تحميل رواية «قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة"» PDF
بقلم Hya Ssin
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بسم الله الرحمن الرحيم وأهلا وسهلا بكل رواد روايتي الكرام.. عدت من جديد برحلتي الثالثة مع روايتي الجديدة "فِي قَلْبِكَ مَنْفَايَ".. التي أتمنى أن تنال إعجابكم وكلي يقين بأن الأمر لن يكون سهلًا.. فكلما زاد رصيد المرء في قراءة الروايات كلما ارتقى ذوقه وأصبح إرضاؤه صعبًا.. ومن ترضيه في البداية روايات بسيطة لتمضية الوقت ستعجز عن إرضاءه لاحقًا تسع روايات من كل عشرة يقرأها.. مَنْفَايَ أَنْتَ وَمَنْ سِوَاكَ يُعِيدُ لِي رُوحِي؟ وَمَنْ ذَا عَنْ جَفَاكَ يُصَبَّرُ؟ انت وطني : انتَ منفاي انتَ كل اﻟﺎشياء الت...
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الحادي وسبعون 71 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الحادي والثلاثون
ولم يكمل مَازن جملته حتى انتشر الظلام من حوله تدريجيا وأغمض عينيه ليفترش الأرض بجسده..
فغرت نجوم شفتيها الجافتين مدركة أنه فقد وعيه قبل أن يستسلم لها وينالها بسبب مفعول عقار أمها! ولم تعرف السبب..
ما هي مكونات عقار أمها؟ هل هو مخدر أم محفز للاستثارة؟ أيا كان هو فعلى ما يبدو أنها قامت بمضاعفة الجرعة معتقدة أن رجلا بطوله وصلابته لن يؤثر عليه المعيار القليل المحدد استعماله.. لكن جاءت النتائج مغايرة على ما خططت له..
انهارت ملامحها.. لماذا كان عليه ألا يكون مثل ابن خالتها لا يُفكر إلا بشهوته الهائجة التي لا يمكنه كبحها!
لماذا لم ينجح العقار الذي تجرعه في الشراب في جعله يفك لجامه لنيل رغباته!
أطلقت نجوم أنفاسا كانت تجيش في صدرها..
الآن بعد أن فقد وعيه عليها أن تبقى هنا حتى توهم أمها أنها نجحت في إغواء مَازن وارتكب فاحشة الزنا معها.. وإلا فإنها قد تجبرها على فعلها مع غيره..
بدأت تلهث وهي تحاول بيدين مرتجفتين أن تحرر مَازن من قميصه وبنطاله الجينز المحكم على الجزء السفلي من جسده.. ثم أضجعت على الأرض بمئزرها الذي بالكاد يسترها، تحدق في سقف القبو ودموع حارقة جديدة تلمع في عينيها تكافح حتى لا تسيل على خديها.. فيما مضى، كانت تحب أن تنام في هذا القبو الذي كان مرتعا حرا لأحلام صباها الوردية الأولى.. قبل أن يلوثها ابن خالتها كانت مجرد فتاة هانئة خالية البال تتورد لمجرد همسة غزل بريء تداعب أذنيها من مَازن تجعلها تسهر طوال الليل تبتسم لخيالات رومانسية بريئة..
أسدلت جفنيها، تغور أنفاسها للموت بالحياة وروحها تنضح وجعا..
الآن تغير كل شيء، سيصبح هذا القبو بالنسبة لها مكانًا تسوده العتمة الكئيبة والظلال الثقيلة التي تطبق على صدرها، ستذكرها بالفاحشة التي كانت ستقدم عليها بفعل وساوس والدتها..
لا تصدق أن الشيطان وبعد رفض طويل منها زين لها عملا مشينا وانتصر على نفسها الضعيفة بعد أن استغل رغبتها في الخلاص من عذاب القهر ومصيبة حملها التي تثقل ظهرها ولا مفر منها..
ليتها لجأت للحاج يعقوب المعروف بمكانته وهيبته في القرية.. كان ليضغط على المجرم ابن خالتها للزواج منها! لكن لن الآن لن تستطيع بعدما فعلته بابنه.. بل لو باح مَازن لوالده كيف تصرفت كامرأة رخيصة أمامه لتغريه لن يصدق بأن ابن خالتها اعتدى عليها وسيتهمها كما فعلت أمها بأنها هي من سلمته نفسها بمليء إرادتها!
تغرغرت دموع أخرى في مقلتيها كأمطار توشك على الهطول على أرض يابسة.. تبكي ألما.. تنزف بكرامة ضائعة.. تئن بكبرياء متصدع وجمال لم يبد له معالم.. قبل أن ترفع يديها المرتجفتين لتكمم فمها وتكتم نحيبها خوفا من استيقاظه.. إذ أنها لن تستطيع الخروج قبل منتصف الليل حتى تصدق والدتها بنجاح خطتها..
.
.
بعد ساعات..
وقفت منال أمام القبو الذي يقبع فيه مَازن مع ابنتها بتردد تعتصر كفيها ببعضها.. تقدم خطوة وتؤخر أخرى.. منذ ساعات تحمحم حول باب القبو.. بمجرد أن تحرك مقبض الباب وخرجت نجوم منه حتى هرعت منال تتساءل بقلق
((ماذا حدث؟ أبشري؟ هل استجاب ونام معك؟))
هزت نجوم وجهها لها بصمت علامة إيجاب ثم أجابت
((هو الآن نائم في الداخل من آثار العقار الذي تجرعه))
دلفت منال لداخل القبو وبعينين قد جُحضتا تكادان لا ترمشان وهما تحدقان في مَازن المستلقي أرضا شبه عاري الجسد مغيبا.. ظنت أن خطتها قد نجحت وسرعان ما اهتز صدرها بضحكة مكتومة بشعة وكأنها قهقهة مجلجلة لشيطان زميم ينتشي بشرب دماء الفانيين..
=============================
كانت نورين تجلس في سيارة مُصعب تهز ساقيها بعصبية بينما تنفلت منها شهقات خافتة رغما عنها..
لقد قال لها أنه سيذهب بها عند عائلتها لكن هل حقا سيفعلها؟ وماذا سيترتب على الأمر لو عرف أحد أفراد عشيرتها أنها عادت وطلبت الطلاق؟ هل سيفهمون أن الصُلح قد فُض وحان موعد عودة النزاعات وأخذ الثأر؟
فالطريقة الوحيدة لعودتها لبيت عائلتها ونيلها الحرية من هذا العرق القميء هي إنجابها خمسة ذكور وإبقائهم عند عائلة الكانز..
ازدردت ريقها الوهمي وهي تتماوج مع الأفكار السلبية لتفكر بأن عليها أن تخبره بأنها ستتراجع عن الذهاب لعائلتها..
رفعت يدها فوق بطنها البارزة قليلا ثم أمسكت مقبض السيارة لتترجل منها قبل أن تفاجئ به يضع حقائب أخرى غير حقائبها داخل السيارة من الخلف.. ثم يضع دراجته النارية في الصندوق الخلفي لها..
استقل مُصعب السيارة وجلس في مقعده خلف المقود لتسأله بتلهف قلق
((لماذا أحضرت دراجتك النارية؟))
تجهمت ملامحه وأجابها وهو يشغل المحرك
((أريد أن أعيدك لأبيك مع هدية، المهم أن يريحني من شكك المتزمت))
اختلجت شفتاها ووجدت الكلمات تنساب منهما بحنق ناسفة ما كانت تفكر به قبل قليل
((إذن سارع وأرسلني عنده سيفرح لرؤيتي وانفصالي عنك، فأنا لم أرَ أحدا من أفراد عائلتي على أرض الواقع منذ زواجنا))
لم يعقب على كلامها وأمرها بهدوء فقط أن تربط حزام الأمان حولها.. فرضخت له بتوتر.. وعادت تضيع بالتفكير بدواماتها قبل أن تجفل على صدوح صوت ضحكاته عاليا فتساءلت باستهجان حانق
((ما بك؟ لماذا تضحك كالمجنون؟))
خفتت ضحكاته بعض الشيء وقال متشدقا
((لا أجد الأمر منطقي.. أقصد تريدين أن الانفصال والعودة إلى بيت أبيك وأنا من عليّ أن أوصلك))
كست ملامحها حُمرة الخجل وفركت يديها ببعضهما وهي تغمغم
((وهل كنت تريد مني الذهاب لبيت أبي في هذه الساعة المتأخرة من الليل لوحدي!))
هز كتفه وقال بمرح لا يناسب الموقف
((بالتأكيد لا.. لكن هل يفترض أن أوصلك لبيت أبيك ثم تقدمي لي واجب الضيافة قبل أن أغادر؟ أو..))
نظرت له بحيرة وقالت بارتباك
((نعم.. ربما.. الحقيقة لا أدري.. عندما نصل لبيتي هل عليّ أن أدعوك أن تتفضل لبيتنا.. أم أتركك فقط عند الباب لتغادر؟))
أشاح عن الطريق أمامه للحظة يعاتبها بمشاكسة
((وهل يهون عليكِ يا عفريتة أن تتركيني أغادر بلا ضيافة بعد كل هذه المسافة التي سأقطعها من أجلك؟))
تقوست شفتاها عابسة كالأطفال وتمتمت
((لا.. لا تهون عليّ))
ظلت منكسة وجهها للحظات قبل أن ترفع وجهها وتنظر للطريق باهتمام من نافذة السيارة قائلة
((إلى أين ستهذب بي؟ طريق قريتنا ليس من هنا))
التمعت عيناه بالإثارة وهو يقول
((إلى مكان غير مأهول.. حيث أستطيع دفنك من دون أن يعلم أحد بفعلتي))
حانت منها نظرة للخلف للحظة ثم قالت بحماس وإثارة مماثلة له
((وهل للدراجة النارية التي أحضرتها علاقة بدفني هناك؟))
همس بلا صوت
((نعم.. فالحب بالحب.. والبادئ.. أحب))
وطوال الطريق حافظت نورين على الصمت وهي تشاهد الطريق من زجاج نافذة السيارة وشعرت بتعرق جسدها رغم برودة الجو قليلا.. تسرب لها القلق ثم ناظرت جانب وجهه لتقول
((مُصعب بدأتُ أشك بأن كلامك عن دفني لم يكن مجرد مزاح، هل تريد أن تقتلني ثم تدفنني هناك حتى تتزوج من رشا دون معيقات؟ لكني أحمل ابنك في أحشائي!))
تشدق ضاحكا على ما تقوله فتجهمت ملامحها وأردفت متسائلة
((منذ أكثر من ساعة وأنت تقود السيارة، هل نحن الآن في محافظة أخرى؟))
لكن لم تمر دقيقة حتى أوقف سيارته على جانب طريق صحراوي وهو يقول
((ها قد وصلنا هنا))
نظرت إليه بعينين واسعتين وهي تراه يترجل من السيارة ثم يدور حول مقدمتها ليفتح باب مقعدها ويقابل ذهولها بصوتٍ مرح
((لسنا وحدنا هنا، بل هناك العديد من الأشخاص من عشاق النزهات والرحلات البرية جاؤوا للتخييم))
مد مُصعب يده لها يعينها على الخروج من السيارة والوقوف.. ابتعدت قليلا عنه لتطالع الامتداد الأبيض لمخيمات المتنزهين ثم قالت بذهول يأسرها
((للتخييم؟ تريدنا أن نخيم هنا؟))
ابتسم متجها لفتح صندوق السيارة الخلفي ينتشل منها بعض الحقائب هادرا بصوت مثخن بالشجن وقد تيقظت فيه ذكريات الزمن الماضي
((كنت أخيم كثيرًا في القِدم متى ما سمح لنا الوقت مع يحيى برفقة أصدقائنا والفرحة تعمنا، حيث نقضي اليوم بكامله هنا نتسامر ونلعب كرة الطائرة..))
ترققت ملامحها وسألته بتردد متألم
((كنت تأتي مع يحيى إلى هنا؟))
غامت عيناه بلحن شجي ليرد بألم رغم حلاوة الذكريات
((نعم حتى أني أذكر بأنه في إحدى المرات التوى كاحله وكان لا يستطيع القيام إلا بمساعدة الآخرين لكن عندما أخبرناه أننا قد نذهب هنا فوجئنا به منذ الصباح الباكر يقف على عصاه وبحيوية تامة يتفقد لوازم التخييم))
أغلق مُصعب السيارة وحمل الحقيبة بيد وأحاط كتفيّ نورين بذراعه الأخرى هادرا
((لن أخرج معي الدراجة، لأننا سنركبها في مكان أبعد من هنا على طريق معبدة حتى لا ندهس عشب هذا المكان وندمر منظره الرائع))
ظلت نورين مأخوذة بالنظر إلى هذه المنطقة الخلابة التي بدت أشبه بواحة وسط الصحراء تعج بأعداد كبيرة من أشجار السمر والسدر البري فضلًا عن العديد من النباتات والشجيرات الأخرى.. لتقول مخطوفة الأنفاس
((ذهبت مع عائلتي إلى أماكن كثيرة شبيهة بهذا المكان لكن ولا أي منطقة بمستواه على الإطلاق، حيث لا يكاد عدد الأشجار القصيرة في تلك الأماكن يزيد عن أصابع اليد الواحدة كما أنها مسطحها العشبي فقير))
ضحك بخفوت ثم قال
((بالتأكيد هذا المكان هو الأفضل، فالأشجار كثيرة ووارقة وعالية وملتفة بطريقة تجعل هذا المكان يحفل بالكثير من الكهوف في مشهد أشبه بالغابات الإفريقية العتيدة))
اقترب أكثر من كهف صنعته الأشجار المتشابكة والملتفة فباتت كأنها غرف فندقية ترحب بهما وتدعوهما للاستمتاع بأجواء الطبيعة بين أحضانها بخصوصية..
ثم أخرج غطاء من الحقيبة وفرشه قائلا
((لا تقلقي بشأن الدوار الملازم لك بسبب الحمل فمن حسن حظك تم إنشاء دورات مياه هنا، لذا لا أجد أي عائق من ذهابنا إلى رحاب هذا المكان في عطلة نهاية كل أسبوع، فحياتنا لن تكون نفسها بعد إنجابك لطفلنا))
شدها من يدها لتجلس على الفراش ثم أخرج بعض العُلب من كيس كبير ليردف
((وجلبتُ أيضًا وجبات خفيفة معي))
قبّل وجنتها ثم انتشل كيس مقرمشات مملح يطعمها منه بأنامله.. بتردد فتحت شفتيها تأكل ما يقدمه لها ودون أن تنبس ببنت بكلمة..
تيقظ أنها لا تريد منه أن يغير الموضوع الذي كانت تتشاجر معه قبل قليل كما يفعل كل مرة.. فأسبل جفنيه بصمت طويل تسري فيه أنفاسهما حتى قال فجأة
((هل تشعرين بالانزعاج لمجرد ذكر رشا؟ لأني لامست فيكي هذا الأمر وهذا ما جعلني في آخر مرة تواصلت معي أتعمد ألا أخبرك به))
رفعت نورين وجهها تعانق عينيه بعينيها وأجابت بصوتٍ منهك
((أنتَ محق، ذكر رشا يزعجني، والأمر لا يتوقف عند هذا الحد بل تراودني الكوابيس أنكما بصدد الالتقاء مجددا وتنتابني مخاوف من ألا تكون علاقتي الحالية معك عميقة بقدر تجربة زواجك منها رغم قصرها))
ابتسم وقال لها بعتاب مغلف بالمرح
((خيبتي ظنك بهذه الشكوك، خاصة بعد كل تلك المرات التي اعترفت فيها بحبك أنا الذي لم أظن أني سأعترف بالحب بلساني يوما لامرأة))
زفرت بضيقٍ بينما تنزع حجابها وتغمغم بنفاذ صبر
((قد تكون محبا لي بالفعل، لكنك في نفس الوقت لا تزال تحب ابنة عمك وهذا لن يرضيني لأني أعتبره خيانة، أريد بتطرف رجلا أكون في عينيه استثناء مدى الحياة، وأنت لا تتفهم كرجل كم هي الغيرة مؤلمة ولاذعة وقادرة على كسر شيءٍ بداخلي غير قابل للإصلاح، وتجبرني عنوة على الرحيل حتى لو لم أريد..))
رفعت نورين كفيها لتدلك رأسها بين خصل شعرها الناعمة عسى أن تخفف من صداع التوتر ثم تجلى عليها ضيق أشَّد وهي تعود وتنظر لوجهه هادرة
((مُصعب، أنتَ لا تتخيل كم أتوق لقضاء وقت جميل هنا.. ولكن علينا التحدث أولا))
ظل يبادلها النظر دون تعبير واضح، فتراجع رأسها للخلف مسترسلة
((نعم أعرف أنه لا يحق لي محاسبتك على الماضي كما لم تحاسبني أنتَ.. لكن أنا لم يسبق وأن تواصلت مع شخص غيرك، ولم أسمح لذرة شك أن تتسلل لقلبك من تواجد أحد غيرك في قلبي، لذا أريد منك الآن أن تخبرني ما حدث في الماضي والذي جعلك تفعل شيئًا منافيًا للأخلاق التي تتحلى بها، والمبادئ التي جبلت عليها وتُقدم على فعل النهوة لتحظى برشا رغما عنها))
ظلت عيناه تمتلئ بتفاصيل وجهها وشعر بخوفها من أن تكون أغضبته فرد عليها مبتسما بشحوب
((لا تقلقي لم أغضب ولن ألومك، فما تظنينه لا يختلف عما يظنه كل من في القرية عني، لكن بما أنك بالذات زوجتي عليك أن تعلمي بأني ما كنت لأستمر مع امرأة طالما هي وقلبها ليسا معي.. فلا رجولتي ولا كرامتي تقبلان ذلك مهما أوتيت من قوة أو تجبر))
فغرت شفتيها قليلا هامسة ((ماذا؟))
وبحركة فاجأتها وجدته يُعدل من جلسته وهو يسند رأسه ليضعه فوق حجرها بينما يتطلع بالفراغ أمامه بنظرة عميقة ويبدأ بسرد كل ما حدث في الماضي معها
((كل شيء بدأ عندما كنت في زيارة معتادة لأخيها يحيى في بيتهم..))
كل كلمة.. كل جملة.. وكل سطر كان يتفوه به بصوته المجروح كان يخترقها في الصميم بعمق ألمها بينما يخبرها حكايته مع رشا كاملة..
تهدج صوته في نهاية المطاف هادرا
((هل تعرفين ماذا قال الرجل الذي أراد والدها أن تتزوجه عني بعدما قمت بالنهو عليها؟ قال كذبا أني ساومته على مقدار كبير من المال لأتراجع بالنَّهو عنها، وعندما عجز عن تأمين المال وسد جشعي وطمعي اضطر أن يتركها حتى لا يعرض حياتها للخطر))
تقبضت يدا نورين بحمية عليه..
رغم أنه عادة ما يتم اتهام الرجل بأنه يتلاعب بالمرأة ها قد جاءت رشا لتؤكد أن هناك نساء محترفات من نفس الصنف في الواقع.. بل الحق يقال بأنها كانت داهية لا يستهان بها بعد أن عثرت على نقاط ضعف مُصعب وتلاعبت به تلاعب قائم على مبدأ الاستغلال وإلحاق الضرر به من أجل أن تنقذ نفسها..
وهنا تمنت نورين حقا لو كانت تلك الرشا أمامها لتوسع وجهها لكمًا لكل ما جعلت مُصعب يتعرض له بسببها ولو أن جزءً منها أشفق عليها لأنها كانت مضطرة أن تتزوج من رجل لا تحبه بسبب تعنت وظلم والدها المجحف..
تابع مُصعب يقول بنفس نبرته المتهدجة
((آثار العنف الذي كان جليا على وجه رشا في حفل زفافنا كان من فعل والدها لأنها رفضت أن تطيعه وتقول أمام الجميع أنها تفضل أن تظل عزباء لآخر عمرها على الزواج مني بالنهو))
رق قلبها له أكثر.. إنه يعلم ويسمع ويدري بما يُقال عنه من قبل أهل القرية عن نهوه على رشا حتى الآن بعد مرور كل تلك السنوات.. بهدوء اعتدل جالسا يتطلع لها ويقول بصوتٍ أجش
((أيقنت أن عليّ إخبارك بهذا السر وإلا سأخسر العفريتة المتواجدة في حياتي، فأنا لا أطيق الخصام معها، بل لا أتحمل فكرة كتمانها غضبها عليّ وضيقها حتى على أبسط الأشياء، أو أن تتأثر علاقتنا من فرط كتمانها أو التراكمات.. أخطأت عندما لم أطلعك على رسائل رشا لي رغم أن غايتي كانت حتى لا أضايقك، لكن لن يتكرر هذا الخطأ مستقبلا))
ذاب قلب نورين وهي تشعر بما يريد أن يوصله لها.. إنه يثق في نفسه كثيرا فرأي الناس لا يهمه للحد الذي رفض أن يكشف ولو جزءً من الحقيقة.. إلا أمامها هي كان مهتما بما تفكره عنه.. وخائف من رحيلها.. فقالت له بصوتٍ عميق وقد تلألأت عيناها بالعاطفة
((لطالما تمنيت أن أقابل شخصًا مثلك يُشبهني، سهل لين، يشق عليه قضاء وقت طويل دون أن يتحدث معي))
اقترب مُصعب منها وأحاط يداها الناعمتين بكفيه برقة مباغتة.. حتى هي اقتحمت حياته بقوة والغريب أنه لم يرفض وجودها بل سمح لها أن تتوغل فيه وتتسلل لقلبه دون صخب حتى أوقعته في حبها.. لقد استسلم لسطو هواها على قلبه بعد أن مثلت له كل ما كان يحلم به طوال حياته بل وجد فيها كل ما كان يتمنى أن يجده..
قال بصوتٍ يضج بالحب بين حروفه
((لطالما سألت نفسي كثيرًا وأنا أتعجب منها كيف سمحت لك وأنتِ قريبة من قتل ابن عمي يحيى بالاقتراب مني ولم أثر عليك أو أمنعك من أن تصلي إلى أعماقي! لماذا انجذب أنا إليك كأني أعرفك عمرًا طويلًا وتركتك تعرفين عنى كل شيء وحتى أدق تفاصيل وأسرار حياتي!))
مال برأسه نحوها حتى لفحها بأنفاسه مكملا
((ولكن.. الآن أعلم.. نعم أعلم أن القدر قد وضعك في طريقي لأنه قد كتب علىّ أن أحبك.. أنا أحبك.. ولأنك جئت في الوقت الَّذي كنت أرفضُ فيهِ الحبّ، أحببتكَ أكثَر.. ووعد وعهد عليّ الوفاء والصدق والإخلاص بيننا من الآن))
تراقص نابضها وبدأ يرفرف بين أضلعها فأغمضت عينيها بنشوة من تأثير كلماته عليها.. منذ دخلت حياته شعرت أنها تريد أن تكون كما يحب.. أن تذهله.. كانت مستعدة لأجل ذلك أن تفعل أي شيء.. كانت تقول في نفسها أنه لا ينقصها أي شيء لتكون هي السيدة الأولى والوحيدة في حياته.. وهذا ما شعر مُصعب أنها فعلته له هو الذي نشأ منذ صغره يشعر بحقه مهدور بين أبيه الذي يولي كل رعايته لأكبر أخويّه وأمه التي تسمح للتوأم أن يحتكرا كل مشاعر حبها..
ارتجفت نورين تتأوه بنعومة حين مست شفتيه بشرتها برقة وحنو أذابها قبل أن يتعمق برغبة جارفة جعلتها تستسلم له بكل جوارحها وتغوص بكافة حواسها معه.. مغيبة تماما عن العالم لحظات طويلة كانت كالنعيم بالنسبة لهما..
=============================
في غرفة رتيل..
حيث هي جالسة تتلو سورة البقرة التي صارت عادتها اليومية في مجابهة أيامها الصعبة التي تعيشها.. انكمشت فجأة على نفسها عندما سمعت أصوات ضرب فوق باب غرفتها بعنف وقوة تعلن عن نفاذ صبر صاحبها وفقدانه السيطرة..
توقف أخيها عن دفع الباب بجسده بعد أن فشل في كسره ووقف مكانه يلهث بإنهاك ويقول لوالدته
((ابنتك مجددا ترفض الخروج من غرفتها، إنها تستغل غيابنا في قضاء أمورها وادخار مونتها من شراب وطعام ثم تُحكم إغلاق الباب عليها قبل مجيئنا حتى لا نراها))
تجاهلت والدته الواقفة معه تذمره وقالت بصوتٍ مضطرب حزين
((ألا يمكن يا بني أن تحاول مع زوجها لمرة أخيرة لعلك تقنعه أن يعيدها لذمته؟ المسكينة بالكاد ستكمل الثلاثين من عمرها لتحصل على لقب مطلقة))
هتف شقيق رتيل بغضب واحتدام
((لو كان يريدها لطلب ذلك مع اقتراب نهاية عدتها بعد أيام، وأنا لن أكسر هامتي من أجل ابنتك اللعينة، اجعليها تدرك أنه وبمجرد انتهاء عدتها سأعلن في كل أرجاء القرية أنها باتت مطلقة لأفتح المجال أمام من يريد خطبتها التكلم معي، أول خطيب ومهما كانت ظروفه ستتزوج منه، فالحال عندي على قدره وبالكاد أستطيع الإنفاق على عائلتي الصغيرة وعليك ولا ينقصني عبئ إضافي))
في هذه اللحظة نفضت رتيل عنها الضعف وانتفضت واقفة خلف الباب مباشرة تصرخ به
((أيها الحقير لا أريد منك أي معروف، شهادتي بتخصص التاريخ معي وسأعمل بها كمعلمة ولن أحتاج منك فلسا))
صرخ شقيقها بجنون وهو يعود لدفع الباب بجسده
((لستُ أنا معدوم الرجولة من أسمح لأختي بالعمل لتنفق على نفسها))
استنكرت رتيل بغضب منبعه شعورها بالظلم
((تريد أن تزوجني رغما عني لأي عابر يطرق بابنا حتى لا تحمل عبئي المادي ثم تأتي الآن وتتحدث عن الرجولة! ثم ما أمتلكه في البنك والذهب الذي يزينني من رأسي لأخمص قدمي قادر على جعلي أعيش كالملكة لسنين دون منة أو حاجة لأحد))
توقف أخيها فجأة عن دفع الباب وعمّ الصمت في المكان لا يُسمع إلا صوت تنفسه اللاهث قبل أن يتحكم بنبرة صوته ويقول بتوجس
((نقود بالبنك! هل عندك حساب شخصي في البنك! وكم فيه؟ والذهب! كم يساوي مقدار ما بحوزتك الآن؟))
كانت رتيل في هذه اللحظة تضرب فمها براحة يدها شاتمة نفسها على بوحها بأمر كهذا! الآن شقيقها الدنيء سيطمع بنقودها! لكن لن تسلمه فلسا واحدا إلا على جثتها! لكن تابع أخيها سؤال والدته بتحقيق جشع
((أمي كم كانت تتحلى ابنتك من الذهب عند قدومها هنا!))
استاءت والدته من سؤاله فزجرته بتأنيب
((ولماذا تسأل عن ذهب وأموال أختك؟ لست أنت ابني الذي ربيته ألا يفكر بأخذ مال من امرأة))
تذمر شقيق رتيل بدناءة ودفاعية واهنة
((ضيق الحال الذي أعيشه الآن هو ما يجبرني على ذلك.. عليك إخبار ابنتك أني قد أتنازل وأبقيها هنا على راحتها دون أن أجبرها على الزواج فقط بحالة ساعدتني ماديا))
أغمضت رتيل عينيها بحسرة ودموعها البائسة تنساب على وجنتيها الباردتين حتّى تمنت أن تفقد وعيها لتتخلص من هذا الجحيم الذي تعيشه الآن ولا يبدو له نهاية.. لم يبقَ في حياتها معنى للحياة وهي بعيدة عن أولادها.. تتجرع دموع قلبها نهارًا كما تتجرع وسادتها دموع عينيها ليلًا.. فلا يهنأ لها بعيش ولا تتلذذ بشيء.. كأن هناك جزء منها يتجول في هذا العالم الفسيح بعد أن قرر مُؤيد استبعادهم عن حياتها!
=============================
في الصباح..
بدأت شمس منتصف الربيع الصباحية تدغدغ صفحة وجه مُصعب بإحساس دافئ.. فاستفاق على ذراعي نورين اللتان كانتا تشدانه من جديد إلى أحضانها..
رمق بعين واحدة مفتوحة ساعة يده التي تجاوزت الحادية عشرة صباحا فذهل.. لقد كانا تحت تأثير الإرهاق ومشاعر أخرى حتى ليلة البارحة.. فهل ناما كل هذا الوقت!
أخفض نظره للمرأة التي تنام في أحضانه وهالة الراحة التي تمده بها.. فهمس لروحها الغائبة في النوم
((كيف تعبثين بقلبي بهذا الشكل يا عفريتة!))
أيقظها برقة ثم ذهبا يغتسلان بعدها اشترى بعض اللحم ومستلزمات الأكل من الباعة المتجولين هنا..
جلسا في الخارج بين جموع الناس الذين يتناولون الفطور.. وضع مُصعب اللحمة والشاي برائحة أعشاب المرمرية فوق النار التي أوقدها.. وأخذ يأكل ويطعمها بين الوقت والآخر لقيمات صغيرة فيذوب اللحم الشهي شديد النضج في فمها..
بعدما امتلأت معدته شعر أنه بدأ يستفيق أكثر ومستعد للتعاطي معها فقال فجأة بحنق مصطنع
((الآن حان وقتي أنا لأعاتبك بما خرج من فاهك في لحظة غضب في الأمس، فأنا لا أنسى الكلمات القاسية في لحظات العتاب واللوم))
غصت نبضات نورين شاعرة بحجرة تسد حلقها وهي تذكر ما نطقت به بلحظة تهور بأنها ليست سعيدة معه، ثم تحدثت بصراحة إذ اتفقت معه ألا تكتم أي شيء عنه حتى لا تزيد التراكمات بينهما
((على العكس أنا سعيدة معك، ولكن في نفس الوقت أشعر أني على هامش الحياة، غدت حياتي مملة والأيام تمضي متشابهة، يأس واكتئاب ينتابني كل حين أن لا فائدة من وجودي عندما اقتصرت حياتي على تصفح الإنترنت وزيارة عائلتك فقط..))
كان ينصت بعبوس متفاجئا لما تفضي به مما جعلها تكمل له بشجاعة
((حاولت قدر الإمكان أن أدفن أحلامي في العمل وإكمال دراستي.. لكن أحيانا أشعر بأنه لا يوجد في حياتي ما أرنو إليه وأحبه باستثنائك أنتَ وهذا ما يشعرني بالضيق والحزن، فأنتَ تقضي ساعات طويلة في العمل، هذا يؤثر عليّ أحيانا فلا أستطيع حشد أي حماس عندما تحدث أمور لي مميزة، ولا أنجح دائما في توجيه نفسي وهدهدتها، لكن كما يقال اكتمال الحظوظ في الدنيا واستيفاء الحقوق ليس من طبيعتها))
ظل يحدق بها بنفس النظرة ليقول لها
((نورين ما تشعرين به من الإحباط والفراغ هي ردة فعل إنسانية نفسية طبيعية تجاه ما تعيشينه، ويمكن لأي إنسان في مكانك أن يشعر بما تشعرين به الآن ولكن إكمال دراستك العليا بنفس تخصصك لا يتحقق إلا في خارج بلادنا لذا هو صعب))
قاطعته نورين متفهمة مقتنعة وهي تهز رأسها
((نعم أعرف ذلك ولهذا لم أفتح السيرة لك سابقا فأنتَ بالتأكيد بعد يوم عمل طويل مرهق تريدني مرحة وبشوشة لأخفف عليك من ضغوط الحياة اليومية بدلا من الجلوس مستكينة شاكية على أمر لن تستطيع تحقيقه حتى لو أردت ذلك))
عقد حاجبيه يقول بجدية اكتنفته
((لحظة أنا لم أكمل كلامي، فما قلته سابقا يتعلق بالدراسة أما فالعمل لو وجدتِ عملا يناسبك، فلا بأس))
اكتسحتها الدهشة ورددت
((ولكن من الصعب أن أجد عملا يناسبني هنا في هذه القرية الصغيرة، لن أجد إلا في المدينة))
هز كتفيه ببساطة وقال بجدية يعنيها
((لا يهم أيا كان موقع عملك فقريتنا لا تبعد عن المدينة أكثر من مسافة ثلث ساعة، سأعطيك سيارتي لتذهبي لعملك وتعودي بها وأنا سأشتري سيارة خاصة لي ولو بالتقسيط))
تفجرت أساريرها فجأة لكن تجلى شيء من القلق وجهها وقالت
((ولكن ماذا لو عرفت عائلتك؟ أمك دائما كانت تنتقد المرأة التي تعمل! لن يروق لهم عملي))
رد عليها بما لا يقبل النقاش ((أنتِ زوجتي أنا ولا يحق لأحد آخر التدخل بيننا، عائلتي أعرف كيف أتدبر أمرهم))
لم تسيطر على لهفتها وسعادتها وهي تمسك بذراعيه بقوة وتسأله
((إذن بعد الإنجاب بفترة سأبحث عن عمل لأزاوله))
خالجه شعور قوي جعله يلامس بطنها بيده ويقول
((إذن حتى ذلك الحين فلا تنزوي، لا تنعزلي ولا تنغلقي أبدا على نفسك، وانخرطي فيما يملأ الوقت حتى تحافظي على صحتك النفسية))
تألقت ابتسامة عذبة على وجهها ثم تنفست بسعادة تلبست قلبها لتشاغبه
((ثمن السيارة التي ستشتريها لي سأعتبره قرضا وسأسدده لك فأنا أعرف أن راتبك أكثر تواضعا من أن تهديني سيارة))
=============================
في القبو..
فتح مَازن عينيه بتثاقل وهو وإرهاق.. لكنه عاد ليغلقهما بغتة وهو يجز على أسنانه بألم شديد ينخر رأسه.. يجد صعوبة في تحريك أطرافه.. تحامل على أحباله الصوتية لتخرج كلماته المتحشرجة بفيض من التوسل في نبراته
((هل هناك أحد ما هنا!))
عاد يفتح عينيه متأوها وهو ينظر للمكان بتشتت وما إن رأى ملابسه الملقاة بجانبه حتى سرت إلى ذهنه مشاهد مما حدث آخر شيء بينه وبين نجوم فشعر الجزع يهزه هزًا ويكاد يخنقه حتّى الموت وهو يفكر إذا ما كان قد نام معها!
رفع كفه المرتجف مثل ارتجاف قلبه على صدره يحاول بعفوية السيطرة على نوبة الخفقان الشديدة التي تنتابه..
تبا لجسده.. ماذا حدث له! ما هذه الاضطرابات والخدر الذي يكتسحه!
تشوش عقله عن استيعاب سبب وهن جسده وفشل في الحفاظ على رباطة جأشه!
استغرق الأمر منه ما يزيد عن نصف ساعة وهو على حاله حتى شعر أنه يستعيد سيطرته على جسده.. وتيقظ وتأكد من أنه لم يستسلم لها ولم ينم معها..
بصعوبة وتثاقل مصدره ارتجاف حركة يديه استطاع الاعتدال جالسا وارتداء بنطاله على الأقل..
هناك خطب ما بجسده لكنه يخفت تدريجيا!
جفل فجأة على صوت جهوري يدخل للقبو
((مَازن ماذا تفعل هنا؟ أين كنت منذ الأمس؟))
تطلع مَازن مصدوما في توأمه وهو يقترب أكثر منه بنظرات مستنكرة خلعه لقميصه.. فسأله بصوتٍ أجش مبحوح من أثر النوم
((منذ الأمس؟ ماذا تقصد؟))
تغضن جبين مَالك وقال
((أقصد أنك قمت بتوديع أصدقائك في ليلة الأمس ثم اختفيت تماما حتى هذه اللحظة، أبي لم يراك في المسجد في وقت أي صلاة وتأجج غضبه منك، أما أمي فقلقت لأنك لا ترد على اتصالاتها، كانت تريد أن تقلب الدنيا عليك لولا أن منال قالت بأنها لم تراك تخرج من القبو، هل هذا صحيح؟))
اتسعت عينا مَازن حتى كادتا تخرج من محجريهما ثم قال بذهول
((مَالك كم الساعة الآن؟ لقد نمت بعد مغادرة أصدقائي والآن فقط استيقظت))
تشدق مَالك ساخرا وقال
((مستحيل، هل نمت لأربع وعشرين ساعة؟ حتى لو خدرك أحدهم فلا يمكن أن تنام كل هذه الساعات))
لعق مَازن شفتيه الجافتين وقبض بيده على القميص الذي يمسكه كي لا تتضح ارتجافه لتوأمه ثم قال باضطراب
((مَالك هناك شيء أنا بحاجة أن أقوله لك، لن أستطيع أن أخبر غيرك ما حدث لي في الأمس))
تنهد مَالك بضجر ثم قال وهو يغادر
((لاحقا يا مَازن، سأصعد لأطمئن أمي عن حالتك ثم سأخرج مع زوجتي لأحد الأماكن))
.
.
بعد ساعتين.. في جناح مَازن..
وبعد أن قضى مَازن الصلوات التي فاتته ومارس بعض الرياضات التي ساعدت في تحريك عضلاته ثم أخذ حماما باردا، شعر بشيء من طاقته وقوته تعود له وذلك الارتجاف المريب بعضلات جسده يقل أكثر..
رجحّ أن سبب ما شعر به هو نومه ليوم كامل!
ولكن كيف استطاع فعلها والنوم طوال هذا الوقت! حتى مُصعب لم ينجح في هكذا أمر!
انتشل صوت فتح الباب مَازن من أفكاره لتطل عليه ياسمين التي ما أن رأته حتى انسحبت ألوان الحياة من وجهها ويكاد يقسم أنه انتبه لخضة جسدها كأنها رأت شبحا أمامها قبل أن تتمَالك نفسها وتتوجه إلى سريرهما تتوسده بهدوء معطية إياه ظهرها..
انزوى ثغر مَازن بابتسامة باهتة.. الآن فهم شيء من الذي مرت به ياسمين في الماضي بعد ما تعرضَ له من نجوم في الأمس.. لكنه كان أكثر حظا لتذكره ما حدث..
وجد نفسه يتسلل إلى السرير ثم يقترب منها ويحتضنها من الخلف بعناق جعل قلبها بين أضلعها يرتجف مكانه قبل أن تسمعه يقول بهمس مشاكس
((لماذا زوجتي الجميلة تعطيني ظهرها؟))
في البداية لم تجبه بشيء لكنها كتمت شهقة في أوج ضعفها لتقول بصوتٍ متذبذب مخنوق
((ألم تقل بأنك تريد أن تطلقني؟ إذن افعلها وابتعد عني))
لكنه فاجأها وهو يديرها إلى ناحيته ويضع عينيه في عينيها ثم يقول
((ياسمين هل سبق وشتمتك أو قللت من احترامي لك سابقا ولو من قبيل المزاح؟))
تمتمت له بخفوت وهي تنكس أنظارها بذنب ((لا))
رسم بسمة صغيرة على محياه ثم مدَّ أنامله يرفع ذقنها لتعاود النظر له فيهمس
((إذن لماذا لا تعامليني بالمثل؟ ألا أستحق بما أني زوجك أن تعامليني باحترام حتى لو لم تحبينني؟ على الأقل أمام ابنتنا!))
ابتلعت ريقها ثم قالت ((نعم أعتقد ذلك))
رفع احدى حاجبيه يتساءل وهو يزيح خصلة شاردة خلف أذنها بنعومة
((تعتقدين ذلك فقط؟))
ارتعش ذقنها ورغبة ملّحة بالبكاء تجتاحها لتتمتم
((أنا آسفة))
عبرة صغيرة هطلت على وجنتها فرفع إبهامه ليمسحها هادرًا
((ممتاز، هكذا ننسى أمر الطلاق))
اضطربت خفقات قلبها وقالت بعبرة مخنوقة
((هكذا لا طلاق بدون مساومة! كأن تطلب مني أن أجلب شالا وألفه حول خصري ثم أرقص لك من أجل إمتاعك وإذلالي؟))
لم يضحك على سخريتها المريرة بل همس بملامحه الودودة العفوية
((إذا كان الرقص يشعرك بالذل فسأمسك يدك ثم سنرقص معًا))
لم تحد عيناها المتلألئتين بالدموع عنه وهو يسترسل
((أيضًا أريد منك أن تتحملي طريقة استخفافي بالأمور وتحويلها لمزحة فهي أسلوبي في تجاوز محن هذه الحياة))
مال برأسه منها حتى لفحتها أنفاسه الحارة وهو يتابع
((وإن شعرت برغبة في تقبيلك، سأفعل أينما نكن فلا تتذمري أبدًا))
أومأت برأسها له متفهمة ومتقبلة أنه لا يشبه إخوته بتحفظهم شيئا، بل هو أكثر انفتاحًا وإقبالًا على الحياة ولديه حياة زاخرة وواسعة وسع السماء.. فأينما يحل يكون مقبلا على الحياة ومغمورا بأمور مبهجة تجعل من طاقته تتفجر بعروقه!
=============================
اتكئ مُؤيد على عصاه وهو يدخل غرفة المعيشة وسرعان ما داهمه الخجل وهو ينتبه لوجود دخيل في بيتهم وتوقف مكانه بتجهم مما جعل الحاجة زاهية تقول بلهفة وهي تحثه على الدخول
((تعال يا مُؤيد وسلم على ابنة جارنا أبي أحمد صبر، لقد تعرفت عليها سابقا))
بحذر وبطء رفع مُؤيد عينيه نحو صبر التي كانت تجلس على نفس الأريكة بجانب والدته وتضع ابنه باسم فوق حجرها وابنه الآخر بجانبها.. فاستغرب مُؤيد كيف يجلس ولديه الاثنين بجانبها باستكانة وألفة.. ثم جلس على أريكة مقابلة لهم بينما تقول والدته بود
((عرفت جارتنا أم أحمد أن زوجتك تريد الطلاق بعد أن تعذرت الحياة بينكما وأني أواجه وقتا عصيبا مع المربيات اللواتي لعدم قدرتهن على التواصل أو الانسجام مع الولدين فطلبت من ابنتها صبر التطوع لتجالسهما بما أنها في إجازة من جامعتها))
تصلب جسد الولدين من كلمة "الطلاق" التي قالتها جدتهما وكان باسم يريد أن يعقب ولكن سبقته جدته
((كيف هي صبر معك يا باسم؟))
تمتم فهد مندفعا
((نحن نحبها يا جدتي، لا تجلبي لنا غيرها))
لف الذهول مُؤيد وقال بلا شعور منه
((هل يعقل أن فهد المنتقي هو من يقول هذا!))
اتسعت ابتسامة زاهية تزهى بفخر
((نعم هو من يقول ذلك! بسم الله ما شاء الله يا صبر أنتَ كالنسمة الرقيقة على قلوب كل من يراك كبيرا كان أو صغيرا))
أشاح مُؤيد بنظره جانبا بضيق وقد وصل له معنى ما تقصد أمه بكلمة "كبيرا" التي شددت عليها.. في حين يزيد الذي كان يراقب الموقف مداريا على نفسه من خلف الباب ظهر أمامهم وقال بخفوت
((جدتي أريد فهد وباسم قليلا))
استغربت زاهية منه ولكن استجاب كل من فهد وباسم ليزيد ولحقا به إلى الخارج..
وقف يزيد في الصالة وقال لهم بجديته الطفولية
((سمعت أمي تقول لأبي أن أم احمد طار عقلها فرحا عندما كانت تشيد جدتي على أخلاق ابنتها صبر وحكمتها ورقتها في التعامل معكما وأنها تتمنى أن تكون كنتها))
عقد فهد حاجبيه
((ما معنى كنتها؟))
هتف يزيد بصرامة وحنق طفولي
((يعني أنها تريدها أن تكون زوجة لوالدكما لأنها استطاعت أن تنال قربكما وثقتكما))
تطاير الشرر من عيني باسم الطفولتين ما إن فهم ما يرمي له ابن عمه ثم أمسك يد شقيقه يقول وهو يجره خلفه
((فهد تعال معي، علينا أن نصحح لجدتي أن لا امرأة يمكن أن تحل مكان أمي))
وعاد باسم الصغير بخطواته المهرولة النارية نحو غرفة المعيشة جافلا المتواجدين بها ليقف أمام صبر ويكشر بوجهه أمامها ثم يصرخ بوجهها بفظاظة
((غادري الآن منزلنا لا نريدك هنا، لا يمكن أن نسمح لك بأخذ مكان أمنا))
شهقت صبر بصدمة فزجرته زاهية
((باسم أيها الشقي كيف تتحدث مع الخالة صبر بقلة الاحترام هذه!))
لكن اندفع أخيه الثاني بهتاف حانق
((لا نريدها هنا، غادري نحن لن نحبك أبدًا))
احتلت الصدمة زاهية لتتمتم بذهول
((باسم، فهد ماذا حدث لينقلب الحال بكما هكذا، أين ذهب بكما يزيد قبل قليل؟ هل كنتما تتحدثان مع والدتكما على الهاتف وهي من طلبت منكما أن تقولا ذلك؟))
لكن باسم وقف أمام جدته بصلابة طفولية ثم قال بعناد
((جدتي لا نريد مربية ولا أما جديدا، يمكنك تزويج أبي ولكن نحن نريد أن نتواجد حيث تكون هي))
قالت لهما بحزم مغيظ
((بل مكانكما فقط حيث يعيش والدكما))
تدخل فهد يقول بصوتٍ متحشرج نجح في اختراق مُؤيد
((لسنوات كنا نعيش من دونه، لا نراه إلا مرة كل أسبوعين وحتى في هذه المرة لا يخرجنا ولا يلعب معنا بل يُخرج بنات عمي بذريعة أننا مشاغبين فما الذي اختلف الآن؟))
عبست زاهية في وجه الصغيرين وقالت
((هذا في السابق، لكن اختلف الحال وها هو والدكم لم يبرح هذا القصر منذ أشهر))
برر باسم متشدقا بمنطقه الطفولي
((هذا بسبب كسر قدمه لكن بمجرد أن تشفى سيعود لشقته بالمدينة ونحن سنضحى بلا أب ولا أم))
ثم وجه نظره لصبر يطالعها بأهدابه بغيظ ويصرخ فيها
((وأنتِ غادري من هنا، نحن لا نحبك ولا نريدك هنا تريدين أن تسرقي مكان أمي))
تغرغرت الدموع في عيني صبر وجفلت من صراخ هذا الصغير الذي لم يكمل حتى السادسة من عمره مما جعلها تمسك حقيبتها قائلة بصوتٍ مرتجف وبالكاد تمنع دموعها من الانزلاق
((أنا سأغادر من هنا))
هرولت صبر للخارج فلمع بريق الانتصار في عيون الصغيرين أما زاهية فغمغمت بحسرة وقد تلاشى الأمل بزواج ابنها من أنسب فتاة له
((يا قليلا الأدب والاحترام انظرا كيف جعلتماها تفر من هنا باكية!))
قال مُؤيد الذي كان يراقب متجهما المشهد كاملا أخيرا
((أمي يكفي، لا تصرخي على أولادي، أنا سأتفاهم وأشرح لهما وضعهما الجديد بعد انفصالي عن والدتهم))
اتسعت عينا باسم فوجد نفسه يصرخ بوجهه
((لا نريد منك أن تشرح لنا شيئا نحن نكرهك، نكرهك، نكرهك))
عقبت زاهية بصوتٍ مرتجف لابنها وهي تشاهد الصغار يبارحان الغرفة
((أنا متأكدة أن والدتهما تغسل أدمغتهما بسوء الكلام عنا وهذا هو سبب انقلابهما الفظيع!))
أما مُؤيد فكان الضيق يستفحل في داخله أكثر وأكثر في كل يوم يمر عليه.. يعرف أن نفسية ولديّه متعبة وفي تراجع لكن ما يمر به هو أقسى وهو يراهما يتعاملان معه بقلة احترام وأدب ممزوجة بالجفاء..
هو متأكد من أن رتيل لا تطلب منهما ذلك فما يبوحان به هي مشاعرهما الحقيقة المكتومة تجاهه..
في الماضي.. بمجرد دخوله القصر في زيارته المعتادة لهم كل أسبوعين حتى يندفع الاثنين ويتسابقان على احتضانه وتقبيل رأسه ويديه.. وطوال فترة وجوده هنا يظلان فوق رأسه ويحومان من حوله.. يقلبان بهاتفه.. يسردان عليه قصصهما الطفولية.. يعبثان بشعره..
ويبقيان ملتصقان به إلى الحد الذي كان يختنق منهما فيطردهما من غرفته بجفاء ثم يذهب وينزه بنات إخوته سر عنهما فهن مهذبات وقليلات حركة عكس ابنيه..
أما الآن بمجرد دخوله نفس المكان المتواجدان به حتى يهربان من أمامه بعد أسطوانة عريضة تبدأ بتعبير فهد عن اشتياقه لأمه وتنتهي بتصريح باسم بكرهه الشديد له..
=============================
في المطبخ..
اختلست منال النظر لما تعده سمية في المطبخ ثم قالت بلهجة ممتعضة
((هل طلب السيد مَالك أن تعدي له هذا النوع من الطعام؟))
طالعت سمية منال ببشاشة وقالت
((الحقيقة لا، لكني أحب أن أصنعه له بنفسي لأنه.. أعني.. مشكلة مَالك أنه نحيف قليلا.. لكن لن أستطيع أن أخبره بذلك فكبريائه عالي، لذا أحاول أن أبحث عن بعض وصفات الطعام لأعمل على تسمينه..))
تشدقت منال بوقاحة
((تتصرفين كأنك أمه تماما))
تجهمت ملامح سمية فجأة بينما تكمل منال وهي تظهر حزنها المصطنع على اختيارها
((كنت أتوقع أن طموحك بالزواج أكبر من ذلك وأنك لن تقبلي الزواج من السيد مَالك، لا تفهميني خطأ، نعم هو رجل رائع لا مثيل له لكن المرأة تريد أن تكون زوجة مدللة تظهر عواطفها الأنثوية ولا تريد أن تقوم بدور الأمومة للزوج يا تعيسة الحظ))
توقفت منال للحظة تدعي التفكير قبل أن تكمل
((صديقة لي تطلقت ابنتها قبل عدة أيام وعندما سألتها عن السبب أخبرتني أن زوجها يصغرها بالعمر فانتهى الأمر بينهما بالطلاق.. قالت لي أن حياة ابنتها كانت في البداية ناجحة وتتسم بالهدوء والاستقرار مثل حياتك الآن مع السيد مَالك.. لكن بعد سنوات عدة بدأت المشاكل وتأزمت كثيرا علاقتهما فطلبت الطلاق منه لأنها لم تعد تحتمل تصرفاته وكذب مشاعره))
ازداد تجهم سمية من منال وكانت أكثر من تعرف بشاعة أخلاقها.. إذ أنها أكثر إنسانة ضعيفة الإيمان وقليلة المروءة وظالمة لنفسها ومعتدية على غيرها قابلتها في حياتها.. فاكتفت أن تقول لها بصوتٍ أجوف فاتر لتوقفها عند حدها
((أتمنى أن لا تتدخلي بيني وبين مَالك فأنا أكثر من سعيدة معه، سأغادر الآن يا منال))
أخرجت منال صوتا ساخرا مستهزئا وهي تلاحظ أن سمية لم تعد ضعيفة وهشة كالسابق رغم أنها لا زالت كما هي لا ترد على من يسيء لها.. فتمتمت بكلمات قميئة في داخلها تدعو فيها أن ينتهي ذاك الزواج ويطلق ابن سيد هذا القصر تلك البستانية بعد أن يمل منها ويعيدها إلى حيث تنتمي..
ثم ناظرت ابنتها الشاردة بإرهاق بعد أن خلى المطبخ من أحد غيرهما فخاطبتها بلهجة مستاءة
((ألن تخبريني يا مغضوبه بالتفصيل ماذا حدث خلال تلك الليلة التي قضيتيها مع مَازن حتى أعرف ما هي الخطوة التي سنقوم بها؟))
انتشل صوت منال نجوم من دوامتها الغارقة بهما وتطلعت لها بوجهها المنهك والذي لم يذق طعم النوم لتقول
((أمي جررته للنوم معي وانتهى الأمر، ماذا تريدين أن تعرفي أكثر؟))
تقبضت يد منال وقالت بملامح متكدرة
((أريد أن أعرف هل استمتع معك وبدا أنه راغب في المزيد؟ إذا كان كذلك فعليك أن تظهري أمامه أكثر ليطلب منك تكرارها))
ارتجف جسد نجوم وهي تتذكر نظرات مَازن المُحتقرة لها في تلك الليلة، فهزت رأسها معترضة بعنف
((أمي قلت لي ليلة واحدة وسينتهي الأمر، كيف تريدين مني تكرارها! ماذا لو توفاني الله وأنا أمارس تلك الرذيلة معه؟ بأي وجه سأقابل ربي؟))
مدت منال يدها تمسك حفنة من شعر ابنتها تحت الحجاب بقوة وتقول
((أيتها الحمقاء لقد جررتيه للنوم معك وصرت مدنسة وزانية فما الذي سيفرق إن كان مرة أو عشرة! عليك أن تكرريها كثيرًا حتى يقتنع أن الطفل له ولكن على الأمر أن يكون عفويا وغير مخطط حتى لا يتذكر أن يطلب منك تناول حبوب منع للحمل..))
بترت منال كلماتها واستدارت للخلف وهي تشعر بخطواتٍ تقترب من المطبخ قبل أن يتبين لها أنه مَازن الذي بدا أنه يريد التأكد بحذر وتوجس من في داخل المطبخ قبل دخوله..
ما إن لمحت نجوم جسد مَازن حتى ارتجفت كل خلية فيها ذعرا وانتفضت من مكانها تريد الفرار لولا هتافه العالي بعدوانية نحوها
((توقفي يا نجوم أريد الحديث معك))
ازدردت منال ريقها وشعرت أن هناك شيء خاطئ لكنها ادعت الجهل وتساءلت ببراءة مصطنعة
((ما الذي تريده يا سيد مَازن من ابنتي؟))
بخطوات حثيثة عازمة توغل مَازن للداخل أكثر.. لا ينفع أن يظل مختبئا بغرفته كالجبناء يتهرب مما حدث..
ازدرد ريقه ثم رفع وجهه يقول بثبات ظاهري
((أريد التحدث معكما الاثنتين.. منال هل لديك فكرة عما كانت ابنتك المصون تحاول عرضه عليّ؟))
بهت وجه منال وأدركت ما سيتحدث به مَازن أمامها مما جعلها تتوتر وتتحدث بأول ما خطر على بالها بتلك النبرة الهجومية دون أن تدرس كلماتها
((تقصد محاولتك إغواء ابنتي قبل أن تجرها للفاحشة معك؟ لقد سقطت من نظري، هل تكافئني على اهتمامي بك بجر ابنتي لعلاقة غير شرعية! لقد أفقدتها عذريتها وربما هي حامل الآن بطفلك، سيتم فضح ابنتي في أرجاء القرية بسببك))
تراجع مَازن خطوات للخلف بصدمة تلبسته، اضطربت ملامح وانعقد لسانه لوهلة وهو يرى منال تتهجم بهذه الوحشية.. تسرب الهلع إليه خوفا من أن تخبر منال والده عما تظنه قبل أن يشرح لها ما حدث..
وسرعان ما صوب نظره نحو نجوم وبالكاد تمَالك نفسه وهو يهمس لها بهسيس أرعبها من بين أسنانه المطبقة
((ماذا أخبرتِ والدتك أنك فعلتي معي أيتها الفاسقة؟))
ارتعدت نجوم من مظهر مَازن المخيف المظلم قبل أن تسيل دموعها بلا تحفظ مما جعل منال تصرخ به عاليا بصوتٍ مزلزل تأخذه بالصوت العالي
((خربتَ بيتي ودمرت حياة ابنتي حسبي الله ونعم الوكيل يا مَازن يا ابن الحاجة زاهية لكن أنا لن أسكت، والله لن أسكت سأذهب لأفضحك الآن أمام والديّك وإذا لم ينصفاني سأفضحكم في أرجاء القرية ولن أخاف في الله لومة لائم، هذه ابنتي وجوهرتي الوحيدة المصونة ولن أسمح لشاب منحل طائش مثلك بتدمير حياتها))
خشي مَازن أن يسمعهم أحد فسارع يغلق باب المطبخ وهو يهمس في منال بدفاعية
((أنا لم افعل أي شيء مع ابنتك، هي من خططت لإغرائي بتلك الملابس الشفافة وأغلقت الباب علينا، وعندما فشلت بخططها لجأت للكذب عليك))
بشيطنة اندفعت منال نحوه كالسيل الجارف تصرخ
((أنا لن أكذب ابنتي التقية التي تخاف الله وأصدقك أنتَ أيها المنحل الذي لم يسلم أحدا من شرك باعتراف والدك، هل تظنني كنت غافلة عن نظراتك القذرة تجاه ابنتي!))
جحظت عينا مَازن وازدادت وتيرة أنفاسه قبل أن يقول
((أخبري والدي وكل من في القرية لكن أنا سأدافع عن نفسي حتى آخر رمق، أنا لستُ غرا ولا أحمقا لأتحمل ما أنا متأكد أن لا يد لي فيه، ولو لم أشعر بالدوار وأفقد وعيي في تلك الليلة لكنت أدبت ابنتك.. أوه.. لحظة.. لحظة))
رفع مَازن يده وقطع كلامه ليفطن استدراك تدريجي
((لقد فقدتُ وعيي بعد أن شربت العصير الذي قدمتيه لي، لقد كنتِ مشتركة مع ابنتك، نعم يا منال أنتِ كذلك))
كانت يصوب نظره في نهاية حديثه إلى ملامح منال باشمئزاز واتهام صريح قبل أن يزمجر بوحشية شلت لسانها
((أنتِ شيطانة، ولا أريد أن أذكر لك ماذا يقولون على الإنسان الذي يدفع ابنته للعمل كعاهرة!))
بهتت ملامح منال عندما كشف مَازن خطتها.. افترقت شفتاها وارتفع نبض الخوف بقلبها لتهمس بعجز ووهن
((غير صحيح.. بل أنتَ.. أنتَ.. من أغويتها..))
احتدت أنفاس مَازن واستحالت ملامحه لأخرى همجية غير مألوفة فيه.. اتقدت النيران المندلعة من خضرة عينيه كعشب يشتعل وهو يقول
((منال! والدي لا يعرف أن نجوم تعمل هنا بعد أن نبهتها أمي ألا تظهر كثيرًا أمامه، لكن لو لم تقومي بإبعاد ابنتك من هذا القصر للأبد فأنا من سأفضح كل شيء أمام عائلتي، وقد أعذر من أنذر))
ثم اقترب مَازن من نجوم بخطوات بطيئة بينما هي تبدأ بالتراجع للخلف بخفر حتى اصطدم ظهرها بالجدار والتصق به..
بقيت تراقب بتنفس مضطرب لهاثه المشتعل بالحرائق حتى لوى فمه ساخرا بحدة كنصل سكين حادة..
ارتجف كل ما فيها وتمنت لو تنشق الأرض تحتها ولا تواجه ملامحه التي تحاكي عنفا حقيقيا في هذه اللحظة..
همس لها مَازن أخيرا مهددا
((فكري بذكاء واعرفي أن خلاصك من فضيحة محتمة يكون بأن لا تريني وجهك مرة أخرى هنا))
اندفع مَازن مغادرا المطبخ وهو لا يرى أمامه وجسده كله يرتجف في ظلمة مميتة..
التفت ذراعي نجوم حول بطنها ودموعها تنهمر أنهارا ولم تشعر إلا وأمها تتهجم عليها لتصفعها..
شهقت متوجعة ووجهها يحمر كالدم بآثار أصابع أمها على وجنتها المحترقة بينما تهمس فيها بصوتٍ مخيف
((هيا أخبريني هل نمت مع مَازن أم لا؟ أجيبي قبل أن انزع الطفل من أحشائك بيديّ))
حاولت نجوم الكلام لكن جف حلقها.. فقبضت والدتها على شعرها تحت الحجاب لتجيب أخيرا باختناق
((فقد الوعي قبل أن يسمح لي الاقتراب منه))
صرخت منال بها منهارة بتشوش
((يا إلهي.. يا إلهي.. لقد هدمت بيتي يا نجوم! وأنا أقول بيني وبين نفسي من أين جلب كل هذه الثقة قبل قليل! انتهى أمرنا ولن نستطيع إخراج أنفسنا من هذه الورطة، وأنا التي ظننت أنك ستسلبين لب عقله بمجرد أن يراك بذاك المئزر وستجعلينه طوع أمرك))
ارتجفت نجوم وهي ترجوها منتحبة
((أمي توقفي أرجوكِ))
هتفت أمها ساخطة عليها
((ماذا طلبت منك أن تفعلي أكثر مما فعلته سمية بمَالك! البستانية نجحت في ربط الشاب الأصعب وأنتِ الصغيرة الجميلة فشلتي في ربط توأمه المنحل))
.
.
خارج المطبخ..
وضع مَازن الهاتف بجانب أذنه وظل يهز ساقه بتوتر وما إن جاءه رد توأمه حتى قال برجاء ضمني
((مَالك أنا بحاجة للتحدث معك، أرجوكَ تفرغ لي الآن فأنتَ أخي الوحيد الذي يفهمني ومن اعتدت أن يكون مخبأ أسراري))
جاءه رد مَالك البارد
((شكرا لك على هذه المكانة لكن أنا الآن في عملي مشغول في تصحيح كومة أوراق الامتحانات ولست عاطلا متفرغا مثلك رغم أني بحسبة عريس جديد.. لكن إذا احتجت أي شيء مني في وقت لاحق فأرجوك تردد قبل أن تتواصل))
أغلق مَالك الخط بوجهه فضرب مَازن الجدار بيده بقوة أوجعت مفاصله حانقا عليه..
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل السبعون 70 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
في الزنزانة المنفردة..
لم تعرف شيرين أن تنام جيدا على السرير فوضعت المرتبة على الأرض ولفت حول عينيها رباط أبيض..
لكن لم يكن قد جاء وقت النوم فبقيت اللمبة الكهربائية الملتصقة بالجدار الأسود فوق رأسها مشتعلة لتشعر بها كنيران مذابة تنسكب فوق الرباط ثم تتسرب إلى جفنيها قبل أن تصل إلى عينيها..
تململت مكانها وهي تزيل عنها الرباط عندما جاءها طرق على نافذة بابها الفولاذي قبل أن تطل منه حارسة أخرى سمحة الوجه وكبيرة في السن لتخبرها أن الرائد مُعاذ يريد التحدث معها..
حاولت شيرين أن تضع على عجل وشاحها كيفما كان وقد لفتها الحيرة بماذا قد يريدها مُعاذ الآن..
نهضت بعدها فاستقامت بتوتر أمام النافذة التي تعلو الباب الفولاذي حيث وقف هو بشموخ أمامها..
أمعنت النظر بملامحه وهو يسألها بصوته الرخيم
((كيف حالك يا شيرين الآن؟ هل اعتدت على هذا المكان هنا؟))
تلبكت وهي تناظر بعجب الحارسة التي تقف خلف مُعاذ ليبرر لها الآخر
((لا تقلقي، الحارسة أم محمود سبق وأخبرتها عنك وعما مررت به هنا، أنا أعرفها منذ زمن، إنها امرأة طيبة ولا تتأخر عن تقديم المساعدة لمن يحتاجها))
ابتسمت المرأة الكبيرة في السن لشيرين التي كانت تطالعها لتدعم كلام مُعاذ مما جعل شيرين ترد بعد لحظات
((صحيح أن الغرفة هذه تظل مكان في السجن لكنها أفضل من غيرها حقا، على الأقل يوجد نافذة وهي خالية من أي حشرات))
قهقه مُعاذ على كلامها بخفوت ثم عقب
((نعم أعرف كيف هي الحشرات، كابوس لجنس حواء))
لوهلة بقيت شيرين ضائعة في ضحكته الرجولية الجذابة القادرة على غزو قلب أي أنثى وامتلاكه في راحته مكتوف اليدين! ثم سرعان ما هزت رأسها تجلي تأثيرها عنها قبل أن ترد بخجل
((الحقيقة أنا لم أعد أخاف منها، لقد اتضح أني شجاعة وقد تبدد خوفي والوهم الذي كنت أعيشه من تلك الحشرات الصغيرة التي يجب أن تخاف هي مني لا العكس، لكن من اللطيف عدم رؤيتها))
هز مُعاذ وجهه لها بتفهم قبل أن يغمغم بصوتٍ أجشٍ عميق
((لا تقلقي لن يطول بقائك هنا في الانفرادي وسرعان ما ستعودين للعنبر الأول الذي كنتي فيه، وبعدها ستظهر براءتك لتخرجي من هنا.. أنا تحدثت مع المحامي الذي تم تعيينه لك))
صمتت شيرين تطالعه بامتنان لكن لم تقدر أن تتفوه بشيء.. بل عضت على شفتها السفلى.. لا تعلم لِمَ يعاملها مُعاذ هنا كما لم يفعل أحد حتى لو كان متأكدا من براءتها؟ هل يشفق عليها ويتعاطف معها أم يحمل نفسهُ مسؤولية ما فعله وليد بها لأنه لم يدرك ما تعانيه عندما استنجدت به منه!
ابتلعت شيرين ريقها بصعوبة وساد صمت طويل بينهما..
حتى أن الحارسة أم محمود ابتعدت عنهما وذهبت لتجلس في زاوية بعيدة.. كأنها تريد أن تتركهما ليتحدثا على راحتهما مثلا؟
صدح صوت رنين هاتف مُعاذ فانتشله من جيبه ورفعه ليقول عفوية
((إنه أخي مُؤيد مجددا، أحاول زيارتك والتحدث معك في وقت استراحتي لكنه يعرف هذا الوقت تماما فيتصل بي أثناءه!))
كان يناظرها بتساؤل أثناء حديثه كأنه يأخذ رأيها بالرد عليه! رفرفت شيرين بعينيها ولم تعرف ماذا تجيبه.. فقد ظل يطالعها يريد ردها مما جعلها ترفع يدها تمسح فوق وجنتها المحمرة بحرج وتقول بخفوت
((وهل تسألني حقا؟ بالتأكيد يمكنك الذهاب والرد عليه))
رد مُعاذ على اتصال أخيه لكنه لم يذهب بعيدا بل بقي بالبهو يسير فيه بينما يصل جزء من صوته لشيرين داخل زنزانتها..
تساءل مُعاذ بهدوء وهو يضع الهاتف على أذنه
((هل حدث شيء يا مُؤيد في البيت أم هو اتصال عادي؟ كيف هي إصابة قدمك؟))
كتفت شيرين ذراعيها وهي لا تزال تصغي وتمعن التفكير بذهن متيقظ بكلام مُعاذ مع أخيه طوال دقائق المكالمة..
لم تفهم كثيرًا مشكلة أخيه التي جعلته ينفصل عن زوجته إلا أنها بسبب تفكيره المتزمت..
قاطع مُعاذ أفكارها عندما أنتهى من اتصاله وهو يعود ليقف أمام النافذة مبتسما لها ويتحدث بهدوء متأصل فيه
((أخي مُؤيد هذا لا يرى الصواب والخطأ إلا بعينه دائما، كل المبادئ لها معايير مختلطة ومختلفة لديه، قاس المراس وصعب الإرضاء، وحتى بالمهادنة يصعب أن يصل أحد له.. لا يحب أن يخرج بزوجته أو تخرج هي مع الأولاد لتزور أحد أو تتخذ صديقات والى الآن لا يستوعب سبب فشل زواجه هذا))
فهمت شيرين أن مُعاذ يريد التحدث معها بموضوع أخيه دون الدخول بالتفاصيل فبادلته ابتسامة رقيقة وهي تقول
((لم أفهم تحديدا ماذا حصل لكن لو يعلم أخاك مُؤيد قدر الراحة النفسية التي تشعر بها المرأة بعد لقائها بصديقتها لحفز زوجته على لقائها.. هل يستطيع هو الاستغناء عن علاقاته الاجتماعية ولقاءًته بالأصدقاء مكتفيًا بزوجته داخل البيت وخارجه؟))
رفع مُعاذ عينيه يحدق بها بابتسامة مستمتعة بحديثها بينما يعيد هاتفه إلى جيبه..
فتوترت شيرين من ابتسامته تلك بسبب جاذبيته الرجولية.. لا بل ربما بسبب أنها ابتسامة تضج بالاحتواء والحنو وكأنها ابتسامة رجل لامرأة مميزة في حياتها.. عند هذه الفكرة تفاقم توترها فسارعت تكمل حديثها مؤكدة في نفس الموضوع
((أنا لا أمزح يا مُعاذ.. سهر مهمة جدًّا في حياتي.. هي بمثابة طبيب نفسي لي ولا أدري لو لم تكن موجودة كيف سيكون حالي، إنها بمثابة حلقة وصل بيني وبين أخوالي منذ دخولي هنا ولا تتوقف عن زيارتي))
صدرت منه ضحكة مبحوحة قصيرة.. ورغبة شقية أن يكون له في حياتها معنى ووجود مهم.. كتلك الرغبة التي كانت تجتاحه عند رؤيته لها في أيام والدها الأخيرة.. وهي شاركته ضحكة خافتة ملئ قلبها.. رغم الهموم الثقيلة الظاهرة على وجهها المرهق..
اقتربت أم محمود من مُعاذ تقول بصوتها الوقور تنبهه
((يا سيادة الرائد انتهت نوبتي الآن وسأغادر بينما ستحضر حراسة النوبة المسائية، تعال معي حتى لا تجلب أي انتباه إلى شيرين، لن يعجب أحد أن يكون هناك تواصل مستمر وطويل بينك وبين إحدى النزيلات))
طالعها مُعاذ بامتنان وعرفان على مساعدتها له ثم قال
((نعم بالتأكيد، هذا هو ما أحرص عليه))
ثم تطلع لشيرين يقول بثبات سرق نبضات قلبها
((إذا احتجت أي شيء لا تتردي بإخباري أو إخبار أم محمود))
بارح المكان ولحقته أم محمود الطيبة بعد أن ألقت السلام على شيرين وأغلقت النافذة عليها..
سمعته يلقي بعض التعليقات على ضابطات النوبة الحالية في الخارج بصوتٍ فيه رنة هيبة فطرية وقوة هائلة تبهر أيا من كان أمامه..
هل لا زالت تلوم نفسها أنها اتخذته من البشر مليئا لنفسها من وليد منذ البداية وكل شيء به ينفض كيانها نفضا ويهز عروش ضعفها هزا..
جلست على سريرها وهي بالكاد تمنع ابتسامة من أن تشق تغرها.. فمُعاذ يثير بداخلها مشاعر جميلة لم تكن تعرف بوجودها في هذه الحياة.. حتى عندما كانت واقعة في الحب مع وليد في الماضي..
شخصيته لا تقل جاذبية عن مظهره.. بل فيها تناسب طردي.. تناسب لذيذ..
حينما يتحدث معها برقة ثم تتبدل لهجته بغير لين مع موظفي السجن..
حينما يتعامل معها بحنان.. يتبدل لخشونة وحزم مع الباقي هنا..
=============================
ليلا..
وبعد أن تأكدت ياسمين من نوم ابنتها ولجت لجناحها وفتحت خزانتها تخرج منها أقصر قميص ترتديه..
أنهت تجهيز نفسها لتشعر بالتوتر يجتاحها..
بدأت تدور في الغرفة بغير هدى وهي تفرك يديها بعنف بانتظاره.. وعندما تأخر الوقت انسلت هاتفها لتتصل عليه لكن غلبها توترها فألقته بعيدا..
عادت تذرع الغرفة ذهابا وإيابا وهي ترتجف قبل أن تقرر أخيرا إمساك هاتفها مجددا وتكتب له باختصار
"هيا يا مَازن احضر.. لقد تجهزت"
وصلها أكثر رد مستفز تخيلت أن يكتبه لها يرد عليها
"أنا مشغول ولست متفرغا الآن"
تضرجت حمرة الإهانة بوجهها ووجدت نفسها تتصل به ثم تنفعل هاتفة
((مَازن هل جننت!؟ قلت لك أن تحضر هل سيطول هذا الذل قبل أن تفعل!))
تذمر لها باقتضاب
((انظري إلى هذه الفظاظة! كيف تريدين مني مغادرة سهرتي اللطيفة في تنظيف القبو والقدوم لرؤية امرأة مثلك!؟))
اتسعت عيناها عندما أغلق الهاتف في وجهها وبدأت دقات قلبها تخفق ألما وهوانًا..
ازدردت غصة مسننة ثم عادت تطلب رقمه من جديد وما إن جاءها رده حتى قالت بصوتٍ مختنق تصطنع اللطف والدلال بصعوبة
((مَازن.. أنا تجهزت.. هل يمكن أن تأتي الآن؟))
جاء رده باردا كالثلج
((ولماذا آتي؟ ماذا هناك عندك؟))
يبدو أن المهانة والإذلال هذه الليلة لن ينتهيا أبدًا..
عضت على شفتها في خزي، ثم نطقت بصعوبة واختناق
((مَازن لا تراوغ، تعال فورا.. لو سمحت))
تنهد مَازن بضجر ثم قال
((أنا لن أجلس طول الليل أسألك، إذا لم تريدي إجابتي سأغلق الهاتف..))
هرعت تقول بلهفة ورجاء
((لحظة.. لحظة.. لحظة يا مَازن أرجوكَ لا تغلق.. لقد جهزت لك نفسي))
شاب نبرته المكر والتسلية وهو يقول
((لا تتحدثي بنبرة مبهمة، اشرحي أكثر))
تقبضت يد ياسمين الحرة حتى ابيضت ثم قالت بصوتٍ متقطع
((أريد أن أرقص لك، هل يمكن أن تأتي يا.. يا..))
حثها أن تكمل بشقاوة لا يرحم عذابها
((يا ماذا؟))
بالكاد أجبرت صوتها المحتقن المكتوم أن يتلفظ
((يا حبيبي هل يمكن أن تأتي))
همهم مَازن للحظات تفكير أتلف فيها أعصابها ثم قال بعنجهية
((ممممم.. حسنًا سآتي لألقي نظرة لعلي أجد ما يسر الرائي))
ومرت دقائق حتى فتح باب الجناح عليها ثم توغل للداخل وهو يضع يديه في جيبي بنطاله ويقول باستياء بينما نظره مسددا عليها جالسة
((ما هذا الذي ترتدينه! ألم تجدي شيئا عندك يظهر مفاتنك أكثر من هذا! لا بد أن أمي العجوز ترتدي أمام أبي بعد أن يُغلق الباب عليهما ملابس أكثر إغراءً))
تنافرت عروقها وبرزت كأنها تهرب من السعير المتقد في داخلها جراء ما يقوله لكنها غضت بصرها عنه وقالت في حرجٍ مرير
((ليس عندي قمصان نوم تناسب العرائس!))
تنهد بضجر ثم قال وهو يلوح يده لها باستخفاف
((حسنًا هيا ارقصي وخلصينا، لي الجنة إن شاء الله على هذا التقشف الذي أعيشه معك))
بشق الأنفس أجبرت نفسها على الوقوف من مكانها فسمعته يزفر قبل أن يتبرم بضيق ممزوج بالحسرة
((يا إلهي! لقد بدا هذا القميص أقصر عندما كنت جالسة! رباه! حظي تعِس للغاية))
تدحرجت عبرة يتيمة على خدها ومع ذلك حدجته بعينين ناريتين.. أما هو كان يريد أن يمحي بوادر التمرد من عينيها فأشار لها بهوان أن تتقدم ثم أمرها بعنجهية
((حلي أول زرين من القميص الذي ترتدينه))
كادت أن ترتجف وتبكي من الطريقة المهينة التي يحدثها بها.. لكنها أطاعته وتحركت أصابعها نحو أزرار قميصها تحلها ببطء كان مقيتا له مِمَّا جعله يهتف باقتضاب ويقول كمن يحدث جارية أو مملوكة له
((لن نخلص هكذا إلا بالغد.. تعالي اقتربي مني أحله لك.. اقتربي.. خلصينا..))
برضوخ تقدمت منه فدنا لها قائلًا
((دعيني أحل أول زرين من قميصك.. أو ربما أول عشرة أزرار..))
وقام بحل كل أزرار القميص وحررها منه وعندما أرادت ستر مكامن أنوثتها ثبت ذراعيها إلى جانبي جسدها..
أغمضت عينيها عاجزة عن رؤية نظراته إلى جسدها..
استمر الوضع لدقائق قبل أن تفتح جفنيها ببطء وتنتبه أن عينيه لم تنحسرا عن وجهها.. كأنه لا يريد أن يمتع نظره بجسدها بل يريد فقط إذلالها..
أشاحت بنظرها عنه تخفي هزيمتها.. قبل أن تشعر بصدى أنفاسه الحارة وهو يقول
((والآن لأشغل أغنية تناسب الرقص.. هل لديك اقتراحات أغاني ستساعدك في عرض إمكانياتك التي قد تجعلني أتراجع عن طلاقك الليلة؟))
لم تجبه فترك يديها وأعاد رأسه للخلف هادرًا
((ابدئي الرقص من الآن ريثما أختار أغنية على ذوقي))
فغرت شفتيها تحدق به.. هل حقًا يريدها أن ترقص له.. هكذا.. شبه عارية لا يسترها إلا القماش القليل..
دمعة أخرى وقفت على حدود عينها.. لحظاتٍ مرت كالدهر عليهما وهي متجمدة مكانها.. وهو يمعن النظر إليها عن كثب.. مشيدا بينه وبين نفسه بقدرتها على الجلد والتحمل دون أن تثور أو تنفعل أو تتمرد!
ما إن أجبرت نفسها أن تبتعد عنه لتباشر ما طلبه منها حتى عاد يأمرها ببراءة منقاضة للعبث الذي يتجلى على ملامحه
((أوه مهلا توقفي يا ياسو.. لحظة.. هناك شيء أخر))
ثم أردف لها بما جعل الدماء تفور من وجهها
((تعرفين أني أعشق شعرك يا ياسو.. أطلقيه لي))
ازدادت تسليته وهو يراها تطبق على أسنانها تتميز غيطا قبل أن ترفع يديها وتحرر شعرها من الرباط المطاطي المحكم.. ولكن ببطء بسبب ارتجاف يديها..
تشدق بنزق بعد التنهيدة المئة
((لن ننتهي هكذا.. اقتربي مني مجددا لأفرده لك))
واجتذبها له ليسحب هو الرباط الذي يحتضن شعرها..
شعرت برغبة في الموت للتخلص من هذا الذل وهو يعاملها كجارية بين يدي سيدها الذي اشتراها بأمواله لتلبي رغباته الجسدية..
أغمضت عينيها حتى تمنع دموعها من الانهمار..
بعدما أطلق مَازن شعرها الطويل الكثيف صوب بصره إليها متوهجا بالرضا واتسعت ابتسامته ثم عدل جلسته يضع قدما فوق الأخرى وطفق يقول ببسمة لعوب
((هيا ابدئي الآن..))
صمتٌ أحكم قبضتيه على عنقها فأبى الهواء التزاحم لدخولها! فظلت متسمرة مكانها كمن شُلَّت حركته.. فعاد يلح عليها مستفزا جمودها
((هيا ارقصي.. إلى متى سأنتظر!))
كان ساخرا بحديثه بتهكم مجردٍ من الرفق أو الإنسانية فشعرت بتقلصات في معدتها وحتى رجفة جسدها تفاقمت..
احتشدت المزيد العبرات لتتجمع بعينيها وتلسع مقلتيها بألم من الإذلال الذي تتعرض له..
وهو لا يرحمها وهو يردف بنبرته المتهكمة بحدة راسخة
((كم سأنتظر حتى ترقصي! تحركي وافعلي أي شيء آخر لتغويني.. أريدك أن تزلزلي روحي المتقشفة الجافة أيَّما زلزلة))
تراجعت خطوات للخلف وحانت منها نظرة لانعكاس صورتها على مرآة منضدة الزينة قبل أن ترى نفسها كلها..
ورباه كم شعرت بنفسها محطمة وجدرانها هشة.. وكرامتها المتعرية ممزقة إربا.. إربا..
شعرت بالبرودة تكتسحها وتسري في أجزاء جسدها.. إنها حرفيا أمامه كجارية سقيمة تحاول إرضاءه.. كل هذا فقط حتى لا يرميها في الخارج ويفسد أمانها مع ابنتها!
تهالكت ركبتيها تحتها وانثنت على الأرض راكعة بضعف يمزقها وملأت السكون بدوي نشيجها وقد سالت دموعها على وجنتيها بحارا وأنهارا وهي تحتضن نفسها بذراعيها وتشعر بالامتهان وذل يحكم قبضته جيدا على قلبها وعقلها وروحها..
ظل مَازن للحظات بلا تعبير واضح عليه يسدد نظره إلى مظهرها المنهار.. كالشاة المساقة إلى الذبح..
شهقاتها المذبوحة صدعت جدران قلبه الذي حاول تغليفه بالحديد المسلح.. فتقدم منها وأمسك بوجهها بين كفيه يمسح دموعها الجارية تارة بإبهاميه وتارة بشفتيه.. يخفف عنها بصوته المبحوح
((يكفي يا ياسو.. يكفي..))
مال ليغمر شفتيها بقبلة لكنها امتنعت عنه وقالت من بين شهقاتها بارتعاش شعورها العارم
((فقط ابتعد عني وبارح المكان))
في أي مرة اقترب منها قبلا لم تكن تحاول التمنع ظاهريا أو الرفض صراحة لكن بعد دقائق الذل هذه التي جرعها لها شعرت أنها لن تتحمل قربه أو لمساته أبدًا لذلك نهرته أن يبتعد..
تصلبت ملامح مَازن وقال بثبات وكبرياء
((حسنًا سأغادر المكان وأعود للقبو لأكمل تنظيفه، أخاف إن بقيت هنا أن تظن عائلتي أني تراجعت عن طلاقك))
=============================
بيت مُصعب ونورين.. غرفة النوم..
تململت نورين التي لم يغمض لها جفن طوال الليل مكانها.. سارحة تفكر وتشعر بمُصعب المتمدد جوارها غارق هو الآخر في التفكير، معتقدًا أن ظلمة الغرفة الدامسة ستخفي قلقه وألمه على حال ابنة عمه..
شعرت أنها تتألم لردة فعله التي تجرحها رغم أنها شعرت بشيء من الألم لأجل رشا.. لا بد أنها عانت حتى تغلبت على المرض الخبيث ولعلها عانت أكثر من نهو مُصعب في الماضي عليها وهذا ما دفعها أن تهرب منه ومن البلاد كلها إلى أمها التي تمكث في الخارج..
لكن هل مرضها الذي شفيت منه قد يجعلها تسمح لمُصعب أو لرشا التلاعب بحياتها ومصيرها لتدفع ثمن ماضيهما؟
التفتت نورين لمُصعب تهمس مناديه إياه في الظلام، لكنه لم يجب كأنه يريد أن يتظاهر بالنوم..
نادته هامسة من جديد وهي تمد يدها له لتلمس وجهه تريد أن تتأكد من أن عينيه لا تدمعان أثناء استغراقه في شروده.. لكنه شعر بها فأمسك بيدها قبل أن تصل إلى وجهتها، هامسًا
((أريد النوم يا عفريتة، اخلدي للنوم))
لكنها أحست برغبة ملحة في الاقتراب منه، فعادت تمد يدها إلى عينيه ليردعها وهو يكرر بإصرار حازم
((أريد النوم يا نورين.. لو سمحتي))
همست له بصوتٍ متحشرج
((لكني مشتاقة لحضنك، لا أعرف النوم بعيدًا عنك، أنتَ شارد بعقلك منذ أيام وتهملني))
قال لها بعد لحظات صمت
((كان اليوم متعبا وطويلا في عملي بالمشفى، نامي وسأعوضكِ لاحقًا، أعدك))
كان صوته الحزين المبحوح واضحًا، ومتألمًا أكثر مما تخيلتْ هي أو توقعتْ.. كل هذا الألم لأجلها هي رشا!
هل عليها أن تعطي نفسها الحق في محاسبته على مشاعره وأشجانه وذكرياته تلك التي يحاول أن يخفيها احتراما لها ويفشل؟ خاصة وأنه تزوج منها بشكل فجائي ولم يعطَ وقت ليتخلص منها قبل الزواج؟
اعتدلت نورين جالسة في مكانها وهي تضع يدها فوق بطنها البارزة قليلا وفتحت إنارة المصباح الخافت قبل أن يختضّ جسدها وتجهش بالبكاء..
شلة حركة مصعب من بكائها الفجائي وانتفض جالسا يحاوط كتفيها ويقول بلهفة قلقة وعيناه تتجولان على وجهها المُحمر قبل أن يجتذبها إليه يثبط خوفه هو عوضًا عن خوفها
((ماذا هناك يا نورين؟ لماذا تبكين؟))
لم تجبه نورين بل ظلت تبكي وتبكي بانهيار.. ينتفض جسدها كله بالبكاء.. تهز رأسها وهي تقول بحشرجة
((أنا لا أستطيع التحمل، منذ أن عرفت بعودة ابنة عمك هنا ولا يهنأ لي نوم، ألتزمُ الصمت حتى لا أزعجك بأفكاري السخيفة لكني أشعر أنك تغيرت عليّ، تغيرت كثيرا))
ما إن فهم ما ترمي إليه حتى حقّر من مخاوفها
((هل هذا سبب بكائك الشديد؟ نورين.. قلت لك ألف مرة أني لم يسبق وأن أحببت رشا لا قبل ولا أثناء ولا بعد زواجنا، لكن من الطبيعي أن ينشغل تفكيري بها قليلا هنا فهي ابنة عمي وكانت مريضة ومع ذلك أحاول أن أكون حليفكِ ضد نفسي وضد ماضيَّ))
عند هذه النقطة ومع هذه الكلمة انفجرت هي بالبكاء أكثر والنحيب لتقول بلوعة
((هل انشغال تفكيرك بها فقط لأنها كانت مريضة؟ لأني في الماضي كنت أقول لنفسي أن كل ما تكنه لرشا هو فضول طبيعي عند أي شخص لتعرف كيف تعيش وماذا لديها لتفضل السفر على البقاء معك فهي من تركتك وربما أنتَ لا تزال تشعر بالإهانة والقليل من الغضب على ما حصل.. لذا قررت أن أعطيك مساحتك من الحرية فأنتَ إنسان قد مررت بتجربة كانت مؤلمة بالنسبة لك حتى لو كنت أنتَ المخطئ فيها وحاولت أن أعوضك عن تلك التجربة السيئة بالمحبة والتقبل والتفهم ولكن..))
لم تكن ترغب بالبكاء العنيف قدر رغبتها بالصراخ النابض انفعالا.. الصراخ بوجهه هو.. فكان جسدها لا يزال يرتعش بقوة وشهقاتها تعلو وترتفع وبلا وعي منها تزيد بالبكاء لعلها تفرغ هذا الاختناق المريع بداخلها..
وهو.. حيث حاله.. ظل بلا كلمة.. فاغر الشفتين وقد ترققت ملامحه قليلا..
وما إن هدأت قليلا همست له بتوسل
((أريد التحدث لك بشفافية وصراحة حتى لا أفترض الأشياء ولا أتصرف بناء على محض أوهام من نفسي))
أثّر بكاؤها عليه ولوهلة عرف فداحة خطأه لأنه لم يستطع احتوائها الفترة السابقة التي عادت فيها ابنة عمه.. ازدرد ريقه قبل أن يقول لها بحنو وعاطفة
((أنا لا أخدعك، أنا لم أحب امرأة في حياتي غيرك، زواجي برشا لم يكمل السنة ولم أشعر فيها تجاهها بالحب.. لكن يا عفريتتي الحبيبة لا تطالبيني بالبوح أكثر من ذلك، ففتح دفاتر الماضي لن نكسب منه شيء إلا إفساد حاضرنا فلننساه ولنتركه في طي الكتمان..))
قاطعته تقول بإصرار وعناد صلب
((عدم صراحتك في إفراطك بالتفكير بابنة عمك لن يحسن من الأمر.. عليك أن تخبرني بكل شيء يتعلق بماضيك معها طالما أنه الشيء الوحيد الذي سيجعلني أثق بك وبحاضري ومستقبلي معك، كل مرة تفتح معي السيرة أغلقها هنا، لكن هذه المرة لن يحدث هذا أبدًا..))
نأى مُصعب بوجهه عنها وقد عرف أنه لا سبيل لإقناعها وإمدادها بشعور الأمان إلا ببوح الحقيقة لها وهذا ما لن يستطيع فعله فقد أعطى لرشا كلمة بعدم إخبار أحد..
هو لا يقبل أن يفضح ولو تلميح من بعيد على أي فتاة فماذا لو كانت الفتاة هي ابنة عمه وشقيقة يحيى!
عندما رأت نورين إصراره على عدم البوح هتفت به بغضب حارق
((لقد أخطأت بحبي لك وحمل طفل في أحشائي.. أخطأت بجعلك تجتاح حياتي بهذا الشكل العميق في حين أنك في المقابل لم تبادلني نفس الشيء، لم يكن عليّ أن أشعر بالأمان العاطفي معك أبدًا..))
كانت تهم بالابتعاد عن السرير وهي تسترسل
((لا أصدق أني امرأة بلهاء مغفلة سرعان ما أحست بالأمان والحب معك بعد الزواج..))
أمسك بيدها يجتذبها لصدره معانقا إياها بقوة رغم تعنتها ورفضها في البداية.. وتسرب له بوجدانه ألم مبرر على ما تسبب به لها..
دفنت نورين وجهها في صدره تبكيه وتبكي حبها له.. لدقائق..
خفتت شهقاتها إلا من نشيج خافت لتدرك بصدمة أنه يضمها إليه كأنه يواسيها فتراجعت بملامح منقبضة وعيون زائغة وهو تركها دون مقاومة.. فتطلعت له باضطراب.. إنه يريد غمرها بعض الحنان عن قصد حتى يُسكتها وتستلم لهذا الحنو الغادر بخنوع ليعود إلى شروده في ابنة عمه..
هذا بالضبط ما فعله بها في الماضي في كل مرة كانت تفتح له سيرتها.. لكنها من الآن وصاعدا لن تسمح لهرمونات ضعفها أن تتحكم في عقلها وتسلبها القدرة على التفكير المنطقي لتتقبل خداعه بكلِ نفسٍ راضية للعودة إلى نعيم حنانه..
فتحت شفتيها تقول بصوتٍ مختنق
((أتعلم ما هو الحب؟ هو أن تضع نفسك تحت من تحب متأكدا أنه لن يستغل ضعفك وعجزك أبدًا، لكن الآن بت لا أشعر بهذا معك، لأني أظن أنه في أي لحظة قد تخبرك ابنة عمك أنها تريد العودة لك لن ترفض، وأنا سبق وأخبرتك حتى لو كنت متأكدة من حبك لي فأنا لن أقبل بك كرجل مشترك تمارس البطولة في حكايتين ومنزلين، لن أتحمل أن تشاركني بك امرأة لها فيك ما لي أنا))
كان لازال بوجه صلب يمعن النظر فيها بينما هي نشجت بقوة وهي تشهق بهمسها المختنق
((أنا نادمة لأني لم أستغل تلك الفرصة التي خيرتني بها بين البقاء عندك برغبتي أو العودة لعائلتي مع تحملك كامل مسؤولية كل شيء، مع الأسف لم أكن ذكية بما يكفي لأعلم أن عليّ أن أرحل قبل أن يربطني بك طفل..))
قامت من مكانها تنظر حولها بتشتت قبل أن تفتح خزانتها وتخرج ملابس لها وهي تكمل هاتفة
((أنا أساسا لا أشعر معك بسعادة وراحة كلية فأنا هنا أعيش بلا هدف، فلا أكملت دراستي كما كنت أحلم، ولا أعمل بمجال قريب أو بعيد من تخصصي))
هنا فقط استطاعت أن تنجح بجعل ملامحه تضطرب إلا أنه لم يعقب عليها بل غادر مرقده يقف مقابلها هاتفا
((لماذا تحزمين أغراضك في الحقيبة؟))
أجابته وهي مستمرة بانتشال ملابس تخصها من الخزانة
((سأذهب عند عائلتي ولن أعود))
ولوهلة توقفت يدها عما تفعله خوفا من أن يعايرها بطريقة زواجهم.. بأنها كانت عروس ثأر ولا يحق لها ما يحق لغيرها ممن تزوجت زواجا طبيعيا.. إلا أنها سمعته يقول بصوتٍ واجم قبل أن يبتعد عنها
((حسنا إذن أكملي حزم أغراضك وأنا سأوصلك!))
ما إن بارح الغرفة حتى شعرت بقلبها ينغزها صراخا كأنه استيقظ فجأة فاعتصر نفسه يتضرع الرحمة..
أفرج ثغرها عن شبه ابتسامة تتقاطر منها الأوجاع وهي تتابع بحركات لا حياة فيها ارتداء ملابسها..
=============================
في الطابق الأرضي في القصر حيث القبو الذي كان عبارة عن مخزن كبير حوله مَازن إلى مكان صالح للجلوس فيه بعد أيام من سلسلة تنظيف منهك..
دعا مَازن جميع أصدقائه إلى هذا القبو لمشاركته في ألعاب الفيديو وبعض الألعاب القديمة بنكهة الطفولة كما كانوا يفعلون في الأيام الخوالي..
تواجدوا عنده من الصباح يلعبون جميعا في منتديات الألعاب ويتنافسون في الدورات الإلكترونية التي يتواجد بها عدد ضخم من اللاعبين.. كانوا جميعا يستمتعون بوقتهم وهم منعزلين بأنفسهم في عالم آخر كليًا..
تكفلت منال بصنع كل وجبات الطعام اللذيذة له ولأصدقائه كما وعدته بعد أن أخبرها برغبته بدعوتهم هذه المرة عنده..
عند حلول الليل غادر أصدقائه المكان ورافقهم مَازن للخروج قبل أن يعود أدراجه للمخزن وبطريقه قطع والده عليه السير وهو يسأله بتجهم
((هل غادر جميع أصدقائك؟ ماذا كنت تفعل معهم منذ الصباح؟ ألا زلتم مدمنين على تلك الألعاب الإلكترونية التافهة؟))
رسم مَازن ابتسامة عريضة وقال
((أبي ألعاب الفيديو ليست تافهة بل تساعدني في الاندماج مع التطور التكنولوجي الهائل، والذي يعتبر بدوره سمة من سمات العصر الحديث والمستقبلي))
رماه يعقوب بنظرات الازدراء وهو لا يراه إلا سفيها تافها قبل أن يقول بخشونة
((انظر لمَالك كيف نضج بمجرد أن أنهى الثانوية وتوقف عن هذه الألعاب السخيفة.. لماذا لا تصبح مثله؟))
عبست تقاسيم وجه مَازن واعترض
((مَالك يحب كرة القدم وأنا أحب ألعاب الفيديو، نفس الشيء باختلاف نوع الهواية))
أصدر والده صوتا ساخرا محتقرا له قبل أن يستدير مبتعدا.. غير راضيا أبدًا عن طريقة عيشه لحياته..
لم يهتم مَازن بنظرات أو أفكار والده عنه السلبية فهي لن تتغير أبدًا مهما فعل..
ذهب لجناحه يخرج من خزانته كيسا فخما يحتوي سوارا ذهبيا كان قد اشتراه لياسمين مع بيت الدمى لابنته هدى بالمال الذي أخذه من مُعاذ بذريعة تحسين علاقته معهما..
أعطى بيت الدمى لهدى وكسب قلبها لكن ياسين فلا امل لهما سويا، ويستحسن منه أن يعطيه لامرأة أخرى لم تتوانَ مؤخرا في بذل جهدها من أجل سعادته..
أحكم إمساكه بالكيس خاصته ثم توجه نحو المطبخ يهتف ((منال العزيزة، أين أنتِ؟))
وكانت فعلا منال الوحيدة في هذا الوقت من اليوم لتنظر له بتوتر يتقدم منها.. فتساءلت بصمت عن سبب مجيئه وقد كانت تريده أن يبقى في القبو حتى تنفذ خطتها مع ابنتها.. لكن مَازن انتشل السوار الذهبي من الكيس وهو يقول لها بصوتٍ مبحوح
((لا تتصورين مقدار امتناني للجهد الذي بذلتيه اليوم في إعداد تلك الولائم والحلوى لأصدقائي، لقد قضينا وقتا لا ينسى بفضلك))
تناولت منال السوار منه مخطوفة الأنفاس قبل أن تقول بانبهار وهي تتفحص السوار
((لا تبالغ يا سيد مَازن هذا واجبي))
تنحنح مَازن قبل أن يقول بجدية وعرفان يثمن مجهودها
((لا ليس واجبك، فأنتِ تعملين هنا في المطبخ لإعداد وجبات العائلة والمزارعين ولست ملزمة بأصدقائي خاصة وأنك منذ الصباح لم تتوقفي عن طرق باب القبو وتزويدنا بأطباق الطعام والحلوى والمقرمشات، أنا أقدر لك ذلك جدًّا))
كانت منال لا تزال تتفحص السوار بينما يردف مَازن بابتسامته الآسرة
((سوار الذهب هذا بسيط، ولكن أتمنى أن ينال إعجابك))
ادّعت منال التأثر وشكرته بامتنان على هديته الغالية.. ثم شهقت كمن خافت من نسيان أمر مهم.. وبتوتر حاولت إخفاءه ذهبت لتجلب كوبا من الثلاجة وتناوله إياه بلهفة
((مَازن لقد أعددت قمر الدين لك هيا اشربه الآن))
وضع مَازن يده فوق معدته واعترض بلطف
((أنتِ تعرفين أني أعشق قمر الدين لكن لن أستطيع أكل أو شرب أي شيء آخر))
ألحت عليه منال برجاء خبيث
((ماذا لو قلت لك أني مصرة أن تشربه كاملا أمامي ولن أسمح لك بالمغادرة قبل أن تفعل ذلك))
إصرار منال المستميت جعل مَازن يرضخ لرغبتها ويتجرع كأس العصير المنعش البارد كاملا قبل أن يشكرها عليه..
وبمجرد أن غادر المطبخ حتى تتبعته منال من الخلف تتأكد من أنه ذهب فعلا للقبو.. وحينها فقط تشقق فمها فجأة عن ابتسامة خبيثة متلاعبة كالأفعى السامة على وجهها..
هرعت نحو غرفتها في نفس الطابق الأرضي حيث تتواجد ابنتها فيها تقول
((نجوم.. نجوم انظري ماذا جلب مَازن لك!))
كانت نجوم تغمر وجهها بكلتا يديها وتبكي بحرارة لأنها لا تريد تنفيذ خطة أمها الحقيرة لكنها رفعت وجهها المحتقن بألم لترى والدتها تقول بصمت قميء بينما تلوح بالسوار الذهبي بيدها
((لقد أخبرني بأنها لك كشكر منه لك وكان يتدفق الحب من عينيه))
طالعت منال ابنتها ترتدي مئزر الاستحمام القصير الشفاف كما أمرتها وحتى أن جسدها الرطب من الاستحمام لا يزال يقطر بالماء.. ثم كالشيطان مالت إليها بمرونةٍ تنفث في أذنها هامسة
((الوقت والمكان مثاليين لخطتنا، علينا تنفيذها الآن، وإلا ستتأجل لمدة أطول وستبرز بطنك، وقتها لن يصدق مَازن أو غيره أنه ابنه!))
اضطربت حدقتي نجوم بعذاب وكانت في حالة يرثى لها من الضغط العصبي والنفسي لتكمل والدتها بشيطنة
((الآن افعلي ما أمرتك به.. أغلقي باب القبو عليكما.. اقتربي منه أكثر من مرة مهما أبدى اعتراضا.. أخبريه أنك تعرفين أنه يهجر زوجته ويريد طلاقها.. أخبريه أن شاب مفعم بالرجولة مثله لا بد أن عنده احتياجات ومن حقه أن يسمح لأنثى جميلة ومهتمة مثلك أن تقترب منه وتواسيه وتشبع حاجته.. أخبريه كم أنتِ مجنونة بحبه وبطلته المثيرة وشجعيه على التعبير عن مشاعره وأن يعيش حياته ولا يدفن نفسه مع تلك المرأة الكريهة المعقدة التي أتهمته بالاعتداء عليها لتتزوج به طمعا بثروة عائلته.. بمجرد أن تنجحي في أخذ موافقته واستسلامه من جديد جريه للنوم معك.. لن يركز بعذريتك لأن الشراب الذي تجرعه سيكون قد بدأ مفعوله))
كان لا زال جسدها متشنجا تحت يد أمها التي حثتها على السير هناك وهي تردف
((بعد العلاقة بينكما عليك أن تخبريه أنك تريدين تكرار الأمر معه فهو رجل ساحر ولا تستطيعين الاستغناء عنه وإذا أبدى ترددا من تكراره أخبريه أنك أيضًا تخافين الله لذا عليه أن يكلل هذه العلاقة بالزواج حتى لو كان عرفيا المهم أن يقضي الليالي معك.. شهر آخر أو شهرين وستخبرينه بحملك وضرورة إعلان الزواج، وبعدها لكل حادث حديث))
خرج من نجوم أنين خافت إلا أن منال تداركت الأمر ومسحت وجهها وهي تقول
((لا تبكي يا نجوم، إذا نجحت خطتنا سيكون أمامك أملا كبيرا في حياة جديدة، ومستقبل مختلف))
بمجرد أن اقتربتا من القبو حتى تركتها منال فشعرت نجوم بنفسها ترتجف بشدة وأنها في حاجة لشيء يهدئ أعصابها.. فأحكمت ربط مئزرها الأسود الحريري حول خصرها وسارت نحو القبو بخطواتٍ متعثرة.. تحاول الاتكاء على الجدار من فرطِ انفعالها وذعرها مما هي مقدمة عليه..
دخلت بخفة وهدوء للقبو الذي كان يتكون من غرفة صغيرة وأخرى كبيرة في الداخل يربطها ممر صغير..
سمعت صوت جلبة من الداخل فعرفت أن مَازن في الغرفة الداخلية الكبيرة وبخفوت شديد أغلقت الباب خلفها بالمفتاح وبدا أن صوت إغلاق المفتاح بالباب كان أكثر من كافٍ ليتناهى إلى سمع مَازن ويصدح صوته
((من هذا الذي أغلق الباب بالمفتاح؟))
انتفض مَازن من مكانه نحو الباب خوفا من أن يكون أحد غفل عن وجوده هنا وأغلق الباب عليه لكنه تفاجأ بنجوم تقف أمام الباب دون حجاب بل دون ملابس تغطي كل هذه المفاتن التي يظهرها روبها الحريري..
ورغم فرط التوتر الذي كانت نجوم غارقة به إلا أنها صرخت من مكانها عاليا مدعية الصدمة
((يا إلهي سيد مَازن ماذا تفعل هنا!؟ ألم تغادر أنتَ وأصدقاءك القبو!؟))
شحب وجه مَازن شحوبا يحاكي الرخام الأبيض وعلى الفور استدار للخلف يعطيها ظهره وصدره يرتفع وينخفض بعنف قوي..
وبالكاد وجد صوتا ليقول باضطراب مبررا موقفه
((لقد عدت قبل قليل لأنظف الجلبة التي أحدثناها.. ألم تسمعي صوتا في الداخل عندما دخلت القبو؟ ماذا تفعلين أنتِ هنا؟))
ازدردت نجوم ريقها وقالت بصوتٍ خافت متذبذب وهي تشير إلى خزانة داخل القبو
((أنسيت أني أنا وأمي وبعض العاملين نقطن هنا في الطابق الأرضي! وأنا معتادة على وضع بعض الأغراض الخاصة بي هنا في الخزانة هذه))
أخذ الذعر كل مأخذ بمَازن ووجد نفسه يتلعثم مبررا
((أنا لم أكن أعرف بأنك تضعين أشيائك في الخزانة هنا، منال لم تعلمني إذا كان عليّ مغادرة هذا القبو في وقت محدد بعد أن قلت لها أني سأدعو أصدقائي هنا))
اقتربت نجوم بحذر من مَازن ترفع يدها له هامسة
(إذن أخبرني ماذا سنفعل؟))
لكن ما إن لمست بيدها كتفه حتى انتفض بعيدا عنها وقال بعصبية
((وماذا سنفعل برأيك؟ بسرعة افتحي الباب وغادري قبل أن يأتي هنا أحد ما ويراك بهذه الملابس))
بدأت الدموع تترقرق في مقلتيها وهي تجد أن الأمر أصعب مما تتوقع.. فقد ظنت أنه بعد أن يراها بهذا المئزر الذي يكشف أكثر مما يظهر سيُسلب عقله وهو من سيقترب منها منصاعًا بحركة غريزته.. كما حال ابن خالتها الذي سلبها أعز ما تملك رغم أنها لم يسبق وأن ارتدت أمامه إلا ملابس ساترة وفضفاضة..
للحظة كانت تريد فتح الباب والخروج فعلا لكنها ألقت نظرة على السوار الذهبي حول معصمها الذي ألبسته أمها لها بعد أن أخبرتها أن مَازن أحضره لها..
كان مَازن لا زال يعطيها ظهره فعقدت حاجبيها بتصميم.. وبخفة بدلت مفتاح الباب بالآخر الذي تخبئه بجيب مئزرها الرقيق.. ثم وضعت المفتاح الأخر في مكانه داخل مقبض الباب وبدأت تحركه وتدعي أنها تحاول فتحه..
وعندما مرت دقائق دون أن ينفتح كان صبر مَازن قد نفذ فاستدار ناحيتها ليقول بغضب متأجج
((ساعة لتفتحي الباب!؟ أين المفتاح؟ هاتيه، لأفتحه أنا))
انتبهت نجوم كيف لا يزال يحاول التحدث معها دون أن يضع نظره عليها فابتعدت جانبا عن الباب تترك له المجال للمحاولة..
أمسك مَازن المفتاح وبدأ يحاول تحريكه وتدويره داخل مكانه لكن دون فائدة تُرجى.. حتى أنه أخرجه عدة مرات وأعاد إدخاله لكنه لم يدر ولا دورة واحدة حول مكانه
((رباه إنه لا يفتح، إنه لا يفتح، رباه! كأن هذا المفتاح مختلف تماما ولا يخص الباب!))
أغمض عينيه وهو يخفض رأسه بإنهاكٍ حتى أسند جبهته على الباب وهو يهمس بخشونة متحشرجة
((هل يعقل أن أكون كسرته أنا أو أنتِ قبل قليل من عنف التحريك! ماذا لو لاحظ أحد غيابنا وجاء يبحث هنا! لقد انتهى أمري))
تخيل بذعر مجيء والده للقبو ورؤيته يخرج منه مع نجوم التي ترتدي هذا المئزر الفاضح! لن ينجح هو ولا أحد في العالم بأسره بإقناعه أن الأمر ليس كما يعتقد..
إذا لم يقتله والده أو يتهمه بمحاولة إغرائها بالتأكيد سيطرده خارج القرية ولن يمده بالمال أبدًا..
بينما عقله متوغل في أطنان هذه الخواطر السلبية اقتربت نجوم ببطء وحذر ومدت يدها تلامس كفه.. ما إن شعر بملمس جلدها الناعم حتى انتفض مبتعدًا عنها وغض طرفه مما جعلها تقول بصوتٍ مبحوح خافت يتقد بحمرة الخجل
((دعني أحاول فتحه مجددا..))
ابتعد مَازن قليلا عن الباب يحاول مجددا تدوير المفتاح بعنف حتى أنه قال بغضب مكتوم
((هل أنتِ متأكدة من أنه نفس المفتاح! إنه حتى لا يتحرك ولا يبدو مكسورا من الداخل.. آه))
تأوه مَازن وهو يغمض عينيه بقوة ويدلك جبينه بعنف ويترنح هادرا
((يا إلهي لقد تصاعد الصداع الذي يخترق رأسي فجأة))
عرفت نجوم أن العقار الذي وضعته أمها قد بدأ عمله.. رمش مَازن برموشه البنية مرارًا يستوعب قربها هذا منه..
تجولت أنظاره على ملامحها باستنكار ثم هبطت ليرى مئزرها المغري العجيب.. ومع ازدياد الدوار والوهن الذي يجتاحه حاول أن يقنع نفسه أن ما يراه هو محض خيال.. لكن عندما كاد أن يختل توازنه وسارعت نجوم تسنده متسائلة بهمس أبح إذا ما كان بخير عرف أنه واقع.. فضغط بأصابعه على ما بين عينيه هادرًا وهو ينفض يدها عنه
((سأحاول كسر الباب.. ثم سأتفقد المكان وإذا كان البهو خاليا من أي أحد ستهربين بعيدا من هنا لكن إيّاك أن تخبري أحدا بما جرى))
بمحاولة واهية قام بدفع الباب بكتفه لكنه بدلا من كسره تأوه متألما وقال بصوتٍ متثاقل
((يا إلهي ألم رأسي والدوار يتفاقم!))
اقترحت نجوم ببراءة غير نقية
((هل أتصل بأمي لتحاول البحث عن مفتاح بديل؟))
انتفض مَازن فجأة يزجرها بذعر
((لا...لا.. لا إياكِ أن تتصلي بأحد، ستفهمنا بشكل خاطئ لو رأتنا بهذا الشكل، أنا سأتصل بأخي مَالك ليبحث عن مفتاح بديل، لكن عليك الاختباء داخل الخزانة وعدم الخروج منهما أمامه مهما حدث..))
انتشل مَازن هاتفه من جيبة يفكر بتردد إذا كان عليه أن يتصل بمَالك أو لا.. فلا خيار أمامه غير ذلك ثم إن مَالك لطالما كان حافظ أسراره وأكثر من هو بصفه من إخوته ومن يأخذ اللوم عنه عندما يصنع هو المشاكل..
كان يريد الاتصال به لكنه شعر في هذه اللحظات بألم مضاعف يقصم رأسه لجزأين وتشويش وطنين يحيط به من كل جانب.. وبينما هو غارق في دوامات الألم أعاد الهاتف لجيبه وتأوه وهو يدلك رأسه
((أنا غير قادر بالفعل على فتح عيني أكثر من ذلك))
ما هذا الذي يحدث بجسده ورأسه الآن.. لماذا هناك سخونة تجتاح وجهه!
أصدر أصوات تأوهات خشنة أما نجوم كانت تفكر كيف كان ينظر لها ولجسدها الغض بتوتر قبل قليل..
هل يمكن أن تنجح خطة أمها؟
عادت تدنو منه ومالت بوجهها أكثر منه حتى أنها رفعت نفسها على رؤوس أصابع قدميها وبدأت أنفاسها الحارة تلفح وجهه.. وهي تتساءل
((هل أنتَ بخير يا مَازن؟))
مدت نجوم أصابعها الحادة بجرأة لترفع غُرة شعره الحمراء عن جبينه.. أغمض عينيه مجددا.. قبل أن ينتفض ويتراجع خطوات للخلف حتى أن توازنه اختل وتهالك أرضا..
شهقت نجوم وهي تقترب منه لتتأكد من أنه بخير..
رغم الإعياء وعدم التركيز فتح مَازن عينيه بغير استيعاب بينما تهمس له بابتسامة مرتجفة وهي ترفع يدها التي تحيطها بالسوار الذهبي
((أنا لك الليلة كشكر على هديتك يا مَازن))
اهتزت عينا مَازن الزائغتين بصدمة.. يصوب بصره بحيرة إلى رسغها ثم يهمس بلا تصديق
((أنا لم أجلبه لك.. بل.. لمنال!))
تراجع رأس نجوم للخلف بارتباك ثم قالت
((لا داعي للإنكار فأمي أخبرتني الحقيقة))
تلجم لسانه للحظة ثم قال بخشونةٍ مضطربًا
((يا إلهي، أنا لا أتوهم، عقلي القذر لا يجعلني أتخيل أمورا غير حقيقة أو أظن السوء بك.. أنتِ حقا تحاولين فعل ما أفكر فيه في هذه اللحظة!))
احتشدت الدموع في عينيها لتنزلق على وجنتها ثم شفتيها لتقول بصوتٍ واهن بالكاد خرج مسموعا
((أنا فقط أحبك وأريد أن أكون ملكك))
قصف بها بصوتٍ مرتفع شديد
((ناوليني حالا مفتاح القبو الحقيقي ودعيني أخرج، هذا المفتاح اللعين ليس مخصصا لهذا الباب!))
نظرت له باضطراب.. ولعينيه المتعبتان بلمحة الصرامة ترفضان الانجرار معها للقذارة..
وقبل أن تتراجع حثت نفسها على تذكر حملها الذي لو كشف أمره سينتهي أمرها ظلما! وجدت نفسها تقول بتلقائية منتحبة
((لن أفعل قبل أن تقربني))
ازدرد لعابه بصعوبةٍ والصدمة تتجلى على قسماته ثم قال بصوتٍ مضطرب واهن
((نجوم! هل هذه هي حقيقتك؟ عاهرة مغوية! كيف يمكن أن يقبع شيطان خلف وجهك الملائكي! هاتي المفتاح حالا قبل أن أفعل بك مالا يحمد عقباه))
هل هذا صوت تمزق أم تهشم؟ بل هو صراخ قلبها الملتاع وكأن كفا حديدية تعتصره لتتخبط دماءه ممتزجة بالخيبة من نفسها..
احتقن وجهها من الكلمات التي يرشقها في وجهها باشمئزاز.. لكن هزت وجهها برفض ألا تنصاع لكلامه أو تتراجع عما أقدمت عليه.. أمها محقة.. عليها أن تفعل كل ما تستطيع لتجبره على النوم معها والاعتقاد أنه والد الطفل وإلا ستخسر كل شيء..
ساد صمت ثقيل بينهما لا يقطعه سوى صوت تنفسهما اللاهث.. حتى منهكة توسلت له بهذيان وهي تبدأ بإرخاء الحزام حول مئزرها بمحاولة أخيرة
((إذا أردت يمكنك اعتباري عشيقتك.. منفذ طاقتك الثائرة.. رغبة عابرة.. لا أكثر ولا أقل.. ولكن لا ترفضني.. أرجوك))
اتسعت عينا مَازن مِمَّا تفعله وتتفوه به وقبل أن يفقد آخر ما تبقى من عقله غمغم فيها مشمئزا
((هات المفتاح قبل أن أبرحك ضربا وأفضحـ..))
ولم يكمل مَازن جملته لأن الظلام كان ينتشر من حوله تدريجيا.. فيتهاوى فاقد الوعي ومغمض العينين يفترش الأرض بجسده..
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل التاسع وستون 69 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الثلاثون
أوصد قُصي الباب خلفه منقبض الصدر ومنكمش المعدة.. تقدم للأمام وكاد يتعثر بأحد الكراسي لولا سهر التي سارعت تدعمه بذراعها وتمسك به للحظة حتى يثبت ويتوازن في وقفته.. لتسأله باقتضاب وهي تنقل عينيها بينه وبين الباب
((ما بك؟ ماذا يفعل نور بالداخل؟))
في هذه اللحظة خرج نور من الغرفة منكس الرأس وقد عاد يرتدي ملابسه القديمة ليقول بوجه مثقل بالذَّنب
((أنا آسف يا سهر لم أقصد أن ألبس ما يخصك من ملابس دون أخذ إذنك))
تناولت سهر منه الكيس الذي يحتوي أغراضها بفظاظة وراقبته بازدراء وهو يسير ببطء نحو خارج المطعم بخطوات مثقلة.. لكن استوقفه صوت قًّصي المتأجج بالغضب
((لحظة يا نور! تعالي هنا وأخبريني لماذا لم تقولي بأنك فتاة من البداية؟))
فغرت سهر شفتيها وعسر عليها أن تتفوه بكلمة وكأنما انعقد لسانها أما نور فاستدارت على الفور لقصي تقول مذعورة باضطراب
((غير صحيح!، غير صحيح!))
زوى قُصي ما بين حاجباه دانيا منها ثم قال بخشونة
((لقد رأيتك وأنتِ ترتدين قميصا عاري الأكمام ولست أحمقا إلى الحد الذي لا أميز فيه جسد الأنثى عن الذكر))
كانت لا تزال الصدمة تلف سهر فاندفعت بلا وعي منها نحو نور تفتح قميصها مما جعل الأخرى تصرخ وهي تدفعها عنها بقوة
((ابتعدي يا سهر، ماذا تزيلين عني!؟))
أطلقت سهر شهقة مدوية وهي ترفرف بعينيها وتناظر نور بطريقة غير منطقية قبل أن تضع يدها على صدرها هاتفة
((لن أقسم لكن كنت أشك بذلك أيضًا، أحيانا تحتلين عقلي بصورة فتاة، لماذا كذبتِ بجنسك!))
عندما رأت نور نظرات الشّك والتوجس موجهة نحوها من الاثنين انتفضت من مكانها تجري باتجاه باب المطعم الخارجي لكن قُّصي كان أسرع منها وهو يصد المخرج ويغلق الباب عليهم..
استحكم غصة حلق نور ولم يعد هناك بُدا من المواجهة فنكست رأسها بذنب وقالت بخفوت
((لقد جئت عند السيدة فريال حتى توظفني بعد أن فشلت في إيجاد عمل آخر، فظنت هي بسبب شعري القصير وملابسي الفضفاضة وجسدي الهزيل أني فتى، لم أصحح لها هذه المعلومة فقد نوهت أنها ستوظفني عندها رغم أني قاصر لأني ذكر وبالتالي ستكون المساءلة عليها أقل))
قطب قصي حاجبيه بغضب.. وشكّ أن أمرأه ثاقبة البصر كفريال تخطئ جنس نور.. ثم هتف بها بسخط
((ولماذا لم تخبرينا من البداية!؟ هل أعجبك أن أدفعك أكثر من مرة بقوة وأهينك بكلماتي عن مظهرك!؟))
رفعت عينيها ببطء ثم قالت ببراءة
((لا بأس أنا لا أحمل أي ضغينة، فأنت لم تكن تعرف حقيقتي، المهم.. سأرحل الآن لمنزل أمي))
تنهد قصي وهو يتطلع بسهر التي كانت ملامحها محتارة هي الأخرى.. فأغلق قصي إنارة المطعم وقبل أن تبارح نور المطعم إلى طريق آخر هتف قصي بها
((نور تعالي معي أنا وسهر، سأذهب بسياراتي المركونة أمام الفندق الذي أقطن به وأريد تواجدكما))
عادت سهر لواقع حقيقة علاقتها التي يجب أن تكون مع قصي فتوحشت ملامحها الجميلة وقالت بعدوانية تقطع أمامه أي وسيلة للتقارب
((أنا لن أذهب معك))
هزّ قصي كتفه يقول ببساطة
((أريد أن أشترى لها شيئًا فإذا امتنعت عن مرافقتي لن أستطيع أخذها أو اصطحابها معي))
تقوست شفتا نور للأسفل وطالعت بهما سهر بتوسل صامت مما جعلها تشتم نفسها ألف مرة لأنها خرجت من بيت عائلتها قبل أن تأخذ سيارتها هي على الأقل حتى لا تحتاج قصي أبدًا لا أثناء مغادرتها المطعم ولا في هذا الوقت.. ثم تنهدَّت خاضعة لرغبة نور..
قاد قُصي بهم طوال الطريق لتقول نور أثناء ذلك بانبهار وهي تحوم بعينيها السيارة الرهيبة من الداخل
((هل هذه لك؟ تبدو فخمة جدًّا.. لحظة))
ثم ازداد الانبهار المنبعث من عينيها عندما نظرت للخارج حيث أوقف قُصي السيارة لتردف بتساؤل
((واو.. ما هذا المبنى الضخم الذي أوقفتنا أمامه!؟ هل هو مول تجاري!؟))
خرج قُصي من باب سيارته وهو يقول بمرح
((ترجلا من سيارتي سأدعوكما على حسابي على العشاء))
.
.
في إحدى مطاعم المول الراقية..
رغم الألم المبرح المعتاد الذي كان يشعر به قصي يجتاح معدته إلا أنه ابتسم كلما ناظرت عيناه نور تأكل بنهمٍ محبب.. بدت له سعيدةً وأكثر حياةً من ذي قبل وقد طلب لها الكثير من الحلوى اللذيذة برفقة العشاء الفاخر..
غمغمت له سهر بامتعاض وهي ترشقه بنظرات الازدراء
((لماذا لم تطلب لك شيئا؟ هل انتهت نقودك!؟ لماذا اخترت هذا المكان الباهظ من بين كل المطاعم في هذا المبنى!؟ كفَّ عن لعب دور الشاب الثري فهو يتسبب لك بمتاعب أنتَ في غنى عنها))
أغمض قُصي عينيه للحظة من أثر ألم معدته المتأجج ثم قال بصوتٍ مختنق
((الأمر فقط أن ألم معدتي لا يهدأ رغم أني توقفت عن تناول الطعام من مطعم فريال، أنا بحاجة لعيادة الطبيب))
لكزت سهر كتفه بيدها رادعة
((كفاك التصرف كشاب مدلل، هذه الفترة كل الطعام الذي أتناوله من مطعم الفريال ولم يحدث شيئا لي، يفترض لشاب مثلك مفتول العضلات ألا يتأثر حتى لو دخل إلى معدته طعام مسموم))
شهقت نور عند كلام سهر هذا كمن تذكرت شيئا ثم قالت ببراءة
((عضلات معدتك جميلة، ذات مرة شاهدت السيدة فريال تتلصص عليك عندما كنت تنظف المطعم عاري الصدر وتتساءل كيف قمت بنحتهم، إذن كيف قمت بنحت عضلات معدتك؟ بالسباحة؟ لقد قلت سابقا أنك تشتاق للسباحة!))
رغم الإعياء الذي كان يشعر به قصي إلا أنه شمخ ذقنه بذكورية مفتخرة
((نعم ساعدتني السباحة فيها قليلا فأنا كنت أقضي الكثير من الوقت أمارسها في مسبح النادي ومسبح فناء منزلنا الخلفي))
اتسعت عينا نور وهي تتساءل بدهشة
((هل عائلتك غنية للحد الذي تتمكن فيه من شراء سيارة فخمة وبناء بركة سباحة في فنائكم الخلفي!؟))
صدر من سهر صوتًا ساخرًا وهي تحرك الثلج في عصيرها ثم تشدقت
((إنه منبع للكذب يا نور فلا تصدقيه! بالكاد يقدر على تحمل نفقات الفندق الرطب الذي يركن سيارته أمامه))
تغضن جبين نور بالحيرة وهي تتساءل
((إذن كيف بنيتها إذا لم يكن بالسباحة يا قصي؟))
رمى قُصي نظرات الامتعاض على سهر ثم ابتسم بتكلف لنور مجيبا
((بنيتها بفعل كثير من الأمور غير السباحة.. أساسا وظفت لدي مدرب رياضي ليساعدني فقط في..))
عضَّ قُصي شفته ثم سارع يصحح حتى لا يكشف أمره
((أقصد كنت أواظب على حضور نادي رياضي مختص بهذه الأمور))
هكذا يبدو كلامه أكثر منطقيا!
همهمت نور باستدراك وهي تعود لتأكل من طبق الحلوى اللذيذ أمامها بنهم مما جعل قصي يناظرها بحنو منبها
((على مهلك يا نور قد يصيبك عسر بالهضم إذا بقيت تأكلين من الطبق بهذا المقدار))
.
.
بمجرد أن انتهت نور من تناول طعامها حتى غادروا المطعم وتجولوا بأجنحة المول التجاري..
سهر تتقدم قصي بالمشي.. ونور تسير خلفه قبل أن تهرول للأمام وتدركه لتقول له بفضول خالطته غيرة بريئة
((قصي لماذا أحببت سهر وخطبتها؟))
ذهُل في البداية من سؤالها ثم رسم ابتسامة رجولية ولمعت العاطفة في مقلتيه.. فالحقيقة أنه كان مجرد فضول لرؤيتها لأنها كانت حديث المجتمع الذي تعيش فيه من شدة جمالها الشبيه بلعبة الباربي والفضائح التي تفتعلها لأمها.. لكن ما جعله يتمنى قربها أنها لم تكن تهتم كثيرا بكونها جميلة، بل جُل اهتمامها بصحتها واستجمامها، فكانت لا تحب المشاحنات، ولا المنافسات النسائية الحمقاء الخاصة بالمجتمع الراقي، بل تعرف كيف تحيا حياتها بشكل صحيح.. كانت ملمة عن فن العيش بهدوء وراحة نفسية.. باختصار سهر هي أجمل مثال للأنوثة والاستمتاع بنعم الحياة..
كان قصي ضائعا بشروده العاطفي قبل أن يهز رأسه ليتخلص من الحب الجارف المطل من عينيه.. ثم يقف فجأة أمام أحد المتاجر يقول لنور
((الحقيني إلى الداخل))
استدارت سهر نصف استدارة للخلف لتنتبه أنه دخل هو ونور لإحدى المتاجر.. زفرت باقتضاب ثم لحقتهم لتجد قصي يأمر إحدى موظفات المتجر بصوتٍ رخيم يدل على أهمية صاحبه ونفس النبرة التي كان يتحدث بها على الهاتف أمام من يدعي أنهم موظفون بشركته في الماضي
((أريد ثوبا بأحدث صيحات الموضة بقياسات تناسب الفتاة التي أمامك وأريد حذاء بكعب متوسط لها))
شهقت نور بصدمة قبل أن تهمس بقلق عارم
((قصي!؟ أنا لا يمكنني قبول مثل هذه الهدية منك!))
رماها قصي بنظرة صارمة تخبرها ألا تناقشه فيما يفعله أما سهر فاقتربت منه متذمرة
((من أين لك هذا المال يا منقب الذهب؟))
أخرج قُصي النقود من محفظته ببساطة وأجاب
((إنها أجرتي التي استلمتها اليوم من فريال، وهناك بعض المال الذي كان بحوزتي سابقا من البقشيش))
عرفت سهر أن معظم هذا المال كان من البقشيش المزعوم الذي يحصل عليه من الرجل أخضر العينين يوسف!
خرجوا جميعا من المتجر ونور تمسك بكلتا يديها العديد من الأكياس والعبرة تخنقها من السعادة التي تحتلها
((شكرا لك على كل هذه الهدايا، لكن ماذا سأخبر أمي لو سألتني عن مصدرها؟))
هزَّ قصي كتفه بإشارة "أنه لا يعلم" فقالت سهر
((بما أنها تعرفني قولي لها أنها مني فأنا وقصي واحد))
أومأت نور رأسها بادراك ثم رسمت ابتسامة متحمسة وهي تقول لقصي بلهفة
((لقد قالت لي سهر في وقت سابق أنها ستفسخ خطبتها منك أي أنك ستصبح أعزبا بعد أن تتركك))
قطبت سهر حاجبيها بتوجس فبرقت عينا نور البريئتين بتلاعب وهي تكمل
((إذن ما رأيك أن تنتظر لأربع سنوات فقط قبل أن تفكر في الزواج والارتباط مجددا؟))
كادت سهر أن تتميز غيظا وكتفت ذراعيها وهي تقول
((ولماذا أربع سنوات بالذات.. أوه الآن فهمت، أنتِ بحاجة لأربعة سنوات قبل أن تصلي للسن القانوني الذي يسمح لك بالزواج منه!))
صدرت من قصي ضحكة منطلقة فحدجته بنظراتٍ قاسية أسكتته قبل أن تغمغم
((من حق ذكوريتك أن تشعر بالانتشاء ففتاة قاصر بعمر أبنائك لو كنت متزوجا، وأخرى بعمر والدتك واقعات في غرامك! هذا كله قبل أن يعرفن حقيقتك!))
تصاعد غضب نور من سهر وثارت حميتها لأجل قُصي..
وفكرة واحدة حانقة سيطرت عليها وهي أن سهر لا تستحقه..
=============================
شقة مُعاذ..
جلس أمام شقيقه مُؤيد الذي لا يكف عن التردد إلى منزله بين الوقت والأخر مؤخرا منذ شفاء قدمه..
نكس مُؤيد رأسه ثم قال بصوتٍ مجهد وهو يشبك أصابع يديه
((أريد يا أخي فقط البوح بما يقبع في قلبي مؤخرا لأرتاح، ولا أحد غيرك أستطيع التحدث معه، فليس من المعقول أن افضح زوجتي أمام أصدقائي))
رحبّ مُعاذ به ببشاشة
((يمكنك القدوم لشقتي بل والمكوث فيها متى ما أردت))
أسدل مُؤيد جفنيه وزفر نفسا عميقا كأنه يحث نفسه على البوح وإفراغ ما يكتمه في قلبه ولو القليل منه.. ثم قال بصوتٍ ميت خالٍ من الحياة
((أنا لا زلت مصدوما مما اكتشفته عن زوجتي، خاصة أني كنت أعاملها كما لو كانت امرأة غبية وساذجة لا تعرف شيئا عن صداقاتي في المدينة))
تشدق مُعاذ متهكمًا وقد تلاش الود من على وجهه
((واتضح الآن أن لا أحد ساذج بينكما سواك أنتَ يا مُؤيد))
نطق مُؤيد بمرارة حنظلية
((نعم لقد اتضح أني من كنت طوال سنوات زواجي بها مغفلا وأخرقا لا أعرف شيئا عنها))
أطلق مُعاذ نفسا طويلا قبل أن يقول بجدية صارمة
((دعنا من الحديث عنها جانبا ولنتحدث عنك أنتَ، ألا تعتبر حديثك مع نساء أجانب عنك وخروجك معهم حتى لو كان لأماكن عامة هو خيانة لزوجتك التي كنت تحرمها من كل شيء؟))
لم يرد مُؤيد في البداية على سؤال أخيه عن حرمانيه ما استحل.. مما جعل الآخر يكرر عليه مزمجرا
((أجبني يا مُؤيد، ألا تعد ذلك خيانة؟ ألا تعد أنتَ خائن يا مثال الشرف؟ قر بحقيقة أنك الخائن والسبب الرئيسي في تدمير عشك الزوجي))
فاضت ملامح مُؤيد بمشاعر ثائرة وارتجف عرق جبينه ليقول من بين أسنانه
((هل أنتَ معي أم ضدي؟))
قال مُعاذ بحيادية وتأنيب خشن
((لست مع أحد، أنا أوضح لك حقيقتك التي يجب أن تزعجك))
أطبق مُؤيد فكيه جازا على أسنانه بعصبية قاتلة من اتهامه الصريح له.. ففي الماضي مهما أخطأ كان يجد من مُعاذ التفهم والهدوء والمجاراة لكن الآن في موضوع زواجه اختلف الوضع معه.. فنطق بعذاب
((حتى لو كنت خائنا، هذا لا يبرر ما كانت تفعله هي))
فضل مُعاذ أن يتخلى عن واجهة الرجل العسكري الصارمة والتنازل لعقل أخيه معه والتحدث بروية أكثر لعله ينجح في أن يصل إلى تفكيره.. فقال بهدوء مخادع
((بالتأكيد لا شيء يبرر ما فعلته هي.. لكن عليك أن تعترف أنك كنت السبب في جعلها تبحث عن احتياجاتها خارج البيت.. وابتهل لربك أنها كانت تبحث عنهم مع امرأة أخرى تظنها صديقة مخلصة لها لا أحد آخر، لذا عليك أن تعرف خطأك كاملا حتى إذا ما تزوجت مرة أخرى لا تكرر نفس الأخطاء مع زوجتك الجديدة))
شددَّ مُعاذ على جملة "الزوجة الجديدة" كأنه يريد أن يعرف رأي مُؤيد في هذا الموضوع، فرد الآخر عليه بصوتٍ حانق خيب ظنه
((زوجتي الجديدة لن تختلف معاملتي معها عن أم فهد))
حاول مُعاذ التحلي بصبر جميل قبل أن يعقب
((أرى أن عليك ألا تفرض حياة جافة عليها كما كنت تفعل مع أم فهد وتسكنها في بيت العائلة وتغيب عنها بالأيام والأسابيع بحجة العمل، فقد يتكرر الأمر))
اعترض مُؤيد من بين أنيابه بصوتٍ متصلب
((هل تريد مني أن أعيش في القرية؟ مستحيل، لن أستطيع التخلي عن شقتي في المدينة لأنها المكان الوحيد حيث يتاح لي أن أفعل فيها كل ما أخفيه عن عائلتي وأهل القرية، هي المكان الذي أخفي فيه جوانب شخصيتي التي تتجذر في أعماق ذاتي وأتصرف فيه براحتي حتى أستطيع عند ذهابي لبيت العائلة أن أتصرف مع زوجتي بجدية وبرود))
تهكَّم مُعاذ منه ساخرا بلا مرح
((مُؤيد أنتَ تخيفني، هل عندك انفصام أو تعدد شخصيات مثلا؟))
بدا مُؤيد مترددا قبل أن يقول بمنطقه
((أنتَ لا تفهمني! أنا لدي مكانتي بين أهل القرية وأصدقائي وزملائي ولا أحب أن يعرفوا حقيقة ما أحب من اهتمامات وهوايات حتى لا أقلل من هيبتي وواجهتي كرجل جاد ورزين أمامهم، كنت أخشى لو عرفت رتيل عن رغباتي وحياتي أن تلومني أو تخبر أحدا ويعرفوا بتناقضي، تخيل أن يعرف أحدهم أني أحب أن أقود دراجتي النارية بشوارع المدينة في الليل، ستختلف نظرتهم بي وسيظنونني رجل عابث أو سطحي يمتلك رغبات تسيء لهيبته أمامهم))
حاول مُعاذ مجاراة أخيه الذي لا يحب أن يظن أحد عنه إلا بأنه رجل راكز جدي.. فهذا هو عقله.. وهكذا هو يفكر.. لذا قال بهدوء
((إذن أنتَ تخشى نظرة الناس عنك من أصدقاء وأقارب، ولن ألومك فجميع الناس في مجتمعنا يعيشون بأقنعة، لا أحد يوضح تماما ما يريد أو ما هو عليه، لخوفهم من ردة فعل المجتمع والذي يتكون منهم أنفسهم.. لكن لماذا تعتقد بأنك لو أخبرت أم فهد بما تحبه وما تكرهه ستفضح أمرك ولن تبقيه سرا بينكما؟ بل..))
بتر مُعاذ كلماته وتذكر أمر سرقة غنوة لدراجة مُصعب وقيادتها مع رتيل في شوارع المدينة! فأردف متسائلا
((ألم تفكر يا مُؤيد ولو لمرة أن رغبات زوجتك مشابهة لرغباتك أنتَ؟ لماذا لم تقترح عليها مرة أن تشاركك بها بدلا من التفكير بفتاة أحلام أخرى تشاركك إياها؟ لا تنكر أنك اخترت زوجتك بكامل إرادتك حتى لو كانت بتزكية من أمك))
شعر مُؤيد أنه تائه ومشتت ولا يعرف كيف يصيغ أجوبته ويشرح نفسه قبل أن يرد بتذبذب متعثر
((من المستحيل أن أقول لأم فهد عن حقيقة رغباتي هذه، هي شخصية تقليدية جدًّا وتحب القيل والقال وإصدار الأحكام.. ثم فتاة أحلامي عليها أن تكون من خارج مجتمعي.. وعندما أجدها وأتزوجها لم أكن أفكر بالإنجاب منها بل لم أكن لأسجل زواجنا أو أعلنه! لأني أريدها فقط..))
أكمل مُعاذ عنه بشفافية
((لأنك تريدها يا مُؤيد فقط من أجل مشاركتك كل ما تحبه في عيش حياة مفعمة بالحرية في المدينة في حين تبقي زوجتك طي الجدران وخلف الكواليس، فأم العيال تناسب حياتك في القرية كواجهة أمام الناس عكس فتاة الأحلام التي لن تعلن زواجك منها فهي غير ملائمة كواجهة اجتماعية أو لإنجاب أطفالك!))
لم يعقب مُؤيد شيء على كلامه لكن اضطربت ملامحه فأكمل مُعاذ
((ولكن يا أخي هذا كله هو عين الخطأ! نعم خطأ أن تقوم بالسر بكل ما يلبي احتياجاتك وأهواءك المرضية، ثم تأتي في النهاية وتستنكر ما كانت تفعله زوجتك بالخفاء أيضا لتلبي احتياجاتها وتحصل على حريتها مثلك!))
حاول هنا مُؤيد التبرير والهروب قائلا بحجة واهنة
((ولكن أنا رجل ومن الطبيعي أن أبحث عما يلبي احتياجاتي بينما هي امرأة وعليها أن تتحمل كما تفعل باقي النساء في مجتمعنا.. هنَّ يتحملن أكثر منها دون التفوه بأي كلمة تذمر..))
قاطعه مُعاذ الذي كان له بالمرصاد
((ومن قال لك أن كل النساء عليهن تحمل التعاسة والجفاء؟ وحتى لو كان هناك من تتحمل ذلك، فزوجتك ليست مجبرة على أخذها كمقياس لها وتتحمل الحياة الجافة والبعيدة عن المودة والرحمة، التي تفرضها أنتَ عليها.. ثم إذا كنت أنتَ الرجل القوي الصلب لم تتحمل هذا النوع من الحياة الرسمية الباردة وتذهب للمدينة وتتكبد شراء شقة والخروج مع نساء أخريات لتعوض ذلك فكيف بها هي زوجتك المرأة العاطفية المحتاجة للحنان والحب أكثر منك؟))
حاول مُؤيد أن يرد لكن واصل مُعاذ كلامه بحزم
((غير تفكيرك هذا وإيًّاك أن تورثه لأولادك الاثنين))
تسرب احمرار لعيني مُؤيد.. لكنه لم ينطق بشيء وحاول السيطرة على مشاعر لا يريد لها أن تخرج منه.. كان يقاوم تهدج صوته قبل أن يقول أخيرا
((على العكس ولديّ الاثنين شخصيتهما مختلفة تماما عني، خاصة فهد فهو مستعد أن ينقلب كليا عليّ لو أحزنتُ أمه))
قال مُعاذ تعقيبا على كلامه
((هذا لأنه لا زال طفلا ولكن عندما يكبر سيفقد إحساسه بألم والدته وفي المقابل سيصل بمعتقداتك وأفكارك أنتَ ليبرر ما كنت تفعله مع أمه كردة فعل من عقله الباطني للتغلب على الشعور بالألم لأجلها، ومع الوقت ستتحول هذه المبررات إلى قناعات، وحجج، ومعتقدات تقود شخصيته.. لذا تغير يا مُؤيد وغير من نفسك في زواجك الثاني، ظلمت أم أولادك فلا تظلم التي ستتزوجها هي الأخرى))
كان لا زال مُعاذ يتعمد ذكر الزواج لأخيه أكثر من مرة حتى يستشف منه ما يريد أن يقدم عليه فثار مُؤيد فيه بحنق وانزعاج بالغ
((مُعاذ لا تظل تفتح لي سيرة الزواج بين اللحظة والأخرى مثل أمي التي لا تنفك عن تزكية النساء لي.. أنا لا أريد الزواج مجددا.. بعد أن كنت أسخر من مُصعب الذي اعتزل الزواج بعد هروب ابنة عمنا منه.. جاء اليوم الذي أقع أنا في نفس العقدة.. تبا لكل شيء))
تهكم مُعاذ قائلا بسخرية خبيثة
((إذن لن تتزوج وستبقى عازبا للأبد؟))
ازداد انعقاد حاجبي مُؤيد ضيقًا واستياءً وهو يرد
((لن أتزوج، لم أعد أثق بامرأة من جنس حواء إطلاقا.. باستثناء أمي بالطبع..))
قهقه مُعاذ عاليا وهو يردد ((مجنون))
لكن عينا مُؤيد كانتا حمراوين كجمرة وهو يهتف بانفلات أعصاب
((أنا أتحدث بجدية يا مُعاذ.. لقد تزوجت رتيل ليس تزكية من أمي وحسب بل لأني كنت متأكدا أنها جاءت من بيت عُرف عنه في قريتهم التزمت والتشدد والانغلاق.. فإذا كانت رتيل المعروفة بانغلاقها عن العالم الخارجي وانطوائها على نفسها فعلت ما فعلته من أمور لا تخطر على بال بشر ماذا ستفعل امرأة أخرى غيرها؟))
غمغم مُعاذ بخفوت
((اهدأ يا مُؤيد..))
انفعل مُؤيد به قائلا بمحاولة صعبة في السيطرة على اختناق صوته
((لا أستطيع.. أشعر أنى حقا أريد الموت..))
صمت مُعاذ قليلا قبل أن يقترح
((لماذا لا تفكر يا مُؤيد في العودة لرتيل؟))
نخر مُؤيد ضاحكًا بقهر.. يشبك أنامله بخصل شعره يجذبه بعنف ثم رد بكبرياء مزيف
((مستحيل لا يمكنني مسامحتها بسهولة على خيانتها لثقتي، إذا كنت قد أخطأت في حقها فحقها ألا تسامحني وأنا لن أسامحها.. لأني لن أقدر..))
نبهه مُعاذ بفطنة
((حتى بعد ما عرفت أن ما كنت تبحث عنه وكل ما حلمت بوجوده في المرأة التي تريدها قد كان بين يديك متمثلا بزوجتك؟))
عقد مُؤيد حاجبيه متمتما ((ماذا!))
فكر مُعاذ لبرهة ثم قال في محاولة للتدرج
((نعم يا مُؤيد.. المرأة التي كنت تحلم بها كانت تعيش معك لكن بشكل متخفي رغما عنها وبشكل خارج عن إرادتها، لذلك كانت مضطرة أن تذهب للمدينة وتفعل كل ما كنت تفعله أنتَ بشكل متخفي عنها في المدينة، حتى دراجة مُصعب تلك بعد أن سرقتها صديقتها كانت تقوم بالتجوال فيها بالمدينة، مشكلتها هي الأخرى أنها لم تحاول معك وتطلعك على شخصيتها ورغباتها.. لكنها تمثل في حياتها في المدينة نموذجًا للمرأة التي تحلم بها))
عقب مُؤيد بخفوت يطفح منه الذنب
((الحقيقة أنها كانت دائما ما تطلعني على هذه الأمور بل تحاول استمالتي ولكن أنا.. أنا.. من كنت أحبط كل محاولاتها لتكسب ودي..))
ازدرد مُؤيد ريقه الجاف وازداد اضطراب وجهه فأخرج مُعاذ أنفاسا كانت تجيش في صدره قبل أن يقول
((عليك أن تعي يا مُؤيد أن الزواج مسؤولية مشتركة وعلى كل طرف أن يشبع احتياجات شريكه.. تعلم أن تتحدث عن رغباتك، تحاور، تتكلم، تصارح.. تعلمْ أن تكون أكثر انفتاحا مع زوجتك، أن تقبل فكرة أنها إنسانة جاءت تحمل ثقافة مصغرة خاصة بها وبكيانها.. لا تضطهدها، فالاضطهاد لن يغيرها ولكنه سيغير طريقة معاملتها لك.. وأنت من سيدفع الثمن لاحقا..))
صمت مُعاذ ليترك أخيه يفكر بكلماته فظل الأخر متسمرا في مكانه لدقائق طويلة يحدق بعينيه في نقطة وهمية في الغرفة قبل أن يودعه ويغادر شقته..
قاد مُؤيد بسيارته الطريق شارد الذهن برتيل.. لم يسبق وأن فكر بأنها كانت تلعب من خلف ظهره وبشكل خفي دور فتاة أحلامه.. وبأنها كانت تمارس مع صديقتها المزيفة غنوة كل النشاطات والهوايات التي كان يحلم بفعلها مع فتاة الأحلام.. حتى الدراجة النارية كانت تتجول فيها راكبة خلف غنوة بالمدينة..
وهو.. ربــــــاه! كم من مرة حلم أن يقود بفتاة تجلس خلفه وتتشبث به بحذر شوارع المدينة!
لف بؤس اشتد على ملامحه المعذبة..
لطالما منعها من أن تضع زينة على وجهها وترتدي ملابس تكشف مفاتنها حتى أمام نفسه.. لكن بالنظر مجددا إلى تلك الصور لها في منزل غنوة في ملابسها الضيقة القصيرة التي تظهر رشاقة قوامها.. لا ينكر أنها كانت تبدو فيها خاطفة للأنفاس..
سحب مُؤيد عدة أنفاس باردة ليخمد البركان الذي يثور في جسده.. وما إن شعر بالسكينة تجتاحه قليلا حتى انتبه في آخر لحظة الى سيارة كادت أن ستصطدم به لو لم يستدير في اللحظة الأخيرة الحاسمة ويرتد جسده للأمام!
أوقف محرك سيارته وبدأ صدره يتنفس بعنف لدقائق طويلة..
أبعد يده المرتجفة عن المقود وارتجل من سيارته نحو إحدى البقالات لشراء مرطبات تهدئ من روعه.. فقطع الطريق العام المزدحم مضطربا دون أن يلتفت إلى جانبيه وهذه المرة لم يسعفه الحظ بتفادي سيارة مسرعة فوجئ سائقه بمروره وضغط على المكابح بسرعة لم تساعده بتجنب مُؤيد والتوقف كليا دون أن تلامس السيارة ساقه!
=============================
في غرفة المعيشة..
حانت نظرة من الحاج يعقوب تجاه مازن مدلل أمه الذي يريح رأسه على حجرها بينما يشاهد معهم إحدى البرامج على التلفاز.. كل إخوته الآن في عملهم إلا هو العاطل الوحيد بينهم..
هو الرجل العجوز ورغم مرض ضغط الدم لا يتوانى بين اليوم والآخر الذهاب لمزارعه ومتابعة المزارعين بل والعمل معهم أحيانا.. والأمرّ أن والدته لا توجه أي تقريع على الطريقة الفارغة التي يعيش بها بل تغمر أناملها في شعره في حركة محببة له!
قرر أن يغير الأجواء الهادئة فأغلق بغتة التلفاز من جهاز التحكم عن بعد وتحدث بجفاء
((متى ستبدأ يا مَازن بالبحث عن عمل؟ سأمهلك لنهاية الشهر حتى تجد عملا قبل أن أجبرك على العمل في إحدى مزارعي، عيب عليك أن تصل إلى هذا العمر وتظل تعتمد عليّ ماليا))
انزعجت ملامح زاهية وقد عرفت أن هذا الكلام المحتدم سينتج عنه شجار حتمي بينهما.. لكن الآخر رسم ابتسامة عريضة متأهبة وقال وهو يعتدل جالسا
((لا تقلق يا أبي سأبدأ بالبحث بالفعل عن عمل، لكن ليس عندك، لأني متأكد من أن ما سأقدم على فعله سيجعلك تطردني من البيت كله))
تجهمت ملامح يعقوب وقال بغضب مكتوم
((مَازن ما الذي تفكر بفعله وقد يستدعي غضبي إلى الحد الذي أطردك من هنا؟))
تجلت علامات التسلية على تقاسيم وجه مَازن مجيبا
((أفكر بطلاق ياسو والزواج مرة أخرى))
شهقت زاهية بصدمة وازداد تجهم يعقوب لينفعل بغضبها فقد لجماه
((توقف عن عبثك هذا! أنا لم أنتهي من مشكلة زوجة مُؤيد لتثقل كاهلي الآن بمشاكلك أنتَ وزوجتك!))
تمَطَى مَازن بيديه بكسل متثائب ثم قال ببساطة كمن يذيع النشرة الجوية
((أنا لا أعبث، ولكن حقا وصلت معها إلى طريق مسدود ولا سبيل لبقائنا معًا، ولأني متأكد مسبقا أنك ستأخذ صفها قررت أن أعتمد على نفسي واعمل حتى لا أسمح لك بالتحكم بي مقابل عدم إلقائي بالشارع مفلسا))
في هذه اللحظة دخلت ياسمين غرفة المعيشة وهي تمسك صينية الشاي الذي جهزته لهم بمحاولة منها لمعرفة ما يتحدث مَازن مع والديه بعد أن توقف كليًا عن رؤيتها صباحا أو المبيت معها ليلا..
لكن تفاجأت به ينهض ويتقدم منها بتلك الملامح الشقية قبل أن يميل ويلثم وجنتها ثم يقول متلذذا
((سأشتاق لقبلاتي لك بعد طلاقنا يا ياسو.. كثيرا))
غادر مَازن الغرفة تماما تاركا إياها مبهوتة مكانها لا تصدق ما سمعته.. شعرت بساقيها يستحيلان لهلام وبالكاد يحملانها.. نظرت لوالديّ مَازن اللذان لا يقلان بهوتا عنها وهتفت بصوتٍ متذبذب وهي ترسم ابتسامة متشنجة
((بالتأكيد مَازن ليس جدي بكلامه، نعم إنه يمازحكما، عمي إنه لا يعصي لك كلمة فكيف يطلقني فجأة!))
استعاد يعقوب رباطة جأشه وأشار بنظراته القوية لياسمين أن تجلس معهم..
ازدردت ياسمين ريقها بصعوبة وبالكاد سارت خطوتين ووضعت الصينية التي تمسكها بارتجاف فوق الطاولة..
جلست مقابل حماها الذي سألها مباشرة بنبرة مبهمة وهو يناظر أثر ذلك الخدش الطفيف على وجهها
((أخبريني يا ياسمين في ذلك اليوم لماذا قام بصفعك؟))
شعرت ياسمين بتبدد أي حنان أو دلال مألوف بصوت حماها عندما يتحدث معها.. وبدلا من ذلك هناك جمود واتهام بعينيه..
تغرغرت مقلتيها بالدموع.. يبدو أن مَازن كان صادقا بتهديده السابق في الطلاق وإلا لم يكن ليفتح هكذا موضوع أمام والديّه مهما فعلت.. والله أعلم ماذا باح لهما أكثر عنها.. فأقرت بالحقيقة بصوتٍ متهدج
((لأني صفعته..))
اتسعت عينا زاهية وكذا يعقوب الذي قال مستهجنا
((ولماذا صفعتيه؟ ما الذي فعله؟))
نكست رأسها وهي تجيب بنفس النبرة
((لأنه أحرجني أمامك في بيت الإسمنت))
احتقن وجه يعقوب بالغضب وقال ساخطا بضراوة
((هو من أحرجك! لو كنت ترين الأمر محرجا لماذا طاوعته من البداية، أعرف أن الأمور بينكما ليست على خير ما يرام لكن توقعت أن يكون هناك ولو شيء من الاحترام المتبادل بينكما))
أغلق يعقوب جفنيه.. ها هو أخيرا يواجه نفسه بالحقيقة التي شعر بها منذ لاحظ أن مَازن ينام خارج غرفته مجددا ولا يتعامل مع ياسمين أبدًا في الأيام الفائتة..
عكفت زاهية فمها ثم غمغمت بصوتٍ لاذع
((أي احترام متبادل يا حاج، قبل أيام فقط قامت برفع يدها عليه أمامي وأمام مُؤيد لأنه مازحها ببراءة.. ولا أريد أن أقول لك عن طول لسانها معه.. كل هذا تفعله أمامنا كيف عندما يُغلق الباب عليهما!))
كل كلمة تخرج من فم زاهية كانت ملامح ياسمين أثناءها تتفاقم خزيا بينما ملامح يعقوب تتفاقم صدمة! التفت يقول باستهجان يشوبه خيبة أمل
((كل هذا يا ياسمين يصدر منك أنتِ!؟ خيبتي ظني بك كثيرا! أنا عندما أقف بصفك ضد ابني فهذا لأني أعرفه معدوم المسؤولية وقليل هيبة لكن لم أخالك هكذا! خيبتي ظني بك كثيرا يا ياسمين.. للغاية))
لم تعد تتحمل ياسمين الموقف وانهارت باكية وهي تغمر وجهها بين كفيها.. لكن لم تأخذ زاهية أي شفقة حيالها وهي تتمتم باقتضاب
((والله يا حاج رجل آخر غير ابنك كان ليكسر رأسها عند أول كلمة سفيهة تهذي بها بحقه))
أطبق يعقوب شفتيه بغضب بينما دموع ياسمين تنحدر أنهارا.. حتى مرت دقائق وخفت صوتها تدريجيا ثم مسحت وجهها المبلل بالدموع بيديها بإعياء.. فغمغم حماها باسمها بجفاء جعل قلبها يخفق بقوة..
ضمت شفتيها المرتجفتين لتناظره بعينين لامعتين دمعا بينما يعلمها بازدراء
((بدلا من البكاء أخبريني إذا صدق الأهوج تهديده ورمى يمين الطلاق وتزوج من أخرى ولم يجد له مكانًا مع زوجته إلاَّ هنا ماذا أفعل؟ هل أبقيه منبوذا مشردا أم أجعله يعيش في نفس المكان مع زوجته السابقة!))
اهتزت حدقتا ياسمين وفرت كل ألوان الحياة من وجهها للكلام الذي يقوله حماها وقد يتحول لواقع.. خاصة وأن لسان حال حماها يخبرها بكل وضوح عن ندمه بجعل مَازن يتزوجها منذ البداية!
لم تجد أمامها إلا أن تنتفض واقفة وتفر من مواجهتهم نحو جناحها.. دلفت للداخل وصفقت الباب خلفها بعنف..
وبهستيرية سحبت وصلة البلايستيشن الذي كان يلعب مَازن به أمامه بتركيز من المقبس الكهربائي لتنغلق الشاشة فورا وتتحول لسواد تام.. ثم وقفت أمامه تصرخ به بجنون وقلبها يفور ويغلي
((ما هذا الذي قلته أمام والدك؟ هل تعرف شيئا عن التقريع الذي سمعته بسببك؟))
طالعها بهدوء تام ثم استقام واقفا وهو يقول
((لم أقل إلا ما سأفعله بالضبط، سبق وأخبرتك أن الطريق بيننا مسدود.. وأنا بكل صراحة أريد زوجة تريحني وأريحها))
توحشت ملامحها وهي تهتف به
((ألا يمكنك فعل ذلك دون جلب سيرة الطلاق!))
مرّ شبح ابتسامة على شفتيه وهو يجيب
((لا، أبدًا، قطعا، لن أستطيع، لذلك على الطلاق أن يحدث بيننا قبل أن أتزوج غيركِ))
شحب وجهها أكثر وأكثر وهي تستشعر جديته فتمتمت بصوتٍ متألم متقرح
((هل يمكن أن أعرف لماذا؟))
رفع حاجبيه وتشدق أمام مقلتيها المحتشدتين بالدموع
((السبب ببساطة هو كرهك الشديد لي، مهما أحاول أن ألطف الأجواء بيننا تتصورين هذا ضعفا منى ويزداد عنادك وتسلطك عليّ وتغفلين عن حقيقة أني لا أحبك أيضًا ولولا أنك الخيار الوحيد المتاح أمامي لما اقتربت منك حتى!))
خطت منه متقدمة وقالت بعينين زائغتين
((وهل تريد من ابنتك أن تعيش مشردة مثل أولاد مُؤيد؟ ألهذا تريد الطلاق؟))
هز كتفه ثم رد بهدوء
((أنا لن أفعل مثل أخي، سأعطيك هدى، وإذا رفضت عائلتك أن تأخذيها معك يمكنها أن تعيش هنا وتأتيك في الزيارات))
تقبضت يدها وهتفت به بغضب
((وماذا إذا رفضت عائلتي أن أعود لهم؟))
مط شفتيه للحظة تفكير ثم أجاب ببساطة
((لا يهم، اطلبي من أبي أن يستأجر لك منزلا ويخصص لك راتبا شهريا ثم ابحثي عن عمل لك..))
قطبت حاجبيها وعقبت من بين أسنانها المطبقة
((كيف سأجد عملا لي وأنا لم أنهي إلا تعليمي الثانوي؟))
قلب مَازن عينيه بالسقف بضجر من هذه المناقشة العقيمة ثم قال بنزق
((ألم تُعلمك أمي كل الأمور المتعلقة بالخياطة والتطريز وتلك المشغولات اليدوية؟ اعملي بها إذًا..))
سكنت ياسمين مصدومة ورغم فجيعتها مِمَّا يقوله بعزم وتوعد، تفوق غضبها وشموخها لتتساءل
((أخبرني بماذا أثقل عليك حتى تصر على الطلاق!؟ هل أطالبك بشيء يثقل كاهلك؟ بل هل طالبتك يوما بشيء ما؟ حتى حقوقك أعطيها لك في كل الأحوال ولم أقل لك "لا" قط مهما كنت كارهة لقربك))
كان هو من اقترب منها خطوتين هذه المرة ومال برأسه نحوها ليقول بحفيف ثعبان يلتف معتصرًا روحها قبل جسدها
((هنا المفارقة! أنا لا أريد من زوجتي أن تكون كارهة لي بل راغبة ومحبة))
كانت عيناه بعينيها عندما سألته بصوتٍ مختنق
((وهل بيد الإنسان التحكم بمشاعر الرغبة والكره!))
لم تنحسر عيناه عن نظرها ولم يظهر أي تعبير على ملامحه وهو يجيب
((قطعا لا يستطيع التحكم بها، لهذا سأختصر الطريق على نفسي وأبحث عن غيرك.. أنتِ يا ياسو طــ..))
بُترت كلماته عندما قامت برفع يديها فوق فمه وكتمت صوته تماما بهلع لتقول وقد تسارعت أنفاسها طردا مع دوي نبضات قلبها المتقارعة بين جنبات صدرها
((انتظر.. توقف..))
كان صدرها ينتفض بغير تصديق! هل كان حقا سيقولها لو لم تكبح كلماته بآخر جزء من الثانية! لا تصدق ما يحدث.. هذا ليس مَازن! أبدًا ليس مَازن الذي تعرفه ذو الطباع الودودة واللينة!
الرجل الذي تعرفه ما كان يفعل ما قد يتسبب بإلقائها خارج بيته عابثا بالسلام الذي يعم حياتها مع ابنتها مهما أساءت بفعل أو قول له كردة فعل لأفعاله الصبيانية غير الناضجة التي يستفزها بها بلا سبب!
أبعد مَازن يديها بفظاظة عن فمه لتشعر بالأرض تميد بها.. قبل أن يقول وهو يرفع إحدى حاجبيه
((ماذا هناك؟ هل تريدين شيئا أخيرا قبل أن أطلقك؟))
كان يتحدث بجدية جعلتها لا تشك للحظة بصدق تهديده عن الطلاق.. فقالت بخفوت بطيء وقد جفّ حلقها
((إذن.. يمكنني.. أن.. أتحكم بمشاعري.. وأحولها للرغبة بك.. والحب أيضًا إذا أردت))
همهم مَازن مفكرا باستمتاع ثم انفرجت زاوية ثغره بابتسامة ماكرة غريبة عليه وهو يقول
((ممممم...ولكن هذا ليس كافيا لأتراجع عن الطلاق، أريد منك أمورا أخرى خارجة عن المعتاد، ولكن بالطبع لن تخرج عن واجباتك كشريكة فراش لي))
ارتجفت أنفاسها بغضب مكتوم وهمست
((ماذا تريد؟))
هنا انتقل مَازن إلى الجزء المثير بالنسبة له وقال بهمس مغوي
((أمور كثيرة.. لكن لأسهل عليك سأبدأ من الأقل تعقيدا.. أريدك أن ترقصي لي..))
ابتلعت غصة مسننة في حلقها لتدمدم باختناق
((أنا لا.. لا أعرف.. لا أعرف كيف أرقص..))
أسبلت أهدابها بعذاب وقهر وهو يدقق النظر مفترسا ملامحها ليقول بخشونة
((ها! أرأيتِ أنك لا تستطيعين أن تكوني ولو ربع ما أريد وأتمنى!))
همّ بالمغادرة لولا أن هرعت تمسك ذراعه وتمنعه هادرة
((لحظة.. سأرقص لك.. سأفعل..))
نكست وجهها بعدما قالته بخضوع فدنا منها وأعاد شعرها للخلف ثم مال إليها وأنفاسه تحرق وجهها.. ليهمس بصوتٍ خافت جعل قلبها ما بين ضلوعها ينتفض بقوة
((سأنتظرك إذن في الليل..))
كان جسدها يرتجف من فرط الذل والهوان الذي يجتاحها جراء طلبه لكنه أمسك وجهها بكفه بغتة ورفعه ثم قال وهو يحدق بأعماق عينيها الكسيرتين
((أداؤك في الرقص الليلة سيكون الحكم في مسألة طلاقنا))
سرت رجفة على طول ظهرها وهو يردد على مسامعها تلك الكلمات القاتلة.. حتى نظراته لها كانت نظرات خالية من اللين المتأصل فيه والذي يغمره على كل من حوله..
انسابت دمعة من عينها لتصل لإصبعه فمال طرف ثغره بابتسامة غريبة عنه قبل أن يغادر..
=============================
كان مُؤيد يتكئ على عكازه وهو يتقدم للداخل بقدم مجبسة قبل أن يسمع والده يغمغم باقتضاب
((حسبي الله ونعم الوكيل.. حسبي الله ونعم الوكيل يا مُؤيد))
جلس مُؤيد على أريكة وقالت زاهية بصوتٍ مفجوع
((يا حاج قدم ابنك أصيبت مرة أخرى وأنتَ تحسبن!))
كان صدر يعقوب ينتفض بعنف وهو يقول بإجهاد منفعل
((لم يمضِ الكثير قبل أن حل الطبيب جبس قدمه وها قد تسبب بحادث آخر على نفس قدمه المصابة مرة أخرى))
تمتم مُؤيد بمرارة حنظلية
((يا أبي أنتَ تتحدث كأني وقفت عمدا أمام تلك السيارة المسرعة وجعلتها تلامس قدمي))
قالت زاهية وهي تطبطب فوق ظهر ابنها
((الحمدالله أن السيارة وقفت في اللحظات الأخيرة فلم تصب إلا قدمك، قدر الله وما شاء فعل.. الطبيب قال لمُصعب أن الوضع ليس خطير حتى لو كانت الإصابة أبلغ من المرة السابقة))
غمغم يعقوب بصوتٍ خافت وهو يهز رأسه
((الحمدالله دائما وأبدًا، الحمدالله أن الحادث اقتصر فقط على قدمك.. ولكن حادثين على نفس القدم لا يفصل بينهما إلا أسابيع ليس هينا.. الله أعلم أن سبب تدفق المصائب فوق رأسك هو ذنب زوجتك.. متى ستعيدها لك يا ولد؟))
تضايقت ملامح مُؤيد وحاد بوجهه بعيدا، فعاود يعقوب يحسبن مرارا.. ثم استقام مغادرا المكان لا يتحمل البقاء معه في نفس الغرفة مِمَّا جعل مُؤيد ينظر لوالدته قائلًا بصوتٍ معذب
((أمي أخبري أبي أن يتوقف عن التحسب عليّ.. قلبي يؤلمني كلما سمعته يقولها لي وأنا من كنت أقرب أبنائه إلى قلبه ومن يضرب بي المثل))
ضج الألم على ملامح زاهية ولم تعرف ماذا ترد عليه.. فتناول مُؤيد عكازه يتكئ عليها ذاهبا لغرفة ابنه المريض منذ الأمس.. وتبعته والدته بقلة حيلة..
جلس مُؤيد على سرير فهد يساعده على الاعتدال جالسا ففعل الصغير وهو ينهت بإعياء قبل أن يضع داخل فمه حبة الدواء ويساعده على تجرع الماء لابتلاعها..
ثم أغلق فهد عينيه بألم وعاد يتمدد على سريره بجسده المنتفض قليلا..
انتبه كيف أن حرارة طفله المرتفعة جعلت شفتيه بيضاوين متشققة..
قالت زاهية بصوتٍ حزين لابنها المهموم
((لقد أخبرت فهد ألا يقترب من أخيه المريض ولكنه لا يسمع الكلام وها قد أصابته العدوى، سأنبه على يزيد مرة أخرى ألا يقترب من أولاد عمه حتى ينعموا بالشفاء إن شاء الله))
لعق مُؤيد شفتيه وهو يتنهد ببؤس وإرهاق.. ومواقف كثيرة وأصوات أكثر تتداخل برأسه..
في الماضي.. عندما يمرض أحد ولديه رتيل هي من كانت تسهر عليهم طوال الليل وتبعد الابن عن الآخر حتى لا يصيبه بالعدوى وتجعله ينام في غرفتهما وهو لا يقوم بشيء سوى التذمر منها.. وكانت دائما تضع منبهات على الهاتف بحيث لا تنسى مواعيد أدوية المريض حتى لو كانت بأوقات متأخرة في الليل..
قالت زاهية بمراوغة انتشلت ابنها من دوامات الشرود
((والله ما تفعله يا مُؤيد بأولادك لا يرضي الله، هل يعقل ألا يأخذك بحالهم أي شفقة أو رحمة! هل يعجبك أن يظلا هكذا كالمنبوذين من مربية لأخرى))
تحفزت ملامح مُؤيد ليتساءل ببطء
((هل تقصدين بكلامك إذن أن أعيد رتيل إلى ذمتي وأتنازل عن كبريائي المزيف من أجل الولدين يا أمي؟))
استنكرت زاهية استنتاجه الذي وصل له من كلامها لتهتف به موبخه بمقت
((أيها الديوث تريد فقط من يشجعك على إرجاعها لتفعل، لكن على جثتي، لن أسمح لها أن تعود لك بل سأزوجك امرأة أخرى ولكن تنازل حضرتك ووافق))
امتعضت ملامح مُؤيد لكلام أمه التي بارحت الغرفة غاضبة.. وظل صامتا في ذلك التيه الذي يضرب رأسه..
كل ما يسمعه من جهات مختلفة يشوشه ويرسم له ألف تصرف بعقله بمسار متعرج لا يستقيم.. لا يوصله لأي قرار.. فقط ضجيج عنيف يعصف بعقله ليرديه صريع التعثر.. التشوش.. التيه..
ومن دون لحظة تفكير إضافية وجد نفسه ينتشل هاتفه من جيبه ويطلب رقما ما وسرعان ما جاءه الرد بصلف وجفاء
((نعم يا صهري.. أوه أقصد أن أقول نعم يا سيد مُؤيد الكانز بما أنك طلقت أختنا المسكينة من أجل زلة الله أعلم كم هي صغيرة وبسيطة حتى تتزوج من أخرى))
لم يعقب مُؤيد على تهكم صهره واتهامه بتطليق رتيل من أجل امرأة أخرى، ثم قال بصوتٍ واجم
((بعد أن يتحسن حال ولديّ المريضين سأرسلهما عند والدتهما ليقضيا بعض الوقت معها))
صدرت من شقيق رتيل شهقة مستنكرة ساخرة قبل أن يقول بجلافة
((نعم يا حبيبي نعم! ما أتقاضاه أنا بالكاد يكفي عائلتي وأمي، هل تريد مني أن أنفق على أولادك وأربيهم بنفسي!))
صحح له مُؤيد وهو يشدد على كلماته من بين ضروسه
((قلت سأرسلهم لكم ليقضوا بعض الوقت مع أمهم ولم أقل بأني سألقي رعايتهم على عاتقك، إنهما مشتاقين لرتيل وتلك المكالمات بينهم لا تسمن ولا تغني من جوعهما لها شيئا، ثم أنا سأرسلهما مع مصروفهما كاملا حتى لا يضطر أحد أن ينفق فلسا عليهما))
هتف به شقيق رتيل بامتعاض
((حبيبي لا نريد منك مالا ولا غير ذلك، الأولاد بعد الطلاق من مسؤولية أبيهم، وهذا ليس كلامي بل كلام الشرع، لقد طلقنا الأولاد من اخني بعدما طلقتها))
انفلتت أعصاب مُؤيد ليزمجر به
((أيها المنحط سأرسلهم لرتيل ليوم واحد بل لساعات، لا أكثر ولا أقل، سأوصلهم لبيت أمهم وأنا بنفسي من سأرحل بهم))
أصدر شقيق رتيل صوتا معترضا قبل أن يقول بمنطقه المثير للاستفزاز
((هي في البداية تكون زيارة لساعات ثم تصبح زيارات ليوم ثم لأسبوع ثم الأولاد يريدون الإقامة عند والدتهم ثم تنسى أولادك وتبلينا نحن فيهم، ولكن لا يا حبيبي لم تحزر، لسنا نحن من نربي أطفال رجل غريب عن عائلتنا بل عن قريتنا كلها))
تغضنت ملامح مُؤيد نفورا من دناءة صهره.. وعرق أخضر بجبهته ينبض بشكل بارز بينما يسمعه يكمل
((مُؤيد لآخر مرة سأعرض عليك، يمكنك إرجاع أختي لذمتك ولو صوري من أجل الأولاد، المهم أن تحويها في بيتك وبعدها تزوج، سافر، افعل ما تشاء لن يحاسبك أحد، لكن طالما ترفض أن تعيدها لذمتك فانسَ أنها كانت زوجة لك وأُمًا لأولادك في يوم من الأيام، رتيل ستنساك أيضًا أنتَ وأولادك وستنشغل بالأطفال الذين ستنجبهم من الرجل الذي ستتزوجه بعدك))
انفلتت شتيمة خافتة من شفتي مُؤيد ما إن انتبه أن صهره أغلق الخط في وجهه بعد أن أفضى ما لديه من كلام أجج الدماء المغلية في عروقه.. بالكاد تحكم بأعصابه الفائرة حتى لا يرمي الهاتف أرضا ويحوله إلى قطع متناثرة..
شبك مُؤيد أصابع يديه واتكأ بذقنه فوقهم وهو يفكر ما الذي دهاه! لم يكن يوما بهذا الضعف وعدم الاتزان وعدم الاكتمال.. ليضحي الآن كأنه حُطام رجلٍ لم يعد يقوى حتى على التألم..
هو مُؤيد مَن فؤاده رصّ من صخرٍ جندل ويَكسر ولا يُكسر يتأثر مِمَّا عافر به مؤخرا إلى هذا الحد؟
والأمرُّ أن كل ما حصل له في الحياة ليس لأنه فقد تلك الزوجة الصالحة التي ظنها عليها بل لأنه.. فقد حياة.. حياة لن تعود له كسابق عهدها..
طُرق فجأة باب الغرفة لتدخل والدته منه ولكن بملامح بشوشة أثارت توجسه خاصة وهي تقول له بينما تنظر بتردد لأحد ما يقف في الخارج
((مُؤيد عزيزي غادر من هنا فصبر ابنة جارتنا أم أحمد تريد الاعتناء بالولدين))
اتسعت عينا مُؤيد وهو يناظر فتاة صغيرة في العمر يلحظ توترها وخجلها، غاضّة بصرها عنه، وعندما لاحظ استغراقه في النظر لها سارع هو الآخر يغض البصر عنها بينما تتابع والدته
((صبر ما شاء الله تدرس التمريض وعندها خبرة في التعامل مع الأطفال وتطوعت أن تمرضهم طول الليل))
قوس مُؤيد حاجبيه لتكمل والدته
((المربية السابقة التي جلبتها لهما كانت قاسية بعض الشيء ولم يكن عليّ أن أسمح لها أن تصرخ عليهم كيفا تشاء خاصة في فهد فهو طفل حساس))
أومأ مُؤيد بهدوء لوالدته بينما يده تمتد ليتناول عكازه ويتكئ عليه للمغادرة وإحراج قميء يجتاحه من نظرات صبر المختلسة لقدمه المجبسة خاصة وأنها بهذا الجمال الملفت الناعم..
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثامن وستون 68 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
سارعت تعدل شيرين من حال الوشاح حول رأسها عندما نبهتها إحدى الضابطات أن الرائد مُعاذ يريد أن يراها..
ما إن شعرت بقدومه حتى وقفت من مكانها متوترة وهي تنكس وجهها..
فتح مُعاذ النافذة عليها ولم يتحدث في البداية لدقائق.. قبل أن ينطق أخيرا بصوته الرخيم الهادئ
((كيف حالك يا شيرين؟))
رفعت عينيها اللامعتين ببطء له.. ارتجفت شفتاها ونطقه لاسمها بدون أي رسمية جعلها تتجرأ أن تتشبث به كأحبالها المنجية لتهمس بعذوبة صوتها وعذابه
((لقد أخذوني للحبس الانفرادي رغم أني لم أخطأ بشيء، أرجوك اطلب منهم أن أعود للعنبر فالزنزانة المتكدسة أفضل من هذا الانفرادي..))
شعرت في جوف روحها ألما يخنق أنفاسها فيفيض عذابا على وجهها وهي تردف بشقاء قلبها
((شعوري بالوحشة داخل السجن يقل في حال وجود مَن يؤنس وحدتي، ومع وجود رفيقات في الزنزانة يمكنهن مشاركتي الطعام والشراب، والحديث عن حيوات كل منهن فيما قبل السجن! التشارك معهن في أنشطة يومية تقتل الوقت والحنين إلى الخارج، أما هنا كيف سيمضي الوقت وقد انتفت أبسط حقوقي وطرقي في التحايل على الوقت والملل الذي لا ينتهي، أو الذي لا أعرف نهاية محددة له؟))
تعانقت عينا شيرين بعينيه بحرقة وتشتت.. فعلى أقل تقدير يعلم السجناء المحكوم عليهم متى الخروج من هذا المكان القميء، المغلق المظلم! يوجد لهم محرك لمرور الوقت، وانتظار موعد انتهاء العقوبة.. ولكن هي المحبوسة احتياطيا محرومة حتى من حساب الأيام، فلا يوجد موعد محدد لخروجها، ستضيع سنوات عمرها في انتظار انتهاء هذا الجحيم الذي تعيشه هنا أو استيقاظ طه من غيبوبته..
تقبضت يدا مُعاذ بتلقائية وفيض عذابها يغمره برغبة فوضوية إليها.. وحواسه كرجل كلها تتحفز ألما لشقائها.. ليقول أخيرا بهدوء خادع
((أنا أتفهم ما تقولينه فالحبس الانفرادي يساهم في تعميق الشعور بثقل الزمن))
أشاح مُعاذ بوجهه بعيدا عنها وضعفها يصل إليه كنار توهن ثباته.. ثم قال أخيرا
((لا تقلقي هي مسألة يومين أو ثلاثة وستعودين للعنبر الذي دخلتيه في بداية فترة سجنك، لقد حاولت نقلك لزنزانة انفرادية أفضل حالا))
شتتت شيرين نظرها في الزنزانة وقالت صادقة بصوتها المتحشرج
((نعم وفيها نافذة، شكرا لك.. يا.. مُعاذ))
تنهد مُعاذ ثم قال وقد سكن الإجهاد صوته
((المشكلة أن معظم الزنازين الخاصة بالحبس الانفرادي مُصمَّمة بشكل لا يسمح بدخول أشعة الشمس أو الضوء الطبيعي وتقريبا هذه هي أفضل زنزانة انفرادية))
سالت دمعة على خدها مسحتها على الفور وقالت بصوتٍ مرير وابتسامة معذبة جميلة ترتسم على وجهها
((بمجرد أن وصلت بوابة هذا السجن وقد تم التعامل معي كمجرمة حقيرة لا يليق التعامل معها كانسان، ضاربين بعرض الحائط بالمقولة القانونية التي تنص على أن "المتهم بريء حتى تثبت إدانته".. لكن الأمر اختلف معي منذ قدومك.. شكرا لك مجددا))
شكرها العاطفي مس شغاف قلبه فابتسم لها وهو يرخي أجفانه ثم قال بنبرة مميزة
((ألا يكفي عار ابن عمي الذي كان بيده أن يشهد بجانب زوجته السابقة معك بل ويقدم دليلا سيساهم ببراءتك فورا، ولكنه عوضا عن ذلك هرب تاركا المحامي يواجه عواقب كثيرة حتى يحصل على تلك المكالمة التي حصلت بينكما! على كل حال طلبت أن يجلبوا لك كتبك وأغراضك هنا))
صدح فجأة رنين هاتفه فرفعه يناظر المتصل ثم قال بعفوية
((إنه أخي مُؤيد! شقيقي الثاني الذي يصغرني بثلاث سنوات))
تلبكت قليلا وكسا شيء من الاحمرار وجهها لاطلاعه إياها على من يتصل به لتقول بتعثر خافت
((نعم أعرفه، أقصد سمعت باسمه.. أعني أنا أعرف أسماء إخوتك..))
رد عليها مُعاذ بصوته الحلو
((إنها فترة راحتي الآن لذا سأرد عليه الآن))
أما شيرين فتعجبت ورفرفت بعينيها وهي تراه فعلا يفتح الخط مع أخيه ويتحدث معه.. حتى أنها جلست في مكان بالزاوية وظلت تصغي بفضول للحديث الذي يجريه مع أخيه بكل أريحية وصراحة رغم عدم إلمامها بالموضوع.. لكنه بدا شيئا يخص زوجة أخيه..
كما بدا وأن مُعاذ قد قرر أن يقضي وقت راحته كلها بالقرب من زنزانتها ومعها حتى لو كان هناك اتصال آخر عليه إجراؤه..
بمجرد أن انتهى مُعاذ من مكالمته على الهاتف ووقت راحته على حد سواء سألها لمرة أخيرة إذا كانت تريد شيئا بابتسامته المفعمة بالود وهي مسحت تعابير الشجن عن وجهها لتشكره.. تلكأ قليلا لا يقدر على كبح رغبة قلبه في التواجد معها قبل أن يغادر فعلا..
وهكذا ولأول مرة وضعت رأسها على فراش مريح وأغلقت جفنيها وابتسامة جميلة ومطمئنة ترتسم على وجهها..
=============================
قالت رتيل على الهاتف بصوتها الباكي المتأثر بعد أن انتهت من حديث طويل مع ولديّها
((شكرا لك أنا ممتنة على ما تفعلينه يا ياسمين، لكن أرجوكِ لا تخبري زوجك أني أتحدث خلسة مع أولادي على هاتفك، أخشى أن يفلت لسانه بالخطأ أمام أمه أو أخيه، لا تقبلي اتصالاتي إذا كان متواجدا عندك))
قالت ياسمين بلطف
((إنه ليس هنا بل كالعادة عند منال ونجوم يعدان له الحلوى والأطعمة، رغم أني متأكدة أن لديه فكرة عن حديثي معك ولا يُمانع))
ضيقت رتيل عينيها تفكر بكلام ياسمين وقد نست موضوع ولديها قليلا.. ثم تذكرت مشاهد من أول يوم لعودة مَازن للبلاد.. لتقول بفطنة
((نجوم ومنال؟ ألا تلاحظين في كل مرة أسألك إذا ما كان زوجك بجانبك تجيبيني أنه عند منال تعد له أحد أصناف الحلوى؟ لم يكذب مَازن عندما كان يدعوك في بعض الأحيان لوح الجليد! أنتِ كذلك بالفعل))
قالت ياسمين باستدراك
((أعرف أنه يكثر الذهاب عندهم وهذا لأنهما يصنعان له ما لذ وطاب من الأطعمة، ولكن هذا الأمر من مصلحتي لأرتاح من رؤيته، ألا يكفي أنه لا يعمل ويقضي معظم النهار بجانبي!))
أكتنف صوت رتيل المتعب الجدية
((ياسمين اصغي لي، كان هناك إحدى الرجال المعروفين في قريتنا قد استقدم خادمة من إحدى دول شرق آسيا بعد أن اضطرته أزمة صحية إلى التقاعد المبكر، وخلال فترة وجوده الدائم في البيت كانت عاملة المنزل هي من تهتم به من رعاية واهتمام وتفان وإخلاص، في حين أن زوجته الحمقاء كانت مثلك بالضبط لا تهتم إلا بإبعاده عنها، لذلك بمجرد أن تعافى الرجل حتى أدرك أهمية دور العاملة في حياته، وبالفعل تم زواجه بها، بالطبع طلبت زوجته الطلاق وكان لها ما أرادت، أما هو فيعيش في سعادة واستقرار مع زوجته الجديدة..))
رفرفت ياسمين بعينيها بحيرة ثم تساءلت
((لماذا تخبريني بهذه القصة؟))
أجابتها رتيل بلهجة مبطنة بالتوبيخ
((حتى تعي على نفسك ولا تسمحي لنجوم بالاقتراب من مَازن.. إذا كان تلك العاملة كبيرة في السن ومع ذلك استطاعت أن تأخذ لب عقل ذاك الرجل الوقور فما بالك بزوجك خفيف القلب؟))
قالت ياسمين بلا اكتراث رغم أن هناك شعور مبهم يعتمل بداخلها
((لا يهمني فلتأخذه وتتزوجه ولتشبع به))
في هذه اللحظة دخلت دارين على جناح ياسمين وعرفت أنها تحدث رتيل لوجود فهد وباسم جالسين بجانبها فاندفعت دارين ومدت يدها تقول
((أعطيني زوجة عمي رتيل لأتحدث معها))
استجابت ياسمين باستغراب لها فوضعت دارين الهاتف على أذنها وقالت بصوتٍ خرج بالكاد متماسكا
((زوجة عمي متى ستعودين؟))
أطلقت رتيل نفسا مرتجفا قبل أن تقول
((لا أعرف متى سأعود لكن ربما لا أفعل، الله أعلم ما هو الخير لي))
انهار ثبات ملامح دارين وتغرغرت عيناها بالدموع وهي تهمس باعتذار صادق
((أرجوكِ سامحيني زوجة عمي لأني كنت أهددك دائما بإخبارهم بذلك الأمر لو كنت أعرف أن الأمور ستؤول لما آلت إليه لم أكن لأفعلها))
تمَالكت رتيل دموعها من الانحدار وهي تخفف عنها
((لا بأس أنتِ ليس لك أي علاقة بأي شيء، إنه خطئي كاملا))
شرعت دارين بالبكاء بعجز وهي تستنجد بها
((إذن أرجوكِ عودي يا زوجة عمي فأنا تعبت من تولي مسؤولية أبنائك الذي يعيشون هنا كالمشردين، جدتي تمنع كليا زوجتيّ عمي مَالك ومَازن من التدخل ووظفت مربية قاسية تصرخ وتزمجر طوال الوقت بنا، حتى باقي العاملين في هذا القصر تمردوا ولا يلبون ما نحتاجه وجدتي ليس لها كلمة عليهم جميعا..))
فغرت رتيل شفتيها المرتعشتين وقالت ببهوت
((أولادي كالمشردين؟))
رفعت رتيل راحة يدها فوق فمها بينما تسمع دارين
((نعم هما كذلك فلا يقبلان أن يدرسهما أحد ولا يأكلان شيئا من أحد ويبكيان طوال اليوم، حتى جدتي تمنع ذهابهما للعب مع أصدقائهما لأنهما يرفضان المذاكرة مع المربية.. سيظلان هكذا إذا لم تعودي..))
أخذت دموع رتيل تنسكب فتمسح وجهها بظاهر كفها وهي تشهق بالبكاء بتقطع وتقول
((وماذا بيدي لأفعله يا دارين؟ وماذا بيدي؟ سأغلق الهاتف الآن.. استودعكم الله))
هتفت بها دارين منهارة
((لا تغلقيه وعودي إلى هنا فقط))
إلا أن رتيل أغلقت الخط.. فانهارت دارين جالسة على الأرض ببكاء انفطر له قلب ياسمين حتى أنها أرادت أن تبكي معها..
أما هدى كأن عدوى بكاء دارين أصابتها فانفجرت هي الأخرى بالبكاء وهي تلقي نفسها بأحضان أمها..
كان فهد يريد أن يشاركها بوصلة البكاء هذه إلا أن أخيه الصغير أمسك يده وجره للخارج.. إلى حيث يجلس والدهما عادة في هذا الوقت مع جدته بغرفة المعيشة.. ولحق بهما الباقيين..
كانت جدته تتمتم بكلمات الحمد لأن والده أخيرا قد فك الجبس من قدمه وتشافت وصار يستطيع التحرك بكل أريحية.. فوقف باسم أمامه ببسالة طفولية يقول
((أبي متى ستعود أمي؟))
عبس مُؤيد وهو يقول بنبرة حازمة
((باسم ابتعد عني لا ينقصني أنتَ الآن))
التفتت الحاجة زاهية تقول لولدها
((لا تتهرب يا مُؤيد من أسئلة الأطفال عليك من الآن أن تجعلهم يدركون أن أمهم لن تعود لأنكما تطلقتما))
هددّ باسم بعصبية محاولا التصرف كشخص ناضج
((أبي أخبر أمي أن تعود الآن أو سأهرب من البيت))
انسحب الدماء من وجوه الجميع بالصدمة من هول الكلمات التي انسابت من فم هذا الطفل الصغير.. أما مُؤيد فانتفض على الفور وقبل أن يفر باسم من وجهه المخيف أمسك يده يجره نحوه يقول بلهجة خطيرة
((تعال أيها التافه الصغير.. تهرب؟ تهرب أنتَ! من علمك هذه الكلمة؟ رأسك هذا سأكسره لو كررت مثل هذا التهديد))
شدد مُؤيد من إمساك يد باسم إلى حد آلمه وكان يرفع يده الأخرى مهددا بلكمه قبل أن تجزع زاهية إلى حفيدها وتسحبه نحوها..
شرع باسم بالبكاء وقد كانت هذه أول مرة يهدد والده برفع يده عليه فجذبته زاهية لصدرها تزعق عليه
((مُؤيد إياك أن ترفع يدك على أحدٍ من أحفادي))
ارتجفت الكلمات من فم مُؤيد من فرط الغضب وهو يقول
((بل سأفعل عندما أسمع مثل هذا الكلام على لسان ابني، افترضي لو فعلها وهرب من هنا وحل به مكروه))
طبطبت زاهية فوق كتف الصغير تهدئ من روعه وهي تقول لابنها
((سأؤكد على كل العاملين في الخارج أن يكونوا أكثر حذرا وحيطة حتى لا يقدر على الهروب، هذا لو تجرأ وفعلها فهو صغير ويخاف))
أشفق فهد على أخاه فصرخ بأبيه
((لن أسامحك يا أبي ولن أغفر لك هذا الفعل أبدا))
ثم هرول يبتعد من أمامه قبل أن ينزل والده عليه عقابا مما جعل مُؤيد يغمغم بوجه مبهوت من الصدمة
((قليل الأدب! سأعيد تربيتكما))
هدى التي كانت تراقب المشهد كاملا أمسكت ثوب أمها ودمدمت
((أمي أنا أكره عمي مُؤيد وأحب أبي فقط))
تناهى إلى سمع مُؤيد كلام الصغيرة واهتزت حدقتيه وهو يشعر بنفسه غريبا مكروها في هذا المكان! جميعهم ساخطين عليه بلا استثناء.. إخوته بمن فيهم مُعاذ الذي صُدم من الرسائل التي كتبها.. والده يرفض التحدث معه قبل أن يعيد زوجته على ذمته عنوة.. والدته ترفض الاعتناء بولديه قبل أن يسمح لها بالبحث عن عروس أخرى ويخطبها.. أولاده الذين يريدن أمهم وتركه.. حتى بنات إخوته من أشبعهم دلالا في غياب والد كل واحدة منهما بتن يكرهنه!
انتشله من غوصه العميق بهذه الأفكار صوت أمه تقول بغتة لدارين
((المربية تشكو لي أفعالك يا دارين وتقول بأنك لا تساعديها))
هتفت دارين بسخط
((وبماذا أساعدها؟ بالصراخ وتوبيخ أولاد عمي الصغار؟ أخبريها أنها تقوم بعملها جيدا بدوني))
وقبل أن تغادر دارين الغرفة رمت عمها بنظرات كارهة وقالت
((أعد زوجة عمي وإلا كلنا في البيت سنكرهك أكثر))
.
.
غرفة رتيل..
بدأت أنفاسها تتهدج بالبكاء الخافت وشظايا الندم تسير بدمائها وتؤرق روحها وتجلدها بسياط الأوزار.. كلمات دارين التي تخبرها عن الحال الذي وصل له ابنيها في غيابها كالصرخات في أذنيها تشوش عقلها وتحمل لها تحذيرات متشائمة عن حالهما في المستقبل..
هي ستبقى في بيت عائلتها مسجونة في هذه الغرفة.. صامتة وضائقة وتعيسة..
رفعت رأسها ناظرة للسماء من خلال نافذتها وملامحها تفيض بالحسرة والحزن.. تدعو الله هامسة بحشرجة بكاء
((يا رب أعد ولديّ لأحضاني فهما أجمل شيء بحياتي بل كل شيء.. يا رب سامحني على ذنبي فقد ندمت عليها))
ليتها لم تفعل ما فعلته وأغضبت ربها وفُضحت أمام والدة زوجها وحُرمت من ولديها..
لا بد أن حال ولديها في القصر يرثى له ولا بد أن جدتهم ترفض من سمية وياسمين الاعتناء بهما حتى تجبر مُؤيد على الاستعجال في الزواج..
انخرطت ببكاء حار مرير..
المسكينان من الطبيعي ألا يقبلوا من أحد آخر أن يدرسهما غيرها.. فهي بنفسها من كانت تذاكر لهما وتبحث على الإنترنت عن وسائل تسهل عليهم التحفيظ والفهم..
لا تفهم متى سيحن عليها مُؤيد متحجر القلب ويسمح لها بمقابلة فلذات قلبها..
تصاعد رنين هاتفها ففتحت الخط دون أن تعرف هوية المتصل وسرعان ما اتسعت عيناها وذلك الصوت الرجولي الخشن يصلها بحرقة
((أنا أكرهك يا رتيل أنا أكرهك! لقد ألبت ابنيّ ضدي! ماذا تخبرينهما عني حتى باتا يعبران بكرههما لي بكل صراحة!))
توسلت له رتيل من بين شهقاتها المتقطعة
((أرجوك دعهما يزوراني، ما قمت به أنتَ لا يغتفر ولا يقل عن ذنبي، فلماذا أحرم أنا من أولادي بينما أنتَ لا! أريد رؤيتهما، اجلبهما لي))
ازداد العذاب المرسوم على وجه مُؤيد ووجد نفسه لا يتحمل سماع نحيبها أكثر فأغلق الهاتف عليها وألقاه بعيدا عنه..
=============================
غرفة يزيد..
وتحت ضوء المصباح الجانبي الصغير الذي تخرج منه هالة برتقالية تضفي جوا من الدفء على الغرفة البسيطة الجميلة.. ارتاح مَالك على سرير يزيد وامتدت أصابعه تلعب في شعر طفله المموج بحنو بينما يقص عليه من القصة المصورة باللغة الإنجليزية بسلاسة لغوية اعتادها منه كما يفعل معظم الليالي كطريقة ممتعة لمساعدته على إتقانها حتى لا يقال بأن ابن أستاذ اللغة الإنجليزية ليس ضليعا فيها!
بمجرد أن أنهاها حتى لف بجذعه ليضع القصة على المنضدة الجانبية متسائلا ببسمة لطيفة وعيناه شاخصتان إليه تراقبان كل إيماءة يقوم بها يزيد
((هل أخذت على خاطرك مني صباح ذاك اليوم لأني صرخت عليك؟))
زمّ يزيد شفتيه ثم قال بمزاح واضح
((نعم، وكثيرا))
بعثر مَالك شعر ابنه وقال بمرح
((إذن اضرب رأسك بالجدار المرة القادمة، لا ينقص إلا أن تنام بيننا على السرير))
صدرت من يزيد ضحكة خافتة وقال بصوتٍ أجش
((حسنًا سأفعل))
رفع مَالك حاجبيه وبادله الضحكة قبل أن يحتضن وجهه بكفيه ويقول
((لا، لا تفعل أيها الشقي، أريدك سالمًا.. غدا ستعلم أختك أو أخاك بمجرد قدومه من شقاوتك))
ملأ يزيد رئتيه بالهواء ثم زفره متمهلًا وهو يفكر بحماس وتوق كم يحتاج أن ينتظر قبل قدوم الطفل!
انتشله صوت طرقات خافتة للباب من شروده.. لتدخل سمية هادرة بخفوت
((لقد تأخرت في الصعود يا مَالك))
اعترض يزيد بحنق
((لا زال الوقت مبكرا يا أمي، دعيه هنا))
ضم مَالك ابنه لصدره قائلًا
((نعم لا زال الوقت مبكرا))
اعترضت سمية بشقاوة
((لا تأخذ صف ابنك ضدي يا مَالك))
ضحك مَالك بصوتٍ أبح لمقصدها المبطن من كلامها وشغف يتدفق في أوصاله وهو ينظر إليها كامرأة جميلة للغاية.. تجذبه لها كمغناطيس.. بشعرها الطويل حالك السواد كظلام ليل بهيم..
طبطب مَالك فوق الفراغ القليل المتبقي على السرير في دعوة لتتمدد بجانبه هادرًا
((تعالي هنا، لا تقلقي السرير سيتحمل))
رسمت ابتسامة جميلة له أسرت قلبه بعنف ثم خطت مسرعة نحو السرير لتتوسد فوقه بجانبه وتريح رأسها على صدره ليتسلل دفئه عبر الحرير لجسدها.. قال بنبرة مؤثرة جعلتها تشعر كأنه مد كفه ليمسك قلبها بقبضته
((ما أحلى قربك))
رفعت عينيها لتذوب بعينيه ونظراته المستكينة تأسرها طواعية.. قبل أن يلامس جبهتها بشفتيه.. لتلامس روحها سعادة خفية لم تحلم بها.. لم تحلم أبدًا طوال سنواتها السابقة أن تمتلك زوجا مثله وطفلا غير يزيد..
حتى عائلته رغم علمها تمام العلم أن بعضهم لا يودونها كثيرًا إلا أنهم يحسنون لها على عكس عائلة زوجها السابق الذين تنطق نظراتهم قبل كلماتهم لها بالبغض والغل رغم أنه لم يصدر شيئا منها تجاههم إلا كل خير ليتبين لها لاحقا أي مستنقع كانت تعيش فيه..
من دون أن تشعر اختض جسدها قليلا بفعل دموع الامتنان التي تكتمها بداخلها.. لا تصدق كم أضحت عاطفية ومندفعة باندهاش منذ ارتباطها منه.. وفي نفس الوقت لم تصل يوما إلى هذا الحد من النضج إلا عندما اختبرت الحب الحقيقي معه..
شعر مَالك بنشيجها المكتوم فلفه الذهول وقال وهو يطبطب فوق ظهرها
((يا إلهي هل تبكين! أنتِ تبكين حقا! انظر يا يزيد كيف جعلت أمك تبكي! سأكون بصفها ضدك))
تجلى القلق على وجه يزيد ليقول بعفوية وهو يمرر يده الصغيرة فوق شعرها
((أمي لا تبكي أنا سأكون بصفك ضدي))
انفرجت ضحكة بصوتٍ أجش من ثغرها على طفولية صغيرها لكن لم ترد أن ترفع وجهها المبلل بالدموع له لتسمع مَالك يقول
((يبدو أن هرمونات الحمل ظهرت من الآن))
رفعت ذراعيها تلفها تحت كتفي مَالك سامحةً لدفء رجولته أن يحتوي ضعف أنوثتها قائلة
((نعم هرمونات الحمل، لذا ضمني فقط يا مَالك))
وشدد من ضمها بالفعل ليتسلل لها المزيد من دفئه وكم ودت لو تستطيع أن تبوح له بالكثير من كلمات العشق لكنها لم تفعل لطبيعتها الخجولة..
=============================
في الحديقة..
جلس مَازن على مقعد تحت المظلة الخشبية بجانب زوجته يراقبان هدى تلهو وتلعب مع أولاد عمها وباقي الأطفال..
بالكاد أقنعت ياسمين الحاجة زاهية أن المسكينان منذ مغادرة أمهما لم يذوقا طعم السعادة وعليهما أن يخرجا كباقي الأطفال ويستمتعا بوقتهما قليلا..
لم يمر الكثير قبل أن يشع عطر أنثوي ثقيل ملازم لصاحبته التي تقدمت منهم ملقية بالسلام..
استقام مَازن من مكانه يرحب بها، أما ياسمين فلم تكلف نفسها بالوقوف بل ردت السلام عليها بتمتمات مقتضبة وهي تطالع ملابس المرأة وألوانها الفاقعة المبالغ بها..
انتبهت المرأة لنظراتها فرمتها بالازدراء ثم جلست مقابلهم تسأل مَازن
((من هذه المرأة التي معك؟))
ابتسم مَازن لزوجته وأمسكها من كتفها حاضنا إياها ليقول
((إنها زوجتي الجميلة ياسو))
أظهرت ياسمين نفورا وابتعدت عنه هاتفة كمن توبخ طفلا صغيرا
((كم مرة عليّ أن أنبهك ألا تقوم بهذه الحركات أمام أحد))
كسى وجه مَازن الحرج مِن ردة فعلها حتى كساه اللون الأحمر القاني.. لكنه ابعد واجهة الحرج التي تلبسته وعالج الأمر فتنحنح يجلي صوته.. وقال للمرأة التي أمامه ملطفا الأجواء وهو يشير بسبابته إلى هدى
((تلك الطفلة هي صغيرتي، نحن نتنزه بين الحين والآخر هنا في هذه الحديقة لذا أحببت أن ألتقي بك هنا))
قالت المرأة بابتسامة تكاد تتلوى ازدراء على ثغرها وهي تطالع ياسمين بتعالي
((أنا أرى أن تذهب المدام ياسو وتلاعبها ريثما ننهى مقابلة عملنا))
أمسك مَازن بيد ياسمين واعترض
((بل دعيها تبقى هنا وتعرف أكثر عن عملي في الترجمة بمكتبتكم))
نفضت ياسمين يده وقالت ببرود استشعر غضبها
((وماذا سيكون عملك معها في المكتبة غير الترجمة! لست مهتمة بالاستماع لكم، دعني أتابع هدى عن كثب))
غادرت ياسمين من أمامه متوجهة نحو الأطفال ومَازن يتفاقم غضبه حتى أنه ضم قبضته ليمنع ظهور ارتجافها من شدة الحنق.. إنها حتى لا تشعره أنها تراه رجلا يستحق أن تغار امرأته عليه وتستحوذ على مشاعره مهما حاول أن يستفزها أو يثير غيرتها.. فيبدو أمامها دائما كصبي يفتعل موافق تقلل منه ليحظى بانتباهها..
قالت المرأة تتجاوز حدودها الحمراء
((زوجتك هذه مثل البومة المنفرة، كيف تتحملها بالله عليك!))
اشتدت قبضة مَازن المغلقة ثم ردعها بعملية لا تخلو من لباقة فطرية لا ينم عما يعتمل في صدره
((لو سمحتي يا آنسة لا تقللي احترامك لزوجتي ودعينا نكمل حديثنا بخصوص مكتبتكم))
.
.
بعد ساعة..
دلفت ياسمين إلى حجرتها ومن خلفها مَازن..
كانت تشعر بذبذبات التوتر تعم من حولهم فمَازن لم ينطق بحرف طوال طريقهم إلى هنا.. هي حقا لا تفهم سبب ردة فعلها المتطرفة التي تكشف حرقتها من الداخل! هل بسبب أن المرأة التي التقت بها وتبدو بسنها كانت تظهر فاتنة بزينة وجهها الملائمة لملامحها وثيابها المبهجة الراقية على خلافها تماما! فساءلت وهي تنزع من ملابسها
((ما نتائج تلك المقابلة يا مَازن؟))
مرر مَازن أصابعه بحنق على عنقه ثم قال
((لقد ظننت أنها ستكون مقابلة عمل لتتأكد من درجة اتقاني اللغة وضلاعتي بها أو تسال عن أعمال سبق وترجمتها لكن اتضح أن المقابلة كانت لإقناعي بالعمل عندهم بأجرة زهيدة مقابل الخبرة فرفضت باختصار))
اتشحت نظرات ياسمين بالذهول واعترضت قائلة
((وماذا فيها لو كان عملا بأجرة زهيدة؟ هل تظن أنك يجب أن تجني الملايين من أول عمل تبدأ به))
هتف بها مستنكرا
((كوني معدوم الخبرة لا يعني أن أقبل العمل في مكان يعطيني أجرة متطوع خيري))
تمتمت ياسمين له بتحقير
((مدلل أنتَ وتريد أن تمضي حياتك باللهو فقط))
أغمض مَازن الذي كان لازال حانقا منها عينيه.. بالكاد يمسك نفسه ألا يفتك بها.. يكره كيف أن المرأة التي تكون زوجته لا تعامله باحترام.. يكره كيف أنها لا تطالبه بشيء وتكتفي بما عندها.. إنها لا تكترث لشيء يخصه ولا تغار عليه ولو بمقدار ذرة رغم امتلاكه تلك الوسامة المهلكة التي تجعل النساء تقع صرعى طلته البهية كما لا تنفك أمه عن إخباره.. فوقف أمامها يتساءل بصوتٍ خطير
((هل أعجبتك تلك الطريقة المهينة التي عاملتني بها أمام تلك المرأة؟))
لم تبالي به وهي تجيبه بفتور
((كم من مرة نبهتك أن تثقل قليلا أمام الناس! أكره الابتذال))
قطب مَازن حاجبيه ثم هتف بها بغضب مشتعل
((ياسمين.. ربما أكون حقا قد أخطأت بحقك.. وبحق نفسي وحق عائلتي لكني لست مستعدا للتكفير عنه أكثر من ذلك.. لا طاقة لي لتحملك والصبر عليك أكثر من ذلك خاصة وأني لا أحبك حتى))
تحلت بكل برودها الظاهري وتساءلت
((وما هو المطلوب مني؟))
كزّ مَازن فوق أسنانه محاولا السيطرة على أعصابه وقال
((عليك أن تعرفي أني أريد أن أحبك.. ولكن بالتأكيد سأظل أحب نفسي أكثر، لذا لن أقبل عليها تحمل المزيد من جفاءك.. لن أتحمل ولن أستطيع حتى لو أردت))
اقتربت أكثر منه تقف أمامه وتقول
((ولكن أنا وعلى الرغم من عدم حبي لك فلا أقصر بحقوقك شيئا، هل طلبتني مرة ورفضت!))
أنفعل مَازن بها بحنق
((المشكلة ليست مشكلة حقوق وواجبات بل هي أني أريد أن أعيش حياة ود واحترام وهذا ما ينقصه من جهتك))
هزت كتفيها ثم قالت بهدوء استفزه قبل أن تعطيه ظهرها
((هذا هو طبعي لا أستطيع التمثيل أمامك بعكس ما أضمره فعليا لك))
هتف بها باستنكار يؤجج غضبه
((ولماذا لا تستطيعين حتى تمثيل الاحترام لي؟ لماذا تعامليني كأني قصدت إيذائك؟ أنا كنت ضحية مثلي مثلك.. أخطأتُ بتستري على خططهم بخطفك وتلويث سمعتك لأني لم أرد جلب المشاكل لي ولكن ندمت وعوقبت بالزواج من لوح ثلج مثلك وانتهى الأمر))
رفع مَازن كفيه يمسح وجهه ثم قال بعد دقيقة بنبرة مختلفة
((مفاد نقاشنا هذا أن طريقنا وحياتنا مسدودة.. تماما))
استدارت ياسمين نصف استدارة لكن ظلت على جمود ملامحها وحركة حلقها كانت الوحيدة التي تدل على تأثرها..
ضيق مَازن عينيه عندما لم يجد منها أي إجابة ثم قال
((حسنًا.. ممتاز.. ولكن عليك أن تعرفي أن الرجل إذا لم يجد راحته وسعادته في منزله يذهب ليبحث عنها في مكان آخر))
تعمدت أن تميل زاوية فمها بابتسامة مستخفة تواري بها حرقتها من كلامه وقالت
((إذا كان بحثه عنها في الحلال، وضع خطين تحت كلمة "حلال" يمكنك أن تفعل ما تريد))
كلامها المبطن أثار غضبه ليستعر أكثر وينفجر بها
((بالتأكيد في الحلال، وإياك ثم إياكِ أن تلمحي لغير ذلك، ما كانت تربيتي ولا ديني يسمحان لي أن أفعل غير ذلك))
قالت له دون اكتراث ظاهري وبصوت خرج رغما عنها مرتجفا
((إذا مبارك مقدما))
تقبضت يدا مَازن حتى ابيضتا وقبل أن يقدم على شيء يندم عليه استدار ليهم بمغادرة المكان كله.. قبل أن يعود أدراجه عدة خطوات ويقول
((أنا بالفعل سأتزوج ولا أقول مجرد كلام، ولكن ليس قبل أن أطلقك))
غمغمت له باقتضاب
((لا شكرا، لا أريد الطلاق، خاصة مع ظروف عائلتي، افعل ما تشاء واذهب أينما تريد ودعني أعيش بسلام مع ابنتي هنا))
هنا فقط انفرج وجهه عن ملامح شيطانية مستمتعة لا تلائم ملامحه الودودة وتهكم بنبرة قاتمة
((ولكن الأمر ليس عائدا لك يا ياسو، أنا لا أشعر أني سأكون مرتاحا إلا لو تزوجت دون أن تكوني على ذمتي، نعم لن أتزوج قبل أن أطلقك.. وفي هذه الحالة إذن.. ها إذا استقبلتك عائلتك فلا أظن أنهم سيستقبلون هدى، وهنا لا تلوميني عندما تحرمين من ابنتك))
كلامه استقطب حذرها فتراجعت للخلف واتساع طفيف في حدقتيها التقطه ليسجله في عقله قبل أن تحتد نظراتها ويقسو فمها وهي تتحداه بصوت مختنق
((أباك لن يسمح لك أن تطلقني، سيقتلك قبل أن تفعل ذلك))
تمَالك أعصابه عند تهديدها بوالده، وتعمدها إصابته في رجولته وكرامته.. أغلق جفنيه وهو يسحب أنفاسا متحشرجة قبل أن يفتحهما ويدوي صوته من مكانه وبعنجهية يتدفق من نبرته القوية
((ولهذا سأجد عملا لي يعيلني للاستقلال عن أبي، ووقتها لن أسمح له أن يتحكم بخياراتي الشخصية))
رشقته ياسمين بنظراتها المتحدية المتألمة لعيونه الصخرية فلم يهتز للنيران البنية التي قدحت فيهما بل مالت زاوية ثغره بابتسامة زهو.. شعرت بالدموع تلسع عينيها فقاتلتها وأشاحت بنظراتها الحمراء عنه ثم همست بصوت بحّت نبراته فخرج ممزقا ومجروحا
((تريد طلاقي فقط لجعلي أعاني! هذه دناءة منك، خاصة أني لا أطلب منك أكثر من أن أبقى على اسمك حتى أعيش لآخر عمري هنا أنا وابنتي))
رد عليها من بين أسنانه بملامح متقلصة مشمئزة بثت القشعريرة في جسدها
((مهما أحمل من دناءة فلن تكون بمقدارك))
ثم استدار على عقبيه مغادرا تاركا الألم والمرارة تعتصرها من فرط العجز الذي هي فيه.. هو لا يبالغ بما يقوله، هي تدرك جيدا أن أي لحظة يحررها منه لن يكون من المُمكن لها أن تعيش هنا وتمضي ما تبقى من حياتها وبالتالي ستكون مجبرة أن تعود لعائلتها التي تعرف مسبقا أنهم قد لا يستقبلوها.. وإن استقبلوها فقد لا يقبلون بهدى كما سبق وألقى على مسامعها..
دمعة ساخنة انحدرت ببطء ميت على وجنتها مسحتها بقسوة وهزت رأسها لتجلي أفكارها..
أما هو أطبق قبضتيه بقسوة وفي عينيه تزمجر عواصف ضارية! إنها تنجح في استخراج أسوء ما فيه على نحو رهيب وغير مألوف.. فلم يكن هو ليتشمت أو يتحدث بازدراء مع أي أحد خاصة وهو يدرك أنه الطرف القوي بينهما!
اندفع نحو المطبخ حيث تجلس منال ترتشف قهوتها برواق مع ابنتها التي لا يعرف أحد سبب إجهاد وجهها وذبوله الملفت..
وقف مَازن أمامها بهيئته الثائرة يقول
((هل يمكن يا منال أن تعدي لي قمر الدين فلا أحد في هذا البيت يهتم بي سواك))
امتقعت ملامح منال وتذمرت
((ماذا تريد يا قرة عين أمك! اذهب من هنا فهذا وقت راحتنا أو هل تظننا عبيد عندك.. أوه.. أوه))
ضربت منال صدغها تذكر نفسها أنها بحاجة لاستمالة مَازن ومجيئه الآن يظهر تأثره بما تحاول منذ وقت فعله.. أزاحت كرسيا تدعوه للجلوس عليه معهم
((أقصد سيد مَازن الحبيب تعال واجلس هنا واطلب ما تريد.. على قلبي مثل العسل، الآن ابنتي الجميلة نجوم ستذهب لتعد لك كل ما تحبه..))
حدجت منال ابنتها بنظرات صارمة لتنتفض نجوم من مكانها على الفور خوفا منها.. ورغم تعب حملها الذي لم يبرز للآن إلا أنها كانت تصنع قمر الدين باهتمام.. لا تنفيذا لخطة والدتها الشيطانية بل من أجل هذا القابع في أضلاعها ويخفق بسرعة..
بدأت تختلس النظر لمازن وهي تعد له المشروب.. بدا هو الآخر متعبا مثلها.. عيناه الجذابتان كانتا ذابلتين..
كأنه حقا بحاجة ماسة لها..
ذهبت ذاكرتها لأول لقاء بينهما عندما عاد من غربته..
خضرة عيناه تعلقت بها.. فقد تفاجئ بها كما فعلت هي..
ربما لأنها جميلة.. وربما لأنه.. أحس.. بمشاعر.. تجاهها؟ هل يمكن أن يكون مَازن هو نفسه الذي سيغير حياتها كما تقول أمها؟
هزت نجوم رأسها تجلي هذه الأفكار التي بدأت تأخذ منحنى خطير في عقلها وهي تتابع إعداد العصير!
=============================
مطعم الفريال..
دلف قصي مكتب فريال ليجدها تحدث نفسها بكلمات خافتة غير مفهومة بعد أن انتهت مكالمتها الهاتفية مما جعله يتساءل بغير فضول
((ما بك يا سيدة فريال؟))
تطلعت لقصي تبدي الاستياء ثم تذمرت بدلال لا يناسب خطوط وجهها وقد قاربت على منتصف الخمسين
((آه من زوجي الأحمق.. تخيل أني تزوجته وأنفق عليه كل يوم بعد عودتي من هذا المطعم بعد يوم عمل شاق ليزيد همي بمظهره المشين))
شعر قصي بالحرج لسردها عليه مثل هذا الكلام الخاص وتجلت ملامح الضيق على ملامحه دون أن يحاول أن يواريها من كم الاشمئزاز الذي شعر به نحوها خاصة وملامحها تنقلب للسرور وهي تكمل
((تعال أيها الوسيم لأعطيك أجرتك الأسبوعية المعتادة))
على مضض تقدم منها قصي واستلم أجرته وأجرة سهر التي كانت تنتظره خارج المكتب..
تناولت سهر النقود منه وقالت باقتضاب
((لا تعجبني نظراتها أبدًا لك يا منقب الذهب))
تغضن جبين قصي بحيرة وتساءل
((ماذا تقصدين أيتها الباربي البلاستيكية؟))
صارحته سهر بما يعتمل في صدرها من شكوك
((أشعر أن تلك العجوز المتصابية معجبة بك))
أصدر قصي صوتا ساخرا يشوبه القلق ثم اعترض
((أنتِ مجنونة.. بيننا فارق عمري يزيد عن.. عن.. عشرين أو ثلاثين سنة.. إنها تعتبرني فقط مثل ابنها أيتها البلاستيكية))
مالت سهر له هامسة بضيق
((في الأمس رأيت زوجها بنفسي يركع لها متوسلا أن تسحب قضية الخلع التي رفعتها عليه في المحكمة مؤخرا، ردت عليه أنها لم تعد تحبه ونادمة على الزواج من رجل عجوز ببطن بارزة مثله.. وجلبت سيرتك أمامه وهي تقارن بين كهولته وبين سحرك أنت الرياضي الجذاب))
استحكمت غصة في حلق قصي ثم تساءل
((هل ستطلق من زوجها حقا؟))
أجابته بجدية هامسة
((نعم.. إنه الثالث.. ويبدو أنها مستعجلة على التخلص منه لتبدأ التخطيط للزواج من زوج رابع))
شعر بموجة صقيعية تجتاحه وهو يقول باشمئزاز
((أيتها الباربي البلاستيكية مسيئة الظن! هل تتخيلين أني قد أساير أو أجاري تلك العجوز المتصابية لو فكرت حتى مجرد تفكير بالنظر لي بطريقة مختلفة عن نظرة الأم لولدها!))
زمّت سهر شفتيها ثم قالت بنبرة ذات معنى
((حتى وهي ثرية! أقصد نعم صحيح ليست بثراء عائلتي.. لكنها تملك هذا المطعم كاملا باسمها.. لهذا يلهث أي رجل للزواج منها بمجرد أن تشير بإصبعها عليه.. وأنتَ كرجل منقب للذهب هذه هي فرصتك.. ثم إن الزواج من أجل المال لا يعرف فرق عمر أو شكل))
رماها قصي بتلك النظرات الحانقة ثم تجاوزها وتقصد ضرب كتفه بكتفها بقوة..
.
.
جلس قصي في الغرفة الصغيرة التي تحوي خزائن الموظفين وأوصد الباب خلفه يطلب رقما ما والذي ما إن فُتح الخط حتى جاءه صوت يوسف المتوسل
((مرحبا يا سيد قصي، أقسم لك أني لا أستطيع إعطاءك ولا فلسا واحدا، ولا حتى بثوب البقشيش، عمك سيعرف كما عرف سابقا، لقد حذرني حتى من الذهاب للمطعم الذي تعمل فيه))
اجتاحت الريبة سهر الواقفة بمواربة خلف الباب تسترق السمع له.. فمن هذا يوسف الذي يبتزه قصي اللعين ليأخذ ماله؟
اندفع قصي هاتفا باستياء
((اصمت، اصمت ما إن تفتح الخط عليّ حتى تبدأ بالبكاء وجلب سيرة النقود قبل حتى أن أقول ما عندي..))
صمت يوسف فتنحنح قصي قبل أن يقول
((المهم أردت أن أخبرك أني سبق وقدمت سيرتي الذاتية لعدد من الشركات الهندسية الإنشائية مرفقة معها إثباتات لشهادات مختومة من أكبر المراكز التدريبية لدورات حصلت عليها تؤهلني للعمل في مشاريع كبيرة حتى لو لم يكن لدي خبرات عملية))
رد يوسف بشيء من التردد
((ممتاز، ولكن هذه الشهادات أليست قبل عقد مضي؟))
تغضنت ملامح قصي بالانزعاج مجيبا
((بالتأكيد تم رفض طلبي من هذه الشركات في نفس اللحظة.. وانقضت على هذه الحكاية أشهر.. ما يهم هو أني عرفت قبل أيام وعن طريق الصدفة أنهم سجلوني على المشروع كمهندس أساسي من دون علمي ولدي كل الإثباتات المطلوبة.. حاولت أن أتواصل معهم ولكنهم يماطلون فكيف أنتزع حقي منهم؟))
رد عليه يوسف ببساطة ومهنية
((ارفع شكوى لنقابة المهندسين، نقابة المقاولين، الضمان الاجتماعي، وأخيرا وليس آخرا لمكتب العمل وسيصلك حقك كاملا.. أي ستحصل على المال منهم حتى لو لم تعمل عندهم))
عقب قصي بوجوم
((ما هذه التعقيدات! كيف سأفعل هذا كله؟))
عرض يوسف عليه بلطف
((لا تقلق دع الأمر لي وأنا سأتولاه عنك على أتم وجه يا سيد قصي))
شابت نبرة قصي الرضا وهو يقول
((حسنا تولى الأمر وأخبرني بآخر المستجدات ولا تتأخر..))
كان قصي يريد أن يسأله عن مستجدات قضية شيرين لكنه انتبه لأحد يقف خلف الباب فأغلق الخط ووضعه بجيبه.. لتفتح سهر الباب كاملا وتتقدم منه تسأله بنبرة مخيفة كأنها تحقق معه
((من هذا الذي كنت تتحدث معه وكأنه خادم عندك؟))
تكدرت ملامحه وقال وهو يضع يده فوق عضلات معدته
((معدتي تؤلمني ولا مزاج لي للتحدث معك))
حاول تجاوز سهر ودفعها فألم معدته لا يسمح له أن يركز معها إلا أنها منعته بإصرار
((إذن كانت شهادتك الحقيقية هي الهندسة كما كنت تخبرنا ولم يكن الأمر كذبة يا منبع الكذب!))
قال قصي بنبرة قوية رغم الإعياء
((نعم شهادتي الجامعية ليست كذبة وأنا درست بالفعل في الخارج، كل ما في الأمر أني أجد صعوبة في إيجاد عمل بها لأني لم أمتهن الهندسة يوما))
هتف نور وهو يدخل الغرفة عندهم
((وأنا معدتي تؤلمني أيضًا))
مد قصي يده مشيرا لنور وقال
((ها رأيتِ؟ نور أيضًا تؤلمه معدته! هذا المطعم يبيع أطعمة فاسدة))
نفي نور قائلا بوهن
((لا، لا، أنا معدتي تؤلمني لسبب آخر وليس من الأطعمة، أنا معتاد على الأمر كل شهر))
غامت تعابير قصي بحيرة ولم يفهم قصد نور للحظات لكنه تجاهل ما سمعه ثم تطلع لسهر مستهجنا
((سهر لا أفهم كيف لا تتذمرين من هذه الأطعمة المكشوفة التي تأكلينها هنا))
عقبت وهي ترمقه بنظرات الاحتقار
((هل يعقل لثور مثلك بهذه العضلات والطول والعرض أن تؤثر عليه الأطعمة المكشوفة؟))
خطا قصي للخارج نحو المطبخ وجلس على إحدى الكراسي ولحقته سهر تاركين نور بالغرفة..
ورغم أنه كان وقت المغادرة إلا أن قصي كان ينتظر حتى تهدأ معدته قبل أن ينصرف مع سهر ويسيرا لمسافات كبيرة..
كان الإعياء واضحا على وجه قصي لكن لم تبدِ سهر تعاطفا واضحا نحوه بل زمّت شفتيها لدقائق ثم تساءلت بغتة بسؤال كان يعتمل داخلها منذ مدة طويلة
((قصي هناك سؤال يلح كثيرًا عليّ بالفترة الماضية.. هل كان لقائنا متعمدا أمام متجر الألماس بجانب النادي؟ هل كانت تلك المرة هي أول مرة تراني فيها؟))
تطلع قصي لوجهها المرتقب لإجابته ورغم ألم معدته لم يكبح ابتسامته مجيبا بينما يستعيد تلك الذكريات الجميلة
((الحقيقة لا، فقد رأيتك أول مرة بالنادي عندما ذهبت مع أمي هناك وشدني حسن وجهك الشبيه بلعبة الباربي.. ورغم كرهي لهذه الأماكن إلا أني بدأت أذهب بشكل يومي لهناك لأسترق النظرات لك، حتى اكتشفت أني قد وقعت في حبك من النظرة الأولى.. وبعدها انتقلت للمرحلة الثاني وبدأت أتقصي أخبارك وعرفت كل شيء يتعلق بك وعائلتك..))
قوّست سهر حاجبيها وقالت بذهول عارم
((أكاد أقسم أني شعرت في أول لقاء حصل بيننا أنك تعرف كل شيء عني وعن عائلتي..))
بالكاد كان يقاوم التيار ضد جاذبية الماضي وهو يجيب بعذوبة تلك الذكريات
((نعم كنت أعرف عنك كل شيء، أيضا لاحظت أن والدتك تتردد كثيرًا على محل المجوهرات القابع بقرب النادي، ذهبت هناك وأخبروني أنها تزورهم من أجل أن تشبع نظرها برؤية ساعة ألماسية لا تستطيع تحمل ثمنها ثم تخرج خائبة.. كانت أول خطوة للوصول إليك هو كسب أمك واشتريت تلك الساعة لأقدمها لها عند خطبتنا))
التقط ذبذبات جسدها المتحفز وهي تهتف بغضب مستشرس
((كانت تلك الساعة هي خطتك لتبهر أمي بك وتصدق زيف ادعائك! إذن كيف تدبرت ثمن ساعة ألماسية مثلها لتهديها لأمي؟ هل سرقتها من العائلة التي كنت تعمل سائقا عندهم؟ لأني لا أستطع أن أقتنع بتخمين شيرين أنها كانت هدايا منهم))
انزعجت ملامحه راميا نحوها بنظرة لو كانت تقتل لأردتها قتيلة ثم قال باقتضاب
((لا تقلقي لم أسرق مبلغ الساعة من أحد))
حررت ذراعيها ثم سألته باتهام
((إذن هل اقترضت ثمنها من أحد البنوك؟ لولا معرفتي أنك سبق وكنت سائقا عند رئيس مجلس إدارة شركة القاني وأنه كان يجود عليك من فتاته هو وأولاده من سيارات وتذكار سفر لقلت بأنك تعمل في أعمال غير قانونية لتحظى بهذا النوع من الحياة التي تظل تتفاخر بها أمامي بغية خداعي بروتك المزيفة..))
ظل قصي على تكدر ملامحه لتسأله مجددا
((وموقف السيارة.. عندما تعطلت سيارة سائقنا وعرضت المساعدة لتصليحها.. هل كان مفتعلا؟))
بسخرية قاتمة أجابها
((نعم كان مفتعلا.. لقد حاولت بطرقي الخاصة الوصول للسائق الذي كان يعمل لديكم آنذاك ودفعت له حتى يدعي عند مغادرتكم النادي أن هناك عطل بالسيارة.. ثم أظهر أنا بمظهر البطل الخارق وأعبث في عجلاتها وأسلاكها قليلا لتبدأ العمل فجأة تحت أنظاره المذهولة.. وبعد أن تشكروني على معروفي أطلب منكم موعدا لأتقدم لك))
توحشت ملامحها بالبغض والسخط فرد عليها بازدراء
((عدم غناي ليس شيئا يستدعي احتقارك لي))
مالت له لتتهمه بعصبية
((أخبر نفسك بهذا الكلام.. لو كنت صادقا بكلامك لما أخفيت حقيقتك ولم تكذب عليّ وتظاهرت أنك رجل فاحش الثراء.. لقد سبق وأخبرتك أني عندما سأتزوج آخر ما سأنظر إليه هو وضع زوجي المالي أو وظيفته أو خلفيته الاجتماعية.. فلماذا كذبت عليّ ولم تعترف بحقيقة خداعك؟))
انتفض قصي واقفا يقول بمنطقه
((لأني لم أصدقك.. والدليل ها قد عرفتي كل شيء.. فهل ستتقبلينني بهذا الوضع؟ ها أخبريني؟ هل ستقبلين أن تتزوجي مني؟))
ردت عليه على الفور بغل
((لا لن أفعل))
مال ثغره بابتسامة متهكمة! لقد كان محقا بإخفاء حقيقته عنها.. فحتى لو عرفت أنه ابن القاني لما كانت ستوافق أمه على زواجها منه بعد أن تعرف أنه لا يستطيع حتى العمل في شركة عائلته!
قطع تفكيره هذا تأوه صدر منه من ألم معدته مما جعله يخلع قميصه الصيفي تزامنا مع خروج فريال من مكتبها والتي قالت له وهي تطالع بروز عضلات جسده الصلب برغبة
((أنا مستعجلة لذا تأكد من إغلاق المطعم قبل أن تغادرا))
نظر قصي ببلاهة لها بينما تبتعد.. فنظرات هذه الفريال لا تعجبه.. ويبدو أنه من السذاجة أن يظن أنها تراه كابن فقط..
تنهد بضيق شديد.. وذهب للغرفة يستجيل نور للخروج حتى يغلق المطعم إلا أنه بمجرد أن فتح الباب حتى قصف صوته
((ما هذا؟ هل هذه ملابس سهر أيها.. أيها.. اللعين؟))
اختبأ نور خلف الخزانة يقول وقد أضرم صراخ قصي نيران الخوف في قلبه ((سأخلعها حالا))
هتف به قصي باشمئزاز ونفور متأجج
((لم أكن مرتاحا لك أيها الحقير، لم أكن مرتاحا لك..))
هرولت سهر نحوه وتطلعت لنور بصدمة سكنتها ثم قالت
((لماذا ترتدي يا نور ملابسي؟ وكعب حذائي أيضًا..))
دفع قصي سهر للخارج حتى لا ترى نور وهو يخلع ملابسه ثم استدار لها مزمجرا
((ماذا تعمل ملابسك هنا أنتِ يا هانم؟))
لوحت بيديها له مبررة بدفاع
((اشتريتها قبل أيام وخبأتها في خزانتي بالمطعم من أجل حفل سأحضره مع والدتي التي ستعود قريبا، لا أدري كيف عرف بها))
صدح صوت نور من الغرفة يعتذر بندم يغلف كلماته
((وجدتهم عن طريق الصدفة وأردت فقط تجريبهم لكن لن أكررها مجددا))
شعر قصي بجسده يتصلب ويزداد فوران.. قبل أن يغمض عينيه بتقزز ويؤنب سهر
((ألم أخبرك أني لست مرتاحا لهذا المراهق المنحرف!))
ثم أمسك قبضة الباب وهو يقول
((لقد تأخر هذا الأحمق المخنث في الداخل، سأدخل عليه وأكسر عظمه.. آآآآآآآه))
ما إن فتح قصي الباب حتى أغلقه على الفور صافقا إياه بصوتٍ قوي مدوي.. انقبض قلبه وانسحبت الألوان من وجهه وهو يقول شاعرا بثقل في لسانه الذي عجز على ترجمة كلماته بسلاسة
((يا إلهي.. يا إلهي.. ما هذا الذي رأيته! هل يمكن أن يكون هو.. أو هي..))
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل السابع وستون 67 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل التاسع والعشرون
بدأ مُعاذ مهامه في هذا المركز الإصلاحي النسائي الذي تم نقله إليه.. فبلده يصر أنه بلد بلا سجون وأن كل الموجود لديه الآن وما اصطلح على تسميتها بالسجون لا تغدو إلا أن تكون "مراكز إصلاح وتأهيل"!
جلس مُعاذ أمام رئيس السجن الذي رحب به وشرح له أكثر عن مهامه هنا.. ثم طلب منه أن يجري معايشة ميدانية لعدة ساعات داخل عنابر السجينات للوقوف على حياتهن داخل العنابر وكيف يتحركن ويقمن فيها..
فاستجاب مُعاذ ملقيا له التحية العسكرية قبل مغادرته..
بمجرد أن توجه لمنطقة العنابر وجد أمامه لافتة كبيرة مكتوب عليها أرقام العنابر.. ثم فُتح له باب ضخم وبمجرد أن وطأت قدمه المكان كان أمامه مدخل طويل تزينه على الجانبين الآيات القرآنية والحكم والمواعظ التي تدعو للصبر وضبط النفس والانخراط في الطريق السليم..
وجهته الأولى كانت نحو العنبر الذي عرف أن شيرين تتواجد فيه لا لشيء إلا ليتأكد من أحوالها.. من بعيد..
بالكاد كبح ابتسامة ترتسم على وجهه محاولًا تهدئة قرع طبول قلبه المتصاب الأهوج لأنه متواجد معها في نفس المكان.. لكن الجلبة العالية وأصوات شجار وصراخ النزيلات أثارت قلقه مما جعله يطلب من الضابطات أن ينبهن النزيلات بدخوله لتفقد الأحوال..
كان قلقا جدًّا من أن تكون شيرين طرفا في هذا الشجار..
كتم أنفاسه لحظة أخيرة ثم دلف من خلال الباب الفولاذي بهدوء.. مجرد رؤيتها واقفة هناك جعلت دقات قلبه تتضارب أكثر لكنه تعمد التظاهر بالحزم والجلد سائلًا دون مقدمات
((ما هذا الذي يحدث هنا؟))
كان يضع عينيه بخضرة عيني شيرين بصرامة بينما يسمع صوت الحارسة تجيبه بصوتٍ مرتبك وهي تشير إليها
((لقد قامت هذه النزيلة المدعوة شيرين بكسر الميكروفون الذي من خلاله نصدر التعليمات للنزيلات))
ببراعة أخفى دهشته مما يسمعه وذهوله..
ما هذا الذي فعلته ولماذا؟
اكتسحه شيء من الغضب منها.. هو مضطر الآن بسبب ما فعلته التعامل معها على حسب ما تمليه وظيفته عليه..
سألها بصوتٍ فظ صارم أقرب للانفعال
((لماذا قمتي بكسره أيتها النزيلة؟))
تصلب جسد شيرين بالكامل وغار قلبها الميت في صدرها.. لكنها ظلت واقفة مطرقة بوجهها.. مضطربة الملامح وساكنة لدرجة مزعجة وغير مبررة..
اختنقت حبال شيرين الصوتية ولم تنساب من شفتيها إلا كلمات متقطعة وفي نبرتها لمحة تضرع
((أنا.. أنا في.. الأمر..))
تلجلج كلماتها نشب مخال الذعر بقوة أكبر في جسده فتطلعت الحارسة للرائد مُعاذ تسأله
((هل نقوم بنقل النزيلة إلى زنزانة انفرادية عقابا لها على ما فعلته؟))
تطلع مُعاذ للحارسة وانفجر هاتفا بها يصب على رأسها كل غضبه المكتوم
((عندما أتحدث مع نزيلة لا تقاطعيني))
انتفضت كل خلية في الحارسة رعبا إذ أنها في هذا السجن في أسفل السلم الوظيفي.. أما مُعاذ وبنفس الصرامة عاد ينظر لشيرين آمرا
((أجيبي أيتها النزيلة))
ترغرغ الدمع في مآقيها وشعرت بحجر صوان عالق في حنجرتها.. بلعت هذه الغصة بصعوبة ثم تمتمت بصوتٍ جاهدت على خروجه ثابتا إلا أنه خرج مهتزا
((لم أقصد كسره، قامت إحدى النزيلات باتهامي بسرقة غطائها ومن ثم استنجدت بباقي رفيقاتها ليبرحنني ضربا))
ضاقت عينا مُعاذ وهو يمعن النظر بالكدمات والخدوش على وجهها.. تراجع رأسه للخلف قليلًا ثم قال لإحدى الضابطات الواقفات بجانبه بنبرةٍ مبهمة
((تأكدي من حصول كل نزيلة هنا على غطاء لها، واذهبي بالنزيلة شيرين للطبيب لمعالجة خدوش وجهها))
ألقت الضابطة تحية عسكرية له قبل أن يستدير مُعاذ بكامل هيبته مغادرا العنبر..
.
.
كان الطبيب العسكري زياد في مكانه بالعمل يراجع ملفات نزيلات والاستياء واضح على ملامحه.. هو أبدًا ليس راضيا عن العمل هنا والطبيب الزميل له والملقب من قبل النزيلات بالجزار يستغله ليقوم بمعظم أعماله..
تنهد بسخط تزامنا مع إدخال إحدى الحارسات له شيرين فعبس وجهه وقال باقتضاب بعد أن خرجت الحارسة
((مجددا؟ قلت لك لمصلحتك ومصلحتي ألا أتعامل معك ولكن أنتِ لم تكتفي بذلك بل حتى طلبت من صديقتك جُمان أن تأتيني))
اضطربت ملامح شيرين لكنها ردت بحنق
((لقد دخلت بمشاجرة صغيرة، لم أقصد المجيء عندك وأما بشأن جُمان كان هذا قبل أن أراك للمرة الأولى))
تمتم زيادة بعبارات مقتضبة غير مفهومة قبل أن يبدأ بعلاج كدمات وجهها مستغربا أن يسمحوا لنزيلة بالقدوم عنده لسبب تافه من وجهة نظرهم كهذه الإصابات الطفيفة!
بمجرد أن انتهت شيرين حتى قالت للحارسة المرافقة لها
((لو سمحتي أنا بحاجة أن تضعي اسمي على الدور لأن هناك اتصال بحاجة أن أقوم به، حقا لا ينفع تأجيله))
عبست الحارسة بها وتمتمت بغضب مشتعل
((لا يوجد لديك دور ومن غير المسموح لك باستخدام الهاتف..))
بترت الحارسة كلامها وقد جفلتا الاثنتان على صوت الرائد مُعاذ متسائلا بحزم بينما يتقدم منهما
((هل أنهت النزيلة العلاج؟))
أدت الحارسة التحية العسكرية وأجابته مرتبكة
((نعم يا سيادة الرائد وسأعيدها الآن للعنبر))
أمرها مُعاذ بوجه غير مقروء
((اذهبي بها إلى مكتبي ثم غادري))
ثم تجاوزهما غير آبه للنظرات المتسائلة المطلة من أعينهما.. لكن الحارسة التزمت بأوامره وصحبت شيرين لمكتبه ثم غادرت..
تلبست شيرين حالة فظيعة من التوتر بسبب أمر معاذ بالانفراد بها وشعرت بالدقائق تمر كالسنوات وهي بانتظار قدومه..
رباه.. ليتها ماتت قبل أن تعرف أن مُعاذ سيعمل هنا!
شهقت وانتفضت واقفة مكانها ما إن تناهى إلى سمعه صوت فتح مُعاذ للباب ونخز الخوف صدرها، لكنه توغل للداخل يقول بعملية وهدوء
((سلامتك يا شيرين.. خذي الهاتف واتصلي بمن تريدين.. بمجرد أن تنتهي اطلبي من الحارسة أن تعيدك للعنبر.. إنها في الخارج بانتظارك))
فتحت شيرين عينيها على وسعهما وهي تناظر مُعاذ يجلب الهاتف عندها..
تَحولْ مختلف بنظراته وصوته.. اختلاف مهول..
وضع مُعاذ الهاتف أمامها يرسم ابتسامة لطيفة أمام نظراتها المشدوهة الغير مصدقة قبل أن يغادر.. وكأنه.. وكأنه.. وكأنه يريد أن يتركها على راحتها؟
أخذ الوضع منها دقائق تستوعب ما حدث.. لكنها في النهاية تناولت هاتف السجن وبدأت تطلب رقم جُمان..
عليها أن تخبرها ألا تتعامل مع ذلك الطبيب زياد فهو لن يكون ذا فائدة لها بل قد يكون مضرا لها بعد أن عرف أنها تربطها صلة بقصي القاني الأحمق بما يحمله من حقد دفين تجاه عائلته.. وعندما انتهت من المحادثة لم تجد من يقف فوق رأسها أو حتى يستعجلها.. فقامت بخطوة قليلة الذوق وطلبت رقما ثانيا.. وما إن جاءها الصوت الأنثوي المستغرب حتى تغرغرت الدموع في عينيها وقالت بصوتٍ يضج من حرارة الألم والاشتياق
((مرحبا يا سهر، كيف حالك؟ لقد اشتقت لك منذ آخر زيارة لك لي))
.
.
ليلا..
صفدت الأبواب بعد أن تم تفتيش السجن والتأكد من أن الأمور تسير على ما يرام.. مضت خطوات شيرين نحو سريرها.. كانت ليلة ليست عادية فقد تخللت نسمات الهواء العنبر ولأول مرة من فتحة صغيرة فوقها.. فشعرت براحة كبيرة تسري في قلبها..
رباه ما أحلى نسمة الهواء هذه رغم الرطوبة التي تحيط هذا المكان كله..
=============================
في جناح مَازن..
ناولت نجوم مَازن كوب قمر الدين وهي تقول مبتسمة رغم إجهاد وشحوب وجهها الواضح
((أعدت أمي لك يا سيد مَازن مشروبك المفضل))
بادلها الابتسامة قائلا بلطف بالغ قبل أن تغادر
((شكرا لك يا نجوم))
كانت هدى تتفقد وجه أمها بطفولية وهي تسألها بحزن
((هل آذاك عمي مُؤيد يا أمي؟ لقد سمعته من غرفتي يصرخ عليك))
ناظرت ياسمين مَازن الذي يرتشف من الكوب الذي يمسكه ثم قالت ساخرة بلا مرح
((لا تقلقي قمر الدين أوقفه عند حده.. آه))
بترت ياسمين كلامها عندما أخذ مَازن هاتفها لتحتج
((ماذا تريد من هاتفي؟))
فتح مَازن هاتفها وهو يقول بشرود
((فكرت سابقا بما أنك تمضين وقتا طويلا على الإنترنت أن أضيفك كصديقة على إحدى مواقع التواصل الاجتماعي، والآن دخلت على حسابك وقبلته))
سحبت ياسمين هاتفها منه معترضة
((سأقوم الآن بحظرك عليه، يكفينا رفقتك في الواقع))
لكن مَازن كان قد انتشل هاتفه يفتحه وهو يقول
((انتظري ليس قبل أن أنشر لك منشورا أعبر فيه عن حبي لك كما يكتب أصدقائي لزوجاتهم))
عبست ملامح ياسمين وقالت
((هل تضيف عائلتك على حسابك؟ سيغضبون عليك، فالغزل بين الزوجين لا يجب أن يتم إذاعته على مواقع التواصل الاجتماعي))
رفع كفه أمام وجهها يطلب منها أن تصمت ليركز فيما يكتبه وهو يتمتم
((اسكتي، وجدت اقتباس جميل، سأنسخه وأنشره على حسابي..))
نسخ الاقتباس الرومانسي الذي وجده ونشره مع وضع إشارة لها ثم أردف عقب أن اضجع على السرير وأمسك كوب قمر الدين
((المهم ياسو حبيبتي كثفي الدعاء لي هذه الفترة))
بدأت ياسمين بالروتين الليلي لابنتها تقوم بفك شعرها المجعد وتمشيطه قبل أن تقول بمزاح غير مألوف فيها
((أنا دائما أدعو عليك.. أقصد أدعو لك.. ولكن لم التخصيص لهذه الفترة؟))
لف الحماس مَازن وهو يخبرها
((كنت أبحث عن وظيفة وتواصلت مع مديرة مكتبة من أجل أن أعمل في الترجمة، نجحت في الامتحان المبدئي وستحدد يوما لتلاقيني فيه في أحد الأماكن العامة من أجل لقاء أخير))
تأوهت هدى من خشونة أمها وهي تلملم خصلات شعرها المعقدة الثائرة بعدة أربطة ثم اعترضت بحزن
((ولكن يا أبي لا تلتقي معها في نهاية الأسبوع فهو موعد خروجنا المعتاد معا للتنزه))
مال مَازن يمسك وجنتيّ هدى بيديه ويقول
((أعرف ذلك يا ابنة أبيك لذلك إذا التقيت بها في نهاية الأسبوع سيكون لقائي معها في الحديقة وسأصحبكما معي))
هتفت هدى ببهجة طفولية
((أنا أحبك يا أبي جدًّا.. آه يا أمي تمشطين شعري بعنف))
لمعت الدموع بعيني الصغيرة من فرط قوة أمها بتمشيط شعرها.. ثم غضنت أنفها قائلة بحسرة طفولية وهي تمرر يدها على شعرها
((إذن أنا أفتقد للأنوثة كما سبق وقلت لي لأني ورثت شعري من أمي قبل أن تملسه هي، ولم أرثه منك أبي))
أفلتت ياسمين فمها شاهقة بعنف لهذا التعقيب وحدجت مَازن بغضب فمط شفتيه ببراءة وقال بمغزى مبطن بينما يمرر أنامله الرجولية في شعره الأملس بلونه البني المحمر
((صغيرتنا فعلا ورثت شعرها منك، فهو لم يكن بهذه النعومة عندما تزوجتك يا ياسو))
ضحكت هدى بخفوت على كلام والدها فاستشاطت ياسمين غضبا.. مَازن هذا المهووس بشعرها الآن يعايرها بأنه كان مجعدا قبل أن تملسه!
فتمتمت ياسمين بغيظ يلتهمها
((فهد وباسل أولاد عمك أكثر أنوثة منكِ يا هدى، الموضوع لا دخل له بالشعر المجعد))
عبست ملامح هدى لأن أمها تركت تمشيط شعرها نكاية بها.. فسحبها مَازن قائلا وهو يمسك مشطها
((تعالي يا هدى دعيني أضفره له))
=============================
في سجن النساء..
بوجه يطفح الشر فيه قالت إحدى النزيلات لباقي رفيقاتها في الزنزانة اللاتي يحدجن شيرين بنظرات خطيرة
((لقد تراجعت الضابطة عن إعطائنا تلك النقود التي خصنا إياهم عائلة الفتي المأسوف على شبابه، فقد فشلنا في تعذيبها وعقابها على دفعها الشاب من الشرفة))
وقفت فجأة واحدة من شلتهن وقالت
((لا زال هناك فرصة أخرى لنا لاستعادة تلك النقود))
وبحركة خاطفة عنيفة كانت المرأة تتهجم على شيرين وتتغلب عليها تبعا لضخامة جسدها.. وعلى الفور ساندنها رفيقاتها لتمسك كل واحدة منهن شيرين بقوة كبيرة من يدها..
انفرجت صرخة من شيرين وهي تنتبه للنزيلة الثالثة تمسك الغلة التي كانت على النار لإعداد القهوة ثم تقترب منها مما جعلها تهتف بذعر يجتاحها
((ما الذي تفعلنه أيتها النساء المجنونات!))
كممت نزيلة فمها فوقفت التي تحمل الغلة بيدها تقول بابتسامة شيطانية
((أمسكنها جيدا لعل حرق هذا الوجه الحسن بالماء المغلي يردعها عن تكرار سرقة أغطية النزيلات))
بمجرد أن أبعدت واحدة منهن يدها التي تكمم فم شيرين حتى تسمح للأخرى برمي وجهها بالماء الساخن حتى صرخت شيرين بملء صوتها عاليا تستنجد
((أبعدي هذا الماء الساخن عني.. هيا ابتعدي))
أخيرا تحركت واحدة من نزيلات العنبر الأخريات نحو النزيلة التي تمسك الغلة لتأخذها منها بقوة وتقذفها أرضا صارخة بتأنيب
((ابتعدن يا معدومات الرحمة، هل كنتن تردن حقا رميها بالماء الساخن من أجل حفنة من النقود!))
في هذه اللحظة فُتح الباب الفولاذي ودخلت الضابطات بهلع لتهتف واحدة منهن
((ما الذي يحدث هنا أيتها النزيلات؟))
انهارت شيرين بصوتٍ باكي وهي تحرر ذراعيها من قبضتهن
((لقد حاولن حرق وجهي.. أمسكن الغلة المملوءة بالماء المغلي ليرمينه على وجهي))
قالت الضابطة المسؤولة بامتعاض
((كل يوم شجار جديد بينك وبين إحدى النزيلات هنا! هل كلهن مخطئات وأنتِ الملاك المسكينة المظلومة!))
ردت شيرين بقهر يعتريها وهي تدافع عن نفسها
((كنت جالسة هنا أتحدث بهدوء مع أخرى وهن من هجمن عليّ فجأة، عليك إبعاد هؤلاء النسوة الأربعة في الحال من هنا فهن خطر على حياتي، سأخبر محاميّ أن إدارة السجن هنا تعرض حياتي للخطر))
كان صدر شيرين يرتفع وينخفض بانفعال بينما تسمع إحدى الضابطات تقول بهدوء أتلف أعصابها
((لن نستطيع نقل هؤلاء النزيلات الأربعة لغرفة انفرادية لكل واحدة منهن لذا الحل هو أن ننقلك من هنا بما أنهن لا يتعرضن إلا لك))
تراجعت شيرين خطوات للخلف تستنكر
((السجن الانفرادي يُتخذ في حق كل من انتهك الانضباط داخل السجن أو ارتكب أعمال الشغب فلماذا تأخذونني إليه! أنا ضحية هنا ولست جانية))
تجلت الصرامة على الضابطة وقالت
((نحن مضطرون لذلك كتدبير لحمايتك حتى لا تتعرض سلامتك للخطر من قبل باقي النزيلات))
ارتجفت شفتا شيرين وقالت بحرقة
((هل من المنطقي أن يتم معاقبتي أنا فقط لأنكم لا تقدرون على السيطرة على الباقيات؟ هذا ظلم وإجحاف))
لكن تم نقلها رغما عنها للانفرادي مجددا وبدأت دموعها تنسكب على وجنتيها بصمت..
هنا ستبدأ عزلتها الزمانية إلى جانب عزلتها المكانية..
سيمر الوقت الآن بثقل كالكابوس.. ولن يُحسب بالأيام والأسابيع.. إنما بالساعة والدقيقة والثانية.. فهو ليس نفس الزمن الذي اعتادت عليه في العنبر الذي يضج بالكثير من النزيلات..
هذه الغرفة لا تكتفي بعزلها عن الحياة خارج أسوار السجن بل يمتد الأمر فيها إلى مستوى فقدان الشعور بتعاقب الليل والنهار.. مما ينفي عنها الشعور بالوقت كأنها في متاهة زمن..
تطلعت شيرين حولها.. هذه الغرفة المظلمة لا يوجد بها الحد الأدنى من متطلبات الحياة.. حتى الشباك الصغير المتواجد فيها مغلق بأسلاك حديدية مضاعفة.. فهتفت في الحارسة قبل أن تغادر
((أحضري لي على الأقل كتبي))
قالت لها الحارسة بعبوس
((أنتِ في حبس انفرادي أي ممنوعة من الكتب أو التريض وما إلى ذلك))
غمغمت شيرين معترضة بعذاب
((ولكن أنا محبوسة كضحية لا كجانية))
همهمت الحارسة بتفكير ثم قالت بلامبالاة
((نعم صحيح معك حق، سأسأل في أمرك لكن حتى الآن بما أنك في الحبس الانفرادي فلن أقدر أن أعاملك إلا كنزيلة الانفرادي))
لم يكن ليتواجد بؤس أكثر من هذا! فها قد مُنعت بالتبعية من الخروج سواء للزيارة أو للتريّض وهو ما يعني عدم التعرُّض لأي مؤثرات خارجية بسبب هذا النقل..
=============================
دخل مَازن المطبخ ليجد أمه تشرف مع منال على إعداد طعام الفطور فقال بعفوية
((أمي أنا بصراحة توقعت أن يفشل زواج مَالك لأنه تم رغما عنك، ولكن أبدًا ليس بهذه السرعة، يبدو أنه يتشاجر مع أحد ما))
توجست ملامح زاهية وقالت وهي تهم بالخروج
((لماذا يتشاجر مَالك؟ دعني أرى ماذا هناك!))
ارتقت زاهية بسرعة درجات السلم إلى الطابق الثاني وما إن اقتربت من جناح مَالك حتى تناهي إلى سمعها صوت هتافه المستاء ممزوج بصوتٍ بكاء يزيد..
فأسرعت الخطى نحو داخل الجناح من بابه المفتوح وجلست حيث يبكي يزيد تهدهده وتضمه لها ثم طالعت مَالك تتساءل بتعجب
((ماذا حدث يا مَالك؟ لماذا يبكي حفيدي الحبيب؟))
أشاح مَالك بوجهه ثم قال باستياء
((أمي لا شيء، كنت أتناقش معه بهدوء بخصوص أمر يفعله دائما ويزعجني فبدأ يبكي ويفرض دلاله علينا))
تدخلت سمية التي كانت متمددة على السرير وترفع الغطاء إلى أعلاها لتستر نفسها إذ كانت ترتدي ملابس نوم مكشوفة
((أي دلال يا مَالك! كل هذا لأنه دخل غرفة نومنا بلا إذن؟ قل له ألا يكررها دون أن تصب بجام غضبك عليه))
ولأول مرة شاهدت زاهية ابنها يزعق في زوجته
((اسكتي أنتِ، أنا لن أسمح لك أن تقفى بصف ابني ضدي))
تنحنحت زاهية وهي لا تزال تطبطب بحنان فوق ظهر يزيد ليخفت بكاءه ثم تساءلت بهدوء
((ماذا حدث يا مَالك؟))
نظر مَالك بعبوس لوالدته وأجابها
((لم أفعل ما يستدعيه للبكاء، وبخته فقط لأنه دخل غرفة نومي أنا وأمه بدون استئذان، أنا دائما أحكم إغلاق الباب خلفي ولكن نسيته مفتوحا بعد عودتي من صلاة الفجر))
قالت سمية لحماتها باستياء
((إنه صغير ومن الطبيعي أن يخطئ أحيانا قبل أن يتعلم أدب الاستئذان على والديه))
قاطعها مَالك بصرامة ممزوجة بالغضب
((دائما لا أحيانا))
أخيرا انتشل يزيد وجهه المحتقن من راحة يديه يعاتب والده
((لقد وعدتني بغرفة مرافقة لجناحكما بعد الزواج لكن لم غرفتي في الطابق الأرضي؟))
رد عليه مَالك مغمغما بغيظ
((كما ترى لم أصمم غرف هذا القصر ولم أختر هذا الجناح لأسكن به يا يزيد.. ليس ذنبي أن غرفتك بعيدة عنا، بل للصراحة من الجيد أنها بعيدة.. فأنتَ ملتصق بنا لا تترك لأباك المسكين فرصة ليخلو مع زوجته المشغولة عنه معظم الوقت))
عبست سمية بعتاب لمَالك الذي يتهمها بالانشغال عنه إذا ما تركته قليلا واهتمت بأولاد أخيه..
هزت زاهية رأسها بيأس وعدم رضا من مَالك ثم وقفت من مكانها وأمسكت يد يزيد تحثه على الخروج معها وهي تقول بكلام مبطن
((تعالى يا يزيد يا حبيبي، لا أحد يحبك بمقدار جدتك))
أوصدت زاهية الباب خلفها فأبعدت سمية الغطاء عنها وقالت بصوتٍ محتقن
((لماذا صرخت على طفلك وأبكيته بهذا الشكل! عليك أن تتعامل معه بصبر أكبر فهو لا زال صغيرا، أنتَ كنت في السابق أكثر صبرا وتفهما))
رفرف مَالك أهدابه مما يسمعه وهو يراها لا تزال تأخذ صف يزيد ضده فرفع كفه في الهواء ناويًا الهتاف بعنفٍ وغيظ.. إلا أنه في اللحظة الأخيرة تمَالك نفسه وهو يضم قبضته ضاغطًا على أسنانه هامسًا بشراسةٍ من بينهم
((اسكتي أنتِ الأخرى، من الآن سترين أنتِ وابنك مَالك مختلف تماما عن السابق، بل هل تعرفين ماذا؟ أنا سأفرغ كل الغضب الذي أشعر به إزاء الماضي بك))
بهت وجه سمية لكن استقوت نبرة صوتها وعيناها تومضان بدموع أبية منيعة لترد
((ما هذا الذي تهذي به))
حرك مَالك شفتيه بامتعاض ثم عاد يؤكد متوعدا لها
((لقد عشت بالعذاب لأكثر من سبع سنوات بسببك حتى قررت أخيرا أن تتنازلي وتقبلي بي زوجا لك والآن وبعد أن صرت ملكي أشعر بحاجة ماسة للانتقام منك على كل ما جعلتني أعانيه ولا زلتي تجعليني كذلك))
ارتجفت شفتا سمية إلا أنها قالت بسخرية لا تحمل من المرح شيئا
((تريد الانتقام مني يا مَالك؟ حسنا شكرا لك يا زوجي الحبيب، لا أصدق كيف بقيت طوال ليلة أمس مستيقظة أفكر بأجمل طريقة يمكن أن أعلمك بها بحملي))
حدقت سمية في عينيه للحظاتٍ طويلة فتلاشت السخرية عن ملامحها تدريجيًا حتى اختفت تمامًا وبادلته النظر بتجهم وارتباك.. وخوف.. لتقول
((ما بكّ لما تناظرني بهذا الشكل! ألم ترد مني الحمل؟))
ظل الصمت المذهول سائدًا حتى استوعب الكلمات التي خرجت منها وانتفض نحوها يمسك كتفيها بقوة ويسألها
((حامل! أنتِ حامل! هل حقا أنتِ حامل؟))
ازدردت سمية ريقها وهزت وجهها وأجابت بعد تردد
((نعم لقد أجريت أكثر من اختبار حمل واتضح أني حامل بالفعل بجميع الاختبارات..))
لم تكمل سمية كلامها وكان مَالك يجتذبها بقوة إلى صدره معانقا إياها لتهدر به باختناق
((آه مَالك أنتَ تعتصر عظامي))
أبعدها قليلا عنه يقول بصوتٍ أجش مضطرب وتلعثم
((لا أصدق حقا أنك حامل، لم أتوقع أننا قد ننجب غير يزيد.. أعني ظننت أنك لن تحبذي الإنجاب في مثل هذا العمر..))
تجهمت ملامحها بزيف تقصد فيه إشعاره بالذنب لزلة لسانه غير المقصودة من باب المرح.. ثم عقبت بغضب مصطنع
((أنا لست فوق الأربعين!))
تلبكت ملامحه ثم تنحنح يحاول رفع الحرج عنه قبل أن يصحح بلهفة
((لا.. أبدًا.. لا.. كنت أقصد.. أعني باختصار لم أحب فتح موضوع الإنجاب معك أبدًا وتركته لتدابير القدر إذا كان مكتوب لنا أن ننجب غير يزيد، لذا لا تتصورين مقدار سعادتي الآن))
وقف مَالك في نهاية الحديث من على السرير ثم أمسك بكفيها يشدها حتى وقفت على قدميها ليناظر بطنها التي بدت مسطحة قليلا وتساءل
((هل حقا متأكدة أنك حامل؟))
وسرعان ما تحول الغضب المزيف فيها إلى ابتسامة لطيفة وهي تهز رأسها له مما جعله يصرخ فجأة هاتفًا وهو يحيط خصرها بذراعيه ويرفعها عاليًا ويؤرجحها بين ذراعيه
((حامل.. أنتِ حامل))
بعدها بفترة انزلها مَالك على قدميها حتى حطت واقفة أمامه وهي تقول
((أن شاء الله سننجب طفلا أخرًا، أنتَ تعرف كم الأولاد مهمين في مجتمعنا للرجل كعزوة وواجهة أمامية للناس وأنا لم أكن لأحرمك أن تكون أقل من إخوتك))
أمسك كفيها يقربهما من ثغره ويلثمهما قبل أن يميل ويضع جبينه على جبينها هاتفا
((أنا ممتن لأني حظيت بامرأة مثلك))
عقدت حاجبيها بحزن لتعاتبه برقتها المعهودة
((وأنا ممتنة لأني أحظى برجل يريد الانتقام مني على ما صدر مني في الماضي إزائه دون قصد))
ابتسم مَالك ضم أرضاها بصوتٍ أجش مبتهج
((ما عاش ولا كان هذا الذي يريد الانتقام من زوجتي وحبيبتي، أنا فقط كنت غاضبا قليلا لأن يزيد كان مصرا على قضاء يوم العطلة هنا معنا وإفساد خصوصياتنا))
.
.
غرفة المعيشة..
حيث معظم أفراد العائلة مجتمعون حول سفرة الفطور..
تطلع يزيد الجالس بجانب جدته بحزن يبوح
((في الماضي كان يقضي معي الكثير من الوقت لكن الآن بالكاد يلعب معنا بالكرة أيام العطلة))
تفتت قلب زاهية على حفيدها ثم سارعت تبرر له هادرة
((لا يا عزيزي بل زادت مسؤولياته، ثم من مصلحتي أنا أن تقضي معي الوقت وأعوض سنواتك التي فاتتني))
قال يزيد مبتسما بطفولية تسلب القلب
((أنا أحبك يا جدتي))
مالت زاهية تلثم مفترق شعره ثم تقول لوجهه المنير المتورد بأثر البكاء وهي تدهن له الزبد والمُربى فوق خبز التوست
((وأنا لا أحب أحدا مثل ما أحبك أنتَ يا يزيد))
لم ينتبه أحد في هذه الأثناء لعيني مُؤيد المسددتين نحوها وهو يقول فجأة بغيظ من بين أسنانه المطبقة
((ها أنا أرى يا أمي بأنك فارغة البال لا هم لديك أو مسؤوليات إلا يزيد فلماذا لا تفعلين المثل مع فهد وباسم اللذان لم تسألي حتى لماذا لم يشاركننا طعام الفطور! وكالعادة زوجة مَالك هي من ستذهب عندهما لتجبرهما على تناول ما يسد جوعهما))
ناظرت زاهية ابنها بطارف عينها وقالت ببرود
((لقد عينت لهم مربية فهما حتى لم يعودا يسمعا كلامي))
استاءت ملامح مُؤيد ليقول بنبرة مغلفة بالقهر
((أمي أنتَ لست عادلة.. رغم أن مَالك تزوج من سمية إلا أنك وحتى الآن لا تزالين تغدقين على يزيد من الحب والحنان والرعاية الكثير أما ولديّ اللذان يعيشان الآن بلا أم تتجاهلينهما وترفضين حتى السؤال عليهما.. ثم ولا أي مربية يا أمي قادرة أن ترعى الأحفاد مثل الجدة، الجدة دورها العائلي يحتم عليها الحفاظ على استقرار حياة أبنائها برعاية الأحفاد عندما تكون أمهم غائبة))
أدارت زاهية وجهها لمُؤيد وقالت بصوتٍ أجوف
((لن آخذ دور أمهم يا مُؤيد، إذا أردت أن يرعى أحد أولادك فتزوج واجلب لهم أم مراعية وحنونة))
تقبضت يد مُؤيد ثم هتف عاليا بغضب مشتعل
((إذن أنتِ تبتزيني يا أمي حتى أتزوج))
في هذه الأثناء صدح صوت مَازن المرح عاليا وقال وهو يدلف للداخل
((يكفي شجارا جميعا لقد أعدت منال لكم جميعا أكواب قمر الدين وستحضره حالا))
عقبت الحاجة زاهية بحيرة
((ما قصتك أنتَ مع منال! منال بالكاد تقوم بأعمالها الواجبة عليها على مضض فكيف تنازلت وبدأت تلبي رغباتك التي لا تنتهي بأعداد الطعام والحلوى))
رماها مَازن بابتسامة عريضة واعتدّ بغرور
((ليس ذنبي أني محبوب من قبل الجميع))
ما كاد أن ينهي مَازن كلامه حتى جاء توأمه يقول بصوتٍ جهوري للجميع بصوته المبتهج تزامنا مع دخول منال المكان لتجلب صينية أكواب العصير
((أود جميعا أن ألقي عليكم أخبارا سارة وهي أن زوجتي حامل وسنذهب الآن للطبيب لتبدأ بمتابعة الحمل))
لف الذهول وجوه جميع من في الغرفة بينما استقام يزيد واقفا يكاد أن يشهق بابتهاج قبل أن يقول وعيناه تلمعان
((هل سيصبح عندي أخ؟))
باندفاع طفولي هرول يزيد نحو والده الذي رفعه نحوه ليعانقه بقوة وحرارة ويقبل وجنتيه قبل أن يجيبه
((نعم يا حبيب أبيك ستصبح أخا، ولكن ستبقى دائما وأبدا ابني المفضل، لا تتعب جدتك يا يزيد فربما نتأخر قليلا أثناء عودتنا))
أخفض مَالك ابنه وألقى السلام عليهم قبل أن يغادر..
عاد يزيد إلى مقعده حيث يجلس بجانب جدته التي قالت بشيء من الامتعاض
((ما شاء الله تبارك الرحمن، لقد حملت بسرعة لتربطه بمزيد من الأطفال))
ضحك مَازن بخفوت ثم ناكف والدته بمزاحه المألوف
((أمي لا أدري لم لدي شعور أنها حامل بتؤام))
تدخلت منال في هذه اللحظة وقالت بنفور
((لا تقل هذا يا سيد مَازن، بعيد الشر أن تكون حامل بتؤام هكذا سيصعب على مَالك طلاقها لاحقا والتخلص منها))
شعرت زاهية بالرجفة التي اجتاحت جسد يزيد الذي كان جالسا بجانبها وملاصقا لها عند ذكر منال سيرة الطلاق.. مما جعلها توبخ منال هامسة
((ما هذا الكلام يا منال! أي طلاق تتحدثين عنه! كفى الله الشر فحفيدي المسكين يزيد لن يتحمل أن يكبر بين والدين منفصلين، يكفي ما عاناه سابقا))
تراجعت منال بملامح منقبضة لتسارع الاعتذار
((آسفة يا حاجة، لقد خانني التعبير لكن بالتأكيد أنا لم أقصد))
أما مُؤيد الذي كان شاهدا على هذا الموقف أفلت الملعقة واتكأ بذقنه الغير حليقة والشائكة تحت كفيه يفكر بالدوامات من حوله.. من كان ليصدق أن أمه سترى فُراق تلك البستانية التي تكرهها عن مَالك شرا فقط حتى لا يتربى حفيدها الغالي يزيد بين والدين منفصلين!
في حين أنها تحثه وتشجعه على طلاق رتيل حتى لو ترتب عن الأمر تشرد ولديه أو عيشهما كالأيتام يتنقلان من مربية إلى أخرى..
يدرك أن ما فعلته رتيل بعرفهم لا يُغتفر.. هو نفسه غير قادر على مسامحتها رغم أن خطأه بحقها أكبر.. ولكن ألا يجب على أمه أن تحاول التغاضي عما فعلته زوجته وتحثه.. بل وتجبره مثل والده على إرجاع رتيل.. على الأقل من أجل فهد وباسم!
هذا لو كانت تحبه وتهتم بمصلحته مثل مَالك وابنه..
اندلعت شرارات الغضب بعينيه المصوبتان نحو أمه!
هل يعقل أن تصدق أن الزنا أو الحمل غير الشرعي ليس سبب زواج مَالك السري ممن يحبها بمجرد أن أقسم لها بينما لا تزال إلى الآن تشكك بقصة أن رتيل كانت لا تفعل أي شيء مشين في المدينة عندما كانت تذهب إلى بيت غنوة! رغم أن مُعاذ بنفسه أكد عليها أنه حقق مع غنوة ودموع وأقرا بكل شيء ولم يكن هناك أي شيء ولو بمقدار ضئيل يسيء لرتيل..
أطلق مُؤيد نفسا مثقلا وهو يمسح وجهه بيديه شاعرًا أن التركيز يضيع منه تدريجيًا.. أما مَازن فتحرك من مقعده ليجلس بجانب ياسمين.. ثم مال لها هامسا
((انظري لمَالك كيف بدا متحمسا لأن زوجته ستنجب طفلا له كأنه سيصبح أبا للمرة الأولى! إنجاب الأطفال أمر رائع، ما رأيك يا ياسو أن ننجب ابنا آخر؟))
تسمرت يد ياسمين الممسكة بالشوكة مكانها فلكزها بخفة يردف هامسا
((أجيبِ هيا، ما رأيك بفكرة إنجاب طفل آخر؟ أشعر أننا لو رزقنا بطفل آخر وبدأت أعيل طفلين بدلا من واحد سأصبح أكثر مسؤولية وأبحث بجد أكبر عن عمل يدر علينا دخلا مناسبا وأتوقف عن طلب المال من أبي))
أطبقت ياسمين على أسنانها بغيظ ثم طالعته تقول
((ابحث عن عمل واحصل على راتب مقبول نهاية كل شهر أولا ثم سننجب! الآن أعطيني كوب عصير من الذي صنعته منال))
عبست ملامح مَازن وبغيظ تناول كأس عصير من الصينية وناوله لياسمين التي أخذته منه بفظاظة وبدأت تتجرعه على مهل قبل أن تتوقف فجأة وهي تشعر أن نظرات مَازن الضيقة والتي لا يزال يرمقها بها غير مريحة على الإطلاق!
ازدردت ريقها قبل أن تتمتم بشيء من الجزع
((مَازن هل هناك شيء في هذا العصير؟ شعرت بأنك تعمدت انتقاء هذا الكوب بالذات من بين الأكواب فوق الصينية.. هيا قل ماذا فيه وخفف من لوعة كبدي))
أجابها مَازن ببرود وملامح مبهمة
((ماذا سأضع فيه مثلا؟ هل يمكن أن أضع صفار بيض بنفس لون العصير!))
انكمشت وتقززت ملامح ياسمين وانتفضت من مكانها تتهجم عليه ضربا بقوة على صدره صارخة بقهر
((أيها النذل لماذا! لماذا تفعل هذا بي! تبا لك ولمقالبك السخيفة! أنا أكرهك، أكرهك بشدة))
كانت تضرب مَازن بكل قوتها حتى أنها أوقعته من على الكرسي أرضا ومَازن لا يبدِ أي ردة فعل إلا الانفجار ضاحكًا من قلبه حتى دمعت عيناه من شدة الضحك ليقول أخيرا بعد أن خفتت ضحكاته وهو يحاول صد ضرباتها
((أمزح، لم أضع شيئا، بالأساس منال من صنعته))
كانت تنهت بقوة لكنها انحنت تضرب كتفه وهي تقول منتحبة ببكاء
((لماذا إذن لم تقل هكذا من البداية؟ هل تستمتع بما تفعله بي؟))
((ياسمين ما هذا!))
جفلت ياسمين وتوقفت عن النواح عندما أخترقها صوت حماتها لتتيقظ أخيرا وتذكر أنها لا زالت بينهم..
ببطء وحرج استقامت واقفة وحُمرة الخزي تلف وجهها وهي تنتبه للصدمة التي تعلو وجه حماتها ومُؤيد ويزيد.. إذ أنها معتادة على التربص بمَازن بسم كلامها وأفعالها بينهما والأبواب مغلقة عليهما أما أمام عائلته فهي تتعمد الظهور بثوب الزوجة الهادئة الباقية على زوجها المجنون طمعا لأجر الله ورضاه..
همست أخيرا بصوتٍ خافت ووجها يضج بالاحمرار من فرط الإحراج
((أنا آسفة يا عمتي لكن أحيانا مقالبه أثقل من أن أتحملها..))
تنحنح مَازن واستقام واقفا يعيد هندمة قميصه قبل أن يقول
((لقد كنت أمزح معها يا أمي، أستغفر الله أن أتلف نعمة الله من أجل مقلب كما كنت أفعل في السابق، لقد تغيرت))
بدأت ياسمين ترمش وتطرق برأسها هاربة من عيني حماتها المتربصة التي صرخت بابنها بقهر على رجولته التي نسفتها زوجته أمام أخيه
((هل هذا ردك على زوجتك التي شتمتك وضربتك أمامنا يا سبع الرجال!))
شعر مَازن بنظرات والدته الساخطة تصيبه من تصرف ياسمين المفرط في إهانته فغمغم بحنق مدافعا عن نفسه
((أمي أنا ساكت عليها فقط احتراما لوجودك أنتِ ولو أطلقت العنان لرجولتي لكسرت يدها التي رفعتها عليّ، ولقطعتُ لسانها الذي أطلقته عليّ))
مسحت ياسمين آخر دموعها وقالت بخفوت وندم
((أنا آسفة، انفعلت ولم أنتبه على ما قلته أو فعلته))
لكن والدته رمت كلماتها بوجهه بانتقاص منه قائلة
((اغرب من أمام وجهي وإياك أن تحدثني عن الرجولة مرة أخرى))
أظلمت ملامح مَازن فجأة لكلام أمه المبطن.. خاصة أمام نظرات أخيه مُؤيد المُحتقرة والمزدرية له مما جعله يحكم قبضته على رسغ ياسمين بقوة آلمتها صارخا بما جعلها تختض خوفا
((تعالي خلفي الآن يا هانم لنتحاسب على ما فعلتيه فأنا لن أسكت لك طويلا على تماديك عليّ وقلة احترامك))
جرها مَازن خلفه إلى خارج غرفة المعيشة غير آبه لتوسلاتها أو تبريراتها الواهنة وهي تقول بخوف
((أنا آسفة يا مَازن لكن كم من مرة أخبرتك أن تتوقف عن مقالبك هذه معي لكنك لا تصغي لي..))
أغلق مَازن باب غرفة المعيشة خلفهما وابتعد خطوات عنها قبل أن يتوقف فجأة ويترك معصم ياسمين..
فسحبتها فورا تشهق بخفوت وهي تتحسس موضع إمساكه قبل أن تشعر بيديه تتحسس الاحمرار الذي خلفه وراءه هامسا
((لم أقصد أن أشد يدك بهذا الشكل وأؤلمك، ولكن كان عليّ الصراخ عليك أمامهم حتى لا يشمت بي مُؤيد التافه وتظن أمي أنى معدوم الرجولة))
اتسعت عينا ياسمين لما تفوه به وهي تناظره! هل صرخ عليها قبل قليل فقط من باب فرض رجولته أمام عائلته! وسرعان ما توحشت ملامحها وهي تدفعه بغيظ ليعاود الهتاف مدافعا عن نفسه
((توقفي، توقفي عما تفعلينه))
.
.
في داخل غرفة المعيشة..
حيث الحاجة زاهية تجلس مكانها أغمضت عينيها وعضت على شفتيها وأصواتهم في الخارج تصل إليها لتقول بخفوت وخزي
((مُؤيد، اذهب وأنجد أخوك))
لم يكن الازدراء الذي يلف مُؤيد أقل وهو يمضغ الطعام ليقول
((أمي لا تتدخلي بين الاثنين، زوجة وتريد أن تقوم سلوك زوجها، حقها، في النهاية هي لا تريد إلا مصلحته)) =============================
وقف مُعاذ أمام إحدى الضابطات يقول بنبرته الجافة الحازمة
((من الآن وصاعدا العنابر التي هي تحت إمرتي لن أسمح لنقل أي نزيلة للزنازين الانفرادية دون الرجوع لي أولا، فنحن نضع النزيلات في الانفرادي في حالات استثنائية أو كملاذ أخير ولأقصر فترة ممكنة))
شاب حركة الضابطة بعض الارتباك وهي تظهر الطاعة وتؤدي التحية العسكرية.. أما مُعاذ فظل على واجهته الصارمة وهو يكمل متسائلا
((كم هو الحد الأقصى لعدد النزيلات اللاتي يستطعن أن يقطن هذا العنبر حتى تنقلوا النزيلة شيرين هنا؟))
أجابته الضابطة بخفوت
((عشرين نزيلة يا سيادة الرائد))
رفع مُعاذ إحدى حاجبيه وتساءل بخشونة
((لماذا إذن هنا اثنين وثلاثين نزيلة؟ هل باقي العنابر ممتلئة؟))
ترددت الضابطة قبل أن تجيب
((هناك غرفة صغيرة فيها أربع نزيلات فقط وهو الذي كانت تقطن فيه النزيلة شيرين قبل ذلك.. وهناك عنبر آخر شبه فارغ))
أمرها مُعاذ بصلابة
((إذن ببساطة أعيدوا النزيلة هناك هي ونزيلة أخرى والعدد الإضافي انقلوهم للعنبر الشبه فارغ))
امتقع وجه الضابطة ولكنها قالت
((سنقوم باختيار نزيلتين لنضعهما في ذلك العنبر..))
قاطعها مُعاذ يقول بصرامة ممزوجة بالغضب
((أريد منك أن تعيدي شيرين ونزيلة أخرى.. شيرين أريدها أن تعود لعنبرها الأول فأنا سألغي لها الحبس الانفرادي طالما أنها لم تفعل ما يستدعي لذلك))
قالت الضابطة باحترام أمام وجهه الصخري القاسي
((حسنا يا سيادة الرائد، لكن ألن تخبر الرئيس أولًا؟ لأن الإجراءات ستأخذ أياما لتنفذ))
صكّ معاذ على أسنانه فاهما تلميح الضابطة فقرر إلا يتجاوز صلاحياته وقال بهيبة قبل أن يغادر مباشرة
((سأرفع طلبا، وحتى ذلك أريد منك أن تنقلي شيرين لزنزانة منفردة أخرى))
.
.
بتململ جاءت الحارسة تقترب من زنزانة شيرين الانفرادية وتتساءل بامتعاض
((نعم ماذا تريدين؟))
هتفت شيرين حانقة وهي تناظرها من فتحات الباب الفولاذي
((منذ ساعة وأنا أنادي والآن فقط سمعتي صوتي! ما هذه الغرفة المزرية التي وضعتموني بها! هذا وأنا بريئة لم أفعل شيئا يخل بالنظام أو أسيء لأحد))
ضيقت الحارسة عينيها بخطورة مقتربة من شيرين أكثر تسرق أنفاسها وتتشرب تعابيرها ثم قالت بنبرة مظلمة
((هل تذكرين طه؟ ذلك الموظف المسكين الذي قمت بدفعه من الشرفة؟ لا يهمني أن أعرف السبب فلا سبب يبرر دفع شخص من شرفة عالية.. لكنه حتى الآن لم يستيقظ من غيبوبته، وما يزيد مصاب عائلته المسكينة هو ما قاله المحامي عن إمكانية خروجك قريبا فطاقم فريق المحاماة الذي يقف خلفك ليس بالهين بل يقودهم محامي يعتبر من أكبر قراصنة المحاماة بالبلاد))
تعمق سواد عيني الضابطة ونبرتها تحترق لكنها تضج صدقًا وهي تسترسل
((لا أدري حقا من أنتِ ولكن لا بد أن من خلفك ينحدرون من خلفية مهمة، وهذا ما دفع عائلة طه لبذل الغالي والرخيص لرشوة الضباط هنا ليحولوا حياتك إلى جحيم.. عليك أن تعرفي أنه مهما بلغت نفوذ أو سلطة من ورائك فالله لن يسمح بالظلم وبإذن الله ستتعفنين في هذا السجن وسنحرص على جعل كل يوم يمر عليك هنا كالجحيم))
لا تعلم شيرين لمَ نغز الخوف قلبها فجأة لتدمع عيناها وهي تهمس بضعف نادر فيها
((أنتِ لا تعرفين شيئا، أنا لم أدفعه، لست أنا ما فعلت ذلك بل موظف شاب آخر يدعى فائق، الأمر فقط..))
قاطعتها الحارسة بسخط وهي تشمئز مما تظنه كذبا
((اسكتي يا امرأة لا تسمعيني صوتك، وليكن بعلمك كل ما فات لا شيء من الذي نجهزه لك، فهناك دراسة نسعى لتنفيذها بتوزيع النزيلات هنا على العنابر حسب السلوك وليس حسب التصنيف الجنائي للقضية، وإدارة السجن بدأت فعليا بتطبيق هذا النظام حيث سيتم تقسيم المبنى الجديد إلى ثلاثة أجزاء، والجزء الثالث سيكون للنزيلات مثيري المشاكل ومن ضمنهم أنتِ حيث أنشئ بمواصفات السجون الأميركية شديدة الحراسة))
هزت شيرين رأسها بقوة نافية وقالت بحرقة وتشتت
((أنتِ لا تصدقين القول..))
صوبت الحارسة عينيها في عيني شيرين المُعذَبة ترى خوفا وخشية تشع منهما لتنتشي وترد عليها
((سنرى قريبا.. وليكن بعلمك أن إدارة السجن راعت في تصميم المبنى الجديد أن تكون جميع الزنازين فيه انفرادية ومراقبة بشدة عن طريق كاميرات مراقبة شديدة الحساسية تم تزويدنا بها حديثا مع أجهزة تشويش..))
قطع كلام الحارسة اقتراب إحدى الضابطات منها تعلمها
((أيتها الحارسة كبلي النزيلة هنا فقد تم أمري أن أغير زنزانتها الانفرادية لأخرى على حسب طلب سيادة الرائد مُعاذ))
=============================
تأبطت نورين ذراع زوجها بعد أن خرجا برفقة رشا ووالدتها من المقبرة.. كانت طوال الوقت تنبه نفسها أن تحافظ على رباطة جأشها ولا تؤرق كلاهما أو تضيق الخناق عليه أو تحد من حريته لمجرد ذهابهما برفقة ابنة عمه..
جلست بالمقعد الأمامي بجانب مُصعب بعد أن استقلوا جميعا سيارته.. وحاولت أن تختلس النظر للمرآة الأمامية لتطالع ملامح رشا إلا أنها لم تتبينها وقد كانت الأخرى ترتدي نظارة كبيرة معتمة.. فنهرت نفسها عما تفعله وتوقف حاجتها الملحة بالفضول نحوها..
مشكلتها ليست مع رشا فهي لا تظهر أي اهتمام بمُصعب.. مشكلتها مع زوجها..
خيمّ الصمت الطاغي بينهم طوال الطريق إلا من بعض تساؤلات بسيطة من مُصعب لابنة عمه كأين الفندق الذي تمكث فيه حاليا ومتى ستغادر هي وأمها!
أوصلهم مُصعب إلى حيث يمكثون ثم تحرك بالسيارة راجعًا الى المنزل ليدخله شارد الذهن دون أن ينتظر نورين أو يلقي نظرة عليها..
دلف إلى غرفته ثم أغلق الباب خلفه واضجع على السرير ولمحات من ماض قريب أخذت تتتابع على عقله.. حينما كان عليه التفكير مليا قبل أن يقع ضحية تلاعب رشا واستغلالها ليوافق على مخططها!
كان آنذاك جالسا في غرفة الضيوف الخاصة بمنزل عمه..
طلبت رشا من أخيها أن يشتري لها شيئا مستعجلا فاستأذنه الخروج لنصف الساعة وطلب منه ألا يبارح الغرفة.. بمجرد أن غادر يحيى حتى تفاجئ مُصعب بها تتوغل للداخل وتقول بصوتٍ متحشرج دون أي مقدمات
((هل تعرف أبا رضا صديق أبي وشريكه بتجارته؟))
((نعم وعرفت أيضًا أنك خطبت له، أبي انزعج من مسألة فرق العمر بينكما لأن أبا رضا أرمل وأولاده بسنك، لكن والدك وضح له أنك قابلتيه وجلستي معه عدة مرات قبل أن تشعري تجاهه براحة عجيبة وتوافقي على طلبه للزواج))
((الحقيقة أنه في الأمس أراني كسوة وملابس اشتراها من بلاد أخرى وقال بأنها مخصصة لعروسه، أعجبتني الثياب وطلبت منه أن يشتري لي مثلها وكنت أهم بإعطائه ثمنها قبل أن يلفه الذهول ويخبرني أن هذه الثياب والكسوة كلها لي! اتضح أنه طلبني من أبي للزواج وأبي وافق دون أن يسألني أو حتى يعلمني.. أنا آخر من يعلم بالقرية بخطبتي.. سيزوجني له لأنه شريكه بعمله وصديقه الحميم، يريد أن يقوي أواصر المحبة بينهما ويضيع مستقبلي أنا))
((هل أخبرتِ يحيى بهذا؟ دعيه يتدخل لا يعقل أن يزوجك أبيك دون موافقتك!))
((إنه يعرف بالفعل ولا يريد التدخل خوفا من غضب والدي! أنا بحاجة لمساعدتك أنتَ!))
((أنا! بم قد أفيدك؟ هل تقصدين أن أخبر أبي؟))
((لا.. لا أريد منك أن تخبره، في كل مرة يتدخل والدك ويدافع عني أمام أبي، يُحرج منه ويظهر اقتناعه بكلامه مؤقتا لكن ما إن يغادر والدك حتى يفرغ غضبه عليّ لأني شكوته لأخيه الأكبر))
((إذن بماذا يمكنني أن أساعدك يا رشا؟))
((أريدك أن تقوم بالنهو عليّ))
((أقوم بعرف النهوة عليك؟ هل أنتِ مجنونة؟ بل هل سيقبل والدك يا رشا؟))
((بالطبع لن يقبل وسيرفض لكن سيقف الجميع له بالمرصاد لو فكر بذلك.. اطلب يدي أمام وجهاء القرية بصفتك ابن عمي وبعرفنا أولى من الغريب، وبموجب هذا العرف لن يستطيع أبي تزويجي من شخص آخر غيرك حتى لو بقيت من دون زواج مدى الحياة..))
((لا مستحيل لن أفعل، والدي سيقتلني لو قلتها أمام الوجهاء ووضعت أباكِ تحت الأمر الواقع..))
.
.
لم يقبل هو أبدًا ولم يستجب للفكرة المجنونة التي اقترحتها رشا عليه وعندما فشلت في إقناعه غادرت المكان حانقة.. واحتار إذا ما كان يجب أن يطلع أبيه على حقيقة رفض رشا خطوبتها من صديق والدها أم لا..
لكن بعدها بأيام جاءته أخبار من يحيى بدخول شقيقته المشفى لأخذها دواء بالخطأ..
وقتها حاول بطريقة وأخرى الحصول على رقمها والاتصال بها.. وأخبرته أنها أخذت متعمدة جرعات كبيرة من الإنسولين.. ومجموعة حبوب أخرى مختلفة كطريقة للانتحار لأنه رفض طلبها..
كان يعرف أن فتاة ذكية كرشا لا يمكن حتى أن تعرض حياتها للخطر كما تخبره إذ أنها تعمل بمجال طبي وتعرف جيدا مقدار الجرعة التي يمكن أن تتناولها دون أن تتأذى بأي شكل من الأشكال..
إلا ولأنها كانت تخبره أنها تريد فعلا خسارة حياتها عن الزواج من صديق والدها.. خشي إن استمر بالاستخفاف بتهديدها أن تتهور وتقدم فعلا على الانتحار رغم أنه بين لها قبح وعظم هذا المنكر والذنب الكبير..
وعاود يخبرها أنه سيطلع والده على حقيقة رفضها للخطبة فترفض بشكل قطعي تماما وتصر أنه الوحيد من يستطيع مساعدتها..
((مُصعب الشيء الوحيد الذي يمكنك فعله ومساعدتي به هو أن تقف أمامهم وتخبرهم أنك ابن عمي وأني ومنذ ولادتي مقدر لي أن أكون زوجة لك.. وإذا ما فكر أبي الخروج عن التزام النهوة فهدده بقتلي أنا أو العريس الذي جلبه ولن تجد أحدا من القرية يعارضك بل لن تقع أي عقوبة عليك))
((ولكن يا رشا..))
((استعمل النهوة أرجوكَ.. أنتَ أملي الوحيد))
((وماذا سيحدث لو تزوجنا؟ كنت تقولين منذ صغرك أنك تريدين الذهاب للخارج والعيش عند والدتك والزواج من أحد أبناء جيرانها الأجانب أصحاب البشرة البيضاء والعيون الملونة.. لذا كيف سيكون حالنا بعد الزواج؟))
((نسيت كل هذا، لا أريد الآن إلا أن أتخلص من أبا رضا، وإذا تزوجنا سأبذل جهدي لإسعادك حتى لا تندم))
وهكذا لعبت رشا دور الضحية كما هي فعلا بجدارة معه.. لكنها بالغت في جعل نفسها بواجهة الفتاة الضعيفة الهشة التي تحتاجه.. وهو في هذه الحالة لم يتردد في فعل ما يخفف عنها..
.
.
فعل ما طلبته منه وقام بالنهو عليها رغم سخط واستنكار كل من حولهم له.. فهي بنظرهم امرأة مخطوبة بالفعل وتحب خطيبها..
هو فقط مُعاذ من أخبره تحت وطأة ضغطه بالحقيقة..
أما رشا فقد باحت بهذه الحقيقة لأخيها وحسب.. والذي بدوره قام بالإفصاح بها إلى وليد دون أن يقصد بعد أن ضاق بما قاله وليد عنه وهو يصفه بالخسة والدناءة لأنه قام بالنهو على ابنة عمه التي تحب رجلا آخر!
.
.
أمضى وقتا عصيبا حتى تزوج منها وهو بالكاد يتحمل النظرات المشمئزة الموجهة نحوه.. خاصة مع الكم الهائل من الكدمات التي لم تستطع مساحيق التجميل إخفائها على بشرتها الناعمة..
كانوا يظنون أنها تعرضت لعنف جسدي حتى تترك خطيبها وتقبل الزواج منه دون أن يدركوا أنها تعرضت لكل هذا من والدها لأنها وافقت على الزواج منه!
.
.
وطوال فترة زواجهم حاول قدر الإمكان أن يكون الزوج الجيد معها إلا أن النفور الذي كانت توجهه له كان يمنعه.. بل حتى أنه اشترى شقة ودفع أول قسط لها لينفردا في مكان واحد لعل الخصوصية تساعد في حصول تقدم ولو كان بسيطا في علاقتهما.. لكن لا فائدة.. أدرك جيدا سخطها من واقعها الحالي.. فأحلامها لطالما كانت السفر عند والدتها والزواج من أحد رجال الغرب لا من رجل يوغل في ربطها بهذه القرية أكثر! وهو لو لم يكن خيارا أفضل من صديق والدها العجوز لم تكن تلح عليه للزواج منها بأي طريقة كانت..
.
.
فاجأته بعد وفاة والدها بأيام طلبها الطلاق وهو لم يعترض.. فقد كان هذا الزواج البائس المليء بالمجاملات يثقل كاهله كما كاهلها أيضًا..
طلبت منه ألا يخبر أحدا بطلاقهما قبل أن تنتهي عدتها.. وهو لم يتردد كثيرًا قبل أن يوافق.. ربما لأنه كان يعتقد أنها قد تتراجع.. رغم أنه كان يتمنى من أعماق قلبه ألا تفعل ويحدث الطلاق بينهما.. هكذا فقط يمكن أن يتخلى عن مسؤوليتها راضيا.. وبمجرد أن انتهت عدتها كان يظن أنها تحزم أشيائها وحقائبها للعودة إلى منزل أخيها إلا أنه عرف متأخرا أنها قد سافرت إلى حيث والدتها تعيش.. تاركة إياه وحيدا يعاني من نظرات الناس المحتقرة والشامتة به ظانين أنها هربت منه وقبل أن تحصل حتى على الطلاق!
والآن ورغم جرحه الذي لم يلتئم مِمَّا فعلته.. إلا أنه لا يريد إلا سعادتها وراحتها.. فهي شقيقة أقرب إنسان إلى قلبه.. ولا يزال يشعر أنه المسؤول عنها ومن سيأخذ دور أخيها المرحوم في حياتها!
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل السادس وستون 66 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
في مطعم الفريال..
كان قُصي منهمكا في تنظيف الأرض.. ساخطا على نفسه فهو حتى الآن لم يتقرب من سهر بل منهمك في هذا العمل المُذل أمام هؤلاء الزبائن الحمقى..
ورغم أنه فعلا يحاول الحفاظ على ضبط النفس مهما أغضبته تصرفات الزبائن حتى لا يكرر خطأه السابق في شركة القاني.. لكن هذا لا يمنع أن بعض تصرفاتهم تغضبه وتشعره أحيانا بالإهانة..
أطلق زفيرا بائسا وهو يستقيم في وقفته عندما انتبه لحضور زبون آخر إلى داخل المطعم..
سارع قُصي يرحب به ويجهز له الطاولة فيما بدا الزبون مشغولا بمكالمة أحدهم.. سأله قصي بابتسامة عريضة وهو ينتشل دفتره وقلمه
((ما الذي تريده يا سيدي؟))
ظل الزبون يتحدث بتركيز مع الشخص في الهاتف وهو يشير لقصي بإبهامه وسبابته.. عقد قصي حاجبيه يقول ببلاهة
((ماذا تعني هذه الإشارة يا سيدي؟ هل تريد قهوة أو شاي؟))
ظل الزبون يتحدث على الهاتف غير متنازل للإجابة على قصي الذي احتقن وجهه وتشنجت ملامحه ليقول بغضب مكتوم من بين أسنانه المطبقة
((سيدي إذا كنت مشغولا بالهاتف يمكنني أن آتي لاحقا لأخذ طلبك لا داعي لاستخدام لغة الإشارة معي فأنا لا أفهمها، والأمر لا يقتصر على بطء الخدمة على طاولتك فحسب، بل إلى الطاولات الأخرى في وقت الذروة هذا))
كان لا زال الزبون يتحدث بالهاتف فتوجه قصي نحو المطبخ ليسير نور بجانبه معقبا بشيء من التردد خوفا من استشاطت غضبه
((بدا وكأنك ستنقض على الزبون وتضربه، عليك أن تعامله بتهذيب حتى لو لم يكن ودودا ومهتما بحديثك أثناء سؤالك له عن طلبه))
انتفض بدن نور عندما ضرب قصي يده فوق الرخام قبل أن يغمض عينيه مغمغما
((تبا لكل شيء..))
مرّت ساعات عليهم قبل أن يحل موعد إغلاق المطعم.. كاد قصي أن ينهي عمله في توضيب المطبخ عندما اقترب منه نور متسائلا بكثير من الارتباك وهو ينكس بوجهه أرضا
((قصي أريد أن أسألك سؤالا؟))
ردّ قصي بوجوم وهو مستمر بعمله
((ما الذي تريده يا نور؟))
زمّ نور شفتيه ثم قال بخفوت
((هناك زبونة دخلت عند سهر وأخبرتها هامسة بأنها تمر بأيامها الشهرية وقامت سهر بإعطائها شيئا ما وقالت لها أنها تتفهم ما تريده فهي امرأة مثلها))
توقف قصي عما يقوم به فجأة كمن ضربته صاعقة ثم رفع وجهه بعينين خطيرتين لنور يتساءل بتوجس
((نعم وما الذي تريد الآن أن تسأل عنه؟))
تساءل نور ببراءة
((هل يمكن أن تشرح لي عن ذاك الأمر أكثر؟))
غلا الدم ببدنه فهجم قصي على نور يمسكه من تلابيب قميصه
((أيها المنحرف كنت أعرف أنك كذلك، مظهرك المخنث لا يريحني أبدًا، أنا لا آمن على عمل سهر هنا أثناء وجودك، الذكور يبقون ذكورا مهما كانت أعمارهم))
احتقن وجه نور وقال بصوتٍ مختنق وهو بالكاد يلتقط أنفاسه مع فرق الطول الهائل بينهما
((ابتعد عني.. ستخنقني ابتعد..))
قبل أن يزهق قصي روحه خفف من ضغطه ثم دفعه بقوة ليتراجع الآخر خطوات للخلف قبل أن يقع أرضا على ظهره متأوها بألم بينما يسمع قصي يقول محذر
((سأدفنك مكانك إذا سمعتك تقول أو تنظر لشيء يثير الشك، اعمل هنا بشكل محترم، هل فهمت يا هذا؟))
تغرغرت الدموع بعيني نور رغما عنه وبدأت تنزل كالأنهار على وجنتيه الناعمتين إلا أنه ناظر قُصي هادرا بصوتٍ متذبذب
((ولكن أنا محترم))
رمقه قُصي بازدراء وقال متهكما بلا مرح أو صوت
((لا لست محترمًا عندما يأخذك فضولك لمثل هذه الأمور، ثم توقف عن البكاء والنحيب كالفتيات بهذا الشكل المثير للاشمئزاز))
كاد قُصي يستدير على عقبيه عندما وصله صوت نور
((ولكن أنا حقا بحاجة لأعرف))
اتسعت مقلتا قُصي واقترب من نور يرفع قبضته للأعلى مهددا
((وأنا بحاجة لألكمك في منتصف وجهك))
على الفور رفع نور ذراعيه يحمي نفسه من هجوم قُصي الذي أنزل يده متراجعا عن لكمه.. فرغم انحراف عقل هذا المراهق إلا أنه هش.. وضعيف بشكل يثير إرباكه.. فتنحنح يجلي صوته ليقول بخشونة
((نور.. نور.. كم قلت لي عمرك؟))
أخفض نور ذراعيه وتطلع بخوف وتردد لقصي يجيبه
((أربعة عشر))
انتابت الدهشة قُصي وهو يقول
((أربعة عشر!؟ إذن بغض النظر عن بنيتك الضعيفة وقصر قامتك فلماذا لا تظهر عليك مظاهر الرجولة؟ مثل بداية ظهور الشعر على وجهك، اخشوشان صوتك؟ ثم أتوقع بأنهم يعلمونك في المدرسة ولو بشكل سطحي عن ظرف الفتيات الشهري، اكتفي بما تعلمته ولا تسأل عن المزيد))
اعتدل نور جالسا من مكانه على الأرض ثم دمدم
((ولكن أنا خرجت من المدرسة منذ سنين حتى أعمل وأساعد أمي المريضة فوالدي متوفي، وأخجل أن أسأل أمي))
زمجر قصي به هاتفا
((الطبيعي هو أن تخجل، عد لعملك يا نور فأنا أمسك قبضتي عن لكمك بشق الأنفس، وإيَّاك ثم إيَّاك أيها المنحرف أن أراك تختلس النظر أو تقترب من خطيبتي))
مرت دقائق قبل أن يمسح نور وجهه ويعتدل واقفا على مهل حتى لا يؤلم مرفقه..
أما قُصي فأخذ نفسا عميقا يهدئ أعصابه ثم أخرج من محفظته حفنة من المال وقال بامتعاض وهو يمد يده بالنقود
((تعال يا نور وخذ هذه))
استغرب نور من المال الذي يقدمه له لكن سرعان ما ارتسمت ملامح الرفض على وجهه قائلا بوضوح
((أنا لست متسولا، لا أريد))
التقط قُصي يده بقوة وفرد أصابعه ووضع المال فيها ثم أغلقهم وشدَّ فوق قبضته بقسوة يخبره بنبرة غير ودودة
((أيها الأحمق هذه من البقشيش الذي أحصل عليه من الزبائن.. فليس عدلا أن آخذ البقشيش لوحدي لأني أتعامل مباشرة مع الزبائن بينما تبقى أنتَ في الداخل للتنظيف))
تطلع نور به بنظرة متأثرة وعينين بارقتين فازداد نفور قصي العارم وابتعد عنه..
كان المبلغ الذي أعطاه له يفوق البقشيش فهو يعرف أن نور يعمل في هذا المطعم لأكثر من عشر ساعات ليؤمن حاجيات وأدوية لأمه.. ومعرفته أنه ترك المدرسة لأجل ذلك زاد من إشفاقه عليه..
بعدما انتهى قُصي من التنظيف توجه نحو خزانته بالمطعم حيث يضع ملابسه لكنه لم يفتحها بل جلس واضعا يده على معدته المضطربة منذ أيام وهي سبب ضيق صبره ومزاجه العكر..
أغمض عينيه وكان شبه يئن متألما عندما شعر بدخول أحدهم الغرفة هاتفا
((تبدو مريضا يا منقب الذهب))
فتح قُصي عينيه لسهر الواقفة أمامه وتحدث بامتعاض رغم إعيائه
((منذ أن سكنت في تلك الخرابة بجدرانها الرطبة ورائحتها القذرة، ومنذ أن عملت في هذا المطعم وأنا لم أرَ إلا المرض والبؤس وأشك بأني تناولت شيئا فاسدا فكل أكلي وشربي من هذا المطعم الشعبي المقيت))
رشقته سهر بنظرات الازدراء وقالت ساخرة
((تتحدث كأنك كنت تعمل كرئيس لشركة عائلة والدك ولم تكن تشغل وظيفة بسيطة في خدمة عملاء على الهاتف في شركة القاني))
ترققت ملامح قصي وقال بكآبة
((هل تعرفين ماذا؟ رغم أن عملي هناك في شركة القاني كموظف خدمة عملاء لم يكن عملا آدميا وبسببه أصبت بالكثير من المشاكل النفسية والصحية كآلام في رقبتي وظهري وأذناي وحنجرتي وتم إتلاف أعصابي إلا أنني اكتشفت بأني كنت مدللا هناك مقارنة بعملي هنا، حتى راتبي الزهيد الذي لا يناسب حجم المجهود الذي بذلته في شركة القاني كان بحجم ساعات عمل أقل من هنا.. شركة القاني كانت تبخس حق موظفيها ولكن ليس بمقدار صاحبة هذا المطعم))
ارتفع حاجبا سهر قليلا وهي تسمعه يتحدث أكثر جانبه المتحفظ وعمله الحقيقي.. لكنها لم تسترسل بالحديث معه حتى لا تزيد في تأثرها أو تعري بما يموج في داخلها.. واكتفت تقول ((كان عليك أن تحافظ إذن على عملك السهل هناك، لا أن تشتم عميلا بأمه))
تغضَّن جبين قُصي بالغضب ورد
((عملي هناك من خلال سماعة هاتف لم يكن سهلا بالمجمل، كنت أتعرض فيه للكثير من البذاءة دون أن أستطيع أن أرد أو أواجه ما أتعرض له، وأقصى شيء يمكن أن أفعله هو أن أغلق الخط عليه وبعد أن أستأذنه في ذلك أيضًا))
قلبت سهر عينيها بالسقف مدعية اللامبالاة ثم عقبت على ما أخبرها به نور الذي كان يريد اقتسام ما حصل عليه من قصي معها
((بعيدا عن هذه السيرة، المبلغ الذي أعطيته لنور من أين حصلت عليه؟))
أجابها ببساطة ((من البقشيش))
ضيقت عيناها بشك ثم قالت
((معظم عملاء هذا المطعم الشعبي يتقاضون أجور ورواتب أقل منا نحن فكيف يعطونك بقشيشًا؟))
رغم ألم معدته لكن مالت زاوية فمه بابتسامة وهو يرد
((هناك أشخاص آخرين أغنياء يعرفون أن العاملين في المطاعم تعتمد أجورهم على إكراميات الزبائن، ولهذا يعطوني إياها بسخاء))
شردت سهر قليلا بنظرها قبل أن تقول بفطنة
((هل تقصد ذلك الرجل الأنيق الذي يُدعى يوسف؟ فلا أذكر شخصا بملابس متأنقة جاءنا غيره! أقسم يا قصي إن عرفت أنك تحاول الآن استمالة فتاة أخرى من عائلة غنية من خلال خداعها بمقدار ثروتك وطول يخوتك وشركة عائلتك التي تعمل بها وأساطيل سياراتك فلن أسكت وسأتسبب بسجنك))
وقف قُصي من مكانه وصرخ بها منفجرا بانفعال
((أنا لست سارقا! لم أكن لأتقرب من فتاة لأسرقها طمعا بما تملكه عائلتها، هل سبق وأن طلبت منك قرشا في السابق أيتها الباربي البلاستيكية؟))
مالت سهر أكثر منه ورفعت وجهها بشموخ وقالت
((لو لم تكتشف شيرين حقيقتك الخادعة لكنت فعلت، فعلى ما يبدو كنت تنتظر انتهاز فرصة كبيرة))
اهتزّت حدقتي قُصي بألم خفي لأن الوقت ليس مناسبا ليبوح لها بكل شيء يخصه.. وبالكاد تمَالك نفسه وهو يهدر بثبات
((ذلك البقشيش الذي تقاسمته مع نور من يوسف فعلا..))
ظلت عينا سهر تعانق عينيه قبل أن تقول أخيرا
((حتى لو كان هذا الأمر صحيح فمن الطبيعي ألّا آمن كاذب مثلك يا قصي على ود ولا أثق منك بكلمة!))
غامت عينا قُصي بينما تكمل سهر بصوتٍ يبطن الكثير من الحرقة والألم.. والعتاب
((قُصي هل تعرف معنى رجل؟ رجل تعني فحولة ورجولة وشهامة وقيم ومبادئ وأخلاق وكرامة.. وصدق..، فأين أنت من كل ذلك؟))
ظل قُصي محافظا على صمته فأمرته بصوتٍ سحب منه الحياة
((والآن هيا أوصلني إلى بيت صديقتي))
غادرت سهر من ناظره وبقي هو واقفا مكانه متجمد الملامح يغوص بالتفكير بمستقبل علاقته مع سهر..
ماذا لو قرر عمه اللعين ألا يسمح له بالعودة للعيش تحت ظله واستمر بقطع المصروف عنه وعدم إعطائه حقه المنهوب في ورثة أبيه؟ هل هذا يعني بأن كل الرفاهية التي كان يعيشها ستتلاشى نهائيا من حياته؟
إذا حدث هذا فعليه ألا يحلم بالزواج كنهاية لخطبته مع سهر حتى لو باح لها بكل أسراره ودوافع كذبه! فما فائدة اسم عائلته وهو لا يكسب منها شيئا!
رباه! كم يخاف أن يعود هو وسهر غرباء.. ويختفي اسمها من قائمة اتصالاته ومحادثاته.. ويجد نفسه يعيش حياة لا تكون هي فيها!
=============================
منزل مُصعب..
دلف مُصعب إلى المطبخ يشد ذيل شعر نورين الأشقر برفق ويتساءل
((لماذا تأخرت في صنع القهوة يا عفريتة؟ أمي تريد الرحيل الآن!))
بدأت نورين تسكب الغلة في القهوة بتعجل وهي تقول
((ألم تخبرك شيئا عن رتيل؟ أعني أنا أكره رتيل جدًّا.. أكثر مما قد يتصور أحد.. ولكنها وللحق فهي تفرط في خدمة زوجها ووفي كسب رضاهما وتتابع العاملين في القصر وجُلّ وقتها لهم جميعا.. حتى أنها تأخذ مكان الأب في حياة أولادها لأن أخاك في المدينة لا يزورهم إلا كضيف بضع أيام كل أسبوعين))
تنهد مُصعب وقال نافيا
((لا لم تقل أمي أي شيء عنها بل شعرتُ بضيقها عندما فتحت لها سيرة مُؤيد كأنها لا تريد التحدث عن أي شيء متعلق به أو بزوجته، ربما يعود مُؤيد لزوجته وربما لا ولكن حتى ذلك لا أفضل أن نتدخل، فربما هناك أمور لا نعرفها)).
بعد بعض الوقت دخل مُصعب وهو يحمل الصينية بينما نورين تسير بجانبه لتعاتبه أمه برقة
((أخبرتك يا مُصعب بأني لا أريد منك إلا أن تجلب كأس ماء فلا تتعب زوجتك الحامل بصنع القهوة))
جلست نورين مبتسمة بجانب حماتها التي دعت لها أن تقوم بالسلامة بينما تساءل مُصعب باستغراب
((أمي لماذا العجلة؟ أنا في إجازة أرجوكِ ابقي هنا قليلا))
تنهدت زاهية قبل أن تقول بصراحة له
((أنا جئت يا مُصعب فقط لأعلمك عن اتصال جاءنا أنا ووالدك قبل عدة أيام))
مال برأسه وتساءل بفضول
((اتصال!؟ أي اتصال ومن صاحبه!؟))
وسرعان ما غامت عيناه وتساءل بجدية
((إنه من رشا صحيح!؟ فقد سبق وراسلتني تقول بأنها بالبلاد بالفعل مع أمها))
بهُت وجه نورين وفغرت شفتيها لتسأل حماتها
((ما بها رشا يا عمتي!؟))
شبكت زاهية أصابع يديها ببعضهما وقالت بهدوء
((لقد أصيبت بالمرض الخبيث عافانا الله، ولكنها بحمد الله تشافت منه.. لم تكن تريد إعلامنا بقدومها خوفًا من مُؤيد، زارت المقبرة مع والدتها لكن العاملين هناك فشلوا في إيجاد قبر يحيى، طلبت مني أن أخبرك لعلك تقبل أن تذهب بها إليه قبل أن تغادر مُجددا))
اتسعت عينا نورين بينما تجلت آثار الصدمة والقلق على وجه مُصعب وهو يقول بانشداه
((أصيبت بالمرض الخبيث وتعالجت منه!؟ كل هذا حدث لها من دون علمنا.. ولكن لماذا لم تخبرني!؟))
وقف مُصعب وأردف بنزق وارتباك وهو ينتشل هاتفه ويهم بالخروج
((أنا بحاجة أن أتحدث معها، لا ترحلي أنا سأوصلك بسيارتي للبيت))
هتفت والدته عاليا له
((لقد اتصلت بمَالك بالفعل وهو في طريقه لأخذي، لا تتعب نفسك ودعنا نستفد منه بشيء فبعد زواجه لا يفعل شيئا إلا البقاء في جناحه كالنساء))
بدا أن مُصعب غادر المكان قبل حتى أن يصغي لكلام أمه.. أما نورين فازدردت تلك الغصة المسننة وهي تشعر بالمكان يميد بها..
رفعت يدها إلى بطنها البارزة قليلا بحركة فطرية ونظرت لحماتها متسائلة بصوتٍ متحشرج
((عمتي ما هي قصة مُصعب مع ابنة عمه؟ بالرغم من أنه قام بالنهو عليها، لكنه أكد لي بأنه لم يسبق وأن أحبها قبل أو بعد الزواج))
لفَّ الامتعاض زاهية وقالت
((هذا صحيح، أنا متأكدة من أن ابني لم يحبها فهي امرأة جامدة لا تستحق الحب، هو فقط أراد أن يغيظ والد يحيى لأنه رجل جشع))
عقدت نورين حاجبيها بحنق عندما صمتت والدة مُصعب دون إعطائها مزيدا من التفاصيل بكل لباقة ودهاء.. إنها تثبت بأنها كتومة بامتياز ومناصرة لغموض مُصعب بولاء منقطع النظير..
خيم صمت بينهما التهم أعصاب نورين قبل أن يتصاعد صوت هاتف زاهية فقالت بانتباه
((ها قد اتصل بي مَالك لأخرج))
وقفت زاهية من مكانها وهي تمسك محفظة يدها ثم قالت بصوتٍ مختلف مغلف بالمكر
((نورين اذهبي مع مُصعب عندما يصحب ابنة عمه للمقبرة ولا أريد أن أوصيك، عليك أن تثبتي لها أن ابني يعيش حياة جميلة معك بعد أن تركته وبأنه رُزق خيرا منها ببُعدها))
فرقت نورين بين شفتيها المرتعشتين بلوعة والحرقة تمزق صوتها
((ماذا تقصدين يا عمتي!؟))
ردت زاهية دون مواراة
((أريد منك أن تستعرضي أمامها وتثيري غيرتها حتى تعرف أنها كانت غبية بترك رجل مثل مُصعب، هل يجب أن أقولها بوضوح لك!؟ أليس لديك شيئا من كيد النساء!؟ لقد عشت مع رتيل سنة بحالها ولم تتعلمي شيئا منها!))
وغادرت زاهية المكان تاركة تلك الشاحب وجهها وراءها!
إذن والدة مُصعب تعمدت أن تفتح مثل هذا الموضوع أمامها لتثير غيرتها كامرأة وغريزتها في الدفاع عن زوجها وبيتها.. ولكن لماذا تريد منها أن تثير غيرة رشا إذا ما كانت رشا اختارت بنفسها أن تنفصل عنه؟
وهذه رشا الخرقاء إذا كان مُصعب سبق وآذاها وتزوج منها رغما عنها فما الذي يجعلها بهذه البساطة تتحدث وتتراسل معه بل وتطلب لقاءه هو بالذَّات من بين الجميع من أجل مرافقتها إلى قبر أخيها؟
لا والأنكى أن مُصعب كان يخفي عنها أمر رشا ولا يخبرها عن مراسلاتها معه.. وقبل قليل عندما عرف بمرض ابنة عمه سارع يختفي من أمامها خشية ألا يتمَالك نفسه وينهار أمامها وهو يبكيها..
أساسًا كانت شاعرة أنّ حاله متغير بالفترة الأخيرة.. فمعظم الوقت شارد الذهن.. ملتزم الصمت.. يبقى بالغرفة منفردا لوقت طويل..
هزت نورين رأسها تكبح هذه الخواطر وتدفنها تحت أطنان من الإنكار.. وفي نفس الوقت تقر أنها لا تفهمه.. أو أنه هو لا يريد منها أن تفهمه.. لكن ما هي متأكدة منه أنه لا يريد أن يخسرها هي زوجته نورين..
=============================
قالت ياسمين المنهمكة بالتطريز بامتعاض بالغ
((مَازن أخفض صوت ألعابك، هدى اجلبي لي الخيط الأحمر))
رمت هدى أداة التحكم بلعبة البلايستيشن أرضا بحنق وقالت غاضبة لوالدها
((لم أعد أريد اللعب معك فأنتَ لا تتنازل أبدًا وتسمح لي بالفوز عليك ولو مرة، سأذهب للعب ببيت الدُمى))
ثم اتجهت هدى ملبية طلب أمها وسحبت كرسيا إلى المنضدة.. تسلقته لتفتح الدرج تفتش به عن ضالتها وبعد عدّة محاولات وجدت الخيط الأحمر.. ثم رمته لأمها التي تلقفته لها بامتنان..
ظل مَازن يلعب بالبلايستيشن الخاص به قبل أن يعلو صوت طرقات على باب جناحه.. فسمح للطارق بالدخول ليتفاجأ بنجوم تدلف على استحياء وهي تحمل صينية
((لقد جلبت لك كوب قمر الدين يا سيد مَازن))
ابتسم مَازن لها تلك الابتسامة الجذابة وعقب بلطف
((ما هذه "سيد" الذي تظلين تناديني بها.. قولي مَازن فقط))
تلونت وجنتها بالاحمرار وهي تقول له بينما تضع الكأس فوق المنضدة التي بجانبه
((حسنا يا سيد مَازن))
تمتم مَازن وهو يهز رأسه بيأس ((عدنا!))
رفعت ياسمين وجهها لنجوم تسألها باستغراب غير مألوف فيها
((لماذا تظلين تجلبين له كل هذه المشروبات والحلوى!؟))
ردت نجوم عليها بصوتها الناعم
((أمي دائما تطلب مني أن أقدمها له، بحكم أنه كان يعشق قمر الدين بصغره))
اعترت الدهشة مَازن وقال بشجن الماضي
((قمر الدين! ياااااه...! متى آخر مرة ارتشفت منه! نعم قولي لمنال أن تعده لي، بصغري لم تكن تناديني أمي إلا "قمر الدين"))
ورغم الإعياء والتعب الداخلي والخارجي الذي كانت تشعر به نجوم إلا أن ابتسامتها اتسعت للسعادة الصبيانية المرتسمة على وجهه لمجرد إحضارها قمر الدين له..
أطلق مازن تنهيدة منتعشة وهو ينهي قمر الدين في الكوب ثم هتف في هدى الجالسة بجانب أمها
((هيا يا هدى تعالي لنتبارى مرة أخرى))
نفخت هدى أوداجها وتبرمت
((لا أريد أن ألعب معك، أمي اذهبي تباري معه وفوزي عليه كما المرة الماضية))
قالت ياسمين ببرود
((لا أحب اللعب معه، اطلبي من نجوم أن تباريك))
ذهلت نجوم وتطلعت لمَازن هادرة
((هل أتبارى معك أنا؟))
ارتبكت ملامح مَازن ونظر نحو الباب.. ولم يعرف إذا كان عليه الموافقة! فماذا لو مرَّ والده الى هنا من قبيل صدفة وطلب الدخول ورأى نجوم تشاركه ألعاب الفيديو!
لكن شعر بالخجل منها فأومأ لها موافقا في حين قفزت هدى من السرير وهرولت باتجاه نجوم تعلمها كيفية اللعب..
.
.
بعد نصف ساعة..
اصطنع مَازن الذهول والغضب وهو يقول
((كيف استطعتِ يا نجوم هزيمتي للمرة الثالثة على التوالي! أنتِ مذهلة))
عبوسه أذاب قلبها لترد عليه بصوتٍ أجش
((إنها لعبة ممتعة))
رغم ابتسامة مَازن المتشنجة إلا أنه لم يكن أبدًا مرتاحًا بداخله.. وعندما قرع الباب فزع مكانه خوفا من أن يكون والده لكن جاءه الصوت الأنثوي رغم غلاظته
((نجوم! نجوم! لماذا تأخرتِ؟))
هدأ روعه عندما عرف هوية الطارق وهتف عاليًا
((إنها هنا يا منال تقف بصف هدى ضد مبارزتي، ادخلي))
فتحت منال الباب ودلفت في حين انتفضت نجوم واقفة تقول بارتباك
((سآتي حالا يا أمي))
وزعت منال أنظارها على مَازن ونجوم وياسمين المنزوية لوحدها تقوم بالتطريز ثم مدت يديها تلوح بها بلامبالاة
((لا، لا حاجة لأن تأتي، لست بحاجتك، استمتعي بوقتك))
تكدّر حال مَازن لأن نجوم لم تغادر المكان وتابع مبارزتها لتشعر هي بفرحة عامرة تتسلل لتطغى على روحها المكللة بالهموم ولو مؤقتا..
أما هدى فتوجهت عند أمها تهمس بأذنها بحنق طفولي
((أمي لقد جعل نجوم تفوز عليه ثلاث مرات عن قصد، وأنا لا يسمح لي بالفوز عليه))
=============================
سجن النساء..
فتحت الحارسة باب السجن الحديدي لشيرين وأحاطت الأصفاد الحديدية بيديها..
طالعت شيرين وجه الحارسة المتجهمة والتي تحقد عليها لسبب لا تعرفه فقالت لها
((أنا بحاجة أن أذهب للطبيب فرأسي يعاني من الدوار، أنتِ تعرفين أني كنت بالمشفى قبل وقت ليس بطويل))
حمدت شيرين الله كثيرا عندما سمعت ببدء زياد غزوان العمل في السجن كطبيب ذاك الذي من معارف قصي..
ساقت الحارسة شيرين إلى حيث مكان طبيب السجن دون أن ترد عليها.. فمرتا أمام باب العيادة حيث يقف هناك طوابير المسجونات الجدد اللائي ينتظرن الفحص الطبي..
انتظرت الحارسة في الخارج ودلفت شيرين للداخل لتفاجئ من وجود ذلك الطبيب الملقب بالجزار..
شتتت نظرها بأرجاء المكان لعلها تجد ذاك الطبيب الثاني الذي أخبرها قُصي عنه.. إذ أنها تشعر بالإعياء الدائم ولا تتحمل الامتناع عن زيارته اليوم أيضًا..
تطلع ذلك الطبيب الجزار بشيرين بعبوس فطري وتساءل
((ما الذي تعاني منه أيتها النزيلة؟ أنا مستعجل))
جفلت لسؤاله وتلعثمت لدقيقة قبل أن ترد
((سمعت أن الطبيب الجديد وصل، هل يمكن أن يعاينني هو؟))
ثبت الطبيب الجزار نظراته عليها مزمجرا
((وهل تظنين نفسك بإحدى المشافي الخاصة الباهظة! أنتِ في السجن يا أمرأه))
انكمشت شيرين على نفسها من صراخه عليها تزامنا مع دخول أحد الأطباء يقول بصوتٍ هادئ
((أنا هو الطبيب الجديد زياد، هل هناك سبب معين لتختاري أن أعاينك شخصيا؟))
استدارت شيرين إلى الرجل الذي دلف للداخل حيث خرج منه الصوت..
وبدأت تحدق فيه بانشداه.. شاهق طويل.. بمنكبين عريضين.. يرتدي ملابس عسكرية رغم أنه طبيب..
توقف نظرها عند خضرة عينيه.. بنفس درجة عينا يوسف بالضبط.. إذن هو زياد غزوان.. شقيق يوسف..
هذا هو الطبيب الذي على علاقة بقُصي!
أشرق وجه شيرين ولم تستطع أن تخفي فرحتها وهي تقول
((مرحبا دكتور زياد أنا شيرين))
ظل زياد الذي يقف مقابلها يطالعها بوجه غير مقروء قبل أن يشمخ برأسه ويقول
((هل أعرفك أيتها النزيلة شيرين؟))
تلاشت تعابيرها كلها لتتسع عينيها وتفغر شفتيها.. ألم يخبره قُصي عنها بعد؟
تلّبك كل ما فيها وقالت بإحراج وهي تنأى بنظرها عنها متعانقة الأهداب
((لا أنا فقط.. أعني.. أقصد..))
ظلَّ زياد على صمته لتتأكل كل خلية في أعصابها قبل أن يقول بهدوء طاغي
((بما أن زميلي هنا سيقوم بعمله فلا حاجة لوجودي))
تناول زياد من على مكتبه الملفات التي جاء من أجلها ثم همّ أن يغادر قبل أن يمنعه الطبيب الملقب بالجزار ويقول على عجل
((دكتور زياد أنا مضطر أن أغادر لأمر ضروري فتولى أمرها لو سمحت))
كاد زياد أن يعترض لكن الطبيب الآخر غادر بالفعل مما جعله يأخذ نفسا عميقا يكتم غضبه ثم لم يلبث أن سألها بجلافة وهو يتقدم منها
((تفضلي اشرحي لي ما خطبك؟))
وقفت شيرين مكانها لدقيقة محتارة.. مترددة.. تفكر هل تسأله أم تتراجع؟ ربما لم يتحدث قبل قليل عن قُصي لأن الطبيب الآخر كان متواجدا! فأخذت نفسا قبل أن تقول بصوتٍ خفيض متلعثم وهي بالكاد تخرج جملا مفهومة
((هل.. أعني قُصي سامح.. أو قُصي القاني أخبرني عنك القليل.. قال بأنك شقيق يوسف.. أأنتَ الدكتور زياد غزوان؟ أقصد أظن بأنه لم يختلط الأمر عليّ بينك وبين أحد آخر.. لأن قُصي القاني أخبرني بأنك ستكون..))
رفع حاجبيْ زياد الطفيف هو فقط التغير الوحيد في ملامحه وما دلَّ بأنه عرفها أخيرا إذ سبق وأخبره يوسف عن طلب قُصي القاني!
فتح زياد معداته بينما يقول بهدوء رزين
((أيتها النزيلة شيرين بعد أن عرفت بأنك تخصين قصي القاني سأحاول التعامل معك بكل حيادية وإنسانية دون أن أسمح لحقدي الدفين لأولاد القاني أن يتحكم بي))
اتسعت عينا شيرين لتتمتم بارتباك متسائل
((ما الذي تقصده!؟ ألست صديقا لقصي القاني؟))
تمتم زياد بنبرة عادية ونظره ويداه مشغولتان بأوراق
((ما هي تلك الجملة التي تقال عندما تعبر عن كرهك لأحد! أوه نعم.. لو كان أحد من أولاد القاني يحترق أمامي وكان معي دلو ماء لسكبت الدلو بمائه في البحر))
ازدردت شيرين ريقها وبدت علامات الصدمة متجلية عليها وهي تقول
((ولكن يا زياد!))
التفت ينظر لها بتعابيره الجامدة قائلا بكبرياء وغطرسة
((اسمي الدكتور زياد أيتها النزيلة))
شعّ وجه شيرين بالحمرة وأغمضت عينيها تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها بينما تهمس بصوتٍ خافت لا يكاد يكون مسموع
((تبا لك يا قصي، هل هذا هو الرجل الذي أستطيع أن أطلب منه معالجتي دون أن أخاف شيئا!))
وقف زياد أمامها يقول بجمود ملامحه وعيناه تنطقان بنظرات تعكس كلماته
((لا تقلقي فأنا لن أقوم بشيء لك يتعارض مع القسم الذي أقسمته على نفسي أمام الأطباء ولن أخرق قواعد نقابة الأطباء وقانون الإنسانية لأجل شيء، فأنا أعرف كيف أفرق بين أموري الشخصية وأمور عملي.. والآن ما هو خطبك؟))
عضَّت شيرين طرف شفتها السفلى ثم تمتمت بحنق عفوي
((أفضل أن أنتظر الطبيب الجزار حتى يعالجني بدلا منك))
قال زياد بصوت فظ صفعها بحضوره الغليظ
((كما سبق وقال لك "الطبيب الجزار" لا تتمتعين هنا برفاهية الاختيار.. أخبريني ما هي مشكلتك؟))
انتبه زياد للمعة مأقيها وهي تجيبه بخجل
((رأسي يؤلمني قليلا))
أجرى زياد لها بعض الفحوصات الاعتيادية قبل أن يكتب لها وصفة ويعطيها قرصين من الدواء وكأس ماء..
عقدت شيرين حاجبيها وهي تمسك إحدى الأقراص
((هذه الأقراص بلون أبيض وبدون اسم))
امتقعت ملامحه من اتهامها المبطن فسارعت تردف بصراحة
((لا تنظر لي بهذا الشكل فأنا أعرف أن الأطباء هنا مهمتهم هي أن يخدعونا، لا رعاية صحتنا.. كما أني أعرف سبب فصل الطبيب الطيب الذي كان قبلك))
كان يطالعها باستغراب دون أن ينطق بحرف لتكمل له
((ذنبه الوحيد أنه أفصح لنزيلة هنا عن حقيقة مرضها ولم يكذب عليها قائلًا بأنها مجرد حساسية موسمية كما طُلب منه حتى لا يُحاسب المسؤولين في هذا السجن عن إهمالهم ويُقال عن سجنهم موبوء))
أفضت شيرين ما لديها وبقي زياد يحدق بها لدقيقة قبل أن يقول أخيرا ببرود لاذع
((ابتلعي حبة الدواء ثم تجرعي الماء، وبعدها يمكنك المغادرة أيتها النزيلة شيرين من هنا))
انصرف زياد ليعلم الحارسة الواقفة عند الباب أن تأخذ شيرين لزنزانتها..
=============================
لم تجد منال أن تطلع أحد بما حصل لابنتها إلا أختها الأخرى التي جلست معها هي ونجوم تقول بجدية
((القانون يا منال يجرم الإجهاض وينزل العقوبة بالفاعل وكل من ساهم بإتمام العملية دون استكمال الأوراق المطلوبة من الطب الشرعي وهذا ما لا نريده حتى لا يعلم أحد بما تعرضت له نجوم))
ارتجف بدن نجوم المكلل بالتعب وهي تسمعهن يتكلمن عنها كأنها زانية تريد إخفاء خطيئتها لا تحمل بثمرة انتهاكها..
قالت منال بإحباط والهموم تطغى على روحها منذ ما أصاب ابنتها
((إذن سنلجأ قهريا لإجراء الإجهاض بسرية))
أمسكت نجوم ثوب والدتها كطفلة مذعورة وهدرت بصوتها المتهدج
((ولكن يا أمي حتى لو كان هذا الجنين نتاج اغتصاب، ألا يظل روحا يُحرم قتلها؟))
توحشت ملامح منال وهي تقول
((اصمتي يا نجوم فأنا لا أعتبر الحمل بشهوره الأولى روحا، وإنما عبئ غير مرغوب فيه يجب التخلص منه قبل أن تستأنفي حياتك من بعده))
لم يبدُ على نجوم الاقتناع فقالت أخت منال برفق
((عليك أن تجهضي الجنين وإلا سيأتي للحياة كطفل مجهول النسب معيدا لك ذكرى انتهاكك الأليمة كلما نظرتي له.. ثم أنا وجدت عيادة خاصة غير مرخصة قد تجري لك الإجهاض..))
ثم ترددت أخت منال وقالت بارتباك
((لكن تكلفتها ستصل لثلاثة آلاف دينار ومخاطرها كبيرة فتلك العيادات ليست مجهزة وغير آمنة، وسمعت عن حالات كثيرة قضت نحبها أثناء العملية.. آه تؤلمينني..))
بترت الأخت كلماتها شاهقة بألم وهي تدفع يد منال عنها مكملة بانزعاج
((لا تقرصيني يا منال علينا أن نصارح ابنتك حتى نخرج من خطيئتها.. لقد سمعت أن تلك العيادة تستخدم أدوات وآلات وغرف غير معقمة تسبب عدوى خطيرة تؤدي إلى الموت أحيانا، وأن الأطباء فيها أشخاص غير اختصاصيين يتسببون بنزيف وتلف في الرحم وصولا إلى العقم الأبدي أحيانا أخرى))
تجلت علامات الذعر والرفض على نجوم من إجراء الإجهاض فهتفت منال بحنق كأن الأمر لا يستدعي التراجع أو الخوف
((إنها عيادة غير مرخصة بالتأكيد هذا ما يحدث فيها، وماذا تتوقعين غير ذلك؟))
ثم تطلعت لأختها تستطرد بإصرار
((علينا الذهاب للعيادة شاءت أم أبت فقد لجأت معها لكل الطرق التقليدية الشعبية من أعشاب خلطتها ببعضها ومن أكياس أسمنت أجبرتها على رفعها ولم تنجح كلها في إجهاضها))
اتسعت عينا نجوم المترقرقين بالعبرات الغاشمة لتهز رأسها برفض هادرة كمن تهذي
((أمي لقد قررت.. أنا لن أجري تلك العملية أبدًا.. أبدًا))
أظلمت ملامح منال بتهديد سوداوي لتهتف بقسوة
((حسنا أفضل، لا تجريها ستوفرين عليّ أجرة العملية، لكن تعالي معي فوق فرن الخبز واصعدي فوق الطوب الذي يصل ارتفاعه إلى متر ونصف عن الأرض واقفزي منه عدة مرات لتجهضيه، لم نجرب هذه الطريقة بعد))
أمسكت منال ذراع نجوم تجعلها تقف رغما عنها وتجرها نحو الخارج غير آبهة لصوتها من بين نحيبها المكتوم
((لا لن أفعل.. لن أفعل يا أمي، لأن هذه الطرق لن تقتل جنيني بل ستقتلني أنا ويعيش الجنين بتشوهات يحملها معه طوال حياته))
أبعدت أخت منال عن ابنتها وهي تقول من بين لهاثها
((منال لا تفعلي ذلك، ابنتك محقه، إذا ماتت أثناء تلك المحاولات سيتم ملاحقتك قانونيا ليقتادوك للسجن.. الحل الوحيد هو أن تبلغي عن ابن اختنا))
أخذت منال نفسا عميقا تحاول استعادة رباط جأشها ثم قالت بنبرة حاسمة
((لا لن أبلغ، مستحيل، فابنتي هي من ستسوء سمعتها لو بلغت عنه وهي من ستواجه جحيم هذا المجتمع))
هزت الأخت كتفيها بلامبالاة قبل أن تستأذن للانصراف..
أما منال فظلت تذرع الغرفة ذهابا وإيابا بجسد متصلب ومتشنج لدقائق طويلة قبل أن تقف أمام نجوم تقول وعيناها تقدحان اللهب
((نجوم هناك حل لمشكلتنا.. مَازن))
فغرت نجوم شفتيها بحيرة شديدة فتمَالكت منال نفسها لتنفث غضبها.. لتقول بحذر
((ألا تريدين أن نحل الكارثة؟ إذن علينا أن نضع مَازن صوب هدفنا.. افعلي مثلما فعلت زوجة مَازن لتتزوجه))
انهارت ملامح نجوم وهي تدرك عظم الذنب والخطيئة الذي تريد والدتها منها الإقدام عليه دون خوف عليها من عقاب الله أو عذاب الآخرة لتقول بصوتٍ مبحوح
((هل تريدين مني أن أتصرف كعاهرة!))
لم تتراجع منال قيد أنملة وهي تقول بنفس الشراسة
((حسنًا ابقي على حالك ودعيهم يظنون أنك زانية وحامل))
جحظت عينا نجوم وهزت رأسها نافية يمينا ويسارا لتقول بعذاب
((لست كذلك.. والله قام بتخديري وانتهاكي.. لم أستسلم له بإرادتي))
أمسكتها أمها بقسوة من كتفيها تشد عليهما وتحركها وهي تنفث فيها كالشيطان توسوس بأذنها وتحاول إقناعها
((ليلة.. فقط ليلة واحدة يا نجوم.. استدرجيه لينام معك ليلة فيتزوجك وتبليه بما في جنينك، وهكذا تضمنين لطفلك المسكين الذي لا ذنب له بانتهاك والدته، والد غني ابن عائلة معروفة وسيتم تربيته كحفيد للحاج يعقوب الكانز.. هل تتصورين كيف ستنقلب محنة انتهاكك لمنحة!))
فلوحت نجوم بيديها تقول مستنكرة
((لكن يا أمي ما أفعله اسمه زنا.. ألا تعلمين حرمته؟ ألا تعلمين أنه من أكبر الكبائر بعد الشرك والقتل؟))
همست منال بوجوم وعيناها متوهجتين بالشر
((شش، شش.. لا تشغلي تفكيرك بهذه الأمور.. افعلي ما آمرك به ثم ستتوبين إلى الله وكان الله غفورا رحيما..))
سرعان ما تحول حال منال للنقيض لترتسم تلك الابتسامة والتي تجعلها تحاكى الشيطان في شره وخبثه وهي تكمل هامسة
((مَازن بالفعل يشعر بانجذاب لك، لا تقلقي، فقط أعطيه الضوء الأخضر وهو من سيستدرجك للنوم معه، سأعطيه في ذلك اليوم مخدر فعال ليشربه حتى لا يركز وينتبه بأنك لست عذراء، بعدها سأخبرك ماذا سنفعل ليتزوج منك سواء بالسر أو العلن))
ابتلعت نجوم ريقها وقد استشفت الجدية في كلام أمها فوضعت يديها على أذنيها تسد مجرى السمع عندها عن كلامها وهي تهذي كالمحمومة
((لن أفعل.. مستحيل أن أفعلها.. الأمر لن يكون بهذه البساطة والسهولة بل قد يقومون بفحص أبوة وحينها سيظهر زيف كذبنا ولن يجني الخزي والفضيحة أحد غيري.. لن أفعلها))
انفلتت أعصاب منال فلم تجد أمامها إلا أن تركلها بقسوة وتدفعها أرضا لعل ضربتها هذه تكون سببا في إجهاضها.. ثم عادت تنتشلها من شعرها من جديد جاذبة جسدها من على الأرض قائلة
((بل ستفعلينها))
استكانت نجوم ولم ترد عليها فتركتها منال منهكة من بين أنفاسها اللاهثة.. ثم اندفعت للخارج كالطوفان وغادرت المكان لتتركها وحدها في بادرة رحمة منها..
انهار جسد نجوم أرضا ودموعها تتابع السيلان بصمت قاتل.. رفعت أصابع مرتعشة لبطنها وبكاؤها يتحول الى ثغاء نعجة جريحة يريدون جزّ عنقها دون رحمة..
=============================
في إحدى مطاعم المولات التجارية..
جلس مَازن بجانب ياسمين ثم وضع هدى فوق حجره ولثمها بحنو ثم لثم وجنة ياسمين الشاردة منذ خروجهم وهو يقول أثناء ذلك
((هذه القبلة لابنة أبيها هدى.. وهذه القبلة لابنة قلبي ياسو))
تململت ياسمين مكانها ثم مسحت براحة كفها أثر قبلته الوهمي لتقول بازدراء
((مَازن تحلى ببعض الاحترام نحن في مكان عام، وإلا لن أذهب معك لأي مكان مهما توسلت هدى لي))
رفع مَازن يده يمسد فوق شعر ابنته المجعد ليقول
((بماذا كنت شاردة يا لوح الجليد؟))
تنهدت ياسمين ولف الحزن ملامحها وهي تقول
((لقد كانت رتيل مكتئبة في الفترة الأخيرة، لم تقل لي بلسانها بشكل مباشر ولكنها بدأت تشك بأن أخاك يحمل مشاعر لامرأة غيرها ولذلك طلقها))
تغضّن ما بين حاجبي مَازن بالضيق وقال
((الساقط كان يخونها، لا بد أن المرأة الأخرى أقنعته أن يطلقها، لقد قرأت كلامه البذيء معها))
ترققت ملامح ياسمين بحزن زعقت له نبضات قلبه بينما تقول
((اتصلت بي عدة مرات وطلبت مني أنادي خفية على أولادها وأدعهم يتحدثون معها، طوال المكالمة كانوا ثلاثتهم يبكون.. مساكين..))
لم يجد مازن ما يقوله مواساة لياسمين التي يراها لأول مرة على هذا الحال..
أحضر النادل الطعام لهم وبدأوا الأكل وهدى لا تزال جالسة فوق حجر والدها بينما يقسم قطعة اللحم لها..
ودون أن يشعر هو كان يلقم الحنان والاهتمام لها لقمة.. لقمة.. ببطء.. بدأت تعتاد عليه منه وتدمنه في الأيام الأخيرة..
شعر بياسمين تتوقف عن الأكل وتحدق بأحد ما فصوب عيناه لموضع نظرها قائلا
((هل تعرفين هذه المرأة التي تحدقين بها؟))
لم تجبه ياسمين التي كانت متجمدة الملامح بصدمة.. قبل أن تقف من مكانها بغتة وتسرع الخطوات نحو المرأة الجالسة على الطاولة المقابلة لهم.. أمسكت ذقن المرأة ترفع رأسها لها لتتمعن بملامحها مما جعل المرأة تدفع يدها عنها مستنكرة
((من أنتِ يا هذه؟))
أفرجت عن ابتسامة ضاحكة وهي تقول بعينين لامعتين
((أنا ياسمين.. ياسمين.. هل تذكرتني؟))
اتسعت عينا المرأة التي أمامها وسرعان ما أكملتا التمعن ببعضهما.. ورغم مرور السنوات استطاعتا الاثنتين معرفة بعضهما.. وفي آن واحد صرخت كل واحدة منهما باسم الثانية.. لكن ياسمين كانت صرختها لهفة مشتاقة.. أما الأخرى فكانت صرختها متعجبة وغاضبة..
كل من حولهم التفت ليتابع المشهد بينما تقف المرأة من مكانها تقول مذهولة
((ياسمين هل هذه أنتِ؟ صديقة طفولتي؟ ماذا تفعلين هنا؟))
تغرغرت الدموع المشتاقة بعيني ياسمين وقالت
((أنا هنا مع زوجي وابنتي، لقد مرَّ على آخر مرة رأيتك فيها سبع سنين، لقد تغيرت وصرت أجمل كثيرا))
عقدت صديقتها حاجبيها وقالت بنبرة باردة
((أما أنتِ فصرت أقبح كثيرًا، قبيحة بشخصيتك وغدرك))
اختضت ياسمين من تحول ملامح صديقتها لتكمل الأخرى
((تزوجتِ فجأة ولم تدعيني لحفل زفافك أو لمنزلك بعد الزواج وغيرت رقم هاتفك وطلبت من عائلتك ألا يعلموني شيئا عن أخبارك))
بهُت وجه ياسمين وهي تقول بصوتٍ متذبذب
((ماذا تقصدين!؟))
قست نبرة صديقتها وهي تقول بينما ترمي نظراتها لمَازن الذي أشاح بنظره جانبا بحرج
((لقد أفصحت أمك لي بكل شيء بعد أن صرعتها من كثرة سؤالي لها عنك بعد الزواج، وأخبرتني بأنك طلبت منها ألا تخبرنا عن سكنك الزوجي خوفا من أن نسرق منك زوجك فهو ابن عائلة غنية وأخضر العينين))
اضطربت ياسمين ولم تعرف ماذا تجيبها.. يفترض أن تكون الصدفة التي جمعتها بصديقة طفولتها في هذا المطعم بعد افتراق طويل لقاء يثلج الصدر لا أن يجري على هذا النحو! بينما تابعت صديقتها تقول بغل
((والآن ما الذي تغير يا غدارة حتى ترحبي بي بهذا الكم الهائل من الشوق والحرارة؟ ألا تخافين أن نسرق منك زوجك!))
ثم أشارت صديقتها للرجل الذي هو جالس أمامها تمسك ذراعه وتقول
((فليكن بعلمك تزوجت من هو أوسم وأفضل من هذا الصعلوك الذي قطعت كل علاقتك بالعالم من أجله))
بدا أن هذه الصدفة أفسدت عليها وقتها معه وقد سحبت صديقتها زوجها من ذراعه لخارج المطعم تاركة ياسمين واقفة أمامها والدنيا تدور وتكاد تميد بها..
اقترب منها مَازن هامسا بتهكم
((هل نعتتني صديقتك قليلة الذوق بالصعلوك؟))
أغمضت ياسمين عينيها تذرف دموعها المريرة مما جعل مَازن يجوب بنظره كل الوجوه المحدقة بهما ويقرب ياسمين منه هامسا
((كل الأنظار علينا يا ياسو فابكي بصوتٍ خافت.. أو ما رأيك أن نكمل طعامنا في السيارة؟))
دفع مَازن فاتورة المطعم وطلب أن يوظبوا باقي الطعام الذي لم يمس ليأخذه معه للبيت..
أجلس مَازن هدى في المقعد الخلفي بالسيارة وثبت حزام أمانها ثم قال منبها وهو يستقل المقعد الأول خلف المقود
((هدى كلي مثلجاتك بحذر فبالكاد سمح لي مَالك أن آخذ سيارته))
بدأ مَازن يقود السيارة نحو القرية والهدوء يعم الأجواء لا يسمع إلا صوت المحرك الخافت ونشيج ياسمين المكبوت إذ لم تتوقف دموعها عن الجريان.. حتى قالت أخيرا بصوتها المتهدج من تلقاء نفسها
((كنا نتبادل نحن الاثنتين مشاعر صداقة أخوية، نرتاح لبعضنا البعض.. كانت ملاذي وملجأي وعلاقتي بها أعمق من أي علاقة قرابة عندي.. ولا أصدق بأن هذا ما قالته أمي لها ولغيرها من أقاربي لتبرر زواجي المفاجئ منك، الآن كل من كان لي معه علاقة طيبة يظنني أنا من أردت ألا يحضروا زفافي أو منزلي بعد الزواج))
كان مَازن يصغي لها باهتمام وكل لحظة والأخرى ينحي نظره عن الطريق للحظات ليرميها بنظراته الحزينة..
وهي كانت مصدومة من نفسها كيف تبوح له عن علاقتها بصديقتها وبدون أن يسألها! إذ أنها أسرفت في الكتمان حتى نست ما معنى أن تبوح لأحد بما يثقل كاهلها أو يقبع في مكنون قلبها!
تنهد مَازن قبل أن يقر
((أمك مخطئة، لم يكن عليها أن تبرر سبب زواجنا المفاجئ الذي لم ندعو له أحد بهذا الشكل))
سحبت ياسمين مناديل ورقية لتمسح وجهها الملطخ بالدموع وهي تقول
((أمي توفيت ولا يصح أن نذكرها الآن إلا بكل خير))
اتسعت عينا مَازن بل جحظتا بنظرة قوية رهيبة حتى أنه أوقف السيارة فجأة ليطالعها بلا تصديق
((هل توفيت!؟ متى توفت أمك رحمها الله!؟ لماذا لم يعلمني أحد بذلك من قبل؟))
تمتمت ياسمين بسخرية قاتمة
((لم تطلب مني يوما أن أعلمك بأخبار هدى حتى أفكر أنك قد ترغب أن تعرف أخبار عائلتي!))
طالع بغضب وجهها المحتقن بالألم وعاتبها بشدة
((حتى ولو، كان يجب عليك إخباري يا ياسو..))
تطلعت له هاتفة بعنف وهي تكابد الألم
((أنا بنفسي لم أعلم بوفاتها إلا بعد ثلاثة أيام من انتهاء العزاء، والدك علم بوفاتها بمحض الصدفة ونقل الخبر لي))
عاد يشغل محرك السيارة وتابع القيادة.. وقد ترققت ملامحه لما سمعه وعاد قلبه ينخره بالحزن على حالها.. فلقاؤه بأصدقائه بعد غربة سنوات على عكس لقاء ياسمين البائس هذا، كان مبهجا وتصاحبه نشوة حقيقية أعادت لقلبه ضياءه وحياته وفرحته، وشعر بنفسه كأنه ولد من جديد.. ربما سبب حال ياسمين هذا البائس هو أنها ليس عندها أي علاقات أو صداقات..
عندما وصلت للبيت أول شيء فعلته ياسمين أن تحررت من وشاح رأسها وتمددت شاردة الذهن فوق السرير.. قبل أن يجلس مَازن بجانبها ويغمر أنامله الرجولية في شعرها مما جعلها تعبس وتنفر منه قائلة بصوتٍ ميت
((اترك شعري يا مَازن بحاله.. حتى في أوقات بؤسي لا تفكر إلا في هذا))
شدَّ شعرها برفق ليتبرم بعبوس
((لقد كانت مجرد لمسات بريئة، لا تبالغي يا لوح الثلج))
تسلقت هدى السرير بعد أن اغتسلت وغيرت ملابسها ثم جلست أمام والدها تعرض عليه شعرها الفوضوي ومشط خشبي وتقول مترفعة
((أبي بما أنك أخرجتني اليوم في نزهة ممتعة سأعرض عليك تجديل شعري.. خذ))
اصطنع مَازن الازدراء وهو يقول
((شكرا ولكن لا يبدو من أن صنع ضفيرة بشعرك القصير المجعد ممتعا))
تجهمت ملامح الصغيرة بطفولية وطلَّ حزن من عينيها مما جعل مَازن يتنحنح مجليا صوتها ثم يقول وهو يمسك المشط
((أمازحك يا ابنة أبيكِ..))
بدأ مَازن رحلة جهاده في تمشيط شعر هدى دون أن يؤلمها قدر الإمكان.. فراقبته ياسمين بهدوء شديد وابتسامة غير محسوبة ترتسم على شفتيها قبل أن تتبدد عندما قال لها بغتة
((ياسو.. لماذا لا تكملين تعليمك؟))
ردت عليه ببساطة ((لا أريد))
قال لها مستنكرا
((لماذا؟ ألست ناقمة لأن ما حدث منعك من إكمال تعليمك وطموحك؟ ألا ترين بأنه قد طال أمد نزيف ذلك الجرح الذي استنزف روحك؟ متى ستفوقين أخيرا من غيبوبتك الاختيارية؟ حان وقت التعافي!))
ردت عليه بصوتٍ واجم
((نعم ناقمة وسأظل كذلك.. لكن هذا لا يعني أني سأعود للجامعة بعد أن صرت أما وهرمت في العمر))
توقف مَازن عما يفعله ثم قال مستهجنا
((أنتِ لست هرمة يا ياسو بل في منتصف العشرين من عمرك.. عندما كنت أدرس في الغرب، كان هناك شاب يافع يأخذ محاضراته معي برفقة والده الذي كان بضعف عمره.. وكانا الاثنين يدرسان نفس التخصص في الجامعة.. إكمال التعليم بعد الزواج وإنجاب الأطفال وبعد تخطي سن الثلاثين والأربعين هو أمر شائع في كل مكان في العالم.. فما بالك..))
قاطعته بحنق وصلف
((لا تلح عليّ، قلت لك لا رغبة لدي في إكمال تعليمي.. لا أشعر أن بؤسي الذي أعيشه سيتبدد لو أكملت.. ثم أنا لن أعمل فما فائدة التعليم؟))
تشتت نظر مَازن وهو يجيب
((هناك غايات عديدة للشهادة غير العمل.. مثل انخراطك مع فئات مختلفة من الطلاب في دفعات مختلفة..))
غمغمت مستخفة بما تسمعه
((هراء.. معظم الدفعات ستكون عبارة عن فتيات يصغرنني على الأقل بسبع سنين.. لن أحب أن أنخرط أو أكون صداقات مع فتيات بعمرهن..))
ردَّ مَازن مستفيضا
((ولكن أنا أيضًا كان معظم زملائي يصغرونني بالعمر بالغرب ومع ذلك..))
قاطعته باقتضاب وهي تخرج مشغولات خياطتها من الجرار
((يكفي يا مَازن دعني أصب تركيزي في القماش..))
تمتم مَازن بامتعاض وهو يعاود تمشيط شعر ابنته
((أنا فقط أحاول جعلك سعيدة وتعويضك شيئا عما خسرته في الماضي))
أمّا ياسمين فكانت تجاهد في وضع قناع من السيطرة واللامبالاة.. تعافر حتى لا تظهر حريق روحها له بعد لقائها المضني بصديقتها اليوم.. حتى لا يستضعفها مَازن.. فقد اكتفت استضعافا لسنوات من قبل وإن سمحت لمَازن فلن يقصر أبدًا في أن يكون مثلهم..
=============================
في شركة القاني..
استقام معتز من مكانه يقول برهبة وكأن الشخص الذي أمامه صاحب مركز مخيف في الشركة وقال بلهفة
((أهلا بك أهلا يا سيد قصي))
تساءل قُصي ببراءة وهو يجلس أمامه
((الآن صرت فجأة سيد قُصي!))
ازدرد معتز ريقه قبل أن يرد بتوتر يجتاحه
((سبق وطلبني نائب المدير التنفيذي السيد يوسف غزوان، استغربت كيف يعرفني شخص بمنصبه لكنه باح لي بكل شيء وأخبرني عنك))
قال قصي وإماءات عدم الرضا تتجلى على محياه
((نعم طلبك من أجل مراجعة شهادتك، وهو أيضًا سبب قدومي عندك، الحقيقة بعد لقاءات قليلة لي مع شيرين وبعد استقالتي من هنا عرفت أنها مختلفة كثيرًا عن شيرين المشرفة.. ففي العمل هي إنسانة صارمة وجدية بشكل بالغ))
أكد معتز له بهدوء ظاهري
((معك حق وذكاؤها الإداري والتزامها هو ما جعلها تصل إلى ما وصلت له من منصب بدون أي وساطات))
ضيَّق قصي عينيه ثم عقب بنبرة ذات معنى
((هل تعرف يا معتز أن شهادتك كانت دليلا قويا لإدانتها وتوقيفها بالسجن عندما أنكرت أنتَ ادعاءها بأن فائق هو من دفع طه من الشرفة؟ هل رشاك أحد يا معتز لتشهد ضد شيرين؟))
طفح الذنب على وجه معتز وهو يجيب بضيق
((نعم أعرف يا سيد قصي فهي اتهمت فائق، وفائق كان متواجد في الكافتيريا طوال وقت الحادثة على مرأى عيني كان يجلس ويعطيني ظهره وعندما سمعنا صوت الارتطام على الأرض وجئنا كانت شيرين على الشرفة تنظر لنا))
ثم لوح معتز بيديه مكملا بذعر
((إياك أن تظن بأني اتهمها، أنا واثق من أن شيرين لا يمكن أن تقوم بمثل هكذا فعل شنيع، لكن في ذات الوقت كان عليّ أن أقول بالتفصيل ما حدث فقد أقسمت فوق المصحف الشريف ألا أقول إلا الحقيقة والحقيقة فقط))
أطلق قصي نفسا طويلا منهكا مما جعل معتز يتساءل بخفوت
((ألن تخرج شيرين وتظهر براءتها؟))
هزَّ قُصي كتفه ثم صارحه
((المحامي يطمئننا أنها مسألة وقت قبل أن تخرج خاصة بعد أن وجدنا شاهدة لصالحها، على كلٍ كنْ متاح دائما فقد يطلبك المحامي بأي لحظة ليستمع مرة أخرى لأقوالك أو يطرح عليك أسئلة))
=============================
ليلا حيث الجناح غارق بالظلام الدامس..
تململت سمية بفراشها وهي تشعر بكف تتسلل إلى داخل ثوبها ففتحت عينيها نصف متيقظة، تشهق بذعر قبل أن تشعر بمَالك يسلب منها شهقتها بقبلة عميقة.. ليهمس لها مطمئنا
((لا تقلقي هذا أنا، لماذا سبقتني للنوم في هذا الوقت المبكر!))
حاولت أن تبتعد قليلا عنه وهي تفرك عينيها ثم قالت بصوتٍ أجش ناعس
((لا اذكر متى نمت أساسا فأنا لم أغير ملابسي حتى!))
أخذ يقبل كل جزء من وجهها بنهم فأغمضت عينيها وقلبها يقرع هادرًا لكنها حاولت مجددا إبعاده هامسة
((مَالك انتظر قليلا حبيبي))
دفن مَالك وجهه بعنقها غامرا يده بشعرها الأسود هامسا
((لن افعل، ألا تلاحظين بأنك بت تتهربين مني في الآونة الأخيرة كثيرًا بسبب انشغالك بأولاد أخي..))
تراخت ذراعا سمية بتأنيب ضمير وشعور بالذنب يتصاعد.. وجدت نفسها عالقة بمبادلة عرفان رتيل من جهة والقيام بكل واجبات مَالك من جهة أخرى.. لكن عندنا حاول بسطها على السرير واعتلائها عادت تدفعه برفق هادرة
((اعرف بأني أقصر بحقك ولكن انتظر فقط حتى أتأكد من أنهم قد ناموا ثم سأعود لك))
تذمر لها عند تصلب جسدها
((ولكن ألم تجلب لهم أمي مربية..))
عادت تقول بإصرار خافت تتلمس فيه تفهمه
((نعم ولكن دعني أولًا أتفقدهم.. أرجوك..))
توقف مَالك عما يقوم به فجأة وهو يبتعد عنها نحو مفتاح الإنارة ليشعله ثم يطلق شتيمة بذيئة..
بهتت ملامح سمية بارتباك وانخطفت خفقات قلبها..
ارتجفت شفتاها وهي تراقب وجهه المتكدر بينما يدور حول نفسه متخصر اليدين فسارعت تطلق سيلا من الاعتذارات المتحشرجة
((أنا أسفه لم اقصد أن أتهرب، أرجوك لا تغضب ولا تغادر فأنا لم اقصد..))
تطلع مَالك متجهما للأرض يقاطعها بغضب متقد
((ماذا يفعل فهد نائما هنا! لقد خطوت فوق ساقة دون أن اشعر))
حدقت سمية به ببلاهة لا تفهم ما يقصده وما شأن فهد بما حدث.. لكنها لاحقت نظراته المسددة نحو الأرض وسرعان ما شهقت بذهول
((منذ متى كان مستلقيا على الأرض؟))
انتفضت بجزع على الأرض نحو فهد تطبطب بلطف فوق كتفه وهي تقول باضطراب
((اذكر بأني دخلت لجناحي لأريح ظهري قليلا ولكن لم اشعر به يأتي إلى هنا))
حمل مَالك جسد فهد الهزيل بين ذراعيه وهز كتفه ليتململ الصغير النائم فتوسلت له سمية برقة
((تعامل برفق معه فقد بكى اليوم حتى جف دمعه، المربية التي جلبتها والدتك له تتعامل معه بقسوة وصرخت عليه أكثر من مرة))
تجلت ملامح الصدمة على مَالك وقال مستنكرا
((صرخت عليه أكثر من مرة! أين أمي من هذا الكلام! يجب أن تسرحها إذا لم تعرف كيف تتعامل مع صغير مثله))
وعلى الفور غادر جناحه وهو لا يزال يحمل فهد إلى حيث كانت أمه جالسة في غرفة المعيشة ومستيقظة على مشغولات الخياطة بين يديها مع ياسمين وهتف عاليا
((أمي انظري لحالة فهد المزرية بسبب المربية التي جلبتيها له، ألا تراقبينها كيف تتعامل مع أولاد أخي؟))
عبست زاهية ثم استقامت واقفة بدفاعية
((بلى أراقبها جيدا كيف تتعامل مع الولدين، وهي بنفسها تطلعني على كل كلمة أو فعل تقوم به لكن المشكلة بأولاد أخيك أنفسهم، الأسبوع الماضي عندما شكيا لي من المربية الأولى غيرتها على الفور لأجدهم يكررون نفس الشكوة ضد هذه المربية، الولدين لا يريدان أن يدرسان أو يأكلان فلا حل للمربية إلا أن تلجأ لبعض الشدة والصرامة معها))
ثم ناظرت زاهية حفيدتها تسترسل آمرة
((دارين من الآن وصاعدا أنتِ مسؤولة عن أولاد عمك الصغار، ذاكري دروسك في نفس الغرفة مع المربية وظلي برفقتهم لنطمئن عليهم أكثر))
تذمرت دارين بغيظ
((وكأن لا شغل ولا مشغلة لدي إلا أولاد عمي مُؤيد أنا!))
تملل فهد بين يدي مالك مستيقظا وطالب إنزاله أرضا بإلحاح ليفعل ذلك ثم انضم جالسا بجانب أخيه على نفس الأريكة التي تجلس عليه جدته..
نحو مالك المطبخ الذي كان فارغا من أحد وفتح الثلاجة.. أخرج منها عدة أطباق يأكل منها لتدخل سمية الباب خلفه هادرة بابتسامة رغم ارتباكها مما حدث
((اصعد فوق يا مَالك وسأعد لنا عشاء نحن الاثنين))
قال بهدوء ((لا داعي، سأكل من الموجود هنا في المطبخ))
ازدرت ريقها بتوتر ثم ذهبت لتعد الشاي له..
جلست بجانبه أمام الطاولة الرخامية ولثمت جبينه بخفة قبل أن تقتسم الرغيف الذي بيده وتأخذه نصف..
طالعها مَالك بملامح متجهة
((هل تسمين هذه قبلة؟))
أصدرت صوت ضحكة خافتة قبل أن تنفرج ملامحه هو الأخر عن ابتسامة ويحيط كتفها بذراعه ويجتذبها له..
اعد لها لقمة ورفعها لثغرها لتأكلها منه وهي ترمقه بنظرات حب جارف.. مما جعل ابتسامته تتسع ويشدد من ذراعه التي تحتضنها.. لكن قال بغتة عندما وقع نظره على احمرار فوق يدها
((هناك توهج طفيف على يدك، هل قربت أو أمسكت بيد عارية أي نوع من أنواع المنظفات الكيميائية؟))
أجابته وهي تطالع التوهج الأحمر
((لا تقلق أنا حذرة بارتداء القفازات إذا ما استخدمت أي منظفات، لكنه ربما من تأثير أحد العطور..))
أمسك يدها وقربها إلى فمه يقبلها برقة ثم قال
((حافظي على ترطيب بشرتك بانتظام))
طمأنته بنعومة وامتنان
((لا قلق عليّ بوجودك فأنتَ تضع مرطب اليد بجوار كل مغسلة في البيت حتى تذكرني باستعماله))
عقب قائلا ونظرات شغوفة تطل من عينيه
((ومن لي غيرك لأوليها الاهتمام!))
=============================
دلف مُؤيد بعكازه لغرفة المعيشة ليجد ولديه جالسين ببؤس بجانب جدتهم المشغولة بقطعة قماشها هي وياسمين..
عندما شعر كل من فهد وباسم بدخول والدهم رموه بتلك النظرة الحاقدة مما جعل مُؤيد يتساءل بصوتٍ واجم
((ما بهم ولديّ يا أمي؟))
تطلع فهد بتمرد نحو أبيه مواجها
((نحن نكرهك ونريد من أمنا أن تعود))
جحظت عينا مُؤيد في ابنه وهتف به باحتدام أثار ذعره
((تكره من يا ولد؟ كيف تقولها بمنتهى الوقاحة أمامي بهذا الشكل؟))
أما زاهية فعبست في الصغير وأنبته باستياء
((هل هذه هي تربية والدتك لك يا فهد؟))
دمدم مُؤيد بسخط
((أمي أنا اعرف ولديّ الاثنين جيدا ومثل هذا الكلام لا يخرج منهما أبدًا، هل تحدثتما مع أمكما؟))
ورغم أن قدم مُؤيد لا زالت مجبرة إلا أنه اندفع ليجلس بجانب فهد الذي انكمش برعب على نفسه ثم قال وهو يمسك كتفيه بخشونة ويهزه
((هيا اجب يا فهد حالا))
تلبكت ملامح زاهية وردعت في ابنها وهي ترى مقدار الرعب المرتسم على حفيدها بسبب صراخه
((على رسلك على الطفل يا مُؤيد))
لكن ظلت ملامح مُؤيد الشرسة على حاله مستنكرا
((ابني ضعيف شخصية يا أمي ومن المستحيل أن يخرج منه هذا الكلام إلا لو تم تلقينه إياه من قبل أمه، من التي أعطته الهاتف ليتحدث بها؟))
في نهاية حديثه حانت منه نظره باتجاه ياسمين التي قالت له ببرود دون إشارة ندم
((اتصلت رتيل مرتين بي وطلبت التحدث معهما، كانت تتحدث معهم أمامي ولم تحرضهما أبدًا ضد أحد ولم تذكر سيرتك أصلا، تساءلت فقط عن مذاكرتهم ومواعيد النوم))
احمر وجه مُؤيد بشكل خطير كأنه سينفجر كله كقنبلة! ليقول بنبرة أخطر
((أول وأخر مرة تسمحي لهم بالتحدث مع أمهما، أنا طلقتها ولا سبيل لعودتنا معنا))
شمخت ياسمين بذقنها وتتشبث برأيها
((لا يا سلفي لن افعل هذا، إذا ما اتصلت رتيل بي للاطمئنان على فهد وباسم فلن أقول لها "لا"))
نبهتها زاهية موبخه
((ياسمين انهما أولاده فلا تتدخلي بقرارته))
عقدت ياسمين حاجبيها وعاندت حماتها
((لا يهمني ولكن أنا لن أساعدكما في حرم أم من أطفالها حتى لا يعاقبني الله واحرم من طفلتي))
قصف صوت مُؤيد عاليا مهددا إياها بعينين تقذفان الشرر
((لا تدعيني اقسم يمينا عظيما أن اكسر هاتفك إذا ما علمت أنك سمحت لولديّ بالحديث مع أمهما))
كان صوت مُؤيد عاليا إلى الحد الذي تناهى إلى سمع مَازن في الخارج ليدفعه للدخول عندهم ويقف أمام أخيه قائلًا باحتدام
((اكسر يدك ورأسك إذا تحدثت مع زوجتي بهذا الشكل مجددا يا مُؤيد))
فزعت ملامح زاهية وهي ترى ولديها بمواجهة بعضهما فوقفت أمام مَازن تبعده هادرة بقلق
((ابتعد يا مَازن عن أخيك، ألا يكفي كُسر قدمه!))
امتقعت ملامح مُؤيد وهو يجد نفسه وبكل رجولته الساحقة عاجز عن مواجهة أخيه بسب إصابة قدمه.. بينما يسمعه يكمل بنبرة مهددة مزرديه
((إذا صرخ في وجه امرأتي بهذا الشكل فلن أتوانى عن تنفيذ تهديدي))
كزّ مُؤيد على أسنانه وتقبضت يداه دون أن يجرؤ على التهور ومواجهته وهو يعرف مسبقا لمن الغلبة..
برح مَازن الغرفة وهو يسحب ياسمين خلفه أما زاهية فقالت وهي تنهار جالسة
((لا اصدق هذا الكابوس الذي أعيشه، أولادي يختلفون مع بعضهم ويتعاركون من اجل زوجاتهم، لم يكن عشمي هذا بكم))
بالكاد كتم فهد شهقاته ثم اندفع على والده يمسك بيديه الصغيرتين كفه الضخم ويقول بارتجاف يقطع نياط القلب
((أبي لن أرجوك أنا وأخي أن تعود من المدينة هنا لتنزهنا، ولكن اطلب من أمي العودة لنا))
سانده أخاه الصغير باسم برجاء ألم أباه
((أرجوك يا أبي إذا أردت فلا تعد هنا أبدًا ولكن اطلب من أمي العودة فقد اشتقنا لها))
أشاح مُؤيد بوجهه بضيق بعيدا عن بصر ابنه يمنع تلك المشاعر المقيتة من اجتياحه جراء ما سمعه دون أن يرد بأي كلمة..
=============================
سجن النساء..
في العنبر الجديد.. فوق أحد الأسرة الموجودة على جانبيه تململت شيرين فوق سريرها ثم اعتدلت واقفة وتوجهت نحو الباب الفولاذي لتنادي على الحارسة التي جاءتها بعد دقائق وتطلعت لها من الفتحة المستطيلة لتطالبها شيرين بتهذيب
((هل يمكن أن تخبري المأمور أني أريد أن أجري اتصالا مهما))
قالت الحارسة بعبوس
((نعم سأضعك على دور، وربما يحين هذا الدور بعد أربع أو خمس أيام))
وقبل أن تغادر الحارسة عادت أدراجها تتساءل وهي تضيق عينيها
((ما هو اسمك؟ هل أنتِ شيرين!))
أومأت شيرين لها بهدوء مما جعل الحارسة تتذكر أنها هي نفسها النزيلة التي طلب منها أحد الضباط الذين يعلونها رتبة، أن تسيء معاملتها قبل أن يمنحها رشوة، فتنحنحت تجلي صوتها ثم قالت بخشونة وازدراء
((وبالمناسبة أيتها النزيلة شيرين عقابا لك على إزعاجنا بضربات الباب لن أضعك على الدور على الهاتف، وإذا قمت بقرع الباب مرة أخرى سأكتب فيك محضر إزعاج ليضعوك في الانفرادي لأسبوع آخر))
بهُت وجه شيرين وتراجعت خطوة للخلف لتقول
((لا أريد أجراء أي اتصال من الأساس))
مضت شيرين عائدة إلى حيث سريرها تجلس فوقه وهي تسرح بتفكيرها مع تنهيدة طويلة بائسة..
بعد مضي فترة من الوقت.. تناولت شيرين بيدها المبيد الذي جلبت سهر لها منه عبوات بكثرة ثم رشته على زاويتها لتقول لها إحدى النزيلات متسائلة
((هل تخشين من الحشرات؟))
أظهرت شيرين الاشمئزاز وهي تجيب
((نعم وبالمناسبة، لقد رأيت في هذا العنبر أعدادا من مستوطنات الحشرات لم أتخيل أنني من المُمكن أن أراها بهذه الأعداد اللامتناهية في مكان واحد))
أنهت شيرين الرش ثم استلقت فوق سريرها زافرة بضيق.. هذه الليلة صيفية بكل المقاييس المتعارف عليها في البلاد.. رطوبة شديدة وحر يذيب القلب مع وجود تلك الجدران السميكة والباب الفولاذي وانعدام فتحات التهوية..
ظلت على هذا الحال حتى حان وقت النوم وقُرعت الأجراس وانتشر الظلام الدامس في العنبر..
عدلت من طريقة استلقائها على السرير تتقلب يمنى ويسرى.. لا نوم.. لا هواء.. هذه الليلة أيضًا لن يزور النوم جفنيها.. كل يوم يمر عليها في هذا السجن هو أسوء من الذي قبله..
والأنكى أن إدارة السجن تضيق الخناق عليها كما الباقي.. من عدم صلاحية الطعام الذي يقدم لهم وقصر فترات الزيارات ومصادرة كتبهم ومتعلقاتهم الشخصية وغياب منطقة لممارسة النشاط البدني..
تمددت شيرين على ظهرها تطالع سقف العنبر المرتفع بشكل شاهق.. على الأقل عنبرها السابق كان فيه مروحة هوائية وأسفله مجموعة كبيرة من النوافذ الحديدية التي تسمح بدخول الهواء والتهوية.. وتلفاز يذيع بعض القنوات تتغلب من خلاله على الوقت بمشاهدة البرامج المختلفة.. على عكس الضغط الذي تعيشه هنا حيث يتواجد اثنين وثلاثين نزيلة بمكان مخصص لعشرين نزيلة وفي بيئة غير صحية تفتقر بشدة للتهوية والنظافة..
عند قدوم الصباح جاءت الحارسة المعنية بتفقد الحضور وتم تقديم الفطور..
وقفت إحدى النزيلات في نهاية العنبر تناظر شيرين بنظرات شريرة ثم تتمتم للنزيلات اللاتي يقفن بجانبها
((إذن متى سنبدأ أول خطواتنا تجاه تلك المدعوة شيرين؟ لقد أمرنا الضابط أن نقوم معها الآن بجلبة))
أظهرت النزيلة الأخرى الإصرار هامسة بينما تتقدم نحو شيرين
((انتظرن يا نساء، سأذهب لها أولًا))
انتبهت شيرين لهؤلاء النسوة اللاتي يرمقنها بنظراتهن التي لا تنبؤ عن خير قبل أن تتقدم إحداهن منها ونظرات الشر تتجلى على وجهها.. فكتفت ذراعيها واتكأت على الحائط بثبات.. بينما تقول النزيلة لها بلهجة آمرة
((يا أستاذة.. أعيدي لي الغطاء الذي أعرته لك في الأمس مع أجرة الاستخدام))
لوهلة شعرت شيرين أنها تعيش في إحدى الأعمال الدرامية التي تتناول مشهد عن سجن النساء حيث هناك امرأة من بينهن بلطجية تسيطر على باقي النزيلات وبأنها الآن المستهدفة بما أنها آخر نزيلة دخلت هنا..
أخذت تتأمل النزيلة التي تقف أمامها مشدودة الجسد ولاحظت أنها تضم في قبضتها شيء معدني له حافة لامعة تشبه حافة السكين وتتعمد أن تحركها لتثير الذعر والجزع فيها..
ببرود صقيعي ظاهري أمسكت شيرين يد النزيلة التي تمسك غطائها وجابهتها
((لا بد أنك مخطئة فهذا هو غطاء سريري ولم أستعره منك أو من أحد آخر.. إذا أردتِ يمكن أن أعيره لك الآن لأن الجو خانق ولا حاجة له ولكن عليك أن تعيديه لي لاحقا))
كشرت النزيلة ملامحها وأمسكت ذراع شيرين مهددة بصوتٍ خطير
((لقت قلتُ بأنك أخذتيه مني، فهل تكذبينني؟))
قالت شيرين بإصرار عنيد وهي تناظر يد النزيلة التي تمسك ذراعها بخشونة
((اتركيني الآن أو سأكسر يدك وأجعلك عبرة لمن لا يعتبر))
طالعت النزيلة رفيقاتها الأربعة هناك وقالت بصوتٍ يُعلن الحرب
((إنها تهددنا يا رفيقات هيا لنعلمها درسا لا يُنسى هنا))
اتسعت عينا شيرين وهي تجد نفسها وحيدة بينما أربع نساء بأجساد ضخمة يقتربن منها ويمسكنها ثم يبدأن في إبراحها ضربًا رغم مقاومتها الشرسة وصراخها مثيرة ذعر باقي النزيلات في العنبر..
في هذه اللحظة فتح باب العنبر الفولاذي ودخلت الحارسة تصرخ بهن ومن خلفها ضابطات
((ما الذي يحدث هنا؟))
صرخت شيرين بصوتٍ متألم
((إنهن يعتدين عليَّ بطريقة متوحشة، اطلبي منهن أن يفلتنني))
حدجت الحارسة النزيلات وقالت من بين أسنانها المطبقة
((أفلتنها أيتها النزيلات))
ثم أردفت بصوتٍ مغتاظ هامس لإحداهن
((ألم تعرفي أن تكممي فمها حتى لا تصرخ ويصلنا صوتها؟ سيأتي سيادة الرائد إلى هنا بسبب ذلك))
اقتربت الحارسة أكثر منهن فقامت النزيلة التي كانت تمسك ذراعيّ شيرين وتثبتها بدفعها نحو الحارسة مما جعلها تسقط الميكرفون أرضا وتكسره.. فرفعت شيرين التي وقعت أرضا وجهها المليء بالرضوض والخدوش هاتفة بقهر يتشعشع داخلها
((لقد تعرضن لي حتى بدون أن أفعل شيئا، إنهن متوحشات))
ادّعت الحارسة الصدمة والغضب لتقول وهي تخرج الأصفاد الحديدية
((هل قمت بكسر الميكروفون أيتها النزيلة! ستحاسبين بشدة!))
اعتدلت شيرين من مكانها واقفة قبل أن يُسمع وقع أقدام شديد الوطأة بعد أن أصدرت الضابطة تنبيها بأن رائدًا صاحب مركز كبير في السجن يريد الدخول إلى هنا..
كانت شيرين منكسة وجهها من ثقل القهر عندما تناهى إلى سمعها صوت صارم جاف متسائل له وقع هيبة.. مألوف
((ما هذا الذي يحدث هنا؟))
اتسعت مقلتا شيرين وهي ترفع وجهها الشاحب كالرخام ليتضح لها أن صاحب هذا الصوت ما هو إلا.. مُعاذ! مُعاذ! معاذ نفسه الذي تعرفه! معاذ أبن قريتها! معاذ الذي سبق وعرضت عليه نفسها للزواج بذل وهوان!
كان يقف مقابلها بشموخ وهيبة.. بطوله الممشوق ومنكبيه العريضين.. وبنيته الصلبة.. وملابسه العسكرية التي لها مهابة فخمة عليه..
واصلت بحدقتيها المهتزين التحديق بملامح وجهه الغاضب حيث هو يبادلها النظر بعدم رضى واستياء.. أقرب للقلق غير ظاهر عليه..
قالت الحارسة للرائد مُعاذ وهي تجيبه بصوتٍ مرتبك بينما تشير إلى شيرين
((لقد قامت هذه النزيلة بكسر الميكروفون الذي من خلاله نصدر التعليمات للنزيلات!))
انتفضت شيرين مكانها عندما سألها الرائد ُمُعاذ بصوتٍ فظ صارم ممزوج بالغضب
((لماذا قمت بكسره أيتها النزيلة؟))
احمرت عينيها الصلبتين وسارعت تنكس وجهها المحتقن بألم وقد شعرت بنظرات مُعاذ نحوها كالسهام في قلبها وهو يناظرها مقيدة اليدين..
لا بد أن علامات الازدراء والاحتقار تتجلى على وجهه تجاهها وهي بثياب السجن..
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الخامس وستون 65 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الثامن والعشرون
بعدما أنهى وليد مكالمته ألقى بهاتفه فوق المكتب بقوة وقد اقترب حاجبيه من بعضهما.. كان يشعر بالتشوش يغزو عقله والغضب المستعر يشتعل في داخله كأنه بركان يستشيط بحممه..
لا يصدق إلى الآن أن شيرين كانت حامل! حامل! كان هناك طفل بأحشائها منه.. منه هو.. قبل أن تخسره أثناء وجودها بالسجن!
طفح الذنب وتأنيب الضمير على ملامحه المحتدة.. وبدا كأنه أكبر من عمره بعشر سنوات..
لقد كان هو المتسبب الأول بخسارتها إيَّاه.. فلو رفض السفر قبل تقديم براءتها وإخراجها لم تكن لتبقى هناك مدة أطول خاصة وأنَّ محاميها فشل بكل الطرق الممكنة على الحصول على الفيديو الذي يؤكد براءتها!
احتدت الدماء في وجنتيه غضبا منها وتراقص اللهب في مقلتيه الداكنتين سخطا عليها..
لم يكن عليها معاندته والإصرار على تركه.. لم يكن عليها ذلك.. تبا لها..
ربـــــــــاه.. فقط لو كان يعلم أنها حامل.. يقسم بأنه لم يكن لينتظر ثانية أخرى قبل أن يبذل كل ما بوسعه لإخراجها.. كان ليخاطر ببقائه في البلاد لمدة أطول حتى تخرج سالمة من السجن ولو ترتب على الأمر أن يخسر حياته.. هذا فقط لو كان يعرف بأمر حملها!
لقد خسر طفل له مع جُمان في السابق قبل أن يصبح حملها مجددا صعبا بل مستحيلا.. والآن ها هو يخسر ابنا ثانيا له مع شيرين..
انهارت ملامحه وتراخت جلسته على كرسيه.. ارتعشت شفته السفلى باختلاج فؤاده المحروق ونزيف قلبه المنهمر بغزارة راجيا من الله أن يعوضه بابن ثاني من شيرين..
=============================
في غرفة المعيشة..
زفرت زاهية المشغولة بالتطريز وعلامات الضيق متجلية على وجهها.. ثم ناظرت ابنها الجالس بجانبها تنهاه عن عادته المستفزة لأعصابها
((توقف يا مَالك عن هزّ ساقك بهذا الشكل، أنتَ توترني))
التفت مَالك بوجهه المحتقن لأمه هادرًا دون أن يتوقف عن هز ساقه
((لن أفعل يا أمي فأنا أكاد أموت قهرا وكمدا، كل شيء منذ لحظة زواجي كان يسير بخير حتى عرفنا بطلاق مُؤيد لزوجته، فمن وقتها سمية تنشغل عني لتعتني بأولاد أخي مُؤيد بجانب يزيد خاصة وأن امتحاناتهم على الأبواب))
تطلعت زاهية له باستنكار هادرة
((وماذا أفعل لك أنا!؟))
بادل مَالك مُؤيد الجالس مقابله النظر بحنق ثم قال ببغض
((أريدك أن تخبريها أن الاهتمام بولديْ مُؤيد هو أمر إنساني وتُشكر عليه، لكنه ليس من واجبها وعليها أن تهتم بزوجها فهو لا زال عريسا جديدا))
تجلى الامتعاض على وجه زاهية وقالت بترفع
((لسنا بحاجة لجميل زوجتك! اذهب وأخبرها أن تبتعد عن أولاد مُؤيد وتتفرغ لك))
لف الإحباط مَالك وقال لأمه بقلة حيلة
((أمي لن أفعل، ستظن أني أتصرف بتسلط معها وربما تأخذ على خاطرها مني، أخبريها أنتِ وتصرفي كأنك صاحبة هذا الكلام، أو سآخذها وأهجٌّ من هذا المكان إلى حيث لا يجدني أحد، وأترك يزيد عندكم أيضًا))
أطلقت عينا زاهية سهام الازدراء والاستخفاف برجولة ابنها مِمَّا جعل مَالك يقول بدفاعية وهو يشيح بنظره عن عينا أمه المتهمة
((أمي لا تناظريني بهذا الشكل، ليس لأن ابنك الآخر يريد أن يمشي على حلّ شعره ويتزوج مجددا عليّ أن أعاني من عواقب قراره وتتحمل زوجتي تربية أولاده!))
في هذه اللحظة فقط نطق مُؤيد متجهم الوجه ليقول بصوتٍ خطير
((اخرس يا مَالك ولا دخل لك بي))
شددّ مَالك على كلماته ليقول وهو يستشيط غضبا
((بل لي كل الدخل عندما تكون زوجتي مضطرة للاعتناء بأولادك، تزوج من طلقت زوجتك لأجلها واطلب منها هي أن تهتم بأولادك ودراستهم، نحن لسنا مضطرين لذلك))
ثم ناظر مَالك والدته بطارف عينيه وهو يردف تمردا وكبرياءً
((تذكري يا أمي كيف قام بتحريض أبي ضدي في السابق عند مسألة يزيد ولا تطالبيني أن أقف بجانبه الآن))
اتقدت في عيني مُؤيد نيرانٌ متأججة وهو يقول
((ومن طلب منك أن تقف معي أو تصنع معروفا!))
هتفت زاهية بصوتٍ متحشرج قهرًا على حال أبنائها وعلاقتهم ببعضهم
((يكفي، يكفي أنتما الاثنين، ساق أخاك مكسورة يا مَالك فلا تستقوى عليه.. الآن سأذهب لأخبر زوجتك أن تترك ابنا مُؤيد وشأنهما، لا أريد معروفها))
وتوجهت زاهية إلى حيث تجلس سمية مع الأطفال وهتفت عاليا باسمها فتطلعت سمية على حماتها التي دخلت المكان فجأة وأجابتها بخفوت
((أقوم بمذاكرة امتحانات الأولاد، هل هناك شيء؟))
منحتها زاهية نظرة ممتعضة قبل أن توبخها
((ومن طلب منك أن تذاكري لأحد منهم! انشغلي بابنك وزوجك فقط وغير مسموح لك بالتدخل بأولاد مُؤيد، تعلمي قليلا من ياسمين كيف لا تتدخل بشؤون أحد غيرها))
احتقنت الدماء في وجنتي سمية وتذرعت معترضة
((ولكن رتيل طلبت مني أهتم بابنيها جيدا أثناء غيابها خاصة بدراستهما))
عند ذكر تواصلها مع تلك الخائنة من وجهة نظرها انفلتت زمام أعصاب زاهية لتصب جام غضبها عليها
((قلت لك من الآن فصاعدا لا أريد منك أن تتدخلي بشؤون أولاد مُؤيد، سأدبر مربية لتهتم بدراستهما ورعايتهما ومن هذه اللحظة))
لفَّ الحزن والعبوس الأطفال الثلاث لأمر جدتهم وحتى أن فهد أمسك ذراع سمية وشدَّ عليها لولا أن قامت زاهية بسحبه نحوها بحزم ملفوف بالرفق ومن ثم أخاه خارج الغرفة..
دلف مَالك للداخل تزامنا مع خروجهم وجلس بجانب زوجته التي ارتسم الحزن والضيق عليها فحضنها من كتفها واجتذبها لصدره هامسا بحنو
((حبيبتي لا تحزني))
جمع يزيد كتب ودفاتر أولاد عمه فوق الطاولة التي كانوا يدرسون عليها ولحقهم.. أما سمية فتطلعت بعينيها لمَالك وقالت بإحساس قاتل بالذنب
((لكن أنا أشعر بالسوء لأني لن أستطيع الاهتمام بإبني رتيل بغيابها، وهي أكثر من بذلت كل ما في وسعها للتخفيف عن يزيد بفترة ابتعاده عنا))
قرب مَالك جبينه من جبين سمية وهمس لها مطمئنًا
((أعرف أن ما سأقوله سيكون قاسيا على أبناء أخي ولكن لا تساعديه في الاعتناء بهم حتى يعرف حاجة أطفاله لأمهم ويعيدها لذمّته ويتراجع عن أمر زواجه بأخرى، دعيه يعاني حتى لا ينطق كلمة الطلاق بسهولة بعد أن تعود زوجته له))
اعترضت له هادرة بعاطفتها المتوهجة
((ولكن ما ذنب الصغار! لماذا عليهم أن يعانوا بسبب أخطاء الكبار مثلما عانى يزيد بسببنا!؟))
انخفضت عينا مَالك لفمها قائلا بصوتٍ أجش وروح تواقة
((كم أنتِ رقيقة القلب، لو فقط تنسي كل من حولك وتركزي على زوجك المسكين))
بدأ العبث والشقاوة يتلاعبان بملامحه الحلوة فتسارعت دقات قلبها لتضخ الدم الى وجهها مباشرة فتشعر بخديها يلتهبان.. إلا أنها أظهرت تمنعا واهنا
((مَالك ليس هنا، قد يأتي أحد فجأة))
=============================
خرج مازن من مجلس والده ثم مّر على جناحه يتفقد ابنته والهدية التي جلبها لها ليجدها تهرول له ما إن وقع بصرها عليه ثم تتعلق برقبته تعانقه بقوة تناسب طفوليتها وتغمغم بانبهار لا يقل منذ شرائه بيت الدُمى الضخم لها
((أبي أنا أحبك))
ابتسم مَازن بحنو وهو يبادل صغيرته العناق شاعرا بأساريرها المتفجرة من البهجة لمجرد اقتنائه لها بيت دُمى الذي سمعها تقول مرة عن حلمها بامتلاك واحدا كبيرا مثله بدل الصغير الذي بحوزتها!
أبعدت هدى وجهها لتلثم وجنة والدها وذقنه الخشنة برقة وحب ليبعثر مَازن شعرها بيده هادرا بمرح
((وانا أحبك أكثر ولكن يكفي، هل ستظلين تمطرينى بالقبلات كل دقيقة!))
عادت هدى تناظر بيت دماها الضخم وتقول بعفوية طفولية
((كنت آمل منذ زمن الحصول على بيت دمى مثل هذا، وأمي ترفض قائلة بأنه من المعيب طلب نقود للعبة باهظة مثلها من جدي))
طالع مَازن ياسمين التي تناظره بحنق لكسبه قلب ابنته بسهولة وقلب حالها للنقيض معه لمجرد شراء بيت دمى باهظ الثمن لها.. ثم قال ببراءة مصطنعة
((بل العيب أن ألا أشتري لابنة أبيها مثل هذه اللعبة منذ وقت))
قطبت ياسمين حاجبيها بغيظ من مَازن الذي يناكفها ثم قالت بشيء من الحزم لابنتها
((هيا يا هدى تعالي لأذاكر لك دروسك، واتركي بيت الدمى هذا ولا تكون لهفة عليه بهذا الشكل كمحرومة))
زمّت هدى شفتيها بإحباط لترك بيت الدُمى إذ لا تشعر أنها شبعت من اللعب به أبدًا، لكنها طالعت والدها وقالت بلهفة وهي تحتضن بيديها الغضّتان كفه الضخمة
((أبي تعال وذاكر لي مع أمي))
أمسك مَازن وجنتيّ هدى وشدّهما برفق وقال
((حسنا يا ابنة أبيكِ سآتي لأذاكر لك، انتظريني نصف ساعة فقط لأن جدك طلب مني شيئا))
أطاعته هدى وودعته قبل أن تغادر أما هو فتوجه حيث شقيقه مُؤيد.. الذي كان متكئا على أريكته مكتئبا فاقدا لكل أشكال الحياة.. لا يرد على اتصالاته وترك إدارة عمله كاملة للموظفين عنده..
إصابة قدمه تمنعه من الهروب لأبعد مكان في الكرة الأرضية حتى ينسى ولو مؤقتا ما حدث مؤخرا معه..
انتشله من خلوته هتافه بابتسامة عريضة لا تبشر بالخير
((مُؤيد تعال.. والدي يريدك بشكل ضروري جدًّا ويبدو غاضبا جدًّا منك، ومعه مُعاذ))
حانت من مؤيد المتجهم نظرة لمازن وتساءل بتحذير
((هل تقول الصدق يا مَازن؟))
رفع مَازن حاجبيه ثم قال بشماتة
((نعم أقول الصدق، وليكن بعلمك أبي يبدو غاضبا أكثر من أي مرة رأيته في حياتي، حتى أني انتظرت قليلا قبل أن أتي الآن))
.
.
في مجلس الحاج يعقوب..
جحظت عينا مُؤيد حتى كادتا أن تخرجا من محجريها بينما يسمع صوت أبيه يزمجر به
((هل هذه المحادثات الحميمية هي لك يا مُؤيد؟ قبل أن تنفي أن رسائل هذا الحساب لك أقسم لي بالله العظيم))
اضطربت ملامح مُؤيد.. هو متأكد بأنه حذف كل هذه الرسائل من حسابه بعد أن أرسلها لدموع.. كيف وصلت.. ومطبوعة.. لوالده!
رفع عيناه بخزي وخجل لوالده الذي كان يرمقه بنظرات الخيبة الممزوجة بالغضب.. وقال بصوتٍ ثقيل
((أبي أنا لن أنكر، لكن أقسم لك بأنها كانت أول وآخر مرة أتحدث بمثل هذه المواضيع المخزية مع امرأة))
زعق به يعقوب بضراوة
((ومن هذه المرأة المدعوة دُموع؟))
ازدرد مُؤيد تلك الغصة المسننة في حلقه ثم رد
((دموع هذه.. عميلة عندي، كل ما كان بيننا هي بضع خروجات لأماكن عامة ومحادثات عادية، ومرة واحدة فقط استطاعت استدراجي للحديث معها من حسابي الشخصي في مثل هذه الأمور المخزية، لكن قطعتُ علاقتي بها تماما وندمت والله ندمت وعاهدتُ نفسي ألا أتحدث أو أخرج مع أمرأه لا تحل لي بلا حاجة أبد الدَّهر))
كان مَازن يقف خلف مُؤيد مضيقا عينيه وهو يقرأ الرسائل بحوزة أخيه.. وما إن انتهى من قراءتها حتى استقام في وقفته وقال لوالده بنبرة ذات مغزى
((قالوا للسارق احلف، فماذا قال؟ قال "جاء الفرج".. أعني كثرة قسمه تعني أنه كاذب على الأغلب))
فغر مؤيد شفتيه كأنه انتبه على وجود مَازن فاستدار نصف استدارة له يقول مهددا بأعين تطلق شرارات مخيفة
((غادر يا مَازن من هنا أو سأبرحك ضربا))
ابتسم مَازن يتقصد استفزازه وهو يهز رأسه بالنفي مِمَّا جعل مُعاذ يتنحنح يجلي صوته ثم يقول بصوتٍ حازم
((مَازن غادر من هنا فهذا الأمر لا يخصك))
غادر مَازن المجلس على مضض، بينما جلس يعقوب مكانه وقد شعر بارتفاع ضغطه.. مسح على وجهه بغمّ ثم قال بصوتٍ منهك وهو يمسك الأوراق
((دعني أستوعب، قلت بأنك ندمت وعاهدت نفسك ألا تخرج أو تتحدث مع النساء! وهل كنت تفعل ذلك بالسابق؟))
كتَّف مُعاذ ذراعيه وقال لوالده بصوتٍ قوي خشن
((نعم يا أبي ابنك في المدينة لديه الكثير من الصديقات اللاتي يخرج ويتحدث معهن بذريعة الصداقة، مستسهلا الحرام والتصاحب مع النساء، وحتى أني صدفة في المدينة رأيته جالسًا مع إحداهن))
ناظر مُؤيد أخاه الكبير بصدمة لا يصدق أنه أفشى سرّه لأبيه إلا أن مُعاذ لم يرف له جفن على ما قاله فما قرأه من محادثات بين مُؤيد ودموع نسفت أي تعاطف له تجاه أخيه..
قال يعقوب وهو يناظر وجه مُعاذ
((ولماذا قد يمتلك أخاك علاقات عاطفية مع نساء بصبغة حميمية؟ هل يفعل ذلك مثلا بنية الزواج الثاني؟))
عاد مُعاذ ينظر لأبيه ويرد بثبات
((لا يا أبي أي زواج هذا! الزواج ليس في قاموسه! لماذا يكلف نفسه الزواج وتبعياته وهناك بديل مجاني بدون التزامات يعوضه عما يرفض فعله مع زوجته كالتنزه معها.. فزوجته مكانها فقط البيت وصديقاته من يفعل معهن ذلك.. هذا ما قاله حرفيًا لي في إحدى المرات))
تدخل مُؤيد وقال بعنفوان مصطنع
((أبي أنا ليس لدي أي علاقات عاطفية، أي امرأة أخرج معها لا نذهب إلا لأماكن عامة غير مشبوهة ومن باب الصداقة.. صداقة بريئة ومنزهة عن كل غرض دنيء))
ضرب يعقوب بيده الأخرى فوق المنضدة وصرخ مستنكرا مفاهيم ابنه وحججه الواهنة
((هراء، فلا الآن أو في غابر الأزمان كان يسمح فيه لأي من الجنسين أن يستمتع بالآخر ومعه تحت أي شعار غير شعار الزواج لأنه مرفوض في ديننا ومجتمعنا بأسره))
قال مُعاذ متهكما بلا مرح
((المشكلة يا أبي أن ابنك المنافق الذي لا يرى أي مانع من إقامة صداقات "بريئة" مع النساء، يخلع عباءة التظاهر بالتحضر والتحرر عندما يعود الأمر لزوجته ويرفض حتى أن تحظى بصديقة من نفس جنسها!))
رفع مُؤيد كفه لصفيحة وجهه يمسحه وهو يقول بغضب لا يدري منبعه من نفسه أم من أخيه
((لست منافقًا يا مُعاذ.. انتقي ألفاظك لو سمحت!))
كادت أعصاب يعقوب أن تنفجر وكأنه فوق صفيح ساخن ليقول بغلظة
((بل أنتَ منافق! كيف تدعي أنك متعلم ومتفتح وعادل أمام الناس وقد طلقت زوجتك بذريعة خروجها لعيادة عمتها دون أخذ إذنك!))
لم يرد مُؤيد عليه وابتلاع ريقه كان الدليل الوحيد على تأثره، أما ُمُعاذ فأطلق زفرة طويلة محبطة..
طال الصمت في المجلس ورغم أن يعقوب كان محافظا على صمته إلا أن جسده كانت يهتز كأنه جبل بركاني يوشك على الاندلاع.. فقال أخيرا وهو يلوح بالأوراق
((مُرسل هذه الرسائل هي زوجتك يا مُؤيد، هذا ما استنتجته عندما رأيت بطارف عيني الصبي يستقل سيارة يقودها أخيها.. استنتج الآن أن سبب طلاقك الحقيقي لزوجة محبة ومخلصة مثلها هو اعتراضها على "صداقاتك البريئة"!))
أصدر مُؤيد صوتا ساخرا بمرارة من كلمة "مخلصة" التي نطقها والده بينما يكمل وهو يهز رأسه يمينا ويسارا بامتعاض
((خيبت ظني بك يا مُؤيد، بئس الرجل أنتَ، فما تفعله بمحادثة نساء أخريات أو الخروج معهن هو خيانة والخيانة عمل مشين لا علاقة له بمعتقد أو مجتمع أو دين.. هو ببساطة عمل لا تقبله الطبيعة الإنسانية التي جُبلت على الصدق والإخلاص))
دمدم مُعاذ بحزم وهو يرى أن أخاه وزوجته متعادلان الآن بأخطائه تجاه الأخر
((عليك يا مُؤيد أن تعيد النظر في قرار طلاقك، فأم ولديك لا تستحق منك ما تفعله بها، لتواجه هذا المصير، ألا يكفي حياة الانغلاق التي تجبرها على عيشها؟))
قال مُؤيد بحشرجة غاضبة
((أي حياة انغلاق يا أخي!؟ ألأني لا أنزهها أو أخرجها الى أماكن ترفيهيه أكون مقصرا؟ لم يسبق وأن سمعت من إحدى أصدقائي أنه يذهب بزوجته إلى تلك الأماكن ومع ذلك لم يواجهوا أية مشاكل))
أنبه مُعاذ هادرًا
((مُؤيد ليس عليك أن تستمع إلى أصدقائك لأنك لن تكون متأكدا من صدق كل ما يقولونه، ثم أنت أكثر من يعرف أنهم يغارون جميعا ويحسدونك على استقرار منزلك))
حاول يعقوب أن يأخذ نفسا عميقا يخفف من الدماء التي فارت فيه بغضب قبل أن يقول وهو يعتدل في مكانه
((مُؤيد سأعتبر نفسي لم أرَ أو اقرأ أي شيء من هذه المحادثات المخزية، لكن وبدون يمين لو وصلني شيء مشابه له مستقبلا فلن ترَ خيرا.. اخجل على نفسك
فانت لست مراهقا بل في منتصف الثلاثين.. وتذكر بأن الرجل يظل مهيبا حتى يُمازح ويتلطف ويتصادق مع من لا يخصه من النساء بغير داع فتسقط هيبته.. هذا أولًا.. أما ثانيا فزوجتك ستعيدها اليوم قبل الغد))
ارتفع صوت مُؤيد المثقل بالقهر وهو يقول
((لا داعي لتهديدي يا أبي فسبق وقلت لك بأني عاهدت نفسي ألا أكرر ما فعلته خاصة وأن ما مررت به بسبب ذلك كان قاسيا جدًّا، لكن زوجتي لن أعيدها لي وهذا أمر لا رجعة فيه))
صرخ والده به وهو يلوح بسبابته بتهديد
((بل ستعيدها، وستعيش معك في نفس المكان الذي ستستقر فيه في المدينة حتى لا تتركك على حلّ شعرك))
مزّق يعقوب الرسائل من المنتصف ورماها على الطاولة ثم غادر حتى لا يسترسل أكثر في هذا الجدال العقيم وينفجر ضغطه ويفقد حياته بسبب أولاده الذين لا يريد أي واحد منهم أن يرسى على بر..
غادر مُعاذ خلف والده وبعد دقائق دلفت الحاجة زاهية للمجلس وتقدمت من ابنها تسأله بتوجس
((ما الذي كان يريده أباك منك يا مُؤيد؟))
غمغم مُؤيد مجيبا وعيناه المحمرتان كالجمر تحدقان بالفراغ
((رتيل قامت بإرسال محادثات حميمية حصلت بيني وبين تلك المدعوة دموع وأرسلتها لأبي الذي استدعاني ووبخني بشدة معبرا عن خيبة أمله وظنه بي، ثم طلب مني أن أعيدها لذمته))
أمسكت زاهية كتف مُؤيد بيدها وتساءلت بصوتٍ مقهور
((لماذا لا تقول يا مُؤيد الحقيقة؟ إخوتك ووالدك يظنون أنك خائن وأن امرأة أخرى لعبت بعقلك وجعلتك تطلقها))
رفع مُؤيد وجهه لأمه وقال وهو يشد على كل كلمة
((أمي أنتِ لم تقرأي تلك الرسائل ولا أريد منك أن تفعلي ولكن أنا بالفعل خائن أتسكع مع نساء أخريات لا يربطني بهم أي شيء.. خطأ رتيل لا ينفي حُرمة ما كنت أفعله بحق ربي وديني وعائلتي.. ونفسي))
لكن زاهية لم تكن تصغي لشيء مما يقوله إلا فيما يتعلق برتيل فعقبت باستنكار
((خطأ؟ هل ما فعلته تلك الفاجرة هو خطأ وحسب؟))
أمسك مُؤيد عكازه بجانبه وضرب بها الأرض هادرا بانفلات أعصاب
((أمي يكفي إلى هنا.. لن أتحدث أكثر.. أنا لن أعود لرتيل لكن في نفس الوقت لن أسمح لأحد أن يعرف ما كانت تفعله))
بهُت وجه زاهية وتمتمت له باعتراض
((لكن هل يعقل أن تتحمل نظرة إخوتك ووالدك وكل من في..))
استعان مُؤيد بالعكاز ليعتدل واقفا يهتف مقاطعا أمه
((هل تريدين مني أن أفضح أم ولديَّ؟ كيف تريدين من فهد وباسم أن يقفا مرفوعا الرأس أمام أعمامهم وأولادهم إذا ما عرفوا بحقيقة أن أمهم كانت تكذب بشأن زياراتها لوالديها وتذهب لتبيت عند امرأة مشبوهة في أمرها لأيام والله أعلم ماذا كانت تفعل المرأة لها أثناء ذلك! ربما كانت تخدرها أو تصورها أو تدخل رجالا عند نومها بغير علمها!))
عند آخر جملة باح بها مُؤيد شعر بكل أوجاعه تصحو مهتاجة دفعة واحدة لتقسو عليه أكثر فغمغم بعذاب وهو يمسك رأسه بيدٍ
((أيعقل!؟ كيف استطاعت رتيل أن تذهب لتلك المرأة بغير علمي لسنوات دون أن أكتشف ذلك! كيف!؟ كيف!؟ كيف!؟ ألهذه الدرجة كنت ساذجا! يا الله ارحمني من هذا الجنون الذي أعيشه!))
أشفقت زاهية على حاله لكن لم يكن بيدها شيء..
هدأت أنفاس مُؤيد اللاهثة ثم قبض على عكازه بشكل أقوى وتحامل متكئا عليها ليخرج من المجلس..
فأمسكت زاهية الأوراق الممزقة وبدأت تقرأهم قبل أن يبهُت وجهها مغمغمه وهي تجعدهم ثم ترميهم في السلة
((هداك الله يا مُؤيد!، كلام يخجل حتى الأزواج أن يتحدثوا فيه))
ما إن دخل للصالة حتى وجد مَازن يجلس فوق ذراع الأريكة بجانب والده يتابع الفتنة عليه
((المهم يا أبي جاء هذا اليوم الذي ترك فيه مُؤيد هاتفه على الشاحن، وعندما أزلته من الشاحن لأضع هاتفي أنا صّدح هاتفه بصوت وصول رسائل له، ففتحتها من باب الفضول لأجد أنها مرسلة من رقم مسجل في هاتفه باسم أستاذته الجامعية، بلا طولٍ للسيرة فقد كان محتوى الرسالة اعتذار صادق منها مرفقا بقبلاتها الحارة له))
كان مَازن يتحدث ويتحدث دون أن يأبه لدارين ابنة أخيه المراهقة التي تصغي له باهتمام جليّ.. أو لحال أبيه والإعياء الظاهر عليه يتفاقم مما يسمعه..
اضطربت ملامح مُؤيد فصرخ من مكانه بصوتٍ قاصف
((مَازن اخرس!))
جفل مَازن على الصوت وتطلع حيث يقف مُؤيد لكنه لم يبالي وهو يقول متشمتا
((لا لن أفعل، عليك يا أبي أن تعرف أن ابنك ومنذ أيام الجامعة لم يكن رجلا بريئا ذو أخلاق عالية كما يحاول جعلك أن تتوهم))
زمجر مُؤيد بضراوة وهو يضرب الأرض بعكازه
((سأضربك بالعكاز إذا لم تخرس يا مَازن!))
كتّف مَازن ذارعيه بتحد سافر لمُؤيد ثم قال متابعا لوالده
((إذا لم تصدق يا أبي هذا الأمر فاسأل مُصعب ومَالك فقد جعلتهما يطلعان على الرسالة، الحقيقة كنت في ذلك اليوم أرغب بأن أخبر مشارق الأرض ومغاربها أن مُؤيد لديه أستاذة جامعية ترسل له قبلات حارة لكن أمسكت نفسي بصعوبة))
اهتزت حدقتي مُؤيد وقد عرف الآن كيف علم مُصعب بسر أستاذته الجامعية وباح به في أول شجار حصل بينهما! لم يتمَالك نفسه وهو يرمي العكاز بمنتصف الصالة وقد عجز أن يرميه باتجاه مَازن خوفا من أن تصيب والده أو دارين..
غادر مَازن هادرا بانتشاء وقد شعر بالتخمة من انتقامه
((إلى اللقاء يا أستاذ "قبلات حارة"))
أما الحاج يعقوب أعطى ابنه نظرة محتقرة أخيرة قبل أن يغادر المكان دون أن يتفوه بكلمة إضافية شاعرًا أنه لم يكن يعرف ابنه مُؤيد يومًا.. بل اتضح أن أفعال التوأمين لا شيء مقارنة بأفعاله..
على الأقل مَالك لم يسلك طريق الحرام ولو بالكلام.. أما مَازن فلم يكن ليجرأ على تطليق زوجته بغير الرجوع له أو قبوله..
لم يبقَ أحد في الصالة إلا دارين التي تطلعت لعمها بامتعاض طفولي وقالت ترميه بكلماتها اللاسعة
((لقد ظلمنا زوجة عمي المسكينة يا أستاذ "قبلات حارة"))
.
.
أغلق الحاج يعقوب باب جناحه خلفه قبل أن ينتشل هاتفه من جيب دشداشته عند رنينه ويتطلع للرقم باستغراب وهو يستدرك أنه رقم من الخارج!
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الرابع وستون 64 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
في مطعم الفريال.. ليلا قبل موعد إغلاق المطعم..
كان قُصي منهمكا في تنظيف الأرضية بقوة كأنه يفرغ غضبه المكتوم في المسح..
الخطة كانت التقرب من سهر والبوح لها بسره والأسباب التي أرغمته على الكذب عليها قبل عودة أبيها من السفر! لكن ما حدث أنه الحال انتهى به يعمل وينظف من الصباح الى المساء ولا يجد وقتا للتحدث معها.. وبراتب زهيد..
قمع قصي خواطره على صوت السيدة فريال صاحبة المطعم تزمجر في المراهق الذي يعمل عندها صارخة
((ابتعد من هنا أنت وورقتك النقدية المزيفة يا نور قبل أن أحطم عظامك))
هتف نور بدفاعية من بين بكائه الحار
((ولكن بعد أن أعطيتِ لي راتبي الأسبوعي ذهبت إلى ذلك الرجل وطلبت منه أن يصمدهم لي بورقة نقدية واحدة، وهو من أعطاني القطعة من فئة الخمسين دينار هذه))
غمغمت به فريال بغضب
((أيها الأحمق عندما أعطاك ورقة من فئة خمسين دينار مقابل دنانيرك الأربعين مُسامحا إيَّاك بالفرق كان عليك معرفة أن هناك خطب ما من تصرف الرجل وأن نقوده غالبا مزيفة ومزورة))
انفجرت الينابيع المالحة من عيني نور وتساءل
((والآن ما العمل؟ هذه النقود كنت سأعطي منها جزءً كبيرًا لأمي المريضة))
قالت فريال باشمئزاز خالي من أي تعاطف إنساني
((لقد غادر الزبون على عجلة بسيارة الأجرة بمجرد أن أعطاك المال المزور، ولا سبيل لعودته أو معرفة أين يقطن، اذهب أيها الأحمق من أمامي قبل أن أطردك))
تنهد قصي وهو يناظر نور يجلس على الأرض غارقا بدموعه كالفتيات بعد أن خسر راتبه الأسبوعي.. ورغم ريبته وتوجسه من هذا المراهق لسبب يجهله إلا أنه طالبه بهدوء
((أعطيني يا نور ورقة الخمسين لأرى إذا ما كانت مزيفة أم لا))
حاول نور أن يتوقف عن بكائه وقام من مكانه بإحباط يتسع العالم واقترب من قصي وأعطاه الورقة النقدية..
تناول قصي الورقة منه ثم رفعها بيديه إلى مصدر الإضاءة يضيق عينيه يدّعي أنه يحاول معرفة زيفها من عدمه ثم اصطنع ابتسامة لنور مبشرا
((إنها ليست مزيفة بل قديمة بعض الشيء، سأبدلها لك بورقة الخمسين التي استلمتها اليوم))
أبعد نور يده التي كان يمسح بها دموعه ثم انفجرت أساريره بفرحة عارمة وقال هاتفا بلا تصديق
((شكرا لك يا قصي.. شكرا لك..))
ناوله قصي ورقة الخمسين خاصته وقال
((خبئها جيدا يا نور وانتبه على نفسك أثناء مغادرتك))
قال نور بامتنان وعرفان وهو يغادر قفزا للخارج
((لا تقلق سأكون بخير فبيتي مقابل هذا المطعم، أنا أحبك يا قصي))
مالت زاوية فم قصي بابتسامة على براءة هذا الأحمق المثير للريبة والتوجس.. في حين لف الازدراء وجه سهر التي كانت تراقبه وهي تكتف ذراعيها.. فهي منذ عمل قُصي هنا وفريال تستغلها وتجبرها على العمل لوقت متأخر من الليل بذريعة أن خطيبها يعمل معها ويمكنه أن يوصلها إلى حيث تقطن بأمان!
في أول ليلة رفضت أن تسمح لقصي أن يرافقها أثناء العودة لكن أصوات الشباب الثملين عند نهاية الشارع والذين يضحكون ويتناوشون ويراقبون المارة بوقاحة وعيون جائعة أثاروا ذعرها وجعلوها بنفسها تنتظر قصي حتى يوصلها لبيت صديقتها..
انتبه قصي على سهر تقول له متهكمة تتشدق
((تصرف أحمق منك قصي، لقد أعطيته راتب أسبوع من عملك هنا))
زمّ قصي شفتيه ثم قال بفتور
((لا علاقة لك بنقودي))
اعتراها الغضب وردت عليه بحزم
((أنا فقط أحاول نصحك أن تتوقف عن عيش دور الفتى الثري، عليك أن تعي لنفسك، أنت مجرد شاب فاشل وعاطل قمت بخطأ لا يغتفر في شركتك السابقة قبل أن أدبر لك عملا هنا لأنقذك من براثن التشرد والجوع))
رماها قصي بنظرات مغتاظة قبل أن يعطيها ظهره ويتابع مسح آخر البلاطات فتفاقم غضبها هاتفة
((لا تتجاهلني عندما أتحدث معك))
قال بينما هو منهمك بالمسح
((لا حق لك بإرغامي على الاستماع إليك أو مبادلة الكلام أيتها الباربي البلاستيكية))
((أيها الأحمق أنا أنصحك لما فيه مصلحة لك.. لقد ضيعت توا راتبك لأسبوع كامل لصالح نور مقابل قطعته النقدية المزيفة وإذا استمررت على هذا الحال..))
قاطعها قصي هاتفا بصوتٍ عال يصل لخارج المطبخ
((سيدة فريال هل يمكن أن تخبري سهر أن تتوقف عن الكلام معي فهي تلهيني عن عملي))
وصله صوت فريال البارد
((دعها يا قُصي تتحدث بقدر ما تشاء فأنا أساسا أريد حجة لأطردها منذ مجيء عامل مجد ونشط مثلك قادر على إنهاء مهمات عاملين اثنين في وقت واحد، ليس من المعقول أن تبقى هنا مقابل الثرثرة وإعاقتك عن عملك))
فغرت سهر عينيها وتوجهت إلى حيث تجلس فريال وهتفت باستنكار
((تفكرين بطردي!؟ أنا سهر موظفتك المدللة التي بكيتي فرحا عندما طلبت أن أعود لأعمل معك!))
نظرت فريال بحب متدفق الي قصي الواقف خلف سهر والذي يهديها ابتسامة تضج جاذبية وشباب وقالت
((ليس بعد أن تعرفت على ُقصي الحبيب))
ازدادت ابتسامة قصي اتساعا وتمتم بخفوت
((أنتِ تحرجينني سيدة فريال))
بالكاد أمسكت سهر نفسها ألا تبطش بهاذين الاثنين ونظراتهما المتبادلة لبعضهما.. قبل أن تفاجئ بدخول نور هاتفًا
((قصي.. قصي.. قصي، هناك رجل نظيف متأنق في الخارج يطلبك))
لف الاستغراب قُصي فذهب ليرى من هذا الرجل الذي جاء لمقابلته بعد أن اقترب موعد إقفال المطعم وسرعان ما عاد لفريال يسألها بتهذيب
((هل تسمحين لي يا سيدة فريال أن أجلس معه لعشرة دقائق))
((تمون يا قصي عليّ، فقط أنهي مسح الأرضية أمام مكتبي واذهب إليه))
ابتسم قصي لها وأسرع يقوم ما تبقى من عمله بينما تنشغل فريال بعدّ نقودها وهي تختلس النظر لقصي بين اللحظة والأخرى برغبة عارمة لا تناسب امرأة كبيرة مثلها.. تراه شديد الجاذبية.. طويل.. أبيض.. عضلاته البارزة تكاد تشق سترته التي تحتضن كتفيه..
سبق وأخبرها أنه لم يشغر أي وظيفة سابقا تطلب جهدا جسديا منه ولكن لا بد أنه كان يقضي ساعات في النوادي الرياضية وهذا هو سر رشاقته وعضلاته المفتولة..
خرجت فريال عن شرودها الآثم على صوت قُصي يضع عصاة الممسحة بمجرد انتهائه..
أخرج قصي من الثلاجة قنينة ماء ووضعها أمام يوسف الجالس على إحدى الطاولات ينتظره بضجر ثم جلس أمامه ليسارع يوسف القول بهيئته المرتبكة المندفعة ببلاهة أمام من يفوقونه مركزا ومكانة
((سيد قصي وقبل أي شيء أريد أن أخبرك أني لن أستطيع أن أقدم لك أي قرش إضافي فعمك يراقبك من بعيد وإذا علم أنك انتقلت لفندق آخر غالي سيشك بي كما عرف عن النقود الذي أعطيتها لك مؤخرا..))
نهره قصي بغيظ وهو يرميه بالقنينة
((حسنا، حسنا، لا أريد أي شيء منك ولكن أخبرني ما آخر أخبار شيرين؟))
أجابه يوسف بهدوء
((لقد سُمح لها بالزيارات وطلبت من المحامي أن تزورها لأنها تريد التحدث معك بأمور أخرى وأدلة تخص براءتها))
رد قصي على الفور
((حسنا سأفعل بأقرب يوم زيارة متاح لي، ما هي آخر مستجدات قضيتها؟))
((هناك شاهدة ستفيدنا قليلا في قضيتها، الشاهدة تكون مُطلقة مطلقها وتدعى جُمان.. كما أن أخي زياد أخبرني بشيء مهم، لكن قبلا هل الماء في الزجاجة صحيّ أم من ماء الصنبور؟))
كان يوسف يتفحص القنينة بشيء من النفور فحدجه قصي بنظرات شرانية يأمره أن يتجرع من قنينة الماء دون تذمر، ففعل يوسف وما إن روى عطشه حتى أخرج من محفظته حفنة من الأموال وقال
((قد لا أستطيع إعطاءك أموالا ولكن سأعاملك كنادل قدمت خدمة لي وأعطيك بقشيش))
توهجت مقلتي قصي بالسعادة وقال وهو يمد كفيه ليوسف كالمتوسل
((نعم بالضبط أنا أريد بقشيش ولكن نفس البقشيش الذي تعطيه للنادل في تلك المطاعم الفخمة التي نذهب لها بالعادة، لقد خسرت اليوم أجرتي لأسبوع كامل وأريد بقشيش منك بمقدارها.. أريد خمسين دينار))
ابتسم يوسف له بلطف وأعطاه ضعفيّ هذا المبلغ وقد أخذته الشفقة على ابن القاني سليل عائلة كعائلته الذي وصل به الأمر أن يعمل في مثل هكذا مطعم شعبي!
.
.
بعد أن رحل يوسف وأغلقت فريال مطعمها سارت سهر مع قصي في الشارع تحت أضواء القمر.. قبل أن تلتفت سهر المتجهمة ومتسائلة
((من هذا الرجل الغني الذي جاءك قبل قليل؟ مظهره وطريقة كلامه وسيارته تدل على أنه بمنصب مرموق فكيف يأتي لمطعم شعبي كهذا؟ وكيف يعرفك؟))
طالعها ثم تساءل بعفوية
((من؟ تقصدين يوسف؟))
شهقت سهر مُدعية الإدراك وقالت وهي ترشقه بنظراتها المستحقرة
((أوه الآن فهمت.. إنه يمتهن نفس مهنتك.. الادعاء بغير ما هو عليه بحثا عن ابنة عائلة غنية والزواج منها للارتقاء بوضعه.. أو ربما أسوء.. كالاحتيال عليها وسرقة أموالها ثم الهرب.. هل هناك مدارس متخصصة لتعليم الرجال المنقبين عن الذهب هذا النوع من الاحتيال؟))
أغمض قصي عينيه يكتم غضبه بشق الأنفس ثم قال
((فقط أسرعي في خطواتك فقد تأخر الوقت))
شعرت سهر بالغضب يكتسحها لأنها مضطرة أن تغادر معه فسارعت بمشيها ودون أن تنتبه كان طرف قميصها الطويل يعلق ب مسمار في المقعد الحديدي مستقر في الطريق وما زاد الأمر سوء التفاف سهر ليتمزق أكثر إلى فوق.. فهتفت مفجوعة مما حدث
((يا إلهي لقد تمزق طول قميصي! والطريق بعيد إلى بيت صديقتي))
هال قصي ما يراه خاصة وأنها ترتدي تحت القميص الطويل بنطالا بغاية الضيق وممزقا من فوق فهدر
((تعالي الفندق الذي أقطن فيه فهو قريب من هنا، سأحضر قميص طويل لترتديه فوق القميص))
أخبرته سهر بعينين يصرخ فيهم التهديد
((لن أدخل الغرفة التي تقطن فيها سأبقى في الخارج ريثما تحضر لي قميصك فأنا لا أثق بك))
استجاب لرغبتها فدخل غرفته في الفندق وبحث في أشيائه وكان معطفه الشتوي أطول ما عنده فناولها إياه لترتديه بينما تتجول بنظراتها المشمئزة على هذا الفندق..
تفاجأ الاثنين بصعود أحدهم الدرج يهاتف قصي بينما أنظاره الجريئة تتفحص سهر
((هل يمكن أن أسألك إذا ما كانت هذه الفتاة الجميلة ستقطن معك الليلة في هذه الغرفة أو لا؟ لأنه لو ستفعل سأضطر أن أعطيكم غرفة أخرى تحوي سريرين ولكن ستدفع ضعف الأجرة، هذه قوانين الفندق))
تبدلت ملامح قصي لأخرى مخيفة واجتذب الرجل ليمسكه من تلابيبه بقسوة وقوة جسدية هاتفا به بغضب
((هذه التي معي خطيبتي فلا يذهب ذهنك لبعيد، ستأخذ شيئا مني وستغادر من هنا، ابتعد قبل أن ألكمك في نصف وجهك))
استطاع الرجل بشق الأنفس أن يفر من قبضة قصي إلى حيث مكانه في الاستقبال..
تصاعدت وتيرة سهر بخوف وهي لا تصدق الواجهة التي أظهرها قصي في هذه اللحظة.. لا تصدق أنه هو الوديع المتزن البشوش دائمًا والقادر على تحمل وقاحة كل من حوله دون شكوى قد يصل لحالٍ من هذا الجنون..
ازدردت ريقها وسارعت تهبط بخطواتها على الدرج ومن خلفها قصي.. وما إن خرجت من باب الفندق حتى تنفست الصعداء وقالت بازدراء عارم
((ما هذا المكان الشعبي القميء الذي تعيش فيه! إنه لا يشبه القصر الفاره الذي كنت ترسل لي صورك فيه حتى أصدق كذبك عن ثرائك))
أطلق تنهيدة مكتومة قبل أن يقول بضجر
((هذا المكان يناسب الثروة التي أتقاضاها بأجر أسبوعي من مطعم فريال))
اشتد في داخلها الغضب وقالت وهي تلوح بيديها والقهر يتشعشع في داخلها
((أين بركة السباحة التي كنت تتصور فيها صباحا وترسلها لي يا منبع الكذب؟ أين هو أسطول سياراتك الخاصة بك وبإخوتك يا منقب الذهب!))
قهْرها دفعها لضرب صدره بكل قوة، فأمسك قصي يديها يبعدها عنه هادرا
((توقفي، أنتِ تجلبين الانتباه لنا))
لهثت مكانها بقوة وحقد موجه له ثم تخاذلت كتفيها وتمتمت بخفوت كمن تحدث نفسها
((ما يجعلني أعذر نفسي لتصديقك يا منقب الذهب هو أنك توثق لي كل سفرك ونشاطاتك بالصور، أنا متأكدة أنك ظهرت بحياتي لأدفع ثمن كل الذنوب التي فعلتها في السابق، ذنب مراد أكاد أقسم بذلك.. آه))
تأوهت بألم عندما لكزها قصي بقوة من كتفها مدمدمًا
((لا تجلبي لي سيرته حتى لا أحطم رأسه ومن قبله رأسك))
فردت له اللكزة بواحدة أكبر قبل أن تتسارع خطواتها أمامه..
=============================
في اليوم التالي.. سجن النساء..
رفرفت عينا شيرين مستيقظة على أصوات صراخ وهتافات عالية وحديد يرتطم بالحديد وأبواب تفتح وتغلق وتصفق وضرب فوق الجدران فأدركت أين هي الآن..
لقد انتهت أيام النعيم بالمشفى بعد إسقاطها لجنينها وها قد عادت للسجن..
أغمضت عينيها وفتحتهما وهي تتحسس رأسها متأوهة..
تطلعت حولها تبحث عن شيء ثم انتشلت منديلا ابيضا وربطته فوق عينيها لكن الضوء ظل ينفذ من خلال المنديل إلى الجفن ثم إلى عينها.. فأزالت المنديل عنها متنهدة ببؤس ونامت على ظهرها تطالع السقف..
الحر كان شديدا والعرق المتفصد على جسدها كان لزجا حتى أن ثوبها التصق بجسدها.. كأن لا نقطة هواء واحدة في هذا العنبر..
ظلت على حالها قبل أن يقع نظرها على برص كبير أصفر ملتصق بالسقف يزحف ببطء قد خرج من شق الجدار فوقها.. فنهضت مذعورة خشية أن يسقط عليها..
لكنها أكدت على نفسها بأن هذا العنبر ورغم سوئه إلا أنه أفضل من الانفرادي..
فهناك عند الزاوية تتواجد غلاية شاي لعمل المشروبات الساخنة، فضلًا عن وجود فواكه للأكل منها.. وهناك نزيلات تتجاذب معهن أطراف الحديث.. حتى أن كل نزيلة تعرف كل شيء عن الأخرى وتسمع قصصهن عدة مرات فالكلام أداة التسلية الوحيدة هنا..
كما تستطيع الخروج في الورش والمشروعات الإنتاجية بالسجن، فضلًا عن وجود ساعتين للتريض يمكن أن تقضيها في الملاعب أو المكتبات أو الحدائق..
انتشل ألم المعدة المباغت شيرين من خواطرها فتأوهت قبل أن يأتيها صوت نزيلة متسائلة
((هل تحتاجين شيئا يا شيرين فأنتِ غارقة في النوم منذ ساعات طويلة؟))
تطلعت شيرين للمرأة الودودة التي معها في نفس العنبر وقالت وهي تضغط معدتها بكفها
((لا أنا بخير، الأمر فقط أن معدتي تؤلمني قليلا وأظن أني بحاجة لزيارة طبيب السجن ليكتب لي مسكن.. ولكن كيف أطلب الطبيب؟))
أجابتها النزيلة ببساطة وهي تهز كتفيها
((كالعادة أخرجي صوتك بأعلى ما يمكن ونادي على الحارسة وهي بالمقابل ستذهب لتبلغ الضابطة التي ستبلغ المأمور ومن ثم ضابط المباحث وهناك سيأمر طبيب السجن الجزار بالتوجه الى عنبرنا وربما يتأخر على حسب ظروفه فكما تعرفين لقد تم نقل الطبيب الطيب الآخر ولم يعد غيره))
تأوهت شيرين بعذاب هذه الإجراءات المعقدة وقالت بائسة
((المرض أسوء من الموت هنا، فهو نوع من أنواع الموت الطويل البطيء المعذب.. ليتني أموت وأرتاح))
عبست النزيلة وزجرتها
((حرام أن تدعي على نفسك بالموت))
ثم قامت بغتة بإخراج شيء من أغراضها وناولتها لشيرين بالخفية هامسة
((خذي هذه السجائر حتى يتم علاجك فأنتِ كما تعرفين أن السجائر هي العملة النقدية هنا لتنجحي في إتمام أمورك))
ابتسمت شيرين بامتنان لها وهي تتناول السجائر هذه لكن تجلت علامات الاستغراب عليها بغتة لتتساءل
((ذكريني مرة أخرى لماذا يتم تسميته بالطبيب الجزار؟))
تحلت النزيلة بالجدية وهي تقول بإقرار
((لأنه طبيب جزار بالمعنى الحرفي، يستغل وظيفته ومنصبه كطبيب للسجن في قبول الرشاوي، ليس عنده ذمة أو ضمير ويمكن أن يكتب أي تقرير يُطلب منه ولو من أجل رشوة بخسة، هو كطبيب هنا علينا أن نخافه أكثر من رئيس السجن، يمكن أن يفعل بنا كسجينات أي شيء من تشويه، بتر، إعاقة دون أن يكتشف أحد أو يحاسبه..))
اشتد الألم في معدة شيرين لكنها تحاملت عليه وقالت وهي تعيد السجائر لرفيقتها
((يا إلهي! لم أعد أريد الذهاب هناك، أنا بخير))
غمغمت النزيلة وهي تطبطب فوق بطنها
((كما تريدين، أنا لقد شبعت.. وجبة إفطار اليوم شهية))
رشقت شيرين الطبق أمام النزيلة بسخط وتمتمت
((شهية!))
قالت النزيلة بقناعة تحسد عليها
((الحمدالله على النعمة، لا يجب أن نعيب أي طعام، المهم أن يشبع جوعنا))
تشدقت شيرين بقتامة
((توقفي عن التصرف كأنك تعيشين في فندق خمس نجوم))
زعقت نزيلة أخرى بها بغضب من أفعالها التي لم تكن لا تؤذي بها نفسها وحسب بل تؤذي الآخرين أيضًا
((توقفي يا شيرين عن لوم المرأة على ذنب لم تفعله.. ماذا تريدين منها؟؟ أتودين أن تجلس إلى جوارك تبكي وتلطم خديها حتى تموت!؟ على الأقل هي تحاول تخطي أزمة حبسها والقناعة بما تملكه، لكنكِ لا تفعلين))
زمّت شيرين شفتيها وشعرت بأن زميلتها في الزنزانة محقة.. إنها لا تسمح لنفسها بالتكيف هنا ولا للأخريات.. تؤنبهن على الأكل والنوم والضحك عفوًا..
صدح صوت فتح الباب الحديدي بينما قالت السجانة بصرامة عاليا
((أيتها النزيلة شيرين.. هناك زيارة لك))
.
.
جلست شيرين على الكرسي مقابل قُصي تناظره بفرحة الدنيا وتقول
((قُصي لن تصدق كم أنا سعيدة لرؤيتك))
رسم لها ابتسامة طفيفة من خلف الزجاج الشفاف وقال بتعاطف
((سمعت بخصوص خسارتك جنينك وسبب غيابك عن السجن، أنا آسف لما مررت به))
تنهدت ببؤس ثم قالت
((خسارة الجنين لم أشعر بها من كثرة المصائب التي تحيط بي من كل حدب وصوب، هناك بالمشفى سمحوا فقط لسهر بزيارتي، المهم.. كيف حالك؟ سهر لا تخبرني أي شيء عنكما ربما من باب أنها لا تريد أن تتسبب في ضيقي بمشاكلها رغم أني أريد حقا أن أعرف أخباركما))
زمّت شيرين شفتيها تكتم ذلك الألم البلغ الذي يجتاحها الآن.. إنها تلجأ للمزاح القاتم لتواري عن ألما بجنين مكث مدة ولو قصيرة داخل أحشائها..
كتّف قُصي ذراعيه ورد
((سهر معها حق فأنتِ في وضع لا يسمح لك بالاهتمام بأخبار أحد غيرك.. أخبريني كيف هو حالك هنا؟ هل تتعرضين لأي مضايقة من باقي النزيلات؟))
هزت شيرين رأسها نافية وتشدقت بكوميديا سوداء
((لا أبدًا، فأنا الوحيدة في العنبر الموقوفة بتهمة جريمة قتل، لذلك لدي هيبتي بينهن وجميعهن يخشين غضبي أو ضيقي ودائما ما يحرصن على راحتي حتى لا يكونوا ضحيتي الثانية))
أصدر ضحكة خافتة على ما بشرته به وقال
((أنا سعيد لما أسمعه، لقد أخبرك المحامي أن جُمان ستكون شاهدة بكل ما حدث في تلك المكالمة الهاتفية، كما أن المحامي بالفعل يبحث عن طريقة لاستعادة الفيديو بما أننا عاجزين عن إيجاد هاتفك أو الوصول لزوجك السابق))
كانت تريد التحدث إلا أنها أغمضت عينيها متأوهة بألم وتمتمت من بين أسنانها
((يا إلهي لقد اشتد الألم على معدتي!))
لفه القلق وأخبرها باهتمام شديد
((إذا كانت تؤلمك فلماذا لم تطلبي طبيبا في السجن! لقد فقدت جنينك مؤخرا ولا يجوز أن تهملي صحتك))
شدت شيرين أكثر على أسنانها وقالت له
((لقد تم نقل الطبيب الطيب من هنا وبقي الطبيب الجزار والأفضل أن أموت على الذهاب له))
هزَّ قصي وجهه ببؤس وهو يجد نفسه عاجزًا عن مساعدتها لكن رسم ابتسامة باهتة قائلًا
((حسنا لدي خبر مفرح لك، هل تذكرين يوسف غزوان؟))
فتحت إحدى عينيها وهي تجيبه
((أتقصد نائب المدير التنفيذي لفرع العاصمة؟ وهل يُنسى شخص بمثل منصبه!؟))
أكمل لها قصي بهدوء دون أن تنحسر ابتسامته
((أخبرني يوسف أن أخاه الأكبر زياد الذي يعمل طبيب عسكري سيتم نقله قريبا هنا، طلبت من يوسف أن يعلمه عنك وعن وضعك، ويمكنك متى ما أردت أن تذهب عنده ليصرف لك الأدوية التي تحتاجيها، يدعى زياد غزوان))
فتحت عينيها الاثنتين بشكل متسع يعتريها الذهول وقالت
((هل تقصد أنه ستكون لي وساطة في السجن! قُصي أنت هدية من رب العالمين لي))
كان صدرها يعلو ويهبط بفرح وهي ترى الفرج يدنو منها حتى قالت له بعد دقيقة بعتاب مرح
((أنا للآن لا أصدق كيف قام شخص مثلك بشتم العميل وتسبب بإغلاق القسم كاملا!))
ناظر قصي شيرين بغيظ ودمدم
((اصمتي يا شيرين ولا تسمعيني كلمة عن شركة القاني الغبية، أتمنى أن تُهدم هذه الشركة، هكذا على الأقل لا أتحسر على حقي الضائع من ورثة أبي رحمه الله، ضعنا بعد وفاته أنا وأخي))
هزَّت شيرين كتفيها وهي تشعر بأنها تتعرف على قُصي آخر غير الذي كانت معتادة عليه.. ربما لأنها أثناء عملها لا تُدخل أيا كان إلى مكتبها وتحاول أن تكون شخصيتها غامضة بالنسبة للموظفين ومبهمة حتى يحترموها أكثر.. فلا تتعامل معهم كثيرا ولا تدعوهم عندها..
.
.
عادت شيرين للعنبر وكل ما فيها لا يتسع من الأمل بالفرج القريب لكن وقبل أن تغلق الحارسة عليها الباب جاء ضابط يقول
((صدر أمر بفصل النزيلة شيرين عن هذا العنبر فلا تدخليها إلى هنا))
انتفضت شيرين مكانها وقالت جازعة
((فصلي عن هذا العنبر!؟ ماذا تقصد!؟ إلى أي عنبر ستأخذونني؟ أنا لن أغادر من هنا أبدًا))
تغضّن جبين الضابط بالغضب وحرك رأسه بصرامة يأمر الحارسة بتكبيلها بالأصفاد الحديدية مجددا استعدادا لنقلها.. فناظرت شيرين بوجه يُرثى له رفيقاتها بالزنزانة وقالت برجاء
((لا تسمحوا لهم بأخذي..))
وقفت باقي النزيلات صفا واحدا ليحلن دون فصل شيرين عنهن لكن الحارسة الممتلئة نجحت بانتزاعها منهن بالقوة ونقلها لعنبر آخر.. أسوء من هذا العنبر بكثير وأعداد النزيلات فيه أضعافه..
طالع الضابط رفيقه يقول له ساخرا
((لا تشعر بالذنب فهي موقوفة لاتهامها بجريمة قتل ومكانها من الأساس في ذاك العنبر المقيت لا هذا))
وافقه رفيقه الضابط هادرا
((معك حق، علينا أن نبذل أقصى جهدنا لجعل حياة النزيلة شيرين مزيجا من العذاب، على الأقل لنحلل الرشوة التي أخذناها من عائله طه))
=============================
غسلت نجوم وجهها وخرجت من الحمام وهي تلهث بإعياء لتجد والدتها بملامحها المخيفة تقف أمامها متسائلة
((كم مرة تقيأتِ يا نجوم اليوم؟))
تكللت ملامحها بالدموع وهي تجيب بصوتٍ مُعذب
((أمي، لقد كنت أشك بأني حامل فأجريت اختبار الحمل لأتأكد من صحة شكوكي))
انهارت نجوم أرضا تلامس قدميّ أمها وتنوح
((ماذا سأفعل الآن وأنا أحمل بالفعل ابن سفاح! ماذا سأفعل يا أمي! لم يسبق وأن تحدثت عن عرض أحد أو هتكته بالكلام فلماذا يحدث لي كل هذا وما ذنب الطفل بأحشائي أن يقال عنه "ابن حرام"؟))
انحنت منال لترفع ابنتها وتوقفها فتستند نجوم على الجدار بلا قوة وتبعد شعرها الطويل الملتصق بوجهها بفعل دموعها.. لتسمع صوت أمها تقول بصلابة
((ستجهضينه.. هل فهمت؟ لا يمكن أن نبقي على حملك!))
هزت نجوم رأسها نافية وهي تقول
((لن أستطيع إجهاضه أبدًا، بل كيف سأفعلها دون أن يعلم أحد ما فعله ابن خالتي بي))
أمسكت منال ذراع ابنتها تضغط عليها فتئن نجوم ألمًا وهي تسمعها تقول بصوتٍ يستعر غضبا
((لن يعرف أحد فأنا سأجلب امرأة تجهضك بالبيت))
=============================
مجلس الحاج يعقوب..
جلس بعض من رجال وجهاء عشيرة الكانز مقابل الحاج يعقوب وابنه مُعاذ بينما يسترسل أحدهم كلامه بغضب
((ما فعله وليد لا يغتفر وإن لم يحاسبه أحد في الماضي فلا يعني أننا سنمرر الأمر الآن))
كان باطن كلام الوجهاء فيه اتهام صريح بتحميل كافة مسؤولية أفعال وليد الهوجاء وغير المقبولة لعمه يعقوب.. فأومأ الأخر بوجهه بامتعاض وقال بإذعان
((معك حق وليد كسر هامتي أمامكم، أنا أحاول التواصل به منذ أن وصلني من أخبار عما فعله بزوجته السابقة ولكنه لا يرد على أي من اتصالاتي، أنا لا أعرف تحديدا إلى أين سافر))
عقب أحد الوجهاء بهيبته
((ابن أخيك الفاجر يرفض أن يعطي الفيديو الذي سجل الحادثة لمحاميها الذي يجد صعوبة في الحصول عليه من مكان آخر غيره خاصة وأن هاتف المسكينة مفقود))
وتابع رجل آخر بنفس الهيبة المحيطة به يقول
((لن نسكت على تسببه بسجنها، لا تنسَ يا حاج أن أمها من قريتنا، وإن كانت من عائلة بسيطة فذلك لا يخوله لفعل كل ذلك، أخوالها لا يتوقفون عن الاستنجاد بنا من وقت لآخر فليس لديهم أحد غيرنا بعد الله ونحن لن نخذل أحدًا لجأ إلينا))
ردَّ يعقوب بصلابة وتأكيد
((بالتأكيد أنا معها بغض النظر إن كانت أمها من قريتنا أو لا، لست أنا من أقبل على أي امرأة أن تتعرض لمثل هذا الظلم المجحف، أقف مع الحق حتى لو كان ضد أبنائي))
لم يخفِ أحد الرجال استياءه وهو يقول
((وأيضا وصلني من أخوالها أنها كانت في المشفى بعد أن أسقطت جنينها والآن عادت للسجن))
تكّدرت ملامح يعقوب وهو يقول بأسف حقيقي
((كانت حامل؟ كم هذا مريع! ذنوبك يا ابن أخي تتزايد))
شعر معاذ بقلبه يتقرح فكور أصابعه وزمّ فمه بقوة.. تكتسحه في هذه اللحظة مشاعر همجية تحثه على أخذ ثأر شيرين الآن وقتل ابن عمه! لقد كانت حامل!
بدأت تتصاعد الدماء أكثر إلى رأسه ومع ذلك تحلى بشيء من رزانته المعهودة وتدّخل
((كنت أريد أن أضع أنا ووالدي محامي لها ولكن عرفنا بأن محامي كبير بالفعل تولى قضيتها، ونسأله بين الحين والآخر عن آخر المستجدات، والحمد الله بشرنا أنها مسألة وقت قبل أن تخرج فلا دليل ملموس ضدها))
تنحنح أحد الرجال في المجلس يوجه كلامه للجميع
((فعلا هي مسألة وقت قبل أن تخرج، لذا الكلام الذي نجريه الآن عليه أن يبقى هنا ولا يعرف أحد بأمر سجنها، لا نريد أن يمس أي شيء أو أحد سمعتها))
أكمل الرجل على كلام الذي بجانبه يقول بنبرة خشنة
((وبعد أن تخرج من السجن عليك يا سيادة الرائد أن تتزوجها أنتَ))
اتسعت دائرة حدقتي معاذ بصدمة هادرًا
((ماذا!؟ أتزوجها أنا!؟))
فأجابه الرجل بهدوء وثبات
((نعم، عليك أن تتزوجها أنتَ فقد أخبرني أحد أخوالها أنه كان هناك مشروع زواج بينكما ولكنك بآخر لحظة تراجعت))
اضطربت ملامح الحاج يعقوب!
إذن شيرين هي الفتاة التي كان ابنه يرغب في الزواج منها قبل أن يتراجع في اللحظة الأخيرة!
حافظ على رباطة جأشه إلا أنه اعترض بصوتٍ له وقت هيبة
((لم يزودني معاذ تفاصيل كثيرة عن مشروع زواجه بشيرين ولكن ما أنا متأكد منه أنه لو كان يريد الزواج منها لمضى قدما فيه دون انتظار توجيه من أحد! فضلا عن أنه ليس ذنبه تصحيح أخطاء ابن عمه))
تغضّن جبين الرجل باستياء وقال من منطقه
((ولكن عليه أن يتزوجها تعويضا عن كل ما تعرضت له سمعتها من ابن أخيك يا حاج..))
رفع يعقوب يده معترضا بهدوء ورد بحيادية
((أقدر موقفها وما تتعرض له من ابن أخي ولكن ابني أيضًا له حق اختيار شريكة حياته، هو لم يبقَ أعزبا طوال هذه السنوات لأفرض عليه الآن الزواج من امرأة كانت زوجة لابن عمه دون مراعاة لنفسيته أو قدرته على تقبلها))
تنحنح مُعاذ بارتباك وتململ في جلسته أثناء حديث والده الذي بدا منزعجا منه ومن اعتراضه الصارم على فكرة زواجه من شيرين!
وبمجرد أن انتهت هذه الجلسة وانصرف الوجهاء مجلسهم حتى تحدث مُعاذ إلى أبيه بنبرة مغلفة بالتردد
((أبي إنهم مُحقين! أعني إذا كان في زواجي منها تكفير عن أخطاء ابن عمي فلم لا أقدم عليه..))
قاطع يعقوب ابنه بلهجة باترة ورفضٍ واضح
((لا يا مُعاذ لا ذنب لك بما فعله وليد، لم أنجب أنا أولادي حتى يتحملوا أخطاء من حولهم، عندما أصرّ الوجهاء على مُصعب أن يتزوج من عروس الثأر بعد رفض وليد لها لم أعترض ولبيت رغبتهم، لكن إلى هنا وكفى.. لن أسمح لحس المسؤولية عندك أن يظلمك.. مُصعب لو لم يكن يعيش هانئا مع زوجته لكان عذبني ضميري لأني فرضت عليه الزواج من قريبة الرجل الذي تسبب بمقتل ابن عمك غدرا))
مرر مُعاذ يده فوق رقبته يقول بارتباك وهو لا يعرف كيف يعبر عما يريده حقا
((ولكن يا أبي لم يكن عليك الرفض.. أعني أنا..))
قال يعقوب بلهجة آمرة
((لن تتزوجها وانتهى الأمر، أنا لن أتحمل رؤيتك تتعرض للضغط للزواج من امرأة سبق ورفضت الزواج منها، ثم لا يعقل ألا يحظى واحد من أولادي بزواج طبيعي!))
كتم مُعاذ تنهيدة محبطة خائبة..
فكيف يقول لوالده أنه معجب بشيرين وسبق وأحس بالميل نحوها منذ الوقت الذي طلب والده منه أن يزور أباها بعدما انتقل من قريتهم!
قاطعهم دخول مَازن المباغت
((السلام عليكم يا أبتي..))
قطع مَازن كلماته وهو يفاجئ بوجود مُعاذ الذي ما إن رآه حتى ابتسم واندفع نحوه معانقا إياه بعناق أخوي ثم قال بحرارة
((انظروا من قد جاء هنا! لم أراك يا مازن ولم أتحدث معك جيدا منذ قدومك))
ابتسم مَازن ابتسامة طفيفة ونكس نظره بينما مُعاذ يجره ليجلس بقربه ويحيط كتفيه بذراعه بقوة ثم يقول باعتراض حائر
((لماذا تسلم عليّ بدون حماس يا مَازن؟ هل أنت غاضب مني من شيء؟))
تطلع مُعاذ بأبيه متسائلا عند سؤاله الثاني ليبتسم يعقوب على ملامح مَازن العابس بتعابير غير مألوفة عليه أبدًا.. فرد يعقوب
((يبدو أنه لا زال آخذا على خاطره منك يا معاذ منذ عودته لصرامتك معه))
نظر مُعاذ لمَازن بتعجب ثم أحاط برقبته وشدد من عناقه يناغشه معترضا بمرح
((وأنت يا أبي كنت صارما معه أكثر مني فلماذا يتعامل معك بشكل عادي على غرار معاملته لي))
رد يعقوب بصرامة وخشونة
((أنا والده وأفعل به ما أريد ويا ويله مني لو أبدى اعتراض.. المهم ما الذي كنت تريده يا مَازن؟))
حاول مَازن أن يحرر رقبته من يديّ مُعاذ تدريجيا قبل أن يحررها الآخر، ثم اعتدل في جلسته وقال لأبيه وهو يمد راحة يده له دون تردد
((أبي أنتَ تعرف أن آخر مشكلة حصلت بيني وبين ابنتي وهي تتجنبني، لذا فكرت أن أصالحها بشراء لعبة ضخمة لها))
رسم يعقوب ابتسامة هادئة وهو يقول
((لطيف منك أن تهتم بابنتك وتحرص على مراضاتها، يسرني ما أسمعه منك))
انفرج وجه مَازن بسعادة وهزّ يده الممدودة لأبيه، فعقد يعقوب حاجبيه متسائلا
((لماذا تمد يدك لي؟))
أجابه مَازن مستهجننا
((أريد نقودا منك يا أبي، وإلا كيف سأشتري تلك اللعبة الباهظة لهدى؟ لم أطلب منك أي مال منذ قدومي هنا وكنت أنفق من مدخراتي.. لكن الآن أريد منك أن تزوده فمصروفي لم يعد لي وحدي.. وربما اشتري سوار ذهبي لياسمين أيضًا))
عبست ملامح يعقوب فجأة وقال
((ألا تخجل في عمرك هذا أن تطلب مني المال؟))
تجلت ملامح سمجة على مَازن مجيبا
((لا أبدًا لا أخجل، أنتَ والدي))
وبخه يعقوب هادرًا
((لا مال بعد الآن لك، يكفي ما أنفقته عليك وعلى تعليمك في الخارج، ابحثْ عن وظيفة تُدر عليك دخلا كافيا تنفقه على نفسك وعائلتك الصغيرة))
اعترض مَازن بخيبة أمل ((ولكن يا أبي..))
استقام يعقوب من مكانه وقال باحتدام
((مَازن لا اعتراض، أنتَ الوحيد من بين إخوتك الذي درست في الخارج بجامعة عريقة، بهذه الشهادة عليك أن تشغل منصب مرموق في إحدى الشركات الكبيرة لا أن تجلس عاطلا في بيتي تنتظر مني مصروفك نهاية الشهر!))
كتّف مَازن ذراعيه وتبرم بملامح منكمشة
((ولكن أعطيني على الأقل ثمن تلك الهدية وسأذهب للبحث عن عمل لاحقا، من أجل هدى ليس من أجلي))
برقت مقلتي يعقوب وتمتم بخشونة
((أشفق على تلك الطفلة المسكينة، ولكن لن أعطيك ثمنها لعل حزنها يكون دافعا جيدا لك لتسرع في البحث عن وظيفة))
ثم غادر المجلس على الفور بمزاج مستاء نحو أرضه ليعمل ويساعد المزارعين فيها قليلا..
في حين اعتلت الخيبة ملامح مَازن قبل أن يُفاجأ بمُعاذ يجتذبه نحوه قائلا ببشاشة
((تعال يا مَازن وأخبرني كم سعر تلك الهدية وأنا سأعطيك ثمنها ريثما تجد وظيفة تسندك..))
انفرجت أسارير مَازن وأخبره سعرها فأخرج مُعاذ بطاقة الائتمانية وناوله إياها قائلا
((هذه البطاقة لك، فيها أموال تساوي ثمن اللعبة ومصروف سيكفيك لشهر كامل))
ناظر مَازن البطاقة كأنها كنز كبير يساوى الدنيا وما فيها ثم انكبّ على أخيه يضمه هادرا وابتسامة انتصار تتراقص على ثغره
((الآن أنتَ أخي وحبيبي))
غادر مَازن على الفور بالبطاقة قبل أن يغير مُعاذ رأيه فهز مُعاذ رأسه بيأس منه.. فهو على غرار والده لا يحب أن يتعامل بقسوة وصرامة مع مَازن واثقا بصلاح جذوره وطيبة قلبه!
انتشل صوت دارين مُعاذ من شروده
((أبي ماذا أعطيت لعمي مَازن ليقبلني من وجنتيَّ أثناء خروجه ويثني عليك؟))
طالع مُعاذ ابنته بحنان جارف وسألها مبتسما
((دعك مِمَّا أعطيته وفكري بما سأعطيه لك في عيد ميلادك القادم؟))
تقوست شفتا دارين بعبوس وقالت بصوتٍ لامس قلب أباها
((وماذا ستجلب لي؟ سلسال أو حلق أو طوق من فضة أو ذهب؟ لا أريد أي شيء من هذه الأشياء، أريد أن تعطيني اهتماما أكبر وألَّا تكتفي بالاهتمام بيوم عيد ميلادي الوحيد في السنة!))
رفرف مُعاذ بعينيه ثم عاتبها برقة
((أنا لا أخرج معك إلا في يوم عيد ميلادك الوحيد في السنة!؟ ألا نخرج سويا للمطاعم ولمدن الألعاب غالبا بعد أن نزور أنا وأنتِ قبر والدتك رحمها الله؟))
ازداد عبوسها وهي تقول بصراحة
((لا، ليس دائما، أحيانا تأخذني معك لقبرها وتعيدني فورا إلى هنا متذرع بالعمل!))
أطلق مُعاذ تنهيدة طويلة ثم قال وهو يمسح بيده الخشنة فوق شعر ابنته الأملس
((وماذا أفعل يا دارين!؟ هذه هي طبيعة عملي، لا أستطيع أن آخذك هناك لتعيشي معي في شقتي لأني أغيب عنها أحيانا لأيام وليس عندي قريب أطلب منه أن يهتم بك أو يزورك بين الحين والآخر لو تركتك في الشقة وحيدة.. بقاؤك هنا عند جدتك أفضل لك))
رفعت دارين ذقنها وقالت بجدية
((إذن عليك أن تتزوج عاجلًا حتى أستطيع أن أعيش عندك في المدينة مع زوجتك، أعدك أن أحبها من حبي لك وألا أجعلها تمر بوقت عصيب معي، لكن تزوج))
رماها مُعاذ بتلك النظرة الخاصة وقال
((لا تقلقي سأتزوج قريبا))
همهمت دارين بتفكير ولم تعرف إذا كان والدها جادا هذه المرة لكنها قالت وهي تحثه على الوقوف
((هيا بنا الآن للمغادرة، سنتأخر على زيارة خالي))
كان يهم مُعاذ بالوقوف فعلا ولكن صدح رنين هاتفه ليفاجئ بأن المتصل زميله في العمل..
زوى ما بين حاجبيه متسائلا عن سبب الاتصال بحكم أنه في وقت إجازته لكنه رد على المكالمة مرحبا ليأتيه تذمر صديقه
((لماذا لا ترد عليّ اتصالاتي؟ هل وصلك قرار نقلك؟))
انتفض مُعاذ واقفا من مكانه متسائلا
((أي قرار نقل!؟ ما عرفته أن أحدا من طرف ذاك الملازم الأول حمد كان يريد رفع شكوى ضدي بحجة تقصيري وسماحي بالتسيب لمن يعمل تحت إدارتي وأنا متجهز حتى أبين للمسؤولين بأنها شكوى كيدية))
وصله صوت صديقه الحانق
(لكن لم يُرفع أي شكوى ضدك بل صدر قرار من جهات عليا بأنه سيتم نقلك إلى مبحث آخر، في سجن نسائي))
احتقن وجه مُعاذ ونفرت عروقه كأعمدة بركانية تتدفق حممه سُخطًا ليهتف
((ماذا؟ سجن آخر؟ ونسائي؟ بدلا من أن أرتفع بعملي يتم نقلي إلى مكان آخر نسبة ترقياته معدومة! هل تظن أني سأسكت؟ سأقيم الدنيا عليهم ولن أقعدها.. أقسم بالله لن أهتم به وبمن ورائه وســ.. وأيضا.. لحظة.. لحظة..))
كان صوت مُعاذ المهتاج يخفت تدريجيا قبل أن يتساءل
((هل يمكن أن تخبرني اسم السجن النسائي الذي تم نقلي له؟ فسجون النساء محدودة))
وسرعان ما اتسعت عينا مُعاذ حتى كادتا أن تخرجا من محجريهما ما إن سمع اسم السّجن النسائي الذي سيبدأ العمل فيه..
=============================
ابتسمت جُمان ابتسامة هادئة وناعمة خلف الزجاج الشفاف ما إن جلست شيرين أمامها
((مرحبا.. أنا جُمان.. تعرفينني صحيح؟))
ازدردت شيرين ريقها وقالت بصوتٍ مبحوح تتجنب النظر في عينيها
((الحقيقة سمعت بأنك ستشهدين لصالحي، شكرا لك على ذلك))
أومأت جُمان لها برقة وقالت
((هذا واجبي لا تفضلا مني، كما أني أشعر بأنك لا تطيقيني))
قالت شيرين بفتور
((لقد تركني وليد في صبانا وتزوج منك في نفس اليوم الذي كان مقررا أن نتزوج فيه فمن الطبيعي ألا أشعر بالود تجاهك، أما بالنسبة لزواجنا فأنا لم أتزوج منه إلا بعد أن تطلقتما بأشهر طويلة))
عقبت جُمان بملامح متسامحة
((نعم كنا قد تطلقنا بالفعل وكنت أنا من طلبت الطلاق))
رفعت شيرين عينيها لتسألها
((لماذا ألم تحبيه؟))
ردت جُمان بعذوبة
((بلى أحببته.. ولكن حبي له كان إساءة لنفسي وخطأ لقلبي فقررت أن أتركه حتى لو كنت لا زلت واقعة في حبه، فهو ليس الرجل الذي أبحث عنه))
حضنت شيرين شفتيها بعبوس فأكملت جُمان
((أعلم أنه تزوج مني من أجل أن يغيظك، أذكر ببداية زواجنا أنه كان يتعمد جعلي أبدو سعيدة أمام أهل القرية لعل الأخبار تصلك بطريقة أو بأخرى، فكان فعلا يحرص على سعادتي بتقديم الهدايا لي وإخباري كم يحبني عند أي ظهور لي معه أمام أحد من أهل القرية.. إلى الحد الذي ظننت فيه فعلا أنه يحبني.. لكن بعد أن أمعنت التفكير لاحظت أن كل هذه التصرفات تتعلق بك، إنه ببساطة لازال يشعر بحبه لك، قبل أن يفقد اهتمامه بي لأنه لم يجد أي رد فعل منك أو ندم..))
كانت شيرين تصغي لكلامها باهتمام تام وبمجرد أن انتهت لم تجد إلا أن تقول بخفوت
((أنا آسفه لما مررت به ولكن كان عليك أن تعرف بأنه لن يكون فيه خيرا لك وألا توافقي على الزواج منه منذ البداية بعدما فعله بي))
اتسعت ابتسامة جُمان الناعمة وهي ترد بصوتها الهادئ
((الأمر ليس سهلا كما تظنين، فقد كنت ومنذ ولادتي مكتوبة باسم وليد.. كان والدي ووالده صديقين ولم يتجرأ طوال حياتي أن يتقدم لي أحد لأنهم يعرفون أني لوليد.. لكن فأجأ وليد الجميع عندما قال بأنه مغرم بفتاة أخرى ويريد الزواج منها، ورغم سخط الجميع عليه وحبي له آنذاك تفهمت ما يقوله ولم أبدِ أي شيء فليس ذنبه أن والديه خطبوني له منذ صغره دون أخذ موافقته..))
قطبت شيرين حاجبيها وقالت
((لم أكن أعرف هذا الأمر من قبل، أخبرني وليد القليل عنه بعد عقد قراننا لكن لم أتدخل بالتفاصيل))
ردت جُمان بتفهم
((نعم أعلم ذلك، فقد انتقلنا أنا وعائلتي لمكان آخر وهناك مررنا بظروف أدت لانفصال والديّ وجعلتني أنا وأبي نعود للقرية.. وحينها أخبرنا وليد بأن الفتاة التي كان يريد وليد الزواج منها خائنة وواقعة في غرام رجل آخر ولن يتزوج منها اليوم وعلى أن أكون بديلة لها.. بالطبع رفضت ذلك رغم أن وليد طالما كان الرجل الذي أحببته وعشقته وتمنيت الزواج به.. لكن أبي آنذاك أصرّ عليّ وحملني مسؤولية إصابته بسكتة قلبية لو رفضت عرض الزواج، وتحت إلحاحه الشديد وضغطه العاطفي وافقت..))
صمتت جُمان قليلا لتشرد عينيها للحظات قبل أن تتابع
((لكن اكتشفت أن زواجي به بهذا الشكل دون حتى أن نمنح أنفسنا فترة خطبة أعاشره فيها لأعرف إذا كان هو الشخص المناسب لي أو لا كان أكبر خطأ في حياتي.. فيوما بعد يوم من زواجي به أدركت حقيقة مشاعره، وشعرت أني أغوص في بئر سحيق..))
أصدرت الضابطة تعليماتها بصرامة بانتهاء موعد الزيارة لتقول جُمان لها
((يبدو أن فترة الزيارة انتهت، سأغادر وأتمنى أن نفرح على نبأ خروجك من هنا قريبا))
ولكن قبل أن تغادر جُمان أخفضت شيرين صوتها تقول
((لحظة انتظري يا جُمان، في هذا السجن سيأتي طبيب جديد اسمه زياد.. زياد غزوان أريد منك أن تذهبي عنده لأمر مهم))
ضيقت جُمان عينيها بينما تنصت لما طلبت منها شيرين فعله على عجل..
=============================
وقف الصبي الذي كان يركض أمام مجموعة من الرجال متسائلا من بين لهاثه
((أين هو قصر الحاج يعقوب الكانز؟ أريد مقابلة الحاج))
أشار له إحدى الرجال قائلا
((إذا كنت تريد الحاج نفسه فها هو هناك، وصل قبل قليل))
انطلق الصبي برجليه راكضا إلى حيث أشار الرجل له..
وفي الطريق كان شقيق رتيل يراقب الصبي بتوتر..
لقد رآه يأخذ شيئا من شقيقته وما إن أغلقت رتيل النافذة حتى لحقه وأخذ منه الهاتف وعرف ما كانت توصيه رتيل به..
ألم تشك البلهاء بأن الصبي قد يذهب بهذه الرسائل هنا أو هناك ويطلعها لهذا وذاك ويفتضح أمر زوجها؟
لذلك حرّص هو على أخذ هاتفه وطباعة الرسائل بنفسه بعيدا عن أعين صاحب الطابعة حتى قبل أن يحذفها من جهاز الصبي ويوصيه أن يذهب بها للحاج يعقوب..
لقد بدأ يشك بأن سبب طلاق مُؤيد لأخته هو امرأة أخرى.. فرجّح أن يقوم بخطة أخته لإرسال تلك الرسائل لوالد زوجها لعله ينجح في إعادتها له، فانتظر عدة أيام قبل الوقت المناسب لإرسال هذا الصبي..
وقف يراقب الصبي يهرول باتجاه الحاج يعقوب ويمد له أوراقا ويقول له بحزم لا يناسب سنه
((هذه الأوراق تحوي رسائل مهمة لك، أرجوك لا تسألني من أرسلها وكيف ومحتواها فما أنا إلا رسول أمين))
ابتسم الحاج يعقوب على ظرافة الصبي وتناول منه الأوراق وأدخل يده الأخرى في جيبه يخرج مالا ليناوله إياه لكنه لم ينتظر أكثر وركض بعيدا..
قوّس يعقوب حاجبيه وبدأ يتصفح بشكل سريع هذه الأوراق التي طُبعت عليها رسائل لمحادثات على الإنترنت..
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثالث وستون 63 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل السابع والعشرون
تألقت ابتسامة على وجه سمية الواقفة أمام منضدة الزينة عندما أنهت الزينة الصباحية على وجهها.. رشَّت من ذاك العطر ذي الرائحة المنعشة عليها ثم جلست على طرف السرير تطبطب فوق كتف مالك توقظه..
تململ قليلا مكانه يبدي رفضا لفتح عينيه فتابعت هزه بعتاب رقيق
((استيقظ لعملك، ألم أخبرك بالأمس أنَّ علينا ألا نفرط في السهر؟))
كان مَالك النائم يشعر بيد ناعمة يعرفها تلامس وجهه كأنها فراشة توقظه من النوم.. لكنه لم يستجب فألحت هذه الفراشة تشبث ملامساتها تلك التي تدفعه طوعًا للاسترخاء فرفرف بأهدابه..
تراجع للخلف قائلا لها بخفة ظل وهو يفتح عينيه على وجهها الصبوح ورفقتها الحلوة
((هل كنت تحاولين تقبيلي؟))
صدر صوت ضاحك منها لتنفرج منه ابتسامة وهو يشعر بنوع من التجاوب منها.. مال لها قليلا يسألها هامسا بصوتٍ يقطر عشقا
((هل ترغبين في تقبيلي؟))
شعرت بجفاف حلقها فلم ترد عليه فدفن وجهه بجوف رقبتها هامسا
((رائحتك جميلة))
تزايدت وتيرة خفقاتها وهي ترى نفسها محل إعجابه بل ومرغوبة منه..
كان يغرقها بقبلاته ولمساته عندما قال مرة أخرى بمرح
((والآن؟ هل ترغبين في تقبيلي؟))
كسى الاحمرار وجهها فلم يكن ليحرجها أكثر وهو يقبلها مباشرة برقة.. قبل أن يهدر بإحباط
((رباه ... ما هذا الظلم الذي أعيشه!؟، لم أستطع أخذ إجازة أطول بذريعة المرض لأني لا أستطيع البوح لهم بحقيقة أني عريس حديث العهد بالزواج))
قالت له بابتسامتها المعهودة وهي تسحب صينية وتضعها فوق حجره
((لقد جهزتُ لك الشاي والفطور))
قال ووجهه يتسع بابتسامة وغامت عيناه بمشاعر جياشة
((كم غدوت محظوظا، لم أتخيل يوما أني سأستيقظ على أحد يجلب لي الفطور على فراشي، عليك أن تكوني حذرة من الإسراف في تدليلي كالأيام السابقة فقد أجعلك عبدة لطلباتي))
مالت برأسها تقول بغنج لطيف
((اطلب مني ما تشاء وتريد، ولكن اليوم هو آخر يوم توقع فيه أن نفطر هنا، علينا الانضمام لهم على الفطور حتى لا تنزعج أمك))
تلاشت ابتسامته وعقب وهو يمسك شوكته
((معك حق ففطور العريس على فراشه مع زوجته هو من أكبر أنواع العقوق المنهي عنه))
لاحظت الانزعاج الذي خيّم عليه فسارعت تقول
((لكن لا أحد يهتم بالعشاء يمكنني دائما إعداده لنا لتناوله هنا))
رفع الشوكة ليطعمها أولا ففتحت شفتيها ثم قالت له وهي تلوك اللقمة بفمها
((بما أني اشتقت للبستان أفكر اليوم أن أستأذن من أمك إذا ما كان يمكنني الاهتمام بالزرع في الشرفة الكبيرة))
كان مَالك يطعمها لقمة ثم يأكل هو لقمة فعقب على كلامها بينما يمضغ الطعام
((يمكنك ذلك دون الحاجة لسؤال أحد، لكن كهواية لقتل شوقك عندما تكوني في انتظار عودتي من عملي، فمن اليوم ستبدئين بأخذ مصروفك مني، وإياك أن تفكري بالرفض))
بالتأكيد لم تكن لتتدخل في أي شيء من تفاصيل هذا القصر من الداخل قبل سؤال أمه لكن لم تعقب فمَالك يهتم بشكل مبالغ بتفاصيل لا تخصه..
تنحنحت قبل أن تهز له إحدى كتفيها وتقول بتأكيد
((ولم سأرفض بل أريد مصروفا كافيا يكفيني لأدفع شهريا للضمان الملتزمة به منذ سنوات طويلة، فأنتَ من دفعتني لترك العمل وأنت المجبر الآن بدفعه عني))
تطلع مَالك لها بنظرات متلاعبة وقال
((حسنا سأكمل الدفع عنك وحتى يحين موعد تقاعدك منه سأتقاسم نصف راتبك))
أصدرت ضحكة خافتة ناعمة وقالت بترحيب
((حسنا لا بأس))
ثم تلألأت مقلتيها التي انصهر بها الليل لغزل عينيه فابتسم بخفة وأبعد الصينية ثم رفع إبهامه يداعب شفتها السفلى هامسا بعبث
((أمازحك طبعا))
تورد وجهها من نظرات حبه الجارف وبخجل ابتعدت عنه وقالت وهي تشد يده ليغادر الفراش
((يكفي الآن قم حتى لا تتأخر، يزيد وأبناء أخيك بانتظارك اليوم حتى توصلهم للمدرسة بدلًا من السائق))
استجاب لها على مضض ودخل للحمام..
ساعدته بعد ذلك في ارتداء ملابس عمله.. جلس على سريره ينتعل جوربه بينما يقول بصوتٍ يضج شقاوة
((يبدو أني سأحب فقرة الصباح هذه طالما أجد من توليني كل هذا الاهتمام في ارتداء ملابسي))
زمّت شفتيها تكتم ابتسامتها الخجولة وقالت بصوتٍ أبح
((هل تحتاج أي شيء آخر؟))
أومأ لها نافيا فودعته بابتسامة دغدغت مشاعره
((إياك أن تقود بسرعة وطمئني برسالة عند وصولك))
ثم طبعت قبلة أذابت قلبه على وجنته قبل أن تلوح له..
.
.
بمجرد أن غادر مَالك لعمله حتى توجهت سمية لبيتها الصغير تنقل آخر ما تبقى من أغراض فيه للجناح الذي جهزته الحاجة زاهية لهم وعرضت مدبرة المنزل نعمة عليها مساعدتها..
انهمكت بحمل الأغراض للخارج عندما تفاجأت باقتراب رجل ما يقول بصوتٍ مشحون بالغضب والغل
((لقد عرف كل من في القرية زوجة من أصبحتِ يا سمية، بل زوجة من كنت طوال السنوات الماضية))
اعترت الصدمة سمية هي ونعمة واستدارت له هادرة بذهول
((كامل! ما الذي تفعله هنا عند بيتي القديم!؟))
ثم حانت من سمية نظرة إلى زوجته التي كانت تأخذ زاوية وتشاهدهم..
حدج كامل سمية بنظراته ثم قال بوقاحة فجّة
((لقد تساءلت أنا وزوجتي عن السبب الذي جعلك ترفضين عرضي السَّخي في الزواج منك مُجددا فوضعك لا يصلح حتى أن تتمنعي ولو تمنعا وهميا، لكن اتضحت الصورة بعد أن عرفنا جميعا أن ابن الحاج يعقوب كان متزوجا منك والطفل طفله، لولا أن الميت لا يجوز عليه إلا الرحمة وإلا تحدثت أكثر عن مكر أمك في ربطك به وجعله يتزوج منكِ، الآن فهمت لم تجاوزت طلاقك مني بسهولة ولم تنتظري مني شيئا))
حافظت سمية على صلابتها النارية وهي ترد بصرامة
((في كل الأحوال كنت سأتجاوزك، سواء تزوجت من غيرك أم لا، فلم قد أتذكر شخصا مثلك؟ بل ماذا قد أنتظر منك؟ أن تعيدني على ذمتك؟ أن تعتذر لي عما فعلته؟ أن تعترف لي بخطئك في حقي أو حتى محاولتك تصحيحه؟ محال..))
نعم، محال أن تنتظر يوما اعتذارا منه عن ذبحها، فهو لن يكون القادر على مداواة جروحها بل هي المخولة الوحيدة لتساعد نفسها في التعافي منه.. فاكتسبت نبرتها صلابة وأردفت
((غادر وإيَّاك أن تقف أمامي فأنت تعرف بالفعل أني متزوجة))
مالت زاوية فم كامل بشبح ابتسامة حقودة ليستدير على عقبيه مغادرًا قبل أن يراه أحدا واقفا هنا ويلاقي ما لا يعجبه.. التفتت نعمة لسمية تقول بهدوء
((في عينيه رأيت الاعتذار، لا بد أنه كان لديه رغبة قوية لإعادتك حتى يرتاح من أرملة أخيه وتسلطها يومين أو ثلاثة في الأسبوع))
ظل نظر سمية موجهًا لزوجة كامل الواقفة في مكانها ثم قالت لنعمة بصوتٍ فيه بحة
((لم أكن لأقلل من نفسي وأعود له مهما حدث))
قالت نعمة وهي تنتبه إلى أين تسدد نظراتها
((زوجة كامل ما زالت واقفة هناك، اذهبي لها واعرفي ماذا تريد منك ثم اطلبي منها ألا تأتي هنا مجددًا حتى لا تسبب لك مشاكل مع السيد مَالك))
استجابت سمية لكلام نعمة ومضت قُدما إلى حيث تقف زوجة كامل وتساءلت بجفاء
((أريد أن أعرف ظهورك أنتِ وزوجك أمامي مؤخرا بين الحين والآخر؟))
تبدلت أنفاس زوجة كامل لتدمدم باضطراب مكتوم
((كنت أريد التأكد من أنك لن تعودي لكامل، لكن ها قد عرفنا جميعا أنك بالفعل متزوجة من ابن الحاج يعقوب الكانز.. في الأساس تزوجتِ يا سمية أو لا، لم أكن لأسمح لكامل بالعودة لك، ألا يكفي تقصيره المادي تجاه أولاده مني ومن أخيه الراحل! ألا يكفي سوء خُلقه الذي أضحى عليه! ثم يريدني أن أسمح له بالزواج الآن فقط لأني أبديت بعض التعب من العمل لساعات طويلة في مزرعتهم المستأجرة!))
لم تتفاجأ سمية مِمَّا تسمعه منها فهي كانت تعرف أن كامل ما كان ليفكر بها إلا لأنه كان بحاجة لامرأة تعمل في مزرعتهم بدون أجر ولا يكلفه زواجه منها أي فلس إضافي.. فقالت
((إذن أنتِ سعيدة بزواجي من ابن الحاج يعقوب، هكذا أطمئن قلبك بأني لن أعود له ولن أكون تهديد عليك))
تكَّدرت ملامح زوجة كامل لتقول بصوتٍ مثقل بالغل والحقد
((بل سأسعد فقط عندما أراه يتركك ويطلقك فامرأة قبيحة مثلك لا تستحق إلا التعاسة))
اقشعر بدن سمية مِمَّا ترميه من كلمات مسمومة عليها لترد بوجه باهت
((ما هذا الحقد الطافح على وجهك تجاهي؟ تتحدثين كأني ظلمتك ولست أنتِ من سرقتي من كان زوجي! لقد كنت في الماضي دائما أحثُ نفسي على تقبل قرب كامل من أولادك وبقائه في بيت والدته معكم حتى لا أكون أنا والزمن ضد أرملة تعيل أولادها، وكنت أجبر نفسي على العمل وحيدة في الحقل والمزرعة دون أن أطلب مساعدتك! كنت دائما أقول حتى لو أراد كامل الزواج منك فلن تقبلي أنتِ الغدر بي.. لكن على كل حال أنا اعتبرت نفسي أني من ترملت في ذاك اليوم ونسيتكم))
شعرت زوجة كامل بكلمات سمية كصفعة على وجهها ولكنها تجاهلتها بعزيمة لترد
((هو من طلبني وأنا لم أسرقه ولم أغدر بك، نحن تزوجنا فقط من أجل الأولاد، وهل كنت تريدين منه أن يلقي بأبناء أخيه المرحوم؟))
ردّت سمية عليها بحزم
((ألم يكن ليقدر على الاهتمام بهم بدون الزواج من أمهم؟ وإذا كان يبيت النّية في الزواج منك فلماذا لم يخبرني بها قبل أن يجعلني أنتظره سنوات طويلة حتى يكون نفسه ويتزوجني؟ ثم هل من المنطقي أن يساعدك في تربية أولاد زوجك الراحل والإنفاق عليهم ويتركني لسنتين يرفض علاجي في تأخر الحمل؟))
أخذت سمية نفسًا عميقًا لتعي أن كل هذا النقاش لا جدوى منه وفتح الماضي الذي جاهدت نفسها على نسيانه لن يفيدها بشيء فقالت لها بهدوء
((غادري من هنا، ولا تفكري أنتِ وزوجك بالظهور أمامي، لأنه لو عرف مَالك فلن أضمن لك ردة فعله!))
غزت أشواك الحسد والغيرة أعماق زوجة كامل وهي لا تصدق كيف أن سمية الضعيفة الواهنة التي لم تمتلك سندا في يوم من الأيام تقف أمامها بكل هذه الصلابة بل وتهددها وتتحامي بابن الحاج يعقوب! فوجدت نفسها قبل أن تغادر ترميها بزمجرة حاقدة تحمل كل ما يقبع في داخلها من غل أسود
((سأدعو الله ليل نهار أن يحرمك من ضنا ثان مع ابن الكانز حتى تكون حياتك كالجحيم معه ويرميك كالكلاب))
انحسر الدم من وجه سمية لهذه الدعوة التي رمتها بها قبل مغادرتها وارتجفت شفتاها لكنها زمتهما بقوة كي تربط جأشها ولا تتأثر..
ثم دلفت لداخل منزلها تتابع إخراج أغراضها مع نعمة قبل أن تفاجأ برسالة تصل لهاتفها فتنهدت بإنهاك وهي تجلس فوق إحدى الحقائب وفتحت الرسالة لتبدأ بقراتها بدهشة
" مرحبا يا سمية أنا رتيل.. لقد عرفت بزواجك ولكن لم تأتيني الفرصة لتهنئتك، مُقدما أريد أن أنصحك مع بداية زواجك من مَالك أن تتركي كل فلسفاتك القديمة التي يتطلّب استيعابها الكثير من الجدل والاستقصاء والاستقراء، وتعيشي حياة بسيطة، بعيدا عن هذا الوهم، يكفي ظلما لنفسك، ورغبتك في عدم الحب والاهتمام ليست مشروعة أبدا، أبعدي المنظار الذي تمسكينه عن وجهك فأنتِ ترين بسببه كل هذا الوهم، ولا داعي أن تخشي مصيرك معه بسبب التجارب السابقة حتى لا تظلميه.. نفس الأسباب لا تؤدّي دائما إلى نفس النتائج، فحياتك ليست مسألة رياضية ليحكمها هذا المنطق"
ابتسمت سمية وهي تنهي قراءة الرسالة.. وشعرت أنها تمدها بمزيد من التفاؤل والطاقة في زواجها من مَالك.. فعلى الرغم من أنه يخيفها أحيانا التفكير أن عشقه المتهور لها سينطفأ أو أنه قد يجد فتاة أكثر حيوية وانطلاقا فتثير إعجابه وفي النهاية يخون عهدها لتتحطم هي.. إلا أنها سبق لها وأن اختبرت مرحلة التوقعات اللاواقعية خلال زواجها السابق، واختبرت الحياة الزوجية الفعلية ومتطلباتها الكثيرة، كل ما عليها فقط هو أن تتخلص من رواسب الماضي التي لن تجني من ذكراه شيئا، غير أنّه يُنغّص ويُكدّر عليها صفو حياتها.. وتتمتع بهذا الحاضر الجميل وقد أنعم اللّه عليها بزوج مثل مَالك وطفل كيزيد..
رفعت حاجبيها عندما صدح صوت هاتفها مجددا ففتحت الرسالة الأخرى التي وصلتها وتكمل فيها رتيل
"والآن بعد أن قلت كل ما عندي لك أريد التحدث معك عن ولديّ الاثنين، فهد وباسم، إنهما الآن في حاجة إليك، مارسي أمومتك وأفيضِ عليهما من حبّك واهتمامك وضميهما لصدرك، امنحيهما الرعاية والاهتمام كيزيد تماما.. سامحيني إذا كنت أخطأت يوما في حقك.. وداعا"
تصاعدت خفقات قلب سمية وهي تشعر بالخوف من وقع هذه الكلمات..
رتيل تكتب وكأنها مريضة تحتضر في أيامها الأخيرة تودع من حولها!
تفاقم خوف سمية من أن يكون للأمر علاقة بوجودها ببيت عائلتها منذ وقت طويل! فسارعت تطلب رقمها وتتصل بها لعدة مرات لكن رقمها لم يكن متاحا..
.
.
وعلى الجهة الأخرى.. عند رتيل.. أغلقت هاتفها وهي تشعر بالراحة تتسلل إليها.. أولادها بإذن الله بأيد أمينة..
تثق بأن سمية ستهتم بهم أكثر من والدهم وجدًّيهم..
فلا أحد أعلم منها بمُؤيد وأخويها.. فلا مُؤيد سيعيدها لذمته ولا أخويها سيسمحان لها بعد الطلاق بأخذ حضانة أولادها!
=============================
ليلا..
فتحت ياسمين جفنيها عندما فُتح باب جناحها فجأة وانتفضت جالسة في مكانها عندما انتبهت لمَازن يدلف للداخل حاملا السلم لتسأله بتلقائية
((ما الذي تفعله؟))
أطفأ مَازن الإنارة ثم صعد السلم ليبدأ بحل المصباح مجيبًا
((سآخذ المصباح الذي أحضرته لك في يوم سابق))
هتفت ياسمين بانفعال
((ولكنك جلبته لي بدلا من أباجوري الذي كسرته!))
ردّ مَازن ببساطة مستفزة
((نعم أنا كسرته يا ياسو وعوضتك عنه والآن سأتراجع عن تعويضي وسأستعيده))
هبط مَازن من السلم ثم تقدم نحو الأباجور الآخر الموضوع في الجهة التي ينام بها عند السرير لتهتف ياسمين
((هل ستأخذ الأباجور الآخر؟ لا يمكنك ذلك ستترك الغرفة كاملة لي بلا أي مصدر إضاءة! أنت تعرف أني أخشى الظلمة! توقف..))
بترت ياسمين كلامها بصرخة مذعورة عندما قام برمي الأباجور أرضا فحطمه لشظايا معقبا
((هذا الأباجورة لي وحقي أن أفعل بها ما أريد))
كان الظلام قد عمّ الغرفة تماما فحضنت ياسمين الوسادة وهتفت برجاء متوسل بينما تشعر به يغادر الغرفة
((أرجوك لا يا مَازن لا تذهب.. لا تفعل أرجوك.. أعد المصباح على الأقل، فالغرفة أصبحت مظلمة تماما))
قال مَازن بصوتٍ مُثخن بالرضا
((طابت ليلتك يا ياسو، ولا تنسي أن تخبري ما فعلته الآن لابنتك المخلصة حتى تشي بي لوالدي))
صفق الباب خلفه بقوة رجّت أركانه.. لقد تيقظ لحقيقة أن تركه الجناح لها تعد مكافأة لا عقوبة من منظورها الشخصي، وبما أنها سبق وباحت عن نقطة ضعفها المتمثلة بخوفها من الظلام ها قد استغلها وسحب عنها كل مصادر الإضاءة من هذه الغرفة كثأر صغير لنفسه منها!
مثلما يعاني، عليها هي أيضا أن تعاني.. فليس من المعقول أن يرقد على التراس لأيام كالمتشردين بينما يتركها تنام هانئة وحيدة في جناحها وسعيدة بغيابه!
.
.
أخذ مَازن فراشه وغطاءه وبدأ يطرق الباب على والديه، ما إن جاءه الرد بالدخول حتى رسم تلك الابتسامة الواسعة قائلا
((مرحبا يا والديّ العزيزين))
ظل والديّه الجالسين على سريرهما ينظران له بتجهم يتسألان بصمت عن سبب مجيئه إلى هنا في هذا الوقت من الليل فحافظ مَازن على ابتسامته وهو يردف
((الأجواء في التراس باردة جدًّا، فقلت في نفسي أن أفرش وأنام هنا عندكم))
تقارب حاجبيّ يعقوب الكثيفان وتمتم باقتضاب
((هل جننت يا ولد!؟ رجل طول بعرض وتريد النوم في نفس غرفة والديك؟))
طبطبت زاهية فوق ذراع زوجها تهمس برجاء
((دعه يا حاج ينام هنا، أنتَ تعرف أنه تشاجر مع زوجته فدعه على الأقل الليلة ينام هنا وفي الصباح سيسوي الأمور معها))
خفت صوت يعقوب ولكن ظلَّ واجما
((اذهب إلى غرفة الضيوف يا مَازن، أو أي مكان آخر فالمنزل واسع بفضل الله))
اقترب مَازن من والده ورفع يده فحاول يعقوب سحبها إلا أن مَازن أحكم إمساكها ولثمها يتلمس رضاه ثم قال
((لا أريد النوم إلا هنا، لقد جلبت الفراش بالفعل فلا تصرفني الآن))
أشاح يعقوب بوجهه وقال بامتعاض
((أصدر أي هسيسي وسألقي بك في الخارج، أمفهوم؟))
ردّ مَازن لوالده بلهفة ((لا تقلق))
بدأ مَازن يجهز فراشه على الأرض..
أما يعقوب فرغم أنه كان لا يزال يظهر الغضب على ابنه إلا أنه لا ينكر حبه لتصرفات مَازن معه بعد كل مرة يوبخه أو يقرعه فيعود ويتعامل معه وكأن لا شيء حدث بينهما بل حتى يعود مشاكسا أكثر من السابق!
وعلى الرغم من أنه كان أكثر أبنائه إتعابا له لإصراره الدائم على مرافقة أصدقاء السوء وتصرفاته غير المقبولة مع الجنس الآخر إلا أنه لا يذكر أنه مرَّ يوم أو يومين دون أن يتحدث معه..
بعدما أطفأ مَازن الإنارة أغمض الحاج عينيه.. وكان نومه طوال الليل متقطعا بسبب مَازن الذي لم يدعه يهنأ فيه وهو يوبخه بين وقت لآخر
((مَازن أغلق هاتفك فصوت ما تشاهده يمنعنا من النوم))
((مَازن أغلق الهاتف كله فالإضاءة تؤرق نومنا))
((مَازن أزل السماعات عن أذنيك فهي لا تمنع الصوت من الوصول إلينا))
((مَازن أغلق النافذة وعد إلى فراشك فحركة الرياح تمنعنا من النوم))
((مَازن لا تدع والدتك تندم أكثر مني على سماحها لك بالنوم هنا، توقف عن التقلب مكانك))
((مَازن إذا خرجت من هذه الغرفة مرة أخرى للمطبخ سأغلق الباب خلفك ولن أفتحه لك، لم يبقَ الكثير على صلاة الفجر))
بعد مدة استوى يعقوب جالسا مكانه ثم توجه إلى حيث ينام ابنه وانخفض يوقظه هامسا بإلحاح
((مَازن استيقظ وتوضأ لم يبقَ الكثير على إقامة صلاة الفجر))
قال مَازن بصوتٍ ناعس خافت
((دقيقة يا أبي وسأنهض من الفراش..))
هز يعقوب كتف ابنه هاتفا بتوبيخ
((لن أتركك وشأنك قبل أن تنهض من مضجعك وتذهب معي لصلاة الفجر))
قال مَازن وهو يتقلب للجهة الأخرى
((أبي اذهب من دوني، ربما أصلي في البيت))
انفعل والده هادرًا
((النساء فقط من يصلين الفجر في البيت أما أنتَ فاخزي شيطانك وقم من مكانك، توضأ وبعد الصلاة عد للنوم في جناحك، مفهوم؟))
.
.
بمجرد أن عادوا من الصلاة حتى قذف يعقوب الفراش والغطاء لابنه وأغلق الباب خلفه بإحكام فلم يجد مَازن بُدا من الذهاب لجناحه..
ما إن فتح باب الغرفة حتى هاله صوت النحيب المكتوم من طرف ياسمين فشغل إضاءة الهاتف وهرول نحوها هاتفا بجزع
((ياسمين، ماذا هناك؟ لماذا تبكين بهذا الشكل المفزع؟))
أبعدت ياسمين الغطاء عن وجهها واندفعت نحو مَازن الذي جلس على السرير بجانبها تحيط جذعه بذراعيها بقوة تكاد تعتصره، تحتمي به كأنه ملاكها الحارس قبل أن تقول بصوتٍ متهدج إثر البكاء لساعات
((لقد خفت أن يخرج لي أحد من هذا الظلام ويبتلعني، لماذا أخذت المصباح وأغلقت الباب خلفك!))
اكتسحت الصدمة مازن من جلالة خوفها المهول ثم استنكر وهو يلقي بتساؤلاته إليها بوجل
((هل تبكين بسبب خوفك السخيف من الظلام؟ إذا كان يثير فزعك إلى هذا الحد الهيستيري فكان بإمكانك الخروج للصالة أيتها الغبية))
قالت بصوتٍ متقطع من البكاء
((لم أتجرأ على إبعاد الغطاء عن رأسي))
رفرف مَازن بعينيه يعسر عليه تصديق جوابها وقال
((هل يعقل لامرأة كبيرة عاقلة مثلك أن تخاف كل هذا الخوف من الظلام؟ إلى الحد الذي يجعلها تضيء مصباحين بإضاءة قوية طوال الليل؟ هل بسبب شيء حدث في الطفولة معك أم بسبب حادث مؤلم مرتبط به أم بسبب أفلام الرعب؟))
رفعت وجهها المحتقن المتورم من البكاء وهمست له بنبرةٍ متحشرجة وعينان شاخصتان
((السبب هو أني سبق ومكثتُ في الظلام لمدة طويلة لا أرى فيها أي شيء آخر، تم ربطي بعامود السرير بحبال غليظة وكنت آكل الطعام الذي تضعه أمه لي في الظلام لا أدري أيصلح للأكل أم لا.. فكيف تردني أن أخفي هذا الرهاب الفظيع الذي يتملكني من ظلمة الليل))
انتفض خافقها الصغير عند هذه الذكريات ليعيد إلى جسدها شعورًا قويًا بالألم والبرد.. رجفة عنيفة دبت في أوصالها ولم تعي للدموع الأخرى التي بدأت تشق طريقها عنوة على وجنتيها..
كانت لا تزال تحيطه بذراعيها فقربها منه وأجلسها على حجره متسائلا وهو يناظر وجهها تحت ضوء هاتفه الموضوع جانبا بخفوت قلق
((لماذا بقيت في مكان مظلم لمدة طويلة؟))
أخفضت نظرها وهي تريح رأسها على صدره ونطقت بنبرة مرتجفة بثت في قلبه ألما مبرحا
((لأن والديّ كانا يعتقدان أني أكذب بشأن خطفي بحكم احتفاظي بعذريتي، واتهماني أني هربت مع شاب أحببته بإرادتي الكاملة وعندما خذلني الشاب لجأت إلى كذبة الاختطاف وأبلغت الشرطة..))
بترت حديثها السابق وقد خانها صوتها وخنقتها العبرات واهتزت روحها كلها داخل جسدها كأنها تئن.. لكنها تمَالكت نفسها بعد دقائق وهي تكمل
((عندما رجعنا للبيت أخذوني إلى غرفتي، أمي وأبي وأخي الصغير.. وبدأوا يحققون معي قبل أن يتحول الأمر إلى شتائم وإهانات وضرب في أنحاء جسدي فأمتلأ بالدماء والكدمات الملونة.. لقد أغلقوا نوافذ البيت خوفا من أن يسمع أحدهم صراخي، عندما أصررت على براءتي من اتهاماتهم استغلت أمي عدم وجود أبي وقالت بما أن الضرب والإهانة لم يساعدا في جعلي أقر بالحقيقة المخزية فيجب أن أموت))
شحب وجه وتفطَّر قلبه عليها.. أما هي فاغرورقت عيناها بالمزيد والمزيد من العبرات بينما تتابع
((لقد جلبت أمي أحد عبوات الأدوية وقامت بتثبيتي في السرير لتجرعني إياها رغما عني، وقتها أخبرتها ألا تتعب نفسها وأنا من سأفرغ حبوب الدواء في معدتي كلها، ولو أن أخي لم يتدخل لكنت حرفيا ابتلعت حبوب الدواء كلها.. تخيل أن أخي الصغير عرف أن ما أفعله خاطئ في حين أمي كانت تناظرني بغل وتنتظرني أن أموت حتى تتخلص من عبئي! لو لم يسارع أخي في جعلي أرتشف الماء المخلوط بدواء بطعم مر حتى أخرج كل ما بجوفي من حبوب ابتلعتها لخرجت روحي إلى بارئها))
أغلقت ياسمين جفونها.. إنها تدرك جيدا حقيقة أن
أمها لطالما كانت هي وأبيها سبب انكسارها وإحساسها بالذل.. وفقط حينما تزوجت وابتعدت عنهما استطاعت أن تنفض ضعفها وتتمسك بكبريائها وكرامتها.. لكن رغم ذلك عند معرفتها بوفاتها قبل سنوات لم تستطع ألا تنهار وتغرق في الحزن لأسابيع طويلة..
ظل مَازن يحتويها بذراعيه متسائلا
((أنا اسف لكل ما مررت به))
ردت بصوتها المتهدج
((وافقت على الزواج منك عندما جاء والدك يعرض ذلك على أبي بعدما أذاقوني ألوانًا وأطيافًا من الذل والإهانة، وإلّا فما الذي يدفعني أن أتزوج منك أنت الذي كنت جزءً من دمار حياتي! كان عليك حتى لو لم تعرفني آنذاك أن تبلغ عما يخططوا لفعله بي))
بمجرد أن أنهت الحديث حتى غطت وجهها بكفيها ونشجت بقوة.. شعرت بالعجز والهوان لما باحت به أمامه.. أما هو فلم يجد أمامه إلا أن يتألم أكثر لحديثها البائس.. ارتجافها المخيف.. وبكائها المرير..
ناولها مناديلا ثم شددَّ من احتضانه لها وكفه الدافئ يمرره فوق ظهرها بينما يسند ذقنه فوق رأسها..
تركت أخيرا تخبطاتها جانبا ونفضت عن قلبها الروع.. لتترك لسحر عناقه منفذا لروحها..
وظلّا هكذا لدقائق طويلة قبل أن يجيء صوته الحنون ليخرجها من شريط العرض المقيت الذي هي غارقةٌ به في الماضي وهو يحثها على الصلاة قبل طلوع الشمس..
استجابت له وبقي معها هو وضوء هاتفه حتى توضأت وأتمت صلاتها..
بدأت خيوط الشمس تتسلل إلى النافذة فاعتمدوا عليها عوضًا عن ضوء الهاتف المشع المزعج.. ثم وجد مَازن نفسه يقول لها فجأة وهو يغمر أنامله بشعرها الكثيف
((أنا أيضًا عانيت بسبب أبي مثلك))
عادت من نظرتها الفارغة إلى عينيه القريبتين منها وقالت بسخط
((مهما تلقيت من والدك فلا بد أنك استحققته، أنتَ لم تتلقى عقابا على شيء لم تفعله مثلي))
قال بجمود لا يناسب نظراته التي تفيض ألمًا
((ياسو ما رأيك أن تسمحي لي أن أعوضك ولو بشيء بسيط عما تسبب فيه خطئي؟ لقد ندمت على ما حدث وحرَّمت أن أُصادق رفقاء السوء الذين تجذبني مغامراتهم واكتفيت بأصدقائي أصحاب الأصل الطيب الذين أعرفهم))
تجلت ملامحها بالامتعاض رفضًا.. ثم اتكأت إلى الوسادة الموضوعة خلف ظهرها.. ورفعت وجهها بغتة تسأله بفضول حقيقي
((ماذا قصد والدك في ذلك اليوم في المزرعة عندما قال بأن لك سوابق؟ لقد سمعته مرة يقول لأخيك مُعاذ أنها ليست أول مرة تتعرض لفتاة وتسبب لها أذى))
عَلَت وجه مَازن بسمة صغيرة لاذعة ثم أجابها بنبرةٍ مبهمة
((هناك الكثير من المواقف التي لا تعد ولا تحصى.. لكن أكثر المواقف التي لا أنساها هي اثنين، أولها عندما كنت في الإعدادية وأعجبت بجمال ابنة مزارع يعمل عندنا تقاربني في العمر وبُحت لها بحبي برسالة، وهي بالطبع أخبرت والدها والذي بدوره شكيني لوالدي وطلب منه أن يؤمن له عملا في قرية أخرى ينتقل لها مع عائلته، أبي أكد له أنه سيعاقبني ولا داعي لمغادرته.. ولكن المزارع أصَّر على المغادرة فشّك أبي بأني فعلت لابنته شيئا أكثر من اعتراف الحب السخيف ذاك ولكن المزارع يرفض الاعتراف خوفا على سمعة ابنته، فوافق أبي على تأمين عمل للمزارع في قرية أخرى))
سألته ياسمين ((وماذا فعل معك؟))
أجابها ببساطة ((فقط ضربني ضربًا مبرحًا جعلني أتشنج بعده لساعات وبقي أثره على جسدي لأيام، ولولا أمي لكان سيزهق روحي))
شعر بعجزه عن طرد الهواء السّام الذي دخل رئتيه عنوة فازدرد لعابه بصعوبةٍ بالغة.. ثم أكمل وبصره يزيغ جانبا
((أما الموقف الثاني الذي لا أنساه فهو عندما كنت بالثانوية قبل أن أتفاجئ برجل من الجيران يشكوني أمام أبي بأني أبتزّ ابنته وأدعي أني أمتلك صورا غير لائقة لها وقد أفضحها إن لم ترسل صورًا عارية لها، بالطبع أنكرت ذلك فحتى الحساب المرسل لابنته لم يكن لي رغم أنه كان بإسمي وموضوع عليه صورتي الشخصية، لكن أبي بالطبع لم يصدقني وصفعني أمامه لدرجة أني لم أستطع تحريك رقبتي وإيقاف نزف أنفي المتكرر لأيام..))
انقبض قلب ياسمين التي تصغي له بتحفز بينما يتابع
((عندما لجأ أبي للشرطة الإلكترونية لإيقاف ذلك الحساب اكتشف أن صاحبه هو زميل بفصلي، لكنه ظل على إصراره أني كنت شريكا له))
لم تفاجئه عندما عقبت له بتهكم
((وأنا أظن ذلك، فلا يمكن أن تكون ملاكًا بريئا في كل مرة تقع بورطة وترتد المشكلة فيمن حولك))
تجاهل اتهامها وهزَّ كتفيه ثم قال بينما يمرر أنامله بشعرها دون أن يجد منها اعتراض
((ما رأيك أن نذهب سويا لإحدى المولات التجارية مع هدى؟ أخي مُؤيد ليس هنا ليخرج بها فصار واجبًا علينا أن نتنزه معها من وقت لآخر))
ظلت على صمتها ولم تعطه إجابة فعرف أنها موافقة..
أغمضت عينيها فتابع يمسد فوق شعرها حتى نجح في جعلها تسترخي تماما وتغط في سبات عميق وتلك الذكريات المريرة تبتعد عن عقلها لتنام بسلام..
ضيّق عينيه ونظره يُسدد لخدّها الذي صفعه وأثر ذلك الخدش المريع لا زال عليه..
أبعد خصلاتها الدّاكنة الكثيفة عن جبهتها ولثم جبينها برقة قبل أن يجذبها لصدره ويضمها له..
بعد تلك الغربة الباردة أضحى أكثر من يقدر كلمة "العائلة" أو "الزوجة".. فما أجمل أن تغرق في النوم وفي أحضانك جسد أنثى غض.. حتى لو كان لا أحد منهما يحمل حبا للآخر..
=============================
في الظهيرة..
ساعدت سمية مَالك في خلع ملابسه وهي تسأله بوجه بشوش
((كيف كان يومك؟ لقد اشتقت لك وتأكدت في المطبخ أنهم أعدوا على الغداء وجبتك المفضلة))
تجهم بغتة وسألها على الفور
((هل تعملين في المطبخ أو أمرك أحد بفعل شيء؟))
فتحت له الحمام بعد أن جهزت له الماء الساخن ثم تشدقت بمرح بما يشبه الدعابة
((لا تقلق لم يتعرض لي أحد بالضرب ولم يسرق طعامي في غيابك))
أصدر ضحكة خافتة قبل أن يعترض
((أنا قلق بشأنك وأنتِ تسخرين مني))
بررت له دون أن تنحسر ابتسامتها
((أنا فقط أحبُ قضاء الوقت مع السيدة نعمة ونجوم في المطبخ، إخوتك مجتمعين في الأسفل، انتهي بسرعة وتعال لنقضي بعض الوقت معهم))
.
.
بينما كان الجميع مجتمعون في غرفة المعيشة برفقة مُؤيد..
قالت نورين مأخوذة الأنفاس وهي تناظر السلسال الذهبي اللامع الذي ألبسته إياه حماتها
((عمتي تبدو القطعة ثقيلة وغالية، لم يكن عليك تكليف نفسك كل هذا))
لمعت عينا زاهية وقالت بعاطفة صادقة
((لن تصدقي مقدار سعادتي عندما أخبرني مُصعب بحملك، لم أستطع ألا أبتاع لك شيء كهذا، وعندما يهدأ بالي من باقي المشاكل الجاثمة فوق صدري سأطلب أن يفصلوا قطعة أخرى أجمل وأثقل من هذه))
مال مُصعب يقبل جبين أمه قائلا بامتنان
((سلمك الله لنا يا أمي))
ناظرت زاهية ابنها تقول بعتاب رقيق
((هذا أقل شيء أفعله، ألا يكفي أنك تعيش بعيدا عنا أنتَ وزوجتك وبالكاد تزورنا مرة بالأسبوع أو الأسبوعين))
ابتسم مُصعب بشقاوة صارت مألوفة فيه ممازحا
((أمي أنا أساسا تعمدت الاستقلال ببيت آخر حتى تشتاقي لي بالذّات))
ضحكت زاهية بخفوت رغم المشاكل المحيطة بها من كل حدب وصوب ثم قالت بصوتٍ حنون
((لا أتحمل الانتظار حتى تلد زوجتك وأغدق الطفل بالهدايا))
بادل مُصعب والدته الابتسامة ثم ضرب كتف أخيه المتجهم الجالس بجانبه وهو يناظر ساقه المجبورة المتمددة أمامه
((المهم كيف حالك يا مُؤيد وكيف حال قدمك؟))
أجابه مُؤيد بكلمات مقتضبة موجزة ففهم الآخر بأنه لا يريد التحدث مع أحد.. فرضخ لرغبته وصمت.. في حين أراد مَازن الجالس بجانبه من الجهة الأخرى أن يشاكسه فتقرب من أذنه هامسًا
((مُؤيد لقد غابت زوجتك طويلا عن البيت، بدأت أشك أنها في بيت عائلتها كزيارة فقط، هل حدث شجار بينكما قبل أن تذهبا؟))
توحشت عينا مُؤيد واكتفى أن يرمي بنظراته التي تستشيط غضبا نحو أمه ويقول
((أمي ابعدي مدللك النذل من هنا قبل أن أكسر عظامه بقدمي الملفوفة بالجبس))
تمتمت زاهية بامتعاض له
((لا تتحدث مع أخاك بهذه الحدة يا مُؤيد))
نظر مُؤيد لأخيه وقال من بين أسنانه
((لقد كنت في الخارج وكنا مرتاحين من وجهك ودمك الثقيل فما الذي عاد بك الى هنا؟))
اتسعت ابتسامة مَازن المستفزة وعقب بخفوت
((انفعالك من كلامي يشير أن زوجتك غاضبة منك وتجلس عند عائلتها بانتظار قدومك لمصالحتها لكن برأيي قل لها المرأة التي تخرج من بيت زوجها ولا توافق على العودة إلى زوجها فإنه يتزوج عليها، فالرجل هنا في هذه البلدة لا يحب أن يذله أحد أو يضغط عليه.. صحيح يا ياسو؟))
عند آخر جملة التفت مَازن بتلاعب لزوجته الجالسة قريبة منه فناظرته ببلادة لدقيقة قبل أن ترد عليه
((أنا أقول يا مَازن تزوج أنتَ أولا، قبل أن تحرض أحدا من إخوتك على الزواج))
أصدر مُؤيد صوتا ساخرًا مستهزئًا فتملك الغيظ مَازن وهمس مهددا
((سأتزوج، سأفعلها، وستندمين على خسارة شاب مثل الوردة مثلي أنا))
تألقت ابتسامة لامبالاة عليها ثم قالت
((سأشبع نفسي ندما لا تقلق من هذه الناحية لكن تزوج))
ضيّق مَازن عينيه وتجهمت ملامحه.. ربّاه لو يستطيع فقط دق عنقها.. أو تحطيم عظامها.. أي شيء يبرد قلبه حتى لو بقبلة وحشية تُدمي ثغرها الباسم.. الليلة سينتقم منها جيدا بما أنهما تصالحا..
صدح صوت زاهية تقول فجأة لزوجها الذي دلف للغرفة
((تعال يا حاج لماذا تأخرت بالمجيء وقد بشرناك بحمل زوجة مُصعب، تعال وشاركنا فرحتنا))
تنهد يعقوب وتمتم لمُصعب بصوتٍ واجم لا يشوبه من الفرح شيئا
((مبارك لك يا مُصعب أنتَ وزوجتك، ندعو الله أن تقوم بالصحة والسلامة))
استغرب الجميع من صوت يعقوب وحتى مُصعب عقد حاجبيه يقول بضيق مستفحل
((لا تبدو يا أبي سعيدا بهذا الخبر))
رسم يعقوب شبح ابتسامة لابنه ورد باعتذار ضمني
((وكيف لا أكون سعيدا لهذه البشارة لكن عقلي مشغول بما فعله أخوك الأهوج بزوجته لمجرد خروجها من البيت لعيادة عمتها المريضة دون أخذ إذنه رغم أنها أعلمت والدتك))
اختفت ابتسامة يعقوب عند نطق أخر الجملة ورشق مُؤيد جامد الملامح بنظرات نارية لتلف الصدمة معظم الجالسين وتقول ياسمين بعد أن صدرت منها شهقة
((ولكن قلتم أنَّ رتيل في زيارة لعائلتها!؟))
هتف يعقوب بازدراء
((ومنذ متى كانت زيارتها لعائلتها تأخذ أسابيع؟))
بهُت وجه سمية الجالسة بجانب مَالك ونَكَست نظرها تفهم أخيرًا مغزى رسالة رتيل.. في حين تمتمت زاهية لزوجها بعتاب لأنها لا تستطيع شرح موقف مُؤيد
((يا حاج لا يجوز أن تقرع ابنك أمام أهل هذا البيت، هذه حياته الشخصية))
انفلتت أعصاب يعقوب لبرود زوجته وهتف عاليًا
((بل سأفعل ذلك وأمامهم حتى يعرفوا أي ظالم مُتجبر هو ابنك وإيّاك أن تدافعي عنه بحرف، يكفي دلالك للتوأم))
ضرب يعقوب على ركبتيه لينهض صارخا
((إيَّاك أن تظن يا مُؤيد بأني لن أجعلك تعيدها ورجلك فوق رأسك، ولكني أتهاون بسبب ما حدث لقدمك))
قالت زاهية دون أن يرف لها جفن
((ولكن يا حاج هذه حياة ابنك ولا يجب أن تتحكم بخياراته))
انعقد لسانه الحاج يعقوب في البداية لا يصدق كيف تقف زوجته بهذا الشكل المجحف بصف ابنها ضد كنتها المفضلة المسكينة.. ثم قال باستهجان
((اسكتي يا زاهية.. حثيه أن يتعقل ويعيدها على ذمته بدلا من تشجعيه على الظلم، أم فهد هي الوحيدة بين كل زوجات أبناءك التي كانت حريصة على شؤون هذا البيت مع العاملين فيه، كان كل شيء يقع على عاتقها فكيف تشجعين ابنك على التفريط بجوهرة مثلها؟))
لم تنحسر ملامح الجمود عن مُؤيد وهو يقول
((أبي لقد طلقت زوجتي وانتهى كل ما بيننا تماما، وسأطلب من أمي أن تبحث لي عن عروس أخرى لأتزوجها، فلا تجلب سيرة أم فهد أبدًا))
رفع يعقوب سبابته يقول مُهددا
((ستعيدها يا مُؤيد على ذمتك وإذا ما عرفت أنك أقدمت على خطبة امرأة غيرها سأعتبر ذلك عصيانا لكلامي، ولنرى من سيقبل بإعطائك ابنته من أهل القرية بدون موافقتي.. فخروجك عن طاعتي يعني حرمانك من هذا النعيم الذي من حولك..))
غادر يعقوب المكان فانتبهت زاهية على ابنها مُؤيد كيف يكتم غضبه وتتكور يديه كأنه قنبلة موقوتة على وشك الانفجار، فاقتربت منه لتهمس في أذنه
((لا تستاء من كلام أبيك فأنا سأخبره الحقيقة وعندها لن يمانع أن أخطب لك غيرها))
استشرت عينا مُؤيد واستنكر كلام والدته
((أمي ألم تقسمي لي أنك لن تخبري ما كانت تفعله رتيل لأي أحد!))
تحلّ صوتها الهامس بالصرامة وهي ترد
((أنا لن أخبره بل أنتَ، حتى يتفهم ما فعلته))
شدَّ مُؤيد على ضروسه وقال لوالدته بغضب مستعر تشنجت له ملامحه
((لا أبي ولا مخلوق آخر سيعرف، وإلا فعهد عليّ أن أحزم أمتعتي وأسافر إلى خارج البلاد إلى مكان لا يعرفني به أحد، فالكلمة التي تمس رتيل ستمس ولديّ الاثنين))
في هذه الأثناء التمعت الدموع في كل من عيون فهد وباسم وتجرأ فهد يطالع سمية سائلا إياها ببراءة بصوته المرتجف
((خالة سمية ماذا يعني والدي بما قاله عن الطلاق؟ ألن تعود أمي؟ هي لم يسبق وأن ذهبت لزيارة عائلتها طوال هذه المدة وحقا اشتقنا لها كثيرا))
تأسّت ملامح الجالسين على منظرهما وقال مَازن باستياء
((لم يكن على أبي أن يقولها صراحة أمام الطفلين! اذهب واحتوي ولديك يا مُؤيد، ماذا تنتظر؟))
التقط فهد بعض الأنفاس المرتجفة الى صدره ولكن الظلام أطبق عليه شاعرا أن عالمه كله ينهار أمام عينيه.. فمدت سمية يدها تعانقه وتحاول تهدئته في حين هتف مُؤيد بأخيه صارخا لا يكبح غضبه
((اصمت أنتَ الآخر يا مَازن))
شهق مَازن بصدمة مفتعلة ثم قال
((من تقصد بالآخر يا مُؤيد؟ هل تقصد أبي؟ هل تقصد أن تقول لي أن أصمت أنا الآخر بعدما أنزله أبي من توبيخ عليك؟))
اقترب مَالك من توأمه يصب الزيت على النار
((نعم يا مَازن وماذا قد يقصد غير ذلك! في المرة المقبلة سأنبه أبي.. لقد فاق عدم احترامه كل الحدود))
ضيَّق كل من مَازن ومَالك أعينهم التي يتطاير منها الشرر والانتقام.. فلا مَالك نسي كيف وقف مُؤيد وشحن أباه ضده حينما كُشف أمر يزيد.. ولا مَازن نسي هو الآخر كيف صب النار على الزيت في يوم عودته عندما غازل نجوم..
خرجا التوأم من الغرفة ثم توجها إلى المجلس حيث يتواجد والدهما..
جلسا بجانبه.. واحد إلى يمينه والآخر إلى شماله..
ثم مال مَازن لأبيه يوسوس له
((هل تظن يا أبي أن سبب خروجها من البيت بلا إذنه هو سبب طلاق مُؤيد لزوجته؟))
قال مَالك مدعيا التفكير
((ربما تعرف على امرأة أخرى وهي من طلبت منه أن يطلق أم عياله ولم يهن عليه ألا يكسر بخاطرها!))
نظر الحاج يعقوب إلى ولديه بتعجب قبل أن يصرخ بهما
((اغربا عن وجهي أنتما الاثنين، مُؤيد لا يمكن أن يكون صاحب علاقات أو نساء، إنه ابني الثاني وتربيتي رغم تحفظي على بعض أفكاره وأفعاله فهو لا يشبهكما أنتما الاثنين في شيء))
ابتعد مَالك عنه قائلا بصراحة ممزوجة بالغضب
((أبي كنا نمزح، نحاول أن نفسد علاقتك به كما كان يفعل معنا))
زمجر يعقوب وقد انتفض صدره العريض وبرزت عروق عنقه
((بدلا من سوء الظن ومحاولة تلطيخ سمعة أخاكما أيها الوقحان التزما الصمت، الأول كان متزوجا بالسر يخفي حقيقة امتلاكه لحفيد بطوله، والآخر ماضيه أبعد ما يكون عن التشريف، مُؤيد سيظل عندي هو ومُعاذ أفضل منكما الاثنين من أفسدتكما أمكما بالدلال))
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثاني وستون 62 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
دلفت نجوم للمطبخ لتسارع منال بأخذ يدها وسؤالها بفضول
((ماذا حدث بين مَازن وزوجته؟ شجار كالعادة؟ يبدو أنهما سيتطلقان قريبا))
أومأت لها نجوم لتشرد عينا منال بتفكير لبرهة ثم تناظر ابنتها بمقت وتقول
((بالنسبة لابن أختي فقد تحدثتُ معه هاتفيا لأجده أحقرَ ممَّا كنت أتصور، لقد افتخر أمامي أنَّه حفظ كلَّ شامة في جَسَدك، وأنَّه سيشعر بالقرَف منك لو تزوجك بعدما اعتدى عليك، بالطبع هددّته بأني قد أفضحه لو لم يستر عليك لكنه رفض ساخرًا من تهديدي بل والأنكى أخبرني عن استحالة فسخ خطبته بخطيبته البريئة والمحترمة والتي ليس لها أي تجارب سابِقة فهناك شرارةُ حب بَينهما وهو لا يتسلى بها؛ فإذا ما حصل شيء من قبلنا وأفْسد زواجه بها أو جعل أحد أفراد عائلتها يعرفون سيدمرنا!))
تجلى العذاب على ملامح نجوم وقالت بحسرة تندب حظّها
((هل رأيت يا أمي ظُلمًا أكثرَ مِن هذا؟ هل رأيتِ ذلًا أكبر مِن هذا الذلِّ؟ لماذا أنا من أتعرض لكل هذا؟ لقد حطمني.. انتهكني.. سلبني أغلى ما أملك، لن أستطيع الزواج بعد الآن))
لكزتها منال بقوة آلمتها وهي تقول بوحشية
((اسكتي.. سأدبر نقودا لتقومي بعملية تعيدك فتاة كما كنتي.. أفهمتِ؟))
انهارت نجوم على إحدى كراسي المطبخ وغمرت وجهها بيديها هادرة
((حتى لو قمت بهذه العملية وعدت كما أنا سأبقى محطَّمة وهو سيمضي في حياته دون أن ينسَ جسدي وما كان بي! سأعيش دائمًا هاجس الفَضيحة وسأتخيَّل أمورًا كثيرة مُمكن أن تحدث في المستقبل.. ماذا لو فضحني أمامَ عائلتك! ماذا لو غضب منِّي إنِ ارتبطتُ وفضحني أمام زوجي وعيَّره بما كان بيننا ولو دون وعي منه؟ ماذا لو صارح أمه أو أختَه أو خطيبته وتَطوَّر الأمر وفُضحت أنا؟))
انزعجت ملامح منال بقلق لكنها استنكرت
((يفضحك! مستحيل لن يقدر، ليس هناك مُغتصب يمكن أن يفضح نفسه))
رفعت نجوم وجهها قائلة بحرقة
((سيقول بأني انجررت له بمليء إرادتي، ولن يهتم برابطة الدم بيننا أبدًا.. أساسا أنا أتذكَّر أنه عندما تشاجَر مع أمِّه أخذ يتحدَّث عنها بالسوءِ أمامي وأخَذ يفضح كل أفعالها السيِّئة في لحظةِ غضَب فإن كان استطاع أن يتحدث هكذا عن أمه فماذا سيردعه مِن أن يتحدث هكذا عني؟ كما أنه يحب أن يتفاخَر كثيرًا بعَلاقاته النسائيَّة.. ألن يتفاخَر بعلاقته معي أمامَ خطيبته ويروي لها كل التفاصيل كما كان يَروي لي تفاصيلَه السابقة؟))
هنا رفعت منال كفيها المرتجفين تمسح بهما وجهها الشاحب.. هل يمكن أن يفعل ابن أختها الحقير ذلك؟
رغمًا عنها بدأ القلق يتحول إلى رعبٍ مجنون وعندها توجهت بلهفة لابنتها تمسك يديها تبوح لها بتلك الفكرة الشيطانية التي خطرت لها منذ مدة كحل ثاني
((نجوم عندي حل آخر، هل تعرفين كيف تزوجت ياسمين من مَازن؟))
كسى الاستغراب وجه نجوم لا تفهم ما ترمي له والدتها التي أكملت
((لقد أتهمته بأنه اعتدى عليها))
جحظت عينا نجوم وهتفت على الفور خاصة وأن لأمها سوابق كثيرة بالافتراء على الناس
((مستحيل، لا أصدق))
شددًّت منال بقوة على يديّ ابنتها التي تمسكهما وهي تقول بصوتٍ مقيت
((بل صدقي، سمعت بأذني الحاج والحاجة يتحدثون بهذا الموضوع، بل وأكد الحاج على زوجته أنه لم يحدث أي علاقة بينهما قبل الزواج وأن مَازن لم يلمسها، ونظرا لطريقة زواجهما المفاجئة والمريبة فلا شيء يفسره إلا أن ياسمين أتهمته باتهام مُشين لتجبره على الزواج منها رغم براءته))
بهُت وجه نجوم وهي تردد
((هل تريدين مني أن أتهم مَازن؟))
رفعت منال يدا تضرب كتف ابنتها بقوة وهي تهمس لها
((لا أقول اتهميه ولكن أغريه بالمكر والخداع حتى يتزوجك))
عادت الدموع تتجمع في عيني نجوم رافضة
((أمي لن أستطيع فعل هذا بمَازن، لن أستطيع الزواج منه في هكذا طريقة))
تفاقم الغضب الذي انتاب منال ورددت
((وماذا لو كان هو راغبا؟ أنا أرى انجذاب يكّنه نحوك وإيّاك أن تنكري ذلك))
رفضت نجوم بعذاب
((لن أوافق حتى لو كان هو الرّاغب، فكيف سأغفِر لنفسي أنَّه لم يكن أول من لمسني؟ كيف سأجعله أضحوكةً لابن خالتي إذا ما افتخر يومًا أمامه بأنه يثق بي ثِقة عمياءَ؟ سأشفق عليه مِن نظرات ابن خالتي وتفكيره))
قالت منال وهي تكاد تقتل نفسها من بلاهة ابنتها
((أيتها الغبية دعينا نفكر كيف نجعل مَازن يتزوجك ثم سنفكر بنظرات ابن خالتك له))
استبد القلق في هذه اللحظة على نحو مبهم بنجوم لتهز رأسها نافية وتقول بهذيان
((كم أتمنى لو أن الانتحار ليس حرامًا! كم أتمنى الموت! كل أحلامي بزوجٍ حنون وأطفال وبيت دافئ تلاشَت! لكن لن أفعل ما تريدينه.. لن أفعل.. لن افعل..))
=============================
في نفس الوقت..
وبعد أن ذهب حماتها وحماها لرؤية مَازن وزوجته غادرت سمية ومَالك الغرفة إلى غرفة يزيد..
همس الصغير متثائب يسترخي جسده بين ذراعي أمه، فاستلقت بجواره تهدهد له تهويدة النوم وتداعب شعره المموج الأسود حتى نام.. فأخذت تحدق في وجهه الحبيب.. النسخة المصغرة من مَالك.. ثم تمتمت بهمس مختنق
((سامحني يا صغيري، لم أرد أن أخفي وجودك عن عائلتك، ومعاملتهم لك كالغريب عنهم كان يقتلني، لكن أنا فقط كنت أفعل ما أظنه لن يحرمني من وجودي في حياتك وأثناء ذلك حاولت وبذلت أقصى جهدي لأعوضك، في النهاية ورغم كل شيء أتمنى أن تسامحني يوما وتتفهم ما فعلته))
عند هذه النقطة أجهشت سمية بالبكاء.. فماذا سيفيد يزيد اعتذارها الباهت بعد كل ما عاناه قبل أن تستطيع هي ومَالك الزواج اليوم!
تململ يزيد في سريره فسارعت تكتم صوتها وتمسح خديها وهي تتمَالك نفسها وتستعيد رباط جأشها قبل أن يغرق ابنها في سباته مرة أخرى..
ملأت عينيها بتقاطيعه عبر إنارة الغرفة الخافتة لمرة أخيرة قبل أن تهمس بشجن
((نومًا هنيئًا يا حبيبي))
نظر مَالك الواقف عند عتبه الباب لها تجلس على طرف السرير وكل ما فيه سعيد لأنه أخيرًا سيستطيع مشاركتها كل أحمالها ومتاعبها وتربية يزيد علانية كما كان يجدر به أن يفعل من البداية.. ثم همس لها بحذر وهدوء خوفا من استيقاظ يزيد
((هل خلد للنوم؟ هيا بنا إلى غرفتي))
ابتسمت سمية له قبل أن تدثر يزيد جيدا ومن ثم تذهب لغرفة أولاد عمه فهد وباسم لتطمئن أنهما نائمان.. فرتيل لم تعد من زيارة عائلتها بعد رغم طول مدتها ومن واجبها أن تهتم بهما كما كانت تفعل هي مع يزيد..
.
.
في غرفة مَالك..
سلم مَالك عن يمينه ثم يساره ينهي صلاة ركعتين ومن خلفه سمية ليبارك لهما الله هذا الزواج..
خلعت سمية ثوب الصلاة عنها بينما تتطلع لمَالك بحب متدفق.. لهذا الذي أهداها حبه.. قلبه.. عقله وفكره.. جعلها المرتبة الأولى في حياته.. في منزلة لم يصلها سواها..
انتبهت له يخلع قميصه ويرميه أرضا لتبرز عضلات صدره بينما يتمتم بصوت خشن مصرحا بأفكاره
((أخيرًا أنا وأنتِ تحت سقف غرفة واحدة مغلقة علينا))
نكست سمية رأسها فوقف مَالك أمامها قبل أن يلامس ذقنها بأصابعه ويرفعها.. ثم يهدر بعاطفة
((من الآن فصاعدًا لا تصعبي الأمور عليّ.. أمسكي بيدي وكوني معي.. عانقيني واهنئي بحبي لأهنأ في المقابل بحبك.. لا تجعلي أيَّ همّ يسيطر عليك فأنتِ أقوى من ذلك.. وأنا أملي بك كبير))
رسمت ابتسامة تبث فيها وعدها له قبل أن تسأله
((هل أنتَ سعيد حقا؟))
طوقها حتى أصبحت بين ذراعيه ثم حملها بينما تشهق عاليا بدهشة.. ليقول بعنف عاطفته التي توقّدت به على نحو كبير
((كيف لا أكون سعيدا وقد سقطت النجمة التي لطالما أحببتها في حجري وعرف العالم كله أنها باتت ملكي!))
ضحكت سمية بخفوت وهي تحيط رقبته بيديها ولا تزال بين يديه.. شاعرة بأنها تريده أن يضمها طويلا.. تريد تلك العواطف الأثيرة التي يضرمها فيها.. في أن يحتل روحها ويصهرها في روحه.. فما ألذه من شعور أن تكون في حماية رجل حقيقي تستند عليه..
توجه بها نحو السرير ليضعها فوقه بهدوء..
تأوه بصوت شديد الخشونة وهو يغمر وجهه فيها مجنونا منهارا بذاك الشعور الذي سكنه وراوده لسنوات..
هي حقا هنا.. بين يديه.. له.. به.. منه.. إليه..
قُرع الباب في هذه اللحظة فرفع مَالك وجهه بلهاث متقطع يحدق فيها بنظرة شعت بالوله والعشق.. كاد قلبها أن يشق صدرها لتعانق نظراتهما لكنها تمتمت بصوتٍ واهن
((الباب يا مَالك))
أَمَال جبينه لجبينها ليهمس بأنفاس تتسارع على نحو جنوني
((دعك من الطارق سيمل ويذهب.. رائحتك جميلة جدًّا..))
شعرت بالإطراء لكنها عادت تتوسل له هامسة
((هناك من يطرق الباب بإلحاح قد يكون أمر مهم))
عاد يغمر وجهه في شعرها هادرا
((لا شيء مهم بالنسبة لي في هذه اللحظة سواكِ))
استمرت طرقات الباب عاليا، وتواصلت توسلاتها التي تذيب قلبه فرفع مَالك وجهه يوقف سيل عاطفته ثم يغمغم بضيق استبد به
((سأذهب لأرى هذا الشخص المزعج))
بمجرد أن ابتعد حتى اعتدلت سمية واقفة وهمست على استحياء
((سأذهب للحمام ولن أتأخر ريثما تجيب الطارق))
اشتد وهج عينيه ضراوة لمرآها تفر من أمامه.. ثم استدار للباب يقول باستياء
((حسنا ها أنا قادم.. من هادم اللذات هذا.. أمي!))
اتسعت عينا مَالك بحرج وخجل بمجرد أن فتح الباب ليردف باعتذار
((مرحبا يا أمي.. أعني.. أنا آسف.. لم أعرف))
.
.
تجّلت علامات الضيق على سمية عندما تناهى إلى سمعها صوت والدة مَالك.. كان عليها أن تصر أكثر أن يفتح الباب عند أول الطرقات..
حاولت تجاهل ما حدث وأسرعت نحو الحقائب التي جهزتها وبدأت تبحث عن الثوب الحريري، بلونه النبيذي الذي تتداخل عبره لمعة ذهبية براقة..
تريد حقا أن تعوضه قليلا عن سنوات انفصالهم المليئة بالرفض والحرمان..
صففت شعرها وتركته مُنسدلا، فيما وضعت مشبكا صغيرا لامعا عليه.. ولم تنسَ وضع زينة خفيفة بعد أن تزينت ببعض الحُلي الذهبي العصري والرقيق الذي كانت تدخر ثمنه بأجرتها من عملها..
أخذت وقتها كاملا في الداخل وهي تعد نفسها ومَالك تركها على راحتها حتى تستعد جيدا..
وبمجرد أن خرجت حتى استنشقت رائحة فطائر شهية وطعام ساخن.. اقتربت من المنضدة التي كان عليها أشهى أصناف الطعام والحلوى.. وهنا رفع مَالك عينيه نحوها لتتجلى بوضوح الدّهشة عليه..
شعرت بنظراته المعجبة تتفحصها.. كمن كان ممتنا على تجملها له.. فتحررت من هواجسها السلبية التي تشعرها بأنها أقل منه ولا تناسبه.. لقد أشعرها براحة متناهية.. وشحذ همتها للتواصل معه بثقة وحرية.. فسألته وهي تدنو منه
((هل أمك من أحضرته؟))
استمر مَالك في التحديق بها دون أن يركز فيما قالت قبل أن يهز رأسها يقلل من تأثيرها ويجيب
((نعم لقد جلبته أمي، هل نأكل الآن؟))
ابتسمت له مجيبة بنعومة
((كما تحب وترغب))
حدق فيها لثوانٍ أخرى بلهاث لا يظهر كأنه يستوعب ما يراه ثم أزاح خصلاتها الداكنة الكثيفة خلف أذنها وهمس يداعبها
((أنا أحبك أنتِ وأرغب بك أنتِ))
بصعوبة كتمت ضحكة خافتة منها بينما يجتذبها منه ليطعمها فامتنعت برقة
((لا بأس يا مَالك سآكل بنفسي))
قبض على يدها يمنها من الرفض وقرب الشوكة لها هادرا بصوتِ أجش
((أنتِ الليلة عروس ومن واجبي أن أطعمك بنفسي))
لمعت عيناها وتحولت ابتسامتها لتجاوب شغوف.. انتظرها حتى انتهت لقمتها الأولى فأطعمها أخرى مضختها بهدوء مما جعله يقول بتملق مبتسمًا
((أمي من تكّبدت بصنع كل هذه الأطعمة مع منال، لذا حتى لو لم تظهر القبول في حديثها معك لكنها بالتأكيد تودّك))
ابتلعت اللقمة لتقول هربًا من مغازلة عينيه اللطيفة
((نعم أشعر أنها تقبلتني، لطالما كنت أنتَ وتوأمك المفضلان عند أمك، إنها تتوقع مني الآن أن أدللك كما كانت تفعل هي))
قضم مَالك قطعة من مقرمشات مملحة وعقب وعينيه تحتويها بحنان
((لا الوضع الآن مختلف بعد أن تزوجتك فقد كبرتُ على التدليل وحان الوقت لأضع على عاتقي مهمة تدليلك))
ثم أردف بصراحة
((كنت أريد حقا تجهيز نفسي جيدا لهذه الليلة لكن كل شيء حصل بشكل مفاجئ ولا أشعر بالرضا من رؤية أنك الوحيدة من تبذلين جهدًا لي))
ابتسمت بامتنان له وشردت بعينيها قليلا ليتذمر وهو يدس لقمه كبيرة في فمها
((كلي جيدا يا سمية.. هل أنتِ محرجة مني؟))
مضغت اللقمة وقالت قبل أن يحشر لقمة أخرى بفمها
((هذه هي طبيعة أكلي يا مَالك فتوقف))
أصرّ على أن يملأ فمها بلقيمات كبيرة كمن هو في مهمة جديّة قائلا
((هيا تغذي جيدا..))
أجابت بصوتٍ مكتوم وبالكاد يخرج مفهوما
((أنا أفعل ألا ترى! لكني شبعت فيكفي))
عقب وهو يعد لقمة أخرى لها
((أكلك ليس جيدا.. هناك الكثير من المجهود الذي عليك فعله بعد قليل))
صمتت وقد لف الخجل من كلماته ملامحها المتوردة وبدأت تمضغ لقمة تلو الأخرى.. ما إن تنهي واحدة حتى يزج بالتالية في فمها رغم شبعها التام.. استجدته
((يكفي يا مَالك.. أرجوك.. أقسم لك لم يعد هناك مساحة في معدتي))
تجاهلها كأنه أصم لا يسمع واستمر في حشوها بالطعام فتابعت وهي تمضغ
((أرجوكَ يكفي.. لقد شعبت))
لم تجد هنا نفسها إلا أن تنسل منه مبتعدة وتقول بفمها الممتلئ بالطعام بعد أن فقدت أي قدرة لها على تناول المزيد
((أشعر بالتخمة يكفي، كل أنتَ شيئا، ألست جائعا؟))
بل تغزو جسده الصلب آلام مبرحة من جوعه الوحشي.. جوعه لها هي.. كل ما فيه يلتهب ويثور اشتهاء لعبقها.. للسفر في سواد شعرها.. والغرق فيه.. فنظر لها كنسر يتأهب للانقضاض على فريسته.. ثم هدر بصوتٍ خطير متلاعب
((هل أفهم من كلامك أنك أصبحت مستعدة؟))
أنهت مضغ ما بفمها وتذمرت بمرح
((وهل أنا فرخة تقوم بحشوها استعداد لطهوها والتهامها!))
لفّ ذراعيه حول خصرها لتفلت منها شهقة ثم رفع جسدها للأعلى ليجعل وجهها بمستوى وجهه.. فتقول وقد غلبها انكماش فطري
((مَالك أرجوك على مهلك حتى لا تمزق الثوب))
ابتسم بحرارة وعيناه تتوحشان بالتوق المستعر هامسا
((سأمزقك أنتِ شخصيا فلا تبالي بالثوب))
حركها نحو السرير ثم أوقعها معه فوقه وهو يأسر شفتيها بعنف.. وبلحظة التقت عينهما بتواصل بصري..
نظراته لها بالرغبة المتقدة تُعلمها أنه ليس كمَالك في الماضي الذي أسرها بلطفه وحنوه ومراعاته..
أما نظراتها له تفضح خوفها الفطري من القادم الوشيك بينهما.. وكأنها تتوسل له الرفق معها..
فحثّ نفسه أن يكون بغاية الذوق والتفهم معها، وأن يعاملها كأنها لم يسبق وأن حظيت بأي تجربة قبلا معه..
ولكنه في لحظات متفرقة لم يتمَالك نفسه تماما وقد كانت سنوات طوال عجاف قبل أن يحظى بهذا القرب منها مجددا!
.
.
بعد ساعات.. في ظلام الغرفة الدامس..
اعتصر مَالك بعنف جسدها متنعما بقربها..
سمية.. صديقته.. حبيبته.. زوجته السابقة.. والحالية.. حلم مراهقته وشبابه اليافع.. أصبحت له.. قلبا وروحا وجسدا.. أما هي شعرت بجسدها يتحطم تحطما على أضلاعه فهمست باسمه متأوهة قبل أن تغمغم بوهن وبصوت ناعس
((مَالك.. أريد أن أنام فأنا منهكة.. للغاية))
أصدر ضحكة خافتة خشنة على كلامها.. لا يلومها فلم يكن معها الليلة طيبا كليا.. أغرقها بقبلات رقيقة كأنه اعتذار خجول عن قسوته معها.. ثم ابتسم بحرارة تنضح منه ليهمس بحميمية
((أعتذر لك، لكن عليك أن تعتادي على هذا قبل أن أنتقل للمستوى التالي في الأيام القادمة))
تساءلت بتعثر
((ماذا تقصد بالمستوى التالي؟))
غمغم بصوتٍ رجولي أجش قشعر جلدها
((قبل سنوات كنت أبلهًا لا أفهم شيئا لذلك كنت رقيقا بشكل كبير معك أما الآن الأمور مختلفة.. لقد حان الوقت لاكتشاف المرأة بداخلك ولن أتردد في أن أكون جريئا معك))
احتضنت سمية شفتيها بتخبط.. تذكرت كيف كانا بتلك الأشهر القليلة التي حظيا بها في زواجهم الأول لا يملان من بعضهما ولكن رغم رغبته في الاندفاع بعاطفته معها إلا أن ملامساته كانت خجولة.. مترددة.. منعدمة الخبرة.. فهو كان يستكشف هذا العالم لأول مرة.. ومعها هي.. كان بالمجمل رقيقا وطيبا معها إلى الحد أنها كانت تشعر برغبة لا تنتهي للبكاء.. وكان يتقبل خجلها وترددها بطيبة خاطر.. وبعدما ينتهي كان يضمها إلى صدره ويشعرها بأنها تمثل الدنيا ومن فيها..
لم يكن الأمر مشابه لما حدث قبل قليل حيث كانت الحرارة والعاطفة المتفجرة بينهما..
هل هناك أجرأ من ذلك؟ ماذا تبقى من شيء يمكن أن يوصف بأنه تردد قبل فعله؟
تيقظت من تفكيرها على تأوهاتها وهي تشعر به يعتصرها أكثر وأكثر.. وبدلا من أن تتذمر ابتسمت وفي قلبها يتضخم شعور عارم بالانتماء له.. والمكان الذي يجمعهما به عشها الصغير الذي لطالما حلمت ببنائه بالحب..
=============================
في إحدى الفنادق الفخمة..
خرج قصي من الحمام عاري الصدر حافي القدمين وشعره الرطب يعلن عن حمام بارد لم يطفئ ناره..
من جهة هو مشغول بقضية شيرين التي ليس لها أحد من البشر غيره.. ومن جهة مشغول بأمواله التي قاربت على الانتهاء بعد ما أنفقها على إيجار مكوثه في هذا الفندق وشراء بعض الاحتياجات التي تخصه..
ولن يستطيع طلب المزيد من المال من يوسف التافه حتى لا يتباكى أمامه بمخاوفه من علم عمه عن ذلك!
ضرب قصي الحائط بقبضته قبل أن يعاود الكرة وغضبه لا يهدأ..
عليه في غمرة انشغاله ألا ينسى سهر التي لا تزال تبيت في بيت صديقة غير مقربة لها وتعمل في مطعم شعبي إلى الآن!
عليه أن يذهب لها ويجبرها على ترك ذاك العمل والعيش في بيت عائلتها.. فالأفكار الجنونية تلاحقه دائما عن ذاك المكان الخطر على عملها فيه كامرأة!
لم تكن قد مرت ثلث ساعة حتى وجد نفسه أمام المطعم الذي تعمل فيه سهر ويدلف لداخله!
استغل عدم انتباه أحد ليتسلل للمطبخ بخفة حيث كانت سهر تغسل الأطباق قبل أن تنتفض ملسوعة وهي تستدير للخلف.. فأوصد الباب خلفه متسائلا باستياء ((هل تكرر هذا الأمر؟))
حاولت سهر التقاط أنفاسها وهي تسأله بصدمة
((قصي! لقد أرعبتني! ماذا تفعل هنا؟))
تجاهل ما تقوله ولف غضب غير مألوف وجهه متسائلا
((هل تكرر أمر كهذا؟ هل سبق ودخل عليك هنا في السابق أحد؟ الجنون الذي كنت تقومين به بالماضي وتحدثيني عنه لن يتكرر، إذا كانت عائلتك تسمح لك بالعمل في أماكن كهذه في كل مرة تتشاجرين فيها مع أمك فبعد الزواج مني لن يستمر الأمر هكذا))
جرأته في القدوم إلى هنا والتحدث معها كأنها لم تكتشف شيئا من كذبه المخزي عليها أثار استهجانها!
في هذه اللحظات فقط عرفت بأن أقصى درجات الثورة والاستنكار.. هو البقاء ساكنةً وهي تجيبه بفتور
((قصي أي زواج هذا وأنا أنتظر منك أن ترسل لي ورقة فسخ خطوبتنا! تخاذلي عن متابعة طلب الفسخ لا يعني أنه لن يحدث، بل أنا أنتظر عودة أبي من سفره قبل أن أنشغل بك أيها المحتال، منقب الذهب))
اضطربت ملامحه للنعت الذي وصفته به ثم قال
((حتى لو كنا سنفسخ خطوبتنا فلا يجب عليك أن تظلّي في عملك هنا، إنه مكان شعبي وقد يتحرش بك لفظيا أو جسديا أي من زبائن هذا المكان إذا كان منحلًا))
ابتسامة ساخرة تعقلت بفمها المكتنز الجميل قبل أن تخبره ببرود
((أولا أنا لا أعمل شيئًا في هذا المطعم إلا غسل الصحون وتنظيف المعدات، أي لا مجال لي للاختلاط بأي أحد.. ثانيا لا أرى أي شيء يعيب هذا العمل في هذا المطعم "الشعبي" مثلما لم يكن يعيب عملك الذي كنت تكذب عليّ بشأنه يا منقب الذهب))
عند هذه النقطة شعرت سهر بالغثيان منه.. كيف لا يشعر بالخجل من نفسه بعد أن كشفت حقيقة خداعه! لقد كذب بمنصبه المرموق في شركة عائلته فاحشة الثراء ذات الصيت المعروف.. كذب بالقصور والفلل التي يمتلكونها..
كذب بسفرياته مع أصدقائه وزملاء الدراسة من نفس طبقته الغنية.. كذب بالأناس المهمين والمشاهير الذين قابلهم.. ووصل به الأمر أن يريها صورا تدعم كذب ما يعيشه بل وأحيانا يوفرها لها لتصدق! لو كانت مكانه لدفنت نفسها في الوحل للأبد من شدة الخجل..
تطلعت له مردفه
((أنتَ إنسان مثير للشفقة، لا أصدق كيف أحببتك يوما أكثر من نفسي يا منقب الذهب!))
هنا لم ترتبك ملامحه حرجًا بل على العكس ارتسم على وجهه الاستياء وهو يرد قاطعًا بامتعاض شرس
((أنا لم أكذب ببعض الأمور يا سهر لأني منقب ذهب بل لأني أحببتك ولم تكن هناك طريقة لأحصل عليك سوى بتلفيق تلك الأكاذيب))
جاش صدرها بالغضب وهتفت
((ببعض الأمور فقط؟ أنا أشك أحيانا أن اسمك تكذب عليّ به يا قصي، أغرب أنتَ ووجهك البغيض من أمامي قبل أن أرفع صوتي وأجمع الناس علينا هنا))
رفع حاجبيه يقول بخشونة
((هل انتهي كل شيء بيننا يا باربي؟ ألا تحملين في قلبك شيئًا يشفع لي كذبي!؟))
شدت سهر على كلماتها وهي تقول
((كنت أحمل لكني قذفته بعيدا أيها المحتال، منقب الذهب))
كسا الألم ملامحه وهو ينطق أحب أسماءها على قلبه ((باربي..))
قاطعته صارخة بانفلات أعصاب
((توقف عن دعوتي بباربي، صرت أكره كل لعب الباربي بسببك، حتى أمي تتحسر على عدم زواجي من مراد فهو كان في مرحلة من المراحل يريد الانفصال عن زوجته))
أظلمت عيناه وهو يتساءل بصوتٍ خطير
((مراد؟ هل تقصدين خطيبك السابق؟))
ابتسمت سهر بلا مرح وهي تجيبه
((نعم هو.. فبرغم ثراء عائلته إلا أنه كان شابا معتدلا.. مخلصا لي رغم عدم حبه.. وأنا من ظلمته وهربت من زفافنا وأسأت لسمعته ومن قبلها سمعتي))
أغمض قصي عينيه أمامها وهو يحث نفسه على عدم الانجراف بغضبه وغيرته عليها فهي محقة بكل شيء..
أخذ عدة أنفاس حرقته بدلا من أن تهدئه ثم فتح عينيه يسألها
((هل أنتِ نادمة على هروبك من زفافكما قبل أكثر من عقد مضى؟))
أجابته بنفس الابتسامة التي تستشيط من غضبه
((أنا نادمة فقط على الطريقة التي فعلتها فقد سببت مشاكل له وبالأكثر لي، لكنه سعيد جدًّا مع زوجته ويحبها وهذا ما يشعرني بقليل من الراحة إزاء ما فعلته له، وأنا بالنهاية استحققت السمعة السيئة التي طالتني عند هروبي وأن أُخدع من قبل رجل مثلك))
ازدادت ابتسامة سهر اتساعا وشعرت بقلبها ينتفض برضا إيذائه.. وبرضا الانتقام من مخادع مثير للاشمئزاز بأكاذيبه مثله! ثم قالت ممعنة أكثر بإثارة غيرته
((صحيح أني لا زلت أشعر أنه ونمط حياته كانا غير مناسبين لي، لكن الزواج منه كان ليكون أفضل من حالي الآن لكن لا فائدة من التحسّر))
حدق في عينيها للحظاتٍ طويلة فتلاشت الابتسامة عن شفتيها تدريجيًا حتى اختفت تمامًا وبادلته النظر بتجهم وارتباك.. وخوف وهي تراه يدنو منها حتى وقف أمامها وزمجر بصوت مخيف ويداه ترتفعان لتمسكا رأسها بخشونة
((اصمتي يا سهر))
مال بوجهه منها وأنفاسه تخرج منه كالحمم بينما بدأت أصابعه تتخلل خصلات شعرها الذهبية قائلا
((اقتليني لكن إيّاك أن تحاولي إثارة غيرتي بهذا الشكل))
أظهرت سهر استخفافا به فشد شعرها من الخلف ليرفع وجهها إليه، فصرخت بـه
((أيها الحقير ابتعد من هنا، انطق كلمة الطلاق وافسخ هذه الخطوبة البائسة))
ثم بقوة لا تناسب هيئتها متوحشة الأنوثة والجمال ضربته على ساقه وأبعدته عنها لاهثة..
خيّم الصمت بينهما وهي تنظر إليه بعينين زجاجيتين خاليتين من التعبير ليقول بجفاء وبصوتٍ قاسٍ
((لن أفسخ أي شيء بيننا رغم الحقيقة المُرة التي عرفتها عنك وهي أنك لا تختلفين شيئا عن أمك، لا يهمك في الرجل إلا جيبه وموقعه في مجتمعها الراقي))
نظرت في عينيه مجيبة ببرود
((نعم أنتَ محق هذه هي أنا))
هتف قُصي بحدة وعذاب متفاقم يعتريه
((لا أصدق ما تفعلينه لمجرد معرفتك بأني لست غنيًا!))
ابتسمت مجددا وهي تخبره بتسلية
((بل صدق يا حبيبي واتبع مصلحتك في الانفصال عني بهدوء ولا تدفعني أن أؤذيك كما أذيتني بسرقة ثلاث سنين من عمري بإشباعي في خداعك))
ثم شهقت بافتعال كمن تذكرت شيئا وتشدقت
((قالت شيرين لي أن الموقع الإلكتروني الخاص بالقسم وشركة القاني رفع قضية تعويض عليك فضلا عن موظفين أخرين رفعوا عليك قضية بسبب وظائفهم التي خسروها بسببك.. ألا يجب أن تكون الآن بالسجن؟))
ابتسم لها بتشنج وقال
((لا تقلقي يا باربي الحبيبة الخرقاء فأنا لن أسجن))
رفعت حاجبيها بشك وقالت
((لماذا تبدو واثقا إلى هذا الحد! الشركات التي رفعت قضايا عليك هي شركات كبرى وسترحلك خلف الشمس وتدمر مستقبلك))
كتف ذراعيه وشمخ ذقنه بغرور وكبرياء قائلًا
((لقد تمت تسوية كل هذه القضايا ولن يحدث لي شيء اطمئني))
تجهمت ملامحها وتساءلت
((هل تخدعني؟ لا أصدقك))
هز كتفيه ثم قال بلامبالاة ظاهرية وهو يعرف أن شيرين في الوقت الحالي غير مسموح لها باستقبال أي زيارات
((لا يهمني.. اسألي صديقتك تلك المشرفة المتسلطة لتعرفي بأنه تم تسوية كل القضايا وخرجتُ من المشكلة كما تزال الشعرة من العجين))
تمتمت سهر بوجوم
((ولماذا قد يخرجوك وهم الآن بأمس الحاجة لأحد يصبوا عليه جام غضبهم وحنقهم من الخسارة التي لحقت لفرع شركة القاني الثاني؟))
لم تجد منه إجابة فأردفت ساخرة
((على كل حال شيرين ستحزن جدًّا فقد كانت تدعوا أمامي ليل نهار أن تنال جزائك ويزجوا بك خلف قضبان السجن))
عند هذه الجملة ضيق قصي عينيه بحقد برق رغما عنه وتمتم من بين أسنانه المطبقة
((لو كانت تعرف صديقتك المسكينة بأن دعواتها ستُرد عليها وتزج هي بالسجن لفكرت جيدا قبل أن تدعو بها!))
سألت سهر بحنق
((هل تقول شيئا؟))
تنحنح قصي يجلي صوته وفتح فمه ينوي التحدث قبل أن يفتح الباب بغتة وتظهر امرأة تهتف بهم بشراسة كمن أمسكت بهم متلبسين بفعل شائن
((سهر من هذا الرجل الذي سمحت له بالدخول هنا في المطبخ وأغلقتِ الباب عليكما؟ هذا مطعم محترم ولن أسمح بأي تجاوزات))
ذعرت سهر من سوء ظن مَالكة هذا المطعم الذي تعمل فيه وسارعت توضح موقفها هاتفة بقلق
((أقسم لك يا سيدة فريال أنه خطيبي وليس رجلا غريبا بل وعقدنا قراننا قبل ثلاث سنوات))
حامت فريال بعينيها على قصي تقيم مظهره الرجولي وهدرت وهي تلوك العلكة في فمها
((حسنا الأمر ألطف مما تخيلت، لكن حتى لو كان خطيبك فمن غير المسموح له أن يتواجد هنا.. سأخصم من راتبك بسبب هذا))
أمعن قصي النظر لتلك السيدة الخمسينية المتصابية بملابسها ومساحيق التجميل التي تلطخ وجهها والشامة التي ترسمها على يسار ذقنها المبالغ بحجمها..
شهقت فريال قبل أن تقول
((لحظة! قلت قبل فترة أمامك يا سهر أني أبحث عن موظف ذكر كنادل هنا، فهل جاء هنا للتقدم للوظيفة؟))
تراخت ذراعي قصي وقال متداركا
((تقدم للوظيفة؟ نعم، نعم أنا بحاجة ماسة لوظيفة فأنا أساسا عاطل عن العمل.. اسمي هو قصي سامح))
رمته فريال بنظرة طويلة قبل أن تستدير متجهة نحو مكتبها الصغير
((الحقني يا سيد قصي سامح))
تبعها قصي ثم جلس على كرسي مقابل طاولتها الدائرية الصغيرة وقال يظهر حاجته الملحة
((أريد أن أعمل في هذا المطعم بأي راتب كان، المهم ألا أبقى عاطلا فلا مأوى لديّ))
عقدت سهر حاجبيها عابسة وهي تراه يستجدي عطف فريال وشفقتها عليّه بينما يتابع
((صدقيني لن أخذلك أبدًا فأنا موظف مجتهد وملتزم جدًّا ومنذ صغري معتاد على المشقة))
رفعت فريال حاجبيها ثم قالت بامتعاض
((معتاد على المشقة؟ ومن صغرك؟ عجيب))
رد قصي عليها باستغراب
((لم عجيب يا سيدة فريال؟))
لاكت فريال علكتها بشكل أسرع وهي تقول
((أعني إذا كنت قد بدأت العمل الشاق في سن مبكرة فأين أنتَ من خشونة الرجال وصلابتهم وصمودهم! أنظر إلى يداك الناعمتان خاليتان من أي خدش أو ندوب.. وكأنهما لم تذوقا يوما ويلات التعب! شعرك مصفف بعناية فائقة.. والحلة التي ترتديها ممممم.. تبدو من أغلى الماركات كنجوم السينما))
أرجع قصي رأسه للخلف وقال بحيرة
((هل هذا ذم أم مدح؟ أعني حتى أعرف أرد عليك))
أجابت ببساطة ((الاثنين))
تصاعدت حيرته وهو يتساءل
((هل هذا يعني أنك رفضتِ تعييني؟ ولكن ما ذنبي لأُرفض لهذه الوظيفة فقط بسبب أني وسيم وأنيق!))
تنهدت فريال ووضعت ساقا فوق الأخرى ثم قالت بمهنية
((لن أرفض مباشرة سأجربك لأسبوعين.. ستعمل هنا كنادل وتشارك في التنظيف، ما رأيك؟ هل ستنجح في عملك؟ فزبائن مطعمنا الشعبي هذا صعبي المراس وليس من السهل إرضاؤهم))
ضرب قصي صدره وقال مرفوع الذقن بثقة
((عملي السابق كان موظف خدمة عملاء، وسبق وأن واجهت الكثير من المواقف التي أتعامل فيها مع عميل غاضب صعب الإرضاء أو شخص غير سوي يحدثني بتطاول.. لذا لا يعتريك القلق فأنا شخص يستطيع أن يحافظ على هدوءه وصبره والوصول لمستوى راقي ومتحضر لإرضاء العملاء))
دققت فريال بملابس قصي.. وفخامة تفاصيله الغالية من ساعته.. حذائه.. ثم قالت بهدوء
((إذن راتبك سيكون أسبوعي بأجرة خمسين دينار.. أما عملك سيكون يومي لعشر ساعات باستثناء الجمعة))
جحظت عينا قصي مما يسمعه وقال
((هل هذا عمل أم استعباد؟))
رددت فريال باستياء
((عفوا يا سيد قصي سامح؟))
أحبط قصي فهو بعد كل شيء قد تعب في الأيام السابقة من البحث عن وظيفة بشهادته في هندسة الإنشاءات بعد أن رفضه الجميع لأنه بلا خبرة في مجاله الذي درسه آخر مرة قبل عشر سنوات في آخر امتحان جامعي له.. وكان سلواه أن يكون راتبه هنا جيدا حتى يعيله ويقربه من سهر..
هتف بخفوت أمام فريال
((أقصد شكرا لك على كرم أخلاقك، سأبذل قُصارى جهدي أن أكون عند حسن ظنك طوال فترة عملي هنا))
تطلعت فريال لسهر المشتعلة حنقا من قبول عمل قُصي هنا وهتفت
((سأولي لك مهمة تعليم خطيبك كل شيء يخص العمل هنا من تنظيف وتقديم وجبات))
في هذه الأثناء اقترب فتى نحيف منهم يمسك خرقة كان ينظف الطاولات بها وتساءل بينما يمسك ذراع سهر
((هل هذا الرجل سيكون الموظف الجديد هنا؟))
أجابته سهر بعفوية
((نعم يا نور))
احتلَّ الغضب وجه قصي من لمسة المراهق الصبي لسهر وتساءل بنظرات مخيفة يوجهها نحوه
((من هذا المراهق النحيل؟ هل يعمل هنا معك يا سهر؟))
همست سهر ((لا دخل لك))
لكن كل تركيز قصي كان منصبا نحو المراهق وهو يسأله بحدة
((كم عمرك يا هذا؟))
أجاب الصبي بخوف وهو يبعد يده عن سهر تلقائيا
((أر.. أربعة عشر سنة))
تطايرت شرارات التهديد من عيني قُصي هاتفًا
((أربعة عشر سنة؟ حسنا أيها النحيل لو مددت يدك ولمست خطيبتي سأكسرها لك))
لكزته سهر على كتفه وقالت
((الرجولة ليست مظهرا بل صفات يتحلى بها المرء فلا تستهزئ بنحالته))
تطلع لها يقول بحنق بالغ
((أنا لا استهزئ لكن شكله غير مريح أبدًا! سأراقب هذا الولد جيدا وإذا ما شعرت به يناظرك أو يقترب منك أيتها الباربي الخرقاء فلن أمسك نفسي عنه))
تكورت يد سهر وقالت له
((إيَّاك أن تظن أن مجاراتي لك في الحديث تعني أنى لن أرفع عليك قضية لنفسخ كل شيء بيننا، توقف عن التحدث كأني أمر يخصك))
غادرت سهر المكان وفتحت هاتفها لتتواصل مع أحد أخوال شيرين الذين لا يكفون عن الاتصال بها لتنقل لهم آخر أخبار ابنة أختهم..
=============================
كان مُعاذ يجيء ويذهب بعنف مكبوت بداخله، شعر صديقه بغضبه المكتوم فرمقه بجدية وهم بالحديث قبل أن يصدح صوت مُعاذ الغاضب وهو يمسك كرسي ويضعه قبالة صديقه
((مُمارسات الرتب الصغرى من الضباط مثيرة للاستفزاز))
سأله صديقه بفطنة
((من تقصد؟ الملازم الأول حمد؟))
فتح مُعاذ أول زرين من سترته فلمع سلساله الفضي الخاصة ببطاقة تعريفه الإلكترونية حول حدود رقبته بينما يجيب
((نعم فحمد لا زال ضابطا برتبة ملازم أول ويتصرف بهذا الشكل فكيف سيكون حاله عندما يصل إلى رتبة العميد أو اللواء؟))
تنهد صديقه قبل أن يقول بجدية
((معك حق فمنذ الوقت الذي أنضم حمد إلى مباحث السجون وأنا لا أذهب ناحية الإدارة إلا ورأيته حاملا للكرباج يضرب به المساجين الجنائيين))
غمغم مُعاذ بخشونة وغضب
((ليس به عقل هذا المجنون يظن أنه ملك الكون كله فقط بسبب معارفه في هذا المجال))
وافقه صديقه هادرا
((نعم فقد ورث هذه الأخلاق والتجبر القميء من عمه الذي كان نقيبا أيضًا ويفعل مثل ما يفعله، ولكنه صار الآن أسوأ منه.. ولولا أني أمنعه عن المساجين هنا وإلا لكانوا رأوا منه أسوء أيامهم))
ثم مال برأسه وضيق عينيه متابعا بتحذير واهتمام
((المهم يا مُعاذ احذر منه فهو ليس سهلا أبدًا لو وضعك في باله، فمن الحكمة الحذر في التعامل مع شخص ينحدر من عائلة أصحاب مراكز مخيفة مثل عائلته))
لم يعرف مُعاذ ماذا يرد عليه ولكن ارتأى نسيان الأمر فالآن حان وقت عطلته المعتادة التي يستغلها في العودة للقرية وزيارة عائلته..
=============================
عصرا.. بعد خفوت أشعة الشمس الحارقة..
ذهب الحاج يعقوب مع أولاده الأربعة لزيارة قبر يحيى..
دلفوا من مدخل المقبرة الأيمن.. وهناك تلوا جميعا الفاتحة عليه ودعوا له..
التفت مُعاذ لمُصعب الذي يعرف أن هذا القبر كان في وقت من الأوقات مكانه الدائم والوحيد الذي يشعر به بالراحة.. يراه يقتلع الأعشاب التي نبتت على القبر ويرشه بالماء ثم ينظف الشاهد الحجري الصغير المعرف عن صاحب القبر من الغبار والتراب الذي علق به خلال فترة غيابه عن القبر..
استحضر مُصعب وجه ابن عمه يحيى الذي رحل عنهم وهو يتمتم
((لقد كنت يا يحيى الأخ المفضل والأقرب لي، ولا يقتلني شيء كرحيلك المفاجئ دون مقدمات، الملتقى بيننا الجنة بإذن الله))
ثم التفت لأخيه الذي شعر بنظراته وقال بشجن الماضي
((فقده عظيم عليّ، لم يؤلمني يومًا إلا في موته))
ابتسم مُعاذ له قائلا
((إذا دعوت فاذكر الله يجمعنا به بالفردوس الأعلى وتصدق عنه كثيرا))
ثم مدَّ يده يحيط كتف أخيه يسانده ويؤازره ليقول مُصعب وهو يناظر شاهد القبر
((لنقرأ يا مُعاذ الفاتحة مرة أخرى على روح صاحب القلب النقي والابتسامة المريحة.. إليه أخي يحيى رحمة الله عليه وأسكنه فسيح جناته))
دعا الاثنان مع باقي إخوتهما أن يرحم من صار في جوف أرضه ولم يعد بينهما سوى الدعاء.. ثم عاد مصعب يلتفت للقبر كأنه يحدث الراحل أو يبوح له ببعض الأسرار.. فراق يحيى له لا زال يتعب قلبه.. ورحيله كان أصعب ما قد مرّ به.. لكن على كل حال الحياة تستمر والصبر لا بد وأن ينتهي.. وللعمر وقوف..
والآن أخيرا يستطيع أن يقول بأنه تحرر من ذاك الذنب الذي كان لا ينفك من وقت لآخر بتكشير أنيابه أمامه..
استقام من مكانه ورأى كوكبة مشكّلة من الأولاد ذوي الوجوه التي لوحتها الشمس يطوفون بين القبور لأخذ حصتهم من الزيارة فأعطاهم النقود.. ثم سار للخارج بجانب مُعاذ الذي غمغم بخفوت
((تمنيت لو أخذت معي دارين لتزور قبر أمها أيضًا))
قال مُصعب بهدوء
((ولكنك تذهب معها لتزورها أكثر من مرة في الشهر!))
تنهد مُعاذ قبل أن يعقب
((حتى لو زارته كل يوم لن يكون كافيا بالنسبة لطفلة عاطفية مثلها، فموت سناء بالنسبة لدارين كان فقد للعطف والحنان، وانحسار للرعاية والعناية التي كانت تلاحقها، وافتقار لليد الحانية التي كانت تلامس شغاف قلبها))
ابتسم مُصعب وعلق
((سناء كانت غالية عليك، يكفي أنك لم تتزوج بعد وفاتها لأكثر من تسع سنوات))
((نعم معك حق فإليها كنت أفضي إذا اشتد عليّ الحوالك وبها كنت أستعين وأعول إذا انتابني أي ألم به كرب أو حزن.. كانت الأقرب إلى روحي ونفسي بعد أن اقترنت بها بذلك الميثاق الزوجي))
عند كلام مُعاذ عن زوجته الراحلة ذكَّر مُصعب نفسه بالإضافة التي عوضته عن صديق عمره في حياته.. ألا وهي زوجته..
ففي أيام وفاة يحيى الأولى كان يتكسر يوميا بسبب الحزن الذي لفَّه ويشعر أحيانًا أن حياته صارت بلا معنى.. كأن عالمه من دون ابن عمه المقرب ليس لها لون أو طعم للمتعة.. فيعيش أيامه بتفكير متكرر ثابت.. الأيام نفسها ولكنها تتدحرج ببطء.. وتأنيب الضمير يغرس أنيابه المُكشرة داخل جوفه المفرغ من الأساس.. لكن كل هذا انتهى تدريجيا مع اللحظة التي دخلت فيها نورين حياته..
بمجرد أن غادروا المكان قال يعقوب
((المقبرة أصبحت عملاقة وتأكل يوميا المزيد من قطع الأراضي المجاورة.. أذكر عندما دفنت والدتي رحمها الله قبل أعوام طويلة كان قبرها بجوار السور لكن الآن بينها وبين السور شوارع وأحياء من الموتى))
قال مَالك معقبا بعد دقائق صمت
((مُؤيد هو الوحيد الذي صدع رؤوسنا بالثأر بالدم وانظروا له كيف تخاذل عن القدوم لزيارة يحيى معنا))
حدج يعقوب بنظراته الغاضبة مَالك الذي ما يفتأ في كل فرصة أن يذم مُؤيد ثم قال
((إنه مريض بالمشفى وله عذره، لكن عتبي على ابن أخي وليد))
طبطب مَازن على كتف والده هادرًا بسخرية
((أبي وليد مرفوع عنه القلم))
=============================
تهالكت رتيل على فراشها فاتحة عينيها وبدت في أضعف حالاتها.. منذ أيام تعيش كالأموات بعد أن خسرت كل شيء في حياتها.. حياتها السابقة.. زوجها.. ولديها..
هل كانت زيارات غنوة للترفيه عن نفسها تستحق أن تخسر كل شيء من أجلها؟
وهل يحق لها لوم زوجها إن صدقَّ كذبة امتلاكها لعشيق تبيت في بيته بالأيام! الحقيقة هي أنه لن يلوم أحد مُؤيد على تفكيره ذاك حتى لو قتلها بحكم أنه أمسك بها متلبسة بجريمة الخيانة! بل هو مشكور أنه لم يخبر السبب الحقيقي لعائلتها..
كون مُؤيد دائما قاسي ومنشغل عنها ومقصر في حقها لا يخولها أن تفعل ما فعلته.. ليت الزمان يعود فقط!
فجأة دبت الحياة فيها وانتفضت مكانها ما إن صدح صوت هاتفها عاليا وقد شكت أنها ياسمين أو سمية التي طلبت منهما بوقت سابق أن تتحدث مع أحد ولديها..
وقع بصرها على الشاشة لتجد أن مؤيد هو المتصل فاختلجت شفتيها..
فجأة جحظت عينيها وهي تتذكر الرسائل التي أرسلتها للحاج يعقوب! هل يعقل أنّ مُؤيد تراجع وقرر فضحها بعد أن فضحته عند والده!
ودون لحظة تردد أخرى أجابت بلهفة جزعة
((مُؤيد هذا أنتَ؟ هل وصلت الرسائل لك؟))
تكلم مُؤيد بنبرة غير مفهومة لكنها مريبة بهدوئها
((أيّ رسائل تقصدين؟))
خفت لهاثها وشكت أن ذلك الصبي ابن قريتها خدعها ولم يفعل ما طلبته منه بعد أن أخذ النقود منها.. هزَّت رأسها يمينا ويسارا تستعيد تركيزها ثم قالت بصوتها المنهك
((انسَ َكليًا أمرها، أريدك أن تعلم فقط بأني لم أخنك، أقسم لك برب العباد أني لم يسبق وأن خنتك))
أصدر صوتًا هازئا مريرا قبل أن يقول
((وهل تظنين أني كنت لأبقيك على قيد الحياة لو شككت ولو مجرد شك بسيط أنك خنتني؟ لقد استجوب أخي غنوة ودُموع وعرف منهما كل شيء وخاصة موضوع سرقة دراجة أخي، تلك التي دفعتِ ثمنها لمُصعب))
بدأت مجددا دموع الندم تأكل أحشاء قلبها وهي تجيبه متلمسة أن يصدقها
((لم أطلب منها سرقة دراجة مُصعب، ودفعت ثمنها لأخفف قليلا من الذنب الذي أشعر به تجاه سرقتها لأني من أخبرتها عن مكانها، لكن لاحقا قلت في نفسي بما أنها سرقت وانتهى الأمر فعليّ الاستمتاع بالدراجة أثناء وجودي عندها))
أسبل مُؤيد جفنيه مبتسمًا بلا حياة ليقول بصوت سقيم
((على كلٍ علاقتنا انتهت كليًا بعد أن اكتشفت ما كنت تفعلينه خلف ظهري، فلست امرأة تصلحي أن تكوني زوجة أو أم أستأمنها على بيتي وعائلتي، وغنوة تم القبض عليها بالفعل بتهمة سرقة دراجة أخي وتقضي محكوميتها، لكن اتصلت بك لأفهم ماذا رأيتِ في تلك المدعوة غنوة لتفضلي أن تخاطري بزواجك بل بحياتك كلها والذهاب للمبيت عندها كلما حانت لك الفرصة؟))
ازدردت رتيل غصة مسننة قبل أن تجيبه بوهن
((لن تفهم سبب رغبتي في الذهاب عندها.. لكن رفقتي مع غنوة كانت تزود من شعوري بالانتماء لنفسي، تعزز سعادتي، تقلل الضغط القابع عليّ، فمعها فقط كنت أكسر الحياة النمطية والمتزمتة الخانقة التي أحياها بسببك.. هي من ساعدتني في بناء ثقتي بنفسي وتقديري لذاتي التي كانت تتلاشى))
صمتت والعبرة تخنقها قبل أن تكمل
((أنتَ حتى لست لطيف المعشر يا مُؤيد، أما هي فمن سني وكانت تحرص على الإنصات لمشاكلي، ومعرفة ما يحدث في حياتي، وتعقب على شكلي بتعليقات متفرقة موجزة لطيفة، وتبدي تعاطفها عندما أبوح لها عن الأوقات الصعبة التي أمر بها كأم وزوجة لعائلة متزمتة وضيقة الأفق، باختصار وجدت فيها كصديقة كل ما افتقدته معك أنتَ كزوج.. طبعا قبل أن تتعرى لي حقيقتها))
شعر مُؤيد باللوم والقهر ينبعثان من صوتها وهي تصارحه بالمزيد بما كان وما زال يحز في نفسها
((في الماضي كنت متحمسة لأنتهي من جامعتي وأتزوج منك لأني استبشرت بك خيرا وافترضت أني سأجد عندك الملجأ والأمان، وستكون لي بئر حكاياتي، ومن أتشارك معه كل المحطات سعيدة كانت أم مؤلمة وتنطلق بي للحياة، لم أعلم أني سأهرب من سجن عائلتي إلى سجنك، حيث تجعلني زوجة خاضعة أنتظر عودتك من المدينة مرة كل أسبوعين بعد أن تفرغ من نزواتك علَّك تتنازل وتمنحني نظرة رضا..))
صمت مُؤيد لدقائق ليخرج صوته متسائلا ببهوت وفراغ
((كيف تعرفت على تلك المدعوة غنوة؟))
أغمضت رتيل عينيها على دموع ساخطة من نفسها على كل فعلته بينما تكمل بصوتها المرتعش
((غنوة كانت زميلة في مدرستي لكنها خرجت منها لاحقا، وبعد أن تزوجتك عدتُ والتقيت بها صدفة في قريتي وأخبرتني أنها انتقلت لتعيش وحيدة في المدينة بعد طلاقها.. أعطتني رقمها لأتواصل معها وفرحت بذلك رغم أني لم أكن مقربة منها، لكن بعد أن أجبرتني يا مُؤيد أن أقطع علاقاتي بصديقاتي جميعهن كنت بحاجة لأيّ امرأة أصادقها، فتواصلت معها لعلي أملئ فراغ الأيام التي كنت تتركني فيها لوحدي في قصر عائلتك بينما تكون في المدينة..))
سألها بجفاء وهو يضيق عينيه
((إذن كان الأمر مقتصرا في البداية على مكالمات هاتفية فقط؟))
أجابته بلهفة صوتها المرتعش دون لحظة تردد
((فقط مكالمات، لكن بعد أن أنجبت ابني الثاني بدأ وسواسها يتسرب لعقلي وبدأت تشجعني أن أرتب زيارة لمنزلها للمدينة بعد أن أتذرع لك بالذهاب عند أمي..))
حثها أن تكمل ببرود ((ثم؟))
زمّت شفتيها وهي تحاول السيطرة على ارتعاشهما ثم أكملت
((فعلت ما قالته وذهبت عندها ورغم أني لم أستطع أن أنام ليلًا من فرط قلقي وذعري، وإذا ما غفيت لدقائق قليلة كنت أحلم بك وبأخواتي الاثنين تجزون عنقي عندما تعرفون.. لكن الأوقات الممتعة التي قضيتها معها في التسوق وتجاذب الحديث والخروج إلى المتاحف والمعارض كانت أجمل لحظات عمري، فأقدمت على زيارتها ثانية بخوف وذعر أقل من المرة السابقة حتى اعتدت زيارتها من كل وقت لآخر كلما اشتقت لتذوق طعم الحرية والعيش كأي إنسانة طبيعية تخرج وتذهب لأماكن عادية، منذ فقط أن تعرفت على غنوة بدأت حياتي تشرق وتختلف))
غامت حدقتي مُؤيد..
هل يكذب على نفسه إن قال بأنه كان يتعجب من سعادتها في كل مرة يراها تعود من عند عائلتها؟ وربما هذا هو ما كان يجعله أحيانًا يتمادى بتجبر ويمنعها من زيارتهم، وقد كان لا يستوعب كيف تعود كل مرة مفعمة بالحياة والعنفوان!
مالت شفتاه في ابتسامة مريرة.. جعلته يبدو أكبر سنًا بعشراتِ السنوات وهو يتساءل ببطء
((إذن خاطرت بكل شيء من أجل زيارتها لأنها أتاحت لك العيش بمرح وتجربة كل ما هو جديد، ولكن بما أنه لم يكن يخفَ عليك سوء أخلاقها، ألم يسبق لك وأن فكرت ما قد تفعله بك أثناء نومك؟ ماذا إذا كانت تقوم بتخديرك وتدخل عليك رجالا أو تقوم بالتقاط صور لك؟))
شحب وجه رتيل ورمشت بعينيها تحاول استيعاب ما يقول.. وبالكاد خرج صوتها من شفتيها وهي تهز رأسها نافية ((لا مستحيل.. لا.. لا يمكن أن تكون..))
سمعت صوت ضربه طاولة بيده بينما يقصف صوته
((وكيف تعرفين بأنه مستحيل؟ هل سبق وتوقعت أن تكون متواطئة مع دموع؟ هل سبق وتخيلت أن تقول أمامي أن لديك عشيق؟ لقد فعلت ما لا يفكر به شيطان فلماذا قد يكون هذا الأمر مستبعدا؟))
الصمت الثقيل الذي تلا كلماته كان كغيمة جثمت على صدرها ووجهها يزداد شحوبًا.. فأكمل لها وصرامة صوته تخفي الألم المبرح المنبعث منه
((لقد زاد يقيني من استحالة رجوعي لك))
نعم مُعاذ أكد عليه بعد تحقيقه مع غنوة ودموع بأنهما لم يفعلا شيئا من هذا القبيل لكنه غير متقبل لفكرة عودة رتيل له!
رفعت يدها فوق فمها تخفي شهقة مفجوعة قبل أن تهمس له بألم وهي تتخبط بانكسار
((مُؤيد هل يمكن أن أسمع صوت أولادي؟ لقد اشتقت لهما وقلبي يتمزق على سماع صوتهما على الأقل))
أجابها بصوتٍ جامد لا حياة فيه
((انسِي أن لك زوجا أو أولاد، لقد تطلقنا وسأحرمك من الأولاد وسأجلب لهم أما أخرى.. وداعًا))
عندما أغلق مُؤيد الهاتف تهالكت رتيل على حافة فراشها مائلة للأمام.. فغطى شعرها ملامحها ثم تراخت يدها الممسكة بالهاتف حتى أوقعته أرضا.. وسرعان ما انهارت وهي تغمر وجهها بين كفيها تبكي بقوة..
لقد خسرت عائلتها وكل ما كانت تملكه من أجل سعادة مؤقتة تتمثل بيومين أو ثلاثة كانت تقضيهم عند غنوة في الماضي.. والآن ورغم أن مُؤيد عرف بمعجزة غير متوقعة حقيقة براءتها فقد خسرت كل شيء.. أضاعت كل شيء بيدها ولم تحمد الله على الحياة المقبولة التي كانت تعيشها..
تصاعد صوت نحيبها بمرارة.. وتمنت لو يعود فيها الزمن فلا تفعل ما كانت تفعله عند غنوة ولكن هيهات.. هيهات..
=============================
بتنهيدة طويلة وقفت شيرين وانتصبت قامتها وقامت بمد كلا ذراعيها أفقيًا حتى لامست نهايات أصابعها الحائط في هذه الغرفة الصغيرة ذات الإنارة الخافتة..
لا تصدق أنها ومنذ أسبوعين قابعة هنا في هذا الحبس الانفرادي مساحتها ثلاثة أمتار طولا وما يقرب المتر والنصف عرضا.. دون أن يُسمح لها بالمشاركة في النشاطات الترفيهية أو حتى التحدث مع باقي النزيلات.. وإذا ما خرجت من هذه الزنزانة لساعة أو اثنين تكون مكبلة بالأصفاد وبالأغلال حول أقدامها مع مرافقيها..
بالطبع هذا إذا ما خرجت من هنا فحتى التريض وتعريضها لأي مؤثرات خارجية غير مسموح أثناء فترة المكوث في الحبس الانفرادي ليزيد الشعور بثقل الزمن والملل الذي لا ينتهي..
فلم تجد إلا تشجيع نفسها على أن تكون قوية الإرادة وصاحبة مخيلة هادفة تستغلها بشكل صحيح حتى لا تجن هنا.. فكانت تقوم بتعزيز مخيلتها الذهنية لتتخيل نفسها تشاهد المارة وهم يهرولون، ويركبون الدراجات الهوائية، ويتزلجون على ألواح التزلج..
اللعينون منعوها حتى من الزيارات.. فلم ترَ قصي أو أخوالها الذين عرفوا ما حل بها عن طريق سهر..
هي مرة واحدة فقط تحدثت مع المحامي الخاص بها..
لا تظن بأنها ستخرج من هذا المكان القاسي المملوء بالتعسف والاستغلال والصدمات النفسية ذات شيرين الذي دخلته..
رفعت رأسها تناظر النافذة المغلقة بشبابيك حديدية مضاعفة وبدأت تشتم نفسها لتذمرها سابقا بصغر العنبر المتواجدة فيه.. فبعد هذه التجربة الزنزانة المتكدسة بعشرات الأشخاص هي أرحم من هذا الحبس الانفرادي..
على الأقل في ذاك العنبر كانت ولبعض الوقت تتحمل الوضع بفضل قدرتها على نسيان أنها سجينة.. لكن هنا وحيدة داخل غرفة مظلمة لا يوجد بها الحد الأدنى من متطلبات الحياة ومع غياب أبسط الحقوق وأبسط طرق السجناء في التحايل على الوقت، فكيف ستنسى؟
هزّت شيرين رأسها وهي تأكد على نفسها أنها وبمجرد عودتها للعنبر ستعتذر من رفيقاتها على فظاظتها وقلة احترامها لهن سابقا..
سمعت صوت من الحارسة تنبهها بقدوم أحد الضباط..
فتحت الحارسة الباب على شيرين التي غطت شعرها ليأتي ذلك الضابط.. فسألته شيرين باندفاع
((هل اليوم سيكون الأخير هنا في الحبس الانفرادي وتنتهي فترة حرماني من التريض والزيارات أم في الغد؟))
قال الضابط بهيئته المقيتة لشيرين
((ومن قال لك أن هناك نهاية لحبسك الانفرادي هذا؟ بإمكاني الآن وبكل بساطة أن أكتب عنك تقريرا وإذا ما تم الموافقة عليه سنمدد فترات الحبس الاحتياطي لك.. لذا ربما لا يكون هناك خلاص من وضعك هنا))
هتفت به شيرين بانفلات أعصاب
((لا يمكنك فعل ذلك، فأحكام قانون الإجراءات الجنائية تقيد مدة الحبس المنفرد))
قال الضابط بنبرته الشيطانية بما جمد الدم في عروقها
((ومن سيدري بذلك؟ أنتِ ستبقين هنا في هذه الغرفة المغلقة المظلمة لوقت غير محدود، ستحرمين حتى من حساب الأيام وسيمتد هذا الجحيم طويلا..))
هزت رأسها برفض وقالت مهددة بصوتٍ باكي
((سأوصل لمحامي كل هذا الكلام))
أفرج الضابط عن ابتسامة منفرة ليقول
((قولي له ما تريدينه))
خرج الضابط مبتعدا في حين همد رأس شيرين والدنيا تدور من حولها بضياع.. أغمضت عينيها.. لا أحد قد يدرك ما تمر به من آلام تدفن روحها في عذاب لا ينتهي..
أحست بضيق أنفاسها.. فاعتصرت أهدابها ومسدت على صدرها المُطبَق عليها ويخنق أنفاسها.. لتشعر فجأة بسكاكين تضرب بطنها بعُنف ونيران تأكل أوردتها..
فتحت جفنيها بتثاقل تأخذ نفسًا عميقًا سرعان ما قصرته حينما شعرت بوخز شديد أسفل ظهرها.. وتشنجات في بطنها.. اختض جسدها بعُنف وهي تهمس بإعياء
((هل يسمعني أحد! أنا لست بخير))
لكن شعرت بنفسها تفقد الوعي تزامنا مع نزيف حاد يخرج منها..
=============================
انتهى الفصل.