تحميل رواية «هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅» PDF
بقلم Manal Salem
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الفصل الأول: خرجت من مخفر الشرطة متحفزة للغاية، لم تكن لتتركها تعيش حياة هانئة وهي مازالت تحملها الذنب في وفاة ابنها الوحيد، لم تقتنع بكونه قضاءً وقدرًا من المولى عز وجل، فهي بالنسبة لها الملامة الوحيدة فيما حدث لفقيدها الغالي، نظرت لها ابنتها باستنكار، فهي مثلها تعلم حقيقة الأمر، ولكنها لم تستطع إثناء أمها عن رأيه، هي أكثر عِندًا مما ظنت، زفرت بضيق معاتبة إياها: -برضوه عملتي اللي في دماغك يا ماما؟ نظرت لها " سميرة " شزرًا، وأجابتها بامتعاض: -ايوه، ومش هيهدى قلبي ولا يرتاح إلا لما أشوفها متبهدلة...
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل الأول 1 - بقلم Manal Salem
الفصل الأول:
خرجت من مخفر الشرطة متحفزة للغاية، لم تكن لتتركها تعيش حياة هانئة وهي مازالت تحملها الذنب في وفاة ابنها الوحيد، لم تقتنع بكونه قضاءً وقدرًا من المولى عز وجل، فهي بالنسبة لها الملامة الوحيدة فيما حدث لفقيدها الغالي، نظرت لها ابنتها باستنكار، فهي مثلها تعلم حقيقة الأمر، ولكنها لم تستطع إثناء أمها عن رأيه، هي أكثر عِندًا مما ظنت، زفرت بضيق معاتبة إياها:
-برضوه عملتي اللي في دماغك يا ماما؟
نظرت لها " سميرة " شزرًا، وأجابتها بامتعاض:
-ايوه، ومش هيهدى قلبي ولا يرتاح إلا لما أشوفها متبهدلة، ومتمرمطة على الأخر!
حركت "كاميليا" رأسها رافضة تفكيرها العدواني، واحتجت قائلة:
-يا ماما هي ماتستهلش كده، والله حرام اللي بنعمله فيها!
عنفتها سميرة بغلظة:
-بس اسكتي! ده لولا إننا عرفنا بالصدفة من جيرانها كان زمانا فضلنا على عمانا!
اعترضت عليها قائلة بإصرار:
-مش هاسكت! ده ظلم وافترى، ربنا هيحاسبنا!
نظرت لها سميرة بقسوة، وتابعت بصوت محتد:
-مالكيش دعوة، أنا أم مفترية اتحرق قلبها على ابنها، وهي رايحة تتمتع بشبابها!
اكفهرت ملامح وجهها أكثر، وأضافت بسخط:
-بس كانت عملالي فيها حبيبته المخلصة وهي ماصدقت إنه مات وراحت تتجوز بداله في عدتها!
هتفت كاميليا مدافعة عن فرح بصوت جاد دون أن تطرف عيناها:
-حقها يا ماما، وخصوصًا إنه.. إنه كان ( مطلقها )..!!!
أظلمت نظرات الأخيرة بقوة ورغم يقينها بحقيقة الأمر إلا أنها رفضت التنازل عما ظنت أنه حقها المشروع وتمادت في فعلها الأرعن دون النظر إلى عواقبه
.....................................
تململت بإجهــــاد كبير على الفراش، وشعرت بعظامها تئن من قلة الحركة، كانت كمن بذل مجهودًا مهلكًا لفترات طويلة فانعكس هذا على صحتها، وبتثاقل شديد بدأت تفتح جفنيها، أغمضتهما سريعًا لتعتاد على الإضاءة القوية بالغرفة أولاً، ورويدًا رويدًا بدأت تبرز التفاصيل أمامها، حدقت حولها باندهاش غريب، هي ليست بغرفتها، هي في مكان غريب عنها واسع ومريح، جدرانه مطلية باللون السكري الفاتح، وهناك نافذة زجاجية عريضة على الجانب ينسدل عليها ستائر حريرية من نفس لون الغرفة، اعتدلت في نومتها محاولة استيعاب ما دار مؤخرًا.
فأخر ما تذكره هو ذلك الحلم الوردي عن حفل زفاف مفاجئ لها أمام حشد غفير من الناس، وهمس آسر لـ "يزيد" في أذنيها، نظرت إلى أصابع يدها متفحصة إياهم بنظرات متفرسة، لم تكن ترتدي أي خاتم خطبة، وكانت هناك علامات لإبرة طبية مغروزة في رسغها، تجهمت تعابير وجهها، وبدأت في التركيز أكثر فيما يدور، هناك شيء مريب بالأمر، والدتها لم تكن معها بالحلم العجيب، شيء ما في صدرها أشعرها بالمرارة والألم، ابتلعت غصة عالقة في حلقها حينما جمعت خيوط الأحداث معًا، انقبض قلبها أكثر، وتهدج صدرها علوًا وهبوطًا، ثم قبضت على طرف الغطاء بأصابعها بقوة.
اضطربت أنفاسها، وتجمعت حبات العرق الباردة على جانبي جبينها، مر سريعًا أمام مقلتيها المتسعتين شريطًا متلاحقًا ومتداخلاً لمشاجرة عنيفة مع يزيد في سيارته، محاولة منه للاعتداء عليها لإرهابها، صدام شرس مع "هايدي" – طبيبتها النسائية -وتطاول بالألفاظ واليد منها، ثم تلقيها لذلك الخبر المفجع من "شيماء" عن وفاة والدتها الغالية، هنا زادت حدة دقاتها، وبدت عاجزة عن التنفس للحظات، جاهدت لإخراج صوتها المحبوس في حلقها لعلها تستغيث بأحد.
لقد ماتت أمها دون سابق إنذار، تركتها بمفردها في تلك الحياة القاسية، اغرورقت عيناها بالعبرات الغزيرة، وانسابت بلا توقف لتبلل وجهها كليًا، وفجـأة خرج من صدرها شهقة عالية مصحوبة بصراخ متألم:
-لأ، مامــــــا!
لم تمر لحظات إلا وفتح الباب على مصراعيه لتلج بعض الممرضات للداخل، اهتاجت "فرح" وواصلت الصراخ بصورة هيسترية قائلة:
-عاوزة ماما، فينها، هاتوهالي!
قيدت الممرضات حركتها، وحاولن تثبيتها في الفراش قبل أن تتهور وتفعل ما لا يحمد عقباه. هتفت إحداهن بصوت آمر:
-بلغي الدكتور انها فاقت وخليه يجي فورًا عندها
هزت أخرى رأسها ممتثلة لأمرها المباشر وهي تقول:
-حاضر!
وبالفعل ركضت الممرضة إلى خـــارج الغرفة لتستدعي الطبيب النفسي المشرف على حالة فرح لمتابعتها فورًا.
......................................
استند بكفيه على حافة شرفة منزله، وظل يراقب حركة المارة من الأعلى بشرود، بدا على وجهه علامات التعب والإرهاق وهو يزفر في ضيق، فرك وجهه بيده، ثم انحنى للأمام ليعود "بركات" بذاكرته إلى تلك الليلة التي أبلغته فيها زوجته سميرة بأمر خطير، كان كل شيء هادئًا إلا أن صراخها المذعور أفزعه وجعل الدماء تفر من عروقه، انتبه لصوتها المرتعد:
-إلحق يا بركات، إلحق ابنك!
هب واقفًا من جلسته المسترخية متسائلاً بفزع:
-يا ساتر يا رب، ايه في ايه؟
أجابته "سميرة" بصوت شبه مرتجف:
-كريم اتصل وقالي إنه هايتسجن واحتمال كبير يترحل لو ما اتصرفناش!
انقبض قلبه خوفًا على ابنه، وسألها مستفهمًا:
-طب ليه؟
ردت عليه بقلق جلي:
-مراته عرفت بموضوع فرح وهددته!
ارتفع حاجباه للأعلى مصدومًا مما قالته، وهتف بارتعاد:
-ايه، هددته؟!
تابعت قائلة بعبوس خائف:
-ابنك محتاس ومش عارف يعمل ايه
ضرب كفًا بالأخر مرددًا بحيرة:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، هانتصرف ازاي دلوقتي؟!
ضاقت نظراتها، ولمعت ببريق مخيف، ثم أجابته بجمود:
-مافيش قدامنا غير إنه يطلق فرح!
تجهمت قسمات وجهه لردها القاسي، وهتف بنزق معنفًا إياها:
-يا سميرة حرام عليكي، فرح بنت ناس وأصول، والبنت شيلانا من على الأرض شيل، نقوم احنا نجي عليها وآآ...
قاطعته قائلة بجمود وهي تشير بيدها:
-مافيش إلا كده، وإلا هايضيع ابننا!
هز رأسه مستنكرًا اقتراحها، وردد قائلاً وهو يتحرك في الغرفة ذهابًا وإيابًا:
-أكيد في حل تاني!
تابعته بنظراتها القاسية، وهتفت بحدة:
-هو متجوز سعودية، يعني مواطنة مش واحدة أي كلام، هتبهدله ومش هايشوف خير خالص، يطلق فرح الأول، وبعد كده نتصرف!!
توقف عن الحركة، ورمقها بنظرات ساخطة، ثم هتف بصوت محتد:
-ازاي؟ وهانقول لفرح ايه وأمها؟
ردت عليه ببرود:
-مافيش داعي يعرفوا!
نظر لها بحنق، وهتف مصدومًا من حديثها الغير منطقي:
-نعم، قصدك ايه؟
ردت عليه بصوت هادئ يناقض تمامًا حالة الخوف البادية عليها:
-بص هو هايعملك توكيل في السفارة وهيبعتهولنا هنا، واحنا بقى هنطلقها بموجب التوكيل ده!
استشعر بقلبه أن الأمر قد تم الترتيب له مسبقًا، وانزعج كثيرًا من ثقتها الواضحة وموافقتها على أمر مشين كذلك، حدج زوجته بنظرات صارمة مرددًا بتهكم:
-كده، بالبساطة دي!!
أجابته بإيجاز وقد لمعت عيناها:
-ايوه!
اغتاظ من استهتارها بالأمر وكأنه لا يستحق القلق، أضاف بحدة:
-طب يا ست يا تقية يا اللي عارفة ربنا كويس مفكرتيش إن فرح هيوصلها إعلام بالطلاق ده؟ ولا فكرك هاتكون عايشة في كوكب تاني ومش هتدرى باللي كريم ناوي يعمله؟
ابتلعت ريقها بتوتر قبل أن تجيبه بنبرة شبه مترددة:
-لأ، ما احنا فكرنا في .....
ابتلعت كلماتها مترددة في إخباره بما انتوت عليه، انزعج بركات من صمتها فهدر بها بتساؤل:
-في ايه؟ كملي يا سميرة!
أجابته بترقب:
-في إننا نبعت إعلام الطلاق على عنوانا القديم!
اتسعت حدقتاه مصدومًا من تفكيرها الشيطاني الذي خالف توقعاته، هتف مصدومًا من بين شفتيه:
-إنتي بتقولي ايه؟
ردت مبررة فعلتها:
-ده الأسلم لينا وليها، وأهو بكده نضمن إنها مش هاتعرف مؤقتًا لحد ما ابنك ينزل أجازة ويبقى ساعتها يشوفله حل!
حدجها بنظرات احتقارية رافضة لما استباحته لنفسها، ردد بازدراء:
-حسبي الله ونعم الوكيل، بقى في تفكير كده! ده يرضي ربنا إزاي يا ناس؟!
ردت عليه بعدم اكتراث بعد أن قطبت جبينها ليزداد عبوس وجهها:
-هو ده المتاح قدامنا!
ظل بركات يتمتم بكلمات غاضبة غير مفهومة، فصاحت بصوت مرتفع لتجبره على الصمت:
-يعني إنت عاجبك أسيب ابني يتسجن ومانعرفش عنه حاجة عشان عيون الست فرح؟!
أدرك بركات أن جداله معها لن يفيد في شيء، فهي قد أعدت كل شيء مسبقًا، ونقاشه بلا جدوى، نظر لها بضيق وهو يقول:
-إنتو أحرار! اصطفلوا!
وبالفعل أسرعت سميرة في دفع زوجها لتولي إتمام إجراءات تطليق فرح غيابيًا من ابنها عن طريق التوكيل الرسمي، حدث كل شيء مثلما تمنت بالتنسيق مع المحامي التابع للعائلة، وتم إخفاء الأمر تمامًا عن فرح – بطرق غير شريعة وبالتدليس - لتسقط عنها حقوقها المادية والمعنوية، ونجحوا في كتمانه لعدة أشهر، كما برع كريم في تمثيل دوره كخاطب مغترب ومترقب بشغف ليوم عودته ليتم إجراءات الزفاف، ولكنه تُوفي فجـــأة، فانقلبت الأمور رأسًا على عقب، وفسد كل شيء.
فُجعت سميرة في ابنها وتناست تمامًا جريمتها النكراء، وحملت الذنب كله لتلك المسكينة المخدوعة فيهم، وما زاد الطين بلة قرارها بالذهاب للمخفر الشرطي لتحرر محضرًا ضدها تتهمها فيه بعقد قرانها خلال أشهر عدتها رغم عدم وجود عدة لها باعتبارها (مطلقة دون حدوث خلوة شريعة مع زوجها الراحل)، نفض بركات عن عقله تلك الذكريات المؤسفة مبديًا ندمه القوي على إطاعة زوجته بإقدامه على فعل مشين كذلك، حاول تعويض فرح ماديًا مدعيًا أنه إرثها الشرعي لكنه يتذكر جيدًا رفض والدتها له مما صعب من الأمر كثيرًا، لم يعرف طعم السكينة وعمد ضميره لتأنيبه ليل نهار، انتبه لصوت زوجته المتذمر فالتفت برأسه نحوها، أزعجه سبابها اللاذع لتلك التعيسة التي تتحمل كل اللوم في شيء لم ترتكبه، لم تكترث سميرة بتوسلات ابنتها بالتوقف، لم يتحمل المزيد فصاح بها:
-ركبتي دماغك وروحتي القسم؟!
حل الوجوم على قسماتها وهي ترد بشراسة واضحة في نظراتها:
-ايوه، زي ما إنت جريت على المحروسة أمها تديها فلوس من غير ما تقولي
هدر بها بصوت منفعل:
-حقها، مش كفاية الذنب اللي عملناه فيها!
ردت مستنكرة بسخط أكبر:
-كسر حقها، هي تورثه عافية!!
ضاقت نظراتها أكثر وهي تتابع تبرير تصرفها الأرعن:
-الله يرحمه، كان مخنوق في غربته، مش عارف يراضي مين ولا مين، ضاقت في وشه! وكان هايتسجن، أسيب ابني يروح في داهية عشان المحروسة دي؟!
اقتربت كاميليا من والدها، وربتت على ظهره برفق قائلة بتوسل:
-اهدى يا بابا، بلاش تتعصب، الضغط عندك بيعلى و....
قاطعها قائلاً بامتعاض وهو يرمق زوجته بنظرات مغلولة:
-هو إنتو خليتو فيها ضغط، ربنا موجود!
لم تعبأ سميرة به وأكملت عويلها قائلة وهي تضرب فخذيها بكفي يدها:
-آه، كبدي عليك يا حبيبي، روحت وسبت كل حاجة في الدنيا!
انهمرت عبراتها تأثرًا لرحيله فتابعت بنبرة حانقة:
-واللي بتدافع عنها راحت اتجوزت وعاشت حياتها
استشاطت نظراته من استمرارها في تصديق تلك الأكذوبة التي اختلقتها فهدر بها بغيظ:
-ارحمي نفسك، إنتي وابنك استغفلتوا الغلبانة دي وناسيين إن بنات الناس مش لعبة، ده احنا عندنا زيها
لوت ثغرها للجانب وهي ترد بنبرتها الباكية:
-يعني كان يعمل إيه؟
دنا منها زوجها، ونظر مباشرة في عينيها ليقول بجدية:
-كلنا شركا في الجريمة دي وهنتحاسب عليها يا سميرة، ربنا مابيرضاش بالظلم، واحنا افترينا جامد أوي!
بادلته نظرات متحدية وهي تكفكف عبراتها، تنفست بعمق متابعة:
-أنا مش فارق معايا ده كله، أهوو تحس شوية بالنار اللي جوايا! ده أنا أم يا ناس، أم!
.........................................
-حالتها دلوقتي شبه مستقرة
قالها الطبيب بنبرة رسمية للغاية وهو يطالع المقدم "يزيد" الذي بدا وجهه مشدودًا ونظراته شارد، امتزج خوفه بقلقه عليها لكنه أخفى تعبيراته عن الجميع، تنفس بهدوء، ثم فرك طرف ذقنه برفق قبل أن يسأله بجدية:
-يعني هي فاقت وهترجع تتعامل معانا طبيعي؟
أجابه الطبيب بحذر:
-صعب أحكم، هي لسه مقدرتش تستوعب الصدمة للأخر، بس اطمن أنا متابعها أول بأول!
كان حديثه منطقيًا بدرجة كبيرة، فهي لم تتعافَ بعد من حالة الهروب النفسي التي لجأت إليها، ومن الطبيعي أن تثور وتجول فور إدراكها للواقع المرير، أخرج من صدره تنهيدة تحميل الكثير من الأثقال والهموم، ثم ضغط على شفتيه قائلاً باقتضاب:
-طيب، شكرًا يا دكتور!
ابتسم الطبيب بتكلف وهو يرد:
-العفو، أنا في الخدمة
تابعه يزيد بنظراته القوية حتى انصرف من أمامه، فاستدار بظهره ليمسك بالمقبض ويلج إلى داخل الغرفة حيث ترقــــد حبيبته على فراشها، ضغط على شفتيه ليكتم آلامه التي يعانيها وهو يراها في وضعيتها الغائبة تلك، أتعب قلبه فرارها الإجباري من الشعور بما حولها لتجعل عقلها يتخيل وقائع وهمية، بدت معه كأنها في رحلة ترفيهية تقضيها بعيدًا عن قسوة الحقيقة متوهمة أن والدتها لا تزال على قيد الحياة، اضطر أن يتعامل بحرفية مع حالتها بناءً على توصيات طبيبها النفسي، كما عاونه رفيقه آدم وزوجته شيماء وابنتهما الصغرى سلمى في القيام بأدوارهم على أكمل وجـــه، لكنه في نفس الوقت لم يرد لفرارها في عالم اللاوعي أن يستمر للأبد خاصة، وأن الطبيب النفسي أبلغه بخطورة التمادي في المســألة إن ظلت محاصرة فيها لأكثر من هذان لذلك رتب لإبلاغها بحقيقة وفــــاة والدتها في خلوة خاصة بهما بعد أن اطمأن من تقبلها لوجوده في حياتها، ولكن أتت النتيجة عكسية، وتأزم الوضع بدرجة مخيفة مما استدعى نقلها للمشفى النفسي، تنهد بحزن واضح عليه، دنا منها يتلمس وجنتها الناعمة بإصبعيه، انحنى على رأسها ليطبع قبلة صغيرة على جبينها وهو يهمس لها:
-كله هيبقى تمام!
اعتدل في وقفته ثم استدار برأسه للخلف ليبحث عن أقرب مقعد، سحبه بالقرب من فراشها وجلس عليه يطالعها بنظراته الحزينة، شرد في أول لحظة التقى فيها بها حينما تم إرسالها إلى وحدته لتنوب عن أحد الصحفيين، تذكر كيف عاملها بفظاظة وقسوة في بعض الأحيان لكونها فتاة، حاربها وشدد من تصرفاته الجافة معها، لكنها أثبتت كفاءتها، وتسللت إلى خلاياه رويدًا رويدًا فباتت إدمانه، تنهد مجددًا بحزن واضح عليه حينما استعاد مشهد شجاره المتهور معها بسبب زوجته السابقة، وكيف أخافها منه، لمعت عيناه تأثرًا من ظلمه لها، تنفس بعمق ليضبط انفعالاته ثم مد يده ليمسك بكفها، احتضنه بين راحتيه وقبله بشوق، رفع وجهه نحوها لينظر إلى قسماتها الساكنة بشرود، وضع يده الأخرى على رأسها يمسد عليه برفق قائلاً لها بتأكيد:
-فترة وهاتعدي، أنا جمبك يا فراشتي ................ !!
..................................
لا تنسوا #ذئاب لا تغفر قريبًا ورقي
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل الثاني 2 - بقلم Manal Salem
الفصل الثاني:
مسح بنعومة على بشرتها قبل أن يتراجع بظهره للخلف لينتصب أكثر في جلسته الغير مريحة، أغمض "يزيد" عينيه مستعيدًا في ذاكرته ما حدث قبل وقت سابق عندما انتهت مراسم العُرِس واعتقد أن الأمور كلها قد مضت على خير، وَدَّع آدم وزوجته بعد أن استقلا السيارة ليذهبا في طريقهما لتبدأ حياتهما الزوجية معًا، تشكل على ثغر "فرح" ابتسامة خجلة، وظلت تعبث بباقة الورد المسنودة على حجرها بارتباك ملحوظ، بينما لم تختفِ ابتسامته السعيدة عن محياه، وزع نظراته بينها وبين الطريق، بدا باله مشغولاً بسبب كيفية إبلاغها بما حدث لوالدتها، أتعبه إنكار عقلها لتلك الحقيقة المفجعة، ظل يفكر في طريقة تمكنه من ذلك تكون متضمنة أقل الخسائر.
بين جنبات نفسه أراد ألا يفسد روعة اليوم، ولكن لا مفر من الحقيقة، أخرجه من شروده الحائر صوتها الهامس وهي تقول بتنهيدة:
-كان نفسي ماما تكون حاضرة، أنا مش عارفة هي ليه مجاتش!
تحاشى النظر نحوها وهو يبتلع ريقه بصعوبة، حافظ على ثبات ملامحه الهادئة أمامها متسائلاً بحذر:
-هو إنتي مش فاكرة هي راحت فين؟
أجابته برقة وهي تداعب الباقة المسنودة في حجرها:
-بصراحة لأ، حاسة إن في حاجة غلط، غيابها المفاجئ ده قلقني!
حدق فيها بنظرات متفرسة دون أن يعقب على كلماتها التي شكلت خنجرًا حادًا أوخز صدره بشدة، فإن أراد إخبارها برحيلها عن عالمهم الحسي عليه أن ينتقي الوقت المناسب، والآن ليس بالجيد على الإطلاق، رغب أولاً في توطيد علاقته بها، خاصة أنها أصبحت زوجته وبعد برهة ستتلاحم روحيهما سويًا، أكملت فرح حديثها قائلة بنعومة:
-أنا معرفش حاجة عنها من ساعة ما كنا في اسكندرية!
حركت فرح رأسها في اتجاهه لتضيف بعتاب:
-وقت الخناقة بينا! فاكر؟
تنهد يزيد بعمق وظل مسلطًا أنظاره على الطريق وهو يفكر بجدية في كيفية التصرف معها، حالة الهروب من الواقع التي تعيشها تؤرقه كثيرًا، بل وشغلت كامل تفكيره، لاحظت هي شروده الدائم وصمته الذي طال، فسألته مستفهمة:
-مالك؟ ساكت ليه؟
رد عليها بخشونة قليلة:
-مافيش يا فرح
انتبه هو لصوت رنين هاتفه المحمول معلنًا عن قدوم رسالة نصية، فمد يده ليلتقطه، ثم قرأ فحواها بنظرات سريعة، تضمنت الرسالة كلمات مقتضبة من رفيقه آدم توصيه بها، عاود قرأتها محدثًا نفسه:
-خلي بالك من فرح، بلاش تعرفها حاجة دلوقتي!
ضغط على شفتيه بقوة، ونفخ بضيق وهو يلقي بهاتفه على (تابلوه) السيارة، راقبت هي تصرفاته المريبة، وسألته وهي محدقة فيه بغرابة:
-مين؟
أجابها بفتور:
-ده آدم، بيحب يرخم كعادته عليا
لم تقتنع بإجابته، فتعابير وجهه توحي بالعكس تمامًا، ورغم هذا ردت باقتضاب:
-اوكي!
حركت فرح رأسها للجانب لتحدق في الطريق وتتأمل تفاصيله بشرود، لاحظت تبدل وجهتها المعتادة للعودة إلى منزلها، فسألته بتعجب:
-هو احنا مش رايحين على البيت؟
أجابها بجدية وهو يدير عجلة القيادة:
-لأ رايحين
أمعنت النظر في الطريق جيدًا، وردت معترضة:
-بس مش دي السكة!
ابتسم بألفة قائلاً:
-ما هو احنا طالعين على بيتنا!
انعقد ما بين حاجبيها باستغراب مرددة بتعجب قليل:
-بيتنا؟!
هز رأسه بإيماءة خفيفة مجيبًا إياها بهدوء:
-ايوه، عندي!
ارتبكت سريعًا من جملته المقتضبة، كما توردت وجنتاها بحمرة خجلة، وابتلعت ريقها قائلة بهمس متلعثم:
-هـــاه، عندك!
غمز لها يزيد قائلاً بعبث:
-إنتي ناسية إن احنا متجوزين وعرسان جداد!
عضت على شفتها السفلى بحياء، وردت بنبرة مضطربة وهي تعبث بأناملها بالباقة:
-أها، بس كنت عاوزة أكلم ماما الأول، وأشوف هي فين و آآ...
قاطعها يزيد قائلاً بجدية:
-فرح!
حدقت فيه بتوتر مرددة:
-نعم
مـــد يزيد يده ليمسك بكفها المختبئ في حجرها، ثم جذبه نحو فمه، وقبله بعشق، فارتجفت من لمسته، بادلها نظرات متيمة، وهمس لها:
-عاوزك متفكريش في حد خالص واحنا مع بعض، متفقين؟
هزت رأسها بخجل وهي تسحب كفها من بين يده:
-اوكي
ابتسم يزيد لزوجته، وردد بصوت رخيم:
-بأحبك يا فراشتي!
.......................................
جلست على طرف الفراش لتنزع حذائها عن قدميها، ثم بدأت في فركهما بتمهل، كان اليوم مرهقًا بالنسبة لها فقد تكفلت بإتمام الكثير، أطلقت آنات موجوعة وهي تدير رأسها في وجه زوجها آدم الذي استرخى على الفراش، ضاقت نظراتها نحوه فرأته عاقدًا لساعديه خلف رأسه ومحدقًا في سقفية الغرفة، هتفت شيماء قائلة بقلق:
-أنا خايفة يا أندومي، مش مطمنة للي ممكن يحصل بعد كده!
رد عليها بفتور:
-يعني هأعمل ايه أكتر من اللي عملته؟ ما هو على يدك بعتله رسالة أوصيه!
نهضت عن الفراش، وبدأت تنزع سحاب ثوبها للأسفل متابعة حديثها بنبرة متوجسة:
-شكلها مش مريحني خالص، ده ولا في بالها موضوع مامتها!
اعتدل آدم في نومته مسلطًا أنظاره عليها ثم رد بنبرة عادية:
-ماهي مش على طبيعتها يا شيمو!
نزعت ثوبها عنها، وجذبت منامتها الحريرية لترتديها، تنهدت بعمق لتضيف بعدها:
-ربنا يستر!
تعلقت أنظــــار آدم بجسد زوجته، وجاب بعينيه على قسماتها المغرية، التوى فمه بابتسامة متسلية مرددًا:
-يزيد واعي وهيعرف يتعامل زي ما أنا بأتعامل
عاودت شيماء الجلوس على طرف الفراش، وحدقت في زوجها قائلة بنبرة متعبة:
-كان نفسي نكون معاهم!
انتصب في جلسته، وحدجها بنظرات قوية مردداً بسخرية:
-طب بذمتك ده ينفع؟ لأ وفي يوم زي ده، جرى ايه يا شيمو؟ خلي عندك فيلنج (إحساس)
عبست بوجهها وهي تهتف بعصبية قليلة:
-الله، مش قلقانة عليها!
دنا أكثر منها متفرسًا في مفاتنها الأنثوية باشتياق، مال على رأسها ليهمس لها بعذوبة:
-بس إنتي حلوة النهاردة!
لكزته شيماء في كتفه بدلال لتزداد محبتها في قلبه، أشاحت بوجهها للجانب بعد أن فهمت مقصده اللاهي، وردت عليه بضيق مفتعل:
-يووه يا آدم، وده وقته!
وضع آدم أصابعه على كتفها متحسسًا إياه برفق، ثم همس متسائلاً بمكر:
-أومال وقته امتى بالظبط؟
دفعته بقوة قليلة من صدره، وهبت واقفة من مكانها، نظر لها بضيق مبديًا انزعاجه من تصرفه، غمزت قائلة وهي تتغنج بجسدها:
-حاسب كده أما أشوف بنتك!
اغتاظ من تجاهلها له، ورد عليها بنبرة ممتعضة:
-لومة في سابع نومة دلوقتي، ماحبكتش يعني!
زفرت بصوت مسموع، فنهض من مكانه، واقترب منها، ثم حاوطها من خصرها بذراعيه، فأصبحت محاصرة في أحضانه، نظر آدم مباشرة في عينيها، وتنهد قائلاً بحرارة:
-تعالي احنا نقول كلمتين كده على السريع
حاولت شيماء تحرير نفسها منه، ولكنها فشلت، فقد تمكن منها كعادته، ثم هتفت بدلال:
-إنت فايق وبتهزر؟!
ضمها أكثر إلى أحضانها صائحًا بجدية تحمل بين طياتها المرح:
-يا بت خليكي ناصحة واستغلي الفرص، تعالي بقى! ده موضوع حيوي تقوم عليه حروب!!
........................
صف سيارته أسفل البناية التي يقطن بها، وأخفض رأسه قليلاً ليحدق في مدخلها، تلفتت فرح حولها بنظرات سريعة وشمولية محاولة اكتشاف المكان الذي أتت إليه معه، بدا التوتر الممزوج بالخجل واضحًا على تعبيراتها، لم يحالفها الحظ أن تراه من قبل، فقد حدث كل شيء بصورة سريعة للغاية، هي تعرفت عليه في فترة قصيرة، تعاملت معه بحذر لكن اندلعت شرارة الانجذاب بينهما رغم إنكار الاثنين لذلك في البداية، تودد هو إليها، وتطورت العلاقة بينهما من مجرد علاقة عمل رسمية إلى ارتباط شرعي في فترة زمنية محدودة، سيطر عليها إحساس داخلي بالخوف والقلق، فهي لم تعرفه جيدًا، ودومًا يتكرر الصدام بينهما في أي شيء، ومع ذلك هي تثق في حدسها الذي أنبأها بطيبته ورجولته، تذكرت كلمات والدتها عن شهامته وأخلاقه الكيسة ومدحها المتواصل له، فاستغلت ذلك في تشجيع نفسها على المضي قدمًا في حياتها معه، عفويًا ترجلت من السيارة لتتحرك نحو أقرب مدخل للبناية الواقفين أسفلها، ولكنها استدارت برأسها للخلف حينما سمعت صوت يزيد يأمرها
-استني يا فرح!
ردت عليه متسائلة باستغراب:
-في ايه؟
اقترب منها بخطى متمهلة وهو يرمقها بنظرات رومانسية مطولة، ثم لف ذراعه حول خصرها، وانحنى بجذعه قليلاً للأسفل ليحملها قائلاً بخشونة محببة:
-هو يصح برضوه عروسة تدخل بيتها لأول مرة على رجليها؟!
شهقت مصدومة من فعلته الجريئة، وتلفتت حولها بخجل بعد أن اكتسى وجهها بحمرة شديدة لتعاتبه بخوف:
-إنت بتعمل ايه؟
تقوس فمه بابتسامة عابثة وهو يجيبها:
-بأرحب بيكي
سار هو بها حاملاً إياها نحو المصعد الموجود بالطابق الأرضي، بينما ركلت فرح بساقيها في الهواء قائلة باحتجاج خجل:
-يزيد، نزلني مايصحش كده!
مـــال بجسده على مفتاح المصعد ليضغط عليه، ثم حدق فيها عن كثب مردداً بصوت خفيض:
-الله! قوليها تاني!
ردت عليه بحدة قليلة وهي تحاول إجباره على تركها:
-نزلني!
هز رأسه نافيًا وهو يصحح لها:
-لأ اسمي، يزيـــــــــــــد!
يئست من تخليص نفسها منه، وردت بضجر بعد أن زاد شعورها بسخونة وجنتيها:
-لو سمحت!
أمـــال يزيد رأسه على أذنها ليهمس لها متسائلاً بعتاب لطيف:
-ينفع الرسميات دي بينا!
عضت على شفتها السفلى بخجل كبير، فتابع بنبرة صادقة:
-بأحبك يا أحلى فرحة في حياتي
اضطربت من تأثيره القوي عليها، وردت بخجل وهي ترمش بعينيها:
-وأنا كمان!
فُتح باب المصعد على مصراعيه، فحدق كلاهما بصدمة في السكان الخارجين منه، أطرقت فرح رأسها خجلاً بسبب ذلك الموقف المحرج، فمازال زوجها يحملها دون اكتراث لمن حوله، لم تتبدل تعابير يزيد، بل ظل متشبثًا أكثر بها غير مهتم بنظراتهم، تحرك بها للداخل بعد ابتعادهم، وضغط على زر غلقه، قاومته فرح محاولة إنزال نفسها عنوة وهي تقول بضجر:
-عاجبك كده، الناس بتبصلنا وآآ....
قاطعها قائلاً بنبرة غير مبالية وهو يحكم قبضته عليها:
-ولا يفرقوا معايا، المهم إنتي وبس يا أجمل فراشة خطفت قلبي
أخفضت نظراتها خجلاً من غزله الصريح، بينهما أسبل هو عيناه نحوها متأملاً بشغف واشتياق حياءها المثير لمشاعره المشتعلة بحبها.
....................................
بعد لحظات خرج كلاهما من المصعد، فتوجه بها يزيد نحو باب منزله، رفض تركها حتى يلج بها للداخل، أنزلها برفق لتقف على قدميها، ثم لف ذراعه للخلف ليبحث عن مفتاح الإنارة ليضيء الصالة، تأملت فرح المكان بنظرات خاطفة. كان منمقًا ومرتبًا للغاية، أثاثه على الطراز الحديث، يخلو من أي لمسة أنثوية، فهو قد استبدل محتويات منزله بالكامل بعد أن انفصل عن "هايدي" - زوجته الأولى – ليبقى بمفرده فيه لسنوات متتالية،
شعرت بالخوف رغم إحساسها بمشاعرها العميقة نحوه، لكن التحول المفاجئ في حياتها أربكها كثيرًا، لا تعرف لماذا تحديدًا خالجها ذلك الشعور الآن، لكنها هكذا دومًا حينما تخوض تجربة جديدة عليها، ابتلعت ريقها بتوجس، وتنفست بعمق محاولة الحفاظ على ثباتها الانفعالي أمامه فهي اليوم مقبلة على مرحلة جديدة في حياتها، لاحظ يزيد شرودها، وكذلك اضطرابها، فاقترب منها، ثم انحنى برأسه على كتفها ليطبع قبلة ودودة عليه، فانتفضت فزعة في مكانها من حركته تلك.
ابتسمت بتكلف له، وهمست معتذرة:
-سوري، اتخضيت شوية
وضع يده على ظهرها ليضمها إلى صدره، ثم سألها بود وهو يشير بعينيه:
-ايه رأيك في منزلي المتواضع؟
أجابته بابتسامة صغيرة:
-حلو!
أضـــاف قائلاً بحماس وهو يتحرك معها:
-إن شاء الله هنعدل فيه حاجات كتير على ذوقك!
هزت رأسها متفهمة، فتابع متشجعًا:
-أنا غيرت أوضة النوم وجبت حاجة كده مودرن، يا رب يعجبك ذوقي!
عضت فرح على شفتها السفلى بارتباك كبير هامسة باقتضاب:
-اوكي!
غمز لها قائلاً بمكر:
-تعالي شوفيها!
حاولت التملص منه قائلة بجدية:
-أنا عاوزة أشوف باقي البيت الأول!
جذبها من ذراعه إليه، وهز رأسه محتجًا:
-لا، مش وقته خالص!
خجلت من تلميحاته الضمنية، فابتسم لحيائها، وأكمل متسليًا وهو يرمقها بنظرات ذات مغزى:
-دي يا فروحتي أهم حاجة في البيت، والأولويات تقتضي نبدأ بيها!
وقبل أن تعترض عليه، أمسك بكفها، وسحبها منه خلفه، سارت فرح بخطوات متعثرة بسبب ثوبها، وهتفت بضيق قليل:
-استنى بس!
التفت نحوها ليقول بابتسامة عريضة ونظراتها الشغوفة تطالعها بتلهف لتذوق طعم السعادة من على شفتيها:
-هنستنا احنا الاتنين جوا، يالا يا فراشة!
..................................
قطمت قطعة كبيرة من البيتزا لتشرع في مضغها بشراهة قبل أن تسحب الحاسوب المحمول لتضعه على حجرها، ظلت تطالع ما يظهر على شاشته بتركيز شديد فلم تنتبه لنداءات زوجها لها، فرقع "أمير" بإصبعيه أمام وجهها لترفع رأسها نحوه وهي قاطبة لجبينها، سألها مهتمًا:
-بتعملي ايه يا إيلي؟
أجابته زوجته "إيلين" بهدوء وهي تشير بعينيها:
-باظبط كام حاجة كده في اللاب بتاع فرح
انزوى ما بين حاجبيه باستغراب من استحواذها عليه، هتف متسائلاً:
-وهو بيعمل ايه معاكي؟
عبثت بخصلات شعرها ونفضتها للخلف، ثم أجابته دون تردد:
-يزيد جوزها ادهوني عشان التقارير اللي كانت كتباها فيه
هز رأسه متفهمًا فتابعت موضحة:
-المفروض كانت تسلمها من فترة، ومستر عبد السلام سأل عليهم!
أكمل متسائلاً:
-وإنتي بتكملي شغلها، مظبوط كده؟
هزت رأسها نافية وهي تقول:
-لأ، هي عاملة كل حاجة، ومجهزة التقارير، بس أنا بأرتبهم على حسب الأولوية و...
قاطعها مشيرًا بكف يده:
-تمام
نظرت له بأعين لامعة، ثم أخفضت نبرة صوتها لتبدو رقيقة وهي تضيف:
-معلش يا حبيبي، ربع ساعة وهاكون معاك
فرك أمير مؤخرة رأسه قائلاً:
-براحتك يا إيلي، وأنا هابص على مارسيل وأرجعلك
أرسلت له قبلة في الهواء قائلة بابتسامة مشرقة:
-بأحبك
ابتسم لها زوجها بود وتركها تكمل عملها دون مقاطعة أخــرى، فعكفت هي على إنهاء ما بدأته في أقرب وقت مدعمة تلك المقالات الصحفية بما التقطته عدسات رفيقتها الاحترافية من لقطات مميزة، أبدت إعجابها بمهارتها قائلة:
-برافو يا فرح، طول عمرك شاطرة!
.....................................
توقفت عند عتبة غرفة النوم مترددة في الدخول، حاولت أن تشتت تفكيرها المتوتر في تأمل الأثاث الأنيق الذي امتاز بألوانه الداكنة، تحركت أعينها نحو الفراش فتجمدت نظراتها عليه، إنه ذلك الشيء الذي سيجمعها بزوجها بعد دقائق، ارتجف بدنها من مجرد تخيل الوضع، لوهلة شردت في كلمات "كريم" المعسولة لها وهو يداعب أذنيها بمعسول الكلام، كان جيدًا في ذلك، نفضت عن عقلها جبرًا ذكراه، وعاتبت نفسها لتفكيرها فيه بعد زواجها من غيره، تابعها يزيد من الخلف بنظرات فضولية، لم يقاطع تأملها الذي طال لكنه ضجر من الانتظار، دنا منها بخطوات متمهلة وهو يسألها بهدوء:
-ها عجبتك الأوضة؟
انتبهت لصوته ورسمت على ثغرها ابتسامة مرتبكة وهي ترد:
-ايوه، حلوة!
سلط أنظاره عليها متابعًا بغزل صريح:
-بس مش أحلى منك!
وقف قبالتها ومد يده ليلتقط كفيها بيديه، ارتعشت قليلاً من لمساته الحذرة ونظرت له بتوتر، تقوس فمه للجانب بابتسامة سعيدة، ثم سحبها إليه ببطء حتى باتت شبه ملتصقة به، تنهد قائلاً بنبرة تحمل المزيد من الأشواق:
-أخيرًا اتقفل علينا باب واحد!
ابتسمت له بحياء له مسبلة عينيها خجلاً منه، نظر لها بتمعن أكثر، ومال برأسه نحوها محاولاً نيل أول قبلة من على شفتيها، لكنها سحبت يديها فجأة من قبضتيه لتفسد عليه الأمر، انسلت من بين أحضانه قبل أن يتمادى معه قائلة بتلعثم خجل:
-اليوم كان لطيف
حدجها بنظرات شبه مغتاظة من فرارها العابث منه، وضغط على شفتيه بقوة ليقول:
-اه، كان ظريف وخفيف
أولته فرح ظهرها، ولفت ذراعيها حول نفسها محاولة بث شعور الاطمئنان لنفسها المضطربة، وقف يزيد خلفها ثم طوق خصرها بذراعيه ليحاصرها بداخل أحضانه، أسند طرف ذقنه على كتفها، واقترب بفمه من أذنها ليهمس لها بعشق:
-مش هاتهربي مني يا فروحة!
قشعريرة لطيفة داعبت بشرتها، فارتكبت أكثر وحاولت التخلص منه، أحكم قبضته عليها جيدًا كي لا تفلت منه، وتابع قائلاً بصوت خفيض للغاية:
-حبك ليا إجباري، مش اختياري!
تسارعت دقات قلبها من نبرته المؤثرة، شعر بتهدج أنفاسها واضطراب حركة صدرها، فتدفق الأدرينالين المتحمس في خلاياه وازداد رغبة في التعبير عن مشاعر حبه لها، تملكها أحاسيس مختلفة في آن واحد، ما بين الرغبة والشوق، الحب والخوف، التردد والإقدام، شعرت بسخونة تلهب وجنتها وهو يطبع قبلة صغيرة عليها ليشعل أتون مشاعرها، سرت قشعريرة استمتاع في خلايا جسدها، أدارها ببطء نحوه دون أن يفلتها، وحدق فيها بنظرات مليئة بالعشق، مال عليها يزيد أكثر ليطبع قبلة أخرى ولكن على شفتيها، أغمضت عينيها مستسلمة لتأثير المشاعر الغريبة التي اجتاحتها وعصفت بكيانها، ظل يعمق من قبلاته لها بعد أن استشعر تجاوبها معه، للحظة اقتحم عقلها طيف صورة والدتها، فابتعدت فجأة عنه لتقول بصوت شبه لاهث:
-يزيد، أنا عاوزة أكلم ماما الأول!
تصلبت عروقه وتخشب جسده من جفائها الغريب، لم يكن راغبًا في إفساد ليلته معها، فرد بحذر:
-فرح مش هاينفع دلوقتي، خلينا نركز في ....
قاطعته بإصرار وقد عبست بوجهها:
-لأ، قلبي مشغول عليها
حاول إقناعها بالعدول عن تلك الفكرة فرفضت الانصياع له، وقف يطالعها بنظرات حائرة يفكر فيما سيفعله معها، شعرت بالريبة من تجنبه المتعمد لكل ما يخص والدتها، كذلك أثار حفيظتها تحججه بأعذار واهية ليمنعها من مهاتفتها حتى، عاندته مرددة:
-مش هاسمع أي حاجة منك، خليني أكلمها الأول، ولا أقولك أنا هاروحلها
همت بالتحرك فاعترض طريقها بجسده قائلاً بحدة:
-استني يا فرح
نظرت له بحدة وهي تقول:
-لو سمحت خليني أعدي
حسم أمره بالبوح بكل شيء، فإن استمر في إخفاء الأمر عنها سيتعقد كل شيء، سحب نفسًا عميقًا لفظه دفعة واحدة، جمد أنظاره عليها قائلاً:
-طب اقعدي الأول
تسمرت في مكانها رافضة التحرك مما دفعه للإمساك بها من رسغها لإجبارها على الجلوس على طرف الفراش، زفرت بصوت مسموع وانتظرت بترقب حديثه الغامض، فرك طرف ذقنه عدة مرات ثم أشار لها بسبابته موضحًا:
-أنا عاوزك تبقي فاهمة إنك أغلى حد في حياتي، صعب أسيبك أو حتى أفرط فيكي
قطبت جبينها وهي تطالعه بنظرات غريبة، جثى يزيد على ركبته أمامها، والتقط كفها بيده ليداعب أصابعها برفق، استصعب الأمر كثيرًا فاستجمع شجاعته ليقول بجدية تامة:
-فرح، مامتك الحاجة فوزية...
توقف عن إتمام جملته عاجزًا عن الاعتراف بحقيقته وفاتها، تنفس مجددًا ببطء ثم ضغط على شفتيه متابعًا بترقب متوتر:
-ماتت
تجمدت أنظارها عليه ولم تبدو متأثرة بما قالته، ظنت أنها مزحة سخيفة منه يرددها على مسامعها ليزعجها فهتفت بلا تفكير تعنفه:
-إنت بتهزر؟
سلط عينيه على تعبيرات وجهها المتشنجة مبتلعًا ريقه بتوتر، تابع قائلاً بتوجس وقد شعر ببرودة كفها:
-أنا مكونتش عاوز أقولك، بس مش مستحمل أشوفك كده ومش هاستنى إنك تفكري إني مانعك عنها
هبت واقفة من جلستها لتصرخ فيه بانفعال طفيف:
-دي نكتة بايخة على فكرة!
نهض واقفًا من مكانه ليمسك بكفها الأخر رافضًا تحريرها وهو يقول بنبرة جادة:
-لأ، للأسف دي الحقيقة اللي إنتي مش عاوزة تصدقيها
استشعرت جدية حديثه فانقبض قلبها بقوة، ارتجفت أطرافها من مجرد التفكير في احتمالية صدق ما قاله، دق قلبها بعنف وهي تعاتبه:
-يزيد بلاش تخوفني، أنا مش بأحب كده
سحبها إلى أحضانه ليضمها بقوة ليحتوي انفعالاتها قبل أن تطفو على السطح، همس لها مؤكدًا:
-حبيبتي، هي دلوقتي في مكان أفضل، ادعيلها بالرحمة
تهدجت أنفاسها على صدره وشعرت بأن روحها تقتلع منها، استعاد عقلها سريعًا مشاهدًا متداخلة من لحظات معرفتها بوفاتها، بدأت الصورة تتضح تدريجيًا، لم تكن أوهامًا، هي رحلت بالفعل، تجمعت العبرات سريعًا في مقلتيها مع اكتمال معرفتها بالحقيقة، اعتصر فؤادها ألمًا لفراقها الأبدي، وانتابتها نوبة من الصراخ الباكي فشدد يزيد من ضمه لها، توسلها قائلاً:
-عشان خاطري اهدي، ماينفعش اللي بتعمليه ده!
تضاعفت أحزانها بفجيعتها فيها، تشنجت بجسدها صارخة:
-مامــــا! ليه سبتيني لوحدي؟ ماما!
أرخى ذراعيه عنها ليحتضن وجهها بكفيه، حدق مباشرة في أعينها الباكية هاتفًا برجاء:
-حبيبتي، اهدي، ده قضاء ربنا!
وضعت كفيها على يديه محاولة انتزاعهما عنها وهي تصرخ فيه بجنون:
-ابعد عني، أنا عاوزة أروح لماما
رفض تركها متفهمًا حالتها الغير طبيعية، نظر لها بإشفاق وهو يرد:
-لأ مش هاسيبك، إنتي مش في وعيك والصدمة كبيرة علـ......
أجبرته على قطم عبارته بصراخها القائل:
-إنت السبب، إنت اللي موتها!
اتسعت حدقتاه مدهوشًا من كلماتها الخطيرة، استخدمت قواها الغاضبة لتدفعه عنها متابعة بتشنج:
-إنت اللي عملت فيها كده، أنا افتكرت كل حاجة!
أحزنه تلميحها الصريح وابتلعت ما قالته بمرارة، تعامل مع انفعالاتها المهتاجة قائلاً بحذر:
-أنا مقدر اللي إنتي فيه، بس صدقيني أنا...
وضعت يديها على أذنيها لتمنع نفسها من الإصغاء إلى صوته وتابعت بصوت لاهث:
-ليه حرمتني منها؟ ليه؟
فاقت الحقيقة الموجعة قدرتها على الاحتمال وضاعف من تأثير ذلك عليها، لم يتمكن عقلها من الصمود كثيرًا والمقاومة، أتعبها تذكر كل شيء، اجتمع في عقلها كل الذكريات الحزينة التي أضنت قلبها، ظلت تصرخ بصورة هيسترية حتى بدأت قواها تخبو تدريجيًا، شعرت بالظلام يغلف عينيها بقوة، فاستسلمت له وغابت عن الوعي رغمًا عنها، تهاوى جسدها فأسرع يزيد بإسنادها قبل أن تسقط وترتطم بالأرضية، رفعها إليه حاملاً إياها ثم وضعها برفق على الفراش، ركض باحثًا عن هاتفه المحمول، عبث بأزراره قبل أن يضعه على أذنه ليقول بعدها بخوف بائن في نبرته:
-آدم تعالى عندي بسرعة، فرح عرفت بالحقيقة ................................. !!
............................................
قريبًا رواية #ذئاب_لا_تغفر ورقي
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل الثالث 3 - بقلم Manal Salem
الفصل الثالث
استعان به ليكون إلى جواره حينما تأزم الوضع لديه، فقد كان انهيارها وشيكًا وهو خشي من عدم قدرته على التصرف، لم يتردد رفيقه آدم في الحضور إليه أو دعمه، هاتف يزيد الطبيب الذي أتى خصيصًا للكشف عليها، ووقف يترقب خروجه من داخل غرفة النوم، بالطبع لم يكن ليتركه بمفرده فقد بقيت شيماء معه تعاونه إن طلب منها شيء ما، تنهد قائلاً بضيق وهو يدير رأسه في اتجاه باب الغرفة المنغلق:
-أنا بجد مابقتش فاهم حاجة
رد عليه آدم بهدوء:
-فرح بقالها كام يوم متغيرة، وإنت بنفسك لاحظت ده
ضغط على شفتيه قائلاً باحتجاج:
-بس مش للدرجادي، احنا ملحقناش نعمل حاجة أصلاً
وضع آدم يده على كتف رفيقه يربت عليه وهو يضيف:
-اصبر عليها شوية، دلوقتي يطلع الدكتور يقولنا مالها
زفر بصوت مسموع وهو يدس يديه في جيبي بنطاله، لحظات وخرج الطبيب من داخل الغرفة فانتصب يزيد في وقفته متسائلاً بتلهف:
-خير يا دكتور
حك الطبيب مقدمة رأسه بإصبعيه مرددًا بهدوء معتاد:
-زي ما توقعت بالظبط، المدام بتعاني من حالة نفسية ممكن نقول عليها مجازًا الهروب من الواقع
سأله آدم بعدم فهم وهو ينظر له بغرابة:
-ده اللي هو ازاي؟
التفت برأسه نحوه ليجيبه بنبرة علمية:
-بمعنى أحيانًا الإنسان نتيجة التعرض لصدمة عصبية حادة لو مقدرش يتجاوزها إنه يلجأ لإنكار الحقيقة دي ويتعايش على إن الموضوع محصلش من الأساس
سأله يزيد بجدية واضحة على تعبيراته:
-بس ده ممكن يعمل مشكلة بعدين
أومـأ الطبيب برأسه بالإيجاب موضحًا:
-بالظبط، وده اللي حصل مع المدام، هي توهمت إن والدتها لسه عايشة، وماتقبلتش حقيقة موتها، وتعاملت مع الوضع من المنطلق ده، إنها هاتشوفها وهي موجودة، ولما تم مواجهتها بالحقيقة ماستحملتش
شرد يزيد يفكر بتعمق فيما قاله للحظات ليفيق سريعًا منه على سؤال رفيقه:
-طب والعمل ايه دلوقتي؟
أجابه دون تردد:
-لازم تتنقل مستشفى متخصص يقدر الدكاترة فيه يأهلوها على الأقل الفترة الجاية بحيث تتقبل الوضع ومايحصلش انتكاسة، في بعض الأحيان الموضوع ممكن يوصل لمضاعفات
ارتفع حاجبي آدم للأعلى مرددًا باندهاش:
-للدرجادي؟!
أوضح الطبيب خطورة الموقف قائلاً:
-يا فندم الطب النفسي ليه دوره المهم حاليًا، وكتير من المشاكل اللي بتحصل بسبب الجهل بده
مد يزيد يده ليصافح الأخير قائلاً بجدية وقد عبست قسماته:
-طيب، أنا هاتصرف، شكرًا يا دكتور
بادله المصافحة مبتسمًا وهو يقول:
-العفو، وأنا في الخدمة!
.................................................
لاحقًا استجاب يزيد لتوصيات الطبيب وقام بإيداع فرح في أحد المشافي النفسية الحديثة للتعامل مع وضعها الحالي، ولازمها لأغلب الوقت رافضًا التخلي عنها، ورغم فساد عطلته الزوجية إلا أن رغبته في تماثلها للشفاء كانت الأهم، أخرج تنهيدة حزينة من صدره تحمل الكثير من الهموم وهو يعود بذاكرته إلى الوضع الحالي، رمقها بنظرة أخيرة قبل أن ينحني على رأسها ليقبلها، خرج من الغرفة لينتظر خارجها محاولاً ضبط انفعالاته، فقد أتعبه رؤيتها على تلك الحالة الرافضة للواقع، وخشي من استمراره معها، شعر بأنه مكتوف الأيدي عاجزًا عن التصرف، أتت رفيقتها المقربة "إيلين" لرؤيتها فتوسم خيرًا من قدومها، علها زيارتها تفيد في تحسن حالتها، أنهت من زيارتها لها والحزن يكسو تعبيراتها، مسحت العبرات العالقة بأهدابها لتقول بنبرة آسفة وهي تغلق الباب خلفها:
-حبيبتي، قلبي كان حاسس إن في حاجة مش مظبوطة فيها
نظر لها يزيد دون أن يعلق عليها، فتنهدت قائلة بحزن معاتبة نفسها:
-ازاي مخدتش بس بالي منك يا فروح!
رد عليها بضيق بائن:
-محدش فينا كان يعرف، كلنا فكرنا إن تصرفاتها عادية!
اعتقدت أنه سيتعامل معها بخشونة بحكم بعض المواقف السابقة بينهما، فرفعت رأسها لتطالعه بنظرات متعشمة وهي تستعطفه:
-سيادة المقدم، أنا بأرجو من حضرتك إنك تكون حنين معاها وتتفهم اللي.....
فهم تلميحها فأشار بكفه مقاطعًا بجدية:
-يا أستاذة اطمني، دي مراتي مش حد غريب، فمش محتاج حد يوصيني عليها
هزت رأسها عدة مرات متابعة بتوضيح:
-أنا عارفة، بس اللي فرح شافته واتعرضلته مش قليل وخصوصًا إنها مرت بأزمة نفسية كبيرة لما مات كريم وكان صعب عليها أوي!
حل الوجوم المصحوب الانزعاج على تعابير وجهه الصارمة بعد ذكرها لاسمه، لاحظت تبدل ملامحه سريعًا فتنحنحت قائلة بحرج:
-احم.. أنا أسفة مقصدش، بس هي كانت بتحبه ومتعلقة فيه أوي، كان بالنسبالها ......
لم يزد حديثها إلا سوءًا، فأغاظه حديثها المسترسل عن حبيبها المتوفي وجعله يبلغ ذروة ضيقه في لحظات، لم يتحمل المزيد من الترهات عن علاقتهما السابقة فصاح مقاطعًا بعصبية:
-تمام، ممكن نقفل على السيرة دي
استشعرت تصرفها الخاطئ فردت باقتضاب:
-حاضر
فركت حقيبة يدها بأصابعها مدركة تسرعها الأهوج في الحديث عنه، عمدت إلى تغيير الموضوع قبل أن يتأزم الأمر لكن منعها من التطرق إلى شيء أخر وصول رفيقه الأخر، اعتذرت بلباقة قبل أن تنصرف قائلة:
-إن شاء الله هاجي تاني أشوف فرح وأطمن عليها
حرك يزيد رأسه بالإيجاب مرددًا بامتنان:
-شكرًا يا مدام إيلين على تعبك ووقفتك معاها
ابتسمت قائلة بود:
-على ايه بس؟ دي أكتر من أختي!
راقبها يزيد حتى ابتعدت عنهما فزفر مع نفسه بضيق واضح، لم يستطع إخفاء انزعاجه البادي عليه بسبب حديثها عن حبيبها الأسبق، تلون وجهه بحمرة غاضبة أثارت انتباه آدم الذي طالعه بنظرات متفرسة وهو يسأله:
-مالك؟
أجابه بصوت محتد:
-أنا مخنوق وعلى أخري
-من ايه؟
ضاقت نظراته واحتدت وهو يرد محذرًا:
-مش طالبة معايا تحقيق
رفع كفه أمام وجهه متراجعًا عن سؤاله:
-خلاص يا سيدي!
سحب آدم نفسًا عميقًا لفظه دفعة واحدة وهو يعيد سؤاله باهتمام:
-قولي ناوي على ايه بعد كده؟ وبعدين إنت المفروض أجازتك أد ايه؟
نظر له شزرًا وهو يرد بتهكم:
-هو كان في أجازة أصلاً؟!
حك آدم مؤخرة رأسه موافقًا إياه في رأيه قائلاً:
-في دي عندك حق
تابع يزيد قائلاً:
-أنا هاجهز نفسي وهارجع الوحدة
سأله رفيقه بجدية:
-طيب وفرح؟
التفت ناحية باب غرفتها بالمشفى ليطالعه بنظرات شاردة قبل أن يجيبه:
-مش عارف لسه، بس أكيد وجودها هنا هيفيدها!
فكر آدم في أمر ما لكنه لم يرتب لحدوثه بعد، ورغم ذلك اقترحه عليه على أي حال، هتف قائلاً:
-ايه رأيك لو خليتها تقعد مع شيماء
بدا حديثه مبهمًا وإلى حد ما غامضًا، فردد بجدية:
-مش فاهمك، وضح كلامك شوية!
تابع آدم وهو يشير بيده:
-قصدي يعني فرح محتاجة تغير جو، وهي بترتاح مع مراتي وسلمى، والاتنين مش هيتأخروا عنها في أي حاجة، غير إن شيماء زي ما إنت عارف اجتماعية وتعرف طوب الأرض فــ....
قاطعه يزيد هاتفًا بضجر:
-مش لما تفوق من اللي هي فيه الأول
ربت آدم على كتفه صائحًا بحماس:
-إن شاء الله هاتبقى كويسة، خليك متفائل، هي مش أول حد يتعب!
لوى ثغره قائلاً بتنهيدة متعبة:
-ربنا يسهل!
..........................................
عاتبها زوجها لتصرفها الأرعن للإشارة عن زوج رفيقتها المتوفي وما له من تأثير سلبي في النفوس مع زوجها الحالي، ورغم صدق نواياها إلا أن "إيلين" رفضت تحمل اللوم ودافعت عن موقفها مبررة:
-ماهو لازم يعرف عشان يقدر الظرف
صف أمير سيارته بجوار مقر جريدة الضحى ليدير رأسه في اتجاه زوجته وهو يتابع بتعنيف رقيق:
-وهو الراجل اتأخر عنها، بس مايصحش برضوه يطلع الكلام ده منك
زمت شفتيها قائلة بتبرم:
-يووه، أمير إنت عاوز تطلعني غلطانة وخلاص
أشار لها بحاجبيه موضحًا:
-أنا بأقولك الحقيقة ولازمي تعرفي إنك اتسرعتي
هزت كتفيها مرددة بعبوس:
-أهو اللي حصل!
تنهد مضيفًا بهدوء:
-عمومًا هنتكلم بعدين، أما تخلصي عرفيني وأنا هاعدي أوصلك
تحولت نظراتها العابسة إلى الإشراق وهي ترد بحماس:
-واو، إيه الدلع ده كله؟
غمز لها بطرف عينه هامسًا بنبرة ذات مغزى:
-مش مراتي
بادلته نظرات والهة وهي ترد بصوتٍ خفيض:
-حبيبي يا ميروو
لفت أنظاره تجمعًا لبعض الأفراد ممن يرتدون الزي الشرطي، سلط أنظاره عليهم متسائلاً باستغراب:
-ايه ده؟
التفتت برأسها للجانب لتحدق فيما ينظر إليه، تعجبت هي الأخرى من وجودهم، ثم ردت قائلة:
-مش عارفة، هاروح أشوف
ترجلت من السيارة سائرة بخطوات متعجلة نحوهم وهي تلقي بحقيبة يدها على كتفها، دفعها فضولها للاقتراب منهم لتفهم ما يدور، وصل إلى مسامعها صوت أحد الموظفين وهو يرد بجدية:
-لا مجاتش النهاردة، الأستاذة في أجازة جواز
ظنت بحدسها الصحفي أن للأمر علاقة بفرح، فمعظم حديثهم المقتضب يشير إليها تحديدًا، انخرطت بينهم متسائلة بنزق وكأنها تفكر بصوت مسموع:
-هما بيسألوا عن مين؟
أجابها زميلها دون تردد:
-عن الأستاذة فرح عبد الحميد
كتمت شهقة مصدومة خرجت من جوفها ليدها قبل أن تتمالك نفسها لتسأل أحدهم بتخوف واضح في نبرتها:
-ليه في حاجة؟
تفرس الضابط في تعبيراتها القلقة باهتمام كبير، رد عليها بتساؤل جاد:
-إنتي تعرفي مكانها؟
أجابته وهي تبتلع ريقها:
-أيوه، بس ليه؟
قست ملامح وجهه وهو يرد بجمود:
-في أمر ضبط وإحضار ليها!
اتسعت حدقتاها على الأخير مصدومة مما سمعته، رفيقتها الأقرب في موضع اتهام دون أن تعرف الأسباب، وقبل أن تفيق من ذهولها الصادم تابع الضابط محذرًا بجدية مخيفة:
-ويا ريت يا أستاذة توصلينا ليها وإلا هانعتبر سيادتك بتتستري عليها
ارتجف بدنها من تهديده الضمني، فردت بفزع:
-ايه؟!!!!!
..............................................
أعد عدته للرحيل والعودة إلى وحدته العسكرية، لكن قبل أن يسافر قرر يزيد أن يقوم بزيارة أخيرة لها، سبقه إليها صديقه آدم وزوجته، ألقى الجميع عليها نظرات حزينة لكن بعثت ابتسامة شيماء التفاؤل في الأجواء وهي تخرج عن الصمت المشحون بالألم مرددة:
-خلاص يا جماعة، دي مش أخر الدنيا، بكرة هاتروق وتحلى
هتف آدم بمرح وهو يشير لزوجته بنظراته:
-مش هنوصيكي عليها يا شيمو
عبست بوجهها بضيق زائف وهي ترد:
-دي أختي، وحقها عليا!
عادت ابتسامتها الصافية تلوح على ثغرها وهي تكمل بنبرة متحمسة:
-ده غير بقى إن لومة هاتفرح أوي لما تلاقيها وسطنا وأعدة معانا
رد عليها آدم مؤكدًا:
-اه طبعًا، ماهتصدق، بنتي وأنا عارفها!
التوى ثغر يزيد للجانب معلنًا عن ظهور ابتسامة باهتة على محياه من حديثهما المرح، كان بحاجة إلى مثل تلك الأجواء لتخفف من حدة التوتر السائدة، لم يدم الأمر طويلاً فقد اقتحم الغرفة الطبيب المعالج لها، التفت ثلاثتهم نحوه وهو يقول بحرج:
-سيادة المقدم
طالعه يزيد بنظرات ممعنة متعجبًا من طريقته المريبة في النظر إليه، سأله بنبرة خشنة وجادة:
-في ايه يا دكتور؟
أطرق رأسه بحرج واضح وهو يجيبه بتلعثم:
-أنا مش عارف أقول إيه، بس.. ممكن كلمتين برا
تضاعفت ريبته من طريقته الغريبة في الحديث، فاقترب منه متسائلاً بحدة طفيفة:
-في ايه؟
فتح الباب على مصراعيه ليظهر في الخلفية عدد من الضباط وبعض الأفراد فمرر يزيد أنظاره عليهم، اكتست تعبيراته بالاندهاش والحيرة، هتف أحد الضابط قائلاً بنبرة رسمية
-من غير لف ولا دوران، معانا أمر ضبط وإحضار للمدعوة فرح عبد الحميد فرغلي!
حل الذهول على قسماته المشدودة، وبرزت مقلتاه في محجريهما وهو يرد مصدومًا:
-نعم ............................؟!
..........................................................
-قريبًا #ذئاب_لا_تغفر ورقي
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل الرابع 4 - بقلم Manal Salem
الفصل الرابع
استقبلها رئيس الجريدة في مكتبه لتناقشه في تلك المسألة الحرجة قبيل انصراف القوة الأمنية بلحظات لكونها تمس أمهر الصحفيات فيها، أصغى لشكواها باهتمام كبير دون أن يقاطعها، نهض "عبد السلام" واقفًا من مقعده ليدور حول مكتبه، وقف قبالة إيلين ليستأنف حديثه الجاد قائلاً:
-اطمني، احنا مش هانسيبها، وارد إن يرتفع قضايا ويتعمل محاضر ضد الصحفيين بتوعنا، لكن احنا في ضهرهم
لمعت نظراتها بحزن واضح وهي تضيف مبررة:
-مستر عبد السلام، فرح بتمر بأزمة نفسية صعبة، وحضرتك شايف شغلها عامل ازاي!
أشار لها بسبابته قائلاً:
-أنا مش محتاج لشهادتك عنها، أنا واثق منها
تنفست الصعداء لكونه يشكل دعمًا قويًا لأمثالهم من الصحفيين المجتهدين، هتفت قائلة بامتنان حقيقي:
-بجد ميرسي أوي يا مستر عبد السلام على وقوفك معانا
تابع مضيفًا بجدية:
-أهم حاجة خليكي جمبها، وأنا هاكون معاكي على اتصال مباشر، وإن شاء الله مش هاسمح إنها تتحبس، هاطلعها مهما اتكلف الموضوع
أومــأت برأسها عدة مرات وهي ترد مبتسمة:
-اوكي يا مستر، ويا ريت متوصلش لكده!
استأذنت بالانصراف لتتوجه فورًا إلى المشفى النفسي لتلحق بالضابط الذي سبقها إلى هناك لتكون حاضرة وتبلغ رئيسها بالجديد أولاً بأول.
.....................................................
اعتلى ثغرها ابتسامة متشفية بعد إنهائها لتلك المكالمة الهاتفية مع أحد أقربائها من ذوي الصلات القوية، أوصته باستخدام نفوذه الشخصي للتأثير على القائمين بالتحقيق في المحضر المقام ضد "فرح" ليعجل بإلقاء القبض عليها، ورغم المخاطر المحدقة بتلك الخطوة الجريئة منها إلا أنها لم تعبأ بتبعات فعلتها، جلست "كريمة" باسترخاء تام على الأريكة متطلعة أمامها بنظرات متشوقة لإفشاء حقدها في تلك التعيسة، نظرت لها كاميليا بعتاب وهي تقول:
-والله يا ماما الموضوع ده هايقلب بمشاكل
لوت أمها ثغرها بتأفف واضح فتابعت موضحة خطورة الموقف:
-صدقيني إنتي اللي هاتضري فيها، مكانش ليه لازمة ده كله
نظرت لها شزرًا قائلة بتجهم:
-اطلعي منها زي أبوكي، أنا مش نقصاكي
ردت عليها ابنتها برجاء كبير:
-أنا خايفة عليكي
تمطت بكتفيها في جلستها قائلة بتفاخر جلي:
-اطمني، أنا مسنودة كويس أوي! وقريبي اللي كلمته قال هايعمل معاها الواجب وزيادة!
رفعت كفيها للسماء مكملة بنبرة مغلولة:
-إلهي يطفحوها الدم ويخربوا بيتها
انزوى ما بين حاجبيها بضيق واضح من تصرفها الغير مدروس، وسألتها مستفهمة:
-ليه بس بتكرهيها، فرح طيبة وماتستهلـ....
قاطعتها كريمة بحدة:
-ماتجبيش سيرتها قصادي، سامعة!
يئست كاميليا من إقناعها بالعدول عن قرارها الخاطئ مرددة باستسلام:
-براحتك يا ماما، بس افتكري كلامي
أولتها ظهرها لتتحرك في اتجاه غرفتها متابعة بصوت خفيض:
-ربنا يستر من اللي جاي
................................................
ظن في البداية أنها مزحة سخيفة من أحدهم ليتلف أعصابه المشدودة مسبقًا، لكن بالطبع ليس الأمر هكذا وخاصة حينما يتعلق بالمسائل القانونية، مرر أعينه المحتقنة على وجه الضابط الذي كان يطالعه بنظرات جادة للغاية، هتف يزيد معترضًا على ما قاله بحدة واضحة:
-إيه الكلام ده؟ يعني ايه مراتي طالعلها أمر ضبط وإحضار؟
كتمت شيماء شهقة مصدومة كانت على وشك الخروج من جوفها موزعة أنظارها المذهولة بين وجه زوجها ورفيقه المنفعل، دقق الضابط النظر في زيه الرسمي وأدرك سريعًا أنه يتعامل مع أحد أفراد القوات البحرية فانتصب في وقفته قائلاً بنبرة رسمية:
-يا فندم أنا بأنفذ القانون، وزي ما حضرتك ليك شغلك، أنا كمان جاي أقوم بشغلي هنا، والمدام مطلوبة للتحقيق!
هتف فيه محتجًا بعصبية وهو يشير بيده للخلف:
-إنت مش شايف وضعها عامل إزاي؟ هي أعدة بتلعب؟!!!
أضافت شيماء صائحة بنبرة حادة وهي تتحرك صوبه:
-إيه الظلم ده، فرح في حالها ومالهاش دعوة بحد!
منعها زوجها بذراعه من الوصول إليه محذرًا إياها بنظراته القوية، فتوقفت مجبرة عن الحركة والحديث، استشاطت أعين يزيد متابعًا بغيظ:
-مراتي محدش هياخدها من هنا
رد عليه الضابط بتريث عقلاني:
-حضرتك فاهم في القانون كويس، وده اسمه.......
قاطعه بانفعال غير مكترثٍ:
-ولا يفرق معايا، أنا اللي أقرر ايه اللي يخص مراتي
تنحنح آدم قائلاً بخشونة:
-اهدى بس يا يزيد، الأمور ماتدختش قفش
حدجه بنظرات نارية هادرًا فيه:
-ملكش دعوة يا آدم
في تلك اللحظة ظهرت "إيلين" من خلف الضابط مبدية أسفها لكونها سببًا في ذلك الموقف الحرج، فقد وصلت لتوها لتجد المشهد محتدًا، بدت تعبيراتها مزعوجة وهي تقول بخجل:
-أنا أسفة يا سيادة المقدم، مقدرتش أمنعهم و...
قاطعها الضابط مشيرًا بعينيه:
-لو سمحتي يا أستاذة استني شوية
رد عليه يزيد بقوة وقد احتدت نظراته:
-بص يا حضرت الظابط، الموضوع ده في لبس أكيد، مراتي استحالة تعمل حاجة مخالفة
أضاف آدم هو الأخر مؤكدًا بثقة:
-عنده حق، هي مش من الـ....
قاطعهما الضابط مرددًا بنبرة رسمية مستخدمًا ذراعه في التلويح:
-والله يا فندم ده هيبان في القسم
رد عليه يزيد متحديًا بعناد:
-وأنا مش هاسمح إنها تطلع من هنا
وقف الضابط قبالته قائلاً بجمود دون أن تهتز عضلة واحدة من وجهه:
-مع احترامي لشخصك، الدكتور بتاعها اللي يقرر!
قام آدم باستدعائه فورًا لإبداء رأيه في مسألة إخراج فرح من المشفى من عدمه، بدا الطبيب حائرًا في الاختيار وهو يجوب بأنظاره على أوجه المحدقين به خارج غرفتها، هي على الأرجح ليست مريضة تعاني من حالة نفسية مستعصية ووجودها وسط العامة لن يشكل ضررًا، فما تمر به يعد أزمة يسهل التعامل معها إن تهيأت الظروف لمعالجتها، كان عليه حسم قراره فأردف قائلاً بارتباك رغم هدوء صوته:
-ماظنش إن حالتها تستدعي إنها تأجل التحقيق
كور يزيد قبضة يده ضاربًا الحائط المجاور له بعنف كنوع من التعبير عن سخطه الشديد واستنكاره للأمر برمته، هتف آدم قائلاً بغموض:
-واضح إن الموضوع متوصي عليه جامد
رد عليه رفيقه بانفعال:
-مش هاسيبها
أضافت إيلين قائلة بجدية:
-أنا هاروح معاها يا سيادة المقدم، واطمن مستر عبد السلام هايبعت محامي الجرنال للقسم، جايز للموضوع علاقة بشكوى أو حاجة من التحقيقات اللي بنعملها
فركت شيماء طرف ذقنها بإصبعيها متسائلة بغرابة:
-اللي مستغرباه إن الظابط مش عاوز ينطق بحرف عن الموضوع، تقولش سر حربي
رد عليها زوجها بامتعاض:
-هانعرف كل حاجة يا شيماء، ده غير.....
قطم عبارته مجبرًا بسبب صراخ فرح المرتفع، لم ينتظر يزيد كثيرًا حيث اندفع بلا تفكير للداخل مقتحمًا الغرفة ومسلطًا أعينه القلقة عليها، هتف صائحًا بتلهف وقد تجمدت نظراته عليها:
-فــــرح!
تجاهلت ندائه لها في البداية لتجهش ببكاء مرير، أسرع نحو فراشها ليمسك بكف يدها مرددًا:
-فرح، إنتي معايا؟
استدارت ببطء نحوه لتحدق فيه بعينين باكيتين، هي أفاقت من جديد على الحقيقة المرة التي ظنت أنها وهمًا، توفيت والدتها وتركتها بمفردها في لحظة غادرة وبات عليها أن تصدق أن ذلك الأمر حتمي حتى لو أنكره عقلها للأبد، تصارعت المشاهد الصاخبة بعقلها وكأن كل شيء قد حدث بالأمس، همست من بين بكائها:
-ليه مخلتنيش أصدق إنها عايشة؟
شعر أنها تحمله الذنب بكلماتها المعاتبة فابتلع غصة عالقة في حلقه قائلاً بحذر ممتصًا ثورتها الغاضبة:
-حبيبتي، أنا معاكي ومش هاسيبك!
تمنت شيماء لو عاد بها الزمن للوراء لما تسبب أبدًا فيما حدث خلال مراسم عقد القران، هي متورطة بشكل أو بأخر في ذلك، ورغم مسامحة والدتها لها إلا أنها عاهدت نفسها على تعويض ابنتها بقدر ما تستطيع، بدت أعينها مليئة بعبرات رقراقة فجاهدت ألا تلفت الانتباه لها، ومسحت ما علق في أهدابها بأناملها سريعًا، هتفت فرح متسائلة بحزن جلي باحثة عن كذبة تريح قلبها المفجوع لفراقها:
-هي مش راجعة تاني، صح؟!
تدخلت شيماء في الحوار محاولة التهوين عليها بعد أن رأت حالتها النفسية قائلة:
-ادعيلها بالرحمة، مامتك كانت إنسانة طيبة والكل بيحبها
ردت عليه بصوتٍ متشنج:
-بس ملحقتش أشبع منها
وقبل أن تواسيها بالمزيد من العبارات المدعمة ولج إلى الغرفة الضابط هاتفًا بجمود:
-أستاذة فرح عبد الحميد، معانا أمر ضبط وإحضار ليكي!
تجمدت العبرات في مقلتيها مصدومة من تصريحه الغريب، التفتت برأسها نحو زوجها لتظهر حيرتها جلية في أعينها، تعلقت أنظارها بوجهه وهو يقول بصلابة مستنكرًا تدخله السافر بدون أي مقدمات:
-لحظة واحدة، هي مش هتهرب يعني
رد عليه ببرود:
-أنا بأقوم بشغلي، وأظن لو سيادتك مكاني هتعمل ده
بدا التحدي بينهما واضحًا فتحفز كلاهما للأخر بصورة مقلقة، أراد آدم أن يلطف حدة الأجواء فهتف بحذر وهو يشير بيده:
-ادينا بس دقايق نفهم المدام على الوضع بالظبط
رغم عدم اقتناعه إلا أنه ترك لهم مساحة من الخصوصية لتستوعب ما الذي يدور معها، وانسحب بهدوء ليقف بالخارج، أطلق يزيد سبة خافتة ثم التفت ناحية زوجته، مد يديه ليحتضن وجهها الباكي براحتيه، مسح بإبهاميه عبراتها قائلاً بقوة:
-متخافيش يا فرح، أنا معاكي يا حبيبتي!
لم تتعافَ بعد من صدمتها لتجد المصائب تتوالى فوق رأسها تباعًا، سألته بخوف واضح في نظراتها:
-هو إيه اللي حصل؟ إيه الكلام ده؟
رد عليها بهدوء رغم احتقان غضبه بداخله:
-لسه مش عارفين
حاول أن يبث الطمأنينة في نفسها المضطربة، فتكالب الظروف عليها في ذلك الوقت العصيب قد يؤثر عليها أكثر ويفقدها إحساسها بالأمان بالإضافة إلى ما تعانيه حاليًا من مشاعر الوحدة واليتم، هتفت شيماء من الخلف قائلة بابتسامة باهتة:
-كلنا معاكي يا حبيبتي، مش هانسيبك
ابتسمت إيلين مرددة بمرح زائف علها تطمئنها هي الأخرى:
-تلاقيها شكوى كيدية ولا حاجة، ما إنتي عارفة في مهنتنا دي بنشوف العجب!
ظلت أنظارها معلقة بوجهه الذي لم يفارقها بنظراته الثابتة مؤكدًا لها أنه درعها الذي سيحميها من أي خطر تتعرض له، أدار رأسه في اتجاه آدم صائحًا بصيغة آمرة:
-كلم حبايبنا من الموجودين هنا وفي أجازات يحصولنا
لم يخرج عن دهشته وهو يسأله باستغرابٍ:
-قصدك مين؟ اوعى تقولي الكتيبة!
التوى ثغره بابتسامة غير مريحة على الإطلاق وهو يرد مؤكدًا:
-أيوه
................................................
اضطرت أن تستقل سيارة الشرطة رغم خوفها تنفيذًا لأوامر القانون، انكمشت في مقعدها ملتفتة برأسها للخلف لتجد زوجها من خلفها ومعه آدم وزوجته ورفيقتها إيلين، أشعرهم وجودهم حولها بنوع من الاطمئنان، تذكرت ما مرت به من موقف مشابه حينما استدعى لها زوجها الشرطة العسكرية مدعيًا هروبها من أداء مهامها المكلفة بها، ابتسمت لنفسها محاولة إبعاد أي أفكار سوداوية عن عقلها المنهك مسبقًا بسبب ما تمر به من ضغوطات قاسية، لاح في مخيلتها وجه والدتها البشوش، وبسمتها الناعمة، فترقرقت العبرات سريعًا في حدقتيها متأثرة بفقدانها، اعتقد الضابط لوهلة أنها مضطربة بسبب القبض عليها، لكن حينما رأى بسمتها المتناقضة نظر لها بفوقية وهو يستطرد حديثه قائلاً بسخرية ملحوظة:
-افتكر واحدة زيك مش هيأثر فيها حاجة زي كده
كفكفت عبراتها بظهر كفها قبل أن تنهمر على وجنتيها عقب جملته الغامضة تلك، ثم عقدت ما بين حاجبيها بضيق واضح وهي تسأله:
-مش فاهمة حضرتك!
التفت برأسه للخلف موضحًا:
-يعني جوزك وعيلتك معاكي، شكلك هاتطلعي منها قبل ما نوصل هناك!
اغتاظت من تلميحه الضمني بكونها تسيء استخدام وظيفة زوجها لمصالح خاصة فسألته بتذمر لتتأكد من شكوكها:
-قصدك إني مسنودة؟
تحولت نظراته للازدراء قائلاً:
-تقدري تنكري ده؟
احتقن وجهها بحمرة منفعلة وهي ترد مدافعة عن نفسها بقوة:
-وحد قال لسيادتك إني متهمة في قضية مخلة بالشرف ولا حاجة؟ إذا كان أنا رايحة معاك القسم ومش عارفة مقبوض عليا ليه
أشار لها بيده بطريقة تحقر من شأنها وهو يرد:
-بطلي دوشة، هناك هتعرفي!
رمقته بنظرات حادة متمتمة مع نفسها بضيق كبير:
-قلة ذوق
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه لتحدق بأعين شاردة في الفراغ أمامها، أربكها أن تكون في موضع الاتهام دون أن تعرف أسباب ذلك، فربما الأمر أبسط من ذلك بكثير، لكن طريقة تعامل الضابط معها بغلظة فظة وعدم تقديره لظرفها النفسي الحرج ضاعف من فضولها ............................!!
.................................................
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل الخامس 5 - بقلم Manal Salem
الفصل الخامس:
أجرى عدة مكالمات هاتفية مع المقربين من زملائه ورفاقه وأقرانه في وحدته العسكرية وممن يطمعون في تقديم أي خدمة له ليتواجدوا على مقربة من مخفر الشرطة لتقديم الدعم والمساندة، التفت آدم برأسه ناحية يزيد الجالس في مقعد الراكب إلى جواره قائلاً بثقة:
-اطمن، كل الحبايب هايجولنا هناك
قست قسماته وهو يرد بضيق:
-اللي يهمني دلوقتي فرح!
ضرب بقبضته المتكورة على الـ "تابلوه" أمامه متابعًا بنبرة محتقنة:
-هاتجنن، ازاي تركب معاهم وكأنها متهمة؟!
رد عليه آدم مبررًا:
-ما إنت عارف الإجراءات، دي مانقدرش نعمل فيها حاجة
تنهدت شيماء قائلة من الخلف:
-ربنا يستر ويطلع الموضوع بسيط
رد عليها زوجها بابتسامة باهتة للتقليل من حدة الأجواء:
-إن شاء الله هاتكون حاجة عادية، اطمنوا!
التفت برأسه ناحية رفيقه ليجده محدقًا أمامه بنظرات تحمل الكثير، تمنى في نفسه أن يمر الأمر على خير، ســاد صمت مشحون للحظات قبل أن تقطعه شيماء مجددًا متسائلة باهتمام:
-على كده ده ممكن يأثر عليك، فاهمني؟
انزعج آدم من طريقتها المستثيرة لأعصابه المتلفة فحذرها قائلاً:
-مش وقته يا شيماء
تجاهلت تحذيره عمدًا لتواصل استرسالها الفضولي متابعة:
-أنا عارفة إن طالما الموضوع ليه علاقة بالأقسام ممكن يخليـ....
قاطعها آدم تلك المرة صائحًا بصرامة أشد:
-قولت ايه
لوت ثغرها مبدية عبوسها من منعه جبرًا لها من الحديث مرددة باقتضاب متجهم:
-خلاص!
أمسكت لسانها عن الكلام لثوانٍ معدودة قبل أن تضيف:
-كويس إن رئيسها هيبعتلها محامي
رد عليها آدم بتهكم:
-يعني هايسبها تتحبس مثلاً؟
وكأنه سابحٌ في عالمٍ خاصٍ به بعيدًا عن ثرثرتهما الفارغة يُفكر مليًا في كيفية التصرف في أمرها إن خرج عن المألوف وفاق قدرته، ضجر يزيد من لغوهما المتواصل فصاح بهما بغلظة:
-ممكن تسكتوا دلوقتي، أنا جايب أخري
تنحنح آدم بخشونة وهو يقول بحرج:
-حاضر!
ثم حدق في انعكاس وجه زوجته في المرآة ليقول بعدها بعبوس زائف:
-بس بقى يا شيماء، شغالة رغي من الصبح!
انزوى ما بين حاجبيها بضيق جلي مرددة باستنكار:
-أنا برضوه؟!
غمز له بطرف عينه لتفهم مقصده في عدم المجادلة حاليًا في ظل الظرف الراهن، وعلى مضض كبير تقبلت الأمر من أجل رفيقه الذي كان في وضع لا يحسد عليه.
............................................
لاحقًا، أصر على حضوره التحقيقات معها بعد تقديمه لما يثبت هويته ليعرف أسباب استدعائها بتلك الطريقة المقلقة، اتسعت حدقتاه مصدومًا حينما عرف الحقيقة، فزوجته متهمة - من قِبَل والدة زوجها السابق - بالزواج قبل أن تنتهي عدتها الشرعية منه بما يخالف الشريعة، هب يزيد واقفًا من مكانه ضاربًا بيده بعنف على سطح المكتب هاتفًا بانفعال مبرر:
-ده كله كدب، محصلش الكلام الفارغ ده!
نظر له وكيل النيابة محذرًا وهو يقول مشيرًا بسبابته:
-من فضلك اهدى!
تحولت نبرته للصرامة وهو يتابع حديثه الجدي:
-إنت هنا في تحقيق
كاد يزيد أن يفقد أعصابه بتهور كبير بسبب بطلان ذلك الادعاء، فتنفس بعمق ليضبط انفعالاته أمامه كي يثبت براءتها، احتقن وجهه وبرزت عروقه بوضوح في عنقه وهو يدير رأسه في اتجاه فرح التي نظرت له بصدمة جلية، كتمت شهقتها واضعة يدها على فمها، لم يطرأ بمخيلتها أبدًا أن تقدم فيها حماتها بلاغًا رسميًا تتهمها بذلك الأمر متناسية روابط الود بينهما، حاول عقلها أن يحتسب المدة الزمنية التي انقضت منذ إبلاغها بوفاة "كريم" وحتى زواجها من يزيد، لكنها توترت وارتبكت ففقدت قدرتها على التركيز، عاتبت نفسها بقسوة لأنها غفلت عن تلك الجزئية الهامة وتناست ذلك في خضم انشغالها بحبٍ جديد، أخرجها من تفكيرها المضطرب صوت زوجها الصارم:
-أنا هاجيبلك نهاية الموضوع!
تجمدت أنظارها عليه وحبست أنفاسها مترقبة ما سيلفظه من جوفه، استخدم يزيد يده في الإشارة موضحًا بثباتٍ واثق:
-المدام قبل ما تكلف بمهمة صحفية عندنا اتعمل تحريات شاملة عنها
أشعرتها نبرته القوية بنوع من الارتياح رغم الخوف الذي يعتريها، استأنف حديثه قائلاً:
-أه هي كان مكتوب كتابها على الـ.. مرحوم
ضغط على شفتيه بقوة كنوع من التعبير عن ضيقه ليواصل بعدها بهدوء حذر:
-بس اللي سيادتك مش عارفه إنه طلقها من زمان!
شخصت أبصارها مذهولة من جملته المفاجئة تلك، هتفت بلا وعي وقد انفرجت شفتاها للأسفل:
-ايه؟
قطب وكيل النيابة جبينه هاتفًا بجدية:
-مش فاهم قصدك، وضحلي أكتر
أومأ برأسه مؤكدًا:
-أيوه، الملف الخاص بيها مدرج فيه صورة من عقد الجواز، وقسيمة الطلاق، ومن زمان جدًا، من قبل وفاته حتى!
كانت كمن تلقى صفعة قوية على وجهه ليفيق على حقيقة أكثر قسوة، لم يكن حبه لها حبًا شغوفًا كما أوهمها، بل مجرد أكاذيب اختلقها، ومشاعر زائفة حاكها حولها لتظل مغيبة عن الحقيقة، تمتمت من بين شفتيها بهمس مرتعش:
-طـ... طلقني، ازاي؟
أكمل يزيد بثقة وقد اشتدت تعبيراته صلابة:
-وتقدر تتأكد من كلامي ده، والملف بتاعها موجود عندنا في القاعدة البحرية
تهدجت أنفاسها بصورة واضحة بعد أن تكشفت الحقائق جلية أمامها، همست غير مصدقة:
-مش ممكن، طب والكلام اللي كان بيقوله ليا؟ يعني كان بيضحك عليا؟
أشار وكيل النيابة بيده للجالس على يساره آمرًا:
-سجل أقوال المقدم في المحضر
ترقرقت العبرات في مقلتيها سريعًا حسرةً على حالها، هي عاشت معه أكذوبة مكتملة الأركان اعتقدت فيها أنها محور حياته، لكنها كانت مهمشة، مجرد تسلية لقتل الفراغ والملل، انسابت دمعاتها بغزارة رغم الصخب الدائر في عقلها وهي تهمس محدثة نفسها:
-طب ليه عمل كده؟ أنا ماستهلش ده منه؟ والحب اللي حبيتهوله؟ ده أنا...
أجبرت فمها على التوقف عن الحديث عنه، هو لا يستحق البكاء عليه، لكنها ذرفت العبرات لإحساسها بالغدر والخيانة في مشاعرها النقية، في ذلك الحب الذي قدمته له والمقابل كانت أكاذيب محكمة نسجت ببراعة لإبقائها حبيسة حبه المزعوم، تابع يزيد موضحًا بجدية:
-فرح مراتي يا فندم يعتبر مالهاش عدة شرعية من الأساس، باعتبار إنها مطلقة قبل الدخول والخلوة الشرعية، يعني من حقها تتجوز من تاني يوم
ضاقت نظراته وهو يكمل مبديًا سخطه:
-وأظن إن اللي حصل معاها إساءة بكل المقاييس
التفت يزيد برأسه نحوها ليجدها تبكي بلا توقف مما أوغر صدره بقوة، خرج عن ثباته الهادئ صائحًا بتهديد:
-وأنا مش هاسكت عن حقها، وهاعمل محضر في اللي عمل كده فيها
أومأ وكيل النيابة برأسه قائلاً:
-تمام
استمر بعدها في إكمال باقي تحقيقاته معتمدًا على أقوال يزيد لإضافتها في المحضر، وطالب في الأخير بالوثائق التي تؤكد صحة ادعائه ليضيف بعدها:
-وبناءً عليه يتم الإفراج عن فرح عبد الحميد فرغلي بضمان بطاقتها الشخصية
سلط أنظاره عليها ليأمرها بهدوء:
-اتفضلي وقعي هنا
لم تنتبه له بسبب انخراطها في بكائها الحزين مما أزعج زوجها وأوصله لحالة من العصبية الواضحة، كظم غضبه في نفسها هاتفًا من بين أسنانه المضغوطة:
-أظن حضرتك شايف الحالة النفسية اللي وصلتلها بسبب الكدب ده
..........................................
لم تكن التحقيقات قد انتهت حتى احتشد أمام المخفر عدد لا بأس به من أفراد القوات البحرية بزيهم الرسمي، وكأن المكان قد تحول لساحة من القتال، بالطبع أثار تواجدهم نوعًا من البلبلة والضوضاء في الخارج، لم يجد آدم صعوبة في السيطرة عليهم، وقف أعلى الدرجات الرخامية للدرج المؤدي لداخل المخفر هاتفًا بنبرة عالية وخشنة:
-يا رجالة، مش عاوزين قلق لحد ما نشوف هايحصل إيه جوا
انزعج ضباط المخفر من وجودهم الغير مبرر فرد أحدهم من الداخل بضيق كبير:
-ماينفعش التجمع ده هنا
التفت له أحدهم قائلاً بتحدٍ:
-مش إنت اللي هاتقولنا إيه اللي ينفع معانا؟
أشار لهم آدم بيده محذرًا:
-بالراحة يا رجالة
اضطر المأمور أن يخرج إليهم بعد أن وصل إليه أنباءً عن تواجد حشد ليس بالقليل أمام مخفره ليحقق بنفسه في ذلك الأمر، مرر أنظاره سريعًا عليهم وهو يسألهم:
-في ايه؟
كان آدم على وشك إجابته حينما لمح يزيد يأتي من الداخل فهتف قائلاً
-ثواني كده، هاشوف سيادة المقدم
انزعج المأمور من أسلوبه لكنه تمالك أعصابه ليسيطر على الموقف قبل أن يحدث تشابك غير محمود العواقب بين الطرفين، فصاح بصوت جهوري:
-اهدوا يا رجالة، عاوزين نفهم بس في إيه، لو في مشكلة أوعدكم إني هاحلها!
هرول آدم نحو رفيقه متسائلاً بتلهف بعد أن رأه محاوطًا لزوجته من كتفيها:
-حصل إيه؟
ثم حدق في وجه فرح الباكي باندهاش عجيب، بدت أعينها الحمراء ملتهبة من كثرة البكاء مما أثار ريبته، عاود النظر نحو رفيقه متسائلاً بتوجس:
-ما ترد عليا، في إيه؟
زفر يزيد بصوت مسموع وهو يجيبه بامتعاض من زاوية فمه:
-هاقولك بعدين، المهم نمشي من هنا
أشار آدم بسبابته للخلف متابعًا:
-الكتيبة كلها برا، ولو.....
قاطعه يزيد بصرامة:
-أنا هاشكرهم، مش محتاج مساعدتهم في حاجة
أخفض نظراته وهو يشدد من ضمه لفرح ليضيف بعدها بنبرة شبه مزعوجة رغم هدوئها:
-الموضوع طلع أخر حاجة ممكن نتوقعها
دنا آدم منها متسائلاً باهتمام:
-فرح إنتي كويسة؟
كفكفت عبراتها ماسحة إياهم من على وجنتيها وهي تقول بصوتها المنتحب:
-أنا عاوزة أمشي من هنا
رد عليها يزيد بإيجاز وهو يومئ برأسه:
-حاضر
سبقهما آدم في خطواته ليصرف المرابطين أمام المخفر شاكرًا إياهم على مجيئهم للدعم، لكن المأمور لم يسمح له أو ليزيد ولزوجته بالانصراف قبل أن يقول بعتاب:
-ماينفعش اللي حصل هنا!
رد يزيد مبررًا تصرفه:
-وأظن ماينفعش تجرجروا مراتي على القسم من غير ما تتأكدوا من تحرياتكم
اعترض عليه المأمور قائلاً بجمود:
-وارد إن يحصل أخطاء، وده تحقيق يعني.......
قاطعه بانفعال وقد احتدت نظراته المشتعلة:
-ماليش في ده كله، وحق مراتي مش هاسكت عنه
رد عليه بتريث محذرًا:
-أكيد ده حقك، طالما بالقانون!
نظر له يزيد شزرًا وهو يضيف بتهكم واضح عليه:
-أها، إذا سمحت عشان المدام زي ما إنت شايف
وجه المأمور أنظاره نحوها مرددًا:
-اتفضل!
ضمها يزيد أكثر إليه ليحتوي حزنها الواضح للعيان وهو يسحبها إلى خارج المخفر هامسًا بتأكيد:
-اطمني يا حبيبتي، أنا هافضل جمبك ومش هاسمح لحاجة تضايقك أبدًا
لم تكن مصغية لأغلب ما قاله، فعقلها مشغول بالتفكير في الأكذوبة المحكمة التي حيكت عليها ببراعة شيطانية لتظل في أسر حبه المخادع، كانت مستسلمة لسحبه لها نحو السيارة، لم تنبس بكلمة واحدة، ولم تجف دمعاتها الحارقة، شعر بما يختلج صدرها من مشاعر حزن ممزوجة بالغضب، أراد إحراق من تسبب لها في ذلك، ولن يصمت أبدًا عن الثأر لها، هتفت فرح فجأة بصوتها المختنق:
-وديني بيتي
رد عليها بهدوء مصطنع:
-ماشي
رفعت وجهها نحوه لتنظر في عينيه بأعينها الباكية وهي تكمل موضحة:
-بيت بابا
تعقدت تعبيراته من كلماتها المقتضبة، ورغم ذلك عمد لجعل نبرته طبيعية وهو يرد:
-فرح إنتي دلوقتي متجوزة، يعني مكانك الطبيعي في بيتي
انهمرت عبراتها من جديد قائلة بمرارة:
-أنا مش عارفة أنا إيه دلوقتي
احتضن وجهها بين راحتيه مجبرًا إياها على التطلع إلى نظراته القوية، هتف مؤكدًا بنبرة غير قابلة للجدال:
-إنتي مراتي!
بللت دمعاتها الدافئة أصابعه، فاُعتصر قلبه ألمًا، ليس من السهل أن تكتشف في لحظة أن ما خضته من مشاعر وأحاسيس كانت مجرد أكاذيب لعينة، حتمًا ستترك أثرها السيء في نفسك، ومع ذلك أكمل بنفس الثبات الواثق كي يشعرها بعدم تأثره بما حدث مؤخرًا:
-أنا عارف من قبل ما أشوفك الحقيقية، بس ماتوقعتش إنك تكوني مش عارفاها
ردت عليه بألم جلي:
-ليه عمل كده فيا؟
انتحبت أكثر وهي تكمل بصعوبة:
-كان متجوز وخبا ده عليا!
أزاحت بيديها المرتجفتين قبضتيه عن وجهها لتكمل بنشيج:
-فضل معيشني الوهم، وطلع مـ.. مطلقني!
سارت خطوتين للأمام مبتعدة عنه ومحدثة نفسها بصدمة:
-طب ليه كدب؟ ليه خلاني أعيش أحلام مش هتحصل؟ مجاش في باله للحظة إني هاعرف كدبه؟
لحق بها يزيد ثم تحرك ليقف قبالتها فسد عليها الطريق بجسده، مد يده ليمسك بكفها، ضغط عليه بأصابعه قائلاً:
-كل ده مايهمنيش!
خلل أصابعه في كفها ليضيف بوعيد مهدد وقد قست نظراته:
-بس وحياة دموعك الغالية دي عندي لهدفع اللي عمل فيكي كده التمن غالي أوي!
...............................................
انتفضت من جلستها المسترخية على الأريكة لتتحول تعبيراتها للخوف، ارتفع حاجباها للأعلى غير مصدقة ما تلقته توًا عبر الهاتف النقال، انقبض قلبها بخوف ثم ابتلعت ريقها لتهمس بصوت مرتبك:
-مطلقة؟
أتاها صوت الطرف الأخر هاتفًا بعصبية:
-إنتي ماقولتليش كده يا كريمة
ردت بتلعثم وهي تجاهد للسيطرة على نوبة الخوف التي تخلل أوصالها:
-مـ... مكونتش أعرف
صاح بها قريبها بنبرة اخترقت آذانها:
-كريمة، أنا مش هاقدر أساعدك لو جوزها رفع قضية ضدك، ده ظابط بحري
تضاعف خوفها بعد ما قاله، فتوسلته برجاء:
-اسمعني بس
رد عليها بقوة ناهيًا أي محاولة منها لإصلاح خطئها:
-حلي مشاكلك بعيد عني
أنهت المكالمة معه لتعاود الجلوس وجسدها ينتفض بقوة من توقع الأسوأ، أسندت الهاتف إلى جوارها محدثة نفسها بتوجس وهي تهز بدنها للجانبين:
-يا النصيبة
نظر لها زوجها مطولاً مبديًا استيائه من فعلها الأحمق الذي توقع نتيجته مسبقًا، هتف قائلاً بازدراء:
-كده ارتاحتي يا كريمة؟ ركبتي دماغك وماردتيش تسمعي لحد
لطمت على فخذيها مرددة بغضب:
-يوووه، خلاص بقى يا بركات، مش وقت تقطيم، ده بدل ما تقولي أعمل ايه دلوقتي
نظر لها من طرف عينه بتأفف وهو يرد:
-إنتي حرة!
رمقته بنظرات مغتاظة وهو يوليها ظهره، لكن غضبها منه لا يقارن أبدًا بخوفها من تبعات ما سيحدث، ضربت كفها بالأخر محدثة نفسها بحيرة جلية:
-هاتصرف إزاي أنا دلوقتي ................................؟!
...................................................
حاليًا ذئاب لا تغفر ورقي
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل السادس 6 - بقلم Manal Salem
الفصل السادس
وصل إلى مسامعه تفاصيل المحضر المقام ضدها، فهدأت أفكاره المتصارعة واستكانت لكونه لا يتعلق بأعمال الجريدة، جلس باسترخاء على مقعده مبتسمًا لإيلين التي كانت تطالعه بنظرات مزعوجة، طرق "عبد السلام" بأصابعه بثبات على سطح مكتبه للحظات ثم استطرد حديثه قائلاً بهدوء:
-طالما دي مسائل عائلية فاحنا مالناش دخل فيها
اعترضت عليه هاتفة باحتجاج قوي:
-بس يا مستر عبد السلام ده....
قاطعها بلهجة صارمة مشيرًا بسبابته:
-أستاذة إيلين ركزي في شغلك أفضل، في حاجات أهم من خلافات فرح ومشاكلها!
توقف لالتقاط أنفاسه لثوانٍ قبل أن يكمل بهدوء مستفز جعل قسماتها تزداد عبوسًا:
-وبعدين هي تقدر تحل مشاكلها بنفسها، ده غير إني مديها أجازة مفتوحة لحد ما تهدى وترتاح
كظمت إيلين غيظها في نفسها مضطرة، فمحاولتها لإقناعه بدعمها في تلك المحنة الأسرية لن تؤتي ثمارها، ضغطت على شفتيها مرددة على مضض:
-ماشي يا مستر
أولته ظهرها متجهة نحو باب الغرفة محدثة نفسها بتبرم:
-محدش هايحس بالغلب اللي هي فيه، بجد فرح ماتستهلش ده كله
.............................................
احتدم الجدال بينهما بداخل السيارة لرفضها الذهاب معه إلى منزله في مقابل إصراره على بقائها هناك حيث المكان الطبيعي لها، كانت في حالة تخبط رهيبة بعد اكتشافها للخدعة المحكمة التي وقعت في أسرها لفترة ليست بالقليلة، ولكون رأسه صلبًا وطباعه حامية أصر على رأيه وتمسك به، فتحولت محاولاته لإقناعها بالبقاء فيه إلى عناد من قبله، وما هي إلا لحظات حتى صارت مشاجرة حادة بينهما، ضربت فرح بيدها المتكورة على جانب المقعد كتعبير عن غضبها وهي تقول بحدة:
-مش هاروح بيت حد
كز يزيد على أسنانه مغتاظًا من عنادها المزعج، شدد من قبضته على المقود ملتفتًا ناحيتها وهو يقول بتحدٍ:
-ده بيت جوزك، مالكيش مكان إلا هو
تابعهما آدم وزوجته بتوتر ملحوظ، فالمشادات على وشك اتخاذ منحنًا أخرًا، ربما نتائجة لن تكون محمودة أبدًا، فتدخل للفض بينهما قائلاً بمرح:
-بصوا، الليلة دي حلها عندي!
توقف يزيد عن الحديث مجبرًا ليصغي إليه حينما تابع بحماس ليمتص الأجواء الملتهبة بشرارات العصبية:
- كده كده احنا راجعين الوحدة البحرية، يعني فرح هاتقعد لوحدها، وشيماء نفس الكلام، احنا نلم شملهم ويقعدوا مع بعض يسلوا بعض، ها قولتوا إيه؟
وافقته زوجته الرأي فأضافت مؤكدة بابتسامة ناعمة:
-اه والله، ده حتى سلمى هاتفرح أووي
ثم وجهت حديثها إلى يزيد قائلة وهي تشير بحاجبيها:
-واحنا كنا اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده، فاكر يا سيادة المقدم
نظر لها آدم بضيق طفيف بسبب استخدامها للتعاملات الرسمية مع رفيقه بصورة مبالغ فيها فهتف معاتبًا بحذر:
-شيلي التكليف يا شيمو، مش لازم الاحترام الزايد ده
ردت عليه بدلال متعمدة استفزازه:
-مش كل واحد وقيمته
زوى ما بين حاجبيه متسائلاً بصرامة زائفة:
-قصدك ايه؟
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه لتقول ببرود:
-مش وقته
رد عليها متوعدًا بكلمات موحية:
-ماشي يا شيمو، لينا اجتماع خلف الأبواب المغلقة!
فهمت المقصد من وراء حديثه العابث فحذرته:
-اسكت بس خلينا نشوفهم الأول!
أومأ برأسه موافقًا فحركت رأسها نحو فرح لتسألها باهتمام:
-ها قولتي ايه يا فروحة؟ دي أرض محايدة!
رد عليها يزيد بجدية دون أن ترتخي قسماته المشدودة بقوة:
-أنا موافق، خليكي مع شيماء الكام يوم دول
نظرت له بأعين محتقنة بسبب بقايا بكائها وهي تقول بتجهم:
-اوكي، بس برضوه.......
قاطعها تلك المرة آدم ليمنعها عن الاعتراض مرددًا بصرامة محببة:
-خلاص يا فرح، قولتلك الليلة معايا، ماشي؟
لوت شفتيها لترد بعبوس:
-طيب
تنهد لعدة مرات محاولاً السيطرة على ضيقه، فما عرفه مؤخرًا وما حدث من استدعاء لزوجته بالمخفر سبب له ضيقًا كبيرًا، فزفر يزيد قائلاً بصوت خفيض لكنه مسموع لمن حوله:
-اللهم طولك يا روح
تنحنح آدم قائلاً بخشونة مستخدمًا يده في التلويح:
-شهيق زفيق عشان نهدى
صححت له شيماء كلمته الخاطئة قائلة:
-اسمه زفير يا أندومي!
رد عليها غير مكترثٍ:
-أي حاجة، هو أنا هاشتغل مدرس
زمت شفتيها قائلة بعبوس طفيف وهي تغمز له:
-ماشي يا سي آدم، لينا بيت
ابتسم لها دون أن يضيف المزيد فيكفيه أن صرف أذهان الجميع عن الخناق والعتاب ليضفي هو بروحه المرحة أجواءً لطيفة عليهم.
............................................
منحتهما غرفة صغيرتها كمكان معزولٍ ليتحدثا فيه بخصوصية قبل أن يتركها ويعود إلى مهامه العسكرية، جلست فرح على طرف الفراش تهز ساقها بعصبية واضحة بينما وقف يزيد قبالتها يراقبها بأعين ثاقبة واضعًا كلتا يديه على منتصف خصره، تحرك نحوها مرخيًا ذراعيه وهو يقول بصوته الأجش:
-فرح أنا وعدتك هاكلم محامي يمشي في إجراءات القضية
توقفت عن تحريك ساقها لتنظر إليه بأعينها المحتدة وهي ترد بانفعال:
-ده مش موضوعك!
استشاطت نظراته من طريقتها الغريبة معه، وتضاعفت ثورته المتعصبة بداخله بعد أن أكملت بندمٍ:
-أنا من الأول اللي غلطت
قبض يزيد على ذراعيها يهزها منهما بعنف هادرًا بحدة:
-غلطتي في ايه فهميني؟
حاولت انتزاع نفسها من بين قبضتيه اللاتين تعتصران جسدها مرددة بصوتٍ شبه مختنق:
-إني حبيت من تاني واتجوزت، مكانش لازم أعمل كده
رفض تحريرها صارخًا فيها بقوة:
-ليه كل ده، فهميني يا فرح؟!
ترقرقت العبرات في مقلتيها سريعًا تأثرًا بكل ما تجابهه بمفردها من ضغوطات تفوق قدرتها على الاحتمال، واصل يزيد صراخه بها قائلاً:
-أنا من الأول عارف بحكايتك، إنتي مفكرة الجيش لعبة؟ لأ يا فرح قبل أي حد ما يلتحق حتى بالخدمة فيه بيتعمل عنه تحريات هو ذات نفسه مايعرفهاش!
أرخى قبضتيه عنها حينما رأى عبراتها تنساب ليقول بصعوبة محاولاً ضبط أعصابه من جديد:
-اللي مستغربه إن أهل الـ... مرحوم يعملوا كده فيكي
فركت فرح ذراعيها بكفيها مبررة تصرفهم:
-جايز لأن مامته كرهتني بعد اللي حصل، مع إن والله أنا كنت بأحبها وباعتبرها في مقام ماما
انزعج من حديثها المسترسل عن عائلة زوجها المتوفي وكأنهم لم يرتكبوا في حقها أي شيء، ابتعد عنها متجهًا نحو خزانة الثياب، ضرب ضلفتها بعنف مفرغًا غضبه المشحون فيها، انتفضت من عنف ضربته وانكمشت على نفسها، استدار ليواجهها قائلاً بقوة:
-انسي اللي فات يا فرح زي ما بأقولك، وركزي في حياتنا أحسن
كفكفت عبراتها المنسابة على وجنتيها بظهر كفها لتقول بنبرة مختنقة:
-حياتنا انتهت قبل ما تبتدي!
أخرجته عن شعوره بجملتها الأخيرة تلك، انفلتت أعصابه المستثارة مسبقًا، لم يشعر بنفسه وهو يندفع نحوها من جديد ليمسك بها من كتفيها يهزها بعنف، تأوهت من ألمه الذي أحدثه بها، صرخ بها منفعلاً بغضب يصعب السيطرة عليه:
-فرح إنتي مجنونة؟ إيه الكلام ده
حاولت أن تستجمع شجاعتها أمامه، أن تتحمل غضبه وقوته لتدافع عن اعتقادها، ردت بصلابة رغم اهتزاز نبرتها:
-لأ، أنا دلوقتي عقلت، لازم كل حاجة تتصلح وترجع زي الأول!
عادت نبرتها للاختناق حينما أكملت متذكرة والدتها الراحلة:
-مع إنه صعب أوي
حدق فيها بأعين تشتعل غيظًا من تفكيرها الأحمق والمحدود، هي تنظر للأمور من أفق ضيق، تحصر نفسها في بوتقة الأحزان رافضة منح نفسها فرصة للتعامل مع ما تتعرض له بعقلانية، صرخ فيها باستياء دون أن يفلتها من قبضتيه:
-إنتي هاتجنني معاكي
ردت بقوة رغم تسرب العبرات من طرفيها:
-كفاية عليا حزني على ماما، أنا مش عاوزة حاجة تانية تكسرني
أرخى قبضته عن كتفها الأيسر ليقبض على فكها، رفع وجهها إلى وجهه محدقًا أنظاره في عينيها اللامعتين:
-فوقي واسمعيني، الهبل اللي في دماغك ده لازم تنسيه
ردت بصوتٍ مختنق:
-هو بالعافية؟
رد متحديًا بصرامته المعهودة:
-اعتبريه زي ما تعتبريه، أنا سايبك تهدي هنا كام يوم، بس أما هارجع هـ.......
على إثر صراخه المرتفع دق آدم الباب قبل أن يفتحه ويلج للداخل ليردد مازحًا:
-مسا مسا يا يزيد، يالا يا باشا اتأخرنا
تجمد في مكانه مصدومًا حينما رأى الالتحام بينهما على أشده، اضطر يزيد أن يحرر زوجته لتراجع مبتعدة عنه دون أن يتركها بنظراته المحتقنة، وقف آدم بينهما بجسده موزعًا أنظاره عليهما وهو يقول ساخرًا:
-كويس إني بأتدخل في الوقت المناسب بدل ما تولع وألاقيك مستدعي الفرقاطة باللي عليها هنا!
رد عليه يزيد بخشونة وقد قست تعبيراته على الأخير:
-بينا بدل ما أعمل حاجة أندم عليها
ولجت شيماء هي الأخرى إلى داخل الغرفة لتجد الموقف محتدم وعلى أشده، استشعرت اشتعال الأمور بينهما من جديد، وقبل أن يدفعها فضولها للسؤال تحرك يزيد نحو الباب مندفعًا نحو الخارج بخطى سريعة، لحق به آدم تاركًا المسئولية بالكامل لزوجته لتتعامل معها بروية، وما إن تأكدت فرح من خروجهما حتى انهارت باكية وهي تجلس على الفراش، خبأت وجهها بين راحتيها قائلة بأنين حزين تشكوها تصرفاته المتعصبة معها:
-شايفة؟
جلست شيماء إلى جوارها تمسح على ظهرها برفق قبل أن تضمها إلى صدرها وهي تقول بهدوء في محاولة بائسة منها لتهوين الوضع عليها قليلاً:
-اهدي يا حبيبتي، كل حاجة هتبقى كويسة
استندت برأسها عليها مواصلة بكائها الحزين، همست بأسى:
-محدش حاسس بيا
حاوطتها بكلا ذراعيها لتشد من ضمها لها قائلة بتبرير:
-أنا فاهمة ومقدرة الظروف اللي إنتي فيها، بس إدي فرصة ليزيد يقف جمبك، صدقيني والله ده بيحبك
رغم يقينها بأنه يكن لها من المشاعر ما يفيض ويغطي على جميع أوجاعها إلا أنها كانت تعاني من صراعٍ نفسيٍ جعلها تشعر بشيء يثير الشكوك بداخلها حول مصداقية مشاعرها نحوه، فقدت رغبتها في القتال والاستمرار مستسلمة لأحزانها الممزوجة بذكرياتٍ مخادعة لم تترك لها إلا بقايا مؤلمة.
..............................................
رفض زوجها الذهاب معها وتركها تلاقي مصيرها، فتوجهت بصحبة أحد المحامين للمخفر، وبعد ساعات من التحقيق معها في المحضر المقام ضدها أُخلي سبيلها بضمان مالي كبير، جرجرت كريمة أذيال الخيبة ورائها وهي تخرج من مكتب وكيل النيابة مستندة بيدها على الحائط، هرولت كاميليا نحوها لتحدق في وجهها الذابل بنظرات متوترة، هتفت متسائلة بخوف وهي تزدري ريقها:
-خير يا ماما؟
رفعت والدتها رأسها المنكسة بخزي للأعلى لتنظر في عينيها بشرود، فالخطب جلل بالتأكيد، ولن يمر الأمر على خير مثلما كانت تتوهم، تخلى عنها قريبها ذو السلطة وباتت بمفردها، هي طاوعت شيطان رأسها وعاندت دون اكتراث بالعواقب الوخيمة لجريمتها فباتت متهمة بالكذب والتدليس بالإضافة إلى التشهير والتزوير، كم من القضايا الشائكة ظهرت لها من عدم لتقضي على ما تبقى من سنوات عمرها في محاولة النجاة منهم جميعًا، شعرت بوهن كبير يجتاح بدنها المرهق، لم تستطع الصمود أكثر من ذلك، همست لها بصوت مختنق وهو تشير بيدها:
-أنا روحت في داهية خلاص!
تثاقل جسدها الذي لم يتحمل المزيد من الصدمات، فترنحت مهددة بفقدان وعيها، جزع قلب ابنتها فصرخت مستغيثة وهي تحاول إسنادها لتمنعها من السقوط:
-حد يلحقني، ماما!
على إثر صرختها المفزوعة تجمع الكثير من الأشخاص لمساعدتها بعد أن فقدت أمها وعيها وانهارت على الأرضية الصلبة.
.........................................
ترك لنسماته الباردة مهمة تبريد صدره المثقل بالهموم محدقًا في أمواجه المتلاطمة بشرود عميق، عاد من جديد لنقطة الصفر معها بعد أن ظن أنه قطع شوطًا في علاقتهما المستقرة، تنفس بعمق طامعًا أن يتكفل البحر بإسكان العواصف المهتاجة بداخله، تابعه آدم من الخلف بعد أن أعطى أوامره لضباط الصف ليتحرك نحوه، وقف إلى جواره منتصبًا بجسده عند مقدمة الفرقاطة مستندًا على حافتها بيديه، التفت نحوه قائلاً بهدوء:
-لسه بتفكر في اللي حصل؟
أجابه يزيد بتنهيدة دون أن يدير رأسه:
-أنا مبقتش عارف أعمل معاها إيه
رد عليه رفيقه بنبرة عقلانية
-الموضوع محتاج شوية وقت، وكل حاجة هاترجع زي الأول وأحسن
تحدث يزيد من زاوية فمه قائلاً بعدم اقتناع:
-مش باينلها
حاول آدم أن يبتسم وهو يضيف:
-طيب سيبك من مشاكل الستات وخلينا في شغلنا
التفت ناحيته مجددًا ليصغي له بانتباه واضح وهو يكمل بجدية:
-دلوقتي عندنا أوامر بالتجهيز لمناورة مشتركة مع وحدات عربية
أومأ يزيد برأسه مرددًا باقتضاب:
-تمام
استأنف حديثه موضحًا أهمية الأمر:
-وهايكون فيها تدريب على تنفيذ معركة تصادمية في عرض البحر، ده غير عمليات الإنزال و....
قاطعه بحماسٍ مفاجئٍ:
-حلو أوي، محتاجين نجهز لكل ده
رد عليه آدم بثقة:
-رجالتنا جاهزين، وأنا إديت الأوامر خلاص
ضرب يزيد بيده على ذراعه قائلاً بابتسامة باهتة:
-كويس، فرصة نتلهى فيها شوية
فرك آدم طرف ذقنه مازحًا:
-أكيد، ده احنا هنتنفخ، مش عارف أقولك ايه يعني، المرادي وصاية
وكأن عقله قد أضاء بفكرة ما اعتقد أنها ستفلح معها، هتف مفكرًا بصوتٍ مرتفع وقد تحولت تعابيره الجادة للحماسة:
-بأقولك ايه في دماغي فكرة كده، لو ظبطت تبقى فرصة
بدا آدم كمن يقرأ أفكاره بوضوح فهتف بنزق:
-اوعى تقول إنك عاوز تجيب فرح تغطي الليلة
التوى ثغره بابتسامة ماكرة وهو يرد:
-احنا نحط اسمها ونوصي عليه عند القادة، تبقى المراسلة البحرية و...
قاطعه آدم بتوجس ملحوظ:
-شكلك ناوي تعيده تاني
لكزه بظهر كفه قائلاً بغرور وهو يغمز له بطرف عينه:
-بس المرادي بمزاجي أنا!
لم يبدو عليه التأثر بكم الحماس المريب على وجه رفيقه، بل على العكس كان مزعوجًا من فكرته تلك حتى وإن بدت له منطقية لإعادة لم الشمل، همس من بين شفتيه قائلاً:
-ربنا يستر
............................................
حاليًا ذئاب لا تغفر ورقي بمعرض الاسكندرية للكتاب
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل السابع 7 - بقلم Manal Salem
الفصل السابع
ولأنها تشكل محور حياته واعتاد على البوح بكل ما يخصه لها، فلم يستطع منع لسانه من الصمت عن كشف مخطط رفيقه لإحضار زوجته بالطرق الرسمية لتكون إلى جواره في مهامه التدريبية، تملك شيماء الحماس معتقدة هي الأخرى أنها فكرة جيدة لرأب الصدع في علاقتهما المهتزة حاليًا وتوطيد الصلة بينهما، توجهت سريعًا إلى غرفة صغيرتها سلمى حيث تلاعبها فرح ببراءة فغفت الصغيرة من كثرة اللهو والضحك بين يديها، دثرتها جيدًا في الفراش ثم سردت عليها بإيجاز ما أبلغه به آدم، تعقدت تعبيراتها وتحولت نظراتها للانزعاج، عبست فرح بفمها هاتفة باحتجاج شديد:
-لأ طبعًا مش موافقة! هو مصدق
انزوى ما بين حاجبيها باستغراب وهي تقول:
-ده آدم بيقولي فرصة حلوة ليكي، هاينقلك في مجالك و...
قاطعتها بإصرار عنيد رافضة الإصغاء لها:
-مش هايحصل، أنا ويزيد مش هانتجمع في مكان تاني مع بعض
انتابتها حالة من القلق بسبب عنادها الرافض، فسألتها بتوجس:
-ليه بس كده؟
ردت مبررة وقد تشنجت تعابير وجهها:
-موضوع إني أكون مراسلة صحفية معاه بقى بايخ أوي، وقديم ومتكرر!
استنكرت شيماء أفقها المحدود والضيق في تفسير الأمور قائلة:
-مش ده شغلك
ردت عليه موضحة موقفها الرافض:
-ايوه بس مش معاه!
ضاقت نظراتها لتضيف بانفعال ملحوظ:
-أنا ممكن أشتغل في أي مكان تاني إلا إني أكون وياه، لأ وفي الوقت ده بالذات!
تعجبت كثيرًا من حالة الرفض المسيطرة عليها، والتي كانت منافية للمنطق، فيزيد زوجها ويحبها حبًا جمًا، وهي لا تريد إعطاء ذلك الحب فرصة للنمو، دنت منها شيماء واضعة يدها على ذراعها لتضغط عليه قليلاً وهي تقول بتريث محاولة إقناعها بالعدول عن رأيها الخاطئ:
-يا فرووحة إنتي مش مدينة نفسك فرصة أبدًا، عاوزة تفضلي حابسة نفسك في الأحزان وبس، وده غلط عليكي!
زمت فرح شفتيها نافخة بصوت مسموع قبل أن ترد بضجر:
-أنا عاوزة أعرف راسي من رجليا!
توترت نظراتها وهي تكمل بصعوبة:
-أنا عاوز أرتب حياتي الأول، كل حاجة بقت ملخبطة معايا جدًا
مدت شيماء يدها لتضعها على وجنتها، مسحت عليها برفق، ثم ابتسمت قائلة بود:
-معلش يا حبيبتي، فترة وهتعدي!
تحولت تعبيراتها للجدية حينما تابعت علها تستطيع استمالة عقلها وإزالة تلك الغشاوة عنه:
-وبعدين إنتي ربنا بيحبك، تخيلي لو كنتي عرفتي بكدب اللي ما يتسمى.. قصدي يعني المرحوم، ساعتها كنتي هاتعملي إيه؟ ده من رحمة ربنا إنه بعدك عن العيلة دي
لمست فيها وترًا حساسًا بالحديث عن أكذوبة حبها السابق والذي أعطته جزءًا من مشاعرها، ابتلعت فرح غصة مريرة في حلقها قائلة برجاءٍ رغم جدية نبرتها:
-بلاش نفتح في القديم
ردت عليها شيماء معللة:
-أنا عارفة إنه بيضايقك الكلام في الموضوع ده، بس إنتي بتظلمي نفسك ويزيد معاكي، ده إنسان لعب بمشاعرك وكدب عليكي واستغل حبك ليه وعاش حياته زي ما هو عاوز، ده كفاية إنه اتجوز وخلف، لأ وكان مطلقك كمان و....
قاطعتها تلك المرة بحدة رغم توسلها:
-عشان خاطري كفاية بقى
استشعرت انزعاجها الكبير من ضغطها المستمر عليها، تنهدت مرددة بهدوء:
-أنا أسفة إن كنت بأضغط عليكي، بس إنتي صعبانة عليا
أدركت أنها باتت محاصرة منها، لن تستطيع الإفلات من أسئلتها المتكررة، ومن حديثها الجاد الذي سيوقظ بداخلها المزيد من الأوجاع التي تجاهد لدفنها، لن تصمد أمامها لذلك الأسلم لها حاليًا ترك ذلك المكان قبل أن تنهار فيه، هتفت فجأة بنزق وقد تبدلت قسماتها للجمود:
-شيماء أنا هامشي
انقبض قلبها من تلك الكلمة فاعترضت طريقها هاتفة بخوف:
-رايحة فين؟
ردت بتنهيدة متعبة:
-محتاجة أفضل لوحدي فترة
وضعت شيماء يدها على طرف ذقنها تفركه بخوف، ربما أخطأت في بوحها بما لا يجب قوله، حاولت إنقاذ ما يمكن إنقاذه قائلة:
-بس أنا وعدت يزيد إنك ......
قاطعتها مرددة بصرامة رافضة محاولاتها للنقاش:
-ده قراري
وقفت شيماء أمامها تسد عليها الباب بجسدها وهي تتوسلها:
-اهدي بس بلاش انفعال، خلاص مش هاتكلم في حاجة
هتفت فرح قائلة بعناد أكبر:
-شيماء أنا مقدرة اللي بتعمليه عشاني، بس حقيقي أنا محتاجة أكون لوحدي أرتب أفكاري كلها من أول وجديد
استسلمت الأخيرة أمام إصرارها فتركتها بالغرفة تعد حقيبتها استعدادًا لذهابها، تسللت سريعًا إلى داخل غرفتها لتتمكن من مهاتفة زوجها وتخبره بما استجد في أمرها
.................................................
وكأنها قرعت نواقيس الحرب في رأسه ليتملكه الغضب الأعمى الممزوج بنوبات انفعالاته المهتاجة، وجد رفيقه صعوبة في السيطرة عليه وضبط أعصابه المنفلتة بعد أن أبلغه بما أخبرته به شيماء، هدر يزيد صائحًا بتشنج وهو يضرب بقبضته المتكورة ضلفة دولابه المعدني بعنف:
-اتجننت دي!
أحدثت ضربته القوية صوتًا مزعجًا لكنه لا يقارن بتهديده الصريح:
-هي عاوزاني أنزل أجيبها من شعرها
اعترض آدم طريقه قائلاً بتوجس:
-اهدى بس، الدنيا ليل، إنت كده هاتعمل قلق في المكان
لوح يزيد بيده هادرًا بغيظ وقد برزت مقلتاه بحمم ملتهبة:
-ياخي هو بقى فيا عقل عشان تقولي أهدى، الهانم عاوزة تبات لوحدها وتقولي أفكر وأرتب حساباتي!
رد آدم مازحًا كوسيلة للتخفيف من حدة الأجواء المشتعلة مسبقًا:
-تلاقيها ماشية بمبدأ سترونج انديبندنت وومن (امرأة مستقلة)
هتف يزيد من بين أسنانه المضغوطة بشراسة:
-أنا هاطلع أم السترونج ده على دماغها
كتم ضحكته بعصوبة وهو يرد بمرح:
-مالكش حل، إنت.....
قاطعه يزيد بنبرة محتقنة مستنكرًا استخفافه بالأمر:
-اسكت الله يكرمك، أنا مبوء منها وعمال أصبر نفسي وأقول أديها فرصة، بكرة تعقل، لكن كل يوم بتتهبل عن اليوم اللي قبله
رد عليها وهو يومئ برأسه:
-صواميل مخها فوتت
احتقنت أعينه على الأخير وبدا وجهه أكثر تصلبًا وهو يقول بوعيد مهدد:
-بس مابقاش يزيد جودة إن ما ظبطتها من أول وجديد
استشعر آدم احتمالية إقدامه على شيء متهور ربما يدفعه للندم لاحقًا، فأردف قائلاً بنبرة عقلانية عله يصغي إليه:
-راعيها بس شوية، هي برضوه حزينة على أمها، وفي حيرة وموضوع القسم واللي حصل فيه مأثر عليها
قست نظراته قائلاً بزمجرة مقلقة:
-ده مش حجة يعني، أنا جوزها مش مرافقها
لاحظ آدم احتقان وجهه بتلك الحمرة المخيفة والتبدل السريع في حالته الهائجة، خشي من تفاقم الأمور معه فحذره بجدية:
-طيب خلاص اهدى وهانشوف هنتصرف ازاي!
احتدت نظرات يزيد قائلاً بغموض مربك:
-المرداي مش هابعتلها الشرطة العسكرية
اتسعت حدقتي آدم متسائلاً بتخوف:
-هاتعمل ايه؟!
أجابه بنبرة أكثر غموضًا أثارت الريبة في نفسه:
-هاعرفك بعدين، ما احنا حبايبنا كتير!
ابتلع آدم ريقه متيقنًا أنه رفيقه سيقدم على شيء سيبهره بالتأكيد، أخرجه من شروده السريع حينما تابع بصلابة:
-المهم دلوقتي كلم مراتك وقولتها تعمل اللي هاقولك عليه بالحرف
هز رأسه بإيماءة موافقة وهو يرد:
-ماشي
أشار يزيد بسبابته محذرًا:
-مش عاوز غلط
ضرب آدم على صدره بقوة مرددًا بتفاخر ممزوجٍ بالحماس:
-اطمن، وراك رجالة!
................................................
كان عليها أن تطيع زوجها حينما أمرها بوضع أحد الأقراص المنومة -والتي تستعملها عند الحاجة- في مشروب بارد لتخدير فرح كوسيلة خفية لتعطيلها لبعض الوقت، لم يكن الرفض خيارًا متاحًا أمامها، فامتثلت شيماء لطلبه دون نقاشٍ وشرعت في إعداد المشروب، طحنت القرص ومزجته مع السكر لتخفي طعمه ثم وضعت كأس المشروب في صينية لتتحرك بعدها في اتجاه غرفة صغيرتها، وقفت قبالة فرح مرددة بحزن ملحوظ في نبرتها:
-خلاص يا فروحة نويتي تمشي؟
أجابتها الأخيرة باقتضاب وهي تغلق حقيبة سفرها:
-ايوه
أضافت شيماء قائلة برجاء فربما تستجيب لها:
-طب استني للنهار!
ضبطت فرح من سترتها الرمادية الداكنة، وعدلت من وضعية ياقة قميصها الأسود قائلة بإصرار:
-حابة أفضل مع نفسي
يئست من إقناعها بالعكس، هي متشبثة برأيها، تنهدت قائلة وهي تمد يدها بالمشروب نحوها:
-براحتك، بس اشربي ده يروق دمك
أشارت لها فرح بكفها مرددة باعتراض لبق:
-ماليش نفس لحاجة، تسلمي
أصرت شيماء على ارتشافها إياه قائلة بإلحاح:
-معلش، ده عصير فريش هيروق دمك يا فروح، هاتكسفي إيدي؟
لم ترغب في إحزانها فتناولته منه قائلة بابتسامة صغيرة مجاملة رسمتها على شفتيها:
-طيب
بادلتها شيماء نفس الابتسامة لكنها كانت قلقة وهي تقول:
-ألف هنا وشفا
انتهت فرح من ارتشاف أغلبه ثم أسندت الكأس على أقرب طاولة لتتجه بعدها للمرآة محدقة في هيئتها لمرة أخيرة، هتفت قائلة بهدوء وهي تتأكد من ضبط رباط شعرها المعقوص كذيل الحصان:
-بأقولك أنا كنت هاطلب تاكسـ.....
بترت عبارتها مجبرة فقد شعرت بثقل كبير يعصف برأسها وبدوار عنيف يزلزل الرؤية أمامها، ترنحت في وقفتها وحاولت الاعتدال لكن ذلك الخدر المهلك تسرب إليها بقوة، أظلمت الدنيا في عينيها وقبل أن تسقط فاقدة وعيها تلقفتها ذراعي شيماء التي أسندتها بكل قوتها مانعة إياها من الارتطام، جرجرتها ببطء نحو الفراش لتمدها عليه وهي تمتم بخفوت:
-ربنا يسامحني بقى
...............................................
قطع أشواطًا من طريقه الطويل عله يصل إليها قبل أن تستفيق من غفلتها الإجبارية، تحجج لقائده برغبته في اصطحابها بنفسه لتتولى مهامها الجديدة بعد أن زج باسمها ضمن المرشحين لتغطية الأخبار الخاصة بهم كمراسلة معتمدة، ونجح في مسعاه بإقناعهم بها، بالطبع عملها السابق كان كفيلاً بتزكيتها، وصلة القرابة بينها وبين أكفأ الضباط منحها أولوية عن غيرها، بالإضافة إلى بعض التوصيات والدعم من ذوي المعارف من القادة المرموقين، وافق قائده الأعلى على طلبه مانحًا إياه إذنًا بعدد من الساعات للسفر وإحضارها، فلم يتوانَ عن القدوم إليها قاطعًا المسافات بسيارته عدوًا إليها.
جلس يزيد على المقعد الذي سحبه بالقرب من فراشها يطالعها بنظرات مطولة، حدق في ساعة يده متوقعًا عودتها بين لحظة وأخرى إلى وعيها، تأوهت بصوت خفيض وناعس وهي تحرك رأسها للجانبين، لم تفتح فرح عينيها بعد بسبب ذلك الصداع القوي الذي يؤثر عليها، تثاءبت بصوت خفيض وهي ترمش بجفنيها لتعتاد على الإضاءة، همست بصوتٍ شبه ناعس:
-دماغي تقيلة كده ليه؟ آه، أنا فين!
انتفضت في نومها مذعورة حينما رأت زوجها جالسًا قبالتها يطالعها بنظرات غريبة، استندت على مرفقيها لترفع جسدها قليلاً وهي تسأله بصوت مرتبك:
-بتعمل هنا إيه؟
تحدث من زاوية فمه قائلاً بتهكم:
-جاي في مهمة رسمية يا أستاذة
أقلقتها نبرته الغير مريحة والتي تنذرها بشيء أكثر غموضًا، انتصبت في جلستها على الفراش متابعة بتحذير شديد اللهجة:
-لو بتفكر تعمل اللي في دماغك، فصدقني مش هايحصل!
رد عليها بهدوء مريب:
-وإنتي تعرفي دماغي فيها إيه؟
أجابته بثقةٍ:
-أيوه
كتف يزيد ساعديه أمام صدره متسائلاً بغرور وتلك الابتسامة المتغطرسة تعلو ثغره وكأنه يتعمد الاستخفاف بقدراتها العقلية:
-طب قوليلي يا سيادة المحققة المحترفة أنا بأفكر في إيه؟
استشعرت طريقته المستهزئة بها فهتفت بانفعال مستخدمة يدها في التلويح:
-أنا مش هاروح معاك في حتة، ولو حكمت هاستقيل من شغلي خالص عشان ترتاح و.....
تلجلجت نبرتها حينما أرخى ساعديه لينحني بجسده نحوها فتراجعت بتوتر للخلف متحاشية اقترابه المقلق، حدق فيها بنظرات أكثر إصرارًا عن ذي قبل، نظرات تفهمها جيدًا، همس لها من بين شفتيه قائلاً بثقة أصابتها بالاضطراب:
-ده في عرفك! مش في عرفنا!!
ازدردت ريقها بارتباك أكبر مستشعرة قوته من مجرد لفظ تلك الكلمات الموحية بالكثير، استجمعت جأشها لتقول بتحدٍ:
-وأنا مش هاروح معاك في حتة!
رأت ابتسامة ماكرة تتشكل على ثغره امتزجت بقوة نظراته، أشاح بوجهه للجانب صائحًا بنبرة عالية:
-آدم!
جفل جسدها من صوته المرتفع، وزاد توترها مما ينتوي على فعله، لمحت آدم وهو يلج للغرفة ليظهر أمامها حاملاً بعض الأوشحة السوداء في يده، انزوى ما بين حاجبيها باستغراب، لم تكد تفيق من دهشتها المتسائلة حتى داهمها يزيد بتطويق ذراعيها، صرخت مفزوعة وهي تسأله:
-إنت بتعمل إيه؟
رد ببرود شل تفكيرها مؤقتًا:
-اختطاف قسري!
وقبل أن تشرع في الصراخ حذرها بصرامة:
-لو صوتي الفضيحة ليكي!
نظرت بأعين قلقة إلى رفيقه تتوسله:
-خلي صاحبك يعقل، بلاش جنان
رد آدم بمزاح وقد رسم علامات الجدية على تعبيرات وجهها:
-سيادتك أنا بأخد الأوامر منه ولو خالفته هيوديني ورا الشمس
استشاطت نظراتها من دعمه له، وما زادها غيظًا هو مساعدته في تقييد يديها بأحد تلك الأوشحة –وكذلك قدميها- هدرت فيه بصوت متشنج مهددة إياه:
-هشتكيك للقادة بتوعك، هاقولهم على اللي بتعمله!
رفع حاجبه للأعلى مرددًا بعدم اكتراث:
-وماله!
كمم آدم فمها ليمنعها من التفوه بأي حماقات لا تعرف توابعها، خاصة أن طليقة رفيقه السابقة "هايدي" استخدمت مثل تلك العبارات في تهديده سابقًا، وأتت النتائج سيئة على الجميع، مرر يزيد ذراعيه أسفل جسدها ليتمكن من رفعها من على الفراش، انتفضت كليًا محاولة الخلاص منه، لكن بالطبع فشلت مقاومتها وحملها عنوة نحو الخارج، نظرت لها شيماء بإشفاق فلم يكن بيدها أي حيلة، فزوجها يهتم حقًا بأمرها وهي لا تعطيه الفرصة لإظهار ذلك، هتفت قائلة برجاءٍ:
-خد بالك منها
التفت يزيد برأسه نحوها قائلاً:
-اطمني، دي مراتي برضوه
تلوت فرح أكثر بجسدها مستجمعة كل قواها لتتحرر من قبضتيه المحكمة حولها، لم يهتم كثيرًا بما تفعله، أدار رأسه للجانب الأخر قائلاً بصيغة آمرة:
-غطي وشها
اتسعت حدقتاها باستنكار أكبر حينما رأت آدم مقبلاً عليها وهو يقول:
-دي أوامر
غلف عينيها بالوشاح فحجب الرؤية كليًا عنها ليزداد الوضع غرابة وغموضًا معها، تراجع مبتعدًا بعد أن أتم مهمته ليودع زوجته التي أوصته بإبقاء أعينه مفتوحة على كليهما ليتدخل وقت اللزوم بينهما، اقترب يزيد من باب المنزل، فألقى بها على كتفه مكملاً سيره نحو الخارج ليصطحبها معه بالإكراه ............................... !!!
..........................................................
حاليًا ذئاب لا تغفر ورقي
معرض الاسكندرية للكتاب
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل الثامن 8 - بقلم Manal Salem
الفصل الثامن
وبحذر شديد أجلسها على المقعد الخلفي بسيارته متأكدًا من تمددها عليه، ظلت فرح تتلوى بجسدها محاولة الخلاص من القيود الإجبارية التي شلت حركتها بالكامل، مال يزيد على أذنها يهمس لها بشيء ما، ثم اعتدل في وقفته قبل أن يصفق الباب ويلتف حول السيارة ليجلس خلف المقود، تبعه آدم ليلحق به كي يضمن عدم تطور المشادات بينهما، هتف متسائلاً بجدية:
-كله تمام معاك؟
التوى ثغر يزيد قائلاً بثقة مغترة:
-اطمن! دي مراتي
سأله مهتمًا:
-احنا رايحين فين دلوقتي؟
أجابه بغموض زاد من ريبة زوجته الأسيرة بالخلف:
-هتعرف!
نظر له آدم مطولاً محاولاً سبر أغوار عقله، فعادة حينما يقدم رفيقه على أمر ما لا يفعله إلا أن كان مدروسًا وبعناية، لكن مع زوجته وتصرفاتها الغريبة مؤخرًا أصبح التنبؤ بأفعاله شيئًا مقلقًا، ضبط يزيد من وضعية المرآة لتظل أنظاره مسلطة على زوجته التي لم تتوقف عن الحركة أو الحديث بصوتها المكتوم طوال الطريق، بعد برهة وصل بها إلى بنايتها السابقة، صف السيارة أمام المدخل، فتساءل آدم بفضول:
-احنا بنعمل ايه هنا؟
غمز له يزيد دون أن يجيبه ليثير في نفسه الشكوك أكتر، لم يتوقف عقل فرح عن التفكير فيما تلتقطه أذنيها من كلمات مقتضبة تضاعف من قلقها وخوفها، بالطبع فهمت أنه يفعل ذلك عن قصد ليجعلها تعيش في حالة من التخبط والحيرة حتى لا يفسد عليها أي محاولة للمقاومة أو الرد بشراسة، هو يتعمد استخدام تكتيكات الحرب واستراتيجيات التخطيط معها وكأن ما بينهما معركة حامية، أخرجها من تفكيرها المحتقن ضده شعورها بيديه عليها، انتفضت أكثر مع رفعه لجسدها ليحملها بين ذراعيه نحو المجهول، لم ترَ أي شيء بسبب الوشاح الذي يعصب عينيها، لكنها خمنت أنها لم تبتعد عن القاهرة، فلم يتحرك بالسيارة لمسافة طويلة، سمعت صوته الآمر يردد:
-استناني هنا شوية
أتاها صوت آدم قائلاً:
-ماشي، بس مـ...
قاطعه يزيد بجدية:
-خلاص بقى!
ظلت رغمًا عنها مستسلمة لحمله لها حتى سمعته يفتح باب منزل ما، هنا ازداد خوفها وارتعدت أوصالها، وتضاعفت دقات قلبها، ورغم ذلك تسرب إليها إحساسًا بالارتياح والسكينة، كان بالمكان رائحة ما تعرفها جيدًا، شيئًا جعل خوفها يخبو ويتضاءل تدريجيًا، لم تدم رهبتها كثيرًا حينما وضعها على الفراش مزيحًا العُصابة عن عينيها، رمشت بجفنيها عدة مرات لتعتاد على الإضاءة قبل أن تدير رأسها في كافة الاتجاهات لتكتشف أين هي.
تجمدت نظراتها على كل قطعة بالغرفة، إنها في منزلها القديم، وتحديدًا في غرفة والدتها وعلى فراشها، أدمعت عيناها تأثرًا، جلس يزيد إلى جوارها على الفراش ممددًا يده نحو بشرتها، ابتسم لها قائلاً:
-فراشتي، أنا جبتك هنا زي ما كان نفسك
لم تستطع الرد عليه بسبب تكميمه لفمها، لكن نظراتها الممتنة كانت واضحة للعيان، تابع مضيفًا بتحذير:
-أنا هاشيل البتاعة دي عن بؤك، بس يا ريت ما تعمليش حاجة مجنونة!
أومـأت برأسها بالإيجاب فأزاحها عنها، لكنه لم يحل بعد وثاق يديها أو ساقيها، خرج صوتها متحشرجًا وهي تقول:
-إنت بتعمل ليه كده؟
احتضن وجهها بين راحتيه قائلاً بخفوت وهو ينظر مباشرة في عينيها اللامعتين:
-عشان مش عاوزك تبعدي عني!
خشيت من الاستسلام لمعسول كلماته الدافئة التي تخدر أوجاعها، فأخرجت تنهيدة مثقلة بالكثير من صدرها، تابع هامسًا بابتسامة صغيرة:
-احنا اتفقنا ننسى اللي فات، صح؟
وكأنها تحاول الهروب من حصار أسئلته التي تبدد خوفها، فرفعت يديها المقيدتين أمام وجهه لتقطع تأمله العاشق لها، أخفض قبضيه عنها ليحل وثاقها ضاغطًا على شفتيه مرددًا:
-كل حد فينا مر بتجارب قاسية، وعاش وقت صعب، فمش عاوزين نقف عند اللي حصلنا كتير
تابع فك وثاق ساقيها مضيفًا:
-ارمي ورا ضهرك وكملي حياتك عادي
فركت فرح معصميها دون أن تنبس بكلمة حتى هتف ناطقًا بنبرة أذابت حصونها الجليدية:
-أنا بأحبك، ومش هاتخلى عنك
تجمدت أعينها على وجهه الذي أشرق مع نظراتها إليه، مد يده يتلمس بشرتها فسرى تيارًا قويًا في جسدها، همس لها يزيد مؤكدًا:
-الحب بينا كان وليد اللحظة، كبر رغم المشاكل والظروف، فبلاش نضيعه في لحظة مالناش ذنب فيها
ردت بصعوبة مقاومة موجة العواطف التي تحاصرها:
-خايفة أصدق وأعيش الوهم من تاني
ابتسم قائلاً بعذوبة وهو يمسح على وجنتها برفق:
-حبنا مش وهم!
انسابت دمعة حبيسة من طرف عينها لم تستطع منعها من الانهمار لتترك العنان بعدها للبقية، حزت رؤية عبراتها في نفسه وأوغرت قلبه نحوها، هو مدرك لحجم الصراع الداخلي في نفسها، أراد أن يخرجها من تشتتها ويعبر عن حبه الصادق لها، بلا تفكير طويل أحنى رأسه على شفتيها طابعًا قبلة حسية عليهما، تفاجأت فرح بما فعلته واتسعت حدقتاها باندهاش مصدوم مع ازدياد دقات قلبها، زاد من تعميق قبلته ليمنعها لحظيًا عن التقاط أنفاسها سامحًا للمزيد من مشاعره المتلهفة لها بالتدفق إليها.
تراجع برأسه مبتعدًا عنها هامسًا بصوت شبه لاهث:
-بأحبك يا فراشتي!
نظرت له مصدومة وقد نهج صدرها من فرط الحماس المفاجئ، احتضن وجهها براحتيه ليقربها إليه من جديد معاودًا تكرار قبلاته المشتاقة لها، لم تبدِ أي مقاومة معه، همس لها من بينهم:
-هافضل جمبك على طول
ارتوت فرح لبرهة من عواطفه الجياشة التي أذاقها لها بالتتابع، تناسى كلاهما للحظات ما وقف عائقًا بينهما، حثته استجابتها المقننة على زيادة جرعة مشاعره بتمهل حذر حتى انخرطا كلاهما في مشاعر أشد قوة وأكثر التحامًا.
......................................
على الجانب الأخر ظل آدم مرابطًا أمام باب السيارة يراقب المارة بنظرات شاردة في بعض الأحيان، وبنظرات مزعوجة في أحيانٍ أخرى، طرق بأصابعه على سقف السيارة متسائلاً بامتعاض:
-هو طول فوق معاها كده ليه؟
هو يعلم أن رفيقه يرغب في مساحة من الخصوصية للحديث مع زوجته وإقناعها بسوء اعتقادها فيه، لكن ما يقلقه هو احتدام الجدال بينهما وربما تطوره للأسوأ، مط فمه للجانبين مضيفًا بتوجس طفيف:
-ربنا يستر وماتقلبش معاهم بخناقة
انتبه لتلك الاهتزازة القوية في جيب بنطاله العسكري فأخرج هاتفه منه لينظر في شاشته، فرك طرف ذقنه مرددًا لنفسه بعد أن عرف هوية المتصل:
-مش مريحة نفسها، ولا مخبرين الحكومة
ضغط آدم على زر الإيجاب هاتفًا بمرح:
-أهلاً بالشاويش عطية
ردت شيماء بحدة ظاهرة في نبرتها:
-بطل بواخة وقولي إنت فين؟
أجابها بغموض استفزها:
-في أرض الله الواسعة
صاحت به هاتفة بانفعال:
-إنت لازم تدوخني معاك يا آدم، قولي يزيد عمل ايه مع فرح؟
أجابها باقتضاب:
-ولا أعرف
سألته بفضول أكبر:
-ليه هو إنت مش معاهم؟
أجابها بتبرم متلفتًا حوله:
-أنا مذبول تحت يا حاجة
ردت متسائلة باهتمام:
-مذبول، مش فهماك، حصل إيه عندك؟
أوضح آدم مقصده قائلاً بتنهيدة متعبة وهو يعاود الجلوس داخل السيارة:
-يزيد أخد فرح وطلع على بيت أمها وأنا مستنيهم تحت
أتاه صوتها الصارخ بعصبية:
-وليه تسيبهم لوحدهم؟
مرر آدم يده على رأسه يفركها عدة مرات وهو يقول باستنكار:
-راجل ومراته، طبيعي يعقدوا يتكلموا لوحدهم ولا لازم أكون عزول بينهم؟!
هدرت فيه بضيق:
-مش جايز يتخانقوا ولا يمد ايده ويضربها وتبقى ولعت على الأخر، كلم صاحبك وشوف بيعمل ايه وطمني بسرعة، يالا سلام!
أبعد الهاتف عن أذنه ليحدق في شاشته مصدومًا، لكن أنهت زوجته المكالمة معه فجأة دون سابق إنذار ليردد بعدها بازدراء:
-وربنا رفدي من الخدمة على إيدكم إنتو الجوز!
..........................................
ربما لحاجتها الملحة لمشاعر تحتويها وتسحبها إلى عالم أخر بعيدًا عن أحزانها المتواصلة كان السبب الرئيسي في تجاوبها مع أحاسيسه القوية، تخلت فرح عن حذرها وتذوقت معه طعمًا جديدًا لمفهوم الحب العميق، خطت بإرادتها نحو ما قدمه لها منتظرة أن يغدق عليها بالمزيد، تمددت على الفراش وهو إلى جوارها حاجبًا عن عقله كل شيء إلا التعبير عنه عشقه لها، انحنى يزيد عليها مستندًا بمرفقيه على جانبي الفراش لينظر لها عن قرب شاعرًا بحرارة أنفاسها تداعب وجهه وتلهب قلبه أكثر، طالعها بنظراته العاشقة مكتفيًا بلغة الصمت في تلك اللحظة الخاصة جدًا، ولكن أتت الرياح معهما بما لا تشتهيه السفن، قطع خلوتهما رنين هاتفه المحمول فتصلب جسده وتبلدت حواسه، أطلق يزيد سبة خافتة من بين أسنانه المضغوطة وهو يبتعد عن فرح التي تراجعت للخلف ململة شتات نفسها بخجل كبير رغم كون ما تفعله معه طبيعيًا.
نهض عن الفراش ليجيب عن الهاتف وهو يقول بحنق بائن في نبرته:
-عاوز إيه؟
رد عليه آدم قائلاً:
-إنت هتبات عندك فوق، ما تنزلوا بقى
سبه يزيد منفعلاً:
-تصدق إنك..............!!
تحرجت فرح من طريقته الحادة في الحديث رامشة في عينيها وهي تحاول ضبط انفعالاتها المرتبكة، هتف آدم متسائلاً بضيق:
-طب وليه الغلط بس
هدر فيه يزيد بصرامة شديدة:
-اقفل يا آدم السعادي
-اوعى تكون اتعصبت على البنية الغلبانة اللي معاك
رد عليه مغتاظًا من مماطلته وثرثرته الزائدة:
-إنت ناوي على موتك النهاردة
تذكرت فرح أن آدم بصحبتهما ينتظرهما بالأسفل، هو لم يصعد معهما لمنزلها وبالتالي انزعج من تأخيرهما الغير مبرر، بل وربما هداه تفكيره لشيء تخجل من التفكير فيه، هتفت بصوت متوتر:
-قوله احنا نازلين
استدار يزيد برأسه نحوها مبديًا سخطه من فساد لحظاته معها مرددًا بتهجم:
-عاجبك كده
رد عليه آدم بنبرة حائرة:
-هو في إيه؟ أنا مش فاهم حاجة
توعده قائلاً بعيظ:
-هاطلعهم على جتتك
ضبطت فرح من هيئتها وهي تحرك جسدها لتنهض عن الفراش مستشعرة تلك السخونة الفائقة المنبعثة من بشرتها، خجلت كثيرًا مما أقدمت عليه، عضت على شفتها السفلى مسرعة في خطواتها قبل أن يراها زوجها، لكنه التفت نحوها فاعترض طريقها بجسده متسائلاً بجدية:
-استني رايحة فين
ارتبكت أكثر وتحاشت النظر إليه وهي تجيبه بتلعثم:
-احم.. أنا داخلة الحمام
مسح بظهر كفه على صدغها بنعومة مستشعرًا رعشتها الخفيفة من تلمسه لها وهو يهمس لها بنبرة ذات مغزى:
-احنا ملحقناش نكمل آ.......
قطم عبارته عمدًا ليميل برأسه نحوها آملاً أن ينال من على شفتيها المغريتين قبلة أخري لكنها أبعدت وجهها عنه قائلة بجدية لا تتناسب مع الموقف:
-وقت تاني، دلوقتي ورانا شغل يا سيادة المقدم!
رفع حاجبه للأعلى مستنكرًا ما تردده، ابتسمت له ابتسامة متسلية وهي تقول بعبث غامزة له بطرف عينها بثقة لا تعرف من أين أتتها في تلك اللحظة:
-وإنت عارف الأوامر .. أوامر!
رد عليها متحديًا:
-شكلي أنا اللي لبست
لم يسمح لها بالمرور وحاوطها فجأة من خصرها بذراعيه، قربها إليه بقوة ملصقًا جسدها به، شهقت مذهولة من حركته المباغتة تلك، ونظرت له بتوتر أكبر
تابع مضيفًا بغطرسة:
-مش المقدم يزيد جودة اللي ينسحب من معركته في أولها
انفرجت شفتاها معبرة عن صدمة أكبر فتلقاهما بشفتيه ليكمل معركة مشاعره الحماسية معها بصورة عملية.
.............................................
ضجر من انتظاره المطول بالأسفل في السيارة فآمال مقعده المنتصب ليتحول إلى ما يشبه الفراش مستدعيًا سلطان النوم ليؤدي عمله المعروف، أفسد عليه أمنياته اتصالات شيماء المتكررة والتي نغصت عليه هدوئه، اعتدل في جلسته هاتفًا بتبرم:
-ارحمي أمي شوية بقى
هتفت شيماء بغضب:
-ما أنا لو ينفع أجي عندك كنت جيت، بس بنتك مدوخاني معاها، وأنا عقلي مش فيا و....
قاطعها قائلاً بهدوء علها تصمت قليلاً وتكف عن مخاوفها الغير صحيحة:
-يا شيموو يا حبيبتي، سيبي الراجل يتفاهم مع مراته على طريقته
ردت موضحة سبب خوفها:
-فرح راكبة دماغها على الأخر، ويزيد عنيد ومش هايسكت، يعني هتولع يا آدم
رد مبتسمًا بثقة:
-لأ، اطمني
صاحت فيه بحدة:
-إنت على قلبك مراوح
هتف مازحًا:
-وإنتي الصادقة تكييف 8 حصان!
توعدته قائلة بغيظ:
-ماشي يا آدم، مسيرها تتردلك!
لمح بطرف عينه أطياف أشخاص ما تأتي من المدخل، دقق النظر فاتضحت الرؤية كاملة أمامه، فهتف بحماس عجيب بعد أن رأى يزيد مقبلاً عليه مشبكًا كفه في يد زوجته:
-أهوم نزلوا وجايين عليا
سألته شيماء بتلهف:
-ها فرح عاملة إياه؟
أجابها بمرح:
-الضحكة من الودن للودن!
ردت غير مقتنعة:
-شكلك بتشتغلني و......
ابتلعت عبارتها مجبرة حينما سمعت فرح تقول برقة:
-معلش عطلناك
ترجل آدم من السيارة قائلاً بابتسامته اللطيفة:
-عادي ولا يهمك، طمنوني إيه الأخبار معاكو؟
أجابه يزيد بنبرة ذات مغزى وهو يشير له بعينيه:
-زي ما إنت شايف، سمنة على عسل!
لكزه برفق في كتفه مداعبًا:
-أموت أنا في الفطير المشلتت!
كتمت فرح ضحكتها بصعوبة وهي تستقل السيارة في حين استدار يزيد نحوها ليتخذ موضعه فيها، وضع آدم الهاتف على أذنه من جديد هامسًا:
-سامعة يا شيموو، سلام يا رويتر الشرق الأوسط!
دس الهاتف في جيبه ليجلس في المقعد الأمامي إلى جوار رفيقه، التفت برأسه للخلف محدقًا في وجه فرح المتورد وهو يقول:
-منورانا يا فرح!
ردت بابتسامة خجلة:
-ميرسي
اعتدل في جلسته قائلاً بصيغة شبه آمرة ليزيد:
-اطلع بينا يا دفعة على الوحدة
انزوى ما بين حاجبي الأخير مرددًا بنبرة متصلبة:
-مين ده اللي دُفعة؟
ابتسم آدم بسخافة مدركًا أنه مزحته تلك لم تكن موفقة بالمرة، خاصة وأن عبوس وجه رفيقه كان السمة السائدة عليه، أشار بسبابته نحو النافذة قائلاً وهو يبتلع ريقه:
-تخاريف نوم، ماتخدش في بالك يا سيادة العقيد أركان حرب مشير ....
هزت فرح رأسها للجانبين مبتسمة من دعاباته المتواصلة والتي تضفي لمسة مرحة في خضم المشكلات مخففًا بهم وطأة الضغوط المستمرة على الجميع، تنفست بعمق وهي تدير رأسها للجانب لتحدق في الطريق بنظرات شاردة، فأمامها تحد جديد يحتاج منها المثابرة والقوة خاصة بعد استسلامها الغير متوقع مع دفء حب يزيد لها.
............................................................
غفت أثناء رحلة الذهاب إلى الوحدة التدريبية فلم تشعر بما يدور حولها، فقد تمكن منها الإرهاق والتعب بالإضافة إلى ما ترتب على جسدها من أثار مجهودها الزائد في علاقتها الحميمية مع زوجها، استيقظت بصعوبة على إثر صوته القائل:
-حبيبتي، احنا وصلنا
اعتدلت فرح في جلستها الغير مريحة مستشعرة ذلك الألم الذي ضرب عنقها وكتفيها بسبب تيبس عضلاتها، فركتها برفق وهي تتلفت حولها ناظرة بعشوائية إلى ذلك المكان الذي أتت إليه، لم يكن غريبًا عليها بالمرة؛ إنها نفس الوحدة العسكرية التي أقامت بها من قبل، تساءلت بصوت شبه متحشرج:
-هو احنا جايين هنا ليه؟
أجابها يزيد بوجهٍ خالٍ من التعبيرات:
-يعني مش عارفة؟
ردت متسائلة باستغراب ملحوظ على نظراتها:
-هو مش هزار واتفاق مع شيماء و..؟
هز رأسه نافيًا:
-لأ طبعًا
أطال نظراته نحوها قائلاً بمكرٍ غامض:
-بس المرادي مش هاتبقي لوحدك يا فراشتي!
قطبت فرح جبينها مستشعرة وجود أمر خفي وراء جملته المريبة تلك، أكدت لها عيناه ذلك، بل وأثارت فضولها ببراعة، سألته باهتمام جاد:
-قصدك ايه ...............................؟!
.....................................................
حاليًا ذئاب لا تغفر ورقي
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل التاسع 9 - بقلم Manal Salem
الفصل التاسع
انزوى ما بين حاجبيها معلنًا عن حيرة صريحة ممزوجة بالاندهاش والفضول، لم يرد على أسئلتها المتكررة مشيرًا لها بيده لتترجل من السيارة وهو يتراجع مبتعدًا عنها، لحقت به فرح بوجه عابس محاولة الوصول إليه، دققت النظر في أوجه الضباط والمجندين الذين ألقوا عليه التحية العسكرية حينما مرق من جوارهم، أسرعت أكثر في خطواتها لتصل إليه هامسة:
-يزيد، لو سمحت استنى وفهمني قصدك ايه؟
أبطأ في سيره مستديرًا نحوها بجسده المنتصب بشموخ ليقول بغموض أكبر:
-هنتكلم في مكتبي
رأت في نظراته نحوها تسلية واضحة وكأن في إصابتها بالحيرة متعة خفية لا تفهمها، ردت باقتضاب دون أن تتبدل تعبيراتها المزعوجة:
-طيب
تعمد السير بخطوات أسرع لتبدو هي كمن يركض خلفه حتى بلغ مكتبه، توقف فجأة ليلتفت نحوها فارتطمت بصدره نتيجة اندفاعها السريع، وضع قبضتيه على ذراعها قائلاً بابتسامة صغيرة:
-الكلام ده ماينفعش هنا، ولا إنتي ايه رأيك؟
نظرت له بغرابة قليلة في البداية، فهي لم تفهم مقصده، لكن نظراته الموحية وطريقته في الابتسام أوصلت لها المغزى المخجل منه، تجهمت قسماتها أكثر وهي ترد بانفعال طفيف:
-عيب كده!
رد بلهوٍ:
-إنتي فهمتي إيه بالظبط؟
اشتعل وجهها بحمرة ملفتة للأنظار، فاتسعت ابتسامته مع خجلها الواضح، غمز لها قائلاً:
-واضح إن......
شحذت فرح قواها بالكامل لتتراجع بغضب للخلف متحررة من قبضتيه ومستنكرة تفكيره المتجاوز وإفصاحه عن ذلك علنًا صائحة بتحذير ومانعة إياه من إكمال جملته:
-يزيد!
رد بصرامة أدهشتها:
-هنا مافيش يزيد، في سيادة المقدم!
هتفت بذهول بعد أن اكتسى وجهها بعلامات الاندهاش:
-نعم
قست تعبيراته وهو يضيف بقوة تعرفها جيدًا:
-الرسميات أساس التعامل بينا من هنا ورايح!
استنكرت طريقته الجافة في التعامل معها خاصة بعد تلك اللحظات الحميمية التي سادت بينهما، تساءلت بتعجب وقد زاد عبوسها:
-أومال اللي حصل عندي في البيت كان إيه؟
رد ببرود وهو يدس يديه في جيبي بنطاله:
-كان حاجة طبيعية لازم تحصل بين أي اتنين متجوزين يا مدام فرح
استشعرت أنه استغلها بطريقة ماكرة ليحصل على مراده منها فردت بعصبية طفيفة:
-مش فاهمة كلامك!
تنهد قائلاً بفتور ليثير حنقها:
-بعدين نتكلم في ده، مش وقته
كظمت غيظها منه لتمنعه من التلاعب بأعصابها، كتفت ساعديها أمام صدرها متسائلة بتذمر:
-اوكي، سيادتك جايبني هنا ليه بقى؟
أخرج يده من جيبه ليفرك بها طرف ذقنه قائلاً بغموض مقتضب:
-شغل!
سألته مستفهمة بوجه متشنج:
-ايه هو؟
رد بحذرٍ:
-تغطية لمناورة، بس المرادي مش لوحدك
سألته بلهجة شبه آمرة وقد فاض بها الكيل للحصول على إجابات شافية لتساؤلاتها المنطقية في وضع كهذا:
-وضح أكتر
استخدم يزيد يده في الإيضاح قائلاً:
-في طاقم مراسلين عرب هايكون معاكي لأن المناورة دي مشتركة مع بعض الدول العربية، احنا عملنا تزكية باسمك للقادة عشان تكوني زي المرشدة ليهم، وهما وافقوا
لوت ثغرها مرددة باعتراض ملحوظ:
-نعم؟
تابع ببرود وكأن عصبيتها المرئية لا تعنيه شيئًا:
-هاتقومي بدورك الصحفي عادي، بس مكلفة بمتابعتهم ومراقبة أي تجاوزات تحصل، يعني زي العصفورة كده
وكأنه يتعمد التحقير من وظيفتها بطريقة شبه لبقة، أرخت ساعديها لتلوح بذراعها في الهواء وهي تهتف باحتجاج:
-معلش في حاجة كده مش وصلالي، ازاي أنا هابقى مسئولة عن الناس دول وأنا صحفية زي زيهم
تحرك خطوة للأمام نحوها ليقف قبالتها، رمقها بنظرات ثابتة أشعرتها بقوته وهو يرد بصرامة:
-مش من حقك تسألي، إنتي تنفذي الأوامر وبس
تحدته قائلة بشجاعة:
-لأ من حقي، إنت مش....
رفع سبابته أمام وجهها محذرًا بلهجة شديدة وقد احتدت نظراته:
-خدي بالك من لهجتك، إنتي هنا مش مراتي، إنتي تحت أمري، وأي مخالفة فيها جزا، ومش هارحم أي حد يقصر
فغرت شفتيها مشدوهة من أسلوبه الجاف في التعامل معها، ليس ما قاله مزاحًا، بل إن تعبيراته ونبرته وحتى نظراته تؤكد لها جدية ما يقول، سألته بعدم تصديق وهي ترمش بعينيها:
-ده بجد؟
انتصب في وقفته ليبدو أكثر شموخًا عن ذي قبل قائلاً:
-هو في هزار هنا، وأظنك مجرباني
هزت رأسها مصدومة من عودته لأسلوبه القديم متناسيًا ما بينهما من روابط حالية، تابعهما آدم من على بعد متوقعًا حدوث المزيد من المشادات والتحديات في الأيام القادمة بين الاثنين، حك مؤخرة رأسه هامسًا:
-واضح كده إن يزيد أعلن الحرب، وفترة الهدنة فركش!
أشار يزيد بيده لفرح قائلاً بصيغة آمرة:
-تعالي ورايا
ضغطت على شفتيها مانعة نفسها من التفوه بأي حماقات وتبعته بخطوات متعصبة إلى داخل غرفته، سحب مقعده للخلف ليجلس عليه متباهيًا وواضعًا ساقيه على سطح مكتبه، نظرت له فرح بضيق مبدية انزعاجها من تصرفه الفظ معها، اقتربت من المقعد لتجلس عليه لكنه أوقفها صائحًا بجفاء:
-أنا أمرتك تقعدي
تجمدت في مكانها مصدومة من رده المباغت، نظرت له بأعين متسعة وهي تقول بذهول تام:
-افندم؟!
نظر لها بغرور متابعًا بعجرفة واضحة:
-شغل العشم والمحبة برا مش هنا
وضعت يدها على منتصف خصرها قائلة بازدراء:
-هي بقت كده
أنزل يزيد ساقيه عن مكتبه ليهب واقفًا وهو يقول بصلابة:
-أيوه، لازم تفرقي بين علاقتنا برا ووجودك هنا، إنتي زيك زي أي حد مجند ومكلف بشغل!
هزت جسدها بعصبية قائلة بامتعاض:
-في تعليمات تانية ولا اتفضل أروح أوضتي
تقوس ثغره بابتسامة مغترة قائلاً:
-نسيت أقولك، إنتي مش هتفضلي هنا
ضاقت نظراتها وانزوى ما بين حاجبيها متسائلة بتجهم:
-اومال هاقعد فين؟
أشار لها بحاجبه ليزداد انفعالها فصاحت بتهكم وهي تشير بيدها:
-اوعى تكون ناوي تخليني أنام في العنبر مع العساكر بتوعك، ماهو إنت.....
قاطعها هاتفًا بصرامة مهددًا إياها حينما استشعر من حديثها إساءة لشخصه:
-اقطمي الكلام لحد كده أحسنلك!
تحر يزيد ليقف قبالتها يحدجها بنظرات أقلقتها، بادلته نظرات مزعوجة وهي ترد بعبوس:
-شكرًا على ذوقك
هتف قائلاً بسخرية:
-مش للدرجادي، أنا مغلطتش في البخاري يا مدام!
ضاقت ذرعًا من أسلوبه المستفز والمثير في نفس الوقت لأعصابها، هتفت بنبرة متشنجة رغم بذلها مجهودًا ليخرج صوتها هادئًا:
-يزيد لو سمحت بلاش الطريقة دي معايا
رد ببرود مغتر:
-اسمي المقدم يزيد
يئست من الحديث معه، وأدركت أن أي جدال حاليًا لن يجدي نفعًا، تنهدت قائلة باستسلام:
-طيب، ممكن أمشي بقى؟
لمعت عيناه بوميض خفي وهو يقول بمكر:
-مش لما تعرفي الأول هاتقعدي فين!
توجست خيفة من كونه يدبر لها شيء ما سيزعجها، فسألته باقتضاب وقد تركزت أعينها عليه:
-فين؟
أشار لها بسبابته وهو يدفعها من كتفها ليتحرك نحو باب الغرفة:
-تعالي ورايا
تأوهت من قوة ضربته المتعمدة واضعة يدها على كتفها تتحسسه، نظرت له شزرًا كاتمة غضبها منه في نفسها، لحقت به هامسة بوعيد:
-طيب
...............................................
انتظرهما آدم بالخارج حتى ينتهيا من الحديث سويًا، لكن حينما لمحهما يخرجان من الغرفة اعترض طريقهما متسائلاً باهتمام:
-على فين كده؟
أجابه يزيد بجدية وهو يسير بخطوات شبه سريعة وثابتة:
-هوديها الإمداد والتموين
أومأ آدم برأسه مرددًا بنبرة عادية:
-أها، مع الوفد اللي هايقعد هناك
نظرت له فرح باندهاش قليل، فلم يبدو على رفيقه أي علامات للاستغراب، إذًا فالموضوع معروف لديه مسبقًا، انتبهت لصوته القائل الذي أخرجها من شرودها المؤقت حينما قال بمرحٍ:
-انجوي يا فرح، هناك أرحم من هنا بكتير!
أبطأت من خطواتها لتهمس له بضيق واضح عليها:
-صاحبك رجع لعادته القديمة معايا، أنا مش هاستحمل الأسلوب ده
ابتسم لها ابتسامة سخيفة محاولاً امتصاص ضيقها وهو يقول مدافعًا عنه:
-قلبي كان حاسس بده، بس مش هاتقلب بغم على طول!
نظرت له بحدة قائلة:
-بجد، كده أنا ارتحت
اتسعت ابتسامته مضيفًا:
-أنا مش عاوز أقلقك، واطمني أنا في ضهرك لحد ما أتحول للتحقيق!
-ميرسي على الـ support (دعم) بتاعك
رد متباهيًا وقد انتصب بكتفيه العريضين:
-طبعًا ده أنا رياضي قديم
التفت ناحيتهما يزيد ليرمقهما بنظرات محذرة فصمت كلاهما عن الحديث ليتبعا خطاه دون التفوه بالمزيد.
............................................
لاحقًا، ولج يزيد إلى داخل إحدى الغرف الفندقية الخاصة بفندق (الإمداد والتموين) التابع للقوات المسلحة متفقدًا محتوياتها بدقة، تبعه أحد المشرفين قائلاً بابتسامة صغيرة امتزجت مع نبرته الرسمية وهو يشير بيده موضحًا:
-دي يا فندم غرف الإقامة الخاصة بالنزلاء هنا!
مط فمه للأمام مبديًا إعجابه بها وهو يقول:
-تمام!
ولجت فرح هي الأخرى لداخل الغرفة تتأملها بنظرات خاطفة لكنها شمولية، بالطبع المكوث في مكان كهذا أفضل بكثير من البقاء في وحدة عسكرية تقيد حريتها، لكنها كانت تطمح للتواجد بالقرب من زوجها كي تعتاد أكثر على حياتهما معًا، تبخرت أحلامها بسرعة البرق مع صرامته الغريبة التي عادت للطوف من جديد لتؤثر على علاقتهما، انزوت عند أحد الأركان متابعة تفقد الغرفة بتنهيدة متعبة، أكمل يزيد تجوله بالمكان حتى بلغ الشرفة، أزاح الستائر جانبًا لينظر إلى المشهد الطبيعي الخلاب الذي تطل عليه الغرفة متابعًا بجدية:
-الأوامر مشددة على الضيوف اللي جايين، مش عاوز تقصير معاهم
رد المشرف بثقة:
-اطمن يا فندم، ده شغلنا، ومعروف عامل إزاي
تساءلت فرح بفتور رغم سذاجة طبيعة السؤال:
-هو أنا هبات هنا؟
استدار يزيد ناحيتها قائلاً:
-ايوه، أكيد مش جايبك هنا منظرة!
تجاهلت رده السخيف مولية إياه ظهرها وهي ترد بتعالٍ:
-اوكي، مش بطال
أشار يزيد للمشرف بعينيه لينصرف، فامتثل الأخير لأمره بصمت تاركًا مفتاح الغرفة على الطاولة، تحرك نحو الخارج مغلقًا الباب خلفه ليتركهما معًا، ورغم شعوره بضيقها الزائد منه نتيجة صلابته المفتعلة معها إلا أنه لم يظهر لها أي تعاطفٍ، استطرد حديثه متابعًا بجدية:
-طبعًا هتلاقي ملخص عندك بالمواعيد والمطلوب منك بالظبط!
التفتت برأسها نحوه ترمقه بنظرات مطولة فأكمل محذرًا:
-أتمنى ماتستغليش إنك مراتي وتكسفيني
استشاطت نظراتها من إتهامه الباطل بسوء الاستغلال فهتفت محتجة بغضب:
-على فكرة إنت كده بتقلل مني
رد ببرود استفزها على الأخير:
-وجايز إنتي تقللي مني
احتقن وجهها بحمرة مضاعفة من طريقته تلك، هدرت فيه بتشنج وقد برزت عروقها من جانب عنقها:
-خلاص بناقص منها، أنا هاقدم اعتذار، مافيش داعي إننا......
قاطعها ببرود أكبر وهو يلوي ثغره للجانب:
-مرفوض
صاحت فيه بانفعال:
-هو بالعافية
رد متحديًا بهدوء استثارها بشدة:
-ايوه، وأي اعتراض معناه مخالفة الأوامر
تشنجت عضلاتها من أسلوبه الفظ، كورت قبضة يدها ضاغطة على أصابعها بقوة وهي تردد هامسة في محاولة بائسة منها لتهدئة ثورتها التي تشتعل بداخلها:
-استغفر الله العظيم يا رب
راقبها يزيد مستمتعًا بكل ما يفعله معها ليدفعها لإثبات نفسها من جديد وانتشالها من بوتقة الأحزان التي كادت تلقي بنفسها فيها، مد يده يتلمس بظهر كفه وجنتها الملتهبة بحمرتها الغاضبة قائلاً:
-بس شكلك حلو وإنتي متعصبة
أزاحت يده عنها مبعدة رأسها للخلف وهي تقول بتشنج:
-لو سمحت إيدك!
زادت ابتسامته العذبة مغازلاً إياها بهدوء:
-بأحب عينيكي وهي هتطق شرار كده
رمقته بنظرات حادة وهي تقول بضيق:
-دي معاكسة يا سيادة المقدم؟
غمز لها قائلاً بهمس عابث:
-لأ، ده استدراج
توترت نظراتها وهي تسأله بعدم فهم:
-لإيه بالظبط؟
توهجت عيناه بوميض العاشقين قائلاً بصوت خفيض أربكها:
-لحاجات ماينفعش تتقال
ازدردت ريقها مرددة بارتباك:
-مش فهـ...
مد يده ليمسك بكفيها بنعومة قضت على تلك الخشونة الزائدة معها في لحظة غريبة، أخفضت نظراتها لتحدق فيه بصدمة، أحنى رأسه على وجهها هامسًا بتنهيدة حارة:
-بأحبك
رمشت بعينيها غير مصدقة ما يفعله الآن، كان على النقيض تمامًا، عاد إلى طبيعته السابقة، شعرت بوجود خدعة خفية في الأمر، فحاولت أن تسحب كفيها منه قائلة بتبرم:
-إنت فيك حاجة
تجاهل محاولاتها الفاشلة للتملص منه ليسحبها إلى أحضانه وهو يحاوطها من خصرها بذراعه متمتمًا بنبرة أقرب للهمس متأملاً وجهها بنظرات متيمة:
-مش مصدق إنك معايا تاني!
خفق قلبها بقوة لمجرد ضمه لها، شعرت بقوته وتأثيره الطاغي المسيطر على حواسها يتسلل عبر جلدها ليصل إلى خلاياها، بدت ضعيفة للغاية وهي تستسلم لمعسول كلماته المتغزلة بها والتي تذيب أي حواجز جليدية صنعها بطريقته، وضعت فرح يديها على صدره تدفعه قدر استطاعتها لتتخلص من حصاره لها وهي تقول باضطراب
-سيادة المقدم، إنت....
قاطعها واضعًا إصبعه على شفتيها:
-هنا مافيش إلا يزيد حبيبك وبس!
آمال رأسه أكثر عليها لتزداد أنفاسه سخونة على وجنتها وهو يضيف:
-ده مش وقت كلام
اختطف قبلة صغيرة من على شفتيها شعرت معها بتهديد صريح باجتياح مشاعرها، حاولت دفعه من جديد ومقاومة ما يقدمه لها فاستخدم يديه في الإمساك بمعصميها، أدارهما خلف ظهرها ليلصق جسدها بصدره، لم تستطع الهروب من حصاره، أحنى من جديد شفتيه على شفتيها معمقًا من قبلته الثانية لها ليتضاعف من خلالها تلك المشاعر الحسية التي عرفت الطريق إلى قلبها وحواسها التي اشتعلت في لحظة، وما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى فرض سيطرته عليها ليسحبها كليًا معه بحنكة مقاتل محترف إلى عالم العشق والغرام ................................ !!
..................................................
رواية هي والربان ©️ (فراشة أعلى الفرقاطة 2) كاملة ✅ الفصل العاشر 10 - بقلم Manal Salem
الفصل العاشر
ظلت تضرب بيديها على فخذيها وهي عاقدة لعصبة ما حول رأسها عل الصداع الذي يعصف بها يهدأ قليلاً، مالت كريمة بجسدها للجانبين تندب سوء حظها بعد أن فشلت خطتها في إتعاس فرح وإفساد حياتها لتنقلب الطاولة عليها وتصبح في موضع الاتهام، اقتربت منها ابنتها حاملة كوبًا به مشروب الليمون البارد لتقدمه لها قائلة:
-اتفضلي يا ماما، اشربيه هايروق دمك ويهديكي
تناولته منها وهي ترد على مضض:
-ودمي هايروق ازاي وبنت الإيه هتسجني!
ارتشفت منه القليل لتروي عطشها ثم أسندت الكوب على الطاولة المجاورة لها، راقبتها كاميليا في صمت مبدية حزنها بسبب أزمتها القانونية الحالية، تنهدت قائلة وكأنها تفكر بصوت مسموع حينما استمرت أمها في الندب والتحسر:
-احنا قولنالك من الأول يا ماما بلاش السكة دي مع فرح!
ضربت بكفيها معًا وهي ترد بانفعال:
-وأنا إيش عرفني إنها مسنودة من الظابط إياه، أتصرف أنا ازاي دلوقتي؟
لطمت بكفيها من جديد على فخذيها لتردد متحسرة:
-على أخر الزمن يترفع عليا قضايا!
رفعت يديها عاليًا مكملة بحرقة واضحة في نبرتها:
-إلهي ربنا ينتقم منك ويعكنن عليكي عشتك!
عبست كاميليا بوجهها وهي تنهرها بحذر:
-حرام يا ماما، كفاية الله يكرمك، احنا.......
قاطعتها كريمة بغضب متعصب:
-بس اسكتي، أنا هاموت منها، لأ وأبوكي منفض دماغه وشال إيده من الموضوع خالص، تقوليش ماصدق يخلص مني
ثم التفتت برأسها للجانب لتبصق هامسة:
-راجل ناقص بصحيح!
لم تلتقط أذني ابنتها تلك السبة الخافتة فواصلت حديثها المسترسل موضحة بجدية:
-بصي يا ماما، أنا هاقولك على حاجة وأتمنى إنك تسمعيها مني، من الأخر حل الموضوع ده في إيد فرح نفسها، يعني لو احنا كلمناها كده واتفهمنا معاها بالراحة جايز تتنازل ونبقى في غنى عن كل المشاكل والقضايا دي
رفعت كريمة حاجبها للأعلى معلنة عن رفضها الساخط لاقتراحها، هدرت فيها بانفعال كبير موبخة إياها بشراسة:
-بقى إنتي عاوزاني على أخر الزمن أروح أتذل للبت دي؟ ترضهالي يا بنت أبوكي!
ضغطت ابنتها على شفتيها مبتلعة تعنيفها على مضض قائلة:
-لا ذل ولا حاجة، مش أحسن من البهدلة وقلة القيمة
لكزتها والدتها في كتفها صائحة بزمجرة:
-شوفيلي حاجة غير دي! مش هايحصل أبدًا أروح للبت الفقر دي وأسترجاها!
لوت كاميليا ثغرها للجانب مرددة بيأس:
-خلاص اسألي المحامي وهو يقولك
نظرت كريمة لها شزرًا قبل أن تعاود اللطم على فخذيها مرددة بنبرة مغلولة:
-منك لله يا بعيدة، أشوفك والعة قصادي!
هزت كاميليا رأسها للجانبين مستنكرة تحامل والدتها عليها رغم كونها المخطئة منذ البداية في حقها، لم تتحمل المزيد فنهضت من جوارها تاركة إياها بمفردها تسبها وتلعنها بحنق أكبر.
...............................................
لم تصدق استسلامها السريع لتأثيره الطاغي وكأنه يحثها على إدمان عشقه لها بإعطائها جرعات زائدة من حبه اللا محدود لترتشفها باستمتاع عجيب لتغرق أكثر في أبحر غرامه، باتت لحظاتهما الحميمية خالدة وغير قابلة للمحو من الذاكرة، ضمها يزيد إلى صدره بقوة لتنعم بأحضانه ماسحًا بيده الأخرى على بشرتها برفق، طبع قبلة على جبينها وهو يهمس لها:
-بأنسى الدنيا كلها وأنا معاكي
داعبت فرح صدره العاري بأناملها بنعومة، رفعت رأسها لتحدق في أعينه التي تطالعها بشغف صريح، عبست بوجهها متسائلة بعتاب رقيق:
-طب ليه المعاملة الناشفة دي معايا؟
تنهد قائلاً بهدوء:
-أنا عاوزك تفرقي بين شغلنا وحبنا يا فرح
عقدت ما بين حاجبيها مستغربة رده، اعترضت قائلة بتذمر:
-صعب ده يحصل، أنا مقدرش أفصل مشاعري عن.....
قاطعها مرددًا بجدية:
-في شغلتنا دي اتعلمنا نعمل كده، وإنتي المفروض تبقي زيي
اعتدلت فرح في نومتها لتبتعد عنه قائلة بإصرار:
-مش بالساهل ده يحصل!
كان مقتنعًا باعتقاده الذي يناقض تفكيرها بوضوح، ومع ذلك لم يجادلها كثيرًا، فهو ليس بحاجة إلى إفساد أوقاته المميزة معها، جذبها مجددًا من معصمها إلى أحضانه بقوة فسقطت على صدره، حاصرها بذراعيه هامسًا:
-سيبك من ده دلوقتي، وخلينا أسلم عليكي قبل ما أمشي يا فراشتي
لم تستطع الإفلات منه فاستندت بمرفقيها على صدره، نظرت في عينيه وهي تسأله بضيق انعكس على تعبيرات وجهها:
-إنت مش هاتفضل معايا؟
أجابها مبتسمًا:
-لأ
تجهمت قسماتها أكثر وهي تضيف بتساؤل عابس:
-طب ليه؟
زفر قائلاً بضيق طفيف:
-فرح إنتي مش مركزة معايا، صعب نكون سوا
استخدمت قوتها لتتراجع عنه متحررة من قبضتيه التي ارتخت عنها لتهتف معترضة:
-وإيه الصعب في ده؟
اعتدلت في جلستها لتتابع بحدة:
-ما احنا زمان كنا سوا وفي نفس الوحدة وحتى الفرقاطة أنا كنت معاك فيها
لوى ثغره قائلاً بهدوءٍ حذر:
-قبل كده مكونتيش مراتي
قطبت جبينها متسائلة:
-ودي مشكلة؟
رد موضحًا بنبرة عقلانية علها تفهم الغرض من إبقائها بعيدة عنه:
-مش حابب يا فرح حد يفهم وجودك غلط ويفكر بس إني جايبك هنا عشانك مراتي، لأني ساعتها مضمنش هاعمل إيه
بدت غير مقتنعة بمبرره فردت بامتعاض ظاهر على نبرتها ونظرتها إليه:
-للدرجادي
التقط كفها بيده يداعبه بأصابعه وهو يقول بجدية:
-أيوه، إنتي ماتتصوريش أنا ممكن أعمل ايه
قربه من فمه ليقبله بحنو وهو يطالعها بنظراته التي تعشقها، تنهدت منسحبة من جدالها معه، فحتمًا مهما حاولت إقناعه بالعكس لن يقبل بتواجدها معه، هو حسم أمره وانتهت المناقشة فيه، ابتسم قائلاً ليمحو أثر أي ضيق:
-فراشتي!
ردت بوجهٍ خالٍ من التعبيرات:
-نعم
أكمل بهدوء:
-رجالتنا في الفندق هنا تحت أمرك، أي حاجة هتعوزيها هتلاقيها مجابة، وكل حاجتك موجودة هنا، أنا خليت شيماء تجهزلك شنطتك وآدم حطها في العربية
ابتسمت قائلة بسخرية:
-ده إنت مخطط لكل حاجة
تجاهل تهكمها الواضح في عبارتها الأخيرة متابعًا بجدية:
-ركزي بس في اللي طلبته منك، قومي بشغلك كصحفية ومصورة، وراقبي الموجودين معاكي
أشاحت بوجهها للجانب لترد ساخرة:
-على أخر الزمن هاتشغلني جاسوسة
اعتدل يزيد في جلسته ليبدو أكثر قربًا من وجهها الذي أدارته بعيدًا عنه، وضع إصبعيه أسفل ذقنها ليديره نحوه، ابتسم قائلاً بعبثٍ:
-أحلى جاسوسة عندي
مال على شفتيها ليختطف قبلة أخيرة مطولة وعميقة ليبث في أوصالها حبه العاصف فأشعل حواسها وألهب قلبها من جديد، ابتعد عنها ليتأملها فوجدها مغمضة العينين تلهث بخفوت من انحباس أنفاسها، احتضن وجهها براحتيه قائلاً بصوت خفيض:
-هتوحشيني اليومين اللي هاتغيبي عني فيهم
فتحت عينيها سريعًا لتحدق فيه مصدومة وهي تسأله:
-هو أنا مش هاروح الوحدة
هز رأسه نافيًا وهو يقول:
-لأ، اليومين دول أنا مضغوط ومش هاكون فاضي حتى أهرش
بدا الإحباط واضحًا في نظرتها إليه، لم يكن بيده أي حيلة، فتلك هي طبيعة وظيفته العسكرية، حافظ على ثبات ابتسامته وهو يضيف:
-متزعليش يا حبيبتي!
قبلها تلك المرة من أرنبة أنفها قبل أن يربت على وجنتها برفق، ظلت فرح عابسة الوجه وهو ينهض عن الفراش ليتجه إلى المرحاض، تابعته بأعين مستاءة محدثة نفسها بامتعاض:
-بجد حاجة بايخة أوي!
استغرق يزيد بعض الوقت لكي يغتسل ويعاود ارتداء ثيابه من جديد، ظلت هي متمددة على الفراش حتى انتهى من إعداد نفسه ليقول بعدها محذرًا:
-أتمنى إنك ماتعمليش أي مشاكل هنا لأن زعلي وحش
رفعت فرح حاجبها للأعلى متعجبة من التحول السريع الذي بات عليه شخصه، فقبل دقائق كان يهيم في وادي العاشقين مادحًا حبهما، والآن هو ذلك الفظ الغليظ الذي يملي عليها أوامره، رمشت بعينيها غير مصدقة أنه يتغير بين لحظة وأخرى، هتفت قائلة باستنكار:
-ده اسمه إيه ده كمان؟
ضبط يزيد من سترته العسكرية ليقول ببرود:
-أوامر يا مدام فرح!
لوح لها بإصبعيه وكأنه يؤدي التحية العسكرية لها وهو يبتسم لها بغرور مستفز قبل أن يتركها بمفردها لينصرف من الغرفة دون أن يتحدث بالمزيد، تلون وجهها بحمرة مغتاظة منه، شعرت أنه يستغلها عن عمد فقط للحصول على متعة وقتية معها، تغلغلت تلك الفكرة في عقلها، نفثت دخانًا من أذنيها هاتفة بحنق:
-ماشي يا يزيد، ابقى قابلني لو ده حصل تاني!
............................................
عاد إلى وحدته العسكرية لينزوي بمكتبه هناك ليفكر بجدية في تصرفاته معها، هو يعلم أنه قد بالغ معها بعض الشيء، وربما سينعكس ذلك بالسلب على علاقتهما العاطفية ويوثر عليها نوعًا ما، لكنه كان يأمل أن يجعلها ذلك تتخلى عن أحزانها تمامًا وتنسى ما مضى، تخبطت أفكاره من كثرة إرهاق عقله لوضع كل الاحتمالات في أسوأ الظروف وأفضلها، أخرجه من تفكيره العميق رنين هاتفه المحمول، التفت نحوه ليلتقطه ضاغطًا على زر الإيجاب بعد أن قرأ اسم المحامي يصدح على شاشته، استطرد حديثه متسائلاً:
-خير يا أستاذ؟
أجابه الأخير بحماس:
-كل خير يا سيادة المقدم، أنا بأطمن حضرتك في إجراءات القضية، جلستين تلاتة بالكثير وهاتكون خلصانة
انتصب في جلسته قائلاً بجدية وقد قست نظراته على الأخير:
-عظيم، عاوزهم يتربوا، ويعرفوا هما غلطوا مع مين
أتاه رده مؤكدًا:
-هايحصل يا باشا
تابع يزيد بسخطٍ وهو يضرب بقبضته المتكورة على سطح مكتبه:
-مش مراتي اللي تتبهدل على أخر الزمن وأسكت عن حقها
-متقلقش يا باشا
أنهى معه المكالمة قائلاً:
-لو في جديد تاني عرفني
-حاضر يا سيادة المقدم!
ألقى يزيد بعدها بالهاتف بفتور على سطح مكتبه معيدًا ظهره للخلف، وضع يديه أعلى رأسه يضغط عليه بقوة محاولاً التوقف عن التفكير في الانتقام ممن تسبب في حزنها، ولج إليه آدم متأملاً علامات الانزعاج الواضحة عليه باهتمام وهو يسأله:
-إيه الأخبار؟
رفع وجهه في اتجاهه ليتحدث من زاوية فمه قائلاً:
-عادي
سحب آدم المقعد إلى جوار رفيقه، جلس عليه متسائلاً بجدية:
-فرح كويسة؟
سحب يزيد نفسًا عميقًا زفره دفعة واحدة وهو يرد:
-ايوه، سايبها في الفندق
ابتسم رفيقه مضيفًا:
-زمانتها بتضرب أخماس في أسداس من اللي بتعمله فيها
رد بعبوس ملحوظ:
-خليها تفوق وتركز معايا أحسن
حذره آدم قائلاً بنبرة جادة وهو يشير بعينيه:
-يا خوفي تقلب بـ.....
قاطعه الأخير قائلاً بلهجة شبه آمرة:
-سيبك دلوقتي، أنا مش هوصيك تتابعها اليومين الجايين في غيابي، إنت عارف هابقى ملبوخ في الدورة اللي قبل المناورة
أومأ آدم برأسه بالإيجاب مرددًا:
-تمام، دي مرات أخويا، يعني مش محتاجة وصاية
رن هاتف يزيد من جديد فنظر بطرف عينه نحوه ليلمح اسم "فرح" مضيئًا عليه، نكس رأسه بإنهاك متجاهلاً الرد عليها مما أثار فضول رفيقه الذي سأله بنزق:
-إنت مش هاترد عليها؟
ظل مطأطأ الرأس وهو يقول بفتور:
-لأ
بدا آدم قلقًا على حال رفيقه الذي لم يكن طبيعيًا بالمرة، تشدق متسائلاً بجدية:
-مالك يا يزيد؟ إنت تصرفاتك غريبة اليومين دول
رفع رأسه ليجيبه على مضض وهو يجاهد للحفاظ على هدوئه:
-مضايق يا آدم، مخنوق من جوايا
-ليه كده؟
أجابه بتشنج شبه ملحوظ وقد احتدت نظراته:
-إنت مش متخيل موضوع الزفت اللي كانت متجوزاه عامل إيه فيا، مخليني عاوز أولع في عيلته كلها
فرك آدم طرف ذقنه مضيفًا بامتعاض:
-إن جيت للحق طلع عيل ........، لعب عليها صح!
تشنجت تعبيرات وجه يزيد وهو يقول:
-فرح ماتستهلش ده، وخايف عليها من كتر الصدمات تنهار تاني
حذره آدم من مغبة التمادي في تصرفاته قائلاً:
-بس طريقتك معاها ممكن .....
رد مبررًا:
-أنا بأرجعها لفرح بتاعة زمان
ابتسم رفيقه مازحًا:
-وإنت الصادق إنت رجعت يزيد بتاع زمان اللي بيشخط وينطر و....
قاطعه مبتسمًا وهو يدفع مقعده للخلف لينهض عنه:
-سيبها على الله وبينا نروح نرتاح، الأيام الجاية كلها محتاجة تركيز!
-ماشي
قالها آدم وهو يعيد وضع المقعد في مكانه السابق ليتحرك بعدها خلف رفيقه مكملاً معه ثرثرته الروتينية عن العمل المطلوب إنجازه.
...........................................
ذرعت الغرفة جيئة وذهابًا تجوبها بعصبية واضحة بعد أن تجاهل اتصالاتها المتكررة وكأنها نكرة لا تعنيه شيئًا ليرسخ أكثر في ذهنها فكرة استغلاله لجسدها دون الاكتراث بمشاعرها، استشاط داخلها غضبًا فجلست على طرف الفراش تهز ساقها بعصبية وهي تكز على أسنانها قائلة بوعيد:
-بقى كده يا يزيد، طيب هاتشوف فرح هاتعمل إيه معاك بعد كده
انتبهت فرح لرنين الهاتف الذي اهتز في يدها من جديد فنظرت له بتلهف معتقدة أنه هو، أصيبت بإحباط مضاعف حينما خاب أملها وكانت المتصلة هي رفيقتها إيلين، ألقت الهاتف على الفراش رافضة الحديث معها، نهضت من مكانها قائلة بعنادٍ:
-أنا مش هافضل كده في مكاني أكل في نفسي، هو مفكرني إيه؟ ده أنا مراته، هاروحله واللي يحصل يحصل!
اتجهت نحو خزانة الثياب تنتقي منها ما ترتديه سريعًا لتذهب إليه وهي مشحونة مقدمًا بغضب يصعب السيطرة عليه ...................................... !!!
.........................................................