي بدرت مني في ذلك اليوم تجاه زوجتك..))
أوصد مصعب باب شقته ورفع إحدى حاجبيه ساخرا بقتامة
((تقصد منذ زواجي منها؟))
حاد مُؤيد بعينيه عنه وغمغم بضيق
((أيا كان.. المهم أنا اعتذر لك عن كل ذلك.. ونادي زوجتك لاعتذر منها.. وسأكرر اعتذاري مرة أخرى أمام جميع أفراد عائلتنا بعدما تعود))
استغرق الأمر مع مُصعب عدة دقائق يطالع أخيه بلا تعبير قبل أن يهتف عاليا
((نورين.. ضعي شيئا على رأسك وتعالي..))
بعد دقائق أخرى جاءت نورين للداخل بتوتر.. ثم وقفت خلف مُصعب هامسة
((ما الذي يريده أخاك مني؟))
التفت مُصعب لها وامسك كتفيها بكفيه يوقفها أمامه ثم تطلع لمُؤيد يحدجها بنظراته ليقوم بإبداء اعتذاره..
ازدرد مُؤيد لعابه المسنن ثم قال لنورين دون أن يضع عينه بعينيها
((أنا اعتذر منك يا زوجة أخي عن كل ما سبق وبدر مني وأرجو أن أنال مسامحتك..))
لم تعرف نورين ماذا ترد عليه فناظرت مُصعب بتيه ليسألها وهو يرفع حاجبيه
((ما بكِ؟ هل تقبلين اعتذاره عن قلة دينه وأخلاقه واحترامه معك أو لا؟))
تمتمت بحرج وحمرة تكسو وجهها
((حسنا.. لا بأس..))
طالع مُصعب أخيه يقول بصوتٍ فاتر أجوف
((جيد.. إذا انتهيت من اعتذارك الباهت هذا يمكنك المغادرة.. لقد سامحناك))
ضرب مُؤيد بامتعاض يد الكرسي بجانبه وهتف بغضب عارم
((مُصعب بربك لقد جئت إلى عقر دارك لأعتذر عما اقترفته بحقك، ماذا تريد مني أن افعل أكثر؟ هل احرق نفسي لترضى؟))
فغر مُصعب شفتيه بعجب ثم قال مستنكرا
((انظر له كيف يحملنا جميلة اعتذاره!))
أخذ مُؤيد نفسا عميقا يحاول استعادة رباطة جأشه ثم قال
((حاشا أن أمس من قريب أو بعيد شرف وعرض أخي وألا أغض بصري عنها.. وجهت كلامي لها في ذاك اليوم كابنة لعشيرة الهنادل وكقريبة لقاتل ابن عمي لا كزوجتك.. وكل حرف خرج مني باستهتار كان دون أن أعي به أو اقصده حرفيا))
كتف مُصعب ذراعيه ليتشدق متهكما
((لقد اكتفيت بإبراحك ضربا في ذلك لأني عرفت ذلك، فهل تظن بأني كنتُ لابقي فيك عظمة سليمة لو شككت ولو ذرة شك بأن لك نية سيئة أو نظرة مريضة تجاه زوجتي؟))
أومأ مُؤيد برأسه راضخا ليقول بينما يشبك أصابع كفيه
((ليكن بعلمك كان بإمكاني في ذاك اليوم أن أرد لك كل ضرباتك، ولكني لم افعل لأني شعرت بأني استحق كل شيء قد أتلقاه منك.. وعهد عليّ أقوله الآن ألا يتكرر أي شيء كهذا مستقبلا.. لذا احزم أغراضك لتعد للقصر.. أنا لن أتحمل أكثر أي نظرة تأنيب من نظرات عائلتنا كلما اجتمعتُ معهم في مكان واحد دون وجودك أنتَ..))
شعرت نورين بلا حاجة لبقائها هنا فارتأت أن تعود إلى المطبخ وتترك الأخين معا.. أما مُصعب جلس مقابله يقول وهو يضع ساقا فوق الأخرى
((أنا لم أخرج من القصر بسببك.. في كل الأحوال كنت أفكر في الانتقال إلى هذه الشقة التي لا زلت حتى الآن أدفع أقساطها الشهرية مع زوجتي، وما حدث بيننا سرّع من خطواتي هذه وجنبني الخوض في كثير من النقاشات العقيمة مع والديّ عند رفضهم))
اتسعت عينا مُؤيد يعترض
((أي استقلال هذا يا مُصعب؟ أنتَ تعرف أن الشخص فينا يسكن مع إخوته ووالديه نفس المنزل، هذه العادة متصلة فينا من الآباء والأجداد..))
قال مُصعب باستخفاف ساخرا
((على رسلك يا مُؤيد.. لا تتحدث وكأنه شيء مسلم به))
ضيق مُؤيد عينيه متسائلا من بين أسنانه
((هل هذه أفكار زوجتك؟))
حدجه مُصعب بنظرات محذرة وهو يسأله بنبرة خطيرة
((هل عدنا للسابق يا مُؤيد؟))
أشاح مُؤيد بنظره جانبا مغتاظا فتابع مُصعب بحزم
((أنتَ تعرف بأني شخص أحب الخصوصية.. بقصرنا لا أشعر بأني أتمتع بأية مساحة خاصة، بل لا أستطيع دعوة من أشاء من زملائي دون القلق أو الأخذ بعين الاعتبار زوجات إخوتي أو العاملات عنا))
عاد مُؤيد يطالع أخيه بنفس الغيظ قبل أن تتسع عيناه وهو يدور بنظره على المئزر الذي كان لا زال مُصعب يرتديه
((لحظة! ما هذا الذي ترتديه يا مُصعب! هل كنت في المطبخ؟))
تطلع مُصعب لمئزره ثم أجاب ببساطة
((نعم، كنت أساعد زوجتي.. فكما تعلم الحياة الزوجية تكمن حلاوتها في المشاركة في كل تفاصيلها))
اتخذت ملامح مُؤيد أمارات الاشمئزاز من مجرد النظر له فسأله مُصعب عاقد الحاجبين وهو يلكز بقدمه ساقه
((لماذا تطالعني بهذا الشكل؟ هل فعلت شيئا يستدعي أن تزدريني!))
صرّ مُؤيد على أسنانه يعتصر قبضتيه بعنف.. يحاول لجم رغبته الملحة بكسر رأس أخيه.. ثم هاج عليه هاتفا
((نعم فعمل المطبخ مرتبط بالمرأة وهو ما يناسبها هي فقط، كيف ترضى أن تهين نفسك بدخوله ومساعدتها! انظر لي عندما أعود من المدينة إلى بيتنا كيف أرفض رفضا قاطعا دخول المطبخ حتى لتناول كأس ماء حيث أطلب من زوجتي أن تحضره لي))
رسم مصعب ملامح الاستخفاف على وجهه!
ماذا لو عرف مُؤيد بأنه في معظم الليالي يشارك نورين في الطهو بعد منتصف الليل احدى الوجبات الخفيفة!
من الجيد حقا بأنه استقل في شقته حيث بإمكانه فيها فعل الكثير من الأمور التي يريدها دون أن يشعر بأنه مراقب وموضع حكم من أفراد عائلته ممن ينظر الى ما يفعله شيء ينتقص من رجولته وهيبته!
اكتفى أن يدمدم له بحنق
((لا تقلق يا مُؤيد فالزوج الذي يساعد زوجته كرامته محفوظة ومصانة.. لكن دعنا لا نجعل الأمر مادة للنقاش.. وأخبرني ماذا تريد أن اعد لك لتشرب؟))
لكن قبل أن يهم مُصعب بالقيام من مكانه وجه أنظاره باستغراب للطفل الصغير الذي جاء به مُؤيد إلى هنا..
وكأنه تذكر توا بأن هذا الصغير الصامت الذي لا يزال يقف عند الزاوية بالقرب من الباب بلا حركة أو نفس!
ضيق مُصعب عينيه متمعنا النظر به ومتسائلا بشك
((من هذا الصغير؟ وجهه مألوف عليّ!))
غمغم له مُؤيد ببراءة
((إنه ابن أخيك وسبب ما دفعني لزيارتك))
استبدت الدهشة بمُصعب ليلتفت إلى أخيه قائلا
((ابنك أنتَ؟ ابن من غير زوجتك أم فهد!))
رماه مُؤيد بابتسامة مستفزة وقال
((ابن أخيك الأخر ليس ابني أنا يا خفيف الظل!))
رمش مُصعب بعينيه وهو يشتت نظره بتيه
((وهل عندي أخ غيركم أنتم؟ هل تقصد أن والدي متزوج.. لا.. لا يمكن أن اصدق))
زعق مؤيد به بنفاذ صبر
((أيها الأحمق إنه ابن أخيك.. أخيك مَالك..))
تدلى فك مُصعب حتى كاد أن يصطدم بالأرض..
نظر للصغير هناك ثم عاد لمُؤيد يسأله بنفس الذهول
((مَالك؟ ومنذ متى هو متزوج؟))
لم ينتبه أحد منهم على قدوم نورين للصالة إلا عندما هتفت باستهجان وهي تقترب من الطفل
((إنه ابن سمية.. يزيد ابن سمية.. أوه لا..))
التفتت خلفها لمُؤيد تسأله بغير تصديق
((هل تقصد بأن يزيد ابن سمية ومَالك!))
انتفض مُصعب من مكانه يقول وهو يقترب من الطفل الصغير بدهشة
((صحيح تذكرت أين رأيته.. هذا يزيد.. يزيد ابن سمية.. ما هذا الجنون الذي تتحدث عنه يا مُؤيد!))
كتف مُؤيد ذراعيه وقال ببساطة بينما يستقيم واقفا
((لقد اتضح بأن يزيد هو ابن مَالك.. أي أن مَالك هو زوج سمية الثاني))
كان مُصعب لا يزال يقترب من الطفل بذهول حتى انخفض إلى مستواه.. ثم هدر لأخيه ونظره مصوب بتدقيق على الصغير
((هل تقصد أن مَالك كان متزوج خفية عنا طوال تلك السنوات؟))
أجابه مُؤيد ((لا بل تزوجها لمدة لا تزيد عن سنة وأنجبا يزيد ثم تطلقا))
استنكر مصعب متسائلا
((ولكن لماذا؟ وكيف؟))
هز مُؤيد كتفيه وهو يجيبه ببرود
((لست متفرغا الآن لأتحدث بهذه التفاصيل، فقط يزيد ظل يبكي فطلبت أمي على مضض أن أتجول فيه بالسيارة لأرفه عنه وينسى امه التي يظل يطالب بها))
عاد مُصعب يتطلع للصغير ورفع يديه يمسك كتفيه..
لاحظ ارتعاش الصغير وخوفه لكنه نظر في عينيه وهو يسأله
((يزيد.. هل أنتَ ابن مَالك.. أنتَ ابن أخي.. ابن أخي أنا!))
ارتجفت شفتا يزيد وتطلع بنظره أرضا.. شاعرا وكأنه مخلوق غريب.. وهو يرى نظرات الثلاثة مصوبة له بهذا الاستهجان.. لم يستطع أن يتمَالك نفسه وبدء بذرف دموع صامتة وجسده يرتجف..
تنهد مُؤيد قبل أن يتذمر وهو يرفع يده ويدلك جبينه
((ها قد عدنا لوصلة بكائك.. ما الحاجة للبكاء الآن يا يزيد!))
انكمش يزيد على نفسه أكثر وزدا نحيبه.. فجثا مُصعب على ركبته إلى جواره وبحركة مباغتة اجتذبه له يضمه إلى صدره..
لم يفكر كيف حدث وتزوج أخيه من سمية وما السبب!
كل ما مر بذهنه أن هذا الطفل الصغير هو ابن أخيه.. ابن مَالك.. يحمل نفس دم عائلته واسمها!
ظل مُصعب يشدد من احتضانه هادرا
((لا أكاد اصدق بأنك ابن أخي.. هل يعقل بأنك كنت أمام أنظارنا لسبع سنوات دون أن نعرف بأنك من دمنا!))
سمع صوت تأوهات متألمة بينما يهدر بصوتٍ مخنوق طفولي
((أنتَ تخنقني))
تيقظ مُصعب على حاله وحرره ليعود وينظر في وجهه..
أخذ يزيد يلتقط أنفاسه ودموعه تتقاطر على الأرضية الرخامية..
فحمله مُصعب نحو المطبخ يغسل وجهه بالماء بلطفٍ وهو يغمغم
((لا تبكي يا صغيري.. لا تبكي، أنتَ بطل))
عقب أن جفف وجهه بالمنشفة عاد به للصالة وجلس على الأريكة ليضعه فوق حجره.. تمتم يزيد له ((عمي..))
لثم مُصعب جبينه مغمغما
((نعم.. نعم أنا عمك يا يزيد.. عمك مُصعب))
قال يزيد بصوتٍ متحشرج حزين
((أريد أمي..))
رفع مُصعب يده يربت على ظهره بعاطفة ونظر لمُؤيد متسائلا
((أين هي امه؟))
قال مُؤيد بنزق وحنق
((والدك قرر أن ينتزع يزيد منها ويطردها، يزيد ابننا نحن ويكفي العمر الذي عاش فيه بعيدا عنا.. لو كانت امه ذكية كفاية فعليها أن تتزوج سريعا وتنجب غيره لان يزيد من المستحيل أن يعود لها))
انسكب الرعب في صدر يزيد من كلام مؤيد وناظره مطالبا
((أنا أريد العودة لها))
كان يهم يزيد بالبكاء مجددا عندما ضمه مُصعب قبل أن يصرخ بأخيه رادعا
((اسكت يا مُؤيد ليس هذا وقته، أنا لا أزال اصدق بان هذا الصغير هو ابن أخي.. يشبه كثيرا مَالك عندما كان صغيرا))
استنجد الصغير عمه مُصعب بكلمات راجية
((عمي.. أريد أمي أو حتى أبي..))
قال مُؤيد وهو يتجه ناحيته
((انسَ ذلك.. لن ترى أحدهما على الأقل ليس الآن، هيا الآن لنعد للبيت))
انتزع مُؤيد يزيد من مُصعب بالقوة وهو يهدر به
((اذهب يا مُصعب وأنجب مع زوجتك طفلا أخر تلعب معه دور الأبوة وأعطني يزيد لنغادر))
ركل مُصعب مُؤيد بقدمه على قلة احترامه بينما ابدى يزيد الرفض
((لا أريد العودة معك))
قال مُصعب لأخيه معترضا هو الأخر
((دعه هنا لينام عندنا.. سأجهز له غرفة))
هدر مُؤيد بحزم وهو يمسك يد الصغير بإحكام
((بل سيعود معي، أمي كانت تبكي وهي تسلمه لي وأوصتني ألا أتأخر في العودة.. هيا يا يزيد))
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل السابع وأربعون 47 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
قبل الظهيرة..
تململ مُصعب في مكانه عندما شعر بيد ناعمة تلامس وجهه كأنها فراشة توقظه من النوم.. همهم معترضا قبل أن تلح عليه تلك الفراشة للاستيقاظ ففتح عينيه ليرى نورين بوجهها الصبوح ترسم ابتسامة خلابة وحب عارم يطل من عينيها وهي تقول
((أعددت لك أطباقك المفضلة على الفطور.. هيا استيقظ))
اعتدل جالسا في تثاقل ثم قال بصوتٍ حانق أجش متذمرا
((حتى في يوم عطلتي لا أهنأ بالنوم))
كان يتعمد ألا يكون هناك تواصل بصري بينهما إلا أنه اختلس النظر لها يرى كم بدت متأنقة في ملابسها..
رغم أنه منذ مصالحتها له تنام كل ليلة في أحضانه إلا أنه في النهار يتعمد تجاهلها أو عدم التحدث معها باهتمام.. كأنه يُعلمها بأنه لم يسامحها تماما على ما فعلته.. كأنها الوحيدة المخطئة بينهما..
اغتسل ثم جلس أمام مائدة أطباق الفطور ذات الرائحة الشهية التي لا تقاوم يتناول طعامه قبل أن يجدها تجلس بجانبه بملامح حلوة وتلثم وجنته هادرة
((صحتِين أميري..))
رفع مُصعب يده يمسح آثار القبلة الوهمية فوق وجنته بوجوم.. لكنها لم تتلكأ وهي تحافظ على ابتسامتها بشكل مشع هادرة
((لا تظن بأنك تزعجني بما تفعله من حركات سخيفة جلفة))
قطع عليها صوت طرقات الباب كلامها فأسرعت تفتحه لتتفاجأ بآخر إنسانة توقعت مجيئها.. نجلاء! التي قالت لها بوجه جدِّي متجمد
((لقد قررت أمي زيارة الحاجة زاهية وقلت لها بالطريق أن تنزلني عندكم لأبارك لكم البيت الجديد..))
ثم دلفت نجلاء للداخل بلا إذن من تلك المصدومة من تواجدها وهدرت بقلة تهذيب وذوق
((أين هو مُصعب؟ ناديه لي))
فغرت نورين شفتيها للحظات ثم تشدقت بوجه مصدوم من وقاحة التي تقف أمامها
((هل أجلب لكما قهوة أو شاي في طريقي؟))
همهمت نجلاء بتفكير جديّ ثم أجابت
((أي شيء على ذوقك، أهم شيء أن تضعي الضيافة وتغادري حتى يتسنى لنا التحدث براحة))
صدَح صوت مُصعب الذي حضر عندهما مستاءً
((ما هذا المزاح الثقيل يا نجلاء؟ لم يكن يجدر بك المجيء هنا، على الأقل وحيدة!))
آلم قلبها ما قاله مُصعب لكنها أظهرت الصلابة وقالت بعجرفة لنورين
((غادري الآن.. أم تريدين أن تتنصتي على حديثنا؟))
جحظت عينا نورين والتي أمامها لا تتوقف عن إذهالها بوقاحتها، حتى أنها عجزت عن إخراج كلمة واحدة من شفتيها! فآثرت الصمت ثم التفتت نحو مُصعب تقول بهدوء رغم الشّرر الخطير المتطاير من عينيها
((خد راحتك يا سيد مُصعب مع معجبتك الصغيرة وأنا سأذهب لأعد بعض التّسالي لكما، أساسا أنا لن أخلص من النساء في حياتك على ما يبدو))
تطلع مُصعب بعينين صارمتين نحو نجلاء يلومها بقوة
((ماذا هناك؟ هل أعجبك الشّرخ الذي تحاولين افتعاله بيني وبين زوجتي؟ هل أنتِ راضية الآن؟))
تقوست شفتا نجلاء المرتجفتان للأسفل ألما على لهجته الحادة معها لكنها شمخت بذقنها تقول بكبرياء
((لا داعي لتترفع معي في الحديث يا مُصعب أنا في الأساس سأتزوج من رجل غيرك.. لقد تقدم لخطبتي أحد أقاربي.. وهو رجل أكاديمي وسيم ووضعه المادي مستقر.. وعائلتي ربما توافق عليه))
تغيرت ملامح مُصعب للعجب مستنكرا
((هل هذا فقط ما يهمك به؟ هذه المواصفات ليست كفيلة لتضمن مستقبلك معه!))
انفرجت ملامح نجلاء وتساءلت متشككة ببارقة أمل
((هل تشعر بالغيرة منه؟))
ردّ مُصعب عليها بجدية تكتنفه
((لا أشعر بالغيرة لكن من باب نُصحك))
هتفت به بانفعال أفلت زمامه
((لا تنصحني بل انصح أمك، فهي قبل هذا الرجل طلبت يدي لأخيك مَالك، الرجال يتهافتون على الزواج مني من كل حدب وصوب لكن قلبي الأحمق معلق بالرجل الوحيد الذي لا يحبني))
اتسعت عينا مُصعب يقول بذهول لا يصدق ما يتناهى إلى سمعه
((مَالك!؟ هل حقا أمي طلبت يدك لمَالك!؟ هل مَالك موافق!؟))
هزّت كتفيها تجيب بحنق
((ما أدراني؟ لكن بعد أن رفضته عائلتي.. سمعت أمي من أمك بأنه سيتزوج قريبا من امرأة أخرى))
ضيٌّق مُصعب عينيه مخمنًا
((هل هي سمية؟))
شردت نجلاء بتفكيرها مفكرة قبل أن تقول بتشكيك
((نعم.. ربما.. أذكر بأن اسمها يبدأ بحرف السين))
تجلى الاستياء على ملامح مُصعب وهو يقول غاضبا
((لماذا لم يخبرني أحد بهذا!؟ هل أنا آخر من يعلم بأن أخي سيتزوج!؟))
لفّت الدهشة ملامح نورين التي كانت متوارية خلف الباب تسترق السمع لهما.. هل حقا ستتزوج سمية من مَالك؟ فقد مضت أيام وهي لا تتحدث معها أو تعرف أخبارها!
هتفت نجلاء عاليا بحقد وغل
((بالتأكيد ستكون آخر من يعلم عندما تسمح لزوجتك الساحرة أن تتحكم بك وتبعدك عن عائلتك وتعُق والديك))
تقدم مُصعب نحوها خطوتين هجوميتين وعيناه تلمعان كحجر داكن خطير آثار الخوف فيها قبل أن يحذرها
((نجلاء اسكتي أنا لا أسمح لك بالتحدث عن زوجتي بهذا الشكل، ثم لا تفسري الأمور من عقلك فأنتِ لا تعرفين ما يحدث داخل البيوت، أنا كنت سأغادر بيتنا في كل الأحوال))
ازدردت نجلاء ريقها وصمتت مرغمة.. فاستطرد آمرا بخشونة وهو يجلس مكانه
((اجلسي..))
فعلت ما أمرها على مضض بينما يكمل
((لنتحدث في موضوعك أنتِ..))
قالت مندفعة بإصرار
((نعم لنتحدث به.. هذه هي آخر فرصة لك قبل أن تضيّعني للأبد لصالح رجل آخر))
هتف بها عاليا بامتعاض
((نجلاء ما قصدك بهذا الكلام؟ هل تحاولين التفريق بين اثنين متزوجين بكل صراحة ووضوح دون خجل أو ضمير؟ ارزني قليلا وتحلي ببعض الحياء))
شمخت وهي ترد عليه بتحدٍ
((إذن سأتزوج من ذاك الرجل وسأحرص على أن تكون أول المدعوين))
وبخها ((لا تتحدثي بهذا الشكل كأن زواجك منه يخصني أم هي ردة فعل فحسب على رفضي لك السابق!))
تشبثت بالعناد الطفولي هاتفة
((هو كذلك، إنه ردة فعل لرفضك لي))
قال مُصعب بهدوء بينما أعصابه تكاد تنفجر أسفل واجهة الرجل الحكيم التي يُحاول إظهارها
((نجلاء.. سأعتبرك كأخت صغيرة وأنصحك.. لن أستطيع حثّك على الموافقة أو الرفض من ذاك الرجل لأني لا أعرفه ولا أعرف إذا كان مشروع الزواج من الأساس مناسب لك في هذا الوقت أو لا.. لكن أتمنى أن تفكري به جيدا قبل الإقدام عليه وتستخيري ولا تجعليه رد فعل على شيء سخيف كهذا!))
أسبلت نجلاء أهدابها بعبوس ليتابع مُصعب
((بالنسبة لك كفتاة فالزواج مهم ومطلوب لكن أيضًا إذا لم يعجبك الرجل الذي تقدم لك ولم تقتنعي به فلا توافقي عليه، ليس من الضروري أن تتزوجي الآن فأنتِ عليك أن تفكري ببناء مستقبلك ثم ضبط سلوكك وإيجاد نفسك ومستقبلك، ميولك، اهتماماتك، أهدافك، فرحلة التغيير تبدأ في هذا السّن فاحذري أن تضيعيها من بين يديك))
عند نهاية حديثه رفعت عينيها بتردد له، فاسترسل
((عندما كنت بسّنك كنت مشغول بالتسجيل في منظمات تطوعية وحضور ملتقيات ومؤتمرات قبل حتى أن أحصل على شهادتي في التمريض))
ثم وقف من مكانه ينهي كلامه بجفاء وحزم
((قومي من مكانك الآن فنحن لن نحضر ضيافة لك، هذه آخر مرة تأتين وحدك لبيتي.. سأنسى ما مضى لكن لو تكرر سأكون حازمًا معك في ردة فعلي، الآن سأوصلك أنا ونورين الى أمي..))
وقفت من مكانها منفعلة تقاطعه وهي تُكتِف ذراعيها
((لا شكرا.. لا أريد.. أحفظ الطريق إلى بيتكم، سأذهب مشيا على الإقدام..))
أصٌّر عليها بفتور
((بل سنوصلك يا نجلاء، لا تكوني عنيدة))
زعقت به وهي تشدد على كلامها
((قلت لك سأمشي بنفسي، أنا أريد التجول في طرق قريتكم واستنشاق الهواء النقي..))
في هذه الأثناء خرجت نورين هاتفة بصوتٍ يقطر شماتة
((أغلقت النار على القهوة توا يا نجلاء، انتظري قليلا حتى أضعها لك وتحتسيها معنا))
بشقٌّ الأنفس تمَالكت نجلاء نفسها وهي تعض على شفتيها قبل أن تغادر، وتصفق الباب خلفها بقوة رجت أرجاء البيت..
عاد مُصعب يجلس مكانه بإرهاق بالغ قبل أن يرفع نظره لنورين ليجدها تحاول بصعوبة كتم نحيب ناعم فسألها باقتضاب
((لماذا البكاء الآن؟))
هتفت بقهر يتشعشع في داخلها
((لقد جاءت تتحدث معك وتعرض نفسها عليك أمامي دون حتى أن تأبه بشأن مشاعري، كرامتي.. أنا أكره هذه الفتاة.. إنها مدمرة علاقات بامتياز.. عندما تكبر ستبدع أكثر فيما تفعله))
ثم التفتت له تردف بمرارة
((لا أعرف كيف أمسكت أعصابي طوال فترة محاولاتها المستميتة في عرض نفسها عليك))
تنهد مُصعب وقال بضجر وهو يدلك جبينه بإجهاد
((لا داعي للغضب، مضيتُ في ذاك الحديث معها لأني أردته أن يكون الأخير حتى تدرك بأنه ليس من اللائق أن تظل على تواصل معي))
ضربت نورين الأرض بقدمها هاتفةً
((أعرف لكني لا أطيقها، خاصة أنه في المستقبل سيكون هناك عدة مناسبات قد نجتمع فيها، ولا بد أنك لاحظت بأنها تتعمد البروز أمامك، وافتعال المواقف التي تجعلك تشعر بالإعجاب نحوها فترفع صوتها أحيانا مستعرضة ومتباهية بشيء ما هي تعلم تمام العلم بأنك تحبه))
رفع وجهه لها باستياء هادرا
((لا تضخمي الموضوع، أنا لا أعتبرها إلا ابنة صديقة لأمي واخت صغيرة))
علا صوتها تذمر معترضة
((بل سأظل أضخم من هذا الأمر، فلطالما بدأت قصص مثل هذه القصة بـ "أنا لا أراها إلا مثل أختي الصغيرة" وتنتهي بعبارة "أنتِ وهي مثل الأخوات في بيت واحد وليقدرني الله على أن أعدل بينكما"))
رفع مُصعب حاجبيه وعمَ بينهما لحظات من الصمت قبل أن ينفجر ضاحكًا فجأة وبشكلٍ هستيري حتى دمعت عيناه.. ساخرا من طفولية حديثها وبراءته.. إنها تعرف كيف تمس كلماتها وأفعالها صميمه وتهزه..
استمر في الضحك حتى تعب وتثاقلت أنفاسه.. فتوردت في حياءً وتلعثمت حانقة تنطق بأحرف مبعثرة
((توقف عن هذا الضحك اللا مبرر له!))
عادت نوبة الضحك تداهمه وبصعوبة توقف عنه وهو يطلب منها بينما يربت فوق حجره
((تعالي هنا))
انفلتت ضحكة صغيرة من بين شفتيها سرعان ما أغلقت عليها الخناق وهي ترسم العبوس وتهرع إليه ترتمي على صدره القاسي تحتضنه ويديها تتشبث بقميصه من الخلف بقوة ليتصلب جسده ويرتجف قلبه..
زاد تشبثها به وشعر بالعبرات تخنقها مجددا
((حبك مؤلم))
مرر يده على ظهرها من أعلى الى أسفل برفق هامسا
((توقفي عن البكاء))
دفنت وجهها في عنقه فناداها بحنان
((نورين.. حبيبتي))
همهمت له فأكمل هامسا بنبرة رقيقة
((أنتِ لا تصدقين أو تعتقدين ما قلتيه قبل قليل!))
أبعد وجهها قليلا عن رقبته ثم أبعد خصلة متمردة عن ملامحها الوردية فأجابته
((عندما يعود الأمر لنجلاء بالذات فلا.. لكن لا يعني بأني قد أسمح لها بتجاوز حدودها معك، هي تتلذذ بإثارة غيرتي خاصة))
عاد يضحك مجددًا لكن بخفوت فتطلعت له ضائعة في ملامحه الوسيمة.. ومعزوفة ضحكاته ترقص على أوتار قلبها النابض باسمه في كل ثانية وكل لحظة!
يعرف كيف يعبث بخافقها الصغير البائس بصوته الشجيّ الراسخ...ويحرك مشاعرها أكثر.. ويطبع صوته وصورته في كل حدبٍ وصوب من قلبها..
استطرد من بين ضحكاته بنبرة حنونة
((أنتِ عفريتة حقا، لكن صدقيني بعد مشهد اليوم لن تجرؤ نجلاء على الاستمرار بطفوليتها، ثم حتى لو لم أكن متزوجا منك فلا أمل في علاقتي من نجلاء.. بالنسبة لي أهم شيء في المرأة أن يكون هناك بيننا توافق فكري واحترام ووِد.. أما نجلاء فقد أيقنت منذ أول دقيقة لقاء تعارف جمعتنا بأني لن أستطيع تقبلها كزوجة لي))
اتسعت عيناها قليلا فأردف شارحا
((كنت رافضا أن أتزوج من نجلاء لصغر سنها لكن بعد أن ضغطت عليّ أمي أن أجلس معها ولو لمرة واحدة في جلسة تعارف وافقت على مضض، وبدأنا نتجاذب أحاديث عامة لتقول هي لي ممتعضة عن تصرفات عماتها الشٌريرات اللواتي يطالبن والدها بورثتهن ولم يتنازلن عنها كما تفعل باقي النساء في عائلتهم، كنت أريد أن أناقشها بأن هذا حقهنٌ في الشرع والقانون، وأن سبب نمو ثروة والدي وما نعيشه من نعيم مادي هو دعم أمي المالي له بعد أن أخذت ورثتها هي الأخرى من عائلتها، لكني تراجعتُ عندما أدركت أني أمام فتاة معقدة ومتزمتة الفكر وتسيء تقدير وفهم الناس، فهي غارقة في زحمة من الأفكار البالية من المعتقدات من الزمن البعيد التي لا تمت للأصالة أو الدين بصلة، وحتى أثناء جلسة التعارف تلك بيننا كنت أخشى أن أتحدث بأفكاري أمامها أو أناقشها بوجهات نظري))
ضحكت نورين بخفوت وهي تقول
((لا أصدق ذلك.. أنتَ رجل ناضج في الثلاثين من عمرك خشيت من التعبير عن رأيك أمام تلك الصغيرة نجلاء؟))
ورغم ضحكها كانت تستوعب كلامه فنجلاء رغم صغر سنها إلا أنها إنسانة متعصبة لرأيها ومتشددة فكريا ومتزمتة مثل العجائز المتسلطات المتحجرات بأفكارهنٌ الرجعية اللواتي لا يتقبلن الرأي الآخر وينتقدن كل شيء..
غزت ابتسامة ملامحه وهو يعقب بصراحة
((قد يبدو الأمر مضحكًا لكن حقا خفت من أتزوج من تلك الصغيرة نجلاء وينتهي بي الأمر كرجل أخاف أن أعلن عن أرائي خوفا من أن تمارس التعصب والتطرف في بيتنا المستقبلي وتضطهدني لأني مختلف عنها في أفكاري، لن تستوعب حبّي للنوم لساعات طويلة، بل أنا كشخص أقدس الخصوصية لن أستطيع أن أتخذها صديقة لي بعد زواجنا، وأقاسمها يومياتي وخصوصياتي وأسراري وخططي، فهي لديها حسابات على كل مواقع التواصل الاجتماعي تذيع فيهم وتبث كل صغيرة أو كبيرة عن حياتها كمسلسل يومي))
أخذ مُصعب نفسًا طويلا ثم استرسل
((بالنسبة لي كان من المرعب جدًّا أن ينتهي الحال بي متزوجًا من امرأة مثلها وأجد نفسي عالقا في المنتصف لا أدري هل أبقى في هذا الزواج وسلبياته أم أختار الطلاق وأتحمل مسؤولية كل الأذى الذي كنت سأتسبب به لها ولأولادنا.. لذلك كان الحل هو أن أتجاوز خجلي الشديد وحبي واحترامي لوالدها وأن أصارحه بعدم امتلاكي أي توافق ناحيتها))
مررت نورين أناملها في شعره الكثيف بامتنان لأنه صارحها بأفكاره عن نجلاء.. رغم أنها كانت تطمع بأن يتحدث عن رشا أيضًا.. خاصة أن حديثه الأخير يظهر عن رضاها لأن فيها كل ما يريد ويحب..
تنحنح مُصعب وشعرت به يبعدها عن حجره في محاولة منه للوقوف فلفت ذراعيها حول رقبته بينما تتمرغ بشفتيها بوجنته تهمس له بحنق ممزوج بأنوثة فياضة
((دعنا نظل هكذا أكثر..))
ثم اتبعت بعتاب رقيق
((لقد وافقت ألا نتحدث عن ماضيك مع ابنة عمك وأثق بك رغم إصرارك على عدم فتح ولو بابا واحدًا لي من أبوابك المدججة بالأقفال الغليظة.. إذن لماذا الغضب وشحة الكلام معي بعد أن تصالحنا في تلك الليلة؟))
تبدلت ملامح مُصعب فجأة كأنه تذكر فجأة خصامهما السابق وقراره بأن يرد الجفاء لها فهدر تلقائيًا بخشونة طرقت أذنها بلا هوادة
((لأنه يحق لي، لم أخطأ بشيء لألاقي الهجر والجفاء منك لأيام))
فتحت شفتيها وهمست بصوتٍ خفيض وهي تلاعب أزرار قميصه
((بلى فعلت، لكن لم أعد أريد أن أتحدث عن مشاكلنا أو أحلها.. فقط لنعد كالسابق..))
تغضّن جبينه فلو تعرف أن سبب كرهه التحدث عن رشا ليس لأنه وعدها ألا يفشي سرها لأحد وحسب بل لأن الموضوع يؤلمه في الصميم.. فما لاقاه من كلام من أهل القرية لا زال يؤثر عليه حتى الآن رغم ادعائه بأنه لا يهتم!
تنحنح مُصعب يجلي صوته ثم قال
((لقد خدشتِ كرامتي عندما تركتني أنام وحيدا في غرفة النوم، لم يكن عليّ استقبالك فيها))
ضحكت بخفوت بينما تلامس أذنه تهمس بإغاظة أنثوية
((ولكني ندمتُ على ما فعلته، في المرة المقبلة مهما فعلت فلن أنام إلا بغرفة نومنا.. بين أحضانك..))
خفتت تشنجاته رغمًا عنه وترققت نظراته بشكل عجيب..
ووجد نفسه يرفع يده ليمسك ذقنها بين سبابته وإبهامه ليطالع وجهها ذو الملامح المشاكسة قائلا
((وماذا يفيدني ندمك؟ أين أصرفه؟))
شعرت به يميل لها فأغمضت عينيها وهي تعاود ضحكها الخافت المرتعش بينما تستسلم قبلته التي حملت اشتياقا ضاريا كأنه لا زال يعوض نفسه.. ويعوضها..
=============================
في المساء..
عادت شيرين للبيت وهي تشعر بقليل من التوتر.. فقد عادت توًا من عند أخوالها بعد أن أخبرتهم عن معظم ما مرت به مع وليد.. من خداعه لها بعملية التبرع وتهديداته والسبب الذي جعلها تتزوج منه رغم كل ما فعله بها بالماضي! وقبْلها كانت قد أخبرت عَمه وكبير القرية الحاج يعقوب الكانز عن كل شيء تطلب عونه..
الآن هي متأكدة أن لحظة تحررها منه باتت وشيكة..
دلفت إلى غرفة النوم وهناك وجدت وليد مستلقيا على ظهره فوق السرير يرمق السقف بشرود ليقول فجأة لها
((كانت لدي تصورات عديدة عن حياتنا سويا في الوقت الذي كنا نحضر فيه لزواجنا بعد أن أنهيت جامعتي، لكن ما نعانيه الآن لم يكن واحدًا منها..))
داهمته نبرات صوتها المتهمة
((أنتَ السبب، كان كل شيء بيننا يسير كما الأحلام حتى انكشفت حقيقتك وزيف حبك عند أول امرأة جميلة ظهرت أمامك وسال لعابك عليها))
حانت منه نظرة متشتتة نحوها ثم قال عاقد الحاجبين
((هل تقصدين تلك المتدربة؟ معك حق من عندها بدأ الشرخ في علاقتنا وبدأت فجوة سحيقة تبعدنا عن بعضنا.. لكن لو أحببتني حقا لما كنتي ستسمحين لي أن أظل مهتما بتلك المتدربة، لكنتِ حاربتِ من أجل استعادتي! لكن أنتِ من استغليت وجودها ومشاكل أمهاتنا للانفصال والارتباط بأول رجل يظهر أمامك))
اتسعت عينا شيرين.. الحقيقة هي لا تجيد الدفاع عن نفسها ولطالما أبغضت قدرة وليد الرهيبة في قلب الطاولة عليها لمجرد براعته في الدفاع عن نفسه وامتلاكه القدرة المستمرة على تبرير أخطائه القاسية ضدها.. فارتفع ضغط دمها فائرا لترد هاتفة
((لا أصدق تلك القدرة الرهيبة فيك في جعلي المخطئة في حين كنت أنتَ من آذيتني وتخليت عني!))
صمتت قليلا تضم شفتيها ثم زعقت به بصوتٍ مثقل بغل وحقد الماضي
((كنت أنوي معاتبتك على قربك من تلك المتدربة، كنت أنوي الحديث معك عن الحواجز والفجوات التي صارت تبعدنا بسببها، لكن رأيت في عيناك اللامبالاة والقسوة تجاهي ولم أستطع أن أتشبث بك أكثر وأنا لا أراك إلا تبحث عن فرصة للرحيل من حياتي والتعمق بعلاقتك بتلك المتدربة))
تجمدت ملامح وليد وهو يعتدل جالسا مقابلها ثم قال من بين أسنانه
((كان يمكنك أن تستمعي لتبريراتي آنذاك وسبب تقربي منها))
هتفت به بغل استشرى في كل خلجة من خلجاتها
((أي تبريرات؟ أتقصد تبريرات على خيانتك؟ نعم معك حق من السهل أن تسقط على أسباب تبرر لك الخيانة، فصناعة المبررات ردة فعلٍ طبيعية ينتهجها الإنسان ليخدِّر ضميره وهو مقبل على ارتكاب أي فعلٍ شائن..))
بترت كلامها وقد انفرجت من بين شفتيها ضحكة مقهورة لتسترسل
((ثم أي تبريرات كنت لتحكيها لي؟ هل كنت ستخبرني بعملية وشفافية بأنك مللتَ مني وتريد تجربة علاقة جديدة قبل أن تدخل القفص الذهبي لكن في نفس الوقت لا تريد أن تخسرني؟ مهما أنكرت فأنتَ وأنا نعرف الحقيقة.. أنتَ خنتني وأخطأت في حقي مع تلك المتدربة وأحببتها.. في حين أني في المقابل لم أتبادل أي رسالة مع زميلي آنذاك إلا بعدما أنتهى كل شيء بيننا يا وليد وبعد أن طلبني من عائلتي رسميا))
بدأ صدر شيرين في هذه اللحظة يعلو ويهبط.. وأنفاسها الحارة المتلاحقة تلهب صدرها وهي تراه عاجزا عن إزاحة عينيه عن ثورتها.. فأكملت له بمقت
((لا زلت أتذكر آنذاك كيف شعرت حقا بأنك لم تعد تحبني أو تهتم بي، فقد كنت زاهدًا بي، وإذا ما حاولت أن أتذمر بخصوص بقائك في مكتب المحاماة طويلا تصرخ عليّ متأففًا من غيرتي وشكّي اللذان يعكران صفو مشاعرك لها، وإذا ما أخذت على خاطري من إهمَالك لا تتعب نفسك حتى بمصالحتي، بل تشعر بالراحة لأنك ستجد الوقت لتَتقرب منها، كنتَ فعليًا لا تفكر بأحد سواها))
رغم جمود ملامح وليد إلا أن الكلمات تاهت في فاهِهِ في البداية ثم هزّ كتفيه هادرًا
((آنذاك كنت أحيانا أحاول التوقف عن القيام بأمور ستحزنك لو عرفتي بها.. لكن ماذا أفعل بنفسي! انجذابي نحو تلك المتدربة كان أمرا خارج إرادتي لم يكن بإمكاني أن أفكر ولو للحظة في أن ما أفعله قد يضر بعلاقتي معك، لأنه كان ثمة شعور جميل يعتريني كلما نظرت أو تحدثت إليها.. كان ضميري وقلبي في تلك الفترة ضعيفًا مقارنة بنشوة التجربة الجديدة معها ورغبتي الشديدة في تجربة علاقة غير علاقتي بك.. لكن حالما انتهت نشوة العلاقة الجديدة عدت للواقع))
شرد بنظره يصمت للحظات ثم تابع بمنطقه العقيم
((أحسست معها أني أمام أنثى من نوعٍ مختلف كل الاختلاف عنكِ، وأني عاجز عن تجاهلها بأي طريقة، بات لدي فضولٌ عميق وغير محدود للتعرف عليها عن قرب والبقاء معها لأطول فترة ممكنة، فقد كانت نمط مختلف عنك وعالم لم يسبق لي أن تعرفت إليه.. لم أتقّصد خيانتك بل كنت فقط أريد استكشافها))
أصدرت صوتا ساخرًا لاذعًا وهي تردد
((تستكشفها؟))
ثم قست عينيها وهي تردف بنبرة يشوبها ألم الماضي
((حقا؟ ما أسخف حُجَجك.. إذن ما الذي سيجعلني أضمن يا وليد بأنك لن تلتقي بفتاة أخرى مختلفة لم يسبق أن رأيتها وتحبها مثلما فعلت مع تلك المتدربة؟ رغم مرور كل علاقتنا بالعقبات من عائلتينا لكن لم يكن هناك شيئًا قادرًا على إبعادي عنك، لا تلك الأسوار التي رسموها بيننا، لا مسافات، لا شيء.. وحدها تلك المتدربة من تمكنت واستطاعت ذلك))
ثم أكملت بشيء من المكر
((تخيل لو انتابني الفضول آنذاك بسبب صغر سني وتجاربي تجاه شاب آخر مختلف عنك، هل كنت لأمتلك الجرأة لأتقرب منه وأتعرف عليه وأنا معك!))
غامت عينا وليد وكسا الجمود محياه قبل أن ينتصب واقف من مكانه متوجها نحوها ليقول بنبرة خطيرة ترسل السم في عروقها
((كنت لأقتلنّك وأقطعنّك إربا إربا))
رفع أنامله ببطء لتغوص بخصلات شعرها ثم قبض عليهم بقسوة لتتأوه مغمضة عيناها وهو يقربها منه لافحا وجهها بأنفاسه الهادرة
((أنا أول رجل في حياتك وسأكون الأخير..))
لمعت الإهانة في ملامحها الغائمة لكن عيناها انتفضتا اشمئزازًا ثم صدح صوتها بما يشبه الصرخة
((أنا أكرهك أيها الحقير))
ثم ضربت يده وحاولت أن تنزع شعرها بالقوة من أنامله رغم تأوهاتها..
ترك بإرادته خصلات شعرها ثم غادر الغرفة كاملة وتركها مكانها لا تفكر إلا بأن عليها التعجيل في التخلص منه.. إنه يفعل ما يفعله بها وهو مطمئن الحال وقرير العين لأنه متأكد بأنها ضعيفة لا سند لها أمام جبورته..
لكنها ستفاجئه بانتقامها، لن يمر كثيرًا قبل أن يكون ثأرها في حجرها..
=============================
عقد مَالك حاجبيه وهو يجيب على الرقم المجهول الذي ظهر له على الشاشة ليأتيه صوت رخيم ثقيل
((معك امن الدولة.. هل أنتَ السيد مَالك الحاج يعقوب الكانز؟))
ازداد انعقاد حاجبيّ مَالك قبل أن يردد بضجر
((حتى لو لم أتعرف على صوتك يا مَازن فمِن جملة "أمن الدولة" سأعرف أنه أنتَ.. هل هذا رقم جديد لك؟ ألا يمكن أن تشتري رقما جديدا لك وتتصل بي كأي شخص طبيعي دون أن تدعي بأنك فتاة معجبة بي أو بأنك من أمن الدولة؟))
وصله صوت مَازن المرح وهو يعود لسجيته الطبيعية
((وأنتَ ألا يمكن أن تنطلي خدعي هذه عليك كما تنطلي على باقي إخوتي! على كلٍ فقد اشتريتُ هذا الرقم الجديد حتى لا تزعجني اتصالات باقي العائلة، واتصلت بك الآن يا تؤامي الغالي فقط حتى أسألك إذا كنت تريد مني أن ابتاع لك هدايا فأنا سأعود للبلاد! أنتَ غالي على قلبي يا مَالك ولا أقدر أن أعود لك بيدين فارغتين))
اتسعت عينا مَالك وقال متحفزا
((ستعود إلى هنا! والدي لو عرف بأنك تخطط للعودة فسيُجن كليا فهو قد أرسلك هناك حتى يحميك من والد ياسمين!))
تشدق مَازن باستياء
((هل أنتَ أحمق يا مَالك! إذا كان من قاموا بخطف ابنته بنفسهم لم يفعل لهم والد ياسمين أكثر من إرسال من يُبرحهم ضربا ويجعلهم طريحي الفراش لعدة أشهر فقط فماذا سيفعل بي أنا أكثر! أنا وأنتَ نعرف بأن سبب إرسال أبي لي هنا هو خوفه من أن أقوم مستقبلا بما قد يكسر من هامته وصورته أمام أهل القرية، تلك الصورة والسمعة التي لطالما يقول بأنها اهم من الولد، فالولد يروح ويجيء أما السمعة فلو خُدشت لا سبيل لها لتعود كما السابق.. ثم أنا بنظره الابن الفاسد قليل الدين الذي لا ينفك من الخروج من مصيبة ليدخل في أخرى))
أصدر مَالك صوتا ساخرا ثم غمغم
((ونظريته هذه صحيحة ولا تنكر فماضيك المشرف يشهد، ولديك سوابق عديدة! هذا فضلا عن المشكلات التي كنت أتحمل مسؤولياتها وأدعي أني من قمت بها مستغلا الشبه الكبير بيننا حتى أنقذك من غضب أبي))
ردّ مَازن بامتعاض
((بعيدا عن المشاكل التافهة المتعلقة بفترة المدرسة والمراهقة التي اختلقها بدون سوء نية.. فمعظم تلك الأمور لم اقترفها بل تم اتهامي فيها ظلما، ولكن الحظ لا يسعفني أبدًا، ثم أنتَ يا تؤامي العزيز يجب أن تكون بصفي مهما فعلتُ))
استنكر مَالك بخشونة
((مهما قلت أو فعلت فلن يقتنع أبي، فعندما يتعلق الأمر بسمعته أمام أهل القرية فلا يوجد اهم منها بالنسبة له كما قلت أنتَ! ثم أنا لا أريد أن يدري والدي بأني اعرف ما حدث معك في الماضي ومع هؤلاء الفاسدين الذين قررت فجأة أن تصادقهم بعد أن ضجرت من أصدقائك المملين! وقتها أبي سيحملني كامل المسؤولية بذريعة أنى لم أراقبك جيدا رغم أني كنت ادرس معك في نفس الجامعة والتخصص، وكأنه ولمجرد أني أكبرك بعدة دقائق عليّ أن اترك كل دراستي ومحاضراتي واكتفي بمتابعة أمورك وأتولى مسألة تقويمك))
زفر مَازن ببؤس وعقب
((حسنًا أنتَ محق، ولكن أبي يريد مني أن امضي كل حياتي هنا في الغرب، أين الإنسانية في هذا!))
اعترض مالك بما يشبه الدعابة
((وما هو انعدام الإنسانية في إجبار أبي لك على البقاء هناك! هل تعرف كم توسل مُصعب آنذاك إلى أبي حتى يسمح له بالسفر وإكمال دراسته في الخارج مثلما فعل معك إلا أنه رفض كليا حاسما أن ولد واحد يكفي! ما تعيشه أنتَ هو أمنية أخرين، عليك أن تعرف أن أي شيء يفعله أبي فهو لا يريد فيه إلا مصلحتك))
رد عليه مَازن بابتسامة باهتة
((بل يريد مصلحته هو ولا يخاف إلا على وسمعته هو أمام أهل القرية.. إنه يعتقد بأني مسؤول مع أصدقائي السابقين باختطاف ياسمين آنذاك رغم اعترافهم بألسنتهم بأني رفضتُ مساعدتهم بخطتهم الدنيئة وذلك ما جعلهم يحاولون الإيقاع بي.. أبي في ذلك الوقت كان اعتقاده بأنه لن يمر شهر أخر قبل أن أقع بورطة أخرى تصير فضيحة مجلجلة أمام أهل القرية ولن يقدر على سترها كما ستر ما قبلها، فتقل هامته وينكس رأسه بالخزي، تخيل أنه كان يشجعني على الزواج مرة أخرى والبقاء هنا حتى يربطني بالخارج ولا أعود! ولم يبدِ أي اهتمام أو سؤال عندما عرف بالحادث الذي أصابني! أنتَ الوحيد بعد أن أخبرتك بالحادث الذي وقع لي من كنت تسأل عني كل يوم وكل ساعة))
حاول مَالك أن يعترض على كلامه ويدافع عن والده فتلعثم قليلا إلا أن مَازن اختصر عليه وودعه مُنهيا هذا المكالمة..
=============================
في غرفة الجلوس..
جلس بعض أفراد عائلة الحاج يعقوب مجتمعين يشاهدون النشرة الإخبارية على التلفاز..
كان نظر يعقوب شاردا وكل ذهنه مشغول بالحديث الذي دار بينه وبين زوجة ابن أخيه وليد.. هل عليه أن يطلع بِكْره مُعاذ عمٌّا سمعه منها وسمعه من بعض الوجهاء الذين لجأوا لهم أخوال شيرين؟
تنهد ببؤس وهو لا يعرف إن كان عليه أن يركز على مصائب ابنه قليل الدٌّين مَازن أم ابن أخيه الذي لا يكف عن تسليط تجبره على كل من حوله..
أما زاهية الجالسة بالقرب منهم كانت تمسك صنارتين وكرة صوف تقوم بغزلها وبجانبها ياسمين تساعدها وقد استطاعت أخيرا التقرب منها من خلال تعليمها التطريز والخياطة!
تصاعد صوت الصغار يزيد وفهد وباسم عاليًا مُحدثين جلبة.. فسددت زاهية نظرها أرضا حيث يجلسون على شكل دائرة حول مجموعة من الصور والدفاتر ثم ناظرت رتيل تقول باستياء
((ما الذي يفعله ابن البستانية هنا؟))
عقب مُؤيد الذي كان متمددا فوق الأريكة بضجر وقد تبدلت ملامحه لأخرى متسليه
((تلك البستانية ستصبح كنتك يا أمي، نادِها أم يزيد من الآن فصاعدا..))
لكزت زاهية ولدها الذي يستمتع بإغاظتها والشماتة بها ثم قالت بحنق خرج عن وقارها
((بعد زواجها من مَالك ستُكنى باسم أول صبي لها منه لا أم يزيد))
تدخلت رتيل شارحة حتى تسمح ببقاء يزيد
((عمتي ابنك ليس لديه مزاج ليرافق الولدين للنوادي أو الملاعب أو الحدائق وفي نفس الوقت لا يسمح لي أن أذهب معهم فماذا يمكن أن يفعلوا في البيت إلا اللهو مع يزيد!))
زمجر مُؤيد زوجته يحذرها بعينيه أن تتمادي فيما تقوله فلا ينقصه الآن أن يدخل مع والديه في نقاش محتدم لا طائل منه بشأن تقصيره في حق أولاده!
زمّت رتيل شفتيها متبرمة تكتم غيظها منه في حين ردت زاهية عليها وهي تعيدها للموضوع الأساسي
((ستتزوج أمه من مالك ولا أريد أن يظن بأنه مسموح له المجيء هنا والبقاء، أنا عندي حفيدتين يعشن هنا، كيف سيأخذن راحتهنٌّ بوجوده خاصة بعد أن يكبر قليلا؟))
تنهدت رتيل وتمتمت ببضع كلمات خافتة لا تعرف ماذا تجيبها..
صمتت زاهية بغير رضا وهي تعود لغزل ما تمسكه..
لم تمر لحظات حتى هتف صوت فهد عاليا مناديا أبيه وهو يتجه نحوه بينما يعرض له صورة قديمة
((انظر إلى صورتك يا أبي وأنتَ صغير))
تطلع مُؤيد بهدوء للصورة قبل أن يمسكها ويتطلع إلى نفسه عندما كان صغيرا بينما يقف مع مَالك..
مالت زاهية باستغراب نحو مُؤيد تحدق بالصورة.. ثم سرعان ما تجلى الاستهجان لملامح وجهها وتساءلت
((من أين أحضرت يا فهد هذه الصور!؟))
قال فهد بعفوية ومرح
((عمي مَالك قام بإعطاء جزء كبير من صوره بصباه ليزيد، وهذه الصورة له مع أبي))
نظرت زاهية إلى حيث يجلس الأطفال تحدق بتلك الصور والألبومات على الأرض.. ثم قالت بنبرة أقرب للتوبيخ
((على أيٌّ أساس يعطي مَالك صوره القديمة ليزيد؟ أعطوني كل صور مَالك الآن..))
رفع يزيد الجالس أرضًا رأسه بتردد وحذر نحو الحاجة زاهية.. ولفه شيء من الخوف لنظرات السُخط الغازية لوجهها.. ازدرد ريقه قبل أن يرد بخفوت منكس النظر
((لكنه أعطاهم لي وأخبرني بأنهم قد أصبحوا ملكي..))
وضعت زاهية كرة الصوف وما غزلته جانبا.. ثم اعتدلت بهدوء وتقدمت تمشي نحو يزيد تحت أنظارهم جميعا.. حتى أن الحاج يعقوب أخفت صوت التلفاز وناظر بوجوم زوجته وهي تنخفض نحو يزيد، وأنصت لما تقوله
((أنا بنفسي من كنت أطلب أن يتم تصوير مَالك في كل لحظة مهمة في حياته، إذا كان مَالك لا يريد هذه الصور الثمينة عنده فليعدهم لي))
تقوست شفتا يزيد للأسفل بعبوس طفولي يفتت القلب..
لكن زاهية ظلٌّت على قسوتها وهي تمد يدها وتسترسل بكلامها الموجه ليزيد كأنها تتحدث مع رجل راشد لا طفل في السابعة من عمره
((لو سمحت أعطني كل صور مَالك دون أي استثناء))
تغرغرت عينا يزيد بالدموع وشعور الحرمان.. مع فقدان ما هو حق له يؤذيه مجددا.. لكنه رفع حاجبيه يقول متشبثا بحقه بثبات مزيف وحشرجة يكتم رغبته بالبكاء
((لكنه أعطاهم لي..))
أكدت عليه زاهية وهي تتحدث معه بنبرة صارمة
((لو كنت أعرف بأنه سيفرط بهم ما كنت أعطيتهم له))
تألم قلب رتيل وغطى العجز محياها وهي تشاهد الموقف.. فكلام الحاجة زاهية صحيح.. لكنه قاس..
هي وعلى الرغم من سخطها السابق على مَالك لصبه كل اهتمامه على يزيد بدلا من ولديها.. إلا أنها لا تكِّن أي بغض للصغير يزيد..
خاصة وهي تراه في مكانه يزم شفتيه في قهر، وعقله الذي لا يحمل الخبرة والمعرفة لا يسعفه كي يتصرف ويدافع عما يريده وهو ليس من حقه.. لكنها شعرت بعبرة تنزلق على وجنته الغضة عندما قامت زاهية بنفسها بأخذ الصور من على الأرض.. فتقدمت من حماتها تحثها على التعاطف
((عمتي بدأ يبكي.. حرام عليك أعطي له بعضا من الصور.. لا تأخذيهم كلهم وتكسري بخاطره))
رفرف مُؤيد بعينيه التي مر بها طيف من الإشفاق وقد شعر باختناق الكلمات وصعوبتها على يزيد رغم الثبات الذي يحاول التحلٌّي به.. فوجد نفسه في هذه اللحظة يقوم من مكانه هو الأخر ويتجه نحو أمه يقول بشيء من الانزعاج
((أمي لا تتحدثي عن هذه الصور كأنها كنز فريد لا يقدر بثمن، يمكننا ببساطة نسخ كل صورة مثلها ألف نسخة، نُسخا لك ونُسخا ليزيد ونُسخا احتياطية لأي معجب آخر لمَالك))
نظرت زاهية له بانشِداه وبدا الذنب متجليًا على وجهها وضغط عصبي رهيب يتسرب لها.. كأنها تطرفت بردة فعلها.. كأنها صّغرت من نفسها وهي تتعامل النٌّد بِالنٌّد مع هذا الطفل الذي بعمر أحفادها!
لكن الأمر خارج عن إرادتها..
عندما يتعلق الأمر بهذا الطفل المدعو.. يزيد.. يبدأ قلبها يؤلمها وشعور مبهم رهيب يخنق ضرباته..
ربما بسبب كونه ابن المرأة التي لا تجدها تليق بابنها لكن بالتأكيد هذا ليس السبب الوحيد.. حتما ليس هو السبب الوحيد..
رفرفت بعينيها وبدا صوتها مجهدا وهي تقول لمُؤيد
((حسنًا.. انسخ لي كل هذه الصور.. أريد أن أحتفظ بنسخة من كل واحدة منها))
كانت زاهية قد بدأت في تناول باقي صور مَالك من على الأرض حتى أمسكت إحدى الصور فوجدت يزيد يعترض بلهجة واضحة
((هذه الصورة لي))
تطلعت زاهية بعدم فهم ليزيد ثم دمدمت
((هذه الصورة تدعو لمَالك بصغره وليست صورتك))
مد يزيد يده الصغيرة يسترد الصورة منها بشيء من العدوانية ليقول متشبثا بحقه بقوة لا تليق بصوته الطفولي
((هذه الصورة لي، أمي التقطتها لي عندما كنت في الرابعة))
أظهرت زاهية تعجبا ثم استنكرت وهي تشدد من إمساك الصورة حتى لا يأخذها
((هذه الصورة لمَالك.. هل هذا شيء يُكذب به؟))
بدأت المزيد من الدموع تنزلق على وجنتي يزيد وهو يحاول سحب الصورة منها بقوة جعلتها في النهاية تتمزق لقطعتين..
شهق يزيد ناظرا بعينين متسعتين للصورة التي مزٌّقها بغير قصد ثم تراجع بحزن وهو يناظر نصف الصورة التي بحوزته.. في حين هتفت زاهية متذمرة بحسرة
((لماذا مزقت الصورة يا ولد!))
ارتجفت شفتا يزيد ورغم شعوره بالذنب على إفراطه بالقوة أثناء محاولته استرداد هذه الصورة.. لكن فجأة تبدلت ملامحه للغضب الشديد وهتف ببكاء وحرقة
((إنها صورتي.. صورتي أنا.. وحر أفعل بها ما أشاء))
عند هذه النقطة لم يستطع يعقوب ألا يتجه نحوهم قائلًا بغير رضا
((ماذا يحدث يا زاهية؟))
توجعٌّ قلب زاهية على منظر بكاء يزيد خاصة عندما بدأ يزداد نحيبه وينتفض جسده قبل أن يركض منسحبا من هذا المكان..
تطلعت زاهية لزوجها تتخبط بالألم والإحراج
((لم أفعل له شيء.. لا تنظر لي بهذا الشكل.. هو من قام بتمزيق صورة مَالك))
أخذ مُؤيد الصورة من بين أصابع والدته المرخية عنها وبدأ يمعن النظر فيها بتجهم قبل أن يعاتب باستياء
((أمي هذا ليس مَالك.. إنه يزيد.. انظري لحداثة هذه الصورة.. هل كانت الصور ملونة والكاميرات بهذه الجودة قبل عشرين عاما!؟ ثم لون العيون الأسود واضح.. حتى لون شعر الطفل في هذه الصورة حالك السواد.. هذا الطفل يشبه مَالك لكنه ليس هو..))
امتزج الذهول بالصدمة على وجه زاهية وهي تتمتم
((كيف يا مُؤيد!))
أشارت رتيل بإبهامها على الوجه الظاهر في الصورة بعدما قامت بتجميع النصفين وهي تقول مؤكدة
((هذا يزيد.. من الواضح أنه هو))
ارتجفت يد زاهية وهي تأخذ الصورة هامسة بصوت باهت وروحها ترفرف بتخبط
((هاتِ الصورة، لم أمعن النظر فيها قبل قليل جيدا))
رفعت الصورة لعينيها لتتشربها..
ملامح الطفل في الصورة تشبه ملامح توأميها.. بل مَالك بنحافة وجهه عندما كان بنفس هذا السن.. لكن..
هذه الصورة ملتقطة حديثا فعلا، ولون الشعر والعين الأسود واضح.. هذه الصورة ليزيد.. نعم هي كذلك!
ازدردت زاهية ريقها وشعرت برغبة ملحة.. حارقة.. بإحضار يزيد والتمعن بوجهه..
هل أعماها بغضها له طوال السنوات السابقة عن التمعن في تقاسيم وجهه وإدراك الشبه الفظيع بينه وبين.. مَالك؟
أم أنها كانت تشعر بوجود شبه بينهما وتقارب لهذا كانت تتعمد أن تبغضه أكثر إلى الحد التي تنفر فيه من النظر بصفيحة وجهه!
أما يعقوب شرد بحدقتيه المهتزتين بتفكير مذهول..
في هذه الأثناء تقدم فهد الذي كان يشعر بالقلق ناحية جدته وهز كتفها يجتذب انتباهها.. فتطلعت له ليقول بشيء من التردد والارتباك
((جدتي هل أخبرك بسر ما يتعلق بيزيد؟))
فغرت زاهية شفتيها وكل حواسها تتأهب نحو حفيدها الصغير ليكمل
((أنا ويزيد في نفس السن لكن كل واحد منا يدرس في فصل مختلف.. قبل أيام كنت أريد التأكد من أن والد يزيد اسمه مَالك كما هو مكتوب اسمه على كل دفاتره.. فأمسكت ورقة حضور فصل يزيد التي كانت في ملفات أستاذي..))
بللت رتيل شفتيها وهي تقترب من ابنها وتصغي له مع باقي من في الغرفة وتقول بفضول عارم
((نعم يا فهد، اسمه كان على دفاتره يزيد مَالك، هل كان مختلف عن اسمه في دفاتر أستاذه؟))
ازدرد فهد ريقه بينما يقول بذهول لا زال يتملّكه
((اتضح معي بأن اسم والده فعلا مَالك كما قال لكِ.. لكن.. لكن أيضًا اسمه الثالث والرابع مشابه لي.. اسمه "يزيد مَالك يعقوب الكانز"))
في هذه اللحظات شحب وجه كل من في الغرفة شحوبًا يُحاكي الموتى.. أما زاهية فشعرت بموجة نارية تصعقها.. تسري من رأسها حتى قدميها..
توقف عقلها.. تسارعت أنفاسها..
وقفت على قدميها وبالكاد تشعر بهما.. سارت بخطوات سريعة نحو غرفة نومها.. فتحت الباب.. ثم الخزانة.. بتشتت أخرجت الصناديق القديمة منها لتفرغ محتوياتها..
بعثرت كل صور عائلتها التي تحتفظ بها وبدأت تبحث بتخبط عن صور قديمة لمَالك عندما كان بهذا السن..
بمجرد أن وجدت له صورة قديمة حتى أمسكتها بأصابع مرتجفة..
ثم قربت صورة مَالك من صورة يزيد..
نفس الملامح تقريبا..
تشوشت عينيها بدموعها وضاع صوتها وهي تتمتم
((يا رب السماوات! إنهما متشابهين! لقد ورث من مَالك نفس ملامحه))
لم تشعر زاهية بأنهم جميعا لحقوا بها..
حتى رتيل بمجرد أن سمعت كلماتها المعذبة رفعت قبضة متكورة غير مستقرة نحو فمها كأنها تخفي ارتعاش شفتيها..
حاصرت يعقوب غصة مسننة ليقول دون مقدمات بصوتٍ خشن مبحوح النبرات
((هل يعقل أن يكون يزيد هو ابن ما..))
بتر يعقوب تكملة اسم ابنه من هَول جلالة أن يكون يزيد هو ابن مَالك!
هل يعقل أن يكون يزيد هو خطيئة ابنه مع..
مهلا.. مهلا.. مهلا..
قال فهد بأن اسم يزيد بدفتر المدرسة مسجل باسم ابن مَالك الكانز إذن زواج مَالك من سمية مُسجل في المحكمة!
إذن فمَالك..
هو..
زوج سمية الثاني..
والذي.. تزوجته.. خارج القرية!
انتشله من أفكاره انتفاض زوجته التي وقفت من مكانها، ترفع ثوبها الثقيل وتمضي نحو غرفة مَالك بخطوات سريعة..
وقفت عند عتبة باب الغرفة وكان تخمينها بتواجد يزيد هناك صحيحا.. فيزيد ها هو جالس في حجر مَالك ينتفض جسده الصغير بالبكاء بعد أن شكا له بعبارات مرتجفة غير مفهومة ما حدث..
ضم مَالك جسده الصغير إلى صدره بحنان جارف بينما يمسح على ظهره بكفه وهو يُهدهده.. وعندما شعر بدخول والدته ومن شدة غضبه على بكاء يزيد لم يُعِر تعابير والدته المريبة الشاحبة أي انتباه وهو يهتف باستياء
((أمي لماذا يبكي يزيد؟ ما الذي فعلتيه بصورته؟))
ازدردت زاهية ريقها وهي تخطو للأمام خطوات مرتجفة.. تشعر بأنها منفصلة عن كل ما حولها إلا من هذا الطفل أمامها..
أحست بالعاطفة تكاد تخنقها بينما تجلس على طرف السرير بجانب مَالك وتمد يديها تمسك يد يزيد وتجذبه لها قبل أن ترفع ذقنه ليطالعها.. فدققت في وجهه الصغير، مشطت عيناها ملامح وجهه بلهفة لم تفعلها يومًا..
جلدت ذاتها بالسياط.. نعم.. هذه هي المرة الأولى التي تسمح لنظرها التمعن بمحياه.. أخاديد وجهه.. عيناه المكلومتين.. وجهه الملطخ بالدموع..
إنه صورة صبيانية مصغرة عن مَالك.. فقط لون عينيه وشعره الأسود هو ما ورثه عن تلك البستانية.. أمه.. سمية..
تجلّى في وجهها ضعف.. ألم.. ولم تستطع مقاومة حاجتها لأن ترفع يدها وتلامس وجهه..
شعر مَالك بالتوجُّس مما تفعله أمه، أما يزيد فقد خفتَ بكاؤه وهو يطالعها بريبة.. باستهجان.. نظراتها المصوبة نحوه مختلفة على نحو رهيب عما تكون عليه عادة!
أخترق زاهية عذاب لم تعرفه يوما جعل حواسها تتأهب في صدمة وضراوة فينطق لسانها بحريق جوفها
((أنتَ نسخة عن مَالك.. كيف لم ألحظ هذا من قبل!))
بهت وجه مَالك لما سمعه منها، خاصة وهو يرى دموعها تسابق بعضها وهي تهز رأسها نافية ببطءٍ شديد..
عضت زاهية طرف شفتها تمنع نفسها من البكاء بالمزيد وعينيها تنطقان بالألم المبرح.. ثم أردفت هامسة برجاء باح بصميم وجعها
((تعال يا يزيد واجلس بقربي..))
تراخت يدا مَالك المتشنج عن يزيد وهو يسمح لوالدته بسحبه منه ليستقر بجانبها ثم معانقته..
أما يعقوب الذي كان يراقب الموقف ومن خلفه رتيل ومُؤيد.. اقترب للداخل بخطوات حثيثة عازمة نحوه يناديه باسمه ((مَالك..))
تطلع مَالك متأهبا نحو أبيه فتصلبت ملامحه واستقام من مكانه ثم اقترب منه بتوجس..
للحظات ظلت نظرات مَالك مصوبة نحو والده بتدقيق كأنه يدرس ملامحه وما سيقوله.. حتما هو أمر متعلق بيزيد.. لقد عرفوا شيئا ما عنه..
بكل الغضب الضّاري في أعماق يعقوب ارتجفت أنفاسه انفعالًا وارتفعت يده لتهوي وتصفع خد مَالك بقوة أمالت وجهه جانبا.. ثم صرخ به بنبرته المهيبة التي لم يفقدها يوما
((من هو والد يزيد؟))
تناهى إلى سمع مَالك صوت يزيد يعود لينفجر في البكاء وهو يرى والده يُصفع.. لكنه أغمض عينيه للحظات وقد تيقظ بأن الحقيقة قد كُشفت كلها! أخترق ألم أخفاه بعينيه المتحجرة ليقول بترفع
((أنا هو والد يزيد.. أنا والده شرعا وقانونا.. سبق وتزوجت من سمية قبل سنوات.. لم أفعل أي حرام))
جحظت عينا مُؤيد لما سمعه وضربت رتيل صدرها بلا تصديق..
أما زاهية فازداد بكاؤها وهي تضم جسد يزيد إلى صدرها بحنان جارف تشتٌّم رائحته..
هتف يعقوب لرتيل الواقفة خلفه بصوت بانفعال مشوب بغضب مستعر
((اذهبي الآن واجلبي سمية إلى هنا..))
أغمض مَالك عينيه مجددا يخبئ ذل رجل حمل خطاياه بإخفاء حقيقة ابنه لسنوات طِوال حتى اعتاد حملها الثقيل وهو لا يصدق أنه أخيرًا تحرر منها وأزاحها عن كاهله..
أخيرا عرفت عائلته أن.. يزيد.. ابنه.. حفيدهم..
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل السادس وأربعون 46 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل التاسع عشر
شركة القاني.. قبل الغروب..
كان هذا اليوم مختلفا قليلا عن باقي أيام العمل وقد كان هناك زيارة مفاجئة من رئيس مجلس إدارة شركات القاني إلى فرعهم القابع في هذه المدينة لتفقدهم..
جال الرئيس للشركة بمختلف أقسامها ولأن القسم الذي كانت تعمل شيرين به كان آخر ما دخله الرئيس مع حاشيته اضطرت أن تُؤخر من موعد عودتها..
حزمت أمتعتها وقبل أن تغادر وقفت عند النافذة تتطلع للسماء قبيل الغروب والتي بدت في هذه اللحظة رائعة بمشهد خلاب وهي تتلألأ بالألوان البرونزية المتألقة مكتسحة أجواء المكتب ذو الجدران الزجاجية لترمي بأشعتها اللامعة على ملامح وجهها فتبدو بشرتها بإضاءة ذهبية..
جفلت فجأة على صوت إحدى زميلاتها وهي تدلف للداخل
((لقد غادر الرئيس فارس القاني المبنى أخيرا، استطاعت جميع أقسام فرعنا هذا أن تعطيه انطباعا جيدا بحمد الله))
ربتت الزميلة فوق كتف شيرين تستطرد مشيدة
((عليكِ أن تكوني فخورة بنفسك اليوم فقد أبليت كمشرفة لهذا القسم بلاءً حسنا أمام زيارته التفقدية رغم أنها كانت فُجائية))
ابتسمت شيرين بشحوب رغم الحزن اللامع في عينيها متمتمه
((أنا كذلك بالفعل..))
تدخل معتز يقاطع حديثهما وهو يقف عند باب المكتب
((ألم تنتهي ساعات عملكن أيتها السيدتين؟ خاصة أنتِ يا شيرين فلا زلت عروسا))
كانت تهم شيرين بقول شيء عندما ردت زميلتها شاهقة وهي تشير بسبابتها عبر زجاج النافذة
((انظروا ها هو السيد فارس القاني يغادر الشركة))
تمتمت شيرين ونظرها مصوب نحو رئيس مجلس الإدارة المهيب الذي يخرج من الشركة نحو سيارته
((هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها الرئيس لشركات القاني بشكل شخصي! من يراه لا يقدر أن ينكر بأنه صاحب كاريزما عالية ورجل مثير للإعجاب رغم تجاوزه عمر الستين..))
خرجت آخر الكلمات من شيرين بطيئة خافتة قبل أن تبترها وهي تضيق عينيها نحو الرجل الذي يستقل المقعد الأمامي في السيارة لتشهق عاليا وتقول جاحظة العينين
((يا إلهي.. هل هذا قصي؟))
ناظرتها زميلتها باستغراب متسائلة
((قصي من؟))
كان لازال نظر شيرين مصوب نحوه والدهشة تلفها أكثر وأكثر مُرددة
((أوه إنه قصي سامح.. ماذا يفعل بسيارة الرئيس ولماذا يجلس وراء المقود!؟))
التفتت نحو معتز هاتفة
((معتز تعال أليس هذا قصي سامح؟))
اقترب معتز من النافذة وهو يقول ببساطة
((نعم إنه قصي من يقود سيارة الرئيس))
ثم التفت نحو شيرين يتابع منبها
((لقد جاء مدير القسم وأمرني أن أعطي "مُغادرة ساعتين" لقصي سامح ليقود سيارة رئيس مجلس الإدارة بعد أن شعر سائقه بالإعياء فجأة، فقصي كان يعمل سائقًا خاصًا للسيد فارس القاني قبل أن يتوسط له ويجعله يعمل هنا في شركته))
تطلعت شيرين بمعتز متعجبة وتساءلت بذهول عارم
((رباه! هل كان قصي ذاك الأبله يعمل سائقا خاصا لرئيس مجلس إدارة شركة القاني يا معتز!؟ أمر لا يصدق حقا!))
هزّ معتز كتفيه يرد بهدوء
((نعم وأنا مثلك صُدمت كثيرًا بمعرفة هذا الأمر، لا بد أنه عندما كان يعمل سائقا لديه كان يأخذ راتبا أعلى من راتبه الحالي كموظف عادي بائس هنا))
التفتت زميلة شيرين لها تسألها بشيء من الرّيبة
((إذن هل علينا يا شيرين أن نُعامل قصي معاملة خاصة ومختلفة عن غيره من الموظفين هنا بعد معرفتنا بهذا الأمر؟))
ازدردت شيرين ريقها بارتباك ثم قالت بلامبالاة مزيفة
((بالتأكيد لا.. لم قد نغير معاملتنا له؟ لقد كان مجرد سائق.. لو كان شخصا مهما للسيد فارس القاني لما جعله موظف عادي في خدمة العملاء لما يقارب الثلاث سنوات بدون أيّ ترقية..))
أيدتها زميلتها بشيء من التردد
((معك حق.. ثم لم يسبق وأن طلب أحد أصحاب المناصب الكبيرة في الشركة منا نحن المسؤولين عن هذا القسم أن نتعامل معه بحذر، لا داعي للخوف منه))
عادت شيرين تنظر من خلال الزجاج بشرود لتتمتم بتحسر
((كم هم محظوظين أبناء الأثرياء ومن ولدوا وفي أفواههم ملعقة من ذهب))
ضحكت زميلتها بخفوت عليها لكن بعد ذلك أشارت لها أن تسير معها ليغادرن المكان..
عندما خرجن من مبنى الشركة التفتت شيرين لمعتز متسائلة باستغراب
((هل حان وقت مغادرتك يا معتز!؟ فعلى حد علمي الرجال في قسمنا معظمهم يأخذون نوبات مسائية..))
ظل معتز يسير معهن نحو إحدى الساحات التي يركن الموظفين سياراتهم بها مجيبا
((فعلا لم تنتهِ ساعات عملي بعد لكن أريد أن أضع أغراض قصي في سيارته، أعطاني مفتاحها قبل أن يذهب لقيادة سيارة الرئيس..))
عندما وصل معتز للسيارة التي طابقت الوصف الذي أعلمه قصي أخرج المفتاح فتساءلت شيرين بتعجب
((هل يعقل أن تكون هذه سيارة قصي!؟ فهي حديثة جدًّا.. وتبدو باهظة الثمن))
أومأ معتز بالإيجاب وهو يفتح باب السيارة
((نعم هذه هي سيارته لقد أخبرني أين يركنها بالعادة.. انظري لقد فُتحت بمفتاحه..))
تجهمت ملامح شيرين وبقيت واقفة أمام السيارة تتفحصها فلكزتها زميلتها التي استغربت تحديقها
((ما بك يا شيرين؟))
قالت شيرين وهي تتفحص السيارة
((أذكر بأني سبق ورأيتها.. ولكن أين.. أين رأيتها!))
أغمضت شيرين عينيها تعتصر ذاكرتها بمحاولة تذكر أين رأت هذه السيارة الفريدة من نوعها قبل هذه المرة..
فتحت عينيها شاهقة..
نعم لقد تذكرت! هذه السيارة هي نفس سيارة خطيب سهر التي جاءت بها عندما كانت تقطن في الفندق الذي حجزه مُعاذ لها.. لا يمكن أن تخطأ ففي ذلك اليوم ارتطمت بها من الخلف ثم قامت بتفحص كل جزء منها خوفا من أن تكون قد تسببت بأي أضرار جسيمة..
ازدردت شيرين ريقها وهي تسير إلى السيارة من الخلف حيث تسببت لها هناك بعدة صدمات..
لكن سرعان ما لفتها حيرة أكبر وهي تجد أن السيارة سليمة تماما من الخلف وخالية من أي خدش..
هل يمكن أن تكون سيارة مختلفة أم أن صاحب السيارة قام بإصلاح الضرر!
شردت شيرين بنظرها قليلا مُفكرة قبل أن ترفع يدها وتضرب جبينها شاعرة بالغباء..
أفكار غبية تلك التي تدور في عقلها..
فما دخل قصي خطيب سهر بقصي سامح هذا الأبله الذي يعمل بالشركة! أساسا وماذا فيها لو امتلك الاثنين نفس نوع السيارة ولونها!
=============================
كانت نورين تجلس على الأريكة في الصالة ترفع هاتفها تتبادل الحديث مع والدتها عندما سألتها بفرحة عارمة
((إذن هل اتفقتم على أن تبقوا هنا في هذا البيت لوحدكما بعيدا عن بيت العائلة؟))
أكدت لها نورين بهدوء
((نعم يا أمي، رغم أن معظم أفراد عائلته لطيفين معي إلا أنى شعرت بالراحة لانفرادي في بيت وحدي خاص بي، لكن هناك أمور أصعب من أن أشرحها تؤرقني هنا..))
بترت نورين كلامها وهي تجفل على صوت فتح الباب فهتفت بصوتٍ عال
((لقد جاء مُصعب.. تعال إلى هنا))
تسٌّمر مُصعب مكانه وهو يتطلع ببلاهة عليها كيف تلوح له من مكانها بلهفة ليجلس بجانبها.. كأنهما ليسا متخاصمان منذ أيام! حتى انتبه بأنها تمسك الهاتف تتحدث بمكالمة فيديو.. فتقدم بهدوء منها متسائلا
((مع من تتحدثين؟))
تطلعت له بابتسامة مبتهجة وقالت وهي تقبض على ذراعه وتشده إليها ليظهر بالصورة
((أمي.. إنها تريد الحديث معك قليلا))
تطلع مُصعب بالشاشة ليشعر بشيء من الحرج أمام والدتها.. فتلعثم وتعثر قائلًا
((أهلا يا عمة.. كيف حالك؟))
لمعت عينا والدة نورين بالامتنان وهي تغدقه بالترحيبات ثم هدرت
((أنا بخير، أنتَ كيف حالك بني؟))
تمتم بتهذيب وخفوت كلمات الحمد.. فتابعت ريحانة تقول بمشاعر صادقة وعاطفة
((أنا أدعو لك دائما بالصحة والعافية أنتِ وابنتي..))
أمسكت كف نورين يد مُصعب تشد عليها بامتنان فرفع مُصعب ذراعه يحيط بكتفها بينما يرد بابتسامة رجولية خلابة لوالدة نورين
((شكرا لمشاعرك ودعواتك الطيبة))
تسللت راحة عجيبة واطمئنان لصدر ريحانة مثل كل مرة تتحدث مع زوج ابنتها بالهاتف وترى وجهه السمح الهادئ وكلامه الراكز الكيِّس.. فتمادت هذه المرة في طلبها وقالت بما يبطنه الرجاء
((كم أتمنى فقط لو تنورونا في زيارة لبيتنا أنتما الاثنين، سأكون ممتنة جدًّا لك لو حصل ذلك))
قاطعتها نورين تقول بلهجة مشددة وكأنها تحذرها في الضغط أكثر على مُصعب
((أمي ما هذا الذي تقولينه، كيف تطلبين منه زيارتكم معي؟ يكفي حديثنا عن طريق الهاتف هنا))
تلبكت ريحانة ونكست رأسها مكسورة الخاطر ثم ازدردت ريقها لتقول متذرعة
((معك حق.. سأغلق المكالمة الآن.. أخاك يريدني بشيء.. إلى اللقاء حبيبتي))
أطلقت نورين بعد هذه المكالمة تنهيدة حزينة كانت تجيش في صدرها وصمتت للحظات قبل أن تتيقظ لذراع مصعب التي تحيط بها بحميمة.. فدفعت ذراعه عنها بطريقة تعمدت أن تكون مهينة..
ثم وضعت هاتفها في جيب قميصها المنزلي قائلة بنظرة صلف
((لقد أغلقت أمي.. لا داعي الآن لنتصرف بود مزيف))
تجهمت ملامحه واستنكر بخشونة
((هل تمازحيني الآن يا نورين!؟))
نظرة تكذيب ساخرة أطلّت من عينيها وهي تقف من مكانها قائلة بكلام صريح
((لا أمازحك.. لن أتصرف كأنني بخير معك طالما لا أشعر معك بالأمان، فأنت لا زلت ترفض الحديث عن الموضوع الذي أريد التحدث عنه وترفض أن تكون صادقا أو صريحا معي بخصوص المشاعر التي تكنها لي))
وقف مُصعب هو الآخر من مكانه يواجهها رادا بلهجة حازمة
((ولن أغير رأيي فأنا لا أحب التحدث بأي شيء يتعلق برشا التي لا يربطني بها إلا اسم العائلة وهو نفس ما يجبرني ألا أتخلى عن مسؤوليتها وأكون متواجدا عندما تحتاجني! ما أملكه لك هو وعد بأن أكون حريصا ألا أفعل أي شيء يقلل من احترامك أو يسيء لك))
عينا نورين لم تفارقا عينيه.. لم تكن تتحداه.. بل بدت وكأنها تستشف صدقه لتقول بنبرة يلفها الانكسار والتوسل
((هل أنتَ صادق حقا؟ هل يمكنني أن أثق في كلامك؟))
أجابها بهدوء متأصل فيه
((هذا الأمر راجع لك.. من جهتي لم يسبق وأن فعلت ما يسيء لك بشهادتك ولن يتغير موقفي مستقبلا.. كل ما أطلبه منك أن تحترمي رغبتي بعدم فتح ماضّي مع ابنة عمي والمرأة التي انفصلت عنها ولا تكيلي اتهامات غير منصفة بحقي))
طالعها وهي تطرق بنظراتها للأرض كأنها خجلة أو نادمة لموقفها منه...ثم قال لها بصوتٍ خال التعابير قبل أن يبارحها
((طابت ليلتك.. يا نورين))
أغمضت نورين عينيها اللتان تفيضان حزنًا ثم استدارت تمضي نحو الغرفة التي تنام فيها لتخلد للنوم قبل أن يعييها الحزن والألم القابعين في داخلها..
بقيت لساعات على فراشها تتقلب فيما دموعها تنهمر في الظلام وجوانحها تضج من فرط الحنين..
هل ردة فعلها متطرفة؟ لكنه لا يظهر أي لين بأنه قد يبوح لها بأسرار ماضيه وحقيقة مشاعره وما ينشده مستقبلا!
هي ليست مهتمة جدًّا بطلب الحب منه وتوسله فما بداخلها من حب يكفي كلاهما ويكفي لإنجاح هذا الزواج.. لكنها تخشى أن يحمل بقلبه حبًا لأخرى يجبره يوما على الرحيل عنها أو أذية قلبها الذي لن يتحمل منه أمرًا كهذا!
بعد أن صنع لها كرامة بين أهله وعزها ومنع أي أحد أن يتجرأ عليها.. حتى والدته.. لن تستطيع بعد كل هذا أن تتنازل وترتضي أنصاف مشاعر وردود أفعال لغيرة محتملة.. فهي امرأة تغار وبشدة.. وهو إن لم يستطع أن يراها امرأته الوحيدة فلن تستطيع أن تتشاركه مع امرأة أخرى تحمل هذه المكانة عنده ويكون لها ما لها هي فيه..
أطلقت نفسا مرتجفا تستمر بالتفكير..
الآن لا خيار لها إلا أن تعود كما السابق معه وتثق بكلامه.. خاصة وأن ليس له سوابق في الغدر أو الخداع معها أو مع غيرها!
شعرت نورين برغبة مضنية في العودة من تلقاء نفسها والاندساس بجانبه على السرير بدون أي مقدمات كأنه
لم يحدث شيء بينهما..
هزت رأسها نافية بعنف.. سيكون من المهين لها أن تعود من تلقاء نفسها له وهي التي بدأت الأمر برمته بعد أن أسمعها كلاما جارحا ليس من السهل أن تنساه! عليه هو أن يعتذر أولا أو يصالحها..
تنهدت ببؤس ولوعة.. فهي مشتاقة له والحنين الكبير والشوق العارم بداخلها ينقضان عليها!
مرت دقائق أخرى قبل أن تزيح الغطاء من فوقها وتعتدل جالسة تحسم الصراع المحتدم في داخلها وتقرر أن تذهب إليه..
اقتربت من باب غرفة نومه وكلها رهبة..
ازدردت ريقها قبل أن تفتح الباب دون أن تطرقه..
كان الظلام الحالك يعمّ المكان لكن شعرت بتململه على السرير دليل عدم نومه!
تماسكت وتصرفت كما لو أنها لم تشعر به أو بحركته وتابعت تتقدم نحو السرير.. سحبت الغطاء ثم اندست داخله.. لم يحرك مُصعب ساكنا مكانه فلم ترى نظراته مِمَّا تفعله.. نعم هو لم يكن يعرف كيف ستكون نهاية هذا الشجار والخصام الذي حصل بينهما.. لكن أبدًا.. أبدًا.. لم يتوقع أن تعود هكذا بهذه البساطة!
بقي على حاله لدقائق قبل أن يعطيها ظهره ويسترخي مكانه.. فتجمعت الدموع في عينيها بألم بالغ.. وفتحت شفتيها تقول بصوتٍ متحشرج.. خافت
((لقد اشتقت لك.. جدًّا))
مرت ثانية.. دقيقة.. دقيقة ونصف.. ثم ضمّت شفتيها وأغمضت عينيها تمنع دموعها الحارقة من السقوط..
تقطّع قلبها على حالها فقد تمادت في إذلال نفسها والنيل من كرامتها ولم تجد منه حتى تجاوبا.. فما كان منها إلا أن ملأت رئتيها بالهواء وزفرته في محاولة يائسة للسيطرة على مشاعرها وانفعالاتها البائسة..
الآن ماذا لو فهم أن عودتها للنوم في نفس الغرفة تعني موافقتها أن يظل غامضا ويستمر في إخفاء ماضيه عنها!
كانت تغرق في جلد ذاتها على ما فعلته ندما وقهرا عندما شهقت بصدمة ما إن شعرت به يجذبها من ذراعها إلى حضنه ثم يغمرها بين ذراعيه.. يحتجزها بين ضلوعه حتى توجعت عظامها..
استنزفت آخر ذرات ذخيرة صبرها لتدفن نفسها في عنقه بقوة.. وتطبق عليه بذراعيها محتضنة إياه بشدة من فرط توقها واشتياقها له.. لكن بعد دقائق أبعد وجهه عنها يطالعها من خلال انعكاس ضوء القمر الخافت الذي يمر من خلال النافذة على وجهها.. عيناه تخترقان عينيها اللامعتين كأنه يتخذها بوابة فيعبر منها إلى عمق روحها.. ثم قال بصوتٍ أجش فيه بحة
((إيّاك أن تجافيني مجددا، مهما حدث بيننا))
اختلجت شفتاها وهي تهمس بألم
((لن أفعلها مجددا.. أبدًا))
تدفقت دموعها فسارعت تدس وجهها في عنقه، ودفء صدره يتسلل عبر الحرير لجسدها..
هدأت أنفاسها واطمأنت روحه قبل روحها من قربها فرفع يده يمسح على ظهرها.. منتشي بما تظهره من عواطف تمحي كل ليلة تلوّع فيها من حرمان أُرغم عليه..
ومضى وقت لم يجافي أحدهما النوم.. لأن نوري بقيت بين كل وقت وآخر تشدد من احتضانها له وتغمر أنفها فيه تنعم بعبير عطره العبق الممزوج برائحته الرجولية.. فتشعرها بالوطن.. بالانتماء.. وتجبر كل ما فيها على الاسترخاء.. حتى تذمر أخيرا
((اهدئي يا عفريتة، أريد النوم بعد وقوفي في المشفى في عمل استمر لأكثر من إثني عشرة ساعة))
ضحكت بخفوت وهي تحتضنه أكثر هامسة
((مُصعب.. أنا أفكر في الانتقال من غرفتي تلك.. إنها ضيقة ومزعجة وليس هناك تلفاز أو مكان لشاحن هاتفي قريب من السرير))
شعرت بضحكة خافتة تنفرج عنه فاقترحت وهي ترفع يدها تداعب ذقنه
((إذن هل أنتقل مع أمتعتي إلى هذه الغرفة!))
لم يبتسم على غنجها المتعمد بل قطب حاجبيه ثم قال بعد لحظات ادعاء للتفكير
((أدعمك في هذه الخطوة وأنصحك بهذه الغرفة بشدة))
رفعت حاجبيها تسأله بمكر محبب
((لماذا تنصحني فيها بشدة؟))
شدد من احتضانها مجيبا إياها
((إيجارها مجاني.. واسعة المساحة.. السرير في داخلها كبير ومريح.. وأهم من ذلك فيها رجل ينتظرك كل ليلة))
=============================
منزل وليد..
جلس على كرسيه الوثير يتصفح بعض الأوراق بتركيز شديد.. عيناه القاتمتان تعملان بآلية مفرطة وأنامله الممسكة بقلمه تخط بسرعة..
مدّ كفه يضع حفنة من الأوراق في إحدى الجوارير قبل أن يغادر مكتبه ويتجه نحو غرفة النوم.. فتح الباب يدلف للداخل هادرا
((كيف حالك يا كحيلة العينين؟))
لم ترد شيرين المتمددة فوق السرير بل أغمضت عينيها وأعطته ظهرها.. فرفع حاجبيه بتلاعب رغم إنهاك وجهه
((الناس ترد السلام عندما يُلقى يا كحيلة العينين! فما خطبك الآن!؟))
ردت بصوتٍ شديد الوجوم
((اغرب من أمام وجهي))
ظل يخطو حتى وصل عندها وجلس على طرف السرير من جهتها يقول وزاوية ثغره تميل بابتسامة
((ما بادرة التمرد هذه؟ لقد ظننت أن الفترة السابقة كانت كفيلة بقمعها من جذوتها!))
رفعت شيرين التي لا زالت مستلقية عينيها اللتين تطلقان الشرر عليه دون أن ترد.. فعمّ الصمت بينهما لدقائق قبل أن تطل فجأة تلك النظرة الجارفة الحارة في عينيه..
دبّ خوف أكبر فيها وهي تدرك ما الذي يريده الآن.. فهيئته بدت كأنه أسد جائع لم يأكل شيء منذ أيام بينما فريسته تجلس أمامه!
انحني برأسه يدس وجهه في تجويف عنقها يتشبع من عبقها.. ثم شعرت بشفتيه عند رقبتها هامسا بحرقة
((أنا أشتاق لقربك مجددا حد الموت يا شيرين))
أطبقت على أسنانها وأغمضت عينيها لتقول بقهر مكتوم
((إذن تصرف كأنك رجل ملتاع بالاشتياق وصاحب كلامك بأفعال يا وليد))
ظل على حالة النشوان الغارق بها وهو يسألها
((ما هي الأفعال التي تريدين مني فعلها؟))
لم تجبه وتحملت قربه خائفة من عقابه فكل ما فعله سابقا ولّد في نفسها رهبة منه.. ففكرت بأن عليها أن تسمح له أن يفعل ما يريد.. فهي على كل حال قريبة جدًّا من التحرر منه..
تصلب جسدها ثم استسلمت بوجه كانت ملامحه أبأس ما يكون وتقبلت لمساته..
لم تذرف دمعة واحدة كأن دموعها نضبت لتتحول واحة أحاسيسها الى صحراء قاحلة..
مرّ الوقت عليهما.. دقيقة أولى.. ثانية.. وثالثة..
ورغما عنها لم تقدر على التحمل أكثر فانفجرت صارخة وهي تدفعه بقوة عنها
((ابتعد.. ابتعد.. بتُ أشمئز من قربك.. تبا لك ولي لأني وافقت على الزواج منك.. أنا أكرهك))
اعتدلت جالسة على السرير وقلبها يرتفع ويهبط.. اختفت التعابير من وجهه وهو يقول
((عليك يا كحيلة العينين أن تستسلمي لي فأنتِ لن تتخلصي مني))
عصرت قبضتيها تحاول لجم غضبها الذي يتصاعد بجوفها.. عليها أن تصمت ولا ترد عليه وتستفزه.. لكنها لم تتملك نفسها وألقت كلماتها عليه بمنتهى الحقد
((بل سأفعل فزواجنا كله كان قائما على الخداع، أنتَ خدعتني ونقضت العهد الذي كان بيننا))
رد بصوتٍ هامس حار يتعمد إيلامها كما تؤلمه بكلماتها
((لن أسمح لك أن تتحرري مني قبل أن أمل منك أنا وأتوقف عن حبك.. وقتها فقط سألقيكِ كالخرقة البالية))
قرر كالعادة أن يأخذها رغما عنها مُبررا لنفسه بأنها لو تعلم بماهية أحاسيسه وعاطفته الحقيقية تجاهه ستعذره..
شعر باستمرار تصلبها فمرّ في عينيه نظرة إشفاق بدّدَ بعض الجمود والقساوة على محياه لكنه أصر على ما يريد الإقدام عليه.. فبدأ يلثمها ويبثها حبه وشوقه..
وبينما هو يرتفع في مقامات الشوق والرغبة.. كانت هي تغرق في مشاعر ذُل وعجز..
وبينما هو يطير ويحلق.. كانت هي تهوي..
أغمضت شيرين عينيها وازداد جسدها تصلبا تحت وطأة لمساته لكنها بقيت مستسلمة له.. فظل مستمرا فيما يقوم بها حتى بدأ العرق البارد يتصبب منها إلى الحد الذي التصقت منامتها القطنية بجسدها..
فتحت شيرين فمها بتأوه خافت فربط هو أنينها بنشوتها.. وأثاره الأمر ليستمر فيما يفعله أكثر..
قبل أن يتيقظ أخيرا بأن جسدها يرتجف وهذه الرجفة.. ليست طبيعية..
ازدرد ريقه عندما توقفت فجأة عن الرجفان.. وببطء اقترب إلى نبضها ليجد أنه خافت..
رفع وجهه بخوف ليرى عينيها زائغتين.. وجهها شاحب.. بشرتها شفافة.. شفتيها جافتين.. صدرها بالكاد يتحرك..
لامس بكفه وجهها ليجده باردا كالثلج..
انتفض فجأة مُفلتا إياها لتتهاوى أمامه على ظهرها وكأنما قد فارقت الحياة..
ظل يطالعها بذهول منقطع الأنفاس.. لا يعرف كيف يتصرف.. قبل أن يَهتدي ويسارع إلى رفع ساقيها على المسند.. حررها من ملابسها الضيقة وقفز إلى منضدة الزينة يأخذ زجاجة عطر ذو رائحة نفاذة قوية ورش القليل على يده التي قربها من انفها..
تململت شيرين مكانها قبل أن تشهق بخفوت وما إن لاحظت حالها حتى سارعت بضم ملابسها لها تخفي عُريها عن عينيه هامسة بيأس وعذاب
((ابتعد عني))
تراخت أعصاب وليد المُنهارة وتنفس الصعداء وهو يرى ألوان الحياة تعود لوجهها..
بيدين مرتجفتين تناول شاف الماء وسكب القليل على كفه المضمومة ثم مسحه برقة على وجهها.. عنقها.. وشعرها.. بينما هي تسترسل بهمس صوتها المرتجف
((توقف أرجوك وابتعد عني))
تنهد وليد بإنهاك ثم جلس بجانبها يبحث عن نبضها ليجد أن قوته قد عادت إليه بعض الشيء.. فأصدر نفسا مرتجفا مرتاحا..
عاودت شيرين التأوه بأنين أشد وتقول بخفوت معذب
((أرجوك ابتعد عني واتركني))
قال بصوتٍ متهدج من كمية الرعب الذي عاشه قبل قليل
((أرجوكِ أنتِ يا شيرين اهدئي والتقطي عدة أنفاس عميقة))
تجمدت نظراتها تطلع له ليعاود القول برجاء مُلّح وعينين متألمتين غارقتين بذنبه
((أرجوك تنفسي بعمق وحسب، لن افعل إلا ما تريدينه لكن تنفسي جيدا))
ظل يُصر عليها برفق مما جعلها تستجيب له وتأخذ عدة انقاس عميقة.. فتبدأ المزيد من الألوان تعود إلى وجهها مما جعله يغمض عينيه ولسانه يلهج بكلمات الحمد لله..
لكن شيرين أجهشت بالبكاء.. فأحاط بذراعيه جسدها وقربها منه هامسا بصوتٍ متحشرج مكسور
((اقسم لك من هذه اللحظة بأني لن أقربك قبل أخذ موافقتك، لكن لا تفعليها مجددا وتخيفيني عليك، قلبي لن يتحمل وستتوقف نبضاته))
تلوت شفتا شيرين المرتجفين بسخرية وكأن ما حدث قبل قليل حدث بإرادتها!
قبلها وليد بعمق على جانب رأسها قبل أن يشد من ضمها له بقوة وغضب عارم يتصاعد من أعماقه من نفسه..
عليه ألا يفعلها مجددا إذا أراد ألا يتكرر شيء كهذا مرة أخرى! لقد تعب مِمّا يفعله أكثر منها ويريد فقط زواجا طبيعيا معها!
لا ينكر بأنه هو من بدأ كل شيء بهذه الطريقة..
لكن الآن لم يعد يستهوي ما يفعله.. لم يعد راضيا عما يأخذه منها.. يريد منها خضوعا بشكل كامل غير مشروط.. يريد منها أن تصرخ باسمه عاليا وهي بين أحضانه.. يريد منها أن تبادله استعار مشاعره وعواطفه المتقدة.. سئم وملّ من تقاذف الإهانات بينهما بما يوغل من كرهها له!
شعر بها تحاول الابتعاد منه بقوة فتركها مستسلما لإرادتها وابتعادها عنه.. ازدرد ريقه عندما أعطته ظهرها وانكمشت على نفسها.. ووجد نفسه لا يستطيع البقاء بعيدا عنها أكثر فاقترب منها..
احتضنها من الخلف فأغمضت عينيها تقول بصوتٍ مستنزف
((دعني وليد.. أرجوك.. أنسيت قسمك قبل ثوانٍ؟))
قاطعها برقة يشدد من ضمها لصدره
((أريد أن أحتضنك وحسب))
ارتجف جسدها إثر ما يفعله ثم سألته بصوتٍ محتقن
((لماذا تفعل بي كل هذا؟ ألم يكفك ما اقترفته بحقي طوال السنوات الماضية؟))
أجابها بتلقائية بصوتٍ متهدج
((لأني أحبك))
سألته مختنقة العبرة
((هل تعذب أحد لمجرد أنك تحبه؟))
بلع ريقه يجيبها بتهدج ((ما حيلتي يا كحيلة العينين وحبك في قلبي يزيد يوما بعد يوم حتى أكاد أشبه المجانين.. لا تعرفين كم أفزعني طوال السنوات الماضية أن أظل أسيرا لك حتى بعد ما أخرجتك من حياتي.. كان لزاما عليّ أن أعيدك لعالمي حتى لا أفقد آخر ما تبقى من ذرات عقلي))
تنهدت شيرين نفسا كان يجيش.. وكم بدت مؤلِمه جدًا تلك التنهيدة التي كتمت فيها ألمها المبرح لتقول بصوتها المختنق
((لكن أنا لا أريدك أن تعود لحياتي فهناك أمور لا تغتفر، بسببك قلبي انطفأ للأبد ولن يعود كما كان مهما حاولت أنا.. أو أنتَ..))
أكد عليها بإصرار صوته الهامس
((بل سيعود كما كان وأكثر توهجا فثقي بي.. المهم ألا تغربيني من حياتك يا وطني.. يا منفاي.. سأعترف لك أخيرا بأني كنت مشاركا في الخطأ عندما صببت اهتمامي في الماضي على فتاة غيرك وعندما انفصلت عنك.. لكن ها هو العمر أمامنا لأعوضك كما تريدين))
تجمدت ملامحها الخالية من أي معلم حياة وقست نبرتها وهي تقول
((صدقني لا شيء ستفعله قد يهدئ روحي الملتاعة بسببك، خاصة أني حتى هذه اللحظة أعاني من نتاج انتقامك المجحف بي.. إذا امتلكت القدرة على العودة إلى حياتي رغما عني فلن تملك قدرة إعادة الزمن والتراجع عن كل ما فعلته بي.. مهما فعلت ومهما قدمت فلن يكون كافيا لتغلغل السعادة والرضا التامين في داخلي..))
حاولت أن تقاومه وتحرر نفسها عنه فتراخت ذراعيه..
فجلست مكانها وهي تكمل بصوتٍ أجوف لا حياة فيه
((الآن رجاء غادر من هنا أو سأفعل أنا))
=============================
في المطبخ الواسع..
دلفت رتيل للداخل تقول باستغراب لسمية المنشغلة بتنسيق قوارير الزرع الموضوعة عند النافذة
((ألم تطلب منك الحاجة أن تتوقفي عن عملك هذا!؟))
جفلت سمية على صوت رتيل لكن سرعان ما رسمت لها ابتسامة رقيقة وهي تقول
((نعم لقد توقفت بالفعل، كنت فقط أسقي هذه الزهور))
تمتمت رتيل وهي تخرج دله
((هل تحبين أن تحتسي معي القهوة؟))
جلست سمية عند الطاولة تقول بامتنان
((شكرا لك، سأحب ذلك))
بمجرد أن أنهتها رتيل وسكبت القهوة في فنجان سمية حتى تساءلت بفضول
((إذن هل حددتم يوم عقد القران؟))
ظهر شيء من التردد على سمية وهي تجيب بخفوت
((لا ليس بعد.. بل حتى هذه اللحظة أشعر بالتردد والتشتت إذا ما كان يجب أن يتم الزواج أو لا، قلبي يريد لكن عقلي يستمر بتحذيري..))
رفعت رتيل حاجبيها وهي تسألها
((لكن لماذا؟))
هزت سمية إحدى كتفيها تقول بوهن
((أخشى أن يتكرر عند زواجي من مَالك ما حدث أثناء زواجي الأول))
هتفت رتيل باستهجان
((تخشين؟ إياكِ أن تقولي بأنك لا زلت تحبين زوجك الأول؟ الحب ليس للأول.. الحب للأفضل حتى لو كان عاشرًا))
لم تستطع سمية كتم ضحكتها على كلامها، ثم أخرجت نفسا عميقا قبل أن تقول بصراحة
((لم أقصد هذا، بل كل ما في الأمر أنا أخشى من الارتباط بشكل عام بسبب كل ما مررت به سابقا مع زوجي السابق، أنا لن أتحمل الخروج من علاقة أخرى مستنزفة ومدمرة، أخاف أن يكون مَالك رغم كل ما يبدو عليه من مثالية لا يناسبني وأظل بقية عمري أدفع ثمن اختياري))
تكدرت ملامح رتيل وانعقد حاجباها بشدة لتوبخها
((أوه.. أوه.. أوه كم أنتِ نكديه.. النكد مزروع بداخلك.. بل أنتِ مصنوعة من حب تكدير الذات.. عيشي حياتك يا امرأة بشكل صحيح، فالحياة لا تجري بهذا الشكل البائس.. وحذرك وخوفك حتى لو كان مبررا فهو سيفقد حياتك لونها.. على الإنسان أن يستمتع ويغامر ويجرب ويحب قبل أن يمضي العمر ولا يبقى منه شيء))
ثم تمتمت رتيل بخفوت وامتعاض
((سيكون مَالك مرضي الوالدين لو لم يتزوج منك فأنتِ تفكرين وتتصرفين كعجوز متشائمة على حافة القبر وستنغصين عليه حياته))
اعترفت سمية مستسلمة
((معك حق))
زمّت رتيل شفتيها ثم قالت متسائلة بعد لحظات
((سمية.. أخبريني.. أنتِ تحبين مَالك.. صحيح؟))
رفعت سمية عينيها باستغراب لها ثم شردت بهما بتفكير قبل أن تقول بعفوية
((الحقيقة.. ومنذ سنوات طويلة أحس معه بالحماية والأمان.. أراه رجلًا متحمّلًا للمسؤوليّة.. حنونٌ جدًّا مع يزيد.. كاملَ الرجولة..))
كانت سمية أثناء تعدادها صفات مَالك تبتسم دون أن تعي على نفسها فقالت رتيل تبادلها نفس الابتسامة مؤكدة
((لو سألتني مِن البداية كنت لأقول لك اتبعي قلبك وتزوجي منه دون أي تردد))
تصاعد رنين وصول رسالة لسمية تقاطع حديثهما فانتشلت هاتفها لتطالع الرسالة دون أن تشعر برتيل التي أسرعت تقف بجانبها وتناظر محتواها..
كانت الرسالة من مَالك
"لماذا لم تتواصلي معي اليوم؟ توقفي عن وضع تلك الحواجز بيننا لأنني رغم كل شيء تفعلينه أزيد تعلقا بك يوما بعد يوم.. لن أقول أكثر من هذا.. فموعد عقد القران قريب وأنا أدخر كل شيء له"
لكزت رتيل سمية تقول بحنق ممزوج بالغبطة
((حاذري يا سمية أن تتسع تلك الابتسامة على وجهك أكثر ولا يغرنك كلامه، فالرجل بطبعه يبدع في التودد للمرأة التي يريد الزواج منها بكل الطرق والأساليب المتاحة أمامه.. حتى يتزوج منها ويضمن وجودها فيبدأ في إهمالها والانشغال عنها بأمور أخرى))
اتسعت عينا سمية بلا فهم لتؤكد رتيل
((صحيح زوجي لم يحاول التودد لي قبل أو بعد الزواج، لكن أنا أعرف ذلك، هكذا هم معظم الرجال يحبون المٌتمنعات، ولا يسيئون إلا لمن يضمنون بقائها وحبها))
تنهدت سمية لما سمعته وهي تميل بوجهها مفكرة..
لم تستطع أن تنكر كلامها.. فالجميع في البدايات يَهتمون.. يَسألون.. يُهاتفون دون انقطاع..
لكن بعد الزواج وضمان البقاء تبدأ الحرارة بالتناقص.. والشغف بـالزَوّال.. والحجج بالامتثال..
قالت رتيل منتشله إياها من شرودها
((على كل حال أنا سأذهب لأتجهز للمغادرة لزيارة أمي سأبيت عندها يومين.. نجوم ستهتم بفهد وبَاسم لكن دعي يزيد يقضي وقته معهم))
قطبت سمية حاجبيها متسائلة باستغراب
((هل ستذهبين اليوم عند والدتك أيضًا!؟ أنتِ تذهبين عندها وتبيتين هناك كل نهاية أسبوع تقريبا!؟))
انفعلت عليها رتيل تقول
((نعم لأني بارة بأمي لطالما كنت كذلك))
هزت سمية رأسها بحيرة أما رتيل فغادرت المطبخ نحو مجلس النساء عند حماتها لترى إذا ما كان عندها أي زائرات..
طرقت الباب بهدوء ثم دلفت للداخل لتضيق عينيها وهي تتمعن بوجه المرأة الجالسة بجانب حماتها رغم أنها كانت منكسة الرأس بينما تضم كلتا يديها في حجرها بارتباك.. فتقدمت للداخل بخطوات بطيئة ثم خمّنت بحذر
((أنتِ.. أنتِ هي..))
رفعت شيرين وجهها وخضرة عينيها تتوهج لتؤكد بثبات
((أنا شيرين.. زوجة وليد الكانز ومن ستكون طليقته قريبا))
جحظت عينا رتيل لما سمعته في حين تنحنحت الحاجة زاهية مكانها وقد طفح التوتر على ملامحها الممتعضة..
لتأمر لرتيل بشيء من الارتباك
((ابنتي اذهبي ونادي الحاج، إنها تريده في أمر ما))
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الخامس وأربعون 45 - بقلم Hya Ssin
مرحبااا يا جميلات😍♥️♥️♥️
في البداية شكرا لكم جدا التفاعل.. للاسف انشغلت بكتاب الفصل رقم ١٩ فما رديت على التعليقات لكن قراتها كلها..
شكرا لكم😍😍♥️
اتمنى لا تحرموني ابدا من تعليقاتكم خصوصا التعليقات الطويلة لانها فعليا الشغف الي بخليني اتحمس اكتر واكتب فصول اطول..
وقبل ما احط الاقتباسات في عندي تعليق بسيط عن مازن وياسمين.. ♥️♥️♥️♥️♥️
هلا بالبداية المعظم معتقد انه السبب في تغريب مازن هو خوف ابوه من ابو ياسمين يعمل فيه شيء..
بس اكيد هذا الشي مش صحيح.. على الاقل مش السبب الوحيد..
لانه مكتوب بالسرد انه ابو ياسمين الي عمله لاصحاب مازن هو انه بعت مين يضربهم ضرب مبرح وبس.. ما قتل حد حتى..
يعني اذا كانوا الي خطفوا ياسمين ما انقتلوا فاكيد ما هيقتل مازن الي جريمته كانت بس سكوته..
سبب تغريب مازن رغم انه كان بدرس في آخر سنة في دراسته.. هو انه ابوه شايف انه مصايبه ومشاكله (خصوصا مشاكل البنات) كترت وكل شهر بمصيبة وإذا ربنا ستر عليه المصايب الماضية فاكيد هيجي يوم ويعمل مصيبة تفضحه في إرجاء القرية وتنزل من راسه..
فاقنعه انه ابو ياسمين ممكن يقتله والافضل يسافر عشان ما يصير ثأر..
ومازن في البداية وافق انه يسافر لانه شاف شغلة السفر متعة ومغامرة.. قبل ما يكتشف انه والده بدياه يضله مسافر للابد في الخارج ويكمل حياته هناك..
الحاج يعقوب برضو حاول يخلي ياسمين تسافر عند مازن ولما شاف انها رافضة بحجة انها ما بتامن على نفسها او بنتها عنده طلب من مازن يتزوج..
اما بالنسبة لياسمين.. فهي مالها دخل بسفر مازن..
ياسمين سعيدة بابتعاد مازن عنها وغربته لكن مو هي السبب وولا بتقدر تطلب هيك طلب..
بالنسبة لها سواء مازن خطط لخطفها مع اصحابه او اكتفى بالسكوت فهو بالجهتين مشترك بالذنب بحقها..
واي وحدة مكانها هتشوف انه ظلم تكون مضطرة تتعامل معاه بمودة او طيبة او انه اتفضل عليها بزواجه منها واخراجها من جحيم عائلتها..
لانه هو جزء من السبب..
هي اعطته حقوقه الزوجية لانها وافقت على الزواج منه وما تقدر تحرمه من هيك شي..
لكن ايضا فوق طاقتها انها تتعامل كويس مع شخص بتشوفه سبب بتدمير حياتها..
ايضا مازن بنظرها شخص قليل دين وطائش وما ينفع يكون اب.. وبالتالي هي شايفة انه لو ابنتها ما تربت عند ابوها مازن فهتحميها من تأثير والدها عليها الي هيكون سيء من وجهة نظرها.. لهيك ما بتهتم بتواصل هدى ومازن..
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الرابع وأربعون 44 - بقلم Hya Ssin
يوم آخر.. وليلة أخرى تمضيها نورين في هذه الشقة الجديدة تجافي مُصعب في النهار وتهجره في الليل فتنام في غرفة منفصلة..
لا يكفي أن هذا العقاب الأنثوي الذي تمارسه ضده عقاب لها أيضًا.. ليهرب النوم من جفنيها طوال الليل بسبب أرقها وإشغال ذهنها بالتفكير بابنة عمه..
فهي منذ أن انفصلت عن النوم بجانبه وهي تحترق اشتياقا لشغف قبلاته.. حنانه الغامر.. عناقه الدافئ.. ذوبانها على صدره..
أكثر ما جعلها تحب مُصعب هو قوة شخصيته.. رزانته.. ثقله كرجل لا يأبه للجنس الناعم.. علاقاته محدودة بجنس حواء رغم أن عمله مختلط.. فلم تحلم إلا أن تكون كامرأة "استثناء" في حياته وفي عينيه على حد سواء..
لكن اتضح بأن مكان "الاستثناء" سبق وشُغل من قبل امرأة قبلها لا يمكن استبدالها..
لم يسبق وأن شعرت في السابق أي تهديد تجاه رشا حتى دون أن تعرف حقيقة مشاعر مُصعب الغامضة تجاهها.. لأنها كانت ضامنة بأنها لا تريد مُصعب في حياتها..
لكن تلك المكالمة التي جرت بينهما جعلتها تتشتت وقلبت تفكيرها رأسا على عقب.. فلهجة ونبرة صوت رشا لم تحمل من النفور أو الحقد شيئا.. بل كانت تتحدث معه بكل امتنان.. لطف.. اعتذار.. مدح..
انقطع حبل تفكير نورين وجفلت قليلا عندما شعرت بباب الغرفة يُفتح فأغلقت جفنيها تدعي النوم..
شعرت به يقترب منها يرفع الغطاء ليدثرها جيدا.. فأخذ قلبها ينبض وأذناها تتلمسان في صوته حنانه وهو يهمس لها
((لا زلتي مستيقظة، صحيح؟))
سرت فيها رجفة وقد شعرت بأنها في أمس الحاجة لتلك اللمسة الحانية خلال أفظع فترات حياتها.. لكنها لم ترد..
مرت لحظات قبل أن يلامس ظهرها بأنامله وقد استبد به الشوق لضمها لصدره اشتاق لنعومتها ودفء جسدها..
عقد حاجبيه وأشعل إنارة الغرفة لا نية له بالسماح لها بالابتعاد عنه ليلة أخرى.. ثم قال بحنق وسخط
((نورين متى سينتهي هذا الخصام السخيف الذي لا أجد له سببا مقبولا؟))
قطبت حاجبيها بألم وهي تعتدل جالسة ثم قالت بخفوت
((هل تجده حقا أمرا سخيفا؟ هل تجد النار والمشاعر السلبية التي تُغرق حياتي هي أمر سخيف؟))
هتف بها بشيء من الانفعالية
((لماذا تسمحين لها بالتسلل إليك؟ كل هذا من أجل تلك المكالمة التي حصلت بيننا؟))
تجهمت ملامحها وأقرت
((نعم تلك المكالمة غيرت الكثير بطريقة رؤيتي لعلاقتك بها وأبصرت عينيّ على الحقيقة التي كنت غافلة عنها))
قاطعها بلهجة قاطعة
((ليس هناك أي علاقة مريبة تستدعي التشكيك بيننا، أنا طلبت منها فقط ألا تتردد في اللجوء لي إذا احتاجت لمساعدة، فعلاقتي لم ولن تنتهي بها لمجرد طلاقنا، هناك صلة دم بيننا، هي ابنة عمي وشقيقة أعز صديق لي وأمانته! أي شيء أفعله أقدمه لها فهو أقل من واجبي))
تشدقت ساخرة بمرارة
((لا يبدو أن ما تفعله تجاهها ينحدر تحت مسمى "واجب" وحسب.. أنتَ تفهم ما ألمحُ له، صحيح؟))
انطبقت شفتاه برفض تلقائي شديد التصلب.. بالكاد استطاع بعد لحظات أن يعقب باستياء
((نعم أفهم ما ترمين لكن لا صحة له أبدًا، سبق وقلتها سابقا وأكررها الآن لك أنا لم أحب رشا يوما، حتى أثناء فترة زواجنا التي لم تصل لسنة لم أشعر بشيء من مشاعر الحب والود والقبول تجاهها، ليكن بعملك لم يسبق وأن أفشيت هذا الأمر الخاص جدًّا بي وبها إلا مرتين كلتاهما أمامك))
نظرت إلى عمق عينيه هامسة بعنفٍ ساخر
((نعم نعم أنا أصدقك، نعم أتفق في مسألة أنك لم تحبها قبل أو بعد الزواج فتصرفك هذا المتملك لا يشبه تصرف المحبين أبدًا بل تصرف ذكوري بحت، لو كنت حقا أحببتها لتمنيت لها أن تعيش مع الشخص الذي تريده، لكن ما أنا لست متأكدة منه هو مسألة رغبتك بالعودة لها))
أظلمت عينا مُصعب بشدة وهو ينظر إليها بصدمةٍ للحظة واحدة قبل أن تتحول تلك الصدمة إلى مشاعر عنيفة غاضبة منع ظهورها بشق الأنفس وهو يهمس من بين أسنانه المطبقة بتحذير
((نورين..))
ظلت على نفس الابتسامة الباردة دون أن يهتز بها شيء تزيد في إيلامه كما آلمها
((ماذا! هل أخطأت بحرف؟ أليست هذه هي الحقيقة؟ ألم تقم بالنهو على ابنة عمك رغم أنها كانت مخطوبة من رجل تحبه ويحبها؟ ألم تتزوجها رغما عنها؟))
اندفعت قبضة مُصعب لتمسك بمعصمها يجذبها إليه بقوةٍ مما جعل صدرها يصطدم به متأوهة..
حاولت أن تسحب معصمها من بين أصابعه لكنه شدد عليه أكثر وزاد من ألمها فنظرت إليه لتراه يبادلها النظر بنظرات مخيفة.. ثم همس من بين أسنانه قائلًا
((يكفي حديثا عنها لنغلق تماما هذا الحديث المقيت))
شابت نبرتها تهدج وهي تعترض
((لا تعاملني بهذا الشكل، كان عليك أن تتوقع سماع مثل هذه الكلمات من الجميع عندما قررت أن تنهو عليها))
تأجج الغضب في عينيه وهو يراها مصرة على الاسترسال فشدد قبضته على معصمها أكثر وهمس بسوداوية
((هل يمكن أن أعرف كيف سينتهي هذا الحديث بيننا؟))
اعترتها القسوة وهي ترد بصلابة
((هل بدأ أساسا؟ أنتَ لا تسمح لي أبدًا الخوض في موضوعك معها، لو كنت قد تخطيتها حقا لم خشيت من حديثنا عنه، هناك الكثير من الأمور التي أريد سؤالك عنها حتى أتأكد من أنك لا تريد العودة لها))
رغم أن عينيها لا تحيدان بعينيه إلا أنها لم تكن تعرف بأنه كان يتحطم في داخله جراء كلماتها دون أن يظهر لها إلا واجهة صامدة.. لا حياة فيها..
تمتم أخيرا بصوتٍ فاتر أجوف
((أنا لن أجيبك أكثر من ذلك، فقد تحدثتِ معي خمس دقائق فقط عنها وما لبثت أن نفثت بي هذا الكم الهائل من السم الزعاف بكلماتك فما بالك لو طال الأمر أكثر؟))
استطاعت أن تحرر معصمها من قبضته عندما حررها فتلمست العلامات التي تركتها أصابعه ببطء وهي ترمقه بغضب وتتنفس بحدة.. قبل أن تميل برأسها وتتكلم بازدراء
((أنا لن أقبل أن أكمل حياتي معك وأنا لا أعرف نواياك أو مشاعرك الحقيقية المستقبلية تجاهها على الأقل، كلماتك السابقة ليست ضمان كافي، خاصة أني لا أعرف ما يعتمل في قلبك أو عقلك الغامض))
عقب مُصعب بصوتٍ واجم
((ليس هناك شيء عندي لأقدمه لك سوى كلمتي هذه، لن يُفتح موضوع زواجي السابق مجددا وإلا لن أتساهل بهذا الشأن))
بعدما انتهى من كلامه الحازم ازداد انعقاد حاجبيه وتغيرت النظرة في عينيه وهو يلاحظ بأنها لا تزال تفرك معصمها فمد يده حتى وضعها على الأثر الذي تركته قبضته عليها.. فأسدلت جفنيها هادرة بصوتٍ جاف متوتر
((هل يمكنك أن تغلق الإضاءة ثم الباب وتخرج لو سمحت))
ضاقت عيناه وتصلبت أصابعه حول أصابعها بشدة لكنه ببرود عارم فعل ما طلبت وأوصد الباب خلفه تاركا إياها مكانها تغرق في الظلام.. ليتملكها إحساس فعلي بأنها أخطأت في تقدير الأمور معه.. فهناك حلقة مفقودة ستموت لتصل إليها ولا تعرف حتى الطريق الذي يجب أن تسلكه وهو بعيد عنها هكذا.. فهي غارقة في التخمينات وتائهة وسط غياهب ظلمة الجهل تتخبط..
ماذا يفترض أن تفعل وماذا يفترض ألا تفعل؟
=============================
ليلا..
عاد مُؤيد للقصر والإرهاق يغزو جسده بعدما انتهى من الإشراف على المزارعين بدلا من والده كما يدأب على فعله مؤخرا..
دلف لجناحه وأخذ حماما حارا.. أغلق أنوار غرفة النوم واندس بفراشه رغم الألم والدوار الذي شعر به يكتنف تلافيف رأسه.. أطبق جفنيه وهو يشعر بشيء من البرد فهمس على أمل أن تكون زوجته بالجوار
((رتيل.. احضري لي دثارا آخر))
سمع همهمات قبل أن يشعر بجسد دافئ يلتصق به ولمسات جريئة.. مثيرة.. تسارعت لها نبضات قلبه بينما يستجيب جسده الملقى بخضوع..
همهم بوهن والظلام لا زال يعم المكان
((رتيل.. ماذا تفعلين!))
ردت عليه بشغف وهي بمحاذاة وجهه
((تبدو متعبا.. دعني أريحك))
همس بتساؤل مشتت وإحساس مريب من غرابة ما تفعله يعتريه
((لكن.. أنتِ.. تبدين..))
وضعت يدها على فمه تسكته بينما تلثم وجنته بتمهل.. فأضحى صخب أنفاسه غير منتظم وهو يشعر بثغرها يغرقه بقبلات متصاعدة كخط من نار وحشي يلتهمه.. كانت تشعل نار الحاجة بداخله.. تضرب على مواطن ضعفه.. تستنزف روحه وجسده.. وأخيرا تنجذب لناره لتحترق معه.. فما كان منه إلا أن سلمها مفتاح محرابه لا يعي على نفسه..
عندما انتهي غرامهم العنيف أمسكت أول ما طالته يدها لتغطي نفسها وأراحت رأسها على صدره الذي اتخذته وسادة.. حاول بعادها بمحاولة لا تُذكر فشددت على ضمه رافضة تمامًا أن تفلته..
ببطء تدريجي تنبه عقله الغائب وأجبر جفنيه على الانفراج رغم الظلام الحالك الذي يعم الغرفة ثم همس منقطع الأنفاس
((لقد بدوت مختلفة الليلة.. رتيل))
شعرت بأنه لم يعجبه ما حدث لكن لم تسمح لنبرته هذه أن تهزها.. بل ظلت مكانها مرتمية على ذراعيه ولثمت وجنته لتلفح وجهه بأنفاسها الساخنة ثم همست
((أنا لا أفعل ما أفعله متعمدة، أريد أن أسعدك فقط))
رغم شعوره قبل قليل معها أنه يحلق بجنان النعيم بهمساتها ولمساتها.. إلا أنه وبعدما تلاشت لذة النشوة اجتاح خلاياه رويدا.. رويدا شعور بالنفور وتوقفت استجابة جسده من قربها لتعتريه بعض القوة ويرفع ذراعيها ويبعدها قائلًا
((هذه الأمور جديدة عليك!))
ظلت على حالها وهي تهمس
((أريدك يا مُؤيد أن تعلمني ما تحب وما تكره، أريدك أن تعلمني ما ترغب أن أفعله من أجلك، هل تحب أن أرقص لك بالغلالة التي كنت ألبسها قبل قليل؟))
كأنها في جملتها الأخيرة ضربت فيه وترا حساسا فنفض ذراعيها عنه على الفور هادرا باشمئزاز
((رتيل؟ ماذا تهذين؟ هل جننتِ؟))
تراجعت بصدمة وهي تضيء المصباح الخافت
((أنا أريد أن أرقص لزوجي.. ماذا فيها!))
هاج بها باستنكار
((هل هذا هو قول امرأة محترمة أم رخيصة؟ لو تمتلكين ذرة كرامة لما عرضت الرقص عليّ كأنك تروجين لنفسك أمامي كجسد وسلعة))
كانت عيني رتيل تتسع تدريجيا بصدمة من ملامح الخيبة التي كست وجهه.. لكنها ردت بعد لحظات ببطء كمن تحدث متخلفا وبطيء الفهم
((مُؤيد، أنا لم أقل بأني أريد أن أمتهن مهنة الرقص كمصدر رزق، بل قلت بأني أريد أن أرقص لك.. أنتَ، زوجي.. حلالي.. لأني أريد أن أسعدك.. وأعفك..))
قاطعها باعتراض مشمئز
((ألا تقدرين أن تسعديني بعيدا عن التصرف برخص! هل هناك شيء أكثر ابتذالا من رقص امرأة أمام رجل حتى لو كان زوجها؟ ألا يمكنك التحلي ببعض الكرامة؟))
زمجرت به بعصبية وقد ضاق ذرعها
((مُؤيد أنتَ مجنون))
ضيق مُؤيد عينيه يغمغم بصوت خطير
((بدأت تشككينني بتصرفاتك مؤخرا، من أين تتعلمين هذه الأمور؟ هل تدخلين لمواقع مشبوهة على الأنترنت؟))
اتسعت عينا رتيل بذهول من الاتهام الذي علا ملامحه ومن دون أن تعي على نفسها ضربت صدره بقوة عدة مرات هاتفة بسخط ولوعة
((تبا لك ولمن يريد نيل رضاك، الحق عليّ أنا))
دفعها عنه أكثر بشيء من النفور رغم ارتجاف عضلات ذراعيه التي لا تزال واقعة قليلا تحت تأثيرها الآسر
((لقد بدوت كامرأة أخرى، امرأة لا أحبذ وجودها في داخلك، أنتِ أم أولادي لا يجب عليك التصرف بهذا الابتذال))
التهبت وجنتيها غيظا مما قاله وتشنج فكها.. ثم عاتبته
((أنا فقط كنت أتصرف أمنحك تِبعا لما أشعر به، كنت أحاول أن أطلق العنان لنفسي معك كعاشقة..))
توترت ملامحه لكنه قال بشيء من العدوانية فيما ينهض من رقاده
((أي عشق هذا الذي يكون بين الأزواج! توقفي عن محاولة التصرف كامرأة أخرى مقيتة لا تشبهك.. ثم ألم تخبريني قبل أيام أثناء مشاجراتنا بأنك تكرهيني فكيف تحولتِ فجأة لعاشقة؟ أتفهم أن المرأة عاطفية ومزاجية لكن أنتِ فقت حدود المعقول.. اثبتي على رأي ومشاعر غير متناقضة لأسبوع واحد على الأقل! إلا إذا كان ما تفعلينه له غاية ألا أمنعك من زيارة أمك والمبيت عندها بعد آخر شجار حصل بيننا؟ لا تقلقي يمكنك الذهاب لها متى ما أردت ومقدار ما شئت، لكن توقفي عن التصرف على هذا النحو))
لم تجد رتيل ما تفعله إلا أن تغادر الغرفة بعيدة عنه..
تنهد مُؤيد بحرارة وبؤس وهو يلعن نفسه على استجابته لما فعلته معه..
رفع كفيه يمسح صفيحة وجهه وهو يفكر كيف كان ليكون منظره أمامها لو عرفت بأنه أحب وتجاوب مع كل ما فعلته وقد شعر بها كامرأة جريئة حرة.. مسيطرة على كل نبضة وحركة تخرج منه!
.
.
أما رتيل فقد ولجت لغرفة أخرى في جناحها وأوصدت الباب خلفها بينما وتيرة أنفاسها تتصاعد في تزايد..
عليها أن تيأس من محاولة تغيره.. مهما تفعل سيظل مُؤيد أناني وغير مهتم باحتياجاتها.. مشاعرها.. رغباتها كأنثى.. لطالما كان لا يظهر أي استعداد لتلبية ما تريده ولا يلتفت سوى لاهتماماته واحتياجاته.. بل هو غير مهتم بقول أي إطراء لها، بما تحب أن تسمع من كلام يزيد من ثقتها بنفسها ويشعرها بأنوثتها.. إنه لا يحترمها ولا يراها أساسا..
لذا عليها من الآن وصاعدا فقط أن تهتم بسعادتها الشخصية وملذاتها كما يفعل هو..
لن تلوم نفسها على ما فعلته قبل قليل وهو الذي سبق وعبر أمامها ببرود بأنه يتمنى لو كان هو من تزوج بنورين.. فقد كان عليها بعد شجارهما الأخير استمالته حتى لا يمنعها من الخروج من هنا..
نعم لقد قررت أن تتراجع عن قرارها وتعود لزيارة غنوة والمبيت في بيتها..
أغمضت رتيل عينيها وقلبها يتمزق من فرط ألمها بينما تتذكر عندما فتشت هاتفه في احدى المرات لتجد في ضمن سجل البحث الذي قام بالاطلاع عليه موضوع عن ملابس الراقصات الشرقية.. لا بد أنه لا يغض البصر في الخارج ومولع بملابس الرقص الشرقي على النساء أين وكيف ما كنّ.. إلا هي. زوجته.. حلاله.. أم ولديه.. هنا يظهر التزمت والعقد والتشدد والانغلاق عليه..
=============================
وقف وليد أمام المرآة يعدل قميصه الأسود ويرتدي سترة حلته السوداء مكتفيا بتمشيط شعره بأصابعه قبل أن يدلف لغرفة النوم فيجد شيرين تقوم بآخر اللمسات على ثيابها المعدة للخروج..
تجمدت ملامحه وهو يسألها بصوتٍ محايد
((إلى أين ستذهبين؟))
انتفضت وهي تلتفت إليه شاهقة حيث يقف عند الباب يرشقها بنظرات مدققة غير مقروءة.. تمَالكت نفسها وشمخت بذقنها لتواجهه.. تمنحه نظرات مباشرة لا تظهر خوفًا أو ترددًا.. تجيد للغاية إخفاء ضعف كسرها وقلة قدرتها.. ثم قالت
((سأذهب لعملي.. آخر يوم إجازة أعطيت لي كانت في الأمس))
مطّ وليد شفتيه ثم قال بهدوء
((حسنا يمكنك الذهاب للعمل أو إلى أي مكان تريدينه، ليس وكأنك هنا سجينة.. بل نحن زوجين طبيعيين))
تجاوزها وهو يذهب للخزانة يخرج ملفات تخص عمله عندما وصله صوتها جافا متوترا
((ليس وكأنك تستطيع منعي من الخروج من العمل.. لقد اشترطته عليك))
رد وليد بلامبالاة جلية
((لو أردت ألا تذهبي للعمل فسأفعل ذلك ولن آبه لأي شروط سبق وألزمتني بها قبل الزواج..))
تألقت عيناها بالحقد والغضب وهي تفهم قصده عن خداعها بأمر والد سهر الذي أكد لها في آخر حديث دار بينهما بأنه فقد الأمل بإقناع قريب سهر أن يتبرع لوالدها إلا لو لجأ للإجبار.. وهذا ما لن تقوم بطلبه أبدًا..
خطفت ببالها ذكرى معاشرة وليد الأخيرة المهينة لها.. انعصر قلبها ومرارة الإهانة والذل في روحها عالقة..
لكنها عافرت لتتجاوز مرارة الذكرى وأغلقت جفنيها وهي تسحب نفسا عميقا ثم زفرته بضيق وكل زفير يذكرها بأن وليد هو أحقر وأدنأ رجل عرفته في حياتها.. لكن لن يطول الأمر قبل أن تنتقم منه..
استدارت على عقبيها للخارج حتى لا تضطر أن تدخل في نقاش محتدم أو شجار معه.. عليها أن تنجح في مسايرته وبقائه على ظنه بأنه انتصر عليها حتى ينضج الانتقام الذي تعده له على نار هادئة..
تقدمت من سيارتها تدخلها ثم تقودها بهيئة الفخر المزيفة لتذهب للعمل.. لكن قبلا عليها أن تذهب لمكان أخر..
=============================
بهدوء طرقت سمية القادمة من الحديقة الخلفية باب المطبخ قبل أن تدلف للداخل متسائلة بتهذيب
((هل أنتِ بحاجة لأي مساعدة يا سيدة نعمة؟))
التفتت نعمة الجالسة وحدها في المطبخ ترتشف من كوب قهوتها بوجوم لسمية لتقول بتحفظ
((لا داعي لقول "سيدة" لي بعد الآن، فأنا مجرد مدبرة منزل وأنتِ من ستتزوجين أحد أبناء صاحب هذا القصر))
تمتمت سمية بحزن وقد انحسرت ابتسامتها
((ما زال مبكرا الحديث عن الزواج، ربما لا يحدث..))
عقدت نعمة حاجبيها وازداد وجهها وجوما فدعت سمية للدخول والانضمام لها لاحتساء القهوة.. فقدمت لها فنجان قهوة بينما تتساءل
((لماذا قد لا يحدث؟ أعترف بأن رغم معرفتي أن السيد مَالك يريدك إلا أن آخر ما توقعته أن يطلبك للزواج، لكنه حدث وأخذ مباركة والديّه))
تناولت سمية فنجان القهوة منها بامتنان ثم قالت ببهوت
((يمكنك القول بأنهما وافقا على مضض، لكن أنا لست متأكدة إذا ما كان عليّ أن أجاريه ونتزوج، يجتاحني بين الحين والآخر شعور يدفعني لرفض عرض الزواج))
سألت نعمة باستنكار مستهجن
((أتقصدين أن الرفض قد يأتي مِن قبلك أنتِ؟ هل أنتِ مجنونة!؟))
تنهدت سمية ببؤس وقالت بشرود
((أنتِ لا تفهمينني))
شابت نبرة نعمة الصرامة وهي ترد
((بل أفهمك يا سمية لكني لا أريدك أن تخسري هذه الفرصة الثمينة بسبب تفكيرك السخيف، ابن سيد هذا القصر الضخم يريد الزواج منك، بل يلاحقك من أجل أن تقبلي به، لا تفقدي عقلك وتُفكري ولو مجرد التفكير بالرفض))
رفعت سمية عينيها بتعجب لها
((أتظنين ذلك؟ لكن ماذا بشأن..))
قاطعتها بحزم تقول
((لا تُلقي بالًا لفارق السن ما دامت الرغبة موجودة من كلا الطرفين هو لن يكون حائلًا وحاجزًا دون إقامة حياة زوجية سعيدة بينكما.. نعم أعرف أن الرغبة نابعة من كلاكما..))
فغرت سمية شفتيها قليلا دون أن تحيد بنظرها عن نعمة لتكمل الأخرى بمنطقية
((ما دام مَالك مُحبًّا لك راغبًا في الزواج منك نصيحتي أن تبدئي بالتفكير في مصلحتك ومصلحة يزيد والموافقة على الزواج في الحال..))
بدا أن سمية مركزة في الحديث فرفعت نعمة فنجانها ترتشف منه ثم واجهتها بواقعية وحكمة
((إذا أردتِ رأيي فحتى لو لم يكن مَالك ابن الجاه والنسب والمكانة لدفعتك أن توافقي عليه لعلك تظفرين بشيء من منافع الزواج خير من أن يفوتك الأمر كله، فإذا قُدر سيرزقك الله منه ابنًا يكون ليزيد سندًا وعزوةً، وفي نفس الوقت يرعاك معه عند كبر سنك))
ثم رفعت حاجبيها تستطرد متسائلة بشك
((لا بد أن أب يزيد متزوج وعنده أولاد صحيح؟))
أخفضت سمية وجهها وضمت قبضة يدها في اليد الأخرى وتصلبت بتحفز كما تفعل في كل مرة يتم ذكر زوجها الثاني الوهمي والذي ما هو إلا مَالك..
موقفها سيكون مخز جدا حينما يعرفون.. تبا لها! لماذا جارت مَالك في هذا الأمر!
غمغمت نعمة باستدراك وتيقظ
((حسنا وصلتني الإجابة دون أن تقوليها، لا بد أنه متزوج ورُزق بالكثير من الأطفال، مع ذلك لم يسأل مرة أو يطلب رؤية ابنه أو يُعرفه على إخوته، لذا لا خير يرتجى منه، أنتِ يتيمة وشبه مقطوعة من شجرة فلا تجعلي ابنك يعيش ما تعيشينه))
لم تعقب سمية على كلامها لكن ظهر عليها شيء من التردد وهي تتساءل
((لكن ماذا لو..))
حثتها نعمة على الإكمال
((ماذا؟))
تنهدت سمية قبل أن تقول بخفوت متشائم
((ماذا لو مر العمر عليه، وعليّ أنا أيضًا.. وفقدت جمالي المتواضع هذا.. وهرمت.. وقرر هو.. لا أدري.. انسِ وحسب..))
خرجت آخر الكلمات من سمية خافتة وهي تقرر في النهاية ألا تفكر في الموضوع من الأصل.. لكن قالت نعمة بفطنة وهي تكمل عنها
((أتخشين في المستقبل أن يتزوج بأخرى أصغر؟))
أومأت لها سمية بعينين بائستين معذبتين لتتابع نعمة بتلقائية
((هل هناك شك في هذا؟ بالتأكيد سيفعل إذا أحس نفسه أنه لا يزال صغيرًا حين يتقدم بكِ السن، هذا لا غبار عليه، ليس في الأمر ما يدعوكِ إلى الانقباض من هذا الزواج))
ثم مالت نعمة نحوها تحثها بحزم أمومي
((لكن حتى هذا الوقت عليك إنجاب أطفال منه بقدر ما تستطيعين حتى تربطيه بك وتحرصي أنه لن يتخلى عنك لاحقا))
شحب وجه سمية لما سمعته ولوهلة فغرت شفتيها دون أن تقدر على النطق بكلمة واحدة بل ظلت على حالها متسمرة كشبحٍ على وشك الاختفاء.. رغم أن ما قالته نعمة هو منطق بديهي إلا أن وقعه عليها صعب جدًّا.. فغمغمت بمرارة لاذعة
((كلامك قاسي، ولا يمكنني تخيله يا سيدة نعمة))
كان صدرها قد بدأ يهبط ويعلو بانفعال خفي بينما تخبرها نعمة مصححة
((بل واقعي يا سمية، لذلك ينبغي أن تكوني أنت عاقلة حازمة في كيفية كسبه منذ أن تتزوجي به وألا تجعليه يندم على قراره، وأن تكوني كذلك مستعدة لتحمل ما قد يظهر من نتائج على فارق هذا السن))
نأت سمية بوجهها عن نعمة تقول بصوتٍ مختنق
((استأذنك المغادرة.. إلى اللقاء))
ودعتها نعمة باستغراب وهي تعود لترتشف من قهوتها بينما تراها تستقيم واقفة.. وبمجرد أن أدارت ظهرها لاهثة بوجهٍ أحمر وعينين متقدتين نارًا حتى رفعت هاتفها تكتب رسالة بانفعال وتسرع
"مَالك أعرف بأني سبق وغيرت جوابي مئة مرة.. لكن الآن حقا أنا أشعر بأني أريد أن أرفض موضوع الزواج.. لكنني موافقة على أن تخبر عائلتك بشأن موضوع يزيد.. سأدعمك"
لم تنتظر منه رد وهي تعيد الهاتف لجيبها وتمضي قدما نحو منزلها بينما تغطي فمها المرتعش بيدها شاعرة أنها ستسقط مغشيًا عليها لو فكرت مجددا بإمكانية حدوث ما قالته نعمة..
استحالة أن تتحمل هذا.. ليس لأنها سبق ومرت في هذه التجربة.. بل لأنها لا تتخيله من مَالك.. خاصة بعد كل هذه المشاعر التي أجبرها على التسرب داخلها..
ذهبت تجلس تحت إحدى الأشجار في الحديقة ولمحات من ماض قريب أخذت تتتابع على عقلها..
عندما كانت متزوجة من كامل.. حينما أراد أن يفاتحها بموضوع زواجه من أرملة أخيه..
بدأ كل شيء حيث سألها بعد عودتها من العمل في الحقل لساعات طوال
((هل يؤلمك ظهرك كثيرًا؟))
((نعم لقد تعبت كثيرًا، خاصة وقت الظهيرة تحت الشمس الحارقة))
((ألف لا بأس عليكِ يا زوجتي الحبيبة، لا تصدقين كم أنا ممتن لامتلاكك، فعلا خير متاع في الدنيا هو المرأة الصالحة التي تعين زوجها على أمور دينه وتحثه على المحافظة عليها وترغبه بها وتأمره بالطاعات))
((كل هذه المبالغة في المدح فقط لأني قمت بشؤون الحقل جميعه لوحدي رغم أنها ليست أول مرة! غريب أمرك يا عزيزي))
((الأمر ليس متعلق بعملك في الحقل وحسب بل بكِ أنتِ، أنا متأكد يا سمية بأني لو تزوجت أربع نساء فلن تكون واحدة منهن بمثل غلاكِ ومحبتكِ، هذا ليس كلامي وحسب بل كلام جميع أفراد عائلتي، كلهم متفقون بأنه ليس هناك أجمل من الزوجة الأولى فهي الأصل والحب الأول))
بدأت نبضات قلب سمية تتسارع وشفتاها ترتجفان..
فرّت كل الألوان من وجهها الذي لم يعد نابضا بالحياة وهي تفهم مقدمة كلامه التي يمهد فيها لقتلها.. ببطء..
لم يعد هناك مجال للتجاهل أو التجاوز.. حاولت أن تتماسك لكنها فشلت، دون وعي بدأت تنزلق الدموع منها قبل أن تتحول لشهقات ثم إلى نحيب..
حاول أن يقترب كامل منها إلا أنها نفضت يدها هاتفة بقهر واستنكار
((لماذا! لماذا! لماذا! فقط قل لي لماذا تريد أن تفعل هذا بي بعد كل ما فعلته وضحيت به ولا أزال أفعله من أجلك! لم أعد أشعر بصدق حبك لي.. أتمنى لو يعود بي الزمن للخلف حتى أرفض طلبك للزواج مني ولا أضيع سنوات عمري في انتظارك، بدل أن تفكر بعلاجي ومعرفة سبب تأخر حملي تشغلني بأعمال الأرض والحقل كأنني رجل، فتجعلني أحرث الأرض وأزرع وأبني الجدران، بالإضافة الى أعمال المنزل وغيرها وتنشغل أنتَ برعاية أرملة أخيك!))
هزت سمية رأسها تنفض عنها باقي هذه الذكرى الأليمة المريرة تزامنا مع الشعور بأحدهم يقترب منها..
رفعت وجهها ولم يكن غير مَالك.. الذي وقف أمامها متجهما يقول وهو يرفع الهاتف يشير إلى الرسالة التي وصلته منها
((هل هذا ما توصلتِ إليه بعد كل هذه الفترة؟))
أجابته سمية والدموع تحتشد بعينيها
((نعم فأنا أفضل أن أبقى عزباء لآخر عمري على أن أعيش معك ومع مخاوفي المريعة، أنا لن أغفر لك لو تردد قلبك في حبي أو شعرت بأني مجرد نزوة لاحقا))
نظر إليها بوجه غير مقروء وقال ببرود يظهر عدم تأثره بضعفها ومخاوفها أو حتى دموعها
((ليس عندي ما أقوله لك الآن لكن زواجنا سيبقى كما هو ولن يتغير فقد تعبت من إقناعك))
غادر مبتعدا عنها دون أن يتفوه بأي كلمة تاركا دموعها تسيل بضعف أفلت زمامه..
=============================
في عيادة الطبيبة..
بعد أن عرفت شيرين أين تقبع عيادتها ذهبت إليها وجلست أمام الطبيبة تقول بارتباك
((أنا متأكدة بأنك تقولين بينك وبين نفسك بأنه "لا يمكن أن يكون الزوج هو المذنب بانتهاك المرأة؛ فهي زوجته، وقد منحته الرضا الزوجي بالأساس، ولا يمكنها التراجع عنه" لكنه تزوجني بالخداع وأنا كنت أريد الطلاق منه قبل أن يقترب مني ففعلها عنوة ظانا منه بأنه سيمنعني من طلبه هكذا!))
ابتسمت لها الطبيبة بتعاطف وقالت
((لا داعي للتبرير فأنا لا حق لي بالتدخل في حياتك، لقد طلبتي مني أن أكتب لك تقريرا بما اقترفه وسأفعل هذا))
ازدردت شيرين ريقها ثم قالت بصوتٍ مخنوق
((شكرا لأنك كنت ذكية كفاية للحد الذي لم تحاولي فيه معاتبته على ما فعله أو توبيخه فهذا كان سيجعله أكثر قسوة معي))
تنهدت الطبيبة الطيبة ثم قالت بصوتٍ عذب
((لا تقلقي بعدما رأيت ما فعله عرفت بأني مهما تكلمت وحاولت الشرح له فلن يكون للأمر فائدة فلا بد أن زوجك نشأ على ممارسة العنف، وعلى فكرة أن المرأة وُجِدَت من أجل إرضاء ملذاته ورغباته وعليها الإطاعة دونَ أي ممانعة.. لقد مررت بالكثير من الرجال من هذا النوع حيث الزوج لا يأخذ بعين الاعتبار مشاعر زوجته ولا يقدّر ظروف تجاوبها، فهو يقدم على ضربها وتحقيرها وبعد ذلك يصحبها إلى غرفة النوم، بينما من المفترض أن يتم تبادل المشاعر بين الطرفين))
لكن شيرين لم تجد أمامها إلا أن تسرد ما حدث معها حرفيا حتى تكتب لها كل ما قد تحتاجه من أوراق وتقارير طبية تساعدها على الطلاق منه.. كانت الطبيبة متعاونة معها جدًّا وجهزت لها كل ما هو مطلوب..
خرجت شيرين من العيادة وعلى الفور انتشلت هاتفها من حقيبتها لتتصل بسهر التي ما إن جاءها الرد حتى قالت باقتضاب
((أخيرا تنازلت يا شيرين واتصلت بي؟ هل يعقل أن وليد تغير معك للأفضل إلى الحد الذي جعلك تبيعين كل الدنيا ولا تريدين رؤية أحد غيره!))
أطلقت شيرين نفسا عميقا ثم قالت بصوتٍ مبحوح
((سهر حبيبتي ركزي فيما سأقوله، سأرسل لك رسالة بعنوان عيادة طبية، أريد منك أن تحضري عندها بعد ساعتين وتستلمي الأوراق التي ستعطيها لك، خبئي الملف الذي يحتوي هذه الأوراق جيدا عندك فأنا لا أستطيع أخذها معي.. أيضًا عديني بأنك لن تفتحيها وستنتظرين حتى أخبرك أنا كل شيء))
ترددت سهر قبل أن تتساءل
((شيرين أنتِ تخيفيني.. ماذا يحدث؟))
لكن شيرين كانت مضطرة ألا تخبرها شيئا في الوقت الحالي فسهر لو عرفت ستغضب بل ستفقد عقلها وحينها ستتصرف باندفاع والتعامل مع شخص بمكر وليد يتطلب الهدوء.. فقالت بحزم
((فقط عديني يا سهر بأنك ستثقين بي ولن تحاولي الضغط عليّ لمعرفة ما يحدث قبل أن أخبرك بنفسي))
رغم عدم ارتياح سهر لها رضخت بشكل مبدئي..
أغلقت شيرين هاتفها وهي تحاول استعادة رباط جأشها قبل أن تذهب الآن لعملها.. عليها التركيز فيه فهو آخر ما تبقى لها.. كما عليها من الآن أن ترفع طلبا لنقلها إلى الفرع الآخر في العاصمة!
=============================
تطلعت ياسمين باستغراب إلى حماها شارد الذهن ومتجهم الملامح والذي كان لا يركز في حديث ابنتها هدى رغم أنه من طلب رؤيتها.. فتساءلت بعفوية
((تبدو مخطوف الذهن يا عمي، هل هناك شيء؟))
جفل الحاج يعقوب على صوتها.. ثم قال بهدوء وقاره
((نعم أنا كذلك.. عقلي مشغول قليلا بابن أخي وليد فقد وصلني حديث غير سار عنه، المهم كيف حال هدى؟))
تمتمت له وهي تربت فوق رأس هدى المشغولة بتجميع مكعباتها
((إنها بخير))
أومأ بعقوب برأسه ثم استحث رزانتها
((ياسمين لا أريد أن أوصيك بِحَثّها على التواصل مع والدها، اعرف أن مَازن ارعن ومقصر بحقكما لكن أمه قلقة من عدم اهتمام ابنته بالسؤال عنه))
بتر يعقوب كلامه عند تصاعد رنين هاتفه.. وما إن أخرجه وتطلع للمتصل حتى قال متعجبا
((ابن الحلال عند ذكره يبان..))
تجهمت ملامح ياسمين عندا عرفت أن المتصل زوجها.. في حين ردّ يعقوب بتجهم وهو يضع الهاتف على أذنه
((أخيرا حنيتَ علينا يا مَازن وتنازلت لإزالة الحظر عن أرقامنا بل والاتصال علينا؟))
وصله صوت مَازن منفعلا حانقا
((هل تعرف يا أبي من أين أحدثك أنا الآن؟))
عقد يعقوب حاجبيه يقول
((من المشفى ربما؟))
خيمّ الصمت بينهما لا يسمع إلا صوت اضطراب أنفاس مَازن الثائرة.. وياسمين التي فغرت شفتيها قليلا مذهولة من وجود مَازن في المشفى.. فتحدث الأخر أخيرا هاتفا وقد بدا الاضطراب مسيطرا على كلامه
((إذن أنتَ تعرف ما حل بي ومع ذلك تتحدث معي ببرود؟ لماذا تتعامل معي وكأنكم وجدتموني عندما كنت رضيعا أمام باب الجامع! أليس مَالك تؤامي! لماذا تفرقُ في المعاملة بيننا وتحبه وتقدره وتفخر به وانا لا..))
لم يتعاطف يعقوب مع ابنه بل رد بكل صرامة
((كن بمثل نصف حكمة ورزانة وهدوء مَالك وأعدك أن أعاملك أفضل منه.. وعلى كل حال لقد قال لي مُعاذ بالحادث الذي حصل لك..))
أغمض مَازن من الجهة الأخرى عينيه للحظات يستعيد رباطة جأشه ثم قاطع والده باضطراب وألم
((نعم يا أبي لقد كاد سائق مخمور أن يصطدم بي لولا انعطافي في أخر لحظة للجهة الأخرى واصطدامي في الشجرة))
تنهد يعقوب بعمق ثم تساءل
((المهم الآن.. كيف حالك؟))
ازدادت أنفاس مَازن من الجهة الأخرى اضطرابا.. لم يشعر باي اهتمام صادق أو خوف من جهة والده..
فهتف به باستهجان وقهر متشعشع في أنحاء جسده
((هناك رضوض كثير بجسدي.. كل ما يحدث لي بسببك يا أبي.. بسببك أنتَ ها أنا قابع في وحيدا لا أجد من يناولني شربة ماء في حالة العجز التي أنا فيها، أنا لم أستطع تكوين صداقات وعلاقات موثوقة وعميقة في بلاد الاغتراب لذلك سأعود بمجرد تماثلي للشفاء))
شاب صوت يعقوب الغضب وهو يستنكر
((هل عدنا للنقاش لنفس الموضوع؟ لماذا لا تفهم بأني أرسلتك هناك مصلحتك! لديك شهادة من أكبر الجامعات هناك))
رد مَازن بتحدٍ سافر
((أنا لا أناقشك بل أخبرك ما انوي فعله، سأعود للبلاد وانتهى الأمر بمجرد أن أتماثل للشفاء.. سلام))
امتقعت ملامح يعقوب عند أخر ما قاله ابنه قبل أن يغلق الخط عليه..
بالكاد استطاعت ياسمين كتم ملامح الشماتة للبؤس الذي يعيشه زوجها هناك وهي تزم شفتيه ثم تقول مصطنعة الحزن عليه
((يبدو أن مَازن حقا مصاب فضلا عن تعاسته هناك.. شفاه الله))
تمتم يعقوب بصوتٍ بدا مجهدا بالتفكير
((أمين.. أمين يا ابنتي..))
استقامت ياسمين واقفة بهدوء تسحب نفسها لجناحها..
أغلقت الباب خلفها واستلقت على ظهرها فوق سريرها بينما تبعد مشغولات الخياطة والتطريز جانبا.. تستذكر بذهن متيقظ كل ما مرت به بسبب مَازن..
كانت في الثامنة عشر عندما كان حلم حياتها أن تلتحق بكلية اللغات.. وتتخصص في اللغة الإنجليزية..
كانت الأمور تسير بشكل جيد في بداية التحاقها الجامعة حتى بدأ أكثر من شاب من نفس شلة مَازن يعترضون طريقها بغية ودها.. فتردعهم بواجهة الصرامة..
حتى أنها في أخر مرة لم تتردد في شكاية أحدهم لأمن الجامعة متسببة بفصله لسنة دراسية كاملة ولم تتراجع عن شكوتها رغم تهديداته الواضحة والمباشرة بأنه سينتقم منها.. فما كان من ذاك الشب صديق مَازن إلا أن ينفذ تهديده، فصار ينتظر الوقت الذي تخرج فيه من منزل عائلتها ليطاردها..
لم تتجرأ أن تلجأ للمحاكم والشرطة لان ما فعله لم يتعدَ التحرش اللفظي والمطاردة.. ولعدم رغبتها أن تدخل نفسها في هذه المتاهات حتى لا تعلم عائلتها أي شيء عمّا تواجهه من ذاك الشاب في الجامعة وبالتالي يجبروها على تركها ويحول ذلك دون إكمالها تعليمها الجامعي! حتى قامت من ظنتها زميلة مقربة منها بدعوتها لتناول طعام منزلي أعدته.. فلبت دعوتها الملحة لتشعر بعد دقائق بدوار شديد لم تستطع معه أن تتمَالك نفسها.. فعرضت عليها زميلتها أن تسير معها للاستلقاء تحت احدى الشجر خلف مبنى الكلية والخالية من أي اكتظاظ في العادة لترتاح تحت ظلها.. وهناك أعطتها ماء وقرصين لتخفيف ألم دوار رأسها ولم تكد تتجرعهم حتى فقدت أي وعي أو إدراك لما حولها..
ولم تستفق إلا بعد يومين في إحدى الفنادق مجردة من الملابس دون أن يتبين لها ما إذا تعرضت لاعتداء أم لا..
تواصلت مع إدارة الفندق والشرطة منهارة لأنها لا تتذكر شيئا مما حل بها.. سجلت الشرطة ادعاءاتها وكان أول متهم في القضية هو "مَازن الكانز".. حيث غرفة الفندق مسجلة باسمه وهو من حجزها ليومين..
أفضت هي كل ما حدث للشرطة وهم أوكلوا إلى رجال المباحث مهمة القبض على المُبلغ عنه من خلال البيانات التي أرفقتها إدارة الفندق في بلاغها..
ونتيجة التحريات والاستقصاءات المكثفة تمكنت الشرطة من تحديد مكان تواجد مَازن وتوقيفه.. لكن لم يكن ذلك كافيا لاتهامه بعد أن تم عرضها على الطبيب الشرعي الذي أكد أنها لم تتعرض لأي اعتداء أو شيء ينال من شرفها أو عِرضها..
تم تسجيل قضيتها كقضية جنائية تحت مسمى خطف.. وتحرى رجال المباحث أكثر وبحثوا في كاميرات موضوعة داخل وخارج الفندق.. وبعد ثلاثة أيام عادت الى منزل ذويها الذين لم يصدقوا كلامها واتهموها بالخديعة والكذب.. وادعوا أنها اختلقت قصة التخدير والخطف لرجال الشرطة لتبرر وجودها في الفندق الذي ذهبت بمحض إرادتها له مع شاب للفجر..
عاملوها كخاطئة وفاجرة.. وصل بهم الأمر أن يربطوها بالسرير لأيام.. لجأوا للعنف معها من ضرب مبرح وصفع وركل وتجويع وحبس بطريقة جعلت الموت أمنية لها للتحرر من كل ما تعانيه..
وبعدها بمدة تفاجأت بوالد مَازن الذي كانت تبدو عليه الهيبة والوقار يحضر لمنزلهم ويخبرهم بأن ولده اعترف له بأنه كاد لديه فكرة عمن فعل ذلك وأفصح عن أسمائهم للشرطة.. مقرا بأن ابنه ملام لأنه كان يعرف عما يخطط له أصدقاؤه لفعله بها ولم يبلغ أحدا..
وأضاف بأن أولئك الشباب أوقعوا به ليكون المتهم الوحيد عقابا له على عدم مشاركته معهم..
لم تبدُ رواية الحاج يعقوب ومَازن منطقية أو معقوله لعائلتها لكنه عرض عليها الزواج بابنه بعد أن عرف بأنها قد تركت الجامعة وتعاني مع عائلتها بسبب ما حدث لها..
فوافق أبيها على عرض الزواج هذا على أن يتم في سريعا وألا يرى بعده وجهها هي أو مَازن أمد الدهر.. مع بقاء وعيده بأنه سينتقم من مَازن ورفاقه على حد سواء متى ما سمحت له الفرصة على ما فعلوه بها..
اختلجت شفتا ياسمين وازدادت وتيرة أنفاسها بينما تشق صرخة ألم صدرها عند هذه الذكرى..
لقد أذاقتها عائلتها بسبب شكهم بها شتى أنواع وأصناف العذاب للحد الذي جعلها تقبل أن تتزوج من مَازن الذي كان جزءً مما تعيشه لينتشلها من جحيم عائلتها!
وهكذا صارت بين ليلة وضحاها مُتبرأ منها من قبل عائلتها ومتزوجة من شاب لا تعرف عنه شيء إلا أنه مستهتر وشغوف بمصادقة رفاق السوء ومغامرتهم!
وبدأت تعيش في نفس المكان مع عائلته الغريبة المتشددة.. في قرية لم يسبق وأن وطأتها قدمها من قبل.. تظل في القصر كالميتة بلا روح.. لا تخرج من جناحها ولا تتحدث مع أحد.. ولا تجد غير مَازن الذي اضطرت أن تُفعل زواجها منه لتصب عليه وبال سخطها وغضبها وتعتبره مسؤولا عما حدث لها مثله مثل باقي رفاقه! فلو فضح خططهم الدنيئة لما فعلوا ما فعلوه بها..
فقد تسببوا في خسارتها عائلتها للأبد وتبرؤهم منها.. في خسارتها شهادتها الجامعية.. في خسارتها أحلامها وطموحها..
بسبب ما حدث قطعت كل اتصالاتها مع العالم الخارجي بمن فيهم صديقاتها وأقاربها الذين استهجنوا زواجها المفاجئ دون سبق دعوات أو علم.. حتى انتقدوا عجرفتها في مقطعتها لهم بعد زواجها..
ولم تمر أشهر على زواجها منه حتى علمت بأنها تحمل طفله في أحشائها تزامنا مع وصول أخبار بأن والدها تمكن أن يصل للشباب الذي قاموا باختطافها والانتقام منهم بإرسال من يقوم بضربهم ضربا مبرحا ولا يبقِ فيهم عظمة سليمة..
فحاول الحاج يعقوب تشجيع ابنه بالسفر للخارج حتى لا يناله من والدها من ناله باقي رفاق السوء.. لكن في قرارتها تعرف أن والد مازن أراد نفيه للخارج حتى لا يظل يثير المشاكل له بما قد يؤثر على سمعته ومظهره أمام الناس..
أخرجت ياسمين نفسا مرتجفا وهي تعود لأرض الواقع..
من الاستحالة أن يكون النسيَان التام لكل هذا مُمكنًا وكل هذه الذكريات مُكدسة في روحها.. فرغم أنها دائما ما تحاول خلال السنوات الماضية دفنها لألّا تستذكرها.. لكن غالبا ما تنتصر تلك الذكريات لتقوم بالتسلل لذهنها..
الآن وبعد أن سمعت عن حادث مَازن وأصغت لتذمره المستاء بأذنيها لوالده شعرت بالراحة تتسلل لصدرها..
بدا صوته المقهور.. المستاء.. الناقم.. بأنه يعاني أكثر مما كانت تتخيل.. أنه يستحق.. نعم يستحق..
هي الآن شامتة به وما يتعرض له.. فهذا دين ويُسدد..
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثالث وأربعون 43 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الثامن عشر
فُتح الباب بصوت مدوي بينما يدخل مُؤيد بملامح متوحشة ثائرة
((هل جُنت زوجتك يا مُصعب لتتجول في المزرعة أثناء عمل المزارعين وبينهم؟))
اتسعت عينا مُصعب قليلا ليسترسل مُؤيد بصوتٍ جلجل به المكان حتى كادت الجدران أن تهتز
((هل أنتَ راضي يا سبع الرجال عن زوجتك؟))
تحامت نورين على نفسها واختبأت خلف مُصعب من مُؤيد الذي بدا في هذه اللحظة وكأنه أسد جائع غاضب يريد أن يلتهمها..
نقل مُؤيد عينيه بين الوجوه الواجمة المصدومة هاتفا
((هل تعرفون كيف كان منظري والمزارعون ينظرون لها في المزرعة؟))
عند هذه النقطة تحلت نورين بشيء من الشجاعة وثارت هاتفة في وجهه
((كاذب، لقد كنتُ بعيدة عنهم، بل كنتُ أهمّ بالمغادرة عندما جاؤوا للعمل، صراخك العالي عليّ هو ما جذب الأنظار نحوي))
اتسعت عينا مُؤيد وردها عليه بهذا الشكل أثار تلك البدائية الشرقية المتأصلة في عروقه لكنه لجم نفسه بشق الأنفس ألا يتجاوز في قول أو فعل بسبب وجود والده..
في حين التفت مُصعب لها بوجوم مضاعف فارتعشت شفتيها لتغمغم ببؤس وخوف
((ألم أعلمك بتجوال في المزرعة قبل أن أذهب؟))
خيم الصمت على الجانب الآخر للحظات مريعة.. ثم صدح صوت مُؤيد يقول وعيناه عاصفتين بالوعيد
((إذن الأستاذ مُصعب هو من يسمح لها بالتمادي والخروج كما تشاء، كل مرة تفعل الأفاعيل وأسكت مجبرا، لكن الآن معك كل الحق لترتجفي في هذا الشكل لأني لن أمرر ما حدث))
وقف يعقوب من مكانه يهتف بحزم في ابنه
((مُؤيد لا تتجاوز حدودك دعنا نفهم بالضبط ما حدث))
زعق مُؤيد الذي كانت أوداجه مشبعة بالغضب
((أبي وما الحاجة لشرح المزيد! هل أثر بكاؤها وهشاشة مشاعرها عليك أنتَ؟))
رفع يعقوب حاجبيه وهو يرى طريقة ابنه في التحدث معه.. لكن الآخر لم يأبه بل تجاوز حدوده أكثر هادرا
((لو أني أنا من تزوجتها لما كان سيحدث شيء مما حدث في السابق، لما كنت سأكون متساهلا معها هكذا!))
عضت زاهية على شفتها ثم حذرته
((مُؤيد اسكت، كيف تتحدث بهذا الشكل وقد أصبحت زوجة أخيك بالفعل!))
هتف مُؤيد دون أن يهزّ له جفن
((إنها مجرد فتاة لحقن الدماء لم نجلبها لنعاملها كزوجة فعلية لأخي يكون لها حقوق مثل أي زوجة طبيعية، ثم إذا لم تكونوا تريدون مني أن أتزوجها منذ البداية من أجل هذه..))
وأشار بذقنه لزوجته رتيل التي كانت مطرقة الرأس بذل وتجهم.. ثم أكمل
((فكنتم على الأقل جعلتموني أختار من يتزوجها.. ألم تجدوا غير مُصعب يتزوجها؟ ألا تعرفون ضعفه تجاه جنس النساء.. ألم تتعظوا من قصته مع ابنة عمي رشا؟))
فقد مصعب لجام التحمل والصبر.. فضرب الحائط بجواره بكفه بقوة أجفلت الجميع بينما يزمجر باحتدام بأخيه
((أغلق فمك أيها الوضيع، لا تفتعل مشكلة من لا شيء، قالت بأنها كانت ستغادر ما أن اقترب المزارعين.. وقبل أن تتذمر نعم أصدقها هي وأكذبك أنتَ ولسانك المتبرئ منك))
رفع مُؤيد إحدى حاجبيه يبصق كلماته بازدراء
((هذا لأنك بلا شرف))
كانت جملة مُؤيد الأخيرة هي ما صبت الزيت على النار المتقدة في الأصل بداخل مُصعب الذي يعرف أخيه وطبعه الأهوج.. يعرف بأنه لم يكن راضيا عن المصالحة التي حدثت كان يريد الدم بدلا من عروس الدم لموت يحيى..
ليس لأن يحيى عزيز عليه بل لمجرد الانتقام فقط..
لكن الآن وبعد أن أصبحت نورين زوجته لن يسمح له أن يتجرأ عليها بكلام كالذي قاله قبل قليل ويتعرض إليها! فاندفع إليه بخطواتٍ سريعة لم يمهله أي وقت وقد طارت قبضته لتلكمه بضربةٍ أوقعته أرضًا فيصرخ فيه
((اخرس أيها الحقير ولا تتمادي فأنا لا أتسامح بأمر كهذا))
شهق الجميع بصدمة إلا أن مُصعب عاد بهمجية ينحني نحو مُؤيد سريعًا يمسكه من تلابيب قميصه ليعاود لكمه..
تجمع والديهما حولهما وحاول يعقوب أن يُخلص مُؤيد من مُصعب الذي كان يضربه بوحشية..
لم تشعر رتيل بأي حمية أو خشية على زوجها الذي كان يُضرب من قبل أخيه الأصغر بل بالتشفي والانتصار لها..
هتف مُؤيد باحتدام وهو ما زال بين قبضتي أخيه
((إذا بقيت على حالك سيأتي اليوم الذي تمرغ فيه عروس الثأر سمعتك في التراب، ستلوث اسمنا بالعار كما فعلت من تسبقها بسبب تساهلك ولينك))
تدخلت هنا نورين مدافعة عن نفسها بصوتٍ جهوري
((أنا لا أسمح لك بالتحدث عني بهذا الشكل فأنتَ من لم تتلقى ساعة تربية في حياتك))
صدم الجميع من جرأة نورين وقبل أن يُعقب أحد منهم عن صدمته هتف مُصعب بها بحدقتين شرستين ونبرة خطيرة خشنة بينما يضغط على حروفه
((اخرسي أنتِ الأخرى واصعدي فوق..))
بهتت نورين أمام كلامه فاستنكرت
((هل تريد من أن أسكت على إهانته بحقي؟))
هتف مُصعب بها بصوتٍ أعلى آمرا
((عندما يتحدث الرجال أنتِ تصمتين..))
اعترضت باختناق
((لكن يا مُصعب..))
صرخ بها يحسم الجدال باحتدام بالغ
((قلت لك اصمتي وانصرفي))
تهكم مُؤيد منقطع الأنفاس
((هل هذه من تدافع عنها أمامنا))
عاد مُصعب يصوب أنظاره على مُؤيد هاتفا وهو يشدد من إمساك تلابيبه
((أنتَ الأخر اخرس.. اخرس.. لا تجلب سيرة زوجتي ولا ابنة عمنا على لسانك القذر، أيها المنحط، هل نسيت رسائلك التي كنت تكتبها وتستلمها من أستاذتك أيام الجامعة يا منبع الشرف؟ ركز على نفسك حتى لا تكون أنتَ السبب في تمريغ سمعتنا في الوحل))
لم ينتبه أي أحد لكلام مُصعب عن الأستاذة الجامعية إلا رتيل التي ضيقت عينيها بتفكير في خضم مشاعرها المضطربة داخلها..
لكن هنا فقط استطاع مُؤيد أن ينفض يدا أخاه عنه ويحرر قميصه منه ليسقط أرضًا متنفسًا بصعوبة..
اندفع يعقوب يمسك بمُصعب مكبلا ذراعيه حتى لا يفكر في الهجوم على أخيه مجددا..
ترنح مُصعب مكانه لكن ظل يطالع مُؤيد الذي اهتاج فيه ساخطا وهو يشير باشمئزاز لنورين
((هل تعتبرها زوجة لك حقا؟ بل وتقاتل أخيك الذي يكبرك عُمرا من أجلها هي من كانت عروسا للدم؟))
أطبق مُصعب على أسنانه محذرا بينما ينشد الهجوم عليه مجددا لولا قبضة والده الممسكة به بقوة رغم كبر سنه
((نهايتك اليوم ستكون على يدي أيها النذل))
حاول مؤيد الاعتدال واقفا لكن قبل أن يرد عليه كان مصعب ينجح بالانسلال بقوة من ذراعيّ أبيه والهجوم عليه ليلكمه مجددًا لكمة قوية جعلته يرتمي على الأريكة خلفه ثم يسقط ليرتطم أرضا..
لم يقلل هذا من غضب مُصعب شيئا تجاه أخيه الذي لا يفوت أي فرصة في أي وقت في حدج نورين بنظرة توعدية أو إلقاء كلمة جارحة نحوها من باب التقليل منها.. كأنه يريد الانتقام من عشيرتها فيها.. غير آبهٍ بأنها بالفعل صارت زوجته!
عند كل فكرة تطرق عقل مُصعب من تلك الأفكار كانت لكمة أخرى منه تهبط على مُؤيد.. على فكه.. عينه.. معدته.. وروحه التي تزأر وتفتك به تحركه تجعل منه أسد متوحش لا يبصر أمامه من استعار غضبه.. كأن غشاءً يحجب عن عينيه أي رؤية غيره..
وكل محاولات مؤيد للفكاك من قبضة أخيه كانت عبثا رغم أنه يماثله طولا ويفوقه جهامة..
انهالت عليه صرخات والديه كي يستفيق وبكاء أمه هادرة
((كفى يا مُصعب.. كفى..))
رمق مُصعب أمه بنظرةٍ نارية غاضبة لتسترسل
((والله لست راضية عما قاله لكن ستقتل أخاك في واحدة من تلك الضربات، توقف))
في هذه اللحظة تنازل أخيرا مَالك واستقام واقفا من مكانه ببرود كأن كل ما يحدث هو عرض مسرحي ممل اضطر لمشاهدته مع العائلة.. ثم اتجه نحو مُصعب يحيده عن مُؤيد بقوة رغما عنه، فأفلته مُصعب منقطع الأنفاس أخيرا وقد علم بأنه لن يستطيع مُجاراة مَالك خاصة أنه فقد كل طاقته..
سارعت زاهية الباكية تمسد وتتفحص آثار الضرب فوق رقبة ووجه مُؤيد..
التفت مُصعب يطالع الوجوه من حوله.. وآلمه رؤية ابنيّ أخيه مُؤيد يبكيان على ما شهداه الآن وهما ينكمشان رعبًا عند والدتهما.. فقال لاهثا لوالده وصدره يجرش متحشرجا
((لم تكن هذه أول مرة يتعرض بالكلام لزوجتي، سكتُ مرة ومرتين وعشرة لكن اكتفيتُ منه، سأغادر إلى شقتي الأخرى وأعيش منذ الآن فيها))
تجهم وجه يعقوب لكن لم يرد عليه فاستدار مُصعب لنورين التي كانت واقفة مكانها تبكي ويدها على فمها برعب والوشاح ملتف حول وجهها المبلل المحمر بعدم ثبات..
هذه أول مرة تراه بهذا الشكل العنيف الغير مألوف.. الشيطان المرعب الذي تلبسه قبل قليل لم يكن هو..
لطالما كان الهدوء متأصل فيه بثبات..
أبصرته يحدق بها بملامح مخيفة فزاد رعبها منه خاصة حينما صرخ فيها بوحشية
((اتبعيني..))
عندما لم تستجب له وازداد ارتجاف جسدها قبض على رسغها بخشونة يجرها خلفه للخارج دون أن تخرج منه كلمة إضافية..
تطلع يعقوب لابنه مُؤيد الذي كان جالسا على الأرض يلومه بحدة
((كيفما تزوجت تلك المرأة من أخيك فلا يهم طالما قد أصبحت الآن زوجته، لقد تجرأت في كلامك عنها وخضت بعدم احترام بكلام تقطع أعناق رجال بسببه))
نكس نظر مُؤيد أرضا وقد زادت حدقتيه قتامة في حين أردف والده موبخا
((هل صحّ أن تقول أمام أخيك ماذا كنت ستفعل بزوجته أو كيف ستعذبها بالأحرى لو كنت أنتَ أو غيرك من تزوج بها؟))
توسلت زاهية زوجها بصوتها الباكي
((يكفي يا حاج، ألا ترى ماذا فعل أخيه به! بالكاد يستطيع التنفس))
تجلى صوت يعقوب ليقول بصوتٍ يتلون بغضب ملتهب
((بل سأتكلم وأكثر من ذلك فقد أخطأ، أنا مستاء جدًّا منه وغير راضي عن تصرفاته رغم سكوتي عنها، هل أعجبك كيف دفع مُصعب أن يغادر إلى مكان آخر!))
تقدم فهد الصغير الذي كان وجهه ملطخا بالدموع نحوهم يهدر بصوتٍ متهدج
((جدي دعه يغادر هذا أفضل لنا جميعا، انظر كيف تعرض لأبي))
نهض مُؤيد من مكانه وهو يعدل ما يستطيع تعديله بهندامه الذي بعثره مُصعب يتجول بالغرفة بعينين زائغتين وهو يرى انعكاس منظر إهانته في أعين أهل بيته.. والديّه.. أخيه الأصغر.. ولديّه.. زوجته..
مما جعله يلجم كل تلك المشاعر في داخله ويندفع للخارج بعيدا..
فجأة شهق مَالك ورفع ذراعه التي لكزتها أمه بغل وهي تهتف به بعد أن كاد يصيبها بالتجمد من شدة بروده
((هل أعجبك ما كان يفعله مُصعب بأخيه الكبير يا مَالك؟ لماذا لم تدافع عنه وتتحرك من البداية بدل التحديق بهما كالأبله))
لف برود أشد وجه مَالك وهو يجيبها
((لو تحركتُ يا أمي لكنت كتفت مُؤيد حتى يوجه له مُصعب المزيد من الضربات، فكما قال أبي.. زواج دية أو لا.. تبقى تلك المرأة زوجة أخي ولا يصح ما فعله مُؤيد وقاله بحقها رغم أن حميته ليست على يحيى نفسه بل من أجل الانتقام فقط، من أجل ذاك الكبرياء الزائف تحقيقا لعادات بالية))
=============================
دلفت نورين لجناحها وهي لا تزال تبكي مرتجفة حتى أنها غطت وجهها بكفيها..
أغلق مُصعب الباب خلفه وهو يراقب بكائها العنيف بملامح قاتمة بينما صدره يعلو ويهبط من الانفعال..
فتحت عيناها على مهل ودموعها تجري على وجنتيها بينما تسمع صوت مُصعب كالرعد
((لا تلوميني عندما صرخت عليك في الأسفل، كنت تستحقين ذلك، الآن قومي بحزم أشياءك الضرورية فقط))
اندفع مُصعب نحو خزانته يبدأ برمي قطع من ملابسه..
لكنه توقف للحظة يختلس النظر بطارف عينه لها فيجدها لا زالت على حالها منكمشة على نفسها تبكي.. لم يتحكم بنفسه وهو يصرخ بها بنفاذ صبر وبصوت قوي صارم أفزعها
((قلت لك احزمي أغراضك الآن..))
رفعت وجهها الشاحب ببطء تتساءل بخفوت وحذر وهيئته الغاضبة هذه نادرة الظهور ترعبها
((إلى.. إلى أين سنذهب؟))
أجابها بنبرة مبهمة
((إلى شقة قديمة أمتلكها هنا في القرية))
زمّت شفتيها وهي تقوم من مكانها وتفعل ما طلبه منها دون أن تتفوه بكلمة إضافية.. كانت ترتجف بالمعني الحرفي مكانها أما صوت أنفاس الآخر الثقيلة كانت مسموعة لها بينما تشعر به يراقبها بين الحين والآخر بحزم واقتضاب حتى أنهت حزم أغراضها..
ما إن أغلقت سحاب الحقيبة حتى تناول الحقيبة منها بخشونة يحملها ويندفع لخارج جناحهما..
أغلقت الباب بالمفتاح واحتفظت به وهي تتبعه بخضوع منكسة الرأس..
غادرا القصر بهدوء وخفة خطوات.. حتى طوال الطريق كان مُصعب يقود السيارة بهدوء شديد لا يسمع إلا أصوات أنفاسهما وهدير سيارته.. بمجرد أن ركن السيارة بجانب الشارع حتى ارتجل منه.. ففعلت نورين نفس الشيء وهي تراه يتناول حقائب أمتعتهم قبل أن يغلق السيارة..
انتشل مُصعب مفتاحا من حلقة المفاتيح الملازمة له ليفتح باب الشقة.. التي لم تكن تعلم أنه يمتلكها من الأساس ويرافقه مفتاحها أينما ذهب!
بمجرد أن دلف للداخل حتى تبعته ببطء شاعرة برهبة وقد أخذت عيناها تدوران في المكان بتدقيق.. وسرعان ما علمت بإدراك متأخر أن هذه الشقة كانت لمُصعب وابنة عمه رشا.. زوجته السابقة..
عضت شفتها السفلى المرتجفة والمنبئة ببكاء مرير آخر.. لكنها تمَالكت نفسها ألا تنفجر بالبكاء بشق الأنفس وهتفت مكانها
((مُصعب أريد المغادرة من هنا والعودة لقصر والدك))
وصلها صوت مُصعب الذي كان يتفقد صنابير مياه المنزل وإمدادات الكهرباء في الشقة باردا
((لن نعود لذا أفرغي الحقائب))
هتفت نورين بلوعة
((لن أفعل، لن أنام إلا على سريري في جناحنا هناك))
سمعت وقع أقدامه تتجه إلى حيث تقف ليصرخ بها بذهول يشوبه الغضب
((نورين.. توقفي.. أشعر بالصداع ولا مزاج لي لتحمل حركاتك الطفولية.. سنعيش هنا لباقي حياتنا))
استجمعت قوتها لتقاوم ألمها وهي ترد عليه بكبرياء
((أين تريد مني النوم؟))
ضيق حاجبيه بحيرة وبدا أنه لم يفهم قصدها تماما فقال وهو يتأمل المكان
((لا تقلقي سنتساعد وننظف غرفة النوم على الأقل لننام فيها، وغدا سأحاول جلب مدبرة منزل لتنفض المنزل كاملًا))
ضربت الأرض بقدميها لتنثر الغبار من حولها وهي تصرخ به بإصرار
((كيف تريد مني النوم فوق سرير تشاركت به مع غيري؟ أنام في الشارع أهون بالنسبة لي))
ازدادت الحيرة الجلية على وجهه لتصمت قبل أن تضيف إهانة جديدة لكن بشكل ضمني
((أنا لن أجلس في مكان سبق وكان بيتا لك مع رشا، تلك التي تزوجتها رغما عنها فتحررت منك رغما عنك))
أخذ اسم "رشا" الذي نطقته يتردد في ذهنه بصخب قاتل.. في نفس الوقت تجمدت حدقتاه إلا من اختلاجة غير إرادية في شفتيه ليطرق رأسه للحظات.. ثم قال أخيرا بصوتٍ جاهد ألا يخرج مخنوقا
((أولًا وكما سبق وأخبرتك عندما كنا في البركة فهي لم تخرج من البلاد إلا قبل أن تنتهي عدتها لا كما يُشاع بأنها هربت مني وحصلت عليه رغما عني هناك في الغرب.. ثانيا لم تطأ قدم رشا هذا البيت من قبل، وأنا من اشتريت كل قطعة به بنفسي))
فغرت شفتيها قليلا بصدمة فأكمل معاتبا
((وهل كنت لأجعلك تنامين على سرير سبق ونامت عليه امرأة قبلك؟))
تمتمت بتلعثم
((ولكن.. ولكن الأثاث قديم.. وأيضا.. وأيضا يبدو أنه تم شرائه منذ سنوات طويلة.. الغبار يعلوه))
بهدوء عاد يؤكد عليها
((اشتريت الشقة بعد زواجي منها لنسكن أنا وهي فيها، إلا أنها لم تتشارك معي في اختيار الأثاث بل رفضت حتى أن تلقي نظرة على الشقة من الخارج أو الداخل على حد سواء، كانت مُصّرة بقوة على السكن في جناحنا في منزل عائلتي))
نكست رأسها وهي تتمتم بخفوت
((إذن أنا أول امرأة تدخل هنا رغم أنك اشتريت هذه الشقة وما فيها لزوجتك السابقة؟))
تنهد مُصعب قبل أن يجيب
((نعم.. حرفيا أنتِ أول امرأة تدخل هذا المكان، أمي نفسها رفضت المجيء هنا لرفضها استقلالي عنهم))
رفعت نورين رأسها تناظره بدهشة ليتابع الحديث
((منذ أسبوعين تقريبا جئت إلى هنا لأتأكد من تمديدات المياه والكهرباء، لأني كنت أفكر بالانتقال بكل الأحوال فأنا إنسان أقدس خصوصيتي، لطالما أردت الاستقلال مع زوجتي عن باقي أفراد العائلة حتى لو ترتب عليّ الأمر أن أعيش في كوخ صغير لا يضاهي قصر والدي في شيء))
سألته بفطنة واستدراك
((إذن انتقالنا إلى هنا كان مسألة وقت وحسب، وشجار اليوم مع أخيك ما هو إلا حجة لتعجيل هذه الخطوة..))
أومأ برأسه إيجابيا وهو يقول بشيء من عدم الرضا
((بالضبط، وعلى ذكر مسألة الشجار فالموضوع لم ينتهي معك أنتِ، لم أنسَ بعد ما قلتيه، سأحاسبك لاحقا عليه))
انفجرت به صارخة باستنكار
((ماذا قلت لأستحق المحاسبة!))
لمعت عينيه بصرامة وهو يقول بفحيح صوته بينما يقترب منها
((لقد أسأتِ لوالديّ عندما ذممتِ تربيته بدل أن تذميه لشخصه هو.. وبالمناسبة نحن الاثنين من نفس الأب وألام وتلقينا نفس التربية التي لا تعجبك..))
سألته بصوتٍ متحشرج
((ألم تسمع ما اتهمني بي؟))
قطب حاجبيه قائلًا
((نعم سمعت وقمت بالرد عليه وأرجعت لك حقك، اذكري لي مرة واحدة سمحت لأحد منهم أن يتعدى عليّك دون أن أردعه حتى لو كانت أمي! حينها فقط سأعذر تجاوزك الحدود اليوم!))
أخذت نفسا طويلًا مرتجفا ثم تمتمت
((لقد أخطأتُ بما قلته من كلام غير متعمد خرج مني في لحظة غضب، سأعتذر لوالديك عندما أراهما مرة أخرى))
خطت نحو حقيبتها وقالت بخفوت وهي تحملها
((سأذهب إلى النوم فكما كنت تقول لي سابقا.. "يتعافى المرء بسرير نومه"))
هتف بها بعفوية وهو يشير الي عكس المكان الذي تتجه نحوه
((غرفة نومنا ليست من هنا))
تابعت السير نحو الغرفة الأخرى وهي تصحح بصوتٍ جليدي (("غرفة نومي" أنا من هنا))
تشتت نظر مُصعب وبدا كأنه تائه وهو يتخلل شعره بأصابع كفيه بتوتر قبل أن يقول بصوتٍ أجوف بما جعلها تتوقف مكانها
((إذا كان من أجل الأثاث فكما سبق وأخبرتك لم يدخل غرفة النوم بل المكان كله امرأة غيرك! لكن يمكنني لاحقا إذا أردتِ أن أشتري غيره.. ربما خلال الشهر القادم مع موعد مرتبي؟))
أجابته بصوتٍ مغلول دون أن تلتفت له
((الأمر متعلق بك أنتَ لا بالأثاث الآن، لا أريد أن أبقى بقربك، لم أنسَ الحديث الذي دار بيننا في الصباح بعد اتصال رشا))
أغلقت باب الغرفة خلفها تنسحب من أمامه دون أن تنطق بحرف آخر..
تطلع في أثرها بعيون ساهمة... بعذاب.. وأطياف الذكريات المسمومة له مع رشا التي قفزت بين عيناه تجلد روحه..
لكن أكد على نفسه بأنه سيحل الأمر بينهما دون أن يتطرق لحقيقة ما حدث في الماضي بينه وبين رشا حتى لا يخلف وعده لها!
أما في داخل الغرفة التي اتخذتها نورين غرفة نوم لها فبدأت تنظف ومسح الغبار عن الأثاث والرفوف والأرض بدأب.. تشغل نفسها حتى لا تسرح بفكرها لكن عبثًا تحاول.. لا تزال لا تصدق كل ما حدث اليوم من أحداث ثقيلة تقلبها في رأسها..
=============================
كان القلق لا يزال مستبد على نحو مبهم بيعقوب وهو يلح على ابنه متسائلا
((المهم هل مَازن بخير الآن؟))
ابتسم مُعاذ ببشاشة وهو يجيب والده مطمئنا
((للمرة المئة هو بخير، تواصلت مع المشفى القابع به وأكدوا عليّ أن كسر قدمه لا يستدعي أي قلق إضافي))
تنهد يعقوب قبل أن يتمتم بشعور أبوي
((الحمدالله.. لا تتصور الرعب الذي عشته عندما أخبرتني بأن حادث سيارة وقع له))
أكد له مُعاذ ((أنا لم أقل لك ما قلته إلا بعدما تأكدت من المشفى بأن حاله بأفضل خير، أرسلت له نقودا لأضمن أنه لن يحتاج شيء فهو يرفض كليا الرد عليّ وبدلا من ذلك يعطي هاتفه لأي ممرض أو طبيب بجانبه))
تجهم يعقوب استياءً وغمغم بعدم رضا
((الأحمق لا يتكلم معي أنا أيضًا))
فرد مُعاذ يديه يقول باستسلام
((لا تقلق يا أبي سيعقل، مسيره أن يعقل في النهاية))
ردد يعقوب بيأس
((تتحدث كأنه لا زال على عتبة المراهقة لا شابا ناضجا يزيد عمره عن الثمانية والعشرين..))
شبك مُعاذ يديه ببعضهما واكتفى بإيماءة من رأسه بينما يقول
((على كل حال يا أبي إياك أن تجلب سيرة لأمي، أنا سعيد أن مَازن لا يتحدث معها حتى لا يخبرها ما حل به.. عليّ أن أعود للمدينة الليلة من أجل عملي غدا، فعندما جاءني اتصاله كنت في العمل وطلبت مغادرة فورية حتى دون أن ألتزم بالإجراءات الرسمية))
ارتسمت ابتسامة خاصة على فم يعقوب وهو يغمغم
((وفقك الله يا بني..))
كان يهم مُعاذ قائما من مكانه قبل أن يمد والده يده بغيه أن يعود للجلوس..
ابتسم مُعاذ في وجهه ليحثه على الإكمال ففعل الحاج يعقوب بعرفان
((كم أحمد الله على نعمة وجودك في هذه الحياة فأنتَ صديق لي أكثر من ابن، كنت ولا زلت سندًا لي في مواجهة تحديات ومتطلبات الحياة، تتشارك معي أنا وأمك حتى مسؤولية تنشئة ورعاية أشقائك الأصغر منك..))
ازدادت ابتسامة مُعاذ اتساعا ليرد بامتنان
((لا تتصور كم تسعدني هذه الكلمات))
استرسل يعقوب بنبرة رخيمة لا تخلو من وقاره
((أنا لا أفرق بينكم أنتم أولادي الخمسة، لكن إحقاقا للحق فمجيئك لدنياي أنتَ كان له فرحة لا توصف ولا تماثلها فرحة.. أنتَ كنت أوّل هدية وأوّل فرحة، وأوّل بسمة طفل، وأوّل خطوة.. ابتهل الله دائما حتى نفرح بك مجددا))
عندما لف الاقتضاب وجه مُعاذ وتشتت نظره سارع يعقوب مضيفا بحزم
((لا تتجاهل الموضوع يا مُعاذ.. الحي أبقى من الميت.. كم شهر أو بالأحرى كم سنة مضى على قولك لي بأنك اتفقت على الزواج من امرأة جيدة؟ أنا حتى الآن أنتظر أن تعاود فتح الموضوع أمامي))
تنحنح مُعاذ قبل أن يقول بهدوء
((أبي أنا لست مستاء من ذكرك هذا الموضوع بل أنا فعلا أفكر في الزواج فقد تعبت من العزوبية وبالتأكيد أتمنى أن أحظى بأولاد لي يكونون إخوة لابنتي، أنا أشعر بأن ذنب إهمالي تجاه ابنتي قد يقل قليلا لو أحضرتها للمدينة لتعيش معي ولا سبيل لذلك إلا من خلالي زواجي وجلب امرأة تهتم بها.. لكن أريد تأجيله قليلا، فأنا مشغول جدًّا هذه الأيام بأمور العمل))
أومأ يعقوب لابنه قبل أن يقول متسائلا
((هل باركت لابن عمك بزواجه؟ لا يصح يا مُعاذ أنتَ ابن الأصول أن تتجاهل المباركة له، ألا يكفي تفويتك حفل زفافه؟))
امتقع فجأة وجه مُعاذ ليرد بانزعاج لم يخفيه
((كيف حال وليد مع العروس الجديدة؟ هل زارتكم؟))
أجاب يعقوب بهدوء وسلاسة
((لا أبدًا، لم يسبق وأن زار وليد أحد أقاربه معها ولم يعرفنا عليها))
ارتسم شبح ابتسامة على مُعاذ معقبا
((لسنا بحاجة للتعرف عليها فقد سبق وكان مخطوبا منها في الماضي..))
تنهد يعقوب بعمق قبل أن يقول
((لأصارحك أنا مستغرب أنها عادت له بعد كل ما فعله بها بالماضي، لكن ربما يكون السبب هو توجيه ضربة لكل المشككين فيها.. فلو لم يكن ما انتشر عنها محض أكاذيب لما قبل وليد العودة لها))
أصر مُعاذ باقتضاب
((ليس من المنطقي أن تعود له من أجل هكذا سبب، فمعظم أهل القرية يعرفون الحقيقة ثم هي تعمل بوظيفة مرموقة وحسنة المظهر، لا بد أن هناك الكثير من زملائها في الشركة أو من جيرانها حاولوا التودد لها والتقدم لزواجها وهي من أبت أن تختار أحد غيره..))
قاطع حديثهما صوت زاهية التي دلفت للمكان بعد أن كانت قد غادرت لفترة قصيرة تتأكد من تجهيز الطعام..
جلست بجانب زوجها ثم سألت بكرها تجس نبضه
((ها يا مُعاذ ماذا توصلت مع والدك؟ وما هو رأيك باختيار أخيك المبهج؟))
تنحنح مُعاذ وبدا مشتتا قبل أن يقول
((أي اختيار؟ عن أي أخ لي تتحدثين؟ لقد كنت في صدد التحدث مع مُؤيد بشأن فعلة كلامه المخزي مع زوجة مُصعب))
قاطعته والدته متجهمة
((مَالك يا مُعاذ.. مَالك هو من أتحدث عنه، لم يعد هناك متسع من الوقت لإقناعه بأن يسترد عقله قبل أن يقدم على الزواج من تلك البستانية))
رفع مُعاذ حاجبيه يتيقظ لكلام أمه ثم هز كتفيه يجيبها
((أوه صحيح تذكرت.. أمي بالنسبة لمَالك صحيح بأنه من الأفضل أن يكون الرجل أكبر من زوجته لكن لا ينبغي أن نحدد الفارق بسن معين.. ثم إن سبع سنوات بينهما ليس فرقا كبيرا، ولن يكون مشكلة إذا كان بينهما الحب وجسر من التفاهم))
اتسعت عينا زاهية وقالت بصدمة ممزوجة بخيبة أمل
((إذن أنتَ موافق يا مُعاذ على زواجه منها؟))
قطب مُعاذ حاجبيه يقول مستنكرا
((يا أمي وما دخلي أنا لأوافق أو لا.. مَالك من سيتزوجها وهو من يقرر!))
مدت يديها تقول بشيء من الانفعال
((لكن إذا وافقت أنتَ فكيف سيوافق المجتمع الذي من حولنا..))
كانت لهجة مُعاذ لينة وهو يقول لأمه
((أمي ما تقولينه يستند في الغالب إلى موروث ثقافي خاطئ، هذه الأمور قابلة للتغيير، بل تغيرت فعلا وأصبح من المألوف أو المعتاد زواج الرجل بمن تكبره في السن طالما اجتمعا على التفاهم الفكري والروحي وربطهما الحب المقدس))
قالت زاهية بتثاقل لكن دون استسلام
((الأمر ليس متعلقا بالمجتمع وابني وحسب.. أنا أيضًا أقول هذا من أجل مصلحة سمية.. هي عليها أن تتزوج من رجل آخر يماثل سنها.. فالمرأة تحتاج الى من يستمع لها وإلى من تستشيره في أكثر أمورها لن يكون ذلك إلا وهي إلى جانب رجل أكبر منها سنًا وأعلم منها في تدارك الأمور خاصة إذا كانت ربة بيت))
طالع مُعاذ وجه أمه شديد التجهم والقلق.. والأسى ثم قال
((أنتِ تبالغين يا أمي.. كثيرًا..))
علا صوت زاهية العصبي برفض
((لا أبالغ))
تصاعد رنين هاتف معاذ المعلق بحزامه هادئا ملحا.. فانتشل معاذ هاتفه متأكدا من أنه اتصال متعلق بالملازم الأول حمد..
متى سيعرف كيف يضع لذاك الأهوج المدلل حدا!
استقام واقفا من مكانه يغمغم
((يبدو أن عليّ المغادرة الآن للمدينة))
في هذه اللحظة دلف مُؤيد للداخل متسائلا
((ألن تتناول الغداء معنا يا مُعاذ؟))
بدا على مُعاذ علامات التفكير العميق في هذه اللحظة لكنه أعار انتباهه لأخيه أمامه ثم قال على عجلة لا تخلو من التحذير وهو يغادر الغرفة
((عندي حديث مطول معك أنتَ يا مُؤيد لكن سأذخره لوقت لاحق بسبب انشغالي))
في هذه اللحظة هرولت دارين نحوه تقول بحزن معترضة
((أبي هل ستغادر الآن؟ لكن لم أراك جيدا))
قال مُعاذ لابنته بضيق
((لاحقا يا حبيبتي لاحقا))
لكنها تشبثت بملابسه ورفعت وجهها تقول برجاء ملح
((أبي رفض عمي مُؤيد أن ينزهنا أنا وهدى كما يفعل بالعادة كلما مكث هنا، أقنعه أن يذهب بنا الآن))
تنهد مُعاذ بتعب ثم رقق ملامحه وهو يخبرها
((نادي هدى وأنا سأذهب بكما لأحد أماكنكم المفضلة قبل أن أغادر))
صفقت دارين بحرارة وحماس ثم استدارت مهرولة لتتجهز.. فابتسم مُعاذ بحنو على طفلته الجميلة التي كلما تكبر تتجلى ملامح أمها على وجهها بوضوح أكبر لتصبح نسخة مصغرة عنها..
أما مؤيد فوجد نفسه تلقائيا يغادر ليتابع عمل والده في المزرعة الذي بات يحل محله فيه بعد أن قرر أن يظل في القرية لعدة أسابيع..
فدبت خطواته أرض المزرعة بحذائه هو يهتف في بعض عمال المزرعة الأوامر بسلطة رجولية فطرية وبصوت جهوري خشن يبعث الرعشة في قلوب أعتى الرجال رغم بعض آثار الضرب التي بدت واضحة على وجهه!
=============================
دلف وليد إلى غرفة النوم ليجد صينية العشاء التي أحضرها قبل ساعة ووضعها على المنضدة الملاصقة للسرير لم تُمس..
لفّ شيء من الامتعاض وجهه وهو يقول بينما يقترب من شيرين المتمددة على السرير كما حالها معظم الوقت
((لم تأكلي شيئا من الذي أعددته الآن أيضًا يا كحيلة العينين؟ هل إضراب الطعام هو محاولة للانتحار؟))
فتحت شيرين عينيها بوهن وقد شعرت الآن بوجوده لترد بصوتٍ منهك
((لسوء حظك لست بذاك الضعف أو الهشاشة، لكن لم أعد أرغب بأكل شيء قمت بصنعه أنتَ))
اهتزت حدقتيها وأظلمت بالمشاعر السوداوية عندما جلس على طرف السرير بجانبها هادرا بجمود
((لا أحب كثرة الكلام في نقاش عقيم لا طائل له، لا قدرة لك أنتِ الآن على الحركة وصنع شيء يؤكل لذا كلي طعامك أو سأقيدك وأطعمك إياه بنفسي))
شعت مقلتاها كطلق ناري وردت من بين أسنانها بغل
((عدنا للغطرسة والاستبداد!))
الجمود في ملامحه ازداد قساوة وهو يهدر بينما يعدل من هيئتها بخشونة لتجلس على السرير
((هيا كلي شيئا من الطعام الذي جلبته لك، لا تجبريني على استخدام العنف حتى بإطعامك))
عقدت حاجبيها وهي تعكف فمها بوجوم
((هل هذا هو ما كنت تعدني بالتعويض عنه عندما انتهكتني بوحشية، لأن ما أراه الآن هو امتداد للإذلال والامتهان))
تجلد وجهه بالصرامة ليغمغم بحزم رغم الابتسامة الجانبية التي شقت ثغره
((أنا أحاول جاهدا تعويضك بما يبدي لك أسفي وندمي على ما حدث لكنك لا تتعاونين معي، سأعاملك كملكة سأكون الحضن الدافئ والملاذ الآمن لك فقط لو جعلتي رغباتي وأوامري سيف على رقبتك لا نقاش فيهم.. الآن هيا كلي شيئا))
وضع الملعقة في يدها المتصلبة لتحيد بعينيها عنه وتهمس بروح مكلومة وصوت بحت نبراته فخرج ممزقا ومجروحا
((ابتعد من هنا وسآكل.. ابتعد عني فقط.. لا أطيق حتى التنفس بنفس الهواء الذي تتنفس منه))
تحجرت عيناه وهو يثبت ذقنها بأصابعه ليديرها كي تنظر رغما عنها في وجهه الرخامي
((لن أبتعد وستأكلين الآن أمامي لأتأكد من أنكِ لن تُبقِ حبة أرز واحدة))
شعرت بالألم ينهش قلبها أكثر وازداد نفورها منه وهي تراه بهذا القرب فظلت على رفضها
((لا أريد منك أي شيء.. كل ما تعرضه لي من أمور باهتة مردودة لك))
أومأ بملامح متسلطة وهو يميل لها وعينيه تحدجان خضرة عينيها بهيمنة ذكورية بحتة وبصوت جمد الدماء في عروقها
((هل عليّ الاقتراب مجددا ورغما عنك لتعرفي بأنك كلك ملكي ولي الحق بأن أفعل ما أريده بك!))
ابتسم بقسوة وهو يلاحظ انكماشها.. كأن خوفها يسليه.. فتشدق بعنجهية.. أما هي فرغم أن القشعريرة اجتاحتها من صوته الخشن الصارم إلا أنها عندما لمحت سخريته هتفت به بغل
((ملكك؟ تتحدث كأني سلعة يمكنك أن تشتريها! لا والأنكى بأني لو كنت سلعة فأنا لم أقبض شيئا منك.. لقد ابتعتني بالمجان ولم تتبرع لوالد سهر))
لم يهتز وليد للنيران التي خرجت شرارتها بمقلتيها بل برقت عيناه بالمزيد من التسلية لعنفوانها الباهت بينما تكمل بانفعال وقهر
((لقد خدعتني.. لقد اشترطت عليّك ألا يحدث شيء بيننا قبل أن تتبرع لوالد سهر.. كيف كان لك قلب أن تفعل هذا بي؟))
قرب وجهه منها يقول بصوت خافت فاقم من رعشة الخوف في أوصالها
((نعم خدعتك، لكن فعلت ذلك لأني أريدك، والغاية تبرر الوسيلة..))
ثم مال وجهه يلامس بشفتيه وجنتها متابعا
((أمهليني القليل وأعدك بأني سأعيد إيقاد حبي في قلبك.. أعرف أن مراتنا السابقة القليلة لم تكن ممتعة بالنسبة لك، لكن الأمور ستتحسن، سلمي لي نفسك راضية بحب.. بعدها فعيب لي أن أطلق على نفسي رجل إن خرجت خائبة من هذا السرير، لن تقوِ على البعاد عني وسأسري في عروقك مسرى الدم..))
خرجت آخر كلماته بصوتٍ أجش من الرغبة.. بل كانت رغبته وحبه لها على حد سواء قد أضنتاه وجعلانه كالمدمن ينتظر جرعته.. فشيرين كالإكسير الذي لا يشفيه لكنه يجعله مدمن عليه فلا يفكّر بشيء سوى تعاطيه لتطفئ نيرانه المشتعلة في قلبه..
شدت على أسنانها وأعلنت عيناها الحرب عليه ووعد بالانتقام هامسة
((أقسم لك بأنه لن يحدث وأنا سأتحرر منك))
امتعض وليد مما يسمعه منها فزادت رغبته السافرة في كسر شوكتها.. مال إلى أذنها يهمس لها بما يقهرها
((حتى لو تحررتِ مني فلا تحلمي أن أتركك قبل أن تصبحي غير صالحة لأي شيء بعدي..))
استسلمت بعيون تتألق بالدموع وهي تشعر بها سينتهكها مجددا للمرة الثالثة وقد سبق وأدركت بأنها غير قادرة على تحدي هذا الشخص الذي دمر حياتها وكان يوما ما في الماضي كل حياتها.. فهي لا تقوَ حتى على النهوض وهو يفوقها قوة فماذا بيدها لتفعل!
أما وليد فانتبه على استسلامها وتوقف فجأة! كان حقا يريد أن يجتاحها مرة أخرى ويتخلل خلاياها قطرة.. قطرة.. لكن شعر بشيء يمنعه بصلابة.. فربما وبعد أن صارت ملكه عليه أن يكون لينا قليلا معها.. لقد أعاد تأديبها وأخضعها له تماما دون أن يحنو عليها وكسر شوكتها إلى الحد الذي لم تعد فيه تتجرأ على الاعتراض ولو بكلمة.. الآن حان الوقت ليريها أن ما يكنه لها ليس رغبة وشهوة وتملك فحسب.. بل عشق جارف متأصل فيه..
تنهد وليد وقرر ألا يقترب منها مكتفيا بالتمدد بجانبها وضمها لصدره..
شعر بكل خلية فيها تنتفض ضعفا وعجزا من عناقه فشدده..
قريبا سيعلمها كيف تنطق اسمه بكل لوعة ويذيقها مرار ما تجرعه منها عندما رفضته بقسوة مرة تلو الأخرى بعدما تنازل وعاد إليها هو.. وليد الكانز.. من يرهب قلوب الرجال ويهز بهيبته كياناتهم..
=============================
عاد مؤيد إلى القصر ثم دلف إلى جناحه فوجد رتيل متمددة على السرير تشاهد التلفاز بنظر شارد.. فانتشلها منه متسائلا
((هل العشاء جاهز؟))
تطلعت رتيل متجهمة له ثم تمتمت باقتضاب وبوجه واجم لازمها الأيام الأخيرة
((عندما مررت بغرفة المعيشة تناهى الي سمعي حديث أمك وهي تخبر معاذ عن المشاجرة الأخيرة التي حدثت بينك وبين مُصعب، هل وبخك أخيك؟))
رفع مُؤيد سبابته أمام عيناها محذرا بوعيد
((رتيل اسكتي ولا تفتحي تلك السيرة))
أغلقت التلفاز واعتدلت جالسة تهتف باستنكار لاذع
((ماذا قلت لتطلب مني الصمت؟ أنا فقط أتساءل! خاصة وان والديك لم يناقشانك بعد فيما حصل))
انفلتت أعصابه وهو يزعق بها بغضب متقد ((رتيل لا تستنزف ما فيّ من صبر فهو قليل وأنا سهل الاستفزاز، لا تجبريني على أن أقدم على ما قد أندم عليه))
تخصرت يدا رتيل متشدقه بمرارة
((هل أنتَ راضي عما قلته في ذاك اليوم؟ إذا كان بقي القليل من الكرامة لدي أمام عائلتك فأنت نسفتها نسفا بما قلته آخر مرة! أنا متأكدة بأن والدك وأخيك لو لم يقفا ضدك لما كنتَ سمحت لأحد غيرك أن يتزوج ابنة عشرة الهنادل..))
انتفض مُؤيد بها يقول بتأكيد
((طبعا ما كنت لأسمح لأحد أن يتزوجها غيري، فإذا كانت هي الشيء الوحيد الذي يمكنني الانتقام به لمقتل ابن عمي فلكنت أبدعت في إذاقتها أصناف العذاب وأخذتها بذنب عشيرتها كاملا دون أن يرف لي جفن، وإلا كيف سيرتاح يحيى بقبره))
لاكت شفتيها ثم تهكمت
((فجأة عندما توفي ابن عمك يحيى أضحى غاليا عليك! لقد كنت تمقته وتحث باقي أخوتك على قطع صلتهم به بعد هرب أخته رشا من مُصعب!))
امتقع وجه مُؤيد من لهجتها الحادة.. معه... هو..
فهي تحدثه بلا حذر واحترام غير آبهة للغضب الذي يلفه ويشير بأنه على شفا حفر من الانقضاض على من يقف أمامه.. بل تتابع بتشديد على كلماتها
((لا ألوم أخيك على رحيله.. لا بد أنه لا يأمن على زوجته.. عرضه.. أن تتواجد في نفس المكان مع شخص معدوم الشرف مثلك))
جحظت عيناه بصدمة مما قالته وهتف بها بنبرة مخيفة
((رتيـــــــــل))
اعترضت ببرود
((ماذا؟ ألا يقال للرجل الذي لا يمل من إبداء الحسرة بين كل حين وآخر لأنه لم يتزوج من المرأة التي هي على ذمة أخيه في هذه اللحظة..))
قاطعها بانفعال يدافع عن نفسه
((أنا أقول ما أقوله بقصد أخذها بذنب القاتل ابن عشيرتها ولا أقولها من باب قلة الدين والأصل والاعتداء على عرض أخي))
أشاح بوجهه بعيدا عن عينها ما إن شعر بعينيه تحمر كالجمرة.. ثم استرسل بحزم قاسي
((ولو عاد الزمن بي وأتيح لي أن أتزوجها لما ترددت، طالما تم اختيارها أن تكون الفدية فعليها أن تتحمل))
تمتمت رتيل من بين أسنانها المطبقة بغل وحقد
((تصر على قولها هكذا بكل صراحة أمامي دون أي اهتمام بمشاعري))
رد عليها دون أن ينظر باتجاهها
((لطالما كنت صريحا وشفافا لا أحب المجاملات ولن أتغير..))
أطلقت العنان لكلامها المكتوم في داخلها
((إذن دعني أقولها بكل صراحة لك دون تجميل، أنا أكرهك وأتمنى لو لم أتزوجك يا مُؤيد))
أعمى الغضب النابض بعيني رتيل من التركيز في قسمات وجهه والانتباه لانقباضها بانكسار واضح..
لم يكن مُؤيد من الذين اهتموا يوما بالحب أو حقيقة ما تُكن تلك المرأة التي اختارها زوجة وأم لأولاده له..
لكن الآن وفي هذه اللحظة فرباه كم بدا وقع تلك الكلمة من شفتيها قاسيا عليه.. قد شعر بكل حرف نطقته كأنه نصل خنجر يطعنه.. لكن لماذا؟ ما الذي تغير مؤخرا بعلاقتهما إلى الحد الذي يجعله يتأثر بتعبيرها عن كرهها له؟ في وقت سابق كان ليوبخها ويتهمها بانعدام الحياء والاحترام.. لكن الآن فاكتفى القول بإباء
((هل ترين أني قد أهتم لحبك أو كرهك؟ ليس مُؤيد الكانز من يهتم بذاك الشيء الرخيص المدعو بالحب.. فقط امرأة وقحة مثلك هي التي تتحدث مع زوجها بهذه الطريقة))
ردت عليه بخفوت وثبات
((قل لنفسك هذا الكلام فأنا أعاملك مثل ما تعاملني..))
تصلب فكه بينما يهدر فيها محذرا كي لا تزيد في الحديث
((غادري من هنا قبل أن يحتدم النقاش ووقتها لا أضمن لك ردة فعلي فأنتِ مؤخرا طال لسانك عليّ وأنا لا أمرر لك إلا بمزاجي لكن لن أظل هكذا طويلا))
أطاعته رتيل وانسحبت من المكان حتى لا تزيد الأمر سوءً..
سحب مُؤيد أنفاسه عميقا وقد انقلب حاله للأسوأ فلم يجد أمامه إلا أن يتجه لمنضدة قريبة منه ويرفعها قبل أن يهمشها على الأرض بقوة..
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثاني وأربعون 42 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
فتاة في ريعان الشباب.. محبة للحياة تعشق السحاب
تغذت منذ صغرها على العتاب.. تأخذ كل يوم حقها من السباب
تقدم لها ذات يوم شاب.. اشرقت عينيها وبرقت كشهاب
قالت : رباه هل هو حقا ام لعبة من الألعاب
صحيح انهم كانوا وقتها أغراب.. لكنها لطالما تمنت منه فقط الاقتراب
لم تعلم أنه بقدر حبها سيذيقها العذاب.. اصبحت تعيش في رهاب
فتاة هي فعلا رتيل.. تطلعت لأن تحظى بحبك ولو القليل
لكنك من قيمتها استمريت في التقليل.. و في كل مرة لا تحاول التعليل
تحملت الكثير اتطلع لحبك الذي يحتاجه قلبي العليل
لكنك داومت في تغذية غرورك كأنه تبجيل
منعتني من كل شئ وقررت انا التنازل لأمنحك التفضيل
قلت لا تفعلي هذا وذاك وابتعدي.. قلت تحملي ربما بعدها يقول اقتربي
لكنك لم تقل.. تضاعف بداخلي الغل.. فأنا شئت أم أبيت بقلبي لك
لكن تلك الفتاة اختنقت.. كم مرة بحبها لك اعترفت
و انت بعينيك عنها هربت.. و من الاجابة تهربت
ان أذيقك من نفس الكأس قررت.. ألست انت من عني افترقت؟
الآن سأرد لك القليل حتى لو لذلك استصعبت
كان في كل مرة ضميري يؤنبني.. ينزل على قلبي كالسوط يجلدني
لكن تصرفاتك ما كانت تدفعني.. لكن لم اتخلى ابدا عن تعففي
و انت تعلم انه رغم كرهك لي تثق بي
أتعلم ؟ تلك الفتاة عن حبك قررت التنازل.. مللت انا من التحايل
استجدي حبك وانت رافض ببرودك تتحلى انا الآن أتخلى
بكل ذرة بي تعشقك تعذبني و بعد تخليك السهل عني
و رميك بغير اهتمام لي عشت أم تمت التضحية بي
و بكل زجرك لي وتجريحك المستمر و بكل اهمال لي وضميرك المستهتر
أنا من ستتخلى
***************
بقلم: اماني
=================
طبعا عنا اسرار هتنكشف كلها ورة بعض..
اول سر هينكشف سر مازن وياسمين في الفصل القادم..
ثم سر يزيد في الفصل الي وراه..
ثم سر قصي..
ثم سر رتيل ومؤيد..
كله هينكشف فصل ورة فصل بدون اي فصل راحة 😁😁😁😍😍💋💋❤️❤️