تحميل رواية «هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅» PDF
بقلم Manal Salem
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الفصل الأول: خرجت من مخفر الشرطة متحفزة للغاية، لم تكن لتتركها تعيش حياة هانئة وهي مازالت تحملها الذنب في وفاة ابنها الوحيد، لم تقتنع بكونه قضاءً وقدرًا من المولى عز وجل، فهي بالنسبة لها الملامة الوحيدة فيما حدث لفقيدها الغالي، نظرت لها ابنتها باستنكار، فهي مثلها تعلم حقيقة الأمر، ولكنها لم تستطع إثناء أمها عن رأيه، هي أكثر عِندًا مما ظنت، زفرت بضيق معاتبة إياها: -برضوه عملتي اللي في دماغك يا ماما؟ نظرت لها " سميرة " شزرًا، وأجابتها بامتعاض: -ايوه، ومش هيهدى قلبي ولا يرتاح إلا لما أشوفها متبهدلة...
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل الحادي عشر 11 - بقلم Manal Salem
الفصل الحادي عشر
تأنقت في ثياب شبه رسمية وهي تسير بخطوات متعجلة نحو مدخل الفندق، للحظة شعرت أن هناك أعين ما تراقبها، فالكل يطالعها بنظرات غريبة، حافظت فرح على ثباتها متابعة سيرها السريع حتى بلغت الاستقبال، تسمرت قدماها حينما اعترض طريقها أحدهم قائلاً بجدية:
-أستاذة فرح
نظرت له بنظرة شاملة وهي ترد متسائلة:
-ايوه، في حاجة؟
أومأ برأسه متسائلاً:
-في حاجة ناقصة سيادتك أجيبهالك؟
ضاقت أعينها نحوه وهي ترد بتجهم كبير:
-لأ
أشار لها بيده متابعًا بابتسامة سخيفة:
-طيب، حضرتك تقدري تتفضلي فوق
ارتفع حاجباها للأعلى معبرة عن اندهاشها مما قاله توًا وكأنه يأمرها ولكن بلغة أكثر تهذيبًا، لوت ثغرها مرددة بصدمة:
-افندم
رد موضحًا بجدية:
-عندنا أوامر تمنع سيادتك من الخروج
صاحت محتجة بانفعال ملحوظ:
-أوامر مين دي إن شاء الله؟
أومأ برأسه قائلاً بهدوء:
-المقدم يزيد جودة
انفرجت شفتاها معلنة عن صدمة أكبر وهي تقول:
-ده بجد؟
كورت قبضة يدها لتضغط على أصابعها وهي تكمل بغيظٍ:
-هو مافيش كلام بيمشي هنا إلا كلامه
تجاهل غضبها الواضح ببرود هادئ وهو يرد بإصرار:
-اتفضلي يا فندم
لوحت بيدها في الهواء صائحة باحتجاج:
-أنا محدش يقولي أعمل ايه
ضبط انفعالاته أمامها مضيفًا بجدية رسمية:
-يا أستاذة دي أوامر عليا، وأنا هنا مطلوب مني أنفذها، فمن فضلك اطلعي ارتاحي فوق ولو ناقصك حاجة احنا هنجيبهالك
رمقته بنظرات حانقة قبل أن توليه ظهرها وتعود من حيث أتت متوعدة إياه بغيظ:
-طيب يا يزيد، هاتشوف، مش إنت اللي هاتمنعني أجيلك
اتجهت فرح نحو المصعد تضرب زر استدعائه بعنف، سمعت صوتًا يقول من خلفها بجدية:
-مع الأستاذة يا عسكري!
نظرت له من طرف عينها بحدة وقد تضاعف حنقها بداخلها من تصرفات زوجها الرسمية والجافة معها، لكنها لن ترضخ بسهولة لما يمليه عليها.
................................................
عادت فرح إلى غرفتها تتمتم بكلمات غاضبة ورغم ما يفعله معها إلا أنه لم يثنيها عن عنادها، وقفت أمام خزانة الملابس تختار وبدقة ما يجعلها تبدو غير مرئية للمتواجدين بالأسفل، فإن كانت محاصرة من قبل رجاله فستستخدم أساليب التخفي والهروب للتسلل من الفندق، وقعت عيناها على كنزة رياضية خضراء ذات غطاء رأس عريض، وكذلك سترة رمادية داكنة ستفيدها في تخبئة وجهها، بدلت ثيابها ببنطال جينز وارتدت الكنزة والسترة معًا، ثم قامت بنثر خصلات شعرها لتحجب جزءًا كبيرًا من وجهها، لفت حول عنقها سماعة حديثة لتبدو كمن يستمع للأغاني أثناء تجوله، طالعت هيئتها في المرآة، وتأكدت من تغيير ملامحها بصورة جذرية، تنفست عدة مرات بعمق لتقدم على الخطوة التالية.
فتحت باب غرفتها بحذر ثم علقت على المقبض بالخارج لافتة "رجاءً عدم الإزعاج"، تسللت بخفة نحو الممر ومنه إلى الدرج الجانبي، هبطت عليه متعمدة الظهور بمظهر رياضي كامل، وصلت إلى الاستقبال وبقي أمامها فقط اختراق البوابة، استشعرت أنها لن تنجح في مهمتها إن سارت بمفردها، عليها أن تندس وسط مجموعة ما لتتمكن من الخروج، تلفتت حولها بنظرات شمولية باحثة عن الهدف المناسب لاستغلاله، وقعت عيناها على عائلة ما تقضي وقتها بالفندق يستعدون للانصراف، تقوس فمها بابتسامة عابثة، نكست رأسها قليلاً لتضمن تحرك خصلاتها نحو جانبي وجهها، شدت غطاء الرأس للأمام ليختفي جبينها، تحركت فرح بخفة حتى بلغت تلك العائلة وسارت معهم فتمكنت من الخروج دون أن تلفت الأنظار إليها، خدمها في تلك المسألة أيضًا هو ميعاد تبديل ورديات الخدمة، فلم يتعرف عليها أحد.
وما إن تأكدت من ابتعادها عن الفندق حتى وقفت عند الناصية تستقل سيارة أجرة، هتفت بصوت شبه لاهث وهي تشير للسائق بيدها:
-اطلع لو سمحت
امتثل الأخير لطلبها وأدار سيارته في اتجاه الوحدة العسكرية التي لم تكن تبعد كثيرًا عن الفندق، ظلت محدقة مليًا في الطريق أمامها تتوعد يزيد بالتوبيخ اللاذع لأسلوبه الغير لائق معها وكأنها فرد يعمل تحت إمرته وليست زوجته، حفزت غضبها منه فانعكس على تعبيرات وجهها، توقفت سيارة الأجرة عند أخر نقطة مسموح بالتواجد فيها لتترجل منها بعد ذلك مكملة سيرها نحو الأفراد المتواجدين عند الحاجز المعدني الموضوع أمام البوابة الرئيسية، زفرت فرح بقوة قبل أن تستطرد حديثها:
-عاوزة أقابل المقدم يزيد جودة
طالعها أحدهم بنظرات حادة متأملاً هيئتها الغريبة وهو يرد بجمود:
-الزيارة غير مسموحة دلوقتي يا ست
ردت بإصرار وهي ترفع رأسها للأعلى في تعالٍ طفيف:
-حضرتك أنا مراته مش حد غريب، ومتواجدة في فندق تبعكم قريب من هنا
نظر لها بقوة قائلاً بعدم اكتراث:
-معندناش أوامر ندخل حد بعد مواعيد الزيارة
أزعجها منعه لها من الدخول أو حتى التواصل معه فهتفت بإلحاح عنيد وهي تقف قبالته بتحدٍ كبير:
-وأنا مش هامشي من هنا إلا لما أتكلم معاه!
بدت نبرتها نوعًا ما مهددة وهي تضيف:
-فيا ريت تبلغه من فضلك لأنه لو عرفت إني جيت ومادخلتش جايز يعملك مشكلة
استشعر المجند الضيق من تهديدها الضمني فتجنبها ليتداول حديثًا جادًا مع أقرانه للحظات في شأنها قبل أن يعاود القدوم إليها قائلاً بنبرة رسمية:
-استني هنا واحنا هنبعت حد يبلغه
نظرت إلى حيث أشار بعينيها ثم أومأت برأسها موافقة وهي تبتسم بغرور، اتجهت فرح نحو الرصيف الموازي للحواجز المعدنية الموضوعة لتقف إلى جواره مترقبة خروج زوجها.
...................................................
تمدد باسترخاء على فراشه بعد أن بدل زيه العسكري ببنطال رياضي أسود و"فانلة" من نفس النوع لكنها بيضاء أبرزت عضلاته المشدودة، شبك ساعديه خلف رأسه ليغمض عينيه وهو يستمع بعدم تركيز لثرثرة رفيقه الذي يقول:
-احنا نطلع من المناورة دي نقضيلنا يومين فرفشة، نجدد شبابنا كده و....
قاطعه يزيد بصوت شبه ناعس:
-حل عند دماغي خليني أنام
رد عليه آدم بتذمر وهو يحك مؤخرة رأسه الحليق:
-ما أنا زهقان ومش لاقي حد أكلمه غيرك
تقلب يزيد على جانبه مرددًا بنبرة آمرة:
-روح ارغي مع مراتك
رد رفيقه ساخرًا:
-الشاويش عطية مش هاترحمني أسئلة، وأنا معنديش خلق ليها
زفر يزيد بصوت مسموع وهو يعتدل في نومته قائلاً بتحذير شديد اللهجة:
-بأقولك ايه، أنا......
بتر عبارته مضطرًا حينما سمع تلك الدقات الثابتة على باب غرفته والمصحوبة بقول:
-سيادة المقدم
نهض عن الفراش طاردًا النوم من جفنيه ليتجه نحو الباب، فتحه متسائلاً بضجر وهو يرمق المجند بنظراته الصارمة:
-في إيه؟
أدى له الأخير التحية العسكرية وهو يرد بحذر:
-أسفين يا باشا على الإزعاج، بس في واحدة مستنياك عند البوابة وبتقول إنها المدام!
شخصت أبصار يزيد مرددًا بعفوية وقد اكتسى وجهه بعلامات مذهولة:
-فرح
حلت تعبيرات الصدمة على قسمات رفيقه الذي وقف خلفه هامسًا بتوجس كبير:
-يا وقعة سودة
تابع المجند مضيفًا بهدوء ومتحاشيًا التجاوز في نبرته معه:
-احنا حاولنا نمشيها بس هي رافضة يا باشا، حضرتك فاهم إن.....
قاطعه يزيد بصرامة:
-أنا جاي وراك، اسبقني
أدى له التحية العسكرية من جديد قائلاً بخنوع:
-تمام يا فندم
انتظر يزيد لثوانٍ حتى انصرف المجند من أمامه ليهدر بعصبية:
-شايف المجنونة
رفع آدم كفيه في الهواء قائلاً بابتسامة مرحة:
-مش أجن منك الصراحة
ضرب بقبضته بعنف على الجدار متابعًا بغيظ وقد استشاطت نظراته:
-بتخالف أوامري وجيالي هنا
هز آدم كتفيه مبررًا تصرفها الأرعن:
-أكيد وحشتها، شوف قلبها قلب خساية و....
رفع يزيد سبابته أمام وجهه صارخًا بصرامة:
-اسكت
ضغط آدم على شفتيه مانعًا لسانه من التفوه بأي عبارات إضافية متوقعًا ردة فعل عنيفة منه، همس لنفسه بتوجس:
-سترك يا رب، مش هالحق أفرح بطلوعي على المعاش المبكر!
..........................................
كتفت ساعديها أمام صدرها منتظرة خروجه في أي لحظة وهي تهز ساقها بتوتر ملحوظ، انتبهت لتلك الجلبة البسيطة بالداخل فأرخت مرفقيها والتفتت برأسها نحو البوابة، رأته يظهر لها من خلف البوابة المعدنية فابتلعت ريقها شاعرة بنغصة مزعجة أسفل معدتها خاصة أن تعابير وجهه المتجهمة أوحت بالكثير، استجمعت جأشها لتواجهه بشجاعة، وقف يزيد أمامها يطالعها بأعين مشتعلة يكاد شررها المتطاير منها يحرق من يقف على مقربة منه لعشرات الأمتار، ابتسمت قائلة بتفاخر:
-عرفت أجيلك!
تحركت خطوة نحوه لتقلص المسافات أكثر بينهما وهي تضيف بتحدٍ خطير:
-أوامرك مامشتش عليا يا سيادة المقدم
كظم غضبه منها متسائلاً بصوتٍ متشنج:
-جاية هنا ليه؟
نظرت مباشرة في عينيه دون أن يرتد لها طرف وهي تسأله بحنق:
-عاوز أفهم عملت فيا كده ليه؟
رد متسائلاً بجمود وقد احتدت نظراته نحوها:
-قصدك إيه؟
أجابته بنبرة ذات مغزى وهي تشير بعينيها:
-عن اللي حصل في الفندق
نظر لها بازدراء قائلاً:
-وده يستدعي إنك تسيبيه؟
أجابته بحدة وقد تشنج جسدها من الانفعال:
-ايوه، ما هو أنا مش واحدة لاقيها في الشارع تاخد غرضك منها وتعاملها ميري
أزعجه ارتفاع نبرتها أمام المتواجدين على مقربة منه، قبض على ذراعها ليسحبها بعيدًا عنهم وهو يحذرها بشراسة رغم انخفاض نبرته:
-مش وقت الكلام ده هنا
انتزعت ذراعها من يده بقوة وهي ترد متسائلة بعصبية:
-ليه؟ بيجرحك؟
لهثت أنفاسها وهي تضيف بنبرة مختنقة ملوحة بذراعها:
-أنا زيك حرقني أوي اللي عملته معايا
باغتها بالإمساك بها من معصمها ضاغطًا عليه بقوة، كز على أسنانه يحذرها بصرامة:
-فرح، اتعدلي في كلامك وأرجعي الفندق دلوقتي
كتمت ألمها ولم تحاول إظهاره أمامه، ردت بعناد:
-لأ مش هامشي!
سحب يزيد نفسًا عميقًا ليسيطر به على عصبيته قبل أن تخرج الأمور من يده، لكنها تعمدت الصراخ قائلة لتضاعف من اشتعاله داخليًا:
-طالما قصدت تجيبني هنا وتشغلني يبقى ماتستغلنيش
تلفت حوله ليجد الأعين تراقبه دون تدخل منهم، استفزته حينما تابعت بحنق:
-أنا مش جارية عندك تقضي معاها وقت وترميها وتمشي
برزت حدقتاه المتقدتان غضبًا وهو يصرخ بقوة:
-فــــرح!
احتدت نبرتها أكثر وهي تكمل بطيش دون اكتراث بتبعات ما تتفوه به:
-فاكر إن بكده أثبت رجولتك
شدد من قوة ضغطته على رسغها هاتفًا من بين أسنانه:
-بلاش تخليني أتهور
نظرت له بغيظ وهي ترد:
-هاتعمل إيه يا باشا؟ فاكر إني هاخاف منك، لأ، إنت مش عارفني كويس، أنا ممكن أهد المعبد على اللي فيه
ذكرته نبرتها تلك بنفس التهديدات السابقة لطليقته "هايدي" وطريقتها في استفزاز رجولته وإشعاره بالاحتقار والدونية، ناهيك عن تعاليها المفرط وتلميحها الصريح بإفساد حياته، أظلمت عيناه قائلاً بغموض مخيف:
-يبقى إنتي الجانية على نفسك!
تعقدت تعبيراتها محاولة تخمين المقصد من وراء تهديده المريب، جذبها يزيد من رسغها ليسحبها معه نحو البوابة، قاومته قدر استطاعتها لكنه استدار بجسده نحوها لينظر لها بأعين مخيفة، شعرت بدقات قلبها تصم أذنيها، ومع ذلك حافظت على ثباتها، سألته بنبرة شبه مرتجفة:
-إنت بتعمل إيه؟
رد بشراسة:
-اللي المفروض يتعمل!
أمسك بغطاء الرأس المتدلي من سترتها وجذبه على وجهها ليخفي معظمه ثم لف ذراعه حول عنقها ليتمكن من تكميم أنفها، لم تتمكن فرح من الصراخ من حركته المفاجئة تلك والتي لم تتعدَ ثوانٍ معدودة، قام بإحناء رأسها للأسفل مستخدمًا قوة ذراعه لتبدو كمجرم يتم تقييد حركته وهو يجر قسرًا في المخفر، لم تستطع الإفلات منه، شعرت بالظلام يغلف أعينها، وأجبرت على السير معه دون أن ترى شيئًا أو حتى تتمكن من الصراخ، بدت مقاومتها له معدومة، قبض على معصمها الأخر وضمه إلى صدرها ليقوم بتكتيفها جيدًا فلا تجد أي فرصة للخلاص منه، تفاجأ الجميع بما يفعله وقبل أن يبادر أحد بسؤاله هدر عاليًا:
-سجل عندك يا عسكري، الأستاذة هربانة من الوحدة بدون تصريح، وهتتحول فورًا للتحقيق والحبس!
صدمت مما قاله وحاولت التملص منه والصراخ لكنه شل حركتها تمامًا، وجرجرها معه نحو الداخل متوعدًا إياها بعقاب رادع مدعيًا فرارها، كان بالفعل من يراه وهو يسحبها معه يعتقد أنه مجند قد تسلل خلسة دون أن يحصل على إذن من قائده فتم الإمساك به، أفسح له المجندين المجال ليمرق دون أن يعترضوا طريقه فيما عدا آدم الذي هتف مشدوهًا:
-بتعمل إيه يا يزيد؟
رد بصرامة وقد تصلبت قواه أكثر على جسدها المستميت في مقاومته:
-مالكش فيه
نظر آدم إلى فرح التي تتلوى بكامل جسدها للتخلص منه وهي تحاول الصراخ مستشعرًا كارثة ستحدث بكل المقاييس إن لم يتدخل على الفور ويمنعها، توسله قائلاً برجاء:
-طب اهدى بس، اللي بتعمله هنا.....
قاطعه يزيد بقوة وقد قست نظراته:
-أنا هاتعامل ميري مع المدام!
سأله بذعر وقد اتسعت مقلتاه:
-هتعمل فيها إيه؟
رد بغموض أفزع فرح المحاصرة بين ذراعيه:
-عقوبة اللي بيهرب من خدمته إيه يا باشا؟
ابتلع آدم ريقه قائلاً:
-الحبس
هز يزيد رأسه بالإيجاب وهو يؤكد بنبرته الجامدة:
-بالظبط
رمش آدم بعينيه غير مصدق لما ينتوي رفيقه فعله في لحظة انفعال طائشة، هتف متسائلاً بصدمة:
-إنت بتكلم جد؟ هتحبس مراتك هنا؟ يزيد اعقل ده اسمه جنان و....
قاطعه بجمود شرس:
-تستحمل بقى!
وضع آدم قبضتيه على ذراعي رفيقه محاولاً تخليص زوجته منه وهو يقول:
-أنا مش هاسيبك تعمل كده
اضطر يزيد أن يرخي قبضته عن معصم فرح ليتمكن من دفعه بشراسة من كتفه وهو يهدده بصيغة آمرة:
-ابعد يا سيادة المقدم بدل ما تاخد جزا فيها
استغلت فرح تلك اللحظة لتضربه هي الأخرى بكوعها في صدره بكل ما أوتيت من قوة لتسبب له الألم، نجحت في التحرر منه مستعينة بمساعدة آدم للإمساك به، تحول يزيد لكتلة من الغضب المستعر حينما رأها تفلت منه، هدر بها باهتياج:
-فـــــرح!
استعادت زمام نفسها واستدارت بجسدها لتركض هربًا منه، شحذ قواه ليدفع رفيقه بعنف للخلف ليتمكن هو الأخر من الركض خلفها، لم تسعفها قدماها المرتعشتان في الهروب منه إلا لعدة أمتار، لحق بها يزيد وألقى بثقل جسده عليها ليطرحها أرضًا، ارتطمت رأسها بقوة بالأرضية الصلبة مما سبب لها جرحًا في جبينها وبعض السجحات في بشرتها، بالإضافة إلى ارتجاجة عنيفة عصفت بها، تأوهت متألمة بشدة وتكورت على نفسها، فعند تلك النقطة تحديدًا استنفذت قواها بالكامل ولم تستطع تعبئتها من جديد ضده مستسلمة لما سيفعله بها.
أطبق يزيد على مؤخرة عنقها بيده، وباليد الأخرى قبض على كتفها، جذبها من أسفل ذراعها ليجعلها تنهض قائلاً لها بحنق:
-بتجري مني يا فرح!
ترنحت في وقفتها المقيدة ونظرت له بأعين زائغة وهي ترد:
-اعمل اللي إنت عاوزه، مش فارقة
رد بحنق أكبر وهو يجرها معه:
-يعني مش همك؟
وقف آدم أمامهما يعترض طريقهما من جديد وهو يقول بضيق:
-اهدى شوية، كده بهدلت مراتك معاك، مايصحش يا يزيد!
رد بزمجرة قوية:
-أل يعني فارق معاها، دي ....
أمعن آدم النظر في ملامح وجهها التي تلوثت بدماء جرحها، هتف مقاطعًا بتلهف:
-استنى بس، وشوف وشها الأول
ثم أخفض نظراته نحو وجهها ليسألها باهتمام وهو يتفقده بدقة:
-فرح إنت كويسة؟
أومأت برأسها إيجابًا دون أن ترد، في حين ضغط يزيد على كتفها هاتفًا بنفاذ صبر:
-مبسوطة دلوقتي بنفسك؟!
ردت عليه بخفوت وهي تنظر له بنصف عين مهددة:
-هاشتكي عليك لنقابة الصحفيين!
نظر لها بأعين محتقنة من ردها الجريء صائحًا بحدة:
-دي لسه بتأوح، عاوزني أسكتلها؟
هتف آدم مازحًا وهو يشير بقبضة يده المتكورة:
-هي دي روح الرياضية، مغلوبين ومكملين!
تجمدت أنظار يزيد على رفيقه الذي يستخف بالأمر كثيرًا، توعده قائلاً بغلظة:
-هنتحاسب على ده بعدين يا آدم!
اكتفى الأخير بالابتسام المرح وهو يرد ساخرًا وماسحًا على رأسه عدة مرات:
-شكل جوزك مش هايدورني مكتب، مش بعيد يوديني مجاهل أفريقيا، جايلك يا جلبرتو ........................................ !!!
................................................................
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل الثاني عشر 12 - بقلم Manal Salem
الفصل الثاني عشر
جرجرها إلى مكتبه بخطوات سريعة نسبيًا فتعثرت لأكثر من مرة في مشيتها، لم يشفق بها بسبب غضبه الأعمى الذي كان مسيطرًا عليه وقتها، ظلت محتفظة بتعبيراتها المتجهمة كنوع من الرد على أسلوبه الفظ والحاد في التعامل معها، فلا يحق له بأي حال من الأحوال إهانتها بتلك الطريقة والتعامل معها بكل ذلك العنف خاصة أمام الغرباء، شعرت لوهلة أنه أهدر كرامتها، أنه أساء إليها بشدة، دفعها يزيد إلى داخل غرفة مكتبه قائلاً بنبرته الآمرة:
-اترزعي هنا
ردت فرح بتذمر مبدية استنكارها لطريقته الفجة:
-نقي كلامك معايا شوية، اسمها اتفضلي اقعدي
نظر لها بأعين ملتهبة وهو يقول مغتاظًا:
-هنبدأ تاني؟
تدخل آدم بينهما قائلاً بنبرة شبه عالية ومستخدمًا ذراعيه في الإشارة:
-تايم أوت! كفاية خناق بقى الله يكرمكم فرجتوا كل اللي في الوحدة علينا
كان محقًا في ذلك، ففي لحظة تهور هوجاء استخدم رفيقه أسلوب عدم التفاهم والحدة مع زوجته ثأرًا لرجولته المهانة منها حتى وإن لم تقصد ذلك، تبادل الجميع نظرات مزعوجة وتحمل الكثير، جلست فرح على الأريكة الجانبية مطلقة آنات خافتة وهي تتحسس فقرات ظهرها وجانبها بيدها، اتجه يزيد نحو الخزانة المجاورة لمكتبه باحثًا عن شيء ما بداخل ضلفتها، لم يجد ما يريده بها فالتفت إلى رفيقه قائلاً:
-خليك معاها لحد ما أرجع
حرك آدم رأسه بالإيجاب قائلاً:
-تمام
انتظر للحظات حتى انصرف من الغرف فاتجه نحو فرح وجثى على ركبته أمامها ليتأمل وجهها وهو يسألها باهتمام:
-إنتي كويسة؟
رفعت أعينها المغتاظة نحوه قائلة بسخط:
-بعد اللي عمله فيا صاحبك أكيد لأ!
ضغط على شفتيه متمتمًا بأسف:
-ألف سلامة، معلش، هو ميقصدش!
أعادت فرح رأسها للخلف لتضيف بامتعاض:
-مش معقول تكون دي طريقة واحد عاقل!
وافقها الرأي قائلاً:
-معاكي حق
تحسست جبينها متابعة باستنكار شديد:
-بقى عاوز يحبسني أنا مراته؟ لأ وكمان يجرجرني زي المجرمين بالشكل ده!
رد عليها آدم بحيرة وهو يعتدل في وقفته:
-والله أنا ما فاهم طريقته دي، بس للأمانة وعلى حسب كلامه معايا هو عاوز يخرجك من بوتقة الأحزان اللي كنتي فيها، يعني يعطف ويلطف وكده يعني
نظرت نحوه تطالعه بنظرات غريبة متعجبة مما قاله، فلا يعقل أن تكون تلك هي الطريقة المثلى للتعامل مع ما تمر به من أزمة نفسية أو حتى مشكلة مستعصية، ليس العنف والشدة هو الأسلوب الأمثل لإخراجها مما تعانيه، كان عليه أن يكلف نفسه ليبحث عن أسلوب أخر أكثر ملائمة عن ذلك الذي يجيده، هتفت محتجة على أسلوبه المتجاوز:
-بذمتك ده شكل واحد عاوز يخرجني من بوتقة الأحزان؟
رد آدم مازحًا وهو يبتسم لها:
-ولا بئر الحرمان وحياتك، ده واحد مجنون عاوز يدفنك بالحيا اسأليني أنا
كتفت فرح ساعديها أمام صدرها لتعبس أكثر بوجهها وهي تقول:
-يا ريته حتى بيتفاهم معايا كويس، ده كان ناقص يهرسني تحت إيده
حك آدم طرف ذقنه مبررًا تصرفه العنيف:
-هو ماشي بمبدأ لا يفل الحديد إلا الحديد!
-ده مش أسلوب مقبول خالص
-أي حاجة تقوليها أنا موافق عليها
سحبت فرح نفسًا مطولاً لفظته مرة واحدة قائلة بعدها بامتنان:
-عمومًا أنا عاوزة أشكرك على اللي بتعمله معايا، إنت صاحب جدع
تحرج من إثنائها عليه هاتفًا:
-على إيه يا ست الكل، إنتي زي أختي، وده واجبي!
انحنى قليلاً نحوها ليضيف برجاء:
-مش عاوزك بس تزعلي ولا تضايقي منه، إنتي أعقل من كده بكتير، وبعدين يزيد مش غريب عليك، المخ الصعيدي لما بيقفل بيبقى صعب شويتين
هتفت مستنكرة بضيق:
-يعني حلال ليه اللي عمله فيا؟
رد بحذرٍ:
-أنا مش بأدافع عنه والله، وعارف إنه غلطان، بس نيته خير، صدقيني!
-مش ده الأسلوب، بلاش تبررله
عــاد يزيد إلى غرفته مجددًا حاملاً في يده علبة صغيرة خاصة بالإسعافات الأولية فتوقف كلاهما عن الحديث، مرر أنظاره المحتدة عليهما متسائلاً بتجهم:
-بتقولوا إيه؟
أجابه آدم بهدوءٍ:
-أنا بأطمن عليها، مش إنتي تمام يا فرح؟
هزت رأسها بالإيجاب وهي ترمق زوجها بنظرات متحدية:
-أه تمام
حدجها بنظرات نارية وهو يقترب منها ليدفع بكتفه رفيقه للخلف قليلاً مرددًا:
-تممتوا على بعض خلاص، وسع شوية!
أشار له آدم بيده قائلاً بابتسامة لطيفة:
-اتفضل يا باشا، ده مكتبك، أنا ضيف عندك
تحرك بعدها ليقف بالقرب من عتبة الباب مراقبًا من بالخارج، أشاحت فرح بوجهها بعيدًا عنه متجاهلة عن عمدٍ التطلع إليه، جثى يزيد على ركبته لينظر إليها بضيق وهو يأمرها:
-وريني وشك
هزت كتفيها رافضة باقتضاب:
-لأ
حذرها قائلاً بصلابة:
-فــرح!
التفتت ناحيته مضطرة لتقول بانزعاج واضح عليها:
-إيه وشي وأنا حرة فيه!
وضع يزيد يده على فكها ليثبته أمام أعينه التي بدأت في تفحص ما به من خدوش وجروح سطحية، حلت ذراعيها لتمسك بقبضته، حاولت إبعاد وجهه لكنه شدد من قبضته عليه هامسًا من بين أسنانه المضغوطة:
-اركزي معايا
عبست أكثر وهي تقول بصوت خفيض:
-مش عاوزة منك مساعدة
رفع حاجبه للأعلى هامسًا بصرامة:
-فرح، أنا قولت إيه!
اختلس آدم النظرات نحوهما مستمتعًا بحالة الشد والجذب بينهما قائلاً بمرح:
-يا سلام! هو في أحسن من كده معاملة ... ميري!
زفر يزيد بصوت مسموع وهو يقول على مضض:
-متزعليش
حدجته بنظرات حادة قائلة بغيظٍ:
-بجد؟ مزعلش، بعد البهدلة دي كلها، ده إنت مسحت بيا البلاط
ضغط على شفتيه متابعًا بندمٍ:
-أنا أسف يا ستي، عارف إني كنت تور معاكي!
لوت ثغرها مرددة بتأفف:
-كويس إنك عارف نفسك
حاول يزيد الابتسام متابعًا:
-خلاص بقى، متزعليش
عبست فرح أكثر مرددة بتوبيخ حاد:
-أبدًا مش مسمحاك، بقى أنا تعاملني زي....
قاطعها قائلاً بابتسامة عذبة:
-حقك عليا!
ثم نهض من مكانه لينحني عليها وهو يحتضن وجهها بين راحتيه مكملاً:
-وأدي راسك أهي
جاهدت لتتملص من قبلته التي يريد طبعها على جبينها هاتفة باحتجاج:
-لأ إبعد، مش عاوزاك....
كركر آدم ضاحكًا وهو يقول مداعبًا:
-جوز كناري يا ناس، تتحسدوا يا خواتي!
التفت يزيد بوجهه نحوه محدجًا إياه بنظرات قوية ومحذره، أردف قائلاً بلهجة آمرة:
-دور وشك الناحية التانية يا آدم!
لوح له بكف يده مازحًا:
-تمام، اعتبروني ضرير معاكو، مش شايف حاجة!
أدار آدم وجهه للناحية الأخرى وابتسامة عريضة تغزو محياه، لكن تحولت تعبيراته في ثانية للتوتر والقلق حينما لمح قائد الوحدة قادمًا من على بعد في اتجاه غرفة المكتب، هتف بلا وعي وقد سيطر عليه الارتباك:
-أوبا، روحنا في الكازوزة، الباشا بنفسه جاي علينا
رفع يزيد رأسه في اتجاهه متسائلاً بجدية بعد جملته المبهمة تلك:
-في إيه؟
أجابه وهو يبتلع ريقه بتوجسٍ:
-قائد الوحدة بسلطاته ببابا غنوجه، أما أروح أجهز مخلتي، أنا عارف مش مكتوبلي أكمل هنا السنادي!
للحظة طرأ ببالها استغلال تلك الفرصة في تهديد يزيد نظير ما ارتبكه في حقها من مذلة، اعتلى ثغر فرح ابتسامة ماكرة وهي تقول بجرأة:
-تحب أقوله عليك؟
نظر لها مليًا مستشعرًا عزيمتها على فعل ذلك، لم يمانعها قائلاً:
-اللي يريحك، مش هاقولك لأ، أنا كنت غبي معاكي
بادلته نظرات غامضة لم يستطع تفسيرها لكنه كان يأمل أن ترفق به وتعفو عن تجاوزه العنيف معها، نهضت بحذر من جلستها لتقف قبالته ترمقه بتلك النظرات المقلقة، اشتد جسده وانتصب في وقفته حينما سمع آدم يردد بنبرة رسمية:
-تمام يا فندم
مرر قائد الوحدة العسكرية أنظاره على من بالغرفة متسائلاً:
-خير يا سيادة المقدم
تجمدت أعينه على الواقفة إلى جوار يزيد فتساءل بجدية:
-مين دي؟
رسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها وهي تجيبه بصوت خافت:
-أنا فرح عبد الحميد، صحفية و....
قاطعها يزيد مضيفًا بصوتٍ جاد وهو يشد من كتفيه:
-دي المدام يا فندم
التفت القائد برأسه نحوه ليسأله باهتمام:
-وبتعمل ايه هنا دلوقتي؟
أجابته فرح دون تردد وقبل أن يبادر زوجها بالتفوه بأي شيء:
-أصل أنا عملت حادثة في مكان قريب من هنا وكلمت جوزي عشان يلحقني
نظر لها متعجبًا من تلك الكذبة التي اختلقتها من أجله، شعر بالإطراء لكونها قد تغاضت عن تهوره الأهوج، تابع موضحًا:
-هي يا باشا محررة عسكرية واخدة تصريح عشان تتابع أخبار المناورة والإشراف على طاقم المراسلين العرب
عاود التحديق في هيئتها الغير مهندمة، فتوجس خيفة أن يكشف أمره فهتف بنزق:
-بأعتذر يا فندم إني استضفتها من غير ما أبلغ سيادتك، هي في الأساس أعدة في الإمداد والتموين و...
أضافت فرح هي الأخرى لتدعم حديثه:
-أنا كلمته بدون ما أفكر وكان ده أقرب مكان ليا
تنحنح يزيد مرددًا بخشونة:
-أسف يا باشا
رد عليه القائد بنبرته الهادئة:
-هنتكلم في ده بعدين يا سيادة المقدم، ألف سلامة يا مدام
أومأت فرح برأسها قائلة بلطف:
-ميرسي
سألها القائد مجددًا باهتمام مشيرًا بيده:
-مافيش حاجة خطيرة؟
هزت رأسها نافية وهي تقول:
-لأ، أنا بخير
لوح بكفه متابعًا بنفس الصوت الهادئ:
-تمام، سلامتك مرة تانية
اتسعت ابتسامتها قليلة وهي تضيف:
-ميرسي أوي لذوقك
لف القائد ذراعيه خلف ظهره ليشبك كفيه معًا قائلاً بجدية:
-وصل المدام لما تخلص، مايصحش ترجع لوحدها
رد عليه يزيد بخنوع تام:
-حاضر يا فندم، وشكرًا لسيادتك على تفهم حضرتك وسعة صدرك
حرك قائده رأسه بإيماءة خفيفة ثم استدار ناحية آدم ليقول بصيغة آمرة:
-سيادة المقدم آدم عاوزك برا
انتصب الأخير أكثر في وقفته قائلاً:
-تحت أمرك يا باشا
انتظرت فرح خروج الجميع من الغرفة لتلتفت إلى زوجها الذي استرخى في وقفته قائلة بغرور:
-كان ممكن أشتكي عليك للريس بتاعك، بس صعبت عليا
رمقها بنظرات حادة فتابعت بغطرسة أكبر:
-وشكله صعب يعني ممكن مايعديش اللي حصل ده بالساهل و....
أزعجه تماديها في الأمر فقاطعها قائلاً بامتعاض:
-تحبي أناديهولك تبعبعي معاه باللي انتي عاوزاه؟
استنكرت تلك الكلمات السوقية التي يستخدمها في الحديث معها مرددة:
-أبعبع؟
رد على مضض وقد تعقدت ملامحه:
-ايوه، تلكي معاه، عشان نبقى خالصين!
تنهدت قائلة بإرهاق:
-لأ، الطيب أحسن
نظر لها بغيظ دون أن يضيف المزيد، ثم أكمل جمع الأدوات الخاصة بعدة الإسعافات الأولية ليضعها في أحد الأدراج بالخزانة، دنا من فرح ليمسك بها من ذراعها فتأوهت من الألم مرددة بعتاب:
-آه، بالراحة شوية
أرخى أصابعه عنها لتسير أمامه بخطوات متمهلة وهو يتمتم بصوت خفيض:
-ماشي يا فرح!
توقفت عن السير لتستدير نحوه فجأة وهي تقول بضيق:
-اتفضل قولي دلوقتي شكلي هيبقى عامل ازاي قصاد عساكرك اللي بهدلتني قدامهم؟ محدش بعد كده هيحترمني!
رد بقوة وقد قست نظراته:
-محدش يقدر يفتح بؤه عنك
لوت ثغرها قائلة بتهكم:
-مش لازم يقولوا قدامك يا سيادة المقدم
مد يزيد يده ليتلقط كفها، نظرت له بحدة وقد انزوى ما بين حاجبيها بسبب حركته المباغتة تلك، احتضن يدها بين راحتيه ضاغطًا عليها برفق، تنهد بصوت مسموع قائلاً بندم:
-فرح، أنا غلطت، وبأعترف بده، شوفي إيه الترضية اللي تعجبك وأنا مستعد أعملهالك
-ممممم
رفع حاجبه للأعلى محذرًا:
-بس يعني ماتفتحيش على الرابع!
سحبت يدها من كفيه قائلة بجدية:
-والله أنا حرة!
هز رأسه بتفهم وهو يحك مؤخرة عنقه، تابع مضيفًا:
-طيب قبل ما أنسى المحامي طمني على قضيتك
نظرت له فرح باهتمام فأكمل مبتسمًا بثقة:
-وقريب أوي هاجيبلك حقك
شبكت ساعديها أمام صدرها لتمط فمها بعدها وهي تقول:
-أوكي
فتح يزيد راحته أمامها متسائلاً بابتسامة عذبة:
-ممكن إيدك لو سمحتي؟
تراجعت خطوة للخلف متسائلة بقلق طفيف:
-ناوي تكسرها؟
ضحك بخفوت وهو يجيبها:
-لأ، هامسكها بس
بامتعاض واضح على تعبيراتها المشدودة أرخت ساعديها ليتمكن هو من احتضان كفها بأصابعه، سارت إلى جواره بخطوات متمهلة حتى اقترب من البوابة الرئيسية حيث يحرسها عدد من المجندين، تعمد التحديق في وجوههم التي تطالعهما في صمت وهو يرفع كف يدها إلى فمه ليقبله بودٍ، أبعدوا أنظارهم بحرج منه، بينما تفاجأت فرح من فعلته تلك، برزت مقلتاها المصدومتان بوضوح وهي تسأله بعدم تصديق:
-إنت عملت إيه؟
رد مبتسمًا وبنبرة عالية قصد بها أن تصل إلى مسامعهم:
-أنا أسف يا حبيبتي، كانت مفاجأة حلوة منك، وأنا فهمتك غلط!
وكأنه يتعمد استعادة كرامتها التي أهدرها أمامهم بالاعتذار الصريح لها دون أن ينتقص ذلك من مكانته شيئًا، فإن عَلَى شأنه وأخطأ في تصرفه، فيجب عليه أن يبدي أسفه لمن يستحق ذلك ولن يقلل من قدره مطلقًا، تمنى فقط في نفسه أن يكون قد أصلح ما أفسده بسبب طيشه وألا تحمل في قلبها أي ذرة ضغينة نحوه .................................... !!
................................
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل الثالث عشر 13 - بقلم Manal Salem
تصبيرة على السريع
الفصل الثالث عشر
وقف كلاهما بجوار البوابة الخاصة بالوحدة العسكرية في انتظار مجيء آدم بسيارته، ورغم وجود الصمت بينهما إلا أن لغة العيون وحدها كانت كفيلة بالتعبير عن مكون حبهما العميق، قطع حبل تأملهما صوت تلك السيارة الصغيرة التي مرقت من البوابة، حدقت فيها فرح باستغراب، فلم تكن سيارة زوجها بل إحدى السيارات الصغيرة التابعة للجيش –ذات اللون الأبيض- والتي تعرف فيما بين الأفراد بالاسم الدارج "نيفا"، فرك يزيد مؤخرة رأسه وهو يتساءل مستفهمًا:
-فين عربيتي؟
أجابه آدم بهدوء وهو يطل برأسه من النافذة الضيقة:
-الفرد نايمة على الأرض، فقولت أتصرف!
دنا منه حتى بات قبالته، هتف باستنكار وقد امتعض وجهه:
-ملاقتش إلا النيفا
غمز له رفيقه قائلاً بابتسامة متسعة:
-فرصة عشان تاخد مراتك في حضنك
لمعت عيناه بوميض خبيث وهو يدير رأسه في اتجاهها متمتمًا بخفوت:
-تصدق!
عاد يزيد إلى زوجته ليقول بابتسامة غير مريحة:
-يالا يا حبيبتي
أشارت فرح بسبابتها نحو السيارة الصغيرة متسائلة بتهكم:
-وهو أنا هاركب الكوباية دي؟
أجابها يزيد بفخر واضح عليه:
-دي أحسن وسيلة مواصلات!
بينما أضاف آدم بغرور واثق وهو يحاول إخفاء بسمته:
-ايوه، مجبناش زيها، ده حتى اللي اخترعها مات مشلول من فرحته بيها
نظرت إليهما بحدة ثم وضعت يدها على منتصف خصرها لتسأل بجدية:
-واحنا هنقعد فين؟
أجابها آدم مازحًا:
-هنطلع بالدور التاني قريب، احنا رمينا الأساسات ومستنيين التراخيص
زوت ما بين حاجبيها مستنكرة ما يقول فأكمل بحذرٍ:
-معلش قضيها زي ما يكون
أمسك يزيد بكف يدها ليسحبها منه قائلاً:
-تعالي يا فرح، إنتي هاتقعدي على رجلي
توردت وجنتاها من مجرد طرحه للفكرة، شعرت بدقات قلبها تتسارع بحرجٍ من تنفيذه لذلك، لهذا هزت رأسها نافية وهي تقاومه مبدية اعتراضها بتبرم:
-لأ مش هاينفع، أنا ممكن أمشيها عادي و...
قاطعها يزيد بنبرة جادة:
-ممنوع أصلاً نتواجد بالزي العسكري برا الوحدة
زفرت باستياء فهي لا تريد أن توضع في موقف حرج مثل ذلك، خاصة في وجود رفيقه، هتفت مرددة باحتجاج مستخدمة ذراعها في الإشارة:
-طيب والمفروض نعمل ايه؟ إنت مش شايف هي صغيرة خالص وأنا....
رد آدم مقاطعًا بنبرة عالية:
-نسع بعض يا جدعان، مافيهاش حاجة يعني، اعتبروها مكروباص، خمساية وهنوصل
أشار يزيد بعينيه لزوجته قائلاً برجاء لطيف:
-يالا يا حبيبتي، أهي أي حاجة توصلنا والسلام، مش هنتخانق على دي كمان
عضت على شفتها السفلى في ارتباك ملحوظ، ظلت نظرات يزيد الراجية تحاصرها فاستسلمت لتأثيرها عليها، واضطرت أن توافق على طلبه، سبقها في خطواته ليستقلها أولاً، أشار لها بيده لتجلس على حجره قائلاً بجمود مصطنع محاولاً إخفاء تلك الابتسامة الخطيرة التي تقاتل للظهور على محياه:
-يالا
بتوتر أكبر تحركت نحوه منحية برفق للأسفل لتتمكن من الدخول، استقبلتها أحضان زوجها فجلست بارتباك على حجره، لف ذراعه حول خصرها ليزيد من توترها الحرج، رمقهما آدم بنظرات سعيدة وهو يقول:
-والله إنتو الاتنين دماغو رايقة
استندت فرح بكفيها على كتف يزيد الذي كان يهدهدها بمزاح ليثير أعصابها، حدجته بنظرات محذرة فهمس لها بعبث:
-هو في أحلى من كده توصيلة!
لم تعلق عليه واكتفت بنظراتها القوية ليكف عن إزعاجها، هتف آدم مازحًا وهو يدير عجلة القيادة لتتحرك السيارة نحو الطريق الرئيسي:
-أنا حاسس إن رجلي هاتطلع من تحت الفرامل
رد عليه يزيد مبتسمًا:
-ما إنت اللي طويل
تحركت فرح قليلاً محاولة إفساح المجال لنفسها كي تتمكن من الجلوس باسترخاء على ساقيه، لكن بدا الأمر عويصًا بسبب ضيق المساحة، فتعذر عليها التحرك قيد أنملة، همست من بين شفتيها المضغوطتين:
-وسع شوية يا يزيد
رد بخفوت وهو يضمها إليه:
-هو أنا عارف أخد نفسي
رفعت حاجبها للأعلى قائلة بضيق ملحوظ:
-قصدك تقول إني تخينة؟
أجابها بابتسامة عريضة:
-لأ، ده أنا اللي كرشي عريض حبتين
تغنجت بكتفيها بدلال قليل مرددة بغرور:
-ايوه كده
بدت سرعة السيارة بطيئة نسبيًا، فضغط آدم على الدواسة لزيادة سرعتها مرددًا:
-النيفا عاوزة زقــة!
نظرًا لضعف الإضاءة بالمكان فلم ينتبه لذلك المطب الصناعي فاصطدم به رغمًا عنه مما جعل رأس فرح ترتطم بوجه زوجها فألمته بقوة، تأوه الأخير قائلاً:
-بالراحة يا فرح
تحسست جبينها برفق هامسة باعتذار:
-سوري
التفت آدم ناحيتهما قائلاً:
-عندي دي
حذره يزيد بجدية وهو يفرك جانب وجهه المتألم:
-خد بالك، المرة الجاية مش وشي بس اللي هايطبق!
فهم تهديده الضمني فتنحنح قائلاً بمرح:
-ماهو المطب أكبر من العربية يا باشا، أنا هاوصي المرور يعملولنا واحد محندق على أدنا
لكزه يزيد في كتفه ليكف عن السخرية ويلتزم الجدية طوال المسافة المتبقية من الطريق رغم تمنيه أن تطول قدر الإمكان لتظل هي باقية في أحضانه مستشعرًا حرارة جسدها وقربها الملهب للحواس.
.....................................
ترجلت من السيارة شاعرة بألم في ركبتيها بسبب تلك الجلسة الغير مريحة، أطلقت آنات خافتة وهي تعتدل في وقفتها حتى تسترخي عضلاتها المتيبسة، على عكس يزيد تمامًا الذي بدا حزينًا لتركها لأحضانه، استدارت فرح بجسدها لتودعه عند مدخل الفندق قائلة بابتسامة صغيرة:
-ميرسي على تعبك
نظر لها بحدة وقد اكتست تعبيراته بالعبوس قائلاً:
-ميرسي
أومأت برأسها متابعة:
-سوري إن كنت عملتلك قلق
رد بجدية غير قابلة للتفاوض وهو يشير بيده:
-أنا هاوصلك لفوق
ظنت أنها عدم ثقة منه فيها، فزمت شفتيها قائلة بتذمر:
-اطمن، مش هازوغ تاني، خلاص اتعلمت الدرس
برقت أعينه بوميض عابث وهو يقول بإصرار:
-برضوه، لازم أطمن بنفسي
التفت برأسه للخلف متابعًا حديثه لرفيقه:
-استناني شوية يا آدم
حك الأخير طرف ذقنه مرددًا بضجر:
-حاضر، ما أنا سواق أبوك
التقطت أذناه برطمته الخافتة فسأله بجدية:
-بتقول حاجة؟
رسم ابتسامة بلهاء على ثغره وهو يقول بسعادة مصطنعة:
-خد راحتك يا باشا، معاك للصبح، أنا قتيل النيفا الليلادي!
لوح بيده له يودعه وهو يحاوط زوجته من كتفيها ليسير معها نحو الداخل، تباطأت في خطواتها قائلة بامتنان:
-كتر خيره آدم دايمًا بنتعبه معانا
رد بفتور وهو يشدد من قبضته الملفوفة حول كتفيها:
-هو عمل حاجة، ده شوية بنزين حرقهم
رفعت أعينها لتنظر له بجدية وهي تقول مؤكدة:
-بس صاحب جدع
هز رأسه موافقًا إياها هاتفًا بإيجاز:
-فعلاً
تابعت فرح مادحة باقي عائلته:
-ومراته وبنته زي العسل و....
قاطعها يزيد بنفاذ صبر وقد بدا على وجهه العبوس:
-هو احنا هنقضيها كلام عنه؟
ابتسمت قائلة باقتضاب:
-لأ خلاص
ضغط يزيد على زر استدعاء المصعد ليستقله الاثنان معًا، لحظات وكانا على مقربة من باب غرفتها بالفندق، التفتت فرح نحوه مخرجة تنهيدة عميقة من صدرها وهي تقول بابتسامة رقيقة:
-وصلنا، تصبح على خير
نظر لها بغموضٍ غير مريح، رفع حاجبه للأعلى متسائلاً:
-بس كده؟
ردت عليه بتساؤل مريب:
-عاوز إيه؟
أمسك بكفيها بين راحتيه يلاعبهما بإبهاميه، أخفضت نظراتها لتحدق فيه بتوتر، شعرت بملمس أنامله الخشنة على يديها، رجفة خفيفة تسللت إلى خلاياها لتزيد من تلاحق نبضاتها، ازدردت ريقها وهي تعاود التحديق في أعينه التي تعكس شغفه بها، جذبها إليه ليهمس لها بتنهيدة تحمل الأشواق والأحلام:
-أصلح غلطي!
ردت بخجل مستشعرة تلك السخونة المتفجرة في وجنتيها:
-ما إنت اعتذرت
هز رأسه بالإيجاب مضيفًا:
-ايوه، بس ....
بتر عبارته عمدًا ليضاعف أكثر من ارتباكها الذي يحفزه أكثر للتمادي معها، سألته بنظرات متوترة:
-بس إيه؟
أحنى رأسه على أذنها ليهمس لها:
-محتاج أطمن على كل حاجة
وصلها إحساس كلماته الموحية بأفكار جامحة تجعلها تحلق فوق السحاب، فتوترت أكثر من طريقته الماهرة في استدراجها نحو بحور عشقه، لف ذراعه حول خصرها ليقول بعبث:
-لازم كشف هيئة، ده أنا واخدك مقص على الأرض!
حدجته بنظرات حادة مغتاظة من تصرفه المتجاوز معها قائلة بتبرم:
-ايوه، البهدلة إياها
انحنى على جبينها يقبله مطولاً فاستشعرت حرارة الأشواق تجتاح جسدها، همس لها بندمٍ:
-حقك عليا!
أبعد رأسه للخلف ليطالعها بنظرات هائمة، انحنى قليلاً للأسفل بجذعه ليضع ذراعه أسفل ركبتيها ليحملها، شهقت بخفوت وهي تطوق عنقه بذراعيه، ابتسم لها قائلاً بمكر:
-ورانا دلوقتي مهمة قومية، هيترتب عليها مصاير الأمة
حركت فرح ساقيها في الهواء هامسة بخجل وهي تعض على شفتها السفلى:
-يا سلام؟
هز رأسه بالإيجاب مضيفًا بجدية لا تتناسب مع ذلك الموقف الحرج:
-طبعًا، ده غير كشف الهيئة لازم أعاين الكدمات والجروح وبالتفصيل الممل، مش جايز فاتني خروبش!
قطبت جبينها مرددة:
-ايه؟ خروبش؟
مازحها باستخفاف:
-على وزن خرطوش!
عبست بوجهها وهي تضرب أرنبة أنفه بسبابته كنوع من التوبيخ الرقيق وهي تقول:
-مش حلوة
ضمها أكثر إليه قائلاً بتنهيدة حارة جعلت قلبها يرقص بين ضلوعها:
-كفاية إنك في حضني
عاودت تطويق عنقه بقوة وهي تهمس له:
-حبيبي
أكمل سيره نحو باب الغرفة مسلطًا أنظاره على تلك الورقة الصغيرة المتدلية من المقبض، التوى ثغره بابتسامة مراوغة وهو يقول:
-كويس إنك سايبة البتاعة دي برا
نظرت أمامها لتمعن النظر فيما يحدق به، عاودت التطلع إليه قائلة بتحدٍ متدللة عليه:
-هاشيلها
رمقها بنظرات عميقة وهو يشدد من ضمه لها، شعرت بقبضتيه تقضي على بذرة أي مقاومة في منشأها، همس له بثقة وغرور لا يليق إلا به:
-مش هايحصل، ده أمر واجب النفاذ .................................... !!!
..................................................
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل الرابع عشر 14 - بقلم Manal Salem
الفصل الرابع عشر
انقضت ليلتان عليها وهي بالفندق ترتب أوراقها وجدولها الزمني من أجل التعامل مع وفد المراسلين، ورغم تعذر حضور زوجها إليها إلا أنه لم يكف عن الاتصال بها للاطمئنان على أحوالها، كانت تنسى كل شيء مع ما يقدمه لها من مشاعر عميقة تسحبها بعيدًا عن كل ما يؤرق مضجعها، أعطاها يزيد مفهومًا خاصًا للحب يذيب به الحواجز ويبدد الخلافات، استصعبت غيابه عنها لكنها لم تتشاجر معه لكون الأمر متعلقًا بمهامه العسكرية، تواصلت فرح مع رئيس تحرير جريدتها لتطلعه على المستجدات أولاً بأول لكونها تغطي للمرة الثانية الأخبار الخاصة بالقوات البحرية، سَعِد "عبد السلام" لتجاوزها أزمتها النفسية وعودتها لأجواء العمل من جديد، وبدأ في إعطائها بعض النصائح في كيفية تغطية مثل تلك المناورات بحرفية عالية، شكرته قائلة بامتنان كبير:
-مش عارفة من غيرك يا مستر عبد السلام كنت هاتعامل ازاي في الموضوع ده
رد بهدوء زرين:
-أنا معاكي يا بنتي، ولو وقف معاكي حاجة كلمني على طول، ووقت ما تخلصي المقالات والتقارير بتاعتك ابعتيها على الايميل، وكمان هاخلي إيلين تتابع معاكي
-تمام
أوصاها مضيفًا بحنو أبوي:
-وخلي بالك من نفسك، المناورات فيها مجهود كبير
ابتسمت قائلة:
-حاضر
أنهت معه المكالمة لتنتبه إلى تلك الدقات الثابتة على باب غرفتها، اتجهت نحوه لتفتحه، طالعت الواقف قبالتها بنظرات جادة فاستطرد قائلاً بلهجة رسمية:
-مدام فرح
زوت ما بين حاجبيها متسائلة بجدية وهي تنظر له بتمعن:
-ايوه
أشار لها موظف الفندق بكف يده متابعًا بنفس النبرة:
-الوفد الصحفي وصل في الريسبشن تحت، وفي انتظار حضرتك
هزت رأسها بإيماءات متكررة وهي تقول:
-أوكي، أنا جاية على طول
أوصدت فرح الباب خلفه لتعيد ضبط هيئتها قبل أن تترك الغرفة لمقابلتهم، تنفست بعمق وهي تحدق في انعكاس صورتها بالمرآة، تعمدت أن ترتدي ثيابًا رسمية نوعًا ما لتشير إلى جدية الأمر، ويعد أول لقاء بينهم تعارفًا فأثرت أن ترتدي الكعب العالي ليضفي على مظهرها الأناقة والرقي، بدت حسنة المظهر في حلتها السوداء والتي تكونت من تنورة تصل إلى ما بعد ركبتيها بقليل، وكنزة بيضاء اللون عنقها ينتهي بأنشوطة عريضة، عدلت من ياقة سترتها وهي تبتسم لنفسها بثقة ثم وضعت حول عنقها بطاقة الهوية الخاصة بالتعريف بها، خرجت فرح من الغرفة متجهة للاستقبال وهي تتطلع لرؤية أفراد ذلك الوفد، بالطبع لم يكن من الصعب التعرف عليهم، فقد كانت هيئتهم العامة تشير إلى هويتهم، وقفت قبالتهم تطالعهم بنظرات ودودة، هتفت قائلة بلطف وهي ترسم ابتسامة رقيقة على ثغرها:
-صباح الخير
ردت عليها إحداهن ممن يرتدين ثيابًا شبه كاشفة لمفاتنها:
-يا هلا، كيفيك؟
مررت فرح أنظارها عليها ترمقها بنظرات شمولية متأملة مظهرها الجريء، لم تكن ترتدي سوى سروالاً قصيرًا أبرز أغلب ساقيها، وكنزة ضيقة جسدت معالم جسدها بإغراء مقلق، تحرجت من هيئتها وتورد وجهها قليلاً من تخيل أعين الشباب عليها، بادلتها ابتسامة رقيقة عندما تابعت متجاهلة إياها:
-أهلاً وسهلاً بحضراتكم، أنا فرح عبد الحميد، صحفية بجريدة الضحى والمسئولة عن حضراتكم
رد أحدهم بصوته الخشن:
-أهلاً بيكي أستاذة
وأضاف أخر بهدوءٍ:
-اتشرفنا
اقتربت ذات الثياب الكاشفة منها لتحدق فيها بنظرات مستخفة بها، وكأنها تتعمد التقليل من شأنها والتفاخر بمظهرها، استطردت حديثها قائلة بغرورٍ واضح عليها:
-بأعرف مين تكوني، أنا ديما غازي، مراسلة حربية!
ثم مدت يدها لتصافحها فنظرت لها فرح بغموض، لم تشعر بالارتياح نحوها وخاصة بعد ما قالته من عبارة أصابتها بالقلق، لم تتردد أكثر من ذلك في مصافحتها، ضغطت بأناملها على كفها، ثم تحدثت من زاوية فمها متسائلة بجدية:
-غريبة شوية إنك تعرفيني، أنا مش مشهورة أوي للدرجة؟!
ردت عليها ديما بنبرة شبه متعالية متعمدة رفع أنفها في كبرياء:
-هيك بأحب أعرف مع مين عم أتعامل
ابتسمت بتهكم لتثير حنقها قليلاً، وبالفعل عبست تعبيرات وجه فرح تأثرًا بنظراتها وأسلوبها المزعج، زفرت بهدوء محافظة على جدية نبرتها وهي تقول:
-أها، كويس
نفضت ديما خصلات شعرها المموجة بكثافة – وذات اللون البني – للخلف متسائلة بدلال:
-متى راح نبلش؟
حدجتها فرح بنظرات ممتعضة وهي تجيبها:
-وقت ما تبدأ المناورات أكيد، يعني مش دلوقتي
تغنجت بكتفيها قائلة:
-مليح!
زمت فرح شفتيها مبدية استياءها من أسلوبها المستفز في التدلل واصطناع الرقة، ما أثار ضيقها حقًا حينما قالت:
-على فكرة أنا بأعرف أحكي مصري، بس مو بريفكت (ممتاز)
انتصبت فرح في وقفتها لترد بغطرسة محاولة استفزازها هي الأخرى:
-كل الناس بتحب تكلم بلغتنا، المصري مافيش زيه!
ادعت ديما الابتسام قائلة:
-إيه، كتير مهضوم
شعرت فرح بالاختناق منها، وحاولت قدر المستطاع تمالك أعصابها كي لا تظهر ذلك أمامها فتستغل الأخيرة هذا وتتمادى أكثر معها، أشارت بكفي يدها متابعة:
-تقدروا ترتاحوا وهنتقابل تاني
رد أحدهم:
-على خير
وأضاف أخر باقتضاب:
-اوكي
تحركت ديما لتقف قبالة فرح، رمقتها بنظرات متحدية وهي تقول بثقة:
-بيصير، راح نتقابل اكتير بيبي
لم تعلق عليها الأخيرة وظلت محدقة فيها بنظرات مطولة محاولة سبر أغوار عقلها، أنبئها حدسها بكون وجود تلك الشابة بالوحدة لن يمر مرور الكرام أو دون افتعال ما قد يزعجها، همست لنفسها بريبة:
-شكلك مش مريحني
......................................
لفت خصلة شعرها المتدلية على جبينها حول إصبعها لتعبث بها وهي تتقلب على جانب الفراش، عدلت من وضعية الهاتف على أذنها لتكمل حديثها الليلي مع زوجها عبر الهاتف، تنهدت قائلة بامتعاض:
-مش عارفة، بس البت دي شكلها يقلق
رد يزيد بجدية:
-حطيها تحت عينيكي، بس عاوزك تبقي فاهمة كويس إنه مش أي حد سهل يجي يغطي أخبار حريبة ومايكونش معمول عنه تحريات دقيقة
اعتدلت في نومتها لتحدق في السقفية وهي تقول:
-أنا فاهمة ده كويس، بس إحساسي...
قاطعها متسائلاً بفضول:
-شكلها عامل إيه؟
أزعجها سؤاله الأخير عنها، فردت متسائلة بعبوس طغى على نبرتها:
-قصدك إيه بالظبط؟
أجابها مازحًا:
-يعني حلوة؟
رفعت جسدها المسجى على الفراش لتغدو جالسة وهي ترد بانفعال واضح:
-والله، ده اللي همك
استشعر من نبرتها العصبية فهمس لها:
-يا فراشتي أنا عيني مابتشوفش غيرك إلا إذا.......
صمت عمدًا ليستمتع أكثر بإيقاعها في فخ الغيرة الذي يظهر حبها أكثر له، نجح ببساطة في ذلك فهتفت هي بعصبية أشد:
-كمان إلا إذا؟ ماشي يا يزيد!
تحولت نبرتها للشراسة وهي تحذره بتهديد شديد اللهجة:
-إياك ألمحك بتبصلها كده ولا كده، ساعتها هاتشوف الزوجة المصرية على حق
كركر ضاحكًا من طريقتها، ووجد صعوبة في السيطرة على صوته حتى وهو يقول مازحًا:
-استر يا رب
استشاطت غضبًا منه، وما ضاعف من غيظها سؤاله القائل:
-هي جنسيتها إيه؟
صاحت فيه بحدة:
-معرفش، تكونش ناوي تخطبها وأنا مش عارفة؟!
رد بهدوء:
-دي معلومات عامة يا بيبي
صرخت فيه بتشنج متذكرة نفس المصطلح الذي استخدمته تلك الجريئة معها من قبل:
-ماتقوليش يا بيبي!
كتم ضحكته بصعوبة وهو يقول:
-اهدي يا حبيبتي، أنا بأهزر معاكي
-إلا في ده!
-حاضر، هاشوفك من بكرة
-إن شاء الله
تابع مضيفًا بجدية:
-مش هاوصيكي، احنا أه متجوزين، بس الشغل مافهوش كده
لوت ثغرها قائلة بضيق:
-الدور والباقي عليك
تنحنح مرددًا بخشونة جادة:
-إنتي عرفاني، في الشغل معرفش أبويا حتى
همست لنفسها بتوتر ملحوظ وهي تعبث بخصلات شعرها:
-ما هو ده اللي قلقني بزيادة
..................................................
توقعت أن تبدو غريمتها الجديدة متأنقة في ثياب رسمية بل ومتباهية بنفسها وبجمالها الصارخ، لكنها خيبت توقعاتها وارتدت ما يقارب الملابس الرياضية –تجمع بين اللونين الرمادي والوردي- مع حفاظها على مظهرها الجمالي، للحظة اهتزت ثقة فرح في نفسها وبدت متوترة من التعامل معها، وكأن الأخيرة قد قرأت ذلك بوضوح فيها فتعمدت اللعب على أوتار تلك المسألة، اقتربت ديما منها بخطوات متدنية متغنجة بجسدها الرشيق أمامها، رمقتها فرح بنظرة قوية تتفحصها عن كثب، كان الهواء يداعب خصلات شعرها المموجة فزاد ذلك من دلالها المستفز، التوى ثغرها قائلة بابتسامة مغترة:
-كيفيك؟
أجابتها فرح بامتعاض وهي تنظر لها شزرًا:
-تمام
مالت عليها لتقول بنبرة غير مريحة متعمدة إثارة ريبتها أكثر:
-أنا مستعدة لليوم، كتير حاسة بالحيوية
ردت عليها فرح بعبوس لم تخفيه:
-الموضوع مش سهل على فكرة، احنا بنتعامل مع حاجة زي القتال الحي و...
قاطعتها بغطرسة وهي تشير بكف يدها:
-بأعرف كل شي، قولتلك من قبل إني مراسلة حربية، يعني بلشت بأكتر من هيك!
كتفت فرح ساعديها أمام صدرها لتنظر لها بحدة وهي ترد على مضض:
-بجد، طب كويس
ظلت كلتاهما تتبادلان نظرات متحدية رغم اختلاف طبيعة كلاً منهما، لكن الحدس الأنثوي لفرح لعب دورًا كبيرًا في تحذيرها من تلك الشخصية الغامضة، قطع تحديقهما المطول صوت أحدهم قائلاً:
-احنا جاهزين أستاذة
التفتت فرح نحوه وهي ترخي ساعديها قائلة بابتسامة مصطنعة:
-تمام، 5 دقايق وهاتكون معانا عريبة تنقلنا القاعدة البحرية
هز الصحفي رأسه بتفهم وهو يقول:
-أوكي
استدارت برأسها من جديد لترمق ديما باندهاش والتي بدأت في التقاط صور "سيلفي" لها بأوضاع حرفية لتقلقها أكثر، انتهت الأخيرة مما تفعله لتتابع بحماسٍ:
-تعرفي، كتير برمت بالعالم، بس ها دي أول مرة بأشوف ضباط مصريين
لوت فرح ثغرها قائلة بتهكم وقد اشتدت قسماتها نوعًا ما:
-ماتشوفيش وحش، رجالتنا معندهومش ذوق، ناشفين وخشنين، وأسلوبهم جامد وخصوصًا مع الستات
احتدت أعين ديما نحوها، بدت غير مقتنعة بما تقوله، ففغرت شفتيها قائلة:
-بالله!
-أه وأكتر من كده بكتير، لسانهم طويل، وإيدهم طرشة، ومش بيتفاهموا أبدًا
أطلقت ضحكة رقيقة وهي تهتف مادحة:
-يؤبرني ها القبضاي
لم تستطع تفسير ما قالته فزوت فرح ما بين حاجبيها متسائلة:
-مش فهماكي، قصدك إيه
غمزت لها ديما بطرف عينها قائلة بعبثٍ:
-يعني بأحب هيك نوعية من الرِجال، كتير بأتعلق فيهم، بيطيروا العقل!
انقبض قلبها بعد تصريحها الملبك للأبدان، فإن كانت حقًا من عاشقي الرجال الأشداء فحتمًا لن يفلت من قبضتها زوجها، خاصة أنه معروف لدى أقرانه بمدى صلابته وخشونة القوية، ابتلعت ريقها هامسة بقلقٍ انعكس على نظراتها:
-ربنا يستر، قلبي مش مرتاح
لحظات وأتى إليها أحد العاملين بالفندق ليقول بنبرة رسمية:
-العربية جاهزة يا أستاذة فرح
أومأت برأسها مضيفة بنبرة عالية:
-اوكي، يالا يا جماعة، هنتحرك دلوقتي
صفقت ديما بيديها بحماس أشد وهي تثب في مكانها كالصغار:
-وأخيرًا هانبلش المغامرات
تجمدت أعين فرح عليها كاظمة ضيقها في نفسها، بدت مفاتنها تتحرك في انسايبة مثيرة مع ما تقول به من اهتزازات متحمسة، بالطبع تصرفات طفولية كتلك ستسلط الأنظار عليها بالتأكيد وستجعل الجميع يتحدث عنها، ستغدو بين ليلة وضحاها حديث من بالوحدة، تنفست بعمق لتضبط انفعالاتها قبل أن تتهور عليها، ضغطت على أسنانها هامسة لنفسها:
-امسكي أعصابك يا فرح، ماتخليش واحدة سيلكون زي دي تستفزك!
.............................................
استقل الجميع الحافلة التي تم إرسالها إلى الفندق لتنقل طاقم المراسلين إلى القاعدة البحرية حيث المناورة البحرية التي سيتم الشروع بها هناك، سُمح لهم بالدخول بعد التأكد من جميع الهويات ليبدأوا جولتهم السريعة والتفقدية به، نظرت ديما بانبهار لما حولها قائلة:
-ها المكان شو عظيم وكبير!
ردت عليها فرح مؤكدة:
-إنتي لسه شوفتي حاجة، لما تلفي أكتر فيها هاتعرفي إنها من أكبر القواعد البحرية في الشرق الأوسط وعلى البحر المتوسط
هزت رأسها بتفهم وهي تسير بدلال نحو الأمام، وقعت أنظارها على بعض ضباط الصف بزيهم العسكري وشموخهم المهيب، هتفت بنزق وهي محدقة فيهم بنظرات إعجاب:
-لاك شوفي ها الحلوين!
لم تعلق عليها فرح واكتفت بالنظر لها بازدراء فأكملت بنبرة مليئة بالحيوية:
-كتير بيعقدوا بلبسهم!
لم تصمت تلك المرة عن مدحها الزائد في الضباط، قبضت على ذراعها مرددة بجدية:
-عادي يعني، هي أول مرة، احنا رجالتنا حمشين، مش بيعجبهم الحال المايل
عبست ديما بتعبيراتها قائلة بدلال:
-ما بأفهم عليكي، بس كتير حبيت هالأجواء!
سحبت فرح أنفاسًا مطولة لتجبر نفسها على الحفاظ على ثباتها أمامها، فالشكوك تساورها حول لجوء تلك السمجة لأساليب الاستفزاز لتجعلها تخرج عن شعورها، هتفت مرددة لنفسها بتحفيز:
-اهدي، مافيش حاجة خالص، إنتي أقوى من الحركات المفقوسة دي!
تجاهلت ما تقوم به عن عمد لتركز في عملها مع باقي أفراد طاقم المراسلين، والذين كانوا أكثر جدية واهتمامًا بكل تفصيلة تدور في المكان، بعد برهة تجمعوا في الردهة الواسعة بالمبني الرئيسي بالقاعدة البحرية حيث كان في استقبالهم أحد القادة، لمحت فرح بطرف عينها يزيد وهو يقف في المقدمة مع الضباط المكلفين بتلك المناورة، شعرت بالفخر لكونه زوجها المشهود عنه بالكفاءة والتميز، تحاشى الأخير النظر إليها كي لا يتسبب ذلك في إحراجهما، حافظ على الرسمية بينهما وتفهمت هي ذلك، انتبهت لصوت القائد حينما استطرد حديثه قائلاً بجدية:
-أهلاً وسهلاً بيكم في القاعدة البحرية، معقل أحد أهم فروع القوات المسلحة، واللي دوره مايقلش أبدًا عن الفروع التانية، طبعًا مش محتاج أتكلم وأضيع وقت عن تاريخ البحرية المصرية ولا الأسطول بتاعنا، بأفضل إننا نشوف ده على أرض الواقع، احنا واثقين في كفاءة ومهارة رجالتنا!
استدار برأسه ليشير إلى الواقف إلى جواره متابعًا:
-دلوقتي المقدم يزيد هايشرح لحضراتكم بإيجاز الخطوط العريضة لطبيعة شغلكم هنا
تقدم خطوة للأمام منتصبًا في وقفته أكثر ليقول بنبرة رسمية للغاية:
-شكرًا يا فندم، أكيد عند حضراتكم خلفية مبدئية عن طبيعة النوعية دي من المناورات المشتركة، هنبدأ فيها ببيان عملي عن إجراءات الدفاع والحراسة للمسطح المائي لميناء الإسكندرية، هيتم تقسيمكم مع المساعدين بتوعكم على حاملة الطائرات، والفرقاطة، واللانشات، والفريم، وهيتوزع عليكم جدول زمني خاص بأعمال المناورة بالترتيب، كذلك في كتيب مرفق عن السلامة والأمان أتمنى تقروه كويس وتلتزموا بيه، لو في أي استفسار المقدم آدم الجزار هيفيدكم
همهمات خافتة سادت بين طاقم المراسلين لكنها منحت الفرصة لنظرات اثنين من العاشقين للتعبير عن حبهما الشغوف، ورغم تلك الابتسامة الصغيرة على ثغرها إلا أن أثرها ألهب مشاعره، أبعد عن تفكيره مؤقتًا الشرود في عشقه لها متابعًا بنفس اللهجة الجادة:
-قدام حضراتكم ساعتين قبل ما نتجمع عند نقطة التحرك، تقدروا تتفضلوا
تراجع للخلف رامقًا زوجته بنظرة خاطفة قبل أن يوليها ظهره وينضم لزملائه، كانت في قمة سعادتها لكنها للأسف تلاشت في لحظة ليحل محلها القلق والتوتر حينما همست لها ديما بإعجاب:
-والله بيطير العقل
قست نظراتها نحوها لتقول بنبرة أنثوية تعني الفتك بمن يتجرأ على التطلع إلى من يخصها:
-على فكرة المقدم يزيد يبقى جوزي!
رفعت ديما حاجبها للأعلى مرددة بإحباط:
-عنجد؟ والله ما بأعرف!
حاولت أن ترسم ابتسامة مشرقة على ثغرها وهي تضيف:
-نيالك بيه
ردت عليها فرح بتجهم وهي ترمقها بنظرات محذرة:
-أديكي عرفتي، فيا ريت تاخدي بالك
فهمت على الفور نظراتها نحوها، أدركت أن نيران الغيرة ستأكلها حتمًا إن توددت إليه، التوت شفتاها بابتسامة أكثر لؤمًا مرددة بتسلية:
-شور بيبي ................................ !!
...................................................
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل الخامس عشر 15 - بقلم Manal Salem
الفصل الخامس عشر
تجنبت التواجد إلى جوارها كي لا تعطيها الفرصة لاستثارة أعصابها أكثر، ابتعدت عنها لتقف عند الطاولات المخصصة لتقديم أطباقًا خفيفة من الطعام كنوع من الترحيب بالزوار، التفتت فرح برأسها للجانب لتختلس النظرات نحو زوجها الذي انزوى عن الحضور ليتحدث مع قادته، عاودت التحديق في صحن الطعام الذي تملأه بالمأكولات الخفيفة، انتفضت بخفة حينما سمعت صوتًا يقول من خلفها:
-منورة القاعدة كلها
استدارت للجانب لتجد آدم يطالعها بنظراته المرحة، عاتبته قائلة:
-كده برضوه، ينفع تخضني بالشكل ده؟
ابتسم لها معتذرًا بود:
-حقك عليا يا مرات أخويا
أومأت برأسها قائلة بابتسامة صافية:
-ماشي، مقبولة منك
التقطت بأصبعيها قطعة من الحلوى المخبوزة لتدسها في فمها، سألها آدم باهتمام وهو يتناول قطعة مثلها:
-ايه الأخبار معاكي؟
أجابته بفتور:
-عادي
وقعت أنظارها على ديما فرأتها تتعمد التغنج بجسدها واصطناع الدلال مع من حولها لتحصل على انتباههم الكلي، تبدلت تعبيراتها للسخط والانزعاج، فقد بدا ما تفعله زائدًا عن الحد المسموح، والغريب أنها لا تلقى أي اعتراض من الأخرين، لاحظ آدم ذلك التغير الحادث على قسماتها فسألها مستفهمًا:
-مال وشك، شكل الأمور مش ولابد معاكي
أجابته بامتعاض:
-لأ، أبدًا
احتدت نظراتها بصورة واضحة حينما رأت ديما تقترب منها قاصدة إياها، التفت آدم نحو ما تحدق فيه زوجة رفيقه، انفرجت شفتاه هامسًا بإعجاب وهو يطالع صارخة الجمال بنظرات مشدوهة:
-إيه الصاروخ اللي داخل علينا ده
لوت ثغرها مرددة بتجهم:
-قصدك ديما
اشتد في وقفته ليبدو أكثر شموخًا وطولاً وهو يتابع بمدحٍ:
-هو في كده
رأت ديما نظرات الإعجاب جلية في ذلك الضابط الواقف قباله فرح، فتعمدت التدلل أكثر وهي تقول برقة:
-هاي، أنا ديما، ما بتعرفيني فرح على الزلمة
مد يده سريعًا لمصافحتها هاتفًا بنزق:
-أنا المقدم آدم الجزار يا مزة
بادلته المصافحة بتلمس أصابعه برقة أكثر لتثير غرائزه بتلك الطريقة المفتعلة، همست قائلة بلطف وهي تبتسم له ابتسامة خطيرة:
-ياهلا فيك
سألها آدم باهتمام دون أن يبعد أنظاره عنها:
-إنتي مش مصرية بقى
أجابته بغرور يليق بدلالها:
-أنا من لبنان
انزعجت فرح من استرسالهما في الحوار دون مراعاة لوجودها، وعلى قدر الإمكان جاهدت لتضبط انفعالاتها كي لا تظهر لها ضيقها، تهللت أسارير آدم أكثر وهو يقول بلا تفكير:
-بجد، شو أحوالك، شو أخبارك، شو تسوي؟
ثم غمز بطرف عينه لفرح ليضيف مداعبًا:
-جملتين حافظهم من الأفلام
تحولت نظراتها للحدة وهي تحذره بغلظة:
-خف يا آدم، دي صحفية معانا هنا!
وكأنها لم تنطق شيئًا، فتجاهلت ديما ما رددته لتضيف بنعومة:
-إنت كتير مهضوم! راح نكون رِفقات
اتسعت ابتسامة آدم على الأخير وهو يرد:
-طبعًا
نفخت فرح بصوت مسموع لتبدي سخطها واستنكارها مما يحدث بينهما، التفتت ديما نحوها لترمقها بنظرة متهكمة من طرف عينها قبل أن تقول بهدوء رقيق:
-بدي أتركك مع المدام فرح، شكلها كتير معصب
اعترض آدم طريقها قائلاً بضيق:
-لأ استني، احنا مالحقناش ناخد وندي بشكل ودي
ابتسمت له قائلة:
-عندي إيشي مع رفقاتي، بدك تعذرني
تنهد آدم مضيفًا باستسلام أمام إصرارها على الذهاب:
-ماشي، وأنا موجود لو ناقصك أي حاجة
غمزت له قائلة بابتسامة مغرية:
-يسلملي ها الرِجال
لوحت له بأطراف أناملها تودعه ثم أولته ظهرها لتسير مبتعدة عنهما، همس آدم من بين شفتيه بانبهار:
-هو في كده
وبخته فرح بجدية:
-آدم، ماينفعش كده!
التفت ناحيتها مرددًا باعتراض وقد عبست ملامحه قليلاً:
-هو حد يقول للنعمة لأ
حدجته بنظرات قوية وهي تسأله:
-هي فيها إيه زيادة عننا عشان الكل يريل أول ما يشوفها؟
أجابها مبتسمًا:
-دي امرأة بلا قيد
تركت فرح ما بيدها من صحن على الطاولة لترد بجدية شديدة:
-والله
مال عليها هامسًا:
-أيوه، يعني فرصة حلوة لتقريب الثقافات وتبادل الخبرات
انتبه كلاهما لصوت تلك الضحكة العالية فتحولت أنظارهما على ديما التي كانت تضحك مع بعض المراسلين، التقت أنظارها بآدم فلوحت له من بعيد، أشار لها بكفه مرددًا بنفس الابتسامة البلهاء التي تعلو ثغره:
-يؤبرني ها الحلو
استاءت فرح من تصرفاته هو الأخر، فقست تعبيراتها على الأخير وهي تهتف بصرامة:
-آدم
استدار ناحيتها متسائلاً:
-شو؟
هددته قائلة بلهجة حادة:
-طيب أنا دلوقتي هاتصل بشيماء وأقولها على اللي بتعمله!
تلاشت الابتسامة من على محياه ليحل الانزعاج والضيق من جديد على تعابيره، ازدرد ريقه قائلاً بامتعاض انعكس على نبرته:
-خلاص، أنا مش ناقص عكننة!
عاود التطلع إلى ديما متأملاً تمايلها الصارخ وهي تنحني لربط حذائها الرياضي، تنهد قائلاً:
-منورانا يا فرح، نورك غطا على معركة الصواري كلها
حركت أعينها لتحدق هي الأخرى فيها، وردت باستنكار:
-ده بجد
استأنف آدم حديثه قائلاً:
-عليكي شوية طوربيدات إنما إيه تفجر المحيط
فهمت المغزى العابث من جملته الأخيرة فحذرته بصلابة:
-آدم
تنحنح قائلاً بخشونة:
-ده أنا بأراجع معاكي التاريخ، معركة إغراق المدمرة إيلات!
أشارت له بعينيها متابعة بنبرة آمرة:
-امشي يا آدم بدل ما ......
قاطعها بخوف:
-هامشي يا ستي!
ودعها ليتحرك في اتجاه رفاقه الأخرين، أشار ليزيد بيده هاتفًا بجدية:
-سيادة المقدم، عاوزك في كلمتين
التفت الأخير نحوه مرددًا:
-تمام
وقف إلى جواره يسأله باهتمام:
-في إيه يا آدم؟
أجابه بغموض:
-اللي إنت طلبته حصل، بس خد بالك فرح شايطة من المزة اللبناني
تحدث يزيد من زاوية فمه قائلاً على مضض:
-شغل غيرة ستات!
اتسعت ابتسامة آدم مضيفًا بحماس:
-والتانية الصراحة هتدخلنا جهنم الحمرا بعمايلها، محدش أدها الصراحة
حذره يزيد بصرامة:
-اركز، قولنا إيه
ربت آدم على صدره قائلاً بجدية زائفة:
-اطمن يا باشا!
-والله أنا ما شايل هم إلا منك!
كركر آدم ضاحكًا من استخفاف رفيقه به، وظل يتبادل معه حديثًا تنوع ما بين الجدية والمزح، في حين راقبت فرح من تفتعل الأنوثة الطاغية بأعين كالصقر متجاهلة ما يدور حولها، همست من بين أسنانها تتوعدها:
-واضح كده إنك مش هاتجبيها لبر، وأنا مش هاسكت عن المسخرة دي!
أخرجها من تفكيرها الانتقامي صوت يزيد الهاتف:
-فرح
التفتت نحوه لتجده مقبلاً عليها، شعرت بالارتياح لقربه منها وكأن بحضوره سحرًا ما، اعتلى محياها بسمة رقيقة وهي تهتف باسمه:
-يزيد
تأمل وجهها بنظرات ملية وهو يسألها:
-في حاجة نقصاكي يا حبيبتي؟
هزت رأسها نافية:
-لأ، كله تمام
وضع يزيد قبضته على ذراعها يتلمسه متابعًا بجدية:
-بصي لو قلقانة من طلعة البحر إنتي ممكن تغطي من هنا، أنا عارف إنك ....
رقص قلبها طربًا لاهتمامه الحاني بها، هو لم ينسَ رهبتها السابقة من البحار، مازال متذكرًا لتلك التفصيلة الهامة، اجتهدت هي لتتغلب عليها مستشعرة وجوده الأمن بجوارها، ابتسمت مؤكدة:
-اطمن يا حبيبي، أنا مستعدية
مسح على ذراعها قائلاً بهدوء:
-ماشي يا فرح، وأنا جمبك متخافيش من حاجة
أومأت برأسها مرددة بابتسامة لطيفة:
-اوكي
لم تكن لتتركهما نظراتها المتقدة للتعرف على شخص مثله، هو لفت انتباهها منذ حديثه، استشعرت من تأملها المتفحص له ما لديه من قوى جسمانية، هي بحاجة للتعرف على شخص مثله، فدومًا في جولاتها الصحفية تلتقي بالأبرز والأقوى بل والأشجع في عالم الذكور، وكأن في ذلك إشباعًا لغريزتها الأنثوية، لم تتردد كثيرًا في التودد إليه وبسط شباكها عليه، خطت مسرعة نحوه لتقول بنعومة زائدة:
-بونجور، أنا ديما
نظر يزيد إلى يدها الممدودة شزرًا، من الطبيعي لديه أن يصافح من يمد يده إليه، لكن في حالتها تلك ومع نظرات فرح المزعوجة لها أثر أن يشبك يديه خلف ظهره وهو يقول بنبرة رسمية:
-أهلاً وسهلاً
استندت ديما بيدها على ذراعه لتثير في نفسه رعشة مزعوجة من تصرفها الغير لائق، شعرت بما اعتراه، فالتوى ثغرها بابتسامة ماكرة وهي تقول:
-اكتير متشوقة أتعرف عليك
فغرت فرح شفتيها مصدومة مما يحدث، فتلك الوقحة تتصرف بعدم حياء مع زوجها وكأنه مستباح لها، اصطبغ وجهها بحمرة كلية محاولة منع تدفق الدماء المغلولة في عروقها والتي تحثها على الإمساك بها من شعرها وجذبها منه أسفل قدميها لتنهال عليها بالركلات لتجرؤها على زوجها، تراجع يزيد خطوة للخلف ليبعد يدها عنه، بل وبدا أكثر جدية وخشونة وهو يرد:
-ليه؟
أجابته بغرور واثق:
-من فرح، عم تحكي عنك ليل نهار، ما تكسفي حبيبتي، من حقه يعرف
هتفت فرح باستنكار وقد انفجرت غضبًا:
-محصلش، ماتقوليش حاجة على لساني كدب!
أدرك يزيد أن زوجته في حالة شبه منفعلة فلف ذراعها حول كتفها ليحتضنها دون اكتراث بمن حوله قائلاً بتفاخرٍ:
-شكرًا، أنا مش محتاج مراتي تقول ده، أنا بأحس بقلبها، صح يا حبيبتي
رأت فرح من طريقته احتوائًا سريعًا لنوبتها المتعصبة، ابتسمت له بامتنان تشكره بنظراتها على تصرفه الحكيم، مسح برفق على ذراعها ليضيف باقتضاب:
-هاسيبكم مع بعض، عن اذنكم
اعترضت ديما طريقه قائلة بتحدٍ وكأنه تتعمد إغاظة فرح وإلهاب عواطفها:
-راح نتقابل أكيد
نظر لها بازدراء دون أن يعلق عليها قاصدًا إحراجها، ثم تحرك مبتعدًا عن الاثنتين، تحولت نظرات فرح للقتامة وهي تقول:
-بيتهيألي أنا .....
قاطعتها ديما بغطرسة:
-أنا ما عملت إيشي لسه، بيبي!
نفثت فرح دخانًا من أذنيها بسبب أسلوبها المستفز وتصنعها للبراءة والدلال، لقد بدت أقرب لكونها تخفي شيئًا ما، ولن تتراجع فرح عن كشفه حتى لو في ذلك هلاكها.
..............................................
توقف الجميع على مقربة من المرسى استعدادًا للانتقال بالزوارق –كل على حسب مهمته- إلى القطع البحرية المختلفة، كان من نصيب فرح التواجد على إحدى حاملات الطائرات "الميسترال"، انبهرت بضخامة تلك القطعة البحرية الهامة، والتي يتجاوز طولها المائة وتسعة عشر مترًا، كانت قد قرأت عنها مسبقًا، لكنها المرة الأولى التي تكون على متنها، الميسترال مخصصة لحمل الدبابات، والمدرعات، ومركبات القتال بالإضافة إلى الطائرات الحربية وتخزين طائرات نوع الهل وتمويلها بالوقود، هي مجهزة للبقاء في مياه البحار لمدة تتخطى السبعين يومًا، فتعد من أهم القطع في الأسطول البحرية، هي تفوق الفرقاطة حجمًا وشكلاً، تلاشت رهبتها مع إعجابها بضخامتها، كان في استقبالها زوجها الذي بدا وسيمًا في زيه العسكري، لم تستطع إخفاء نظرات عشقها له، مدت يدها لتصعد على الدرج المعدني فأمسك بها يعاونها في صعودها، ابتسمت له بنعومة وهي تقول:
-ميرسي
رد بهدوء مقاومًا ابتسامته الساحرة:
-نورتي الميسترال، خدي بالك، مش هاوصيكي
أومأت برأسها قائلة بنعومة أكبر:
-حاضر يا حبيبي
حذرها بنظراته من عدم استخدام سلاحها الأنثوي الجذاب في التدلل عليه مؤكدًا من جديد:
-قولنا إيه
لوحت بإصبعيها مرددة بجدية مصطنعة:
-تمام يا سيادة المقدم
سار الاثنان معًا يتفقدان الحاملة، أبدت فرح اهتمامها بكل ما يمليه عليها زوجها من معلومات هامة ومفيدة في تقريرها، ولم تكف عن التقاط الصور المميزة لبدن الحاملة والأسطح المختلفة بها، ظلت الأوضاع هادئة نسبيًا حتى وقعت أنظار يزيد على تلك المتغنجة والقادمة نحوهما، هتف بامتعاض:
-وإيه اللي جاب دي كمان؟
التفتت برأسها حيث ينظر متسائلة بعدم فهم:
-مين دي؟
تجمدت أعينها على وجه ديما التي كانت تبتسم بسخافة، اتسعت مقلتاها بذهول واضح، تمتمت من بين شفتيها بصدمة:
-مش ممكن
لوحت لهما ديما بيدها وهي تقول بتصنع:
-هاي، مو معقول هاي الميسترال، كتير بتعقد، هاي دي أول مرة بتواجد عليها
امتقع وجه فرح على الأخير واكفهرت تعبيراتها من أسلوبها المثير للأعصاب لم تستطع ضبط انفعالاتها، فزفرت بامتعاض وهي تقول:
-كده كتير بجد، ممكن كلمة على جمب يا سيادة المقدم
شعر يزيد بما يعتريها فأشار لها بعينيه لتتبعه بعيدًا عن تلك السمجة المتطفلة التي تستفزها، هتفت بعصبية رغم انخفاض نبرتها:
-ازاي تسمحولها تيجي معايا؟ المفروض تروح تغطي في مكان تاني، كده .....
فهم على الفور سبب تعصبها الواضح فقاطعها قائلاً بجدية وقد قست تعابير وجهه:
-فرح مش أنا مسئول التوزيع، أكيد المنسق الإعلامي اللي اختار مكانها، وبعدين إنتو طاقم مراسلين، يعني طبيعي تتواجدوا في كل مكان عشان تغطوا المناورة
ردت بحدة وقد احتدت نظراتها:
-عمومًا عتابنا مش هنا
حذرها بجدية وقد بدا منزعجًا من افتعالها للمشاجرات:
-هو إنتي هاتعملي مشكلة من لا شيء؟
توترت علاقتهما نوعًا ما فلاحظت ديما ذلك، أرادت أن تستغل الفرصة لتفرض نفسها عليهما، اقتربت منهما متسائلة:
-شو؟
توقف الاثنان عن الجدال ليرمقاها بنظرات حادة، استطرد يزيد حديثه قائلاً بنبرة رسمية:
-أستاذة فرح هاتكون معاكي
اعترضت عليه ديما قائلة بعبوس لطيف:
-بس عندي كتير تساؤلات، بدي مساعدتك إنت
نظر لها بقوة وهو يرد بجمود:
-زي ما قولتك، أستاذة فرح تحت أمرك
رمقته ديما بنظرات ذات مغزى، ادعت إصابتها بدوار البحر، فاستندت عن قصد بذراع يزيد متعلقة به وهي تقول بحرج زائف:
-بأعتذر منك، كتير الجو شوب، وأنا مو متحملة
فغرت فرح شفتيها مشدوهة مما تفعله، حدقت فيها تنتوي إحراقها حية لتعمدها التجاوز معه، أبعدها يزيد عنه قائلاً باقتضاب:
-ألف سلامة
تراجع خطوة للخلف ليضيف بجدية:
-رأيي تركزي مع أستاذة فرح أحسن! سلام!
ابتسمت له قائلة بتسلية:
-ميرسي، بس عنجد إنت اللي بدي إياك مو هي
وكأنها تتعمد إضافة الزيت على النيران المستعرة لتزيد من تأججها، قبضت فرح على ذراعها لتديرها نحوها وهي تقول بشراسة واضحة في نبرتها وكذلك في أعينها المستشاطة حنقًا منها:
-عاوزة إيه؟
نفضت يدها عنها قائلة بتأفف قاصدة تجاهلها:
-مو هلأ!
حذرتها فرح بحدة وقد توهجت نظراتها على الأخير:
-بصي يا ديما، واضح كده إنك ناوية على مشاكل معايا، فأحسنلك تبعدي عني، لأني مش هاسكت عن اللي يخصني
ابتسمت لها بتهكم وهي ترد بنبرة ذات مغزى:
-حبيبتي، إنتي بعدك ما شوفتي إيشي مني!
اقتربت منها حتى وقفت قبالتها، حدجتها بنظرات تحمل العدائية الصريحة لتتابع بعدها بنفس الأسلوب الساخر:
-أنا ديما غازي مو فرح ما بأعرف شو!
تفاجأت فرح بما تتفوه به، لم يأتِ بمخيلتها أن تتحداها بتلك الفجاجة، استخدمت ديما سبابتها في لكزها من كتفها عدة مرات وهي تواصل تهديدها الضمني قائلة بتهديد أشد شراسة:
-فبدك تعمليلي مليون حساب مو واحد بس ......................... !!!
................................................................
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل السادس عشر 16 - بقلم Manal Salem
الفصل الخامس عشر(جزء ثاني)
استشاطت نظراتها نحوها بعد تهديداتها الصريحة لها، اشتعل وجهها بحمرة غاضبة، فإن كانت تتعمد تلك السمجة استفزازها فقد نجحت في ذلك وببراعة، أوصلت فرح لقمة غضبها المستعر منها، فلم ترغب في تركها دون الرد عليها، لذلك انتصبت في وقفتها الشامخة، رمقتها بنظرات مهينة شملتها من رأسها لأخمص قدميها قبل أن تستطرد حديثها قائلة بقوة لا تعرف من أين أتتها لكنها نبعت من حنقها عليها:
-شوفي بقى يا ... ديما
نظرت لها الأخيرة شزرًا مبدية انزعاج طفيف من لكنتها التي تحوي القليل من التهكم، تابعت فرح بثباتٍ قوي:
-إن كنتي فاكرة بالكلمتين دول هاخاف، تبقي غلطانة
ابتسمت ديما قائلة بتهكم:
-لك شو....
قاطعتها مشيرة بسبابتها وقد احتدت نظراتها:
-سيبك من الهري اللبناني ده، ولا يأثر فيا
تحركت خطوة للأمام نحوها مكملة بشجاعةٍ:
-بس اعرفي كويس إني لا بأخاف ولا بأتهدد، مش عشان أنا صحافية ولا غيره
رمقتها ديما بنظرات متحدية مستمتعة بما تردده فرح من تهديدات غير قابلة للتصديق – من وجهة نظرها – متعمدة السخرية منها، ابتسمت بتهكم أكثر لتتأكد من وصول المغزى من استخفافها بها إليها، لم تكترث فرح بما تفعله من تصرفات غرورية تستفزها واستأنفت حديثها قائلة بثقة أكبر:
-اللي بتكلمي عنه ده يبقى جوزي، ومش هاقولك ده خط أحمر ولا حتى خطين حُمر، كفاية إنك تعرفي كويس إن اللي هاتقرب منه هاقرقشها بسناني، جايز إنتي مجربتيش الست المصرية اللي بتحب جوزها وبتغير عليه ممكن تعمل ايه، فاحسنلك إنتي تخافي مني!
كركرت ديما ضاحكة كتعبير عن استهزائها بها وهي تقول:
-بالله، راح انجلط من الرعبة
لكزتها فرح بكتفها بقوة وهي تندفع للأمام هاتفة لها بازدراء وقاصدة تقليدها:
-شور يا بيبي، هتنجلطي وعلى إيدي!
تأوهت ديما من الألم المباغت، وتابعت بأنظارها الحادة فرح وهي تنصرف مبتعدة عنها حتى اختفت من أمامها، كتفت ساعديها أمام صدرها محدثة نفسها بتحدٍ سافر:
-إنتي ما بتعرفيني بعد
توقفت عن تحديقها بها حينما سمعت صوتًا يقول من خلفها:
-اتفضلي معانا يا أستاذة
التفتت ديما برأسه لتجد أحد الضباط يشير لها لتتبعه، سألته مستفهمة:
-لَوين؟
أجابها بجدية:
-المقدم يزيد مبلغني إن حضرتك المفروض هاتتواجدي على السطح عشان زاوية التغطية
هزت رأسها بتفهم، فقد كان يقصد بذلك مكان تواجدها أثناء إدارة المناورة لتتمكن من المتابعة والتصوير بحرفية أكبر، ابتسمت له قائلة برقة:
-راح إجي معك
سارت خلفه وابتسامة ماكرة تعلو ثغرها، فقد باتت متحمسة للقيام بمهامها الرسمية، والغير رسمية أيضًا.
.................................................
-ملقاش حاجة خالص
قالها آدم وهو يستند بيده على الحافة المعدنية في الزاوية القصوى بالجزء الخلفي للميسترال وقد ركز أعينه على وجه يزيد الواقف إلى جواره، سحب الأخير نفسًا عميقًا لفظه ببطء ليرد بعدها بنبرة جادة وقد ضاقت نظراته المسلطة على نقطة ما بالفراغ:
-أكيد مش هاتسيب حاجة وراها هناك في الفندق
أضاف آدم مؤكدًا:
-طبعًا، هما اللي زيها عبط، دول مدربين على النوعية دي من المهمات، ورجالتنا ماسبوش خرم إبرة في الأوضة إلا وفتشوه
أخفض نبرته ليتابع بعبث:
-كان ناقصني أفتشها بنفسي تفتيش ذاتي!
رد عليه موضحًا:
-هي جاية عشان غرض معين، ولولا المخابرات مكوناش عرفنا مين هي
حك آدم ذقنه الحليقة قائلاً باستنكار:
-ايوه، ديما فايجوسكي، وشوف بنت اللذينة عاملة فيها لبنانية وتقولك يؤبرني وما أدري شو، بس على مين مايخلش عليا!
فرد يزيد كتفيه مضيفًا بجدية:
-كل ده عشان ماتلفتش الانتباه، دول بيبقى معاهم أكتر من لغة وأكتر من جنسية وبيتنكروا في حاجة متعرفش تشك فيها
هز رأسه مؤيدًا إياه:
-ايوه
تابع يزيد قائلاً:
-وكون إنها مراسلة حربية هيخليها تتواجد في أخطر المناطق ومع قوات الجيش وتنقل على الطبيعة اللي بتشوفه للي مشغلينها
أشار آدم بيده وهو يقول:
-يا ريت نقدر نكشف عن طريقها شبكة التجسس اللي هنا
أومأ يزيد برأسه قائلاً:
-هايحصل إن شاء الله، احنا مسكنا طرف الخيط، وأكتر من جهاز مشترك معانا في العملية دي، وقريب أوي هنوقعهم!
حذره آدم بقلق طبيعي:
-بس فرح مش هاتسلك معاها، إنت شايف الوضع عامل ازاي بينهم
حرك يزيد رأسه في اتجاهه ليضيف بجدية:
-وجود فرح مهم عشان تغطي علينا وإلا في احتمال نتكشف
ابتسم آدم مازحًا:
-ماهي المناورة أونطة، وكل اللي بنعمله ده بلح
رمقه يزيد بنظرات محذرة كي يكف عن الحديث قائلاً:
-اهدى عشانها جاية
اعتدل الأخير في وقفته ورسم على محياه ابتسامة بلهاء وهو يهتف بحماس:
-أهلاً بمرات أخويا
لم تبشر تعبيراتها المشدودة بخيرٍ على الإطلاق، استشف يزيد من عبوسها وجود خطب ما بها، وضع قبضته على يدها يسحبها بعيدًا عن آدم ليسألها بهدوء رغم جدية نبرته:
-خير يا فرح؟
أجابته بتشنج لم تتمكن من ضبطه:
-بأقولك ايه أنا مش طايقة اللي اسمها ديما
سألها ببرود:
-ليه؟
اغتاظت من تغاضيه عن تصرفاتها المتجاوزة وكأنه لا يراها، هتفت مستنكرة بانفعال مستخدمة يدها في التلويح بعصبية:
-إنت مش شايف بتتعامل معاك ازاي ولا بتتمحك فيك بطريقة مستفزة
نظر لها بقوة قائلاً بنبرة رسمية:
-ايدك جمبك يا فرح، احنا مش في بيتنا
كورت قبضتها ضاغطة على أصابعها بغل، كظمت غضبها في نفسها مضطرة، وأرخت ذراعها إلى جانبها، فقد أشار لها مسبقًا بضرورة الحفاظ على الرسميات بينهما خاصة حينما يتواجدان معًا، تابع قائلاً بنفس الهدوء الانفعالي المحنك:
-حبيبتي، إنتي عارفة ان كل اللي هي بتعمله ده مايكولش معايا، فكبري منها، وبعدين أنا مش بأحب إلا انتي وبس
امتقع وجهها صائحة بضيق:
-وأنا مش عاوزة أكمل معاها، خليها تروح مكان تاني وإلا هانشبك في بعض!
حذرها بصلابة وقد قست نظراته:
-امسكي أعصابك شوية يا فرح، مش واحدة زيها هتخلي ثقتك في نفسك تتهز، هو أنا اللي هاقولك الكلام ده؟
ارتفع حاجباها للأعلى في استنكار عقب جملته الأخيرة، وتلون وجهها من جديد بحمرة منفعلة، سألته بنبرة شبه محتدة رغم خفوتها:
-قصدك ايه؟
أجابها ببرود:
-يعني أنا فاهم إنك عاوزة تقولي إنها حلوة شويتين، عندها إمكانيات مش عندك، جايز صاروخ أرض جو عابر للقارات، بس أنا مش باخد بالي من ده كله
وكأنه يؤجج إحساسها بالغيرة أكثر بداخلها متعمدًا اللعب على أنوثتها أكثر، هتفت بعصبية تحذره:
-يزيد!
انتصب في وقفته أمامها ليبدو أكثر رسمية عن ذي قبل، ردد بجمود:
-فرح، احنا هنا في التزام، مافيش وقت للكلام الفارغ ده، ركزي في اللي وراكي
ضغطت على شفتيها قائلة بتحذير شديد اللهجة:
-اوكي، هالتزم، بس حسك عينك أشوفك معاها
سألها بفضول:
-هاتعملي ايه يعني؟
ردت بغموض أزعجه قليلاً:
-مش هاقولك، هاتعرف وقتها
نظرت له بغيظ قبل أن تتابع بامتعاض:
-عن اذنك يا سيادة المقدم
أولته ظهرها وهي تسرع في خطواتها مبتعدة عنه لكنه لم يصرف أعينه عنها، زفر مستاءً من وضعها في مثل ذلك الموقف لكنه كان بحاجة إلى مساعدتها الخفية دون أن تدري، انضم إليه آدم هاتفًا بتوجس:
-أوبا، مش بأقولك فرح هتولع فيها
رد باقتضاب وقد استدار بجسده ليواجه أمواج البحر المتلاطمة:
-ربنا يستر!
......................................................
تحركت القطع البحرية في اتجاه نقطة البدء، واتخذت موقعها على حسب المتفق عليه، تأهب الجميع في مراكزهم الحيوية استعدادًا للاشتباك، وبالفعل بدأت المناورة بالتصدي لمجموعة من العائمات المعادية والتي كانت تحاول اختراق المياه الإقليمية، أظهر الضباط والجنود كفاءاتهم الواضحة في التعامل مع الموقف ببراعة مشهودة، ونجحوا في إبعادهم والتصدي لتلك المحاولة الفاشلة، وبالطبع سجلت عدسات الكاميرات الثابتة والمتحركة تلك المشاهد من زوايا مختلفة، انتقت فرح لنفسها موقفًا بالمقدمة تلتقط فيه بعدستها ما تراه بحسها الصحفي مناسبًا لتقريرها، التفتت برأسها للجانب لتختلس النظرات نحو غريمتها التي كانت تتفنن في عملها بطريقة أصابتها بالغيرة، أقنعت نفسها أنها على نفس القدر من الكفاءة، لا ينقصها شيء، واستمرت في التقاط المميز من الصور، مر الوقت سريعًا مع انتهاء الجزء المخصص من المناورة لتهدأ الأوضاع بعدها وينشغل جميع الضباط والجنود في الاستعداد للمهمة التالية.
عاودت فرح التحديق بها، رأتها تتحدث فيما يشبه الهاتف المحمول، انزوى ما بين حاجبيها باستغراب، فقد بدت مريبة نوعًا ما وهي تستخدمه، تذكرت أنهم تلقوا تعليمات مشددة بترك هواتفهم النقالة بالقاعدة البحرية قبل الصعود على متن قطع الأسطول، وهي خالفت ذلك وأحضرته معها للميسترال، التوى ثغرها بابتسامة ماكرة، فقد طرأ ببالها العبث معها وتلقينها أول دروس معاداة الزوجة المصرية، وبخطوات حذرة اقتربت منها مدعية تركيزها في التقاط الصور، أصبحت على بعد خطوتين منها، ولم تنتبه ديما لها، بدا تركيزها منصبًا على المكالمة فقط.
وقفت فرح خلفها كي لا تراها، فسمعتها تهمهم بلكنة ليست انجليزية، وحتمًا ليست من المعروفة لها، ارتابت منها محدثة نفسها بنبرة تحمل الشك:
-مش هما مانعين الموبايلات ومنبهين على ده، طب دي بتكلم مين وبلغة غريبة كمان؟!
استرقت السمع نحوها فلم تفهم كلمة مما تقول، لكنها عقدت العزم على أخذه منها، ظلت تحتسب خطواتها لتتأكد من نجاح خطتها البسيطة، وفي غفلة منها انتشلته من بين أصابعها في سرعة وخفة لتتفاجأ ديما بما فعلته ويتوقف عقلها لثانية عن التفكير لتستوعب الصدمة، التفتت نحوها بوجهٍ شاحب يختلف عن تلك الحيوية المغرية المعتادة منها، صاحت فيها بغلظة:
-شو عملتي انتي؟
قبضت فرح على الهاتف بيدها مبعدة إياه للخلف وهي ترد بتساؤل جاد:
-ده بيعمل إيه معاكي؟
صاحت فيها ديما بعبوس مخيف:
-ما بيخصك
ثم مدت يدها نحوها متابعة بصيغة آمرة وهو تدنو منها:
-اعطيني إياه؟
تراجعت فرح للخلف قائلة بغرور:
-لأ مش هتاخديه
لمعت عيناها أكثر وهي تكمل مهددة:
-وهابلغ عنك كمان!
عند تلك الجملة تحديدًا بلغت ديما ذروة انفعالها، لن تخاطر بكشف أمرها في لحظة غباءٍ منها وعدم تقدير للموقف واستهانتها بتلك الطفيلية الغبية، هجمت على فرح تنتوي استرداده قسرًا منها، فتفاجأت الأخيرة بانقضاضها المباغت والشرس عليها ملقية بثقل جسدها نحوها، ارتدت كلتاهما للخلف وسقطتا على ظهريهما بسبب عدم اتزانهما، تأوهت فرح من الألم الشديد فقد ارتطم جسدها بعنف على الأرضية الصلبة، ورغم ذلك لم تترك الهاتف من قبضتها وتحاملت على نفسها لتنهض من رقدتها الموجعة، لم تترك لها ديما الفرصة، حيث جثت فوقها محاولة انتزاعه منه مما جعل الأخيرة تشحذ قواها الغاضبة ضدها لتدفعها عنها، نجحت في التخلص منها بعد أن منحتها صفعة قوية مصحوبة بجذب عنيف من خصلات شعرها، مما أجبر ديما على التراجع، منح ذلك فرح ثوانٍ لتزحف على أربع لتنجو بنفسها منها، تمكنت من الوقوف على قدميها، ثم استدارت نحوها لتواجهها قائلة:
-مش هاخليكي تاخديه يا ديما
رفعت الأخيرة وجهها نحوها ترمقها بنظرات مغلولة، اعتبرت فرح المسألة تحديًا معها، فتغاضت عن الإبلاغ عن حوزتها إياه لتقرر في لحظة طيش منها التخلص منه فقط لإغاظتها، وبلا تفكير عقلاني قذفت الهاتف بكل قوة نحو البحر ليهوى الأخير في مياهه الزرقاء غارقًا في القاع، فغرت ديما شفتيها مصدومة، وقبل أن تفيق من صدمتها تابعت فرح قائلة بشماتةٍ:
-لو عاوزاه نطي وراه يا... بيبي!
احتقنت عيناها على الأخير، كانت تطلق شررًا مستطرًا من محجريهما، توعدتها هاتفة بعدائية من بين أسنانها المضغوطة:
-راح تشوفي هاعمل فيكي إيه
وقفت فرح قبالتها تنفض يديها وهي ترد بابتسامة مغترة:
-مش هاتقدري
قست نظرتها وهي تضيف بتهديد صريح:
-احمدي ربنا إني مش هابلغ عنك، واعتبري ده قرصة ودن ليكي
طالت نظرات ديما العدوانية لها، وردت عليها بنبرة خالية من الحياة ولا تنذر بالخير أبدًا:
-المعركة بلشت بينا، وراح تشوفي تمن هيك .................................... !!
.........................................................
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل السابع عشر 17 - بقلم Manal Salem
الفصل السادس عشر (الجزء الأول):
اعتلى ثغرها ابتسامة انتصار لكونها قد أفسدت عليها وقتها وعكرت صفو نهارها العملي، هكذا ظنت في نفسها، ابتعدت فرح عن غريمتها وهي ترمقها بنظرات متباهية، لكنها لم تعلم أنها قد زجت بنفسها في متاعب لا حصر لها لكونها لم تضع في الحسبان ردة فعلها، ظلت أنظار ديما مسلطة عليها تفكر مليًا في طريقة لرد اعتبارها والخلاص منها، بالطبع لم تكن بحاجة لمجهود كبير لتحسم أمرها وتوقعها في مكيدة محكمة – من وجهة نظرها – لتضمن ابتعادها عنها، همست لنفسها قائلة بوعيدٍ:
-راح تشوفي كيف راح أدعسك!
لمحت بطرف عينها بعض المجندين وهم يتابعون ما دار بينهما فعمدت إلى استغلال ذلك بحرفية تجيدها، أجهشت بالبكاء المصطنع وتوجهت إلى مركز القيادة بالميسترال مدعية بالباطل هجوم فرح العدواني عليها دون أي تبرير، ومحاولتها لإيقاعها من الأعلى من أجل التسبب في إلحاق الأذى الشديد بها، أصرت على تحرير شكوى رسمية ضدها لإساءتها المتعمدة لشخصها، ولجأت أيضًا إلى اختلاق الأكاذيب مستخدمة كيدها الأنثوي في تدعيم موقفها والاستشهاد ببعض الأفراد المتواجدين وقتها، ولم يخلُ الأمر من تهديداتها شديدة اللهجة باللجوء لسفارتها لتصعيد الأمر إن لم يتم اتخاذ إجراء صارم ضد المعتدية عليها، قام أحد الضباط المسئولين بتسجيل أقوالها والبدء في التحقيق عن تلك الواقعة المسيئة، جلست ديما باسترخاء مترقبة على أحر من الجمر نتائج ما تلفظت به ضدها، همست لنفسها بإعجاب:
-هلأ راح تعرفي مين أنا!
.....................................
لبرهةٍ راقبت أمواج البحر المتلاطمة وهي تتحطم على مقدمة الميسترال بنظرات طويلة متأملة، مازالت تحتفظ بتلك الرهبة الخفية منه ومن عمقه المظلم الذي ابتلع والدها منذ زمن بعيد، أقنعت فرح نفسها بأنها قادرة على هزم مخاوفها، الأمر فقط يحتاج منها للدعم النفسي والثقة بمقدرتها على التغلب عليه، تنفست بعمقٍ قبل أن تتحرك من مكانها لتبحث عن زوجها، هي بحاجة للحديث معه، ولجت إلى داخل قمرة القيادة باحثة عنه، رأته وهو يعطي تعليماته المشددة لضباطه التابعين له، تابعته بإعجاب ملحوظ على محياها حتى انتهى مما يفعله، التف مصادفة للخلف ليجدها تطالعه بتلك الطريقة الغريبة، اقترب منها متسائلاً بفضول وهو يتفرس وجهها:
-شكلك مروق على الأخر، في حاجة جديدة حصلت؟
ردت بابتسامة متسعة وهي تداعب أذنها بيدها:
-بصراحة مبسوطة إني فشيت غلي
لم يفهم يزيد بالضبط المقصد من جملتها الغامضة تلك، تعقدت تعابيره نوعًا ما وهو يتابع أسئلته التحقيقية:
-في مين يا ترى؟ اوعي تكوني عملتي كارثة من ورايا، فرح أنا محذرك و...
هزت كتفيها مقاطعة في عدم مبالاة:
-لأ، ماتخدش في بالك، دول كلمتين بأقولهم كده بس
ساورته الشكوك من طريقتها، فحذرها قائلاً بصرامة وقد قست ملامح وجهه:
-فرح، أنا منبه عليكي مش عاوزين قلق هنا، ده مش هزار ولا...
مدت يدها لتضعها على ذراعه قائلة بنعومة:
-اطمن يا حبيبي
ورغم كونه تصرفًا عفويًا منها نحوه، إلا أنه لم يرغب في تماديها بذلك الشكل متناسية تنبيهاته الشديدة، ضاقت أعينه نحو يدها الموضوعة عليه هاتفًا من بين شفتيه المضغوطتين:
-فرح
زوت ما بين حاجبيها مرددة بعدم فهمٍ:
-في ايه؟
أزاح يدها برفق وهو يجيبها:
-ماينفعش الكلام ده هنا
-كلام ايه؟
أوضح لها هامسًا:
-يعني زي ما عملتي، إيديكي تتحط عليا، المفروض نحافظ على الرسميات بينا
أبقت يدها إلى جانبها قائلة بامتعاض طفيف انعكس سريعًا على تعبيراتها:
-أوكي، فهمتك خلاص
سألها يزيد مهتمًا وقد دس يديه في جيبي بنطاله العسكري:
-ها قوليلي كله تمام معاكي؟
أومأت برأسها قائلة باقتضاب:
-ايوه
أزعجه أن يفسد لحظتهما الودية فسألها مجددًا باهتمام أكبر:
-والدوخة؟
تنهدت قائلة بهدوء:
-أنا خدت برشام قبل ما أطلع عشان مايحصلش زي المرة اللي فاتت ويجيلي دوار البحر
أومأ لها بعينيه مادحًا بإعجاب:
-بيعجبني فيكي ذكائك، غير طبعًا الحاجات التانية
توردت بشرتها من غزله الضمني، وردت بدلالٍ يحمل الغرور:
-دي أقل حاجة عندي
رفع حاجبه مرددًا:
-بجد؟
-طبعًا، تقدر تقول غير كده
-هو أنا أقدر؟
انتصبت أكثر في وقفتها متابعة بتفاخرٍ قليل:
-أكيد .......
لم ينتبه يزيد لباقي جملتها بسبب تلك الحركات الغير عادية على مقربة منه، التفت برأسه للجانب ليعرف ما الذي يدور، لم يكترث للأمر في البداية لكن اشتدت تعابير وجهه صلابة حينما تفاجأ بعددٍ من الضباط يقتربون منه رافعين أسلحتهم أمام صدورهم، قطب جبينه متسائلاً بجدية وهو يمرر أنظارهم الحادة عليهم:
-في حاجة جدت؟
أجابه أحدهم برسمية شديدة وهو يشير برأسه نحو فرح:
-الأستاذة مطلوبة للتحقيق
ارتسم على وجه فرح علامات الذهول، فغرت شفتيها مصدومة ورمشت بعينيها مبدية اندهاشها التام، التفتت برأسها نحو يزيد تطالعه بأعين حائرة دون أن تنبس بكلمةٍ، هتف الأخير متسائلاً بنبرة مزعوجة وشبه متعصبة:
-إنت بتقول ايه؟ تحقيق! إنت اتجننت، دي .....
قاطعه الضابط متابعًا بشراسة:
-يا فندم دي أوامر عليا، الأستاذة فرح عبد الحميد مطلوبة للتحقيق فورًا
حل الوجوم الشديد على تعبيراتها وهي تسأله بارتباك:
-تحقيق ايه بالظبط؟ حضرتك أنا ملتزمة هنا بكافة التعليمات وتقدر تتأكد بنفسك
صاح به يزيد بنبرة شبه منفعلة وقد احتدت نظراته على الأخير:
-كلمني أنا، التحقيق ده تبع مين وعشان ايه؟
رد الضابط بهدوءٍ جاد:
-معنديش تفاصيل يا فندم
شعرت فرح بتقلصات تضرب أسفل معدتها من فرط التوتر، هي معتقدة أنها لم تتصرف بما يخالف طبيعة مهمتها هنا، وعلى قدر المستطاع هي ملتزمة بما أملاه عليها زوجها، أفاقت من شرودها السريع على صوت الضابط الذي هتف آمرًا وقد بدت نظراته مليئة بالاتهامات:
-من فضلك يا أستاذة اتفضلي معانا دلوقتي بهدوء
ابتلعت ريقها وهي تضع قبضتها على ذراع يزيد لتهمس له بخوفٍ:
-يزيد
شعر بتلك الرجفة الخفيفة التي أصابت بدنها، وضع يده على قبضتها مشددًا عليها ليبث لها القوة وهو يقول بتشنجٍ:
-ماتقلقيش يا فرح، أنا هاعرف بالظبط في ايه
تشبثت أكثر بذراعه وكأنها تحتمي به، توسلته بنبرة أقرب للبكاء وقد لمعت عيناها بقوةٍ:
-يزيد ماتسبنيش
حاول طمأنتها ليهدأ من روعها بعد أن رأى حالة التوتر التي سيطرت عليها، لم يختلف حاله عنها كثيرًا رغم ادعائه العكس أمامها، كان مزعوجًا للغاية بسبب ذلك الاستدعاء الغامض، هتف الضابط من جديد بتجهمٍ:
-يالا يا أستاذة
رد يزيد بجدية وهو يشير بعينيه لها:
-روحي معاهم وأنا هاحصلك
أدركت فرح أنه لا مهرب لها من الذهاب معهم، شعرت بجفاف حلقها وباضطراب ضربات قلبها وهي تتبعهم بقلقٍ مُرتاب، حاول يزيد التصرف سريعًا لكي يلحق بها دون أن يؤثر غيابه على سير المناورة التدريبية لكونه عضوًا فعالاً فيها ومسئولاً عن تنفيذ مهامٍ بعينها.
........................................
ما أشعرها بالإهانة حقًا هو طريقة استبعادها من على الميسترال، بدت أمام أعين المراقبين لها وهي تنتقل لزورق تابع للقوات البحرية ليعود بها إلى الميناء كالمتهمة التي ارتكبت جريمة نكراء وتم إلقاء القبض عليها توًا، حافظت فرح على ثباتها وهي تصعد على متنه، لكن تلك النظرة تحديدًا والتي كانت موجهة لها شخصيًا جعلتها تدرك حجم الكارثة التي تنتظرها، رأت غريمتها ديما وهي واقفة بشموخ وواضعة ليديها على منتصف خصرها في تحدٍ واضحٍ لها، خمنت أن تكون بالفعل وراء ذلك، اغتاظت من تلويحها المستفز لها بيدها في إشارة موحية لها بأنها نجحت في طردها من المناورة بعد إذلالها، لم يدم استغرابها طويلاً، فور وصولها للقاعدة البحرية وبدء التحقيق معها في الاتهامات الموجهة لها تيقنت من حدسها، وأن تلك اللئيمة حاكت حولها مؤامرة وضيعة، ما أدهشها أيضًا هو مدى الافتراء الكاذب الذي لجأت إليه تلك الحقيرة، ومع ذلك لم تنكر محاولاتها للاعتداء عليها مما وضعها في موقف حرج، تابع المحقق العسكري حديثه موضحًا:
-الأستاذة طالبت بتصعيد الأمر للسفارة، ده غير إنها عاوزة تلجأ للمنظمات الدولية و...
قاطعته فرح بانفعال مبررٍ:
-والله العظيم كدابة، أنا مقربتش منها أصلاً، دي كان معاها موبايل وبتكلم فيه بلغة غريبة كده، أنا سمعتها وكانت مش على بعضها
نظر لها مطولاً وهو يسألها بهدوء:
-وفينه الموبايل ده؟
شعرت بنغصة في صدرها تؤنبها لتسرعها الأحمق، فلو تريثت قليلاً لكان الآن بحوزتها دليل براءتها، ضغطت على شفتيها قائلة بندمٍ:
-للأسف رميته في البحر، بس قسمًا بالله كان معاها
بدا من نظراته نحوها أنه غير مقتنع بحديثها، زفر المحقق متسائلاً على مضضٍ:
-عندك شهود بالكلام ده؟
أجابته بضيق كبير:
-كنا لوحدنا
تابع مضيفًا:
-أستاذة فرح حضرتك صحفية وعارفة كويس إن اللي حصل ده مش في صالحك، وللأسف موقفك سيء من غير وجود دليل يدعم كلامك
صاحت بعصبية:
-ماهو أنا أكيد مش هاقرب منها من نفسي
رد بجدية وقد انزوى ما بين حاجبيه:
-يا أستاذة فرح افهمي، عشان نقدر نصدقك كان لازم يكون معاكي الموبايل ده، لأن حتى لو سألناها تاني طبيعي تنكر وجوده معاها لأن مافيش ما يثبت كلامك
وضعت فرح يدها على جبينها ضاغطة عليه، تهدل كتفيها في حيرة وهي تسأله:
-طب والعمل ايه دلوقتي؟
رد بجمودٍ:
-هانكمل باقي التحقيقات وهانشوف
استشعرت بقوة غبائها المستحكم الذي أوقعها في تلك الشاكلة، تنهدت بتعب لتسأله بقلق واضح في نبرتها ونظراتها نحوه:
-يعني أنا هايكون وضعي ايه .............................. ؟؟؟
...................................................................
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل الثامن عشر 18 - بقلم Manal Salem
الفصل السادس عشر (الجزء الثاني)
ثارت ثائرته حينما علم بتفاصيلٍ أكثر عن إلقاء القبض عليها، ناله بعض التوبيخ والإيحاءات بكونه متورطًا بصورة مباشرة في التسبب بتلك الفضيحة الحرجة، بالإضافة إلى تعريض المهمة الأخرى الخطرة والخاصة بالكشف عن شبكة التجسس التي تعمل في الخفاء بالإفشال، تحمل يزيد كل ذلك في سبيل ضمان عدم توريط زوجته، تمت مراجعة أشرطة المراقبة الموضوعة على الميسترال في التوقيت الخاص بالمشاجرة ليتم اكتشاف ما حدث بالضبط، أصدر قائده عددًا من الأوامر أملاها عليه لكنها أغضبته، كور قبضة يده قائلاً باعتراض:
-بس كده هي هتظلم
رد القائد بلهجة شديدة:
-ده الأحسن، وإلا مجهود شهور هايضيع
احتقن وجهه بشدة وهو يقول محاولاً إقناعه بالعدول عن قراره:
-يا فندم دي....
قاطعه بصرامة أشد:
-مقدم يزيد، مافيش نقاش، دي أوامر عليا
أومأ برأسه هاتفًا بجدية:
-تمام يا فندم
استأذن بعدها بالانصراف ليتجه نحو الخارج، كان في انتظاره آدم الذي أقبله عليه متسائلاً بتلهفٍ:
-ها عملت ايه؟
أجابه بعبوس جلي:
-ولا حاجة، تفتكر كانوا هيرجعوا في قرارهم؟
سار معه بعيدًا عن القيادة ليتمكن من الرد عليه قائلاً بضيق واضح عليه هو الأخر:
-لأ
سأله بعد ذلك باهتمام أكبر محاولاً سبر أغوار عقله ومعرفة فيما يفكر في فعله لاحقًا:
-طب هاتعمل ايه مع فرح؟
نزع يزيد قبعته العسكرية ليحك رأسه عدة مرات وهو يقول بانزعاج حائر:
-مش عارف والله
فرك آدم طرف ذقنه مكملاً:
-يعني معنى كده إنها برا الليلة كلها؟
زادت ملامحه عبوسًا وهو يرد:
-ايوه، ده غير اعتذار رسمي منها لديما عشان نضمن إن الموضوع اتلم
ارتفع حاجباه للأعلى مرددًا:
-أوبا، دي لو استحملت الطرد مش هاتقبل أبدًا بالأسف
ضغط يزيد على شفتيه متابعًا وهو يزفر في ضيقٍ:
-فرح هتعند
ركل بقدمه حجارة صغيرة اعترضت طريقه مكملاً بتبرمٍ:
-كان لازم تمسك أعصابها شوية
رد عليه آدم مبررًا تصرفها الأرعن:
-الستات مش مضمونين في تصرفاتهم، وخصوصًا لما يكون في الموضوع واحدة ست
اتسعت ابتسامته مضيفًا بمزاحٍ:
-لأ ومش أي واحدة، حاجة متفصلة زي الكتاب ما قال
لم يكن يزيد في حاجة مزاجية تسمح له بتقبل أي نوع من الدعابات لذلك حذره بوجهه الممتقع:
-آدم، ماتخلنيش أطلع ضيقتي عليك
رفع كفه أمام وجهه قائلاً:
-يا سيدي بأهزر معاك عشان تفك شوية
التزم الاثنان الصمت لبعض الوقت يفكران في طريقة لإبلاغ فرح بالعقوبات التي وقعت عليها، ظل يزيد يتحرك بخطى متعصبة أثناء عودته إلى غرفته بوحدته العسكرية محدثًا نفسه:
-أنا محتار أقول لفرح ازاي
رد عليه آدم بخفوت:
-ده إن مكانتش عرفت بده
رفع نبرته قليلاً ليسأله:
-صحيح هي فين دلوقتي؟
أجابه دون تفكير:
-في الفندق
سأله مستفهمًا:
-طب هاتروحلها؟
رد باقتضاب:
-شوية كده
أضاف آدم محذرًا وهو يشير بسبابته:
-أهم حاجة تخليك هادي وإنت بتكلمها، الموضوع مش ناقص
رد بحذرٍ وهو يسحب مقعده ليجلس عليه بعد أن ولج إلى داخل غرفة مكتبه:
-طيب
..............................................
توقعت أن يكون قد أحرز تقدمًا في قضيتها، لكن أتت الرياح بما لا تشتهي السفن، هبت واقفة من جلستها على الفراش مبدية سخطها التام على تلك الإجراءات التعسفية التي اتخذت ضدها من أجل تلك المراسلة السمجة، لم تستوعب فرح كيفية تراخي زوجها عن الدفاع عنها باستماتة مثلما كانت ستفعل معه إن وضعت في نفس الموقف، نظرت له بأعين حانقة وهي تصيح منفعلة:
-وإنت صدقتها؟
لم يعلق عليها واكتفى بالتحديق الصامت فيها، كذلك عمد إلى إخفاء الجزء المتعلق بالتسجيلات المرئية كي لا تزداد ثورتها الغاضبة، وضع يديه على ذراعيها قائلاً:
-اهدي بس يا حبيبتي، الحكاية مش كده
نفضت ذراعيها بقوة لتنزع يديه عنها وهي تصرخ فيه:
-اومال ايه بالظبط؟
لم يستطع الرد عليه، بدا في موقف حرج للغاية، لم يرغب أبدًا في رؤيتها هكذا، لكن ما باليد حيلة، عليه أن يلتزم بالقوانين حتى معها شخصيًا، ترقرقت العبرات المستشاطة بداخل حدقتيها وهي تواصل صراخها المتشنج:
-يعني دي أخرتها، أطلع أنا الغلطانة؟ طب فين دفاعك عني؟ وفين....
قاطعها موضحًا وهو يقف قبالتها:
-فرح إنتي عارفة كويس إن الموضوع ده أكبر من سلطتي
ضاقت أعينها المشتعلة غيظًا منه نحوه، ثم صاحت فيه بصوتها المحتد:
-بس كان ممكن تتدخل، تعمل أي حاجة عشاني
زفر قائلاً باستياء من لومها الزائد عليه:
-صعب يا فرح
انفعلت من بروده معها فهدرت فيه بصراخٍ محتد:
-ليه؟ فين وعودك إنك هاتكون سندي وفي ضهري؟
تحكم بصعوبة بالغة في أعصابه كي لا تنفلت ويخرج عن عهده الذي ألزم به، راقبت جمود تعابيره وحدة نظراته بتفرس، أيقنت أنه لن يفعل لها شيئًا، رمقته بنظرات تحمل العتاب قبل أن توليه ظهره لتقول بنبرة مختنقة:
-شكرًا يا سيادة المقدم
سحب يزيد نفسًا عميقًا ليطفئ به نيرانه المتأججة بداخله، ألمه أن يقف هكذا أمامها مكتوف الأيدي عاجزًا عن التصرف، تحرك ليقف خلفها ثم وضع يده على كتفها ليديرها نحوه وهو يقول:
-اسمعي بس
انتفضت من لمسه لها وكأن حية لدغتها توًا لتصيبه حركتها تلك بالانزعاج، ضاقت أعينه نحوها ليرمقها بنظرات أكثر حدة كاظمًا غضبه في نفسه، ابتعدت فرح عنه قائلة:
-أنا تعبانة
تفهم ردة فعلها الغاضبة ناحيته، وحاول قدر الإمكان أن يبدو هادئًا أمامها، تنهد مطولاً قبل أن يكمل بتريث:
-فرح، الموضوع لسه مخلصش لحد كده
كتفت ساعديها أمام صدرها لتسأله بعبوس متجهم:
-في ايه تاني؟
أجابها بهدوء متوقعًا انفجارًا وشيكًا منها:
-مطلوب منك تعتذري لديما
أرخت ساعديها مصدومة مما قاله، كان معتقدة أن الأمر سيتوقف عند مسألة إقصائها من تغطية أخبار المناورة، لكنه تخطى ذلك بكثير، لم تتحمل المزيد فصرخت باهتياج وقد احتقنت بشرتها بحمرة غاضبة:
-كمان
رغم إدراكه لحجم العصبية المبررة لتصرفها معه هكذا إلا أنه أكمل موضحًا ببرودٍ وهو يجبر نفسه على إخفاء ضيقه:
-القيادة شايفة إن ده من مصلحـ.....
تحركت بخطوات متشنجة لتقف قبالته، رمقته بنظرات متحدية مقاطعة إياه بإصرار عنيد:
-لو أخر يوم في عمري مش هايحصل
انتصب في وقفته أمامها ليزداد طولاً وهو يحذرها:
-بلاش تركبي دماغك في حاجة تافهة زي دي
اغتاظت من استهانته بما يخصها فصاحت منفعلة:
-بالنسبالك تافهة، بس عندي لأ!
رد بقوة أجفلت بدنها:
-ماهو إنتي السبب يا فرح، لو كنتي من الأول اتصرفتي صح مكوناش بقينا في الورطة دي
هدرت صارخة وهي تلوح بيدها في الهواء:
-برضوه هاتطلعني الغلطانة؟
أجابها بنبرة غليظة وهو يلكز جبينها:
-عشان اتصرفتي بغباء!
احتقنت نظراتها نحوه لكنه تابع بحدةٍ:
-لاقيتي معاها موبايل وبتتكلم وخدتيه منها، روحي سلميه، أو حتى بلغي عنها، مش ترميه وتحطي نفسك في موضع شبهة
صاحت فرح صارخة بعصبية وقد اهتاجت الدماء في عروقها
-دلوقتي بقيت المتهمة وهي الملاك البريء؟
رد بجمود:
-إنتي بتفسري الأمور على هواكي
لوحت بيدها قائلة بتشنجٍ:
-ماشي أنا كنت متسرعة، بس ده مش معناه إني أروح أقولها سوري يا بيبي وحقك عليا والهبل ده كله، استحالة أعمل كده
قبض على ذراعها هاتفًا من بين أسنانه المضغوطة وهو يحذرها:
-لو الحكاية كبرت إنتي اللي هاتتبهدلي
نفضت ذراعها بقوة من يده لتسأله بنبرة ذات مغزى:
-إنت معايا ولا معاها؟
أدرك المقصد من وراء سؤالها، بأنها تحدد له اختياراته، فإن أجابها بغير المتوقع ستكون ردة فعلها مبالغًا فيها، تنفس بعمق ثم أجابها بتمهلٍ مدروس ليخبت ثورتها:
-معاكي يا حبيبتي وعشان كده بطلب منك تحليه ودي
انفعلت من عدم تدعيمه لها، فهدرت فيه بتهور جامح:
-متقولش حبيبتي، إنت مابتفكرش فيا بس غير لما مزاجك يطلب ده
فهم سريعًا المغزى من كلماتها الموحية والتي تشير إلى كونه يسعى خلفها فقط تلبية لغرائزه وشهوته وليس لأنه زوجها الذي يحبها ويشاركها مشكلاتها حتى يصل معها للحل المناسب، برزت عروقه من جانب عنقه وهو يصيح محذرًا ومشيرًا بسبابته:
-فرح خدي بالك من كلامك معايا!
تجاهلت كافة تحذيراته متابعة بصياح غاضب:
-إنت لو عاملي كرامة ولا حتى على الأقل معتبرني مراتك بجد مكونتش قبلت البهدلة دي ليا
رد بصوت جهوري خشن:
-أنا عملت اللي عليا يا فرح وزيادة، بس ده جيش، مش شغل أهلي عشان أتصرف فيه بمزاجي، افهمي بقى!
استشعرت من نبرته التي ازدادت قوة تهديدًا خفيًا بالانفجار في وجهها، تراجعت عنه مولية إياه ظهرها لتقول بوجه مكفهر:
-سيبني دلوقتي يا يزيد
نظر لها بأعين محتقنة قائلاً:
-ماشي، بس اعملي حسابك هتعتذريلها
التفتت ناحيته قائلة بعندٍ:
-مش هايحصل
رد متحديًا بنبرة لا تقبل النقاش:
-لأ هايحصل وده كلام نهائي يا فرح
نظرت له بأعين مشتعلة وهو ينصرف مبتعدًا ليصفق الباب خلفه بقوة بعد أن خرج من الغرفة، عاودت فرح الجلوس على الفراش وهي تهز جسدها بعصبية، نفخت قائلة بإصرار أشد عندًا:
-أنا مش رايحة لو اتطربقت السماء على الأرض .............................. !!
.....................................................
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل التاسع عشر 19 - بقلم Manal Salem
الفصل السابع عشر
نعمت بحمام هانئ بعد نيلها غرضها منها، فبذكائها الفائق تمكنت من إدارة دفة الأمور لصالحها فتحولت من المدانة إلى المجني عليها، خرجت ديما من المرحاض وهي تلف شعرها المبتل بالمنشفة القطنية، دنت من الفراش بغرفتها الفندقية لتسحب حذائها المسنود أسفله، جلست وهي ممسكة به لتنزع شيئًا خفيًا من أسفل كعبه، ألقت بالحذاء بعد أن فرغت منه على الأرضية لترفع نصب أعينها الشريحة الغريبة التي استخرجتها منه، التوى ثغرها بابتسامة ماكرة وهي تحدث نفسها:
-مفكرة إنك راح تغلبيني، لك شو غبية!
انتزعت المنشفة من أعلى رأسها لتبدأ في نفضه في الهواء متابعة بغرور واثق:
-بدي هاتف لأتواصل معهم، وهالشيء مو صعب!
وقفت ديما أمام المرآة تتأمل تعبيرات وجهها الشيطانية بنظرات أكثر شراسة، مالت برأسها للأمام وهي تتحسس تلك البثرة الصغيرة التي نبتت أسفل ذقنها، عبست قائلة:
-بدي أخلص منك متل ما راح أعمل بهالوقحة!
كركرت ضاحكة بغطرسة واضحة عليها وهي تولي ظهرها للمرآة لتشرع في تبديل ثيابها قبل أن تنطلق في مهمتها الجديدة.
...................................
أسندل النادل كأس المشروب المثلج أمام فرح قبل أن يضع فنجان القهوة على الجهة المقابلة لآدم الذي طلب مقابلتها في بهو الاستقبال الملحق بالفندق كمحاولة ودية منه لإقناعها بالاعتذار لديما بعد أن فشل يزيد في ذلك مبررًا عصبية كلاهما في التعامل مع الموقف، انتظرت صامتة على أعصاب متلفة مسبقًا قبل أن ينصرف النادل لتكتف ساعديها أمام صدرها قائلة بتجهم عابس:
-لأ يا آدم، يعني إنت ترضاها لمراتك؟
ارتشف القليل من قهوته قبل أن يرد بنبرة عقلانية:
-بصي، شيماء روحها في مناخيرها، وفي قط قاعد عليه، لأ وبتتشنج على الهايفة والمليانة، بالظبط النسخة الأصلية للست المصرية الأصيلة، بس في الحاجات دي لازم نحكم عقلنا
تحدثت من زاوية فمها قائلة بعنادٍ:
-وأنا مش هاتأسف لواحدة زي دي كدابة وملاوعة، يا آدم والله العظيم شكلها مخبي حاجة، إنت مشوفتش طريقتها كانت عاملة ازاي
رد موافقًا إياها الرأي وهو يومئ برأسه:
-ماشي، إنتي عندك حق في ده كله، وأنا فاهمه كويس، ومقدر عصبيتك، بس إنتي محتاجة تمايني أمورك عشان الليلة تعدي
-لأ
-بلاش الله يكرمك الدماغ الناشفة دي
-يووه
-يا ستي اعتبريني أخوكي وبأنصحك
تنهدت مضيفة بامتعاض وهي تشير بيدها:
-ايوه، ما هو الباشا مقدرش يقنعني فقال يبعتك إنت
رد مبتسمًا:
-أومال، مقدرش على الحمار اتشطر على البردعة
قطبت جبينها مرددة بضيقٍ:
-نعم؟!
تنحنح بصوت خفيض ليقول بمزاحٍ:
-قصدي، هو اعتبرني محل ثقة ومانجة وفراولة و...
انزعجت من دعاباته المتواصلة فصاحت محذرة وقد اشتدت تعابير وجهها:
-آدم، من فضلك
تنهد الأخير قائلاً:
-يا ستي بأهزر معاكي عشان تفُكي كده وتروقي، بصي انسي الهبل اللي قولته قبل شوية، وخلينا نتكلم جد
اعتدل في جلسته ليتابع بهدوءٍ لكن حملت نبرته الجدية:
-احنا عاوزين نلم الموضوع، إنتي صحفية وفاهمة الأبعاد بتاعته لو كبر ووصل للسفارة والخارجية، هنتردم علينا كلنا في الأخر
ردت بعدم اكتراث وقد قست نظراتها:
-أنا هاخلي مستر عبد السلام يتصرف طالما البيه جوزي اتخلى عني
استاء من تفكيرها الضيق، أشاح بوجهه للجانب للحظات وهو يزفر على مضض ثم التفت محدقًا بها وهو يقول:
-يا فرح ماتبقيش زي النعام وتدفني راسك في التراب، حتى عبد السلام بتاعك ده هايقولك نفس كلامي، طاطي للريح المرادي، وبعد كده خدي حقك منها بس بالعقل
ردت بعندٍ:
-مش قابلة خالص، بلاش تضغط عليا
أشار لها بيده مكملاً
-أنا مش بأضغط بس.....
لم تصغِ فرح لباقي جملته بسبب تلك الصدمة الجلية التي شتت تركيزها معه، ارتفع حاجباها للأعلى مبدية ذهولها التام حيث تفاجأت بقدوم زوجها بثيابه الغير رسمية وبصحبته ديما التي كانت تتغنج في مشيتها لتثير أعصابها أكثر، بدا الاثنان كما لو كانا في نزهةٍ خلوية يقضيان سويًا متعة لا توصف خاصة أن ثيابها الكاشفة كانت لافتة للأنظار بدرجة مستفزة، فغرت شفتيها باندهاش أكبر حينما رأتها تتدلل عليه وصوت ضحكاتها الرنانة يصدح في المكان، اشتعلت نظراتها واحتقنت دمائها على السريع، استدار آدم برأسه ليحملق فيهما هو الأخر، فسر الآن تلك التعبيرات المنعكسة على قسماتها، صاحت فرح باستنكار متعصبٍ وهي تهب واقفة من جلستها:
-إيه ده؟ بتحطوني قدام الأمر الواقع
نهض آدم من مقعده قائلاً بقلق طفيف:
-مش بالظبط، بس الـ.....
احتقنت نظراتها على الأخير، واشتعل وجهها بحمرة غاضبة من ذلك التصرف الذي استفزها، قاطعته بتوعدٍ وهي تكز على أسنانها:
-بقى كده يا يزيد، ماشي!
لملمت سريعًا أشيائها من على الطاولة، وعلقت حقيبة يدها على كتفها استعدادًا لانصرافها، اعترض آدم طريقها هامسًا بتخوفٍ:
-استني يا فرح، رايحة فين دلوقتي؟
ردت بحنق وقد برزت أعينها الحمراء:
-طالما بتتصرفوا من دماغكو وبتخدوا قرارات عني، فمافيش داعي لوجودي من الأساس
توسلها هامسًا وهو يتعمد حجب الرؤية عنها:
-يا فرح اهدي واسمعي، متخليهاش تشمت فيكي
هزت رأسها معترضة وهي تهمس له بغيظٍ:
-لأ، حاسب لو سمحت يا آدم
أشار لها بحاجبه متابعًا بصوت خفيض يحمل الرجاء:
-عشان خاطري بس
نفخت بصوت مسموع فأقنعها بطريقة أخرى:
-استهدي بالله كده واغزي الشيطان، متخليهاش تغلبك، ده إنتي فرح عبد الحميد، بقى تخلي واحدة زي دي تعلم عليكي، لالالا، مكانش العشم!
جمدت أنظارها الملتهبة عليه، فواصل استخدام طريقته تلك، وبالفعل نجح بمكر في استفزاز مشاعرها فتوقفت في مكانها مجبرة بسبب توسلاته ورجائه، بالإضافة إلى اقتناعها بعدم ترك ساحة الحرب خاوية لغريمتها اللدودة لتعثو فيها كيفما تشاء، شددت من انتصاب جسدها لتبدو ثابتة أمامها وكأن ما فعلته لم يؤثر بها، توجس يزيد خيفة من تلك المواجهة بينهما لكنه تمنى أن ترضخ فرح لحدة التيار وتحكم عقلها لينهي تلك المسألة بأقل الخسائر، حركت ديما كتفيها بطريقة مائعة متعمدة التمايل ناحية يزيد لتقول بتعالٍ وقد رفعت أنفها للأعلى:
-هاي
رمقتها فرح بنظرات نارية لا تبشر إلا بمعركة يدوية وشيكة، بينما التفت آدم ناحيتها مرددًا بمرح:
-يا هلا والله
مدت يدها لتصافحه قائلة بدلال مبالغ فيه:
-كيفيك؟
بادلها آدم التحية هاتفًا بحماسٍ:
-تمام
تنحنح يزيد بصوت خشن دون أن يبعد أنظاره عن فرح التي كانت تحدجه بنظرات مغتاظة تحمل العتاب، ساد صمت لحظي بينهما لكنه تضمن في طياته الكثير، قطعه آدم هاتفًا بحماسٍ لا يليق بالموقف وهو يشير بيديه:
-اتفضلوا يا جماعة، مش معقول هانفضل واقفين
نظرت ديما باستعلاء لفرح لتشعلها أكثر، ثم تعمدت أن تتعثر في خطواتها لكي ترتطم بيزيد عمدًا، تحول وجه فرح لقنبلة موقوتة بسبب أفعالها الصبيانية المكشوفة للجميع، تحرجت هامسة بدلالٍ وهي تعتدل في وقفتها:
-بأعتذر منك
لوى ثغره دون أن يعقب عليها مكتفيًا بالابتسام المجامل، سحب آدم المقعد لديما لتجلس عليه، فشكرته ممتنة، وبالطبع لم يفعل أي أحد لها بالمثل فاستشاطت غضبًا، جلست بعصبيةٍ على المقعد المقابل لهما ملقية بحقيبتها على الطاولة لتحدث الأخيرة صوتًا مزعجًا، جلس يزيد في المنتصف بينهما وسلط يزيد أنظاره الحادة عليها وهو يسألها بهدوء رغم التشنج الطفيف الظاهر في نبرته:
-مش هتسلمي على مدام ديما؟
عبست ملامحها كليًا وامتزجت مع حمرة بشرتها لترد بحدة ملحوظة وهي تنظر بسخط:
-كفاية إنت تسلم عليها
رفع حاجبه للأعلى محذرًا:
-فرح احنا اتفقنا على إيه؟
رسمت الأخيرة ابتسامة سخيفة للغاية وهي تدير رأسها في اتجاه ديما لتردد بعدها بامتعاض:
-هاي، ازيك يا بيبي
نظرت لها ديما بتكبر قبل أن ترد عليها ببرود متقن:
-هلأ صرت مليح
ثم التفتت بعينيها نحو يزيد لترمقه بنظرات والهة أججت أكثر من غيرة فرح المتقدة بداخلها، تنهدت بحرارة وهي تقول:
-لولا إنك حكيت معي ما بأعرف كان شو صار
حافظ يزيد على جديته معها قائلاً:
-مدام ديما آ........
أشارت له بسبابتها وهي تميل بجسدها نحوه:
-بيكفي ديما وبس، أنا ما بحب هيك ألقاب بينا
تراجع للخلف متحاشيًا اقترابها الموتر للأجواء قائلاً بنبرة متصلبة:
-معلش الاحترام واجب
ابتسمت بطريقة مغيرة تثير غرائز الرجال لكنه تجاهل ما تفعله مديرًا وجهه للجانب ليضيف بجدية:
-النهاردة جايين نشيل أي خلاف حصل أو سوء تفاهم ونرجع الود بينكم
وضعت ديما ساقها فوق الأخرى ليظهر جزءًا كبيرًا منهما بطريقة ملفتة للأنظار، لفت خصلة من شعرها حول إصبعها قائلة:
-بس المدام مو حابة
انتصبت فرح في جلستها ترمقها بنظرات شرسة وهي ترد بتبرمٍ:
-طالما دي رغبة الباشا يزيد، فأكيد أنا مش هاعرضه
مد يزيد ذراعه نحو زوجته ليضع كفه على كتفها، فركه برفق وهو يقول مبتسمًا:
-تسلمي يا حبيبتي
رغم انزعاجها مما يفعله إلا أنها لم تترك الفرصة لها لتظفر بزوجها، وضعت يدها على كفه تمسح عليه قبل أن تبعده عنها ببطءٍ، تابعت ديما بنظرات ثاقبة ما يحدث بينهما مرددة بنبرتها الناعمة:
-راح اتنازل عن حقي كرمالك يزيد بيك!
التفت ناحيتها قائلاً بامتنان:
-شكرًا لذوقك
انحنت نحوه بعد أن أنزلت ساقها لتتمكن من وضع يدها على ذراعه هامسة له:
-الشكر إلك إنت، كتير تعبت معي مشان ترضيني
انزعج من حركتها المتجاوزة والتفت سريعًا نحو فرح ليتأمل ردة فعلها البائنة، كانت كمن يحترق على جمر من النيران، رفع يده على رأسه ليمررها بين خصلات شعره الحليقة كمحاولة لصرف الأنظار عنه، اقترب منهم النادل في الوقت المناسب متسائلاً بروتينية معتادة:
-تؤمروا بإيه؟
أجابه آدم بنبرة عالية وهو يشير بيده:
-حاجة ساقعة للهوانم
اعترضت فرح هاتفة بحدةٍ:
-لأ، عاوزة قهوة سادة
زوى يزيد ما بين حاجبيه بتعجب، مال عليها متسائلاً باستغراب:
-هو إنتي من امتى بتشربي قهوة؟
نظرت له بأعين مغتاظة وهي ترد:
-من دلوقتي، عندك اعتراض؟
ابتسم من زاوية فمه قائلاً:
-لأ، براحتك
تمتم آدم من بين شفتيه مازحًا بصوت خفيض:
-أكيد دي على روح المرحومة اللي هاتقوم تجيب أجلها
دون النادل ما يريدون شربه في الورقة التي بحوزته ثم استأذن بالانصراف لتشرع بعدها ديما في الحديث قائلة بدلالٍ:
-سيادة المقدم، بدي أتفرج على آلكس، ما لحقت أتجول فيها
رد بحذرٍ:
-ربنا ييسر
طرقت فرح بأصابع يدها على الطاولة متابعة توددها الزائد عن الحد بأعصاب من حديد كي لا تكرر خطئها مرتين، أنبئها حدسها أنها تتعمد فعل ذلك لتوقعها في المحظور لذلك نظرت لها بحدة مرتدية قناع الجمود على وجهها، راقب آدم المشهد بنظرات متفرسة، أدرك حجم المأزق الموضوع به يزيد، فمن تتلاعب بهم هي جاسوسة محنكة تحتاج لحرفية عالية في التعامل معها، هتف فجأة عاليًا بعد أن طرأ بباله فكرة ما:
-أنا عندي فكرة حلوة، إيه رأيكم نطلع جولة بحرية في مركب، أهوو نشم هوا البحر، وبالمرة تشوفي القلعة
رد عليه يزيد معترضًا بنبرة جادة:
-صعب يا آدم، إنت ناسي اللي ورانا، ده غير التكليفات و...
قاطعته ديما بعبوس رقيق:
-عنجد كتير حلو، تعا معنا سيادة المقدم، راح نستمتع كتير
أضاف آدم بحماس وهو يوزع أنظاره بين أوجه ثلاثتهم:
-أنا بأقترح إن فرح تكون معاكي، أنا متأكد إنكم هتتبسطوا سوا، وأهي فرصة تنسوا أي حاجة حصلت
ثم التفت برأسه ناحية فرح متابعًا:
-صح، وما محبة إلا بعد عدواة؟
سألها يزيد بترقبٍ:
-ها يا فرح عندك مانع؟
تجمدت أعينها على ديما لترمقها بنظرات قوية، لم يكن أمامها بدًا من الاعتراض أو الرفض، اعتدلت أكثر في جلستها وهي تقول قاصدة الضغط على كل كلمة فيها:
-لأ، بالعكس أنا مبسوطة أوي إني هاطلع معاكي
اكتفت ديما بالابتسام بطريقة هادئة أظهرت بياض أسنانها المتناسقة، لكنها أخفت ورائها الكثير من الغموض الملبك للأبدان ................................... !!
..............................................
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل العشرون 20 - بقلم Manal Salem
الفصل الثامن عشر
تم رصد المكالمات التي أجريت مؤخرًا عن طريق شريحتها الغامضة لتتجمع الخيوط معًا، كانت غرفة ديما بالفندق مزودة بأحدث الكاميرات الخفية التي أُخفيت بعناية فائقة كي لا تلفت أنظارها نحوها لتصدق أكذوبة أنها بالفعل مراسلة حربية مكلفة بتغطية أخبار المناورة البحرية مع بقية طاقم المراسلين العرب، ظل حديثها الغامض حول مصير فرح موضع شكوك وقلق القيادات العليا، والذين عمدوا لإخفاء ما يتعلق بها عن زوجها كي لا يُحدث الأخير ضجة في حالة معرفته بما حيك ضدها، لذا قاموا بتشديد المراقبة عليها كي تظل تحت حمايتهم طوال الأربع وعشرين ساعة وليضمنوا سلامتها الخاصة.
.................................................
انتهى الجميع من تناول المشروبات وسط أجواء شبه متوترة، لكن نجحت فيها فرح ببراعة في التحكم في أعصابها لتبدو كلوح الثلج أمام تلك المستفزة، أشار آدم بيده للنادل قائلاً:
-الحساب يا كابتن
أجابه الأخير وهو ينحني قليلاً باحترام:
-حاضر يا فندم، لحظة!
سلطت ديما أنظارها على يزيد قائلة بدلال مصطنع:
-مايتشبع منك، كتير مهضوم
رد الأخير باقتضاب متعمدًا الإشاحة بوجهه بعيدًا عن أنظارها المركزة عليه:
-شكرًا
هتف آدم بنبرة مرحة وهو ينهض من جلسته:
-يالا عشان مش عاوزين نتأخر
ردت برقة وهي تهز كتفيها:
-أوكي!
تراجع يزيد بمقعده للخلف لينهض قبل أن تقوم زوجته من مكانها، سحب مقعدها في حركة لبقة منه استفزت ديما، مال نحوها متسائلاً ببسمة صغيرة رسمت على محياه:
-جاهزة يا حبيبتي؟
ورغم نظرات الضيق الواضحة في أعينها إلا أن فرحت بادلته ابتسامة لطيفة وهي ترد:
-أكيد
التقط كفها بيده متابعًا:
-تمام، أنا واثق إنك هتتبسطي
ردت عليه وهي تشير بحاجبها:
-هيبان!
علقت فرح حقيبتها على كتفها وبدأت تخطو للأمام، تفاجأت بذراع يزيد تلتف حول خصرها وتحاوطها، نظرت له باستنكار، فابتسم لها قائلاً بهمس:
-وحشتيني
لم ترغب في إزاحة يده كي لا تمنح تلك السمجة الفرصة لإظهار شماتتها لها، شبت على قدميها لتصل إلى أذنه ثم همست له:
-لينا كلام سوا بعدين
التفت برأسه نحوها مقلصًا المسافات لدرجة خطيرة بين شفتيها مرددًا بصوت خافت:
-ماشي، وأنا معاكي في أي عتاب
طبع يزيد قبلة صغيرة على وجنتها فتحولت بشرتها لحمرة مغرية، صدمت من فعلته الجريئة أمام أعين الجميع، وحاولت أن تتصرف بطبيعية كي تخفي ارتباكها، على الجانب الأخر اشتعلت ديما غضبًا من تلك الرومانسية الودية بينهما، كم تمنت أن تفسد ما بينهما لكن ذهبت أحلامها أدارج الرياح، حدثت نفسها متابعة بوعيد:
-راح نترحم عليكي قريب!
..............................................
لاحقًا، توجه الجميع للمرفأ حيث تتواجد القوارب الصغيرة التي يتم استئجارها لزوار الإسكندرية لتمضية أوقات طيبة بالبحر، أسرع آدم في خطواته أولاً ليتفق مع مالك أحدهم على تخصيص واحدة لهم فقط دون وجود غرباء معهم، لكن تعذر عليه فعل ذلك لمحدودية القوارب وكثرة عدد المتواجدين من الزوار، زم فمه قائلاً بامتعاض:
-يعني هي جت علينا احنا، ماشي أمورك معايا
رد مالك القارب قائلاً بإصرار وهو يشير بيديه:
-يا باشا زي ما حضرتك شايف احنا في موسم، يعني يرضيك نقول للعالم اللي واقفة دول استنوا، ده حتى البطران سكته قطران
فرك آدم طرف ذقنه متابعًا وهو يغمز له:
-ما أنا هراضيك
رد الأخير بنفس العقلية العنيدة:
-يا باشا لو كان ينفع معزهاش عليك
لاحظ يزيد من على بعد الحوار الدائر بينهما، فتوقعت وجود مشكلة ما لذلك اقترب منهما متسائلاً باهتمام وهو يوزع أنظاره بينهما:
-إيه المشكلة؟
زفر آدم بصوت مسموع وهو يدير رأسه في اتجاهه، ثم أجابه بنبرة مزعوجة:
-مش نافع أفضي مركب مخصوص لينا
حك يزيد عنقه متفهمًا حالته، فقد كان يطمح هو الأخر في أن يحظى ببعض الخصوصية ليتمكن من مراقبة ديما مراقبة حثيثة لكن فشلت خططه، بدت فرح متعجبة من ردة فعلهما العابسة فهتفت بعدم اكتراث:
-وإيه اللي يضايق في كده؟ ما تخلونا سوا وخلاص، مش هايحصل حاجة يعني
نظر لها يزيد مطولاً بنظرات غامضة أثارت فيها الفضول، لكن امتقع وجهها سريعًا حينما نطق قائلاً:
-بس عشان خاطر ديما و....
قرأ في نظراتها غضبًا جليًا توجس خيفة من توابعه، تدللت ديما في مشيتها أمامه لتقف بجواره قائلة بميوعة:
-ما تحمل همي، أنا عادي طالما راح نكون سوا
ضغطت فرح على شفتيها بقوة مانعة نفسها من الخروج عن وقارها الزائف والهجوم عليها وتسديد اللكمات العنيفة في وجهها المستفز، ابتسم آدم هاتفًا بمرح:
-الله عليكي
همت فرح بالرحيل لكن قبض يزيد على ذراعها ضاغطًا بأصابعه عليه وهو يهمس لها من بين أسنانه:
-استني يا فرح
اعترض طريقها بجسده فحجب عنها رؤية ديما اللي تحركت في اتجاه القارب بصحبة آدم، أخفضت فرح نظراتها المشتعلة قائلة بتشنجٍ دون أن ترفع من نبرتها:
-أنا جبت أخري خلاص، عمالين تدلعوا وتهننوا فيها ومش فارق معاكو اللي واقفة بتولع هنا
وضع يزيد قبضتيه على كتفيها يفركهما بتريث وهو يقول:
-عشان خاطري، كملي للأخر
رفعت أعينها في عينيه لتجده يطالعها بنظراته الدافئة التي امتصت غضبها، تنهدت قائلة بإحباط:
-أنا تعبت والله، دي عاوزة تموتني مفروسة
تلمس يزيد طرف ذقنها بظهر كفه فاقشعر بدنها من لمسته تلك، التوى ثغره بابتسامة هادئة وهو يطلب منها:
-ماتديهاش الفرصة تشمت فيكي، إنتي زي الفل والله!
أمسك بيده الأخرى كفها مكملاً بنبرة تشعل القلوب:
-وبعدين أنا بأحبك يا فراشتي، وماينفعش أبص لواحدة تانية غيرك، ناسية ده ولا إيه؟
ظل يملي على أذنيها بمعسول الكلام الذي يذيب حواجز الغضب والضيق، استجابت له بإيماءة صغيرة من رأسها فتابع برفق:
-ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي، لف ذراعه حول عنقها ليضم رأسها إلى صدره، استكانت للحظات عليه مستمعة إلى دقات قلبه التي كانت تدق بحركات سريعة، اعتدلت في وقفتها حينما أردف بجدية:
-ثواني بس أرد على التليفون
نظرت له بوجهٍ خالٍ من التعبيرات لكنها استمعت إلى حديثه القائل بجدية عبر الهاتف المحمول:
-أيوه يا فندم، أنا مع سيادتك
بدت كلماته غامضة ومقتضبة لكن عكست تعبيرات وجهه ضيقه، أنهى مع المتصل المكالمة قائلاً:
-تمام يا فندم، مع السلامة
زوت فرح ما بين حاجبيه متسائلة:
-في ايه؟
حك جبينه لثانية قبل أن يجيبها بحذرٍ:
-هو بصي للأسف احنا لازم نمشي دلوقتي
توترت من جملته تلك فسألته بتخوف:
-ليه؟ هو حصل حاجة؟
أجابها بتنهيدة مطولة:
-استدعاء
رمشت بعينيها مرددة بتساؤل مريب:
-مش إنت المفروض في أجازة؟
صحح لها قائلاً:
-لأ، دي مش أجازة، قصدي يعني ده وقت الراحة بتاعي
مدت ساقها للأمام قليلاً لتهز بعصبية كتعبير عن سخطها مما يحدث وهي تسأله:
-يعني هتمشي؟
تلمس ذراعها بقبضته قائلاً بابتسامة سخيفة كمحاولة فاشلة منه للاعتذار عن ذهابه المفاجئ:
-غصب عني يا فرح والله
نفضت يده عنها مرددة بعبوس:
-أوكي براحتك، وسيبني أنا مع العقربة دي
رفع يديه أعلى رأسه ليضغط عليه قبل أن ينزلهما ويقول برجاءٍ:
-فرح، لو سمحتي ممكن نعقل وبلاش....
قاطعته بحدة طفيفة:
-أنا لحد دلوقتي بأتصرف بالعقل، أكيد ماطلعتش جناني عليها يعني، ولا إنت ليك رأي تاني
ابتسمت لانفعالها المبرر، فديما تفننت بحق في استفزازها بشتى الطرق لكنها ضبطت انفعالاتها ببراعة لتفسد محاولاتها بالكامل، اقترب يزيد خطوة منها، ثم وضع قبضتيه برفق على جانبي ذراعيها، مسح عليهما برفق محبب هاتفًا بامتنان:
-أنا عارف ده ومقدره أوي، وعايزك تفضلي كده لحد نهاية اليوم ده
تحدثت من زاوية فمها قائلة:
-ربنا يسهل
أخفض ذراعيه حتى بلغ كفيها، عاود الإمساك بهما متابعًا بغموض مثير:
-وأوعدك هاعوضك إن شاء الله، ماشي يا حبيبتي؟
نظرت إلى أصابعه التي تداعب كفيها قائلة:
-طيب
رمقها بنظرات والهة هامسًا بها بعشقٍ لا ينتهي:
-بأحبك
تورد وجهها من تغزله فيها وإضعافه لمقاومتها له، استدار برأسه للخلف ليبحث بعينيه عن آدم، رأه جالسًا بجوار ديما على متن أحد القوارب، فلوح له بيده صائحًا بنبرة عالية:
-آدم، يا ريس تعالى شوية
أشار له الأخير بذراعه قبل أن يميل على ديما ليهمس لها بشيء ما، ثم هبط عن القارب ليركض في اتجاه يزيد وزوجته، سأله بصوتٍ شبه لاهث:
-خير يا باشا، مش هانطلع ولا إيه، ده أنا قعدت الصاروخ اللبناني على المدفع، قصدي في المقدمة!
رد عليه بجدية واضحة:
-فرح هتفضل معاها بس
سأله بعدم فهم:
-واحنا هنروح فين؟
أجابه بهدوء:
-القيادة عوزانا
تقوس فم آدم للجانب مبديًا سخطه، زفر قائلاً باستياء:
-وده وقته، نحس دكر بصحيح
ربت يزيد على كتفه متابعًا بصيغة شبه آمرة:
-يالا يا آدم، هي مش ناقصة
نكس رأسه بحزن وهو يرد:
-على رأيك، هاروح أودع المزة وأرجعلكم
-طب أوام
-ماشي
التفت يزيد نحو فرح، نظر في عينيها محذرًا بجدية:
-خلي بالك من نفسك يا حبيبتي، مش هاوصيكي، لو حصل حاجة كلميني على طول
هزت رأسها قائلة بنبرة مطيعة:
-حاضر
انضم إليهما آدم بعد لحظات مرددًا بمرحه المعتاد:
-انجوي يا فرح، احنا مالناش بخت
رد عليه يزيد باستنكار ملحوظ وهو يرمقه بنظراته الجادة:
-اللي يشوف كده يقول شيماء مكدراك
ضحكت فرح قائلة بتهديد مازح:
-فكرني يا سيادة المقدم أحكي لشيماء على اللي حصل
عبس آدم بوجهه معاتبًا:
-ترضيها لأخوكي؟ هاتبقى هي والزمن وسيادة اللواء!
ردت بابتسامة متسعة:
-يا حرام، خلاص مش هاقول حاجة
تهللت أساريره هاتفًا:
-الله عليكي يا ست الكل، وربنا فرح دي مالها زي
حذره يزيد بصرامة وقد قست أعينه:
-بطل معاكسة في مراتي قدامي بدل ما ألبسك في الحيطة
تنحنح آدم متمتمًا بصوتٍ خفيض:
-أنا بأقول نمشي أحسن
التفت يزيد نحو زوجته يودعها بمحبة واضحة عليه، كان مزعوجًا من تركها بمفردها معها وخاصة لكونه يعلم بحقيقتها المخيفة، ناهيك عن خوفها المسبق من كل ما له صلة بالمياه، ورغم يقينه بتغلبها مؤخرًا على تلك المخاوف إلا أنه لا يضم تجاوزها لذلك إن تعرضت لضغوط شديدة، أحنى رأسه عليها يقبلها من أعلى جبينها ثم أوصاها مجددًا بضرورة الانتباه، انتظرته حتى استقل السيارة وانصرف من المرفأ فعاودت التحديق في القارب، رأت زوج الأعين النارية التي تراقبها من الأعلى، نظرت لها فرح باستعلاء مغتر وهي تسير بخيلاء نحو القارب لتصعد على متنه، لحظات معدودة وكانت تجلس بجوار ديما التي رمقتها بنظرات شبه احتقارية وهي تقول بتكبرٍ:
-ما كنت بتوقع إني راح إطلع معك
استرخت أكثر في جلستها وهي ترد ببرود محنكٍ:
-بختك بقى
مالت عليها ديما لتهمس له بنبرة أجفلتها قليلاً:
-لعلمك أنا ما بانسى أبدًا
ابتعدت فرح عنها رامقة إياها بنظرات حادة، استجمعت جأشها لترد بقوة:
-ولا أنا، واللي عملتيه مش هايعدي بالساهل!
قهقهت ديما ضاحكة وهي ترد ساخرة منها:
-بالله
أومأت فرح برأسها مؤكدة:
-ايوه، الهبل اللي عملته من شوية كان عشان خاطر جوزي وبس، مش حابة إنه يتأذى بسببي
صفقت لها ديما بيديها قائلة بسخرية صريحة منها:
-أوه، رومانتيك
ثم وضعت ساقها فوق الأخرى لتضيف بغطرسة وهي ترفع أنفها للأعلى:
-شوفي يا حب، راح احكيكي بالمصري
جمدت فرح أنظارها عليها فاستأنفت حديثها:
-أنا اللي يدوسلي على طرف راح إدعسه!
تحدتها الأخيرة بعدم مبالاة:
-وأنا مستنية أشوف هاتعملي ايه
غمزت لها ديما قائلة بثقة أقلقتها:
-ما راح اتركك تنتري كتير!
..............................................
انطلق القارب يشق أمواج البحر وسط غناء وتصفيقات راكبيه الذين استمتعوا بتلك الجولة البحرية فيما عدا ديما التي كانت تركز كامل تفكيرها في استغلال الفرصة للتخلص من فرح، في حين بقيت الأخيرة تتلفت حولها بنظرات شبه قلقة، كانت تخشى من انقلاب القارب بصورة مفاجئة، خاصة أن ربانه كان يتعمد الارتطام بالأمواج ليثير حماسة الركاب ويزيد من تفاعلهم معه، شعرت بانسحاب أنفاسها لأكثر من مرة مع ميل القارب للجانب، ظلت تتنفس بعمق لتحافظ على هدوئها الزائف أمام غريمتها التي كانت تنظر لها باهتمام مراقبة ردة فعلتها المثيرة للفضول، مطت فمها للجانبين بحركة مثيرة قبل أن تسألها بهدوء صياد يدبر للإيقاع بفريسته:
-ليش أعدة هيك؟
أجابتها فرح بابتسامة باهتة عكست اهتزاز نبرتها:
-عادي يعني
تفرست في قسمات وجهها المشدودة وهي تقول بعبث:
-شكلك ما بيحب هيك طلعات
نظرت فرح ناحيتها بانزعاج لترد بعدها:
-ممكن تخليكي في حالك؟
ابتلعت ريقها في حلقها الجاف وهي تشيح بوجهها بعيدًا عنها محاولة تركيز أبصارها في التطلع في أوجه المقابلين لها، تفرست ديما في وجهها جيدًا ليعلو ثغرها بعد ذلك ابتسامة انتصار جلية، فقد سهلت لها دون قصد فرصة ذهبية للتخلص منها دون أن تكبدها العناء، استندت بذراعيها على حافة القارب مرددة لنفسها بغرور واثق:
-مافي أسهل من الغرق .............................. !!
......................................................
قريبًا وانحنت لأجلها الذئاب في نسختها الورقية