تحميل رواية «هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅» PDF
بقلم Manal Salem
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الفصل الأول: خرجت من مخفر الشرطة متحفزة للغاية، لم تكن لتتركها تعيش حياة هانئة وهي مازالت تحملها الذنب في وفاة ابنها الوحيد، لم تقتنع بكونه قضاءً وقدرًا من المولى عز وجل، فهي بالنسبة لها الملامة الوحيدة فيما حدث لفقيدها الغالي، نظرت لها ابنتها باستنكار، فهي مثلها تعلم حقيقة الأمر، ولكنها لم تستطع إثناء أمها عن رأيه، هي أكثر عِندًا مما ظنت، زفرت بضيق معاتبة إياها: -برضوه عملتي اللي في دماغك يا ماما؟ نظرت لها " سميرة " شزرًا، وأجابتها بامتعاض: -ايوه، ومش هيهدى قلبي ولا يرتاح إلا لما أشوفها متبهدلة...
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم Manal Salem
الفصل الثامن والعشرون (جزء أول)
تفرست فيها بنظرات لم تشعرها بالارتياح، ربما لذلك الوقار المهيب البادي عليها أو لتعبيراتها الصلبة التي توحي بالقوة، لكنها أبقت "فرح" في مكانها تطالعها بحذرٍ، تسرب إليها إحساسًا بالخوف من مجهول ما متربص بها، نظرات "مفيدة" الجامدة نحوها أكدت ذلك الشعور، رمشت "فرح" بعينيها بارتباك قلق انعكس في نظراتها إليها، أخرجها من تحديقها المطول فيها صوتها المردد بهدوءٍ يحمل النبرة الآمرة:
-سلمي عليا يا بتي!
ثم صمتت للحظة لتضيف بنبرة ذات مغزى:
-متخافيش مش هاكلك
احتقن وجهها بحمرة حرجة من تلميحها الصريح وكأنها تشير إلى كونها تأنف من الاقتراب منها، دافع "يزيد" عن فرح التي تحرجت منها بصورة بائنة قائلاً بودٍ محاولاً إذابة حاجز الجليد بينهما:
-معلش هي بتكسف شوية
دفعها من ظهرها برفق لتقترب منها، فتحت لها "مفيدة" ذراعيها متابعة بحماس مقلق:
-تعالي في حضني يا مرات الغالي
ضمتها "فرح" إلى صدرها كنوعٍ من الترحيب بها وهي تقول بنبرة مهتزة:
-ميرسي يا طنط
تعمدت "مفيدة" احتضانها بقوة لتشعرها بصحتها رغم كبر سنها، أبعدتها عنها وهي تعاتبها بجدية:
-إيه الكلام الماسخ ده، إنتي تجوليلي (قوليلي) يا أماه، يا حاجة، يا ستنا، لكن عوجة البوج (بؤ/ فم) دي ماتمشيش إهنه!
عبست "فرح" بوجهها مستنكرة ما تدعيه عليها، هي فقط غير معتادة على تلك النوعيات من الترحيب الزائد، التفتت برأسها إلى يزيد ترمقه بنظراتها الحائرة فتدخل في الحوار مبررًا طبيعة شخصيتها:
-مش واخدة لسه علينا يا مرات عمي
مصمصت شفتيها قائلة بتهكم واضح على حركة فمها وإيماءاتها:
-بكرة تتعود
تنحنح بصوتٍ خفيض محافظًا على تلك البسمة الباهتة المتشكلة على ثغره، أشار لـ "فرح" بعينيه بنظرات ضمنية آملاً أن تفهم ما يرمي إليه، لكنها لم تستطع تقبل تلك المعاملة الجافة التي تحمل نوعًا من الازدراء لها، حتى وإن لم يكن الأمر مصرح به علنًا، أضاف "يزيد" قائلاً ليغير مجرى الحوار:
-مبروك لبنت عمي، وإن شاء الله ربنا يتمم على خير
ردت عليه "مفيدة" بامتنان:
-الله يبارك فيك يا غالي
ثم سلطت أنظارها على وجه "فرح" لتضيف بنبرة موحية:
-وعجبال (عقبال) مانفرحوا بعوضكم
لوت الأخيرة ثغرها مرددة بجدية اتسمت على ملامحها:
-لسه بدري، احنا .....
قاطعتها "مفيدة" بحدة ومصدومة من ردها
-بدري كيف؟ ده اللي زيك معاهم 2، و3 وبطنها جدامها (قدامها)، ولا إنتي فيكي عيب وما نعرفش؟
فغرت "فرح" فمها بذهول كبير، لم تتوقع تلك الفظاظة في الرد والوقاحة في التعبير، وما زاد الطين بلة حينما وجهت حديثها لزوجها لتضمه إليها في موقفها قائلة:
-ما تجولها (تقولها) يا ولدي، الحريم اللي زيها معاهم أد إيه
اشتعلت نظراتها من طريقتها الساخطة نحوها وكأنها وضعتها في قائمة أعدائها دون سابق إنذار رغم عدم معرفتها به، حاول "يزيد" أن يخفف من حدة الموقف قائلاً بلطفٍ:
-مرات عمي مش وقته الكلام ده!
رفعت "مفيدة" حاجبها للأعلى متسائلة باستنكار:
-هي ناوية تعمل زي مرتك الأولى ولا إيه؟
شعرت "فرح" أنها ستنفجر غضبًا بين لحظة وأخرى، فهي تتعمد استفزازها لأقصى الحدود، وهي تستهلك قدرًا كبيرًا من طاقتها لتضبط انفعالاتها، لكن تلك المرة تجاوزت معها الخط الأحمر، فردت عليها صائحة بتشنجٍ:
-لأ، أنا مش زيها!
بدا صوتها مختنقًا أكثر منه متعصبًا، كورت قبضتها بغيظ وهي ترمقها بنظراتها المحتدة، تجاهلت "مفيدة" ردها وحتى ردة فعلها متابعة ببرود جليدي لتضاعف من حنقها:
-العمر بيجري يا ولدي، وعاوزين نفرحوا بعيل من صلبك
رد عليها "يزيد" بجدية:
-ربنا مأذنش لسه، وخلاص يا مرات عمي، نقفل على السيرة دي
مصمصت شفتيها من جديد لتقول بعدها:
-براحتك!
ثم نظرت بطرف عينها لـ "فرح" لتضيف بتأفف:
-وهي بجى (بقى) اللي جالتلك (قالتلك) متعزمش أهلك على فرحك؟ إيه بتستعر مننا؟
اعتلت الصدمة الجلية نظراتها فانفرجت شفتاها في عدم تصديق من فجاجتها، ألجمت المفاجأة لسانها، فلم تستطع لحظيًا الدفاع عن نفسها وإنكار اتهاماتها الباطلة والتي تلقيها جزافًا دون حتى أن تكلف نفسها عناء تحري ما تدعيه عليها أو حتى انتقاء ما تلفظه بلسانها بشكل أفضل ليبدو مقبولاً، رد "يزيد" موضحًا قبل أن يسوء الوضع ويفقد كليًا السيطرة عليه:
-لأ يا مرات عمي، كل حاجة جت على السريع، ده غير إن "أم فرح" ماتت قبلها، ومعملناش حاجة
قوست فمها لتتحدث من زاوية فمها بعدم اقتناع:
-الله يرحم الجميع
أضافت ببرود متعمدة إشعال النيران بداخل "فرح":
-لو كنت شورتني كنت جوزتك واحدة من إهنه، حاجة تليق بيك
شخصت أبصار "فرح" على الأخير مصعوقة مما تسمعه، بدت كما لو كانت في كابوس مهلك للأعصاب يختبر مدى صلابة قوتها، أتى رد "يزيد" كالبلسم محاولاً إخماد ما قد يشتعل فجأة:
-أنا بأحب "فرح"، وهي أغلى حاجة في حياتي
مطت فمها مرددة بازدراء:
-بتحبها؟
-ايوه، ومقدرش أستغنى عنها، ربنا يباركلي فيها، ادعيلنا يا مرات عمي
تنهدت "مفيدة" قائلة بفتور عابس:
-ربنا معاك يا ولدي
تابع مضيفًا بهدوء وهو يوزع أنظاره بين وجهي كلتاهما:
-اسبقيني يا مرات عمي، هافرج "فرح" على الأرض و...
قاطعته الأخيرة بجفاءٍ وهي تنظر لزوجته بطرف عينها لتشعرها أكثر بالدونية والاحتقار:
-وماله، دي حاجتك يا ولدي!
وضع "يزيد" قبضته على ذراع "فرح" ضاغطًا عليه برفق كي لا تنفعل وتتحامل على نفسها ريثما تنصرف زوجة عمه، وما إن ابتعدت حتى انفجرت فيه بغضبٍ مبررٍ:
-هو لسه في ناس بتفكر بالشكل ده؟
مسد بيديه على جانبي ذراعيها ليربت عليهما برفق كوسيلة للتهوين عليها وامتصاص غضبها، استأنف حديثه قائلاً بحذرٍ:
-معلش يا حبيبتي، هي ست كبيرة وبتفكر زي زمان و...
قاطعته هادرة بتشنج وقد تصلب وجهها من شدة العصبية:
-دي كان ناقص تعملي كشف هيئة تشوف إن كنت هانفع ولا لأ
ضغط بأصابعه على عضلات ذراعيها هامسًا بجدية:
-اهدي بس، وكله هايعدي
نفضت قبضتيه هاتفة بحدة وقد بدا عليها الغضب واضحًا:
-قول إنك جايبني هنا عشان أتهزأ؟
دافع عنها وهو يضغط على شفتيه ليتحكم في ضيقه:
-والله ما تقصد
ما أوصلها لذروة عصبيتها وضعها في موقف المقارنة مع طليقته السابقة، تابعت صراخها مستنكرة ذلك بشدة:
-وبعدين أنا مالي ومال اللي كنت متجوزها، بتقارني ليه بيها
مسح يده على كتفها برفق معللاً:
-عندك حق في كل كلمة هاتقوليها، بس هي مرات عمي، ولازم احترمها حتى لو ....
قاطعته باستياء محبط وكأن همومها قد تضاعفت جبالاً:
-بجد أنا مش عارفة هاتعامل ازاي معاها
رد بجدية:
-هما يومين، قضيها بالطول ولا بالعرض وخلاص
أغمضت "فرح" عينيها متجنبة التحديق في أي شيء، أرادت أن تحط الدماء الثائرة في عروقها لتهدأ قليلاً، تنفست بعمق لعدة مرات فتوسم "يزيد" خيرًا، ابتسم مداعبًا وجنتها بإصبعيه:
-عشان خاطري أنا، كله هايعدي، خلاص
فتحت جفنيها لتحدق فيه بوجهها المتجهم، طالعها بنظراته الرومانسية التي أرخت تعبيراتها المشدودة، بدأ في مغازلتها بكلمات معسولة أشعرتها بأنوثتها وجعلت البسمة تعرف الطريق إلى ثغرها من جديد، تنفس الصعداء لنجاحه في تخطي الأمر بسلاسة، لكن ما لم يدعه في الحسبان هو أعين زوجة عمه التي تراقبها كالصقر من النافذة المطلة عليهما، امتعض وجه الأخيرة على الأخير، واغتاظت من رؤيته في تلك الحالة الحالمة مع زوجة لا تليق به من وجهة نظرها، خاصة أن تجربة زواجه السابقة لم تأتِ بخير، وانعكس تأثيرها عليه لفترة طويلة، للحظة ظنت أن "فرح" تحيك حبائلها الأنثوية وتكيد له كالشيطان لتضمن خنوعه وركوعه عند قدميها، فيصير كالخاتم في إصبعها، احتقنت نفسها منها، وشحذت قواها الغاضبة الكارهة لها ضدها، لذلك حسمت أمرها بإذاقتها ما لا تطيق لتفسد ما بينهما، حدثت نفسها قائلة بغلٍ:
-بناجص (بناقص) منها الجوازة المجندلة دي، أنا هاشوفله الأحسن منيها
سارت بخطوات واثقة تدب الأرض حتى وقفت عند باب المنزل الكبير لتصيح بصوت جهوري يلفت الانتباه:
-إيه يا ولدي، هاتفضل مجضيها (مقضيها) إكده لازم في المحروسة؟
حملت نبرتها الإهانة رغم عدم استخدامها لما يشير إلى ذلك، لكن يكفي التطلع إلى وجهها لترى البغض مرئيًا على تعبيراتها، التفتت "فرح" بأعينها نحو "يزيد" متوقعة منه ردًا رادعًا يمنعها من التمادي أكثر معها، لكنها تفاجأت به يقول بابتسامة سخيفة وهو يلوح بيده:
-احنا جايين
استشاطت نظراتها على الأخير من رده الفاتر، لكزته في ذراعه حينما مده ناحيتها صائحة بحنق:
-حاسب يا "يزيد"، ولا كلمة زيادة
نفخ بضيق مبديًا هو الأخر اعتراضه على تصرفات "مفيدة" المستفزة، تمتم مع نفسه بسخط مزعوج:
-شكلها هتولع نار، استر يا رب ............................... !
.......................................................
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم Manal Salem
الفصل الثامن والعشرون (الجزء الثاني)
بدت الحيرة واضحة عليه بسبب أفعال زوجة عمه الغير متوقعة، كان متوسمًا فيها استقبالاً ودودًا يشعر زوجته بالانتماء والمحبة، لكنها خالفت توقعاته وأشعرتها بالدونية والازدراء، هو يحاول جاهدًا أن يرمم الصدع في علاقتهما المتأرجحة، وفي نفس الوقت يجاهد كي لا يفسد العلاقات الأسرية الطبيعية، بات "يزيد" بين مطرقة "مفيدة، وسندان "فرح"، وعليه أن يتخذ القرار ليخمد الفتنة بينهما قبل اشتعالها، حدث نفسه قائلاً:
-الحكاية مش ناقصة تتعقد
ركز عينيه على زوجته متابعًا بقلقٍ مزعوج:
-ده احنا ممكن نطلق فيها
شعر بمرارة في حلقه لمجرد التفكير في ذلك الاحتمال المخيف، ابتلع ريقه بتوجس ونفض عن عقله تلك الأفكار السوداوية، تحركت "فرح" بخطوات أقرب للعصبية حتى بلغت الدرج الأمامي لبوابة المنزل الكبير، اهتاجت الدماء في عروقها بسبب كلمات "مفيدة" المحفزة للغضب والانفعال، عكس وجهها قدرًا قليلاً مما يغلي بداخلها، ربما ضبط الأعصاب في ذلك الموقف يعد مكسبًا كبيرًا، لكن مع مثيلاتها الردع الصارم هو الخيار الأمثل لوضع الأمور في نصابها الصحيح، وقفت أمام "مفيدة" تحدجها بنظراتٍ مغلولة على الأخير، تنفست بعمق لتتمكن من السيطرة على نبرتها وهي تقول:
-هو مش متجوز واحدة أي كلام، ولا أنا هاقبل بأي إهانة تحصلي هنا، المكان اللي مش مرحب بوجودي، مافيش داعي أكون فيه، أنا هاخد شنطي وأحجز في أي فندق
التوى ثغر الأخيرة بابتسامة مغترة قائلة ببرود:
-وحد جالك (قالك) حاجة ولا إنتي اللي مش عاجبك الحال هنا
-أنا برضوه؟
-ايوه، ده
قاطعها "يزيد" بصوته الأجش وبقوة بعد أن وقف خلف زوجته:
-مراتي معاها حق يا مرات عمي
التفتت "فرح" للخلف غير مصدقة ما قاله توًا، للحظة شعرت بالانتشاء لكونه قد دعم موقفها ووقف إلى جوارها معيدًا لها كرامتها التي أهدرت على يد سليطة اللسان تلك، تفاجأت "مفيدة" بدفاعه عن زوجته محطمًا أول مخططاتها لإفساد علاقتهما الودية، أضاف "يزيد" بتفاخر ليشعر زوجته باهتمامه بها ومعززًا من موقفها:
-أنا بأحبها ولو في حاجة هتضايقها يبقى مافيش داعي منها، احنا جايين هنا عشان نقوم بالواجب
حل الوجوم الشديد على وجه "مفيدة"، هتفت بتلهف مبررة عباراتها:
-لا يا ولدي، أني بس بـ ....
قاطعها من جديد مشيرًا بيده:
-دي ضيفة عندك، وإكرام الضيف واجب
ثم لف ذراعه حول كتفي "فرح" ليحاوطها، ركز أنظاره الوالهة عليها وهو يتابع بابتسامة ساحرة:
-كفاية إنها مستحملة كل حاجة مني!
بددت كلماته التي أثلجت صدرها وأطفأت نيرانها المشتعلة كل غضب مشحون بها، طالعته بنظراتها الممتنة والتي لمعت ببريق محبب له، تقوس ثغرها بابتسامة صغيرة أشعرتها بقوة بحبه الصادق لها، أدار "يزيد" رأسه في اتجاه "مفيدة" متسائلاً:
-ها يا مرات عمي، نقعد ولا .... ؟
شحب وجهها الواجم متوقعة رحيله إن أصرت على اتباع طريقتها الفظة في التعامل مع "فرح"، ردت بتلهف وهي تبتلع ريقها:
-ده بيتك يا ولدي، اتفضلوا
أفسحت له المجال ليمر للداخل، هز رأسه بامتنان وهو يسير بجوار زوجته دون أن يرخي ذراعه عن كتفيها لتشعر الأخيرة بالأمان والاحتواء في أحضانه، تجمدت أنظار "مفيدة" عليهما مرددة في نفسها:
-شكلك واعرة جوي (أوي)، بس أني الحاجة "مفيدة"
...........................................................
تأملت "فرح" بنظرات شمولية خاطفة المنزل بالداخل وهي تصعد على الدرج، لم تنكر أنه لفت انتباهها بتفاصيله العريقة التي تحمل علامات الزمن بين جدرانه، ارتسمت علامات الإعجاب على ثغرها فهمست بصوت رقيق:
-بيتكم حلو
شدد من ضمه لها مرددًا بصوته الخفيض رامقًا إياها بنظراته العاشقة:
-عينيكي اللي حلوة عشان شيفاه
تورد وجهها بتلك الحمرة المغرية متأثرة بغزله لها، تابعت بامتنان:
-حبيبي، ربنا يخليك ليا
أشار لها بيده المحررة لتسير في الرواق حيث تتواجد غرفته في نهايته، أمسك بالمقبض ثم أداره لتلج هي أولاً للداخل، أوصد الباب خلفه متأملاً إياها وهي تنظر بتفحص لمحتويات الغرفة القديمة، لم يتغير أي شيء بها، فزوجة عمه اعتنت جيدًا بما يخصه، فقط الشراشف والأغطية كانت جديدة، شعرت "فرح" بيده توضع على عنقها تدلكه، اقشعر بدنها من لمساته الرقيقة عليه، أغمضت عينيها مستسلمة لذلك الشعور المريح الذي منحه لها نازعًا كل تلك التوترات منها، وما إن انتهى حتى حاوطها بذراعيه ليلتصق ظهرها بصدره، احتواها كليًا فلحظة فشعرت أنهما اندمجا من جديد كروح واحدة، أسند "يزيد" رأسه على كتفها ليهمس لها في أذنها عن قرب مستشعرة سخونة أنفاسه على بشرتها:
-إنتي مراتي، أغلى حاجة عندي، بأحبك، وكرامتك من كرامتي، فاطمني أنا مش هاسمح لحد يجي عليكي
استمتعت بتأثير كلماته المطمئنة على روحها التي تألمت لبعض الوقت، خاصة أنها كانت مصحوبة بملاطفات عابثة منه عليها، أدارها ببطء دون أن يفلتها لتلتقي الأعين العاشقة ببعضها البعض، عاتبته هامسة برقة وهي تطوق عنقها بذراعيه:
-بس إنت سكت في الأول لما ....
قاطعها واضعًا إصبعه على شفتيها:
-شششش، انسي اللي فات!
شهقت مصدومة بخفوت حينما انحنى قليلاً ليحملها بين ذراعيه، تعلقت أكثر به وهي تضحك بإغراء يلهب الحواس ويؤجج المشاعر المتقدة لحبٍ أكثر عمقًا، دنا من الفراش قائلاً بتسلية:
-لازم نحط بصمتنا هنا و.....
ابتلع باقي جملته في جوفه حينما سمع الدقات القوية على باب الغرفة لتحل الصدمة على كلاهما، أعقبها صوت "مفيدة" الهاتف:
-جول (قول) لمرتك يا ولدي تنزل مع الحريم، هما عاوزينها معاهم
امتعض وجه "فرح" على الأخير وانزوى ما بين حاجبيها بشدة، ركلت بساقيها هامسة بغيظٍ واضح وهي تكز على أسنانها:
-نزلني يا "يزيد"، دي مستقصداني والله
همس لها بهدوء ليسيطر على انفعالاتها قبل أن تفجر، وتلك المرة حتمًا لن تكون النتائج مبشرة بأي خير:
-استني، أنا هاتصرف
رفض تركها وظل حاملاً إياها وهو يقول بنبرة عالية تمكن من بالخارج من سماعه:
-معلش يا مرات عمي، "فرح" تعبانة ومش هاتقدر تنزل دلوقتي، المشوار تعبها خالص
ردت عليه "مفيدة" باستنكار:
-هي أول مرة تسافر؟ ما الحريم مع اجوازتهم من بعد الفجر في الغيطان، وبعدها بيطلعوا يساعدوا في الدار
صاح معللاً سبب امتناعها:
-دول الستات هنا، "فرح" مش زيهم، ليها وضعها يا مرات عمي
أتاهما صوتها من الخارج قائلاً:
-ماشي يا ولدي، اللي تشوفه
صمت كلاهما حتى خبا وقع أقدامها، التوى ثغر "يزيد" بابتسامة عابثة وهو يقول متباهيًا:
-ها إيه رأيك فيا؟
رفعت حاجبها مرددة بإعجاب مبتسمة له:
-برافو عليك
عبس بوجهه متسائلاً بنبرة ذات مغزى:
-كده على الناشف؟
فهمت المقصد من حديثه اللاهي، أحنت رأسها عليه لتتمكن من تقبيل صدغه بقبلة مطولة مليئة بالكثير فأطلقت العنان لمشاعره الرجولية التي تأججت مع أحاسيسها الواضحة، تراجعت عنه مطوقة عنقه من جديد بذراعيها لتزيد من دلالها عليه، أشار لها بعينيه متسائلاً:
-بس كده يا فراشتي؟
همست له بمكرٍ مدروس:
-اومال عاوز إيه تاني؟
اقترب من الفراش ليمددها عليه، جثا فوقها مستندًا بكفيه على طرفي الفراش، ضحكت بخفوت وهي ترمقه بنظراتها العابسة، انحنى عليها متابعًا:
-هاقولك يا حب عمري!
دفعته من صدره بكفيها لتبدي احتجاج زائف على اقترابه الخطير وهي تتحداه بدلالٍ محفزٍ:
-مش عاوزة
رد متحديًا بخشونة طفيفة:
-أنا يتقالي لأ؟
أومأت برأسها وهي تكركر ضاحكة ليضيف بجديةٍ:
-هانشوف!
وهنا بدأ "يزيد" في عزف مقطوعة الحب بطريقته الاحترافية على أوتار قلبها، فتحولت الضحكات إلى تأوهات استمتاع دمجت روحيهما معًا، وأشبعت وجدانهما بعواطفٍ فياضة.
...............................................
تملك منها التعب فلم تستيقظ إلا في صبيحة اليوم التالي، تثاءبت "فرح" بتأويهة خافتة وهي تتقلب على الفراش، مدت يدها نحو "يزيد" متوقعة وجوده إلى جوارها، لكنها وجدت مكانه باردًا، فتحت جفنيها بسرعة لتنفض بقايا النعاس منهما، تلفتت حولها باحثة عنه في أرجاء الغرفة فلم يكن له أي أثر، انقبض قلبها بقلقٍ وهي تزيح الغطاء عنها لتنزل قدميها عن الفراش، سارت ببطء حتى بلغت المرآة، تأملت هيئتها الغير مرتبة وشعرها المبعثر للحظات، امتقعت تعبيراتها باستنكار، أخفضت نظراتها لتحدق في ندوبها البائنة في عنقها، وضعت يدها عليها تتلمسها بحذرٍ فشعرت برعشة تنتابها، أغمضت عينيها للحظات لتستعيد ليلة أمس في عقلها، وكيف برع زوجها في إشعارها بأن تلك الندوب ما هي إلا لوحة فنية ضاعفت من جمالها، حيث انهال على كل جزء فيها بالقبلات العميقة و المطولة لتشعر مع لمساته أنها تصعد إلى عوالم وردية، تلألأت حدقتاها تأثرًا بشغفه الواضح، ابتسمت عفويًا وهي تهمس باسمه:
-"يزيد"
أكملت باقي تأمل ثوب نومها الأبيض بابتسامة سعيدة، شعرت كما لو كانت عروسًا جديدًا تزوجت بالأمس، فما اختبرته الليلة الماضية كان حلمًا مكتمل الأركان، أفاقت من شرودها ماسحة بأطراف أناملها عبراتها الفرحة العالقة عند طرفي مقلتيها متذكرة عدم وجود زوجها بالغرفة، ظنت أنه نزل ليجلس قليلاً بالأسفل بصحبة أقاربه، مطت فمها باستهجان، فهي اليوم عليها مجابهة الفظة زوجة عمه وتحمل وقاحتها وأسلوبها الرخيص في التعامل معها، عاهدت نفسها قائلة:
-مش هاديها الفرصة تستفرض بيا، هطلعها غلطانة لو فكرت تدوسلي على طرف!
استدارت بجسدها باحثة عن حقيبة سفرها، وجدتها موضوعة عند زاوية الغرفة، تثاءبت مجددًا بإرهاق وهي تسير في اتجاهها، انحنت لترفعها على المقعد العريض ثم فتحتها لتخرج منها ثيابًا لائقة ترتديها، انتفضت "فرح" في وقفتها مذعورة حينما وجدت من يقتحم عليها الغرفة دون استئذان، احتدت نظراتها وتلونت بغضبٍ مبرر عندما رأت "مفيدة" أمامها تنظر إليها بوقاحة غير واضعة أي ضوابط لقواعد احترام الخصوصية، صاحت فيها بعصبية وقد تشنجت قسماتها:
-إيه ده؟
وضعت قطعة الثياب على صدرها تغطي مفاتنها وهي تتابع بنفس النبرة المنفعلة:
-في حاجة اسمها نستأذن الأول قبل ما ندخل
رمقتها "مفيدة" بنظرات جريئة ووقحة لم تراعِ فيها انكشاف جسدها من أسفل ثوبها الشفاف، لوت ثغرها قائلة بعدائية أجفلتها:
-هاتعمليني الأصول في بيتي يا مصراوية ......................... ؟!
...................................................
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم Manal Salem
الفصل التاسع والعشرون
لو كانت الوقاحة رجلاً لأرتده قتيلاً دون ندم أو تأنيب ضمير، للحظة شُل تفكيرها وهي تستوعب اقتحام تلك الفظة لغرفتها بطريقة سافرة مكملة استفزازها المستنفذ لهدوء الأعصاب متناسية آداب الضيافة، انتصبت "فرح" في وقفتها مخبئة ما كشف منها بقطعة الثياب هاتفة بتشنج:
-وهو من الأصول تخشي عليا الأوضة وأنا كده؟
رمقتها "مفيدة" بنظرة مطولة شملتها من رأسها لأخمص قدميها، رأت في نظراتها نحوها تأففًا جليًا، بل ونفورًا واضحًا على تعبيرات وجهها، تجهمت متسائلة بانفعال:
-قولي إني غلطانة يا حاجة "مفيدة"؟
تصرفت "فرح" بتلقائية مدافعة عن خصوصيتها فلم يطرأ ببالها أن تجد أعين الأخيرة القاسية والحادة مثبتة على ندوبها، تلك العلامات التي تركت أثرها على عنقها لتصبح سببًا قويًا في الإساءة إليها، تقوس فم "مفيدة" للجانب مبدية اشمئزازًا علنيًا منها وهي تقول:
-إيه الجرف (القرف) ده؟
اعتصر قلبها ألمًا من كلماته الطاعنة، عفويًا ارتخت يداها عن قطعة الثياب الممسكة بها لتضعهما على عنقها لتخفيه عن عينيها، اغرورقت حدقتاها بعبرات كثيفة حينما تابعت بقسوةٍ:
-ولدي واخد واحدة معيوبة؟!
اهتز بدنها كليًا مع شراسة حديثها الذي لم وأد مشاعرها فورًا، أغمضت "فرح" جفنيها بقوة وهي تتراجع مبتعدة للخلف ليلتصق ظهرها بضلفة الخزانة، لم تقوَ ساقيها على حملها، شعرت أنها على وشك الانهيار أمامها، أنجاها من شرها المستطر اقتحام تلك الشابة للغرفة، هتفت الأخيرة موبخة والدتها بنبرتها المزعوجة:
-إيه يامه اللي بتعمليه ده مع الضيفة؟
أجابتها بشراسة مهلكة لما تبقى من روح "فرح":
-تعالي يا "سوسن" شوفي اللي اخترها "يزيد" بدالك، واحدة استغفر الله، مُسخ!
شهقت ابنتها من لسانها السليط الذي بدا كالسياط وهي توصف ضيفة المنزل بأقذع الألفاظ، ارتفع حاجبي "سوسن" للأعلى باستنكار وهي تضع قبضتيها على كتفي أمها لتجذبها نحو باب الغرفة:
-مايصحش الكلام ده، بينا يامه من هنا!
نفضت "مفيدة" ذراعيها عنها مرددة بعبوس:
-أني خارجة ماتمسكنيش!
استمعت "فرح" إلى صوت بصاقها دون أن تكون بحاجة للنظر إليها، تعالت شهقاتها مع نحيبها المكتوم، لم تتعرض لمثل ذلك الإذلال المهين من قبل، هوى جسدها وهي تدفن وجهها بين راحتي يدها مطلقة لنفسها العنان لتبكي بمرارة وحرقة لتدخل من جديد في دوامة أحزانها التي لا تنتهي مجترة كأس ذكرياتها المؤلمة.
.......................................................
لم تستطع تحمل رؤيتها تذل وهي ضيفة عزيزة في منزل العائلة لمجرد ضغائن حملتها أمها ضد طليقة ابن عمها "هايدي" متوهمة أن "فرح" مثلها ستعاملهم بكل احتقار وحقد، وبخت "سوسن" - ذات البشرة الخمرية والأعين البنية – والدتها قائلة بعتابٍ كبير:
-حرام عليكي يامه، أبيه"يزيد" هايقول عنا إيه بس، احنا عازمينه على فرحي، وجايبين مرته نبهدلها
حدجتها "مفيدة" بنظرات نارية لترد بعدها بعدائية:
-هتدافعي عن المصراوية جدامي (قدامي)؟
ثم زمت شفتيها متابعة:
-ما إنتي خلاص بجيتي (بقيتي) ترطني (تكلمي) بلغوتهم، ونسيتي عوايدنا
ردت عليها "سوسن" بقوة نابعة من أصلها الطيب:
-أنا اتعلمت يامه في أحسن الجامعات مش عشان أعوج لساني ولا أنسى أصلي، وعوايدنا علمتني إن إكرام الضيف واجب، فإزاي عوزاني أسكت عن ظلمك ليها؟
ثم تحولت لنكنتها للصعيدية وهي تضيف متسائلة بانفعال:
-من ميتى (امتى) بنعايرو الناس؟
ورغم كون ابنتها على حق إلا أنها رفضت الاعتراف بذنبها، اكتفت بالتحديق الصامت في وجهها وهي تزفر بقوة، هزت "سوسن" رأسها محتجة على أسلوبها ولم تتوان عن إشعارها بفداحة ذنبها.
.......................................................
ألقى ببقايا القشة التي كانت في يده بعد أن كسرها إلى جزئين ليلج إلى المنزل مستنشقًا رائحة العجين المخبوز الذي زكم أنفه بقوة، ابتسم "يزيد" بسعادة فقد كان يشتاق لتلك الرائحة التي عهدها منذ طفولته وصباه، منحته شعورًا جميلاً بالارتياح، لم يرغب في إضاعة الوقت دون أن يتجول كذلك في بلدته مستعيدًا ذكرياته القديمة، فكر في أخذ زوجته في جولة لترى الجمال الطبيعي بها لتشاطره ما يحب، أسرع في خطواته متجهًا نحو الدرج، لاحظ التوتر السائد بين ابنة عمه ووالدتها المتواجدتين بالرواق فتساءل باهتمام وهو يمر بينهما:
-خير يا مرات عمي؟ حصل حاجة يا "سوسن"؟
توقفت كلتاهما عن نقاشهما المحتد، وتجمدت أنظار "سوسن" عليه مبتلعة ريقها بقلق مقروء في عينيها، نزعت "مفيدة" فتيل الصمت لتنفجر صائحة بتهكم:
-بقى تتجوز المُسخ دي يا "يزيد"
نزلت جملتها الصادمة كوقع طلقة نافذة أصابته في مقتل، شحب وجهه متسائلاً بفزع:
-قصدك مين؟
ارتبكت "سوسن" من ملامحه التي تحولت للقساوة ومن نظراته المحتقنة نحو والدتها، شعرت أنه سيفتك بأحدهم إن لم تتصرف هي، حاولت أن تخفف من وطأة الأمر عليه فردت بتلعثم:
-مافيش حاجة يا ابن عمي
بدا غير مقتنع بما تقول، استشعر وجود ما تخفيه عنه، بالطبع لم تضيع "مفيدة" الفرصة لتحرق الأرض بمن عليها، التفتت نحو ابنتها ترمقها بنظراتها الساخطة، حذرتها بعصبية بائنة في صوتها:
-اسكتي ساكت يا بت
لم ينتظر "يزيد" في مكانه كثيرًا ليفهم ما ترمي إليه، خمن بذكائه أنها تقصد زوجته، وأنها ربما أساءت لها بطريقة ما، ركض نحو غرفته باحثًا عنها بداخلها، انقبض قلبه بقوة حينما وجد المكان خاليًا منها، قفز قلبه بين قدميه معتقدًا ذهابها، لكن صوت نحيبها طمأنه نسبيًا وأعاد إليه روحه، استدار بجسده نحو المرحاض الموصود بابه متنفسًا الصعداء، دق الباب عليه مرددًا بصيغة آمرة وهو يدير مقبضه محاولاً فتحه:
-"فرح"، سمعاني، افتحي الباب!
ارتفع أنينها فتضاعفت مخاوفه عليها، هتف بقوةٍ وهو يقاتل لانتزاع المقبض:
-أنا هاكسر الباب، ابعدي عنه يا "فرح"!
تراجع خطوتين للخلف شاحذًا قواه ليندفع نحوه ضاربًا إياه بعنف قاصدًا خلعه من مفصله، كرر تلك الفعلة مرتين حتى فُتح على مصراعيه، وقف عند عتبته يلهث وهو يجول داخله ببصره، وجدها منزوية بجوار المغطس الصغير فهرول ناحيتها، جثا على ركبتيه أمامها يهزها من ذراعيها الملتفين حول ركبتيها المضمومتين إلى صدرها قائلاً بلهفة مضاعفة:
-"فرح"، ردي عليا
لم تكن في حالة واعي كاملة، لف ذراعه حول ظهرها ومرر الأخر أسفل ركبتيها ليحملها دون انتظار ردها، خرج بها منه واضعًا إياها على الفراش، جلس بجوارها يمسح وجهها المتورم بيديه مرددًا بتلهف مرتعد:
-"فرح"، إنتي كويسة؟
مرر أنظاره على جسدها ليتأكد من عدم وجود أي إصابة به، وخاصة ندوب عنقها، شعرت بالارتياح لأنها لم تقدم على شيء متهور، رفعها إليه ليحتضنها هامسًا بصوته المختنق:
-أنا أسف، حقك عليا أنا، حبيبتي ردي بس عليا وطمنيني
ترددت "سوسن" في الدخول للغرفة بعد أن رأت الحالة العصبية المبررة لابن عمها، كورت أصابع كفها لتضغط عليه وهي تتلج بحذرٍ إليه، أرادت أن تتفقد تلك الضيفة التي قاست القليل من عدائية والدتها دون ذنب فعلي، ضغطت على شفتيها قائلة بحرج وهي تقدم قدمًا وتؤخر الأخرى:
-إن شاء الله تبقى كويسة
رفع "يزيد" وجهه الملتهب بحمرة غاضبة نحوها ليصرخ بها:
-عملتوا فيها إيه؟
دافعت عن نفسها قائلة نافية أن يكون لها أي يد فيما أصاب زوجته:
-والله ما أنا يا أبيه، دي أمي دخلت عليها وأنا حاولت أمنعها
صاح بها بصوته الجهوري الغاضب مستخدمًا يده في التلويح:
-إنتو مستكترين علينا أكون مع مراتي؟ للدرجادي مضايقكم وجودها؟ عاوز أفهم الكره ده كله ليه؟ هو أنا اللي اتجوزتها ولا أنتو؟
ابتلعت ريقها قائلة بتوجسٍ:
-أنا ماليش ذنب، بالعكس أنا حابة أقوم معاها بالواجب
واصل صراخه المتعصب بها قائلاً:
-لو فرح جرالها حاجة مش هـ......
قاطعته ببسمة باهتة طامعة في نفسها أن تهدأ ثورته:
-مش هايحصل إن شاء الله
شدد "يزيد" من ضمه لزوجته، كانت شبه واعية لكلماته الثائرة المدافعة عنها، وجودها الآن معها أشعرها بالأمان الذي افتقدته في غيابه، هدر متسائلاً باهتياج:
-عاوز أفهم بتعايروها بإيه بالظبط؟
التفت ناحية "فرح" يرمقها بنظراته الآسفة، احتضن وجهها براحة يده ماسحًا على بشرتها برفق وهو يقول بصوتٍ شبه مختنق:
-أنا السبب في اللي حصلها من البداية، لو بتقروا جرايد وبتابعوا أخبار هتعرفوا إن مراتي كانت هاتموت بسببي أنا!
استدار بتعابيره المحقونة غضبًا نحو "سوسن" هادرًا بنبرة عازمة:
-أنا مش هاقعد هنا ثانية واحدة
هتفت ابنة عمه بقلق وهي تحاول منعه مما عقد النية على فعله:
-استنى بس
كانت نظراته نحوها تحمل العتاب القاسي، وزاد من إحساسها بالذنب حينما عنفها قائلاً:
-متشكر يا بنت عمي، كنت فاكرك هتكرمي مراتك، بس طلعت غلطان
دنت منه حتى بلغته، وضعت يدها على كتفه تتوسله برجاءٍ كمحاولة بائسة منها لرأب الصدع:
-اسمعني يا أبيه، أنا هاجيبلها حقها بس ماتمشيش
وقبل أن تضيف المزيد كانت والدتها تقف عند عتبة الباب تطالع ثلاثتهم بنظراتها الغير مريحة، هتفت صائحة بنبرة صلبة مجبرة إياهم على التحديق بها بغرابة صادمة:
-متزعليش يا بتي، حجك (حقك) عليا
صدمة جلية اعترت أوجههم وهي تعتذر بهدوء وكأنها لم تفعل ما يُشين، رمشت "سوسن" بعينيها لتتأكد أنها لا تحلم، بينما بقيت نظرات "يزيد" المشتعلة على ملامحها القاسية رافضًا تمرير الأمر ببساطة، فأثر معايرتها لزوجته لن يكون بسهولة اعتذارها ...................................... !!
.....................................................
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم Manal Salem
الفصل الثلاثون (الأخير – جزء أول)
ســاد صمت متوتر ينذر بانفجارات وشيكة في الأجواء، لم يرتخِ ذراع "يزيد" عن "فرح" المرتجفة في أحضانه رافضًا بعنادٍ قبول اعتذار زوجة عمه وكأنها محت ببساطة إساءتها الفجة لها، بدا على أهبة الاستعداد للقتال من أجل حبيبته، تشنجت عروقه وهاجت الدماء في شرايينه حينما هدر بعصبيةٍ:
-بعد إيه؟
خطت "مفيدة" نحو الداخل بخطوات حذرة مقتربة من الفراش، حافظت على هدوئها أمام بركان غضبه وهي ترد بأسفٍ:
-أنا مقصُدش يا ولدي
اهتاج صارخًا فيها بعصبية كبيرة:
-وأنا مش هاقبل مراتي تتهان
قست نظراته متابعًا بحدة وهو يشير بسبابته:
-لا في غيابي ولا في وجودي
هب "يزيد" واقفًا دون أن يفلت زوجته، ثم انحنى نحوها ممررًا ذراعيه أسفل جسدها ليتمكن من حملها، شهقت سوسن مصدومة، ونظرت إلى والدتها بتوجسٍ، حتمًا سيرحل عن هنا، اعترضت "مفيدة" طريقه لتمنعه من التقدم نحو الأمام هاتفة بقلق انعكس في نظراتها إليه:
-استنى يا ولدي، رايح فين؟
رمقها بعينيه الحمراوتين قائلاً بحسم:
-ماشي من هنا، ومحدش هايمنعني
-يا ولدي استهدى بالله الأول
رد صارخًا:
-محدش يكلمني السعادي
راقبت "سوسن" الموقف المتأزم بنظرات متوترة للغاية، حاولت أن تستعطف قلبه فتوسلته بنبرة الأخت التي تتوق لوجود أخيها بجوارها في أهم ليلة في حياتها:
-وأهون عليك تسيبني يا أبيه قبل فرحي بيومين
التفت بأعينه نحوها ليرد بتعنيفٍ قاسٍ:
-وحلال اللي اتعمل في مراتي يا "سوسن"؟ ردي عليا
نكست رأسها خزيًا منه، فقد كان محقًا في ادعائه، وجه حديثه إلى زوجة عمه متابعًا بشراسة وقد برزت عروقه:
-إنتو مش شايفين بقت عاملة إزاي؟ عاوزيني أستنى هنا لحد ما يجرالها حاجة؟
ضمت "سوسن" قبضتي يدها معًا لتقول بتوسلٍ شديد:
-نتفاهم بس
أصر على رأيه العنيد هادرًا:
-مش هايحصل، أنا هاخدها وهانقعد في أي فندق
ردت عليه "مفيدة" باستنكارٍ:
-وأهل البلد يجولوا علينا إيه؟ ده حتى عيبة في حقنا
اغتاظ من اهتمامها الزائد بأقاويل الغرباء عن ذهابه هكذا فجأة دون مراعاة ما فعلته عباراتها اللاذعة بزوجته وتأثيرها المدمر على نفسها، صاح منفعلاً وهو ينظر لها بازدراء متعمدًا ضم "فرح" أكثر إلى صدره والضغط على كل كلمة يتلفظها:
-عيبة في حقكم، لكن مراتي مالهاش كرامة عندكم؟
توترت تعبيراتها وارتبكت أمام عناده القوي، ابتلعت ريقها موضحة:
-اصبر أفهمك الأول
بينما أضافت "سوسن" برجاءٍ:
-اسمعنا يا أبيه، الكل جاي يبارك ويهني ومايصحش يشوفوا واقعين في بعض
رد عليهما بغلظة وهو يوزع أنظاره الغاضبة بينهما:
-خايفين من كلام الناس ومش خايفين على مشاعر مراتي اللي اتهانت في بيت جوزها؟!
شبت "سوسن" على قدميها لتطل كتفه، ومن ثم قامت بتقبيل طرفه وهي تستعطفه:
-حقك عليا أنا يا أبيه، مقامكم والله محفوظ وعلى راسنا
لم تتوقف "مفيدة" هي الأخرى عن استمالة عقله المتصلب للعدول عن رأيه فأردفت قائلة:
-سامحني يا ولدي، أني غلطت!
تراجع "يزيد" بزوجته التي يحملها بعيدًا عنهما هاتفًا بجمودٍ:
-مش هاستنى أكتر من كده
ردت عليه "مفيدة" بحزنٍ:
-عاوز تكسر بخاطري؟
كظم غضبه رغمًا عنه حينما أمعن النظر في عينيها ورأى الدمعات تتجمع فيهما، راقبت "سوسن" ردة فعله بترفس، فكرت أن تلجأ إلى حيلة أخرى متعشمة خيرًا أن تجبره بذلك على البقاء، هتفت قائلة بنزقٍ وهي تدعو الله في نفسها أن يتخلى قليلاً عن عناده:
-طيب استنى لحد ما نبعت حد من الرجالة يشوفوا فندق تقعدوا فيه، مش هاتلف بيها في البلد وهي كده يا أبيه، عشان خاطر مصلحتها هي، خليها في السرير، واحنا هنخليهم يعملوا كل اللي إنت عاوزه
للحظة أخفض نظراته ليحدق في وجه "فرح" الذابل، كانت بحاجة للبقاء في الفراش بالإضافة إلى متابعة من طبيب ما ليطمئنه على وضعها الصحي، تضاعف إحساسه بالذنب لإيصالها لتلك الحالة حتى وإن لم يكن بطريقة مباشرة، أعطى صمته الفرصة لـ "سوسن" لتكمل بحذرٍ:
-فكر بالعقل يا أبيه، ومحدش هايجي جمبها، وأنا هاراعيها لحد ما تفوق وتبقى كويسة
استغلت "مفيدة" الفرصة لتظهر حسن نيتها فأضافت بتلهفٍ:
-في ضاكتور موجود في الوحدة إهنه، هانبعتوا نجيبوه علشانها يا ولدي، ها جولت إيه؟
رفع وجهه المحقون بدمائه الثائرة لينظر لهما مطولاً، فكر بجدية في حديثهما، حبست "مفيدة" أنفاسها مترقبة قراره النهائي، زادت تعابيره تعقيدًا وهو يقول بخشونةٍ:
-ماشي، هاستنى لحد ما أطمن عليها!
تنفست زوجة عمه الصعداء لاستجابته لرجائها حتى وإن كان الوضع مؤقتًا، لكنه منحها بارقة أمل للتفاوض معه من أجل المزيد.
..............................................
باستعطاف رقيق وتوسلٍ مبالغ فيه أجبرته "سوسن" على الانتظار بالرغم من رفضه الصريح، اصطحبته بعد ذلك للخارج ليجلس مع والدتها التي طلبت الحديث معه على انفراد، كان عابس الوجه متجهم النظرات، رمقته "مفيدة" بنظرات مطولة تحمل الأسف وطالبة للمسامحة والغفران، لم ترغب في إنهاء زيارته العزيزة بتلك الطريقة المأساوية، اعتصرت عقلها لتفكر في طريقة تسترضيه بها، نظرت له من طرف عينها فوجدته شاردًا في عالم أخر، تنهدت محدثة نفسها:
-سامحني يا رب!
انتهت من صب القهوة التي أعدتها على الموقد الصغير لتضعها في فنجانه، مدت يدها بها نحوه لتناوله إياها، تردد لثوانٍ قبل أن يأخذها ثم أسندها أمامه، أدركت أنه مازال غاضبًا منها، أحنت رأسها على كتفه تقبله قائلة بخفوت:
-وأدي راسك أبوسها يا ولدي
سحب نفسًا عميقًا حبسه في صدره ليضبط به انفعالاته قبل أن يفسد الأمور، التفت ناحيتها متسائلاً بعتابٍ:
-ترضيها يا مرات عمي لـ "سوسن"؟
هزت رأسها بالنفي وهي تجيبه:
-لع
ثم ضغطت على شفتيها متابعة بنبرة شبه مختنقة:
-بس أني معذورة، غضبي كان عاميني
سألها محتجًا على مبررها الواهي:
-هو إنتي شوفتي "فرح" قبل كده ولا اتعاملتي معاها؟
امتعض وجهها وهي ترد:
-لع، بس افتكرتها زي المخفية الأولى
انفلتت أعصابه من وضعها دومًا في تلك المقارنة المجحفة، لذا رد بعصبية متهورة:
-مليون مرة أقول "فرح" مش زيها، ليه الكل بيقارنها بيها؟ ليه؟!!!
عللت موقفها قائلة بحزنٍ وهي تطرق رأسها للأسفل:
-اللي اتلسع يا ولدي من الشوربة بينفخ في الزبادي، أني خوفت منها، بس ..
ازدردت ريقها مكملة بندمٍ حقيقي:
-بس ظلمتها!
رفع حاجبه يرمقها بنظراته الجادة وهو يسألها:
-فكرك الكلام ده هيراضي "فرح"؟
هزت رأسها متفهمة غضبتها هي الأخرى منها، فالمسامحة لن تكون بالخيار المتاح معها خصيصًا، سألته "مفيدة" بانكسار بادٍ في نبرتها:
-شوف الترضية اللي هي عاوزاها وأنا هاعملها علشانها
كان موقفها حرجًا للغاية، فهي المتسبب الرئيسي في افتعال كل تلك المشكلات منذ لحظة وصولهما إلى منزل العائلة، فقط لاعتقادها الخاطئ بأن "فرح" تشبه "هايدي" في تصرفاتها الفظة وفي إساءتها لها، لكنها كانت مجحفة في حقها وظلمتها، أصدرت حكمها عليها دون أن تعرفها أولاً أو حتى تتحرى جيدًا عن أخلاقها، ناهيك عن حقيقة هامة غفلت عنها، ألا وهي أن "يزيد" لن يتزوج مطلقًا من تشبه تلك الوقحة المتمردة في أي شيء، حاولت أن تختلق الأعذار لتدعم موقفها، فتنهدت مضيفة بنبرة تحمل المرارة:
-"يزيد" يا ولدي، من يوم ما اتطلجت (اتطلقت) وأنا كان بودي أجوزك "سوسن"، بس إنت مرضيتش
رد بجدية رافضًا أي تلميح في ذلك الأمر:
-هو في حد يتجوز أخته يا مرات عمي، ده أنا مربيها على إيدي
-أني استخسرتها في الغريب
-ربنا يصلح حالها ويكرمها مع زوجها
-يا رب، ها يا ولدي مسامحني؟
جمد أنظاره عليها دون أن ينطق، ثم التفت برأسه ليحدق في الفراغ أمامه، صمت كلاهما لبعض الوقت مانحين أنفسهما الفرصة للتفكير في تبعات كل شيء، قطع "يزيد" هذا السكون مرددًا برجاء لكنه جاد:
-مقدرش أزعل منك يا مرات عمي، بس علشان خاطري محدش فيكم يضايق فرح، هي .. هي اتعذبت كتير واتبهدلت معايا
أومأت برأسها قائلة وهي تربت على ظهره:
-اللي تؤمر بيه يا ولدي
هز ساقه بحركات عصبية قبل أن ينهض من مكانه لتسأله الأخيرة بتوجسٍ قلق:
-هاتروح فين؟
أجابها وهو يدير رأسه في اتجاهها:
-هاشوف عم "نصر" سأل في اللوكاندة اللي هنا
هبت واقفة من مكانها تتوسله بأعين تسربت إليها العبرات وهي تقبض على ذراعه بكفيها:
-ورحمة الغاليين كلهم ما تمشي
سحب ذراعه ببطء من بينهما قائلاً بإصرار:
-مش هاينفع أستنى بعد كده
احتضنت وجهه براحتيه تستجديه:
-أحب على راسك يا ولدي، خليك إهنه، وأنا هابوس على راس مرتك وأصالحها
نظر لها بجمود لكنها لم تتحمل أن ينفذ ما قاله، انهمرت عبراتها لتؤثر بقوة في جموده الزائف نحوها، أخرج زفيرًا مخنوقًا من صدره وهو يرد:
-القرار ده راجع لفرح
كفكفت دمعاتها لتضيف:
-إنت جوزها وليك كلمة عليها
رد عليه بلهجة صارمة حتى لا تستخدم طريقتها في استرقاق قلبه:
-المرادي هي اللي هاتقرر يا مرات عمي، مش أنا
.............................................
كانت كمن ألقى بثقل جسده على الفراش بعد أن مارس تمارينًا رياضية مكثفة فتصلبت عضلاته بالكامل، شعرت "فرح" بالتيبس مسيطرًا على ما بقي من جسدها، أخرجت أنينًا موجعًا وهي تتقلب على جانبها، فتحت جفنيها على مهل لتجد ذات الوجه البشوش والباسم تطالعها بنظرات مشرقة مليئة بالحيوية، رمشت "فرح" بعينيها رامقة إياها بنظرات استغراب، فوجهها بدا مؤلفًا لها رغم كون هويتها مجهولة، ابتسمت لها "سوسن" قائلة بلطفٍ:
-مساء الخير
اعتدلت "فرح" قليلاً لترفع جسدها على الوسادة وهي تتأوه بصوت خفيض، ثم تابعت أسئلتها بنبرتها الناعسة:
-إنتي مين؟
أجابتها بنفس الود المندمج أيضًا مع نظراتها:
-متقلقيش، إنتي في بيت جوزك
بدأ عقلها يستوعب ما دار معها مؤخرًا، إهانات وصراخ محتد، ندوب وآلام جسدية، إساءات لم تستطع تحملها، وقاحة منقطة النظير، انتفضت "فرح" في نومتها بطريقة مفزعة وهي تتلفت حولها لتتأكد أنها بالفعل في نفس الغرفة التي شهدت تلك اللحظة القاسية، ارتعد جسدها وارتعشت أطرافها، سحبت الغطاء لتغطي به جسدها وقد زاغت أبصارها، خافت "سوسن" من حالة الهلع التي سيطرت عليها، مدت يديها نحوها قائلة بخوفٍ:
-متخافيش، أنا "سوسن"، محدش هايجي جمبك
سألتها بفزع جلي في نظراتها إليها:
-"سوسن" مين؟
ظلت الأخيرة محافظة على الابتسامة الودودة المتشكلة على ثغرها وهي تقول:
-أنا العروسة
ارتبكت وهي تكمل بحذرٍ:
-وأمي تبقى الحاجة "مفيدة"
مجرد لفظ اسمها جعلها تشعر بمدى كراهية تلك السيدة لها، صاحت بلا تفكير وهي مطبقة بيديها المرتجفتين على طرف الغطاء:
-أنا عاوزة أمشي من هنا، فين "يزيد"؟
أشارت لها بكفيها قائلة:
-موجود، اهدي بس
صرخت فيها بهيسترية:
-ناديله، مش هاقعد هنا، إنتو ....
قاطعتها برجاءٍ:
-عشان خاطري اسمعيني
انكمشت "فرح" أكثر في الفراش محاولة الذود عن نفسها من أي تهديد قد يطالها، أسرعت "سوسن" بالاعتذار علَّها بذلك تهدئ من روعها وتلطف الأمور قليلاً:
-أنا بتأسفلك عن أي حاجة حصلت، وعن أي كلام اتقال غلط في حقك
ركزت أبصارها المرتاعة عليها، بينما تابعت بتوترٍ مستخدمة يديها في التوضيح:
-بصي أنا غير أمي خالص، صدجيني!
تعجبت "فرح" من لهجتها المتحولة ما بين الصعيدية والمحلية العادية، ربما حيرتها تلك منحت عقلها لحظات ليهدأ فيها ويفكر في ذلك الأمر المحير نسبيًا والمناقض لطبيعة المكان الذي تتواجد به، استمرت "سوسن" في تبادل أطراف الحديث الجدي معها قائلة:
-مايغركيش إني صعيدية، أنا متعلمة وخريجة تجارة
لم ترف عيني "فرح" وظلت محدقة بها متخذة الصمت كردٍ أساسي، حفز ذلك "سوسن" على الجلوس إلى جوارها على طرف الفراش، التفتت نحو الكومود لتمسك بدورق المياه الموضوع عليه، أفرغت القليل منه في الكوب المسنود بجانبه، ثم استدارت بجسدها لتعطيها إياه وهي تقول بلطفٍ:
-اشربي يا "فرح"
زوت الأخيرة ما بين حاجبيها مبدية استغرابها من معرفتها لاسمها، هي لم تلتقِ بها من قبل لتتحدث أولاً معها بتلك الألفة، ولتسهب ثانيًا في الحديث معها وكأن بينهما رابط صداقة قديم، تفهمت "سوسن" حيرتها الظاهرة على وجهه المرهق، ابتسمت لها قائلة وهي تعيد وضع الكوب على الكومود:
-أنا هافهمك سبب كره أمي ليكي إيه، جايز تعذريها، بس بأحلفك بالله ما تحكي لأبيه "يزيد" حاجة، هو ميعرفش باللي حصل لحد النهاردة
ارتابت أكثر من كلماتها الغامضة والتي تبعث الشك في النفوس، ظلت تطالعها بتلك النظرات المتوترة، تنهدت "سوسن" مطولاً مخرجة زفيرًا ثقيلاً من صدرها، ثم استطردت قائلة:
-"هايدي" طليقة "أبيه يزيد" الأولى، أكيد إنتي سمعتي عنها؟
ارتسم في مخيلة "فرح" صورة طيفية لتلك القاسية التي أوقعت بها سابقًا في ملعوب محكم جعلها تتجرع الكثير وأوصل علاقتها مع حبيبها إلى لحظة فارقة كادت تخسر فيها الكثير، بل إنها كانت بطريقة أو بأخرى ضلعًا في إصابة والدتها الراحلة بأزمة قلبية، بدت تعبيراتها مشدودة وهي تستمع إلى صوت "سوسن" القائل:
-هي جت مرة زيارة هنا معاه، أمي قامت بواجب الضيافة كيف ما احنا متعودين نعمل، وشالتها زي ما بتقولوا كده يا مصاروة على كفوف الراحة
صمتت للحظة لتجذب انتباهها ثم أكملت بصوت خفيض لكنه كان مزعوجًا:
-بس هي قابلت ده بالبهدلة والإهانة وقلة القيمة لأمي، دي شتمتها و.. بلاش أقولك عملت ايه، واحنا صعايدة مانقبلوش الغلط
خرجت "فرح" عن سكوتها صائحة بتشنج:
-وده يديها الحق إنها تهيني ؟!
أطرقت "سوسن" رأسها قليلاً وهي ترد بحرجٍ:
-هي فكرت إن كل المصاروة واحد
حاولت أن تلطف الأجواء فتابعت بمزاحٍ:
-يعني زي ما بتقولوا دبحتلك القطة من الأول علشان تعمليلها حساب
عبس وجه "فرح" على الأخير، وامتعضت نظراتها، تنفست "سوسن" بعمقٍ لتقول بعدها بابتسامة رقيقة:
-بس قلبها أبيض وزي البافتة البيضا
شجعها سكونها على وضع يدها على كتفها لتضغط عليه برفق وهي ترمقها بنظراتها المطمئنة، انتبهت "فرح" ليدها الموضوعة عليها فركزت بصرها معها، ولكنها لم تزحها، أبعدت "سوسن" كفها لتضعه أسفل طرف ذقنها فتتمكن من رفع وجهها إليها، ثم نظرت في عينيها مكملة بجدية:
-والله العظيم مش علشان هي أمي أنا هدافع عنها، بس فعلاً هي ندمت على اللي عملته معاكي
خشيت أن يكون في صمتها المقلق تلميحًا صريحًا لرفضها تصديق ما باحت لها به من أسرارٍ عاهدت والدتها قديمًا على كتمانها ودفنها مع الماضي، اضطربت أنفاسها وهي تنتظر بقلب مضطرب في دقاته ردها عليها .................................. !!
...............................................
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم Manal Salem
الفصل الثلاثون (الأخير – الجزء الثاني)
طالعتها بنظراتٍ طويلة وهي تفكر مليًا في اقتراحها، فما قالته ليس بالعرض السخي لتقبله دون نقاش، وحتمًا ليس بالخيار الأخير لترتضي به، تعقدت ملامح "فرح" وهي ترمق "سوسن" بنظراتها الحائرة الممزوجة بالغموض، وقبل أن تحرك شفتيها لتبوح بما قررت فعله، ولجت "مفيدة" إلى داخل الغرفة، تجمدت أعينها المزعوجة على وجهها الصارم، ارتعشت من حضورها الذي كان مصحوبًا بالإهانة، زادت ملامحها تعقيدًا وبدت متحفزة للغاية، بادرت "مفيدة" متسائلة بهدوء مريب لا يتفق مع تعبيراتها الجادة:
-اسمحيلي يا بتي بكلمتين؟
ما طمأن "فرح" قليلاً وأشعرها لحظيًا بالأمان هو رؤيتها لـ "يزيد" يقف بالخلفية، أشعرتها نظراته نحوها معها، خرجت من تحديقها به على صوت زوجة عمه القائل بحرجٍ:
-اعتبريني زي أمك يا بتي، أنا مجوجالك (محقوقالك)
فغرت "فرح" شفتيها مصدومة بدرجة كبيرة من اعتذارها الغريب لها، سلطت عينيها عليها متفرسة نظراتها لها، رسمت الأخيرة بسمة صغيرة على ثغرها وهي تكمل:
-أني معرفكيش، وخدتك بذنب واحدة تانية، حجك (حقك) عليا
ثم اقتربت منها وهي تفتح ذراعيها قاصدة احتضانها لكن تراجعت "فرح" بعيدًا عنها كردة فعل طبيعية متوهمة أنها تريد إيذائها، التفتت سريعًا بنظراتها القلقة نحو زوجها الذي هتف مطمئنًا إياها:
-متخافيش يا "فرح"، محدش هايعملك حاجة، مرات عمي جاية تتأسفلك على اللي حصل
تحركت رأسها عفويًا نحو "مفيدة" التي واصلت تبرير موقفها قائلة:
-يا بتي أنا ست كبيرة، وياما دجت (دقت) على الراس طبول، معلش امسحيها فيا، أنا مقصودش
رأتها "فرح" وهي خفض أنظارها نحو عنقها محملقة في ندوبها، وضعت يدها لا إراديًا عليها لتخفيه عن أعينها متذكرة كلمتها المسيئة عن إصابتها تلك والتي طعنتها في مقتل، تابعت "مفيدة" مضيفة بأسفٍ أكبر:
-إنتي أحسن مننا كلنا، "يزيد" ولدي حكالي على اللي عملتيه
مدت يدها نحو "فرح" لتمسك بكفها الذي يحجب الندوب، أزاحته برفق متابعة بصوتٍ شبه مختنق:
-ده فخر لينا يا بتي
نكست رأسها خزيًا وهي تكمل بندمٍ جلي:
-احنا اللي مسوخ مش إنتي
لم تصدق أذنيها وهي تستمع إلى اعترافها بخطئها في حقها، بل وإلى اعتذارتها المتواصلة علَّها بذلك تصفح عنها وتسامحها، اقتربت منها "مفيدة" لتقبلها أعلى رأسها وهي تطوق كتفيها بذراعها:
-إنتي معزتك هاتكون زي ولدي "يزيد" بالظبط، وبأقولك تاني حجك عليا!
تجمدت أعين "فرح" المصدومة على وجه زوجها الذي كان يرسل لها إشارات ضمنية من عينيه آملاً أن تقبل بالعفو عن زلاتها، جلست "سوسن" على طرف الفراش إلى جوارها، ثم وضعت يدها على ذراع "فرح" تستعطفها:
-علشان خاطري، ده إنتي هاتتبسطي معانا، بكرة حنيتي، وأهل البلد جايين وهاتبقى ليلة كبيرة، وعفا الله عما سلف
أضافت "مفيدة" هي الأخرى بود رغم جدية نبرتها:
-ربك بيغفر، احنا يا عباده مش هنسامح
وكأنها بجملتها تلك تصعب عليها الاختيار أكثر، لم تستطع النظر إليها، بل استمرت في تحديقها بـ "يزيد" الذي أشار بيده قائلاً:
-براحتك يا فرح، اختاري اللي إنتي عاوزاه، محدش هايجبرك على حاجة!
ترقب الجميع ردها وهي تجول بنظراتها أوجههم الحائرة، تساءلت بصوت شبه متحشرج وهي توجه حديثها لزوجها فقط:
-إنت عاوز ايه؟
دنا من فراشها فأفسحت له "مفيدة" المجال ليقف بجوار زوجته، جثا على ركبته أمامها ثم احتضن كف يدها بين راحتيه، ضغط عليه برفق قائلاً بابتسامة صغيرة:
-زي ما تحبي، ده قرارك لوحدك يا فراشتي، وأنا موافقك عليه مهما كان
ترك لها حرية الاختيار، فلم تشعر مثل كل مرة بضغطه عليها، بإجبارها على اتباع ما يريد هو، أغمضت عينيها متجنبة التحديق فيهم، ثم سحبت نفسًا عميقًا لفظته ببطء وهي تقول بصوت خفيض:
-خلاص!
سألها بقلب شبه منقبض من شدة التوتر:
-خلاص إيه؟
أدارت رأسها ناحيته لتطالعه بأعينها المتلألئة، أجابته دون أن تبتسم:
-هافضل
تهللت أساريره واتسعت ابتسامته على الأخير، نهض من جلسته يضمها إلى صدره بذراعيه، طبع قبلة صغيرة على وجنتها، ثم مال على أذنها هامسًا لها بنبرة العاشقين:
-ماحبتش في حياتي إلا إنتي!
أطلقت "مفيدة" زغرودة قوية أدهشت الجميع لتصيح بعدها بفرحة عامرة:
-ربنا يكرمك يا بتي
بدا الحماس واضحًا على تعابير "سوسن" التي تحركت في اتجاه والدتها لتحتضنها هي الأخرى بسعادة وهي تقول بمرحٍ:
-أخيرًا يامه، كمان زغروطة علشاني بقى
طوت "فرح" تلك الصفحة الحزينة مكتفية بما نالته من اعتذارات شديدة وتوسلات بالبقاء، ربما لو كانت تشبه "هايدي" قليلاً في صفاتها الغليظة لأقامت الدنيا ولم تقعدها وأشعلت حروبًا ضروسًا من أجل رد اعتبارها.
...............................................
-بطلي كسل ويالا بينا
قالها "يزيد" وهو يزيح الغطاء عن جسد فرح التي كانت تغط في سبات عميق، أفاقت بصعوبة بعد أن تخدرت خلايا عقلها وتيبست أغلب عضلاتها بفعل إرهاق السفر المضاعف، ناهيك عن المجهود الذهني والضغط النفسي الذي تعرضت له في الساعات الأخيرة، كانت بحاجة إلى قسط وافر من الراحة، لكن قطع "يزيد" عليها تلك المتعة الخاصة، مدت يدها لتسحب الغطاء نحوها رافضة فتح جفنيها، صاح بها مستنكرًا حالة الخمول المتمسكة بها:
-يا فراشتي اصحي!
زمت شفتيها قائلة بتذمر وهي تمد يدها لتنظر إلى التوقيت في شاشة هاتفها المحمول:
-هانروح فين بدري كده؟
أجابها بحماسٍ ظاهر عليه وهو يمط ذراعيه في الهواء بحركات رياضية:
-هافرجك على البلد
تثاءبت بصوتٍ مسموع ثم وضعت الوسادة على رأسها لتقول بصوتٍ شبه ناعس:
-بس أنا تعبانة وعاوزة أنام، خليها وقت تاني
ألقى بثقل جسده على الفراش نازعًا الوسادة من عليها، مسد على خصلات شعرها المبعثرة ليزعجها أكثر، ثم تابع قائلاً:
-يا حبيبتي ده أحسن وقت للخروج، الجو رايق وقبل ما الشمس تحمى، الجو هنا نار!
أومـأت برأسها وهي تنظر له بنصف عين:
-طيب
داعب وجنتها بإصبعيه مكملاً بابتسامته المتحمسة:
-هستناكي تحت
-وقرايبك؟
-ملناش دعوة بيهم، خلينا في نفسنا يا حبيبتي
-ماشي
وقف "يزيد" أمام المرآة ليتأكد من هيئته، التفت بنظره نحو "فرح" الناعسة التي سألته وهي تحرك عنقها:
-مش هانفطر قبل ما نخرج؟
رد باقتضاب وهو يغمز لها بطرف عينه:
-لما نرجع إن شاء الله
نهضت بثقلٍ عن الفراش وهي تقول بتعبٍ:
-أحسن برضوه، أنا ماليش نفس أكل
-طب يالا هستناكي، متتأخريش عليا
هزت رأسها قائلة بخفوت:
-حاضر
لوح لها بيده مودعًا إياها وهو يطالعها بنظراته التي تتفرس كل تفصيلة فيها، ابتسمت له برقة وأرسلت له قبلة صغيرة في الهواء، أغلق "يزيد" الباب خلفه لتتجه "فرح" بعدها إلى المرحاض وهي تقاوم بشدة ذلك النعاس المتملك منها على غير العادة.
.................................................
لم تعرف ما الذي عليها ارتدائه تحديدًا في تلك الجولة الغامضة، لذا اختارت بنطالها الجينز وإحدى الكنزات البيضاء الطويلة، وانتقت لقدميها حذائًا رياضيًا، مشطت خصلات شعرها معًا، وعقدتها كذيل حصان كي لا يزعجها، ثم وضعت قبعة رياضية أعلى رأسها لتقيها حرارة الشمس، فالأجواء حارة في تلك المنطقة من صعيد مصر، كان الوقت مبكرًا إلى حد ما وهي تسير بصحبة "يزيد" خارج المنزل، التف بها نحو منطقة جانبية لم تكن قد رأتها بعد، سألته بفضولٍ:
-إنت موديني فين؟
التقط كفها بيده قائلاً:
-هتعرفي دلوقت
أكملت سيرها نحو تلك المنطقة التي زكمت رائحتها الغريبة أنفها، بالطبع لم تكن بحاجة لتخمين ماهيتها، إنها بالإسطبل الخاص بالخيول، انفرجت شفتاها لتعبر عن اندهاشها وهي تسأله:
-إيه ده؟
سحبها إلى داخله وهو يرد على سؤالها بتساؤل متحمسٍ:
-ها إيه رأيك؟
ارتسمت على تعبيراتها علامات الإعجاب لوجود مثل ذلك المكان، رددت بانبهار:
-ماشاء الله، إنتو عندكم إسطبل؟
أجابها بتفاخرٍ:
-أيوه، ده بتاع عمي، تعرفي زمان أنا كنت بأركب خيل، بس بطلت عشان الدراسة والسفر وشغلي بعد كده
تأملت "فرح" الخيول الموجودة بالداخل بنظرات تحمل الإعجاب، فهي لم ترَ عن قرب ما يضاهيهم قوة ورشاقة إلا في سباقات الخيل الدولية، أخرجها من تحديقها بهم جملته القائلة:
-يالا تعالي جربي
توترت وهي تنظر إليه متعجبة من دعوته لها لامتطاء أحدهم، تراجعت خطوتين للخلف مستخدمة يديها في الإشارة وهي تعترض بارتباكٍ:
-لأ، أنا ماليش في جو الأحصنة ده
أمسك "يزيد" بلجام أحد الخيول يسحبه إليه بعد أن شكر السائس القائم على رعايته، اقترب منها فتراجعت عفويًا للخلف، استغرب من ردة فعلها فسألها:
-إنتي خايفة ولا إيه؟
هزت رأسها نافية ومدعية الشجاعة:
-لأ
أكدت لها تصرفاتها المتوترة أنها خائفة منه، جمد أنظاره عليها متابعًا بجدية:
-"فرح" إنتي ركبتي حصان قبل كده؟
عضت على شفتها السفلى وهي ترد بحرجٍ:
-بصراحة لأ
سألها مداعبًا دون أن يخفي بسمته المرحة:
-ولا حمار؟
زوت ما بين حاجبيها مستنكرة مزاحه السخيف وهي ترد بضيق:
-لأ
أشار لها بيده مشجعًا إياها على المحاولة:
-طيب تعالي، ده ركوبه تحفة، هاتحبيه صدقيني
احتجت بإصرار:
-أنا مش عاوزة
مد يده ليمسك بها من رسغها ففزعت من إجبارها على الاقتراب من الجواد، صاحت بخوفٍ بائنٍ في نبرتها وهي تقاومه:
-يا "يزيد" بلاش
أصر على عدم تركها قائلاً بعنادٍ:
-مش هتخسري حاجة، جربي بس
ارتعدت من صهيل الخيول، وصاحت متوسلة:
-بلاش عشان خاطري، أنا مش عاوزة أجرب حاجة، أنا كده كويسة
ترك "يزيد" اللجام ليتمكن من الإمساك بـ "فرح" التي نجحت في الإفلات من قبضته، حاصرها من خصرها قائلاً:
-تعالي بس
-لأ
جذبها نحو الحصان هاتفًا بهدوءٍ محاولاً إقناعها بامتطائه:
-متخافيش أنا هساعدك
شعر بتلك الرجفة التي تعتري جسدها وهي تجاهد للابتعاد عنه:
-مش هاعرف أطلع
أشار بعينيه نحو السرج الخاص به ليريها موضع قدميها وهو يوضح لها:
-حطي رجلك هنا الأول، إيه الصعب في كده
ردت معترضة وهي تنظر له بقلقٍ:
-هاقع والله
-مش هايحصل، ارفعي جسمك لفوق
كزت على أسنانها متمتمة بتوتر مذعور وهو يضع يديه على خاصرتها ليتمكن من رفعها للأعلى:
-يا لهوي
نهرها برقة متعمدًا استفزازها:
-إيه الجبن ده؟
ردت بغيظٍ:
-هو إنت هتركب ولا أنا؟
اتسعت ابتسامته المراوغة مرددًا بتسلية:
-إنتي يا فراشتي
حبست أنفاسها وهي تشحذ قواها وتنسقها معًا لتتمكن من الصعود على ظهره، صفق لها "يزيد" محفزًا إياها وهو يقول بإعجاب:
-برافو، اجمدي يا "فرووح"، عاوزك أسد في نفسك!
ردت ساخرة من أسلوبه العجيب في تحميسها:
-حد قالك إني قطز ولا هاروح أحارب مثلاً؟
كان الجواد ملاصقًا للقضبان الحديدية الخاصة بجوادٍ أخر، فرفضت الإمساك باللجام وتشبثت بتلك القضبان معتقدة أن ذلك سيحول دون سقوطها، بدت في مأزق وهي تحاول السيطرة على الجواد والحفاظ في نفس الوقت على اتزانها، نظر لها "يزيد" متعجبًا مما تفعله، حاول كتم ضحكاته الساخرة منها قدر المستطاع كي لا يستفزها وتثور عليه، تنحنح بصوت مرتفع وهو يقول:
-مكونش متوقعك كده بتخافي
ردت عليه بنبرة مهزوزة:
-العمر مش بعزءة
أمسك "يزيد" باللجام الخاص بجوادها ليهدأ من حركته الزائدة، ثم أمرها قائلاً:
-سيبي يا بنتي الحديد، وامسكي اللجام ده
حركت رأسها برفض وهي ترد:
-هاقع
كتم بصعوبة بالغة تلك الضحكة التي تداعب ثغره متابعًا تبرير تبعات عنادها الخاطئ:
-أكيد، ماهو لو الحصان مشى وإنتي قافشة في الحديد هتقعي، فكري بعقلك كده
صرخت فجأة مذعورة حينما بدأ الجواد بالتحرك:
-عــاا، ده بيمشي
أبعد يديها عن القضبان ليجبرها على الإمساك بطرفي اللجام، ثم ربت على ظهر الجواد برفق لعدة مرات وهو يقول لها بمزاحٍ ساخرٍ:
-اطمني مش هايطير
تلون وردها بدموية متوترة مرددة بتبرمٍ:
-ما إنت علشانك عارف تتعامل معاه فمش خايف زيي
-واحدة واحدة وهتتعلمي
-ربنا يستر
سألها بعد أن امتطى هو الأخر الجواد الثاني:
-جاهزة؟
ابتلعت ريقها الذي جف في حلقها قائلة بارتباك:
-يعني
تابع آمرًا بجدية آملاً في نفسه أن تلتزم بما أملاه عليها من تعليمات بسيطة تخص التعامل معه:
-افردي ضهرك
حاولت تنفيذ أمره بالانتصاب في جلستها على ظهر الجواد وهي ترد بنبرتها المرتجفة:
-ماشي
شهقت لأكثر من مرة وهي تحاول الاعتياد على امتطائه، ولم يكف "يزيد" عن إلقاء النصائح عليها، فهو يرى أن خوفها المضاعف منه مبالغ بدرجة ملحوظة، فالمسألة بالنسبة له أبسط بكثير، وتشبه إلى حد كبير ركوب الدراجات العادية وكذلك البخارية.
...........................................
دقائق وكان كلاهما يتجولان به بالقرب من الحقول الزراعية، بدت "فرح" أكثر تشنجًا وهي قابضة بأصابعها على طرفي اللجام رغم حركة الخيول البطيئة، راقب "يزيد" طريقة تعاملها المبالغ فيها معه باستمتاع مرح، سألها متعمدًا إخراجها من حالة التركيز الشديدة المسيطرة عليها:
-ها إيه رأيك فيه؟
ردت بنبرة مشدودة وهي تضغط على شفتيها:
-مش بطال
ثم سألته بجدية وهي تدقق النظر في خطوات جوادها:
-وده لو أنا حبيت أوقفه أعمل إيه؟
أجابها ساخرًا:
-تدوسي فرامل طبعًا، ودي عاوزة سؤال
التفتت برأسها نحوه نصف التفاتة لتحذره بلهجة شديدة:
-"يزيد"
رد بابتسامته العابثة:
-هتشدي اللجام كده وهو هايقف
-ماشي
سألها من جديد وهو يجوب بأنظاره أنحاء قريته:
-شوفتي بلدنا حلوة ازاي؟
ردت بعبوسٍ:
-أنا مش شايفة حاجة، خليني أركز بقى
رد مازحًا:
-هو امتحان ثانوية عامة، ده حصان يا بنتي، درجن درجن!
توترت أكثر حينما أسرع الجواد في خطواته، صرخت مفزوعة:
-أقف لو سمحت!
انفجر "يزيد" ضاحكًا من طريقتها في التحدث مع الجواد وكأنه كائن عاقل سيلبي أمرها اللبق على الفور، وثب جوادها عاليًا مطلقًا صهيلاً مرتفعًا فزاد هلعها، تشبثت أكثر باللجام وهي تصيح بخوف:
-إلحق يا يزيد، هاقع!
حاول تهدئتها كي لا تفزع أكثر، خاصة أنها بدأت تتصبب عرقًا، رد بصوتٍ أجش وهو يشير بيده:
-اهدي، ده عادي
ثم اقترب بجواده منها وأمسك بطرف اللجام ليجذبه للخلف قائلاً بتمرس معتاد منه:
-هسسس، بس
استطاع بحرفية واضحة عليه إبطاء حركة الجواد رغم بعض الوثبات التي كان يقوم بها، رمقت "فرح" زوجها بنظرات معاتبة وتحمل التوبيخ لإجبارها على تجربة ما لا تجيده، شعرت بالإرهاق الشديد يضرب بكل عضلة في جسدها، غمغمت مع نفسها بضجرٍ:
-يعني كان لازم الطلعة دي ..................................... !!
.....................................
يتبع >>>>
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم Manal Salem
الفصل الثلاثون (الأخير – الجزء الثالث والأخير)
ادعت أنها بخير وتجيد التعامل مع الجواد رغم كون العكس جليًا على تعبيراتها المشدودة، فـ "فرح" سئمت من إظهار تذمرها كل دقيقة - بالطبع لن يغير اعتراضها أو شكواها من الوضع بأي حال – لذلك اكتفت بمتابعة تلك الجولة المرهقة وهي تزفر بضيق، لم يقلل "يزيد" من مجهودها الملحوظ، بل مدحها قائلاً بابتسامة صغيرة تلوح على ثغره:
-مبسوط منك يا "فرووح"، مرتين كمان وهتنافسي!
نظرت له من طرف عينها محذرة بتجهم:
-بلاش تريقة
رد عليها مبتسمًا:
-يا حبيبتي أنا بأديكي دفعة للأمام
التفتت برأسها ناحيته لتقول:
-مش عاوزاها
لكزت جوادها في جانبه مثلما تعلمت من "يزيد" فأسرع في خطاه قليلاً، ثم عادت تجذب اللجام للخلف حينما شعرت بدوار طفيف يصيب رأسها، أرخت قبضتها عن طرفيه لتمسح حبات العرق المتصببة من جبينها، تنهدت قائلة بإرهاق:
-ياه على الحر، مش معقول الجو هنا
رد عليها "يزيد" وهو يزفر بصوت مسموع:
-ده احنا لسه مقربناش على الضهر، بنسخن بس
شعرت أن قواها تتضاعف بدرجة ما، أحست بعدم قدرتها على المواصلة مع ارتفاع درجة الحرارة بالأجواء، سألته وهي تبذل ما في وسعها لإكمال تلك الجولة بأقل الخسائر:
-هي الحرارة هتزيد أكتر من كده؟
أجابها "يزيد" ساخرًا ملوحًا بيده بغرورٍ مصطنع:
-احنا بلا فخر بنعدي الـ 40 وإنت طالع
أصيبت بإحباط جلي عقب جملته تلك، نظرت له باستياء، كذلك تهدل كتفاها المرهقين مرددة بتذمرٍ:
-ياني، ده أنا مش مستحملة خالص
أراد تحفيزها كي لا تستسلم لإحساس الوهن الذي بدأ يسيطر عليها، فصاح بخشونة طفيفة:
-ماتبقيش فستك يا "فرووح"!
ردت عليه بإنهاك:
-لفة كمان وهاتكوم أنا والحصان بتاعك
زوى ما بين حاجبيه مرددًا باستنكار:
-ده أنا مديكي "الأبجر"
لم تكن في حالة مزاجية جيدة لتتمكن من فهم مزحته الأخيرة، لوت ثغرها متسائلة بحيرة:
-أبجر مين؟
نظر لها بتعالٍ قليل وهو يرد مستنكرًا جهلها بتلك المعلومة الشائعة:
-بتاع "عنترة بن شداد"، شكلك مكونتش بتذاكري كويس في ثانوي
اغتاظت من طريقته التهكمية في السخرية منه، عبست بوجهها قائلة:
-والله إنت فايق ورايق
غمز لها بعينه مغازلاً إياه:
-ومابقاش فايق ليه وأنا معايا القمر ده؟
ابتسمت برقة وهي تعاود التحديق أمامها في ذلك الطريق الترابي والذيمن وجهة نظرها لا ينتهي أبدًا، لاحت في الأفق سيارة ما تسير بتباطئ حذر حتى اقتربت منهما، أطل الجالس في المقعد المجاور لقائد السيارة من النافذة مهللاً بترحيب كبير:
-ابن الحاج سليمان، يا مرحب بالغالي ولد الغالي!
التفت "يزيد" برأسه نحو صاحب الصوت المألوف، عرفه على الفور فأوقف جواده قائلاً:
-ثواني يا "فرح"، هاسلم على الحاج
اكتفت بالإيماء برأسها وهي تتابع ترجله من على ظهره متجهًا نحوه، بدت الرؤية بالنسبة لها مشوشة نسبيًا، لم تعرف ما الذي أصابها لتشعر بكل ذلك الخمول والتعب، ففي العادي كانت تؤدي العديد من المهام الشاقة المتلاحقة، لكن تلك المرة هي تجد صعوبة في تحريك جسدها، في البقاء واعية وحتى في التواصل الذهني والعصبي، لوهلة اعتقدت أن السبب في تلك الحالة الغريبة هو عدم تناولها لطعام الإفطار، فربما انخفضت مستويات السكر لديها في الدم فأحدثت كل تلك الأثار الجانبية، بدا صوت "يزيد" بالنسبة لها ثقيلاً وخشنًا وهو يقول:
-حاج "بدري"
رفعت رأسها لتحدق في وجه ذلك الرجل المسن الذي رحب بحرارة بزوجها، اهتزت صورته بطريقة مريبة وهو يسأله:
-كيفك يا ولدي؟
أجابه "يزيد" بحماسٍ:
-الحمدلله في نعمة
-جاي أكيد علشان فرح بت عمك
-طبعًا، دي أختي الصغيرة
رفعت "فرح"يدها على وجهها لتفرك عينيها المتعبتين، تابعت التحديق في زوجها الذي أولاها ظهره محاولة التركيز في حوارهما رغم تداخل أغلب حديثهما معًا، التفت "يزيد" نحوها أمعن "بدري" النظر نحوها متسائلاً بفضول:
-إنت إمعاك ضيوف؟
أجابه بابتسامة صغيرة وهو يجيبه:
-لأ دي مراتي "فرح"، هي أول مرة تيجي هنا
رد عليه "بدري" بترحيب شديد:
-يا مرحب بيها، نورت البلد بيها، إن شاء الله تتبسط حدانا
-أكيد
-الحريمات هايجيوا عندكم عشان الحنة
-ينوروا ويأنسوا، ده بيتهم، والحاجة "مفيدة" هاتقوم معاهم بالواجب
-ماتتفضلوا عندنا شوية يا ولدي؟
اعتذر منه متحرجًا من كرمه الزائد:
-معلش وقت تاني يا حاج "بدري"
لم تستطع "فرح" الصمود أكثر من ذلك، فرغت مقاومتها، واستنزفت أخر ما تبقى من قواها لتفقد التحكم في نفسها، مالت بشدة نحو الأمام وقد تراخت قبضتيها عن اللجام، لاحظ "بدري" ترنح جسد الضيفة فتساءل متعجبًا:
-الله، مال مرتك؟
استدار "يزيد" كليًا نحوها ليجدها على تلك الحالة المقلقة، هتف بهلعٍ وهو يركض نحوها:
-"فرح"
مد ذراعيه محاولاً الإمساك بها وإنزالها من على ظهر الجواد متسائلاً بخوفٍ:
-حصلك إيه؟
أجابت بصوتٍ خفيض يكاد يكون مسموعًا:
-دايخة خالص، مش قادرة من دماغي
أضاف "بدري" الذي وقف خلفه:
-شكلها ماستحملتش الشمش
سحبها "يزيد" بحذر إليه لتقف على قدميها دون أن يفلت ذراعه المطوق لخصرها، خمن تهاوي قواها قائلاً:
-اوعي تكوني خدتي ضربة شمس؟
استندت برأسها على كتفه وهي ترد:
-جايز
تابع مضيفًا وهو يرفع وجهها إليه:
-بصي إنتي ... "فرح"!
أغمضت جفنيها غير مدركة لما قيل بعد ذلك، تحول كل شيء حولها لضباب مظلم فزاد تثاقل جسدها وفقدت التحكم فيه، أسرع "يزيد" بحملها وهو يعتصر عقله مفكرًا في طريقة سريعة تمكنه من إيصالها للمنزل في أقل وقت ليتمكن من مداواتها، صاح "بدري" بنبرة عالية مخرجًا إياه من حيرته الحرجة:
-في وحدة صحية إجريبة (قريبة) من إهنه
التفت ناحيته متسائلاً بتلهف:
-فينها؟
لوح له بيده قائلاً وهو يتجه نحو سيارته:
-تعالى معايا، هوديك عندها يا ولدي
تبعه "يزيد" وهو يوزع أنظاره بين الطريق وبين "فرح" الغائبة عن الوعي، أشار "بدري" بيده مكملاً بصيغة آمرة لأحد الصبية ممن كانوا معه:
-وإنت يا واد ودي الخيل عند دوار الحاج جودة
أومأ الفتى برأسه قائلاً:
-حاضر يا حاج
أفسح المجال لـ "يزيد" ليتمكن من تمديد "فرح" على المقعد الخلفي، ثم جلس إلى جوارها محتضنًا إياها من كتفيها، وظل بيده الأخرى يمسح على وجهها برفق موبخًا نفسه على إصراره على تلك الجولة المرهقة.
.........................................
بعد برهة، وبداخل تلك الوحدة الصحية التابعة للقرية، أوشك الطبيب على الانتهاء من فحصه على "فرح" التي عادت إلى وعيها بعد تركيب أحد المحاليل الطبية لها، أعطى تعليماته للممرضة التي كانت تعاونه، اطمئن على أحوالها ثم ولج إلى الخارج حيث ينتظر زوجها، وما إن رأه الأخير حتى أسرع نحوه متسائلاً بتلهف وقد زائغت عيناه:
-مالها مراتي؟ خدت ضربت شمس ولا .... ؟
رد بابتسامة روتينية:
-اطمن هي تمام
مدح "بدري" في عمل الطبيب الذي تفانى في أداء مهامه:
-الدكتور حدانا الله أكبر عليه، عارف كل حاجة
رد عليه الطبيب بامتنان:
-الله يكرمك يا حاج، الموضوع مش خطير، بس محتاجة راحة وخصوصًا في أول الحمل، المجهود الكتير مش مستحب الفترة دي!
عند تلك الكلمة تحديدًا تجمدت حواس "يزيد"، تصلبت أطرافه وشعر أن دقات قلبه توقفت عن النبض للحظة ليتأكد مما التقطته أذنيه، لم يكن بالوهم، ولا بأحد أحلام اليقظة، ولا بذلك الحلم الذي تمناه قبل سنوات، فقد تركيزه، بل وحتى استيعابه، تساءل ببلاهة وهو ينظر له غير مصدقٍ:
-حمل مين؟
قطب الطبيب جبينه متسائلاً باستغراب:
-إنت مش عارف إن المدام حامل؟
انفرجت شفتاه وهو يوزع نظراته بين وجهه ووجه الحاج "بدري":
-يعني إنت قصدك إن "فرح" مراتي، اللي جوا عندك حامل؟
هز الطبيب كتفيه مرددًا متعجبًا من ردة فعله الغريبة:
-ايوه يا أستاذ
تهللت أسارير "يزيد" على الأخير، اتسعت ابتسامته حتى ظهرت نواجذه، أمسك فجأة بوجه الطبيب براحتيه يقبله من جبينه بودٍ مضاعف وهو يشكره بحماس زائد:
-الله يبشرك يا دكتور، أنا مش عارف أقولك إيه، إنت.. أنا... ده أسعد يوم في حياتي كلها
تحرج الأخير من تصرفه وهو يبعده عنه قائلاً:
-على إيه بس
سأله بتلهفٍ وهو يشير بيده:
-ينفع أخش أشوف مراتي؟
-أكيد طبعًا
احتضنه "يزيد" مجددًا هاتفًا بنفس الحماس الزائد:
-ربنا يكرمك يا أجدع دكتور
وضع "بدري" يده على ظهر "يزيد" مباركًا:
-البشارة جت يا ولد الغالي، الله يعطيك من خيره
التفت "يزيد" نحوه يحتضنه هو الأخر وهو يقول بسعادة غامرة وقلبه يرقص طربًا بين ضلوعه:
-الله يخليك يا حاج "بدري" يا وش السعد، الخير على قدومك يا بركة
-تسلم يا ولدي
ربت على ظهره مكملاً بنفس الهدوء:
-خش اطمن على مرتك
-حاضر
قالها "يزيد" وهو يسرع في خطاه ليلج إلى داخل غرفة الفحص حيث تتمدد "فرح" على الفراش، تحركت رأسها في اتجاهه حينما هتف باسمها بنبرة رومانسية مليئة بالكثير من المشاعر المختلطة:
-حبيبتي، فراشتي، أغلى حاجة في حياتي
نظرت له باستغراب وقد انعقد ما بين حاجبيها باندهاش مريب، سألته بخفوت وهي ترفع جسدها قليلاً للأعلى:
-هو في إيه؟
ابتسمت له الممرضة بخجل من غزله المفرط لزوجته أمامها، أخفضت عينيها وهي تتجه نحو الباب لتترك لهما مساحة من الخصوصية، دنا "يزيد" من الفراش ثم مد يده ليمسك بكف "فرح"، رفعه إلى فمه طابعًا قبلة طويلة عليه، ظلت نظراتها إليه مليئة بالغموض والحيرة، تأملت تعبيرات وجهه التي تعكس حالة سعادة غريبة محاولة تفسير ذلك، تابع مضيفًا بتنهيدة مليئة بالأشواق:
-أنا بأحبك، بأعشقك يا أحلى فراشة
بدا وجهها خاليًا من التعبيرات وهي تسأله مدهوشة:
-هو إنت كويس؟
أجابها بحماسٍ مبررٍ:
-أنا مش مصدق، ربنا هيكرمني أخيرًا بعيل
ارتفع حاجبها للأعلى متسائلة باندهاش غير مريح:
-عيل مين؟
وضع "يزيد" إصبعيه على طرف ذقنها يداعبه برفق وهو يجيبها:
-إنتي حامل يا حبيبتي
اعتلت الصدمة تعابيرها وتجمدت أنظارها المصدومة على وجهه الذي كان مرآة واضحة للحالة الشعورية التي تعتريه، تمتمت مع نفسها بذهولٍ:
-أنا حامل؟!
...................................
استغرقها الأمر بعض الوقت لتستوعب بالفعل أنها تحمل في أحشائها جنينًا ينمو بداخلها، الآن استطاعت أن تفسر تلك التغييرات المريبة التي أصابتها مؤخرًا، وبالطبع لم يأتِ ببال "فرح" أن تأخير موعد ضيفتها الشهرية – والتي غفلت عنها كليًا – يعد من أهم علامات حدوث الحمل، هي التهت بما وضعت فيه من ضغوطات كثيرة وتناست احتمالية حدوث الأمر، انتابتها حالة من الخوف والقلق، بدت حائرة للغاية، مترددة مما ستفعله لاحقًا، تفهم "يزيد" ما تمر به من تخبط، بادر بطمأنتها قائلاً:
-أنا معاكي يا "فروووح"، مش هاسيبك، إنتي مش عارفة أنا نفسي أكون أب ازاي
ردت عليه بارتباك وهي تفرك أصابع كفيها معًا:
-إنت مش فاهم يا "يزيد"، أنا أغلب الوقت هاكون لوحدي، إنت في شغلك وأنا ....
قاطعها بجدية وهو ينظر لها بحنو:
-الوضع من اللحظة دي اتغير، احنا كلنا هانكون معاكي، وبعدين مش إنتي نفسك تبقى أم؟ ويبقى حواليكي عيال يتنططوا جمبك
رمشت بعينيها مبررة خوفها:
-ايوه، بس مكونتش عاملة حسابي إنه يكون دلوقتي، يعني كنا نستنى لحد ما وضعنا يستقر
رد عليها بهدوءٍ ضابطًا انفعالاته كي لا تتأثر إن بدا قاسيًا أو صلبًا معها:
-ربنا أراد، دي مشيئته يا حبيبتي
ضغطت على شفتيها متابعة بنفس النبرة المترددة:
-بس ده ...
قاطعها "يزيد" قائلاً بنبرة جادة لكنها خافتة:
-"فرح" اسمعيني
نظرت له بانتباه تام فتابع تلك المرة بنبرة هادئة ليستميلها:
-فراشتي الحلوة
احتضن كفي يدها براحتيه متعمدًا فركهما برفق بأصابعه وهو يكمل بابتسامة صافية تحمل الطمأنينة:
-أنا عارف إنك قلقانة من اللي جاي، الحكاية مش بسيطة زي ما أي حد فاكر، ايوه دي مسئولية كبيرة جدًا، بس طول ما احنا مع بعض كل حاجة هنعملها سوا، فمش عاوزك تشيلي هم أي حاجة
رمقته بنظراتٍ أكثر حيرة دون أن تعقب عليه، سحب "يزيد" نفسًا عميقًا حبسه للحظة بداخل صدره المشحون بالكثير من المشاعر المتحمسة، لفظه دفعة واحدة قبل أن يستأنف حديثه متعمدًا استرقاق قلبها واللعب على عواطفها الأمومية:
-عارفة لو مامتك الله يرحمها كانت معانا، كانت هتفرح أوي بالخبر ده، أي أم في الدنيا بيبقى نفسها تشوف عيال بنتها حواليها يملوا عليها حياتها
بدأت حدقتاها في اللمعان تأثرًا بما قاله، هي كانت بحاجة إلى تعزيز نفسي يبث لها إحساس الثقة ويغرزه أكثر فيها، يطمئنها بوجوده إلى جواره إن كانت يومًا بحاجة إلى الدعم خاصة حينما تمر بلحظات التغييرات الهرمونية، تابع قائلاً ومتعمدًا استخدام تلك النبرة المؤثرة للعب أكثر على مشاعرها:
-فما بالك بحتة مننا تكبر قصادنا وتقولك يا ماما، عيال كده مقطقطين شبهك يحبوكي وتحبيهم ويضحكوا من أقل حاجة بتعمليها علشانهم
اغرورقت أعينها بالعبرات وهي تطالعه بنظراتها، رفع "يزيد" يده إلى وجهها ليمسح على وجنتها بنعومة فانسابت دمعاتها الدافئة مع لمساته الحنون، اقترب من وجهها لتشعر بأنفاسه القريبة تضرب بشرتها وهو يكمل بهمسه الهادئ وبنبرة ذات مغزى:
-بلاش نضيع الفرحة دي مننا، ربنا أكرمنا بحاجة ناس غيرنا محرومين منها، أنا وإنتي محتاجين عيال يكونوا حوالينا، وهانعرف نحبهم ونحميهم ونتعب علشانهم، فمتخافيش يا حبيبتي
ابتسمت رغم بكائها الصامت فضمها إليه مكملاً بتأكيد:
-أنا معاكي ومش هاتكوني لوحدك!
............................................
انطلقت الزغاريد في كل أرجاء المنزل الكبير بعد معرفة القاطنين به بخبر حملها، ففرحة كتلك لم تكن لتمر هكذا دون احتفال حقيقي، فالخطب يخص أحد رؤوس عائلة "جودة"، لم تصدق "فرح" تلك الليلة التي أقيمت للاحتفاء بها وتهنئتها بجوار حفل الحناء الخاص بـ "سوسن"، جلست وسط النساء اللاتي أتين من كافة الأعمار لتقديم التهنئات والتبريكات للاثنتين، وبالطبع تلقت العديد من المجاملات المادية التي لم تتوقعها أبدًا، انتظرت "مفيدة" انصراف أغلب ضيفاتها لتقدم بنفسها هديتها الثمينة لها قائلة:
-احنا النهاردة فرحتنا فرحتين، ده نقوطك يا أم الواد
تناولت "فرح" المبلغ النقدي الكبير منها وهي تنظر لها باندهاش مضاعف، اعترضت هاتفة بحرجٍ كبير:
-بس ده كتير
ردت عليها "مفيدة" بجدية وهي تشير لها بنظراتها الصارمة:
-ماتجوليش الكلام ده يا بتي، دي عوايدنا إهنه، وبعدين احنا معملناش معاكي الواجب من الأول، سامحينا إن كنا اتأخرنا عليكي!
ابتسمت لها "فرح" مرددة بامتنان:
-ميرسي يا طنط
عبست "مفيدة" بوجهها قليلاً لتحذرها:
-بردك بتجولي الكلمة الماسخة دي، أني زي أمك، جوليلي حتى يا حاجة
توردت بشرتها خجلاً منها، أومأت برأسها قائلة:
-حاضر
ربتت على كتفها برفق لعدة مرات وهي تتابع بسعادة أظهرتها لها:
-يحضرلك الخير يا بتي
..................................
لاحقًا، صعدت "فرح" إلى غرفتها لتجد زوجها بانتظارها على أحر من الجمر، ولجت إلى الغرفة نازعة تلك العباءة المزركشة التي كانت ترتديها خلال الاحتفال لتضع على جسدها ثيابًا مريحة، راقبها "يزيد" بنظرات حالمة طامعة في تمضية ليلة لا تنسى، لكن قبل أن يعبر لها عن أفكاره الجامحة، أراد أن يتسلى معها قليلاً، شبك كفيه خلف رأسه وهو يعيد ظهره للخلف ليلتصق بالفراش متسائلاً بعبثٍ:
-قوليلي طلعتي بمصلحة أد إيه؟
استدارت نحوه مرددة باستغراب:
-مصلحة؟!
أرخى ساعديه المعقودين ليشير بهما موضحًا:
-ايوه فلوس النقوط وكده، أنا متودك في الحكايات دي، والناس عندنا هنا ماشاء الله إيدهم فرطة
وضعت "فرح" يدها على منتصف خصرها ترمقه بنظرات متحدية وهي ترد بدلالٍ:
-ملكش فيه
نظر لها معاتبًا ثم اعتدل في جلسته مضيفًا:
-ده أنا اللي هاسد ده كله
هزت كتفيها متابعة بعدم اكتراث:
-وأنا مالي
نهض من على الفراش يرمقها بنظراته التي لا تقبل بالخسارة حينما يزج به في تحدٍ ما، استطرد قائلاً بغموض عابث:
-بقى كده، طب احنا عندنا مهمة بحرية سرية دلوقتي
تراجعت للخلف بخطوات متمهلة وهي تحرك سبابتها بالنفي لتضاعف من أشواقه:
-عيب، الناس تقول عنا إيه هنا، مافيش مهمات ولا غيره!
اقترب منها بتأنٍ ممررًا أنظاره على تفاصيلها المغرية، تابع قائلاً بتسلية شديدة وقد اتسعت ابتسامته اللاهية:
-احنا هنعلق رايات النصر
حذرته مشيرة بإصبعها:
-إياك!
انقض فجأة على رسغها يجذبها منه برفق وهو يأمرها:
-يالا يا أم عتريس
قاومته قائلة بعبوسٍ:
-مين؟!
تابع مازحًا وهو يطوق خصرها بذراعه الأخر ليقضي على محاولاتها للإفلات منه:
-تخيلي أصحابه لما ينادوه "عتريس يزيد جودة"
تلوت في أحضانه مبدية استنكارها، نظر في عينيها قائلاً بثقةٍ:
-ده حتى فخامة الاسم تكفي!
لكزته بقبضتها المتكورة في كتفه قائلة:
-بطل بواخة
شدد من إحاطته لها هامسًا بكلمات موحية:
-طب تعالي بس، احنا متأخرين 10 دقايق على الاجتماع ودي فيها حبس انفرادي
كركرت ضاحكة وهي تتدلل عليه، ثم تعلقت بعنقه مرددة بنعومة تلهب الحواس وتشعل المشاعر"
-ماشي يا ... أبو عتريس!
............................................
خلال الأشهر التالية، لم يتوقف "يزيد" عن دعم حبيبته طوال فترة الحمل التي بدت كالدهر بالنسبة له، فيومًا بعد يوم كانت رغبته وأشواقه تتضاعف في رؤية وليديه واحتضانهما، لم يصدق بأنه سيرزق بتوأم حينما أخبره الطبيب النسائي بذلك، أدرك أن المولى أنعم عليه وعوضه عن فترة صبره، بالطبع كانت اهتماماته منصبة على زوجته ورعايتها في المقام الأول، بذل ما في وسعه لإسعادها وإرضائها، شاطرها كل تفصيلة تخصهما، بل كان في بعض الأحيان يقترح عليها ما يتوجب فعله للتأكد من وجود ما يلزمهما، شعرت "فرح" بكل ما يمنحه لها من حب ورعاية واهتمام، واستمتعت بلحظاته معها، وجداله حول أمور الأطفال، تيقنت كليًا من حنانه الأبوي، بأنه نعم الزوج وسيكون حتمًا نعم الأب، وباتت هي الأخرى تترقب لحظة إنجابها لهما، هدأت حياتها وامتلأت بحب الكثيرين، ظلت الأوضاع مستقرة إلى حد ما، ولكن لم يدم ذلك الصفاء كثيرًا، فقد عكره ما نما إلى مسامع "يزيد" من محاميه، والذي أبلغه بتنازل "فرح" عن القضية، اعتبر الأمر تجاوزًا لما اتفقا عليه، خاصة أنها فعلت ذلك دون عمله، جن جنونه واستشاط غضبًا على الأخير، لم يستطع أن يمرره هكذا، لذا عنفها قائلاً بحدة:
-ازاي تتنازلي عن القضية من غير ما تاخدي رأيي؟!
نظرت له بضيق جلي، فالمسأله لم تعد متعلقة به، انزعجت من كونه يتعمد فرض سطوته التحكمية عليها، ردت بانفعال وقد احتقن وجهها بحمرة منفعلة:
-لأن ده موضوع يخصني
صاح بها مغتاظًا من تجاهلها لتلك المسألة طوال الفترة المنصرمة:
-"فرح"، احنا الاتنين عايشين مع بعض، كل حاجة بنعملها سوا، وخصوصًا الحكاية دي، إنتي نسيتي عملوا فيكي إيه
ردت مبررة موقفها وقد زادت حدة عصبيتها:
-أنا نهيت علاقتي بالعيلة دي، مش عاوزة حاجة تربطني بيهم، ليه لازم نحكي في حاجة خلصت
هتف بها بتشنج مستخدمًا يده في التلويح:
-تقومي تسيبك حقك بالبساطة دي؟ ومن غير ما ترجعيلي؟ ده أنا كنت مستعد أحارب الدنيا عشان أجيبهولك!
شعرت بآلام حادة تضرب أسفل ظهرها من الانفعال الزائد، بدت تعبيراتها مشدودة وأعينها محتقنة وهي تصيح بصعوبة:
-كفاية يا "يزيد"!
لم يشعر بما تمر به من أعراض، واصل صراخه المحتد بها قائلاً:
-يا فرح إنتي مش عايشة لوحدك عشان تعملي حاجة زي كده من غير ما ترجعيلي
دافعت عن موقفها بنبرة ثقيلة وقد بدت حركتها غير طبيعية:
-موضوع وراح لحاله، انساهم زي ما أنا عملت
تضاعف الألم بقوة، وزاد عليه تلك النغصة العنيفة التي أصابت معدتها فأجبرتها على إخراج صرخة موجوعة وهي تنحني للأمام:
-آآآآه
توقف "يزيد" عن شجاره معها لينظر إلى تلك الحالة المريبة التي اعترتها فجأة، ردد بقلقٍ:
-"فرح"، مالك؟ حصلك إيه؟ إنتي كويسة؟!
قبضت على ذراعه الممدودة نحوها لتقول بصوت متشنج وهي تكز على أسنانها:
-مش قادرة، بطني، آآآه
تراجع "يزيد" خطوة للخلف مفزوعًا وهو يرى المياه تنساب من بين ساقيها، هتف متسائلاً بهلعٍ:
-إيه ده؟
وضعت يدها على أسفل بطنها وهي تجيبه بصوت متألم ولاهث:
-شكلي بأولد!
اتسعت حدقتاه رعبًا من تلك الصدمة المباغتة، شعر أنه انفصل لثانية عن العالم ليعود من جديد إليه صائحًا بلا تفكير وكأنه قد فقد ذاكرته:
-بتولدي، طب أعمل إيه؟
ضغطت على شفتيها صارخة:
-إنت بتسألني؟ اتصرف
هز رأسه بهسترية وهو يرد بارتباك مفهومٍ:
-حاضر ..!
......................................................
لاحقًا، أودعت بالمشفى ليجري الطبيب النسائي عملية الولادة لها بعد أن تأكد من علاماتها، مر الوقت بطيئًا للغاية و "يزيد" يحترق على أعصاب مشدودة في الممر الؤدي لغرفة العمليات، ذرعه جيئة وذهابًا لعشرات المرات كوسيلة لإفراغ شحنته داعيًا الله في نفسه أن يطمئنه عليها وعلى وليديه، دق قلبه بقوة وتأهبت حواسه مع أول صرخة صغيرة مكتومة سمعها تأتي من الداخل، خطفت أنفاسه وسلبت عقله، أدرك أنه لم يتوهم ذلك حينما تكررت الصرخة، تضاعفت حماسته وهلل بسعادة حامدًا المولى على عطيته اللا محدودة، كانت لحظة فارقة في حياته حينما خرجت إليه الممرضة تحمل الرضيعين بين ذراعيها، أدمعت عيناه تأثرًا برؤيتهما، تناول أحدهما منها بذراع مرتجفة وهو يخشى أن يصيبه بأذى، أخرج الرضيع الأول تأويهة متثائبة فارتعدت أطرافه، طمأنته الممرضة قائلة بابتسامة سعيدة:
-متقلقش يا فندم، هو كويس
نظر لها بأعينه الدامعة قائلاً:
-ده ابني؟
ردت عليه مبتسمة وهي تقرب الأخر منه:
-أيوه، وده كمان ابنك
انتبه له مرددًا بحرجٍ:
-صح
سلط أنظاره على توأمه وهو يبتسم بسعادة مضاعفة، تابعت الممرضة مضيفة:
-اتفضل
ورغم سهولة الأمر للأمهات للتعامل مع الأطفال الرضع، إلا أن المسألة كانت محيرة للغاية مع "يزيد" الذي كان مرتبكًا بدرجة ملحوظة، اعتقد أن الأمر بحاجة لتكتيك عسكري ليتعامل مع الاثنين في نفس الوقت بنفس الكفاءة، نظرت إليه الممرضة متعجبة منه، لكنها تركته معهما، تأمل "يزيد" قطعتي فؤاده بتوترٍ، حافظ على ثبات ذراعيه وهو ممسك بهما يضمهما إلى صدره، أخذ يهدهدهما برفقٍ وهو مستمتع بأول لحظات له معهما، عادت إليه الممرضة لتساعده ريثما تخرج "فرح" من العمليات، ورغم سعادته التي لا توصف إلا أن عقله لم ينشغل عن زوجته الراقدة بالداخل، انتظر وضعها بغرفة الإفاقة ليلج إليها حاملاً الرضيعين، أسندهما على الفراش الخاص بهما ثم اقترب من فراش "فرح" ليطمئن عليها، أحنى رأسه على جبينها يقبله هامسًا لها:
-"فرح"
تأوهت بأنين خفيض وهي تحرك رأسها للجانبين، تابع مسحه الرقيق على بشرتها بأصابعه حتى أصبحت واعية بدرجة معقولة، سألته بإرهاق وهي تفتح عينيها بصعوبة:
-هو حصل إيه؟
أجابها بابتسامة عفوية:
-إنتي ولدتي يا حبيبتي، نسيتي ده؟
استوعبت أنها بالمشفى، فابتسمت ساخرة من سذاجتها، تابعت متسائلة بجدية رغم الوهن البادي في نبرتها:
-وولادي فين؟
أجابها بهدوء وهو يشير بعينيه نحو فراش الرضيعين:
-هنا يا حبيبتي
ابتعدت عنها ليحضرهما إليها، وضع كلاهما على جانبيها لتشم رائحتهما، حاولت تحريك رأسها لتقبيلهما، ثم تساءلت بضعفٍ:
-هاتسميهم إيه؟
جمدت أعينها المتعبة على وجهه تحذره:
-بلاش عتريس وعويس والأسامي العجيبة دي!
هتف ضاحكًا:
-أكيد مش هاعمل كده، ايه رأيك في "فارس" و "فواز"؟
نظرت له مليًا فتابع موضحًا بمكرٍ:
-واخدة بالك من الحروف، "فــارس"، و"فــواز"!
ردت بابتسامة صغيرة:
-دول بيبدأوا بحرف الـ "ف"
أومأ "يزيد" برأسه مكملاً بتنهيدة:
-ايوه، زيك يا حبيبتي، عشان تعرفي غلاوتك عندي
اتسعت ابتسامتها مع جملته الأخيرة رغم الألم الذي يعتري جسدها، حركت ذراعيها لتضم رضيعيها إليها أكثر مستشعرة ملمس وجهيهما عليها، أغمضت عينيها مستسلمة لذلك الخدر الجميل الذي امتزج مع سعادتها بوجودهما ملاصقين لقلبها.
.................................................
امتلأت الغرفة بالبالونات الزرقاء والورود السماوية والتي أحضرتها "شيماء" خصيصًا لصديقتها المقربة، لم تتوقف عن حمل الرضيعين وهدهدتهما بسعادةٍ، التفتت إلى "فرح" تهنئها:
-مبروك يا فروح، يتربوا في عزكم إن شاء الله
ردت عليها ببسمة رقيقة وهي تتأمل رضيعيها:
-الله يبارك فيكي
بالطبع أحضرت معها صغيرتها "سلمى" لترى الرضيعين، تساءلت الصغيرة ببراءة:
-ده النونو يا "فلح"؟
أجابتها بحنو وهي تشير إليهما:
-دول اتنين يا لومة، مش واحد
تابعت الصغيرة صائحة بإلحاح طفولي:
-أنا عاوزة زيها يا مامي
التفتت "شيماء" نحو زوجها الذي كان واقفًا إلى جوار رفيقه قائلة بجدية ملحوظة:
-قولي لبابي يا لومة
ركضت "سلمى" نحو أبيها، جذبته من بنطاله بكفها الصغير وهي تقول:
-بابي هات نونو
هز رأسه بالإيجاب قائلاً بثقة رغم مزاحه:
-حاضر، هانزل أجيب 1 في كيس وطالع
مصمصت "شيماء" شفتيها متمتمة بغيظ منه:
-يا سم
رد عليها محذرًا:
-سامعك يا "شيموو"، الرادار لقط الكلمة!
أولته ظهرها مكملة حديثها مع "فرح" قاصدة تجاهله، لم يكترث لها والتفت برأسه نحو "يزيد" يسأله مبتسمًا:
-البشوات أساميهم ايه؟
أجابه الأخير بفخرٍ:
-"فارس" و "فواز"
قطب "آدم" جبينه متسائلاً بمزاحٍ:
-فوار، طب ليه كده؟ هو التاني عنده حموضة ومزنوق في باكو؟
رفع "يزيد" حاجبه للأعلى محذرًا:
-بأقولك اسمه "فواز" فبلاش استظراف!
وضع "آدم" قبضته المتكورة أمام فمه ليتنحنح بخشونة وهو يرد:
-احم، معلش يا باشا كان عندي مشكلة في السمع، ودني الشمال مسدودة و..
ثم مد يده لمصافحته متابعًا بنفس المرح اللطيف:
-مبروك وعقبال ما تجيب فرقة بحالها وتشوف واحد فيهم مشير، والتاني على المعاش
لكزه "يزيد" في كتفه بقوة وهو يرد بضيق:
-امشي يا "آدم" بدل ما أدورك مكتب إن مكونتش أحبسك، وأهوو أريح مراتك منك
فرك رفيقه كتفه قائلاً:
-طب يرضيك البت "سلمى" ما أجيبلهاش نونو؟ ده كده يحصل أزمة دبلوماسية!
ضحك "يزيد" من طريقته الساخرة من الأمور وهو يهز رأسه بتعجبٍ، فاستمر الأخير في دعاباته الملطفة للأجواء.
...................................................
بعد مرور عدة أيام، اهتمت "فرح" بإقامة التقليد المتبع عند ميلاد أي طفل أو ما يعرف مجازًا بـ "سبوع المولود"، تحول المنزل إلى ما يشبه "مقلة اللب" من كثرة ما به من أجولة مليئة بالفول السوداني والملبس والحلوى من كافة الأشكال والأحجام، وقطع الشيكولاته، والهدايا الصغيرة التي يتم إرفاقها مع أكياس الفول وغيرها من تلك الأمور، بدت "شيماء" متحمسة هي الأخرى لمساعدة رفيقتها في إعداد كل ما تحتاجه ليخرج السبوع بما يليق، انتهت "فرح" من تعبئة بعض العلب وتأكدت من إحكام ربط أنشوطتها، صاحت بنبرة عالية لكنها آمرة وهي تدير رأسها في اتجاه زوجها:
-"يزيد" حط العلب دول على تربيذة السفرة!
حضر إليها ثم انحنى قليلاً ليجمع ما أعدته بذراعيه وهو يرد متسائلاً:
-حاجة تانية؟
ابتسمت له قائلة بامتنان:
-تسلم يا حبيبي!
غمز لها قائلاً بسعادة وهو يعتدل في وقفته:
-أحلى سبوع لأحلى توأم
ردت عليه برومانسية ناعمة:
-ربنا يباركلنا فيك
-ويخليكي ليا يا أم العيال
هرولت الصغيرة "سلمى" نحوه تقطع طريق سيره وهي تهتف ببراءة:
-عمو "يزيد"
وضع ما بيده بحذر على الطاولة الواسعة، أخفض رأسه نحوها قائلاً:
-ايوه يا لومة
وضعت يدها التي كورتها على فمها متابعة:
-عاوزة اشرب
أومأ "يزيد" برأسه قائلاً بحنو كبير:
-حاضر، تعالي معايا المطبخ يا لومة هاجيبلك مياه
وثبت في مكانها بمرحٍ وهي تصفق بكلتا يديها ثم تسابقت معه لتصل أولاً إلى المطبخ، في حين اقترب "آدم" من زوجته مُلقيًا عليها طلباته بجدية:
-أنا عاوز شوية فول من أبو قشره، وماتنسونيش في البتاع الأبيض اللي بيلزق بين السنان ده، أه وزودوا الملبس اللي في الكيس، أنا بلاقي واحدة بس!
نظرت له "شيماء" شزرًا، فقد كان الوحيد الذي لا يشارك في شيء، ويمضي وقته في مشاهدة مباريات كرة القدم أو المصارعة الحرة، احتدت نظراتها نحوه وهي ترد بتحذير غامض:
-امشي يا "آدم" أحسنلك
كتمت "فرح" بصعوبة ضحكتها من وجه صديقتها المحتقن غيظًا من تكاسل زوجها الملحوظ، أضافت بجدية وهي تغمز لها:
-أقولك أنا على حاجة تعملها
سألها باهتمام:
-إيه هي؟
أجابته بابتسامة متسلية:
-روح غير للعيال البامبرز بتاعهم
تجهمت تعابير وجهه وهو يرمقها بنظراته مرددًا بعتابٍ:
-ودي تيجي يا مدام "جودة"، ترضيهالي؟!
ثم صمت للحظات ليقول بعدها بدهاءٍ:
-ماينفعش حد يطلع على الأسرار العسكرية دي غير قادة الجيوش
تبادلت "فرح" نظرات حائرة مع "شيماء" التي لم تفهم هي الأخرى مقصده الغامض، أوضح لهما "آدم" نواياه هامسًا بعبثٍ وقد اتسعت ابتسامته الماكرة على الأخير:
-احنا نكلف سيادة المقدم "يزيد" بالمهمة الحرجة دي، وربنا يقدرني على فعل الخير!
_تمت_