تحميل رواية «هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅» PDF
بقلم Manal Salem
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الفصل الأول: خرجت من مخفر الشرطة متحفزة للغاية، لم تكن لتتركها تعيش حياة هانئة وهي مازالت تحملها الذنب في وفاة ابنها الوحيد، لم تقتنع بكونه قضاءً وقدرًا من المولى عز وجل، فهي بالنسبة لها الملامة الوحيدة فيما حدث لفقيدها الغالي، نظرت لها ابنتها باستنكار، فهي مثلها تعلم حقيقة الأمر، ولكنها لم تستطع إثناء أمها عن رأيه، هي أكثر عِندًا مما ظنت، زفرت بضيق معاتبة إياها: -برضوه عملتي اللي في دماغك يا ماما؟ نظرت لها " سميرة " شزرًا، وأجابتها بامتعاض: -ايوه، ومش هيهدى قلبي ولا يرتاح إلا لما أشوفها متبهدلة...
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم Manal Salem
الفصل التاسع عشر
تصلب جسده كليًا وتشنجت عروقه حينما أبلغته القيادات بالمكيدة التي تم تدبيرها للإيقاع بتلك الجاسوسة، شخصت أبصار يزيد وشحب لون وجهه بطريقة مفزعة، لم يتصور أن توضع زوجته قليلة الخبرة - بل وحتى ضعيفة الحيلة في موقف كهذا -يفوق قدرتها على التعامل مع شخصية إجرامية مثلها، التفت نحو قائده هاتفًا باعتراض وهو يقاتل للحفاظ على هدوء انفعالاته:
-ده خطر عليها يا فندم
رد القائد بجدية:
-المركب متأمنة يا سيادة المقدم
احتدت نبرة يزيد قليلاً وقد اشتعلت نظراته:
-بس ده مش كفاية
تنفس القائد بعمق مرددًا بهدوء محاولاً طمأنته:
-في ناس تبعنا عليها، أكيد مش هانسيبها كده، وبعدين إنت فاهم إن دي محاولة لإلهائها لحد ما يتقبض على باقي الشبكة
كز على أسنانه محدثًا نفسه بحنق:
-يعني مراتي تروح فيها عشان الـ...... دي!
زفر بتمهل كي لا يخرج عن سكونه الزائف متسائلاً:
-طيب يا باشا افرض حصل....
قاطعه قائلاً بجدية:
-اطمن، وده مش كلامي، القيادات كلها شغالة على الموضوع ده من فترة، وخلاص الموضوع قرب ينتهي
ازدرد يزيد ريقه متمتمًا بتوجس كبير وقد شردت أعينه:
-ربنا يستر
.........................................
في بقعة أخرى، وبالقرب من إحدى التجمعات السكنية الهادئة، تحركت القوات الأمنية في اتجاه ذلك المبنى يتبعون تعليمات قائدهم الصارمة، لم يحدثوا جلبة كي لا يلفتوا الأنظار نحوهم، لكن أشارت تحركاتهم المتسللة إلى خطورة الوضع، رفع أحد الضباط الملثمين ذراعه للأعلى ليشير بإصبعيه نحو المدخل، فانشق البعض منهم متجهين نحوه، خطى قائدهم بحذرٍ أشد نحو زاوية أخرى، ثم همس في رجاله محفزًا إياهم:
-استعدوا للهجوم يا رجالة
تأهب من معه واتخذوا وضعية القتال، أكملوا سيرهم الحذر حتى بلغوا الطابق المنشود، تم إحكام السيطرة عليه من كافة الجهات، وعند اللحظة المناسبة اقتحم الجميع في وقت واحد ذلك المبنى محدثين فيه فوضى عارمة، اشتد الوضع تأزمًا بإطلاق النيران والعبوات الغازية، حاول من بالداخل الفرار قبل أن يُلقى القبض عليهم، باءت محاولتهم بالفشل وأصيب بعضهم بالأعيرة النارية، وألقي القبض على البعض الأخر، بالإضافة إلى سقوط بعض الضحايا من الجانبين، وفي خضم ذلك نجح أحدهم في إرسال رسالة نصية إليها هي تحديدًا، لتهرب قبل فوات الأوان.
........................................
شعرت بقلبها يهوي في قدميها مع تلك الاهتزازة القوية للقارب، تشبثت فرح أكثر بحافته كي تحافظ على اتزانها، بالطبع كان الأمر يسيرًا بالنسبة لديما لتستفزها حتى تخرج عن حذرها المبالغ فيه معتقدة أنها بذلك ستهلكها حتمًا، انتبهت لرنين هاتفها، فأخرجته من حقيبتها، أتاها صوتًا يحذرها بإحدى اللكنات الأجنبية التي تجيدها، تحولت قسمات وجهها للشدة ونظراتها للقتامة حينما عرفت بحقيقة الوضع، عمدت إلى إخفاء ذلك التوتر الشديد الذي اعتراها لتبدو هادئة، رسمت ابتسامة زائفة على ثغرها مدعية استمتاعها بالأجواء المحيطة بها، بدأت تتلفت حولها بنظرات متفحصة لأوجه المحدقين بها، ارتابت في أحدهم ممن يطالعها بطريقة غامضة، أشاحت بوجهها بعيدًا عنه تفكر في الخيارات المتاحة لها، وقعت أعينها على فرح المرتجفة بجوارها، التوى ثغرها بابتسامة عابثة وهي تقول لنفسها:
-هالغبية تذكرتي للخروج من هون!
تنحنحت ديما بصوت خفيض لتقول بعدها:
-فرح، أنا بلشت أتعب، بدي أنزل
ردت عليها الأخيرة بنبرة مهتزة:
-أه وأنا كمان
ثم نهضت بحذر من مكانها لتضيف:
-هاروح أكلم أكلم المراكبي يرجع بينا على الشط
وقفت ديما هي الأخرى معها قائلة بهدوء مريب:
-راح إجي معك
وبالفعل توجهت الاثنتان نحو صاحب القارب لتبلغاه برغبتهما في العودة إلى الشاطئ، امتثل لطلبهما وأدار الدفة في الجهة العكسية، جلست فرح من جديد في مكانها وهي تتنفس الصعداء لمرور الأمر على خير، بينما ظلت ديما متحفزة لما يمكن أن يحدث معها، اعتقد الضابط المراقب لديما بوجود خطب ما خاصة بعد أن لاحظ التصرفات المريبة لها بالإضافة إلى عودة القارب للشاطئ قبل انتهاء الجولة البحرية، كذلك لاحظ تعبيراتها التي تبدلت، فمال على زميله الجالس بجواره مغمغمًا بصوتٍ خفيض:
-خدت بالك منها؟
رد بجدية شديدة رغم خفوت صوته:
-ايوه، مش لازم نفارقهم للحظة
-تمام
..............................................
ذرع الرواق جيئة وذهابًا وهو يحاول جاهدًا الاتصال بزوجته، تعذر عليه الوصول إليه وظلت تلك الرسالة المسجلة تتكرر باستمرار، أطلق يزيد سبة نابية من بين أسنانه ضاربًا بكفه الحائط بعنف، دنا منه آدم يراقب تشنجاته المتوترة، حاول طمأنته رغم القلق الذي يسيطر عليه هو الأخر، استطرد قائلاً بهدوء مصطنع:
-متقلقش يا يزيد، هاتكون بخير
ضرب يزيد بقبضته الحائط من جديد وهو يصيح بحنق:
-أنا هاتجنن، أكيد جرالها حاجة، مش بترد عليا
-القائد قال إنهم متراقبين وفي حراسة و..
قاطعه منفعلاً وقد برزت مقلتاه:
-مش كفاية يا آدم، فرح هاتروح مني، وأنا واقف عاجز هنا مش عارف أعملها حاجة
نكس آدم رأسه قليلاً ليقول:
-مش عارف أقولك ايه
فرك يزيد وجهه كليًا براحة يده وهو يتمتم مع نفسه بصوتٍ مزعوج:
-استر يا رب!
عاود مهاتفتها قائلاً بنبرة متصلبة وهو يضغط على أسنانه:
-ردي يا فرح، طمنيني عليكي!
.............................................
بعد دقائق وصل القارب للمرفأ، فنزل من على متنه بعض الجالسين به، وكان في مطلعهم فرح التي أرادت وبشدة أن تلامس قدماها الأرض لتشعر بالأمان من جديد، ما لم تضعه في حسبانها أنها ستواجه الأخطر هنا، تبعتها ديما بخطوات حثيثة لا يفصلها عنها أي شيء ثم تأبطت في ذراعها بشكل غريب، التفتت فرح نحوها متسائلة باستغراب:
-ليه كده؟
ابتسمت لها ديما دون أن تعطيها الجواب المناسب مما أثار ريبتها أكثر، واصلت الاثنتان سيرهما المتعجل حتى باتتا في منطقة شبه خاوية من المارة، لحق بهما الضابطان وهما مسلطان أنظارهما عليهما، استدارت ديما برأسها للجانب لتلاحظ مراقبتهما المستمرة لها، تيقنت أنهما سيلقيان القبض عليها، لذلك حسمت أمرها بإنهاء كل شيء الآن، تأهبت سريعًا للانقضاض على فرح، توقفت عن السير ولفت ذراعها حول عنقها لتطوقها منه، تفاجأت الأخيرة بما تفعله بها فصاحت مستنكرة:
-هو في إيه؟
هتفت بها ديما بصيغة آمرة وهي تضغط على فقرات عنقها:
-ما تفتحي تِمك
حاولت مقاومتها لكن شددت الأخيرة من قبضتها عليها، أخرجت من حزام خصرها مدية صغيرة كانت مخفية فيه، ثم وضعتها على عنقها، شعرت فرح بنصل حاد يحز جلدها فتأوهت متألمة، حذرتها ديما من جديد بصرامة وهي تهمس لها في أذنها:
-ما تصرخي وإلا راح اقتلك
مُنعت جبرًا من الاستغاثة أو طلب النجدة، لكن بتصرفها الملفت للأعين جعلت الضابطين يتدخلان على الفور، صاح أحدهما بنبرة عالية وهو يشهر سلاحه أمام وجهها:
-سيبيها يا ديما!
تراجعت الأخيرة مستديرة بها للخلف وصارخة بتهديد مخيف:
-ما حدا فيكم يقرب مني، راح اقتلها
ارتعدت فرائص فرح منها، وضعت يدها على قبضتها محاولة إبعاد نصل المدية الحاد عن عنقها وهي تسألها بهلع:
-هو في إيه؟ إنتي بتعملي كده ليه؟
لوهلة اعتقدت أن ما تفعله ما هو إلا انتقام أهوج منها لتصرفها السابق معها، فتابعت متسائلة بخوفٍ:
-احنا مش حلينا كل حاجة بينا؟
شددت ديما من قبضتها وهي تعنفها باستهزاء:
-لك شو غبية!
أصدرت فرح أنينًا مكتومًا بسبب الوخزات الحادة التي تزداد إيلامًا مع استمرار ضغطها عليها، هتف الضابط بجدية وهو يقترب بخطوات محسوبة منهما مركزًا فوهة سلاحه على ديما:
-اهدي يا مدام فرح، كل حاجة هتبقى تمام
أراد أن يبث فيها نوعًا من الأمان كي لا تتهور ويحدث ما لا يُحمد عقباه، أضاف رفيقه بتريث محاولاً التفاوض:
-ديما اسمعينا، آ......
قاطعته الأخيرة صارخة بانفعال:
-إنتو ما بتعرفوا مين بأكون
اخترق نصل المدية عنق فرح فصرخت بألم واضح على تعبيراتها، التقطت أنفاسها اللاهثة هاتفة بصوتها المختنق:
-ابعدي عني!
بدأت الدماء تنساب من أسفل المدية، فأكملت صارخة بخوفٍ وهي تسلط نظراتها المذعورة على الضابطين:
-الحقوني، هاتموتني!
دفعت توسلاتها المستغيثة الضابط للصياح بتهديد أشد لهجة:
-أحسنلك تسلمي نفسك وتسبيها، الشبكة اللي بتحميهم اتقبض عليهم خلاص، واللي بتعمليه ده هيزود في عقوبتك
جمدت ديما أعينها المتوهجة غضبًا على وجهه مستشعرة قرب نهايتها، تحرك بؤبؤاها مع صوت الضابط الأخر حينما هدر بصرامة وقد بات على بعد عدة خطوات منها:
-لأخر مرة بنقولك سبيها يا ديما
نظرت له باستخفاف وهي تسأله:
-وإلا شو؟
تبادل الضابطان معها نظرات تحمل الكثير من الترقب والخوف والقلق والحدة، كانت فرح في نفس الوقت في وضع لا تحسد عليه، رأت شريط حياتها يمر أمام ناظريها، ومضات سريعة وخاطفة من ذكريات عاشتها مليئة بالفرح والحزن، بالبكاء والضحك، ظنت أنها النهاية حتمًا، ازداد خوفها، ورغمًا عنها بكت متأثرة، انسابت عبراتها بغزارة لتشق طريقها حتى عنقها، امتزجت مع تلك البقع الصغيرة من دمائها التي تسربت من أسفل جلدها، لم يكن أمام ديما أي فرصة للهرب، أصبحت تعد ما تبقى لها من فرص متاحة للنجاة، بنظرات سريعة وشمولية تلفتت حولها لتحدد خطوتها التالية، لم يستغرقها الأمر سوى ثوانٍ لحسم أمرها، فقامت بالخطوة التي تمنت فعلها مسبقًا للخلاص ممن نصبتها عدوتها، ومن أجل إلهاء الضابطين عنها، غرزت المدية أكثر لتنحر عنق فرح بلا رحمة فتضاعف مع ذلك صراخها الهائج، أرخت ذراعها عنها فوضعت فرح يدها على القطع مانعة الدماء من التدفق، تحشرجت أنفاسها واختنق صوتها وهي تحاول استيعاب ما حدث لها توًا، شحذت بعد ذلك ديما قواها بالكامل لتدفعها من ظهرها بكل ما أوتيت من قوة في اتجاه الضابطين لتفر راكضة بعدها، تلقفها أحدهما بين ذراعيه ومددها على الأرضية، بينما ركض الأخر خلف ديما ليمسك بها ...................................... !!
.........................................................
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم Manal Salem
الفصل العشرون
اعتقدت لوهلةٍ أنها نجت من الخطر المحدق بها، تكفلت بتعطيل من يلاحقها بإلقاء فرح في اتجاههما لتفر هاربة من المكان، لكن أعاقتها تلك الطلقة النارية التي استهدفت قدمها من الخلف، ثنيت ساقها وطرحت أرضًا متأوهة بألم شديد، جاهدت لتزحف على يديها في محاولة بائسة منها للهروب، لكن اعترض طريقها الضابط الذي أشهر سلاحه في وجهها ليصيح بها بنبرة آمرة:
-اثبتي مكانك!
استندت ديما بكفيها على الأرضية كاتمة آلامها داخلها، رفعت رأسها في اتجاهه تطالعه بنظراتها المغترة، فرغم سقوطها إلا أنها احتفظت بذلك الكبرياء الزائف وتلك الابتسامة المستفزة على ثغرها، تابع الضابط مضيفًا بلهجة شديدة مهددًا إياها:
-حركة زيادة وهاتكون الطلقة الجاية في دماغك
أشارت له بكفها قائلة بصوتٍ شبه مختنق:
-ما تقلق، راح أضل هون!
..............................................
على الجانب الأخر تمددت فرح على الأرضية الإسفلتية واضعة يدها على عنقها لتمنع الدماء النازفة من التدفق منه، وضع الضابط الأول يده على قبضتها ليزيد من ضغطه على القطع الشديد، ورغم خطورة الموقف إلا أنه طمأنها قائلاً:
-هتعدي على خير
أخرج من جيبه هاتفه المحمول ليستدعي سيارة الإسعاف، نظرت له فرح بأعين زائغة وهي تقاتل للبقاء حية، تحشرج صوتها أثناء محاولتها للحديث، حذرها الضابط بجدية:
-بلاش تكلمي!
ظل جسدها ينتفض بقوة، فتابع بقلقٍ كبير:
-مدام فرح مافيش داعي لأي مجهود، الإسعاف جاي في الطريق!
تجسد أمام عينيها طيفه متخيلة لهفته عليه، زاغت أبصارها وهي تهمس بنبرة متقطعة:
-يـ... يزيد!
لحظات وبدأت قواها تخبو تدريجيًا فتوجس الضابط خيفة أن تكون على وشك فقدان حياتها، استدار برأسه للخلف حينما سمع الصوت الشهير لسيارة الإسعاف يصدح في المكان، كانت أخر ما التقطته أعينها تلك الأطياف التي دنت من رأسها وامتزجت أصواتهم مع صوت نبضات عجيبة لم تستطع تفسيرها.
........................................................
انهار كليًا حينما بلغه خبر تعرضها للاغتيال رغم ما التأكيدات المتواصلة من توفير الحماية لها بكافة السبل، هرول يزيد إلى المشفى العسكري حيث تم نقل زوجته إليه، انتظر على أعصاب متلفة في الرواق المؤدي لغرفة العمليات وبدنه يرتجف بدنه من تخيل فقدانها خاصة بعد أن علم بتفاصيل قتلها، تجمدت أعينه التي اغرورقت بالعبرات على الباب المعدني، وشرد يفكر في لحظاته معها، اعتصر قلبه ألمًا وأنبه ضميره للزج بها في أمر مهلك كهذا باتت هي ضحيته في النهاية، لم يقاوم عبراته التي انهمرت من طرفيه على وجهه، فمن غيرها سيبكيها بكل تلك اللوعة والحزن؟ خاف يزيد أن يفجع فيها، أن يخرج إليه أحد الأطباء ويبلغه بوفاتها، تضاعف نحيبه الذي امتزج مع شهقاته، شعر بتلك اليد توضع على كتفه لتشد من أزره، التفت بعينيه الباكيتين للجانب ليجد آدم إلى جواره، هتف الأخير بصوتٍ خفيض:
-ادعيلها يا يزيد
تهدل كتفاه بإحباط جلي، استشعر خسارتها فانقبض قلبه أكثر، رد عليه من بين بكائه الموجوع:
-خايف تروح مني
أخفض آدم قبضته على ذراعه ليقول بجدية محاولاً بث القوة في روحه الهائمة:
-ثق في الله هايكون معاها ويشفيها
استعاد في ذاكرته ومضات خاطفة من مشاهد مقابلته مع قادته ليضع معهم خطط الإيقاع بتلك الجاسوسة المحترفة، ازداد ألم قلبه وشعر به يكاد يخترق ضلوعه وهو يتذكر تزكيته باسمها لتكون المرشحة الأولى للتغطية في تلك المناورة الزائفة، بدا يزيد وكأنه يفكر بصوت مسموع حينما نطق قائلاً:
-أنا بإيدي وديتها للموت، وصدقت إنهم هيحموها
رد آدم مبررًا ما حدث لها قائلاً بنبرة عقلانية:
-إنت عارف إن أكتر من جهة مشتركة في العملية دي، يعني متقدرش تلوم حد بعينه، وبعدين كان لازم يحسسوا ديما إنها مش متراقبة عشان تتصرف بحرية وتغلط، ولحد أخر وقت كله كان تمام
شعر يزيد أنه عاجز عن الوقوف فاستند بظهره على الحائط، نكس رأسه بخزي وهو يقول من بين حزنه العميق:
-هما وعدوني هيحموها
تنهد آدم هاتفًا:
-نصيبها كان كده، خليك مؤمن بقدر ربنا
رفع يزيد أبصاره للأعلى ليهتف بنبرة تدمي القلوب والدمع يفيض من عينيه:
-يا رب نجيها!
ظل الصمت سائدًا لبعض الوقت إلى أن تخلله صوت يزيد المتسائل بتشنج:
-وبنت الـ........ عملوا فيها ايه؟
أجابه رفيقه بحذرٍ متوقعًا ردة فعلٍ غاضبة منه:
-اتقبض عليها
صدق حدسه واستشاط يزيد غضبًا لبقائها على قيد الحياة مقارنة مع زوجته التي تصارع الموت بالداخل، صرخ فيه باهتياج:
-ليه ماموتهاش ساعتها؟
أجابه آدم موضحًا:
-الظابط قال إنه كان خايف على فرح، ديما كانت محمية فيها، وفي اللحظات الحرجة دي إنت بتدور على الأسلم!
كور يزيد أصابع يده ضاغطًا بعصبية عليهم ثم ضرب بقبضته بعنف على الحائط ليقول بعدها بغل ووعيد وهو يكز على أسنانه بشراسة:
-أه لو كنت موجود
-لا يمنع حذر من قدر يا يزيد
-عندك حق، بس مش هاسكت عن حق مراتي!
عاد الصمت من جديد يخيم على الأجواء، ويزيد يتجول بين الحين والأخر في الرواق محاولاً التنفيس عن ضيقه المشحون بداخله، لم يتوقف لسانه ولا قلبه الملتاع عن الدعاء، انتصب في وقفته حينما لمح قائده المباشر يقترب من على بعد، وصل إليه الأخير متسائلاً باهتمام واضح:
-إيه الأخبار يا سيادة المقدم؟
استراح في وقفته بعد أن أشار له بالتخلي عن الرسمية في تلك المواقف، ثم أجابه بنبرة حزينة للغاية:
-لسه جوا، مش عارف عنها حاجة
ربت القائد على ذراعه عدة مرات وهو يحفزه قائلاً:
-أنا عاوزك تطمن، معاها أكفأ الأطباء
رد عليه يزيد بحنق بائن في نبرته وهو ينظر إليه بأعينه الملتهبة:
-يا باشا سيادتك وعدتني هتحميها، بس اللي حصل...
قاطعه القائد معللاً:
-وارد يوقع خطأ يا سيادة المقدم، بس زي ما فهمتك قبل كده، كل جهة مسئولة عن مهمة معينة وملتزمة تنفذها على أكمل وجه، والرجالة اللي بيأمنوها بذلوا جهدهم عشان ميعرضوهاش للخطر ولا يثيروا الشبهات كمان، لكن ديما عرفت باللي حصل لشبكة الجاسوسية وبناءً على المعلومات دي قررت تتخلص منها
سأله يزيد بنبرة منفعلة وقد تشنجت عروقه:
-طب ليه مقتلوهاش قبل ما تموت مراتي؟
أجابه بهدوءٍ محاولاً تفسير الموقف برمته له:
-جهات سيادية محتاجاها عشان تاخد منها معلومات عن الجهات اللي مشغلينها وبتتواصل مع مين، إنت فاهم إن المسائل دي مش تخصصنا، بس أكيد قتلها مكانش هيفيد
اغتاظ من حرصهم على سلامة شخصية خائنة لأوطانها مثل تلك في مقابل التضحية بزوجته، وكأن حياتها لا تشكل فارقًا عندهم، انفعل بصوتٍ شبه حاد:
-وموت مراتي مش هايفرق مع حد، صح؟
جمد القائد أنظاره عليه متفهمًا طبيعة عصبيته المبررة، سحب نفسًا مطولاً لفظه بتمهل ليضيف بعدها:
-أنا مقدر الوضع اللي إنت فيه
تدخل آدم في الحوار ملطفًا:
-اعذروه يا فندم، دي برضوه مراته
التفت القائد برأسه نحوه ليرد بجدية:
-أنا فاهم ده كويس وهاكون على تواصل مع إدارة المستشفى والدكاترة هنا عشان أعرف الأخبار أول بأول!
عاود التحديق في وجه يزيد وهو يكمل بنفس النبرة الجادة:
-مش عاوزك تقلق حتى لو علاجها احتاج إنها تسافر برا، القيادة هتتحمل كافة التكاليف
أدمعت عيناه من جديد وهو يرد:
-أطمن إنها عايشة بس الأول
استمر الحوار الحذر بينهما للحظات قبل أن يستأذن قائده بالانصراف ليقف يزيد من جديد بجوار باب غرفة العمليات مترقبًا خروج من يطمئنه عنها، دفن وجهه بين راحتيه مستشعرًا حرارة أنفاسه على كفيه، تأهبت حواسه وتصلب جسده حينما انتبه لدفع الباب، انتصب في وقفته ليهرول نحوه متسائلاً بلا ترددٍ:
-خير يا دكتور؟
أطرق الطبيب رأسه قليلاً ليجيبه بهدوءٍ:
-مخبيش عليك، الوضع كان حرج في البداية، بس احنا عملنا اللي علينا والباقي على ربنا
بدت كلماته المنتقاة بحذرٍ كتمهيد أولي عن وجود ما لا يبشر، تقطع صوت يزيد وهو يسأله بتلهفٍ:
-يعني فرح هاتعيش؟
أجابه بروتينية:
-ادعيلها تعدي الساعات الجاية على خير
ثم ربت على كتفه كنوع من المواساة والدعم لينصرف بعدها مبتعدًا عنه وتاركًا إياه في حالة نفسية سيئة، تضاعف إحساسه بالذنب والضيق، هو من ألقى بها في تلك الهوة السحيقة لتتحمل بمفردها نتائج اختياره، انهار باكيًا من جديد فأشفق عليه رفيقه، وضع يديه على ذراعيه هاتفًا:
-اجمد يا يزيد، ماتقدرش البلاء قبل وقوعه
لحظات وفتح الباب من جديد ليطل الممرضون وهم يسحبون الناقلة الطبية الراقد عليها جسد فرح، انتفض قلبه بين ضلوعه وهو يراها على تلك الحالة المخيفة، ركض نحوها محاولاً المرور بينهم ليراها وهو يصرخ باسمها بطريقة هيسترية:
-فرح، ردي عليا، فــــرح!
انفطر قلبه حزنًا عليها، احتضن كفها بين يديها متوسلاً لها:
-إنتي هاتبقي كويسة، قوليلي ده!
تشبث أكثر بها مما أعاق حركة الممرضين وهو يكمل بصوته المختنق:
-أنا اللي ضيعتك!
تدخل آدم ليبعده عنها محاولاً تهدئته، أبعده بصعوبة للخلف وكأن في فصله عنها انقطاع أنفاسه وهلاك روحه، صرخ بكل قوة وبجنون يصعب السيطرة عليه:
-فـــرح ........................... !!
.....................................................
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم Manal Salem
الفصل الحادي والعشرون
وما إن استقرت حالتها الصحية نسبيًا حتى تم نقل "فرح" إلى المشفى العسكري بالقاهرة لتستكمل باقي العلاج هناك، وأشرف أكفأ الأطباء على متابعة التطور الصحي لها، لم يفارقها "يزيد" للحظة، وظل ملازمًا لها يتابع بتلهف أي جديد يطرأ عليها، ورغم تحديد موعد الزيارة إلا أنه لم يلتزم بالقوانين وبقي مرابطًا أمام غرفتها بالعناية الفائقة يراقبها بنظراته الدامعة من خلف الزجاج، ضغط "آدم" بيده على كتفه قائلاً برجاء:
-روح البيت ارتاحلك شوية، إنت بقالك على الحال ده كتير
أبعد يده مرددًا بحزنٍ بائن في نبرته:
-مش هاسيبها وأمشي
ضغط "آدم" على شفتيه مكملاً:
-بس....
قاطعه بإصرار عنيد:
-ما تضغطش عليا لو سمحت
امتثل رفيقه لطلبه هاتفًا بتنهيدة يائسة:
-حاضر
تركه واقفًا في مكانه واتجه إلى المقعد القريب ليجلس عليه، أدار رأسه للجانب ليجد بعضًا من زملاء "فرح" بالعمل، نهض من جديد ليصافحهم، تساءل أحدهم بجدية:
-ايه الأخبار؟
أجابه "آدم" بهدوء:
-لسه مافيش جديد
أضاف أخر بنبرة متفائلة:
-إن شاء الله تطمنوا عليها
رد عليه:
-يا رب
انضمت إليهم "إيلين" التي كانت تمسح المخاط عن أنفها الباكي وهي تقول بشهقات مختنقة:
-مش قادرة أصدق إن فرح يجرالها ده كله
وأضاف زوجها "أمير" الذي أتى بصحبتها قائلاً:
-قلبنا معاكو
ابتسم "آدم" متمتمًا بودٍ:
-شكرًا، مكانش ليها لازمة تتعبوا نفسكم
ردت "إيلين" بحزنٍ جلي:
-دي فرح أكتر من أختي، ربنا اللي عالم محبتها عندي عاملة إزاي!
تساءل "أمير" باهتمام:
-والمقدم "يزيد" حالته ايه؟
التفت "آدم" برأسه نحو رفيقه، حدق فيه للحظات وهو يرد بأسف:
-زي ما إنت شايف، من يوم ما عرف باللي حصلها وهو على الحالة دي
هز رأسه متفهمًا حزنه المبرر على زوجته التي يحبها وهو يرد:
-ربنا معاه
كان "يزيد" منفصلاً بالمعنى الحرفي عما يدور خلفه، هو فقط مسلط لأنظاره على زوجته الراقدة بالداخل يراقبها بنظراتٍ مطولة، لم يكن يرى سواها أو يسمع صوتًا غير دقات قلبه التي تهتف بين ضلوعه باسمها، استند بكف يده على الزجاج مدققًا النظر في وجه حبيبته الهادئ، تنفس بعمق لافظًا عن صدره مع الزفير الذي أخرجه منه أثقالاً تتعبه، همس من بين شفتيه بندم:
-حقك عليا، أنا السبب في ده من الأول!
مسح بظهر كفه تلك العبرات العالقة عن طرفي مقلتيه، سحب نفسًا مطولاً من جديد ليسيطر على انفعالاته الحزينة بداخله، انتبه لتلك الشدة الصغيرة في بنطاله، فأخفض أعينه وهو يدير رأسه للجانب ليجد الصغيرة "سلمى" تطالعه بنظراتها الشقية ووجهها الطفولي، لم يكن به من الطاقة ما يحثه على حملها أو حتى مداعبتها كالسابق، اكتفى فقط بالربت على رأسها برفق، عبست ملامح الصغيرة فركضت نحو والدتها التي احتضنتها وحملتها على ذراعها، هزت رأسها مستنكرة حالة الضيق البادية على "يزيد"، مالت على زوجها تهمس له بتساؤل مزعوج:
-هو هيفضل كده كتير؟
أجابها "آدم" بامتعاض:
-الله أعلم، ارجعي البيت إنتي كمان
اعترضت متسائلة بوجه شبه متجهم وهي ترفع حاجبها للأعلى:
-عاوزني أسيبك لوحدك؟
رد باستنكار متذمر:
-يعني هاتخطف يا شيماء، خدي لوما وروحي!
هزت رأسها نافية وهي تقول:
-قلبي مش مطاوعني، وخصوصًا بعد اللي حصل
زفر قائلاً:
-مالوش لازمة الرغي هنا
مصمصت شفتيها مرددة بأسفٍ:
-عيني عليها والله، حظها قليل أوي، كل شوية تتعرض لمصيبة أكبر من اللي فاتت
حك "آدم" طرف ذقنه قائلاً بعبوس:
-بلاش الله يكرمك الرغي الكتير ده، أنا مش ناقص!
ثم التفت برأسه نحو "يزيد" ليجده على نفس الحالة الواجمة، اقترب منه من جديد ليطالعه عن قرب، كان شاردًا ومحدقًا فيها، تأهبت حواسه عندما لاحظ حركة رأسها الخفيفة، تجمدت أنظاره عليها وانتفض في وقفته حينما تكرر الأمر من جديد، هتف بحماسٍ متلهف لفت انتباه من حوله:
-"فرح" بتتحرك، شكلها بتفوق
تهللت أساريره بدرجة كبيرة معتقدًا أنها على وشك استعادة وعيها، واصل صراخه المتحمس مرددًا بصوتٍ مرتفع:
-يا دكتور، "فرح" اتحركت، تعالى شوفها
ركضت إحدى الممرضات لتستدعي الطبيب، بينما دلفت أخرى من غرفتها لتتفقدها، كان مجبرًا على الانتظار بالخارج ريثما يتم فحص مؤشراتها الحيوية للتأكد مما رأه، حبس أنفاسه مترقبًا بأعصاب تشتعل على جمرات من النيران ما يحدث بالداخل، توجس خيفة أن يكون قد أصابها مضاعفات خطيرة، توتر كثيرًا وتسارعت دقات قلبه من فرط القلق، لحظات وخرج إليه الطبيب ليطمئنه قائلاً بهدوئه المعتاد:
-متقلقش، المدام هاتبقى كويسة
سأله "يزيد" بتلهفٍ كبير:
-يعني هي فاقت؟
أجابه موضحًا:
-مش بالظبط، بس أنا عاوزك تطمن، أنا متابع حالتها
لم يعِ جيدًا ما الذي يقصده فسأله بعصبية ملحوظة:
-رد عليا يا دكتور، هي هاتفوق ولا اللي شوفته ده كان خيال و....
قاطعه الطبيب بحذرٍ وهو يضع يده على ذراعه:
-ايوه، بس بالتدريج، اهدى إنت شوية
تدخل "آدم" في الحوار قائلاً:
-اطمن يا يزيد، أكيد الدكتور فاهم شغله كويس وعارف ازاي هيتعامل مع حالتها
أومأ برأسه عدة مرات قائلاً بتنهيدة مزعوجة وهو يعاود التحديق وجه فرح الغافل من خلف الحائط الزجاجي
-استر يا رب
................................
جلس على طرف فراشها بعد أن سُمح له بالدخول، ثم مد يده ليمسك بيدها بين كفيه، ظل "يزيد" يمسح على أصابعها برفق وهو يطالعها بنظراته المتلهفة لها، شعر بتلك الاهتزازة الخفيفة لكفها فتحمس كثيرًا لرؤيتها تفيق، راقب تشنجات وجهها منتظرًا باشتياق فتحها لجفنيها، أصاب حدسه وبدأت "فرح" تستعيد وعيها، رمشت بعينيها لعدة مرات لتعتاد على الإضاءة بالغرفة، شدد من قبضتيه على يدها لتشعر به بجوارها، أدارت رأسها في اتجاهه فرأته يبتسم لها، حركت شفتيها لتسأله بصوتٍ خافت ومتحشرج:
-هو حصل إيه؟
وضع يده على جبينها يتلمسه بحذرٍ وهو يجيبها:
-حمدلله على سلامتك يا حبيبتي
سألته من جديد بنبرة حائرة وقد شعرت بذلك الألم القوي في حلقها:
-أنا بقالي كتير هنا؟ و...
وضع سبابته على شفتيها كي يمنعها عن الكلام مرددًا بابتسامته السعيدة:
-بلاش تجهدي نفسك يا فراشتي، أنا جمبك مش هاروح لحتة
اكتفت بالابتسام له، فأكمل معاتبًا نفسه:
-لو كنت أعرف بإن كل ده هايحصل مكونتش وافقت من الأول
ضاقت نظراتها الحائرة نحوه وهي تحاول تحليل ما قاله، لكن تعذر عليها التفكير بذهنٍ صافٍ وذلك الإرهاق يعتريها، عاودت الاستسلام من جديد لخدر النوم المسيطر عليها، لم يتركها "يزيد" بل نهض من مكانه لينحني عليها ليقبلها أعلى جبينها، تراجع عنها لسنتيمتراتٍ معدودة ليهمس لها:
-ارتاحي إنتي بس، وبعدين هاحكيلك كل حاجة بالتفصيل
..........................................
لاحقًا، حينما استعادت قدرًا من عافيتها سرد لها "يزيد" تفاصيل تلك المهمة التي كلف بها، وكانت هي جزءًا منها، انزعجت "فرح" كثيرًا من إخفائه للأمر عليها وتحولت جلستها المسترخية على الفراش لانعكاس ملحوظ لضيقها الممتزج بغضبها، احتقن وجهها وتشنجت تعبيراتها إلى حد كبير، زوت ما بين حاجبيها بعبوس صريح ثم سألته بصوتٍ مبحوح:
-مافكرتش للحظة إنها ممكن تموتني؟
أجابها مبررًا أسبابه:
-يا فرح احنا كنا عاملين حسابنا كويس، ووجودك معايا كان ضمن الخطة من الأول، يعني استحالة كانت تلمسك طول ما إنتي جمبي، وبعدين الأوامر كانت بتحتم عليا أخبي أي حاجة حتى عنك إنتي شخصيًا
كتفت ساعديها أمام صدرها مبدية عدم اقتناعها بحججه التي اعتبرتها واهية رغم يقينها منها، لوت ثغرها للجانب وهي تشيح بوجهها بعيدًا عنه لترد بامتعاض:
-اه طبعًا، ما أنا المغفلة اللي لبست الليلة كلها
زفر بصوت مسموع كتعبير عن استياءه من تفكيرها الضيق، رد بحذرٍ وهو يدور حول فراشها ليغدو قبالتها:
-ماتقوليش كده
لاح في عقلها مشهد الاعتذار الذي أجبرت عليه مع تلك الجاسوسة فاستشاطت غضبًا، لم يسعفها صوتها للهتاف بحدة وهي تقول:
-لأ وكمان سمحتولها تبهدلني وطلعتوني كدابة
جلس "يزيد" على طرف الفراش بجوارها مقلصًا المسافات بينهما، التقط كفها بيده ثم رد باستعطاف:
-غصب عني والله، صدقيني يا فرح، مكانش ينفع نكشف كل حاجة قصادها، كنا مضطرين نعمل كده، بس أنا كنت مصدقك من الأول و...
لم تستطع مسامحته ولم تتقبل منه تخليه عنها في وقت كانت تتحرى فيه الصدق منه، وما عقد الأمور بينهما هو تعرضها في الأخير لمحاولة اغتيال، سحبت يدها بقوة من كفه، نظر لها بأعين مزعوجة من تصرفها ذلك، تجاهلت تودده اللطيف لها لتقول بجفاءٍ:
-خلاص يا يزيد، مش قادرة أتكلم
تفهم ما تفعله، وتحمل تصرفاتها العصبية بعقلانية مقبولة، ابتسم لها قائلاً:
-أنا مقدر اللي إنتي فيه، بس والله ماكونتش هاقبل أبدًا إني أعرضك للخطر!
اقترب منها ليضع يده على وجنتها ثم مسح عليها برفق وهو يغازلها:
- ده إنتي الحب كله يا فراشتي
انزعجت من لمسه لها فابتعدت بوجهها عنه قائلة باقتضابٍ:
-يزيد، أنا تعبانة
ورغم نفورها الواضح منه إلا أنه حافظ على هدوء أعصابه معها، أعاد يده إلى جواره مرددًا بنبرة جادة وقد احتدت نظراته نحوها:
-حاضر يا فرح، براحتك
نهض من جوارها ملتفتًا برأسه للخلف ليجد الممرضة تلج للغرفة وهي تقول بنبرة روتينية:
-لو سمحت يا فندم، الدكتور هايجي يغير للمدام على الجرح، وأنا لازم أجهز المريضة
أشار لها بيده وهو يرد:
-تعالي
التفت برأسه نحو "فرح" ليقول بنبرة رسمية:
-هاجيلك لما تخلصي
ردت عليه بجفاءٍ قاسٍ:
-ماتتعبش نفسك، أنا هاكون نمت
احتقن وجهه من ردها الأخير، والذي أحرجه أمام الممرضة كثيرًا، رمقها بنظراتٍ امتلأت بالعتاب، ثم زم فمه قائلاً:
-براحتك
تركها مع الممرضة لينصرف وهو مشحون بغضبٍ محتد أراد ألا يحرره أمامها فيفعل ما قد يندم عليه لاحقًا، راقبته بأنظارٍ لا تحمل إلا الضيق حتى اختفى من أمامها، وضعت يدها على الجرح المغطى تتحسسه بحذرٍ شديد، رفعت أعينها نحو الممرضة تسألها بتلك البحة الواضحة في نبرتها:
-هو أنا صوتي هايفضل كده كتير؟
أجابتها الأخيرة بابتسامة مصطنعة:
-مقدرش أفيدك دلوقتي، الدكتور هيقرر ده بعدين
لم تشعر بالارتياح من ردها الغامض، فهي تخشى من تبعات ما تعرضت له مما قد يؤثر عليها بصورة أو بأخرى.
....................................................
تجول معه في الحديقة الملحقة بالمشفى ليستفيض معه في الحديث بعيدًا عن الجميع كي لا ينفجر بضيقه المحبوس بصدره، زفر عدة مرات قبل أن يتابع "يزيد" حديثه قائلاً:
-فرح مضايقة أوي مني، وأنا محتار معها
رد عليه "آدم" بحماسٍ يتناقض مع الانزعاج الكبير الظاهر على رفيقه:
-يومين وهاتفك، إنت عارف دماغ الستات، يحبوا يقفوا على راس الحاجة، ماينفعش تخبي عليهم كلمة
توقف عن السير ليستدير نحوه، ثم صاح مستنكرًا تبريره لجفائها وهو يلوح بذراعه في الهواء:
-هو بمزاجي، دي أوامر عليا، هو احنا بنلعب يا آدم
ربت آدم بيده على كتفه مفسرًا:
-هما مالهومش في الكلام ده، إن شاء الله يكون مين اللي منبه عليك، العقلية واحد يا باشا!
سأله يزيد بنفاذ صبر:
-طب أراضيها ازاي دي؟
غمز له قائلاً بمرحٍ:
-خروجة حلوة، كلمتين متنقيين، بوستين جامدين، وهوب الليلة تمشي
حدجه "يزيد" بنظرات محتدة وهو يرد بتجهم:
-والله إنت فايق ورايق
اتسعت ابتسامة رفيقه مكملاً حديثه الواثق:
-أنا بأقولك على التركيبة السحرية اللي تمشي مع أي ست، جربها ومش هاتندم!
فرك "يزيد" مؤخرة عنقه عدة مرات وهو يغمغم مع نفسه بعدم اقتناعٍ:
-على الله تجيب بس نتيجة مع فرح!
.................................
توالت عليها الزيارات من كل المعارف والأصدقاء والزملاء في الجريدة للاطمئنان عليها، وكذلك أتى لرؤيتها بعض قيادات القوات البحرية للثناء على دورها البطولي وتضحيتها خلال تلك المهمة الخطيرة التي كانت جزءًا هامًا فيها، ابتسمت "فرح" لمدحهم لها وردت بلطافة شاكرة بامتنان مجيئهم إليها، لكن لم يشفع ذلك لزوجها لكي يعود الود بينهما، استمرت في تجاهلها له رافضة منحه الفرصة لإعادة الوفاق بينهما، ورغم ذلك لم يضغط عليها عملاً بنصائح رفيقه لترك الفرصة لها لتصفى من ناحيته. رفضت "فرح" وبشدة حضوره معها حينما حان الموعد النهائي لإزالة الشاش الطبي عن عنقها، كاد أن يتسبب ذلك في حدوث مشاجرة بينهما، لكنها لم تكترث بتبعات قرارها، أرادت أن ترى بمفردها أولاً أثار ما تركته ديما عليها، انتظر بالخارج مضطرًا كحل وسطي، بينما ولجت بمفردها إلى الداخل، توترت إلى حد كبير وتضاعفت مخاوفها مما هي مقبلة علية خاصة بعد أن اعترض الطبيب على رؤيتها للجرح في وقت سبق، استشعرت من تحذيره الصارم بعدم كشفه أو حتى تعريضه للهواء بأنه يخفي عنها شيء ما، راقبت بتخوفٍ إزاحته له حتى بات عنقها مكشوفًا، اقشعر بدنها وارتجفت وهي تشعر بالهواء يضرب جلدها، نهضت من مكانها متوجهة نحو المرآة الطويلة الموضوعة في الجانب لتحدق في تلك الندوب التي حفرت فيه بأعين جاحظة، تحولت نظراتها المرتاعة إلى نظرات مذعورة، بات عنقها بالفعل مشوهًا، حركت يدها المرتجفة نحوه لتتلمسه لكنها لم تستطع، بقيت يدها متصلبة في مكانها عاجزة عن تحريكها، انفصلت لحظيًا عمن حولها وهي تتأمل بشاعته، ترقرقت العبرات سريعًا في مقلتيها تأثرًا بما سيظل معها للأبد، لم تقاوم رغبتها في البكاء، تهدجت أنفاسها صارخة بعدم تصديق:
-دي مش أنا، مش أنا
هتف الطبيب الذي أسرع ليقف خلفها قائلاً:
-يا مدام اهدي
ردت صارخة بانفعال وهي ترتجف بقوةٍ:
-لأ، أنا ماينفعش أكون كده!
أشار لها بيده لكي تهدئ قائلاً برجاءٍ:
-بالراحة يا مدام فرح، خليني أوضحلك حاجة مهمة
على إثر صراخها الهائج اقتحم"يزيد" غرفة الطبيب متسائلاً بحدةٍ وهو يبحث بعينيه عن زوجته:
-فرح، حصل ايه؟
استدارت بجسدها كليًا نحوه مشيرة بيدها المرتعشة إلى عنقها وهي تصرخ فيه بهيسترية:
-شايف جرالي ايه، بصلي كويس!
جمد "يزيد" أنظاره على ندوب عنقها الواضحة، انعكس تأثير ذلك على نظراته ففسرتها بطريقة خاطئة لتكتمل منظومة معاناتها النفسية، هدرت بعصبية وهي تدنو منه:
-قرفان ليه؟ مش إنت اللي عملت فيا كده؟
تألم لرؤيتها على تلك الحالة الهائجة، وما زاد من الطين بلة تحميلها إياه للذنب بالكامل، اقترب منها واضعًا كفيه على ذراعيها قائلاً بارتباكٍ:
-حبيبتي، أنا .....
نفضت يديه عنها متراجعة للخلف وهي تصرخ فيه ببكاءٍ:
-متقربش مني، مش عاوزة حد يلمسني
أضاف الطبيب قائلاً بجدية محاولاً تهدئتها بعد أن خرجت الأمور منها عن السيطرة وباتت في حالة عصبية مقلقة:
-يا مدام في عمليات تجميل بتتعمل، كل ده ممكن يتغطى و يتعالـ........
لم تمهله الفرصة لقول المزيد حيث قاطعته صارخة بجنون وهي تضع قبضتيها حول عنقها:
-أنا بقيت مشوهة
قامت بخدش ندوبها بأظافرها وكأنها تحاول انتزاع ذلك الجلد متابعة صراخها الهيستري:
-أنا عاوزة أرجع زي ما كنت
اتجه يزيد نحوها ليمسك بها من رسغيها، انتزعهما بقوته عن عنقها الذي جرح بشدة مما فعلته به، أدارهما خلف ظهرها ليقيد حركتها وهو يقول:
-فرح اهدي، كل حاجة هترجع زي الأول!
انتفض جسدها بقوة وهي تقاتل للتحرر منه، نظرت له بأعين محتقنة مرددة بصراخٍ:
-إنت السبب ............................ !!
................................................
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم Manal Salem
ملحوظة على السريع
النشر شبه متوقف في الشهر الفضيل بسبب ضيق الوقت..
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الفصل الثاني والعشرون
انتظر بالخارج ريثما ينتهي الطبيب من إجراء فحصه عليها خاصة بعد تأزم حالتها النفسية، جن جنونه حينما خرجت عن شعورها وثارت أمامه لتشعره بمدى حماقته وغبائه لتوريطه إياها في مسألة لا تخصها من البداية، ربما إن استمع لنصائح غيره بإقصاء العائلة عن تلك النوعية من المهام لما وصل به الأمر إلى ما هو عليه الآن، ندم "يزيد" لترشيحه لزوجته منذ البداية للقيام بتلك المهمة معتقدًا أنها الأكفأ للتغطية دون أن تثير الريبة أو الشبهات، فلو ترك الأمر لمن هم أعلى رتبة وتفكيرًا منه ربما لم يكن قد وقع الاختيار عليها، تنهد بإحباط ضاربًا بكف يده الحائط وهو يعنف نفسه قائلاً:
-إزاي عملت فيها كده؟ إزاي؟!
خرج الطبيب نازعًا عن يده القفاز الطبي فالتفت نحوه وهو يسير في اتجاهه متسائلاً بتلهف:
-ها يا دكتور، "فرح" عاملة إيه دلوقتي؟
أجابه بحذرٍ وهو يرمقه بنظرات شبه غامضة:
-مخبيش عليك، حالتها النفسية صعب أوي
ضغط "يزيد" على شفتيه مرددًا بحنقٍ:
-بسببي طبعًا
تابع الطبيب حديثه مضيفًا:
-للأسف آثار الجروح اللي في رقبتها خلتها تحس إنها هاتكون مشوهة، رغم إن الموضوع ممكن يتعالج بعمليات تجميل
احتقن وجهه بدمائه المستثارة موبخًا نفسه:
-دي غلطتي من الأول
رد الطبيب بجدية وهو يشير بكفه:
-ده مش وقت عتاب، المدام محتاجة معاملة من نوع خاص الفترة دي، محتاجة ترجع ثقتها بنفسها من جديد
انتصب في وقفته هاتفًا دون تفكيرٍ:
-دلني على المطلوب وأنا هاعمله
رد الطبيب بهدوءٍ موضحًا له مقصده:
-أنصحك بالتواصل مع دكتور نفساني، يعني هو هيفهم حالتها كويس وهيقدر يتعامل معها بخبرة وحرفية
-ماشي
-وأنا عندي أسماء دكاترة مميزين في عمليات التجميل،
-تمام، أطمن عليها الأول وأظبط معاك كل حاجة
ابتسم الطبيب متابعًا بهدوءٍ:
-وأنا معاك يا سيادة المقدم، هاستأذنك
-اتفضل
قالها "يزيد" وهو يدير رأسه في اتجاه غرفتها، تنفس بعمق قبل أن يزفر بصوت مسموع، حك مؤخرة رأسه وعنقه كمحاولة منه للتنفيس عن انفعالاته المكتومة بداخله، استعد للعودة إلى غرفتها من جديد، ولج بهدوءٍ إلى الداخل ساحبًا المقعد المعدني إلى جوار فراشها، جلس عليه ممررًا أنظاره على وجهها الساكن أمامه، أخفض أعينه ليحدق في جرحها المغطى بالشاش الطبي، كور قبضة يده متألمًا لرؤيتها هكذا، ثم مدها نحوها ليتلمس بحذرٍ وجنتها، مسح عليها برفق وهو يهمس لها:
-كله هيبقى تمام، وهترجعي زي الأول وأحسن!
أبعد يده ناحية كفها المسنود إلى جوار جسدها، التقطه بين راحتيه ضاغطًا عليه برفقٍ وهو يتابع حديثه بصوتٍ خفيض:
-أنا مقدرش استغنى عنك يا فراشتي!
ظل مرابطًا لبعض الوقت إلى جوارها يحدثها في أمور عامة آملاً أن تستعيد وعيها في أقرب وقت، نهض "يزيد" من جلسته لينحني على رأسها، مسح على جبينها ثم طبع قبلة صغيرة أعلاه مضيفًا:
-وقريب هتنسي ده كله!
ألقى عليها نظرة وداع أخيرة مطولة قبل أن يتركها وينصرف متعهدًا في نفسه أن يجعل القادم أفضل بالنسبة لها ويعوضها عما فات.
...................................................
أنهت تصحيح ما وُضع أمامها من مذكرات للطلبة قبل أن ترتشف الجزء الأخير المتبقي من كوب الشاي الساخن الموضوع بجوارهم، حكت "شيماء" مقدمة رأسها بإصبعيها محدثة نفسها بامتعاض بائن على وجهها العابس:
-بجد أنا مشوفتش واحدة منحوسة كده زيها
التفتت رفيقتها "مريم" نحوها متسائلة باستغراب وقد انعقد ما بين حاجبيها بدرجة ملحوظة:
-إنتي يا بنتي بتكلمي نفسك؟
ردت بتنهيدة مطولة وهي تهز رأسها نافية:
-لأ يا "مريم"، بس دماغي ملبوخة حبتين
استشعرت زميلتها وجود موضوع هام يشغل تفكيرها، فحثها فضولها على معرفته، لذلك تابعت مرددة باهتمام
-فضفضي يا حبيبتي، أنا سمعاكي!
بدا على وجهها الحيرة وهي تحاول الهروب من إلحاحها الفضولي، لذلك ردت بارتباك قليل:
-مشاكل عادية في البيت، ما إنتي عارفة
مصمصت الأخيرة شفتيها مكملة بتأكيد:
-هي المشاكل بتخلص، طول ما في عيال لازم تلاقي هم وقرف و....
قاطع ثرثرتهما الروتينية صوتًا مألوفًا تعرفاه كلتاهما جيدًا، التفتت الاثنتان نحوه حينما كرر من جديد:
-مس شيماء
اعتلت الدهشة تعبيرات وجه الأخيرة متعجبة من حضوره شخصيًا بعد فترة الغياب المطولة، بدا على ملامحه المجعدة الإرهاق والتعب، أفاقت من تحديقها المصدوم فيه مرددة باندهاش:
-أستاذ بركات
هبت من مكانها واقفة لترحب به لكنه باغتها قائلاً بجدية شديدة:
-ينفع أتكلم معاكي كلمتين على انفراد
تحرجت "مريم" من وجودها الغير مرغوب به في غرفة المعلمات، تنحنحت بصوت خفيض متمتمة بابتسامة مصطنعة:
-أنا هاروح أشوف الإشراف بتاعي وراجعة كمان شوية
أومأت "شيماء" برأسها ممتنة تفهمها لرغبته، ابتسمت قائلة بودٍ:
-شكرًا يا "مريم"
أشارت بيدها متابعة بنفس النبرة اللطيفة:
-اتفضل يا أستاذ "بركات"
ولج إلى الداخل ليجلس على أقرب مقعد شاغر، التقط أنفاسه مستطردًا حديثه بهدوءٍ حذر:
-أعذريني إن كنت هاتطفل عليكي
ردت مبتسمة:
-أنا فاضية دلوقتي يا أستاذ "بركات"
تردد في كيفية مفاتحتها فيما جاء إليه، أكمل حديثه قائلاً بحيرة ظاهرة في نبرته:
-ازي أحوالك الأول
نظرت له بتمعنٍ متفرسة تعابيره الغامضة، فحتمًا وجوده هنا والآن وراءه سببًا قويًا، ردت عليه بنفس الهدوء دون أن تخفي ابتسامتها عن ثغرها:
-الحمدلله في نعمة
أسند "بركات" مرفقه على الطاولة مضيفًا بجدية تلاءمت مع نظراته نحوها:
-عشان مطولش عليكي أنا هاخش في الموضوع على طول
-يا ريت
سحب نفسًا عميقًا قبل أن يحرره بعد ثوانٍ ليقول:
-ابني "كريم" الله يرحمه كان كاتب كتابه قبل ما يسافر السعودية على بنت...
ردت مقاطعة جملته قبل أن يكملها:
-ايوه "فرح"، أنا عارفة الحكاية كلها
تنهد مضيفًا بارتياح:
-طيب الحمدلله، كده إنتي وفرتي عليا كتير
نظرت له بغرابة بسبب عدم قدرتها على سبر أغوار عقله، سألته من جديد بجدية أكبر:
-بس برضوه مش فاهمة، إيه علاقتي بالموضوع ده؟
أجابها بتمهلٍ مدروس:
-أنا سألت وعرفت حاجة كده وكنت جاي قاصدك في خدمة، بس يا أتمنى ماتكسفنيش
هزت كتفيها مؤكدة وهي تعقد كفيها معًا:
-لو في استطاعتي أكيد مش هتأخر
هز "بركات" رأسه بإيماءات خفيفة ومتابعة وهو يقول:
-وده العشم برضوه
..............................................
مرت عدة أيام تلقت فيها "فرح" الرعاية الطبية ممن حولها حتى استعادت عافيتها وأفاقت من حالة الهياج العصبي التي سيطرت عليها لتعود إلى اتزانها النفسي الطبيعي، ورغم ذلك وضعت تحت الملاحظة الشديدة بأوامر من طبيبها النفسي المعالج لها، في البداية رفضت التعامل معه معتقدة أنه يصنفها كالمجانين، لكن ليس الأمر هكذا هو يؤهلها نفسيًا لتجاوز تلك العقبة وتقبل ما مرت به حتى تتمكن من تخطيه، ظل زوجها يتابع تطورات حالتها دون تدخل مباشر منه حتى سمح له الطبيب بزيارتها، ومع ذلك قام بتأجيل تلك الخطوة لبعض الوقت ليطمئن أولاً على تجاوبها مع غيره قبل أن يحدث الصدام بينهما من جديد، خشي من ردة فعلها، وربما تدهور حالتها فيضيع ما حققته من تقدم ملحوظ مع الطبيب هباءً، استعان برفيقتها في العمل "إيلين" لتقوم بزيارتها، فجاءت الأخيرة وبصحبتها البعض من زملائها في الجريدة لرؤيتها، أسندت باقة الورد على طرف الفراش مرددة بحماس:
-ألف سلامة عليكي
استقبلتهم "فرح" بترحاب ودود، فقد مر وقت ليس بالقليل على رؤية المقربين منها، ردت قائلة بسعادة انعكست في نظراتها:
-ميرسي يا جماعة على تعبكم
ردت "إيلين" معاتبة بعبوسٍ زائف:
-على إيه يا بنتي، ده إنتي بقيتي بطلة قومية، أيقونة لكل اللي في الجرنال
اتسعت ابتسامتها قائلة وهي تجوب بأعينها على وجوههم التي تطالعها بنظرات بشوشة:
-شكرًا ليكم
أضاف أحدهم قائلاً بجدية امتزجت مع نبرته المتحمسة:
-اجمدي بقى عشان ترجعي الشغل قريب
ردت "فرح" مبتسمة:
-إن شاء الله
تبادلت معهم حوارًا شيقًا عرفت فيه أخر المستجدات على الساحة الإخبارية فتضاعفت رغبتها للعودة من جديد للعمل مستنكرة إضاعة المزيد من الوقت ملازمة للفراش، قطع حديثهم المسترسل دقات "يزيد" على باب الغرفة وهو يطل برأسه قائلاً:
-صباح الخير
نظرت له بوجهٍ خالٍ من التعبيرات رغم الحدة التي ظهرت في نظراتها نحوه، ردت عليه "إيلين" ببسمة ودودة وهي تشير بيدها:
-اتفضل يا سيادة المقدم
سار بخطوات ثابتة مقتربًا من فراشها مسلطًا أنظاره الحنون عليها، اعتلى ثغره بسمة صافية وهو يسألها:
-أخبارك إيه النهاردة؟
أجابته باقتضاب وهي تشيح بوجهها بعيدًا عنه:
-تمام
علقت "إيلين" حقيبتها على كتفها قائلة:
-طيب احنا هنستأذن يا فرح ونجيلك وقت تاني
زوت ما بين حاجبيها مرددة باستغراب:
-إنتو ملحقتوش، خليكوا شوية
مسحت رفيقتها على كتفها برفق قائلة بنبرة مجاملة:
-هنجيلك تاني لما ترجعي بيتك بالسلامة
يئست من إقناعها هي ورفاق العمل بالبقاء لبعض الوقت مرددة باستسلام:
-اوكي
اصطحبهم "يزيد" إلى الخارج شاكرًا إياهم على القدوم ودعم زوجته، ثم عاد إليها ليجلس على طرف الفراش مقلصًا المسافات بينهم، أبعدت وجهها عن أعينه المحدقة بها ثم كتفت ساعديها أمام صدرها متعمدة تجاهله، تفرس في تعبيراتها المشدودة بوضوح للحظات في صمت قبل أن يسألها بلطف قاصدًا كسر ذلك الحاجز الجليدي بينهما:
-ازيك يا حبيبتي
زمت شفتيها مرددة بعبوس قوي:
-كويسة
لم يتحمل جفائها معه فمد يدها نحو مرفقها ليحله عن الأخر، قاومته لكنها لم تصمد كثيرًا، قبض على كفها بيده مقربًا إياه منه وهو يعتذر منها:
-"فرح"، أنا أسف
لم تجبه واكتفت بمحاولات بائسة لتحرير يدها من قبضته المحكمة على أصابعها، نهض ليقترب أكثر منها متعمدًا الالتصاق بها، حاولت الابتعاد عنه لكنه لم يمهلها الفرصة، حاوطها من خصرها فشعر بتلك الرعشة الخفيفة تجتاحها، ابتسم لتأثرها به، أبعد "يزيد" بيده تلك الخصلات التي تحجبه عن رؤية وجهها هامسًا لها:
-أنا مقدرش أبعد عنك يا فراشتي
نفخت بصوت مسموع وهي ترد بتجهم:
-وأنا تعبانة وعاوزة ارتاح
رد بجدية مؤكدًا رفضه لنبذها الغير مبرر له:
-مش هاتعرفي تهربي مني
أخفض أعينه ليحدق في ندوبها المغطاة بالشاش الطبي، انقبض صدره متألمًا لرؤيته لذلك، فأكمل بحذرٍ:
-أنا خدت عنوان أشطر دكتور تجميل في مصر كلها عشان يعالجك
ذكرتها كلماته بما مرت به من محاولة الاغتيال التي كادت تودي بحياتها وكيف وقف في صف تلك الوضيعة القاتلة، نفضت تلك الذكرى الأليمة عن عقلها متسائلة بنفاذ صبر وهي تدير رأسها في اتجاهه:
-يزيد، إنت عاوز ايه؟
طالعها مطولاً بنظراته العاشقة لها، كم ودَّ أن يعود بعقارب الساعة للوراء ليرفض من البداية توريطها في أمر يفوق قدرتها فقط من أجل سلامتها، تنهد بعمق ثم مد يده ليتلمس وجنتها، أبعدت وجهها عن أصابعه فانزعج من نفورها منه، رد بحدة طفيفة مستنكرًا قسوتها معه:
-صدقيني يا فرح أنا مكونتش أعرف إن كل ده هايحصل
انفعلت قائلة وهي تتملص من حصاره:
-وأهو حصل
ثم وضعت يدها على الشاش الطبي لتنزعه بعصبية وهي تتابع بنبرتها المتشنجة:
-ودي النتيجة، شايفها؟
برزت ندوبها من أسفله أمام أعينه، احتدت نظراته واحتقن وجهه مما رأه، قبض على أصابع يدها ليبعدها عنهم قائلاً:
-هترجعي زي الأول وأحسن كمان
تحجرت الدمعات في عينيها رغم تلألأهما بقوة، لم ترغب في البكاء أمامه والظهور بالضعف من جديد لتحصل على شفقته، تناست حبه الصدوق لها معتقدة في نفسها أن ما يفعله معها بدافع الشعور بالذنب وتأنيب الضمير، وصله إحساسها نحوه، ولكنه لم ييأس من المحاولة بجدية مرة أخرى، هي تستحق بذل المزيد من الجهد والعناء لاستعادة ثقتها، وضع إصبعيه أسفل طرف ذقنها ليدير وجهها برفق نحوه، رمقها بنظرات تذيب بحنانها الزائد أقسى الثلوج، شدد من ذراعه المحاوط لخصرها ليضمها إليه أكثر، شهقت بتوتر مما يفعله، واستندت بكفيها على صدره لتبعده عنها، قرب رأسه منها لتشعر بأنفاسه الحارة وهو يقول بصوت خفيض:
-حبيبتي، أنا عارف إن احنا مرينا بفترة صعبة وأنا على أد ما بأقدر بأحاول أخرجك من ده كله، بس غصب عني، وأنا قدامك أهو بأوعدك من تاني إن اللي جاي هايكون أحسن
قاومت حصاره قائلة بجمود:
-أنا عاوزة أخرج من هنا
نظر لها متعجبًا ذلك البرود الذي يعتريها حاليًا، لم يرغب في الضغط عليها أكثر من ذلك، فتنهد قائلاً باستياء وهو يحررها:
-تمام، الدكتور يدي الأوكيه وعلى طول هاخرجك ونرجع بيتنا
نهض من جوارها واضعًا يديه في جيبي بنطاله، رمقته بنظرات قاسية وهي تصحح له مقصده:
-لأ، أنا هارجع على بيتي
اغتاظ "يزيد" من تكرارها لتلك الجملة المستفزة للأعصاب، والتي دومًا تشعره بعدم اكتراثها بزيجتهما، وكأن الزواج لعبة لا قدسية له، ضبط انفعالته بصعوبة كي لا ينفجر فيها فيفسد كل روابط الود واللطف، امتقع وجهه وهو يقول بجدية صارمة:
-"فرح"، إنتي مش هتخرجي من هنا إلا على بيتك، اللي هو عندي، وده أخر الكلام!
اعترضت قائلة بإصرار:
-لأ، أنا.....
قاطعها بقوة تعكس شخصيته المتعصبة ومشيرًا بسبابته نحوها:
-مش هاقبل نقاش في حاجة زي دي، انسي!
احتقنت نظراتها نحوه فواصل حديثه بنفس النبرة الجادة وقد برزت عروقه من جانب عنقه:
-مش كنتي عاوزة ترتاحي، نامي يا "فرح"!
دنا منها متابعًا بتحذير:
-ويا ريت تستعيذي بالله من الشيطان اللي راكب دماغك ده
كانت على وشك فتح فمها لترد لكنها انتفضت في جلستها الغير مسترخية حينما رأته يقبض على فكها، اتسعت حدقتاها بتوتر متوقعة لكمة شرسة منه موجهة لها، وضعت يديها على ذراعه القوي آملة أن تتمكن من إزاحته، ارتفع حاجباها مع اقترابه منها، خابت توقعاتها باحتمالية نشوب شجار بينهما، بل وصدمت أكثر حينما أحنى رأسه عليها ليقبل شفتيها مانحًا إياها عاطفة قوية اختزنها بداخله لفترة ليست بالقليلة، انقطعت أنفاسها للحظات مستشعرة ما قدمه لها باستفاضة حفزت حواسها وأججت مشاعرها، ابتعد عنها مبتسمًا بغرور واثق، لهثت وهي تطالعه بتلك الأعين المدهوشة، غمز له بطرف عينه وهو يربت على وجنتها برفق، تراجع خطوة للخلف، ثم لوح لها مودعًا إياها كما لو كان يودع أحد قادته العسكريين قائلاً بثقة أربكتها:
-سلام يا مدام "يزيد جودة"
اتسعت ابتسامته أكثر وهو يوليها ظهره ليسرع بعدها في خطاه إلى خارج الغرفة، لم تبعد أعينها المصدومة عنه وهي تراقبه مرددة لنفسها بعدم تصديق:
-هو كده طبيعي ................................... ؟!
...............................................
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم Manal Salem
تصبيرة جديدة لحين انتهاء الشهر الفضيل
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
الفصل الثالث والعشرون
وعلى عكس ما طلبته منه، فضلت البقاء بالمشفى لبضعة أيام مدعية إرهاقها، لم يعترض عليها "يزيد" رغم عدم حاجتها للتواجد أكثر من هذا، لكن ربما في ذلك فرصة طيبة لتصرف عن ذهنها أي أفكار خرقاء، عاد إلى غرفتها ليجدها غافلة، دنا من فراشها ليلقي عليها نظرة طويلة متأملة، مسح على وجنتها بنعومة ورفق هامسًا لها بعتابٍ:
-بلاش تتعبيني معاكي وتضيعي كل حاجة!
حرك إبهامه نحو شفتيها يتلمسهما وهو يضيف:
-أنا بأحبك وإنتي كمان بتحبيني، بلاش تنسي ده!
رمقها بنظرة أخرى مودعة قبل أن يتركها وينصرف، فتحت "فرح" جفنيها دون أن تحرك ساكنًا رافضة الانسياق وراء مشاعره الحميمية التي تذيب أقوى الحصون، انتظرت لبعض الوقت حتى نهضت عن الفراش لتتوجه بعدها إلى الطبيب المتابع لها لتطلب منه تصريحًا بالذهاب، ورغم تعجبه من طلبها المناقض لما رغبت فيه مسبقًا إلا أنه لم يعترض، شعرت بالارتياح لقرب عودتها إلى منزلها القديم، أخفت عن "يزيد" موعد خروجها عمدًا لتتمكن من الذهاب دون أن يعوق طريقها أو يمنعها، كانت بحاجة للتفكير فيما ستفعله لاحقًا بعد ما مرت به ودون وجود أي ضغوطات خارجية، وربما في ابتعادها فرصة مثالية لرؤية الأمور من منظور مختلف، اهتز يقينها بأن زيجتهما قائمة على الحب ولا شيء غيره، استعادت في ذاكرتها مواقفهما مؤخرًا، وفي أغلبها كانت تنشب مصادمات حادة بينهما تنتهي باستدراجها إلى أحضانه ليحصل على متعة جسدية معها، ربما كانت تستحقها لكنها بغضت أن يكون تفكيره نحوها منحصرًا في تلك المسألة فقط، أغضبتها تلك الفكرة كثيرًا وعززت رغبتها في الابتعاد عنه كي لا تكون تحت تأثيره.
لفت "فرح" حول عنقها وشاحًا حريريًا لتغطي به ذلك الشاش الطبي وكي لا تلفت الأنظار إليه، جمعت ما تبقى من ثيابها الموضوعة بالخزانة الصغيرة الملحقة بغرفتها في حقيبتها لتنتهي بعد ذلك من غلقها، حملتها بيدها متجهة نحو باب الغرفة لتجده مرابطًا بالخارج، لم يقاطع خلوتها واكتفى بانتظارها بالخارج، وما إن رأته حتى شهقت مصدومة، لم تأتِ الرياح معها كما تشتهي السفن، وباءت محاولاتها بالتملص منه بالفشل الذريع، ارتسمت علامات الاندهاش على تعبيراتها وهي تسأله بحدة:
-إنت بتعمل إيه هنا؟
أجابها ببرود يليق به وهو يعتدل في وقفته:
-مستنيكي
سألته بنفس النبرة المصدومة:
-إنت مامشتش؟
-لأ، كنت شاكك إنك ناوية على حاجة!
رمشت بعينيها بتوترٍ وحاولت إخفاء ارتباكها أمامه وهي ترد محتجة:
-أنا أقدر أعمل آ......
قاطعها وهو ينحني قليلاً نحوها ليجذب من يدها حقيبتها قائلاً بصرامة:
-يالا بينا، بيتك مستنيكي
انتفضت من جذبه لحقيبتها عنوة منها، عجزت عن منعه فاستشاطت نظراتها غضبًا من تحكمه بها واتخاذه لقراراتٍ فردية بالنيابة عنها، هتفت معترضة بشراسة:
-أنا مش هاروح معاك في حتة، هو أنا ملياش رأي؟!
تحرك "يزيد"خطوة نحوها لتتلاشى المسافات تقريبًا إلا من بضعة سنتيمترات معدودة على أصابع اليد، توترت من اقترابه المفاجئ منها وتراجعت عفويًا للخلف معتقدة أن لديها فرصة ثمينة للهرب منه قبل أن يحاصرها، تبخر ذلك الأمل البائس حينما وجدت ظهرها يلتصق بالحائط، تضاعف ارتباكها كثيرًا، والتفتت برأسه نحوه تنظر له بأعين قلقة، رأت في حدقتيه نظرات متحدية ومخيفة في آن واحد، ازدردت ريقها تحذره بقوة زائفة رغم اهتزاز نبرتها بصورة ملحوظة متوهمة في نفسها أنها لديها شجاعة لحظية لمواجهته:
-أنا عاوزة أكون لوحـ.....
ابتلعت باقي جملتها في جوفها شاهقة بخوفٍ حينما رأته يرفع ذراعه الأخر المتحرر للأعلى ليسنده على الحائط ليزيد من حصاره لها، مال برأسه نحوها لتشعر بأنفاسه تضرب وجنتها، حدقت مباشرة في عينيه المقتربتين منها بصورة مهلكة، رأته وهو يشير لها بحاجبه سائلاً إياها بهدوءٍ بارد يحمل الثقة وقد اشتدت تعابير وجهه صلابة:
-تحبي تمشي على رجلك معايا ولا أشيلك على كتفي؟
اكتسى وجهها بحمرة جلية فتابع دون اكتراثٍ:
-مش هاتفرق كتير بالنسبالي!
اتسعت عيناها مصدومة من جرأته الوقحة والتي ربما تسبب لها الإحراج أمام ذلك التواجد الغفير من الأطباء والمرضى والممرضين، زادت حمرة بشرتها مع نظراته الغير مريحة بالمرة، استأنف حديثه مهددًا:
-لحد دلوقت أنا بتكلم بالعقل، لكن إنتي عرفاني كويس، لما بتطلع حاجة في دماغي بأعملها، فبلاش تختبري صبري
تحدته بصوت خفيض متشنج:
-إنت متقدرش تعمل .....
أوقفها عن الاسترسال في حديثها مقاطعًا بتهديد مخيف دون أن يرف له جفن:
-تحبي تشوفي؟
شعرت بجفاف كبير يجتاح حلقها وهي تقرأ ما تخفيه أعينه من أمور تفهمها جيدًا، حرك "يزيد" يده ليلامس بأنامله جانب وجهها متابعًا بهمسٍ خطير:
-إنتي مرات المقدم "يزيد جودة"، وأنا مش أي حد، ماتنسيش ده يا... مدام!
ارتجفت من لمساته الحذرة وشعرت بتلك الرعشة الرهيبة تتسلل إلى خلاياها، استجمعت شجاعتها لتبدو صلبة أمامه، وقوية الشكيمة، ضغطت على شفتيها بقوة كاتمة في نفسها رغبتها في الثورة أمام وجهه وحتى دفعه لتفر من أمامه، اضطرت أن ترضخ له دون أن تجرؤ حتى على التفوه بكلمة حتى لا ينفذ تهديده، فقد أوحيت نظراته نحوها بجدية ما ينتوي فعله، التوى ثغر "يزيد" بابتسامة مغترة متأكدًا من نجاحه في فرض سطوته عليها، أخفض ذراعه منتظرًا تأبطها في يده، جمدت أنظارها على يده الممدودة لها، هتف لها ليخرجها من تأملها الشارد فيه:
-يالا ولا عندك رأي تاني؟
لم تستطع الرفض ووضعتها في راحته مجبرة لتجد أصابعه تقبض بقوة عليها وكأنه تصريح ضمني منه باستبعاد ما قد يفرق بينهما، سار الاثنان سويًا إلى خارج المشفى ليجدا "آدم" في انتظارهما وبصحبته زوجته، رمقتهما "شيماء" بنظرات متفرسة، لكن ما داعب فضولها هي تلك الحالة الواجمة المسيطرة على وجه "فرح"، فقد بدت أكثر انزعاجًا وضيقًا، حتى في مشيتها إلى جوار "يزيد"، هتفت بنبرة عالية وهي تلوح بيدها:
-حمدلله على السلامة، احنا مستنيكم من بدري
رد "يزيد" ممتنًا وهو يشدد من قبضته الممسكة على يد زوجته قائلاً:
-تسلموا على تعبكم، معلش أخرناكم
ابتسم "آدم" قائلاً بلطف:
-ولا يهمك
اقترب أكثر منه متابعًا وهو يمد ذراعه ليلتقط منه الحقيبة:
-عنك، أنا هاحطها في الشنطة
-تسلم
قالها "يزيد" وهو يستدير برأسه نحو فرح ليكمل بصيغة آمرة:
-اركبي يا "فرح"
رمقته بنظرات حانقة لم تجاهد حتى في إخفائها، ظل العبوس متشكلاً على ملامحها وهي تستقر في المقعد الخلفي إلى جوار "شيماء" التي لم تتوقف عن الثرثرة المتحمسة وعما قد تكون افتقدته أثناء رقدتها بالمشفى، لم تبالِ "فرح" بحديثها الفراغ فقد كان بالها مشغولاً بالتفكير فيما يمكن أن يقدم عليه "يزيد" إن استمرت هي معه على حالة الرفض.
...............................................
لاحقًا حينما وصلت السيارة إلى البناية المتواجد بها منزله أصرت "فرح" على صعود "آدم" وزوجته للأعلى متعللة برغبتها في القيام بواجب الضيافة معهما لتمهل نفسها الفرصة للاستعداد ذهنيًا وبدنيًا للبقاء بمفردها معه بعد أن رسخت في نفسها رغبة قوية في الانفصال عنه، وافقها "يزيد" الرأي قائلاً:
-مايصحش تيجوا لحد هنا وماتطلعوش
رد "آدم" مبتسمًا:
-يا باشا نخليها وقت تاني، إنتو محتاجين ترتاحوا
أضافت "شيماء" هي الأخرى بحماسٍ ظاهر في نبرتها وهي تناول "فرح" علبة مغلفة بغطاء بلاستيكي:
-شدة وتزول بأمر الله، أنا قولت بمناسبة رجوعكم البيت أعملكم حاجة حلوة كده يا رب تعجبكم
رد عليها "آدم" مادحًا:
-طبعًا الشيف "شيماء" أجدع من العسكري اللي ماسك الميس، مع إنه ساعات بيفلت منها حاجات بس ....
رفعت حاجبها محذرة وقد امتقع وجهها من طريقته الساخرة منها:
-احنا هنهزر؟
تراجع سريعًا عن مزاحه معها قبل أن توبخه مرددًا بتخوفٍ مصطنع:
-لأ يا فندم، هو أنا أقدر!
رد "يزيد" بامتنان:
-متشكرين أوي يا جماعة، نردهالكم في الأفراح
هز "آدم" رأسه قائلاً:
-بإذن الله و....
قاطع حديثهما صوت رنين هاتف "يزيد" المحمول، دس الأخير يده في جيبه قائلاً بجدية:
-ثواني أرد على التليفون
ضجرت "فرح" من بقائها هكذا بالسيارة، لو كان الأمر بيدها لما عادت إلى منزله حتى ترتب أمور حياتها وتستقر على رأي أخير حاسم، للحظة أربكتها فكرة تواجدهما معًا بمفردهما ليحاصرها من جديد بطريقته الماكرة ويسحبها إلى بحور عشقه فتستسلم له وتخضع لرغباته الوقتية، فكرت في فكرة متهورة، ربما ستمنحها الفرصة للهروب منه دون أن يتوقع ذلك منها، ترجلت من السيارة متنهدة بإرهاق زائف، راقبته وهو يتحدث قائلاً:
-ازيك يا مرات عمي، أنا الحمدلله بخير، الجماعة عاملين ايه؟
تلفتت حولها لتدرس المكان بنظرات شمولية خاطفة لتحدد وجهتها، انتبهت لصوته الهاتف بحماسٍ:
-بجد، ألف مبروك، أكيد هاحاول أرتب أموري وأجيلكم مع فرح مراتي
انزعجت أكثر واحتدت نظراتها وهي تراه يتخذ قرارًا ما أولاً دون الرجوع إليها أو حتى استشارتها، شحنت قواها الغاضبة بداخلها لتمدها بالطاقة والقوة لتنفذ ما عقدت العزم على فعله، وعند اللحظة المناسبة، تراجعت "فرح" خطوة للخلف مبتعدة عن السيارة لتتمكن من الركض على الرصيف، تفاجأ "آدم" وهو يطالع المرآة الأمامية للسيارة من ركضها، فتساءل مندهشًا وهو يزوي ما بين حاجبيه مدققًا النظر في انعكاس صورتها:
-هي "فرح" بتجري ليه؟
هتفت "شيماء" هي الأخرى مذهولة من تصرفها المريب:
-"فــرح"!
تصلبت حواس "يزيد" على الفور، وشخصت أنظاره وهو يدير رأسه في وجه رفيقه ليحدق فيه مصدومًا مذعورًا، لم يستغرقه الأمر أقل من ثانية ليستوعب ما فعلته، ترجل على الفور من السيارة ليركض خلفها منهيًا المكالمة فجأة وهو يقول:
-بإذن الله، سلام دلوقتي!
صاح بعدها بصوتٍ جهوري وهو يوجه أنظاره نحوها:
-"فــــرح"
توقف عن الركض ملتفتًا برأسه نحو سيارة رفيقه ليأمره بقوة:
-لف بالعربية وتعالى ورايا يا "آدم"
لم يكن أمام الأخير بدًا من الاعتراض أو حتى التساؤل عما يحدث بينهما، انصاع على الفور لأمره الصارم وأدار محرك السيارة ليلحق به.
................................................
على الجانب الأخر، نجحت "فرح" في الركض بأقصى سرعتها مستغلة ارتدائها لحذائها الرياضي الذي أفادها كثيرًا في هذا الموقف، عبرت إلى الطريق المقابل غير عابئة بالسيارات التي تقطعه بسرعات متفاوتة، كانت أصوات الأبواق المتذمرة والأصوات المحتجة على طيشها والمختلطة ببعض السباب تصدح من حولها، لم تلقِ لهم بالاً واستمرت في ركضها، تخطت على قدر استطاعتها ما اعترض طريقها من عربات طعام متجولة، وكذلك المارة، وبعض المنتجات المعروضة على الأرصفة، لهثت بشدة فتوقفت للحظات لتلتقط أنفاسها، استندت بيدها على أقرب لوحة للإعلانات متلفتة حولها، رأته من على بعد فشهقت مذعورة، أكملت ركضها الهارب منه وهي تحفز نفسها على المواصلة وعدم التراخي، شعرت بآلام تجتاح قدميها وتبطئ من حركتها، هي لم تمارس العَدو منذ فترة فسبب ذلك لها أوجاعًا سريعة، أتاها صوته الغاضب من خلفها يصرخ فيها:
-"فـــرح"!
ارتعدت أطرافها من اقترابه المحتوم، بالطبع لم يحتاج لبذل جهد مضاعف للحاق بها، فشخص عسكري مثله دومًا يمارس الرياضة، تعجب المارة من حالة الفر الدائرة نصب أعينهم ولم يتمكنوا من تفسيرها، اعتقد بعضهم أن هناك فيلمًا يتم تصويره في الأجواء، وأن ما يدور هو مشهد مقتطع من ضمن الأحداث الخاصة به، لذلك لم يتدخلوا واكتفوا بالمشاهدة، بحثت "فرح" بعينيها بهلعٍ وهي تدير رأسها نحو الجانب عن مخرج لها، تحركت نحو الناصية الجانبية، وكان ذلك خطئها، تعثرت قدمها ولفت ساقها حول الأخرى، انكفأت على وجهها متأوهة بصراخ متألم لتمنح "يزيد" ثوانٍ زائدة ليقترب منها، عاودت النهوض مستعيدة طاقتها المستنفذة لتبدأ الركض من جديد، لكن تلك المرة كان زوجها قد بلغها مستغلاً خلو الطريق من معظم المارة، صرخ بانفعال:
-استني يا "فرح"!
اخترق صوته المتعصب آذانها فصرخت عفويًا وهي تجاهد للفرار منه قبل أن تطالها يده، رغمًا عنها تباطأت خطواتها بسبب الألم الذي يضرب قدميها، وكالعادة وصل إليها ملقيًا بثقل جسده المندفع نحوها عليها وهو يمد ذراعه في اتجاهها ليتمكن من طرحها أرضًا، كانت الصدمة قوية على كلاهما، لكنه تلقى الجزء الأكبر منها، صرخت "فرح" بألم حقيقي، اعتدل "يزيد" في رقدته ليقول لها بتعنيف:
-إنتي اتهبلتي يا "فرح"؟ إيه أمور الجنان بتاعتك دي
ركلته في معدته مستخدمة ركبتها ليتفاجأ من ردة فعلها، صاحت مستنجدة بمن حولها وهي تدفعه بذراعيها:
-حد يلحقني!
اندهش من تصرفها، وأسرع بوضع يده على فمها يكممها وهو يقول بغيظٍ:
-إنتي بتعملي إيه؟
تلوت بكامل جسدها محاولة إزاحته بعيدًا عنها، لكنه كان كالجبل المرابط عليها، فاسُتهلك ما تبقى من قوتها، احتقنت نظرات "يزيد" على الأخير متابعًا بوعيد غاضب:
-فكرك جنانك ده هايمنعني أرجعك معايا؟ ماشي!
اعتدل في وقفته جاذبًا إياها من ذراعها الذي قبض عليه دون أن يحرر فمها، لفه حول خاصرتها ليتمكن من رفعها عن الأرضية الصلبة، التفت برأسه في كافة الاتجاهات باحثًا عن سيارة "آدم"، لمحه الأخير من على بعد فاتجه إليه مستديرًا بحرفية عالية بها ليصفها أمامه، ترجل سريعًا من السيارة قائلاً بتوجسٍ:
-اعقل يا "يزيد"، مافيش داعي للعصبية، أكيد هي...
قاطعه رفيقه بغلظة:
-ماتبررش حاجة
ضغط "آدم" على شفتيه ممررًا أنظاره عليها بحرجٍ واضح، في حين نظرت لها "شيماء" بذهول وهي تطل برأسها من النافذة، هتفت متسائلة بنبرة مصدومة ظلت مسيطرة عليها:
-عملتي كده ليه بس يا "فرح"؟
صاح بها "يزيد" بصوتٍ أجش منفعل:
-اركبي جمب جوزك
أومأت برأسها معلنة عن امتثالها له، فأي جدال معه في تلك اللحظة قد يؤدي لما لا يُحمد عقباه، ترجلت من السيارة وهي تنظر بأسف إلى "فرح" التي كانت تتشنج بجسدها وهي تقاوم "يزيد"، أحكم الأخير قبضته كليًا عليها، فتح الباب على مصراعيه ليتمكن من دفعها إلى داخل المقعد الخلفي بعصبية، صدر منها أنينًا مكتومًا، أبعد يده عن فمها لتواصل صراخها المهتاج، لم يهتم بلفتها للأنظار من حولهم، اندفع ورائها مقيدًا رسغيها بقبضته، وحاوط بالأخرى عنقها ليكمم فمها من جديد.
أشار "آدم" إلى زوجته لتركب إلى جواره في المقعد الأمامي، ثم تحرك بالسيارة وسط استغراب المتواجدين بالمنطقة هامسًا لنفسه:
-زمان الناس مفكرانا عصبجية وخطافين حريم!
شعرت "فرح" بذراعي "يزيد" تعتصرها وهي واقعة تحت قوته الجسمانية، استمعت إلى همسه لها:
-حسابنا في البيت!
تذمرت من تهديده الصريح مدعية شجاعتها وهي مستمرة في التلوي بجسدها، تابع هامسًا وهو يكز على أسنانه بغيظٍ:
-بقى بتهربي مني أنا!
استشعرت من نبرته المكتومة تلك توبيخًا حادًا منه إن لم يكن عقابًا عنيفًا، عاودت الكَرَّة من جديد لتتخلص منه، هزها بقوة وهو يقول بصوته الخفيض:
-متحاوليش!
خبت مقاومتها اليائسة مع استمراره في تشديد قبضتيه عليها، حركت عينيها محاولة رؤية أين هم تحديدًا، لم تكن قد قطعت شوطًا بعيدًا عن البناية، فعاد بهم "آدم" إليها في دقائق معدودة، ترجل من السيارة أولاً ليحدث رفيقه بتحذير:
-عشان خاطري أنا بلاش تضغط عليها و...
قاطعته زوجته مضيفة بتوسلٍ راجٍ لتدعم موقفه:
-أكيد فرح مكانتش تقصد، دي وزة شيطان
وكأنهما يتحدثان لشخصٍ أتٍ من عالم أخر، لم يصغِ لهما وانشغل بسحب الوشاح من حول عنق "فرح" ليقيد معصميها به، جرها إلى خارج السيارة قابضًا على كتفيها بذراعٍ، وبالأخر مكمم لفمها، توجست "شيماء" خيفة من طريقته الخشنة في التعامل مع زوجته، سلطت أنظارها عليه وهو يقول بقسوةٍ:
-متشكر لحد كده وكتر خيركم
اعترض "آدم" طريقه مرددًا بارتباك:
-يا يزيد استنى بس
جمد أعينه الملتهبة عليه وهو يرد بنبرة أخافته:
-ماتكلمش معايا في حاجة، سيب شنطة فرح معاك، هابقى أخدها بعدين
لم يجرؤ على إضافة المزيد، وقف في مكانه يطالعه وهو يجر "فرح" معه نحو الداخل، لكزته "شيماء" في كتفه قائلة بحنق:
-إنت هاتسيبه كده؟ جايز يتجن عليها ولا يموتها
رد باستياءٍ وهو يلوح بيده:
-يعني عاوزاني أعمله ايه؟
صاحت مستنكرة بنبرة منفعلة وقد تصلبت تعابير وجهها:
-اتصرف، امنعه، هو احنا هانسيب الغلبانة دي معاه، جايز يتهور عليها ولا ....
قاطعها بامتعاض:
-هو حر مع مراته
اغاظت من تلك الكلمة التي تبرر تصرفات الرجال العنيف مع زوجاتهن متحججين بحقهم في تأديبهن إن ارتكبت خطأ ما، هدرت به بعصبية مبررة:
-"آدم"
سحبها من ذراعها نحو السيارة قائلاً بفتور:
-يالا بينا، وربنا يستر!
رفعت حاجبيها للأعلى صارخة بضيق كبير:
-إنت برضوه هتمشي؟
هز رأسه بإيماءة صريحة وهو يرد بعبوسٍ:
-أيوه
حركت "شيماء" شفتيها لتنطق لكنه ألجمها محذرًا ومشيرًا بسبابته:
-ماتقوليش حاجة، ماشي!
.........................................
لم يكن السير بالنسبة لها خيارًا متاحًا فقد وصل بها إلى الطابق المتواجد به منزله محمولة على كتفه، تذمرت "فرح" من وقاحته ومن نظرات الجيران لطريقته البربرية في اقتيادها نحوه، ركلت بساقيها في الهواء صائحة باحتجاج:
-نزلني بقى، فرجت الناس علينا!
دس المفتاح في القفل الخاص به متجاهلاً صياحها ليلج بها إلى الداخل، أوصده بإحكام خلفه ثم أنزلها عن كتفه لتقف على ساقيها، تراجعت للخلف مبتعدة عنه كردة فعل طبيعية وهي ترمقه بنظرات تحمل مزيجًا من الخوف والغضب، ألقى بالمفاتيح على الطاولة كإشارة صريحة لتحديه لها بالاقتراب منهم وأخذهم، تعلقت أنظارها بهم لكنها عاودت التحديق في وجهه الصارم، ابتلعت ريقها هاتفة بتشنجٍ:
-قولتلك مش عاوزة أرجع معاك!
اختنق صوتها واختلط مع عبراتها التي انهمرت دون سابق إنذار من طرفيها، تابعت مضيفة:
-ليه ماسبتنيش أروح بيتي؟ أنا مخنوقة من كل حاجة، مش قادرة خلاص تعبت من اللي أنا فيه!
تحرك صوبها دون أن ينبس بكلمة مما زاد من رجفتها، رأته وهو يمد يده نحوها فتوقعت أن يصفعها في لحظة مباغتة كعقابٍ لها، أغمضت عيناها بقوة لكنها شهقت حينما شعرت بقبضته تمسك برسغيها المقيدين وتجذبها منهما نحوه، فتحت عينيها لتنظر له من بين عبراتها، أمسك بفكها بقبضته مرددًا بعتاب:
-ليه بتعذبينا احنا الاتنين يا فرح؟
ظلت دمعاتها تنساب بغزارة على وجنتيها لتبلل كفه، تنهد قائلاً بإحباط:
-اللي حصل كان مش بإيدي، وقولتلك إدينا فرصة نصلح اللي فات
أبعد يده ليحاوطها بذراعه ويضمها إليه، مسح على ظهرها برفق مطلقًا تنهيدة مليئة بالكثير من صدره وهو يقول لها بصدقٍ:
-أنا بأحبك يا "فرح"
دفنت رأسها في صدره تبكي بحرقةٍ، هي في حالة تخبط تدفعها للتفكير بصورة مشوشة وبجنون في بعض الأحيان، انقبض قلبها بقوة وارتعشت أوصالها بتوترٍ رهيب حينما سمعته يقول لها بنبرة ذات مغزى:
-بس اللي عملتيه ده مش هايعدي على خير ............................... !!
...................................................
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم Manal Salem
تصبيرة رمضانية جديدة
الفصل الرابع والعشرون (الجزء الأول)
في تلك المواقف تحديدًا، ادعاء الإغماء هو الأسلم لتنجو بنفسها من ردة فعله القاسية، نظرت "فرح" إلى "يزيد" الذي كان يرمقها بنظرات غامضة أجفلت بدنها مستشعرة خطورة مهلكة من ناحيته نحوها، عمدت إلى إجبار جسدها على التراخي والتثاقل لتبدو كما لو كانت على وشك فقدان وعيها، ترنحت بقوة وأغمضت عينيها بقوة، تمنت في نفسها أن تنطلي عليه الخدعة ويصدق ذلك الأمر، وحدث ما تمنته، انتفض "يزيد" فزعًا في مكانه يسندها وهو يهتف بها بخوفٍ:
-"فرح"! مالك يا حبيبتي؟ حصلك إيه بس!
وضع يده على وجنتها يربت عليها برفق هاتفًا بها:
-مش هاعملك حاجة والله، بس ردي عليا!
قبض على فكها وهزه بقوة أكبر صارخًا بها بتوتر كبير:
-"فرح"، سمعاني!
جاهدت لتبدو مقنعة ولم تصدر صوتًا أو تظهر أي استجابة وهو يهز جسدها بالكامل علها تتجاوب معه، جزع لسكونها المفاجئ، خشي من تدهور حالتها فانحنى ليحملها بين ذراعيه متجهًا بها إلى غرفة نومهما بخطوات مهرولة، أسندها برفق على الفراش ثم حل وثاق معصميها، واندفع نحو التسريحة ليبحث عن عطر ما يستخدمه في إفاقتها وهو يبرطم بكلمات غير مفهومة لكنها تضمنت بعض السباب، حبست "فرح" أنفاسها مترقبة خطوته التالية، لم تتبين ما يفعله بسبب إغماضها لعينيها، لكن حثها فضولها على اختلاس النظرات نحوه، رأته بنصف عين وهو يبعثر في محتويات التسريحة، عاودت إغلاق جفنها قبل أن يراها مواصلة ادعائها الزائف، جلس "يزيد" على طرف الفراش ونثر بعض العطر على راحة يده، ثم مرر ذراعه الأخر من خلف عنقها ليرفع رأسها إليه، قرب كفه من أنفها لتزكمه الرائحة القوية فتحث حواسها على الاستجابة، هتف قائلاً بقلق كبير:
-حبيبتي، فوقي الله يكرمك، أنا بأهزر معاكي
لم يجد منها أي ردة فعل فتضاعفت مخاوفه نحوها، أسند رأسها برفق على الوسادة لينهض بعدها من جوارها وهو يفكر في كيفية التصرف في موقف كهذا، وضع يديه على رأسه ضاغطًا عليها بقوة، بدا عاجزًا وهو يدور في الغرفة ذهابًا وإيابًا محاولاً ترتيب أفكاره، سلط أعينه نحوها يطالعها بنظراته المتوجسة لكنه لمح شيئًا ما أثار ريبته، توقف عن الحركة بعد أن اقترب منها وجمد أنظاره عليها للحظات يتفرس تعابير وجهها بدقة، لاحظ حركة جفنيها العصبية وكذلك تشنج قليل في زاوية فمها، استشعر وجود خطب ما بها، فإن كانت فاقدة للوعي لم تكن لتضغط على شفتيها بتلك الصورة العصبية، كان سيبدو على تعابيرها الارتخاء، خمن الأمر سريعًا، هي تلاعبه على طريقتها، أرادت أن تفلت من عقابه الزائف لها بإقلاقه أكثر عليها، عبست ملامح وجهه لاستغلالها له، فكر بتسلية ومكر في الاستفادة من ذلك الموقف لصالحه، فهي تستحق أن يلاعبها هو الأخر بتكنيكيات محترفة، راودته أفكارًا تمزج بين اللهو والجموح، فأخفى بصعوبة تلك الابتسامة اللاهية التي تشكلت على ثغره.
جلس "يزيد" على طرف الفراش مدعيًا ضيقه من عدم تمكنه من التعامل مع حالته المريبة، زفر مرددًا بامتعاض:
-مش عارف اللي حصلك ده من إيه
تنهد مجددًا بصوت مسموع وهو يتابع حديثه:
-طيب أغيرلك هدومك الأول جايز تكون كاتمة على نفسك!
استمعت إلى كلماته بآذان صاغية وهي تبذل أقصى طاقاتها لتظل ساكنة، ارتجفت مع شعورها بملمس يده على بشرتها، أحست بأنامله تتحرك هبوطًا نحو عنقها بطريقة تغري الحواس فانتفض من نومتها المصطنعة لتنكمش على نفسها وهي تزحف بعيدًا عنه، هتفت بتوتر بعد أن فهمت مقصده العابث:
-متقربش مني
نهض من مكانه لكتف ساعديه أمام صدره، رمقها بنظرات مطولة غامضة وهو يسألها بجمود مقلق:
-يعني مش مغمى عليكي أهو؟
ضمت ركبتيها إلى صدرها ثم ردت مبررة تصرفها وهي تنظر له بنظرات مفزوعة:
-لأ، أنا عملت كده عشان ماتمدش إيدك عليا وتضربني!
قست تعبيراته على الأخير مصدومًا مما تفوهت به، لم يتخيل أن تتصوره هكذا، هتف غير مصدق وقد انزوى ما بين حاجبيه على الأخير
-أضربك؟
هز رأسها بإيماءة صريحة وهي تجيبه:
-أيوه، أنا مش هاستحمل إهانة منك، كفاية اللي حصلي منك لحد دلوقتي
وضعت يدها عفويًا على عنقها المغطى بالشاش تتلمسه بحذرٍ، احتدت نظراته وتشنجت تعبيرات وجهه، كور "يزيد" قبضته ضاغطًا على أصابعه بكل قوة، بدت وسيلته المتاحة حاليًا للتنفيس عن ضيقه الزائد بداخله، هي تظن فيه شخصًا همجيًا يهوى الاعتداء على النساء ليثبت رجولة زائفة، هو لم يكن أبدًا بمثل تلك التصرفات المشينة، حتى مع طليقته السابقة لم يتطاول عليها إلا مرة واحدة حينما أهانته وكان بالصفع، لم يتجاوز الأمر ذلك ولم يصل أبدًا إلى الضرب الوحشي أو العنيف، تنفس بعمق لعدة مرات بعد أن ساد صمتًا حذرًا بينهما، فـ "فرح" ظلت تنظر إليه بتوجس تفكر فيما سيفعله معها، دار في خلدها الكثير من الهواجس تنتهي جميعها بالقتل، جمد أنظاره عليها وهو يشير بسبابته متابعًا بهدوء رغم حدة نبرته:
-ماشي، مانكرش إني عصبي شوية
استنكرت جملته فهمست بارتباك لتصحح له مفهوم الانفعال لديه وهي ترمش بعينيها:
-شوية بس؟
ضغط على شفتيه قائلاً بامتعاض:
-شويتين
نظرت له بحدة وهو يبرر أغلب تصرفاته في إدارة مواقفهما معًا بأنها تعود إلى عصبية طفيفة تظهر على السطح في وقتٍ خاطئ، هتفت مستنكرة وهي تعتدل في جلستها:
-لأ كتير أوي، إنت مش بتشوف نفسك بتبقى عامل ازاي، كله عافية وبالدراع
سحب نفسًا مطولاً لفظه على مهل وهو يقول:
-طيب معاكي حق في ده!
جلس على طرف الفراش متابعًا:
-جايز طبيعة شغلي مأثرة عليا، بس موصلش بيا الحال أضرب واحدة!
ثبتت أعينها المتوترة عليه، التقت بحدقتيه اللاتين تبثان أشواقًا وحبًا شغوفًا وهو يضيف:
-وخصوصًا لو مراتي وبأحبها!
ارتبكت من كلماته التي تتغلغل في أعماقها وتصيب حواسها بالانهيار، هي فقط بحاجة للتركيز على ما ستفعله لاحقًا، بحاجة لاستعادة ثقتها من جديد، بحاجة لإعادة بناء نفسها والخروج من بوتقة الأحزان التي تجذبها دومًا إلى أعماقها فتظل حبيسة ذكرياتها الموجعة، لمعت عيناها بعبرات قوية، مسحتهم قبل أن يتكاثروا في مقلتيها لتقول بنبرة مختنقة:
-يزيد أنا تعبانة من جوايا، محدش قادر يفهمني ولا يحس باللي فيا، أنا عاوزة أكون لوحدي، محدش يضغط عليا ولا يقولي أعمل ايه ومعملش إيه
أزعجه أن تفكر في ذلك فقط، ألا تمنحه الفرصة ليكون إلى جوارها يدعمها، رد باستنكار شديد:
-بس إنتي مش عايشة لوحدك، ليكي بيت وزوج!
نكست رأسها باستياء جلي، لن يفهم أبدًا ما تريده، لكن تصلب جسدها حينما أكمل بابتسامة صغيرة:
-وجايز ربنا يكرمنا بطفل يملى حياتنا و....
قاطعته مرددة بنبرة مصدومة وقد اتسعت حدقتاها برعبٍ:
-طفل! ودلوقتي؟!
أومأ برأسه مؤكدًا:
-طبعًا، مش احنا متجوزين
ردت باحتجاج جلي أصاب في نفسه الريبة:
-بس أنا مش مستعدية للموضوع ده خالص!
شعر بانقباضة عنيفة تعتصر قلبه بقوة، فكلماتها –رغم عفويتها وترددها المبرر- ذكرته بـ "هايدي" ورفضها التام للحمل والإنجاب، تزاحم في عقله ذكريات متداخلة من تلك المشادات الحامية التي نشبت بينهما فأنهت زيجتهما بنهاية مأساوية، سيطر على أعصابه بمجهود مضاعف كي لا يظهر تأثره بما قالت، رد باقتضاب وقد أظلمت نظراته:
-مش هانكلم فيه!
لم تشعر بما يختلج صدره الآن من مشاعر موجعة، ردت بتوسلٍ:
-يزيد افهمني، بلاش تضغط عليا!
رفع وجهه لينظر نحوها بجمود جليدي مقلق، ابتلعت ريقها متابعة:
-أديني وقتي ومساحة أحس فيها إني مش مضغوطة من حد، أو إني بأتوجه لحاجة معينة
سألها مستنكرًا إصرارها على الابتعاد عنه:
-حتى أنا؟
هزت رأسها بإيماءة خفيفة مترددة وهي تجيبه:
-ايوه، حتى إنت كمان!
قست نظراته على الأخير من جملتها الصادمة، وما زاد الطين بلة عندما همست بتوترٍ:
-أنا ساعات بأخاف منك!
هدر منفعلاً:
-تخافي مني؟
بدا كما لو كان يكتشفها لأول مرة، يتعرف عليها من جديد، ربما تلك هي المصارحة الأولى الحقيقية بينهما بعيدًا عن تأثيرات الحب والمشاعر والعاطفة، تنهدت مكملة حديثها بنبرةٍ مهتزة:
-أيوه، إنت بتحسسني إني لو غلطت هتـ...
بترت عبارتها بخوفٍ واضح عليها، نظر لها دون أن يطرف وهو يأمرها:
-قولي
انفجرت فيه صارخة من أسلوبه الآمر الذي يشعرها في أغلب الأحيان كما لو كانت أحد جنوده المجبرين على الانصياع لأوامره الصارمة وإلا تلقوا جزاءً وخيمًا:
-هتموتني، هتنتقم مني، هتحبسني، معرفش هاتعمل ايه بالظبط!
تأملها مدهوشًا انفعالها، كان على وشك الاقتراب منها لتهدئتها لكنها أوقفته بإشارة من كف يدها قائلة:
-متقربش!
تضاعفت رجفتها وهي تملي عليها ما قد يذيقها إياه من ألوان العذاب إن خالفته، فغر شفتاه مدهوشًا مما تقول، لم يكن ليجرؤ على فعل أيًا من ذلك، اعتصر الألم قلبه وهو يقول بأسفٍ:
-"فرح" أنا مقدرش أعمل كده، مين خلاكي تفكري في ده؟
بكت دون الحاجة للتبرير، كانت تحتاج لذلك لتشعر بالارتياح وبأنها أخرجت من صدرها ثقلاً يجثو عليه ويصيبها بالتعب، امتص غضبها قائلاً برومانسية عاشقة:
-أنا بأغير عليكي وبأحبك، مش إنتي بتحبيني ولا خلاص الحب ده انتهى وكان وهم؟
عاد من جديد لتلك النبرة التي تشعرها بتأنيب الضمير والضيق، هي تبادله مشاعر الحب لكنها بحاجة لفسحة من الوقت لتقرر بنفسها ماذا تريد، توسلته ألا يضغط عليها فهمست له برجاءٍ:
-يزيد، من فضلك
سيطر عليه الإحباط من صدها له، فرك وجهه بيده مرددًا بتجهم:
-طيب، هاعملك اللي إنتي عاوزاه، وهاسيبك على راحتك
لم تصدق أذنيها فنظرت له بأعينها الباكية وهي تسأله:
-بجد؟
تفاجأ من تلك الحماسة العجيبة التي انعكست على تعبيراتها الحزينة، هي حقًا في أمس الحاجة لذلك، التوى ثغره بابتسامة باهتة وهو يضيف مؤكدًا:
-ايوه، حتى ممكن نستغل دُخلة بنت عمي وتغيري جو
زوت ما بين حاجبيها مرددة بحيرة وهي تكفكف عبراتها:
-مش فهماك
تابع موضحًا:
-مرات عمي الكبير اتصلت بيا ساعة ما كنتي بتحاولي تهربي مني تعزمنا على دخلة بنتها
نظرت له بحيرة جلية وهي تسأله مستفهمة:
-طب وأنا مالي؟
رد مبتسمًا:
-مش إنتي مراتي ولازم تعرفي كل جديد، أظن ده الطبيعي
أومأت برأسها قائلة بابتسامة صغيرة مصطنعة:
-أها، مبروك
-الله يبارك فيكي
تابعت متسائلة بفضول:
-بس ده علاقته إيه بيا؟
أجابها بزفير مطول:
-على حسب عوايدنا مش هاينفع نبارك من بعيد لبعيد
-يعني ايه؟
-أقصد يعني لازم هنسافر يومين الصعيد
ارتفع حاجباها للأعلى مرددة بصدمةٍ:
-الصعيد؟!
هز رأسه بالإيجاب وهو يقول:
-ايوه، فرصة تشوفي مكان جديد وتبعدي عن كل اللي هنا
عبست قسماتها متمتمة بحذرٍ:
-بس أنا مش عاوزة أسافر
حبست أنفاسها مترقبة ردة فعله، نظر لها "يزيد" بوجهٍ خالٍ من التعبيرات متسائلاً بامتعاض:
-ليه طيب؟
-مش حابة أختلط بحد ولا.....
قاطعها بهدوء جاد وهو يشير بيده:
-بصي يا "فرح"، عشان مانضيعش وقت كتير في رغي على الفاضي احنا هنسافر، وده إجباري مش اختياري!
اغتاظت من استمراره في امتهان ذلك الأسلوب التسلطي معها، صاحت بحدة:
-برضوه بتاخد قرار من غير ما تخليني .....
قاطعها مجددًا بجدية أشد:
-ده أحسن لينا
ردت مصححة:
-ليك إنت مش أنا
بدت من تعبيراتها المزعوجة أنها رافضة للأمر، عمد سريعًا لتغيير أسلوبه للين، ابتسم لها بصفاء وهو يقول مازحًا:
-"فروحة" يا حبيبتي، أنا هاسيبلك المساحة اللي إنتي عاوزاها هناك، إن شاء الله ترمحي في البلد كلها
لوت ثغرها مرددة بتهكمٍ:
-بس ده معناه إني هافضل تحت عينك
حافظ على ابتسامته وهو يقول:
-مش أوي يعني!
جلس على طرف الفراش متابعًا بحماسٍ شديد:
-بأقولك ايه سيبك من رغي الستات الفاضي ده ووجع الدماغ، واعمليلنا أكل بإيدك، نفسي أدوق طعمه منك
عقدت ساعديها معًا وهي ترد بعبوس:
-مابعرفش أطبخ
لوح لها بيده قائلاً بنبرة غير مبالية:
-يا ستي عكي أي حاجة، أنا راضي
استشعرت سخرية واضحة في نبرته فصاحت تعنفه:
-بتتريق؟
غمز لها مؤكدًا بمزاحٍ:
-هو أنا بتاع كده، وبعدين هو حد يكره إنه ياكل من إيد مراته، إلا إن كانت هتسممه!
التوى ثغرها بابتسامة متحدية وهي ترد:
-ماشي، بس مترجعش تقول بطني وجعتني
هتف مهللاً لتجاوبها معه:
-وماله، هنديها أنتينال!
.............................................
وقفت "فرح" حائرة في منتصف المطبخ تفكر فيما ستعده له، لم يعطها أي خيارات محددة بل ترك لها الحرية لتقرر ما تشاء، اتجهت إلى البلكونة الجانبية الصغيرة -والمعزولة عن باقي المنزل ببابٍ خشبيٍ سميك - حيث اعتاد وضع ثمار البطاطس الجافة والبصل به، بالإضافة إلى بعض الأشياء القديمة والغير مستخدمة، أنارت المصباح لتتمكن من رؤية المحتويات بالداخل، سعلت قليلاً بفعل الأتربة العالقة، ألقت نظرة خاطفة سريعة على المناور الجانبية موزعة أنظارها بين النوافذ الصغيرة التي تطل على بلكونتها، أخفضت أعينها لتبحث عن ثمار البطاطس، التقطت واحدة بيدها وضعتها في الوعاء الذي بحوزتها، سحبت أخرى لكنها بدت غريبة من الجانب، قربتها من أعينها لتتفحصها باهتمام، تساءلت مع نفسها بحيرة:
-هي مالها عاملة كده ليه؟
لم تلقِ لها بالاً وتابعت بعدم اكتراثٍ:
-هابقى أشطفها كويس
سحبت ثالثة وكانت أكثر غرابة، حاولت ألا تفكر في شيء مريب، بل ربما قد يكون مقرفًا إن صدق حدسها وكان كما ظنت، جمعت سريعًا ما كانت تريده وخرجت من البلكونة وأطرافها ترتجف نسبيًا، ارتدت قفازًا بلاستيكيًا وهي تغسل الثمار وتقطعها، لم تشعر بـ "يزيد" وهو يراقبها من الخارج متأملاً إياها بشغف، كانت منهمكة فيما تقول به فلم ترى نظراته المتلهفة لضمها إليها بذراعيه والارتشاف من نهر حبها لتشعر بعمق مشاعره نحوها، تحرك بحرصٍ شديد ليدنو منها، ثم لف ذراعيه حول خصرها ليطوقها من الخلف، شهقت مفزوعة من حضنه المفاجئ، عنفته بجدية:
-ماينفعش كده
تراجع عنها قليلاً كي لا يفسد الأمر، اشرأب بعنقه ليفحص ما تصنعه متسائلاً:
-ها طابخة إيه؟
ردت بحدة أكبر وهي تدير جسدها في اتجاهه:
-يزيد لو سمحت، أنا كده مش عارفة أركز!
غمز لها قائلاً بهمس عابث:
-طب بلاها طبيخ ونقضيها .......
قاطعته بصرامة بعد أن فهمت سريعًا المغزى من حديثه الغامض:
-بقى ده كلامك إنك هاتسيبلي مساحة من الخصوصية و....
اقتطع حديثها قائلاً بعبوس زائف وهو يشير بيده:
-ما أنا بعيد عنك أهوو 2 سم
تحولت تعبيرات وجهها للصرامة، لوحت بيدها الممسكة بسكين الطهي قائلة بتهديد شبه علني:
-يزيد
نظر إلى ما في يدها مرددًا بتوجسٍ:
-احنا فينا من سكاكين، أنا بأقول الطيب أحسن
لم تستطع إخفاء تلك الابتسامة العذبة التي تسللت إلى شفتيها لتجبرهما على التقوس، ودعها مؤديًا التحية العسكرية بدون أن يضيف كلمة أخري، أولاها ظهره ملتقطًا إحدى ثمار التفاح من البراد ليتناولها بالخارج وهو يمني نفسه بوجبة دسمة ستملأ معدته، مر بعض الوقت حتى انتهت "فرح" كليًا من إعداد كل شيء، هتفت بنبرة عالية وهي ترص أخر صحن على الطاولة:
-الأكل جاهز
أتى "يزيد" على إثر صوتها إلى غرفة الطعام قائلاً بمرحٍ:
-أخيرًا
ابتسم لها قائلاً بامتنان:
-تسلم إيدك، الأكل ريحته حلوة
-ميرسي
جاب بأعينه على أوعية الطعام الشهية وهو يسحب المقعد للخلف ليجلس عليه، بدأ في دس لقيمات مختلفة من صينية البطاطس بالفرن في جوفه، نظرت "فرح" إلى تعابير وجهه لتتأمل رده فعله وهي تسأله باهتمام:
-ها عجبك البطاطس؟
ابتلع ما في جوفه قائلاً:
-هو طعمه غريب شوية بس شغال
اتسعت ابتسامتها وهي ترد بارتياح:
-طب الحمد لله
انتظرت حتى فرغ من صحنه حتى تطلب منه بحرجٍ:
-أنا كنت عاوزة منك خدمة عشان أنا قرفانة
نظر لها مليًا وهو يسألها باهتمام:
-خير
أشارت بإصبعها للخلف لتجيبه بتأفف معكوس على تعابيرها:
-سبت الخضار اللي في المطبخ عاوز يتنضف
قطب جبينها باستغراب أكبر وهو يسألها:
-ليه، فيه حاجة؟
-معرفش، بس البصل والحاجات التانية شكلها مقروم كده ومش مريحني!
نهض من مكانه مرددًا بتوجسٍ:
-اوعي يكون عندنا فيران
هزت كتفيها قائلة:
-جايز
أسرع "يزيد" في خطاه متجهًا نحو البلكونة الصغيرة الملحقة بالمطبخ، بينما انتظرته "فرح" على أعتابه، شبت بقدميها محاولة رؤية ما يفعله لكنها لم ترَ شيئًا، فقط أصوات جر وسحب بالداخل، لحظات وعاد إليها ممسكًا ببعض الحبات المتآكلة، رفعها أمام عينيها متسائلاً:
-إنتي طبختي من البطاطس دي؟
هزت رأسها بالإيجاب وهي ترد:
-اه
هزها بانزعاج واضح عليه معيدًا سؤالها:
-اللي اكلها الفار؟
أومأت مؤكدة:
-ايوه
شحب وجهها متابعًا:
-وأنا كلتها
زمت شفتيها هامسة بترددٍ:
-أكيد يعني!
صاح بها مصدومًا:
-جالك قلب؟
وضعت "فرح" يدها على كتفه تربت عليه، ثم قالت بارتباك:
-إنت قولتلي عكي أي حاجة
-بس ده مش معناه أكل مع الفار
رمشت بعينيها، ثم ضغطت على شفتيها بقوة لإخفاء ضحكتها من ردة فعله، سحبت نفسًا عميقًا لتضبط به نفسها وهي تسأله:
-مش إنت كويس، مجرالكش حاجة، يعني بطنك مش بتوجعك؟
خرج من المطبخ يغمغم بضيق مبرر:
-أنا مش فاهم دماغك فيها ايه، لاقتي البطاطس شكله عجيب تطبخيلي منه، لأ وأنا زي الجاموسة كلته كله
تبعته إلى الخارج قائلة بنفس الحدة
-على فكرة محصلش حاجة لكل ده، اعتبره زي راتيتولي
توقفت عن السير فجأة ليستدير نحوها وهو يقول بغضبٍ ظاهر في نبرته ونظراته:
-نعم ياختي
تنحنحت هامسة بترددٍ:
-قصدي الفار الطباخ، إنت مش عارفه
-محصليش الشرف
-ده بقى مشهور، و كان بيطبخ الأكل للناس وبياكلوه وهما مبسوطين ومحدش اشتكى وفي الأخر فتح مطعم لوحده
رد بتهكمٍ:
-ده على أساس إن أنا من بقية عيلته؟!
هزت كتفيها في عدم مبالاة مما استفزه أكثر، صاح بها منفعلاً:
-"فرح"
ردت ببرود:
-خلاص بقى يا زوزي، ده فار، مش حاجة يعني
-ماشي هاتشوفي
توجست خيفة من جملته الغامضة تلك فسألته بقلق وهي تراه يندفع عائدًا نحو المطبخ:
-هاتعمل ايه يا يزيد؟
التفت ناحيتها قائلاً بوعيدٍ:
-هاجيبهولك، مش الطباخ بتاعك
شخصت أبصارها مذعورة مما ينتوي فعله، لم تنتظر لترى إن كان سينفذ تهديده أم لا، صرخت بهلعٍ وهي تركض في اتجاه غرفة النوم:
-لأ، مش عاوزاه ......................................... !!
.............................................
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم Manal Salem
الفصل الرابع والعشرون (الجزء الثاني)
اغتاظ من فعلتها السخيفة التي ربما كانت ستؤذيه بطريقة أو بأخرى رغم كونها عفوية إلا أنه أراد إخافتها قليلاً حتى وإن كان فقط يمازحها ويقضي وقتًا طيبًا معها، وقف "يزيد" أمام باب الغرفة يدقه وهو يقول بهدوء مريب:
-افتحي يا "فرح" مش هاعملك حاجة
استندت بيديها على الباب معتقدة أنها بذلك تشدد من غلقه بتدعيمه بثقل جسدها، هدرت برفض قوي:
-لأ إنت معاك الفار!
رد نافيًا:
-والله العظيم أبدًا، أنا رميت السبت باللي فيه
صاحت به رافضة تصديقه:
-دي اشتغالة منك، ووقت ما أفتح هلاقيه في وشي
لم تكن لتقتنع أبدًا بسهولة أنه لا يريد إيذائها، فرك طرف ذقنه قائلاً بنبرة مستنكرة:
-مش للدرجادي يعني
سعل بصوت خفيض قبل أن يكمل مازحًا:
-يا شيخة ده أنا اللي كلت معاه مش إنتي
ردت عليه بقلقٍ واضح في نبرتها:
-ماهو عشان كده هاتكون عاوز تنتقم مني
ابتسم مضيفًا وهو يومئ برأسه:
-لأ خلاص، المسامح كريم
ردت عليه بتوجسٍ:
-طب إحلف
حك مؤخرة رأسه بيده وهو يقاوم تلك الابتسامة العابثة التي تظهر على محياه ليضيف باقتضاب وبصوت خفيض:
-والله
لم تقتنع بنبرته الخافتة، استشعرت عدم جديته فهتفت بإصرار:
-لأ، احلف بجد
استنكر عدم تصديقها إياه، عبست ملامحه مرددًا:
-هو ده كان بهزار؟
تابعت موضحة:
-يعني قول والله العظيم مش معاك أي فيران
رد بنفاذ صبرٍ وهو يدق الباب بقوة جعلته يهتز:
-يا بنتي مش بأكدب، افتحي بقى خليني أنام
هللت قائلة بعناد مستفز:
-لأ، نام برا
اغتاظ من تجاهلها المتعمد له، حاول تحريك المقبض عله يتمكن من فتحه قائلاً:
-وده ينفع؟
قبضت بيديها على المقبض لتمنعه من تحريكه وهي ترد معاندة إياه:
-لأ مش هافتح
فكر للحظة أن يلاعبها قليلاً، إذ ربما تنطلي عليها خدعته، انحنى "يزيد" للأمام واضعًا يده أسفل معدته وهو يتأوه متألمًا:
-آه... ايه المغص ده!
لم تتجاوب في البداية معه، ولكن حينما تكرر الأمر بصراخ مكتوب هتفت متسائلة بقلقٍ:
-مالك يا "يزيد"؟
تراجع مبتعدًا عن الباب لتستمع إلى وقع أقدامه وهو ينصرف فيزداد توجسها عليه، أجابها بعد ذلك بأنينٍ:
-مش عارف مالي يا "فرح"
سألته بخوفٍ استشفه من نبرتها رغم عدم رؤيته لتعابير وجهها المذعورة:
-حصلك حاجة؟
أجابها بنبرة موجوعة:
-بطني، آه
سألته بتلهفٍ:
-"يزيد"، اوعى يكون جالك تسمم؟
ارتفعت نبرته الصارخة بعد أن تأكد من تصديقها إياه:
-الظاهر الفار، آه... هاموت
لم تستطع تجاهله أكثر من ذلك، سمع صوت المفتاح وهو يدار في قفله لينفتح الباب وتخرج منه راكضة نحوه، كان قد استقر على الأرضية جاثيًا على ركبتيه ومنكسًا رأسه على صدره ليبدو مقنعًا في تمثيله، جلست "فرح" إلى جواره تربت على ظهره وهي تسأله بخوفٍ حقيقي:
-"يزيد"، إنت كويس؟
اقشعر بدنه من لمساتها الحانية عليه واشتعلت حواسه بمشاعره التي يكنها لها، أمسك بها من رسغها قابضًا عليه فشهقت مصدومة، رفع وجهه إليها يطالع عينيها اللاتين ترمشان بتوتر بنظرات معاتبة، رفع حاجبه مرددًا بنبرة غير مريحة:
-بقى أنا تخليني أكل مكان الفار؟!
ارتعدت من طريقة إمساكه به، ابتلعت ريقها وحاولت أن تبدو قوية وهي تعنفه بتجهم مصطنع لكن خرجت نبرتها مرتعشة:
-بتضحك عليا
جذبها بسهولة إليه لتسقط في أحضانه، استندت بكفها المحرر على صدره محاولة النهوض والابتعاد عنه لكنه قيد حركتها بقبضتيه لتصبح محاصرة كليًا منه، جمد أنظاره المتسلية عليها قائلاً بعبثٍ:
-على أخر الزمن إنتي تحوري عليا
توترت منه وهي تبرر موقفها:
-مش قصدي!
تابع مضيفًا باستنكار جلي دون أن ترف عيناه:
-سيادة المقدم يزيد جودة بجلاله قدره ياكل بواقي الزفت ده
ردت عليه بارتباك وهي تتلوى برسغيها لتخلصهما من يديه المحكمتين حولهما:
-ما أنا قورت حوالين بؤه يعني
اغتاظ من عدم اعترافها بخطئها فهتف بها وهو يكز على أسنانه:
-كده أنا أطمن، صح؟
توسلته برجاء:
-اسمعني بس، أنا....
قاطعها مقلدًا إياها في نبرتها ومقوسًا فمه ليبدو مضحكًا:
-وعمالة بس تقوليلي اديني مساحتي، حريتي معرفش إيه، أنا تعبت، وكلام كبير كده
رمشت بعينيها مستشعرة وجود تبعات خطيرة لاحقة بسبب طريقته المريبة تلك، رمقها بنظرات أكثر غموضًا وهو يضيف:
-وأول ماشميتي نفسك طلعتيهم عليا وأكلت مكان الفار!
لم تعرف بماذا تجيبه، خاصة أنها تقاوم رغبتها في الضحك ساخرة على تعبيرات وجهه الناقمة بطريقة تثير الرغبة في فعل ذلك، همست له من بين شفتيها:
-هي جت كده والله!
نهض من رقدته جاذبًا إياها معه دون أن يحررها وهو يكمل بوعيدٍ لا يبشر إلا بكل خيرٍ:
-تعملي مغمى عليكي، شهيدة الغرام، مش هاصدق أي حاجة!
كانت مقاومتها معدومة بالنسبة لقوته الجسمانية، استجدته بارتباك مضاعف:
-"يزيد"
أوقفها قبالته على قدميها قائلاً بغموض يحمل في طياته العبث:
-هما كانوا بيقولوا ايه في الأفلام، أيوه الليلة يا عمدة!
سألته بصوت شبه لاهث:
-ليلة إيه؟
أحنى جسده للأمام ليتمكن من رفعها، ثم ألقاها على كتفه قائلاً بلهوٍ خطير:
-هتعرفي دلوقتي يا... "حفيظة"!
ركلت بقدميها في الهواء تتوسله أن يتوقف عما ينتوي فعله، ولج بها إلى داخل غرفة النوم ثم ألقاها على الفراش ليبدأ في دغدغتها في أجزاء متفرقة من جسدها لتعلو ضحكاتها وتجلجل في أركان الغرفة متناسيًا كلاهما ولو لحظات تلك الأحزان التي عكرت الصفو بينهما لليالٍ طوال، لم يفعل "يزيد" أكثر من ذلك، أراد فقط أن يسمع ضحكاتها، أن يرى وجهها مشرقًا بابتساماتها الساحرة، أن تلمع حدقتاها بوميض متلألأ، استمر كلاهما على تلك الحالة لبعض الوقت حتى خبت قواها وتعبت من كثرة الضحك، تمدد الاثنان على الفراش ليحدقا في سقفية الغرفة، مال "يزيد" برأسه للجانب ليطالعها بنظراتٍ شغوفة، همس لها بحب لم ينبع إلا من فؤاده:
-بأحبك
أدارت رأسها في اتجاهه لتتأمل عينيه بوله العاشقين، تنهدت هامسة بحرارة:
-وأنا كمان
تقلبت على جانبها لتتعلق أنظارهما ببعضهما البعض، وضع "يزيد" يده على بشرة وجنتها يتلمسها برفق، وباليد الأخرى جذبها إلى أحضانه لتشعر بدقات قلبه التي تنطق باسمها هي فقط، حاوطته هي الأخرى بذراعها ليصبح صدر زوجها المأوى لها في نهاية المطاف.
.............................................
عاد "يزيد" إلى وحدته العسكرية مضطرًا لكنه أخذ العهد من زوجته على بقائها في منزله طوال فترة غيابه، وافقت برحابة صدر مستغلة تلك الفرصة في التفكير في خطواتها التالية، لم تنقطع زيارات "شيماء" وصغيرتها "سلمى" عنها، وفي بعض الأحيان كانت تبيت معها ليلاً لكي لا تكون بمفردها فتدور برأسها الهواجس، كذلك كانت تعمل كحلقة الوصل – في الخفاء - بينها وبين زوجها القلق دومًا عليها لتنقل أخبارها إليه أولاً بأول ويطمئن عن طريقها على أحوالها دون أن تشعر أنها محاصرة منه، كذلك التقت بها "إيلين" وطفلتها "مارسيل" ليتناول الجميع الغذاء سويًا مختبرة من جديد مهاراتها في طهي الطعام لتتأكد من تحسينها لأجله، وتلك المرة حرصت على عدم وجود أي فئران قد سبقتها أولاً في تذوق ما ستعده.
انتهت "شيماء" من تنظيف الصحون المتسخة لتقول بإعجاب وهي توجه حديثها إلى رفيقة "فرح" التي اقترحت شيئًا مفيدًا:
-عندك حق يا "إيلين"، دي فرصة فعلاً يا "فرح" عشان تكتبي عن الصعيد والحياة هناك
وافقتها "فرح" هي الأخرى الرأي مرددة بامتنان وهي تعيد رص ما فرغت من تنظيفه في الخزانة:
-ماهو أنا مش هاعرف أخلع من الزيارة دي، فممكن أشغل وقتي بده
أضافت "إيلين" بجدية:
-وبكده مستر "عبد السلام" مضايقش من غيابك عن الجرنال
ضحكت "فرح" متابعة بمزاحٍ متهكمٍ:
-شكله هايرفدني في الأخر، الكام شهر اللي فاتوا دول مكانوش ظابطين خالص معايا
ربتت "إيلين" على كتفها قائلة بودٍ:
-معلش يا بنتي، الظروف بقى، هو حد كان عارف إيه اللي هايحصل
أومأت برأسها متفهمة، ثم حركت رأسها في اتجاه "شيماء" التي سألتها باهتمام:
-صحيح، ناويتي علي إيه في موضوع عملية التجميل؟
أجابتها بعد تنهيدة طويلة:
-حددنا ميعاد مع الدكتور أخر الشهر وربنا يسهل
ابتسمت لها "شيماء" مرددة بحماسٍ:
-إن شاء الله يا حبيبتي ترجعي زي الأول وأحسن
أضافت "إيلين" هي الأخرى بجدية:
-أيوه الطب أتقدم كتير الأيام دي، وخصوصًا جراحات التجميل!
مالت نبرتها إلى المزاح وهو تكمل مبتسمة:
-إنتي مش شايفة اللي عمالين يشفطوا وينفخوا لحد ما هيفرقعوا
ردت عليها "شيماء" بمرحٍ:
-غش تجاري يا "فرح"، احنا الأصل!
غمزت لها "إيلين" مضيفة بابتسامة ودودة:
-طبعًا، ومين يشهد للعروسة
تعالت ضحكاتهن في المطبخ وهن يثرثرن بأريحية زائدة حتى حان موعد انصراف "إيلين"، وبصعوبة بالغة تمكنت من إقناع ابنتها بترك "سلمى" وتوديعها على وعد بمقابلتها مرة أخرى، تمكنت "شيماء" بسهولة من تدثير ابنتها في الفراش بعد أن مرحت طول اليوم مع صديقة جديدة تكبرها قليلاً، استغلت بعد ذلك الفرصة لتفاتح "فرح" في موضوع هام قد أجلته مضطرة، جلست إلى جوارها على الأريكة بالصالة مستطردة حديثها:
-"فروحة" عاوزة أحكيلك عن حاجة كده
قطبت "فرح" جبينها متسائلة باهتمام وقد بدا على تعبيراتها الجدية:
-خير يا "شيمو"؟
أجابتها بترددٍ طفيف:
-فاكرة الأستاذ "بركات"، أبو كريم.. جوزك الأولاني
حل الوجوم على قسماتها وردت بانزعاج مقتضبٍ:
-ماله؟
ردت مجيبة بحذرٍ:
-جالي المدرسة وكان قاصدني في خدمة
تجهمت "فرح" للغاية بسبب تلاحق ذكرياتها في عقلها مع تلك العائلة التي أهانتها واستغلتها واستغفلتها دون اكتراث لمشاعرها ناهيك عن الإساءة الزائدة عن الحد معها والاتهامات الباطلة التي نالت منها بسببهم، امتعض وجهها بشدة وهي ترد بغضبٍ مبررٍ:
-أنا معدتش ليا لي علاقة بيه ولا بأي حد من عيلته، كفاية البهدلة والكدب و...
تفهمت "شيماء" ردة فعلها فقاطعتها معللة:
-أنا فاهمة ده كله، بس هو استرجاني عشان أكلمك
صمتت "فرح" عن الكلام لتزفر بصوت مسموع، شعرت بمرارة تجتاح عقلها لمجرد استعادتها للقليل مما عاشته واختبرته؛ الخداع والكذب والإهانة هي أبرز ما مرت به معهم، طال صمتها فتوجست "شيماء" من ردة فعلها المجهولة، حاولت أن تخفف من حدة الأمر فأردفت قائلة بارتباك:
-بصي هو براحتك طبعًا توافقي أو ترفضي، بس أنا هابلغك باللي طلبه مني
استاءت الأخيرة مما تلقيه على سمعها فهتفت متسائلة بنفاذ صبر:
-عاوز إيه؟
أجابتها بتريث وهي تراقب ردة فعلها:
-كان عاوز يقابلك يكلمك ولو لخمس دقايق، وعشمان إنك توافقي على طلبه ده
-ليه؟
-معرفش، بس أنا وعدته إني هاعرفك
جمدت "فرح" أعينها المحتقنة غضبًا على وجهها قائلة بنبرة شبه مختنقة:
-"شيماء"، اللي عملوه فيا مش قليل!
وضعت الأخيرة يدها على كفها تضغط عليه برفق وهي تتوسلها بابتسامة باهتة:
-اسمعيه، جايز يكون فعلاً عنده حاجة مهمة، إنتي مش هاتخسري حاجة
سحبت يدها من أسفل قبضتها لتتطلع أمامها بقسوةٍ، لم تتمكن من إخفاء ذلك الألم الذي نغص عليها سكينتها الحالية، عبست بوجهها رافضة بجدية:
-مافيش داعي، كمان "يزيد" لو عرف إني قابلت حد من العيلة دي هيضايق، وأنا مش عاوزة مشاكل، كفاية وضعنا!
هزت "شيماء" رأسها مدعمة رأيها وهي ترد:
-عندك حق، بناقص منه الموضوع ده!
استمرت كلتاهما في التحديق في شاشة التلفاز للحظات قبل أن يقطع متابعتهما للفيلم المعروض عليه اتصالاً هاتفيًا بـ "شيماء"، نهضت لتتمكن من الرد عليه دون أن تثير انزعاج "فرح" التي شردت تفكر في ماضيها بكل ما فيه، أخرجها منه صوت "شيماء" القائل بلطفٍ:
-بأقولك ايه، عاوزاكي في خدمة كده لأختك حبيبتك، بس أمانة عليكي ما تكسفيني
خشيت أن تعيد عليها ذلك الطلب المزعج من جديد، فهي لن تتراجع عن الرفض، زمت شفتيها متسائلة على مضض وهي مسلطة أعينها عليها:
-ها، إيه تاني؟
جلست من جديد إلى جوارها تثني ركبتها أسفل جسدها لتسترسل في حديثها قائلة:
-بصي يا ستي احنا في المدرسة عاملين فان داي للأطفال، والمصور اللي اتفقنا معاه اعتذر، وبصراحة مش لاقيين حد نثق فيه ويكون بروفيشنال يغطي الحفلة دي، وخصوصًا إنها بكرة الصبح، يعني مافيش وقت ندور على حد يلحقنا، ده غير إن أغلب المصورين بيكونوا نايمين أو بيعتذروا عشان عاوزين فلوس أكتر و...
قاطعتها دون تفكير مطول:
-معنديش مانع
اتسعت عيناها غير مصدقة وهي تردد بصدمة بائنة في نبرتها:
-بجد؟
ردت عليها "فرح" ببسمة ودودة تعكس نواياها الصافية وقلبها الرقيق:
-أيوه، إنتي عارفة أنا بأعشق التصوير أد ايه
على الفور احتضنتها "شيماء" بذراعيها قائلة بامتنان كبير:
-ربنا يخليكي يا "فرووح"، مش عارفة أقولك إيه والله
تراجعت عنها ترمقها بنظراتها الصافية وهي تقول:
-ولا حاجة، احنا إخوات ....................................... !!
...........................................
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم Manal Salem
الفصل الخامس والعشرون
تعالت البالونات الهوائية - بمختلف أشكالها وألوانها - في السماء بعد انطلاق الحفل الترفيهي الخاص بالمدرسة ليتسابق الطلاب بعدها في الاستمتاع بذلك اليوم المختلف عن طبيعة الأيام الدراسية، وقفت "فرح" بينهم تلتقط لهم صورًا عديدة تعبر عن ضحكاتهم البريئة والممزوجة بسعادة غامرة، شكرتها "شيماء" على معروفها الكبير معها، وتركتها تفعل ما تجيده دون مقاطعة منها، تراجعت لتقف في الخلفية لتتابع إشرافها على حركة الطلاب، أدارت رأسها للجانب لتتفاجأ بمن لم تتوقف مجيئه، تجهمت تعبيراتها بقلق حينما رأت الأستاذ "بركات" من ضمن المتواجدين، عفويًا تحركت عيناها نحو "فرح" التي كانت منهمكة في عملها، توترت أنفاسها وارتبك تفكيرها، خشيت أن تظن فيها الظنون وتعتقد أنها دبرت لها ذلك، لهذا أسرعت في خطاها ناحيته لتقول بامتعاض:
-أستاذ بركات حضرتك جاي هنا النهاردة؟
تعجب الأخير من سؤالها الغير منطقي، أجابها باندهاش واضح عليه:
-عندي متابعة مع مدرسين الـ ....
قاطعته دون تفكير وهي تشير بيدها:
-بس.. حضرتك شايف النهاردة يوم فان داي للطلبة و...
رد مقاطعًا بضيق:
-ما هو ...
وقعت أعينه مصادفة على "فرح" التي كانت قريبة منه، شحب وجهه مرددًا بصدمة:
-مش هي دي ......
وقع قلبها في قدميها خوفًا من تبعات ذلك اللقاء الغير متوقع، سدت الطريق بجسدها قائلة برجاءٍ كبير:
-أستاذ "بركات" من فضلك، أنا مش عاوزة مشاكل، "فرح" رفضت تقابلك وكده إنت بتحرجني!
رد بصوته الخشن وقد توهجت عيناه بإصرار ملبد للأبدان:
-أنا مش عاوز إلا 5 دقايق بس معاها
يئست من محاولة إقناعه بتحكيم العقل، فأضافت بتوسلٍ عله يصغي لرجائها
-أرجوك يا أستاذ "بركات"، إنت كده هاتعملي مشاكل، من فضلك
هز رأسه قائلاً بأسفٍ:
-سامحيني يا مس "شيماء"، لازم أكلمها
-أستاذ .....
بدأ في التحرك متجاهلاً رجائها المستعطف، فالمسألة بالنسبة له لا تحتمل التأجيل، حاولت "شيماء" إيقافه لكنها فشلت في اللحاق به، فقد عقد الأخير العزم على مفاتحتها مهما كلفه الأمر، وقف خلفها هاتفًا بنبرة أبوية وقد لمعت عيناه:
-"فــرح"
التفتت نحوه غير متوقعة هوية صاحب ذلك الصوت الذي بدا لها مؤلفًا، ردت بابتسامة صغيرة:
-ايوه
اتسعت حدقتاها في ذهول مصدوم حينما رأته، انقبض قلبها بقوة وهي تتذكر ما مرت به في فترة قصيرة تكبدت فيها العناء والظلم والقهر بالإضافة للحزن والألم، صاحت مرددة بنبرة شبه مغلولة:
-إنت
سألها بهدوء حذر مبتلعًا غصة مريرة في حلقه:
-عاملة ايه يا بنتي؟
عجزت عن الرد عليه بصورة طبيعية، عكست نظراتها نحوه الحنق الشديد، أدارت رأسها نحو "شيماء" التي هتفت قائلة بقلق:
-صدقيني يا "فرح" والله العظيم ما أعرف إنه جاي
كانت نظراتها نحوها تحمل اللوم والعتاب، فهي بالأمس أخبرتها عن رغبته في رؤيتها والحديث معها لأمر هام، واليوم تلتقيه، حتمًا ستشك بها، نظرت لها "شيماء" بتوتر بائن آملة ألا تصدق سوء الحظ، دافع عنها "بركات" قائلاً:
-هي مالهاش ذنب، أنا كنت عاوز أشوفك ضروري
علقت "فرح" الكاميرا الخاصة بها على كتفها، ثم ردت بقسوةٍ:
-مش فاضية
اعترض طريقها هاتفًا برجاء وقد التمعت عيناه بعبراتٍ شبه متحجرة:
-أرجوكي، 5 دقايق بس، بحق العِشرة بتاعة زمان
صاحت فيه باستنكار جلي وقد تشنجت تعابير وجهها:
-هو إنتو بقيتو على حاجة، ده إنتو أكتر ناس أذيتوني، إنتو عملتوا فيا اللي الغريب مايعملوش، عاوز 5 دقايق، بتاع ايه أوافق؟!
نكس رأسه خزيًا منها وهو يرد بحزنٍ طفيف:
-قولي يا بنتي، حقك، أنا مسامح في كل كلمة هاتقوليها
تدخلت "شيماء" في الحوار قائلة بجدية محاولة لملمة الأمور قبل تفاقمها:
-أستاذ "بركات" من فضلك امشي، هي مش حابة تتكلم
رمقتها "فرح" بنظرات معاتبة وهي توبخها بضيق:
-شكرًا يا "شيماء"، كنتي خليكي من الأول صريحة
وضعت "شيماء" قبضتها على ذراعها لتوقفها عن السير مرددة بخوفٍ:
-قسمًا بالله ما ليا ذنب، استني بس يا "فرح"
استعطفها "بركات" قائلاً:
-عشان خاطري أنا يا بنتي، طب عشان خاطر الحاجة "فوزية" أمك!
عند تلك الكلمة تحديدًا تجمدت "فرح" في مكانها مستشعرة ألم فقدان الأحبة، همست بتنهيدة تحوي الأوجاع:
-ماما
أصاب في مقصده حينما لمس ذلك الوتر الحساس الذي يخص والدتها المتوفاة، أضاف بحذرٍ علها تمنحه ما يتمنى:
-الله يرحمها ويحسن إليها، إديني بس من وقتك 5 دقايق
لم تستطع مقاومة فيض ذكريات والدتها الحنون، رغمًا عنها اضطرت أن ترضخ لتوسلاته الراجية إكرامًا لها فقط، سحبت نفسًا عميقًا حبسته في صدرها لتضبط بها انفعالاتها المتأثرة، ورمشت بعينيها عدة مرات لتمنع عبراتها من التجمع في طرفيها، هتفت بقسوةٍ جادة:
-اتفضل، عاوز تقول إيه؟
تنفس الصعداء للين قلبها، أشار لها بكفه متابعًا بابتسامة باهتة:
-ممكن نتكلم بعيد عن الدوشة دي
ردت على مضض:
-طيب
سار الاثنان سويًا نحو إحدى الزوايا الخالية تقريبًا من الطلبة، تابعتهما أنظار "شيماء" المتوجسة خيفة من ردود الفعل، ظلت تدعو الله في نفسها أن يمر اللقاء على خير، وزعت نظراتها بينهما وبين متابعة الطلبة، في حين وقفت "فرح" في مواجهة "بركات" ترمقه بحدة، زاد تشبثها بكاميرتها وكأنها وسيلتها المتاحة للتنفيس عن ضيقها وضبط هدوئها أمامه، سألته باقتضاب عابس:
-خير؟
ازدرد ريقها مجيبًا إياها بهدوءٍ:
-الحاجة "سميرة" مراتي هتتسجن
زاد عبوس وجهها وتشنجه من مجرد تذكر ما فعلته معها من إهانات لاذعة واتهامات باطلة، صاحت فيه بنبرتها المنفعلة نسبيًا:
-ومطلوب مني إيه؟
تفهم من صوتها المزعوج ضيقها من تلميحه الغير صريح، ابتلع ريقه مستأنفًا حديثه بتردد:
-أنا عارف إنها غلطت في حقك وقالت وعملت حاجات مايصحش إنها تتعمل، بس هي ست كبيرة، حرام البهدلة ليها في السن ده
احتقن وجهها من تبريره لموقف زوجته متناسيًا ما فعلته معها من تجاوزات تخطت الأعراف، صاحت مستنكرة:
-ومكانش حرام إنها ترميني بالباطل؟ إنها تسوء سمعتي؟
كانت محقة فيما تقول، حاول تلطيف الأجواء مرددًا بارتباك:
-الحكاية حصل فيها سوء فهم و......
قاطعته بصراخ متعصب وهي تلوح بيدها:
-كله كان من الأول كدب، جوازي من كريم كان أكبر كدبة، وطلاقي منه من غير ما أعرف كان .....
رفع كف يده أمام وجهها ليقاطعها بأسفٍ:
-ماتكمليش، أنا عارف ده كله، مش محتاجة توضحي أكتر من كده، احنا غلطنا كلنا في حقك
بدت كمن ينفث دخانًا من أذنيها بسبب غضبها المشتعل بداخلها، استأنف "بركات"حديثه بحذرٍ:
-بس عشمي في الله وفيكي كبير
ظلت ترمقه بنظراتها المحتقنة بحمرة غاضبة لكنه استجمع شجاعته ليواصل حديثه بنفس الهدوء علها ترفق به:
-هي غلطت وأذنبت بس اللي عملته ده كان بدافع حبها لابنها، أي أم بتدور على اللي يسعد ابنها حتى لو الطريقة غلط، أنا صعبان عليا مرمطتها على أخر الزمن في المحاكم والأقسام
لم تتحمل المزيد من سخافاته عنها ليبرر خستها في التعامل، هدرت فيه بلا وعي:
-ومصعبش عليك اللي ابنك عمله فيا؟ من أول ما خدعني ومفهمني إني مراته وهو متجوز عليا، وإنه يطلقني من غير ما أعرف؟ إني أفضل مصدقة إن فرحي خلاص قرب وهتجوز، وكلها فترة بسيطة ونخلص اللي ناقصنا، واتفاجئ إنه متجوز وعايش حياته عادي، أنا الوحيدة اللي اتظلمت منكم كلكم
تفهم موقفها العدائي نحوه، لم يستطع الدفاع أو التبرير أكثر من ذلك، نكس رأسه بخذلان واضح عليه وهو يستعطفها:
-حقك عليا أنا يا بنتي، امسحي كل الغلط ده فيا، أنا برضوه سكت من الأول عن الحق وماتكلمتش
تهدجت أنفاس "فرح" بصورة ملحوظة نتيجة انفعالها الزائد، تجمدت نظراتها القاسية على وجه "بركات" وهو يقول لها متوسلاً:
-شوفي إيه يرضيكي وأنا مستعد أعمله، بس بأحلفك بالله ماتكونيش قاسية، خليكي أحسن مننا كلنا
كان على وشك الانحناء وتقبيل يدها قائلاً:
-أبوس إيدك سامحيها و...
سحبت "فرح" يدها مذعورة من حركته المباغتة تلك والتي لم تتوقعها مطلقًا منه، تراجعت خطوتين للخلف ترمقه بنفس النظرات المشتعلة التي لم تهدأ حدتها بعد، استشعر احتمالية رفضها لرجاواته، تنهد مرددًا بإحباط يائس:
-أنا هاسيبك لقلبك ولضميرك، واللي هاتعمليه بعد كده احنا راضيين بيه
لم تعلق عليه واكتفت بالتحديق فيه بنفس النظرات الحادة التي تبث كرهًا مسببًا، ابتلع ريقه مكملاً بنبرة مليئة بالخزي:
-عن اذنك يا بنتي، سلامو عليكم
أولته ظهرها متجاهلة حتى رد التحية عليه ليشعر بالمزيد من القهر والعجز، ولماذا العجب من تلك المعاملة الجافة منها؟ فعائلته كانت الأسبق في ذلك بجدارة، لذا عليه ألا يلومها إن عاملته بفظاظة وتجاهل، رحل يجرجر أذيال الخيبة خلفه، انتظرت "شيماء" للحظات حتى ابتعد فأسرعت في خطواتها نحو "فرح" لتدافع عن نفسها قائلة:
-"فرح"، أنا معرفش إنه جاي
رمقتها الأخيرة بنظرة تحمل الضيق، ضغطت على شفتيها مرددة بجمودٍ:
-لو سمحتي يا "شيماء"، سيبني في حالي
شحب وجهها كثيرًا واكتست نظراتها بالخوف القلق، توسلتها بتلهفٍ:
-اسمعيني بس، والله العظيم هو اللي ....
وكأنها تحدث نفسها، لم تكن بها أي رغبة للمجادلة معها، تركتها منسحبة من المكان برمته رغم صياحها:
-"فرح"، استني، "فــرح"!
امتقع وجه "شيماء" على الأخير مرددة لنفسها بتخوفٍ:
-أووف، أنا كده وقعت في مشكلة كبيرة!
تلفتت حولها محاولة البحث عن بديل عنها من الزميلات متابعة بقلقٍ:
-خايفة عليكي أوي، ربنا يستر ومايحصلش ليكي حاجة!
...............................................................
ألقت بثقل جسدها على الفراش بعد انتهائها من الاغتسال لتريح عقلها قليلاً من التفكير الذي أرهقه، أرادت "فرح" أن تمحو جميع الروابط التي تجمعها بشكل أو بأخر بتلك العائلة، حتى الذكريات تمنت أن تمسحها للأبد من بواطن عقلها، لم يتوقف هاتفها عن الرنين، ومع ذلك تجاهلته عن عمد، لم تكن تملك من الطاقة ما يجعلها تبوح بما يجيش في صدرها من أثقال وهموم، تقلبت على الفراش لتحدق في نقطة في الفراغ أمامها، تجسد في مخيلتها أطياف ذكريات جمعتها مع "كريم"، شعرت بإحساس الخيانة يجتاحها لمجرد التفكير فيه من جديد، انسابت منها عبرة بللت وسادتها، تنهدت بأسى، هي تكره ذلك الشعور الذي يوغر صدرها بالكره والبغض، حدثت نفسها قائلة بحرقة:
-ليه مطلوب مني أنسى وأسامح وأنا أكتر واحدة اتأذيت!
تدفقت العبرات بغزارة من حدقتيها لتمتزج مع نواحها الباكي، تابعت همسها الموجوع:
-اشمعنى أنا اللي المفروض أتنازل؟
تذكرت قسوة وشراسة "سميرة" معها، حملتها في لحظتها المكلومة كل الذنب متناسية أنها مشيئة القدر، أساءت لها وعاملتها بوقاحة شديدة لم تعبأ وقتها بوجود الجيران والمعارف بالمنزل، وزادت قسوتها حينما علمت الحقيقة كاملة لينتهي الأمر باكتشاف الأكذوبة الكبرى، واليوم مطلوب منها أن تنسى وتصفح بكل بساطة، اعتدلت في نومتها صارخة:
-مش هايحصل
دفنت وجهها بين راحتيها تبكي وتشهق بأنين، كانت بحاجة لمن يحتويها ويضمها إلى صدره فتشعر بالأمان، من يربت عليها برفق ليهون أوجاعها النفسية، من يخبرها أن كل شيء سيغدو على ما يرام، لكنها كانت وحيدة بالمعنى الحرفي، ليس لديها من تلجأ إليه، انهارت بجسدها على الفراش تضم ركبتيها إلى صدرها مقاومة تلك الرجفة التي تعتريها.
......................................................
مرت الأيام ثقيلة عليها متشابهة إلى حد كبير، تقضي نهارها بروتينية في العمل، وفي الليل تعود إلى المنزل لتجلس بمفردها فيه تنهي ما لم تنجزه خلال ساعات العمل، تخلل يومها اتصالات متكررة من "يزيد" للسؤال عن أحوالها، وكذلك زيارة ودية من "إيلين" وابنتها، لكنها اعتذرت عن الخروج مع "شيماء" وفهمت الأخيرة سبب تهربها منها هو انزعاجها من الموقف الحرج الذي وضعت فيه كلتاهما، ظل وجه "بركات" المنكسر بكلماته المتحسرة النادمة تتردد في صدى عقلها، وكأنه يضاعف من مرارة خلوتها، فاض بها الكيل فقررت أن تتخلص من ذلك الثقل نهائيًا دون العودة لأي أحد ليشاطرها اتخاذ ذلك القرار الهام، ابتسم المحامي المنوط بمتابعة قضية "سميرة" قائلاً بامتنان:
-حقيقي مافيش زيك يا مدام "فرح"، حد غيرك كان .....
قاطعته "فرح" بجمود وقد ارتسمت علامات الجدية على ملامحها:
-مش حابة أحكي في الموضوع ده لو سمحت، في حاجة تانية مطلوبة مني
رد المحامي بهدوء:
-لأ يا فندم، أنا هاخلص باقي الإجراءات
أومأت برأسها متفهمة، وضعت نظارتها القاتمة لتخفي نظراتها وبدأت تستعد للانصراف لكن أوقفها صوت "بركات" القائل بحنوٍ:
-"فرح"
التفتت برأسها نحوه تطالعه شزرًا من خلف نظارتها التي تحجب رؤية عينيها عنه، ردت بتأفف لم تحاول إخفائه:
-في ايه تاني يا أستاذ "بركات"؟
طأطأ رأسه قليلاً ليرد بحرج:
-أنا مش عارف أقولك ايه
أشارت بيدها قائلة بجفاء قاسٍ:
-كده انتهى أي رابط بيني وبينكم، يا ريت تشلوني خالص من دماغكم زي ما أنا عملت وشلتكم من دماغي وحياتي كمان
شعر بالمرارة والأسى في حديثها، زفر قائلاً بندمٍ:
-حقك علينا، احنا هانفضل مديونين ليكي طول العمر
ردت بنبرة جليدية خالية من الرقة والعطف:
-لا دين ولا غيره، أنا عملت كده واتنازلت عشان أرتاح، فيا ريت تكون دي أخر مرة نتقابل فيها
ابتلع قسوتها مرددًا بابتسامته الباهتة:
-أنا هافضل فاكر معروفك ده، وهاكون في الخدمة لو عوزتيني في أي وقت
ثم مد يده المرتعشة نحوها ليصافحها متابعًا بحنو أبوي:
-أسيبك في رعاية الله
أخفضت أعينها لتحدق في يده الممدودة، ترددت للحظة قبل أن تمد كفها نحوه، أجبرت نفسها على مصافحته هاتفة باقتضاب:
-مع السلامة
شكرها مجددًا محافظًا على بسمته:
-كتر خيرك يا بنتي
لم تعلق عليه وأسرعت في خطاها قاطعة أي فرصة للثرثرة أكثر معها، لكنها تيقنت اليوم أنها أنهت كابوسًا نغص حياتها لوقت ليس بالقليل لتبدأ بعدها في متابعة حياتها التي ترتكز على توطيد علاقتها بزوجها "يزيد" الذي تحامل على نفسه الكثير مؤخرًا معها لتتجاوز أزماتها، هكذا هي اعتقدت ...
...........................................................
كان يحترق شوقًا في كل يوم يمر عليه وهي بمفردها لا يعرف عنها إلا القليل مما تخبره هي بنفسها، لم تشبع كلماتها جوعه ولم تجعله يهنأ، كان يشعر من نبرتها أن بها خطب ما، لم يرغب "يزيد" في الضغط عليها حتى لا تشعر بحصاره المزعج لها، عمد إلى ادعاء الهدوء واللا مبالاة ليكسب ثقتها أكثر، وما إن نال تصريح العطلة حتى استقل سيارته عائدًا إليها، كانت أشواقه وتلهفه إليها تقود عقله وروحه إلى الجنون، وقف أمام باب المنزل يدس المفتاح في قفله بتريث حذر ليفاجئها بقدومه، تعذر عليه فتح الباب فانقبض قلبه خوفًا، للحظة ظن أنها تركت المنزل ولم تقم فيه طوال الفترة الماضية، لكن هداه عقله إلى احتمالية غلقها للباب بالمزلاق، قرع الجرس بلا تفكير ثانٍ آملاً في نفسه أن تكون بالداخل، تنفس الصعداء حينما سمع صوتها يقول:
-حاضر!
وضع "يزيد" يده على صدره يتحسس نبضات قلبه المتلاحقة، وما إن فتحت الباب وطالعته بوجهها الناعس حتى اندفع نحوها يضمها إليه قائلاً بتلهفٍ:
-وحشتيني يا حبيبتي
ردت عليه بنبرة ثقيلة:
-إنت جيت؟
رد ساخرًا وهو يتراجع للخلف ليحتضن وجهها بين راحتيه:
-لأ لسه، أكيد أنا مش خيالي، صحصحي كده يا فرووح
وضعت "فرح" يديها على قبضتيه لتبعدهما عن وجهها الذي يفركه لتحتفظ بسمات النوم، سألته بنبرة شبه واعية وهي محدقة فيه بنصف عين:
-هي الساعة كام دلوقتي؟
أجابها متعجبًا وقد انزوى ما بين حاجبيه:
-6 الصبح تقريبًا
تثاءبت قائلة بنبرة تبعث على النعاس والكسل:
-ياه، ده بدري أوي، أنا داخلة أنام
فغر فمه مصدومًا من فتورها الذي قابلته به بعد ذلك الغياب، كان يتوقع لقاءً حميميًا عاصفًا، وأحضانًا تذيب جمود الجليد، لكنه وجد النقيض، رد مستنكرًا حينما رأها تنصرف مبتعدة:
-تنامي فين وتسبيني كده
لوحت له بيدها دون أن تستدير نحوه لتقول:
-مش قادرة والله، كان عندي شغل في الجرنال سهرت أخلصه، كمان ساعتين بقى أكون فوقت ونتكلم
ظلت علامات الدهشة مرسومة على محياه وتضاعفت حينما قالت عفويًا:
-تصبح على خير
صفقت الباب خلفها متجاهلة وجوده، أشعرته في لحظة أنه ضيفًا في المكان وليس صاحبه، بل وأن وجوده غير مرغوب فيه، حك رأسه عدة مرات ليستوعب أنها بالفعل تركته وذهبت لتنام، عبست تعابيره هاتفًا بغيظ من بين شفتيه:
-ما أنا اصطبحت خلاص، أل وأنا عمال أقول هتاخدني بالأحضان إن مكانش فيها بوسة من إياهم، وفي الأخر تطلع العملية ناشفة!
هز رأسه بإيماءة متوعدة وهو يكمل بحنق مزعوج:
-ماشي يا "فرح" ليكي يوم، وهايكون قريب ................................ !
.............................................................
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم Manal Salem
الفصل السادس والعشرون
بعبوسٍ لم تستطع إخفائه أعدت حقيبة السفر بكل ما تحتاج إليه لتلك السفرة القصيرة لقُطر يشغل حيزًا كبيرًا من أرض الوطن؛ إنه صعيد مصر بكل ما فيه من جمال وثورة طبيعية، استقلت "فرح" القطار برفقة زوجها الذي كان متحمسًا لتلك الزيارة العائلية، جلست إلى جواره تنفخ بصوت مسموع متعمدة أن يشعر بما يعتريها من مشاعر مزعوجة، نظرت إليه فوجدته هادئ الملامح مسترخيًا في جلسته، ضاقت نظراتها نحوه، فمنذ لقائها الفاتر عند عودته وهو يتعامل معها ببرود عجيب أثار في نفسها الريبة، توقعت حينما تستيقظ من نومها أن تجده على نفس درجة التلهف والشوق، لكن على عكس توقعاتها تعامل "يزيد" معها بفتورٍ شديد أزعجها حقًا، وكذلك حينما أعلمها بحجزه لتذاكر القطار، كان كمن يبلغها بالشيء لمجرد العلم ليس أكثر، كل ذلك أجج في نفسها شعورًا بالحنق تجاهه، صاحت فجأة متسائلة بتذمر لتخرجه من سكونه:
-هنوصل امتى؟
انتفض "يزيد" في جلسته مرددًا باستنكار:
-بالراحة يا "فرح"، مش كده يعني، في حد يزعق بالشكل الغبي ده
فرك عينيه عدة مرات ليصرف النعاس منهما، بينما تابعت بنفس التبرم العابس"
-ما هو لما تكون مطنشني لازم أرد كده!
أخرج زفيرًا مطولاً من صدره وهو يسألها بجمود:
-مطنشك ازاي ممكن أفهم؟
أجابته بوجهها المتعصب في تعبيراته:
-مش معبرني ولا سأل فيا
تثاءب وهو يمط ذراعيه قائلاً ببرود استفزها على الأخير:
-عادي، تعبان، لما أبقى أفوق هابقى أرجع لطبيعتي
-إنت بتردهالي عشان اليوم إياه؟
سألها بجمود أكثر استفزازًا:
-يوم إيه؟
أجابته بنبرة متشنجة:
-لما إنت رجعت و....
قاطعها بصوتٍ شبه ثقيل مدعيًا رغبته في النوم:
-مش فاكر، أنا كنت نايم ساعتها
استثيرت أعصابها من أسلوبه الجاف فلكزته في جانب كتفه بقضبتها لتقول بعدها بتحذيرٍ قوي:
-"يزيد"، بلاش الأسلوب المستفز ده معايا
أمسك بقبضة يدها المتكورة ضاغطًا عليها قليلاً بأصابعه مرددًا بنفس اللهجة التحذيرية التي اتبعتها معه:
-"فرح"، اهدي كده شوية على نفسك، لسه السكة طويلة، مش هانعمل هوليلة على الفاضي، ماشي؟
جذبت يدها عنوة من أصابعه، نظر لها بعدم مبالاة، تثاءب من جديد ليقول بعدها بنبرة تحمل السخرية:
-أقولك اشربي بيبسي يروق دمك
نهض من مقعده متلفتًا حوله وهو يضيف بابتسامة سخيفة:
-بصي أنا هاروح أجيبلك واحدة مشبرة، ومن الجردل كمان!
اشتعلت نظراتها غيظًا منه لكنه كان يتعامل بأقصى درجات البرود إن لم يكن قد بلغ ذروة التجاهل وعدم الاهتمام، دندن بصافرة خافتة وهو يتحرك صوب المقاعد الخلفية ليأتي لها بمشروب بارد، كزت "فرح" على أسنانها متمتمة بسخطٍ:
-غلس!
ظل على تلك الوتيرة معها أغلب الوقت، يتعامل بجفاء أهلك أعصابها حينما تحدثه أو تطلب منه شيئًا ما، حتى أجبرها على الانفعال والثورة على أتفه الأمور، كان يرمقها بطرف عينه وكأنها نكرة ليزيد من استفزازها، بدا غير مكترث بما تفعله، وكانت ردة فعله فاترة للغاية إن لم تكن غير موجودة بالمرة، هتفت مستسلمة بإحباط:
-أنا جبت أخري معاك
وضع سماعات الهاتف في أذنيه ليكتمل مشهد تجاهله لها، التوى ثغره للجانب مشكلاً ابتسامة متغطرسة عليه وهو يحدث نفسه بغرورٍ:
-هو إنتي لسه شوفتي حاجة، ده أنا لسه بأقول يا هادي!
تابعت "فرح" المناظر الطبيعية المتلاحقة لتلك المحافظات التي يمر عليها القطار حتى بدأ جفناها يثقلان، قاومت رغبتها في النوم لتظل متيقظة الحواس، لكن لا يقف أي شيء أبدًا أمام سلطان النوم، مالت برأسها للجانب بعد أن غفت في سبات قصير، أسند "يزيد" رأسها بحذر على كتفه كي لا يتألم عنقها من وضعية نومها الغير مريحة، أحنى شفتيه على جبينها طابعًا قبلة صغيرة وهو يهمس لها:
-هانت، قربنا نوصل، وأوعدك هتتبسطي هناك
............................................
تيبست عضلاتها من نومتها المرهقة فأصدرت أنينًا خافتًا وهي تحرك عنقها، أدارت "فرح" رأسها في اتجاه "يزيد" فوجدته مستغرقًا في النوم، عاودت التطلع إلى النافذة المجاورة لها لتتبين أين هي، مالت برأسها للأمام لتنظر بتمعن مفصل إلى طبيعة ما حولها، كانت الحقول الزراعية هي الشيء المشترك في كل المحطات التي مر عليها القطار، تراجعت بظهرها للخلف لتبحث عن هاتفها المحمول في جيبها، أخرجته لتنظر إلى التوقيت فيه، مضى أكثر من 6 ساعات منذ أن استقلا القطار، تنهدت بصوت مسموع وهي تلتف برأسها نحو زوجها لتوقظه هامسة:
-"يزيد"
بدت قسمات وجهه ساكنة للغاية، أعادت تكرار سؤالها وهي تهزه برفق تلك المرة لينتبه لها:
-هو احنا هنوصل امتى؟
فتح عينيه بتثاقل ليحدق فيها مطولاً وبطريقة غريبة، رمشت بعينيها متعجبة من طريقة تحديقه بها، سألته مندهشة:
-في حاجة، إنت بتبصلي كده ليه؟
أشار لها بسبابته مجيبًا إياها بصوته الناعس:
-إيه ده اللي على راسك؟
قفز قلبها في قدميها متسائلة بارتباك خائف:
-هو في حاجة على راسي؟
أجابها ببساطةٍ وكأنه أمر طبيعي:
-اه، صرصار تقريبًا
عند تلك الكلمة تحديدًا خرج منها صراخًا مفزوعًا مصحوبًا بحركات عصبية متشنجة من أطرافها:
-عـااااا
هبت "فرح" واقفة من مكانها تنفض ما علق بخصلات شعرها دون أن تتوقف عن الصياح الصارخ بهيسترية مقلقة، صدم "يزيد" من ردة فعلها التي لم يتوقعها مطلقًا، حاول تهدئتها ليتمكن من التصرف لكنها كانت تصيح فيه بهياج:
-صرصـــــار، إبعده عني
ثبتها من كتفيها ليتمكن من انتزاعه بإصبعيه قائلاً:
-اركزي بس خليني أشوفه
بصعوبة بالغة حاولت إجبار جسدها على عدم التحرك حتى يزيحه عنها، أغمضت عينيها بقوة وهي تنتفض من شدة الرعب، تمكن "يزيد" من الإمساك به ثم ألقاه أسفل قدمه ليدهسه فورًا، تابع قائلاً بصوته الأجش:
-خلاص موته
فتحت عينيها على الأخير مواصلة حركاتها الهيسترية وهي تبعثر شعرها في كافة الاتجاهات مرددة بذعرٍ:
-أنا عليا صرصار، يــــع بجد!
قبض على ذراعها ليجذبها إلى الأسفل لتجلس من جديد على المقعد قائلاً بصوتٍ خفيض وهو يكز على أسنانه:
-الناس اتفرجت علينا، اقعدي بقى
اعترضت عليه محتجة:
-لأ، مش هافضل هنا جمب الصرصار ده
-يا ستي بأقولك موته، مفضلش منه إلا الشنب
ضمت "فرح" قبضتيها إلى صدرها لتستشعر تلك الدقات العنيفة بداخل صدرها، حاولت أن تهدئ من روعها لكنها وجدت صعوبة في فعل ذلك، فمازال جسدها يرتعش، وقلبها ينتفض من كل لمسة أو حركة، نظر لها "يزيد" باستنكار واضح عليه، أشار لها بيده مضيفًا بسخطٍ:
-يا بنتي احنا بنشوف بلاوي في الوحدة، مش عاوز أقولك على الـ.......
قاطعته بنبرة مهتزة وهي ترمقه بنظراتها الخائفة:
-مش عاوزة أعرف حاجة، كفاية التجربة الشنيعة اللي مريت بيها
بدا وصفها مبالغًا فيه، خاصة ذلك المصطلح القوي الذي استخدمته للتعبير عن حالة لحظية مرت بها، زم فمه مرددًا باستغراب:
-شنيعة؟!
تهدجت أنفاسها وهي تواصل وصف تجربتها:
-أنا قلبي كان هيقف فيها، كل ما أفتكر، لالا، أنا ....
قاطعها مرددًا باستخفاف:
-مش للدرجادي يا "فرح"، أومال لو كان حنش ولا عقرب أصفر كنتي عملتي ايه؟
وضعت أصابعها على قبضة يده تتوسله:
-خلاص بقى، هاموت منك والله
نظر إلى يدها المرتجفة القابضة عليه للحظات، تفهم حالة الذعر المسيطرة عليها ليقول مبتسمًا:
-حاضر، هاسكت
هزت "فرح" ساقيها بعصبية مستشعرة حاجتها للدخول إلى المرحاض، سلطت أنظارها على "يزيد" قائلة بصوت هامس:
-أنا هاروح التويلت، مش قادرة خالص!
لم تنتظر رده عليها، فتحركت بخطوات شبه مهرولة إلى المرحاض الموجود في نهاية المقطورة، لف رأسه ليراقبها حتى ولجت إلى الداخل، حيث كان في انتظارها مفاجأة من العيار الثقيل، شخصت "فرح" بأبصارها فزعًا حينما رأت ذلك الصرصور الطائر الذي يتجول بداخله، ازداد جحوظ عينيها حينما لمحت أخرًا يأتي من الخلف ليدعمه، تجمدت أنظارها المرتعدة على شواربه التي يهزها بخيلاء، رأت جناحيه يتحركان بتلقائية مهددًا بتحركه بين لحظة وأخرى، تراجعت بحذرٍ نحو الباب محاولة ألا تصدر جلبة لكي لا ينتفض من مكانه قاصدًا وجهها، كتمت شهقة صارخة بكف يدها مانعة إياها من الخروج، وبيدٍ مرتعشة أبعدت المزلاج لتخرج منه ووجهها محتقنًا بحمرة مضاعفة، عادت إلي "يزيد" بحالتها المفزوعة تلك ليسألها باهتمام:
-مالك؟ وشك عامل كده ليه؟
أشارت له بيده هامسة بصوتٍ شبه مبحوح، وبكلمات غامضة:
-جوا
قطب جبينه متعجبًا من جمودها المريب، تعقدت تعابيره متسائلاً بجدية رغم مزاحه:
-في إيه جوا؟ محدش شد السيفون؟
أخفى ابتسامة عابثة مرددًا بمرحٍ:
-طبيعي تشوفي العجب في المواصلات العامة، وأنا من الأول قايلك ده، خلي سقف طموحك واقعي
هزت رأسها نافية وهي ترد:
-لأ مش .. مش كده، ده باقي عيلته جوا
سألها باقتضاب:
-مين ده؟
ردت بتأفف مشمئز:
-الصرصار
لوهلة صدم مما قالته، اتسعت ابتسامته قائلاً:
-لأحسن يكونوا جايين ياخدوا بتاره منك، ما احنا في الصعيد، ماتنسيش ده!
نظرت له شزرًا، فتابع بصرامةٍ:
-بس متخافيش معاكي راجل، هجيبهوملك تحت جزمتي
ثم أخفض نبرته ليضيف القليل من التوجس وهو يضيف:
-إلا إن كانوا بيطيروا، معرفش هايحطوا على راس مين!
رفعت سبابتها أمام وجهه تحذرها:
-ولا كلمة!
داعب طرف دقنها قائلاً بابتسامته العريضة:
-بأهزر معاكي يا "فرووح"، ماتخديش الموضوع على صدرك أوي
كزت على أسنانها هاتفة بحنق كبير:
-بس، مش عاوزة حد يكلمني، خليني كاتمة نفسي لحد ما أوصل أي استراحة تانية
استشف من كلماتها الغاضبة أنها لم تستطع إتمام ما قامت لأجله، مال عليها متسائلاً:
-أوبا، هو إنتي لسه ما ......؟
قاطعته بغيظٍ:
-"يزيد"!
تراجع عنها ليجلس باسترخاء مستمتعًا بتعذيبها نفسيًا وهو يقول:
-عندك حق، مايصحش الصراصير تطلع على الأسرار العسكرية، دي فيها خراب بيوت، يعني الواحد ياخد راحته ازاي وفي صراصير بتبص عليه
اشمئزت من حديثه قائلة:
-ارحمني شوية
ربت على يدها قائلاً:
-حاسس بيكي، زمان أيام مركز التدريب كنت .......
أمسك بيده تقبلها وهي تقاطعه برجاءٍ متوسل ليكف عما يفعله:
-عشان خاطري، أبوس إيدك كفاية!
لف يده الأخرى حول عنقها ليقرب رأسها منه وهو يقول مبتسمًا:
-حاضر يا فراشتي، مقدرش أرفضلك طلب
لمحت "فرح" أحد الموظفين المسئولين عن التفتيش عن عربات القطار، فهتفت تناديه:
-لو سمحت يا حضرت
التفت الأخير نحوها قائلاً:
-ايوه
تابعت قائلة بتقزز واضح على تعبيرات وجهها:
-في صراصير في الحمام، ممكن تموتوها
فغر الموظف شفتيه مرددًا باندهاش:
-افندم
تنحنح "يزيد" قائلاً بحرج وهو يبرر مطلبها:
-معلش المدام بتخاف، ومحرجة تدخل وهما هناك، إنت عارف تفاصيل الحريم كتير، والحاجات دي عكوسات بالنسبالهم
رد الموظف بامتعاض متأفف ظاهر على محياه:
-القطر مليان منهم، مجاتش على دول
اغتاظت من رده الغير مسئول، هتفت معترضة بشدة:
-عادي كده، مش هاتصرف يعني
مسح طرف أنفه متابعًا ببرود غير مبالٍ:
-هانبقى نبلغ المكافحة، وكل سنة وإنتي طيبة
رد عليه "يزيد" بابتسامته المرحة:
-وإنت بالصحة والسلامة، متشكرينلك يا أخ
استفزها عدم اهتمامه بشكواها فرددت بتذمر تتوعده:
-الخدمة حقيقي سيئة، لازم نشتكي ونبلغ عن التقصير ده، ازاي يسمحوا بوجودهم في الحمامات، أنا هاعمل تقرير وأرفعه و...
رفع "يزيد" حاجبه للأعلى متعجبًا مما تتنوي القيام به، قاطعها قائلاً بجدية:
-وهو هيعملنا ايه يا "فرح"؟ هايعلقلك مثلاً يافطة على البلاعات يكتب عليها الصراصير يمتنعون؟ قولي كلام يدخل العقل!
اشتعلت نظراتها من عدم اكتراثه بتلك المشكلة المنتشرة في أغلب القطارات قائلة:
-إنت معاه؟
شبك كفيه معًا مسترخيًا في جلسته، أدار رأسه نحوها ليغمز لها بطرف عينه وقد اتسعت بسمته المرحة:
-لأ مع الصرصـــار ................................. !
.............................................................
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل الثلاثون 30 - بقلم Manal Salem
الفصل السابع والعشرون
تشبثت بمقعدها تفكر بذهنٍ صافٍ لتبعد عن عقلها مؤقتًا أي ضغوطات تزيد من توترها الحرج في ذلك الوقت العصيب، أغمضت "فرح" جفنيها لكن ظلت شفتيها مضغوطتين بتشنج طفيف، التفت "يزيد" إليها يرمقها بنظراته الفضولية، بدا مزعوجًا من حالتها تلك، نهض من مكانه ليبحث لها عن حل سريع، اتجه إلى المرحاض ليتفقده، كان كل شيء به نظيفًا، فقط تلك الحشرات المزعوجة التي تتجول بأريحية فيه وكأنها قد ملكته، تمتم مع نفسه قائلاً:
-ما الحمام زي الفل أهوو، كانت تمشيها زي ما يكون وخلاص
فرك طرف ذقنه بحيرة محدثًا نفسه:
-طب إيه العمل دلوقتي؟
ظل ماكثًا به لبعض الوقت ليدعس ما به من حشرات، ركلها نحو البالوعة الصغيرة، ثم عاد إليها ليتباهى بإنجازه العبقري في ذلك الموقف البسيط، فإن كان الأمر يخصه فقط لم يكن ليكترث أبدًا وتجاهل وجودهم، عقد ما بين حاجبيه متعجبًا حينما وقعت أنظاره على الموظف الذي كان واقفًا إلى جوار مقعدهما، أسرع في خطاه يسأله:
-في حاجة؟
وجد "فرح" ترمقه بنظرات حادة لا تبشر بأي خير وهو يدنو منها:
-الأستاذ حل المشكلة خلاص
ضاقت أعينها عندما تابعت بنبرة ذات مغزى:
-فمافيش داعي تتعب نفسك
تجهمت ملامحه عقب جملتها تلك ولم يعلق عليها، أضاف الموظف موضحًا:
-يا مدام الحمامات نضيفة، وفي عمال بينضفوها أول بأول
ردت عليه بجدية مستخدمة يدها في الإشارة:
-أنا مش بأتكلم على النضافة، بالعكس كل حاجة كويسة، أنا اعتراضي كله على الحشرات والصراصير الموجودة فيه
جذب الموظف طرفي ياقتي قميصه معًا للأمام قائلاً بنبرة رسمية:
-صعب نسيطر على الموضوع ده، احنا بنقف في محطات وسط الغيطان والأراضي الزراعية، طبيعي تلاقي حشرات وحاجات تانية، المهم إن الخدمة موجودة
ابتسمت له مجاملة وهي ترد:
-عمومًا شكرًا على اهتمامك بالموضوع
أومأ برأسه مرددًا:
-تحت أمرك
عادت لتجلس على مقعدها واضعة حقيبة يدها على حجرها، نظرت بوجه عابس إلى وجهه توبخه بلطفٍ:
-شايف الناس؟
رمقها بطرف عينه بنظرة مزعوجة، زفر قائلاً بضيقٍ:
-مكانش كام صرصار يعني، هانعملها أزمة!
ردت عليه بتأفف وهي تدير رأسها في اتجاه النافذة
-قفل على السيرة دي، كفاية قرف!
نظر لها شزرًا للحظة قبل أن يضيف بازدراء بائن في نبرته:
-هو أنا اللي فاتحته من الأول؟ شوفي مين اللي عمل من موضوع تافه زي ده ظيطة وهوليلة، وفرج علينا الناس!
التفتت ناحيته ترمقه بنظرات مشتعلة غيظًا منه، خاصة أنه يحملها الذنب، ردت بحدة:
-بقى أنا اللي غلطانة؟
لم يلتفت ناحيتها، أمسك بطرفي سماعة الهاتف ليضعهما في أذنه قائلاً ببرود:
-أقولك على حاجة، اعتبريني مش موجود!
احتدت نظراته متمتمة بحنق مضاعف:
-اوكي يا "يزيد"!
بدا وجهه خاليًا من التعبيرات وهي تبرطم بجواره بكلمات مبهمة تحمل الغيظ والضيق متعمدًا التصرف ببرود كي يخمد اشتعال النقاش بينهما قبل أن يتفاقم إلى أكثر من ذلك، استمع إلى صوت رنين هاتفه في أذنيه، فضغط على زر الإيجاب ليرد بابتسامة متسعة:
-سلامو عليكم، أخبارك ايه يا مرات عمي؟
كركر ضاحكًا مضيفًا بعدها:
-كله تمام، هانت، فاضل حاجة بسيطة ونوصل إن شاء الله
أنهى معها المكالمة نازعًا السماعات عن أذنيه موجهًا حديثه إلى فرح وهو يقول بحماسٍ:
-مرات عمي عاملة عزومة على حِسنا
نظرت له بنظرات جامدة مبدية عدم اهتمامها بما يقول، تنحنح قائلاً بجدية:
-بصي يا "فرح"، يا ريت تخلي أي خلافات بينا على جمب واحنا هناك، بلاش ننشر غسيلنا قدامهم؟
هتفت بعصبية رغم خفوت نبرتها:
-هو أنا خلاص بقيت بتاعة مشاكل، وإنت مش بتعمل حاجة أبدًا، ملاك قاعد جمبي
رد عليها مشيرًا بإصبعه:
-أهوو ده اللي بيضايقني منك، عصبيتك على الفاضية والمليانة، اهدي شوية
أشارت إلى نفسها مرددة بسخطٍ:
-بقى أنا اللي أهدى؟ اومال إنت تبقى ايه؟
هز رأسه بالإيجاب مبررًا:
-منكرش إني عصبي، وبتفلت مني ساعات، بس أديني بأحاول أتحكم في نفسي
كتفت ساعديها قائلة:
-يعني مش لوحدي
زفر مطولاً بصوت مسموع ليرد بعدها:
-خلاص يا "فرح"، احنا نعمل اتفاق من دلوقتي، نفكنا من العصبية ونتصرف كزوجين طبيعين
-طيب
قالتها باقتضاب ممتعض وهي تحدق أمامها منتظرة بضيق انتهاء رحلة القطار المطولة لتصل إلى وجهتها التي لا تعرف بالضبط أين هي.
.......................................
صدحت صافرة القطار عاليًا لتعلن عن وصولها إلى محطة أخرى جديدة، كانت "فرح" قد غفت مرة أخرى في مقعدها فلم تشعر بزوجها وهو يستعد للنزول، هزها برفق من كتفها قائلاً:
-"فــرح"
تثاءبت وهي تمط ذراعيها مرددة بخفوت:
-إنت رايح فين؟ هاتجيب حاجة؟
أجابها بابتسامة ودودة:
-يالا يا حبيبتي، احنا وصلنا
اعتدلت في جلستها لتتمكن من التحديق من النافذة وهي تقول بحماسٍ قليل:
-أخيرًا
سحب حقائبه متابعًا بصيغة شبه آمرة:
-اتأكدي إن معاكي حاجتك، ويالا بينا!
-اوكي
جمعت سريعًا متعلقاتها الخاصة وهي تجوب بأعينها المقعد لتتأكد أنها لم تنسَ أي شيء، لحقت بعدها بـ "يزيد" الذي ترجل أولاً من العربة لتتفاجأ بعدد الرجال الذين ينتظرونه في المحطة، تابعت ترحابهم الودود - والحميمي أيضًا – باهتمام حتى قدمها إليهم قائلاً:
-ودي مراتي
رسمت ابتسامة مصطنعة على ثغرها وهي تمرر نظراتها الخجلة على وجوههم الجادة، رد عليه أحدهم بابتسامة:
-يا مرحب بيها
قربها "يزيد" منه مشيرًا لها بعينيه لتبادلهم التحية خاصة حينما هتف أحدهم:
-امنورة يا ست الكل
ردت بخفوت وهي تبتسم:
-شكرًا على ذوقكم
صاح أحدهم وهو يسرع في خطواته:
-العربية جاهزة يا باشا، هنطلعوا على دوار الحاج "جلال" طوالي!
أومأ برأسه قائلاً باقتضاب:
-ايوه
حمل أحدهم الحقائب عنه ليبدأ الجميع بعدها في السير نحو بوابة المحطة، تساءلت فرح بفضول:
-مين دول؟
أجابها "يزيد" بتفاخر:
-معارفي
رفعت حاجبها للأعلى مرددة بإعجاب:
-ماشاء الله، وأنا اللي كنت مفكرة إن مافيش حد عارفك هنا
رد عليها بنبرة متباهية تبعث الفخر على النفس:
-إنتي لسه شوفتي حاجة، دي بلدي يا فرووح، يعني أهلي وعزوتي كلهم هنا
................................................
بعد أن استقلت السيارة بجوار زوجها في المقعد الخلفي، أبقت "فرح" أعينها مركزة على الطريق كي لا تفوت فرصة تأمل أي منظر طبيعي، تمنت لو أخرجت الكاميرا الخاصة بها من حقيبة السفر لتسجل تلك المشاهد حتى تظل محتفظة بها في ألبوم للصور بالإضافة إلى ذاكرتها العقلية، مالت على "يزيد" تهمس له:
-بصراحة ماتوقعتش المكان يكون كده
ضيق عينه اليسرى متسائلاً
-كنتي مفكراه ازاي؟
أجابته بحرجٍ وقد تورد وجهها:
-يعني على حسب ما بأشوف في المسلسلات
أومأ برأسه متفهمًا مقصدها المنتشر عند أغلب الناس حيث يعتقدون أن صعيد مصر ما هو إلا منطقة نائية خالية من الخدمات الأساسية كالمرافق والصحة وحتى الخدمات التعليمية، عبست ملامحه تلقائيًا وهو يرد بسخطٍ:
-أها، نظام الأفلام القديمة والجو بتاع جاي من ورا الجاموسة ومخه قِفل
رمشت بجفنيها هامسة بخجلٍ أكبر:
-بصراحة أه
أشار لها بيده لتنظر نحو النافذة لتتأمل التصاميم الحديثة للبنايات وكذلك الطرق المرصوفة والمطلية بألوان زاهية قائلاً:
-أديكي هتقعدي يومين هنا وتشوفي الحال عامل ازاي
مطت فمها للأمام كتعبير عن إعجابها بما تراه، أردفت قائلة بحماسٍ:
-أنا مبهورة بصراحة
استمرت جولتهم بالسيارة قاطعين الطرق الرئيسية حتى ظهر أمامهم طريقًا فرعيًا، انحرف قائد السيارة نحوه ليكمل باقي الطريق إلى وجهته الأخيرة، حيث منزل العائلة.
......................................
بالطبع لم يختلف المشهد كثيرًا عما كانت تتخيله "فرح" في عقلها من وجود منزل كبير يتوسط عدد لا بأس به من الأراضي الزراعية على مرأى البصر، شعرت لأول مرة أنها تتنفس هواءً نقيًا منعشًا رغم حرارة الجو المرتفعة نسبيًا، لكن مشهد الخضرة مع السماء الصافية أضفى بهجة خفية إلى روحها، التفتت إلى "يزيد" تسأله:
-ده البيت؟
أجابها ببسمة سعيدة لحماسها الواضح:
-اه هو
ردت بحيوية ظهرت أيضًا في وجهها الذي ازداد توردًا:
-ما شاء الله، شبه القصور بتاعة زمان
لف ذراعه حول كتفيها قائلاً بجدية واضحة في نبرته وتعبيرات وجهه:
-عشان ده بيت العيلة
انتبه كلاهما لصوتٍ أنثويٍ أتى من على بعد، أدارت فرح رأسها في اتجاه صاحبة الصوت لتجد امرأة مسنة متشحة بالسواد لكنها تملك من النشاط ما يجعل وقفتها ومشيتها كالشباب، نظرت لها بتفرس متأملة قسمات وجهها الذي لم يخلو من التجاعيد، شعرت بقلقٍ طفيف مع اقترابها، ربما لأنها فرضت وجودها قبل أن تنطق بترحابٍ:
-يا أهلاً بالغالي، والله وليك شوقة يا ابن الغاليين
انحنى "يزيد" أمامها ليقبل يدها قبل أن يحتضنها قائلاً:
-مرات عمي
ابتعد عنها فمسحت بيدها على رأسه، ربتت على كتفه متسائلة:
-كيفك يا ابني؟
أجابها بابتسامة راضية:
-الحمدلله يا مرات عمي
تساءل أحدهم من الخلف بنبرته الخشنة:
-نودي الشنط فين يا حاجة "مفيدة"؟
أجابته بلا تفكير وهي تشير بذراعها:
-على أوضة الغالي، أنا مخلية البنات ينضفوها وخلوها زي الفل
مالت "فرح" على "يزيد" وهي تشب على قدميها لتسأله بفضول:
-هو إنت كنت قاعد هنا؟
أجابها باقتضاب موزعًا أنظاره بينها وبين زوجة عمه:
-أيوه
سألته من جديد:
-ودي صغيرة ولا كبيرة كده
-دلوقتي هتشوفيها
-طب و.....
قاطعها محذرًا بصوت خفيض:
-يا ريت تبطلي أسئلة المخبرين دي دلوقت لحد ما ندخل جوا
عبس وجهها من صرامته التي ظهرت على تعابيره قائلة على مضض:
-ماشي
تساءلت "مفيدة" بهدوء مريب وهي تركز أنظارها الحادة على وجه "فرح":
-دي مرتك؟
حرك رأسه بالإيجاب قائلاً:
-اه، "فرح"
ابتسمت لها "مفيدة" نصف ابتسامة مسلطة أنظارها التي جعلتها تتوتر منها لتقول بعدها بنبرة لم تستسيغها:
-يا أهلاً بيكي يا بتي .................................... !!
...............................................................