تحميل رواية «جنون المطر للكاتبة برد المشاعر الجزء الثاني» PDF
بقلم BlackButterfly002
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الفصل الأول جلست بشهقة من وسط نومها ويدها على قلبها الذي كان ينبض بجنون , عيناها شاخصتان في الظلام حولها تشعر أنها لازالت في ذاك الكابوس حتى الآن وكأنها رميت بقوة من الفضاء الخارجي ولم تدرك بسهولة من هي وأين تكون , زحفت من بين تلك الأغطية الناعمة هامسة " ابنتي " غادرت ذاك السرير الواسع حافية القدمين لم تشعر ولا بالأرضية الباردة التي لامستها قدماها ما أن اجتازت تلك السجادة الحريرية الناعمة وقد استدلت طريقها سريعا جهة الباب دون أن تراه في ذاك الظلام الدامس وكأنها تحفظ طريقه كاسمها وفي رجفة يديها أ...
رواية جنون المطر للكاتبة برد المشاعر الجزء الثاني الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم BlackButterfly002
الفصل الواحد والعشرون
المدخل ~
بقلم/ Toete.abood
من مطر الى غسسق
حبكِ حقاً بحجم السماء
فأنتِ لقلبي كهطل المطر
أحبك جداً بلا إرتواء
فلستِ كطيفٍ بدربي عبر
أنا إن شدوت بلحن البكاء
فذا هو شوقي لكِ يستعر
قريباً قريباً سننسى العناء
وإن فرقتنا دروب السفر
ستزهر يوماً روابي اللقاء
وتشرق رؤيا صبحٍ أغر
فأنتِ لدربي كذاك الضياء
وفي جوف ليلي فأنتِ القمر
وأنتِ لعمري كدفء الشتاء
وفصل الربيع وروضٍ عطر
سيزدان قلبي ب غين وسين وقاف
ويحلو ويحلو ليل السهر
أحبكِ حقاً و دون اكتفاء
فحبك ليس كباقي البشر
**********
ابتعدت عن حضنه تنظر له بتوجس وذاك كان حال جميع من
حوله وقد توجهت الأنظار جميعها له فكل واحد منهم يعلم بأنه
من ستُحمله مسئولية كل هذا بل وكأن الجميع وكالعادة
يقولون له :
تلقى الصدمة امتصها وتحمل تبعاتها .. أنت اعتدت أن
تكون في واجهة الجراح والحقد والاتهام .
أغمض عينيه متنهدا بعمق يسمع خطواتها تقترب من الباب
أكثر وهذا ما لم يكن يريد حدوثه ، كان يريد أن يشرح
لها الأمر بطريقته أن يجعلها في الصورة وأن تعلم منه
قبل الجميع .
لكن كل ما يفعله حيالها يبوء بالفشل كالعادة ولن يتوقع
منها تفسيرا منطقيا للأمر أبدا كما لن تقبل بتفسيراته الآن
ومهما قال وفعل فالأوان قد فات فعلا فما أن اجتازت صاحبة
تلك النظرات الغاضبة الباب لم تنظر إلا لشخص واحد وهدف
واحد وهو الواقف قرب النافذة ينظر لها بسكينة واتزان
مخالف للبقية فبينما كان مجال نظرات مطر الأرض يشد
قبضته بقوة كانت نظرات ابنتهما التي سرعان ما اكتساها
الألم الحزين تتنقل بينهما بينما اكتفى الفرد الأخير في تلك
الغرفة بالتحديق بينها وبين الواقفة قربها ينظر لمن سمع
عنها الكثير من قبل أن يدخل هذه البلاد .. من كانت كفيلة
بجعل مطر شاهين يتصرف بتهور في أمور ما كان ليصدق
أن يوافق على أن يفعلها غيره ..! قالوا أنها حسناء النساء
وأنها من أجمل نساء البلاد .. هي كذلك فعلا ويزيد لكن ما يراه
فيها أعمق من الحسن بكثير إنها مزيج غريب من الثقة والقوة
حتى في طريقة وقوفها وتوجيه نظراتها بل وفي نبرة صوتها
بالغة الرقة .
انتقلت نظراته منها للتي كانت تنظر له هو تحديداً نظرة حزينة
ملئها رجاء وأسى .. نظرة فهمها فورا فأومأ لها برأسه بحركة
خفيفة ارتسمت لها تلك الابتسامة الخافتة التي أهدتها له والتي
لم تكن أقل حزنا من ملامحها الجميلة لتسرق نظرهما مجدداً
التي لازال نظرها موجه لشخص واحد وكأنه الوحيد في ذاك
المكان وقد قالت بجمود
" ما هذا الذي يحدث هنا أبي ؟ إبنتي هذه التي يتم الاتفاق
على تزويجها أم أني مخطئة ؟ "
لم تتبدل نظرة دجى الصامتة الساكنة لها كما لم يتحدث مما
جعل نبرتها تزداد إصراراً
" أبي تحدث قل شيئاً ؟ "
فخرج حينها من صمته متمتماً ببرود
" ما الذي سأقوله مثلا ؟ "
فلم تزدها كلماته تلك إلا اشتعالا وهي تلوح بقبضتها قائلة بحدة
" قل أني أتوهم .. قل بأنها ليست ابنتي التي سيعقد قرانها
من ورائي "
وحين لم يكن الجواب سوى الصمت ومن جميع الموجودين
هناك سحبت نفساً قويا وكأنها تستجدي الهواء ليعبر لرئتيها
قبل أن تتابع بذات حدتها تعاكس كلماتها الألم المدفون في
عينيها
" من أخد برأيي ؟ من قال أني موافقة على كل هذا ؟ "
وتابعت تشير لها ونظرها لازال عليه
" ألا ترى كم عمرها أم هي فوضى ؟ ألأني لم أربيها لا حق
لي في أن يؤخذ برأيي في أمر يخصها ويخص مستقبلها ؟
ما أعلمه أن الأم أول من تخطب منها ابنتها وإن وافقت
أوصلت الأمر لوالدها أو رفضته من حينه ! لا أعلم عن
أم توجه لها دعوة لحضور زفاف ابنتها "
لم يزدها صمت دجى تحديدا سوى احتراقا فصرخت بعضب
" إن كان ثمة خطأ فيما أقول فوضحه لي أبي .. عنفني
اضربني حتى "
وكل ما صدر عنه تنهيدة عميقة وقد حرك رأسه بشرود رغم
أنه كان ينظر لعينيها فقالت بحدة وغضب رافض وسبابتها
تشير هذه المرة للواقف قربه وإن لم تكن تنظر له
" أنا لا أوافق على أن تتزوج ابنتي في هذا السن ومن هذا
الرجل تحديدا .. إنه أكبر من والدتها أبي !! "
وكان هو ضحيتها هذه المرة والذي لم ينتهي دوره بعد
وهي تتابع بذات حدتها ونظرها لازال على والدها ولازال
إصبع اتهامها يشير له
" إن وضع هو عقله من عقل طفلة ولا يرى بأنها يفترض
أن تكون ابنته وأن الموجود فوق جسده لا يفكر بمنطق
كباقي البشر فأين أنتم ؟ "
تحدث حينها الواقف خلفها بحدة قائلا
" غسق يكفي فقاسم ليس الملام في هذا "
وهذا ما توقعته سينطق الحجر حين سيصل الأمر لرجله الموقر
فصرخت رامية بيدها جهة هدفها الجديد هذه المرة
" أجل فاللوم ليس عليه ولا عليك يا رئيس البلاد ولا على
جدها بل عليها هي التي لم تجعل لوالدتها مكانة لديها
لتخبرها بأمر كهذا ، كانت قالت يا جدار ثمة أمر يحدث من
وراء ظهرك وأنا شريكة فيه لكنها لا تتغير أبداً فلو كنت
أنا من أردتها أن تتزوج لرفضت وأخبرت والدها فهي
ابنته وليست ابنتي "
" أمي.....!! "
فصرخت فيها متجنبة النظر لها ومتجاهلة نبرة الرجاء الحزين
في صوتها
" أصمتي أنا لا ابنة لي مطلقا أنا ابني الكاسر الذي ربيته يحترم
قراراتي ورأيي لا أحد يناقشه فيما أقول ولا أعمامه ولا جده حين
كان حياً .. أنت لا أعرفك أنت ابنة مطر شاهين فقط "
" غسق توقفي فتيما لا ذنب لها في هذا "
التفتت هذه المرة لصاحب عبارة الدفاع الجديدة المتوقعة
وقالت بحدة
" بلى ذنبها .. أنت اعتدت الطعنات والخذلان منك .. اعتدت
أن تحطمني بعد كل اعتذار فلا تشرق عليه شمس الصباح
إلا وقد صبغته بسواد جديد "
جاء التعليق هذه المرة من الذي انتظرت أن يتحدث من أول
حديث لها قائلا من خلفها بجدية
" غسق مطر والدها والزواج أمر الكلمة فيه له هو
وله أسبابه "
فالتفتت له وقالت محتجة
" أسباب ماذا هذه التي تجعله يزوجها وهي في هذا السن
وممن ؟ من شخص حين ولدت هي كان رجلا يكاد يناصف
العشرين ؟ "
قاطعهم الصوت الأنثوي الرقيق مبديا رأيه هذه المرة
" لكن الأمر حدث لأني موافقة أمي "
وفي جزء من الثانية أو أقل دوى صوت تلك الصفعة في
سكون المكان وعلت الصدمة الوجوه وأولها التي كانت
تمسك وجنتها بيدها تنظر لها بعينين دامعة تستقبل باقي
العقاب منها وهي تصرخ في وجهها
" ما هذه الوقاحة ؟ هل هذا ما تعلمته من معاشرة
الإنجليزيات ...؟ أجل فاللوم ليس عليك وحدك في هذا فلن
أستغرب أن لا تحترمي أحدا ولا والدك وجدك "
فانسابت تلك الدموع من عينيها تباعا وخرجت من هناك
راكضة وما أن كان دجى سيتحدث سبقته قائلة بغضب تشير
لمكان خروجها
" إن تزوجته فلا هي ابنتي ولا أعرفها "
وما أن كان سيتحدث سبقه شخص آخر هذه المرة أيضاً في
الحديث ولم يكن سوى الواقف خلفها والذي قال بحزم
" غسق لن تمنعي رجلا من زوجته مفهوم ؟ "
لتعلوا الصدمة ملامح شخصين في تلك الغرفة ..
صدمة كانت كفيلة بإسكاتهم لآخر العمر أحدهما الذي كان
معنيا أساسا بالأمر والذي لا يعلم عنه والآخر كان التي
التفتت له هامسة بعدم استيعاب
" من ... ! ماذا ...؟ زو... "
وخانتها الحروف تحدق فيه بصدمة ليأتيها التأكيد منه سريعا
وقد قال بجدية
" بلى زوجها ومنذ كانت ابنة العشر سنين ولأني لم أكن أريد
أن أظلمها كنت سأطلقها منه إن هي رفضته وكنت سأزوجها
بغيره وإن اختارت من يكبرها بعام "
حركت رأسها بعدم استيعاب تبتسم ابتسامة خالطتها الدهشة
مع السخرية وكأن ذاك فقط ما استطاعت التعبير عنه واستدارت
مجددا جهة الذي نظرت له بعدم استيعاب قائلة
" صحيح هذا يا أبي ؟ "
لاذ دجى بالصمت مجددا حيث كان التعليق أيضا من الواقف
خلفها قائلا بجدية
" منذ متى تعرفينني كاذباً ؟ "
فشدت قبضتيها وقالت ناظرة للواقف أمامها وكأنها
لم تسمع ما قال
" أبي أصحيح ما سمعته ؟ "
فتنفس نفساً عميقا وحرره بقوة قائلا
" أجل وأنا لم أعلم به إلا من أيام ولوالدها أسبابه يا غسق "
ليطلق بذلك العنان لصراخها الغاضب المحتج الرافض وعيناها
تمتلئ بدموع القهر ببطء
" أي ظلم واضطهاد هذا ؟ ما هذه الأسباب التي تجعله يزوجها
طفلة ! هل يعشق هذا الرجل فعل ذلك أم ماذا أم أن عليها أن
تقاسي تجربة والدتها ؟ زواج بالإكراه ومن قبل أن تعرف حتى
معنى تلك الكلمة ثم رجل يهجرها من أجل كل شيء محطما
مشاعرها ؟ "
وما أن تدحرجت تلك الدمعة من رموشها الكثيفة التفتت
وغادرت لم تنظر ولا للذي مرت مجتازة له وهي تخرج
والذي ما أن استدار ليلحق بها أوقفه الصوت الحازم
من خلفه
" توقف يا مطر فلحاقك بها لن يزيد الأمور إلا سوءاً "
التفت نظر له بعدم اقتناع بينما تحرك هو من مكانه متابعاً
ووجهته الباب
" سأذهب أنا لها واذهب أنت لابنتك "
وخرج من فوره وتركه في مواجهة الذي لازال لم يستوعب
بعد ما حدث أمامه وقد قال باستغراب محدقا به بينما لم يرجع
هو بنظره من الباب الذي خرج منه عمه
" لما لم تخبرني أنها هي ؟ أنت أخذت مني عهدا قبل أربع سنين
أن لا أتخلى عن الفتاة التي ستزوجني بها إن حدث لك مكروه
وإن احتاجتني هي يوما فلما لم تخبرني بأنها ابنتك الطفلة ! "
نظر له وقال بجدية
" لأنك تعلم أي ظروف كنا نمر بها حينها وكيف كدت أفقد حياتي
لمرتين إحداها لوحدي والأخرى أنا وجدها معا وما كنت لأضمن
سلامتها بعدنا والرسالة التي تركتها لك كان فيها هويتها وعقد
زواجكما ولم يكن يعلم عن ذلك أحد فحتى جدها علم بعد شجارنا
بخصوص ذلك ، وإن كانت رفضتك الآن كنت سأطلقها منك
ودون أن تعلم أيضا من تكون "
حرك رأسه بعدم استيعاب ولم تغادره الصدمة بعد هامساً
" لكنك أخبرتني أن..... أنت... والشرط !! "
استدار له بكامل جسده وقال بذات جديته
" بلى اشترطت عليك أنه إن ظهرت زوجتك المخفية تلك يوما
واحتاجتك فلن تتخلى عنها وأنت وافقت وذاك ما أردت التأكد
منه أنك لن تتخلى عن مبادئك التي أحببتها فيك وافتخرت بها "
مرر أصابعه في شعره هامسا بلا إله إلا الله وكأنه يستجدي
الفهم ونظر له وقال
" لكن الآن والد ...!! "
قاطعه الذي فهم عمن يتحدث قائلا بجدية
" اترك كل هذا لي وما عليك معرفته الآن يا قاسم بأنه لك
السلطة لتخرج بها الآن لمنزلك "
ورفع سبابته متابعا
" لكن هو أمر واحد فقط .. أنت أعلم من غيرك بظروف زواجكما
وبأسبابي وبسنها وبالطفولة التي عاشتها فإن أخطأت تأتي لي
أنا وتقول ابنتك أخطأت لن تقسوا عليها ولن ترفع يدك ولا
صوتك عليها ، تقرر يوما أن تتزوج ذاك أمر أحله الله لك
لكن ابنتي لن تبقى معك حينها ولا ليوم واحد "
وغادر الغرفة وتركه ما أن أنهى حديثه ذاك محدقا في مكانه
بصدمة قبل أن يلحق به هامساً
" أتزوج غيرها !! "
*
*
*
كانت تنظر لها في كل خطوة تقترب فيها منها وكأنها الموت
الذي يزحف للجسد ببطء ، تعلم بأنه ما كان عليها أن تخشاها
فهي أقوى منها بإيمانها بالله أولا والمتصرف في كل شيء
ثم بزوجها ثانيا ومن عليها أن تثق به وفي كل شيء لكنها لم
تستطع منع ذاك الارتجاف الخفيف في قلبها قبل جسدها فبالرغم
من كل ذلك هي تخاف ... تخاف عليه وليس على نفسها فهي
أساسا ستفقد نفسها إن فقدته ...... كم تمنت لحظتها أنهما لم
يغادرا تلك القرية يوما وأنهما عاشا فيها وكبرا من دون كل هذه
التعقيدات ، أجل لن يمسك الموت عنه أحد لكن ما كانت لتحرم
منه كل تلك الأعوام ومن أن يكونا معاً ولازال المستقبل يخبئ
ما الله وحده يعلمه .
شدت قبضتها بقوة تحرك أصابعها حتى شعرت بخاتمه يلامس
أغلب تفاصيلها فهو لها .. القدر جمعهما رغم قسوة كل الظروف
فإن كان الله معهما فلن يهزم ما يربطهما شيء ولا الموت .
راقبتها بنظرات جامدة حتى وقفت أمامها تبعد خصلات شعرها
القصير الناعم عن عينيها تنظر لها تلك النظرة التي يتقنها
أمثالها والتي تعني وبكل وضوح
( أنا المنتصرة أنا التي تملك كل شيء مهما أظهر الواقع
غير ذلك )
قد تكون أجمل منها بملامحها الانجليزية الفاتنة وأكثر ثراءً
ونفوذا وأقوى وأكثر ثقة لكنها لم تستطع أن تكسبه وأن تجعله
ليس يحبها فقط بل ولا أن يتقبلها .. وهو لها قالها مرارا بينما
لم تفز هي ولا بتلك الوعود منه ومتأكدة من أنها تعلم ذلك ، تعلم
بأنه ثمة امرأة ما في حياته أو أن عقلها يخبرها بأنه ثمة واحدة
في ماضيه لم يستطع اجتيازها حتى الآن ولم تأخذ هي مكانها
لذلك هي تبحث عنها وبشراسة بل وعلى استعداد لأن تزيحها
من طريقهما وإن بقتلها أو إيذائها وهذا ما تيم يعلمه جيداً
ويخشى منه فكيف بعدما حدث حين رأتها في المطبخ وأغمي
عليها وغضبها منه ؟ بل وتركها الخاتم كان أكبر دليل فهي
ترى بأنها وجدت عدوتها التي تفسد عليها كل ما تريد .
أبعدت نظرها عنها باستدارة طفيفة لمقلتيها الذهبية المستديرة
ما أن وقفت أمامها ووصلها ذاك الصوت الانجليزي الساخر
المستفز
" مرحبا آنسة ماري أونقول سيدة فالكو.... "
" ماريه مرحبا .. "
ارتفعت نظراتها التي لم تجتز الصدمة بعد من حديث تلك للذي
وقف بجانبها مبتسما مما جعل ذاك الحديث يتوقف بل وانتقلت
تلك الأحداق الخضراء ناحيته أيضا بنظرة تقييمية وتلك الابتسامة
تموت من شفتيه تدريجيا وهو ينظر لوجه الواقفة أمامه ولآثار
تلك الكدمة أعلى وجنتها والجروح في الوجنة الأخرى وذقنها
فاغتصبت ابتسامة صغيرة قائلة
" مرحبا كين .. اعرفك هذه لوسي خخخخط.... "
ولم تستطع الحروف تجاوز حنجرتها ولا أن تقولها وقد اشتدت
أصابعها المرتجفة على مذكراتها بقوة تراقب الذي كان نظره
ينتقل للواقفة بجانبه والتي لازالت تنظر له ترفع حاجبها الرقيق
عاليا بينما استطاع هو التعرف عليها سريعا وكيف لا وصور
خطوبتهما تلك ملأت الصحف ومواقع التواصل لأيام حتى أن
البعض علق بأن النحلة الجميلة استقرت على إحدى الأزهار
أخيرا مفاجأة الجميع باختيارها المخالف لذوقها السابق تماما
في اختيار من كانت تصاحبهم وتخرج معهم حيث انتقلت بين
نجوم السينما ومشاهير الرياضة وعارضي الأزياء والمشابهين
جميعهم لعالمها المزين لتستقر على أحد أهم الأعضاء في
المنضمات الخاصة ، فهي بذلك يعرفها كل من كان له اهتمام
بالفن أو الأزياء أو الرياضة لظهورها مع أشهرهم وأكثرهم
وسامة ، ابتسمت له وقالت تشمله بنظرها مجدداً
" لم تعرفيني ماري ؟ "
فقالت التي تنهدت بضيق
" أجل ... هذا كين القريب المشترك لنا أنا وتيم إنه ابن خالتي "
ففغرت فاها الصغير بابتسامة دهشة قائلة
" آه إيطالي ؟ أنت خطيبها الإيطالي إذا ؟ "
نقل نظره منها للتي هربت بنظراتها منه لازالت تشد يديها
على مذكراتها في حضنها بقوة وتعلم جيدا بأن ذكاء كين سيجعله
يتصرف في الأمر بأي طريقة كانت دون أن يفتضح أمرها خاصة
وأنه أحد رجال مطر شاهين وسيفهم اللعبة الآن بالتأكيد ويربط
الأمور ببعضها فقد اختاره قدره للعب الدور أيضاً ودون اختيار
منهما ، وذاك ما حدث فعلا فقد تحرك من مكانه ووقف بجانبها
وحضن كتفيها بذراعه وقال ناظرا للواقفة أمامهما
" وهل قالت لك غير ذلك ؟ "
وتابع وقد نقل نظره لها
" غاضبة مني لهذه الدرجة حبيبتي ؟ "
فابتسمت له ابتسامة لم تستطع إمساك دموعها معها وقبّل
هو رأسها .. كانت نظرة وابتسامة من رآها ظنها لامرأة مغرمة
به حد الوجع بينما هي لم تتعدى الشعور بالموت وهي تقدم نفسها
لرجل آخر كما سبق وقدمت زوجها لامرأة أخرى لا شيء أمامها
سوى الرضا والقبول ، بينما لم تفارق نظرات الواقفة أمامهما
الذي كانت سبابته تمسح الدمعة من رموشها وابتسمت باسترخاء
وحدث ما توقعته التي انتقلت نظراتها تراقبها فكين شاب وسيم
أناقته تميزه أكثر وأي فتاة يمكنها أن تغرم به بسهولة خاصة أنها
تراه لا يولي العلاقات بالفتيات اهتماما .. صادقا وفياً قد تحكم في
مبادئه إسلامه الذي يخفيه عن المحيطين به مما جعله أكثر تميزا
في محيطه وسيكون من السهل عليها أن تصدق بأنه الرجل الذي
أظهرت أمامها سابقا حبا لا يضاهى له وبكته أمامهما وقد أتقن
هو الدور وكأنه كان معهم هناك .
أغمضت عينيها تسحب أنفاسها ببطء حين مال ناحية أذنها
وهمس ببرود
" هنيئا لك بهذا الانتصار ماريه على المرأة التي تأخذ
زوجك وتحت أي مسمى كان "
فاشتدت أناملها بقوة تعاند الدمعة التي أحرقت جفنيها ترفض
أن تبقى سجينة لتلك الرموش الطويلة المطبقة على بعضها
وتوقف تنفسها تماما حين شعرت ليس بتصلب اليد والذراع
الحاضنة لكتفيها وذراعها فقط بل وبالخطوات الثقيلة التي
وقفت قربهم والعطر الذي وصلها بسرعةِ تدفق الهواء
لجسدها فرفعت جفنيها ببطء يشبه أنفاسها تنظر للذي
وقف بجانب الواقفة أمامهما والتي نظرت له من فورها
بينما كانت نظراته تنتقل بينهما هما قبل أن تستقر على
اليد التي بدلا من أن تبتعد عنها اشتدت أصابعها على
ذراعها أكثر وكأنه يتحداه أن يتحدث وأن يعترض أو
يمانع وكانت تعلم بأن ذكائه لن يقل بأي درجة عن
الواقف بجانبها وبأنه سيحلل ويفسر الموقف وبسرعة
خاطفة لكنها لم تلتمس أي نظرة رضا في تلك العينان
السوداء الحادة بينما قطع كل ذاك الجو المشحون صوت
الواقف بجانبها قائلا بممازحة
" مرحبا تيم أرى طلبة الطب البشري هنا اليوم ؟ "
قالها بابتسامة ساخرة قبل أن يبعد يده عنها ويصافحه
بضربة رجولية لكفيهما وهما يتصافحا فمن المفترض
أنهما أبناء الخالة بل وصديقان .. أليست هذه هي اللعبة
والدور الذي عليه أن يلعبه ؟ أبعدت نظراتها عن عينيه
التي استقرت على عينيها لحظة أن التفت تلك الذراع حول
خصره النحيل واتكأت صاحبتها برأسها على كتفه قائلة برقة
تنظر له
" تيموثي حبيبي كم أنا غبية ... هل نغادر ؟ سيكون والدي
سعيدا بزيارتك له اليوم فهو يسأل عنك كثيرا مؤخرا فلم
يعد يراك "
لكن تعليقه جاء حادا حازما ونظره لم يتحرك ناحيتها مطلقاً
" هيا ماريا عليا أن أوصلك للمنزل "
نقلت نظراتها المصدومة بينهما للواقف بجانبها فهي تعلم
بأن التعليق القادم سيكون من تلك الإنجليزية
فكيف يكون خطيبها هنا ويأخذها هو ؟
لكنها تأملت في أن تفهم بأنه غاضب منها بسبب غضبها
بالأمس فقط فهي باتت تخشى عليه .. تخشى فقط أن
تفقده تخشى من ذلك حتى بات ألما يفوق ألم رؤيتهما
معا ، أو أن ذاك ماخيل لها فقط فالنار بدأت تشتعل في
داخلها كالبركان ما أن التفت ذراعاها كليهما حول خصره
ورفعت جسدها مقبلة طرف خده هامسة له بكلمات
إعتذار خافتة .
" هيا ماريا "
أرجفها صوته الحاد الآمر ولم يبعد نظره عنها ولا للتي
أهدته تلك القبلة وكل تلك الكلمات الهامسة فابتعدت أصابع
كين عنها حينها وأنزلت هي نظرها مسدلة جفنيها ما أن
شعرت بقبلته على رأسها قبل أن يقول
" اعتني بنفسك ماري وتأكدي من أني أفعل ذلك من
أجلك فقط "
وغادر بعدما وجه رسالته تلك لمن وصله معناها فورا
ورفعت حينها نظرها تتبعه وهو يبتعد وارتجف جسدها
ما أن شعرت بتلك الأصابع التي امتدت لها تلتف على أطراف
أصابعها وسحبها معه متجاهلا التي تركها واقفة مكانها
خلفهما ، وما أن وصل بها للجاغوار السوداء المتوقفة في
موقف السيارات فتح لها بابها فركبت في صمت وما أن
جلس في كرسيه خلف المقود غادر من فوره وكانت
الكلمات الوحيدة التي تمتم بها
" اربطي الحزام ماريا "
ففعلت ذلك على الفور فنبرته لم تحمل أيا من الاستياء الذي
رأته في عينيه ونبرة صوته حين كانا في الجامعة !
نظرت جهة النافذة وأغمضت عينيها بقوة تحاول طرد تلك
الصورة التي بات تكراراها أمام عينيها موجعا أكثر بدلا من
أن تعتاد عليها ولن نقل تقتنع وتتقبلها فيبدوا أنها كلما اقتربت
منه أكثر ستتألم لاقتراب تلك منه أكثر ، ما الذي سيصل له
حجم ألمها إذا ؟ ستموت بسبب هذا الشعور لا محالة .
تستغرب أنه لم يعلق على ما حدث وعلى تصرف كين فهل
يراه أنقذ الموقف ؟ لكن نظرته الغاصبة حينها لم تكن تنذر
بذلك ولا سرعته الجنونية الآن في القيادة وما سيقول مثلا
وبما سيعلق ؟
" لقد ظنت بأني زوجتك "
همستها ونظرها لازال على النافذة تشد أناملها بقوة فوصلها
صوته البارد سريعاً
" أنا من أخبرها سابقا بأني مرتبط ، كان ذلك في ثاني لقاء لنا
وكان عليا التخلص منها ... كل هذا كان قبل أن تظهر هذه المهمة
التافهة طبعا "
اتكأت برأسها على مسند الكرسي ولازالت تنظر للنافذة تراقب
الأشجار والطبيعة الخضراء من بين الدموع التي ملأت عينيها
والتي مسحتها سريعا قبل أن تفتح المجال لغيرها وقد عادا
للصمت الذي كان رفيقهما حتى وصلا للمجمع السكني وأوقف
سيارته في المواقف المخصصة والمظللة فنزلت حينها تتبعه
حتى دخلا المبنى وصعدت السلالم خلفه وما أن أغلقت باب
الشقة خلفها قالت ناظرة لقفاه
" ثمة رحلة بشأ..... "
" لا ...... ممنوع ماريا "
قالها مقاطعا لها وهو يتوجه جهة غرفته فقالت تراقبه
" اتركني أتحدث أولا وأشرح عما تكون "
أمسك مقبض الباب وأداره بحركة عنيفة وقال وهو يدخلها
" لا أحتاج لأن أسمع ذلك "
فزمت شفتيها بضيق ورمت مذكراتها على الكرسي قربها
ولحقت به ودخلت الغرفة خلفه وقالت بضيق من خلفه تنظر
له وهو منشغل بفتح أزرار سترة المنظمة السوداء
" ولما لا تستمع أولا ؟ من حقنا أن نتناقش وأن أعلم
سبب رفضك ، لما يكون القرار من طرفك فقط ؟ "
التفت لها وقد توقف عن فتح تلك الأزرار التي وصل لمنتصفها
وأمسك خصره بيديه قائلا بحزم
" لأن القرار لي ماريا وأنا قلت لا "
" لماذا "
قالتها بحدة فواجهها بنبرة أشد محركا رأسه حركته المعتادة
وكأنه يشير لشيء ما خلفها
" هكذا عناد كي لا تستمعي بحياتك ولأتحكم بك هل من مانع
لديك ؟ "
ضربت الأرض بحذائها قائلة بضيق
" تييييم !! "
فعقد حاجباه قائلا بحدة
" وناقشيني مجددا "
قالت من فورها بغضب محتج
" بلى سأناقشك ما لم أقتنع بأسبابك ، هم لن يكو.... "
أبعد يده وقال يرميها جانباً ومقاطعا لها
" أجل فثمة أساتذة معنا وحافلات ستنقلنا كمجموعات ، سكن
مستقل ووووو.... أعلم بهذه الأسطوانة قبلك وأعلم ما الذي
يحدث غير ذلك "
لوحت بسبابتها قائلة بضيق
" أرأيت نفسك كيف تتصرف بشكل خاطئ ؟ لما غضبت مني
سابقا حين لم أستمع لك ولم أناقشك أو أترك مجالا
للحوار بيننا ؟ "
قال من فوره وبغضب
" لأنك لست هنا لتناقشي ولا لتحاوري ماريا بل لتنفثي غضبك
بي لأنك لا تستطيعين ذكر السبب الحقيقي فهل هذا وقت طلب
الإذن لتلك الرحلة السخيفة التي تعلمين أن رفضي لها هو
المرجح ؟ "
نظرت له بذهول جاهدت لتخفيه وهو يضع شرحا كاملا لشجارهما
ولأسبابه وما أن كانت ستتحدث صرخ مسكتا لها
" ماريا اصمتي الآن لن نتحدث في هذا مفهوم ؟
لأنك لست على استعداد للاستماع لي "
قالت برفض
" بلى على استعداد "
قال من فوره وبذات غضبه
" ماريا هذا العالم مختلف وهؤلاء البشر يعيشون كالحيوانات
بلا دين ولا مبادئ وأنا الرجل ذهبت مرة ولم أكررها في جامعتي
سابقاً فلا تفتعلي شجارا عقيما فقط لأنك غاضبة من أمر لا
تستطيعين التحدث عنه "
أشارت له بسبابتها وقالت بضيق
" وأنت كذلك "
صرخ من فوره
" بلى وأنا كذلك لذلك على هذا الشجار أن يتوقف حالا "
فلم تعلق تنظر له بأسى ليس بسبب ما قال فقط بل وبسبب
جرس الباب الذي بدأ بالرنين تبعه هاتفه فورا فمررت أصابعها
في غرتها بعنف وجفناها قد احمرا بسرعة البرق وغادرت
الغرفة راكضة ورفعت مذكراتها وتحركت جهة غرفتها ودخلتها
ضاربة بابها خلفها نظرات الذي خرج من الغرفة خلفها تتبعها
وقد تحرك جهة الباب متأففا نفسا طويلا غاضباً فهو بالفعل
حاله ليس أفضل منها واقتراب ذاك المدعو كين أزعجه وإن
كان ليس حقيقيا وحديثه ونظرات الاتهام في عينيه زادت الأمر
سوءاً ، فتح الباب بطريقة غاضبة عنيفة وأولاه ظهره فورا
وسار نحو الداخل وكأنه يقول للموجود خلفه تحمل نتائج
قدومك هذا الوقت ، وقف موليا ظهره لصاحبة تلك الخطوات
الأنيقة بالكعب المرتفع يمسك خصره بيديه وأغمض عينيه
متأففا بصمت ما أن تسللت تلك اليدان لخصره وحضنته بقوة
واتكأ طرف ذاك الذقن الصغير على كتفه لتعبث تلك الشفاه
بشعره تنفخ الهواء برقه على عنقه وابتسمت متمتمه
" آسفة حبيبي ما حدث جعلني أغضب ، لم أكن أعلم
بأنك تعاملها كابنة لك هكذا "
ابتعد عنها واستدار ناحيتها وقال بجمود
" ماريا أنا المسئول الوحيد عنها وقانونيا أيضاً ووجودها
في عالمي أمر مسلم به "
ابتسمت له واقتربت منه مجددا حتى وقفت أمامه تماما
ومررت يدها خلال سترته المفتوحة حتى منتصفها ورفعت
جسدها حتى أصبحت أنفاسها تداعب وجهه فأجفل مبتعداً
وهمس بخشونة ينظر لعينيها الحانقة
" لوسي لسنا وحدنا هنا كما أن... "
فقاطعته قائلة بضيق
" تيموثي الفتاة لديها خطيب لما لا تتزوجه ؟ "
أبعد نظراته الحانقة عنها وتمتم ببرود
" على ماريا أن تنهي دراستها أولا "
فرمقته بضيق وقالت محتجة
" نحن من علينا أن نتزوج إذا وأن نحدد موعدا لذلك "
نظر لها وقد قست ملامحه الحادة وهو يقول
" وهل سأعلم عن هذا من الصحف كالمرة السابقة لوسي ؟ "
حركت يدها قائلة فوراً
" لا بالطبع فها أنا قلت لك ولنتناقش في الأمر متى ما
احتجنا من وقت "
أولاها ظهره وكتف ذراعيه لصدره وقال ببرود ونظره على
باب تلك الغرفة والمغلق تماماً
" ليس وماريا معي "
" تيموثي !! "
اعترضت محتجة فقال من فوره وبجدية
" أخبرتك أني المسئول الأول عنها ولا شيء أمامنا فلننتظر "
تحركت حينها حتى كانت خلفه مباشرة وقالت بضيق
" ننتظر حتى متى لتنهي دراستها ! أنت تمزح حبيبي بالتأكيد
فلتذهب للعيش مع خطيبها حتى يتزوجا "
التفت لها حينها وقال بحزم مشيرا للباب خلفها
" ما لدي قلته لوسيانا وإن كنت ستغضبي مجددا فأغلقي
الباب ورائك هذه المرة "
فزمت شفتيها تنظر له بحنق وتعلم جيدا أنها كلما اعترضت
سيعاند أكثر وأنه لا يشبه أيا من الشبان اللذين عرفتهم سابقا
تحركهم هي كيف تشاء حتى أنه لا يخضع لأوامر والدها وهو لم
يمانع هذا فيه ولا تراه يضغط عليه أبداً في أي أمر تريده وهو
يرفضه وكأنه هو ابنه وليست هي ! تأففت بضيق لم تخفيه
أبداً وقالت
" والدي ينتظر زيارتك "
أشاح بوجهه جانبا وقال ببرود
" عليا العودة للمنظمة ما أن أستحم وسأرى ما يمكن
فعله مساءً "
اقتربت منه حينها وقبلت خده وقالت مغادرة
" ستأتي بالتأكيد حبيبي سأخبره بأن ينتظرك "
وغادرت من فورها مغلقة الباب خلفها فمرر أصابع يديه في
شعره يشده للخلف بقوة متأففاً وما أن أبعدهما عن شعره نظر
خلفه ولجهة الباب المغلق قبل أن يتوجه للمطبخ ..
وضع إبريق القهوة على النار وأضاف له البن من قبل أن
يغلي وخرج من هناك ، رأسه يكاد ينفجر ويأمل بأن يعدل
له ذاك السائل الأسود مزاجه على الأقل ، وصل باب غرفتها
وفتحه ببطء ووقع نظره فورا على سريرها حيث تنام بملابسها
لم تنزع سوى السترة التي كانت مرمية على الأرض قرب
السرير وكانت تضع سماعات في أذنيها وتبدوا نائمة !
ما أن دخل سمع صوت ذاك الشيء الذي تضعه في أذنيها
مرتفعا حتى أنه استطاع فهمه ما أن اقترب فقد كانت تستمع
للقرآن مسجلا وترفع الصوت على أقصاه كما يبدوا ولن يكون
سوى هربا من الاستماع لما يقال ويحدث في الخارج .
أمسك باللحاف وغطى به جسدها برفق وتوجه جهة مذكراتها
وأوراقها وحقيبتها المرمية أرضاً أيضاً رفعهم ووضعهم على
الطاولة التي تستخدمها للدراسة وما أن انتهى وقف على
طوله ونظر لها مجدداً وبصمت لوقت قبل أن يتحرك نحوها .
*
*
*
لامارا, بلا عنوان, بسابيس and 95 others like this.
رد مع اقتباس
#9715
قديم 09-05-18, 10:14 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
وقف أمام باب الغرف المفتوح ونظر للتي كانت تجلس
على السرير تحضن ركبتيها وتدفن وجهها فيهما فتنهد
بأسى ودخل وجلس بقربها على السرير ومسحت يده على
شعرها قائلا بهدوء
" تيما ارفعي رأسك وانظري لي "
فرفعته ببطء لتظهر له تلك العينان المجهدة من البكاء
وتابع بجدية
" مؤكد تعلمي بأن والدتك تفعل كل ذلك من أجلك يا تيما
فهي تخاف عليك وتحبك كما أنها غاضبة مني وليس منك
مهما عبرت عن ذلك ناحيتك "
تدحرجت دمعتها وهمست بعبرة
" بل من كلينا أبي بل والجميع .. أنا... أنا ما كان علي ...
ما كان علينا إخفاء الأمر عنها أبي هي غاضبة مني أيضا
لأني اخفيت ذلك عنها ولأني أوافقك في تحديد مصيري
لكني أؤمن بأنه لك أسباب وإن لم تشرحها ، أنت لم تجبرني
على الشخص الذي سأتزوجه لكن... لا يمكنني لومها أبي "
مرر يده على شعرها وشد رأسها ليتكئ على صدره وقال
ماسحا على شعرها الأسود الناعم
" أجل من حقها أن تغضب .. كنت سأطلعها على الأمر بعد أن
آخذ موافقتك لكن الأمر حدث ولا نفع من الندم عليه الآن "
ابتعدت عنه وأمسكت يده وقالت برجاء باكي ناظرة لعينيه
" أبي لا تغضب منها أرجوك ومهما قالت .. هي تحبك أنت
تعلم ذلك "
حرك رأسه ببطء هامساً
" لا يا تيما لن أغضب منها "
رفعت يدها وأصابعها المرتجفة لشفتيها هامسة ببكاء
" كله بسببي أنا المخطئة أنا من... "
وانحنت جهة الوسادة وحضنتها بقوة تدفن وجهها وبكائها فيها
فمسحت يده على شعرها وما أن كان سيتحدث أوقفته اليد التي
أمسكت كتفه فنظر فوقه للذي ابتسم له من فوره وقد أشار
بسبابته والوسطى على كتفه وكأنه يقول له لا تأخذ مكان
غيرك ورتبته فابتسم له ووقف وربت على كتفه وغادر
مغلقا الباب خلفه وتاركا بالفعل الدور لصاحبه .
*
*
*
أغلقت باب الخزانة واتكأت عليه بجبينها وراحة يدها ..
قسما لا يمنعها شيء عن مغادرة هذا المكان سوى والدها
فلا تريد أن يشعر بأنها تهدد بهذا ولا تهتم بأمره ولا برأيه
ووجوده وهي التي لا تصدق أنها وجدته أخيرا ، شدت أناملها
تقبضها على الخشب المصقول وأغمضت عينيها تسحب أنفاسها
بقوة تشعر باختناقها يزداد وكأن الهواء سُحب من المكان بأكمله
، فالتموت إذاً ما نفعها في هذه الحياة وما مكانها في حياة
من حولها ؟
ابتعدت تمسح عيناها بظهر كفها بقوة والدموع التي لم تفارق
رموشها بعد ما أن سمعت تلك الطرقات على باب غرفتها فرفعت
غرتها خلف أذنيها وجلست على طرف السرير تنظر للأرض ما
أن انفتح الباب ووقف أمامه الذي نظر للحقيبة المرمية تحت
قدميها قبل أن يرتفع نظره للتي كانت تسند كفيها على السرير
تحتها تنظر لها بشرود نظرة جامدة خالية من أي تعبير فقال
وهو يقترب منها وبنبرة تشبه تلك النظرة الخاوية في عينيها
" ماذا يا ابنة دجى ؟ من تقررين معاقبته بهذا ؟ "
ووقف على بعد خطوات منها ما أن خرج همسها المخنوق
" لن أخرج من المنزل وأنت فيه أبي إلا لو كنت معي بل ما
يجعلني أتمسك بالحياة وجودك فيها "
عقد حاجبيه قائلا بضيق
" كيف تقولين هذا يا غسق ؟ إن فرضنا بأنك غاضبة من
ابنتك فماذا عن ابنك الذي ترك حتى عائلته قادما خلفك
ومن أجلك ؟ "
ابتسمت بسخرية ومرارة وقالت ونظرها لم يفارق الحقيبة
الفارغة تحتها
" لا تخف بشأنه فابن شقيقك قادر على جعله نسخة أخرى
عنه وعن ابنته وسيعلمه كيف يعصيني ويقرر وينفذ من
ورائي وأتحول لشخص لا أهمية له في حياته "
شد قبضتيه بجانب جسده بقوة وقال بذات ضيقه
" غسق هل أفهم لما ينتقل السواد الذي تحيطين مطر به
لكل المحيطين بك ؟ "
ضربت بيديها على طرف السرير تحتها حيث تستند بهما
وقالت بضيق أكبر ولم ترفع نظرها به
" أبي توقف عن الدفاع عنه وعنها أرجوك فأنا المخطئة
أعلم لا تذكر لي هذا لا أريد سماعه من شفتيك تحديدا "
قال من فوره وبحدة
" أنا لم أقل أنك مخطئة ولن أقولها يا غسق لكن اللوم
ليس على تيما وحدها في هذا فأنت من أبعدها عنك "
نظرت له هذه المرة وهي تقول بذات ضيقها
" أبي هل أفهم أي نوع من إلقاء اللوم هذا وتقول بأني
لست المخطئة ؟ "
قال مباشرة وبجدية تشبه نظرته القوية الحازمة لعينيها
" وإن قلت بأني موافق على هذا الزواج يا غسق وعلى
استمراره وأن يعلن في أقرب وقت ممكن ؟ "
وقفت وقالت بغصب ملوحة بيدها
" لماذا...؟ بأي حق تزوجونها وهي في هذا السن !
هل لأن مطر شاهين يريد ذلك توافقه ؟ "
قال بحزم
" لا دخل لمطر بهذا يا غسق وأنا كنت رافضا مثلك
وأكثر منك واقتنعت "
نظرت له بصدمة قائلة
" ماذا تقصد بهذا أبي هل أخطأت معه ؟ "
نظر لها بدهشة وقال موضحاً من فوره
" لا يا غسق ما هذا الذي تقولينه ! "
قالت بضيق تشير لنفسها
" لماذا إذا اشرح لهذه الغبية لتفهم لما تحددون مصير ابنتها ؟
لماذا تزوجونها الآن ؟ لما عليها أن تكون أم وهي تحتاج لمن
يرعاها لا لمن يتزوجها ؟ وممن ؟ من أحد رجال ابن شاهين
الرائعين بل وأكبر من والدتها "
قال من فوره
" ابنتك كل من يراها يعطيها عمرا يقارب العشرين يا غسق
والواقع يتحدث أمامك "
اشارت بيدها جانبا قائلة بذات ضيقها
" وهل سنحكم على جسدها وما يظهره لنا الظاهر ؟
هل على هذا تُزوج النساء ؟ تزوجت والدها وأنا ابنة
التاسعة عشرة وكنت أحتاج لعقول جميع النساء لأفهمه
وأعيش معه وفي النهاية ماذا؟ بحث عن غيري "
عقد حاجبيه قائلا بحدة
" قاسم مختف يا غسق رجل يمكن الاعتماد عليه وفي كل
شيء وهو يريدها زوجة له فعلا "
لوحت بيدها جهة الارض صارخة باحتجاج
" إن كان هو بعقل فأر هل علينا جميعنا أن نكون مثله "
واجهها بتعليقه الحاد فورا
" غسق هو زوج ابنتك الآن مهما كان رفضك له وقبلها
هو ابن عمتك المرأة التي عرفتها هنا وعشت معها ومتأكد من
أنه كل من عرفها أحبها وحمل لها من الجميل ما لن ينساه أبدا "
شدت شعرها للخلف ممرره أصابعها فيه ولم تستطع نكران ذلك
فهي حملت في قلبها لتلك المرأة ما لن تنساه ما عاشت لكن ليس
ابنها ليس من كان على قيد الحياة وحرمها ونفسه من أن يكونا
معا وبكل قلب ميت ودم بارد فسيكرر ذلك مع ابنتها وسيفعل ما
فعله زعيمه يوما ما ، أخرجت اصابعها من شعرها قائلة بجمود "
إن كانت على قيد الحياة لوافقت احتراما لها فقط أما الآن فأنا
لست موافقة وإن كانت زوجته ولن أسمح لهذا الأمر أن يحدث ،
تيما ابنتي أيضا ولي الحق في هذا كوالدها تماماً "
تنهد بضيق وقال بجدية
" غسق قاسم بمشيئة الله أنقذ ابنتك من الموت في لندن ومن
أن تفقديها طوال حياتك وهو لا يعلم من تكون ، بحث عنها
في كل مكان بعدها وأحبها وأرادها له من قبل أن يعلم من
تكون ولا أنها زوجته ، وابنتك تحبه أيضا ووالدها كان يريد
التأكد من أن مشاعرها ناحيته ليست امتنان ولا مشاعر
مراهقة وكان سيترك الأمر للوقت الذي يكون مناسبا للتحدث
معك فيه قبل حتى أن يعلن بأنها زوجته فقاسم نفسه لم
يكن يعلم "
أشارت بأطراف أصابعها لصدرها قائلة بضيق
" وهل كان سيأخذ برأيي إن رفضت؟ هو كان سيعلمني
بالأمر فقط كي لا أسمعه من الصحف والتلفاز ، أنا أساسا
لا أعلم ما مصلحة ابنتي وقراراتي ناحيتها لا نفع منها "
قال من فوره وبحدة
" غسق ما كل هذه العقد التي تحيكينها حول نفسك ؟ "
رمت يدها جانبا قائلة بحدة مماثلة
" أجل أبي معقدة فقط لأني أقول ما نفع وجودي في حياة
أشخاص لست في حياتهم سوى شيء زائد عاشوا من دونه
فلن يغير وجوده من عدمه في شيء "
قال بحدة أشد
" غسق أريد أن أفهم أتثقين فيما أقول وما أقرر أم أني
بالنسبة لك مجرد مطر شاهين آخر ؟ "
مررت أصابع يديها في شعرها للخلف قبل أن تنزل بهما لعنقها
وأشارت لصدرها بكفها تضربه برفق قائلة بعبرة مكتومة عيناها
الواسعة تمتلئ بالدموع تدريجيا
" أبي أنا متعبة ... أموت قسما أموت ولا أحد يعلم ما الذي
يموت هنا .. إنها غسق تنتهي وتختفي .. ليته فقط يتم
إنصافها لمرة واحدة لتموت مبتسمة على الأقل "
نظر لها باستنكار وكان سيتحدث لولا قاطعه الذي دخل
وتوجه نحوها من فوره متجاهلا محاولته لإمساك كم
سترته وإيقافه مناديا
" مطر !! "
حتى وصل عندها وأخذ حجابها المرمي على السرير وأمسكها
من يدها وسحبها منها بالقوة خارجا بها من الغرفة ورغم
محاولاتها للفكاك منه أو إيقافه وضربها بقبضتها لساعده
ألا أن ذلك لم يؤثر به ولم يتوقف حتى وصل بها لسيارته
المتوقفة أمام باب المنزل وفتح بابها وأركبها مرغمة وأغلقه
خلفها وأغلق جميع الأبواب كي لا تنزل وما أن دار حول
السيارة ليركب في كرسي السائق وصله صوت الذي لحق
بهما قائلا بحزم
" مطر ماذا تفعل ؟ "
غرس المفتاح في الباب وأداره فيه قائلا بجدية
" لا تقلق عمي لن أقسوا عليها ولن نرجع اليوم فلا يقلق
أحد على تأخرنا "
وما أن فتح الباب ركب مغلقا إياه خلفه وغادر من هناك من فوره
فتنهد الذي تركه خلفه متمتما ونظره على السيارة المبتعدة
" لا أعلم ما هذه المعجزة التي ستجمعهما معا مجددا ؟ "
*
*
*
وقف مكانه لوقت ينظر لصاحبة ذاك الفستان الزهري الناعم
الذي ارتفع لركبتيها لا يظهر منها سوى تلك الساقان البيضاء
الناعمة النقية واليدان الرقيقة التي تشتد أناملها بقوة على
الوسادة البيضاء الناعمة تحتها والشعر الأسود الحريري
الذي تناثر على ظهرها وكتفيها فمد يده له حتى لامست
أصابعه تلك النعومة الفائقة وخرج صوتها الباكي الحزين
" آسفة أبي أنا خجلة من نفسي فعلاً ليتني أموت .. أنا السبب
في كل ما حدث تصرفت بجنون بتهور أ.... "
وصرخت بصدمة ما أن أمسكتها تلك اليدين وأجلسها فنظرت له
بصدمة وتراجعت لظهر السرير تنظر بصدمة للذي مال نحوها
يمسك خصره بيديه قائلا بضيق
" من هذه التي تريد أن تموت ؟
أسمعيني ذلك مجددا لأقطع لسانك "
التصقت بظهر السرير أكثر وكأنها ستخترقه تنظر له بعينان
دامعة وهمست بأحرف متقطعة
" ما... ماذا تفعل.. غادر ستراك والدتي وتغضب أكثر ، ثم
هنا غر... "
" وإن قلت بأني لن أخرج "
قاطعها وقد اتكئ بيده على خشب السرير المرتفع فوقها
ينحني ناحيتها أكثر فزحفت للجهة الأخرى قائلة
" سأغادر أنا إذاً "
وصرخت بشهقة ما أن أمسك بيدها وسحبها نحوه وبدأت
تحاول الفكاك منه والهرب قائلة
" اتركني سيأتي والدي .. إبتعد عني "
سحبها بقوة أكبر مبتسماً حتى أوقعها على السرير نائمة
على ظهرها وما أن مال نحوها توقف فجأة متنهدا بضيق بسبب
الباب الذي انفتح خلفه ووصله ذاك الصوت الرجولي الباسم
" لما لا تبتعد عنها يا وقح ؟ "
فتركها ووقف ونظر للذي قال مشيرا للباب خلفه بإبهامه
" اخرج هيا سأتحدث أنا مع دميتي الجميلة فليس كل
ما يلغط به الرجال يقال "
فابتسم له وقد فهم مقصده سريعا ومعه حق فليست الحقيقة
بأكملها تقال فلن يعجبها بالتأكيد أن تعلم بأنه كان لها شريكة
فيه قد تظهر في أي وقت وأنه وافق على وجودها ، غادر
مغلقا الباب خلفه تاركاً صاحب تلك الابتسامة الطفيفة يراقب
التي جلست تبعد شعرها وغرتها عن وجهها هامسة بتلعثم
" جدي أنا .... هو .... لم أكن موافقة هو من ...
هو دخل هنا و... "
ونطرت ليديها في حجرها وأصابعها المتشابكة في بعضها
ما أن عجزت عن صياغة جملة كاملة فقال مبتسما وهو
يجلس أمامها
" لا بأس هذا من حقه وأنا المتطفل بطرده بالطبع "
نظرت له بعدم استيعاب فابتسم وأمسك أنفها وقال مبتسماً
" مبارك يا أصغر وأجمل عروس .. لن أقول في العائلة
فقد سبقتك والدتك ولحقت بجدتها وجدتك "
ازدادت نظراتها له استغرابا فضحك وأمست بيدها ونظر
لكفها الصغير الناعم وقال يحرك سبابته فيه يرسم دوائر
ونظره عليه
" كان يا ما كان ثمة طفلة جميلة تشبه الدمية وعمرها كان
عشرة أعوام اختار لها والدها أميرا وزوجها له ولا أحد
منهما يعلم عن الآخر حتى التقيا مصادفة بعد أربعة أعوام
في ملهى ليلي و... "
شهقت بصدمة ساحبة يدها منه تنظر له بصدمة فنظر لها
وضحك وقال مشيراً بإبهامه للباب خلفه وغامزا بعينه
" والأمير الوسيم طبعا في غرفته الآن فلتمارس أميرته
هواية الركض لحضنه المفضلة لديها بسرعة "
نظرت له فاغرة فاها الصغير فالصدمة كانت أشد من استيعابها
رغم أنها لا تتوقع غير ذلك من والدها فضحك وأشار لها
برأسه فهمست بتلعثم
" و.. لكن... والدتي "
قال مبتسما
" أخذها والدك ويبدو أنهما سيقضيان رحلة قصيرة فلنأمل
أن تعود منها متقبلة للأمر فالموافقة والرفض فات أوانهما "
ذبلت ملامحها بحزن وهمست
" تظنهما سيتصالحان جدي ؟ الأمور كانت تسير على
ما يرام حتى اليوم "
أومأ موافقا وأشار برأسه جهة الباب قائلا بابتسامة
" هيا قبل أن يغادر "
فضحكت بخفوت وزحفت مغادرة السرير تتجنب النظر له
محرجة وما أن كانت خارج الغرفة ركضت تعبر الممر حتى
كانت عند الباب المشترك بين أروقة المنزل وعبرت الممر
الشمالي وما أن وصلت باب غرفته وقفت أمامه تعض طرف
إبهامها وأغمضت عينيها بقوة تسمع خطواته في الداخل ، فتاة
غيرها ما كانت لتستوعب ما قاله لها جدها بسهولة لكن في
عائلتها وقصص النساء فيها وطرق زواجهن وظروف حياتهم
هناك ما كانت لتستغرب هذا ، وكم لعبت الظروف والمصادفات
دوراً في كل هذا فكيف تلتقيه وينقذها وتتعلق به ولا أحد منهما
يعرف من يكون الآخر بل وبأنه ثمة رباط قوي يجمعهما !
مدت يدها ببطء لمقبض الباب وفتحته بحركة أكثر بطئاً ونظرت
من شق الباب المفتوح مبتسمة للذي كان يرفع هاتفه ومفاتيحه
من على طاولة التزيين لحظة أن شعر بالباب والتفت له برأسه
فقط قبل أن يبتسم مستديرا بجسده ناحيته ينظر لصاحبة ذاك
الفستان الزهري والشعر الأسود الناعم والوجنتان اللتان ازدادتا
توردا مع نظرة الخجل في العينين الزرقاء الواسعة تغرس أسنانها
البيضاء الصغيرة في طرف شفتها المبتسمة فمد يده ناحيتها
وحرك أصابعه بأن تعالي فتراجعت للخلف خطوة ووجنتاها
تزدادان توردا وحركت رأسها برفض مبتسمة فابتسم وحرك
أصابعه مجددا قائلا
" تعالي هيا أو جئت أنا وقسما أن أركض خلفك
إن فررتِ هاربة "
وضحك على نظرتها المصدومة وشهقتها الصامتة قبل أن تدفع
الباب وتركض نحوه وقد استقبلها من فوره ضاحكا وحضنها
رافعا لها عن الأرض متعلقة بعنقه وقال
" مرحبا بحبيبة قاسم في عالمه الكئيب الموحش "
حضنته بقوة أكبر وهمست بحزن
" لن يكون كئيبا بعد الآن ولن تكون وحيدا سنكون معا دائماً "
أنزلها للأرض رغم أنه لم يبعد يديه عنها تماما يمسك بهما
خصرها النحيل بينما ترتاح يداها على صدره ونظرت له بعينين
حزينة هامسة
" ولم تعد غاضباً مني بسبب ما حدث في لندن ؟ "
حرك رأسه نفيا وهمس
" ولن نذكره مجدداً "
ابتسم بضحكة خفيفة ما أن قفزت حاضنه له مجددا متعلقة بعنقه
فالتفت ذراعاه حول جسدها فورا يحضنها بقوة يدفن ملامحه في
شعرها الأسود الكثيف لا يصدق بأنه دخل هنا وبات ليلة لم
يغمض له فيها جفن ليأخذ رأيها فيما كان موقنا بأنه سيكون
الرفض ليجدها في لحظة زوجته ملكه وفي حضنه ! همس يقبل
خصلات شعرها بشغف
" ما رأيك لو نغادر للمنزل الآن ؟ "
ابتعدت عنه بشهقة مصدومة وقالت
" ما رأيك لو تغادر أنت لمنزلك الآن ؟ "
ضحك وقال يحاول إمساكها من ذراعها
" موافق لكن معا "
ابتعدت عنه مسرعة وبخفة لم يستطع إمساكها معها حتى
أصبحت عند الباب تمسكه بيدها وقالت ناظرة له
" ليس قبل أن توافق والدتي "
نظر للأعلى يمسك خصره بيديه وتنفس بضيق متمتما
" إذا لا خروج لك من هنا أبدا إلا لو قتلتني "
عبست ملامحها الجميلة وهمست بحزن
" لا تتحدث هكذا عن والدتي "
نظر لها وقال بحزم يرفع سبابته أمام وجهه
" ليكون معلوما لديك فلن أطلقك مهما كانت رافضة
فلا تفكري يوما في طلب هذا مني من أجلها فلن أوافق "
قربت حاجباها الرقيقان قائلة برجاء حزين لازالت تقف مكانها
أصابعها تلتف حول خشب طرف الباب
" لن أطلب هذا منك لكننا سننتظر موافقتها قاسم عدني "
حرك رأسه ممررا أصابعه على فكه وتنهد متمتما
" أمري لله ... أعدك أن ننتظر لكن قليلا فقط "
لونت ابتسامة رقيقة ملامحها الجميلة وهمست له
" أحبك "
قبل ان تختفي من هناك ما أن تقدم نحوها مبتسما ولم يجد
في الممر سوى رائحة عطرها الخفيف بعدها .
*
*
*
دخلت معه لا تحاول النظر لما حولها وكان المكان بالفعل
لم يعج بالمدعوين بعد وشبه فارغ لكن الباب الواسع كان
في استقبال الداخلين حديثا بالتتابع ولم تفهم حتى الآن
ما يكون هذا الحفل ولما ومن ستقابل فيه ! وبدأت مسيرة
تعريفها ببعض من توقفا من أجلهم ولم تكن منتبهة ولا
لأسمائهم تفكيرها منحصر في الشخص الذي ستفقد عقلها
ما أن تراه ! من يكون وما صلتها هي به ومن تعرفهم
محدودين جداً !! ارتجف جسدها ما أن شعرت بيده على
ظهرها وهمس عند أذنها
" ها هي المفاجأة خلفك "
فاستدارت بسرعة وانفتحت عيناها بصدمة تنظر للذي اقترب
منهما يرتدي بدلة سوداء بدون ربطة عنق قميصها خارج
حزام بنطلونها ورغم الشيب الخفيف جدا في شعره والخطوط
التي ارتسمت بجانبي شفتيه تزين فكيه العريضان استطاعت
التعرف عليه سريعا ، ثمان سنوات فصلت بين آخر لقاء بينهما
لم تراه بعدها ولم تسمع عنه شيئا والآن ... !! كيف علم بأنها
هنا !
ما أن وصل عندها أمسك ذراعيها وقبل خدها قائلا بابتسامة
" زيزفون يالا الفتاة الجميلة ! ما كل هذا ؟ "
ابتعدت عنه وابتسمت له بشحوب ليس بسبب ما حدث في
الماضي ويعرفه فقط بل وبسبب حديث وقاص سابقا والذي
قفز لمخيلتها فوراً
( أنا لا أثق به يا زيزفون وحدس المحامي لا يخطئ أبدا )
تعلم بأنه محام ذكي وله حدة نظر وأيضا موقنة من أنه اطلع
على قضيتها المعلقة في المحاكم حتى الآن ولن يقول ما قاله
من فراغ لكن لما وعلى ماذا استند فخالها بشير الشخص الوحيد
الذي يعلم بخبايا الجريمة غير خالها دجى وابن شاهين ورغم
ذلك شهد معها كما ساعد إسحاق على الهرب تلك الليلة فلما لا
يثق به ! وما مصلحته ليؤذيهما وهما ابنا شقيقته وهو من
وجد لهم إسحاق بعد عشر سنين من اختفائه مختطفا ؟
وذاك كان السبب الذي جعل والدتها تسلمها لجدتها خوفا من
أن تلقى مصير شقيقها والذي كانت واثقة منه حينها فهي
لم تصدق حديثهم حين قالوا بأنه مات وقت ولادته وبأن
شقيقته مريضة وقد تنتهي لنهايته لكن من قال كل ذلك !
من اختطف إسحاق حينها ورماه عند الحدود ليجدوه غيلوان
ولما أخذ خالها والدتها من منزل زوجها المتوفى قبل أن تلد !
أيكون هو السبب في اختفاء إسحاق ! لكن لما كان سيحميه
من السجن إذاً !
انتبهت من شرودها على حديث الواقف بجانبها يكرر سؤاله
لها فاغتصبت ابتسامة هامسة
" أجل اشتقت له فأنا لم أراه منذ أعوام "
قرب يده من وجنتها ومسح عليها متمتما بابتسامة
" آه يالا الفتاة الجميلة ما رأيك لو نجتمع مجددا وثلاثتنا معا ؟ "
انتفض قلبها بقوة وفهمت من عنا بالشخص الثالث بينما يبدوا
أن الواقف بجانبها لم يعلم منه بعد عنه ولم تعد تفهم أعلم بما
حدث لإسحاق وبأنه عاد لعائلة غيلوان وبالحادث الذي تعرض
له أم لا ولما سألها إذا أن يجتمع ثلاثتهم ! شدت قبضتيها
المتعرقتان أكثر وسحبت أنفاسها بصعوبة ما أن تقدمت منهم
امرأة شقراء قصيرة رغم ارتفاع كعب حذائها وهمست شيئا
ما للواقف بجانبها فغادر معها من فوره ، رفعت حينها نظرها
للواقف أمامها قبل تنظر للذي غادر مبتعدا ولا تعلم لما يبدوا
لها أن الأمر مفتعل وقد تم إبعاده عنهما قصدا ! لكن من
طرف من ؟
ارتجف جسدها لا شعريا بسبب ملمس أصابع الواقف أمامها
لذقنها وقد أعاد وجهها له وقال مبتسماً
" لا تعلمين أن إسحاق سيكون هنا في لندن قريبا ؟ "
اتسعت عيناها الزرقاء الواسعة بصدمة وكما توقعت هو يعلم
بما حدث له وسيكون وراء إبعاد نجيب الآن لكن لما !
هو لم يخبره عن إسحاق إذا وسيكون له أعوان هنا ولا
يتحرك وحده !! نظرت حولها وبدأت تشعر بأن كل من يوجد
هناك عدو مباشر لها ، لما شك وقاص في خالها !
لماذا وعلى ماذا استند ؟ إن كان خالها يعلم عن مكان إسحاق
فما الذي يعلمه أيضاً هل هو من أخفاه لديهم هناك ؟
هل يهتم بأمر حمايته فعلا !
" أين سافر بالجميلة خيالها ؟ "
تراجعت خطوة للوراء لا شعوريا لتبعد عن ملمس يده وأصابعه
فلم تفهم لما شعرت بالقشعريرة تسري في كامل جسدها بسببها
ولأول مرة في حياتها ؟ الأنها لم تعد تعلم عدوها من صديقها
أم السبب مختلف تماماً ؟ وإن كان خالها عدو لها فلما يخبرها
بأنه يعلم بأن إسحاق مصاب وسينقل هنا ! كيف لها أن تتأكد
وجميع اتصالاتها بمطر شاهين قطعت بإبعاد مربيتها واستغلال
حلقة الوصل بينهما ؟ قالت ونظرها لم يفارق عينيه
" مؤكد تعلم إذا بأن ملف القضية فتح مجددا وبأنه تم الإبلاغ
عن مغادرتي المصح "
أومأ برأسه بنعم وقال
" بلى لكن جدك لعبها بذكاء مجددا وحملت إحدى نزلائه الفعليين
اسمك الحقيقي ولن تخرجي من هناك مجددا "
همست تسحب نفسا طويلا لصدرها
" كيف علمت ؟ "
حرك كتفيه قائلا بابتسامة ساخرة
" أنا أعلم عن الكثير حُلوتي وبكل ما قد يضر أبناء شقيقتي ، ما
كان على شقيقك أن يعرض نفسه للخطر إنهم يبحثون عنه
وسيحاولون قتله فهم لا يسامحون ولا يتهاونون "
أمسكت قلبها لا شعوريا وهمست تنظر لعينيه وعيناها تلمعان
ببريق الدموع
" أنت لن تخبرهم عنه وعن أنه من قتله ولا أي أحد ؟
لن تفعلها خالي أليس كذلك ؟ "
حرك رأسه نفيا وقال بابتسامة جانبية
" لا بالطبع أنا أريد حمايتكما فقط وأنا هنا من أجل ذلك لذلك
علينا أن نتعاون يا زيزفون وذاك المغفل الذي يدعى نجيب
عليه أن يبتعد "
نظرت له بصدمة متمتمة
" لماذا ؟ ما صلتك به وكيف تعرفتما ؟ "
حرك كتفه بلامبالاة قائلا
" مصادفة ... أتصدقي أن الأمر كان مجرد مصادفة ؟ كنت أتحدث
معه عن أني هنا لأرى ابنة شقيقتي التي لم ألتقيها من ثمانية
أعوام وأنها إحدى نزلاء مصحة نفسية خاصة ومشهورة وأخذنا
الحديث حتى علمت بأنه ابن سلطان ضرار السلطان "
نظرت له بصمت لبرهة قبل أن تقول
" أتعني بأنه علم منك عن الجريمة وعن فتح القضية مجدداً ؟ "
نظر لها باستغراب وقال
" لا ... من قال ذلك ؟ "
نظرت لعينيه بصمت ولم تعلق ، إذا ثمة شخص آخر تعمل
مربيتها لصالحه وهو من يعمل معه ويعده بتدمير عدوه وقاص
وهو من أخبر نجيب ، أم أن خالها يكذب ! لا تنكر بأنها لم تعد
تثق به أيضاً وعليها أن تأخذ حديث وقاص عنه على محمل
الجد وها قد بات قلبها يخبرها بأن الخطر أكبر وأقرب لها من
السابق فكيف وهي تحاربه وحيدة ؟
نظرت للذي انضم لهما مجددا والذي لامس كفه ظهرها وقال
بابتسامة
" طلبت من خالك أن يقيم لدينا لكنه رفض فهل تقنعينه بهذا ؟ "
كادت تنفجر ضاحكة لولا أمسكت نفسها .. يقيم لديهم وهو يبدوا
يقرر أن يخرجه من حياتها ! لم تعد تستبعد ولا أن يموت قريبا
لأسباب مجهولة ؟ شعرت بضربات قلبها ترتفع ..
أيعقل أن يفعل خالها هذا ؟
الرجل المسالم كما عرفه الناس لأعوام ؟
الرجل الذي شهد معهما في المحكمة رغم معرفته للحقيقة ؟
لكن نجيب وسيلتها لمعرفة عدوها الحقيقي وسيكون متصلا به
فهل يكون هو ذاك العدو أم أنهما تقابلا مصادفة فعلا ؟
هذا ما عليها الانتظار للتحقق منه أولا وأن لا تتسرع ، اغتصبت
ابتسامة صغيرة ما أن قالت
" خالي رجل منعزل بعض الشيء يا نجيب أنت لا تعرفه فلن
يكون مرتاحا في القصر "
نقل نظره منها له وقال مبتسما
" إذا ستكون تكاليف إقامتك هنا على حسابي وإن أردت
سيكون لك منزلا خاصا "
بادله الابتسامة قائلا
" سيكون لطفا منك يا صهر عائلتنا "
وتابع وقد رفع كفه
" نلتقي أذا ؟ "
مد يده وصافحه قائلا
" نلتقي قريبا وسيكون بيننا اتصال "
تصافحا وما أن افترقت أيديهما اقترب من التي أمسك ذراعيها
مجددا وقبل خدها مودعا لها وقد همس قرب أذنها قبل ان يبتعد
عنها
" لا تثقي كثيرا به فلم يعجبني "
وابتعد عنها نظراتها الصامتة تتبعه وهو يستدير مبتعدا عنهما
تفكر في كلماته ، لن يكون هو العدو الخفي إذا لما كان حذرها
منه إن كان شريكه ولكان نصحها بأن تثق به لكن ماذا إن كذب
في هذه أيضا وهو مجرد مخطط ؟ كيف لها أن تعلم ؟
لن أثق به أجل بل ولكني لن أثق بك أيضا يا خالي بعد الآن
فالجميع عدو لي حتى أعلم من يكون عدوي الحقيقي .
*
*
*
نزل من سيارته مغلقا بابها ونظر لساعته قبل أن يرتفع نظره
للقصر المرتفع أمامه وتنهد بضيق فأكثر ما يكرهه أن يكون
مجبرا على فعل ما لا يريد بل وأن يؤمر بذلك أمراً وليس أمامه
سوى التنفيذ فتلك المدللة السخيفة حددت الموعد واللقاء وليس
عليه سوى ان ينفذ أو سيكون في موقف سخيف مع والدها كما
أنه عليه أن يدخل مكتبه مجددا من أجل جهاز التنصت الذي
يزرعه هناك فبطارياته تعمل لفترة محددة فقط .
صعد عتبات الباب الرخامية المرتفعة يدس مفاتيحه في جيب
سترته السوداء الأنيقة ودخل من الباب الزجاجي الذي فتحته
الخادمة أمامه وقد انحنت له باحترام وسارت من فورها يتبعها
لتوصله حيث كان يتوقع تماما فلا شيء لدى ذاك الرجل إسمه
غرفة استقبال ضيوف أو شرب شاي فلم يستقبله مرة خارج
مكتبه ثم ينتقلون لطاولة الطعام ، وذاك ما كان يخدمه دائما
فزرع الجهاز فيه حينها يكون أكثر سهولة بمجرد أن يثبته
أسفل الكرسي الذي سيجلس عليه .
ما أن وصلا لباب المكتب وككل مرة كان هو من يفتحه له
ويستقبله أمامه مصافحا له بمودة وترحاب عليه مبادلته إياه
وإن بما يشبهه قليلا حتى كره أداء ذاك الدور المقيت ..
يُظهر مودة واحتراما لمن يسعى بكل نفوذه لمساعدة من
يدمرون بلاده ...! قسما أن يكون أحدهما قاتل الآخر فلن يرتاح
له بال قبل أن يفعلها ويخلص البلاد منهم جميعهم أو يموت
دون ذلك .
ربتت يده على ظهره وقال يدفعه ليدخل معه
" تفضل هيا وانزع عنك هذه السترة لن تحتاج للرسميات هنا
فهنا منزلك وعائلتك "
سار معه نحو الأريكة الجلدية الواسعة وخلع سترته بالفعل
ورماها على ظهرها وجلس وأرخى ياقة قميصه الأسود فاتحا أول
زرين فيها فهو يحتاج بالفعل لأن يتنفس بحرية هنا بل وما أن
يدخل من الباب الخارجي لهذا المكان وبعيدا عن المهام الموكلة
له والتي تحتاج لهدوء وتركيز كي لا يُكشف في مكان محصن
كهذا أصبح فيه محل ثقة لا يمكن الشك في نواياه لكن أي خطأ
صغير سيكون كفيلا بإرساله للجحيم بتهمة الخيانة والتجسس
وانتحال شخصية والمساس بأسرار دولة كاملة أي لن يرى النور
ما عاش وهذا إن تركوه يعيش أساساً فعقاب جرائمه الموت ولا
شيء غير الموت لديهم حتى أن قاتله لا يحاكم ولا يعاقب .
جلس مقابلا له وقال مباشرة
" يبدوا أني أواجه مشكلة ما يا تيم وقد أحتاج لمساعدتك فيها "
غضن جبينه ينظر له باستغراب فهذه المرة الأولى التي توكل فيها
مهمة من طرفه ! لا ويقول مشكلة ! تمتم بجدية ناظرا لعينيه
" بماذا يمكنني المساعدة ؟ "
قال من فوره
" بعض أعمالنا تتعرض للجاسوسية ونظام مكتبي يتعرض
للاختراق رغم المراقبة المشددة "
استطاع ببراعته وقدرته الفائقة على التحكم في انفعالاته أن يظهر
جمودا يحسد عليه وهو يسمع كل ذلك ، ورغم توقعه لذلك إلا أن
الأمر كان سيكون صادما له ومن عدة جوانب أهمها أن يطلب
مساعدته في ذلك وهذا ما لم يتوقعه وسيخدمهم جيدا ، وها هو
تخمين مطر شاهين أصاب بينما خانه هو ذكائه حين استبعد
الأمر في آخر اتصال بينهما وصدقت ظنون ذاك العقل المدبر وها
هو بالفعل استعان به لكشف من بدأ يفكك خليتهم في الوطن هناك
ببطء وبالتتابع فستخاف الأذرع هنا على أعناقهم بالتأكيد فكيف
بالرأس ؟ رغم أن الجالس أمامه الآن متيقن من أنه محصن ولن
يطاله ما يطالهم لكنه له ولن يرتاح له بال ما لم يقتص من كل
ذلك منه وإن ماتا معاً ، قال بجدية محدقا في عينيه
" وكيف يتعرض نظامكم للتجسس وأنت تقول بأنه محمي تماما
ومحصن ؟ "
جلس منتصبا على ظهر الكرسي الجلدي وقال
" هذا ما أود معرفته .. من الخائن الذي يكون موجودا وهو ليس
معنا ومن هذا الذي يسرب معلومات مهمة كتلك ؟ ستزور منظمة
خاصة وسرية منزلي ومكتبي الخارجي من أجل التفتيش
وسنكتشف إن كان ثمة ما يستخدم من أجل ذلك "
استوى في جلسته أيضا ينظر له بجمود وصمت ، جيد إذاً عليه
نزع الجهاز السابق فقط بدلا من زراعة غيره حتى يتم التأكد من
خلو المكان رغم أنهم وإن وجدوه فلن يكتشفوا بأنه صاحبه لكن
عليه أن يشعرهم بالأمان وهنا تحديدا ، قال بذات جديته
" وبماذا يمكنني أن أساعد ؟ "
نصب ساق على الأخرى وأراح يده على ركبته قائلا
" أنت أكثر من يمكنني أن أثق به وأريدك أن تعلم من يكون
من وراء ذلك ، سأطلعك على بعض الأمور وسنتخذها كخطة
لكشف عدونا .. أريده حيا لأفصل رأسه عن جسده بنفسي "
ابتسم بسخرية متمتما
" لك ذلك ... سأفعل ما هو أكثر من هذا إلا إن كان عدوك
ليس ممن ستضعهم ضمن دائرة الاتهام "
قال من فوره
" لن نضع أشخاصا محددين أبدا "
ابتسم بانتصار ولم يعلق .. جيد فهذا ما كان يريد التحقق منه
ويمكنه الآن أن يحيك الشباك حول الجميع عداه رغم خطورة
الأمر فبما أن الشك دخل لعقل هذا الرجل فلن يستبعد أبدا أن
يُدخله هو أيضا ضمن دائرة اتهامه وأن تدور دوائر الشك
حوله .
وانتقل الحديث بينهما سريعا لما ينسجم فيه كليهما فإن كان
أحدهما عضوا مهما في منظمة عالمية فالآخر قائد للقوات
البريطانية البحرية بأكملها وانسجام أفكارهما وأحاديثهما من
أسهل ما يكون ، حديث ممتع بالنسبة لكليهما ولا يمل لكن
الأمر كان بالعكس دائما بالنسبة للتي فتحت الباب حينها والتي
كانت تنزعج منهما في كل مرة .. بل والتي تأخرت على موعد
قدومه لمنزلهم على غير العادة فدخلت مبتسمة بعدما تركت
الباب على اتساعه مفتوحا بعدها ووقف كليهما في استقبالها
فاردة ذراعيها يكشف الفستان الحريري الأزرق القصير تفاصيل
جسدها الأنثوي الرشيق وخطواتها تتسارع باتجاه الذي عانقته
فورا متعلقة بعنقه تختم على نحره بنعومة شفتيها في قبلة
طويلة قبل أن تنظر لعينيه هامسة بابتسامة
" ظننت أنك ستكون مشغولا ولن تأتي ... أحبك "
فكان جوابه أن نظر لعينيها بصمت مبهم قبل أن يتنهد متمتما
ما أن تذكر ما يجب أن يكون عليه
" ما كنت لأترككما تنتظران لذلك أتيت "
وقبل أن تعلق سبقها الذي قال من خلفها ضاحكا
" كان يفترض أن أحضى أنا بهذا الحضن أولا أم نسيتي
أني والدك وأننا لم نتقابل منذ ليلة البارحة ؟ "
التفتت له برأسها مبتسمة واتكأت به على صدر الذي
حضنت خصره بذراعيها قائلة
" وهو ابنك أكثر مني لذلك لن تغار لو أحببته أكثر منك "
ضحك من فوره ونظر للذي اغتصب سريعا ابتسامة صغيرة
ينظر له أيضا فأشار له بيده عليها قائلا
" أثمة امرأة تبيع أثمن ما تملكه من أجلك غير هذه يا تيم ؟ "
" أجل "
كان جوابا مباشرا وقويا جعلهما كليهما ينظران لعينيه نظرات
تفاوتت بين الصدمة والاستغراب فالتوت شفتيه بابتسامة مائلة
باردة وتابع
" ثمة واحدة في الماضي والثمن كان غاليا جدا لذلك لم أخض
التجربة بسهولة "
جواب أبهم فيه من الحقائق الكثير ليصل لهما فقط ما يشبع
فضولهما وما ينفي الشكوك من رأس ذاك الداهية الواقف أمامه
والذي سرعان ما قال مبتسما بارتياح
" ليس على الرجل أن يقف مكانه بسبب قصة حب فاشلة في
الماضي ، نحن نتعلم من تجاربنا فقط يا تيم "
حرك كتفه متمتما بلامبالاة
" ربما "
لكن ذلك بأكمله لم يعجب التي قالت بضيق رافعة نظرها له
" ومن تكون تلك الفتاة ؟ "
نظر لها بصمت ولم يعلق فالتعليق جاء من الواقف أمامهما
والذي قال بجدية
" أخبرنا أنه ماضي لوسي لما تهتمي بالسؤال عنه ؟ "
لكنها لم تهتم لما قال ولم تبعد نظرها عن تلك العينين
السوداء الحادة وقالت بإصرار
" أهي يونانية أم إيطالية ؟ "
أبعد نظره عنها للبعيد متمتما ببرود
" ليست كلاهما والأمر لا يعنيك لوسي وأنا لا أريد
التحدث عنه "
نظرت حينها للموجود معهما وقالت بعبوس
" أبي أرأيت ؟ يعترف أمامي بأنه يحب أخرى ولا يريد حتى
قول من تكون "
تنهد بضيق قائلا
" لوسي لا تكوني طفلة ، ثم انظري كم شاباً كان لك به
علاقة قبله ؟ "
حضنت خصره أكثر لازال رأسها يرتاح على صدره قائلة
بضيق أنثوي " لكني لم أحب أيا منهم ولست أعيش قديسة
على ذكراه حتى الآن "
ضحك الواقف أمامهما من فوره ولوح بيده برفق قائلا ونظره
على عينيه
" أرأيت لما يوصل قول الحقيقة للنساء ؟
تعلّم مستقبلا بأنه عليك المراوغة معهن بعض الأحيان "
أهداه ابتسامة جانبية متمتما
" لست افضل الكذب وتحت أي مسمى أو ظرف كان ومن
لا تعحبه الحقيقة فليجد كذبة لنفسه ويصدقها "
ضحك من فوره وقال ونظره ينتقل لابنته
" عليك إذاً أن تكوني ممتنة بأن خطيبك صادقاً حلوتي
وما تحدث عنه مجرد ماضٍ كما فهمت "
عبست ملامحها الانجليزية الفاتنة وخبأتها في صدره تشد
ذراعيها حول خصره بقوة متمتمة
" انت لي وحدي ... لي وحدي فقط "
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 81 others like this.
رد مع اقتباس
#9716
قديم 09-05-18, 10:16 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
فتحت عينيها ببطء ووقع نظرها على النافذة فورا وعلى الظلام
في الخارج فهي نامت وقت المغيب ولا تعلم كم مر من الوقت
وهي نائمة ؟ جلست ببطء تبعد سماعات الأذن بحركة واحدة قوية
ومررت أصابعها في غرتها وتنهدت مغمضة عينيها ومر
شجارهما ذاك أمام عينيها فهي بالفعل كانت غاضبة من اقتراب
تلك المرأة منه لا من رفضه للرحلة وقد اتخذتها متنفسها لغضبها
ذاك ، تمتمت مستغفرة الله تخرج أصابعها من شعرها وما أن
كانت ستقف انتبهت حينها لقصاصة الورقة التي كانت في يدها
الاخرى تقبض عليها بقوة وكأنها خرجت بها من حلمها ! بل ولم
تكن تشعر بوجودها أي أنها هنا من وقت حتى تغلغلت في عقلها
الباطن وكأنها جزء من ثيابها وكيانها !! أمسكتها بكلتا يديها
وفتحتها بأصابعها ببطء وابتسمت بحزن عيناها الواسعة تمتلئ
بالدموع ما أن قرأت أسطرها القليلة
( إن عدت للمنزل ووجدتك لازلت غاضبة أتعلمين ما سأفعل بك ؟
سأكسر فنجانك السخيف ذاك الذي تخبئينه تحت الخزانة
في المطبخ على رأسك ....
تيم لك وحدك يا حمقاء )
انسابت أول دمعة من عينيها تسقي ابتسامتها الحزينة الدافئة
ورفعت الورقة لشفتيها وقبلتها برقة وعمق مغمضة عينيها
وماأن أبعدتها نطرت لأحرفها من بين دموعها هامسة
" كم أعشقك ...؟ الله وحده من يعلم كم يكون ذلك "
وقفت بعدها وتوجهت لخزانتها قبل أن تتراجع ونظرت
حولها واستقر نظرها على طاولة التزيين وابتسمت بمكر
وتوجهت لها فورا .. فتحت الدرج وأخرجت قلم تحديد العينين
الأسود الشمعي وقلم الشفاه الأحمر كما أحمر الشفاه ونظرت
بتفكير قبل أن تأخذ واحدا باللون الأخضر أيضا وخرجت من
الغرفة راكضة ووجهتها غرفته دخلتها وأغلقت بابها خلفها
ونظرت للسرير الواسع المرتب مبتسمة قبل أن تركض نحوه
وقفزت فوقه وبدأت الفوضى تعج بالمكان تمسك القلم الأسود
تارة تكتب به وترسم عليه منحنية وبالأحمر والأخضر تارة
أخرى تنتقل على ملائته الواسعة كحجمه والمشدودة عليه بقوة ،
وما أن انتهت وقفت ونظرت لعملها مبتسمة بحماس قبل أن
تنتقل لطاولة السرير وصعدت فوقها حافية القدمين وانتقل
الإبداع للجدران .
*
*
*
ما أن تحركت سيارته اتصل بالذي أجاب من فوره قائلا
" أجل يا وقاص "
قال من فوره
" ماذا حدث معك يا أويس ؟ "
" لقد غادر البلاد بجواز سفر مزيف ، لم يتم التعرف عليه إلا من
خلال صورته كان اكتشافه أمر خيالي لولا فريق التحقيق الخاص
بقائد نصران قاموا بعمل يعد معجزة "
أدار المقود وقال ونظره على الطريق أمامه
" وسافر أين تحديدا ؟ "
" كانت وجهته أسطنبول ثم باريس وتوقف هناك ولا معلومات
عنه بعدها لا أعلم إن كان غادرها برا أو بحرا أو لازال هناك "
قال من فوره
" أرسل لي اسمه المزور والمعلومات كافة سأبحث في الأمر
بطريقتي فهو اقترب من هنا "
" حسنا ... وثمة أمر آخر "
" ماذا ؟ "
وصله صوته فورا
" الرجل الذي كلفناه بمراقبتة "
همس بصدمة
" مات ؟ "
ولم يتأخر الجواب القاسي عنه وذاك الصوت المتزن يصله سريعا
" أجل وجدوه في سيارته أسفل جبل تاز وسيارته محترقة
بالكامل وجثته فيها ولم يستطع ولا الطبيب الشرعي تحديد إن
كان الأمر مفتعلا وإن كان تعرض للتعذيب قبل ذلك أم لا "
أوقف سيارته عند طرف الطريق المحفوف بالأشجار ومرر
أصابعه في شعره قبل أن يتكئ بجبينه على ساعده المحتضن
للمقود هامسا
" يا إلهي لقد تسببنا في مقتل الرجل "
" كان قدره يا وقاص لن يمسكه عنه أحد "
رفع رأسه ومسح وجهه مستغفرا الله ومسترجعا وقال بنبرة
كئيبة جوفاء
" ابحث عن عائلته إذاً سأنقل لك الأموال التي ستعوضهم بها
وإن كان له زوجة وأبناء فسأدفع لهم راتبا شهرياً "
" سأقوم بكل ذلك كن مطمئناً "
اتكئ بظهره على ظهر كرسي سيارته الجلدي المريح وقال
بجمود
" هم وراء موته أنا واثق "
وصله تعليقه سريعا
" لازلت تصر على أنهم مجموعة ؟ "
قال بجدية
" أجل بل وواثق من ذلك وما أن أجد ذاك الرجل المدعو بشير
ستنكشف الكثير من الحقائق والأسئلة التي أبحث عن أجوبة لها
فهو مفتاح القضية الوحيد "
" أتمنى أن يحدث ذلك يا وقاص ، وبالنسبة لما أردت السؤال
عنه لقد.. "
قاطعه بفضول
" أجل هذا ما كنت أريد سؤالك عنه أساساً هل حصلت
على جواب ؟ "
قال من فوره
" أجل ومن شخص توافقت فيه جميع شروطك ليفتيك "
همس بخفوت
" أجل "
" قال بأن يمينك لا يجوز التمسك به وثمة من كان في خطر
بسببه وكان عليك التكفير عنه فلا يمين في مهلكة "
لكم المقود بقوة عدة مرات صارخا بغضب
" سحقا وما كان يدريني ... سحقا لي سحقاً "
وصله صوته سريعاً
" وقاص ما سر هذا تحديداً ؟ "
مرر أصابعه في شعره يعيد ترتيبه هامسا بجمود مميت
" لا شيء يا أويس لن يجدي الحديث عن هذا في شيء ،
وداعا الآن "
اشتدت أصابعه على الهاتف فيها وهو يبعده عن أذنه وضرب
بظهر قبضته تلك المقود مجددا هامسا من بين أسنانه
" ما هذا الذي فعلته يا أحمق قسما لن تعترف بك مجدداً .....
تباً لكل هذا "
سحب أنفاسه بقوة ورفع هاتفه مجددا واتصل بالذي أجاب
من فوره أيضاً قائلا
" مرحبا وقاص "
قال مباشرة
" رواح أريد أن أستعلم عن طائرة أقلعت من أحد مطاراتنا
الخاصة سأرسل لك رقمها وأريد أن أعلم من كان المسئول
عن مغادتها أو من استأجرها "
وصله صوته مباشرة
" قد تكون تابعة لشركتنا الرئيسية وقد يفيدك جدي أو
والدي بذلك "
قال من فوره
" بل أريدك أنت أن تتحقق من ذلك لا أريد دخول مبنى الشركة "
" وما المشكلة هل تشاجرتما مجددا ؟ وقاص أنت تخسر
عائلتك بسبب تلك الفتاة التي تصرح بكرهها لنا جميعا
ولم تتقبل منا أحدا "
تحرك بسيارته مجددا قائلا بحزم
" لن أسكت عن الظلم وأقف أتفرج ... عذرا لا أستطيع أن
أكون بلا قلب مثلكم "
وصله صوته المتضايق سريعا
" وقاص أنت تعلم بأني لا أقف ضدها ولست راض عن أمور
كثيرة تخصها لكنك لن تنكر أيضا بأنها من يجلب أغلب ذلك
لنفسها ، إنها تتنفس كرها لنا يا رجل "
مرر أصابع يده الحرة في شعره وشده بقوة قائلا بحنق
" نحن السبب .. سحقا لوقاص لقد ارتكبت خطئاً لن أسامح
نفسي عليه ما حييت "
وصله صوته المستغرب فورا
" عن أي خطأ تتحدث ؟ "
حرك رأسه بضيق متمتما
" لا تهتم لهذا واعلم لي عن رحلة تلك الطائرة أريد كل شيء "
" حسنا هل تأمر بشيء غيره "
همس بخفوت
" لا شكرا لك "
أنهى الاتصال منه ورمى الهاتف جانبا نظره على الطريق أمامه
أصابعه تشتد على المقود وترتخي تباعا لا تفارق خياله
صورتها ونظرتها تلك التي لم يراها في عينيها سابقا وهي
تقول
( أنا وحيدة يا وقاص ... وخائفة )
مرر أصابعه في شعره مجدداً وشده للخلف بقوة هامسا بقهر
" سحقا لوقاص ليته يختفي من الوجود الآن "
*
*
*
" يماااان "
وقف والتفت خلفه ورمى المعول من يده وتوجه نحو التي
كانت تقف تحت شجرة التوت تمسك صينية في يديها والتي
تحركت من هناك ما أن رأته يتوجه نحوها وما أن أصبحت
بعيدة عن مكان عمال المزرعة وضعتها على الأرض تحت
شجرة رمان كبيرة متفرعة الأغصان وجلست امامها تنظر
مبتسمة للذي وصل عندها وجلس أيضا فرفعت الغطاء
عن الطبق قائلة بابتسامة
" هذه لم أطبخها سابقا لأنها تحتاج لأن تؤكل فورا ولم
أستطيع تحديد وقت قدومك سابقا فقررت أن أطبخها
واحضرها لك هنا "
وماتت ابتسامتها ما أن رأت النظرة الجامدة في حدقتيه
الفضيتان وهو ينظر للطعام وملامحه المتجهمة فهمست
بتوجس تنظر له
" أنا آسفة إن أغضبتك بمجيئي إلى هنا ولن يتكرر هذا مجدداً "
قال بجمود ونظره لازال على الصينية بينهما
" أنا لست غاضب من مجيئك بالطعام لي بل من اقترابك من
جهة العمال "
نظرت له بصدمة وقالت من فورها
" لكني وقفت بعيدة قدر إ.... "
قاطعها وقد رفع نظره لها
" وإن يكن فهم يرونك بل ومن لا يمكنه ملاحظة بياض
بشرتك وملامحك من بعيد ؟ لقد سمعتهم يتهامسون بوضوح
ينبهون بعضهم للمشاهدة قبل أن تفوتهم الفرصة "
أنزلت نظرها ليديها تشدهما في حجرها بقوة وقالت بصوت
مخنوق
" أنا آسفة لن أخرج مجدداً ولن تعتب قدماي باب المنزل "
تنهد بضيق ينظر لها وقال
" أنا لا أضع اللوم عليك يا مايرين ولا أريد أن أسجنك فمن
حقك أن تخرجي للمزارع على الأقل لكني لا أريد أيضاً أن
تفتح أعين العمال عليك فلن أطمئن لتركك هنا والذهاب
لعملي بعدها "
رفعت نظرها له مجددا وحدقت فيه العينان الخضراء السابحة
في الدموع الساكنة وقالت بصوت منخفض
" لكن ... لكنك تغلق الباب وسور المنزل مرتفع جداً "
هرب بنظره للطعام وقال
" وإن يكن لا أريدك أن تقتربي من الأماكن التي يتواجد
فيها العمال يا مايرين "
همست بحسنا ولم تعلق تنظر للأسفل وقد بدأ هو بتناول
طعامه بينما لم تستطع هي أكل إلا القليل وذاك ما لاحظه جيداً
وكلما رفع نظره لوجهها وجدها تنظر لملعقتها بحزن وشرود
فتنهد ووضع ملعقته قائلا
" وها أنا لن آكل أيضاً ما لم تأكلي "
اشتدت أصابعها على الملعقة فيها وامتلأت عيناها بالدموع
سريعا متسللة لرموشها الكثيفة وما أن تدحرجت لوجنتيها
المرتفعة رفعت يدها ومسحتهما بظهر كفها بقوة فمد يده
وأبعد يدها قائلا
" مايرين أنا لم أقل ما قلت إلا لأني أخشى عليك فما
الداعي للبكاء الآن ؟ "
همست بخفوت حزين
" آسفة "
وعادت لمسح عينيها وهي نفسها تستغرب ذلك فكم كانت أقوى
وأعند من شقيقها جسار وزوجته واكتسبت حصانة ضد كل ما
يبكي أي امرأة لكنها الآن لم تستطع التحكم في دموعها فهي
المرة الأولى التي يوبخها هكذا ويكون متضايقا منها رغم أنه
لم يصرخ بها غاضبا مزمجرا كتلك الحالات التي يتقنها الرجال
بحرفية فما ستفعل حينها ! بينما أبعد هو نظره يلعن نفسه
على غبائه فهي أعدت هذا من أجله وأحضرته له ، كان ترك
نصائحه حتى عاد للمنزل فيما بعد ، رفع نظره لها وقال بهدوء
ينظر لرموشها البنية الطويلة والتي تخفي عينيها عنه
" حسنا أنا آسف إن قسوت عليك يا مايرين "
حركت رأسها بالنفي دون أن ترفعه وهمست ببحة
" ليس عليك أن تعتذر فأنا لست غاضبة منك ومعك حق
فيما قلت "
ابتسم وقال
" إذا لنأكل الطعام الذي أفسده الهواء بالتأكيد ، وكلي معي
أو لن آكل "
مدت أصابعها البيضاء للملعقة ورفعتها وبدأت تأكل وستفعلها
وإن من أجله فهو يحتاج للطعام مع كل هذا العمل الذي يرهق
جسده به ، بينما انشغل هو بها يراقب ملامحها وهي منشغلة
بملعقتها والطعام يتلاعب الهواء بخصلات شعرها الأشقر المتسلل
من وشاحها المفتوح وجنتاها احمرتا بسبب النسيم المتحرك يزيد
لونهما وضوحا البشرة العاجية فائقة البياض والنقاء ورموشها
الطويلة أصبحت منظمة في مجموعات بسبب الدموع التي جفت
عليها ، ومن يلومه في أن يخاف عليها من الرجال هنا ؟
بل ولا يعلم حتى متى سيصبر هو الرجل عليها وهي زوجته
حلاله ملك له ؟ ما يعيق كل ذلك مسألة شرح ما حدث لها وما
سبّبه الحادث وما قد تكون ردة فعلها إن علمت فقد تكرهه
لمجرد أنه السبب أو لأنه أخفى الأمر عنها .
أبعد نظره عن التهام ملامحها الجميلة ما أن رفعت جفنيها
وحدقتيها الخضراء له ووصله صوتها المنخفض
" أنت تعمل هنا فقط يمان أليس كذلك ؟
لا توافق إن عرضوا عليك شعيب وأشقائه أن تنظم العمل
في مزارعهم أيضاً أرجوك "
رفع نظره المستغرب لها وقال
" لم يحدث ذلك سابقاً وإن حدث وعرضوا عليا ذلك لن أوافق
لا تخافي "
أومأت موافقة مبتسمة بارتياح فقال ونظره على عينيها
" حسنا أخبريني إذا لما تخشين من عملي لديهم ومزارعهم
مليئة بالعمال ؟ "
اكتسى الحزن ملامحها وقالت بأسى
" لأنهم لا يخافون الله ويفعلون أي شيء من أجل مصالحهم ..
يقتلون ودون رحمة ومن يعارض أن ينغمس فيما هم فيه سيكون
ذاك مصيره ، لا أريدهم أن يروك كرجل يصلح لأن يكون تابعا لهم
فحتى أراضيهم متأكدة من أنها تخبئ أسرار جرائمهم الكثيرة
فقد شيع وقيل عنها الكثير "
عقد حاجبيه باستغراب قائلا
" لكن ما سر أن شعيب كلمته فوقهم ؟ حتى أقاربهم وبنو
عمومتهم يخضعون لأوامره ؟ "
شردت بنظرها للأرض أمامها قائلة
" لأنه الأكثر شراً ، إنه كتلة من الشر والدهاء والخبث لا يمكنك
أن تتكهن حتى فيما يفكر وما يريد ، يحسب حسابا لكل شيء دون
أن يغفل صغيرة ويسيّر جميع الأمور لمصلحته ، لا تطمع بأن
يعطيك شيئا لك فهو لا يخدم إلا مصالحه وإن كان في الأمر
دمارك وموتك "
تنقلت نظراته باستغراب في ملامحها وقال بتفكير
" يقال هنا بأنه متزوج وله ابن ؟ أيعقل أن يضع قانونا
لعائلته ويخالفه ؟ "
رفعت نظرها له وقالت
" وأنا سمعت عن هذا سابقا ، بعضهم قال بأنه في العاشرة
الآن والبعض يقول بأنه أكبر من ذلك ولن أستغرب هذا فعلى
ذاك الرجل أن يورث شره لنسل له ، لن يترك سلالة وحوش
غيلوان تتوقف عند هنا ليأخذ القيادة فرد من عائلة أخرى في
القبيلة ، عليه أن يقدم للحياة نسخة أخرى عنه ، إن لم يفعل
ذلك فلن يكون شعيب غيلوان أبدا "
حرك رأسه بعدم استيعاب متمتماً
" لا أعلم لما لا أصدق هذه الحكاية ! ينجب ابنا في السر
فقط ليكون نسخة عنه ! "
حركت كتفيها متمتة
" الحياة كفيلة بأن تكذب الخبر أو تصدقه رغم أني متأكدة
من صحته "
وضع الملعقة حامدا الله ووقف قائلا
" شكرا لك يا مايرين ، لا أستطيع أن أقول أنها أفضل أكلة
أكلتها على الإطلاق فكل ما تطبخينه رائع "
نظرت له فوقها مبتسمة وقالت
" بارك لك الله فيما رزقك ، لولاك بعده ما وجدت ما أطبخه
أو آكله "
ووقفت وحملت صينية الطعام وغادرت من هناك ليوقفها
صوته مناديا " مايرين "
وقفت والتفتت له فقال
" يمكننا تناول طعام الغداء هنا دائما ، سأكون تحت هذه
الشجرة في هذا الوقت يوميا لا تذهبي أنت هناك اتفقنا ؟ "
أومأت برأسها بحسنا وقالت مبتسمة تمازحه
" أجل كعاشقان يتواعدان تقصد ؟ "
ضحك بخفوت وقال
" بلى لكن بدلا من أن يتغزل فيها يتناول طعامها ويغادر "
أنزلت نظرها للأرض سريعا وجهها يتلون خجلا وغادرت
من فورها نظراته تراقبها حتى اختفت عنه فتنهد بأسى هامسا
" لا أعلم ما سيأخذنا قدرنا له يا مايرين يا ابنة عائلة غيلوان ؟
لكنك قدري الآن .. قدر يمان فقط "
رفع عمامته مستغفرا الله بهمس وعاد ناحية المكان الذي
يعملون فيه يلفها حول رأسه لتقيه من ضربات الشمس
لتواجده الطويل تحتها .
*
*
*
بقيت تلك الأحداق السوداء الواسعة تراقب عرض البحر
لم تبعد ولا تلك الخصلات السوداء المتطايرة أمامها تهيم في
عالم هي وحدها فيه تتكئ بجانب رأسها وكتفها على العمود
الحجري الروماني المنصوب على رماله والذي لم يفصلها
عن الزمن الحاضر فقط بل وعن الجالس في الجانب الآخر
يتكئ بظهره على ذات العمود حيث المدينة الأثرية التي لم
يبقي منها الزمن سوى تلك الأعمدة التي لم يبقى من بعضها
سوى النصف وتحكي السكة الحديدية الواسعة الممتدة من رمال
الشاطئ لمياه البحر جذور تلك المدينة التجارية منذ القدم ،
يجلس ونظره للسماء أصوات الأمواج الهادئة تنسج عالما
خاصا من حولهما لازال يحتفظ بصمته الذي رافقه طوال الطريق
إلى هنا .. لبينبان حيث المدينة الساحلية أقصى الجنوب الغربي
للبلاد والمكان الذي وعدها بأن يزوراه معا من أربعة عشر عاما
وأخلف لأن الوقت دمر وعوده لها أيضا ، علم مسبقا بأنها لم
تزور البحر يوما ولا بعد توحيد البلاد فقد رفضت أن تزوره
في جميع مدن البلاد الساحلية وكأنها تقتل الذكرى بالوعود
لا العكس .. صنوان لم تكن من ضمن المدن المطلة على
الساحل فالبحر جنوب غرب البلاد كاملا فيشمل المدن الغربية
في الجنوب والغرب فقط لذلك كان هذا حلما لسكان ذاك القطر
من البلاد واحتفظت هي به حلما للأبد ورفضت رؤيته لذلك
اختار أن يزوراه معا ، كان يخطط لكل هذا لكنها رفضت وقامت
بتأجيل الأمر رغم أنه لم يخبرها عن وجهتهما وها قد حكمت
الظروف بذلك فهي تحتاج أن تكون هنا يعلم ذلك كما يحتاج
هو أن تكون قربه أقرب له من كل شيء حوله فكان عليهما
أن يكونا هنا رغما عن كل شيء فقد تحمل حتى صراخها
الغاضب طوال الطريق إلى أن وصلا وواجه كل اتهاماتها
وكلماتها الغاضبة بالصمت تاركاً إياها تفرغ غضب أعوام
يعلم بأنه لن يكفيها مثيلتها لتخرج كل ما يحرق دواخلها فما
تسجنه وسط تلك الأضلع سنين طوال كان كفيلا بتفتيت الجبال ..
تحمل بعدها عنه تحمل العيش وحيدا لليالي من دونها تحمل
كرهها وغضبها منه وهو بعيد عنها وعليه تحمل المزيد الآن .
أدار رأسه ووجهه جهة البحر والأمواج المترامية بهدوء
أغضب الهواء حولهما وقال بهدوء في أول خروج لأحدهما
من صمته منذ أصبحا هنا
" لم أقصد تهميشك في ذلك يا غسق أقسم لك وكنت سأخبرك "
كان جوابها الصمت حتى ضنها لن تعلق أو تهتم لولا وصله
صوتها الساخر
" أجل كنت ستخبرني عن موعد حفل الزفاف "
قال ونظره لازال على البحر
" بل ما كنت لأخبره بأنها زوجته ولا أنها متزوجة وأنه
زوجها حتى تعلمي أولا ونتفق "
لاذت بالصمت لبرهة قبل أن تقول بمرارة
" نتفق على ماذا يا رجل العدالة ...؟ أكنت ستستمع لي ؟
أكنت ستوافق إن أنا رفضت ؟ "
وحين لم يعلق سألت مجددا
" هل كان الأمر سيتوقف بكلمة مني يا مطر أجب ؟ "
أبعد ظهره عن العمود الحجري ولف ساعديه حول ركبتيه لازال
يوليها ظهره وقال بهدوء
" كنا سنتفق ونتفاهم يا غسق فتيما عليها أن تتزوج "
ابتعدت عنه أيضا ونظرت ناحيته وقالت بضيق
" لماذا هل لي أن أفهم ؟ لما على ابنتي أن تكون زوجة
وأم وهي في هذا السن ؟ لماذا كان عليها أن تكبر بعيدا
عن والدتها ؟ "
وتابعت بأسى وبحة بكاء تشير بسبابتها لنفسها وإن كان لا يراها
" لما كان يجب أن تحرم هذه المذنبة من دون ذنب من فلذة
كبدها ؟ لما حُكم عليها بالفناء بعيدا عن الرجل الذي وثقت به
وأحبته ؟ عليها أن تعيش من دون هوية بلا عائلة ولا نسب
حقيقي وعائلتها موجودة ؟ من دون والد ووالدها على قيد
الحياة ! لما عليها أن تواجه بالخيانة وبالخذلان وبالاستنقاص
أمام الناس من أكثر رجل تعذبت منه ولأجله ؟ لما كان عليها
أن تموت بالبطيء على مدى أعوام ؟ لماذا يحدث معي كل
هذا لماذا ؟ "
رفع رأسه وشعره الأسود الناعم في مواجهة الريح وقال بهدوء
" ليس أنا من يرفض الشرح يا غسق بل أنت من ترفضين
سماعي "
قالت من فورها وبغضب
" أجل أنا أرفض سماعك وأعذارك التي لن تساوي شيئا من
معاناتي ولن تمحوها وتنسيني إياها مهما كانت تلك الحجج
والأعذار ومهما عظم حجمها فلن تساوي يوما مما قاسيته
ترأف الجدران الباردة لحالي كل ليلة "
نظر جانبا بحيث أصبح يقابلها بنصف وجهه فقط وقال بجدية
" وهل كنت لأختار أنا هذا ؟ كان عليا أن أحمي الطفلة تلو
الأخرى من المستقبل ومن المجهول أربط مصير كل واحدة
منهن برجل وثقت به فهل أخطئ بهذا ؟ كان عليا تأمين
مستقبل كل واحدة منهن مع رجل أعلم بأنه لن يتخلى عنها
إن احتاجته يوما وإن لم يكن يعلم من تكون فلن تختلف تيما
عن أي واحدة منهن لا أنت ولا دانيا ولا حتى ... زيزفون "
عاد بنظره للرمال أمامه وتابع بذات جديته
" كل واحدة منهن تزوجت من قبل أن يكون لها قرار في هذا ..
قاصرات ارتبطن برجال لا أحد يعلم منهم من تكون زوجته
ورغم ذلك تعاهد كل واحد منهم بأن تجده حين تحتاجه "
نظرت لقفاه بصمت قبل أن تقول بضيق
" أجل فلا واحدة منا لها القرار في مصيرها بل أنت "
وتعالت أنفاسها تراقب من بين بحر الدموع التي ملأت
حدقتيها الواسعة وخصلات غرتها المتطايرة الذي وقف
وغادر مكانه ولم تكن وجهته لها بل الشاطئ يسير جهة
مياهه تغوص خطواته الثقيلة في رماله الرطبة حتى وصل
لمياهه لم تتوقف خطواته أو تتباطئ ولا تتراجع والمياه
ترتفع لساقيه تدريجياً حتى وصلت لخصره فرفعت غرتها
وشعرها عن وجهها للأعلى ممررة أصابع كلتا يديها فيه
تنظر بصدمة للذي أصبحت المياه في كتفيه لازال يسير
داخل المياه دون توقف ولا التفات فوقفت وركضت جهة
المياه أيضا حتى لامست قدميها وصرخت منادية
" مطر توقف ماذا تفعل ؟ "
وضربت قدمها بالرمال تحتها صارخة أكثر
" ستقتل نفسك يا متهور هل جننت ! "
وحين لم تجد لندائها أي إجابة ولا رد فعل من الذي لازال
يبتعد في المياه أكثر اقتربت من المياه أكثر صارخة
والدموع بدأت تفارق عينيها
" فكر في ابنتك وبلادك على الأقل لما كل ما يعنيك هو أذيتي ؟ "
رفعت شعرها عن جبينها تنظر بصدمة للذي بدأ رأسه
يختفي في المياه حتى لم يعد له مكان سوى حركة المياه
حوله وصرخت ببكاء
" مطر توقف لا تفعل هذا بي أرجوك "
ولا جواب ولا شيء سوى المياه التي اتخذت مكانها الطبيعي
وكأن شيئا لم يعد في جوفها ولم تسرقه منها .. لا هي لم تسرقه
منها فقط بل سرقت بذلك البقية المتبقية منها ، نظرت حولها
ببكاء والتفتت خلفها صارخة في فراغ المكان الخالي سوى منها
" يا إلهي ليأتي أحدكم ... أين أنتم ؟ "
ولا وجود لأحد ولا ردود لندائها ولا من الحرس الذين كانت
موقنة من وجودهم قرب المكان وهو من لا يفارقه أولئك الحراس
وبعض رجاله وإن كان واحدا فقط ، نظرت لعرض البحر مجددا
ولا وجود له تمسك فمها وعبراتها بيدها ودون أدنى تراجع أو
تفكير دخلت المياه أكثر تناديه صارخة ببكاء حتى كانت تلك المياه
أعلى خاصرتها تصرخ وتنادي وتسير بصعوبة عكس الأمواج
التي ترفعها معها وتنزلها ببطء وما أن أصبحت المياه المالحة
تلامس ذقنها بدأت تفقد السيطرة على خطواتها وبدأت تشعر بأنها
ترتفع في المياه ولا وجود لأي شيء تحت قدميها وتلك المياه
تسحبها للقاع بقوة حتى اختفى رأسها في الأسفل تحرك ذراعيها
بعشوائية تحاول أن ترجع للسطح مجددا ودون جدوى تشعر
بالمياه تدخل من فمها وأنفها وكلما خرج رأسها للهواء سحبتها
تلك القوى العجيبة نحو الأسفل مجددا من قبل أن تأخذ جرعة
كافية من الهواء ولأنها لم تزور البحر سابقا ولم تعرفه سوى
في الصور والتلفاز لم تكن تعرف شيئا عن السباحة فيه فسلمت
نفسها وقدرها لتلك المياه وذاك الجمال الماكر المخادع تسلم
مصيرها لآخر من اعتمدت عليه وخذلها في أول لقاء لهما لم تعد
ترى سوى ظلام القاع أمامها وجفناها يثقلان ببطء يشبه انعدام
أنفاسها لازالت يديها تتحرك حولها وبحركة بطيئة وكأنها تستدل
طريقها نحو القاع قبل أن تتوقف فجأة بسبب الأصابع التي التفت
حول ساعدها وسحبتها نحو الأمام تقترب بها للأعلى بقوة عكرت
صفو ذاك السطح الأزرق الصافي قبل أن يخرج منه ذاك الجسد
الرجولي تدريجيا تلتف ذراعه حولها بقوة يشدها له حتى وصلت
قدماه الرمال تحت المياه فوقف وقرب يده الأخرى من وجهها
ومسح عليه مبعدا شعرها عنه تتكئ على كتفه غائبة عما حولها
تماما ، ضم رأسها له وقبل جبينها قبل أن ينحني جهة المياه
ويرفعها بين ذراعيه وخرج بجسدها من المياه التي كانت تنزل
من جسديهما من كل مكان يسير بها نحو الشاطئ يضمها
لحضنه بقوة هامسا من بين شفتيه بحزن
" لعلك فقط تقتنعي بأنك حمقاء حين يتعرض المقربون
لك للخطر "
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 90 others like this.
رد مع اقتباس
#9717
قديم 09-05-18, 10:20 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
ما أن سمعت باب الشقة فُتح رمت مذكرتها من يدها وقفزت
مغادرة السرير وأغلقت نور الغرفة لتغرق في الظلام التام
ووقفت ملتصقة بالجدار المحاذي لبابها تعض طرف شفتها
مغمضة عينيها بقوة تسمع خطواته وهو يغادر من جهة غرفته
بعدما فتح بابها وتلك الخطوات تقترب لغرفتها فأمسكت تنفسها
تكتم ضحكتها ما أن انفتح باب الغرفة حيث أصبحت خلفه ما أن
فتحه ، وكما توقعت كان سيعلم أين تكون ما أن يشعر بأنفاسها
وإن كانت جثة لا تتحرك من مكانها أو لن يكون عضوا في تلك
المنظمة فبدون ولا عناء أو بحث ولا أن يدخل الغرفة أستدار
حول الباب الذي كان يمسك مقبضه في اللحظة التي اختارت فيها
أن تتبع أسلوبها وقت طفولتهما حين كانت تفعل شيئاً تعلم بأنه
سيغضبه ويعاقبها عليه فأنزلت رأسها وأخفت عينيها في
قبضتيها في حركة طفولية لترتسم تلك الابتسامة على طرف
شفتي الواقف أمامها ممسكا خصره بيديه يسمع تلك التمتمة
الطفولية التي أعادته أعواما للوراء
" لن أكرهك إن ضربتني لكن لا تضربني كثيرا "
فشدها من ذراعها وخرج بها من الغرفة يسحبها خلفه وما أن
دخل بها غرفته أوقفها عند السرير وأشار بسبابة يده الحرة له
قائلا
" ما هذا الذي فعلته بسريري يا طفلة حجور ؟ "
نظرت له مبتسمة تغرس أسنانها في طرف شفتها وما أن
سحبها نحوه خلصت ذراعها منه مبتعدة وارتمت على
السرير أمامها بالعرض تتكئ بجانب وجهها على ملاءته
المليئة برسوماتها وأشارت بسبابتها قائلة بابتسامة
ونظرها عليها
" ظننتك ستعرفها فورا ؟ هذه طريق بلدتنا الصغيرة
القديمة الجميلة "
وتابعت تتبع بنظرها حركة أصبعها مبتسمة بحنين
" هنا أشجار السرو والبلوط والطريق الترابي الناعم الذي كنا
نسلكه باتجاه المدرسة ، هذا المرج عند منزل شيخ القبيلة
وهنا حقل الرمان الشمالي ومن هنا كنا نركض مختصرين
الطريق عندما نتأخر "
ومدت ذراعها للمربع المرسوم بعيدا ومقسم لأجزاء متابعة
بابتسامة " هنا المدرسة .. هذا الجدار الذي كنت تنتظرني
عنده حتى أخرج من باب المدرسة ، هذه أزهار الصفاف
التي كانت تنموا بذاك المكان دائما وكنت آخذ منها واحدة
كل يوم متجاهلة سخريتك مني بسببها طوال الطريق وأنا
أتحدث معها وأغني لها وحين كنا نصل كنت أعطيها لك "
ورفعت نظرها نحوه ولازالت نائمة على السرير وتمتمت
بعبوس
" وكنت أجدها صباح اليوم التالي مكانها عند الباب
مرمية وذابلة "
ابتسم ورفع قدمه وثنى ركبته وسندها بحافة السرير
وانحنى نحوها مستندا بيده بجانب خصرها وأمسك القلم
الأسود المرمي على السرير بيده الأخرى قائلا بابتسامة
جانبية
" لو أني احتفظت بها ما كنت لتعطيني غيرها في اليوم التالي "
وأشار به في يده على رسمتها صعودا متابعا بهدوء ونظره
على يده
" كنت معطاءة ماريا لم تهتمي يوما إن كان ثمة مقابل لما
تعطينه أم لا "
اتكأت بخدها على اللحاف مجددا ونظرها على يده هامسة
بابتسامة حزينة
" ولازلت تيم ... لازلت "
نظر لها وابتسم متمتما باليونانية " Άγγελος μου "
وما أن عقدت حاجبيها بتساؤل تنظر له أبعد نظره عن
عينيها وأشار بالقلم في يده على ملائة السرير قائلا
" انظري هذا مكانه خاطئ لقد خانتك ذاكرتك الصغيرة
تلك فهذا البئر القديم هنا في الجانب الأيمن للطريق "
ابتسمت بحنان تراقب نظراتها وحدقتاها الذهبية من بين
رموشها ما أشار له وأشارت له بإصبعها أيضا وقالت
" لا لم أنسى مما كان هنا شيئا فكم مرة وقفت أناديك
في فراغه وظلامه المخيف "
ورفعت جفناها وتلك الرموش الطويلة الكثيفة ونظرت لعينيه
المحدقة بها وقالت بعبوس
" مخادع لقد كذبت عليا مرارا وأنا أناديك هناك تدعي
بأني إن ناديتك فيه فستسمعني وتأتي "
انحنى فوقها أكثر يرسمه في مكانه الصحيح حتى أصبح
صدره قريبا منها تستنشق رائحته وعطره وارتفعت نظراتها
لشفتيه حين قال بهدوء
" لو لم أفعل ذلك لما كنت لتبقي هناك تنتظريني حتى أصل
ولكنت ستضيعين مني في كل مرة تزعمين أنك تبحثين عني "
وما أن نظر لها وانحنى نحوها أكثر يبعد ركبته عن حافة السرير
دفنت وجهها وابتسامتها في اللحاف تحتها تكتم أنفاسها ما أن
شعرت بثقل جسده على جسدها وتسللت يديه تحتها يحضن
خصرها بقوة قبلاته الرقيقة تداعب عنقها وكتمت ضحكتها
ما أن علا صوت رنين هاتفه وقد أخرج يده من تحتها
تسمع شتائمه الهامسة يخرج الهاتف من جيب بنطلونه
الخلفي وأجاب متمتما ببرود
" ماذا تريد ؟ "
قال سريعا
" لا بالطبع "
دفن وجهه في عنقها وشعرها البني متمتما بذات بروده
" قسما يا سافل يا.... "
غرزت أسنانها في شفتها تسمع هذه المرة حديث الذي قاطعه
في الطرف الآخر قائلا بضيق
" اصمت يا قليل المروءة والتهذيب ، غيرت رأيي لا أريدك
أن تأتي يا حثالة كنعان .... وداعا يا مغفل وأخبرها فقط بأنه
لك حبيبة انجليزية لنغني لك أغنية وداعا يا صديقي .... "
وما أن فصل عليه الخط رمى الهاتف على السرير بإهمال وعاد
لدفن يده تحت خصرها النحيل الغض وعادت شفتاه للعبث
ببشرتها الناعمة يرسلها للجنون تشعر أنها تفقد قدرتها على
مقاومة سحبها لذاك العالم بقوة فدفنت وجهها في قماش
الملاءة أكثر هامسة بابتسامة
" ابتعد أريد أن أتنفس.. ألم يخبرك أحدهم سابقاً بأنك ثقيل "
فوقف حينها وسحبها موقفا لها بيد واحدة وأدارها نحوه
وقال ببرود
" يمكنك التنفس الآن يا كاذبة ؟ "
ابتعدت عنه خطوة وقالت تسحب الهواء لصدرها
ممسكة ابتسامتها
" أجل بعض الشيء "
نظر لها بحنق وأمسك خصره بيديه وأشار برأسه
خلفها وقال
" أريد أن أعلم لما رسمت تلك الرسمة السخيفة
فوق السرير ؟ "
نظرت خلفها وضحكت فورا تنظر للقلبين المرسومان
بأحمر الشفاه دمي اللون وكان ذات النقش الموجود على
الكوب الخزفي الذي اشتراه لها وسخر من الصورة
الموجودة عليه وقت عودتهما فحرمته من الشرب
معها فيه بسبب ذلك وخبأته حيث ظهر أنه يعلم بمكانه ،
نطرت له مجددا وقفزت نحوه متعلقة بعنقه بقوة وقالت
تغمض عينيها
" هذا لتعلم بأني آسفة ... "
وأغمضت عينيها بقوة تشعر بيديه تحيطان خصرها
وهمست مبتسمة
" آسفة فعلا لكل ما حدث صباحا وقلت ، أنا.... "
وابتعدت عنه مقاطعة نفسها ونظرت ليديها تشد سبابتيها
ببعضهما وقالت بصوت منخفض
" أنا كنت مستاءة و ... وكنت محقا لم يكن وقت حديث
في أي أمر حينها "
لامست أصابعه ذقنها الصغير ورفع وجهها له وقال
ناظرا لعينيها
" ماريا عليك أن تفهمي جيدا ما كنت أقوله ... تجنبي
ما تعلمي جيدا بأنه سيغضبني لا أريدك أن تُخرجي من
داخلي تيم الذي لا أريد أن تريه "
نظرت لعينيه بحزن ولم تعلق فمررا إبهامه على وجنتها
هامسا ونظره لازال على عينيها
" أنتي الحد الفاصل بين ماضي وحاضري ماريا ..
أنتي طفولتي ووالدتي التي فقدتها بسبب الجميع عداك ..
لا أريد أن أضعك في مرتبتهم ماريا لا تختاري ذاك لنفسك "
حركت رأسها نفيا عيناها تمتلئ بالدموع ببطء وارتمت في
حضنه تدفن وجهها في صدره تشعر بيديه تتحركان على
ظهرها برفق ورقة وأبعدت أصابعه خصلات شعرها البني
الناعم عن طرف وجهها تتخلله برفق وقبلاته تداعب خدها
ففكها فأذنها وتزداد عمقاً وشغفا ويده الأخرى تشدها لجسده
بقوة تشعر بصمودها يتهاوى وقد بدأت تفقد قدرتها على
مقاومته تباعا أصابعها تشتد على ياقة سترته تكاد تنزعها
عنه دون شعور أنفاسها تتصاعد تباعا لتصاعد أنفاسه
وأصابعه تلامس قفا عنقها تنزلق شفتيه لبشرة نحرها
الناعمة ، لا تنكر بأنها تتوق له وبقوة وشغف .. لأن تختبر
النوم معه وفي حضنه .. أن تنام وتستيقظ تنظر لعينيه
وترى فيهما تلك النظرة التي تخبرها بأن الأمر كان رائعا
وكنتِ فراشتي الجميلة التي لونت عالمي بعد تلك الليلة ،
تشتاق للحياة التي تجمعهما روح واحدة وجسدين أقرب
لبعضهما من الجميع لكن الأمر أصعب من أن يكون واقعا
فلا ظروفهما ولا مستقبلهما يسمح بهذا وإن طلبه هو
وأراده فهو كما سبق وقال يريد أن يعيش الحاضر فقط
دون أن يفكر في المستقبل مهما كان ما سيحدث فيه وما
يحمل لهما لكنها لا تستطيع كيف تسامح نفسها إن فقدته
بسببها هي أو كانت السبب في أن يصاب بأي مكروه ؟
ماذا إن حملت ابنه في أحشائها لمن سينتسب حينها وما
سيكون مصيره ؟ هل ستكون في مواجهة عباراته الغاضبة
كتلك التي كان يسمعها هو لوالدته وهو يعاتبها لزواجها
من رجل كان يعلم بأن مصيره الموت ؟ تربط مصيرها
ومصير طفل بمستقبل من دون أب ولا زوج ولا سند وهي
التي لا تعلم ما سيكون حالها بعده ؟ ارتخت أصابعها عن
ياقته تدفن وجهها في عنقه وهمست بصعوبة
" تيم أنت تفقد زمام الأمور ... على ماذا اتفقنا ؟ "
وحين لم تشعر بأي استجابة منه نزلت بيدها لساعده
وهمست تحاول فك نفسها من الالتصاق به تخرج يده من
تحت قميص بيجامتها الضيق المرتفع بسببها
" تيم أرجوك اتركني "
وما أن نجحت في الخلاص منه رفعت خصلات غرتها تسحب
الهواء لصدرها بقوة بينما تأفف الواقف أمامها بقوة ورفع يده
جانبا وقال ببعض الضيق ناظرا لها
" ماريا ما لعبة القط والفأر هذه ؟ "
رفعت نظرها له وقالت بضيق مماثل
" لا تلقي باللوم عليا تيم أنت من فعل هذا "
فتح زر قميصه من تحت الستره ومرر يده على عنقه
متأففا بقوة مجددا فتجمدت نظراتها على أحمر الشفاه الذي
كان أثره واضحا على بشرته البيضاء فأسدلت جفنيها الواسعان
على تلك الأحداق المليئة بالمرارة وما يقتلها أكثر أنه لا يمكنها
التحدث لا الاعتراض ولا الرفض
" ماريا علينا أن نجد لهذا حلا والآن "
رفعت نظراتها الخاوية له ما أن وصلها صوته الحازم
وتتمتمت ببرود
" حلا ماذا تقصد ؟ "
لوح بيده قائلا بضيق
" ماريا لا تتغابي "
قالت بحدة
" أنا لا أتغابى فكن أنت واضحا .. ما الذي تقصد بالحل ؟ "
أشار بيده جانبا جهة سريره وقال بحدة أكبر
" حلا لما لا تعلمينه عن الرجال بالطبع ، أنا لا يمكنني
التحمل أكثر ولا بدائل أتفهمين هذا ؟ "
نظرت له بصدمة هامسة
" ماذا تعني بالبدائل ؟ "
قال بضيق مجددا
" ماريا لا تكوني حمقاء "
فانفجر الغضب المكتوم والذي لم يعد يمكنها كتمه أكثر
قائلة بغضب
" توقف عن مناداتي بالحمقاء دائما ، تزوجتني مرغما
وتبقيني لأني وصية والدتك أفهم كل ذلك فتوقف عن إهانتي
دائما والتحدث عن العيوب التي تراها وحدك بي "
صرخ فيها من فوره
" ماريا توقفي عن الشجار العقيم "
قالت بغضب أشد
" أجل أنا من تفتعل الشجارات العقيمة دائما "
" ماريا ما بك ؟ "
كانت نظرته لها حانقة متسائلة هذه المرة أكثر من كونها
غاضبة لكن ذلك لم يطفئ غضبها الذي عاد ليطفو على السطح
قائلة بحدة
" حمقاء ما بي مثلا ؟ "
نظر لها بصمت وحنق فسبقته قبل أن يعلق قائلة بضيق
" أعلم لا تقلها .. عليا أن أخرج من هنا سأفعلها من دون
أن تطلبها "
وما أن أنهت عبارتها تلك غادرت الغرفة بخطوات غاضبة
نظراته الحانقة تتبعها وما أن وصله صوت باب غرفتها الذي
ضربته خلفها شتم هامسا بغضب وضرب الكرسي أمامه
بحذائه بقوة جعلته ينسحب بعيدا مصدرا صوتا مرتفعا
مزعجا ومرر أصابعه في شعره بعنف وتوجه جهة المرآة
ينزع سترته التي رماها بإهمال وفتح باقي أزرار القميص
يبحث في الدرج الذي فتحه بحركة عنيفة وما أن رفع نظره
لصورته في المرآة أمامه تجمد نظره على ذاك اللون العالق
ببشرته فرمى ما في يده بغضب وسحب منديلا معقما ومسحه
به بعنف يشتم هامسا من بين أسنانه ، وما أن رماه أمامه
بإهمال نزع القميص أيضا ورماه خلفه وهو يغادر الغرفة ،
وقف أمام باب غرفتها وأمسك بمقبضه وأداره ببطء وفتح
الباب فوقع نظره عليها فورا جالسة على الأرض تتكئ
بظهرها على مقدمة السرير تمسك إحدى مذكراتها في يدها
تضعهما في حجرها وتمسك بالأخرى قلم حبر تحركه بقوة
وعشوائية حركة غاضبة على ورق صفحتها المفتوحة أمامها
وبقربها طاولتها الزجاجية المخفضة التي تستخدمها أغلب
الأحيان للدراسه ، أدار أصابعه حول المقبض لازال يقف مكانه
وينظر لها حتى وصله صوتها قائلة بجمود وحالها لم يتغير
" غادر من هنا "
التوت شفتيه بابتسامة وتمتم
" وإن لم أفعل ؟ "
ضربت بقبضتها والقلم فيها على المذكرة في حجرها وقالت
بضيق دون أن تنظر ناحيته
" تيم لا أريد أن أراك قبل الصباح فابتعد عني أو لا تلقي
باللوم عليا إن أغضبتك مني "
تجاهل ما قالت ودخل الغرفة فوقفت ورمت المذكرة من يدها
على الطاولة بقوة وأتبعتها بالقلم وتحركت مجتازة له لتخرج
هي من الغرفة فأمسك بيدها وأدارها بقوة كادت توقعها أرضا
وشهقت بصدمة حين انحنى وأمسك بساقيها بساعده ورفعها
عن الأرض وأصبحت في لحظة فوق كتفه نصف جسدها يتدلى
على ظهره وتوجه بها جهة باب الغرفة وخرج بها من هناك
يمسك ساقيها بقوة كي لا تسقط بسبب مقاومتها متجاهلا
ضربات قبضتيها لظهره وجميع عباراتها الغاضبة وتوجه
بها لباب الشرفة الزجاجي المفتوح على طرف بهو الشقة
الواسع وضربه بقدمه فانفتح أمامه على اتساعه وخرج بها
هناك ورماها مديرا لها لتصبح معدتها على حافة سياجه النحاسي
المستدير ونصف جسدها العلوي في الأسفل وقال
" ماذا كنا نقول ماريا ؟ "
تمسكت أصابعها بنهاية حديد السياج وقالت بضيق
" لم نقل شيئا ولن نقول "
وما أن أنزل جسدها أكثر صرخت بشهقة مكتومة كي لا ينتبه
لهما ساكني المبنى المجاور وإن كان يفصلهم عنهم شارعا
عريضا ووصلها صوته مجددا
" ماذا كنت تقولين ماريا ؟ "
قالت بضيق ويداها تسقطان للأسفل تحت رأسها متدليتان
في الهواء
" إن وقعت فلن أموت وسأدعي عليك ما حييت لأنك ستكون
السبب في إعاقتي "
ابتسم وأنزلها أكثر حتى بات يمسكها بيد واحدة وقال
بصوت مرتفع
" ماذا تقولين ماريا ؟ "
حركت قدمها الحرة تحاول تثبيتها وقالت بحنق
" أحبك ... أحبك يا متوحش "
اتسعت ابتسامته يراقبها من الأعلى وقال
" وما الذي أقوله وأكرره دائما ؟ "
قالت من فورها وبذات ضيقها
" اتركني وشأني أكرهك تيم "
أبعد قدمها وقال
" ماذا ؟ "
صرخت من فورها بضيق
" تيم لي وحدي ... كنت تقول تيم لي وحدي "
رفعها حينها حتى وقفت على أرضية الشرفة الرخامية وسحبها
من يدها للداخل وأغلق الباب وما أن نظر ناحيتها رفع يده
الأخرى ووضع سبابته على شفتيه يأمرها بالصمت وهمس
" لن نظيف شيئا على ما قلته هناك في الشرفة ماريا مفهوم "
فزمت شفتيها وامتلأت عينيها بالدموع فأشار بسبابته لعنقه
وقال بجدية
" قسما لم يتجاوز الأمر هذا المكان ماريا ولم يكن الأمر
برضا مني فوالدها كان موجودا "
فارقت أول دمعة من رموشها الكثيفة ولكمت صدره بقبضتها
بقوة ... ولم تكن تلك آخر لكمة من قبضتها ولا آخر دمعة من
عينيها ولم يمنعها هو ولم يقاومها وكأنه يفهم جيدا ما عليه
فعله حينها فسرعان ما اتكأت بجبينها على صدره وضمها هو
بذراعيه يقبل رأسها يدفن بكائها الصامت وسط أضلعه وقال
بهدوء
" الوطن يحتاجني ماريا هل نفقده ؟ الأمر أكثر تعقيدا من
أن أتراجع فيه الآن فسأفقد حياتي أيضا حينها "
حضنت جسده بذراعيها تشد أصابعها على قميصه الداخلي
جهة ظهره بقوة وقالت بعبرة
" أعلم بأني سأفقدك نهاية الأمر ... أعلم ذلك ... حيا كنت
أو ميتا سأفقدك "
قبل رأسها ومسح على شعرها هامسا
" لا أحد ينتصر على الموت ماريا لقد خلقنا لنموت "
ابتعدت عنه وقالت بضيق لازالت الدموع تنساب من عينيها
الجميلتان
" توقف عن قول هذا تيم .. توقف وإن من أجلي ومن أجل
دموعي التي تبكيك حيا .. يالك من قاس ... أحمق ... أكرهك "
أمسك وجهها بيديه وقبل جبينها ومسح دموعها بظهر أصابعه
قائلا بجدية
" لن نتحدث عن ذلك مجددا حسنا موافق لكن ما كنا
نتحدث عنه في الغرفة لا وعلينا التحدث عنه الآن "
ابتعدت عنه بخطوتين للوراء وقالت بعناد وإصرار
" لا حديث بيننا أبدا في ذلك "
قال بتحذير آمر
" ماريااا "
لوحت بيدها قائلة بضيق
" أنا لا أريد هل ستجبرني ؟ لما لا تفكرون سوى في أنفسكم
أنتم الرجال ؟ "
نظر لها بحنق وأشار بسبابته للمسافة بينهما وحركها بشكل
مقوس حوله قائلا
" إذا لا تتخطي هدا الخط ولا تقتربي مني ولا تدخلي مجالي
بما أنك ترفضين ذلك أو لا اتفاق بيننا أبدا "
أولته ظهرها وتحركت جهة غرفتها من فورها متمتمه بضيق
" حسنا موافقة "
وما أن وصلت باب الغرفة التفتت له وقالت من هناك ترفع
سبابتها
" وإياك والتحدث مجددا عن البدائل أو أنا من سأرمي بنفسي
من الشرفة حينها ولا داعي لتتعب نفسك "
وما أن أنهت عبارتها تلك دخلت الغرفة مغلقة بابها خلفها بقوة
فزم شفتيه بابتسامة وحرك رأسه قبل أن يغادر جهة غرفته
متمتما
" إذا لا حل سوى الصبر يا تيم ...... سحقا لعقول النساء "
*
*
*
مدت رأسها فقط مميلة جسدها ونظرت من الباب المفتوح
للجالسة خلف مكتبها والتي رفعت رأسها ونظرت لها مبتسمة
ما أن قالت " كيف هي الخماصية الجميلة اليوم ؟ "
قالت تبادلها الابتسام
" مرحبا بزهرة الجنوبي "
ضحكت ودخلت قائلة
" ما هذا اللقلب الجديد الرائع ؟ "
ضحكت وقالت تنظر لها وهي تسحب الكرسي أمام مكتبها
" هذا ما يلقبك به خطيبك حسب حديث شقيقي عنه
فهو يسميك بزهرة الجنوبي "
جمعت يديها بجانب وجهها تدير مقلتيها بحالمية وقالت مبتسمة
" يا إلهي ما أروعه من رجل "
ضحكت غدير وجلست هي أمامها قائلة
" لما لا تخبريني أين أجده لأراه وإن من بعيد بما أنه
يعتصم عني ولم يطلب ذلك بنفسه "
رفعت كتفيها قائلة بابتسامة
" في الجنوب حاليا "
مدت شفتيها بعبوس فضحكت الجالسة أمامها وقالت
" طلب من شقيقي أن أعطيه رقم هاتفك "
اتسعت عيناها بصدمة وقالت
" قولي قسما ؟ "
ضحكت تلك مجددا قائلة
" قسما أني أعطيته له ودون أن أخبرك فحمدا لله أنك
لم تغضبي "
رمشت بعينيها تنظر لها فقالت مبتسمة
" وثمة أمر آخر يخص جنوبي آخر "
همست باستغراب
" من !! "
اتسعت ابتسامتها وهي تقول
" صديقك القديم المغبر بالطبع "
تجعدت ملامحها وتمتمت بحنق
" ما أبرعك في تعكير المزاج الرائع "
ضحكت وقالت
" يبدوا لي قد يتغير حديثك عنه ورأيك فيه بعدما تعلمي
ما سأقوله "
نظرت لها بتفكير لبرهة قبل أن تقول
" من أين تعرفينه أنتي ؟ هل درس معك أيضا ؟ "
حركت كتفيها قائلة
" كلاهما أكبر مني ببضعة أعوام وعلى العموم الأمر يخص
قبولك هنا في الجامعة "
رمشت بعينيها متمتمه
" لم أفهم !! "
ابتسمت الجالسة أمامها وقالت
" ثمة ورقة تم طلبها من جامعتك السابقة تخص أسباب
خروجك منها ومعدلك في موادك هناك "
نظرت لها بصدمة قبل أن تقول بضيق
" ولما كل هذا ؟ أهي ثكنة عسكرية عليا جلب حسن
سيرة وسلوك وشهادة براءة ليتم قبولي فيها ! "
رفعت كتفيها قائلة
" إنها قوانين الجامعة يا زهور وأنت انتقلت من جامعتك
السابقة منتصف العام تقريبا "
ضربت بقبضتها على الطاولة بينهما قائلة بضيق
" لا تقولي أن ذاك الجنوبي المغبر أفسد الأمر عليا ليعيدني
هناك أو يحرمني من الدراسة هنا ؟ أعلم بأنه سيفعلها فمادته
وحدها التي لم أعد أحضرها مؤخرا "
حركت رأسها بالنفي مبتسمة وقالت
" لا بل العكس تماما "
نظرت لها بعدم استيعاب فقالت مبتسمة
" الأوراق التي تم تقديمها كانت بخط يده وأهمها بأنك
أول طالبة يمنحها الدرجة كاملة في مادته والتزم بأن يوثق
نيابة عن أساتذتك شهادة لصالحك وبأنك من الطلبة المتفوقين
في قسمك "
نظرت لها بصدمة فاغرة فاها وهمست
" أويس عبد الجليل غيلوان لا أحد غيره تقصدين !! "
حركت رأسها إيجابا تمسك ضحكتها فقالت تحرك كفها أمام
وجهها وكأنها صورة مشوشة تنقيها
" قولي أن الشتاء سيأتي قبل الصيف القادم سأصدقك أكثر "
ضحكت وقالت
" صدقي فذاك ما حدث فعلا "
لوحت بيدها قائلة ببرود
" حسنا أنت مبدعة في المزاح فعودي غدير السابقة
فهي أجمل "
ضحكت مجددا وقالت ترفع إحدى الأوراق وتمدها لها
" ها هي خذي لتتأكدي "
أخذتها منها فورا وما أن قرأت أول أسطر فيها رفعت نظرها
لها فاغرة فاها بصدمة فأشارت لها بيدها أن تتابع القراءة
فعادت حدقتاها السوداء للتنقل في تلك الاسطر المرتبة بخط
أنيق لم يدخلها اي شك أن يكون خطه فهو كان يدرسها وهذا
النوع من الخطوط المميزة لا تنساه ، رفعت نظرها لها ما أن
انتهت من قراءة تلك المعجزات المتتالية فقالت تلك مبتسمة
" ها .. ما رأيك الآن ؟ "
بلعت ريقها وهفت بالورقة على وجهها الذي كانت تشعر به
يشتعل وقالت بابتسامة باهتة
" يبدوا لي معك حق وتغير رأيي به لكن قليلا فقط "
ضحكت وقالت وهي تقف
" كل هذا وقليلا فقط يا ناكرة ؟ "
وقفت أيضا وقالت بضيق
" ليس ذنبي فهو لم يعطيني أي مجال لأتقبله كمخلوق بشري "
وتابعت تنظر باستغراب لما كان موضوعا على طرف طاولة
مكتبها
" هذه أليست البطاقة التي أحضرتها لك زوجة الزعيم مطر
سابقا ؟ ألم تعطيها لصاحبها ! "
نظرت لما تتحدث عنه وقالت
" بلى لكنها لم تعد تخصه إنها دعوة موجهة لي لحضور حفل
افتتاح برج القمة التجاري الجديد "
اتسعت عيناها بصدمة وقالت تنظر لها
" أنت مدعوة لحضور الحفل ! "
نقلت نظرها لها وأومأت بنعم فتأوهت قائلة بحسرة
" آه يا الهي ما أسعدك بمن يحقق لك ذلك لابد وأنه ذاك
الوسيم المدعو قائد "
أسدلت جفناها الواسعان بحزن تخفي ما يمكنها إخفائه هامسة
" بلى إنه رائع ... رائع وفي كل شيء ويمكنك أن تحسدي حتى
أصدقائه عليه "
تنهدت بعمق قائلة دون أن تنتبه لكل ذلك
" يا إلهي كم أنت محظوظة بكل هذا فذاك المشروع الضخم
لن يحضر افتتاحه أيا كان "
وما أن أنهت عبارتها تلك توجهت جهة الباب مسرعة وملوحة
لها قائلة
" أراك لاحقا يا جميلة "
وغادرت نظراتها الحزينة تتبعها قبل أن تنتقل للبطاقة الأنيقة
المدعمة بالخشب وتدلت الدمعة اليتيمة من رموشها تتذكر
المكالمة التي سمعتها بينه وبينها مصادفة في مكتبه عن قضية
الطلاق ، رفعت رأسها ومسحت دمعتها وجلست على كرسيها
وأخرجت هاتفها من حقيبتها واتصلت بشقيقها فورا .
*
*
*
أخرجت قدمها من المياه ونزلت بها على الأرضية الرخامية
اللامعة لتنزلق قطراته عليها وتركتها بقع متساوية خلفها وهي
تترك حوض الاستحمام قطرات الماء المنزلقة من شعرها الطويل
المبلل لم يوقف تناثرها خلفها سوى قماش روب الحمام الناعم
الذي لفته حول جسدها بقوة متشبثة به وارتجفت أصابعها وهي
ترفع يدها لغرتها المبللة تبعدها عن وجهها تسحب الهواء
لرئتيها في شهقة صغيرة واتكأت بطرف كتفها على الجدار
الرخامي قربها وأراحت يدها على برودته لتنزل دموعها مجددا
تتعالى شهقاتها معها تباعا تحاول كتمها بأصابعها المرتجفة ..
لا تصدق أن ما حدث كان مجرد كابوس .. كان كابوسا مريعا
رغم أنه حقيقي ... حقيقة حدثت أمامها وتيقنت للحظات من أنها
خسرته واختارت بالتالي أن تخسر حياتها خلفه فإما أن يعيشا
فيها معا أو أن تتركها معه ، ضربت بكفها على الجدار هامسة
بعبرة
" لماذا يا غسق ؟ لما تشعري بكل هذا سحقا لك ...
ماذا إن مات وإن فارقك للأبد ؟ وإن يكن يا حمقاء ؟ "
نزلت للأرض ببطء تشعر بأنها تفقد قواها مجددا وهي لم
تسترجعها بعد تنظر للفراغ بضياع لم تمسح ولا الدموع التي
اختلطت بالمياه المنسابة من شعرها تسابق بعضها فوق تلك
البشرة الثلجية الناعمة فها هي مجددا تنهار .. تحتاجه وتغرق
في دوامة من السواد ليعيدها هو منها ولتجد نفسها مبللة في
حضنه ليثبت لها في كل مرة بأنه الهواء الذي تضيع من دونه
تتشتت تنتهي وتتلاشى كالنهار ، فقدت الحياة حين فقدته مرة
وإن كانت ما تزال فيها ترى وتتنفس وها هو يثبت لها بأنها
ستخسرها نهائيا إن خسرته مجددا وبأن الحياة تتوقف عند
ابتسامته وهمساته الرجولية المبحوحة المميزة ولمساته الرقيقة
الدافئة .. بأنه إن اكتسح حياة امرأة لا يمكنها تركه يخرج منها
تبتسم له برضا لأنه لن يخلف خلفه سوى الدمار والضياع وامرأة
محطمة كليا تبكيه حتى تموت تتمسك به بكل ما تملكه وإن كان
قاتلها ومعذبها .
مسحت عينيها ووجنتيها بقوة ووقفت تستند بالجدار قربها
ما أن سمعت حركته في الخارج ودست يديها بحركة بطيئة
في أكمام الروب الزهري القصير وشدته حول جسدها النحيل
المتناسق وربطت حزامه وتحركت جهة الباب تحاول إخراج
شعرها من تحته أو ما استطاعت إخراجه منه ، وما أن أدارت
مقبضه وفتحته هربت بنظرها ووجهها من الواقف أمامه تماما
يسند يده بالجدار المحاذي لإطاره يسد الباب أمامها بجسده
الطويل وصدره العريض ، رفعت يدها ومررتها في غرتها
المبللة قبل أن تمرر ظهر كفها على أنفها لازالت تتجنب النظر
له وقد أخفت ارتجاف جسدها بصعوبة حين شعرت بملمس
أصابعه على أطراف أناملها وهو يبعد يدها عن وجهها ببطء
أصابع يده الأخرى تخللت خصلات غرتها الطويلة المبللة ورفع
وجهها له ببطء وهمس ناظرا لعينيها ورموشها المبللة
" متى ستتوقف هذه يا غسق ... ؟ توقفي عن تعذيبي بها
أرجوك "
أنزلت وجهها مجددا وأمسكت يده تبعدها عن وجهها ببطء
هامسة ببحة حزينة
" أنا من يسألك متى ستتوقف هذه التي لم أكن أعرفها قبل
أن أعرفك يا مطر "
أمسك وجهها بكلتا يديه وانحنى له يقبل خدها برقة انتقلت
للشغف سريعا وكأنه لم يختبر فعلها سابقا ، وما أن تسللت
يده الأخرى لظهرها نزولا لخصرها النحيل يشدها ناحيته علمت
بأنها ستنهار وتضعف مجددا ومجددا وككل مرة ما كان يجب
وحتما سيحدث ما أن انتقلت قبلاته لطرف شفتيها وداعبت شفتيه
شفتها بحرفية رجولية رقيقة جعلتها تستسلم سريعا وجذبها
لحضنه يحول الأمر لشغف رائع رغم قسوته على ذاك القلب
الرقيق المذبوح به وله وبسببه .
وما أن ارتخت يديه عنها بسبب ابتعادها البطيء عنه
رفعهما لوجهها ينظر لرموشها المسدلة على عينيها وهمس
" لازلت متعبة يا غسق ؟ هل أطلب الطبيب ؟ "
حركت رأسها برفض دون أن تتحدث أو ترفعه له فأبعد
خصلات غرتها الرطبة خلف أذنها هامسا
" بماذا تشعرين إذا ؟ تبدين لي لست بخير حتى الآن "
رفعت أناملها لطرف غرتها الآخر تدس خصلاتها أيضا
خلف أذنها وهمست ببحة
" جائعة "
فابتسم من فوره وشدها لحضنه تتكئ على صدره وقال مبتسما
ويده تمسح على شعرها الرطب
" جائعة فقط ؟ تجوع زوجة رئيس البلاد ! تجوع قلب
مطر وهو حي يتنفس ؟ "
سار بها نحو بهو المنزل الخشبي الصغير المطل على البحر
وما أمر ببنائه هنا وهكذا من أجلهما فقط في منطقة باتت
محضورة عن الجميع منذ أن اختارها له وحتى الحراسة
المشددة حولها تبعد لمترات عديدة عنهما ، وصل بها لطاولة
مستديرة حولها كرسيان فقط مليئة بالأطباق المغطاة بأوراق
القصدير تحوي الطعام الذي لم تراه ولم تشم ولا رائحته في
المكان ! وما أن أجلسها على الكرسي الذي سحبه لها قال وهو
يخرج الهاتف الذي بدأ بالرنين من جيب بنطلونه
" الخزانة في الغرفة تحوي ملابس جديدة وضعت هنا
لك لكن تناولي طعامك أولا "
وما أن أنهى عبارته تلك تحرك من خلفها مبعدا يده عن ظهرها
ببطء كحركته تلك وتوجه جهة الواجهة الزجاجية المقابلة للبحر
نظراتها تتبعه وهاتفه على أذنه يتحدث مع من يبدوا أنه تحدث
عن فحوى الموضوع مباشرة دون مقدمات ووقف هو يستمع
له بصمت يده الحرة تتخلل شعره الأسود الكثيف نظره على
الأمواج المترامية على رمال الشاطئ القريب ، أبعدت نظرها
عنه للأشياء الفضية اللامعة أمامها وأبعدت القصدير عن أقرب
طبق لها وبدأت تأكل منه ترفع اللقمة ببطء وتمضغها ببطء أكبر
وكأن قواها خارت عن فعل أي شيء ولا تنكر أن كل عصب فيها
لازال يرتجف حتى الآن ، تابعت طعامها منشغلة به عن كل شيء
حولها حتى الواقف هناك والذي لم تنتهي مكالماته المتتالية التي
يبدوا أن ما ورائها أمرا مهما يخص البلاد لم تهتم لأن تنتبه له
ولا أن تعلمه لكن ما جعلها تدير رأسها جانبا وتنظر له كان
تحركه من مكانه ما أن ذكر أن اسم المتصل عمير وخرج من
الباب الزجاجي المفتوح وابتعد حتى لم تعد تسمعه ، ورغم أنه
لم يتعمد خفض صوته إلا أنها تشعر بأن ثمة ما لم يكن يريدها أن
تسمعه ولم تهتم أساسا فإن كان الحديث عن مدن صنوان
المتمردة فهي أكثر منه لا تريد سماع ما يقول .
وقفت وتركت المكان وجهتها باب الغرفة الوحيدة هناك ودخلتها
وتوجهت للخزانة فورا دون أن تنظر لباقي تفاصيلها الفخمة
المميزة ، فتحتها ووقفت أمامها وحاجباها الرقيقان ينعقدان ببطء
تنطر لما قال بأنها ثياب موجودة فيها ومدت يدها لها وبدأت
تخرجها بالقطعة وتعيدها ولولا أنها كانت جديدة بالفعل لأقسمت
بأنها تخص امرأة أخرى فلما هذا التعمد في اختيار هكذا ملابس
تحديدا ! فتشت بعنف بين تلك الثياب المعلقة فعن أي ثياب يتحدث
يمكنها ارتدائها ؟ نزعت إحدها بحركة غاضبة ولا تفهم بسبب
هذا أم بسبب ذاك الشعور الكريه وعقلها يصور لها أن هذا المكان
لم تكن أول من زارته ، استغفرت الله بهمس مستاء ولبست ما
يمكن تسميته بنطلونا والذي لم يصل طوله لركبتيها أو ليغطي
كامل فخذيها .. لبست القميص الأبيض الذي رغم اتساعه قليلا
إلا أنه بالكاد أخفى جسدها تحته .. حتى أنه من دون أكمام
لكنهما خيارها الأفضل على ما يبدو .. ومما ستخجل مثلا وبعد كل
ماذا ! التفتت بسرعة جهة باب الغرفة الذي انفتح فجأة وللداخل
منه من شملتها نظرته حتى قدميها فأنزلت رأسها ونظرت للأسفل
والتصقت بالخزانة المغلقة خلفها وخطواته تقترب منها حتى كان
أمامها مباشرة ومرر يده على خصرها وشدها له وقبل خدها
يحرك شفتيه جهة أذنها هامسا بخفوت
" ألا يوجد شيء لا تكونين فيه رائعة ؟ "
مررت يدها في خصلات طرف جبينها هامسة أيضا لكن ببرود "
ما الرائع في ثياب المراهقات هذه ؟ "
ابتسم وشد رأسها ليتكئ على صدره وقبله قائلا
" الرائع فيها أنك كمراهقة تماما بها ومن الغريب أني أصبت
قياسك فكم ظننت بأني فاشل في هذا ! "
ابتعدت عنه ونظرت لعينيه وقالت ببطء ظنت أن الكلمات لن
تخرج معه
" أنت من اشتراها ؟ "
نظر لها باستغراب عاقدا حاجبيه وقال
" أجل .. أكنت تتوقعين أن أطلب من أي رجل أن يشتري
ثيابا لك ؟ "
أبعدت نظرها عنه ونظرت جانباً تعاند الكلمات مجددا وهي
تهمس ببحة
" كم منزلا تملك في البلاد يا مطر ؟ "
تنقلت نظراته في ملامحها التي تشيح أغلبها عنه وقال
" غير منزل عائلتي هذا فقط ولم أدخله إلا اليوم "
لم تعلق ولم تنظر له وجفناها ينسدلان على تلك الأحداق ببطء
وقد لاحظ شدها لأصابعها بقوة فمد يده لذقنها وأمسكه وأدار
وجهها ناحيته ورفعه له حتى نظر لعينيها بل وجعلها هي تنظر
لعمق عينيه وقال بهدوء
" غسق لما لا تفكري بصوت مرتفع وترحمي كلينا ؟
لم تدخل امرأة غيرك هنا ولن يحدث "
أنزلت رأسها ونظرها محررة ذقنها من ملمس أصابعه وهمست
بابتسامة متألمة
" أود أن أصدق من يعترف بلسانه بالعكس لكنها معجزة لا
أستطيع منحها لنفسي "
رفع يده لوجنتها هامسا بجدية
" غسق عليك نسيان كل ما قيل وحدث سابقا مفهوم ؟ "
رمت يده عنها ورفعت نظرها له قائلة بحدة
" لا أستطيع .. لا تطلب مني المستحيل يا مطر "
قال بحزم
" اتركينا نتحدث إذا واستمعي لأسبابي "
لوحت بيدها صارخة بغضب
" لا سبب يبرر الخيانة يا ابن شاهين لا سبب أبدا ولا تتحدث
مجددا عما لم تجربه "
أمسك وجهها ورفعه له وقال بحزم
" استمعي لي ثم احكمي "
أبعدت يديه عنها بقوة صارخة
" لاااا ... ابتعد عني "
شدها من ذراعها بقوة وقال بأمر
" غسق ستستمعين لي الآن ورغما عنك "
حركت ذراعها بعنف تحاول الفكاك منه حتى نجحت في ذلك
وقالت تشير لنفسها والدموع تتجمع في عينيها الواسعة
" إن كنت تريد أن أكرهك ما عشت فافعلها يا مطر وبرر لي
عن بطولاتك مع النساء فلا شيء يغفر لك في قلبي ..
في القلب الذي تركته ينزف دون أن تهتم وتريد الآن
وبكل بساطة بل ووقاحة أن يستمع ويغفر ويسامح وينسى
وكأن ما حدث لم يكن ! لو كنت مكاني أكنت تستمع أكنت تغفر ؟
أكانت ستسمح لك كرامتك وكبريائك بذلك ؟ "
أمسك وجهها بيديه وقبل جبينها ونظر لعينيها الغاضبة المليئة
بالدموع المتحجرة في تلك المقل الواسعة وقال
" قلنا حتى يحين الوقت يا غسق لا تنسي بأنك وعدتني
وأنا سأنتظر "
وما أن أنهى عبارته تلك أمسك بيدها وخرج بها من الغرفة بل
ومن باب المنزل وسار بها جهة الشاطئ حيث كان الهواء القوي
المنعش في استقبالهما والشمس الباهتة المستديرة تفارق الأفق
ببطء تختفي خلف تلك المياه ترمي بحمرتها المميزة على مياهه
في مشهد لا يضاهى ، قال وهو يقترب بها من الشاطئ
" لما لا تختبري مياهه مجددا ولكن بطريقة ألطف من سابقتها "
قالت بضيق تحاول سحب يدها منه تكاد تركض مجارية خطواته
" مطر اتركني لا أريد أن أدخله مجددا "
تجاهلها يسحبها مرغمة وما أن وصل بها للرمال المبللة وقف
وألتفت لها وانحنى لساقيها ورفعها بسرعة وخفة رغم تمنعها
واعتراضها وهي تحاول النزول قائلة بضيق
" مطر توقف عن الجنون .. أهذا ما يفعله من يخطط لأن
يكون جداً عما قريب ؟ "
نظر لها مبتسما وهو يقترب من المياه وقال
" حسنا الدور يليق بمطر شاهين لكن ثمة من لن يليق بها أبدا
أن تكون جدة فلتجد حلا لنفسها "
لكمت صدره لازالت تحاول الفكاك منه وقالت بضيق أشد
" لا حل سوى الرفض ولعلمك فقط أني لست موافقة ولن
أكون راضية عن هذا الزواج ما حييت "
رماها في المياه مبتسما على صرختها المصدومة وقال ناظرا
لها جالسة ونصفها تحت الماء تبعد شعرها بضيق
" لا تكوني حماة سيئة وتكدري حياة الرجل فهو يحب ابنتك "
رفعت نظرها له وقالت بحدة
" أحبته عاصفة غاضبة تقتلعه من جذوره ، ألا يخجل من نفسه
ويرى فارق العمر بينهما ؟ أيتزوج من طفلة ! "
انحنى جهتها وأمسك بيدها ورفعها له دون أن يوقفها وقال
مبتسما ينظر لعينيها
" لو أنك دخلت حدودي في مثل عمرها لكنت تزوجتك وما تركتك
تنامي بعيدا عني "
قالت بضيق تحاول سحب يدها منه
" كنت ستكون أصغر منه حينها ، ثم ما المفخرة في ذلك ؟
أنا وأنا ابنة التاسعة عشرة كدت توقف قلبي ليلتنا الأولى فما
سيكون مصير ابنتك ؟ "
ابتسم لذكرى ما حدث والتفت أصابعه حول أناملها أكثر وقال
" وضعهما مختلف طبعا يا جبانة "
سحبت يدها منه بقوة أكبر قائلة باحتجاج غاضب
" ما المختلف غير أنها أصغر مني بخمسة أعوام وقتها ؟ "
وكانت النتيجة أن خلصت يدها منه لكن ليس بقوتها هي بل
لأنه تركها فكانت النتيجة الأسوأ أن وقعت للخلف في المياه كليا
بسبب ارتداد جسدها وهي تسحبه فمالت بجسدها جانبا وأخرجت
نفسها بسرعة وساعدها الذي أوقفها ضاحكا وقال
" مختلف طبعاً لأنها تحبه عكسك وقتها ، ومختلف في أنه لا
يشبه مطر شاهين حينها أيضا ... أيرضيك هذا ؟ "
استلت يدها منه جسدها يقطر بالمياه وشعرها ملتصق بوجهها
تنظر له بحنق وقالت
" ألا تخجل من نفسك وأنت تقول هذا ؟ ما الذي تعرفه ابنتك عن
حب الرجال وجروحهم ؟ إن كانت والدتها فاشلة في ذلك فكيف
بها هي ؟ "
مد يده لوجهها ولامست أصابعه خصلات غرتها المبللة وقال
مبتسما بمكر " أي فاشلة هذه التي أوقعت ابن شاهين نفسه
في مصيدتها ؟ "
ضربت يده مبعدة إياها عن وجهها وهامسة من بين أسنانها
" مغرور "
ابتسم ومد يده لخصرها وأمسكها وسحبها منه نحوه فخلصت
نفسها مما ينوي فعله سريعا متمتمة بضيق
" ابتعد عني يا مطر "
وتراجعت للخلف بعيدا عنه في المياه تنظر له وقالت
بضيق أشد
" وبما أننا مستمران في مسيرة النكد هذه أخبرني الآن
وفورا لما فعلت ما فعلته وأنت تمثل الانتحار أمامي "
أمسك خصره بيديه وحرك رأسه قائلا
" أنا لم أمثل ولم أنتحر أساسا ، ما الذي يجعلني أخسر
آخرتي بما أنك موجودة "
صرخت فيه من فورها
" توقف عن الكذب "
أشار بيده جانبا حيث عرض المحيط وقال بضيق
" حسنا يا صادقة ما جعلك أنت تلحقي بي يا حمقاء وأنت
لا تجيدين السباحة ؟ "
رمت يدها جانبا أيضا قائلة بحدة
" وما كنت تتوقع مني وأنا أراك تختفي تحت المياه ؟
لقد كدت تقتلني من الخوف قبل الغرق .. ماذا كنت سأفعل مثلا ؟
أنتظر طائرا أسطوريا يأتي لينتشلك من المياه ! "
لوح بكفه بجانب وجهه قائلا بضيق
" لا يا ذكية بل ثمة رجال يحرسوننا كنت تستطيعين
الاستنجاد بهم أو حتى البقاء مكانك بدلا من الإلقاء بنفسك
في البحر وأنت موقنة من أنك لن تستطيعي الخروج منه
يا غسق ، كان عليك أن تحكمي عقلك قبل أن ترمي بنفسك
للهلاك "
نظرت له باستنكار وضربت بقدمها داخل المياه قائلة بحنق
" أهذا ما أستحقه منك ؟ أهذا ما كنت تريده أن أقف
وأتفرج عليك ؟ "
ضرب بأطراف أصابعه جهة صدغه قائلا بذات ضيقه
" كنت أريدك أن تفكري بعقلك .. بهذا .. قبل أن تقرري
فيما يخص مصيرك يا ابنة دجى الحالك "
رمت يدها صارخة فيه بغضب
" وما شأنك أنت بي أموت أو أنتهي من الوجود ؟ "
وسحبت نفسا طويلا تنظر له من بين الدموع التي بدأت باكتساح
مقلتيها الواسعة فقال بضيق
" غسق لا تأخذي الأمر بعاطفية فأنا إن كنت مكانك ما دخلت
البحر خلفك وأنا لا أجيد السباحة "
حركت رأسها بطريقة ساخرة وقالت متشدقة
" شكرا لك "
قال من فوره وبحزم
" أجل شكرا لي فثمة حلول كثيرة كنت سألجأ لها بدلا من أن
يفقد أحدنا الآخر كما كنت ستفعلين "
صرخت فيه من فورها
" بل لأنه لا يمكنني أن أكون بلا قلب ومتحجرة مثلك "
بادلها الصراخ بالمثل راميا بيده
" غسق توقفي عن التفكير بحمق فإن كان ثمة من سأدفع
عمري من أجله فسيكون أنت "
" كاذب "
قالتها صارخة دون تردد ولا انتظار فصرخ فيها أيضا
وكأنهما يتبارزان في ذلك
" كاذب كاذب .. لن تقرري عني أنا أعرف نفسي جيدا "
قالت بضيق
" حسنا آسفة لأني قلقت عليك وكنت سأفقد حياتي لأخرجك
أو نموت معا "
قال من فوره عاقدا حاجبيه بضيق
" أسفك مقبول ولا تكرريها مجدداً ومع أي كان وفي أي
موقف مختلف مفهوم "
رمت يدها جانبا قائلة بضيق
" استثني نفسك ولا علاقة لك بأحد آخر "
لوح بسبابته نحوها قائلا بحزم
" غسق لن تجدي من ينقذك من الهلاك الذي سترمين نفسك
فيه في كل مرة تذكري هذا جيدا ، وتذكري أيضا بأن الندم لا
يصلح شيئا انكسر وانتهى كما أن الموت ليس المأساة الوحيدة
التي تنهي الإنسان فثمة من يعيش يتمنى الموت ولا يجده ولومه
لا يتعدى نفسه ... تذكري كل هذا حين تمرين بموقف مشابه
مستقبلا "
حركت رأسها قائلة بضيق
" ماذا تقصد بكل هذا ؟ لما لا تكن واضحا "
أشار بسبابته لرأسه قائلا بحزم
" أقصد أن تفكري جيدا يا غسق وبعقل قبل أن تقرري ما تعلمين
مصيرك فيه فكيف ما تجهلينه ؟ "
نظرت له بصمت تسحب أنفاسها لصدرها بقوة أبرزت تفاصيلة
من تحت القماش الشفاف المبلل فأشار للبحر متابعا بحزم
" إن كان من أجل مطر شاهين الذي تكرهينه رميت نفسك في
البحر فكيف من أجل من تحبينهم ؟ "
همست بوجع والدموع الحارة تملأ عينيها مجددا
" إن كنت أكرهك ما فعلتها "
نظر لها بصمت فسحبت الهواء لصدرها بقوة ورفعت يدها
لوجهها تمسح بظهر كفها عينيها بقوة ورفعت رأسها قائلة
بجمود
" لكن في القادم أعدك أن لا أفعل وأن أكون مثلك "
وما أن أنهت عبارتها تلك غادرت بخطوات غاصبة ترمي
شعرها الملتصق بجسدها بحركة عنيفة تراقبها نظراته
حتى دخلت من الباب الزجاجي المفتوح فمرر أصابعه في
شعره متأففا نفسا طويلا فلا شيء يجدي معها أبدا وعليها
أن تعيش ذلك واقعا وتندم لتتعلم على مايبدو رغم أنها
اختبرته سابقا وهي تدخل حدوده .
تحرك أيضا جهة ذات الباب ودخل ونظر فورا لباب الغرفة
المفتوح ، أغلق الباب وتوجه نحوه وما أن دخل ابتسم ببطء
وخطواته تقترب من التي كانت تعصر شعرها تتمتم بغضب والتي
ما أن وصل عندها كانت قد انتقلت لأزرار القميص الملتصق
بجسدها تفتحها فوقف خلفها مباشرة وأدار يديه حولها وأمسك
يديها وأبعدهما عن أزراره التي لم تفتح منها سوى واحدا
وهمس وأنفه وأنفاسه تداعب عنقها
" لما لا تتركي هذا لي ؟ "
أمسكت يديه التي بدأت أصابعها بفك أزرار قميصها وهمست
ببحة ورجاء خافت
" مطر ابتعد "
فك الزر التالي هامسا قرب أذنها
" لا تطلبي المستحيل من مطر "
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 69 others like this.
رد مع اقتباس
#9718
قديم 09-05-18, 10:25 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
رفعت مذكراتها وسترتها وخرجت من الغرفة مسرعة حتى كادت
تصطدم بالكرسي قرب باب غرفتها رغم تجنبها له فلا وقت
أمامها ولن تغامر بخسارة محاضرتها الأولى فالثمن سيكون غاليا
جدا وفوق توبيخ أستاذ المادة لها سيكون عليها تلقي توبيخ من
نوع آخر وأقسى أكثر هنا لأنها ستكون السبب من وجهة نظره
بالطبع ، دخلت المطبخ مسرعة وابتسمت ما أن وقع نظرها على
الذي يبدوا أنه مثلها لم يخرج من غرفته ويشرب القهوة إلا الآن
والذي استقبلها بابتسامة جانبية بدوره قد اتسعت ببطء ما أن
سارت بعيدا عنه في مسار دائري قائلة بضحكة
" لم أقترب منك ولم أدخل مجالك الجوي لتعلم فقط "
وتابعت سيرها المسرع جهة الطرف الآخر من الخزانة ونزلت
على قدميها وأخرجت من تحتها الكوب الذي لم يعد من جدوى
لإخفائه بعدما علم بمكانه ، أخرجته وسارت مسرعة جهة آلة
تحضير القهوة ووقفت على مبعدة منها مادة شفتيها بعبوس حين
اكتشفت بأنها فارغة ونظيفة تماما فرمقت بضيق الواقف مكانه
متكئ بظهره على الخزانة خلفه يلف ساق حول الأخرى يشرب
القهوة في كأس ماء وقد تجاهلها يشطف السائل الأسود الساخن
من كوبه فنظرت حولها حتى وقع نظرها على إبريق القهوة
النحاسي الصغير فتوجهت نحوه مباشرة ورفعته ونظرت له
بصدمة ما أن اكتشفت بأنه فارغ فنظرت خلفها فورا للذي كان
يرفع الكوب لشفتيه ويشرب منه رافعا رأسه قليلا ونظره عليها
لم يخفي ذاك الكأس ابتسامة التسلية تلك فسارت نحوه مباشرة
وما أن وصلت عنده وكان قد أبعد الكوب عن شفتيه أخذته من
يده ورفعت كوبها وسكبت منه نصف ما كان فيه ثم مدته له
فأخذه منها مبتسما دون أن يعترض أو يعلق يراقبها وقد
تحركت نحو الخزانة في الجانب الآخر ووقفت على رؤوس
أصابعها ما أن فتحتها وأخرجت علبة السكر الزجاجية وأضافت
لكوبها أربعة ملاعق صغيرة وحركتها بسرعة وبدأت بشربه في
شفطات متتالية فلا يمكنها تمضية الصباح دون كوب قهوة
فسينفجر رأسها سريعا على طاولة المدرج .
" لا تغادري دون فطور "
أبعدت الكوب عن شفتيها ونظرت لصاحب العبارة الباردة
الآمرة خلفها وحركت شفتيها بامتعاض ما أن عادت بوجهها
للأمام فها هو الكبير عاد للتحكم في الطفلة ، تجاهلته وتابعت
شرب قهوتها فوصلها صوته الحازم مجددا
" ماريا لا تعاندي "
نظرت لما تبقى في كوبها متمتمه ببرود
" لا وقت لدي سأتأخر عن المحاضرة "
تحرك حينها من مكانه وما أن وصل عندها التفتت ناحيته فأخذ
الكوب من يدها بالقوة وقال
" تناولي شيئا في الوقت الذي ستشربين فيه هذا "
أمسكت خصرها بيدها الحرة قائلة بضيق
" هل تمن بقهوتك سيد تيم ؟ "
وتابعت تشير بإصبعها للأرض خلفه
" ثم ابتعد هناك انت تدخل مجالي وتخالف القوانين "
نظر حيث أشارت خلفه ووضع الكوب من يده ما أن عاد بنظره
للأمام وقال ببرود سائرا جهة الثلاجة
" أنا أقترب متى أردت أما أنت لا ... وأنت السبب طبعا فلا
أسمع أي تعليق آخر مفهوم "
أمسكت خصرها بيدها مجددا تنظر له بضيق فأخرج تفاحة
ورماها جهتها قائلا
" هذه أفضل من لا شيء "
التقطتها قبل أن تصطدم بوجهها وتابع هو مغادرا جهة الباب
" تعالي سأوصلك لن أتركك تمارسي سرعتك هذه على قيادة
السيارة "
تحركت من مكانها أيضا وقالت بحنق سائرة خلفه جهة
باب الشقة
" لما لا تقلها مباشرة بأني لا أعرف كيف أقود السيارة ؟ "
نزل عتبات السلالم بخطوات مسرعة متمتما ببرود
" هذا رأيي في جميع النساء فأنتن سبب نصف حوادث السير "
مطت شفتيها بضيق ولن تستطيع التعليق بالطبع فما يقوله
صحيح ، نزلت السلالم خلفه مسرعة تجاري خطواته الواسعة
وقالت مبتسمة تراقب قفاه سائرين في الشارع
" وماذا عن المجال المغناطيسي في السيارة "
قال ببرود وهو يتوجه نحو الجاغوار السوداء التي كانت
تتوسط موقف السيارات الواسع
" تجلسي في الكرسي الخلفي طبعا "
شهقت بصدمة ووقف خلفه ما أن وقف عند بابه وقالت بضيق
" لا هذه كبيرة في حقي "
التفت لها وأشار برأسه خلفه وقال
" اجلسي فوق السيارة إذا "
زمت شفتيها تنظر له بحنق بينما تجاهلها هو واستدار مجددا
يفتح باب السيارة ففتحت الباب الخلفي وجلست تنظر له من
خلفه ومدت شفتيها بعبوس حين خان توقعاتها ولم يغير رأيه
فقد توقعت أن يكون يمزح ليس إلا لكنه جلس في كرسيه وأغلق
الباب وانطلق بالسيارة من فوره مسرعا فزمت شفتيها تنظر
لقفاه بحنق وما أن رفعت نظرها للمرآة الأمامية للسيارات وجدته
ينظر لها وقد أبعد نظره للطريق فورا يحرك لسانه داخل فمه
لاويا فكه يمسك ابتسامته فغرست أسنانها في شفتها بتوعد تعاند
ضحكتها كي لا تخرج حتى تنفذ ما تخطط له وزحفت فورا على
الكرسي الجلدي حتى كانت خلفه تماما وحضنته من خلف كرسيه
بذراعيها تلفهما حول عنقه وقبلت خده ضاحكة واتكأت بذقنها
على ذراعها وقالت مبتسمة
" تذكر فقط أني لازلت أجلس في الخلف"
قال مبتسما ونظره على الطريق أمامه
" أجل هكذا أفضل لأنك تعلمي في مثل هذا الموقف وأنت
هنا بجانبي ما سيحدث "
ابتسمت وحضنته بقوة أكبر فهذا مابات عليه حالهما غاضبان
ليلا ينسيان كل شيء نهارا .. أو هذا ما عودها عليه فهو
يغضب إن غضبت وغضبه ذاك ليحتوي به غضبها فقط
وبطريقة غريبة تشبهه وحده ثم ما أن تبتعد عنه وتهدأ وتعود
تلك الابتسامة لشفتيها يبادلها بمثيلتها وكأن شيئا لم يكن
بل وكأنها لم تقل شيئا مما قالت ...! كُتب عليهما أن يكونا هكذا
كالليل والنهار كالنور والظلام يجتمعان على الفراق ويفترقان
على الوعد وعلى الأمل بأن لا يتخطى أحدهما خط سير الآخر
وأفقه .
*
*
*
نقلت نظرها من السماء الزرقاء الصافية خارج نافذتها الواسعة
لما بين يديها تنتشل نفسها من سواد أفكارها مجددا ومسحت
بإصبعها الخط الأسود الخفيف بحركة سريعة وتكرارا حتى حولته
لظل باهت على الورقة البيضاء قبل أن تمد منه خطان قصيران
تحددان مسار الجفن الواسع وعادت للمقلة المستديرة مجددا تعتم
ظلالها الخفيفة فهي ليلا هكذا .. أجل ، مدت خطا آخر بقلمها من
بداية الحاجب المستقيم نزولا ثم أحنته بنصف استدارة خفيفة
نصف مقوسة نحو الداخل وجمعتها في ميلان خفيف نتج عنها
جانب من ذاك الأنف المستقيم .
توقفت فجأة ونظرت نحو باب غرفتها قبل أن تقفز من على
الطاولة حيث تجلس قرب نافذة غرفتها وخبأت الدفتر في
درجها سريعا وأغلقته قبل أن تصل تلك الخطوات التي تسمعها
تقترب من الباب الذي لم تفارقه حدقتاها الزرقاء فها هو يبدو
أنه عليها أن تواجه مجددا وكم بات هذا مزعجا ومقيتا ، نظرت
بتوجس لمقبض الباب وهو يدور ببطء رافقه طرقتين متتاليتين
فغضنت جبينها مقربة حاجبيها الرقيقان باستغراب فهذه ليست
طباع ذاك النزق ! ولم يتأخر الجواب عنها كثيرا والباب يفتح
ببطء كاشفا عن الواقف أمامه يملأ فراغه ينظر لها بصمت
وهدوء يلبس قميص وبنطلون وربطة عنق من دون سترة
ولم يكن سوى من لم تراه منذ أن أوصلها هنا سابقا وغادر
بلا رجعة ، كانت هي من كسر ذاك الصمت بعد لحظات قصيرة
هامسة ببرود
" ماذا تريد ؟ "
تنقلت نظراته بين عينيها المحدقتان فيه ببرود وقال بهدوء
" علينا أن نتحدث يا زيزفون "
ارتسمت ابتسامة ساخرة خفيفة على طرف شفتيها وقالت تشد
قبضتها على القلم فيها بقوة
" تأخرت كثيرا يا حفيد ضرار السلطان ، أنا لن أستمع لك
وليس ثمة ما أقوله واعتبر ما حدث سابقا لم يكن "
تقدم خطوة نحو الداخل قائلاً بذات هدوئه
" أعلم بأنك غاضبة مني وبأني أخطأت لكني كنت مجبر
يا زيزفون ومن أجلك صدقيني "
ابتسمت بسخرية أكثر عمقا وأشد وجعا للذي تراقبها عينيه
وهي تهمس
" شكرا لك ورافقتك السلامة "
شد قبضتيه بجانب جسده بقوة وقال بجمود
" زيزفون أن تكوني تابعة لنجيب لن يكون في صالحك أبدا
فهو على استعداد لأن يدمرك ولن يرف له جفن "
تنقلت نظراتها بين عينيه بصمت غريب قرأ فيه الكثير مما
خانته فيه حين همست ببرود
" شكرا على النصيحة "
سحب نفسا عميقا لصدره العريض وقال يحرره ببطء
" زيزفون أنا لا أمزح ولا أنظر لنجيب كما ينظر هو لي
لكنك تعنيني أكثر منه "
لمعت مقلتيها الزرقاء ببريق باهت وارتفع صوتها بضيق
" اصمت .. ألا تخجل من قول هذا وأنت متزوج ؟ "
زم شفتيه بقوة يمنعها عن قول المزيد قبل أن يهمس
بأحرف مشدودة
" أنتي ابنة عمي يا زيزفون "
قالت بنبرة أشد
" وتلك المرأة زوجتك وذاك الرجل شقيقك يا رجل القانون "
نظر لها بصمت لبرهة قبل أن يقول بهدوء فإيصالها للغضب
ليس غايته أبدا
" هو يريد أذيتي بك ولن يعنيه إن تأذيتي أنت ....
أنت لا علاقة لك بما بيننا يا زيزفون "
" أهذا ما جئت لتقوله ؟ "
قتلته بها وكأن ما قيل لم يذبحه أساسا فهمس من فوره
" أجل "
أشارت بسبابتها خلف كتفه وقالت بحدة
" غادر إذا ... اخرج من حياتي يا وقاص ... ومن غرفتي "
شد قبضتيه أكثر حتى لم يعد يمكنه تحمل الألم فيهما بينما
قال بجمود
" حسنا سأفعل ما تريدين لكن تأكدي بأني لم ولن أتخلى
عنك ولن أرضى بأن تكوني ضحية لحقد أيا كان ، كنت
ولازلت عند كلمتي السابقة يا زيزفون قسما "
وما أن أنهى عبارته تلك غادر مغلقا الباب خلفه بهدوء تراقب
نظراتها مكانه الخالي منه أصابعها تشتد على القلم فيها بقوة
تكاد تكسره لنصفين وأنفاسها ترتفع تدريجيا وكأنها تحارب كي
لا تفقدها ، التفتت لدرج الطاولة وفتحته وأخرجت الدفتر الذي
خبأته فيه ورفعت يدها الأخرى والقلم فيها وخطت به عليها بقوة
وعشوائية هامسة من بين أسنانها
" جميعكم متشابهون وتخليتم عني ... جميعاً "
ومزقتها بحركة غاضبة وشدتها بين أناملها ورمتها
بغضب من النافذة المفتوحة لم تهتم لمصيرها ولا
للنسائم التي حملتها ببطء تتقلب على الأرض العشبية
الندية حتى اصطدمت بالحذاء الرجالي الأسود اللامع
وصاحبه يقف قرب تلك النافذة والذي انحنى ناحيتها
ونظره على النافذة المفتوحة ورفعها ببطء وما أن
استوى واقفا نقل نظره للورقة التي فتحها وارتسمت
ابتسامة ساخرة على شفتيه ينظر للملامح الناقصة فيها
والتي تعرف على صاحبها سريعا ، جعدها بين أصابعه بقوة
وهو يرفع بيده الأخرى هاتفه لأذنه وهمس لمن أجاب
عليه فورا
" نفذ ما طلبت منك حسب الاتفاق "
*
*
*
قفزت مفزوعة بسبب الهسهسة الخفيفة التي سمعتها
من خلف أذنها ونظرت بجزع للواقف أمامها تمسك كتابها
بقوة وكأنه ما سينقدها من ذاك المجهول تنظر للذي ابتسم
لها وأشار بيده لكتابها لتعطيه إياه وقال مبتسما
" هاته لا يبدوا أنه ثمة من لديه وقت ليراجع لك الدرس "
نظرت للكتاب في يديها ثم له وقالت
" لكن بثينة قالت ستأتي بعد قليل "
أخذ الكتاب منها وقال
" بثينة لن تتخلص من تلك المشاكسة سريعا بما أن والدتي
والخادمات مشغولات فاتركي المهمة لي "
ودون أن ينتظر رأيها ولا أي تعليق منها سار بها ذراعه
على كتفيها وأجلسها على الأريكة وجلس بجانبها وبدأ
يورق الكتاب قائلا
" حسنا أين وصلت دروسك وما ستأخذين اليوم ؟ "
نظرت للكتاب بين يديه وقالت تورقه معه
" هنا في الجزء السادس "
أمسكه بكلتا يديه ورفعه له ينظر لأسطره قائلا
" جيد تتقدمين سريعا يا فراشتي "
ونظر لها متابعا بابتسامة مشاكسة
" هل أسأل وتجيبي أم العكس ؟ "
لم تستطع إمساك الضحكة الرقيقة التي خرجت منها
وقالت مبتسمة
" ستسألني طبعا "
راقب ملامحها الجميلة المبتسمة بحمق جعله يضحك
على نفسه وبصوت مرتفع ثم نظر للكتاب بين يديه وقال
" بالطبع يا فاتنة هيا سأسألك سؤالا سهلا كبداية "
وبحثت نظراته بين الأسطر عن أصعب ما يمكن أن يكون سؤالا
ووجهه لها وما أن أنهى كلامه حتى أجابت فورا فنظر لها بصدمة
سرعان ما تحولت لضحكة وقرص خدها المستدير الزهري وقال
" كم أنت رائعة يا ذكية ، تلك البلهاء في الصف السادس كانت
لا تجيب على ما هو أسهل منه "
نقل نظره للكتاب مجددا وسرعان ما رفعه للتي مرت قربهما
من بعيد لجلوسهما في بهو المنزل والتي ضيقت عينيها تنظر
له وكما توقع سارت دون أن تعلق أو تأمرها بالابتعاد عنه
كالعادة لأنها تعلم بأنه لا أحد غيره حاليا قد يراجع لها الدرس
السابق قبل أن تأتي مدرستها .
ابتسم ونظر لها ما أن غادرت هادمة اللذات كما بات يسميها
ثم سرعان ما نقل نظره للكتاب مجددا وسألها سؤالا آخر حاول
أيضا أن يجعله صعبا فأجابته بسرعة فضحك وأغلق الكتاب وقال
" لا أراك تحتاجين لمراجعة شيء من هذا "
وأدار حدقتيه السوداء في المكان مبتسما وما أن تأكد من خلوه
أدخل يده في جيب بنطلونه الخلفي وأخرج هاتفه وفتح الكتاب
ووضعه فيه وقال
" تعالي نتسلى قليلا كوقت استراحة لك "
ولم يترك لها الفضول مجالا لترفض خاصة أن جوزاء تمنع
عنهما الهواتف فهي لا ترى أن ذلك في صالحهما كما أنه ثمة
سن معينة بالنسبة لها تمتلك فيها الفتاة هاتفا وجهازا محمولا ،
كما أن ما تشاهداه على التلفاز باختيارها ولمجموعة قنوات معينة
والباقي مشفر عنهما .. والسبب الآخر والأهم أنها تعشق هذه
الأجهزة منذ صغرها فكيف بجهاز رائع كهذا ؟.
أصبحت شبه ملتصقة به ما أن مالت ناحيته أكثر تنظر لشاشة
الهاتف المسطحة الواضحة ولحركة أصبعه عليها كما همسه
المنخفض
"اسمعي يا فراشتي لا تكتشفنا والدتي واحرم من هذا ما حييت "
همست بخفوت مماثل نظرها لم يفارق هاتفه
" حسنا "
حرك يده أمام شاشة الهاتف مبتسما وكأنه يأمرها وتنفذ
وذاك ما حدث فعلا وشريط الفيديو يباشر العرض لسيارة تسلك
الطريق بسرعة جنونية وتلك الأحداق الرمادية الواسعة تراقبها
بذهول تبعها انفراج شفتيها الرقيقتان بصدمة ما أن بدأت السيارة
بالدوران حول نفسها منزلقة على الطريق وأغمضت عينيها
تخفيهما بكفها بشهقة ما أن قفزت تلك البوغاتي السوداء عن
الطريق ولم تشعر ولا بأصابع يدها الأخرى التي كانت تقبض
على ساعده بقوة حتى ارتفعت برفعه ليده وشعرت بوخز
أسنانه عليها قبل أن يهمس مبتسما
" اصمتي يا مجنونة أو لن ترحم والدتك أيا منا "
أبعدت يدها بسرعة ونظرت لأصابعها قبل أن تخفي يدها في
حجرها تنظر له بعبوس فضحك ورفع الكتاب أكثر وقال
ونظره على هاتفه فيه
"حسنا يا جبانة تعالي سأريك شيئا آخرلا يمت للحوادث بصلة "
وعاد الفضول لسحبها نحوه مجددا تنظر بترقب لشاشة هاتفه
وكانت صورة هذه المرة لمجموعة من الشبان في جامعة أو
ماشابه استطاعت أن تعرفه من بينهم بسهولة ومن قبل أن
يقول مبتسما
" هذه الصورة تم التقاطها في آخر يوم لي في جامعتي
السابقة وجميع من فيها زملاء لي هناك "
وتابع بمكر ينظر لها بطرف عينيه
" من هو أوسم واحد في المجموعة برأيك ؟ "
نظرت له وابتسمت قبل أن تنطر للهاتف مجددا وأشارت
بسبابتها فورا له في الصورة فضحك وحضن كتفيها بذراعه
المفرودة على ظهر الأريكة خلفها وقال
" لو كان الجواب مخالفا لهذا لكنت فقأت لك عينيك "
نظرت له بصدمة فضحك وأبعد ذراعه وقال وهو يدير الكتاب
والهاتف باتجاهها أكثر
" حسنا لنرى شيئا مختلفا بالفعل هذه المرة "
وقام بتشغيل متصفح انترنت لأنه لا يملك في هاتفه هذا النوع
من الصور وبحركة سريعة متقنة وصل لما يريده وملأت
الشاشة صورة لشاب يحضن فتاة تظهر ملامحه بوضوح أكثر
من ذات الشعر الأسود الناعم المختبئة في حضنه فقال يرمقها
بطرف عينيه مبتسما بمكر
" ما رأيك بهما أليسا رائعين ؟ "
وراقب باستمتاع حدقتاها الفضيتان الجميلتان تتنقلان في
تفاصيل الصورة بفضول ، وما أن تحركت شفتاها هامسة
بابتسامة حزينة
" يا إلهي كم يحب شقيقته ! "
حتى انفجر ضاحكا ولم يستطع السيطرة على نوبة
الضحك الطويلة تلك رغم نظراتها الذاهلة المستغربة
له بل ونظرات التي وقفت من بعيد تنظر لهما عاقدة
حاجبيها باستغراب والتي ما أن لمحها حتى استطاع ورغما
عنه أن يوقف كل ذاك الضحك وقال يرفع الكتاب الذي كان قد
أغلقه كي لا يقع الهاتف منه
" لا هي لا تقرأ هكذا يا ذكية هيا حاولي مجددا "
ورفعه أمامهما نظراته تتبع التي تابعت سيرها مبتعدة ، وما
أن اختفت مجددا سمح لعينيه بأن تنظرا للتي لازالت تحدق فيه
باستغراب والتي قالت فورا وبملامح تعبس تدريجيا
" لماذا تضحك ؟ "
مرر طرف لسانه على شفته السفلى مبتسما ونقل نظره لهاتفه
وفتح صورة أخرى وهذه المرة كانت لشاب وفتاة أيضا لكن
بوضعية مختلفة ومشهد أكثر حميمية وهو يحضن وجهها
بيديه وجهيهما قريبان حتى تكاد تتلامس شفاههما ينظران
لبعضهما بشغف وهمس مبتسما وحدقتاه السوداء الواسعة
تراقب نظراتها المصدومة
" وهذان شقيقان أيضا ؟ "
نقلت نظراتها الذاهلة له وهمست
" ماذا يفعلان ؟ "
رفع رأسه ضاحكا بصمت قبل أن ينظر لها مجددا وغمز
بعينه وهمس مبتسما
" هاذان زوجان "
فشهقت في وجهه وهبت واقفة على طولها تنظر له بصدمة
وقفز هو واقفا ولم تستطع يده إداركها ليمسكها وهي تركض
هاربة فنظر حوله ولحق بها فورا وصعد السلالم خلفها مغامرا
بحياته كما يرى وهو يسلك ممر جناح والديه حتى وصل الغرفة
المجاورة له وطرق الباب وتحدث بصوت منخفض ملصقا وجهه
به ونظره على بداية الممر
" هيه يمامة ما بك يا فتاة كنت أمزح "
وحين لم يصله منها أي رد طرق الباب بمفصل سبابته مناديا
" يمامة يا حمقاء افتحي الباب لأشرح لك "
ولا جواب أيضا فقرب شفتيه من شق الباب المغلق وقال
" عليك إذاً أن لا تخبري جوزاء شاهين إلا إن كنت تريدين
أن أنام في الشارع الليلة "
وغادر بعدها ونزل السلالم مسرعا عيناه تبحث عن الحارس
الشخصي فإن أمسكت به ستكون نهايته خاصة أن هذا السلالم
لا يأخذ إلا للطابق الثاني وممنوع عنه الصعود منه بالطبع كما
حال غيهم وكأنه محرم عليها مثله .
وصل باب المنزل وخرج منه ينظر للصورة في هاتفه مبتسما
وقفز عتبة السلم الأخيرة ضاحكا وقال وهو يدسه في
جيب بنطلونه
" امرأة نظيفة تماماً ..احفظي الكنز جيدا يا ابنة شاهين الحالك " .
*
*
*
سحب باب الخزانة بقوة مُصدراً ضجيجاً قويا مزعجا يزم
شفتيه بقوة وسند يده بطرفه ونظر للأرض تحته متجاهلا
كل تلك الملابس المعلقة أمامه وكأنه ليس هنا من أجلها !
مرر أصابع يده في شعره يرفعه للأعلى وضرب بكفه الآخر
خشب الخزانة لازال يضغط على شفتيه بقوة ترفض كلماتها
أن تتركه وذاك الشعور الكريه في الموجود وسط أضلعه يتعبه...
يتعبه حد الوجع حد الألم النازف وحد الا حدود ... هو السبب
وليس له أن يلوم أحداً غير نفسه ولا هي نفسها .. من قطعت كل
تلك المسافة فقط لتراه وتبث احتياجها له في وحدتها لكنه
رفضها وقسى عليها وإن لم يقلها لها علانية إلا أنه قتلها
بها وها قد حصد النتائج وضاعف من نسبة كرهها له .
رفع رأسه وأداره جانبا ونظر للواجة الزجاجية المطلة على
الطبيعة الخضراء والسماء الصافية في الخارج وأغمض عينيه
ببطء وكأنه يرفض أن يهب عقله لحظة صفاء فيسجنه في
السواد فقط ... يعاقبه على ماذا لم يعد يعرف تحديداً !
ما يعلمه فقط بأنه لن ينسى ما عاش ذاك الشعور الذي كاد
يقتله حين أخبره من وكله بمراقبة شقيقه بخروجهما معا ...
نجيب يا زيزفون !! من تأذيت منه جسديا ونفسيا تتخذينه
حليفا لك ؟ لو لم يكن يعرف أي النساء تكون لأجزم بأنها
تتعمد فعلها لكنه يعرفها جيدا لن يعنيها أن تنتقم منه بعرض
سخيف مماثل ولن يعنيها التفكير بها أساسا فلما فعلت ذلك ؟
كيف تثق به ! لا يشعر بارتياح أبدا لما يحدث هنا ..!
إبعاده عنها ؟ المصح النفسي ..؟ انكشاف حقيقة ماضيها !
ثم التقارب بينها وبين نجيب !!
لو كان الأمر بيده فقط .. فقط لو كان بيده لخرج بها من هنا
ولأخفاها عن كل شيء قد يؤذيها قبل أن يكون قد يُفقده إياها
لكنه عاجز .. عاجز حتى عن الإقتراب منها وبأي صفة كانت
فالحواجز بينهما كثيرة كبيرة وعالية .
فتح عينيه ونظر للخزانة مجددا وأخرج منها بنطلونا وقميصا
قطنيا وخلال وقت قصير كان خارجاً من جناحه شعره لازال
مبللاً ونزل السلالم من فوره حتى كان في الأسفل وتوجه جهة
الجناح الوحيد الموجود في ذاك الطابق .. طرق الباب وفتحه
ودخل ورغم سكون المكان إلا أنه لم يغادر لتأكده من وجود
صاحبه فيه ، توجه لباب معين طرقه طرقتين وأدار المقبض
وفتحه فوقع نظره فورا على الذي كان واقفا أمام المرآة يربط
ربطة عنق زرقاء حول ياقة قميصه ناصع البياض والذي قال
من فوره ودون أن ينظر ناحيته متمتما ببرود
" أراك عدت ؟ "
قال ببرود مماثل
" وسأغادر "
وراقبت نظراته بجمود الذي فتح درج الطاولة أمامه وقال
ببرود أشد ونظره عليه
" افعل ما يحلوا لك "
زم شفتيه بضيق ينظر له وهو يخرج مشطا صغيرا ويمرره
خلال خصلات شعره الفضي الكثيف رغم تقدمه في السن
وها هو ولأول مرة منذ عرفه لا يهتم لابتعاده عنه ..!
جده الذي تربى على يديه وأحبه منذ كان طفلا !
لكنه لن يهتم أيضا ولن يؤثر بقرارته أي شيء مجددا
ولم يفعل ما فعله ليضغط عليه أو ليستميل عاطفته
بل لأنه رافض بالفعل لما يقرره ويفعله وما يراه هو
ظلما في حق حفيدته .. من لا يفهم حتى الآن لما يتصرف
بلامبالاة حيالها هكذا ! قال ونظره لم يفارقه
" حفيدك يخرجها معه للفنادق والحفلات جدي ، هل يريد
أن يحولها لنسخة عنه ؟ "
رمى المشط من يده على الطاولة متمتما ببرود
" حفيدي ذاك يكون زوجها ، ثم هي سبق وتسكعت حتى
معك أنت ولم يحاسبك أحد "
اشتدت أصابعه على مقبض الباب وقال بأحرف مشدودة
" أنا لن أؤذيها وكنت سأحميها حتى من نفسي لكن نجيب لا "
نظر له وقال بضيق
" وقاص هل أفهم ما الذي تريده تحديدا ؟ "
سحب نفسا عميقا وهمس ونظره على عينيه
" هي "
نظر له باستنكار قبل أن يقول بغضب
" إنها زوجة شقيقك يا وقح "
قال بجمود دون أن يهتم لغضبه وما قال
" طلقها منه "
قال بحدة وقد لوح نحوه بسبابته
" ما هذا العقل الذي تحمله فوق رأسك يا وقاص ؟
هل نسيت بأنك متزوج أيضا وأنك في بريطانيا ؟ "
ورمى بها جانبا متابعا بذات حدته
" أم أن رميك لزوجتك في منزل والدها جعلك تنسى ما يكون
عليه وضعك ؟ "
كتمها في نفسه كسابقاتها وغيرها الكثير وقال ببرود
" لا مشكلة في ذلك وأنت تعلم بهذا جيدا "
قال من فوره وبحدة أكبر
" وإن كان لا مشكلة أتضيف أخرى يا وقاص ؟ "
لوح بيده جانبا قائلا بضيق
" لما كان عليا إطاعتك حين زوجتني من امرأة لا أعرفها
فقط لأنها ابنة صديقك التي اخترتها أنت والآن حين أصبح
الخيار لي بات جوابك الرفض "
قال بضيق مماثل
" هل فكرت إن كانت ستوافق هي عليك أساساً ؟
ثم لن يطلقها أحد من زوجها وهو رافض أنت تعلم
ما تكون القوانين هنا جيدا "
تنفس بعمق قبل أن يقول بجمود
" ستكون زوجته بإسمها المزور قانونيا بالتأكيد "
رفع سترته الكحلية الفاخرة بحركة عنيفة قائلا بحدة
" لا يا وقاص ... جوابي هو الرفض وأعتقد بأنه لا ينقص
علاقتك بشقيقك فتوراً أكبر "
قال من فوره وبضيق
" ها أنت قلتها بنفسك هي علاقة منتهية من أساسها "
تجاهله ونظر للمرأة مجددا يلبس سترته ويغلق أزرارها تراقبه
نظراته الآسية بمرارة وقال نهاية الأمر وبرجاء لم يعرفه هو في
صوته من قبل وفي محاولة جديدة لبث الحياة وإن جزئيا في
نفسه الميتة
" ترك زيزفون زوجة له سيؤذيها هي قبل الجميع جدي
أرجوك ، لا تزوجها لأحد فقط طلقها منه وأبعدها عنه أرجوك "
نظر له بصمت نظرة جامدة ولم يعلق فتابع قتل نفسه ليحييها
هي وإن بعيدا عنه
" سأفعل كل ما تريد وسأرجع جمانة بل وأترجاها لتعود
هنا إن كنت ستطلقها منه "
انحنى لحقيبته وحملها وما أن استوى واقفا قال بحزم
ناظرا لعينيه
" سبق وسمعت جوابي وتعرفني كلمتي واحدة لا تتغير ،
وجمانة زوجتك وهنا منزلها رغما عنك "
وغادر تاركا الباب مفتوحا خلفه ومارس غضبه على باب
الجناح ضاربا إياه بقوة خلفه وغادر من هناك بل ومن القصر
بأكمله ، وما أن وصل الباب أوقفه الصوت الأنثوي المنادي
من خلفه فوقف والتفت للتي اقتربت منه ولامست يدها ساعده
العاري وقالت ناظرة لعينيه بحنان
" وقاص أين أنت تنام خارج المنزل ولا تجيب على اتصالاتي ؟
أقلقتني عليك بني "
أمسك يدها من ساعده ورفعها لشفتيه قبلها وقال بجمود
" أنا بخير خالتي وقد لا أكون هنا الفترة القادمة فلا تقلقي
عليا مجددا "
وما أن أنهى عبارته تلك ترك يدها وغادر من فوره نظراتها
الحزينة تتبعه وخطواته الواسعة تعبر الحديقة لأنه ترك سيارته
خارج أسوار القصر بأكملها ، وما أن استدار مع مسار الممشى
الحجري وظهرت له النافورة الحجرية من بعيد وقف مكانه ينظر
للجالسة على حافتها تمسك دفترها الخاص بالرسم .. بل وقف
ينظر للموجدان هناك كليهما .. للواقف قربها ينظر لما ترسم
وقد مد يده وأشار للورقة في حجرها فابتسمت ورفعت وجهها
له تتلاعب النسائم بخصلات شعرها الأشقر وقد ماتت تلك
الابتسامة ما أن وقع نظرها عليه ... على الواقف هناك بعيدا
صاحب الملابس السوداء والقميص المشدود على عضلات
جسده البارزة ينظر للصورة التي لن يكون نصفا فيها أبدا
لأنه وبكل أسف مرفوض ومن الجميع وأولهم تلك الفراشة
البيضاء التي لا يراها هكذا نقية دافئة غيره .. وكما أمل وتمنى
لليالٍ أن تلون عالمه بنعومة جناحيها لتحترق تلك الأحلام في
قلبه قبل جناحيها وألوانها الجميلة ويتحول كل شيء لسواد قاتم .
ما أن أبعدت نظرها عن عينيه لمياه النافورة تحرك من هناك
وتابع سيره تاركا ما هو ليس له كما قالت هي وقال جدها من
بعدها فلما يبقى ؟ أجل لما يبقى للحسرة والألم ودوره بكل
بساطة ينتهي ولدى الجميع .
وصل لسيارته فتح بابها ووقف ونظر خلفه للبوابة الواسعة
المفتوحة ، يريد أن يصدق ما رآه لكنه لا يستطيع ولم يفهم أهو
غباء من الموجود وسط أضلعه أم أنه لازال واثقا من أن تلك
المرأة الذكية لا يمكنها أن تثق في شخص مثل نجيب ومهما
حدث وكان ! اشتدت أصابعه على إطار الباب البارد وكأنه
يمنع نفسه بذلك من أن يعود أدراجه ويحطم وجه ذاك السكير
المنحرف ويخرجها من هناك مرغمة حيث لن يجدها أحد فما
يمنعه ليس كرهها له أو ما قالت من كل تلك العبارات الجارحة
بل خوفه من أن يضرها وأن يفقدها وللأبد وبسبه هو ،
تنهد بعمق مستغفرا الله بهمس ومرارة وركب سيارته
وغادر من هناك .
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 71 others like this.
رد مع اقتباس
#9719
قديم 09-05-18, 10:28 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
رفعت نظرها من المياه المتناثرة بعشوائية تلمع تحت ضوء
الشمس كقطع ألماس نقية للذي كان يتحدث ولم تكن تسمعه
أو منتبهة لما يقول حتى لامست يده كتفها فحدقت فيه تلك
الأحداق الزرقاء الواسعة بشرود وكأنها لا تعي ما أعاد
أساساً فحرك كفه أمام وجهها قائلا بابتسامة ساخرة
" أين وصلت الأفكار بالفاتنة الجميلة ؟ "
أبعدت نظرها عنه لدفترها في حجرها وأغلقته متمتمة ببرود
" أنا لا أحب أن ينتقد رسوماتي أحد خاصة إن لم يكن يعرف
الرسم فاحتفظ بأرائك لنفسك رجاءً "
ابتسم ببرود وأدخل يديه في جيبي بنطلونه وقال
" لكن إبداء الرأي لا يحتاج لأن أكون رساما "
أمسكت بطرف الدفتر والقلم معا بيد واحدة في حجرها
متمتمه بذات برودها
" شكرا لكني لا أحتاج لذلك "
مد يده لوجهها ومرر ظهر سبابته على وجنتها قائلا
بابتسامة ساخرة
" تعجبني المرأة الواثقة من نفسها هكذا "
أبعدت يده عنها بقوة متمتمه بضيق دون أن ترفع نظرها له
" أعتقد بأن هذا ليس ضمن الاتفاق "
أدخل يده في جيبه مجدداً واتسعت ابتسامته الساخرة قائلا ببرود
" ولما غيري بلا وأنا زوجك لا ؟ "
رفعت نظرها له وقالت بحدة
" لما لا تتوقف عن تكرار كل هذه العبارات السخيفة كالببغاء
فوقاص لم يفعل هذا يوما ، لما لا تخرجه من عقلك المريض ؟ "
توقعت منه كل شيء حينها حتى أن تمتد يده عليها كالسابق
بسبب ما قالت لكن ما لم تتوقعه أبدا هو رد فعله حينها وتلك
الابتسامة الساخرة ترتسم على شفتيه تبعتها كلماته
" ما بها الحسناء غضبت هكذا على غير العادة ؟ كنت تسخرين
من عباراتي السخيفة تلك كما تسمينها وتعلقين عليها ببرود
دائما فما تغير اليوم ؟ رأيت سيارته هنا هل تشاجرتما ؟ "
وقفت ونظرت له وقالت بضيق
" إن كنت ستتحدث عنه كثيرا فسأغادر فورا "
أمسك بكتفيها وأجلسها مجددا قائلا بابتسامة مائلة
" ما بك تثورين بسببه وتنصحين وتنسين نفسك ؟ وأنا من
ظننت بأن من كانت قادرة على قتل والدتها أن تفعل الكثير "
ارتجف قلبها قبل كل شيء فيها وقالت بنبرة جوفاء ميتة محدقة
في عينيه بجمود
" إن كنت تأمل في أن أقتله وأخلصك منه فأنت مخطئ ..
مخطئ كثيرا "
لوح بيده أمام وجهها بطريقة ساخرة قائلا
" لا لا يحتاج الأمر أن تقتليه بأي سلاح فأنت تفعلينها
الآن وبالبطيء أيضا "
وختم عبارته تلك بضحكة طويلة فنظرت له بحقد نظرة قابلها
بتلك الابتسامة الكسولة المستفزة التي يتقنها وحده وأدار يده
لجيب بنطلونه الخلفي وأخرج منه ورقة مطوية وضعها لها
على دفترها منحن جهتها ونظره على عينيها المحدقة في عينيه
بجمود دون أن تنظر لما وضع هناك وهمس مبتسما بسخرية
" سبق وحذرتك من الجرح النازف الذي يسببه الرجال
وها أنا اكرر تحذيري لك فلا تغريك صورته المزيفة تلك
فستسقط قريباً "
واستوى بعدها واقفا وغادر من هناك وقال ملوحاً بيده
" لا تنسي موعدنا غدا يا نصف الخماصية حسنا "
وابتعد تتبعه نظراتها الحانقة حتى اختفى وأسدلت جفنيها
الواسعان تنظر لما وضعه فوق دفترها وغضنت جبينها
وأصابعها تمتد للورقة المطوية التي تظهر عليها خطوط
طفيفة مجعدة ، رفعتها وفتحتها ونظرت لها تشتد أصابعها
على أطرافها بقوة حين اكتشفت بأنها ليست سوى رسمتها
التي مزقتها سابقاً .. وها هو يهددها علانية ويتخذ معها
نفس الأسلوب ، رفعت نظرها لمكان اختفائه وشدت على
أسنانها بقوة هامسة
" يمكنك كسره هو بامرأة ولكني لست من يكون كسرها
برجل أبداً يا عاهة "
*
*
*
شد على أناملها بين أصابعه بقوة تجلس في حضنه رأسها يتكئ
على صدره يرفض ابتعادها عنه رغم انشغاله بمشاهدة التلفاز
أمام سريرهما يرفع يدها لشفتيه ويقبل أناملها الرقيقة كل حين
وها قد انكشف لها ما كانت تسمعه يتحدث عنه في هاتفه نهارا
ولم تهتم له ، فبينما يجلس هو هنا رجاله وجهاز مخابراته
يخوض عملية كبيرة لتطهير البلاد من بعض المندسين والخونة
كما يسمونهم ... أسماء ومؤسسات ورتب عسكرية تجعل الجسد
يقشعر والمستمع ينتبه ويذهل رغما عنه من كم الحقائق التي
تعرض للملأ عن أدلة خيانتهم للوطن بينما لا شيء ولا تعليق
يصدر عن الذي تلتف ذراعه حول خصرها بقوة سوى همسه بين
الحين والآخر
" رائع ... ها هو ما تضحي من أجله يا تيم ... يا بطل
يا ابن كنعان "
عبارة نجحت في إشعال فضولها نهاية الأمر فهمست بجمود
ونظرها على التلفاز
" أهذا أحد من مارست عليهم طقوس زواجك الغريب ؟ "
ابتسم وداعبت شفتيه طرف وجهها وخصلات غرتها الحريرية
لتستقر على صدغها وقبله برقة هامسا بابتسامة
" بل هذا الوحيد الذي رفض الفكرة من أساسها ولم يسمح
لغير تلك الطفلة أن تكون زوجة له "
أدارت وجهها جانبا ناحيته ونظرت له باستغراب فابتسم وقبل
خدها وقال
" تصوري تزوجها وهي ابنة الخامسة بينما كان هو فتى بالكاد
بلغ الثانية عشرة ..! عنيد متملك مستعد لأن يلقي بنفسه للتهلكة
ولا يرى دمعة من عينيها وإن كان الثمن حياته "
غضنت جبينها هامسة باستغراب
" وأحد رجالك هو ؟ "
أومأ بخفوت هامسا
" بل وأهمهم وأقربهم لي .. إنه ثروة يا غسق "
تصلبت ملامحها وقالت بجمود غزاه بعض الضيق
" عجيب أن لا يكون نسخة عنك كباقي رجالك ! لا ومنزعج
من هذا ! تقولها في وجهي يا مطر ! "
حضنها بقوة وقد نقل نظره للتلفاز المعلق على الجدار أمامهما
قائلا بهدوء
" غاضب ولست منزعج فقط لأنه بهذا سيخسرها أو يجعلها
تخسره قريبا وهو يعلم ذلك جيدا ويعاند "
أنزلت رأسها ونظرها لساعديه الملتفان حول جسدها وهمست
بحزن
" الخسارة ليست بالموت فقط يا مطر "
حرك رأسه نفيا وكأنها تراه ودفن ملامحه في شعرها الناعم
هامسا بحزن مماثل
" ليس ثمة خسارة تضاهي خسارة الموت يا قلب مطر فالأحياء
يجتمعوا ... نفترق نتعذب نشتاق لكن الأمل موجود مادمنا في
الوجود أما الأموات ...؟ "
رفع رأسه وسند ذقنه برأسها متابعا ونظره شرد للبعيد
" لا يجمعنا بهم سوى ألم الذكرى يا غسق وستختارين فراق
المقربين لك على موتهم إن كان لك الخيار صدقيني "
ارتفعت أصابعها لساعده ولامسته أناملها بنعومة وهمست بمرارة
لم تعد ترى شيئا بسبب الدموع التي تكدست في عينيها
" كنت سأختار أن أموت على أن نفترق يا مطر لكنك لم
تترك لي الخيار "
حضنها أكثر وقبل رأسها أطراف أصابعه تلامس وجنتها ودمعتها
المنسابة فوقها وهمس بألم
" ما كنت أنا لأختار أن تموتي يا غسق ... لا لن أستطيع "
عادت بنظراتها المليئة بالدموع لشاشة التلفاز ولم تعلق تغمض
عينيها ببطء تنحسر الدمعة الجديدة بين جفنيها الواسعان
والرموش السوداء الكثيفة تشعر بملمس تلك الشفاه تداعب
بشرة عنقها الناعمة وأنفاسها بدأت تخونها وهذا هو حالها
بل هذا هو مطر شاهين الذي عرفته حياتها يتحكم ببراعة في
كل ما تلتف خيوط لعبته بين أصابعه ويسيّر كل شيء كما
يريد ويخطط له قادر على أخذ ما يريد وإن سلبه من غيره .
انفتحت عيناها مع ابتعاد شفتيه عن طرف خدها ونظره يرتفع
أيضا لما يعرض على شاشة التلفاز حينها والحديث ينتقل عن
حدث مهم آخر خطط ليكون متزامنا مع تلك العملية الموسعة
فتعالت ضربات قلبها وانقبضت أصابعها لا شعوريا على ساعده
الملتف برفق حول كتفيها كما اشتدت أصابعه هو على خصرها
يشده له أكثر وكأنه يتوقع أن تبتعد عنه ذاك الوقت من تصلب
جسدها فجأة في حضنه والحديث ينتقل عن مدن صنوان المتمردة
وعن اتّباعه لخطة جديدة لتطويقها حتى من الحدود المشتركة
بينهم وبين الدولة المجاور لهم غربا بإدخال جنوده لها وإغلاق
منفذهم البري الوحيد وبالتالي محاصرتهم فإما الاستسلام أو
الموت ومهما طال الوقت ضاربا بذلك جميع الآراء والتحذيرات
الدولية من اتباع هذا الأسلوب معهم لكن المماطلة لم تأتي بنتيجة
سوى أن أزمت وضعهم أكثر وبات كل شيء وأي شيء يتسلل
للبلاد وحتى المتطرفين .
كانت النيران تشتعل في قلبها وتؤلمها بقوة فتلك كانت جزء
من مدنها .. من أشخاص عرفتهم ومناطق زارتها وركضت
فيها طفلة بل وبداخلها شبان وعائلات ممن كانت تنتمي لهم
مهما كان الواقع العكس فما سيكون مصيرهم وهم تحت حصار
قد يطول لأشهر وأشهر ؟ كان قلبها يحترق ولا يزيد الصمت
حالها إلا سوءا ولا حل لديها سواه لأنها إن تحدثت تعلم أين
سيصل الأمر بينهما وما سيفهمه من غضبها واحتجاجها فكان
ذاك البركان داخلها ينتظر فقط أن ينفس عن حممه العالقة حتى
نال مراده والمتحدث عبر التلفاز يقول مبتسما بسخرية ابتسامة
هي أقرب للانتصار
" والزعيم مطر شاهين أسطورة العالم وليس هذه البلاد وحدها
بينما يقوم رجاله بكل هذا وينفذون مخططاته هو حاليا في رحلة
استجمام مع زوجته في منزل يملكه عند شواطئ بحر بينبان !
أثمة بطل يشبه هذا الرجل ؟ "
ابتعدت عنه حينها رامية ذراعه عنها وتركها هو طوعا وقد
دارت فوق السرير ناحيته ونظرت له قائلة بضيق
" من أخبرهم بهذا ؟ أنت من خطط لهذا أيضا أليس كذلك ؟ "
نظر لها باستغراب وقال محتجا
" لا لم أخبرهم ولم أستغل هذا يا غسق توقفي عن رميي
بالباطل في كل مرة "
قالت من فورها وبذات ضيقها
" من إذا ؟ "
حرك رأسه بالنفي قائلا بحزم
" لا أعلم ولست أهتم فلا يمكن منع هذا فحتى الحرس قد يسربون
هذا فلا تنسي من نكون ، إنه أمر طبيعي فما يغضبك في هذا ! "
أشارت لنفسها قائلة بضيق أشد
" هذه التي يتحدثون عنها تكون ذاتها التي اعترفت بخيانتك لها
وعلى الملأ والتي إرجاعها زوجة لك لم يكن سوى من أجل
وصية من شراع صنوان ، أليس يكفيني استنقاصا أمام العالم "
أبعد ساعده عن ركبته المنصوبة قائلا بصيق
"غسق هذا لا ينزل من قيمتك بل يرفعها فلما تخلطين الأمور؟ "
قالت بغضب
" أنا لا أخلط الأمور "
قال بغضب مماثل
" بلى تفعلين وهذا ليس سببا لتغضبي وتحتجي أبدا "
" ماذا تقصد ؟ "
قالتها مباشرة وبحدة فقال بنبرة تشبهها
" أقصد ما تفهمينه جيدا "
" دموي "
قالتها صارخة في وجهه باتهام حين علمت أن تهربها من
الموضوع لم يعد مجديا فأشار لنفسه قائلا بضيق
" دموي !! لماذا ؟ لأني أطهر البلاد ممن يأخذونها للضياع
يا غسق ؟ "
ضربت بقبضتها على فخذها العاري الذي انكشف بسبب القميص
القصير أساساً قائلة بوجع
" أنت تؤذيهم .. هم شعبك أيضا يا مطر فتوقف عن هذا "
صرخ فيها بغضب راميا يده جانبا
" أنا لا أريد لهم أكثر مما أرادوه هم لأنفسهم فتوقفي عن
اتهامي فقط من أجل ذاك الشرذمة النجس "
وهذا ما كانت تتوقعه جيدا حدث لكن ذلك لم يجعلها تتراجع
أبدا وهي تقابل صراخه وغضبه بالمثل قائلة
" توقف عن التحدث عنه هكذا "
أشار لوجهها بسبابته صارخا بغضب أشد
" بل توقفي أنت عن الدفاع عنه والنظر له كقديس وأنت أكثر
من يعلم حقيقته .. قسما لن أنسى ما فعله بنا قبل الوطن
يا غسق قسما "
" اصمت يا مطر "
قال من فوره وبإصرار
" لن أصمت وحقي منه سأقتلعه من عينيه "
امتلأت عينيها بالدموع وأغلقت أذنيها بيديها وكسر صوتها
عبرتها رغم نبرة الحدة فيه قائلة
" لما لا تتوقف عن تعذيبي لما ؟ لماذا تريد قتل الكاسر
ووالدي شراع مجددا "
شد قبضتيه بقوة قبل أن يمسك يديها ويبعدهما مجبرة فأمسكت
بإحداها كتفها وانسابت دمعتها وسبقته قائلة بوجع
" هنا يا ابن شاهين .. على كتفه كبرت وتربيت "
وتابعت بعبرة تمد يديها أمامه
" بين يديه بكيت واحتميت .. بينهما كبرت وضحكت ونمت ،
هو جزء من عائلتي .. مني "
وأشارت بيدها لنفسها متابعة بحرقة
" فعل الكثير والكثر من أجلي .. لا يمكنني النظر له مثلك
فهو يعني لي الكثير "
مد يده لشفتيها وأغلق بها فمها رغم أنه لم يقسوا في فعلها
قائلا من بين أسنانه
" توقفي "
رمت يده عنها وقالت بحدة
" لا لن أتوقف وعليك أن تسمع فجبران ليس المذنب الوحيد بل
وأنا معه فأنا من وافقت على الزواج منه ووعدته وأخلفت ،
لقد استغللته لأدخل حدودك فما ستتوقع منه "
أمسك ذراعيها العاريان بقوة وقال بغضب
" اصمتي يا غسق ولا تتحدثي عن أي من عاشقيك السابقين
أمامي مهما كان يقرب لك أو يعنيك ، لا تخرجي الوحوش
التي في داخلي أكثر "
حركت ذراعيها بقوة محررة إياهما منه وقالت بغضب
" لن أسمح لك بأن تؤذيهما يا مطر .. ابتعد عن عائلتي "
أمسك يدها وسحبها نحوه ووضعها على يسار صدره حيث
ضربات قلبه المتصاعدة تباعا وهمس بجمود ناظرا لعينيها
" لا تطعني هذا يا غسق ... إياك والغدر به يا من وحدك فيه "
شد على يدها أكثر وكأنه سيدخلها وسط أضلعه وتابع بجدية
نظره على عينيها المحدقة فيه بصمت حزين دامع
" لا تفعليها به يا غسق .. لن أقول لا تقتلي نفسك بداخله
بل لا تقتليه نهائيا يا قطعة منه .. لن أقول لا تخسريه بل لا
تُخسريني إياه فلن تفقديه إياك فقط بل وبهجة الحياة أيضا
حينها "
امتلأت مقلتاها الواسعة بالدموع تسبح فيها بسكون عجيب
لا تشبهه أي عينان غيرها فأمسك وجهها بيديه ونظر لعمق تلك
العينين الفاتنة السابحة في الدموع هامسا برجاء رجولي عميق "
قولي شيئا يا غسق لا تقتليني بالصمت والنظر لهاتين الحدقتان
والدموع المتحجرة فيها..... تحدثي "
تجمعت تلك المياه المالحة على أطراف رموشها الكثيفة وتحركت
شفتاها تنفرجان ببطء وخرج همسها الخافت المرتجف ترافقه
تلك الدمعة المتدحرجة على وجنتها الثلجية
" أحبك "
فأغمض عينيه متأوها بتنهيده ولع طويلة وشدها له وقبلها
بقوة يطفئ كل ذلك بل ويشعله فوق اشتعاله يتمنى أن لا يترك
شفتيها ولا أن تنتهي قبلتهما الطويلة العميقة تلك أبدا لولا
أن أجبرته على ذلك وهي تنزل رأسها محررة شفتيها ببطء
واتكأت على صدره طوعا كفها يلامس عضلاته البارزة صعودا
هامسة بوجع نزلت معه دموعا مرغمة
" كم كرهت الليل .. كم تعذبت وكم تألمت وحيدة فيه بدونك
حتى كنت أخاف اقترابه في كل يوم أتوقع ما سيحدث لي فيه
حين اصبح سجينة جدران غرفتي ولحاف سريري حيث الظلام
والوحدة والذكريات ... قتلتني يا مطر بحرماني منك قتلتني "
التفت ذراعاه حول جسدها ودفن في ذاك الحرير الأسود الكثيف
وجهه ودمعته اليتيمة المتحجرة في مقلتيه يستمع لتمتماتها
الهامسة بوجع تقبض أصابعها بقوة على قماش قميصه القطني
" أريد أن أرتاح وأن أنسى .. فقط أنسى كل ذلك .. افعلها من
أجلي مطر أرجوك "
دفنها في حضنه أكثر وسقت الدمعة الوحيدة الحارقة شعرها
الأسود الكثيف تروي ما يعجز عنه اللسان .. ليته كان يستطيع
لفعلها لنفسه قبلها وأنساها كل ما قاساه بعدها يستيقظ ليلا على
تنهيدته العميقة ويده على صدره يفتقدها حتى وسط نومه الذي
كانت تطارده فيه وتوقظه منه .. جسده يطلبها لا شعوريا وروحه
تفتقدها رغم انفصالها عنه نائما .. ليته يستطيع فعلا أن ينسيها
كل ما يقف الآن حاجزا عاليا سميكا بينهما لكنه يفشل وفي كل
مرة في أن يفعلها ويعيد إحياء التي دفنت ملامحها حينها في
ذاك الصدر العريض حيث سقط آخر حصونها نهاية الأمر تهمس
لتلك الأضلع برجاء حزين باكي
" أريد أن أنام هنا .. فقط أنام ولا أرى ككل مرة في حلمي
أنك تتركني مجددا "
انغرست أصابعه في شعرها يدفن تلك الملامح التي يعشق في
حضنه أكثر واتكأ بها على ظهر السرير خلفه يده تمسح على
شعرها وهمس بحزن
" نامي يا غسق .. نامي حيث ما خلق لك ولتنامي فيه
ولن تحرمي منه مجددا قسماً "
*
*
*
خرجت من باب قاعة المحاضرات نظرها على الأوراق التي
كانت تضعها في حقيبتها ثم أخرجت الهاتف منها وأدارت
حزامها حول كتفها وسارت في الرواق الطويل تفتح هاتفها
وابتسمت ما أن وجدت رسالة منه .. ابتسامة تلاشت ببطء
ما أن قرأت أسطرها
( اضطررت للسفر خارج بريطانيا ليومين فقط وسأكون هنا ،
تركت لك سيارتك في مواقف الجامعة وصديق لي سيسكن في
الشقة المقابلة حتى أعود فلا تخرجي إلا لجامعتك ولا تفتحي
الباب لأحد .
ستكونين بخير ماريه حتى أعود فقط كوني متيقظة
واعتني بنفسك جيدا )
قرأت أحرفها للمرة الثانية قبل أن تعيد الهاتف لحقيبتها
متمتمه بضيق
" وكان أخذني معه "
وابتسمت على أفكارها وهي تغادر مدخل مبنى الجامعة
فلن تتخيل كيف سيكون شكله إن قالتها له ، ضحكت
بصمت وسارت جهة سيارتها التي كما توقعت كان يوقفها
في المقدمة وما أن أمسكت بمقبض الباب أوقفها الصوت
الرجولي الباسم من خلفها
" يقولون أن مشاهدة امرأة جميلة تبتسم في الصباح يجعل
يومك سعيدا بأكمله ؟ "
التفتت من فورها مجفلة وابتسمت ما أن وقع نظرها على
الواقف أمامها وقالت بضحكة صغيرة
" لكننا منتصف النهار الآن "
ضحك صاحب الملابس الأنيقة والابتسامة المشاكسة وحرك
كتفيه قائلا
" حسنا لابأس فلليوم بقية ، ولا تخبري ذاك الكنعاني بكل
هذا أو قطع لساني من مكانه "
ابتسمت بضحكة صغيرة ومدت يدها له قائلة
" نقول مرحبا إذا يا رواح "
صافحها وقال مبتسما
" مرحبا إذا يا ماريه ، كيف تسير أمور دراستك ولن أقول
أمورك مع ذاك التمثال الفرعوني "
ابتسمت وسحبت يدها وقالت تعدل بها حزام حقيبتها
" أموري جميعها جيدة ، ما تسير عليه أمورك أنت ؟ "
أشار لها بإبهامه بمعنى جيدة وقال
" ثمة ما جئت لأتحدث معك فيه "
نظرت له باستغراب قائلة
" هنا !! "
أومأ برأسه قائلا
" أجل هنا فحسب معلوماتي أن زوجك مسافر ولا مجال
لأزور منزلكما كي لا يقطع ساقاي "
ابتسمت وقالت
" حسنا بما يمكنني مساعدتك ؟ إن كان الأمر يخص
ساندرين فلا اتصالات بيننا حالياً "
قال من فوره
" لا هو لا يخصها فتلك المتحولة أصبحت في القفص الآن
والمفتاح لدي ، الموضوع يخص تيم "
نظرت له باستغراب فتابع من قبل أن تعلق
" أردت أن تحضرا حفل الخطوبة لكن جوابه وكالعادة كان
الصمت ولن يأتي نهاية الامر ككل مرة لكن ثمة أمل في أن
يتغير قراره بما أنك موجودة معه "
نظرت له بحيرة لبرهة قبل أن تتنهد قائلة
" لا أعلم حقاً ما يمكنني فعله حيال الأمر "
قال مباشرة
" أن تقنعيه بالطبع أو تطلبي ذلك منه وسيوافق وإن من أجلك "
رفعت كتفيها متمتمه
" أخشى أني قد لا أستطيع فعلها "
قال من فوره
" بلى تستطيعين ماريه فهو سبق وفعلها من أجلك تلك المرة "
حركت رأسها بالنفي هامسة
" ومن قال أنه من أجلي ؟ "
رفع كتفيه بما يدل عن التساؤل وقال
" من أجل من إذا ؟ هو لم يحضر أيا من الحفلات التي كنا
نقيمها وتصر والدتي على دعوته لها في كل مرة وإن كان لن
يأتي بينما فعلها تلك الليلة التي زرتِ أنت فيها منزلنا للمرة
الأولى فمن أجل من يكون ذلك ؟ "
تنهدت بعمق متمتمه
" الظروف وقتها كانت مختلفة فلما سيوافق الآن ؟ "
تنهد أيضا لكن بضيق قائلا
" لما تُعقدين الأمر هكذا ماريه ! أم أنك من لا يريد الحضور ؟ "
قالت من فورها موضحة
" لا بالطبع حتى أن عمي قيس أخبرني عن الحفل في آخر
اتصال بيننا لكن .. "
تمتمت متابعة بتردد
" لكني أخشى أن يغضبه الحديث عن الأمر وأنت تعرفه جيدا "
لوح بيده بجانب وجهه قائلا
" هيا ماريه قولي سأحاول على الأقل "
تنهدت بعجز قائلة
" لن أعدك بالكثر فأنت تعرفه قبلي كلمة لا لا معان أخرى
لها لديه "
ابتسم قائلا
" لا أحد يعرفه قبلك ماريه ولا مثلك ... ومن استطاعت أن
تطفئ ثورة غضب سببها والدته قادرة على فعل أكثر من ذلك "
قالت من فورها وبعبوس
" أنت إما أنك لا تعرف تيم حقا أو أنك تتأمل كثيرا بي !
لا أفهم لما تتمسك بحضورنا للحفل فهو سيقام بحضورنا
أو بدونه
قال باستياء
" بل قليلة هي الظروف التي يمكننا استغلالها لنقربه
من عائلته وأنت أمل والدتي فأريحي لي دماغي من إلحاحها
المستمر وقولي بأنك ستجعلينه يحضر الحفل "
تنهدت بصمت لبرهة قبل أن تقول
" وهل ترى هذا سيجدي ؟ سبق وأخبرت والده بأن لا يبني
أملا على أن أساعده في هذا .. ليس لأني لا أستطيع ولا لأنه
سيغضب مني مثلهم أيضاً بل لأني لست مقتنعة بذلك أساسا "
حرك رأسه بحيرة قائلا
" إن أنت قلت هذا فعلى من سنعتمد في تغيير أفكاره
السوداء تلك ؟ "
عبست ملامحها الرقيقة وقالت بضيق
" أنت تقول هذا لأنك لم تعرف ماضي تيم وتعش فيه أما
أنا فبلى ولست أقول بأني لا أستطيع إلا لأني كذلك فإن كنتَ
مكانه لفعلت مثله وأكثر فهل لك أن تضع نفسك في مكانه ؟
لقد ماتت والدته أمام عينيه بسبب الإهمال وهم يعيشون هنا
لا ينقصهم مال ولا طعام بينما ينامان هما جائعين هناك
ويعمل فقط ليوفر لها الدواء فبأي عبارات يمكنني تغيير
أفكاره تلك أو محو كل ما قاساه من ذاكرته ؟ "
تنهد بيأس ولا يمكنه المجادلة فيما هو حقيقة وقال
" حسنا لن نأمل في الكثير فحاولي إقناعه بحضور الحفل
على الأقل أم لا تريدين المباركة لصديقتك المجنونة ؟ "
ابتسمت بحزن وتذكرت ما قاله والدها عن أنها تسأله
عنها دائما وتتجنب محادثتها أو رؤيتها فقط بسبب تيم
ولن تستطيع لومها في كل هذا فهو يبدو لا يتقبلها أبداً
ولن يفعل ، قالت بهدوء
" بلى أريد ذلك كما أني أتمنى رؤية زيزفون مجدداً ...
كيف هي الآن ؟ "
ابتسم وقال بضحكة خفيفة
" تلك الفتاة تعرف جيدا كيف تجعل من حياتها كما تريد هي
وكيف تكون بخير دائماً ، المهم الآن سيكون بإمكانك رؤيتها إن
وافق زوجك على أن تحضرا فحاولي على الأقل "
تنهدت باستسلام هامسة
" حسنا سأفعل "
ابتسم وتراجع خطوة للوراء ولوح لها بيده قبل أن يقول
مغادرا من هناك
" رائع ... شكرا لك ماريه وسنقول أراك قريبا ... وداعا "
وسار من فوره باتجاه سيارته التي ركبها وغادر المكان وقد أشار
لها بكفه ملوحا ما أن استدار بالسيارة بينما راقبته تلك الأحداق
الذهبية حتى اختفى وركبت حينها سيارتها وغادرت أيضا تقود
بشرود في الطريق الواسع المحفوف بالأشجار والرابط بين لندن
وكامبردج حيث جامعتها ، تريده حقا أن ينسى كل ما حمله
ماضيه من سواد وأن يعيش الحاضر كغيره وسط عائلة تحبه
وتهتم لأمره لكنها أيضاً كلما تذكرت ما قاساه وما مر به وتذكرت
والدته ومرضها ومعاناتها وموتها لا تستطيع إلا أن تعذره بل
وأن تفكر مثله فعن أي تغيير لأفكاره تلك يتحدثون !
تيم وماضيه تراهما كالروح والجسد تماما لا يفترقان
إلا بالموت .. وإن كان يستطيع أحدهم أن ينسى والدته الميتة
يوما فسيفعل تيم ذلك وينسى وإن الطريقة التي ماتت بها
والسبب في ذلك لا أن ينساها هي .. فلها أن تتوقع بأن ينسى
كل شيء ويفقد ذاكرته إن كان سينسى كل ما حدث .
بعد ما يقارب الساعة والنصف كانت سيارتها متوقفة في
الموقف الخاص قرب المبنى السكني ، فتحت الباب ونزلت
ونظرت للسيارة التي توقفت خلفها والتي لاحظت أنها سلكت
طريق كامبردج خلفها وها هي لحقتها إلى هنا ! سارت باتجاه
المبنى ما أن فتح صاحبها بابه ودخلت مسرعة تشعر بقلبها
سيتوقف وهي تسمع خطواته خلفها وتشعر باقترابه ، وقفت أمام
باب الشقة وأخرجت المفتاح الموجود لديها بسرعة وكادت توقعه
على الأرض ما أن أصبح ذاك الخيال الرجولي الطويل خلفها
مباشرة وتجمدت مكانها حين سمعت خطواته تتجه نحو باب
الشقة المقابل والذي لم تلاحظه مفتوحا في السابق أبدا ويبدو
أنه لا ساكنين فيه ؟ لكنه أخبرها بأن صديقا له سيقيم هنا حتى
يرجع ! نظرت خلفها لا شعوريا وكادت تنفجر ضاحكة بسبب
غبائها حين التفت لها الواقف أمام باب الشقة أيضا واكتشفت
بأنه الشاب الذي ظنت سابقا بأنه انجليزي وحدثها بالعربية
وكان ذاك اليوم برفقة رواح !
حياها بيده مبتسما كأي انجليزيان آخران فردت له التحية
وفتحت باب الشقة ودخلت .. على الأقل ستشعر بالأمان أكثر
الآن ولن يتكرر كابوس المرة الماضية حين وجدت جنود
المنظمة فوق رأسها .
*
*
*
لامارا, بسابيس, قلوووب محتاره and 64 others like this.
رد مع اقتباس
#9720
قديم 09-05-18, 10:35 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
جمعت شعرها القصير الناعم أعلى رأسها وأمسكته
بمشبك مطاطي لم تكترث للخصلات التي لم يمسكها وقد
انسابت بنعومة على قفا عنقها ونحرها كما تبعتها الغرة
المتدرجة جانبا ، أهدت لنفسها قبلة في المرآة أمامها
والتفتت للخلف لتعبس ملامحها المسترخية وتلاشت تلك
الابتسامة الجذابة ما أن وقع نظرها على كتبها ومذكراتها
التي كادت تنساها بعد حمام منعش وطويل وبعد أن جففت
شعرها في ضعف الوقت المعتاد تهرب من ماذا ليست تعلم ؟
لا أجل من الدراسة ... حركت رأسها نفيا بقوة ... لا كاذبة
بل من التفكير في ذاك الرجل .
رمقت الهاتف الموضوع على طاولة السرير بعبوس فهو لم
يتحرك البتة اليوم وكانه ميت ! حتى أنها اهتمت بمراقبة
بطاريته وبأنه ليس على الوضع الصامت بل وأدخلته معها
للحمام كي لا يرن ولا تراه وهذا حاله جماد ميت لم يتحرك
ولا بالخطأ ، أمسكت وسطها بيديها تنظر له بضيق وكأنه له
عينين ويراها ! ألم يأخذ رقم هاتفها من غدير فلما لم يتصل
إذا وها هو الوقت تجاوز منتصف الليل ؟ تأففت بحنق وتوجهت
جهة ما ليس لها منه مفر وهي دراستها التي لم تفهم أو
تستوعب منها حرفا اليوم تحاول ودون جدوى وكله بسبب
ذاك الجنوبي الذي عرف كيف يلعب بعقلها .. حتى أن والدها
رفض أن يخبرها عن اسمه حين سألته وحجته كانت أنها لم
تهتم بداية الأمر وبأنه لن يفعلها حتى يفعلها ذاك الجنوبي بنفسه
! كما لم تستطع سؤال غدير عنه كي لا تظهر بمظهر سخيف
أمامها خاصة أن تلك الخماصية لم تذكر اسمه أمامها قط ولم
تكن تناديه سوى بخطيبك وتركوها هكذا كتلك الحمقاء في كرتون
صاحب الظل الطويل الذي كانت تتابعه وتحبه طفلة فهي مثلها
تماما لا تملك ولا اسمه وليس لها سوى أن تلقبه بجنوبي زهور
كما يسميها هو بزهرة الجنوبي .
جلست على كرسي مكتبها وأمسكت قلمها ونظرت للكتاب تحتها
وسرعان ما اتكأت بذقنها على يدها الممسكة بالقلم ونظرت
للفراغ بشرود مبتسمة ما أن تذكرت المفاجأة التي كاد يقتلها بها
حين وصلت المنزل وقت العصر ووجدت بطاقة دعوى باسمها
لحظور حفل افتتاح برج القمة فملأت المنزل بصراخها تقفز
بفرح فها هو حلم مستحيل آخر يحققه لها وفي ذات اليوم
الذي تحدثت فيه مع غدير عن الحفل ولم تتوقع أن توصل
تلك الجاسوسة الأمر له ! ولن تغضب منها طبعا .
رمت القلم من يدها وقفزت واقفة ما أن رن هاتفها معلنا
وصول رسالة وركضت نحوه من فورها ورفعته وفتحته قلبها
سيخرج من مكانه رغم احتمالية أن لا تكون منه لكن الوقت
متأخر ولم يتصل بها أحد أو يراسلها قبل هذا الوقت ليفعلها
الآن ! اتسعت ابتسامتها وهي تنظر للرقم الغير مسجل لديها
مما أكد لها بأنها ستكون منه ففتحتها بسرعة لا تضاهيها
سوى ضربات قلبها المنفعل بشدة وتحولت ابتسامتها لضحكة
ما أن قرأت أحرفها
( لما مستيقطة حتى الآن يا زهرة الجنوب ؟ نامي فورا.. )
نظرت حولها ورمت الهاتف من يدها وركضت جهة الستائر
النصف مفتوحة تغطي الجدار بأكمله وفتحت النافذة الزجاجية
الواسعة وأخرجت رأسها ونصف جسدها منها تنظر يمين الشارع
الخالي قبل أن تنظر للجهة الأخرى وابتسمت بدهشة ما أن وقع
نظرها على السيارة السوداء الفاخرة الأنيقة المتوقفة بعيدا تحت
أحد أعمدة النور المضاءة وقد قام الجالس فيها بتشغيل أضوائها
الأمامية عدة مرات في إشارة لها فضحكت تمسك نفسها عن
التلويح له والصراخ أو حتى القفز من هنا لحيث لا يعنيها أين ! .
رفعت جسدها تنظر بفضول ما أن تحركت تلك السيارة من هناك
نحوها ومرت من أمام منزلهم مسرعة تتبعها برأسها لآخر
الشارع ، وما أن اختفت هناك ضربت براحة يدها على إطار
النافذة قائلة بحنق
" هيه يا أحمق لم أراك "
وكم لعنت حينها أعمدة النور الممتدة على الرصيف وكرهتها
لأنها السبب في أنها لم ترى منه شيئاً سوى يديه وأصابعه
الطويلة الممسكة لمقود السيارة فأنوارها كانت منعكسة على
زجاجها الأمامي كما أن نوافذها الجانبية كانت مظللة تماما .
وما أن فقدت الأمل في عودته مجددا أغلقت النافذة عابسة
باستياء ونظرت جهة هاتفها المرمي على سريرها وقضمت
ظفرها بتفكير وتردد قبل أن تتوجه ناحية كتبها تجمعها ..
لا لن تتصل به فلما لم يفعلها هو ؟ هو من عليه فعلها أولاً .
وضعت الكتب مكانها المخصص ورتبت مذكراتها وأطفأت نور
الغرفة وتوجهت للسرير رفعت هاتفها من عليه وارتمت فوقه
تنام على ظهرها ورفعت الهاتف أمام وجهها وغرست أسنانها
في طرف شفتها تمسك ابتسامتها وانتصر قلبها الغبي نهاية الأمر
لكنها لم تتصل به بل أرسلت له أيضا رسالة كتبت فيها
( شكرا على بطاقة الدعوى )
وأرسلتها سريعا قبل أن تغير رأيها أو أن يتحول السطر لموشح
طويل من الشكر ، قفزت جالسة ما أن وصلها رده سريعا ففتحتها
فورا وكان فيها
( أمازلت مستيقظة يا كسولة ؟ نامي هيا لا أريد معدلا أقل
مما أتوقع )
ضحكت وحضنت الهاتف واندست تحت لحافها هامسة بضحكة
صغيرة
" عليا أن أنام بالفعل إذاً يا صاحب الأصابع الطويلة مادمت
من سيراقب معدلي الدراسي "
*
*
*
مدت رأسها منحنية الجسد تنظر من باب غرفة الجلوس
المفتوح وابتسمت ما أن وقع نظرها على الجالس مقابلا
للتلفاز هناك وكما توقعت ها قد وجدته هنا ، دخلت مبتسمة
تنظر للذي رمقها ببرود ما أن شعر بوجودها قبل أن يعود
بنظره للتلفاز مجددا فوقفت خلفه تماما وحضنته بقوة
تطوق عنقه بساعديها وقبلت خده قائلة بابتسامة
" ألم ينتهي غضبك مني بعد ؟ لقد تجاوزت توقعاتي ! "
أبعد يديها عنه متمتما ببرود
" لا ... ولن يحدث ذلك أبدا "
دارت حول الأريكة وجلست بجواره ملتفتة له بجسدها تجلس
على قدمها التي تثنيها تحتها وقرصت خده قائلة بابتسامة
" أتعلم بأنك تصبح بشعا حين تعبس هكذا "
رمي يدها عنه ولم يعلق أو ينظر لها فقالت بضيق
" هيا كاسر يكفيك غضبا مني لقد أصبحنا في يوم جديد
وأنت عابس هكذا منذ الأمس "
رمقها بطرف عينيه وعاد بنظره للتلفاز ولم يعلق أيضا
فنفضت يديها في حجرها قائلة بتذمر
" والدي من طلب مني أن لا اخبر أحدا فما ذنبي أنا ؟
ثم أنا أيضا لم أكن أعلم بموضوع الزواج .. لما كل شيء
في هذا المنزل يجب أن يتحول لتعاسة ؟ "
نظرت له بعبوس ويأس حين لم يتحدث أيضا ولم ينظر
ناحيتها وهذا حاله منذ خرج من غرفته صباح الأمس
ووجد تلك الزوبعة انتهت ولم يسمع سوى الحكاية
من جدها ومنذ ذاك الوقت وهو غاضب منها ولم يتحدث
معها بل وقضى أغلب يوم أمس في منزل رعد وتركها
هنا ولم يفكر ولا في أخذها معه ، قالت بحزن في محاولة
أخيرة لجعله يتحدث
" أتعلم ..؟ تيقنت الآن بأنك لا تحبني ولا تعتبرني شقيقتك "
ونجح الأمر حين نظر لها وقال بضيق
" لو كنت أنا شقيقك وأعنيك حقا لكنت أيقظتني لأكون
معكم هناك "
نظرت له باستغراب وكانت ستتحدث فسبقها وقد عاد
بنظره جهة التلفاز ملوحا بيده بضيق وجهاز التحكم فيها
قائلا باستياء
" كنت دائما شاهدا على الانفجارات العاطفية ومعارك
الحب الطاحنة .. أنت السبب في أني لم أحضر ذلك "
نظرت له بصدمة لبرهة قبل أن تنفجر ضاحكة فأبعد
ما كانت تتوقعه أن يكون هذا سبب غضبه ! دفعها
بيده قائلا بضيق
" أجل اضحكي ... ما أبشعك وأنت تضحكي هكذا ، لا
أحسد أبدا ذاك المغفل على بشعة مثلك "
رفعت وسادة الأريكة وضربته بها فأمسكها منها وأخذها
وضربها بها أيضاً فحاولت أخذها منه تحضنها ضاحكة
فرماها بعيدا عنه وتركها لها قائلا
" ومتوحشة أيضا ! اللهم أجرنا من هكذا زوجة "
أخرجت لسانها تمد وجهها له وقالت بدلال متعمد ترمي
شعرها الناعم خلف كتفها
" تطال النجوم ولا تحضى بزوجة رائعة مثلي "
شخر بسخرية ولامس بطرف سبابته أرنبة أنفها المدببة
قائلا بسخرية
" وأنفها بارز وغير متناسق هكذا ...؟ يع كيف سأقبلها "
نطرت له بصدمة ولمست أنفها بأصابعها وكأنها تتأكد من
إن كان كلامه صحيحا بالفعل وقالت بضيق ما أن أبعدت يدها
" كاذب ... ثم ما دخل أنفها في الحكاية ؟ "
أشار بإبهامه خلف كتفه قائلا بمكر
" ستعلمين من ذاك الجنوبي حين سيتذمر من أنفك
البشع هذا ، ولا تنسي أن تخبريني ما سيحدث حينها "
نظرت له بعبوس وقد غزى الإحباط ملامحها الجميلة
فضحك على شكلها يشير لوجهها بإصبعه فبدأت بضربه
بيدها بعشوائية متمتمه بضيق
" لا علاقة لك بنا مفهوم ؟ سأخبر والدتي بما تقول الآن
وسترى عقابها يا وقح "
أمسك ساعدها يمنعها من ضربه أكثر ورمى يدها جانباً
وقال بسخرية
" لا بالله عليك أخفتني ! اسأليها بالمناسبة إن كان كلامي
صحيحا أم لا لتتأكدي "
وقفت تمسك وسطها بيديها وقالت بضيق
" وقح ما تقصد بأن أسألها ؟ "
ابتسم وقال بسخرية
" معك حق للأسف فأنفها ليس مثلك "
عادت للمسه بأصابعها مجددا فعاد للضحك الهستيري
من جديد يضرب الأرض بقدمه تارة وينحني تارة أخرى
فرفعت الوسادة ورمتها عليه تنظر له بضيق .
" تيما "
التفتت برأسها تنظر للواقف عند الباب يديه في جيبي
بنطلونه ينظر لها مبتسما فابتسمت من فورها تهديه
ما هو أجمل من ابتسامته الرجولية الأنيقة كملامحه وعادت
بنظرها للذي كان ينظر له أيضا قبل أن يرفع نظره لها
مجدداً ورفع سبابته لأنفه ولامسه يمسك ضحكته فأخرجت
له لسانها وغادرت جهة الواقف عند الباب ينتظرها والذي
ابتعد خارجه جانبا ما أن اقتربت منه نظرات الذي تركته
خلفها جالسا مكانه تتبعها مبتسما .. ابتسامة بهتت ببطء
وتحولت لابتسامة حزينة خفيفة ينظر لجسدها الذي لا يظهر
منه إلا القليل لوقوفها خارج الباب تقريبا تتحدث مع الواقف
هناك بجانبه تمسك الجدار بيدها وقدمها المرتفعه عن الأرض
على رؤوس أصابعها تحركها بعشوائية لا يسمع سوى
همسهما وضحكاتهما المنخفضة وها هو من سيسرق
شقيقته منه قد جاء وسريعا أيضا كما سرق والدها
والدته من هنا ومؤكد سيكون هذا حالهما أغلب الأحيان .
عادت الابتسامة لوجهه ما أن دخلت التي ركضت نحوه ووقفت
بقرب الأريكة وتبعها الذي لازالت يديه سجينتا جيبي بنطلونه
والذي نقل نظره منها له قائلا بابتسامة
" مرحبا بالكاسر "
بادله الابتسامة قائلا
" مرحبا بالصهر الجديد الوحيد "
وتابع بابتسامة جانبية يرمق الواقفة بجانبه بطرف عينيه
" أريد أن أحذرك فقط مما سيكون عليه مستقبلك معها "
نظرت له بصدمة بينما تابع هو متجاهلا لها رغم أنه
لازال يرمقها بطرف عينيه مبتسما بسخرية
" عليك أن تكون على دراية فقط بأنها لازالت الطفلة التي
لم تلعب أبدا في طفولتها وستجعل منك حصانا لها وأرجوحة
وطائرة بل وسفينة أيضاً .. ولا تستغرب إن تحولت لحصان
خشبي هزاز من أجلها "
ابتسم الواقف هناك ونظر للواقفة بجانبه قائلا
" سنجد حلا يرضي كلينا في ذلك "
ابتسمت له ترفع كتفيها بينما كشر هو في وجهه حين لم
يتأثر بما قال وتابع سيل عيوبها يتوعده بسبابته
" وأيضا مزعجة ليلا فنومها فوضوي وتتقلب كثيرا في
السرير وها أنا حذرتك "
ضحك وقال ناظرا لها
" هذه تحديدا سنجد لها حلا مناسبا "
نظرت له بصدمة فضحك الذي قال من فوره
" حاذر من أنفها إذا "
وما أن نظر له باستغراب قفز واقفا ونظر له وقال بجدية
" وهناك المزيد أيضا ... سأزور شقيقتي كل يوم "
قال مبتسماً
" حسنا لابأس وإن لم تأتي أنت سأحضرها لك هنا "
أشار له بسبابته وقال
" وإن أغضبتها يوما بكلمة واحدة سيكون عليك مواجهتي
ولا تسخر من أنك اكبر مني "
ابتسم ورفع كفيه جانبا قائلا
" يكفيني والدها وجدها لا تكونوا جميعكم ضدي "
ابتسم بسخرية قائلا
" سيكون عليك أن تجلب عائلة والدك من الجنوب إذاً ليكونوا
في صفك فلا أحد هنا سينصفك وإن كانت هي المخطئة "
حضن كتفيها بذراعه وما أن نظرت له اتكئ بجبينه على جبينها
وقال ينظر لعينيها مبتسما
" لن نصل لما يستدعي تدخل الآخرين بالتأكيد "
وأحنى وجهه جانبا مقبلا خدها برقة فابتعدت عنه بعدما
وكزته بمرفقها ونظرت له تغرس أسنانها في طرف شفتها
وجنتاها تلونتا بإحراج فابتسم ولم يعلق وما أن نقلت نظرها
للجالس على الأريكة وجدته ينظر لها مبتسما بمكر قبل أن
يقول غامزا بعينه
" كيف وجدت أنفه ؟ "
نظرت له بضيق بينما قال الواقف قربها مبتسما
" ما قصتكما أنتما مع الأنوف ؟ "
ضحك الذي عاد للجلوس على الأريكة ينظر لهما خلفه وقال
ونظره موجه لها تحديدا
" تعال اجلس لأخبرك "
فنظرت له بصدمة قبل أن تتوجه نحو الذي دفعته جهة
الباب قائلة
" ألم أخبرك أن لا تأتي حتى تسوى الأمور .. غادر الآن هيا "
وما أن وصلا عند الباب خرج لكن ساحبا لها معه حتى ابتعدا
جهة باب غرفتها وأدارها نحوه حتى أوقفها أمامه وقال
" لن أغادر من هنا حتى تقرري فيما تحدثنا عنه "
اشتدت أناملها على أصابعه الممسكة ليدها تبعد بيدها الأخرى
غرتها التي تبعثرت على طرف وجهها وقالت برجاء أنثوي رقيق
" لا تحملني فوق طاقتي قاسم أرجوك "
مرر أصابعه خلال أصابعها يشد على كفها بقوة وقال ناظرا
لعينيها الزرقاء الواسعة
" عليك مساعدتي يا تيما كي لا نخسر هذا الرابط
الضعيف بيننا "
تنهدت بأسى تبعد شعرها خلف أذنها قائلة
" اترك الأمر إذاً حتى يرجعا أولاً ثم سنجد حلا ، ولن يفك هذا
الارتباط غيرك يا قاسم أنت تعلم ذلك جيدا "
ابتسم ورفع يده لوجهها تلامس أصابعه طرفه بنعومة يبعد
خصلات غرتها وانحنى ناحية وجنتها وقبلها برقة هامسا
بابتسامة
" أحبك يا دمية قاسم لوحده فقط "
وغادر من فوره تتبعه نظراتها المحبة حتى اختفى خلف الممر
فدخلت لغرفتها مغلقة بابها خلفا واتكأت عليه بظهرها ولامست
بأصابعها وجنتها ونظرت لهم مبتسمة قبل أن تقربهم لشفتيها
وقبلتهم تغمض عينيها .
وما أن فتحت عينيها وقع نظرها على هاتفها الذي تضعه فوق
حافة السرير تبعده عن نفسها كي لا تضعف وتتصل بهما فهي
تمسك نفسها عن فعلها بالقوة ولم تصدق أن تنقضي ليلة البارحة
ولا تفعلها ! فجواب جدها حين سألته إن تحدث مع والدها كان
أن عقد حاجبيه وقال بضيق
( أهي طفلة أم والدك الطفل الذي لن يعرف كيف يعتني بها ؟
اتركوهما وحدهما وسيرجعها لن يأكلها )
لكنها لا تستطيع أن تكون مثله ولا تهتم ليس لأنها لا تثق في
والدها بل لأنها تخشى من أن تتأزم الأمور بينهما أكثر رغم أنها
ما كانت لتفعل شيئا حيال ذلك إن حدث وعلمت به .
رفعت نظرها عاليا تتكئ برأسها على الباب خلفها
وهمست برجاء حزين
" يا رب اجمعهما ولا تفرقهما أبدا ... افعلها من أجلهما
قبلي يا رب أرجوك "
*
*
*
خرج من حمام الغرفة وأنزل المنشفة التي كان يجفف
بها شعره على كتفيه العاريان حيث لم يكن يلبس سوى
بنطلون بالكاد تجاوز طوله ركبتيه ينظر مبتسما للتي
لازالت تغرق في نوم عميق على ما يبدوا وقد انكمش
جسدها جهة حافة السرير تقريبا تحضن ملاءته شعرها
الأسود الطويل متناثر خلفها وصولا لوسادته وقد انكشف
جزءا كبيرا من ظهرها العاري بالغ النقاء والنعومة والبياض ،
رمى المنشفة من يده وتوجه نحو السرير وجلس عند جهته
منه واقترب منها وتسللت يده بنعومة على خصرها العاري
وصولا لتحت الملاءة يغرس أسنانه في شفته ممسكا
ابتسامته وانحنى نحوها يحضنها برفق حتى شعر بحركتها
الخفيفة وفتحت عينيها ببطء في مواجهة نور الشرفة الزجاجية
الواسعة المغلقة والمطلة على جانب البحر ترى الأمواج
المترامية عند الشاطئ البعيد بوضوح ، غضنت جبينها
وأغمضت عينيها تمنع النور القوي عنهما وحركت كتفها
منزعجة من عبث شفتي وأسنان المستمتع تماما بمضايقتها
يتتبع آثار ممارسة عشقه السابقة على ذاك العنق الناعم
واعتدل في استلقائه خلفها يشدها بذراعه لحضنه يقبل عنقها
نزولا لكتفها العاري ما أن دفنت وجهها في الوسادة تحتها
وقد همست بانزعاج
" مطر أريد أن أنام ابتعد ... ابتعد "
ابتسم ورفع رأسه لرأسها وهمس عند أذنها
" يمكنك العودة للنوم بعد ساعة من الآن لننام معا ...
هيا يا كسولة "
حركت كتفها مجددا ما أن شعرت بنعومة شفتيه وخشونة
لحيته عليه متمتمه بضيق
" كم مرة سأسمع منك هذه العبارة ؟ اخرج للشاطئ
واتركني أنام "
ضحك بخفوت وحضن خصرها بذراعه الأخرى أيضا
ينحني مع انحناء جسدها نحو السرير وهمس مبتسما
" لتعلمي فقط كم كنت مزعجة في الماضي حين تفعلينها ،
بينما اكتشفت أنا كم كان الأمر ممتعا بالنسبة لك "
تأففت بنفس طويل لازالت تدفن وجهها في الوسادة
وخرج صوتها المتضايق المنخفض والمرتخي بسبب النوم
" ألا يقولون بأن الرجل كلما تقدم في السن قلّت متطلباته ؟
ما بك أنت ! "
أبعد وجهه ضاحكا وسحبها بذراعيه وقلبها لتصبح نائمة
على ظهرها وقال ناظرا لعينيها من بين خصلات غرتها
المتناثرة على وجهها بعشوائية
" أولئك لا يعرفون كيف ينظرون لزوجاتهم"
رفعت يدها لوجهها متمتمه ببرود
" جيد تعترف إذا بأن العيب ليس في المرأة "
أبعد يدها التي كانت ستبعد بها شعرها عن وجهها
وانحنى نحوه يبعدها بحركة أنفه وشفتيه بنعومة يقبل
وجنتها وشفتيها كلما مر بهم فاغمضت عينيها ببطء تستشعر
حركته العابثة بأنفاسها قبل كل شيء ولم تفتحهما حتى ابتعد
عنها فنظر لعينيها وقال مبتسما
" أنا أتحدث عن الرجال لأني منهم ما يدريني بالنساء ؟
أعرف امرأة واحدة فقط وتجعلني أثمل كلما قبلتها "
اشتدت أصابعها على ذراعه العاري تنظر لعينيه نظرة
تكاد تتحدث نيابة عنها فلما يناقض كلامه كل ما تعرفه
إن في الماضي أو الآن ! كان الرقم لفندقه والصوت كان لامرأة !
وكان هاتفه وكانت ذات المرأة تحدثه بما لا تعلم بأنها تسمعه !
تعرفه لايكذب لكن.... لكنه اعترف ثم أنكر ما اعترف به
بلسانه فمن تصدق ؟ ..... من ؟
اتكأ بجبينه على حبينها ينظر لعينيها وقال بحيرة
" هل أفهم ما الذي تبحثين عنه في عيناي ؟ لن يقول لساني
ما لن تقولاه يا غسق فاخرجي من صمتك "
ابتسمت بحزن تمتلئ عيناها الواسعة بالدموع وارتفعت
يديها لعنقه وحضنته تقربه لها تنظر للسقف بشرود حزين
وأغمضت عينيها ببطء تشعر بملمس يديه على بشرة
ظهرها العاري يشدها له وانسابت دمعتها من طرف
رموشها المطبقة لصدغها ما أن همس بحزن يحضنها
أكثر يدفن وجهه في عنقها
" قولي أن هذا الحضن لم يعد مؤلما لك ... قوليها
وارحميه يا غسق "
فتحت عينيها ونظرت للأعلى تمتلئ تلك الأحداق بالدموع
مجددا وهمست بألم
" أشعر بالغربة فيه ... أشعر بأني غريبة فيه يا مطر ...
هو شعور فوق إرادتي "
ارتخت ذراعاه عنها فارتخت يديها عن عنقه تباعا ونزل
رأسها على الوسادة تحتها ببطء إلى أن استقر عليها تنظر
لعينيه وقد تحركت شفتاه ببطء هامسا بحزن
" أثمة من يكون غريبا في موطنه يا قلب مطر ؟ "
انسابت دمعتها من طرف عينها وهمست بخفوت ووجع
" بلى "
حرك رأسه بالنفي وارتفع إبهامه لدمعتها يمسحها من طرف
عينها هامسا
" مستحيل "
نظرت لعينيه بحزن من بين دموعها الدافئة ولامست
يدها يده وتكسر صوتها بعبرة مخنوقة هامسة
" بلى حين يُظلم منه وفيه ... أليس ثمة من يُظلم وهو في
حضن وطنه ومنه تحديدا ... "
مرر سبابته على شفتيها مسكتا لها وهمس ناظرا لعينيها الدامعة
" هو كالأم تماما يا غسق فهل تظلم الأم ابنها ؟ مستحيل إلا إن
كان لصالحه "
نزلت دمعة جديدة ولحقتها الأخرى سريعا تسقي شعرها المتناثر
تحت رأسها وتعالت حركة صدرها مع ارتفاع أنفاسها وهمست
بخفوت باكي
" لكنها حدثت معي ... حدثت وإن كانت المرة الأولى "
انحنى لشفتيها وقبلها برقة عدة قبلات قصيرة ومتتالية واستقرت
شفتيه عند ذقنها الصغير الناعم وهمس بمرارة
" يكفيك بكاء وارحميني يا غسق .. لن نتحدث حتى تختاري
أنت الوقت المناسب وتكوني على استعداد لسماعي كما
اتفقنا حسنا "
لامست أصابعها قفا عنقه تتغلغل في خصلات شعره الأسود
الكثيف الرطب ما أن ارتفعت شفتيه لشفتيها مجددا وابتسمت
بحزن ما أن أبعدها متأففا بصمت حين علا صوت رنين هاتفه
الشخصي والخاص بعائلته فقط فابتعد عنها ومد جسده في
الجانب الآخر وسحبه بأصابعه من على طاولة السرير واتكأ
مستندا بمرفقه بينما يده الأخرى تثبت الهاتف على أذنه نظره
على النائمة مكانها تنظر للسقف ترفع بأصابعها غرتها عن
وجهها ومررت ظهر كفها على أنفها الصغير ونظرت ناحيته
مميلة رأسها جانبا ما أن أجاب
" مرحباً "
قالت من في الطرف الآخر ببعض الإحراج
" صباح الخير أبي ... أتمنى أن لا أكون أزعجتك "
ابتسم ناظرا للتي عادت بنظرها للأعلى مجددا وقال
" فعلتها وانتهى فما ورائك ؟ ماذا حدث ؟ "
قالت التي خرجت من موجة إحراجها بعد وقت هامسة
" آسفة أبي أردت فقط أن أطمئن عليكما ... هذا كل ما
في الأمر "
وسكتت لبرهة قبل أن تقول بتردد حزين
" كيف هي والدتي ؟ أهي أفضل الآن ؟ "
قال ونظره لم يفارق ملامح تلك الفاتنة ونصف وجهها
المقابل له
" أجل "
ورغم ان جوابه كان مختصرا إلا أن النائمة قربه نظرت
له وكأنها شعرت بأن الحديث عنها أو هذا ما فهمه بينما
كانت النيران تشتعل في ذاك القلب العاشق من إجاباته
المبهمة المتتاليه وهو يجيب عن أسئلتها عنها بكلمات
مختصرة كي لا تعلم أنها ابنتها وتستاء حتى وجد أنه لا
مفر له وقرر أن يرحمها أخيراً حين قال مبتسما ينظر
لعينيها الدامعة
" هل أحلف لك بأنها بخير لتصدقي ؟ ها هي أمامي على
السرير وكانت في حضني قبل قليل وبخير "
واستطاع بتلك العبارة ليس أن يرحم النائمة قربه فقط بل
وأن يوقف سيل الأسئلة الذي أمطرته بها من كانت في
الطرف الآخر فابتسم ما أن وصله صوتها الهامس بحياء
" آسفة أبي سأتركما الآن ... أحبكما كثيرا "
أبعد الهاتف عن أذنه ما أن أنهت الاتصال واتكأ على
ظهره ليرميه مكانه السابق وما أن عاد للاستناد بمرفقه
نظر للتي عادت بنظرها للسقف وسحبت اللحاف على جسدها
ببطء يدها الأخرى تجمع غرتها بأصابعها عاليا وقال بهدوء
" أعلم بأنك غاضبة منها لكني من طلب ذلك منها وأخدت
منها عهدا بأن لا تخبر أحدا "
كانت تخرج أصابعها من نهاية غرتها وتعود وتمررها خلالها
للخلف ولازالت محدقة في السقف تريح يدها الأخرى على
صدرها ولم تعلق فتنهد بعمق وقال
" غسق تيما تربت في ظروف مختلفة تماما عما تربيت أنت
فيها ولا حتى أنا ، لم أستطع ولا أنا والدها لومها في بعض
ما فرض عليها ومرت به ، تيما عاشت من دونك ومن دوني
أيضا يا غسق .. من دون طفولة ولا عائلة ولا أصدقاء ..
عاشت تنتظرنا .. تنتظر أن تجد من تبحث عنهما في كل شيء
فهل سنلومها الآن إن وجدت كل ذلك في قاسم ؟ "
" ذلك لأنك السبب "
قالتها بجمود لازالت تنظر للأعلى فأغمض عينيه وتنفس
نفسا عميقا ونظر لها مجددا وقال
" أجل أنا السبب فهلاّ انحسر لومك عليا فقط ولا تغضبي منها "
نظرت ناحيته وقالت بسخرية تنطق مرارة
" ألأنك اعتدت هذا أم لأنك لا تهتم ؟ "
تنقل نظره بين عينيها وقال بعتاب رجولي حازم وصوت عميق
" اعتدت ماذا يا غسق ؟ أن أحمل ذنب كل ما تكرهه المرأة التي
أحب ...! ولا أهتم بماذا ؟ بأن أكون في نظرها من يحرق كل ما
هو جميل في عالمها ؟ "
عادت بنظرها للسقف وانسابت دمعة جديدة على صدغها ببطء
مفارقة طرف عينها فرفعت ساعدها وأراحت على عينيها ، وما
أن ارتفع صدرها في شهقات مكتومة متتالية اقترب منها وأبعد
يدها وحضنها يدفن وجهها في صدره العاري يترجاها بهمس
رجولي حزين زاد من بحة صوته عمقاً بأن تتوقف عن تعذيبه
وتعذيب نفسها وأن ترحم كليهما .. يحاول مواساة جراحها التي
يعلم بأنه من يزيدها وجعاً بقرب بات يؤذيه أيضاً من أجلها ،
فتركها نهاية الأمر تفرغ كل ذلك في حضنه حيث طلبت سابقا
أن تنام وترتاح وتنسى .. تركها فيه متمسكة به بقوة تمسح
أصابعه على شعرها بحنان حتى هدأت تدريجياً ولم يبقى من نوبة
البكاء الصامت ذاك سوى الشهقات الصغيرة المتفرقة فأبعدها عنه
برفق وارتمى رأسها على الوسادة خلفها وقد غاص فيها بنعومة
ورفعت كفها لعينيها وغطتهما به تحاول أن تتنفس بهدوء
وانتظام فأبعد يدها برفق وقبل باطن كفها ونظر لعنقها وسلساله
والقلب الماسي المتدلي من جانبه لطرف الوسادة وامتدت
أصابعه له ورفعه ونظر لجهة اسمها فيه ... رفعه لشفتيه تتبعه
نظراتها الدامعة وقبله بعمق مغمضا عينيه وما أن أبعده عن
شفتيه نظر له بين أصابعه ووضعه مكانه عند بداية صدرها
وهمس بهدوء ونظره عليه
" لا تنزعيه وفي قلبك لي ذرة حب صغيرة يا غسق وإن كنت
قاتل عائلتك بأكملهم ... لا تنزعيه إلا ومطر لا مكان له في قلبك
البتة "
ورفع نظره لعينيها الممتلئتان بالدموع وتابع قائلا
بابتسامة حزينة
" حينها سأعلم بأنه عليا أن أبحث عن عالم آخر يقبل بي "
فارقت دمعتها عينها ببطء تنظر لعينيه وابتسمت بحزن أعمق
ورفعت يدها لوجهه ولامست طرفه برقة فأمال وجهه لباطنه
وأمسكه وقبله بعمق مغمضا عينيه فأغمضت عينيها ببطء تشعر
بنعومة شفتيه على بشرة كفها وهمست بخفوت
" قبّلني مطر "
فابتسم يبعد شفتيه عن كفها ببطء ولامست أصابعه طرف
وجهها تداعب خصلات غرتها وانحنى لشفتيها ولامسها
بشفتيه برقة دون أن يقبلها وهمس مبتسما
" هذا فقط ؟ "
تعالت أنفاسها وهمست بخفوت مبتسمة ماتزال مغمضة عينيها
" أجل "
فابتسم وهمس تبعد يده اللحاف عن جسدها
" بل وهذا عليه أن يبتعد "
*
*
*
*
*
*
مدت لها الظرف الورقي الأبيض الكبير وقالت
" وصل هذا اليوم أيضا ! لقد أوصله أحد الحراس في الخارج "
أخذته منها المقابلة لها وقالت تقلبه
" ليس موجودا عليه عنوان المرسل أيضا كسابقه !
ولا شيء سوى أنه من لندن ! "
قالت ونطرها عليه
" لم يستطع أحد من الحرس إيصالهم للسيد مطر ولا الاتصال
به فقرروا إخبار أحد أفراد العائلة عنهم وإيصالهم له "
رفعت نظرها لها قائلة
" لكن السيدة غسق طلبت سابقا أن يحول أي غرض يصل
من لندن لها أولا فلا يمكننا إعطائه لأحد وهي ليست هنا
منذ يومين "
حركت الخادمة كتفيها قائلة
" أجل وقد أقنعت الحارس بصعوبة كي لا يسلمهما لجهاز
المخابرات بسبب الغموض الذي يحيط بهما وتراجع عن ذلك
حين ذكّرته بأن السيد مطر يكره أن يطّلع أحد على ما يخصه
ويصل هنا وأيا كان وبأنه سيغضب منهم بشدة إن تسبب الأمر
في مشكلة فخاف وسلمني إياهم مقتنعا بتسليمهم لأي فرد من
العائلة أو تركهم حتى وقت عودته "
عادت بنظرها لما في يدها قائلة
" وماذا ستفعلين بهما الآن ؟ "
أمسكته بكلتا يديها قائلة
" السيدة غسق قد تعو...... "
" ماذا بكما ؟ ما الذي تتهامسان فيه "
ارتجف جسد التي التفتت للخلف منتفضة تنظر للواقفة أمامها
والتي كانت تنظر لما بين يديها باستغراب فبلعت ريقها بصعوبة
وقالت تمده لها
" لا شيء مهم سيدتي إنه طرد بريدي أحضره أحد الحراس
وصل من جهة مجهو...... "
" تيماا "
التفتت التي كانت تمد يدها لها للذي ناداها من بعيد عند باب
المنزل لدخوله منه يمسك يده التي كانت تنزف بشدة فتركتهما
وركضت ناحيته قائلة بخوف
" كاسر ما بها يدك ؟ "
وقالت بصوت مرتفع متوجهة نحوه
" لتحضر إحداكما حقيبة الإسعافات فورا "
فغادرتا من فورها وما أن وصلت هي عنده أمسكت بيده
قائلة بصدمة
" يدك تنزف ماذا حدث ؟ "
ضغط عليها بقوة وملامح متألمة قائلا
" إنه مقص التقليم الكهربائي .. لقد أصررت على العامل
أن أجربه وانزلق من يدي ، أريد شيئا أمسك به الجرح إنه
ينزف بشدة "
سحبته من يده جهة الأريكة وأجلسته هناك وركضت جهة
الممر الغربي ووقفت منتصف الطريق قائلة للخادمة التي جلبت
حقيبة الإسعافات مسرعة
" أخرجي له قطنا وشاش واتصلوا بالحرس يحضروا سيارة
قرب الباب .. سأخبر جدي وعلينا أخذه للمستشفى "
وتابعت وهي تركض جهة الممر
" وأريد عباءة وحجابا من غرفتي سأذهب معه "
*
*
*
خرجت من المطبخ تمسح يديها في المنشفة وقد جذبها صوت
الضجيج المفاجئ في الخارج ووقفت تنظر باستغراب للعمال
الذين يحملون صناديقاً متجهين بها للسلالم يأخذونها للأعلى
فعادت للمطبخ ورمت المنشفة من يدها هناك ورفعت الشال
الربيعي المزين من كتفيها على رأسها ورمت طرفاه للخلف فبينما
ابنتها ملزمة بالحجاب هنا طوال الوقت هي تأخذ راحتها في ذلك
فالرجل الوحيد هنا يكون ابن شقيقها ورغم ذلك لا يفارق الشال
كتفيها احتراما له ليس إلا .
خرجت مجددا ونظرت للعاملين اللذين مرا من أمامها يحملان
صندوقا مستطيلا ومسطحا ووقفت تنتظرهما ثم تحركت من
مكانها ووقفت تنظر للذي دخل يحدّث الآخران يشير لهما بسبابته
ومفاتيحه في يده وما أن انتبه لوجودها ابتسم لها واقترب منها
وقبّل رأسها وقال
" كيف حالك عمتي ؟ "
لامست يدها ذراعه تنظر له مبتسمة بحب وقالت
" بخير بني .. أنت الذي عليا السؤال عنه فلم نراك من أكثر من
يومين ! "
رفع يدها لشفتيه وقبلها وقال " كنا مشغولين عمتي ولم نجد وقتا
ولا للنوم وأنتي تعلمين بالتأكيد ما مرت به البلاد فالتلفاز
لا يخبئ شيئا "
قالت مبتسمة بحنان
" نصركم الله وحماكم بني لكن لنفسك عليك حق فلا ترهقها فوق
ما تتحمل "
وتابعت تنظر لعامل شركة التوصيلات الذي مر بقربهما يحمل
على كتفه صندوقا مربعا
" هل تجدد أثاث منزلك الجديد أساسا أم ماذا ؟ "
قال بضحكة صغيرة
" ليس جميعه بعض الأغراض فقط "
نظرت له وقالت باستغراب
" لا أظن أنه ثمة ما يمكن أن تكون أفسدته وأنت لا تبقى فيه
تقريباً ! "
نظر لمفاتيحه في يده وقال مبتسما
" إنها غرفة النوم وبعض الأغراض البسيطة فقط عمتي "
ابتسمت من فورها على تهربه من النظر لها وقالت بضحكة
" لا يستبدلون غرفة النوم ولم تنم فيها امرأة سابقا يا عمير "
رفع نظره لكن ليس لها أيضا قائلا بابتسامة حياء رجولي مميز "
وما يدريني عمتي ؟ أردت لها غرفة جديدة وخشيت أن لا تعجبها
السابقة وقد لا أجد وقتا غير هذا "
ابتسمت بسعادة تنظر له قائلة
" هل أفهم من حديثك أنه وصلتك موافقتها أخيراً ؟ "
نظر لها وقال مبتسما
" أجل فقد اتصل بي شقيقها البارحة "
اتسعت ابتسامتها أكثر ورفعت وجهها ويدها لشفتيها وبدأت
تزغرد دون توقف فقال الذي أمسك بذراعها ضاحكا
" عمتي ما الداعي لكل هذا ؟ هل علينا أن نُسمع سكان الحي
جميعهم ! "
أبعدت يدها ونظرت له وقالت بسعادة
" وأي سكان هؤلاء الذين سيسمعون وكل منزل والآخر يفصلهم
ما يتسع لبناء اثنين آخرين ؟ ثم ما في الأمر إن سمعوا ؟ أنت لن
تتزوج كل يوم "
وما أن أنهت حديثها ذاك ابتعدت عنه وعادت زغاريدها للارتفاع
في ذاك المنزل تتحرك حول الباب الذي يدخل منه العمال
ويخرجون وهو ينظر لها ضاحكا تراقبه عينا التي وقفت من بعيد
ما أن سمعت صوت زغاريد والدتها .. تراقبه بحزن وأسى
وغيرة من تلك التي اختارها عليها هي التي كان يحبها ومستعد
لفعل أي شيء من أجلها ... تراقبه وتتحسر على كل شيء تراه
فيه حتى ابتسامته وطريقة وقوفه ... رجل يملك كل شيء
أضاعته منها وانتهت للا شيء لتأخذه صعلوكة ما جعلته ينتظر
كل هذه المدة فقط لتُسمعه موافقتها ! لو تراها فقط ابنة الملوك
هذه التي تتمنع عن رجل مثله والتي وجد فيها ما ليس لديها ه ؟
بل لو أنها فقط تستطيع محوها من الوجود قبل أن تلمس يداه
أي جزء من جسدها وأن تكون في غرفته وسريره وحضنه .
*
*
*
خرج من الباب الزجاجي المفتوح يديه في جيبي بنطلونه القصير
ودون عناء ولا أن يبحث بنظره كثيرا نظر فورا جهة الجسر الخشبي
المصمم مع المنزل ليكون حلقة وصل بين شرفة الغرفة والشاطئ تخترق
أعمدته المتينة المياه وصولا للأرض ممتد بشكل منحني حتى شرفة
الغرفة الواسعة ليكون المدخل الآخر للمنزل لكنه عكس الباب الرئيسي
يوصل لمياه البحر فقط .
راقبت نظراته الصامتة الساكنة الجالسة عند نهاية الجسر تقريباً تتكئ
بكتفها ورأسها عليه تنظر للمياه بشرود تُخرج ذراعها من بين أعمدته
ويدها تداعب مياه الأمواج المترامية عليه يتلاعب الهواء بخصلات
شعرها الذي تجمعه للخلف بمشبك كبير ورغم ذلك لم يرحم الهواء
خصلاته الناعمة يتلاعب بها أمام ملامحها الشاردة للبعيد بحزن ،
لو يستطيع فقط اختراقه بل وتحطيمه فبالرغم من كل ما فعل ويفعل
واستجابتها له إلا أنه لازال يشعر بأنها بعيدة عنه تنزوي
مع حزنها ووحدتها سريعا وكأنها لا تريد وتحتاج لغيرها ،
وكيف له أن يلومها أو ينزعج من ذلك فالسنوات الماضية
قاست فيها الكثير وختامها كان وفاة والدها الذي رباها وما
كسر ظهرها بما لا يمكن أن يجبره أحد ولا ظهور والدها
الحقيقي فهو يعلم جيدا ما يعنيه لها ذاك الرجل وحزنها
عليه لن ينسيها إياه شيء ولا هو .. فكيف وقد اجتمع معه
فقدها لشقيقها الوحيد ودون أن تراه ؟ غصة وحسرة بقيت
في قلبها للأبد وزادها معاناتها بسببه والتي لازالت تبكي
بسببها وتحكيها بوجع حتى الآن .
أغمض عينيه متنهدا بعمق ونظر لها مجددا .. فرغم انشغاله
مع اتصالاته التي لم يستطع منعها جميعها من الوصول له
لأهميتها إلا أنه حاول ألا يهملها ويهمل وجودها معه لكنها
رغم ذلك سجنت نفسها بعيدا عنه مراراً خلال اليومين الماضيين
وكأنها تُدفّعه ثمن اعترافها بحبها له بتلك الكلمة ولأول مرة
كما طلبها منه أن يقبلها من دون أن تسرق ذلك منه بالفعل
لا الكلمات كالعادة .. بل وثمن تلك الليلة التي حررت فيها
نفسها من بقايا حيائها أخيرا .
ابتسم يحرك رأسه ساخراً من حماقته والاتجاه الذي سلكته
أفكاره ودخل مجددا ووجهته باب الغرفة التي دخلها وتوجه
مباشرة جهة باب الشرفة المفتوح تتراقص الستائر البيضاء
الشفافة أمامه بنعومة فأبعد إحداها بيده وخرج وغادرالغرفة
وسار عبر ممشى الجسر حتى أصبح يسير فوق الأمواج
ووقف خلف التي رفعت نظرها لوجهه وابتسمت له بحزن
فجلس بجوارها ومرر ظهر أصابعه على وجنتها يبعد خصلات
غرتها عنه وشد رأسها لصدره لتتكئ عليه ومسح على
شعرها وقد أنزل رأسه ناظرا لعينيها الهائمة للبعيد تخفي
تلك الرموش الكثيفة حدقتاها السوداء عنه فقبل رأسها واتكأ
عليه بذقنه ينظر أيضا لمياه البحر الزرقاء الصافية وطال
صمتهما بطول تلك الأمواج الممتدة للبعيد وذاك المحيط الواسع
وكأن كل واحد منهما جالس لوحده فقرر نهاية الأمر المغادرة
وتركها لوحدتها التي يبدوا أنها رافضة لوجوده فيها مما قرأه
من صمتها وانفصالها عنه وكأنه عمود السياج الخشبي الذي
كانت تتكئ عليه قبل قدومه .
وما أن أبعدها عنه ينوي الوقوف تمسكت أصابعها بقماش
قميصه جهة صدره تقبض عليه بقوة ولازالت تنظر للبعيد
فابتسم بحزن وضمها لحضنه وجلس مجددا ولم تترك
أصابعها قميصه رغم جلوسه ونومها على صدره مجددا
فمسح على طرف وجهها ناظرا لها وقال بهدوء
" خالة والدتي توفيت من أعوام فلا مجال لأن أعرفك بها ..
كان أجلها أسبق مني لها "
وأدار يده لجيب بنطلونه وأخرج هاتفه ورفعه أمام وجهها
وقال يبحث فيه
" وأما زيزفون .. الطفلة من خماصة التي وعدتك أيضاً أن
نزورها فهي الآن مع عائلتها في بريطانيا ويصعب زيارتها
وهي بينهم لكني سأعرفك بها بطريقة أسهل "
فتح مجلدا خاصا في سجل الصور أضافه مؤخرا من أجل هذا
تحديدا وفتح أول صوره في العرض المصغر لمحتوياته تراقب
عيناها ما يفعل بصمت وفضول كان أقوى من أن ترفض معه
رؤية الطفلة التي تمنت دائما لو رأتها ... الطفلة التي نجت
وحدها من مذبحة خماصة في الماضي وشهدت مقتل جدتها
أمام عينيها .
ما أن فتحها حتى ملأت شاشتة المسطحة الواسعة صورة طفلة
شقراء صغيرة تمسك بين أصابعها البيضاء الصغيرة أنبوب قطعة
حلوى موجودة في فمها المنتفخ جانبه بسببها .. عيناها الزرقاء
الواسعة لم تخفي لمحة الحزن رغم ابتسامتها ، همست تنظر لها
بذهول مبتسمة
" يا إلهي ما أجملها يا مطر ! "
قال مبتسما بحزن
" أجل كانت طفلة رائعة بقدر ما عانت من ظلم وعاشت في حزن
... هنا كان عمرها أربعة أعوام "
وتابع محركا إبهامه على شاشة هاتفه يمرر الصورة التالية
" وهنا في عمر العشرة أعوام "
فشهقت بصدمة اتسعت معها عيناها المحدقة في الموجودة
في الصورة .. الفتاة النحيلة حليقة الشعر .. عظام وجهها بارزة
من شدة نحولها وعيناها غائرة تحيطهما هالة سواد .. ملامحها
شاحبة تلبس قميصا أزرقا باهتا يشبه ما يستخدمونه في
العمليات الجراحية وكأنها مصابة بورم وتخضع لجلسات علاج !
لا بل هذه حالتها أسوأ بكثر فمن في مثل عمرها ويصابون
بذاك المرض لا تفقد ملامحهم حياتها هكذا وكأنها شبح ميت !
رفعت نظراتها المصدوم بالذي كان لازال ينظر لهاتفه بأسى
وقالت
" أهي مريضة هنا ! "
قال بحزن ونظره لم يفارق صورتها
" أجل لكن ليس في جسدها بل قلبها وعقلها .. هذه ملابس
المصح النفسي يا غسق "
عادت بنظرها بصدمة لصورتها هامسة
" مجنونة !! "
قال من فوره وبشرود حزين في تلك الملامح التي يؤلمه
النظر لها في كل مرة
" كادت أن تكون كذلك بل وصلت لذاك الحد لفترات طويلة ...
لقد ماتت والدتها محترقة أمام عينيها بسبب زوجها الذي
اغتصبها مرارا وتكرارا فقتله شقيقها التوأم أمامها أيضاً وفي
ذات الليلة وحملت هي التهمتين كي لا يسجن شقيقها ولكي تُدفن
الحقيقة التي لن يسامح فيها القانون "
امتلأت عيناها بالدموع وهمست بمرارة لازالت تنظر لخيال
شبه الطفلة أمامها
" يا الله عانت من كل هذا ! أين كنت عنها يا مطر أين !
ألم تكن في عهدتك ولدى أحد رجالك ؟ "
تنهد بعمق يمرر إبهامه على ملامحها الكئيبة المجهدة
وتمتم بحزن
" غفلت عنها يا غسق وليتني لم أفعل ، تركتها لوالدتها التي
رأيت بأنها لن تحتاج لغيرها بعدما حرمت منها أيضا مرغمة
وغفلتُ عنها بمشاكل البلاد وأنا في الخارج لأعوام وكدت
أتفتت ندما حين علمت ... قسما لو كان للندم أن يقتل أحدا
لقتلني حينها "
رفعت نظرها له وقالت بتساؤل حزين
"وما حدث معها بعدها ؟ هل هي بخير مع عائلتها تلك الآن ؟ "
مرر الصورة التالية قائلا
" ها هي الآن "
فنظرت فورا لشاشة الهاتف ولصورة الفتاة الشابة فيها
واتسعت عيناها بدهشة ورفعت سبابتها لها هامسة
" هذه ذاتها تلك ! "
قال ونظره على ملامحها الجميلة تجمع شعرها الأشقر الطويل
عند كتفها الايسر كعادتها
" أجل لقد نقلتها لمصح نفسي خاص في لندن قبل ثمان
سنوات وكنت مستعدا لأن أدفع كل ما أملكه بل وأعمل في
جمع القمامة من الشارع لأعيدها كما كانت أو كأي إنسان
طبيعي ، لقد عانت الكثير لتكون هكذا ولتتخطى مراحل
العلاج النفسي "
قالت بحزن تنظر لملامحها الفاتنة وعيناها الزرقاء الجميلة
" لكنها لازالت حزينة يا مطر ! انظر لعينيها "
تنهد بعمق هامسا
" أجل فرغم كل ذلك لم تصبح امرأة طبيعية بعد ، لم تنسى
يا غسق .. لقد فقدت شيئا مهما يسمى حب الحياة .. فقدته
وللأبد "
رفعت نظرها له وقالت بهدوء حزين
" وهل هي بخير هناك ؟ ألن يتكرر معها ما حدث في الماضي
وتغفل أنت عنها مجدداً ؟ "
أضلم شاشة هاتفه وقال وهو يدسه في جيبه مجددا
" هي من اختار هذا وأصر عليه .. زيزفون اليوم ليست كتلك
الطفلة يا غسق إنها أقوى من أن يحطمها شيء مادام شقيقها
بخير "
شردت بنظرها للبحر قليلا قبل أن تنظر له مجددا وقالت
" أنت ذكرت اسمها ضمن الطفلات اللاتي زوجتهن فماذا
عن دور ذاك الزوج في حياتها إن كان لا يعلم من تكون
كما قلت؟ "
مسحت يده على شعرها وقبل جبينها الذي ترفعه له وقال
" وقاص أكثر من ستجده إن احتاجته مستقبلا وإن رفضت
وقتها وجوده في عالمها "
*
*
*
نظر لساعته وأنزل كم سترته الفاخرة متنهدا بضيق وجال
بنظره حوله في المكان الواسع المليء بالناس ولا يفهم لما
يتقابلا هنا تحديداً ولما اختار ذاك الرجل هذا الفندق وأين يكون !
وقاص ضرار أم مخطئ ؟ "
التفت للخلف قبل أن يدور بكامل جسده للواقف خلفه ينظر له
مبتسما ترافقه فتاة شقراء وقال باستغراب
" أجل ... أتعرفني ؟ "
ضحك الرجل العجوز الإنجليزي وقال
" أجل أعرفك فيبدوا أنك أنت من لم يعرفني "
وتابع مبتسما وقد مد يده له مصافحا
" أنا شارل .. شارل هامبسون وكنت صديقا للسيد ناش صديق
جدك القديم وكنت أراك في زياراتك مع جدك له "
تمتم وقد رفع يده له مصافحا
" مرحبا سيد هامبسون واعذرني يبدوا أن ذاكرتي
لازالت تخونني بالفعل "
شد على يده قائلاً بضحكة
" هذا اعتراف منك بأننا العجائز أقوى ذاكرة منكم أنتم
شبان اليوم "
قال مبتسما بمجاملة
" لا تنسى بأني كنت صغيرا حينها بينما ستكون أنت
كبيرا بالتأكيد "
وكان تعليقه ضحكة عالية بينما لازالت نظراته المستغربة
تتفحصه فهو يعرف نفسه جيدا لم ينسى وجها قابله ولا في
طفولته فهو لا ينسى الأشخاص والأسماء بسهولة أبدا
وإن قابلهم لمرة واحدة فكيف إن كان كما قال رآه كثيرا
مع جده لدى صديقه القديم مارك ناش والذي كان أحد أصدقائه
المقربين ! أشار الرجل العجوز للشقراء الواقفة بجانبه تحضن
ذراعه وقال
" وهذه ستاسي ابنتي الصغرى ومؤكد لن تذكرها أيضا فأنت لم
تراها سابقا "
اومأ لها مبتسما وهمس
" سررت بلقائك آنستي "
وسرعان أبعد نظره عنها متجاهلا ابتسامتها الواسعة وهي
تحييه محدقة في ملامحه وعاد يبحث بنظره في المكان عن
الذي يبدوا أنه لن يأتي أو أنه شخص لا وجود له كما هذا
العجوز في ماضيه ! عاد بنظره له حين قال مبتسما
" يبدوا بأنك تنتظر أحدهم ؟ "
نظر لساعته مجددا وقال
" أجل فيفترض بأني على موعد مع أحدهم لكنه يبدوا لن يأتي "
أومأ له برأسه وقال
" قد يكون تأخر لسبب ما وسيأتي في أي وقت "
وانتقل فورا للتحدث عن جده يسأله عنه وعن كل فرد من
أحفاده ووالده كما بعض أصدقاء العائلة ويبدوا يعرفهم جيدا
كما قال لكن لما لا يذكره ! يستحيل أن يكون نسيه وهو يذكر
غيره ! كان يجيبه بابتسامة مقتضبة وكلمات مختصرة يبحث
نظره في المكان كل حين والآخر حتى ارتفع رنين هاتف ذاك
العجوز ورحمه من حديثه المسترسل الذي أفقده حتى القدرة
على التركيز فها قد انشغل عنه أخيرا بمكالمة قصيرة وبكلمات
مختصرة وكأنه ليس ذاك البارع في تحريك لسانه الذي كان قبل
قليل ! دس هاتفه في جيبه ونظر لابنته قبل ان ينظر له قائلا
" يبدوا ثمة مشكلة في موقف السيارات وعليا موافاة سائقي
الشخصي فورا "
وتابع مبتسما يشير للمرأة الواقفة بجانبه
" فهل يمكن لهذه الحسناء أن تسرق من وقتك القليل
وتبقى برفقتك حتى أرجع ؟ "
نقل نظره بينهما قبل أن يتمتم برضوخ من لا حل أمامه فهم
يعتبرون الرفض وقاحة
" لابأس سيدي أتمنى أن تكون المشكلة بسيطة "
لوح له بيده وقال مغادرا
" يبدوا ذلك وشكرا لك مقدما "
وغادر مبتعدا بين الأشخاص المتنقلين في المكان الواسع
بعشوائية حتى اختفى عن نظره فشغل نفسه بالنظر لساعته تارة
وللمكان حوله تارة أخرى يتجنب النظر للواقفة بقربه .. التي لم
تخجل ولا من التحديق فيه والذي يراه متعمدا من غريبة أطوار
كوالدها ! نظر لها باستغراب حين شهقت بصدمة تنظر لمكان ما
بعيدا فنظر حيث تنظر قبل أن يعود بنظره لها وقال عاقدا
حاجبيه الطويلان
" ماذا حدث ؟ "
*
*
*
فتحت باب الغرفة ووقفت تتكئ بكتفها على إطاره تنظر مبتسمة
بشوق للذي كان يغلق باب الشقة يحمل على كتفه حقيبة رجالية
سوداء تحمل شعار المنظمة التي يرتدي ملابسها السوداء أيضا
وقد وقف مكانه ما أن التفت ووقع نطره عليها فابتسمت له
وأحنت رأسها قليلا جهة كتفها هامسة بما تعلم بأنه سيفهمه
إن لم يسمعه
" حمدا لله على سلامتك "
فابتسم ومد يده لها متمتما
" تعالي "
فحركت كتفيها مبتسمة وأشارت بسبابتها أمام قدميه قائلة
" وماذا عن مجالك المغناطيسي ؟ "
خرجت منه ضحكة خافتة وحرك أصابعه قائلا
" تعالي ماريا "
فتحركت من مكانها وركضت ناحيته قافزة لحضنه واستقبلها هو
فاردا ذراعيه وحضنها بهما ما أن تعلقت بعنقه تحضنه بقوة
وهمست بحزن
" اشتقت لك "
فحضنها بذراعيه أكثر هامسا بابتسامة
" ظننتك سترتاحين من شجاراتنا المتكررة ! "
ابتعدت عنه وقد نزلت بيديها من عنقه لصدره وقالت
باستياء ناظرة لعينيه
" ما هذا الذي تقوله تيم ؟ "
وغضنت جبينها تنظر باستغراب لعينيه قبل أن تنتقل
نظراتها لملامحه وهمست بحيرة
" تيم ما بك ! أنت مريض ؟ "
أبعد نظره عن عينيها وشد على أسنانه يزم شفتيه
وكأنه يقاوم ألما ما باغثه فجأة وتحرك مجتازا لها
هامسا ببحة
" متعب فقط ماريا وسأنام وأكون بخير "
تبعته نظراتها باستغراب وهو يفتح باب الغرفة ويدخل
ويغلقه خلفه وكأنه يهرب منها ! وقفت مكانها تنطر
للباب وكأنه من سيجيب عن تساؤلاتها قبل أن تجبرها
تلك النيران المشتعلة في قلبها على التحرك نحوه وأدارت
المقبض وفتحته ودخلت فكانت الغرفة فارغة وباب الحمام
مفتوحاً ، وما أن وقع نظرها على طاولة التزيين تعالت
ضربات قلبها أكثر وهي تنظر لعلبة الدواء المفتوحة
فوقها والتي لم تكون هناك سابقاً ! قبل أن تنتبه للعلبة
الأخرى التي كانت على الأرض ويبدوا أنها سقطت
منه مرمية أرضا والأقراص البيضاء الصغيرة
متناثرة حولها فرفعت يدها تمسك بها شفتيها بصدمة
وارتفع نظرها سريعا جهة باب الحمام الذي خرج
منه صوت تقيؤه القوي والواضح فركضت نحوه
من فورها ودخلته دموعها قد بدأت بملأ مقلتيها
الواسعة وركضت فورا ناحية الذي كان ينحني على
المغسلة يمسك طرفيها بيديه بقوة ويتقيء دون توقف
ولا يخرج من معدته شيئا على ما يبدو ، ما أن وصلت
عنده حتى أمسكت بكتفه وحركته قائله ببكاء
" تيم ما بك ؟ "
فلم يرفع رأسه ولم يجبها لازال يتقيء بقوة وكأن أحشائه
ستخرج من فمه ! صرخت بصدمة تنظر للمغسلة
التي تلونت فجأة بمياه سوداء كان مصدرها فمه
فأمسكت ذراعه بيديها بقوة تبكي بعبرة ودون توقف
وهزته منها قائلة ببكاء
" تيم ما بك ! ماذا فعلوا لك ؟ لا تمت وتتركني أرجوك "
رفع يده من المغسلة وأمسك بها يدها بقوة واستند بمرفق
الأخرى على طرف المغسلة الرخامية وتقيء تلك المياه
السوداء مجددا أصابعه تقبض على يدها بقوة وكأنه يتماسك
بها .. بالتي كان يقتلها ولا يعلم .. من لا شيء لديها حينها
سوى البكاء وقد حضنت ذراعه بيدها الأخرى وخبأت
وجهها ودموعها فيها لازالت تشعر بقلبها يتمزق مع
صوت تقيؤه المتواصل .
المخرج ~
بقلم/ طعون
من وقاص إلى زيزفون ..
إليكِ ..
لا أدري كيف أبدأ كلماتي
ولا كيف أخفي سر انجذابي
عن عاذليكِ ..
*
إليكِ .. يا غامضة ..
دروبنا تاهت
و أحزانكِ فيّ استقرت ..
و باتت ..
*
إليكِ .. حبيبتي ..
كالسماء عينيك ..
و كالشمس جديلتيك
فكيف سأخفي افتتاني !
و غرامي فيك !
*
إليكِ .. يا فاتنة
أنتِ مجموعة من العواصف
بردٌ فـ دفى ..
مطرٌ ثم جفى ..
رعدٌ و برق
هي عينيك ..
*
إليكِ ..
فاكهتي المحرمة ..
أمامكِ أنا كجندي خسر معركته
هزمته جيش من قطرات
تساقطت من مقلتيكِ ..
*
إليكِ .. يا غابة من الشعر ..
عذبةٌ أنتِ كالنهر ..
إليكِ نهاياتي ..
ومنكِ بداياتي ..
و ضياعي ليس سوى
في محجريك ..
***********
بقلم/ chouchou23
في ليلة من الليالي الحزينة
و في ركن من أركان غرفتها المظلمة
سألتها لما تدفنين نفسك بين الركام
لم لا تعيشين بسلام؟
قالت ما بالك بهموم تمنع كل ابتسامات الألوان
تتبخر داخل وجداني
تمنعني من كل حنان
تجعلني أسيرة أحزاني
تجعلني بقايا إنسان
صغيرة تجرعت مرارة الفقدان
و سلبت مني الطفولة و حق اللعب مع الأقران
و بقيت حبيسة كوابيس تمنع عني النسيان
و عادت للشرود.....
أمنية حياتي أن أغوص في أعماقك
أن أقلب خفاياك
لأعرف كيف تفكرين بي
أنا المفتون بك
أنا الذي ضعت بين عينيك
أنا من رأى شبح ابتسامة تشق بين شفتيك
سأعيدها.....
سأعيدها و أعيد ما سرقت منك أنياب الذئاب
سأرجع براءة دفنت تحت التراب
أنا أسد في الحق لا يهاب
*******
نهاية الفصل
رواية جنون المطر للكاتبة برد المشاعر الجزء الثاني الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم BlackButterfly002
الفصل الثاني والعشرون
المدخل :
بقلم / ساره الحالك
من مطر الى غسق
يا عشقي الدفين رفقا بقلب في هواك سجين
يا من سكنت قلبي و عزفت على اوتاره
يا من توطنت عقلي و سبرت اغواره
يا مهجة الروح لا تغلقي بيننا الابواب
يا بلسم الجروح لا تذيقيني العذاب
لا تزيدي جراح روحي ملحا اجاج
إِكوِي بعشقك قلبي فالكي لقلبي علاج
يا زائرة الليل بسِهامِها ، اصابني سهم عينيك .
يا ساكنة الروح ،روحي ِفدًى لشفتيك
رفعتُ الرُّمح و السهم في حرب العشاق
فاردتني حوراء العين حالكة الاحداق .
فيا قرة العين ، انصتي لأنين قلبٍ حزينٍ .
مزّقه و اضناه عشق السنين .
*****
بقلم / وعودي للأيام
من غسق إلي مطر
أتعلم
أتعلم شيئا يا مطر أتعلم أن حبك في قلبي أمسي حجر
'''
من كان يظن أن ألتقيك بعد سنين مرت كالدهر و لا أشعر نحوك سوي بالغضب و بالندم
'''
قهرتني يا رجل و لتعلم أن قهر النساء خطر
'''
أتعلم يا مطر .. أتعلم كم كان حبك في قلبي كبيرا .. و بفعلك جرحت القلب الذي أحبك ؛ فما الذي حصدته بظنك سوي ذلك الحجر الذي أردم به الثقب الذي خلفه جرحك لي ، لا تعود إلي يا مطر لن تجد عندي شيئا أنت لم تترك لي شئ ... فحتي ذكرياتك أصبحت أطردها كي لا تقتلني !
'''
*******
لم يكن ما يشعر به من ألم في أحشائه ولا رئتيه يساوي شيئا
مما كانت تشعر به الحاضنة لكتفه بقوة تخفي بكائها الموجع في
ذراعه وأصابعه تشتد على كفها بقوة لازال يحاول إخراج ما
باتت موقنة بأنها روحه تلك التي ستخرج وتفارق جسده ليتركها
في هذا العالم الكئيب وحدها بعده ... أمر التفكير فيه فقط يشعرها
بالموت .
اشتدت أناملها على قميصه بقوة هامسة بعبرة
" لا تتركني تيم حلفتك بالله ... لا تفعلها بي أرجوك "
ازداد شده على أناملها حتى كانت ستتحطم بين أصابعه وقبضته
القوية قبل أن ترتخي يده ببطء وتوقف صوت تقيؤه فابتعدت عنه
تتراجع للوراء وتبدلت نظراتها له للذهول حين استوى واقفاً
وفتحت يده صنبور المياه ليخرج متدفقاً منه بقوة وبدأت يده
الأخرى تحرك تلك المياه المتجمعة في الحوض الرخامي
بعشوائية وكأنه يبحث عن شيء ما فيها وراقبت نظراتها الدامعة
الذاهلة يده التي أخرجها منه والمعدن الصغير اللامع الملفوف
الذي يمسكه بين أصابعه وقد نفضه في الهواء متمتما بحنق
وصوت مبحوح
" سحقا كاد أن يتلف "
نظرت له بصدمة بينما التفت هو جهة المغسلة مجددا وكأن شيئا
لم يكن وانحنى برأسه تحتها تنزل عليه المياه الباردة وما أن رفع
حركه بقوة نافضا المياه منه ورفع شعره بأصابعه ناظرا ناحيتها
فأشارت لما في يده هامسة بذهول وصوت ضعيف مرتجف
" كنت تخرج هذا من معدتك ! "
أخرج يده من شعره ونظر لما في يده الأخرى وقال ببرود
" أجل فثمة شيء مهم بداخله تكتشفه الأجهزة في المطار
بسهولة وهذه الطريقة الوحيدة لأعبر به "
زمت شفتيها بقوة تتجمع الدموع في عينيها الواسعة قبل أن
تقترب منه وبدأت بلكم صدره بقوة تتقاطر الدموع من عينيها
هامسة بصوت متقطع لم يخفى الغضب فيه
" لماذا لم تخبرني ... يالك من تافه .. أحمق ومعتوه "
وما أن اكتفت من ضربه وشتمه أمسكت فمها بيدها وانهارت
باكية حتى أن قواها خارت تماما ولم يعد يمكنها الوقوف من شدة
تبعات صدمتها تلك فاستندت بظهرها على جدار الحمام ونزلت
عليه ببطء وما أن استقرت في الأسفل دفنت وجهها وبكائها في
ركبتيها فتحرك نحوها ونزل أمامها مستندا بقدميه وتخللت
أصابعه غرتها يحاول رفع رأسها برفق متمتما
" ماريا ما يبكيك الآن يا حمقاء ؟ "
وحين لم تعلق أو ترفع رأسها حاول مجددا رفعه وبكلتا يديه
خصلات من شعره الرطب انزلقت علي وجهه ملامسة أعلى أنفه
وتمتم بما يشبه السخط
" من هذه التي كانت تدعوا الله منذ قليل كي لا أموت وأتركها
...! أيبكيك أني لم أمت ؟ "
رمت يديه عنها قائلة بضيق تقطع عبرتها كلماتها
" بل مصالح متبادلة فلا أحد لي "
استند بيديه خلفه حيث الأرضية الرخامية كي لا يفقد توازنه
بسبب دفعها له وقال بابتسامة مائلة ينظر لعينيها المجهدة
من البكاء
" كاذبة ... لديك عم والدتك "
شدت على أسنانها بقوة وغيظ من بروده وتملقه قبل أن ترمي
بيدها قائلة بغضب
" وأنا لا أريدهم لأنهم تخلوا عني وتركوني هناك لعمي قيس ...
ليس الأمر حكرا لك وحدك "
ضحك رافعا رأسه للأعلى فنظرت له باستغراب أنساها حتى بكائها
فهذه المرة الأولى التي تراه فيها يضحك هكذا....!
كأي بشر طبيعي...!
وما أن أفاقت من ذهولها وتحديقها الأحمق به تحركت من مكانها
ودفعته من أمامها دفعة أجلسته على الأرض هذه المرة ووقفت
وغادرت المكان تتبعها نظراته مبتسما ووقف وخلع قميصه
الداخلي بحركة واحدة متقنة ورماه جانبا ووجهته حوض
الاستحمام .
وبعد حمام سريع كعادته غادر الغرفة مرتدياً بنطلون جينز
وقميص أسود كلونه تماما ووصل غرفتها يلبس سترته الرمادية
الخفيفة وما أن أدار المقبض وفتح الباب نظر للجالسة متربعة
على السرير تمسك إحدى مذكراتها وقلما في يدها المرتجفة حتى
الآن لازالت شهقاتها الصغيرة المتفرقة تقطع أنفاسها وقد رفعت
يدها ومسحت بظهر كفها عينيها مما يعني أن تلك الدموع لازالت
تنزل بصمت ، اقترب منها حتى وقف قرب السرير ولازالت تنظر
للمعادلة الطويلة المعقدة التي تقوم بحلها ولم ترفع رأسها ولا
نظرها له رغم علمها بوجوده .. ترفع غرتها بمشبك ذهبي صغير
تنزل خصلات قليلة منها على جبينها الصغير وشعرها البني
الناعم يعانق كتفيها وذراعيها منسابا على ظهرها بنعومة ترتدي
بجامة بنية غامقة مزجت لون القهوة الداكنة فيها مع تلك
الخصلات بلون العسل الطبيعي متناثرة عليها .
أمال رأسه لتظهر له ملامحها وقال ونبرته تحتفظ بجمودها
المعتاد ويديه في جيبي بنطلونه
" ما رأيك في عشاء في الخارج ؟ "
وابتسم فجأة مناقضا ذاك السلوك الملتصق به ما أن توقفت يدها
عن الكتابة لكنها سرعان ما عادت كما كانت ولم تعلق فاستقام في
وقفته قائلا بابتسامة متكلفة
" معدتي فارغة منذ ليلة أمس فتحدثي قبل أن آكلك "
رفعت حينها رأسها ونظرت له ببرود فقال بابتسامة مائلة
" هيا ماريا يمكنك الصمت طوال الوقت لكن التأخر ممنوع "
نظرت خلف كتفه الأيمن ثم الأيسر ودون أن تعلق فدار برأسه
للخلف قبل ينظر لها وقال ببرود
" عما تبحثين ؟! "
عادت بنطرها لعينيه وقالت بتملق تلوي شفتيها الجميلتين
" عن زوجي طبعا فهلا أرجعته "
ولم تؤثر بها قطعا نظرة الضيق في عينيه من مقصدها ولم يتأخر
ما تتوقعه جيدا حين قال ببرود
" ستذهبين معي أم أذهب لوحدي "
عادت بنظرها لمذكرتها متجاهلة له فابتسم بمكر والتفت وغادر
جهة الباب متمتما بجدية
" لابأس لن اجبرك على ما لا تريدين "
" هيه انتظر "
وصلته كلماتها المندفعة تلك وكما توقع تماما بل وكما عرفها
لأعوام تلك الطفلة المشاغبة فوقف مكانه ورفع رأسه للأعلى
يسمع خطواتها حين وقفت خارج السرير وقد قالت من خلفه
بضيق تمسك وسطها بيديها
" سحقا لكم معشر الرجال لا تعرفون كيف تسترضون امرأة
غاضبة أبدا "
فابتسم وتابع سيره حتى وصل الباب ووقف والتفت لها بكامل
جسده واتكأ بكتفه على إطاره لازالتا يديه سجينتا جيبيه وقال
بابتسامة جانبية
" لتعلمي فقط أنكن السبب في خسارة العروض المماثلة "
لوت شفتيها وتمتمت بتملق تقلده فقال ببرود
" ماذا تقولين ؟ "
أمسكت خصرها بيديها أكثر تشد أصابعها الرقيقة عليه
وقالت بضيق
" لم أقل شيئا طبعا .. فهل يمكنك انتظاري قليلا لأغير ثيابي أو
أخبرني من الآن كي لا اتعب نفسي وأخرج ولا أجدك "
أمال طرف شفته متمتما
" لابأس ها أنا أنتظرك هنا لتطمئني "
نظرت له بصدمة فأخرج يديه من جيبيه وكتف ذراعيه لصدره
العريض وأضاف بتهديد
" لا تستمري في إضاعة الوقت "
زمت شفتيها بحنق وتعلم ما سيكون مصيرها إن هي عاندت ،
توجهت للخزانة أخرجت فستانا وتوجهت للحمام مسرعة قبل أن
يفقدها ورقتها الرابحة ودخلت وأغلقته خلفها بالمفتاح ، غيرت
ثيابها سريعا ونظرت لنفسها في المرآة ... نزعت المشبك من
شعرها ورتبت غرتها وباقي شعرها على كتفيها وخرجت وكان
واقفا مكانه فوقفت تنظر له ونظراته تنتقل على جسدها صعودا
وما أن عاد بنظره لعينيها تمتم ببرود
" غير مناسب "
فانزلقت كتفاها نحو الأسفل بإحباط وهمست بأسى
" لماذا ... ؟ إنه رائع "
نظر لعينيها بتركيز متمتما
" لأنه كذلك لا ماريا ... غيريه بسرعة بآخر يغطي ذراعيك
كلاهما "
نفضت يديها متأففة وتوجهت للخزانة وفتحت بابها بقوة وأخرجت
فستانا آخر لكنها لم تتحرك به بل رفعته أمامه قائلة
" ها هو طلبك "
شمله بنظراته البطيئة الجامدة المشابهة لعينيه وحدة نظراته
الواثقة قبل أن يشير له برأسه بهزة خفيفة متمتما
" ألا ترين طوله ؟ "
أدارته جهتها قليلا قائلة بإحباط
" لكنه تحت الركبتين ! "
نظر لعينيها وقال بضيق
" ومن أين جلبت هذه الفتوى الرائعة ما تحت الركبتين يمكنه
استنشاق الهواء الطلق ؟ "
نفضته في يدها قائلة بضيق مماثل
" تيم ماذا تريد تحديدا ؟ أن أغضب وأعفيك من أخذي معك "
عاد لبروده المميت معلقا
" لو أردت ذلك ما أخبرتك .. لكنت خرجت لوحدي "
وما أن كانت ستتحدث سبقها قائلا بجدية
" ماريا سبق وأخبرتك أني أتغاضى عن مسألة حجابك لأسباب
أمنية فقط وغيره لا ... أنا لست راض مطلقا عما اعتدت عليه في
حياتك السابقة مع عمك ذاك "
تأففت نفسا طويلا غاضبا ودارت جهة الخزانة وعلقت الفستان
مكانه بحركة عنيفة وأخرجت سترة من الحرير قصيرة أنيفة
ومميزة ولبستها فوق فستانها الذي كانت ترتديه وفردت ذراعيها
قائلة
" وهكذا ؟ "
استوى في وقوفه مبعدا كتفه عن إطار الباب وقال
" هكذا جيد "
مطت شفتيها متمتمة بحنق
" أهذا ما استطعت قوله ... جيد ! "
دس يديه في جيبيه متمتما يقلدها
" حسنا ممتاز "
عبست ملامحها الرقيقة هامسة بحنق
" يالك من بارد "
فابتسم وتوجه نحوها وسحبها من يدها مغادرا بها وقال يجتازان
باب الغرفة
" جميلة رائعة وفاتنة يرضيك هذا ؟ ... تحركي هيا فأنا جائع "
قالت بضيق تجاري خطواته الواسعة
" ها أنت تعرف تلك الكلمة ولها وجود في قاموسك البالي ...
لما كان عليا أن ألقنها لك تلقينا "
وقف حيث وصلا عند باب الشقة وألتفت لها وأمسك ذراعها
وسحبها نحوه وقبل شفتيها بقوة وما أن أبعد شفتيه قال من
بين أسنانه
" أتعلمي إن لم تطبق هذه الشفتين على بعضها حتى نصل ما
سأفعل بك "
أجفلت تنظر له ترمش بعينيها قبل أن تبتسم ولسانها يلامس
طرف شفتها وقالت بضحكة صغيرة
" ترميني من الشرفة ؟ "
أشار برأسه خلفها وقال بضيق
" بل آخذك لتلك الغرفة وآكلك أنت "
نظرت له بصدمة فتأفف في وجهها عمدا واستدار للباب وفتحه
وخرج يسحبها من يدها معه تتبعه يدها في يده وجسدها خلفه
تنظر له مبتسمة وما أن وصلا السيارة وقفت وقالت
" هل لي أن اقول شيئا صغيرا ؟ "
التفت لها وعد بأصابعه أمام وجهها قائلا
" قلت الآن ست كلمات بقي لديك أربعة فقط "
لوحت بيدها بسخط فقاطعها من قبل أن تتحدث يهددها بسبابته
بأنها ستضيع باقي الكلمات فتأففت وأشارت للسيارة قائلة بضيق
" لن أجلس في الخلف مجددا أو سأرجع للأعلى الآن "
قال مبتسما ببرود
" ولغرفتي طبعا "
قالت بحدة
" لا بالطبع لأنك ستذهب لتناول الطعام أنا لا أؤكل "
أشار بعينيه للأعلى هامسا
" تعالي لنرى "
ضربت الأرض بقدمها قائلة بحنق
" تيم لا تكن سخيفا "
أشار للكرسي الخلفي في السيارة بسبابته وقال بحنق مماثل
" اركبي هيا ولا تلمسيني مطلقا مفهوم ؟ "
قالت ساخطة
" لما هذا التعذيب النفسي ؟ "
أشار بإبهامه للمبنى السكني خلفه دون أن يتحدث فتأففت بسخط
ولكمت صدره بقبضتها وفتحت باب السيارة وجلست غاضبة
ونظرت له من خلال الباب المفتوح قائلة بعبوس
" أغلق الباب هيا ماذا تنتظر "
اتكأ بساعده على سقف السيارة ونظر لها في الداخل وقال
بابتسامة مائلة
" أتعلمي لو لم نكن في الشارع ما فعلت الآن ؟ "
نظرت له بصدمة وزحفت على الكرسي الجلدي حتى منتصفه
فأهداها ابتسامة جانبية وأغلق بابها وفتح الباب الأمامي وجلس
خلف المقود وشغل السيارة وغادرا فورا محبطاً أملها الصغير
مجددا في أن يغير رأيه نهاية الأمر .
وكان لجلوسها في الخلف ثمنا غاليا هذه المرة أيضا رغم أنها لم
تحضنه وكرسيه معه فجلوسها منتصف الكرسي أعطاها مساحة
أوسع لتكون بجانبه تتكئ بمرفقيها على ظهر كرسيه والكرسي
المجاور له تجلس على حافة الكرسي تحتها ووجهها بجواره
تقريبا واختارت هذه المرة ما سيكون خيارا أفضل لها وهي تغني
أغنية طفولتها التي كان يتدمر منها غالبا يدها تلوح أمام وجهها
مبتسمة لازالت تذكر كلماتها وكأنها اليوم وكانت الأغنية عن
طفلان يصعدان جدار الجيران ويسرقان من شجرة توت ويمسك
بهما صاحب المنزل وتسقط الفتاة وينقذها ويتلقى ضربات عصى
الرجل ... وكان هو يستمع لها مبتسماً يتعمد تلك الابتسامة التي
تفهمها منذ طفولتهما لتخبرها بأنها سخيفة كأغنيتها تلك
وتتجاهلها هي بالطبع كالماضي تماما ، وما أن انتهت رمقته
بطرف عينيها مبتسمة بمكر قبل أن تنتقل لأغنية أخرى لكنها لا
تمد لطفولتهما بصلة هذه المرة بل أغنية عاطفية بإيقاع مرتفع
تفرقع بأصابعها وقد اتكأت برأسها قرب رأسه تكرر
" حبيبي .. حبيبي وبقلبي أريد أضمك ... من غيرك ... أحسك ...
مثل الهوى وأشمك"
فابتسم ودفع وجهها بيده للخلف دفعة جعلتها تسقط على ظهر
الكرسي خلفها ضاحكة وسرعان ما جلست مجدداً لكن خلفه تماما
هذه المرة وحضنته ساعديها يلتفان حول كتفيه فلا مفر له
منها أبدا وعليه أن يستسلم لذلك .
*
*
*
نظر باستغراب لذراع الواقفة بجانبه تلتف حول ساعده قبل أن
تهمس بصوت مرتجف خائف
" لا تنظر جهة مدخل القاعة "
نظر لوجهها باستغراب فكانت تنظر حولها بتشتت وكأنها تبحث
عن أحدهم وما أن حاول أن يسحب ذراعه من قبضتها تمسكت
بها أكثر وقالت
" لا ... انتظر حتى يغادر "
نظر لها وقال باستغراب
" من هذا الذي سيغادر وعما تتحدثين ؟ "
قالت ناظرة للبعيد وبصوت مرتجف
" عن زوجي السابق أتحدث "
قال يحاول سحب ذراعه منها مجددا وبطريقة لبقة قدر الإمكان
" وما علاقتي أنا بزوجك ؟ "
فشدت على ذراعه التي كادت تفلت منها قائلة بخوف
" ها هو هناك لا تتركني وحدي أرجوك "
نظر حيث نظرت منذ لحظات ووقع نظره فورا على الرجل
الإنجليزي الطويل العابس تلتف حول جسده بدلة سوداء فاخرة
وكان نظره مسلط عليه تحديدا فنظر للتي كانت تشتت نظرها بعيدا
عن تلك الجهة بأكملها وقال ببعض الضيق
" إن كان ثمة مشاكل بينك وبين طليقك فلا تقحميني فيها رجاء
واتركي يدي لأغادر فورائي ما أفعله "
نظرت له برجاء قائلة
" إن ابتعدت فسيأتي ووالدي ليس هنا ليدافع عني وسيأخذني من
هنا فهو سبق وتوعد بذلك ، أيرضيك أن يحدث كل هذا بسببك ؟
انتظر قليلا وسيصل والدي وتذهب أرجوك "
نظر لعينيها عاقدا حاجبيه وهو يقول
" وما يدريك بأنه لن يفعلها وأنا موجود ؟ "
قالت تنظر لعينيه
" لا لن يفعلها فأنا أخبرته في شجارنا الأخير بأنه لدي صديق
وسنتزوج وبأنه رجل لا يمكنه التغلب عليه لأنه ذو نفوذ وسلطة
وهذه الصورة التي سيكونها عنك الآن "
حرك يده بانزعاج يريد الفكاك من هذا الإزعاج والتمثيلية السخيفة
التي وجد نفسه فيها لكن تركها وإثارة مشكلة بسبب ذاك الرجل
سيسبب له هو مشكلة أيضا فها قد ظهر السبب الحقيقي وراء ما
فعلاه وقالاه ، هم يبحثون عن طريقة للتخلص من طليقها السابق
إذا وهو الطعم ؟ أو هذا ما كان يعتقد ولم يكن يعلم بأن مخططهم
لم ينتهي عند ذاك الحد فقد اختفى ذاك الرجل فجأة فحاول سحب
ذراعه منها بسرعة لكن تشبثها به كان أكبر من أن يستطيع
التخلص منه وهي تتحرك به من هناك قائلة
" خذني لمواقف السيارات إذا حيث والدي ولا تتركني
هنا وحيدة "
تحرك معها متنهدا بضيق وقد دس يده الأخرى في جيب سترته
وأرسل الرسالة التي يتركها جاهزة دائما ولشخص معين سبق
الاتفاق بينهما على ما يفعله ما أن تصله وكان فيها
( حدد مكاني وتابعه )
لكن المفاجأة كانت في انتظاره من قبل أن يغادر المكان حين
توقفت تلك المرأة المتشبثة بذراعه فجأة ونظرت لجهة بعيدة من
القاعة حيث يقف أربعة رجال وامرأة أحدهم من قالت عنه منذ
قليل بأنه طليقها وإثنان لا يعرفهما والرابع والذي تقف بجانبه
المرأة الوحيدة في المجموعة هما من جعلاه يقف متسمرا مكانه
ينظر لهما بصدمة بل لصاحبة الفستان النيلي الطويل بلون
عينيها تحديدا والتي كانت تنظر له والواقف بجانبها قد انحنى
جهة أذنها يهمس لها بشيء ما ينظر ناحيته أيضا مبتسما بمكر
وكل ذلك بعد حديث قصير دار بين المجموعة بدأه ذاك الرجل
الغاضب أو من كان يدعي ذلك فمؤكد قد قدمه لهم على أنه
عشيق طليقته فنفض ذراعه منها بحركة غاضبة جعلتها تنظر له
مجفلة بصدمة فنظر لها وقال بضيق
" يكفي انتهت المسرحية لا مزيد من التمثيل "
وغادر وتركها لكن وجهته لم تكن الباب بل سار يجتاز
الموجودين في تلك الجهة حتى كان عند الذين اجتاز حلقتهم
الصغيرة دافعا الواقف أمامه بل وكانت وجهته للتي أمسك برسغها
تلتف أصابعه الطويلة حوله بقوة وسحبها معه بالقوة من هناك
متجاهلا الجميع وأولهم الذي لحق به قائلاً بغضب
" لما لا تنتظر قليلا يا صعلوك فهذه لا تخصك "
لكنه تابع سيره متجاهلا عباراته الغاضبة وشتائمه المتتابعة بل
ومقاومة التي كانت تحاول الفكاك منه حتى غادر بها المكان
وكانوا في الممر الشبه فارغ حيث أدركه الذي أمسك بكتفه
وأداره بقوة مجبرا إياه على الوقوف وقال بحدة ناظرا لعينيه
الغاضبة
" أخطأت في العنوان سيادة نائب المدعي العام فليس هنا
منزل عائلة زوجتك "
التفت أصابعه حول رسغها أكثر بتملك وقال بحدة
" هذه آخر مرة تأخذها فيها لتعرفها بالمنحرفين أمثالك ولن
تخرج بها مجدداً ولا على قطع عنقي يا نجيب أتفهم ذلك "
أمسك رسغيهما وفكها من قبضته بالقوة وقد تركها هو خوفا
فقط عليها وقال الذي أصبحت يدها في قبضته
" هذه تكون زوجتي ولها رأي ولسان إن أرادت الرفض ولا
أحد له الحق في التدخل فيما يخصنا "
فتجاهله ونظر لها قائلا بحدية
" زيزفون لا يجرفك هذا الإمعة لعالمه أنت أنزه من كل ذلك ..
هم وحوش وسيؤذيك صدقيني "
كانت تنظر لعينيه بصمت وجمود فتابع مشيرا بيده خلفه
" زيزفون كان كله مخطط منهم ، تلك المرأة التي لا أعرفها
أساسا وطليقها وكل شيء فلا يخدعك بما يقول ويفعل "
ونظر بحقد يشد على أسنانه للذي رفع رأسه ضاحكا بصوت
مرتفع قبل أن ينظر له قائلا بابتسامة ساخرة
" كم أنت مثير للشفقة يا شقيقي ، هل تراها غبية لتصدق ذلك ؟
أنت حقا لا تخجل من نفسك ..! بأي صفة تشرح لها وتقدم
التبريرات ؟ لا وتنكر بأنكما عشيقان "
وما أن أنهى عبارته تلك ارتد رأسه للوراء فجأة بسبب الألم
القوي في طرف أنفه وفكه بل بسبب اللكمة التي تلقاها وما أن
استقام في وقوفه واقترب منه وفي نيته رد الدين أوقفته التي
وقفت بينهما قائلة بضيق تنظر للذي كان ينوي ضربه مجددا أيضا
" غادر من هنا يا وقاص ولا علاقة لك بما يخصني ... ثم أنا لا
علاقة لي بحياتك الخاصة وإن خرجت برفقة جميع النساء "
نظر لعينيها أنفاسه الغاضبة تخرج بقوة تظهر معها تفاصيل
صدره العريض بوضوح من تحت سترته السوداء الفاخرة
يظهرها القميص ناصع البياض وقال بجمود
" لن أسمح له بأن يشوهك مثله وأن يجعلك نسخة عنه يا
زيزفون ولن أقف أتفرج كالبقية وإن قتلته وأخذت فيه حكما
بالإعدام أتفهمين هذا ؟ "
وغادر وتركهما نظراتها المصدومة تتبعه بينما همس الواقف
خلفها بسخرية
" لنرجع للداخل واتركينا من ترهات ذاك المنفصم شخصيا
فزوجته البدينة تلك سببت له عقدا لا نهاية لها "
دارت ناحيته بكامل جسدها وقالت بضيق
" ألأجل هذا نحن هنا ؟ لأرى ذلك "
رفع يده بجانب وجهه بحركة كسولة كعادته وحرك كفه قائلا
بسخرية
" لا بالطبع فمن يهتم بحياة ذاك النزيه ؟ أنا لا أهتم وأنت تقولين
ذلك أيضاً وأعتقد بأنك اقتنعت الآن أم تضنين فعلا بأنه
سيقتلني ؟ "
وأتبع جملته تلك بضحكة عالية يدس يديه في جيبي بنطلونه
الكحلي الفاخر فاكتفت بأن أشاحت بنظراتها الغاضبة عنه فهي لم
تستفد من هذا الصعلوك في شيء حتى الآن ولا يبدوا أنه يفكر
لأبعد من أنفه ولن يعتمد عليه أحد ليجعله تابعاً له فمن يكون إذا
الذي أخبره بكل ذلك وما صلته باختفاء مربيتها والذين تعمل
لصالحهم وهو يعلم عنهم ؟ لا شيء في حياة هذا الممل سوى
مجموعة من الرفقاء الكسالى لا شيء مهم لديهم أو مثير للانتباه
سوى أحاديث مملة ورموز مبهمة لم تهتم ولا لفكها وفهمها .
" أظن أنه علينا أن نغادر الآن فلم يعد لوجودي ضرورة "
قالت جملتها تلك وتحركت من تلقاء نفسها دون أن تنظر إليه
لكن يده كانت الأسبق لذراعها وأوقفها قائلا
" لا بالطبع فليس أنت من يقرر هذا "
وتابع ما أن أدارها ناحيته مجبرة
" وسبق وأخبرتك أن أمر ذاك الصعلوك لا يعنيني أم أنه أنت
من انزعج من ذلك ؟ "
سحبت ذراعها منه بالقوة وقالت بضيق
" لما لا تتوقف عن التفوه بالحماقات ..؟ أنا لست غبية كي لا
أفهم ما يجري أمامي فغرضك لم يكن أن أراه أنا مع تلك المرأة بل
أن يرى هو أني رأيتها "
تأفف بتذمر وسحبها من يدها قائلا
" اسمعي يا فتاة .. المرأة الذكية كثيرا لا تخدم أحدا أكثر من
نفسها ، كانت لتجدي واحدة بلهاء ندفعها فتسير طوعا "
وقفت مجبرة إياه على الوقوف معها وقالت بضيق تحاول سحب
يدها من قبضة أصابعه القوية
" أنت من عليه أن يسمع يا فتى ... عليك أن تفي بشروط الاتفاق
وتخبرني الآن من أخبرك عن كل ذلك ومن وراء اختفاء مربيتي
وإحضارها ؟ "
ترك يدها بعنف بسبب محاولاتها المزعجة للفكاك منه وقال
بضيق أشد
" دعي ذكائك يخبرك عن كل ذلك أما اتفاقنا فلم ينتهي بعد وأنت
تعلمين ذلك جيدا "
مسدت معصمها بانزعاج وقالت تنظر لعينيه
" هل أفهم ما علي فعله أيضاً ؟ "
حرك رأسه بحركة خفيفة حيث كانا منذ وقت وقال بتذمر
" ستعلمين تباعا ... هيا نرجع للداخل فسهرتنا لم تنتهي بعد "
فكت يديها من بعضهما قائلة بإصرار
" لا أريد أعدني للمنزل "
مد يده لوجهها ومرر طرف سبابته أسفل ذقنها الصغير قائلا
وبابتسامة ساخرة
" لا يا فاتنة الأمر ليس بيدك أبدا .. أعلم جيدا ما تخططين له "
أبعدت يده قائلة بضيق
" أنا لا أخطط لشيء مما يخبرك به عقلك المريض بل أريد العودة
لغرفتي الآن "
دس يديه في جيبي بنطلونه وقد عاد لنبرته الكسولة المزعجة
تلك قائلا
" حسنا إن كنت منزعجة من الأجواء هنا نذهب لمنزل خالك فهو
يصر على أن نقوم بزيارته "
" لا أريد "
قالتها مباشرة وبرفض قاطع فرفع حاجبيه ناظرا لعينيها
وعلق سريعا
" عجبا !! ألا تريدين زيارة خالك ! "
شدت قبضتها وسحبتها نحو الأسفل قائلة بإصرار
" أجل وقلت بأني أريد العودة للمنزل الآن .. سنغادر معا
أو غادرت لوحدي "
*
*
*
*
*
*
رفعت غرتها للأعلى وتنفست بعمق مغمضة عينيها أصابع يدها
الأخرى تشتد بقوة على طرف السرير تحتها حيث تجلس وقدماها
على الأرض ، نزلت بأناملها لعنقها ببطء وصولا لذراعها العاري
ورفعت حمالة القميص المتدلية عليه وأعادتها مكانها على كتفها
ونظرت خلفها وللنائم بسكينة يتنفس بعمق تتنقل نظراتها من
ملامحه المسترخية لذقنه لشفتيه وصولا لصدره العريض العاري
وتاهت نظراتها بل ومشاعرها هناك وارتفعت أصابعها طوعا
ناحيته .. تعلم جيدا معنى ما تشعر به الآن فقد سبق واختبرته قبل
خمسة عشر عاما تقريبا حين كانت تتلهف له تشتاق له وهو
أمامها
هكذا .. حين اكتشفت بأنها تحمل طفله في أحشائها ولازالت تذكر
عبارة عمته تلك حتى الآن
( وحمك عليه إذا ... أعانك الله وأعانه )
انقبضت أصابعها ووقفت يدها في الفراغ بينهما وامتلأت عيناها
بالدموع ... جل ما تخشاه أن تحرم منه مجددا وفي ذات الوضع
والوقت ... في الوقت الذي تحتاجه تقلبات جسدها بأكملها وكل ما
لا تفهمه ويحدث داخلها ! انفردت أناملها مجددا وببطء وقربتها
منه حتى لامست بشرته وشعرت بتلك القوى الغريبة تشدها له
كالمغناطيس فلامست كتفه برقة وصولا لشعر صدره وانحنت
ناحيته تباعا حتى عانقت ذراعها صدره واتكأت بخدها عليه
وأغمضت عينيها مبتسمة بحزن وخبأت ملامحها في صدره
ما أن التفت ذراعاه حول جسدها يحضنها بقوة ووصلتها
كلماته المرتخية المبحوحة مبتسما
" هل فارق النوم عينيك وعلينا أن نتحدث حتى تنامي ؟ "
شدت ذراعها حول خصره لازالت تدفن وجهها في صدره
العاري مبتسمة بحياء وهمست
" بل أريد فقط أن أنام هنا "
ابتسم وارتفعت يداه يحضنها أكثر ما أن تحرك بشكل مائل وفي
لحظة أصبحت هي النائمة على السرير على ظهرها وهو فوقها
ونظر لعينيها قائلا بابتسامة دافئة
"لماذا تركته إذا لأكثر من ساعة وأنت لازلت هنا على السرير؟ "
تبدلت النظرة في حدقتاها السوداء للاستغراب هامسة
" كنت مستيقظاً ؟ "
ابتسم وانحنى لخدها يقبله بخدر هامسا
" بلى فذاك يحدث حين تبتعدين فقط وحتى تعودي له "
داعبت أصابعها شعر قفا عنقه وقبلاته تنزل لعنقها وهمست ببحة
" إذا أنت لم تنم جيداً هنا أبدا ؟ "
حرك رأسه نفيا يدفن وجهه في شعرها وقال ما أن رفع رأسه
ونظر لعينيها
" كنت سأطلب لك الطبيب مرغمة من كثرة ما تدخلين الحمام
بين الحين والآخر "
رفعت أناملها لغرتها ورفعتها للأعلى مشتتة نظرها عنه جهة
الشرفة المغلقة وقالت بهدوء حذر
" المكان هنا ... لا أعلم أشعر بالدوار باستمرار "
تحركت أنامله على خدها الناعم وهمس بابتسامة
" لو كنا في سفينة لعذرتك ! "
لم تعلق نظرها على يدها التي كانت تلامس صدرها العاري
صعودا لعنقها فدفن وجهه في عنقها ينحني له مجددا ووصلها
همسه الرجولي المبحوح بما كانت تتوقع أغلبه
" إن لم تشرفنا وتعكر مزاج كلينا غدا فسيكون شاهين
لا محالة .. لن تخفي الأمر عني يا غسق "
نظرت للسقف فوقهما بصدمة وذراعاها تلتفان حول عنقه تحضنه
بقوة بينما عادت شفتاه للعبث ببشرة ذاك العنق الناعم .. بهذا
علم سابقا عن حملها إذا ؟ ألا زال يذكر موعدها ! ارتخت ذراعها
عنه وما أن ابتعد عنها همست تنظر لوجهه وهو يفارق عنقها
وخصلات شعرها التي اختار بعضها الصعود مع شعر ذقنه
متشابكا به
" كيف علمت عنها سابقا ؟ "
رفع أصابعه له يبعده وأمال شفتيه بابتسامة مائلة وهمس
ناظرا لعينيها
" تذكرين ليلة أصبت ونزف جرحي بالتأكيد يا أبرع طبيبة
عرفتها حينها ؟ "
اتسعت حدقتاها السوداء الواسعة بذهول قبل أن توجه قبضتها
بضربة خفيفة ناحية صدره قائلة
" يالك من وقح لهذا صباحا وجدت ..... "
وقطعت كلماتها تغطي عينيها بكفها وكأنها تسترجع ما حدث
تشعر بنعومة شفتيه على أناملها وهمس مبتسما
" زوجتي أم لديك اعتراض ؟ "
أبعدت يدها وقالت تنظر لعينيه المحدقة بها
" السنين طويلة والبشر يتغيرون يا ابن شاهين "
اتكأ بمرفقه بجانب كتفها وقال مبتسما بمكر ناظرا لعينيها
" وأنا أعطيتها أسبوع حتى الآن ألا يكفيها دلال ؟ "
ولم يكن جوابها سوى الصمت فلا مجال للنكران أكثر بل وكان
الجواب أقسى من صمت كليهما وتلك الاحداق الواسعة الفاتنة
تمتلئ بالدموع وكان إبهامه الأسبق لانزلاقها من طرف تلك
الرموش الطويلة وقال مبددا ما استطاع قراءته فيها فورا
" لن يحرم كلانا منه ولن نتحدث عن أمر لم يئن أوانه بعد
ولم نتأكد منه "
ارتفعت أصابعها لوجهها وحضنت يده المحتضنة له وهمست
ناظرة لعينيه بحزن وعينان دامعة
" لن تفعلها يا مطر .. لن تقتلني بها مجددا فقسما أن أفقد
عقلي هذه المرة لا محالة "
أمسك يدها ورفعها لوجهه وقبل باطنها مرارا قبلات متتابعة
ودفنها في جهة فكه وقال ناظرا لذاك السواد السابح في الدموع
" لن آخذه منك يا غسق وكما أخبرتك لن نستبق الأمور فلن
نتوقع حملك من تلك الليلة فقط "
مسحت بظهر كف يدها الأخرى على أنفها هامسة ببحة
" إن لم يكن سابقا فسيكون الآن "
أبعد يدها وقبل شفتيها قبلة صغيرة وهمس وبالكاد
أبعد شفيه عنها
" لن نفترق ولن آخذ طفلك منك يا غسق أخرجي هذه الأفكار
من رأسك "
نظرت لعينيه القريبة منها وهمست وعيناها تمتلئ بالدموع مجددا
" تعدني بذلك ومهما حدث يوماً ؟ "
اتكأ بطرف جبينه على جبينها الصغير وهمس مبتسما ينظر
لعينيها
" اقسم بأني لن أحرمك من طفلك يا غسق ولن آخذه منك
أنت فقط آت لنا به "
ابتسمت من بين حزنها تطوق عنقه بذراعيها وقبلته بعمق قبلة
شاركها إياها سريعا تحضن ذراعاه جسدها لجسده بقوة ولهفة
تشبه قبلتهما الشغوفة تلك والتي قطعها رنين هاتفه المرتفع مما
جعل ذراعاها ترتخيان وأبعدت شفتيها ببطء لكن أيا من ذلك لم
يجعله هو يتوقف واستمرت قبلاته القصيرة تداعب شفتيها
فهمست تبتعد عنه
" مطر هاتفك "
شدها من ذراعها وانحنى نحوها مجددا هامسا
" لا تكترثي لأمره "
قالت تحاول الابتعاد مجددا
" لكنك لا تهمله أبدا وقد يكون أمرا مهما "
فتأفف وجلس وقال بضيق يستدير بنصف جسده جهة طاولة
السرير
" إن كانت ابنتك مجددا فسنرجع الآن فورا فقط لأحطمه
فوق رأسها "
ابتسمت بحزن ترفع الخصلات التي تناثرت على وجهها
ورفعت حمالة القميص فوق كتفها تنظر له وقد عاد بجسده
ناحيتها مجيبا على من كان في الطرف الآخر تنظر باستغراب
لحاجبيه المعقودان
" ماذا بكم .... ؟ "
وسكت قليلا يستمع لمن قال في الطرف الآخر
" آسف سيدي لكنك طلبت أن نبلغك عن أي أمر طارئ يحدث
هنا ونحن مع حفيد الزعيم شراع في المستشفى من أكثر من
ساعة ، لم أكن أريد إ... "
" ما به الكاسر ؟ "
أمسكت الجالسة أمامه قلبها وارتفعت أنامل يدها الأخرى
تغطي بظهرها شفتيها ما أن سمعت تلك الكلمات من شفتيه
وما أن قال بضيق
" ولما يتركه يمسكه هل فقد عقله ؟ "
امتدت يدها ليده الممسكة بالهاتف لا شعوريا فأمسكها
برفق بيده الأخرى وقال لمن في الطرف الآخر
" أرجعوهما للمنزل ما أن يسمحوا له بالمغادرة "
وما أن أبعد الهاتف عن أذنه أمسكت يده مجددا وهمست
ونظراتها الوجلة مركزة على عينيه
" ما به ابني ؟ "
نقل الهاتف ليده الأخرى وشد على أناملها قائلا
" هو بخير يا غسق لا تقلقي "
سحبت يدها من يده قائلة بقلق
" لا ليس بخير خذني له الآن يا مطر "
استدار في جلوسه أكثر مقابلا لها وأمسك ذراعيها العاريتان
وقال بجدية ناظرا لعينيها
" غسق ابنك بخير .. إنه مجرد جرح في يده وسيرجع
للمنزل الآن "
لكنها لم تسمع شيئا مما قال وغادرت السرير تنظر حولها
كمن يبحث عن شيء لا يعرف ما يكون وحين أدركت ذلك
أمسكت رأسها وهمست بضياع حزين
" يا رب لا تفجعني في الكاسر مرتين يا رب "
غادر السرير أيضا وأمسك ذراعيها وأدارها ناحيته قائلا بجدية
" غسق توقفي عن قول ذلك ... أخبرتك أنه بخير .. أقسم أنه
مجرد جرح في يده وهو بخير ألا تصدقينني ؟ "
رفعت غرتها للأعلى قبل ان تحررها بتحرر أناملها منها
وأمسكت يده بقوة قائلة
" بلى أصدقك لكني أريد رؤيته الآن وفورا يا مطر أرجوك
لن أرتاح مالم أراه أمامي "
تنهد بعمق وأمسك وجهها وقبل جبينها وضمها لحضنه
يدفنها فيه بقوة وقبل رأسها قائلا
" حسنا ستريه الآن فقط أمهليني قليلا حتى يحضروا لك
ثيابا ويجهزوا طائرة خاصة "
*
*
*
وضع الملعقة على طرف طبقه واتكأ على ظهر الكرسي ترتسم
على طرف شفتيه ابتسامة رجولية خفيفة مميزة يستمع بانتباه
للتي كانت تأكل وتتحدث تحكي له وبعشوائية متداخلة وكأنه لن
تتح لها الفرصة مجددا لتروي له كل تلك الأحداث تبتسم تارة
وتضحك تارة أخرى ترافقها حركة يدها وهي تميل رأسها جهة
كتفها أحيانا مبتسمة تنظر لتلك العينين التي تنظر لعينيها
بانتباه .. طفلة بلدة حجور لم تتركها في جميع تفاصيلها غير
أنها أصبحت بجسد أكبر وأنضج يصرخ أنوثة فريدة من نوعها
لكن تلك الطفلة البريئة الرائعة لم تخرج من روحها ولا قلبها ..
ابتسامتها ضحكتها براءتها ... أخذتها جميعها معها عبر
السنين للمستقبل وكل شيء جميل كانت تنفرد به عن غيرها .
لو كانت امرأة أخرى وأيا كانت ولا تلك الانجليزية ما كان
ليستحمل حديثها خمس دقائق متواصلة هو الذي لا يحب
ولا مشاركة الرجال في أكثر من الأحاديث المهمة وعلى أن
لا تطول طبعا لكن هذه ....! تلك السنين التي عاشها هنا
بعيدا عن ثرثرتها تلك تبدوا علمته أن تلك الأحرف الصغيرة
المتعاقبة والشفاه الصغيرة المبتسمة كانت الترياق للكثير
مما يعاني وقد افتقد ذاك البلسم هنا ويبدو أنه لم يكتشف
ذلك فعليا إلا حين أصبحت هنا في عالمه وحاضره وحياته .
نظر لطبقه ورفع ملعقته مجددا مجيبا على سؤالها
" لا شيء مهم في ماضيا هنا أحكيه لك ماريا "
نظرت ليدها تشد أصابعها على الملعقة فيها وأغمضت
عينيها متنهدة بحزن بل وتمنت أن قتلت نفسها وما طرحت
ذاك السؤال وهي من تعرفه منذ طفولته لا أصدقاء له ولا
رفاق .. عاش واعتاد على ذلك وعلى أن يكون وحيدا بينما
وجدت هي بنات عمها طفلة ثم زهور حين انتقلوا من بلدة
حجور لمنزل والديها لكن الاختلاف أنه ... .
قالت بحزن ونظرها على أصابعها
" الوضع كان مختلفا ونحن طفلان ثم حين كبرنا ... "
قطعت كلماتها بتنهيدة خفيفة حزينة قبل أن تتابع تشد
أصابعها بقوة
" لقد أصبحت أنت رجلا مهما رائعا تخدم وطنك ووطن
غيرك ولك أصدقاء بينما ماريا الطفلة كلما كبرت كانت تجد
نفسها وحيدة بلا نفع ولا شخصية ولا حتى وجود ، لقد
نبذني الجميع لأني مشوهة من الداخل وحتى والدا زهور
كان لديهما تحفظات على علاقتنا رغم أنهما لم يظهرا ذلك
يوما لكني أعلم وأرى ذلك بوضوح "
ورفعت نظراتها المليئة بالدموع له ما أن لاحظت بأنه رفع
يديه ونظرت له من بين دموعها الحارة يخلل أصابعه في
شعره وصولا لعنقه وأمسكه بكلتا يديه بقوة يسند مرفقيه
بالطاولة تحته ينظر للأسفل فغرست أسنانها في شفتها بقوة
فها هي تفسد الأمر مجددا ، حاولت أن تجد صوتها الطبيعي
وهي تقول
" تيم لا يمكنك أن تلوم نفسك أبدا فأنا أعلم الناس بموقفك
حينها ، لقد فكرتَ وتصرفتَ وقررت كرجل لم يفكر في نفسه
بل بي أنا وما كان إنكارك لتلك التهمة سيعالج الأمر مطلقا "
رفع رأسه ونظر جانبا وابتسم بسخرية متمتما
" شيخ القبيلة قال للزعيم مطر أني اعترفت ولم أعطه
الفرصة ليبرئني "
نظرت له من بين تلك الدموع الدافئة سجينة مقلتيها تحاول
تنظيم أنفاسها المضطربة وهو يتابع وقد نظر لها وملامحه
تقسوا مع كلماته
" لكن عمك ما كان ليتوقف عند ذلك ماريا فغرضه كان المال
وكانوا ليسعوا لفعل أي شيء من أجل ذلك وكنتِ ستكونين
زوجة لأحد أبنائهم طال الوقت أو قصر لكن... "
حرك رأسه بقوة وشد على أسنانه هامسا
" كنت أعلم .... التهمة كانت ستلتصق بك والحكاية لن
تنساها الناس ولا حتى زواجنا سيوقف ما قيل ، ما كان
ليجعل الأفواه تصمت سوى زواجك من رجل آخر يكشف
الحقيقة "
شعرت بقلبها انقبض بقوة لمجرد الفكرة وهمست من بين
أنفاسها التي بدأت تخونها أكثر
" تفكر في فعلها تيم ؟ "
عقد حاجبيه وقال بضيق
" وتغضبين حين أقول حمقاء ؟ لو كنت كذلك ما كنت لأوكل
محامٍ لأعوام طويلة كي لا يبطلوا عقد زواجنا .. "
واتكأ بظهره الكرسي وكتف ذراعيه وقال ببرود ينظر لعينيها
" وما كنت رهنا لتقلبات مزاجك ترفضينني في كل مرة أقترب
فيها منك "
نظرت لطبقها ولملعقتها التي حركتها بعشوائية وتمتمت
تعاند ابتسامتها الخجولة
" طعامهم رائع هنا "
فتمتم الذي ابتسم بخفوت وقد استند بمرفقيه على الطاولة
وانحنى جهتها
" أتعلمي لو لم نكن في هذا المكان ما فعلت بك ؟ "
نظرت له بصدمة تلصق ظهرها بالكرسي مجفلة ترمش ناظرة
للذي عاد للوراء مبتسماً وأمسك ملعقته وانشغل بطعامه مجدداً
فمدت شفتيها قليلاً بعبوس ونظرت حولها فهو أصر على مكان
مكشوف عكس رغبتها في الأماكن الخاصة المغلقة وظنته يتعمد
ذلك كي لا يكسبا بعض الخصوصية لكنه أقر نهاية الأمر هامسا
من بين أسنانه ينظر لها بحنق
( نحن لا نجلس في الأماكن المنعزلة حين نكون في مكان عام
ماريا .. هل يكفيك هذا ؟ )
فتنفست حينها الصعداء وابتسمت له وكأنه ليس غاضبا منها ولا
أنها المستاءة قبل قليل ، انطفأت ابتسامتها الشاردة في ملامحه
الرجولية فائقة الوسامة حين قال ونظره لازال على طعامه
" أكذب عليك ماريا إن لم أقل بأني فكرت أحيانا في أني أستمر
في ظلمك معي بذاك الرباط الذي بني على الأكاذيب لأني كنت
أعلم جيدا ما كنت تتحدثين عنه وأتوقع جيدا ما سيحدث لك هناك
مع مرور الأعوام "
تنقلت نظراتها بحزن في ملامحه وهمست بأحرف بالكاد
خرجت منها
" ندمت ؟ "
حرك رأسه بالنفي دون أن يرفعه ولا أن ينظر لها واستمر
يأكل طعامه فقالت ونظرها لم يفارقه
" لكني نسيت كل ذلك تيم ولم أعد أذكره منذ ... منذ دخلت
منزلنا وواجهت عمي قيس بما لم يفعله أحد قبلك ومنذ
أمسكت يدي وسحبتني من ذاك المكان وخرجت بي منه "
وتابعت تنطر لعينيه التي رفعها لعينيها وملامحه الرجولية
الوسيمة تتلاشى تدريجيا بسبب تلك الدموع التي غطت
مقلتيها الذهبية الواسعة
" لم أعد أذكر كل ذلك وكل ما قاسيته من الجميع ما أن
أصبحت هنا ورغم خلافاتنا السابقة جميعها والألم الذي
قاسيته من حقيقة وجود تلك الإنجليزية في حياتك إلا أني
نسيت كل ما تركته خلفي هناك فكيف بعد أن أصبحنا معا ؟ "
امتدت يده لوجهها ومسح إبهامه الدمعة من رموشها ونزل
به لشفتيها وكأنه يمسحها فيها وهمس مبتسما بخفوت
" إذا لن أرى هذه مجدداً ماريا مفهوم ؟ "
ابتسمت بحزن وأنزلت رأسها للأسفل مع ابتعاد يده عن وجهها
وما أن رفعت نظرها له كان ينظر لطبق السلطة الذي كان يقلبه
بالشوكة دون أن يأكل منه فنظرت حولها باستغراب قبل أن تدير
رأسها للخلف ووقع نظرها فورا على الطاولة الأقرب لهما
وللشقراء التي أنزلت نظرها عنه للكأس الذي تحركه في يدها
التي كانت تتكئ بمرفقها على الطاولة تحتها وادعت الانشغال به
ما أن نظرت هي لها فعادت بوجهها للأمام ولجلستها السابقة
تشعر بالأبخرة بدأت تتصاعد من ذاك الشعر البني الناعم الذي
كان يغطي رأسها تنظر للذي رفع كأس العصير وشرب منه يتجنب
النظر أمامه فنظرت للخلف مجددا وبسرعة لم يعنيها أن تكون
حركتها تلك غير لبقة وهي تجلس في مطعم فغرضها كان الإمساك
بالتي كانت تنظر للجالس أمامها مبتسمة بإغراء تنتظر فقط أن
تصطادها نظراته التي كان يتعمد وبشكل واضح أن لا تقع عليها ،
وما أن اكتشفت بأنها أصبحت مكشوفة لمرافقته لم تهتم بل
ورمقتها بنظرة جعلتها تشتعل أكثر فرفعت لها قبضتها متعمدة
تريها خاتم الزواج فيها تنظر لها بغضب واستدارت بعدها على
الفور ونظرت للجالس أمامها والذي تابع حينها كل ما حدث
أمامه وقد نجح ببراعة في أن يظهر العكس ينتظر ما يتوقع جيدا
وما حدث بالفعل حين قالت التي تململت في جلستها بضيق
" تيم "
رفع نظره لها ونظر لعينيها فنظرت جانبا قبل أن تنظر للطعام
تحتها وقالت
" هل أطلب منك طلبا لا ترفضه هذه المرة ؟ "
وكما توقع ها هي على استعداد لأن تحارب وهو ضحيتها بالطبع
وها هي ستبدأ المعركة ، كتف ذراعيه لصدره وقال ببرود
" جميل ... وكم طلب هذا الذي رفضته لك يا جاحدة ؟ "
ضمت أصابعها في قبضة واحدة تريحها على الطاولة
وقالت بضيق
" قل كم مرة طلب شيئا ولم ترفضه .. أنت تستخدم كلمة
لا أكثر من أي كلمة أخرى في لغاتك جميعها "
نظر جانبا وتمتم ببرود
" إذا ... لا "
ضربت بقبضتها بخفة على الطاولة تحتها وقالت بذات ضيقها
" أرأيت نفسك ؟ أنت لا تسعى أبدا لإرضاء كلينا بعدل "
نظر لها وقال بضيق مماثل
" صدق الصادق فيما قال ... تكفرن العشير "
أشارت لنفسها قائلة بحنق
" أنا تقصد ؟ "
انحنى جهتها يسند بساعديه على الطاولة وقال بابتسامة باردة
" لا الموجودة خلفك "
اشتدت أصابعها مجددا في قبضة واحدة فوق الطاولة وما أن
كانت ستتحدث سبقها وقد عاد لجلوسه السابق وأمسك ملعقته
قائلا بانزعاج
" هيا ماريا بالله عليك لا مزاج لي للشجار معك الآن "
قالت من فورها وبضيق
" أجل فأنا التي تفتعل الشجارات دائما "
رفع نطره لها وقال بضيق مماثل يشير بالشوكة في يده
" أتعلمي لو رميت هذه الشوكة هكذا الآن ماذا ستصيب ؟ "
قالت تقلده وبنزق
" المرأة الموجودة خلفي بالطبع "
ضرب بطرف الشوكة على الطاولة تحته وقال بحنق
" ها أنت ذكية فيكفي افتعالا للمشكلات تعاقبينني على ما
لا دخل لي به "
قالت بحنق
" ستجلس مكاني إذا "
دفع الكرسي للخلف وهو يقف قائلا
" بل سنغادر هذا المكان سيدة كنعان يرضيك هذا ؟ "
رمت المنديل من يدها بقوة واستياء ما أن مسحت به شفتيها
ووقفت وما أن تحرك من مكانه نظرت باستغراب ليده التي
مدها ناحيتها وهو يستدير حول الطاولة فمدت يدها وأمسكتها
وهي تغادر كرسيها أيضا وما أن مرا قرب الطاولة المجاورة
لف ساعده حول خصرها فرفعت نظرها مبتسمة له فكان ينظر
لمدخل المطعم بعيدا فرمقت التي مرت بقربها بنظرة
( احترقي مكانك )
وبادلتها تلك النظرة بواحدة حاقدة تجاهلتها تماما ، وما أن
وصلا السيارة وانطلقا مغادران المكان تحدث قبلها لأنه يتكهن
جيدا بما ستقول ولما سينتهي فقال بجدية ونظره على الطريق
أمامه
" ماريا عليك أن تفهمي أمرا مهما عن النساء هنا فلا وجود
لرجل محدد في حياتهن إنهن عاهرات بجميع أنواعهن .. تواعد
رجلا لا تعرفه تنام معه ويفترقا صباحا لا أحد فيهما يعرف اسم
الآخر لأنهما اتفقا على ذلك ... يعجبها هذا الرجل وذاك وذاك
والآخر فلن نصنع مشكلة بسبب إحداهن كلما خرجنا معا "
نظرت له تزم شفتيها بحنق وقالت ما أن حررتهما
" لكنها لم تنظر لباقي الرجال في المطعم بل لك أنت "
همس بتوعد أقرب للتهديد يحرك أصابعه على المقود
" مارياااا "
فتأففت ونظرت جهة النافذة مكتفة ذراعيها وهمست بتذمر
" ها هي ماريا ستخرس نهائيا "
قال بابتسامة جانبية يرمقها بطرف عينيه
" ولن تقول ما هو الطلب الذي كانت ستطلبه ؟ "
أصدرت صوتا بكلمة لا دون أن تفتح فمها ولا أن تتحدث فأدار
المقود قائلا
" جيد لا تذكريه لاحقا إذا "
استدارت جهته بسرعة وقالت بضيق
" بل سأقول الآن وافعل ما يحلو لك "
نظر لها وقال بتملق
" أنت من قرر الصمت أنا لم أطلب منك ذلك "
تنهدت بضيق قبل أن تقول بأمل يحتضر
" عمي حارثة أخبرني عن حفل خطو.... "
" لا ماريا "
كان جوابه مباشرا بل وآمراً من قبل أن تنهي حديثها وهو يعود
بنظره للطريق فقالت بضيق تراقب نصف وجهه المقابل لها
" أرأيت نفسك وتتهمني بالنكران ! "
شد أصابعه الطويلة على المقود قائلا بضيق مماثل
" لأنك تطلبين دائما ما تعلمين بأني سأرفضه "
قالت من فورها وبضيق أشد
" بل لأنك ترفض كل شيء "
" لننهي هذا النقاش التافه ماريا "
صرخ بتلك الكلمات بغضب فقالت ودون اهتمام وبغضب مماثل
تشير لنفسها
" هل ما أقوله تافه ؟ "
نظر لها قبل أن يعود بنظره للطريق قائلا بحنق
" بل ما أقوله أنا ماريا فلننهي الحديث في الأمر "
قالت بضيق
" اصمت أنت أنا سأتحدث وأريد حضور الحفل "
" اذهبي لن أمنعك "
قالها بحدة مشيرا برأسه للبعيد فقالت باستهجان
" وحدي ؟ "
نطر لها وقال بذات ضيقه
" لا بالطبع فلن تقودي سيارتك لبريستول وحدك سأرميك أنا
هناك وأغادر بالرغم من أني لست راض عن اقترابك منهم
أيضا وهذا فقط كي لا تقولي بأني أرفض ما تطلبين "
ضربت على فخذها بقبضتها قائلة باحتجاج
" أنا لست كيس قمامة ترميني وترحل "
لوح بيده في وجهها قائلا بتملق
" حسنا جيد هذا فقط ما أزعجك ؟ لا بأس آسف سأرميك
كباقة أزهار في حفلهم السخيف ذاك وأغادر "
نظرت له بأسى رغم الحدة في كلماتها قائلة
" تيم أنت تستمر في تجريحي أقسم ولا تهتم لمشاعري "
وقفت سيارتهم عند الإشارة الضوئية حينها ونظر لها وقال بجدية
" ماريا أنا أرفضهم ولا أريد رؤيتهم أبدا ... ظننتك تفهمين
ذلك دون أن أشرحه "
قالت من فورها
" بلى أفهمه وأشعر به لكن رواح صديقك وساندرين
صديقتي وسنكون هناك من أجلهما "
نظر للإشارة الحمراء قبل أن يتمتم ببرود
" أنا أساسا لا أحب تلك الفتاة ولا أعترف بها صديقة لك "
قالت محتجة ولازالت تنظر له
" وما ذنبي أنا إن كنت لا تحب صديقتي ؟ "
نظر لعينيها وقال بتملق
" عليك الاختيار بيننا طبعا "
نظرت له بصدمة لبرهة قبل أن تقول
" وأنا لا أحب صديقك وعليك أن تختار "
نظر للطريق وهو ينطلق بالسيارة مجددا وقال ببرود
" حسنا لن أراه مجددا ولن أتحدث معه لقد اخترتك ماريا "
لكمت ذراعه بقبضتها بحنق ونظرت جهة نافذتها تتكئ بذقنها
على قبضتها تنظر للشوارع المزدحمة بعبوس تتجنب النظر للذي
كان يقود ببطء يسرق نظره ناحيتها كل حين ، وما أن شعرت
بملمس أصابعه على شحمة أذنها حركة كتفها ورمت يده عنها
بضيق فأعادها للمقود مبتسما ولم يبعد نظره عن الطريق ..
وما هي إلا لحظات وأعاد حركته مجددا لكنه أمسكها هذه المرة
بسبابته وإبهامه يشدها منها برفق وقال ناظرا لما يظهر له
من ملامحها
" أتعلمي بمن تذكرينني وأنت غاضبة هكذا ؟ "
انحرف رأسها قليلا ونظرت له بطرف عينيها فداعبت أصابعه
أطراف خصلات غرتها قبل أن يعيد يده للمقود وقال بشرود في
الطريق أمامه
" بوالدتي حين كانت تغضب مني لأجلك "
شعرت بقلبها انقبض بقوة وبغمامة داكنة كتمت على صدرها
وامتلأت عيناها الواسعة بالدموع رغما عنها وهي تنظر ناحيته
وهمست تنظر لنصف وجهه المقابل لها
" كم أحبها وأشتاق لها وكم افتقدتها منذ رحلت ولازلت أراها في
منامي حتى الآن "
ولم تستغرب لحظة الصمت تلك التي عمت المكان لعدم تعليقه
على الأمر بل وكانت موقنة من أنه لن يتحدث عنه ، وخان
توقعاتها بالفعل هذه المرة وهو يقول بجمود ونظره على الطريق
" أشعر بأنها تموت مجدداً كلما رأيت واحدا منهم ماريا عليك
أن تفهميني "
قالت بصوت ضعيف لازالت تنظر لنصف وجهه من بين دموعها
" أفهمك تيم بل وأعذرك لكن رواح من دعاك وهو صديقك "
رفع يده أمام وجهه وكأنه يحدثها أمامه وليس لا ينظر ناحيتها
أبدا قائلا بحنق
" ودخولي لمنازلهم معناه واحد ماريا فلم أفعلها سابقا سوى
لمرتين كلاهما من أجلك وسأفعلها الآن من أجلك أيضا لكني
من سيحدد وقت ذهابنا ومغادرتنا مفهوم ؟ "
اتسعت ابتسامتها برضى من بين كل ذاك البؤس والحزن وقالت
" موافقة ... "
ومسحت عينيها بقوة وتابعت تمسك ضحكتها
" هل يمكنني تقبيل خدك كشكر فقط ؟ "
رمقها بطرف عينيه وقال ببرود
" لا بالطبع ممنوع يكفيك أن سمحت لك بالجلوس هنا "
ضحكت وتجاهلت رفضه منحنية ناحيته وطوقت عنقه وقبلت خده
واتكأت برأسها على كتفه وقالت مبتسمة
" سأفعل هذا أيضا رغما عنك "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, قلوووب محتاره and 85 others like this.
رد مع اقتباس
#10672
قديم 13-02-19, 10:03 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
وقف أمام باب الغرفة وابتسم مستندا بيده على إطاره ينظر
للواقفة عند النافذة متكئة على زجاجها بجبينها تنظر للخارج
بشرود تحضن نفسها بذراعيها وتنقلت نظراته من شعرها
المموج الطويل نزولا لفستانها القصير يحتضن بنعومة جسدها
المستدير ، تحرك من مكانه واقترب منها حتى كان خلفها تماما
وحضنها تلتف ذراعاه حول ذراعيها وهمس في أذنها بحنان
" ما بها ثنانية رعد شاردة الذهن وحزينة هكذا ؟ "
وما أن رفعت يدها لوجهها ابتعد عنها وأدارها ناحيته وقال ينظر
لعينيها بصدمة
" لا .. لا .. لا في الأمر دموع أيضا آستي بالله عليك !! "
وحضنها بقوة من فوره وقبل شعرها ورأسها ودفنها في حضنه
بقوة وقال ما فهمه جيدا
" اشتقت لهم آستريا ؟ "
التفت ذراعاها حول خصره بقوة تتكئ بجانب وجهها على صدره
وهمست ببحة بكاء
" أجل وكثيرا يا رعد .. اشتقت لشقيقتي وأبنائهما .. لأشقائي
وعائلاتهم وحتى ساجي ورغماً عن كل ما حدث "
نظر لها ومسحت أطراف ظهر أنامله على وجنتها وقال
" هل آخذك لهم لتزوريهم ؟ سأخاطر بفعلها فقط لا أرى
هذه الدموع حبيبتي "
ابتعدت عنه ونظرت لعينيه من بين دموعها وهمست بعد شهقة
بكاء صغيرة
" لا بالطبع أتريد أن أخسرك ؟ أحبهم أجل وأشتاق لهم لكني
سأختارك عليهم ما حييت يا رعد "
سحبها لحضنه مجددا وحضنها بقوة قائلا
" حبيبتي أنت آستي من دونك عالمي لا طعم له مطلقا "
طوقت ذراعاها خصره بقوة وقالت ببحة بكاء تدفن ملامحها
في صدره
" وأنا معك حيثما ستكون لكني أخشى فعلا أن تكبر الفجوة بيننا
وبين العرب واحرم منهم أو منك فأعيش وابنك من دونك "
أبعد شفتيه ليتحدث فتحجرتا مكانهما ما أن استوعب ما قالت
وأبعدها عنه قائلا بصدمة
" إ.. ابن من ؟ هل قلت ابني ! "
ابتسمت من بين دموعها وهمست تمسح بظهر كفها عينيها
العسلية الواسعة
" أجل ألم أخبرك ؟ الطبيبة أكدت لي بالأمس لكنك لم تكن
هنا البارحة "
وصرخت ضاحكة ما أن رفعها عن الأرض بين ذراعيه ودار بها
حول نفسه دورة كاملة متمسكة به بقوة كي لا تقع وقالت بضحكة
" رعد أنزلني "
لكنه خرج بها من الغرفة وعبر الممر مناديا بسعادة
" عمتي ... عمتيييي "
وتوجه بها جهة المطبخ السفلي متجاهلا احتجاجها الضاحك
حتى وصل للتي خرجت من هناك مسرعة تنظر لهما باستغراب
فدار بها حولها قائلا بسعادة
" شراع قادم عمتي ... وأخيرا سأحمل ابني بين يداي ومن
هذه المرأة تحديدا "
نظرت لهما مبتسمة بعينين دامعة حامدة الله بهمس وقالت
تتبعه بنظرها فلم يكتفي بعد من الدوران بها
" أنزلها هيا ولا توقعها وتقتل ابنك بنفسك "
أنزلها حينها وحضن كتفيها بذراعه قبل أن يدفنها في حضنه
يضمها بذراعيه بقوة وقال بسعادة ناظرا للتي كانت تنظر
لهما مبتسمة
" أفقد حياتي إن فقدتها عمتي .. ها أنا اقولها لكم من الآن
فلا يلمني أحد إن حدث ذلك "
لامست يدها ذراعه وقالت بحنان
" لا فرق الله بينكما بني ولا أبكى عينا أحدكما على الآخر "
وتابعت مبتسمة تنظر لهما ولازال يرفض أن تترك حضنه
" وماذا إن كانت فتاة ؟ "
ضحك وأبعدها عنه وأمسك وجهها وقبل جبينها وقال
ناظرا لعينيها
" علي أن أكون عادلا حينها وسنسميها على اسم جدتها لكنك
لن تستطيعي نطقه بشكل صحيح عمتي قبل أن يصبح
عمرها عامين "
نظرت له عمته باستغراب بينما ضحكت التي لكمت صدره
بقبضتها ونامت فيه وحضنت خصره بذراعيها بقوة قائلة
" يكفي أن تكون ابنتك وسمها أنت ما تريد "
ابتسم ورفع نظره للتي قالت وابتسامتها تختفي تدريجيا
" ماذا حدث في موضوع شقيقك رماح ؟ حاله لا يعحبني بني
وكم أتمنى له نصف السعادة التي حظيت بها أنت أخيرا "
قال ويده تمسح على شعر النائمة في حضنه
" كان يفترض أن نعقد قرآنهما هذه الفترة عمتي لكن
غسق ها هي تستجم مع زوجها في بينبان وتبدو
رحلتهما طويلة "
تنهدت الواقفة أمامهما وأشاحت بوجهها جانبا فقال بجدية
" عمتي غسق سعادتها مع ذاك الرجل لأنها تحبه ولم تستطع
السنين الماضية أن تنسيها إياه اعترفنا بذلك أم رفضناه
ويفترض أن سعادتها ما يهمنا جميعا فيكفيها ما قاسته
أعواما طويلة "
وكان تعليقها تنهيدة متضايقة أخرى قبل أن تنظر له قائلة
" المهم الآن اتركنا في موضوع رماح فلست أرى وجود
غسق ضروريا إن كانت رحلتهما ستطول فأملنا كبير في
أن تغير تلك الفتاة أفكاره حول العملية لعله يجريها ويستعيد
عافيته مجددا "
قال بجدية
" عمتي ما يهمني الآن أن يكون رماح سعيدا مع المرأة التي
يحبها واستعادة قدرته على المشي ذاك أمر الله وحده يعلم ما
الخير فيه وإن كانت العملية ستحققه أم لا "
تنهدت بأسى قائلة
" لعلنا نرى ابتسامة وضحكة رماح القديمة .. قسما أني اشتقت
لها فقد فقدها مع والده وساقيه "
تنهد الواقف أمامها بحزن وما أن كان سيتحدث قاطعه رنين
هاتفه فأخرجه من جيبه لحظة ابتعاد التي كان يحضنها بقوة
ونظر لاسم المتصل قبل أن يجيب قائلا
" أجل يا تيما "
وصله صوتها القلق فورا
" خالي رعد أنا في المستشفى .. الكاسر أصيب في يده ولم
أستطع الاتصال بوالدي وهو في الداخل منذ أكثر من ساعة ولا
أعلم ما الذي يمكنني فعله "
نظر للواقفتين قربه تنظران لملامحه باستغراب وقال
" وما خطورة إصابته ؟ "
" لا أعلم إنه مقص التقليم الكهربائي وقد نزفت يده كثيرا "
شتم هامسا وتوجه جهة الباب قائلا
" أنا قادم "
فلحقتا به اللتان وقفتا ما أن سبقت يد إحداهما الأخرى لكم سترته
وأوقفته قائلة
" ماذا حدث يا رعد بماذا أخبرتك تيما ؟ "
نظر لها أولا وقال وهو يستدير مغادرا من جديد
" لا شيء خطر عمتي الكاسر أصيبت يده وتيما معه في
المستشفى لوحدها "
فأمسكت يده موقفة له مجددا وقالت
" لا شيء خطر وتتصل بك ؟ وتنقلب ملامحك هكذا
وتخرج فورا !! "
نظر لها وقال بضيق
" عمتي بالله عليك لا تهولي الأمور "
قالت متجاهلة ما قال
" سأذهب معك "
" عمتي أ.... "
قاطعته بإصرار
" ستأخذني معك الآن يا رعد لأراه بنفسي وأتأكد "
تأفف وخضع لإصرارها ولا حل أمامه .
*
*
*
أغلق باب الشقة وتقدم يديه في جيبي بنطلونه نحو التي سارت
للخلف مقابلة له ترفع سبابتها قائلة بابتسامة
" تيم أنت رجل والرجل لا يتراجع عن كلمته لا تنسى ذلك "
واصل سيره باتجاهها قائلا
" حذرتك سابقا من الاقتراب مني ... فعلت أم لم أفعل ؟ "
التصق ظهرها بباب غرفتها المغلق خلفها ورفعت يديها
باستسلام قائلة
" حسنا لن أفعلها مجددا أقسم لك و... "
شهقت ضاحكة ما أن وصل عندها وشدها من خصرها لجسده
بساعده يلفه حوله بقوة بينما فتح بيده الأخرى مقبض الباب
خلفها وسار بها للداخل وأدار يده مغلقا الباب خلف ظهره
وانحنى ورفعها بين ذراعيه وخطوتين فقط وكانت مرمية على
السرير وما أن رفعت جسدها بمرفقيها وزحفت للخلف قليلا
لتبتعد ارتدت للأسفل على السرير بقوة بسبب أصابعه التي التفت
حول كتفيها وثبتها عليه وانحنى فوقها يثبت ركبته بحافة السرير
فرفعت يديها لكتفيه وأمسكته قائلة
" تيم انتظر أرجوك دعنا نتفاهم أولا "
أبعد يديها وأدارهما خلف خصرها يثبتهما بيد واحدة محكمة
وارتفعت يده الأخرى لسترة الفستان وأبعد طرفها بحركة واحدة
وانحنى ناحيتها أكثر وما أن شعرت بملمس شفتيه على بشرة
نحرها الناعمة همست بصعوبة
" تيم أنت وعدتني "
وحين لم يستجب لكلماتها عبث شفتيه يواصل طريقه نزولا
حركت جسدها من الأعلى واستطاعت تحرير يدها بذلك فرفعتها
لكتفه والتفت أصابعها حول قماش قميصه تحاول إبعاده متمتمة
" تيم استمع لي ولنتفاهم أولا "
رفع رأسه ونظر لها وهمس بجدية ويده ترفع فستانها تلامس
فخذها صعودا
" هيا قولي أسبابك وأقنعيني "
أغمضت عينها تتنفس بصعوبة وأصابعه تلامس خصرها
العاري بنعومة وما أن فتحت عينيها نظرت لعينيه وهمست
من بين أنفاسها
" ستعرض نفسك للخطر بهذا "
رفع قدمه الأخرى عن الأرض وما أن نزل بجسده على جسدها
شعر بارتجافه كفراشة مبللة الجناحين تحته فارتسمت على طرف
شفتيه ابتسامة صغيرة وهو يهمس
" لن نفترض الأسوأ "
غرست أسنانها في طرف شفتها وأغمضت عينيها أمام نظراته
وابتسامته المائلة لاستسلامها التدريجي له ورفع فستانها ونزعه
عنها بحركة متقنة وتسللت يداه لظهرها وحضنها بقوة وعادت
شفتيه للعبث بنعومة على عنقها فعادت تلك الشفاه المشدودة
بتوتر للهمس مجددا
" تيم نحن لم نحطت ... ماذا إن حملت ؟ "
طوق جسدها بذراعيه بقوة أكثر قبلاته ترتفع لأذنها وهمس
" لابأس وأنا أريد طفلا "
وعادت قبلاته الشغوفة المتلاحقة لسحق تلك البشرة البيضاء
الناعمة فارتخت يداها كما جسدها بين ذراعيه وانهارت باقي
قواها لمقاومته وهذا ما كان كلاهما أكيدا من أنها ستصله نهاية
الأمر فابتسم بانتصار وانتقلت شفتاه لشفتيها وبالفعل سرعان ما
انساقت معه في قبلات شغوفة متتالية أصابعها تتخلل شعر قفا
عنقه والأخرى تشد ياقة قميصه من الخلف بقوة .
وسرعان ما ابتعد عنها واقفا بقفزة سريعة يتبادلان نظرة
مصدومة من بين أنفاسهما القوية المتعاقبة وسحبت اللحاف
على جسدها بسرعة تغطيه وتعالت أنفاسها أكثر تنظر له وقد
أدار وجهه للخلف بعد أن فتح أحدهم باب الشقة من الخارج ...!
وما أن تحركت تلك الخطوات بالكعب النسائي المرتفع في الخارج
اتسعت عيناها المحدقة به بذهول فشد أصابعه في قبضة واحدة
وشتم هامسا وهو يستدير فوقفت مسرعة وأمسكت ذراعه توقفه
وما أن نظر ناحيتها رفعت يدها لشفتيه تزيل عن طرفها أحمر
الشفاه الزهري الذي ترك أثرا عليها فأمسك يدها وأبعدها بقوة
ملامحه الغاضبة لا تنبئ بالخير بتاتا واستدار للباب مجددا
فاستدارت أمامه ووقفت بينهما وأمسكت ذراعيه وهمست ناظرة
لعينيه وعيناها تمتلئ بالدموع تدريجيا
" أنا لست على استعداد لأفقدك تيم ولأي سبب كان فتهورك
الآن لن يخدم كلينا "
وحين لم يعلق ولم يتحرك من مكانه أيضا رفعت إبهامها لشفتيه
ومسحت باقي الحمرة منهما ورفعت أوراقا من مذكرتها بسرعة
ووضعتها في يده ورفعت فستانها وتوجهت لباب الغرفة أولا
وفتحته قليلا وببطء تسمع صوت تلك الخطوات جهة غرفته في
الجانب الآخر وتوجهت بعدها للحمام فورا ودخلت وأغلقته خلفها
تراقبها نظرات الذي تركته واقفا مكانه فتأفف يشد أصابعه على
الأوراق فيها بقوة ومرر أصابع يده الأخرى في شعره بعنف
يحاول ترتيبه ونظر لقميصه ونفضه بغضب حين اكتشف بأنه فقد
زرين من ياقته وانتهى الأمر والتفت للباب ينظر بغضب للتي
فتحته بقوة ودفعته للداخل دفعا ونظرت له بصدمة وكأنها لم
تكن تتوقع أن تجده لوحده هناك ولا خارج سرير الغرفة
وانتقلت نظراتها للأوراق في يده ثم لباب الحمام حيث صوت
المياه المتدفقة بقوة مما يعني بأن الموجودة داخله تستحم
والواقف هنا ينتظرها ليس إلا !
" من أين أخذت مفتاح الشقة لوسي ؟ "
قالها بأحرف مشدودة من بين أسنانه .. كلمات تجاهلتها كما
تجاهلت غضبه الواضح وكأنه لا حل لها غيره وقالت بضيق
أيضا وقد تقدمت للداخل
" تخرجا للعشاء معا ولم تفعلها معي يوما تيموثي وتتحجج
في كل مرة "
" المفتاح لوسي "
مد يده لها صارخا فيها بتلك الكلمات بغضب فنظرت له بصمت
وما أن صرخ مجددا
" المفتااااح "
حتى تأففت بضيق وفتحت حقيبة فستانها الحمراء وأخرجت
مفتاحين في حلقة معدنية ومدتهما له فصرخته تلك كانت كفيلة
ليس بجعلها تخضع لأوامره فقط بل وبجعل الواقفة خلف الباب
تضم قبضتها قرب شفتيها وكأنها كانت موجهة لها هي ،
وأغمضت عينيها وكأنها تلقت صفعة حين علا صراخه الغاضب
مجددا فوق صوت الماء المندفع بقوة قربها
" ليس تيم من تخضعه امرأة لأوامرها لوسيانا .. ولست أنا من
تحركه امرأة كانت من تكون .. وليس الواقف أمامك الآن من
يسمح لأحد بالتدخل فيما يخصه ... لا أحد مفهوم ؟ وباب الشقة
لا تدخليه من دون إذني وإن وجدته مفتوحا "
فعلا الصراخ المحتج من الطرف الآخر أيضا وكأنها لا تهتم
أساسا لغضبه
" يكفيك صراخا بي .. أنت خطيبي تيموثي ما الخطأ في
أن أملك مفتاحا لشقتك "
فصرخ مجددا
" ذلك حين أكون أنا راض عن ذلك ، هل سألتك أنت أين
تكونين وهل تبعتك أخنقك هكذا ؟ لا علاقة لك بي لوسي
وإن وجدت إحداهن نائمة في حضني "
فاتسعت تلك العينان الزرقاء بصدمة قبل أن تهمس صاحبتها
" ماذا تعني بلا علاقة لي ؟ أنت تت... "
قاطعها بغضب
" أين كنت البارحة لوسي هل لك أن تجيبي ؟ "
نظرت له بصدمة أشد وبصمت لبرهة قبل أن تقول محتجة
" كنا نخيم مجمو.. كنا في... أنت رفضت أن تكون معنا ..
أخبرتك ورفضت بسبب عملك "
لوح بيده قائلا بضيق
" أخبارك لا تخفى عني لوسي كما تصلك تحركاتي بدقة ..
ليكن معلوما لديك فقط "
ضربت قدمها بالأرض قائلة
" أنت من يدفعني لذلك .. إنك ترفض حتى أن نتشارك في قبلة
يفعلها المخطوبان طوال الوقت ، أنت تهملني كأنثى تحبطني
وتشعرني بالنقص "
قال من فوره وضيقه يزداد حدة " ولما لا يرضيك أن أفعل
أنا ذلك وعليا فقط أن أكون وفيا ؟ "
قالت سريعا وبقوة
" لأنك من يرفض "
فصرخ فيها من فوره
" لا تتحججي لوسي "
اقتربت منه وحضنته تطوق عنقه بذراعيها بقوة وقبلت خده
هامسة باعتذار
" أهذا ما أغضبك ؟ آسفة حبيبي قسما لن يتكرر ذلك ، لقد كان
مجرد لهو ومزاح "
أبعد يديها عنه بقوة وود لو قال ما في قلبه وبأنه لم يعنيه شيء
مما فعلت وتفعل لكنه وكالعادة غادر وتركها بل ووجهته كانت
باب الشقة الذي ضربه خلفه بقوة زلزلت الجدران وتركها خلفه
تتآكل غيظا فلم ترضخ نفسها وتنزل كرامتها لشاب مثلما فعلت
معه فهي أساسا لم يجذبها رجل مثله من قبل وما حدث البارحة
لأنها كانت ثملة وتعلم جيدا من سيكون أوشى بها .
نظرت بسرعة جهة باب الحمام الذي انفتح فجأة وللواقفة أمامه
تنظر لها بصدمة لتوقعها بأنها غادرت أيضا وكم حمدت الله أنها
كانت تلبس روب الحمام لا الفستان وأن شعرها قد تبلل عندما
فتحت مياه حوض الاستحمام مما أظهرها الآن بمظهر من كانت
تستحم فعلا ، وكانت هي من كسر الصمت تواجه نظراتها
المشبعة بالحقد قائلة
" مرحبا لوسي .. هل تر... "
" تظنيني غبية سأصدق أنك لم تسمعي صراخه الغاضب "
قاطعتها بقسوة وكأنها تفرغ غضبها منه بها .. أجل فهي لن
تستطيع فعل ذلك معه ، قسما لا يجبرها على تحملها غير
سلامته لما استحملت كل هذا ، قالت ببرود متعمد
" سمعت لكني لم أكن أ.... "
قاطعتها مجددا وبأمر
" أنت فعلا تحبين خطيبك ذاك ؟ "
نظرت لها بذهول وقد تابعت تلك من قبل أن تعلق
" أنتما لم تجتمعا معا طيلة الأيام الماضية ! لم تخرجا معا !
لم يأتي هنا ! لم تذهبي له ولم تتقابلا ولا في الجامعة ؟ "
أخفت الصدمة من ملامحها بصعوبة فلم تكن تتوقع أن يكونا
مراقبان أيضا وها هي شكها ناحيتها لم ينتهي لما كانت لتفعل
كل هذا فقط لتتأكد من علاقتها وكين ، قالت بشبه همس
" تشاجرنا مجددا ولم أراه "
اقتربت منها خطوتين وقالت تنظر لعينيها
" أتعلمي يا فتاة أنا لا أصدق كل هذا .. أنت تتلاعبين بذاك
الشاب فقط لتغطي على أفعالك ومشاعرك الحقيقية التي
ليست موجهة له أساسا "
ففغرت فاها وشفتيها الرقيقتان بصدمة قبل أن تهمس
" كين لا... "
فقاطعتها كالعادة قائلة بضيق
" قد تنطلي حيلك هذه على الرجال لكن ليس على
امرأة مثلك ، غرضك من كل هذا الحصول على تيموثي
الشاب اليوناني الذي يفوق خطيبك الوسيم وسامة
وتستخدمين جميع الحيل للحصول عليه دون أن يشعر كليهما
ونسيت بأن له خطيبة لن تسمح لك بلمس شعرة من رأسه "
حركت رأسها بقوة قائلة
" غير صحيح ... ما تقولينه ليس صحيحا فكين وتيم
أبناء خالة وصديقان أيضا وما كانا ليسمحا لهذا بأن يحدث
وإن أردته أنا كما تقولين "
أشارت بسبابتها في وجهها قائلة
" وانت ابنة خالتهما كليهما ...؟ أتعلمي بأنه حولك دائرة
حمراء كبيرة بالنسبة لي وسر عليا أن أكتشفه "
راقبتها نظراتها باستغراب وهي تدور حولها بحركة بطيئة
وقد تابعت هجومها المباغت قائلة بجدية
" ماري الفتاة الإيطالية التي اختفت وقيل بأنها ماتت منتحرة
بسبب حبها لرجل لم يبادلها تلك المشاعر وجرحها ورفضها
أمام الملأ .. ثم ظهرت مجددا فمن هو ذاك الرجل وأين كنت
ماري تلك الفترة ؟ لما يصر تيموثي على مناداتك ماريه كما
تصرين أنت على اسم تيم ؟ "
قالت بجدية أيضا تتجنب النظر لها بما أنها لم تعد أمامها
مباشره
" الجميع يناديه كذلك ويختصرون اسمه كما أن ماريه اسم
يستخدمه خطيبي كين وماضيا أمر يخصني وحدي لا وجود
لخطيبك فيه فهو يعيش هنا بينما كنت أنا في إيطاليا "
لم تعلق تلك لكن نظرات الشك لم تغادر عينيها ما أن كانت
أمامها مجددا ولا نظرات التوجس من المقابلة لها فبحثها
عن الحقائق معناه أنها قد تُكتشف ... قد تَكتشف بأنها ليست
ماري دفيسنت الإيطاليا إذا فتيم ليس تيموثي فالكون يوناني
الأب إيطالي الأم وأنهما ليسا أبناء اثنين من الشقيقات
الإيطاليات الثلاثة اللاتي تزوجن من رجال من دول مختلفة ،
تلك الفكرة وحدها كادت ترسل عقلها للجنون فقالت سريعا
" ماذا تريدين مني يا لوسي ؟ "
قالت تلك من فورها
" تبتعدي عنه ولأبعد مكان ممكن لا أن تتوقفي فقط عن
حركاتك الطفولية التي تسحبيه بها نحوك "
نظرت لها بصدمة قبل أن تقول
" ظنونك جميعها خاطئة وتيم لن يعجبه إن علم "
كان تهديدا واضحا ولها ان تفهمه كما تشاء ، ولم يتأخر
رد تلك والواثق أيضا
" لن يعلم لأنك إن أخبرته فسأبعدك بطريقة لن تعجبك
والخيار لك ماري "
وأتبعت تهديدها ذاك بابتسامة واثقة وكأنها تتحداها
أن تنفذ تهديدها وتخبره فعلا ، غادرت بعدها من أمامها
وما أن وصلت الباب وقفت واستدارت ناحيتها تنظر
لقفاها وقالت
" آه أجل ثمة حبيبة قديمة له وأنت صديقة طفولته فمن
تكون تلك ؟ "
فزمت شفتيها بقوة قبل أن تحررهما وقالت دون أن تلتفت لها
" لا أعلم "
قالتها بحزم ودون تردد فوصلها صوتها سريعا وبما تتوقع جيدا
" جوابك هذا يعني بأنك كاذبة "
فاستدارت ناحيتها وقالت أيضا وبإصرار
" لست كاذبة فتيم بالفعل غادر إيطاليا منذ أعوام وعاش في
اليونان شابا فما يدريني من التي أحبها ! أنا لم أهتم يوما
بخصوصياته "
شدت أصابعها على الحقيبة الأنيقة في يديها وقالت تنظر
لعينيها
" أنا أهتم وسأعلم وبأي طريقة كانت من تكون تلك المرأة
التي لم تفقد تأثيرها عليه حتى الآن "
أنهت عبارتها تلك ونظراتها لا تترك عينيها وكأنها تقول لها
( إن كانت أنت فلن أرحمك أبدا )
ولها أن تتوقع منها الكثير .
انهارت جالسة على السرير ما أن غادرت تلك الخطوات
بصاحبتها وخبأت وجهها في كفيها ما أن سمعت باب الشقة
اغلق خلفها وكأنها تريد طرد صورتها من مخيلتها أيضا
وللأبد ، رفعت غرتها الرطبة للأعلى بأصابعها وارتمت
للخلف على السرير تشد شعرها بأصابعها بقوة مغمضة
عينيها التي انسابت دموعها من طرفيهما ببطء وغطتهما
بظهر كفها ما أن تعالت شهقاتها الصغيرة المتتالية في
عبرات متقطعة احتجت على صمود أضلعها .
*
*
*
كتفت ذراعيها لصدرها ونظرت جهة النافذة متأففة بتذمر
ففوق بعد المسافة وطول الرحلة التي تكاد تصل للثلاث ساعات
والركوب مع سائق فيحكم عليك بالخرس نهائيا عليهم فوق كل
ذلك زيارة منزل تلك العائلة بل تلك المرأة التي اختارها زوجة
له وفضلها عليها هي ابنة عمته وحبيبته لأعوام خلت ! لا تفهم
لما عليهم الذهاب لهم وقطع كل تلك المسافة من حوران
للعمران ؟ فلتذهب عمته لوحدها والتي يضعها في مقام والدته
كما يقول ... أم لأنه لا أحد له سيكون عليه وضعهم كلوحات فنية
في الواجهة ؟ حمقاء وهل كانوا سيرفضونه أو سيهتمون لهذا !
من يرفص رئيس جهاز مخابرات البلاد بأكملها وأحد أقرب رجال
مطر شاهين وإن ذهب لهم لوحده أو أرسل وفدا ولم يروه
أساساً ، شدت على أسنانها بغيظ ونظرت للجانب الآخر ولوالدتها
الجالسة بجوارها تضع حفيدتها في حجرها تتحدثان عن كل ما
يمرون به وهذا حالهما طوال الطريق بينما يجلس ابنها في الأمام
بجوار السائق والذي تجاوز عمره الخمسين عاما وقد جلبه عمير
مؤخرا من أجل كل ما يحتاجونه أو للخروج إن أرادوا ولم يقنع
والدتها بوجوده إلا بعد عناء لأنه يتغيب عن المنزل أغلب النهار
وحجتها كانت بأنهم لا يحتاجونه .
تأففت نفسا طويلا آخر وعادت بنظرها لنافذتها مجددا ، الأمر
الايجابي الوحيد في كل هذا والذي يروح عن نفسها قليلا أنه لم
يأخذهم إلى هناك بنفسه فتكفيهم هذه الإهانة قادمون من دونه
في أول زيارة لفرد من عائلته فهو بالكاد وجد وقتا ليحدث
عمته في الهاتف ويخبرها بأنهم في انتظارهم لإعلامهم مسبقا
بقدومهم حتى أنه لم يطلب شراء أي هدايا لهم ويبدوا أنه نسي
ذلك وهي نجحت في إقناع والدتها أن لا تعلمه بالأمر بما أنها
تعرفها جيدا لن تتصرف في ماله وهو ليس موجوداً ولم تخبره
رغم أنه لا يحاسبها عليه أبدا .
رفعت نظرها عاليا ما أن اجتازت سيارتهم تلك البوابة الحديدية
الخضراء الضخمة الواسعة والعالية والمفتوحة على مصراعيها
مجتازين أسوار مدينة العمران .. المدينة التي مزجت الخضرة
الطبيعية بالألوان الخضراء الاصطناعية والبياض الناصع في كل
مبنى فيها ... مشهد جعل الأعين في تلك السيارة تلتفت له وذاك
حال كل من يدخلها لأول مرة رغم رؤيتهم للكثير من الصور
والمشاهد التلفزيونية لها لكن لرؤيتها واقعا أمام العيان طعم
ولون آخر وشعور مختلف تماما ، كما التي طافت نظراتها في
كل شيء حولها الآن لكنها نظرت له من زاوية مختلفة تماما
عن البقية فأول ما سافر له تفكيرها هو المرأة التي امتلكت هذه
المملكة وبنتها .. ابنة زعيم صنوان سابقا ورئيس البلاد فيما بعد
وزوجة زعيم الحالك سابقا ورئيس البلاد حاليا مما جعلها تتمتم
بحسرة
" نساء ولدن وفي أفواههن ملاعق من ذهب "
ليصلها التعليق من التي سمعت تمتمتها تلك بوضوح بل ويبدو
توقعتها وهي تهديها بالمثل وبنبرة باردة ودون أن تنظر لها
" من يقتنع بما لديه فسيرى نفسه ملكا "
رمقتها بطرف عينيها بضيق قبل أن تنظر للأمام ولم تعلق بشيء
فهي تعرف لسان والدتها جيدا ولن تستطيع هزيمتها ولا إقناعها
بأفكارها فما الخطأ فيما تقول وتفكر ؟ بعض النساء بالفعل ولدن
ليأمرن وتنفذ أوامرهن وليعشن أميرات بل وملكات على وجه
الأرض والبعض العكس تماما حتى أن من تخدمها امرأة مثلها
وليس عيبا أن يتمنى الإنسان لنفسه الأفضل وأن يسعى له إن
وجد الفرصة أو الوسيلة .
حدقت عيناها باستغراب في المنزل الذي توقفت سيارتهم أمام
بابه ما أن اجتازوا بوابته الحديدية الخضراء البسيطة مثله !!
أهذه العائلة حقا من اختار عمير أن يناسبهم ! لا يبدوا أنهم
من بسطاء الناس بل من الأيسر حالا لكن ليس بمكانته وليس
ما يتوقع المرء من رئيس المخابرات أن يختار مناسبتهم !!
وهذه كانت أول الأفكار التي جعلتها تحترق لا بل ليست أولها
فهي ومنذ علمت بموضوع خطبته لإحداهن وهي تكاد تتحول
لرماد ، وقفت بجانب والدتها كارهة لكل شيء حولها تمسك
يد ابنتها بقوة قبل أن يفتح لهما باب المنزل وكانت في
استقبالهما المرأة التي تجاوزت الستين عاما بعباءة
مطرزة طويلة وأنيقة وكان استقبالها لهما مفعما بالحفاوة
والترحيب وكأنه لم يزرهم أحد أبداً ، وما أن أصبحوا في
الداخل بدأت تلك النظرات الباردة والأحداق السوداء بالبحث
عن أي شخص آخر سيكون في استقبالهم واكتشفت بأنه
لا أحد أبدا حين وصلت بهم لصالة واسعة بصالون أنيق
وجديد على ما يبدو ، وما أن جلسوا حتى قالت التي لم
تستطع صبراً
" يبدوا أنه لا أحد غيرك في استقبالنا ؟ "
لم تكن نظرة الخجل من تلك المرأة وحدها ما أكد لها وقاحتها
بل ووكز والدتها لها بمرفقها والذي تجاهلته تماما بينما قالت
التي تحدثت بأدب
" بناتي المتزوجات ولا واحدة منهن تسكن العمران أو قريبا من
هنا ونحن لم نعلم عن زيارتكم إلا من وقت قريب ولا زوجات
أبناء لدي فابناي من زوجي الأول واحد منهما فقط متزوج
ويسكن وعائلته في تيمور أما ابني من زوجي الحالي فقد
تزوج مرتين لكن لم يكتب الله لزواجيه أن ينجحا وهو شبه
عازب حاليا "
ونظرت فورا للتي لوت شفتيها بعدم رضا وما أن كانت والدتها
ستتحدث موضحة ومعتذرة سبقتها قائلة بسخرية وابتسامة
شامتة
" يبدوا أن الطلاق طقس لديكم "
لتلجم جملتها تلك الجالستان معها احداهما من الصدمة والأخرى
من حجم تلك الإهانة مما جعلها تقف ودون شعور منها وغادرت
معتذرة لتستعجل ابنتها فأتى تلك ما كانت تنتظره وتتوقعه تماما
حين نظرت لها الجالسة بقربها وقالت بضيق
" يبدوا لي أنك تركت مفتاح لسانك في المنزل هناك وأنه
يحتاج للقطع "
نظرت لها باستنكار وقالت بضيق
" وما قلته يُقطع عليه لساني ؟ أم يعجبك أنه لم يكن في
استقبالنا أحد سوى تلك العجوز وكأنهم يسخرون منا ولديها
فريق من النساء اللواتي أنجبتهن "
قالت تنظر لها بحدة
" ذلك ليس سببا لتقولي ما قلته وهي وضحت عذرهم ثم نحن
هنا من أجل خطيبة عمير وليس شقيقاتها "
أشاحت بوجهها عنها متأففة فقد سمعت خطوات تقترب منهم
وما هي إلا لحظات ودخلت المرأة التي غادرت منذ قليل تتبعها
شابة جعلت عيناها تنفتحان بصدمة ما أن وقعتا عليها فقد تعرفت
على هذا الوجه سريعا وأدركت في لمح البصر بأنها ذاتها المرأة
التي كانت في الصورة في تلك الجريدة التي وجدتها في غرفته
سابقا ...!! إذا هذه هي المرأة التي اختارها .. جليلة يونس
طليقة رماح شراع والتي دارت حولها الشائعات لأسابيع لا بل
لأعوام منذ تزوجها وتركها في منزل عائلتها ... !! ابنة خالة
شقيقتهم من والدهم غسق شراع وصديقتها المقربة والتي تم
عزلها حتى عن منصبها من جمعية الغسق بعد طلاقها والشائعات
التي دارت حولها ... والآن وبعد كل ذلك يخطبها أحد أهم رجال
البلاد ومن لم يسبق له الزواج !!.
بدأت الغيرة تأكل ذاك الجسد كما تأكل النار الحطب ونظراتها
تراقبها وهي تدخل ... المرأة التي تناقضها في كل شيء ..
لون الشعر البني الطويل والذي تجمعه جهة كتفها ومن
كثافته ونعومته تتمنى أن تلمسه وإن لمرة في حياتك ..
عينان مشابهتان له في اللون واسعتان باستدارة واضحة
ومميزة بل ولون الحاجبان أيضا مثلهما تمسك غرتها الكثيفة
كما يبدوا بمشبك لم يستطع السيطرة عليها فانزلقت منها
خصلات على جبينها وطرف وجهها .. أنف صغير مستقيم
مدبب وشفاه متساوية وغمازتان تزينان ذاك الوجه الدائري
ظهرتا بوضوح ما أن زمت شفتيها في خط رقيق ... عكسها
تماما بالفعل وفي كل شيء ! هي ذات الشعر الأسود القصير
والعينان السوداء مثله تماما .. الوجه الطويل والوجنتان
المرتفعتان فهذه حتى وجهها ممتلئ قليلا بشكل دائري مميز
بل وجسد ممتلئ قليلا متناسق مع طولها رغم قصره ... أيختار
امرأة مناقضة لها لهذا الحد ! ألم يعد ولا يجذبه في النساء ما
أحبه فيها يوما !! هذه لم تكن كتوقعاتها أبداً ! ابنة صنوان !!
آه أجل هذه تنحدر جذورها من قبائل غزير والتي كانت تسكن
حدود الحالك لأجيال واكتسبوا من سماتها الكثير فهذه أخذت
لون الشعر والعينان واستدارة الوجه والأنف الصغير من قبائل
صنوان وسرقت الباقي من الحالك فكانت هكذا بمزيج غريب كما
غيرها ما أن تداخلت بعض الأنساب بعد توحيد البلاد .
راقبتها تلك العينان المحتقنتان بالغضب والغيرة وهي تقترب من
والدتها أولا وتسلم عليها وعلى شفتيها ابتسامة صغيرة شعرت
بالتكلف الواضح فيها وكأنها مجبرة على إهدائها لهم !
بل ومجاملة ليس إلا ! هذه مغترة بنفسها أم تكبر أو تعجرف
يكون هذا ! هذه إذا التي تركتك تنتظر موافقتها لأيام يا عمير !
كانت تلك هي الأفكار التي تدور في رأسها وهي تسلم عليها
مقبلة خدها وبعبارات مختصرة باردة نافست برود تلك الأحداق
البنية الواسعة وجلست متجاهلة ليدها التي مدتها لها مصافحة
فانقبضت تلك الأصابع البيضاء في قبضة واحدة وجلست صاحبتها
حيث طلبت منها التي قالت مبتسمة
" تعالي واجلسي بقربي يا جليلة ... حمدا لله الذي أحياني حتى
رأيت عروس ابن شقيقي الوحيد "
فتمتمت التي تململت في جلوسها
" خطيبته أمي فهما لم يتزوجا بعد "
فكان التجاهل من نصيبها هي هذه المرة بل والمزيد كان في
انتظارها حين قالت والدتها معرفة
" هذه بثينة ابنتي الوحيدة يا جليلة وهي مطلقة ولديها طفلان "
فنظرت لها باستياء بينما لم تنظر لها والدتها بتاتا ، كان عليها
توقع هذا وبأنها لن تفوتها لها وكأنهم هم عائلتها وليست هي
ابنتها وحيدتها كما تقول !.
أهدتها الجالسة على يسار والدتها ابتسامة صغيرة مجاملة
متمتمة
" تشرفت بمعرفتك يا بثينة "
بينما قالت والدتها والجالسة على مقربة منهم
" عوضك الله خيرا يا ابنتي فالطلاق لا يعني نهاية حياة المرأة
وأنا أمامك تطلقت وتزوجت وأنجبت وعوضني الله برجل أفضل
من السابق "
حركت شفتيها بامتعاض قبل أن تقول
" أجل معك حق والدليل واضح في أيضا في .. "
" أين ذهب ابنك فهو لم يدخل معنا ؟ "
قاطعتها والدتها موجهة نظرات تهديد قوية لعينيها فتأففت
بصمت ونظرت جهة ابنتها الجالسة بقربها قبل أن تنظر للفراغ
متمتمة ببرود
" لا أعلم تركته وشقيقته يدخلان خلفي ... سيكون مع
السائق بالتأكيد "
وما أن كانت ستتحدث والضيق باد على ملامحها قاطعتها التي
قالت مبتسمة
" لا تقلقي هو في مجلس الرجال لقد أخبرني وثاب بأنه أدخله
معه هناك حين وجده جالسا مع السائق في السيارة فيبدوا أن
حفيدك يخجل كثيرا ويكبر قبل أوانه "
فتغيرت ملامحها للاسترخاء ونظرت لها قائلة بابتسامة
" أجل فبالرغم من أنه في العاشرة تفكيره أكبر من سنه .. حتى
أن عمير يعتمد عليه في الكثير من الأمور وكأنه يترك رجلا
ورائه في المنزل "
وانخرطتا في حديث طويل سرعان ما انسجمتا فيه بينما لم
تشاركهما المرأتان الأصغر سناً فبينما اكتفت إحداهما بالنظر
ليديها في حجرها بصمت كان للأخرى من الضيق والامتعاض
ما منعها سوى عن مراقبة تلك الجالسة بصمت وهدوء حتى
أنها لم تشرب أو تأكل شيئا مما جلبته خادمتهم .
تصاعدت الأبخرة من رأسها في سحب كثيفة لم يشعر بها
أحد غيرها بالطبع حين تغير الحديث عن مكان سكنهم قبل
أن ينتقلوا لحوران وبدأت والدتها تتحدث وبكل فخر عن
قريتهم القديمة تلك ونظرت لها بعينين متسعة من الصدمة
حين قالت مبتسمة وكأنها تلقي دعابة
" ما أجملها من أيام كانت تلك رغم أن منازلنا من طين
وحياتنا عشناها في فقر إلا أن تلك البلدات لم تتخلى عن
عاداتها ولازال أهلها يتسمون بالكرم وحسن الأخلاق حتى
اليوم رغم أن أحوالهم تحسنت مؤخرا ومنازلنا أصبح لها سقف
وطليت جدرانها بعدما غطتها طبقة إسمنت جديدة لكن ذلك لم
يغير في نفوسنا شيئا "
قالت المقابلة لهما في الجانب الآخر مبتسمة
" معك حق فالقرى لا يتغير أهلها بسهولة عكس ما يحدث في
المدن فحياتهم تناسبنا نحن العجائز أما صغار السن فالعكس
تماما ومن الظلم سجنهم فيها بلا دراسة ولا تعليم "
فقالت من فورها معترضة
" بل أرى تربية أبنائهم أفضل ورجالهم أنضج وأحنك من أشباه
النساء الذين يتجولون في العاصمة هناك يصيبونك بالغثيان
كلما رأيت أحدا منهم ، وإن كان مخالفا لهم فتأكدي من أنه
لم ينشئ ويتربى هناك ، أما المدارس باتت مشكلة من الماضي
بعد أن أمر الزعيم مطر ببنائها في جميع القرى والبلدات ولن
يقتصر التعليم على المراحل الابتدائية فقط "
وحمدت الله أن انتقل حديثهما عن ابن شاهين هذه المرة عن
عودته وما فعل ويفعل كحديث الجميع في تلك البلاد وآخرها
محاولاته لدمج الثنانيين مع العرب وكأنهم ليسوا من صنوان
ومدنهم تلك التي تحاصرها جيوشه ودباباته وقد يقتحمها في
أي وقت مدمرا إياها وزاجا ابنائها في السجون !! ولم يوقف
حديثهما الطويل المتحمس ذاك سوى الخادمة التي وقفت عند
الباب ونادت سيدتها وغادرت تتبعها تلك المرأة وغابت لوقت
قبل أن ترجع وجلست مكانها قائلة بابتسامة
" ما كان عليكم أن تكلفوا أنفسكم بجلب كل هذا .. يكفي ما
جلبه عمير سابقا فقد أغرقها وغمرنا بكرمه "
وأنقذت ذات المرأة تلك العينان من الخروج من مكانهما من
الصدمة حين تابعت بذات ابتسامتها
" عمير قال بأنكم مغادرون قبل المغرب رغم أنه أرسل السائق
لحوران بعد وصولكم ! وبالرغم من إصرار وثاب ووالده
لتتناولوا العشاء معنا لكنه رفض "
ففهمت سريعا بأنه أصبح هنا معهم وبأنه من جلب كل ما تتحدث
عنه وهي من ظنت بأنه تجاهل أو نسي ذلك وبأنه فضل أشغاله
ومهامه على مرافقتهم وليس من فكر في كل شيء وكان قريبا
من هنا فطلب من السائق جلبهم ولحق هو بهم بدلا من أن يجلبهم
من حوران وهي وبكل غباء ظنته لا يهتم لمشاعرهم ولا لاتباع
أصول اللباقة معهم وكانت مخطئة وكل الخطأ حين اعتقدت بأن
السلطة والمال غيروا في عمير وإن القليل .. وكيف لها أن
تستغرب ذلك فهو لم يبخل عليها وعلى عمته بل وأبنائها
من رجل لا يقرب له فكيف بالتي سيتزوجها .
شعرت بالنيران تشتعل في جوفها أكثر وما كان من مجال
للتنفيس عنها سوى فيهما فقالت تنظر حولها باستعلاء
" من الغريب أن عمير اختا.... "
فقاطعتها مجددا التي قالت ناظرة لها بوعيد
" لا تتركي ابنتك تبتعد .. تعلمين جيدا بمشاغبتها "
فزمت شفتيها ونظرت للتي أصبحت قدماها الصغيرتان وحذائها
الزهري الأنيق على الأرض تحتها فرفعتها وأجلستها مكانها
بعنف قائلة من قبل أن تجد والدتها مجالا لمقاطعها
" وإن ابتعدت ما الذي ستفسده هنا مثلا نخشى عليه ؟ "
لتلجم كلماتها القوية تلك الجميع هناك ورد الفعل الوحيد كان
من التي وقفت على طولها وغادرت المكان تراقبها تلك العينان
الكارهة والتي تمتمت صاحبتها بهمس خافت حانق
" يا لك من متعجرفة لا تساوين ولا نعاله "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, قلوووب محتاره and 74 others like this.
رد مع اقتباس
#10673
قديم 13-02-19, 10:06 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
عبر الممر بخطوات سريعة ومن الانتشار الأمني الواسع فيه علم
بأنه وصل لمقصده دون أن ينظر للافتات المعلقة بينما أفسح له
الطريق من علموا هويته وأنه ممن لا يمكن منعهم عن اجتياز
المكان ، وما أن وصل عند الواقفة قرب أحد الأبواب المغلقة
والتي التفتت نحوه فور أن شعرت به أسرع الخطى نحوها
تتبعه عمته وقال ما أن وصل عندها
" ألم يخرج بعد ؟ "
أشارت برأسها نفيا وامتلأت عيناها بالدموع هامسة ببحة
" لم يخرج لا هو ولا الطبيب حتى الآن ! أنا قلقة عليه يا رعد "
نظر لباب جانباً قبل أن ينظر لها مجددا وقال
" أليس جرحا في يده فلما القلق والبكاء يا تيما ؟ "
قالت تمسك عبرتها بصعوبة
" ولما لم يغادر غرفة الطبيب حتى الآن ؟ لقد نزفت يده كثيرا
وحين وصلنا إلى هنا كان لون أصابعه بدأ يتحول للون الأزرق ،
أخشى أن الجرح أضر بأربطة يده "
حاول إخفاء قلقه عنهما وتنفس بعمق متمتما
" فلنتفاءل خيرا يا تيما وتوقفي عن البكاء "
وما أن التفت للتي كانت تقف بصمت خلفه ارتفع نظره لنهاية
الممر حيث تقدم مجموعة من الحرس الشخصي قبل أن يظهر من
بينهم من اقتربا نحوهم مسرعان فالتفتت عمته أيضاً حين لاحظت
بأن نظره انحرف عنها لشيء ما خلفها وتوجهت نظرات الصدمة
لثلاثتهم نحو التي كانت تلبس عباءة سوداء وحجاب أبيض مزين
بحواف من الدانتيل العريض من ذات اللون وقد تخلت عن
الحجاب الأسود ! بل وعن السواد التام الذي تتمسك به منذ أشهر
ومهما كان السبب ! مشهد أسعد شخصين في ذاك المكان
وخاصة التي لم تراها بهذا اللون من قبل يزيد بشرتها البيضاء
نقاءً ورقة بينما لم يرق الوضع للشخص الثالث والصامت بينهم
والتي راقبتها نظراتها ما أن وقفت أمامهم باستهجان بل واليد
التي كانت تمسك بذراعها والذراع المحيطة بكتفيها للواقف
ملاصقاً لها وقد قالت بقلق نظراتها تنتقل بينهم
" أين هو الكاسر وما به ؟ "
قبل أن تستقر على رعد تحديداً وارتجفت يدها وهي ترفعها لكم
سترته والتفت أناملها حوله بقوة وارتجف صوتها تباعا هامسة
" أين ابني ...؟ ماذا حدث له ؟ "
وقبل أن يصدر عنه أي جواب نظرت جهة الباب المغلق وتوجهت
نحوه مبتعدة عن الذي سبقت يده لها وأمسك بذراعها قائلا
" غسق انتظري لنفهم منهم أولا "
فسحبت ذراعها منه والتفتت لهم قائلة
" أنتظر ماذا ..! أين هو ابني ؟ "
كانت يداها التي تقبضها ببعضها ترتجفان كما مقلتيها السوداء
المستديرة الواسعة التي كانت تتشتت بضياع وارتجفت شفتاها
وهي تهمس قبل أن تستدير نحو الباب مجدداً
" كاذبون ... أريد ابني "
فلحق بها رعد بينما نظرات الاستغراب لم تترك اللذان يحدقان
بها قبل أن يتبادلاها معا بينما لم يكن ذاك حال من لحق بها
فوحده وعمته الواقفة بعيدا بعض الشيء يعلمون ما تكون تلك
الحالة وسببها وهي تعلقها الشبه مرضي بالطفل الذي ربته
وأفرغت في حبها له كل ما كبتته داخلها لأعوام من فقد واحتياج
وفراق فمحبتها لشقيقها الذي فقدته قبل أن تراه والزوج الذي
تركها وهاجر دون حتى أن يشرح لها أسبابه آخذا ابنتها حديثة
الولادة معه تاركين في روحها فجوة عميقة وفراغا موحشا وقلبا
جريحا ضمدت جراحه النازفة لأعوام بحبها واهتماها بذاك
الرضيع الذي كان يشاركها حتى سريرها ليلا وهو طفل ، من طُبع
في ذاكرته وحده بكائها الصامت ليلا وهي تحضنه ... ذكرى ما
كان لغيره أن يحملها لأنه لم يرى أحداً غيره تلك الدموع التي
تركت في روحه حزنا عميقا تمنى معه ولسنوات أن يرجع ذاك
الرجل ويداوي جراحها وإن كان هو السبب فيها .. أن يمنحهم
هدية لم يهبها لهم القدر أبدا وهي رؤيتها تضحك بصدق وتبتسم
ابتسامة حقيقية لا دموع ولا حزن فيها .. أن يجعله يرى غسق
التي سمع حكاياتهم عنها فقط وقد دُفنت خلف الماضي منذ ذاك
اليوم الذي عادت لهم فيه وحيدة محرومة حتى من طفلها الذي
كان يكبر في أحشائها .
أمسك رعد بيدها من مقبض الباب وشد على أصابعها وقال
بهدوء كي لا يزيد من انفعالها ناظرا لنصف وجهها المقابل له
" مجرد جرح في يده يا غسق ومؤكد سيخيطونه له ويغادر
معنا "
انزلت رأسها ورفعت يدها الأخرى ومسحت بظهر كفها المرتجف
أنفها والدمعة التي انزلقت عليه وهمست ببحة
" أريد أن أراه ... الآن يا رعد "
تنهد بعمق مغمضا عينيه قبل أن ينظر للذي اقترب منهما بل
ومنها تحديدا وأمسكت يداه بذراعيها وأدارها ناحيته والتفت
أصابعه حول رأسها وهو يدفن ملامحها في صدره نظره على
الواقف أمامه والذي همس له
" عليها أن تراه يا مطر "
وعلم فورا بأنه فهم رسالته بل والحالة التي تمر بها حينها ولما
يصعب عليهم إقناعها بأنه بخير .. بل ولم يترك له الباب خلفه
مجالا ليقول أو يشرح المزيد وهو يفتح فجأة لتنتقل الأنظار
جميعها له وللذي خرج منه ونظر لهم باستغراب لاجتماعهم
هناك جميعهم ورفع يده الملفوفة بالشاش لشعره وقال مبتسما
يحاول تحريك أصابعها داخله " ما كل هذا ؟ جيد أثبتم لي بأني
شخص مهم لديكم جميعا "
وكان رعد من استطاع اجتياز الصمت أولا وقد قال باستغراب
" ما الذي تفعله في الداخل حتى الآن ! "
جالت نظراته بينهم قبل أن يقول مبتسما بإحراج
" كنت أستعلم من الطبيب عن مهنته "
وتابع بحماس ناظرا للتي لم تتخطى صدمتها بعد
" إنه رائع أمي لم يبخل عليا بالمعلومات الرائعة التي
جعلتني .... "
فقاطعته ما أن وجدت صوتها قائلة بضيق
" معلومات ....!! تترك الجميع ينتظر هنا منشغلا وأنت تتحدث
مع الطبيب عن مهنته ! "
اتسعت عيناه قبل أن يقول مبررا
" أمي أ..... "
فقاطعته مجددا وبلهجة أشد هذه المرة
" ثم كم مرة حذرتك من استخدام ذاك المقص أم نسيت ما حدث
معك سابقا ؟ متى ستتعلم أن تبتعد عما لا وظيفة لك فيه "
قال مجددا
" أمي... "
وكان مصيره كمحاولاته السابقة وهي تصرخ به
" اصمت ... منذ طفولتك وأنت تبحث عن مسببات المشكلات ، كم
مرة أخبرتك أن تلك الأدوات خطرة "
" آسف أمي .... "
قالها متنهدا بعمق بل وصادرة من القلب لكنها لم تجد أي صداً
لدى التي قالت بحدة
" أجل آسف ولن يتكرر هذا مجددا رغم أني أيضا كررت هذه
الجملة مرارا وبلا نفع فأنت لن تتوقف عن عبث الأطفال هذا
حتى تتسبب في بتر يدك "
وما أن كان سيتحدث سبقته قائلة بضيق
" أصمت ... هذه ليست المرة الأولى ولا حتى العاشرة يا كاسر
التي تحشر أنفك فيها في أشياء لا تخصك وليست لسنك وينتهي
الأمر بكارثة في كل مرة "
نظر لها بأسى وما أن حرك شفتيه ليتحدث كتمت كلماته وكلماتها
معها وهي تشده لحضنها بقوة وكأنها ليست التي كانت تصرخ
به وتعنفه بشدة قبل قليل بل وهمست بألم تغمض عينيها
" متى ستفهم بأنك تشعرني بمرارة فقدك في كل مرة تعرض
فيها نفسك للخطر ... متى ستفهم ذلك يا كاسر ؟ توقف عن
إحياء ذكرى موت والدك في قلبي مرارا "
فشد يديه حول جسدها يحضنها بقوة بينما أحاطت قبلاتها رأسه
وصدغه تحضنه بقوة أكبر وكأنها كانت تكاد تفقده وللأبد ....
مشهد بث الحزن في أغلب تلك الأعين المحيطة بهما إبتداءً
بصاحب اليد التي مسحت على كتفها مرورا لذراعها وصولا للتي
اختلط الحزن في مقلتيها الزرقاء الواسعة بمرارة ( الفقد ) ...
أجل من افتقدت كل هذا طوال عمرها ولم تعرفه من كلاهما كلما
تعرضت للخطر هكذا مثله وهو الذي تعلم الآن تلك المرأة التي
أنجبتها هي كامل تفاصيل حياته وطفولته وبجميع تفاصيلها بينما
عاشت هي وحيدة تقريبا تفتقدهما حتى وقت الألم رغم أن أحدهما
كان موجودا ، راقبت عيناها السابحة في الدموع الذي أبعدها عنه
بهمسه لبضع كلمات في أذنها قبل أن يغادر بها من هناك تحيط
ذراعه كتفاها كتطويق تلك الحراسة لهما يبتعدون عبر الممر
الطويل ليسرق نظراتها تلك رنين هاتفها في جيبها فأخرجته
ونظرت لاسم المتصل قبل أن تسكت رنينه وتعيده لجيبها متمتمة
بحنق
" لم أجدك حين اتصلت بك ما الذي سأفعله بك الآن ؟ "
وانتقلت نظراتها سريعا للذي قال
" هيا عليا أن أوصلكما للمنزل قبل أن آخذ عمتي لمنزلي "
فتحركت التي سحبت الكاسر من يده مجبرا قائلة في أول خروج
لها من صمتها بل وفي أول رد فعل لها
" بل عليه المغادرة معنا يكفيه هذا الجرح المخيف حاليا "
وغادرت به متجاهلة كلماته المتذمرة عن أنه لم يعد طفلا وأن
جرحه ليس كما تتصوره وتركا خلفهما تلك النظرات المتفاوتة
بين الحنق والاستغراب قبل أن يجفل ذاك الجسد الصغير ما أن
قال الواقف قربها مقربا وجهه منها بطريقة مفاجئة
" وأنت ما جديدك أيضا ؟ "
نظرت له مجفلة ترمش بعينيها قبل أن تقول وبكل بساطة
" لا شيء مهم طبعا فقد تزوج "
نظر لها باستغراب قبل أن يقول
" تزوج تزوج ...!! "
حركت رأسها بنعم مبتسمة تمسك ضحكتها بصعوبة وهي تنظر
لملامحه المصدومة وقد قال بعد صمت لحظة وكأنه يحاول جمع
الكلمات
" متأكدة ؟ "
فحركت كتفيها مبتسمة وكأنها لا تهتم فهمس بعدم استيعاب
" و ... وأنت ....؟ "
حركت كتفيها مجددا ومتمتمة
" تزوجت أيضا وانتهى كل شيء "
اتسعت عيناه بصدمة وقال
" تزوجت ممن ومتى ؟! "
أمسكت ضحكتها بصعوبة وقالت بابتسامتها الا مبالية مجددا
" ممن اختاره لي والدي بالطبع "
فحرك يده أمام وجهها وقال سريعا
"هيا لا تلعبي بعقلي يا طفلة كيف تتزوجين بآخر هكذا وتكو.... "
وسكت فجأة ينظر لها بصدمة وكأنه يترجم شيئا ما في عقله
فابتسمت مومئة له بخفة بأن ما يفكر فيه واقعي فضحك وشدها
لحضنه دون شعور منه قائلا
" يا مشاغبة فعلتها بالرجل إذا ....! ها قد أتاك صدق حديثي "
وسرعان ما سحبها من يدها مغادرا بها من هناك قائلا
" هيا لمنزلي أنت أيضا فعليا أن أعلم بكل شيء منك ومفصلا
لنحتفل بانتصارنا معا "
وغادر بها تتبعه مبتسمة فمن حقه بالفعل أن يحتفل بإنجازاته
معها فمخططاته كانت ناجحة بالفعل وهو من دفعه لخطبتها لما
كان سيتركه التردد يفعلها .
*
*
*
اجتاز بسيارته باب المنزل بقليل ما أن أصبحا أمامه وما أن
أوقفها نظر للتي كانت تنظر ليديها في حجرها بصمت فكل ما
همست به وهما يغادران المستشفى أن يجلبها إلى هنا لمنزل
رعد وهو لم يعارضها لم يسأل ولم يناقشها الأمر وكان الصمت
رفيقهما حتى وصلا لم يحاول أيا منهما كسره .
راقب بصمت انفراج شفتيها وسحبها للهواء ببطء منهما يتخلل
جسدها مالئا رئتيها قبل أن تزفره دفعة واحدة وخرجت الكلمات
من بينها متأنية لازالت تنظر ليديها التي بدأت تشد أصابعها
ببعضها قائلة بشبه همس
" عليا أن أبتعد لبعض الوقت ثم ..... "
وبدأت الأحرف تقاتل باستماته لتخرج من بين تقاطع أنفاسها
لازالت تراقب نظراته بشغف الشفاه التائهة بين أنفاسها وكلماتها
وانسدال تلك الأجفان والرموش الكثيفة تخفي أغلب سواد مقلتيها
عنه وعاد بنظره لشفتيها حين همست متابعة
" قد يكون حينها ثمة مجال لنفتح الجرح النازف ونتحدث "
فكان هو من سحب نفسا طويلا حينها مغمضا عينيه قبل أن
يفتحهما وينظر لها مجددا فهو يشعر بكل ذلك ويعيش مأساتها
تماما بالرغم من أنها لا تراه سوى السبب فيها .. يفهمها ويتفهم
موقفها فهو من سبق وجن جنونه بل وآذاها أيضا بقسوته حين
عاش موقفا لا يعتبره مشابها بهذا بل أقل منه بدرجات فاتهمها
ودون رحمة بالخيانة .
رفع يده ولامست أنامله طرف وجنتها فأطبقت تلك الأجفان
والرموش تخفي عينيها سريعا وابتسمت تلك العينان تراقبها
وانحني نحوها مبعدا أصابعه قليلا وختم بنعومة شفتيه مكانها
وهمس مبتعدا عنها
" سأنتظر يا غسق "
واستوى جالسا مكانه لكن يده لم تبتعد عنها كما لم تتركها نظراته
ممررا إبهامه على طرف حجابها الأبيض المزين بالدانتيل
والفصوص الصغيرة اللامعة حين قال يحرك إصبعه عليه نزولا
" أعلم بأنك ما كنت لترتديه لولا انشغالك بما حدث للكاسر لكنك
تحتاجين بالفعل لنزع ذاك السواد يا غسق فقلبك أنقى منه وإن
كان مليئا بالحزن "
ونجح في سرقة نظرها له هذه المرة ... نظرة كانت كما يتوقع
تماما كسيرة تغشوها غمامة حزن سوداء فاقت سواد تلك الأحداق
الواسعة والتي سرعان ما امتلأت بالدموع قبل أن تهمس
صاحبتها
" ليس ومن قتلوا والدي شراع وببشاعة لازالوا طلقاء ... "
واختنقت كلماتها خلف عبرتها التي سجنتها وسط أضلعها
بصعوبة فالتفت أصابعه خلف رأسها وقربها منه مع اقترابه وقبّل
جبينها بعمق قبل أن ينظر لعينيها الدامعة وهمس بجدية
" لن يهربوا بفعلتهم تلك طويلا يا غسق .. هي مسألة وقت
ليس إلا وسيفتضح أمرهم "
رفعت رموشها المشبعة المبللة وامتلأت عيناها مجددا بالدموع
ونظرت لعينيه هامسة بعبرة
" حينها أعدك أن أنزعه فلا تتأخر في فعلها يا مطر "
فابتسم لها بحنان .. بدفء .. بمحبة قبل أن ينحني جهتها أكثر
وسرقتهما تلك القبلة الرقيقة سريعا فسرعان ما سقطت فريسة له
وكالعادة .. لا تفهم متى ستشعر بالاكتفاء من ذاك المذاق .. من
طعم تلك الشفتين ومن الغوص في ذاك الشعور بشغف كالمنومة !
بل ومتى ستشعر بالاكتفاء من هذا الرجل ؟
ورغم كل ذلك كانت هي من قطع تلك اللحظات الحميمة مبعدة
شفتيها ببطء وكأنها تنزعها انتزاعا من كليهما ونزل نظرها
لذقنه وأغمضت عينيها ببطء ما أن همس ولم يبتعد عنها بعد
إبهامه يداعب نعومة شفتيها
" لا تتركيني أشتاق لها كثيرا يا غسق "
أنزلت رأسها في صمت واشتدت أصابعها علي أصابعه التي لا
تعلم كيف أصبحت في كفها أساسا ! قبل أن تتركها أيضا وتستدير
لباب السيارة وتفتحه ونزلت وأغلقته خلفها وغادرت جهة عتبات
باب المنزل التي صعدتها ودخلت دون أن تلتفت خلفها على الرغم
من أنها لم تسمع صوت تلك السيارة الفاخرة تغادر من مكانها ،
وكانت وجهتها سلالم المنزل فورا بل وهدفها الوحيد باب غرفتها
الذي دخلت وأغلقته خلفها واتكأت بظهرها عليه تنظر للأعلى
وأغمضت عينيها ببطء تسمع هذه المرة بالفعل صوت هدير
سيارته وهو يغادر وكأنه تأكد من أنها أصبحت في غرفتها في
الأعلى وبات مطمئنا .
رفعت ظهر أناملها لشفتيها وغطتها بها وانسابت الدموع الحارة
من طرف تلك الرموش الطويلة المطبقة تنزلق على طرف
وجنتيها ببطء ... وكم كرهت حينها ذاك الشعور المميت بالاحتياج
له وكأنه يأخذ معه روحها مغادرا ويتركها جوفاء خاوية ضائعة
ومشتتة .
لامست أنامل يدها الأخرى رحمها برفق فهي تعلم السبب جيدا ...
إنه ما ينمو ويكبر هنا قطعة منه في أحشائها مجددا يربطها به
مهما فرقتهما المسافات بل ويجعلها تشتاق له وهو بقربها
فكيف إن ابتعد ؟ .
أنزلت رأسها وحضنت أناملها شفتيها تمسكها بقوة قبل أن تتوجه
مسرعة جهة باب الحمام ودخلته فورا وجهتها المغسلة الرخامية
التي كانت في انتظارها وكأنها تتوقع قدومها وبدأت المحاولات
المستميتة لإخراج ما ليس له وجود أساسا في معدتها حتى فقدت
تلك الأحشاء الأمل تماما فاتكأت بطرف جبينها على ساعدها
الذي كانت تريحه على طرف المغسلة تسحب أنفاسها بصعوبة
نظرها على المياه المنسحبة داخلها في دوامات متناسقة وكأنها
تأخذها معها للمجهول ، لم تعرف هذا أبدا في حملها بابنتها ولم
تختبره وكأنها ليست هي ذاتها من حملتها ومنه ! وهذا ما
لا تجد له تفسيرا ؟
وقفت ببطء ونزعت حجابها ورمته جانبا قبل أن تدس أناملها
تحت المياه ورفعت ما جمعته بهم منه لوجهها ورمته عليه رميا
وكررت ذلك عدة مرات حتى أشبعته بالمياه تماما ليترك آثاره
عليه وعلى خصلات بسيطة من شعرها الذي انفك من عقدته
متناثرا على ظهرها وذراعيها .
غادرت الحمام وسارت جهة سريرها لم تنظر ولا ناحية التي كانت
واقفة قرب باب الغرفة المفتوح والتي لم تكن موجودة وقت
دخولها وقد قالت محرجة ما أن رأتها تخرج
" آسفة يا غسق طرقت الباب ولم تجيبي وكنت أود سؤالك
عن الكاسر كيف هي حالته فرعد لم .... "
وانقطعت الكلمات من شفتيها تنظر باستغراب للتي جلست
بتنهيدة تعب قائلة
" هو بخير آستريا "
لم تعلق تراقبها بذات تلك النظرات المستغربة وهي ترفع غرتها
عن وجهها بأصابع كلتا يديها ولملامحها الشاحبة فاقتربت منها
قائلة بقلق
" غسق هل أنت بخير ؟ "
فكان جوابها إيماءة صامته فقط قبل أن تنظر للأسفل لتخفي تلك
الغرة الطويلة المدرجة أغلب ملامحها عنها فاقتربت منها أكثر
وسحبت الكرسي قليلا وجلست عليه مقابلة لها وقالت
" تبدين متعبة وشاحبة ! متأكدة من أنك بخير ؟ "
وراقبت بفضول خالطه الكثير من الاستغراب ملامحها ورموشها
المسدله للأسفل تنظر لأناملها التي تقبضها بقوة وتحركت شفتاها
الجافة ببطء هامسة
" أنا حامل يا آستريا "
وكان رد فعلها الأول أن نظرت لها بصدمة قبل أن تنطلق
ضحكتها ... الضحكة التي لم تستطع إمساكها رغم خروجها
متقطعة منخفضة .. وكانت في مواجهتها سريعا تلك النظرات
الحانقة للجالسة أمامها فقالت تحاول التحكم بها بصعوبة
" اعذريني يا غسق لكنكما أغرب شخصين عرفتهما ! من يرى
حروبكما ويسمع رأيك به لا يصدق ما تقولين الآن "
رفعت غرتها خلف أذنيها بعنف قائلة بضيق
" وهل كان الأمر بيدي ؟ هل يترك لك الرجل فرصة
لترفضي وتقرري "
وتأففت بحنق حين استفاقت لما تقوله وكتفت ذراعيها لصدرها
ونظرت جانبا فوصلها صوت الجالسة أمامها هادئا مبتسما
" ليس لأننا نفتقد الفرص يحدث ذلك يا غسق بل حين تعشق
المرأة الرجل وبعنف أليس كذلك ؟ "
لم تعلق وقد دست ملامحها في كفيها تسند مرفقيها بركبتيها
ورفعتهم للأعلى لتتخلل أناملها غرتها فقالت الجالسة أمامها
مجددا
" وما قررتما بشأن هذا ..؟ هل أخبرته ؟ "
حركت رأسها بالنفي متمتمة
" لا .. لكنه يعلم بالتأكيد فهو يعلم عن كل شيء دائما "
قالت الجالسة أمامها من فورها
" أمور كثيرة سيكون عليها أن تتغير الآن يا غسق من أجل
طفلك قبل الجميع "
اشتدت تلك الأنامل على شعرها أكثر وخرجت الحروف من شفتيها
مشدودة خاوية لم ترفع رأسها ولا نظرها بها
" ابني من حقي "
فتنهدت تلك قائلة
" لا أحد ينكر ذلك لكن حين فقدت ابنتك سابقا كانت من
حقك أيضا يا غسق "
فرفعت حينها رأسها ونطرها لها قائلة بضيق
" ما كان في الماضي تغير الآن كما تغيرت البلاد معه "
قالت تواجهها بالحقيقة التي لا يمكنها نكرانها
" لكنه يستطيع فعلها وأنت تعلمين ذلك جيدا يا غسق لذلك عليك
أن تفكري فيه وأن لا يحرم من أحدكما .. لا تكررا مأساة شقيقته
فالحل بيدكما فقط "
ملأت الدموع عينيها تنظر لها بصمت ... الدموع التي سرعان
ما مسحتها قبل أن تمنحها شرف رؤيتها تعانق وجنتيها وأبعدت
نظرها عنها تشد يديها في حجرها بقوة فقالت بهدوء
" أتفهم موقفك يا غسق لكن صدقيني يصعب عليا تصديق
أن الزعيم مطر قد يفعلها "
وبالكاد وصلها همسها الكسير المبحوح لازالت تشيح
بنظرها عنها
" لكنه اعترف آستريا "
فقالت بجدية تراقب ملامحها الفاتنة الحزينة
" وهذا ما لا أستطيع استيعابه في الأمر فنحن من عرفناه قديما
ودخل مدننا وسار بين نساء ثنان وأنت من سبق ورأيتهم بنفسك
وقسما لم تراه عيني ينظر لإحداهن ولا تحدث معها بل وكان
رمزا للرجل النبيل الشريف لذلك لم أجد لاعترافه مكاناً أبدا في
الوقائع التي رأتها عيني "
أدارات وجهها بسرعة ونظرت لها قائلة تشير لنفسها
" وما الذي سيجعله يعترف وأمام الملأ ليذبح روحي و كرامتي "
قالت من فورها
" سيكون لديه تبرير للأمر بالتأكيد فهل حاول شرح الأمر لك ؟
هل علمت أسبابه ؟ "
حركت رأسها بالنفي قبل أن تقول بضيق غلفه الكثير من المرارة
" ما تلك الأسباب التي تشفع للرجل خيانته لك ؟ ما الذي سيقدمه
ويشرحه ! هل ترضيها لنفسك آستي ؟ هل تغفري لرعد وتستمعي
لتبريره إن فعلها ؟ "
نظرت لها بصمت ولم تعلق فعادت لدفن رأسها بين يديها وهمست
بمرارة
" مشتتة آستريا ولم أعد أعلم فعلا ما الصواب من الخطأ في
علاقتنا وما عليا فعله فكيف والآن بعدما بات ثمة طفل بيننا
سيكون ضحية جديدة لأي فشل لتلك العلاقة مستقبلا إن استمرت
على أسس هشة وانعدام الثقة "
رفعت يدها لكتفها ولامسته برفق قائلة
" امنحيه الفرصة إذا يا غسق بل وامنحي الفرصة لكليكما ...
استمعي لأسبابه فلن تكون أقسى مما سبق "
لم تعلق ولم ترفع رأسها أيضا فتابعت بجدية تمسح بيدها نزولا
من كتفها لذراعها
" أفهمك جيدا وأعلم بأن فتح الجراح أقسى من الشعور بها ذاتها
وأنه لا شيء يشفع للرجل أن تكون امرأة أخرى بينكما لكن الأمر
يستحق يا غسق ليس من أجله ولا من أجل مشاعرك ناحيته فقط
بل ومن أجل ابنكما الذي لا ذنب له في كل ما حدث "
لم تعلق على ما قالت أيضاً بل أبعدت يديها عن رأسها ودفنت
عينيها في كفها واختنقت تلك العبرة في صدرها تئن بين أضلعها
بوضوح تفضح تلك الدموع التي لا تراها فوقفت وجلست بجانبها
وحضنها بقوة فهذه المرة الأولى التي تتحدثان فيها هكذا
كصديقتين كشقيقتين بل وكفردين من ذات العائلة بالفعل فهي لم
تكن تراها سوى بعيدة صامتة مشتتة حزينة رغم كل تلك القوة
والبرود واللامبالاة التي تغلف نفسها بها كما أنها تشعر بها حقا
وإن لم تعش ذات الموقف فهي مثلها امرأة أحبت وبجنون تعلم
معنى الجرح والخذلان وإن لم تختبره ، مسحت يدها على شعرها
قائلة بحزن
" أنت تحبينه يا غسق ومشاعرك نحوه يمكنها مساعدتك
لسماعه ولتجتازا تلك العقبة معا فالأمر صعب لكنه ليس
مستحيلا صدقيني "
وما أن أنهت عبارتها تلك وابتعدت عنها قالت مبتسمة تراقبها
وهي تمسح عينيها بقوة تنزل رأسها للأسفل
" انظري كيف أنستني فرحتي بطفلك أن اخبرك عن طفل شقيقك
الذي يبحث له عن مكان بينكم أيضا "
فرفعت وجهها لها حينها ونظرت لها بصدمة من بين تلك
الدموع التي لازالت تبلل رموشها قبل أن تهمس بابتسامة
كسرت حزن تلك الملامح والشفتين
" أنت حامل آستريا ؟ "
أومأت لها بنعم مبتسمة فحضنتها بقوة من فورها وقالت بسعادة
" يا إلهي ما أروعه من خبر آستريا ... وأخيرا حصل شقيقي
على كل ما حرم منه لأعوام "
بادلتها الحضن قائلة بابتسامة
" أجل وها هو اختار له اسم شراع من الآن "
وعضت طرف شفتها بقوة توبخ نفسها ما أن لاحظت اشتداد
أناملها على قماش قميصها ولازالت تحضنها قبل أن تبتعد عنها
هامسة بعبرة لم تستطع كتمانها
" الأحمق من أخبره بأنها ليست فتاة ؟ "
فراقبتها بحزن وهي تجاهد لإخفاء حزنها ومرارتها فوقفت وقالت
مبتسمة تحاول أيضا أن تبدد كل ذاك الجو الكئيب
" اتركيه يواجه الواقع المرير إذا "
وتابعت مغادرة جهة الباب
" سأتركك لتنامي وترتاحي قليلا "
وغادرت مغلقة إياه خلفها بهدوء تراقبها تلك العينان السابحة في
الدموع قبل أن تنحني صاحبتها على ملاءة السرير تحتها تدفن
وجهها وعبرتها فيها واشتدت أناملها حول قماشها بقوة وهمست
ببكاء موجع
" ليتني استطعت أن أهبك روحي وتركتك وما رحلت وتركتني
يا والدي الحبيب "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, قلوووب محتاره and 69 others like this.
رد مع اقتباس
#10674
قديم 13-02-19, 10:08 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
ضربت باب السيارة خلفها ما أن ركبتها متجاهلة تلك النظرات
التي رمقتها بها والدتها والتي أصرت على أن تركب في الخلف
وتترك حفيدها يجلس في الكرسي الأمامي عكس ما أراد ابن
شقيقها واحتراما لها ، وما أن غادرت سيارتهم بوابة ذاك المنزل
حتى قالت بضيق ومتجاهلة كل شيء .. غضب والدتها منها
وقاحتها وجرأتها والأهم من كل ذلك فضحها لمشاعرها أمامه
مجددا حين اندفعت تلك الكلمات من شفتيها ودون رادع وكأن
غيرة المرأة بداخلها ما يحرك لسانها قبل يدها الملوحة بغضب
" لا أعلم يا عمير تجلب عمتك هنا لتهان أم ماذا ؟ أنا لا أرضى
لوالدتي بذلك إن كنت أنت ترضاه لها ولن نقول لي فأنا أساساً
أتيت مجبرة "
وما أن أنهت حديثها الغاضب ذاك نظرت لتلك العينان السوداء في
المرآة أمامهم والتي ارتفعت تنطر للجالسة بجانبها تحديدا والتي
تجاهلت مناداتها لها باسمها آمرة لتصمت فهي تنتظر فقط سماع
ذاك الصوت الرجولي العميق المتزن والذي كما توقعت سرعان
ما ملأ صمت السيارة حين قال صاحبه بجدية ونظره لازال مركزا
على عمته
" هل ثمة من أهانك أو أخطأ في حقك هناك عمتي ؟ "
وما أن كانت ستتحدث سبقتها التي قالت ما تحدثت من أجل قوله
تحديدا
" بلى حدث فما معنى أن لا يكون أحد في استقبالنا غير تلك
العجوز وابنتها وأن تجلس معنا تلك المغرورة لا تتحدث ولا تنظر
لنا وحتى الابتسامة تجبر نفسها على التكرم بها علينا وكأننا
نشحذ رضاها عنا ثم وبكل وقاحة غادرت وتركتنا ولم تكلف
نفسها ولا بتوديعنا عند مغادرتنا وتعذرت والدتها بأنها وجدتها
في الحمام وكأننا أطفال أمامها تظننا سنصدق ذلك "
وسحبت نفسا عميقا قبل أن تتابع منقذة باقي كرامتها المهدورة
أمامه كي لا يفسر السبب الحقيقي لكل ما قالت
" يمكنك أن تتزوج من أي امرأة في البلاد لكن كهذه لن تحترم
أهلك ولا ضيوفك مستقبلا ستكون أخطأت الاختيار فابحث لك
عن غيرها "
وأنهت حديثها الغاضب ذاك تسحب أنفاسها بقوة لازالت تنظر
لتلك الأهداب السوداء في المرآة والتي لم ترتفع وتكشف لها عن
عينيه بل نظر هذه المرة ومجددا للجالسة بجانبها تنظر لها بحدة
وقال
" صحيح هذا عمتي ؟ "
فتحدثت حينها التي نظرت له وأصابعها تقرص فخذ ابنتها بقوة
جعلتها تخرس من الألم قائلة
" بل أعجبتني الفتاة بني وإن كان لي ابن ما كنت لأخطب غيرها
له ، إنها خلوقة قليلة كلام وتبدوا تلك طباعها ولم تتعمدها كما
أنها جميلة ومرتبة تناسبك تماما "
وتابعت ترمق الجالسة بقربها بطرف عينيها ومن تعلم كلاهما
بأنها لن تستطيع قول الحقيقة وما فعلت وقالت هناك له خجلا منه
ليس إلا فكيف تخبره بأفعال ابنتها المشينة
" ووالدتها أخبرتنا بنفسها بأن بناتها يسكن خارج العمران
جميعهن كما زوجة ابنها وبأنك لم تبلغهم مبكرا لإبلاغهم والباقي
للفتاة أسبابها فيه بالتأكيد "
فانتقلت نظراته بينها وبين التي كانت تنظر جهة النافذة بصمت
حانق قبل أن يعود بنظره لها وابتسمت لها تلك العينان السوداء
قبل أن يقول صاحبها
" من الجيد أن كان هذا رأيك بها عمتي وأنا أفهم جيدا وأتفهم
ظروفها وما مرت به فإن صدر عنها ما أزعجك فأنا أعتذر نيابة
عنها واستحمليها من أجلي عمتي فهي مختلفة عن ذلك تماما
وستعرفينها في المستقبل جيدا "
فنظرت له تلك العينان بحب وابتسامة ودود قبل أن تمتد يدها
لكتفه أمامها وقالت بحنان
" جعلها الله من نصيبك بني وأقر عيناي برؤية أبنائكما قريبا "
بينما كانت النظرات المتقدة غضباً وحقدا وغيرة بل وألماً وندماً
من نصيب الجالسة بجوارها لازالت تنظر لتلك العينان التي لم
ينظر صاحبها ناحيتها بتاتاً وكأنها شخص لا وجود ولا قيمة له
فحتى كلامها طلب من عمته أن تؤكده له وكأنها كاذبة ! ثم وما
أن قالت خلافها صدقها فورا لا ويعتذر منها نيابةً عنها بل ويطلب
منها أن تستحملها من أجله !! هل سرقت قلبه وعقله لهذه
الدرجة ! أهو على استعداد لتحمل جميع تصرفاتها فقط
لتكون له ؟ امتلأت عيناها بدموع القهر والحسرة .. دموع
الندم والخسران .. لا بل دموع الشفقة على نفسها قبل أن
تستدير ليس بوجهها فقط بل وبكامل جسدها ناحية النافدة
تحاول إخماد البركان المشتعل داخلها وإخفاء دموعها عنهم .
وكان الباقي في انتظارها وكأنه ينقصها قهر ومعاناة حين قال
الجالس خلف المقود وهو يدخل بالسيارة لشارع فرعي
" لدي منزل هنا اشتريته مؤخرا من أجل زيارات جليلة لعائلتها
مستقبلا وسنبات فيه الليلة فالرحلة مجددا لحوران ستكون
متعبة لك وللطفلين عمتي "
وزاد على كل ذلك أن تجاهل ذكرها وكأنها لا تتعب مثلا !
بل وكأنها شخص لا مكان ولا وجود له مما جعلها تتمنى
لحظتها أن قفزت من تلك السيارة الفاخرة وماتت تحت عجلاتها .
ولم يكن الوضع حيث المكان الذي تركوه خلفهم بأفضل منه وثمة
بركان غاضب يقدف حممه هناك أيضا والواقفة قرب سرير
ابنتها توبخها بعنف وغضب مرددة
" ألم يكن بإمكانك التصرف بلباقة معهم تلك الدقائق المعدودة
حتى يغادوا "
وسحبت أنفاسها بغضب تنظر للتي رمت السوار والخاتم في
الدرج قبل أن تغلقه بقوة فهي من أجبرتها حتى على ارتدائهما
وقت نزولها ونظرت لها وقالت بضيق
" وما الخطأ الذي فعلته أمي فقد استقبلت عائلته الموقرة
وجلست معهم كما تريدون .. هل كان عليا تقبيل أيديهم
امتنانا لهم على تواضعهم لزيارتنا ؟ "
قالت التي لم يخف غضبها شيئا
" بل أن تتصرفي معهم كجليلة التي نعرفها ويعرفها الجميع
وربيتها بنفسي تحترم الكبير وتقدر الصغير وتتحلى بأخلاق كرم
الضيافة أكثر من غيرها "
فلوحت بيدها قائلة بضيق
" آسفة أمي لم يكن بإمكاني تقديم عرض وتمثيلية أفضل
من تلك .. أم لم تري بنفسك ولم تسمعي ما تقوله ابنتها "
قالت من فورها وبضيق
" وإن يكن هم ضيوفنا وأقارب خطيبك لن نركز على تصرفات
تلك المرأة فأنت ستتزوجينه هو وليس هي "
قالت بضيق مماثل
" وسأعيش معهم أمي أليس كذلك ؟ وأنت أكثر من يفهم وقاسى
وعانى من تدخلات أهل الزوج في حياتك حتى دمروها نهائيا
وطردوك من حياة ابنهم نهاية الأمر آخذين ابنيك منك ، ألم تري
نظراتها المتعالية والمشمئزة لكل شيء حولها وكأنها تجلس في
حاوية نفايات وليس منزلا قضيتِ أنت وابنتك وخادمتكم نهارا
كاملا في ترتيبه وتنظيفه لاستقبالهم لتسخر نهاية الأمر من
وضعنا مقارنة بابن خالها ذاك ... عذرا أمي أنا ما كان يمكنني
استحمال اهانتها تلك لنا وخروجي دون أن أتحدث كان
وحده يكفي لتعلم بأنه كرما مني ليس إلا "
قالت بضيق أشد
" كنت نزلت لتوديع عمته على الأقل فهي لم تخطئ معك في
شيء بل وبلسانها وأمامك حكت عن حياتهم السابقة وعن فقرهم
وعن أن خطيبك من أخرجهم من كل ذلك لمنزله "
شدت قبضتها بقوة حتى آلمتها يدها وقالت بحدة
" لا تقولي خطيبك أمي وتوقفي عن نسبه لي "
واجهتها بحدة أشد قائلة
" بل خطيبك ورغما عنك وسنناديه بزوجك قريبا فهو تحدث مع
والدك وشقيقك عن عقد قرانكما ، كنت أعلم ومنذ البداية أن ما
يغضبك ليس ما قالت وفعلت ابنة عمته وأنت من لم تهتم يوما لما
قيل ويقال عنها لأعوام "
لوحت بيدها قائلة بضيق
" لا أريده أمي لا أريد أن أتزوج .. لا أريد رجالا ولا أي
رباط يربطني بأحدهم لما لا تفهمون هذا لماذا ؟ "
قالت من فورها وبغضب
" لأنك لا تقولين ما يستوعبه أي عقل يا ابنة والدتك فليس ثمة
فتاة لا تريد أن تتزوج وتنجب أبناء وأن ترفض ذاك الرجل وبها
عقل كباقي البشر "
أشارت لنفسها تضرب بأطراف أصابعها ضربا على صدرها
قائلة بحنق
" أنا أمي ... أنا لا أريد كل ذلك واعتبروني مجنونة أو أيا
كان ذلك "
نظرت لها بصدمة واقتربت منها وأمسكتها من ذراعيها ونظرت
لعينها بذعر قائلة
" إن سبق وحدث شيء ما بينك وبين ابن شراع فتحدثي عنه
الآن ليعلم والدك قبل أن تصلي بفضيحتك للرجل وتدفني رؤوسنا
في التراب "
فكانت نظرات الصدمة من نصيبها هي هذه المرة وقالت باستنكار
" أمي ما هذا الذي تقولينه ! ابنتك هذه التي ربيتها وتتهمينها
في أخلاقها "
فتركت ذراعيها قائلة بضيق
" ما بك إذا ؟ "
وتابعت تعد بأصابعها ونظرها على عينيها
" إن كان سحرا أخذناك لمن يزيله وإن كانت عينا رقيناك وإن
كان جنونا فليس ثمة علاج له سوى شقيقك وثاب يدق عنقك
ويخرس هذا اللسان للأبد "
شعرت بكلماتها تحرقها كالنيران فقالت ناظرة لها بأسى
" لا أعلم لما لا ترون به إلا مزاياه ؟ ألم تفكروا للحظة بأنه
سيكون هدفا للاغتيال إن من المعارضين أو المتطرفين وترجع
لك ابنتك أرملة أو أن يهاجر مجددا ويتركني خلفه مطلقة كما فعل
زعيمه وصديقه مع غسق سابقاً "
فضربت الواقفة فوقها يديدها ببعضهما تمسكهم عند وسطها
قائلة بضيق
" لن يتغير وضعك حينها فإن طلقك سترجعين كما اخترت لنفسك
الآن وأنت تطلبين الطلاق بنفسك من ابن شراع وإن مات فلست
أول أرملة في البلاد ولا تتحججي بما الله وحده يعلم حدوثه
من عدمه "
وما أن كانت ستتحدث قاطعتها ترفع سبابتها قائلة بتهديد غاضب
" قسما يا جليلة إن أخجلتنا مع الرجل بعدما أعلمناه بموافقتك
أني أنا من سيتصرف في الأمر وسأطلب بنفسي من شقيقك قائد
أن يتدخل وتعرفيه جيدا لن يفعلها إلا إن طلبتها أنا منه ..
ولا تنسي يا ابنة يونس ما سيكون موقف والدك وشقيقك
وثاب إن الغيت الخطبة وعلموا أنك السبب "
وما أن أنهت حديثها ذاك غادرت الغرفة ضاربة بابها خلفها
تاركة الجالسة فوق سريرها مكانها تتآكل غضبا .. من استلت
مشبك الشعر من شعرها بعنف محررة تلك الغرة الكثيفة ورمته
على الطاولة بقوة وأمسكت هاتفها تنظر له بين يديها فلا حل
أمامها سوى مواجهة ذاك الرجل فإن كان نبيلا وكريم أخلاق كما
يقولون عنه فسيفهم من نفسه بأنها لا تريد أن تتزوجه وأنها
وافقت مكرهة ومجبرة ، وما أن وصلت لرقمه من الرسالة التي
أرسلها لها سابقا من أجل رئاسة الجمعية توقفت تنظر له من
بين الدموع التي ملأت عينيها تتذكر كلمات والدتها الاخيرة وما
ستواجهه إن هي فعلتها وأنهت هذه الخطبة ، رمت الهاتف من
يدها ودفنت وجهها في كفيها تدفن دموعها وبكائها الموجع فيها .
*
*
*
دخلوا المنزل أربعتهم يكتسي التجهم ملامحهم ولأسباب متفاوتة
سوى الذي شقت ابتسامته وجهه ينظر للتي كانت في استقبالهم
ما أن نزلت السلالم البيضاء العريضة والتي قالت ناظرة
لعينيه تحديدا
" غسق هنا في غرفتها "
فاختفت ابتسامته تلك تدريجيا وكان الصمت جواب الجميع وقد
تبادل الكاسر والواقفة قربه نظرات الاستغراب فلم يتوقع أحد
منهم أن يغادر بها من هناك ليجلبها إلى هنا ! وكان من غادر
المكان أولا هي عمتهم والتي تبعتها نظرات الجميع وهي تتحرك
متمتمة بهمسات متضايقة لم يفهمها أي منهم ووجهتها ممر
غرفة رماح بينما كانت وجهة الكاسر السلالم من فوره وما أن
فكرت التي تركها خلفه في اللحاق به أوقفتها اليد التي التفت
أصابعها حول معصمها وسحبها صاحبها جهة الممر الغربي قائلا
" أنت بيننا حديث ما أولا ثم تصعدين لها "
وسار بها حتى دخلا مكتبه والتفت وأدارها لتقف مقابلة له وقال
" هيا احكي لي ما حدث مفصلا .. أريد أن أعلم الآن كيف وقع
الفأر في المصيدة "
ابتسمت تلك الملامح الجميلة وصاحبتها تقول ضاحكة
" لم يقع فهو كان فيها أساسا "
نظر لها باستغراب فضحكت وبدأت تسرد عليه ما حدث بالتفصيل
ملامحه تنتقل مع حديثها من الدهشة للحماس للتجهم حين
وصلت للحطة التي علمت فيها الغاضبة منها في الأعلى وخبى
كل ذاك الحماس وهي تهمس بإحباط منزلة كتفيها
" وها هي هنا وعليا مواجهتها وأنا من ظننت بأنها لن تكون هنا
وسأهرب من مواجهة كليهما "
قال ولازال محدقا فيها باستغراب
" والدك كان يعلم إذا ؟ "
حركت رأسها بالإيجاب وهمست بأسى
" مؤكد يعلم بما أن جدي يعلم وذكر ذاك الملهى "
حرك رأسه متنهدا ولم يعلق بادئ الأمر لكن تلك الملامح المحبطة
الجميلة والعينان المحدقة فيه بأمل جعلته يخرج من صمته قائلا
" حسنا أنت في مأزق مزدوج الآن لكن مواجهة والدك ستكون
الأيسر بما أنه يعلم كل ذاك الوقت ولم يغضب منك أو يعاقبك
أما والدتك فستحتاجين لوقت ليهدئ غضبها منك بالتأكيد "
قربت حاجباها الرقيقان قائلة بحزن
" أغادر لمنزل والدي تعني ولا أتحدث معها الآن ؟ "
حرك كتفيه قائلا
" كان سيكون خيارا سليما إن غادرت من المستشفى هناك فورا
لكن الآن هي ستعلم بأنك كنت هنا وغادرت وذاك وإن لم يعجبها
فسيجرحها بالتأكيد "
عبست ملامحها أكثر وتمتمت بأسى
" أجل معك حق "
أمسكت يداه بكتفيها وقال بجدية
" لن يحبك أحد مثلها يا تيما كما لن يصلح ذاك الشرخ أحد مثلك
مهما تدخلنا وأنا من يعرف والدتك جيدا وتربى معها "
أسدلت جفنيها للأسفل وتنهدت بإحباط فقد حطمت كلماته تلك
الأمل في داخلها بأنه ثمة من سيساعدها وإن كان الكاسر فهي
كما قال هم أكثر من يعرفها ويعلم عن طباعها عن غضبها وطرق
إخماده لكن المهمة لن تكون سهلة عليها أبدا وإن كانت تحبها
فالموقف لم يكن سهلا وهي كانت غاضبة بشدة ولا تعلم إن كانت
رحلتهما جعلتها تهدئ قليلا أم زادت الأمور سوءا ، تحسد والدها
أحيانا على شجاعته في مواجهة غضبها وكأنه يدرس جيدا طرق
احتوائه وإخماده وإن كانت محاولاته غالبا لا تزيده إلا اشتعالا .
أفاقت من شرودها الحزين ورفعت نظرها بالذي ربتت يده على
كتفها ونظرت بحزن لابتسامته وإيماءته الخفيفة برأسه مشجعا
لها فتنهدت باستسلام وغادرت من عنده في صمت مجتازة
الرواق الطويل في شرود حزين حتى كانت في بهو المنزل
الواسع واجتازت الواقفة هناك مكانها الذي تركوها فيه تنظر
لها باستغراب حتى صعدت السلالم تفكيرها منحسر في الطريقة
التي ستجعلها تغفر لها وتنسى غضبها منها ولازالت حتى الآن
تشعر بتلك الصفعة تحرق وجنتها بشدة كلما تذكرتها وجميع
عباراتها الغاضبة تلك تعاد وتتكرر في أذنيها
( أجل فاللوم ليس عليه ولا عليك يا رئيس البلاد ولا على جدها
بل عليها هي التي لم تجعل لوالدتها مكانة لديها تخبرها بأمر كهذا
، كانت قالت يا جدار ثمة أمر يحدث من وراء ظهرك وأنا شريكة
فيه لكنها لا تتغير أبداً فلو كنت أنا من أردتها أن تتزوج لرفضت
وأخبرت والدها فهي ابنته وليست ابنتي )
( أصمتي أنا لا ابنة لي مطلقا أنا ابني الكاسر الذي ربيته يحترم
قراراتي ورأيي لا أحد يناقشه فيما أقول ولا أعمامه ولا جده حين
كان حياً .. أنت لا أعرفك أنت ابنة مطر شاهين فقط )
شدت قبضتيها بقوة وألم لازالت تصعد عتبات السلالم ببطء
تنظر لها تحتها بحزن وهي تتذكر مجددا ما حدث .. لقد كان
غضبا مدمرا وجهته ناحية الجميع .. هي ووالدها وجدها بل
وحتى قاسم لم ينجو من تلك الضربات القاسية وهي تتهمه في
أفكاره وقرارته تنعتها بالطفولية فكيف الآن وقد اختفوا جميعهم
وستكون لوحدها في مواجهة غضبها منها ؟ لكنها وكما قال رعد
بمغادرتها أو حتى ببقائها دون التحدث معها ستكون في موقف
سخيف وستجرحها في كلا الحالتين وكأنها لا تهتم لغضبها أو
رأيها فيما حدث .
وقفت ما أن وصلت قرب الباب المفتوح وتنفست بعمق تسمع
عبارات الرجاء من الضحية الأخرى التي سبقتها وهو الكاسر
ويبدوا بأنه يحاول التحدث معها والاعتذار منها وأنها تتجاهله
وهذا لن يكون مؤشرا جيدا على الإطلاق ، حزمت أمرها وتقدمت
من الباب فهذه المواجهة لا مهرب لها منها ولن تترك والدتها
غاضبة بسببها أبدا وإن تحدت والدها والجميع .
وما أن أصبحت أمام باب الغرفة وجدت ما توقعته جيدا والجالسة
على طرف السرير تكتف يديها لصدرها مشيحة بوجهها جانبا
عن الواقف أمامها يردد برجاء ودون يأس فاردا ذراعيه قليلا
" أمي قلت قسما لن أقترب من أدوات أولئك العمال مجددا
وأني أعترف بخطئي .. لا تكوني قاسية معي هكذا "
وحين لم يبدر منها أي تعليق كان سيحاول مجددا ودون يئس
بالطبع لكنها سبقته هذه المرة قائلة ببرود ودون أن تنظر له
" قلت وأعيد متعبة وأريد أن أنام "
فأحنى حينها كتفيه متنهدا بيأس وغادر في صمت مجتازا التي
أومأ لها برأسه نفيا لتعذل عن فكرة التحدث معها الآن ومهما
كان نوع الحديث ذاك وتبعته نظراتها المحبطة حتي اختفى عند
آخر الممر .
" أغلقي الباب "
أجفلت فجأة تنظر لصاحبة تلك العبارة الخاوية والجالسة مكانها
وعلى ذات حالها السابق فتقوست شفتاها بحزن وعزمت على أن
تحذو حذو شقيقها فهي في نظرها الآن حاولت على الأقل لولا
أوقفها صوتها الحازم قبل أن تفكر في تنفيذ ذلك
" ادخلي وأغلقي الباب يا تيما "
فتنفست بعمق مغمضة عينيها قبل أن تتقدم بخطوات بطيئة نحو
الداخل وأغلقت الباب خلفها لتصبح في مواجهة تلك العينين
السوداء المحدقة بها قبل أن تقول صاحبتها بجدية
" أنت موافقة فعلا على ذاك الرجل يا تيما ؟ "
تاهت الأحرف من شفتيها المنفرجتان الجميلتان وتلاحقت أنفاسها
بتقاطعات قصيرة وكأنها لم تعرف لغة الكلام يوما ورحمتها
الجالسة هناك حين قالت دون أن تنتظرها أكثر وبذات
نبرتها الجادة
" هل أنت مقتنعة فعلا بما حدث ؟ "
فهمست حينها وبرجاء حزين
" أمي أ.... "
" أجيبي سؤالي يا تيما "
قاطعتها بحزم فامتلأت عيناها بالدموع سريعا وترددت الأحرف
بين شفتيها قائلة
" هو ... لقد أنقد حياتي أمي وفعل أمرا ما كان ليفعله أحد من
أجلي ولم يكن يعلم حتى من أكون و... "
وكسرت العبرة صوتها الحزين وهي تتابع
" لقد أحببته أمي وتمنيت أن التقيته مجددا وما كنت أتخيل
أن أجده هنا وأن يكون هو "
ونظرت برجاء حزين من بين دموعها لتلك الملامح واليد التي
ارتفعت ناحيتها تمدها لها قبل أن تهمس تلك الشفاه الجميلة
" تعالي بنيتي "
فتقاطرت الدموع من تلك الأحداق الزرقاء الواسعة وتحركت
نحوها مسرعة وجلست بجانبها ونامت في حضنها تحيطها تلك
الذراعان بقوة ، أجل عليها أن لا تجعلها ضحية غصبها المدفون
مجددا ودائما ... أجل الآن تفهم معنى ما كان يحاول الجميع
شرحه لها بالطرق التي كانت تراها هي مجحفة في حقها جارحة
قاسية بل وخاطئة أيضا فهي مثلها تماما لم تختر يوما مصيرها
وذنبها الوحيد أنها امتلكت أحلاما وأرادت تحقيقها بل ونصبت
سعادتها بأكملها فيها ، لن تلقي باللوم عليها في هذا بينما تغفر
للجميع .. لن تجعل منها متنفسا لغضبها من ذاك الرجل وهي التي
لم تستطع تنفيسه به فهذا لن يجدي في شيء سوى في الانحدار
بعلاقتهما لهوة سحيقة .
نظرت لها وهي تبتعد عنها وحدقت بها تلك العينان الزرقاء
الجميلة وهمست الشفاه الزهرية المرتجفة
" أنا موقنة فقط من أنه له أسباب لا يستطيع شرحها لي أمي ...
أنا أثق به حقا "
مسحت أناملها على طرف وجهها تراقبها تلك العينان بحزن
وهمست
" لا تمنحيها لرجل مثله يا تيما أبداً فليسوا جميعهم سواء "
انسابت الدموع من عينيها مجددا فبقدر ما أشعرتها بالسعادة
لأنها توصيها بأن تثق به دائما إلا أنها سببت ألما كبيرا داخلها
وهي تؤكد لها أيضا بأن لا تثق في رجل غير والدها أي أنها
تقصد نفسها مثلها تماما ، أمسكت يدها وقبلت باطن كفها
وحضنتها جهة وجنتها قائلة بحزن
" أريد فعلا أن تكوني راضية أمي أو لن يجمعني وذاك الرجل
منزل ولا حياة وسأخبر والدي بذلك وإن غضب مني "
سحبت يدها منها ونظرت للأسفل تراقبها تلك العينان الحزينة
الدامعة وخرج صوتها هادئا
" لا تكوني سببا في أي مشاكل بينكما ولا من أجلي يا تيما ..
وأتمنى فعلا أن لا يندم يوما على اتخاذه لقرار متهور كهذا "
تقوست شفتاها بأسى فرأيها يبدوا لم يتغير أبدا ، قالت بهدوء
مشابه وإن شابه الكثير من الحزن
" هو وعدني أن يقف في صفي وأني لن اظلم مع من سيزوجني
إياه وكائنا من يكون وإن كنت المخطئة "
رفعت نظرها لها وهي تقول بجدية
" ذاك يكون إنصافا حين لا يكون في قلبك شيئا لذاك الرجل يا
تيما فحينها لن يداوي والدك جراحك ولا أي شخص آخر "
نظرت لها بحزن ولم تستطع نكران ذلك وما أن كانت ستتحدث
قاطعتها قائلة بحزن مشابه ويدها تمسح على شعرها
" لنأمل فقط أن يكون قدرك أفضل من والدتك ومن جدتك
وجدة والدتك قبلها "
ملأت الدموع عينيها مجددا ونامت في حضنها من فورها
وحضنت خصرها بقوة قائلة بأسى حزين
" لنعتبر أن كل واحدة منهن تزوجت رجلا عظيما يحبها ...
فقط أقدار الله من فرقتهم "
*
*
*
أغلق باب درج المكتب بعنف وفتح باقي الأدراج بحثا عنها بل
وأرفف المكتبة رغم يقينه من أنه وضعها في ذاك الدرج تحديدا
منذ أعطته إياها ولم يخرجها من مكانها منذ ذاك اليوم فهي
من طلبت منه أن لا يفتحها إلا في وجود جده وها هو يدفع ثمن
تصرفاته النبيلة في هذه العائلة ، ضرب باب المكتب بقوة وهو
يخرج مغادرا جناحه بأكمله ، لن تكون زيزفون الفاعلة رغم أنه
يتمنى ذلك على أن يكون الشخص الذي يضن من فعلها فعلا
فزيزفون لن تعطيه إياها إن كانت سترجعها حتى أنها لم تسأله
ماذا حدث بشأنها .
وصل باب الجناح الذي ما أن كان سيدير مقبضه ليفتحه انفتح
أمامه على اتساعه وظهر أمامه الذي قابله بابتسامة ساخرة قائلا
" ما هذه الزيارة المفاجئة على غير العادة ؟ "
فكان جوابه أن مد يده لياقته والتفت أصابعه حولها ودفعه للداخل
بقوة لم يستطع مقاومتها وضرب الباب خلفه قبل أن يديره حوله
ويوقفه عليه وقال من بين أسنانه ناظرا لملامحه المتألمة
" أين الأوراق يا نجيب ؟ "
واشتدت أصابعه على ياقته أكثر يكاد يحطم أسنانه من الشد عليها
ينظر لتلك الابتسامة المستفزة التي أهداه إياها وكأنه يؤكد له
بأنه الفاعل وهذا ما كان واثقا منه فيبدو أن جناحه يتعرض
للتفتيش وبشكل دائم إن كان هو الفاعل أم والدته أو إحدى
الخادمات بأوامر من أحدهما .. المهم أنها بالفعل باتت لديه
الآن ويعلم بما يوجد فيها ، همس من بين أسنانه وقبضته
أصبحت تحت ذقنه الذي رفعه عاليا بسبب ارتفاعها له
" أين هي يا نجيب تحدث قبل أن أحطم لك هذه الأسنان القذرة "
لكن تلك الابتسامة لم تغادر تلك الملامح وذاك الوجه وصاحبه
يهمس بانتصار
" بح .... انتهت ... أحرقتها فلا تتعب نفسك "
فسحبه بعيدا عن الباب قبل أن يضربه عليه بقوة صارخا
" بل لديك وستخرجها الآن "
فنظرت له تلك العينان النصف مفتوحتان والذي لم يخفى
عنه أنين صاحبها المتألم قبل أن يقول بصعوبة
" أخبرتك أن لا تتعب نفسك فما فيها بات لدي وأصبحت
بلا أهمية فأحرقتها وانتهى أمرها "
وكان رده أن سحبه مجددا وضربه بقوة أكبر على الباب خلفه
متجاهلا صرخته المتألمة بالفعل هذه المرة ووجه له لكمة جهة
معدته مباشرة جعلته ينحني للأسفل بألم ، ولم يكن ينوي إيقاف
ما بدأه حتى يخرج منه بتلك الأوراق أو يقتله ولا حين علا
الطرق على الباب أمامه قبل أن يفتحه أحدهم يحاول دفع ذاك
الجسد الذي يعيقه عن فتحه فأمسك بياقته مجددا ورفعه ودفع
به الباب مغلقا إياه بجسده فقد علم هوية الموجودة خلفه
ما أن سمع صوتها صارخة بأمر ليتركها تدخل ويدع ابنها
قبل أن يتغير مسار كلماتها للسباب والشتائم الموجهة له
تحديدا وهو يزيدها اشتعالها بسبب اللكمات التي انهالت
على جسد ابنها مجددا بقبضته يسمع معها بوضوح صوت
أنينه المتألم والمكتوم متجاهلا حتى تهديداتها بأن تتصل
بجده وتخبره وهو مستمر في لكمه وضربه بقدمه حتى
خارت قواه فرفعه رافعا وجهه له فقال صاحب تلك الملامح
المتألمة والوجه المليء بالدماء ينظر له وكأنه لم يتلقى
كل ذاك الضرب سوى من نبرة الألم في صوته هامسا بسخرية
" أخبرتك أن لا تتعب نفسك فالغبي وحده من يضع مغلفا في
مكتبه دون أن يفتحه ويعلم ما فيه في منزل قد جعل من
جميع ساكنيه أعداءً له "
فرماه ضاربا له على الباب خلفه محررا له ليس من قبضته
فقط بل ومن ضرباته الموجعة المتتالية التي يراه هذه المرة
أضعف من سابقاتها في مواجهتها فقد كان يكاد يكون ندا قويا
له ، كما سمحت حركته تلك للواقفة في الخارج بأن تفتح الباب
قليلا وتدخل وقد ركضت فورا جهة ابنها وجلست بجواره على
الأرض وحضنت كتفيه قبل أن ترفع نظرها له صارخة بكره
" كسر الله يديك يا مريض يا متخلف أهذا ما تفعله بشقيقك ؟
أبرز عضلاتك على من هم .... "
فتركها وخرج دون أن يهتم لسماع باقي كلماتها ووجهته السلالم
الذي نزل منه على الفور ووجهته هذه المرة كانت بابا آخر لكن
لغرفة وليس لجناح والذي ما أن طرقه أدار مقبضه ودخل ليصبح
هذه المرة في مواجهة ملامح باردة أخرى لكن أنثوية أنعم وأرق
من تلك ، قال ودون مقدمات
" الأوراق ... لقد سرقها نجيب من مكتبي "
لتتحول تلك الزرقة الصافية في المقلتان المقابلتان له لسحب
غاضبة سريعا وقد قالت صاحبتها بضيق
" يا لك من أحمق "
عدل سترته بعنف وقائلا بضيق
" أحمق أجل لكنت فتحتها وقرأتها وحدي قبل أن أنتظر الفرصة
التي ستجمعني بشخص بت لا أراه سوى لأتشاجر معه ويترك
أحدنا الآخر "
تعاقبت أنفاسها بغضب وأشاحت بوجهها جانبا فهذا إذا سبب
معرفته بكل تلك الأمور ، سحقا سيكون علم عن إسحاق أيضا
وعن أمور ما كان يجب أن تصل له ويعلمها لكن إصلاح الأمر
الآن مستحيل وفات أوان الندم على ما حدث ، بهذا إذا تم
استدراج مربيتها بل ويبدوا تم الضغط عليها لتعترف وهذا سر
الرسالة التي وجهتها لها في حديثها المصور ذاك وفقدت الصلة
بينها وبين مطر شاهين وأصبحت في يد عدوها المجهول الآن
والذي إن علم بكل تلك الأمور ستكون أوقعت نفسها في حفرة
عميقة لن تستطيع الخروج منها أبدا .
" ما الذي تحويه تلك الأوراق يا زيزفون ؟ "
أخرجها صوته العميق الجاد مما كانت فيه فرفعت نظراتها له
ونظرت لعينيه بضياع نظرة رآها سابقا ولمرة واحدة فقط كانت
حين زارته في منزل عائلة إيلينا الريفي تلك الليلة التي لن ينساها
ما عاش حين احتاجته ولجأت له وهو رفضها وبكل قسوة ،
نظرة سرعان ما أخفتها وببراعة لتعود لتلك الزرقة برودة
الشتاء ما أن قالت بجمود
" لم يعد ذلك يعنيك يا وقاص ومنذ وقت "
رمته بتلك الكلمات الباردة القاسية ودون رحمة تذكره مجددا
بخذلانه لها ورفضها سابقا فشد قبضتيه بقوة بجانب جسده وقال
ناظرا لعينيها
" بل يعنيني كما السابق تماما ومغادرتي المنزل ليس
معناه أني .... "
" أصمت ... "
قاطعته بأمر غاضب فقال بغضب أشد متجاهلا لها
" لن أصمت وستستمعين لي ولن أتوقف عن البحث خلف جريمتا
ماضيك يا زيزفون حتى اثبت براءتك أو تركت القضاء والقانون
بل وهذه العائلة وللأبد "
نظرت له بغضب ورفض قاطع وهي من يعلم جيدا معنى أن تظهر
براءتها وهو رمي شقيقها خلف قطبان السجن وللأبد فقالت
رامية يدها جانبا
" أخبرتك مرارا أن تبتعد عني وعن حياتي وعن ماضي ولا
علاقة لك بكل ما حدث فيه "
قال بإصرار محدقا في عينيها الغاضبة
" لن أبتعد حتى يحدث ما تعلمينه جيدا يا زيزفون ولن تدخلي
محاكم بريطانيا وأنا حي أتنفس "
" وفر كرم أخلاقك هذا لباقي نسائك أنا لا أحتاجه "
قالتها بحدة وقسوة متعمدة كل حرف فيها وكما توقعت تماما بل
وكما أرادت قال ومن فوره وبضيق
" تلك المرأة لا أعرفها ولم أرها سابقا وكلها كانت لعبة
من تلك ... "
فقاطعته بضيق أشد من قبل أن ينهي حديثه
" أخبرتك مرارا بأن حياتك الخاصة لا تعنيني .. أنا لست زوجتك
ولا حبيبتك تشرح وتوضح الأمر لي "
وما أن كان سيتحدث قاطعته صارخة فيه بغضب
" لا أريدك في حياتي يا وقاص .... أكرهك ألا كرامة لديك
مطلقا ؟ ألا رجولة وكبرياء لديك ؟ "
وجهت له كلماتها تلك تحرقه بها كالسم ولا تعلم بأن وقعها عليه
كان أشد وأقسى مما توقعت وتخطط بكثير ، كان عليها فعل ذلك
فعليه أن يبتعد عن ماضيها وعن شقيقها الوحيد فلن تسمح أبدا
بأن يكون مصيره السجن وإن دخلته هي وأفنت عمرها فيه ، أجل
ذاك هو السبب ولن تسمح لأفكار أخرى بأن تسيطر عليها
وبأنها تحمي هذا الرجل أيضا من المجهول الذي يتخلص من
جميع المقربين لها وممن يحاولون مساعدتها لأنه سيكون
ضحيته القادمة بكل تأكيد والموت مصيره كالبقية تماما ... هو
من يختار لنفسه كل هذا فليتحمل إذا وليبتعد عن شقيقها .. هذا
فقط ما تريد .. أجل سلامة إسحاق فقط والبقية للفناء حتى هي
نفسها .
استدار صاحب ذاك الجسد الطويل وغادر الغرفة في صمت وذاك
ما كانت تتوقعه من رجل مثله وجهت له كتلك الكلمات ، وما أن
اغلق ذاك الباب خلفه بهدوء أغمضت عينيها متنهدة بعمق
واستدارت جهة النافذة فورا تنظر للسماء الزرقاء الصافية
والبعيدة كابتعاد كل شيء عنها تلك اللحظة ، رفعت يدها
ولامست أناملها وكفها مكان قلبها برقة وبطء تشعر به هنا ...
نعم إنه ينبض هناك مثله تماما فهو لازال على قيد الحياة وفي
مكان ما لا يبدوا لها بعيدا أبدا .. متأكدة من ذلك وهذا كل ما
يعنيها وتحتاجه أن تعلم بأنه بخير وبأنه لازال موجودا في
هذا العالم .
أطبقت رموشها الكثيفة مخفية تلك الأحداق الزرقاء خلفها بل
وتلك الدمعة اليتيمة التي سبحت بينهما وظهرت صورته أمامها
فورا وفي آخر مرة رأته فيها قبل أعوام بعيدة وقبل أن يفترقا
مجددا يحضنها بقوة يدفنها في حضنه باكية وجسد ذاك الرجل
ملقى قربهما جثة هامدة تسبح في دمائها لا تعلم من منهما كان
يواسي الآخر يضمد جراحه يخفف من ذعره ويطمئنه ؟ فكلاهما
كان يبكي بصمت يتألم بصمت ويموت ببطء .
تحركت من مكانها تمسح عيناها بقوة ووجهتها باب الغرفة فتحته
وخرجت وما أن كانت في بهو المنزل توجهت جهة السلم الذي
صعدت عتباته مسرعة حتى كانت عند باب الجناح الذي فتحته
ودخلت دون أن تطرقه .
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, قلوووب محتاره and 64 others like this.
رد مع اقتباس
#10675
قديم 13-02-19, 10:10 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
فتح باب الشقة ودخل وواجهه الظلام الدامس فورا سوى ما تسلل
من نور الباب الذي فتحه للتو متمثلا في تلك الأضواء الصفراء
الباهتة وغضن جبينه حدقتاه السوداء تتجول في المكان واستقرت
حيث استطاع تقدير رائحة عطرها المنبعث من المكان فهي هنا
وليست في غرفتها هو متأكد من ذلك ! أغلق باب الشقة يدير يده
خلف جسده دون أن ينظر له وتحسست أصابعه الجدار وعم
النور المكان ما أن لامست زر الإنارة ووقع نظره فورا وحيث
توقع على الجالسة فوق الأريكة منكمشة تحضن هاتفها ونائمة
خصلات غرتها تغطي عينيها وجزء من شعرها ينساب بنعومة
على عنقها وذقنها لميلان رأسها على ظهر الأريكة ، وضع
الكيس من يده واقترب منها وما أن وصل عندها انحنى ناحيتها
وحملها برفق وما أن استوى واقفا وتحركت خطواته ناحية
غرفتها تسللت يدها لعنقه وطوقته بذراعيها وابتسمت لازالت
تغمض عينيها فابتسم ودفع الباب بقدمه وقال ببرود يدخل بها
" إن كنت أعلم أنك مستيقظة لما حملتك يا ممثلة "
تعلقت بعنقه أكثر تتكئ برأسها على كتفه وقالت مبتسمة ولازالت
عيناها مغمضتان
" هذا عقابك على إغلاقك لهاتفك فقط ،بقي تأخرك لهذا الوقت "
وشهقت بضحكة حين رماها على السرير وأبعدت شعرها عن
وجهها ونظرت له فوقها يمسك خصره النحيل بيديه قبل أن
يقول بجدية
" لأنه كان عليا أن ابتعد عنك ماريا وأنا غاضب .. عليك أن
تفهمي بأنه ثمة تيم آخر متوحش لا أريدك أن تريه
حين يغضب "
تذكرت فورا صراخه الغاضب ذاك والذي أسكنها الرعب وهي
ليست المعنية به وقربت حاجباها الرقيقان هامسة برفض
" لا تيم أنت لست متوحش لما تقول ذلك "
أشاح بوجهه جانبا قبل أن يقول
" بلى وغضبي الحقيقي يدمر كل شيء ماريا هذه حقيقتي
أنا لست ملاكا "
تنقلت نظراتها الحزينة في ملامحه وقالت بصوت منخفض
" جميعنا لسنا ملائكة "
حرك رأسه بالنفي ممررا أصابعه في شعره ما أن عاد
بنظره لها وهمس
" أوخي ماريا إسي "
فعبست ملامحها الجميلة حين لم تفهم سوى أول كلمة مما قال
وقالت وهي تجلس
" وأين أمضيت هذا الوقت بأكمله ؟ "
فنظر لها مضيقا عينيه قبل أن يقول ببرود
" تحقيق هذا ماريا ؟ "
حركت كتفيها قائلة
" لا بالطبع هو سؤال وليس لك إلا أن تجيب "
تمتم بابتسامة جانبية بسبب جملتها القاطعة تلك
" في ملهى ليلي "
اتسعت عيناها بصدمة وهمست
" كاذب "
تمتم مجددا
" أتعرفينني أكذب من قبل "
ضربت بقبضتها على فخذها لجلوسها متربعة وقالت بضيق
" لماذا ؟ "
قال من فوره وبذات بروده
" أنت سألت وأنا أجبت وتحقيق مطول ممنوع "
ارتجف صوتها وهي تقول بأسى
" كنت معها ؟ "
" لا بالطبع "
قالها سريعا وبلامبالاة فقالت وقبضتها تشتد أكثر
" مع من غيرها إذا ؟ "
حرك رأسه وقال بحنق ما أن نظر لعينيها مجددا
" أهذا كل ما يعنيك في الأمر المرأة التي امضيت الليل معها ! "
قالت وتلك العبرة سجينة أضلعها تجد لها مكانا في صوتها الحانق
" تيم تحدث فورا قبل أن أرميك من الشرفة وألحق بك "
رفع رأسه عاليا وتنفس بقوة قبل أن ينظر لها مجددا وقال
" مع رجل يا متملكة "
مسحت عينيها بظهر كفها بقوة وقالت سريعا وبضيق
" ورجل في ملهى ليلي لماذا !؟"
فرد يديه وذراعيه مبرزا ذاك الصدر العريض من تحت سترته
الرمادية المفتوحة قائلا بضيق مماثل
" لأنها مهمة أجلتها كثيرا وكنت الليلة في أفضل مزاج
لفعلها لأن السهرة انتهت بأن حطمت وجهه بقبضتي "
نظرت له بصدمة مجفلة قبل أن تبتسم ابتسامة كرتونية
متسعة قائلة
" ومزاجك الآن أفضل أليس كذلك ؟ "
أمسك خصره بيديه وانحنى قليلا نحوها قائلا بوعيد
" أجل بعض الشيء لكن إعادته كما كان لا أسهل منه "
فرمشت بعينيها دون أن تعلق فخرجت منه ضحكة صغيرة
مكتومة وقال متوجها لباب الغرفة
" ثمة ما أحضرته لك "
وغادر تنظر له باستغراب ولمكانه بعده ثم له ما أن دخل الغرفة
مجددا يحمل كيسا ورقيا في يده فهو لم يفعلها سابقا ليفكر في
فعلها الآن وهو يخرج من هنا كتلة مشتعلة من الغضب ! نظرت
بفضول للكيس الذي فتحه وما أن أخرج ما فيه بيده الأخرى
شهقت بضحكة تنظر للدمية القماشية التي رفعها لمستوى
وجهه ينظر لها مبتسما تنظر ضاحكة للدمية بساقيها الطويلتان
وقد وصل طولها لمرفقه يمسكها من إحدى جديلتيها الشقراء !!
وما أن رماها لها أمسكتها تنظر لها وقد عادت للضحك
مجددا قائلة
" لازلت تذكر ! "
رمى الكيس الفارغ جهتها أيضا قائلا ببرود
" بالطبع أذكر وهذا وعد قطعته لك ها أنا أفي به "
نظرت للدمية مبتسمة تكاد دموعها تخونها وهي تتذكر حين
وصلتهم الأخبار في بلدتهم عن الدمى التي قام رجال مطر شاهين
بتوزيعها على الأطفال في الهازان وأصبح حديثها الذي لا ينتهي
عن الدمية التي سيحضرها لها في المستقبل تشبه الدمى الجاهزة
التي لم تراها يوما وها هي كما طلبتها في الماضي شقراء
بفستان أحمر وعينان زرقاء وساقان طويلتان لأنه بالطبع كان
يسخر من قصر ساقيها حين كانت تتعثر وتسقط .
نقلت نظرها منها له وقالت تمسك ضحكتها
" وأنت دخلت بنفسك للمتجر لتشتريها ؟ "
وكما توقعت تماما زم شفتيه بضيق قبل أن يحررهما قائلا
" ومن غيري مثلا ؟ ولك أن تتخيلي ذاك المشهد السخيف وأنا
أطلب دمية بمواصفات سخيفة .. لقد قالت البائعة ضاحكة بأن
ابنتي مدللة كثيرا "
ضحكت كثيرا وحضنتها تحني رأسها جهة رأسها وقالت مبتسمة
" إنها رائعة ولم أمتلك شبيهة لها ولا بعد توحيد البلاد وانتقالنا
لمنزل عائلتي ، لم أمتلك دمية وأنا صغيرة أبدا "
أشار لها بإصبعه في حضنها وقال بجمود
" ها هي إذا ولا أريد أن أراها تنام بجانبك كالشبح كل
صباح أو أحرقتها "
ضحكت وقالت تلوح بها في الهواء تمسكها من يدها
" أثمة من يعطي هدية ويشترط بشأنها ؟ "
قال مغادرا
" بلى أنا "
فابتسمت بحزن تنظر له بحب فكم تعشق هذا العابس على
الدوام ، مسحت عينيها بقوة وهمست قبل أن يخرج
" تيم "
فوقف مكانه والتفت لها فقالت وبالكاد خرج صوتها
" من أين حصلت تلك المرأة على المفتاح ؟ "
ولاحظت بوضوح اشتداد فكيه قبل أن يهمس من بين أسنانه
" من الشركة المصنعة له "
نظرت له بصدمة هامسة
" الشركة المصنعة ! "
قال من فوره وبضيق
" أجل .. توقعت هذا في البداية ورغم استبعادي للأمر إلا أني
اشتريت قفلا فرنسي الصنع وتجنبت الانجليزي لكن أمثالهم لا
شيء يقف أمام ما يريدونه "
شعرت بقلبها انقبض بقوة بسبب كلماته الأخيرة وتذكرت حديثها
وتهديدها فقالت بتوجس تنطر لعينيه
" لازالت تشك بأمرنا تيم وتبحث عن حبيبة قديمة لك إنها ....
إنها تتوقع بأني أحاول جعلك تحبني وأسرقك منها "
نظر لعينيها بصمت ولم يعلق فرطبت شفتيها بطرف لسانها
وهمست بحذر
" تيم أنا سأ... "
" أصمتي ماريا "
توقفت الكلمات على طرف شفتيها تنظر له بعينين دامعة وسبابته
على شفتيه ينظر لها بضيق وتابع ولم يبعد إصبعه
" لن أسمعها منك ماريا ولن تتركي المكان الذي أكون
فيه مفهوم "
اختنقت بعبرتها هامسة
" لكنها قالت بأ.... "
قاطعها مجددا وبحدة
" لا تخبريني بما تقول تلك التافهة ماريا ... لا تتحدثي
عنها أمامي "
ورمى إصبعه جانبا متابعا بغضب
" إن انتهت حياتي في الغد سنكون اليوم معا ماريا لن أكون
شاهر كنعان آخر أتفهمين هذا ؟ "
ضربت بقبضتها على فخذها قائلة بضيق تكاد تختنق بعبرتها
" توقف عن التحدث عن موتك تيم توقف "
أشار لها بسبابته قائلا ما تحاول فعلا الهرب من التفكير فيه دائما
" أنتي من ستتوقفين عن التهرب من الحقيقة ماريا فأنا وأنت
عمر أحدنا قد يكون أقصر من الآخر .. القدر اختار لنا هذا ... "
ورمى إصبعه جانبا مجددا وهو يتابع
" أربعة أعوام مرت كنت خلالها أنتظر قرارا بإحضارك هنا
ويتأجل تحت مسمى سخيف المهمات والمخاطر والموت وما كنت
موافقا أبدا على تركك هناك لهذه الأسباب التي ما شفعت
لمن سبقوني "
تبدلت نظراتها للدهشة فهل كان يخطط فعلا لجلبها منذ كانت
في الخامسة عشرة وزعيمه من منعه ! والحقيقة الصادمة كانت
لازالت في طريقها لها وهو يتابع بحزم
" قسما لكان ابني منك الآن عمره ثلاثة أعوام وما كنت استمعت
لكل تلك الترهات .. تموت تؤذيها تضر نفسك ... ضحي .. انتظر
... احميها منك ونفسك منها فبسبب كل هذه الخرافات ماتت
والدتي اهمالاً وحزناً وقهراً "
قالت بأسى تنظر لعينيه بعينين بدأت تغشوهما سحب الدموع
" تيم لا تسمح لماضيك وحزنك على والدتك وجرحك من والدك
أن يدمرا حاضرك ومستقبلك ... أنا لا أريد أن أخسرك "
وتلاحقت أنفاسها تسجن تلك العبرة في صدرها تنظر للذي اقترب
منها فنظرت له فوقها وقالت بعينين دامعة متجاهلة غضبه
ونظراته الحانقة
" تيم لا تحرمني منك أرجوك ... "
وأغمضت عينيها بقوة ما أن انحنى ناحيتها ممسكا كتفيها بقوة
آلمتها ودفعها نحو السرير خلفها ودمعتها تفارق طرف عينيها
وهمست بألم دون أن تفتحهما
" إن كان على أحدنا أن يموت فعليها أن تكون أنا أولا وإن كان
على أحدنا أن يفارق الآخر فعليه أن يكون أنت ... "
فقطع كلماتها بقبلته العنيفة وكأنه يجبرها على الصمت والتوقف
تماما عن أي حديث في الأمر يضغط شفتيه ويقسو في قبلته أكثر
حتى وصله أنينها المتألم بسبب خشونته تلك فحررها منه مبعداً
شفتيه ببطء ونظر لعينيها الدامعة وهمس يسحب أنفاسه بقوة
" مكانك هنا ماريا مفهوم ... قرار لم أسمح ولا لمطر شاهين
أن يناقشني فيه فلا تغضبيني منك "
وما أن أنهى عبارته تلك استوى واقفا وأولاها ظهره وغادر
فأوقفه صوتها المنخفض مجددا
" أين ستذهب ؟ "
فأدار وجهه فقط وقابلها جانبه وقال ببرود
" لغرفتي طبعا وإن اقتربت من هناك قطعت ساقيك
أتفهمين هذا ؟ "
فابتسمت من بين دموعها وحزنها تراقبه حتى اختفى خلف الباب
المفتوح والذي تركه هكذا خلفه بعدما همس بأمر مغادرا
" لا تغلقيه "
مسحت عينيها بظهر كفها تنظر للسقف بحزن وأغمضت عينيها
ببط تتنفس بعمق ...وعالمها لا يساوي شيئا من دونه ولا تريد أن
تكون إلا معه لكنها تخشى فقدانه .. تخشى الموت الذي لا يخشاه
هو ولا يفكر فيه .. تؤمن بأنه حقيقة لكن يصعب عليها أن
تتعايش مع فكرة أن تكون هي السبب فيها ، فتحت عينيها المليئة
بالدموع ونظرت للسقف ووضعت يدها على صدرها هامسة بعبرة
وأنفاس متقطعة
" يا رب إن كتب لأحدنا أن يموت فخذ روحي قبله يا رب ... يا
رب أنت من تعلم كم أحبه .. وحدك من تعلم فليس لبشر أن يتخيل
كم يكون ذلك "
وارتفعت يدها لشفتيها وغطتهما بظهر أناملها تمسك شهقاتها
الباكية وما أن نظرت جانبا تسللت يدها للدمية النائمة بجانبها
وسحبتها نحوها وجلست تبعد شعرها عن وجهها تمسح دموعها
بقوة ونظرت لها بين يديها وابتسمت بحزن تتذكر ذاك اليوم البعيد
وكأنه الآن حتى ملامحه لازالت تحفظها وهو يتكئ بيديه على
الرصيف خلفه وينظر للسماء الزرقاء الصافية وهو يقول
( قسما حين سيصبح لدي مال كثير أن أشتري لك واحدة
هل يكفيك هذا ؟ )
فدارت حوله قائلة بسعادة
( وتشتري لي منزلا جميلا ودراجة وعربة بحصان وفساتين
كثيرة وحلوى و... )
فقاطعها بانزعاج وهو يقف
( من أخبرك بأني سأكون لصاً حين سأكبر )
ابتسمت بضحكة صغيرة تغلبت على حزنها ونظرت جهة الباب
قبل أن تعود بنظرها للدمية في يديها وما أن عادت بنظرها له
مجددا وقفت وتوجهت نحوه ووقفت أمامه ونظرت حيث باب
غرفته النصف مفتوح أيضا وها هو يأخذ أول احتياطات سلامتها
رغم وجوده هنا ! نظرت للدمية في يدها ثم لباب غرفته مجددا
وابتسمت تغرس أسنانها في طرف شفتها وتحركت بخطوات
خافتة حافية القدمين حتى وصلت الباب ووقفت متكئة بكتفها
على إطاره تنظر بحب مبتسمة للذي كان نائما على السرير يغطي
نصف جسده بلحاف السرير ونصفه العلوي عاري يريح ساعده
على عينيه وشعره الرطب يلمع تحت الضوء المتسلل من النافذة
قربه ولازالت تستغرب متى وكيف يستحم هذا الرجل في وقت
قياسي هكذا !
" غادري كاملة بساقيك ماريا أفصل لك "
ابتسمت بحزن واتكأت برأسها أيضا على إطار الباب
وهمست برقة
" لم أشكرك على الهدية "
رفع ساعده عن وجهه وأداره تحت رأسه وقال بجمود
ناظرا للسقف
" أتعلمي أمراً ؟ إن وصلت سريري وأمسكت بك فلن تغادريه قبل
الصباح ولن يوقفني شيء ماريا وقسما إن دخلت تلك المرأة
علينا مجددا أن اقبلك أمامها "
أجفلت تنظر له بصدمة وما أن أدار رأسه ونظر لها رفع
سبابته هامسا
" قسما "
عبست ملامحها الجميلة ونفضت الدمية في يدها تمد شفتيها
بعبوس فتجاهلها ناظرا للسقف مجددا بل وغطى عينيه بساعده
من جديد فقفزت تلك الشياطين الصغيرة في رأسها تحرك قدميها
نحو الداخل بخطوات خافتة وما أن كانت فوقه أمسكت ابتسامتها
بأسنانها تنظر لشفتيه التي مالت بابتسامة صغيرة واكتشافه
لوجودها لم يجعلها تتراجع أبدا بل انحنت نحوه ببطء حتى داعبت
أنفاسها وجهه وقبلت خده برقة وهمست ما أن أبعدت شفتيها
" أحبك "
وصرخت ضاحكة حين أمسك برسغها ما أن ابتعدت وشدها منه
بقوة أوقعتها على صدره والتفت ذراعه وساعده حول كتفيها
يثبتها بقوة فقالت بضحكة تحاول الفكاك منه
" تيم اتركني سأغادر أقسم لك "
لف ذراعه الآخر حول خصرها أيضا هامسا من بين أسنانه
" ولن تعتب قدماك الباب ؟ "
قالت بصعوبة تحاول رفع جسدها بعيدا عنه
" لا ورب الكعبة "
تركها حينها فابتعدت عنه مسرعة جهة باب الغرفة ووقفت هناك
تبعد غرتها المتبعثرة على وجهها ونظرت له مبتسمة بمشاكسة
ورفعت يدها لشفتيها وأرسلت له قبلة وهمست مبتسمة
" أحبك بحجم العالم بأكمله "
وما أن جلس راميا اللحاف عنه حتي ركضت ضاحكة ودخلت
غرفتها واندست تحت لحاف سريرها وضمت الدمية لحضنها
بقوة هامسة بابتسامة
" سيكون عليه رؤيتها صباحا حتى تكثر هداياه وأنسى هديته
الأولى بالطبع "
*
*
*
ما أن كانت في الداخل وقفت مكانها تنظر للجالس قرب النافذة
ووالدته تجلس بجواره تمسح الدماء عن الجرح في وجنته والتي
وقفت ما أن رأتها وقالت بضيق
" ما الذي تريدينه أنت أيضاً ؟ ألا يكفي ما فعله عشيقك "
وكان رد فعلها أن تجاهلتها مبعدة نظرها عنها للجالس مكانه
وقالت ببرود
" علينا أن نتحدث "
فتحدثت تلك الغاضبة مجددا قائلة بضيق أشد
" ابتعدي عن ابني أنت أيضا يكفيه مرضى عقليين و... "
" أمي أتركينا لوحدنا قليلا "
نظرت له باستنكار ما أن قال تلك الكلمات وفي أول خروج له من
صمته منذ غادر ذاك بالرغم من كل ما كانت تقول وتسب وتشتم
أمامه ، وما أن كانت ستتحدث سبقها قائلا ببرود
" أنا لست طفلا وأعلم جيدا ما أفعله "
فتنفست بضيق نفسا قويا غاضبا تشد قبضتيها بجانب جسدها
بقوة قبل أن تتحرك من مكانها .. وما أن كانت قرب الواقفة عند
الباب المفتوح وقفت ونظرت لها بحقد هامسة
" لن أنسى لك ولذاك الطفل ما فعله به الآن أبدا أقسم بذلك "
وغادرت ضاربة الباب خلفها عمدا من خلف التي لم تهتم ولا
بحديثها وتهديدها نظرها على الجالس مكانه والذي يبدوا تلقى
ضربا مبرحا من الذي جاء يستجوبها بعده وقالت بجمود
" من أخبرت عن الموجود في تلك الأوراق ؟ "
وحين لم يجب لازال ينظر لها تلك النظرة الكسولة المستفزة
يرسم على شفتيه ابتسامته الكريهة المعتادة والتي تراهن
على أنه لن يتقنها سواه قالت وبإصرار
" من غير والدتك يعلم يا نجيب ؟ "
" إن كنت تقصدين جدك فلم يعلم "
قالها بسخرية وكأنه يستخف بها فشدت قبضتيها بقوة
قائلة بضيق
" جدك وليس جدي وليس عنه أتحدث فله أرسلتها أساسا "
وشدت على أسنانها بغيض حين رفع رأسه ضاحكا وما أن
نظر لها قال ساخرا
" تكذبين يا حفيدة الخماصية وتتلونين كحسنك تماما كل بلون "
قالت من فورها وببرود
" لا شيء يضطرني للكذب ولا حتى لأبرر لأمثالك "
أراح يده وساعده على الطاولة تحته وقال بذات سخريته
" حسنا سنفترض بأنك بالفعل أعطيتها لذاك المحامي الفاشل
فقط ليوصلها لجده وليس جدك بالطبع فما كان غرضك من
كل ذلك إذا ؟ لما تكشفين له عن أمور حدثت في الماضي
جلها يخص أموات تواروا تحت التراب "
قالت من فورها وببرود أشد
" ذاك أمر لا يعنيك فأجب عن سؤالي قبل أن تبدأ
بطرح الأسئلة "
حرك فكه السفلي بيده بملامح متألمة وقال ما أن أبعد يده
" من تخشين أن يعلم إذا ؟ آه خالك ذاك ؟ "
تصلبت ملامحها وهي تهمس
" هل اعطيتها له ؟ "
حرك رأسه بالنفي من فوره قائلا
" لا ولم أخبره شيئا "
نظرت له بشك لبرهة قبل أن تقول بجدية
" لا تفعل إذا فهو خارج كل ما بيننا يا نجيب وعليك أن
تفي بوعودك وتكون على الاتفاق بيننا "
نظر لها بصمت للحظة قبل أن يقول
" موافق لكن بشرط "
وتابع ما أن طال صمتها تنتظره دون أن تعلق
" لن تصل لجدي أيضا ولن يعلم ما فيها ولا حفيده
المفضل ذاك "
فشدت قبضتها بقوة قائلة بضيق
" ولما لا يعلم عن باقي جرائمه ؟ لن يموت وهو يجهلها أبدا "
ابتسم بسخرية متمتما
" لن يؤنبه ضميره إن كان ذاك ما تصبين له "
" وما الذي تصبوا له أنت ؟ "
قالتها سريعا ومباشرة فوقف وتحرك نحوها وإن كان واضحا في
مشيته تلك أنه يحرك إحدى ساقيه بصعوبة ودار حولها قائلا
" لن يعلم أولا بأن له حفيدان تؤام من ابن الخماصية لن يحقق
ذلك هو له هذا أولا والأهم أما الباقي فلا يخصك أبدا "
قالت ببرود تتبعه بنظرها
" أهذا كل ما تفكر فيه ... والدك ؟ "
وقف أمامها وقال
" لا ليس هو بالتأكيد فكل مسئول عن أفعاله "
فقالت بشك تنظر لعينيه
" أنت تخفي شيئا وتتملص من الإجابة ...! لن أصدق بأن
ذاك يكون السبب الأساسي أنا لست غبية "
ابتسم بسخرية ورفع يده لشعرها وقال يبرم خصلة منه بين
أصابعه وبذات ابتسامته تلك ونظره على عينيها
" ليس في صالحك أن تكشفي أوراقك من الآن يا جميلة فلازال
الوقت طويلا أمامنا وهدفي لا يشبه هدفك البتة لا تنسي ذلك "
رفعت يدها واستلت شعرها منه بعنف قائلة بضيق
" هدفك لا يعنيني "
دس يديه في جيبيه وقال
" أعلم وأحاول فعلا أن أصدق لكن هدفنا واحد وإن اختلف
فمصالحنا مشتركة "
قالت بعد صمت لحظة
" أنت تستخدمني لأغراضك التافهة فقط أنا لم أحصل على
شيء من اتفاقنا ذاك "
حرك كتفيه قائلا بابتسامة مائلة
" لأنك لم تطلبي شيئا حتى الآن يا جميلة ... أنت لازلت
تدرسين عدوك فقط أو تبحثين عنه "
نظرت له بصمت ولم تعلق ... من يفكر بأن هذا الرجل أحمق
وغبي فسيكون هو كذلك فيبدوا أن الموجود فوق جسده يتحرك
فعلا حينما يريد هو ذلك ، قالت تنظر لعينيه مباشرة
" أوراق ملكية أسهمي في شركة ﺗﻴﻜﺴﺘﺮﻭﻥ ولا أظنه عملا
صعبا عليك "
رفع رأسه ضاحكا قبل أن ينظر لها وقال
" ليس الأمر كما تظنين يا فاتنة لكن لك ما تريدين فقط أمهليني
بعض الوقت "
وتابع وقد بدأ بالتحرك حولها مجدداً كذئب يتصيد لفريسته
" ولا تنسي شركة ﺩﺍﺳﻮﻟﺖ ستكون بعيدة عن خط هجومك "
همست بابتسامة ساخرة
" لك ذلك "
وقف خلفها مباشرة وقال هامسا جهة أذنها التي يخفيها ذاك
الشعر الأشقر الطويل
" أود أن أصدقك لكن ذلك مستحيل فلا تنسي بأني
حذرتك مسبقا "
دارت ناحيته دورة كاملة حتى أصبحت مقابلة له ومدت
يدها له قائلة
" نفذ تهديداتك حينها "
نقل نظره من عينيها ليدها باستغراب فقالت
" أعطني الأوراق "
رفع نظره لعينيها مجددا وقال وقد عاد لسخريته المستفزة
" ألم يخبرك حليفك القديم بأن أمرها قد انتهى ؟ "
زمت شفتيها بضيق قبل أن تحررهما قائلة
" لم يخبرني شيئا ولن أصدق ذلك فقد تتخلص من أي واحدة
منها إلا رسالة إسحاق فأعطني إياها لأنها تخصني وحدي "
تحرك نحو باب ما في تلك الردهة الواسعة الفاخرة ودون أن
يعلق وما هي إلا لحظات وخرج وفي يده ظرف ورقي مده لها
في صمت لا تفارق شفتيه تلك الابتسامة الساخرة فأخذته منه
بسحبة واحدة فأمال رأسه وقرب شفتيه من أذنها مجددا وهمس
بذات سخريته
" لا تثقي مجددا فيمن لا يمكنه فعل شيء من أجلك كي لا تنتهي
نهاية كل مرأة دخلت عالمه "
وكان تعليقها نظرة باردة لامبالية أهدته إياها قبل أن تخرج
مغادرة من هناك فلن يجدي مع أمثاله الشرح والتفسير ولن
تفعلها في جميع الأحوال ولن تهتم .
*
*
*
خبئت نصف وجهها بكتف الجالسة بجانبها تنظر بعين واحدة
للجالس بعيدا والذي ضحك بصمت رافعا رأسه للأعلى بسبب
حركتها تلك قبل أن يدعي الانشغال بهاتفه ما أن أمسكت
أطراف أناملها الرقيقة البيضاء بثوب الجالسة قربها
هامسة برقة تشبهها
" أمي "
وما أن التفتت لها الملاصقة لها تعطيها ظهرها تقريبا رفعت
نظرها وحدقت تلك الأحداق الرمادية بعينيها السوداء قائلة
بذات همسها الرقيق
" هل أصعد لغرفتي ؟ "
فابتسمت لها تلك الملامح بحب سريعا ومن قبل أن تصل
تلك الابتسامة لشفيها قائلة
" لماذا يا يمامة ؟ اليوم والغد إجازتك من الدروس التي
تأخذينها وأنت تسجنين نفسك في غرفتك كثيرا مؤخرا !
أريدك أن تشاركي عائلتك حياتها صغيرتي "
وكان جوابها أن ابتسمت لها ابتسامة تشبه ابتسامتها بل وتشبه
ملامحها الجميلة البريئة فنقلت نظرها منها فورا للجالس مقابلا
لهم في الجهة الأخرى ونظرت له مضيقة عينيها فكان على
حاله السابق منسجم تماما مع هاتفه فأبعدت نظرها عنه حينها ،
وبينما عادت جوزاء للانشغال مع الخادمة الجالسة أمامها
تدون في لائحة طويلة ما تمليه عليها عادت أيضا الجالسة
بجانبها لسرقة النظرات المتقطعة جهة الذي اتكئ برأسه
على ساعده هذه المرة ثانيا يده خلف رأسه ويرفع قدميه
فوق الأريكة التي أصبح شبه مستلقٍ عليها بالعرض ينصب
ساق على الأخرى ونظره عاد للالتصاق بها تزين شفتيه
ذات تلك الابتسامة اللعوب وما أن حرك هاتفه في يده وأشار
لها به بمعنى تعالي أريك شيئا حتى اختبأت عنه مجددا بجسد
والدته وعادت لشد ثوبها وما أن التفتت لها قالت
تنظر لأصابعها
" أريد مراجعة بعض الدروس أمي فهل تسمحين لي "
فنظرت لها بشك قبل أن تدير رأسها وتنظر للذي لم يبقي
هناك سوى مكانه الخالي منه وجالت بنظرها في المكان
الواسع قبل أن تعود به لها قائلة بابتسامة
" كما تشائين يا يمامة .. أردتك فقط أن تتسلي قليلا معنا "
فابتسمت لها بدورها وقبلت خدها وغادرت في صمت ووجهتها
السلم القريب منهم والذي ما أن كانت أعلاه تسارعت خطواتها
حتى وجدت نفسها أمام باب غرفتها ففتحته سريعا ودخلت لتقفز
بشهقة فزعة ما أن وقع نظرها على الواقف في الداخل ينتظرها
مكتفا ذراعيه لصدره ينظر لها مبتسما تلك الابتسامة الماكرة ..
وما أن فكرت في الفرار راكضة حتى أوقفتها يده وأصابعه
الطويلة التي التفت حول ساعدها وسحبها نحو الداخل وقال
مغلقا الباب بيده الأخرى وبضربة واحدة
" انتظري هنا قليلا ... كنت أعلم أن نهايتي في هذه العائلة
ستكون على يديك "
وما أن أدارها ناحيته نظر لعينيها الرمادية الواسعة .. تلك القطعة
الفضية اللامعة يحيطها صفا رموش بنية كثيفة وجفن واسع
بانحناءة بسيطة ومميزة عند طرفه لتعطي ذاك الحزن فيهما معنا
مختلفا غريبا ورائعا أيضا تجمع شعرها المموج للخلف كما
وتمسك تلك الغرة المجنونة بمشبك كريستالي عريض سامحا لذاك
الوجه الدائري والعينان الواسعة والملامح الصغيرة الرقيقة
بالبروز أكثر .
ترك ذراعها ما أن ملأت الدموع عينيها المحدقتان فيه بذعر
ورفع يديه بجانب وجهه قائلا بابتسامة
" انتظري قليلا أنا هنا فقط لأشرح لك الأمر فلا تتسببي في
طردي من المنزل فستفعلها جوزاء ودون تراجع إن أخبرتها "
وتابع من فوره منزلا يديه يدسهما في جيبي بنطلونه
" كان الأمر مزحة فقط يمامتي كما سبق وأخبرتك "
زمت شفتيها الرقيقتان قبل أن تهمس بصوت متقطع
" ما تلك الصورة إذا ؟ "
رفع كتفيه قائلا بابتسامة
" لا شيء ... إنها فقط لا شيء "
قربت حاجباها البنيان الطويلان وهمست باستغراب
" وماذا يفعلان إذا ؟ "
قال يمسك ضحكته
" وأنا مثلك تماماً لا أعلم "
نظرت له بشك لبرهة قبل أن تقول
" وما يفعل الزوجان ؟ "
وتبدلت نظرتها للاستغراب ما أن رفع رأسه ضاحكا قبل
أن ينظر لها مجددا وقال بضحكة صغيرة
" لا شيء ... يتشاجران طوال النهار ثم ينامان وفقط "
حركت حدقتيها بتفكير قبل أن تنظر له مجددا قائلة
" والدي وزوجته كانا يتشاجران دائما "
ضحك من فوره وقال
" أجل كما أخبرتك .. وفي الأحيان القليلة التي لا يتشاجران
فيها يمكنهما إنجاب بعض الأولاد "
نظرت له بشك قليلا قبل أن تقول
" وكيف ينجبونهم ؟ "
وتحولت نظراتها البريئة للحنق حين عاد للضحك مجددا فأخرج
يده من جيبه ومدها لوجهها وقرص خدها يغرس أسنانه البيضاء
في طرف شفته وما أن أبعد يده قبل إصبعيه وقال
" ما أروعك من فتاة ... ومن الأفضل أن لا تعلمي مني
كي لا ننام كلينا في الشارع "
نظرت له تلك الأحداق الرمادية باستغراب وعدم استيعاب
مجددا فضحك وقال
" يمكننا التحدث عن الأمر عندما تموت جوزاء شاهين أو تدخل
في غيبوبة طويلة أو يطردها أيوب الشعاب من هنا .. وطبعا كل
واحدة منهم تبدوا لي مستحيلة أكثر من الأخرى "
فسرعان ما تبدلت تلك النظرات في عينيها للحزن وظنه بسبب
ما قال حتى قالت ببحة والدموع تملأ عينيها
" ماذا عن يمان ؟وأنت وعدتني أن تبحث عنه وتحضره ...
هل هو ميت وتخفون الأمر عني ؟ "
نظر لها بذهول وقال
" لا بالطبع ما هذه الأفكار السوداء يا فتاة ! هو حي يرزق
وفي الجنوب كما أخبرتك أقسم لك "
اختنق صوتها بعبرتها وقالت ببحة بكاء
" إذا لما لا يأتي لزيارتي ؟ أريد أن أراه أبان أرجوك "
وضع يده على قلبه وتأوه قبل أن يقول
" آه يا قلب أبان ... حاظر ستريه رغما عنه وعن أبناء
غيلوان جميعهم "
فمسحت عينيها ترتسم ابتسامة صغيرة على ملامحها الحزينة
البريئة فغمز لها قائلا
" لكن ثمة شرط طبعا "
مسحت عينيها بقوة ونظرت له بصمت فقال بابتسامة صغيرة
" عليك أن لا تخبري والدتك تلك عن أي شيء مما دار بيننا وعن
تلك الصور تحديدا اتفقنا "
أومأت برأسها موافقة من فورها ويعلم جيدا أهمية رؤية شقيقها
بالنسبة لها وبأنها لن تخل بالاتفاق ورغم ذلك قال رافعا
سبابته بينهما
" حاذري يا يمامة فإن علمت فلا اتفاق بيننا أبدا "
فحركت رأسها نفيا من فورها ودون أن تتحدث فابتسم وقرص
وجنتها مجددا وقبل أصابعه وهو يجتازها خارجا من الغرفة التي
ترك بابها خلفه مفتوحا ونظرها يتبعه حتى اختفى حاجباها
البنيان الرقيقان يقتربا من بعضهما ببطء ترتسم على ملامحها
نظرة تفكير خالطها بعض الاستغراب تتذكر حديثه السابق
والحالي وتمتمت بعبوس
" ولما والدته ووالده لا يتشاجران أبدا !! "
وسرعان ما ظهرت تلك الصورة أمام عينيها مجددا والوجهان
الشبه ملتصقان ببعضهما وتلك النظرة في عينيهما وشعرت
سريعا بذاك الألم الغريب في معدتها فحركت رأسها بقوة
وتحركت من مكانها مغادرة الغرفة وما أن اجتازت الممر الطويل
كانت في وجهها التي خرجت أساسا للبحث عنها والتي لم تترك
لها مجالا لا لتتحدث ولا لتسأل وهي تسحبها من يدها قائلة
" تعالي لقد بدأ البرنامج "
وسحبتها معها راكضة حتى كانتا قرب الغرفة المخصصة للتلفاز
فوقفت مجبرة إياها على الوقوف قبل أن تدخلا ونظرت لها قائلة
" بثينة هل أسألك عن أمر وتجيبيني عنه ؟ "
فقالت تلك من فورها ملوحة بيدها
" لا بالطبع فمؤكد يخص الدراسة وأنا من عليها أن تسألك
لا أنت"
مدت شفتيها بعبوس وقالت
" لا هو لا يخص الدراسة أبدا "
نظرت لها باستغراب فنضرت للأسفل مبعدة نظرها عنها قبل
أن تنظر لها مجددا وقالت بتردد
" بثينة ما الذي يحدث بين الزوجين ؟ "
لتزداد تلك النظرات المستغربة تحديقا فيها قبل أن تنفجر صاحبتها
ضاحكة فضربتها بقبضتها على كتفها متمتمة بعبوس
" وما الذي أقوله يضحك هكذا ؟ ما المضحك فيما أسأل عنه "
وما أن أنهت الواقفة أمامها نوبة ضحكها الطويلة قالت تمسك
نفسها عن الضحك مجددا
" حقا لا تعلمين ما يحدث بين الزوجين يا يمامة ؟ "
تمتمت باستياء
" إن كنت أعلم ما سألت "
وما أن كانت الواقفة أمامها ستتحدث بلعت كلماتها كما لسانها
معها تنظر للتي أصبحت فجأة معهما في المكان والتي قالت تنظر
لهما باستغراب
" ما هدا الذي تسأل عنه ولا تعلمه ؟ "
فضحكت التي دارت بجسدها جيدا لتقابلها وقالت ضاحكة
"هذه يمامة تسأل ما الذي يحدث بين الزوجان ..تصوري ذلك ! "
وأمسكت فمها بيدها تنظر بذعر لتلك العينان السوداء التي حدقت
فيها بصدمة خالطها غضب مخيف وما كان من خيار أمامها
سوى الهرب بالطبع والاختفاء في لمح البصر تاركة حمم تلك
العينان تتبعها حتى اختفت قبل أن تنظر للتي قالت لها عاقدة
حاجبيها
" لما تسألين عن ذلك يا يمامة "
فأجفلت تنظر لها بارتباك فهي لم ترى مطلقا تلك النظرة في
عينيها فترة وجودها معهم هنا بالرغم من أنها لا تقارن أبدا بتلك
التي خصت بها ابنتها فقالت بتوجس
" هل الأمر سيء أمي ؟ "
قالت المقابلة لها وملامحها لا تزداد إلا قسوة وضيقاً
" أبان من تحدث معك في الأمر ؟ "
نظرت لها بصدمة قبل أن تحرك رأسها بالنفي ودون أن تتحدث
فقالت تنظر لها بشك
" متأكدة يا يمامة ؟ أعرفك لا تكذبين أبدا "
حدقت فيها بصمت تتذكر كلامه واتفاقهما... لكنها بالفعل لا تكذب
ولا تحب الكذب أبدا وكان يمان ينهاها عنه دائما ... ( يمان )
عند تلك النقطة وعند شقيقها انهارت جميع معتقداتها تلك بل
ومشاعرها أيضا فهمست بخفوت تشد سبابتيها ببعضهما
" لا أمي لم يفعل "
فقالت من فورها
" لما السؤال إذا يا يمامة ؟ "
قالت بعد صمت لحظة
" تساءلت فقط وأردت أن أعلم "
نظرت لها بصمت وتفكير فلن تقتنع أبدا بأنها سألت من نفسها
هكذا لكانت تحدثت عن الأمر سابقا ! تعلم بأنها عاشت معزولة
تماما عن كل ما يربطها بالعالم الخارجي وحتى هنا لم تخرج أبدا
والتلفاز هي من تحدد القنوات التي تتابعانهما فيه وتمنع عنهما
الهواتف والانترنت ولن تجد أبدا ما يجعل تلك الأسئلة تدور في
ذهنها أما ابنتها تلك فتذهب للمدرسة وفي تلك الأمكنة لا حدود
للمعرفة أبدا ولا يقتصر التعليم فيها على الدراسة والمعلمات
خصوصا أنها تضعها في مدرسة عامة حالها حال شقيقيها سابقا
فهي تكره المدارس الخاصة وأن لا يحتك أبنائها بعامة الناس
ويكونوا مثلهم ، فمن هذا الذي زرع تلك الأفكار في رأسها إن لم
تكن بثينة ؟ لكنها تعرف يمامة جيدا هي لا تكذب أبدا لما أخرجت
ذاك الوقح من دائرة اتهامها أبدا .
أحاطت كتفاها بذراعها وسارت بها خارجتان من هناك قائلة
" إذا لا تسألي عن ذلك مجددا ولا تفكري فيه فأوانه لم يحن
بعد ويحتاج لوقت طويل "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, قلوووب محتاره and 71 others like this.
رد مع اقتباس
#10676
قديم 13-02-19, 10:13 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
أدارت الصينية الحديدية الواسعة بيد تحاول باليد الأخرى جمع
الدقيق بالماء لتتكون العجينة التي باتت تشك بأن تحصل عليها
والجالس هناك ينظر لها هكذا ولا تفهم ما به اليوم وما أرجعه
مبكرا على غير العادة يجلس هناك ومنذ وقت ! بل كان شبه
مضطجع يثني الوسادة تحت مرفقه ينصب إحدى ركبتيه بينما
يثني ساقه الآخر تحتها ويجلس معها هنا في المطبخ منذ رجوعه
ولا تفارقها نظراته التي كانت تلاحظها وإن لم تنظر ناحيته حتى
أربكها وهذا حالها منذ أصبح هنا وها هي تحاول جمع العجين
مع بعضه بتكرار والذي وكأنها لأول مرة تعجنه وليست تفعلها
منذ عرفت شقيقها جسار وزوجته حتى أصبحت تلمه وتسبكه
في لحظات !!.
" مايرين "
أغمصت عينيها متنهدة بعمق فها هو على الأقل قرر أن يخرج
من صمته وقد تفهم على الأقل سبب هذه الزيارة المبكرة
والنظرات الغريبة ، نظرت ناحيته وأجبرت شفتيها على رسم
ابتسامة صغيرة فلن تستطيع التحدث على ما يبدوا ولا بكلمة
نعم ، وكم حمدت الله أن أبعد نظره عنها ينظر لعود القش في
يده وهو يقول
" أنت لم تطلبي شيئا لنفسك أبدا منذ تزوجنا ... ألا تحتاجين
لأشياء قد لا نهتم لها نحن الرجال ؟ "
نظرت له باستغراب وكانت لتفسر كلامه ذاك ملايين التفاسير لولا
تابع ولازال ينظر لتلك القشة الذهبية في يده
" المتزوجون يشتكون دائما من طلبات زوجاتهم التي لا تنتهي
ولا أراك تطلبين شيئاً أبداً "
فزحفت تلك الابتسامة الصادقة لشفتيها قبل أن تتحول لضحكة
صغيرة وهي تقول
" وهل يزعجك أن لا أكون متطلبة مزعجة مثلهن ؟! "
رفع نطره لها وقال
" بل أخشى أنك تفعلين ذلك من أجلي فقط وتحرمين نفسك
من أبسط حقوقك علي "
يا إلهي من يسمح لها فقط بأن تقبّل هذا الرجل بين عينيه شكرا
وامتنانا فقط على كلماته وإن لم ينفذها ، قالت تنظر ليديها
والعجين الذي بدأ يجف على أصابع يمناها
" لا شيء ينقصني يا يمان أقسم لك بل ولدي أكثر مما
أحتاج واعتدت "
وتابعت تكتم ضحكتها لازالت تتجنب النظر له
" ويبدوا أنه عليك أن تحمد الله أن لا جيران ولا أصدقاء لنا لما
رحمتك أبدا من سأذهب لتلك وستأتي لزيارتي الأخرى ..
هذا إن اضفنا له حفلات الزفاف "
وصلها صوته فورا
" وهذا جزء مما أظلمك فيه يا مايرين ويبدوا أنه علينا فعلا
الانتقال من هنا بل ومن الجنوب بأكمله لتتمكني من العيش بين
الناس كأي امرأة مثلك لكن أمهليني حتى أجد فرصة عمل
مناسبة بعيدا عن الجنوب والأراضي الزراعية "
نظرت له سريعا وبصدمة قائلة
" ما هذا الذي تقوله يا يمان ! بل وأين ستجد فرص أفضل من
هنا ؟ أنت تعلم جيدا وأنا مثلك بأن ذلك لن يحدث ... ثم أنا لست
منزعجة من وضعي هنا ومعتادة على العيش وحيدة .. من أخبرك
بأني أحتاج لجيران أو حتى لصديقات ؟ أنا كنت أمزح فقط حين
قلت ذلك "
حدقت فيها تلك العينان الرمادية بجمود وقال بجدية
" أعلم بأنك تقولين ذلك فقط من أجلي لا أحد يحب أن يعيش
وحيدا ومنبوذا .. لا تحاولي إقناعي بذلك "
وما أن كانت ستتحدث معترضة قاطعها من فوره
" قد أكون من انتشلك من الشارع وحتى من مخالب أعمامك
أولئك لكني لست من وفر لك الحياة التي تنتظرها أي امرأة من
الرجل الذي تتزوجه "
أبعدت شفتيها لتتحدث لكنه كان الأسبق ومجددا وقد شردت عيناه
للفراغ بوجوم كئيب
" أنا أعلم بنفسي منك يا مايرين لا يمكن لامرأة أن تعتمد علي
لأني سأخذلها نهاية الأمر بسبب عجزي واستسلامي "
حركت رأسها نفيا وكأنه يراها وعيناها المحدقتان به يغمرها
الأسى والحزن وقالت معترضة
" لا أعلم على أي أساس تصف نفسك بظلم وإجحاف هكذا ؟
متأكدة من أن والدتك توفيت وهي فخورة بك وشقيقتك من بعدها
ومن ستكو.... "
قاطعها مجددا وهو يستوي جالسا ولازال يتجنب النظر لها وكأنه
يخفي تلك النظرات الغارقة في الألم
" أخبرتك بأني عكس ما تظنين ولم أقدم شيئا لهما وخذلت
شقيقتي بي .. هذا هو أنا مهما حاولت أن أكون العكس "
ووقف من فوره تراقبه نظراتها المستغربة من حديثه وقال
متوجها نحوها " لما لا تتركينا من الحديث عن كل هذا فثمة
ما عليك رؤيته "
نظرت له باستغراب وهو يجلس بجوارها متربعا ومد يده ليدها
اليسرى والنظيفة وأمسكها وسحبها نحوه بينما كانت يده الأخرى
تخرج شيئا ما من جيب بنطلونه دسه فورا في إصبعها قائلا
" هذا من أبسط حقوقك التي لم أوفرها لك في وقتها المناسب "
رفعت يدها ونظرت لخاتم الزواج الذهبي البسيط الذي دمج
اللونين الفضي والذهبي مزين بفصوص صغيرة جدا قبل أن
ترفعه مجددا بالذي كان ينظر لها مبتسما وما أن عادت بنظرها
له يزين إصبعها الأبيض الطويل امتلأت عيناها بالدموع تنظر لما
لم تمتلكه في حياتها فكيف أن يكون خاتم زواج وهي التي لم
تتوقعه يوماً !! حضنت يدها تلك بيدها الأخرى تضمهما لصدرها
تنظر له بعينين دامعة وبالكاد خرج صوتها وهي تهمس
" شكرا لك يا يمان "
وسرعان ما ارتمت في حضنه والتفت ذراعها حول خصره
بقوة قائلة مجددا
" شكرا لك يا يمان ... يا من تتمنى كل امرأة في الوجود أن
تحظى بمثيل لك "
ودست وجهها في صدره ما أن شعرت بأصابعه وكفه تلامس
شعرها وبتلك القبلة الطويلة العميقة لرأسها قبل أن يتكئ بذقنه
عليه هامسا
" قد يتغير رأيك هذا بي يوما "
حركت رأسها بالنفي لازالت تدفن وجهها في صدره وهمست تشد
ذراعيها حول خصره بقوة أكبر
" لن يتغير أبدا ومهما حدث أقسم لك "
فلم يكن تعليقه التالي بضع كلمات محبطة كسابقتها ولا أن
أبعدها عن حضنه وقبل جبينها وغادر في صمت ككل مرة بل
أن تخللت تلك الأصابع الرجولية الطويلة شعرها الأشقر تبعده
عن طرف وجهها .. وارتجف جسدها بوضوح وازداد تعلقها به
وكأنها ستسقط في الفراغ حين شعرت بنعومة شفتيه على
صدغها في قبلات رقيقة ناعمة متتالية جعلتها تهوي للقاع وقد
نزلت تباعا لطرف وجنتها وانحنى أكثر نحو عنقها ونحرها
يقبلهما بشغف يزيد من احتضانها وبقوة جعلتها تنهار عاجزة
أمامه وعلمت حينها بأن حقيقتها بل وكذبتها تلك شارفت على
نهايتها وبأنها من ستخذله بها لا هو ومن ستخسره وقريبا جدا .
انتفضت مبتعدة عنه بينما وقف هو على طوله حين علا صوت
الباب الحديدي في طرقات مرتفعة وكأنه يكاد يخلع من مكانه
فرفعت نظراتها الوجلة به تحاول ترتيب خصلات شعرها الغجري
الطويل والتي تبعثرت مع وقوفه مخرجاً أصابعه منه وكان ينظر
جهة باب المطبخ حيث يصلهم الصوت الذي لم يتوقف للحظة
مزلزلا الجدران ، وما أن تحرك ناحيته وقفت ولحقت به وأمسكت
بيده قائلة
" إن كان شعيب أو أحد أشقائه فسأذهب معك إلى حيث
سيأخذونك "
فالتفت لها وفك يده منها وقال بضيق ناظرا لعينيها
" مايرين توقفي عن الجنون فقد يكون أحد العمال .. ابقي
هنا ولا تخرجي أو غضبت منك "
وما أن أنهى عبارته تلك غادر المكان تاركا إياها خلفه تودعه
عيناها الدامعة لا تعلم متى سترحمها همومها ولا تخشى في كل
مرة يخرج فيها من هنا وإن لعمله بأنها لن تراه مجدداً .
*
*
*
نظرت لشاشة هاتفها ووضعته على الوضع الصامت ودسته
في جيب بجامتها مجددا ولم تجب ولن تفعلها أبدا فعليه أن يتعلم
الدرس ذاك الأحمق ولا يكررها مجددا فهي لم تتصل به حينها
إلا لأنها تحتاجه بالفعل .. لا وكررت الاتصال مرارا مما يؤكد
له ضرورة أن يجيب عليها وكل ما فعله حينها أن أرسل لها
بأنه مشغول وبأن تتصل بعمها صقر أو برعد إن كان الأمر
ضروريا .. أهو زوجها أم رعد ؟ أم حتى عم والدها ؟ ولأنها
تعلم بأنه لن يستطيع المجيء هنا لمنزل والدتها استمرت
في عنادها .
عادت بنظرها للعبة في يد الكاسر متجاهلة مجددا اهتزازه في
جيبها .. ولم يكن وضعها مختلفا عن الجالسة على مبعدة منهم
يفصلها عنهم حاجز زجاجي مزخرف فيبدوا بأنها وابنتها
متفقتان على معاقبة الرجال وهي تقلب هاتفها أيضا دون أن
تجيب على الذي كان قد حاول للمرة الثالثة حينها وعادت
بنظرها مجددا للتي كانت تشرح لها والقلم في يدها عن الموجود
في الورقة تحتها لكنه يبدوا اتخذ أسلوبا آخر هذه المرة وبأنه
ليس بأقل عنادا عن زوج ابنته وهو يرسل لها رسالة بدلا من
أن يتصل فرفعت هاتفها مجددا وفتحتها ونظرت لأحرفها
المختصرة
( نتناول العشاء معا الليلة ؟ )
فأرسلت ومن فورها
( لا )
ولم يتأخر رده أبدا وكما توقعت
(سآخذك من منزل رعد وارجعك له ولن نخل بالاتفاق
يا مجحفة )
فأرسلت وبإصرار
( لا ... وكن نزيها يا مطر )
تعلم بأنه يفهم جيدا ما تعني كما تعلم جيدا بأنه يفعل ما يريد
دائما وإن رفضت وعاندت .
" يبدوا أنك مشغولة سيدتي ؟ "
رفعت نظرها بالجالسة أمامها والوجه الدائري ببشرته البيضاء
النقية يلتف حوله حجاب قرمزي يشبه لون شفتيها .. نظرت لها
مبتسمة بإحراج أقرب للإعتذار وقالت
" لم أعد كذلك الآن ويمكننا متابعة ما كنا نتحدث عنه "
فحركت تلك كتفيها قائلة
" الأمر لن ينجح هكذا سيدتي ما لم نتفق وحفل الافتتاح
بات قريبا جدا ولا وقت أمامنا "
تنهدت بأسى و فركت جبينها بأصابعها تنظر للأوراق المتناثرة
بينهما ووصلها صوتها بعد لحظات قصيرة
" الجميع متفق على ذلك سيدتي ومهمتي كانت محاولة إقناعك
ويبدوا لي لم ينجح الأمر "
رفعت رأسها ونظرها لها وقالت متنهدة باستسلام
" من الصعب أن تقف ضد الجميع ... حسنا أنا أستسلم "
فابتسمت تلك من فورها وقالت
" سينجح الأمر سيدتي لا تقلقي وأعدك أن نراعي جميع البنود
التي كانت سبب رفضك "
أومأت برأسها بهزة خفيفة متمتمة
" أتمنى ذلك بالفعل وأن لا نواجه أي مشكلات مستقبلا "
وقفت تلك وبدأت بجمع الأوراق بينهما قائلة
" لن يحدث ذلك سيدتي بما أننا لم نخالف القانون والدولة على
اطلاع بكل ما نفعل .. كوني مطمئنة "
واستوت واقفة تحضن الأوراق التي جلبتها معها تنظر للتي وقفت
أيضا وقالت مبتسمة
" شكرا لك سيدتي وآسفة حقا لإضاعة الكثير من وقتك "
قالت بابتسامة تشبه ابتسامتها
" بل أنا من عليها شكرك والاعتذار يكفي أن نفذتم طلبي
بحضور من ينوب عنهم ويأتي هنا لمنزلي "
قالت المقابلة لها باحترام
" نحن في الخدمة دائما سيدتي ولم يوجه أي من الشركاء
أي اعتراض على هذا "
وصافحتها مغادرة بعدما شكرتها مجددا بأدب واحترام بينما
رافقتها هي حتى غادرت من باب المنزل خطواتها الأنيقة تشبه
زيها الرسمي المميز ، وما أن أغلقت الباب خلفها تحركت نحو
الداخل ووصلت بقرب اللذان كانا وكالعادة يتشاجران على تلك
اللعبة الإلكترونية السخيفة وبالرغم من الإصابة في يد أحدهما
فحركت رأسها بيأس منهما قبل أن تقول ببرود
" أنتما ألا تكبران أبدا ؟ "
وما أن نظرت تيما ناحيتها بعبوس وجد الجالس ملتصقا بها
الفرصة لسرقتها من بين يدها وقفز واقفا بها على نظراتها
الحانقة له فوقها وكان التعليق من رعد الذي قال ضاحكا
" لا يبدوا ذلك حتى يكون ثمة من أصغر منهما "
فنظرت ناحيته فورا وكما توقعت ضحك من فوره وغمز لها
فشعرت بأنها أصبحت والأرضية الرخامية تحتها سواء من شدة
الإحراج ونقلت نظرها فورا للجالسة على مسافة قريبة منه
والتي حركت كتفيها من فورها مبتسمة فزمت شفتيها تنظر لها
بضيق تلك الثرثارة ، بينما تحدث من لم يكفه إحراجا ذاك على
ما يبدو ووصلها صوته الباسم قائلا
" آستريا عليك أن لا تتدخلي يوما وأبدا بين زوجان متخاصمان
لأنك ستشعرين دوما بأنك مع الطرف الخاسر ونهاية الأمر
تكتشفي بأنك وحدك من كان كذلك "
فشدت أصابعها في قبضة واحدة قبل أن تحركهم بعشوائية وما
أن نظرت له كان وكما توقعت ينظر لها مبتسما بتسلية وعليها
أن تتوقع كل ذلك بالطبع ولازال ينتظرها من الإحراج المزيد فما
معنى وضعها هذا سوى أنهما ..... يا إلهي جل ما تخشاه أن
يفكروا كما فكرت عمتهم سابقا بأنه كان يدخل منازلهم لغرفتها
متسللا .
أشاحت بوجهها متجاهلة نظراته تلك دون أن تعلق على ما قال
وتحركت من هناك وغادرت ووجهتها السلم الذي صعدته من
فورها فتشارك رعد وزوجته ضحكة صغيرة بينما تبادل الكاسر
والجالسة أمامه نظرات الاستغراب قبل أن تنظر تيما نحوهما
قائلة
" ماذا هناك !؟ "
فضحك رعد وقال
" انشغلا بلعبتكما تلك ولا تتدخلا فيما لا يخص الأطفال "
فنظرت له بضيق تمسك خصرها بيديها ولم تكن نظرة الكاسر
بأقل منها فضحك مجددا وقال ناظرا للجالسة قربه
" لم أخبرك حبيبتي فتيما تزوجت "
نظرت له الجالسة على الكرسي المحاذي لأريكته باستغراب وقالت
" تزوجت ؟! "
قبل أن تنقل نظرها لها متابعة
" حقا تزوجت تيما ...؟ لكن ممن ومتى ؟ "
فحركت تلك كتفيها مبتسمة وقالت
" من قريب لوالدي .. وكيف هذه لا تسأليني عنها فمن هذا
الذي يفهم كيف يزوج مطر شاهين النساء "
ضحكت تلك من فورها وقالت
" معك حق والدليل حدث معي ... مبارك لك على أي حال "
قالت الجالسة بعيدا بضحكة صغيرة
" أنت أول شخص يعلم عن الأمر ولا ينتقد سني ويستغرب
الأمر بسببه "
ضحكت تلك أيضا وقالت
" وما المشكلة في ذلك ؟ "
وتابعت مبتسمة ترمق الجالس قربها بطرف عينيها
" فأنا حين كنت في مثل سنك هذا تحديدا كنت على استعداد لأن
أتزوج من أحدهم إن طلب مني ذلك لكنه كان يحتاج بالفعل لمطر
شاهين ليفعلها رغما عنه "
فقفز حينها المعني بالأمر واقفا وأمسكها من يدها وسحبها
معه قائلا
" لما لا تتركينا من هذان المملان قليلا "
وغادر بها من هناك تتبعهما تلك النظرات الباسمة قبل أن تنظر
صاحبتها للواقف فوقها منسجم تماما مع اللعبة الإلكترونية في
يديه والذي ما أن شعر بنظراتها الموجهة له ضحك وتحرك من
هناك راكضا فالتفتت تنظر له بحنق من خلف ظهر الكرسي وهو
يصعد السلالم ثم وقفت أيضا ووجهتها ذات وجهته وصعدت
السلالم يديها في جيبي بجامتها وما أن وصلت للأعلى وعبرت
الممر وجدت نفسها ودون شعور منها أمام باب غرفة والدتها
ويدها ترتفع له وأدارت المقبض ببطء دون أن تطرقه خشية أن
تكون نائمة وتوقظها ، وما أن فتحت الباب قليلا ظهرت أمامها
التي كانت تضطجع على السرير شبه جالسة تضع مجموعة
وسائد خلفها متكئة برأسها عاليا وتمسك عينيها بأصابعها
وتريح يدها الأخرى على وسطها حيث معدتها ، وما أن أبعدت
يدها ونظرت ناحيتها قالت بهدوء مبتسمة
" إن كان وجودي يزعجك أغادر أمي "
فابتسمت لها تلك الملامح المتعبة قبل أن تمتد تلك اليد
ناحيتها وهمست
" تعالي يا تيما "
فأغلقت الباب من فورها مبتسمة بسعادة وتوجهت نحوها مسرعة
ونامت معها على سحابة الوسائد الناعمة تلك وحضنت خصرها
بقوة تتكئ برأسها على كتفها نظرها على النافذة والسماء الزرقاء
الصافية من خلف زجاجها بينما مسحت تلك الأنامل على شعرها
منزلة حجابها عنه فأغمضت عينيها مبتسمة وتركت نفسها لتلك
المشاعر ... فقط للشعور بذاك الحضن الدافئ وضربات ذاك
القلب المنتظمة وللشعور بملمس أناملها وحركتها البطيئة على
شعرها فلطالما عاشت وحلمت وتمنت هذا وانتظرته وهي هناك
بعيدة عنها لا تعرف ولا كيف تكون ملامحها .. لا تسمع صوتها
لا أخبارها ولا أي شيء سوى ذاك الحب والشوق المدفونان لها
داخلها يعذبانها باستمرار .
عبست ملامحها الجميلة وتنهدت بضيق حين قطع صوت هاتفها
كل تلك المشاعر واللحظات الجميلة وذاك الصمت الذي اختارتاه
كليهما فجلست تدس يدها في جيب بجامتها وأخرجته ونظرت
لاسم المتصل قبل أن تفتح الخط وتضعه على أذنها قائلة
" أجل أبي "
وعضت طرف شفتها تنظر للتي ارتفعت حدقتاها السوداء جهة
النافذة ووصلها صوت من الطرف الآخر فورا
" مرحبا تيما ... "
وقبل أن تجد مجالا لتجيب تابع ذاك الصوت الجهوري المبحوح
" كيف هي والدتك ؟ "
فارتسمت ابتسامة رقيقة على ملامحها لازالت تنظر لذاك الجمال
الساكن الصامت أمامها وقالت بصوت رقيق منخفض
" لا أعلم إن كانت بخير فعلا لكنها لازالت موجودة وهذا
هو المهم "
وعادت لغرس أسنانها البيضاء الصغيرة في طرف تلك الشفاه
الزهرية ما أن استدارت المقلتان السوداء ناحيتها وعلمت على
ما يبدوا تلك الفاتنة النصف نائمة على سريرها بأن الحديث
عنها .. وتلك كانت الصورة أمامها بينما كان الصوت مختلفا
رجوليا عميقا حازماً وقع في أذنها فورا
" ما معنى لا تعلمين يا تيما ! أهي مريضة ؟ "
فابتسمت أمام تلك العينان النصف مفتوحتان والمحدقتان فيها
ببرود تفهمه جيدا وحركت كتفيها بمعنى لا حيلة لدي بينما تابع
من في الطرف الآخر قائلا
" هل تناولت طعامها جيدا ؟ "
فتمتمت من فورها
" ليس تماما "
" تيما لما لا تقولي جملا مفيدة يمكن فهمها "
عضت طرف شفتها مجددا قبل أن تقول
" بعض السلطة وقطعة لحم صغيرة فقط "
وعضت طرف لسانها وكأنها توبخه ما أن كتفت الجالسة أمامها
ذراعيها لصدرها وأشاحت بوجهها جهة النافذة البعيدة بينما كان
التوبيخ صارما ممن في الطرف الآخر وكأن الصوت والصورة
متفقان عليها
" وأين أنتم جميعكم تتركونها تهمل طعامها هكذا ؟ "
فأنزلت كتفيها متنهدة بإحباط وقالت
" نحن نحاول جهدنا أبي وأنت تعرفها أكثر منا "
" خالك رعد هناك في المنزل "
همست من فورها
" أجل "
" حسنا وداعا الآن "
نظرت لشاشة هاتفها بعبوس ما أن أغلق الخط شاركه سريعا
ذاك الصوت الأنثوي البارد قربها
" أترياني طفلة أنت ووالدك ؟ "
نظرت لعينيها المحدقتان فيها بضيق وقالت بعبوس
" أمي أمامك هو من اتصل وسألني هل أكذب عليه مثلا ؟ "
أشاحت بوجهها عنها مجددا فهمست بأسى منزلة كتفيها
" أمي لا تغضبي مني أرجوك فلا ذنب لي في هذا "
وسرعان ما زحفت تلك الابتسامة الرقيقة لملامحها الجميلة
ما أن امتدت لها تلك اليد مجددا فنامت في حضنها فورا
وشدت ذراعها على خصرها بقوة تغمض عينيها بقوة هامسة
" أحبك أمي كما لم تحب فتاة والدتها في الوجود "
وخالطت ابتسامتها سعادة غامرة وهي تشعر بتلك الشفاه تقبل
رأسها بحنان وعادت لغمر نفسها بتلك المشاعر المفعمة بالدفء
والعاطفة مجددا .. وكانت أيضا من كسر ذاك الصمت وقد رفعت
رأسها تنظر لها قائلة
" أمي هل أسألك عن أمر تخبريني عنه ولا تغضبي وإن
رفضتِ ذلك "
فنظرت لها تلك العينان قبل أن تحدقا في الفراغ مجددا
وهي تهمس
" اسألي يا تيما "
فابتسمت بسعادة قبل أن تقول مندفعة بحماس
" احكي لي ما حدث حين اقتحمت حدود الحالك في الماضي "
وتلاشت تلك الابتسامة تدريجيا كما حماسها معها ما أن طال
صمت تلك الملامح الشاردة بعيدا عنها وفقدت الأمل في أن
تجيب وكل ما بات يعنيها وقتها أنها لم تغضب منها لكن تلك
الشفاه الفاتنة خانت توقعاتها حين تحركت ببطء وخرجت
منها الكلمات متأنية تشبه شرود تلك الأحداق الواسعة
" يمكنك سؤال والدك عن هذا فأنا ما أن رماني ذاك الجواد
من على ظهره لم أفق إلا وقد أصبحت في منزله "
فحدقت فيها تلك العينان بصدمة وصاحبتها تجلس هامسة
بفضول
" لم يمسكوا بك إذا بل الجواد السبب ! "
انعقد حاجباها الرقيقان ونظرتها تتحول للجمود تدريجيا وكأنها
تعيد ذكرى ما حدث وترفضه وقد تمتمت بضيق
" بل رصاص أسلحتهم السبب "
ونظرت ناحيتها ما أن تابعت بذات ضيقها الرقيق مثلها
" وهكذا كان والدك وأصبح .... يفسد كل ما يخصني وأريده "
فخرجت منها ضحكة صغيرة وكأنها لا تهاجمه أمامها فهي وكما
أخبروها وعلمت عنها لم تتحدث قط عن تلك الفترة من حياتها
وكأنها ليست موجودة فلن تضيع هذه الفرصة لتعلم أي شيء عن
ماضيها مع ذاك الرجل وكيف جعلته يحبها ويتعلق بها ، قالت
مبتسمة بحماس
" وماذا عن زواجكما هل رآك وتحدثتما أولا ؟ "
ولم يكن الجواب مختلفا عن سابقه وهي تبعد نظرها عنها مجددا
قائلة ببرود
" عليك سؤاله هو عن هذه أيضا فمن زف لي الخبر كان عمته
وأنا هي التي لم أراه إلا بعد زواجنا "
فمدت شفتيها بعبوس قبل أن تتمتم
" ما كل هذا التعقيد ! أين التشويق في الحكاية إذا ؟ "
قالت التي عادت بنظرها لها مجددا
" ومن قال أنه ثمة تشويق في الأمر ؟ "
وتابعت من فورها وبامتعاض
" أتري حال والدك الآن هناك في منزلكم ؟ "
عبست تلك الملامح الجميلة أكثر ولم تعلق فتابعت المقابلة لها
من فورها
" وهو كذلك في الماضي لم يتغير شيء "
مدت شفتيها بعبوس وإحباط فهي لم تحصل على أي شيء
بالرغم من أنها أجابت عن أسئلتها جميعها ، لمعت فكرة
ما في رأسها وقررت تنفيذها قبل أن تتراجع فأخرجت هاتفها
من جيبها قائلة تبحث عن رقم معين قبل ان تمنعها
" علينا أن نكون عادلين إذا فقد يكون الطرف الآخر
يملك الأجوبة "
وما أن مدت يدها لهاتفها قائلة بضيق
" تيما ما هذا الذي تفعلينه ؟ "
حتى أبعدت الهاتف جهة أذنها الأخرى وأمسكت يدها
قائلة بابتسامة
" لن أخبره بأني معك أمي أقسم لك .. دعينا نستمع لرأيه
في الأمر فقط "
وما أن سمعت صوت الرنين في الطرف الآخر أبعدت الهاتف
عن أذنها وشغلت مكبر الصوت فهكذا سيكون الأمر أفضل
ولتستمعا معا .. وتجاهلت بالطبع كل تلك النظرات المتضايقة
الموجهة لها تنطر لهاتفها بحماس والذي كما توقعت خرج
منه ذاك الصوت الرجولي المميز بتلك البحة العميقة قائلا
" ما بك يا تيما ؟ "
فرفعت نظرها مبتسمة بالتي لازالت تخصها بتلك النظرات
الحانقة وقالت
" آسفة إن أزعجتك أبي أردت فقط سؤالك عن أمر ما فهل
أنت لوحدك الآن "
قال من فوره
" أجل لوحدي ماذا هناك يا تيما ؟ "
عضت طرف شفتها مبتسمة لازالت تنظر لتلك العينان
المحدقة بها وقالت
" سألت والدتي سابقا عن مغامرات ماضيها ودخولها
لأراضيك في الماضي لكنها لم تملك أي جواب لأنك
من يملكه بالطبع "
" هي قالت ذلك ؟ "
نظرت لها بطرف عينيها متمتمة بابتسامة
" أجل "
" وماذا قالت أيضا ؟ "
ابتسمت بمشاكسة وزحفت قليلا للوراء هربا من تلك
النظرات المتوعدة قائلة
" قالت أيضا بأن وضعك كما هو الآن غائبا عن المنزل
طوال الوقت ووجودك يشبه غيابك "
فخرج صوته الحاد من ذاك الجهاز الأصم فورا
" لما لا تقولي لها في نصف عينيها بأنها كاذبة "
فأمسكت فمها وضحكتها بيدها تنظر للتي اتسعت عيناها
بصدمة وهذا ما كانت تتوقعه كلاهما أن يعلم من نفسه
بأنها قربها الآن وتسمعه بينما تابع ذاك الصوت الجهوري
مالئا صمت الغرفة مجددا
" واسأليها ولتقر الآن عن السبب الذي جعل حبيبة تصاب
بالحمى وتمرض يوما كاملا فبإجابتها ستعلمين "
فاستلت تلك اليد الهاتف من يدها وأخذته منها وفصلت
الخط متمتمة بضيق
" وقحة أنت ووالدك "
فقالت من فورها محتجة تضرب فخذها بقبضتها
" لا أمي هيا أخبريني أرجوك من تكون حبيبة تلك
وما سر إصابتها بالحمى ؟ "
رمت لها هاتفها في حجرها قائلة بضيق
" غادري هيا أريد أن أنام "
فرفعته مبتسمة ووقفت خارج السرير وقبلت خدها
وحضنتها بقوة قائلة
" حسنا سأتركك تنامين ... أحبك كثيرا أمي "
وغادرت من فورها وما أن وصلت الباب وفتحته
التفتت لها فكانت تنظر لها مبتسمة بحنان فابتسمت
وأرسلت لها قبلة بيدها قبل أن تغلق الباب وتختفي
خلفه تاركة تلك العينان للفراغ والوحدة مجددا والتي
سرعان ما ظهر من بددها ورنين هاتفها يرتفع تدريجيا
فرفعته وكما توقعت كان اسمه يضيء شاشته فشعرت
بجسدها تجمد ما أن تذكرت ما قال لابنته وذاك الموقف
وما حدث حينها وفصلت الخط دون أن تجيب وأرسلت
له فورا وقبل أن يفكر في المحاولة مجددا
( لن أنساها لك أبدا يا مطر )
وكما توقعت كان رده سريعا
( وافقي على الخروج للعشاء لتتوقف الحرب ضدك )
أرسلت ومن فورها ( لااااااا )
ورمت هاتفها على طاولة السرير وعدلت الوسائد
رامية ببعصها بعيدا عنها ونامت تغطي حتى رأسها باللحاف .
*
*
*
ابتسم وهو يدس هاتفه في جيبه وصعد عتبات الباب
بخطوات سريعة واسعة وثابتة حتى كان في الداخل
ووقف مكانه ما أن ظهر في وجهه الذي قال بحاجبين معقودين
" أين هي ابنتي ؟ "
تنفس بضيق ممسكا خصره بيديه من تحت سترته السوداء
المفتوحة وقال ببرود
" لا أصدق بأنك لم تتصل بها أو بتيما وتعلم "
قال دجى بذات ضيقه
" أنا أسألك أنت الآن يا مطر وليس هما "
تمتم حينها ببرود
" عليك إذا أن تغير صيغة سؤالك للما هي هناك فهذا
كان مقصدك بالتأكيد "
قال من فوره
" جميعها واحد فلما أخذتها هناك بدلا من أن ترجعها
إلى هنا وما الذي حدث ؟ "
كتف ذراعيه لصدره قائلا
" أخذتها هناك لأنها من طلبت ذلك .. وما حدث أنها أرادت أن
تبتعد لفترة عن هنا وأنا وافقت وأفهم أسبابها وستتغير الأمور
بعدها عمي أعدك "
اومأ برأسه موافقا وكأنه فهم الأمر وقال
" وماذا حدث بشأن إسحاق ؟ "
فتنهد الواقف أمامه بعمق قبل أن يقول
" وضعه في تحسن والأطباء قالوا بأن جسده بدأ يستجيب
للأجهزة وثمة مؤشرات جيدة عن إفاقته قريبا "
تنقلت نظراته في ملامحه قبل أن يقول بتوجس
" هل سيكون بخير يا مطر ؟ "
فك ذراعيه ومرر أصابع يده اليمنى في شعره قائلا
" لا تقلق فالحراسة حوله مشددة ويتم التحقق حتى من
الأطباء الذين يدخلون له "
علق المقابل له سريعا
" لكنه ليس هنا لتتمكن من حمايته جيدا يا مطر وأنا
أخشى أن نفقده ... بل أن تفقده شقيقته "
قال بجدية
" وهناك أيضا أذرعنا كثيرة ولن نعجز عن حمايته كن مطمئنا "
اومأ برأسه بحسنا وقال
" وماذا عن .... "
" مطر أين ابنتك ؟ "
ليقاطعه ذاك الصوت الرجولي الحانق الذي اقتحم حديثهما
فجأة فالتفت مطر للواقف خلفه ينظر له عاقدا حاجبيه قبل
أن يقول بضيق ملوحا بيده بينهما
" ما بكم معي أين ابنتي وأين ابنتك ...؟ هل سأحاسب
عليهما حيا وميتا ؟ "
قال المقابل له
" يمكنك أن تجيب عن السؤال فقط إذا "
قال وبذات ضيقه
" في منزل رعد ... فها قد أجبت "
فشد على أسنانه هامسا
" فعلتها تلك المحتالة إذا "
عقد حاجبيه قائلا
" ما بكما ؟ "
قال فاردا يديه وبضيق
" قل ما بها هي وليس بي وهي ترفض الإجابة
على اتصالاتي وتعتصم لديهم هناك لأنها تعلم بأني لن أصل لها
وكل هذا فقط لأني لم اجب على اتصالاتها بالأمس وأرسلت لها
بأن تتصل برعد أو عمي صقر لأني كنت مشغولا "
فظهرت ابتسامة واضحة على طرف شفتي الواقف أمامه
والذي قال من فوره
" فعلت بك ما تستحق .. لا أراها تحتاج لمن ينصفها
في حياتها معك مستقبلا "
نظر له بضيق وما أن نقل نظره للواقف خلفه انفجر
ضاحكا وقال
" دميتي الجميلة تلك تستحق وساماً بالفعل "
فأمسك خصره بيديه ينظر له بضيق وتحرك مطر
من هناك جهة ممر مكتبه قائلا
" عمي اتبعني علينا التحدث عما يخص خروجك من هنا "
وغادر بخطوات ثابتة حتى اختفى عن نظراتهما المستغربة
قبل أن يتبادلانها معا وتحرك دجى ليلحق به ولحقه ذاك
من فوره .
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, قلوووب محتاره and 63 others like this.
رد مع اقتباس
#10677
قديم 13-02-19, 10:15 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
ما أن وصل الباب الحديدي للمنزل حتى توقف الواقف في
الخارج عن الطرق والذي يبدوا بأنه سمع خطواته وهو
يقترب ، فتح الباب على اتساعه ووقف ينظر باستغراب
للواقف أمامه قبل أن يهمس
" أويس !! "
قال الواقف أمامه بضيق ينفض يديه من التراب الذي علق بهما
" أجل أويس وطرقت كما يفعل البشر لكنك لم تسمع فقررت
اتخاذ أسلوب أكثر همجية "
نظر للحجر الملقى تحت قدميه وابتسم وهو يرفع نظره له قائلا
بضحكة صغيرة
" جيداً فعلت لما كنت سأخرج لك مطلقاً "
أمسك خصره بيديه قائلا بحنق
" أجل فهذا ما يجعلك تهرب من عملك ... ما كان علي وضع
رجل متزوج كمشرف على العمال "
وتشاركا معاً في ضحكة رجولية عميقة قبل أن يقول الواقف
خارج الباب
" وبهذا أجبرتني على المجيء لك هنا يا أحمق "
وتابع يشير برأسه خلف كتف الواقف أمامه
" علينا التحدث في الداخل "
نظر يمان خلفه قبل أن ينظر له مجددا وقال وهو يبتعد جانباً
" بالطبع تفضل "
وما أن خطا ذاك خطوتين نحو الداخل وقف ونظر له يغلق
الباب وتمتم ببرود
" أين هي زوجتك ؟ "
دخل قبله قائلا
" لا تقلق لن تراها أمامك ... هيا ادخل "
وسار باتجاه الغرفة الوحيدة في المكان وهو يتبعه ينظر للمنزل
الذي بدت النظافة واضحة عليه رغم قدمه وصغر مساحته فتمتم
يدخل الغرفة خلفه والتي كانت مرتبة أكثر مما مر به خارجها
" يبدوا أنه كان عليك أن تتزوج منذ أقمت هنا "
التفت له الذي فهم سبب ما قال وقال مبتسما
" ما كان لأي امرأة أن ترضى بكل هذا وتجعله نظيفا هكذا
دون أن ترفضه أساساً "
وكما توقع تجاهل الواقف أمامه حديثه ذاك وقال يخرج هاتفه
من جيب سترته
" هذا صديقك أبان أزعجني اليوم وتعرف عناده جيدا .. يصر
على أن يتحدث معك قبل مغادرتي لحوران "
واتصل به وناوله الهاتف من قبل أن يعلق ينظر له باستغراب
في يده وما أن مده نحوه أكثر رفع يده وأخذه منه ويبدوا أن
من في الطرف الآخر فتح الخط منذ وقت فما أن وضعه على
أذنه حتى سمع صوته يناديه فقال من فوره وبقلق
" هل يمامة بخير ؟ "
وصله صوته سريعا وبضيق
" يعنيك أمرها حقا وإن كانت بخير أم لا وصديقك من قبلها ؟ "
تنهد بقوة ونظر للأرض وهو يقول
" أنت تعلم جيدا بأني فقدت هاتفي وقت احتراق المنزل ...
أخبرني ما بها يمامة ؟ "
وصله ذات الصوت المتضايق
" لا شيء بها سوى أنها تسأل عنك طوال الوقت وتدمع عيناها
كلما فعلت ذلك وأراهن بأنها تبكي وحدها دائما "
فأمسك عينيه بأصابعه لازال رأسه منحن جهة الأرض وظهرت
صورتها أمامهما فورا وتمتم بحزن
" هي بخير من دوني فما الذي تفعله بي ؟ "
" لم أكن أعلم بأنك أحمق ومغفل إلا الآن "
قال ذاك من فوره وبغضب فتمتم مجددا
" أنت تقول هذا يا أبان ! لو كان شخصا آخر غيرك لعذرته "
وصله صوته الغاضب مجدداً
" بل لأنك كذلك بالفعل ... شقيقتك تحتاجك وإن كانت معنا ..
تريدك وتسأل عنك دون توقف بل وليست سعيدة بسبب ذلك
إن كنت ترى بأنها في غنى عنك "
أولى الواقف أمامه ظهره وسند يده الحرة بالجدار أمامه وقال
بأسى نظره على أصابعه التي قبضها بقوة
" خذلتها بي ... لم يعد يمكنني ولا النظر في عينيها يا أبان "
قال ذاك سريعاً
" هي تعرفك جيداً ومتأكدة من أنك لم تفعل ذلك متعمداً وثمة
ما منعك عن الوصول لها .. أنت لم تتعمد فعل ذلك يا يمان "
شعر بغضبه من نفسه يشتعل أكثر فضرب الجدار بقبضته قائلا
بحرقة
" ماذا إن لم تصل لها أنت ؟ ماذا إن احترقت مع المنزل وماتت
أو عاشت مشوهة ؟ كل ذلك كان سيحدث بسببي إن لم تذهب أنت
وتخرجها "
قال من في الطرف الآخر ومن فوره
" والله أرسلني لها كما أرسلك للفتى الذي قلت بأنك أنقدته ..
فإن وصلنا أنا وأنت لها ما الذي كان سيحدث لذاك الشاب ؟
توقف عن إلقاء اللوم على نفسك يا يمان فشقيقتك لا تنظر للأمر
كما تنظر له أنت .. فانظر أنت لنفسك كم قدمت من تضحيات من
أجلها ؟ بل وحتى مستقبلك وطموحك "
لاذ بالصمت ولم يعلق ينظر للأرض تحته بوجوم كئيب فهو
يشتاق لها أكثر مما تشتاق هي له لكنه لازال المذنب في نظر
نفسه ولم يستطيع مسامحتها أبدا ولا يجد لنفسه أي عذر بل
ويخجل من الوقوف أمامها والنظر لعينيها .
" يمان تسمعني ؟ "
مسح بأطراف أصابعه الدمعة التي بللت رموشه متمردة عليه
وهمس بخفوت
" بلى أسمعك "
" ستأتي الآن مع أويس لرؤيتها "
وما أن كان سيتحدث سبقه ذاك الصوت الآمر بل والصارم
" يمان لا مجال للرفض تسمعني ؟ أو قسما جلبتها لك بنفسي
وليفعل بي أبناء غيلوان ما يريدون "
تنهد نفساً عميقاً طويلا وقال بهدوء واجم
" لا يمكنني ترك زوجتي وحدها هنا ليومين "
" زوجتك !! "
قال من فوره
" أجل فقد تزوجت من وقت قريب من فتاة من هنا من الجنوب
وهي يتيمة لا أحد لها غيري ولا أستطيع تركها في المنزل
لوحدها وأنت تعلم كم تستغرق المسافة من هنا للحميراء "
وصله صوته سريعا
" اجلبها معك يا رجل تراها شقيقتك وتتعرف عليها .. هذه
ليست مشكلة "
" لكن أ... "
قاطعه بضيق
" لا تتحجج يا يمان وأعرف دماغك وأفكاره جيدا لكنت حجزت
لكما في رحلة على الطائرة من مطار جينوة لهنا لكنك سترفض
بالطبع كعادتك "
تمتم ببرود
" سأرفض بالتأكيد "
قال ذاك بحنق
" كنت أعلم ذلك يا أحمق لكن ثمة أمل أن تغيرك تلك المرأة
فلا أبرع منهن في فعل ذلك "
استدار حتى أصبح مقابلا للواقف خلفه وقال بذات بروده
" لن يغيرني شيء وهي مثلي وأسوأ مني "
وصله صوته الحانق فوراً
" وهذا ما توقعته فالطيور على أشباهها تقع بالطبع "
وتابع دون أن ينتظر تعليقه
" عليك إذا جلبها معك والقدوم هنا ولا تقلق بشأن الشركة
الزراعية فأويس سيتولى الأمر ولا عذر لك الآن "
تنهد باستسلام متمتما
" سأرى ما يمكن فعله "
" بل ستأتي أو نفذت قسمي يايمان وأنت تعرفني جيدا وقسما
أن أفعلها "
وتابع مغلقا المجال أمامه لأي نقاش أو اعتراض
" أعطي الهاتف لأويس "
فزم شفتيه متنهدا بضيق ومد الهاتف للواقف أمامه والذي
ما أن أخذه منه غادر الغرفة بل والمنزل بأكمله يتحدث مع من
في الطرف الآخر ويبدوا عن زيارته لشركة العاج وقد قررا
وما عليه سوى التنفيذ .
*
*
*
أمسك بمقبض باب الغرفة الشبه مفتوح وفتحه على اتساعه
لازال يمسك المقبض في يده ونظر غاضناً جبينه وبحاجبين
معقودين للنائمة على السرير بالكاد يظهر من ملامحها القليل
بسبب شعرها وغرتها المتناثرة على وجهها فدخل واقترب منها
وما أن أصبح فوقها مد يده ناحيتها واستل الدمية القماشية من
بين ذراعيها ورماها خلفه دون اهتمام لمكان سقوطها لحظة
أن قفزت تلك النائمة بفزع تنظر له فوقها فأمسك خصره بيديه
متمتما بضيق
" قلت لا أراها في السرير فأجدها في حضنك ! "
رفعت غرتها بأصابعها ويدها الأخرى على صدرها وسحبت
نفسا قويا هامسة
" أفزعتني يا أحمق "
وسرعان ما عادت لنومتها السابقة ولكن مولية ظهرها له
هذه المرة وسحبت اللحاف لأعلى كتفيها منكمشة تحته فانحنى
نحوها وأمسكها من خصرها وبكل سهولة وبالرغم من
اضطجاعها على جانبها رفعها وأجلسها متمتما ببرود
" الجامعة سيدة ماريا أم سترسلي دميتك الحمقاء تلك
بدلا عنك "
أبعدت شعرها عن وجهها متأففة ودارت ناحيته ونظرت
له فوقها قائلة بضيق
" أخبرتك بالأمس أن محاضرة اليوم تغير موعدها وهي
بعد ساعتين ... ما بك مزعج هكذا ؟ "
أولاها ظهره وسار جهة الباب قائلا بذات بروده
" بالكاد يكفيك الوقت يا كسولة "
فعبست ملامحها تنظر له بضيق قبل أن تقفز من السرير
وركضت نحوه مسرعة وأمسكت بذراعه موقفة له قبل أن
يخرج قائلة
" انتظر إلى أين ستذهب ؟ "
التفت لها وقال بحنق
" لن تغضبي بالتأكيد إن قلت بأنك حمقاء كسؤالك الأخرق "
زمت شفتيها تنظر له بضيق فقال مشيرا لها برأسه
" وقولي أيضاً بأنك لا تري الملابس التي أرتديها ؟ "
قالت بحنق
" بلا أراها لكن ماذا بشأن الحفل "
عقد حاجبيه قائلا بضيق
" هل سنذهب له من الآن ماريا ؟ "
قالت من فورها
" لا بالطبع لكنك كلما سافرت من أجل عملك لا تبلغني إلا
منتصف النهار "
تركها وقال مغادرا الغرفة
" كوني مطمئنة لن أسافر وسأكون هنا ولن أفوت عليك
ذاك الحفل الرائع "
قالت تتبعه
" لا تتأخر إذا فأنا أعلم جيداً كم تكون المسافة حتى
بريستول .. عليك أن تكون هنا قبل المغيب "
وقف والتفت لها يمسك خصره النحيل المشدود بحزام
بذلة المنظمة السوداء وقال بضيق
" أي أوامر أخرى سيدتي ؟ "
ابتسمت ابتسامة واسعة وقالت تنظر لعينيه
" لا هذا كل شيء "
وما أن رفع حاجبه ينظر لعينيها تراجعت للخلف وابتسمت
له ملوحة بيدها قائلة
" ها أنا أنفذ الاتفاق "
فابتسم وأولاها ظهره مغلقا الباب خلفه وهو يخرج
فضحكت وتوجهت نحو غرفتها قائلة بضحكة
" كم أعشق هذا الأحمق "
وما أن دخلت الغرفة جلست على حافة السرير وأمسكت
بهاتفها تصارع نفسها لفعلها لكنها تعلم جيداً ما ستكون النتيجة
وعليها أن لا تفكر في ذلك ولا مجرد التفكير ، نظرت للهاتف في
يديها لبعض الوقت قبل أن تبحث عن رقم كنانة فكيف لم تفكر
في هذا سابقا ! وضعت الهاتف على أذنها تستمع لرنينه
في الطرف الآخر حتى أجابها الصوت الأنثوي الباسم
" مرحبا ماريه "
قالت مبتسمة
" مرحبا كنانة ... أنت في المطار بالتأكيد فمتى يكون
وقت خروجك من هناك ؟ "
وصلها صوتها بعد برهة
" عند منتصف النهار تقريبا "
عبست ملامحها الرقيقة وأنزلت كتفيها متمتمة بإحباط
" لا فائدة من هذا إذا "
" ما بك ماريه ؟ قد أخرج اليوم مبكرا فهل أخدمك بأي شيء "
ابتسمت من فورها قائلة
" رائع ... ستخدمينني أجل لكن ليس أنا بل شخص آخر "
وصلها صوتها سريعا متمتمة ببرود
" إن كان زوجك ذاك فاعذلي عن الفكرة وجنبيني
الاحتكاك به رجاءً "
تنهدت بأسى قائلة
" لا ليس هو أعني بل ساندرين "
" ما بها ساندي ! "
قالت بهدوء
" يفترض أنك تعلمين ما بها بما أنه اليوم حفل خطوبتهما
فقومي بزيارتها في منزلهم فستكون الآن مستاءة وحزينة بل
وفي شجار مع جميع أفراد عائلتها "
قالت تلك من فورها
" أجل معك حق كيف فاتني التفكير في هذا ؟ سأمر بمنزلهم
قبل الذهاب لمنزلي "
وتابعت من فورها
" هل أخدمك في أمر آخر ماريه "
قالت مبتسمة تدس يدها الأخرى في خصلات شعرها الناعم
" لا شكرا لك هذا فقط "
وما أن أنهت الاتصال معها رمت الهاتف جانبا ووقفت وتوجهت
جهة الدمية المرمية على الأرض والتي داسها ذاك الغاضب على
الدوام بحذائه الأسود الثقيل وهو يخرج وتراهن على أنه يتعمد
فعلها ، رفعتها ونظرت لملامحها الشقراء الباسمة قائلة
بضحكة صغيرة
" عليك أن تعتادي عليه فهو هكذا دائما ... لكنه رائع
أليس كذلك ؟ "
ضحكت وقفزت بها على السرير ونامت تحضنها بقوة وغطت
جسدها باللحاف فأمامها بعض الوقت لتنام قليلاً قبل موعد
المحاضرة .
*
*
*
دست هاتفها في جيب سترتها وكتفت ذراعيها لصدرها وتأففت
نفسا طويلا تضرب بطرف حذائها على الأرض بنفاذ صبر ولا
تفهم ما به تأخر كل هذا الوقت فلن تستطيع مغادرة المطار ما لم
يسمح لها بذلك وهو طلب أن تنتظره حتى يرجع لمكتبه وها هي
تراه اختفى ولن يعود ، لم تكن تريد البقاء حتى وقت نزول طائرة
ذاك الوسيم المغرور لكن يبدوا أنها ستحظى بشرف وإن سماع
صوتها تهبط وإن كان ذاك الصوت لا يسمع هنا لكنها تشعر به
طنيناً مرتفعاً في قلبها قبل أذنيها ، وهذا حالها تحترق بصمت كما
تسير في مكانها بينما سيادة الطيار غيهم أيوب الشعاب أصبح
الآن برتبة طيار محترف بعد إنقاذه للطائرة وكل تلك الأرواح في
رحلته الماضية والأولى بينما من يجلس بجانبه الآن كمساعد له
قد قاد الطائرة في رحلات تدريبية أكثر منه ولازال لم ينل شرف
أن يكون طياراً بعد ! وكأن تلك الجينات الموجودة داخلهم تهبهم
قدرات مختلفة عن البقية قد أورثتها لهم والدتهم تلك ليكونوا
امتدادا لأبطال عائلة الشاهين المعروفين منذ جدهم الأول وحتى
آخر فرد فيهم وهو ذاك الأسطورة الذي يقود بلاداً كاملة منقذا
إياها من الضياع بعدما أنقذها ومنذ أعوام من حرب أهلية كانت
تأكلها كما تأكل النيران الهشيم .
نظرت جهة الباب الذي انفتح بسرعة وشهقت بصمت شهقة لم
تستطع كتمانها ولا التحكم فيها حين ظهر لها الذي دار حوله
ببطء بعدما فتحه ووقف ينظر لها بابتسامة ساخرة ... صاحب
البذلة الزرقاء المميزة والتي لازالت قبعتها فوق رأسه ..
بل والتي يزيدها هذا الجسد تحديدا روعة وتميزاً فكيف
إن اشتركت معها تلك الملامح الحادة الوسامة والمميزة !
" ممن تختبئين هنا ؟ "
كان الواقف عند الباب لازال ينظر لها بتركيز بل وبتسلية
من كسر ذاك الصمت الذي أعقب شهقتها المكتومة بجملته
الساخرة تلك والتي جعلتها وبكل سهولة تشتعل قائلة
" أنا لا أختبئ وهذا مكان عملي .. فما تفعله أنت في
مكتب المرحل الجوي لأنه ليس مكانك ؟ "
وسحبت نفسا قويا وكتمته داخل صدرها حين دخل ذاك الجسد
أكثر بإغلاقه للباب وشعرت بجسدها يرتعد بل ويتقلص وكأنه
يغلق باب غرفة نومهما وليس مكتب مساعدة مديرها في مطار
كبير ومعروف كهذا ! بل وما زاد الأمر سوءا اقترابه منها يدس
يده في جيب بنطلونه متمتما بسخرية
" يمكنني التواجد حيث أريد هنا وأنت تعلمين ذلك جيدا .. أما لما
فقد جئت أبحث عن الفأر المختبئ عن الأنظار بالطبع "
فتراجعت خطوة للخلف لا شعوريا قائلة بضيق
" لست فأراً ولا شيء يضطرني للاختباء "
وكتمت شهقتها بصعوبة حين التصق جسدها بالخزانة الحديدية
خلفها وأصبحت محاصرة من الذي وقف أمامها مباشرة ونظر
لعينيها وتسللت الابتسامة الساخرة لتلك الأحداق البنية تباعا
وقد همس
" ولا بطلبك من رئيسك مغادرة المطار فور وصولك ؟ "
لم تستطع إخفاء الصدمة في عيناها المحدقتان به فلم تكن تتوقع
أن يعلم ! لكن كيف ومن أخبره ! أيكون سأل عنها ؟ زمت
شفتيها بقوة قبل أن تشد قبضتيها قائلة بضيق
" ذلك لأن ... لأنه لدي ما أفعله فقريبي وصديقتي اليوم يكو....
أو لما اخبرك بما لا يخصك "
وأغمضت عينيها وسحبت نفسا عميقا حين وضع يده على
حديد رف الخزانة بجانب رأسها ومال ناحيتها قائلا بجدية
" كنانة لما هذا العداء أنا لا أفهم ؟ "
فقالت دون أن تفتح عينيها ولا أن تنظر له ولا يعنيها ما
سيفهم ويحلل من ذاك
" لي توجه هذا السؤال ! "
وازداد شدها على جفنيها تشعر بأنفاسها توقفت تماما حين
شعرت بدفء أنفاسه على بشرتها وهو يهمس بحدة
" لك بالطبع لأنك السبب فيه "
وما أن فتحت عينيها ونظرت بحنق واستهجان لعينيه القريبتان
منها سبقها من قبل أن تفكر في الاحتجاج مشيرا لوجهها
بسبابته
" أجل أنت فمن التي غضبت وفعلت كل ما فعلته حين لم أحضر
الحفل لسبب لي العذر فيه "
بلغت ريقها وإن بصعوبة وقالت بسخرية
" آه معك حق فجرعات الكحول الزائدة عذر رائع "
قالت ذلك رغم تحذير رواح لها والشخص الوحيد الذي أخبرته
بكل ما حدث لأنه أساسا كان يعلم منذ تخلفه عن الحفل في منزلهم
وهو من نصحها بل وحذرها من اتخاذ ذلك كورقة ضده كي لا
تقع فريسة ظنونها الخاطئة به مجددا وتجد نفسها المذنبة وهو
البريء فيتحكم في خيوط اللعبة كما يريد مجدداً .. خاصة أنه
استعان بمحام يعرفه هناك وقال بأنه صديق لشقيقه المدعو
أبان كما له ولوقاص وسأله عنه فمدح فيه مجلدات طويلة
وأنكر أن يكون من ذاك النوع أبداً ، لكن استفزازه لها وثقته
الكبيرة في نفسه جعلتها تتهور وتقول كل ذلك بل وهي على
استعداد لقول المزيد إن استمر يشعرها بالنقص أمامه هكذا .
وما توقعته حدث فعلا حين قال وقد أبعد يده واستقام في وقوفه
بل وكتف ذراعيه لصدره العريض
" جيد .. هل ستبلغين السلطات عني هذه المرة ؟ "
وهذا ما قاله رواح حدث ويبدوا بالفعل لديه مبرر قوي
يبرئه لكنها لن تستسلم ايضاً ، قالت ببرود
" لا بالطبع فخالك سيقوم بواجبه معك مجددا "
قالتها تذكره بإغلاقه سابقا لملف القضية المتعلقة بعطل الطائرة
كي لا يدان باتخاذه كمساعد طيار وهو لم يكمل ساعاته التدريبية
بعد ..فإن كان هو يعرف جيدا من أين يحاربها فهي مثله وأبرع
منه ، وظنت بأن تلك الحرب لن تنتهي معه بسهولة لكنه خان
توقعاتها حين تنهد بضيق وفك ذراعيه داسا ليديه في جيبي
بنطلونه قائلا ببرود ومحدقا في عينيها
" كنانة لازلت أكرر على هذا العداء الا منطقي أن ينتهي "
حركت حدقتيها بعيدا عنه وكأنهما الشيء الوحيد الذي يمكنها
التحكم به ! لو يتوقف فقط عن إخراج حروف اسمها من شفتيه
وعن العبث بمشاعرها بحرفية وإجحاف هكذا .. ألا يعلم بأنه
قادر وبمهارة على بعثرتها وبكل سهولة ؟
سحقا له بل ولها معه فنظرته الماكرة ما أن عادت بنظرها له
كانت أكبر دليل على أنه قرأ أفكارها الغبية تلك .. لكنه لم يترك
لها أيضا أي مجال لإنقاذ نفسها ولا الموقف وهو يقول بابتسامة
جانبية وقد نزل بنظره للأسفل
" حسنا أنا لست هنا من أجل كل ذلك "
وتابع يخرج شيئا من جيب سترته
" بل من أجل هذا "
نظرت باستغراب للعلبة السوداء المخملية التي أمسكها بكلتا
يديه وفتحها أمامها موجها إياها جهتها كاشفا عن خاتم الزواج
الماسي الرائع الجمال فيها فالتصقت بالخزانة خلفها أكثر تدس
يديها خلف ظهرها هامسة بجمود
" لن ألبسه "
ورفعت نظرها سريعا لعينيه وسبقته هي هذه المرة قبل أن يعلق
قائلة بضيق
" ثم هل هذا المكان المناسب فعلاً لمثل هذه الأمور ؟ "
قالت ما قالته وتعلم جيدا بأنه لا جواب لديه ولن يستطيع
فعلها في منزلهم وحيدا هكذا من دون عائلته لذلك يفعل
كل هذا ويتركها هي لمواجهة جميع تلك الأسئلة التي
ستهاجم بها ومن قِبل الجميع وهو يلبسها خاتم الخطبة
في المطار ووحدهما وكأنها لقيطة رموها من ملجأ
للأيتام لا أحد ولا عائلة لها .
توقعت منه كل شيء حينها حتى أن يجبرها على ارتدائه
بحسب ما ستأمره به شخصيته المتملكة المسيطرة إلا
ما حدث لحظتها وهو يعيده لجيب سترته قائلا بلامبالاة
" لا بأس لن اجبرك على ما لا تريدين ولن يقع اللوم عليا الآن "
شعرت بغضبها يستعر مجدداً بل وبشدة أكبر هذه المرة فها
هو ومرة أخرى يثبت لها بأن والدته من تقرر ما لا يريد وبأنها
ليست سوى تحفة اعجبت بها في مكان ما وما عليه سوى
شرائها لها لتصمت عنه .. شدت قبضتيها بقوة خلفها تنظر
لعينيه وقالت ببرود عاكس كل ما يحدث في داخلها
" ما كان عليك أن تجبر نفسك على هذا أيضا "
ولاحظت بوضوح اشتداد فكيه العريضان ... هل شعر بالإهانة ؟
وماذا عنها هي التي لم يتوقف عن تجريحها مراراً وكأنه لا
مشاعر لها ؟ أيحق ذلك له فقط ؟ فليحترق إذا .. وذلك ما حدث
فعلا وقد بدا ذاك جلياً حين خرجت الأحرف من بين أسنانه
المشدودة
" أنا لا أحد يتحكم بقراراتي "
قالت من فورها ومتجاهلة غضبه المتوقع
" لما لم تكن إذا من قرر كل هذا ؟ لماذا تعقد الأمور وتتهمني
بذلك رغم أنه يمكنك إنهاء كل شيء بكلمة واحدة منك
كما تقول ؟ "
كانت تعلم بأنها لن تستطيع محاصرته بكل هذا وبأن ما يفعله
دائماً هو استفزازها أو ما يقودهما لذلك وإن كان فيه خسارته
لجولة جديدة معها وكأنه يستمتع بهذا ..! وذاك ما حدث
حينها بالفعل حين تبدلت ملامحه للامبالاة فجأة وارتسمت
على شفتيه ابتسامة ساخرة متمتماً
" عجبا أتفضلين عصيان أحد والديك على فعل ما لا تريدين ! "
فكانت هي من شدت على أسنانها بقوة هذه المرة بل وكادت
تحطمها غيضاً قبل أن تتنفس بعمق قائلة بجمود
" ثمة فرق كبير بين العصيان وحرية اتخاذ القرارات "
" لما لم تجبري والديك على ما لا تريدينه إذا ؟ "
كان تعليقه سريعا بل ومدمرا وأصابها به في مقتل .. من
يعطيها المجال لتحطيم هذا الوجه الوسيم لعلها تحطم غروره
وثقته في نفسه معه ! لكنها لن تستسلم له لن يحلم بها ..
قالت ببرود
" لأنك لعبتها بذكاء بالطبع لما كان لهذه الخطبة ألا منطقية
أن تتم "
رفع رأسه عاليا وتنفس نفسا طويلا قبل أن ينظر لها
مجددا ورفع يده لقبعته ونزعها وقال بهدوء وكأنه
يتعمد إشعالها
" لازلت تفسدين الامر بغباء كوينو ولن تنجحي أبدا "
قالت بضيق
" لا أفهم لما تكره أن يخلصك أحدهم مما لا تريد ؟
لا أعتقد أن برك بوالدتك يصل لهذا الحد ؟ أو أنك
ممن يجبره الغير على أي أمر يرفضه "
تمتم ببرود وكأنها لا تشتعل أمامه
" سبق وتحدثنا عن هذا "
أغمضت عينيها لبرهة متنهدة بعمق تشعر بتلك الجمرة
تشتعل في قلبها ولن تلوم أحداً على هذا سوى نفسها
بالطبع .. ركزت نظرها على عينيه وهي تقول بجدية
" لن أكون الوسيلة لإرضائك لها وتأكد من أنك وحدك
من سيندم على هذا "
قالتها بالرغم من يقينها من أنها الخاسر الوحيد
في الأمر ومن سيخرج بجراح نازفة لن تؤثر فيه
ولا في والدته .. بل وأضافت وبحزم
" فلن أتركك تتزوج من أخرى وأنا زوجتك .. لا تفكر
في ذلك مطلقا "
وكادت تغرق في مكانها بل في المياه التي كانت تشعر
بها تخرج من مسامات جسدها بأكمله حين انحنى
نحوها وابتسم هامسا وناظرا لعينيها
" ستكون أمامك فرصة طويلة لفعلها إذا "
وما أن أنهى عبارته تلك ابتعد عنها ولبس قبعته
مجددا لازال ينظر لعينيها مبتسما وغادر من فوره
وتركها خلفه تشتعل غيضاً .. فلما لم تؤثر به كلماتها ؟
كانت تستفزه وبوضوح ليفصح لها أكثر عن المرأة
التي يريدها وترفضها والدته لكنه لم يفعل بل ولم
يتأثر أبدا برفض وجودها في حياته ..! لا بل وسمح
لها بأن تجرب فرصة إزاحتها عن طريقها !!.
تأففت مبتعدة عن الخزانة التي بقيت ملتصقة بها
كالحمقاء رغم مغادرته وبدأت بترتيب شعرها
وملابسها وكأنها كانت في معركة جسدية معه
لا حرب كلمات خرجت منها خاسرة وكالعادة ..
فهذا ما يفعله بها في كل مرة .. يظهر ويختفي
تاركا إياها مبعثرة ليس من الداخل فقط بل ومن الخارج .
وما هي إلا لحظات ودخل من وقفت هنا تنتظره كل ذاك
الوقت والذي قال مبتسما
" آه كوينو اعذريني يمكنك المغادرة الآن "
فتحركت من هناك تنظر للأرض تحتها واجتازته خارجة
بخطوات غاضبة تمسح عيناها التي أخفت عنه دموع
القهر السابحة فيهما متجنبة النظر له ، وما أن
أصبحت في صالة المسافرين وقفت مكانها ما أن
وقع نظرها على الواقف مع مجموعة من طاقم رحلته
والذي كان ينظر لها بدوره وقد رفع يده وحياها بسبابته
والوسطى عند طرف قبعته مبتسما فزمت شفتيها تنظر له
بحنق قبل أن تشيح بوجهها عنه وتحركت من مكانها
مجددا ولم تنظر ناحيته أبداً وجهتها باب المطار الرئيسي
حتى كانت في مواقف السيارات وركبت سيارة أجرة
حامدة الله في قرارة نفسها أن رحلة العودة لتلك الطائرة
وطاقمها تكون اليوم ولن تضطر للاحتكاك به ولا رؤيته مجددا .
غادرت المطار ووجهتها لم تكن منزلهم بل منزل آخر
عليها زيارته أولاً بما أنه ما يزال أمامها بعض الوقت
حتى موعد حفل الليلة ، وما أن وصلت العنوان المقصود
وضغطت زر الجرس حتى فُتح لها الباب سريعا ووقف
أمامها الذي ابتسم لها قائلا
" مرحبا كنانة ... جئتِ في الوقت المناسب تماماً "
ابتسمت بمودة واحترام للواقف أمامها ومن تعده في مقام
والدها رغم أن صلة القرابة بينهم بعيدة ومعقدة
فهم عائلة أخرى ما يربطهم هو المدعو تيم كنعان
الذي يكون ابن عمها بينما يكون الواقف أمامها الآن
عم والدته ، وها هو ما قالته ماريه حدث ويحدث فعلا
والدليل كلماته تلك التي قالها فما بها هي لم تفكر مثلها !
بل وما لا تفهمه هو سر رفضها الدائم له ! على الرغم
من جميع مميزاته وثراء عائلته بل ووسامته فقد تغير
وبشكل جذري منذ عاد من سفره للدراسة كل تلك
الأعوام حتى أنها لم تتعرف عليه في أول لقاء لها به
حين كانتا تتسوقان معا !! قالت مبتسمة
" جئت لزيارة ساندرين فهل تسير الأمور بشكل سيء ؟ "
قال يفتح لها الباب أكثر لتدخل
" يبدوا لي ذلك فهي ووالدتها في شجار مستمر منذ الصباح "
دخلت مبتسمة واستأذنته قبل أن تسير يسارا حيث الممر الذي
سيأخذها لغرفة تلك الغاضبة والتي وصلتها أصوات ما تحدث
عنه ما أن اقتربت من هناك ووالدتها تقول بضيق
" سيصل سائقهم خلال ساعتين وستغادرين معه ..
انتهى وقت الحديث في كل ذلك ساندي "
وما أن وصلت الباب حتي تقابلت هي والخارجة منه
والتي قالت بضيق ما أن رأتها
" ادخلي لها وأفهميها جيدا مغبة التصرف بجنون الليلة
يا كنانة "
وغادرت مجتازة لها ونظراتها تتبعها حتى اختفت
وحركت كتفيها متنهدة قبل أن تدخل حيث الجالسة
على طرف سريرها تنظر للأسفل مكتفة ذراعيها
لصدرها تضرب قدمها بالأرض بغضب وكأنه
لا منفس لها غيره ! وما أن رفعت نظرها لها
أجفلت تنظر لعينيها المكحلتان باحمرار واضح
ليست تعلم من الغضب أم البكاء الذي لا تعرفه فيهما وقالت
" ساندي رجاءً لا تنظري لي وكأني رواح ولا حتى أني
أقرب له "
فأشاحت بوجهها عنها في صمت وكم حمدت الله على ذلك
فهي إن تحدثت تعلم جيداً ما ستقوله وستجعل منها متنفسا
لغضبها بكل تأكيد ، اقتربت منها وجلست على الكرسي الخشبي
الصغير المغطى بالقماش أمامها وقالت بهدوء تنظر لعينيها
" أحيانا علينا أن نرضخ لرغبات الغير ساندي "
وتابعت وقد أسدلت جفنيها تخفي الألم في مقلتيها السوداء
" نكون مجبرين على تحمل كل شيء وحتى تأذي مشاعرنا
من أجل الأشخاص الذين نحبهم "
ولم تتوقع منها بالطبع أي تعليق كسابقتها حتى وصلها
صوتها الحانق
" لكني لست على استعداد لبناء تعاستي من أجل أي أحد
ولا والداي ... لا يمكنني أن أكون مثلك يا كنانة "
فرفعت نظراتها المصدومة بها فلم تتوقع أن تحلل الأمر بشكل
صحيح هكذا من الأمور القليلة التي تعرفها ..! ومعها حق فهي
وفي كل الأحوال تدمر كل شيء وترضى بتبعات ذلك فقط كي
لا تجرح والديها أو تحرجهما فهل ستندم نهاية الأمر حقا
وتلقي باللوم عليهما ؟
شردت نظراتها بحزن وقالت وكأنها تحدث نفسها وليست
تكشف دواخلها أمام الغير
" لكن الفرق شاسع حين تكون مشاعرك من الداخل هي التي
تحاربك وترفض رفضك لذاك الشخص ... ثمة فرق كبير ساندي
بين ما يحدث معك ومعي "
" أخشى أن الواقع العكس تماماً "
رفعت نظراتها سريعا ونظرت باستغراب لتلك الأحداق
الزرقاء الغامقة والسابحة في الدموع وهمست بتأني
" ما قصدك بهذا ساندي ! "
فوقفت الجالسة أمامها وقالت
" لا شيء ... ما سر اتصال
والدتك وطلبها مني المجيء لمنزلكم ؟ "
وقفت أيضا وقالت باستغراب
" والدتي طلبت منك ذلك ؟ "
حركت كتفيها قائلة ببرود
" أجل وأنا مثلك تماماً استغربت الأمر وخشيت
من الذهاب لها وأنت لستِ في المنزل "
تبدلت ملامحها للضيق قائلة
" وما الذي ستفعله لك والدتي مثلا ؟ هي ليست مجنونة
لتخافي منها "
انحنت جهة الطاولة بجانب السرير وقالت تخرج مشبك
شعر من الدرج فيه والذي فتحته بعنف
" هي ليست كذلك بالطبع لكني من ستصاب بالجنون
حينها وأنت تعلمين لما "
ووقفت على طولها وقالت تجمع شعرها به وبحركة
غاضبة أيضاً
" لنذهب لها إذا بما أنك أصبحت هنا "
نظرت لها بصدمة وقالت
" لن تسمح لك والدتك ساندي .. بل وستغضب منك
ومني أيضاً "
أمسكت بيدها وسحبتها معها نحو الباب قائلة
" لا تقلقي سنغادر من باب المنزل الخلفي "
قالت تجاري خطواتها المسرعة عبر ممر غرفتها لتدخل منه
لآخر متصل به
" لكن ماذا بشأن السائق الذي سيكون هنا من أجلك ؟ "
قالت بضيق تفتح الباب الخشبي الذي وصلتاه نهاية الممر
" لا علاقة لي به فليغادرا هما معه "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, قلوووب محتاره and 65 others like this.
رد مع اقتباس
#10678
قديم 13-02-19, 10:21 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
رفعت الضفيرة التي قسمت بها شعرها للخلف ونظرت لنفسها
في المرآة ... جيد هذا أفضل مما توقعت وتريد ، وهذا
ما وجدته الحل الأنسب كتسريحة لشعرها الطويل لا تضطرها
لزيارة صالونات التجميل وكل تلك التفاهات فقد أخذت جزءا
من شعرها وجمعته أمام وجهها وظفرته وما أن أعادته
للخلف حتى تدرج في مجموعات مترابطة حول تلك الضفيرة
وصولا لجانبي وجهها .. ومع خصلة واحدة من غرتها الطويلة
قليلا على وجهها بدا الأمر غاية في الجمال .. ولن تفكر بالطبع
في الالتفات وتقييمه من الخلف بالنظر له في المرآة فقد علمت
سلفاً بأن تلك الضفيرة المقلوبة فوق باقي شعرها المفتوح
تحتها ستكون نتيجتها مذهله ، فتحت درج طاولة التزيين
ورفعت علبة كحل العينين ثم عادت ورمتها فيه .. اختارت
أحمر شفاه زهري اللون ومررته على شفتيها ببطء ...
وفقط انتهى كل شيء .
وبالفعل هي لن تحتاج لأكثر من ذلك لتكون ساحرة ..
جميلة بل وفاتنة وهي من ورثت جمال جدتها الخماصية تلك
حتى كانت نسخة طبق الأصل عنها ، وكم امتلكت تلك من سمات
الجمال ومنذ كانت صبية فلم يتجاوز عمرها السابعة عشرة
حين تزوجها ضرار السلطان بالرغم من أنه كان متزوجا
حينها إلا أنه فتن بها ما أن رآها .. فتركت بعدها هذه الفاتنة
وإن كانت مشوهة من الداخل وبشكل كامل .
التفتت جهة الباب الذي فُتح فجأة وظهر من خلفه الذي
نظر لها صعودا من فستانها الليلكي اللون الحريري والطويل
وصولاً لعنقها الأبيض الناعم والسلسال المتدلي عليه بخواتمه
وفصوصه الماسية في جمال غريب وفريد من نوعه ، وما أن
وصل نظره لعينيها صفر بشفتيه وبصوت منخفض
وهمس مبتسما
" سأكون نجم الحفل بسببك "
فأدارت عينيها بعيداً عنه متنهدة بضيق فدخل واقترب منها
ورفع لها مرفقه متمتما بسخرية
" سيكون الشرف من نصيبي هذه المرة أم لا أستحق القليل ؟ "
أدارت نظرها ناحيته وقالت بامتعاض
" لو تتوقف مرة واحدة عن ذكر شقيقك ذاك حين نكون معاً ...
أنت مريض بكرهك له فعلاً "
وكانت ردة فعله أن رفع رأسه ضاحكا فشدت قبضتيها بقوة
وغضب فهي لا تفهم هذا المتخلف بالفعل فهو يغضب أحياناً مما
تتوقع العكس ويضحك مما تتوقع أن يمد يده عليها بسببه !
هو مبدع فعلا في اللعب بالأعصاب ..!! قالت بضيق
" ما المضحك في الأمر ؟ ثم ما يزال الوقت باكراً لنكون هناك "
رفع يده فارداً إياها بجانب وجهه وقال مبتسما
" وإن يكن فلنكن أول الواصلين ... ثم وخالك أصبح هنا
فمن غير اللائق تركه ينتظر "
نظرت له باستغراب هامسة
" خالي بشير هنا ! "
ولم تجاهد عينيها أبداً لتمنعها من التحديق فيه مطولا باستغراب
فمن الفترة التي عرفت فيها ذاك الخال لم يكن رجلاً اجتماعياً أبدا
لا يحتك بأحد ولا أحد يعرفه ليحضر حفلا كبيراً كهذا ! وتذكرت
سريعا بل ومجدداً كلمات وقاص ورأيه فيه بل والشك الذي يدور
في ذهنه حوله ولا تفهم لما زرع في نفسها كل تلك الرهبة منه
فهل تفقد الثقة في خالها شقيق والدتها ومن ساعد في إنقاذها
وشقيقها من السجن بسبب كلمات قليلة منه !! بل ولقائه به
الآن ما ستكون نتائجه وهو من سبق وأخبرها بأنه اختفى
كليا من بلاده هناك ؟ مما يعني بأنه يدرس تحركاته جيداً
بل وسيكون يبحث عنه بالتأكيد .
أخرجها من أفكارها تلك بل ومن شرود نظرها للبعيد ملمس ذاك
الأصبع على طرف وجهها ووصلها ذاك الصوت الكسول الساخر
" أين سافر بالجميلة خيالها ؟ "
فأجفلت مبتعدة عنه ونظرت لعينيه بصمت لبرهة قبل أن تقول
" شقيقك وقاص سيكون هنا أيضاً ؟ "
وما كان منه إلا أن نظر لها بصدمة قبل أن تنطلق ضحكته
المرتفعة والكفيلة بجعلها تحترق ودون معاناة منه وقد قال
ما أن عاد بنظره لها وما توقعته جيداً
" ألا تخجلي من سؤالي عنه مباشرة هكذا ؟ "
شدت قبضتها بقوة وهي تقول بضيق
" أنا لا أخجل مما لا أخطئ فيه وأخبرتك سابقاً رأيك بي
لا يهمني كما رأي شقيقك ذاك أيضاً "
حرك يده بجانب وجهه بكسل متمتماً
" حسناً سنعتبر كلامك صحيحاً وسأجيب "
وأمسك يدها لافا أصابعه حولها وأدار ساعده حول ساعدها
وقال بابتسامة ساخرة خارجاً بها من هناك
" بالتأكيد سيكون هنا فهو الشقيق الوحيد للعريس بالطبع ..
بل وثمة مفاجأة رائعة بانتظاره "
*
*
*
انصاعت لها وغادرت معها رغم تصرفها الغريب ذاك حتى أنها
ركبت معها سيارة أجرى ولم تركبا سيارتها فهل تخطط فعلا
للهرب من حفل الخطوبة الذي ينتظرها !! حتى أن المسافة بين
منزليهما لن تكون قصيرة وإن كانا في ذات المدينة ومع كل هذا
الازدحام ! بل وسيكون ضيوفهم هناك قد بدأوا في الوصول .
لا تشعر بالاطمئنان مطلقاً وجل ما تخشاه أن تضع نفسها
وعائلتها في موقف محرج مع عمتها بل وجميع من سيكون
في ذاك الحفل ، نظرت لها بطرف عينيها حين تململت في
جلستها وتأففت قائلة
" لا أفهم لما لا يشتري لك خطيبك الثري ذاك سيارة ؟ "
فأدارت عينيها جانباً متمتمة أيضاً بل وببرود
" عندما يشتري لك خطيبك الثري ذاك طائرة "
فاستدارت بسرعة ناحيتها وكأن نحلة ما لسعتها قائلة بضيق
" لا تذكريه أمامي "
نظرت لها وصرخت فيها بالمثل
" وأنت كذلك لا تفعليها "
فنظرت لعينيها بتركيز لبرهة قبل أن تقول بجمود وكأنها
ليست الغاضبة المشتعلة تلك
" كنانة أنت مقتنعة فعلا بذاك الزواج الحجري ؟ "
فهمست سريعاً وقد ضيقت عينيها المحدقتان بعينيها
" لا أرى وضعك أفضل مني "
لوحت بيدها قائلة بإحتجاج
" بل ثمة اختلاف "
قالت من فورها
" لا ليس هناك أي اختلاف فكلانا تتزوج ضد رغبتها مجبرة "
قالت محتجة وبشدة أكبر
" لا بالطبع فأنت يمكنك تغيير كل هذا وبكلمة واحدة منك
فوالداك لن يكونا ضدك أبدا "
ابتسمت تلك الشفاه بسخرية قائلة
" والسبب ؟ بل وما العذر الذي سأقدمه ! سينتهي مصيري
لمصيرك حينها بالتأكيد "
وتابعت وقد عادت لجلوسها السابق تنظر أمامها ومكتفة يديها
لصدرها قائلة بأسى
" بل ووضعك أفضل مني فأنت على الأقل بإمكانك إبداء رأيك فيه
بل ورفضك له أمامهما بينما أنا لا "
ضيقت صاحبة تلك العينان الزرقاء جفنيها حولهما قائلة بشك
" لو أفهم فقط ما حدث بينكما وما سبب كل هذه الألغاز !؟ "
فأخفت صدمتها من شكها وسؤالها ببراعة وتمتمت ببرود
دون أن تنظر لها
" لا شيء أكثر مما أخبرتك عنه "
نطرت لها بطرف عينيها متمتمة
" وما سر رفض مشاعرك لرفضه إذا ؟ "
بادلتها بنظرة مشابهة ترمقها ببرود قائلة
" بما أنك كنتِ تعين جيدا ما كنت أقول لك هناك فمؤكد تعلمين
ما قلتِه أنتِ أيضاً فهلا فسرتِ أيضاً كلامك ذاك لي ؟ "
فما كان منها إلا أن نظرت لها بضيق قائلة
" معتوهة أنت وابن عمتك وابن عمك بل وجميع من يمت
لك بصلة "
فلم تستطع حينها إمساك نفسها عن الضحك رغم مزاجها السيء
ومنذ الصباح لكن هذه الفتاة لا يصعب عليها فعل ذلك ، فلو تفهم
فقط ما دخل تيم الآن بالموضوع ؟ بل وجميع من يقربون
لها شملتهم بشتمها ! .
فتحت باب السيارة ما أن توقفت أمام سياج منزلهم الخارجي
المنخفض وقالت مبتسمة وهي تنزل
" أجمل ما في الأمر أننا وقعنا في الحفرة ذاتها معاً فلن تسخري
مني مجدداً وكالسابق "
وما أن وقفت خارج السيارة نظرت للتي ضربت الباب بقوة في
الجانب الآخر تنظر لها بضيق تجاهلته تماما وغادرت جهة باب
المنزل وهي خلفها وما أن كانتا أمام الباب قالت التي أصبحت
واقفة بجانبها تماماً بل ومتمتمة ببرود
" لا أشعر بالراحة البتة لدعوة والدتك لي الآن ! "
فابتسمت ولم تعلق فنظرة هذه الشقراء لوالدتها لن تتغير أبداً ،
غرست مفتاحها في الباب وما أن أدارته وفتحته وقفت مكانها
مصدومة جامدة كالتمثال الحجري تنظر للموجودين هناك يملؤون
بهو المنزل ! أصدقائهم .. جيرانهم !! بل وحتى زملائها المقربون
في عملها والذين لا تفهم كيف سبقوها إلى هنا !!
الزينة الحمراء الموزعة في المكان ..! الكعكة بطوابقها الخمس
وحولها ما لا يمكن حصره من الحلوى والأطعمة التي لن ترضى
والدتها بالتأكيد أن تشتريها من الخارج !!
كان الجميع هناك ينظر لها مبتسما بينما جمدت نظراتها هي على
شخص واحد وهو الواقف بينهم لازال يلبس بذلته الزرقاء
الخاصة بالطيران لتجعله مميزا عن جميع الموجودين هناك
ومن كان ينظر لها أيضا ومبتسماً .
ولم يكن حال الواقفة بجانبها بأفضل منها بل وبمختلف عنها وهي
تحدق أيضاً بذاك الشاب الذي ما كان لأحد أن لا يلاحظه بينهم
وقد همست بذهول ما أن وجدت صوتها ونظرها لازال عليه
" بربك كنانة أهذا من لم يعجبك في الحفل سابقا يا حمقاء ! "
قبل أن تشهق بصدمة فثمة مفاجأة كانت في انتظارها هي أيضاً
ما أن ظهر لها الواقف خلف صاحب تلك البذلة الزرقاء بخطوطها
الذهبية المميزة والذي نظر لها مبتسماً بمكر يدس يديه في جيبي
بنطلون بذلته الكحلية الفاخرة .. شعره مصفف بعناية وذقنه
يبدوا محلوقاً للتو وكأنه عريس سيزف لزوجته ! .
*
*
*
أراحت ذقنها على قبضة يدها تستند بمرفقها على ذراع الأريكة
تنظر للفراغ بشرود منفصلة تقريبا عما حولها .. وسرعان ما
غيرت جلستها ورفعت قدميها عن الأرض وثنتهما تحتها وفردت
أصابعها متكئة بجانب وجهها على راحة يدها وتنهدت بعمق
لازالت تدور في دوامة مغلفة كلما عاندت نفسها لتهرب منها كي
لا تفكر في الأمر أكثر خانتها جميع حواسها كما قلبها وعقلها
وجرفها التيار مجددا فلا حديث آستريا يتركها وشأنها ولا ابنتها
من بعدها وكأن كل شيء متفق ضدها !.
أمالت رأسها للجانب قليلا ووقع نظرها على الجالس على كرسيه
المتحرك نظره كما انتباهه معلقان بالتلفاز منسجم تماما مع ما
يقال فيه كعادته وكأنها ليست ذات الأخبار تعاد وتكرر على مدار
اليوم ! بل وكأنه متفق معهم على تكبيلها والأحاديث في تلك
القنوات الإخبارية يدور حول ذات النقطة تقريبا وهي محاولات
ابن شاهين وبكل الطرق لدمج العرب بالثنانيين في سابقة لم
يفعلها غيره في الدول التي تستوطن حدودها تلك القبائل
المهمشة .. ورغم كل الصعوبات التي تواجهه والرفض
الشعبي الواسع للأمر إلا أنه كما يبدو أعند من شعبه !
وكيف ورجاله يلوحون بل ويهددون علانية بأن ما يبقيهم
في السلطة وجوده هو تحديدا وأن مغادرته تعني مغادرتهم
جميعاً .. ولا أحد يفهم أيهددونه أم يهددون شعب البلاد بذلك !
رفعت جفناها الواسعان ورموشها الكثيفة محدقة حيث تلك
الشاشة الكبيرة المعلقة على جدار الغرفة وحيث تلك الصورة
التي تملأها لصاحب الأكتاف العريضة والمشية الواثقة باللباس
العسكري المخصص بالرتب العليا لقادة الجيوش .. بل والذي
وكأنه لم يلبسه غيره في التاريخ ! يسير خلفه مجموعة من
رجاله وكأنها لوحة لا تكتمل من دون تلك الشخصيات المطابقة
له .. بل وكأنه نقل تفاصيله جميعها لهم وليس أفكاره ومعتقداته
فقط !
حركت حدقتاها السوداء الواسعة بعيدا عنه متنهدة نفسا طويلا
فلما لا يساعدون هرموناتها للابتعاد عنه ؟ ولا مناص لها من كل
هذا بالتأكيد فرماح وحده الذي تراه هنا متفرغ لتكون معه هرباً
من غرفتها ووحدتها التي لم تعرف الهرب منها إلا الآن ! فتقريبا
جميع ساكني ذاك المنزل تراهم الليلة منشغلون بما لا تفهمه
أو بلا شيء كما ترى فلم تفهم ما وجود كل أولئك العمال في
الخارج حتى هذا الوقت المتأخر فالساعة قاربت منتصف الليل
وكل ما قيل أمامها أنهم من أجل إصلاح الإنارة في الحديقة
ورعد معهم منذ وقت طويل ..! وذاك حال تيما وأستريا بل
وحتى الكاسر متغيبون حيث لا تعلم ولم تهتم فلا تراهم سوى
وأحدهم خارج من مكان داخل للآخر ولا شيء سوى تلك
الابتسامات العريضة التي يهدونها إياها في صمت فقررت نهاية
الأمر أن تكون هنا سجينة سياسية مع هذا الصامت العابس
فحتى عمتهم تراها تتصرف بغرابة الليلة وهي تقرر النوم منذ
وقت معتصمة في غرفتها ليست تعلم نائمة حقا أم لا ! .
نظرت لجسدها ولثيابها وتنهدت بضيق فحتى الضيوف المنتظرين
والذين قيل بأنهم سيكونون هنا ألغوا زيارتهم كما فهمت منهم
وبقيت هي هكذا كالحمقاء بفستانها الطويل والحزام العريض
الملتف حول خصرها النحيل المستدير .
استدارت حدقتاها مجددا ناحية الجالس على مسافة منها نظره
معلق بالتلفاز يحرك جهاز التحكم في يده بهزات خفيفة وتمتمت
بعبوس وكأنه نقله منه لملامحها الجميلة
" قلنا مساء الخير أم لم نقل سيادة اللواء "
وكما توقعت رمقها بطرف عينيه مضيقا إياهما في نظرة تفهمها
منذ صغرهم خاصة وهي تناديه بلقبه ورتبته قبل ذاك الحادث
المشؤم الذي أفقده ساقيه وأفقدهم والدهم ومتأكدة من أنه يتوقع
أن تتحدث عن موضوع زواجه وجهينة ..
لكن المفاجأة الأعظم والتي لم تتوقعها كانت في انتظارها حين
تمتم أيضاً وببرود
" ظننت أن الحوامل يصمتون للأبد ؟ وهذا ما كان بادياً عليك "
فنظرت له بصدمة لم تستطع إخفائها ولا ذاك الاحمرار الذي طفا
فوق وجنتيها خجلا فيبدوا أنه ليست آستريا الثرثارة الوحيدة هنا
بل وزوجها بدأ يكتسب صفاتها أيضا .
أنقذت نفسها سريعا من ذاك الموقف ومن النظر لعينيه حين
أشاحت بوجهها عنه هامسة بجمود
" بل ينفذن في صمت إن لم تكن تعلم "
وكم حمدت الله أن قطع حديثهما ذاك باب الغرفة الذي فُتح فجأة
والتي دخلت منه راكضة جهة الجالس على كرسيه ووقفت خلفه
ممسكة بمقبضيه وقالت تديره جهة الباب وتدفعه نحوه
" عذرا أمي سآخذه لبعض الوقت فقط "
وتابعت حديثها خارجة به تتبعهما تلك النظرات المستغربة
" انتظري هنا أمي لا تغادري "
وغادرا لا تسمع سوى صوت كرسيه الكهربائي وهمس ابنتها
الذي لا تفهمه مبتعدان !!
حركت كتفيها بعدم اهتمام ورفعت جهاز التحكم وبدأت تقلب
القنوات بملل حتى قررت الوقوف ومغادرة الغرفة أيضا لتصعد
لغرفتها وتغير هذه الثياب على الأقل ، وما أن وصلت الباب
ظهرت أمام وجهها التي ضحكت بسبب مفاجأتها وأوشكتا على
الاصطدام ببعضهما قبل أن تمسك بيدها وسحبتها معها قائلة
" تعالي أمي ثمة من في انتظارك هنا "
فتبعتها مستغربة تكاد تركض بها تعبران الممر الطويل حتى
كانتا في البهو الواسع واتجهت بها من فورها جهة باب المنزل
المفتوح ووقفت ما أن كانت قريبة منه تنظر للذي ظهر لها واقفاً
هناك أمامه في الخارج وكأنه خرج من ذاك التلفاز ليصبح واقعاً
أمامها ! الاختلاف الوحيد أن لباسه تغير وبشكل جذري للبذلة
السوداء الفاخرة التي لا تزيده سوى وسامة وجاذبية ترسم
تفاصيل ذاك الجسد الطويل والقميص الناصع البياض يزيدها
جمالاً وتميزاً ، رفعت نظرها ببطء لملامحه لتبتسم لها تلك الشفاه
والعينان المحدقة في عينيها بحب ويده ترتفع نحوها في مشهد
لن تنساه حياتها وما عاشت يشبه أحلام كل امرأة في الوجود قد
رسمت لأمنياتها فارساً لا يشبه بتاتاً من تراهم حولها ولا تعرفه
سوى في أمنياتها الفتية اليتيمة .
زحفت الابتسامة لملامحها وشفتاها الجميلتان ببطء وملأت
الدموع عينيها ما أن مد يده لها أكثر هامسا بابتسامة
رجولية مميزة
" تعالي يا قلب مطر "
فتحركت قدماها نحوه تقودانها دون إذن ولا سؤال حتى كانت
أمامه ورفعت يدها ليده فأمسكها من فوره ورفعها لشفتيه وقبلها
برقة ينظر لعينيها فهمست ناظرة لعينيه
" خنت الاتفاق يا ابن شاهين .. لا تنسى هذا "
سحبها نحوه قائلا بابتسامة
" لن تخرجي من هنا وأنا عند الاتفاق يا ظالمة "
وقربها من جسده بسرعة لم تستطع منعها ولا إدراكها ويده
وساعده يلتفان حول خصرها يلصقها به بينما داعبت أنامل يده
الأخرى طرف وجهها وقد انحنى له مقبلا وجنتها برقة قُبلة
طويلة وهمس محركاً شفتيه ناحية أذنها
" اشتقت لك "
فأنزلت رأسها تحاول الابتعاد عنه حامدة الله في سرها أنه لم يرى
هذا سوى ابنتهما والواقفة تنظر لهما من بعيد مبتسمة بسعادة لم
تعرفها حياتها قبل أن تقترب منهما قائلة
" هيا أبي الجميع في انتظارنا "
وما أن رفعت الواقفة أمامها نظراتها المستغربة له شهقت بصدمة
وقد انحنى للأسفل ورفعها بين ذراعيه ونزل بها عتبات الباب
المرتفعة .
*
*
*
حضن رأسه بيديه تتخلل أصابعه الطويلة شعره وتنهد بعمق
مغمضا عينيه قبل أن يفتحهما مجددا ويقع نظره فورا على
شاشة هاتفه المرمي فوق الطاولة تحته وعلى تلك الأحرف
تحديداً من بين جميع الأسطر فيها
( أمانة نوتنغهام في انتظارك عند جسر تشيلسي الساعة
السادسة مساءً ... لا تتأخر )
ما هذا بحق الله ! هل لذاك الشيء وجود بالفعل ؟ في أي قانون
يسمحون بالإجرام في حق البشر هكذا ؟ ألا ينقصه مصائب
ومشكلات ؟ أليس يكفيه شقيقته التي وضعها في عنقه ليتخلص
هو منها ويتركها له ليجد نفسه الآن في المصيبة أخرى ؟
وقف مستغفرا الله بهمس ورفع هاتفه ودسه في جيب سترته
ونظر للساعة في معصمه متوجهاً جهة باب الشقة فبالكاد
سيكفيه الوقت للوصول ، أغلق الباب ونظر فوراً للباب المجاور
له والمغلق يغلفه الهدوء التام وكأنه ليس ثمة أحد خلفه !
لو يفهم فقط كيف تفكر هذه المرأة فهو بات يخشى حتى من
هدوئها الغريب هذا فهي ليست طباعها ! منعها من الذهاب
للشركة مجدداً بل ومن الخروج ويحضر لها طعامها بنفسه
ولم تعترض ..! لم تحتج ..! بل ولم تصرخ كعادتها تسبه وجميع
العرب معه !! لازال ينتابه الشك حيالها ومتأكد من أنها فعلت
أو تجهز لكارثة ما ستقع على رأس أحدهم وكم يخشى أن
يكون هو .
أولى ذاك الباب ظهره كما تلك الأفكار جميعها ونزل السلالم
بخطوات سريعة ووجهته سيارته التي ركبها وانطلق من فوره
فعليه الوصول للمكان المحدد أولاً ومن ثم الانتقال لبريستول
بما أنه سيكون عند جسر تشيلسي أي غرب لندن ولا يمكنه
العودة هنا ومن ثم الاتجاه غرباً من جديد فلن يدرك الحفل
حينها ولن يسلم من لسان شقيقته أبداً فلا حل أمامه سوى
أخذ تلك الأمانة الجديدة المعلقة في عنقه معه للحفل فطريقهما
واحد وهو الخيار الأنسب لتجنب غضب شقيقته وعتاب ابنها .
كانت رحلته عبر تلك الشوارع الأسوأ على الإطلاق فلم تتركه
تلك الأفكار المتزاحمة في رأسه حتى بات يشعر بها ألماً قوياً
في صدغيه يبحث عن ماذا لا يعلم ؟ بل عمّا ليس له وجود
أساساً فيه ، تباطأت حركة سيارته ما أن كان عند الجسر ولم
يحتاج الأمر منه لأن يعبر مسافة طويلة حتى ظهرت له الواقفة
عند الجهة اليمنى من سياجه مولية ظهرها لكل شيء خلفها
تقف مقابلة لمياه النهر الممتدة للبعيد .. صاحبة السترة الربيعية
الطويلة الزرقاء الغامقة والمتمايلة مع النسيم متناسقة تماما مع
ذاك الجسد الرشيق والبطلون الجينز الطويل متصلة بقلنسوة
تغطي رأسها بالكامل لتبرز أكثر أناقة تلك السترة الفاخرة لتكشف
له عن أول خبايا مفاجآت مطر شاهين العديدة وهو ثراء هذه
الشابة بالتأكيد بل وذوقها الرفيع في اختيار حتى نوع القماش
الذي تشتريه ! شملتها نظراته مجددا ... طولها يبدوا له لم
يتجاوز المتر ونصف ! إن استثنينا بالطبع كعب الحذاء المرتفع
والذي تتفنن النساء في منافسة بعضهن فيه !!.
أوقف السيارة ونزل منها واقفاً على طوله وتحركت خطواته
ببطء ناحيتها عيناه تضيقان تباعاً وكأنه سيخترق ذاك القماش
الذي يغطي رأسها بل وجميع ما يحيل بينه وبين ملامحها ليرى
ما يخبئ له المدعو مطر شاهين أيضاً حتى يكتب نهايته بيديه .
دس يديه في جيبي سترته وقد توقفت خطواته على مقربة من
التي ما أن شعرت به حتى استدارت ببطء لتصبح مقابلة له
ليكتشف أن ما تخفيه بتلك القبعة ليس شعرها فقط وقد
وصلت حوافها لآخر جبينها بل ونظّارات سوداء كبيرة
وأنيقة تحمل شعار ماركة مشهورة تعرفها دون أي تفكير
ما أن يقع نظرك عليها .
انتقلت نظراته للشيء الوحيد البارز له من تلك الملامح الأنثوية
وهي الشفاه المتناسقة التي ارتسمت عليها ابتسامة ساخرة بطيئة
لتتحول نظراته لما يشبه الصدمة أقرب منه للحياء الرجولي
الخفيف وتلك الأنامل الثلجية ترتفع لوجهها وقد نزعت
نظارتها قائلة
" إذاً أنت الشريك المنتظر ؟ لست سيئاً أبداً "
*
*
*
رتبت خصلات شعرها العسلي قبل أن تنتقل أناملها لغرتها
المقصوصة وعدلتها أكثر جانبا ملامسة أطراف رموشها وجانب
وجنتها وابتسمت لنفسها في المرآة قبل أن ترسل لها قبلة
صغيرة .
التفتت حول نفسها تبحث بعينيها حتى وقع نظرها على مرادها
وتوجهت نحوه ورفعت الفراء الأبيض الخاص والأنيق ولفته حول
كتفيها وأمسكته بمشبك كريستالي كلون فستانها الأحمر الحريري
الطويل فالجو لازال يبرد ليلا بل ويبرد كثيراً ولن تعاود فعلتها
الغبية تلك مرة أخرى ، نظرت لنفسها مجدداً في المرآة وكانت
كدمية بابا نويل أنثوية جميلة ورقيقة لا ينقصها سوى قبعة
وعربة تطير بها عاليا ... ضحكت على أفكارها وتوجهت لحقيبتها
الحمراء مستطيلة الشكل الصغيرة والأنيقة .. رفعتها ودست
هاتفها فيها وغادرت الغرفة تغلق بابها خلفها ونظرها على الذي
فتح باب الغرفة في الطرف الآخر وابتسمت على ملامحه العابسة
وهو يغلق الباب ولم ينتبه لوجودها بعد .. إن كان بدون سبب
عابس طوال الوقت فكيف إن كان ثمة واحد بل وقوي جداً في
نظره .
وما أن أصبح واقفاً مقابلا لها لم تستطع منع نظراتها من الانزلاق
على جسده فهو لا يلبس هذه الثياب إلا نادراً رغم روعتها على
جسده ومع وسامته المميزة ! اقتربت منه تدس خصلات شعرها
خلف أذنها مبتسمة تنظر لسترة بذلته السوداء الفاخرة مفتوحة
الأزرار وما أن وصلت عنده ثبتت الحقيبة تحت ذراعها ورفعت
يديها لها وقالت تغلق الزرين فيها
" هكذا أفضل ... لا تتركها مفتوحة "
وما أن أغلقتهم كان الأمر رائعاً كما قالت وأكثر ، ورفعت نظرها
له ما أن تنهد بضيق ينظر للسترة متمتماً
" اتركي واحداً على الأقل ماريا لا أحبها هكذا "
عدلت له ربطة العنق تحتها ورفعت حدقتيها العسلية الواسعة
لعينيه قائلة بابتسامة
" أنا تعجبني هكذا لذاك ستبقى كما هي "
فتنهد محركاً رأسه وابتسم نهاية الأمر مستسلماً فحضنت
ذراعه واقفة بجانبه وقالت مبتسمة
" والآن يمكننا المغادرة "
ووقفت مكانها متراجعة عن قرارها ذاك ما أن نظرت لكم
قميصه قائلة باستغراب
" لما لا تضع الأزرار الخاصة بهما ؟ "
فأنزل يده للأسفل قائلاً بضجر
" ما أعلمه بأنه حفل خطوبة رواح وابنة ابن عم والدك
لا أنا وأنت "
عبست ملامحها ونظراتها المعلقة بملامحه وهمست بأسى
" حفل خطوبتنا ! بل نحن تزوجنا أيضاً ودون أن نحتفل "
هرب بنظراته عن عينيها ناظراً للبعيد ومتمتما بضيق
" أي حفل كان سيكون وقتها ماريا بالله عليك "
ضحكت والدموع تملأ عينيها يشابه الألم فيهما تلك الضحكة
الميتة وهي تقول
" أجل فأنت وعمي احتفلتما بالأمر بشكل مميز يومها "
وكانت تقصد ضرب عمها له ثم رميه هو بالحجر على رأسه فنظر
لها مضيقاً عينيه ومتمتما بضيق
" إن كنت تريدين أعدنا المشهد الآن "
فنظرت له مجفلة فليس ثمة أحد غيرها هنا سيطبق عليه ذاك
المشهد وهو كان يقصدها بالتأكيد ، مسحت عينيها بقوة وأمسكت
بيده وسحبته جهة غرفته التي قالت وهي تفتح بابها
" بل ثمة أمر آخر تفعله وهو وضع الزرين للقميص ومؤكد
تملك واحداً "
قال ببرود ما أن تخلص من قبضتها عند الباب
" لم أشتري تلك التفاهات يوماً "
وقفت والتفتت له وقالت
" لكنكم تملكون إحداها جميعكم .. هذا أمر لا يشترى فقط "
اتكئ بكتفه على طرف الباب وقال بحنق
" ثمة واحد كان هدية قد تجديه في الخزانة ولننتهي من هذا
بسرعة ماريا "
أمسكت وسطها بيديها قائلة بضيق
" هدية ممن ؟ "
تمتم من فوره وببرود
" من امرأة بالطبع "
وسرعان ما ملأت الدموع تلك الأحداق الذهبية وضربت الأرض
بحذائها العالي قائلة بعبرة مكتومة
" لا هذا ليس عدلاً أبدا "
فتنهد بضيق وتحرك من مكانه وفتح باب الخزانة بقوة وأخرج
منه علبة وضعها في يدها قائلا بحنق
" نسيت أن أخبرك بأن صاحبتها تجاوزت السبعين عاماً "
فابتسمت حينها وكأنها ليست تلك وأخذتها منه وفتحت العلبة
ونظرت بإعجاب للزرين الزجاجيان فيها وقالت تخرجهما من
مكانهما المثبتان فيه
" تبدوا عجوزاً ثرية جداً.. بل وذات ذوق رفيع "
وثبتتهما في كميه دون أن يعلق على كلامها ولا أن تنتظر هي
ذلك ولا أن يمانع أو يحتج ، وما أن أنهت عملها نظرت له صعودا
حتى تلاقت عينيهما ورفعت مرفقها له قائلة بابتسامة واسعة
وجميلة مثلها
" هكذا أصبحت تناسبني "
وضحكت فورا على كلامها بينما ابتسم الواقف أمامها وأمسك
بذراعها وسحبها نحوه وقبلها بقوة قبلة واحدة وتركها سريعا ما
أن ابعدت عنه وقد قالت بضيق
" ماذا تفعل ؟ أليس هذا ممنوعاً في قانونك الجديد "
أمسكها من يدها وسحبها خارجا بها من الغرفة متمتماً ببرود
" ممنوع عنك وليس عني "
وغادر بها الشقة فورا تتبعه مبتسمة فيبدوا أنه لا أمل أبداً في
أن يخرجا من هنا كأي رجل وامرأة بل يسير هكذا ويسحبها
خلفه في كل مرة .
المخرج :
بقلم/ nesrine nina
من وقاص إلى زيزفون
دليني إلى حبك كيف السَبيلْ
يا منْ سَحرتِني مِن أول لِقاءْ
حبكِ كَانَ كشمعة في عتمة الَليْلْ
وكزوبعَة رَملية فِي الصَحْرَاءْ
حَاولت الهرُوب منْ مَشاعِري والرَحِيلْ
وَفِي كُلِ مرة تَمنعنِي عَيْناكِ الزَرْقَاءْ
أَنام وأَنَا أحْلٌم بِشَعْرِك الطَوِيلْ
وبأنَاملك تُداعِبُ وِجْهِي فِي غَابة خَضْرَاءْ
أخْبِرِيني يَا ذَات الوَجْهِ الجَمِيلْ
كَيْفَ أنْساك وَلاَ أَلْتَفِت إِلَى الوَرَاءْ
فَكرت كَثِرًا طَوال اللَيْلْ
وَلَم أَجِد مَهْربًا سِوى البَقَاءْ
أُحِبُك ولاَ مَخرج وَلا بَدِيلْ
مِنْ إنْقاذ قَلبي مِنَ الشَقَاءْ
سَأنزَعُ عَنْكِ هذَا الحِملْ الثَقِيلْ
ونَبْدأ مَعًا صَفحَة بَيْضَاءْ
نهــــــــــــــــــاية الفصل
رواية جنون المطر للكاتبة برد المشاعر الجزء الثاني الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم BlackButterfly002
الفصل الثالث والعشرون
المدخل ~~
بقلم / طموحه ولكن (أميمه راجح)
حبيبتي شرسة
كقطة ناعمة تبدو لطيفة وجميلة ورقيقة وهادئة هكذا هي كنانة قبل أن تقع في شراكي وتصبح حبيبتي قبل أن تحدثني عيناها بالخذلان الذي تظنه فيني والذي بسببه تحولت لقطة شرسة تكشر عن أنيابها وتتباهى بمخالبها تسعى لتمزيق ما أسعى أنا لبنائه وأنا لها لتلك الجميلة الشرسة أنا لها لتعود من جديد فراشة رقيقة وقوية كتلك التي قابلتني في المطار أول مره مبتسمة أنا لها وسأنتصر حتما وستكون هدية انتصاري قبلة تشبهها وحدها.
*********
كانت أنفاسها المتلاحقة وحدها ماعبّر عن النار المشتعلة بداخلها
ذاك الحين وهي تقف أمام الاحتفال المعد من أجلها ودون
علمها ...!! لا بل كان ثمة دليل آخر أقسى من ذلك وهو شعور
الانكسار الذي بدا جلياً في عينيها وما هي متأكدة من أنه لم
يستطع قراءته أحد غير الواقف هناك ومن كان منذ ساعات قليلة
فقط يسخر منها وبكل بساطة وهو يقدم عرضه المسرحي ذاك
ليوهمها مجدداً بما لم يكن الواقع ! ألهذا هو هنا بل وهؤلاء
جميعهم ؟ ألأجل هذا أخّرها مديرها هناك متعمدا ؟ بل ومكالمة
ماريه .. ؟! زيارة ساندرين ..؟! هل كانت تُحاك مكيدة ما حولهما
هما الاثنتين وبكل غباء أوقعت كل واحدة منهما الأخرى فيها ؟
فرواح بالتأكيد كان يعلم بأن ساندرين ستفكر في الهرب من الحفل
ولكي يتجنب أن يذهب ولا يجدها فيه جعل منها الطعم لتحضرها
له بقدميها بينما يكسب الجميع وقتاً بإبعادها هي عن هنا
وخصوصاً ذاك الذي تركته في المطار وهي تغادر ...
أهذه إحدى طرقه الجديدة لإذلالها ؟ لما لم يأتي هنا رأساً ويجعلها
مفاجأة لها بالفعل دون أن يتخذ ذاك الأسلوب في إذلالها
والاستهزاء بها لترفض خاتمه ثم تلبسه هنا مرغمة دون أي
رفض لتناقض نفسها مجدداً ولتثبت له مرة أخرى بأنها ليست
سيدة قراراتها كما سبق واتهمها في وجهها لتقف أمامه الآن
موقف البلهاء .
شدت قبضتيها بقوة ونظراتها تتبع الذي تحرك من هناك ناحيتهما
ولم يكن سوى رواح فلم تستطع منع نفسها من النظر لعينيه
بعتاب وخيبة أمل لكنه وكالعادة قابل نظرتها تلك بابتسامته
المشاكسة رافعاً كتفيه فهدفه لم يكن هي على أي حال بل التي
أمسكها من يدها قبل أن تفكر فعلياً في الخروج والفرار كما
تخطط .... لكنه أيضاً لم يغادر المكان قبل أن يهمس لها مبتسماً
ويده تقبض بقوة على رسغ التي لازالت تحاول باستماته
الفكاك منه
" كنانة الرجل لا يتمسك بامرأة ترفضه إن لم يكن يعنيه أمرها
فعلا فليس ثمة من يسمح بهدر كرامته ولأي سبب كان إن لم يكن
حقيقياً وموجوداً "
دس بعدها صندوقاً مخملياً مستطيل الشكل في يدها وتابع بصوت
مرتفع قليلا وهو يخرج بالتي أصبح كتفاها أيضاً في قبضة
ذراعه القوية
" سننتظركم هناك فثمة حفل آخر في انتظاركم "
وغادر تاركاً خلفه ضجيجاً من نوع مختلف لم يكن في رأسها
وأذنيها فقط بل ومن الموجودين هناك جميعهم وعبارات التهاني
والتصفيق تتداخل وذاك الجسد الطويل المغطى ببدلة الطيران
الزرقاء يتجه نحوها حتى وقف بجانبها مواجهاً للجميع وتخللت
أصابعه الطويلة القوية كفها الرقيق الناعم مروراً بأصابعها وشد
عليها بتملك ذكوري فطري جعل تلك الرجفة تسري في جسدها
بأكمله ابتداءً من كفها البارد الناعم وصولا لقلبها المنفعل بجنون
وتقدم بها نحو الداخل حيث استقبلتها كل تلك التبريكات والتهنئات
بل والقبلات من الحضور الأنثوي الطاغي على الموجودين هناك
وتلك اليد لازالت تتمسك بها حتى كانت في مواجهة من امتلأت
عيناها بالدموع ما أن أصبحت تقف أمامهم وهم عائلتها ...
والداها الحبيبان وتلك النظرة والابتسامة في عينيهما المحبة
وصولا لشقيقها الوحيد وهي ترى نظرة الفخر في عينيه فهو
شخص آخر وقع في تأثير ابن شقيقة مطر شاهين بالتأكيد ...
دموع اعتقد كل واحد منهم بالتأكيد بأنها دموع الفرح ليس فقط
بمفاجأتهم التي يفترض بأنها رائعة في نظرها بل وبالواقف
بجانبها وهو يجعل ارتباطهما رسميا هكذا وبحضور جميع من
تربطهم بهم صلة هنا حتى زملائها في عملها .. لكن الواقع عكس
ذلك تماماً فما تحمله بداخلها قلب مكسور ومشاعر مشتتة تائهة
بين كرامتها المجروحة وولائها لعائلتها وذاك الغبي الموجود
بداخلها ينبض بجنون كلما اقترب منها هذا الرجل أو لمحته
من بعيد .
وكان دور والدتها حينها لتقترب منها وحضنتها بقوة وشاركتها
هي ذاك الحضن رغم رفض ذاك المتمسك بيدها أن يتركها لتكتفي
بيد واحدة فقط وخرج صوت والدتها الحنون مختلطاً بعبرة بكاء
" مبارك لك يا كنانة .... مبارك بنيتي الغالية "
وخانتها هي الكلمات حينها كما الدموع التي ملأت عينيها محدقة
بعيني والدتها ما أن ابعدت عنها وهمست بخفوت وصوت مبحوح
" لما لم تخبروني أمي ؟ "
قالت التي مسحت عينيها بمنديل أخرجته من جيب بلوزتها
" غيهم من أرادها مفاجأة لك فما كنت أبداً لأختار أن نحتفل
وأنت بثيابك التي تخرجين بها لعملك "
وتابعت بابتسامة تخللت ملامحها الدامعة
" كما أن حماتك كانت تصر على حفل كبير في أحد الفنادق وأن
تحضره هي وزوجها ما أن تتناسب الظروف مع أعماله لكننا
رفضنا أن تهتم بكل تلك الشكليات التي لا تعني كلينا في شيء
فجميعنا يعلم بظروف عمل زوجها "
كانت تنظر لها بصدمة لم تجاهد لإخفائها .. أكل هذا كان يحدث
في الخفاء ولا تعلم !
كانت تلاحظ أنه ثمة اتصالات كثيرة تجري بين والدتها ووالدته
لكنها لم تتخيل للحظة أن يكون حفل الخطوبة السبب ؟
ولما يهتمون بهذا أساساً ولما يجب أن يكون ثمة حفل خطوبة
فلا ضرورة لذلك فهو ليس حفلا لزواجهما !!
تحركت كالمنومة مغناطيسياً مع حركته وهو يتوجه بها ناحية
الطاولة الطويلة التي كانت تتوسط المكان حتى أن والدها
وشقيقها لم يهنئانها كما فعلت والدتها !!
وصل بها لطرف الطاولة التي تحلق حولها الجميع وسحبت يده
الأخرى هدية رواح من يدها الحرة ووضعها حيث هدايا الجيران
وزملائها عند المكان المخصص لها من طاولتهم المليئة بالأطعمة
تلك وتعالى التصفيق وعبارات التهنئة حين ترك يدها وأخرج تلك
العلبة ذاتها من جيب سترته وأخرج الخاتم منها ورفع يدها له
يقفان تحديداً أمام الكعكة الضخمة والتي كم تمنت لحظتها أن رمت
خاتمه وهو في علبته عليها بل وأن رمتها على الأرض وغادرت
جهة غرفتها وتركتهم جميعاً وكل هذا الحفل لتريه قبلهم حقيقته
لكن الأمر الوحيد الذي لازال يمنعها هم عائلتها ... لا تستطيع
فعلها فقط بسببهم ومن أجلهم بل وفعلت كل ما فعلته سابقاً وما
اتهمها بأنها السبب فيه من أجلهما .. لكن حتى متى سيستمر
هذا ! كم ستهدر من كرامتها أمامه من أجل الجميع ؟
كانت لتفعلها بالفعل حينها وقد تنقبض أناملها لا إرادياً رفضاً
لارتداء ذاك الطوق الوهمي لولا أن منعتها الصدمة التالية التي
كانت في انتظارها وهو يرفع يدها اليسرى ويدس خاتمه في
خنصرها أمام التصفيق وعبارات التهاني من المحيطين بهما ...
خطوبة !! لا ليس هذا ما كانت تتوقع فخواتم الخطوبة لا يتم
ارتدائها في هذه اليد ! وما أن رفعت نظراتها المصدومة لعينيه
التفت أصابعه حول يدها ورفعها لشفتيه وقبّلها ونظراته لم تفارق
عينيها تزين شفتيه تلك الابتسامة التي تخبرها دائما بأنها حمقاء
مغفلة وساذجة بل ومدعاة للسخرية قبل الشفقة .. بينما همس
مبعداً يدها ببطء
" كنت هناك لأضعه في إصبعك الآخر ثم نحتفل هنا بنقله ليدك
هذه لكنك لم تسطيعي منحي ثقتك يوماً وتفسدين الأمر دائماً "
قالت وهي تسحب يدها منه
" لا لم يكن ذاك غرضك أبداً... "
لكن عبارتها الخاوية الميتة تلك لم تجعل ابتسامته تتغير كما لم
يعلق عليها ولا بإنكار الأمر بل ما فعله حينها أن انحنى ناحيتها
وطبع قبلة رقيقة طويلة على وجنتها جعلت عيناها تغمضان مع
انسحاب أنفاسها القوية لصدرها كما جعلت التصفيق الحار من
حولهما يزداد أكثر ، ولم ينتهي العبث بأعصابها كما مشاعرها
عند ذاك الحد وشفتاه تنتقل من وجنتها لأذنها وهمس فيها
" زوجتي ... لي وحدي يا كنانة "
*
*
*
استدارت قبضتاه حول الطرف العلوي للمقود قبل أن تنزلقا إلى
وسطه وأداره دورة كاملة متخذاً الطريق المؤدي فوراً لمدينة
بريستول وحيث وجهتهما الأساسية لتبدأ تلك السيارة الفاخرة
بمسابقة الريح على الطريق المفتوح والمحفوف بالأشجار
والشجيرات ، وعلى الرغم من توجيه كامل انتباهه للطريق أمامه
وهو يقود كعادته إلا أن عيناه لم تغفل لحظة الجالسة في الكرسي
المجاور له والتي لم يعد يمكنه فعلياً تصنيفها من أي نوع من
النساء تكون بعد أن قامت بتقييمه وبكل جرأة عند الجسر !!
لازال لا يظهر له من ملامحها الكثير فلازالت تتمسك بقلنسوة
قميصها الطويل الفاخر كما تتمسك بصمتها منذ أن غادرا لندن !
انحرف نظره ناحية ساقيها ما أن مالت بجسدها ومدت أصابعها
لحذائها ذو الكعب العريض المرتفع ومررت سبابتها ببطء بين
حزامه وبين قدمها وكأنها منزعجة من وجوده أو غير معتادة
عليه !! وما أن استوت جالسة مجدداً أدار مقلتيه بعيداً عنها
للطريق أمامه مجدداً لكنها سرعان ما عادت وسرقت نظراته
الجانبية لها وهي تنزع النظارات السوداء عن عينيها تخرجها
من تحت قبعتها التي لازالت تحجب أغلب ملامحها عنه وما أن
أدارتها بيد واحدة لتغلقها وصله بوضوح همسها الشاتم بلغة لم
يفهمها فقد كسرت تلك النظارة الفاخرة على ما يبدو وهي
تعاملها كأي قطعة أخرى رخيصة الثمن متناسية أنها تختلف عن
مثيلاتها حتى في طريقة فتحها وطيها !! وهذا مؤشر آخر على
أنها لا تستخدم هذه الأشياء الفاخرة أو لا تحبها فما يجبرها على
ارتدائها إذاً إن كانت لا تعلم أساساً بوجهتهما وبأنه لن يأخذها
لمكان غير منزله ! أم أنها وصلت لدرجة من البذخ المسرف
الذي يجعلها لا تهتم حتى بالمحافظة على شيء بسيط كهذا ؟
ولم يستطع منع عينيه بل وجانب وجهه من الانحراف ناحيتها ما
أن مررت تلك النظارة بين يديها بسرعة خاطفة ثم ... اختفت !!
لم تضعها في جيبها ولم تقع منها فأين ذهبت بها !.
أبعد نظره ووجهه عنها وتفس نفساً عميقاً وهو يعود بنظره
وتركيزه للطريق أمامه فمراقبته لتحركاتها الساذجة تلك لن تعطيه
أي انطباعات حمقاء عنها يكفيه ما تحصل عليه حتى الآن فهي
على الأقل لا تبدو بصفات تلك المجنونة التي تركها خلفه وأولها
لا تذمر ولا كثرة حديث فتلك الغيسانة كانت تجعله وبكل بساطة
يفقد تركيزه ما أن تبدأ كلماتها بالانزلاق مع عجلات سيارته ولا
تتوقف إلا بتوقفها وإن تدمرت من الطقس الصباحي !
" أيمكنني استخدام هاتفي قليلا ؟ "
انحرفت مقلتاه مجدداً ناحية ذاك التمثال الأنثوي الرشيق والمغطى
بقماش أزرق فاخر في أول خروج لها من صمتها المبهم ذاك ولم
يستطع منع نفسه من التحديق فيها باستغراب وإن كانت لا تراه
ولم تنظر ناحيته ولم يرى من ملامحها شيئاً فهل بالفعل كان
يلزمها أن تطلب الإذن لذلك ! هل تخشى مثلا أن تزعجه إن هي
تحدثت بهاتفها ....!!
لا يبدو له أنها من ذاك النوع بتاتاً ! ما عرفه من النساء في
عالمه عدد محدود جداً أو لنقل أنواع محددة فزوجته السابقة
كانت امرأة بسيطة لا تحمل أي تعقيدات .. كانت تلك التي يتمناها
الرجل المماثل لها في كل شيء تهتم بملابسه بطعامه بأن ينام في
هدوء وسكينة وأن يستيقظ نشيطاً في الصباح ليجد ذاك الطعام
الساخن الذي تعده بنفسها في انتظاره ولا يراها وهو يخرج لأنها
بالطبع تغسل كل تلك الأطباق .. لتستقبله مساءً بذات المشهد
الصباحي وذاك روتينهما لكل يوم ، ورغم كل ذلك أحبها ...
تعلق قلبه المليء بالألم والهموم بها ..
لا يعلم لأنها قبلت به وهو ابن الهازان المحكوم عليه بالموت
والمتهم بالخيانة كما جميع من تسري ذات دمائه في عروقهم
أم لأنها كانت من واسى لحظات ضعفه القليلة التي انهارت فيها
عزيمته كرجل صمد أمام كل ذلك ؟
أم لأنها امتلكت ما يتمناه أي رجل في امرأة تشاركه مضجعه ..
فتية جميلة حسناء ما كان ليستطيع أي ناظر لها أن يجد فيها
عيباً واحداً ....؟
أم لأن كل ذلك اجتمع فيها وزاده أن وهبته الابن الذي ما كان
لابن راكان أن يسمح له بالحصول عليه لأنه سيُصلب وبكل
بساطة على مرأى من الجميع كما حدث مع باقي أفراد
عائلته ....؟
وانتقالا من تلك المرأة التي آلمه موتها كألم ابتعاده عنها وعن
ابنه مجبراً ليجد نفسه مع واحدة أخرى تقتحم عالمه وإن كان
برباط مزيف تختلف عن تلك كل الاختلاف بل النقيض تماما ..
منحلة كاذبة منافقة ومراوغة ... بل ولا يمكنه أساساً حصر
أو جمع عيوبها تلك التي تمثلت في امرأة تسير على الأرض
تجعلك لا ترى مع كل ذلك أياً من مزاياها الخارجية كامرأة بل
تنجح وببراعة في جعلك تراها كأبشع امرأة في الوجود ....
ومنها انتقالا لهذه الجالسة بقربه الآن ! من لازال يجهل من
تكون منهما وأين يتم تصنيفها بينهما تحديداً ؟
وما أقسى أن تجد نفسك في غيسانة أخرى يا شاهر !! .
لم يستطع منع ذاك الهواء الذي خرج كزفير قوي من صدره
العريض فلن يتخيل نفسه أبداً بين اثنتين من تلك المرأة ...
على شقيق تلك أن يجد لها حلا يكفيه هذا اللغز القابع بجواره
حالياً بما أنها لم تختفي من واقعه كما كان يتخيل فشرط مطر كان
ومنذ البداية أن ذاك العقد مرتبط برأي الطفلات ما أن يكبرن ومن
رفضت من وجدته زوجاً لها ألغي العقد فوراً حتى إن لم تكن تعلم
هويته ، وإن كان العكس فهو ملزم بالحفاظ على أمانته تلك حتى
يموت وهذه لم يتخلص منها بذاك السبب الذي وحدها لها الخيار
فيه ولم ترفضه ما أن كبرت إذا ..... !!
لو يفهم فقط كيف جعله ذاك المدعو مطر شاهين يوافق حينها !
هل حزنه على زوجته وابنه السبب ؟
أم لأنه لم ينظر للأمر سوى من جانب إنساني وبأنه سينتهي
في وقت ما ولن تقبل تلك الطفلة القاصر بأن ترتبط مستقبلا
برجل لا يفصلها عن ابنه سوى أعوام فقط ؟
أم لأنه كان يحتاج وقتها بأن يشعر بأنه أقوى مما بات عليه ؟
بأن يُشبع غريزته الحمائية ذاك الوقت وكأنه يغطي شعوره
بالعجز عن إنقاذ عائلته الصغيرة تلك مما آلت إليه بإنقاذ تلك
الطفلة التي لا يعرفها وكأنه يثبت لنفسه بأنه لازال الرجل
الشريف القوي في نظر نفسه ؟ .
أبعد نظره عن يديها والهاتف الذي تديره بين أناملها البيضاء
الرشيقة لازالت تنتظر جوابه الذي امتد بطول أفكاره تلك
وتمتم بهدوء
" يمكنك فعل ذلك بالتأكيد "
كان بذلك اختصر عليها وعلى نفسه تكرار ذلك مستقبلا لكن
تقليبها لهاتفها الأنثوي التفاصيل استمر لبضع لحظات قبل أن
ترفعه قليلا لمستوى نظرها واختارت سريعا ما تبحث عنه قبل
أن تدسه تحت قبعة سترتها ووصله صوتها المنخفض الحازم
بعض الشيء
" أجل .. هذه أنا ..
كيف تسير الأمور لديك ؟ "
فرفع حاجبه يرمقها بطرف عينيه ... جميل هذا يبدو رجل من
تتحدث معه !!
أم أنها امرأة من في الطرف الآخر ؟
لا ويتحادثان هكذا ومن دون مقدمات ولا ترحيب !
بل ومن في الطرف الآخر يبدو أن سؤالها ذاك لم يرق له فقد
قالت وبعد تنهيدة عميقة
" لا .. لا يمكنني التراجع الآن "
" نعم ... "
" لا .. ليس بعد ... "
" سأحاول ... "
" وداعا الآن سنتحدث فيما بعد "
وهكذا انتهت تلك المكالمة القصيرة الغامضة الوجهة والهوية
فتنهد بعمق وأولى الطريق وقيادته كل اهتمامه فلازال أمامهما
وقت طويل ليصلا .
*
*
*
رغم احتجاجها ورفضها ومحاولاتها لينزلها ولا يصل بها حيث
اشقائها كما فهمت إلا أنه لم يرضخ وسار مجتازا بها حديقة
المنزل الواسعة حتى ظهرت لها الأنوار الكثيفة الموزعة في كل
مكان وصولاً للأشجار التي التفت حولها وكأن النجوم نزلت من
السماء مما جعل تلك الحديقة تسبح في نور قوي يشبه ضوء
النهار ! ولم تفهم تحديداً ما هذا الذي يخططون له في هذا الوقت
من اليل !! وما أن أصبحا وسط تلك الكور الصغيرة المضيئة
والمعلقة في الهواء ظهر لها ما هما قادمان من أجله بالتأكيد
وهي المنصة الخشبية المرتفعة والمثبتة بالأرض ترتفع من
زواياها أعمدة مرتفعة تلتف حولها أسلاك مضيئة تجتمع فوقها
كقبة ملونة وتعلوها طاولة بيضاوية كبيرة تبدو وزعت عليها
الأطباق وملحقاتها وصولا للكؤوس الطويلة اللامعة كما حاملات
الشموع والأزهار الموزعة في باقات جميلة ومنسقة يجلس
حولها أشقائها .. رماح ، رعد وزوجته ، الكاسر .. والذين
استدارت رؤوسهم نحوهما فور اقترابه بها وابتسامة السعادة
تنير تلك الوجوه المحببة لها .
وما أن دارت حولهما التي تبعتهما من الداخل والتي كانت تسير
خلفهما ولم تكن سوى ابنتهما وقف وأنزلها ذراعه لازالت تحيط
بخصرها واقفة ملتصقة به فحضنتهما من فورها وقالت بسعادة
وعيناها الجميلتان تدمعان فرحاً
" مبارك لكما .... كم أنا سعيدة بهذا "
وتابعت ما أن ابتعدت تمسح عينيها ودموعها بظهر كفها ناظرة
لهما يبتسمان لها
" لا يضاهي سعادتي الآن سوى معرفتي سابقاً بأنكما لا زلتما
زوجان "
فضحك الذي اشتدت أصابعه على ذاك الخصر النحيل قائلا
" ولا بيوم رأيتها ؟ "
فنظرت له بصدمة قبل أن تتحول نظرتها للتوبيخ ضاربة بقبضتها
في الهواء تنظر له بعبوس فضحك ولم يعلق وانفتحت عيناها
بصدمة وقد شعرت حينها بشيء ما دفعها للخلف مبعداً إياها
يشدها من ظهر ثوبها ولم يكن سوى الكاسر الذي وقف مكانها
أمامهما ونظر لتلك التي كانت أقرب له ممن أنجبته يحدق في
عينيها بعينين دامعة وهمس بتأني
" حقاً أمي سيكون لي شقيق ؟ أريد أن أسمعها منك تحديداً "
رفعت يدها لوجهه وامتلأت عيناها بالدموع وأناملها تلامس
بشرته التي شعرت بملمسها ذاك في أول مرة رأته وعرفته فيها
ناعمة دافئة وهو بين يديها رضيعاً حديث ولادة فأمسكها بيده
يحضنها لوجهه بقوة وقال بصوت منخفض ضعيف تخنقه عبرة
بكاء مكتوم
" قولي نعم أمي فلن يهب لي ذلك أحد غيرك "
شدته لحضنها وحضنته بقوة وقبلت رأسه تغمض عينيها التي
تقاطرت منها الدموع رغماً عنها فالكاسر أكثر من كانت تخشى
ردة فعله بسبب هذا الحمل كخوفها حين عادت ابنتها وهو من
ليس له والدة غيرها ولا ابن لها غيره لكنه خان توقعاتها
ومخاوفها في الحالتين ويبدو بالفعل جل ما يعنيه أن يكون له
عائلة .. أم وأب وأشقاء ولن يستطيع أحد غيرها أن يهب له
ذلك كما قال .
أبعدته عنها وأمسكت بوجهه تمسح الدموع من رموشه بإبهاميها
هامسة ببحة وابتسامة صغيرة رقيقة كسرت حزن عينيها الدامعة
" وماذا إن كانت فتاة أخرى ؟ "
فابتسمت ملامحه الرجولية التي بدأت تكتسب تلك الصفات للتو
وقال بصوت مشابه
" لا يهم فسيأتي شقيقها فيما بعد "
فاختلطت ضحكتها الصغيرة الخجولة بضحكات من يجلسون
حول الطاولة وما أن صفقت تيما بيديها تنوي قول شيء ما
حتى ارتفعت الأبصار جميعها للسماء السوداء حين تعالت تلك
الأصوات المتلاحقة بانفجارات قوية مع الأضواء الملونة التي
اخترقت سوادها القاتم وتصاعدت أصوات كما اضواء ودخان
الألعاب النارية المتسابقة لها من كل مكان بعضها يبدو قريباً
جداً والبعض الآخر قد يصل حتى منتصف المدينة وكأنها تتباعد
بتدريج مقصود لتكون لوحة فنية رائعة أضاءت في تلك الأحداق
المحدقة بها عاليا كما أضاءت في تلك السماء العالية سوى من
تلك النظرات الرجولية التي تعلقت بعيني الواقفة ملاصقة له
وكأنه لا يرى شيئاً غيرها ! وما أن عاد للسماء سوادها الساكن
واستدارت ناحيته حتى ابتسم وأمسك وجهها وقبّل جبينها وشدها
لحضنه بقوة هامساً في أذنها
" أهكذا تتركيني آخر من يعلم ؟ "
ابتعدت عنه ونظرت لعينيه وهمست أيضاً ترتسم على شفتيها
ابتسامة جانبية
" بل أنت كنت تعلم قبلهم جميعاً "
وسرعان ما استدارت ناحية الصوت الذي ظهر من خلف
الشجيرات القريبة المنسقة والأشجار المحيطة بها ... صوت
رجولي حانق ميزته سريعاً وصاحبه يظهر من هناك قائلاً
" حتى متى عليا أن أنتظر ؟ يبدو أنكم نسيتم أمري تماماً "
فابتسمت من فورها والدموع تملأ عينيها السوداء الواسعة
هامسة
" أبي ....!! "
وركضت نحوه من فورها مغادرة تلك المنصة الخشبية لم تنتبه
أو لم تهتم ولا بالذي كان يقف بجانبه وخرج من حيث خرج هو
ونامت في حضنه تحيط خصره بذراعيها بقوة وحضنها هو من
فوره ما أن همست متمتمه
" اشتقت لك أبي "
قبّل رأسها وقال مبتسماً
" إن كنت تشتاقين لي بالفعل ما تركت المنزل وابنتك معك
متناسيتان العجوز الوحيد المسكين "
فابتعدت عنه ونظرت لعينيه وتاهت الحروف من شفتيها تمسح
جفنيها والدموع العالقة في رموشها بظهر سبابتها المثنية تنظر
له باعتذار وخجل فأمسك وجهها وقبل جبينها ونظر لعينيها
هامساً بابتسامة
" أعلم يا غسق وأعذرك أيضا بنيتي "
فنامت في حضنه مجدداً ليتخلل تلك اللحظات التي أحزنت جميع
العيون المحدقة بهما صوت الواقف بجانبه والذي وصل لحظة
وصوله ولم يكن سوى شقيقه صقر والذي قال مبتسماً بحزن
" هل لي بالقليل من هذا يا غسق ؟ "
ابتعدت حينها عن حضن والدها ونظرت له وقد فرد ذراعيه لها
قائلا بابتسامة دافئة
" هل لوالدك الثالث من مكان في قلبك المسامح ؟ "
فابتسمت بحزن وعينان دامعة واقتربت منه بخطوات بطيئة
وكأنها تسحب قدميها سحباً ونامت في حضنه مغمضة عينيها
الدامعة تشعر بذراعيه تطوقانها بقوة وقبّل رأسها هامسا
" سامحيني يا غسق فما كان الأمر بيدنا جميعاً "
ابتعدت حينها عن حضنه تنظر للأرض تمسح عيناها بظهر كفها
متجنبة الخوض في أي حديث يخص الأمر فلازال جرحها من
إخفائهم نسبها عنها عميقاً ونازفاً وإن غفرت لهم ولا تريد
التحدث عنه كي لا تَجرح أحداً وأولهم الذي اقترب منها حينها
وطوقت ذراعه كتفيها ومن كانت تقف بقربه حين كانت أعلى
المنصة وقد قال مبتسماً بثقة رجولية يشدها بذراعه بتملك
" هذه لا تخص أيا منكم الليلة "
وسار بها جهة المنصة المضاءة حتى أطراف أرضيتها في مشهد
من الخيال وصعد بها وجلسا حيث جلس الجميع ... جميع أفراد
عائلتيها أو الموجود منهم ... رماح ، رعد وزوجته ، الكاسر
والجالس يبتسم لها عند الطرف الآخر للطاولة ، والدها خالها
صقر وابنتها ... طفلتها التي لم ترى السعادة تشع من عينيها منذ
رأتها كما الآن ... عمتها وحدها من لم تكن هناك ولها أن تفهم
السبب بل ولن تتوقع منها غير ذلك .
أنزلت رأسها ونظرها لأطراف المفرش الحريري الفاخر الذي كان
يغطي الطاولة البيضاوية الطويلة تزينه خيوط ذهبية في نقوش
تصاعدت مع قماشه الناعم في شكل أوراق وأزهار صغيرة رائعة
التصميم لكنها سرعان ما تلاشت أمام الدموع التي ملأت حدقتيها
الواسعة وغابت تماما عما حولها أو ما حول تلك الطاولة
المضاءة بالشموع الموزعة في حاملات مذهبة وأنيقة التفت
حولها مجموعة كراسي عالية الظهر مشغولة بإتقان .. ولا
لكلمات رماح حين قال بما لا يشبه المزاح أبداً مقارنة بملامحه
المتجهمة ناظرا لأحدهم تحديدا
" عليك في الغد أن تقدم تبريراً مقنعاً لشعبك حول هذا الاحتفال
المضيء والتاريخ لا يمد للمناسبات الوطنية بأي صلة !! "
فكانت الضحكات المتفرقة ردة فعل الجميع تقريبا بينما اكتفى
المعني بالأمر بالابتسام دون تعليق ليتولى رعد زمام الأمور
وهو يمد ذراعه على الكرسي بجواره والذي تحتله زوجته وقال
بابتسامة ماكرة ينظر لذات الهدف
" هذا وهي حامل فقط فما ستفعل حين ستلد ؟ أخشى أن يكون
احتفالا بالقذائف والصواريخ ؟ "
واختلطت ضحكته الرجولية بنهاية جملته من قبل أن يكملها وكان
التعليق هذه المرة من مطر حين قال ببرود ناظرا لعينيه الساخرة
" بالتأكيد ولك أنت خصيصا سنشحن دبابة روسية الصنع "
فامتزجت نظراته المصدومة بالضحكات المكتومة والتي ما أطلق
عنانها سوى الشهقة التي صدرت من زوجته والجالسة بجانبه
ليتحول اللون الخفيف في وجنتيها لأحمر قاني وهي تنزل رأسها
لأسفل بإحراج جعلها تتمنى وبأمل كسير أن ينقذ أحدهم الموقف
بل أن ينقدها هي مغيراً مسار دفة الحديث لآخر لكن ذلك لم يحدث
أبداً والجالس بجوارها يلف ذراعه حول كتفيها قائلا بضحكة
" حسنا لا مانع لدي فثمة من سيتلقى قذيفتها عني على
ما يبدو "
فنظرت له بصدمة وتحركت في مكانها مبعدة ذراعه عنها وتمتمت
هامسة بضيق
" هذا بدلا من أن تخجل من نفسك ! انظر كيف احتفل بحملها ؟
هذا وليس طفلهما الأول ! "
وحدقت فيه بصدمة حين قال بصوت سمعه الجميع
" يا ناكرة ! ومن هذا الذي جاب بك المنزل يحملك بوزنك
الثقيل هذا ؟ "
واختلطت ضحكة الكاسر تحديداً والمرتفعة بالتعليقات المتفرقة بل
وبالعرق الذي شعرت به يتصبب من كامل جسدها تتمنى وقتها أن
تختفي فقط من ذاك المكان وجاءها المنقذ حين قال صقر مبتسما
" أنت إذا الثنانية التي تزوجها ابن شراع ؟ لقد أثرت صخباً كبيراً
حتى أن البعض كان يكذب الخبر "
قال الكاسر بضحكة وقد لف يديه وشبك أصابعه خلف رأسه
وهو يرفعه
" بل التي فرت من مدن ثنان ودخلت أراضي صنوان لتقع في
أيدي المتمردين ودُفعت اليرموك مهراً لها ! ... ذاك ما كان يجب
أن يثير الضجة الأكبر "
فكانت الضحكة التالية نسائية رقيقة صدرت من الجالسة بجانبه
وهي تدير حدقتيها الزرقاء الواسعة قبل أن تسقط على ضحيتها
وقالت برقة مزجت البسمة مع التسلية
" أبي لا تنسى بأنك قدمت مدينتين كمهور واستثنيت ابنتك
حين زوجتها "
فابتسم لها وقال
" يمكنك طلب المهر الذي تريدينه وعليه أن ينفذ "
فرفعت قبضتها قائلة بحماس " يسسسس "
قبل أن تضع أناملها على شفتيها بابتسامة محرجة لم تخلو من
المرح تنقل نظرها بين الأعين الباسمة المحدقة بها وكان التعلق
من جدها الذي نظر لها بطرف عينيه مكتفا ذراعيه لصدره
وقال ببرود
" أعان الله الرجل عليك "
فرفعت كتفيها بضحكة صغيرة وقالت
" لن أكون أقل قدراً من والدتي ولن يكون بأقل كرماً
من والدي "
قال حينها الكاسر بضحكة
" أخشى أن تطلب آخر إصدار من لعبة ألكترونية نزلت
الأسواق "
فرمقته بحنق بينما قال رعد ضاحكاً
" لا تسخر من التي أوقعته صريعاً في حبها فهي طفلة
أمامك فقط "
فخرجت شهقتها دون استئذان تنظر له بصدمة واختلطت
الضحكات بالأحاديث المتفرقة مجدداً وكأن كل واحد منهم انصب
اهتمامه بالجالس بجواره فقط في عالم خاص بهما وفي أجواء
عائلية تمنى كل واحد منهم أن كانت منذ وقت طويل بل وأن تمتد
للأبد .. باستثناء التي كانت لاتزال نظراتها المشبعة بالدموع
الصامتة بل والسجينة بين تلك الأهداب الطويلة تسرح في عالم
بعيد كل البعد عن ذلك تفرك كفيها وأناملها الناعمة ببعضها
فوق الطاولة تحتها وكأنها تعتصر ألماً يصعب عليها إخراجه بل
وكتمانه أكثر من ذلك ..أمر لم يكن ليخفى عن الجالس ملاصقاً لها
والذي التزم الصمت مثلها أغلب الوقت .. بل والذي ما أن نظر
ناحيتها ولنصف وجهها المقابل له أحاطت ذراعه بكتفيها وأحنى
رأسه ليصبح وجهه في مستوى وجهها وهمس برقة رجولية
متأنية
" غسق ... علينا أن ننظر لما نكسبه لا لما نفقده فقط فتلك
حكمة الخالق في الأرض "
وما أن اكتشف أن كلماته تلك لم تزد الأمر إلا سوءا وأول قطرة
تنزلق من وموشها السوداء الكثيفة الناعمة لتستقر على كفيها
المشدودان ببعضهما تنهد بعمق مغمضاً عينيه ورفع يده الأخرى
لتحضن أصابعها الطويلة جانب وجهه وضمها لكتفه بقوة وقبل
رأسها بعمق ليعم الصمت تلك الأجواء حينها وانتقلت الأنظار
جميعها نحوهما وقد عاد لهمسه الخافت تمسح إبهامه الدموع من
رموشها
" انظري لما تكسبينه يا غسق ... أنا نفسي كلما تذكرت والدتي
التي لم أراها يوماً ووالدي الذي فقدته حين أصبحت كما أراد
دائماً صرفت أفكاري عن الماضي للحاضر وما أن أفكر فقط في
أنك أنت وابنتي موجودتان في هذا العالم أشعر بالرضى والاكتفاء
فعليك أن تنظري أنت لها وللكاسر لتعلمي بأن الله يهبنا مثلما
يأخذ منا "
ارتفعت أناملها ليده التي لازالت تعانق بأناملها وجنتها برقة
والتفت أصابعها حولها بقوة جعلته يشد عليها أيضا وهو يرفعها
لشفتيه ويقبّل ظهر كفها قبل أن يحررها فوقفت حينها وغادرت
منصتهم الخشبية المضيئة تلك بل والمكان بأكمله في صمت
حتى لم يعد يُرى من ذاك الجسد الأنثوي الرشيق شيء ليزداد
ذاك الصمت الذي غلف المكان المليء بالضحك والأحاديث منذ
قليل وكأنها غادرت جميعها معها حاملة ضحكاتهم وصخبهم !
وكان أول رد فعل قد صدر من التي دفعت كرسيها للخلف قليلا
لتقف لولا أوقفها الصوت الرجولي العميق الآمر والذي لم يكن
صاحبه سوى رماح
" اجلسي يا تيما ... عليها أن تكون لوحدها الآن "
ففهمت الرسالة من فورها وهي تعود للجلوس بحزن فهؤلاء
الرجال تربوا معها وعرفوها أكثر منها وكانوا على حق دائما في
نهيها عن اللحاق بها .. لكنها أرادت فقط أن تطمئن عليها ولن
تجعلها تشعر بوجودها ولتفهم على الأقل سبب حزنها ودموعها
تلك ! رفعت نظراتها الحزينة بوالدها تحديداً والجالس عند رأس
الطاولة وامتزجت الحيرة بذاك الحزن العميق في عينيها وهي
تراقب نظراته الساكنة المحدقة في الفراغ ومن كان وضعه مثلهم
تماماً لم يفكر ولا في اللحاق بها وتساءلت عما حدث وما الذي
همس به لها وإن كان .....؟
ولم يتأخر الجواب عنها أكثر من ذلك منقذاً إياها من دوامة
تساؤلاتها حين اخترق صوت رعد العميق الخشن صمت الأجواء
وكأنه يوجه حديثه لشخص معين في تلك المجموعة بينما نظره
يهيم للبعيد بشرود حزين
" غسق لم ولن تستطيع تخطي ذكرى وفاة والدي وبأنها فقدته
للأبد ولا الكاسر من قبله ... ليس لأننا لم نحاول بل لأن قلبها
وعقلها يرفضان ذلك "
فنظرت له بحزن وملأت الدموع الدافئة عينيها فها هم يثبتون لها
مجددا بأنها آخر شخص يمكنه فهمها دون توضيح ...!!
وانتقلت نظراتها سريعاً لشخص معين وهو جدها دجى ومن كان
حديث رعد يعنيه بكل تأكيد ولم تستطع قراءة شيء في نظراته
المركزة على حركة إبهامه على مقبض الشوكة الفضية اللامعة
المستقرة على الطاولة تحته ضمن المجموعة المرتبة بأناقة
عليها فقد كانت تلك النظرة مشوشة غامضة لم ترى فيها الغضب
ولا التفهم ولا أي شيء يمكن قراءته !
بينما أضاف رماح بذات النبرة العميقة التي لم يجاهد لإخفاء
لمحة الحزن فيها
" هي لم تستطع تخطي فقدها لزوجها وابنتها مهما امتدت
الأعوام ... ذاك وهما ضمن الأحياء فكيف بمن لم يعد لهم وجود
سوى في قلبها المذبوح ! "
ليغشى الحزن ذاك المكان أكثر كما الصمت الكئيب وكان التعليق
من صقر والذي قال بهدوء مبدداً كل تلك الشكوك يوزع نظراته
بين رماح ورعد
" حسناً .... لا عليكما يا أبناء شراع أنتما لستما ملزمان
بتوضيح الأمر له ودجى لا يفكر فيما تعتقدانه مطلقاً "
لتتحول أغلب تلك النظرات المحدقة به للصدمة وإن لم يكن كذلك
فالاستغراب كان فريستها بسبب تصريحه أو توضيحه المباشر
هكذا وكأنه يرفع الرسميات عن جلسة تجتمع فيها أسرة مشتتة
من أعوام طويلة .....!
أو ليست الحقيقة كذلك ؟
سؤال جال في تلك العقول جميعها فلما يحتاجون بالفعل لتزيين
العبارات وتنميقها خشية قسوة حقيقتها ؟
لكن ما يجول بذاك الرأس لم يكن ليعرفه أحد كصاحبه والذي
خرج من صمته المبهم أخيراً وهو يرفع بصره للبعيد حيث
تشابكات أوراق الشجيرات الخضراء اللامعة تحت الأضواء تملأ
الأحواض المنسقة وقد قال بهدوء ناقض قسوة كلماته عليه قبلهم
" لا أنكر قَطعاً بأن شعور الغيرة تملكني ولأعوام وما كان ذاك
بإرادتي فوالدكم هو الرجل الوحيد الذي امتلك كل ما فقدته وعشت
محروماً منه وحيداً منفياً وبعيداً عن كل شيء وتيما كانت الشيء
الوحيد الذي ملأ تلك الهوة فيما بعد فوحدها الشيء الذي كان
سيكون له وصار لي .... أنا لم أكره شراع صنوان يوماً لكني
نظرت له فقط كما ينظر كل واحد منكم لمن يمتك ما هو ملك
له ويتمناه ويعيش محروماً منه "
كانت عباراته تلك كالضرب بالسياط بالنسبة للجميع مما جعل
الأعين جميعها تحدق فيه وبصمت بينما من حاول تبديد كل ذلك
كان وبكل تأكيد الكاسر والذي قال متعمداً وبابتسامة واسعة
وبحماس
" أجل يا إلهي .... حين كنت صغيراً رفضت والدتي أن تشتري
لي دارجة كانت تعرض في واجهة أحد المحلات والتي كانت
تسحر عيون الأطفال جميعهم بينما يعجز أباءهم عن دفع ثمنها
وكانت حجتها بأن التباهي بهذه الأشياء أمام من هم أقل منا
جريمة بشعة وحين فوجئت يوماً باختفائها من واجهة ذاك المحل
اصبت بإحباط مريع لكن المفاجأة لم تكن هناك بل أن من امتلكها
كان يدرس في ذات مدرستي ليستخدمها وسيلة نقله المفضلة ....
كنت كلما رأيته تمنيت أن يقع من عليها ويموت "
شهقة تيما المكتومة كان ما أيقظه من سبات حديثه المسترسل
عن ذكرياته التعيسة كما يسميها ويتهم أكثر شخص يحبه في
التسبب فيها ذات الوقت وهي المرأة التي أرضعته وربته ....
نظرة واحدة باتجاهها كانت كفيلة بإفهامه بأنه تسبب بكارثة ما
بما قال وكاد يغص بريقه ويموت حين تذكر آخر كلمات قالها فلم
يكن في نيته سوى توضيح الأمر وبأنه شعر بشيء مشابه بسبب
أمر يشتريه المال فكيف بما هو أعظم من ذلك لكنه أفسد كل شيء
على ما يبدو ... ولم ينقذ الموقف سوى خروج دجى عن صمته
مجددا وهو ينقل نظراته بينهم عائلة شراع تحديداً قائلا برزانة
تشبه شخصيته القوية
" أنا لم أكره والدكم مطلقاً عليكم أن تصدقوا هذا فثمة فرق شاسع
بين أن تكره شخص ما أو أن تنظر لما لديه وخسرته أنت نظرة
حسرة وألم لأنك لم تملك يوماً الخيار لامتلاكه ولا حين فقدته ،
ولن أنسى أبداً ما قدمه شراع صنوان لي حين قام بحماية زوجتي
وابنتي من الموت معاً وهي جنين في أحشائها ولا رعايته لابنتي
لتكون امرأة ناضجة متكاملة قوية صادقة ومؤمنة .. وحتى حين
سلمها لابن عمها وهو لا يعلم من يكون سلمها من أجل سلامتها
فقط لا من أجل أي شيء آخر ولا أكذب عليكم أبداً إن قلت أني
تمنيت أن التقيته في حياته وعرفته عن قرب "
وعلت ابتسامة الارتياح كما الرضا ملامحه الرجولية الفخمة
حين قال رماح مبتسماً بتفهم
" أنت رجل كان لنا الفجر بأن كانت زوجتك وابنتك من
عائلتنا ... تلك عبارة قالها والدي لي قبل وفاته ولم أفهم
مقصده منها إلا اليوم فهو علم بالتأكيد وبطريقة ما بأنك
لازلت على قيد الحياة "
واكتسى الارتياح قلوب جميع المتحلقين حول تلك الطاولة حينها
وليس المعني بالأمر وحده فرماح تحديداً من كان يُخشى من ردة
فعله وبالنسبة لهم جميعاً ... بينما وقف مطر حينها وغادر حيث
اختفت من استغرب اغلبهم كيف لم يقرر ذلك ويلحق بها حتى
الآن ! .
وما أن فارقته نظرات ابنته المحبة حتى ارتكزت على رماح
تحديداً وقالت بضيق تمثيلي تمسك خصرها بيديها لتبدد ذاك
الجو المشحون
" لما سمحت له ومنعتني أنا ؟ "
فرمقها بطرف عينيه وقال ببرود
" سيد دجى الحالك أليس ثمة فرد من عائلتكم ليس هنا
أم أني مخطئ ؟ "
ضحك دجى وقال ينظر أيضاً للتي كانت تنظر لهما بصدمة
" لم أكن أراه مقتنعاً أبداً بهذا لولا تهديدها السابق له بأن
لا يدخل منزلكم كما قال "
وضحك دجى مجدداً بينما قالت هي ملوحة بيدها بضيق
" أقتله إن فعلها فذاك ليس اتفاقنا "
وكانت الضحكة من نصيب رعد حينها وقال يهددها بسبابته
" اسمعي هيه لا تحتكي بزوجتي كثيراً لا أريدها أن تصبح
أمرأة متمردة "
فأمسكت خصرها بيديها مجدداً بينما انتقلت نظراتها العابسة
بين تلك الوجوه الضاحكة وقالت ما أن استقر نظرها على
أحدهم تحديدا
" عمي صقر لا تكن معهم ضدي أيضا "
ضحك صقر وقال فاردا يديه
" لو أنك سمحتِ له بدخول هذا المنزل لكان لديك من يدافع
عنك وبشراسة الآن "
فقالت من فورها وبحدة
" لا لن يحدث ذلك .. وإن فعلها لما رآني ما عاش "
نظر حينها رماح عالياً وقال بضحكة مكتومة
" حمدا لله ... اللهم جنبنا نساء عائلة الشاهين "
*
*
*
*
*
*
مسحت بقايا الدموع من رموشها وإن كانت لم تعد تنزل من
عينيها ما أن شعرت بتلك الخطوات الثقيلة تقترب منها وعادت
لاحتضان نفسها بذراعها الأخرى أيضاً وأحنت رأسها للأسفل
قليلاً ما أن توقفت خطواته خلفها تماماً ، أغمضت عينيها
وتنفست بعمق نفساً حمل عطره الرجولي لكل خلية في جسدها
لترتجف كلٌ على حده ليس بسبب ذاك العطر القوي المميز فقط
بل وبسبب اليدان اللتان لامستا ذراعيها بنعومة وتحركت على
قماش أكمام فستانها الحريري حتى حضنت أصابعه يديها
الممسكتان بمرفقيها وأصبحت في حضنه تماماً تشعر حتى
بضربات قلبه الثابتة تخترق ظهرها الملتصق به وعلقت أنفاسها
حيث لا تعلم ما أن مال برأسه لتصبح شفتيه في مستوى أذنها
وشعرت بأنفاسه تخترق قماش حجابها الناعم كما تحرق بشرة
وجنتها المشتعلة بحمرة قاسية من كثرة ما كانت تمسح الدموع
المنزلقة فوقها ووجدت ذاك الهواء العالق في مكان ما في صدرها
لتخرجه في زفرة متأنية حين تسربت كلماته مع الهواء الرطب
حولهما بطيئة دافئة وعميقة كما بحته الرجولية المميزة
وهو يهمس
" كان عليا أن أكتسح عزلتك ولا تسألي لما "
فاكتفت فقط بأن أرخت أناملها سامحة لأصابعه الطويلة أن
تحضنها وقد شد عليها بقوة ولازالت على وضعها السابق بل
واكتفت بكل ذلك وبوضعهما ذاك يحضنها ممسكاً بيديها بينما
لازالت تحضن هي نفسها بيديها تلك لم تعلق على ما قال لم
تتحدث ولم يفعل هو ذلك وكأنها تسرق تلك اللحظات من ماذا
لا تعلم ؟ منه من نفسها من حاضرهما أم من ألا شيء الذي
لطالما آلت أحلامها إليه ؟ لذلك اكتفت حينها فقط بالشعور به
بدفء جسده وحرارة أنفاسه لا شيء حولهما سوى أصوات
حفيف الأوراق الخضراء المتراقصة مع النسيم والأزهار الملونة
التي ملأ عبقها المكان وصوت مياه النافورة الحجرية في مكان ما
قربهما وكأنها تحدث الليل والقمر وكل شيء لا يسمع عنهما فمن
يروي قصص العشاق حين تحوي الألم والفراق والفقد سواها ؟
من يفهم ذاك الصمت الذي حمل كل آلام الماضي ومآسيه سوى
الأشياء التي لا تعرف إلا الصمت ؟.
احتضنت نفسها أكثر مغمَضة العينين ولازالت أصابعها سجينة
يديه فجعله ذلك يزيد من احتضانه لها بشدة أكبر لازالت تستمع
لأنفاسه الدافئة التي تشعل وجنتها وصدغها بحرارة تشبه فقط
حبها واحتياجها واشتياقها إليه بالرغم من كل شيء وحتى من
ألمها الطويل منه .
ابتعدت عنه مجفلة كما حررها هو من ذراعيه سريعاً واستدارت
ناحيته ونظرت باستغراب لنصف وجهه المقابل لها لأنه كان ينظر
جانباً حيث صوت تلك الخطوات التي كانت تَعبر الممشى الحجري
باتجاههما !
وما أن نظر ناحيتها قرأت في عينيه ما تتوقعه تماماً وهو
التساؤل المدجج بالخطر عن هوية صاحب تلك الخطوات
فكلاهما يعلم بأن من تركوهم خلفهم هناك لن يفكر أحد منهم
في اللحاق بهما
بل ولن يسلك هذا الاتجاه وإن فعلها ! ومؤكد أن جميع من
يعملون هناك وصلتهم أوامر مسبقة بعدم التجول ولا الاقتراب
الليلة خصوصاً !!
نزلت بنظراتها المستغربة ليده التي مررها ببطء تحت طرف
سترته السفلي فارتفع ضجيج ضربات قلبها الصاخبة لأذنيها
وشعرت بالذعر فهو بالتأكيد يحمل مسدساً هناك لكن ما هذا الذي
يجعله يفكر في استخدامه هنا في منزل محاط بالحراسة المشددة !
من هذا الذي يخشى أن يخترق الحاجز الأمني القوي الذي
يطوقهم به واختاره بنفسه !
انتقلت نظراتها المتوجسة حيث لازال ينظر وحيث الخطوات التي
أصبح لا يفصلهم عنها سوى حاجز من الشجيرات المنسقة بعناية
ليغطي طولها كل ما تخفيه خلفها وارتجف جسدها بقوة حين مد
يده ليدها وسحبها نحوه لحظة أن ظهر لهما من كان قد اتبع
أسلوباً بارعاً في التشويق واللعب بالأعصاب وهو يسير نحوهما
بتلك الخطوات البطيئة المتأنية وكأنه لا شيء لديه وليصل متى ما
أراد !
" عمتي !!! "
كانت غسق من كسر ذاك الصمت المشحون الذي تلا ظهور ذاك
الجسد النحيل لهما لتكشف أنوار الحديقة المنتشرة حولهم
تفاصيله كما تلك الملامح المتجهمة بعبوس واضح ونظراتها
الباردة تتنقل بينهما قبل أن تنزل ليديهما الممسكتان ببعضهما
بقوة لحظة أن دس مطر مسدسه في مكانه وما أن عادت بنظرها
لعيني التي كانت لاتزال تنظر لها باستغراب قالت بجمود
" أجل عمتك ... من كنت تتوقعين مثلا ليقتله زوجك برصاصة
من مسدسه؟ "
فرفعت يدها الأخرى ومسحت بها ملامحها الجميلة الشاحبة بذعر
لم يغادرها بعد مستغفره الله بهمس خافت مرتجف بينما لم تنتظر
الواقفة مقابلة لهما أي تعليق من كليهما وهي تتابع ببرود
ونظرها ينتقل بينهما
" بما أن أمور العائلة العالقة جميعها سويت كما أرى فهل أعلم
ما مكان جبران من كل هذا ؟ "
وهنا انقبضت أنامل غسق بقوة مع انقباض قلبها وسط أضلعها
ليس فقط بسبب ما قالت بل وما استطاعت استشعاره من الواقف
ملاصقا لها وإن لم تنظر له فيمكنها أن تشعر بموجة الغضب
السوداء تلك التي عبرت مسامات جسده والتي اخترقت قماش
بدلته السوداء الفاخرة لتصل إليها فشدت أناملها على أصابعه
التي لازالت تلتف حول كفها بتملك حمائي قوي راجية أن يفهم
إشارتها تلك ولا يخرج من صمته المميت ذاك وهي واثقة من ذلك
لكن ما تخشاه فعلا أن لا ينصاع ليس أن لا يفهم .. وكم حمدت
الله حين التزم الصمت ولم يعلق بينما تجنبت هي النظر لملامحه
التي لا تعلم حتى الآن ما يرتسم عليها ولا أي نظرة تلك التي كان
يوجهها للواقفة مقابلة لهما ترفع رأسها بشموخ وكأنهما يقفان
أمام قاضٍ في قاعة محكمة موحشة لا يوجد فيها غيرهم
ثلاثتهم ! ولم تكن تعلم بأن نظراته حينها لم تكن تحمل سوى
الجمود التام ... الجمود فقط لا شيء آخر وكأنهما حجرين
أسودين جامدين .
كان عليها أن تتوقع هذا منذ زمن وأن عمتها كانت تنتظر فقط
الفرصة المواتية التي حظيت بها الآن كما تريد وبأنها لن تصمت
طويلا وتكتفي فقط بتلك العبارات الطائشة التي كانت ترميهم
بها دون استثناء وهي أولهم وها هي اختارت الوقت والمكان
المناسبين بالفعل لذلك كان عليها هي تولي المهمة وعلى هذه
المسألة المعقدة أن تنتهي بالفعل فقالت بصبر ونبرة جعلتها متزنة
قدر الإمكان لكن الجمود كان أقوى وانتصر عليها ونظرها لم
يفارق تلك العينان الغاضبة
" عمتي جبران هو من بات يرفضنا .. لقد حاولت التحدث معه
مراراً ولم يجب ثم أغلق هاتفه نهائياً ويبدو تخلص منه ولا
يمكنك لوم أ..... "
فقاطعتها متعمدة تتجاهل النظر لها كما سماعها ونظرها لازال
مركز على الواقف بثقة وصمت
" رأينا عدلك مع أبناء شراع واحداً واحداً ومع أبناء شعبك
واسمك بات مرتبطاً بالعدل لديهم وفي كل مكان وحان دوره الآن
فأنصفه بما عرفه الجميع عنك ولا تكن ظالماً يا ابن عائلة
الشاهين الشرفاء "
تنفست حينها الواقفة بجانبه بعمق تمسح بأطراف أصابع يدها
الحرة على جبينها وكم كانت ممتنة له أنه لازال يلتزم صمت
الأموات ذاك وأصابعها لازالت تزيد من الشد على يده أكثر لازالت
تترجاه في صمت تتأمل بالفعل أن يستوعبه وقالت في محاولة
جديدة ما أن رفعت نظرها بالتي لازالت تحدق في تلك العينان
السوداء الجامدة
" عمتي ما بيني وبين جبران لا دخل لمطر .... "
" أصمتي يا غسق "
ألجمتها عبارتها الحادة الآمرة تلك وتابعت من فورها تنظر
لها بضيق
" أنا لا أريد سماع ما بت أحفظه عن ظهر قلب منذ أعوام بل
أن أسمع رأيه ... "
وتابعت أيضاً وقد نقلت نظرها له مجدداً وحدث ما كانت تخشاه
غسق وتتوقعه بالفعل وهي تهاجمه بحدة
" أم لا حديث للرجال حين تذهب بعقولهم النساء ؟ "
فنظرت لها بصدمة ولم تستطع منع شفتيها من الانفراج في
شهقة صامتة فهي توقعت أن توجه له كلمات قاسية تغلبت فيها
مشاعرها نحو ابن شقيقها لكن ليس بهذه الطريقة المجنونة !
درجة أن تنسى من يكون هذا الواقف أمامها توجه له إهانة كتلك
وأعظم رجال البلاد وأكبرهم ينحنون احتراماً له !
وعلمت حينها أن الأمور ستنحدر نحو الأسوأ فرفعت نظرها به
سريعاً وهمست بخفوت تنظر لنصف وجهه المقابل لها ولملامحه
الجامدة جمود الصخر
" مطر أرجوك "
تعلم بأنه أكثر رجل عرفته يتحلى بالحكمة لما كان قاد جيوشاً
ووحد بلاداً ممزقة ونزع أحقاداً عمياء من نفوس أبنائها لكنها
تعلم أيضاً بأنه يفقد عقله ورجاحته تلك إن كان اسم جبران في
الأمر وليست تخشى على عمتها وتهور لسانها منه فهي تعلم
بأنه لن يؤذيها مهما قالت لكنها تخشى على جبران فهي لا تصدق
بأنه حتى اللحظة لم يأمر بجلب رأسه محمولاً على نصل حربة
سلاحه الرشاش وتخشى بالفعل أن يتهور ويفعلها في أي لحظة .
كانت نظراتها الراجية ملتصقة بنصف وجهه المقابل لها وحدث ما
خشيته فعلا حين ارتخت أصابعه وحرر يدها من قبضته لحظة أن
تحركت شفتاه وقال بجمود
" ليس مطر شاهين من تتحكم به النساء ولا تحركه "
فقالت المقابلة له من فورها وبحزم
" إذا أريد أن..... "
وأجفلت بصمت حين قاطعها بحزم رجولي يشبه شخصية
المحارب القديم فيه
" يمكنك الاستماع لي فقط الآن فقد سمعت ما لديك ولا داعي
لتكراره "
وألجمتها تماماً كلماته القاسية الحادة تلك ورأت حينها بالفعل
مطر شاهين الذي سمعت عنه لأعوام .. وكان المزيد في انتظارها
وقد تابع بذات النبرة القوية الحازمة
" إن كان ثمة من لديه حق يستوفيه من الآخر وكنتُ عادلاً كما
تطلبين لكان ابن شقيقك ذاك تحت التراب الآن "
وكانت عبارته تلك بل وآخر كلمات فيها ما جعل عينا الواقفة
أمامه تتسعان بذهول بينما أغمضت غسق عينيها تمسكهما
بأصابع يدها بقوة ورأسها منحنٍ للأسفل وتابع وكما توقعت
وبنبرة غاضبة هذه المرة
" فأي حق هذا الذي تتشدقون به وأي ابن لشراع صنوان
هذا الذي لا يستحق سوى الموت ؟ "
فارتجف جسدها بقوة وهي تَنزل بأناملها لشفتيها من شدة وقع
كلماته ومن الفكرة تحديداً كما ارتجف بوضوح جسد الواقفة هناك
منتفضاً بغضب وضربت أوامره عرض الحائط وهي تصرخ
بانفعال
" ليس لبشر أن يقرر مصير غيره ومتى سيموت ! ما ذنب
جبران سوى أنه كغيره حلم حلماً وأراد أن يناله بأشرف
الطرق ؟ "
وكان ذاك ما زاد النار اشتعالاً وبالرغم من الأصابع التي أمسكت
بقماش سترته عند مرفقه وعبارات الرجاء الهامس للواقفة
بجانبه إلا أن ذلك لم يوقف سيل كلماته التي خرجت بعنف
" ذنبه أنه خان وطنه وشرفه ووالده ومبادئه .. بل وسعى قبلها
لتدمير حياة غيره بدافع تملكي مريض ! فمن يرى أن ما هو
حق لغيره ملكاً له ليس سوى أحمق مغفل يفتقر للحكمة
وحسن التصرف "
كانت كلماته كسهام مسمومة يلقيها على اتهاماتها فترسلها لعالم
الأموات ولأنها لم تستطع مواجهته بالقوة التي واجهها بها
ويملكها تغيرت وجهة هدفها ومرمى نبالها للواقفة بجانبه .. فهي
من عليها أن تُهاجم دون أن تدافع عن نفسها بالطبع كما حدث
حينها وهي تنظر لها قائلة بضيق
" هو لم يبني ذلك من أوهام ولا نظر لما هو ليس ملكاً له
يا غسق أليس كذلك ؟ لما لا تعترفي بالحقيقة كاملة ؟ من ظلم
جبران في هذا ومن هو الظالم الحقيقي ؟ "
فامتلأت عيناها بدموع القهر والأسى سريعاً وإن لم تنزل منها
ونظراتها الآسية لم تفارق تلك العينان المحدقة فيها بغضب وأبت
الكلمات أن تخرج من شفتيها فتابعت جلدها ودون رحمة
" أليس من حقه أن يحظى بما تدللون به أنفسكم أبناء
شراع ؟ "
وتابعت بقسوة تشير بسبابتها جانباً
" بينما أنتم تحتفلون هنا وتضحكون ألم يفكر أحد منكم أين يكون
هو الآن ؟ ما الذي يشعر به وما يموت في داخله ؟ تبتسمون كل
صباح .. يراعي أحدكم الآخر وتسعون باستماته لأن تضمد
جراحكم من قبل أن تنزف ولم يفكر أي منكم به ....!
كم ليلة نامها وحيداً مقهوراً ليس ثمة من ولا يمسح على
كتفه مواسياً ..
وصرخت متابعة بحدة سبابتها تشير لتلك العينان الواسعة الدامعة
هذه المرة
" لقد قتلتموه .... قتلتموه جميعكم ودون رحمة ومنذ أعوام وكل
ذلك من أجلك يا ابنة دجى الحالك "
فاشتدت قبضتاها بقوة وانزلقت أول دمعة من طرف رموشها
الكثيفة معانقة احمرار وجنتها المحتقنه بالدماء وما أن تحركت
شفتيها الجافة ببطء مرتجف أوقفتها الأصابع الطويلة التي التفت
حول كفها البارد كالجليد مجدداً يكرر ما فعلته سابقاً وهي تطلب
منه الصمت وعدم التدخل وكأنه يأمرها بمنحه ذات الفرصة وهي
تعلم بأنه لازال يتصرف معها بتعقل بحكم سنها بالتأكيد وفقط لا
غير لكنها لا تريد لهذا النقاش أن يطول أكثر من ذلك وأن يأخذ
منحاً خطر سيدفع جبران وحده ثمنه فهي كانت من التهور سابقاً
أن استهانت بغضبه من ذكر اسمه فقط أمامه حين كانا في منزل
الشاطئ ودافعت عنه بشدة وحاولت تبرير موقفه واتهام نفسها
مكانه فجعلته بذلك يشتعل كالبركان وكانت أكيدة حينها من أنه
على استعداد لإعطاء أوامره لرجاله لسحبه من وسط معقله إن
أوصلته لنقطة فقدان التحكم بذاك الغضب مما جعلها تتراجع لكنها
الآن ليست الطرف الثاني في الحديث ولن يسمح لها سوى
بالصمت والاستماع والموت كمداً ومن كليهما ، وذاك ما حدث
فعلا حين قال وبضيق
" اعتقدت بأن حديثك أصبح معي وليس معها ؟ وأعتقد أيضا أن
محاولات استغلال عاطفتها الأخوية نحوه لن تنجح معي ولن
تحطم غيرها وهذا ما لن أسمح به "
كان كل واحد من بينهم ثلاثتهم يعلم بأنه أصاب الحقيقة في عينها
لذلك وما أن كانت ستتحدث قاطعها بحزم غاضب
" يمكنك الاستماع لي فقط فقد سمعت من هذا ما يكفي "
فابتلعت كلماتها كما زمت شفتيها في صمت بينما تابع هو بذات
نبرته الحازمة الحانقة
" لا حق لابن شقيقك لدي ولا يمكنكم استخدام ورقة موافقتها
الزواج به سابقاً ضدي في كل مرة فهي كانت زوجتي منذ كانت
طفلة وما من حق لشقيقك بأن يزوجها ولأي كان وهو يعلم ابنة
من تكون ومن هم عائلتها والأحق بتقرير ذلك ... "
ورفع سبابته وهو يتابع بحدة
" وقسما إن علمت حينها فقط بأنه يخطط لفعلها ولأي رجل كان
لكنت دككت مدنكم دكاً وحولتها لنيران فأخبارها لم تكن تخفى
عني وإن كانت بينكم وجواسيسي ضمن من يخدمونكم
ليل نهار "
حدقت فيه تلك العينان اللامعتان تحت الضوء الخافت بصدمة بينما
تابع هو غير مكترث بالحقائق التي أخفتها السنين عنهم ليكشفها
الآن وقال بذات حزمه الغاضب
" غسق عاشت في منزلي وزوجة لي لثلاث أشهر قبل أن
تجمعني بها غرفة واحدة ولم اجبرها على شيء هي ترفضه أو لا
تريده ونامت في سريري راضية ، وإن هي أخبرتني وإن بكلمة
واحدة فقط بأنها تريد رجلاً آخر ما كنت لألمسها ما حييت .. كما
لا يحق لأحد أن يلومها على ذلك فهو قرارها ليس قرار ابن
شقيقك ذاك ولا قراري ولا قرارك أنت فما من أحد يحق له أن
يوجه مشاعر غيره كما يريد .. "
وكان هو من أشار لها بسبابته حينها وفي نصف عينيها وهو
يتابع بحدة
" وابن شقيقك ذاك ولتعلمي فقط بأني إن استخدمت العدل معه
فأقل ما سيناله هو حكم إعدام عسكري ... هذه العدالة القضائية
فقط إن استثنينا الأمور الشخصية العالقة بالطبع "
ألجمتها عباراته الهجومية تلك بل والحقائق الصريحة فيها والتي
ما كان لأحد أن ينكرها ويبدو بأنها اختارت الند الأقوى منها
بجميع حججه ومن لن تحركه أو تلجمه العواطف ولا الامتنان
اتجاه تلك العائلة كما يحدث مع الواقفة قربه والتي كانت تنظر لها
بحزن فحجبت عيناها دموعاً رفضت أن يرياها قبل أن تستدير
بظهرها وتغادر من حيث ظهرت حاملة معها كل تلك الزوبعة التي
أثارتها في مشاعر كليهما .. أو هذا ما ظنه أحدهما فقط وهو
يستدير ناحية التي رفعت عينيها الدامعة له بصمت فرفع يديه
وأمسك وجهها وقال من قبل أن تفكر في قول ما يتوقعه جيداً
وأنفاسه المتلاحقة لا تعبر سوى عن الغضب المكبوت الذي لم
يخمد بعد
" لا تتحدثي بشيء يا غسق ... لا أريد سماع اسمه من شفتيك
تحديداً والآن بالذات "
فاحترقت الأنفاس في حنجرتها أيضاً حتى شعرت بأنها تشتعل
كالحريق درجة أن آلمتها وبقوة أكبر من ألم سجن الدموع في
عينيها المحدقة في تلك العينان السوداء التي كانت تنظر لها بعناد
رجولي حازم لازال يحمل آثار معركته الأخيرة ولكن شفتيها
ورغماً عن كل ذلك تحركت ببطء محررة كل ذاك الألم في حلقها
هامسة بضعف
" لكنه شقيقي .. "
فاشتدت أصابعه على وجهها كما الغريزة القاتلة المشتعلة في
عينيه وقال بأحرف مشدودة
" أنا لا أتحدث عن مشاعرك الأخوية اتجاهه بل عن مشاعره هو
وقسماً لن أكون أكثر عدلاً معه كما الآن "
انزلقت الدمعة اليتيمة على وجنتها الناعمة التي لازالت تحتفظ
بذات الاحمرار الملتهب وهمست بحزن محدقة في عينيه
" أنت لن تقتله يا مطر أليس كذلك ؟ "
نزلت يداه لعنقها وقال بهدوء ناقض مزاجه السابق بأكمله وإن
كانت كلماته حملت الكثير من الجدية محدقاً في عينيها الدامعة
" لن أفعلها وأنا أعلم بأنها ما قد يقتلني بداخلك يا غسق ...
لم أفعلها منذ أربعة عشر عاماً وهو يحاول قتلي لأفعلها الآن "
فتبدلت نظراتها للحيرة لحظة أن جذبها نحوه وهو ينحني نحوها
أكثر وطبع قبلة رقيقة دافئة على شفتيها كانت طويلة بقدر
نعومتها ورقتها جعلتها تغرق في طوفان من المشاعر المتأججة
التي قطعها ابتعاده البطيء عنها بالرغم من أنه لازال يأسر
وجهها في حصار كفيه وأصابعه الطويلة ونظر لعينيها وقال
هامساً بتأني
" قسماً لن أسلمك لأي رجل كان وأنا أعلم بأنه لازال لي مكاناً
وإن صغيراً في قلبك "
وتابع بجدية زحفت لملامحه قبل صوته
" وإن حدث يوماً وفعلتها فتأكدي بأن الموت كان من نصيب ما
هو لك وسط هذه الأضلع أيضاً يا ابنة الشاهين "
ملأت الحيرة العينان السوداء الفاتنة المعلقة بعينيه وترقرقت
الدموع فيها مجدداً وهي تهمس بتوجس
" أنت تخيفني يا مطر ... لما تقول هذا ؟! "
مرر طرف إبهاميه تحت رموشها يمسح بقاياً دموعها منها قائلا
بذات نبرته الجادة
" تلك هي الحقيقة يا غسق فلن يتمسك ابن شاهين بما لا يريده
ولن يأخذ ما هو ليس له ... لا يفعلها وإن كان الموت خياره
الآخر "
حدقت تلك العينان المليئتان بالحزن والأسى في نظراته المدججة
بالتصميم والجدية وتهاوى ذاك السؤال مجددا عند أعتاب شفتيها
المنفرجتان قليلا في توهان فاتن .. فما معنى هجرانه لها قبل كل
تلك الأعوام إذاً ؟
هل لأنه لم يكن في قلبه من كل هذا شيء لها ؟
فما في قلبها له كان جلياً للعيان فلما تناقض عباراته أفعاله ؟!
كان ذاك ما يحرق قلبها متسرباً مع أوردتها لكنها وكالعادة فضلت
أن يموت ذاك الجرح داخلها على أن ترى نصل سكينه يُغرس فيه
ودون رحمة إن طلبت منه جواباً وكان أقسى من كل ذلك فلن
يداوي الجرح حينها ولا صمته التام لأنه سيكون أقسى من
الحقيقة ذاتها ، أسدلت جفنيها الواسعان ببطء حين انزلقت يداه
أكثر لعنقها وشعرت بملمس شفتيه على طرف شفتيها في قبلة
صغيرة دافئة فأطبقتهما تزدرد ريقها بهدوء ووصلها همسه
المتأني
" لنغادر من هنا يا غسق "
فرفعت نظرها له وهي تتراجع خطوة عنه للوراء محررة نفسها
من دفئ ملمس يديه وغضنت جبينها الصغير مقربة حاجبيها في
نظرة استنكار واضحة لكن تلك الابتسامة الرجولية الفخمة
والشفاه الساحرة لم تسمح لها بالتحدث عما يجول في ذهنها
حينها وهو يسحبها من يدها قائلا
" لن أخرج بك من هنا كما سبق ووعدتك يا مجحفة "
وتابع وقد تحرك بها من هناك
" كنت أعني أنه علينا ان نرجع حيث البقية قبل أن أتهور
أكثر ويلحق بنا أحدهم "
وسار يسحبها خلفه تغرس أسنانها البيضاء في شفتها تمسك
ابتسامة محرجة زينت شفتيها فلن تتخيل أبداً أن يحدث ذلك
ويتكرر موقف حبيبة ذاك الآن فسيموت أحد ثلاثتهم من الصدمة
هذه المرة بالتأكيد ولن يكون هذا المتهور بالطبع .
وصل بها سريعاً حيث البقية وحيث انضما لذاك المجمع العائلي
مجدداً ولتلك الأصوات والضحكات التي وصلتهما من بعيد ، وما
أن جلسا هربت بنظرها من الجميع محرجة من انسحابها السابق
وغير اللائق أو المبرَر تجهل تماماً ما دار من حديث بعدها ، وما
أنقذ مشاعرها المتضاربة حينها أن الجميع تصرفوا وكأن شيئاً
لم يكن .. بينما أخرجها من دوامتها تلك الصوت الأنثوي الرقيق
والذي قالت صاحبته
" أبي متى سيكون بإمكاننا زيارة منزل الشاطئ في بينبان ؟ "
فغضن جبينه باستغراب قائلاً
" أنتم من تقصدين ؟ "
فرفعت كتفيها قائلة بابتسامة " أنا والكاسر بالطبع فأنا
متشوقة فعلا للسباحة في البحر "
فنظر للكاسر الذي حرك رأسه موافقاً وابتسامة واسعة تزين
شفتيه قبل ان يستوي في جلوسه يريح ظهره لظهر الكرسي وقال
ببرود
" ممنوع ... ذاك المكان شديد الخصوصية "
فحدق الجميع فيه وبنظرات متفاوتة عدا التي لم تستطع رفع
نظراتها بأحد حتى الآن وقد أنزلت يدها لتضرب قبضتها على
فخذه القريب منها مسكتة إياه عن جعل العقول هناك ترسم أبعاداً
خيالية عن تلك الأمور التي يلمح لها والتي لا تعلم ما تكون سوى
تلك الثياب الوقحة الجريئة التي يملأ بها خزانات الغرفة ؟
ولم تكن تعلم بأنها بتلك الحركة أوقعت نفسها فريسة مصيدته
وهو يمسك يدها يمنعها من إعادتها مكانها فوق الطاولة مبدداً
جميع محاولاتها لإرجاعها بطريقة لا يلاحظها أحد حتى استسلمت
ليأسها تماما مجبرة ومتأففة في صمت وقال رماح حينها بتجهم
ونبرة باردة
" أليس ثمة عشاء هنا ؟ "
فجعلت جملته تلك الضحكات تنطلق بتفاوت كما الأحاديث المتفرقة
التي عادت لتجد لنفسها مكاناً في سهرتهم تلك وأخذ حديث رماح
يجذب جميع الجالسين هناك وهو يستفسر من المقابل له عند
الطرف البعيد من الطاولة البيضاوية الشكل والواسعة عمّا بات
محور اهتمامه الوحيد يستعلم منه عن أغلب ما قيل وبات يقال
على تلك الشاشات الناطقة بينما أرضى مطر فضوله وأشبعه بما
يحتاج ويزيد يده لازالت تحتجز تلك اليد والأنامل الناعمة بينما
إبهامه يتحرك بنعومة وسط كفها مرسلا بذلك قشعريرة مدمرة
خلال كل عصب من ذاك الجسد النحيل المتناسق وصولا لعمودها
الفقري الذي تصلب بتشنج مريع كادت معه أن تفقد أنفاسها
فأحنت رأسها تفرك جبينها بأصابع يدها الأخرى والتي كانت تتكئ
بمرفقها على الطاولة تحتها ... ثم وكأن حركتها تلك أعطته
الإشارة للتمادي أكثر وكأنه يقرأ ما يحدث داخلها جيداً ويفهمه
فقد بدأ إبهامه بالعبث أكثر وصلا لرسغها مما جعلها تعاود
محاولات تحرير يدها منه .. بل ويبدو بأنه ليس الوحيد الذي كان
يلحظ ذلك وكم حمدت الله أن كان ذاك الفهم بشكل مختلف تماماً
وما أثبته صوت والدها حين وصلها موقفاً ذاك النقاش السياسي
العسكري قائلا
" غسق تبدين متعبة ؟ "
وتبعه تعليق صقر من قبل أن تفكر في رفع رأسها
" لست مجبرة على مسايرتنا إن لم تكوني بخير يا غسق "
كان الاهتمام واضحاً في نبرة صوتيهما ولم يدخل قلبها ذرة شك
بأن الأمر يضايقهم لكنها لم تستطع أيضا رفع رأسها ولا النظر
لأي من تلك الأعين المحدقة بها خشية أن يقرأ أحدهم ما تسبب
به العنيد العابث الجالس ملاصقا لها .. كما داعب جانب وجهها
بدفء تلك الأنفاس المتلفة للأعصاب حين همس لها تزين شفتيه
ابتسامة ماكرة
" إن كنت متعبة آخذك لغرفتك ولن أنزل حتى أتأكد من
أنك بخير "
ونجحت حينها في سحب يدها منه حيث يبدو أن حديثه ألهاه عنها
هامسة من بين أسنانها
" غرفتك الباردة هناك أقرب لك من هذا "
فانطلقت ضحكته المرتفعة جاعلة تلك النظرات المستغربة تسدد
سهامها نحوهما قبل أن يتلقى ضربة أخرى من مرفقها هذه المرة
فضحك ونظر ناحية ابنته وشقيقها الجالس بجوارها وقال مبتسما
ينقل نظره منهما للجالسة ملاصقة له
" إن أردتما زيارته فعلا فعليكما أخذ الاذن من مالكه الأساسي
وليس مني "
فحدقت فيه تلك العينان السوداء الواسعة باستغراب هو أقرب
للصدمة فأراح ذراعه على كتفيها وقال مبتسماً ينظر لعينيها
" العمران كانت مهرك يا غسق وأنت تنازلت عنها بأكملها وذاك
المنزل هو حق لك لا هدية مني ولا أتفضل به عليك "
حدقت في عينيه بصمت لم يستطع قراءته أحد غيرهما بينما
قاطعهما أحد ابنيهما حين قال الكاسر مبتسماً بحماس
" إذا ضمنا الموافقة "
ليتحول حماسه ذاك لعبوس تدريجي ما أن قالت التي نظرت
ليديها في حجرها
" لا ممنوع بالطبع "
فكانت حركته وتيما الطفوليتان اللتان عبرا بها عن صدمتهما
المفاجئة واستيائهما السبب في ضحك الجميع تقريباً فلوح الكاسر
بيده ناحية مطر في محاولة للانتقام لنفسه قائلا بضيق
" هذه سرقة يا رئيس البلاد ... كيف تقدم لزوجتك هدية من
مالنا وتمنعونا عنها ؟ "
فابتسم مطر ونظر لها وهو يقول
" هذا هو الاتهام الذي ليس لأي رئيس في العالم أن ينقذ نفسه
منه .. ولا تقلق هو من مالي بالفعل كما أنه وكما سبق وقلت حق
لها عندي وليس هدية "
ضمت حينها تيما يديها ونظرت عاليا حيث الأضواء
المعلقة فوقهم وقالت مبتسمة
" يا إلهي .... لقد احترت ما سأختار مهراً لنفسي فالخيارات
كثيرة "
وضحكت ما أن ضحك الجالسين حولها عدا التي نظرت للجانب
البعيد متنهدة بضيق وفي صمت بينما قال رعد مبتسماً
" أعان الله ذاك الشاب عليك بالفعل "
فكشرت في وجهه بطفولية تشبهها وقالت تمسك خصرها بيديها
" معك حق تقول هذا فزوجتك كان مهرها اليرموك كاملة وكادت
أن تقوم حرباً في البلاد لتصل إليك أما أنا فأعانه الله علي بسبب
مهر عادي ! "
فضحك ورفع كفيه مستسلماً يذكرها وبصمت بحديثه ورماح
السابق عن نجاتهما من نساء عائلتهم وزاده أن قال مبتسماً
" عليا أن أسجد لله شكراً بالفعل "
فانفجرت ضحكة أستريا المكتومة تمسك فمها بحياء بينما لم
يخجل الكاسر في فعل ذلك علانية وبصوت مرتفع فضربت فخذها
بقبضتها ونقلت نظرها منه لشخص آخر قائلة بضيق
" جدي قل شيئاً فحفيدتك هذه التي تهان طوال الوقت "
ابتسم المعني بالأمر وقال
" لا تهتمي لهم فإن لم تسلبي عقله وقلبه ما كان ليتجرأ على
خطبتك من والدك وأنت في هذا السن "
فابتسمت برضا ورفعت رأسها بشموخ وأخرج مطر هاتفه من
جيبه وفي نيته قطع كل ذاك الحديث فوحده من استشعر التوتر
العصبي للجالسة بجواره تضرب بطرف حذائها على الأرض في
صمت بينما لازال نظرها بعيداً عن الجميع وقال ما أن
وضعه على أذنه
" أحضروا لنا العشاء "
*
*
*
ارتمت بجسدها على الكرسي خلفها ما أن سمعت باب المنزل
يغلق ونظرت للفوضى حولها بتعاسة فما أن غادر آخر ضيوفهم
حتى دخلت في جدال طويل مع والدتها التي كانت تصر على أن
تغادر هي ووالدها لحفل خطوبة ابن عمتها بينما تبقى هي
لتنظيف المكان الذي لن ترضى والدتها قطعاً بأن تتركه كما هو
وتغادر ليبقى لوقت عودتهم متأخراً وإن كان فيه فقدانها لأحد
ساقيها ، ولأنها لا تشعر بالرغبة في فعل أي شيء خارج هذه
الجدران ولا رؤية أحد أصرت على أن تبقى هي للقيام بهذه
المهمة لأن والدتها بالطبع لن ترضى ولا بأن تقوم أشهر شركة
تنظيف في البلاد بذلك فستعيد تنظيف كل شيء بعدهم بالتأكيد ،
ولم تستطع إقناعهما بسهولة للبقاء وكانت حجتها الأقوى من
عناد والدتها بأن مظهرهم سيكون سيئاً حال تغيبها خاصة أنها لم
تذهب لحفل افتتاح شركته في السابق .. وبالأخص أنهم لا
يزورون منزل عمتهم تلك إلا في المناسبات الرسمية ومنذ عدة
أعوام ، بينما تحججت والدتها بأن أغلب المدعوين هناك
سيكونون من سنها وبأنها ستمرح أكثر منها حتى كانت الكلمة
الفاصلة لزوجها الذي طلب منها أن تترك لابنتها حرية اختيار ما
تريد فعله وكأنه قرأ ما يجول بداخلها وكم أسعدها بذلك ..
وها هي هنا الآن وحدها وكما اختارت تجلس وسط الكراسي
المبعثرة وبقايا الطعام حتى أن البعض يبدو اختار الأرضية
الخشبية كمكان مناسب لرمي المناديل الورقية وبعض علب
الحلويات الصغيرة الملونة وكأنه حفل أطفال ...!!
الحفل الذي لا تعلم بما تصفه وآخر ما قد تسميه به بأنه حفل
لإعلان زواجها الذي لم تكن تعلم عنه أساساً وكأنها ليست
طرفاً فيه ...!
لكنها لم تمانع ومنذ البداية أليس كذلك ؟ فكل ما يحدث إذاً
سيعتقد الجميع بأنها موافقة عليه .
شدت اناملها بقوة على قماش تنورتها الناعمة ... الملابس التي
لم تغيرها منذ غادرت لعملها صباحاً فهي لم ترتدي ولا ثياب
عملها المخصصة تلك لأنها كانت ستغادر المطار خلال وقت
قصير كما طلبت من مديرها ووافق هو مُرحباً ومن حماقتها كانت
تظن بأن الأمور سارت كما تريد من تلقاء نفسها وليس كل شيء
كان مدبراً له منذ متى لا تعلم !
وقع نظرها على خاتم الزواج الأنيق في أصبعها وامتلأت عيناها
بالدموع سريعاً وهي تتذكر الشخص الذي ألبسها إياه والذي
شعرت وجنتها ولأول مرة بملمس شفتيه واختبرت دفء أنفاسه
من كل ذاك القرب وهو يهمس في أذنها بكل تملك بأنها أصبحت
له وكأنه يذكرها هي بذلك لا الغير ..!
تذكرت أول لقاء لهما في المطار وكيف افتتنت به وأفقدها صوابها
بل وبعثر مشاعرها وعبث بها بكل سهولة .. لو أن أحدهم أخبرها
حينها بأنهما سيصلان لهذا وبأنها ستلبس خاتمه في خنصر يدها
اليسرى لملأت قاعة الاستقبال في ذاك المطار بصراخها المبتهج
لكنه دمر كل ذلك وأولهم قلبها البريء المتيم به حين اختار وبكل
قسوة أن يواجهها بحقيقة وضعهما وبمشاعره نحوها وهو
يخبرها بأنها ليست المرأة التي يريد وبأنها مجرد وسيلة جديدة
لإرضاء والدته ، تتعجب أحياناً لبراعته في أداء ذاك الدور فلم
يبدو عليه أبداً بأنه مجبر وهو يتلقى التهاني من الحضور الضيق
الذي التف حولهما مهنئين !! أم أنه يمكنه السيطرة على مشاعره
كما يفعل مع كل شيء وأولهم تلك الطائرة الضخمة
التي يقودها ؟!
وقفت ومسحت عيناها بظهر كفها بقوة ونظرت حيث علب الهدايا
التي حملت كل واحدة منها اسم صاحبها وسقط نظرها تحديداً
على العلبة المخملية الأنيفة الزرقاء اللون بحوافها الذهبية وكأنها
قطعة من بذلته المميزة تلك والتي وقف بها بين الجميع في أناقة
وتميز كم بدا فريداً من نوعه بينما تقف هي بجانبه كطائر رمادي
باهت وكئيب وسط حديقة مليئة بالأزهار الملونة وهي ترتدي
ملابس الخروج البسيطة لم يترك لها الحق ولا بأن تتأنق كمن
هم مثلها أو أقل منها في مثل هذه المناسبة وكأنه يذكرها مثل
كل مرة بأنها أقل منه وفي كل شيء .
انقبضت أناملها لا شعوريا وكأنها تمنع نفسها المتمنعة أساساً
عن الاقتراب منها وفتحها ... مؤكد تحوي طقماً ماسياً فاخراً
يشبه خاتمه بل ومستواه المادي وعالمه وما هي أكيدة منه بأنه
لم يشتريه ولم يختاره بل ولم تكن فكرته أساساً ككل شيء
يحدث منذ رأتها والدته في ذاك الحفل قبل أعوام قليلة فلن
تجد في داخلها أي رغبة ولا من باب الفضول لرؤيته .
أسدلت جفنيها المرهقان تخفي تلك النظرة الكئيبة في عينيها التي
سرعان ما أرسلت أول قطرتين حارتين تسابقتا على وجنتيها
الباردتين تتذكر ما حدث عندما اعتذر ليغادر لأن وقت رحلة
طائرته قد اقترب ووجدت نفسها في موقف سيء وأمام الجميع
حين طلبت منها والدتها مبتسمة بأن ترافقه للباب الخارجي ..
وكيف كان لها أن ترفض وبأي حجة وهي قد أصبحت زوجته في
مجتمع يرى ذلك عادياً وإن من باب الصداقة ؟ فما كان أمامها من
خيار آخر سوى السير معه وفي صمت حتى كانا عند سياج
المنزل المنخفض والمحاط بالشجيرات التي اختارت أخشابه
للتسابق عليها في تنسيق رائع ، وكانا عند البوابة الحديدية
الصغيرة والمنخفضة أيضاً والتي تفصلهم عن رصيف الشارع
العريض ووجدت نفسها في مواجهته وهو يستدير ليقف مقابلا
لها فاختارت الهرب بنظرها منه لكل شيء حولهما كما اختارت
الصمت عما يتوقعه بالتأكيد وهو تعليق لاذع منها عن كل ما
يحدث ووصلها صوته الهادئ حينها وإن لم يخلو من نبرة الثقة
المصاحبة له دوما
" اعتقدت بأن العداء بيننا قد انتهى فعلا يا كنانة ؟ "
وحين لم تعلق أضاف وبعد نفس عميق استطاعت أن تسمعه
بوضوح وكأن صبره قد نفذ وفي وقت قصير جدا
" إن كنت منزعجة بسبب الحفل فلا يد لي في كل هذا
ولم أختره "
" أنت لا تختار شيئاً أبداً... "
ذاك كان أول ما قالته وهي ترفع رأسها ونظرها به محدقة في
عينيه بجمود .. ومن خلال نظراته التي تنقلت بين عينيها علمت
بأنه يحاول ترجمة كلماتها بالشكل الذي عنته تحديداً وكم تمنى
قلبها الغبي حينها أن قال
( لقد اخترتك أنتِ )
لكنها لن تسمع ذلك بالطبع لأنها ليست الحقيقة وتحركاته هنا
جميعها عبارة عن مجموعة أوامر قد تم تقريرها مسبقاً ، سحبت
نفسا عميقا ولازالت محدقة بعينيه البنيتان اللتان تأسرانها حتى
في صمتهما المبهم وقالت حين طال صمته الذي تعلم بأنه لن
يحرر نفسه منه
" أتعلم ما معنى ان يخبرك أحدهم بأنه تمنى لك أن تسعد بالفعل
في مكان لا يجمعكما ؟ "
وبلعت غصتها كما ألمها مع ريقها وهي تتابع بصوت خرج هشا
هامسا رغما عنها
" ذاك شعوري نحوك الآن "
قالتها بالرغم من الألم الذي صاحب كلماتها تلك يؤذي قلبها قبل
كرامته فقد اكتفت من الصمت وأداء دور السعيدة الراضية طوال
وقت ذاك الحفل والذي لم تتقنه أساساً وهو يعلم ذلك جيداً فلما
يدعي الحمق الآن وبعيداً عن الجميع ؟
أغمضت عينيها بتنهيدة عميقة ولم تسمع حينها سوى صوت
صرير البوابة النحاسية وذاك الجسد الطويل المتناسق
يغادرها ....
لا بل هي سمعت شيئاً ما قبلها ... شيئاً يشبه صوته الجاد الواثق
متمتماً وهو يستدير مغادرا
" ليس أنت من يحدد هذا "
فأدارت وجهها ناحية المكان الذي كان فيه وغادر منه تنظر لتلك
الجهة بعينين ممتلئة بالدموع وكم تمنت حينها أن ركضت خلفه
وصرخت بملء صوتها بأنه بالفعل ليس هي ولا حتى هو من
يحدد هذا فحتى مشاعرهما عليها أن تتبلور حسب المسرحية
الهزلية التي وجدت نفسها فيها .
مسحت بقوة الدموع التي لا تعلم كيف ملأت وجهها هكذا تنظر
باستغراب وتوجس لقفل باب المنزل الذي تحرك فجأة مصدراً
صوتاً واضحاً في صمت المكان قبل أن يستدير مقبضه وانفتح
الباب ببطء كادت أنفاسها أن تتوقف معه خشية أن يكون أمراً
سيئاً قد حدث مع والديها ! وهمست باستغراب ما أن ظهر لها
الجسد المتواري خلفه " عثمان !! "
فابتسم شقيقها الوحيد والذي أغلق الباب دون أن يلتفت له
واقترب منها قائلا
" ما بك وكأن شبحاً ما قد دخل لك ؟ "
قالت تنظر له ونظراته تتجول في المكان الذي لازال كما تركه
" ظننتك في بريستول ! "
رفع كوب عصير لم يلمسه أحد بعد وارتشف منه القليل قبل أن
يقول وهو ينظر له بين أصابعه الطويلة
" كان ثمة صديق لي يعاني مشكلة ما ولم يعد الوقت يكفي
لأدرك حفلهم ... سأتصل برواح فيما بعد وأهنئه "
راقبته بعينين ضيقتين وهو يرتشف باقي العصير فلن تنطلي
حجته عليها أبداً فهو لطالما كان يجد الحجج كي لا يدخل منزل
عمته تلك فلم يتجاوز بعد ما حدث في الماضي على ما يبدو عكس
والديهما اللذان احتفظا بالمناسبات الخاصة ليوطدا صلة القرابة
الهشة تلك وتحامل والدهم على كرامته بينما لم يفعل هو ذلك ولن
تستغرب هذا منه فهو شخص حساس للغاية وإن كان لا يظهر
ذلك أو لا يحب أن يبدو عليه وتصرفه هذا حيال عائلتهم أكبر
دليل ...
العائلة التي شتتها وبكل أسف أحقاد ذاك الشاب المغرور قاسي
القلب والمدعو ( تيم ) .
تنهدت بعمق محاولة إخراج نفسها من تلك الأفكار فيكفيها تعاسة
وأفكاراً تشبهها ونظرت للذي وضع الكوب واقترب منها قائلا
" ولما لم تذهبي أنت معهما ؟ لا تقولي أن وا.... "
وبتر جملته وقد وصل عندها ونظر لعينيها باستغراب قائلاً
" كنانة ما بك ! ما الذي يبكيك ؟ "
أنزلت نظرها مع رأسها تنظر ليديها ولذاك الخاتم اللامع نظرة لو
أنه رآها لعلم الجواب دون أن يسأل وهمست بخفوت
" لا شيء "
لكن ذاك الجواب لم يقنعه كما أنه لا يمكنه إقناع أحد فامتدت يده
لذقنها ورفع وجهها له وقال ينظر لعينيها وجفنيها المحمران
" لا يمكنك الكذب بهذا الشأن يا كنانة فكلانا لم يعد طفلا "
أبعدت وجهها وحررته من قبضة أصابعه بينما اكتفت بالصمت
فدس يديه في جيبي بنطلونه وقال بريبة ينظر لنصف وجهها
الذي تشيحه عنه
" لا أفهم ما سبب هذه الدموع وفي هذه الليلة تحديدا ؟
لقد فاجأتني مشاعرك ! "
كانت تعلم بأن ذكائه سيدور به حول الأمر حتى يصل للبه فكان
عليها أن تجد عذراً مناسباً لكنها لم تستطع أيضا منع الدموع من
الترقرق في عينيها حين نظرت لعينيه مجدداً قائلة ببحة
" لقد ... لم أكن أعلم بأن الأمور ستتطور سريعا هكذا .... ثم ...
وأنا أجد حقاً أن ترككم والمغادرة بعيداً أمر يصعب تنفيذه "
فابتسم حينها مبدداً جميع مخاوفها وأمسك وجهها بيديه قائلا
" كيف لم تلحظِي أو تفهمي ذاك من مكالمات والدته ووالدتي !
أنا توقعت ذلك "
أجل كيف كانت من الغباء بأن لا تلاحظ ؟ وكيف كان لها أن تخمن
ذلك وهي لم تكن أساساً تهتم بمكالماتهما ولا تسترق السمع لها
بل ولم تكن تسأل والدتها عن فحواها ولا من باب الفضول ؟
حتى أنهم قاموا بتغيير مخططاتهم للحفل وعقد الزواج عدة مرات
وهي كالبلهاء تقف في مكانها بينما يسير العالم من حولها راسماً
خطوط مستقبلها !
رفعت نظراتها الدامعة به حين مسح إبهاماه على وجنتيها
المحتقنتين بشدة وقد تابع بذات ابتسامته
" ثم ومن هذه التي كانت تريد وتتمنى العودة للوطن وإن مع
زوج يأخذها لوحدها ؟ "
هربت من نظراته مجدداً ولا تعلم حتى متى سيحاصرها وستتهرب
هكذا ! همست بخفوت تشد أصابعها بقوة
" الحديث عن الأمر أسهل بكثير من تنفيذه ... أشعر فعلاً
بأني تسرعت "
قالت جملتها الأخيرة بتردد تحدق بعينيه ولم تشعر بالندم قط
لتفوهها بذاك وإن كانت الأسباب الحقيقية لازالت سجينة قلبها
فهي تشعر بالاختناق فعلا وتحتاج لأن تتحدث مع أحدهم ..
وما يزيدها كآبة بأنها لا تستطيع فعلها مع أحد فحتى رواح
والوحيد الذي يحمل سرها معها لن يجد الوقت الآن ولا
للاستماع لها .
ملأت الدموع عينيها مجدداً حين قال وقد انزلقت يداه عن وجهها
" كنانة أتعين معنى هذا ؟ أنت في موضع الآن لا يسمح بإعادة
النظر للأمور فقد أصبحت زوجته "
أرجفها سماع تلك الكلمة بطريقة هي نفسها لا تفهمها فهل
يفترض بها أن تسعد بهذا أم تكرهه !
من منهما عليه أن يكون مسيطراً على الأمر قلبها أم عقلها ؟
ذاك الجزء الحالم في داخلها والذي يريده وبتملك وإن أراد
غيرها أم ذاك الوميض الذي ينذرها بالخطر كلما تناست
واقعهما المرير ذاك مذكراً إياها بمستقبلها معه ؟
قال حين طال صمتها وبجدية تشبه نظراته لعينيها
" ثم هذا ليس بعذر لتترددي يا كنانة وزوجك ركوب الطائرة
والسفر بها بالنسبة له كنزهة صباحية بسيارته فسيكون بإمكانك
زيارتنا متى تشائين خاصة إن كان كما أشار سيتركك تمارسين
مهنة المضيفة في رحلاته إن أردت ممارسة عملك المحبب وإن
كنت لا تحتاجينه "
حركت رأسها بحيرة وعلقت الكلمات في حلقها ولم تعرف ما تقول
فقال بلهجة غامضة أرعبتها
" أم أنك تعنين الجميع بالتسرع يا كنانة ؟ "
ها هو يحوم حول السبب الحقيقي كما كانت تتوقع ولا تريد للأمر
أن يتطور أكثر من ذلك ، قالت بشبه همس
" نحن لا نعرفه ... لا نعرفهم ... أعني أننا ... أنا خائفة من
خوض التجربة وأشعر بأني حوصرت في وقت قياسي "
فحرك رأسه بالنفي وكأنه يوصل الجواب لأفكارها قبل أذنيها وقال
بجدية ويداه تمسكان بذراعيها بقوة
" لا تفكري ولا للحظة واحدة بأننا سلمناك لذاك الشاب لا ننظر
سوى لمزاياه المادية وابن من يكون ... لقد تناقشت ووالدي
طويلا في الأمر سابقاً واتصلت بزملاء كانوا لي هنا في الجامعة
وقد عادوا للبلاد وسألت عنه كثيراً ولن أتمنى لك زوجاً غيره يا
كنانة وإن كان لا يملك قرشاً واحداً "
ابتلعت غصتها مع ريقها كما الكلمات التي لا يمكنها إخراجها
بينما تابع من لم ينتظر تعليقاً منها
" كنانة عليك أن لا تتركي لتلك الأفكار مجالاً لتضعك ووالديك في
موقف محرج بل وسيء فالأمر لا يمكن التراجع عنه الآن "
ها هي نقطة والديها تعود مجدداً وها هو شخص آخر يذكرها
بذات الحقيقة القاسية والأمر الوحيد الذي يكبلها كالأغلال فإن
كانت سابقاً والأمر مجرد خطبة شفهية محاصرة به فكيف بالآن ؟
هي بالفعل خسرت المعركة وبقرار واحد منه وفي أي لحظة كانت
ستجد نفسها تجلس في الطائرة بجواره ماضيان للمجهول .
أولته ظهرها وبدأت بجمع الكؤوس الفارغة من الطاولة ووضعها
في الصينية الكبيرة التي جلبتها والدتها لتوصلهم للمطبخ بها فلن
يفهم أحد ما تشعر به في داخلها كما لن تستطيع قوله والصراخ
به في وجه الجميع كما تفعل ساندرين طوال الوقت والتي لم
تحسدها على ذلك كما الآن .... لن يفهم أحد ولا ذاك الوسيم
المتهكم والسبب في كل آلامها التي كانت ولازالت ولن تنتهي
بالتأكيد .
*
*
*
*
*
*
شدت أناملها بتوتر واجتازت باب الغرفة الخشبي ذو الطلاء
المتهالك بشقوق عريضة ودخلتها للمرة التي لم تعد تعلم كم تكون
وهي تجوب المنزل الصغير المقتصر على تلك الغرفة والمكان
المطل على السماء السوداء الصافية والمزينة بالنجوم فها قد
قارب وقت الفجر ولم يرجع بعد ولا تعلم أين ذهب وماذا يفعل كل
هذا الوقت ! لو لم يكن من زاره هنا أويس عبد الجليل والذي
عرفته من صوته الذي لن تنساه أبداً لكانت خرجت الآن تبحث
عنه في المزارع الموحشة كالمجنونة ... لكن المدعو أويس غادر
قبل أن يغادر هو فإلى أين ذهب ؟ حضنت نفسها وجسدها الذي
ارتجف بقوة ما أن استجلب عقلها فكرة أن ذاك الشاب دخل منزلاً
يعلم بأنها موجودة بداخله وإن كان ملكه في الأساس وليسوا
سوى مستأجرين له ... فلم يغب عن مخيلتها ولا للحظة ما حدث
ذاك اليوم في مجلس شعيب وأشقائه ولن تتخيل أبداً لولا ظهور
يمان فجأة ما كان سيحدث لها يومها ؟ ارتجف جسدها مجدداً
وبطريقة أرعبتها وهي تتخيل بأنهم زوجوها للمدعو أويس
بالفعل ...! ليس لها أن تتوقع أي حياة تلك التي كانت تنتظرها
معه وهو يكره حتى نطق اسمها أو أن يذكرها أحداً أمامه ....!
لكنها كانت ستكون حياة واقعية خالية من الكذب والخداع كما الآن
أليس كذلك ؟ حركت رأسها بقوة تطرد منه كل تلك الأفكار ..
لكنها لن تستطيع طرد حقيقة أنه لن يكون ثمة أويس آخر
سينقذها من انكشاف كذبتها في المرة القادمة إلا إن كانت ستتبع
خططاً أخرى أقل ذكاءً وأكثر فاعلية كأن تتعذر بدورتها الشهرية
مثلاً .. لكن ذاك السلاح أيضاً لا يمكنها استخدامه فهو من يجلب
لها تلك المصيبة المحرجة في كل مرة ودون أن يسألها أي
أنه يراقب الوضع ويعلم متى تزورها ومتى ترحل عنها .
تأففت بعصبية مفرطة تلعن أفكارها الحمقاء فهذا ليس وقت
التفكير في تلك الأمور فلتطمئن أولاً بأنه لازال على قيد الحياة
ولازال له وجود في عالمها ثم لتفكر في كيفية التخلص من
اقترابه منها أو من كذبتها الحمقاء تلك وللأبد لتشعر بالراحة
وإن ليوم واحد في حياتها .
تصلب جسدها وتيبست مكانها ما أن سمعت صوت باب المنزل
الحديدي يفتح وزحفت الابتسامة ببطء لملامحها الشقراء
المتجهمة فها هو على الأقل لازال موجوداً وعلى قيد الحياة
ثم لكل مصيبة مصيبة أخرى تعالجها بالتأكيد .
لم تستطع التحرك من مكانها والخروج من الغرفة أو لم ترغب
بذلك كي لا تزعجه مجدداً بخوفها المبالغ فيه كما يصفه واكتفت
بالنظر له بعينين ملئهما التوجس والحيرة وهو يدخل الغرفة
مطأطئ الرأس بالكاد وصلها همسه وهو يلقي السلام ! وتفرست
في ملامحه التي بدا التجهم واضحاً عليها وإن لم تراها جيداً
ونظرها يتبعه وهو يجتازها جهة الخزانة الحديدية الوحيدة في
الغرفة ! وخرجت الكلمات من شفتيها متصلبة وكأنها بحثت
عنها لأشهر
" ما بك يا يمان !! هل حدث شيء ما لشخص تعرفه ؟ "
وعلقت نظراتها بذاك الظهر العريض الواقف أمام الخزانة
المفتوحة وما كان لها أن تتوقع غير ذلك من تجهمه المخيف
وتصرفه الغريب الليلة بما أنه لا أهل لها هي ولا عائلة ...!
ولها أن تتوقع أي مصيبة قادمة في الطريق فيبقى المدعو أويس
أحد أبناء عائلة غيلوان وإن لم يحمل طباعهم وتلك العائلة نذير
شؤم بالنسبة لها .. وذاك الشعور يصعب عليها تخطيه مهما
حاولت ومهما كان خاطئاً فالسنوات التعيسة التي عاشتها بسببهم
تشهد بذلك إلا إن كان ذاك الغيلواني المسالم اكتشف كذبتها
تلك وأخبره .... !!
رفعت ظهر أناملها لشفتيها تراقبه عيناها الذاهلتان وهو يخرج
ثيابه النظيفة من الخزانة ولم يجب على سؤالها وكأنه لم يسمعه
تتخيل أن ظنونها تلك حقيقية ....؟ لكنه لم يضربها لم يصرخ بها
مزمجراً ولم يمسكها من شعرها الغجري الأشقر الطويل ويرميها
خارج منزله !!
ولم تشعر بأنفاسها تعود للعبور خلال حلقها المتيبس إلا حين
استدار وقال بجمود وهو يجتازها مجدداً
" جهزي نفسك سنغادر "
فتبعته نظراتها المصدومة والغير مستوعبة لِما قال ولم تستطع
منع نفسها من اللحاق به ووقفت عند باب الغرفة وقالت بقلق
تنظر له وهو يتجه لباب الحمام
" هل عائلتك جميعهم بخير يا يمان ؟ "
وبالكاد سمعت صوته مع صرير باب الحمام الذي فتحه
وهو يدخله
" بخير جميعهم "
وغاب عنها خلف الباب الذي أغلقه خلفه وتركها تنظر لمكانه
باستغراب قبل أن تدخل الغرفة مجدداً ونظرت للساعة الصغيرة
أو التحفة الوحيدة الموجودة هناك والمعلقة على الجدار المطلي
بالأبيض الناصع وعبست ملامحها عاقدة حاجبيها الأشقران فلم
يتبقى على وقت الفجر سوى ساعتان فلما يغادران الآن
وإلى أين ؟
لم تستطع التحرك من مكانها ولم تترك لها الأفكار المشوشة
وقتاً لفعل ذلك حتى سمعت صوت باب الحمام يفتح وما هي إلا
لحظات ودخل من غادر منذ قليل شعره لازال مبللاً وقطرات من
المياه انزلقت منه على عنقه ووقف ينظر لها فأبعدت نظرها
ليديها تشد أصابعها بقوة فرمى الثياب من يديه ووصلها
صوته سريعاً
" أما زلت مكانك ؟ أخبرتك أن تكوني جاهزة "
فرفعت نظراتها له وهو يتحرك نحو الخزانة مجدداً وقالت
" هل سنترك الجنوب ؟ لكنك لن .... "
قاطعها وهو يدس النقود التي أخرجها من هناك في جيب بنطلونه
" لا لن نغادر "
وتابع وقد استدار وتحرك نحو باب الغرفة مجدداً
" سنزور الحميراء ونرجع ... تحركي بسرعة يا مايرين
فالمسافة تحتاج وقتاً "
وخرج وتركها تنظر للباب الغارق في الظلام باستغراب ...
الحميراء !!
ما الذي سيأخذهم من هنا لغرب الهازان ! وشحبت ملامحها
وتخيلت أن تضع إصبعها على صورة خريطة بلادهم ممررة إياه
من جنوبها الشرقي حتى شمالها الغربي تقريبا وانتابها الهلع
فجأة !! هي تعلم بأنه من الهازان لكنه من إحدى بلدان خماصة
فما علاقة الحميراء بذلك !
انتفض جسدها وتحركت من مكانها ما أن سمعت صوت سيارته
في الخارج فعليها أن تستعد كما طلب قبل أن يغضب منها أكثر فلا
يبدو بأنه في مزاج حسن إطلاقاً وهذه الحالات هي الأندر في
شخصيته التي عرفته عليها لذلك فمن التعقل أن تأخذ بنصيحة من
يقول بأنه عليك أن تتقي شر الحليم إذا غضب ، لم يكن بإمكانها
تخمين المكان الذي قد يذهبان له لكنها ورغم ذلك ارتدت الفستان
الذي لبسته ليلة زواجهما والذي أهدتاه لها شقيقتا شعيب غيلوان
فهو أفضل شيء تملكه وقد يكون يفكر في زيارة والده وإن
وصفه بالميت سابقاً وعليها أن تكون حسنة المظهر فأقرب ما
يمكنها تخمينه بأنهما سيزوران أحدهم هناك ، أخرجت كيساً من
الخزانة ووضعت فيه ثوباً آخر لها ووضعت ثيابه التي نزعها فهو
لا يملك غيرهم وستقوم بغسلها حيث سيصلان فهي لا تعلم حتى
الآن كم من الوقت سيمكثان هناك .
وحين دخل الغرفة مجدداً كانت تلبس عباءتها ولفت حجابها
سريعاً فستقوم بترتيبه جيداً فيما بعد المهم الآن أن تتحرك
فوراً .. وهذا ما فعلته أمام نظراته التي لم يفارقها التجهم البارد
حتى الآن !
وما هي إلا لحظات وكانت سيارتهما تغادر المزارع المظلمة تشق
طريقها عبر الطريق الترابي الرطب ففركت يديها بتوتر ودستهما
في حجرها وقالت تنظر للظلام من نافذتها
" لو أننا انتظرنا حتى بزوغ الشمس بدلاً من أن نعبر خلال
أراضي شعيب وأشقائه في هذا الظلام الموحش "
فوصلها صوته البارد فوراً
" لا أريد أن نصل لمن سنزورهم في وقت متأخر من الليل
وكأننا ذاهبان لننام فقط ، ولا أرى سببا مقنعا يجعلك تخافين
منهم هكذا "
حضنت نفسها بذراعيها وكأن برودة كلماته تلك لسعت جلدها
فهي لم تعتد هذا الأسلوب منه ولا تفهم حتى الآن ما الذي
يزعجه هكذا !
اتكأت بطرف جبينها على النافذة وهمست بخفوت
" لو أنك تسمع ما يقال عن أراضيهم وما يحدث فيها لما
كان هذا كلامك "
ولم يعلق كما لم تنتظر هي ذلك فلا يمكنها أن تنظر لهم كما يفعل
هو من لم يعرفهم ويعرف أراضي الجنوب سوى من أشهر قليلة
بينما من عاش فيه وعرفهم جيداً فلن ينسى ما قيل عن
الأشخاص الذين يدخلون أراضيهم ولا يخرجون منها ومن عمل
عندهم وتحدث عن الأمور الغريبة التي تحدث فيها فجسدها
يرتعد خوفاً فقط من التفكير في ذلك فكيف أن تفعلها وتكون
فيها ليلا هكذا ؟.
ولم تستطع أن تتنفس الصعداء وتشعر بالارتياح حتى كانا في
طرقات البلدة الترابية الواسعة وإن كانا لم يعبرا سوى من
الطريق بين أراضيهم ولم يدخلاها لكن الفكرة ذاتها كانت ترعبها
، وما أن أصبحت بلدة أباجير خلفهما وأصبحا على خط الجنوب
الزراعي حتى خرج الجالس خلف المقود عن صمته ومن ظنت
أنه لن يتحدث أبداً ووصلها صوته هذه المرة عميقاً غريباً
" سنزور منزل زوج شقيقتي هناك "
فرفعت رأسها ونظرت لنصف وجهه المقابل لها ولم يحتج الأمر
أن تتفرس في ملامحه لتفهم أكثر سبب مزاجه ذاك وتغيره
الآن ... شقيقته تلك وراء ذلك إذاً ؟ لكن ما الذي جعله يقرر
زيارتها فجأة وهو من كان يرفض ولا مجرد الحديث عنها !
هل ستفهم أخيراً ما كان يعنيه بأنه خذلها ؟
أم أن شقيقته تلك ستكون كتومة أكثر منه !
ليس لها أن تتخيل بأنه قد يفعل ذلك مع شقيقته وهو من أظهر
كل تلك الشهامة معها هي التي لا يعرفها !
نظرت لعباءتها السوداء المغلقة أزرتها وكم حمدت الله أنها
لبست ذاك الفستان فها هما سيزوران أحدهم بالفعل ...
لكن تلك السعادة لم تدم طويلاً فسرعان ما وصلها صوته العميق
مجدداً مخترقاً صوت محرك السيارة
" هي زوجة لابن أيوب الشعّاب وجوزاء شاهين الحالك "
فلم تستطع منع تلك النظرة المتسعة من الصدمة وهي تحدق به
ولا انفراج شفتيها بتلك الشهقة الصامتة فإن كانت تجهل اسم ذاك
الرجل فهي تعلم جيداً من تكون تلك المرأة .. لا بل تعرف ذاك
الاسم أيضاً والذي حمله العديد من المنتجات المحلية التي تصل
لبلداتهم تلك !
ولم تستطع جمع صورة واحدة لشاب من تلك العائلة الثرية
المعروفة مع شقيقة الذي منذ عرفته لا يملك أكثر من قوت
يومه !
أم أنه من عائلة معروفة أيضا ولا تعلم !
لكنه أخبرها سابقاً بأن منزله احترق وأنه لا يملك غيره وبأن
عمله يقتصر على زراعة الأراضي وفلاحتها وتعرفه لا يكذب أبداً
قالت حين وجدت القدرة الكافية على التحدث
" ونحن ذاهبان لهم الآن ؟ "
وكان ذاك ما استطاعت قوله ببلاهة وكأنه لم يخبرها سابقاً
بوجهتهم !
وانتقلت نظراتها لملابسها مجدداً وشعرت بالتعاسة التي نسفت
بهجتها السابقة تماماً .. وكان وكأنما قرأ أفكارها هذه المرة أو
توقعها فقد وصلها صوته الجاف الجاد
" عليك أن لا تقلقي من مقابلتهم فهم ليسوا كما يصورهم
لك خيالك "
نظرت له سريعاً وحركت شفتيها في محاولة أخري للتحدث لكن
الكلمات أبت الخروج فهو لا يعطيها أي فرصة لتستوعب مفاجآته
المتتالية تلك فتابع هو وكأنه لا ينتظر منها تعليقاً أو يتوقعه وقال
ونظره لازال على الطريق أمامه ونبرته لازالت جوفاء ميتة
" ابنهم كان صديقاً لي منذ سنوات دراستنا الابتدائية وتزوج
بشقيقتي قبل انتقالي للجنوب بقليل "
رمشت بعينيها المحدقات بجانب وجهه في محاولة لتفسير كل ما
تسمعه ... إن كانت متزوجة من قبل مجيئه فما سر خذلانه لها
إذاً !
أيكمن السر في زواجها أم ماذا ؟ وهل صداقتهم هي سر زواج
ابن تلك العائلة منها ! هل رآها وقرر كسر الفوارق الاجتماعية
بينهما وتزوجها ؟ إن كانت تحمل ملامح شقيقها فلن تستبعد أبداً
أن تُوقع بأي رجل يراها وبسهولة ...
رطبت شفتيها الجافة بطرف لسانها وكل ما استطاعت قوله حين
وجدت صوتها وملامحها تتحول للبؤس فجأة
" ليتك أخبرتني سابقاً "
وندمت سريعاً على ما تفوهت به حين لاحظت بأن تجهم ملامحه
ازداد سوءاً وعلمت بأنها ارتكبت خطأ مريعاً وتلعثمت قائلة
" كن ... كنت ... كنا على الأقل فكرنا في هدية ما نأخذها لها "
" هي ليست بحاجة لهدايانا "
كان تعليقه سريعاً وقاسياً ليس عليها فقط بل وعلى نفسه أيضاً
وهذا ما هي أكيدة منه فهو ولسبب ما لازالت تجهله يراها لا
تحتاجه ولم يعد له أي دور في حياتها !
قالت بجدية
" الهدية في معناها يا يمان ليس في قيمتها وإن كنا نحتاجها
أم لا فكم من ساكني قصور يحتفظون بزهرة يابسة فقدت كل
معنى للجمال فقط لأنها ذكرى من شخص يحبونه "
لكن كلماتها تلك كانت وصوت محرك سيارته سواء بالنسبة له
على ما يبدو فلم يكلف نفسه ولا عناء الرد عليها فنظرت ليديها
في حجرها وتنهدت بأسى بل ولاذت بالصمت فهو في مزاج
لا يسمح له ولا بسماعها على ما يبدو ... لكنها لم تكن تعلم بأن
المزيد كان في انتظارها حين وصلها صوته جاداً حازماً
هذه المرة
" ما أريدك أن تعلميه جيداً يا مايرين أنه وبالرغم من صداقتي
لابنهم وأنه زوج شقيقتي إلا أن لي حياة خاصة لا يغير فيها
ذلك شيئاً "
رفعت نظراتها الذاهلة به وكان ينظر لها هذه المرة وكأنه يحتاج
لأن يفهم جوابها من قبل أن يسمعه ونظراته لم تفارق حدقتاها
الخضراء المتسعة فتنفست بقوة قبل أن تقول بشبه همس
" أي فكرة هذه التي تكون في عقلك عني يا يمان ؟ "
عاد بنظره للطريق واشتدت أصابعه على المقود قائلا
" ليس عنك بل عنهم وما قد يعتقدون بأنه قد يؤثر بي "
فهمت الأمر الآن فهو يبدو يتعرض لضغط من صديقه ذاك ليحسن
من وضعه المعيشي وهو يرفض ولن يكون يمان الذي تعرفه إن
لم يكن كذلك ، ارتسمت ابتسامة محبة على شفتيها وإزداد فخرها
به كما إعجابها بالرغم من أنها تكره أن ينظر لها بذاك الشكل
وبأنها قد تتأثر بما قد تراه أو تسمعه هناك ، قالت بحزن ولازالت
تنظر لجانب وجهه
" يؤسفني بأن أخبرك بأني أسوأ منك في هذا .. كما يحزنني
أكثر أن يكون هذا انطباعك عني "
توقعت منه الصمت حينها ليثبت لها بأنه لازال مقتنعاً برأيه
وكلماته لكن ما حدث لحظتها فاجأها فعلاً ويده تترك المقود
وتمسك بيدها وقد رفعها لشفتيه وقبّلها بعمق ونظره لازال على
الطريق قبل أن ينزلها لفخذه ولازال ممسكاً بها بقوة مما جعلها
تخرس ونهائياً تاركة الصخب والصراخ لقلبها المرتجف وسط
أضلعها .
*
*
*
رمت اللحاف عن جسدها وجلست تنظر جهة الشرفة المظلمة
والمغطاة بستائر شفافة متدرجة في تجمع أنيق فالأمر لم يعد
صوراً تهيئها لها مخيلتها فهي أكيدة من أن حركة أغصان شجرة
التوت المرتفعة إليها ليست طبيعية !
مدت يدها لأحد الأزرار قرب سريرها وما أن ضغطته حتى عم
النور كامل الغرفة ورفعت هاتفها ونظرت للساعة فيه قبل أن
ترميه على السرير قربها وعادت بنظرها للشرفة مجدداً وتذكرت
فوراً حكايات الكاسر عن الشرفات والتي ظنت بأنه يخيفها بها
ليس إلا فهي لطالما كانت تحب اقتناء الغرف المطلة على شرفة
ومنذ كانت في بريطانيا وتعشق الوقوف صباحاً في الهواء النقي
ما أن تستيقظ وكم أحزنها أن منزل والدها لم يكن طرازه القديم
يحوي على الشرفات رغم أنه تم تجديده وعلى مر أعوام ...!
وفي منزل والدتها في العمران وهنا في منزل رعد اختارت وعلى
الفور غرفة لها شرفة واسعة ولم تكن تخاف قَط من وجود بابها
الواسع فيها فلطالما عاشت ضمن نطاق أمني ضيق وحراسة
مشددة لكن ما تسمعه الآن بات شيئاً يبعث للشك والرهبة فزحفت
من بين أغطية السرير الناعمة حتى غاصت قدماها في السجادة
الناعمة وانتفضت واقفة على طولها ما أن لمحت خيالاً ما لا تعلم
أهو حقيقة أم وهم صوره لها خوفها ؟ ما تعلمه حينها بأنه عليها
الهرب من هناك ثم التفكير فيما ستفعل بعدها ...
وما أن فكرت في الاستدارة حول السرير حتى انفتح باب الشرفة
بقوة مما جعلها تنتفض صارخة وتحركت من مكانها قافزة دون
أن تنظر ولا لما يحدث هناك وكانت على استعداد لفتح حلقها
للصراخ راكضة لولا الذراع التي أحاطت بخصرها ومنعتها من
اجتياز السرير واليد التي أطبقت على فمها وارتفعت قدماها
الحافيتان في الهواء مع ارتفاع جسدها وشعرت بذعر لم تعرفه
حياتها وعلمت أن محاولة التخلص من تلك القبضة القوية لن
تنفعها في شيء سوى إرهاق قواها وكل ما استطاعت فعله
حينها أن رفعت رأسها قليلا في حركة مباغتة جعلت شفتها
العلوية ترتفع قليلا وغرزت أسنانها في طرف تلك الكف الكبيرة
التي لازالت تطبق على فمها بقوة مما جعلها تتحرر منه وما أن
فكرت في تنفيذ مخططها القديم في الصراخ والركض جهة الباب
أوقفها ليس فقط اليد التي أمسكت بذراعها بل والصوت الذي قال
من خلفها بضيق
" انتظري يا مجنونة ستوقظين ساكني المنزل بأكملهم "
حينها فقط تسمرت مكانها وكأن القدرة على الاستيعاب عادت
لها فجأة !
ولم تتعرف على ذاك الصوت الرجولي العميق فقط بل والعطر
الذي كانت وكأنها لا تستنشقه من قوة ذعرها !
وما أن أدارتها تلك اليد لتصبح مواجهة له حتى انهارت ليس
قواها فقط بل ودموعها التي انهمرت بغزارة على وجنتيها
واستقبل صدره لكماتها المتتالية صارخة ببكاء
" أحمق .... أفزعتني يا أ..... "
وانقطعت كلماتها في حضنه الذي شدها له من فوره وأحاطها
بذراعيه يحضن ارتجافها بقوة قائلاً
" لو أنك تجيبين على اتصالاتي ولا تعتصمين عني هنا ما كنت
لألجأ لمثل هذه الطرق فلم تتركي لي حلاً غيره "
ابتعدت عنه حينها دافعة ذراعيه عنها وقالت بضيق تمسح
دموعها
" ألم تجد طريقة غير هذه ... كدت تقتلني من الخوف "
تجاهل كلماتها لأن نظره واهتمامه كانا منصبين على كفه قبل
أن ينفضه قائلا بضيق وملامح متألمة
" وألم تجدي أنت طريقة غيرها لتدافعي عن نفسك ؟ "
قالت بعبرة عادت للسيطرة على صوتها مجدداً
" وما كنت تنتظر مني وأنت تمسك بي وتمنعني من الصراخ ؟ "
أمسك خصره بيديه وقرب وجهه منها وقال يشير برأسه جانباً
" وأين كانت كل هذه الشجاعة حين كنتِ في ذاك الملهى ؟ "
نظرت له مجفلة قبل أن تبتسم بألم قائلة
" يبدو أن تلك التجربة ما جعلني أتعلم درساً جيداً "
وتابعت بضيق تمسك خصرها بيديها
" لن نتحدث عن هذا الآن بل عن مجيئك هنا وأنا من سبق
وحذرتك واتفقنا يا قاسم "
قال بضيق مماثل يقلدها متعمداً يمسك خصره أيضاً
" كنتِ أجبتِ على اتصالاتي إذاً بدلا من تجاهلها المتكرر هكذا "
فزمت شفتيها بقوة قبل أن تقول بتملق
" وما تفعله أنت بسماع صوتي فلا وقت لديك لذلك حسبما
أعتقد ؟ "
شد على أسنانه وكأنه يكتم غضبه قبل أن يقول بحزم
" تيما لا تكوني طفلة ... أيستحق الأمر منك كل هذا الغضب ! "
أشارت بسبابتها نحو الأسفل بينهما قائلة
" بل يستحق أكثر من ذلك فما كان سيحدث لي إن كنت أواجه
خطراً ما وأنا أتصل بك وأكرر الاتصال وتتجاهله لتجيب بعدها
برسالة ....! يا لك من مهمل مستهتر "
قال بدفاع رافض
" لم أكن خيارك الوحيد يا تيما .. كما أني كنت مشغولا بالفعل "
قالت بغضب
" وما الذي عليه أن يكون أهم مني ومن اتصالي وأنا التي لا
أفعلها عادة ؟ "
حرك سبابته مشيراً لوجهها وهو يقول بضيق
" ها قد وصلنا للنقطة الأهم فها أنت تلاحظين جيداً بأنك لا
تتصلين بي مطلقاً وكأنه ليس لك زوج يفترض أن تسألي عنه
وإن برسالة قصيرة ! "
نظرت له بعينين متسعة قبل أن تكتف ذراعيها لصدرها قائلة
" أتصل بك لماذا وما الذي تفعله باتصالي فأنتم الرجال لا تحبذون
هذا كما أظن .... "
وتابعت تشير له بكفها مفروداً
" ثم إن كنت لا أتصل عادة ولم تكلف نفسك بالرد عليا حين
اتصلت فكيف إن كنت أفعلها دائما ؟ كنت ستغلق الخط في
وجهي بالتأكيد "
نظر لها بذهول وقال يشير لنفسه
" أهذه فكرتك عني ! "
فردت ذراعيها جانباً قائلة
" بل عن الرجال جميعهم فوالدي لم يكن يحب حتى أن أتحدث
عما هو ليس ضروريا ... هكذا اعتدت وتربيت "
ضيق عينيه متمتماً
" وستعاملينني كما كان يعاملك والدك ! "
حركت رأسها مع رفعها لكتفيها قائلة ببرود
" بل كما كان يحب أن أعامله ألست رجلا مثله ؟ أنتما سواء
إذاً وهذا ما أثبته لي مؤخراً بنفسك "
فتأفف ممسكا جبينه بأصابعه قبل أن يقول وهو يبعدها
" تيما بالله عليك لن تعاقبيني أكثر من ذلك بسبب أمر تافه "
نظرت له بصدمة وقالت
" أمر تافه ....! هل ما حدث تراه أمراً تافهاً ...! مقتنع تماماً بأنك
لم تخطئ "
أمسك وجهها بيديه وقبل جبينها وقال ما أن نظر لعينيها التي
تعلقت بعينيه
" بل مخطئ وكل ما أفعله خطأ فقط توقفي عن معاقبتي بهذا
الشكل البشع "
نظرت لعينيه بصمت لبرهة قبل أن تقول بجمود
" ولن تكررها مجدداً ؟ "
أبعد يديه عن وجهها قائلاً
" وهل بي عقل يفعلها ! لقد انتقمت مني شر انتقام ... "
وتابع يشير بيده جانباً
" بل يكفي أن أرى اسمك على شاشته لأكون لديك على الفور "
فزحف العبوس لملامحها وقالت باستياء
" لا يمكنك إلقاء اللوم علي في هذا أبداً فأنا أفهم جيداً معنى ما
تقوله ... ثم لا تنسى بأني حين كنت أتصل بك في السابق كانت
مكالمتنا تنتهي جميعها بأن تغضب مني بل وتهينني أيضاً وتغلق
الخط في وجهي ولا تتحدث معي بعدها لأيام "
قال يحرك كتفه بلامبالاة
" ذاك كان في الماضي كما تقولين وأنت أكثر من يعلم
ما كان عليه ماضينا "
قالت بضيق
" أرأيت نفسك ! أنت لا تنسى أبدا ولن تفعل "
فسحب نفساً عميقا وأمسك صدغيه بأطراف أصابعه قائلا
بنفاذ صبر
" يا إلهي لا تصيبيني بالجنون يا فتاة "
فضربت الأرض بقدمها الحافية قائلة بضيق
" بل أنا من ستصاب بالجنون بسببك ... ألم نتفق على أن لا
نلتقي حتى تتغير نظرة والدتي للأمر وتوافق ؟
لا وقادم لمنزلها هنا ! "
نظر لها ببرود لتغييرها مسار حديثهم فجأة هذه الخبيثة
الصغيرة ..!!
كتف ذراعيه لصدره وتمتم بجمود
" منزل رعد وليس منزلها "
قالت بضيق أشد من بروده المفاجئ تشير له بسبابتها
" أنت أخللت بالاتفاق وأيا كانت المسميات ولا يمكنني أن
أثق في وعودك مستقبلا ومهما كانت "
اتسعت عيناه بذهول وقال مدافعاً وهو من أشار بيده لنفسه
هذه المرة
" تيما توقفي عن لومي وكأني المخطئ دائماً "
قالت من فورها وبسخط
" بلى أنت المخطئ وأنت تقفز لغرفتي كطرزان "
نظر لها بصدمة تجمدت معها ملامحه لبرهة قبل يقول بسخط
مماثل
" ألم تجدي شخصاً أفضل منه تشبهيني به ! "
قربت وجهها منه وقالت تحركه حتى تحركت غرتها الناعمة مع
حركته وكأن الهواء يتلاعب بها
" لا بالطبع فروميوا كان يقف تحت الشرفة ويغني ولا يتسلقها "
أمسك نفسه بصعوبة عن إمساكها وتقبيلها بعنف وقال متملقاً
يقلدها
" وطرزان أيضاً لم يكن يتسلق الشرفات "
رمت يدها متمتمة ببرود
" هو كان يتسلق كل شيء على أي حال "
فحرك رأسه مبتسما وأمسك وجهها مجدداً وقربه من وجهه
وجنونه بها بدأ يتغلب عليه وهمس من بين أسنانه ينظر لحدقتيها
الزرقاء الواسعة
" عليك أن توقفي هجومك الشرس هذا أو أني سأتّبع ذات
الأسلوب معك وطرق هجومي ليست شريفة مطلقاً فها
أنا أحذرك "
نظرت له بعينين متسعتين ليس بسبب ما قال فقط فقد بادلها
هو أيضاً ذات النظرة ما أن علا صوت الطرقات على الباب
عند أول الغرفة خلفها .. ودون شعور منها ولا وقوف لحظة
للتفكير دفعته بيديها بقوة جهة الشرفة المفتوحة وأغلقت الباب
خلفه ، وما أن نظرت لمقبض الباب الذي استدار ببطء قفزت على
سريرها جالسة تبعد شعرها المتناثر عن وجهها لحظة أن انفتح
الباب وظهرت من خلفه التي جعلت قلبها توقف ما أن رأتها وكم
حمدت الله أنها طرقت الباب ولم تدخل مباشرة فما ستظنه بهما
حينها بل وبها تحديداً ؟!
كانت تمسك مجموعة أوراق تحضنها بيدها بينما حجابها الأسود
على شعرها دون أن تمسكه بدبوس مما يعني أنها كانت في
الأسفل فهي تستخدم مكتب رعد هذه الفترة ولم تنم حتى الآن
بالتأكيد لأن حفل افتتاح البرج سيكون غدا .
" تيما لما أنت مستيقظة حتى الآن وما هذه الأصوات في
غرفتك ؟! "
قالت عبارتها تلك تنظر لها باستغراب بينما كانت تحدق هي فيها
بصدمة لم تستطع اجتيازها بسهولة فقد ظنت لوهلة بأن ما نبهها
ضوء الغرفة المتسلل من تحت الباب لكن الأمر يبدو كان أخطر
من ذلك وكم حمدت الله أن حديثه الأخير كان بصوت منخفض ،
وما أن أبعدت شفتيها لتقول بأنها كانت نائمة قبل قليل واستفاقت
بسبب أصوات أخافتها في الخارج وهي الحقيقة وإن كانت ناقصة
حتى ماتت الكلمات على طرف شفتيها وهي ترى تلك العينان
السوداء الواسعة تبتعدان عنها للسرير بجانبها وحيث يوجد
هاتفها الذي رمته سابقاً وتعلم جيداً ما سيخبرها عقلها به الآن
عن سبب سهرها حتى هذا الوقت .. وجاء حديثها مؤكداً ذلك
حين قالت ببرود وهي تستدير ودون أن تنظر لها
" ثمة أمور يمكنها الانتظار حتى الصباح فنامي الآن بسرعة "
واختفت خلف الباب الذي أغلقته خلفها ونظراتها الحزينة تراقب
مكانها بأسى فبالرغم من أنها لم تعد غاضبة منها ولم تتحدث عن
الأمر ولا وقت اجتماعهم جميعاً هنا ولم تعد معترضة وإن جزئياً
لكنها تقرأ في نظراتها رفضاً واضحاً للأمر برمته وذاك ما يحزنها
وكم تتمنى أن تصبح نظرتها له كنظرة والدها وجدها .
التفتت جهة الشرفة سريعاً ما أن سمعت الطرقات المنخفضة على
زجاجها وزحفت مغادرة السرير من فورها وتوجهت نحوها
وأغلقت بابها بإدارة المفتاح الخاص به فلن تهمل إغلاقه جيداً
مجدداً ، أبعدت خصلات غرتها خلف أذنيها ووقفت ملتصقة
بالباب هامسة بتهديد
" غادر فوراً يا قاسم قسماً إن رأتك والدتي أن أغصب منك
غضباً حقيقياً هذه المرة "
وصلها صوته المتضايق فورا
" حقيقي ! وهل رأيت المزيف مثلاً ؟ "
فأمسكت ابتسامتها بأسنانها وقالت بجدية تحذره
" بل لم ترى شيئاً أبداً فغادر بسرعة قبل أن تسوء الأمور بما لا
يمكن معالجته "
قال من فوره
" أجيبي على اتصالاتي إذاً "
نظرت خلفها بخوف قبل أن تنظر لخياله خلف الزجاج مجدداً
وهمست
" سأفعل "
قال سريعاً
" وثمة أمور عليك رؤيتها في المنزل لآخذ رأيك فيها "
اتسعت عيناها بصدمة وقالت برفض
" لا هذه لن تحدث أبداً ولن تخل باتفاقنا السابق يا قاسم أو
لن تراني أبدا "
وابتسمت ما أن سمعت تأففه الواضح قبل أن يقول ساخطاً
" أمري لله ... لست أعلم من الكبير الراشد فينا "
وسمعت خطواته يبتعد تلاه صوت أغصان الشجرة وذات الصوت
الذي سمعته سابقاً فابتسمت تمرر كفها على زجاج الشرفة البارد
هامسة
" أحبك يا متهور لكن ثمة ما هو أهم من كل هذا "
*
*
*
لامارا, ورد الخال, sweethoney and 63 others like this.
رد مع اقتباس
#12123
قديم 10-06-19, 09:19 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
لمست بأطراف أنامها الحلق الماسي المتدلي من أذنها وهي
تبتسم للداخلين للتو فذاك الباب الواسع لم يتوقف عن استقبال
ضيوفهم الليلة ويبدو لن يحدث ذلك قريباً .. استقبلتهما بترحاب
وضحكت لتعليق المرأة على أناقتها فهي في هذه الليلة تحديداً
سينظر لها الجميع بنظرة مختلفة وإن كانت أنيقة دائماً تهتم
بمظهرها وكونها فرد من عائلة السلطان المعروفة في تلك البلاد
فإن كان الانجاز الأول الذي تفعله المرأة في حياتها بأن تنجب
وإن طفلاً واحداً فالآخر هو أن تراه يتزوج .. لكن ما لا يعرفه إلا
القلة بأنها اختبرت هذا الشعور وعاشته سابقاً وبكل صدق حين
تزوج وقاص ومن كانت تعتبره الابن الأول لها ومن قبل أن تختبر
شعور الأمومة أو تعرفه ولن تكذب أبداً إن قالت أنها لم تجد
الشعور اليوم مختلفاً رغم قلقها الشديد إن كان بالنسبة لزواج
وقاص المتزعزع وبشكل ملحوظ مؤخراً أو بسبب اختيار ابنها
للفتاة التي قرر الارتباط بها ... وانتقل نظرها سريعاً ناحيتهما
فبينما كانت ملامح رواح مسترخية يضحك ويمزح مع الجميع
وقد برز في بذلة سوداء أنيقة ومميزة بالفعل الليلة كانت الواقفة
بجانبه تدير وجهها بين المدعوين طوال الوقت متجنبة الحديث
مع أي ممن يتحلقون حولهما من حين لآخر بينما تمسكت
ملامحها الشقراء الجميلة ببرود قاتل ...
هي لا تكره أن تكون ساندرين زوجة لابنها كما أنها تحبها وترى
شخصيتها متطابقة تماماً مع شخصية ذاك المشاكس الذي لطالما
أتعبها وعلى مرور أعوام حياته لكنها تخشى فعلاً من الفشل
الذريع لزواجهما أيضاً وهي التي لن تتمنى في الوجود شيئاً
كاستقرار ابنيها وسعادتهما وهي ترى وبوضوح أن ساندرين لا
تتقبل كل ما يحدث بالرغم من أنها من أعلن موافقتها عليه سابقاً
وعلى العلن !
لكنها لم تبدي إلا الكره له ومنذ طفولتهما ولن تلوم سوى ابنها
المجنون ذاك على هذا ..
وما زاد الأمر سوءاً أنه لم يبلغها أحد بأن ما يحدث الليلة ليس
مجرد حفل خطوبة لهما بل ما جلب ضرار من مشروعهم الضخم
والمهم في تلك الجزيرة إلى هنا اليوم هو عقد القران الذي تم
بالأمس ولأنهم في مجتمع حفلات الزفاف فيه تقام في الكنائس
اختاروا إقامة هذا الحفل في قصر العائلة بينما كانت باقي
الإجراءات قانونية فقط .. لكن ما أراحها أن رواح قرر سلفاً بأن
إتمام الزواج متوقف حالياً وحتى وقت لم يقرره وتأمل فعلا بأن
يكون ينوي ترك ذلك لزوجته تلك فستكون الأمور أسهل حينها
ولن تجد نفسها مع زوجة ابن أخرى غاضبة في منزل عائلتها.
تنهدت بحزن وهي تنقل نظرها منهما للمعني بالأمر ومن لم تتركه
نظراتها هذه الليلة ولم يكن سوى وقاص الذي كان على حالته
ذاتها منسجم تماماً في الحديث مع مجموعة من أصدقائه المقربين
ومن كانوا ضمن المدعوين الليلة وكانوا ثلاث شبان وفتاتان ممن
يعملون معه في مكتب المدعي العام .. كما يبدو أنهم انتهزوا
الفرصة جيداً ليتحدثوا فيما لا يتوقفون عن التحدث عنه بالطبع
وحتى في حفل كهذا لا يمت لعملهم بأي صلة ...!
كانت تراه كما يراه كل من وقع نظره عليه منفصلاً تماماً عما
حوله وهو يبدو كمن يدير نقاشاتهم تلك بحرفية لا يهتم بشيء
آخر غيرها في تلك الحفلة وذاك المكان الواسع الذي بدأ يمتلئ
سريعاً بأصدقاء العائلة المنحدرين من أصول انجليزية لأغلبيتهم
لكنها كانت ترى أيضاً ما لم يراه أحد وهو أن انعزاله المتعمد ذاك
لم يكن تاماً وكاملاً كما يوحي للجميع أو يقصد أن يُظهر ذلك كما
تجزم فوحدها بالتأكيد من استطاعت أن تلحظ تلك النظرات القليلة
الخاطفة التي سرقتها عيناه الجامدة نحو شقيقه نجيب
وزوجته ...
المرأة الواقفة ملاصقة له تقريباً يدها تحضن ذراعه ومن بدت
أنيقة بل رائعة وفاتنة الليلة وليس لها أن تقول غير ذلك وهي
من لم تكن لتتخيل أن تراها في حلة أجمل مما رأتها عليه في
الحفل السابق والذي أقاموه من أجل النجاح الأول الذي حققته
شركتهم الجديدة وها هي تخون توقعاتها فذاك اللون الدافئ
لفستانها الطويل الناعم تناغم وبشكل آسر مع لون شعرها وجمال
بشرتها النقية ولون عينيها الواسعة وكم تخشى مما يخفيه قلب
ابنها الذي لم تنجبه ذاك فهي تعرف وقاص جيداً ولها أن تتوقع
موقفه الدفاعي عنها بسبب ظروفها وما أصبحت عليه هنا لكنها
تخشى أيضاً من انحدار تلك المشاعر لما هو أسوأ من ذلك رغم
هروبها المتكرر من الاستسلام لتلك الأفكار فوقاص لن يكون بتلك
الأخلاق المتدنية أبداً فحتى وإن كان زواجه ينزلق نحو الفشل
التام إلا أن تلك المرأة متزوجة ومن شقيقه مهما كان ذاك الزواج
خاطئاً وظالماً ... وبالرغم من كل ذلك لازالت مخاوفها تطفو
للسطح كلما رأت نظراته تستقر عليها وهي من ربت ذاك الشاب
وعرفته جيداً فكل شيء في وقاص تغير تقريباً منذ أصبحت تلك
الفتاة هنا ... لا بل تحديداً منذ أصبحت زوجة لنجيب وخرجت من
عزلتها الطويلة لتشارك العائلة حياتها وكل ما تتمناه أن تكون
مجرد مشاعر إنسانية تلك التي تدفعه للمحاربة من أجلها وبكل
تلك الشراسة كقريبة له أولا وكشخص يتعرض للظلم ثانياً حتى
إن تخلصت يوماً من ذاك الزوج الفاشل فهو لا يستحق أن يخرج
من جحيم الزواج بجمانة للتورط مع من تراها لا تجيد شيئاً سوى
كرههم وبالإجماع بل وانعزالها عن كل شيء حولها وكأنها
تعيش عالماً خاصاً رغم سواده ترفض أن يشاركها أحد فيه
وأيا كان ..
فحتى هنا وفي المكان الذي عج بالضحكات والأحاديث المختلفة
كانت نظراتها تنتقل بين المدعوين فقط ... نظرات خاوية غامضة
أحياناً ومتفحصة أحياناً أخرى وكأنها تخزن صوراً للجميع في
عقلها أو تبحث عن أحدهم في تلك الملامح بينما تجهل اسمه !
فهي تراها لا تشعر بأي شيء من حولها ولا حتى تلك النظرات
الرجولية الخاطفة التي تحيطها بحماية حذرة ترفض الخضوع
لقوانين صاحبها والابتعاد عنها رغم عزمه على فعل ذلك وكم
باتت تخشى على حياة ابنها ذاك من الانحدار للأسوأ فأحواله
جميعها لم تعد تعجبها .... هجرانه الشبه تام للمنزل ..
شجاراته المتكررة مع نجيب وعلاقته الشبه منقطعة مع زوجته
والهشة مع جده والمتدنية مع الجميع !!
حتى أن صديقته الانجليزية تلك والمدعوة إلينا لم تكن مع عائلتها
الليلة هنا وقد اعتذروا بلباقة بالنيابة عنها ويبدو واضحاً بأنها
تتعمد عدم المجيء !.
تنهدت بعمق مجدداً وهي تعود بنظرها إليه وكانت نظراته هذه
المرة مركزة عليهما عكس السابق !!
فتحركت نظراتها سريعاً نحوهما وغضنت جبينها تنظر باستغراب
للرجل الذي أصبح يقف معهما ... كان تقريباً في الخمسين من
عمره وله ملامح عربية واضحة ولم تستطع فعلاً أن تحدد سنه
فلا يبدو أن للون الأبيض مكاناً في شعره الداكن بينما تؤكد
الخطوط في فكيه وملامحه أنه في سن متقدم نسبياً ويبدو أنه
لا يفتقد للحيوية والصحة لكنها لا تعرفه ولم تراه سابقاً !!
أخرجها من أفكارها تلك كما انتزع نظراتها عن تلك الجهة اليد
التي لامست كتفها فنظرت سريعاً للذي قال مبتسما بفتور
" لا تقولي شاهر أهذا أنت هنا ؟ فأنا أقف خلفك منذ وقت
وأنت لا تشعرين "
استرخت ملامحها قبل أن ترتسم ابتسامة صادقة على شفتيها
ولامست يدها ذراعه قائلة بضحكة صغيرة
" لم تترك لي شيئاً أقوله إذا "
وتبدلت نظرتها للاستغراب حين نظر حوله ثم خلفه وكأنه يبحث
عن أحدهم أو ثمة من كان برفقته ويود أن يقدمه لها ! وليس
لها أن تتخيل أن يفكر في جلب تلك المرأة معه مجدداً بعدما حدث
وفعلته تلك المرة ، راقبت بتوجس نظراته التي تبدلت للحنق
وهو يجول بنظره بين الموجودين وكأنه يبحث بالفعل عن أحدهم
وانتقلت لها العدوى سريعاً لعلها تفهم على الأقل من هذا الذي
جاء بصحبته فهو لم يفعلها سابقاً حفاظاً على سريات هويته
الانجليزية المزيفة ليتم تقديمه على أنه مجرد صديق للعائلة !
وما أن كانت ستعود بنظرها إليه لتسأله إن كان يبحث عن أحدهم
ابتعدت بنظرها سريعاً جهة باب الشرفة الزجاجي الواسع
والمفتوح وسرق نظرها تحديداً الشاب والفتاة الداخلان منه
متخالفان بذلك مع الجميع وبشكل متعمد تفهمه جيداً وهو رفض
ذاك الشاب أن يحتك بها وهو متأكد من وجودها هنا قرب الباب
مع ضرتها تستقبلان الضيوف .. ورغم كل ذلك فهي لم تتأثر
باستنتاجها المحبط للآمال ذاك وقد قالت مبتسمة بسعادة
" أليس هذا ابنك وزوجته ؟
لم أكن أتخيل أن تفعلها تلك الفتاة وتجعله يأتي !! "
قالت جملتها تلك وقد انتقلت نظراتها نحو الذي تخطاها نحو
الداخل متمتما ببرود
" لا جدوى مما تفعلونه جميعكم ... لما لا تقتنعون بذلك ؟ "
فتبعته نظراتها الحزينة المتأسية وهو يبتعد في اتجاه آخر لن
يجمعه بابنه ذاك بالتأكيد وكم يحزنها وضعهما بل ووضع جميع
أفراد عائلتها فعلاقته بشقيقه تأخذ ذات المنحدر كما علاقة
شقيقها ذاك بها وهو من اتهمها وعلانية بأنها تقف في صف
شاهر ولا يمكنها أن تراه مذنباً بينما معه هو العكس مما سبب
انقطاع شبه تام بينهم منذ تلك المشكلة أو الشجار العنيف الذي
دار بين الشقيقين قبل أعوام وكان سببه الرئيسي ذاك الابن الذي
لا يعترف بأي منهم ولا يراهم عائلة له .
انتقلت نظراتها جهة من أصبحا قربها يتبادلان التحية مع ضرتها
والدة ضرار وابتسمت بحب وهي تستقبلهما فكأنما خرج هذا
الرجل من أفكارها ! وها هو يقول مبتسماً بتكلف واضح
" نعتذر عن التأخر الخارج عن إرادتنا ... مبارك زواج
ابنك يا رقية "
فقالت بسعادة تمسك بيده بكلتا يديها
" سعيدة بحضوركما وأنا من عليها أن تعتذر لأني لم أكن معكم
في الحفل في منزلكم "
فابتسم وافترقت أيديهما بسبب التي قالت وقد اقتربت منها وقبلت
خدها مبتسمة
" مبارك لكم ولنا إذا فمصابنا واحد "
وتشاركتا الضحك فبالرغم من الفتور الواضع في علاقتها بشقيقها
الذي لم يعد يزورها سوى في المناسبات وبدعوة رسمية أيضاً
فإن زوجته تراها تختلف في أفكارها عنه وكأنها ترفض كل ما
يحدث وكم هي ممتنة لهذا فحتى كنانة توقفت عن زيارتهم ومنذ
أعوام ولن تلومها في ذلك فهي في هذا ستراعي مشاعر والدها
في جميع الأحوال وذاك ما حاولت شرحه لها متأسية بعكس
شقيقها عثمان والذي كان غضبه أسوأ من والده فهو انقطع عنهم
وبشكل نهائي عكس البقية وكم تتمنى بالفعل أن ينتهي هذا
الشقاق بين الأشقاء والذي تراه لن يتحقق مادام ذاك الشاب
المدعو تيم غاضب من الجميع وكأن غضبه ذاك لعنة عصفت
بهم جميعهم لن تختفي تبعاتها إلا باختفائها .
*
*
*
شتت نظراتها الباردة بعدم اهتمام بعيداً عنه بل وعنهما وقد
سئمت فعلا من تصنيف مشاعرها فهي لم تكن هكذا أبداً ولم تحتج
يوماً لأن تلتفت لهذه التفاهات وليس عليها أن تتساءل مجدداً
عن توجيه مشاعرها اتجاه هذا الرجل المسمى خالها ولا بأن
تسمح لكل ما يقوله ذاك المحامي الفاشل أن يؤثر في أفكارها
فجميع من في هذا الكوكب مجرد أعداء حقيقيون لها ..
عليها أن تصنف الجميع على هذا النحو وحتى خالها دجى وابن
شقيقه فهم في النهاية تركوها وحيدة حين اقتنعوا بأنها لم تعد
بحاجة لأي أحد فقد فعلوا ما يستطيعون عليه... أليست تلك كانت
عبارة طبيبها الأخيرة والتي قالها في وجود مطر وهو لم يعارض
أو يناقشه فيها ؟ إذا هم فعلو ما في استطاعتهم وهي لا تحتاج
لأي منهم .. هذا ما قررته وعازمة عليه .
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها الجميلة الرقيقة ونظرها
الشارد يتبع حركة سيدة شقراء تتمايل في فستان حريري طويل
مبتسمة ... هل هي بالفعل قررت ذلك لأنها لم تعد تحتاجهم ؟
لا بل الواقع أقسى وأسوأ من ذلك بكثير فهي لم تفقد مربيتها
وحلقة الوصل الوحيدة بينهم فقط بل وباتت ممنوعة من الخروج
لوحدها من هذا السجن الذي بات أوسع الآن وبأوامر وجهت
للحرس الواقفين في الخارج تحديداً كما يُمنع على من في مثل
حالتها اقتناء هواتف شخصية فهي لازالت الفتاة المعلولة نفسيا
بل وعقلياً وفي نظر الجميع .. لكن ذاك لن يثنيها عما عزمت
عليه وهي تدخل هذا المكان وإن كلفها حياتها .
رسمت ابتسامة أخرى متكلفة على شفتيها لم تغير شيئاً في
ملامحها الباردة حين اكتشفت أن الحديث بات موجهاً لها وهي لا
تعلم بل لم تهتم فلم تجد فيما يتحدثان عنه شيئاً مسلياً أو مهماً ولا
ينقصها المزيد من الملل وتستغرب جدياً أن هذا المدعو نجيب لم
يدعو أحداً من شلة الفاشلين تلك المدعوون أصدقائه فهل خالها
من طلب هذا بسبب طبعه الانطوائي والذي تستغرب معه أن دخل
مكانا مليئاً بالأشخاص كهذا ! أم ثمة أسباب أخرى تجهلها تدور
في هذا الرأس الخبيث ؟
قالت ببرود وصوت بالكاد يُسمع
" آسفة لقد شردت قليلا "
ابتسم الواقف أمامهما ابتسامة أظهرت خطوط فكيه العريضان
بوضوح وقال ونظراته لم تترك عينيها
" وهل لي أن أعلم فيما تفكر ابنة شقيقتي الحسناء ؟ "
ولم ينتظر منها الجواب وقد تابع ونظره ينتقل للواقف ملاصقاً لها
" هل فكرت يوماً في قراءة أفكار النساء ؟ إنها أصعب مهمة
يورط الرجل نفسه فيها كما يقولون "
فضحك نجيب سريعاً وقال يرمقها بنظرة ماكرة
" بلى ومع ابنة شقيقتك تحديداً سيكون الفشل مضاعفاً
بل ومريعاً "
فتنهدت بضيق مبعدة نظرها عنه بل وعنهما وهما يتشاركان
الضحك لحظة أن اقترب منهم أحد الخدم المنتشرين في المكان
الواسع وهمس للواقف بجانبها شيئاً ما من خلف أذنه جعله
يسحب ذراعه تاركاً أصابعها تنزلق منها وغادر خلفه مباشرة
نظراتها تتبعه حتى اختفى خلف باب صالة الاحتفالات المرتفع
ويبدو غادر المكان بأكمله وتستغرب تكرار هذا الأمر كلما كانوا
ثلاثتهم معاً وكأن الأمر متعمد !! نظرت حولها تمرر نظراتها
ببطء بين الموجودين تبحث عن تفسيرات لأمور كثيرة باتت
تجهلها فهي لا تثق في أي منهم ولا تعلم لما تشعر بأنه ثمة شبكة
عنكبوت تحاك حولها في صمت ولن تتمكن من اكتشافها حتى تجد
نفسها عالقة فيها ؟!.
أجفلت بشكل خفيف ظنت بأنه لم يلاحظه أحد سواها حين لامست
أطراف الأصابع الباردة للواقف أمامها أسفل ذراعها ومرفقها
وكان ينوي قول شيء ما مبتسماً قبل أن تنطفئ تلك الابتسامة
تاركة تجهما غامضا في ملامحه .. ومن إبعاده السريع ليده
علمت بأنه فهم أمراً ما وأثبت ذلك حين قال بأحرف مشدودة
" تخافين مني يا زيزفون ....؟ من خالك ...! "
فأبعدت نظرها عنه وهمست ببرود تمرر أصابعها على مرفقها
حيث لازالت تشعر بلمساته تلك
" بل كنت شاردة الذهن ولم .... لم أكن أتوقع بأنها يدك "
تنقلت نظراته في ملامحها وقال بجمود
" لم تنسي الماضي ولم تشفي منه إذاً ...؟ ألا زالت تنتابك
الكوابيس ؟ لازلت ترين ذاك الرجل فيها ؟ "
حضنت نفسها بيديها تقريباً في حركة لا إرادية تبعد نظرها
عن عينيه وقالت بجمود
" افضل أن لا نتحدث عن الأمر "
قال وكأنه لم يسمع ما قالت
" عليك أن تنسي كل ذلك فهو لم يعد له وجود ... كان ماض
وانتهى يا زيزفون "
فنظرت له سريعاً ولم تشعر بنفسها مطلقاً وصوتها يخرج
مرتفعاً حاداً وإن لم يكن تغلب على الضجيج من حولهما وصوت
الموسيقى التي أصبحت تنبعث من مكان ما
" انتهى كيف ؟ ماذا عن القضية وعن إسحاق وعن عائلة ذاك
الرجل ؟ وتعلم بالتأكيد بأنهم يسعون وبقوة لنقل القضية هنا
لمحاكم بريطانيا فأنت تعلم عن كل شيء ومن حيث لا أعلم ..!
كما تعلم جيداً بأن اختبائي خلف اسم مزور لن يدوم طويلاً "
كان صدرها يرتفع ويهبط بقوة من شدة انفعالها الغاضب فابتسم
بسخرية وهو يقول
" أي الإثنين تعني انجي جاكسون أم سيلين إسحاق ضرار ؟
لم أعرف امرأة مثلك تعيش بثلاث شخصيات مثبتة قانونياً
وسليمة لا نقاش فيها وأن تكون زوجة لابن عمها باسمها
الحقيقي تحديداً ! "
شعرت بغضبها يزداد مع تصاعد أنفاسها من سخريته ولا مبالاته
أولاً ومن كم الحقائق التي يعلمها عنها ثانياً فهي لم تعطي هذا
الخال حجمه الحقيقي بالتأكيد ولا يبدو لها أنه الرجل الانطوائي
المنعزل الذي عرفته في الماضي ...!!
قال حين لاحظ غضبها المكبوت والذي أوشك على الوصول
للانفجار
" حسناً أنا لا أتحدث عن القضية ولا عن إسحاق بل عنك أنت
وعن تأثير ذاك الماضي في...."
قاطعته بحزم آمر تنظر لعينيه
" لننهي الحديث في الأمر خالي رجاءً "
ولم تعجبها مطلقاً نظرة عدم الاقتناع التي رمقها بها فلما يهتم
أساساً إن كان ذاك الماضي لازال يؤثر بها أم لا وإن كانت تنفر
بالفعل من لمسات الرجال غير المتوقعة أو المقصودة ؟
ماذا يتوقعون منها مثلاً ؟ أن تجتاز كل ما حدث وكأنه لم يكن ؟
لم تكن روحها وحدها ما أزهقت تلك الليلة بل وشقيقها معها
احترقاً كما احترق جسد والدتهما أمام عينيهما وكما دُمرت
براءتها وبوحشية أمام شقيقها ... بأي حق يطلبون منها النسيان
وتخطي كل ذلك ؟
هي ماتت وانتهت منذ ذاك الوقت وعليهم جميعهم الاقتناع بهذا
ومهما كانت أسبابهم ودوافعهم فقد كان بإمكانها اجتياز كل ما
مرت به وبقوة حتى الجنون الذي كادت تصاب به وأنجزوا الكثير
وصفقوا لأنفسهم مهنئين وهم يخلصوها من كل تلك العقد
النفسية التي التصقت بها لكن هذه لا ...
لا يمكنهم فعلها كما لا يمكنها تخطيها ولا مساعدتهم في ذلك فذاك
دُفن داخلها وللأبد كما دُفنت جدتها ووالدتها ووالدها من قبلهما
قبضت أصابعها المرتجفة بقوة ونظرت جانباً متجنبة النظر لعينيه
المحدقة فيها بجمود ولم تستطع فهم ولا دراسة أفكاره فهو ثالث
شخص يعلم عنها وعن ماضيها الكثير بعد خالها دجى ومطر
شاهين لكن لم يعد يمكنها الوثوق به كما في الماضي وإن كان
دافع عن سرها ذاك وبقوة وحتى أمام القانون .
تركزت نظراتها وحدقتاها الغائمة بلون غامق فجائي أطفى عليهما
زرقة عميقة لا تشبه لونهما الأساسي بتاتاً وهي تنظر للواقف
بعيداً ومن كان ينظر لهما بتركيز منفصل تماماً عن أحاديث
الواقفين حوله ولم تفهم نظرته المستغربة المتفحصة تلك عمّا
تبحث تحديداً وهو من كان يتجاهلها بتعمد واضح ؟
ويبدو وكما لاحظت أن تساؤلاته تلك جميعها تدور حول الواقف
أمامها الآن والذي يبدو أيضاً لاحظ بوضوح نظرتها تلك بل
وتجزم بأنه كاد يقرأها وهي تعود بنظرها لعينيه ورأت فيهما تلك
النظرة وهو ينقلها بينها وبين الواقف هناك قبل أن يقول ناظراً
لعينيها
" من يكون ذاك الشاب ؟ يبدو يعرفك ؟ "
لم تفهم أكان سؤالاً ذاك أم استجواباً ! وبأي حق يرمقها بنظرة
الاتهام هذه ؟
أعليها أن تكون دنيئة منحطة كزوجها ؟
وماذا يقصد تحديداً ومما يبدو غاضباً ؟
حركت شفتيها متمتمة ببرود
" ذاك شقيق نجيب من والده ، ماذا تظنه مثلا ... عشيقي ؟
أنت لم تنسى حديثك السابق عن عُقد الماضي بالتأكيد "
لم يعلق كما لم يدفع الاتهام عن نفسه بل تنقلت نظراته بين
عينيها في شرود مبهم وكأنه يحاول تذكر شيء ما وقال بعد
برهة وبوجوم
" أهو شقيقه المحامي ؟ ذكر لي أن له شقيق أكبر منه يمتهن
المحاماة ؟ "
نظرت بريبة لعينيه المحدقتين فيها بفضول وترقب حذر لاحظته
بسهولة وقالت بدهاء أنثوي يشبهها
" بل نائب للمدعي العام في محكمة أولد بيلي الجنائية "
واصطادت بصدمة النظرة المرتبكة التي رمقها بها قبل أن
تجحض عيناه في الفراغ بوجوم مخيف وكادت تجزم بأنها نظرة
ذعر تلك التي رأتها في عينيه والتي أخفاها وبشكل سريع
وغامض عنها وهو يحدق فيها مجدداً حين قال بأحرف مشدودة
" ماذا يعلم عن الأمر ؟ هل أخبرته ؟ "
" لا ... ولا يعلم شيئاً "
قالتها مباشرة ولازالت تحاول فهم ما يجري في دماغ هذا الواقف
أمامها والذي لم تعد تراه كما كانت في السابق منذ زرع ذاك
الرجل الشكوك في داخلها حوله وها هي تزداد الآن ...!!
راقبت نظراته المشتتة والتي كانت تتسم بالثقة والكبرياء قبل
قليل ! فمما هو خائف فحتى انكشاف خبايا الجريمة لن يدفع هو
ثمنه بل شقيقها ! أم يخشى أن يُحاسب قانونياً على تستره عن
الحقيقة ؟ وذاك ليس بالسبب الكافي أيضاً !.
قال ينظر لعينيها وبجدية
" لا يجب أن يعلم شيئاً إذاً ... سبق وأخبرت زوجك ذاك بأني لا
أريد التعرف على أفراد عائلته ولا أن يعلموا هويتي ومن أكون
بالنسبة لك "
وتابع بانفعال فجائي وغريب حين رمقته بشك
" من أجل سلامتك وسلامة شقيقك يا زيزفون فتوقفي عن
التحديق بي هكذا وكأني قطة مسجونة في قفص "
رفعت حاجبيها في نظرة تعلم بأنه فهمها جيداً وكأنها تقول له
( ما بك انفعلت فجأة وبدون سبب !! )
فتأفف ونظر لساعته من تحت كم بذلته الرمادية المنشاة قبل
أن ينظر حوله قائلا
" علي أن أغادر الآن فثمة موعد مهم لا يجب أن أتأخر عنه
وزوجك يبدو سيغيب طويلا "
وما أن أنهى عبارته تلك حتى غادر مبتعداً عنها بل ومن المكان
بأكمله نظراتها المشككة لازالت تتبعه حتى اختفى قبل أن تنظر
للجانب الآخر وللذي لم تحتاج للبحث كثيراً حول تلك الجهة
لتجده فقد ابتعد قليلاً عن المجموعة التي كان يقف معها منذ وقت
ولم يكن سوى وقاص ... وانعقد حاجباها البنيان الرقيقان وهي
تنظر للهاتف الذي كان يضعه على أذنه يبدو يتصل بأحدهم
وينتظر أن يجيب كما يبدو أن صبره بدأ ينفذ غضباً من الذي لم
يجب عليه حتى الآن .. ومن نظراته التي كانت مركزة على
المكان الذي خرج منه خالها للتو علمت ما ينوي فعله فشدت
قبضتاها بقوة تشد على أسنانها وتحركت من فورها ناحيته فعليها
أن توقف ذاك المتهور فوراً .
*
*
*
لامارا, ورد الخال, sweethoney and 62 others like this.
رد مع اقتباس
#12124
قديم 10-06-19, 09:21 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
رفعت كم سترتها ونظرت للساعة في معصمها قبل أن تنظر
حولها حيث القاعة الواسعة والفخمة والتي بدأ عدد الأشخاص
فيها يزداد عن توقعاتها وهذا ما سيجعل مهمتها أصعب مما كانت
تريد وتتوقع وجل ما تخشاه أن يَخيب أملها وتخرج صفر اليدين
من هنا فلم يوافق مطر بسهولة لتكون في هذا المكان ورفض
وبشكل قاطع ما كانت تفكر فيه وتخطط له ولم تُصدق أذنيها حين
أعلمها بأنها ستكون عند جسر تشيلسي وأنها ستكون هنا بعدها
بساعات قليلة .
" هذا ما يفعله إلحاح النساء المزعج "
همست بها مبتسمة وهي تنزل كم سترتها مبعدة يدها فمخططها
لازال يحتاج لوقت وبما أنهما بالكاد دخلا فلن يغادر الآن بالتأكيد
إلا إن خان توقعاتها وقرر المغادرة فور وصوله .. ولن تستغرب
أن يفعلها فهو كان صامتاً متجهما طوال الطريق إلى هنا مما يدل
على أن شيء ما لا يروق له في التواجد في هذا المكان وليست
السبب الوحيد بالتأكيد ولن تتعب نفسها في التفكير فيه فذاك ليس
هدفها .
ارتد جسدها للأمام بشكل طفيف فنظرت جانباً لصاحب البذلة
الأنيقة والعطر القوي الذي ابتسم لها معتذراً حين اصطدم بكتفها
وهو يجتازها فاغتصبت ابتسامة متفهمة تراقبه وهو يبتعد لازال
يرمقها بنظرات متسائلة بين الحين والآخر ولن تستغرب ذلك
منه بسبب ملابسها هذه فهي لا تستطيع ارتداء فستان سهرة
جميل كما جميع النساء هنا لأنها لن تتخلى عن حجابها ومهما
كلفها الأمر وعليها أن تكون هنا لذلك ستتحمل تلك النظرات بل
وتتجاهلها فثيابها أنيقة باهظة الثمن وإن كانت لا تناسب المكان
والمناسبة .
ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيها .. ابتسامة هي أقرب
للانتصار حين وقع نظرها على الجهة التي يقف فيها سبب هذا
الحفل وقد عرفته سريعاً من ملامحه الارستقراطية التي تميز تلك
العائلة ومن تلك الدمية الجميلة الشقراء العابسة التي يمسك
بذراعها بتملك .. ولن تلومها أبداً فببداية كهذه سيكون الزواج
هو أكثر مشروع فاشل يحاط بتمنيات النجاح .
ولم يكن ذاك ما أبهج سريرتها بل مجموعة الشبان الذين أصبحوا
يقفون حوله هو وزوجته بملابسهم السوداء الغريبة حتى أن لون
شعر كل واحد منهم كان كذلك ويبدو بشكل متعمد فملامحهم
انجليزية ولن يحملوا جميعهم ذات الصفة ! ويبدو أنهم أيضاً
يشكلون فريقاً في شيء ما وقد يكونوا من راقصي الهيب هوب
وأرادوا حضور زواج صديقهم على طريقتهم !!
كما يبدو أنهم من المقربين له وها قد وجدت أخيراً مجموعة شاذة
تشبهها وعليها الاقتراب منهم لبعض الوقت لتزيل الشبهات وتلك
النظرات عنها والتي تجعلها كالحمقاء فهدفها يبدو أنه لم
يصل بعد .
وما أن تحركت من مكانها حتى أوقفتها الأصابع الطويلة التي
التفت حول ذراعها النحيل وما أن نظرت خلفها بل وللأعلى قليلا
وكما توقعت كانت في مواجهة الملامح الرجولية المتجهمة بل
والغاضبة على ما يبدو وإن كان ذاك القناع الجامد يخفي ذلك
وببراعة .
قال بخشونة في أول حديث بينهما يكون هو الطرف فيه
" أليس من اللباقة أن لا تتركي مرافقك ؟ أم يعجبك التسكع
في حفل لا تعرفين فيه أحداً كما أظن ! "
رمشت بأهدابها الطويلة عدة مرات وفكرت سريعاً في أن هذا
الوجه سيصبح أكثر وسامة إن تصدق عليه صاحبه بابتسامة
ما .. وتخيلت نفسها تقول له ذلك بالفعل والآن تحديداً فلم تستطع
منع الابتسامة التي ارتسمت على شفتيها تخفي ضحكة ما تختبئ
خلف أنفاسها المسجونة في حلقها وعبثت أسنانها بشفتها تمسك
ابتسامتها أيضا وقالت بخفة
" معك حق فهذا أول ما سأقوله لمرافقي حين أجده "
مما جعل حاجباه يرتفعان لتترك أصابعه ذراعها فها هي تعيد
توجيه الضربة له وفي وقت قياسي لتجعل تصرفه هو الذي
يفتقد للباقة !
فمن هذا الذي اختفى وترك الآخر إن لم يكن هي ؟
وكان تعليقه الوحيد أن أدار وجهه للجانب الآخر متأففا بصمت
فهذا ما ينقصه امرأة ثرثارة أخرى طويلة لسان .
بينما راقبته عيناها بصمت تمرر طرف لسانها على شفتها العلوية
وما أن كانت ستتحدث وتريه من إبداعات النساء المزيد حتى لفت
انتباهها شخصان تحركت نظراتها معهما فوراً يتجهان حيث كانت
تخطط هي أن تذهب على ما يبدو فقد كانا واقفيْن بسبب شخص
ما يتحدث معهما وقد تحركا مجدداً من أجل البحث عن وجهة
محددة يقصدانها .. وضاقت عيناها الواسعة تنظر للشاب الطويل
الأنيق والفتاة ذات الفستان الأحمر الممسكة بذراعه شعرها البني
الناعم قد تناثر حول كتفيها وظهرها بنعومة تشبه ملامحها
وابتسامتها المتناقضة تماماً مع ذاك الوسيم العابس وهمست
بحنق طفولي
" الخائنان .. !! "
كيف لهذا أن يحدث فهما كانا أقصر منها في آخر مرة رأتهما
فيها معاً !
لما يتطور كل شيء من حولها عداها هي فقد علقت في ذاك
العمر على ما يبدو وبقيت مكانها فحتى تلك الطفلة الصغيرة
ها قد أصبح لها جسد مثالي وساقان طويلتان نسبيا عكسها
تماماً !
نظرت للواقف قربها والذي يبدو أن المشهد سرق إهتمامه أيضا
غير أن نظرته ازدادت قتامة عن السابق وكأنه غاضب من شيء
ما وبطريقة مخيفة ...!!
أدارت عينيها مجدداً جهة صاحب تلك الوسامة المدمرة ورفيقته
وتنهدت بأسى .
" هاي ... انظر لهذه المفاجأة يا رجل "
استدار شاهر حينها بنصف جسده في حركة سريعة ما أن وصله
ذاك الصوت الرجولي المرح وابتسم من فوره بمجاملة للرجل
الخمسيني والمرأة الشابة الممسكة بذراعه قائلا بنبرة عميقة
متزنة "
مرحبا سيد جوردان ... لم أتوقع أن أراك هنا ! "
واسترسل الرجل الانجليزي من فوره يروي له قصة رحلته التي
لم تكلل بالنجاح وسبب عدم مكوثه في جزر الأوركيني الشمالية
مما أتاح الفرصة للتي تركها خلف ظهره للابتعاد عنه بخطوة
صغيرة فكل ما تخطط له هو الاختفاء مجدداً والتوجه حيث كانت
تنوي قبل قليل .
*
*
*
" وقاص "
شدت كم يد سترته السوداء الفاخرة جهة مرفقه والتي كان
يرفعها بالهاتف لأذنه مناديه باسمه من بين أسنانها فأبعد نظره
عن المكان الذي علق فيه منذ وقت ونظر باستغراب للتي باتت
واقفة أمامه في الوقت الذي فتح فيه الطرف الآخر الخط أخيراً
فهمس والجمود لم يغادر ملامحه
" قليلاً فقط يا زيزفون "
وما أن كان سيبتعد عنها وذاك ما كانت تتوقعه فهو يخطط بالتأكيد
لأن يرسل أحدهم للحاق بمن غادر للتو لكنها لن تتركه يفعل ذلك
لن يدمر كل ما فعلوه لأعوام لحماية شقيقها ودفن في ماضيها
وللأبد .. لن تسمح له بفعلها ومهما كانت نواياه ، رفعت جسدها
ويدها ليده قبل أن ينفذ ما يخطط له ويبتعد عنها وسحبت الهاتف
منها في حركة لم يكن يتوقعها لما كان سمح لها بفعلها وإضاعة
الوقت عليه فإن غادر ذاك الرجل بوابة القصر الخارجية فلن يجده
مجدداً ومهما حاول وذاك ما يعرفه كلاهما .
نظر لها بدهشة وكأنه لم يستوعب حركتها تلك قبل أن يمد يده
لها قائلا بحزم
" أعطني الهاتف يا زيزفون ثمة مخابرة مهمة ثم يمكنك قول
ما تشائين ويمكنني سماعك "
دست يدها والهاتف فيها خلف ظهرها وتراجعت للخلف خطوة
قائلة بحزم
" لن أعطيك إياه لأني أعلم ما ستفعل وأخبرتك سابقاً أن
تبتعد عن كل ما يخصني يا وقاص "
حدق فيها بصمت قبل أن يقول بضيق
" ومن قال بأن الأمر يخصك ؟
لقد فهمت كلماتك السابقة جيداً ووصل ما تريدين قوله ضمنياً "
زمت شفتيها بحنق فهو لم ينسى كلماتها القاسية تلك إذاً ولن
ينساها بالتأكيد وتعلم بأن كرامته كما كبريائه جرحا وبعنف
بسببها لكنه لازال يعجز عن منع نفسه من حشر أنفه فيما
يخصها وإن أظهر عكس ذلك وتعلم جيداً بل وموقنة بأنه
سيستمر في البحث بعيداً عنها ، قالت تموه ذكاء المحامي فيه
كي لا يشك بهوية خالها ذاك وبأنها تبعده عنه تحديداً
" توقف إذاً عن مطاردة أصدقاء شقيقك ذاك ومراقبتهم فالأمر
يخصني أيضاً "
قال بحدة رامياً بحديثه السابق عرض الحائط
" وأي صديق ذاك الذي يأخذ كل تلك المساحة من أحاديثكما
منفردين وكأنكما تعرفان بعضكما جيداً ؟
بل وعربي الأصل ولم أراه سابقاً ولا من ضمن أصدقاء نجيب !
بل وليس في سن يناسب لأن تكون ثمة صداقة بينهما بينما ليس
لدى ذاك الفاشل أي أعمال ليكون له شركاء فيها أو أصدقاء
مشتركين ؟! "
اشتدت أناملها بقوة على الهاتف الذي لازالت تخفيه خلف ظهرها
وقالت بضيق
" عليك أن تعلم أمراً واحداً فقط وهو أن تبتعد عن طريقي
ولا تتدخل فيما يرفض غيرك أن تتدخل فيه "
مد يده لها قائلا بأمر ومتجاهلا كل ما قالته
" الهاتف يا زيزفون "
قالت برفض تبتعد عنه خطوة أخرى
" لا لن أعطيك إياه وذاك الرجل لا أعرفه وحديثنا كان
عابراً عادياً "
خرجت منه ضحكة ساخرة قصيرة لا مكان للمرح فيها قبل
أن يقول "
ولما كنت غاضبة إذاً ...؟ أنا نفسي لم أعرف فيك تلك المشاعر
إلا نادراً ! "
قالت بضيق
" ومن تكون أنت لتقيم مشاعري وانفعالاتي ومنذ متى تعرفني
لتحكم ؟ توقف عن افتعال المشاكل مع شقيقك بسببي لقد سئمت "
كانت تعلم بأنها كمن يحارب الهواء بما تفعل مع هذا العنيد فقد
أشار بيده حيث غادر سبب حديثهما ذاك قائلا بحدة
" هذا ليس عذراً لتمنعيني من معرفة هوية ذاك الرجل فهل لي
أن أفهم السبب ؟ "
كانت هي من ضحك تلك الضحكة الساخرة حينها وقالت
" مغرمة به وأحمي علاقتي معه منك ... أيكفيك هذا ؟ "
قال من فوره وبضيق
" زيزفون توقفي عن التفوه بالحماقات تعلمين جيداً أن ذاك
ليس ما أفكر فيه أو أعنيه "
حاولت أن تموه الحقيقة مجددا فعليها أن تطرد من رأسه فكرة
أنها تحمي هوية ذاك الرجل من الانكشاف وقالت بضيق مماثل
" ليس عليك تصنيف جميع رفاق شقيقك على أنهم مؤذيين ...
أنا قادرة جيداً على حماية نفسي "
مد يده لها مجدداً وقال بحزم
" أعطني الهاتف إذا وسأتأكد من نفسي صدق حديثك هذا ...
ولك أن توجهي لي الإهانات القاتلة حتى الصباح فلن أهتم "
فخرجت مشاعرها عن السيطرة نهاية الأمر وقالت بانفعال واضح
" توقف يا وقاص متى ستفهم ؟ حتى تصبح صفحة جديدة من
رسوماتي ؟ "
نظر لعينيها بصمت واستغراب استطاعت قراءة ما ورائه جيداً
فتأففت بضيق وأشاحت بوجهها عنه جانباً وسقطت يدها بجانب
جسدها وهاتفه لازال فيها وحدث ما توقعته جيداً حين وصلها
صوته ونبرته العميقة التي تبدلت للهدوء فجأة
" ما معنى هذا التهديد يا زيزفون ؟ من هذا الذي قد يقتلني
إن استمررت في البحث عنه ؟ "
نظرت له بسرعة وقالت بجمود
" قدري ... لا أحد سوى قدري الذي يأخذ كل من يفكر في
حمايتي أو الدفاع عني فاتركني وشأني أخبرتك بأني قادرة
على حماية نفسي "
نقل نظره بين عينيها قبل أن يقول بجمود
" لكن قدرك لم يأخذ الرجل الذي ساعدك للخروج من كل
ذاك النفق المظلم كما أظن ؟! "
فاشتدت أصابعها على هاتفه فيها حتى آلمتها وقالت ببرود ناقض
مشاعرها تلك
" ذلك لأنه لا يبحث عن الحقائق ... لا ينبش الماضي ولا يحاول
الوصول لما تسعى له أنت لكان مات مثلهم بالتأكيد ولا تنسى
بأني حذرتك "
لانت نظراته فجأة وقال بتأن
" ولماذا ...؟ لما يعنيك تحذيري وأن لا أنتهي لذاك المصير ؟
لتحميني أم لتحمي شيئاً أجهله ؟! "
أشاحت بوجهها عنه ورفعت يدها لصدرها تتنفس بقوة قبل أن
تمدها ناحيته وقالت بجمود ولازالت تتجنب النظر له
" هاتفك "
فغرضها منه انتهى وسيكون خالها ابتعد بالتأكيد ولن تكشف له
شيئاً الآن والأمور بدأت تنتقل للتعقد أكثر مما يعني بأنها اقتربت
من الانجلاء فهكذا هي حكمة الحياة كلما ازداد السواد قتامة
كان بصيص النور قريباً مثلما كلما ضاقت حبائلها فرجت .
نظرت لعينيه حين قال بنبرة أشد صلابة من نبرتها ولم يرفع
يده لهاتفه ولم يأخذه منها
" لن آخذه حتى تجيبي عن السؤال الذي تجاهلته متعمدة "
سحبت نفساً عميقاً ارتفعت معه تفاصيل صدرها الأنثوي وقالت
تزفره بقوة
" بل لأنه لا جواب لدي فخذ هاتفك أو أنت الخاسر الوحيد
إن بقي لدي "
قال ناظرا لعينيها متجاهلاً يدها وهاتفه فيها كما حديثها
" ترفضين فعلاً أن أموت يا زيزفون ؟ أم لا تريدين تحميل
نفسك ذنب ذلك ؟ "
لم تجب كما لم تنزل يدها ولم تبعد نظراتها عن عينيه فرفع يده
حينها وفي صمت وإن كانت نظرته لا تؤكد البتة بأنه مقتنع
بأجوبتها وإن كانت الصمت ، وما أن وصلت يده له أمسكه
لكن ليس لوحده بل وأصابعها معه وشد عليها بقوة ولازال ينظر
لعينيها نظرة لا تفهم أكانت تعني الإصرار والعناد على ما يرفض
التوقف عن البحث عنه وهي الحقيقة التي يصر على أنها ستكون
سبب براءتها الحقيقي أم تأكيداً على حديثه ذاك وسؤاله ؟
" وقاص "
أبعد يده وهاتفه فيها كما فعلت هي وهي تتنحى للجانب قليلاً
للمرأة التي كانت خلفها ونادته للتو برقة ونبرة هادئة والتي ما
أن أصبحت تقف معهما حتى تبين لها هويتها الحقيقية فانتقلت
نظراتها على جسدها صعوداً وابتسامة ساخرة بطيئة تزين شفتيها
وحدقتاها الزرقاء تنتقل من جسدها الذي تغير وبشكل واضح وإن
لم يصل للرشاقة المطلقة بعد يغطيه فستان عشبي اللون من
الحرير الطبيعي تزينه قطعة كريستاليه لامعة عند الصدر الذي
انكشف أغلبه من فتحته المثلثة الواسعة لينتهي قماشه لقطعتي
كريستال أخريين مستطيلتا الشكل تجمعان قماشه فوق كتفيها مما
زاد تلك الفتحة اتساعا مبرزة ما تحتها كدعوة واضحة لكل من
يراه ! بل وكأن صاحبته لم تستطع إبراز مفاتن أنوثتها إلا الآن
لتسارع لعرضها للعلن ...!!
ذقن أصبح مشدوداً بعد أن أزيل الجلد المتدلي قليلاً تحته
والممتلئ .. شفتان كانتا متباينتا العرض تماماً بسفلى ممتلئة
وعلوية رقيقة لتصبحا بذات الحجم والشكل مشدودتا الطرفين
كبالون صغير منتفخ ومطلي باللون الأحمر اللامع ... أنف مسطح
من الأسفل بينما توقفت عمليات التحسين عند عظمته العريضة
بين العينين اللتان تغير لونهما للأزرق المشوش بسبب السواد
الحقيقي للحدقة المخفية تحت تلك العدسات اللاصقة ورموش
صناعية كثيفة ... وانتهى الأمر عند الشعر الذي تحول للأشقر
الفاتح وقد تخللته وصلات لشعر حقيقي بأطوال مختلفة لتخفي
قصره الحقيقي فتنزل متدرجة حتى منتصف ذراعيها اللتان
لا زالتا تحتفظان ببعض ذاك الامتلاء الغير خاضع لطرق الصقل
الجديدة التي يبدو خضع لها ذاك الجسد !.
نظرت لعينيها ولنظرة الاحتقار والكره التي كانت ترمقها بها
واتسعت ابتسامتها الساخرة وهي تقول ونظراتها تشملها مجدداً
باستخفاف بضحكة ساخرة مكتومة
" رائع يبدو أن الحفل الممل أصبح ينزلق للأفضل وستبدأ
العروض الترفيهية الآن "
" زيزفون !! "
نظرت من فورها لصاحب ذاك الصوت الرجولي الحازم وهو
يسكتها والذي تابع بضيق ناظراً لعينيها
" توقفي عن هذا فجمانة لم تتحدث معك أو تسيء إليك "
نظرت لها مجدداً قبل أن تعود بنظرها إليه وقالت بذات ابتسامتها
الساخرة
" كانت زيزفون من تتلقى الآراء السلبية دائماً وكان لا بأس ...!
من حقها إذاً أن تعامل الجميع بالمثل أليس كذلك يا رجل
العدالة ؟ "
ولم تكترث قط لنظرة الضيق والرفض لكلماتها التي رماها بها
واستدارت ناحية التي شملتها نظراتها الساخرة مجدداً وقالت
بسخرية أشد
" ولا تخف على مشاعرها هكذا فستكون اتخذت حصانة ضد
كل هذا والفضل يرجع لك بالتأكيد "
وغادرت مبتعدة عنهما ما أن أنهت حديثها ذاك ترفع رأسها
بكبرياء أنثوي لم يزدها سوى سحراً قوياً يلتف حولها
كالمغناطيس تاركة خلفها من سحقتها تحت حذائها ذو الكعبين
المرتفعين كالسجادة فذاك ما شعرت به تلك حقاً وكم كرهت أن
اختارت صبغ شعرها بهذا اللون واقتناء العدسات اللاصقة وبهذا
اللون تحديداً فقد قرأت وبوضوح في نظراتها الساخرة تلك بأنها
تفهم محاولاتها البائسة بأن تكون نسخة عنها .. وليس لها أن
تنكر ذلك فصورتها فقط ما كانت أمام عينيها وهي تستعد لحفل
الليلة وكأنها تنوي تقليدها لشد ما يجذب زوجها لها مما أظهرها
بمظهر سخيف وستكون سخرية الجميع مثلها بالتأكيد ...
لكن لا .. هي لن تسمح لذلك بأن يؤثر عليها ولن تنجح تلك
ولا غيرها في تدمير ثقتها الجديدة بنفسها فهي راضية تماماً
عما أصبحت عليه وما كانت تريده وتتمناه منذ عرفت هذا
الرجل .
رفعت نظراتها به وكما توقعت كان ينظر لها ونظرته تلك لم تعبر
عن الرضا البتة ولم تكن لتتوقع غير ذلك لكن هذا أيضاً لن يثنيها
عن هدفها وستستعيده لها فهو زوجها وهي الأحق به من جميع
النساء وكما قالت تلك قبل قليل والتي استطاعت فهمه أكثر منها
هي الحمقاء والتي عاشت معه أكثر مما عرفته هي فهو بالفعل
كان يدعمها ويحاول جاهداً الرفع من معنوياتها المحطمة ويحاول
دائماً إفهامها بأن لا تلتفت لأي رأي غير رأيه مما كان من
المفترض أن يشكل لديها حصانة منيعة ضد آراء الأخرين بها
لترميها وراء ظهرها لكنها الحمقاء كانت العكس تماماً .
جمانة الماضي كانت لتهرب الآن لغرفتها تنحب بين جدرانها
لوحدها بسبب ما سمعته منها .. أو كانت لتحاول استدرار عطفه
وهي تصف له بكلمات متألمة باكية عن مشاعرها المحطمة بسبب
تجريحها ذاك وسيحاول هو مواساتها وتبديد شكوكها بالطبع مما
سيزيدها بكاء وكما ستفعل أي امرأة ضعيفة مهزوزة حمقاء مثلها
فينتهي الأمر بأن يتدمر منها وتفقد حتى شفقته اللحظية تلك ...
لكن جمانة الماضي تغيرت بل وماتت ولن تسمح لها بأن تظهر
مجدداً وتدمر كل ما صنعته ووصلت إليه .
رفعت أصابعها تبعد بها غرتها عن طرف وجهها ولازالت تحدق
به وأفتر ثغرها عن ابتسامة حاولت أن تجعلها كما علمتها
شقيقتها قدر المستطاع أنثوية مغرية وهي تبعد شفتيها لتتحدث
لكنها ماتت وفي مهدها كما تلك الكلمات على أعتاب شفتيها حين
قال الواقف أمامها وبضيق
" لما أنت هنا يا جمانة ؟ "
كانت تعلم بأنه لم يكن يعني الحفل بل أمامه هنا وبأنه لم يقل ما
قال لتلك ودافع عنها أمامها إلا بسبب طبعه الذي يميزه عن جميع
الرجال ، تابع ودون رحمة حين لم تعلق
" إن كنت هنا من أجل أن تتحدثي وأستمع لك فلا شيء
نتحدث عنه "
فجمعت قواها المشتتة مجدداً وقالت وإن بصعوبة
" أنا هنا ليس من أجل أن نتحدث بل من أجلك أنت "
قالتها وبكل جرأة لم تعرفها في نفسها من قبل فلم تبدي له
عبارات التودد المماثلة سابقاً لأنها لم تكن تسمعها منه لكنها
ستتحدث الآن ولن تنتظر أن يبادلها بالمثل فسيتغير كل ذلك مع
الوقت ومهما طال ، حاولت جاهدة أن لا تسمح للدموع بأن
تتسرب من عينيها حين قال وبقسوة
" هل أنت راضية الآن عما صرت عليه ؟ أهذا ما سيجعلك راضية
عن نفسك ! أرأيت ما أوصلتك له تلك الأفكار السخيفة
عن العمليات التجميلية الفاشلة "
شعرت بضربة قاسية وجهت لقلبها وكلماته صفعت وجهها وبقوة
فهو وبالرغم من أنه تجنب وبشكل واضح أن ينتقد شكلها الجديد
كما فعلت تلك قبله إلا أنه آذاها فعلاً برأيه السلبي في مظهرها
الذي تكبدت عناءً كبيراً لتصير عليه ومن أجله قبل الجميع ...
لكنها كانت تتوقع هذا وتعلم جيداً بأنه سيحدث وعليها أن لا تنسى
ذلك فهو غاضب منها ولن تتوقع منه أن ينبهر ويبتهج ويمطرها
بعبارات المديح ويتغزل بها وهو يراقصها كما يفعل الإنجليز ..
كما تعلم بأن دربها سيكون طويلاً بطول معاناتها السابقة مع
نفسها قبل أن تكون معه وهي من خسرته ومن عليها أن تدفعه
نحوها ولتمتلكه وليس لتستعيده فهو لم يكن لها يوماً ، رفعت
يدها وما أن لامست أطراف أناملها ظهر كف يده هامسة
" وقاص.... "
حتي جذبها بعيداً وتصلبت ملامحه وكأنها نار لسعته وقال بضيق
" لا تتلفظي بإسمي مجدداً ولا تقتربي مني فأنت من دمر كل
شيء يوم خيرتك واخترت كل هذه التفاهات عني "
أعادت يدها وضمتها لصدرها تتلقى باقي هجومه القاسي
" أخبرتك سابقاً ومراراً أن التغيير لا يأتي من الخارج وأن
القشور لا تُهم سوى محدودي التفكير وأن ... أو لما أتعب
نفسي بتكرار ما كررته لثلاثة أعوام كالببغاء "
حاولت بصعوبة تنظم أنفاسها كما مشاعرها المتأذية من قسوته
وقالت بضعف
" أعطنا فرصة ... فرصة جديدة ولن نقول أخيرة ... ألست من
كان يطلب ذلك ويشجعه دائماً ؟ "
أبتسم بسخرية قبل أن يقول بحدة ناقضت ابتسامته تلك
" كان ذاك قبل أن تغادري هذا المنزل وتختاري العملية فلن
تلومي أحداً سوى نفسك لأنه اختيارك "
بلعت ريقها كما غصتها وإهاناته معها وقالت بصبر
" أنت غاضب الآن ونحن في مكان غير مناسب للتحدث
فسيكو.... "
فقاطعها بنفاذ صبر ملوحاً بيده
" توقفي يا جمانة بالله عليك فهذه الأدوار لا تليق بك "
قالت بأسى حزين تضغط على وتره الحساس ونقطة ضعفه التي
تعرفها جيداً
" توقف أنت عن إهانتي برفع صوتك هكذا أمام من باتو
يسترقون السمع لنا حلفتك بالله وحافظ على كرامتي وإن
أمامهم ... أنا لا أطلب أكثر من هذا الآن "
وما أن أشاح بوجهه متنهداً بعمق ولاذ بالصمت حتى ابتسمت
بانتصار فهي تعرفه جيداً لن يجرحها أمام شخص ثالث وأيا كان
وكانت الظروف وهذه البداية وستكون جيدة كبداية فقط ولن
تضيّع كل ما علمتها إياه شقيقتها وما سهرت ليالٍ دون نوم تفكر
فيه وتحلله وتقلبه حسب شخصيته فلن تُسلم هذا الرجل المليء
بالمزايا من خارجه لداخله لأي امرأة وهي زوجته ومن تحظى
بمكانة لم تصلها غيرها ، قالت بنبرة حزينة نظرها لازال معلقاً
بملامحه
" عاملني كوقاص الذي أعرفه وإن أمام الناس ثم عاقبني
بما شئت وما تريد حين نكون لوحدنا "
وما أن نظر للأسفل ولاذ بالصمت شع وجهها بابتسامة رضا
واسعة واقتربت منه .. ودون تردد التفت أصابعها حول ذراعه
وقالت تسحبه معها
" والداي هنا ... لقد وصلنا للتو ويريدان رؤيتك "
*
*
*
رغم ابتعادهما إلا أن رأسها كان يستدير للخلف وعيناها لا زالتا
هناك وقالت ما لم تسأل نفسها قبل قوله
" من تلك المرأة غريبة المظهر مع والدك ؟ "
وسرعان ما عضت لسانها موبخه نفسها حين دفعها بسحبه
لذراعه المتمسكة بها لكي تنظر أمامها وتصمت فهي تنسى دائماً
بأنها تدني نفسها خطوة في كل مرة لتصبح في نظره مثلهم وكما
سبق وحذرها دائماً .
وما لم تتوقعه أبداً حدث حينها أن تحركت شفتاه وقال بجمود
" تلك زوجته "
فنظرت له بصدمة توقفت معها عن السير مما جعله يقف أيضاً
وحدقت فيه تلك العينان العسلية بذهول ليس لأنه أجاب وهي لم
تتوقع ذلك أبداً منه بل للإجابة نفسها !
تنقلت نظراتها الذاهلة المصعوقة في ملامح وجهه الباردة ككلماته
تلك قبل أن يتحرر لسانها المتحجر وقالت مندفعة
" زوجته كيف ومتى ...؟ بل ولما ! "
قالت كلمتها الأخيرة تلك بالكثير من الأسى والألم لكنها لم تلحظ
شيئاً من ذلك في عينيه المحدقتان بعينيها ...؟ لا شيء سوى
البرود و... اللامبالاة !! توقعت أن ترى غضباً دفيناً !
ألماً محجوباً عن الجميع عداها فيهما !
توقعت حتى الانكسار وخيبة الأمل التي تستبعدها لكنها لم تتخيل
أبداً أن يواجه الموقف ببرود تام بل وعدم اكتراث وامرأة أخرى
تقف مكان والدته وإن كانت ميتة ! فهي تعي جيداً كم يقدس
ذكراها ويحبها لكنها لم تتخيل قطعاً أن يكون والده ميتاً بالنسبة
له ولهذا الحد المريع !!
تحركت شفتاها المصابتان مجدداً في محاولة لقول شيء آخر لا
تعلمه حتى مما جعل الأحرف تخرج متقطعة مشتتة
" لكن ... لكنه... "
فقاطعها بأن سار مجدداً يسحبها معه متمتماً بضيق
" تحركي وتوقفي عن الثرثرة ماريا فرأسي يؤلمني "
رأسه يؤلمه !
جيد هو أثبت لها على الأقل بأنه يملك جزءاً بشرياً في جسده تلك
اللحظة ... ثم أيؤلمه من ثرثرتها كما يسميها بينما المكان يعج
بالأحاديث والضحكات العالية ؟ تتساءل أحياناً إن كانت دماءً تلك
التي تسري في عروقه كباقي البشر أم سائل أسود يحركه كآلة
صماء !
وصلا حيث يقف رواح وساندرين بجانبه ولهدفهما الرئيسي من
القدوم بالطبع ولن تتوقع منه أن يفعل غير ذلك ، كان يحيط بهما
مجموعة من الشبان بزي موحد جعل منهم محطاً للأنظار فهم
بدوا مميزين بالفعل حتى أن طولهم متقارب بشكل واضح
ومدهش ...! مبتسمين مرحين وحركاتهم وكأنها متناغمة
ومدروسة رغم عشوائيتها !
ولن تستغرب أبداً أن يكون له أصدقاء هكذا فهي تراه يشبه
الواقفة بجانبه تماماً شخصية تحمل الكثير من المفاجآت ويمكنك
توقع الكثير منها بل ويمكنها الانسجام مع أمثال الواقفين حولهما
يتحدون ويضحكون دون توقف .
" المعذرة "
تلك الكلمة الباردة الحازمة التي خرجت من شفتي المرافق لها
جعلت اثنين منهم ينظرا لهما للخلف قبل أن يتنحيا جانباً ليصبحا
مقابلان تماماً لرواح وساندرين وعم الصمت تلك المجموعة وكأن
حضوره وكالعادة يجذب الصمت التام كما الأحداق والنظرات ..!
وكانت ابتسامة رواح أول رد فعل له لكنها لم تجذبها بقدر ما
جذبتها تلك النظرة في عيني ساندرين وهي تنتقل ببرود في
ملامحها ولها أن تتوقع ذلك فأثر تلك الكدمة المخيفة التي كانت
تزين وجنتها لم يختفي بشكل كامل وإن كانت شفيت تقريباً وما
يزيد الوضع سوءاً أيضاً أن الجروح الصغيرة التي سببتها تلك
السكاكين أسفل فكها وذقنها لم تختفي جميعها بشكل كامل أيضاً
ولم تنجح مساحيق التجميل الخفيفة التي وضعتها في إخفاء كل
ذلك حيث أن جرحين منها كانا أعمق من الأخرى التي اختفت
جميعها وتعلم جيداً أن هذا كان سبب تلك النظرة التي وجهها
والده نحوهما أيضاً وإن كانت تستغرب أن لاحظ هذا من بعيد !
فحتى الجرح في يدها استغنت عن الشاش الطبي لتغطيته بشريط
طبي لاصق منذ أيام لتغطيته وحده لأنه بدأ يتماثل للشفاء .
علّق رواح سريعاً ومحاولاً تبديد كل ذاك الجو المشحون وقال
مبتسماً وغامزاً لها بعينه
" فعلتها إذاً ... رأيت أن كلامي كان صحيحاً "
فابتسمت له بارتباك وحضنت يدها الأخرى أيضاً الذراع التي
لازالت تتمسك بها وقالت تنقل نظراتها بينهما
" مبارك لكما .... "
وتابعت وقد استقرت نظراتها على عيني ساندرين تحديداً
" لقد جئنا من أجلكما "
لكن تلك الجميلة العابسة لم تقابل نظرتها ولا ابتسامتها تلك
بالمثل حين قالت ببرود
" هل هذا حقاً ما أردته لنفسك ماري ؟ "
فخيم الحزن على تلك الملامح سريعاً ورغم توقعها لردة فعلها تلك
إلا أن كلماتها جرحتها وبعنف خاصة وهي تناديها باسم تلك الفتاة
التي لطالما ذكرتها بأنها تشبهها فهي من اليأس والضعف أن
انتحرت بسبب حبها لرجل لا يبادلها تلك المشاعر ، وهي لا
تناديها بذاك الاسم إلا لتذكرها بذلك .. ورغم كل ذلك استطاعت ان
تجبر شفتيها على الابتسام وأصابعها تضغط بقوة على ذراع
الواقف ملاصقاً لها كي لا يتحدث وتعلم جيداً بأنه يفهم إشارتها
تلك وقالت وكأنها لم تسمع شيئاً من حديثها ذاك
" أنا حقاً سعيدة .. ومن أجلكما أيضاً "
قالت ذلك بمشاعر صادقة بالفعل فبالرغم من نظرة الجميع
لوضعها معه وبالرغم من التزاماته وعمله وبجميع مخاطره
والمهام التي جعلت حتى من امرأة أخرى شريكة لها فيه إلا أنها
سعيدة حقاً بوجودها بقربه ومعه ولن يفهم أحد مطلقاً معنى هذا
ومعنى ما تشعر به وتحتاجه .
" أتمنى ذلك فعلاً "
كان ذاك فقط ما علقت به الواقفة أمامها ونظراتها الحانقة تنتقل
للفراغ وتعلم بأنها لن تستطيع أن تغضب منها أبداً فهي تفهم
طريقة تفكير ساندرين جيداً وبأنها لا تكرهها بل تحبها وهذا
السبب الأساسي في رد فعلها ذاك لكن وبما أنهما من شخصيتان
متناقضتان تماماً فلن تستطيع أيا منهما إقناع الأخرى ولا تغيير
رأيها أو حتى موافقتها.
قال أحد من اكتفوا بالتحديق والصمت مستمعين لكل ذاك الحوار
المبهم الغامض وهو يرسم ابتسامة
" حسناً ألن تعرفنا بهما يا رواح فيبدو أن صديقات زوجتك
رائعات مثلها "
وأتبع كلماته تلك بضحكة قال من خلالها وهو يغمز لتيم والواقف
بجانب من نظرت له بصدمة
" أم أن حبيبها لن يعجبه ذلك ؟ "
لتموت تلك الضحكة ما أن رمته تلك العينان السوداء بنظرة كفيلة
بإرساله للموت فوراً بينما حاول انتزاع ذراعه منها في حركة
جعلت أصحاب تلك الملابس السوداء جميعهم يتراجعون خطوة
للوراء في رد فعل لا إرادي من معرفتهم لنيته المحتمة بينما
بقي المعني بالأمر واقفاً مكانه ينظر له بصدمة فكانت ردة الفعل
الأخرى والأسرع لرواح والذي مد يده وذراعه بطولها بينهما
وقال بابتسامة ناقضت كل ذاك الجو المشحون
" هيه توقف يا رجل فهم يحتاجون لعددهم كاملاً من أجل العرض
القادم في غوت تالند لهذا الموسم "
وحين لم يرى استجابة من الذي حاول سحب ذراعه مجدداً ممن
كانت تمسكها بقوة وترمقه بضيق غاضب هامسة
" تيم توقف "
فتحرك حينها من مكانه ووقف بينهما وقال بحزم محدقاً في تلك
العينان الغاضبة
" لا تتصرف كالمراهقين يا رجل "
وكان كلامه تذكيراً له أكثر من كونه تحذير بأن ما يفكر في فعله
الآن لن يكون في صالحه أبداً فتحرك من مكانه مغادراً من هناك
يمسك بيد التي سحبها خلفه خطواته الواسعة الغاضبة تجتاز
الموجودين يحدقون بهما فبعضهم تمكن من معرفته بسهولة
وكيف يمكنهم نسيان ما حدث في الحفل السابق الذي انتهى
برصاصة من مسدسه .. بينما ميّز البعض الآخر هويته بسبب
الصور التي جمعته بتلك الفتاة الانجليزية المعروفة وابنة رجل
واحد من أهم رجال البلاد .
كانت وجهته الباب الذي دخلا منه قبل قليل لا يرى شيئاً آخر
سواه أمامه لكن ذاك الصوت الأنثوي الذي وصله من خلف أذنه
تمكن من إيقافه مجدداً ما أن أجبرته على التوقف فوراً بوقوفها
قائلة
" انتظر قليلاً تيم لن نغادر الآن "
فاستدار نحوها وقال بضيق
" وماذا بعد ماريا ؟ مزيداً من الإهانات ؟ أم أن رفقة أولئك
الصعاليك تعجبك وقررت مرافقتهم ؟ "
نظرت له برفض محتج تخفي به أكثر مرارتها وجرحها من
كلماته لكنها لم تستطع منعها من الخروج مع صوتها الهامس
" لم أكن أتوقع أن تلك نظرتك لي ! "
لكن ذلك لم يخفف من غضبه شيئاً وهو يشير برأسه حيث
كانا قائلاً
" أنا أشرح فقط ما أراه أمامي "
فابتلعت إهانته الجديدة مع ريقها الجاف وقالت بضيق
" تفكيرهم يختلف عنا كما حياتهم وعلاقاتهم وأنت تعرف ذلك
جيداً وعشت معهم فيفترض بأنك تتفهم الأمر لا أن تغضب
هكذا ! "
ابتسم بسخرية وقال متهكماً
" ولما أنا فقط من عليه تفهم حياتهم وأفكارهم بينما معك يحدث
العكس دائماً ؟ "
وفهمت فوراً بأنه يذكرها بغضبها وغيرتها المتكررة من النساء
الانجليزيات ، قالت بأسى تنفض يدها المقبوضة الأصابع
" توقف عن رفع صوتك هكذا .. الجميع باتو يحدقون بنا
وأنت تهينني أيضاً بهذا "
فأمسك بيدها مجدداً وتحرك من فوره جهة الباب الزجاجي الواسع
وخرج بها منه قائلا
" سنغادر فوراً إذاً ولا تنسي بأن القرار لي وأنت وافقت "
فمدت شفتيها بعبوس ولم تعلق فهو على حق في هذا .. لكن وما
أن كانا في الشرفة التي دخلا منها حتى أوقفته مجدداً قائلة
" بل أريد رؤية زيزفون أولاً "
وكما توقعت ما أن نظر لها حتى رأت الغضب واضحاً في نظراته
وقال بضيق
" ظننتك طلبت أن تهنئي صديقتك البلهاء تلك فقط لا أن تسلمي
على جميع الموجودين هنا كما كنت تفعلين مع أشجار قرية حجور
سابقاً "
فلوحت بقبضتها قائلة بضيق
" تيم توقف عن تجريحي وعن نفث نيران غضبك بي "
وشعرت بالألم يمزق حنجرتها من كتم عبرة جاهدت بصعوبة كي
لا تخرج لكنها عجزت عن منع الدموع التي ترقرقت في عينيها
العسلية الواسعة تحت ضوء الشرفة القوي في مشهد جعله
يغمض عينيه متأففاً بقوة قبل أن يمسك بذراعها ويرجع بها نحو
الداخل .
*
*
*
لامارا, ورد الخال, sweethoney and 57 others like this.
رد مع اقتباس
#12125
قديم 10-06-19, 09:24 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
مررت أصابعها تحت قلنصوة قميصها تدفع غرتها المقصوصة
للخلف تجمع ما افلت منها خلف أذنيها وابتسمت باعتذار
ابتسامة واسعة ما أن رفعت رأسها ووقع نظرها على العينين
الزرقاء التي حدقت بها فور أن التفت لها الذي أصبح واقفاً
أمامها بعد استدارتها والذي يبدو أنها غرست مرفقها في ظهره
بالخطأ فها قد تم القبض عليها متلبسة فهي وقفت قربهم فقط
لتعطي انطباعاً بأنها جزء من فريقهم .. وإن كانت تعلم بهذا
لكانت اختارت اللون الأسود لتناسبهم تماما ، لكنها لم تخطط قطعاً
لأن تحتك بهم مباشرة ولا أن تتبادل أطراف الحديث معهم ...
شعرت بجسدها يتصبب عرقاً وعلمت بأن هذه الأمسية لن تمضي
بسلام خاصة أنه لطالما ارتبط اسمها بالمشكلات وكم كان يناديها
ذاك العجوز البدين في صغرها ب ( دانيا مشكلات ) حتى التصق
النصف الآخر فقط منه بها في طفولتها التعيسة تلك وبات يناديها
أغلب الأطفال في ذاك المنزل به .. وتذكر جيداً حين كان يقول
أحدهم ( إن نامت المشكلات سيكون حينها بإمكاننا إطفاء النور
ولن نعاقب صباحاً ) وكانت هي المعنية طبعاً فأولئك الفتية
الجاحدون لم يكن بإمكانهم الاعتراف بأنها كانت أشجع منهم دائماً
حتى أنها كانت سبب خلاصهم من ذاك العجوز الكريه ومنزله
المشابه له .
غرست أسنانها في باطن شفتها بقوة في عادة كانت ملتصقة بها
دائماً حين تجد نفسها في ورطة هكذا فالبقية يبدو أنهم انتبهوا لها
أيضاً وأصبحت ضمن الدائرة التي اتسعت لتشملها معهم فقالت
مبتسمة في أول جملة حمقاء قفزت لرأسها
" هاي ... أنتم فريق رائع حقاً ... يعجبني لباسكم "
وشعرت بأنها باتت ترتدي قبعة الأرنب بالأذنين حينها عندما
تشاركوا في ضحكة واحدة بينما قال أحدهم وهو يشملها بنظرة
تقييمية ساخرة
" وأنت كذلك ... وتبدين ضائعة هنا ؟ "
وعادو للضحك مجدداً فشعرت بالأبخرة تتصاعد من رأسها
وقالت بضيق
" هذا لأني أشبهكم بالطبع "
وما أن تبدلت تلك النظرات الممزوجة بالتسلية للحنق من إهانتها
تلك حتى قالت بسرعة وبابتسامة متسعة
" أقصد بأني أملك موهبة مميزة مثلكم "
وأضافت ما أن ارتفعت تلك الحواجب بدهشة وكأنهم متفقون على
كل حركة يؤدونها بالفعل حتى تسرب ذلك في دمائهم !
" ليس مثلكم تماماً أعني فأنتم فريق مؤكد يقوم بعرض ما
وموحد لكني أعمل لوحدي "
يا إلهي ما هذه الورطة الجديدة التي وضعت نفسها فيها وهي من
سبق وعاهدت ذاك العابس على أن لا تفعل هذه الأمور مجدداً
أمام الناس ولا من أجل إمتاعهم مجاناً لكنها في ورطة الآن ولا
يمكنها الخروج منها بغير تلك الخدع البصرية لإلهائهم عنها فأول
ما سيحدث الآن بأن يسألوا الواقف بينهم وابن هذه العائلة إن
كانت من أحد معارفهم أو أصدقائهم ولأن جوابه سيكون النفي
سيكون على زوجته والواقفة بجانبه الإجابة عن ذات السؤال
فيعلم كل واحد منهما حينها بأنها ليست من طرف الآخر كما يظن
وسيكون عليها تقديم نفسها وقتها وبصورة رسمية وهي لا تريد
أن يصدر ذلك عنها بل عنه بما أن أمرها كان مخفياً عن عائلته
حتى الآن .
تبدلت نظراتهم للفضول سريعاً فتنهدت باستسلام وسارت بينهم
حتى وقفت بقرب ساندرين ... وهمست لنفسها
( أرجوك أن تسامحني فالأمر يبقى مجرد خفة يد وخدعاً بصرية
وأنا حقاً مجبرة )
رفعت يديها وفردت أصابعها قائلة بابتسامة
" ما رأيكم ببعض المرح إذاً ؟ "
فبدأ أولئك الشبان بالتصفيق فوراً متحمسين وضاحكين وتباينت
عباراتهم بين مرحب ومشجع بينما نظرت هي للذي كان يكتفي
بالابتسام ناظراً لها .. صاحب البذلة الأنيفة الفاخرة والوسامة
الغريبة الممزوجة بالرقة والفكاهة في مزيج يناسب تماماً
شخصيته التي سمعت عنها .. ولن تستغرب أن يكون له مجموعة
أصدقاء كهؤلاء بل ويبدو بأنه الممول لموهبتهم تلك ، نقلت
نظرها سريعاً منه لزوجته .. للتي كان يلف ساعدها حول ساعده
ممسكا يدها بيده بقوة وكأنها ستُسرق منه أو ستهرب ...!
كان فستانها مبهراً وبلون الكريما من طبقتين من الشيفون الثقيل
المنشى متسع من الأسفل ويضيق تباعا حتى الخصر وقد تم
تطريز حوافه السفلى بأزهار باللون الأحمر الغامق وارتفعت في
منتصفه من الأمام بتناسق رائع وكأنها تتسلقه بنعومة وقد
تداخلت معها وريقات خضراء صغيرة وكان التطريز مشغولاً
بالعقيق الطبيعي المحاك باليد كما يبدو وقد ظهر أيضاً عند جانبي
الخصر صعوداً حتى حواف كتفيه ثم كطوق حول عنقها عند
منتصف ياقته التي ارتفع قماشها مع نحرها فكان محتشماً بطريقة
أنيقة بل رائعة تدل على فخامته وبأنه ليس أي قطعة تشترى من
أي مكان .. ولن تستغرب ذلك مع الثروة الضخمة التي تملكها
هذه العائلة .
وما أن ارتفعت نظراتها لوجهها حتى ابتسمت لتلك الملامح
الجميلة العابسة أو الغاضبة إن صح التعبير ومن الجيد بأنه ليس
الحزن ما كان يغطيها فذاك كان سيدل على ألم كبير بداخلها وهو
أسوأ تعبير قد تراه على وجه عروس فسيكون عبارة عن واجهة
لشيء ما يموت حيث النابض وسط أضلعها ... ولا تفهم طبعاً
سبب هذا المزاج المناقض تماماً لمزاج المتمسك بها بقوة وتملك
لكنها ستسعى جاهدة لتبديده قليلاً فستكون بهذا لم ترتكب خطئاً
تُحاسب نفسها عليه فيما بعد لأنها سبق ووعدته وها هي تنقض
عهدها مجبرة .
رفعت يدها مبتسمة لتسريحة شعرها التي كانت ببساطة عبارة
عن خصلات ملفوفة تغطي ظهرها وكتفيها وتاج تجزم أنه من
ماس قد استقر فوق غرتها المتدرجة جانباً ... أمسكت خصلة
طويلة من ذاك الشعر الأشقر المموج ورفعتها بيدها وكان من
حسن حظها أن جهزت معداتها الخفية سلفاً فهي كانت تتوقع أي
شيء هذه الليلة وكان عليها أن تستعد .
رفعت يدها الأخرى ومررت ظهر سبابتها تحت خصلة الشعر تلك
أمام نظراتهم الفضولية المترقبة ومن صاحبة ذاك الشعر
خاصة ... وما أن وصلت بإصبعها لنهايتها فرقعت بسبابتها
وإبهامها تحتها وكررت ذلك عند المنتصف وعند بدايتها ثم
أفلتتها من يدها وتركتها تعود مكانها .. وما أن استقرت بثقل
كثافتها حيث مثيلاتها حتى تصاعدات فراشات بيضاء صغيرة من
شعرها لترتفع معه التأوهات الرجولية المصدومة بينما نظرت
ساندرين للأعلى من فورها تحني رأسها قليلاً تنظر حيث تلك
المخلوقات الصغيرة التي بدأت تختفي بين تفاصيل الثريا الضخمة
المتدلية من السقف وارتسمت ابتسامة دهشة على شفتيها وها
هي حصدت النتائج المبدئية كما تأملت .
بدأ الشبان من حولها بالتصفيق الحماسي وقال أحدهم
" أرينا المزيد هيا ... يالك من رائعة "
فابتسمت وحركت كتفيها ثم رفعت سبابتها وقامت بعدهم بها
وتوقفت عند رقم معين وقالت برقة للذي ابتسم لها بحماس
" أنت ... أيمكنك الاقتراب هنا قليلاً "
فتحرك من فوره واختار الطريق الأطول ليكون بينها وبين
ساندرين وهذا ما خططت له وتوقعته منه .. نظرت ليديه وقالت
" أتملك خاتماً ؟ "
فرفع يده وكأنه يتأكد أولاً من وجوده وقال مبتسما
" أنا متزوج "
فقالت مبتسمة
" جيد ... اقبض يدك الآن وقم بمدها للأمام "
فعل ما طلبت تماماً فمررت ظهر كفها تحت يده ثم فوقه ثم
ضربتها براحة يدها بخفة وقالت
" افتحها الآن "
وما أن فعل ذلك حتى شهق بصدمة يُقلب يده الفارغة وقد
هس بذهول " لقد اختفى ! "
فأشارت للذي كان يقف بجانبه هناك وقالت
" أنت قف بجانبه هنا لو سمحت "
وفعل ذلك من فوره وبأن اختار الطريق الأقصر عكس رفيقه بأن
مر من خلفها فرفعت يديها وكأنها تثبت بأنهما بعيدتان عنهما
وقالت
" هلا فتشت جيوبك الآن "
فدس يده اليمنى من فوره في جيبه الأول وأخرجها فارغة وما أن
دس الأخرى في جيبه الآخر حتى انفرجت شفتاه بصدمة وهو
يخرج يده قبل أن يرفعها والخاتم فيها فتعالى التصفيق الحماسي
مجدداً ونظرت حولها بخوف فهم بدأوا بلفت الأنظار إليهم
وورطتها ستتفاقم الآن ، نظرت للذي قال مبتسماً
" كم أنت فتاة رائعة ...!! ما رأيك لو انضممت لنا ؟ "
نظرت له بصدمة من فورها ... هذا يبدو قائد الفريق إذاً وها هو
العقاب على نقضها لوعدها ذاك قد آن أوانه ، قالت تنقل
نظرها بينهم
" وفيما سنتشارك فمواهبنا تبدو مختلفة ! "
قال الذي يبدو أنه لا يسمح لغيره بالتحدث
" مؤكد لكن هذا سيضفي تغييراً مميزاً قد يكون سبباً في صعودنا
نحو الشهرة والنجاح "
بلعت ريقها وهي تحدق فيه بذهول فهذا الشاب فقد عقله
بالتأكيد !
ولن تتخيل أن تصبح مطاردة منهم بسبب أفكاره هذه ، فركت
وجنتها بطرف سبابتها وقالت في أول محاولة للخروج من
هذا المأزق
" لأجد من يتبنى موهبتي الفردية أولاً فأنا أفكر في النجومية
مثلكم تماماً "
ولم تكن تعلم بأنها لم تلتقط طعماً بل ألقته لغيرها حين تحدث
رواح هذه المرة موجهاً حديثه لها بينما عيناه ترمق بمكر الواقفة
بجانبه قائلاً
" يمكنني تحقيق ذلك لك وبسهولة لكن دعيني أتأكد أولاً إن كنت
شقراء أو ضاعت منك الفرصة "
وكما توقعت حديثه لم يكن يستهدفها هي بشكل مباشر فلم يخفى
عليه بالتأكيد لون حاجبيها ! وقد تحقق غرضه حين نظرت له
ساندرين بغضب فغمز لها من فوره ضاحكاً .
هكذا إذا هذا هو سبب الأجواء المضطربة بينهما فهو يبدو يتعمد
اغاضتها لسبب تجهله بينما تعطيه تلك الدمية الشقراء مراده
دائماً على ما يبدو ! نظرت له وقالت بابتسامة تشبه ابتسامته
" لا يبدو أنني سأوافق فأنت أيضا لست أشقر "
فخرجت ضحكة ساندرين المكتومة في انفجار منخفض لكن ذلك
لم يجعله يستاء أبداً وكما توقعت وقد حضنها بقوة رغم وقوفها
بجانبه يلف ذراعيه حول كتفيها وضحك قائلا
" يؤسفني أن أخبرك بأني تزوجت وانتهى وقت العبث وضاعت
منك الفرصة "
مما جعل تعليقات رفاقه تنطلق ضاحكين بينما تحاول التي لازال
يحضنها ضاحكاً الفكاك منه فابتسمت وابتعدت تسير للخلف فهذه
فرصتها وعليها الفرار لمكان آخر والبحث عن هدفها الأساسي
من الدخول هنا .
*
*
*
ابتسمت برضا وإن كان قد عاد بها للداخل مجبراً ... بل ويبدو أن
الأمر لم يكن يحتاج لأن يرجعا هناك فهدفهما كان يخرج حينها
من ذات المكان بينما كان نجيب يسير خلفها قائلاً بضيق لم يبدو
على ملامحها الباردة أنها تكترث به
" لا بل عليا بالطبع الخروج معك لن تتركيني خلفك وحيداً
كالأبله "
وتوقف لتوقفها أمامهما مباشرة ليصبح واقفاً بجانبها مواجهاً
لهما أيضاً فابتسمت ماريه من فورها قائلة
" كنا سنرجع من أجلك ... كيف أنت يا زيزفون ؟ "
فابتسمت لها من فورها وإن كانت ابتسامة صغيرة رقيقة لكنها لم
تصل لعمق ورقة التي أهدتها لها وقالت
" بخير ... شكرا لك "
ونقلت نظرها بينهما قبل أن يستقر مجدداً على تلك الأحداق
الذهبية اللامعة وقالت بابتسامة جانبية
" يبدو أن أمورك تسير بشكل جيد ولن يحتاج الأمر أن أطرح
عليك ذات السؤال "
فخرجت منها ضحكة صغيرة بينما التفت ذراعاها حول خصر
الواقف بجانبها واتكأت برأسها على كتفه وقالت
" أجل إنها جيدة كثيراً "
وشعرت بنشوة غامرة وسعادة كبيرة ليس لملاحظة زيزفون فقط
والوحيدة التي يبدو أنها استطاعت أن ترى ما تحت تلك الخدوش
الصغيرة في بشرتها النقية وهي السعادة التي تشع من عينيها
وابتسامتها بل ومن اليد التي أمسكت بذراعها والذراع التي التفت
حول كتفيها وكأنه يؤكد لها في صمت ما قالته عنهما .. وحدث
بعدها ما لم تكن لتتوقعه أبداً وهو الصوت الذي خرج من تلك
الأضلع تشعر به وكأنه سرى في جسدها حين قال
" متأكدة من أن أمورك جيدة هنا يا زيزفون ؟ "
فرفعت رأسها عن كتفه وصوبت نظراتها المصدومة لوجهه
وعينيه وقد نقل هو نظراته الباردة من زيزفون للواقف بجانبها
لا يهتم إن كان سيفهم بأنه المعني بحديثه بل ويبدو أنه تعمد أن
يعلم وقالت زيزفون حينها وبهدوء حذر محدقة في عينيه
" أجل لا تقلق بهذا الشأن وشكراً لك "
فعاد بنظره لها وقال بجدية
" لا تترددي في طلب المساعدة إن احتاج الأمر إذاً فثمة من لن
يزعجني أبداً إرسالهم خلف الشمس وفي لحظات "
فاتسعت تلك الأحداق العسلية بصدمة أكبر وهي تتنقل بين ثلاثتهم
فلم تكن تعلم بأن تيم يعرفها ويبدو جيداً أيضاً ..! بل وما فجأها
أكثر التهديد الذي وجهه للواقف بجانبها ولازالت تجهل هويته
ومؤكد زوجها الذي تحدثت عنه ساندرين باشمئزاز وكره
سابقاً ...؟
لقد كان تهديداً واضحاً والرسالة قد وصلت بالتأكيد فقد اتسعت
الابتسامة الساخرة المستفزة التي كان يرسمها نجيب على شفتيه
وقال ببرود وكأنه لا يهتم لما قيل وسمع
" زيزفون قادرة على حماية نفسها ... سيكون هذا جوابها
فلا تتعب نفسك "
فكان تعليق تيم الصمت على حديثه كما زيزفون أيضاً بينما بقيت
نظرات مارية المشتتة تلتقط ردود أفعال ملامحهم المتشابهة
لحد ما .. البرود الا مبالاة العزيمة والعناد وكأنهما الاثنين شخص
واحد ..! حتى استقرت نهاية الأمر على ملامح نجيب وشعرت
برجفة خفيفة مما جعل أصابعها تلتف حول قماش السترة السوداء
الفاخرة التي يرتديها الذي لازالت تحضن ذراعاها خصره فهي لم
تشعر بالارتياح اتجاهه أبداً فلا تراه يشبه وقاص ولا حتى رواح !
فمثلما لكل واحد منهم ثلاثتهم ملامح مختلفة ووسامة منفردة
فطباعهم تبدو كذلك أيضا وخصوصا هذا الواقف أمامها الآن
فبروده وابتسامته الساخرة التي لم تفارق شفتيه وقناع اللامبالاة
الذي يضعه على وجهه يجعل الناظر إليه يدرك فوراً من أي نوع
يكون هو .
" رقم هاتفي لدى رواح ووقاص لا تترددي إن احتجت شيئاً يا
زيزفون "
كان تيم من كسر ذاك الصمت المشحون مجدداً ونبرته لم تزدد
سوى حزماً وعمقاً وإصرار مما يؤكد بأن تنفيذه لما قال أمر لن
يصعب عليه ولن يحرك فيه ساكناً بينما قابل نجيب ذلك بابتسامة
ساخرة جديدة أما رد زيزفون فكان أن أومأت برأسها في حركة
خفيفة هامسة
" تأكد من أنني سأفعل إن احتاج الأمر "
وراقبته نظراتها وهما يغادران وينزلان عتبات الشرفة الحجرية
المقوسة لازالت ذراعه تحضن كتفي السائرة بجانبه رغم أن
ذراعاها لم تعودا تحضنان خصره ... كانت لتستعين به بالفعل
إن كانت ظروفها التي يجهلها مختلفة فهي لا تملك ولا هاتفاً
تستخدمه وباتت ممنوعة من الخروج أيضاً ... بل وعليها أن تنفذ
ما تخطط له وحدها فانتقامها يخصها هي كما أنه يكفيها
متضررين بسبب حمايتها ونجيب لا تخشاه بل تخشى الشخص
المبهم الواقف خلفه ويحركه فهو لم يكشف عن نواياه كاملة حتى
الآن ولازال ثمة أهداف تجهلها بينما يسعى هو لتحقيقها من
خلالها !.
" لنرجع للداخل "
كانت تلك العبارة لنجيب فسحبت يدها منه ما أن شدها منها
متراجعاً بها خطوة للوراء وقالت بجمود تنظر لعينيه
" لم أخرج لأرجع وأنت لست مُجبراً على مرافقتي "
اتسعت ابتسامته الساخرة المستفزة تلك وقال يشير برأسه
نحو الداخل
" هيا لا تكوني حمقاء وتجعلي من نفسك سخرية لهما وأنت
تفري هكذا كالدجاجة "
شدت قبضتيها بجانب جسدها وقالت بضيق
" ماذا تعني ؟ "
قال بذات ابتسامته الساخرة
" تعلمين جيداً ما أعنيه فقد رأيتك تقفين معهما قبل قليل فلا
تعلني انهزامك بسهولة أمام ذاك المهرج البشع "
قالت محتجة
" أنا لا يعنيني رأي أي كان بي ولا تلك الفاشلة وزوجها لكنت
بقيت بالداخل ولم أخرج "
رفع حاجبيه وقال
" إذا... "
قاطعته بحدة
" لما لا تتوقف ؟ أنا أشعر بالإختناق وأحتاج لهواء نقي أتنفسه
فعد للداخل أو ابقى صامتاً "
وكان تعليقه ضحكة صغيرة ساخرة من سببها الذي قدمته قبل
انفعالها فقالت بضيق
" ليس هو ولا غيره السبب فتوقف عن التسلي بي فلا يمكنني
البقاء في الداخل أكثر من ذلك وإن كنت في قمة الانشراح "
غضن جبينه وقال باستغراب
" تقصدين أن الأمر نفسي أم أني لم أفهم جيدا ؟! "
تأففت بحنق وقالت
" هو كذلك بالفعل فهل يكفيك هذا لترحمني من سماع عباراتك
المهذبة ؟ "
وكانت تفهم معنى نظرته تلك جيداً فهو لم يكن يتوقع أن تفصح
عن أمر كهذا يظهر ضعفها فشخصيتها ليست كذلك مطلقاً لكنها
سأمت من إلحاحه وعباراته التافهة التي يضن أنه يؤذيها بها ..
وهي نفسها لم تكن تتوقع أن تعترف بهذا لأحدهم وبأنها لم تشفى
من أعراض الرهاب الاجتماعي تماماً ولازالت تشعر بالضيق
والاختناق في الأماكن المغلقة المزدحمة ولا يمكنها البقاء فيها
لوقت طويل ، أمسك بذراعها ونزل عتبات الشرفة يسحبها معه
حتى كانا قرب الطاولة الحجرية والكراسي الملتفة حولها تتدلى
فوقها أوراق الشجرة الكبيرة القريبة منها وقال بجدية لا تسمعها
في صوته الساخر البارد إلا نادراً
" يمكنك التنفس بشكل أفضل هنا بينما تخبريني ما دار بينك وبين
خالك وقت مغادرتي جعله يغادر الحفل فجأة ! "
شتت نظرها بعيداً عنه قبل أن تنظر له مجدداً وقالت بنبرة اشبه
بنبرته تلك
" لما عليا أن أكون أنا سبب مغادرته ! ولما لا تسأله بنفسك إن
كان الأمر يعنيك لهذا الحد ؟ "
نظر لها بضيق وقال بحدة
" لا تجيبي عن سؤالي بسؤال يا زيزفون وأريد الآن معرفة
ما دار بينكما ولا تنسي الاتفاق "
أشارت لنفسها قبل أن ترمي بيدها جانباً وهي تقول
" لما أنا من عليها الالتزام ببنود اتفاقك السخيف ذاك بينما
أنت لا ؟ ولم اجب لأن الجواب لديه وليس لدي فهو من غادر
ليس أنا "
عقد حاجبيه وهو يصرخ بانفعال لم تعرفه فيه إلا نادراً أيضاً
" لما اتصل بي إذاً قبل قليل يؤكد بأنه عليا أن لا أكشف هويته
لعائلتي وقال بأن كل ذلك من أجل حمايتك ؟ "
قالت بحدة تتهرب مجدداً من الإجابة فالأمر قطعاً لا يعنيه وهي
من عليها اكتشافه
" لما لم توجه هذا السؤال له هو حين طلب منك هذا ؟ لما أنا
من عليها أن تجيب عما لا يعنيها ولا يخصها ؟ "
أدلى حينها بدلوه وقال باقي ما لديه يصرخ بذات انفعاله
الغريب ذاك
" لأنه لم يكن هذا موقفه سابقاً ! بل وسألني عن وقاص وطبيعة
علاقتك به وكل ذلك تحت حجة حمايتك كما يقول !! "
هكذا إذاً هو يعلم بأن نجيب اكتشف كل شيء ويعلم عن إسحاق
بل ووصلت مخاوفه بأن كشفها أمام هذا المعتوه وبغباء ؟ إذاً
فالأمر أكبر وأخطر مما قد تتصور ...!
نظرت له بتفكير وكل تلك النقاط المبهمة تدور في رأسها قبل أن
تقول بهدوء حذر
" وأنا وجه لي ذات السؤال وكان جوابي بأن لا شيء بيننا وأنه
لا يعلم عما تعلم أنت عنه ولا عن الماضي شيئاً ... وفقط هذا
كل شيء "
وتبدلت ملامحها للجدية وهي تتابع بحدة
" ثم لم يكن اتفاقنا بأن تخبره عما علمت من تلك الأوراق "
حرك رأسه برفض شارد وإن كان ينظر لعينيها وقال بهدوء
مريب
" لم أخبره بل هو من كان متوتراً وقت اتصاله وتحدث عن
حمايتك من القانون وحين سألته بأني لا أعلم عما يتحدث قال
بأنه من الطبيعي أن نكون جميعنا نعلم عن القضية ولم يتطرق
لموضوع شقيقك وبدأ يتملص من الإجابة وكأنه استفاق لنفسه "
نقلت نظراتها بين عينيه بصمت وودت لو تصدقه لكنها لم تعد
تثق بأي كلمة تسمعها ومن أي كان وهذا ما يجعلها تحارب
وحيدة عدواً مجهولاً يبدو أنه كان أقرب لها مما تتوقع !
استمرت في الصمت كما التحديق في عينيه وكأنها تَعبر من
خلالها لدماغه وأفكاره بينما قال هو حين طال ذاك الصمت
المريب والذي لا يفهمه كالعادة
" يبدو بأنه يخشى أن يسعى وقاص خلف الحقيقة ويتأذى
إسحاق هذا ما فهمته ؟! "
وكان تعليقها الصمت بينما لازالت تحدق في عينيه تفكر في
حقيقة أن يكون استنتاجه ذاك صحيحاً لكن لما سيخاف خالها على
إسحاق أو حتى عليها لهذا الحد ! كانت علاقته بهم في الماضي
جيدة لا تنكر ذلك لكنها ليست من القوة بأن يحميهما بشراسة
هكذا أم أنه يريد حماية سر آخر من الانكشاف ! لكن ما هو ومن
يخص تحديداً ! تأفف الواقف أمامها بضجر وقال يمسكها من
مرفقها
" آخر من قد أتوقع يمكنه كشف الحقائق هو ذاك المحامي
الفاشل .... هيا نرجع للداخل فأضنك اكتفيت من استنشاق
الهواء النقي "
أجل فاشل معه حق فهو السبب في وضع كل تلك الحقائق بين
يدي هذا الصعلوك بسبب غبائه ، سحبت يدها منه بقوة
وقالت بضيق
" قلت بأنني لن أدخل هناك مجدداً وقرارك لنفسك يخصك "
ليزخف الغضب لملامحه مجدداً وقد عاد لإمساك مرفقها بل وبقوة
متعمدة آلمتها وقال من بين أسنانه
" لما لا تتوقفي عن التمرد والعناد وكأنك تملكين مثلاً ما يجعلك
بهذه الثقة والقوة ؟ ولا يكن في مخيلتك بأن تهديدات ذاك الطفل
الكنعاني تخيفني "
حاولت سحب يدها منه لكنه غرس أصابعه فيها بقوة أكبر وهو
يشد على أسنانه مكشراً أكثر حتى كانت تشعر بعظام مرفقها
ستتحطم بينما قاومت وباستماته أن لا يظهر ذلك على ملامحها
وقالت بجمود تنظر لعينيه
" أعلم أمراً واحداً فقط بأنه يقول ويفعل وأنت تعلم ذلك وموقن
منه .. وأنا لست بحاجة لأحد يحميني منك ولا من غيرك ولن
أرجع للداخل بل ولن أبقى هنا أيضاً وسأعود لغرفتي "
حينها فقط استطاعت سحب ذراعها منه بقوة تشعر بأنها ضاعفت
ألمها ذاك وغادرت من فورها ليس باتجاه الشرفة التي خرجت
منها بل في اتجاه آخر أبعد من ذلك يقودها لباب آخر للمنزل .
*
*
*
رفع نظره معه وهو يقف وقال
" أويس أنا لم أخبرك بكل هذا لأعكر مزاجك ولا لأراك
وأنت متضايق "
وعلق نظره مع الذي دس يديه في جيبي بنطلون بذلته وقد أشاح
بوجهه جانباً ومتمتماً ببرود لا يشبه ما يشتعل داخله
" أعلم لما أخبرتني ... لأغادر الجامعة من نفسي قبل أن يتم
طردي منها بطريقة لبقة إن كنت محظوظاً بالطبع "
وقف حينها ذاك أيضاً وقال بجدية
" أنت محامٍ ناجح يا أويس ويمكنك اثبات ذلك في أي مكان
بعيداً عن منبع الشائعات هنا .. وهذا بالفعل ما أريده لك "
فرص في مكان آخر ! كاد يضحك أمامه وبهستيرية في وضع
ووقت آخر ما يفكر فيه هو الضحك ، لكن ما فعله حينها أن مد
يده لكتفه وربت عليها قائلاً بابتسامة ساخرة
" أعلم وأفهم ما تريده يا صديقي ولا تقلق بشأني فالقوي
لا يكسره شيء "
وغادر بعدها ذاك المكتب يسير في أروقة مكاتب موظفي الجامعة
رأسه مرفوع وذهنه شارد ذات الوقت فما سمعه منه كان يتوقعه
ومجلس إدارة الجامعة كانوا ليصلوا لذاك القرار لكنه توقع أن
يتركوا له المجال ليدافع عن نفسه وعن والده على الأقل فلا
الوظيفة والراتب يعنيانه أكثر من ذلك لكنه اكتشف بأنهم مجموعة
أطفال نهاية الأمر .
" أستاذ أويس "
وقف مكانه والتفت لصاحبة الشعر البني الغامق والذي كانت
تربطه خلف رأسها والنظارات الكبيرة التي تحيط بعينيها الواسعة
بينما ابتسم له فمها الواسع ابتسامة قرأ فيها التردد كما الحزن
الخفي وهي تقول
" صحيح أنك ستترك الجامعة ولن تُدرسنا مجدداً ؟ "
أبعد نظره عنها يزفر الهواء من رئتيه بقوة ... رائع وها هو
الخبر وصل للطلبة أيضاً وليس طاقم التدريس فقط وهو آخر من
يعلم ، نظر لها مجدداً وابتسم بسخرية رافعاً طرف حاجبه وقال
" هذا ما سمعته أيضاً وهو حقيقي بالفعل "
انحنت كتفاها حينها كما ارتسم الاحباط على ملامحها واشتدت
يداها على المذكرات التي كانت تحضنها وقالت بأسى
" لا بالله عليك أستاذ فمن هذا الذي سيشرح لنا مادة القانون
التجاري بطريقتك أنت ؟ نحن لم ندرسها سابقاً وأصبحت الآن من
ضمن المواد الأساسية بعد قرارات الزعيم مطر الجديدة وما كنا
نتخيل أن كل ذاك العدد من الطلبة قد ينجح فيها قبل أن تدرسنا
أنت إياها "
اتسعت ابتسامته الساخرة تلك أكثر تصف حجم سخريته من كل
ذاك الوضع وقال
" للأسف البعض لم يُقدر لي ذلك مثلكم يا عبير "
تقوست شفتاها بحزن فابتسم لها برقة هذه المرة وقال يجتازها
" سيكون ثمة من هو أفضل مني بالتأكيد "
وغادر الباب الداخلي مجتازاً الطلبة المنتشرين في حديقة الجامعة
التي كافأته بالفعل على مجهوداته ومع طلبة السنة الأخيرة تحديداً
وهو يقفز بهم خطوة واسعة للأمام مع كتاب القوانين الضخم الذي
اضيف لمواد الاقتصاد والتجارة مؤخراً وبعد تغيير القوانين
الوضعية وكلياً بقوانين الشريعة الإسلامية فتناسوا جميعهم ما
فعل وبالإجماع ...! وإن لم تكن تلك الطالبة من المتفوقات ما
كانت لتأسف على مغادرته ولا لتسأله عن صحة ما قيل أساساً .
وصل سيارته وفتح بابها وأمسك بإطار نافذته الحديدي وهو
يلتفت برأسه للخلف ينظر لمبنى الجامعة الضخم يلمع زجاجه
المعتم تحت أشعة شمس الصباح الباكر واشتدت أصابعه على
الحديد البارد هامساً من بين أسنانه
" لو أجدك فقط .... لو أنك تقع في قبضتي لأنتقم منك لوالدي
قبل نفسي "
أبعد بعدها نظره عن هناك مستغفرا الله بهمس وأحرف مشدودة
ونظر لساعته في معصم يده الأخرى فعليه الذهاب لرؤيتها الآن
فوحدها من تنسيه همومه تلك مجتمعة ما أن فقط يراها .
*
*
*
ضاقت عيناه يراقب شاشة الحاسوب المحمول أمامه وما يُعرض
فيها بسبب انعكاس نور بداية النهار من النوافذ الطويلة لمكتبه
الذي يحتل الطابق الرابع والأخير من مبنى القصر الرآسي تراقب
عيناه الجالس في أحد غرف ذاك القصر الضخم في التسجيل
المعروض أمامه والخادمة التي ملأ ظهرها الشاشة بقميصها
الرقيق المصنوع من الكتان قبل أن يبتعد تدريجيا لتصل لطاولة
المكتب الذي جلس حولها شخصان ووضعت صينية الشاي عليها
وانحنت باحترام قبل أن تغادر .
انعكاس صورة جسد ما حجب النور عن تلك الشاشة لوقوفه خلفه
تماماً جعله ينحرف بنظره قليلاً ووصله صوته الحذر
" هذا تسجيل جديد ... أثمة شيء ما مهم فيه ؟ "
تمتم مطر مشير بسبابته نحو الجالسان صوت حديثهم غير مفهوم
لإخفاضه للصوت
" أجل ... انظر للجالس هنا يا قاسم ... لم أكن أتوقع أبداً أن
يكون ثمة صلة تربطه بذاك الجنرال ! هذا يجعلنا نعيد قلب
الأوراق من جديد "
نظر للتسجيل بتفحص هامساً " عمل رائع هذا الذي يقوم به
تيم ... ما كنا لنستطيع الوصول لمنزله هكذا وإن نشرنا
جواسيسنا في لندن بأكملها "
رفع يده وأغلق الحاسوب وهمس بخفوت
" لكني بث أخشى عليه بالفعل يا قاسم "
فنقل نظراته في ملامحه التي لا يظهر له منها سوى النصف
يستغرب أن يسمع هذا ومن مطر تحديدا وجميعهم يعرفون ذاك
الشاب وشجاعته ومهارته ونجاته من الموت مراراً ليعود
لمسببها مجدداً دون أن يخشاه ولا هو نفسه ....!! كما يعلمون
جيداً الصلة القوية والعميقة التي تجمعهما ومكانته الخاصة لدى
مطر من بينهم جميعاً لكنه لم يتلفظ يوماً بهذا ولم يكن يراه سوى
بطل والبطل لا يخشى شيئا ولا يُخشى عليه كما كان يقول !.
قال بريبة ينظر لقفاه لاستدارته نحو طاولة مكتبه
" ما الذي يحدث نجهله يا مطر ؟! "
استدار بجسده مقابلاً له وقال بجمود
" لم يحدث شيء "
وتابع وقد شرد بنظره لقرص الشمس الذي بدأ يرتفع في السماء
لامعاً كزجاج النافذة التي تفصلهم عنه
" لكن قد يحدث قريباً وقريباً جداً ونخسره ولن نجد وقتاً
حينها ولا لنندم فيه "
قال الواقف أمامه بتوجس
" مطر ما الذي يجري ...؟! أرجعه للبلاد إن كان في بقائه
هناك خطراً بسببهم "
نظر لعينيه حينها وقال بضيق
" ليس بسببهم بل بسبب نفسه وإرجاعه هنا ليس حلاً وأنت
تعلم جيداً تبعات ذلك وهو رميه للموت بأيدينا "
حدق فيه باستغراب لبرهة قبل أن يقول
" ماذا تعني بأنه بسبب نفسه ؟! "
تأفف وقال
" عناده على ما يعلم جيداً بأنه ليس في صالحه أعني "
حرك رأسه ساحباً الهواء لفمه دليل الفهم وقال
" آه زوجته تقصد ...؟ ألا زالت معه ؟ "
ضرب بقبضته على طرف طاولة المكتب وقال بضيق
" أجل وذاك العنيد لازال يرفض إبعادها ولن يتوقف عن جنونه
ذاك حتى نخسرهما كلاهما أو يخسر أحدهما الآخر "
نظر لنصف وجهه المقابل له وقال بتوجس مما سيقول
" وما نفع أي محاولة معه إن كان مصراً وأنت تعرفه أعند من
الصخر وقد أقسم مراراً بأنه إن تم إبعادها في غفلة عنه أن
يوقف جميع مهامه هناك لتصبح مهمته الوحيدة البحث عنها حتى
يجدها ... أي لا حل مطلقاً وأنت أكثر من يعرفه بيننا جميعاً مهما
كنا مقربين منه هناك "
مرر أصابعه في شعر قفا عنقه وقال ينظر للأسفل
" يجب أن يكون ثمة حل لن نقف نتفرج هكذا ثم كل ما نتفوه
به مستقبلاً بأنه كان قدره وسيواجهه على أي حال "
تفحصت عيناه ملامحه وقال بهدوء حذر
" أراه يؤدي مهامه وبأفضل شكل إن في تلك المنظمة البريطانية
أو فيما يخص عملنا فمما الخوف ؟ "
قال مطر بضيق وقد رفع نظره به مجدداً
" بل على العكس تماماً فهو السبب في تأخرنا عن بلوغ هدفنا
هناك حتى الآن لأنه يتهرب متحججاً وبشكل واضح فحتى حفلاتهم
التي ستكشف لنا الكثير بات يعتذر عنها بحجج سخيفة سواءً إن
كانت التي يقدمها لهم أم لنا وكل ذلك من أجل تلك الفتاة ومنذ
أصبحت تعيش معه بل ويفتعل الشجارات مع ابنة ذاك الرجل
لأمور تافهة لا تعنينا ولا تعنيه فقط ليتركها بعيداً عنه قدر الامكان
إرضاءً لزوجته تلك ، والأسوأ من كل ذلك أنه إن تم اكتشاف
هويتها الحقيقية فسينتهي من الوجود شخص اسمه تيم كنعان
وفي لمح البصر وابنة الجنرال تلك لابد وأن تفكر في فعلها يوماً
فالنساء يصبن بالجنون ما أن تقترب أي امرأة وبأي صفة كانت
من الرجل الذي تحبه وإن حدث ووضعت تلك الفتاة في دماغها
فلن يهنئ لها بال حتى تزيحها من طريقها ومن حياته وبأي
طريقة كانت ولك أن تتخيل أي طرق تلك التي تتبعها النساء ..
خصوصاً في مركز تلك وصلاحيات والدها "
تنفس بقوة وعمق وقال
" ما أعلمه عنها أنها امرأة مريضة بحب التملك أي أنها في أشد
حالاتها يأساً قد تفكر حتى في أذيته فإما أن يكون لها أو ليس
لأحد كلاعب كرة القدم الذي كانت على علاقة معه وما أن أظهرت
الصحف صوراً له مع فتاة أخرى حتى تعرض لحادث مجهول
التفاصيل بالطبع وفقد مقدرته على ممارسة الرياضة
مدى الحياة "
قال آخر عبارته تلك ونظراته تراقب الذي أمسك خصره بيديه
وقال بجدية
" لست أخشى من تملكها المرضي ذاك بل من أن تكشف هوية
زوجته الحقيقية فإن كان تيم تقمص شخصية ذاك الفتى اليوناني
بدون أي ثغرة يدخل منها الشك فماري دفينست عكس ذلك
وبمعلومات بسيطة من إيطاليا يمكن كشف الخدعة وبسهولة
خصوصاً بعد التطورات الأخيرة في عائلتها هناك "
شحبت ملامح الواقف أمامه بوضوح وقال
" وحينها من ماريه هارون سيتوصلون لحقيقة تيم شاهر كنعان
ودون عناء "
أومئ مطر برأسه بنعم وقال بجدية أكبر
" ولأجل هذا يجب أن يكون ثمة حل ما للأمر غير إقناع ذاك
العنيد ولا إبعادها عنه مرغماً "
رفع يديه وقال
" كيف إن لم يكن بهاتين الطريقتين ؟ "
تنهد بعمق ولم يعلق بل وأوقف الحديث في ذاك الأمر نهائياً
والتفت لطاولة المكتب الواسعة وفتح الحاسوب مجدداً فاقترب منه
الواقف خلفه حتى أصبح يقف بجانبه يديه في جيبي بنطلون بذلته
ينظر بانتباه لما كان يشرحه له على الخارطة أمامهما وعن
خططهم المستقبلية فيما يخص البلاد لا شيء يقطع حديثه
المسترسل ذاك حتى قال قاسم
" لقد فعلت الصواب فتلك القبائل بدأت تلين على ما يبدو بينما لم
تترك في الحدود ثغرا مفتوحة للمتطرفين .. وقضية متمردي
صنوان ستنتهي قريباً كما بات يرى جميع المراقبين بل
والمقربون منهم "
ضغط زرا ما في لوحة المفاتيح قائلا
" سيكون عليهم أن يخضعوا نهاية الأمر وما أن يكتشفوا بأن
أولئك الشرذمة المتمردين لن يجلبوا لهم ولأنفسهم سوى الخزي
والعار وسيكتب التاريخ ذلك ليلحقهم حتى حفيد الحفيد
سيتخلصون منهم ودون تراجع "
قال ونظره لازال على تلك الشاشة والمربع الذي ظهر فيها "
أجل .. فلو أننا فقط نتخلص من استسلام تلك المدن لهم فسنكون
قطعنا شوطا كبيراً للأمام حينها "
أغلق حاسوبه مجدداً قائلا
" بل ستنتهي حينها جميع مشاكل البلاد ولن تجد تلك الأجندات
الخارجية مكاناً لما .... "
وقطع حديثه صوت رنين هاتفه فأخرجه من جيب سترته ونظر
للاسم على شاشته قبل أن يضعه على أذنه قائلاً
" مرحبا يا تيما "
فنظر له الواقف بجانبه من فوره وبما أن الهاتف كان جهته فقد
كان مسموعاً له وبوضوح ذاك الصوت الأنثوي الذي خرج منه
" صباح الخير أبي ... خفت أن تكون نائماً وأكون أزعجتك لكني
أعلم بأنك تغادر المنزل وقت الفجر "
مرر أصابع يده الأخرى في شعره وهو يقول بهدوء
" أجل يا تيما فما جعلك تتصلين هذا الوقت ؟ "
قالت مباشرة
" اليوم هو حفل افتتاح برج القمة أبي "
قال وقد انحرفت حدقتاه السوداء جانباً وحيث الذي كان يستمع
لها بانتباه بينما عيناه محدقتان به
" أجل أعلم بذلك فهل تتصلين لتذكيري بهذا ؟ "
خرج ذاك الصوت الأنثوي الرقيق مجدداً
" لا بل لأنه ثمة حفل وعروض رياضية يدعمها المشروع من
أجل ذوي الاحتياجات الخاصة سيقام في نادي الفروسية هنا
بالعاصمة وأريد مرافقة الكاسر له إن لم يكن ثمة مانع لديك "
أدار حينها رأسه جهة الواقف قربه ونظر له بينما أشاح ذاك
بوجهه من فوره متأففاً بصمت فابتسم وقال
" وما كان رأي والدتك ؟ "
قالت مباشرة
" لم أسألها بعد أردت أن آخذ رأيك أولاً فإن رفضت فلا داعي
لأن أتحدث معها عن الأمر "
قال من فوره
" حسناً إن وافقت هي فيمكنك الذهاب "
وابتسم ما أن قالت من في الطرف الآخر وبحماس
" شكرا أبي ... أحبك كثيرا .... وداعاً الآن "
وما أن اعاد هاتفه لجيبه نظر للذي كان ينظر جهة النافذة مكتفاً
ذراعيه لصدره عاقداً حاجبيه بعبوس وقال ببرود
" لن تكون طفلاً بالطبع وتغضب من هذا "
فقال ببرود مماثل ولازال نظره هناك
" سيعجبك ما حدث بالتأكيد فأنت والدها ولن ترضى بأن تكون
من سيتعرض للتهميش "
شده حينها من ذراعه وأداره ناحيته قائلاً بحزم
" قاسم هي زوجتك لا نقاش لأحد في هذا لكنها الآن لازالت تعيش
معي ومع والدتها فلن أتصور أن تفعلها مثلاً وتأخذ رأيك أنت
ونحن لا علاقة لنا لأنها بالطبع استشارت زوجها الذي يعيش كل
واحد منهما في مكان "
فك ذراعيه وقال بضيق
" ومن جعل الوضع يبدو كذلك غيركم ؟ "
عقد حاجبيه وأشار بسبابته لوجهه قائلا بضيق مماثل
" أنت لن تنسى بالتأكيد ما اتفقنا عليه عندما خطبتها مني "
فتنفس بضيق وقال
" لا لم أنسى ولا أرى لهذا علاقة بذاك "
قال سريعاً وبجمود
" الموقف لا يستدعي منك كل هذا الغضب إذاً فهل أفهم ما يجري
تحديداً ؟ "
أشاح بوجهه عنه وهمس ببرود
" لا شيء "
فحدق فيه مطر بصمت جعله يبادله ذات النظرة لحظة أن علا
رنين هاتفه هو في جيبه هذه المرة فأهداه مطر ابتسامة جانبية
قابلها بعبوس وأخرجه ونظر لاسمها على شاشته قبل أن يرفع
نظره للذي قال مبتسماً بسخرية
" لن تفكر بالطبع في تركها تتصل دون أن تجيب مدعياً
الغضب كي لا تتلقى عقاباً أسوأ من سابقه "
زم شفتيه بغضب من سخريته وتملقه قبل أن يتمتم بحنق
مبتعداً عنه
" كنت أعلم بأن هذا سيكون مصيري منذ وقعت بين يديك
أنت وابنتك "
وأولاه وابتسامته الساخرة تلك ظهره ووضع الهاتف على أذنه
ما أن فتح الخط قائلاً بجمود
" أجل يا تيما "
فقالت من في الطرف الآخر ودون مقدمات ولا حتى بإلقاء
التحية عليه
" قاسم أريد الذهاب برفقة الكاسر وزوجة خالي رعد للحفل
والعروض الرياضية بعد حفل الإفتتاح وسألت والداي ووافقا "
تنهد بضيق وقال ببرود
" وإن لم أوافق هل سيغير رأيي شيئاً ؟ "
وصله صوتها الرقيق سريعاً
" بالطبع لما كنت اتصلت بك "
وبالرغم من أنها فكرت في أخذ رأيه ولم تهمله بما أن والديها
وافقا بل واخبرته بأنها فعلت ذلك قبل اتصالها به ولم تخفيه عنه
إلا أن غضبه السابق تغلب على كل ذلك وقد تمتم ببرود
" إذاً لست موافق "
وأغمض عينيه وتنفس بعمق حين وصله صوتها محبطاً كئيباً
" لابأس لا مشكلة .... وداعاً "
ودس الهاتف في جيبه واستدار ناحية الذي كان ينظر له بضيق
وقال من قبل أن يعلق
" أنت قلت بأنك لن تتدخل مالم تشتكي هي لك فلا تنسى
هذا أيضاً "
ومنعه باب المكتب الذي انفتح فجأة من قول أي شيء أو التعليق
لدخول عمير وبشر الذي نظر لكليهما قائلا
" هل نغادر ؟ "
فتحرك مطر حينها وقال ووجهته الباب المفتوح
" أمامكم ساعتان فقط ولن أكون بعدها معكم "
تبعوه ثلاثتهم ليحيط بهم من كانوا في الخارج سائرين معهم
وقال بشر مبتسماً يرمقه بمكر
" تركنا لك يومان تسبح فيهما في بينبان أم أنك اعتدت
على إلقاء الأوامر من بعيد ؟ "
ضحك عمير بينما تجاهله مطر تماماً وكعادته ودخلوا المصعد
جميعهم وأخرج حينها قاسم هاتفه من جيبه وكتب رسالة سريعة
( يمكنك الذهاب )
وأرسلها لها .. فسحقاً لقلبه الأحمق فهو لم يستطع تخيلها
مستاءة وتبكي الآن وحيدة .
وما أن كانوا في الأسفل ركب مطر في سيارة قاسم وغادروا
جميعهم تاركين شوارع العاصمة المزدحمة خلفهم ليصبحوا فيما
يماثلها تقريبا عند ضواحيها وساد الصمت رحلتهم تلك ..
وبينما كان صمتاً هادئاً لأحدهم كان مدججاً بالقلق وتأنيب الضمير
للجالس خلف المقود ومن لم تزده تلك الطرقات المتفرعة سوى
توتراً واستسلم نهاية الأمر لمشاعره ويده تخرج هاتفه من جيبه
وعاد لإمساك المقود وهو فيه فهو يعلم جيداً بأنها لن تذهب ولا
بعد رسالته تلك وستكون في المنزل وحدها الآن تسجن نفسها في
غرفتها بعدما قاله لها ... نظر لشاشة هاتفه ولأنه لا يمكنه إبعاد
إحدى يديه بينما يحتاجهما للمقود ويد السرعة في هذه الطرقات
كان لا خيار أمامه سوى فتح مكبر الصوت ، كان سيتصل بالكاسر
لكنه وجد رعد خياراً أفضل وقد أجاب من فوره قائلا بابتسامة
" مرحبا بالصهر الآخر للعائلة ... ما سر هذه المكالمة على غير
العادة وفي الصباح الباكر ! "
رمق الجالس بجانبه بطرف عينيه وقال ببرود
" لا أريد أن أقول اسأل صهركم الأول وابنته كي لا أقضي باقي
عمري في السجن فيبدو أن هذا ما سيكون عليه مصيري "
ضحك من في الطرف الآخر وقال
" كن طيباً إذاً فأنا لا أستبعد ذلك ... بما يمكنني أن أخدمك ؟ "
قال من فوره ونظره على الطريق
" هل أنت في المنزل الآن ؟ "
خرج صوت رعد سريعاً
" أجل وسأغادر فوراً فعليا أن أكون في مبنى البرلمان قبل أن
أنتقل لحفل افتتاح البرج كي لا تغضب مني والدة زوجتك وينتهي
بي الأمر رفيقاً لك في الزنزانة "
ظهرت ابتسامة خفيفة على ملامحه المتجهمة وقال
" أريدك أن تتحدث مع تيما إذاً مؤكد هي في غرفتها الآن "
قال من فوره
" في غرفتها !! لا أظن ذلك صحيحاً "
قال باستغراب
" هل غادرت ؟ "
خرج صوت رعد من هاتفه ضاحكاً
" بل كانت أول من قفز لسيارة والدتها "
تنهد حينها وقال ببرود
" لا داعي لذلك إذا "
قال ذاك سريعاً
" أثمة أمر مهم ؟ لما لا تتصل بها ؟ "
قال يبعد يده عن المقود والهاتف فيها
" لم يعد من داع لذلك .... وداعا الآن وشكرا لك "
وما أن دس هاتفه في جيبه نظر للذي كان ينظر له بطرف عينيه
مبتسماً بسخرية يتكئ بمرفقه على إطار النافذة المغلقة ويضم
قبضته تحت شفتيه متكئ بذقنه عليها فقال بضيق ما أن عاد
بنظره للطريق
" لا تسخر من وضعي ولا تنسى بأنه لديك نسخة مطابقة عنها "
دس حينها شفتيه كما ابتسامته في قبضته التي يتكئ بذقنه عليها
وهو يقول مبتسماً
" لم أتركها تجمح عني يوماً "
شخر ذاك بسخرية وقال يحرك رأسه إيجاباً
" أجل واضح تماماً فأنت غادرت حضنها قبل أن تغادر منزلك
صباحاً "
فضحك مطر رافعاً رأسه للأعلى قليلاً وقال يتكئ به على مسند
الكرسي خلفه
" عليك أحياناً ترك مسافة للمرأة تُشعرها فيها بأهمية غضبها
منك ... لا تنسى ذلك أبداً مستقبلاً "
رمقه سريعاً قبل أن ينظر للطريق مجدداً وأشار بيده قائلا بسخرية
" مستقبلا !! يبدو أنك تعطي ابنتك أصغر من حجمها ومصدق
فعلاً أنها ابنة الرابعة عشرة "
ابتسم وقال يعود لجلسته السابقه
" لا .. وأعلم أن دماء عائلة الشاهين لن تخونها بالتأكيد "
تنهد بضيق محركاً رأسه ولاذ بالصمت وكانت سياراتهم حينها قد
أصبحت خارج ضواحي العاصمة فقال مطر
" ألن تذهب لحفل الافتتاح ؟ أظن أنه ثمة دعوة وجهت إليك "
نظر له قبل أن ينظر للطريق وقال بضيق " لا بالطبع ... ومن
أجل باقي أنواع المساحات التي كنت تتحدث عنها "
ابتسم وقال
" هل أفهم ما يحدث معكما ؟ "
رفع أصابعه عن المقود دون أن يبعد راحتا كفيه وقال بضيق
يمسكه مجدداً
" لأنه عليا أن لا أكون في مكان يجمعني بزوجتك حتى وقت لم
تحدده ابنتك بالطبع ويبدو حتى تأتي بنفسها وتقول لي خذ ابنتي
لمنزلك وعالمك فأنت الزوج الأنسب لها في الوجود "
قال مطر بعد ضحكة صغيرة
" يمكنك التراجع وإنقاذ نفسك فنحن لم نفعل شيئاً بعد "
نظر له نظرة قوية تهدد بالقتل وبلا تراجع وقال
" ذاك حين أفقد عقلي "
فضحك ونظر جهة نافذته ولم يعلق .
*
*
*
لامارا, ورد الخال, sweethoney and 56 others like this.
رد مع اقتباس
#12126
قديم 10-06-19, 09:28 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
رفعت قطعة الحلوى وقضمتها بقوة وكأنها تفرغ غضبها فيها قبل
أن ترميها مع مثيلاتها واستدارت مكتفة ذراعيها لصدرها وتركت
ذاك البوفيه الكبير ورائها وحيث اختارت تلك العائلة أن يكون في
قسم منعزل عن صالة احتفالاتهم تلك أو هو كذلك تقريباً فما
يفصله عن ذاك المكان مجرد حاجز خشبي مفتوح الجانبين يمكنك
رؤية كل ما يدور هناك من خلفه .. وهي لجأت له لتكون بعيدة
عن الجميع سوى من أراد تناول شيئاً من هذه الأطعمة بالطبع فما
دخلت هذا المكان من أجله لم تحصل عليه بل وما خططت له
لأعوام طويلة وانتظرته ضاع الآن ، نظرت جانباٌ وشدت ذراعيها
لصدرها أكثر هامسة من بين أسنانها
" تباً لك يا دانيا "
" ها أنت هنا إذاً ؟ "
أجفلت وقد سوت وقفتها تنظر للذي كان ينظر لها بضيق ..
لصاحب تلك العبارة الحازمة كملامحه تماماً فرسمت ابتسامة
جميلة على شفتيها وقالت تدعي السذاجة
" يبدو أنه حان وقت المغادرة "
هو من كتف ذراعيه هذه المرة وهو يقول ببرود
" إن لم يكن لديك مكان آخر تودين استكشافه هنا بالطبع "
فابتسمت ابتسامة من ليس لديه ما يقول وفهم هو الإشارة فوراً
وقال ينظر خلف كتفها
" هيا إذاً فثمة باب هناك يوصلنا للخارج فوراً "
وتحرك من مكانه فقالت تتبعه بنظرها وهو يجتازها
" ألن نودع أصحاب المكان ! "
وقف ونظر لها رافعاً حاجبيه وقال بسخرية
" لم أراك سلمت عليهم وقت وصولك لتودعيهم "
تنفست بتنهيدة قصيرة وقالت
" أردت فقط أن اجنبك الإحراج بسببي "
حرك رأسه متمتماً بذات نبرته الساخرة
" أجل معك حق "
وقال ببرود يشير بيده لتسير أمامه
" يفضل أن أكون خلفك كي لا أصل السيارة وأكتشف حينها بأني
لوحدي هناك "
فحركت كتفيها بضحكة صغيرة وسارت أمامه وتبعها هو يحرك
رأسه بيأس فهذه متى يتعكر مزاجها أو تعترف بأخطائها !
وما أن وصلا للسيارة في الخارج واطمئن بأنها أصبحت داخلها
استطاع حينها أن يجلس خلف المقود ويغادرا المكان ولتبدأ
سيارته باجتياز شوارع بريستول مسرعة حتى كانت خارجة بهما
خارجها حيث تحول الطريق لخط طويل مظلم تحفه ضلال
الأشجار العالية تشق أضواء سيارته طريقها فوقه وحولها ،
وبينما غابت الجالسة بجواره في أفكارها ذاتها والتي قاطعها وقت
وقوفهما قرب بوفيه الطعام كان له هو أيضاً دوامة مماثلة لتلك
الأفكار لكن ليس لشخص لم يلتقيه هناك مثلها بل رآه ووجده
بالفعل .. يحاول فقط فهم ما قد يكون فكر فيه حين رآهما معاً
فابنه ذاك يبدو درّب نفسه أيضاً على أن لا تظهر انفعلاته ولا
أفكاره على ملامحه ! تنهد بضيق هامساً بحركة من شفتيه فقط
" مطر .... ما أبرعك في خلق الفجوات بيننا "
وانتبه حينها للجالسة بجانبه والتي نظرت ناحيته وكأنها شعرت
بأنه قال شيئاً أو سمعت تمتمته الغير مفهومة تلك فمد يده لمسجل
السيارة وأدار زره فانطلق صوت مذيعة الأخبار مرتفعاً ومخترقاً
ذاك الصمت المميت ... أجواء جديدة تبدو لم ترق لمرافقته التي
مدت يدها لذات الزر بعد قليل وضغطت عليه مجدداً ولعدة مرات
ليتغير الصوت لآخر لا يشبهه تماماً مالئاً صوت الموسيقى
سيارتهم المسرعة بأغنية لفيروز عن الصباح بينما ما يحيطهما
من كل جانب هو الظلام التام ! .
مد يده وأغلق المذياع نهائيا فنظرت جهة نافذتها حينها وابتسمت
فعلى الأقل لن تستمع لنشرة الأخبار والحروب والدماء ... ماتت
ابتسامتها تلك وحركت شفتيها بامتعاض ما أن رن هاتفها لمرتين
متتاليتين منذرا بوصول رسائل متتابعة له لكنها تجاهلته ولم
تخرجه أو تراها فهي تعرف جيداً ممن تكون وليست في مكان
مناسب للرد على عباراته الساخرة والشامتة .
بينما لم يحاول الجالس بجانبها ولا التفكير في تلك الرسائل التي
تجاهلتها متعمدة بوضوح واستمرت رحلتهما في صمت يشبه
رحلة ذهابهما رغم الوقت الذي استغرقته حتى توقفت السيارة
تحت المبنى السكني بعد ما يقارب الساعتين من خروجهما من
هناك فارتفع نظرها مع المبنى عالياً وهي تفتح الباب وتنزل
والذي كان يأخذ شكلا مقوساً وبابين زجاجيين في جانبين
مختلفين وتحركت خلفه ما أن أغلق باب سيارته وتوجه ناحية
الباب الأقرب والذي انفتح ما أن وصلاه ودخلت نظرها على
أبواب المصعد التي ظنت بأنهما سيستخدمان إحداها لولا أوقفها
صوته البارد وهو يتجه نحو السلم الرخامي بلون الزيتون
" الشقة في الطابق الأول لا داعي له "
فرفعت حاجبيها باستغراب قبل أن تتحرك في ذاك الاتجاه أيضا
متمتمة
" ومن هذا الذي يترك الطوابق المرتفعة وتلك المناظر التي
تطل عليها هنا ! "
وحركت كتفيها بلامبالاة ما أن وصلت تلك السلالم وصعدت
خلفه وكما قال كان الوصول هناك لا يحتاج سوى لصعود بضع
عتبات ترتفع بشكل حلزوني ليصبحا مواجهان لردهة صغيرة
تنتهي بممر مقوس يفصل الشقق عن بعضها بالترتيب .. ولم
يلفت نظرها فيها شيء سوى توقف الصاعد أمامها لآخر عتبة
فيه فجأة فنظرت من جانب ذراعه ترفع جسدها عاليا تنظر للتي
خرجت من الباب المجاور لباب الشقة أو الملحق الذي يتم
استخدامه لمدبرة المنزل ...!! للمرأة ذات القوام الممشوق
والساقان الطويلتان شديدتا البياض مبرزاً أغلبهما بنطلون
بيجامتها الحريري القصير تمسك خصرها بيديها وشعرها المموج
الطويل قد تمرد على كتفيها وذراعيها العاريان واللذان يكشفهما
قميص بيجامتها الواسع ويكاد الشرر يتطاير من تلك الأحداق
الخضراء المسلطة على الواقف أمامها ... هذه هي غيسانة
شاهين الحالك إذاً ؟ تبدو كما سمعت عنها تماماً .
مررت طرف سبابتها على شفتيها المبتسمة لازالت تراقب من
خلف كتفه كل ما يجري بينما خرج صوت الواقفة هناك غاضباً
مرتفعاً
" مرحباً سيد كروس "
فخرجت ضحكتها رغم كتمها لها بأصابعها فزم الواقف أمامها
شفتيه بقوة وغضب واستدار ناحيتها يمسك خصره بيديه من
تحت سترته المفتوحة فقالت تمسك باقي ضحكتها
" يبدو أنك كنت غاضباً جداً حين اخترت هذا الاسم "
وما أن ازدادت نظرته غضباً رفعت يديها أمام صدرها مبتسمة
لتوضح أنها لم تقصد الاساءة تنقذ نفسها من غضبه الذي لم
يتغير ولا نظرته تلك .. فهذه تسخر منه بل ومن اسم كروس
والذي معناه الغضب إن كتب بإحدى طريقتيه ! وعلم الآن معنى
أن يكون البحر من أمامك والعدو من خلفك ... لا بل أن تكون بين
امرأتين هكذا فهو أسوأ من ذلك بكثير .
مد يده لذراعها وأمسكها منها وسحبها معه نحو باب الشقة الذي
فتحه متجاهلاً الواقفة مكانها تنظر له بغضب وقد صرخت مجدداً
" لما لا تخبرني من هذه المرأة التي تدخلها لشقتك يا قديس ؟ "
وكانت النتيجة أن تجاهلها أيضاً ودخل بالتي لم يترك ذراعها بعد
وما أن أصبحا في الداخل ضرب الباب خلفه بقوة وحينها فقط
أفلتها من قبضته ونظر لها قائلاً بضيق
" اسمعي الآن ولأكون واضحاً فما يتوجب عليك فهمه
جيداً هو ... "
لكنها لم تمهله ليكمل حديثه الغاضب ذاك وهي ترفع يدها بسرعة
وتنزع قبعة القميص عن رأسها وظهر شعرها الأسود الناعم الذي
نزل منساباً على ظهرا وطرفي وجهها تمسك غرتها المقصوصة
بمشبك أبيض مكون من زهرتين مرصعتان بالفصوص ...فسكت
فجأة كما تبدلت نظرته الغاضبة تلك للاستغراب تتنقل بين ملامحها
التي ظهرت له بوضوح أكبر حينها حيث كان تقريباً لا يراها مع
قبعتها تلك أو لم يهتم بذلك !! ووجد نفسه الآن في مواجهة
عينان واسعة برموش كثيفة بطريقة غريبة زادتها اتساعا
وبروزا .. لا بل ما زاد ذلك تناقضهما التام مع حجم الأنف
المستقيم الصغير والشفاه التي رغم صغرها أوضحها بروز حجم
الشفة العلوية فيها عن السفلى قليلاً بطريقة زادتها جمالا .. لكن
ليس ذلك ما جذب انتباهه فقط بل عمرها !! هذه أليس يفترض
بأنها أصغر من زوجة مطر تلك بقليل فقط !! أليس هذا ما علمه
عنها حين تزوجها قبل أعوام طويلة فهل بالفعل يكون هو عمر
هذه !! كان يحدق فيها دون أن ترمش عيناه فأفكاره هي ما
كانت تسبح في دومات بعيدة استفاق لها فجأة ولنفسه فأدار
وجهه عنها وتحرك باتجاه غرفته وقال ببرود وسبابته تشير
للجانب الآخر
" غرفتك هناك وحقائبك فيها "
فراقبته بحاجبين مرفوعين وهو يدخل غرفته مغلقاً بابها خلفه
بشيء من العنف مما جعلها تنظر لمكانه مجفلة قبل أن ترفع يدها
وهفت بها على وجهها متمتمة
" كم هو سريع الاشتعال هذا الرجل
"لكن لا بأس فقد توضح لها ما كانت تصبو تحديداً لمعرفته وقد
توصلت له من انصراف عينيه عنها قبل جسده وفهمت حينها ما
عنته تلك بالقديس .. بل يبدو انها قد أجادت في وصفه فهي
كانت تريد ان تتأكد فحسب .. هي تثق في مطر وبعد نظره
ورجاحته لكن الرجل مع رفاقه شيء ومع امرأة خلف باب مغلق
شيء آخر .. ولا تنكر بأنها كانت تتحضر لرؤية اي معالم أو
بوادر لنظرة ملتوية مقززة او تبدل قذر لملامح وجهه.. لكن
الخجل الطفيف الذي اعتلى ملامحه وهو يشيح بنظره جعلها تشعر
انه بريئ فعلاً رغم استحالة اجتماع لفظتي رجل والبراءة معاً
لكنها رأته فعلاً بطريقة جعلت ردة فعله تبدو لها مسلية وفي
وضع آخر لكانت ضحكت بالفعل .
وذاك ما حدث حينها فسرعان ما فتر فمها عن ابتسامة بل
وخرجت منها ضحكة صغيرة وتحركت ناحية الغرفة التي أشار
عليها ودخلتها مغلقة بابها خلفها .. كانت غرفة شبه فارغة حتى
أن سريرها لا يحوي لحافاً ولا وسائد ويبدو أن كل ذلك في
الخزانة ! توجهت ناحية حقائبها الموضوعة قرب الخزانة
الضخمة ووقفت أمامها ونزعت قميصها أولاً ورمته خلفها بإهمال
ولم يعد يغطي جسدها سوى قميص شفاف بدون أكمام وجلست
متربعة أمام أكبر حقائبها تلك وفتحتها فعليها أن تستحم وترتب
هذه الثياب جميعها قبل أن تفكر في النوم .
*
*
*
أنزل آخر واحد منهم القبعة السوداء عن رأسه المنحني للأسفل
لجلوسه على الأرض مستنداً بركبة واحدة عليها وختم بذلك
عرضهم الرائع الذي قدموه أمام البقية القليلة من المدعوين لذاك
الحفل فتعالى التصفيق الحار وابتسم رواح لهم بفخر فهم رفضوا
اقتراحه بأن يقدموه أمام الجميع لأنه سيكون عرضهم لبرنامج
المواهب البريطاني ورفضوا أن يراه كل ذاك العدد بينما أرادوا أن
يقدموه اليوم وهنا كهدية له ... سبع شبان في أعمار متقاربة
كما الأجسام والطول جمعتهم المصادفة وقت دراسته في جامعته
في اسكتلندا كما جمعتهم هم الظروف القاسية التي عاشوها معاً
في دار للأيتام وتعاهدوا منذ صغرهم فيها على أن لا يتخلى أحدهم
عن الآخر .. وكان ذاك ما فعلوه بالفعل حين حان وقت مغادرتهم
إياها وهم في سن الخامسة عشر فواجهوا الظروف القاسية معاً
إن في المكان الذي تدبروه للعيش فيه أو الأعمال التي كانوا
يبحثون عنها ليتمكنوا من العيش ولا يكون الموت جوعاً
مصيرهم أو بسبب البرد في العراء ولا أن يلتهمهم وحش
الانحراف والانخراط في العصابات .. وبالرغم من أنهم اجتازوا
كل تلك السنوات ورغم صعوبتها وتعاونهم ليكون لكل واحد منهم
حياة خاصة ناجحة إلا أن ذلك لم يجعلهم يفترقوا عن بعضهم أبداً
وكانوا يداً واحدة وفي كل شيء لذلك اختاروا أن يكونوا فريقاً في
شيء ما يجمعهم جميعاً فتكونت فكرة فرقة الرقص هذه وتحولت
من هواية ورغبة في المشاركة لا غير لحلم كبير بأن يحققوا ما
عجزوا عنه طويلاً في سن مراهقتهم وهو إيصال كل معانتهم
وأمثالهم للعالم ، ومنذ اليوم الذي تعرف فيه هو عليهم في
مصادفة غريبة رأوها هم فيما بعد بأنها هبة الله لهم قرر أن يكون
الداعم لهم وساعدهم بما لم يكونوا ليتخيلوه حتى أصبح اسم
فريقهم ذاك معروفاً في أسكتلندا بأكملها مما شجع حلمهم الصغير
ذاك لأن يكبر داخلهم وكانت المفاجأة حين حصل لهم بالفعل على
فرصة لن تعوض للتقدم لذاك البرنامج الذي يشاهده الملايين حول
العالم وفي موطنهم خاصة بل وفي الاتحاد الأوروبي بأكمله
فأصبحت تدريباتهم الشاقة لا تتوقف ليل نهار لينالوا الفوز ومن
ثم الشهرة والنجومية ليس من أجلهم فقط بل ومن أجل كل طفل
يعاني ما عانوه هم .
وقفوا جميعهم وصفقوا لأنفسهم كعادتهم بعد كل عرض يقدمونه
فرفع لهم رواح إبهام يده الحرة مبتسما قبل أن ينظر للواقفة
بجانبه تنظر لهم مبتسمة بحماس والتي ما أن شعرت به ورفعت
نظرها له حتى عادت للعبوس وقالت بضيق تحاول سحب يدها
وساعدها من قبضته
" اتركني ... فها قد انتهى حفلكم ولن أهرب "
قرب وجهه منها وهمس مبتسماً
" ومن قال بأني كنت أخشىى هروبك أو أنه السبب ؟ "
شعرت باشتعالها يزداد بسبب بروده ولا مبالاته بل وابتساماته
قبلها وقالت بحدة
" هل أفهم لما تتزوج بي تحديداً وأنت تكرهني وتنتقدني منذ
كنت طفلة ؟ "
وتابعت تلوح بسبابتها في الهواء
" ولماذا أنا من بين جميع شقراواتك ؟ "
رفع رأسه ضاحكاً قبل أن ينظر لها مجدداً وقال بضحكة
" وأخيراً سمعت هذا السؤال من شفتيك الرائعتين والذي للأسف
لا يمكنني الإجابة عليه "
تأففت في وجهه وحين حاولت سحب يدها مجدداً وكادت تنجح في
ذلك عاد وسحبها ولف ساعده حول ساعدها أكثر وتحرك بها
جهة والديها واللذان ابتسما لهما على الفور فلم يبقى في ذاك
المكان الواسع سوى المقربين من العائلة بالإضافة لأفرادها
الناقصين أساساً بعد مغادرة زيزفون منذ وقت طويل ووقاص
الذي اعتذر منذ قليل وصعد لجناحه بينما بقيت زوجته لأن
عائلتها لم يغادروا بعد وزوجة أبيه والدة نجيب التي ما كان
ليتوقع أن تبقى لهذا الوقت ...!
إذاً لا أحد سوى والدته وزوجة والده والدة ضرار ونجيب الواقف
جهة طاولات الطعام وكأن ما يحدث هناك لا يعنيه ووالدته
ووالدهم وجده اللذان على ما يبدو لم ينتهيا بعد من نقاشاتهما
الطويلة حول المشروع الضخم الذي ينشئونه على جزيرة مينلاند
والذي لم يسرق وقت والدهم فقط بل سرقه بأكمله منهم وكان
مشروعهم الأول بعيداً عن عالم صناعة الطائرات وشركات
الطيران ... حتى أن خاله وزوجته غادرا منذ وقت معتذران لأن
ابنتهم كنانة قد تكون لوحدها في المنزل بينما لم يفكرا مطلقاً في
الاتصال بها أو بشقيقها للتأكد إن كان معها ...! وخاله شاهر
حذى حذوهما حتى أنه بالكاد رآه الليلة بل ولم يودع أحداً
وهو يغادر !.
ابتسم الحارثة وهو ينقل نظره بينهما وقال ما أن استقر
على رواح
" مر الحفل بسلام والحمد لله "
فضحك رواح ووضع يد ابنته في يده وقال
" ها قد سلمتها لك كاملة رائعة كما هي دوماً فعليا أن أجدها
في المسقبل القريب كما هي وتسلمها إلي "
ضحك والدها وشد على يدها الصغيرة بالمقارنة بكفه وقال
" أمانتك في أمان تام كن مطمئناً "
فابتسم ولوح لهم وقال مغادراً
" يمكنني الآن إذا المغادرة وإيصال رفاقي للمكان الذي
سيقيمون فيه هنا في بريستول مطمئناً "
وابتعد عنهم حيث الفتية اللذين أصبحوا يقفون خلف المساحة
الزجاجية الواسعة التي يحتلها باب الشرفة المطلة على الحديقة
المضاءة في الخارج بينما انشغلت والدته مع الخادمات اللواتي
بدأن في تنظيف المكان الواسع متفرقات فيه كل في اتجاه
وسارعت والدة ضرار لمساعدتها .. بينما غادر نجيب أيضاً
ووالدته التي انشغلت بتوديع عائلة جمانة فسحبت حينها ساندرين
يدها من يد والدها ونظرت لهما وقالت والدموع تملأ عينيها
" لقد خذلتماني بكما حقاً "
وتابعت بأسي من قبل أن يعلق أي منهما
" كان حفل خطوبة فقط فكيف أصبحت زوجته فجأة وأنتما
تعلمان جيداً رأيي بالأمر وبه شخصياً !! "
قال حينها الحارثة وبضيق
" لن نكرر اسطوانتنا ذاتها يا ساندي "
فلوحت بقبضتها قائلة بحدة
" لا ذلك ليس عذراً ... لا تتحجج بما حدث هنا سابقاً أبي
فلست طفلة "
خرجت والدتها من صمتها حينها وقالت بما يناقض مزاج كليهما
والمشحون بالغضب
" لا أعلم حقاً ما سبب رفضك لما تتمناه الكثيرات غيرك ؟! "
فنظرت ناحيتها وقالت باستياء
" وهل كل ما يتمناه الناس يمكننا أن نكون سعداء بامتلاكه ؟ "
قال الحارثة بحزم
" يفترض بأن يكون الأمر كذلك "
فنظرت لعينيه وسحبت نفساً عميقا لصدرها فيما يشبه عبرة فتت
أضلعه وقالت بصوت ضعيف كئيب
" يؤسفني إذاً أن اخبرك أن فكرتك تلك خاطئة أبي وقد رميت
بسببها ابنتك للتعاسة مدى الحياة "
وتابعت من قبل أن تنتظر تعليقه والدموع تملأ عينيها مجدداً
" لو كان لي مكاناً غير منزلكما قسماً ما كنت لأرجع له معكما "
لتتبدل ملامحه للحدة وقال بقسوة يشير بسبابته للأرض تحته
" لا مكان لديك غيره سوى هذا المنزل بالطبع ولا تتصرفي
بجنون يا ساندرين كي لا تتحول حياتك لتعاسة حقيقية أنت
وحدك السبب فيها "
واجتازها غير مكترث بنظرة الأسى وخيبة الأمل التي رمقته
بها وهو يسير قائلا بضيق
" اتبعاني بسرعة فلن نترك سائقهم ينتظرنا طويلاً فالمسافة
من هنا للندن ليست بالقصيرة وهو لا يعمل لدينا "
وابتعد حتى غادر من باب الشرفة المفتوح ونظرت هي لوالدتها
التي لم تتبعه بعد تنتظرها وقالت بعتاب آسي
" يعجبك كل هذا أمي درجة أن لا تعترضي أبداً ولا بكلمة
واحدة تعزين بها ابنتك التي تحطم مستقبلها ؟! "
فنظرت لعينيها بصمت حزين لبرهة قبل أن تهرب بنظراتها منها
جهة الباب الذي خرج منه زوجها قبل قليل وقالت تشير بيدها
ناحيته
" تحركي هيا يا ساندي فلا أريد أن يغضب والدك أكثر من ذلك
ولا حديث لي في أمر قد وافق هو ... أعني أنت عليه وتعلمين
ذلك جيداً "
ضربت بقبضتها نحو الأسفل قائلة بحنق
" من يراك لا يصدق بأنك انجليزية ! بل بأنك أنت العربية وليس
هو لانصياعك التام له ...!! أين التحرر والمساواة أمي ؟ "
فنظرت لها بضيق وأشارت بأطراف أصابعها لرأسها قائلة
" لا يوهمك عقلك بأن جميع شعارات هذا المجتمع تُنفذ
أو تفيد .. ولا تنسي بأنك عربية وزوجك كذلك "
فنفضت يديها بقوة صارخة
" لا تقولي زوجك أمي رجاءً وارحموني من هذه الكلمة
الليلة على الأقل "
فنظرت حولها بضيق تخشى من سماع زوجات سلطان أو إحدى
خادماتهم نقاشاتهم الغاضبة تلك وأمسكت بيدها وسحبتها معها
دون أن تعلق أو تضيف شيئاً وخرجت بها من حيث خرج والدها
قبل لحظات ولم تتوقف حتى وصلا للسيارة السوداء المتوقفة
قرب الباب الرئيسي للمنزل وصعدت والدتها وتركت لها الباب
مفتوحاً فجلست على الكرسي أيضاً تدخل فستانها بعصبيه وتأفف
وضربت الباب خلفها بقوة تاركة جزءاً منه في الخارج دون أن
تهتم له ولا للمال الذي دفع ثمناً لشرائه وأشاحت بوجهها جهة
النافذة ما أن انطلقت السيارة قبل أن تتكئ بجبينها عليها تنظر
للطريق بحزن .
*
*
*
اغلق باب غرفة الاجتماعات خلف آخر الداخلين منه وحينها فقط
سحبت مساعدتها الشخصية الكرسي بجانبها وجلست عليه ليبدأ
اجتماعهم الذي تقرر أن يكون قبل دقائق من افتتاح مشروعهم
الجديد والذي سرق ساعات نومها ونهارها طوال الفترة الماضية
وعاهدت نفسها أن تنجح فيه كما أدارت تلك المملكة سابقاً وهذا
ما يجعلها مصدر ثقة من قِبل جميع من دفعوا أموالاً طائلة
لتمويله آملين في أن يعود عليهم بمنافع أكبر فمهما كانت الحقائق
المخفية خلف الممول الأساسي لمملكة الغسق سابقاً وكل تلك
الأسرار المحبطة التي لا يعرفها أحد غيرها في تلك الغرفة وعلى
تلك الطاولة إلا أنها من صنع كل ذلك وبنجاح فالمال وحده لا يفعل
شيئاً إن لم يكن ثمة عقل ذكي يحركه ... أما الآن فلن تخشى من
زيف الجالسين حول تلك الطاولة البيضاوية الكبيرة ببذلاتهم
الرسمية الفاخرة ونظرات الثقة والكبرياء وحتى التعجرف
والغرور لبعضهم ... لرجال استطاعوا بناء أنفسهم ومجدهم في
عالم المال والأعمال وبجميع أنواعه .. وما كان لأحد أن يدعم
مشروعها هذا سوى أمثالهم ومن كان اسم كل واحد منهم يعرفه
القاصي قبل الداني في تلك البلاد .. وبالرغم من أن تعاملها في
السابق كان في أغلبيته مع النساء ولم تجلس يوماً حول طاولة قد
ملأ كراسيها الجلدية المريحة الرجال فقط وبهذا العدد باستثناء
مساعدتها التي كان حضورها أساسياً وحتى إن لم تحتاج لها إلا
أن ذاك التوتر الداخلي لم يظهر على ملامحها الواثقة .. طريقة
جلوسها وأدق حركاتها حتى بالنسبة لتلك الأحداق السوداء
الكبيرة المستديرة والتي يحيطها صفا رموش كثيفة ... بأدق
تفاصيلها كانت أنثى تختلف عن جميع النساء وصولاً لأبسط
الامور وحتى القماش الأسود الناعم الذي احتضن تفاصيل الوجه
البيضاوي الفاتن والذي لطالما اهتمت أن تحكمه حول شعرها
وعنقها فلم تنساق يوماً خلف الصيحات الحديثة للف الحجاب
حتى أصبح أقرب للقبعات البشعة التفصيل منها لقماش ساتر حتى
أضاعوا الغرض الأساسي منه .
نظرت للأوراق تحتها والتي كانت تريح يدها عليها يزين أناملها
خاتم الزواج الماسي والذي سرق نظرها لبرهة وكأنه مغناطيس
جذبها إليه دون شعور ! وما كادت ترفعهما من عليه حتى
أغمضتهما وتنهدت بعمق ما أن انفتح الباب خلفها ودون طرق
ولا استئذان ولا أن يمنع أحد رجال الأمن ولا الحرس المنتشرين
في الأسفل هذا المقتحم من الوصول إلى هنا ! ولها أن تتخيل من
يكون ... بل وكأنه خرج لها من خاتمه .
رفعت نظراتها بالذين وقفوا بالتتابع ما أن كشف لهم الباب عن
هوية الموجود خلفه والذي وصلهم صوته وبحّته الواضحة
والمميزة قبله وهو يتحدث في هاتفه والذي أصبح بإغلاقه للباب
في جيب سترته فوقفت هي أيضاً حينها ودون أن تلتفت له لأنها
تعلم جيداً أي نظرة ستوجهها له حينها وكيف سيرد هو عليها
وأمام الجميع فيكفيها ما حدث سابقاً في اجتماع الجمعية فضيوف
الشرف هذه المرة ليسوا نساء .
كان عليها أن تتوقع هذا منه وإن لم تكن الدولة داعماً للمشروع
ولم يسبق له أن ناقش موضوعه معها ولا في اليومان اللذان
قضياهما في منزل بينبان مما جعلها تستبعد هذا فكيف يجد
رئيس البلاد وقتاً لحضور اجتماعهم هذا أو حفل افتتاح برج في
عاصمة هو المسؤول عن بلادها كاملة ! هذا ما كان عليها أن
لا تفكر فيه أبداً فها قد وجد وقتاً ووصل في الدقائق المناسبة
تماماً !.
كانت تنظر للأسفل بالرغم من وقوفها بظهر مستقيم منتصب ولم
تستطع رفع نظرها بأحد منهم وخطواته الواسعة الواثقة تقترب
من خلفها حتى أصبح يقف بجانبها وكانت مساعدتها هي من
ابتعدت تاركة له الكرسي الوحيد الأقرب لها تمسك بجميع الأوراق
التي كانت تضعها أمامها ويبدو ليقينها بأنها لن تجلس على ذاك
الكرسي مجدداً بينما جلس هو عليه دون أن يرفض أو يمانع مما
سمح للبقية بالجلوس مجدداً وكانت هي آخرهم هذه المرة أيضاً
وكل ما توقعته حينها أن يتحدث لكنه لم يفعل ذلك بل نظر للأوراق
تحتها قبل أن يرفع نظره بها لحظة أن نظرت له أيضاً فابتسم
مومئاً لها برأسه بحركة خفيفة لتكمل ما قاطعه مجيئه فسحبت
أنفاسها ببطء لم يلاحظه أحد وجابت بنظرها في الجالسين حول
الطاولة التي كانت تجلس على رأسها وبدأت بالحديث بثقة لم تكن
تعلم بأن وجوده سيزيد من تعزيزها بداخلها هكذا ! وقالت بثبات
ونبرة أنثوية متزنة محتشمة ذات الوقت
" اخترت اجتماعنا هذا ليس فقط بسبب عدم وجودي هنا الأيام
الماضية بل لندرس جيداً الأمور التي تغيرت ورفضتها ووجدتِ
الموافقة لدى بعضكم بينما لم يطلع عليها البعض الآخر وأهمها
هي وضع لجنة مراقبة وتفتيش لنضمن صلاحية وجودة البضائع
التي سيتم عرضها واستخدامها في المشروع فلم يكن كافياً أن
يوقع أولئك الباعة على بنود تخص الأمر في العقد المبرم معهم
ليتلقى العقوبة فيما بعد فما سيكون مصير من سيتضرر بسبب
تلك الأدوية التالفة أو الأطعمة منتهية الصلاحية وغيرها ؟
فنحن بهذا لن نضمن ثقة الناس فقط بل وتجنب الكوارث قبل
حدوثها وإن كلفنا دفع أموال لم تكن في الحسبان لأولئك
الموظفين الجدد فالمكاسب في المقابل أكثر وأهم إن كانت مادية
أو معنوية فثقة الناس في مشروعنا هو ما نبحث عنه وما سيعود
علينا بالنفع ، أما الأمر الآخر الذي تمت الموافقة عليه جزئياً هو
أن الانتقال للطوابق العليا سيكون بالتصويت بين الشركاء أيضاً
ولن نترك ذلك للأرباح والمنافع المالية التي ستعود على
المشروع فقط فالبعض قد يستحق فرصة أخرى للمنافع المعنوية
التي قدمها للمحتاجين أكثر من كونه در علينا بالنفع المادي
فقط ...."
واسترسلت في حديثها ذاك تعرض كل ما تم اضافته وإلغائه في
بنود ذاك المشروع من أهم الأمور لأقلها أهمية وحتى اعتراضها
على تواجد قنوات التلفاز وقت وجودها هي وحتى تغادر والأمر
الوحيد الذي تحصلت عليه حين قدمت اعتراضها وطالبت بأن
لا تتواجد وسائل الإعلام جميعها .
بينما كان نظرها طوال فترة حديثها ذاك ينتقل منهم للأوراق
تحتها بطريقة لا تُظهر توترها ولا ترددها بل احتشامها عن النظر
لأعينهم ولوجوههم لوقت طويل بينما كان الجميع يستمع
بصمت وانتباه نظراتهم لا تتركها بين مهتم بما تقول وبين موافق
ومعجب بكل ذاك القدر من الذكاء الأنثوي والقيادة الحكيمة
لمشروع مهما عظم حجمه لن يكون اختباراً أصعب من بناء
مملكة كاملة كجمعية للنساء كما يرون .
توقفت عن الحديث فجأة ليس فقط لأن ما لديها قد انتهى بل
وبسبب اليد التي سحبت الأوراق التي كانت تقلبها فترة حديثها
مطلعة على أهم ما كانت تود التحدث عنه وعلمت حينها فوراً بأنه
ثمة ما سيحدث فهي تعرف هذا الرجل جيداً من الفترة التي
عاشتها معه وعرفته فيها بل وثمة ما تخشاه بسبب تلك الأوراق
فأول ما سيقوم به بالتأكيد هو الإطلاع على البنود التي اعترضت
فيها على بعض الأمور ومن بينها تلك التي وجهتها لبعض
الشركاء أو أقواهم دعماً للمشروع بصفتهم الرأس الأعلى في
مجلس الإدارة لاستثناء ذاك الاسم من حصة الأسهم فيه بل ومن
مشروع البرج بأكمله واعتذر الجميع عن فعلها وعن طرد الرجل
الذي دخل عالم المال بقوة من وقت قريب مذهلاً الجميع بذكائه
وحنكته وهو لم يتجاوز الأربعين عاماً وفي وقت قياسي ليكون
أحد أهم رجال الأعمال في البلاد ورأى الجميع بأنه صفقة موفقة
لمشروعهم الضخم الذي يحتاج لأمثاله خاصة وأنها لم تقدم
أسباباً واضحة بل ولم تشرح أسبابها مطلقاً فما الذي ستقوله
مثلاً ...؟!
بأنه لم يتوقف الفترة الماضية عن التردد على مكتبها بحجج
وبدونها حتى توقفت عن المجيء هنا قبل الافتتاح ؟ أو بأنه
تطرق للحديث عن أمور شخصية وصلت لأن سألها عن الفتور
في علاقتها بزوجها وسبب إقامة كل واحد منهما في مكان ؟
وعلمت حينها بأن تلك المشكلة ستطفو للسطح حالاً فإن تغاضى
باقي الشركاء عن رفضها الصامت لوجوده فلن يفعلها الجالس
بجانبها الآن بالتأكيد وذاك ما تعلمه جيداً وإن كانت متأكدة من
جهله لهوية المكتوب اسمه في تلك الورقة من بينهم ... أو ذاك
ما كانت تتمناه فقط فما أن رفع نظره عن الأوراق التي كان يقلبها
بعصبية واضحة رماها أمامه لتنزلق على الطاولة الملساء متفرقة
عن بعضها بشكل مرتب متدرج وطرقت يده بالقلم الذي تركته
مساعدتها على الطاولة وقال بحزم آمر
" أحمد رضوان هذا الاجتماع لم يعد يحتاجك بل
والمشروع أيضًا "
فأخفت حينها عينيها بكفها تفرك جبينها بأصابعها وتنهدت بضيق
وما توقعته حدث أيضاً فما أن وقف ذاك ساحباً كرسيه للخلف أمام
النظرات المحدقة فيه بعضها باستغراب والبعض بترقب لعلمهم
المسبق برفضها لوجوده وإن جهلوا الأسباب ليوقفه الذي رفع
القلم في وجهه قائلاً بحدة
" لو كان هذا قبل أكثر من عشرة أعوام لما خرجت من هنا إلا
وهذا القلم في عينك ... ولتعلم فقط بأنه ثمة خط أحمر واضح
أصبح تحت اسمك ولن تتخلص منه بسهولة "
وما أن أنهى عبارته تلك رمى القلم من يده أيضاً قائلا بضيق
" انتهى اجتماعكم هذا حسبما أعتقد "
فوقف الجميع حينها مغادرين بالتتابع دون اعتراض ولا أن
يناقشوا ما قال وقرر .. ومن هذا الذي يمكنه الاعتراض أو
التحدث بعدما قال هو كلمته ؟ فمهما ارتفعت مكانتهم في البلاد
فكلمته ستكون أعلى منهم فلم يكن ثمة خيار لديهم سوى
الانصياع عدا الجالسة بجانبه بالطبع والتي ما أن رفعت نظرها
بهم وكما توقعت رمقتها تلك النظرات المتهمة للذي غادر آخرهم
وكأنه يقول لها
( أبدعت في خلق الأكاذيب عليه )
ومن هذا الذي سيقنعه بالعكس الآن ؟ بل ولما ستهتم أساساً !
فما أن خرج آخرهم وهي مساعدتها الشخصية حتى وقفت أيضاً
وتوجهت جهة الباب الذي أغلقته بقوة والتفتت للذي وجدته واقفاً
أيضاً بل وينظر لها وقالت بضيق
" مطر ما هذا الذي فعلته ؟ "
استدار بنصف جسده وأمسك مجموعة من الأوراق المرمية على
الطاولة ومدها نحوها يقبض عليها بين أصابعه بقوة وقال
يحركها بعنف
" فعلت ما وجدته مكتوباً في أوراقك أم أخطأت ؟ "
تنفست بعمق نفساً طويلا وقالت بضيق
" وما الذي وجدته ؟ أنت لم تستعلم ولا عن السبب ! "
فرماها مجدداً لكن على الأرض هذه المرة قائلاً بحدة
" وما حاجتي بذلك وعيناه القذرتان تتحدث .... أكنت تنوين
دفعي لقتله ؟ "
نقلت نظراتها المصدومة من الأوراق المبعثرة على الأرض بينهما
لعينيه المشتعلتان غضباً وقالت بضيق
" مطر ما أفعال المراهقين هذه !! "
فنظر جانباً مبتسماً بسخرية أنفاسه الغاضبة تخرج قوية متلاحقة
وقال بضيق مماثل ما أن عاد بنظره لها
" وما ستتوقعين من رجل ينظر أحدهم لزوجته بتلك الطريقة
غير أن يتصرف كمراهق ؟ "
قالت محتجة بضيق
" جميع الرجال ينظرون للنساء ومن الطبيعي أن ينظروا لمن
تتحد... "
فصرخ مسكتاً لها
" توقفي عن ادعاء الغباء أمامي فأنا رأيت جيداً نظراته التي يكاد
يلمسك بها وتعريك من ملابسها .. أنا أفهم نظرات الرجال جيداً
يا غسق "
شعرت بجسدها ارتجف من طريقة وصفه تلك ومما رآه في
نظرات ذاك الرحل الذي تجنبت النظر ناحيته طوال دقائق
اجتماعهم ذاك بينما تابع هو وبغضب متقد
" وبكل جرأة ووقاحة يفعلها أمامي ! قسماً لولا سن ومركز كلينا
لما خرج من هنا يمشي على ساقيه "
حدقت فيه بذهول ولوجهه الذي احمر بشدة من شدة الغضب
وقالت
" مطر بالله عليك أ.... "
فقاطعها صارخاً يشير لها بسبابته
" وأنت حتى متى كنت تنوين الصمت عن ذلك ؟
لما لم تخبريني ؟"
فقالت والضيق لم يفارق نبرة صوتها
" لأنني لم أكن أريد لما حدث الآن أن يحدث وأنا أفهم جيداً
رسالة التهديد التي وجهتها له وأعلم بأنك ستنفذه ... كنت أريد
من الشركاء الاتفاق على إبعاده وشراء أسهمه وينتهي الأمر "
قال بغضب أشد وقد ضرب بسبابته على صدغه
" لكنه لم ينتهي وهم لم يوافقوا فلما لم تخبريني ؟ تحدثي
ولا تصيبيني بالجنون "
فقالت بهدوء حذر تحاول تهدئة غضبه
" سبق وأجبت على سؤالك هذا وكنت سألجأ لك فعلاً إن تعقد
الأمر أكثر فتوقف عن افتعال المشكلات ولينتهي هذا الحفل
بسلام "
فصرخ مجدداً وكأنه لا يسمعها
" هذا وأنت متزوجة !! وممن ...؟
من الذي يعتبرونه رئيساً لبلادهم الحثالة فكيف كان الوضع
حين كان يضن الجميع أنك مطلقة ؟ "
كتفت حينها ذراعيها لصدرها وقالت ببرود تخلله الكثير من الحنق
" كان والدي شراع يغلق الأبواب أمام الجميع حينها وباتفاق
معك بالطبع لأنه وحده من كان يعلم بأني لازلت زوجتك ويخفي
ذلك عني أيضاً "
تجاهل ما قالت مجدداً ورمى بسبابته جانباً قائلاً بحدة
" ذاك ما كان يصل لشراع صنوان ويوقفه عند حده فماذا عما
لم يكن يصل له ؟ ماذا عن أشباه هذا الصعلوك ؟ "
فقالت والضيق قد عاد للسيطرة على صوتها كما ملامحها الجميلة
" مطر توقف عن الجنون فأي امرأة تتعرض لمثل تلك المواقف
وهذه الأمور تافهة لا تلتفت لها النساء "
مرر أصابعه في شعره الأسود الكثيف وتنفس الهواء من صدره
الغاضب في تأفف طويل واقترب منها حيث تقف قرب الباب الذي
أغلقته قبل قليل وأمسك بذراعيها ملصقا لها عليه بظهرها وهمس
من بين أسنانه محدقاً في عينيها
" أنت لست أي امرأة .. أنت زوجة مطر شاهين وأم أبنائه "
فقالت بحنق تنظر لعينيه اللتان تحولتا لحجرين مشتعلين من
الغضب
" مطر هل أفهم أنت هنا لتفسد الحفل أم ماذا ؟ "
فتركت يداه ذراعيها بحركة غاضبة وقال بضيق
" بل لأنه لم توجه لي أي دعوة لأكون هنا بينما وصلت حتى
لزوج ابنتي ...! كان عليا أن أعلم أنه ثمة سبب ما وراء ذلك "
فحركت يدها بعنف قائلة
" أنا لم أدعوه رعد من فعل ذلك من ورائي وأنا لازلت أرفض
الفكرة من أساسها وإن توقفت عن التحدث عنها متعمدة ...
ثم لا أعلم رئيس بلاد توجه له بطاقة دعوى لحضور حفل
برج يُفتح في بلاده !! "
قال بضيق
" غسق لا تتهربي من محور حوارنا الأساسي "
قالت باندفاع
" أنا لا أتهرب "
أشار بسبابته في وجهها قائلا بضيق
" أجيبي عن السؤال إذاً ... ماذا كان موقفك من كل ذلك ؟ "
فصرخت فيه مندفعة ودون تفكير
" وهل تركت لي قلباً يسكنه رجل غيرك لأوافق على أحدهم
أو أسمح بالأمر ؟ "
وتأففت أمام نظراته الساكنة ونظرت للجانب الآخر أنفاسها تخرج
بقوة يعلو معها صدرها وينزل بالتتابع فأمسكت أصابعه بذقنها
وأدار وجهها ناحيته وابتسم مناقضاً كل ذاك المزاج المشتعل
والغضب الذي كان يلقي عليها بحممه قبل قليل وانحني برأسه
نحوها ببطء حتى اختلطت أنفاسه بأنفاسها القوية المنفعله وما أن
تلامست شفتيهما دفعته مبتعدة عنه وهمست ببرود تعدل حجابها
الذي نزل طرفه متدلياً على صدرها
" لا تنسى نفسك يا رئيس البلاد فالبرج بأكمله مراقب "
فابتسم والتفت أصابعه حول أصابعها ممسكا بيدها وسحبها معه
جهة مقبض الباب وقال وهو يفتحه
" إن كانت هذه الغرفة تحديداً مراقبة ما كنتِ لتقولي كلمة
مما قلته "
وما أن كانا خارج غرفة الاجتماعات كان باب المصعد المفتوح
في انتظارهما وما أن دخلاه وأغلقت أبوابه وقفت بعيداً عنه في
الجانب الآخر ورفعت نظرها في إشارة للأعلى بأن هذا المكان
مراقب لا نقاش فيه فلا تفكر في العبث مجدداً فابتسم يتكئ بظهره
على جدار المصعد المقابل لها والذي كان عبارة عن مرآة ممتدة
من أسفله لأعلاه وكتف يديه لصدره وقال بابتسامة ماكرة
" أنت السبب في كل هذا "
فابتسمت بسخرية ورفعت يدها وأشارت بسبابتها بجانب صدغها
للخلف وراء أذنها في إشارة للشعرات البيضاء القليلة في شعره
الأسود الحالك فضحك ولم يعلق وما أن انفتح المصعد علا صوت
التصفيق من الواقفين يملؤون المكان ممن يتبنى البرج مشاريعهم
الصغيرة والتي هدفها دعم نفسها وغيرها ممن يحتاجونها ..
بالإضافة للضيوف الجالسين في أماكن خصصت لهم ومن تم
دعوتهم وأغلبهم شخصيات مهمة في البلاد بالإضافة لرجال الأمن
والحرس الرآسي بالطبع فتحركت من هناك بعد وقوف لحظات
يسير بجوارها صاحب الخطوات الثابتة والرأس المرفوع بكبرياء
لا يشوبه الكبر ولا يليق بسواه ومن كانت الأعين تحدق فيه
بحماس باسم لتواجده غير المتوقع هناك .. والذي التفت ذراعه
كما أصابعه حول خصرها النحيل يشقان طريقاً قصيراً بين صفي
أضواء آلات التصوير تحديداً وصولا للواقفة أمام شريط أحمر
وأعمدة ذهبية مثبت بها .. للطفلة صغيرة بالشعر الشبه أشقر
وبشرة تحمل دماء أهل خماصة بلا منازع تقف بجانبه تحمل
وسادة حمراء مخملية صغيرة وضع فوقها مقص لامع تنظر
لهما مبتسمة ببراءة تشبهها .
*
*
*
لامارا, ورد الخال, الغزال الشارد and 56 others like this.
رد مع اقتباس
#12127
قديم 10-06-19, 09:30 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
اتكأت برفق ونعومة وبالعرض تقريبا على السرير البارد تخبئ
كفها تحت خدها وقد تجمد لمعان كل شيء في تلك الغرفة في
حدقتاها الذهبية الواسعة تنظر بحزن للجالس في الخارج حيث
الشرفة السابحة في الظلام سوى من أنوار الشارع التي انعكست
على الجسد الرجولي الجالس على حافة كرسي من الخيزران
يتكئ بمرفقيه على ركبتيه ثيابه السوداء تشبه وحدها ذاك الدخان
المتصاعد من السيجارة المسجونة بين أصابعه ليس في لونه بل
في قتامة كل ما يتعلق به وذاك مكانه لم يغادره منذ وقت طويل
جلست فيه هنا تنتظره ولم تفكر في الاقتراب منه حيث يسجن
نفسه في عالمه القاتم ذاك فهو لاذ بالصمت طوال طريق عودتهما
من هناك وهي احترمت صمته ذاك وأجبرت لسانها على إيقاف
ثرثرته كما يسميها منذ صغرهما ، وما أن وصلا هنا حتى توجه
ناحية غرفته ودخلها وأغلق بابها خلفه فتوجهت هي لغرفتها
أيضاً واستحمت وغيرت ملابسها واستعدت للنوم لكنها لم تستطع
أن تنام ولا أن ترغم جفنيها المرهقان على أن يطيعانها
ويستسلمان للنوم فاستسلمت لأصوات أنين قلبها العاشق وغادرت
غرفتها ودخلت لغرفته لتجدها فارغة باردة ساكنة لم ينبئها
لوجوده هناك سوى باب الشرفة المفتوح ورائحة السجائر
المتسللة منه فجلست تنتظره ترفض الخروج له وليس لأنها لا
تستطيع أو تخشى أن يرفضها .. وطال انتظارها له كما طالت
عزلته المخيفة تلك مع نفسه وسجائره .
تسربت دمعه من طرف رموشها فأخرجت يدها من تحت خدها
ومسحتها سريعاً وكم شعرت حينها بالندم لأنها أصرت على أن
يذهبا لذاك الحفل .. هي تريد فعلاً أن يتخطى ماضيه الذي يرفض
أن يفارقه وليس لأنه لا يستطيع فعلها فلن تصدق أن شخصاً مثله
يتحكم حتى في أنفاسه وضربات قلبه وهو يصوب سلاحه نحو
هدف ما ليصيبه وبسهولة أن يتغلب عليه ماضٍ لم يبقى منه
سوى الذكريات ... تريده أن يُخرج كل ذاك الحقد من قلبه وأن
يعرف معنى التسامح مع الغير لا مع الذات ليتمكنا من أن يبنيا
حياة حقيقية معاً فهو لن يستطيع أن يحب أحداً مالم يتخلص من
قوى الكره في داخله .. لن يمنح أحداً ذلك ولا .... هي .
رفعت أناملها المرتجفة لعينيها ومسحت دمعة جديدة بللت
رموشها الكثيفة قبل أن تنزل يدها مجدداً وأراحتها على السرير
أمام وجهها وشعرت بقلبها يتمزق لتلك الحقيقة التي لا يمكنها
نكرانها ولا الهرب منها ... هي عاجزة وعن فعل أي شيء من
أجله وما أقسى أن تشعر بذلك نحو من تحب ... تعذره وتفهم
مشاعره وتتألم معه ولتألمه وتشعر بالعجز حيال تخفيف ذلك عنه
أو مساعدته لتخطيه لأنه سيرفض ذلك بل ولن يعترف به ولا بينه
وبين نفسه .
رفعت يدها ومسحت عيناها بسرعة وجلست تبعد شعرها وغرتها
للخلف حين وقف الجالس هناك ورمى عقب السجارة من يده
وداسه بقدمه بقوة وكأنه يسحقه لا يطفئه ! ثم استدار وتوجه
نحو الداخل وأغلق الباب الزجاجي خلفه بسحبة قوية من يده
ودون أن يلتفت له وتوجه نحو السرير الذي لازالت تجلس عليه
وارتمى عليه بجانبها بتنهيدة طويلة قدماه على الأرض وجسده
فوقه ورفع يده لعينيه وضغط عليهما بأصابعه بقوة .. لم يتحدث
ولم يسألها عن سبب وجودها هنا رغم يقينها من أنه كان يعلم
بدخولها منذ البداية ولم تقدم هي التبريرات أيضاً أو تعتذر بل
ضلت تحدق بوجهه وملامحه الجامدة .. شفتاه المشدودتان وفكاه
المتصلبان ولم يبعد أصابعه عن عينيه بعد .. وطال صمتهما كما
حالته تلك ونظراتها الحزينة التي التصقت به .
" لما لم تنامي حتى الآن ماريا ؟ عليك أن تكوني في جامعتك
باكراً غداً "
كان هو من كسر حاجز الصمت السميك ذاك بينهما بينما لازال
يمسك عينيه بأصابعه بقوة فرفعت يدها ومسحت عينيها وأنفها
وأبعدت خصلات غرتها خلف أذنيها ولم تتحدث أو تجيب فأبعد يده
واستدار بجسده جانبا متكئاً على مرفقه وثنا ساقيه لتصبحا فوق
السرير أيضا وقد نصب إحداهما فارتفع جسده بحركته تلك وإن لم
يصل لمستواها ورفع رأسه وحدق بها بينما كانت تنظر هي
للفراغ تضم يديها في حجرها وتمتم ببرود
" لن ينام القط الذي أكل لسانك الليلة بسبب التخمة "
أسدلت رموشها ونظرت لعينيه تزم شفتيها بينما لم تنزل رأسها
قبل أن تهمس ببحة تغلبت على نبرتها الباردة
" ألم يخبروكم في تلك المنظمة أنكم لم تعودوا صالحين
للمزاح ؟ "
فارتسمت ابتسامة خفيفة باهتة على شفتيه لمحتها وهو ينزل
رأسه ونظر للقداحة التي كان يديرها بين أصابعه وتمتم مجدداً
وبذات بروده
" لا لم يخبرونا ... تركوا ذاك الشرف لزوجاتنا "
فتقوست شفتاها ولازالت تنظر له وارتسم البؤس على ملامحها
البريئة الرقيقة وشدت أناملها في قبضة واحدة وضربت بها
ذراعه قائلة بضيق
" بل كان عليهم منعكم من الزواج نهائياً "
وقبل أن تبعد يدها وبسرعة خاطفة لم تستطع ولا هي ملاحظتها
أو تفاديها التفت أصابعه حول رسغها وشدها منه بقوة أوقعتها
على السرير تحتها ورأسها وكتفيها استقرا على معدته مترافقاً
بصوت شهقتها المصدومة وقبل أن تفكر في الجلوس أو الابتعاد
ثبتها بذراعه التي التفت حول كتفيها وانحنى بوجهه ناحيتها
هامساً من بين أسنانه
" من هذا الذي يستحق تلك العقوبة منا ماريا هاه ؟ "
فاستسلمت عن مقاومته التي تعلم بأنها لن تجدي وبأنها لن
تستطع التغلب على ذراعه القوية تلك وحدقت في عينيه القريبتان
منها وابتسمت برقة هامسة
" أنا بالطبع لكنك لن تستطيع تنفيذ ذاك الحكم "
فخرجت منه ضحكة صغيرة مكتومة وانحنى نحوها أكثر وألصق
شفتيه بشفتيها في قبلة شاركته فيها سريعاً لتقطعها بالسرعة
ذاتها وابتعدت عنه لكنها لم تجلس بل زحفت نحو الأسفل قليلاً
لازالت مستلقية على السرير وخصلات من شعرها البني الناعم
بقيت متناثرة على معدته المشدودة تنظر ليديها المجتمعتان وسط
جسدها بينما عاد هو لوضعه السابق ورمى القداحة من يده بعيداً
لتصطدم بالجدار مصدرة صوتاً لرنين معدن ثقيل قبل أن تستقر
على طاولة السرير تحته وعاد الصمت ليسيطر عليهما مجدداً
فنظر لوجهها ولرموشها التي كانت تخفي عينيها عنه لطريقة
استلقائها تلك قبل أن تنتقل نظراته لجسدها وارتسمت ابتسامة
جانبية على شفتيه وهو يمد يده لكتفها وأدخل إصبعه تحت كتف
بجامتها العريض والتي كانت من دون أكمام ومن القطن الناعم
ودفعه للأسفل نحو ذراعها فدفعت يده عنها وأبعدها هو مبتسماً
بينما أعادت هي بيجامتها كما كانت قبل أن تنزل يدها وتعود للعب
بأناملها فوق معدتها ونظرها عليهم وظهر التردد في صوتها
واضحاً حين قالت
" آسفة بشأن الحفل ... فيبدو أنك انزعجت وكله كان بسببي "
أبعد نظره عنها متمتماً ببرود
" لننسى الأمر فأنا لا أرغب في التحدث عنه "
فلاذت بالصمت فوراً وتعلم ما سيكون مصير أي جملة ستتفوه بها
الآن وهو بترها وإيقافها قبل أن تكتمل بل وسينتهي الأمر بأن
يغضب منها كأي نقاش يخوضانه في العادة .
" أنا مسافر في الغد ماريا "
قال ذلك بجمود هو أقرب للجدية فرفعت رأسها للأعلى فوراً
ونظرت له فكان ينظر للفراغ ولم يضف شيئاً واستمرت هي تحدق
به لوقت قبل أن تجلس واستدارت جهته قائلة بريبة لم تستطع
إخفائها في صوتها
" لكنك لم تكن تخبرني سابقاً حتى يوم سفرك ! "
وتنقلت نظراتها باستغراب في ملامحه ولا تفهم ما سبب ما قال
فهو لا يفعل ذلك عادةً وبل برسالة تصل لهاتفها وهي في
الجامعة ! استمرت في التحديق فيه بصمت بينما كانت ضربات
قلبها ترتفع تدريجياً وهي تراقب حركة حدقتاه المتنقلة بشرود في
الفراغ ومرت اللحظات وكأنها دهور حتى قال
" الأمران سيان ماريا "
استطاعت حينها تحرير أنفاسها التي علقت في صدرها وإن كان
جوابه ذاك لم يُزل نظرة القلق المشوشة في عينيها المحدقتان
بعينيه .. وكما توقعت كان ثمة المزيد بل وسبب ما فقد رفع رأسه
وتخللت أصابعه في شعره ينظر للجدار المقابل له خلف السرير
وقال بهدوء لا تعرفه في صوته إلا نادراً
" لا أريد تركك هنا فترة غيابي ماريا "
فتعالت أنفاسها وبالكاد خرج صوتها معها منخفضاً ضعيفاً
" لكنك كنت تفعل ذلك سابقاً !! "
عاد بنظره لملائة السرير البيضاء وقال بجمود سرعان ما عاد
ليسيطر على صوته وكلماته
" رحلتنا هذه المرة قد تستغرق فترة طويلة و أنا..... "
قاطعته بسرعة وريبة
" فترة طويلة كم تعني ؟ "
ففرد أصابعه بفرده ليديه وقال
" لا يمكنني تحديد ذلك لكنها لن تقل عن الأربعة أيام "
رفعت رأسها حينها وسحبت نفساً عميقاً لرئتيها المتشنجتان قبل
أن تنظر له مجدداً قائلة
" طننتك ستقول شهراً بل أعوام ....! "
وتابعت من فورها
" حسناً وما الفرق بين يومين أو أربعة ؟ ثم باب الشقة أصبح
مؤمناً بالأقفال من الداخل وصديقك ذاك مؤكد سيكون هنا قريباً
مني كالسابق "
حرك رأسه رافضاً وقال بحزم
" لا يكفي كل ذلك ماريا فأنا لا يمكنني تركك لمدة أجهلها "
رطبت شفتيها بطرف لسانها وقالت
" لكن أ..... "
قاطعها بضيق رافعاً يده جانباً
" لا تستمري في الجدال ماريا ... هذه المهمة تحديداً تحتاج
لكامل تركيزي بدون نوبات القلق تلك التي كانت تهاجمني في
المهام السابقة "
فزمت شفتيها المتوترتان تنظر له بصمت ... هي لا تفهمه أحياناً
بل لا تفهمه مطلقاً فلما يصر على بقائها هنا معه إن كان يقلق
بسبب تركها وحيدة ! وهل بدأ يفكر فعلياً في أنه قد تهور في
اتخاذ قراره ذاك والإصرار عليه بعناد ؟ أم ثمة أمور جديدة
تجهلها باتت تهدد وجودها معه ؟ إن سألت أو جادلت كما يقول
فلن تحصل على شيء سوى أن تغضبه أكثر لكن ألا يحق لها أن
تعلم ؟ لما يتخذ قرارات فردية دائماً ويغضب إن هي احتجت ؟
تنهدت باستسلام وقالت تنظر ليديها في حجرها والتي كانت
تقبض أصابعها بتوتر
" أتعني بأنه عليا البقاء في منزل عمي الحارثة ...؟ "
قال سريعاً ينظر لملامحها التي تخفيها عنه
" لا ماريا ... لن تعودي لذاك المنزل ، أنا أعلم جيداً أنك لا
تريدين ذلك وأنا مثلك أرفضه "
رفعت رأسها مجدداً وحدقت به بصمت ولا تعلم إن كان بسبب
ساندرين أم مثلها لا يريد أن تواجه تلك النظرات والاتهامات
المبطنة لقرارها الخاطئ بالبقاء معه والتي ستراها في أعينهم
جميعاً وإن لم يكن في كلماتهم وحتى كين الذي لم يعلق مطلقاً
رغم التقائهم في الجامعة وإن كان يتجنبها غالباً ، لم تتحرك
شفتاها ولم تنطق بالسؤال التالي والذي يعلمه كليهما كما لم تترك
نظراتها ملامحه التي بدا عليها الغموض واضحاً حين قال ببرود
لازال يتجنب النظر لها
" كنت أفكر في منزل والدي فهو الخيار الأفضل "
نظرت له بصدمة وعينان متسعتان بذهول ليس لاقتراحه ذاك ولا
لاختياره لذاك الرجل الذي يرفض حتى التحدث عنه بل ...
والدي !!
أقال ذلك فعلاً !
أنطقها هكذا أم أنها تتخيل !
كانت تحدق فيه مندهشة ويبدو أنه استفاق لذلك أيضاً بل وقرأه
في نظرتها تلك فقد رفع نظراته لها وبدا ذاك واضحاً في عينيه
قبل أن يبعدهما عنها مجدداً وقد قال ببرود قاتل
" ذاك الرجل هو الخيار الوحيد أو ... لا انسي الأمر ماريا فثمة
مكان أفضل "
تقوست شفتاها واعتصر الألم قلبها الصغير وشعرت بأنها كالشاة
التي لا يعلمون لأي حضيرة يسوقونها ...!
لطالما افتقدت والداها وأن تكون لها عائلة ولأعوام طويلة لكنها
لم تشعر بالاحتياج لذلك قط كما الآن ... كانت أمور كثيرة ستتغير
حينها ... لكانت الآن ... ، مسحت عيناها بظهر كفها تمنع تلك
الدموع الحمقاء من التسرب منها وهمست ببحة
" وأنا أراه خيار جيد فلما غيرت رأيك ؟ "
رفع نظراته الجامدة لها وكانت تتوقع أن تغضبه جملتها تلك
لاعتقاده بأنها ستستغل الفرصة مجدداً لتقربه منها لكن ما لم
تتوقعه مطلقاً ما قاله حينها بضيق
" لأني نسيت فجأة وجود تلك المنحلة بالإضافة للأخرى الآن ولا
أريد حين أرجع أن أجدك واقفة في مواجهتي ترفضين العودة
معي مجدداً "
فلم تستطع منع انفراج شفتيها بدهشة وهي تنظر له بصدمة ..
لا بل بحنق سرعان ما طفا للسطح وقالت بضيق
" ماذا تقصد بهذا تيم ؟ "
قال بجدية متجاهلاً نظرة ونبرة الاتهام التي وجهتها له
" أقصد ما تعلمينه جيداً وسبق وحدث حين جلبتك من منزل
عم والدك سابقاً "
عادت شفتاها لسحب شهقة صغيرة صامتة وقالت تشير لنفسها
" أهكذا أنا في نظرك ؟ يقرر عنها الغير ! بل ويجعلونها تنفذ ما
يريدون هم وإن كان الأمر يخصها لوحدها ؟! "
لوح بسبابة يده الحرة بالنفي قائلاً بضيق
" بل عنيت أنك تتأثرين ماريا فلا تخلطي الأمور وتهاجميني "
ترقرقت دموع الغضب والمهانة في عينيها وهمست بجمود
" كلاهما سواء ... "
واختنق صوتها وهي تتابع بعبرة مكتومة
" لم أكن أتخيل قط بأنك تراني ضعيفة شخصية يتحكم بها الغير
ويقولبونها كما يريدون ! "
حرك رأسه بضيق وقال
" ماريا قلت لا تخلطي الأمور ولا.... "
قاطعته بضيق أشد
" أنت... "
فصرخ مقاطعاً لها أيضاً
" توقفي عن مقاطعتي ... "
وأضاف بجدية ينظر لعينيها السابحة بالدموع
" أنت تملكين قلباً بداخلك يختلف عنهم جميعاً ماريا وتتأثرين
بسرعة كما أن عواطفك ما تتحكم في قراراتك ... هذا ما عنيت
فقط "
اتقد الغضب في حدقتيها الذهبية الدامعة ومسحت عينيها بظهر
كفها بقوة قبل أن تشير له بسبابتها قائلة بضيق
" ها أنت تتهمني الآن بأني لا أفكر بعقلي مطلقاً وتغضب إن
احتججت ! لما لا تقل عيوبي مباشرة لا داعي لأن... "
قاطعها بضيق مماثل
" لن أحتاج للتلاعب والتمويه إن كنت سأتحدث عما أراه عيبا
بك ... وأنا لم ولن أراها عيوباً "
وما أن كانت ستتحدث قاطعها بحزم غاضب ينقل سبابته بينها
وبين باب الغرفة المفتوح
" لن تنكري ذلك ماريا فإن جاء أحدهم هنا في الغد وأخبرك بأني
أواجه خطراً ما لخرجت معه راكضة دون حتى أن تقفي لحظة
لتفكري في أبعاد الأمر اليس كذلك ؟ "
حدقت فيه بصمت حانق ولم تستطع قول شيء ولا الإنكار فتلك
هي الحقيقة بل كانت ستركض وتسبقه ، قال حين طال صمتها
وقد أشار جهة الشرفة هذه المرة
" أرأيت ماريا ؟ كما أنك لم تنسي قطعاً حين وافقت على المجيء
معي هنا سابقاً وبدأت بجمع ثيابك وما أن تحدثتْ معك سليطة
اللسان تلك حتى غيرت رأيك وانصعتِ لما أرادت هي "
تعالت أنفاسها بغضب قبل أن تهاجمه قائلة بحدة
" أجل ثم فعلت أنت مثلها وجعلتني أغادر معك بكلمات قليلة
منك ... هذه هي ماريه إذاً امرأة بلا شخصية يحركها من يشاء
ويقرر عنها "
وتابعت ولم تأبه للنظرات الغاضبة التي رماها بها حينها
" بل ومتى تُرك لماريه الخيار لتقرر وتنفذ ...؟
هي تُساق مجبرة منذ كانت طفلة لم يهتم أحد برفضها أو
موافقتها "
وتلاحقت أنفاسها الغاضبة ما أن أنهت عبارتها تلك تنظر له من
بين لمعان تلك الدموع السجينة في عينيها فرفع رأسه عالياً
وتنفس نفساً عميقاً يمرر أصابعه في خصلات شعره التي انساقت
بينها بنعومة وإن لم تتحرك من مكانها وقال بجدية ما أن عاد
بنظره لعينيها
" ماريا لا تفسري الأمور كما يخبرك عقلك ... أنا قلت بأنها
ليست عيوباً بك ولا أراها كذلك أبداً بل ولم أقصد ما فهمته
وتتهمينني به "
لوحت بقبضتها قائلة بضيق
" ماذا هي إذاً ؟ رقة قلب كما تقول ! أنا لم أعد تلك الطفلة
تخدعني تيم "
اعتدل جالساً وأمسك وجهها ونظر لعينيها القريبتان منه وإن
كانت تلك القطع الذهبية لازالت تنظر له بغضب وضيق والكثير
الكثير من الألم الذي لم تستطع إخفائه وهمس بتأني
" بلى لازلتِ هي ... لازلت تلك الطفلة وهذا ما أريده أن يبقى
ولا يغيره أحد فقط لأنه قد يراه ضعفاً كما تقولين "
تنقلت نظراتها بين عينيه وهمست ببحة وضعف كانت تعلم بأنه
سيوصلها له وبسهولة
" أثمة من يذكر لأحدهم عيوباً به ويدعي بأنه يحبها فيه ؟ "
تحركت أصابعه على وجهها نزولا وأمال رأسه وقبّل طرف أنفها
وهمس ما أن عاد بنظره لعينيها مجدداً
" بلى حين لا يكون يراها عيوباً ماريا "
فسحبت الهواء لرئتيها وهمست أيضاً ولكن بحزن تنظر لعينه "
لكن الغير يرونها كذلك تيم وأنت بنفسك اعترفت "
حرك رأسه نفياً وقال بجدية
" لا ماريا لا تجعلي هذه الأفكار تسكن رأسك وتؤثر بك "
أرخت جفنيها تخفي الدموع التي عادت لمعانقتها مجدداً فتخللت
أصابعه شعرها أكثر وانحنى نحوها أكثر ووزع قبلاته الخفيفة
على شفتيها لم يكترث ولم يهتم لعدم تجاوبها معه ونظر لعينيها
بعدما حررتها من رموشها الكثيفة التي كانت تخفيها عنه ونظرت
له بينما سيطرت بحة غريبة على صوته الرجولي العميق وهو
يهمس
" ماريا طفلة بلدة حجور أنت ... لازلت هي ولا أريدها أن تكبر
أبداً ولا أن يدفعها أحد لذلك "
فأنزلت رأسها ليست تعلم هرباً من قبلاته واستنشاق أنفاسه
الدافئة والتي توصلها للجنون أم من أن يقرأ في عينيها ضعفها
المعتاد أمام سيطرته عليها بلمسات قليلة .. بهمسة .. بقبلة
صغيرة كطفلة تتعلق به كلما اقترب منها أكثر .
قالت بجمود ما أن أبعد يديه وابتعد هو عنها ولازالت تنظر
للأسفل
" إذاً ما خيارك الآخر الذي تحدثت عنه ؟ "
وصلتها تنهيدته العميقة بوضوح قبل أن يقول بجدية
" لا يمكننا مناقشة الامر وأنت غاضبة "
شدت أصابعها وهمست ببرود تنظر لها
" لست غاضبة "
قال بجدية أكبر ولازال ينظر لها وإن كانت تتجنب النظر له
ولازالت تنظر ليديها في حجرها
" بلى أنت كذلك ولم تغادر تلك الأفكار الخاطئة رأسك بعد وأول
ما ستفعلينه الآن هو اثبات العكس لنفسك بأن تتمردي وترفضي
ما سأقوله وأيا كان "
رفعت رأسها حينها ونظرت له وقالت بضيق
" لن يحدث ذلك لأني لن أملك خياراً غيره كما تعلم جيداً فلا أبوين
ولا أشقاء ولا عائلة لي أجعلها بديلاً إن أنا عاندت وتمردت
كما تقول "
أغمض عينيه وضغط عليها بأصابعه بقوة منزلاً رأسه للأسفل
وزفر نفساً قوياً إن لم تكن متأكدة منه لظنت بأنه يتأفف ...!!
أنزلت رأسها ونظرت ليديها مجدداً وقالت بحزن
" لم أكن أتوقع قط بأنه يمكننا أن نستمر معاً ! ظننتك تحتاج
لامرأة بشخصية تشبهك وأنك ستبحث ... "
" توقفي ماريا ... "
رفعت نظرها له بذهول حين أسكتها يطبق بيده على فمها وقال
بحزم ينظر لعينيها
" اصمتي كفى فأنا لن أبحث عما تتحدثين عنه ولدى أي
امرأة كانت بل ولا أريده... "
وأبعد يده ومرر أصابعها في شعره قائلاً
" آه لا ... لا يمكنني تصور امرأة مثلي تجلس أمامي الآن ...!!
أنا لا يمكنني التأقلم ولا مع رجل يحمل ذات طباعي فكيف
بامرأة ! "
رفعت يدها ومسحت عينيها بقوة ولم تعلق فزحف نحوها قليلاً
وأمسك وجهها مجدداً وقال ينظر لعينيها
" ماريا توقفي عن التفكير بتلك الطريقة وبأنك وحيدة ولا عائلة
لك ... أنت تعلمين جيداً أي ظروف نمر بها الآن وعلينا بالتالي
التأقلم مع ظروفنا تلك لا أن نحاول تحريكها لتتماشى مع رغباتنا
فذلك لن ينجح أبداً "
نظرت لعينيه بصمت لبرهة بينما نظراته تخبرها وبإصرار أن
تصدق ذلك وتقتنع به فأنزلت رأسها وأومأت إيجاباً دون أن
تتحدث ولا أن ترفعه أو تنظر له .. وها هي تنصاع كما سبق
وقال وذاك ما يحصل عليه دائماً بمجرد أن يستخدم سلاح لمساته
وقبلاته ... والآن عليها إذاً أن تنظر للأمر على أنه استسلام
للظروف الراهنة كما أشار لا ضعف منها وبأنه يعجبه ذلك فيها
فيجعله المسيطر دائماً لتسير الأمور كما يشاء لأنها ستصاب
بالجنون لا محالة إن هي استمرت ترى نفسها كذلك في عينيه ،
رفعت رأسها ونظرت له حين قال
" منزل عائلة رواح هو البديل الوحيد "
فتحت فمها وأغلقته عدة مرات وكأنها عاجزة عن إخراج الكلمات
منه قبل أن تهمس باستغراب
" منزل عمتك تعني ؟ "
فعاد لاستلقائه السابق يتكئ بمرفقه على السرير تحته وثنا ساقيه
ينصب إحداها ويثني الأخرى تحتها وقال ببرود
" بل منزل عائلة ضرار السلطان "
زمت شفتيها بقوة قبل أن تحررهما قائلة بحزم
" بل عمتك فلولا انتمائها لتلك العائلة ما كان ليكون خيارك "
فرفع رأسه ونظر لها وقال بضيق ملوحاً بيده
" ماريا لا تبدئي باستخدام أساليب وضيعة للانتقام مني "
نظرت له بصدمة قبل أن تمسك خصرها بيديها وقالت بضيق
مماثل
" توقف انت عن إلصاق أفكارك الوضيعة بي "
" مارياااا "
صرخ فيها بغضب تجاهلته تماماً وهي تنفض يدها جانباً قائلة "
لا يحق لك أن تغضب لأنك من تفوه بتلك الكلمة قبلي ووجهها لي
لا تنسى ذلك "
غرس أسنانه في شفته ورفع يده لذقنها وأمسكه وقد ألتفت
أصابعه حوله وضغطه للأسفل حتى انفرجت شفتاها وشدها نحوه
متمتما بحنق من بين أسنانه
" تبا لهذا اللسان ... وتقولين بأنك ضعيفة لا شخصية لك ! "
أبعدت يده وزحفت للخلف قليلاً قائلة بضيق
"توقف عن استخدام قبلاتك كعقاب لي تيم كم مرة سأقول ذلك ؟ "
فرد يده وذراعه جانباً قائلاً
" عقاب ....!! لا أحد يعاقب الآخر بذلك سواك "
رفعت طرف حاجبها البني الرقيق وابتسمت بسخرية قائلة
" جيد ... شكرا لأنك أخبرتني "
قال يشير لها بسبابته محركاً إياها أمام عينيها
" لن يستمر ذلك طويلا وسترضخين في النهاية ... ولا تقولي
مجدداً بأني من يسيطر عليك ويقرر عنك تذكري هذا جيداً "
نظرت له بصدمة مجفلة قبل أن تقول بضيق وقد عادت لإمساك
خصرها النحيل بيديها
" توقف عن اقحام حديثنا السابق في كل ما سنقول أو لن أنساه
أنا أيضاً "
أشار لها برأسه وقال
" سأنساه إذاً إن كنت ستنسيه "
ونظر بعدها للجدار فوق سريره وكأنه يتعمد تجاهلها يضرب
بأصابعه على فخذه الذي ترتاح يده عليها فابتسمت بحزن
وشردت بنظرها في الفراغ بوجوم كئيب ولا تعلم كيف لها أن
تقضي الأيام القادمة في ذاك المنزل ومع تلك العائلة وهي لا
تعرفهم جيداً فحتى عمته تلك التقتها لمرتين في الحفل وبشكل
عابر بل أنهما الليلة الماضية لم يقتربا منها ولم يسلما عليها ولا
من باب اللباقة لتجد نفسها ضيفتهم في الغد ! نظرت له لتكتشف
بأنه كان ينظر لها بل ويبدو كان يدرس تغيرات ملامحها مع
أفكارها تلك ولن تستغرب أن يكون يعلم جيداً فيما كانت تفكر ...
نظرت ليديها في حضنها وقالت بهدوء حزين
" وهل سترحب تلك العائلة بوجودي بينهم ؟ "
قال من فوره ونظره لم يبتعد عن ملامحها
" بالتأكيد وسأتحدث مع السيد ضرار ومع رواح ليخبر والدته "
تنهدت بضيق ولم تعلق أو ترفع نظرها من يديها ... أجل هو
واثق من ذلك تماماً فتلك المرأة تنتظر الفرصة فقط لتفعل شيئاً
يخصه أو يطلبه إن كانت حتى دخوله لمنزلهم في المناسبات فقط
تسعى له باستماتة ، وتستغرب حتى الآن كيف فكر في الاستعانة
بهم في أمر يريده ! أهذا كله تمسك بوجودها هنا معه بينما
عيشها بعيداً كان سيكون خياراً أيسر ؟! أم أنه .....؟
رفعت نظرها له وقالت بتوجس
" وهل ستتركني هناك في جميع مهامك القادمة ؟ "
" لا "
قالها مباشرة ولم يضف شيئا فحدقت فيه بصمت ... لا تعلم لما
تشعر بأنه ثمة شيء ما في الأمر ولم تقتنع بعد بالسبب الذي
ذكره ! قالت بتردد هو أقرب للتوتر الذي لم تستطع إخفائه في
صوتها كما ملامحها
" أنت تخفي شيء ما عني ؟ "
فتنفس بقوة وضيق قبل يقول بنفاذ صبر
" ماريا بحق الله أبعدي هذه الأفكار الحمقاء عن دماغك فكل ما
في الأمر أنه لم يتم تحديد وقت معين لعودتنا كالرحلات السابقة
وهذا يحدث عادةً لكن ليس دائماً ولأن هازار في فرنسا الآن ولا
يمكنني استئمان أحد غيره ولا رفاقي هنا عليك بل ولا حتى من
يعملون معي في المنظمة لذلك لا يمكنني تركك وحيدة هنا لفترة
أنا نفسي لا أعلم كم ستكون "
ملأت الدموع عينيها وهمست ببحة
" وستعود .... ؟ أقسم لي بذلك "
رفع يده لوجهها ولامس إبهامه وجنتها وقال ناظراً لعينيها
الدامعة
" سأكون هنا عند نهاية الأسبوع على الأرجح ماريا أقسم لك "
أومأت براسها إيجاباً تمسح عينيها والدموع التي لم تفارق
رموشها بظهر كفها وقالت ما أن رفعت نظرها لعينيه مجدداً
" تيم أتعدني بأمر ما وتنفذه ؟ "
تنهد بضيق وقال
" انتقلنا من الطلبات للوعود ماريا ؟ "
مسحت عينيها مجدداً وأنفها أيضاً هذه المرة قائلة
" أجل وهو أمر واحد ولن أطلب غيره "
قال بابتسامة جانبية لازال يرفع نظره لها
" حسناً ما هو ؟ "
نظرت ليديها في حجرها وقالت بتوتر لا بل بتردد
" أنت.... أعني أنا لم أراك تدخن سوى لمرتين منذ أصبحت هنا
في لندن ولم أكن أستنشق رائحتها أبداً في ثيابك ولا.... شفتيك "
وشدت سبابتيها ببعضهما بقوة وهي تقول كلماتها الأخيرة وتابعت
ولم تنظر له بعد بالرغم من أن نظراته لم تفارق ملامحها أبداً
" مما يعني أنها ليست عادة دائمة لديك وأريدك أن تعدني أن
تتوقف عنه نهائياً "
كان جوابه الصمت التام والذي أقلقها أكثر من كونه وتّرها !
وما أن رفعت نظرها له حتى قال وكأنه ينتظرها أن تنظر لعينيه
" لا أستطيع ماريا ... هي ليست عادة دائمة كما تقولين ولا نوع
من الإدمان لكنني لا أستطيع تركها "
اقترب حاجباها المحددان ببطء ونظرت له بأسى حزين وقالت
" أنت لا تريد ذلك وليس لا تستطيع ... لا أصدق بأنه ثمة ما
يمكنه التغلب على عزيمتك و حتى إن كانت مخدرات وليس
مجرد سجائر لا تلجأ لها إلا نادراً ! "
وكان هو من أبعد نظره عنها هذه المرة للجدار المقابل له أعلى
سريره فتنهدت بإحباط قبل أن تقول
" أنت طبيب وتعلم جيداً أضرار ذلك ، ولن نقول بأنه من أجل
هذا بل وليس من أجلي ولا من أجلك ... افعلها على الأقل
من أجل ... "
وترددت قليلاً وهو ينظر لها حينها لكنها تشجعت وقالت دون أن
تهرب بنظرها من عينيه
" من أجل ابنك الذي تصر عليه رغم رفضي "
فأبعد نظره عنها للفراغ وتنفس نفساً عميقاً طويلاً بطول انتظارها
ذاك وقال بهدوء ما أن نظر لها مجدداً
" حسناً سأفعلها من أجله "
ارتسمت ابتسامة صادقة زينت ملامحها الجميلة منتصرة وبقوة
على حزنها وتحول الأمر لشهقة مختلطة بضحكة مكتومة ما أن
شدها من ذراعها لتسقط على صدره وهمس يمسك رأسها بيده
الأخرى يدني وجهها من وجهه
" وعليه أن يأتي إذاً من أجل أن لا تضيع التضحية هباءً "
وما أن حاول تقبيلها دفعته عنها وابتعدت جالسة تنزل قميص
بيجامتها تغطي خصرها العاري وقربت وجهها منه قائلة بابتسامة
ساخرة
" لن يحدث هذا أبداً وبالطبع من أجل التأقلم مع الظروف الراهنة
لا تحريكها كما نريد "
نظر لها بضيق فهذه الطفلة تذكره بكلامه السابق .. بينما تجاهلته
هي ببرود فتأفف قبل أن يرتمي على السرير بجانبها نائما على
ظهره ووضع يديه تحت رأسه ناظراً للسقف وتمتم بحنق
" تباً لك مارياً "
فحركت كتفيها بعدم اكتراث مبتسمة وانتقلت نظراتها من ملاحه
المتفجرة وسامة ورجولة لجسده والقميص القطني الأسود
المشدود عليه مبرزاً عضلاته وخصره النحيل ... وشعرت
بحرارتها ترتفع وجسدها يتعرق ولم تستطع السماح لنظراتها
بالنزول أكثر ... فمن هذه التي تصمد أمام هذا الرجل ولا تنهار
دفاعتها بمجرد النظر له فكيف بقبلاته ولمساته !! لكن .... .
" ما سبب هذه الابتسامة البلهاء وأنت تحدقين في جسدي ! "
أجفلت بشهقة صامتة وشعرت بأنفاسها علقت في حلقها ولم
تستطع ولا أن تبتلع ريقها ونظرت له بصدمة فكان بالفعل ينظر
لها وقال حينها مضيقاً عينيه
" فيما كنت تفكرين ؟ "
لتزداد صدمتها شدة وحدقت فيه بعينين متسعتان قبل أن تقول
بهجوم دفاعي
" حمدا لله أن الأفكار أمر لا يمكن انتزاع ملكيته من أحد وأنها
ملك لي وحدي "
لكن ذلك لم يجعل نظرته لها تتغير وقال يرمقها بطرف عينيه
الشبه مغمضتان
" لكنها ليست كذلك عندما تخص شخصاً غيرك وإن كانت لك
أليس كذلك ؟ "
ضربت كتفه تحتها بقبضتها وقالت بضيق
" ومن قال أساساً بأنها كانت تخصك ؟ "
أخرج أحدى يديه من تحت رأسه ودسها في جيب بنطلونه وأخرج
منه ورقة صغيرة مطوية تبدو قديمة باهتة وقال وهو يفتحها
بأصابع تلك اليد وحدها
" حسناً وماذا بشأن هذا فهي ليست أفكاراً وعلينا أن نعلمها ؟ "
فشهقت بصدمة فور أن انكشف لها الموجود فيها فقد تعرفت
عليها فوراً رغم مرور كل هذه الأعوام فلازالت الكلمات القليلة
المكتوبة بقلم رصاص واضحة حتى الآن ... وبالرغم من أنها
كانت أحرف تنتمي للغة العربية إلا أنها كلمات لا يمكن لأحد أن
يقرأها ويفهمها سوى من كتبها فكيف وهي ابنة الخامسة حين
كتبتها وبالكاد كانت دخلت للمدرسة ، مدت يدها في حركة سريعة
وحاولت اختطافها منه لكنها عبثاً تحاول مع قناص ورجل المهام
الصعبة فقد أبعدها بسرعة فاقت سرعة يدها بمرات فضربت كتفه
بقبضتها وقالت بضيق
" كنت أنت من فعلها إذاً ! وأنا من ظننت بأنها الجنية من
فعلتها ... لقد خدعتني وتلاعبت بي "
نصب ساق على الأخرى ووضعها على فخذه قائلا بابتسامة
ساخرة
" كان عليا فعل ذلك كي لا أسمع ثرثرتك عنها كل صباح لأن
جنيتكم تلك لم تأتي لأخذها "
نظرت له بضيق وقالت تمسك خصرها بيديها
" كان ذلك أفضل من خداعي "
رفع رأسه ونظر لها فوقه وقال ساخطاً
" بربك ماريا لا أصدق أنك وأنت بهذا العمر تصدقين أنه توجد
جنية وبأنها أخذتها بالفعل ! "
قالت ولازالت تمسك خصرها النحيل
" لا بالطبع ونحن نتحدث عن الخداع لا تصديق تلك الخرافة "
قال بسخرية وقد عاد بنظره لورقتها تلك يحركها بين أصابعه
" لم تتحقق أمنياتك المكتوبة فيها إذا ؟ "
" لا شأن لك "
قالتها مباشرة تنظر لوجهه وإن كان لا ينظر لها فرفع جفنيه
ونظر ناحيتها دون أن يحرك رأسه وقال بابتسامة جانبية
" ألا يحق لي أن أعلم ما المكتوب فيها ؟ "
" لا "
قالتها سريعا وبرفض قاطع فرفع رأسه قليلاً وقال فوراً وبمكر "
لا شيء فيها يخصني تعنين ؟ "
جعدت ملامحها وهي تقول
" يا لغرورك البشع ! "
فضحك ضحكة صغيرة مكتومة ونظر للورقة التي فردها جيداً على
فخذه بإبهامه وسبابته وقال
" ما رأيك بأن أحقق لك طلباً مقابل كل سطر فيها ؟ "
نظرت له بصدمة وإن كان لا يراها ونقلت نظرها للورقة التي
قسمتها خطوط طيها لأعوام لأربعة وأغراها العرض وكم تمنت
حينها أن كانت كتبت من ثرثرتها كما يسميها الكثير ذاك الوقت
وليس سطران فقط ، عادت بنظرها له فكان ينظر لها هذه المرة
فرمقته بطرف عينيها بشك ... أيتنازل حقاً ويحقق لها ما قد
تطلبه فقط مقابلاً لترجمتها لتلك الكلمات التي لا تنتمي لأي لغة !
ألم يفكر بأنها قد تستخدم طلبات تعجيزية لتتهرب أم أنه واثق
من أنها ستستسلم للإغراء وتفعلها ؟ بل هل هو واثق من أنها
ستطلب شيئاً تعلم بأنه لن يرفضه ! أيضن أن تلك الأمنية لا
تخصه وبأنها ستكشفها له ؟ فأمنيات الأطفال قد تنحسر غالباً
بأمور سخيفة كالحلوى والألعاب .... لكن أكان سيقدم تنازلات
كهذه من أجلها إن كان موقناً من أنها مجرد أمنيات عادية تافهة
وهو من سيحقق طلبها من قبل أن يعلم ما تكون تلك الأسطر ؟
نقل نظره منها للورقة حين طال صمتها وغرقها في أفكارها وقال
" جيد ... يبدو أنها تحوي أموراً مهمة "
عضت على شفتها وضربت فخذها بقبضتها فها قد أوقعت نفسها
في الفخ ... سحقاً لها كيف نست بأنه داهية لن يُفوت شيئاً من
دون أن يحلله ويفسره ومن قبل أن تنتبه هي له ، قالت بجدية
" موافقة "
فنظر لها رافعاً حاجبيه وارتسمت ابتسامة غامضة على شفتيه
ولم تفهم أيدهشه أنها وافقت أم أنها ابتسامة انتصار تلك لأنه
حدث ما توقع ! نقل نظره منها للورقة وقال يحرك سبابته على
السطر الأول فيها
" حسناً اتفقنا ... ما يكون هذا هنا ؟ "
وما أن رفع نظره لها نظرت له مضيقة عينيها وقالت
" لا لن تخدعني بهذا عليا قول الطلب أولاً "
" حسناً لا بأس "
قالها مباشرة مما بدد أي ذرة شك في نفسها بأنه تعمد فعلها
فتنفست بعمق وقالت
" أبقى في منزل والدك وليس عمتك "
ستستخدم ذات أسلوبه الماكر وها هي تطلب ما تعلم بأنه يمكنه
الموافقة عليه وكما توقعت قال بعد برهة
" موافق "
فرفعت نظرها للورقة وقالت تشير للكلمات بسبابتها
" مكتوب هناك يا جنية الأمنيات أرجوك أرجوك "
ونظرت له بابتسامة متسعة فنظر لها وقال من فوره
" كاذبة "
نظرت له بصدمة قبل أن تشير للورقة بسبابتها قائلة
" تعلم جيداً بأني لا أكذب وإن نظرت للكلمات فستعلم بأن الأخيرة
والتي قبلها متشابهتان تماماً مما يعني بأنها ذات الكلمة "
فنقل نظره منها للورقة ولاذ بالصمت وهذا ما كانت تخطط له
فبما أن الطلب كان ليس بذي أهمية سيعلم بأن ذاك السطر لا
يشكل أهمية لها بينما حين ستطلب أمراً يصعب عليه تحقيقه
سيكون الأمر يستحق بالفعل ، قال وقد نقل سبابته للسطر الذي
يليه والاخير
" حسناً وهذا ؟ فلا اراه يحوي كلمات تشبه التي في الأعلى أي
أن ثرثرتك مع جنيتك تلك انتهت سريعاً على غير العادة "
زمت شفتيها تنظر له بحنق ... متى سينسى هذا الرجل ماضيها
المأساوي معه وسخريته الدائمة منها حينها ؟
لكن لابأس ستنتقم منه على طريقتها بعد قليل ، قالت ترمقه
بطرف عينيها
" تترك مهمتك تلك التي تخص والد لوسي "
واتسعت عيناها بدهشة حين ابتسم وقد نقل نظره للورقة مجدداً
وكأنه كان يتوقع ذلك ! بل أجل عليه توقعه ومن المرة الاولى
فهو يعلم بالتأكيد بأنها ستطلب هذا حتى أنه لم يضع شروطاً منذ
البداية بأن تبعد عمله ومهامه جانباً ! لكن ما أدهشها أكثر هو أنه
لا يرفض فكرة طلبها ذاك على ما يبدو !
فهل سيوافق ؟
هل يفعلها فقط لكي يعلم شيئاً قد يكون تافهاً كسابقه ؟
تشعر بأنها من تُوقع نفسها في فخه طواعية لا أن توقعه
هو في فخها ولا تعلم كيف ! .
ولم تستطع إخفاء الصدمة في ملامحها حين قال مبتسماً ينظر لها
" موافق "
فصرخت من فورها ودفعته من رأسه بيدها قائلة
" لا أنت كاذب ولا يمكنني تصديق ذلك ولن تحقق طلبي ذاك
وإن قرأت لك تلك الكلمات "
فمد يده فوقه ليده وأمسكها قائلاً
" لا تُخلي بالاتفاق وتحدثي هيا ... تعلمين جيداً بأني لا أكذب "
فسحبت يدها منه قائلة
" لن أفعلها ولن أقرأ شيئاً ولا أريد شيئاً "
فقبض على الورقة في يده وهو يقفز جالساً ما أن فكرت فيما
يبدو أنه توقعه جيداً وأمسك بها من قبل أن تغادر السرير يلف
ذراعيه حول خصرها وشعرت بأنفاسه تلفح عنقها بقوة وهو
يقول
" لن تهربي وستتحدثين رغما عنك "
قالت تحاول التملص من ذراعيه والفرار
" لن أفعلها وإن قتلتني "
وكانت النتيجة أن وقعت على السرير على وجهها وهو فوقها
واشتدت ذراعاه حول خصرها أكثر وهمس عند أذنها
" محتالة "
شعرت بجسدها يرتجف بأكمله من قربه ذاك ووضعهما وقالت
تحاول التنفس بصعوبة بسبب وجهها المدفون في ملائة السرير
كما توترها وانفعال عواطفها
" كنتَ ستخادع وكنتُ سأخادع .. ما من واحد منا كان ليوافق "
تسللت يداه تحتها أكثر وهمس عند أذنها
" هي لم تتحقق بعد إذاً ... تكلمي هيا وأقري "
شدت على شفتها بأسنانها بقوة تكاد أنفاسها تتوقف بسبب
ملمس أصابعه على بشرة خصرها العاري وقالت بصعوبة
" لاااا ... وليس قبل زمن طويل جداً "
ابتسم بمكر يبحث أنفه عن عنقها من بين خصلا شعرها
الحريري وهمس بخفوت
" متى مثلا ؟ "
فتعالت أنفاسها أكثر وهمست تحاربه بأن كل ما يريده لن يحدث
" حين يصبح لدينا طفل "
وشعرت بأنفاسه القوية الساخنة على بشرة عنقها الناعمة مهيجه
مشاعرها وبجنون حين ضحك بخفوت وهمس
" هكذا إذاً هذه هي كانت الأمنية .... يالا أفكارك المنحلة تلك "
فانفتحت عيناها بصدمة وتحركت تحته ومن بين ذراعيه بقوة
واهنة قائلة
" ابتعد ولا تتهمني بأفكارك "
ولم يكن من جدوى لإنكارها لأنه لن يقتنع وإن كانت تقول
الحقيقة وسيبقى على ظنونه ... تباً لها يالها من غبية ، كتمت
أنفاسها وتقلصت كل عضلة في جسدها بقوة حين شعرت بنعومة
شفتيه وحرارة أنفاسه أعلى بشرة عنقها وجانب وجهها وبدأت
تضعف وبعجز عن مقاومته وقد بدأت يداه من تحتها تعبث أكثر
بثيابها وكأنها تشعر بملمس يديه على جسدها بأكمله ... كانت
تريد مقاومته محاولة الهرب منه أو حتى ترجيه بأن يتركها لكن
هيجان مشاعرها منعها من ذلك من قول أي شيء ومن المقاومة
وعلمت بأنها خسرت جميع معاركها معه وقد بدأ أنينها المحتج
يخرج كتأوهات لم تعبر عن الرفض بل الرغبة والاستمرار
والمطالبة بالمزيد معلناً باستسلامها مجدداً وهو يعلم ذلك جيداً
ويسلبها من نفسها بمهارة وبطء بينما همس بتأني وأحرف
متقطعة وقبلاته تنتقل لكتفها
" فوسم .. واريسيغ توغ "
فانقبضت أصابعها على القماش الناعم تحتها وضاعت بين تكراره
لتلك الجملة وسط قبلاته وإن كانت لا تفهمها ... لينهي كل ذلك بل
ويوقفه رنين هاتفه المرتفع والملح الذي اخترق كل تلك الأجواء
الحميمية ولم يكن ذاك الوقت المتأخر من الليل ليسمح له بأن
يتجاهله فارتخت ذراعاه عنها وأخرج يديه من تحتها شاتما بحنق
" يالك من سافل كنت من تكون "
فعضت طرف شفتها وجلست ما أن ابتعد عنها ترتب قميصها
الذي كاد ينزعه عنها ونظرت له وهي ترفع شعرها عن وجهها
أنفاسها لازالت قوية متلاحقة تراقبه وقد وقف خارج السرير
ورفع هاتفه ونظر له وتغضن جبينه باستغراب فوراً فغزا الفضول
نظراتها الملتصقة بملامحه فمن سيكون هذا الذي يتصل به في
هذا الوقت ويبدو بأنه لم يكن يتوقعه فيبدو بأنها ليست تلك المرأة
قطعاً ! راقبت بتوجس يده التي رفعها والهاتف فيها ووضعه على
أذنه بينما كانت يده الأخرى تمسك خصره وقال بجمود عاقداً
حاجبيه الأسودان
" مرحبا سيادة الإميرال "
فتأففت بحنق مبعدة نظرها عنه ما أن عرفت هويته فإن لم يكن
تلك المرأة فوالدها ... لا تعلم فعلاً أتمتن لهما لإنقاذها دائماً في
الوقت المناسب أم تغضب لأن ذلك حدث بسببهما تحديدا لا
شخص آخر ؟ وقفت خارج السرير في حين جلس هو على طرفه
الآخر حيث كان يقف وأصبح موليا ظهره لها تنظر له مستمعة
للمكالمة من طرفه فقط وقد قال بعد برهة
" لا هي ليست معي "
جميل هل ضاعت الطفلة المدللة ؟ ضيقت عينيها تراقبه وقد قال
بعد لحظة وببرود
" ستعلم من الصحف صباحاً بالتأكيد "
نظرت لقفاه باستغراب ولم تفهم ما كان يعني ! وتذكرت فجأة
شجارهما السابق في غرفتها حين ذكر لها بأنه كان يعلم أين
أمضت الليل ومع من ولا يحق لها محاسبته فهل ما عناه بأنها
فعلتها مجدداً ؟ استمعت لباقي المكالمة بفضول وما فهمته أنه تلك
الحمراء المدللة غادرت المنزل غاضبة من والدها لسبب لم تفهمه
أو لم يذكره ذاك ولم ترجع حتى الآن وحرسهم يبدو لا يعلمون
أين تكون كما أن ذاك الرجل كما يبدو يحاول أن يتعذر لها بسبب
عبارة تيم تلك بأن الصحف ستكشف عن عشيقها الجديد وهو لم
يبالي بالتبرير ، قال حين يبدو أن من في الطرف الآخر إختار أن
يتحدثا وجهاً لوجه " لست أعلم إن كان بإمكاني ذلك فأنا مسافر
في مهمة غدا وسأحتاج لأيام لأعود "
سكت بعض الوقت قبل أن يتنهد بضيق وقال راضخاً لإصراره
على ما يبدو
" إن كنت من سيتدخل في الأمر فسنرى ما يمكن فعله "
وأنهى المكالمة مودعاً له ورمى الهاتف على طاولة السرير مكانه
السابق متأففاً وأمسك بأطراف قميصه ورفعه للأعلى ونزعه
بحركة سريعة ورماه على الأرض بإهمال واستدار بحركة واحدة
ليصبح نائما على السرير وعدل الوسادة تحت رأسه ونظر لها ما
أن قالت ببرود
" ماتت ؟ "
ابتسم بسخرية يعدل ساعده تحت رأسه وقال
" لا أعتقد بأنه يمكنك الاحتفال بهذا "
كشرت ملامحها الرقيقة وقالت باشمئزاز
" يالها من مقززة كان عليها أن تكون وفية لبعض الوقت
على الأقل "
اتسعت ابتسامته الساخرة تلك وقال
" لا يعنيني ذلك فأنا أيضاً كنت مع امرأة أخرى "
اتسعت عيناها بصدمة وقالت
" ماذا ... !! أهذا فقط ما يجعلك لا تهتم ! أكنت ستنزعج مثلاً
إن لم تكن مع امرأة ؟ "
وأمسكت خصرها بيديها متابعة بضيق
" هل هذا يبيح للغير الخيانة ؟ أكنت لن تهتم إن كنت أنا مع
رجل آخر لأنك مع امرأة أخرى ؟ "
لوى شفتيه بابتسامة رجولية غامضة تشبهه وقال
" أعرفك لن تفعليها وإن فعلتها أنا "
فرمقته بنظرة مصدومة أخرى وأشارت له بسبابتها قائلة
" لا تراهن وتطمئن لتفعلها "
فتبدلت ملامحه للضيق وأبعد يده بعنف صارخاً
" توقفي عن التفكير بهذه الطريقة الخرقاء ماريا ... سحقاً "
وأتبع كلماته تلك بشتيمة يونانية فأمسكت خصرها بيديها مجدداً
وقالت
" سأفهم يوماً ما معنى كل ما تقوله الآن "
فانقلب مزاجه فجأة وكالعادة ودس يده تحت رأسه مجدداً
وقال ببرود
" جيد وسيكون لديك فكرة واضحة حينها كم تثيرين غضبي
واستيائي بحماقاتك "
فأبعدت نظرها عنه تزم شفتيها بغضب قبل أن ترمقه بطرف
عينيها قائلة
" ليس هي فقط بل والكلمات التي تقولها وأنت لست غاضب "
فابتسم بمكر حينها ودس يده الأخرى تحت رأسه أيضاً وقال
" أطفئي النور حين تقررين أين ستنامين "
فبادلته الابتسامة بمثيلة لها وتحركت نحو الجدار قرب باب الغرفة
وضغطت زر الإنارة لتغرق الغرفة في ظلام تام لا يتخلله سوى
النور المنبعث من الباب المفتوح وقالت
" لن أنام هنا بالتأكيد "
فشد اللحاف بحركة عنيفة ورماه على نصف جسده السفلي
متمتما ببرود
"سحقاً لك من امرأة "
فضحكت رافعة كتفيها وغادرت الغرفة واتجهت لغرفتها أطفأت
نورها أيضاً واندست في سريرها وسحبت الدمية القماشية
لحضنها وأغمضت عينيها مبتسمة ولا تتصور كيف ستمضي
الأيام القادمة من دونه وإن كانا مشغولان طوال النهار
ويتشاجران باقيه فهي على الأقل كانت تراه كل ليلية وكل
صباح قبل أن يغادرا .
*
*
*
لامارا, ورد الخال, الغزال الشارد and 59 others like this.
رد مع اقتباس
#12128
قديم 10-06-19, 09:33 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
أبعدت اللحاف عن جسدها وجلست منزلة قدميها الحافيتان
على الأرض لينكشف الجسد الشبه عاري والذي لا يغطيه
سوى قماش قميص النوم الشفاف والذي لم يتجاوز طوله
نصف فخذيها مطت ذراعيها قليلاً بكسل ومررت أصابعها في
شعرها للخلف نزولا لعنقها قبل أن تخرجهما في حركة واحدة
سريعة لينساب بتدرجاته المتناسقة على كتفيها وذراعيها
وابتسمت بنشوة فهو على الأقل لم يعد كالسابق قصيراً وخفيفاً
وإن كان لا يفتقد للنعومة وهذا أمر آخر تغير في جمانة الأمس
، رفعت حمالة قميص النوم على كتفها والتفتت خلفها ونظرت
للنائم هناك .... !! لا بل لمكانه الخالي تماماً منه ونظرت حولها
بعبوس فحتى الغرفة ليست غرفتهما فبعدما ودعت عائلتها
البارحة وصعدت لجناحهما لم تجد سوى حقائبها في انتظارها
لازالت في ردهة الجناح ومؤكد هو من منع الخادمات من
ترتيبها في الغرفة لأنها وجدت بابها مغلقاً بل ومن الداخل
بالمفتاح أي لا مكان لك فيها معي بعد أن انقلبت الأدوار فهو
من كان ينام هنا مبتعداً عنها ومنذ وقت طويل بل ومنذ رفضت
هي العلاقة الجسدية بينهما وانحدرت علاقتهما نحو الهوة
السحيقة التي لم تخرج منها حتى الآن ... لا وبل هي من نامت
هنا لأول مرة وفي ليلة زفافهما الأولى حين اكتشفت أي زوج
هذا الذي اختاروه لها كما اختاروها له وشعرت ولأول مرة في
حياتها بأنها امرأة بشعة وليست عادية الجمال أو مقبولة كما
كانت تعتقد وأمضت باقي تلك الليلة هنا تبكي على هذه الوسائد
البيضاء الكبيرة بعدما تسللت من غرفتهما دون أن يشعر بها
لأنه كان نائماً .. ولم تتساءل قط حينها لما يجهزون غرفتا نوم
في جناح واحد وكأنهم كانوا يتوقعون كل هذا منذ أن علموا من
تكون عروسه المستقبلية تلك ! وكانت لتتوقع بأنه من طلب
هذا من قبل أن يعرفها لولا أنه أخبرها بأنه ليس من أعد
الجناح ولم يراه سوى ليلة دخلاه معاً ... ولا تراه يكذب في ذلك
فلما سيهتم أساساً بهذا ؟
لكن ذاك جميعه عليه أن يتغير الآن ... أجل فهو زوجها لها
هي ومن بين جميع النساء ولن تقول بأنها ستعيده لها لأنه لم
يكن كذلك يوماً ليضيع منها بل ستمتلكه وتعيده لسريرها
وحضنها ومهما طال الوقت .
وقفت خارج السرير وسحبت الروب الحريري قرنفلي اللون
ولبسته وربطت حزامه بإهمال حتى أنها لم تهتم لكتفه الذي
انزلق عن كتفها تاركا إياه مكشوفا وغادرت الغرفة وما أن
أصبحت خارجها نظرت فوراً لباب الغرفة في الجانب الأيمن
ومن قبل ان تترك يدها مقبض باب غرفتها وكان على حاله
مغلق ميت وكأنه لا أحد يوجد خلفه ! نقلت نظرها للجانب الآخر
ونظرت لباب مكتبه المفتوح والذي لم يكن كذلك البارحة هي
متأكدة من ذلك ويبدو أنه قضى الليل فيه بعد أن نامت هي !
تحركت خطواتها عند تلك الجهة فوراً حتي وقفت أمامه فكان
فارغاً لا شيء بداخله سوى الصمت وخشب الديكور البارد ،
أدارت رأسها جهة باب غرفته مجدداً .. إذاً هو هناك فحاسوبه
لازال هنا مما يعني بأنه لم يخرج بعد ... سارت بذاك الاتجاه
هذه المرة ودون تردد وما أن أمسكت بمقبض الباب وأدارته
ابتسمت بسعادة حين فُتح لها فوراً فدفعته ببطء ويد مرتجفة
حتى ظهر لها السرير الذي كان يتوسط الغرفة بملاءته بلون
الكريما والمطرزة بخيوط ذهبية واللحاف المماثل لها والمحشو
بالقطن والذي كان يغطي نصف جسد النائم هناك بينما يترك
صدره عارياً مكشوفا لبرودة الغرفة الواسعة وهو من كان ينام
بقميص داخلي وإن كان من دون أكمام ولم يكن هذا طبعه !!
كان ينام على جانبه الأيمن مقابلاً للباب بينما ارتمت ذراعه
اليسرى فوق الوسادة البيضاء والمزينة الأطراف بالدانتيل بلون
الكريما أيضاً والخيوط الذهبية لتنام تلك الوسادة بنعومة على
صدره وفي حضنه .. وتلك عادة جديدة قد اكتسبها أيضاً ولم
يفعلها يوماً في السنوات الثلاث التي عرفته فيها !!
تركت الباب مفتوحاً ودخلت بخطوات بطيئة تأخذها مباشرة
حيث الجسد الذي لم يفارقه نظرها حتى وصلت عنده وجلست
على حافة السرير ببطء قرب خصره نظراتها لازالت ملتصقة
في ملامحه النائمة بسكينة وعمق .... الملامح التي عشقتها
في ذات اليوم الذي كرهت فيه ملامحها هي واليوم الذي عرفت
فيه معنى أن تكون في حضن رجل يحمل كل صفات الرجولة
داخله وخارجه بينما تفتقد هي لكل ما تعنيه كلمة أنثى وأنوثة
فحتى عذوبة الصوت ورقته اكتسبتها جيهان لتتركها من دون
شيء فكانت تُقارن بها ومنذ طفولتها وفي جميع المناسبات ثم
ويا لا سخرية القدر تتزوج البطة السوداء البشعة برجل فاق
زوج شقيقتها تلك وسامة وثراء ومركز رغم ثراء ذاك
وجاذبيته .
امتدت أصابعها ببطء لتتوقف أمام وجهه مترددة قبل أن
تقبضها وتقف مبتعدة عنه لا تعلم ما السبب لكنها شعرت فجأة
بشيء غريب دفعها بعيداً عنه ! مررت أصابعها في غرتها
وتحركت مبتعدة جهة الشرفة التي دفعت ستائرها السميكة
بكلتا يديها بقوة ليتسلل النور القوي للغرفة الشبه غارقة في
الظلام وسحبت الباب الزجاجي وخرجت للشرفة الواسعة تسحب
الهواء لرئتيها بقوة ولا تفهم لما شعرت بالاختناق هناك ؟
هل أصبحت تواجه صعوبة في الاقتراب منه ؟
يبدو عليها إخبار طبيبتها النفسية عن هذا أيضاً في الجلسة
القادمة ، وصلت لنهاية الشرفة ووقفت هناك واسندت يديها
على حافتها الحجرية العريضة تنظر للحديقة متكاملة التنسيق
أمامها وصوت خرير مياه النافورة الحجرية الضخمة والمقابلة
لها يصلها بوضوح متناغماً مع أصوات الطيور المنتشرة حولها
وغضنت جبينها تنظر هناك باستغراب ... لا بل بغضب
للجالسة على حافة النافورة ترفع قدميها أيضاً فوقها تقابلها
بجانبها تمسك دفتر رسم كبير تضعه على ركبتيها بينما تمسك
في يدها الأخرى قلماً ما ومنشغلة تماماً بالرسم فيه ترتدي
بنطلون جينز مشدود على ساقيها الرشيقتين وقميص من
الشيفون المبطن بألوان ربيعية زاهية لم تزد ذاك الجسد
الأنثوي المتناسق سوى فتنة وجمال زاده خصلات شعرها
المتطايرة مع النسيم رغم الشريط الحريري الذي تربطه به
خلف عنقها ... أما ملامحها فكانت بالكاد تظهر لها بسبب
غرتها الطويلة المتراقصة أمامه عدا بياض ونعومة بشرتها
الظاهرة من بعيد .
زمت شفتيها بقوة واشتعلت نيران الغضب قبل الغيرة في
عينيها فلما تجلس هنا ؟ ألم تجد مكاناً في الحديقة الواسعة
المحيطة بالقصر كاملاً غير هذا المكان !
حتى مساحة النافورة الكبيرة تسمح لها باتخاذ جهة غير هذه
المقابلة لغرفته مباشرة ...!
أهذا هو السبب وراء تمسكه بهذه الغرفة أيضاً !
شعرت بجسدها يرتجف غضباً تحت قماش الروب الحريري
الناعم وشعرت بالألم يدمر أطراف أصابعها التي احتكت
بخشونة حافة الشرفة الحجرية حين اشدتا في قبضة واحدة
ودون شعور منها ورفعت رأسها بكبرياء مبعدة نظرها عنها ما
أن لاحظت بأنها رفعت رأسها ونظرها عن دفترها وادعت النظر
للبعيد بينما راقبت بطرف عينيها كل حركة كانت تصدر عن
الجالسة هناك وكما توقعت التفت رأسها ونظرت ناحيتها نحو
الأعلى فمررت أصابعها في غرتها ونظرت لها بغرور
وابتسامة ساخرة تحاول أن تجعلها ترى جيداً ما كانت ترتدي
وما يؤكد لكل من يراه أي ليلة قضتها في تلك الغرفة ... بينما
النظرات الجامدة للجالسة هناك لم تفارق عيناها أيضاً رغم أنها
توقعت تصرفاً مغايراً منها كأن تتجاهلها أو تقف مغادرة !
وتكللت خطتها بالنجاح التام حين سمعت الخطوات التي اقتربت
من خلفها وابتسمت بانتصار واستدارت من فورها تنظر للذي
وقف على بعد خطوات منها لازال لا يرتدي سوى بنطلون
رياضي مريح وصل طوله لمنتصف ساقيه ولازالت آثار النوم
على وجهه واضحة غاضناً جبينه بحاجبين معقودين ينظر لها
ويبدو خرج من السرير مباشرة ... شعره فقط الذي يبدو رتبه
بأصابعه ومن كانت واثقة من أن الجالسة هناك في الأسفل تراه
وإن كان منشغلاً تماماً عن رؤيتها أو ملاحظتها من بين نباتات
الحديقة وأشجارها بدون تركيز جيد على تلك الجهة ، قال
ولازال مضيقاً عينيه تحت حاجبان معقودان بسبب النور القوي
الذي خرج له فجأة
" ماذا تفعلين هنا ؟ بل وفي الغرفة بأكملها ؟ "
اقتربت منه متجاهلة ما قال ومررت يدها على صدره العاري
قائلة برقة مبتسمة
" لندخل الغرفة أولاً ثم نتحدث "
فغرضها الوحيد كان أن ترى الجالسة هناك هذا فحربها الأولى
ستكون معها فإن أزاحتها من طريقها لن يصعب عليها شيء
حينها ، وما أن رفع يده وأمسك بها يدها وبقوة وفي نيته
إبعادها وهي تعلم ذلك جيداً سبقته بأن شدت أصابعها حولها
مديرة يدها ورفعت نفسها على رؤوس أصابع قدميها الحافيتان
قبّلت خده بسرعة وتحركت من فورها ساحبة إياه معها نحو
الداخل قائلة
" ندخل أولاً وقاص أرجوك "
وما أن كانا في الداخل سحب يده من يدها بقوة كادت توقعها
لكنها استعادت توازنها بسرعة وتوجهت جهة باب الشرفة
وأغلقته أولاً قبل أن تلتفت له لحظة أن ارتفع صوته الغاضب
كما توقعت وهو يشير بإصبعه جانباً "
جمانة ما حدث منذ قليل لن يتكرر مجدداً ولا أريد أن أراك في
هذه الغرفة مفهوم ؟ "
بلعت إهانته مع ريقها وهمست برجاء حزين
" لكن.... "
فقاطعها بحدة من قبل أن تفكر في الاعتراض وسبابته تشير
لها هذه المرة
"سبق وقلتْ أنت من اختار هذا ولا تلومي أحداً سوى نفسك "
تمالكت نفسها فالغضب لن ينفعها في شيء كما الدموع أيضاً
لما كان وضعهما وصل لهذا الحد وقالت بهدوء حزين يناقض
اشتعاله الغاضب
" أعطنا الفرصة للتحدث إذاً ... أرجوك يا وقاص لا تغلق جميع
الأبواب أما.... "
فقاطعها مجدداً وبحدة
" لا شيء نتحدث عنه وانتهى كل ما بيننا منذ اخترت تلك
العملية عليا يا جمانة "
فغزا الضيق نبرتها وقالت باحتجاج
" لكن ذلك من حقي وحصدت نتائجه فعلاً فلما ترفض دائماً ولا
توافق على ما ينقذ زواجنا من الدمار ؟ "
قال بغضب
" من حقك ماذا وأوافق على ماذا ؟ أتري أن هذا ما سيعيد ما
دمرته بنفسك لأعوام ؟ "
قال جملته الأخيرة مشيراً بسبابته على جسدها صعوداً لوجهها
فشعرت بجسدها يرتجف وكادت تفقد توازنها وتنهار أرضاً
وكلماته تطعن قلبها وبقوة وقالت بضعف
" لن تنكر التغيير وإن رفضته يا وقاص ولا أعتقد بأنه ثمة
رجل في العالم يرفض أن تتغير زوجته نحو الأفضل "
ابتسم بسخرية قبل أن تخرج كلماته القوية مجدداً
" تتغير في ماذا يا جمانة ... ؟ في أن تتلاعبي بما خلقك الله
عليه معترضة على خلقه ؟!
أم في أن تتكشفي أمام الرجال بفستان تستحي منه النساء "
صرخت فيه من فورها وبرفض
" لا ليس صحيحاً "
فصرخ بقوة أكبر يشير لها بسبابته
" بلى صحيح ولن تجني من هذا كله شيئاً سوى غضبه عليك
تفهمين هذا ؟ ذاك وحده فقط ما ستجنينه .... وقناع المهرج
هذا بالنسبة لي ماضيك أفضل منه مئة مرة "
شعرت بكلماته كصفعة وجهت لوجهها تماماً ولم تستطع إخفاء
الصدمة في ملامحها بينما تابع هو وبقسوة
" التغيير ينبع من الداخل ... من داخلنا يا جمانة ليس من
تفاهات نضعها على وجوهنا وإن كانت مجرد مستحضرات
تجميل "
بل ولم ينتهي انفجاره ذاك بعد ولازال محدقاً بغضب في عينيها
التي لازالت تقاوم الدموع وباستماتة
" كنت أنتظر أن تتغيري من الداخل .. أن تثقي بنفسك مثلما
كنتِ عليه ثم ما كنتُ لأعترض على العملية التي ستجعل جسدك
يتغير من أجلك وليس من أجلي لكن أن تفعلي ذلك قبلها فهذه
هي نتيجته فراغ من الداخل والخارج ولن تجني من عصيانك
لله وزوجك شيئاً وللأبد ولن تُرضي بهذا أحداً ولا نفسك "
ازداد ارتجاف جسدها حتى بدا واضحاً وانهمرت الدموع التي
كانت تحاربها منذ وقت فيبدو أنها لم تكتسب شيئاً مما حاولوا
أن تتعلمه سوى رفع صوتها الغاضب بدلاً من انعزالها تبكي
وحدها وقد صرخت بالفعل
" أنت لا تساعدني ... ترفض ذلك ولا تريده ليس لجميع
الأسباب التي ذكرتها بل بسبب تلك المرأة "
ولم تستغرب النظرة القوية التي رمقها بها حينها عاقداً
حاجبيه وقال
" أي امرأة تقصدين ؟ "
ارتجفت شفتاها الممتلئتان وها قد خالفت كل ما اتفقوا عليه
سابقاً بأن لا تتحدث عن الأمر معه مطلقاً وما نصحتها به
طبيبتها قبل شقيقتها .. ورغم ذلك أيضاً قالت وبضعف ظهر في
ملامحها قبل صوتها
" تعلم جيداً من أقصد فأنت تغيرت ومع الجميع منذ زواجها
من شقيقك وخروجها من سجنها ذاك وهذا ما تسعى هي له
وها قد تحقق وسريعاً جداً "
وكما توقعت تماماً وحذروها منه فقد انفجر بغضب رافض
صارخاً
" توقفي عن التفوه بالحماقات يا جمانة وبإلصاق فشلك في
الأخرين فعلاقتنا انهارت من قبل ذلك وبكثير وبسببك وحدك
فقط وأنت تعلمين ذلك جيداً أما زيزفون فلا تهتم لما تتحدثين
عنه قيد أنملة ولا تعتبرك وزوجك هذا قبلك موجودان أساساً "
وها قد نزلت دموعها منهمرة وحدث كل السيناريو الذي
حذروها منه وكانت تتجنبه .. لكن ذلك لم يجعلها تتراجع أيضاً
فقد قيل ما قيل وانتهى وعليها إفراغ ما في قلبها قبل أن
يقتلها ، قالت ببؤس لم تستطع التحكم به أيضاً وظهر جلياً
في ملامحها
" لكنك تهتم وترى فيها ما لا تجده لدي فلا تتحدث مجدداً عن
الجوهر والقشور فجميعكم الرجال يعنيكم ذلك "
وراقبته بعينين دامعة وهو يرفع رأسه عالياً وقد مرر أصابعه
في شعره بعنف قبل أن ينظر لها وقال بحدة
" لو كنت كذلك ما انتظرت زيزفون ولا غيرها ولا تزوجت بك
أساساً والنساء الجميلات حولي في كل مكان ومن قبل أن
أعرفها وأعرفك "
لكنها كانت لا تراه سوى تبريراً لا يشبه الواقع فما تراه عيناها
في انفراد تلك الفتاة بما ليس لدى غيرها قبل اهتمامه الواضح
بكل ما يعنيها ينفي كل هذا بالنسبة لها فقالت بأنفاس غاضبة
متلاحقة تشير بسبابتها للأرض بينهما بينما نظرها مركز
على عينيه
" أنكر ذلك الآن وأقسم لي بأن شيئاً من ذلك لا يوجد ...
سأصدقك على الفور إن أنت فعلت ذلك "
بقى ينظر لها صامتاً ولم يزح نظراته عن عينيها ولم يهرب
منها كما لم تلن ملامحه المشدودة ولا الغضب القاتم في
عينيه... لكنه لم يتحدث لم ينكر وإن لم يعترف فرفعت كفها
تمسح به الدموع من وجنتيها بقوة وقالت بجدية أسنانها
تصطك في بعضها من الانفعال
" لا يمكنك نكران هذا وإن كنت ترفض إظهاره لأن مبادئك لا
تسمح لك بذلك لكنك زوجي ولست لها ولا لأي امرأة وأنا
سأحارب وللنهاية "
وما أن أنهت عبارتها تلك غادرت الغرفة تاركة بابها مفتوحاً
خلفها فانهار جالساً على السرير ودفن رأسه بين يديه يشد
أصابعه على شعره بقوة فهو لا ينجح في شيء يفعله في حياته
ووحده التمثال الذي ليس سوى قشوراً للرجل الناجح يخفي
خلفه تاريخاً طويلاً من الفشل وخيبات الأمل .. ووحده بالطبع
الملام دائماً حتى بات ينظر لنفسه كذلك وبأنه السبب فعلاً ،
وقف وبدأ يتحرك في الغرفة كالأسد المسجون يدور وأفكاره
تدور حوله كما عبارتها الغاضبة الباكية تلك .
) لا يمكنك نكران هذا وإن كنت ترفض إظهاره لأن مبادئك لا
تسمح لك بذلك ليس لأنك لا تريد ...مبادئك لا تسمح لك بذلك
ليس لأنك لا تريد..مبادئك لاتسمح لك بذلك ليس لأنك لاتريد )
غرس أصابعه في شعره ورفع رأسه عالياً ينظر لسقف الغرفة
وهمس بصوت خشن خرج وكأنه يختنق به
" بلى أريد وعلى ذلك أن يتغير ... ومن أجل مبادئي فقط ...
فقط لا غير "
أنزل رأسه كما أصابعه التي انزلقت نزولاً لعنقه ونظر جهة باب
الشرفة المغلق قبل أن يتوجه نحوه وسحبه بقوة كاد أن يتحطم
معها وخرج لتلفح النسمات الرقيقة الباردة بشرة وجهه وجسده
الملتهبة وتوجه من فوره لحافة الشرفة ووقف مسنداً يديه
عليها يتنفس بقوة ونظره سقط فوراً على النافورة الحجرية
وكأنه يسحب أنفاسه القوية من مياهها فالنظر لها فقط يجعلك
تشعر بالحياة ... لا بل ثمة أمر آخر نظر له بتركيز أكبر
وأعمق ... للشيء الذي كان يطفو فوق مياهها يتراقص تحت
حبات المياه المتساقطة عليه بقوة وعلم فوراً بأنها مجموعة
أوراق بيضاء مستطيلة الشكل بحجم لا ينفع سوى ليكون لدفتر
رسم ... دفتر رسم !!
ثمة شخص واحد هنا يملك هذا فما تفعله تلك الأوراق هناك
وهل هي فارغة أو أنها ... رسوماتها المنحصرة في أفراد
عائلتها وماضيها !! .
تحرك ودون شعور منه عائداً نحو الداخل بخطوات سريعة
وحمل قميصه القطني وهو يخرج من الغرفة ولبسه وهو يجتاز
ردهة الجناح الذي فتح بابه ما أن وصله وغادره ونزل السلالم
بخطوات راكضة لا يرى أمامه شيئاً سوى الباب الذي توجه
نحوه مسرعاً .
*
*
*
خرجت من غرفتها ترفع شعرها في جديلة وقد ارتدت فستاناً
تجاوز طوله ركبتيها وبكمين طويلان وحرفان انجليزيان كبيران
يتوسطان جسدها باللون الأسود العريض بينما كان الفستان
بلون المشمش ، وقفت منتصف الصالة ونظرت حولها بعبوس
فالمكان لم يختلف عن ليلة البارحة وكأن شمس الصباح لم
تشرق !!
توجهت جهة باب الشرفة الزجاجي الواسع المغطى بستائر
سميكة وفاخرة وأبعدتها فوراً وثبتتها في المكان المخصص
لها عند جانبه ليتسلل النور لصالة الشقة الواسعة .. وما أن
فتحت الباب على اتساعه حتى أنار المكان تماماً بضوء النهار
الطبيعي القوي وتسلل الهواء المنعش لكافة أرجائه وابتسمت
حينها برضا .
وما أن استدارت نحو الأثاث الفاخر مطت شفتيها سريعاً بعدم
اقتناع فلا شيء هنا يجعلك تجلس مقابلاً تماماً لباب الشرفة
الرائعة المفتوح ! فتوجهت من فورها نحو الصالون المغطى
بقماش مخملي بني اللون وأبعدت مقعديه الفرديان وبدأت بدفع
أريكته المقوسة قليلاً بكل قوتها مصدرة صريراً قوياً على
الأرضية الخشبية اللامعة حتى أوصلتها لمكانها المطلوب
ووضعت الطاولة الزجاجية أمامها تسحبها أيضاً وبضجيج أعلى
من سابقه ... وضعت الكرسيان حولها وصفقت لنفسها قائلة
بحماس
" هكذا أفضل .. بل وأجمل بكثير "
وتوجه نظرها سريعاً جهة باب الغرفة الذي فتح فجأة وللذي
خرج منه يرتب بأصابعه شعره المبعثر بسبب النوم يحاول
النظر في المكان حوله بعينين ضيقتين بسبب النور القوي في
المكان ومن نسيت تماماً في غمرة حماسها ذاك بأنه نائم هنا
والذي قال بضيق
" ما هذا الضجيج هنا بحق الله ! "
فأخفت ابتسامتها المحرجة وقالت وقد استدارت حول الأريكة
ترتب الوسائد الملونة عليها
" مكانه أفضل هنا ... لا أعلم من هذا المهندس المبتدئ الذي
وضعه هناك ؟ "
فتأفف وعاد لغرفته بينما تابعت هي ترتيبها لباقي الوسائد كما
التحف فوق الطاولة وما أن انتهت قفزت جالسة على الأريكة
ونظرت مبتسمة لأشجار وخضرة الحديقة التي تظهر لها من
مكانها والشرفة الواسعة النصف دائرية بسياجها الذهبي
والطاولة والكراسي المصنوعة من الخيزران التي كانت
تتوسطها فالجلوس هنا أصبح يشبه الجلوس هناك وهذا ما
كانت تريده تماماً .
استدارت برأسها ما أن انفتح باب الغرفة مجدداً ونظرت للذي
خرج منه هذه المرة يرتدي بدلة سوداء أنيقة ومؤكد هي
الملابس التي سيقصد بها عمله فقد كان يمسك حقيبة سوداء
أيضاً في يده وقد توجه نحو المطبخ ما أن أغلق باب الغرفة
فوقفت وتوجهت هناك أيضاً وما أن دخلت حتى سحبته من يده
جهة الطاولة قائلة
" يمكنك الجلوس هنا وسأعد لك الطعام كتعويض "
فراقبتها نظراته وهي تدور حوله وتسحب له كرسياً هو الأقرب
لمكان وقوفه وقالت وهي تدور حول الطاولة لتصل جهة
المغسلة
" ما الذي تتناوله في الصباح عادةً ؟ "
فتنهد نفساً عميقاً وجلس وتمتم وهو يضع حقيبته فوق الطاولة
" القهوة فقط "
فرفعت نفسها على رؤوس أصابعها بل واستعانت بطرف
الخزانة في الأسفل لتصل للرفوف العلوية نظراته تراقبها
وبصعوبة سحبت إبريق القهوة النظيف متأففة وتمتمت تحبس
تنفسها
"وكأنه لا مكان لغير العمالقة في هذه البلاد"
فابتسم ونظر للأسفل محركاً رأسه بينما ملأت هي الإبريق
بالماء ووضعته على النار ورفعت علبة السكر من الرف
المخصص لها وقالت تغرف منه بالملعقة وتسكب في الماء
" كيف هي قهوتك ؟ "
فتمتم يضم قبضتيه ويتكئ عليها بذقنه مسنداً مرفقيه بالطاولة
" متوسطة "
فتوقفت عن إضافة السكر وأعادت العلبة مكانها ورفعت علبة
البن وسكبت منها وأعادتها سريعاً لترفع الإبريق الذي كان
يستعد ما فيه للفوران ووضعته على المنضدة الرخامية
وأخرجت فنجاني قهوة وسكبت فيهما السائل الأسود الساخن
ورفعتهما وتوجهت نحوه نظرها على يديها وطريقها ووضعت
كوباً أمامه بينما وضعت الآخر في الطرف البعيد من الطاولة
وتوجهت أولاً جهة باب الشرفة في المطبخ وفتحته على
اتساعه وعادت للجلوس حيث وضعت فنحانها مقابلة له
ونظراته المستغربة تتبعها ببرود فما قصة هذه الفتاة مع
الشرفات !
تبدو له تكبر ابنه بأعوام قليلة لكنها بحيوية طفلة بات يتوقع أن
تقلب شقته رأساً على عقب خلال ساعات غيابه في عمله دون
أن تشعر بالإعياء !!
كان نظرها لا يفارق الشرفة يعكس نور النهار أشعته على
شعرها المرفوع للأعلى وغرتها القصيرة ليعطيها لمعاناً ناعما
كما الرموش الطويلة التي تغطي عينيها السوداء الواسعة
وشفتاها تبتسم للا شيء .. للفراغ الذي تنظر له وكأنها تهدي
الصباح تلك الابتسامة ! بينما تحتسي قهوتها ببطء وتلذذ
يجعلك تشعر بالرغبة في الشرب منها ! .
نظر لكوبه والأبخرة تتصاعد منه ورفعه وشطف السائل
الساخن منه في دفعات صغيرة متتالية وبقي أن يتأنى فيها
لتكون اصابته بالعدوى بالفعل !
وضع الكوب ما أن أنهى كل القهوة الموجودة فيه فهي تشبه
قهوته تماماً معتدلة في حلاوتها وكثافة لونها وكأنه أعدّها
بنفسه كما كان يفعل كل صباح ! وقف بعدها وحمل حقيبته
واستدار مغادراً جهة باب المطبخ سارقاً نظرات التي تركها
خلفه وقد همست بعبوس تمسك فنجانها بكلتا يديها
" ألا يتحدث هذا الرجل مطلقاً ؟ "
وما أن وصل للباب حتى تحققت أمنيتها وعلى غير العادة ما أن
استدار نحوها وقال ببرود عاقداً حاجبية الأسودان
" لا تخرجي وتحديداً لا تقتربي من باب ملحق الشقة
والموجودة فيه "
وما أن أنهى عبارته تلك حتى استدار مجدداً وغادر فوضعت
الفنجان من يدها متمتمة بضيق
" ليتك بقيت صامتاً.. "
وما أن سمعت باب الشقة أغلق وقفت وابتسمت وهي ترفع
كوبها متمتمة
" لكن لا بأس فكله بثمنه .. "
وسرعان ما ضحكت ووقفت ورفعت فنجانيهما وتوجهت بهما
نحو المغسلة تغسلهما فأمامها يوم حافل ينتظرها كما تخطط
وليس كما يتوقعه هو بالطبع .
*
*
*
وقف مكانه ما أن أصبح أمام الباب خارج جدران ذاك القصر
قبل أن ينزل عتباته مسرعاً وسار راكضاً عبر الممر المرصوف
بالحجارة حتي وصل لهدفه مقطوع الأنفاس ووقف ينظر
للأوراق التي كانت تحوي رسوماتها بالفعل وتعالت ضربات
قلبه وهو يركض حول النافورة الضخمة ينظر لمياهها النقية
والتي لا يشوب نقائها ذاك سوى الرذاذ القوي لمياهها التي
تخرج وتعود إليها وكأنه يتوقع أن يجد جسدها بداخلها ولأي
سببٍ كان وإن كان لأنه أغمي عليها فجأة فلن يصدق بأنها قد
تتخلى عن رسوماتها تلك والتي لم تكن تفعل شيئاً سوى رسمها
مجدداً ومجدداً وفي ذات الأوراق وعلى نفس الخطوط التي
رسمتها سابقاً ... أمر كم قتل قلبه وروحه حين أدركه .
لكنه وصل لمكان الأوراق مجدداً ولم يجد شيئاً سواهم إذاً هم لم
يقعوا فيها لأنها وقعت معهم فما الذي أوصلهم هنا !! وبدون
أي تردد ولا تفكير منه وجد نفسه داخلها يجمعهم من بين
المياه التي كانت حباتها تتساقط عليه بقوة وقد وصلت المياه
تحته لما فوق ركبتيه وقد تبلل جسده بأكمله كما ثيابه يتحرك
فيها بصعوبة هدفه الوحيد هو التقاطهم جميعاً وكأن هذا
سيعيدها كما كانت أو سيستطيع هو فعلها !!.
رفع آخر واحدة منهم ووضعها مع البقية في يده الأخرى
واستند بساعده على أحد الطوابق الحجرية للنافورة ولازال
يمسكهم بيده الأخرى ينظر للأسفل حيث المياه المتراقصة
بتموجات متداخلة ولازالت مياهها تتساقط فوقه يلتقط أنفاسه
بقوة وقطرات المياه تنزل من طرف أنفه وذقنه وخصلات شعره
وانقبضت أصابعه على الأوراق المشبعة بالماء وأغمض عينيه
بقوة وألم ... أهذا من كان يقول قبل قليل بأنه سيتّبع مبادئه
فقط مستقبلاً !!
من كان يتعهد لنفسه بأن يخرجها من كل هذه الدوامة
السحيقة ! فما الذي يفعله الآن .... ماذا ؟!
أبعد يده بقوة وخرج من تلك النافورة وغادرها موليا ظهره لها
يشعر بصوت خرير مياهها لازال يضرب جسده بينما كانت
وجهته الباب الذي غادره منذ قليل والذي ما أن دخله وعبر
البهو الواسع بعده وقف مكانه ينظر للتي كانت تقف ببداية
ممره الغربي تنعكس صورتها في المرآة الطويلة التي كانت
تستقر على الجدار الآخر خلفها فوق طاولة من الرخام وكأن
على من ينظر لها أن يراها نظره كاملة حتى جديلة شعرها
الشقراء التي تستقر على ظهرها وصولا لنهايته ..! كانت تنظر
لعينيه بجمود نظرة ألفها لكنه لم يعتد الغضب المدفون خلفها
يراه الآن بوضوح وإن لم تحرره !
كان صدره العريص يرتفع ويهبط بقوة تحت قماش قميصه
الضيق المبتل وأنفاسه تخرج قوية متعاقبة وكأنه لم يخرج من
تحت تلك المياه حتى الآن بينما كان جسده بأكمله مبللا يشعر
به قطعة واحدة متجمدة وها قد عاد الدفء ينعشه بسبب
الحرارة التي بدأت بالتسرب خلال عروقه وهو ينظر لتلك
العينين المحدقة به ولازالت أصابعه تمسك بالأوراق التي بدت
وكأنها قطع قماش مشبعة بالمياه .
وقرر أخيراً ذاك التمثال الأنثوي الفاتن أن يثبت بأنه يمت للحياة
بصلة حين أنزلت يدها التي كانت تسندها بالجدار لتستقر بجانب
جسدها وارتفع صوتها مالئاً صمت المكان والذي يبدو لم
يعنيها أن يكون كذلك وإن سمعها الجميع قائلة بضيق
" هكذا أنت دائماً تحتفظ بكل ما هو تالف وتعرفه لا يصلح لك
... بل وبما سبق ورميته بنفسك "
تصلبت ملامحه بل وجسده بأكمله واختفى ذاك الدفء الذي
أنعش برودته قبل قليل وعاد يشعر بضربات رذاذ تلك المياه
على جسده كالسكاكين .. فهي لطالما أشبعته بآرائها السلبية به
حتى استنزفت كبريائه وكرامته تماماً لكنها لم تنعته يوماً بهذا !
فما الذي تعنيه وفعله هو غير جمع رسوماتها التي رمتها
خلفها بغباء رجولي مقيت ...! كل ما فعله أن أخرج تلك
الرسومات التي ارتبطت بروحها وماضيها من حيث كانت
ستتلاشى وتختفي وبأبشع الطرق ...؟ لا بل واتهمته بأنه معتاد
على فعل هذا فماذا تعني تحديداً !
كان ينظر لها بصمت وأنفاسه القوية لازالت تعبث بتفاصيل ذاك
الصدر الرجولي العريض بينما كان هجومها العاصف ذاك لم
ينتهي بعد وقد أضافت من فورها وقبضتاها تشتدان بجانب
جسدها بقوة تنظر لعينيه بغضب خرج عن سيطرتها
" يا لك من مدعاة للشفقة بالفعل "
قالت عبارتها الغاضبة القاسية تلك وبقيت واقفة مكانها عكس
عاداتها القديمة ترميك بما لديها وتغادر وتختفي من حيث
خرجت تاركة ضحيتها تواجه ألم طعناتها وحيدة .. لكنها هذه
المرة يبدو اختارت طريقة أقسى من سابقاتها لتشهد ما تفعله
بضحيتها تلك وقد بدأت أنفاسها هي بخيانتها حينها تخرج
قوية بينما لازالت تلك القطع الزجاجية الزرقاء تنظر لعينيه
الجامدة كالصخر وأصابعه بدأت تخترق الأرواق التي بدأ الماء
ينزل منها لعصره إياها بينها بقوة والتي كان حريصاً قبل قليل
على أن لا تتأذى ولا من طريقة إمساكه بها ..!
وتحرك من مكانه على الفور ووجهته السلم الذي نزل منه
والقريب من مكان وقوفها لكنه لم يصعده مباشرة بل انحرف
قليلاً جهة السلة الأنيفة المصنوعة من الخيزران عند زاوية
التفافه السفلى ورماها فيها بعنف قائلا
" معك حق ... وسأضعها في مكانها المناسب نهاية الأمر "
وصعد السلالم من فوره لم ينظر ناحيتها بل ولم يكن يرى شيئاً
حوله ولا التي كانت تقف منتصف السلم الآخر والذي يصل
الجهة الشرقية من البهو بالطابق الأعلى والتي ابتسمت
بانتصار وهي تصعد عتباته ساقيها العاريتان وحدهما ما كانا
يظهران من سياجة النحاسي المزخرف حتى أصبحت في الأعلى
وارتمت على أول أريكة وصلت لها في صالونات الاستقبال في
الطابق ووضعت هاتفها على أذنها وهمست مبتسمة بأنفاس
مقطوعة بسبب ركضها ما أن انفتح الخط
" مرحبا جيهان "
فقالت من في الطرف الآخر من فورها وبحماس
" ماذا يا جمانة ما بك تتصلين في الصباح الباكر ؟!
يبدو أنه ثمة أخبار مهمة لديك ؟ "
*
*
*
لامارا, ورد الخال, الغزال الشارد and 44 others like this.
رد مع اقتباس
#12129
قديم 10-06-19, 09:35 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
دخل المصعد وضغط أزراره ليُغلق بابه من فوره وبدأت
الأضواء الحمراء في اللوح بجانبه تتصاعد تدريجياً لاجتيازه
الطابق بعد الآخر ودس يديه في جيبي بنطلونه ينظر لها
بجمود فلم يكن يتوقع أن يصل لهذه المرحلة في هذا الوقت
القياسي ويطلب منه زيارته في مكتبه الخاص في نورثود مقر
القيادة البحرية وظن بأن تلك خطوة ستحتاج لوقت أطول من
هذا ليتقدم فيها ! وكم أزعجه ذات الوقت أن رفض مطر فكرة
زرع جهاز تنصت فيه لأنها قد لا تتكرر كما كان واثقاً هو فقد
يكون السبب فقط أنه أخبره بأنه مسافر في مهمة ولأنه لا يريد
أن يضيع فرصة حديثهما قبل مغادرته طلب منه المجيء هنا ..
لكنه أيضاً وكما قال مطر كان بإمكانه انتظاره لوقت عودته إن
كان الحديث عن ابنته فقط فيمكنه الانتظار لبعض الوقت لكن
الأمر يبدو تعدى كونه شخص لازال لم يربطه شيء رسمي
بتلك العائلة ... لكن هل يضيعون فرصة كهذه قد يحدث ولا
تتكرر مجدداً ؟ بينما كان رأي مطر أن سلامته أهم من كل شيء
فإن اكتشفوا الأمر سيكون هو المتهم الوحيد بالطبع بينما كل ما
أراده هو تقليص وقت تلك المهمة المتلفة للأعصاب قدر
الإمكان وأن تنتهي اليوم قبل الغد فهو على استعداد لتنفيذ أي
مهمة ومهما كانت مستحيلة عدا التي تحوي نساءً فيها فذاك ما
كان يرفضه دائماً حتى في عمله في المنظمة حيث يتم إرسالهم
أحياناً لحراسة شخصيات شديده الأهمية في البلاد ومن ضمنهم
بعض النساء فلا يمكنه استحمال البقاء بقرب واحدة منهن ولا
لدقائق معدودة كي لا يحطم وجهها بقبضته فلا شيء ممل في
الحياة بالنسبة له كتفاهاتهن حتى في الحديث فكيف بأفكارهن
وتحركاتهن وقت المهمة ؟.
انفتح باب المصعد وخرج منه مخرجاً يديه من جيبيه وسار
بثقة في الممر الطويل والمكان المليء بضباط الشرطة البحرية
والذي لا يدخله سوى من كان في رتبهم أو أرفع منها .. ولم
يجد أي صعوبة في إيجاد وجهته وبعد طرقتين على الباب
الشبه مفتوح وجد نفسه في المكتب الواسع والذي طغى على
ديكوره اللون الأسود والرمادي الغامق كما احتلت جدرانه صور
لقطع وسفن حربية ومعاهدات مبروزة كما الأوسمة والشارات
والرايات البحرية الخاصة بها ليشعرك بأنك في مكتب قائد
للقوات البحرية بالفعل .
اقترب من الذي وقف وخرج من خلف مكتبه الضخم ببذلته
الخاصة سوداء اللون والشارات الذهبية على كتفيه والأوسمة
على صدره ليعطي للمكان هيبته بل يرى ما يحدث هو العكس ..
ابتسم له مقترباً منه بينما غادر الرجلان اللذان كانا يجلسان
معه وتصافحا بالأيدي كالعادة بينما شدت يد الجنرال الأخرى
أيضاً على يده وقال مبتسما
" ظننتك غاضباً بالفعل ولن تأتي "
فقال من فوره وببرود لم يغادر ملامحه بعد
" وأنا أظن أن أمراً أهم من ابنتك يجعلك تطلب رؤيتي هنا "
فضحك وترك يده وقال مبتسماً
" غاضب منها لهذا الحد ؟ أجل استمر هكذا فوحدك من قد
يؤدبها ويغير عاداتها "
وقال حين لم يعلق
" كيف وجدت المكان هنا إذاً ؟ "
فظهرت ابتسامة طفيفة على شفتيه حينها وإن لم تتعدى إحدى
طرفيهما وقال
" مثير للاهتمام بالتأكيد فليس لأي أحد أن يدخله "
ضحك مجدداً وأمسك بذراعه وقال
" ما رأيك بأن تكون فرداً فيه إذاً ؟ "
فتحكم وببراعة في صدمته حينها وقال بابتسامة ساخرة "
سأعتبرها مزحة لطيفة منك "
فضحك ويده تترك ذراعه وقال
" وإن لم يكن مزاحاً هذا ؟ "
فحدق فيه بذهول وهو يدور حول مكتبه مجدداً وقال
" سبق ووجهت لنا مهام سرية من طرفكم ولا أعتقد بأنه
يمكنني تقديم ما هو أكثر من ذلك ولا رتبة أو شهادة تؤهلني
لهذا المكان "
جلس ذاك على كرسيه الجلدي المرتفع ونظر له وقال مبتسماً
" أنت قل فقط أنك موافق وستحصل على كل ذلك بسرعة فتلك
الأوراق البالية ليس ما يحتاجها عملنا بل كفاءة الرجل الكامن
خلفها ومطبوع اسمه فيها "
دس يديه في جيبيه وغضن جبينه عاقداً حاجبيه وهو
يقول بجدية
" لازلت أظنك تمزح سيادة الأميرال "
فابتسم الجالس هناك وقال بضحكة صغيرة
" لازلت تصر على الرسميات وتظنني أمزح ؟
لا يجتمعان أبداً ! "
فبادله الابتسام قائلاً
" سأعتبره عرضاً حقيقياً إذا فلا تتراجع فيما بعد "
ضحك من فوره وقال
" سبق وقلت وافق أنت فقط ثم ستعلم أي نوع من الحديث هو
هذا مزاح أم لا "
نظر له بصمت أخفى معه كل مشاعره وما يدور بداخله فهذا ما
لم يكن ليتوقعه أبداً وكل مخططهم كان أن يتكرر دخوله لهذا
المكان لكن أن يكون فرداً فيه !! هذا ما لم يكونوا ليتوقعوه أبداً
ولا في أبعد أحلامهم ولا يتخيل ما ستكون ردة فعل مطر حين
سيعلم ...؟
هم بهذا يقفزون خطوة أوسع مما تخيلوا للأمام .
بينما فهم الجالس خلف ذاك المكتب الوثير صمته وصلابة
ملامحه بشكل مختلف تماماً فقال وملامحه تنتقل للحذر فجأة
" ليس الأمر كما تتصور فأنا لا أحاول استرضائك بسبب
موضوع خلافك ولوسي "
يسترضيه !! هل يعنيه أمر تلك المدللة المنحلة أساساً ليحتاج
لعروض تستجلب رضاه ؟ وحتى إن كان عرضه من أجل ذلك
فلن يرفض فرصة كهذه أبداً ، قال بجدية
" لست أراك ممن يخلطون بين العمل وأمورهم العائلية
الخاصة "
ابتسم له باسترخاء غاب عن ملامحه لفترة وقال
" ولا أراك إلا تستحق كل ذلك فلا تنسى بأنك ضابط سابق في
الجيش اليوناني "
كاد يضحك لعبارته تلك فهو لم يكن يوماً كذلك رغم الأوراق
الرسمية التي تؤكده كما لم يكن يونانيا ولا انجليزيا .... تدرب
تدريبا خاصاً ومكثفاً أجل لكنه لم ينتمي لجيش تلك البلاد يوماً
وكل ذلك كان ليتمكن من الانضمام لتلك المنظمة الخاصة ولم
يكن يتخيل بأن تصبح تلك الورقة المزيفة تذكرة دخول له لأي
مكان يريدون أن يكون فيه ! قال بهدوء حذر
" وهذا أيضاً لا يخولني لأكون في هذا المكان إلا إن أردت أنت
ذلك "
أومأ له برأسه مبتسماً وقال
" أخبرتك سابقاً أنا لا أنظر لرتبة الرجل ولا للنجوم على كتفه
بل لبطولاته ولعقله .. كما أنه هناك أعداد كبيرة من أفراد
البحرية يعملون في وزارة الدفاع وقسم المعدات الحربية
والدعم وكذلك يعملون بالتبادل مع الجيش البريطاني وسلاح
الجو الملكي فلما تستغرب ذلك وأنت تملك الجنسية البريطانية ؟
فما يمنع من أن تكون في البحرية الملكية إذاً ؟! "
وأضاف وهو يقف مجدداً
" كما أني لا أؤمن برتبة تُنال بسبب سنوات قد تمضي في
تدريب الجنود فقط "
أمال شفتيه بابتسامة لم تُظهر ما يبطن أبداً وقال
" كنت أعلم أن مثل هذه الزيارة هنا لن تكون إلا رسمية "
ضحك وقال
" صدقني إن قلت لك بأنها كانت بشأن خلافكما لكن رؤيتي لك
هنا جعلتني أراك في مكانك المناسب تماماً "
فتبدلت ملامحه للبرود وقال ما كان عليه قوله وليس لأنه يريد
" هل وجدتموها ؟ "
خرج حينها من خلف مكتبه قائلاً
" ظننت هذا السؤال ما سأسمعه منك فور دخولك بل وأن تخرج
للبحث عنها ما أن اتصلت بك ! "
قال بضيق بسبب وجودها في حياته ليس لما سيقول حينها
" لن أبحث عنها لأجدها في حضن رجل آخر "
وتبع نظره الذي قال ما أن وقف أمامه مجدداً
" بل كانت في منزل إحدى صديقاتها "
كان يعلم بأن الأمر ليس حقيقي أبداً لكن عليه التصديق ليس
لأن أمرها يعنيه ولا يهتم لذلك أبداً بل من أجل علاقته بهذا
الرجل والتي يحتاجها لوحدها فقط ومن أجل المهمة التي عليه
إنهائها في أسرع وقت ، قال ببرود
" لكن هذا لم يكن ملجأها السابق ؟ "
تنهد الواقف أمامه بقوة وقال
" أعلم ومن أجل ذلك تشاجرنا ووبختها بعنف لم تعرفه هي
منذ ولدت لذلك لم أستغرب أن تترك المنزل تلك الليلة لكني
ظننتها ستكون لجأت لك في لحظات حزنها ويأسها تلك "
نظر له بصمت ولم يعلق فقرأه ذاك رفضاً للخوض في الأمر
وغضب لم ينتهي بعد فقال ويده ترتاح على كتفه
" أعلم بأنها أخطأت لكنها قالت بأن رحلتهم تلك لم تكن مخططاً
لتنتهي هكذا وأنت رفضت الذهاب معهم فأغضبها ذلك وأفرطت
في الشرب تلك الليلة ويبدو أن ذاك الشاب استغل الأمر ونجح
مخططه "
قال بجمود
" هذا لا يبرر لها .... ماذا إن كنت أنا من فعل ذلك ؟ "
حدق في عينيه وقال مبتسماً
" لكن ما علمته بأنك أبرحت ذاك الرجل ضرباً وقد تم نقله
من الملهى الليلي للمستشفى فوراً "
هرب من نظراته مبتسماً بسخرية ... ياله من ساذج لو يعلم
فقط السبب الحقيقي وراء ضربه له وأنه هو من بحث عنه
وليس العكس .. لا ويرسل له تهديداً بأن قريبته التي تعيش
معه ستتأذى أيضاً إن لم يبتعد عن حبيبته كما يسميها ... ياله
من طفل سيقتلع عينيه قبل أن يتمكن من لمس شعرة واحدة من
رأسها ، نظر لعينيه مجدداً وقال
" ابنتك كانت على علاقة بذاك الشاب سابقاً وحين رمته خلف
ظهرها يبدو لم يقتنع بذلك ولازال يراها ملكاً له "
تنهد بضيق وقال
" لن تحاسبها على أمر كان من الماضي فجميعنا لدينا أخطاء
.. بل هي لم تخطئ إن كانت على علاقة بأحدهم قبلك "
وأضاف على الفور وقد أبعد يده عن كتفه
" هي ترى بأنك ترفضها وهي امرأة وتحتاج لأن يشعرها
الرجل بذلك "
شعر بالاشمئزاز يغزو جسده حتى خشي أن يظهر في ملامحه
وقال ببرود
" لا يمكنني تحقيق ما تريد ونحن لسنا متزوجان قانونياً ...
سبق وشرحت لها ذاك مراراً "
فقال وكما توقع وببرود مماثل
" أعلم بأنك يوناني متدين وثمة أسس تربيت عليها هناك لكن
حياتنا هنا تختلف عنكم "
قال من فوره بإصرار
" بالنسبة لي هي واحدة "
فتنهد بعمق وقال
" أنا أتحدث عنها وليس عنك كما أنها تعتقد بأنه ثمة امرأة
تحبها وأنت سبق واعترفت "
قال بأحرف مشدودة
" تحدثت عن الماضي .... كان حديثاً عابراً وأنت بنفسك قلت لا
أحد يُحاسب على ماضيه "
كم بات هذا الحديث مزعجاً ويشعر برأسه بدأ يؤلمه .. وكان
المقابل له وكأنه قرأ ذلك حيث قال
" ليس هذا حديثنا الآن وهي وعدت أن لا يتكرر الأمر
وستلتزم هذه المرة كن واثقاً فأنا لم أراها متعلقة بشاب مثلك
من قبل وستفعل كل ذلك وأكثر من أجلك فأجب على اتصالاتها
ولا ترفض رؤيتها فهذا يجعلها هستيرية وغاضبة طوال الوقت
ويمكنكما معالجة الأمر بالتحدث سوياً لا بقطع سبل الحوار "
تمتم ببرود
" ما هو أساس حديثنا إذاً ؟ "
قال من فوره
" ما يجب أن نتحدث عنه الآن هو سبب المشكلة الأساسي فإن
لم يُعالج لن تُعالج باقي المشكلات المترتبة عليه "
أظلمت عيناه وتوقع وبكل سهولة عما يريد أن يتحدث بينما
تابع ذاك وكما توقع
" أنت خطيبها ومن حقها أن تعترض على أن تعيش امرأة
أخرى معك "
فلم يستطع منع الغضب الذي ظهر في اشتداد أسنانه وبروز
فكيه حينها وتنفس بقوة محاولاً تهدئة نفسه قبل أن يقول
بضيق
" لا أفهم لما تضع ابنتك قوانيناً لا تتقيد هي بها ...؟
وما علاقة ماريا بالأمر الآن ؟ "
فعقد الواقف أمامه حاجبيه وقال بحزم
" لن يكون بإمكاننا التحدث وأنت غاضب هكذا "
فتنفس بقوة مجدداً وأشاح بوجهه جانباً ... كان عليه أن لا يفقد
أعصابه هكذا لكن الحديث عن إبعاد تلك الفتاة عنه يوصله لهذا
دائماً ورغما عنه ، نظر له وقال بما استطاع استجلابه من
هدوء
" أعتذر ما كان عليا.... "
قاطعه مبتسماً ومربتاً على ذراعه
" لا داعي للاعتذار يا تيم فأنت تعلم جيداً بأني أعتبرك ابن لي
وليس جندياً في منظمة خاصة ولا حتى خطيباً لابنتي الوحيدة
ونحن نتناقش الآن لنصل لحل يرضي كليكما ولسنا نتشاجر
هنا "
فتنفس بعمق نفساً طويلاً ولم يعلق فقال الواقف أمامه يشير
بيده للصالون الجلدي حيث النوافذ الزجاجية الطويلة
" تعال اجلس فحديثنا يبدو طويلاً ورجال المنظمة لن يغادروا
حتى تنضم إليهم كن مطمئناً "
فتنهد بنفاذ صبر وتبعه ... معه حق سيطول الحديث بالتأكيد بما
أنه لم يرضخ لأوامرهم سريعاً ، قال ما أن جلس مقابلاً له
" ماريا ابنة خالتي وهي يتيمة وأنا المسؤول عنها كما أنها
هنا من أجل دراستها فقط ولن أتخلى عن مسؤوليتي اتجاهها
ابداً ولا من أجل رغبات نفسي "
فنصب الذي جلس أمامه ساق على الأخرى وقال بجدية
" لا أحد يمكنه طلب ذلك منك ولا فرضه عليك ونحن نتحدث
عن وجودها معك لا مسؤوليتك اتجاهها "
أدار مقلتيه السوداء جانباً وحدق في الفراغ ببرود ولا يفهم ما
بهم جميعهم لن يهنئ لهم عيش ما لم يقتلعوها من بين أنيابه
اقتلاعاً ؟ ألا توجد امرأة غيرها في هذا العالم يمارسون
مواهبهم الاستبدادية عليها ! سحقا لهم ... لكنه أعند منهم
جميعهم فليكن وجودها معه سبب موته لن يهتم لذلك ولن
يمسك الموت عنه أحد ، نظر له وقال بجدية مماثلة
" ومجتمعنا ومعتقداتنا تختلف عنكم أيضاً وأنا لا يمكنني فعل
ما تلمح له وما تريده ابنتك بسبب أفكارها السوداء "
استند بظهره لظهر الكرسي الجلدي خلفه وقال
" أعلم بأنكم اليونانيون تقدسون العلاقات العائلية لكنك في
انجلترا الآن وكونها ليست معك لا يعني أنك تتخلى عن
مسؤولياتك اتجاهها "
انعقد حاجباه وهو يقول
" ماذا تعني أطردها من منزلي مثلا ؟! "
وتبدلت ملامحه للضيق ما أن قال الجالس أمامه باستخفاف
بالأمر وكأنه لا يعني أحداً
" بل تكون لدى أي أقارب لها ... ظننت لوسي قالت شيئاً عن
عائلة خالتها ؟ "
وطفا ذاك الضيق للسطح ما أن سمع ذلك وقال يشد قبضته
بقوة
" بل على ابنتك أن تنظر للأمر بمنطق لا أن يتحرك كل شيء
كما تريده هي فلا شيء مما تتحدث هي عنه موجوداً بيني وبين
ماريا ، ثم هي مخطوبة وترتدي خاتم زواج ترفض ابنتك
أن تراه "
قال ذاك من فوره وبضيق مشابه
" لما ترفض أنت أن نجد حلاً لكل ذاك الإشكال وهو موجود
أمامنا ؟ "
فحرك يده قائلاً بضيق أشد
" لأن العائلة التي تتحدث عنها هي عائلة خطيبها ولن تقيم
معهم وهما ليسا متزوجان ... الإيطاليون أعتقد أكثر تزمتا منا
اليونان وماريا وخطيبها إيطاليان "
كانت أنفاسه الغاضبة تخرج متعاقبة ينظر للذي مسحت أصابعه
على لحيته وقال ينظر له برأس مرفوع
" عن كين موريللي تتحدث ؟ وهو لا يعيش في منزل العائلة
مع زوج أمه كما أعتقد وأنت كنت تركتها لديهم وقت قدومها
للندن فما تغير الآن ؟ "
اشتدت قبضتاه بغضب وإن لم يظهر على ملامحه وقال بجمود
ظاهري
" للسبب ذاته ولا تجادلني في أمرها سيادة الأميرال فهو منته
النقاش فيه بالنسبة إلي وإن كان المقابل التنازل عن رغباتي
الخاصة كما سبق وأخبرتك "
ابتسم حينها مناقضاً مزاجه السابق وأراح يديه على طرفي
الكرسي الجلدي الجالس عليه وقال
" أخبَرني الكلونيل جايروا أن عنادك يفوق شجاعتك ولم يبالغ
في ذلك أبداً "
وتابع من فوره وبجدية هذه المرة رافعاً أصابع إحدى يديه التي
لازالت ترتاح على مسند الكرسي
" لكني لا أضمن لك سلوك ابنتي العدائي اتجاه كل ما يخصها
وبأنه لا يمكنني إدانتها في هذا فهي تبقى ابنتي "
نظر له نظرة قوية لم يستطع منع تدفقها الوحشي من عينيه ...
ما هذا التسلط والوحشية ... أيهدد بأنها إن تسببت بالأذى لها
فلن يتم إدانتها ولا منه هو نفسه ! وهذا التهديد لها أم له ؟ قال
الذي كتف ذراعيه لصدره هذه المرة ولازال يريح ظهره لظهر
الكرسي خلفه
" ماذا عن السيد غاستوني ميديشي سمعت بأنه انتقل مؤخرا
لبريطانيا أليس كذلك ؟ وهو قريب لها من طرف والدها كما
أعتقد ؟ "
فقال الذي بدأ صبره ينفد بالفعل " أنا لا أبحث عن مكان أضعها
فيه ... ماريا أنا المسؤول عنها قانونياً ولا يمكنني تركها حتى
تنهي دراستها الجامعية وتتزوج "
قال الجالس أمامه من فوره وبنظرة تفكير بالرغم من أنها كانت
مركزة على عينيه
" ماري دفسينت اسمها أعتقد فلما تناديها بهذا الاسم ؟ "
فتنفس بعمق يهدئ نفسه فما علاقة هذا بذاك وبحديثهما !!
ورغم ذلك قال ببرود سارداً القصة الحقيقية لإسم تلك الفتاة
" لأنه اسمها أيضاً فهي ولدت في الكنيسة على يد امرأة اسمها
ماري وتيمناً بالعذراء تم تسميتها بجميع تلك الأسماء حتى أن
الأغلبية في إيطاليا ينادونها مِيريام ، وماريه هو المعنى
اللاتيني له .. وتم تسجيلها قانونياً ماري لأن من ولدتها طلبت
ذلك وأنا أناديها ماريه منذ طفولتنا لأنها تحبه "
قال الذي رفع رأسه قليلاً ولازال ينظر له بتفكير شارد
" أفهم بأنك من اختار لها ذاك الإسم اللاتيني الذي يرمز
لإسمها ؟ "
قال من فوره ودون تردد
" أجل "
فأومأ برأسه بصمت قبل أن يقول
" أنت عشت فيما بعد في اليونان بينما هي في إيطاليا وانتقلت
بعدها إلى هنا كما تم اختيارك كوصي عليها بعد وفاة جدتها
أم أخطأت ؟ "
قال من فوره وبذات بروده
" أجل ولا تسألني لما تم اختياري تحديداً فأنا أيضاً لا أعلم "
فقال وهو يشير له بيده
" لكن تلك التي تربط مستقبلك بها حتى تنهي دراستها وتتزوج
ستمنع زواجكما والذي سيكون الحل الوحيد لجميع المشاكل
المعلقة وأهمها مسألة رفض لوسي لفهم ما تربيت عليه وتتبناه
معتقداتكم "
وقف حينها على طوله ليس فقط بسبب عبارته تلك والتي
تتحدث عن زواجه بابنته المنحلة بل ولأنه بدأ يفقد التحكم
بأعصابه فعلاً ويخشى من ذاك الانفجار الوشيك الذي سيجعل
هذا الرجل الانجليزي المتسلط يفهم كل شيء ويرميه باتهامات
ابنته المتكررة ، دس يديه في جيبي بنطلون بذلته السوداء
الخاصة بالمنظمة التي يعمل فيها وكأنه يمنعهما من الإمساك
بعنقه وخنقه بهما وقال بجمود لم يعد يراهن على الاحتفاظ به
طويلاً
" مسألة الزواج مؤجلة قليلاً إن بوجود ماريا أو من دونه فلا
يمكننا التسرع في اتخاذ قرار كهذا ... علينا أن نعطي أنفسنا
مساحة أوسع لنتمكن من تأسيس حياة ناجحة فيما بعد "
وقف ذاك حينها أيضاً وقال
" أخبرتها بذلك مراراً وبأنك ما كنت لتقرر أن تخطبها وتطلب
منها الموافقة ما لم تكن متمسكاً بها فعلاً فأنا أعرفك لست
ممن يتخذ القرار مرتين ولا ممن يتراجع عنه لكنك تعرف جيداً
أفكار النساء "
سحقا للكاذبة .... هي إذاً من أخبرته بأنه من أراد كل ذلك
ووافق عليه بل وطلبه منها ! لهذا إذا تم التحضير لذاك الحفل
المفاجئ والذي كان فيه مجرد مدعو وجد نفسه فجأة يُلبسها
ذاك الخاتم اللعين ، نظر للساعة في معصمه قبل أن ينظر له
مجدداً حين قال
" أعلم بأن عقلك منشغل تماماً بسفركم ولا تقلق فالكولونيل
على علم بوجودك هنا والمجموعة لن تتحرك حتى تكون معهم
ومهما أخذت من وقت "
وأضاف مبتسماً وفارداً يده جانباً
" وأعلم أيضاً بأنه عليك أن تغادر لهم وسنتمكن من رؤية
بعضنا البعض كثيراً الأيام القادمة ما أن تصبح هنا ... ولن
يعجب الكولونيل هذا الخبر بالتأكيد فأنت رجله الأول "
ابتسم حينها وإن كان بفتور وقال
" بل أراه لن يُعجب الكثيرين وخطيب ابنتك الطبيب الذي لم
ينهي دراسته بعد والضابط السابق في الجيش اليوناني يصبح
في هذا المكان والمركز فمهام المنظمة لا أحد يعلم عنها تقريباً
من أجل السرية في المهام "
قال بذات ابتسامته الواسعة
" لا أحد يحق له الاعتراض فمن سيكون زوج ابنة قائد القوات
الملكية البحرية سيصبح في مركز مهم وإن كان شاباً عادياً
فكيف إن كان بطلاً محارباً ؟ "
وتابع وتلك الابتسامة تزداد عمقاً
" ولوسيندا أول من سيسعدها هذا فلطالما تدمرت من سفرك
الدائم في تلك المهام فعدني أن تتحدثا سوياً وبتعقل ما
أن تعود "
تنهد باستسلام وقال بجمود يرفع يده له
" سنفعل بالتأكيد لكن عليها أن تفهم جيداً بأن ماريا خارج
حديثنا ذاك وبأن ما يمسها يمسني حتى أسلمها لخطيبها
زوجة له "
ضحك وصافحه شاداً على يده وقال
" سأشرح لها هذا أيها المحارب العنيد "
*
*
*
جمعت يديها بحماس ورفعت نفسها على رؤوس أصابعها
تحاول النظر لما أصبح يبعد عنها بسبب تزاحم الواقفين في تلك
الصالة الرخامية اللامعة والواسعة قائلة
" كم هذا رائع يا غدير ... يا إلهي لم أكن أتخيل يوماً أن أرى
الزعيم ابن شاهين عن قرب هكذا ...!! انظري كم هما
مناسبان لبعضهما وكأنهما من عائلة واحدة ! متى سيكون
بإمكاننا الصعود لباقي أقسام البرج ؟ "
كانت تتحدث بحماس تحاول أن لا تفوت نظراتها شيئاً مما تراه
ولا تستطيع الوصول له بسبب الحرس ورجال الأمن المطوقين
لتلك الجهة ... بينما لم تكن الواقفة قربها تعي شيئاً مما تقوله
ونظراتها واهتمامها منصبان على الواقف بعيداً يتحدث مع أحد
رجال القضاء في محكمة العاصمة الكبرى منذ وقت وكل ما
تريد تصيده هو نظراته لغسق شراع صنوان بالطبع بالرغم من
أنه لم ينظر لتلك الجهة التي تقف فيها بتاتاً وكأنه يتعمد ذلك ؟
تعلم بأنها تتصرف كمراهقة حمقاء لكن ورغماً عنها لا تستطيع
منع الاحتراق الذي تشعر به في جوفها بأكمله وليس قلبها فقط
فمهما كان لا مباليا أو مهتما بوجودها وذاك الرجل لا يفارقها ،
وإن لم يظهر ذلك أيضاً على ملامحه وكأنها امرأة عابرة لا
تعنيه إلا أن قلبها الأحمق المتيم به يرى أشياء أخرى قد تكون
تحدث داخله ويخفيها عن الجميع وأن يكون مثلها الآن يحترق
في صمت لا يحب أن يشاركه فيه أحد .
" ألا يفكر في خطبتك فعلاً ؟ "
نظرت بصدمة وكأن أفعى ما لدغتها للتي كانت تنظر لها
مبتسمة وقالت بتلعتم
" ما ..... من تقصدين ؟ "
أبعدت خصلات من شعرها القصير جانباً وقالت بابتسامة واسعة
" ذاك الوسيم الذي أسمه قائد بالطبع فهل ثمة رجل تعمل معه
واحدة مثلك لا يفكر في فعلها !! "
نظرت لها بصدمة وعجز لسانها عن قول أي شيء فهل لاحظت
نظراتها الحمقاء التي لم تفارقه أم أنه مجرد فضول وحديث
عابر !! وما زاد الأمر سوءاً أن قالت تنظر لها بمكر
" أم أنكما تودان الانتظار قليلاً بعد ؟ "
وغمزت لها ضاحكة فشعرت بالدماء تجف في عروقها وقالت
مدافعة حين وجدت صوتها
" ليس بيني وبين قائد ما يصوره لك خيالك وإن كنا نعمل معاً
فهو ليس من النوع الذي تجذبه كل امرأة يراها "
فابتسمت تجمع خصلات شعرها القصيرة خلف أذنيها وصفقت
بيديها تمسكهما معا قائلة
" كنت أتسائل فقط وأراه رائعاً ومناسباً لك ... لا تنزعجي من
صراحتي الغبية غدير أرجوك "
فابتسمت لها بعد مجهود كبير خاضته مع شفتيها المتشنجتان
وقالت
" لم أقصد ذلك واعذري انفعالي يا زهور أنا فقط ... "
وقطعت كلماتها قائلة تدعي اللامبالاة هذه المرة
" لننسى الأمر ثم أنا مخطوبة تقريبا ً "
فحدقت فيها العينان السوداء الجميلة بصدمة وقالت صاحبتها
" حقاً ! ممن ومتى ! ظننتك كنت العكس منذ وقت قصير !! "
هربت بنظراتها الحزينة منها وقالت تنظر ليديها
" أجل لكنه تغير الآن فثمة من كان تحدث مع شقيقي مراراً
وأصر كثيراً فوافقت "
فتأوهت ما أن أفاقت من صدمتها قائلة
" آه يا إلهي غدير لا أصدق بأنه أنت التي تكونين رئيسة قسم
كامل في جامعة من أكبر جامعات العاصمة تتزوجين زواجاً
تقليدياً هكذا ! "
نظرت لها وقالت ما ليست مقتنعة به أساساً ليس بسبب شيء
سوى قلبها الغبي
" وما به الزواج التقليدي ؟ هو ينجح غالباً "
فأدارت مقلتيها بعيداً وفكرت في نفسها وفي أنها لا تختلف
عنها فهي أيضاً مخطوبة لرجل لا تعرفه ! بل وزواجها منه
سيكون خلال يومين ..!! لكنها سرعان ما تجاهلت ذلك ونظرت
لعينيها قائلة بشك
" لا أعلم لما أشعر بأنك لست مقتنعة ! "
فنظرت لها بصمت وخشيت بالفعل من كل ما ستقوله حينها فلم
يعد يمكنها الكذب على الناس أكثر من فشلها في الكذب على
نفسها .. وما أنقدها حينها أن الواقفة بجانبها لم تنتظر ذاك
التعليق بل نظرت للمكان الشبه ممتلئ حولهما قائلة
" أين هو ذاك الجنوبي ؟ كيف يجلب لي دعوى ولا يكون هنا !
بت مقتنعة بأنه يتهرب من لقائي "
فابتسمت بمكر التي كانت تراقبها وقالت تنظر جانباً حيث
صاحب البذلة السوداء يديه في جيبي بنطلونها وقد انظم لقائد
ورفيقه بينما نظره كان عليهما مبتسماً
" ها هو هناك شخص آخر قد يهمك أن تلتقيه "
فانتقلت نظراتها يساراً قبل أن تحدق بصدمة في الذي أشار بيده
لغدير وبادلته هي الإشارة مبتسمة فقالت بصدمة لم تهتم إن
كان قرأها في ملامحها وعيناها
" ما الذي جاء به هنا ! "
فنظرت لها غدير وقالت مبتسمة
" ولما الاستغراب ! لا تنسي بأنه ناشط حقوقي أيضاً ومحامٍ
وأستاذ جامعي ... ثم ظننت بأنه ثمة سِلم ما بينكما
بعدما فعل ؟! "
لوت شفتيها وقالت تنقل نظرها منه هناك للواقفة أمامها
" لا يمكنني إنكار ذلك لكني لازلت أشعر بالمرض ما أن
أراه أمامي "
ضحكت ولم تستطع التعليق حيث سرق نظرها أمر آخر تماماً
ونظرت باستغراب للذي كان ينظر لها من بعيد وبتركيز ولم
يكن سوى قائد الذي أصبح يقف لوحده حينها .. وكمحامية
تدربت على يديه لأعوام وقلبه كعاشقة تنفسته مع الهواء الذي
يدخل رئتيها كانت تستطيع أن تفهمه دون أن يتحدث فكان
وكأنه يتعمد فعل ذلك واثقة من هذا !!
فانتقل نظرها ودون شعور منها إلى الجهة التي لازالت تقف
فيها المسؤولة عن إدارة ذاك المشروع كاملا .. المرأة التي
لطالما قارنت نفسها بها لتخسر في كل مرة وهي ترى كليهما
بعينيه هو ، وسرعان ما انتقل نظرها للواقف ملاصقاً لها ومن
جذب ضيوف ذاك الحفل بدلاً من أن يجذب أولئك الوزراء
الضيوف فمهما كانت أهميتهم فهو أعلى مركزاً ومكانة منهم ،
وما جعل قلبها ينتفض حينها وبشدة النظرة التي رأتها في
عيني ذاك الرجل والموجهة جهة قائد تحديداً وكأنه يحاول تذكر
أين رأى ذاك الشخص أو يستغرب وجوده هنا أو أمراً لا تعرفه
أو تفهمه !! وتذكرت فوراً تلك الاوراق التي كانت في مكتبه
ودعوى الطلاق وعادت بنظرها له سريعاً فهل لأجل هذا تعمد
أن يُظهر اهتماماً مفاجئاً بالجهة التي تقف فيها !
تحركت قدماها ودون إذن منها ولا شعور جهته وكل عصب في
جسدها يحثها على فعل ذلك ودون تفكير وهي تتذكر ما آل إليه
مصير اللواء العقاد سابقاً ومن علم الجميع عن مساعيه
السابقة للارتباط بالمرأة التي تركها مطر شاهين خلفه واختفى
من البلاد فلم يخفى على أحد وإن لم يتم إسقاط رتبة ذاك الرجل
بأنه نُقل عمداً لمعسكرات البلاد الحدودية في الجنوب .. فهذا
ما حدث مع قائد قوات الجيش السابق فكيف بمن لا يراه سوى
محامٍ وإن كثرت نشاطاته الحقوقية في البلاد وخدمت الدولة
كثيراً ؟ فليس لها أن تتخيل أي عقوبة قد يتلقاها من ذاك الرجل
الذي يبدي تملكاً واضحاً اتجاه المرأة التي لم يتركها خلفه
ويهاجر فقط بل واعترف علناً بأن ذلك كان بسبب امرأة
أخرى !!
وها هو وبمركزه كرئيس للبلاد وقائد لجميع قواته العسكرية
يحظر حفلا لافتتاح برج يعد تجارياً وإن كان لأغراض إنسانية
تدعم المحتاجين في البلاد فقط ليكون بقربها بل ولم يتركها
للحظة كما لم تترك ذراعه خصرها .
ما أن وصلت عنده حتى لامست يدها مرفقه ببطء متعمد وهي
تقول مبتسمة
" إن كان رأيك مطابق لرأيي فالمكان أجمل بكثير مما
تصورت "
ولم يبدو لها أنه معترض أو متضايق من لمستها تلك بل
استرخاء ملامحه المشدودة حينها أكد لها بأنها تسير في
الطريق الصحيح بل وأكد أكثر صحة شكوكها حيال الوضع ...
حمقاء أجل تعلم بذلك لكنها أجبن من أن تشعر بأنه في خطر
وتقف هكذا تشاهد وكأن الأمر لا يعنيها ... ستوبخ نفسها في
وقت لاحق تكون فيه أقوى من لحظات صعفها الآن لذلك لن
تستمع حالياً سوى لصوت قلبها الأحمق وستتبعه مغمضة
العينين .
لم تستغرب حينها كما لم تستنكر مبادرته بأن وضع يده على
ظهرها وقال يسيران معاً
" ما رأيك بزيارة لقسم الكتب والمنشورات ؟ .... واثق من أن
اهتماماتنا متشابهة ومن دون أن أسألك "
*
*
*
لامارا, ورد الخال, الغزال الشارد and 48 others like this.
التعديل الأخير تم بواسطة فيتامين سي ; 11-06-19 الساعة 07:16 PM
رد مع اقتباس
#12130
قديم 10-06-19, 09:36 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
نظرت حولها وأرادت أن تهرب لأي مكان لكنها حوصرت تماماً
فحتى غدير ابتعدت وتركتها ولم يكن من حل أمامها سوى أن
تبتسم مجبرة وبمجاملة للذي أصبح واقفاً أمامها تماماً وقد قال
مبتسماً
" زهور ... ما هذه المصادفة الجميلة ؟ تبدين في حال ومزاج
أفضل من الماضي بكثير "
أرادت أن تقول بالطبع لأن الكابوس الذي يدعى أويس
عبدالجليل غيلوان اختفى من حياتي لكنها لم تستطع بعد أن قدم
ذاك التقرير الذي كان سبباً في بقائها في جامعتها الجديدة الآن
، لكن ما لم تستطع منع لسانها من قوله كان الأسبق له وهي
تقول بابتسامة جانبية
" تخلصت من كل تلك الشائعات التي التصقت بي والحمد لله
فلما لا أكون في مزاج رائع ؟ "
ضحك وقال ينظر للبعيد
" تركت ذاك لغيرك "
فانقبضت أصابعها لا شعورياً وهي ترى تلك النظرة الشاردة في
عينيه .. نظرة لا تحمل سوى الغضب المكبوت كضحكته تلك
التي لم تحمل المرح مطلقاً فهل ستندم فعلاً على فعلتها تلك ؟
لكنه فعل ذلك بها أيضاً وبدم بارد .. وسرعان ما اكتشفت بأن
أفكارها تلك تنذرها بالخطر فعلاً وما أن قال ونظره لازال
يشرد بعيداً
" كنت لأرضى بأن يمزقوا لحمي وشرفي بأسنانهم ولا يحدث
ذلك باسم والدي الذي مات كمداً قبل أن يموت مقتولاً وبأبشع
الطرق "
بلعت ريقها بصعوبة ولم تستطع إلا أن تشعر بالأسى على ذاك
الرجل فهو واجه ظلماً كبيراً بالفعل ويبدو أن حقد ابنه تعدى
ذاك الظلم بدرجات كبيرة !
وهي لم تنتقم منه بما فعلت بل من ذكرى والده وسمعته
وشرفه كما قال ... حسناً هو لن يعلم بأنها هي وستنسى الناس
ذلك مهما طال الوقت وستستغفر الله على ما فعلت فهو على
الاقل سيسامحها ولن ينتقم منها عكس هذا الغيلواني الممتلئ
بالشر .
قالت بابتسامة جاهدت كثيراً لتكون طبيعية ولتغير مجرى ذاك
الحديث الذي بات يرعبها
" لم أتوقع أن اراك هنا ؟! "
نظر لها وقال بابتسامة ساخرة هذه المرة
" ولا أنت ! "
فشعرت بالحنق من ابتسامته تلك التي رافقت كلماته وكأنه
يستخف بها وبمقدرتها على دخول هذا الحفل لا أن تكون مع
عامة الناس للدخول فور فتح أبواب البرج لهم بعد مغادرة كل
هذه الشخصيات المهمة ورفعت رأسها بغرور وهي تقول
" بلى فخطيبي أحضر لي دعوة في غضون ساعات فقط لأني
رغبت بهذا فهو لا يرفض شيئاً أطلبه أو أتمناه "
فابتسم بابتسامة تشبه سابقتها وهو يقول
" جيد فها هو لم يتركك كما كنت تخشين ؟ "
شعرت حينها بالفوران في دماغها بالفعل من سخريته المتعمدة
والاستهزاء بها وقالت مبتسمة بغرور
" لا أظنه ممن يهتمون لمثل تلك الأمور التافهة .. تفكيره ليس
متعصباً أبداً "
ونظرت بصدمة للابتسامة التي زينت شفتيه فلم تتوقع أبداً أن
يكون هذا رد فعله وهو من فهم بالتأكيد أنها تقصده بالمتعصب
لأفكاره !
استفاقت لنفسها وتبدلت نظراتها للبرود حين تغيرت ابتسامته
للسخرية قبل أن يقول
" وأنا كذلك خطبت فتاة وسنتزوج قريباً "
" حقا !! "
قالتها بابتسامة مندهشة هي أقرب لابتسامته الساخرة تلك وكم
تمنت لحظتها أن ترى تلك التي جعلته يفكر فيها كزوجة له !
من تكون تلك الحمقاء التي وافقت عليه وسلمت مستقبلها
التعيس ليكون معه !!
قالت تهديه هذه المرة ابتسامة تشبه ابتساماته تلك
" جيد وأتمنى بالفعل ان لا تلتفت لما قُلتَ وفعلتَ في الجامعة
سابقاً أمام طلبتك "
قالتها قصداً تعني ما فعله معها سابقاً وأصبح على لسان
الطلبة جميعهم لكنه انتصر عليها وككل مرة وهو يقول مبتسماً
" لا قطعاً فهي لا تهتم بالأمور السطحية التافهة وذاك ما
أحبه فيها "
يا إلهي من يتركها تضرب هذا الجنوبي الوسيم المتعجرف
على رأسه .. لقد انتقم منها بسهولة وهاجمها بذات السلاح ...
لا تحسد قطعاً تلك الحمقاء عليه وعلى الحياة مع رجل بلسان
لاذع مثله ، فكان وكأنه يقرأ أفكارها تلك فقد تابع بابتسامة
رقيقة صادقة هذه المرة
" بل وتعجبني أيضاً قوتها ومواجهتها لكل شيء بشجاعة ...
جميلة أنيقة وذكية خطفت قلبي فور أن رايتها وأنا على
استعداد لفعل أي شيء فقط لتكون سعيدة "
وابتسم ينظر لعينيها وهو يقول آخر كلماته تلك بينما استقبلت
هي كلماته بنظرة حانقة ولا تفهم لما أزعجتها كلماته وتغزله
في تلك الخطيبة ! حمقاء وما علاقتها هي ! هل تحسدها بينما
خطيبها لم يسمعها كلمة تتغزل في مميزاتها هكذا ؟
بل ولم يبدي أي نية في التحدث معها حتى الآن ؟
حمقااااء ....!! هل ستهتم لهذا وهو لم يفعل وأرادها زوجة
فقط ؟ بل وعقد قرانهما إن لم يكن غداً ففي اليوم الذي يليه ؟
نظرت للجانب الآخر حيث قد تحرك أغلب الموجودين هناك
وقالت تبتعد عنه ما أن واتتها الفرصة قائلة بابتسامتها
المشاكسة التي يعشق
" يبدو أن الجولات في الأقسام العليا بدأت وعليا أن لا أفوّت
هذا أبداً .... أتمنى لك السعادة مع تلك الحمقاء "
وابتعدت ضاحكة تسمع ضحكته من بين كل ذاك الضجيج
حولها لتحرك الجميع حينها فهي هكذا دائماً لا يمكنها فرض
سلطتها على لسانها وما كانت ستنعم بيوم مريح إن لم تقل ما
قالته ... وما لا تعلمه بأن من تركته خلفها أيضاً ما كان لينعم
بيوم مريح إن لم يمتع نفسه بلسانها اللاذع ذاك وقد سار في
ذات الاتجاه متمتما بابتسامة
" مرجعك لي يا زهرة الجنوبي "
*
*
*
دخلت خلفها وأغلقت باب الغرفة بقوة قائلة بضيق
" لا أعلم ما هذه الحياة التي نعيشها ؟
ما كل هذا الاضطهاد ! "
نظرت لها يمامة باستغراب وقالت
" ماذا تعني اضطهاد ؟ "
فلوحت بيدها قائلة بضجر
" لا أعلم هي كلمة يقولونها في المواقف المشابهة وفقط
انتهي "
قبل أن تمسك خصرها بيديها قائلة بضيق
" أنت لما لم تسكبي من عيناك دمعتان لعل زوجك ذاك يرق
قلبه ويذهب ويأخذنا معه من دونها "
فحدقت فيها باستغراب قبل أن تقول
" لكني لا أريد الذهاب من دونها .. ثم هي لم تقل بأنه ليس
هناك من يأخذنا بل لن نذهب جميعنا "
فتأففت في وجهها قائلة
" ولما ونحن مدعوون والمخطط لم يكن كذلك حتى تغير
فجأة ! ما في الأمر إن ذهبنا لحفل الافتتاح واستمتعنا أم
محرم علينا كل ما هو ممتع ؟ "
وتابعت بضيق تلوح بيدها
" سمعت والدتي بنفسي تقول بأننا سنحضر وسنمضي يومان
في منزل عائلتها في حوران واليوم أعلنت قرارها الجديد
بحجة أنه سيأتينا ضيوف ! لما لا تعتذر منهم أو تبقى هي
ونذهب نحن بما أن أبان قرر أيضاً أنه لن يذهب ؟ أليس
والدي هذا الذي يكون عضواً في مجلس إدارته وأحد مموليه
وهو هناك منذ الأمس ؟
حتى غيهم غادر صباحاً ليكون معه هناك ... لو كنت أعلم
لذهبت معه "
وتابعت تدور في الغرفة تعد على أصابعها
" خروج ممنوع .. سوق ممنوع .. زيارة الصديقات ممنوع
ممنوع .. هاتف ممنوع وحتى المسلسلات ممنوعة ... "
ووقفت ونظرت ناحيتها وتابعت بضيق تنفض يديها
" ما هذا بحق الله ؟ علينا أن ننتفض وعلى ثورة ما أن
تندلع في هذا المنزل "
فحدقت فيها تلك الأحداق الرمادية باستغراب قبل أن تقول
صاحبتها
" لكننا نذهب للتسوق ! "
قالت بضيق
" أي تسوق هذا الذي تتحدثين عنه يمامة بالله عليك
ومع من ! والدي الذي لا يرجع للمنزل إلا ليلا متعباً يأكل
وينام ؟ أم غيهم الذي يتحجج في كل مرة.... "
وتابعت تقلد صوته الجهوري الخشن
" أخجل أمي من أخذ يمامة والتجول معهم في السوق
وإن كانت بثينة معها "
وعادت لصوتها الرقيق المرتفع متابعة بضيق
" أما أبان فممنوع أن نذهب معه من دون والدتي وهي
مشغولة طوال الوقت إما لديها ضيوف أو هي ضيفة عند
أحدهم ونحن سجينتا المنزل هنا "
قالت التي لازالت تحدق فيها باستغراب
" وفي منزل والدي لم أكن أخرج ولا للسوق مع أحد "
فأمسكت جبينها بأصابعها قائلة بحنق
" آه يا إلهي كم أنا حمقاء لأفكر بأنك قد تعترضين أو تحتجين
بالرغم من أن طلباتك لدى والدتي مجابة .. لكنك غبية لا
تستغلين ذاك أبداً وبشكل جيد "
وتابعت رافعة يديها للأعلى حيث كانت تحدق
" حمداً لله أنا على الأقل ثمة أمل في أن أغادر هذا المنزل يوماً
أنت التي أصبحت سجينته للأبد "
ورمقتها بطرف عينيها عند آخر عبارة قالتها وتابعت بتنهيدة
طويلة
" ترى أثمة أمل في أن أتزوج في وقت مبكر مثلك أنت
وتيما ؟ "
ونظرت لجسدها وفكرت بإحباط في الفارق الشاسع بينهما فتلك
لا يبدو عليها أبداً بأنها تكبرها بعام وعدة أشهر فقط !
فحتى جسدها يصرخ أنوثة متكاملة كامرأة وليس كشبه
طفلة مثلها !
تأففت وتحركت من مكانها واقتربت من التي لازالت تحدق
فيها بصمت وقالت بصوت منخفض تخفي شفتيها بيدها
" اسمعي يقولون بأن كثرة تناول الدجاج ترفع هرمونات
الفتاة فتنضج مبكراً ... ما رأيك بهذه الفكرة لنطبقها ؟ "
فحدقت فيها تلك العينان الواسعة بذهول لم يفسد
جمال انحناء طرفيها الخفيف وقالت
" ظننت أن الدجاجة هي التي تنضج !! "
فشدت شعرها بقوة صارخة
" كنت أعلم بأنه لا أمل في أن تتغيري وبأنك ...... "
وبلعت أحرفها كما تنفسها تمسك فمها بيدها ما أن انفتح الباب
خلفها بقوة وعلى اتساعه تنظر بصدمة للواقفة أمامها تنتظر
أي قذيفة تأتي من خلفها وإن بحذاء والدتها على رأسها ..
وما أن ضحكت الواقفة أمامها برقة تغطي شفتيها بظهر
أناملها حتى نظرت لها بضيق والتفتت خلفها ووقع نظرها
فوراً على الواقف يتكي بكتفه على إطار الباب يثني ساق حول
الأخرى يديه في جيبي بنطلونه وينظر لها مبتسما بسخرية قبل
أن يخرج مفاتيحه يلفها حول سبابته في الهواء وقال بذات
ابتسامته الساخرة
" هل أفهم ما سبب ما كنت تقولين آنسة بثينة ؟ "
فنظرت له بصدمة وقالت وهي تجتازه مسرعة
" لابد وأن والدتي تبحث عني وعليا أن أكون مع تلك
الطفلة المزعجة الآن"
واختفت من الممر راكضة ونظراته تتبعها قبل أن ينظر للتي
كانت تنقل نظرها بينه وبين مكان خروج شقيقته منذ قليل
فاستوى في وقوفه ودخل الغرفة مغلقاً بابها خلفه بضربة من
قدمه قائلاً
" ماذا كانت تقول لك تلك القزمة ؟ "
رمشت بعينيها باستغراب قليلاً قبل أن ترفع سبابتها لشفتيها
وقالت تدير حدقتيها الرماديتان بتفكير
" قالت بأننا إن أكلنا الدجاج كثيراً فسيرتفع شيء ما لم
أفهمه وسننضج سريعاً "
وما أن عادت بنظرها له قالت باستغراب
" ظننت أن الدجاج ينضج وليس نحن ! "
فانفجر ضاحكاً حينها فتبدلت تلك النظرات البريئة المتسائلة
للحنق سريعاً ترمقه بها فضرب بسبابته على أنفها
وقال مبتسماً
" حسناً لا تغصبي فأنت أيضاً تنضجين لكن ليس كسلق
الدجاجة بالطبع "
استمرت في التحديق فيه باستغراب فضحك وقال يشير لنفسه
" أنظري ... أنا مثلا ناضج "
وتابع يشير بإبهامه خلف كتفه
" ابن السائق الذي يوصله للمدرسة معكما ذاك ليس ناضج ..
فهمتهما الآن ؟ "
قالت ننظر لملامحه بتفكير
" تقصد لأنه لديك شارب ولحية ؟ "
ابتسم ومسح بأصابعه على لحيته الخفيفة جداً والمحددة بإتقان
وطريقة شبابية أنيقة وقال مبتسماً
" أجل شيء من هذا القبيل "
وتابع ينظر لها بمكر
" لكن ليس ثمة شارب ولحية سينموان لك بالطبع بل .... "
وتوقف فجأة متنهداً بضيق بسبب الباب الذي انفتح خلفه على
اتساعه ونظر للأعلى متمتماً بضيق
" لا أعلم لما لا تتركون المرء يعلم غيره أصول دينه ؟ "
" أبان ما الذي تفعله هنا ؟ "
التفت من فوره للواقفة خلفه تنظر له بغضب وصاحبة تلك
العبارة الحازمة وقال بابتسامة واسعة
" غرفة شقيقتي أم ممنوع عنها أيضاً ؟ "
فأشارت بسبابتها خارجاً قائلة بضيق
" وشقيقتك ليست هنا فتحرك هيا أنا أنتظرك في الأسفل
وظننتك ستشغل سيارتك وتقربها لباب المنزل وليس تتسكع
هنا في الأعلى "
تحرك نحوها واجتازها يغني لحناً انجليزيا وينظر لها مبتسماً
وكأنها لا تشتعل أمامه !
وما أن غادر حتى تقدمت نحو الداخل قليلاً وقالت للتي كانت
تنظر لها بصمت
" يمامة ألم أحذرك من أن تكونا في غرفة واحدة معاً ؟ "
فأبعدت شفتيها وأطبقتها عدة مرات قبل أن تقول
" آسفة أمي ... لكني لا أستطيع طرده "
أمسكت ذراعيها وقالت بجدية
" بل اخرجي أنت ... وإن كانت غرفتك فاطرديه لك كل
الحق في ذلك "
وتابعت مغادرة من هناك
" بثينة في الأسفل ابقي معها ولا تفترقا أبداً حتى أرجع فلن
أتأخر كثيراً "
*
*
*
مررت أطراف أصابعها على حافة الأوراق تحتها تنظر لهم
بشرود نسيت معه حتى المكان الذي كانت تجلس فيه بل
وتلاشى صوت الواقف أسفل المدرج وقد ملأ القاعة الساكنة
وكأنه لوحده فيها وارتسمت ابتسامة دافئة تزين شفتيها
الناعمة الرقيقة زهرية اللون كما نظراتها المفعمة بالحب
والعاطفة تتذكر ما حدث صباحاً قبل خروجها لجامعتها فهي لم
تلتقي به وقت شرب قهوته اليومية السوداء والخالية من
السكر ولا حين تناولت هي قهوتها والتفاحة التي عليها أن
تكون فطورها وإن لوحدها قبل أن تغادر وبأوامر منه .. لذلك
وقفت تنتظره وسط الشقة تستند بجدار غرفتها مكتفة ذراعيها
لصدرها فلا يمكنها المغادرة قبل أن تراه وهما لن يجتمعا هنا
قبل أيام .
ابتسمت له فور أن انفتح باب غرفته وخرج منها بملابس
عمله السوداء والحذاء الأسود الثقيل والطويل يضع على كتفه
حقيبته التي تحمل شعار المنظمة الذي طبع على ظهر سترته
أيضاً .. وما أن أغلق باب الغرفة ابتعدت عن الجدار منزلة
يديها وقالت وقد تحركت نحوه
" ستسافرون الآن أم في وقت آخر ؟ "
قال ويده تتفقد المفاتيح في جيبه ونظره عليها
" بل الآن "
وقفت حينها أمامه ورفعت نظرها له ومررت سبابتها على
شفتها وقالت مبتسمة
" هل لي بسؤال وتجيب عليه ؟ "
فرفع رأسه عالياً وتنفس بقوة مبتسماً فقالت بضحكة صغيرة
" أعلم ما تريد قوله ( كنا في الطلبات وأنتقلنا للوعود
والآن أصبحنا في الأسئلة ) "
وتابعت برجاء طفولي في ثوب أنثوي رقيق تنظر لعينيه وقد
أنزل رأسه ونظر لها
" لكنه سؤال واحد تيم أرجوك "
فرفع سبابته وأشار لوجهها وما أن كان سيتحدث سبقته
قائلة بعبوس
" لست ملزماً بالإجابة أعلم "
فتمتم حينها ينظر لعينيها
" قولي ما لديك إذاً "
فابتسمت رافعة كتفيها وأنتقل نظرها من عينيه لصدره
العريض أمامها وقالت وأصابع يدها تلعب بزر سترته ونظرها
عليها
" طوال الفترة الماضية وقبل أن أصبح هنا في بريطانيا ... "
وترددت قليلاً في المتابعة وأصابعها تلامس صدره نزولا للزر
الآخر وقالت تديره بأطراف أنامالها ونظرها عليها
" أنت ... أعني كرجل يعيش هنا والنساء و... أنت تعلم
الوضع جيداً ... فكيف يمكن لرجل أن يحصن نفسه من
كل ذلك "
ورفعت نظرها لعينيه عند عبارتها الأخيرة والتي نطقت أحرفها
ببطء أكثر من سابقاتها وحدقت بها تلك العينان بصمت يبدو
متعمداً فقالت برجاء
" لا يكن جوابك الصمت تيم أو أن ترفض الإجابة فسأعلمها
حينها "
فارتسمت ابتسامة ساخرة خفيفة على شفتيه وما أن تحركتا
قليلاً قالت تسبقه باندفاع
" ولا تجب بسؤال فستعلم لما سألتك بعد أن تجيب .. وأعرفك
جيدا لا تكذب "
فسحب نفساً طويلاً لصدره وتعلقت نظراتها بعينيه وكأنها
ستقرأ الجواب في تلك الأحداق السوداء التي تعرف جيداً كيف
تخفي دواخله كمهارته في إصابة الأهداف البعيدة وبدقة
وشعرت بقلبها ارتجف وبجنون حين أمسك يدها التي لازالت
ترتاح على صدره وضغط بأصابعه عليها وقال بابتسامة جانبية
محدقاً في عينيها وبكلمات متأنية
" لأنه ثمة دين يسيرنا أولاً وإن كانت المغريات تنتصر عليه
أحياناً لكنه لا يتخلى عمن لم يتخلى عنه ماريا .. ثم وثانيا لأنه
من له زوجة هو ملزم بالوفاء لها وإن كان كل واحد منهما في
مكان بل ومهما وصل الوضع بينهما للسوء "
ابتسمت حينها ابتسامة ظهرت في عينيها المحدقتان في عينيه
بحب قبل شفتيها وملامحها وسحبت يدها من يده ورفعت كلتا
يديها لعنقه وطوقته بذراعيها وهي ترفع جسدها وقبّلته
بحرارة وشغف سرعان ما شاركها فيه ويداه تتحركان بنعومة
على ظهرها وخصرها النحيل .. وما أن أبعدت شفتيها نزلت
بهما لذقنه وقبلته بنعومة قبلة طويلة رقيقة تغمض عينيها
وهمست مبتسمة برقة دون أن تبعد وجهها عن وجهه ولا
شفتيها عن ذقنه ولا أن تفتح عينيها
" يمكنك الاستمرار كذلك إذاً وكان عليا أن أودعك ورغماً
عن قوانينك الجديدة "
فاتسعت ابتسامته وطوق خصرها بذراعيه بقوة يلصق جسدها
أيضاً بجسده وقبلها قبله لم تقل عن سابقتها لكنه قطعها سريعاً
كقبلة واحدة ونظر لعينيها وقال بصوت منخفض
" إن لم يكن عليا الذهاب الآن تعلمين جيداً ما كنت
فعلت وسأفعل "
وارتفعت يداه لظهرها يشدها نحوه أكثر حين قال كلماته
الأخيرة تلك فعضت طرف شفتها تنظر لعينيه القريبتان جداً
منها تحضن عنقه بذراعيها أكثر وقالت برقة تشبهها
" سنناقش هذا بعد عودتك وفعلياً هذه المرة "
فداعبت أنفاسه الدافئة وجهها وهو يهمس بابتسامة جانبية
" ناقشناه مراراً في السابق ماريا ولم نصل إلا لما يرضيك
وحدك فهل سيتغير شيء الآن فعلاً ؟ "
أسدلت جفنيها قليلاً تخفي عينيها عن عينيه وأومأت برأسها
إيجاباً وهمست بتأني
" سنصل لما يرضي كلينا أعدك "
فطوقها بذراعيه بقوة أكبر يحضنها وقبل طرف وجنتها قبلة
عميقة طويلة قبل أن يبتعد عنها ويتوجه من فوره جهة باب
الشقة قائلاً
" اعتني بنفسك جيداً ماريا "
وغادر تاركاً بابها خلفه مفتوحاً لأنها ستغادر الآن بالتأكيد
فمذكراتها وحقيبتها فوق الطاولة قرب الباب لكنها توجهت
نحوه وخرجت دون أن ترفعهم تنزل عتبات السلالم مسرعة
حتى كانت عند الباب في الأسفل ووقفت مستندة بيدها على
إطاره تنظر للذي كان يفتح باب سيارته وقد التفت ونظر
ناحيتها وساعِده يتكئ على الباب المفتوح فهي لم تستطع منع
نفسها من الركض خلفه تريد أن تُشبع نظراتها به وهي تعلم
بأنه ثمة أيام لا تعلم عددها ستفصلها عن رؤيته مجدداً ، رفعت
يدها ولوحت له مبتسمة وهمست بشفتيها فقط
" أحبك "
فرفع يده لها مبتسماً وركب بعدها سيارته وغادر من فوره
تتبعه نظراتها حتى اختفى خلف الشارع الفرعي وهمست بحب
وعينان دامعة
" يا رب احفظه من أجلي يا رب " .
" مااااري !! "
ارتجف جسدها ورفعت نظرها سريعاً بالواقف أسفل القاعة
والذي كان ينظر لها ممسكاً خصره بيديه ويبدو أنه يناديها منذ
وقت ولم تسمع سوى صرخته الأخيرة بإسمها !
فشعرت بأنها تتحول لكتلة من الإحراج وأعين الجالسين في
المدرج تحتها أصبحت محدقة بها لالتفات رؤوسهم نحوها كما
تكاد تشعر بنظرات الجالسين فوقها تخترق قفاها وقد تعالت
الهمسات الضاحكة بينما قال الواقف في الأسفل لازال ينظر
لها بضيق
" مع من كنتِ نائمة البارحة ؟ "
مما حرر تلك الضحكات المكتومة بل وجعلها تغرق في ثيابها
من الإحراج قبل الصدمة وقد علا الإحمرار القاتم وجنتيها
وتمنت أن ماتت لحظتها ... وكان هناك المزيد في انتظارها بعد
وقد قال أحد الجالسين أعلى المدرج ضاحكاً
" مع خطيبها بالتأكيد "
لتزداد الهمسات الضاحكة ارتفاعاً وكأنها رصاصات يصيبون
جسدها بها ... بل وكان ثمة المزيد مما تستحقه فقد قال
الواقف في الأسفل وهو يتجه ناحية طاولته المخصصة
" إذاً لا تقابليه سوى في عُطل نهاية الأسبوع مستقبلاً "
فشعرت بالمكان بأكمله يدور بها وسط تلك الضحكات المتداخلة
ونكست رأسها للأسفل تكاد تبكي من الإحراج فإن كانوا هم
في مجتمع تلك العبارات بالنسبة لهم كتبادل تحية الصباح فهي
لم تعتد هذا أبداً بل وتستحقه فما الذي تتوقعه منه مثلاً وهو
يراها كالبلهاء تحدق في الفراغ مبتسمة ببلاهة ويناديها
ولا تجيب ؟.
سكن المكان فجأة وكأنه لا أحد فيه بمجرد أن طرق بقلمه على
الطاولة الخشبية وبالكاد سمعت صوته بسبب الضجيج الذي
لازال مستمراً في أذنيها حين قال وهو يجمع أوراقه
" أنت ومارك قدمتما أفضل بحثين ... لقد أحسنتما "
وغادر بعدها القاعة وبدأ جميع الطلبة بالوقوف مغادرين
فوقفت قافزة تقريباً وغادرت مسرعة لم تستطع رفع نظرها
بأحد حتى بعدما أصبحت خارج القاعة .. حتى أن كتفها اصطدم
بأكثر من شخص اجتازتهم دون حتى أن تعتذر ..! ولم تستطع
التنفس بشكل طبيعي حتى أصبحت خارج مبنى الجامعة ولفحت
النسمات الباردة وجنتيها المشتعلتان تشعر بأنهما تكادان
تنسلخان من جلدهما وسارت جهة موقف السيارات مسرعة
تنظر للساعة في معصمها فالوقت لم يتجاوز الرابعة لأن
المحاضرة الثالثة ألغيت ابتداءً من هذا الأسبوع وسيكون عليها
أن تغادر لمنزل تلك العائلة من الآن وبالطبع لأن الشرط ألغي
في قراءتها للسطر الثاني من الورقة فالأول ألغي أيضاً
ولن تبقى في منزل والده .
وقفت مكانها ما أن رفعت نظرها ليقع على الواقف متكئاً
بظهره على سيارته البورش الرياضية السوداء وقد ابتسم لها
من فوره وتحرك نحوها وقال ما أن وقف أمامها
" من أفضل مميزاتك أنك تغادرين الجامعة على الموعد
تماماً "
قالت مبتسمة " كنت سأزور المكتبة لخروجي مبكراً لولا
أني لم أشعر بنفسي إلا وأنا هنا "
ضحك وقال
" سأبلغ حرس الجامعة حينها بأنه ثمة من اختطفك ونتسبب
في مشكلة فالأوامر تقتضي بأن أجدك هنا عند هذا الوقت "
" الأوامر !! "
قالتها تنظر له باستغراب فقال مبتسماً
" ألم يخبرك زوجك ؟ "
حركت رأسها نفياً دون أن تتحدث فقال بذات ابتسامته
" هل كنت تتوقعين مثلاً أن يتركك تغادري من هنا لبريستول
وحدك ؟ "
تنهدت بعمق متمتمة
" بلى ما كان عليا توقع ذلك "
وتابعت تنظر جهة سيارتها المركونة بعيداً
" ولكن ماذا بشأن سيارتي ؟ "
مد يده لها وقال مبتسماً " لا تقلقي بشأنها فكل ما عليك فعله
هو إعطائي مفتاحها وستكون في موقف سيارات منزلكما
خلال ساعات "
نقلت نظرها بينه وبينها بصمت قبل أن تقول
" عليا جلب مذكراتي وحقيبتي منها أولاً "
فقال يشير بإبهامه خلفه
" أعطني المفتاح واصعدي السيارة سأقوم أنا بكل ذلك "
ابتسمت شاكرة إياه وهي تعطيه المفاتيح وتوجهت للبورش
السوداء اللامعة المتوقفة قربها وكان هو قد سبقها لها وفتح
الباب قائلاً بابتسامة
" من أجل اللباقة فقط لا تغرمي بي رجاءً فأنا متزوج "
فضحكت وجلست في الكرسي بجانب السائق وأغلق هو الباب
وغادر جهة سيارتها جلب المذكرات التي وضعتها فيها من
أجل محاضرات الأيام القادمة وحقيبة صغيرة وضعت فيها ثياباً
لها ، وضعهم في السيارة في الخلف وركب وغادرا من هناك
وما أن أصبحا في شوارع كامبريدج الواسعة نظر ناحيتها
وقال مبتسماً بحماس
" ما هي السرعة التي يمكن لقلبك تحملها ؟ "
خرجت منها ضحكة صغيرة وقالت
" السرعة التي يقود بها صديقك وابن خالك "
فضحك ونظر للطريق وقال وقدمه تدوس المكابح تدريجياً
" جيد إذاً فلن نصبح بعد قليل في امرأة متشنجة بسبب خوفها
من السرعة "
وما أن أصبحت سيارتهم خارج شوارع المدينة انطلقت تلك
البورش السوداء تسابق الريح وكان هو من كسر الصمت
القصير قائلاً
" ما هي أخبار جامعتك ؟ "
نظرت له وقالت مبتسمة
" جيدة .. كل شيء حتى الآن يسير بشكل جيد فالصعوبة
كانت في البداية فقط "
قال ونظره على الطريق الطويل الممتد أمامه
" ذاك أمر طبيعي بسبب اختلاف المكان لكن اتقانك للغة
ساعدك في اجتياز ذلك بسهولة "
وانخرط للحديث عن جامعته السابقة في أسكتلندا والتي قضا
فيها أعواماً بعيداً هناك والمواقف التي واجهته فيها وأغلبها
كان طريفاً ومضحكاً جعلها في ضحك مستمر تقريباً وإن كان
متحفظاً قدر استطاعتها .. ولم تشعر بالطريق التي سلكاها كما
للسرعة التي كانت تكاد تنزلق معها عجلات سيارته وتقفز
عنها ، وما أن تراخت سرعة سيارته وهما يجتازان الطريق
الرئيسي لإكسفورد قال بهدوء بدا حذراً جداً
" ماريه أتمنى أن لا تكوني غاضبة من ساندرين بسبب حديثها
في الأمس فهي تحبك لكن على طريقتها الغريبة بالطبع "
فتنقلت نظراتها في ملامحه أو النصف المقابل لها منها وقالت
مبتسمة بتفهم
" أعلم جيداً ما تود قوله وأفهمه وأتفهم موقف ساندرين
وسبب غضبها "
نظر لها وقال بابتسامته المرحة الدائمة
" هذا جيد فهي لا يفهمها إلا من عاش معها وعرفها جيداً
ومؤكد أخذت فكرة كافية عن ذلك من حديثها المستمر عني
والذي لا يخلوا من المديح الرائع "
وضحك عند نهاية جملته تلك فضحكت ضحكة صغيرة وقالت
" بالطبع ولك أن تتوقع كل شيء .. لكن ما لم أفهمه حتى
الآن هو لقب ( ذا الخلية الواحدة ) "
فضحك كثيراً قبل أن يقول ونظره لازال على الطريق
" ذاك لأنه وكما تري أمامك فعائلتنا ومن جدها الأول لا يولد
لهم سوى ابن واحد وهكذا كان ابنه وابنه من بعده والذي يليه
.. وهكذا وصولاً لجدي ضرار والذي كان له ابنان من زوجتان
مختلفتان ثم والدي وأنت تعلمين باقي العائلة "
حدقت فيه باستغراب وقالت
" أتعني بأنه لا يمكنكم انجاب سوى طفل واحد من كل
امرأة ؟! "
نظر لها سريعاً قبل أن يعود بنظره للطريق قائلاً
" أجل هو كذلك "
فارتفع حاجبيها بدهشة وقالت
" لكن لما ...؟ كيف يحدث هذا معكم جميعاً ! "
ضحك وقال
" أليسوا يقولون لله في خلقه شؤون ؟
وهذا من غرائب خلقه "
لكن نظرات الصدمة التي كانت تحدق فيه بها لم تعطه أي
انطباع بأنها اقتنعت بجوابه ذاك فابتسم وقال وقد عاد بنظره
للطريق
" وثمة ما كان يقال قديما بأنها لعنة ما والبعض يقولون بأنها
عجوز ما دعت على جدنا الأكبر لأنه ظلمها في رزقها لكنك
تعلمين أفكار الناس ومعتقداتها القديمة تلك وأنا أراه أمر
يتعلق بجيناتنا الوراثية فقط "
قالت ولازالت تحدق فيه باستغراب
" وهذا سيستمر في عائلتكم بالفعل ؟! "
رفع أصابعه عن المقود وكأنه يفرد يديه وقال
" هذا ما يبدو لي لكن ثمة دراسه بيولوجية ترجح أن يتغير
ذلك إن حدث وتناسبنا من ذات العائلة "
اقترب حاجباها وقالت بتساؤل
" تناسبتم !! "
نظر لها بطرف عينيه وقال
" أجل وهو أن نتزوج من نسلنا ذاته وليس ثمة فتاة فيه غير
زيزفون حتى الآن "
قالت من فورها
" تعني بأنه يمكن إنجاب أطفال كثر منها ! وبالتالي
يتزوجهم أبناؤكم البقية وتنتهي تلك الصفة المتوارثة ؟ "
أومأ برأسه إيجاباً وقال
" هكذا يقول علماء الوراثة والجينات "
همست تنظر له باستغراب
" هذا أمر غريب حقاً !! "
وتابعت بضحكة صغيرة " والأغرب منه أن تجد لك ساندرين
ذاك اللقب تحديداً "
ضحك وقال
" هذا بسبب الطب الذي تدرسه بالطبع ... وحتى إن لم تكن
كذلك فهي لن تعجز عن إيجاد لقب ما تتحفني به "
نظرت للطريق أمامهم وقالت مبتسمة
" لا أعلم أي أقدار جمعتكما لتكونا زوجان ! "
حرك كتفيه وقال مبتسماً
" الحب السبب بالطبع "
فنظرت له بصدمة وقالت بضحكة دهشة
" تحبها ؟! "
ضحك وقال يرمقها بطرف عينيه
" إن لم أكن أحبها ما كنت لأتزوجها "
فحركت رأسها باستغراب وهمست
" تحبها ...!! لكنها لا تعلم بذلك فلما لم تخبرها وأنتما
تزوجتما !؟ "
قال بابتسامة جانبية " وهل ستصدق ذلك إن أخبرتها ؟ لن
تفعلها وإن أقسمت لها ليلة كاملة لهذا أنا أترك أمر إتمام
زواجنا حتى تتخلى عن عنادها أولاً حينها فقط سيكون
بإمكانها تصديقي "
حركت رأسها باستغراب متمتمة
" ما أغرب أمركما !! "
فقال بضحكة صغيرة
" ليس ثمة ما هو معقد أكثر من التمثال الروماني الذي
تعيشين معه وها أنا أراك لازلت بعقلك ولم تفقديه بعد "
فابتسمت ولم تعلق ودخلا حينها شوارع بريستول فنظرت
لساعتها مستغربة فالطريق التي يفترض أن تستغرق ثلاث
ساعات قطعاها في ساعة ونصف تقرياً !! هو لم يكن يمزح إذاً
حين سألها عن خوفها من السرعة ! ولم يحتج منهما الأمر
للتوغل في شوارع تلك المدينة الكبيرة ليصلا لقصر العائلة
الذي كان يحتاج فقط للدوران حول طريق فرعي والسير خلال
طريق أخرى محفوفة بالأشجار والحشائش الخضراء التي
تغطي الارض على جانبيها قبل أن يصلا للمكان الشبه هادئ
الذي اختاره رأس تلك العائلة تحديداً ليكون مكان سكنهم في
المدينة التي اشتهرت بتجارتهم الكبيرة وهي صناعة الطائرات
.
دخلت سيارته حديقة المنزل بسرعة لم تراها تقل عن التي
كانت في شوارع المدينة حتى وقفت أمام الباب المفتوح
والذي توصل له عدة عتبات رخامية لامعة وكأنه لم يصعد
فوقها أحد لشدة لمعانها ونظافتها !!
فتح الجالس بجانبها بابه ونزل فنزلت من فورها بعده فقال
وهو يدور حول السيارة ليكون في جهتها
" هيا فوالدتي تنتظرك بشوق وأستغرب أننا لم نجدها
هنا في الخارج ! "
وتابع وهو يجتازها صاعداً عتبات الباب بخطوات سريعة
" ولا تقلقي بالنسبة لمذكراتك وحقيبتك ستوصلها إحدى
الخادمات لغرفتك "
فتبعته من فورها فهي تخشى إن تأخرت أن لا تجده ولن تجد
حينها طريقها في هذا المكان الواسع الذي لن تذكره من المرة
الوحيدة التي دخلت فيها من هذا الباب لتكون في المكان الذي
خصص للاحتفالات لأنهما بالأمس دخلا من الشرفة بالطبع .
وكان الأمر كما قال بالفعل فقد كانت والدته في انتظارهما قرب
الباب في الداخل فكيف علمت بوصولهما الآن ! أو يبدو بأنها
تعلم جيداً جنون ابنها في القيادة واستطاعت حساب الوقت
والمسافة بين المدينتين ! كانت كما رأتها في المرتين
السابقتين أنيقة مرتبة لا يمكنك ولا تقدير عمرها الحقيقي
إن لم تعلم بعمر ابنها ..!
امرأة تليق تماماً بأن تكون زوجة لسلطان ضرار السلطان
وكأنه ليس بعدها زوجتان له وإن كانتا لا تقلان عنها لا في
الحسن ولا الأناقة !.
اقتربت منهما فور دخولهما مبتسمة تنظر لها تحديداً واجتازت
ابنها الذي قال ضاحكاً
" انظري لي على الأقل لا أريد أن تحضنيني ! "
فتجاهلته لتصل لها هي وحضنتها من فورها قائلة بسعادة
" ما هذه المفاجأة الرائعة طفلتي الجميلة .... كم أنا سعيدة
بزيارتك هذه لنا "
فبادلتها الحضن باستحياء وأشعرتها سعادتها تلك وكلماتها
بالحرج فهي كانت هنا الليلة الماضية بينما لم تسلم عليها ولم
تودعها لكنها لا ترى أن ذلك يزعجها فذاك العنيد جعلهم
يتلهفون لأي مبادرة تصدر عنه وإن كانت تخص زوجته وليس
هو ! بل حتى أنها لم تعلق على تلك الآثار الخفيفة للجروح
في ذقنها !! ابتعدت عنها وأمسكت بيدها قائلة بابتسامة
" اعتبري نفسك في منزلك هنا وسأوصلك لغرفتك حالاً فمؤكد
أنك متعبة وتحتاجين للراحة "
وسارت بها مجتازة الذي تركاه خلفهما واقفاً مكانه وقد قالت
" وأنت رافقتك السلامة فمهمتك انتهت "
فلم تسمع سوى صوت ضحكته ثم خطواته يبتعد في عكس
الاتجاه الذي سلكتاه مما يعني بأنه غادر مجدداً ... بينما
سارت بها خلال ممر دخلتاه شمالاً لازالت تكرر عبارات
الترحيب بها وقالت ما أن وصلتا لباب فتحته وأدخلتها
الغرفة قائلة
" اخترتها لك هنا بنفسي "
فنظرت حولها للفخامة التي لم تنقص شيئاً عن باقي ذاك
القصر الرائع بينما قالت الواقفة قربها مبتسمة
" مؤكد تشعرين بالجوع .. سأطلب من الخادمات أن يجهزوا
لك الطعام "
قالت مبتسمة بإحراج
" لا داعي لذلك عمتي فقد أكلت بالجامعة "
فابتسمت لها ولامست يدها ذراعها قائلة
" ارتاحي قليلاً إذاً فثمة وقت طويل حتى العشاء وستتعرفين
حينها على باقي أفراد العائلة "
قالت تبادلها الابتسام
" أشكر لك كرمك لكن هل.... "
وقطعت كلامها بتردد قبل أن تتابع
" هل السيد ضرار موجود ؟ أريد أن أسلم عليه قبل
العشاء "
ابتسمت التي فهمت فوراً سبب طلبها ذاك وخجلها من أن تراه
وقتها فقط وهو يُعد سيد هذا المنزل وكبيره وازداد اعجابها بها
أما محبتها فهي تسكن قلبها منذ أن علمت بأنها زوجة ابن
شقيقها الذي كم تتمنى لو تراه هنا مثلها وترى ابتسامته كما
تتمتع بالنظر لهذه الإبتسامة التي حملت كل معاني البراءة
والرقة في الوجود ، قالت مبتسمة
" هو ليس هنا الآن وإن زار المنزل قبل وقت العشاء سأخبره
وسأبلغه في اي وقت يأتي فيه بأنك سألت عنه "
أومأت لها بالموافقة مبتسمة بينما قالت هي تشير لطرف
الغرفة
" وهناك ذاك الهاتف يمكنك استخدامه إن احتجت شيئاً
وستحضره لك إحدى الخادمات في الفور "
همست مبتسمة برقة
" شكرا لك عمتي "
فلم تستطع منع نفسها من احتضانها مجدداً وقالت مبتسمة
بسعادة
" كم أنا سعيدة برؤيتك ووجودك هنا ماريه "
وما أن ابتعدت عنها غادرت الغرفة مغلقة بابها خلفها تهرب
من جنون لسانها كي لا تذكر اسمه وأمنياتها اليتيمة تلك
أمامها فهذا ليس وقته أبداً وقد تجرحها وهي تظن أن هذا فقط
سبب ترحيبها بها ، بينما من تركتها خلفها كانت ما تزال واقفة
مكانها تنظر للغرفة حولها لازالت تمتع نظرها بتلك الفخامة
حيت كانت تدمج اللونين الأحمر والأبيض فصنعت من الخشب
الأبيض اللامع تخلل سريرها خط أحمر تبع حوافه المائلة
ومفارش ووسائد بيضاء اسطوانية الشكل كما الخزانة البيضاء
اللامعة تغطيها نقوش حمراء خفيفة .. بينما طليت الجدران
باللون الأحمر كما الستائر السميكة المجموعة عند جانبي
النافذة الكبيرة التي انسابت عليها وبنعومة .. أما الجزء
السفلي من تلك الستائر فكانت من الشيفون الأبيض الناعم
ويغطي الأرض سجادة بيضاء كبيرة تحت السرير وتحيط به
من كل جانب وحتى ديكور السقف دمج ذات اللونين الأبيض
والأحمر بينما تدلت منه ثريا بيضاء جميلة من القماش ...
أريكة حمراء مقوسة قرب النافذة وطاولة زجاجية موضوعة
أمامها لتكمل جمال تلك اللوحة الفنية الرائعة .
نقلت نظراتها في تفاصيلها مجدداً بإعجاب تخشى حتى دخولها
والجلوس فيها كي لا تفسد جمالها ذاك فبالرغم من جمال
منزلها الذي عاشت فيه في بلادها وشقة زوجها التي تعيش
فيها الآن إلا أن هذا الجمال فاق الخيال بكثير !
وتتساءل لما تحوي مثل هذه المنازل أناساً يعانون وليسوا
سعداء بينما قد تملأ الضحكات بيوتا فقيرة تفتقد لكل شيء ؟!
استغفرت الله بهمس ونزعت سترتها ورمتها على السرير
قربها وتوجهت نحو باب الحمام وخلعت حذائها وارتدت الآخر
الخاص به ودخلته ووجهتها فوراً المغسلة الرخامية الضخمة
المقوسة وفتحت صنبور المياه الذهبي وبدأت بالوضوء فهي
لم تصلي العصر حتى الآن والساعة تجاوزت السادسة بالتأكيد.
*
*
*
*
*
*
نظرت جانباً تبعد خصلة من شعرها عن عينيها وهامت بنظرها
حيث البعيد هناك أسفل المنحدر الصخري حيث يجلسان ...
كان ثمة وادٍ منخفض تكاد ترى بوضوح تفاصيل صخوره
الكبيرة يليه مساحة واسعة من الأشجار الطويلة المتراصة
والحشائش المتداخلة بينها ثم مساحة لا نهاية لها من اليابسة
تكاد ترى الجبال خلفها كسراب باهت من شدة ابتعادها فبعد
ساعات طويلة من السير بالسيارة قرر بأنه عليهما الوقوف
ليصليا الظهر والعصر ويتناولا الطعام فانعطف بالسيارة عن
الطريق المعبد لمكان ترى بأنه أبعد ما كان يمكنه الوصول له
لينزلا فيه ! أنزل بساطاً كان يحتفظ به في سيارته الحوض
وفرشه على الأرض ليجلسا عليه وخمنت بأنهما لم يغادرا
مدن الحالك بعد ولها أن تتخيل كم بقي أمامهما وكم
سيحتاجان من وقت .
رفعت قطعة لحم أخرى ما أن ابتلعت التي كانت تأكلها
ووضعتها في فمها فقد اقتصرت وجبة الغداء تلك على قطع من
لحم الدجاج المشوي الموضوع في قالب بلاستيكي مقسم
لأجزاء وبعض السلطة المقطعة وأصابع من البطاطس المقلية
ورغيفا خبز سيكون قوتهما لساعات قد تتجاوز مغيب الشمس
بكثير ، رفعت نظرها له فكان ينظر لها ويمضغ الطعام فهربت
بنظرها منه حين لم يفعلها هو ولم تستطع مقاومة إغراء أن
تنظر له مجدداً فكانت النتيجة كسابقتها مما جعلها تغص
باللقمة في فمها وسعلت تضرب بقبضتها على صدرها ففتح
قارورة الماء بسرعة وأعطاها إياها فأخذتها سريعاً وشربت
منها وما أن أبعدتها مسحت شفتيها بظهر كفها ثم عينيها
الدامعة وهمست ببحة
" يا إلهي ظننت بأنني سأموت "
وما أن رفعت نظرها له كان ينظر ليده التي يقطع بها قطعة من
اللحم وعلى شفتيه ابتسامة خفيفة لم تفهم بسبب ما قالت أم
بسبب ما جعلها تغص بالطعام قبل قليل ؟! وشعرت بوجهها
يحترق خجلاً فشغلت نفسها بإغلاق القارورة ووضعتها جانباً
ثم رفعت قطعة بطاطا وأكلتها وقد قررت التوقف عن أكل اللحم
وعادت نظراتها تراقبه وقد اختار هو هذه المرة النظر جانباً
وقد شرد به للبعيد حتى أنه أكمل اللقمة التي كانت في فمه ولم
يأكل غيرها فقالت ونظراتها تنتقل بين ملامحه
" أثمة من يكون عابساً متجهماً هكذا وهو يذهب لزيارة
شقيقته التي لم يراها منذ وقت ؟ "
وحاولت قدر الإمكان أن تجعل جملتها تلك خفيفة ممازحة
ترافقها نبرة باسمة فنقل نظره من هناك ليده التي لازال يمسك
قطعة الخبز فيها وقال بوجوم شارد
" شقيقك فقط من قد يفهم ما أشعر به الآن إن فكر يوماً في
زيارتك "
فاختفت ابتسامتها كما ذبلت ملامحها بشحوب حزين وشعرت
بألم لا يمكنها وصفه ولا فهمه أيضاً يفتك بقلبها وقالت بحزن
" لا يمكنني تصور ذلك وبأن تكون قد خذلت شقيقتك وتركتها
وأنت لم تتخلى عني أنا التي لا أقرب لك ...! لن أصدق وإن
رأيت ذاك بعيني "
رفع حينها نظره لها وقال بجدية
" هل تغفرين له إن التقيته يوماً يا مايرين ؟ "
تنقلت نظراتها بين عينيه ولم تفهم ما علاقة شقيقها ولما يسأل
مثل هذا السؤال ؟ وملأت الدموع عينيها ما أن تخيلت ذلك فقط
وأن تراه أمامها بالفعل وقالت ببحة بكاء
" إن كنت سأغفر له كل ما مررت به منذ تركني ورحل فمن
أجل أمر واحد فقط وهو .... أن جعلني ذلك أكون زوجة لك "
وانزلقت دمعتان على وجنتيها المتوردتان من شدة البياض
وعلقت عبرتها في حلقها فهي لم تستطع منع نفسها من قول
ذلك فلا يمكنه الاستمرار في النظر لنفسه بتلك الطريقة ..
وليعلم بأنها حمقاء تكشف عن مشاعرها كطفلة لا يهم فهي
تعبت بالفعل من حبسها داخلها حتى تقتلها ، أغمضت عينيها
برفق ما أن رفع يده لوجهها ومسح إبهامه الدمعة عن وجنتها
نزولا لشفتيها ووصلها صوته هادئاً عميقاً
" وأنت عزائي الوحيد في الغربة التي أعيشها يا مايرين "
ففتحت عينيها الدامعة ونظرت له وابتسمت من بين حزنها
ودموعها وسبابته لازالت تلامس شفتها السفلى فهذه المرة
الأولى التي يتحدث فيها عن مكانتها في حياته وعالمه ! وها
قد فعلها أخيراً وليته يعلم فقط ما فعله بها بذلك .
أنزلت رأسها فابتعدت يده عنها بذلك فقد شعرت بأنها بدأت
تفقد السيطرة على مشاعرها وكانت ودون تردد ستمسك بيده
وتقبل باطنها وقد منعت نفسها عن فعل ذلك بصعوبة تمسك
أصابعها تشدها بتوتر وعاد الصمت يسيطر على تلك الأجواء
المضطربة والذي لا يشوبه سوى صوت الهواء الذي يضرب
الصخور فرفعت نظرها له حين قال ونظره قد عاد ليهيم في
البعيد حيث كان
" أتعلمي بأن ما خلف تلك الأرض الواسعة يكون مدن ثنان
وأن تلك حدودهم "
نظرت حيث ينظر وهمست بدهشة
" الثنانيون !! "
وكم حمدت الله أن تغير مجرى حديثهما خصوصاً ما قالت هي
فقد نكتسب الشجاعة فجأة لكننا نفقدها وبشكل مريع بعدها
على الفور ولولا ذلك ما كان ثمة ما يسمى الندم .. لكنها لم
تندم ... أجل هي ليست نادمة بما أنها حصدت نتيجة ما ،
شعرت بقلبها ينفعل وبشدة ما أن نظرت له بالرغم من أنه كان
لازال ينظر هناك وقد قال
" أجل فمن هنا وحتى حدود صنوان مع الحالك تكون أراضيهم
واجتياز ذاك الفاصل الترابي ممنوع على الطرفين حسب
اتفاقية توحيد البلاد التي وقعها معهم مطر شاهين قبل
رحيله "
نقلت نظراتها في ملامحه وهو ينظر لأصابعه قبل أن تقول
باستغراب
" كم هو غريب هذا ...!! أن تنقسم البلاد بين شعبين بدون
حدود ولا هوية أمر غريب بالفعل ! "
قال وقد عاد بنظره هناك
" ما كان ثمة حل آخر لهذا لكُنا سنحاربهم لآخر الزمان ..
ووضعهم هنا أفضل بكثير مما هو عليه في الدول المجاورة
فهم يعيشون مأساة حقيقية "
وتابع ونظره ينتقل لعينيها المحدقة به
" وها هو مطر شاهين يحاول دمجهم مع أطياف البلاد
وإعطائهم هوية حقيقية وهذا أمر لم يسبقه له أحد "
فاتسعت حدقتاها الخضراء الباهتة وهمست بما يشبه الصدمة
" يصبحوا مثلنا تماماً تعني ويعيشون معنا ؟! "
أومأ برأسه وقال
" أجل وإن كان لدينا تلفاز لكنتِ علمت عن ذلك من نشرات
الأخبار التي عجت بالحديث عنه وهو يسعى الآن لفعل ذلك
وبكل الطرق ورغم جميع المعوقات "
فنقلت نظرها هي هذه المرة حيث الأرض التي تختفي مدنهم
البعيدة خلفها وقالت باستغراب
" أترى ذلك سينجح ؟ حياتهم ليست مثلنا كما عاداتهم
وتقاليدهم وحتى منازلهم أيضاً !! "
فقال ونظره لا يفارق ملامحها وجانب وجهها المقابل له
تتراقص أمامه خصلات من شعرها الأشقر
" هذا ما سيكون غريباً وصعباً الآن لكن بعد عشرة أعوام
ويزيد سيكون الوضع مختلف تماماً حتى أنك ستجدي بأن
أغلبهم إن لم يكن جميعهم قد اعتنقوا الإسلام فهم لا ديانة لهم
يتعصبون لها ... لو أنه تم دمجهم مع المجتمعات من أعوام
لما كنتِ الآن تستطيعين التفرقة بينهم وبين العرب في البلاد
ولكان لهم نفس الديانة والعادات والتقاليد لكنهم همشوهم
ومارسوا عليهم جميع أنواع الاضطهاد وطُوردوا في كل مكان
وهم من عاش في البلاد من قبل العرب "
فهمست ولازال نظرها هناك
" كم يبدو لي تفكيره غريب ! هو يقرر وينفذ ما يراه في
مصلحة الجميع وإن رفضوا ذلك "
نظر ليديه ينفض بقايا الخبز واللحم منها قائلاً
" ذاك الرجل رائع وفي كل شيء ولن تعرفي الحقيقة الفعلية
لذلك إلا حين تريه أمامك وتتحدثين معه "
ورفع نظره لها بسرعة حين استفاق لنفسه وما قال وكما توقع
كانت تنظر له بصدمة وقد قالت من فورها
" أرأيته أنت وتحدثت معه ؟ "
وقرأ في عينيها فوراً بأنها فهمت سبب مغادرته تلك الليلة
والرجال الذين غادر معهم وربطت الأمور في دماغها بالتأكيد
فقال ما لم يعد يجدي الهرب منه
" أجل فقد كان الفتى الذي أخذ سيارتي ليلة صدمتك بها يعنيه
بطريقة ما لا أعلمها وقد تعرض لحادث بها فسألني عن بعض
الأمور ولا تسأليني عن أي شيء فأنا حقاً لا أعلم "
لكن الأسئلة التي يتوقعها لم تكن جميعها ما يدور في خلدها
حينها وذاك ما كان واضحاً من عينيها التي كانت تكاد تتحدث
نيابة عنها وتعلم وموقنة من أنه كان يفهمها جيداً وقد امتلأت
بالدموع سريعاً وهمست ببحة
" ألا زال على قيد الحياة ؟ "
نظر لعينيها بصمت وكان يعلم بأن ذاك ما ستسأل عنه
وستتوقع أن يكون سأله بخصوصه فوحده من يملك الجواب
لأنه اختفى باختفائه ورجاله وتناقضت الشائعات بعدها بين
موته ورحيله معهم ، تنفس بقوة متنهداً وقال
" بلى لازال على قيد الحياة وهو خارج البلاد "
فوقفت حينها وابتعدت عنه واقتربت من حافة المنحدر أناملها
تغطي شفتيها وشهقتها الباكية تصله بوضوح ودموعها تنزل
دون توقف ولم تكن تتخيل أبداً بأن خبراً كذاك قد يؤلمها
وبشدة هكذا بدلاً من أن تسعد به ! فمأساتها التي مرت أمامها
حينها باليوم واللحظة لم تخلف سوى دماراً وسواداً مخيفاً في
روحها ولم تستطع ولا تذكر لحظاتهما الجميلة في طفولتها
بالرغم من فارق السن بينهما وكل تلك الأقاويل التي تتقاسم
نسبها وحكايتها .
أغمضت عينيها الدامعة بقوة حين شعرت بيديه على ذراعيها
قبل أن تحيط ذراعيه بجسدها وحضنها بقوة فالتفت أصابعها
حول ساعده لازالت دموعها تتساقط من عينيها كما عبراتها
الموجعة وأغمضت عينيها مجدداً حين قبّل رأسها ثم طرف
وجهها يحضنها بقوة أكبر فابتعدت عنه وتركها هو من فوره
واستدارت نحوه وارتمت في حضنه وطوقتها ذراعيه سريعاً
يحتوي بكائها وعبراتها المتقطعة ينظر للبعيد بحزن ويفهم
جيداً مشاعرها وما تشعر به ، مسحت يده على شعرها وقال
ونظره لازال هناك
" هذا ما يفعله خذلان الشقيق وتخليه عن شقيقته يا مايرين
... تعلمين الآن بالتأكيد ما أشعر به ؟ "
ابتعدت عنه ونظرت لعينيه وقالت بعبرة
" لا أصدق ذلك ... لا يمكنني أن أتخيلك تفعلها "
أبعد نظره كما وجهه عنها جانباً وقال ببؤس
" بلى وكانت ستموت لو لا الله ثم لو لم يدركها زوجها
ويخرجها من المنزل ولم يكن وجوده هناك سوى مصادفة ...
كانت ستموت محترقة بسببي وأنا من وعدتها أن أرجع
لأخرجها من هناك تلك الليلة "
وشد قبضتيه بجانب جسده بقوة وتابع بقسوة
" لن يشفع لي شيء ذلك ولا أي أسباب ولا فقدي
لسيارتي ليلتها "
نظرت له بصدمة وعلمت حينها باقي خبايا الحكاية ... يا إلهي
ما هذا الذي تفعله هي بالبشر ؟
يالها من لعنة حقيقية ! حركت رأسها بقوة وقالت ببكاء
" بل أنا السبب وليس أنت .. أنا من يفترض بأن يقع عليه
اللوم فلولا ظهوري أمام سيارتك فجأة لكنتَ ذهبت لها
وأخرجتها قبل أن يحترق المنزل .... أنت لم تذنب في شيء بل
كنت تنقد فتاة من قدرها المحتوم وهو الشارع ومنازل
الرجال ... "
وحركت رأسها نفياً وتابعت وبكائها يزداد حدة
" لست أنت المذنب بل أنا التي حللت بلعنتي عليك و.... "
أسكتها ملامساً شفتيها بأنامله وقال ينقلهم لوجنتيها
المتوردتان بشدة يمسح الدموع عنها ينظر لعينيها الدامعة
" أنت قدري يا مايرين ولا أحد يهرب من قدره .. ولعله كما
قال يمان أرسلني الله لك ولذاك الفتى لأنقذكما بينما أرسله
هو لشقيقتي "
راقبته بعينين دامعه وأصابعه لازالت تتحرك على وجنتيها
تمسح الدموع عنها وهمست ببحة
" ولازلت ترى نفسك مذنباً في حقهاً ! ليت الأشقاء
جميعهم مثلك "
انتقلت أصابعه لطرف وجهها ونظر لعينيها وقد عانقت شفتيه
ابتسامة صادقة ولأول مرة منذ غادرا بل ومن وقت دخوله
المنزل ليلة البارحة وقال
" تتمنين أن كنت شقيقك فعلاً ؟ "
فشعرت بضربات قلبها تتعالى بجنون حتى كادت تصم أذنيها
وخشيت أن يسمعها وارتجفت شفتاها بابتسامة خافتة رقيقة
وهمست بعينين دامعة
" ومن أين كنت سأجد رجلاً مثلك أتزوجه إن كنت شقيقي ؟ "
وشعرت بالدماء تتصاعد في جسدها وصولاً لوجهها وجاهدت
نفسها بصعوبة كي لا تبعد عينيها عن عينيه حيث علقتا في
نظرة طويلة عبّرت عن الكثير وإن لم يقولاه وأغمضت
عينيها تتنفس بعمق حين تحركت أصابعه على طرف وجهها
وكاد قلبها يتوقف فهي انتظرت وبلهفة أن يُعلق على ما
قالت .. أن تسمع شيئاً مما رأته في عينيه تلك اللحظة لكنها
لم تتوقع قطعاً ما حدث حينها وهي تشعر بأنفاسه الدافئة
تختلط بأنفاسها وسرت الحرارة في جسدها كالسعير حين
شعرت بملمس شفتيه على شفتيها .. وكانت قبلة صغيرة
رقيقة سرعان ما لحقتها أخرى أعمق منها ثم أخرى وثالثة
ورابعة لا نهاية لها ...
وأصابعه تغوص في شعرها أكثر تشدها ناحيته ويدها ودون
شعور منها كانت تقبض قميصه ناحية صدره حيث كانت
ترتاح قبل قليل ... أكانت حقاً تعلم حقيقة مشاعرها ناحيته ؟
أكانت بالفعل تحب علاقتهما وكما هي ؟ كاذبة ... هي كاذبة
بالتأكيد بعدما عرفت هذا واختبرته ! فهي لم تحبه قط لم
تعرفه أبداً ولم تقترب منه ولا من حضنه وترهات جميعها
كانت تلك .
سحبت الهواء لصدرها بقوة حين أبعد شفتيه موقفاً كل ذاك
الشغف المحموم وأنزلت رأسها فوراً تلمس شفتيها بظهر
أناملها قبل أن تنزل بها لصدرها الذي كان يرتفع وينزل بقوة
فلم تكن تتوقع أيضاً بأن تشعر بكل تلك الغربة والوحشة حين
يبتعد عنها ...!! يا إلهي ما هذا الذي يحدث معها !! أهي
مجنونة به لهذا الحد ؟ ومن التي تعرفه وتقترب منه ولا
تكون كذلك ؟ من هذا الذي يمكنه لومها ولا حتى نفسها ! .
" علينا المغادرة الآن فالطريق لازال طويلاً أمامنا "
كان ذاك كل ما قاله بنبرة ظهر التوتر فيها واضحاً وهو
يتوجه نحو البساط ليرفعه فلبست حجابها بسرعة وسبقته
للسيارة تجمع شتات نفسها وتلملم ارتجاف أطرافها لوحدها
وبعيداً عنه .
*
*
*
انتهت من ترتيب ثيابها التي جلبتها معها وباقي حاجياتها في
الخزانة بعد وقت ليس لكثرتها بل لأنها ترفض تشويه جمال
ذاك المكان ولا بفوضى صغيرة ، ثم انتقلت لمذكراتها
ووضعتها على الطاولة الرخامية بقرب النافذة ووضعت حقيبة
يدها في الخزانة أيضاً وما أن أغلقتها التفتت للباب الذي
طرقه أحدهم قبل أن يُفتح ودخلت منه التي غادرت قبل وقت
قائلة بابتسامة
" عمي هنا ماريه إن كنت تودين رؤيته "
فابتسمت لها من فورها ممتنة لأنها جاءت بنفسها بدلاً من أن
تطلب من إحدى الخادمات إبلاغها وأخذها حيث سيكون ..
أي أنها سترافقها وهذا سيساعدها في التخفيف من إحراج
مقابلته ، رفعت سترتها وارتدتها سريعاً وخرجت خلفها
تُخرج شعرها من تحتها وأغلقت الزر الوحيد فيها وقد كانتا
وصلتا بهو المنزل حينها وتوقعت أن تصعد بها إحدى السلالم
التي احتلت جانبيه الشرقي والغربي لكنها سلكت اتجاه آخر
مستقيم حيث كان ثمة باب مرتفع مزخرف بفخامة وكأنه باب
قاعة احتفالات في إحدى الفنادق ! وطرقت عليه طرقتين
متباعدتين قبل أن تدير مقبضه النحاسي الكبير غريب الشكل
ويُفتح بدفعة منها وكأنه قطعة من الجدار لعلوه واتساعه !
والأغرب من كل ذلك أنه لم يصدر عنه أي صوت وهي من
كانت تتخيل بأن يكون له صرير مرتفع وكأنها بوابة كهف
حجري !!
أنزلت نظرها وابتسمت بإحراج للتي نظرت لها خلفها
وابتسمت مومئة برأسها لتتبعها ودخلت فبلعت ريقها بتوتر
ومسحت يديها المتعرقتان في قماش تنورتها الطويلة
المصنوعة من الشيفون ودخلت خلفها ليقع نظرها فوراً على
الواقف عند أحد أرفف المكتبة التي احتلت أغلب جدران ذاك
المكان الواسع ويبدو بأنه كان يبحث عن شيء ما هناك ..
وراقبته بفضول حيث كان يرتدي بذلة سوداء فاخرة وقد
غطى الشيب أغلب شعره الذي يبدو لم يفقد منه شيء فقلما
ترى رجلاً في عمره يحتفظ بجمال شعره هكذا وإن فقد
لونه ...!
لم تكن ملامحه تظهر لها بشكل جيد لكن جسده الطويل
المستقيم لم يكن مماثلاً لما تخيلت لرجل أحفاده جميعهم
اجتازوا سن الرشد ! هذا يبدو أكثر صحة وحيوية من
مخيلتها والصورة الغبية التي رسمتها له ! كما يبدو بأنه زار
المنزل الآن وسيغادر قريباً .
قالت الواقفة بجانبها مبتسمة
" عمي هذه ماريه هنا تريد أن تسلم عليك "
فبلعت ريقها بصعوبة وضمت يديها لبعضهما حين التفت
برأسه أولاً جهتهما مبعداً نظره عن الأوراق التي كان يقلبها
في يديه فعلقت نظراتها على ملامحه وكأنها تنتظر الفرصة
فقط لتراها ففي كلا الحفلين السابقين لم تجد وقتاً ولا لذلك ...
وما اعتقدته كان صحيحاً فالواقف أمامها بالفعل يستحق أن
يرتبط باسم ضرار السلطان .. ملامحه الارستقراطية والتي
تراه أورثها لأحفاده وخصوصا وقاص .. نظرته التي لا تدل
سوى على الذكاء والفطنة كما الجد والحزم الشديدين زادتها
الخطوط حول عينيه وشفتيه القاسية فلا يمكنك أن تصنفه
ممن اجتاز عمرهم السبعون عاماً بل وليس بإمكانها تخمين
سنه الحقيقي أبداً !! .
استدار بكامل جسده ناحيتهما فتحركت من مكانها حينها حتى
كانت أمامه ومدت يدها له قائلة باحترام
" سعدت بلقائك سيدي وأتمنى أن لا تكون زيارتي مصدر
إزعاج لأحد "
صافحها ممسكا يدها بقوة بالنسبة لكفها التي لا تقارن بكفه
الكبير وقال ناظراً لعينيها
"وأنا سعيد برؤيتك ماريه وهنا منزلك لن تزعجي
فيه أحداً "
ابتسمت له شاكرة وتركت يده يدها وقد قال بذات نبرته
المتزنة العميقة والجادة
" ولا تناديني بسيدي فأنا لا أحب هذه الشكليات بين
أقاربي "
ابتسمت محرجة ولم تتوقع قطعاً أن يصفها بأنها فرد من
عائلته فليست سوى زوجة ابن شقيق زوجة ابنه !
بينما تابع هو بابتسامة تشبه شخصيته وجديته
" أم أنك كزوجك ستعاندين على ذلك "
ابتسمت وقالت ببعض التردد
" لا قطعاً ... جدي وشكراً لك "
فابتسم لها بوقار ونظر جانباً ومال بجسده قليلاً وأمسك بعصا
أنيقة برأس مذهب كان يريحها على خشب أرفف المكتبة لم
تنتبه لوجودها وتحار فعلاً فيما يحتاجها !!
وكم شعرت بالارتياح حين غادر من هناك حاملاً تلك الأوراق
معه وآخر ما قاله بقي صداه في المكان الواسع تشعر به وإن
كان ليس موجوداً
" تصرفي وكأنك في منزلك "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, sweethoney and 67 others like this.
رد مع اقتباس
#12132
قديم 10-06-19, 09:39 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
وقف أمام باب شقته ونظر لساعته قبل أن ينظر جهة الباب
المجاور لها والذي كان مغلقاً يعلن عن الهدوء التام القابع خلفه
ولازال قلبه ينبئه بل ويحذره من أن صمتها وسلامها هذا ورائه
كوارث الله وحده من يعلمها ... تجاهل كل ذلك مستغفراً الله
بهمس وغرس مفتاحه في الباب أمامه فما يحتاجه الآن وبعد يوم
مرهق في الشركة أن يتناول الطعام وينام فور أن يصلي العشاء
كالعادة ليستعد ليوم آخر يشبه سابقه تماماً .... تماماً !! أهو
واثق من ذلك ؟! لا بالطبع ليس وثمة من بات يشاركه المكان
هنا .. وها هو وكما توقع ما أن فتح الباب وجد نفسه في مكان
بالكاد بات يعرفه وأوله أنوار المكان المضاءة جميعها حتى تلك
المعلقة في زوايا الجدران والمخفية في ديكور سقفه فما الحاجة
لكل هذا النور وكأنها مدرسة أطفال !
تنفس بعمق وأغلق الباب ودخل فليس ذاك وحده ما كان في
استقباله بل ورائحة الأزهار البرية المنتشرة من الفواحات
الكهربائية ... وليس رئتيه وأنفاسه فقط ما تم استقباله بذلك بل
وعينيه أيضاً فباقات الأزهار البيضاء الجميلة كانت في جميع قطع
المزهريات الخزفية الموجودة هناك ، تمتم بضيق وهو ينظر
حوله وكأنه يبحث عن أحدهم
" هذا وقد نبهتها "
فخرجت حينها المعنية بالأمر من باب المطبخ وكأنها سمعته
وقالت مبتسمة وقد رفعت كتفيها
" لا تنظر لي هكذا فأنا لم أخرج ولم أخالف التعليمات "
كانت هذه المرة أيضا ترفع شعرها للأعلى وتضع ذات المشبك
الأبيض فيه لكن فستانها تغير بآخر أطول منه وكماه بالكاد تجاوزا
مرفقيها ، نظر للمكان حوله مجدداً وما أن كان سيتحدث سبقته
قائلة بذات ابتسامتها
" ثمة اختراع قديم يسمونه الطلب عبر الهاتف فيأتيك كل ما
تريده لباب منزلك "
عاد بنظره لعينيها وقال عاقداً حاجبيه
" ومن أين دفعتِ ثمن كل هذا ؟ "
رفعت كتفيها قائلة بضحكة صغيرة
" لم أدفع بالطبع فقد أرسلت بالفواتير لشركتك هناك "
حدق فيها باستغراب في نظرة فهمت منها على الفور بأنه لا يعلم
عن هذا شيئاً فأين ذهبوا إن لم يكن له !
رفعت حاجبيها وقالت بابتسامة مائلة
" ما كانوا ليتركوني وشأني كل هذا الوقت إن لم يأخذوا المال فهل
دفعت لهم ؟ "
نظر لها بصمت لبرهة قبل أن يخرج هاتفه من جيبه واتصل بالتي
أجابت من فورها قائلة
" مرحبا سيد كروس .... هل نسيت شيئاً مهما ! "
قال بحاجبين معقودين وملامح لم يفارقها التجهم بعد
" هل وصلت فاتورة ما للمكتب اليوم ؟ "
وبعد مكالمة قصيرة مع سكرتيرته الخاصة فصل الخط ونظر لها
وقال ببرود
" لا يبدوا أنها فاتورة واحدة ؟ "
ابتسمت ابتسامة من وقع في ورطة كان يعلمها وقالت
" حسناً هو كذلك بالفعل فالمطبخ لم يكن يحوي شيئاً
يمكن طهوه "
تمتم ينظر لعينيها الواسعة
" وماذا أيضاً ؟ "
ابتسمت وحركت يدها قائلة ببساطة
" ملاءات جديدة وبعض الأغطية فقط "
ضيق عينيه في صمت فتنهدت باستلام قائلة
" وبعض الشراشف أيضاً ولا أظنك ممن يكرهون التجديد "
دس يده الحرة في جيب بنطلونه قائلا ببرود
" ليس التجديد وحده ما أراه هنا ؟ "
دارت بمقلتيها في المكان متمتمة بإحباط
" حسناً يفترض أنني عروس هنا وينبغي أن تحيط بي السعادة ..
وهنا يأتي دورك "
وأتبعت كلماتها الأخيرة تلك بابتسامة واسعة تقصد المال الذي
دفعه فقال بابتسامة ساخرة
" السعادة !! عليك أن تعلمي بأن نظرة الرجال لهذه الأمور
تختلف عنكن "
قالت باندفاع تحرك رأسها بطريقة السؤال الاتهامي
"وهل تكون الزوجة الجديدة فقط هي ما تجلب السعادة للرجل؟ "
وانفتحت عيناها فوراً بصدمة مما قالت فهي لم تكن تريد صياغة
السؤال بتلك الطريقة ولا أن يخرج هكذا ! كان عليها أن تقول
كلمة ( المرأة ) بدلا من الزوجة .. فضلاً عن كلمة ( الجديدة )
أيضاً ... لا بل كان عليها الحديث عموماً منذ البداية وليس عن
الزواج تحديداً لكن لسانها وكالعادة يورطها فيما لم تكن تقصده
وكل ما يستحقه الآن هو القطع ... بل وكل ما عليها فعله وكالعادة
أيضاً أن تتجاهل ما قالت ثم تنساه سريعاً وانتهى ....
لكن الواقف هناك يبدو كان له رأي آخر ولم يختر تجاهل الأمر
ولا الصمت كما توقعت فقد قال بحزم مغادراً مكانه
" انا لي زوجة واحدة فقط .. وقد رحلت "
فبلعت شهقتها الصامتة ونظرها يتبعه بذهول متوجهاً نحو غرفته
وتحركت من مكانها نحوه وأمسكت بالحقيبة من يده لحظة وقوفه
بسبب ما فعلت فأخذتها منه قائلة بابتسامة وقد استشعر طلباً
جلياً للسماح في نظراتها له
" لن نختلف في هذا فكلانا يعرف الهدف الحقيقي من هذا
الزواج "
وتابعت تضعها على الطاولة الخشبية المرتفعة بمحاذاة الجدار
الفاصل بين غرفته وزاوية جدار المطبخ قائلة بذات ابتسامتها
" كما أن هذا أقل ما تستحقه امرأة مثلها "
ونظرت له ما أن أنهت عبارتها تلك وكما توقعت كان يحدق فيها
باستغراب بل ويبحث عن الكثير مما تعرف في عينيها وهي لم
تجاهد أبداً في إخفائه وأوله الصدق .. ولن يفهم أبداً بل ولن يعلم
كيف وماذا تعلم عن تلك المرأة ... كما ولن يرى صدق حديثها في
عينيها المبتسمتان فقط بل وصدق معرفتها بها مما جعله يلاحظ
نظرتها المحملة بمعانٍ جعلت التساؤلات تتزاحم في خلده واراد
أن يسأل لكنها ودون أن تعطيه الفرصة للاستيضاح قالت وهي
تشير بيدها جهة باب المطبخ وبذات الابتسامة التي لم تفارق
شفتيها
" العشاء ينتظرك فيفضل ألا تدخل غرفتك حتى تتناوله كي
لا يبرد "
نقل نظره بصمت بينها وبين باب المطبخ المفتوح قبل أن ينزل به
على جسدها حين خرج صوت التنبيه الواضح من أحد جيبي
فستانها المخفيان بتفصيله المسقيم المنساب على جسدها فدست
يدها فيه وأخرجت هاتفها ونظرت لشاشته المضيئة بابتسامة
تحولت لضحكة مكتومة وتوجت بعدها جهة باب غرفتها في
الطرف الآخر ونظره يتبعها فها هي المكالمات والمراسلات
المبهمة مجدداً !
تحرك نحو المطبخ ما أم أغلقت باب غرفتها خلفها بهدوء ووقف
ينظر للطعام الموضوع في طرف الطاولة والأمر الذي لم يعتده
سابقاً .. فهو وبحكم ساعات عمله الممتدة حتى المساء كان
يتناول طعام الغداء في مكتبه والمتمثل في الوجبات البسيطة التي
يوفرها مطعم الشركة للعاملين فيها وتجلبه سكرتيرته له ، وعند
مغادرته الشركة إما أن يتناول العشاء خارجاً وبسبب عمله أيضاً
أو يطلب عشاءً جاهزاً يصله هنا ولم يتناول طعاماً منزلياً هكذا بل
ووجبة تخص بلاده تلك منذ لم يعد يذكر متى تحديداً تلك المرة
التي تناوله فيها في منزل شقيقه قبل أن يصبحا شقيقين صورياً
فقط ومنذ زمن بعيد .. بل وذاك انتهى أيضاً منذ بات يحمل
الجنسية البريطانية وإسم كروس دالريمبل عكس شقيقه ذاك
الذي لازال يعيش بهويته الحقيقية .
سحب الكرسي وجلس وبدأ بتناول الطعام الذي لم يستطع نكران
إبداع من أعده والذي جعله يأكل دون توقف .. بينما كانت تلك
اليدين التي أبدعت في تحضيره تمسك بهاتفها وتجلس فوق
سريرها تحدق عيناها في شاشته والمحادثة المسترسلة
الأسطر فيها
( ماذا حدث معك ؟ هل وجدتها ؟ )
( لا هي لم تأتي للحفل )
( متأكدة !! )
( أجل فقد حفظت وجوه الموجودين هناك جميعهم من كثرة
ما بحثت عنها )
( أخبرتك منذ البداية لكنك عنيدة كالبغل)
كتبت مؤنبة ( واااو .. ياله من تعبير لطيف جداً لتشرح غضبك مني )
( لما لا تعترفي بأنها الحقيقة )
( كان يفترض بأن تكون هناك .. بل كنت متأكدة من ذلك )
( وها هو ذاك لم يحدث يا ذكية )
( كان سيحدث ... كان عليه أن يحدث فلم آخذ موافقة مطر بسهولة )
فعقب من فوره وقد استشعرت غضبه
( لكنني لستُ موافقاً وانت تعلمين ذلك جيداً )
فكتبت فوراً راجية أن يعذرها
( أنا آسفة لكنني لن أرجع حتى أحقق ما جئت من أجله )
كانت تعض طرف أصبعها تنتظر تعليقه لكنه لم يأتي ... ذاك
الأحمق لن يفهمها مطلقاً وخوفه عليها بات يشبه الخوف على
طفلة وكأنه قرر معاملتها بالمثل ! كتبت حين يئست من الانتظار
( لم تسألني عن عالمي الجديد هنا ؟ )
وضحكت ما أن أنهى المحادثة وغادر فلم تتوقع منه غير هذا ولم
يخيب ظنها ، حقاً يبدو أنه لن يتغير ابداً ..!
تركت الهاتف بجوارها وتمددت على ظهرها وقد هامت نظراتها
للسقف بلمحة حزن فهي فعلاً لا تعرف كيف سينتهي كل هذا وما
الذي سيؤول إليه ؟ و قبل ان تلتهمها تلك الدوامة اللا متناهية من
الأفكار رفعت ذراعها الايمن لتغطي عينيها به فلن تسمح ولا
بينها وبين نفسها بظهور هذه النظرة في عينيها .. هي حقاً لم
تتوقع أن ينتهي بها الحال زوجة لزوج تلك المرأة بالتحديد !
لكن هذا ما حدث وانتهى ولا فائدة من الندم عليه .. وما يخفف
الأمر عنها هو ولاءه الشديد لها وهذا ما يسهل عليها الأمر .
وعند هذه النقطة ابتسمت بشجن ترفع ذراعها عن وجهها وقفزت
جالسة وغادرت السرير وقد قررت ان تحسن مزاجها الذي لا
تسمح لشيء بتعكيره مطلقاً ... فغادرت الغرفة ووجهتها باب
المطبخ الذي وقفت أمامه تنظر لقفا الجالس هناك يأكل بصمت
وهدوء واتكأت بطرف وجهها على يدها التي كانت تسندها بإطاره
وابتسمت تراقب حركاته البطيئة المرتبة تلك وتذكرت سريعاً ذاك
الغاضب الصامت الذي رأته في الحفل بالأمس والذي خرج من
صلب الجالس أمامها الآن ... متأكدة من أنه استطاع التعرف
عليها وبسهولة كما حدث معها هي .. وكما يبدو جلياً بأنه لازال
غاضباً منها لكنها تعرف جيداً كيف تتصرف حيال ذلك فذاك الطفل
الصامت البارد لازال في نظرها كما هو لم يتغير وتعلم جيداً سبل
التعامل معه .
استوت في وقوفها ودخلت ما أن وقف الجالس أمامها دافعاً
الكرسي خلفه وقد التفت يتبعها بنظره حين اجتازته نحو الطرف
الجانبي للطاولة قائلة بابتسامة
" يبدو أن الطعام أعجلك ولن أصاب بالإحباط الليلة "
قال بهدوء وهو ينحني نحو الطاولة قليلاً
" أجل شكراً لك "
وتابع يرفع الأطباق منها
" سأقوم بهذا لا تتعبي نفسك "
وتحرك نحو المغسلة من فوره فيبدو بأنه فهم جانباً ما من
شخصية هذه المرأة وهي العفوية الدائمة في حديثها كما
ابتسامتها التي لا تفارق شفتيها .. وهذا نوع آخر من النساء لم
يتعامل معه سابقاً ويبدو له لا يحتاج الحيطة والحذر الغريزيان في
الرجل واللذان يطفوان للسطح سريعاً ما أن تدخل امرأة ما عالمه
وإن بشكل عرضي ... والدليل على أفكاره تلك لم يتأخر عنه كثيراً
فقد قالت ضاحكة وهي تتوجه نحو الثلاجة وتفتح إحدى بابيها
" لابأس لا مانع لدي فأنا لست من مناهضي فكرة العدل بين
الجنسين في بعض الأمور المشتركة فقط بالطبع "
وتابعت بضحكة تمد يدها داخل الثلاجة أكثر
" لكن عليك ان تكون حذراً فمع طباع كهذه لن تحتفظ بلقب
وحيد الزوجة طويلاً .. "
فرفع حاجبيه ينظر لها وقد توقفت يده في الهواء يحمل فيها طبق
السلطة فهو يعلم جيداً بأنها لم تكن تقصد حديثها آنفاً بل حديثه
هو السابق وقت دخوله .. بينما استدارت هي ناحيته ما أن أغلقت
باب الثلاجة وهي تتابع مبتسمة
" وبالمناسبة انت في نعيم فلم يكن للجميع ما كان لك "
وتحركت من هناك مغادرة المطبخ تحمل في يدها زجاجة عصير
صغيرة بنكهة البرتقال ونظراته المستغربة تتبعها فهل يعني هذا
بأنها كانت متزوجة أيضاً ؟! لكن مستحيل فهو تزوجها صغيرة
ومنذ أعوام طويلة !! رفع كأسه كما الملعقة والشوكة أيضاً
بأطراف أصابع يده ووضعهم في المغسلة مع الأطباق متمتماً
بسخط
" أي لغز هذا الذي وضعته في طريقي يا مطر ! "
*
*
*
فتح زر سترته وجلس على الكرسي المقابل له وقال بضيق
" رماح لو أفهم ما هذه الطريقة التي تفكر بها ! "
فحدق به الذي أبعد نظره عن التلفاز الذي وضع هناك أيضاً من
أجله وقال ببرود
" وما بها طريقة تفكيري لا تعجب الجميع ؟
لم تستطع شقيقتك إقناعي بالغضب والصراخ فأرسلتك أنت ؟ "
تنهد رعد بعمق قبل أن يقول بصبر يكاد ينفذ بسبب هذا
العابس العنيد
" غسق لم ترسلني وأنت تعلم جيداً بأن ما تريده هو مصلحتك
وسعادتك يا رماح كما أني أراك أنت من يفقد أعصابه معها
ويرفع صوته لأتفه الأسباب "
وحرك رأسه بيأس منه حين لم يعلق بل وكان ينظر للتلفاز الذي
عاد لتقليب قنواته وكأنها لا يسمعه ! وبالرغم من كل ذلك
أضاف بهدوء
" رماح غسق شقيقتك وإن لم ينجباها والديك وعلينا جميعاً
معرفة ذلك واحترامه كما الانتباه لحالتها "
" حالتها !! "
ونجح في سرقة نظره وانتباهه وإن كان بكلمة واحدة
مستفهمة فقال
" أجل فهي حامل وهرموناتها تتحكم فيها فتجدها غاضبة
متوترة بل ومتقلبة أحياناً وعلينا مراعاتها وتفهما "
فحدق فيه باستخفاف قبل أن يقول مبتسماً بسخرية
" هرموناتها !! "
وتابع وقد تبدلت لهجته كما ملامحه للضيق فجأة
" لا ليست هرموناتها السبب فهي كذلك منذ عاد زوجها ذاك
من مهجره ... لا بل منذ تركها هنا وهاجر "
فحرك رأسه بيأس منه وكان هو من أبعد نظره عنه للتلفاز
هذه المرة متمتماً ببرود
" الحديث معك عبثاً "
فابتسم بسخرية ونظر أيضاً للشاشة الكبيرة المعلقة على الجدار
وقال ببرود أشد
" جيد أنك فهمت هذا أخيراً "
فنظر له وقال بحدة وكأنه ليس ذاك الهادئ البارد قبل لحظات بل
والذي قرر أن ينهي النقاش معه
" لما لا تخبرني ما الخطأ فيما قالت وفي أن تكون معنا
ونحن نعقد قرانك وكأنك لست العريس ؟! "
فنظر له نظرة أقوى من نظرته تلك لا تنبئ سوى بانفجار مدوي
وما أن كان سيتحدث توقف بسبب باب الشرفة المطلة على
الحديقة الجانبية للمنزل والتي تصل بينها وبين غرفة المعيشة
الواسعة تلك ودخل منه الكاسر برفقة تيما كما آستريا ضاحكين
بينما قال الكاسر وهو يعبر بينهما نحو الداخل
" أخبرتك منذ البداية بأنك لن تتغلبي عليها يا آستي "
والتفت لهما وقال ينظر لآستريا مبتسماً بمكر بينما حديثه عن
شخص آخر
" فهذه تبدو كانت تقضي أوقات فراغها الطويل في لندن تلعب
الشطرنج مع صديقها الخيالي "
ضحكت آستريا بينما تجاهلته تيما مشيحة بوجهها عنهما وقال
رعد مبتسماً ينظر لهم
" إن تغلبت عليها لكنت طلقتها فوراً فلست على استعداد للعيش
مع امرأة عقلها يعادل عقل من تحمل جينات مطر شاهين "
كانت الضحكة من نصيب الكاسر فقط هذه المرة بينما رمقته
الأحداق الأنثوية الملونة للمعنيتان بالأمر بضيق أما عينا رماح
فكانتا لازالتا ترمقانه من طرفهما ببرود ، اقترب الكاسر من
الأريكة ورمى جسده عليها وتنهد قائلا
" شارفت الشمس على المغيب ووالدتي لم ترجع بعد ؟! "
وتابع ملوحاً بيده بضيق
" كيف تأمرنا بالعودة من حفل نادي الفروسية باكراً
وتتأخر هي ؟ أين مطر شاهين عن زو.... "
وبتر عبارته تلك ينظر مبتسماً كمن وقع في فخ للتي أصبحت
فجأة واقفة عند باب الغرفة الزجاج المدعم بالخشب تكتف
ذراعيها لصدرها وكم حمد الله أن نظراتها الباردة تلك والتي تنبئ
بانفجار وشيك يناقضها تماماً وكما يعرفها منذ صغره لم تكن
موجهة له بل لشخص آخر فنظر له أيضاً ولم يكن سوى رعد
والذي لم تترك له فرصة أساساً ليعلق أو يسأل وقد قالت بضيق
" هل أفهم لما تطلب مني أربع بطاقات دعوى ويحظر ثلاث نواب
الحفل فقط ؟ من كانت الرابعة من نصيبه ولم يكن هناك ؟ "
فوقف على طوله وقال ببرود
" أفهم من تعابير وجهك بأنك تعلمين الجواب لذلك لن نناقش هذا
هنا والآن يا غاسق "
وختم جملته تلك يشير بعينيه لما تفهمه جيداً وهو وجود ابنتها
لكنها تجاهلته قائلة بضيق
" إن كنت أريد دعوة تلك المرأة لدعوتها بنفسي "
وابتسمت بمكر لنظرة الصدمة التي ارتسمت في عينيه وهو ينقل
نظره منها لزوجته التي كانت تنظر له بصدمة أشد .. بل بما يشبه
عينا جثة مات صاحبها مذعوراً واستقر نظره على الواقفة عند
الباب ينظر لها بضيق بينما كانت هي ترمقه مبتسمة بسخرية
فهل تعاقبه بتلك الكذبة في وجود آستريا أم تتحداه بأن يذكر من
يكون الشخص الحقيقي وهو قاسم ولا تهتم ! لكنه قال ما ينجيه
من كل ذلك ينظر لعينيها بغضب
" غسق ليس هذا وقت المزاح السخيف .. ثم من غير اللائق أن
لا توجه له دعوة "
ففكت ذراعيها بقوة تشد على شفتيها قبل أن تقول مغادرة
" وما أروعك وهو يرمي دعوتك تلك جانباً ولم يحظر "
وغادرت والنظرات التي سيطر على أغلبها الاستغراب تحدق
بمكانها الخالي منها وحتى آستريا التي فهمت من باقي حديثهما
بأنها لم تكن امرأة ! عدا نظرات رعد الحانقة بالطبع بينما رماح
وحده من كان في وضع مختلف تماماً بل ومزاج تبدل للتسلية
فوراً وهو يخص بنظراته تلك شقيقه تحديداً وقال مبتسماً
بسخرية ما أن لمحه تنفس نفساٌ طويلاً غاضباً
" عليك أن تعذرها فهرموناتها السبب في هذا "
فنظر له بحدة بينما انتقلت نظرات الاستغراب في عيني الكاسر
وشقيقته له يحدقان فيه ببلاهة ..! وكان مصير نظرات آستريا
الأرض خجلاً قبل أن تغادر من هناك مسرعة ولحق هو بها
متمتماً بضيق
" عائلة فُقد فيها الأمل فعلاّ "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, sweethoney and 63 others like this.
رد مع اقتباس
#12133
قديم 10-06-19, 09:41 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
نظرت لنفسها للمرة الأخيرة في المرآة قبل أن تتوجه جهة باب
الغرفة ولا تفهم أبداً لما عليها أن تتعرف بأفراد عائلتهم خلال
العشاء ؟ هل التصقت بهذه العائلة عادات الإنجليز حتى أصبحوا
يتمسكون بها ! هي تستبعد ذلك تماماً لكنها لا تفهم حقاً ما هو
السبب الأساسي ؟
خرجت مغلفة الباب خلفها وقد اختارت أن ترتدي ملابس أقل كلفة
فاختارت تنورة من الشيفون هذه المرة أيضاً تضيق عند وركيها
وتتسع تباعاً نحو الأسفل ملامسة الأرض وبلورة مغلقة من
الحرير مع عقد من الورود البلورية الأنيقة وتركت شعرها
مفتوحاً .. ولن تختار بالطبع فستاناً كالإنجليز ولا بنطلوناً احتراماً
لذاك الرجل قبل ابنه الذي يتجاوز عمره عمر والدها إن كان حياً
فهي تشعر بالفعل بالرهبة اتجاهه وله هيبة مميزة تفرض عليك
احترامه .
وقفت مكانها ولم تتحرك خطوة من عند الباب تنظر باستغراب
للباب الأقرب لغرفتها في ذات الممر الطويل وإن كان يعد بعيداً
عنه أيضاً وللخارجين منه أحدهما سار في الاتجاه الآخر من فوره
قائلاً ببرود ويداه في جيبي بنطلون بدلته
" تحركي يا زيزفون فالرفض ممنوع "
بينما قالت التي خرجت خلفه تنظر ناحيته وبضيق
" لا أحد يملي عليا ما أريد وأفعل لا أنت ولا جدك ذاك "
لكن المعني بالأمر سار دون اكتراث لما تقول وكأنه واثق تماماً
من أنها ستنفذ أوامره !
مررت أصابعها في غرتها وابتسمت بإحراج ما أن نظرت تلك
العينان المشحونة بالحنق والاستياء ناحيتها وسرعان ما تبدلت
تلك النظرة للإستغراب ففهمت فوراً أنها لا تعلم بأنها هنا أو بأن
غرفتها تكون في هذا المكان فاقتربت منها بخطوات بطيئة قائلة
" آسفة لم يكن قصدي التطفل فقد خرجت قبلكما ... كيف أنت
اليوم يا زيزفون ؟ "
قالت جملتها الأخيرة تهديها إحدى ابتساماتها الرقيقة الرائعة
وهي تصل عندها وتقف أمامها بينما قالت المقابلة لها بملامح
اكتساها الهدوء فجأة وإن كان أخفى خلفه الكثير من البرود
" مرحبا ماريه ... أنت إذاً ضيفة العائلة ؟ "
ابتسمت أكثر وقالت تجمع يديها
" أجل وأتمنى أن يجعلك هذا تغيري رأيك في فكرة حظور
العشاء "
وتابعت دون أن تنتظر تعليقها الذي لم تتوقعه أساساً
" سأكون سعيدة بوجودك فأنا لا أعرف الأغلبية هنا تقريباً
والبعض التقيتهم مرة أو اثنتين فقط "
تحركت حينها من مكانها قائلة ببرود
" لا أرى ذاك شرفاً عظيماً وستندمين فيما بعد "
فضحكت بخفة وسارت بجانبها قائلة
" لا تخفين كرهك لهم مطلقاً ! ثمة الكثيرين في هذا العالم
يتمنون عائلة "
ابتسمت بسخرية وقالت تنظر لوجهتهما في بهو المنزل
الذي وصلاه
" والدان وأشقاء أجل ...ليس ثمة من يحلم بأطراف زائدة كتلك "
فاختارت الصمت ولم تناقشها في ذلك أكثر فلهجتها كانت تحمل
كرهاً عميقاً ظهر واضحاً في كلماتها بصورة أخافتها .. والسبب
الآخر أنهما كانتا بقرب باب غرفة الطعام حينها ولاحظت بأنها
تفضل أن لا تدخل أولاً لوقوفها المفاجئ ولم تفهم لما ولم تتساءل
بل دخلت هي وتركتها تدخل خلفها .. وكما توقعت كانت ثمة
عائلة كاملة تجلس حول تلك الطاولة الكبيرة المليئة بالأطعمة التي
ترتبها الخادمات فوقها وشعرت بتوترها يزداد ما أن اتجهت
الأنظار جميعها نحوهما .. بل تقريباً جميعها فثمة من لم ينظر
لتلك الجهة بتاتاً وكان وقاص الذي كان منشغلاً بوضع الطعام في
طبقه وقبل أن يبدأ الجميع وأولهم جده !
وفهمت حينها لما هذا العشاء فلا يبدو لها أن الجميع هناك سعيد
بوجوده في المكان وأن الأجواء متوترة لحد كبير ...! أي أن هذه
الأمسية هي الأقل إخراجاً لجعل ضيفتهم تلتقي بهم جميعهم
معاً ... ومما يعني أن هذه العائلة الصغيرة نسبياً لا تجمعهم أي
علاقات كما أي مكان في هذا القصر الواسع !.
نظرت للواقفة بجانبها لبرهة والتي احتفظت ملامحها بالجمود
والبرود التام قبل أن تنظر ناحيتهم وألقت التحية بأدب مبتسمة
فلا أحد منهم يبدو مستعداً لمصافحتها أو استقبالها !
أو هكذا هيء لها فقد وقفت والدة رواح رغم التقائهما سابقاً
وتبعتها على الفور والدة ضرار الجالسة بقربها تبعهما وقاص من
فوره .. وما شجعها على الإقتراب أكثر هو وقوف سلطان والذي
قال مبتسماً وهو يستدير حول كرسيه
" أنت إذا زوجة تيم ؟ هل يمتزج الماء والزيت بالفعل !! "
وضحك وتصافحا تنظر له محرجة الملامح كما الابتسامة الخفيفة
التي تزين شفتيها .. وما زاد الأمر رواح الذي وقف أيضاً رغم
رؤيته لها نهاراً وقال ضاحكاً
" صدِّق أن ذاك حدث فعلا ! "
فشدت أصابعها على كفه الكبير وقالت مبتسمة بإحراج
" سررت بلقائك سيدي "
فترك يدها وقال يلوح بيده جانباً وبابتسامة مداعبة
" لا تقولي هذه الكلمة .. لا تشعريني بأني عجوز فأنا لم يولد
لي أحفاد بعد "
فضحكت برقة ولم تعلق فهذا الرجل يبدو لا يختلف عن ابنه رواح
أو أن ذاك ورث هذا من والده دون إخوته ! وعليها أن لا
تستغرب هذا فإن لم يكن بهذه الطباع ما كان ليستطيع العيش مع
ثلاث نساء هو الرجل المشترك بينهم ..!
تبادلت السلام كما التحايا مع جميع من لم تلتقيهم هناك وإن كان
ثمة تحفظ واضح لاحظته جيداً من نجيب ووالدته .. ونظرات لم
تفهمها بل واستغربتها من المرأة الجالسة بجانب وقاص والتي
تبدو زوجته !!
وتذكرت على الفور حديث ساندرين عنها سابقاً والتي لم تخفي
كرهها لها بسبب ظنونها في الماضي بأنها تحاول استمالة
زوجها ... لكن ألم ترى خاتم الزواج الآن في يدها !
أم لم تسمع عبارة والد زوجها حين ناداها بزوجة تيم !!
أم لأنها تعلم بعلاقتها بساندرين وقرابتهما !!
هي لا تفهم فعلاً نظرة الكره والازدراء التي رأتها في عينيها !
جلست في الكرسي الذي سحبه لها وقاص بينما شكرته هامسة
بابتسامة وعاد للجلوس بجانب زوجته التي تابعت كل ما يجري
بنظراتها القوية فأصبح يفصلها عنها كرسي واحد شاغر مما زاد
توترها وتحفظها وكم تمنت أنّ وقاص لم يفعل ذلك والذي لا تراه
سوى من باب اللباقة والذوق بل وتراه ينظر لها كما لساندرين
كشقيقة صغرى له ولا تفهم طريقة تفكير هذه المرأة !
وكيف لها أن تتخيل بأن تفكر في النظر لغير ذاك الرجل
الذي تتنفس عشقاً له !
بينما كان يجلس عند رأس الطاولة الرجل الأكبر في العائلة وهو
ضرار على يساره وقاص ثم زوجته تليها هي وبجانبها أصبحت
تجلس والدة ضرار التي استبدلت مكانها السابق ويبدو من
أجلها ... بينما جلس على يمينه ابنه سلطان يليه رواح فوالدته
وزوجة والده وابنها نجيب وبجانبه زيزفون .
بدأت الملاعق والشوك كما الصحون بالتحرك ما أن رفع ضرار
ملعقته وقال رواح مبتسماً يضع قطعة لحم في طبقه
" ماريه ما أكثر شيء أعجبك في منزلنا المتواضع هذا
عدا وقاص بالطبع "
وختم جملته تلك بضحكة بينما عيناها كادت تخرج من مكانها
محدقة فيه بصدمة وحواسها جميعها تحركت ناحية الجالسة قربها
والتي كانت وكما توقعت تنظر ناحيتها ولها أن تتوقع نوع تلك
النظرات .. ولا تفهم ذاك المتهور تعمد قول ذلك ليغيض زوجة
شقيقه تلك أم كان الأمر مجرد مزاح عفوي بسبب سحب وقاص
الكرسي لها ؟ تحمحمت وبدأت بالأكل الذي لا تشعر بأنها تتذوق
منه شيئاً وكم حمدت الله أنه لم يعلق أحد على ما قال ... بينما
الأجواء كانت حينها أسوأ مما تظن فبينما كانت والدة رواح
ترمقه بضيق كان هو يأكل مستمتعاً وكأنه لم يتفوه بشيء !
وبينما كانت الابتسامة الساخرة لا تفارق شفتا نجيب الذي كان
ينظر لشقيقه بأنف مرفوع كانت الجالسة بجانبه تحرك الأرز
والسلطة في طبقها وكأنها تخلطهما ببعض ..! وبينما كانت جمانة
تضرب بطرف حذائها الأرض تحتها بعصبية كان وقاص يأكل
وكأن شيئاً لا يحدث حوله حاله حال جده .. بينما كان سلطان
يرمق بتهديد زوجته التي كانت تمسك ضحكتها بصعوبة في
الطرف الآخر تحاول شغل نفسه بطعامها أيضاً .... أجواء كانت
ستنقلب على رأس شخص واحد وفي أي لحظة وذاك ما فهمته
المعنية بالأمر سريعاً وهي ( جمانة ) فقررت أن تقلب هي الفكرة
تلك عليهم وعشائهم معه حين رفعت يدها ولامست بها يد الجالس
بجانبها ببطء والتي كان يريحها بجانب طبقه بينما يأكل بالأخرى
حتى التفت أصابعها حولها تنظر له مبتسمة ما أن نظر ناحيتها
بسرعة وقالت برقة استجلبتها بكل قوتها وبصوت تعمدت أن
يصل للأبعد بينهم هناك
" فلتفكر أي امرأة في الاقتراب منه فقط لأقتلها بأظافري "
وكان رد الفعل الأول من ماريه التي غصت باللقمة في فمها
وبدأت تحاول كتم سعالها الخفيف وأخذت كوب الماء سريعاً من
والدة ضرار الجالسة بجانبها تسمي بالله عليها بينما كتم رواح
ابتسامته بأصابعه نظره على شقيقه وقاص والذي كان ينظر للتي
لازالت تنظر له مبتسمة وأجبر شفتاه على رسم ابتسامة بطيئة
متشنجة وهو يهمس لها بما يضمن أن لا يسمعه أحد
" أبعدي يدك جمانة كي لا أحرجك وأمام الجميع "
فماتت ابتسامتها وأبعدت يدها ترسم ابتسامة جديدة تكمل بها
المشهد الذي خططت له بينما ماتت ابتسامته التمثيلية تلك أيضاً
ونظره ينحرف عنها نحو الجالسة هناك وهي زيزفون ومن لم
يكن يتوقع أن تكون بذاك الوضع تنظر له تحديداً ولم تتجاهله
وكل شيء حولها كالعادة ...!! كانت نظرة جامدة بجمود ملامحها
تحرك الشوكة أمام فمها فتحركت حدقتاه سريعاً نحو الجالس
بجانبها وهو نجيب وقد مال برأسه نحوها وهمس في أذنها بما
لم يسمعه أحد غيرها
( لا تعلني الهزيمة أمامهما يا فاتنة )
قبل أن تنتقل شفتاه لوجنتها وقبّلها مبتسماً وغرضه كما تعلمه
ويعلمه جيداً هو الذي وقف ورمى الملعقة من يده في الطرف
البعيد من الطاولة وغادر تتبعه نظرات زوجته التي وقفت أيضاً
ضاربة يديها على الطاولة بغضب وغادرت المكان خلفه تتبعها
ابتسامة نجيب الساخرة كما نظراته قبل أن يقف أيضاً وقال مغادراً
" أمسية طيبة للجميع "
وأتبع جملته تلك بضحكة عالية وهو يغادر غرفة الطعام فغرضه
قد تحقق كما يرى لتتبعه والدته التي وقفت متمتمة بما لم يفهمه
أحد وكان واضحاً بأنها ليست عبارات ودودة مطلقاً لتحدو
زيزفون حدوهما سريعاً بعدما رمت المنديل من يدها بإهمال وهي
تستدير مغادرة بينما تنقلت نظرات ماريه المستغربة بين البقية
وتمنت أن غادرت أيضاً لكنها لا تستطيع فعل ذلك وأكبر رجلين
في العائلة لازالا جالسين وهما ضرار وابنه .
وكادت أن تغص بريقها هذه المرة حين وقع نظرها على رواح
الذي غمز لها مبتسماً فأمسكت ابتسامتها بأصابعها وأنزلت رأسها
وشغلت نفسها بالطعام مجدداً بينما وقف هو ودار حول الطاولة
يحمل صحنه في يديه وجلس في الكرسي الذي كانت تجلس
جمانة عليه وهمس لها مبتسماً وهو ينحني نحوها قليلا
ً " ها قد خلصتك من أكبر مزعجين ( جمانة ونجيب)
وسنستمتع الآن بطعامنا "
ورفع أحد الأطباق قائلاً بابتسامة وهو يسكب لها منه
" تذوقي هذا فوالدتي تعده بنفسها ولن تذوقي مثيلاً له أبداً "
فابتسمت ورفعت طبقها له .. هذا المتهور المجنون لقد تسبب
وبعبارة واحدة منه في مغادرة نصف الموجودين !
والأغرب من كل ذلك أنه لم يعلق أحد من البقية المتبقية على ما
فعل بل ولم يتلقى أي عبارة توبيخ ولا من جده !!
*
*
*
فتحت عينيها ما أن وصلها صوت مناداته لها في نومها العميق
الغير مريح وابتعدت عن النافذة تتثاءب ونظرت حولها خارج
السيارة حيث تبدل كل ذاك الظلام لأضواء تتلألأ من بعيد بأعداد
كبيرة وكأنها نجوم ملونة تناثرت على الأرض !!
ونظرت له بجانبها فوراً وما أن قال ونظره على الطريق المتعرج
الذي ينزلانه بدورات قصيرة خطرة
" وصلنا الحميراء ... إنها المدينة المضيئة هناك "
فنظرت مجدداً حيث تلك الأضواء وهمست بذهول
" ظننتها أصغر من هكذا بكثير ! "
فقال ويداه تديران المقود بقوة مع حركة السيارة على
الطريق المتعرج
" كيف تكون أقل من هذا وهي إحدى المدن الكبرى في البلاد ؟
حتى أننا في أغادير كنا نأتي بالحافلات الصغيرة لمدارسها
ومعاهدها .. كما توجد فيها جامعة كبيرة للعلوم السياسية
والإقتصاديه وأخرى للطب هي الثانية في البلاد "
كانت تنظر له مستمعة لحديثه بصمت فلازالت تستشعر كآبة ما
في صوته وتجهماً واضحاً في ملامحه فهما لم يتبادلا أطراف
الحديث منذ غادرا ذاك المكان الذي تناولا فيه الطعام .. بل وادعت
النوم بعدها حتى أن كذبتها تلك تحققت بالفعل ونامت دون أن
تشعر بنفسها ولم تستفق إلا الآن على صوته ينادي بإسمها .
وما هي إلا لحظات وأصبحت سيارتهم تسير وسط شوارع المدينة
وعلمت حينها بالفعل عمّا كان يتحدث وهي ترى المحلات
التجارية والمطاعم والمقاهي على جانبي الطريق المزدحم
والمباني المتفاوتة بين البساطة والرقي العمراني نظراتها تتبع
بدهشة كل ما تراه أمامها فهذا العالم يختلف تماماً عن تلك القرى
الزراعية التي يعيشون فيها .
وبعد مسافة لابأس بها وسط ذاك الزحام الذي تنظمه الإشارات
الضوئية دخلت سيارتهم شارعاً طويلاً متفرعاً لمنازل كانت
جميعها عبارة عن فيلات وقصور صغيرة لم تكن تخفي الأضواء
داخلها ولا حولها شيئاً من تفاصيلها الرائعة ابتداء بأبوابها
الخارجية الكبيرة التي مزجت النحاس بالزجاج وأسوارها العالية
المغطاة بالنباتات وصولا لأبنيتها المرتفعة بطوابقها وشرفاتها
حتى وقفت سيارتهم عند إحداها بل وتراها أجملها وأكثرها
اتساعاً بثلاث طوابق مضاءة صعوداً وقال وهو يفتح بابه وينزل
" هيا انزلي لقد وصلنا "
فنظرت حولها قبل أن تفتح الباب وتنزل أيضاً يدها تمسح على
عباءتها السوداء بينما نظرها يتبعه وهو يدور حول السيارة
متجها للباب الضخم المغلق وتمسكت يداها بحزام حقيبتها وهي
تتبعه ونظرها يرتفع عالياً للمنزل القابع أمامها تعجز عن منع
نظراتها من التمعن في تفاصيلة الرائعة فإن كان هذا شكله من
الخارج فكيف سيكون داخله !
ولم يتأخر عنها الجواب كثيراً فما أن فتح لهما الحارس الباب
والذي تعرف على يمان سريعاً بل وتبادل معه أطراف الحديث
وهو يفتح لهما الباب حتى كانت أمام حديقة رغم صغر مساحتها
بالنسبة لذاك المنزل إلا أنها كانت من الجمال والترتيب أن جعلتها
تبحث عن ورقة صغيرة أو غصن ما على الممشى الحجري
المتسع وسطها ولم تجد شيئاً ولا حتى ذرات غبار !
فسارت تراقب ذاك الممشى بذهول حتى كانا عند المسبح الذي
تلألأت مياهه الصافية تحت الأنوار الموزعة في كل مكان
وارتفعت نظراتها له تشعر بأنها في أرض خارج بلادها
ولا تعرفها !
وما الذي تعرفه هي عن بلادها غير تلك القرية الزراعية أقصى
جنوبها والتي ولدت وعاشت فيها ولم تغادرها يوماً .
وقفت فجأة لوقوفه وانتقل نظرها من المسبح الذي أصبح خلفهما
تقريباً لباب المنزل القابع فوق عتبات رخامية نصف دائرية
أمامهما .. بل وواجهة زجاجية معتمة ممتدة بطول الجدار !
ليسرق نظرها مجدداً الذي فتح الباب ونزل العتبات من فوره
قائلاً بابتسامة
" كنت اشتريت هاتفاً يا رجل لعلمت بوقت وصولك "
وراقبته نظراتها الفضولية بدهشة فقد كان شاباً يبدو في عمر
يمان بملابس أنيقة للغاية .. بنطلون جينز أسود لم يكن يشبه أي
واحد رأته سابقاً ! وقميص أبيض بأزاز سوداء كما ياقته
وأطراف كميه أيضاً وحذاء رياضي شبابي أبيض بخطوط
سوداء ... كانت عيناه سوداء واسعة كلون شعره المصفف بعناية
ولحيته الخفيفة والمحددة بطريقة شبابية مميزة وبشرة بيضاء
فعلمت فوراً بأنه سيكون صديقه وزوج شقيقته الذي تحدث
عنه ... والذي ما أن اقترب منهما حتى تراجعت للخلف ونظرت
للأرض بينما تبادل هو ويمان حضناً رجولياً طويلاً أكد العلاقة
العميقة بينهما وضربت قبضته على ظهره وقال مبتسماً
" يا لك من خماصي متعجرف ... ألا تتواضع لنا مطلقاً يا ابن
الجنوب الجديد ؟ "
فابتعد عنه وقال يضرب على عضلة صدره بقبضته
" لما لا تحدد لي نسباً واحداً أكسر رأسك به ؟ "
فضحك وقال
" أتركنا على خماصة إذاً فلا مقدرة لي على الجنوبيين "
وقال وهو يحثه للدخول
" تفضلا هيا قبل أن تخرج لنا والدتي بنفسها "
وضحك عند آخر كلماته وهما يصعدان عتبات الباب فتبعتهما
بخطوات بطيئة لتترك مسافة بينهم .. وها قد علمت جزءاً من
شخصية زوج شقيقته تلك فهو يبدو كما قال عنهم مختلفون عن
أي فكرة قد يرسمها الناس لهم ! بل ويبدو شاباً مرحاً وليس
وسيماً وأنيقاً فقط !! .
وما أن أصبحوا في الداخل حتى فغرت فاها بدهشة لم تستطع
تمالكها وهي ترى ذاك الداخل العمراني للمنزل الذي أدهشها من
الخارج .. فلم يعد يمكنها تحديد ما صنع منه كل شيئ في ذاك
المكان وكأن الأرضية والجدران والأسقف جميعها من الرخام
تعكس لمعان أضواء الثريا الموزعة في سقفه المرتفع قد تدلت
قطعها الكريستالية كجواهر شفافة تجعلك تري صورتها في كل
جدار وأرضية وزاوية ...!!
مشهد ألهاها ليس فقط عن رؤية الأثاث والتحف الفاخرة
واللوحات التي زينت المكان بل والمرأة التي اقتربت منهما
مرحبة ولم يختاروا أن يفصلوهما ليدخل هو لمجلس الرجال بينما
تكون وحدها في الداخل !!
وهذا ما جعلها تستفيق من ذهولها وهي تنظر باستغراب للمرأة
التي كانت تلبس حجاباً وعباءة طويلة بأكمام طويلة أيضاً
ومطرزة بخيوط من الحرير من شدة جمالها وأناقتها كرهت ليس
عباءتها المطرزة البسيطة فقط بل والعباءة السوداء قديمة الطراز
التي كانت تلبسها فوقها .
هذه إذاً جوزاء شاهين الحالك المرأة التي لطالما سمعت عنها ولم
تراها ؟ المرأة التي تزوجت رجلاً من كبار عائلات صنوان في
معاهدة هدنة قديمة في أمل ميت لتوحيد قُطري البلاد وانتهى بهم
الأمر للطلاق عند أول خلاف بين صنوان والحالك وحُرمت من
زوجها وابنيها لترجع زوجة له ما أن توحدت البلاد أخيراً ...
المرأة التي رفضت من رجال الحالك أشهرهم وأعلاهم رفعة
ومكانة في قبائلهم بعد طلاقها لتبقى قصة عجيبة تتناقلها
الناس !! هي تستحق اسمها ونسبها بالفعل وفي أعلى خيالها لم
تكن تتوقعها هكذا !
ابتسمت محرجة ما أن حضنتها قائلة بابتسامة
" أنت زوجة يمان إذاً ! أنت أجمل من مخيلتي بكثير "
وضحكت وهي تبتعد عنها وتنظر لها قائلة بابتسامة
" متأكدة من أنك من الحالك ؟! "
فضحك أبان وقال
" ومن الجنوب أيضاً أمي "
فقال يمان حينها بهدوء
" مايرين والدتها إيرلندية وهي صحفية دخلت البلاد وقت الحرب
الأهلية وتعرفت بوالدها وتزوجته "
فنقلت نظرها منه لها وقالت بضحكة صغيرة
" هنا يكمن السر إذاً ؟ "
فابتسمت لها وأنزلت نظرها للأسفل لتحديقهم جميعهم بها
وشعرت بالحياء والخجل فهذه السيدة تبدو تعامل يمان كابنها
تماماً ! وإن كانا صديقي طفولة فلن تستغرب ذلك ، وما زاد
الأمر سوءاً أن ابنها أيضاً بقي واقفاً معهم وإن كان يقف بالجانب
الآخر ليمان ، ما تعلمه عن مدن الشمال أن حياتهم وعاداتهم
مختلفة عن الجنوب وحتى في حدود اختلاطهم برجال العائلة
فزوجة شقيق الزوجة كوضعها الآن لابأس في أن يلقي عليها
التحية أو يحادث زوجها بوجودها دون أن يكون بينهم جلسات
سمر بالطبع ... وأنه في وضع هذه المراة كوالدة لزوج شقيقته
ولأن ابنها في عمره يعد تبادل التحايا والحديث معها من واجب
الإحترام والتقدير عكسهم في الجنوب المرأة لا تتحدث إلا من
خلف الباب ولا يراها الرجال إلا وهي تعبر الشارع .. إذا ما
استثني العاملات كالممرضات والمدرسات وكذلك الأطباء
والمدرسين بل والبائعين أيضاً .
قالت جوزاء مبتسمة ويدها تلامس ذراعها بل وكأنها تقرأ
أفكارها تلك
" يمان في مرتبة أبان وغيهم بالنسبة لي بل وأعز
كما يمامة أيضاً "
وتابعت تنظر له مبتسمة
" وإن كان له شقيقة أخرى لما اخترت غيرها لابني الآخر .. بل
وإن كانت لي ابنة في سن مناسب للزواج ما تركته لامرأة
أخرى أبداً "
فلم تستطع منع نفسها من النظر لها بصدمة حينها وذاك ما
أشعرها بالغرق في ثيابها من الحياء حين ضحكت جوزاء وابتسم
يمان بينما قال أبان ضاحكاً
" أمي كدت تقتلين الفتاة من الصدمة "
وما أنقد الموقف أو ما زاده سوءاً فلم يعد يمكنها تحديد ذلك ؟
هو خروج يمان من صمته وقد نظر لها قائلاً بابتسامة
" ما كان لامرأة في الوجود أن تستحمل ظروفي وتقنع بي
وبها كمايرين "
فلم تستطع فعل شيء سوى الهرب من نظراته كما نظراتهم
جميعاً تنظر ليديها الممسكتان بحزام حقيبتها بقوة تشعر بأنفاسها
ستتوقف وبأنها قد تموت اللحظة .. وما أنقذها من كل ذلك هو
انتقال تلك الأنظار جميعها للفتاة التي ظهرت عند أعلى السلالم
النصف دائري والذي يربط طابقي المنزل يرتفع منه سياج ذهبي
أنيق وبعتبات رخامية تلمع تحته كالزجاج ... الفتاة ذات الفستان
الأنيق بلون الحناء طبعت عليه أزهار بيضاء كبيرة وجميلة
والذي لم يتجاوز طوله نصف ساقيها وبأكمام قصيرة لم تتجاوز
المرفقين زاده لون بشرتها البيضاء وشعرها الفاتح ..
الفتاة التي وقفت أعلاه تنظر ناحيتهم بصدمة سرعان ما تحولت
لدموع وقد همست شفتاها الرقيقتان
" يمان !! "
قبل أن تقفز عتباته صارخة ببكاء
" يمااااااان "
وقد واصلت ركضها في بهوه الواسع حتى ارتمت في حصنه
وما أن وصلته تبكي بنحيب موجع بينما طوقتها ذراعاه من فوره
ودفن وجهه ودموعه الصامتة أعلى رأسها منحنٍ له ..
شقيقته الوحيدة التي لم يراها منذ فترة كم يشعر بأنها طويلة
وموجعة ... شقيقته التي لم يفترق عنها يوماً واستَحمل كل ما
عاناه من أجل ذلك ... تلك الصغيرة الحزينة المكسورة التي كم
يراها تغيرت الآن فلم تعد ذاك الشبح الميت لفتاة دمر براءتها
كل شيء فلا ثيابها الأنيقة هذه تشبه تلك الثياب البالية الفقيرة
ولا وجهها الدائري الممتلئ وخداها المتوردان ينتميان لتلك الفتاة
النحيلة التعيسة سجينة جدران منزل والدها ... حتى جسدها
النحيل تغير عن السابق وامتلأ قليلا وتغير ... هذه هي الحياة
التي أرادها لها دائماً .. هذا ما كان يريدها أن تكون وأن تصبح
عليه لكن بوجوده .. بسببه .. ومعه لا أن ينقذها الغير من الجحيم
الذي لم يستطع هو يوماً أن يخرجها منه ويحقق ما عجز عنه
لأعوام وهي وصية والدته الوحيدة له قبل أن تموت ، لكن
من أين له أن يوفر لها كل هذا حتى إن أخرجها من هناك ؟ .
اشتدت أصابعها على قماش قميصه تحضن خصره بقوة
وقالت ببكاء
" لماذا تركتني ولم ترجع يا يمان ؟ كم اشتقت لك وأحتاجك "
فالتفت ذراعاه حول جسدها أكثر وهمس بصوت أجش لم يستطع
أن يخفي فيه بكائه الصامت
" سامحيني يا يمامة ... سامحيني يا شقيقتي فقد خذلتك بي لكنه
كان رغماً عني أقسم لك "
فتعلقت ذراعاها بخصره أكثر وحركت رأسها برفض دون أن
تتحدث فلم تترك لها عبراتها الموجعة والمتلاحقة المجال لذلك في
مشهد أبكى جوزاء التي كانت تمسح دموعها باستمرار كما بثينة
والواقفة تراقب من الأعلى دون أن يراها أحد .. وراقبتهم نظرات
أبان الحزينة رغم الابتسامة التي كانت تزين شفتيه بينما كان
وضع مايرين مختلف تماماً وعنهم جميعاً ..
فهي لم تجتز صدمتها بعد ولم تكن ملامحها تعبر عن أي شيء
غير ذلك فنظرات الدهشة من تلك الأحداق الخضراء لم تفارق
الجسد الصغير النحيل الذي تعلقت صاحبته بزوجها باكية ! أهذه
تكون شقيقته ؟! هذه الفتاة متزوجة وزوجها يكون هذا الشاب
المكتمل الرجولة !! من يشرح لها ما يحدث هنا ؟! هذه تبدو لم
تتجاوز الخامسة عشرة بل ولم تبلغها حتى ! هذه لا يمكن أن
تكون زوجة ولا امرأة ولا حتى خطيبة لذاك ولا لأي رجل
فكيف تكون زوجته !! .
كانت تحدق فيهما بذهول بينما أبعدها يمان عنه يمسح بطرف كم
قميصه عينيه ونظر لها وقال مبتسماً
" يكفي بكاء فأنا حي ولم أمت "
تعلقت عيناها به فوقها وهمست وسط شهقاتها المتلاحقة
" ظننتك مت فعلاً "
فخرجت منه ضحكة صغيرة ونظر للتي لامست يده ظهرها قائلاً
" هذه زوجتي يا يمامة ألن تسلمي عليها ؟ "
ابتسمت لها مايرين في رد فعل لا إرادي بينما راقبتها تلك
الأحداق الرمادية الواسعة باستغراب لبرهة قبل أن تنظر لشقيقها
مجدداً وقالت باستغراب تخلل ملامحها الحزينة الباكية
" تزوجت !! "
كان رد فعلها مفاجئاً للجميع بينما كان جوابه أن ابتسم وأومئ
برأسه إيجاباً فتغضن جبينها واقترب حاجباها البنيان الرقيقان
وتبدلت ملامحها للحزن وترقرقت عيناها بالدموع وقالت ما لم
يتوقعه أو ينتظره أحد
" لكنك وعدني سابقاً أن أحضر حفل زفافك ؟ "
فامتدت يداه لها وحضنها مجدداً وقبّل رأسها يشعر بالعالم بأكمله
يضيق في عينيه فهو سبق ووعدها بذلك بالفعل حين كانت
تترجاه باكية أن يتحدث مع والدها يتركها تحضر حفلات الزفاف
مع زوجته ولم يكن له أي حيلة في ذلك فهو يعلم سلفاً جوابه
وهو الرفض التام فوعدها بأن تحظر حفل زفافه وترتب له
بنفسها بل وتختار من ستكون زوجة له لكن تلك الوعود جميعها
تبخرت كسابقاتها فلم يكن لزواجه حفلاً من أساسه ولم يختر ولا
هو زوجته ولا يعرف ما يقول لها وبما يجيب ؟.
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, sweethoney and 62 others like this.
رد مع اقتباس
#12134
قديم 10-06-19, 09:43 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
رفعت قدميها مع جسدها فوق الأريكة واتكأت بذقنها على راحة
يدها تسند مرفقها بطرفها المرتفع جانباً وتنهدت بعمق تراقب
عيناها شاشة التلفاز أمامها فبالرغم من أنها شاهدت هذا بالأمس
إلا أنها لم تستطع منع نفسها من مشاهدته مجدداً هذا الصباح
فهي ومنذ أعوام تدمن مشاهدة قنوات وأخبار بلادها هناك والذي
لا تراه سوى في تلك الشاشة التي لا تروي من حبها وشوقها له
شيئاً ... والآن تحديداً ها هو احتفال افتتاح أعلى برج فيها وأكبر
مشروع خيري فيه بعد مملكة الغسق وتتوقع أن يكون الأول في
العالم العربي كاملاً والمسمى ( برج القمة ) فقد انصب اهتمام
القنوات الإخبارية ليس على عرضه كمشروع خيري فقط بل
وكحفل احتضن شخصيات مهمة في البلاد إن كان من بعض
الوزراء كوزير الصحة والتعليم والثقافة أو نواب في البرلمان ..
لكن ما احتل رأس القائمة وقد سرق الأضواء سريعاً هو وجود
مطر شاهين ... لا بل ليس هو بشكل خاص فذاك اقتصر حضوره
على آلات تصوير الصحفيين عند بداية الاحتفال واختفى باختفاء
زوجته منه أما القنوات التلفزيونية التي سُمح لها بالتواجد لاحقاً
فقط وبأوامر صارمة فثمة ما اجتذبهم كالنحل للعسل وهو زوج
شقيقته الوحيدة ورجل الأعمال المعروف والذي يكون أحد رؤساء
مجلس إدارة ذاك البرج وبرفقته ابنه الأكبر والذي تراه وللمرة
الأولى بالزي الرسمي .. بالبذلة السوداء والقميص الناصع
البياض وربطة العنق التي عكست لون شعره البني وعيناه
الواسعة في أناقة وطريقة وقوف وهو يدس يده في جيب بنطلونه
مثلت بالفعل انتمائه لذاك المجتمع الراقي المرفه .. وبالرغم من
كل تلك القنوات وآلات التصوير الموجهة نحوهما إلا أنه لم يكن
ينظر ناحيتها مطلقاً وكأنه اعتاد على هذا وألفه ! ليظهر بمظهر
وثقة وطريقة وقوف ينافس بها نجوم السينما والتلفاز ! .
أدارت عينيها بعدها وتنفست بعمق متمتمة
" أعانك الله على قلبك يا كنانة "
" كنانة !! "
التفتت برأسها فقط للواقفة خلفها والتي قالت بضيق
"ما الذي قلته للرجل جعلة يلغي حفل الزفاف الذي سيقام هنا؟ "
حدقت فيها بصدمة وصمت عجزت معه حتى عن التحدث ... رائع
هذا خبر جديد ومفاجأة أخرى هي آخر من يعلم بها ! بأي حق
يلغي حفل الزفاف الذي تريده هي وطلبته ؟! بل والشيء الوحيد
الذي طالبت به بما أنه لا حفل زفاف هناك إلا بعد وقت لم تفهمه !
ولما قراراتها هي وحدها ما يتم إلغائها ودون علمها أما ما تقوله
وتقرره والدته لا يقبل النقاش ولا التغيير ؟ كما يبدو أن والدتها
كانت في مكالمة هاتفية مطولة مع والدته ليزفوا لها هذا الخبر
الرائع .
نجحت وببراعة في إخفائها ضيقها واستيائها بل وغضبها
المكبوت وعادت لجلستها السابقة متمتمة ببرود
" لم أقل له شيئاً ولا علم لي بهذا "
قالت الواقفة خلفها تمسك خصرها الممتلئ بيديها
" ومن قال وعلم إذاً ؟ كيف تغادرين من هنا دون حفل زفاف
يجتمع فيه الأصدقاء والعائلة ولتلبسي على الأقل فستان الزفاف
كغيرك من الفتيات ..؟ أنت لست أرملة ولا مطلقة
تتزوجين هكذا "
فتنهدت بصمت ولم تعلق بينما قالت التي تبدو لم تهتم لذلك
" كيف يلغي الحفل هكذا وبدون سبب ؟ "
فلوحت بكفها بجانب وجهها وقالت دون أن تنظر لها خلفها
" هذا السؤال توجهينه له أمي وليس لي فأنا لا أعلم شيئاً
عن هذا "
حدقت فيها باستغراب وقالت
" لا تعلمين كيف يا كنانة ! ألا تتحدثان مثلا ؟ "
رفعت عينيها للأعلى وتنفست نفساً طويلاً متضايقاً قبل أن
تتمتم باختصار
" لا "
بينما حدقت الواقفة خلفها في قفاها باستغراب قبل أن تقول
" ولما لا وهذا ما يفعله جميع المخطوبين ؟
فكيف بالمتزوجين ! "
فأمالت رأسها قليلاً ناحيتها وقالت تحرك يدها بضيق
" أمي هو كان هنا من فترة قريبة نتحدث عن ماذا مثلاً ؟ "
قالت تلك ومن فورها وبضيق مماثل
" عن كل ما يقوله من في مثل وضعكما تنتظركما حياة تخططان
لها بالطبع "
عادت بوجهها للأمام وابتسمت بمرارة .. تخطط !! تخطط معه
لماذا وفي ماذا وهي المهمشة المهملة ومنذ البداية ؟ بل وما من
داع ليكلف نفسه بذلك فثمة من يخطط ويقرر عنهما معاً ، رفعت
جهاز التحكم ووجهته جهة التلفاز وأغلقته قائلة بجمود
" لم نتحدث ولا يعنيني شيء من كل هذا "
قالتها كاذبة تخفي بها ألماً جديداً يسببه لقلبها فهي وبالرغم من
كل شيء تشعر بالمهانة لتجاهله لها هكذا ولا تفهم أي نوع من
العقاب هذا ! ثم عليها أن تتلقى وحدها نيران غضب والدتها
واحتجاجها بينما هي أكيدة من أنها لم تقل من هذا شيئاً لوالدته
وكل ما قالته لها ( حسناً ... لا بأس .... ولا مشكلة في هذا )
بينما تسمع هي كل عبارات الرفض الغاضب ورأيها الحقيقي
في الأمر .
قالت الواقفة خلفها ودون تردد
" تحدثي معه إذاً واسأليه فهو لم يخبر والدته عن السبب "
فرمت الجهاز من يدها ووقفت تنظرت لها بصدمة قائلة
" أتحدث معه !! "
قالت من فورها وبحزم
" أجل فأنت زوجته وأكثر من يحق لها مناقشة هذا معه "
رمت يدها جانباً قائلة برفض غاضب
" لا أمي عذراً لن أفعلها وأستمع لأسباب أعلم جيداً بأنه لن
يغيرها أو يتراجع عنها "
فحدقت فيها بذهول قبل أن تقول مندفعة
" كنانة هل أفهم ما بكما ! هل تشاجرتما قبل مغادرته
من هنا ؟! "
فبادلتها النظرة بواحدة مشابهة لها ... يا إلهي هذا ما كان
ينقصها الآن ! وتعرف والدتها جيداً إن لبست ثوب المحقق فلن
تنزعه حتى تثبت شكوكها إن كانت موجودة أم لا ... قالت
برفض قاطع
" لم نتشاجر أمي "
فقالت التي تبدو لم تقتنع بذلك
" إذاً لما لا تتحدثا وترفضين التحدث معه ؟ "
فأبعدت نظرها وشتتته عنها قبل أن تنظر لها مجدداً قائلة
" أنت تعرفين طبيعة عمله وحياتهم وتجاراتهم فلن يجلس هكذا
لا شيء لديه سوى التحدث معي ... وأنا أتفهم هذا "
وكذبت مجدداً تظهر عكس ما يشتعل به قلبها فلن تستطيع نكران
ذلك في نفسها وبأن طرق تجاهله القاسية لها هكذا تسبب لها من
الألم الكثير .. ولن تتوقع غير ذلك بعد الحديث الأخير بينهما قبل
مغادرته ، وكم ودت لو قالت لها ( لا تهتمي كثيراً بالأمور التي
يراها أمثالهم صغيرة أمي فهم لا يعيرونها اهتماماً ) لكنها لا
تستطيع قول ذلك ولا كل ما تشعر به في داخلها لأنه ثمة أمور
على عائلتها أن لا تعلم بها لتبقى سجينة قلبها حتى تقتلها ،
وليس ذاك السبب الوحيد في ذلك بل ولأن الواقفة أمامها تفصلها
الأريكة الواسعة عنها كانت قد غادرت دون أن تعلق على ما قالت
وكم حمدت الله على ذلك لأنها باستجوابها ذاك كانت ستوصلها
لنقطة الإنهيار بالتأكيد وتنفجر بكل ما تكبته ولا تستطيع قوله .
تأففت نفساً طويلاً شعرت به خرج من أعماق روحها وغادرت
المكان أيضاً ووجهتها غرفتها التي أغلقت بابها خلفها بقوة
وتوجهت جهة هاتفها رفعته وجلست على حافة السرير تقلب في
قائمة الأسماء فيه ... لن تتصل به ولن تفعلها وإن قام بإلغاء
حياتها بأكملها وليس حفلاً لن يُنقص في أموالهم الطائلة شيئاً ،
وقفت عند اسم ساندرين واتصلت بها ... هي بحاجة للتحدث مع
أحدهم بالفعل وعن أي شيء ولا تعلم لما اختارت تحديداً تلك
السليطة اللسان ! ويبدو بأنها تبحث فقط عمن يعيش تعاسة
كتعاستها ويفهم ما تشعر به وإن لم تتحدث عنه .
"ماذا تريدين ؟ "
كان سؤالها سريعاً وما أن فتحت الخط بل وبنبرة باردة كالجليد
فتنهدت بأسى قائلة
" اسمي هو كنانة قيس كنعان وأقسم بأنه ليس كنانة ضرار
السلطان فلا تنفثي نيران غضبك بي ساندي أرجوك يكفيني
ما بي "
قالت من في الطرف الآخر من فورها وبنبرة حادة
" ولأني أعلم بأنه ثمة ما بك سبقتك كي لا تنفثي أنت نيران
غضبك بي "
وتابعت بعدها وقد تغيرت نبرتها للحنق فجأة
" لا أفهم ما بنا تعيستان هكذا ؟ "
فتنهدت مجدداً هامسة بأسى
" أتظنين أنه ثمة لعنة ما أصابتنا ! "
وحدقت بصدمة ما أن هاجمها ذاك الصوت الحاد الذي خرج من
هاتفها لأذنها مباشرة
" لا توجد لعنة في الحياة كالهازانيين إن دخلوا حياتك أحالوها
لجحيم "
فتجاهلت أنها منهم في مواجهة هجومها الذي لا تكترث فيه لها
كالعادة وقالت بسخط
" لكن لعنتي ليس للهازان علاقة بها "
وكان جوابها سريعاً بل وأقسى من سابقه وهي تقول مندفعة
" أنت منهم إذاً فأنت ملعونة لا تحتاجين لمن يسقط بلعنته عليك "
فتنهدت بضيق وقالت
" ساندي بالله عليك لا تُحملي ثلث شعب كامل نتائج أفعال
شخص واحد منهم بك "
فقالت من فورها وبضيق
" بلى جميعهم هكذا والقصص تتحدث والتاريخ يؤكد ذلك ويبدو
من وضعك المزري أن رجال صنوان مثلهم ... "
وتبدلت نبرتها للإستياء الساخط وهي تتابع
" الحالك وحدهم المختلفون على ما يبدو والدليل أمامي في
والدي .. لو أننا تزوجنا منهم لعشنا السعادة ما حيينا مع رجل
يغدقك بالدلال وينفذ جميع طلباتك ويبقى وفياً لك للأبد "
أدارت عينيها جانباً وتمتمت ببرود
" ووالدي كما تصفين تماماً "
وكما توقعت قالت ومن فورها
" مستحيل لن أصدق وإن رأيت بعيناي بما أنه من الهازان "
ففردت كفها جانباً وكأنها تراها وقالت
" عليك أن تصدقي ساندي فذاك ما أراه بعيناي "
فقالت ومن فورها
" ثمة دماء ما مختلطة في نسل والدك إذاً فلن يستحمل حروب
والدتك مع الجراثيم سوى رجل بقلب من فولاذ "
فرفعت رأسها وتأففت بصوت واضح قبل أن تقول بضيق
" لما لا تستوعبي بأن صراحتك تكون جارحة ومؤذية
أحياناً ساندي "
وصلها صوتها الحاد سريعاً
" تفضلين المجاملات والنفاق مثلاً ؟!
عذراً صديقتي لا يمكنني أن أكون كذلك "
وكما توقعت فالاعتذار من شفتي تلك الفتاة عما تتفوه به دون
رقيب ولا رادع أمر من الخيال فقالت تغير مجرى الحديث بأكمله
" ترى ما وضع ماريه ؟ تبدو الأفضل حالاً بيننا "
فقابلت حديثها ذاك بضحكة ساخرة قصيرة قبل أن يصلها صوتها
الساخر أيضاً
" أفضل حالاً منا !! كنت لأستبدل ابن عمتك الفاشل ذاك بأي رجل
في الوجود عدا ابن خاله البارد المتعجرف الذي لست أفهم ما
يعجب تلك الغبية به غير وسامته التي لا تنفع المرأة في شيء "
قالت ببرود تتعمد تذكيرها بوضعها
" يكفي أنها تحبه ويمكنها الوثوق به أليس كذلك ؟ "
وكما توقعت هاجمتها فوراً
" ستري بعينيك ما سيفعله بها كتلة الغرور ذاك وقولي ساندرين
قالت ... وأنت مثلها يا أم ثقة "
فتأففت وقالت
" اتركينا من الحديث عن كل ذلك ولنخرج معاً .. أحتاج ليوم من
ايامنا الرائعة تلك التي كنا لا نحمل فيها هماً سوى متعتنا "
فابتسمت وكما توقعت وتعلم عن شخصيتها قد قالت من فورها
" لا مانع لدي مطلقاً "
لكن تلك الابتسامة سرعان ما ماتت واختفت ما أن تابعت تلك
بتهديد
" لكن تذكري فقط بأنه إن التقينا بابن عمتك مصادفة كما تقولان
دائماً فلن أخرج معك ما حييت "
فتأففت بضيق وقالت
" سنلغي الفكرة إذاً فأنا لست على استعداد لاستحمال نيران
غضبك إن حدث والتقيناه بالفعل لأني صدقاً لا أعلم كيف يعلم
عن مكاننا ويظهر لنا هكذا فجأة ! "
وصلها صوتها قائلة بلا مبالاة
" حسناً كما تشائين فأنا أساساً لدي رحلة تنظمها منظمة الإغاثة
التي أعمل فيها سأتجهز لها وأذهب وأترك كل شيء ورائي
وأستمتع بالفعل هذه المرة "
وأنهت الاتصال معها مودعة لها وكأنها هي من اتصلت بها
وليس العكس !
نظرت للهاتف في يدها بحنق قبل أن ترميه على السرير ووقفت
وتوجهت نحو الخزانة تخرج ثيابها منها فستخرج لوحدها ليست
بحاجة لتلك المزعجة .
*
*
*
نزلت عتبات الباب الرخامية تنظر للساعة في يدها ...
محاضرتها تبدأ عند التاسعة وهي خرجت باكراً لأنها لا تريد أن
ينتظرها السائق كثيراً ويبدو أنها هي من ستنتظره ولا تعلم أي
وسيلة اتصال به وأين تجده مثلا ؟
تحركت خطواتها نحو صوت خرير المياه الواضح والذي كان
يقترب أكثر كلما تغلغلت بين أحواض الحديقة المنسقة حتى
وصلت النافورة الحجرية الضخمة وسبب كل تلك الأصوات
الرائعة المتداخلة مع غناء العصافير الصغيرة حول الأشجار
الموزعة في المكان بتناسق .. لكن ما جعل خطواتها تتوقف
حينها ليس كل ذاك المشهد الرائع بل الجالسة فوق أحد المقاعد
الحجرية الموزعة بشكل دائري قرب نافورة المياه تمسك دفتراً
وقلماً في يدها ومنشغلة تماماً فيما تخطه فوق تلك الورقة
البيضاء الكبيرة فابتسمت لا شعورياً ولا تفهم فعلاً المشاعر التي
تنتابها كلما رأت هذه الفتاة ...؟ هي تصغرها بعام واحد لكنها
تشعرها دائماً بأنها أكبر منها بكثير ....!
شخصيتها نظرتها ذكائها طريقة تفكيرها وحديثها بل وجميع
تصرفاتها وإيماءاتها تجعلك ترى فيها امرأة قوية ذكية مدهشة
وفي كل شيء فكيف إن أضفت له سحر جاذبيتها الرائع وحسن
ملامحها الخماصية الشقراء ...!! إنها الصورة الحية للمرأة التي
كانت تراها تناسب تيم شاهر كنعان قبل أن تُشوش تلك الصور
بسبب حديثهما الأخير وهو يعترف بأن انسجامه مع امرأة مثلها
ضرب من الخيال ..!!
ابتسمت محرجة ما أن رفعت الجالسة هناك رأسها ونظرت جهتها
فاقتربت منها قائلة
" آسفة إن كنت أزعجت خلوتك ... لقد اجتذبني صوت المياه "
وجلست بجوارها ما أن وصلت ولم تنتظر منها تعليقاً فقد باتت
تفهم نوع شخصيتها جيداً .. إنها تشبه التمثال الفرعوني الموجود
لديها كما يسميه رواح ، قالت تنظر للنافورة أمامها
" غريب أن تكون مثل هذه النافورة الرائعة الجمال هنا وليست
قرب مدخل المنزل ! "
فقالت التي لازالت منشغلة بما تفعل
" الناس هنا تفكيرهم مختلف عنا ... هم صمموا هذا خصيصاً
لتكون مقابلة للشرفة الواسعة لغرفة الشاي ليقابلهم هذا المنظر
وهم يحتسونه صباحاً لا أن يستعرضوها للداخلين للمكان "
فضحكت برقة ورفعت كتفيها قائلة
" معك حق تفكيرهم يختلف عنا لكنها تحفة فنية تستحق بالفعل
أن يراها من يزورهم "
وتابعت من فورها وبدهشة ما أن وقع نظرها على الخطوط غير
المكتملة في دفترها
" ترسمين يا زيزفون ؟ لم أكن أتوقع أنه لديك موهبة رائعة
كهذه ! "
فطال صمتها قبل أن يخرج صوتها في تمتمة باردة
" أنا لا اراها موهبة "
فحدقت فيها بدهشة وقالت تشير بسبابتها لورقة دفترها تلك والتي
لازالت تستقر في حجرها
" هي كذلك بالفعل ...انظري كم تبدعين في تصوير النافورة... "
وانقطعت كلماتها وهي تشير بإصبعها لمنتصف الرسمة الناقصة
" لكن لما هذا الخط هنا !! "
فأغلقت الدفتر حينها ووضعت يديها عليه وحدقت في النافورة
قائلة
" لأني ألغيت الرسمة ... لم أعد أريد متابعتها "
فهمست بذهول
" ولكن لما ....!! "
وسرعان ما تبدلت ملامحها للفضول قائلة تنظر لنصف وجهها
المقابل لها
" هل ترسمين صوراً لأشخاص ؟ هل يمكنني رؤية ذلك ؟ "
فنظرت للجانب البعيد فاختفت جميع ملامحها عنها بذلك ووصلها
صوتها الجامد جمود أحجار تلك النافورة
" لم تعد هناك ... لقد اتلفت "
فحدقت فيها باستغراب قبل أن تهمس
" ما.... "
وبلعت كلماتها مع سحبها لأنفاسها بعمق وفضلت الصمت وأن لا
تتحدث في الامر الذي بدا واضحاً أنه يزعجها الحديث فيه وتنقلت
نظراتها في تفاصيل الحديقة الجميلة والأزهار الملونة وقالت بعد
صمت شعرت بأنه كان طويلاً بالنسبة لشخصيتها العفوية وإن
كانت واثقة من أن الجالسة بجوارها على العكس تماماً
" زيزفون هل أسألك عن أمر ؟ "
وما أن أدارت وجهها ناحيتها ونظرت لعينيها قالت دون أن تنتظر
إذناً لفظياً منها
" أتري أننا كبشر ننسجم مع من لا يشبهوننا ...؟ في شخصياتنا
أعني ؟ "
فارتسمت على شفتيها ابتسامة جانبية قبل أن تقول
" أنت وزوجك تقصدين ؟ "
ابتسمت محرجة فلم تتخيل أن تربط الامور هكذا ! أم أن حديث
عمها البارحة السبب ؟ نظرت لحركة قدميها على الأرض
" حسناً يمكننا اعتبار ذلك كمثال "
فقالت مباشرة وببرود تبعد نظرها عنها لدفترها المغلق
" أنا أرى بأنه ليس لامرأة في الوجود أن تنسجم معه "
فحدقت فيها من فورها وبصدمة قبل أن تقول بضحكة
" لما جميع الآراء سلبية ناحيته ؟ "
نظرت لعينيها وقالت بابتسامة جانبية
" لو استطاع الجميع رؤيته بعينيك لاختلف الأمر بالتأكيد "
فحدقت فيها بصمت بينما تابعت هي تبعد نظرها عنها للنافورة
أمامها متمتمة بجمود
" وهو يعي ذلك جيداً ولا أراه يهتم للأخرين ولرأيهم "
تنهدت بعمق ونظرت حيث باتت تنظر هي وقالت بهدوء حزين "
هو يحتاج فقط لمن يفهمه ... أنا لا أفهم فقط معنى اختلافاتنا ...
الأمر معقد كما يبدوا لي ! "
حركت كتفيها وقالت ولازالت تنظر للقطرات المتطايرة من
رذاذ الماء
" هي ليست بالمعادلة المعقدة ... أنت ببساطة فتاة رقيقة لا تحمل
تعقيدات الحياة ولا تتحملها بينما زوجك رجل استقلالي وقوي
قادر على حمايتك مما تعجزين أنت عن مواجهته وهنا
يكمن السر "
نظرت لها باستغراب لبرهة قبل أن تقول
" تقصدين أنه لا يحتاج لامرأة استقلالية يمكنها حماية نفسها
بعيداً عن الاعتماد عليه ؟! "
وتابعت من فورها وما أن نظرت لها تلك الأحداق الزرقاء
المستديرة
" إذاً بهذا تكونين أنت آخر امرأة قد تستطيع إرضاء غروره؟! "
فنظرت لها بصمت قبل أن تحرك شفتيها متمتمة ببرود
" نحن نتحدث عنكما وليس عني "
فابتسمت قائلة
" حسناً أنت اتخذتني كمثال وأنا أفعل ذلك معك أيضاً "
ولم تستغرب أن أبعدت نظرها للبعيد دون أن تعلق على ما قالت
فابتسمت وقالت تنظر لملامحها الشاردة في الفراغ
" وبهذا فأنت تحتاجين لرجل يغدقك برقته وحنانه وليس لرجل
يبحث عن امرأة تحتاج لحمايته والاعتماد عليه ؟ "
وفاجأتها بالقسوة التي بدت واضحة على ملامحها وقالت بجدية
ولم تنظر لها
" بل أنا لا أحتاج الرجال بجميع أنواعهم ولا أريدهم "
فحدقت في ملامحها باستغراب قبل أن تنظر لمياه النافورة بحزن
وقالت
" لهذا أرى أن زوجك ذاك لا يناسبك تماماً "
" أسمع أحدهم هنا يسيء الحديث عني "
انتفضت واقفة تنظر بصدمة للذي خرج من خلفها ينظر لها
مبتسماً بسخرية ولم تستطع قول شيء ولا مجال لذلك فقد تابع
يشملها بنظراته المستنقصة
" ولن أستغرب هذا من واحدة زوجة لذاك المغرور المتشدق "
" نجيب ...!! "
كان التعليق من زيزفون التي وقفت تنظر له بضيق فتحركت
حينها ماريه مبتعدة بعد أن قالت بصوت منخفض
" بعد إذنكما ... "
وما أن ابتعدت خطواتها حتى اختفت عنهما نظر لها وقال بضيق
" توقفي عن النظر لي بتلك الطريقة وكأني ابنك فهي من أساء
لي أولاً وكان عليك إسكاتها لا إسكاتي "
قالت من فورها وبضيق مماثل
" لو أنك سمعت حديثها من أوله لعلمت بأن الأمر لم يكن كما
فهمته فحديثها كان عني وعنها لا عنك ... ثم هي ضيفتكم في
جميع الأحوال "
تأفف وقال يدس يديه في جيبي بنطلونه الجينز
" اتركينا من تلك الطفلة الآن وأخبريني أين هو خالك ؟ "
ففردت ذراعيها ويديها وقالت بحنق
" وما يدريني عنه أين يكون وأنا سجينة هنا ؟ "
فحرك مرفقيه ويديه لا زالتا سجينتا جيبيه وقال بضيق
" لقد غير مكان سكنه ولا يجيب على هاتفه كما أنه لم يغادر
إنجلترا ! فما خطبه وما الذي تحدثتما عنه في الحفلة جعله
يختفي هكذا فجأة ؟! "
تنفست بقوة دون أن تبعد نظرها عنه متمتمة ببرود تخفي به
التوجس الذي غرسه فيها
" لا أعلم ولست أهتم وما تحدثنا عنه هو ما سبق وأخبرتك به "
فتمتم أيضاً ينظر لها بشك
" لست مقتنعاً "
فأدارت وجهها جانباً هامسة
" ليست مشكلتي "
فضيق عينيه ينظر لها بتفكير قبل أن يستدير هامساً بجمود
" سأعلم بطريقتي إذاً ما تخفيانه أنتما الإثنين "
وغادر من فوره بخطوات ثقيلة واسعة فتأففت وحملت دفترها عن
الكرسي بعنف ولم تهتم للقلم الذي سقط منه على الأرض
وتحركت مغادرة من هناك أيضاً وبخطوات غاضبة سرعان ما
توقفت وبشكل مفاجئ بسبب التي ظهرت أمامها فجأة معترضة
طريقها بشكل متعمد وتبادلتا نظرة متشابهة في القوة كما
الشراسة والاستعداد للهجوم بينما كانت جمانة من تحدثت أولا
قائلة بحدة
" هل أفهم ما الذي تفعلينه هنا كل صباح ؟ "
*
*
*
مسحت بالمنشفة سطح الطاولة اللامعة بانسجام تدندن لحناً خافتاً
وبحركات خفيفة راقصة بينما تحمل في يدها الأخرى المزهرية
الخزفية الجميلة التي كانت تستقر بنعومة عليها ، وما أن رفعت
نظرها للمرآة المعلقة فوقها تأخذ شكلاً دائريا بحواف مائلة قابلها
فيها وجهها وعيناها ذات الرموش البارزة بوضوح فهي كانت
تلف شعرها بمنديل خاص يغطيه من الأمام بينما ينزل ذاك الشعر
الأسود على ظهرها منساباً من الخلف وخصلات منه ترتاح
بنعومة على كتفيها فابتسمت لنفسها تراقب البروز الخفيف في
شفتها العلوية وهو يزداد جمالاً غريباً بابتسامتها وأهدت نفسها
قبلة هامسة بابتسامة
" صباح الخير حلوتي دانيا "
وضحكت من فورها ونظرت للمزهرية التي أعادتها مكانها
ومسحت حواف الطاولة التي كانت تحتل المساحة الصغيرة قرب
باب الشقة .. وما أن وصلت الدرج أعلاها لفت انتباهها انه من
النوع الذي يحتاج مفتاحاً لفتحه .. غرزت أسنانها في شفتها
السفلى في محاولة لإخماد ثورة فضولها فما قد يكون موجوداً فيه
ويحتاج أن يوصد لأجله ؟ لا تستطع نكران أن كل ما فيها
يدعوها وبقوة لفتحه .. حسناً وما في الأمر فهي لم تفتح درجاً
ولا باباً منذ أصبحت هنا ... وابتسمت بحمق فمنذ متى هي هنا
وكلها يوم وليلتان !! لكنه لم يمنعها أو يحذرها من هذا أليس
كذلك ؟ ثم هنا ليست غرفته ولا مكتبه هذه مجرد طاولة قرب باب
الشقة مهملة لا أهمية لها سوى لتعليق المفاتيح التي لا تراه
يستعين بها من أجل فعل ذلك ... وبما أنه غادر قبل قليل قاصداً
شركته فلن يشهد أحد محاولاتها الفاشلة هذه .
وتحت ضغط تلك الافكار كانت تمرر عليه المنشفة مراراً وتكراراً
وبمبالغة وكأنها ستزيل قشرته الخشبية اللامعة تلك ..! وخرجت
ضحكتها وهي تسحبه من مقبضه نحو الخارج قائلة
" حسناً لا فائدة من المقاومة .. ثم هو سيكون موصداً على
كل حال .. "
لكن ويا للمفاجأة .. بل الصدمة التي زحفت سريعاً لملامحها فقد
انسحب معها بسلاسة وكأنه يرحب بها لتكشف عن أسراره ! بل
وكأنه لم يصدق أن يجد من يجبره على البوح بها من شدة ما
أثقله الكتمان طويلاً ..!!
وما إن نظرت لداخل الدرج المفتوح والذي كان عرضه بعرض
الطاولة النصف دائرية حتى غضنت جبينها باستغراب فكل ما كان
يحويه صورة فوتوغرافية مقلوبة وورقة بيضاء ملفوفة فقط لا
غير ...!!
فرفعت يدها وفركت أصابعها ببعضها في الهواء وكأنها
تستشيرها تفعلها أم لا ؟ تفعلها أم لا ؟ حسناً .. فات أوان التعقل
الآن فقد أغمضت عينيها ومدت يدها نحو الصورة سريعاً
وأخرجتها وقلبتها ونظرت لها بعينين اتسعت تدريجياً أو للرجل
الموجود فيها ... غضنت جبينها تنظر لملامحه بتمعن .. هذا هو
بالتأكيد ويبدو قبل أعوام عديدة ومؤكد في الفترة التي وصل فيها
هذه البلاد وحين كان ابنه لازال طفلاً صغيراً ... ملامحه لازالت
كما هي بل ونظرة الحزن العميقة التي تختبئ خلف جمود تلك
الأحداق السوداء ... النظرة التي يبدو لم تغيرها السنين ..!
لم تمحوها كما لم تضمد جراحه وعلق كل شيء في ذاك الزمن
والوقت والتاريخ الذي ترك فيه منزله وعائلته الصغيرة
وبلاده ... بل وأحلامه جميعها كما يبدو .
والأغرب من كل ذلك كان الشعور الغريب الذي اعتراها والذي لا
تعرف حتى كيف تصنفه او تفسره !! وكأن هناك ما يجب ان
تنتبه له في ملامحه ولا تفهم ما هو ولما ..؟!
ومع عِظم حيرتها هذه قلبت الصورة وأعادتها مكانها وامتدت
أصابعها لا شعورياً للورقة الملفوفة بشكل اسطواني فما سر
وضعه لصورته القديمة تلك هنا وما الرابط بينها وبين هذه
الورقة ؟!
رفعتها وفتحتها بيديها الاثنتين وانفتحت عيناها بدهشة رافقتها
شهقتها المتفاجئة وقد ارتفعت ضربات قلبها حتى شعرت أنه قد
صم أذنيها فلم تعد تشعر بما حولها وهي تنظر لوجه المرأة
المرسوم فيها بقلم الرصاص ولملامحها التي استطاعت التعرف
عليها بسرعة ودون عناء ... هذه زوجته ؟!
أجل إنها هي وكما تذكرها تماماً وكأنها تراها أمامها الآن !
من هذا الذي رسمها بهذه الدقة ؟ ليس هو بالتأكيد فلم تعلم عنه
بأنه يجيد الرسم ولا يظهر ذلك عليه فهل قام بوصفها لشخص
رسمها له ؟
هل استطاع أن يوصل له ملامحها بكل هذه الدقة !!
هل حقاً هو يعيشها داخله وبهذا الشكل ؟ ام أنها عبقرية الرسام
الذي استطاع التوغل وببراعة ورقة شديدتي الرهافة والحساسية
لدواخل هذا الرجل لتنعكس بمعانيها العميقة في فراغ الورقة
البيضاء ...؟!
وعند هذه النقطة لم تستطع منع نفسها من أن تمرر أصابع يدها
على ملامحها بينما تمسك الورقة بيدها الأخرى و قد ملأ الحزن
عينيها كما الدموع التي ترقرقت فيها سريعاً تنظر لتلك الملامح
الجميلة الفاتنة والعينان المبتسمتان بحنان فاق جمالهما الآسر
وتساءلت بمرارة لما تخرج لها هذه المرأة من كل شيء لتشعرها
بالذنب أكثر ؟
قسماً بأنها الظروف من حكمت هذا وليست هنا لتأخذه ولا لتأخذ
مكانها.
زمت شفتيها تمنع شهقتها الباكية من الخروج وبللت دمعتها
رموشها الكثيفة وهمست ببحة
" لكن ما أعدك به أن أفعل شيئاً من أجلك ... أي شيء وإن
حققت حلمك وجمعتهما معاً كأب وإبنه ... أو... "
وارتسمت على شفتيها ابتسامة اكتسحت ملامحها الحزينة
وعيناها الدامعة وهي تتابع همسها لها
" أو انتقمت لكما منه... "
وأدنت تلك الورقة وملامحها المبتسمة فيها لشفتيها وقبلتها
مغمضة العينين بحزن وانتفضت مفزوعة حتى كادت تسقط تلك
الورقة من بين يديها ما أن سمعت صوت الخطوات المقتربة من
الباب تتبعها ضجة المفاتيح التي ستعلن في اي لحظة عن دخول
آخر شخص يتوجب ان يراها الآن !!
وبسرعة شديدة هي نفسها لم تكن تعلم أنها تملكها أعادت الورقة
الى الدرج وأغلقته في ذات اللحظة التي انفتح فيها الباب فأمسكت
منشفتها تفرغ انفعالها وتأثير ضربات قلبها القوية فيه تنظر
للجسد الذي أصبح يقف مقابلاً لها والذي وكما توقعت لم يستغرب
وجودها هناك فما علمه عنها هذان اليومان بأنها والغبار
أعداء ...! لكن ما لفت انتباهه أكثر وجعل حاجباه يقتربان
باستغراب هو طريقة وقوفها و ... ! هناك شيء ما غريب في
نظراتها التي لاحظ انها تتحاشى الالتقاء بعينيه !
هو حقاً يريد أن يسأل لكنه شعر بأن الأمر سيحرجها ففضل ألا
يفعل .. و عوضاً عن ذلك فعل ما نسيه وعاد من أجله وهو
يجتازها ودخل غرفة مكتبه فتش في أحد الأدراج عن الملف الذي
عاد من أجله وخرج مغلقاً الباب خلفه ونظره على التي لازالت
تنظف الطاولة ذاتها !! سار حتى اصبح بقربها ودس يده في
جيب سترته ونظراته تتابعها وهي تتشاغل بتنظيف ما قامت
بتنظيفه سابقاً و لا زالت تتجنب النظر له وأخرج منه مجموعة
أوراق نقدية ووضعها على الطاولة قائلاً
" هذه من أجل عامل التوصيل "
والتوت شفتاه بابتسامة جانبية حين علم انها فهمت ما يرمي اليه
من الابتسامة الصغيرة التي ارتسمت على شفتيها رغم استمرارها
في عملها دون ان تعلق .. حتماً حدث شيء ما فقد توقع أنها لن
تفوت الفرصة لترميه بإحدى تعليقاتها العفوية المعتادة بل
وابتسامتها المشاكسة التي لا تفارق شفتيها لكنها لم تفعل !
بل وكان متأكداً من أنه لمح حزن ما في ابتسامتها تلك !!
ولم يعد يراهن على أنه يفهم هذه المرأة كما كان يظن ويعتقد !
تركت أصابعه الأوراق النقدية وغادر مغلقاً باب الشقة خلفه
محرراً بذلك تلك الدمعة التي احتجزتها طويلاً .
*
*
*
لامارا, رغد تبوك, الغزال الشارد and 57 others like this.
رد مع اقتباس
#12135
قديم 10-06-19, 09:45 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
شملتها نظراتها ببرود وها هو كل من برزت له أنياب هنا عليه
أن يدربها عليها هي ؟ لا ووصل التدخل امكان جلوسها ووقوفها
وأين تكون ...! ابتسمت باستخفاف قبل أن تقول بسخرية محدقة
في عينيها الغاضبة
" لم أكن أعلم بأنه ثمة قانون جديد يمنعني ! هل انتقلت الأوامر
هنا من الرؤساء للجنود ؟ "
فاتسعت عينيها ولم يزدها ذلك سوى غضباً وصرخت تشير لها
بسباتها التي يزينها خاتم مكون من قطعتين تربطهما سلسلة
قصيرة
" أنت هو الشخص المنبوذ هنا ومن لا حكم له .. وإن تكرر هذا
مجدداً ورأيتك تجلسين هنا فعمي من سيكون الفصل بيننا "
فأهدتها ابتسامة ساخرة جديدة جعلتها ترجع لمهدها بل وكان
لديها المزيد فما أن تحركت شفتاها خرجت منها الأحرف بقوة كل
شيء فيها رغم برودها بينما نظراتها تنتقل على جسدها صعوداً
" لما لا تتعلمي أن تطوري من شخصيتك أيضاً ولا تختبئي خلف
الغير دائماً كالأرنب "
فتعاقبت أنفاسها الغاضبة تشد قبضتاها بقوة انقطع معها ذاك
السلسال الرقيق الذي يصل بين الخاتمين في مفصلي سبابتها قبل
أن تصرخ فيها مجدداً
" لن أستغرب هذا الأسلوب السافل من أمثالك "
وكان ذلك ما أشعل شهبا زرقاء وامضة في تلك الأحداق بلون
السماء فوقها وخرجت من برودها صارخة فيها بالمثل حينها
"ابتعدي عن طريقي إذاً قبل أن تري أسلوباً أكثر سفالة من ذلك "
لكن ذلك لم يزد من تلك المعركة سوى حدة والطرف الأول فيها
يعود للهجوم مجدداً وصراخها يتعالى أكثر هذه المرة حتى بززت
عروق نحرها النابضة
" ابتعدي أنت عن وقاص يا حفيدة الخماصية فأنا لن أستسلم
بسهولة إن كان ذاك ما يخبرك به عقلك "
ليستعيد الطرف الآخر وضعه السابق ما أن تحدد سير تلك
المعركة وتلك الشفاه الجميلة تعود للابتسام بسخرية بينما خرجت
الأحرف مشدودة من بينها
" أبتعد عنه ! يؤسفني أن أخبرك بأني لم أقترب منه لأبتعد ....
ولعلمك فقط هذا أمر يتوجب عليك شكري عليه فهو كرم مني
اتجاهك "
لتتسع تلك العينان السوداء المحفوفة بصف رموش اصطناعية
مكومة بذهول بينما كانت ستأكلها بها وهي تقول
" ماذا تقصدين بهذا ؟ "
لكنها وكالعادة قابلت ذلك بكل برود واستخفاف وهي توفع رأسها
بشموخ قائلة
" ظننت ذكائك أيضاً تحسن عن السابق "
مما جعل ذاك الغضب يستعر مجدداً وإن تكبدت صاحبته وبكل
جهد إخفائه بينما تكاد أظافرها أن تمزق لحم كفيها من الشد
عليهما بقوة وقالت بفكين متصلبين
" لن أجاري جاهلة سوقية مثلك ... وعليك التوقف عن استخدام
هذه الأساليب الطفولية السخيفة لمطاردة رجل متزوج "
فضحكت .... أجل ضحكت في وضع ما كانت لتتخيل أن تضحك
فيه ! لكنها لم تكن ضحكة مرحة طبيعية لم يعرفها أحد في ذاك
المكان فيها بل ضحكة هدفها فقط والذي تحقق سريعاً هو اثبات
غريزي لقوتها أمام خصم هي لا تراه قوياً أساساً لكنها خرجت
بأوامر من دفاعات دماغها على ما يبدو .. بينما استلم لسانها
القاتل زمام الأمور مباشرة وما أن نظرت للعينان المحدقتان فيها
بغضب تشير بالدفتر في يدها جانباً
" إن كنت أريد زوجك ما كنت لأجلس هنا كطفلة سخيفة كما
تقولين بل لكنت ذهبت له في غرفته "
فارتجف غضباً ذاك الجسد المشدود في سترة جلدية قصيرة
وأنيقة وبنطلون ضيق وقصير وخرجت الكلمات من شفتيها
الممتلئة مرتجفة بغضب أيضاً
" لن أستغرب هذا من أمثالك و.... "
لتوقفها التي لازالت تحارب في أرضها وبقوة قائلة بضيق
" توقفي بات هذا الحديث المزعج يشعرني بالصداع "
فاصطكت تلك الأسنان البيضاء بغضب وصاحبتها تهمس من بينها
" أنت.... "
وكان لها ذات المصير حين قاطعتها بغضب هذه المرة
" قلت اصمتي "
وصرخت في وجهها راميه بيدها جانباً والدفتر فيها
" ولعلمك فقط فوقاص لي ... ملكي ومن قبل أن يعرفك "
واجتازتها مغادرة دون أن تضيف شيئاً ولا أن تهتم لتعليقها على
ما قالت تاركة تلك العينان المحدقتان بها تكادا تخرجان من
مكانهما من الصدمة .
*
*
*
ابتسمت بحنان تستمع بانتباه لحكاياتها وكلماتها الأقرب للطفولة
في براءتها ورقتها ... بل من قال بأن هذه طفلة في الثالثة عشر
من عمرها ! هذه تحمل عقل وقلب امرأة فطوال فترة حديثهما معاً
لم تتطرق أبداً لذكر شيء عن ماضيها القاسي البشع ذاك بل ولم
تذكر والدها ولا زوجته بالسوء قط !
وإن لم يكن يمان لمّح لها سابقاً عما مرا به وهذه الفتاة تحديداً
ولولا ما علمته من والدة زوجها ذاك قبل قليل لما كانت لتتخيل
بأن تكون قد مرت بكل ذلك !!
من يعرف هذه الفتاة عن قرب وحده من يستطيع فهم كم هي
مختلفة ! كم هي امرأة وكم هي رائعة !!
ولن تتوقع غير هذا ممن يكون شقيقها يمان فالمرأة ليست
بعمرها ولا نضجها بل بعقلها وقلبها بالفعل فكم من طفلة كانت
بعقل امرأة وكم من امرأة كانت بعقل طفلة ...!!
هي آمنت بتلك الحقيقة الآن بل وتراها نموذجاً حياً أمامها .
كان العشاء في ذاك المنزل يشبه فخامته ورقيه ويشبه كرم تلك
العائلة وتواضعهم الذي فهمته الآن على حقيقته حين اقتربت
أكثر من تلك المرأة العظيمة ابنة العظماء وابنتها ، وبالرغم من
أنها لم تستطع أكل إلا القليل من تلك الأطعمة التي تحتاج لعشرة
أمثالهم ليأكلوا نصفها فقط إلا أنها كانت أمسية مميزة بقلوبهم
وأحاديثهم وضحكاتهم .. وكما توقعت من تلك المرأة جوزاء
شاهين الحالك فكرمها ورقيها يشبهان حزمها وشدتها فسرعان
ما كانت الفتتان وبأوامر منها في غرفة ابنتها حينما كان وقت
مراجعة الدروس الصيفية كما يبدو بينما كانت ثمة مساحة أوسع
لهما ليتحدثا معاً وكم أذهلها كمّ الحقائق التي كانت تجهلها عن
حياة تلك الفتاة وكل ظن تلك المرأة أنها تعلم وبأن يمان
أخبرها .. وكم شعرت بالأسى حيالها فكم عانت من ظلم
واضطهاد نهايته محاولة حرقها حية في وقائع تقشعر لها الأبدان
وتبين لها بأنها ليست وحدها من كانت تعاني فثمة من هو أسوأ
منها ... لا بل هي لم تكن أسوأ منها فقد كان شقيقها بجوارها
يساندها وإن كان عاجزاً عن إيجاد حل لها أما هي فلم تجد ولا
ذاك الشقيق .. كانت تناجي فقط طيفه في ظلام جدران ذاك المطبخ
البارد الذي تنام فيه بينما يعيش هو في مكان ما من هذا العالم قد
يكون قريباً جداً لها ويتجاهل ما تمر به ويعرفه جيداً وهي فتاة
وحيدة لا حيلة لها في مواجهة وحوش غيلوان وكل تلك الألسن
وبشاعة البشر التي التهمت لحمها وعرضها حية .
" يمان أصبح لديه منزل في الجنوب الآن ؟ "
ابتسمت وأومأت لها إيجاباً تنظر لعينيها الجميلتان والشبيهتان
بتلك العينان التي تعشق .. فهذه المرة الرابعة تقريباً التي تسألها
فيها إن كان يملك بالفعل منزلاً يخصه هناك ! بل وليست عيناها
فقط ما تشبهانه هي أخذت من ملامحه الكثير غير أنها بشعر بني
مجعد بفوضوية طفولية مميزة تشبه براءتها ورقتها وجمالها
بينما شعر شقيقها أكثر نعومة وأغمق ، فكم تذكرها به بل وكم
تشتاق له الآن ولم يفترقا سوى لساعات !!
تشتاق لتفاصيل حياتهما البسيطة تلك جميعها وحتى الغرفة
الفقيرة التي ينامان فيها كل في طرف وجدار !
صعدت الدماء الحارة في جسدها وصولاً لخديها اللذان توهجا
بحمرة واضحة وهربت بنظرها للأسفل ما أن تذكرت تلك
اللحظات المجنونة والقبلات التي تبادلاها أعلى الجرف الصخري
وشعرت بالخجل من نفسها واندفاعها الأحمق فكيف سينظر لها
الآن ! لكن سرعان ما بدد تلك المخاوف تذكرها لكلماته لوالدة
زوج شقيقته حين ذكرت رغبتها في تزويجه لابنة لها وتعليقه
على ما قالت وارتجف قلبها أكثر من السابق .
" وهل أصبح يدرس الطيران ؟ هل سيكون طياراً ؟ "
رفعت نظرها لها وحدقت فيها باستغراب بينما تابعت هي برجاء
حزين قائلة
" هو كان يريد ذلك لكن والدي رفض فهو يدرسها الآن بالتأكيد
أليس كذلك ؟ "
حركت رأسها نفياً بملامح حزينة أمام تلك النظرات البريئة
المستجدية فهذه المرة الأولى التي تذكر فيها شيئاً سلبياً عن
والدها ! بل والأولى التي تعرف فيها هي هذا الأمر !!
وكابدت دموعها باستماتة حين قالت الجالسة أمامها بحزن
وعينان دامعة
" هو كان يريد ذلك كثيراً ... لم نكن نملك المال لكن أبي رفض
نقود المدرسة "
ابتسمت بحزن ومرارة وفهمت ما تعني ولا تستطيع استيعابه ...
هي المنحة الدراسية بالتأكيد ... يا إلهي كم قاسى ذاك الشاب
وخسر أيضاً ؟ نظرت من بين الدموع التي ملأت عينيها للتي قالت
بأمل حزين
" غيهم طيار .. هو يقود الطائرة دائماً لكنه لا يحب ذلك .. بثينة
أخبرتني بأنه كان يريد أن يسافر ويعمل مع الجيش هل يستبدل
ليمان مكانه ؟ هو لا يريده "
أمسكت يدها بكلتا يديها وملأت الدموع عينيها أكثر حتى أشبعت
رموشها فهذه أصغر مما تتوقع فعلاً !
بل ومن سنها الصغير أساساً ؟ قالت ببحة وحزن
" لا يمكنه استبدال مكانه فتلك سنوات كثيرة من الدراسة
يا يمامة "
فانسابت الدموع من عينيها وهمست ببكاء
" ألن يكون طياراً أبداً ؟ "
رفعت يديها لوجهها وقالت تمسح الدموع عن وجنتيها
" قد يكون كذلك يوماً ما .. بل وقد يكون أفضل من ذلك بكثير "
فأومأت موافقة وشع وجهها بابتسامة وكأنها أخبرتها بأنها
ستحقق ذلك لها !
عادت لإمساك يديها مجدداً وقالت تنظر لعينيها الفضية الجميلة
" نحن لا نعلم الخير في الأمر يا يمامة فكم من أمور نكرهها
لكنها تحمل الخير لنا ... "
وتابعت تبتسم برقة من بين حزنها
" ثم لو أنه أصبح طياراً ما كان ليسكن الجنوب ولا لألتقيه
وأتزوج به "
فتبدلت نظرات الجالسة أمامها للفضول سريعاً وقالت
" كيف التقيتما ؟ "
ابتسمت بحياء وقالت
" لقد صدمني بسيارته ليلة احترق منزلكم وأخذني للمستشفى
وسُرقت سيارته تلك الليلة لذلك تأخر عنك ولم يكن هناك "
نظرت لها بتفكير عميق وظنت بأنها تحاول تفسير الحادث وسبب
تأخره لكن ما كان يحدث في عقلها الصغير عكس ذلك وقد
فاجأتها بأن قالت بفضول
" وهل يتزوج الرجل المرأة التي يصدمها بسيارته ! "
فلم تستطع إمساك نفسها عن الضحك وقالت في محاولة مستميتة
لإيقافه
" لا بالطبع لكنه كان سبباً لذلك "
واختفي كل ذاك الضحك لتحل محله ابتسامة حزينة حين أمسكت
هي بيدها هذه المرة وبكلتا يديها الصغيرتان معاً قائلة برجاء
حزين
" هو سيكون سعيداً أليس كذلك ؟ أنت ستفعلينها ؟ "
فأومأت برأسها بنعم وقالت تضغط على يدها بيدها الأخرى التي
جمعتها مع يديهما
" سأفعل يا يمامة .... سأسعى جهدي لفعل كل ما يجعله سعيداً "
ابتسمت لها بامتنان وانفتح حينها باب الغرفة وأطل منه رأس
بثينة التي قالت مبتسمة
" ألم تناما بعد ؟ كنت أعلم بهذا يا مخادعتان .... "
وتابعت تنظر ليمامة بمكر وهي تدخل مغلقة الباب خلفها
" لهذا أردتِ أن تنام معك ؟! "
وضحكت وصعدت السرير معهما قائلة بضحكة
" لو تعلم والدتي عنا فسنعاقب عقاباً بشعاً في الغد يا يمامة "
فضحكت يمامة وقالت
" لن نخبرها "
ضحكت أيضاً وقالت ونظراتها تنتقل بينهما
" أنتم من أين تحصلون على هذه الأحداق الملونة ! "
وأمسكت خصرها بيديها وتابعت بضيق
" حتى تيما ابنة خالي مطر عيناها زرقاء بالرغم من أن والداها
وجداها ليسا كذلك ! بل وجميعكن متزوجات عداي ! "
ابتسمت يمامة بينما نظرت لها مايرين باستغراب فابتسمت بمكر
ونظرت لها قائلة
" قالت والدتي بأنها كانت ستزوج يمان من ابنتها فما بي أنا !
لما لم تفعلها ؟ "
فاتسعت تلك الأحداق الخضراء بصدمة فضحكت بثينة وقالت
" كنت أمزح فقط ... لا تنظري لي هكذا "
وتشاركن الضحك معاً وبدلاً من أن تنام مايرين مع يمامة كما
أراردت تلك وأصرت أن تنام معها في غرفتها لم ينم أحد من
ثلاثتهن تلك الليلة حتى الصباح .
*
*
*
رفعت شعرها الرطب وجمعته وأمسكته بمشبك كبير وهي تتوجه
جهة سريرها ورفعت الهاتف الذي كان مرمياً عليه وصوت رنينه
وصلها من قبل أن تخرج من الحمام ، نظرت لإسم المتصل قبل أن
تفتح الخط ووضعته على أذنها وهي تجلس على حافة السرير
وقد انكشف فخذها العاري من روب الاستحمام القصير بسبب
جلوسها إحدى قدميها تحتها والأخرى على الأرض وقالت
مبتسمة
" مرحبا يا جليلة ولا تنسي بأني لازلت غاضبة منك "
فانطلقت من في الطرف الآخر قائلة باندفاع هجومي
" من يحق لها الغضب من الأخرى يا ناكرة الصداقة الطويلة
التي شهدت حروب البلاد وتحريرها وحروبها الجديدة ! "
ابتسمت ترفع خصلات غرتها الرطبة خلف أذنها وقالت
" وما الذي فعلته يغضبك بينما أنت التي لم تكن بجانبي
بالأمس ؟
ولن نتحدث عن رفضك العمل معي كمساعدة لي "
قالت من في الطرف الآخر من فورها وبسخط
" غسق بالله عليك وكأنك لا تعرفين الوضع جيداً ؟
فكيف أعمل معك وأنا نصف عزباء نصف متزوجة وسيكون
عليا أخذ الإذن من ذاك الرجل أولاً لأكون هناك وهذا ما لن
يحصل أبداً .. ولا أظنه سيوافق عليه وأنا أرفض مناقشة هذا
معه أو سماع صوته "
تنهدت بضيق متمتمة
" وحتى متى ستهربين منه ومن حقيقة أنك أصبحت زوجته ؟ "
وتابعت من فورها تغير مجرى الحديث الذي لا طائل من
النقاش فيه
" حسناً ماذا بالنسبة لحضور الحفل ؟
ما هي أسبابك وقائد كان هنا ؟! "
فتمتمت تلك من فورها وببرود
" للسبب ذاته "
تنهدت بعمق وقالت
" جليلة أنت تضيعين الوقت ليس إلا فاقتنعي بواقعك "
فكانت من في الطرف الآخر من غير مجرى الحديث هذه المرة
وقد قالت بحماس
" مؤكد لم تري الإحتفال في ميدان الفروسية ولم تكوني هناك
أعرفك جيداً فهل رأيته في التلفاز ؟
هذا هو الأمر الوحيد الذي جعلني أموت تحسراً لأني لم
أكن هناك "
ضمت ساعدها لصدرها ودست يدها تحت مرفق يدها الأخرى التي
كانت تثبت بها الهاتف على أذنها وقالت ببرود
" تبدين كطفلة وأنت تتهربين من حديثنا السابق "
ووصلها بوضوح صوت تأففها الطويل قبل أن تقول باستياء
" أنا لم أتهرب منه بل تحدثت عما اتصلت من أجله فلا تعكري
لي مزاجي به غسق حلفتك بالله "
وقاطعتها من قبل أن تفكر في التعليق والتحدث قائلة بابتسامة
" لكنهم تغلبوا عليك هذه المرة فلم أصدق عيناي وأنا أرى
صورتك في جريدة العوسج اليوم !! "
تنهدت بضيق وقالت
" تملصت بجميع الطرق لكنهم كانوا أعند مني وبصعوبة وافقوا
على أن يقتصر الأمر على الصحافة فقط ثم تركت لهم المبنى
وما فيه وصعدت لمكتبي "
قالت تلك ضاحكة
" كان هذا كافياً والتقطوا المهم منه فما نريد بالباقي "
حدقت في الفراغ باستغراب هامسة
" ماذا تقصدين ؟ "
وصلها صوتها سريعاً وباستغراب مماثل
" ألم تري جريدتهم اليوم ؟ "
نظرت للطاولة قرب باب الغرفة وقالت
" لا فبالكاد استيقظت واستحممت .. كنت متعبة ولست أعلم
كيف نمت لكل هذا الوقت ؟ "
ضحكت وقالت
" لازالت الساعة التاسعة يا دجاجة ! وبما أنك لم تريها فقد
تركوا لصورتكما عموداً كاملاً لتحتلا الصفحة بأكملها بطولها
وعرضها وأنتما تقطعا معاً الشريط الأحمر "
تنهدت بضيق ولم تستغرب ذلك بل كانت تتوقعه فهي رفضت
مراسلي التلفزيون لكنها لم تستطع منع الصحافة أيضاً وتم رفض
ذلك ومن الجميع ... بينما وصلها صوت ابنة خالتها المتحمس
قائلة بابتسامة كانت واضحة فيه
" ظننته إعلان ما عن مسلسل جديد سيتم عرضه ... ما كل هذا
التناغم والانسجام !
لقد بدوتما رائعين وكنجوم السينما تماماً "
وقفت وقالت بضيق ولازال نظرها هناك حيث الصحف الموضوعة
على الطاولة
" جليلة ..... !!! ما أسخفك وتلك الجريدة معك "
فضحكت وقالت
" وماذا تتوقعين من السخافة ... أعني الصحافة أن تختار لتترك
مثل ذاك المشهد وتستبدله بغيره ؟
إن كنت مكانهم ما وضعت غيرها بل وفي الغلاف أيضاً بدلاً
من صورة البرج وخبر افتتاحه "
كانت تحدق هناك بصمت واستغراب بينما تابعت تلك بضحكة
جديدة
" ثم ما أن تري تلك الصورة سيتغير كلامك هذا ... يا إلهي
ما الذي لا يبدع فيه ذاك الرجل ولا يليق به ؟ "
فزمت شفتيها بضيق وقالت
" لا تنسي بأنك متزوجة يا أم لسانين وبأنك تملكين نسخة
أخرى عنه وبأنه ابن الحالك أيضاً "
فنجحت في قلب مزاجها ذاك سريعاً فقالت بضيق مماثل
" لا أعلم من منكما نقلت العدوى للاخرى أنت أم والدتي !!
من أخبركم بأني نسيت أمره لتذكروني به طوال الوقت ؟ "
تنهدت بضيق وتوجهت ناحية باب الشرفة الزجاجي قائلة
" لا تأخذي موقفاً سلبياً من الرجل وتجعليه يكرهك فيما بعد
وهو من تقدم لخطبتك من نفسه يا جليلة "
فوصلها صوتها فوراً وببرود
" فليفعلها ويخلي سبيلي لا مانع لدي "
حدقت في السماء البعيدة عنها بصدمة وقالت
" مطلقة مرة أخرى يا جليلة !! لن تستحملي تبعات ذاك الأمر
هذه المرة فلا تستهيني به "
قالت تلك من فورها
" الأمران سيان ... بل وبقائي مع رجل أسوأ من ذلك بالنسبة
لي "
حركت رأسها بيأس منها وأمسكت بحزام المنشفة الملفوفة حول
جسدها قائلة
" لو أني أفهمك فقط وما تعنين وما تخفينه عني ؟ واعلمي من
الآن بأني لن أسامحك حين سأعلم ورماح معك بالطبع لأنه
وبسبب وعدك له ترفضين التحدث "
وصلها صوتها حزيناً محبطاً
" لا فائدة من الحديث عن الماضي يا غسق لأنه لن يجدي
في شيء "
تنهدت وقالت تولي ظهرها لمنظر أهم أحياء العاصمة الراقية
" لا أريد أن تكوني تعيسة يا جليلة وأخشى أن تتضرر مشاعرك
مجدداً وتكونين أنت السبب في ذلك وتكتشفين الحقيقة حينما
يكون الأوان قد فات "
وكما توقعت قالت تلك من فورها
" لن أخسر أكثر مما خسرت ولن يُذبح قلب ويموت وهو ميت
أساساً فقد اعتدت حتى أن أكون علكة في أفواه الناس فما
سأخسر أكثر وفيما سأتضرر ؟ "
فتنهدت بأسى ويأس منها وقالت تتكئ بظهرها على الباب
الزجاجي خلفها
" لعل الإيجابي الوحيد في الأمر أنك ستصبحين هنا ونكون
قريبتان من بعضنا "
فتمتمت من في الطرف الآخر ببرود
" ولست أرى ذاك الإيجابي الوحيد سيطول "
فتنهدت نفساً طويلاً وقالت
" ما أعندك ....! حسناً متى تقرر حفل الزواج أم أنه مفاجأة
بالنسبة لك كعقد قرانكما ؟ "
فوصلها صوتها المتضايق سريعاً
" لا أعلم ولست أهتم وأتوقع ذلك في أي وقت وفي كل صباح
لتدخل والدتي عليا الغرفة وتخبرني بأنه في انتظاري في
الأسفل ... ليتني أموت قبل ذاك اليوم "
قالت بضيق أشد أصابعها تشتد على الهاتف فيها بقوة
" جليلة توقفي عن التفوه بالحماقات يكفي ترفضين أن يكون لك
حفل زفاف كغيرك ...! ما أعندك وأغباك وهو من يريد حفلاً لك
في أفضل مكان في العاصمة !! "
فقالت تلك بمرارة عبّرت عن كل ما بداخلها
" وما الذي أفعله بحفل زفاف ستحتشد له الناس فقط ليروا التي
التهمتها الألسن والشائعات لأعوام وهي تتزوج ؟ "
ووصلها صوت تأففها القوي قائلة من قبل أن تتحدث
" وداعاً الآن يا غسق لقد عكرت لي مزاجي بما يكفي .. واذهبي
وانظري للخبر في الجريدة فوق صورتكما ولا تنسي بأني
غاضبة منك من الآن "
أبعدت الهاتف تنظر له باستغراب قبل أن يتحول كل ذلك لحزن
فهي لم تستطع قول الحقيقة لها والتي تجهلها وبأن زواجها ذاك
أقرب مما تتخيل وليس تتوقع ، تنهدت مستغفرة الله وتحركت من
مكانها ونظرها على مجموعة الصحف الموضوعة على الطاولة
هناك تمسك شعرها الرطب الذي انزلق من بين أسنان مشبك
الشعر وجذبته جهة كتفها ورفعت جريدة العوسج تحديداً فهي
الأشهر في البلاد وإحدى الصحف المهمة عربياً .. وكانت بالفعل
صورة البرج المضاء والألعاب النارية تخرج منه تلمع وسط
الظلام حيث تم التقاطها من مكان الاحتفال بنادي الفروسية
القريب منه فهو ما احتل الصفحة الأولى واسمه يعلوا باقي
الأخبار فقلبت صفحاتها بسرعة حتى وجدت صورتهما والخبر
الذي تحدثت عنه وكانت بالفعل قد احتلت عموداً كاملاً وهما
يقومان معاً بقص الشريط الأحمر لافتتاح صالة البرج الأرضية ..
وبينما كان هو يقف بجانبها كانت ذراعها تحيطان بها تمسك يديه
بيديها يتوجان معاً ذاك الحدث ... وانفتحت عينها بصدمة
ممزوجة بالغضب حين فهمت ما كانت تقصد جليلة بغضبها منها
ما أن قرأت الخبر أعلاها تحت إسميهما المكتوبان بالأحمر
العريض وقد كُتب بخط أسود منسق
( افتتاح برج القمة وإعلان خبر انتظارهما للمولود الجديد )
فرمت الصحيفة من يدها قائلة بضيق
" مطر ... فعلتها إذاً ولا أحد غيرك سيفعلها "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, sweethoney and 61 others like this.
التعديل الأخير تم بواسطة لامارا ; 10-06-19 الساعة 10:01 PM
رد مع اقتباس
#12136
قديم 10-06-19, 09:46 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
حضنت الجريدة بل صورتهما فيها وكأنها لم ترى ذاك مباشراً
بالأمس وقالت بسعادة
" ما أروعهما وهما معاً ... يا رب احفظهما لي يا رب "
فضحك الجالس على السرير بقربها وقال مبتسماً بسخرية يتكئ
على ذراعيه
" يا لك من طفلة ! لا أفهم كيف لوالدك أن يزوجك وأنت لازلت
تحضنين صورة والديك ! يا له من تقشف عاطفي هذا الذي
تعيشينه "
لوحت بالجريدة في يدها ونظرت له وقالت بأسى واستياء
" أجل تقشف عاطفي لم تعرفه أنت لتفهمه .. فبينما كنت تنام في
حضن والدتك هنا كنت أنام أحضن طيفها في السرير البارد ..
وبينما كان جدك وأعمامك يغدقونك بكل ذاك الدلال كنت أنا أشتاق
للحظات أرى فيها والدي لأنه يضحي بكل شيء وحتى وقته
لتعيش هنا بسلام "
رفع يديه عالياً وقال ينظر للسقف يمسك ضحكته
" وأنا أحمد الله لذلك لكنت الآن أحضن الجدران مثلك "
رمته بالجريدة التي استقبلها ضاحكاً وقالت بضيق
" ما أسخف مزاحك يا طفل .... فانظر أنت لسنك أمام الرجال
لتعلم بأنك طفل عكسي تماماً "
أمسك الجريدة من طرفيها ورفعها بينهما يحركها وكأنها تطير في
الهواء وقال باستهزاء
" لا أعرف واحدة تصف نفسها بأنها امرأة وستدخل الثانوية
العام المقبل ! "
أمسكت خصرها بيديها وقالت بتملق
" والدتي حين تزوجت كانت تدرس في الثانوية "
قال ولازال يحرك الجريدة بينهما مبتسماً بسخرية
" كانت في التاسعة عشرة يا ذكية "
نظرت له بضيق وما أن كانت ستعلق أوقفها رنين هاتفها الذي
أخرجته من جيب تنورتها وما أن نظرت للاسم على شاشته حتى
عضت طرف شفتها تمسك ضحكتها فهي لم تتصل به كما لم
يفعلها هو وها قد استسلم أخيراً ، وقفت وأدارت ظهرها للذي قال
ضاحكاً
" لو أفهم فقط ما يعجبه بك ؟ "
فسارت حتى وصلت لباب الغرفة والتفتت له وأخرجت لسانها
وخرجت من فورها ضاحكة بل وراكضة كي لا يلحق بها لأنه قفز
باتجاهها متوعداً .
وما أن وصلت غرفتها وأغلقت بابها خلفها كان هاتفها قد عاود
الرنين مجدداً ففتحت الخط ووضعته على أذنها فوصلها صوته
الحانق فوراً
" لو لم أكن أحمقاً ما اتصلت بك أبداً "
فأمسكت ابتسامتها بأسنانها وقالت
" وإن لم أكن أنا حمقاء ما أجبت عليك أبداً ... ثم أنت قلت أن
أجيب على اتصالاتك لا أن أتصل بك "
وتابعت من فورها وقد تحولت نبرة صوتها للضيق
" وإن لم أكن أحبك كحمقاء لكنت غضبت منك للأبد بسبب
ما قلت بالأمس حين اتصلت بك من أجل الحفل "
فوصلها صوته البارد الجاف سريعاً
" لن أتحدث عن ذاك تحديداً كي لا تنامي الليلة باكية "
فأمسكت خصرها النحيل بيدها الحرة قائلة
" قل ما لديك وأعدك بأن لا أفعلها "
" تعالي لمنزل والدك "
قالها مباشرة وبحزم آمر فحدقت في الفراغ بصدمة قبل أن تشتد
أصابعها على خصرها أكثر وقالت بضيق
" بل كان عليك أن تقول متى ستأتي لمنزل والدك ؟ "
وكما توقعت كان تعليقه التالي أشد حزماً وحدة وقد قال
" تيماااا .... قسماً أن تجديني في غرفتك مجدداً ولن أغادر
من دونك هذه المرة "
فنفضت يدها قائلة باستياء
" لا هذا ليس اتفاقنا "
قال بضيق مماثل
" وليس من ضمن اتفاقنا أيضاً أن لا تزوري منزل والدك
مجدداً "
قالت بأسى غزا ملامحها قبل صوتها
" قاسم لا تكن قاسٍ ومجحف هكذا "
" قاسٍ !! "
قالها سريعاً وباستهجان فقالت من فورها وبضيق
" أجل وأنت لا تمنحني الفرصة التي اتفقنا عليها مطلقاً "
قال بحزم
" لا تتهربي من موضوعنا الأساسي "
قالت مباشرة
" أنا لا أتهرب وهو موضوعنا ذاته "
تجاهلها قائلاً بأمر حازم
" سأكون في منزل العائلة وسأنتظرك ... وداعاً "
عبست ملامحها الجميلة وهي تنظر للهاتف في يدها بعدما أغلق
الخط دون حتى أن ينتظر تعليقها ! رفعت كتفيها وهي تبتعد عن
الباب مبتسمة وغادرت الغرفة ووجهتها الغرفة الأقرب لها ..
طرقت الباب وفتحته ما أن سمعت ذاك الصوت الأنثوي المنخفض
يسمح لها بالدخول وأغلقته ونظرها على الجالسة على حافة
السرير تحضن رأسها بيديها قبل أن ترفعه ممررة أصابعها في
شعرها للخلف لينزل متدرجاً على كتفيها تتبعه غرتها الطويلة ..
وبالرغم من أن شعرها كان جافاً كانت ماتزال تلبس روب
الاستحمام ! قالت بقلق تنظر لملامحها الفاتنة الشاحبة
" أمي تبدين متعبة ؟ "
وتبعتها بنظرها وهي تقف متمتمة
"هكذا أكون صباحاً ثم يتغير كل هذا .. لقد اعتدت تقريباً "
تبعتها بنظراتها وهي تتوجه للخزانة وتخرج ثياباً لها منها وقالت
" ستذهبين للبرج ؟! "
قالت وهي تسحب بابها مغلقة إياه
" أجل عليا أن أكون هناك .. أنا بخير لا تقلقي "
وتوجهت جهة باب الحمام وأغلقته قبل أن تسمع تعليقها ! بل وما
جاءت من أجله ولتستأذنها للذهاب لمنزل والدها .
*
*
*
رتبت خصلات شعرها القصير تنظر لنفسها في المرآة قبل ان
تنزلق نظراتها علي فستانها القصير والذي لم يتعدى طوله
ركبتيها من الامام بينما وصل لنصف ساقيها من الخلف ، التفتت
لوالدتها الواقفة خلفها قرب باب الغرفة تنتظرها وقالت تلامس
خصلات شعرها بيدها
" ما رأيك أمي أم أضع مشبكاً لشعري ؟ "
قالت مبتسمة
" أنت رائعة كيفما كنت يا زهور فبسرعة المرأة تنتظرك في
الأسفل وأنت تأخرت كثيراً "
قالت تنحني للجانب قليلاً وترفع قدمها ليدها تعدل حزام حذائها
المرتفع
" هي المرة الأولى التي أقابل فيها والدته بل وفرداً من عائلته "
فاقتربت منها والدتها قائلة
" وإن يكن فالأمر لا يحتاج كل هذا "
قالت وهي تستدير للمرآة الطويلة مجدداً تعدل خصلات شعرها
عليها
" كيف لا يحتاج وهي تراني للمرة الأولى ؟ "
وتابعت تمسح بطرف سبابتها تحت جفنها
" وماذا عن باقي عائلته ؟ ألم تأتي شقيقاته أو زوجات
لأشقائه ؟ "
قالت الواقفة خلفها تنظر لها في المرآة
" لا فلا أحد له .. هو ابنها الوحيد "
نظرت لها أيضاً في المرأة وقالت باستغراب
" الوحيد !! "
قالت من فورها
" أجل فوالده توفي منذ زمن ولا أبناء لها غيره "
استدارت نحوها مجدداً وقالت بحزن
" وأعمامي وعائلاتهم وعماتي ؟ ألم يحظر منهم أحد ؟! "
تنهدت بضيق وقالت
" لا ... فهم لازالوا يُحمّلون والدك الذي رباك مسؤولية عدم
إخبارهم وأخذ رأيهم قبل أن يوافق عليه وكأنهم يهتمون لأمرك
مثلاً وما يصلح لك ولا يصلح ؟! "
أخفضت كتفيها متمتمة بإحباط
" لكنه ترك لهم الرأي وأن يسألوا عنه كيفما يشاؤون ! "
أمسكت يديها في وسطها وقالت ببرود
" وهذا لم يكفيهم فحين لم يجدوا به عيباً. يعيبه تحججوا بعائلته
التي لا تربطه بها سوى صلة الدم والجميع في الجنوب
يعلم ذلك "
حدقت فيها باستغراب وقالت
" وما بها عائلته ؟! "
شدتها من يدها وتحركت بها من هناك قائلة
" لا شيء مهم في هذا وليس وقت الحديث عنه .. تحركي يا
زهور فلن نتركها وحدها أكثر من هذا "
فأوقفتها بوقوفها وقالت
" أمي عليا رؤيته بما أنه أصبح هنا .. لن يُعقد قراننا هكذا
دون أن أعرفه وأتعرف عليه "
أمسكت بيدها مجدداً وقالت تسحبها معها
" هو اتفق مع والدك على كل هذا فأسرعي هيا "
تحركت خلفها تتمتم بحنق
" لا أفهم ما هذا الذي اتفقا عليه وكيف ومتى سأراه مثلاً ؟! "
نزلت السلالم خلفها وكانت ضيفتهم تجلس في بهو المنزل عكس
ما توقعت أن تكون في غرفة الضيوف وهذه ليست عادة
والدتها !! تباطأت خطواتها ما أن أصبحت في الأسفل تنظر
باستغراب للمرأة التي وقفت ما أن قالت والدتها
" وهذه زهور ابنتي "
بل وتوقفت خطواتها تماماً وهي تنظر لتلك العينان السوداء
الواسعة التي كانت تنظر للفراغ وليس لها وكأنها لا تستطيع
تحديد مكانها ! بينما مدت يدها للأمام قائلة بابتسامة دافئة
" تعالي يا زهور ... اقتربي لأراك بطريقتي "
فشعرت بسكين قاسي غرس في صدرها وتلاحقت أنفاسها وهي
تكتشف وللمرة الأولى بأن والدته ضريرة لا يمكنها الرؤية !! ولا
تفهم ما هذا الذي جعل ضربات قلبها ترتجف فجأة وعقلها الباطن
يرفض وبشدة ربط أحداث وحقائق ما تجهلها ! مما جعلها
تتحرك من مكانها تجر خطواتها نحو اليد التي لازالت ممتدة
نحوها حتى أصبحت تقف أمامها تماماً نظراتها الحزينة المغمورة
بالعاطفة تتنقل في ملامحها الجنوبية لتحاكي جذور تلك القبائل
حتى في غرتها السوداء الكثيفة الناعمة والتي تحف حاجبيها
تظهر من تحت الوشاح الذي يغطي رأسها منسدلا على كتفيها
والعينان السوداء الواسعة التي لم يزدها اللون الأسود الذي
اكتحلت به سوى اتساعاً وجمالاً وعلِقت الكلمات في حنجرتها
المتيبسة وتلك اليد البيضاء ترتفع لوجهها ولامست ملامحها
برفق هامسة بعينين ترقرقت فيها الدموع سريعاً
" حمداً لله الذي أراني عروساً لأويس قبل أن أموت ويموت
هو وحيداً "
فاتسعت عيناها وتوقف العالم من حولها عدا الأرض التي دارت
تحتها وبقوة كادت ترميها عليها مما جعلها تستند بوالدتها
والواقفة قربها كي لا تقع وارتفعت يدها لشفتيها تنظر للواقفة
أمامها بصدمة وهمست من تحت أصابعها المرتجفة
" أويس !! "
وراقبت بعينين ذاهلة ملامح التي نزلت يدها لكتفها وقد قالت
بحزن عميق لم تسمع معه همسها المصدوم ذاك
" لم أتخيل يوماً أن يغير رأيه ويقرر الزواج .... كم أنا ممتنة
لك يا زهور يا ابنتي "
ولم ينتهي عذاب صدماتها هناك وتلك اليدين التي تستدل طريقها
في الظلام الذي لا يراه سواها ترتفع لوجهها وأمسكت به بكلتا
يديها قائلة برجاء حزين وعينان مغمورة بالدموع شاردة في
ملامحه وإن كانت لا تراها
" أسعديه أرجوك بنيتي فهو لم يسعد يوماً ولم يعرف معنى
السعادة الحقيقية وإن ابتسمت شفتاه ولم أستطع أنا منحه سوى
المزيد من الألم كلما نظر لعجزي ولمسببه "
فانجرت الدموع من عينيها هي حينها بل ودخلت في نوبة بكاء
قوية لازالت تمسك تلك العبرات المرتفعة بأناملها المطبقة على
شفتيها وشعرت بأنها تدور في حلقة مفرغة بل شعرت بكل شيء
حولها وحتى الجدران البعيدة تطبق على جسدها بل رئتيها تمنع
الهواء من التسلل لهما ولم يعد يمكنها رؤية شيء بسبب الدموع
المتدفقة من عينيها ولا سماع أي شيء حولها سوى نحيبها
المكتوم ولا صوت وكلمات والدتها المستفهم باستغراب ولا كلمات
التي كانت تسمي بالله عليها بقلق وإن كانت تسمعها ولا تراها
فهي لم تكن معهما سوى بجسدها المرتجف فقط بينما رمي عقلها
بعيداً وبعيداً جداً لكل تلك الاحداث التي جمعتها بذاك الرجل
وأقساها كان الطريقة التي انتقمت منه بها لتجرح ليس روحه
فقط وذكرى والده بل وهذه المرأة أيضاً .. تتذكر كل ما فعل من
أجلها بصفته أويس غيلوان وبصفته الخطيب المجهول الذي لم
يكن يسعى سوى لإرضائها وإسعادها وتذكرت فوراً كلماته في
الحفل قبل يومين
( بل وتعجبني أيضاً قوتها ومواجهتها لكل شيء بشجاعة ...
جميلة .. أنيقة وذكية خطفت قلبي فور أن رأيتها وأنا على
استعداد لفعل أي شيء فقط لتكون سعيدة )
وعند ذلك لم يعد يمكنها التحمل أكثر فركضت جهة السلالم باكية
وصعدت عائدة من حيث جاءت .
*
*
*
رمت القلم فوق مذكرتها ومررت أصابعها في غرتها البنية ترفعها
للأعلى قبل أن تتحرر متدرجة على جانبي وجهها وأدارت هاتفها
تنظر للساعة فيه ورفعته وفعلت ما تفعله في كل مرة يغادر فيها
وهو الاتصال به فقط لتسمع المجيب الآلي يخبرها بأن الرقم
مقفل ... أمر تعرفه مسبقاً ورغم كل ذلك لازالت تحاول في كل
مرة !! دفعت الهاتف بعيداً عنها وتنهدت بأسى تتكئ بذقنها على
راحة يدها فكم من مشاعر تحملها لذاك البارد لا يبادلها إياها
أولها أنها تشتاق له ما أن يبتعد عنها ويمضي يوم لا تراه فيه
بينما هي متأكدة من أن ذلك لا يعنيه أبداً .
تأففت ووقفت تبعد كل تلك الأفكار عن رأسها وتوجهت جهة باب
الغرفة فكم تشعر بالملل هنا فلم تخرج من غرفتها سوى لتناول
وجبة العشاء التي لم يكن جميع ساكني المنزل موجوداً فيها كليلة
البارحة فلا وقاص وزوجته ولا زيزفون وزوجها كانوا موجودين
على مائدة العشاء تلك وأمضت باقي الوقت سجينة غرفتها ولم
تستطع مغادرتها تفادياً للقاء من ليست فقط لا ترغب في رؤيتهم
بل وواثقة من أنهم لا يرغبون في ذلك أيضاً .. لكن وفي هذا
الوقت تستبعد أن تلتقي أحداً منهم فكما فهمت غرف الجميع في
الأعلى ولا يبدو أنهم يحبذون تركها إلا لمغادرة المنزل ! فتحت
الباب بهدوء وخرجت تغلقه خلفها بالهدوء ذاته وسارت في الممر
الفارغ الساكن والذي لم يكن البهو الواسع الفخم بأقل هدوءً منه
وكأنه لا أحد يعيش هنا ! أخذتها خطواتها فوراً ناحية المكان
الذي دخلته مرتين سابقاً وخصص للحفلات على ما يبدو ليحتل
القسم الأكبر من الطابق السفلي .. ومن أجل الوصول له سارت
في رواق طويل مغطى بسجاد أحمر فاخر وقد عُلقت على جدرانه
مصابيح تأخذ شكل أزهار من الكريستال اللامع أضاءت فيها
المصابيح الصغيرة كالبلور معلقة في حاملات فضية منحنية
بنتوءات تشبه الأوراق .. ولوحات ضخمة رائعة زينت تلك
الجدران جعلت رأسها يستدير معها وهي تسير ببطء وكم شعرت
بأنه طويل عن المرة الوحيدة التي سلكته فيها سابقاً ويبدو بأن
ثرثرة ساندرين السبب حينها !
وما أن وصلت تلك القاعة الواسعة ودفعت بابها المرتفع ودخلتها
حتى نظرت لتفاصيلها بدهشة فقد بدت لها مختلفة بالفعل عن
السابق حين كانت تعج بالضيوف فبدت الآن واسعة هادئة
بأنوارها الخفيفة التي اقتصرت على الأضواء المخفية المصممة
مع ديكور السقف بينما سبحت الثريا الضخمة في الظلام التام
تلمع قطعها الكريستالية بطريقة مبهرة تحت الضوء الخافت كما
زجاج اللوحات الفنية الكبيرة المعلقة على الجدران مما يشعرك
بالانبهار وشفافية المكان وجماله وكم يختلف عن ذاك الوقت الذي
كان يعج فيه بالضيوف وضحكاتهم وأحاديثهم المتداخلة المرحة .
انتفضت بخوف والتفتت للوراء فوراً ما أن شعرت بالخطوات التي
اجتازت الباب الضخم خلفها وبالكاد استطاعت أن تتنفس بشكل
طبيعي ما أن تبينت هويته .. وكم حمدت الله أن كان هو وليس
شقيقه ذاك فقالت مبتسمة بإحراج
" آسفة لتطفلي .. أردت فقط أن أرى المكان وهو فارغ "
قال وقاص مبتسماً
" لا داعي للإعتذار ماريه يمكنك التنقل هنا حيث وكيف تشائين ،
أنا فقط وجدت الباب مفتوحاً واستغربت ذلك "
استغرب ذلك !! هي من عليها أن تستغرب هذا وأن يسلك ممراً
غير وجهته ليصل إلى هنا ؟! فهل هو معتاد على تفقد المكان
والحركة فيه ليلاً ؟ حتى أنه لازال يرتدي بدلة رسمية ويمسك
حقيبة في يده أي أنه سيكون عاد للتو ! نظرت حولها وقالت
مبتسمة
" المكان وهو فارغ هكذا أروع بكثير من السابق "
ضحك ضحكة عميقة قصيرة وقال
" لن يشاركك الكثيرين في هذا الرأي وسيحكمون عليك بأنك فتاة
انطوائية "
عبست ملامحها الرقيقة بأسى فهل هذه صفة جديدة كانت تجهلها
وعليها تقبلها أيضاً ؟ لكنه سرعان ما بدد تلك الشكوك وهو يقول
مبتسماً
" وأنا أراك عكس ذلك تماماً فأنت فتاة تملك هالة قوية حولها
تجذب المرء للتحدث معها ولاستكشافها أيضاً "
تلون خداها بإحراج وقالت بضحكة صغيرة
" لن أعتبر هذا تغزلاً أبداً ؟ "
ضحك كثيراً وقال
" لا بالطبع أرجوك فتيم من المقربين لي "
وتشاركا في ضحكة مرحة وقال
" كل ما عليك هو أن تفكري كالانجليز بأنه مجرد رأي حول
شخصيتك "
رفعت كتفيها وقالت مبتسمة
" هل تقصد بهذا بأن النساء العربيات يفهمن الرجال بشكل
خاطئ دائماً ؟ "
قال مبتسماً
" لن ننكر أن البعض منهن بلى ... تستجيب للعفوية بسرعة
وسرعان ما تظن بأن الرجل متيم بها "
تنفست بقوة تحرك رأسها بإحتجاج رافض فابتسم قائلاً
" كيف وجدت إقامتك هنا ؟ أتمنى أن تكون فكرتك عن كل شيء
مشابهة لهذه الغرفة "
قالت مبتسمة برقة
" بلى القصر بأكمله رائع وشعرت بالفعل وكأنني وسط عائلتي "
قالتها بصدق متغاضية عن كلمات نجيب التي ترى نفسها جزء
من السبب فيها .. ونظرات زوجته تلك التي قد تعذرها كون هذا
الرجل المميز زوجاً لها .. ونظرات والدة نجيب التي تشعر بأنها
موجهة للجميع وليس لها وحدها أو أنها جزء من شخصيتها !
وتابعت بذات ابتسامتها الرقيقة التي تشبهها في كل شيء
" فقط ما ينقصه كما يبدو لي بعض الاطفال أو الكثير منهم
بالنسبة لحجمه "
رفع حاجبيه بدهشة مبتسماً وقال
" أطفال !! "
دست يديها خلف ظهرها وحركت كتفيها قائلة بابتسامة
" أجل فهو كئيب نوعاً ما وأرى أن الأطفال هم ما يحتاجه كل
منزل لتشعر بالحياة تدب في أركانه "
فأمال شفتيه بابتسامة وقال
" أوافقك الرأي لكني أراه أمراً مستحيلاً في هذه العائلة أن يصبح
ممتلئاً بالأطفال بالنسبة لحجمه وبا.... "
وانقطعت كلماته بسبب التي دخلت من الباب المفتوح لتقف فجأة
تنظر لهما ولم تكن سوى زيزفون ... فابتسمت ماريه من فورها
ابتسامة سرعان ما خفتت حتى اختفت ونظرها ينتقل بينهما
وشعرت على الفور بأن الأجواء بدأت تنتقل للإضطراب وكل واحد
منهما قد أشاح بنظره بل وبوجهه سريعاً عن الآخر !! بينما تابع
وقاص حديثه السابق وقد انتقلت لهجته للبرود فجأة ! بل بما هو
أقرب للسخرية ينظر للبعيد قائلاً
" لكن قد يفعلها نجيب قريباً ويحقق ذلك وتنجح خطته الجينية
الحمقاء تلك "
وغادر ما أن أنهى جملته تلك مجتازاً الواقفة عند الباب والتي
انقبضت أصابعها على الورقة التي كانت تمسكها بها وكأنها
تخفي انفعالاً ما فيها قبل أن ترفعها ناحيتها وقالت ببرود
" لم أجدك في غرفتك فتوقعت أن تكوني في غرفة الشاي
أو هنا ... هذه من أجلك "
فرفعت يدها وأخذتها منها فوراً تنظر لها باستغراب ولم تترك لها
مجالاً لا لتسأل ولا حتى لتشكرها وهي تغادر المكان أيضاً ! نظرت
للورقة الملفوفة التي تجعد طرفها بين أصابعها تقلبها باستغراب
خالطه الكثير من الفضول وفتحتها من فورها لتتسع عيناها
بدهشة هامسة
" يا إلهي ... ما هذا !! "
وهي تنظر لخطوط قلم الرصاص المتداخلة والمظللة في شكل
صقر فارداً جناحيه تفاصيله تظهر بوضوح وبشكل مبهر وكأنه
حقيقي أمامها بينما تخللت خطوط جناحيه فراغ واسع لم يكن
ورقة بيضاء خالية بل عينان بشريتان استطاعت فوراً أن تتعرف
عليهما ولمن تكونا وهو تيم !! بل وبأدق تفاصيلهما وحتى النظرة
القوية المسيطرة الباردة وكأنه ينظر لها فهمست مجدداً بدهشة
" ما أروعها !! "
وحضنتها دون شعور منها وكأنها تحصنه هو فهي صورت
شخصيته بالفعل وكم تشعر بأنها تشتاق له ، هي فعلتها إذاً من
أجلها لأنها سألتها عن رسوماتها سابقاً ؟ نظرت للباب المفتوح
ولم تستطع ولا اللحاق بها لغرفتها وشكرها خشية أن تلتقي
بزوجها هناك فهي لا تعلم بعد حدود علاقتهما المضطربة كما يبدو
لذلك قررت فقط العودة لغرفتها فتجوالها في المكان يبدو لم يكن
أمراً صائباً .
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, sweethoney and 56 others like this.
رد مع اقتباس
#12137
قديم 10-06-19, 09:48 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
نظر جهة باب الحمام وللخارجة منه تلف حول جسدها منشفة
الاستحمام الخاصة بينما تناثر شعرها المبلل على كتفيها تنظر له
باستغراب ويعلم بأنها لم تكن تتوقع أن يختار النوم عندها الليلة ،
دس يده خلف رأسه يتكئ به على ظهر السرير ونصب ركبته ومد
يده الأخرى ناحيتها قائلاً
" تعالي هيا "
لكنها لم تتحرك من مكانها واستمرت في تحدق فيه بجمود فقال
بابتسامة جانبية
" حسناً جيد لا تتحدثي تعالي فقط فهذا ما أريده "
" لما أنت هنا يا سلطان ؟ "
كان سؤالها قوياً وليس أحمقاً كما سيظن أي رجل في مكانه
الآن .. وبالرغم من ذلك قال وببرود وهو ينزل يده
" هل تسأل امرأة زوجها عن هذا ؟! "
شدت المنشفة على جسدها قائلة بضيق
" أجل حين يكون في وضع كوضعك بل ووضعنا جميعاً فلما لم
تكن جاهزاً حين طلبت سابقاً أن نتحدث ؟ بينما الآن فلديك من
الوقت ما يكفي ! "
فاستوى في جلوسه في رد فعل دفاعي وقال بضيق مماثل
" بالله عليك يا امرأة لا تسمعيني موشح ضرتيك فبسبب ذلك
فررت من كلاهما .. ستجعلونني أكره أولادي بسبب كثرة الثرثرة
على رأسي "
لكن ذلك لم يجعلها تتراجع عمّا كانت تريد قوله ومنذ وقت تنتظر
فقط أن يترك مشروعهم ذاك ويصبح هنا فانفجرت بغضب
" وضرار ابنك بل وابني فمن سيتحدث عمّا يخصه ويعانيه
غيري ؟ "
فرد يده ناحيتها وكأنه يستحثها على الكلام قائلاً
" رائع وما هذا الذي يعانيه ابنك أيضاً ؟ فأنا لا أسمع سوى هذه
الكلمة عنهم منذ أتيت "
قالت من فورها وعيناها تمتلئ بالدموع حسرة على ابنها الوحيد
البعيد عنها
" وما في وضعه لا يكون معاناة وهو منفي في تلك المدرسة
البعيدة ؟ "
فتعالى صوته صارخاً أيضاً حينها
" ذاك المكان الأنسب لإبنك وأنت تعلمين ذلك جيداً "
فارتجف صوتها بعبرة رفضت أن تتجاوز حلقها وقالت بأسى "
إن كنت أعلم ما احتججت ... ابني يمكنه الدراسة هنا وأمام
ناظري فما الداعي لذ.... "
فقاطعها برفض غاضب يشير بسبابته للأسفل
" هنا !! أتري هذا المنزل بات ينفع ولا للتنفس فيه ليناسب
ابنك ! فأي دراسة هذه التي سيركز فيها هنا ؟ "
شدت قبضتها جهة صدرها تنظر له بعينين دامعة تزم شفتيها
بقوة فقال بحزم من قبل أن يحدث ما يتوقعه ويعلمه جيداً
" ضرار يحب دراسته ومتفوق فيها ولا يهتم إلا بتحقيق طموحاته
من خلالها ، وإن بقي هنا فسنكون في نجيب آخر بالتأكيد "
ونظر لها بقوة وكأنه يقول لها وأنت من سيكون سبب ذلك
بتسميم أفكاره ناحية أشقائه .. وكما توقع أيضاً فقد ادعت
ومتعمدة الغباء وبأنها لم تفهم من ذاك شيئاً فتلك طباعها لا تهتم
إلا بما تريده فقد قالت صارخة بانفعال لم يخفي حجم رفضها
لمقارنتها بضرتها تلك
" ولما ابني تحديداً من تخاف عليه وتبعده ؟ ماذا سيحدث
مثلاً إن .... "
فقاطعها بصوت أعلى وهو يغادر السرير صارخاً
" ضرار ابني أيضاً وأعلم مصلحته وما ينفع له أكثر منك
ولا تناقشيني في الأمر مجدداً "
وغادر الغرفة بل والجناح بأكمله ضارباً بابه خلفه بقوة وسار في
أروقة الطابق مجتازاً الصالون المخصص له ونزل السلالم الذي
يربطه بالمكان الغارق في صمت الأموات أكثر من الذي يليه ! أو
هكذا اعتقد فقد توقف في منتصفه فجأة ينظر للذي خرج من
جهة الممر الغربي والموصول بصالة الاحتفالات ولم يكن سوى
وقاص ووجهته باب المنزل الذي يبدو دخل منه منذ قليل فثيابه
لازالت ذاتها لم يغيرها !! بل وبخطوات واسعة قوية يتقنها
الرجال وحدهم في أوقات الغضب المكبوت ..! تلاه صوت صرير
عجلات سيارته مما يؤكد كل ذلك فتنهد بضيق مغمضاً عينيه
اللتان ما أن فتحهما حتى ارتفع حاجباه فوقهما يراقب التي
خرجت أيضاً ومن ذات المكان وبخطوات شبه راكضة لتقف فجأة
وفي منتصف طريق سيرها ونظرت جهة باب المنزل الذي تركه
من غادر قبل قليل مفتوحاً وصوت هدير سيارته المبتعدة لازل
يسمع وإن كان بعيداً .. صاحبة القوام النحيل الممشوق والشعر
الفاتح والحضور الغامض .. فهل خرجت خلفه لتدركه لذلك كانت
مسرعة وتوقفت تنظر هناك ؟! أم أنها أرادت فقط معرفة وجهته !
راقبها بصمت وهي تلتقط أنفاسها قبل أن ترمي شعرها الأشقر
الطويل من كتفها خلف ظهرها وتابعت سيرها لكن في اتجاه
معاكس للجهة التي كانت تنظر لها حتى اختفت خلف ممر غرفتها
في الجانب الآخر فاشتدت قبضة يده التي كان يمسك بها سياج
السلم الخشبي وزم شفتيه بقوة وبدأ بضربها عليه مضمومة
الأصابع قبل أن يصعد العتبات مجدداً وبخطوات واسعة .
*
*
*
تنهدت بضيق تنظر للجالسة على طرف السرير وفي بكاء لم
يتوقف منذ وقت وقالت
" زهور المرأة قد تظن بأنك تبكين شفقة على وضعها وبهذا
ستظهرين بمظهر سيء أمامها "
قالت ببكاء تضرب بكفها على صدرها
" بل أبكي شفقة على حالي أمي وعلى أفعالي "
فتنهدت بضيق وقالت
" هو من طلب أن لا نخبرك ولا يريد إجبارك على أي شيء
ويصر على أن يكون الرأي لك وإن رفضته فما يبكيك في هذا ؟ "
لوحت بيدها قائلة ببكاء أشد
" ليس هذا ما يبكيني أمي ليس هو "
قالت الواقفة فوقها بنفاذ صبر
" ما سبب كل هذا البكاء المخيف إذاً إن لم يكن بسبب هويته ؟! "
وراقبتها بضيق وقد مررت أصابعها في شعرها القصير للخلف
بعنف قائلة ببكاء غاضب
" ليس لدي ما أقوله أمي فارحميني أرجوك "
فضربت بيديها على بعضهما وسط جسدها وقالت
" لا يمكنني تحقيق ذلك لك فالرجل ينتظر رأيك ليعقدوا قرانكما
ويصر على سماع موافقتك أولاً فقولي ما لديك ثم يمكنك البكاء
كيفما تشائين "
غطت شفتيها بظهر أناملها وحركت رأسها إيجابا هامسة ببحة
بكاء
" موافقة أمي ... موافقة "
وليس أمامها سوى الموافقة لا تعلم من أجل والدته أم من أجله
أم بسبب ما فعلت ؟ لكن ما تعلمه جيداً بأنه لا سبيل للرفض بعدما
قالته والدته ورؤيتها لدموعها وسماعها لرجاءاتها الحزينة وبعد
كل ما فعله من أجلها وما قال في آخر مرة تقابلا فيها ولا سبيل
لتكفير ذنوبها غير ذلك ... وتحار فعلاً أهو السبب الحقيقي أم
لأنها تعلقت فعلياً بذاك الخطيب المجهول والذي تبين لها الآن من
يكون ؟ وبالرغم من أن رفضها هو ما سينهي جريمتها تلك
ليمضي كل واحد منهما في طريق وتنساها وللأبد ومهما طال
الوقت لكن لسانها أبى أن ينطق بتلك الكلمة ولا تعلم فعلاً ما الذي
ستوقع نفسها فيه إن هو علم بالحقيقة وفي أي يومٍ كان وما
سيئول له مصير زواجهما حينها وهو ابن غيلوان الذي لا يُظهر
غضبه الحقيقي شيء كقصة والده تلك ! كما لا يُخرج الوحش
الكامن داخله شيء مثلها ... لكنها تستحق كل هذا فهي من رسم
مستقبل نفسها بنفسها .
بينما غادرت والدتها مبتسمة ما أن سمعت منها تلك الكلمات
الهامسة الباكية لترجع بعد لحظات وقد وجدتها على الحال الذي
تركتها عليه فتحركت نحوها وأوقفتها قائلة
" هيا يا زهور ويكفيك بكاء لا سبب له ! "
وما أن وقفت على طولها حضنتها قائلة بسعادة
" مبارك لك بنيتي "
وأمسكت وجهها بيديها وقالت تنظر بعينين دامعة لعينيها
المجهدتان من البكاء
" ما أسعدني في هذا اليوم الذي انتظرته منذ حملتك رضيعة بين
ذراعاي "
وكل ما خرج منها صوت ضعيف هامس ببحة
" أصبحت زوجته ؟ "
قالت تمسح الدموع من وجنتيها
" أجل فما كانوا ينتظرونه هو موافقتك فتوقفي عن البكاء هيا
ولتنزلي لوالدته مجدداً فهي لا تتوقف عن السؤال عنك "
حركت رأسها بانصياع وفي صمت وتوجهت جهة المرآة ونظرت
لشكلها فيها .. عيناها المتورمتان من البكاء والكحل الذي سال
منهما في بقعة سوداء مخيفة وخطان قصيران وكأنها دمية
مصاصي دماء !! مسحت عينيها جيداً بالمناديل المخصصة لإزالة
مواد التجميل وأزالت أثار الكحل جميعها ولم تضع آخر غيره ..
وبما أن أحمر الشفاه ثابت اللون ولم تفقده أو تفسده ابتعدت عن
المرآة وتركت الغرفة أيضاً ونزلت السلالم قاصدة المرأة الجالسة
هناك والتي لن تراها إن كانت متزينة أو حتى مشعثة وقد
استيقظت من النوم للتو وكم تشعر بالأسى لحالها ولم تفهم حتى
الآن ما السبب في ماضيها ذاك المرتبط بفقدانها لبصرها
كما قالت ؟ ما تعرفه وباتت متأكدة منه أنه ثمة مآسي كثيرة
لدى هذه العائلة مرتبطة بماضيهم البشع ذاك !.
ما أن وصلت عندها حتى مدت تلك يدها لها قائلة بابتسامة
" تعالي اجلسي بجانبي يا زهور "
ففعلت ما طلبته منها من فورها وحضنتها تلك بذراعها هامسة
وكأنها تحدث نفسها
" حمداً لله ... حمداً لله "
فاتكأت على كتفها مغمضة عينيها تستنشق رائحتها الغريبة
المميزة ! وفهمت حينها لما قالت ما قالته سابقاً .. هي تبدو كانت
تحاول إقناعه بالزواج وهو كان يرفض لذلك تُظهر كل هذه
السعادة .. وهذا ما يحدث مع كل أم ترى ابنها يدفن نفسه في
حزن الماضي فتتأمل في أن استقراره مع زوجة وعائلة قد ينسيه
كل ما عاناه ويُخرجه من كل تلك الهوة التي يدفن نفسه فيها .
وثبت واقفة كالملسوعة ما أن قالت والدتها من بعيد
" تعالى ادخل يا أويس "
وشعرت بضربات قلبها تعدو في سباق طويل وكأنها لم تراه ولم
تعرفه سابقاً ! وسرعان ما شغلت نفسها بمساعدة والدته على
الوقوف ما أن فكرت تلك بفعلها متجنبة النظر له وخطواته تقترب
منهما وشعرت بمشاعر متضاربة اتجاهه لم تفهمها ولم تعرفها
سابقاً ! بل تشعر بأنها جمعت جميع تلك المشاعر التي عرفتها
ناحيته وبشخصيتيه المعلومة لها والمجهولة .. أو هكذا كانت
تظن حتى وقف قربها وشعرت بيده وذراعه تحيط كتفيها وأصابعه
تلتف حول ذراعها العاري الذي ارتجف لملمس أصابعه حاله حال
باقي جسدها ولازالت تنكس رأسها للأسفل وما أن قالت والدتها
ضاحكة
" لم تتوقف عن البكاء اليوم واحترنا في أمرها جميعنا ! "
حتى انهارت حصونها مجدداً وأخفت عيناها في ظهر كفها وعادت
دموعها للتمرد على عينيها واتكأت على كتفه ما أن شد ذراعه
حول كتفيها أكثر يدنيها منه وقبّل رأسها وهمس بصوت متزن
عميق
" اتركوها فأنا ظلمتها وأخطأت في حقها مراراً "
فلم يزدها ذاك سوى بكاءً وتعلقاً به وذراعاها تلتفان حول خصره
وطغى الندم فوق أي مشاعر أخرى انتابتها حينها بينما لامست يد
والدته كتفه وقالت بصوتها الحنون الدافئ
" مبارك لكما بني وأراني الله أبنائكما قريباً ... فقط لا
تتأخرا بهم "
وقالت آخر كلماتها بابتسامة مداعبة فضحك أويس وقال ناظراً
للتي لازال رأسها يتكئ على كتفه .. بل وقد دست وجهها فيه
محرجة
" عليك بها إذاً فوالدها اشترط أن تحدد هي كم من وقت تحتاجه
وكيف تريد حفل زفافها وأين ... بالنسبة لي كنت لآخذها معنا
الليلة وستحملين حفيدك خلال أشهر "
وتشارك ووالدته والدتها أيضاً الضحك ما أن ركضت مبتعدة
عنهم وصعدت السلالم من فورها فقال مبتسماً ونظره يتبعها
حتى اختفت
" أمي لقد أحرجتها "
فضحكت وقالت
" أنت من فعلها وليس أنا ... رجال هذا الوقت كم تغيروا
عن السابق ! "
فابتسم وفرد يديه ناظراً للواقفة بجانبها وكأنه يقول لها أعجزتني
عن الرد فضحكت وقالت
" ألن تغير رأيك وتبقيا للعشاء معنا ؟ "
نظر لساعته وقال
" في المرة القادمة فالطريق يأخذ وقتاً وسنصل ليلاً بالرغم
من مغادرتنا الآن "
*
*
*
دخلت من باب المنزل ورمت حقيبتها كما حجابها على الأريكة
وسألت الخادمة التي توجهت نحوها مبتسمة
" أين هو قاسم ؟ سيارته في الخارج فمؤكد لازال هنا "
قالت مبتسمة
" في غرفتك سيدتي .. هو هنا بالفعل ومنذ وقت طويل "
فتحركت من فورها في ذاك الإتجاه وما أن وصلت باب الغرفة
المغلق وقفت أمامه تقضم ظفرها مبتسمة فإن حسبت الوقت من
اتصاله بها صباحاً فقد مرت ساعات كثيرة .. لكن الأمر لم يكن
بيدها فهي انتظرت والدتها لتستأذنها ثم رعد حتى عاد ليجلبها
إلى هنا لأنه سيغضب بالتأكيد إن هي جاءت في سيارة الحرس
وهي كذلك لن ترضى بذلك ولا والدتها ووالدها من قبلها .
أدارت مقبض الباب ببطء وفتحته ليقع نظرها فوراً على الواقف
أمام النافذة مولياً ظهره لها والذي التفت ناحيتها من فوره
وأمسك خصره بيديه وقال بضيق عاقداً حاجبيه الطويلان
" آمنت الآن أني بالفعل رجل أحمق "
فخرجت منها ضحكة صغيرة وهي تركض نحوه وحضنته فور
وصولها له ذراعاها تحيطان خصره بقوة تدفن وجهها في صدره
وقالت مبتسمة
" اشتقت لك "
ليتبخر كل ذاك الغضب والاستياء الذي بدأ يتلاشى أساساً منذ وقع
نظره عليها وداعبت أصابعه شعرها قبل أن تسقط حصونه
ويحضنها بقوة مبتسماً وهمس من بين أسنانه
" من الذي يتحدث عن الشوق يا كاذبة أنا أم أنت ؟ "
أبعدت وجهها عن صدره ونظرت لعينيه وقالت مبتسمة
" أقسم أني اشتقت لك "
فتأوه مبتسماً وأمسك وجهها بيديه لتتحول تلك الابتسامة للحنق
وأبعد يديه عنها متأففاً ما أن انفتح باب الغرفة فاستدارت من
فورها ناحية الذي دخل منه وقد قال مبتسماً
" علمت أنه ثمة امرأة جميلة دخلت المنزل الكئيب منذ قليل ؟ "
فابتسمت له بحب وركضت نحوه وارتمت في حضنه قائلة
بابتسامة
" جدي ... كم اشتقت لك "
فضحك وقال وأصابعه تلاعب خصلات شعرها
" كاذبة كوالدتك تماماً "
فقال من تركته خلفها ببرود مكتفاً ذراعيه لصدره
" قالت كذبة مشابهة منذ قليل ... وها قد شهد شاهد من أهلها "
فضحك دجى بينما تمسكت هي بحضنه بقوة وقالت مبتسمة
" اشتقت لك أنت فقط جدي .. تصدقني أليس كذلك ؟ "
وقالت آخر كلماتها تلك تنظر مبتسمة للواقف بعيداً ينظر لها
بضيق يدس يديه في جيبيه بينما ضحك دجى وقال
" أعرفك لا تكذبين أبداً إلا إن تغيرت طباعك مؤخرا بسبب
أحدهم "
وضحك فوراً على نظرات قاسم التي اختلطت بين الصدمة
والاستياء والتي تبدلت للحنق فور أن دخل شخص آخر من باب
الغرفة وكان مطر فقال بضيق يرفع يده جانباً
" ومن بقي أيضاً ؟ أين عمك الآخر لم يأتي ؟ "
ليدخل صقر حينها بالفعل قائلاً بضيق تمثيلي يمسك خصره بيديه
" أسمع أحدهم يذكرني ! "
فتحرك قاسم حينها ووجهته الباب وقال مجتازاً لهم
" بما أنكم مجتمعون أريد زوجتي في منزلي وأوجدوا لمشاكلكم
حلاً "
وخرج من فوره فنظر مطر لصقر وقال
" كنت أبحث عنك لما لا تجيب على هواتفك ؟ "
وغادرا من فورهما يتناقشان فيما لم يهتم من تركاهما خلفهما به
وقال دجى بضحكة ينظر للتي كانت ترفع نظرها له مبتسمة
ولازالت تنام في حضنه
" أيتجاهل الجميع ذاك الرجل بإجحاف هكذا ؟ "
قالت بضحكة صغيرة
" لا أظن أن عائلة الشاهين سيسلموا حفيدتهم لأي رجل
بسهولة "
ضحك وقال يسير بها نحو السرير
" أعانه الله عليك وعلينا ... لن أستغرب هذا ولن تختلفي عن
والدتك وجدتها "
فابتعدت عنه بابتعاده حينها وقالت تراقبه وهو يقترب أكثر من
السرير وحده بينما أمسكت خصرها بيديها
" ولما لم تذكر جدتي أيضاً ؟ "
فابتسم وارتمى على السرير بتنهيدة طويلة وقال ينظر لها
مبتسماً بمكر
" لا أميمة كانت مختلفة وليس ثمة امرأة مطيعة مثلها في
الوجود ... تلك جيناتكم لوحدكم "
فسحبت الكرسي وجلست عليه أمامه وقالت بحماس
" أخبرني إذاً عن والدتك جدة والدتي وفيما نتشابه بالفعل ؟ "
ابتسم وقال
" سأخبرك بما أعلمه عنها فأنا لم أراها سوى لمرة واحدة في
حياتي "
حدقت فيه بدهشة قائلة
" مرة فقط ! "
وكم شعرت بالحزن من أجله فهو عانى ما لم تعانيه هي التي
كانت ترى نفسها الأتعس على الإطلاق حين حُرمت من رؤية
والدتها لكن ما قاساه هذا الرجل أسوأ بكثير فهو حرم من والدته
ثم زوجته ثم ابنته بل ومن حريته أيضاً وهويته ، قالت بفضول
خالطه الكثير من الحماس
" وكيف كانت وما الذي تعلمه عنها ؟ "
ولم تستطع ابتسامته حينها إخفاء حزنه ما أن قال
" أتري والدتك الآن ؟ هي تشبهها في الكثير من ملامحها غير
أن تلك الخماصية بعينين زرقاء وشعر فاتح "
ارتفع حاجباها الرقيقان هامسة
" هي خماصية ؟! "
قال من فوره
" أجل ومن أين سيكون لك لون عيناك هذا إذاً وأنت من عمق
قبائل الحالك ؟ "
شدت يديها في حجرها في قبضة واحدة وقالت بفضول
" لكن لا أنت ولا والدتي كذلك ؟ وما أعلمه أن تلك قبائل تورث
صفاتها بقوة ! "
رفع كتفيه وقال
" لا تنسي أن السلالة اختلطت بالحالك .. وستجدي تلك الصفات
في عائلتك مستقبلاً وإن كان زوجك من الجنوب أيضاً "
نظرت له مبتسمة بحماس وقالت
" أخبرني عنها أكثر فيبدو من حديثك في البداية أنها
امرأة قوية "
ضحك وقال
" قوية فحسب ! لو تعلمي فقط كيف تزوجت بجدك شاهين "
فحركت رأسها مبتسمة بحماس ليتابع فابتسم وقال
" عائلتها هم الشهبان وهي عائلة ارتبط اسمها لأعوام طويلة
بالمتسللين عبر الحدود والمتاجرين بذلك أيام الحرب الأهلية
في البلاد "
اتسعت عيناها بصدمة هامسة
" قُطاع الطرق تعني !! "
قال من فوره
" لا هم ليسوا كذلك .. لم يكونوا ممن يسرقون المتسللين عبر
الحالك والهازان ويقتلون من أجل ذلك .. هم كانوا يحفظون تلك
الحدود شبراً شبراً ويتحركون خلالها وكأنها شوارع مدنهم في
خماصة فيساعدون من يريد التسلل من هناك مقابل المال "
قالت باستغراب
" أتعني أي متسلل ومهما كان غرضه ؟ "
ابتسم وقال
" أجل فتلك ليست من خصوصياتهم كما يرونها حتى إن كان ذاك
المتسلل قاتلاً أو قاطع طريق فهم يأخذون المال على مهمتهم تلك
وينصرفون ، حتى أنهم يتعرضون لهجمات قطاع الطرق دائماً
وحروباً دامية تنشب بينهم حين يتعرض أي منهم للآخر "
قالت بتفكير
" هم خارجون عن القانون إذاً وإن اختلفت نواياهم ؟ "
حرك رأسه إيجاباً وقال
" أجل لكن ذلك تغير فيما بعد فتلك العائلات من أهم من ساعد
والدك حين حرر الهازان من قبضة ابن راكان وجنوده "
حركت هي رأسها حينها لكن بحيرة وقالت
" كم غريبة هي قصتهم تلك وحياتهم المحفوفة بالمخاطر !! "
ابتسم وقال
" بل والأغرب من كل ذلك وما لا تعلمينه بعد بأن نسائهم مثلهم
تماماً بل وفتياتهم أيضاً "
قالت بصدمة
" النساء !! "
ضحك وقال
" أجل ويتدربون على ذلك منذ صغرهم والطفل فيهم يحفظ خط
الحدود منذ نعومة أظافره والفتيات كذلك ، بل وبعضهن أشد
مهارة من الرجال وهذا كان سبب تعرف والدي بوالدتي تلك "
صفقت بيديها بحماس مبتسمة وقالت
" يبدو ثمة حادثة مثيرة جمعتهما "
فضحك على حماسها ذاك وقال
" ليست الحادثة الأمر المثير في الامر بل ما حدث بعدها "
وتابع مبتسماً ينظر لعينيها المحدقتان فيه بفضول وحماس
" كان جدك شاهين كما أعمامك وكما أشقائه وجميع عائلتنا
يحاربون كل تلك الجماعات وبجميع مسمياتها ويقودون
مجموعات من الجنود لذاك الغرض لِما كانت تسببه كل تلك
الجماعات والخروقات من مشاكل وقتل ونهب وخلط في الأنساب
وكان والدي في إحدى العمليات تلك وأغاروا على مجموعة
منهم كانت تعبر حدود الحالك ونجح بعضهم في الفرار ممن كانوا
الأمهر في التسلل والهرب وقتلوا اثنين واعتقلوا المجموعة التي
استخدمتهم ، ولحاقهم بالفارين لم يخرج بنتيجة تُذكر سوى
القبض على فتى جريح كما كانوا يظنون والذي رغم إصابته كاد
أن ينفذ بجلده والتي لولاها ما استطاعوا الإمساك به ليكتشفوا
فيما بعد بانه ليس سوى فتاة لم تتجاوز السادسة عشرة من
عمرها "
اتسعت عيناها بذهول وابتسمت بحماس قائلة
" وكانت تلك والدتك ؟ "
أومأ إيجاباً وقال
" أجل ولأن جميع رجال تلك العائلة أو الخارجين في تلك المَهمة
ملثمين كعادتهم دائماً كان يصعب معرفة من يكونون بل وحتى
جنسهم وكان والدي تحديداً من أمسك بها "
وتابع بضحكة صغيرة " والمثير في الأمر هو ما قالته له وهو في
غمرة صدمته بما يرى أمامه ومن كانت عكس ما كان يظن "
قالت بفضول
" ماذا قالت وهي الأسيرة لديهم حينها ! "
قال مبتسماً
" لقد قالت له وبكل قوة وكأنها ليست الأضعف حينها
( إن قتلتني سيلحق بك الثأر ما حييت وإن انتهكت عرضي
فستلحق بك لعنتي لإبن الإبن )
وحين قال لها
"وماذا إن لم يكن مصيرك لاهذا ولا ذاك قالت وبكل ثقة"
( ستتزوجني وسيتحدث التاريخ عن سلالتك فيحكم رجالها
البلاد وتحكم نسائها الرجال ) "
وضحك من فوره فقالت بضحكة دهشة
" تبدو كانت واثقة من أنه وقع فريسة حسنها وبأنه ليس ممن
يقتلون ولا ينتهكون الأعراض ؟ "
قال بهدوء باسم
" أجل كانت واثقة من نفسها كثقتها بالواقف أمامها .. وأي رجل
هذا الذي كان سيقاوم قوتها وثقتها وحسنها الفريد من نوعه ؟
فحتى حين رأيتها في تلك المرة الوحيدة وأنا شاب يافع كانت
بحسن لم تراه عيناي فكيف وهي أصغر من ذلك بكثير ؟ "
قالت بفضول
" وكيف علمت بأنه ليس من ضمن خياراته أن يرجعها
لعائلتها ؟ "
ضحك وقال
" ذاك شيء تفهمونه أنتم النساء وليس نحن "
فاحمر خداها خجلاً وقالت تغير مجرى الحديث
" ولن يكون تزوجها بتلك الطرق الغير شرعية سابقاً وبدون
علم وليها وتوقيعه بالتأكيد ؟ "
ابتسم وقال
" أجل وتلك حكاية طويلة قد نتحدث عنها في وقت آخر فهي
تزوجت وبطرق مختلفة من ثلاث رجال آخرين من الحالك وأنجبت
طفلا من كل واحد منهم ولم يُنسب أي أحد لوالده عداي "
حدقت فيه بصدمة وقالت
" لكن كيف ولما ؟! "
حرك رأسه بعجز قائلاً
" لا أعلم ولا أملك جواباً ! وما أنا واثق منه أنها لن تتزوج
بطرق غير شرعية أبداً .. ورغم ذلك منحت أبنائها لقب عائلتها
هي عائلة الشهاب "
دارت مقلتاها الزرقاء بعيداً عنه بتفكير قبل أن تنظر له مجدداً
قائلة
" وماذا عن أبنائها أولئك ؟ هم أشقائك جدي أليس كذلك ؟
أتعرف من يكونون وأين ؟ "
تنهد بحزن وقال
" نعم بل عائلات من مات منهم فزهراء تزوجت من رجل نسب
لوالدته أيضاً لأن والده رفض الاعتراف به وبأنه ابنه بالرغم من
زواجه من والدته وأنجبا توأمان رائعان واجها مصاعب كثيرة
دمرت حياتهما لأعوام .. أما سلافة فأنجبت ابناً وابنة لا يقلان
عن ابني خالتهما في شيء وكلا شقيقتاي توفيتا واحدة مريضة
والأخرى محترقة في جريمة لم تُفهم ملابساتها حتى الآن ..
وشقيقي بشير لم يتزوج ولا عائلة له ويبدو لي أنقذ نفسه
وسلالته "
قالت بملامح حزينة بائسة
" يا إلهي .. لما يكون مصيرهم جميعاً هكذا ! "
وتابعت ولهجتها كما ملامحها تنتقل للاستغراب
" بل كيف استطاعت أن تخطف قلوب الرجال هكذا لتتزوجهم
الواحد تلو الآخر ! بل لن أستغرب هذا إن كانت والدتي تشبهها "
ضحك وقال
" بالفعل وإن تركها والدك حرة بعده لكانت تزوجت كلما طلبت
الطلاق من زوجها الأسبق "
قالت بضحكة صغيرة
" وهو يعلم ذلك جيداً لهذا أحكم قبضته عليها "
فقال مبتسماً بمكر
" وها قد تحققت رؤية جدتك تلك بالفعل "
فضحكت وقالت
" لا جدي هي لم تصدق في أننا نحكم الرجال "
هز رأسه ينظر لها نظرة تفهمها وقال
" بل صدقت وأبنائكما سيكونون كذلك وستنجبان رجالا أقوياء
عظماء يحكمون البلاد "
وتنهد بحزن وقال بوجوم ينظر للفراغ
" بل وقد حدثت جميع خياراتها التي طرحتها أمامه فقد لحق
بسلالتهما الثأر أيضاً كما اللعنة التي تبدو شملت جميع
سلالتها تلك "
حدقت فيه باستغراب وقالت
" أي لعنة تعني جدي ؟ "
نظر لها وقال بعبوس
" أعني أن أحفادها جميعهم يعانون وقاسو كثيراً ولا أفهم السبب
خلف كل ذلك !! "
قالت والاستغراب لم يغادر ملامحها بعد
" وأين هم جدي ؟ أليسوا عائلتنا ؟ كم ستسعد والدتي إن
علمت بذلك "
فتنهد بعمق نفساً طويلاً خرج من أعماقه الموحشة وقال
" ألم أخبرك بأنها لعنة تحيط بنا ؟ فليس بإمكاني ولا الاقتراب
منهم ولا أنتما ولوقت الله وحده من يعلمه "
غزا الحزن ملامحها الجميلة وقالت تضم يديها جهة صدرها
" كم أنا متشوقة لمعرفتهم والتعرف عليهم .. ولا أصدق بأنه لي
عائلة أخرى ! "
أمسك بيديها وقال ناظراً لعينيها المحدقة فيه بحزن
" تضرعي لله بالدعاء إذاً ليجمعنا جميعنا سوياً ولأعوض
أبناء شقيقتاي كل ما حرموا منه "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, sweethoney and 52 others like this.
رد مع اقتباس
#12138
قديم 10-06-19, 09:49 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
دخل خلفه لغرفة مكتبه وقد التفت له وقال من فوره
" حريق جديد نشب في مزرعة أخرى ولقبيلة غيلوان مجدداً "
فأشاح بوجهه جانباً وأمسك خصره بيديه ولم يعلق فقال صقر
" الأمر يتكرر يا مطر ولا شكوى حتى الآن من أصحاب المزارع
والمتهم ذاته ! "
نظر له وقال بجدية
" لا يمكنني تصديق ذلك ولا حتى التفكير في فعلها ! كيف
لمجموعة فتية مجهولين أن يقوموا بذلك ! ولما لم يتم
التبليغ عنهم ؟ "
كتف الواقف أمامه ذراعيه لصدره وقال
" ما تحصلنا عليه هو أنه ثمة أوامر من شعيب غيلوان تحديداً
أن لا يقوم أحد بالتبليغ عن أي حادث مشابه ! وثمة حديث أيضاً
عن أنه يقوم بتعويض المتضررين من ماله ..!! أي أن الأمر
يخصه من أي جانبٍ كان .. وبما أنه لن يتم التبليغ عن تلك
الحوادث فلا يمكن للشرطة ولا لأي جهاز من أجهزة الدولة
التدخل ولا التحقيق في الأمر "
نظر له بضيق وقال يشير بيده جانباً
" لكن ما يحدث في تلك القبيلة والعائلة تحديداً يعنيني شخصياً "
فقال صقر وبلهجة قوية آمرة
" راقب الأمر عن كثب إذاً وفي صمت وسيتضح لنا كل شيء
فيما بعد ولاتزج رجالاً قد يفقدون أرواحهم على أيدي أولئك
الهمجيين تحت مسمى الجواسيس .. ولا تستهن بشعيب غيلوان
ولا بأبناء قبيلته يا مطر "
أولاه ظهره وهمس من بين أسنان
" تلك العائلة لن تستمر فزاعة ترهب الناس تعجز حتى الدولة
عن قطع أذنابها "
فقال من خلفه وبحزم
" بنزاهة يا مطر لا تنسى ذلك ... أعلم بأنك قادر على زجهم
جميعهم في السجون بأمر واحد منك كرئيس للبلاد أو حتى كرتبة
أقل من ذلك دون أن يعترض أحد لكنك عادل وتأبى أن يقول أبناء
شعبك
( مطر شاهين سجن رجالاً لا تهم قانونية ولا عسكرية
ضدهم )
رجل سيقف صامتاً أمام كبار مشائخ قبائلهم حين يأتوك وفداً
يسألون عن تهمهم وعن عدلك وإنصافك "
فاستدار نحوه مجدداً وقال بضيق فارداً ذراعيه جانباً
" وهل يكبلني غير هذا ؟ هذا وحده ما يجعلني عاجزاً حتى عن
حماية زوجتي وابنتي دون أن أكون أول من يؤذيهما "
وتابع يشير بسبابته جانباً
" فسأواجه ذات السؤال من كبار مشائخ قبائل الجنوب
( من أجل ماذا تفعل كل هذا أيها الزعيم العادل ) "
وصرخ بحدة يرمي بيده جانباً وبعنف
" سحقاً للعدالة التي تطال الجميع عداي "
وتنفس بحرقة وغضب مكبوت فأمسكت يد عمه بذراعه وشد
عليها قائلاً بهدوء ينظر لعينيه الغاضبة
" سيكون ثمة حل لكل هذا فقط الآن أعطي أوامرك لجهاز
المخابرات فعلى الخلايا المنتشرة هناك أن توقف نشاطها حالياً
حتى تنتهي مسألة حرق المزارع وتتوقف ، ولا تفكر في البحث
عن السبب ورائها وتُعرض رجالاً للخطر تحتاجهم عائلاتهم أكثر
منا "
فسحب نفساً طويلاً لصدره لعله يطفئ الحريق الذي يشعر به هناك
وحرك رأسه موافقاً فقال صقر
" أخبرني ماذا بشأن زيارة مطار الجنوب العسكري ! لقد .... "
وقطع كلماته فجأة ونظر لقاسم الذي دخل من الباب المفتوح بعدما
دفعه ليُفتح على اتساعه قائلاً
" مطرعلينا أن نتحدث فأنا لا أراك تقريباً ولن أراك قريباً أيضاً "
فعاد بنظر لعمه وقال وكأنه لا يسمعه
"سأرى من يتكفل بذلك لأني مغادرللندن خلال اليومين القادمين "
فنقل صقر نظره لقاسم الذي قال بضيق
" مطر أنا أتحدث معك ! "
قبل أن يعود به لابن شقيقه وقال
" هل هي زيارة رسمية ؟ "
فتأفف ذاك مكتفاً ذراعيه لصدره بينما قال مطر من فوره
" لا هي زيارة سرية وليس مطر شاهين من سيدخلها "
حدق فيه باستغراب وقال
" ولما وفي هذا الوقت تحديداً وأنت تعلم خطورة دخولك
بشخصيتك المزورة السابقة يا مطر بعدما ظهرت للعلن
مجدداً ؟! "
قال باختصار ونبرة باردة
" لأمور طارئة ومهمة لا تقبل التأجيل أكثر من ذلك "
قال ينظر لعينيه
" لكن الأمر يحتاج لبعض الترتيبات فشخصيتك تلك تحتاج حتى
للحية أطول وتسريحة شعر مختلفة فكم سيكون هذا الوقت الذي
حددته بيومين ! "
مرر أصابعه في شعر قفا عنقه ينظر حيث النوافذ المطلة على
الخارج وقال بجمود
" تلك الأمور لا يصعب تغييرها وإن بأشياء مزيفة "
فتنهد الواقف أمامه بعجز من عناده وقال
" على زيارتك تلك أن لا تطول إذاً فلا تنسى بأنه ورائك التزامات
لا يغطيها غيرك من اجتماعات داخلية وخارجية وقمة عربية
مرتقبة أيضاً .. هذا غير استقبال بعض وزراء الدول واجتماع
العالمية للنفط و..... "
قاطعه بجدية ناظراً له
" أعلم عمي .. لا تذكرني بما أعلمه جيداً ورحلتي لن تطول هو
يوم واحد فقط وسأكون هنا مجدداً "
فتنهد بعمق وقال يجتازه مغادراً الغرفة
" حسناً وتذكر فقط بأنه ثمة حرس سيرافقونك على ذات الرحلة
ورغماً عن رأسك العنيد هذا "
وخرج يراقبه الواقف هناك في صمت والذي أغلق الباب بضربة
واحدة من يده بعده ونظر للذي كان ينوي الخروج بعده وقال
" لن تغادر من هنا حتى نتحدث يا مطر "
فدس يديه في جيبي بنطلونه وقال ببرود
" إن كان فيما تحدثت عنه في غرفة تيما فلا حديث بيننا
بخصوصه وأنت تعلم ذلك جيداً "
حدق فيه بذهول وقال
" ماذا تعني بهذا ؟! "
قال من فوره وبذات بروده
" أعني بأنه حسبما فهمت فثمة اتفاق بينكما بشأنه .. أي أني
خارج الموضوع وتفاهمك مع زوجتك وليس معي "
قال بضيق
" مطر بالله عليك من عقلك تتفوه بهذا ! "
وكان هو من قال حينها وبضيق أشد
" لم أعلم عن نفسي يوماً بأني مجنون "
فتنفس بعمق وقال بلهجة حادة
" أثمة من يتفاهم مع امرأة بشأن زواجهما ويترك والدها ! "
كتف ذراعيه لصدره وقال بجمود
" أجل حين تكون تلك المرأة ابنة مطر شاهين ... وعليك أن لا
تُخل بالشروط التي اتفقتما عليها يا قاسم وكن رجلاً عند كلمتك "
فقال يشير بيده جانباً وحيث نوافذ المكتب المرتفعة
" وأنا كذلك لكن أن يرتبط الأمر بقرار من امرأة لن توافق عليا
أبداً معناه أن نعيش على حالنا هذا لأعوام "
وتابع وقد أشار له برأسه
" وابنتك تحبك كما تحترمك ولن يستطيع غيرك إقناعها
وإن مجبرة "
فأشاح بوجهه عنه جهة تلك النوافذ التي عكست حمرة الشفق
خلف المباني البعيدة ودس يديه في جيبيه قائلاً بجمود
" وأنا لا أراك طفلاً بل رجل راشد لن يصعب عليه إقناع فتاة
في الخامسة عشرة بما يريد "
فحدق فيه باستغراب سرعان ما تبدل للضيق وقال
" يقول هذا من لا يعرف عناد من انجب من صلبه وليس أنت "
نظرله وقال بجدية
" إذاً لا تخل بالاتفاق بينكما يا قاسم وأنا واثق من أن ابنتي لن
تظلمك .. وتذكر جيداً بأني في صفها متى ما لجأت لي في أمر
يخصكما وإن كانت الظالمة "
نظر له باستهجان وما أن كان سيتحدث معترضاً قاطعه مشيراً
بسبابته لوجهه
" تذكر حديثنا يوم خطبتها مني يا قاسم وبأنك وافقت .. فأنا لن
أسلمها لك وهي بهذا العمر وأدير ظهري متناسياً الفارق بينكما
وبأني قد أظلمها وإن بتزويجها صغيرة ممن هو أصغر منك"
وتابع وقد نزل بسبابته للأرض بينهما وبذات لهجته القوية
الحازمة
" ولا تنسى أيضاً بأننا وكما سبق وقلت لازلنا في أول الطريق
ولم يشاع ولا خبر زواجكما بعد ويمكنك التراجع وتطليقها الآن
إن أردت ولن يتغير شيء في علاقتي بك ... "
وتابع بجمود وقد أعاد يده لجيب بنطلونه
" ولن أحار في أمر ابنتي وإن علم الجميع بطلاقها فلا يمكنك
حصر عدد خاطبيها وأغلبهم لم يروها يوماً ومطلبهم فقط ابنة
يعلمون أنها ابنتي "
فاحمر وجه الواقف أمامه غضباً وأشار لوجهه بسبابته
وقال بحدة
" أنت هو من إن تطرق مجدداً لموضوع الطلاق وطابور الحمقى
الذين لا مطمع لهم سوى نسبك فسينسى بأن له ابن عمة اسمه
قاسم "
وأولاه ظهره وتابع بغضب ووجهته الباب المغلق
" وابنة لك أيضاً اسمها تيما لأني لن أغادر بدونها وإن غادرت
بها مجبرة أو حتى اختطفتها اختطافاً "
وفتح باب المكتب بقوة وحركة عنيفة وغادر من فوره تاركاً خلفه
الذي حرك رأسه مبتسماً وتحرك من هناك أيضاً وقد همس
بابتسامة وهو يجتاز الباب
" ابنة والدتك أنت يا تيما يحدث فقط ما تريد "
*
*
*
وقفت أمام باب الغرفة تمسك مقبضه بيدها مترددة حتى في إدارته
لتعلم إن كان يمكنها فتحه أم لا .. لقد كان يومها في البرج مرهقاً
وطويلاً ولم تكن تستطع مغادرته في غير هذا الوقت فهو يومهم
الأول بعد الافتتاح وقررت زيارة غرفة عمتها قبل حتى أن تدخل
غرفتها ولا أن تغير ثيابها فهي انشغلت بالأمس كما اليوم وما
علمته بأنها لم تخرج من غرفتها سوى لتناول وجبة الغداء الذي
لم تكن هي متواجدة فيه وبأنها لم تتحدث مع أحد لا ذاك الحين
ولا باقي النهار .. ولن تستطيع تجاهلها ولا تجاهل ما حدث
وتتفهم مشاعرها كما موقفها ولن تنسى أبداً بأنها من قام
بتربيتها والاعتناء بها طفلة مع والدها شراع .
فتحت الباب ببطء فور أن طرقته طرقتين متتاليتين ليقع نظرها
مباشرة على الجالسة على حافة السرير تمسك يدها الصورة التي
سرعان ما خبأتها تحتها لكن ما عجزت عن إخفائه هي الدموع
التي مسحتها من عينيها بقوة فنظرت لها بحزن وامتلأت عينيها
بالدموع سريعاً فهي تعلم ما تكون تلك الصورة وتذكرها جيداً فهي
الصورة الوحيدة التي جمعت بين شراع صنوان وأبنائه الأربعة
ومن ضمنهم الكاسر الذي لم يعد له مكان بعدها بل وجبران أيضاً
رغم وجوده على قيد الحياة ... صورة قديمة بالأبيض والأسود
احتفظت هي بها لأعوام ولوحدها رافضة إعطائها لأي منهم
وهي أولهم بسبب بكائها على شقيقها الوحيد ذاك .
مسحت هي أيضاً الدموع من عينيها وتحركت نحوها بينما لم
ترفع الجالسة هناك رأسها ولا نظرها لها حتى جلست أمام ساقيها
ودفنت وجهها كما ذراعيها في حجرها وانطلقت العبرة التي لم
يكن بإمكانها سجنها وقالت باكية
" عمتي لا تغضبي مني ولا تُحمليني نتائج ما حدث أرجوك
فمحبتي لك أكبر من أن أستحمل هذا "
ورفضت أن تبتعد عنها كما أبت عيناها التوقف عن ذرف الدموع
تكرر رجاءاتها بأن لا تغضب منها حتى شعرت بتلك اليد تمسح
على رأسها فرفعته حينها ونظرت لها بل ولعينيها الدامعة وقالت
ببكاء
" عمتي أقسم أني حاولت معه كثيراً وكنت مستعدة لفعل أي شيء
لكن والدي شراع من كان يرفض ولم أكن راضية أبداً عن الخلاف
بينهما ... عمتي جبران لا يحبني وليست مشاعر حب تلك التي
يحملها اتجاهي لما كان فكر في تدمير حياتي مع ذاك الرجل في
الماضي ولا كانت لتتحول لكره وحقد اتجاهه الآن "
مسحت يدها على شعرها وقالت بهدوء حزين وبحة بكاء
" يكفي يا غسق "
فحركت رأسها برفض وقالت
" لا ليس يكفي عمتي وعليك أن تفهمي حقيقة الأمر فمن يحب
شخصاً لا يمكنه كرهه أبداً ولن يتمنى له التعاسة وإن لم يكن
معه ... أنا زوجة لذاك الرجل ومنذ كنت في العاشرة من عمري
عمتي وإن جهلنا ذلك فزواجي بجبران ما كان ليتم وإن وافقت أنا
عليه كما تعلمين جيداً وتعلمين صدقي حينها وإن وافق عليه
والدي شراع "
وشعرت بقلبها ينتفض بقوة آلمتها حين قالت الجالسة فوقها
بدموع انزلقت على وجنتيها ببطء
" لكننا نخسره يا غسق ... قلبي يحترق عليه ومن أجله "
فأمسكت بيدها بلكتا يديها وضمتها ملصقة لها في شفتيها
وقالت ببكاء " وأنا لست أفضل حالاً منك عمتي وقد جربت مراراً
حتى أني كنت سأذهب له ولليرموك وبطلب منه واكتشفت حينها
أنه ما فعل ذلك إلا انتقاماً من مطر شاهين حتى أنه ساوم بأستريا
وطلبني مقابلاً لها بادئ الأمر ! جبران لا يحبني عمتي وهو بات
يعلم ذلك جيداً .. كما أصبح انتقامه لكرامته كرجل وليس
لمشاعره فهدفه أصبح مطر شاهين وليس غسق "
ورفعت رأسها ونظرها لها وراقبتها بعينين دامعة وهي تُنزل
رأسها كما نظراتها الحزينة فقبّلت يدها وقالت ببكاء
" عمتي أرجوك لا أريد أن أخسرك كما خسرناه ... لم يعد
يمكنني استحمال فكرة أن أفقد فرد آخر من عائلتي التي لم أعرف
عائلة لي غيرها لأعوام طويلة "
وازداد بكائها حدة ما أن أصبحت الجالسة فوق السرير تجلس
بجانبها على الأرض وقد شدتها لحضنها تحضنها بقوة تمسح
يدها علي شعرها تشاركها البكاء وإن في صمت فهي تفهم
مشاعرها وتعلم بأن ما تشعر به اتجاه ذاك الرجل لا يمكنها منح
مثله لسواه ولا أن يتقبل قلبها فكرة العيش مع رجل غيره .. ومن
الظلم لومها على ما تغلبها نفسها عليه ، ولا يمكنها أيضاً نكران
أنها حاولت مراراً ورفضت دائماً الفتور القوي الذي نشأ بين
جبران ووالده فور عودتها من الحالك .. لكن قلبها يتألم لحال ابن
شقيقها الذي خسروه حياً ورؤية ذاك الرجل المدعو مطر شاهين
أو سماع اسمه يذكرها بذلك وبأن دخوله لحياة هذه العائلة كان
السبب في كل ما حدث .. لكن الواقع يفرض نفسه كما قالت فهو
زوجها منذ كانت طفلة .. زوّجه بها والدها الذي أنجبها وبرضاً
تام منه وما كان لقوة على وجه الأرض أن تلغي ذاك الرباط غير
مطر شاهين نفسه وإن رفضت غسق ذلك ، وجبران أخطأ في
تفكيره بأن يدمر حياتها وأن يساوم بها وكأنها قطعة سلاح
وليست الفتاة التي تربت معهم وحمّلها والدهم أمانة لهم
وقت موته .
أبعدتها عن حضنها ومسحت الدموع عن وجنتيها وهمست ببحة
حزينة تجاهد نفسها لرسم ابتسامة صغيرة
" مبارك حملك يا غسق .. كم أتمنى من الله أن يعوضك بهذا
الطفل عن كل ما عشته من فقد وحرمان في الماضي "
أمسكت يدها وقبلتها ودستها في حضنها وقالت بحزن تنظر
لعينيها الدامعة
" وهذا جل ما أتمناه عمتي فهو ما بات يمكنني تحمل كل شيء
من أجله وإن بقيت في هذا العلم بمفردي ، الشعور به ينمو
بداخلي يعطيني القوة للمضي بالرغم من كل ما قاسيته .. إنه
المعنى الجديد للحياة بالنسبة لي عمتي "
امتلأت عيناها بالدموع وحضنتها يتكئ رأسها على صدرها
وقالت بحزن يدها تمسح على شعرها بحنان
" أنت عانيتِ كثيراً يا غسق والله لن ينساك بنيتي وسيعوضك
ومهما طال الوقت " .
*
*
*
اتكئ بمرفقيه على السياج الحديدي يضم يديه ونظره للأسفل حيث
تنعكس الأنوار حوله على سطح المياه الغارقة في الظلام وكآبة
ملامحه كما جمود نظراته ينبئان بمزاجه حينها .. وكيف وهو
يسترجع شريط حياته كاملاً منذ أصبح يعلم من يكون وقاص
سلطان ضرار السلطان ومنذ استطاع نطق اسمه كاملاً بفخر كأي
طفل في عمره وصولاً لهذه اللحظة والتي يفترض بأن يكون له
فيها طفلاً ينطق اسميهما المرتبطان ببعضهما فقد أصبح في
التاسعة والعشرين ولم يمتلك شيئاً ولا ذاك الطفل الذي كان
سيرضى به رغم ظروف زواجه السيئة .
نظر جانباً وتنهد بضيق ليس بسبب أفكاره تلك فقط بل وبسبب
رنين هاتفه في جيبه .. هذه والدة رواح بالتأكيد فالوقت تأخر
ومؤكد كعادتها جالسة تنتظره في بهو القصر .. أو أنه جده وذاك
ما لا يريده ولا يتوقعه أيضاً فعلاقتهما عانت مؤخراً من الفتور ما
جعل عاداته تلك جميعها تتغير ، دس يده في جيب سترته وأخرجه
ونظر للإسم على شاشته بضيق فيبدو أن زوجة والده تلك وجدت
هذه المرة طريقة مختلفة لملاحقته ، فتح الخط ووضعه على أذنه
قائلاً بهدوء
" مرحباً أبي "
قال من في الطرف الآخر من فوره
" وقاص أين أنت الآن ؟ "
فتنهد بضيق وكلمة الآن التي ختم بها جملته تلك جعلته يوقن من
أن اتصاله ليس ليسأل ما به تأخر ومتى سيعود .. السؤال الذي
بات يسمعه كثيراً مؤخراً ... قال من فوره وبذات نبرته الهادئة
" هنا في بريستول "
قال ذاك من فوره وكما توقع
" في أي مكان فيها أنت ؟ "
تنهد بعمق قبل أن يقول
" عند جسر كليفتون "
فقال ذاك من فوره
" حسناً وداعاً الآن "
وها هي كلمة الآن تجيب عن نفسها مجدداً ، وكما توقع فلم
تمضي دقائق طويلة قبل أن يسمع صوت سيارة ما تقف قربه ثم
بابها يُفتح ويغلق بهدوء والخطوات البطيئة الثابتة تقترب منه
حتى وقف صاحبها بجانبه وبذات وقفته ونظر له قائلاً بجدية
" ما الذي يضايقك ويجعلك تفر من المنزل دائماً يا وقاص ؟
علمت بأن خلافاتك كثرت مع نجيب مؤخراً فما السبب ؟ "
تمتم ببرود وقد نظر للجانب الآخر
" وكانت أخبرتك بالسبب أيضاً ومن وجهة نظرها بالطبع فالجميع
هناك يعلم عداي على ما يبدو "
فتنهد بعمق وأمسك بكتفه وأداره نحوه لينظر له وقال بحزم
" وقاص أعلم أن علاقتكما كانت سيئة ومنذ الصغر لكنك كنت
دائماً تعامله بعقل الشقيق الأكبر منه سناً ولم تكن تسمح أبداً
خلافاتكما أن تصل لما عليه الآن ولدرجة الشجار بالأيدي ! فما
الذي تغير بك ؟ "
رفع نظره للأفق البعيد ولم يعلق فقال سلطان بجدية ولازال محدقاً
بنصف وجهه
" تغيرت كثيراً يا وقاص مؤخراً والجميع يلحظ ذلك "
نظر له حينها وقال بضيق
" وقاص لم يتغير بل أنتم .... لما تبحثون عن العيب بي وهو
بكم ؟ "
فحدق فيه بصمت وجمود قبل أن يقول بضيق مماثل
وجميعنا على خطأ وأنت الصواب ؟ أي عقل هذا الذي يقتنع بهذه
المعادلة ! "
فكانت النتيجة أن عاد بنظره كما جسده نحو سياج الجسر ونظر
للبعيد بصمت فقال بجدية ينظر له
" كانت حياتك تسير بشكل جيد يا وقاص وكنت تتحكم في كل
شيء حولك فما بك الآن فقدت كل ذلك ! "
نظر له مديراً رأسه ناحيته ولازالا مرفقاه يتكئان على السياج
الحديدي وقال بضيق امتزج بالكثير من المرارة
" ليس لأن حياتي كانت تسير بشكل جيد أبي وليس لأني كنت
راضٍ عنها فلم يكن وقاص سوى الإبن المطيع الذي يحاول أن
يضع مصلحة الجميع قبل مصلحته .. بل وحتى آرائهم وأوامرهم
لذلك كان المثالي بالنسبة لكم وكنتم راضين عنه "
وتابع وقد استدار بكامل جسده نحوه وأشار لنفسه قائلاً بضيق
" أما الآن وحين أراد أن يتوقف عن الصمت والرضوخ وحين
قرر بأن يعلن العصيان على كل ما يرفضه وأن يقول عن الخطأ
بأنه خطأ بات لا يعجبكم ! حين أراد أن يمارس حقه كمخلوق
بشري يشعر ويتنفس مثلكم تماماً أصبح الإبن العاق الذي يثير
المشكلات ويفتعلها ولم يستطع أحد تحمله أو فهمه ولا مكافأة
على سنوات عمله كقسيس لدى الجميع "
نظر له بذهول وقال بحدة
" ما هذا الذي تقوله وتفكر به يا وقاص ؟ من تقصد بهذا !
رقية التي لا تراك سوى ابن لها ولا تنام حتى تطمئن وتعلم أين
تكون ؟
أم رواح الذي باتت خلافاته أيضاً تطفو للسطح مع جدك
من أجلك ؟
ولن نتحدث عن والدة نجيب ولا ضرار ووالدته فوضعك معهم
كسابقه لم يتغير .. أم أنك تعني جدك بهذا ؟ "
قال بضيق نافضاً يده
" بل الجميع فحتى رواح ووالدته يكرران ذات العبارات التي بتّم
تتحفونني بها وإن كانت مشاعرهما نحوي لم تتغير لكنهما أيضاً
لا يريان سوى وقاص الماضي الذي يعتبرونه الرجل المثالي
والنموذجي "
وضرب بيده على صدره متابعاً بحرقة
" وقاص الذي مات هنا قبل أن يقتلني أبي .. وقاص الذي
أوصلني لأقسى مراحل التعاسة .. وقاص الذي كان يموت ليعيش
في قلوبكم ، لكنه بشر وقد اكتفى من أداء ذاك الدور وتعب منه "
أمسكت يده بذراعه وقال بحزم ينظر لعينيه التي لا يراها عيني
إبنه الذي يعرفه أبداً
" وقاص توقف عن قول ذلك فلا أحد بات يراك كما
تصف نفسك "
قال من بين أسنانه
" بلى ووقاص القديم مات ... مات أبي عليكم الاقتناع بهذا
جميعكم والرضا به "
" تحبها ؟ "
كان سؤاله قوياً ومفاجئاً جعله ينظر له بصدمة توقف معها كل
شيء حولهما وحتى صوت المياه القوي وهدير السيارات التي
تعبر قربهما مسرعة من وقت لآخر وعجز لسانه عن التحرك
فقال سلطان مجدداً وبإصرار وأصابعه تشتد على ذراعه أكثر
" أجب يا وقاص تحبها ؟ "
فسحبها منه وقال صارخاً باحتجاج رافض
" أبي توقف رجاءً ليس أنت أيضاً ... توقفوا عن مضاعفة مأساة
تلك الفتاة بسببي "
نظر له بصمت لوقت كان يتلقف فيه ابنه ذاك أنفاسه الغاضبة
ممرراً أصابعه في شعره الذي تبعثر بسبب حركته الغاضبة تلك
وقال بجمود
" عن زوجتك كنت أتحدث فمن كنت تقصد أنت ؟ "
فنظر عاليا حيث السماء السوداء ومرر كفيه على وجهه قبل أن
ينظر له وقال بجمود
" لا تقل بأنك لا تفهم وأن ذاك لم يصلك أيضاً "
فقال بجمود مماثل ينظر لعينيه بتركيز
" بلى وصلني لكن ليس من رقية فلا تحاسبها على ذلك "
فأمسك خصره بيديه وأشاح بوجهه جانباً وقال ببرود
" أعلم ممن وما الذي تصبوا له تلك المرأة تحديداً "
فقال الواقف أمامه بضيق
" وقاص نحن بهذا نزيد شروخ العائلة لا نداويها وذاك
ليس حلاً "
نظر له وقال بضيق أشد يشير برأسه للبعيد
" الشرخ بيني وبين زوجتك تلك لن يداويه أي شيء ولن أنسى
لها أبداً بأنها السبب في العداء المتأصل بيني وبين شقيقي "
حرك رأسه متنهداً بيأس وقال بجمود
" أنت لم تجب على سؤالي ذاك بعد ؟ "
قال من فوره وبحزم
" أنت تعلم الجواب جيداً "
قال بجدية
" لما تزوجتها إذاً ؟ لماذا وافقت يا وقاص ! "
فانفجر بكل ما يكبته لأعوام وبات لا يخفيه مؤخراً ولا يهتم
بإخراجه
" لأني لم أهتم يوماً بأن أبحث عن مرأة أتزوجها من أروقة
الشوارع ولا واحدة أجلس معها في المطاعم والنوادي لأرى
نفسي إن كنت مقتنعاً بها كزوجة أم لا ... وافقت على اختيار
جدي لأني كنت مقتنع تماماً بأنه ثمة مشاعر يمكنها التواجد بين
الزوجين بعد زواجهما ولم أتخيل يوماً بأن اختيار جدي سيكون
من وجهة نظره كرجل أعمال فقط ! أن لا يفكر ولا للحظة في
رؤية الفتاة التي اختارها لي ! وبالرغم من كل ذلك رضيت ..
قبلت وسكت نهائياً بل وحاولت التأقلم وتقبلت واقعي وماذا كانت
النتيجة ؟ "
وتابع بسخرية تنطق مرارة فارداً ذراعيه جنباً
" لم أتخيل يوماً بأن ذاك النوع من الزواج لن يكون ناجحاً
وبجميع معتقداته ! وبأنه عليا أن أكون كرواح المتهور المجنون
كما تصفون لأكون سعيداً وراضٍ عن نفسي ولأبني حياة ناجحة "
قال الواقف أمامه وبضيق
" لا تراهن على ذلك فأنت لم ترى تلك الحياة بعد وأولها أنه
يتزوج بعناد ممن ترفضه تماماً "
فقال بذات ابتسامته الساخرة وكأنه لا يهتم بما قال
" سترى إذاً وأرى "
شد قبضتيه بجانب جسده بقوة وقال بحدة
" وقاص توقف عن الجنون وعد لعالمك السابق فكل شيء يمكن
تغييره حتى زواجك وزوجتك التي أراها تسعى لذلك فعلاً "
فكان تعليقه كسابقه بل وأقسى على كليهما وهو يقول بسخرية
" تسعى !! تسعى بماذا أبي ؟ لا تعاملني كطفل لا يرى ويعي ما
يدور حوله "
لكنه قال وبحزم رافضاً للاعتراف بذلك
" وهل ترى عدائك للجميع وهروبك الدائم من المنزل هو الحل ؟
وبأنه ما سيجعلك تشعر بالراحة والإستقرار ؟! "
فأمسك برأسه الذي بات يؤلمه وبشدة وقال بضيق
" أبي يكفي رجاءً أنا لا أريد التحدث عن كل ذلك "
قال بأمر حازم
" عد معي للمنزل إذاً ونم وارتاح ثم نتحدث لاحقاً "
حرك رأسه برفض ينظر للرصيف تحته ممسكا خصره بيديه
وتمتم ببرود
" لا أبي لا يمكنني العودة ومواجهتها مجدداً "
قال باستفهام
" من منهما تعني ؟ "
رفع نظره له كما يديه جانباً فارداً ذراعيه وقال بضيق
" وفيما سيفيد جوابي وأنت تجيب عليه سلفاً بينك وبين نفسك
ولن تصدق غيره ؟ "
وما أن قال عبارته تلك غادر من أمامه وركب سيارته تاركاً إياه
واقفاً مكانه ولم يسمع بعدها سوى صوت صرير عجلاتها المرتفع
وهو يغادر مسرعاً فمسح بكفه على وجهه مستغفراً الله قبل أن
يمرر أصابعها في شعره ونظر للسماء عالياً هامساً بتنهيدة عميقة
" ليتك فقط قلت إن كنت فعلاً تحبها لكنت طلقتها من نجيب
ورغماً عن أنفه من أجلك فقط "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, sweethoney and 50 others like this.
رد مع اقتباس
#12139
قديم 10-06-19, 09:51 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
رفعت نفسها على رؤوس أصابعها تفتش في أغراضها أعلى
رفوف الخزانة المفتوحة بينما اتكئ دجى على ظهر السرير يتكئ
برأسه على يده التي يدسها خلفه ثانياً مرفقه يستمع مبتسماً
لأحاديثها التي سرعان ما تنتقل للطفولية والعشوائية وهي تحدثه
عن كل ما حدث وفعلت الأيام السابقة وأهمها حفل افتتاح البرج
وقال مبتسماً
" وأين هو تركك تأتين هنا بمفردك على غير العادة ؟ "
قالت بضحكة صغيرة ولازالت توليه ظهرها منشغلة بالتفتيش بين
العلب الصغيرة المصفوفة في الرف العلوي
" غادر منذ الصباح برفقة عمي رعد لمبنى البرلمان وبأوامر
من والدي بالطبع .. ولك أن تتخيل شكل كليهما اليوم "
ضحك وقال
" بالطبع يمكنني تخيل ذلك .. سيكونان كقناعي المسرح تماماً "
فضحكت ولم تعلق بينما انتقل نظره هو للذي وقف أمام باب
الغرفة فجأة ونظر ناحيته ببرود نظرة فهمها جيداً معناها
( ألن تفارقها أبداً )
فتجاهله ونظر للتي كان يخفيها عن باب الغرفة والواقف أمامه
باب الخزانة المفتوح وقال يكتم ضحكته
" يبدوا لي قاسم مستاء جداً اليوم ؟ "
ونظر بمكر للذي نظر له متوعداً بينما قالت التي أخرجت علبة
وفتحتها تفتش فيها
" ولما الاستياء ؟ هو من يجلب ذلك لنفسه "
فضحك دجى بصمت بينما انتقلت نظرات قاسم المستاءة ناحيتها
وإن كان لا يرى سوى قدميها البيضاء الصغيرة وقال دجى وقد
عاد بنظراته الجانبية الماكرة له
" وما توصلتما له بشأن زواجكما متوقف التنفيذ ؟ "
حركت حينها يدها ولازالت تحدثه مولية ظهرها له وتمتمت ببرود
" لا شيء بالطبع وثمة اتفاق بيننا عليه أن لا يخل بشروطه
أبداً "
فقال من فوره يكتم ضحكته
" لكنه رجل يا تيما والرجال لا صبر لهم "
وضحك ما أن لم تعلق وقد أنزلت نظرها ورأسها لما في يديها
بينما كانت ضحكته تلك ليس بسببها فقط بل وبسبب الذي هدده
بقبضته ناظراً له بغضب فضحك مجددأً وقال يبرر ما قاله
" كنت أقصد أنه في عمر لا يسمح له بتضييع المزيد من الوقت "
فقالت بلامبالاة تعيد غطاء العلبة بعدما اكتشفت بأنها ليست ما
تبحث عنه
" وما علاقتي أنا به ؟ "
نظر لها قاسم بصدمة بينما عاد دجى للضحك وتابعت هي تحرك
يدها بعشوائية وكأنه أمامها وليس خلف ظهرها
" أنا لازلت صغيرة والوقت أمامي طويل لأنجب أبناء
وأراهم يكبرون "
فجلس دجى ضاحكاً وأشار له بيده ليتريث ويبقى مكانه ما أن
تقدمت قدمه نحو الداخل وقال ينظر لحفيدته
" لكن بهذا أنت تظلمينه يا تيما "
فقالت التي أنزلت علبة أخرى وفتحت غطائها
" أنا لم أظلم أحداً والنساء أمامه في كل مكان فليتزوج متى ما
شعر بالظلم والملل "
ففتح فمه بدهشة تمثيلية ونظر لقاسم وأشار بقبضته وكأن سكيناً
فيه يغرسه في قلبه ضاحكاً بصمت على شكله بينما قال موجهاً
حديثه لها
" من قلبك تقولين هذا الكلام ؟ "
قالت بضحكة ترفع جسدها مجدداً لتعيد العلبة مكانها
" لا من الخزانة بالطبع "
فضحك ونظر بطرف عينيه للذي لازال يقف هناك مكانه ملامحه لا
تبشر بالخير بتاتاً وقال
" وما يقول قلبك إذاً وليس الخزانة ؟ "
قالت مبتسمة تُنزل علبة أخرى صغيرة وبيد واحدة
" أنت تعلم جيداً ما يقول "
وما أن نزلت مستوية على قدميها حتى صرخت ضاحكة بسبب
الذراعان اللتان التفتا حول خصرها النحيل وارتفعت قدماها عن
الأرض ما أن رفعها عالياً وسقطت علبة الدبابيس من يدها وتناثر
ما فيها تحتهما ودار بها نحو الذي كان يراقبهما مبتسماً فقالت
مستنجدة
" جدي أرجوك أخبره ينزلني "
فتقدم بها نحوه بينما حديثه كان موجهاً لها قائلاً بضيق
" وما الذي يقوله قلبك تحديداً لنحدد مصيرنا الآن ؟ "
فضحكت وصرخت مستنجدة مجدداً
" جدي .... أرجوك "
قال دجى مبتسماً
" أنزلها يا قاسم "
فتجاهله واشتدت ذراعاه على خصرها ما أن قال بضيق أشد
من سابقه
" لما لا تكونوا عادلين معي وإن لمرة واحدة ؟ "
ابتسم دجى وقال ونظره معلق بعينيه
" حينما يصل الأمر لحفيدتي لا أكون عادلاً إلا بالوقوف
في صفها "
أنزلها حينها محرراً خصرها من قبضته وقال بضيق
" ليس لأنه لا والدان لي أعامل بإجحاف هكذا ! "
ضحك الجالس أمامهما وقال يشير بكفه المفرودة جانباً
" عليك أخذها والفرار بها للجنوب إذاً حيث جدتك وعماتك
وأعمامك لتجد لك منصفاً "
فقال مغادراً الغرفة بخطوات قوية غاضبة
" هذا ما يبدو عليا فعله بالفعل "
فضحك وتبعه بنظره حتى خرج ونظر للتي كانت تقف مكانها
حيث تركها تمسك خصرها بيديها وتنظر لمكان خروجه بضيق
وقال بهدوء معاتب
" تيما عليكما إيجاد حل يرضي كليكما في هذا "
نظرت له وضربت قدمها بالأرض محتجة وقالت
" لا جدي هذا ليس عدلاً مطلقاً فاتفاقنا كان على أن توافق
والدتي أولاً ولن أرضى بأن يخيرني بينهما لأني سأقتل قلبي
حينها وأختارها هي .. وهو يعلم هذا جيداً "
عقد حاجبيه وتبدلت نظرته للحزم وهو يقول
" وما التقدم الذي أحرزته معها إذاً أم واقفة مكانك تنتظرين
أن تغير رأيها من نفسها ؟ "
قالت باعتراض
" لا لست واقفة مكاني أنتظر وعليه أن يصبر فلن أخرج من هنا
إلا وهي راضية تماماً وعليه منحي بعض الوقت فهو يخل
بالاتفاق الذي سبق ووافق عليه من وقت قريب "
قفز حينها دجى واقفاً خارج السرير وقال مغادراً أيضاً
" تفاهما فيما بينكما إذاً ولا تحتكما لي مجدداً فأنا فعلاً لا أريد
أن أظلمه لأني لا أستطيع إلا أن أكون في صفك "
وغادر الغرفة تاركاً بابها مفتوحاً بعده فقالت بضيق تنظر لمكانه
الخالي منه
" أنا هي التي تظلمه مثلاً ؟! "
وتأففت وانتقلت للدبابيس المبعثرة على الارض تجمعها
متمتمة بضيق
" سينتظر ورغماً عنه أو منزل خالي رعد مكاني الجديد
ولن أغادره "
*
*
*
تنهد بضيق من عناده وقال
" يمان متى سيلين هذا الرأس العنيد تحديداً ؟ "
قال متجاهلاً مجدداً ما يقول
" أخبر والدتك تستعجل زوجتي فلن نصل قبل مثل هذا الوقت
من يوم غد على هذا الحال "
قال بصبر وأمل أخير في أن يغير رأيه
" الطائرة يمكنها إيصالكما خلال دقائق وسيارتك معك أيضاً
أفضل لكما من المغادرة وقت مغيب الشمس هكذا "
نظر له بضيق وما أن كان سيتحدث انفتح باب المجلس المشترك
مع المنزل وظهرت أمامه التي نظرت لعينيه باستجداء حزين
وسرعان ما ركضت نحوه وحضنت خصره بقوة تخفي وجهها في
صدره فابتسم أبان بانتصار فها قد جاء من سيجعله يغير من
قرارته المجنونة .. لكن تلك الابتسامة سرعان ما اختفت حين
قالت تشد ذراعيها حوله بقوة باكية
" يمان خدني معك ... لا تتركني مجدداً أرجوك "
فلامست يده رأسها ورفع نظره بالذي كان ينظر له رافعاً حاجبيه
وقال بهدوء
" أين آخذك يا يمامة ؟ "
فقالت باكية تشد ذراعيها حول جسده أكثر
" ألم يصبح لديك منزل ؟ لما تتركني هنا إذاً ! "
حضنها بقوة وقبل رأسها قبل أن يبعدها عنه ونظر بحزن لعينيها
الدامعة وقال
" يمامة أنت متزوجة الآن و.... "
فقاطعته تنظر له بعينين تتقاطر منها الدموع دون توقف
" أبان لن يرفض .. هو لن يرفض ذلك فخذني معكما أرجوك "
فأعجزه ذلك عن التحدث بينما ارتفع نظره للذي خرج من صمته
قائلاً بحزم يمسك خصره بيديه
" ومن قال بأني سأوافق ؟! "
فالتفتت برأسها ونظرت له بعينين حزينة دامعة لكنه كان ينظر لها
بقوة عاقداً حاجبيه وقال بحدة
" مكانك هنا يا يمامة ولن تغادريه والقرار في ذلك لي وحدي "
فنزلت دموعها مجدداً وقال يمان بضيق ينظر له
" ليس بهذه الطريقة تشرح لها الأمر "
فرفع نظراته الغاضبة له وقال بضيق أشد
" ليس ثمة طرق أخرى وعليها أن تفهم أمراً واحداً على الأقل
مما تعنيه كلمة أنها متزوجة "
فعارضه قائلاً بحدة ظهرت في نظراته قبل صوته
" وإن يكن زوجها .. هذا لا يعني أن تعاملها بهذه الطريقة ، ثم
لم يجبرك أحد على الزواج ممن تعرفها جيداً وتعرف سنها "
فصرخ فيه ماداً سبابته يحركها نحوه بتهديد
" يمان اتركني في صمتي أفضل لك ولي ولها "
فنظر له باستغراب قبل أن يقول غاضباً
" ولما تصمت ؟ قل ما لديك هيا "
نظر له نظرة محارب شرس وما أن كان سيتحدث قاطعته
الواقفة بينهما وهي تفرد ذراعيها ويديها بينهما قائلة ببكاء
" يكفي أرجوكما لا تتشاجرا بسببي .. لن أغادر من هنا
فقط توقفا "
فانتقلت نظرات شقيقها المشتعلة لها وقال بضيق
" توقفي أنت عن الخنوع يا يمامة وعن إذلال نفسك "
فحدقت فيه عيناها الدامعة بصدمة بينما كان التعليق من أبان
الذي قال بغضب
" ما هذا يا يمان ؟ أتعلمها التمرد على زوجها ! وتريد أن
أتركها أن تذهب معك ؟ "
فنقل نظره له وقال بغضب مماثل بينما سبابته تشير لها
" بل على يمامة الخاضعة المطيعة دائماً أن تتغير وأن يساعدها
الجميع على ذلك وأولهم أنت لا أن تستغل هذا فيها .. وعليها
أن تكبر امرأة تملك قرارت نفسها فيما يخصها وحدها "
فاشتد غضب الذي قال يشد قبضه بقوة وكأنه يمسك نفسه عن
الهجوم عليه بها وصرخ
" لازلت أتجاهل مقصدك من كل ما تقوله يا يمان .. ولا تنسى
بأننا لم نتشاجر يوماً لنفعلها الآن بعدما أصبحنا عائلة واحدة "
وما أن كان الواقف أمامه سيتحدث بل سيصرخ الند بالند سبقه
قائلاً بغضب
" يمامة لن تغادر من هنا إن كان هذا ما ستقوله وهي زوجتي
والكلمة لي وحدي "
انفتح باب المجلس على اتساعه حينها ودخلت منه جوزاء التي
نظرت لهما قائلة بضيق
" ما بكما ؟ ما الذي يحدث هنا ! "
وكان التعليق من أبان الذي نظر لها وقال بحدة يشير بيده للأرض
المغطاة بالسجاد الفاخر
" أمي رجاءاً كم مرة سأخبرك بأن هذا المكان اسمه مجلس رجال
وأن لا تقتحميه هكذا وكأنه جبهة قتال ! فثمة من سيدخل في
أي لحظة "
توجهت للباب الزجاجي وأغلقته بالمفتاح وتوجهت نحوهما
قائلة بغضب
" أنا أكبر منك ومن شلة رفاقك تلك وأكسر رأسك ورؤوسهم
جميعكم ولن تعلمني أنت كيف أتحرك في منزلي ... وما أغلقت
الباب إلا كي لا يسمع ما سأقوله الآن أحد "
نظرا لها بصمت وإن تفاوت ما تحت ذاك القناع .. فبينما كان
ينظر لها أبان بحنق لم يستطع يمان رفع نظره بها خجلاً منها
ومما يحدث في منزلها كما قالت ، أما الطرف الثالث والأنثوي
فكانت عيناها لا تتوقف عن ذرف الدموع تمسك فمها بيدها بينما
تابعت هي بذات غضبها غير مهتمة بمن نظر أم لم ينظر تحرك
سبابتها بينهما " يمامة ابنتي لا سلطة لا لك ولا له عليها
ومن لديه كلام غير ذلك فليقله الآن "
كان أبان بالطبع وكالعادة من يحاول ودون خوف التمرد لكنها
وكالعادة أيضاً أسكتته من قبل أن يحاول فعل ذلك صارخة فيه
بحدة وسبابتها تشير لوجهه تحديداً
" أنت تحديداً تصمت وتعلم جيداً لما "
فلاذ بالصمت يزم شفتيه بقوة وغضب ويعلم جيداً كما تعلم هي
بأنها إن تحدثت فسيصمت وللأبد وليس الآن فقط بل وسيخسر
صديق طفولته وأقرب أصدقائه له فما كان منه إلا أن غادر ضارباً
الباب الخارجي للمجلس خلفه لكن ما لم يستطع منعه هو لسانه
وهو يصرخ مبتعداً
" قسماً إن خرجت زوجتي من هنا فلن أدخل هذا المنزل
حتى ترجع له "
وابتعد نظراتها الغاضبة تتبعه قبل أن تنقلها للذي قال بصوت
منخفض ونظره لم يرفعه
" آسف سيد.... "
فقاطعته سريعاً وبحزم وحاجبان معقودان بشدة
" لا تقل سيدتي يا يمان ... أنا لست سيدة على غيرك لأكون
سيدة عليك "
لم يعلق كما لم يرفع رأسه فقالت بحزم
" وارفع رأسك ولا تخجل أبداً من أن تكون سنداً لشقيقتك ولا
تسمح لرجل وكان من يكون أن يُنزل من قيمتك هذه في حياتها "
فرفع رأسه حينها كما نظره الذي لازال يظهر فيه الخجل
والاعتذار واضحاً وقال
" لم يكن أبان مخطئ أنا فقط .... أنا لا أريد ليمامة أن تكبر
على ما تربت عليه عند والدي وزوجته "
فأشارت برأسها موافقة وإن كانت ملامحها الغاضبة لم تلين
وقالت بجدية
" وأبان مخطئ فما قيل ما كان يجب أن يقال وأمامها تحديداً ..
ولا تقلق بذاك الشأن فلن تكبر وتكون إلا امرأة كما تريد وتتمنى
لشقيقتك أن تكون "
وتابعت وقد نقلت نظرها منه للتي كانت تنقل نظرها بينهما باكية
" وأنت يا يمامة .. آخر ما كنت أتوقعه أن تكرهي البقاء مع
والدتك وترفضيه ! "
فركضت نحوها باكية وحضنت خصرها بقوة فضمتها بذراعيها
بينما خرج صوتها الرقيق الباكي
" لا أريد لشقيقي أن يبتعد عني مجدداً ولا أراه "
فمسحت يدها على شعرها وقالت تنظر للذي كان ينظر لشقيقته
بحزن
" وشقيقك لن ينقطع عنك كالسابق يا يمامة وسيتكفل والدك
أيوب بهذا ويكون هنا كلما أردت رؤيته "
فنقل نظراته لها وما أن كان سيتحدث والرفض واضح في ملامحه
سبقته قائلة
" لن ترفض هديتي لك يا يمان ونحن نملك ما لن يؤثر فيه ثمن
سيارة جديدة لك .. أو ستقبل بركوب الطائرة في كل مرة "
فتنفس بعمق قبل أن يقول
" لم أستطع قبولها ولا من الزعيم مطر واحترم هو ذلك فلن
أستطيع قبولها أبداً "
قالت من فورها
" ذاك مطر وليس أنا ومن تكون شقيقتك زوجة لإبني "
فقال باحترام وبكل ما استطاع استجلابه من هدوء
" كل ما تفعلينه من أجل يمامة لا أعترض عليه فهي زوجة إبنك
أما أنا فلا أستطيع أرجوك لا تحرجيني بالرفض أكثر من ذلك فأنت
في مقام والدتي بالنسبة لي "
تنهدت بيأس منه فإن لم ينتصر عليه مطر كما قال فلن تفعلها هي
مهما حاولت ، قالت في محاولة أخيرة
" ستدفع ثمنها مقسطاً إذاً وحسب رغبتك أنت ومقدرتك وإن
استغرق دفعه مئة عام "
وما أن كان سيتحدث سبقته قائلة بإصرار
" لا تجادل أكثر يا يمان فلا عذر لك الآن .. والسيارة الجديدة لن
تساعدك في الوصول هنا بسرعة فقط بل وفي عملك في الجنوب
أيضاً وفي سداد ثمنها بشكل أسرع "
فتنهد بعمق وقال
" أنت تعلمين جيداً أين أعيش فأي مبرر سأقدمه لامتلاكي لها
وأنا أعلم جيداً أي سيارة تلك التي ستوفرونها لي ؟ "
قالت من فورها
" هذه ليست مشكلة وسيسلمك عمك أيوب أوراقاً تخص
تقسيط ثمنها ولا حجة لك "
هو من تنهد بيأس هذه المرة ونزل بنظره لشقيقته التي لازالت
متعلقة بحضن المرأة التي هو متأكد من أنها كانت لها الأم التي
لم تعرفها يوماً وهو من أجلها مستعد لفعل أي شيء ... كما يعلم
جيداً بأنه لن يستطيع تقديم شيء لها مما تجده هنا كما تأكده بأنها
لن تتذمر من حياته هناك أو ترفضها إن غادرت معه وإن عرفت
الترف هنا .. لكنه لن يستطيع أيضاً أن يقدم لها مسقبلاً كهذا
وزوجاً كأبان وهو من عرفه ويعرفه جيداً .
*
*
*
خرجت من باب المنزل راكضة ونادته تنزل العتبات
" قاسم انتظر "
فترك باب السيارة الذي كان يفتحه للتو والتفت لها فوقفت أمامه
وقالت مبتسمة بالرغم من الملامح العابسة التي قابلها بها
" لولا أني حمقاء كقلبي تماماً ما كنت تبعتك "
قالتها تذكره بكلامه السابق لكن شيئاً من ذاك العبوس لم يتغير
ولازال نظره مركزاً على عينيها فتبدلت ملامحها للأسى وقالت
برقة سرعان ما انتقلت للجواهر الزرقاء الواسعة في عينيها
" لا تكن قاسٍ هكذا "
فرفع رأسه وتنفس بقوة قبل أن ينظر لها وقال بكل ما استطاع
استجلابه من جمود
" لا تستخدمي معي هذا الأسلوب الذي تعلمين فاعليته جيداً لأني
اكتسبت حصانة ضده "
أبعدت خصلات غرتها التي تطايرت أمام عينيها وهمست مبتسمة
تنظر لعينيه
" كاذب ويمكنني إتباث ذلك لك الآن "
فرفع سبابته أمام وجهها وقال بتهديد
" لا تقتربي مني وها أنا أحذرك "
فعبست ملامحها الجميلة بينما ركب هو سيارته وقال ببرود يغلق
بابها ودون أن ينظر لها
" أخبريني حينما ترضى عني سمو الأميرة غسق التي يبدو أني
أتزوجها هي وليس أنت "
فلوحت بقبضتها للأسفل بحنق تراقب سيارته وهي تبتعد .. ذاك
العنيد متقلب المزاج كما الوعود يريد أن يمارس أساليبه القوية
في الضغط عليها لكنها أعند منه .. فسرعان ما حركت كتفيها
بعدم اكتراث واستدارت للخلف لتعود أدراجها لولا أوقفها رؤيتها
للذي كان ينزل عتبات الباب حينها يُخرج مفاتيحه من جيب
بنطلونه وقد قال بجمود وهو يجتازها
" حجابك تيما .. لا تخرجي من دونه "
فاستدارت معه وقالت تتبعه
" لكن لا أحد هنا أبي ولن يقترب أحد إلا للضرورة "
قال وهو يفتح باب سيارته
" وعن الضرورة أتحدث "
وتابع وقد استدار نحوها يمسك الباب بيده
" ما به قاسم يبدو غادر غاضباً ؟ "
فحركت كتفيها ولوحت بيدها قائلة
" سيرضى حينما سيتعب من هذا "
فابتسم دون أن يعلق وما أن التفت مجدداً ليركب السيارة نادته
مسرعة
" أبي "
فاستدار نحوها ونظر لها بصمت فقالت بتردد
" ماذا بشأن .... أعني هل سترجع والدتي إلى هنا ؟ "
أومأ برأسه بنعم دون أن يتحدث فابتسمت بسعادة قائلة
" متى ؟ "
استدار للباب الذي فتحه أكثر وقال وهو يجلس في الكرسي
خلف المقود
" في وقت قريب جداً يا تيما "
وأغلق الباب فراقبته مبتسمة وهو يتراجع بالسيارة للخلف فأشار
لها بسبابته نحو باب المنزل يحركها فضحكت وحيته بيدها
وركضت من فورها حيث أشار .
*
*
*
حمل الأوراق التي قضا هو ووالده ليلة البارحة بطولها يعملان
عليها في مكتبه وأغلق باب الجناح وهو يخرج منه ينظر لهاتفه
وللرسالة التي وصلته وابتسم ما أن قرأ حروفها
( آسف أبي بشأن ليلة البارحة فقد قلت كلاما كثيراً ما كان
يجب أن يقال لك )
وحرك رأسه بيأس مبتسماً ما أن قرأ السطر الأخير أسفل الرسالة
( ولازلت أيضاً على إصراري فوقاص القديم مات وانتهى )
دس هاتفه في جيبه وسار في الاتجاه الذي قاده للسلالم لينزل
مغادراً من هناك ... لا يعجبه وضع وقاص ولا حاله أيضاً لكنه لا
يملك شيئاً يفعله من أجله فهو رجل عاقل راشد يعي جيداً ما
يقول ويفعل ولم يعرفه يوماً صاحب قرارات متهورة ولن يتغير
ذاك فيه مهما أبدى من رفض لشخصيته القديمة ، غير أنه يحار
في أمر والده أكثر من ابنه ذاك فلم يكن يتخيل يوماً بأن يسمح
لعلاقتهما بالوصول لما وصلت له الآن وهو من يحبه أكثر حتى
منه هو ابنه !! وبالرغم من جميع محاولاته للتحدث معه ليلة
البارحة بشأنه إلا أنه كان يمنعه من التحدث عن الأمر في كل مرة
بل ورفض أن يبقى هنا لمحاولة إيجاد حلول لكل تلك المشاكل
العالقة بين أبنائه وأصر على أن يعود لمشروعهم هناك في
الجزيرة وكأنه لا يهتم بكل ذلك ويعجبه ما آلت له الأمور !.
خرح من باب المنزل ونزل العتبات في خطى سريعة وما أن سار
جهة الممشى الحجري ومقصده مرآب السيارات وقف مكانه ينظر
للتي خرجت من الجهة المؤدية لنافورة الحديقة تحضن دفتر
رسم كبير وتمسك قلماً في إحدى يديها ووقف كلٌ منهما مقابلاً
للآخر ينظران لبعضهما بصمت ... لم يلتقيها سابقاً سوى لمرات
معدودة ولم يتشاركا حديثاً قط فهي كانت معزولة في جناحها
المخصص في الأعلى حتى بعدما تزوجها نجيب والجميع يظن
بأنها مجرد فتاة خرساء تعاني من مشاكل عقلية .. وحين تكشفت
حقيقتها وأصبحت تعيش ضمن أفراد العائلة كان هو مسافراً ولم
يأتي سوى في مناسبات معينة لأن وقاص رفض استلام المشروع
وكالعادة يُبعد نفسه عن أعمالهم جميعها ورواح منشغل بشركة
الطيران الجديدة التي يراها تناسب مجال دراسته وتطلعاته .. أما
والده فمنذ عاد من هناك للمرة الأولى ووجد المشاكل التي بدأت
بالظهور بعده قرر أن لا يغادر مجدداً بالرغم من أن بقائه لم يغير
فيها شيئاً بل ويراها تفاقمت أكثر !.
كانت أفكاره تدور حولها تحديداً بينما حدّقت عيناه في ملامحها
متفحصاً بصمت .. هذه الفتاة جميلة فعلاً وجمالاً لا يشبه عائلتهم
بالرغم من وسامة رجالها فقد استمدته من تلك الخماصية بالتأكيد
لكن ثمة ما يجذب فيها أكثر من كل ذلك يجعلك تحار ما هو ! ولن
يكون إلا قوتها وثقتها بنفسها التي تظهر جلية في كل شيء فيها
حتى في نظرتها الجامدة التي لا تخفي العداء فيها بتاتاً كما الذكاء
وسرعة البديهة فالأعمى فقط من لا يستطيع رؤية كل ذلك بها
ومن أول وهلة ومن دون أن يتحدث معها أيضاً ، خرج عن
صمته أخيراً وقال بابتسامة صغيرة
" مرحباً يا زيزفون "
قالها بكل ما استطاع من لباقة وهدوء لكن ذلك لم يغير من
نظرتها شيئاً بل وتحركت مجتازة له من دون أن تجيب وكأنها لا
تراه وليس فقط لا تسمعه لتوقفها يده التي أمسكت برسغها موقفاً
إياها ونظر لعينيها التي حدّقت فيه بحنق وقال ولازال يحافظ على
هدوئه
" أيمكنك وضعي في خانة غير أعدائك هنا ؟ "
فنظرت لعينيه بصمت لبرهة قبل أن تسحب رسغها من يده قائلة
بجمود
" لا يمكنني وضعك في خانة لا وجود لها عندي فجميعكم أعداء
بالنسبة لي "
اتسعت عيناه يحدق فيها بذهول فما قيل عنها حقيقي بالفعل ! بل
ولم يوفوها حقها ..!! تبدلت نظرته للحنق فجأة وقال مركزاً نظره
على عينيها
" بما أنه هذا اختيارك فأنا أحذرك فأبنائي خط أحمر "
قالها بقوة وعداء مماثل لما تهديه إياه بجوهرتيها الزرقاوتين
الباهتتين فهذه الفتاة باتت تملك مصير اثنين من أبنائه مهما أنكر
العقل ذلك ويمكنها بسهولة أن توقد حرباً بينهما يقتل فيها
أحدهما الآخر ودون تردد وذاك ما لا يريده لأبنائه كرفضه لأن
يعيشوا تاريخه المؤسف في تعدد النساء ولا من أجل أن يكون
لهم أكثر من طفل ، بينما كان رد فعل الواقفة مقابلة له أن
ابتسمت بسخرية ابتسامة تقول له وبكل وضوح
( ها قد ظهرت مشاعرك الحقيقية اتجاهي )
ولم تتجاهل الرد عليه هذه المرة كما توقع من شخصيتها بل
فاجأته أن قالت وذات الابتسامة الساخرة تزين شفتيها
" يبدو لي أن من أخبرك بكل ما يحدث من ورائك نسي أن
يضيف بأن ذاك بأكمله ليست زيزفون السبب فيه ... "
وتبدلت نبرتها للجمود سريعاً وهي ترفع رأسها بشموخ متابعة
" بل ولا يعنيني أيضاً لا أبنائك ولا ما سيصلون له لأدمر أحدهما
بالأخر .. ولم أطلب من أحد الاقتراب مني "
فنظر لها بصمت ولم يعلق فغرضه لم يكن أبداً الشجار معها ولا
أن يدخلا في حوار مشابه لهذا ويبدو أن الحديث معها لا جدوى
منه كما سبق وقالت رقية ، وكان موقفها هي مشابهاً إذ غادرت
في صمت ولم تضف حرفاً .. وما تركته يقال مثلاً ! تحرك أيضاً
حيث وجهته التي أراد وحرك رأسه بأسى متمتماً
" يا لها من حفرة سحيقة هذه التي أوقعت نفسك فيها يا وقاص
إن صدقت ظنونهم "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, sweethoney and 52 others like this.
رد مع اقتباس
#12140
قديم 10-06-19, 09:52 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
أبعدت يدها وقالت بضيق " جليلة هكذا لن ننجح أبداً .. توقفي
عن الحركة والتذمر ، كم مرة سنعيد كحل عينيك ؟ "
أبعدت يدها الأخرى عنها ووقفت على طولها قائلة بضيق
" قلت بأني لا أريد هذا وليتوقف أطفالكم عن الصراخ في الخارج
رأسي سينفجر "
قالت إحدى الجالسات حولهما في الغرفة وبعد ضحكة صغيرة
" وكيف نوقف كل ذاك العدد عن الصراخ ؟ وحدهم من يمكنه
التعبير عن فرحتهم بزواجك "
بينما قالت التي تجلس على كرسي طاولة التزيين مبتسمة
" لا أعلم كيف تفكرين يا جليلة ؟! لو كنت مكانك لتركته يقيم لي
حفلاً تتحدث عنه الناس لأعوام طولية "
فتمتمت ترمقها ببرود
" لو كنتِ مكاني فعلاً ما فعلتها "
دخلت حينها والدتهم من الباب المفتوح ونظرت لها وقالت
بابتسامة واسعة
" كنت أقول دائماً بأنك أكثر من يشبهني "
فضحكن بناتها المجتمعات وزوجة ابنها بينما قالت إحداهن
" هذا فقط لأن جليلة أجملنا "
فتجاهلتها وضحكاتهم الجديدة معها وقالت تنقل نظرها بينهن
" قائد وصل منذ قليل إن أردتن رؤيته "
وكان ذاك زر التشغيل الذي جعل الجميع حولهما يتحرك فيما عدا
زوجة شقيقه بينما اقتربت هي من ابنتها حتى وقفت أمامها
وأمسكت وجهها مبتسمة بحنان فامتلأت تلك العينان البنيتان
بالدموع وهمست صاحبتها ببحة
" سامحكم الله يا أمي على كل هذا "
فتبدلت نظرتها للوم مفعم بالحنان والرقة وقالت معاتبة
" ليس ثمة أم تكره ابنتها يا جليلة "
فنزلت من عينيها أول دموعة عاندتها طويلاً وخنقت العبرة
كلماتها الهامسة
" كنت أظن هذا أمي كنت.... "
واختنقت أنفاسها في شهقة بكاء مكتوم فضمتها لحصنها واتكأت
هي بوجنتها على صدرها وتسربت الدموع من عينيها بعد صراع
دام لساعات بينما قالت التي مسحت على شعرها بحنان
" لن أتمنى لك أقل مما تمنيته لشقيقاتك بل ولنفسي فأنت
ابنتي قطعة من كبدي "
فقالت بهمس باكي
" لكنك رميت بي لمصيرك السابق أمي وتعلمين ذلك جيداً "
أبعدتها عنها وأمسكت بذراعيها العاريتان بسبب فستانها وقالت
تنظر لعينيها الدامعة
" لا لن يكون وضعك كوضعي حينها ولا عمير كزوجي السابق
ولا داعي للخوف من أمور قد لا تحدث أبداً "
لكن ذلك لم يغير من الواقع الذي تراه أمامها شيئاً وقالت ببحة
بكاء
" سيحدث وسأرجع هنا مطلقة وستري ذلك بعينيك .. هذا إن لم
يكن لي طفل سأحرم منه أيضاً فالرجال متساوون في هذا "
مسحت يدها على ذراعها وقالت بتفهم لما ترى أن ابنتها تخشاه
وهو وضع كوضعها السابق
" لن أصدق أن رجلاً يرأس مخابرات البلاد كاملة ثمة من يتحكم
به أو بقراراته !! "
ابتعدت عنها خطوة للوراء وتحررت من يدها ونظرت لها
وقالت باكية
" لكنهم متشابهون أمي .. جميعهم متشابهون "
فقبضت يديها معاً وقالت بحزن
" جليلة لا تحكمي على الأمور من تجارب الأخرين ومهما كانوا
مقربين لك بنيتي "
فأشاحت بوجهها جانباً ولاذت بالصمت تحضن نفسها بيديها لا
شيء يتحدث سوى الدموع المنسابة على وجنتيها فما نفع
الحديث وكل ما ستقوله لن يلتفت له أحد ؟ فكم شرحت كل ذلك
وأعادت ودون جدوى ، كما تعلم جيداً بأن الواقفة أمامها الآن لا
حيلة لها في الأمر مثلها تماماً وحتى إن اعترضت واحتجت فلن
يستمع لرأيها أحد ، ثم هي كغيرها.. كزوجها وأبنائها وبناتها لا
يرون في كل هذا سوى فرصة لا تعوض ورجل يقاس بمركزه وما
لديه فقط ولن يهتم أحد لرأيها ولا مشاعرها .
تحركت من أمامها ورفعت الغطاء المخصص وفي صمت فاقتربت
منها والدتها كما زوجة شقيقها يساعدانها في ارتدائه ليخفي
فستانها الطويل المنتفخ ووجهها أيضاً بقبعته المطرزة فقد
سلموها للمجهول ولا حل أمامها سوى الرضا به .
*
*
*
اضجعت على السرير متنهدة نفساً طويلاً متعباً وغاص رأسها في
الوسائد الناعمة تحته وأغمضت عينيها برفق وتعالت أنفاسها
يعلو صدرها معها ويهبط بقوة فأقل مجهود كان عادياً لا يؤثر بها
أصبح يشكل تحدياً كبيراً لطاقتها الجسدية الآن وكأنها فقدت
نصف صحتها وقدرتها ! نزلت بيدها أسفل خصرها وهمست
وحاجباها يعقدان برفق
" كوالدك تماماً "
وسرعان ما ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها كان لها مفعول
السحر على تلك الملامح الجميلة المتعبة وفتحت عينيها ببطء
ونظرت جانباً حيث يدها الأخرى بجانب وجهها على الوسادة
وهاتفها فيها وتبدلت تلك الابتسامة لأخرى ممتزجة بلمحة حزن
خفيفة تنظر للإسم على شاشته ولا تفهم تحديداً كيف عبثت
أصابعها به في لمسات غير مقصودة حتى وصلت هنا وكأن كل
شيء في هذا العالم يقودها له ! وسرعان ما حاصرتها تلك
المشاعر التي لا تفتأ تتركها للحظات لتعود وتجذبها نحوه بقوة
كمراهقة صغيرة تشتاق لحبيبها كلما تذكرته وهو لا يغيب عن
أفكارها بتاتاً ! وكم كرهت هذا الشعور الذي لطالما عرفته
واختبرته فهي من قاست من أكبر مشاعر الفقد والاحتياج إليه
واشتياقها سابقاً والذي تعلم بأنه الآن لن يفارقها لأشهر نحو رجل
تدرك جيداً بأنه ومهما أبدى اهتماماً كبيراً بها إلا أن مشاغله
وأولوياته أكثر من كل ذلك بكثير فهو منذ كان وأصبح مطر
شاهين الذي تعرفه الناس ليصبح المقربون له هم من يجهلونه !
يحتاجون إليه ولا يجدونه لأنه لا يجد وقتاً لهم وهذا ما اعترف به
سابقاً وبنفسه ومنذ عرفته قبل أعوام ولم ينكره كما لم ينكر بأنه
يصعب عليه تغييره مادام الوطن يحتاجه .. وهل سيتوقف الوطن
عن احتياجه له !
نظرت للسقف فوقها وغرست أسنانها في طرف شفتها حين
وصلها صوت الرنين في الطرف الآخر فها قد فعلها قلبها أو
أصابعها أو كلاهما لا يهم فذاك حدث وانتهى .
" غسق !! "
أبعدت يدها من تحته ومسحت بها طرف عينها والدمعة التي
تمردت على رموشها الطويلة ما أن سمعت ذاك الصوت الرجولي
العميق ببحته المميزة والتي زادته قوة وخشونة بل فخامة
ونظرت للجهاز الأبيض الأصم الذي يوصلها به بأنفاس عادت
تضطرب وتتعالى ... ويلومونها في هذا الرجل ! يريدون وبكل
بساطة أن تنتزع قلبها من صدره لا صدرها لأنه لديه وتسلمه
لرجل آخر ! كيف تفعلها وهي التي عجزت عن ذلك لأعوام ! عن
انتزاعه فقط من قلبها دون أن تهبه لغيره فكيف تفعلهما معاً !!
فبالرغم من كل ما عانته بسببه وضرباته الموجعة لها الواحدة
تلو الأخرى لازالت تضعف تتلاشى وتنصهر بكلمة منه ..
بلمسة .. بقبلة .. بل وبمجرد أن تراه أمامها أو حتى تسمع
اسمه .
" غسق لا تغلقي الخط ... تسمعينني "
خرج صوته من ذاك الجهاز آمراً حازماً مما جعل يدها تقف في
الفراغ بينها وبينه وكأنه قرأ أفكارها بالفعل بل وردود أفعالها !
قبضت أناملها وأعادت يدها مكانها وعيناها لازالت تراقب هاتفها
وكأنه يراها من خلاله وخرج صوته مجدداً بأمر حازم لكنه لم
يخلوا من تلك الرقة الرجولية التي لا يتقنها هكذا سواه
" غسق لا تجعليني أترك طريق أرياح وأعود أدراجي الآن "
فتسربت الدموع الرقيقة تسبح وسط مقلتيها الواسعة مجدداً تنظر
لمصدر صوته ذاك الذي تعشق وهمست بخفوت حزين بالكاد
يسمع
" أحبك "
وأغمضت عينيها بقوة أصابعها تشتد بقوة على قماش قميصها
القطني القصير جهة رحمها وعضت باطن شفتها تفلتها من قبضة
أسنانها ببطء وتعالت أنفاسها كما الصمت بينهما وفتحت عينيها
محدقة بالسقف فوقها ما أن قال بهدوء معاتب رقيق
" غسق ليس بهذه الطريقة يجرمون في الرجال ؟ "
فأمسكت ابتسامتها بأسنانها ونظرت لهاتفها على الوسادة بجانبها
وقالت بصوت منخفض زينته بحة أنثوية رقيقة
" تبدو في سيارة .. هل أنت بمفردك ؟ "
خرج صوته من فوره
" ليس هذا ما كنا نتحدث عنه وما تعلمين جوابه جيداً "
لم تعلق تنظر لهاتفها مبتسمة بحزن بينما خرج صوته منه مجدداً
" أخبرتك سابقاً بأنك جبانة ؟ "
فانعقد حاجباها الرقيقان وخرجت من صمتها قائلة برفض رقيق
" لست جبانة "
قال من فوره
" بل جبانة وتنسين دائماً بأننا زوجان ورفعنا الحواجز يا غسق "
انقلبت على جانبها مقابلة لهاتفها ذاك تتكئ بطرف وجنتها على
ذراعها وكأنها تخفي حمرة الخجل فيها ولاذت بالصمت ..
وبماذا ستعلق مثلاً فهي تفقد قدرتها على أي شيء ما أن تتذكر
تلك اللحظات التي جمعتهما منذ عاد مقتحماً عالمها مجدداً سواءً
تلك الليلة في منزل عائلتها القديم أو الوقت الذي قضياه في منزل
البحر ... حسناً وإن ارتفعت الحواجز بينهما ؟ وإن كانت تخطت
كل ذاك معه فهي تبقى أنثى يمتزج الحياء الفطري بمركبات
جسدها وطبيعتها .. بل وطبيعة علاقتهما المتأرجحة .
خرج صوته حين طال صمتها وكان عميقاً متزناً حمل الكثير من
الرقة الرجولية الفخمة
" يرضيك هذا الوضع يا غسق ! متى سترحميني من
الشوق لك ؟ "
دفنت حينها وجهها في ذراعها وكأنه أمامها بالفعل وقالت
" كنا معاً منذ يومين في البرج أم نسيت ؟ "
فوصلها صوته سريعاً
" ليس عن ذلك أتحدث وتفهمين ما أقصد جيداً "
ارتسم الحزن على ملامحها الشاحبة ورفعت وجهها عن ذراعها
وهمست بأسى تنظر لذاك الجهاز الأصم بعينان دامعة
" كنت قادراً على ذلك لأربعة عشر عاماً "
وطال صمته بطول عذابها تلك اللحظات قبل أن يخرج صوته
مجدداً وحازماً هذه المرة
" كنت قادراً !! اتركيني في صمتي عن تلك الأعوام أسلم لكلينا
لأني أعلم جيداً نتيجة الحديث عنه ومن جانبك تحديداً "
وهي تعلم النتيجة أيضاً وتوافقه الرأي فلن تحتمل مزيداً من
تمزيق جراحها النازفة وآمنت بالفعل بأنها تحتاج لشجاعة لم
تكتسبها يوماً لتستطيع فعلها ولتسأله فقط عن تلك الأخرى التي
سبق وتحدث عنها أمام الجميع فكيف بمن سمعت صوتها مراراً ؟
وتتساءل أحياناً هل الجميع مثلها أم أنها وحدها من تهرب من
انكشاف الحقائق أمامها ...!! الحقائق التي تعلمها سلفاً وتخشى
فقط من سماعها من شفتيه .
" هل أفهم أن كل هذا نوع من العقوبات المجحفة بسبب رفضي
لذهابك للعمران اليوم ؟ "
كان صوته معاتباً هذه المرة وإن لم يخلو من حزمه المعتاد
فابتسمت بسخرية وقالت
" لا بالطبع فأنا لازلت أصمت عن أمور كثيرة مشابهة تتعمد أنت
إزعاجي بها "
جاء تعليقه سريعاً بل وبجمود بدا واضحاً في صوته
" وابنة خالتك ستكون هنا وسيكون بإمكانك زيارتها في منزل
زوجها كما تشائين .. أما منزل عائلتها هناك فلن تدخليه واليوم
تحديداً "
سحبت نفساً عميقاً لصدرها ليس بسبب تجاهله لما لمحت له فقط
واقترب حاجباها الرقيقان بضيق وقالت
" مطر يفترض بأننا أكبر وأنضج من التصرفات الطفولية !
فوثاب لن أراه وإن كنت هناك "
لاذ بالصمت ولم يعلق وفضلت هي الصمت أيضاً وأن لا يتحدثا
عن الموضوع أكثر .. لا تعلم خشية من أن يستنتج أو أن يكون
يعلم مسبقاً عماّ بينها وبين قائد مؤخراً ؟ لكنه إن كان يعلم فلن
تكون هذه ردة فعله ! لن يتخذ الصمت كرد فعل ووضع المشاهد
حتى ينتهي كل شيء وكل ما توقف منذ أيام وباتت عاجزة عن
اتخاذ أي قرار بخصوصه وتركت جميع أسئلة قائد الأخيرة معلقة
في صفحة بريدها الخاص ولم تستطع ولا الإجابة عليها وإن كان
ما يخططان ويسعيان له سيستمر أم سيتوقف نهائياً ؟ .
قالت بهدوء تبتعد عن الحديث في كل ذلك
" اتصلت لأطلب منك أمراً ما لكن يبدوا أنك خارج حوران "
قال من فوره
" كنا في فزقين ومتجهون حالياً لمدن أرياح وسنقضي الليلة
هناك فاجتماع الدول المنتجة للنفط بات قريباً واستضافة البلاد له
أمر يصب في صالحها ولا نريد أي مشاكل تعرقله خصوصاً في
الوضع الراهن "
تنهدت وقالت
"وفي الغد ؟ "
وكما توقعت كان جوابه جاهزاً ومماثلاً لسابقه
" سأكون في مدن ثنان عليا تسوية بعض الأمور المهمة هناك
فعلى قضيتهم الشائكة أن تنتهي قبل العام الجديد "
فزمت شفتيها بضيق قبل أن تقول
" لن أسألك عن بعد غد فسيكون ثمة ما يشغلك أيضاً ... أرأيت
نفسك يا مطر ؟ أنت لا تتغير أبداً ولا أمل يرجى منك "
كانت تريده أن يكون معهم وقت عقد قران رماح لكنه وكالعادة
لا تعرف أخباره وتحركاته سوى من التلفاز وكأنه ليس ثمة آلاف
الرجال تحت إمرته يمكنهم القيام بكل ذلك عنه ! وصلها صوت
تنهده العميق قبل صوته قائلاً
" الوطن يحتاجني يا غسق "
" ونحن نحتاجك "
قالتها مباشرة ودون تردد بل وأضافت من فورها
" الوطن يحتاجنا جميعاً ونلبي نداءه مادمنا نحبه لكن ذلك لا يعني
بأن نضحي من أجله بكل شيء حتى بمن نحبهم ويحتاجوننا "
" أتبيعين وطنك يوماً ما يا غسق ؟ أتفعلينها ! "
كان سؤاله مباشراً وقاتلاً أيضاً وفهم كلاهما أن حديثها انحرف
عن مساره الطبيعي ولم يعد وجوده الآن مقصدها بل كل ما حدث
في الماضي ... امتلأت عيناها بالدموع وهمست ببحة وحزن
" أجل فثمة من لا يمكنني العيش بدونهم ولن تغنيني وحدة البلاد
عنهم ليسعد الجميع وأبكي أنا وأموت وحيدة ..... أنا لا يمكنني
أن أكون مثلك "
فخرج صوته معبراً عن ضيقه هذه المرة
" متى ستتوقفون تحديداً عن تشبيهي بآلات الحرب ؟ أنا بشر
مثلكم تماماً يا غسق وقسماً لا أستطيع أن اغمض عيناي ليلاً لأنام
وإن لساعة واحدة إلا حينما أفكر فقط بأنك وابنتي بخير
وموجودتان في هذا العالم "
انقبضت أصابعها على لحم ذراعها الشديد البياض وانزلقت
دمعتها اليتيمه من طرف رموشها لصدغها تسقي الوسادة تحتها
وقالت بأسى حزين
" هذا لا يكفي يا مطر وكم أخشى من اليوم الذي لا يجد أحدنا فيه
الآخر ... فعلى من سنلقي باللوم حينها ؟ "
ونظرت من بين دموعها للجهاز الذي خرج منه صوته عميقاً
منخفضاً زاد بحته المميزة تلك عمقاً ووضوحاً
" ومطر يفهم ذلك ويخشاه .... مطر شاهين أيضاً يريد التحرر
من كل هذا يا غسق لكن ليس الآن .. ليس ونحن نكاد نخلص
البلاد ممن يتسببون بكل ما تمر به الآن .. وبعدها مطر نفسه
وبنفسه سيترك كل هذا من أجلكم قبل أن يكون من أجله "
فارتسمت ابتسامة حزينة على شفتيها زينت ملامحها الكئيبة
المتعبة وهمست
" ثمة أمل إذاً في أن تتغير أفكار إبن شاهين القديمة ؟ "
وعلمت فوراً بأنه فهم ما كانت تقصد وقد قال بلمحة ابتسامة
ظهرت جلية في صوته
" ثمة أمل كما تغيرت تلك الصخرة وذاك الجدول ليتحول لشلال "
فانزلقت دمعة جديدة من طرف رموشها الطويلة وقالت ببحة "
أنت السبب في تغيرها جميعها "
فقال سريعاً وما لم تتوقعه
" أعلم ذلك جيداً "
فابتسمت بحزن وانقلبت على ظهرها مجدداً وحدقت في السقف
تمرر ظهر يدها تحت ذقنها تسحب أنفاسها لصدرها بقوة ووصلها
صوته المتوجس حينها
" ما بها أنفاسك لا تنتظم أبداً يا غسق ! أأنت متعبة ؟ "
فغرست أسنانها في طرف شفتها وأصابعها تنقبض لا إراديا على
فستانها أسفل معدتها مجدداً فها هو يقرأ حتى حركة أنفاسها
ويتابعها ! كم يتعبها هذا الرجل ويعبث بقلبها ويضع عقلها في
دوامة لا نهاية لها ! نظرت للهاتف قرب وجهها قبل أن تقول
بابتسامة صغيرة حزينة
" هذا ابنك .... يكاد يصيبني بالجنون "
وأرادت أن تختم عبارتها بكلمة ( بك ) لكنها لم تستطع هذه المرة
فثمة حاجز مرتفع جداً لم يتخلصا منه بعد وهو هشاشة ثقتها
به ... حاجز لم تعد موقنة تماماً إن كانا سيجتازانه ؟ مسحت
عيناها وابتسمت ما أن قال بضحكة صغيرة
" كوالده تماما ً ..... مؤكد هذا ما ستقولينه ؟ "
فخرجت منها ضحكة قصيرة متعبة وقالت
" أكذب إن قلت بأني لا أكررها دائماً "
ضحك مجدداً ولا يعلم بأن تلك الضحكة الرجولية العميقة
والممتزجة ببحة صوته المميزة كفيلة وحدها بإرسالها للجنون ..
ولن تتطرق لباقي تفاصيله كي لا تذهب هي له الآن ، أمسكت
أناملها بالهاتف ورفعته أمام وجهها لحظة أن خرج منه صوته
قائلاً بابتسامة
" لن أستغرب شيئاً منه إن كانت شقيقته هكذا "
غضنت حبينها باستغراب هامسة
" ما بها تيما ؟ "
وارتسم الاستغراب على ملامحها أكثر ما أن قال بضحكة
" لا شيء بها .... هي بخير تماماً وكوالدتها هي أيضاً "
*
*
*
نقلت نظرها بينهما وقالت بضيق ما أن استقر على دجى الجالس
متكئاً على ظهر السرير
" جدي توقف عن الضحك ... هذا عوضاً عن أن تقف في
صفي ! "
ونقلت نظراتها الحانقة سريعاً للكاسر والذي كان يجلس متربعاً
فوق السرير أيضاً وقالت
" وأنت ما جاء بك هنا ؟ والدتك في منزلكم هناك "
ضحك مجدداً ونظر جهة دجى متجاهلاً لها ولكل ما تقول وعاد
يقلدها حين أصيب وكانا في طريقهما للمستشفى وكانت تتصل
بمن لم يجب عليها حينها بينما عاد دجى للضحك الذي لم يستطع
منع نفسه عنه فرفعت الوسادة من حجرها ورمتها بغضب على
الذي أمسكها ضاحكاً وقال
" أتحدى أن تتصلي به الآن ويجيب "
أمسكت خصرها بيديها وقالت بحدة
" بلى سيفعلها "
ضحك ضحكة ساخرة لم تزدها إلا اشتعالاً ونظر جهة دجى وقال
" إن أردت أن ترى ما حدث يومها الآن فتحداها لتفعلها "
فنظر لها جدها وضحك ولم يعلق فضربت بقبضتها على فخذها
وقالت بتحدٍ
" وماذا إن أجاب ؟ "
كان الجواب من الكاسر الذي قال بتحدٍ مماثل مبتسماً
" أعدك حينها أن لا أحكي ما حدث يومها لأحد غيره "
وعاد للضحك وما زادها اشتعالاً مشاركة جدها إياه ذلك وإن لم
يعلق على كل ما قيل فأخرجت هاتفها من جيب بيجامتها هامسة
بضيق
" ستريا إذاً "
ونظرت لشاشته وهي تقلبها بإصبعها بحركة غاضبة حتى وصلت
لإسمه .. وشعرت بموجة عارمة من الإحباط ما أن وقع نظرها
على الساعة أعلى الشاشة فمؤكد تلك الدجاجة التي تعمل طوال
النهار نائمة الآن وزد عليه مغادرته من هنا غاضباً قبل ساعات
فلن يجيب بكل تأكيد .. لكنها سبق وحذرته ولن تسامحه أبداً إن
فعلها مجدداً ، ضغطت بإصبعاها على اسمه ولم تستطع إبعاده
بسرعة وكأنها تهرب باكتساب المزيد من الوقت لكن الأمر حدث
وانتهى فسرعان ما ظهر صوت رنينه في الطرف الآخر واضحاً
لتشغيلها لمكبر الصوت .. وكانت ستعلن هزيمتها حين كاد
الاتصال أن ينتهي لكن وبمعجزة ما كما تراها سمعت الصوت
المميز لانفتاح الخط في الطرف الآخر وكانت لتتوج انتصارها ذاك
بابتسامة شامتة لولا أوقفها الصوت الرجولي الكسول بفعل النوم
أو النعاس لا تعلم ؟ حين خرج من هاتفها متذمراً
" تيما تبا لك .... تختارين دائماً هذه الأوقات السيئة التي أكون
فيها في السرير لوحدي "
فانفتحت عيناها من الصدمة ودست هاتفها لا شعورياً في
اللحاف تحتها قائلة بحدة وإحراج
" اصمت يا وقح "
ولم تسمع بعدها سوى ضحكة الكاسر وهي تخرج من تلك الغرفة
راكضة والتي كانت غرفة جدها وسلكت الممر المشترك باتجاه
غرفتها تنظر لهاتفها وصوته يخرج منه منادياً بإسمها فألغت
مكبر الصوت ووضعته على أذنها قائلة بضيق
" جدي كان يسمعك بل والكاسر أيضاً ... كيف سأنظر لعينيهما
مجدداً ؟ "
فقال من فوره وببرود غزا بحة صوته الكسول
" اتركي الجميع يعلم ما تفعلينه بي "
دخلت غرفتها ضاربة بابها خلفها بقوة وقالت
" لن أثق في وعودك مجدداً "
وصلها صوته سريعاً
" أنا لم أخن العهد بل أنت من فعل "
همست بصدمة تشير لنفسها " أنا !! "
قال بضيق
" أجل أنت فهلا أخبرتني ماذا فعلت من أجل هذا ؟ هل تحدثتما ؟
هل تحاولين فعلاً إقناعها بالأمر أم تنتظرين معجزة ما أن تحدث
وتجعلها توافق على رجل لم تتردد في إظهار كرهها له
علانية ؟ "
فنفضت يدها قائلة بضيق مشابه
" قاسم لا تظلمني وتحكم على أمر أنت لا تعلمه "
قال من فوره
" لا أعلمه لأنك لا تخبرينني شيئاً عنه .. تهملينني وتتجاهلينني
هكذا وبكل بساطة "
" اصمت ... "
قالتها بحزم بينما تابعت بحدة
" تعلم جيداً بأني أحبك ومنذ اللحظة التي التقيتك فيها "
خرج تأوهه واضحاً وقال وقد تغير مزاجه الحانق فجأة للبؤس "
أقسم بأنك أبرع من تختار أوقاتاً سيئة لقتلي ... وقسماً إن كنتِ
هنا أمامي الآن ما تركتك تنامين خارج هذا السرير البائس "
انفتحت عيناها بصدمة وقالت
" قاسم يكفي "
تأفف وقال بضيق
" سحقاً لقاسم .... أخبريني الآن ما الجديد في الأمر أو نفذت
كل ذلك "
ابتسمت تغرس أسنانها في طرف شفتها فكم تعشق تلك الكلمات
التي يستخدمها وقد تأثر بها بسبب حياته الطويلة في انجلترا
وقالت والابتسامة لازالت تزين شفتيها
" ثمة تقدم بسيط بل مهم فهي لم تعد غاضبة مني بسبب ما حدث
ولم تتحدث عن الأمر لكننا لازلنا نحتاج للمزيد "
فتنهد بصوت واضح قبل أن يقول بسخط
" المزيد والمزيد ...!! والمزيد من الصبر يا قاسم "
فعبست ملامحها الجميلة بحزن وهمست
" علينا أن نضحي قليلاً إن كنا نرى الأمر يستحق أليس كذلك ؟ "
وصلها صوته سريعاً
" اتركيني أحاول أنا إذاً "
" لا .. "
قالتها سريعاً وباندفاع وما أن سمعت تنهيدته الطويلة علمت بأن
الأمر ينحدر للسوء وبأنه سيغضب منها مجدداً فقالت
" لن ننتظر طويلاً بالتأكيد لكن علينا أن نصبر لبعض الوقت "
فتنهد مجدداً لكن ليس بحدة هذه المرة وقال
" أمري لله ... تعلمين جيداً بأني أحبك ومنذ اللحظة التي
رأيتك فيها "
لوت شفايها وتمتمت تمسك خصرها بيدها الحرة
" لا ليس كذلك فأنت لم تكن تخفي كرهك لي أبداً حتى
علمت الحقيقة "
وصلها صوته سريعاً
" حمقاء .... من هذا الذي كان على استعداد للبحث عنك وهو
لا يعلم إن كنت انجليزية أم فرنسية ؟ بل وإن كنتِ تحبين الرجل
الذي كنت تلبسين خاتمه المزيف ذاك "
فاقترب حاجباها بأسى وقالت ولازالت تمسك خصرها بأصابعها
" لكن ذاك اختلف فيما بعد وحين علمت من أكون ! "
قال من فوره مدافعاً عن نفسه
" لا بالطبع فأنا خطبتك من والدك قبل أن أعلم منه حقيقة
ما حدث هناك "
اكتسى الحزن ملامحها وهمست بأسى
" لما كنت تقسو عليا إذا ! "
تنهد بعمق وقال
" لا أعلم لما ! ما أعلمه بأني كلما غضبت من تمردك وقوتك في
الرد علي حينها لجأت لجرحك بكلماتي التي كنت أتألم منها أكثر
منك "
رفعت قبضتها في ضحكة صامتة وقالت بابتسامة واسعة
" كان رعد على حق إذاً "
وكتمت على فمها بيدها تغلقه بها مبتسمة حين قال باستغراب
" على حق في ماذا وما علاقة رعد الآن ؟! "
أبعدت يدها وقالت مبتسمة
" لا شيء ... حكاية أخرى تذكرتها الآن "
قال بعد صمت لحظة
" أخبريني إذاً ما الذي جعلك تتصلين بي الآن فلن يكون السبب
اشتياقك لي فلم تفعليها سابقاً "
فابتسمت تغرس أسنانها في طرف شفتها وقالت
" وإن كان كذاك بالفعل ؟ "
قال من فوره
" كاذبة .. فما علاقة جدك والكاسر إذاً ؟ "
ضحكت وقالت
" تصبح على خير "
وأغلقت الخط مبتسمة وحضنت الهاتف بقوة هامسة
" كم أحب هذا الرجل "
*
*
*
*
*
*
فتحت باب الغرفة وخرجت مسرعة بسبب جرس الشقة الذي لم
يتوقف عن الرنين وفتحت الباب دون أدنى ذرة تراجع أو تفكير
فمن في الخارج يبدو لا يمكنه الانتظار وهي لم يسبق وزارها أحد
هنا ولا تعرف أحداً سوى المجاورة لهم في ملحق مدبرة المنزل
والتي لم تراها بعد تلك الليلة حين عادا من الحفل ! وما توقعته
أو خشيته حدث فعلاً وهي ترتد للخلف بقوة حتى كادت أن تقع
بسببها على الأرض حين اندفع جسد المرأة ذات الشعر الطويل
المموج وسقطت على الأرض صارخة أمام نظراتها الذاهلة
وأمسكت فمها بيدها بصدمة تنظر للتي أصبحت تتلوى على
الأرض صارخة بألم تمسك معدتها بذراعيها وكأن ثمة ثعبان ما
شديد السمية قد لدغها ! وما أن اجتازت صدمتها ركضت نحوها
في خطوتين واسعتين وجلست قرب رأسها وأبعدت خصلات
شعرها الطويل عن وجهها صارخة فوق صوت صراخها الذي
لازال يخرج من فمها المفتوح على اتساعه
" غيسانة ما بك ! ما الذي حدث لك ؟ "
لكنها لم تجب بشيء لازالت تصرخ بألم نظرها معلق في السقف
وعيناها تكادان تخرجان من مكانهما محمرتان نابضتان كعروق
عنقها ولم تتوقف عن الصراخ وقد بدأت ترفس بساقيها وبدأ
بعض الزبد الأبيض يخرج من طرف فمها فهزتها من كتفها
صارخة ببكاء
" ما بك غيسانة تحدثي ؟ "
وكانت النتيجة كسابقتها فوقفت وركضت باتجاه غرفتها ورفعت
هاتفها سريعاً تكاد توقعه من يديها المرتجفتين وهي تحاول البحث
عن رقم هاتفه وصوت الصراخ الأنثوي في الخارج لا يزيدها إلا
توتراً ، كان رقمه مخزن لديها سلفاً وكم حمدت الله أنها فعلت مثل
هذه الخطوة سابقاً ومن قبل أن يتقرر وجودها هنا فمطر كان
مصراً على هذا من أجل الضرورة القصوى كما يسميها .. وضعت
الهاتف على أذنها بينما فتح من في الطرف الآخر الخط فوراً
فقالت صارخة ببكاء
" تعالى بسرعة .. أرجوك أسرع فغيسانة ليست بخير "
وسمعت بوضوح صوت الكرسي الخشبي الذي وقع عنده بينما
وصلها صوته بقلق ويبدو بأنه يتحرك مسرعا بين أشياء تعيق
سيره في خط مستقيم
" ما بها ؟ ماذا حدث "
قالت وبكائها لا يزداد إلا حدة
" لا أعلم ما بها إنها تموت .. تعالى بسرعة أرجوك فهي ستموت
لا محالة "
وصلها صوته المرتفع باستعجال
" أنا قادم ... اتصلي بالإسعاف بسرعة فقد يتمكنوا من
الوصول قبلي "
ففصلت الخط منه وفعلت ما قال فوراً فكيف لم تفكر في هذا ! وما
أن أخذوا منها عنوان الشقة ومكانها فصلت الخط ورمت الهاتف
وخرجت راكضة باتجاه التي لازالت على وضعها السابق وجلست
بجوارها مجدداً وأمسكت بيدها التي سرعان ما تمسكت بها أيضاً
وقالت ببكاء تمسح على شعرها
" ستصل الإسعاف سريعاً فهم قريبون من هنا ... اصمدي قليلاً
غيسانة أرجوك "
وما قالته حدث فعلاً فلم يمر وقت طويل قبل أن تسمع صوت
صفير سيارة الإسعاف الواضح والمميز فتركتها وركضت خارح
الباب وصرخت من أعلى السلالم القصير للذين ظهروا لها من
الأسفل
" بسرعة ها هي هنا .... تعالو بسرعة "
فركض طاقم المسعفين للأعلى فوراً ولم يكن الأمر يحتاج لأن
تخبرهم فصوت صراخها فعل ذلك قبلها .. وما أن دخلوا المكان
تحلقوا حولها وحاول أحدهم فحصها سريعاً بينما جلب آخران
حمالة ووضعوها عليها فركضت خلف آخر من خرج منهم وكان
الذي قام بفحصها تحديداً وأمسكت بكم قميصه الطبي جهة ذراعه
موقفة له وقالت ما أن توقف ونظر لها
" ما بها ؟ "
فقال وهو يركض نازلاً خلف من غادروا للتو
" يبدوا تسمماً ما وقد يكون بسبب أحد الأدوية "
فاتسعت عيناها بصدمة تنظر له حتى اختفى خلف جدار السلالم
الحلزوني وركضت من فورها جهة باب غرفتها المفتوح والذي
وقفت أمامه تنظر للمكان الذي تراه لأول مرة وسرق نظرها
سريعاً علب الأدوية المتناثرة على الأرض فأمسكت فمها في
شهقة مصدومة .
*
*
*
انقبضت أصابعها لا شعورياً ما أن توقفت سيارة شقيقها ونزل
منها بعد ثلاث ساعات متواصلة من السير من العمران وحتى
العاصمة حوران جنوب البلاد .. وإن أضافت لها ازدحام الشوارع
هنا أصبح وقت وصولهم فيما يقارب منتصف الليل وهم غادروا
من هناك وقت مغيب الشمس ، كانت رحلة يسودها الصمت التام
ولن تعزي ذلك لطباع شقيقها قائد شديد الصمت فقط بل وتراه
يتعمد ذلك لأن الحديث سيأخذهما لأن يسمع عبارات لومها
الحزين وذاك ما يعلمه جيداً ويرفضه ، لو كانت الرحلة برفقة
شقيقها وسام لاختلف الأمر كثيراً لكنه جبان أيضاً تهرّب من هذا
لأنه لن يجد جواباً لأسئلتها ولا لعتابها الباكي .. ولن تلومهما
كليهما فلم يملكا يوماً الخيار في تقرير ما يخص شقيقاتهما فقط
لأنهم أشقاء من الأم .. حجة وجدها وثاب سابقاً ليخرسهما بها
وللأبد بل وبطريقة مهينة وجارحة لم ينسوها هم شقيقاتهم
ليَنسياها هما .
انقبضت أصابعها على بعضها أكثر حين انفتح بابها وتعالت
ضربات قلبها مع أنفاسها تنتظر بتوتر أكثر من كونه رفضاً
الأصابع واليد الرجولية التي ستمسك بيدها لتساعدها على
النزول .. يد لن تكون لوالدها ولا أشقائها ... يد رجل غريب عنها
ولأول مرة وإن ارتبطت به بمسميات أباحها الشرع كما القانون
ليكون أقرب لها منهم جميعاً ، لكن ذلك لم يحدث ! فلا العطر الذي
وصلها حينها عطره ولا اليد الدافئة التي أمسكت يدها بيده ! بينما
أحاطت ذراعه الأخرى بكتفيها ووصلها صوت شقيقها قائد
وهو يهمس
" هيا انزلي يا جليلة "
هل ترك هذه المهمة لشقيقها أيضاً ! ألم يجد رئيس جهاز
المخابرات وقتاً ولا لاستقبالهم وأصدر أوامره ليجدها في انتظاره
ما أن يتفرغ الليلة ؟! انقبضت أصابعها على يد شقيقها وهي تُنزل
قدمها للأرض ثم تستوي واقفة خارج السيارة .. فما الذي يعنيها
في كل ذلك ؟
شعرت بالبرودة تتسلل من تحت الغطاء الأبيض الطويل الذي
يحجبها عن العالم كما يحجبه عنها وخطوات شقيقها تقودها خلال
الطريق الذي لا ترى منه سوى موقع قدميها بعض الأحيان قبل
أن يُحجب عنها كل ذاك الهواء ما أن احتوتهم جدران ما وصمت
مميت لا يكسره سوى صوت خطوات كعب حذائها المرتفع ! تلاه
مصعد بدأ يصعد بهما نحو السماء ...! أجل نحو السماء وهو
يرتفع دون توقف وموقنة من أنهما وصلا لمكان قد فاق الطابق
العاشر فأين هما تحديداً !!
توقف المصعد أخيراً وانفتح الباب أمامهما وبعد خطوات قليلة
خارجه سمعت صوت مفاتيح يخرجها من جيبه قبل أن يُدار قفل
باب ما أمامها وفتحه على اتساعه وأدخلها مغلقا إياه خلفه
وانتهى كل ذاك الصمت المميت حينها ما أن رمى مفاتيحه
لتصطدم بسطح طاولة خشبية قريبة وقال مبتسماً
" يمكنك رفع هذا الشيء الآن عن وجهك والتنفس بحرية "
وكان ذاك ما فعلته حينها بالفعل ودون تردد بأن رمت قبعة الغطاء
للخلف عن وجهها وسحبت أنفاساً نقية لصدرها لا شعورياً
ونظرت للمكان حولها باستغراب فهذه شقة شقيقها في العاصمة
هي متأكدة ! نظرت له ما أن قال فارداً يديه ومبتسما
" أعلم ما السؤال الذي يجول بذهنك الآن "
سحبت نفساً عميقاً لصدرها قبل أن تحرره متمتمة ببرود
" ولن يكون بالتأكيد ( هل هربت بي منه ؟ ) "
فضحك من فوره ضحكة عميقة قصيرة ومكتومة كما عرفتها عنه
دائماً وقال
" لا بالطبع بل زوجك من أراد هذا وستقضين الليلة هنا وتنامين
بسلام من دونه "
وتابع بضحكة يرفع يديه جانباً ينظر لها وهي تنزع الغطاء الثقيل
الذي أتعبها أكثر من الفستان
" انظري إلينا إذاً ...؟ زوجة ضائعة وزوج ضيع زوجته
واجتمعنا "
اقترب حاجباها ببطء تنظر له باستغراب فرفع كتفيه وقال مبتسماً
" يبدو أنه يعلم جيداً عدم تقبلك للزواج منه "
شدت قبضتيها بقوة بجانب جسدها وخرج صوتها متضايقاً
" لو كان يعلم ذلك أو يفهمه لما كان تزوجني أساساً "
وأدارت وجهها جانباً وهي تتابع بابتسامة ساخرة بل متألمة
" أو ما نفع قول كل ذلك "
فتنهد بعمق واقترب منها وأمسكت يداه بذراعيها ونظر لوجهها
الذي لازالت تشيحه عنه ولازال الأسى يرتسم واضحاً على
ملامحه وقال بنبرة عميقة متزنة تشبه ملامحه كما شخصيته
" من منا يختار قدره يا جليلة ؟ جميعنا تحركنا أقدار الله ومشيئته
إن أحببنا ذلك أم كرهناه وإن وقف الجميع معنا ضده فما يريده
الله سيكون ولا أحد منا يعلم الخير من الشر في ذلك غيره "
نظرت له وقالت بعبرة مكتومة والدموع تترقرق في عينيها
الواسعة والمحددة بالكحل الأسود اللامع
" هذا يكون كلامكم جميعكم عندما تعجزون عن إيجاد تبرير
مقنع لصمتكم ... فلما لا نفعل كل ما نستطيع فعله ثم نسلم
لأحكام الله ؟ "
كانت ترفض الحديث في الأمر بل وقررت أن تصمت نهائياً وها
هي تفشل وفي أول مرة يثار فيها الموضوع ، قال بجدية ناظراً
لعينيها الواسعة الدامعة
" لو أفهم ما في الرجل يجعلك ترفضينه ! فأنا لم أجد ولا ثغرة
أدخل له منها لأواجه والدك وشقيقك وثاب يا جليلة ؟ توقفي عن
اتهامنا بالتخاذل فذلك لم يحدث ... ولا أجد لك مبرراً بالفعل ! "
فتعالت أنفاسها وقالت بشهقة بكاء
" العيب بي وليس به ... "
وتابعت ببكاء مرير تشير بسبابتها لصدرها
" أنا لا أستطيع يا قائد فثمة شيء ما انكسر هنا اسمه رجل لذلك
لا أستطيع .. افهموني أرجوكم "
فاشتدت أصابعه على ذراعيها العريان والمخضبان بالحناء وقال
بحزم ناظراً لعينيها الباكية
" جليلة ما هذا الذي تخفينه عنا ويبدو حدث في الماضي ؟! "
ابتعدت عنه وأولته ظهرها وهمست ببحة تمسح الدمرع عن
وجنتيها بظهر كفها
" لا شيء ... لا أخفي شيئاً ..... وهل يخفى شيء في هذه
البلاد ؟ "
فأمسكت يده بكتفها وأدارها ناحيته حتى أصبحت مقابلة له مجدداً
وقال بجدية
" لن تقنعيني بهذا الآن فأنا لازلت حتى اللحظه أحاول تفسير
خبايا قصة زواجك من رماح شراع وما سببه وكيف تتمسكين به
بعد الحادث بينما يختار هو تطليقك !! "
" لا شيء ... لا شيء "
رددتها بهمس باكي تحرك رأسها نفياً ترفض النظر لعينيه فهي
تعلم الطريقة التي يفكر بها عقل المحامي لديه والجدال والرفض
لن يزيده سوى يقيناً بشكوكه .. وكما توقعت فقد قال وهو يرفع
وجهها ممسكا بذقنها لتنظر له
" وما السبب إذاً فلن يكون زواجك منه ..!! ما سبب رفضك يا
جليلة للزواج ؟! "
نظرت لعينيه من بين الدموع التي لم تعد ترى معها شيئاً تقريباً
وقالت بحرقة ويدها على صدرها
" أخبرتك بأنه الموت هنا يا قائد فلا تسأل أكثر وأنت أكثر من
اختبر هذا ويعرفه "
" ليس صحيحاً "
قال تلك الكلمات بعنف مبعداً يده عن ذقنها فكان ردها أعنف
وهي تقول
" بلى فلما لم تتزوج حتى الآن ؟ "
فحدق في عينيها بصمت وكأنه يبحث عن الجواب فيها عن سؤاله
قبل أن يطرحه وهمس باستغراب
" هل أفهم من هذا بأنك تحبين رجلاً آخر ! "
حركت رأسها بالنفي سريعاً وقالت بحرقة وألم
" لا .. وليته كان كذلك لكنت ذهبت له وأخبرته بذلك فإما أتزوجه
هو وإما يرفضني ويموت في داخلي للأبد وأرتاح "
فأشار لنفسه بيده وقال بحدة
" لماذا تقارنين نفسك بي إذاً ؟! "
قالت من فورها وبألم تنظر لعينيه
" أنا لم أقارن أنا فقط أردتك أن تفهم معنى أن تتألم في داخلك
حتى يفقد الشيء معناه بالنسبة لك ونهائياً "
نظر لها تلك النظرة التحليلية التي تفهمها جيداً وتعرف تبعاتها
فأبعدت نظرها عنه بل ووجهها الذي أشاحته جانباً وقالت تسبقه
" أنا متعبة يا قائد وأحتاج بالفعل لأن أنام قليلاً "
فتنهد مستسلماً ليس لأنه يصدق عذرها بل لأنه يعلم جيداً بأنها
لن تخبره بما يريد معرفته فقال بجمود يشير بيده بعيداً
" غرفتي هناك وهي الوحيدة المجهزة هنا .. يمكنك النوم فيها "
وتابع مغادراً نحو الجهة الأخرى
" إن احتجت شيئاً فأنا سأكون في غرفة المكتب .. لديا بعض
الامور التي سأقوم بها ولن أنام "
واختفى عنها وراء الباب الذي أغلقه خلفه فنظرت لحقيبتها التي
وضعها على الأرض حيث كان يقف وحملتها وتوجهت جهة
الغرفة التي أخبرها عنها والتي ما أن أغلقت بابها خلفها حتى
سقطت تلك الحقيبة الصغيرة من يدها على الأرض تحتها وتبعها
الغطاء الأبيض المطرز الذي كانت تمسكه في يدها الأخرى
واستند ظهرها بالباب خلفها وأمسكت فمها وعبرتها بيدها ما أن
تسابقت الدموع تنزلق من عينيها مجدداً وهي التي سبق
وعاهدت نفسها أن لا تبكي أو تهتم .. لكنها فشلت في كل ذلك .
*
*
*
مررت المشط بقوة في شعر الجالسة أمامها غير مكترثة لبكائها
الطفولي المرتفع تمسك صدغيها بيديها الصغيرتان وارتفعت
عيناها الواسعة الدامعة تنظر برجاء واستنجاد صامت لجدتها التي
دخلت المكان فجأة تنظر لهما باستغراب قبل أن تقترب قائلة
بضيق
" مهلك يا بثينة لما تفعلين بابنتك هذا ؟ "
لكنها لم تكترث لها تشد ذاك الشعر الأسود الناعم بقوة ولازالت
تمرر المشط فيه بعنف وما أن قالت الصغيرة باكية تحاول
الخلاص والركض لها
" جدتي .... "
حتى غابت كلماتها في حلقها الصارخ ببكاء ما أن ضربتها
بقبضتها الممسكة بالمشط في ظهرها صارخة بغضب
" قلت اجلسي ولا تتحركي أبداً حتى أنتهي أو أحرقت لك
هذا الشعر وارتحنا كلتينا منه "
فازداد بكاء تلك الطفلة حدة بسبب ألم ظهرها من جهة والأم في
شعرها من جهة أخرى لكن يد جدتها كانت المنقذ لها وهي تمسك
بذراعها وتسحبها منها قائلة بحدة
" اتركي الفتاة ما بك تفرغين غضبك بها ؟ "
فنظرت لها متيبسة بصمت للحظة قبل أن تبرر بانفعال مبالغاً فيه
" هي السبب في هذ الغضب .. لا تتوقف عن الحركة وكأن
شعرها ينساب مع المشط كالماء "
قالت الواقفة أمامها تحضن حفيدتها الباكية
" لا بل هو كذلك بالفعل وشكله أمامك يشهد فلا تتحججي بها "
حدقت فيها بصدمة قبل أن تقول برفض غاضب
" ماذا تقصدين بهذا أمي ؟ "
" تعلمين جيداً ما أقصده "
قالتها بالسرعة والقوة التي وجهت بها ابنتها السؤال لتحتج تلك
من فورها بانفعال
" لا لست أعلم .. وإن كان بسبب حفل الزواج الذي لم يدعوننا
له فأخبرتك بأني لا أهتم وقلت ما قلت من أجل احترامك فقط كعمة
له وقريبته الوحيدة "
قالت المقابلة لها بضيق تبرر به الموقف مجملاً
" لا ليس من أجل ذلك أتحدث فسبق وقلت وها أنا أكررها مجدداً
فعائلة جليلة لم يقيموا حفلاً ليتم دعوتنا له وعمير عزيمته تخص
الرجال فقط وأعتقد أن الأمر يخصهما وحدهما "
قالت بسخرية تغطي بها قهرها وحرقتها
" بالله عليك أمي ... عمير وفهمناها ابن شقيقك ومحبتك له فوق
إهانته لك بأن يرفض أن يكون ثمة حفل تحضره ... "
وحركت يدها أمام وجهها وهي تتابع
" نسااااء العائلات الراقية المبجلة في البلاد والذين لا تراهم هنا
والذين هم مدعوون الآن في عشاء في أهم وأفخم صالات
المناسبات في العاصمة .. "
وتابعت بضيق تشير بيدها جانباً
" لكن تلك العائلة وتلك المغرورة ترفض لما حفلاً تبرع ابن
شقيقك بأن يتكفل بتكاليفه كاملة .. إن أرادت أن يكون في العمران
طارت الناس لها هناك لتحضره وإن أرادته هنا في حوران كان
لها ما ستتحدث عنه الناس لأعوام ! بل واقترح حتى منزله هنا
إن أرادت سمو الأميرة ذلك وهي تتكبر على كل هذا ! لا ويلغي
حفل النساء كاملاً لأنها رفضت ولا يحتج ! قسماً لم ترى عيناي
رجلاً يتعرض وعائلته للإذلال من امرأة كما يحدث معنا ! "
كانت تتحدث بما لم يعد يمكنها كتمانه أكثر كي لا يقتها بينما كانت
عينا والدتها تتسع تدريجياً بسبب ما تسمع وانفجرت نهاية الأمر
صارخة فيها بينما سبابتها تغطي شفتيها
" اصمتي .. قسماً إن سمع عمير كلمة من هذا فقط يا بثينة أن
يكون حسابي معك عسيراً ولن أفوتها لك كالمرة الماضية .. "
وتابعت بحدة تشير بسبابتها جانباً
" ألا يكفيك أن ابنك والذي لم يتجاوز العاشرة بعد أخذه معه وكأنه
رجل من عائلته ولا شيء يربط اسميهما ببعض "
فقالت بضيق لم تكترث بغضبها ولا تهديدها كما يبدو
" وهذه إهانة أعظم من سابقتها أ... "
لتقاطعها التي صرخت مجدداً
" قلت اصمتي قسماً أن الحديث معك عبثاً "
فضربت بيدها على فخذها صارخة بحرقة
" أمي أخبرتك منذ البداية أن ذلك لا يعنيني .. ..
هو من أجلك فقط "
فصرخت فيها بالمثل
" لما غاضبة إذاً ومزاجك مشتعل منذ الصباح تفرغينه في
المسكينان اللذان لا ذنب لهما ؟ "
فحدقت فيها بصدمة صارخة باحتجاج
" أمي هل أفهم ما تلمحين له ؟! "
وحدقت بذهول في التي لوحت بسبابتها ناحيتها قائلة بحدة "
تفهمين جيداً يا بثينة وتوقفي عن إلقاء اللوم على الأخرين فيما
سببته بنفسك لنفسك .. وزوجة عمير واجب علينا جميعنا
احترامها كبيرنا قبل صغيرنا "
فلم يزدها سماع اسم تلك وما قالته والدتها سوى اشتعالاً وقالت
غاضبة
" تقولين هذا ولم تصل بعد أمي فماذا بعد أن تصبح هنا ؟ ستري
بعينيك أي إذلال سنعيشه بسببها وكيف ستجعل ابن شقيقك مدللك
ذاك يطردنا من منزله هذا "
" إن حدث وكان هذا فسنكون نستحقه حينها بالتأكيد "
وجهت لها تلك الجملة التي تعنيها وتفهمها ابنتها جيداً ومقصدها
منها فانفجرت حينها باكية وخرج ما لم يعد يمكنها السيطرة عليه
أكثر وصرخت ببكاء تضرب بكفها على صدرها
" أمي الرحمة أرجوك أنا ابنتك ولست عدوة لكم ... تعلمين جيداً
كم هو قاسٍ هذا الأمر على قلبي وتعلمين أيضاً ما قاسيته
ومررت به "
ليجعل ذاك المنظر الواقفة هناك تبعد حفيدتها المتعلقة بها
واقتربت من ابنتها وجلست بجوارها وحضنتها في صمت يشبه
بكائها الصامت ذاك فهي تفهم مشاعرها وما تكتمه في داخلها
اليوم تحديداً وتعلم أن ما مرت به في زواجها السابق كان قاسياً
عليها وعلى زوجها ذاك أيضاً ولن تنكر هذا فكلاهما لم يستطع
الانسجام أو تقبل طباع الآخر، و كل ما تتمناه أن تكون تعلمت
ابنتها ذاك الدرس جيداً وأن تُخرج من رأسها أيضاً فكرة أن
الشاب الذي أحبها وتعلق قلبه بها في الماضي لم يعد لها الآن
وإن كانت مشاعرها ناحيته لم تتغير .
" عمتي "
ابتعدت عنها تكتم بكائها بيدها تغلق فمها بقوة ما أن وصلهما
الصوت الرجولي الجهوري منادياً في الخارج ووقفت المعنية
بالأمر بينما سبقتها حفيدتها راكضة قبلها ما أن سمعت صوته
بينما بقيت التي تركتها خلفها تمسح دموعها بكفها بقوة تسمع
حديثهم بوضوح بل ذاك الصوت الرجولي تحديداً وهو يستقبل
طفلتها الصغيرة قائلاً بابتسامة
" مرحباً بأميرتي "
وابتسمت بحزن وحسرة زادتها العبارة التي تليها
" من هذا الذي أبكى ملاك عمير ؟ "
ليتدخل صوت والدتها في الوقت المناسب قائلة
" مرحباً بني هل انتهى عشاءكم ؟ "
قال بعد قبلات كثيرة متتالية لوجنة الطفلة الضاحكة بين ذراعيه
" تقريباً عمتي فقد غادرت وتركتهم "
ضحكت وقالت
" معك حق إن بقيت هناك فلن تحضر زوجتك أبداً وتلك سيئة
في حقها "
فاشتدت أصابعها في قبضة واحدة قوية ودون شعور منها
وضربات قلبها ترتفع بتسارع قوي وهي تسمع كلمات والدتها
التالية متسائلة
" لا أراها هنا هل هي في السيارة أم لم تصل بعد ؟ "
فكان جوابه سريعاً لم يترك لها المجال ولا لتخمينه
" لا عمتي وصلت وهي مع شقيقها ولن أحضرها هنا الليلة "
فوقفت على طولها يدها على صدرها تنظر للباب مبتسمة بعد كل
ذاك البؤس والدموع والنهار الحافل بالتوتر والغضب والأعصاب
المشدودة .. فما معنى أن لا يحضرها هنا ويتركها مع شقيقها ؟
كم تمنت لو أن والدتها سألته أكثر وعلمت عن السبب الذي هي
أكيدة بأنه لن يفصح عنه ؟ بل لو أنها ترى الآن وجه تلك
المتكبرة وهي تتلقى الخبر فما أعظمها من إهانة هذه التي تتلقاها
أي امرأة في مكانها الآن فليس ثمة رجل يفعلها إلا لأسباب تخصه
ولن تكون أسباباً إيجابية أبداً !!.
كان باقي حديثهما عن ابنها الذي جاء بصحبته ثم صوته يتحدث
في هاتفه متوجهاً نحو الأعلى وما هي إلا لحظات ودخلت والدتها
قائلة
" سأهتم أنا بإبنيك ونومهما وأغير ثياب .... "
فتحركت وتركتها واقفة مكانها مشدوهة لم تستمع ولا لحديثها
لنهايته ! بل ولم تتركها تكمله وهي تجتازها قائلة بابتسامة
واسعة ناقضت تلك الملامح الباكية
" لا عليك أمي سأهتم أنا بكل ذلك "
*
*
*
*
*
*
نزل من سيارته ضارباً بابها باستعجال وركض جهة باب المبنى
السكني وصعد السلالم بخطوات واسعة ووقف مكانه يتلقف
أنفاسه ما أن ظهرت أمامه التي خرجت من باب غرفة الملحق
تمسك في يديها علبتي دواء بلاستيكية ونظراتها الغاضبة موجهة
لعينيه تحديداً وجفناها محمران بشدة من كثرة البكاء فقال من بين
أنفاسه مستغرباً حالتها تلك
" ماذا حدث ...؟ هل جاءت سيار.... "
وتوقفت الكلمات في حلقه حين رفعت يديها تشد على أسنانها
بقوة ورمته بعلبتي الدواء لتصطدما بصدره قبل أن تتدحرجا تحت
قدميه وصرخت فيه بغضب
" تباً لك من رجل ... بل ولكما كليكما "
كان ينظر لها بعينين متسعتان وقد تابعت بذات صراخها الغاضب
" أبهذا تُرضون غروركم الرجولي المقيت ؟ أهذا ما تفعلونه
بالنساء ؟ "
وأشارت بسباتها جهة باب الغرفة التي خرجت منها للتو قائلة
بصراخ أشد
" أهذا مكان تعيش فيه امرأة شقيقها يكون رئيساً لبلاد بأكملها ؟
أهذا ما يليق بمخلوق بشري يا وحوش ؟ "
وتابعت صراخها الغاضب دون أن تهتم لصمته
" لا أصدق أن مطر شاهين ومن يفكر حتى في أطفال بلاده يعامل
شقيقته بهذه الطريقة !! "
وأشارت له بسبابتها صارخة
" وأنت ... أنت تشاركه في كل جرائمه هذه !! كيف سمح لك
قلبك وإنسانتك كيف ؟ "
همس محدقاً فيها بغير تصديق " ماتت ...؟! "
شدت قبضتيها بجانب جسدها وقالت ببكاء غاضب
" ليتها فعلتها ... ليتها تفعلها وتكون ماتت بالفعل ... ليس
لترتاح من عذابها هذا بل ليحاسبكما القانون قبل خالقكما على
موتها بسببكما "
تركها حينها ونزل عتبات السلالم مسرعاً يُخرج هاتفه من جيبه
وركب سيارته مجدداً ووجهته المستشفى الذي ستكون فيه
بالتأكيد يحرك المقود والهاتف لازال في يده وأنفاسه لازالت
تخرج قوية يتذكر كل كلمة قالتها من تركها هناك بعدما أفرغت
جام غضبها به .. فلما يكون متهماً ؟ بأي حق تنعته بكل تلك
النعوت وترميه خارج حدود الإنسانية ! لم يختر هو شيئاً مما بات
وصار إليه بل واستلم مهام غيره ليحاسب بأبشع الطرق هكذا ! .
نظر لشاشة هاتفه وفعل ما كان متردداً في فعله فيكفي حتى هنا ،
كتب أحرف الرسالة بسرعة قبل أن تُضيء الإشارة الخضراء
وأرسلها فذاك وحده من عليه أن يجد حلاً لكل ما ورطه به إن
كان الآن أم قبل كل تلك الأعوام .
*
*
*
قفزت مغادرة السرير ترتب قميصها المنساب فوق البنطلون
الأنيق المصنوع من الكتان ما أن سمعت باب الجناح يُفتح فهو لم
يزر غرفته بل والقصر بأكمله منذ قرابة اليومين وتركها تشتعل
هنا تبحث عن أجوبة للسؤال العالق في قلبها يكاد يحوله لرماد
بسبب الدوامة التي رمتها فيها تلك المجنونة وغادرت بكل برود
وكأنها لم تقل شيئاً ...! كما أنه دخل المنزل تلك الليلة وذاك ما
أخبرتها به الخادمة التي سألتها لكنه غادر فجأة ودون حتى أن
يصعد هنا لغرفته ولم يرجع من حينها ! ولن تستبعد أن تكون تلك
المدعوة زيزفون السبب أيضاً .
فتحت باب الغرفة وخرجت نظرها على الذي سار جهة غرفته
دون حتى أن ينظر ناحيتها فتبعته قائلة
" وقاص "
لكنه فتح باب الغرفة ودخل ضارباً إياه خلفه دون أن يكترث
لندائها بينما فتحت هي الباب ودخلت خلفه دون اكتراث أيضاً
لتجاهله فهو لم يغلق الباب بالمفتاح ولازال وقاص الذي تعرفه
سابقاً وإن كان غاضباً منها غضباً لا يشبه سابقاته هذه المرة ،
نظرت لقفاه وهو ينزع سترته وقالت بجدية
" وقاص ثمة ما علينا التحدث عنه "
لم يعلق أيضاً كما لم ينظر ناحيتها وقد رمى السترة على السرير
الواسع وبدأ بفك ربطة العنق فقالت بضيق
" وقاااص "
استدار نحوها حينها وبعدما رمى ربطة العنق بعنف حيث السترة
التي سبقتها وقال بحدة
" كم مرة سأعيد وأكرر بأنه ليس ثمة حديث بيننا ... "
وتابع ضاربا يديه ببعضهما
" لم يبقى شيء .. أي شيء يا جمانة ووحدك المسؤول
عن هذا "
فكتمت جرحها من كلماته وقالت بحدة
" أنا لست هنا لأسمع منك ما بت أحفظه جيداً "
فصرخ فيها من فوره
" ماذا تريدين إذاً ؟ "
فارتجف صوتها الحاد المرتفع وهي تصرخ به أيضاً
" جئت لأسألك عن أمر أريد جواباً واحداً له "
نظر لها بصمت وأنفاسه الغاضبة لم تنتظم بعد فسحبت نفساً
عميقاً لصدرها قبل أن تقول بجدية
" هل تزوجت يا وقاص ؟ "
تبدلت نظراته الغاضبة للإستغراب وإن لم يغادر الضيق عيناه
والحاجبان المعقودان فوقهما وهمس بجمود
" تزوجت !! "
شدت قبضتيها بقوة وقالت تنظر لعينيه
" أجل ... أثمة امرأة زوجة لك غيري يا وقاص ؟ "
نظر لعينيها باستغراب لوقت قبل أن يقول بضيق
" ما هذا الهراء الذي تتفوهين به ! أنسيت بأنني أحمل الجنسية
البريطانية كما أني أعمل كرجل قانون فيها ؟ "
قالت من فورها تنفض يدها
" ووالدك يحمل الجنسية البريطانية أيضاً وبطريقة ما ها هو
متزوج من ثلاث نساء "
فقال بضيق وقد أشار بيده جانباً
" والدي ليس نائباً للمدعي العام ولا محامٍ أيضاً "
حركت رأسها بعنف وقالت
" جدك سيجد لهذا حلاً كما استطاع سابقاً أن يخرج حفيدته تلك
من المصح النفسي وكأنها لم تدخله "
اشتدت قبضتاه لا شعورياً وقال بحدة
" ما الذي تريدين الوصول له تحديداً يا جمانة ؟ "
قالت من فورها وبإصرار
" ما أريده هو جواب لسؤالي ولا تسألني لما سألت حتى
تجيب أولاً "
قال بضيق
" وأنا سبق وأجبت بأني لن أتلاعب بالقانون الذي أمارسه ...
فمن هذا الذي غرس هذه الفكرة في دماغك ؟ "
أرادت أن تقول الحقيقة لتبين له من تكون تلك المجنونة التي
يدافع عنها لكنها لن تكسب شيئاً بذلك ولن تخبره أبداً بما قالت
ونصحتها شقيقتها فقد تكون بالفعل مجرد خطة دنيئة منها وأن ما
تريده بها هو أن تخبره فعلاً ، قالت بحزن برعت في رسمه على
ملامحها وإن كان مصدره القلب فعلاً وإن اختلفت الأسباب أيضاً "
وضعنا هو ما غرسها في قلبي قبل عقلي فانظر منذ متى لم
يجمعنا سرير واحد ... أنت رجل ولن أصدق بأنك لن تحتاج ..."
قاطعها بحدة
" جيد أصبحتِ تنتبهين لمتطلباتي كرجل وللثغر التي كنت
تتركينها في علاقتنا "
امتدت يدها لذراعه ولامست قماش قميصه الأبيض الناعم وقالت
تنظر لعينيه برجاء
" أريد لذلك أن يتغير يا وقاص فساعد كلينا لنحقق هذا وسأكون
لك طوال الوقت "
ضحكة ساخرة كانت ردة فعله شعرت بها كسكين ساخن غرس في
قلبها قبل كبريائها .. ولم يكتفي بذلك فقط بل تركها واقفة هناك
ودخل الحمام ضارباً بابه خلفه بقوة وأغلقه بالمفتاح هذه المرة
وكأنه يخشى أن تدخله خلفه ! مسحت عينيها الدامعة بقوة فلن
تبكي مجدداً كما قررت بل وهمست بحزم تنظر لباب الحمام
المغلق والذي خرج منه صوت تدفق المياه في حوضه الواسع
واضحاً
" سأفعلها يوماً يا وقاص وأشاركك إياه كزوجين لطالما حلمت
أن نكونهما "
وغادرت بعدها الغرفة بل والجناح بأكمله ووجهتها السلالم التي
نزلتها ترتب خصلات شعرها التي أصبحت طويلة فجأة وكما
أرادت وتمنت طويلاً .. وكانت وجهتها مكاناً محدداً فنيرانها
المشتعلة لم تخمد بعد رغم علمها بكذب تلك كما يقينها من
صدق وقاص .
*
*
*
فتحت باب غرفتها ووقفت أمامه تنظر باستغراب لشقيقها قائد
الذي خرج من غرفة مكتبه أيضاً بينما رنين جرس الباب المتقطع
لم يتوقف أبداً وكان لازال بملابسه التي جاء بها سوى أنه نزع
السترة كما ربطة العنق .. بينما ارتدت هي بيجامة حريرية طويلة
بلون الكريما كانت ضمن الأغراض التي أعدتها في حقيبتها
الشخصية الصغيرة تلك وقد تركت شعرها البني الطويل الناعم
يرتاح على ظهرها بانسياب وكثافة جعلت بعضاً منه يتمرد على
كتفها الأيمن وغرتها المقصوصة تكاد لا تجد مكاناً معه وكأنها
بالفعل عروس نامت مع زوجها لا لوحدها .. فحتى عيناها
الواسعة المجهدة من كثرة البكاء لم يزدهما ذاك إلا بريقاً غريباً .
تبادلا نظرات مستغربة فكلاهما لا ينتظر أحداً ولا يتوقعه الآن
وفي منتصف الليل وهما قد وصلا قبل قليل ولم يخبرا أحداً
يعرفانه عن مكانهما ! تحرك قائد ووجهته باب الشقة الذي يفصله
عن بهوها ردهة صغيرة تحوي مجلس رجال وحمام صغير خاص
به وعاد بعد قليل ونظر لها وقال سريعاً وهو يعود هناك
" ادخلي قليلاً يا جليلة "
فدخلت الغرفة من فورها وأغلقت بابها خلفها ووقفت عليه ولم
تعد تسمع أو تعلم شيئاً مما يحدث خلف الباب .. وما هي إلا
لحظات وطُرق الباب خلفها ووصلها صوت قائد قائلاً بابتسامة
بدت واضحة في صوته
" تعالي اخرجي يا جليلة "
ففتحت الباب ببطء ونظرت باستغراب للطاولة التي أشار لها
عليها قائلاً بابتسامة
" تعالي فثمة عشاء غير متوقع وصل للتو "
حدقت فيه باستغراب قبل أن تعود بنظرها لعلب الطعام الخاصة
بأحد المطاعم وقد رسم شعاره كما إسمه عليها وعلبة أخرى تبدو
لكعكة من أحد أهم معامل العاصمة مطبوع عليها كلمة
( أورنيلا )
وهو اسم ذاك المعمل الإيطالي المختص في صناعة الكعك
والحلوى وهو اسم إيطالي يطلق على زهرة الرماد المشرقة ..
وفي طرفه رسم تخطيطي لزهرة مكونة من ساق وثلاث وريقات
ملونة ترمز لذاك المحل الفخم تحديداً كحال علب الطعام
والمشروبات .
عادت بنظرها له وقالت
" أنت طلبت كل هذا ! "
قال وهو يقترب منها
" أخبرتك بأنه عشاء غير متوقع "
وأمسكها من يدها وسحبها جهة الطاولة الزجاجية بيضاوية
الشكل وجلس على الأريكة وقال يثني كمي قميصه الأبيض ونظره
على علب الطعام أمامه
" هذا زوجك لم ينسى هذا بينما نسيته أنا ! "
ورفع نظره لها وقال بابتسامة جانبية ناظراً لعينيها المحدقة
فيه بجمود
" أم أنك لن تتناولي هذا فقط لأنه من دفع ثمنه ؟ "
فأشاحت بوجهها جانباً وكتفت ذراعيها لصدرها متمتمة ببرود "
لا رغبة لي في أكل شيء "
بدأ بفتح العلب أمامه لتفوح رائحة الطعام الشهي في المكان فوراً
لاهتماهم تلك المطاعم بضمان إيصاله ساخناً وقال منشغلاً
بما يفعل
" ستأكلين ورغماً عنك فأنا أعلم جيداً بأنك لم تتناولي
شيئاً اليوم "
نظرت له وما أن كانت ستتحدث رفع نظره لها وقال بأمر حازم
" جليلة لا تغضبيني منك فهو لن يعلم إن أكلت من هذا الطعام
أم لا "
قالت بضيق
" وما علاقة حديثنا بعلمه أو جهله ؟ قلت بأنه لا رغبة لي
في تناول.... "
قاطعها وهو يقف متوجهاً جهة المطبخ قائلاً
" سأجلب الأطباق والملاعق وستأكلين وإن أطعمتك بنفسي "
فتأففت بضيق نظراتها الحانقة تتبعه وقد عاد سريعاً يحمل ما
ذهب لأجله وجلس وقال
" لا تختبري صدق تهديداتي لأني قسماً أفعلها "
فتأففت مجدداً وجلست مرغمة بينما تولى هو المهمة كاملة في
نقل كل تلك الأطعمة الدسمة المميزة للأطباق ورمى أغلفة العلب
في المطبخ كأي رجل أعزب إعتاد ولأعوام أن يفعل كل ذلك بنفسه
، وما أن جلس حتى بدأ بتناول كل ما تصله يده وكأنه ينوي
بالفعل تذوق كل تلك الأطعمة ! بينما اكتفت هي بمراقبته بادئ
الأمر قبل أن تتنهد بضيق ورفعت الملعقة وبدأت بتناول ما كان
في الطبق أمامها وسرعان ما اكتشفت السبب الذي جعل شقيقها
يأكل هكذا بانسجام بل وبنهم أمام كمية الطعام التي كانت تعرفه
يأكلها فالطعم هو السبب ويبدو استحق ذاك المطعم اسمه وشهرته
بالفعل .
رفع نظره لها وابتسم ما أن وجدها تأكل وقال وهو يستبدل بعض
الأطباق لتصبح قريبة منها
" لن تتناولي مثل هذا الطعام دائماً صدقيني "
وضحك وقال وهو يرفع قطعة لحم خروف طرية
" بلى فقد نسيت بأن زوجك سيكون بإمكانه شراء مثل هذا
كل ليلة "
فتنهدت بضيق وقالت ببرود تنظر للطبق الذي تأكل منه
" هل ستقنعني بأنك لم تتناول طعام هذه المطاعم سابقاً ؟
أعلم بحجم المال الذي توفره لك وظيفتك كمحامٍ وكرئيس
لجنة محققين خاصة "
ابتسم وقال وهو يمسح يده في منديل ورقي ليخرج هاتفه الذي
علا رنينه حينها
" لا أنكر ذلك لكن قلة من الناس فقط يمكنهم التعامل دائماً مع
مثل هذه المطاعم لأنها مكلفة بصورة لا تتوقعينها "
عادت للأكل ولم تعلق لأنه أخرج هاتفه من جيب بنطلونه حينها
وأجاب عليه وهو يمضغ اللقمة في فمه قائلاً بابتسامة
" لم أتوقع هذه المكالمة مطلقاً ! ... أتطمئن على أن مالك
لم يهدر سدى ؟ "
ورفع نظره لشقيقته والجالسة أمامه والتي كانت وللغرابة تتناول
طعامها دون حتى أن ترفع نظرها له ! لا يفهم تجاهلاً للمكالمة
الواضح جيداً ممن تكون أم أنها لم تنتبه وتظنه أحد موكليه ؟!
والخيار الأول يبقى الأرجح لديه بالتأكيد .. ضحك ما أن قال من
في الطرف الآخر معلقاً على حديثه السابق بل وتحدثه وهو
يمضغ الطعام
" لا يبدو أنني أحتاج لأن أخشى من ذلك "
فعلق ضاحكاً ونظره لازال يراقب التي لازالت أيضاً تتجاهل
كل ذلك
" بالطبع لن تقلق وأنا موجود ... كما أنني خيار أفضل من أن
تأكله القطط المشردة غداً "
وكما توقع قال من في الطرف الآخر فوراً
" لست عنك أسأل ولا لأجلك اتصلت فهل أكلت هي أم لا ؟ "
ابتسم وقال يمسك ضحكته ونظره لازال يراقبها
" لا تخشى من ذلك أيضاً فهي تأكل وها هي جالسة أمامي ...
إن كنتَ تجلس مكاني الآن لتركت الطعام وأكلتها هي "
وضحك فور أن رفعت نظراتها المصدومة به قبل أن تهب واقفة
وغادرت من فورها باتجاه غرفته فأبعد الهاتف وقال منادياً
بضحكة
" تعالي تناولي طعامك يا جليلة وسأغادر أنا وهاتفي "
لكنها لم تسمع حرفاً مما قال وقد أصبحت في لمح البصر داخل
الغرفة مغلقة الباب تقف عليه وظهرها ملتصق به تشعر بدفعات
هائلة تُرجف جسدها لا تعلم من الإحراج أو الغضب أم كلاهما
معاً ؟ وتحركت نحو السرير متمتمة بغضب
" ما أوقحكم الرجال فعلاً "
واندست تحت الأغطية الناعمة لازال صوت شقيقها وضحكاته في
الخارج يصلها وإن كانت لا تفهمه فها قد استطاع ذاك الرجل
وفي وقت قياسي أن يجد له مكاناً فسيحاً بين عائلتها وأشقائها
تحديداً ولا تفهم ماله ومركزه السبب أم أمور أخرى قد يفهمها
الرجال فقط ؟ قد تصدق أن يصدر ذاك التصرف الاستغلالي من
شقيقها وثاب لكن شقيقاها التوأمان وقائد تحديداً تستبعد ذلك
بعد السماء عن الأرض .
دفنت وجهها في وسادتها تهرب من فكرة تعلم بأنه لا مهرب لها
منها وبأن من يفترض بأنها في منزله الليلة ستكون معه وفيه
غداً ولن تغير هذه الساعات في الواقع شيئاً ... لو يعلم فقط كم
باتت تكره الرجال جميعهم وكيف تحطم ذاك التمثال الذهبي
المسمى رجل في داخلها ما كان ليفكر ولا مجرد التفكير في
الزواج منها .
أغمصت عينيها بقوة وكل ما تريده الآن أن تنام فقط وتترك كل
شيء تحت وسادتها حتى الصباح على الأقل .
*
*
*
قضت رحلة رجوعهما للجنوب أيضاً نائمة لكن ليس تهرباً هذه
المرة بل لأنها كانت بالفعل تحتاج لأن تنام بعد سهرها هناك
ليلتين متتاليتين فبعدما نجحت جوزاء فيما عجزوا عنه جميعهم
وأقنعته بقبول السيارة الجديدة الحديثة وإن كان لم يقبل بها إلا
بعد توقيع عقد تقسيط ثمنها الباهض كدين في عنقه .. حتى أنه
ترك لأبان سيارته القديمة وأوراقها ليبيعها ورفض إلا أن يدفع
ثمنها كدفعة أولى في السيارة الجديدة .. وبعد كل ذلك قبِل أن
يقضيا ليلة البارحة أيضاً معهم بما أن رحلة عودتهم لن تستغرق
كل ذاك الوقت الذي استغرقاه وقت وصولهما من الجنوب
للحميراء فهذه السيارة يمكنها اجتياز تلك المسافة في نصف
الوقت الذي كانت تحتاجه سيارتهم السابقة فهي وإن كانت أفضل
قليلاً من سيارته الأساسية التي تحطمت في ذاك الحادث
المجهول بالنسبة له كصاحبه الذي التقاه تلك الليلة إلا أنها لم يكن
يمكنها اجتياز بعض المدن الجبلية ذات الطبيعة الوعرة والطرق
المتعرجة مما جعله يسلك مضطراً طريق وسط البلاد مروراً
بالقرب من العمران لأنها أكثر يسراً وخضعت للصيانة والتجديد
عكس الطرقات الريفية المتطرفة مما جعل رحلتهما أطول وهذا ما
تغير الآن فقد سلك الطرق الأقرب مروراً بمدن خماصة وصولاً
لقرى الجنوب الوسطى فهذه السيارة الجديدة المرتفعة وذات الدفع
الرباعي تستطيع اجتيازها وبسهولة .. فبينما احتاجت رحلة
الذهاب لنصف يوم خرجا فيه وقت الفجر ليصلا ليلاً للحميراء لم
تستغرق رحلتهم الآن سوى ست ساعات لم يتوقف فيها سوى
ليصليا الفجر الذي خرجا قبل بزوغه فوصلا لطرقات أباجير
الترابية عند الساعة التاسعة ونصف صباحاً وهو وقت دوامه في
الشركة الزراعية التي يعمل مهندساً فيها هناك .
وكانت حركة السيارة في تلك الأراضي الزراعية الرخوة هو ما
جعلها تفتح عينيها وجلست تمسد عنقها بألم قبل أن تنظر حولها
من خلال زجاج السيارة وهمست باستغراب
" وصلنا !! "
وقف بالسيارة أمام باب المنزل حينها وقال وهو يفتح بابه وينزل
" أجل فقد استغرنا نصف الوقت لذلك لم تشعري به "
نظرت حولها باستغراب مجدداً وفتحت باب السيارة ونزلت منها
أيضاً وتبعته حيث باب المنزل الذي كان يفتحه وسحب السلسلة
الحديدة منه ودفعه نحو الداخل وابتعد لتدخل قبله فدخلت ودخل
هو بعدها يغلق الباب بينما توجهت هي للغرفة من فورها
ووضعت حقيبتها على فراشها وتحركت نحو الخزانة وفتحتها
وبدأت بفك أزرار عباءتها بينما سمعها وحواسها جميعها تتبع
الذي دخل الغرفة أيضاً وتوجه ناحية حقيبتها فتحها وأخرج منها
ثيابه التي غسلتها الخادمات هناك ولم تراها سوى نظيفة مكوية
.. أخذها وغادر الغرفة من فوره وسمعت بعدها صوت باب الحمام
الحديدي ومؤكد سيستحم سريعاً قبل أن يغادر لعمله ، نزعت
عباءتها كما حجابها أيضاً وفكت شعرها الغجري الطويل وغادرت
الغرفة ووجهتها المطبخ فلن تستطيع تغيير ثيابها حتى تستحم
أيضاً ، دخلت المطبخ ونظرت حولها تفكر فيما قد ينفع ليأكله قبل
أن يغادر خصوصاً أنهم لا يشترون الخبز الجاهز هنا ولا يوجد
عجين لديهم بسبب مغادرتهم المفاجأة تلك بالرغم من امتلاكهم
لبراد صغير مؤخراً كان ما اشتراه بجميع الأموال التي ادخرها
فترة الشهرين الماضيين ولم يشتري ولا هاتفاً لنفسه أو ثياب
جديدة .. بالرغم من أن ما تحتاجه هي بالفعل أن يمتلك كليهما
هاتفاً لتطمئن عليه كلما تأخر بل وخرج من هنا فلا تريد براداً
ولا طعام حتى .
نظرت حولها مجدداً كالضائعة لا تعلم ما تعده فحتى العجن وإعداد
الخبز الآن سيأخذ وقتاً وهو لن ينتظره بالتأكيد ، توجهت نحو
الثلاجة خيارها الوحيد وفتحتها ونظرت لما يوجد داخلها قبل أن
تلتفت خلفها لسماعها باب الحمام يفتح فها هو حتى الاستحمام
أنهاه في وقت قياسي ! أخرجت طبق الجبن فلا وقت أمامها ولا
لتعد له كوب قهوة ... بل هي التي أضاعت الوقت واقفة مكانها
كالبلهاء ! أغلقت باب الثلاجة بوركها بعدما أخرجته وطبق
الزيتون الأسود في يدها الأخرى وتحركت نحو صحن التقديم
الحديدي ووضعتهما فيه وحملته ووقفت مكانها ما أن حجب نور
الباب الجسد الذي وقف فيه ومن كانت تريد الإسراع لتدركه ولم
تكن تتوقع أن يأتي بنفسه هنا ! نظرت لعينيه وهو يدخل وقالت
مبتسمة بإحراج
" بحثت عن شيء تأكله ولم أجد فلا خبز لدينا وأنت لن تنتظر
حتى أعد وا.... "
قاطعها وهو يقترب حتى وقف أمامها قائلاً بهدوء
" لا داعٍ لهذا يا مايرين ... أعلم جيداً بأنه ليس ثمة
ما يؤكل الآن "
تعلقت نظراتها بعينيه التي لم تترك عينيها لحظة وقالت بإصرار
وأصابعها تشتد على أطراف الصينية الممسكة بها
" عليك أن تأكل شيئاً .. لن تخرج بمعدة خاوية فستتأخر في
العودة من الشركة ومن المزرعة بسبب غيابك اليومين الماضيين
.. أعرفك جيداً لا تقبل شيئاً بدون مقابل "
تركت حينها حدقتاه الرمادية عينيها ونظر للصينية في يديها
ورفع يده وأخذ قطعة جبن وسمّى بالله هامساً وهو يأكلها وأتبعها
بأخرى وهو لازال يمضغ الأولى وأخذ بضع حبات من الزيتون في
يده وقبض عليها بأصابعه وأنزلها وقال مبتسماً وقد رفع نظره
لعينيها مجدداً
" هذا يكفي شكراً لك يا مايرين "
فحركت الصينية حركة خفيفة وقالت بعبوس
" وهذا تسميه إفطار ! "
فأومأ برأسه بنعم مبتسماً دون أن يتحدث فتنهدت بيأس منه ولم
تعلق أيضاً وتحركت من أمامه ووضعت الصينية حيث الطاولة
الخشبية القديمة قرب المغسلة الحديدية وما أن استدارت وقفت
بشهقة خفيفة وكم حمدت الله أنها لم تخرج واضحة ولم يسمعها
فقد وجدته أمامها تماماً ولا تعلم كيف لم تشعر به وهو يتبعها
حتى وقف خلفها ! شعرت بضربات قلبها ترتفع صارخة بعنف ما
أن علقت نظراتهما وطال صمته الذي لم تستطع ترجمته سوى
بأنه لعبة للعبث بمشاعرها حد الجنون ! علقت أنفاسها في حلقها
بل وكاد يغمى عليها بالفعل ما أن رفع يده ولامست أصابعه
طرف وجهها برقة بالكاد شعرت بوجودها معها مما جعلتها تسدل
جفنيها ببطء لكنه سرعان ما أبعدها تاركاً إياها تتخبط في
مشاعرها مجدداً فأنزلت رأسها تنظر ليديها ورطبت شفتيها
بطرف لسانها ووصلها صوته الهادئ
" لا تتعبي نفسك بإعداد الغداء فلن أكون هنا قبل المغيب "
رفعت نظرها به حينها وهمست ببحة وصوت بالكاد وجدته في
حنجرتها المتشنجة
" وهل ستبقى بدون طعام حتى وقت العشاء ؟ "
قال ناظراً لعينيها
" سأتناول الغداء مع العمال فهم يطهون الطعام بأنفسهم فلا
يمكنني ترك المزرعة اليوم "
وتابع بابتسامة كاد يقتلها بها
" لا يساوي شيئاً أمام طعامك لكنه يفي بالغرض بطريقة ما "
فابتسمت وهربت بنظرها من عينيه تنظر للأسفل وشعرت بخديها
يشتعلان من الإخراج بينما قال هو ودون أن ينتظر تعليقا منها
وبصوت ظنته منخفضاً أو هكذا سمعته !
" يمكنك متابعة نومك والراحة... "
وكاد يغمى عليها هذه المرة بالفعل ما أن تابع بهمس باسم
" فلا أريد أن أجدك نائمة مساءً حين أعود "
وكم تمنت لحظتها أن وجدت شيئاً قربها تسند نفسها به فقد
شعرت للحظات بأن الأرض تحتها تدور وتتحرك بها حتى أن
جسدها تصلب ولم تستطع ولا تحريك أي شيء فيه .. ولم ينتهي
الأمر عند ذلك وغادر كما كانت تظن بل كان ثمة المزيد الذي لم
تكن تتوقعه فلم يغادر من هناك حتى تركها مشدوهة تنظر لمكانه
الخالي منه بصدمة بعدما انحنى نحوها يرفع وجهها له ممسكاً
بذقنها وقبّل شفتيها ... قبلة كانت سريعة لكنها كانت أيضاً عميقة
قاتلة ومهلكة وكأنها لم تختبرها مرة سابقاً ! فرفعت أصابعها
المرتجفة لشفتيها ولامستها برفق ترتسم عليها ابتسامة متوترة
بطيئة تغلبت على كل مخاوفها وتوجسها مما ستحمله لها الليلة .
*
*
*
لامارا, ورد الخال, الغزال الشارد and 74 others like this.
رد مع اقتباس
#12143
قديم 10-06-19, 09:56 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
توقفت عن السير بين أحواض الحديقة فجأة وابتسمت ما أن
رأتها جالسة حيث توقعت وتمنت فاقتربت منها على الفور بينما
رفعت تلك رأسها وتوقفت عما كانت تفعل ونظرت للتي جلست
بجوارها على المقعد الحجري قائلة بابتسامة
" توقعت أن أجدك ترسمين هنا "
وتابعت كالعادة دون أن تنتظر تعليقها الذي تعلم بأنه لن يأتي
وقالت مبتسمة
" أردت شكرك على الرسمة التي رسمتها من أجلي ... كانت
رائعة ومن أجمل الهدايا التي تلقيتها "
قالت زيزفون وهي تغلق دفترها
" المهم أنها أعجبتك "
قالت مبتسمة
" بلى إنها رائعة "
واستدارت بجسدها ناحيتها وهي تضع دفترها بجانبها على
الكرسي وقالت بفضول
" أدهشتني فكرتها واحترت لما اخترتِ ذاك الطائر تحديداً !
هل بسبب لقبه ؟ "
قالت تنظر للنافورة والمياه المتساقطه منها
" لا ... ألم يخبرك سابقاً بأن لقب ذاك الفتى اليوناني تيموثي
ليس فالكون ؟ "
حركت رأسها نفياً تنظر لها باستغراب فنظرت لها وقالت
" لاحظي أيضاً بأنه ليس لقباً يونانياً بل هو انجليزي يخص عائلة
والدة ذاك الفتى من والدها بالتبني "
همست باستغراب
" لم أكن أعلم !! "
نظرت للبعيد خلف مياه النافورة وقالت ببرود
" يبدو لا يهتم بإطلاعك على حياة ذاك الفتى بالرغم من أنه
عاش لأعوام كثيرة ضمن أملاك عائلته "
ونظرت لها مجدداً وهي تتابع
" لإب ذاك الفتى هو دوناتوس وبسبب عائلته المعروفة في
اليونان تحفظوا عن استخدامه له في عمله هنا وكان نصف
السبب بطلب منه هو تيم نفسه "
حدقت في عينيها باستغراب للحظات قبل أن تقول بفضول
" يبدو أنك تعلمين الكثير عنه ! هل تعرفان بعضكما منذ زمن ؟ "
حركت رأسها نفياً قبل أن تبعد نظرها عنها للنافورة مجدداً وقالت
" لا فأنا التقيته لثلاث مرات فقط وجميعها خلال الأشهر الأخيرة
ومن ضمنها الحفلين اللذين أقيما هنا "
فحدقت فيها بصمت واستغراب تنظر لنصف وجهها المقابل لها
بينما تابعت هي بشرود
" ثمة شخص أخبرني الكثير عنه ومن قبل أن أراه ... لقد
أخبرني بكل ما يخصه كتيموثي دوناتوس وكتيم كنعان وحتى
عنك أنت زوجته "
فاتسعت عيناها بذهول وهمست
" عني أنا !! "
نظرت لها حينها وقالت
" أجل وهو يحبه كثيراً ويرى فيه بفخر كل ما صنعه بنفسه
ليكون رجلاً هكذا ومستعد لفعل كل شيء من أجل حمايته وكأنه
ابن حقيقي له "
حدقت فيها لاستغراب قبل أن تنظر للأرض بشرود وأرادت أن
تسألها عن هوية ذاك الرجل لكنها ترددت لمعرفتها بشخصية
زيزفون الكتومة أولاً ولأنها لاحظت بأنها تجنبت عمداً ذكر اسمه
ثانياً فهل المعني بحديثها هو مطر شاهين !! أيكون هو العامل
المشترك بينهما وعلاقته بها قوية كعلاقته به تماماً ؟!
نظرت لجانب وجهها وقالت بتوجس
" زوجك يعلم حقيقة شخصيته أليس كذلك ؟ أخشى أن يفعل شيئاً
يضره بسبب حديثهما في الحفل فهو يبدو غاضباً منه وبشده "
نظرت لها وقالت بسخرية محدقة في عينيها
" لا بالطبع لن يستطيع وزوجك يعلم ذلك جيداً فهو يملك ما لا
يمكن لأحد أن يُدخل ذرة شك صغيرة في جنسيته اليونانية تلك لا
هنا ولا في اليونان وإن جلب أوراقاً تثبت بأنه تيم كنعان "
شعرت بالارتياح حينها وإن لم تفهم ما عنت بذاك الشيء القوي
الذي يجعله يتقمص شخصية ذاك الفتى اليوناني بقوة هكذا !
وقالت بابتسامة رقيقة تشبهها
" لقد خشيت فعلاً من أن يتسبب له بمشكلة ما "
وتابعت من فورها وباستغراب هذه المرة
" لكن لما لم يستخدم لقبه اليوناني ذاك بما أنه لا يمكن لأحد
اكتشاف حقيقته به ؟! "
وراقبت بفضول التي حركت كتفيها دليل عدم إلمامها بالأمر لكنها
علقت أيضاً ونظرها عاد هناك
" أعتقد بأنه يرفض تشويه لقب تلك العائلة حال تم اكتشاف
حقيقته فلا يتسبب لهم بفضيحة هناك لأن فرد منهم ليس سوى
جاسوس عربي "
حدقت فيها بذهول ليس للسبب الذي ذكرته بل لتحليلها الواقعي
للأمر بذكاء هكذا ! هي تذهلها فعلاً وفي كل مرة تتحدث معها فيها
لتكتشف أكثر بأنها مختلفة وعن الجميع !! أبعدت نظرها عن
ملامحها ونظرت للبعيد بشرود هامسة
" أنت .... "
وتوقفت عن الحديث فجأة ونظرت جهة التي خرجت حينها من
الجانب المقابل لها حتى وقفت مقابلة لهما وكانت جمانة التي
عرفتها سريعاً وإن لم تراها بعد ذاك العشاء يوم وصولها فنظرت
زيزفون أيضاً لذاك الجانب وحيث الواقفة تنظر لها بحقد قبل أن
تنظر للجالسة بجانبها وقالت ببرود
" هلاّ تركتنا لوحدنا قليلاً "
فنقلت نظرها بينهما قبل أن تسند يديها بالمقعد تحتها وهي تقف
لولا أمسكتها يد زيزفون التي أعادتها جالسة مكانها قائلة ببرود
أشد
" لا شيء نتحدث عنه وماريه لن تغادر من هنا "
رفعت حينها جمانة أنفها بغرور وقالت
" لن يعجبك بالتأكيد أن تسمع ما سيقال "
" لا يهم "
قالتها ببرود قاتل تنظر لها نظرة تشبه نظرتها تلك وإن كانت
جالسة ... جملة ونبرة كما نظرة جعلتها تشتعل فوق اشتعالها ولا
تفهم لما تفقد حصانتها الجديدة أمام هذه المرأة فقط دون الجميع
وفي كل مرة !! فسيكون عليها إذاً أن تتخطى ضعفها أمامها
لتستطيع تخطي جميع عقدها القديمة التي صنعت منها امرأة
فاشلة ضعيفة وبشخصية مهزوزة .
وقفت حينها ماريه متجاهلة نظرة زيزفون الرافضة ما أن رفعت
نظرها بها وقالت لها مبتسمة
" كنت سعيدة بجلوسنا معاً وسنجد وقتاً آخر بالتأكيد فثمة
ما ليس عليا سماعه وإن وافقت أنت ذلك يا زيزفون"
وغادرت بعد ذلك مجتازة التي لم تنظر أيا منهما للأخرى .. وما
أن ابتعد صوت خطواتها الواضح على الممشى المرصوف
بالأحجار قالت جمانة ونظراتها المتعالية لم تفارق تلك العينان كما
المقلتان الزرقاء الفاتحة والصافية والتي كانت تبادلها النظرة
بتحدٍ واضح
"هل أفهم لما أتحفتني بتلك الكذبة التي نسجها خيالك المريض؟ "
فكان رد فعلها ضحكة لم تتوقعها ...! لا هذه ليست ضحكة فلم
يكن أي أثر للمرح فيها ولن تكون سوى نوع آخر من السخرية
منها فشدت قبضتيها بقوة وغضب بجانب جسدها وقالت بحقد
سيطر على كلماتها كما نظراتها
" هل ستنكرين بأنك كاذبة لنواجه كذبتك بالحقيقة الآن ؟ "
قالتها وإن كانت لن تفعلها كما قررت سابقاً بأنها لن تخبره
واكتفت بانتظار تعليق التي وقفت على طولها حينها ليبرز قماش
فستانها الرقيق المصنوع من الشيفون السميك الناعم يُظهر
انحناءات خصرها كما الجمال الأنثوي لصدرها وكتفيها ومزايا
جسد متناسق لطالما حلمت هي به وتمنته كما تلك الخصلات
الشقراء الطويلة المتراقصة مع النسيم الخفيف .. العينان
الواسعة الملونة بزرقة لن تمنحها إياها العدسات اللاصقة ومهما
كانت الشركة المصنعة لها وملامح لا تزيدها ثقتها المتفجرة
ونظراتها القوية سوى جمالاً وفتنة .. وعلمت بأنها ستخوض
حرباً خاسرة معها المرة تلو الأخرى مادامت تقارن نفسها بها
لذلك على ذاك أن يتوقف فهي المنتصرة عليها طالما أنها زوجته
ووقاص وكما قال لطالما عمل ورأى النساء الشقروات الحسنوات
لذلك إزاحة هذه الحشرة من طريقها لن يكون بالمهمة الصعبة
مادامت تملك العقل المدبر وهي شقيقتها جيهان وقوة ونفوذ
والدها وصداقته العميقة بضرار سلطان الكلمة العليا في هذا
المنزل وعلى الجميع وأولهم وقاص حفيده الذي لم يعصي له
أمراً يوماً .
كانت زيزفون من تحدثت حينها وكما توقعت لتوجه ذات السلاح
نحوها حين قالت بابتسامة ساخرة
" سألته عن ذلك إذاً ؟ "
لم تستطع أن تنكر ولا أن تعلق أيضاً وكم كرهت نفسها الضعيفة
حينها فهي تتصرف أمامها كأرنب مذعور يرفعون السلاح في
وجهه ما أن تتحدث بتلك الكلمات المختصرة التي تعلم كيف
تنتقيها وتختارها موجزة ذكية معبرة وقاتلة تصيب هدفها في
العمق فتركت لها المجال لتتابع بذات سخريتها وكأنها لا تنتظر
أساساً أو تهتم بتعليقها
" هل وصل بك الغباء لذاك المنحدر السيء "
نظرت لها بغضب وكم حمدت الله أنها لم تفعلها وتخبره بكل شيء
وبأنها استمعت لنصيحة شقيقتها كما أتاح لها غيابه هو ذلك
لكانت قد تفعلها بالفعل وبكل غباء كما قالت وإن كانت تجهل
مقصدها الفعلي من ذلك ! قالت تشد قبضتيها بقوة
" نحن لا نتحدث عما قلت أنا بل عما قلت أنت "
وتابعت مبتسمة بسخرية تحاول أن توجه لها نفس الصفعة
" فأنا لم آخذ مكانك بعد في ذاك المصح النفسي لأتصرف
بغباء كما تقولين "
لكن غرضها ذلك لم يتحقق ولم تترك لها أي فرصة لتحتفل
بانتصارها الوهمي ذاك ما أن قالت بابتسامة ساخرة جديدة أقسى
من سابقاتها
" لا بالطبع لأني أنا من يأخذ مكانك لا أنت "
ووجهت لها تلك الصفعة المؤلمة وبنجاح مما جعلها تشتعل
وتفقد كل ذاك الدرع الفضي الذي حصنت نفسها به وقالت بغضب
واندفاع عشوائي
" لن تكوني زوجته ... لن تحلمي بهذا المكان أبداً ولن
يفعلها وقاص "
كانت تنظر لها بانفعال وأنفاس غاضبة مضطربة لكن ما قابلها
من الواقفة أمامها كان العكس تماماً وهي تهمس بسخرية محدقة
في عينيها المشتعلة غضباً
" لنترك الحقائق تتحدث إذاً كما تقولين "
فحركت يدها بانفعال غاضب صارخة
" ليس ثمة حقيقة سوى ما تراه عيناي الآن ولن يسمح لا والدي
ولا عمي ضرار بذلك "
وتلاحقت أنفاسها الغاضبة تراقب التي رفعت دفترها وقالت
بسخرية ما أن استوت واقفة تمسكه بكلتا يديها
" هل أخبرتك سابقاً بأنك فقط غبية ؟ "
وتحركت من فورها حتى وقفت أمامها تماماً ونظرت لعينيها
وقالت بثقة وكلمات أبرد من الجليد
" لذلك وليكن معلوماً لديك فقط بأنه ليس زوجي لأني من يرفض
ذلك وحين أريد .. ستري بعينيك كيف ستأخذ كل واحدة منا مكان
الأخرى "
وغادرت مجتازة لها ما أن أنهت عبارتها القوية تلك تاركة إياها
ترتجف غضباً وحنقاً لم تستطع معه ولا التحرك من مكانها أو
رفع عينيها عن الفراغ المحدقة به فها هي تنتصر عليها بالرغم
من قوة موقفها كزوجة له لن يقبل أحد بتخليه عنها ! ولا تفهم
هل اكتسبت ثقتها تلك من خلال تأكدها من مشاعره نحوها أم من
أمور أخرى تجهلها هي ؟!!
*
*
*
تأففت واستوت جالسة تعدل قميص بيجامتها الحريرية ورفعت
خصلات غرتها خلف أذنيها فها قد شارفت الشمس على المغيب
وقائد لم يأتي بعد ! فما أن استيقظت صباحاً حتى اكتشفت بأنه
غادر الشقة وكل ما تركه لها رسالة بخط يده على طاولة المطبخ
يخبرها فيها بأنه غادر من أجل محاضراته في الجامعة والتي لا
يزورها إلا هذا اليوم من كل شهر ومن ثم سيزور مكتبه الخاص
.. كان عليها أن تتوقع بأن ذلك سيأخذ منه النهار بطوله فحتى
الطعام طلب منها الاتصال بالرقم الذي تركه لها وهو للمطعم الذي
يتعامل معه كلما كان هنا لتتصل بهم من أجل وجبة الغداء وتركها
هكذا سجينة الجدران ...! لكن أليس سجنها هذا أرحم لها ؟
على الأقل لا رجل معها فيه .
تأففت ووقفت مغادرة السرير وما أن تحركت من مكانها باتجاه
الباب وقفت فجأة وبحركة لا إرادية ما أن سمعت قفل باب الشقة
يفتح فهذا قائد بالتأكيد ... تحركت مجدداً ناحيته وفتحته على
اتساعه قائلة بضيق
" ما أروعك من زوج .. كنت ... "
وتوقفت عن الحديث فجأة تنظر بصدمة للواقف عند باب الردهة
الفاصلة بين الباب والشقة وللواقفة بجانبه وجميع علامات
الاستغراب وعدم التصديق ترتسم على ملامحها بينما قال هو
مبتسما ومشيراً بيده لها بينما يوجه حديثه للواقفة بجانبه
" أرأيت بنفسك بأنني لست أمزح وبأن شقيقتي هنا ولن تجدي
الشقة فارغة "
فأشارت لها أيضاً وقالت بصعوبة كمن يصارع الموت
" هذه نادتك بأنك زوجها يا قائد !! "
بينما تحركت جليلة نحوهما بخطوات سريعة واسعة حتى أصبحت
واقفة أمامهما وقالت توجه حديثها لشقيقها بينما سبابتها تشير
للواقفة بجانبه
" قائد من هذه التي تدخل شقتك وإن كانت شقيقتك هنا ؟! "
لكنه لم يجب لأنه نظر للواقفة بجانبه مميلاً طرف وجهه وكأنه
يقول لها
( أتاك الدليل يا غدير ؟ ها هي اعترفت بنفسها بأنها شقيقتي ؟ )
فتلعثمت وقالت بانفعال تخفي به توترها
" وكيف كنت سأصدقك وزواجها البارحة يعرفه القاصي
قبل الداني في هذه البلاد ؟ "
" قائد !! "
قالتها جليلة تنظر لشقيقها باستهجان فضحك وأمسك اليد اليمنى
لكل واحدة منهما ووضع أيديهما في بعض وقال ناظرا لشقيقته
" هذه غدير يا جليلة وهي مساعدتي الخاصة في مكتبي هنا
وأستاذة جامعية في جامعة عين حوران ذاتها التي أعطي
محاضراتي فيها وزميلة دراسة قديمة كما أن شقيقها من أقرب
الأصدقاء المقربين لي "
وتابع ينظر للأخرى مبتسماً
" وهذه جليلة يا غدير وأنتِ تعرفينها جيداً وإن لم تريها سابقاً "
نقلت جليلة نظرها بينهما باستغراب بينما قالت غدير مبتسمة تشد
على يدها
" سررت بلقائك يا جليلة فكم كان لدي الفضول لأراك "
همست حينها مبتسمة بتكلف
" وأنا كذلك "
وسحبت يدها منها ونظرها على قائد الذي قال ويده على كتف
الواقفة بجانبه
" سأتركها أمانة لك إذاً يا غدير "
وما أن نظرت له جليلة باستهجان ضحك وقال
" أعني أنه ثمة أمور تعرفوها أنتن النساء لتعيدك كما كنت
البارحة قبل أن ترتدي بيجامتك هذه فلا يمكننا الذهاب لصالون
تزيين كما تعلمين كي لا نقرأ الخبر في الصحف غداً "
وما أن فتحت فمها للتحدث كان قد أصبح ظهره لهما وقال مغادراً
جهة باب الشقة
" سأكون وزوجها هنا خلال ساعتين أو ثلاثة فلا تأخذكما
الأحاديث وتنسيا ما عليكما فعله "
وغادر مغلقا الباب خلفه تاركاً أسئلتها معلقة بين حلقها والفراغ
وترك نظراتهما في مواجهة أخرى متباينة جذرياً فبينما كانت
نظرات غدير ودودة باسمة كانت جليلة لازالت تحتفظ بنظرتها
المستغربة المتوترة مما جعل ابتسامة الواقفة أمامها تخبو
تدريجياً وقالت
" أفهم جيداً ما تفكرين فيه وجميعه غير صحيح يا جليلة "
قالت بإحراج
" لا أقصد ما تفهمينه لكنني استغربت فقط ! "
فابتسمت وقالت
" استغربت وجودي هنا أم معرفتي به ؟ "
أبعدت نظرها عنها قبل أن تنظر لها مجدداً وقالت ما لا يمكنها
ولا مجاملتها فيه
" لن أكذب عليك فقد استغربت أن دخلتِ مع رجل أعزب شقته
وإن قال بأن شقيقته معه فيها !! "
وشعرت بالندم على ما قالت ما أن رأت التعبير على ملامحها
وكأنها صفعتها على وجهها بل واتهمتها في شرفها وبأنها تدخل
شقق الرجال دون تحفظ أو تفكير فقالت موضحة
" أعني ... أنا قلت ذلك من باب أني امرأة مثلك و.... "
قاطعتها بهدوء استغربته فيها بعدما رأت من شحوب ملامحها !
" أتثقين في شقيقك يا جليلة ؟ "
قالت تحاول الشرح مجدداً
" آنسة غدير أنا.... "
قاطعتها بأدب مبتسمة
" أتثقين فيه يا جليلة ؟ "
قالت ولازالت تستغرب تعاملها الودود معها
" بلى وأكثر من نفسي "
ابتسمت لها وإن كانت ابتسامة باهتة قليلاً عن سابقاتها وقالت
" أنا إذاً أثق به أكثر من ثقتك أنتِ فيه وفي نفسك "
فألجمتها تماماً بذلك بل وأضافت مبتسمة
" إن كان رجلاً غيره وكائناً من كان ما كنت لأصعد لشقته وإن
رأيت بعيني امرأة فيها قال بأنها شقيقته .. بل وإن كنت أكيدة
بأنها شقيقته فعلاً ، وإن كان لي أن أثق في شخص بعد شقيقي
فسيكون قائد فقط وأنا هنا بعلم شقيقي وموافقته وبنفسه من
أوصلني إلى هنا وتركناه ينتظر قائد في الأسفل "
فترددت متلعثمة قبل أن تقول معتذرة
" أنا آسفة لم أكن أقصد كل ما قلت أو فهمته وصدقيني خشيت
عليك من أفكاري تلك أكثر من خوفي على شقيقي فهو يبقى
رجل ولن يمسه شيء "
فلامست أصابعها يديها المقبوضتان في بعضهما والأصابع
الرقيقة المخضبة بأزهار الحناء الرائعة وقالت بابتسامة صادقة
" لا عليك يا جليلة فأنا أفهمك وأتفهم موقفك والخطأ خطأه
لكان أخبرك مسبقاً بقدومي "
شعرت بالارتياح من الصدق في نبرة صوتها وابتسامتها وبأنها
بالفعل لا تحمل في قلبها شيئاً اتجاهها وكانت صادقة في كل ما
قالت مسبقاً ، قالت مبتسمة
" إذاً أنتما زملاء دراسة وعمل ؟ "
ضحكت وقالت
" أجل وفي اليوم الذي يقضيه هنا من كل شهر يكون كل واحد منا
في وجه الآخر طوال النهار "
ضحكت ولم تعلق بينما قالت غدير مبتسمة
" لقد أخبرني الكثير عنك سابقاً أنت دوناً عن كل شقيقاته
ويبدو يحبك كثيراً "
ابتسمت وقالت
" وأنا كذلك فشقيقاي من والدتي بالنسبة لي شيء مختلف
عن باقي أشقائي جميعهم "
وتابعت بذات ابتسامتها تتفرس في ملامحها
" تبدين من خماصة إن لم أكن مخطئة ؟ "
ضحكت وقالت
" بلى ولم أستطع يوماً التنكر عن أحد .. فما سرنا في هذه
البلاد ! "
ضحكت أيضاً وقالت
" السر يكمن في الحروب والتقسيم في الماضي فلم تتداخل
أنساب البلاد واحتفظ كلٌ بشطره وجيناته كما الحال في الحالك
تماماً تعرفهم دون أن تتعرف عليهم وسنحتاج لجيلين أو ثلاثة
مستقبلاً لنصنع شعباً جديداً يمزج بين القبائل ويصنع هوية
موحدة للبلاد "
شاركتها الرأي قائلة
" معك حق فكيف والزعيم مطر يحاول وبكل جهده دمج العرب
مع الثنانيين ؟ سيخلق تداخل غريب وجيل جديد الله وحده يعلم
جيناته ستصل لأي مرحلة ! "
ضحكت ولم تعلق وقالت تشير لها بيدها نحو الداخل
" تفضلي تركتك تتحدثين واقفة ونسيت أن أدعوك للدخول "
ابتسمت وسارت معها في صمت حتى كانتا عند الصالون الذي
توسط المكان وأشارت لها قائلة بابتسامة مرحة
" هيا اجلسي سأبحث في ثلاجة ذاك العجوز العازب لعلنا نجد
قارورة عصير "
ضحكت وقالت
" لا داعي لكل هذا يا جليلة ولنبدأ في تجهيزك فقد يسرقنا
الوقت "
قالت متوجة جهة المطبخ
" ما يزال أمامنا ما يكفي فلنجلس قليلاً "
ودخلت المطبخ وفتحت الثلاجة التي لم تفتحها سابقاً فهي لم
تتناول شيئاً بعد عشاء البارحة الذي استفاقت ليلاً لتفرغه من
معدتها ولم تنم بعدها حتى الآن .. وجدت بعض علب العصير كما
كعكة البارحة التي يبدو أن قائد أيضاً لم يأكل شيئاً منها وها قد
وجدت كل ما تبحث عنه فحديثها مع تلك الفتاة لم ينتهي بعد حتى
تفهم وضعهما جيداً فهي تعلم بدماء قلب شقيقها الأحمق ذاك أين
تسكب لكن هذه الفتاة ! لم تنسى بعد تلك النظرة التي رأتها في
عينيها حين ظنت بأنها زوجته ! كانت صدمتها بأن تكون الشقة
فارغة وبأنه يستغلها ستكون أقل من تلك فوضعها في حياة
شقيقها مريب بل وعلاقتهما أيضاً فهي من تعرفه جيداً ثمة حدود
عريضة يضعها بينه وبين الجنس الآخر تتمثل في علاقات
سطحية وإن كانت تحت مسمى الزمالة والعمل لكن هذه تراها
مختلفة تماماً حتى أن أحدهما قادر على قراءة صمت الآخر من
شدة عمق علاقتهما !! وشخصية قائد ليست كذلك أبداً حتى أن
شقيقاتها يقلن دائماً بأنهن لا يرينه يضحك ويمزح كثيراً إلا في
وجود جليلة ومعها وها هي رأت قائد ذاك مع هذه الفتاة أيضاً !!
حتى أنها في عمرها تقريباً وليست متزوجة بالرغم من جمالها
وشخصيتها وقوة حضورها ولباقتها التي تُظهر جيداً أي مستوى
تعليمي وثقافي وصلت له ! فلما لا تتزوج واحدة مثلها
حتى الآن ؟!
ما باتت شبه أكيدة منه الآن هو مشاعر هذه الفتاة اتجاه قائد لكن
ثمة أمر آخر عليها أن تعلمه ولن ينجح ذلك وهي تقوم بتجهيزها
خرجت تحمل في يديها صينية تقديم وضعت فيها علبتا العصير
مع كأسين وطبق وضعت فيه قطعة كبيرة من تلك الكعكة وشوكة
، وضعت الصينية على الطاولة أمام التي همست بابتسامة شاكرة
إياها وجلست على الأريكة مقابلة لها وقالت مبتسمة بينما
نظراتها لا تفارق ملامح التي كانت تنظر للطبق الذي ترفعه من
الصينية برفق وبيد واحدة
" لقد وجد قائد إذاً فرصة تناسبه ليعرفنا ببعضنا "
قالت التي ضحكت تقطع بالشوكة من الكعكة ونظرها على ما تفعل
" لن أستغرب هذا منه .. لقد استغل مسألة أني لن أصدق بأنك
قد تكونين هنا وزواجك بالأمس "
رفعت علبة عصير الليمون التي أحضرتها لنفسها وقالت تفتحها
ونظرها على يدها
" كل ما في الأمر أن ليلة أمس كانت متعبة لكلينا فاختار تأجيل
الأمر لليوم "
ورفعت نظرها بها ما أن ضحكت وقالت تضع الشوكة في
طرف طبقها
" قلة من الرجال هم من يقدمون ذاك التنازل للمرأة على
حساب أنفسهم "
فأخفضت نظرها مبتسمة بألم ورفعت كأس العصير لشفتيها
وشفطت منه شفطه كبيرة تهرب من التعليق على الأمر فشعرت
بتلك المياه الحامضة تنزل كالسكين على معدتها الخاوية ووضعته
في الصينية بملامح متألمة فقالت المقابلة لها بقلق
" جليلة هل أنت بخير ؟! "
سحبت منديل ورقي من العلبة المذهبة الموضوعة على الطاولة
ومسحت بها شفتيها هامسة
" بخير لا تقلقي "
وتابعت تضع المنديل في الصينية تعود لموضوعها الذي جلست
هنا من أجله
" احتال عليك إذاً ذاك المحامي الخبيث بعدما ضمن إيصال شقيقك
لك هنا ؟ "
ونظرت للتي ابتسمت بتلذذ للطعم الفاخر في فمها والمتمثل في
مكونات تلك الكعكة وقالت
" بالفعل ولأني أعلم بأنه لا يكذب أبداً كنت موقنة من وجود
امرأة هنا لكن أن تكون أنت لم أصدق ذلك ولا خيارات أخري
في عقلي "
وأتبعت جملتها تلك بضحكة صغيرة فابتسمت بانتصار وقالت حين
وصلت للحوار الذي خططت له منذ البداية
" كان عليك توقع ذلك وإن كانت غسق ابنة خالته "
ولاحظت بوضوح توترها وهي تنزل نظرها للطبق في يدها قبل
أن ترسم ابتسامة متوترة أيضاً لم تستطع إخفاء شحوب ملامحها
بها وقالت مبتسمة
" أجل كان عليا توقع ذلك "
فأدارت مقلتيها جانباً وتنهدت بضيق واشتدت قبضة أصابعها
وهمست من بين أسنانها المطبقة
" قااائد ... يا لعين "
فهذه إما أنها لاحظت ذلك عليه أو أنه سبق وأخبرها به من باب
الصداقة والزمالة بالطبع وكسر قلبها وهذا هو المرجح ... ياله
من مغفل أعمى بصر وبصيرة ! أثمة من لا يمكنه رؤية مثل هذه
الفتاة التي تصلح زوجة لأي رجل يبحث عن المثالية ! والكارثة
أن يكون يعلم بمشاعرها نحوه ويستمر في تعذيبها بكلمة زميلة
وصديقة !! بل ولا تراه سوى ليوم أو اثنين من كل شهر ؟
الأحمق المغفل حتى متى سيبقى سجيناً لمشاعره اتجاه ابنة خالته
تلك التي تتنفس عشقاً لرجل آخر ؟ كم هي غريبة هذه الحياة
فبينما هذه تحبه هو يحب أخرى تحب آخر والآخر ذاك الله وحده
من يعلم ما يخبئ من مفاجآت وهو يعترف بخيانته لها سابقاً.
*
*
*
أراح يده على الحاجز الزجاجي أمامه ينظر للنائمة في الداخل
على سرير طبي طنين الجهاز الموصول بجسدها يسمعه هناك
وإن كان صوتاً بعيداً خافتاً كأفكاره حينها فلما فعلت كل هذا وهي
موجودة لديه ! كانت فعلتها منذ كانت في عهدة شقيقها وكان
موجوداً هنا ؟! .
تنهد بعمق نفساً طويلاً واتكأ بجبينه على ظهر يده تلك ينظر لها
بعين واحدة فها قد مرت ساعات على وجودها هنا وهكذا وعلى
وجوده في هذا المكان أيضاً منذ ليلة البارحة وكلمات الغاضبة
التي تركها خلفه لا تفارقه فلما يكون الملام وما ذنبه هو في كل
ما يحدث ! ألا يكفيه ... ؟
يكفيه تحملاً لاتهامات ابنه في والدته لتظهر له هذه المرأة أيضا ً
، استوى في وقوفه ومسح وجهه بيديه مستغفراً الله وممرراً
أصابعه في شعره للخلف وصولا لقفا عنقه قبل أن ينظر جهة
الباب الذي فُتح وللممرضة التي خرجت منه فتوجه نحوها من
فوره قائلاً
" كيف أصبحت الآن ؟ "
قالت التي وقفت مقابلة له
" هي لم تفق بعد والطبيب يقول بأنه عليها أن تفتح عينيها خلال
ساعات أو سيتم نقلها حينها لمشفى مختص "
حرك رأسه بشرود واجم وهمس
" أجل أخبرني بذلك لكن ... "
وقطع كلماته وقال محدقاً في عينيها
" كيف للتسمم الدوائي أن يفعل هذا ! "
فردت يديها وقالت ترفع كتفيها
" لا تنسى بأنه أكثر من نوع سيدي وبأن عددهم كبير .. كما أن
واحداً منهم له أثار سلبية كبيرة على جهازها العصبي وهو ما
سبب لها حالة التشنج تلك ، لكن الطبيب يأمل بأن وضعها سيتغير
والساعات القادمة وحدها ما ستحكم بذلك "
أومأ برأسه شاكراً إياها بهمس بينما غادرت هي من فورها
ونظره علق بها بشرود ... مشكلة إن لم تفق فسيكونون في
مشكلة جميعهم فهنا فقط يمكنهم حماية أنفسهم من فتح تحقيق
بشأن ما حدث معها .. ونقلها لمشفى آخر معناه مصيبة ستطال
الجميع هنا في هذه البلاد وليس هو وحده .
التفت فجأة ينظر بعينان غاضبتان وحاجبان ينعقدان ببطء للذي
خرج من آخر الممر متوجهاً نحوه وبخطوات سريعة وإن حسب
عدد الساعات منذ رسالته تلك لعلم بأنه ركب الطائرة ما أن
وصلته وبأنه هنا فور أن لامست طائرته أرض هذه البلاد ، تحرك
نحوه أيضاً وما أن أصبحا في مواجهة بعضهما صرخ في وجهه
" انظر أين وصلت بنا أفكارك وقراراتك ؟ كنت مارست تجبرك
على نسائك بعيداً عني "
صرخ فيه بالمثل
" شاهر توقف "
لكن ذلك لم يجعله سوى يشطاط غضباً وصرخ مجدداً
" لن أتوقف فانظر أنت ما الذي أوصلني له جنونك وأفكارك
الغبية "
" شاااااهر "
كانت صرخته تلك أعلى من صوته الغاضب ذاك بل وجعلت بعض
الأبواب تفتح لتطل منها الرؤوس والاجساد الفضولية لكن كل ذلك
لم يوقفه أبداً وهو يلوح بيده في وجهه قائلاً بغضب
" تباً لك وإن كنت رئيس بلادي وزعيمي ومن أنقذ حياتي يوماً
وحياة ابني من بعدي .. تباً لك يا مطر "
وأشار بسبابته خلفه حيث تلك الغرفة التي تنام فيها شقيقته
ولازال ينظر له وقال بحدة
" انظر ما الذي أوصلتنا له أفكارك ؟ وتخيل ما الذي سيحدث إن
قرر الطبيب نقلها لمستشفى آخر ؟! ولا تفكر في تركها هنا حتى
تموت بحجة حمايتك للبقية لأني من سيبلغ عنك حينها "
قال بحدة مماثلة ينظر لعينية بغصب
" توقف عن التفوه بالحماقات فكل شيء يمكن إيجاد حل له
بعيداً عن التهور "
" ما أبرد قلبك يا رجل "
قالها صارخاً في وجهه ولاذ بالصمت يتلقف أنفاسه بقوة ينظر
لتلك العينان السوداء الغاضبة بغضب أشد منه وشد على أسنانه
بقوة وهمس من بينها يرفع قبضته المشدودة بينهما وهو
يتابع قائلاً
" أقسم بأنه ليس ثمة رجل خالٍ من المشاعر مثلك ولا تستحق أن
تكون مسؤولاً عن النساء .. قسماً لم ترى عيناي رجلاً يدمر
نسائه مثلك فانظر ما تفعله بهن ؟ "
وتابع بحدة عادت للسيطرة على صوته يشير بسبابته خلف كتفه
" واجزم بأن التي تركتها في المنزل خلفي هناك أن تكون بماضٍ
مظلم مدمر بسببك أيضاً فهذا ما تفعله بهن فقط .. ولن أسلمها لك
بعد الآن ولن تكون مسؤولاً عنها "
وجهه اتهاماته له وبكل قسوة ودون اكتراث وآخرها تقصيره
اتجاه الفتاة التي تركها في شقته ولا يعلم عن ماضيها شيئاً لكن
تعليق مطر كان بارداً ناقض كل ذاك الاشتعال وهو يقول
" لم يكن هذا حديثك في رسالتك تلك ؟ "
فلم يجعل ذلك مزاج شاهر الغاضب يتغير وهو يصرخ فيه بعنف
" كان وتغير الآن ويفترض أن يكون هذا قرار كل من يمتلك أن
يبعد النساء عنك فلم يبقى سوى ابنتك وقسماً أن دورها سيكون
القادم .."
وتابع بحدة يشير له بسبابته
" وحينها فقط ... فقط يا ابن شاهين ستعرف معنى أن تتحطم
من داخلك وأنت تراها محطمة وبقايا امرأة "
فأشاح بوجهه جانباً ولم يعلق بالرغم من أن الغضب لم يغادر
ملامحه بعد يمسك خصره بيديه بينما تابع الواقف أمامه جلده
وبقسوة يلوح سبابته في وجهه
" أقسم إن كانت لي سلطة عليها ... قسماً إن كنت مكان جدها
ويمكنني أخذها منك بالقانون لكنت فعلت ذلك وطبّقت عليك
قوانينك الجديدة التي تصوغها في محاكم الدولة لتكون عادلاً مع
شعبك ظالماً مع من هن أقرب لك "
وما أن أنهى عبارته تلك اجتازه مغادراً لتوقفه الأصابع التي
التفت حول ذراعه وأداره ناحيته ونظر لعينيه نظرة قوية وقال
بفكين متصلبين
" ثمة ما عليك معرفته إذاً وما جعلني أكون هنا غير رسالتك تلك
لتريني انت العدل مع نسائك بعد أن تعلم ما علمت يا شاهر يا
ابن كنعان "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, sweethoney and 65 others like this.
رد مع اقتباس
#12144
قديم 10-06-19, 09:57 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
" أويس لا أراك غادرت لحوران اليوم بني ؟! "
تجاهل سؤالها ذاك بأن جلس أمامها على الأرض وأمسك يدها
ووضعها على حافة الطبق أمامها قائلاً
" أمي المعكرونة هنا أمامك تماماً "
وحركها ناحية الطبق الآخر قائلاً
" هنا السلطة الخاصة بك بدون خيار وهذا محشي
الباذنجان هنا "
وشعر بالارتياح حين ابتعدت عن سؤالها السابق قائلة بابتسامة
" سلمت يداك بني .. أنت تتعب نفسك معي وتفعل ما ليس
من واجباتك "
تنهد في صمت ويعلم جيداً ما سيكون جوابها إن هو اعترض ولما
سيقودهما الحديث نهاية الأمر وككل مرة فقال مختصراً كل ذلك
" سلمك الله أمي وبالعافية "
لكنها لم تنتهي على عكسه تماماً فقد قالت مبتسمة تحاول رفع
المعكرونة بالشوكة في يدها
" ولن يدوم هذا الحال بعد أن تصبح زوجتك هنا بالتأكيد "
فحرك رأسه مبتسماً وقال
" بالتأكيد سيتغير أمي فستصبح هذه مهامها هي "
أخرجت الشوكة من فمها وقالت تنظر لمكان صوته باستغراب
" لا بني الفتاة لديها دراسة كما أن حياتها مختلفة عن كل هذا "
فرد يديه وقال باستياء
" وأنت ترفضين الخادمات أمي فهل سأقوم أنا بخدمتكما
كليكما مثلاً ! "
ابتسمت قائلة
" لا بالطبع ويمكننا الاستعانة بخادمة قليلاً "
نظر لها باستغراب هامساً
" خادمة ! أمي من تقول هذا أم أنا واهم؟! "
ضحكت وقالت
" حسناً للضرورة أحكام بني "
فحرك رأسه ينظر لها بشك قائلاً
" هاه للضرورة أحكام أمي !! لكني كنت أحتاج لذلك أكثر من
زوجة ابنك وأنا أتركك هنا لوحدك يوماً كاملا وأخدمك بنفسي
والمنزل أيضاً ! "
تابعت أكلها ولم تعلق فقال بابتسامة جانبية
" يبدو أنني فهمت السبب الآن ... أكنت تفعلين ذلك متعمدة
يا أم أويس ؟ "
ابتسمت وقالت ترفع المعكرونة وتضع يدها تحت يدها الأخرى
لتلتقط ما قد يقع منها
" أنت لم تترك لي خياراً غيره .. كنت أريدك أن تتزوج وتنسى
كل تلك الحكاية القديمة ويصبح لديك عائلة وأحمل أبنائك "
كتف ذراعيه لصدره وقال يرمقها ببرود
" ومخططك لم ينجح للأسف ودفعت أنا الثمن "
وضعت الشوكة وقالت مبتسمة
" كان لدي أمل دائماً في أن تتعب من خدمتي وتتزوج وإن لذاك
السبب فقط "
اتسعت عيناه وقال مستنكراً
" أتعب من خدمتك أمي !! "
قالت مبتسمة
" ألمهم أن ذاك حدث الآن .. إن كنت أعلم بأنها من ستغير
أفكارك تلك جميعها لكنت ذهبت لها لنفسي ومنذ أعوام "
ضحك وقال يرفع حبة باذنجان محشية ويضعها في يدها
" وأين كنت ستجدينها وأنا لم أعرفها إلا مصادفة بالرغم من
أني كنت أدافع عن قضية زواج صديقتها وصديقي لأعوام ؟ "
قالت مبتسمة تأخذها منه
" لكل شيء أوانه الذي قدره له الله بني .. المهم الآن متى
ستجلب أثاثاً للمنزل ؟ "
نظر لها باستغراب وقال
" أثاث ماذا أمي !! "
قالت ما أن انتهت من مضغ القضمة التي أخذتها مما في يدها
" أثاث يوضع في المنازل بالطبع من أجل هذا المكان
الشبه فارغ "
نظر للمكان حوله قبل أن ينظر لها متمتماً ببرود
" وما الداعي لذلك ؟ "
نظرت له أمامها وإن كانت لا تراه وقالت باستياء
" أويس من عقلك تقول هذا ! أنا لم أرى المنزل منذ أعوام
وأعلم بأنك جددت كثيراً فيه لكني أعلم أيضاً بأنك تتركه شبه
خالٍ من أجلي وهذا ظلم في حق زوجتك بني "
غضن جبينه وعقد حاجبيه قائلاً
" وما الظلم في هذا أمي ! "
وتابع يشير برأسه جانباً
" لديها غرفتها يمكنها اختيار ما تريده من أثاث وتحف سأشتريه
لها ولتملأها للباب ... باقي المنزل لن يتغير فيه شيء ولا
يخصها "
قالت برفض محتجة
" كيف هكذا يا أويس ؟ هل ستأكل وتجلس على الأرض أو تبقى
سجينة غرفتها ! وضع عائلة الفتاة المادي يبدو جيداً جداً كما
فهمت فلما تعيش في هكذا وضع ؟ "
تنهد بضيق وقال يمسك شوكته ويغرسها في صحن المعكرونة
" أمي أنت أهم لدي من أي امرأة في الوجود وإن كان قلبي معلقاً
بها ولن أعيش إلا بما يساعدك ويرضيك .. أعجبها وضعي هذا
اتفقنا لم يعجبها منزل والدها الفخم مكانها تعود إليه "
قالت باستنكار
" ما هذا الذي تقوله يا أويس !! "
لوح بالشوكة في يده وقال بحزم قاطع
" هذا ما لدي أمي ولن أغير نظام حياتنا هنا وأقيدك بالبقاء في
غرفتك طوال اليوم فقط لأسعد زوجتي وكانت من تكون وعليها أن
تتأقلم مع ظروفي كيفما كانت "
تنهدت بيأس منه فقال مبتسماً يناقض مزاجه المستاء ذاك يغرس
شوكته في قطعة جزر ويرفعها بها
" ولا تقلقي بشأن هذا فأنا متأكد من أنها ليست من ذاك النوع
السطحي الذي تعنيه هذه الأمور وأنت تعرفت عليها بنفسك "
وقربها من فمها قائلاً "
كلي هذه أمي "
ففتحت فمها قليلاً وأكلتها وقالت مبتسمة تمضغها
" وما الذي عرفته عنها وهي تبكي منذ رأتني وحتى غادرنا ! "
ضحك وقال يرفع قطعة خيار من طبقه
" ليس بسبك كانت تبكي بل بسببي "
قالت مبتسمة
" ظلمتها كثيراً بني وما كان عليك اللعب بها هكذا "
حرك يده جانباً والشوكة فيها وقال مبتسما
" ما كانت لتوافق إن لم أفعل كل ذلك .. أعلم نوع شخصيتها
جيداً ... وكل ما فعلته خططت له منذ البداية ومنذ لقائنا الأول
في جامعتها "
وأكل قطعة الخيار وتابع يغرس شوكته في أخرى
" كنت أريدها أن تعرفني بجميع وجوه شخصيتي أمي وتقبل بي
وهي مقتنعة بطباعي تماماً "
ابتسمت بحب وقالت
" وفقكما الله بني وأراني أبنائكما سريعاً "
ضحك وقال
" هذا كل ما يعنيك في الأمر ... الأبناء ؟! "
ضحكت أيضاً وقالت
" وسعادتك قبل كل ذلك بني "
التفت للخلف ما أن سمع صوت طرق قوي على الباب الخارجي
للمنزل وقال وهو يقف
" وسعادتي معها أمي وإن لم ننجب أبناء فتذكري هذا جيداً ولا
تورطيني في الزواج من أخرى حينها لأني لن أوافق "
وتابع متجها نحو باب الغرفة
" تناولي الطعام أمي فأنت لم تأكلي شيئاً "
فابتسمت بحنان تنظر للمكان الذي اختفى منه صوت خطواته
وقالت بحب
" وفقكما الله بني ولا فرق بينكما أبداً "
*
*
*
نظرت للباب أمامها وسحبت أنفاسها اللاهثة بالتتابع وعادت
للضرب عليه بالحجر بقوة فهي وصلت مزارع تلك العائلة
بخطوات شبه راكضة تلتفت حولها كل حين فالشمس شارفت على
المغيب ولن تصل منزلهم قبل حلول الظلام على هذا الحال ..
وإن شعر بها والدها واكتشف بأنها لم تكن في المستشفى
فسيقتلها لا محالة ولن تجد فرصة مواتية كهذه فقلبها ليس
مطمئناً ولن ترتاح ما لم تعلم ما حدث مع مايرين خلال هذه الفترة
بعدما أخذها ذاك المتحجر فهي لن تسامح نفسها أبداً إن أصابها
مكروه بسبب كذبتها تلك أو قتَلها المدعو شعيب فهي لن تستبعد
ذلك منه ومن شقيقاه وجميع أبناء عائلته .
بحثت عن حجر آخر أكبر من سابقه ورفعته وبدأت بالطرق به
مجدداً ودون توقف ولا بعد سماع ذاك الصراخ الرجولي الغاضب
القادم من الداخل بسبب كل ذاك الضجيج الذي أحدثته حتى انفتح
الباب أمامها على اتساعه وتحولت النظرات الغاضبة في عيني
الواقف أمامها للاستغراب وهو يكتشف أن الطارق ليس سوى
امرأة ! حدق فيها بتركيز لوقت قبل أن يقول
" من أنت وماذا تريدين ؟ "
مطت شفتيها بضيق وودت أن أجابت عليه بما يبرد حر قلبها
لكنها لن تجني شيئاً حينها وسيغلق الباب في وجهها ولن يفتحه
لها مجدداً لذلك رمت الحجر من يدها وقالت تنفض التراب
من يدها
" أنا فجر "
نظر لها لبرهة قبل أن يقول بامتعاض
" آه فجر تلك "
قالت بضيق تغلب عليها هذه المرة
" لا هذه .. وأريد أن أعلم ما حدث مع مايرين ؟ لقد أخذوها أبناء
عمومتك من المستشفى وإن حدث لها شيء فأنت المسؤول عنها
أمام الله يا سيد أويس لا تنسى ذلك فهي لا ذنب لها فيما حد... "
صرخ مسكتا لها
" اصمتي ... ألا وقت للراحة أبداً تحتاجه حنجرتك ؟ ثم قلت لك
سابقاً بأني لا أعرف فتاة تدعى مايرين ولا أعترف بها "
قالت باحتجاج
" بلى تعرفها وتعرف ما قد يحدث لها بسببهم فلما تكون أنت
وهم وقدرها عليها ؟ ليرحمها أحدكم وتذكر بأن الدماء التي تجري
في عروقها دمائك "
أجفلت من نظرته تلك وعلمت من اشتعال سواد حدقتيه بأنها
تجاوزت حدها بل وأخطأت كالعادة بأن ذكرت تلك المسألة التي
توصله للجنون وهي تذكره بما اتهم به والده ويرفض هو
الاعتراف به فصرخ فيها يكاد يقفز عليها ويخنقها
" كم مرة سأقول بأنها ليست شقيقتي وليبتعدوا بفضائحهم
عني وعن والدي .. حتى متى سيموت والدي وتفقد والدتي
بصرها ؟ كم مرة سأذكر ذلك ؟ "
انكمشت على نفسها تضم يديها لصدرها وتمتمت بخوف
" للللكن سسسكرتيرتك لم تقل ذلك يييومها قالت أأن .... "
قاطعها بغضب
" أي سكرتيرة تتحدثين عنها فلا سكرتيرات لدي ...
هل هذه كذبة جديدة ؟ "
قالت من فورها وبندفاع
" بلى ليست كذبة وهي من اتصلت بي بعد اتصالي بك سابقاً
مباشرة وقالت بأنها سكرتيرتك وبأنك من أعطاها الرقم لتكون
حلقة الوصل بيننا وسألتني عن قصتها وأنا أخبرتها ثم وعدتني
بأنها ستحاول إقناعك و... "
قاطعها صارخاً بصدمة
" متى حدث ذلك ؟ "
رمشت بعينيها قبل أن تقول
" أخربتك بأنها اتصلت بي بعد مكالمتك فوراً وقالت بأ.... "
لوح بيديه بجانب رأسه قائلاً بضيق
" اشش يكفي أعلم ما قالته "
وتابع ماداً يده لها
" هاتي رقمها .. هل هو لديك ؟ "
تراجعت للوراء خطوة وقالت
" ليس قبل أن تخبرني أين هي مايرين ؟ "
خرج لخارج الباب أكثر وقال ولازال يمد يده لها
" هاتي الرقم وسأخبرك بما تريدين .. بسرعة "
خبأت حقيبتها خلف ظهرها ولازال حزامها على كتفها وقالت
متراجعة للخلف أكثر
" أخبرني أين هي وماذا حدث معها وسأعطيه لك "
حرك أصابعه وقال بضيق
" تزوجت فهاتي الرقم ولا تجعليني آخذه منك بالقوة "
فتنهدت بارتياح حامدة الله بهمس فعلى الأقل لم يقتلوها .. لكنها
لا تأمن شر أفكارهم أبداً ، قالت بريبة " من تزوجت ؟ "
تأفف وقال بنفاد صبر يمد يده لها أكثر
" من الشاب الذي صدمها وهو مستأجر عندي فأعطني
الرقم بسرعة "
قالت بحماس وسعادة وكأنها لم تسمع من حديثه سوى أوله
" حقاً تزوجته هو ؟ يا إلهي حمداً لله أنهم لم يزوجوها لعجوز
أو أحد عمالهم السود "
نظر لها باستغراب ففتحت حقيبتها وأخرجت هاتفها منها قائلة
" لأجل هذا الخبر السعيد فقط سأعطيه لك من دون مقابل "
كشر متمتماً
" يالك من جشعة ! أهذه تكون أخلاق الأطباء ؟ "
ضحكت ضحكة ساخرة وقالت تفتش في هاتفها
" وما أخلاق المحامين الذين يدافعون عن المظلومين ؟ "
نظر لها بضيق وقد فهم فوراً ما كانت ترمي إليه واستل الهاتف
الذي مدته له بقوة من يدها ونظر للرقم فيه عاقداً حاجبيه قبل أن
تتسع عينيه بصدمة فهو يعرف هذا الرقم ويحفظه جيداً كاسمه .
*
*
*
وضعت الحقيبة التي نزعتها من كتفها على الطاولة وجلست تنظر
مبتسمة للتي جلست أمامها وقد قررتا الخروج معاً اليوم تعويضاً
عن تلك المرة التي خرجت فيها لوحدها وقالت بابتسامة
" أخبريني إذاً ما سر رحلة المنظمة تلك وأين ستكون ؟ "
قالت ساندرين تحرك يديها بحماس
" لأدغال كاليه الفرنسية .. ستكون رحلة رائعة مليئة بالمغامرات
والمفاجآت أيضاً "
ضحكت على حماسها وقالت
" ولن تخلوا من إنقاذ الحيوانات البرية بالتأكيد ؟ "
قالت ضاحكة
" لا لن تكون هناك سوى حيوانات مستعدة لافتراسنا في
أي لحظة "
حدقت فيها بصدمة فضحكت وقالت
" أمزح يا غبيه ... إنه ملجأ كبير للمهاجرين يطلقون عليه اسم
أدغال وسنقوم بأمور كثيرة مهمة ومشوقة هناك "
فتجعدت ملامحها وقالت
" وهذه تسمينها رحلة وتستمتعين بها ! "
حركت رأسها ووجهها الذي قربته منها قائلة بنزق
" هذه أمور لا تفهمها جاهلة مثلك ملتصقة بالمطارات والطائرات
طوال الوقت "
فزمت شفتيها بضيق قبل أن تحررهما قائلة
" أجل فالاستمتاع يكمن في الالتصاق بالحيوانات المشردة مثلك "
فتجاهلتها ونظرت للنادل الذي وقف عند طاولتهما مبتسماً وقالت
بابتسامة مماثلة
" نريد طبق فلافل وكبسة دجاج أيضاً وكسكسي بالسمك وطبق
ملوخية كبير لكنانة "
كتب ما طلبته مبتسماً وغادر من فوره بينما قالت كنانة ضاحكة
" من سيأكل كل هذا ويدفع ثمنه ؟ "
ضربت بكفها على صدرها وقالت مبتسمة
" أنا من سيدفع يا شحيحة زوجة الثري ومن سيأكله أيضاً
لا تخافي "
قالت بابتسامة مائلة
" حسناً يا زوجة الثري لا تتركي مما طلبتِ شيئاً ولا أجد نفسي
أفتش حقيبتي ككل مرة لأوفي حساب الغداء لأن المال الذي لديك
لا يكفي بالطبع "
لوحت بيدها لامبالية وسرعان ما تغيرت ملامحها للحدة وقالت
تهددها بسبابتها
" اسمعيني جيداً كوينو مزاجي في أفضل حالاته ومستعدة لأكل
كل ذلك لكن إن ظهر لنا ابن عمتك الآن كالعادة فلن تلومي
إلا نفسك "
نظرت لها بصدمة قبل أن تقول مندفعة
" أنا التي إن ظهر لنا الآن فلن أخرج معك مجدداً وسأقطع
علاقتي بك نهائياً "
قالت ببرود تشيح بوجهها عنها
" أجل هذا أفضل لأنك إن لم تفعليها فعلتها أنا "
فمدت شفتيها بعبوس تراقبها بينما كانت هي تستقبل أطباق
الطعام مبتسمة بحماس وما أن غادر النادلان رفعت ملعقتها
وقالت
" لا أعلم من أين أبدأ ؟ لكنني بالتأكيد سأنتهي منها جميعها ....
من الرائع أنه ثمة مطاعم عربية هنا "
فاتكأت الجالسة أمامها بذقنها على راحة يدها وقالت تنظر لها
" أنا أحياناً لا أفهم شخصيتك المعقدة ساندي رغم الصداقة
الطويلة التي تجمعنا ! "
قالت مبتسمة بسخرية تغرف من طبق الأرز في صحنها
" بالطبع لن تعرفي شيئاً عن أحد وأنت لم تتعرفي ولا على ابن
عمتك ذاك حين التقيته أول مرة بعد عودته من دراسته في
جامعته باسكتلندا ! "
رفعت ملعقتها أيضاً وقالت ببرود
" هو من تغير شكله كثيراً وليست غلطتي .. بل ولم أراه منذ
الخلاف بين عائلتينا فكيف كنت سأعرفه حينها ! ... ثم أنا لا
أتحدث عنه بل عنك "
فقالت منشغلة بطبقها الذي كانت تأكل منه بشهية مفتوحة
" يمكنك تحليل شخصيتي كما تشائين بينما آكل "
فراقبتها باستغراب قائلة
" أنت غريبة أطوار حقاً !! من يراك الآن لا يصدق بأنك من
كانت تصرخ غاضبة قبل أيام وتم عقد قرانها دون علمها ! ما أن
انتهى الحفل حتى رميت كل شيء وراء ظهرك كما أرى وكأنه
لم يحدث ! "
نظرت لها وقالت تلوح بالملعقة في يدها
" لأنه بالفعل لم يحدث شيء وسرعان ما يمل ابن عمتك ذاك
ويرميني خلفه ويمضي ويرجع كل شيء كما كان "
حدقت فيها باستغراب هامسة
" واثقة تماماً !! "
قالت بجدية
" أجل لأني أعرفه أكثر مما تعرفيه أنت بل ووالدته التي
أنجبته أيضاً "
حركت رأسها بعدم اقتناع ورفعت كتفيها قائلة
" إن كان كذلك ما تزوجك ! كان رماك سابقاً كما تقولين "
قالت تسكب المزيد من الأرز في طبقها
" سيفعلها وإن أصبح لدينا طفل وليس عقد زواج بالي فقط
وقولي ساندرين قالت "
تنهدت بعجز متمتمة
" وسترجع حياتك كما كانت حقاٌ !! "
أخرجت الملعقة من فمها وقالت تمضغ ما فيه
" بالتأكيد فلن تنتهي حياتي بسبب رجل كذاك ولا عشرة من
أمثاله ... أنا لا يكسرني شيء ولا أحد ولست انهزامية مثلك "
كتفت ذراعيها لصدرها ونظرت جانباً متنهدة بضيق بينما قالت
التي لوحت بملعقتها نحوها بتهديد
" وحذاري كنانة من أن يعلم ابن عمتك ذاك عن الرحلة أو
قطعت لسانك وليس علاقتي بك "
نظرت لها بصدمة وقالت
" وهل وحدي من قد تخبره ؟ ماذا إن فعلها والدك مثلاً ؟ "
قالت ببرود وقد عادت للانشغال بطعامها
" والدي لن يفعلها وسبق وأخذت منه عهداٌ بذلك .. ثم زير
النساء ذاك مسافر ولن يعلم إن لم يخبره أحد عمداً "
" مسافر ؟! "
قالت ذلك تنظر لها باستغراب فرفعت كوب العصير وشربت منه
وقالت وهي تضعه مكانه يمينها على الطاولة
" أجل ولحسن حظي فالطلب على طائرات شركته الفاشلة تلك
في ازدياد لذلك يسافر كثيراً مؤخراً "
ضيقت عينيها تنظر لها بريبة وقالت
" أراك تجمعين المعلومات عنه سيدة ساندرين ! ثم ما هذه
الشركة الفاشلة التي يزداد الطلب عليها ! "
حدقت فيها باستياء قائلة
" بل والدي من أخبرني .. هذا ما ينقص أن أتقصى عن أخبار
ذاك الدبور "
كتفت ذراعيها لصدرها وقالت
" ولما تهددين وتتوعدين وهو مسافر ولن يكون هنا ولن يظهر
لنا فجأة ؟ "
قالت تشير لها بالملعقة في يدها
"لأني لا أثق بكم آل الهازان جميعكم وتوقفي عن التحقيق معي "
فانحنت نحوها قليلاً تسند ساعديها على الطاولة تحتها وقالت
مبتسمة بمكر
" بل ثمة ما سأسأل عنه أيضاً ... لما أخبرتني عن الرحلة
إن كنت لا تريدين أن يعلم ؟ خطة رائعة ساندي "
نظرت لها بصدمة وكادت تغص بالطعام فرفعت كوب الماء
وشربته دفعة واحدة ووضعت الكوب الفارغ بقوة وقالت بضيق
" حمقاء طوال حياتك ولن تتغيري أبداً .. فما الذي سأجنيه إن
علم غير أن يرفض الرحلة وأموت بحسرتي ؟ أقسم إن فعلتها
كنانة دققت عنقك "
أجفلت تنظر لها باستخفاف وقالت
" لا بالله عليك أخفتني "
حركت يدها بلامبالاة وقالت
" دعينا من كل هذا الآن وأخبريني ما الترتيبات لحفل الزفاف؟ "
فأبعدت نظرها عنها وابتسمت بسخرية متمتمة
" هه ... الترتيبات أنه لا حفل مطلقاً "
نظرت لها بصدمة وقالت
" ماذا ! ولكن ما علمته من والدتي عن طريق والدتك بأنكم
ستقيموا.... "
قاطعتها ببرود وقد عادت للطعام الذي لم تأكل منه إلا القليل
" لا شيء من كل ذلك ... لقد ألغي "
لكن تلك الأحداق الزرقاء كانت لاتزال تحدق فيها باستغراب
وقالت صاحبتها
" ولكن لما تم إلغائه !! أليس .... "
فقاطعتها مجدداً تقطع اللحم بملعقتها بحركة عنيفة
" لننهي الحديث في الأمر ساندي لأنه يشعرني بالصداع "
فكشرت تنظر لها وتمتمت باستياء
" يا لحظك المشابه لحظي "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, sweethoney and 66 others like this.
رد مع اقتباس
#12145
قديم 10-06-19, 09:59 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
فرك جبينه بأصابعه وقال بضيق ما أن أبعد يده
" أمي أنا ألغيت الحفل وانتهى لن نناقش هذا كلما تقابلنا "
قالت الواقفة مقابلة له بضيق
" غيهم ما هذه الطريقة الجديدة في التحدث مع والدتك ! إن كان
أبان ما كنت لأستغربها منه "
نظر لها باستنكار وما أن كان سيتحدث سبقته قائلة بذات ضيقها
" معك حق فأنا الحمقاء لكنت تركتك بنفسك أخبرت زوجتك لما
نلجأ للوسائط ؟ "
قال بضيق
" الأمران سيان وما كنت لأخاف من قول ذلك لها "
حدقت فيه باستغراب وقالت
" لكن لما بني ؟ لا مبرر لما فعلته مطلقاً فحفل الزواج من حقها
ولا أظنه ينقصنا مال أو سيؤثر ذلك في ثرونا ! "
أشار بيده قائلاً بنفاذ صبر
" أنت ستقيمين لها حفلاً هنا وهم احتفلوا هناك بعقد قراننا
وانتهى أمي هل سنقيم حفلاً كل حين ؟ "
قالت بحزم
" لا أفهمك غيهم فهذا لم يكن رأيك سابقاً فلم تعترض بل وقلت
وبالحرف الواحد لتختار أي فندق تريده في لندن وليقوموا بدعوة
من يريدون والآن تقوم بإلغاء كل ذلك ! ما هذا الذنب الذي
ارتكبته تعاقبها عليه ؟ "
نظر لها بذهول وقال
" أمي لا تنسبي لي تهماً ثم تبدئي بتصديقها ..
بل والتسويق لها "
ضربت ظهر يدها بكف الآخر تشدهما لوسطها وقالت
" لما حدث هذا إذاً ؟ "
تأفف وقال بضيق
" لأن خالي مطر من أمر بهذا أمي ... أنتن النساء لا يرتاح لكن
بال ما لم تخرجن الرجل من ثيابه "
قالت تنقل سبابتها بينهما
" نحن أم أنتم ؟ "
وتابعت بضيق تشير له بسبابتها مجدداً
" بل أنت تحديداً فليس جميع الرجال يمتازون بصفة الصمت
الرائعة هذه وعليك أن تفهم جيداً يا غيهم بأن هذا لا ينجح
مع النساء "
نظر جانباً وتنهد بضيق فحركت رأسها بيأس منه وقالت
" وما شأن خالك مطر يلغي حفل زواج لم يقرره هو ولا نحن ! "
كتف ذراعيه لصدره وقال ببرود
" لم أتجرأ على أن أسأله هذا السؤال أمي فلن يطلب ذلك إلا
من أجل سلامة كنانة وعائلتها بالتأكيد "
نظرت له باستغراب قبل أن تقول باستياء واضح
" لا أفهم غيهم فاشرحها لي ! ما علاقة الحفل بسلامتهم وإن
انتشر خبر زواجكما فهم يعيشون هناك بهويتهم الحقيقية كما
أعلم ؟ "
تنفس بعمق وقال بصبر وقد دس يديه في جيبي بنطلونه الجينز
" لا تنسي بأنهم يحملون لقب كنعان أمي "
وضعت يدها على فمها بتفكير فكيف نسيت هذه المسألة !
وسرعان ما أبعدتها وقالت ونظرها معلق بعينيه
" لكن ما ذنب الفتاة في كل هذا فالحفل من أجلها بني ؟ "
رفع كتفيه وقال
" لا شيء بيدي وتعلمين أوامر شقيقك جيداً فما كنت لأرضى بأن
يُلغى الأمر الوحيد الذي طلبته لكنها الأوامر أمي وسلامتهم
أهم بالتأكيد "
نقلت نظراتها في ملامحه باستغراب وقالت بعتاب
" كنت اتصلت بها إذاً وأخبرتها ؟ لما تضعني ووالدتها ونفسك
في هذا الموقف ؟ "
حرك كتفه الأيمن كما رأسه في ذاك الاتجاه ولازالت يداه سجينتا
جيوبه وقال بجمود
" كانت والدتها ستهول الأمر حال علمها بمخاوفهم من ماضيهم
مع ابن راكان ، تحدثت مع والدها في الأمر فكان رأيه أن لا يعلما
مطلقاً "
قالت بريبة
" لكنك وضعت نفسك في موقف سيء معها ...! كنت تركتني قلت
بأنه رأيي وليس رأيك ؟ "
أمال شفتيه بلا اهتمام وتمتم ببرود
" أنا سيء في نظرها لن يغير هذا في الأمر شيئاً "
فحدقت فيه بصمت قليلاً قبل أن تقول بهدوء حزين
" لو كنت فكرت في هذا قبل أن نعقد قرانكما لكنت ألغيت الخطبة
كاملة وبحثنا لك عن عروس أخرى وما كنا لنعرض حياة الفتاة
أو عائلتها للخطر بسببنا ... كيف فاتني التفكير في هذا الأمر ؟ "
لكن نظرته التي رمقها بها لم تشبه نظرتها تلك البتة تخبرها
وبكل وضوح بأنها إن لم تكن والدته لأسمعها كلاماً لن يعجبها
أبداً لكنه قال بحزم وهو يوليها ظهره مغادراً
" أنا من كان سيرفض التراجع عن كل ذاك أمي فلا تفكري
فيه .. هي زوجتي وهذا ما لن يلغيه ولا شقيقك ذاك "
وابتعد ناحية باب المنزل نظراتها الصامتة تتبعه وما أن فتحه
وخرج تركه مفتوحاً بعده لأنه ثمة من تقابل معه أمامه وكان
داخلاً منه حينها ومن لم تراه منذ ذاك النقاش القوي أو الشجار
المزدوج له معها ومع يمان قبلها فسار دون أن ينظر ناحيتها
وبخطوات سريعة واسعة ووجهته السلالم فهمست من بين
أسنانها
" وغاضب أيضاً سيد أبان ! معك حق تماماً "
بينما تابع هو صعوده بخطوات واسعة توقفت ما أن وصل
لمنتصفه وكان في مواجهته وجه أنثوي آخر أصغر سناً وأكثر
رقة ونعومة وعينان لا تحمل ذاك الحزم ولا القوة بل الحزن
الممزوج بالأسى فكان مصيرها ذاته بأن أبعد نظره عنها وتابع
صعوده حيث الطابق الثالث من ذاك المنزل ومكان اقامته وشقيقه
وحيث صمم ليكون سكناً منفصلاً لكل واحد منهما ليستقرا فيه
مستقبلاً .
بينما تبعته تلك الأحداق الرمادية وهو يتابع صعوده وتقوست
شفتاها بحزن فها هو غاضب منها بينما كان من حقق لها طلبها
وجلب شقيقها إلى هنا ، نظرت للأسفل من أعلى السلم وتبعت
نظراتها الخادمة التي تحركت يساراً وما أن اختفت خلف الحاجز
الزجاجي رفعت نظرها نحو الأعلى قبل أن تركض تلك العتبات
أيضاً حيث اختفى ذاك الغاضب قبل قليل .
*
*
*
نزع قميصه وما أن كان سيرميه جانباً وقفت يده في الهواء وهو
يلتفت برأسه للباب الذي خرج منه صوت طرقات خفيفة جداً
فلبسه مجدداً وقال
" ادخل "
فانفتح ذاك الباب حينها وببطء شديد حتى ظن بأنها نسمة هواء
ما تلك التي كانت تدفعه ! وأمسك وسطه بيديه ما أن اكتشف
هوية تلك النسمة الرقيقة ينظر لها ببرود فقالت تمسك الباب بيدها
وكأنها تختبئ خلفه
" أنا آسفة أبان أرجوك لا تغضب مني "
قالتها بكلمات حزينة رقيقة شبه باكية لكن ذلك لم يجعل ملامحه
تتغير بل وأولاها ظهره ناحية الطاولة ونزع قميصه مجدداً
وبقي بالقميص الداخلي فقط ورماه جانباً ونظر لصورتها في
المرآة يراقبها فيها وهي تدخل من الباب قائلة برجاء حزين
" لم أكن أعلم بأنكما ستتشاجرا بسبب ما قلت .. أقسم بذلك "
فرفع المشط ورماه مجدداً قبل أن يستدير ناحيتها وقال بضيق
" حسناً جيد .. دعيني أجعلك تفهمين أمراً يمامتي "
وتابع يمسك سبابته بسبابة يده الأخرى بينما يفرد الوسطى فقط
وكأنه يحسب بهما
" ثمة أمران هما حق للزوج على زوجته وواجب ناحيته يمامة ..
ولن نتحدث عن الجانب الأول والأهم كي لا يغمى عليك الآن "
وتابع يمسك أصبعه الوسطى هذه المرة وينظر لعينيها المحدقتان
فيه بصمت
" أما الأمر الآخر فهو بأنه عليك إطاعته وتنفيذ ما يقول وتجنب
ما قد يغضبه بل وأن لا تفعلي شيئاً من دون علمه ولا رضاه "
تحركت حدقتاها الفضية الواسعة بين وجهه ويديه يظنها تفسر
ما قال وتفهمه لكنها صفعته ككل مرة حين قالت ببراءة تشبهها
" لكن هذه خمسة أمور وليست واحدة ! "
فحرك رأسه ونفض يديه واقترب منها فقالت تنظر له مجفلة
" ويمان لم يطلب مني فعل ذلك بل أنا من قال له أ.... "
فقاطعها ما أن وقف أمامها تماماً يشير بسبابته على باطن كف
يده الأخرى أمام وجهها
" أنت ورقة بيضاء يمامة تفهمين هذا ؟ والجميع يريد الكتابة
فيها وبالطريقة التي تعجبه "
وتابع بضيق ضارباً بظهر أصابعه في كفه تلك
" فليتركوا لي على الأقل سطراً واحداً شاغراً أكتب فيه ما أريد ..
فهل أطلب المستحيل بهذا ؟ "
رمشت بعينيها قليلاً قبل أن تهمس باستغراب
" عما تتحدث ؟ أنا لا أفهمك ! "
أمسك خصره بيديه وقال بضيق
" أتحدث عن أن ما تقوله أمي مجاب بالنسبة لك .. وإن قال لك
يمان خالفي ذلك فستفعلين فوراً أما أبان فأوامره جميعها
مرفوضة "
قالت تنظر له باستغراب
" لكنك لم تطلب مني شيئاً سابقاً ! "
أدار وجهه قليلاً ونظر لها بطرف عينيه مفكراً فهي على حق
تماماً ، فرقع بإصبعيه وأشار لها بالسبابة منهما وقال بابتسامة
جانبية
" إذاً إن طلبت منك أمراً تفعلينه ؟ "
قال سريعاً
" ولن تعود غاضباً مني ؟ "
ابتسم وقال
" بالطبع "
قالت بابتسامة واسعة
" موافقة إذاً "
ابتسم بحماس وقال
" حسناً رائع "
قالت بعد صمت لحظة
" وما هو طلبك ؟ "
ابتسم واتكئ بذراعه على كتفيها وقال يميل وقفته بينما كان ينظر
لوجهها
" سنؤجل هذا الأمر قليلاً ولا تنسي هذا اتفقنا ؟ "
ابتسمت وأومأت برأسها موافقة وقالت تنظر لتفاصيل الغرفة
حولها
" غرفتك غريبة !! "
ضحك وأبتعد عنها وقال
" وما الغريب فيها ؟ كان بالأحرى أن تقولي سيئة "
ابتسمت ونظرت له قائلة
" لا هي ليست كذلك لكنها لا تشبه غرفتي ولا غرفة بثينة ولا
حتى غرفة والديك ! "
ضحك وقال يشير بسبابته جانب وجهه
" بالطبع هي لن تشبه غرفتك ولا غرفة بثينة لأنكما فتاتان بينما
أنا رجل أما غرفة والداي فمصيرنا لها لن نستعجل الآن "
حدقت فيه باستغراب قبل أن تبعد نظرها عنه وقالت تنظر لصورة
الملاكم الكبيرة والملصقة على الجدار
" ومن يكون هذا ؟ هل هو صديقك "
ضحك وقال ينظر حيث تنظر
" لا هو ليس صديقي بل وليس عربياً أيضاً "
نظرت له وقالت باستغراب
" من أين تعرفه إذاً ؟ ولما تعلق صورته ! "
ضحك وقال
" أعرفه من التلفاز فهو ملاكم مشهور .. واعلق صورته لأني
أحب لعبه وأشجعه "
نظرت للصورة مجدداً وقالت تشير لها بسبابتها
" أتعني ذاك ما يضعه في يديه ؟ "
نظر لقفازات الملاكمة الحمراء في الصورة وقال مبتسما
" أجل فذاك نوع من الرياضة وهم يفعلون هكذا... "
وبدأ بتوجيه اللكمات لها في الهواء تراقبه مبتسمة وضرب
بقبضته أنفها متعمداً فأمسكته ضاحكة وفرد هو أصابعه قائلا
بابتسامة
" هذه يسمونها ملاكمة حلوتي "
ضحكت ولوحت بقبضتيها تحاول تقليده لكن الأمر لم ينجح وكانت
كمن يطرد حشرة في الهواء بقبضتيه فضحكا معاً وقالت تفرد هي
أصابعها هذه المرة
" ظننت الأمر سهلاً لكنه على العكس تماماً "
وتابعت بحماس وهي تنقل نظرها للصورة مجدداً
" إنه رائع حقاً "
فضيق عينيه وقال يرمقها بطرفها
" تعنين لعبه أم شكله يمامتي ؟ "
نظرت له وقالت مبتسمة
" بل ما يفعل أعني فأنت أجمل منه بكثير "
فضحك من فوره وأمسك وجهها المبتسم بيديه اللتان سرعان ما
أبعدهما مع موت الابتسامة الواسعة عن شفتيه واستدارة رأسها
هي نحو الباب خلفها حين وصلهما ذاك الصوت المرتفع مناديا
من بعيد
" يماااااامة "
فقفز سريعاٌ فوق الأريكة ونظر لها من خلفها وقال مهدداً بسبابته
" أنت من جئت هنا وبملء إرادتك يا صغيرة لا تنسي هذا ولا
تخبريها شيئاً عما دار بيننا أو غضبت منك وللأبد هذه المرة "
وركض مسرعاً جهة باب الحمام الذي دخله مغلقاً بابه خلفه
ووقف قربه يسند يده بالجدار يستمع لما يحدث هناك وصوت
والدته المصدوم ما أن دخلت
" يمامة ما الذي تفعلينه هنا ! "
فأدار مقلتيه متنهداً بضيق بينما وصله صوتها الرقيق مما جعله
يبتسم فوراً
" جئت أبحث عن أبان لأعتذر منه فهو غاضب بسببي "
فرفع إبهامه حينها ضاحكاً بصمت بينما قالت جوزاء بضيق
" وتعتذري منه لما ؟ أنت لم تخطئي في حق أحد لتعتذري ..
ولينفجر هو ما علاقتك به ؟ "
شد على أسنانه حينها كما شد قبضته أمامها بقوة وكأنه يتمنى
توجيه تلك القبضة نحوها بينما قالت يمامة
" لكنه زوجي أمي .. أليس له عليا حقوق ؟ "
فلوح بقبضته تلك في الهواء ضاحكاً فها قد نجح الدرس الأول بل
ووجد مكاناً ما لسطره ذاك .. وكما توقع قالت والدته حينها
وبضيق
" لا ليس له عليك شيءالآن وحين يكون زوجك فعلاً ستعلمين
هذا وتتعلمينه فلا أسمعه منك مجدداً يمامة مفهوم ؟ "
زفر الهواء من أنفه بضيق وعلم بأنه خسر المعركة لكنها قالت
ما لم يتوقعه كليهما كالعادة
" إذاً هو موجود أمي وحقيقة ؟ "
فاتكئ برأسه على الجدار مبتسماً يدس يديه في جيبي بنطلونه
وكم تمنى لحظتها أن رأى تعابير وجه والدته خصوصاً وهي
توجه لها هذا السؤال وهمس مبتسما بمكر
" أنكري ذلك إذاً يا جوزاء شاهين الحالك يا مربية الأجيال "
وكما توقع هي تهربت من ذلك وكل ما فعلته أن أمسكت بيدها
وأخرجتها من هناك قائلة
" اخرجي من هنا هيا ولا أراك في هذا الطابق مجدداً يمامة
مفهوم "
ففتح حينها الباب وخرج ووقف ينظر بضيق للباب الذي تركاه
خلفهما مفتوحاً أو لمكانهما الخالي منهما يمسك خصره بيديه
وكشر متمتماً
" سنرى يا ابنة الحالك "
وابتسم ما أن نظر جانباً حيث صورة الملاكم تلك وغمز بعينه
قائلاً
" لم تنتصر عليا أبداً هذه المرة "
واستدار نحو صورته بكامل جسده وقلد حركته رافعاً قبضتيه
بقرب ذقنه وقال بابتسامة ساخرة يوجه قبضته نحوه
" كنت مزقت صورتك هذه إن قالت بأنك أكثر وسامة مني "
وضحك وتوجه جهة الخزانة ليخرج ثيابه ويستحم .
*
*
*
ما أن غادرت من عنده حتى سارت راكضة لكن ليس في الاتجاه
الذي جاءت منه بل دارت حول المنزل حتى كانت أمام الباب القديم
الملحق به ففي غمرة فرحها بأنهم زوجوها به وليس بعجوز أو
عامل لديهم نسيت خطتهم تلك وما ستكون نتائجها إن هو
اكتشفها فعليها أن تطمئن عليها قبل أن تغادر من هنا فلن يكون
بإمكانها زيارة هذا المكان دائماً فها قد بدأ الظلام يتسلل للمكان
المخيف ولا يمكنها التجول في مزارع هذه العائلة ليلاً ، وصلت
الباب الحديدي وبدأت بطرقه بقوة بأقرب حجر وجدته فإن خرج
لها ذاك الشاب تعلم ما ستقوله له لتبرر وجودها هنا وإن فتحته
لها مايرين فسيكون أفضل وذاك جل ما تتمناه ، استمرت في
الطرق ولم يفتح أحد وهذا ما تستغربه ! بل وهذا معناه أن ذاك
الهازاني ليس هنا أو أنهما كلاهما خارج المنزل ! .
رفعت رأسها عاليا وصرخت منادية
" مايريييييين "
وكررت الصراخ بإسمها منادية فإن كانت هنا لوحدها فستعلم
بأنها هي وإن كانت ليست هنا فلن يسمعها أحد بالتأكيد ، ابتسمت
بسعادة ما أن سمعت ذاك الصوت الأنثوي خلف الباب المغلق
" فجر أهذه أنت ؟ "
ابتسمت وقالت بحماس وبصوت مرتفع تنظر لشق الباب أمامها
وحيث خرج لها ذاك الصوت
" أجل هذه أنا ولم أصدق أذناي حين علمت بأنك تزوجت من ذاك
فضي العينين تحديداً وركضت نحو منزلكما مسرعة "
فخرج لها صوت الواقفة خلفه مبتسمة أيضاً
" أجل لقد حدث ما خططت له تماماً يا فجر وكانت ستكون كارثة
إن لم يأتي يومها فقد طلبوا من أويس أن يتزوجني بما أنه ينكر
بأن أكون شقيقته وكادوا أن يدمروا مستقبلي تماماً مع رجل لا
يحب ولا سماع اسمي "
شدت على أسنانها بقوة وقالت بحقد
" الوحوش المجرمين .. لتعلمي فقط يقينهم من أنك لست
شقيقته "
وتابعت من فورها تلامس حديد الباب البارد بيدها
" اتركينا منهم الآن وأخبريني ما هي أمورك وذاك الشهم
الوسيم ؟ "
وأتبعت جملتها تلك بضحكة سعادة ما كانت لتتخيل أن تجد لها في
حنجرتها مكان اليوم وهي تتوقع أبشع السيناريوهات وما يمكن
لعقول أولئك المجرمين تطبيقه ودون تردد ولا أن يرف لهم جفن
، خرج لها صوتها الباسم من خلف ذاك الباب الحديدي القديم
" بأفضل حال يا فجر ولم أعرف حياتي السعادة بعد رحيل هازار
إلا الآن بعدما أصبحت هنا معه وزوجته "
ضمت يديها لصدرها مبتسمة بسعادة تلاشت تدريجياً ما أن
تذكرت السبب الأساسي لمجيئها لباب هذا المنزل وقالت بتوجس
" لكن .... ماذا بشأن كذبتنا تلك هل اكتشف الأمر ؟ "
قالت الواقفة خلف الباب بتوجس أشد بل وبخوف
" لا لكني لا أراه بعيدا أبداً يا فجر ولست أعلم ما يمكنتي فعله
حينها ؟ "
قالت من فورها " لا تفعلي شيئاً فقط تصرفي على أنك لا تعلمين
شيئاً مما يتحدث عنه إن تكلم وسيظن بأنه خطأ في التشخيص أما
إن بقي صامتاً فستكون أنا من سيلجأ لها ليفهم ما حدث وحينها
أعلم بما سأخبره وسننقد الوضع مايرين ثقي بي المهم الآن أنك
بخير ولا تمنعيه عنك مجدداً خوفاً من اكتشاف سرك وافعلي ما
أخبرتك به "
وابتسمت بحزن ما أن قالت الذي يحجبها عنها ذاك الباب الحديدي
" أنا خائفة حقاً يا فجر وخوفي كله من أن أخسره "
فقالت ولم تنتبه للذي أصبح يقف خلفها على بعد خطوات ينظر
لها باستغراب بل بصدمة من وجودها قبل حديثها التالي والذي لم
يسمع ما كان قبله
" لا تخافي يا مايرين خطتنا ستستمر ناجحة كما كانت ولن
يكتشف الأمر "
وتابعت من فورها بجديه تقرب وجهها من شق الباب المغلق
" مايرين ثقي بي دائماً وافعلي فقط ما قلت ولن يكتشف الحقيقة
صدقيني أنت فقط لا تظهري له بأنك تعلمين عن أي شيء ...
وداعاً الآن "
وغادرت من فورها بخطوات مسرعة بل وراكضة تهمس لنفسها
بنشوة سعادة
" ولأول مرة في حياتك يا فجر لا تكونين نذير شؤم على تلك
الفتاة "
ولم تنتبه للذي اختبئ خلف صهريج المياه ينظر لها وهي تبتعد
راكضة عيناه تشتعلان بحرارة غضب حارقة وأصابعه تقبض
بقوة على الكيس البلاستيكي فيها وقد همس أيضاً
" يا مغفل يا يمان ... كانتا تستغفلانك لتلصقا بك ما فعله غيرك "
*
*
*
وضعت الأوراق والمذكرة التي ستأخذها معها معاً وجمعت
أغراضها في حقيبة يدها وكان آخرها هاتفها الذي تراجعت عن
وضعه معهم في آخر لحظة ورفعته أمام وجهها وفتحت صورته
التي ملأت شاشته الواسعة وابتسمت بحب وشوق من فورها فقد
التقطتها له قبل سفره الأخير وقبل مغادرتها للجامعة صباحاً
وكان حينها يشرب قهوته جالساً على طرف طاولة المطبخ ودون
علمه ... تعلم بأن هذا جنون وبأنه قد يشكل خطراً عليه حال
وجدتها تلك المجنونة في هاتفها أو حتى في الجامعة أو أي مكان
ما إن هي فقدت هذا الهاتف لكنها لم تستطع يومها منع نفسها من
فعلها خصوصاً هيئته وطريقة جلوسه قرب باب الشرفة الذي
تسلل منه ضوء النهار قوياً .. وها هي باتت سلواها الوحيده في
غيابه ولم يعد يمكنها إحصاء المرات التي تراها فيها !
قبلتها مغمضة عينيها وهمست برقة وحب
" أحبك بكل ما أملك من قدرة على ذلك "
انتفضت بفزع ودست الهاتف في حقيبتها ما أن سمعت تلك
الطرقات على باب غرفتها واستدارت نحوه فور أن فتحه ذاك
الطارق فهي لم تغادر غرفتها منذ يوم أمس بل منذ تلك المقابلة
مع زوجة وقاص فيبدو أن هذا القصر الرائع حياة ساكنيه
لا تشبهه !.
ابتسمت بارتياح للتي أهدتها ذات الابتسامة وكم شعرت بالسخف
بسبب ردة فعلها تلك ما أن سمعت صوت الطرقات على الباب ولا
تعلم حتى متى ستعيش ذاك الكابوس الذي يهددها بفقدانه وأن
تكون هي السبب فيه ؟ قالت الواقفة عند الباب مبتسمة
" صباح الخير ماريه ... هل تناولت طعامك أم ستغادري
كاليومين الماضيين بدون فطور ؟ "
جمعت يديها مع بعضهما وقالت محرجة
" لست معتادة سوى على فنجان قهوة وتفاحة صباحاً وخجلت
من طلبهما عوضاً عن الفطور الذي يقدم في المطبخ "
كانت تقول الحقيقة بالفعل بل وتلك أصبحت عادتها منذ باتت
تشارك ذاك الرجل حياته وشقته بل ومنذ اشترط عليها أن تأكلها
وإن هي قبل أن تغادر زاد عليه أنها عادته فأصبحتا فطورها
اليومي ، قالت الواقفة هناك مبتسمة
" والتفاح لدينا بجميع ألوانه كيف تخجلين من طلبه من
الخادمات ماريه ! "
قالت بابتسامة محرجة
" حسناً لن أغادر اليوم دون إفطار "
ابتسمت لها وقالت
" وهذا ما أرجوه لكن قبل ذلك ثمة شخص هنا جاء لرؤيتك "
نظرت لها باستغراب سرعان ما اضطربت معه ضربات قلبها
بجنون فمن يكون هذا الشخص وفي هذا الوقت ! بالكاد استطاعت
أن تجد صوتها الذي بدا واضحاً بأنه لم يعد على طبيعته وقالت
بصعوبة
" هل تيم بخير ؟ "
نظرت لها باستغراب وقالت
" مؤكد هو بخير صغيرتي ... من تحدث عنه الآن ! "
بلعت ريقها وهمست ببحة
" من هذا الذي يريد رؤيتي الآن إذاً ! "
قالت بتوجس بسبب ردة فعلها
" إنه والده "
فعلا صدرها في شهقة قوية فاقتربت منها وأمسكت وجهها
قائلة تطمئنها
" ماريه ما كل هذا التشاؤم ! ماذا في الأمر إن جاء
والده لرؤيتك ؟ "
أمسكت رسغ يدها وقالت ببحة تعاند دموعها كي لا تنزل
" أين هو ؟ "
أمسكتها من يدها وسحبتها معها قائلة
" في غرفة الضيوف ... تعالي لتتأكدي بنفسك من أنه لا شيء
مما تفكرين فيه له وجود لكان أخبرني قبلك "
لكن تطمينها ذاك لم يواسي شيئاً من ألم قلبها حينها فهي تعلم
بأنه سيتوقف عن العمل ونهائياً إن حدث له مكروه ولا مفر
أمامها سوى أن تواجه الحقيقة ، وصلت بها لغرفة واسعة تكاد
تعادل اتساع بهو ذاك القصر لكنها لم تنتبه لشيء من جمال ذاك
المكان وتفاصيله ونظرها منحصر على الذي وقف ينظر لها في
صمت مريب فملأت الدموع التي عاندتها طويلاً عينيها وقالت
ببحة بكاء
" ما به تيم ؟ "
نقل نظراته المستغربة بينها وبين شقيقته التي حركت كتفيها دون
كلام وما أن عاد بنظره لعينيها قال
" هو بخير ماريه "
بلعت ريقها بصعوبة وهمست بعبرة مكتومة
" أقسم لي بذلك "
قال من فوره
" أقسم أنه بخير وهو في غواتيمالا وسيرجع لبريطانيا خلال
يومين على الأرجح "
مسحت عينيها وأنفها بظهر كفها قائلة ببحة
" لما أتيت لرؤيتي إذاً "
ابتسم وفرد ذراعيه قائلاً
" أثمة من تسأل والد زوجها هذا السؤال ! أرأيت هذا يا رقية ؟ "
قالت التي ضحكت من فورها تنظر للواقفة بجانبها لازالت تمسح
دموعها
" حضيت باستقبال مماثل قبل قليل ما أن أخبرتها بأنه ثمة
من يريد رؤيتها "
وتابعت بضحكة وقد عادت بنظرها لشقيقها
" حتى كادت تُدخل كل تلك الشكوك لعقلي أيضاً "
تحرك حينها من مكانه واقترب منها حتى وقف أمامها مباشرة
وأمسكت يديه بذراعيها وقال
" هو بخير ماريه وأنا لم آتي من أجل أي أمر يخصه "
نظرت له باستغراب خالطه الكثير من الفضول فأبعد يده عنها
وقال بهدوء حذر
" ثمة من عليك رؤيته "
عادت حينها ضربان قلبها للجنون كما الدموع لملء عينيها
فقال سريعاً
" ماريه لقد أقسمت لك بأنه بخير ألا تصدقين يميني ؟ "
أومأت برأسها إيجاباً ولم تستطع التحدث بسبب العبرة التي
لازالت عالقة في حلقها بينما تابع هو
" أعلم بأن الوقت ليس مناسباً لكن ما كان يمكنني المجيء
في غيره فلا وقت أمامنا "
تنقلت نظراتها بين عينيه في حيرة وهمست ببحة
" ومن يكون هذا وماذا يريد مني ؟! "
قال من فوره
" ستعلمين بكل شيء ما أن نصل وستجدين الأجوبة الكاملة
عن أسئلتك "
نقلت نظرها بينه وبين شقيقته التي كانت تقف في صمت وقالت
ما أن استقر نظرها عليه مجدداً
" لكن ... لديا محاضرة بعد قليل "
قال بهدوء
" أعلم ولا تقلقي بشأن كل ذلك "
قالت تشد كمي كنزتها الصوفية الخفيفة المفتوحة
" سأجلب حقيبتي "
" ماريه "
وقفت ما أن وصلها وصوته واستدارت ناحيته فقال مبتسماً
" لا تأخذي معك جميع أغراضك فستكونين هنا خلال ساعات "
أومأت برأسها بحسناً وغادرت من هناك كالمنومة مغناطيسياً
لازالت لا تفهم ولا تستوعب شيئاً تتبعها نظراتهما حتى غادرت
الغرفة ونظرت حينها شقيقته له وقالت بحزن
" متأكد من أن ما تفعله هو الصواب يا شاهر ؟! "
تنهد نفساً عميقا ً يتذكر فقط الكلمات الأخيرة لذاك الرجل عن ظلم
النساء وهمس يحرك رأسه بشرود
" لا أعلم حقاً لكن التفكير في العواقب يجعلك تؤمن بأنه الحل
الوحيد "
نظرت له بحزن وما أن اجتازها ليخرج من هناك أمسكته من
ذراعه موقفة له وقالت محدقة في عينيه ما أن نظر لها
" شاهر ... أنت تبني حاجزاً جديداً بينك وبين ابنك بهذا ... ماذا
إن اكتشف الحقيقة ؟ "
أغمض عينيه لبرهة وكأنه يجبر نفسه على عدم التفكير في غير
ذلك وقال ما أن فتحهما ونظر لها
" لن يرضى بإبعادها عنه وإن أخذناها وأجبرناه ... هو من لم
يترك لنا حلاً غيره "
وغادر وتركها بينما تمتم هامساً وهو يجتاز الباب
" كسرتني بها يا مطر ولنرى ما ستدفعه ثمناً لذلك فالله لا أحد
أعدل منه "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, sweethoney and 59 others like this.
رد مع اقتباس
#12146
قديم 10-06-19, 10:00 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
لفت حجابها وثنته مثبتة إياه دون دبوس ورفعت هاتفها ونظرت
له تسرق نظرها جهة باب الغرفة وكأنها تحار في أيهما تختار
تتصل أم تذهب ! وختاماً قررت أنها ستفعل كليهما فدست الهاتف
في جيب سترتها الطويلة وغادرت الغرفة ونزلت السلالم مسرعة
وما أن وصلت باب المنزل وأمسكت بمقبصه أوقفها صوت التي
نادت من خلفها
" غسق !! "
فاستدارت نحوها بينما اقتربت تلك حتى وقفت أمامها وقالت
باستغراب
" أين تذهبين الآن وفي هذا الوقت يا غسق ؟! "
نظرت للخارج وحيث بدأت ظلمة الليل تزداد شدة قبل أن تنظر
لها مجدداً وهمست بابتسامة حزينة
" لزوجي عمتي "
فحدقت فيها باستغراب هامسة
" ألا ينتظر ذلك حتى الصباح ؟ "
ملأت الدموع عينيها وحركت رأسها بالنفي هامسة
" لا عمتي ولا دقيقة بعد "
أمسكت وجهها بيديها وقالت بحزن تنظر لعينيها الفاتنة
السابحة في الدموع
" شفا الله جراحك بنيتي "
حضنتها بقوة وهمست بحزن
" أحبه عمتي ولم أستطع تجاوز ذلك مهما حاولت وإن من أجل
نفسي قبل الغير "
مسحت يدها على رأسها وقالت وعيناها تمتلئ بالدموع أيضاً
" لا شيء بيدنا جميعنا سوى الدعاء من أجله ... جمع الله
شملكم أبناء شراع مجدداً "
وأبعدتها عنها من فورها وقالت تمسك يدها
" هيا اذهبي له يا غسق وتذكري أنه لولا الله ثم تضحيات
النساء ما نجحت حياة الأسر فهكذا خلقنا الله ..
تضحي الواحدة منا بسعادتها كاملة كي لا تُحرم من رؤية
ابتسامة طفل من أطفالها "
حضنتها مجدداً وفي صمت قبل أن تستدير وتخرج وركبت
سيارتها وغادرت من فورها .. وما أن اجتازت البوابة الخارجية
نظرت في المرآة الجانبية وتنهدت بضيق ما أن لمحت السيارتين
السوداوان اللتان تبعتاها وكم تحسد بسطاء الناس على حياتهم
فكم كانت من أمور ستتغير إن كانوا جميعهم منهم ...
همست مستغفره الله واستدارت بسيارتها جانباً وأوقفتها
ما أن علا رنين هاتفها بنغمة تعرفها جيداً وهي طريقة
تواصل خاصة بينها وبين ابن خالتها كانت تضمن أن لا تخضع
للمراقبة ، أخرجت الهاتف من جيب سترتها ونظرت لشاشته
وسرعان ما بدأت سبابتها بالتحرك عليها وأرسلت له
( أوقف كل شيء يا قائد وسنتحدث فيما بعد )
تعلم معنى إشارته تلك جيداً كما تعلم بأنها أغبى امرأة في الوجود
لكن الأمر يستحق أليس كذلك ؟ أليس هذا ما يقوله الجميع
وآخرهم الموجود بين أضلعها ؟ لامست يدها الأخرى جسدها
وحيث ينمو ذاك الجنين داخلها وأغمضت عينيها هامسة بحزن
" من أجلك بني ؟ .... لا بل من أجلي أيضاً "
واتكأت برأسها للأعلى على مسند كرسي السيارة وأغمضت
عينيها برفق فكل ما عاشته من تناقضات في مشاعرها الأيام
الماضية كان كالسراب بعد مكالمتهما الأخيرة والتي كان آخر ما
قاله فيها ولازالت تسمعه في أذنها حتى الآن
( سأنتظرك ليلة غد في غرفتنا يا غسق وسنتحدث ولن تنامي إلا
في حضني وراضية تماماً .. بل ولن تطلع شمس الصباح علينا إلا
وجراح كلينا قد شفيت بالكامل )
وها هي تضعف مجدداً .. تستسلم وترضخ لتنازلاته بتقديم
المبررات والتوضيح كما يريد .. وها هي أيضاً ستفتح الجروح
النازفة علها تداويها .. تعطيه الفرصة مجدداً لعله لا يخذلها من
جديد وستتركه يشرح ويبرر ما كانت جل ما تخشاه أن يزيد
جرحها ألماً .
" سيدتي هل الأمور جميعها بخير ؟ "
فتحت عينيها واستوت في جلوسها ومدت يدها للأمام تدير مفتاح
السيارة لتشغيلها مجدداً هامسة للواقف قرب نافذتها
" بخير "
وتحركت مجدداً ولم تتوقف سيارتها هذه المرة إلا وهي أمام باب
المنزل الذي اجتازت بوابة سوره التي فتحت لها ما أن وصلتها ،
نزلت منها وصعدت عتبات السلم بخطوات سريعة حتى كانت في
الداخل وسألت الخادمة التي كانت واقفة تنظر لها باستغراب
" مطر هنا ؟ "
قالت بعد صمت برهة
" لا سيدتي هو لم يرجع منذ غادر صباحاً "
تحركت حينها نحو السلالم المحاذي للباب وصعدته ولم تتوقف
حتى كانت أمام باب غرفتهما .. فتحت حقيبتها وأخرجت المفتاح
منها وغرسته في قفله وفتحته فوراً ودخلت تعيده للحقيبة
وأخرجت هاتفها فهو أخبرها بأنه سيكون في مدن ثنان اليوم
ومؤكد أصبح هنا في العاصمة الآن .. اتصلت به وغضنت جبينها
باستغراب ما أن سمعت الصوت الرجولي الذي أجابها والذي لم
يكن صوته
" مرحباً سيدتي "
أبعدت الهاتف عن أذنها ونظرت لشاشته وكأنها تتأكد من أنه
رقمه بالفعل ! لكن لم يكن سابقاً ثمة ضوابط أمنية على رقمه هذا
لأنه يخص عائلته والمقربين منه !! أعادت الهاتف لاذنها وقالت
" أين هو مطر وما به ! "
قال من في الطرف الآخر سريعاً
" لا شيء سيدتي هو بخير اطمئني "
قالت والاستغراب لم يغادر ملامحها بعد كما صوتها
" لما تجيب أنت على هاتفه إذاً ولا تحول المكالمة له مباشرة
كالعادة ؟ "
قال سريعاً وباحترام
" السيد مطر مسافر سيدتي وألغى جميع اتصالاته ولا يمكننا
إيصالك به "
نظرت للفراغ بشرود وحيرة فأين سيكون سافر وهو لم يخبرها
عن ذلك ضمن مخططه بالأمس حين سألته ! بل أكد لها بأنه
سيكون هنا في انتظارها !! بل ونشرات الأخبار لم تتحدث عن
شيء مماثل فأمثاله يُعلن عن جميع تحركاتهم الخارجية مسبقاً !!
همست بريبة
" ولما لا يستقبل أي اتصالات ويترك هواتفه هنا !! أين سافر
تحديداً ؟ "
" لا يمكنني ذكر ذلك لك سيدتي فالأوامر تمنعني "
شعرت بقبضة قوية أطبقت على قلبها وقالت بصعوبة
" أي أوامر هذه التي تمنعك وأنا زوجته ؟ "
" آسف سيدتي فالأوامر لم تستثني أحداً "
قالت بضيق وإن كان يناقض ما يحدث داخلها
" أنا لم أطلب منك إيصالي به بل أين يكون فما في الأمر
إن علمت ! "
وصلها صوته سريعاً
" الموضوع سري للغاية سيدتي ولا يمكنني إعطاء أي
معلومات لك ... الأمر ليس بيدي ولست سوى عبد مأمور
سيدتي فاعذريني "
أغلقت الخط ونظرت حولها بشرود وكأنها انفصلت عن العالم
تماماً تبحث عن طريقها في مكان مظلم لا ترى معه شيئاً !
وتعالت ضربات قلبها بشكل موجع فما معنى أن يغادر البلاد لمكان
ما وفي سرية تامة وعن الجميع غير أن يكون سافر للبلاد التي
كان يعيش فيها سابقاً ! لكن ماذا بشأن حديثه البارحة وانتظاره
لها هنا الليلة ؟ انهارت جالسة على طرف السرير خلفها ومررت
يدها ببطء على صدرها الذي اضطربت أنفاسه بانفعال قوي
وهمست بكلمات متأنية من بينها
" مطر لا تفعلها بي مجدداً أرجوك "
وقفت ومسحت عينيها وأنفها بظهر كفها ونظرت جهة درج
طاولة السرير وفتحته بسرعة وأخرجت الهاتف الذي لازال في
مكانه فيه وبيدين مرتجفة فتحته وفتشت فيه .. لم يكن ثمة اتصال
من تلك المرأة وذاك ما أنقذها قليلاً من الوصول لحالة الإنهيار ..
لكن المفاجأة كانت في انتظارها حين فتحت أيقونة الرسائل
ووجدت رسالة وصلته قبل ساعات من رقم مدون فيها تحت
رموز أيضاً ففتحتها بأصابع مرتجفة وعينان غاصت سريعاً في
بحر من الدموع حتى أنها بالكاد استطاعت قراءة أحرفها
( مطر غيسانة حاولت الانتحار وهي في حالة سيئة الآن ..
تعال فوراً وخلصني من نسائك ومشاكلهن )
فرمته بطول يدها صارخة ببكاء
" لا ليس مجدداً ... ليس هي "
وانهارت جالسة حيث كانت تنظر من بين دموعها لحطام الهاتف
الذي ازلق تحت طاولة التزيين وبالكاد يُرى من تحتها وأمسكت
فمها وعبرتها قبل أن تضرب بيدها على فخذيها صارخة ببكاء
" حمقاء ... صدقته مجدداً ووثقت به يا حمقاء "
كانت تضرب فخذيها بقوة وتبكي وتصرخ بهستريا
" لا ليس هي ... ليس مجدداً ... لا تقتلني بها يا مطر "
وأمسكت فمها وبكائها الموجع تفكر في الموجودان في الأسفل
ووقفت بعدها وغادرت الغرفة تسحب خطواتها سحباً مستندة
بيدها على الجدار بينما تمسح يدها الأخرى دموعها التي ترفض
التوقف قبل أن تنزل بها لجسدها بل لرحمها حيث كانت تكاد تفقد
قدرتها على الاتزان بسبب التقلصات القوية فيه ونزلت بجسدها
على الجدار ببطء حتى جلست على عتبات السلم وانكمشت على
نفسها تمسك خصرها بقوة هامسة ببكاء
" لا تتخلى عني بني أرجوك ... لا تفعلها أنت أيضاً "
ورفعت نظراتها المشوشة سريعاً بالتي ظهرت منتصف السلالم
تمسك ظرفاً ورقيا في يدها والتي نظرت لها بصدمة قبل أن
تركض نحوها وجلست أمامها قائلة
" سيدتي هل أنت بخير ؟ "
أخرجت إحدى يديها ومسحت بها عينيها وحاولت الوقوف هامسة
" بخير "
" لكن سيد.... "
قاطعتها تحاول الوقوف على طولها هامسة بصعوبة
" ساعديني لأصل لغرفتي في الأسفل ولا تخبري أحداً عن
وجودي هنا "
ساعدتها لتنزل عتبات السلم حتى أصبحت في الأسفل ثم سارت
وحدها مبتعدة عنها فنظرت للمغلف بين يديها ثم لها وهي تختفي
عنها خلف الممر وتحركت من مكانها بعد لحظات تفكير ولحقت
بها ودخلت الغرفة التي تركتها خلفها مفتوحة واقتربت منها حيث
تجلس على السرير رافعة رأسها للأعلى وعيناها مغمضتان
وقالت
" سيدتي هل أحضر لك شيئاً ؟ هل نطلب الطبيب ؟ "
فهمست بصعوبة وهمس بالكاد سمعته
" لا .. سأكون بخير فعليا المغادرة من هنا "
نظرت لها باستغراب ثم للمغلف في يدها قبل أن تنظر لها وحزمت
أمرها قائلة
" سيدتي أنت طلبت سابقاً أن نعطيك أي طرد يصل من لندن وهذا
وصل من فترة قريبة ولا عنوان عليه ولم نعطه لأحد
وأنت كنتـ .... "
فتحت عينيها ومدت يدها لها هامسة ببحة
" أعطني إياه "
مدته لها وقالت بتوجس وتوتر
" سيدتي لا تخبري السيد مطر بأني من أعطاك إياه فأنا طلبت من
الحرس أن لا يخبروه عنه لنعطيه لك "
حركت لها رأسها دون أن تتحدث وأخذته منها بينما غادرت تلك
من فورها مغلقة الباب خلفها .. نظرت له بين يديها قبل أن ترفع
أصابعها المرتجفة لطرفه تمزفه ببطء دموعها عادت تسقي
رموشها بنهم وقلبها يخبرها بأن المزيد ها هنا .
*
*
*
دفع الباب الذي كانت تحاول إغلاقه حتى عبر نصف جسده منه
وقال يدفعه أكثر
" توقفي عن الجنون يا حفيدة الخماصية واتركيني أدخل "
لكن محاولاتها المستميتة لإغلاقه لم تتوقف وإن كان نصف جسده
أصبح يمنع ذلك وقالت من بين أسنانها تدفعه على جسده متعمدة
" قلت بأني لا أريد رؤية أحد ولا التحدث معك .. غادر الآن "
لكنه كان أكثر عناداً وإصراراً منها وبدفعة قوية جعلها تتراجع
للخلف وقال يضرب الباب على اتساعه
" جبانة ... لما تغضبك بدينة تافهة مثلها ؟ "
أشارت بإصبعها صارخة
" لا علاقة لك واخرج من غرفتي فوراً "
فابتسم بسخرية وقال
" جميل ... ما هذا الذي قالته لك أغضبك هكذا ؟ بل وجعلك
سجيبة غرفتك منذ الأمس؟! "
" لا علاقة لك "
قالتها بحدة تنظر له بقوة فرفع يده ولوح بالأوراق فيها أمام
وجهها مما جعل خصلات شعرها القصيرة تتطاير حوله وقال
وذات الابتسامة الساخرة تزين شفتيه
" إذاً ثمة علاقة لك بهذه "
نظرت لها في يده بتفكير قليلاً قبل أن تمد يدها لتأخذها فأبعدها
عنها بسرعة خاطفة وقال
" لا ليس هكذا بسهولة "
فشدت قبضتها بقوة وقالت بحنق
" ظننت بأنني قدمت المقابل سلفاً "
نظر لها في يده بتفكير وقال
" معك حق في هذا "
وتابع ناظراّ لعينيها وعلى شفتيه ذات الابتسامة التي تجعلك
ترغب في تمزيقه بأسنانك
" لكن ثمة أمر آخر مهم "
وقلبها لينزلق منها في يده الأخرى قرص صغير ورفعه بأصابعه
أمام وجهها وقال بابتسامة ماكرة
" ألا يعنيك هذا ؟ "
فنظرت له ببرود تخفي انفعالها الحقيقي بسبب ذلك وقالت
" إن كان المقابل أن تعلم سر اختفاء خالي فلا أعلم أكثر مما
أخبرتك .. وإن كان ما قالته زوجة شقيقك ذاك فلا شيء مهم
أتحفك به "
ضحك كثيراً رافعاً رأسه للأعلى حتى تحولت نظرتها له
للاستغراب فما الذي قالته يدعي كل هذا الضحك ! نظر لها ما
انتهت نوبة ضحكه تلك وقال بابتسامة جانبية يحرك القرص
بجانب وجهه
" بل ما أريد معرفته هو ما علمه وقاص "
نظرت له باستغراب هو أقرب للاستهجان فقال بتفكير
" أفهم من نظرتك هذه بأنك لا تعلمين ؟ "
فرمقته ببرود متمتمة
" وأفهم من سؤالك هذا بأنك أنت تعلم ؟ "
تنفس بعمق وقال ببرود مماثل
" لو كنت أعلم ما سألتك "
فتأففت وقالت بسخط
" وما يدريني أنا وأنا لا أراه ولا أتحدث معه "
فانفتح فمه رافعاً رأسه قليلاً وقال
" آه تشاجرتما إذاً ؟ فهمت الآن "
نظرت له بضيق وقالت تشد قبضتيها بجانب جسدها بقوة
" ماذا فهمت ؟ "
مد لها الأوراق والقرص معها وقال
" لا تهتمي كثيراً ... والآن خذيها لأنك تستحقينها بالفعل
يا حليفتي "
وأطلق ضحكة عالية وهو يغادر الغرفة وتركها تحدق في مكانه
باستغراب فما هذا الذي فعلته يستحق وماذا كان يقصد بما علمه
شقيقه وهي تعلمه !!
تأففت وضربت باب الغرفة بقوة فما الذي يعنيها من كل ذلك ؟
نظرت للأوراق في يدها والتي سلمها إياها حسب اتفاقهما
المتبادل كما يسميه وبطلب منها فيما يخص أسهمها في شركتهم
والتي كان هو من أخبرها عنها سابقاً ... وابتسمت ابتسامة لا
تعبر سوى عن الحقد والتعطش للانتقام .. أخرجت من بينها
القرص الذي لا تفهم ما غرضه منه ولا تهتم فكل ما تعلمه
ويعنيها بأنه أصبح بإمكانها فتح حاسوب ذاك العجوز والذي
يطمئن لتركه في مكتبه بعض الأحيان وستبدأ لعبتها الحقيقية التي
ماطلت فيها كثيراً ولم تكن تتخيل بأن شبيه الرجال ذاك هو من
سيساعدها فيها ! .
توجهت جهة الخزانة وفتحت بابها بقوة ووضعتها فيها وأخرجت
الورقة الملفوفة الناعمة وفتحتها والتي تكاد تكون كقطعة قماش
بيضاء كبيرة تزينها خطوط سوداء في تقاسيم وأشكال غير
مفهومة سوى لمن رسمتها تحديداً ، رفعتها بكلتا يديها لمستوى
وجهها ومزقتها بقوة مصدرة صوتاً واضحاً يدمج تمزق القماش
والورق ... ولم تكتفي بذلك فقط بل مزقت كل شق فيها أيضاً
وكل قطعة تمزقها ترفعها وتعاود تمزيقها متمتمة بغضب
" أليست هذه هي مهمتي الأساسية هنا ؟ للجحيم إذاً ولن
أنفذ سوى مهامي التي دخلت أنا من أجلها "
رمت آخر قصاصات من يديها على الأرض حيث امتلأت بأشلاء
تلك الورقة الممزقة ونظرت لخزانتها مجدداً وأخرجت الأوراق
تنظر لها بين يديها وابتسمت بانتصار .. وما أن خطت خطوتين
بعيداً عن تلك الخزانة وقفت متسمرة مكانها بسبب باب الغرفة
الذي فتح فجأة وبسرعة جعلتها تجفل بصدمة تنظر للذي لم يفعلها
سابقاً هكذا ودون أن يطرقه ! ولم يكن سوى وقاص .... والذي
زاد على ذلك أن أغلقه ضارباً إياه بقوة وهو من لم يفعلها من
قبل أيضاً ..! بل وما جعل عيناها تتسعان بصدمة هو إغلاقه للباب
بالمفتاح الذي نزعه من مكانه ورماه بطول يده جانباً لينزلق تحت
باب الحمام المغلق ونظر لها ويده لازالت ممدودة جانباً بعدما
طارت تلك القطعة المعدنية الرنانة منها .
*
*
*
دس يديه في جيبي بنطلون بذلته السوداء وتأفف نفساً طويلاً
ينظر للفراغ فقال الواقف أمامه
" علينا أن نجد حلاً سريعاً لهذا سيد قاسم وقبل المؤتمر الجامع
والمقرر ودون الاستعانة بالزعيم مطر هذه المرة فلا وقت أمامنا
ولا يمكننا الاتصال به "
نظر حوله مفكراً قبل أن ينظر للواقف أمامه وأمسك كتفه بيده
قائلا "
لنتحرك إذاً فلا وقت أمامنا والتأخير ليس في صالحنا ولا في
صالح الجميع "
أشار له ذاك برأسه مشجعاً بابتسامة رجولية واثقة فرد له
الاشارة بمثيلتها وإن لم تحمل كل تلك الثقة التي طمأن بها ذاك
نفسه ، وما أن استدار جهة الباب وقف مكانه لأنه انفتح فجأة بل
وبقوة بينما قال الذي لا زال يمسك مقبضه بيده
" كارثة يا قاسم "
فشحبت ملامحه ينظر للذي يعلم جيداً بأنه لن يقول تلك العبارة
عبثاً أو لأمر لا أهمية له وهمس ونظراته الوجلة تلتهم تلك
الملامح المتصلبة
" ماذا حدث يا عمير ؟ "
لكن ذاك ترك مقبض الباب بحركة عنيفة وغادر فلحق به مسرعاً
وخرج خلفه ينظر له وهو يعبر الرواق الطويل يناديه بينما تابع
ذاك طريقه قائلاً بصوت غاضب يُخرج من جيب سترته هاتفه
الذي علا رنينه
" مصيبة حدثت أمام أعيننا ولن يسامحنا مطر عليها أبدا ً "
فأسرع خلفه بنظرات وجلة ودس يده في جيبه يخرج هاتفه الذي
علا رنينه أيضاً ونظر لإسمها فيه فنقل نظره منه للذي لازال
يسير أمامه ويتحدث في هاتفه صارخاً بغضب لم يركز ولا فيما
كان يقول ولم يستطع تجاهل اتصالها ذاك فالتجربة علمته .. فتح
الخط ونظره على الذي نزل السلالم مسرعاً دون حتى أن يستعين
بالمصعد ! بينما لم يترك له صوتها الباكي مجالاً لتقرير وجهته ما
أن وصله قائلة
" قاسم تعالى أرجوك بسرعة "
لتتجه خطواته الراكضة حيث غادر ذاك أمامه ونزل عتبات
السلالم بسرعة قائلاً
" ما بك تيما ماذا...."
لكنها لم تترك له مجالاً لينهي حديثه أيضاً متابعة ببكاء
" الشرطة هنا ولا أعلم ما أقول لهم ... تعالى قاسم أرجوك "
فصرخ يجتاز الموجودين في صالة الطابق الأرضي راكضاً
" أين أنت يا تيما ؟ "
واتسعت عيناه بصدمة أشد وهو يجتاز باب القصر الرئاسي حين
قالت ببكاء
" في المستشفى .... تعالى بسرعة قاسم أرجوك "
*
*
*
لامارا, الغزال الشارد, sweethoney and 58 others like this.
رد مع اقتباس
#12147
قديم 10-06-19, 10:05 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
ضمت يديها قرب شفتيها تتمتم بكلمات باكية هي نفسها لم تعد
تفهمها تصل للباب وترجع نحو الداخل كالضائعة لم تعد تعلم ما
يمكنها فعله فأن تتجاوز الساعة الحادية عشرة فالأمر لم يعد
مطمئناً مطلقاً فهو لم يسبق له أن تأخر حتى هذا الوقت فما أن
تغيب الشمس حتى يصبح هنا ولم يكن يتركها ليلاً لوحدها ! بل
وأعماله في المزرعة تنتهي ذاك الوقت أيضاً وكم تخشى من
مغبة اقتنائه لتلك السيارة الجديدة التي لا يمتلكها هنا سوى كبار
عائلة غيلوان وأمثالهم فقد يحاول أحدهم حتى قتله ليسرقها.
وعند تلك الفكرة جن جنونها فأن تفقده معناه أن تفقد كل شيء
بالنسبة لها وليس الأمان والمعيل فقط تعني بل والرجل الوحيد
الذي اضطربت له ضربات قلبها وتعلقت به لأسباب لم تعد للأمور
المادية ولا المعنوية علاقة بها فكل ما تريده أن يكون قربها وإن
لم يوفر لها من كل هذا شيئاً .. فكانت من الجنون لحظتها أن
وضعت حجابها على رأسها وفتحت باب المنزل وخرجت منه
فغيابه لن يكون بدون سبب .. تعرفه جيداً لا يفعلها ولن تجد
جواباً عن كل هذا سوى لدى شخص واحد وإن طردها أو صرخ
في وجهها بل وإن ضربها فلن تتراجع ولن تتركه حتى يعلم لها
أين يكون فهو يملك هاتفاً على الأقل ... منذ المغيب وهي تُصبر
نفسها وتقنعها بالتريث لكن تعاقب الساعات الواحدة تلو الأخرى
جعلها تستمع لشيء ما ليس عقلها ولا حتى قلبها بل ما فاقهما
جنوناً يحثها على الركض وسط المزارع أيضاً للبحث عنه .. لكن
وجهتها كانت أقرب من ذلك وهي تدور حول المنزل الواسع لتصل
لجانبه الآخر وللباب الحديدي الأفضل حالاً من ذاك الذي تركته
خلفها وأوله طلاءه الأسود الجديد وبدأت بالطرق عليه بكف يدها
في ضربات تزداد قوة وارتفاعاً بالتدريج كلما شعرت باليأس من
أن يجيب عليها أحد أو يخرج لها ولم تتمنى حياتها أن ترى وجه
أويس غيلوان أمامها كما اليوم والآن فهو خيارها الوحيد
وستفعلها وتترجاه هذه المرة ليبحث عنه ويطمئنها عليه قبل أن
تفقد عقلها وقلبها معه .
أبعدت يدها وتعلقت نظراتها الباكية بالباب ما أن سمعت قفله يفتح
من الداخل .. نظرات تغلب عليها الأمل الكسير أكثر من التردد
والرهبة وهي تنتظر أن ترى عيني ذاك الرجل الغاضبة أمامها
الآن وتلك النظرة التي لا يخص غيرها بها .. لكن أيا من ذلك لم
يحدث والباب يفتح ببطء لكنه توقف فجأة أيضاً ولم يفتح على
اتساعه ! وحدقت باستغراب بل بصدمة في شقه المفتوح ما أن
خرج من خلفه صوت امرأة منخفضاً هادئاً بلمحة حزن واضحة
" من هنا ؟ "
فملأت الدموع عينيها وأمسكت فمها بيدها ما أن اكتشفت من
تكون تلك .. ومن ستكون غيرها ؟ هذه آخر امرأة في الوجود
تتمنى رؤيتها فإن كانت تتألم حد الموت ما أن ترى عينا إبنها
المتألم والذي يعبر عن كل ذاك الألم بالغضب والحقد ما أن يراها
فكيف بهذه المرأة ...؟
" من هنا ...!! "
خرج لها صوتها مجدداً فمسحت عينيها بقوة وما أن كانت
ستتحدث قالت الواقفة خلف الباب
" إن كنت قادم من أجل أويس فهو ليس هنا "
فاتسعت عيناها بذعر فها قد فقدت أملها الوحيد والشخص الذي
قد تلجأ له لمساعدتها في معرفة مكانه أو على الأقل إن كان
بخير ... خرج صوتها المبحوح حينها
" وأين أجده يا خالة ؟ "
كانت تريد معرفة إن حدث شيء ما على الأقل لتعلم أين سيكون
يمان خاصة إن كان ابنها هنا في أباجير لكن صمت الواقفة خلف
الباب طال كثيراً ولن تلومها في هذا فهي ما كانت لتتوقع قطعاً أن
تأتي امرأة للسؤال عنه خاصة في مثل هذه القرى الريفية ... فأن
تسأل امرأة عن رجل في منزله يعد أمراً غريباً وإن رآها أحد فلن
ترحمها الألسن فماذا إن كان في وضع مثل وضعها ؟ .
" من أنت ؟! "
كان ذاك السؤال ما توقعت أن يخرج لها من خلف الباب
الحديدي .. وإن كانت صاحبته تبصر لكانت أخرجت رأسها
لتراها بالتأكيد ، وكم كانت الإجابة شديدة على نفسها فماذا ستقول
وبماذا تجيب ؟ فركت قبضتيها ببعض وتوترت شفتيها قبل أن
تقول
" أريده في أمر مهم يا خالة .. هل هو هنا في أباجير ؟ "
وشعرت بضربات قلبها تضطرب وهي تنتظر جوابها رغم تجاهلها
المتعمد لسؤالها ذاك فجل ما كانت تخشاه أن لا يكون هنا فمن
ستلجأ له حينها ؟ انتظرت بتوتر لكن الجواب كان مخالفاً لجميع
ظنونها حين قالت التي لازالت تتوارى عنها خلف الباب
الشبه مغلق
" من أنت ؟ "
فتنفست بعمق ونظرت للظلام حولها وحضنت نفسها لا شعورياً
وشعرت بالخوف يتسلل لقلبها وهذه المرأة تبدو مصممة على
معرفة من تكون هذه التي تسأل عن ابنها في هذا الوقت من الليل
.. لكنه محامٍ أيضاً ويفترض أن لا تستغرب هذا أم التوقيت
السبب !! نظرت للباب مجدداً ورطبت شفتيها بطرف لسانها
وتنفست بعمق قبل أن تقول بصوت منخفض حزين
" أنا مايرين "
وأمسكت يدها بقلبها لا شعورياً ما أن كان الصمت المميت ردة
الفعل الأولى للواقفة خلف الباب وملأت الدموع عينيها فهي تتفهم
وضعها ذاك وما شعرت وتشعر به وموقنة تماماً بل ومؤمنة بأنها
أكثر ما يجعلها وابنها يشعران بالألم وبجرح الماضي الأليم
وبمأساتهما التي كانت هي إحدى نتائجها التي لم تختفي كما حدث
مع والدتها والرجل الذي اتهم بهما ... لكن ما ذنبها هي ؟ فيما
أجرمت وهي التي لم تختر مصيرها حتى إن كانت ابنته فعلاً فكيف
وهما يصران على براءته ؟ أول ما توقعته حينها بل وأهونه أن
يُغلق ذاك الباب الحديدي في وجهها بقوة لكن أيا من ذلك لم
يحدث وهي تحدق بصدمة في شق الباب الذي اتسع قليلاً وخرج
منه ذاك الصوت الحنون المفعم بالحزن والعاطفة
" تفضلي ادخلي يا مايرين "
وامتلأت عيناها بالدموع سريعاً بل وانسابت تسقي وجنتيها فهي
لم تكن تخشى من رؤية ما تراه في عيني ابنها فيها بل كانت
تخشى العكس وأن تقتلها بمعاملتها بالطيب وها هو ما كانت
تخشاه وتستبعده ذات الوقت حدث ! وكم تمنت لحظتها أنّ قدماها
لم تقتربا من هذا الباب فأن تعيش حياتها تظنها تكرهها كإبنها
كان أرحم مئة مرة على قلبها من هذا بالرغم من تمنيها ودائماً
أن راعى الجميع وأولهم هذه العائلة وضعها وبأنه لا ذنب لها
فيما حدث .. وإن كانت تمنت الموت سابقاً وعلى مرور كل تلك
الأعوام فهي تمنته مضاعفاً لحظتها وهي تسمع تلك النبرة
الحنونة المتفهمة من شخص آخر غير فجر من أهل بلدتها تلك
فكيف أن تكون من هذه المرأة تحديداً ؟
حضنت نفسها وقالت بحزن
" لا يمكنني الدخول يا خالة ولا البقاء هنا .. زوجي غادر منذ
الصباح الباكر ويفترض أن يرجع للمنزل وقت مغيب الشمس
لكنه لم يأتي حتى الآن ولا أحد لي غير ابنك هنا يبحث لي عنه
أو يخبرني خبراً يخصه "
قالت تلك من فورها وإن لم تخرج لها بل وبنبرة قلق
" وأويس غادر بعد أن طرق أحدهم باب المنزل وخرج له
وقت المغرب ولم يرجع حتى الآن "
فازداد بذلك خوفها بل وظنونها ومخاوفها بأن ما تخشاه سيكون
وقع ورفعت أناملها لشفتيها هامسة ببكاء
" يا إلهي أين سأجده الآن "
قالت الواقفة خلف الباب تطمئنها
" قد يكون في مكان ما قريب من هنا يا مايرين وسيرجع في
أي وقت "
لكن ذلك لم يخفف من خوفها وقلقها عليه شيئاً وقالت ببكاء تغلب
على صوتها أيضاً
" هو لم يفعلها سابقاً ولا يتركني وحيدة ليلاً هكذا ودون أن
يخبرني ! أنا قلقة عليه يا خالة ولا أحد لي "
خرج لها صوتها مجدداً
" ثمة عجوز يعيش هنا في مزارعنا ويمكنك الإستعانة
به وسيساعدك "
اتسعت عيناها الدامعة وقالت بوجل
" عجوز ؟! لا يا خالة لا أستطيع سيغضب يمان و... "
فقاطعتها تلك سريعاً
" هو من الجنوب هنا وأويس يوصيه عليا حين يبات في حوران
ويثق فيه كثيراً وسيبحث لك عنه أو يعلم خبره "
مسحت عيناها ودموعها بقوة وقالت
" وكيف سأجده وسط المزارع المظلمة ؟
لا يمكنني الابتعاد عن هنا "
قالت من فورها
" ثمة طريقة علمني أويس إياها لأصل له إن لزم الأمر فاتبعيها
وستجدي نفسك أمام غرفته بما أنك ترفضين الدخول وانتظار
أويس حتى يأتي "
حركت رأسها بالنفي وكأن عقلها الباطن يرفض الفكرة فلن تتوقع
سوى أن يقتلها إن وجدها في منزله وإن كانت والدته من
أدخلها ... نظرت للظلام الواسع خلفها قبل أن تنظر للباب
مجدداً وقالت بصوت متردد ضعيف
" و.... وكيف أصل له "
خرج لها صوتها سريعاً
" من أمام الباب هنا تسيرين في اتجاه مستقيم مئة خطوة ولن
تجدي أي شجرة في طريقك وعند المئة ستكون على يمينك تماماً
شجرة فستق كبيرة تسيرين يساراً خمس وعشرون خطوة ستكون
أمامك حينها شجرة فستق أخرى تتركينها على يمينك وتسيرين
خمسون خطوة أخرى تجدي نفسك أمام سور صغير يمينه باب
حديدي هو باب غرفته سيساعدك ويبحث لك عنه وأنت ارجعي
هنا بذات الطريقة واذهبي لمنزلك لا تبقي وحيدة في
المزارع ليلاً "
حركت رأسها بحسناً وكأنها تراها وتحركت من فورها حيث قالت
تسير وتحسب خطواتها وتمسح دموعها ذات الوقت بينما نظراتها
تجول حولها كل حين تراقب أشباح الأشجار في ليلة هجرها حتى
ضوء القمر تشعر بأنها والمرأة التي تركتها خلفها سواء لا شيء
تسير فيه سوى السواد الشبه تام شفتاها المرتجفة تحسب الرقم
تلو الآخر قبل أن تقف متسمرة عند العدد لا تعلم كم يكون تنظر
يساراً حيث الضوء الباهت البعيد وسط ذاك الظلام الموحش
وغضنت جبينها باستغراب فهذا ليس ضوء سيارة فما سيكون !!
تحركت خطواتها ببطء في ذاك الاتجاه تسير بخطوات حذرة خافتة
تراقب خيال الرجل الذي بدأ يتضح لها شيئاً فشيئاً وبقعة الضوء
الصغيرة المنبعثة منه وما يبدو أنه ضوء هاتف محمول !
اختبأت خلف أبعد شجرة عنه وحيث كان ذاك الخيال البعيد مولياً
ظهره لها ... يمان لا يملك هاتفاً فهل سيكون هذا أحد العمال ؟
لكن ما الذي يفعله في الليل هنا ومنازلهم بعيدة ؟! كانت تراقبه
بعينين وجلة فضولية ذات الوقت قبل أن تقفز في مكانها تكتم
صرختها بيدها ما أن شعرت بشيء ما قفز على وجهها رمته
بيدها الأخرى ويبدو لم يكن سوى جرد ليل لكن مع خوفها فقدت
السيطرة على نفسها .
اتسعت عيناها بذهول ما أن استدار ذاك الخيال ناحيتها ومؤكد
حركتها القوية تلك السبب وها قد شعر بوجودها وانقلبت الأدوار
وباتت هي المراقبة منه .. بل والأسوأ من ذلك أن ذاك الخيال
والضوء الصغير معه سارا باتجاهها مما جعلها تجفل راكضة في
الاتجاه الآخر بل وخطواتها تلك ازدادت سرعة واتساعاً ما أن
سمعت صوت ركض تلك الخطوات خلفها تشعر بذعر لم تعرفه
حياتها وتمنت أن لم تعتب قدمها خارج باب المنزل .. لكن الندم
فات أوانه الآن وهي لا تعرف ولا هوية مطاردها ذاك .. بل وبأن
خطواتها الراكضة تلك توجهت بها نحو أراضي شعيب غيلوان
وأشقائه .
*
*
*
فتحت باب الغرفة بهدوء ودخلت ليقع نظرها على الجالسة
منكمشة فوق الأريكة بينما نظرها يهيم بحزن في الخارج تتكئ
بطرف جبينها على زجاج النافذة فتنهدت بيأس تحرك رأسها
واقتربت منها قائلة
" زهور حتى متى ستستمر هذه الحالة معك ! "
رفعت حينها يدها ومسحت عينيها تعدل من جلوسها ولم تعلق كما
لم ترفع نظرها بها فتنهدت مجدداً وقالت
" زهور لو كنتِ رفضته لكان أفضل لك من إجبار نفسك عليه
وأنت لا تريدينه "
فحركت رأسها برفض دون أن تتحدث فتنهدت الواقفة فوقها
بضيق قائلة
" لم أفهم معنى جوابك هذا فكلمة لا تحمل أحياناً المعنيان معاً
يا زهور ! "
همست حينها ببحة ترفع خصلات شعرها القصير خلف أذنيها
" أعني لم اجبر نفسي أمي "
فحدقت فيها باستغراب وقالت تنظر لرأسها المنكس للأسفل
" ماذا بك إذاً هذا حالك ووضعك منذ يوم عقد قرانكما ؟
! هل تشاجرتما ؟ "
حركت رأسها مجدداً هامسة
" لا أمي "
وما أن كانت ستتحدث سبقتها قائلة بعبرة مخنوقة وقد رفعت
رأسها ونظرها بها
" كم هو مؤسف وضع والدته أمي "
تنهدت بحزن وقالت
" والأكثر أسفاً وحزناً هو حكايتها التي تسببت بما هي فيه الآن "
نظرت لها باستغراب وقالت
" حكايتها السبب !! "
قالت التي حركت رأسها بتنهيدة عميقة حزينة
" أجل فهي فقدت بصرها حزناٌ وبكاءً على فراق زوجها رحمه الله
.. بل وحياتها وابنها تبدلت للسواد والحزن منذ ذاك الحين "
نزلت دموعها وأخفضت رأسها تمسك عبرتها بيدها فجلست
والدتها بجوارها وأمسكت بكتفها قائلة
" ما عليك فعله الآن ليس البكاء ولا الشفقة على وضعها بل أن
تكوني الزوجة الصالحة له وأن تقومي بمهامه ناحية والدته فهو
كان يغسل حتى ثيابها بنفسه وقبِل بالحياة في الجنوب من أجلها
وأنت من سيشاركه كل ذلك يا زهور "
لم تستطع قول شيء سوى أن حركت رأسها إيجاباً تمسح
دموعها ولم ترفع رأسها فمسحت يد والدتها على ظهرها قبل أن
تتنهد قائلة
"كم عانى ذاك الشاب حتى أنه سيخسر وظيفته كأستاذ بجامعته "
رفعت رأسها ونظرت لها بعينين مجهدة من كثرة البكاء
وهمست باستغراب
" يخسر عمله !! "
أومأت برأسها إيجاباً وقالت بحزن
" أجل هذا ما فهمته من والدك عبدالرحمن فثمة من قام بنشر
قصة والده في الجامعة وسرعان ما أصبح الخبر على
جميع الألسن "
حدقت فيها بعينين متسعة قد ملأتها الدموع مجدداً بينما
تابعت هي باستياء
" وأولئك المتحجرين قالو بأنه لا يليق بهم أن يكون أستاذاً ويقوم
بتدريس طلبة لديهم بسبب ماضي والده وما بات يقال عنه ...
يتشدقون بعبارة سمعة الجامعة وينسون أنفسهم ! "
وضربت كفيها ببعضهما تجمعهما أمام شفتيها وقالت بحسرة
وحزن تنظر للفراغ
" سيخسر ذاك الشاب أي وظيفة مماثلة بسبب هذا .. بل وحتى
القضايا التي توكل له كمحامٍ ... لو أعلم فقط من هذا الذي فعل
تلك الجريمة الشنعاء وأخرج القصة من مقابر الجنوب وأوصلها
هنا ! فلم يكن يعلم عنها أحد والناس هناك بدأت تنساها مع مرور
الأعوام ... لقد دمروا مستقبله كمحامٍ وأضاعوا سنوات دراسته
وعمله "
فلم تستطع منع دموعها من التسابق على وجنتيها وقالت
بصعوبة
" فقد كل شيء أمي ؟! "
نظرت لها وقالت بحزن
" هذا ما نراه نحن ..هو لا يرى سوى بأنه ثمة من أجرم في حق
والده ووالدته وهو ينشر قصتهما لتكون في أفواه الجميع
ويكسره ذلك أكثر من كل ما فقده "
ووقفت وقالت تمسح على خصلات شعرها القصير الناعم
" وعليك يقع حمل تخفيف ذلك عنه فوالدته قالت بأنه كان يرفض
الزواج نهائياً ومنذ أعوام حتى التقاك وأحبك ... عوضيه بنيتي
عن كل ما قاساه ويعانيه وكوني بجانبه في محنته فهو قوي
وسيجتازها إن كنت معه وهو يحتاجك الآن أكثر من أي وقت "
وغادرت الغرفة مغلقة الباب خلفها وتركتها في ألم أقسى مما
كانت فيه وهي تحضن رأسها بيديها تنكسه للأسفل وفي ببكاء
مستمر قطعه صوت رنين هاتفها الملح فرفعت رأسها ونظرت
لاسمه على شاشته من بين دموعها فارتسمت ابتسامة حزينة
على شفتيها المشبعة بالدموع فهذه المرة الأولى التي يفعلها بعد
زواجهما بينما ترددت هي كثيراً في فعلها .. مدت يدها له ورفعته
بينما تمسح يدها الأخرى عيناها بقوة .
*
*
*
وقفت وتحركت في الغرفة بتوتر فغدير غادرت مع شقيقها منذ
وقت وها هي الساعة أصبحت الحادية عشرة ونصف ولم يأتي
وهو من قال بأنه سيكون هنا خلال ساعتين أو ثلاثة من وقت
مغيب الشمس ! حتى أنه لا يجيب على اتصالاتها التي لم تتوقف
!! تنهدت بقوة تفرك جبينها بأصابعها ولا تعلم ماذا تفعل وكيف
لها أن تجده هنا وبمن تستعين ؟ فحتى غسق لم تجب عليها
لتطلب منها الاتصال بزوجها فوحده من قد يخرج بخبر عنه من
تحت الأرض وإن كان خياراً سيئاً وفاشلاً خصوصاً إن كان ذاك
الرجل يعلم عن مشاعر شقيقها نحو زوجته وخطبته لها سابقاً بعد
طلاقها منه .. لكن لا حل أمامها ولا تريد الاتصال بوسام فهو
يسكن في مدينة بعيدة وسيركب سيارته ويأتي تعرفه جيداً .
تنهدت مستغفرة الله ووقفت مقابلة للمرآة وابتسمت بسخرية ما
أن نظرت لنفسها فيها ... عروس يا جليلة ! يا للسخرية ... !!
أنت التي سبق وأقسمتِ أن لا يدخل حياتك رجل آخر ها أنت
تلبسين وتتزينين لأحدهم كفتاة في العشرين من عمرها !
أشاحت بوجهها جانباً وزمت شفتيها متنهدة بضيق تطرد تلك
الأفكار من رأسها فهي استطاعت وبصعوبة أن تقنع غدير أن لا
تلبس فستان الزفاف ذاك مجدداً بينما أصرت عليه تلك وكأنه
حفل زفافها هي ! فاستسلمت لها نهاية الأمر ولبست فستان
سهرة أقل فخامة من تلك الخيمة المتنقلة التي كانت مجبرة على
الخروج بها من منزل والدها ، وإن كان الأمر بيدها لذهبت
له ببيجامتها تلك ذاتها التي كانت تلبسها ومنذ البارحة .
تأففت نفساً طويلاً واستغفرت الله تحضن نفسها وأصابعها تشتد
بقوة على لحم ذراعيها العاريان فما عليها التفكير فيه الآن هو
شقيقها قائد أين ذهب ولما لا يجيب على هاتفه ! كان من عادته
أن لا يجيب على هاتفه سريعاً وقد يترك الرد عليه لوقت لاحق
لانشغاله لكن اليوم والآن تحديداً فتأخره في الرد أمر غير مطمئن
لها بل وتأخره في القدوم أيضاً ! وآخر ما قد تفكر في فعله هو
الاتصال بذاك الرجل الذي لم يأتي على الموعد أيضا ً ! .
تحركت جهة النافذة المطلة على معالم العاصمة التي بدت من ذاك
الارتفاع مشهداً مميزاً وأضواء مبانيها وسياراتها تلمع في الظلام
ترسم صوراً واضحة لكل مبنى فيها وكأنها تسبح في ضوء
النجوم ... !!
وقفت تنظر لذاك الجمال الاصطناعي بشرود واجم مكتفة ذراعيها
لصدرها قبل أن يتحول شرودها ذاك لابتسامة ساخرة ما أن
تذكرت حديث غدير الأخير معها قبل أن تغادر حين أمسكت
بذراعيها وقالت ناظرة لعينيها بتركيز
" لما أشعر بأنك لست سعيدة بهذا الزواج يا جليلة ؟ "
فلم تستطع أن تنكر ذلك .. أن تنفيه ولا أن تتهرب منه كما عجزت
عن الهرب من عينيها فما كان منها إلا أن ابتسمت بمرارة هامسة
" لن يستغرب هذا من يعلم كل ما قيل ويقال عن جليلة يونس "
فتنقلت نظراتها بين عينيها بصمت قبل أن تقول باستغراب
" لكن زواجك بهذا الرجل سيخرس كل تلك الأفواه وسريعاً يا
جليلة وأنت تعلمين ذلك بالتأكيد ويفترض بأنه يسعدك !! "
فبلعت غصتها وهمست بمرارة أشد وأقسى من سابقتها
" يُخرس الأفواه أجل لكنه لا يداوي جراح القلب يا غدير "
فلم يزد ذلك الواقفة أمامها سوى استغراب بل وذهول وقالت
" أتقصدين بأنك لا ترغبين الزواج به ! لكن لما وهو... "
وبلعت كلماتها ولاذت بالصمت حين أشاحت الواقفة أمامها
بوجهها عنها تنظر للأرض وعلمت بأنها تتجاوز الحدود بهذا
وتتطفل على خصوصياتها وبوقاحة وكان من حقها أن تخرسها
ومنذ البداية ، قالت بابتسامة اعتذار
" أنا آسفة أتدخل فيما لا يعنيني فعلاً "
وراقبت بنظرات اعتذار واضحة التي رسمت ابتسامة جاهدت
وباستماتة لرسمها على شفتيها وهي تنظر لها قائلة
" أبداً يا غدير من قال هذا ؟ أنا ... "
وسكتت قليلاً قبل أن تتابع تحاول جاهدة توضيح موقفها ذاك لها
" أنا فقط أرفض التحدث في الأمر ومع الجميع ودون استثناء
صدقيني "
فأبعدت هي نظرها عنها حينها وقالت بنبرة حزينة تشرد بنظرها
للأرض
" معك حق ويفترض بأني أكثر من يعلم معنى ذلك ويفهمه "
فكانت نظرات الاستغراب من نصيبها هذه المرة وقالت
" ماذا تقصدين بهذا يا غدير ؟ "
فهربت بنظرها منها وقالت تنظر حولها
" لا شيء مهم واتركينا من الحزن والمآسي الآن ولنفكر في
طريقة لجلب حذاء آخر يناسب هذا الفستان "
نظرت لها باستغراب وقالت " ألم تتحدثي مع شقيقك كما
أخبرتني ؟ "
فتنهدت بابتسامة خافتة ونظرت لها قائلة
" آه أجل كيف نسيت هذا "
لكن الواقفة أمامها لم تستسلم ويبدو فهمت شيئاً ما من حديثها
ذاك ومقارنة نفسها بها فقالت بريبة
" أخبريني إذاً عنك أنت ... لا يبدو لي أنك مرتبطة بالرغم من
مزاياك التي يبحث عنها جميع الرجال ؟! "
وراقبت بفضول التي ترددت قليلاً في الإجابة قبل أن تقول
" لم أكن كذلك بالفعل لكن ثمة .... "
وتوقفت فجأة تنظر جهة هاتفها الذي ارتفع رنينه حينها وتوجهت
نحوه ليقطع اتصال شقيقها حديثهما ذاك نهائياً .
تنهدت بعمق وابتعدت عن النافذة متمتمة
" أتفكرين حقاً في فعلها ودفن قلبك مع رجل لا تحبينه
يا غدير ؟! "
وما أن وقع نظرها على هاتفها المرمي على السرير عادت
هواجسها ولعبت بها الظنون مجدداً فها هو لم يتصل حتى الآن !!
توجهت نحوه ورفعته وعاودت الاتصال به لتتسع عيناها بصدمة
ما أن خرج صوت المجيب الآلي يخبرها بأن الرقم الذي طلبته
مقفل فشعرت بخوفها يتعاظم حتى آلمها صدرها الذي وضعت
يدها عليه في حركة لا إرادية وهمست بخوف
" ماذا حدث معك يا شقيقي !! "
وملأت الدموع عينيها سريعاً وما أن فكرت في الاتصال بشقيقها
وسام توقفت أصابعها المرتجفة وابتسمت تنظر لباب غرفتها حين
سمعت قفل باب الشقة يدور ثم بابها يفتح ويغلق مباشرة لكن تلك
الابتسامة ماتت سريعاً وهي تستمع للخطوات التي كانت تقترب
منها فهذه ليست خطوات شقيقها وحذائه لا يصدر كهذا الصوت
الواضح !! .
*
*
*
نظرت للطريق المحفوف بالأشجار من نافذتها ولا تفهم حتى الآن
أين يأخذها لتخمن من هذا الذي في انتظارها ! لو كان شخصاً
آخر وليس والد زوجها ما كانت لتوافق على الذهاب معه وكائناً
من يكون لكن هذا الرجل وحده من عليها الوثوق به بعد ابنه ..
لكنها متخوفة أيضاً من هذه الرحلة الطويلة مجهولة الوجهة
والهدف ! وماذا أيضاً إن علم تيم وبأي طريقة كانت عن هذا ؟
بل وتغادر من دون اذنه وهو من نبهها مراراً على عدم الخروج
سوى لجامعتها .
نظرت ليديها تشدهما بقوة في حجرها وقالت بهدوء حذر
" إن علم تيم فسيغضب مني "
" لن يعلم ما لم تخبريه أنت "
تمتم بذلك ببرود فنظرت سريعاً لجانب وجهه المقابل لها
باستغراب فهو يبدو واثقاً من أنه لن يرجع الآن وفي أي لحظة
ويعلم بأنها ليست في جامعتها ولا منزل عمته ! أي أنه يعلم
الكثير عن رحلته تلك وأكثر مما تعلم هي وأخبرها ابنه ...!
وبما أخبرها أساساً سوى بأنه مسافر لأيام غير معلومة ؟
قالت بذات هدوئها
" أتعلم ما نوع مهمتهم في غواتيمالا ؟ "
قال مباشرة ودون أن يبعد نظره عن الطريق أمامه
" تحرير مختطفين أسرى لدى جماعة من المتطرفين دينياً هناك
يريدون الضغط على حكومتهم لتحقق مطالبهم "
فارتفعت يدها لصدرها لا شعورياً وهمست بخوف
" مهمتهم خطرة جداً ؟ "
حرك كتفيه قائلاً
" في العادة لا تهتم البلاد لمختطفيها هناك فكم من صحفيين
وسياح وحتى رجال أعمال تم اختطافهم من قبل جماعات مختلفة
ولأغراض مختلفة أيضاً ولم تصل قصصهم ولا للإعلام لكن
هؤلاء مجموعة من السفارة أي أشخاص أكثر أهمية من أن
يتجاهلوهم وتلك المهمة لا يوكل بها أي شخص "
نقلت نظراتها في ملامحه بشرود حزين ... لهذا إذاً لم يحدد
موعداً لرجوعه لأنه لا وقت محدد لانتهائها ؟ بل ولأجل هذا
قال بأنه عليه أن يكون بكامل تركيزه فيها ، قالت والدموع تملأ
حدقتيها الذهبيتان ببطء
" ولما يعرض نفسه للخطر من أجل أناس ليسوا حتى من بلاده !
ما نفع عمله في تلك المنظمة سوى تعريض نفسه للمخاطر ؟ "
قال بهدوء بل وبكل بساطة
" هذه ليست المرة الأولى التي يغادر فيها لمهمة مشابهة ماريه
بل وثمة ما هو أخطر منها بكثير وتيم يُعد أحد أهم قناصيهم
وأشجع رجالهم واسمه في رأس القائمة في جميع المهام
المشابهة "
زمت شفتيها بقوة تنظر لنصف وجهه وقد انزلقت أول دمعة من
عينيها تحرق وجنتها ببطء وقالت بضيق
" كيف يمكنك أن تكون بكل هذا البرود عمي ! وكأنه ليس ابنك
ذاك الذي يواجه خطر الموت في كل مرة !! "
نظر لها حينها ولأول مرة وكأنه كان يتهرب من مواجهة عينيها
وقال بجدية
" هو ابني ماريه كما تقولين تماماً ولن يشعر به أحد مثلي لكن
ذلك لا يعني أن لا يكون رجلاً لا يهاب شيئاً ولا الموت .. كل رجل
يريد لإبنه أن يكون هكذا ويفخر بإبن كهذا والبكاء والدلال تلك
مهمتكم أنتن النساء وما أراه يفسد نصف شباب العالم "
أبعدت نظرها عنه ليديها في حجرها تشد على شفتيها بقوة شدها
على أصابعها التي ابيضت مفاصلها فهي كانت وقحة معه بما
قالت لكنها لا تستطيع الاعتذار لأن جزء من الذنب يقع عليه ..
حتى أنه رد لها الدين مضاعفاً بما قال .. لكن ما عجزت عن
التحكم به أيضاً هو لسانها حين تمتمت ببرود لازالت تنظر ليديها
" وهو ربته امرأة عمي "
وسرعان ما عضت على باطن شفتها فما بها هكذا على غير
العادة ! أكل هذا بسبب توترها ورفضها الباطني للذهاب معه من
دون علم ابنه فباتت تهاجمه وبوقاحة ! لكنه أهانها أيضاً بل
وتعمد جرحها وسخر من دموعها وحكم من الآن على الطريقة
التي ستربي بها أبنائها ! توقعت منه تعليقاً قاسياً وأن يفهم بأنها
تُذكره بأنه ليس هو من رباه وذاك ما لم تقصده أيضاً بحديثها
لكنه قال وبهدوء لم تتوقعه
" تلك لا امرأة مثلها في الوجود أبدا ً "
فأدارت وجهها جهة النافذة وتنفست بعمق فما هذه الصفعة
المزدوجة التي وجهها لها ؟ وكما توقعت ما كان للحديث أن يقف
عند ذلك ولا لتلك المعركة أن تتحول لهدنة بسهولة فقد قال
وبلهجة قاسية هذه المرة
" ولن أستغرب موقفك العدائي مني ماريه ليس فقط لأنك من
عاش معاناة تيم معه كما تقولين دائماً بل ولأنك تقفين في صفه
وإن كان مخطئاً وإن لم تعرفيه قط في طفولته "
نظرت له بصدمة فكان ينظر لها ولم تقرأ في نظرته تلك لا
الغضب ولا الإصرار على ما يقول بل الاتهام وذاك أبشع من
سابقيه فأبعدت نظرها عن عينيه للطريق أمامهم وتنفس بعمق
نفساً طويلاً زفرته بقوة قبل أن تقول بجمود
" أعلم بأني كنت مخطئة في الكثير مما قلت وعليا الاعتذار لكن
أبداً لن يفهم أحد ولا أنت ولا جميع من عرفتهم ما يعنيه لي تيم
وما عناه منذ أعوام وما الطريقة التي أنظر بها لما مر به وما
خلّفه فيه .. لن تفهموا أبداً ومهما شرحت وقلت "
توقعت منه هجوماً شرساً كسابقه لكنه فاجأها مجدداً فنظرت له ما
أن قال بشرود واجم في الطريق أمامه
" ولن يفهم أحد أيضاً ما أشعر أنا به وما مررت به .. لن يفهمه
إلا شخص علمه واختبره ماريه وعرف معنى أن يقتل قلبه
ويضحي بأغلى من لديه فقط من أجل حمايته ومن أجل أن
لا يحرم منه للأبد "
فملأت الدموع عينيها سريعاً ليست تعلم بسبب ما قال ونبرة
الأسى في صوته أم بسبب ما قالت هي حينها وبحزن
" لكنك حرمت نفسك منهما عمي .. حرمت نفسك من عمتي حياة
وللأبد وهذا ما أراه يحدث مع تيم .. فما النفع إذاً من تضحيتك
وتضحيتها هي أيضاً وهي تأمرك بالابتعاد كي لا تموت ولتكون
في مسقبل ابنك وهو رفضك في مستقبله ولم تكسب شيئاً سوى
خسارتهما ؟ ماذا جنيت من تضحيتك تلك غير قلبين محطمين
أحدهما تحت التراب والآخر دفن معه "
اشتدت أصابعه على المقود بقوة وقال بجمود ونظره لازال على
الطريق الضيق المحفوف بالحشائش أمامه
" أخبرتك أن لا تحكمي على جميع قراراتي تلك ما لم تقفي في
موقفي ماريه وتجدي نفسك أمام خيار واحد وهو الابتعاد عمن
تحبين كي لا تخسريه وللأبد لأنك ستفعلين ذلك مثلي تماماً ودون
تردد "
انفرجت شفتاها وترقرقت الدموع في عينيها لكنه لم يترك لها
مجالاً لقول أي شيء وهو يفتح باب سيارته قائلاً
" وصلنا ماريه هيا انزلي "
فنظرت حولها باستغراب فهي لم تنتبه ولا بأن السيارة توقفت !
مسحت عيناها بقوة وفتحت الباب ونزلت أيضاً وارتفع نظرها مع
ارتفاع المبنى القابع أمامها فهذا ليس كأي منزل ريفي وكما
يظهره المكان الذي وصلاه والذي لم يكن يمت للمدن المزدحمة
بصلة ! هذه فيلا ريفية بطابقين تقف شامخة بياضها الناصع
يتحدى أشعة شمس الربيع الدافئة ، نظرت للذي وقف بجانبها
وقال ونظره على الباب الذي فتحه رجل ببدلة خدم أنيقة
" وتأكدي ماريه بأني لست غاضباً من أي كلمة قلتها وأفهم
ما تظنين بأني لا أفهمه عن مشاعرك "
وتحركت خطواته ما أن أنهى عبارته تلك نظراتها تتبعه باستغراب
قبل أن تلحقه خطواتها سيراً خلفه فما عناه ويعنيه بكل ما يقول !
يبدو أن الجواب تحمله جدران هذا المكان الغامض وستفهم
حينها أكثر مما تريد !
لم تنظر حولها ما أن دخلا المكان الساكن بأثاثه القليل ويبدو لا
أحد يسكنه بشكل دائم فتفكيرها كان منصباً على سبب وجودها هنا
والشخص الذي قطعا كل هذه المسافة فقط ليراها ويتحدث معها
!! انحنى لهما الرجل ذو البزة البيضاء المرتبة وقال باحترام
" اتبعاني سيدي فالسيد غريفيث في انتظاركما "
فنقلت نظرها منه للواقف بجانبها باستغراب فهي لا تعرف ذاك
الاسم ولم تسمعه سابقاً ! كان السؤال واضحاً في عينيها وإن لم
تنطق به لكن جوابه لم يكن سوى بأن وضع يده على ظهرها وقال
يسير بها يساراً
" هيا ماريه فهذا الرجل لا يحب الانتظار كثيراً وليس في صالح
كلينا أن يفقد أعصابه "
سارت معه كالتائهة تنظر حولها بضياع فمن يكون هذا وما الذي
سيغضبه وماذا يريد منها ! لا تفهم لما تشعر بالخوف وثمة شيء
ما في داخلها يرفض رؤية ذاك المجهول أو سماعه !.
وصلا لباب فتحه أمامهما الخادم الذي سبقهما بخطوات وانحنى
مبتعداً على الفور نظراتها تتبعه بدلاً من أن تركز على المكان
الذي أصبحت بداخله حينها .. وما أن انتقل نظرها للجالس خلف
طاولة مكتب ضخمة يمسك طرفها بيديه حدقت فيه باستغراب وهو
يستوي واقفاً وراقبته بتوجس وهو يرفع يده ونزع بها القبعة
المخملية فوق رأسه ونزع بالأخرى لحيته التي وصل طولها لآخر
عنقه فانفتحت عيناها بصدمة كما شفتيها التي همست بذهول
" مطر شاهين !! "
*************
المخرج ~~
بقلم / طموحه ولكن (أميمه راجح)
رسالة خذلان
تجاوزت عن كل شيء واستندت على الحب وحده واعتمدته قوتي وعتادي وطويت الماضي كله لأجلك وفتحت قلبي المثخن بجراحك لك وحدك وعدت من جديد العاشقة التي تمتلئ بحضورك ويضنيها الشوق في غيابك فكنت بجوارحي ومشاعري وحشاشة قلبي ملكا لك حتى في غيابك الطويل وحين عدت بعد كل هذي السنين عدت تحمل في صدرك رائحة لإمرأة أخرى شاركتني فيك دون تضحية وأنا التي خسرت كل شيء لأكسبك وكان سهم خيانتك وحده الذي إمتلكته منك.
تبا لك يا مطر.
غسق الفارغ فؤادها
نهـــــــــــــــاية الفصل
رواية جنون المطر للكاتبة برد المشاعر الجزء الثاني الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم BlackButterfly002
الفصل الرابع والعشرون
المدخل :
بقلم / deegoo
على لسان غسق..
كسفينة بلا ربان تتقاذفها الرياح في وسط البحار.. هكذا وجدت نفسي أقف أمام عواصف الأيام ..
لا شراع يخفف سرعة تصادم الأوجاع في قلبي
ولا يد تدير عجلة حياتي لتوصلني لشاطئ الأمان..
بقيت أنظر لمن حولي علّ منهم من يحضُنّي..
منْ يلملم شتات روحي الممزقة من حبٍ غادر..
منْ يمد لي يد العون لأنتشل نفسي من براثن الألم..
لكني لم أجد احدًا يسندني فشراع سفينتي قد مات..
وروحي تاهت بين الأحزان.. لا أرض تحتويها فترتاح ولا سماء تزيح عن قلبها الأتراح.. فما حيلة القلب ان كان في رحاب حبك طاح.. ماظن يومًا ان يلقى الجزاء آلام وجراح..
عثت به فسادًا حتى تعالت دقاته بالنياح..
فأي حبً ترجو بعد ذلك وأي سماح؟!
فلم يعد بالقلب مقدرة على الفرح ولم تعد الروح تهفو لشيء فقد غدت كحمامًة مكسورة الجناح 🕊️💔
****************
بقلم /ام الغيث... ❤
من غسق إلى مطر...
******************
تجيء كجيش من الاحتلال.... وطيفك يغزو سفوح الجبال
تبث سراياك في داخلي... وتنصب خيمتك في الرمال
فويحك ما كل هذا الحضور.... ليطغى ويأخذ كل المجال
وجندك يكثر في داخلي... يؤسس دولته في نضال
ويقمع كل الحشود التي... تنادي على ملكه بالزوال
يسن قوانينه للبقاء.... يدوِّي بها في الملا بارتجال
على عرش قلبي أراه استواى.... ويركب موكبه في اختيال
لئن قلت أسعى إلى نفيه... وتحرير قلبي فهذا محال
سلامٌ على الاحتلال الذي... يسقي رعاياه كأس الدلال
سلامٌ عليه برغم اسمه.... له في حناياي كل الجمال
************
ارتفعت نظراتها تتبع ضربات قلبها المجنونة للجسد الذي أصبح
يملأ الباب أمامها ما أن انفتح بقوة وارتجف جسدها بشكل طفيف
ولا إرادي واستطاعت أن تتعرف على صاحبه من قبل أن تصل
نظراتها لملامحه فقلة هم في نظرها من يمتلكون هذه السمات
وليس الأجساد فقط ، بل هم قلة بالفعل من صقل مطر شاهين
شخصياتهم ليصبحوا نسخاً مكررة عنه ، وشعرت بالجفاف في
حلقها ليس بسبب وقوفها وجها لوجه أمامه منذ آخر مرة رأته
فيها في مبنى الجمعية في العمران وبصفة أكثر رسمية الآن
ولا للهيئة التي كانت عليها حينها متزينة متبرجة ولأول مرة
أمام رجل غير أشقائها .. لرجل ارتبط اسمها بإسمه في حقيقة
كم شعرت حينها بأنها زيفتها لأسابيع بطريقة طفولية حمقاء
لتخدع بها نفسها فقط ، بل ما جعل الدماء تتجمد في أوردتها
تدريجياً كان النظرة التي رأتها في عينيه ولم تعرفها في المرات
المحدودة جدا التي رأته فيها ...!
لا بل هي كانت تشبه نظراته القليلة تلك التي رأتها مصادفة في
التلفاز والتقطتها القنوات التلفزيونية له فهي تجنبت ذلك أيضا،
كان جذاباً بشكل مُمرض وهو في اللباس الرسمي وتلك الهيئة
وطريقة الوقوف وكأنه لم يقارب الأربعين عاماً لكنها كانت أبعد
من أن تدقق في كل ذلك وتجنبته في المرات السابقة التي كانت
فيها أفضل حالاً فكيف بوضعها اليوم ؟
لا بل ما أوصلها لتلك الحالة بالفعل كان أمر مختلف تماماً عبرت
عنه كلماتها التي خرجت من بين أنفاسها المتعاقبة وسط شفتيها
المطلية بالأحمر الزاهي ما أن انفرجتا وبصوت هامس لا تعلم من
أين خرج تحديداً بل وكيف وصل له
" أين هو قائد ؟ "
كانت تلك الومضة التي أصابت عقلها وأعصاب دماغها المتشنجة
ما أن رأت هذا الرجل يقف وحيداً عند الباب وبدون شقيقها ، فأن
يتأخر الوقت دون أن يتصل بها ولا أن يأتي ويصبح هذا الرجل
هنا من دونه معناه أمر واحد فقط وهو السوء الذي قد يكون لحق
بأحدهم ، هذا إن لم يكن هو نفسه .
" هذا ما جئت لأسألك أنا عنه "
وارتجف جسدها مجدداً وبشكل أكثر وضوحاً ما أن خرجت منه
تلك الكلمات تشبه النظرة التي لازالت ترسلها عينيه ناحيتها ،
ورغم عمقها الرجولي وانخفاضها كانت جامدة خشنة وكأنه يجبر
نفسه على نطقها وعلمت حينها بأن نبرته تلك تحمل الجواب من
قبل أن تسأل ، وشعرت بدوار خفيف واستطاعت أن تتوازن جيداً
ما أن لامست أصابعها طاولة السرير القابعة خلفها تماماً وكانت
نظراتها لازالت معلقة في عينيه .. عينيه فقط وكأنها تستجديها
الرحمة ، وذاك ما يحدث كلما نقل لنا أحدهم فاجعة ما يجرعنا
إياها بروية فنتوسله في صمت أن يخذل جميع توقعاتنا السيئة
حينها ، لكنه لم يرحمها ولا بالتحدث بالحقيقة مما جعل شفتاها
تغتصب الكلمات مجدداً وبهمس أخفت هذه المرة لابد أنه فمه من
حركة شفتيها ولم يسمعه
" ماذا حدث له ؟ "
وتبعت نظراتها الشاخصة حركة حدقتاه السوداء الواضحة ما أن
أبعدها عنها بطريقة لم تزد حالها إلا سوءاً وكأنه غاضب من
الحقيقة قبل قولها ! بل وفهمت بأن ما سيكون قد حدث وتجهله لا
يحزن هذا الرجل ولم يصدمه بل يغضبه !! ولم تكذب ظنونها أبداً
بل ولم يتأخر دليل ذلك عنها فقد قال بذات نبرته الجامدة القوية ما
أن عادت حدقتاه الغاضبة للنظر لعينيها المملوءتان بالتوجس
والذعر
" على الأرجح أنه غادر البلاد فلم نجده حتى الآن.... "
ولم يتركها تستوعب تلك الرصاصة المصوبة للقلب ليتبعها
بأخرى أقسى وأفجع منها وبكلمات خرجت من بين أسنانه
المطلقة بغضب مكتوم
" وابنة خالتك معه "
فلم تسمع حينها سوى صوت شهقتها التي خرجت مرتفعة انتفض
معها صدرها بقوة بل ولم ترى شيئا بعدها سوى طيف ذاك الجسد
الطويل الذي وصل لها في خطوات سريعة مانعاً ليس فقط جسدها
من السقوط أرضاً بل ورأسها من الارتطام بحافة الطاولة قربها
والموت بلا شك .
*
*
*
شعرت ببعض الارتياح حين لم تعد تسمع صوت الخطوات الثقيلة
الراكضة خلفها رغم الذعر الذي لازال يسكن قلبها كما أوصالها
، وكان ذاك الخيال الأسود المرتفع الذي تراء لها وسط الظلام
طوق نجاتها الوحيد فركضت ناحيته بسرعه بدأت تهدأ تباعاً
وكأنها بطارية بدأت تفقد جهدها تدريجياً حتى توقفت تماماً عن
العمل ، وبدأت تلتقط أنفاسها ما أن وصلت إليه واحتضنت ذراعها
إحدى أعمدته الحديدية ، وبالرغم من أن أملها خاب ولم يكن ذاك
البناء سوى بئر قديمة مهجورة وجافة تردد صوت الريح
وصفيره داخلها إلا أنها كانت بمثابة المأمن بالنسبة لها.
كتمت شهقاتها الباكية بيدها المرتجفة تطبقها على شفتيها بقوة
وعيناها الغارقة في الدموع تنظر للظلام حولها بحركة بطيئة
وتمنت لحظتها أن ماتت وما غادرت منزل أويس بل ومنزلها من
أساسه فهي لا تعلم حتى إلى أين أخذتها خطواتها الراكضة تلك ؟
كل ما تعلمه بأنها ركضت طويلاً وبكت كثيراً وتعثرت ضعف ذلك
وسقطت عدة مرات حتى أن ركبتاها وكفوف أيديها كانت تؤلمها
بشدة ولا يمكنها مغادرة هذا المكان قبل بزوغ ضوء الفجر على
هذه الحالة لتستدل طريقها حينها أو لتفهم تحديداً أين أصبحت
وكيف يمكنها العودة من حيث جاءت.
نزل جسدها ببطء على حديد العمود البارد حتى جلست تسند
ظهرها على حجارة البئر الدائري الكبير والمغطاة بطبقة سميكة
من الطين الذي لم يجردها تعاقب السنين منه رغم كل تلك
الثقوب الغائرة التي حفرتها فيه وحضنت ركبتيها لصدرها بقوة
وخبأت وجهها بل وعيناها ودموعها فيهم تحاول بشق الأنفس
كتم شهقاتها كي لا ترتفع في صمت الليل الموحش تنعي حظها
والتعاسة التي لم تفارقها يوماً ، فهي لم تجني شيئاً من مجازفتها
الغبية المجنونة تلك .. لم تجده لم تعلم شيئاً عنه ولم تبقى في
منزلهما تنتظره ، فما الذي سيحدث إن عاد للمنزل الآن ولم
يجدها فيه ؟
رفعت رأسها وشخصت عيناها في الفراغ المظلم بذعر ليس
بسبب الحقيقة التي أخذتها أفكارها لها بل ... انتقلت نظراتها لا
شعورياً للجانب تباعاً تلاه رأسها الذي استدار مع حركة حدقتيها
الخضراء الدامعة بسبب الصوت الذي سمعته وتناهى لها من
بعيد ... صرخة رجل !! حقيقة هذا ما سمعته أم تتوهم؟!
" آآآاااااآآآآآه... "
انتفضت واقفة بلا وعي منها تنظر للبئر أمامها بذعر وجسدها
بأكمله يرتجف فها قد تكرر الصوت مجدداً وكان بصورة أوضح
هذه المرة بسبب توقفها عن البكاء المكتوم ، هي ليست تتوهم إذاً
والصوت لرجل فعلاً ويخرج عبر هذا البئر ولا يبدو أنه من
داخله !!
" رعااااااااااااااع "
صرخت قافزة في مكانها بل وركضت هاربة من ماذا لا تعلم !
ما تعلمه أن ذاك الصوت يخرج من مكان ما ليس فوق سطح
الأرض !!
بل مالا تعلمه بأنها فرت من ذعرها لمخاوفها ومن قدرها لقدرها
ما أن اصطدمت بجسد بشري دفعها للخلف بقوة قبل أن تلتف
الأصابع الرجولية الطويلة حول معصمها ليس لتنقذها من السقوط
فقط بل ولتحكم قبضتها عليها كي لا يفقدها مجدداً ، فلم يكن ذاك
سوى مطاردها الذي فرت منه هاربة منذ قليل .
*
*
*
دفع الباب الحديدي بيده بقوة فانفتح مصدراً صوتاً مرتفعاً
لاصطدامه بالجدار الملاصق له ودخل ضارباً إياه خلفه ، وبعد
خطوتين وقف واستند بالجدار الذي يمثل إحدى جدران الحمام
الصغير الموجود هناك نظره على الأرض تحته يشد قبضتيه
بجانب جسده بقوة والنار التي شبت بداخله منذ ساعات يشعر
بأنها لم تخمد بعد ويئس من أن تنجح الساعات المتعاقبة في فعل
ذلك وهذا ما جعله يرجع قبل متى لم يكن يمكنه التحديد بل وفكر
عدة مرات في ركوب سيارته والمغادرة من هذا المكان وللأبد
وترك كل شيء هنا وأولهم مواجهتها ... خدعتاه وتلاعبتا به
وبكل سهولة جرتاه للفخ ليس لشدة ذكائهما بل لأنه أحمق ، تباً ..
تلك الفكرة وحدها كانت كفيلة بجعله يقتل نفسه الليلة ، لقد سلمها
كل شيء .. اسمه منزله حياته والأسوأ ثقته ومشاعره ليكتشف
في النهايه...؟
رفع رأسه عالياً مسنداً إياه للجدار خلفه ينظر للسماء السوداء
وكم كان يشعر بالضآلة والاستنقاص... لم تتحرك مشاعره يوماً
اتجاه امرأة بل ولم يحتك بإحداهن أبداً لأنه يكره العلاقات العابرة
ولم يرى نفسه يوماً يصلح لمشروع زواج وهو الذي لا يملك
شيئاً ولا حريته للخروج من منزل والده والاستقرار ، بل ولا
قرشاً أيضا يكوّن به عائلة مهما كان حجمها ولولا أن أجبرته
تلك الظروف على الزواج منها ما كان ليقدم على تلك الخطوة
أبداً حتى يرى في نفسه ووضعه وظروفه ما تستحقه الفتاة التي
ستقبل به زوجاً وستصبح زوجته ، وبالرغم من كل ذلك تنازل
عن قناعاته ومعتقداته فقط من أجل فتاة لا يعرفها ولم يفكر سوى
في مستقبلها الذي تأذى بسببه وماذا كانت النتيجة...؟
ضرب رأسه بالجدار خلفه مغمضاً عينيه بقوة وكم شعر بالخزي
والعار أمام نفسه التي كانت توبخه حينها ويعجز عن الدفاع عنه
أمامها ... كم كان مغفلاً وأحمق ومعتوه وبخطة فاشلة طفولية
استطاعتا الاثنتين اللعب به ونجحتا ليس للحبكة الماهرة للعبتهما
تلك بل لغبائه هو ، وإن كان شخصاً آخر غيره يجزم بأنه ما كانت
لتنطلي عليه تلك اللعبة السخيفة لكنه كان الفريسة المناسبة
تماماً ووقع في الفخ لأنه لم يكن الأسد فالأسد لا تأكله الذئاب .
ابتعد عن الجدار ومسح وجهه بكفيه مستغفرا الله بهمس أجش
ودس يديه في جيبيه ونظر جانباً حيث يظهر له جزء من باب
الغرفة المغلق وعادت الأفكار للتزاحم في رأسه ... الأفكار التي
كان في شجار عنيف معها طوال الساعات التي هام فيها يمشي
في الحقول المظلمة وحيداً فليس بإمكانه ممارسة أي نوع من
العنف اتجاهها ولا لتقر بالحقيقة فتلك ليست طباعه مهما فعلت
وكان حجم فعلتها تلك ومهما شعر بالغدر والمهانة بسببها ، ولا
يمكنه أيضاً ترك المكان وهي فيه وعدم العودة مجدداً لسببين
الأول أنها زوجته قانونياً والثاني هو أعمامها الذين لن ينجو
منهم بسهولة إن فكرو في تحميله المسؤلية فالحل الأنسب أن
يرجع شقيقها ويرجعها له ولن يفعل ذلك غير مطر شاهين فإما
أن يجلبه لها أو يأخذها له لأنه لا يريد أذيتها بالرغم من كل ما
فعلته فقد يكون الأمر حدث رغماً عنها ولم تشارك فيه .
حرك رأسه بقوة متأففاً يرفض أن يجد لها الحجج والأعذار فحتى
إن كانت تعرضت لذاك النوع من الاعتداءات مرغمة فما من شيء
يبرر لهما استغفاله وخداعه ، قسما أنه في عدة مرات أشاد
بدهائهما فلولا أنه سمع ذاك الحديث بينهما مصادفة لكانت انطلت
عليه حيلتهما فهو المغفل وهما كانتا أذكى منه .. فتاتان ريفيتان
محدودتا التعليم والثقافة تلعبان بعقله وبكل سهولة لأن مستوى
ذكائهما المحدود أفضل منه بالتأكيد !.
تعوذ من الشيطان بتنهيدة عنيفة وتحرك من مكانه فإن استسلم
لأفكاره تلك أكثر من ذلك سيترك لها حرية التحكم في ردود أفعاله
وما أن يراها أمامه خصوصاً والآن تحديداً ، لكن مخاوفه تلك لم
تحدث جميعها فما أن دفع باب الغرفة وقف مكانه ينظر باستغراب
للصمت التام ! وما أن أضاء زر الإنارة تنقلت نظراته المصدومة
في الفراغ حوله ونظر لا شعورياً ورائه ولباب الحمام المفتوح ثم
المطبخ المظلم تماماً فهي ليست هنا !! وتخللت أصابعه خصلات
شعره الناعم تدور حدقتاه الشاخصتان في الفراغ بتفكير فكيف لم
يفكر في هذا وبأنها لم تخرج له مسرعة كعادتها كلما تأخر وإن
لوقت قصير فكيف بساعات هكذا وفي الليل ! بل وكيف لم يلحظ
أن باب المنزل كان موصداً من الخارج فقط حين دخل مما يعني
أنها ليست هنا لتغلقه من الداخل كما يطلب منها دائماً !
فهل هذا فصل جديد ضمن خطتهما واتفقتا عليه وقت وجود
تلك الممرضة هنا ؟ .
تحرك من مكانه عند تلك الفكرة وبخطوات مسرعة نحو الباب
الذي دخل منه لتتوقف خطواته فجأة مرتداً للوراء ما أن اندفع
الباب للداخل بقوة ونظر بصدمة للخيالان اللذان دخلا منه قبل أن
يصبحا في مساحة النور الخفيف ووقع نظره فوراً على الشعر
الغجري الأشقر الطويل الذي يعرف صاحبته جيداً وإن لم يرى
ملامحها التي حجبها عنه بطوله وكثافته المتموجة وانتقل نظره
المصدوم فوراً للذي كان يمسكها من ذراعها بقوة والذي دفعها
بعنف ناحيته مما جعلها تسقط أرضاً تحت قدميه بتأوه باكي
وزادها ابتسامة أويس الساخرة بل والتي حملت الكثير من
المعاني التي كانت السخرية أبعد عنها حين قال ناظراً لعينيه
" علمنا أخيراً هوية المتسلل الذي يدخل أراضي ويخرج منها
كل ليلة "
*
*
*
اشتدت أصابعها على الأوراق فيها دون شعور منها تنظر للواقف
عند الباب وقاومت رغبتها ألا شعورية لدسهم خلف ظهرها فبذلك
ستكشف له بأنها أوراق مهمة بالنسبة لها وهي لم تتأكد بعد من
سبب دخوله العاصف هكذا والمخالف لعاداته القديمة !
مما يؤكد أنه ثمة شيء ما ورائه .
" ماذا تفعل ؟ هل جننت ! "
كان هذا ما نطقت به شبه هامسة تنظر لعينيه بجمود مشابه
لكلماتها تلك فهو يعلم أكثر منها بل ويفترض بأنه يهتم أيضاً
بأنهما باتا مصدر شائعات هنا حتى أصبحت تحركاتهما مراقبة
وبصورة مقززة ومن الجميع ، وكل ذلك كان بسببه وإن رفض
الاعتراف به أو معرفته ، بل يبدو أنها كانت مخطئة نوعاً ما فقد
قال وببرود ما أن دس يديه في جيبي سترته السوداء المفتوحة
" لأنه على الجميع أن لا يعلموا بما سيقال الآن فحتى الأبواب
باتت تتحدث عنا هنا "
فأبعدت نظرها عنه وابتسامة ساخرة بل وهازئة تزين شفتيها
فقال فوراً وبنبرة جادة
" ولست هنا للتحدث عن السبب الحقيقي لكل ذلك وأعلم رأيك
مسبقاً "
نظرت مجدداً لعينيه المحدقة بها بتصميم ولم تعلق على ما قال
فهي تدرك جيداً بأنه سيكون أمراً مهما ذاك الذي يتحدث عنه ، بل
وما جعله يتبادل الحديث معها وهو الذي كان يبدي نفوراً وغضباً
واضحين منها منذ ذاك النقاش أو الشجار العنيف الذي دار
بينهما هنا والذي أهانته فيه وجرحت كبريائه متعمده فحتى حديثه
الوحيد معها في الحفل لم يكن ودياً البتة وإن كان قد أكد فيه
مصمماً على أنه لن يتركها وقضية ماضيها تلك ومهما حدث
وهذا ما تخشاه الآن فهذا المحامي العنيد لن يتركها وشأنها ما لم
يعلم خبايا ذاك الماضي وتلك الجريمة تحديداً ، إلا إن كان ثمة أمر
آخر وراءه وليس هناك شيء قد يجعله يتصرف هكذا غيره ؟
إلا إن كان قد اكتشف ورقة زواجهما القديمة تلك وهذه مشكلة
جديدة لم تحسب لها حساباً .. لكن كيف له أن يعلم ؟ مستحيل ...
إلا إن أخبره مطر شاهين بذلك وذاك ما تستبعده تماماً وإن
كان يعرفه شخصياً .
لازالت تذكر ذاك اليوم الذي أبلغها فيه بعقد الزواج الذي لم يكن
الطرفان المعنيان به موجودان حين تم عقده ، كانت في الثالثة
عشرة من عمرها حينها ... أو الرابعة عشرة لم تعد تذكر
تحديداً كل ما تذكره أنها تصرفت حيال الخبر بعدائية لم تعرفها
ولا هي في نفسها منذ صرح طبيبها بأنها تخطت الحالة النفسية
والعصبية الشديدتان اللتان دمراها كطفلة وكإنسانة نهائياً ،
وتسببت لتلك البشرة البيضاء لمحدثها يومها بخدوش كانت تراها
واضحة وهو يمسك يديها ويتحدث معها عن قرب ما أن سيطر
بقوته التي تفوقها بأضعاف على انفعالها العنيف ذاك والرافض
تماماً لما فعله ، كانت أصغر من أن تدرك معنى كلمة زواج لكنها
تعلم تماماً بأنه رباط رسمي برجل من عائلة لا تحمل لها سوى
الحقد والكراهية ألا متناهية وإن كان حينها لم يتجاوز الواحدة
والعشرون عاماً ، بل ولم يولد بعد حين رمى جده بجدتها وغادر
وهي تحمل والدها جنيناً في أحشائها ، وكان طفلاً في العاشرة
حين ولدت هي وعاشت وحيدة مع جدتها محرومة من والدتها
وشقيقها التوأم أيضاً ، وفتى في الرابعة عشرة حين فقدت جدتها
مقتولة أمامها .. لكنه ابن لهذه العائلة عاش وكبر هنا بينما كانت
مأساتها تكبر هناك معها حتى فقدت كل شيء
( والدها جدتها والدتها وشقيقها الذي وجدته أخيراً وحتى براءتها
وطفولتها )
كانت غاضبة ورافضة وبشكل عدواني لكن موقفها ذاك لم يجعل
ذلك الرجل يتصرف معها بالمثل ولا برميها في غرفة معزولة
حتى تهدأ أو أن يجلب طبيبها النفسي أو مروضها بالمعنى
الأصح ومن كان وحده يكبح جماح تلك المهرة الثائرة بشراسة
دون أن تصبح عدائية ومؤذية من جديد .
ولازالت تذكر كلماته تلك حين قال بجدية ينظر لعينيها المحتقنتان
بغضب ولازال يمسك برسغيها بقوة يرفعهما بينهما
" أنت لست مجبرة على هذا الزواج يا زيزفون ويمكنك إبطاله
مستقبلاً فلست الأولى ولا الوحيدة التي زوجتها بذات الطريقة
وتركت لها حرية الخيار فيما بعد "
وحين سكنت تستمع له بصمت تابع مباشرة
" بل وحتى زوجتي قسماً إن كنت رأيت منها رفضاً حين صارت
في منزلي لكنت طلقتها على الفور فلست أنا من يحدد مصيركن
ولا يفرضه عليكن يا زيزفون صدقيني لكني أردت أن أكون
مطمئناً من أجل المستقبل الذي قد لا أكون موجوداً فيه "
كانت ما تزال تنظر له بصمت وإن لم تتغير نظراتها العدائية
الغاضبة تلك لكنها لم تتحدث وذاك ما يعرفه كليهما ففي تلك
المرحلة من حياتها كان الكلام أقل شيء يمكنها فعله وهي الشبه
ساكنة تماماً والمتوقفة عن فعل كل شيء فتابع دون أن ينتظر
ذلك منها
" حين تصبحين امرأة ناضجة ورائعة كما أجزم يا زيزفون
ستقررين من نفسك وستنالين حريتك المطلقة في ذلك أقسم لك
حياً كنت أو ميتاً فمصير هذا الزواج أنت من لك حرية تحديده
حسب أهم بنود عقده "
وانتهى الأمر بما يريده هو وهذا ما يحدث دائماً لكنها كانت وفي
كل مرة زارها فيها على امتداد الأعوام بعدها تطالبه بفسخ ذاك
العقد بينما كان هو يصر وفي كل مرة بأن تعرف ذاك الزوج أولاً
وتلتقي به وذاك ما كان يثير غضبها كلما تحدثا في الأمر حتى
توقفت نهائياً عن ذكره تنتظر تحقيق شرطه ليحقق طلبها خاصة
وأن ذاك الشرط كان مرتبطاً برغبتها في دخول منزل هذه العائلة
وحياتها .. العائلة التي كانت ولازالت تتنفس حقداً وكراهية لها
وهو ما كان يرفضه ذاك الرجل وبعناد ويرى أنه ليس وقته
المناسب وقضيتها لم تنتهي بعد وإن تم الصمت عنها بسبب
حالتها المرضية تلك ، ولذلك فأول أمر ستفعله فور مغادرتها
النهائية لهذا المكان هو تمزيق عقد الزواج ذاك وإنهائه .
اشتدت أصابعها على أطراف الأوراق فيها أكثر ما أن تقدم
خطوة للأمام نحوها نظراته القوية العنيدة لم تترك عيناها
المحدقتان في عينيه بتصميم زينتها لمحة الحقد الدائمة والتي
غذتها أفكارها تلك أكثر فما تخشاه فعلياً حينها ليس اكتشافه
لزواجهما ودخولها في قضية أخرى في المحاكم هي في غنى تام
عنها لأنها متزوجة قانونياً من شقيقه بل ما كانت ترفضه وتخشاه
فتحه لملف ماضيها مجدداً وخالها خصوصاً فهي باتت تعرف
عناد هذا الرجل جيداً ولن يهنئ له بال ما لم يكتشف كل خبايا تلك
الجريمة ، بل ولن يرتاح حتى يزيد من تعقيد الأمور أكثر بحشر
أنفه المستمر في أشياء لم يكلفه أحد بالتدخل فيها وهي أولهم .
قالت ما أن وقف على بعد خطوتين فقط منها وابتسامة ساخرة
تزين شفتيها
" لن يعجب زوجتك هذا "
" لست أهتم بما يعجبها أو لا يعجبها وفيما يخصني تحديداً "
قال كلماته تلك مباشرة وبقوة ظهرت في عينيه قبل نبرته
الرجولية العميقة فما كان منها إلا أن فرجت شفتيها بشهقة
صامتة تمثيلية تعبر عن صدمتها المزيفة والواضحة لكليهما
وكأنها تقول له ( حقاً تعني ذلك ) تبع ذلك ضحكة ساخرة
مكتومة خرجت بدفعة هواء واحدة من حنجرتها مما جعل حاجباه
الأسودان يقتربان في نظرة تشكيك وكأنه لم يفهم ما تقصد وما
فهمته هي حينها ويعاكس تماماً علاقتهما المنسجمة التي رأتها
منذ عودة تلك الزوجة الغاضبة فقالت بنزق
" حقاً لا تهتم؟! "
قال مباشرة و الاستغراب بدأ يسيطر على نظراته
" زيزفون ما الذي تلمحين له تحديداً فلست أفهم ؟ "
بينما كانت هي تزم شفتيها بضيق مع كل كلمة من كلماته تلك
مما جعل صوتها يخرج متضايقاً حين قالت
" ستكون أوضع من جميع توقعاتي إن كنت تفكر في اللعب
بكلتينا يا وقاص "
فرمقها بنظرة أخرى تشبه سابقتها وهمس بخفوت
" أتلاعب بكلتيكما ؟ "
فتأففت وبحركة لا مبالية من يدها وغيرت مجرى الحديث
مجدداً قائلة
" أتعلم ؟ لن نزعج رأس كلينا بالتحدث عنها ولك أن تفعل
ما يحلو لك فإن كان يعنيها الأمر فأنا لا "
لكن الواقف أمامها كان له رأي آخر فقد قال بإصرار حازم
" زيزفون هل أفهم ما هذا الذي تتحدثين عنه وما الذي دار
بينك وبين جمانة ؟ "
شعرت بشعلة الغضب المبهمة عنها تجتاحها مجدداً ولم تحاول
إخراجها كالعادة لكنها أيضاً لم تترك ضحيتها دون عقاب فأبعدت
نظرها عنه وقالت في حركة ساخرة
" آه وقاص ما هذه الطريقة المميزة في نطق اسمها ؟
من الطبيعي أن تجن بك إن كنت تستخدم اسمها هكذا أمامها "
رمقها بنظرة مصدومة هذه المرة فنظرت للجانب الآخر متأففة
من حماقتها ، ألم تجد طريقة غيرها لصرف نظره وانتباهه عن
يدها التي أدارتها خلف جسدها والأوراق فيها لتضعها على
الطاولة ورائها ؟ وما بها تستاء هكذا منه ومن تلك التافهة معه !
قالت ما أن انتهت وكتفت ذراعيها لصدرها بينما خرجت كلماتها
باردة كالصقيع
" لما لا تتركنا من هذا الآن وأخبرني ماذا تريد أو اخرج من
هنا كي لا تجتمع عائلتك عند الباب بأكملهم يريدون توثيق هذا
وإضافته لما فات "
تنهد حينها يحرك رأسه بيأس منها ودس يده في جيب سترته
وأخرج منها ورقة كانت تراقبها نظراتها التي ارتفعت معها وظنت
أن تخمينها بالنسبة لعقد زواجهما ذاك صحيحاً حتى رفعها أمام
وجهها مفتوحة وظهرت الرسوم التي كادت المياه أن تخفيها
ولازالت خطوط قلم الرصاص واضحة بعد جفافها وهي لإحدى
أوراق رسوماتها التي رمتها في نافورة المياه سابقاً ورماها هو
في سلة المهملات بعدها وأمام ناظرها فما الذي جعله يخرجها
مجدداً ؟! هل علم حقيقتها ؟
لكن الخادمات بالتأكيد لن يتركنها حتى الآن مكانها فهل عاد
وأخرجها ذات الليلة ؟!
نقلت نظرها منها لعينيه المحدقتان بعينيها وكأنه يقرأ أفكارها
من خلالها وما توقعته حدث فسرعان ما قال بنبرة تحقيق يتقنها
أمثاله جيداً
" من هذا يا زيزفون ؟ "
وكان جوابها الصمت بادئ الأمر حتى قالت حين رأت إصراره
على انتظار الجواب في عناد صامت
" أظنك تعلم الجواب فالملامح تتحدث عن نفسها "
قال من فوره
" أجل هذا الشاب يشبه جدي ضرار كثيراً فمن يكون ؟ "
حافظت ملامحها على برودها فلن تكشف له الحقيقة ما دام
يجهلها فالوقائع تغيرت عن السابق ، قالت بلهجة لاذعة
" ظننتك أذكى بكثير من هذا السؤال الأحمق ؟ "
خرج هدوءه عن السيطرة حينها وحرك الورقة أمامها
قائلا بضيق
" لا لست أحمقاً وسؤالي منطقي تماماً فلن يكون هذا والدك
لأنك لم تريه سابقاً ... "
وتبدلت لهجته للسخرية بالرغم من أن ملامحه كانت أبعد ما يكون
عن أي مظهر للتسلية وهو يتابع
" إلا إن كان ما يزال على قيد الحياة ، وإن كان كذلك فلن يكون
بهذا السن بالطبع "
كان ما يقوله صحيح ومنطقي تماماً لكنها ترفض ولا التفكير في
الاعتراف به فخرجت الكلمات منها مندفعة بقوة
" لن تمنحكم الحياة فرصة ترميم أخطائكم ناحيته كما لن أنسى
لكم أبداً أنه مات وآخر ما رأته والدته دموعه وكلماته الغاضبة
من واقعه الذي كنتم أنتم السبب فيه "
وسحبت أنفاسها المضطربة بقوة ولازالت تنظر لعينيه بعينين
ملؤها حقد وكراهية بينما كان يقابل هو نظراتها تلك بنظرة
جامدة كالصخر وقال مجدداً وكأنه لم يسمعها
" من يكون هذا يا زيزفون ؟ "
" لا علاقة لك .. واخرج من هنا "
صرخت في وجهه بغضب أفلتته من معاقله بداخلها نهاية الأمر
وسبابتها تشير للباب خلف كتفه لكن لا شيئاً في وقوفه ذاك
ولا هيئته تغير بل رفع الورقة في وجهها أكثر وقال بإصرار
" من هذا ؟ ... من يكون ؟ "
" أخرج من هنا "
" تكلمي يا زيزفون من هو ؟ "
كان هو من صرخ بغضب حينها فصرخت مجدداً
" قلت أخرج من هنا ولا علاقة لك "
وأصبحا يتبادلان الصراخ والأوامر وكل واحد منهما يصر على
مطلبه ...
الأول عازم ومند دخوله هنا على معرفة الحقيقة وإن بقيا
سجينان لتلك الغرفة وللأبد والآخر يدافع وبشراسة عن سره
فهي على استعداد لأن تخسر حياتها بأكملها ولا يصيب شقيقها
أي أذى أكثر مما لحق به ، والتي تعي جيداً أي أسلوب استفزازي
يحاول الواقف أمامها استخدامه معها لتعترف بما يريد معرفته
ولن يتغلب عليها بتلك الحيلة الفاشلة التي يتبعها المحققون أمثاله
وهو يصرخ مكرراً ذات العبارة الآمرة وهي من عاشت لأشهر
مع أحد الأطباء النفسيين في غرفة واحدة واختبرت جميع
أساليبهم حتى الوحشية منها .
توقف عن الصراخ حين أدرك بأنها لن تستجيب له بتلك الطريقة
وقال وسبابته تشير للورقة التي لازال يرفعها أمام وجهها وعيناه
لازالت تحدق في جوهرتيها الزرقاوان الغاضبتان
" من هذا الذي يحمل جينات وصفات جدتك الخماصية وملامح
جدي ؟ إنكارك لن يزيد شكوكي سوى تأكيداً يا زيزفون "
وعند هنا لاذت بالصمت تحدق في عينيه ولم تتحدث فها قد تبين
لها جزء مما تجهله والواقف أمامها لن يفوته ذلك بالتأكيد وبأن
ذكائها سيخبرها حينها بأنه يتحدث بناءً عن معلومات حقيقية
وليست فرضيات لكان انتبه لهذه الصورة سابقاً وأخضعها لتحقيق
مشابه ، فهو بالفعل حاول فك رموزها سابقاً لكنه وكمخلوق
بشري ومهما كانت قدراته وذكائه ما كان ليصل للحقيقة فثمة
شيء ما تغير الآن بالتأكيد ؟ نقلت نظراتها من خطوط قلم
الرصاص التي أبهتتها المياه الجافة لعينيه وأنفاسها اللاهثة
بسبب صراخها الأخير لم تنتظم بعد وخرج همسها خافتاً رقيقاً
يشبه شفتاها المرتجفتان حينها يحمل كل معاني التوجس والريبة
" من أخبرك ؟ "
وقد اقتنعت أخيراً بأنه لا فائدة من الإنكار وتيقنت بامتلاكه دليلاً
ما ، وذاك ما حدث فعلاً حين أبعد الورقة من أمامها منزلا يده
للأسفل بينما خرجت كلماته عميقة بائسة رغم جديتها وكأنه
يخرجها من عمق تلك المأساة وأصابعه تقبض على الورقة فيها
بقوة
" علمت بطريقة ما أنه ثمة ولادة قيصرية متعسرة في الماضي
وتؤمان ثم إعلان وفاة أحدهما وتدهور حال الآخر بالرغم من أنه
حين غادرت به والدته خفية عن الجميع وحتى الطاقم الطبي كان
بحالة جيدة تماماً "
وكان ذاك ما جعل أنفاسها تضطرب أكثر وتيقنت حينها بأن
مخاوفها حقيقية وأن هذا الرجل لن يترك عناده ويبتعد عن
ماضيها حتى يكتشف جميع خباياه ثم يفسد الأمر بأكمله بالطبع
لأن ذلك ما يفعله المحامون دائماً وما كاد أن يفعله أحدهم حين
وكلت القضية له في الماضي وكادت تفقد شقيقها وللأبد مرمياً
خلف قضبان السجن فاستنجدت بمطر شاهين حينها وبكت كثيراً
في مشهد لم يراه ولا هو لها سابقاً لكي يتركوا قضيتها تلك في
الظلام وأن لا تُفتح مجدداً في المحاكم مهما كانت كفاءة ذاك
المحامي وحنكته فلن يفعل شيئاً سوى كشف الحقيقة المخفية أمام
القضاء وهو أن شقيقها من قتل ذاك الرجل ، بل وسيتهم بإحراق
والدتهما أيضاً وينتهي عمره ومستقبله في السجن .. المستقبل
الذي تريده أن يكون مختلفاً عن ماضيهما التعيس وأن يصبح
رجلاً لا مكان لكل ذاك الألم القديم في قلبه وذاكرته لا أن يفنى
عمره خلف الزنزانات وصفحات الجرائد والصحف ويحمل طوال
حياته لقب السفاح الصغير الذي أصبح رجلاً في منتصف العمر
وهو يغادر السجن .
" لن أسمح لك بأذيته يا وقاص "
همست بها من بين أنفاسها المضطربة بالرغم من أن نظراتها
لعينيه قالت ما عنته كلماتها من تهديد وإصرار بينما تبدلت
نظراته هو لما يشبه الصدمة وهو يهمس بالمثل
" لازال على قيد الحياة إذاً ؟ هو شقيقك ذاك الذي كنت ترينه
وحدك فى تلك الحالة يا زيزفون ؟ "
كان وكأنه لازال يتوقع العكس تماماً بينما استمرت هي في
تهديديه هامسة بوعيد
" ابتعد عنه يا وقاص "
فتبدلت ملامحه كما نبرة صوته هذه المرة للتحقيق مجدداً وأمسك
بذراعيها بقوة وقال محدقاً في مقلتيها الزرقاء الواسعة والمدججة
بالغضب والألم معاً
" ما علاقته بتلك الجرائم التي نسبت إليك ؟ "
فحاولت نفض يديه عنها صارخة
" لا شيء وتوقف عن استجوابي أكثر "
لكن أصابعه اشتدت على لحم ذراعيها أكثر قائلاً بإصرار ينظر
لعينيها التي باتت قريبة منه
"لن أتوقف وعليك إخباري بالحقيقة قبل أن أعلمها بطرق أخرى"
نظرت له بصمت للحظة وكأنها تترجم شيئاً ما وقالت بصوت
منخفض نوعاً ما
" ماذا تقصد ؟ "
فخرجت الكلمات من بين أسنانه المطبقة قوية وجامدة
" تعلمين جيداً ما أقصده "
ونجحت حينها في الإفلات من قبضته وأبعدته بالتالي عنها
قائلة بضيق
" لا لست أعلم ولن يفيد إخبارك في شيء سوى أذيته أكثر "
لكنه واجه تصرفها العنيف ذاك بالجمود التام وهو يهمس
باستغراب
" أكثر ...! "
فامتلأت العينان الجميلتان القويتان بالمرارة والألم في إحدى
نوادرها القليلة تلك التي سمحت فيها شجاعتها وصلابتها
لأوجاعها المتراكمة داخلها بأن تطفو للسطح وسرعان ما اختلط
ذاك الضعف القوي وكالعادة بالحقد والكراهية ليكون مزيجاً لا
يليق سوى بزرقة عينيها .. بألمها .. بتعاسة ماضيها وسواده ،
واندفعت الكلمات من شفتيها الرقيقة تشبهها تماماً وفي كل شيء
" أجل فما الذي سأخبرك عنه يا ابن ضرار السلطان ؟ "
وعلم حينها ابن ضرار السلطان أن القادم سيء .. سيء للغاية
موجع ومفجع أيضاً ، وتعالت ضربات قلبه الرجولية الثابتة طوال
الوقت كأقرانه مع ارتفاع أنفاسها يدرك جيداً ما ينتظره ، وذاك ما
حدث فعلاً حين تابعت ودون رحمة بقلبه وبكلمات أخرجت كل ذرة
بغض وكراهية لازالت تحملها لهم ودون استثناء
" ما الذي تريد معرفته عن الطفل الرضيع الذي سرق عمداً واخذ
للمجهول ولم يكن ذاك المجهول سوى منزل أكبر رجال مجرمي
غيلوان في الجنوب ؟ وكانت شقيقته ستلقى ذات المصير لولا
أدركتها والدتها واكتشفت لعبتهم لتتخلى عن تلك الابنة رغماً
عنها وتستحمل نظرات الاتهام والخزي من الجميع وهي تتركها
لجدتها "
واشتدت كلماتها مع اشتداد نبرتها وهي ترمي بسبابتها جانباً
متابعة بألم غاضب
" أم بأنه عاش وكبر وتربى خادماً لتلك العائلة وكأنه لا ينتمي
لساكني هذا القصر ومالكي شركات الطيران بمختلف أنواعها ؟
أم بأنه حين عاد لحضن والدته ولشقيقته تمنى أن مات ودفن
في أراضي أولئك الوحوش المجرمين وما عرف تلك العائلة
التي حلم طويلاً بأن يجدها ويتخلص من لقب اللقيط "
وامتلأت عيناها بدموع القهر في نادرة جديدة وتابعت قتل
ضحيتها ودون رحمة
" أم أنه رأى وبعينيه ما جعله يكون قاتلاً في سن العاشرة لتقوى
يداه الصغيرتان على حمل حربة الصيد وغرسها في قلب رجل؟ "
كان صدرها يرتفع ويهبط بانفعال بينما تحكمت في كلماتها لتتحول
للجمود واحتفظت عيناها الغاضبة ببريق الدموع ولازالت تحدق
في عينيه المشدوهتين وتابعت بكلمات خرجت صارخة من صميم
ألمها الدفين
" وماذا أيضاً يا ابن ضرار ؟ وما لا تعلمه أيضاً وبأنه في تلك
الليلة التي كنت أترجاكم فيها باكية هنا "
وأشارت للسرير القابع في آخر الغرفة الواسعة وهي تتابع
بكراهية وألم
" هنا حيث استجديتكم مترجية أن تدركوه وأن تنقذوه من الخطر
كان مطارداً منهم لأنه قرر العودة لهم مجدداً والبحث عن عدوه
الحقيقي وحقيقته لينتهي به الأمر أسفل الجرف هو وسيارته وهو
في غيبوبة لم يفق منها حتى الآن وقد لا يحدث ذلك مطلقاً "
كانت عيناه تحدقان فيها بصدمة من كم الحقائق الموجعة قبل
كونها مفجعة وأمسك بذراعيها مجدداً وقال بكلمات سريعة
" وأين هو الآن ؟ "
فعاد الحقد ليسيطر على تلك الأحداق الجميلة وهمست تنظر لعينيه
ونظراته الضائعة بين الصدمة والتصديق
" أخبرتك بأنه يقاوم الموت وبقلب ميت ... يموت يا وقاص
وكل ذلك بسببكم ولن أغفر لكم ما حييت "
فتركها حينها واستدار بجسده ليصبح جانب وجهه مقابلاً لها
وغرس أصابعه في شعره وكأنه يمسكه رأسه عن الانفجار بينما
غابت نظراته في الفراغ بوجوم مؤلم وتذكر كلماتها السابقة له
( وهذه قد تلعب فيها العلاقات الشخصية دورا مشابها ... فهي إذاً
ليست من اختصاصاتك ) وفهم الآن ما كانت تعني بذلك وليته
لم يعلم .
وعادت كلماتها لقتله ودون رحمة بينما خرجت ساخرة من بين
شفتيها
" لا يؤلمك ضميرك لأجله يا ابن جدك المبجل فمن يقتل شقيقه
ويتركه خلفه ويغادر أكثر واقعية ممن يجلس يبكي فوق جثمانه "
وما أن أدار رأسه قليلا ونظر لعينيها بينما كانت تمسك أصابعه
قفا عنقه القوي وبالرغم من نظرة الضياع والألم في تلك العينان
إلا أنها لم ترحمه لا من نظراتها الحاقدة التي خرجت من عمق
مأساتها ولا من كلماتها السامة قائلة بكراهية
" لن يشعر أحد منكم بحجم المعاناة التي لحقت بعائلتنا بسببكم
جيلاً بعد جيل لأنكم لم تعرفوها قط "
لكنه وكالعادة تجاهل كل ذلك بقلب رجل متفهم قبل كونه محباً
واستدار نحوها مجدداً وقال بجدية
" أين هو الآن ؟ "
وأتاه جوابها سريعاً وبكلمات قوية
" لا أعلم ... كل ما أعلمه أنه لازال متمسكاً بالحياة التي رفضته
مراراً ولهذا السبب فقط لازلت أنا أتمسك بها "
كانت كلماتها قاسية عليه في المقام الأول قاتلة ومؤلمة فخرجت
الكلمات منه بصعوبة حين همس
" هو إذاً من اخترت الاعتراف بكل تلك الجرائم لأجله "
وجعلت كلماته تلك عيناها تومض بلهب أزرق قوي وهمست
مهددة
" أجل ... ولازلت أحذرك يا وقاص بأن أي أذى قد يمسه بسببك
ثمنه سيكون غالياً جداً "
لكن وكالعادة كانت كلماتها الحاقدة وتهديداتها تطير أدراج الرياح
لدى القلب العنيد المحب فقد قال بنظرة تفكير عميقة
" ما معنى أنه عاد لتلك العائلة للبحث عن عدوه الحقيقي ؟
ألم يقتل ذاك العدو في تلك الليلة ؟! "
وكان جواب المقابلة له الصمت التام فقال بإصرار يمسك
بذراعيها مجدداً
" تحدثي يا زيزقون "
فنفضتهما عنها بحركة غاضبة وقالت
" لا شيء ... لا يوجد عدو له هناك ، هو كان فقط يعتقد بأنه
لوجوده لديهم بعد اختفائه من المستشفى رضيعاً علاقة بسبب
اختطافه وأنهم لم يجدوه مرمياً في طرق مزارعهم كما قيل فثمة
مسافة شاسعة بين شرق البلاد وجنوبها الغربي وأنه ثمة من
كان وراء أفعال زوج والدتي تلك ، وطبيبه اقترح تركه يفعل
ذلك كي لا يزداد وضعه سوءاً "
" طبيبه !! "
همس بها بصدمة لا استغراب فكان جوابها المبدئي ابتسامة
ساخرة لم تحمل في طياتها أي معنى للمرح بل ألماً مدفوناً بجميع
معانيها وقالت أخيراً
" أجل ... فما لم تعلمه بعد بأن تلك الليلة بل والأيام القليلة التي
عاشها معنا هناك تركت ندوباً في روحه لم تشفى حتى الساعة
وفقد النطق نهائياً منذ تلك الليلة "
ولم توقفها نظرة الألم التي تغلبت على صدمته وتابعت قتله
ودون رحمة
" كما يؤسفني أن أخبرك بأنه كان يحرق نفسه ليلاً لأنه لم
يتخلص بعد من ذنب ما لم يكن قادراً على ردعه ويحدث
أمام عينيه "
فغرس أصابعه في شعره ونظراته الضائعة لازالت تحدق في
عينيها وهمس بأسى
" زيزفون.... "
" أصمت "
أسكتته صارخة بأمر وتابعت على الفور وبحقد دفين
" لا أريد سماع أي كلمة منك فلن يطفئ أي شيء ستقوله أو
تفعله النار المشتعلة كالجحيم في داخلي لأعوام طويلة وكل
تلك المآسي التي عانيناها بسبب جدك وبسببكم جميعاً من بعده "
حرك رأسه بضياع متمتماً
" هو لا يعلم عنه ؟! "
اشتدت قبضتاها بجانب جسدها وقالت بضيق
" كان كل شيء موجوداً في تلك الأوراق وأكثر من ذلك أيضاً
لكنك وبكل غباء تركتها وأهملتها لتصبح في يد شقيقك نجيب
ليحولها لورقة ضدي "
اتسعت عيناه بصدمة وقال
" ضدك ! "
قالت مباشرة وبذات ضيقها
" أجل وماذا كنت تتوقع منه ؟
أم كنت تتصور بأني أخرج معه وبرفقته راضية ؟
أنا على استعداد لفعل كل شيء ليحول دون تسليم عنق شقيقي
لحبل المشنقة فالقتل أصبحت عقوبته القتل في محاكم البلاد
هناك إن نسيت "
شد قبضتيه بقوة آلمته وقال بحزم
" وأنا لن أسمح له بجعلك نسخة عنه وإن قتلته "
ابتسمت بسخرية قبل أن تتمتم
" لن تستطيع فعلها فالقانون الذي تمثله سيحميه هو لا أنت حينها
وكما حدث مع زوج والدتي قبل أعوام .. إنه قانون الغاب عليك
أن تؤمن بذلك "
استدار موليا ظهره لها وتحرك من هناك ووجهته حمام
الغرفة قائلاً
"بل العدالة هي من تنتصر نهاية الأمر وسأثبت لك ذلك .. قسماً "
وفتح الباب بعنف وانحنى ورفع المفتاح المرمي فوق أرضيته
الرخامية السوداء اللامعة وغادره ووجهته باب الغرفة الذي
غرسه فيه لتوقفه اليد التي اشتدت أصابعها الرقيقة على مرفق
يده الأخرى موقفة إياه وما أن التفت ناحيتها ونظر لعينيها حتى
قالت بعدائية واضحة
" لن أسمح لك ولأي كان بأذيته يا وقاص وإن كان تحت
مسمى الحماية "
وأشتدت قبضة أصابعها البيضاء على ذراعه من تحت قماش
سترته السوداء الفاخرة مع اشتداد أحرف كلماتها المتوعدة
بتهديد
" إن فكرت فقط فيما قد يؤذيه وإن من أجل تبرأتي أمام القضاء
فسأقتلك يا وقاص ... قسما سأفعلها ولن يرف لي جفن "
فلاذ بالصمت نظره لم يترك عينيها المحدقة فيه بتصميم يؤكد
صدقها التام فيما تقول وستفعل وكان جوابه أن استدار ويده تدير
المفتاح ليفتح الباب الذي أدار مقبضه بيده تلك بينما يده الأخرى
كانت تبتعد عن قبضة أصابعها تباعاً ، وما أن أصبحت في راحة
يده حتى قبض عليها بأصابعه الطويلة القوية بقوة وكأنه يثبت
لها ما قاله في صمت بالصمت دون أن يتحدث ولا أن ينظر
لعينيها المعلقة بما يظهر لها من ملاحه في مشهد جمد تماماً
سوى من نظراتهما التي انتقلت للباب الذي فتحه للتو بل وللذي
ظهر واقفاً أمامه ولم يكن جده ولا نجيب بل ولم يكن فرداً من
تلك العائلة بأكلملها بل ... جمانة .
والتي قابلت كل ذلك بعينين متسعتين من الصدمة انتقلت بين
عيني الواقف أمامها ويده التي تركها خلفه تمسك بقوة أصابع
الواقفة هناك قبل أن يترك كل منهما يد الآخر بينما كانت وكما
يبدو لا تعلم بوجوده هنا ولم تتوقعه فكيف والباب مغلق عليهما
بالمفتاح !
نظرة كانت كفيلة بوصف ما يحدث داخلها حينها ودون أن
تتحدث وكأن روحها فارقت جسدها للتو وخلفته شاحباً بلون
الجدار الأملس خلفها ، وما أن انتقلت بها للواقفة خلف زوجها
اتسعتا بغضب أمام التي لا تراها سوى العدو الحقيقي لها في
الحياة وقد جسدت سعادتها بأكملها في شخص هذا الرجل الواقف
بينهما الآن والذي باتت أكبر خطر يهدد علاقتها به كما ترى
واشتعلت النيران في داخلها أكثر ما أن ابتسمت لها تلك الشفاه
الأنثوية الجميلة والتي اصطبغت بلون زهري طبيعي لا علاقة
لمستحضرات التجميل به بسبب شدة بياض البشرة الناعمة
المحيطة به ... لا بل هي لم تبتسم لها بل كانت ابتسامة انتصار
شامتة تلك التي قذفتها بها كالرصاصة القاتلة وهي تقف أمامها
مهزومة مجدداً ومرة تلو الأخرى وذاك ما كان واضحاً وفهمته
على الفور .
بينما ما كان يدور في عقل منافستها الأولى هناك كان مختلفاً
تماماً .. كان مزيجاً من التناقضات تتضارب داخلها حتى أنها باتت
تعجز أحياناً عن فهمها وأولها تلك الابتسامة التي أهدتها إياها !
وكانت رد فعل لا إرادي وجدت نفسها مستمتعة به حد الثمل وهذا
ما باتت تستغربه وهي من كانت منذ أشهر قليلة وفي ذات هذا
المكان والمنزل لا تعير هذه المخلوقة بالاً ولا زوجها معها لكنها
من دفعها لذلك ، أليس هذا هو التفسير المنطقي ؟ بلى هو كذلك
ولن تبحث عن أي سبب آخر غيره وطالما ستفتح تلك الساذجة
النار في وجهها فهي لها بالمرصاد ولن تحاسبها على رجل هو
زوجها قبلها قد سلمتها إياه دون أن تأبه ولا أن تكترث حين
أخبرها مطر شاهين وقبل موعد زواجهما بيومين فقط بأنها إن
كانت تعترض فسيتدخل لإيقاف ذاك الزواج على الفور وبأي
طريقة كانت لكنها لم تهتم فهي أساساً لم توافق على ذاك الزواج
من وقت حدوثه ولم تفكر في محاربة أي امرأة كانت ستقترب من
ذاك الزوج المجهول حينها ، لكن الآن بات الأمر مختلفاً تماماً
فستُعلم هذه الحشرة الوضيعة درساً لن تنساه ما عاشت مادامت
تستفزها وتستنقصها بالطريقة البشعة التي باتت تستخدمها
وستريها حجمها الحقيقي قبل أن تكتشف بأنها زوجته قبلها
والأحق منها به ورغماً عن أنفها الجديد البشع هذا .
وازدادت ابتسامتها اتساعاً ما أن انتقلت تلك النظرات السابحة في
الدموع والصدمة معاً للواقف بينهما مجدداً لكنها رفعت رأسها
بكبرياء ذات الوقت وقالت بكلمات جاهدت باستماته لتكون أيضاً
أقوى من داخلها المهزوز المحطم
" لن تفكر في توجيه السؤال الذي يدور في ذهنك الآن لي
لأنك مطالب بالمثل يا وقاص "
وسحبت نفساً قوياً لصدرها ما أن أنهت عبارتها تلك وكأنها
تسجن عبرة ما وسط أضلعها بينما كان جواب الواقف مقابلاً لها
الصمت ولا شيء غير الصمت ، كانت ستتوقع ذلك منه لكنها
تمنت فقط أن تجد تبريراً مقنعاً لديه يخالف الواقع القاسي ،
وأتاها الجواب بالفعل لكن ليس منه بل من آخر شخص كان
يتوقع كلاهما أن يتحدث حينها وهو التي كتفت ذراعيها من خلفه
لصدرها وقالت بسخرية تنقل نظرها بينهما
" لا بالطبع لن يجيب بينما أنت من عليه التبرير وشرح سبب
تواجدك هنا "
فتنهد حينها وقاص مغمضاً عينيه فها هي الحرب بدأت وحين
تكون الواقفة خلفه الآن طرفاً فيها يعلم جيداً ما الذي ستصل إليه
، وما أن فتح عينيه حتى وقع نظره مجدداً على الواقفة أمامه
تنظر له ولعينيه تحديداً نظرة انكسار وتحطم أتقنتها عبر السنين
لتستعطفه بها ، لكنها كانت حقيقية حينها فالأمر كان يفوق
مقدرتها الهشة على الصمود ، ونجحت نهاية الأمر في أن تنتقل
بهما لمرحلة الجمود ووجهت كلماتها له مجدداً بينما كانت تصيب
بسهامها القاتلة شخص آخر
" لما لا تتحدث يا وقاص ؟ فلن أستغرب ما يحدث هنا من امرأة
مثلها تركض خلف شقيق زوجها المتزوج أما أنت ....!! "
واختفت الكلمات مع حشرجة صوتها وبحته المفاجأة من كتم ما
لم يعد يمكنها التحكم فيه أكثر نظراتها الآسية لم تترك عينيه بينما
وصله بوضوح صوت التي همست من خلفه بسخرية
" يا للآداء السيء "
مما جعله يستدير للخلف من فوره مقابلاً لها وقال بحدة
عاقداً حاحبيه
" زيزفووون !! "
فأدارت حدقتيها بضجر وكأن آخر ما تهتم به هنا هو رأيه فيما
تقول وتفعل ، بينما كان التعليق من التي أصبحت تقف خلفه الآن
والتي صرخت بانفعال مفاجئ
" اتركها تثبت لك أكثر من تكون فيبدو أنك لم تعرف هذا النوع
من ال****** بعد "
" جمانة اصمتييييي .... "
وكان صراخه الغاضب من نصيبها هي هذه المرة ما أن استدار
ناحيتها مجدداً وبحركة سريعة رافعاً سبابته في وجهها ولم تترك
له المجال لقول أي شيء آخر ولا توبيخها على كلمتها تلك أو
الدفاع عن التي لازالت تنظر لها بسخرية واستنقاص بل
واستصغار وكأنها حشرة أمامها وذاك ما كان يزيد من نارها
اشتعالاً وتابعت بذات صراخها الغاضب المنفعل
" وليس لأي أحد أن يستغرب هذا من أمثالها تربت على يد
فلاحة جاهلة لتكون مثلها عاهر.... "
" جمااااااااااانة "
ألجمتها صرخته المدوية الغاضبة تماماً بينما انتقل بجسده ونظره
للتي كان يتوقع جيداً رد فعلها حين تصبح جدتها محط هجوم
والذي يبدو جمانة تتعمده لعلمها بحساسية الأمر بالنسبة لها
فكيف أن يكون بهذه الطريقة ؟ وكان يجهز نفسه لإحتمالات كثيرة
سيئة أولها منعها من الهجوم عليها كما فعلت سابقاً مع شقيقتها
ووالدة نجيب قبلها ، وكان بالفعل ما رآه هو الشرر الأزرق
المتطاير من عينيها بينما كان نظرها مصوباً على فريستها هناك
، وأول رد فعل له كان أن مد ذراعه بينها وبين الباب ممسكاً
إطاره بأصابعه بينما كان يستدير بنصف وجهه للواقفة خارجه
وصرخ بها آمراً
" جمانة غادري من هنا فوراً "
لكن وكما يبدوا لم يكن في نيتها الانصياع ورأي الواقفة في
الداخل كان المثل حيث صرخت تشير بسبابتها لها بينما خطواتها
تقترب منه عند الباب
" ولما تغادر اتركها تعرف ال****** أولاً وما يفعلن "
وما أن وصلت عنده وكما خبرها ويعرفها وتوقع رد فعلها كان
سلوكه دفاعياً أيضاً ويده تنتقل من الباب لخصرها ليمنعها من
التفكير في الخروج لها فلن يرتاح لها بال ما لم تطرحها أرضاً
حينها وهذا ما هو أكيد منه ، ومتأكد من أن الواقفة هناك تريده
وكانت تسعى له لتستخدمه ضدها أمام والدها وجدهما ، لكنها
اتبعت أسلوباً مغايراً هذه المرة لم يتوقعه كلاهما وليس لهما أن
يرسما له ولا أبعاداً خيالية في عقليهما وهي تقف مكانها
وخصرها النحيل لازال سجينا لذراعه بينما وجهت كلماتها الحانقة
القوية للتي كانت تنظر لها بتحدٍ تحثها على ما كانت تريده
وتتوقعه
"هو نوع جديد من ال****** إذا ؟ معك حق فهذا هو ما يفعلنه "
وما أن أنهت عبارتها تلك استدار جسدها بنصف دورة فقط
وارتفعت بجسدها على رؤوس أصابعها ويدها تلتف حول عنق
الذي ألجمته الصدمة تماماً عن منعها من تقبيله ... كانت قبلة ...
قبلة حقيقية لا تزييف ولا خيال فيها ألجمته وكأنه تمثال صخري
لم يوقظه من سباته ذاك ولا الشهقة الأنثوية المرتفعة والقريبة
منهما حتى ابتعد عنه ذاك الجسد الأنثوي بملء إرادته وهوت يده
عن خصرها ينظر لها بعينين متسعتين من الصدمة وقلب يصفق
كنافذة قديمة مفتوحة في مهب الريح بينما علقت أنفاسه حيث لا
يعلم ! في حالة لم تشبه بتاتاً وضع التي كانت تنظر له بعناد ترفع
إحدى حاجبيها البنيان الرقيقان في حركة أنثوية فتاكة وكأنها
تتحداه بالرد عليها وبأي طريقة كانت وإن بضربها ، بينما كان رد
فعله الوحيد أن أدار نظره ووجهه للتي لم تجتز أيضاً تلك الصدمة
بعد تحدق في ملامحه بنظرة تشبه نظرته تلك ، الاختلاف الوحيد
أنه وبسرعة البرق غزى تلك الأحداق الأنثوية المفتوحتان بصدمة
سحابة كثيفة من الدموع حجبت الرؤية عنها مما جعلها تركض
مغادرة المكان في صمت فانتقل نظره حينها منها للتي لازالت
تقف أمامه بينما نظرها على الباب المفتوح وقد نقلته سريعاً له ما
أن قال بصوت مزج الضيق والغضب وعدم التصديق أيضاً
" زيزفون ما هذا الذي يحدث ؟! "
ورفع يده لا شعورياً لشفتيه وسرعان ما نقلها بحركة عنيفة
لشعره مروراً بفكه المتصلب وشد خصلات شعره المرتب بين
أصابعه وهو يصرخ فيها بانفعال
" ما هذا الجنون ...!! سحقاً لك من امرأة يا زيزفون "
وكان ذاك ما أشعل الجبل الجليدي الواقف أمامه وجعلها تبادله
الهجوم بوتيرة مماثلة صارخة
" مجنونة ... فما الذي ستتوقعه من امرأة مجنونة مثلي ؟ "
وتابعت بحدة تشير بسبابتها نحو الباب
" ولا تخف كثيراً على مشاعرها فبكلمة واحدة منك ستتغير
الأمور كالعادة "
لكنه لم يسمع شيئاً مما قالت وكان لازال يتخبط بين صدمته
وتشتت مشاعره فعاد للصراخ مجدداً يلوح بيده بانفعال
" زيزفون ما هذا الذي تتفوهين به ؟ ماذا .. ما .. "
وخانته الكلمات وعاد يحاول صياغتها مجدداً بانفعال أكبر
" ما هذا الذي فعلته وأنت ... وأنا .... "
وحين عجز عن صياغة أي جملة تامة صرخ نافضاً سترته
المفتوحة
" سحقاً لجنونك .. ما هذا الذي فعلته ؟ "
وكالمتوقع تماماً وما أن تثور حفيظته من أجل تلك الزوجة كما
تظن فالمواجهة ستكون بذات العنف والقوة فصرخت فيه من
فورها تنفض سبابتها بعشوائية
" فعلت ما يحلو لي وسأفعلها متى وحيث أريد ورغماً عن
الجميع وأنت أولهم "
وقالت آخر كلماتها تلك تشير لوجهه فما كان منه إلا أن حرك
رأسه بعنف قبل أن يغادر من هناك نافضاً طرفا سترته من جديد
فقد أعجزته هذه المرأة عن التعبير ولا حتى التفكير في أي
عبارات أو ترتيبها بسبب ما فعلت لا مراعاه لمشاعر زوجته تلك
أو غضباً من أجلها كما تظن ، بينما ما فعلته هي كان مماثلاً وهي
تصفق الباب خلفه بقوة واستدارت من فورها وتحركت جهة
الأوراق التي وضعتها على الطاولة هنا متمتمه بحنق
" هذا ليس سوى درساً صغيراً لها ولم ترى شيئاً بعد من حفيدة
الفلاحة ال***** "
ورفعت الأوراق بعنف تقلبها بين يديها بحركة عشوائية غاضبة
تفكر في الطريقة التي ستخرج بها من هنا وحدها دون أن يشعر
بها أحد ، بينما لسانها كان لازال يرمي بحممه الغاضبة كحركتها
العنيفة تلك
" إذهب لها الآن ... أجل فهذا كل ما يعنيك أن لا تغضب منك ،
تلك المهرج الأحمق قسماً أن تندم "
وكان ذاك أيضاً أسلوباً جديداً عنها تخمد به نيران غضبها الذي
قلما كانت أيضاً تخرجه للعلن ، بينما من تركها هناك كان خط
سيره مختلف تماماً عن اعتقاداتها واتهاماتها فلم يصعد السلام
خلفها كما فكرت كلاهما بل دار حوله حتى كان عند باب مكتب
جده الذي طرقه ودخل من فوره ووقف ينظر له بينما رفع
الواقف هناك عند درج طاولة مكتبه المفتوح نظره عن الأوراق
في يده ناحيته فأغلق الباب وقال بجدية
" جدي علينا أن نتحدث الآن وعن أمر مهم جداً "
*
*
*
Nesrine Nina, ام الانصاري and جولتا like this.
رد مع اقتباس
#12650
قديم 29-03-20, 12:39 AM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
رمت قميصاً آخر في الحقيبة المفتوحة فوق السرير قبل أن تنهار
جالسة بجانبها ودفنت وجهها وعبراتها في يديها تبكي بحرقة ألم
الذل والإهانة .. والأسوء من كل ذلك هو جرح الخيانة القاسي ،
لا تستطيع مسح صورتهما من مخيلتها ولا عينيها وكأنها لازالت
واقفة هناك ، كانت طعنةَ أن تجده في غرفتها يغلقان الباب عليهما
كافية وحدها لقتلها ايذبحانها أيضاً بطريقة خروجهما من هناك
ويدها في يده ، لا ولم يكفيهما ذاك ليصل بهما الأمر أن ....!!
يا إلهي لا يمكنها ولا نطقها أو التفكير فيها وقد تلقت من تلك
المرأة صفعة أقوى من مخيلتها فقد انتصرت عليها وبجدارة
وكسبت الحرب ... لا هي لم تكسب بعد ، رفعت رأسها ومسحت
الدموع من وجنتيها بقوة تبعد خصلات شعرها عن وجهها ووقفت
وغادرت الغرفة فما يحدث هنا الآن لم يعد حرباً بين امرأتان على
رجل هذا تعدى ذلك بكثير ولن تصمت عنه أبداً ولن تغادر وتترك
والدها يتحدث نيابة عنها بل ستفعلها بنفسها قبل ذلك .
وكان ذاك ما فعلته بالفعل وهي تنزل السلالم الواسع بخطوات
شبه راكضة حتى كانت في الأسفل ووجهتها ذاتها التي سلكها
زوجها قبل قليل حيث الباب الضخم المرتفع والذي فتحته ودون
طرق ووقفت مكانها تنظر للذي قطع حديثه والتفت لها ، وما
فهمته أنه كان يناقش جده في التحدث عن أمر ما بينما كان
ذاك يحاول إقناعه بتأجيله لوقت لاحق من قبل أن يعلم ما يكون
فتبادلت معه نظرة صامتة ختمتها بأن رفعت أنفها في وجهه
وعيناها المجهدة من البكاء تنظران له بكل معاني الغضب
والازدراء في آن معاً ، وما أن تقدمت بخطواتها نحو الداخل حتى
التقطتها نظرات جده المستغربة والمتفحصة من حال وجهها
المزري لشعرها المبعثر بفوضوية وأنفاسها المتلاحقة من الغضب
والركض وقالت من قبل أن يعلق على شيء
" سيد ضرار عليك أن تعلم والآن ما فعلته حفيد.... "
وانقطعت كلماتها بسبب الأصابع التي التفت حول ذراعها والتي
قال صاحبها وهو يخرج بها من الباب الذي تركته مفتوحاً بعدها
" هذا الأمر لا علاقة لجدي به ولنا فيه حديث يا جمانة "
وأمات جميع محاولاتها الغاضبة للفكاك منه ، بل وجميع عباراتها
الشاتمة الوقحة التي وصفتهما بها لم تجعله يتراجع عن سحبها
معه للأعلى حتى وصل بها جناحهما وضرب بابه بقوة مغلقاً إياه
وحينها فقط أفلتها من قبضته القوية مما جعلها تندفع أمامه لعدة
خطوات بسبب حركتها العنيفة ، وسرعان ما استعادت توازنها
والتفتت ناحيته وما أن انفرجت شفتاها باتساعها لرمية بسيل آخر
من السباب الغاضب صرخ مسكتاً إياها
" يكفي يا جمانة فقد سمعت ما يكفي "
وما أن كانت ستتحدث مجدداً والغضب يشتعل في عينيها كالبركان
صرخ يسبقها وسبابته تشير لها بحركة عنيفة
" أصمتي فأنت السبب فيما حدث "
لتلجمها عبارته تلك تنظر له بصدمة وهمست بعدم استيعاب
" أنا السبب ! أهذا ما استطعت قو.... "
قاطعها مجدداً وبنبرة حادة حازمة
" بلى أنت السبب وهذا لم يكن سوى نتيجة استفزازك لها
وإهانة جدتها المتعمدة "
وكان رد فعلها المفاجئ أن رفعت رأسها للأعلى وجلجل صوتها
في ضحكة عالية كانت تحمل جميع المعاني إلا المرح قبل أن
تصمت تماماً وتنظر له ودمعة يتيمة تنزلق فوق خدها الأيمن
وقالت بهدوء حمل الكثير من الرفض والاستهجان
" استفزازي لها ؟! مقتنع تماماً بتبريرك لتصرفها ألا أخلاقي
يا وقاص درجة أن تدافع عنها وتتهمني ؟ "
قال بنبرة حادة قوية
" أنا لا أبرر لها ولا أنكر أنها مخطئة لكنها ما كانت لتفعل ذلك
ولا كانت ستفكر فيه لولا حديثك والطريقة التي اتهمتها بها في
أخلاقها وتربيتها بل ومن ربتها أيضاً فما ستتوقعين من شخصية
عنيدة هجومية مثلها حينها ؟ "
فصرخت مجدداً والدموع تملأ عينيها
" توقف عن التبرير وإيلامي أكثر يا وقاص فذاك يقتلني أكثر
مما رأته عيناي وحدث أمامي يا زوجي .. "
وتابعت بحرقة تشير لنفسها بكلتا يديها والدموع تسقي وجنتيها
الممتلئتان
" زوجي أنا ... زوجي يا وقاص تخرج من غرفة امرأة كان بابها
موصداً عليكما بالمفتاح يدك تمسك بيدها ولم يكفيها هذا فت...
تقب... "
واندفعت الكلمات منها بصراخ منفعل
" أقسم أني أخجل من نطقها ، ومجرد التفكير فيها يرسلني
للجنون وأنت تقولها هكذا وبكل بساطة أني السبب !
ما هذا الذي يبيح لامرأة فعل ذلك ومهما قلت لها أو كانت
أسبابها ؟ "
وكان جوابه الصمت قبل أن يرفع يديه ومسح وجهه بهما يسحب
لصدره نفساً عميقاً وحدق في عينيها الباكية وقال بجدية
" جمانة ما عليك معرفته الآن صدقته أم لا فتلك مشكلتك بأني
كنت في غرفتها من أجل أمر مهم تحدثنا عنه لا يخصها ولا
يخصني بل شخص ثالث أنت لا تعرفينه ، أما ما فعلته زيزفون فلم
يكن سوى لاغاضتك ونتيجة لما قلته فأنا توقعت حتى أن تحاول
ضربك كما فعلتها سابقاً مع شقيقتك ، أما أنا فلست أعنيها في
شيء ولا تعتبرني رجلاً يختلف عن الحارس الواقف عند بوابة
القصر ... تعين ذلك أم نعيد ؟ "
فازداد حالها سوءا بمحاولته التبرير بدلاً من أن يقنعها
وقالت ببكاء
" لا أعي شيئاً ولن تعيد و.... "
وانهارت باكية وانحنت بجسدها قليلا وبدأت بضرب وجهها بيديها
بقوة تتطاير معها خصلات شعرها الأسود متباينة الطول فتوجه
نحوها وأمسك بيديها يوقفها عن فعل ذلك قائلاً بحدة
" جمانة توقفي فقسماً أن ما قلته حقيقي "
فابتعدت عنه ونفضت يديه عنها بحركة قوية وقالت بغضب
مشتعل تجيب عن شرحه ذاك هذه المرة
" لكنك تهتم يا وقاص وليست هي بالنسبة لك كأي امرأة أخرى
لكنت دفعتها عنك وصفعتها لتريها حدودها التي باتت تتعداها
بوقاحة لم تراها عيني سابقاً "
وكان جوابه أن بادلها الصراخ الغاضب ينقل يده بينها وبين الباب
الذي دخلا منه
" لم أرفع يدي عليك يوماً لأرفعها عليها ، وإن كنت كذاك
لصفعتك قبلها حين نعتها بال***** بل وجدتها التي لم تعرفيها
يوماً وقد ثبتت براءتها من قبل موتها ونسب جدي ابنها له وإن
كان ميتاً بل وقانونياً أيضاً "
فاتخذت موقف الدفاع هذه المرة حين ذكرها بوقاحتها تلك وقالت
مدافعة بشراسة
" هي السبب .. ألم تسمع ما قالت تتعمد استفزازي ؟ وإن كان
كذلك فلا يبرر لها ما فعلته وهي متزوجة وأمام زوجتك "
وعادت للهجوم الغاضب صارخة
" قسماً لم ترى عيناي أمرأة سافلة سوقية مثلها .. الساقط.... "
قاطعها بصراخ غاضب
" توقفي يا جمانة يكفي صراخاً وشتائم بذيئة لا طائل منها ،
والحقيقة قلتها ولك أن تفعلي ما شئتِ "
ولوح بسبابته في وجهها قائلا بحزم
" وليكن معلوماً لديك فقط بأنه لا إخبار جدي ولا والدك سيغير
شيئاً لا سلباً ولا إيجاباً ، واتخاذ أسلوب التحدي معي لن يجلب لك
سوى المتاعب فليس يعنيني لا طرد جدي لي من منزله ولا
أعماله وتعلمين ذلك جيداً أما علاقته بوالدك فآخر اهتماماتي "
اتسعت عيناها وأشارت لنفسها هامسة ببحة
" تهددني يا وقاص ؟ "
كرر إشارته بسبابته قائلا بحدة
" بل أحذرك وثمة فارق شاسع بينهما فالطريق الأسلم لك هو
نسيان ما حدث كما أجزم بأنها فعلت ذلك فلن يقدم لك جدي حلاً
ضدها ولن تغادر منزله كوني أكيدة فهذا بالتأكيد ما تفكرين فيه
الآن ، ولن يسمح بخروجي بك من هنا ولا بتهديد من والدك "
صدمها أن حلل الأمر بالشكل الصحيح تماماً وغفلت عن أن ذكائه
سيوصله لذاك الاستنتاج بالتأكيد فابتعدت عن الحديث في اتهامه
قائلة بانفعال رافض
"أنت تهذي بالتأكيد ! كيف لي أن أنسى ذلك ... ما هذا الجنون "
وأشارت هي له بسبابتها هذه المرة قائلة بقوة وإن ارتجف
جسدها من ثقلها عليها
" بل وهل ستنساه أنت ؟ إطرح هذا السؤال بينك وبين نفسك
لعلك تجيبها لأنك لن تفعلها معي "
وما أن أنهت عبارتها تلك دخلت باب غرفتها وضربته خلفها بقوة
زلزلت الجدران حوله فرفع رأسه عاليا يشد خصلات شعره
بيديه ... ينساه !! ينسى ما حدث ! قسماً لازالت أوصاله ترتجف
حتى الآن ولم يستطع ولا أن يرتب جملاً يقولها لجده ليمنعه من
المغادرة قبل أن يستمع لما سيقول فكيف ينساه !
بل وكيف سينسى تصلب جسدها بين ذراعيه وكأنها كانت ترغم
نفسها مكرهة على فعلها فهل تشمئر منه وتكرهه لهذا الحد ؟
لما تفعلها إذاً ؟ كل ذلك لتنتقم لنفسها منها ؟
أخرج أصابعه من شعره بحركة عنيفة وتحركت خطواته جهة
غرفته متمتماً بضيق
" مجنونة ... قسماً أنك فقدتِ عقلك يا زيزفون"
ودخل ضارباً الباب خلفه أيضاً ونزع سترته ورماها على الأريكة
قربه وبدأ بفك أزرار قميصه بحركة غاضبة لازالت تمتماته
المشتتة تتدفق من بين شفتيه
" لا وتهدد بفعلها متى وحيث أرادت ! "
رمى قميصه أيضاً بعدما نزعه وتوجه ناحية حمام الغرفة فكل ما
يحتاجه الآن حمام بالمياه الباردة .. باردة كالجليد .
*
*
*
*
*
فتحت باب السيارة ما أن توقف حيث طلبت منه أو حين طلبت
ذلك فتلك أول كلمة تنطق بها منذ أن غادرا ذاك المكان المجهول
عنها حتى الآن ووصلا لشوارع لندن المزدحمة ولم تكن وجهته
مدينة بريستول التي غادرا منها ، تركت باب السيارة مفتوحاً
وراءها كالضائعة المشتتة وسارت مبتعدة عنه تحضن نفسها
وجسدها وألمها مع سترتها الصوفية الخفيفة لم تنظر له وراءها
ولم تهتم إن غادر أم تبعها أم لازال واقفاً مكانه فبالكاد كانت ترى
الرصيف أمامها وحركة أقدام الناس العشوائية عليه بسبب
الدموع التي غمرت مقلتيها الذهبية الواسعة حتى أنها أربكت
حركة بعضهم باصطدامها الجزئي بهم ولم تهتم ... ولما ستهتم ؟
بل وكيف ستفعل ذلك وما يحركها لم تكن إرادتها الذاتية حينها
فهي قطعاً لا ترى أحداً منهم .. لا ترى سوى مأساتها القادمة ..
السواد والضبابية ودموع تجزم أنها لن تتوقف لأعوام عديدة ،
ترى مستقبلها كحاضرها اللحظة وكماضيها الكئيب المظلم ذاك ،
وارتفعت يدها لشفتيها تكتم بها عبراتها لازالت تسير في خط
مستقيم ودون هدى في آن معاً كل ما تراه أمامها هو صورة ذاك
الرجل ينظر لعينيها بقوة لم تعرفها يوماً في غيره ولا في الذي
وصفه بأنه ابنه بالرغم من كل ما تحمله شخصية ذاك الابن من
قوة وانفراد واستقلالية ، حتى أنها فقدت النطق أمامه تماماً
وكأنها ليست تلك التي كانت قبل ذلك بقليل تواجه والد زوجها
كلمة بكلمة والند بالند ، تستمع فقط لمخطط قتل أحلامها وذبح
روحها اليتيمة وحرمانها من السعادة حتى الموت .
وعند ذلك لم تفقد رؤية ما أمامها فقط بل والقدرة على السير أكثر
فانهارت جاثية على ركبتيها للأرض وانحنت تحضن نفسها بقوة
وتبكي بمرارة وألم لا يعنيها المكان ولا السائرين فيه ونظراتهم
لها فلا أحد كان ينظر لها أساساً هناك في بلاد وإن سارت فيه
المرأة عارية في الشارع أمامهم لن يهتموا ليهتموا ببكائها أو
نحيبها الموجع .. ماتت ضمائرهم مع قلوبهم كموتها تلك اللحظة
رغم وجودها ضمن الأحياء ، لكن لا ثمة من كان يهتم ومن
شعرت بثقل يده على كتفها حينها ومن بالتأكيد لم يغادر ويتركها
وهو يعلم جيداً ما سيفعله بها كل ما قيل هناك وعلمته من ذاك
الرجل حيث كان واقفاً بجانبها كالتمثال أيضاً ولن يعترض بالطبع
ولن يمانع لكنه أيضاً لم يبدي رأيه ولا تعاطفاً معها فهما متفقان
سلفاً على قتلها ووأد أحلامها الوليدة .
انصاعت له من فورها منهارة القوى ما أن حضن كتفيها بذراعه
وأوقفها بمساعدة يده الأخرى التي التفت أصابعها حول ذراعها
وسارت معه باتجاه سيارته التي ركنها قريباً منها عند حافة
الطريق وقد تحول كل ذاك النحيب المؤلم لبكاء صامت وعبرات
متقطعة حتى أصبحت تجلس بجانبه مجدداً وانطلق للمكان الذي لا
تعلم شعر بأنها تحتاجه الآن تحديداً أم أرادها فقط أن تودعه قبل
الأوان فهي بالفعل ستفقده وإن كانت فيه ووسط جدرانه .
وقف بسيارته أسفل المبنى السكني ففتحت باب السيارة من
فورها ونزلت منها وبخطوات مسرعة رغم تعثرها دخلت الباب
الزجاجي المفتوح وصعدت العتبات راكضة وفتحت الباب الذي
لازال يترك نسخة عن مفتاحه لديها ، وما أن انكشفت لها
جدرانها وتفاصيلها التي عشقتها في فترة قصيرة وغمرتها رائحة
عطره القوي العالق بكل زاوية فيها وبخطوات راكضة وصلت
باب غرفته فتحته وتابعت ركضها جهة سريره الذي ارتمت عليه
من فورها تدفن دموعها وعبراتها في ملاءته الناعمة تشدها
بقبضتيها بقوة فستحرم من كل هذا ... من هذا كله وبملء إرادتها
وستخسره للأبد هي موقنة من ذلك ولن تكون النهاية كما يدّعون
ويخططون لها بل ستخسره وهو موجود أمامها ثم ستفقده للأبد
لأنها نهاية كل رجل شجاع عاش بشجاعته وتضحياته في الظل
أليس كذلك ؟ أليست هذه المعادلة الصحيحة مع أمثاله دائماً ؟
بكت دون رادع ولا قيود ... بكت بحرقة وألم ولا شيء آخر بيدها
تفعله فذكرى كلمات ذاك الرجل وعباراته الحازمة والآمرة تنسف
أي محاولة لعقلها لإيجاد الحلول المغايرة والأقل ضرراً عليها قبل
الجميع ، لكن لا حل كما قال .. لا حلول بديلة على الإطلاق .
اشتد بكائها حتى باتت أنفاسها تخونها وتكاد تفقدها للأبد وكلماته
القوية تلك تضرب قلبها كالسياط
" تيم إبني ولن أسمح لشيء ولا لأحد بأذيته أو أن يكون سبباً
فيها ولا أنت ماريه هارون "
هكذا استقبلها ودون رحمة ولا مقدمات ! بل ونسبه لنفسه بكل
تملك وكأن ليس والده الحقيقي ذاك الذي يقف معها مقابلاً له !
بل وأضاف وبنبرة أشد قوة من سابقتها كفيلة بتحويل الجبل
الشامخ لرمال
" لم تكن تلك المرة الأولى التي يطالبني فيها بإحضارك إلى هنا
وكان جوابي الرفض التام في كل مرة لكنه وما أن علم بتعرضك
للأذى الجسدي من عمك ذاك رأيت في عينيه عناداً لا سابق له
لأوامري وعلمت بأنه سيتهور إن أنا رفضت مجدداً ، وخشية
عليه فقط وافقت حينها وظننت بأن الأمر سينتهي بإقامتك في
منزل عم والدته هنا فهو يدرك جيداً أن اقترابك من عالمه فيه
خطر كبير عليه وعليك أيضاً ، وبدأ تيم الذي أعرفه يتغير شيئاً
فشيئاً يرفض الأوامر وإن كانت من أجل سلامته وموافقته السابقة
لجلبك وتركك بعيداً عنه تلاشت بعد أيام قليلة وبضغط منك .. هذا
ما أنا متأكد منه ثم وبجنون قرر أن ينقلك لمنزله وبدأنا نفقد تيم
ذاك بالفعل ..
عناد تجاهل للأوامر وتعنت لما يدرك جيداً بأنه خاطئ وليس في
صالحه ولا صالحك ، بات يرفض الأوامر والمهام بحجة وبدونها
فقط ليرضيك بالرغم من أنه عاندني وأخبرك عن مهمته التي
تربطه بابنة الجنرال غامسون "
وتلا حديثه ذاك صمتٌ مخيف واشتدت أصابعها في قبضة واحدة
حتى ألمتها يداها ولم تستطع التحدث ولا مناقشته أو حتى الإنكار
فقد سرد ما حدث بالفعل وكأنه كان معهما طيلة الفترة الماضية
ومنذ أصبحت هنا !
فهو بالفعل عمل بأوامر واتفاقهما الذي كانت تجهله وتركها في
منزل عم والدته ووالدها ثم بدأت بالضغط عليه كما قال ، كانت
تعترض وتحتج على واقعهما ذاك وحين شرح لها ظروفه وبأنه
يصعب تواجدها في عالمه وبأنه يحتاج لبعض الوقت فقط لآنت
واستجابت لتظهر حقيقة ابنة ذاك الجنرال .. الأمر الذي ها قد
ظهر بأنه عاند فيه رئيسه أيضاً من أجلها والأمر الذي فجّر كل
شيء .. قلب ماريه ومشاعر ماريه وغضبها الأسود عليه أيضاً
وبات سماعه والاقتناع بما يقول أمر لا يزيدها سوى هجوماً
عنيفاً عليه ورضخ لضغوطها نهاية الأمر ...
هكذا هي الحقيقة رواها كما حدثت كاملة أنكرتها أم اعترفت بها
ولا يبدو أنه كان ينتظر هذا الاعتراف ولا أن تتحدث ولم يكن
صمته القصير ذاك إلا بسبب ما سيضيفه ، وارتجف جسدها لا
شعورياً ما أن ضرب بقبضته الطاولة تحته بقوة وملأت الدموع
عينيها فور أن خرجت كلماته القوية بحدة هذه المرة
" تيم إبني ... لا أحد ولا الواقف بجانبك الآن يستطيع مجادلتي
في ذلك وهو أهم لديا من كل شيء حتى الوطن ، ومن أجل
سلامته كنت لأرجعه للبلاد الآن وأبعده عن الخطر لولا تلك
المنظمة والرقاقة التي يزرعونها بداخله فاختفائه الآن سيكون
تهوراً وحماقة ستكون ثمنها حياته وسيموت أمامنا ولن يستطيع
أحد فعل شيء له "
وعند هنا سحبت الهواء في شهقة واحدة مصدومة وكأنها ترى
ذلك أمام عينيها الآن وتتخيل فضاعته ولم تستطع أيضاً النطق
بشيء بل ولم يترك لها الواقف هناك المجال وهو يجلس على
كرسي مكتبه الجلدي الأسود مرتفع الظهر كأسد يجلس فوق
صخرة عالية لا تزيده سوى شموخاً ورفعة بينما تحولت لهجته
لما يشبه الفولاذ الصلب حين انخفضت بما أظهر بحتها المميزة
بطريقة زادت صوته قوة وعمق وهو يقول
" غاستوني ميديشي .. إنه العم الوحيد لوالد ماري دفيسنت التي
تتقمصين شخصيتها الآن وهو أصبح هنا في انجلترا بل وقريباً
جداً من لندن "
توقفت أنفاسها في حلقها حينها وشعرت بخوف لم تفهمه !
هي لا تعرف تلك الفتاة التي وهبتها اسمها ووجودها في هذا
العالم ولا تعلم شيئاً عن عائلتها الإيطالية هناك لكن ما تعلمه جيداً
بأن هذا الرجل لن يقول شيئاً فقط لتبادل الأحاديث ولا للدعابات
وليس هنا وفي هذا الوقت ، ولم يتنازل للقائها لأجل ذلك تاركاً
وراءه بلاد كاملة هو يعد رئيسها الحالي ، وما توقعته ما كان
له إلا أن يكون حقيقياً فقد تابع بنبرة مرتفعة أكثر وكأنه يخاطب
جيشاً يقف معها وبأكثر جدية هذه المرة
" غاستوني ميديشي القائد السابق في البحرية البريطانية
والمتقاعد حالياً له إبن ضابط في البحرية أيضاً ولأنه انضم الآن
لمقر نورثود انتقل للعيش ووالده هنا بينما قد قضا ذاك العجوز
أغلب حياته في المكسيك لم يزر إيطاليا وعائلته الصغيرة هناك
منذ أعوام طويلة آخرها حضوره لجنازة الإبن الوحيد لشقيقه
الوحيد أيضاً والذي يكون والد ماري دفنست ولم يلتقيها حينها
لأنها كانت في زيارة لليونان وتلقت خبر وفاة والدها هناك
وانهارت تماماً بسبب ذاك الخبر ولم تستطع العودة مبكراً لإيطاليا
بينما تكفلت عمتها وابنيها بإتمام مراسم الدفن بينما عاش ابنه
في اسكتلندا منذ صغره مع والدته التي توفيت قبل عامين بسبب
مرض عضال حتى أنهما بالكاد يستخدمان اللغة الإيطالية لقلة
زيارتهما لتلك البلاد وبالرغم من كل ذلك وجودهما الآن هنا يشكل
أكبر عائق أمامك وخصوصاً عمل ابنه ذاك مع الجنرال وبالأخص
تواجدك مع تيم وفي منزله "
حاولت تحريك شفتيها المتحجرة ، أرادت أن تقول وما علاقة كل
ذلك بوجودهما معاً ؟ لكن ثقل فكيها المتخدران منعها ، بل ولم
يكن الأمر يحتاج أن تسأل فقد كان وكأنما يقرأ أفكارها تلك بل
ويبدو أنه درس سلفاً ما ستقول وبما سيجيب فقال بقوة محدقاً
في عينيها
" ما لا تعلمينه أن سبب انتحار ماري هو تيم ... "
فاتسعت عيناها بصدمة لم تتذكر أنها عاشت مثيلاً لها سوى حين
علمت بعلاقته بتلك الإنجليزية الحمراء ومنه تحديداً ، بينما تابع
هو بعد صمت لحظة وكأنه يجرعها الفاجعة دفعات بالرغم من
أنها تشك أن يكون له ذرة إحساس بمشاعرها
" الرجل الذي أحبته وبشكل مرضي ولم تجد لديه أي تجاوب
لمشاعرها تلك بل ورفضها علانية وأمام الجميع مما جعلها تفقد
الرغبة في مواصلة الحياة كما يبدو ، ووجود قريبها الشاب ذاك
قريباً من عائلة الجنرال وخصوصاً ابنته سيحمل الكثير من
الأجوبة عن أسئلتهم المبهمة عنها وبالرجوع لأي فرد من عائلة
عمتها في إيطاليا سيكشف سر ماري وماريه ومن ثم تيم شاهر
كنعان وهو يعلم ذلك كله الآن ولازال يعاند ويغامر بكما معاً من
أجل أفكاره ومعتقداته التي لن تؤدي سوى لهلاكه "
كان صوته يرتفع نهاية حديثه ذاك بغضب أوضح تماماً مشاعره
اتجاه كل ما فعل وقرر ابنه مؤخراً كما يصفه فتعاقبت أنفاسها
وتكدست الدموع في عينيها ولم تستطع استيعاب كل ذلك بسهولة
ولم يساعدها أو يرحمها الذي تابع ينظر لعينيها بقوة تشبه
كلماته
" لن تستغربي بالتأكيد أن كان هو سبب موت تلك الفتاة كما
اتهمته عائلتها هناك ثم حين وصلهم بأنها لازالت على قيد الحياة
وأنها لعبة فقط منها لتكون هنا معه وهذا كان الدور الذي تقمصته
أنت الآن قاطعتها تلك العائلة غضباً مما فعلت وكل ذلك كان من
أجلك أنت ماريه فقد ترك اليونان بسبب هذه الحادثة "
انفرجت شفتاها وعلقت أنفاسها في حلقها بينما شخصت عيناها
فيه بصدمة وتابع هو بجدية يشير بسبابته لطاولة المكتب تحته
" صدقي ذلك فأنت فقط السبب في كل ما فعل ، حتى أنه حين
كبرت ابنتي قليلا وبات الخطر يحدق بي وبجدها هنا كان تيم أول
من عرضت عليه أن يكون زوجها ويحميها من المجهول الذي لا
نعلمه إن حدث لي أي مكروه لكنه رفض أتعلمين لما ؟ "
لم يكن سؤاله يحتاج جواباً ولم يكن على ما يبدو ينتظره منها
فقد تابع من فوره وبحزم شديد وقد أشار لها هي هذه المرة
" وقالها بالحرف الواحد .. أنا زوج لامرأة واحدة فقط ومنذ
كانت طفلة ولن أكون السبب في ألمها ولا من أجل ابنتك "
وضرب بقبضته المشدودة على الطاولة أمامه وكأنه غاضب فعلاً
من رفضه لذاك العرض المغري لأي شخص مكانه !
وغامت صورته أمام عينيها المشبعة بالدموع والألم وانسابت أول
دمعة تنزلق على وجنتها ببطء كشريط حياتها القصير الذي قضته
معه وهو يمر أمام عينيها حينها ، وشعرت بسبابته تخترق قلبها
بألم مهلك ما أن رفعها مجدداً في وجهها من مكانه من هناك
وقال بحزم يشير بها لها
" ذاك كل ما فعله تيم من أجلك وما أجهله سيكون أكثر بالتأكيد
وها قد حان دورك لتكافئيه بالمثل ماريه هارون وتحميه منك
لأنك ستكونين سبباً في هلاكه القريب جداً "
كان ذلك أقسى ما قال وجعل دموعها تنساب الواحدة تلو الأخرى
في صمت ، بل وكل حرف قاله منذ البداية كان قاتلاً مميتاً
وأحرق قلبها ومشاعرها ولم يعد بإمكانها التركيز في كل ما قيل
بعدها وما أمرها به لتفعله لكنها فهمت أمراً واحداً بأنهم قرروا
وبكل قسوة قتلهما معاً بل قتلها هي ودون رحمة فذاك المقاتل
العنيد يعلمون جيداً بأنه أقوى بكثير مما سيواجهه ومن الضربة
الموجعة التي ستوجه لكرامته وكبريائه وليس مشاعره فليست
تجزم بأنه يملك ناحيتها شيئاً منها فهو أقوى حتى من فرضيات
تأذي مشاعره الرجولية أما هي فقد أعلنوا موتها من الآن ولن
تجلبه لنفسها بصور أخرى يخشونها .
*
*
*
*
*
نظرت لوالدتها ما أن سمعا صوت سيارته توقفت أمام باب المنزل
ووقفت دون شعور منها وبالقوة منعت نفسها من الركض جهة
الباب بينما تبع نظرها التي فعلت ما عجزت هي عنه حين غادرت
متمتة
" حمداً لله على الأقل ها هو بخير "
ووجدت خطواتها رغماً عنها تتبعها وهي ترفع يديها لوشاحها
تعدله على رأسها فمن المفترض بأنه هنا منذ وقت خاصة وأنه
سيحضر عروسه تلك معه بما أنه لم يفعلها البارحة ، وكم تمنت
في قرارة نفسها أن يتكرر الأمر الليلة أيضاً لتعلم تلك المغرورة
حجمها الحقيقي ، وشعرت بأن أمنيتها تلك بدأت تتحول لحقيقة
خاصة مع عودته في هذا الوقت الذي لا يعد متأخراً إن كان لوحده
، حتى أنه لم يجب على اتصالات عمته التي كانت قلقة عليه وهو
من لم يكن يفعلها سابقاً احتراماً لها ومهما كانت مشاغله !
كما أنه أخبرهم نهاراً بأن شقيقها سيكون هنا ويتناول العشاء معه
ولأول مرة يفعلها ويجلب ضيفاً ويطلب أن يعدو له الطعام
ولم يحدث شيء من ذلك ؟
لحقت خطواتها بخطوات والدتها المسرعة ووقفت عند بداية
الممر خلفها تماماً تراقب عيناها بدهشة الذي فتح باب المنزل
بدفعة من قدمه ودخل ، بل للتي كان يحملها بين ذراعيه غائبة
عن الوعي تماماً !
وبالرغم من أنه كان يخبئ ملامحها في صدره العريض إلا أن
ذراعها ويدها المتدلية للأسفل كانت تثبت ذلك ! وانتقلت نظراتها
المتسعة بصدمة من ذاك الذراع العاري المخضب بالحناء بلون
الدم لشعرها البني الطويل الذي التف حول ساعده الممسك بها
بقوة لصدره وصولاً لوجهه وملامحه وقد وقف مكانه ونظر
ناحيتهما فانتقل نظرها فوراً للواقفة أمامها والتي قالت باستغراب
" عمير لما تأخرت بني ولا تجيب على هاتفك ؟ وما بها زوجتك
تحملها هكذا ؟! "
تحرك حينها ووجهته السلالم قائلا بهدوء
" انشغلت في أمر مهم عمتي ولم أستطيع الرد عليك "
لكنها لم تكتفي بذلك وتبعته قائلة بقلق
" وما بها جليلة ! هل هي بخير ؟ "
" بخير عمتي .. متعبة قليلا وفقدت وعيها "
قال كلماته تلك دون أن ينظر ناحيتها وابتعد صاعداً بها عتبات
السلم البيضاء اللامعة فتبادلتا نظرة مستغربة ومشككة في صمت
، بينما تابع هو صعوده حتى كان في الردهة الواسعة وتوجه
من فوره ناحية غرفته وفتح بيده مقبض الباب ودفعه بقدمه
وتحركت خطواته ما أن ظهر سرير الغرفة الواسع أمامه ووضعها
عليه برفق ونزع فردة حذائها عالي الكعبين ورماها أرضاً وتمتم
بينما أصابعه تفتح حزام الحذاء الآخر
" ما هذه الليلة السيئة يا عمير ؟! "
واستغفر الله هامساً وهو يرمي بفردة الحذاء الأخرى حيث تستقر
سابقتها تحت قدميه وانتقل نظره عبر جسدها صعودا وأبعدت
أصابعه الطويلة خصلات شعرها الطويل كاشفاً عن ملامحها
تدريجياً وتوقفت عند طرف وجهها وتحسس ظهر إبهامه بشرة
وجنتها الناعمة نزولا حتى لامست طرف شفتيها نظراته تقاطعت
بين مصدر ذاك الإحساس بالبشرة الحريرية وباقي ملامحها حتى
استقرت حيث استقر إبهامه وابتلع ريقه بصعوبة وتنفس بعمق
وتمتم مغمضاً عينيه
" صبرك يا رجل فطريقك معها طويلة جداً "
وأبعد ركبته عن السرير وهو يقف مغادراً إياه وتبعت خطواته
نظره حيث طاولة التزيين ورفع زجاجة العطر الخاصة به وعاد
نحوها ووقف فوقها ينظر للزجاجة في يده ، لا يعلم عن هذا
سوى في التلفاز ولا يعرف إن كان حقيقة أم لا ؟ فما يفعله في
عمله هو صفع المغمى عليه أمامه بقوة صفعتان كفيلتان بإيقاظه
إن كان فاقداً للوعي بالفعل وإظهار كذبه إن كان يدعي ذلك ، ولا
يمكنه استخدام هذا الأسلوب الآن بالتأكيد .
نقل نظره من يده للملامح الجميلة الساكنة والأجفان الواسعة
المغمضة تماماً وشد على أسنانه بقوة وغضب موبخاً نفسه فما
كان عليه إعلامها بالأمر بتلك الطريقة ولا معاملتها بقسوة هكذا
فهي لا ذنب لها فيما فعله شقيقها وتجهله تماما وهو وبكل غباء
أفرغ غضبه مما حدث فيها وإن لم يصرخ ويزمجر بها إلا أن
نظرته تلك والعبارات التي انتقاها بقسوة كانت كفيلة بجعلها تفقد
عقلها وليس وعيها فقط .
عاد بنظره لقنينة العطر في يده ونقله منها لرسغ يده الأخرى
التي رفعها قبل أن يتأفف بضيق وعجز عن إيجاد الطريقة الأنسب
لاستخدامه وتوصل نهاية الأمر لحل متهور آخر وقرب القنينة من
وجهها ورشه عليه فاندفع رذاذه ناحيته بقوة وارتفعت سحابة
دخان رقيقة منه وكانت لحظة سكون تام من ناحيتها تتبعتها
نظراته بتوجس تلاها على فور حركة طفيفة في ملامحها
وأنفاسها قبل أن يتحول الأمر لشهقة مخنوقة من شفتيها وسعال
قوي متقطع وانتفض صدرها بقوة وكأنها تفقد أنفاسها تدريجياً
مما جعله يرمي القنينة على الأرض دون تركيز شاتما بهمس
" سحقاً لك يا أحمق "
ودس يده من فوره تحت رأسها ورفعه وأجلسها يضرب بيده
الأخرى وجنتها برفق قائلاً
" جليلة إفتحي عينيك هيا ... تنفسي ببطء وافتحي عينيك "
وما أن تحول سعالها المتقطع لأنفاس قوية تسحبها لصدرها الذي
يغطي القماش الناعم المطرز بالعقيق أغلبه ارتفع جفناها ببطء
فرفع الوسادة خلفها بشكل طولي لتصبح بين جسدها وظهر
السرير المرتفع ودفعها من كتفيها ببطء هامساً
" استرخي هكذا ستشعرين بالتحسن "
وانصاعت له فوراً وتنفست بعمق بينما عاد جفناها النصف
مفتوحان للإطباق مجدداً فعاد لضرب وجنتها برفق متمتماً
" جليلة افتحي عينيك فلا يمكنني أخذك لأي طبيب الليلة ،
لا تصعبي الأمر على كلينا ... افتحي عينيك هيا "
ونجح الأمر وارتفع جفناها ببطء هذه المرة أيضاً لكن بشكل أفضل
من سابقتها وتحركت مقلتاها في المكان وتغضن جبينها
باستغراب فقال الذي ثنى ساقه وجلس عليها مقابلاً لها ومن قبل
أن تفكر في السؤال بينما يده تلامس كتفها برفق لتسترخي في
جلوسها للخلف وقد خرج صوته جاداً ثابتاً
" أنت في منزلك يا جليلة ... هل تشعرين بأي ألم ؟ يبدو أنك لم
تنامي ولم تأكلي منذ وقت "
وقال آخر كلماته بما يشبه اللوم الرقيق فتنفست بقوة مغمضة
عينيها ورفعت أصابعها لجبينها تفركه ببطء فهي بالفعل لم تأكل
سوى وجبة عشاء البارحة الذي رفضته معدتها سريعاً ورمته
خارجها ولم تنم منذ أكثر من يومين ويبدو ذلك سبب الصداع
القوي الذي تشعر به الآن .
ارتجف جسدها بشكل خفيف ما أن شعرت بملمس أصابعه على
رسغها وأصابعها المخضبة بالحناء في أزهار صغيرة متناسقة
ووصلها صوته العميق الجاد وهو يبعدها عن وجهها برفق
" هل ثمة ما يؤلمك يا جليلة ؟
حركت رأسها نافية وخرج همسها منخفضاً رقيقاً'
" أنا بخير "
قال ونظره على عينيها التي يخفيها جفناها المرتخيان عنه
" إن كنت متعبة سأجد طريقة ما لجلب طبيب لا يثير الشوشرة
ليفحصك الليلة حتى ننتهي من هذه المصيبة "
فاتسعت عيناها الواسعة حينها وكأن كلماته تلك أخرجتها من
سباتها العميق والذي أغفلها فجأة عما حدث وتحركت شفتاها
بارتجاف خفيف وغمرت الدموع عيناها المحدقتان بعينيه والتفت
أصابع يدها حول طرف كم سترته واستوت جالسة ما أن خرجت
الكلمات من بين أنفاسها المتوترة متقطعة
" قا... قائد ... ماذا حدث... "
فأمسكت يداه بكتفيها ودفعها برفق على الوسادة مجدداً وقاطعها
قائلاً
" ستكون الأمور جميعها بخير وسنتدبر الأمر ، أنت بحاجة
للراحة والنوم فقط الآن "
ووقف من فوره وغادر جهة باب الغرفة المفتوح يخرج هاتفه
الذي بدأ بالرنين من جيبه ونظراتها تتبع الجسد الطويل بالبدلة
السوداء الأنيقة وغادرت السرير مسرعة رغم تعثرها وشعورها
الخفيف بالدوار وأمسكت بذراعه توقفه ما أن وصلت الباب الذي
كان ينوي إغلاقه خلفه قائلة
" انتظر "
وما أن وقف واستدار نحوها أبعدت يدها كالملسوعة وقالت بتوتر
تقبضها بأصابع يدها الأخرى المرتجفة بينما نظراتها المتوجسة
تنظر لعينيه
" ماذا حدث ؟ لما قائد... "
فقال مقاطعها لها يمسك بيدها ويسحبها منها ناحية السرير
" سنتحدث ما أن أعود يا جليلة لا وقت لدي الآن فلا تغادري
السرير رجاءً "
وما أن أوصلها هناك غادر مسرعاً من فوره وتركها جالسة على
حافة السرير تراقبه عيناها التي غشتها سحابة دموع كثيفة
وغادر ينزل عتبات السلالم بخطوات شبه راكضة فلا يمكنه البقاء
هنا أكثر من ذلك وعليه إيجاد حل ما لهذه الكوارث التي حلت
عليهم فجأة قبل أن يصل مطر ويتحول الأمر لمصيبة حقيقية .
غادر المنزل وركب سيارته وخرج بها من أسوارها مسرعاً
تراقبه نظرات التي قضت الوقت مستيقظة تقف حيث نافذة غرفة
ابنيها والأقرب للجهة المحاذية لباب المنزل وابتسمت بانتصار
ونشوة فها هو يتركها ويغادر في ليلتهما الأولى وبعدما جلبها
مغماً عليها ، لم تستطع معرفة السبب ولا تخمينه ولن تهتم
مادامت النتيجة واحدة ، أغلقت النافذة برفق كي لا يستقيظ
الطفلان النائمان بسلام وتمتمت بابتسامة انتصار وهي تسدل
الستارة عليها
" هذا من فعل قدرك فقط يا جليلة يونس ولم تتدخل بعد التي
سرقتِ حبيبها منها "
*
*
*
*
*
*
وقف أمام باب الجناح ونظر للساعة الذهبية في معصمه قبل أن
يُنزل يده للأسفل فلا وقت لديه وكان ينبغي أن يكون في مكتبه
الآن لكن عليه أولاً فهم ما يجري هنا فلا حال حفيده أعجبه ولا
تصرف زوجته بعدها !
فتح الباب ووقف في ردهة الجناح الخالي تماماً بل والساكن
سكون قطع الأثاث الفاخر فيه ونقل نظره في الأبواب المغلقة ،
فبالرغم من أن حفيده وزوجته يقيمان هنا منذ أكثر من ثلاثة
أعوام لم يدخله قط ولا يعرف ولا غرفتهما ومكانها هنا فسحب
نفساً عميقاً لصدره قبل أن يرتفع صوته الجهوري الخشن منادياً
" وقاااص"
ولم تمضي ثوان قليلة قبل أن يُفتح أحد الأبواب الموصدة هناك
فانتقل نظره سريعاً له وللذي خرج منه يغلق أزرار قميصه
الأسود شعره المبلل يلمع تحت أضواء المكان القوية ويعلو
وجنتيه احمرار طفيف فغضن جبينه ينظر له باستغراب قبل أن
ترتسم شبه ابتسامة على طرف شفتيه القاسية مما جعل الواقف
هناك يتنهد بضيق وقال ضرار من فوره
" ظننت أنه ثمة مشكلة هنا لكن يبدو أنها انتهت "
فكان تعليق حفيده الوحيد على ما قال أن اقترب منه بخطوات
سريعة وأمسكه من رسغه وسحبه جهة باب مكتبه هناك قائلاً
" بلى ثمة ما عليك إيجاد حل له ، ومن الجيد أنك لم تغادر بعد "
وما أن فكر في الاعتراض وهما عند الباب الذي فتحه له قال
بإصرار وصوت منخفض خشية أن يسمعهما الفرد الثالث
في المكان
" جدي قسماً أن الأمر أهم من أي شيء قد يشغلك عنه الآن وهو
يخص جدة زيزفون وابنك منها "
فتبدلت نظراته للاستغراب ودخل أمامه بخطوات واسعة ودون أن
يعلق ، وما أن أصبح في الداخل التفت للذي أغلق الباب خلفه
وقال بجدية
" جئت للحديث عن الحال التي دخلت علينا بها زوجتك ومنعك
إياها من التحدث أمامي "
حرك رأسه بضجر متمتماً
" لا شيء مهم جدي واتركنا من ذلك الآن "
غضن جبينه بقوة وقال بجدية
" لا شيء مهم وحالتها تكون كذلك وكأن الموت دخلها
وخرج منها ! "
فتأفف الواقف أمامه بنفاذ صبر وقال
" تشاجرت مع زيزفون وتطاولت في الحديث عن جدتها وأنت
تعرف جيداً حفيدتك تلك وما تصل له إن تعلق الأمر بها "
حدق فيه ضرار بتساؤل وقال
" ضربتها ؟! "
فحرك رأسه بالنفي ودس يديه في جيبي بنطلونه الأسود وهرب
بنظره منه بينما تمتمت شفتاه بوجوم
" كلا فأسلحتها الفتاكة متعددة ولازال الجميع يجهلها "
حدق فيه الواقف أمامه باستغراب سرعان ما تلاشى وقال دون أن
يسأله التوضيح
" ومن الجيد أنك أصلحت الأمر مع زوجتك كما يبدو لي ،
وأفهمها جيداً أن تتجنب الاحتكاك بها مستقبلاً لا ينقصنا
مشكلات هنا سببها زيزفون "
فأشاح بوجهه جانباً ومرر أصابعه في خصلات شعره المبلل بينما
ابتسامة ساخرة تزين شفتيه تسخر من حاله قبل غيره وأولهم
أفكار الواقف أمامه الآن فعن أي إصلاح للأمور معها يتحدث
وعن أي إقناع لها لتبتعد عنها ؟
لو أنه يعلم الحقيقة لطرده من هنا دون تراجع ولا تفكير فلن
يفعلها مع حفيدته تلك بالطبع خشية عليها من القضية التي
لازالت تلاحقها .
عاد بنظره له ما أن قال ونظره على ساعته
" ما هو الأمر الذي تريدني بخصوصه إذاً فلا وقت أمامي "
فحدق فيه بضيق قبل أن يفرد ذراعيه قائلاً
"جدي أنت فعلاً تستهين بأمريتعلق بزوجتك تلك وحفيداك منها! "
" حفيداي ! "
همس بذلك وقد رمقه بنظرة مبهمة وكأنه يراه لأول مرة في
حياته فقال مباشرة وبجدية
" أجل حفيداك فلست تعلم بالتأكيد أنه ثمة شقيق توأم لزيزفون
أعلنوا خبر موته فور ولادته "
ولم يستغرب قطعاً الشحوب الذي ظهر واضحاً على وجهه وكأنه
هو الذي لا يعرفه هذه المرة وقد عقد حاجبيه بشدة وهمسه خرج
كحشرجة خشنة عميقة
" ماذا ! ما هذا الذي تتحدث عنه يا وقاص ؟ "
قال من فوره
" ما سمعته جدي فقد تحققت من الأمر بنفسي وواجهتها بذلك
واعترفت به ، بل وبأنه لازال على قيد الحياة "
ولأول مرة أيضاً ومنذ عرفه حياته كاملة يتلعثم أمامه ويفقد
القدرة على التحكم في كلماته المدروسة ما أن نطق بعد صمت
طويل مصدوم
" شششقيق لها ولااازا...لازال حياً "
ولم يستغرب منه ذاك التصرف الغير معتاد فهو كاد يفقد عقله
حين علم بتلك المعلومات التي ما كان ليتوقعها في أبعد أحلام
نومه ويقظته أيضاً فاشتدت أصابعه في قبضة قوية من شدة هول
الموقف أمامه وقال بتأكيد
" أجل جدي ولن.... "
" مستحيل... "
حدق فيه بصدمة سحقت كل ذاك الانفعال والحماس الذي كان
يراقب به رد فعله وقست ملامحه ما أن قال بحدة
"وما هو المستحيل فيما قلت وتقارير المستشفى لازالت موجود ؟
أم أنك ستتهمهم بالكذب بسبب خرافة أنه لا يولد لنا سوى طفل
واحد ولن يكونا من ابنك فحفيدك يشبهك شبهاً قاتلاً "
وراقب بعينين داكنتين مشوشتين الذي أبعد نظره بل وأشاح
وجهه عنه بينما تغلغلت أصابعه خلال خصلات شعر صدغه
الرمادية وعلت الصدمة عينيه المحدقتين في الفراغ بشرود
وضياع في مشهد جعل ألم تلك الحقيقة يذبحه أكثر حينها وقال
بصوت خفيف كئيب
" والأقسى من كل ذلك ما واجهه أيضاً في الماضي وأراه أقوى
أسباب كره زيزفون لنا ، بل وهو يصارع الموت الآن بعد تعرضه
لحادث قوي كاد يقتله هو أو مطارديه ... "
وقفز عند آخر كلمة ناحية الذي ترنح جسده وكاد يتعثر ويسقط
أرضاً لولا استعان بطرف ظهر الأريكة المتينة ووصل عنده
بسرعة البرق وحاول مساعدته ليجلس لكنه وكما يعرفه دائماً
سرعان ما استعاد وقفته الثابتة القوية بل وأمسك بقبضة يده
القوية ياقة قميصه السوداء وشده منها ناحيته وإن كان الارتجاف
فيها واضحاً وهمس بقوة وعيناه تأمران قبل كلماته
" أين هو الآن ؟ "
وكان هو يشبهه في ذلك أيضاً فلم يفقد جسده صلابة وقوفه
المسقيم كما لم يبعد يده عنه وقال محدقاً في عينيه
" لا أعلم جدي فكل ما علمته أنه ولد معها فقط وباقي الأمور
علمتها منها هي "
نفضه من قبضته حينها وأولاه جانب وجهه وجسده متمتماً
بغضب
"سحقاً له ... لن أسكت له أبداً إن كان هو من يخفي أمره عني "
انفتحت حينها عينا وقاص من الصدمة وقال
" جدي عمن تتحدث ! وما الذي تنوي فعله ؟ "
نظر ناحيته بسرعة ولوح بإصبعه جانباً وصرخ بغضب
" عن مطر شاهين أتحدث ... أثمة لعنة حلت على عائلتنا منذ
أعوام غيره "
وغادر من فوره على نظراته المصدومة وقد ضرب الباب وهو
يفتحه وخرج متابعاً صراخه المشتعل
" لن أنساها لك يا مطر شاهين إن كنت وراءها ... قسماً لن
أنساها لك "
*
*
*
*
*
أمسكت رسغيها تضغطهما بأطراف أصابعها بقوة تستند بمرفقيها
على ركبتيها وغامت عيناها باكتئاب مريع حتى بات كل شيء
وحتى خطوات الذي يتحرك قربها بتوتر وعشوائية تشعرها
بالصداع ، فبالرغم من وجودهما في مكان منعزل وفخم في
المستشفى وكأنها في ردهة جناح لأحد الفنادق الفاخرة إلا أنها
شعرت وكأنها تجلس في الشارع ! بل وفي غابة مخيفة موحشة
ومظلمة تشعر بقلبها سينفجر كلما تذكرت ما حدث وما لم تجد له
تفسيراً حتى الآن !
لم ترى والدتها بتلك الحالة من قبل بالرغم من كل ما مرت به
ورأتها عليه إلا أنها لم ترى في عينيها نظرة الكره المخيف الذي
وجهته ناحيتها وناحية جدها أيضاً تلك اللحظة وهي تصرخ بهما
بأنهم ليسوا عائلتها لا تعترف بهم ولا تريدهم بينما رأس المقص
الحاد ينغرس في بشرة صدرها البيضاء حتى سال الدم منه في
قطرة انسابت عليه ببطء تهددهم وتمنعهم من الاقتراب منها وقد
تناثرت خصلات شعرها الأسود على الأرض وعلى ثيابها بعدما
توقفت عن قصه بتلك الطريقة الجنونية الغاضبة ما أن سمعا
صراخها الباكي ووصلا لها .
مشهد لا تجزم بأن السنين قادرة على محوه من مخيلتها ولا أن
تجعلها تنساه .. لقد رأت في عينيها لحظتها الألم والحزن
المرير .. الوحدة والوحشة بل والرغبة في الموت !
وما كانت لتشك لحظة بأن تتردد في فعلها وتغرس رأس ذاك
المقص الحاد في قلبها بالرغم من أنها كانت تهددهما فقط
وتمنعهما من الاقتراب منها في انهيار ما شهدته عليها مطلقاً
بالرغم من جميع حالات الغضب التي كانت شاهداً عليها سابقاً
والتي كان سببها شخص واحد تجزم بأنه ذاته الآن .. لكن لما ؟
ماذا فعل وكيف وصلت هي لمنزلهم ولم تُعلم أحداً بمجيئها !
وما السبب في حالتها تلك إن كان مسببها لم يكن هناك وليس في
البلاد بأكملها !!
ما هذا الذي فعله أيضاً ومريعاً جداً كما يبدو حتى أنها وجدها
باتا متهمين فيه ؟!
أخفت عيناها في كف يدها وشعرت بغصة حارقة في حلقها
وظهرت صورتها أمام عينيها حين دخلت الغرفة راكضة ووقفت
مصدومة تنظر لها وهي تمسك خصلات شعرها الطويل وتقصه
بحركة غاضبة وترميه بعشوائية يتناثر في كل مكان حولها
صارخة ببكاء
" ها هو ذا ... أنا لم أعد أريده ولا حاجة لك به "
فعلمت حينها بأن والدها السبب ، لكن ما لم تفهمه هو هجومها
الغاضب عليها وعلى جدها الذي وصل بعدها ووقف بجانبها ينظر
بصدمة مشابهة لمنظر ابنته التي كانت تقف على حافة الموت
كمداً وقهراً وإن كان ذاك التعبير لا يصف الحقيقة مطلقاً ، ولولا
انهيار جسدها بسبب النزيف الذي تعرضت له حينها لكانت قتلت
نفسها بلا شك وهي لا تشعر لتخلصها من شعور القهر والوحدة
المؤلمة حينها .
سحبت نفساً قوياً لرئتيها بينما كانت أصابع يدها تضغط بقوة على
صدغيها ولازالت تخفي عينيها فيها وتمتم الذي وقف أخيراً
وقريباً منها
" سيكون مصيرنا الهلاك جميعاً إن عاد ولم نجدها بعد "
فاستوت جالسة وقالت بضيق موجهة حديثها له وإن لم ترفع
رأسها ونظرها إليه
" أهذا فقط ما تفكرون فيه !
ما سيفعله بكم ؟
وكأنها ليست ابنة خالك ولا والدة زوجتك !! "
" تيما بالله عليك لا تجعلي مني متنفساً لما تشعرين به "
كانت نبرة صوته لا تقل ضيقاً عنها ولم يجعل ذلك مزاجها يتغير
بل زاد الأمر سوءاً ونفضت يدها قائلة بضيق ولازالت تتجنب
النظر للأعلى حيث يقف قربها
" لا تجعل أنت ما تتحدث عنه الآن حجة فتفكيركم بالفعل ينصب
فقط على رد فعل والدي وتخشون من غضبه ولا أحد منكم فكر
بها ، ماذا حدث لها وما سبب ما كانت فيه وأين هي الآن ؟
من أجل سلامتها وحالتها فقط وهي غادرت من هنا متعبة وكادت
تفقد جنينها الذي هو في حالة سيئة الآن ويصارع الموت ، بل
لأن زعيمكم سيغضب ويثور ويعاقبكم جميعاً ، وإن لم يكن يهتم ما
اهتممتم أبداً وأنت أولهم وأقساهم لأنها قريبتك ووالدة زوجتك ،
كم أنت متحجر ولا مبالي "
" تيما!! "
كانت نبرته تلك مدافعة رافضة أكثر منها غاضبة أو مستاءة وهو
ينطق اسمها مسكتا إياها بينما كان نظره العابس على وجهها بل
وعينيها التي كانت تحدق في الفراغ بألم وليس الغضب ، ورفعت
رأسها ونظرها له هذه المرة وتحولت تلك الزرقة المشوشة في
عينيها لهجوم غاضب وقالت بحدة
" لا تنكر ذلك لأنك ستكون كاذباً ومضحك ، وها قد تأكدت الآن ما
الذي سيشغلك إن حدث لي يوماً مكروه ...غضب والدي بالتأكيد "
نظر لها بصدمة قبل أن يقول مدافعاً
" لا ليست ظنونك صحيحه وتعلمين ذلك جيداً فأنكري الآن أنك
أيضاً فكرت في ذلك وتخشينه ؟ "
فوقفت منتصبة ومقابلة له وقالت بضيق
" لا ولن أخشى قولها ولا أمامه هو فما أفكر فيه فقط هو حالتها
وأين هي الآن وما تمر به من عذاب وألم لسبب لا زلنا نجهله
وأكيدة من وجوده ولا أريد أن أخسر والدتي لا أن أتقي غضب
والدي "
فكان جوابه الصمت محدقاً في عينيها بهدوء لم تتوقعه وكأنه
يذكرها مجدداً بأن لا تجعله متنفسا ً لمشاعرها المكبوتة مما
جعلها تنهار جالسه على الصالون الجلدي الأسود المريح وأسندت
مرفقها بظهره خلفها وأخفت عينيها في ساعدها وانهارت باكية
بعد صمود دام لساعات استغربه الجميع والواقف قربها الآن
أولهم ويعترف الآن بأنه لم يراعي كل ذلك ومشاعرها ناحية
والدتها قبل كل شيء ولن يستطيع نكران كلمة مما قالته فجلس
بقربها وسحبها من ذراعها الآخر لحضنه رغم تمنعها
واعتراضها الباكي وإن لم تعبر عنه بالكلمات وأخفى دموعها
وعبراتها المكتومة في صدره يشدها له بقوة وقال بهدوء
" حسناً آسف حبيبتي وقسماً أني منشغل عليها لكن التفكير في
غضب والدك شيء يتغلب علينا نحن رجاله ودون شعور "
ومسح على شعرها الناعم المجموع تحت حجابها المتدلي على
كتفيها يحيط بعنقها وقبّل رأسها في صمت حين لم يكن تعليقها
سوى الصمت ذاته وتركها تبكي في حضنه فعليها إخراج ذلك قبل
أن تصبح إحدى نزلاء ذاك المستشفى فيكفي أن جنبتهم كارثة ما
كان لأحد ردعها كما فعلت هي بذكاء تُحسد عليه ولن يستغربه
من ابنة ذاك الرجل لكان أول خبر ستتحدث عنه الصحف صباحاً
هو الطريقة التي غادرت بها زوجة رئيس البلاد المستشفى بعد
انهيار عصبي ونزيف حاد ومع من وإلى أين غادرت ؟.
حضنها بقوة تشبه قوة عاطفته الرجولية نحوها وقال ينظر
للفراغ
" سيكون كل شيء على ما يرام يا تيما فهو في النهاية
ابن خالتها وليس رجلاً غريبا عنها وإن كان من صنوان
واختفيا معاً "
وشد على أسنانه موبخاً نفسه على آخر كلمات قالها لكن الأمر
يحدث رغماً عنه فليس ثمة عاقلة تفعلها وهي تعلم جيداً ما
ستكون رد فعل زوجها قبل الجميع حين يعلم ، ولولا أن ابنتها
أوهمت الصحافة التي لا يفهمون حتى الآن كيف علمت ووصل
رجالها إلى هنا بأنه تم فقط نقلها لقسم آخر بطلب غاضب من ابن
خالتها الذي أسعفها معهم من منزلها كما أوهمتهم وساعدها
الطبيب بذكاء يشبهه ويشبهها في ذلك وقاما بأداء مشهد حرفي
أمامهم يعجز عنه أشهر الممثلين خصوصاً أن الأمر حدث بدون
اتفاق مسبق بينهما وتولى الحرس الذي رافقهم من المنزل سحب
الصور من كاميرات أولئك الصحفيين بعدها وبأمر منها فأخرست
بذلك أفواههم بل وفضيحة كارثية كانت ستعصف بهم جميعاً لو
أنها اتخذت أسلوب أي امرأة أخرى في وضعها ذاك وبدأت
بالصراخ في رواق المستشفى تركض خلفها وتناديها وفضحت
حقيقة كل ما حدث ، فكانت وبسنوات عمرها القليلة أذكى من التي
أنجبتها للأسف ، سيعترف بذلك قانعاً تماماً ومهما كانت أسبابها
ودوافعها لتنسى بل وتتناسى متعمدة من تكون ومن يكون زوجها
وأي موقف هذا الذي تضع فيه عائلتها بأكملها بل وكلا عائلتيها
وهي تتصرف كمراهقة صغيرة .
تنفس بغضب نفساً مكتوماً لم يكن بإمكانه ولا التنفيس عنه
وإخراجه من أجل التي لازالت تشهق ببكاء خفيف في حضنه
ووحدها ما تجبره على الصمت ليس لأنه يخشى غضبها منه فقط
بل ويكره أن تتأذى مشاعرها بسبب كلماته بالرغم من أنه بات
يعرفها جيداً ستكون أقوى مما يتوقع وتهاجمه الند بالند وتجعله
يعتذر نهاية الأمر فهذه الفاتنة الصغيرة ليست سوى مزيج غريب
بداية بجيناتها ونهاية بما صقلها عليه من رباها وغرس فيها
فقط ما يريد هو وإن كان بعيداً عنها ، فحتى المرأة التي أشرفت
على تربيتها طفلة كانت من اختياره ولم يكن اختياراً عبثياً مطلقًا
وهي لا تعلم حتى اليوم والساعة بأن مربيتها المسنة تلك لم تكن
سوى أستاذة جامعية في علم النفس البشري وكان لديها عيادة
خاصة قبل أن يتوفى زوجها وابنها في حادث سيارة فقررت ترك
عملها ذاك لسبب رآه هو كغيره ضعف منها وهي التي تعالج
نفسيات أمثالها بينما رآه من هم في مثل خبرتها بأنه أمر
طبيعي جداً .
أبعدها عنه ما أن خف بكائها ونظر لعينيها الدامعة وقال يمسح
الدموع منها
" علينا المغادرة من هنا يا تيما فعليا اللحاق بعمير ولن أطمئن
وأنت وحدك هنا "
قالت من فورها وببحة عميقة
" لكن ... "
فقاطعها سريعاً ويداه تمسكان بذراعيها
" لقد انتهى الأمر والواقفون خارج المستشفى ينتظرون فقط
اقتناص الفرصة لمعرفة سبب مرض والدتك وصراخها ذاك ولن
يشك أحد بأنها لم تعد هنا "
وحين امتلأت عيناها بالدموع دون أن تعلق انتقلت يداه لوجهها
ومسح بإبهاميه رموشها المشبعة بالدموع وقال
" سنفعل كل ما في وسعنا وسنجدها وإن فتشنا حوران منزلاً
منزلاً ، ولقد أخضعنا هواتف كل من له صلة بذاك الرجل للمراقبة
وحتماً سيفعلها ويتصل بأحدهم إن من رقم هاتفه أو من غيره
وسنعرف مكانه ونفهم على الأقل ما الذي يحدث ، أما بقائك هنا
فلن يأتي بنتيجة أبداً فهي لن ترجع إلى هنا من أجلك "
كتمت عبرتها وشعرت بقسوة حقيقة كلماته فهي لن تفعلها
بالتأكيد ولا من أجلها ، وبالرغم من كل ذلك تمنت لو أنها أخذت
هاتفها معها لكانت حاولت الاتصال بها واستجدتها وإن برسالة
لتتحدث معها وتجعلها تعود وإن من أجلها هي ، لكن غضبها
المخيف ذاك شملهم جميعهم هذه المرة وحتى والدها الذي حُرمت
منه لأعوام طويلة وكانت تحترمه وتقدره دائماً وإن كان ضد
رغباتها ، قالت تنظر لعينيه بحزن
"لكن ... بما سأخبر جدي فسيطلب مني الاتصال بها من أجله ؟ "
حرك رأسه بالنفي وقال بشرود واجم
" لا أعلم "
وعاد ورفع نظره لعينيها وقال بجدية
" لكن بقائك هنا أيضاً ليس حلاً "
وعاد وقال بعد صمت قصير
" لنذهب لمنزل رعد سيكو... "
أكملت عبارته عنه لكن برأي مخالف
" سيكون حلاً فاشلاً أيضاً فلن يتركني دون استجواب مطول
أعرفه جيداً ، ولن يتركني وشأني حتى أتحدث عن كل شيء
خاصة وأنا أدخل منزله في هذا الوقت بينما غادرته والدتي
فبما سأتحجج ؟ "
تنهد بعمق وأسى وأبعد نظره عنها قائلاً
" وبقائك ليس حلاً ولن يأتي بأي حل يا تيما "
قالت تمسح عينيها بقوة بطرف كم قميصها
" سأغادر صبا... "
وانقطعت كلماتها ما أن نظر لها مجدداً وقال وكأنه لا يهتم
بما قالت
" سآخذك لمنزلي هو الحل الوحيد "
" لا "
قالتها مندفعة وبرفض قاطع وانغرست أسنانها في باطن شفتها ما
أن تبدلت نظرته للاستهجان قبل أن يقول بضيق
" تيما هل أفهم ما الذي يخيفك من الذهاب معي ؟
هل سآكلك مثلا ؟!
سأتركك هناك وأغادر كوني مطمئنة "
فقالت موضحة على الفور
" بل لأنه لا ينقصنا مشاكل أكثر من ذلك ، ونسيت بأنه قد يتبعنا
أحد أولئك الصحفيين خفية وأنا أدخل منزلك ولم يعلن خبر زواجنا
بعد ثم تغادر وتتركني هناك ؟ "
وقف حينها على طوله ودس يديه في جيبيه ولم يعلق فكيف لم
يفكر فيها هكذا ؟ لكنه سرعان ما نظر لها بطرف عينيه
بشك متمتماً
" هذا هو السبب الحقيقي فعلاً يا سليلة أينشتاين ؟ "
فاتسعت عيناها المحدقتان به فوقها وضربت على فخذها بقبضتها
قائلة بضيق
" قاسم هذا ليس وقت مزاحك السخيف "
ابتسم ونزل مستنداً بقدميه أمامها وقرص خدها قائلاً
بابتسامة أوسع
" أردت أن أرى ابتسامتك فقط "
لكن مزاجها لم يتغير أبداً بل ووقفت قائلة
" أعدني للمنزل وسأتصرف مع جدي بمعرفتي "
فضرب بيديه على فخذيه وهو يقف وأحاطت ذراعه كتفاها وسار
بها نحو الباب الذي سيخرجهما من المستشفى دون أن يراهما
أحد فهذه الليلة الطويلة يبدو لن تنتهي أبداً .
*
*
*
*
دس يديه في جيبي بنطلونه يقف أمام الواجهة الزجاجية المطلة
على حديقة المستشفى الخاص نظره على الطفلان اللذان يركضان
حول نافورة صغيرة قبل أن يختفيا خلف جذوع الأشجار المنسقة
المتباعدة فتنهد نفساً عميقاً ورفع نظره حيث السماء المغطاة
بسحب بيضاء كثيفة فها هو محاصر بقرارات محددة أو بقرار
واحد لا جدوى من التفكير في تغييره حتى أنه لم يرجع في
موعده المحدد وترك كل شيء وراءه ليصبح هنا وحتى التي اتفق
معها على حديث مهم سيجمعهما أخلف بوعده لها كالعادة وخانته
تقديراته للأمور وأن يكون في منزله منذ ساعات ولم يكن قادراً
ولا على إبلاغها فلا يمكنه أن يكون على اتصال بأحد وهو هنا ولا
حتى أقرب رجاله هناك فأكثر ما يخشاه أن يتضرر أحد أذرعهم
هنا بسببه أكثر من اهتمامه بسلامته الشخصية فهم كحبات
المسبحة تماماً ما أن ينقطع الخيط وتسقط واحدة حتى تلحق
بها الأخريات .
استدار بكامل جسده ناحية صاحب الخطوات التي اقتربت منه
وتبادلا نظرة صامتة وكأن كل واحد منهما لا يتوقع وجود الآخر
هنا فهو من المفترض أنه غادر منذ ساعات والواقف أمامه
يفترض بأنه أخلى مسؤليته منها وأخرج نفسه من الأمر بأكمله
لكن أيّا منهما لا يبدو أنه قادر على أن يقتل قلبه ومشاعره
الإنسانية حيالها فهي تبقى وحيدة ولا أحد لها غير العائلة العربية
الصغيرة بأفرادها الكبيرة بمناصبها وعلاقاتها وإن كانت تمقتها
وتكرهها ، علاقة غريبة وحكاية أغرب ببداية مأساوية ونهاية لا
أحد يعلم ما ستكون .
"كيف أصبحت الآن ؟ "
كان شاهر من كسر الصمت بينهما وكان جواب مطر المبدئي
إيماءة صغيرة من رأسه قبل أن يقول بشبه همس
" تخطت مرحلة الخطر "
فكانت تنهيدة الإرتياح العميقة رد فعله الفوري والا إرادي
وقال مباشرة
" هل ستخرجها من هنا ؟ "
قال الذي أخرج يديه من جيبيه وكتف ذراعيه لصدره
" بالتأكيد فلا يمكنني البقاء هنا أكثر من هذا ولا تركها أيضاً
والطبيب لا ينصح بإخراجها من المستشفى في الوقت الحالي
فلازالت تحتاج لبضعة أيام لتسترد عافيتها "
لاذ بالصمت ينظر لعينيه نظرة تفكير عميق وكأنه عاجز عن قول
أي شيء أو بالأحرى يعلم أن البقية لديه ، وذاك ما فعله حين
تابع وبجدية
" سآخذها معي "
لحظة صمت تلت تصريحه ذاك حتى همس الذي اجتاز
صدمته بصعوبة
" ماذا ؟!
هل جننت يا مطر ؟ "
بينما قال المعني بالأمر وبذات نبرته الجادة
" الجنون هو أن أتركها وأسافر مجدداً "
لاذ بالصمت مجدداً يحدق في عينيه السوداء الحازمة وكأنه
يحاول ترتيب ما عليه قوله أو استيعاب ما سمع للتو !
ولم يترك له الواقف أمامه المجال الأوسع لكل ذلك وقد تابع بحزم
" أنت أخليت مسؤوليتك منها وحتى إن تراجعت عن قرارك
أعرفك جيداً لن تتركها تعيش في شقتك وهي لا تحل لك وإرجاعها
لتلك الغرفة أمر بات مرفوضاً تماماً ، وشقة لوحدها لن أتركها
تعيش فيها ولا تحت المراقبة لأني أعلم جنونها جيداً وما قد تفعل
ولن نترك حادثة القرص والملهى الليلي سابقاً تتكرر لتدمر امرأة
كل ما فعلناه لأعوام طويلة وتودي بحياة مئات الرجال أرواحهم
أهم لديا من حياتي "
قال الذي بات على استعداد لمجابهة ما قيل وسمع
" ووجودها هناك قد يتحول لمصيبة .. بل لكارثة يا مطر ولا
تقارن الوضع بعمك دجى فهي لن تخاف على مركزك ولا حتى
سلامتها بسبب جنونها وأفكارها الطائشة "
فك مطر ذراعيه وقال بجدية
" ولن أتركها هنا وحيدة ولا سبيل غيره أمامي فيكفي ما أضعت
من وقت هنا ، وإن تغلبت هناك على رئيس بلاد بكل رجاله
وحرسه فسأستحق ما يأتيني منها "
" عنيد "
همس شاهر بتلك الكلمة يحرك رأسه بيأس منه بالرغم من أنه
وفي قرارة نفسه يعلم جيداً بأنه سيكون آخر خياراته ويعرفه لا
يقرر شيئاً إلا بعد طول تفكير ودراسة تامة للأمر ويراه محقاً في
أن وجودها هنا من دونه خطر عليهم جميعاً ونفسها أولهم .
" ماذا حدث معك أنت ؟ "
كان مطر من كسر الصمت اللحظي هذه المرة وكان تعليق شاهر
المبدئي أيضاً إيماءة من رأسه قبل أن يقول
" آمل أن يسير كل شيء حسب ما خططنا له فالباقي بيدها
وحدها ولم يعد يمكننا التدخل فيه "
قال الواقف أمامه وبجمود
" إن كانت تعنيها سلامته بالفعل فستفعل ذلك وإن مرغمة أو ثمة
حل واحد سترغمنا هي عليه وإن كرهته نفسي "
نظر له باستغراب يحاول فقط التكهن بما يفكر وسيفعل إن هي
اتبعت طريق زوجها وعاندت وقررت مخالفة أوامره ؟!
ولم يسأل لأنه يعلم جيداً كيف يفكر هذا الرجل ولن يطلعه على ما
يبدو يعلم جيداً بأنه سيرفضه بما أنه نفسه يكره أن يكون خياراً
ضمن خياراته ، قال بترقب
" ما أراه أنها مقتنعة تماماً وإن رفض قلبها ذلك فمن الطبيعي أن
تضع سلامته في المقام الأول ، فقط ما أعتقد بأنها ستتردد حياله
هو سلامة ذاك الشاب "
كان تعليق مطر الصمت مما جعل توجسه يزداد وقال بجدية
" أنت تعلم جيداً يا مطر كما يعلم ثلاثتنا بأن أول أمر سيفعله تيم
هو البحث عن طريقة لينتقم منه وببشاعة أيضاً ، ولا أخفيك أن
مخاوفها حقيقية وتنتابني مثلها تماماً ، ولا تنسى ما فعله به
سابقاً وما كان يعتبره مجرد تهديد صغير بينما كاد ينهي حياته
به ودون أن يهتم "
" أعلم يا شاهر ولن أقصر في أمر حمايته فكل شيء تم الترتيب
له وسأشرف عليه بنفسي "
وتابع من فوره وكأنه يذكره بالمِثل
" ولا تنسى أنت الأمانة الموجودة بين يديك "
وفاجأه بالتغيير الجذري للموضوع الذي كانا يتحدثان فيه !
وكيف يستغرب ذلك منه وهو فعلها سابقاً وأنهى حديثهما عن
غيسانة متى أراد ذلك
وما زاد الوضع سوءاً تذكره لهجومها العنيف ناحيته البارحة
فقال بضيق
" لاحظ فقط بأنك لا تتركني إلا وفي عنقي امرأة تخصك ثم
تحملني مسؤولية اختياراتك أنت "
فارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتي الواقف أمامه قبل أن يقول
" إن اختارت هي فسخ العقد بينكما ما رفضت ذلك لكني أراها
أذكى من كلينا "
وكان وضع شاهر مشابهاً وهو يعلق بابتسامة مماثلة
" أجل فأنا وسيلتها كي لا تلحق بغيسانة على ذات الطائرة عائداً
بها لبلادها بعد رحيلك عن هنا "
فقال مطر والابتسامة المائلة لازالت تزين طرف شفتيه
" أصبت وبالرغم من ذلك فلن تستطيع فهم تلك المرأة يا شاهر
إنها مزيج غريب كنسلها تماماً وإن علمت عنها ما أعلمه لما كان
بإمكانك رؤيتها كما تراها الآن "
لاذ بالصمت لوقت يحدق في عينيه يحاول فهم ما عناه بما قال ..
وقال أخيراً وببعض الضيق يرفع سبابته بجانب وجهه
" أمر واحد فقط أعلمه .. بأنها مادامت تحمل شيئاً من دمائك
وإحدى النساء اللاتي وضعتهن تحت مسؤوليتك ورعايتك فهي
بطفولة مأساوية وحاضر شائك ومستقبل أسود بالتأكيد "
فكان تعليقه معاكساً تماماً لما توقع وهو الثوران الغاصب فقد
التزم ببروده التام بل وابتسم بسخرية وهو يقول
" سأترك لك الدفة إذاً وسنتقابل يوماً ما "
" ما الذي تعنيه ؟! "
كان تعليقه سريعاً وعلامات الاستغراب ترتسم على ملامحه
بأكملها فرفع مطر سبابته وضرب بها على صدره قائلاً
" أعني ارعى الأمانة جيداً يا شاهر فهذه لا تشبه وضع غيسانة
ولا مكانتها "
قال سريعاً وبضيق
" اتركنا من لعبة الألغاز يا رجل واشرح لي عن سلالتها ؟
ما مقصدك من ذلك ؟! "
ابتسم ولم يعلق ولا يبدو أن له نية في فعلها وقد سرق نظر
كليهما كما انتباههما صاحب المعطف الطبي الأبيض الذي اقترب
منهما وقد قال مبتسماً ما أن أصبح يقف معهما ونظره موجه
ناحية مطر
" كل شيء أصبح جاهزاً سيدي "
قال بجدية
" وماذا عن الإجراءات ؟ "
رفع كتفيه وقال بقلة حيلة
" لم نستطع فعل شيء أكثر من ذلك وسيحتاج الأمر لبضع
ساعات لكنها أقل بكثير من المعتاد "
أومأ له برأسه موافقا وقال
" انقلوها لسيارة الإسعاف إذاً فالطائرة في انتظارنا "
وما أن أنهى عبارته تلك غادر مجتازاً الذي ربت على كتفه في
صمت وهو يجتازه بينما تبعته نظراته وقد تركه خلفه وابتعد دون
أن يضيف شيئاً فحرك رأسه بأسى وغادر أيضاً فلا يمكنه ترك
ماريه وحيدة لأكثر من هذا .
*
*
*
سار بخطوات واسعة عبر الرواق الطويل الخالي والبارد كأجساد
ساكنيه لا يُسمع فيه شيء سوى صوت ضرب أحذية رجاله خلفه
على أرضيته السميكة يتبعونه بخطوات ثابتة واسعة يخترقها
صوت قطعة معدنية تضرب بأخرى مشابهة لها يخرج من أحد
الأبواب الموصدة حتى وصل الباب المقصود وانتصب الواقف
أمامه يضرب له التحية بيده قبل أن تمتد لمقبض الباب وفتحه له
على اتساعه فدخل من فوره ووحيداً بعد إشارة صامته من يده
لمرافقيه وتوجه من فوره للسرير الحديدي الوحيد الموجود في
المكان الخالي تماماً من أي قطع أثاث أخرى واقترب من الجسد
القابع فوقه دون حراك تغطيه ملائة بيضاء بالكامل ورفع له
الشخص الوحيد الموجود هناك طرفها كاشفاً له عن وجه المرأة
الشاحب فتنهد بعمق مغمضاً عينيه فآخر ما كان يتوقع أن يعثرو
عليها جثة وهي مراقبة وبحرص من رجالهم !
أعاد الغطاء على وجهها وأخرج هاتفه من جيبه ووضعه على
أذنه وتحرك جهة النافذة المزدوجة والطويلة ووقف أمام زجاجها
الباهت وقال ما أن انفتح الخط
" إنها هي بالفعل "
وصله صوته مباشرة
" متأكد يا عمير ؟ لا نريد أن نقع في شرك خداعهم لنا "
سند يده الحرة بالزجاج البارد أمامه ونظره على أشباح الأشجار
العالية في المكان المظلم بالخارج وقال
" لقد أكد البحث الجنائي ذلك وتأكدت بنفسي الآن ، لا أفهم لما
تجتمع المصائب دفعة واحدة ؟ "
وخرجت كلماته الأخيرة بضيق من بين أسنانه المطبقة بغضب
مكتوم وساد الصمت بينهما للحظات قُبل أن يصله صوته
الثابت العميق
" الرجل الذي وضع لمراقبتها قُتل أيضاً فالتقصير لم يكن منك ولا
من رجالك ، عدونا هو الذي يبدو أنه أقوى وأذكى مما نظن "
أنزل يده بحركة واحدة سريعة وقال يشد قبضته بقوة
" كان علينا اعتقالها واستجوابها منذ البداية فها نحن خسرنا
الخيط الوحيد الذي قد يحل الأحجية كاملة ومطر سيثور على
الجميع ما أن يعلم وسيتهمنا بالتقصير وهي تُقتل أمام أعيننا "
قال ذاك من فوره وبحزم
" هو من أصر على مراقبتها أولاً ورفض فكرة الضغط عليها
لتعترف فلا مجال لأن يلقي بلومه على أحد ، ثم سيكون في
انتظاره ما هو أشد هولاً من ذلك ولن يفكر في هذا "
استدار نحو الجثة المغطاة بالكامل وفي سكون تام وقال
" تبقى مصيبة منفصلة يا قاسم خصوصاً مع شهادة زوجها ،
أريدك أن تهتم بالأمر وحققوا مع الجيران جميعهم ووثقوا أقوالهم
أريد جميع المحاضر لدي وسأرى زوجها بنفسي وأتحدث معه "
" لن يعجب رجال الأمن الجنائي هذا "
كان تعليق محدثه سريعاً وواثقاً فشد على أسنانه بقوة وغضب
ليس بسبب ما قال فقط بل وطريقته الباردة في ذلك وقال بضيق
" لست أبحث عما يعجبهم ولا يعجبهم فهذا ما كان سيفعله مطر
إن كان هنا وحتى وقت عودته الأمر سيكون في يدي وحدي ، ثم
الرجل الذي مات معها من رجالي "
فكان تعليقه أشد برودة من سابقه حين قال
" القرار بيدك بالتأكيد كل ما أردته هو تنبيهك للأمر "
" كن مطمئناً "
قالها بما يشبه نبرته تلك وودعه بعبارة مختصرة وما أن أنهى
المكالمة معه دس هاتفه في جيبه وقال متوجهاً للباب الذي
دخل منه
" أريد تقرير الطبيب الشرعي بعد أن يراها وسريعاً "
*
*
*
*
*
*
دس هاتفه في جيبه متنهداً بضيق فرجاله يبدو يشبهونه تماماً لا
يتركون الأمور للمختصين بها لتصلهم جاهزة ! أوقفت سيارته
أمام باب المنزل واستدار ناحية الجالسة بجواره بينما لازالت يده
اليسرى تمسك المقود وقال
" عبوسك هذا سيخبره بالحقيقة "
وراقبت عيناه التي أنزلت رأسها ونظرها ليديها المقبوضتان بقوة
في حجرها وقد همست ببرود
" وهل ثمة ما سيجعلني سعيدة ؟ لا يمكنني أداء هذا الدور
وليس وقته أبداً "
فتنهد نفساً عميقاً ورفع يده لوجهها ولامس ظهر سبابته نعومة
خدها وقال ونظره على عينيها الحزينة البعيدة عنه
" لم أطلب منك ادعاء السعادة لكن يفترض أن والدتك بخير
وطفلها أيضاً ؟ "
وأبعد يده ببطء ما أن رفعت يدها ومسحت بظهر كفها عيناها
وكأنها تمنعهما من مجرد التفكير في البكاء وهمست ببحة
" وإن يكن .. فما حدث قبل ذلك وهنا تحديداً لا يجلب إلا البؤس
وإن عادت برفقتنا الآن "
تنهد بعمق وقلة حيلة وقال وهو يفتح بابه
" سأنزل معك إذاً ، سيكون أفضل إن رآنا كلانا "
ففتحت بابها أيضاً ونزلت دون أن تعترض ولا أن تمانع نظرها
على الذي دار حول السيارة حتى وصل لها وأغلق بابها بينما
أحاطت ذراع يده الأخرى بكتفيها وصعدا عتبات الباب معاً ، وما
أن أصبحا في الداخل خرجت لهما التي كانت تنتظر سماع صوت
أي سيارة قادمة تحمل بين يديها الظرف الورقي الذي أخذته من
الغرفة بعد رحيل الجميع وبعد كل تلك الزوبعة المريعة ، وبما أن
صقر غادر أيضاً وفور وصوله ودجى والوحيد الذي لم يغادر
سجن نفسه في غرفته لم يكن أمامها من حل سوى انتظار عودة
أحد أفراد تلك العائلة والاعتراف بجريمتها أفضل من أن تنكشف
فيما بعد وتعاقب ، قالت وهي تقترب منهما
" سيدتي عند ر..... "
فأسكتها الذي اتجه بها يميناً قائلاً
" فيما بعد هي بحاجة للراحة الآن لا لاستلام أي بريد أو رسالة"
وابتعد بها خلف ممر غرفتها وترك خلفه التي نقلت نظرها بين
مكانهما الخالي منهما وبين ما تحمله في يدها قبل أن تتنهد بقلة
حيلة وعادت من المكان الذي خرجت منه وحيث التي كانت في
استقبالها قائلة بفضول
" لما لم تعطيهم إياه ؟ من الذي كان هنا ؟ "
حركت كتفيها قائلة
" السيد قاسم والأنسة تيما ، كنت سأعطيها إياه لكنه أبعدها
وتحجج بأنه ليس وقته حتى ترتاح "
قالت تلك من فورها
" أعطها إياه فيما بعد إذاً أو حين يرحل ، أو أعطه إياه
هو وسو... "
وانقطعت كلماتها بسبب رنين هاتف المقابلة لها والذي أخرجته
سريعاً من جيب سترتة بدلتها الخاصة بعملها هناك وراقبت
بفضول الشحوب الذي ظهر واضحاً على ملامحها وقالت بصوت
منخفض متوجس
" من هذا ؟ ما بك امتقع وجهك هكذا ؟! "
فرفعت نظرها لها وهمست بخوف
" رقم لا أعرفه وليس من بلادنا هناك بل من هنا !! "
فاتسعت عيناها بصدمة فهذا لا يحدث معهن هنا ! وبالرغم من
ذلك قالت تشجعها
" وما الذي يخيفك ؟ أجيبي عليه "
فنظرت له بين يديها المرتجفة وللرقم الذي لازال يضيء على
شاشته وهمست بخوف لم يفارقها بعد
" لا أعلم ... بدأ كل شيء هنا يشعرني بالذعر "
فسحبته من يدها وفتحت الخط ووضعته لها على أذنها تضع حداً
لخوفها وترددها وتضعها أمام الأمر الواقع
" مرحبا .. أنت السيدة أمامة ؟ "
شعرت بذعرها يتعاظم بسبب النبرة الرجولية القوية واتسعت
عيناها تنظر للمقابلة لها ترمقها بفضول وتوجس وقالت متلعثمة
" أ.... أجل أنا هي "
قال الصوت الخشن العميق من فوره " ثمة من تريد التحدث معك
فابتعدي قدر الإمكان عن الجميع "
*
*
*
أغلقت فمها وكتمت شهقاتها الباكية ودفنت وجهها في الوسادة
وهذا حالها منذ غادر المدعو أويس ، بل وهذا حالهما كلاهما تنام
هي هنا تبكي في صمت بينما يجلس هو في الخارج يرفض
الدخول ولا أن تخرج له حتى أنه رفض سماعها ولم يتركها تبرر
وتشرح ما حدث والسبب الحقيقي وراء خروجها وبأنها ليست
الشخص الذي تحدث عنه ذاك الرجل وهو يقولها له هكذا وكأنه
يوقظه عمّا كان يغفل عنه بغباء
( زوجتك تخرج كل ليلة من منزلك متسللة وأنت نائم ولا تعلم )
أي ظلم وإجحاف هذا ؟ ألم يفكر في أنها ستكون خرجت بحثاً عنه
وهو الذي يعلم ما يجهله أويس ذاك بأنه غادر المنزل ولم يرجع
حتى وقت متأخر وهو من يعلم جيداً مدى قلقها عليه وخوفها كلما
تأخر قليلاً ؟ بل ولم يسمح لها ولا بالحديث ورفض أن يسمع ما
تريد قوله ، صرخ فيها فقط آمراً أن تدخل الغرفة وتبتعد عنه
وهي انصاعت مستسلمة بسبب صوته الغاضب الذي لم تسمعه
من قبل هكذا والنظرة التي لم تعرفها في عينيه يوماً ولم تصدق
أن تراها فيهما مهما فعلت وغضب منها وهو الرجل الذي عرفته
عاقلاً دائماً متروي لا يتسم بالعصبية المفرطة التي يعرفها
الرجال ! وموقنة من أن إبعاده إياها عنه وابتعاده عنها سببه كل
تلك السمات والميزات التي تتحلى بها شخصيته لكان أيسر ما قد
يفعله أن يضربها حتى يشفي غليله منها وينطفئ غضبه أو أن
يرميها في الشارع كما فعل شقيقها من قبل ، ومؤكد سيربط الآن
الأمور ببعضها وحديث فجر معه سابقاً في المستشفى والحادثة
وسبب زواجهما وكذبتها تلك وسيشك بها أكثر ، لكنها ليست كما
يظن وبريئة من كل ما قد يصوره له عقله ، لكن كيف لها أن
تنفي كل شكوكه تلك وهي التي جلبها ذاك الرجل بعدما وجدها
داخل أراضي شعيب غيلوان .
ارتجف جسدها أكثر وحضنت اللحاف حوله بشدة ما أن تذكرت
ذاك البئر المهجور والصوت الذي سمعته يخرج منه والذي إن لم
يتكرر لظنت بأنها كانت تتوهمه ، كان الصوت لرجل هي أكيدة
وكان بعيداً وقريباً ذات الوقت !! تذكرت فجأة كل ما كان يروى
وسمعته سابقاً في قريتهم عن أن أشخاصاً يختفون في تلك
الأراضي فهل يعذبونهم ؟ لكن ما سمعته لم يكن صوت شخص
يتألم جسدياً لم يكن كذلك ! والسؤال الأغرب ما هو مصدر ذاك
الصوت ومن أين كان يخرج ؟! أخفت شفتيها في طرف اللحاف
وهمست بصوت مرتجف وجل
" ترى ما الذي يخفيه أولئك المجرمين ويفضحه سكون الليل ؟!
فما من أحد ولا الرجال يجرؤن على دخولها ذاك الوقت "
قفزت جالسة ما أن علا صوت أذان الفجر مرتفعاً وسمعت صوت
خطواته يتوجه ناحية الحمام فمسحت الدموع من وجهها ووقفت
وغادرت الغرفة مسرعة جهة المطبخ وبدأت بالتحرك فيه بضياع
وكأنها لا تعرفه سابقاً ! أعدت الخبز والشاي سريعاً شهقاتها
الصامتة بسبب بكائها السابق لازالت تخرج من حين لآخر كما
الدموع التي خانتها عدة مرات وكانت تمسحها بظهر يدها ، كانت
تتحرك بآلية تحاول تركيز نظرها على ما تفعل بينما كان سمعها
موجهاً للخارج تتبع حركة الذي خرج من الحمام بعد وقت طويل
ويبدو أنه كان يستحم ثم صوته الجهوري في الصلاة ومسحت
دمعة جديدة تسربت من عينيها فما كان يفترض لليلتهما أن
تمضي كما كانت عليه ، الليلة التي كانت طوال النهار تجهز
نفسها ليس لتتزين كعروس في ليلتها الأولى بل لترتب الجمل
التي كانت ستقولها له حين ستنكشف كذبتهما وسُحقت كل
مخاوفها تلك لكن بطريقة قاسية سحقت مشاعرها معها .
وضعت الخبز الذي نضج في الصينية التي وضعت فيها سابقا
جبن المعز والزيتون الأسود المحلي وكوب مملؤ بالشاي الأحمر
الساخن ورفعتها وخرجت بخطوات مسرعة لتدركه قبل أن يخرج
فهو لم يتناول شيئاً منذ إفطاره بالأمس أو وجبة الغذاء الصغيرة
التي سيكون تقاسمها مع العمال والتي وصفها بأنها سيئة الطعم
سابقاً فهم من دول تختلف ثقافتهم وحياتهم وحتى طعامهم عنهم
كل الاختلاف ولن تستغرب أن يرفضه وليس أن لا يستسيغه
فقط .
وما أن اجتازت باب المطبخ وقفت مكانها تنظر بعينين دامعة للذي
خرج من باب الغرفة ووجهته باب المنزل مباشرة دون حتى أن
ينظر ناحيتها ومؤكد كان يراها ويعلم بأنها هنا وغادر رافضاً
حتى طعامها .
*
*
*
*
*
*
فتحت جفناها بصعوبة وكانت تشعر بثقلهما حد الألم وصدغيها
يؤلمانها بشدة من كثرة ما بكت ولوقت طويل ودون توقف حتى
أنها نامت ولا تعلم كيف ولا متى سرقها النعاس من بكائها الطويل
ذاك وأرسلها لعالم السواد الكئيب فلم يستطع ولا عقلها الباطن
جلب كابوس ما لما حدث معها اليوم .. ولا حتى واحداً من
كوابيسها القديمة تلك التي تخبرها وفي كل ليلة بأنها فقدته
وللأبد ، وليت هذا كان كابوساً مشابهاً وأفاقت منه لكن لا المكان
ولا ما تشعر به الآن من ألم في داخلها يثبت ذلك .
أغمضت عينيها المجهدة لبرهة وسحبت لصدرها نفساً عميقاً قبل
أن تفتحهما مجدداً ونظرت لباب الشرفة المفتوح والذي كان
مغلقاً وقت دخولها هنا وللشمس التي ارتفعت لكبد السماء مما
يعني بأنها نامت لأكثر من ساعتين فرحلة مغادرتهما بريستول
لذاك المكان المجهول البعيد ومن ثم عودتهما استغرقت نصف
النهار تقريباً.
جلست ببطء تبعد خصلات شعرها عن وجهها للخلف وزحفت من
فوق السرير حتى شعرت ببرودة الأرضية الخشبية تلسع دفء
قدميها مما يعني بأنه شخص ما قد نزع حذائها أيضاً فتوجهت
نحو باب الغرفة المفتوح حافية القدمين لم تفكر ولا في البحث
عن ذاك الحذاء ووقفت تسند يدها بإطاره ونظرها على الجالس
على كرسي الصالون الموجود هناك ينظر ليديه اللتان يشبك
أصابعها ببعضها ، وامتلأت عيناها بالدموع ما أن رفع رأسه
ونظر ناحيتها وقرأت الكثير في نظرته تلك .. الحزن التفهم
والشفقة وحتى التشتت والضياع ، لكنه عاجز مثلها تعلم ذلك ولن
تجرؤ على إلقاء لومها عليه وهي التي لم تنبس بكلمة أمام ذاك
الرجل ، كما توقن بأن الجالس مقابلا لها هناك لن يفكر إلا كما
فكر مطر شاهين وسلامة ابنه ستكون أولى لديه من كل شيء
فكيف إن كان المقابل ليس سوى سعادتها هي والتي لم يهتم أحد
بفقدانها إياها ومنذ ولدت .
كانت ساكنة تماماً كنغمة حزينة تسللت من الباب لتصل له يفهمها
ويشعر بها دون أن يراها وفي صمت بينما لم تستطع منع تلك
النظرات التي رمته بها وحملت كل معاني اللوم وخيبة الأمل
بالرغم من يقينها لتجاهله إياها ، وذاك ما حدث بالفعل حين أبعد
نظره عنها ليديه مجدداً وقال بهدوء
" إن كنت متعبة نذهب للطبيب ماريه فوضعك لا يبدو بخير "
لم تستطع إلا أن تبتسم بألم أقرب من كونها ابتسامة سخرية تلك
التي ارتسمت على شفتيها ، طبيب !! يأخذها للطبيب ؟ أي طبيب
هذا الذي يمكنه مداواة روحها الممزقة وقلبها المتألم وسعادتها
التي سرقت منها ومزقت لأشلاء ؟ ارتجفت شفتاها ما أن رفع
نظره لها مجدداً وقد انقبضت أصابعه بقوة ما أن وقع نظره على
دمعتها المتدلية من رموشها وعيناها الغارقة في الدموع وخرج
صوتها كئيباً ميتاً
" لما لا أسافر وأختفي من هنا وبذلك يتحقق ما أراد.... "
قاطعها من قبل أن تكمل
" لا ماريه لن يجدي ذلك وهو من سبق وأقسم مراراً مهدداً بأنه
حال حدث ذلك فسيترك كل شيء وحتى المنظمة التي يعمل فيها
وتصبح مهمته الوحيدة هي البحث عنك "
انزلقت الدمعة اليتيمة على وجنتها وتبعتها شهقة صغيرة باكية
فوقع ما قال عليها لم يكن ليشعرها بالألم والتعاسة التي تشعر بها
الآن إن علمت به سابقاً فهم متأكدون تماماً بأنه سيفعل ذلك
وليس تهديداً فقط ما يقول ، وخرج صوتها بائساً متقطعاً بسبب
العبرة حبيسة أضلعها
" أخبروو... وه أني مت إ.... ذا "
" لا يمكن ماريه .. مستحيل "
قاطعها برفض تام يحرك رأسه مع كلماته مؤكداً لها بأن الخوض
في الأمر كعدمه فارتفعت قبضتها لصدرها وقالت ودمعة جديدة
تنزلق فوق نعومة وجنتها
" لكن لما ؟ لما لا نتّبع الحل الأقل ضرراً لي "
وقف حينها وقال بجدية
" لأنه سيكتشف الأمر وبكل سهولة ماريه ، ليس تيم بغبي
لتنطلي عليه تلك الحيلة وإن أريناه جثماناً مزيفاً لك ولن يجعله
شيء يفقد ذكائه المخيف لتحليل الأمر سوى تلك الطريقة "
شعرت بالغضب الداخلي لرفضه جميع حلولها تلك وخرج صوتها
منفعلاً بعض الشيء حين قالت
" سأخبره بأني سأتركه إذاً وبأني لم أعد أريد البقاء معه "
لكن جوابه أيضاً كان يبدو معداً سلفاً فقد قال ودون تفكير
" لن يوافق ... وأجزم بأنه حدث سابقاً ورفض "
لم تستطع النكران فهي بالفعل حاولت مراراً التحدث فقط معه في
الأمر فكان يسكتها في كل مرة ومن قبل أن تنهي حديثها وسيعاند
أكثر وإن أجبرها مرغمة ولن يهتم ولا بغضبها ورفضها فلا حل
سوى بجعله يبعدها بملء إرادته كما قال ذاك الرجل .
حركت رأسها بيأس وعبراتها تخرج متتالية كالدموع التي باتت
تسقي وجنتيها بغزارة وقالت ببكاء
" ولما هذه الطريقة القاسية ؟ لما تتفقون على قتلي لماذا ؟ "
ونزلت بجسدها على إطار الباب تنزلق يدها على خشبه المصقول
ببطء مع جسدها وعبراتها كانت تخرج موجعة قاتلة حتى أصبحت
جالسة على الأرض رأسها منحني وقد غطى شعرها الحريري
ملامحها التي كانت تخفيها وعبراتها في يديها المرتجفة فتحرك
نحوها في خطوات واسعة ونزل أمامها جاثياً على ركبتيه
ولامست يده وأصابعه شعرها البني الناعم وأغمض عينيه بألم ما
أن خرج له صوتها الباكي بنشيج مؤلم
" أحبه عمي ولا يمكنني ولا المضي من دونه ، لما ترفضون
فهم هذا ؟ "
فمسحت أصابعه على ذاك الحرير البني بلون العسل النقي وقال
بحزن وصوت منكسر
" جميعنا نحبه ماريه ولأننا نحبه نرفض أن نخسره وأنت أولنا
وسينتهي كل هذا يوماً ما أراه قريباً جداً "
رفعت رأسها ونظرت له بعينين تغلب الألم على الحزن والدموع
فيهما وقالت ببكاء موجع
" لن يغفر لي .. لن يفعلها وإن علم الحقيقة مستقبلاً أعرفه كما
تعرفه أنت أيضاً .. سيكرهني دائماً "
لامست يده وجنتها وقال بهدوء يمسح الدموع عنها برفق أبوي
" إن كان يحبك سيكون بإمكانه مسامحتك ماريه ، وإن لم يفعل
لن يكون كذلك وحينها سيكون لا يستحق مشاعرك اتجاهه "
حركت رأسها برفض ولا شيء يعبر عن صمتها ذاك سوى
عبراتها الباكية فأمسك رأسها وشدها لحضنه الذي نامت فيه من
فورها ودفنت دموعها وبكائها في صدره فهذا ما تحتاجه الآن
وما يمكنها الحصول عليه منه .
*
*
*
تغضن جبينها وفتحت عينيها بصعوبة وسرعان ما عادت
وأغلقتهما تخفيهما بظهر كفها عن النور القوي الذي قابلهما من
النافذة المفتوحة وسرعان ما استوت في جلوسها فقد غلبها
النعاس وهي جالسة مكانها حتى فاتها وقت الفجر ، وقفت خارج
السرير ونظرت لفستانها الذي لازالت ترتديه حتى الآن وتأففت
قبل أن تتوجه للخزانة وسحبت بابها بقوة عيناها على ثيابها
المعلقة فيها فحقائبها سبقتها إلى هنا قبل يوم من مجيئها ، فتشت
بحركة سريعة بينهم وأخرجت بيجامة حريرية ناعمة ببنطلون
وأكمام طويلة بلون الكريما مع نقوش بيضاء صغيرة من ذات
القماش وتوجهت للحمام الموجود في الغرفة والذي لم يكن يقل
عنها جمالا وقد دمج اللونين الأحمر والأسود حتى في أدق
تفاصيله ، أغلقت الباب ونزعت ثيابها واستحمت سريعاً ، لبست
بيجامتها وما أن خرجت للغرفة بحثت فوراً عن لباس الصلاة
وصلّت ما فاتها ثم جلست مسندة ظهرها على السرير خلفها
وحضنت ركبتيها فبالرغم من جمال هذه الغرفة إلا أن مساحتها
ضيقة خاصة مع منزل لن يكون إلا كبيراً ومالكه له كل ذاك
المركز والمكانة في البلاد !! لا تفهم ما يعكسه كل هذا في
شخصية ذاك الرجل فقد طغى اللون الأحمر على تفاصيلها أيضاً
وإن كان اللون الأبيض قد برز كثيرا في ستائرها والملاءات
وبعض التحف وواجهتين من الجدران وكان لذات اللون النصيب
الأوفر في الحمام الذي كان أيضاً بمساحة تشبه للغرفة الملحق
لها وإن كان مجهزاً بفخامة ولا ينقصه شيء مما تتمتع به
الحمامات الأكثر اتساعاً ! دارت مقلتاها البنيتان في المكان ببطء
وهدوء يشبهها وشعرت فجأة بالإختناق فأنزلت رأسها وغرست
أصابعها في غرتها الرطبة التي تساقطت عليها تباعاً ففكرة
تواجدها في مكان يجمعها برجل وحدهما كفيلة بجعلها تفقد
أنفاسها بل وحياتها وهي من قررت سلفاً أن لا تفعلها أبداً ، بل
كان قلبها وكانت روحها المحطمة من قررا ذلك عنها مما خلّف
لديها شعوراً سيئاً بالنفور منهم جميعهم وباتت تراهم نسخاً
متشابهة .
استغفرت الله بهمس وهي ترفع رأسها وتبعد خصلات غرتها
المبللة للأعلى تسحب أنفاسها لصدرها بقوة ووقفت ورفعت
هاتفها الذي وجدته على طاولة السرير منذ أن وجدت نفسها هنا
وغادرت الغرفة مغلقة بابها خلفها فلم يعد بإمكانها التنفس بشكل
طبيعي وهي هناك لازالت تحاصرها رائحة العطر الرجالي الذي
يصعب على نوعه باهظ الثمن أن يتلاشى مع ذرات الهواء
بسهولة وبات يحاصرها به حد الاختناق وعليها الابتعاد لبعض
الوقت على الأقل .
تحركت خطواتها خلال الطابق الواسع بأثاثه الفاخر وكأن عيناها
ترسم تفاصيلا مصغرة لكل شيء هناك ووقع نظرها على السلالم
المؤديه للأسفل ، كانت تتوقع أنها في مكان غير الطابق الأرضي
من هذا المنزل من منظر السماء الزرقاء تزينها السحب البيضاء
المتفرقة والتي كانت تطل وحدها على نافذة الغرفة التي كانت
فيها منذ لحظات ، أخذتها خطواتها في ذاك الاتجاه فوراً فيبدو أن
مرادها لازال بعيداً عن هنا .
لامست أصابعها برودة نحاس حاجز السلالم وخطواتها تنزل
عتباته المغطاة بسجاد سميك فاخر بينما نظراتها كانت تتنقل في
المكان الذي كان ينكشف لها تباعاً مع نزولها وما تراه يكاد يكون
نسخة عن الذي تركته في الأعلى ! الاختلاف فقط في الألوان
وبعض التفاصيل الصغيرة كالتحف والمناظر المعلقة على
الجدران ، وتوقفت نهاية عتباته تنظر للمكان حولها بشيء من
الاستغراب فهل ثمة من يبني منزلا بطابقين متشابهان هكذا
ليصبح مملاً لمن يتجول فيه أو يسكنه ؟! وسرعان ما أدركت
السبب وما أن اجتذبتها أصوات لبعض القطع الحديدية الخاصة
بالمطبخ الذي يبدو قريباً من هنا وفهمت فوراً بأنه تعمد فعل هذا
من أجل عمته التي تعيش معه هنا وابنتها المطلقة وطفليها فهو
يبدو يرفض أن يجرح مشاعر عمته الوحيدة وإن بتمييز طابقه
في المنزل عن الذي تعيش هي فيه !
نزلت آخر عتبتين ونظرت باتجاه المكان الذي أصبحت الأصوات
الخارجة منه أكثر وضوحاً لها ووصلها فوراً صوت المرأة الأكبر
سناً حين قالت
" لو أننا اتصلنا بعمير يخبر زوجته تنزل لتتناول الفطور معنا أو
نأخذه لها في الأعلى "
فابتسمت بحنان من فورها ولأول مرة منذ أن وجدت نفسها هنا
فتلك المرأة المسنة ومن المرة الوحيدة التي رأتها فيها سابقاً
علمت بأنها من ذاك النوع الذي يذكرها بجدتها المتوفاة ، كانت
من الطيبة والرقة أن تعجز عن كره أحد وإن آذاها فترى طيبتها
وحنانها في عينيها ما أن تراهما .
لكن تلك الابتسامة سرعان ما عادت لتندثر بذاك التجهم الكئيب ما
أن خرج الصوت الآخر الغاضب والأصغر سناً
" وهل ترينا خدماً لديها نأخذ لها الطعام لغرفتها ؟
لديها مطبخ أكبر من هذا في الأعلى ولا ينقصه شيء فلتأكل منه
أو لتبقى جائعة ليست طفلة لنراقب نحن أو عمير طعامها "
فانقبضت أصابعها على سياج السلالم الذي لازلت تمسك بنهايته
مع انقباض الموجود وسط أضلعها بنفور وخرج صوت والدتها
مرتفعاً بغضب أيضاً هذه المرة
" بثينة كم مرة سأشرح لك وكأنك طفلة بل وكأني ببغاء أمامك
بأن هذا منزل عمير وبالتالي هو منزلها لأنها زوجته ونحن
ضيوفها بكرم من زوجها فقط ، وليس عيباً أن نأخذ لها بعض
الخبز بما أنه لا يوجد غيره هنا لأننا من يريد إعداده ولا أن نطلب
منها مشاركتنا الطعام الذي هو من مال زوجها "
تنفست بعمق مغمضة عينيها ودون شعور منها بسبب آخر ما
قالت وفتحتهما على اتساعهما ما أن وصلها صوت ابنتها الصارخ
" أمي بالله عليك توقفي عن تكرار هذه الأسطوانة المشروخة
التي لا تشعرنا سوى بالاستنقاص فعمير ابن شقيقك وابن خالي ،
نحن أقرب له من تلك المرأة التي بكلمة واحدة تصبح غريبة عنه
وترجع لمنزل والدها .. للمكان الذي خرجت منه ويناسبها"
فاشتد فكاها على أسنانها بقوة آلمتها ولم تشعر بالمهانة
والاستنقاص كما شعرت به حينها وندمت أن نزلت بل وأن خرجت
من غرفتها فلم تزدد سوى اختناقاً فوق اختناقها ، ويبدوا أنه كان
لايزال في جعبة تلك المرأة الكثير لولا أسكتتها والدتها قائلة بحدة
" أستغفر الله ... أستغفر الله من شيطان لسانك ، عودي لما كنت
تفعلينه واصمتي "
ويبدو أنها استجابت لها فلم يعد يخرج من باب ذاك المطبخ سوى
صوت تحريك الأطباق القوي الغاضب ولا تفهم لما تكرهها تلك
المرأة وهي لا تعرفها ولم تراها سوى لمرة واحدة أبدت فيها
وعلى الفور كرهاً ونفوراً واضحين اتجاهها !!
بل ووالدتها معها وكأنها ليست امرأة في سن والدتها !
تنهدت بضيق نفساً عميقاً وغادرت من هناك باتجاه باب المنزل
المفتوح وخرجت منه وأغمضت عينيها ما أن قابلتها نسائم
الخريف القادمة من جهة الشرق وإن كانت مشبعة برطوبة البحر
رغم ابتعاده عن هنا ، لكنها تحتاج لهذا الهواء النقي ومهما
كانت صفاته خاصة مع رائحة الأزهار المشبع بها فشعرت وكأنها
في مدينة العمران التي تركتها خلفها مع عائلتها وجامعتها وكل
ما حملته سنوات عيشهم فيها من ذكريات ، وما أن فتحت عينيها
حتى طابقت الصورة مخيلتها تماماً وما أنعش صدرها من كل تلك
النسائم بنكهة الزهور فكانت حديقة فاقت بروعتها المنزل الفخم
الراقي بكل تفاصيله المميزة والعصرية ويبدوا أنه تم اختياره
بعناية ودُفعت من أجله أموالاً كثيرة فمنزل بحديقة واسعة وجميلة
هكذا هنا في قلب العاصمة أمر من النوادر لأنه يتم استغلال كل
شبر فيها لتعميره وحتى الفلات المصطفة في أرقى شوارعها
يقتصر ما حولها على فناء ضيق يُستغل لزراعة بعض الأشجار
المزهرة التي تتدلى أغصانها من فوق أسوارها أما هنا فجدار
سور المنزل تخفيه الأشجار دائمة الخضرة عنها ! وحملها الحنين
هذه المرة لمنزلهم القديم في صنوان .. المنازل الواسعة
والأسوار العالية والحدائق الفسيحة فحتى العمران ورغم جمالها
وخضرتها تحولت لمدينة ضيقة ومزدحمة مع مرور الأعوام
وتحولت أغلب المزارع فيها لبنايات ومشاريع استثمارية وتم
إزالة الأسوار الواسعة حول أغلب المنازل وتحولت لشوارع
وأزقة ومحلات تجارية فواكبت الحضارة بعصرية لكنها أيضاً
فقدت جزءاً كبيراً من جمالها الطبيعي وإن كانت حتى الآن تعد
أجمل مدن البلاد .
ولاحت على شفتيها ابتسامة صغيرة جديدة أسرت الحزن في
ملامحها بروعتها ونظرت يميناً ما أن نزلت عتبات الباب الحجرية
حيث صوت ضحكات الطفلة الصغيرة التي ركضت بين جذعي
شجرتين كبيرتين وظهر بعدها جسد شقيقها الأكبر منها سناً
وسلك ذاك الطريق راكضاً خلفها ، وتعرفت سريعاً على الطفلة
الجميلة بجدائلها السوداء الناعمة لأنها رأتها سابقاً عكس شقيقها
الذي سمعت عنه فقط بالرغم من أنه وصل معهم لمنزل والدها في
زيارتهم الوحيدة تلك ، وسرعان ما اختفت تلك الابتسامة ما أن
تذكرت كلمات والدتهما وعادت التساؤلات حول السبب الحقيقي
لكرهها الكبير والا مبرر لها ؟!
لكنها وسريعاً أيضاً رمت تلك الأفكار من رأسها ونظرت في
الاتجاه المعاكس بل وسارت ناحيته تاركة خلفها تلك الضحكات
الصغيرة وأصوات الركض العشوائي بل وما تجهله وهو المكان
الذي يفترشونه هناك ويتناولون طعام الإفطار فيه كل صباح
وسارت لمسافة غير بعيدة عن هناك واستوقفها الكرسي الحجري
قرب أزهار نبات القطيفة وجلست عليه تنظر للباب النحاسي
المدعم بالزجاج المعتم يمينها وهو الباب الذي يفصل المنزل
وحديقته عن الشارع حيث أصوات السيارات وبعض المارة الذين
خرجوا في الصباح الباكر من أجل أعمالهم فنقلت نظرها منه
لهاتفها تنظر له بين يديها بحزن بينما تتلاعب النسائم الرطبة
بغرتها القصيرة الكثيفة وشعرها الطويل الذي سرعان ما جففته
لينساب ناعماً رائعاً على ظهرها وذراعيها وتنهدت بعمق وهي
تقلب الأرقام الموجودة فيه وعاد ذاك الصراع الداخلي يجتاحها
وفكرة أن تتصل بزوجته باتت تغريها أكثر فقد تعلم شيئاً عنهما
فوسام أيضاً كان هاتفه مقفلاً منذ ليلة البارحة ولن تستغرب هذا
فمؤكد تم استدعائه لاستجوابه هذا إن لم يعتقلوه كالمجرمين ،
وبدأت ضربات قلبها تئن بين أضلعها بألم ولا يمكنها ولا تصديق
أن يفعل قائد ذلك ولا غسق أيضاً ؟! وإن فرضنا أن مشاعره
القديمة نحوها قد تجعله يفكر ويقرر بتهور لكن هي !
هي تحب زوجها ذاك وبجنون ولم تستطع لا السنين ولا ما فعله
بها أن تجعلها تنساه أو تكرهه فلما ستفعل ذلك وتتهور وتفكر
بطيش هكذا !
اشتدت أصابع يديها على الهاتف فيهما وغمرت الدموع الحارة
عينيها وهي تفكر في عقبات ذلك إن كان حقيقياً وما سيفعله ذاك
المحارب المتملك بشقيقها فهو بالتأكيد لن يؤذي زوجته والمرأة
التي يحب وتحمل ابنه في أحشائها مهما حدث وسيدفع قائد ثمناً
غالياً جداً ليس لها أن تتصوره ولا أن تفكر فيه .
مسحت عيناها والدموع التي لم تنزل منهما بعد وحزمت أمرها
وطلبت رقم زوجة شقيقها وسام فلعلها تطمئنها وإن كاذبة ، وكما
توقعت فقد فتحت من في الطرف الآخر الخط سريعاً ووصلها
صوتها مباشرة
" مرحباً جليلة كيف أنت الآن ؟ "
وساد الصمت من جانبها ولم يخفى عليها النبرة المتوترة في
صوت محدثتها وتوترت أنفاسها فما توقعته حقيقي .
" جليلة تسمعينني ؟! "
رطبت شفتيها بطرف لسانها وهمست بصعوبة
" أجل أسمعك يا عبير كيف حالكم جميعاً ؟ "
وعاد الصمت والتوتر ليسودا الأجواء المضطربة قبل أن يصلها
صوتها مجدداً
" نحن بخير جميعنا كيف تسير أمورك أنت مع عالمك الجديد
ومع الزواج ؟ "
كانت تحاول جعل عبارتها الأخيرة مرحة لكن ذلك لم يخدع التي
حركت قدمها على الأرض بتوتر وخوف فهي لم تسألها ولا عن
سبب اتصالها في هذا الوقت المبكر وهي عروس كما قالت !
إذاً شكوكها صحيحة ويبدو وسام طلب منها أن لا تخبر أحداً.
مررت أصابعها في غرتها ترفعها للأعلى بحركة متوترة وقالت
" أين هو وسام لا يجيب على هاتفه ... هل هو قربك ؟ "
" لا ... أ... أعني هو خرج بعد الصلاة مباشرة ويبدو لديه
مشوار مهم "
غضنت جبينها الصغير الذي تغطي الغرة المقصوصة والمقسومة
نصفين أغلبه وقالت
" عبير لا تحاولي تضليلي فهل زاركم أحد ما وذهب معه أم كان
اتصالاً هاتفياً البارحة ما جعله يخرج من المنزل ؟ "
" من أخبرك ؟ "
كان اعترافاً سريعاً منها وأسرع مما توقعت !
بل ومن نبرة صوتها الشبه باكية وهي تقول ذلك علمت أن
الموقف كان شديداً عليها فقالت بقلق
" هل ألقوا القبض عليه ؟ "
وكما توقعت فقد وصلها الصوت الباكي مقراً بسرعة
" أجل إنهم رجال المباحث أو يبدو المخابرات لا أعلم فهم لم
يكونوا يرتدون زياً للشرطة ولا القوات الخاصة وبصعوبة سمحوا
له بتغيير ثيابه والحديث معي وهو أوصاني أن لا أخبر أحداً
لكني قلقة جداً عليه يا جليلة ولا أعلم ما يمكنني فعله فقد حذرني
حتى من إخبار والدي وأشقائي ولم يرجع حتى الآن ولا يجيب
على اتصالاتي أيضاً "
قضمت شفتها بأسنانها بقوة وازدادت حركة قدمها توتراً وعادت
الدموع لتغمر عيناها الواسعة وقالت ببحة
" لا تقلقي يا عبير هو بخير سيتم استجوابه فقط ويلقون عليه
بعض الأسئلة ثم سيطلقون سراحه فهم كما قلتِ ليسوا رجال
شرطة "
وبدأ صوت البكاء واضحاً في نبرة التي قالت سريعاً
" لكن رجال المخابرات مخيفين أكثر من الشرطة وحتى من
الجنائية فسجناؤهم لا يرون النور أبداً وتهمهم تقتصر على
الخيانة الوطنية وأنت تعلمين جيداً ما تمر به البلاد الآن وهو
من صنوان و..... "
" لا ... الأمر لن يكون كذلك لا تخافي يا عبير "
قاطعتها مطمئنة لأنها تعرف الحقيقة وراء أخذه من هناك وذاك ما
يبدو أن محدثتها التقطته من حديثها فقد قالت سريعاً
" جليلة هل تعلمين أمراً أجهله ؟ "
توترت ولم تعرف ما تقول لكنها بحاجة فعلية لمن تشاركه وإن
جزءاً من همومها تلك والتي تكاد تقتلها فقالت دون تفكير كي لا
تتراجع
" قائد مختفٍ منذ ليلة البارحة وأخذوا وسام للتحقيق معه فقط
وسيطلقون سراحه سريعاً بالتأكيد "
تلك الحقيقة جعلت الصمت يسود ممن في الطرف الآخر وبدا
صوتها مصدوما حين قالت أخيراً
" لكن ...! لكنه تحدث معه البارحة و...!! وكيف يختفي وما
علاقة وسام يستجوبونه وهو شقيقه ولن يؤذيه ؟! "
فقالت دون أن تعترف بالحقيقة كاملة فغرضها كان طمأنتها على
زوجها فقط
" لا أعلم يا عبير ...هذا كل ما أعرفه وحالي ليس بأفضل منك "
لكنها يبدو لم تقنع بالقليل المهم لها فقد قالت من فورها وبقلق "
هل فعل قائد شيئاً والشرطة تبحث عنه ؟ "
اتكأت بجبينها على راحة يدها التي سندت مرفقها بفخذها تنظر
للأرض المعشبة تحتها وقالت تحاول طمأنتها ونفسها معها
" قائد رجل قانون يا عبير ولن يخالفه وسيكون ثمة لبس ما في
الأمر وستتضح الأمور سريعاً "
وتنهدت بارتياح حين قالت زوجة شقيقها بهدوء حزين
" أتمنى ذلك فقلبي يحترق ولم أستطع ولا إخراج ما فيه لأحد كي
لا يغضب شقيقك مني إن علم أني ... "
ولكنها سرعان ما بترت عبارتها تلك وعادت لأسلوب التحقيق
وبوتيرة أشد هذه المرة وقد قالت باستغراب
" لكن كيف علمتِ أنت إن كان لا يجيب على إتصا... "
وعادت وقاطعت نفسها وقالت سريعاً للتي اتسعت عيناها
بدهشة منها
" هل زوجك من أخبرك ؟ هل يعلم عن... "
مما جعلها تغمض عينيها ودفنتها في كفها وحدث ما توقعت حين
قالت التي لم تنهي عبارتها مجدداً
" يا إلهي أجل كيف نسيت ؟ هو مؤكد يعلم بكل شيء وهو من
سيكون أرسل أولئك الرجال لأخذه من هنا "
كانت تشبهها مشتتة وضائعة لا تعرف فيما تفكر وما تفعل ولن
تلومها ولا نفسها أيضاً فكيف إن علمت ما تعلمه هي والسبب
الحقيقي وراء أخذ زوجها واختفاء شقيقه ؟
لو أخبروها بأنه قتل رجلاً متعمداً لكان أهون عليها بكل تبعاته
وإن سجن فيه مدى الحياة فكيف إن علمت الناس والصحافة
والعالم أجمع بما حدث وانتشر الخبر بسرعة البرق ؟
ارتجف جسدها ولم تستطع ولا تخيل ذلك ورفعت رأسها وهمست
بخوف تخفي شفتيها خلف أطراف أناملها
" يا إلهي ستكون كارثة حينها "
ووصلها الصوت القلق للتي يبدو أنساها خوفها بأنها لازالت
تسمعها
" جليلة ما هي الكارثة وماذا تقولين فلست أسمعك بوضوح ؟
لا تخيفيني يا جليلة وارحمي قلبي رحمك الله "
فأيقظها ذاك الصوت الشبه باكي لنفسها وما أن كانت ستتحدث
سبقتها التي قالت برجاء حزين
" تحدثي مع زوجك وأخبريه يتركه يتحدث معي على الأقل
لأطمئن ، أرجوك يا جليلة هو مؤكد يعلم أين يكون الآن وما
يحدث معه "
فاتسعت عيناها بصدمة من مجرد التفكير في طلبها ذاك
وقالت بضيق
" عبير ما بك تضخمين الأمور بسرعة هكذا ؟
أخبرتك أنه سيخضع لتحقيق عادي ولم يرتكب جريمة ما "
لكن تلك استطردت وكأنها لم تسمعها
" أرجوك يا جليلة فلنطمئن على أحدهما على الأقل فلن أستطيع
الصبر أكثر من ذلك وأكاد أجن "
تنهدت بضيق فزوجة شقيقها تلك لن تتغير أبداً فهي
ما أن يصاب أحد أبنائها بجرح أو يقع تهوّل الأمر
بصراخها وخوفها الا مبرر حتى يضن من يراها أنه مات
فكيف إن كان ذاك الخطر يحدق بزوجها ؟
سحبت نفسها عميقاً لصدرها وقالت بجدية
" لا تتهوري يا عبير ولا تخبري أحداً فإن علمت والدتي
فلن أستغرب أن تنقل للمستشفى ، وسأتحدث مع عمير وأطلب
منه أن يتركه يكلمك لكن لا تتهوري فيما قد يضرنا جميعاً "
وصلها صوتها المستغرب بما لم تتوقعه مطلقاً
" وفيما سيضر الجميع ؟ أنا لا أفهمك يا جليلة ! "
فتأففت من نفسها وغبائها وضربت الأرض بطرف حذائها
المنزلي الأنيق فالنساء يبدو يتحولن لأكثر المحققين حنكة وذكاء
ما أن يتعلق الأمر بالرجل الذي يحببن !
قالت بذات النبرة الجادة تنهي كل ذاك الحوار العقيم
" لا يهم أن تفهمي المهم أن تنفذي والأهم أن تطمئني
على زوجك ... وداعاً الآن يا عبير وسنتحدث لاحقاً "
وأنهت المكالمة معها وأنزلت يديها لحجرها وجمدت مكانها تنظر
لهاتفها بين يديها مترددة في اتخاذ تلك الخطوة والاتصال به ،
لكنه سبيلها الوحيد وهو وحده من يستطيع أن يطمئنهم عليه
بل ويوصلهم به، رفعت أصبعها أمام شاشته المسطحة ووقفت
مترددة لا بل متخوفة من أن تكون فقدت رقمه من هاتفها فهي لم
تحفظه سابقاً ومر وقت طويل على المرة الوحيدة التي اتصل
فيها بها ورسالته تلك تخلصت منها من وقت خوفاً من شقيقها
وثاب فلها أن تتخيل موقفه المجنون إن وجدها وهي مرسلة
منه من قبل أن يخطبها.
رفعت نظرها منه مجفلة بسبب صوت الصرير القوي للباب
الحديدي قربها حين انفتح أتوماتيكياً ووقع نظرها فوراً على
مقدمة السيارة البيضاء اللامعة التي دخلت منه ووقفت دون
شعور منها ما أن ظهر لها الذي كانت ستبحث عن رقمه قبل قليل
وكأنه خرج من أفكارها !
الجالس خلف المقود يمسكه بإحدى يده بينما يتبث بالأخرى
الهاتف على أذنه وقد نظر ناحيتها ولازال يتحدث في هاتفه بينما
سيارته تجتاز الباب المفتوح وقد أغلق ذاتياً خلفه وتوقعت
أنه سيكمل طريقه فوق الرصيف الحجري المتسع المجهز لعبور
سيارته تلك حتى باب المنزل لكنه خان توقعاتها ما أن أوقف
السيارة بل وأطفأ محركها وفتح الباب ونزل منها يدس هاتفه في
جيبه وسار نحوها تاركاً بابها مفتوحاً ورائه تنظر له بترقب
وريبة شديدين مما قد يحمله لها من أخبار أنساها كل شيء حتى
وضعهما ومن يكون بينما كانت نظراته لها مختلفة تماماً .. نظرة
رجل لعروسه التي حرمته ظروفه السيئة حتى من النظر لها وإن
هكذا ببيجامة تستر كامل جسدها الممتلئ قليلاً باعتدال مغري ..
لامرأته الرائعة التي سلبت لبه منذ رآها وزاده عقلها واحتشامها
تعلقاً بها ، من يعلم وموقن بأن المسافة التي تفصله عنها أبعد
من كل هذا بكثير ولا مشكلة لديه في أن يصبر وينتظر ويتروى.
ما أن وقف أمامها وكما توقع همست من فورها ونظرها
المتوجس معلق بعينيه
" هل وجدتموهما ؟ "
وتوقفت أنفاسها فور أن حرك رأسه نفياً وقد هرب بنظره من
عينيها وهو يتمتم بهدوء وملامح متجهمة
" لقد تفوقا على مخابرات دولة كاملة وكأن الأرض انشقت
وابتلعتهما "
ارتفعت يدها لصدرها ودون شعور منها وهمست بصعوبة
" غادرا البلاد فعلاً ؟ "
رفع نظره لها وحرك رأسه نفياً مجدداً وقال بجمود
" ثمة رحلة بإسميهما لكنهما لم يسافرا بل ولم يغادرا ولا
العاصمة حوران وجميعه كان مخطط له ليشاع الخبر بأنهما
غادرا البلاد معاً "
أمسكت فمها مصدومة تنظر له من بين الدموع التي ملأت عينيها
وقالت بصعوبة
" ليشاع الخبر ؟! "
أدار مقلتيه قليلاً لتبتعد عنها وكأنه يلجمها عن فقد السيطرة وقال
بلمحة ضيق طفيفة
" بلى وثمة من سعى لذلك بالفعل لولا أن تصرفت ابنتها بحكمة
وفي الوقت المناسب لكنا الآن في فضيحة لن تنساها الناس
لأعوام "
كانت تنظر لملامحه الغاضبة في صمت متقن وعيناه التي تتجنب
النظر لها لسبب تظنه يتعلق بكونها شقيقة مسبب كل ذلك وشعرت
بالإختناق وبأن كل شيء حولها يكتم أنفاسها والواقف أمامها
أولهم حركت رأسها بعدم استيعاب وقالت بشفاه مرتجفة
" مستحيل ...!
لا يمكنني تصديق أن يفعلها قائد !
لابد وأنه ثمة خطأ ما في... "
وقاطعت نفسها وقالت فجأة
" ماذا عن شقيقها جبران ؟ قد تكون... "
فقاطعها هو هذه المرة وقد نظر لعينيها مباشرة
" لا فدرعنا هناك أنكروا حدوث ذلك ولم تعبر سيارته ولا أي
نقطة تفتيش للشرطة خارج العاصمة "
فشعرت بغضبها يتعاظم بسبب كل شيء مرت وتمر به وتغلب
توترها والضغط النفسي الذي تشعر به على سلوكها وقالت
بانفعال غاضب
" لما تصر بأنهما معاً ؟ ما دليلكم على ذلك ؟ "
ولأن الواقف أمامها لم يكن أفضل حالاً منها وهو يواجه كارثتان
لم يجد لأي منهما حلاً بينما تحاول هي نكرانها وتكذيبه خرج
صوته أيضاً مرتفعاً ومنفعلاً حين قال
" لأنه خرج بها من المستشفى بعدما تم نقلها له من منزل
زوجها وهي في انهيار تام ونزيف حاد أيضاً لسبب لازلنا جميعنا
نجهله فلما تغادر معه من هناك وتجبر الأطباء على ذاك ثم
يختفيان كلياً ؟
ولما يسعى شخص مجهول لإحداث بلبلة بذاك الأمر ؟
هذا إن لم يكن هو وراء ذلك أيضاً "
ولم يكن ذلك سوى بمثابة إضافة النار الحطب واشتعلت مقلتاها
البنيتان ونفضت يدها قائلة بحدة
" لا قائد ليس كذلك ، شقيقي وأعرفه جيداً ولن يقنعني أحد
بأنه قد يفعلها "
فاستنفرته طريقة حديثها وأنسته توبيخه الطويل لنفسه حين
تعامل مع إبلاغها الأمر بقسوة وخرج صوته غاضباً حين قال
ويده والهاتف فيها تشير جانباً
" من إذا يا جليلة ؟ من هذا الذي من مصلحته أن يفعل ما فيه
موته إن عاد مطر قبل أن نجدهما ؟
من هذا الذي سيجبره على مصيبة وفضيحة كهذه ؟! "
قالت بغضب محتج
"لا أسمح لك بقول ذلك عنه ،أنت لا تعرفه لتحكم عليه بالفحش "
جعلته عبارتها تلك يتجمد من الصدمة للحظات قبل أن يقول منكراً
" جليلة لا تنسبي لي شيئاً لم أقله "
فقالت على الفور وبضيق تشير بسبابتها له
" بلى قلت وعنيت "
ولاذت بالصمت تنظر لعينيه التي انحرفت لشيء ما ورائها
وأنفاسه الغاضبة لازالت تعبث بعضلات صدره العريض ولم يضف
شيئاً فتنحت جانباً تنظر لما كان ينظر ولم يكن سوى عمته وابنتها
بل والطفلان أيضاً ويبدو أن أصوات شجارهما المرتفع اجتذبتهم ،
بينما تركزت عيناها على الابتسامة الساخرة التي رمتها بها
الواقفة بجانب والدتها تمسك يدها الوشاح الذي لم تكلف نفسها
بسحبه للأمام ليغطي كامل شعرها الأسود الناعم ، واشتدت
قبضتاها بقوة وغضب وغادرت من فورها بخطوات مسرعة
عائدة من حيث جاءت ونظرات الجميع تتبعها وأولهم من تركته
خلفها يراقبها بحاجبين معقودين بشدة ، وكانت عمته أول من
كسر ذاك الصمت المشحون قائلة وقد نقلت نظرها له
" ما بكما يا عمير ؟ لما تتشاجران !! "
فتحرك من مكانه متمتماً
" لا شيء عمتي "
واختفى حيث غادرت زوجته منذ قليل بينما تنهدت عمته تنظر
للمكان الذي اختفى منه متمتمة
" حالهما لا يسر أبداً وثمة خطب ما بينهما ؟! "
فابتسمت ابنتها بسخرية قائلة ونظرها عاليا حيث الطابق الذي
يسكنانه بل ونافذة غرفتهما تحديداً
" ألم يخبرك سابقاً أن تتحمليها وغرورها ؟
ليستحملها هو الآن إذاً إن أمكنه ذلك "
فرمقتها بنظرة غاضبة وقالت تضربها من مرفقها
" تحركي هيا ، وكأنك لم تسمعي ما قالا وبأنه ثمة شخص آخر
يتحدثان عنه "
ففركت مرفقها بضيق وقالت مغادرة
" سيكون أحد أشقائها أو أقاربها بالتأكيد ولينظر لنفسه من
ناسب ولم يسمع النصح أبداً "
وابتعدت عائدة للمكان الذي كانوا يجلسون فيه بينما حركت
والدتها رأسها بيأس منها وتحركت أيضاً قائلة لحفيدها
" أحضر شقيقتك واتبعنا "
*
*
*
*
*
*
أدار مقبض الباب الذي وقف أمامه للحظات قبل أن يقرر فتحه
ووقع نظره فوراً على الواقفة قرب السرير مولية له ظهرها
المغطى بشعرها الطويل وتضغط بأصبعها بغضب على شاشة
الهاتف الذي تمسكه قبل أن ترميه على السرير بحركة غاضبة
حين لم تجد رداً ممن كانت تتصل به واستدارت ناحيته بكامل
جسدها ما أن دخل الغرفة وشعرت بوجوده ونظراته الساكنة
الثابتة بقوة تركزت على عينيها المحتقنه من الغضب وحبس
الدموع فيها مما جعل جفنيها الواسعان يكتحلان بلون أحمر قاني
وباشرت الهجوم فوراً وكما كان يتوقع ولكن ليس بما توقع بتاتاً
حين قالت غاصبة
" لن أسمح لأحد وأيا كان بأن يمس عائلتي بسوء ولا أن
يسخر منهم "
فانتقلت نظراته للاستغراب بل والاستهجان وذاك ما جعلها تشتعل
أكثر وهي تتذكر كلمات قريبته تلك في المطبخ وحديثهما الأخير
أمامهم قبل قليل ورمت يدها جانباً قائلة
" ألست تعلم من أكون من قبل أن تدخل مجلس والدي
وتطلبني منه؟
هل ترجاك أحدنا لفعلها ؟ "
فتنفس بعمق قبل أن يقول بهدوء فاجأها
" أيمكنك الهدوء قليلا لنتحدث ؟ "
لكن ذلك أيضاً لم يطفئ نار المهانة المشتعلة بداخلها
وقالت بضيق
" لن أهدأ ولن أرضى بأن أهان لا أنا ولاعائلتي لأننا أقل منكم "
فخرج عن هدوئه هذه المرة لكن باستنكار وليس الغضب حين قال
" جليلة ما هذا الذي تتحدثين عنه ؟ "
فنقلت سبابتها بين الباب خلفه وبينه قائلة بحدة
" ما تتحدثون جميعكم عنه ، وأجبني الآن يا رجل مطر شاهين
من الذي أجبرك على مناسبة ابنة المجرمين "
فكانت نبرته جادة وحازمة حين قال عاقداً حاجبيه بقوة
" جليلة سبق وأخبرتك أنا لم أقصد ما فهمته وأعلم جيداً بأن
ابنة خالتك غادرت مع شقيقك بملئ إرادتها بل وهي التي
طلبت منه المجيء "
وظن بأنه عالج الأمر بذلك لكن النتائج كانت العكس تماماً وقد
امتلأت عيناها بدموع القهر وهمست بجمود
" أجل فابنة خالتي هي ال... "
فقاطعها مهدداً إياها بسبابته
" جليلة يكفي ... أنا من لن يسمح لك باتهامها في شرفها وإن
كانت ظنوناً تلصقينها بي فأرفض أن تتفوهي بها "
لوحت بقبصتها بغضب قائلة
" وشقيقي لا بأس ؟ "
فدس يديه في جيبي بنطلونه يقبضهما داخله بقوة وقال بهدوء
تحوّل له ببراعة مجدداً
" لا يمكننا التحدث وأنت غاضبة هكذا ولا تعرفين ما الذي
تتفوهين به "
وما كان لذاك اللين أن ينجح مجدداً فقد فردت ذراعيها قليلاً
وقالت بمرارة قتلته بها قبل نفسها
" هذه هي أنا ... هل تشعر بالندم الآن على الزواج بي ؟
هل اكتفيت من هذه اللعبة ؟ "
وسرعان ما غضن جبينه هامساً بجدية
" لعبة هو الزواج في نظرك ؟ "
كان الأمر ينزلق للتحول للشجار مجدداً وهذا ما كان يتجنبه بل
ويرفضه لكن تراكمات ماضيها الذي يعلمه جيداً كما يعلم بالضغط
الحالي الذي تمر به أعصابها المتوترة جعل ما توقعه يحدث
ونفضت يديها اللتان لازالت تفردهما وكأنها تشير لكل شيء
حولها قائلة بضيق
" وبما تسمي كل هذا .. ماذا ؟ "
قال من فوره وبجدية وثقة تشبه شخصيته تماماً
" أسميه قرار اتخذته ولن أندم عليه كما لم أتراجع عنه سابقاً
وأنا أعلم برفضك له "
صفعتها كلماته بقوة أكثر من كونها صُدمت بها وقالت بحرقة
ألهبت لون وجنتيها كما لون القهوة الساخنة في عينيها الواسعة
تشير بيديها لنفسها
" لما تزوجتني إذا وأنت تعلم ؟
لما تتزوج من امرأة ترفض الزواج ؟!
تتحدى نفسك أم تتحدى قراراً يخصني وحدي ؟ "
كانت ضائعة مشتتة مصدومة وذاك ما قرأه أيضاً وبوضوح ولن
يستغربه بعدما قال لكنه أيضاً لم يبرر ولم يشرح بل وتحرك جهة
باب الحمام يفك أزرار قميصه متمتما
" كلانا لسنا في مزاج جيد للتحدث عن هذا الآن وخصوصاً أنت "
ودخل وأغلق بابه خلفه بهدوء وترك العينان المعلقتان بخشبه
المصقول تحرر الدموع التي عاندتها طويلا وتحركت بخطوات
غاضبة ناحية الخزانة وفتحت بابها بقوة وبدأت بإخراج ثيابها
منها متمتمه من بين أسنانها
" جيد أنك على بينة برفضي لك منذ البداية "
وأخرجت جميع ثيابها من هناك وحملتها مكومة جميعها على
بعضها وخرجت بها بالكاد ترى طريقها أمامها ورمتها أمام أول
باب وصلته ، وما أن فتحته كان وكما توقعت لغرفة بسرير فردي
مجهزة بشكل كامل ، فها هو يضع جميع الاحتمالات في اعتباره
ويعرف جيداً مستقبله مع المرأة التي اختارها بعناد وهو يعلم
جيداً رفضها له.
بدأت برفع الثياب ورميها على السرير في دفعات وبحركة غاضبة
تفرغ فيها كل ما كبتته الساعات الماضية ويكاد يحرقها ، أجل هذا
ما ستتوقعه منهم السخرية منها فهي أقل من أن تكون زوجة
لرجل مثله ولازال هناك المزيد ما أن تشاع قصة هرب غسق
شراع مع شقيقها ، وهذا ما ستتوقعه منه أيضاً أن يتهمه في
أخلاقه أمامها ولا يحق لها أن تدافع عنه ثم وبكل جرأة يخبرها
بأنه تزوجها رغم علمه برفضها له ! بالتأكيد سيفعل فهي في
نظره الفاكهة المحرمة وتحدي صغير يخوضه مع نفسه ثم حين
يمل منها سيرميها دون أن يهتم كما يفعل الرجال جميعهم وكما
فعل من وثقت به وانتظرته لأعوام وأحبته وكما فعل صديقه بابنة
خالتها فتفكيرهم واحد .
فتحت باب الخزانة الفارغة بقوة وبدأت بترتيب ملابسها فيها
تطويها بشكل عشوائي ويدين مرتجفة فقدت التحكم بها وصوت
أنفاسها المضطربة الغاضبة وحده ما يسمع مع صوت حفيف
الأقمشة الجديدة ، نظرت سريعاً للباب الذي فُتح فجأة وللواقف
أمامه وقد لبس ثياباً أخرى وشعره المسرح للوراء لازال رطباً
ينظر لها بصمت بينما لازالت يده تمسك مقبض الباب فسحبت
نفساً عميقاً تهدئ ثورة أنفاسها المتلاحقة وقالت تشجع نفسها
أمام قوته التي يصعب تجاهلها وإن كان هادئاً تحيطه هالة
السكينة التي تزيد شخصيته غرابة
" عذراً سيدي فلن أشاركك غرفتك مطلقاً وأظنك تتوقع هذا
أيضاً وتعلمه "
فقال سريعاً وبهدوء
" هذا قرارك ولن أعاندك فيه أو أرفضه "
كان صوت أنفاسها المتلاحقة وحده ما صدر عنها ونظرت لعينيه
بصمت ولا خيار غيره أمامها فهي وإن صدق التعبير لم تتوقع
رده هذا ولا ردة فعله تلك فأقل ما قد يفعله رجل في مكانه الآن أن
يشتاط غضباً ويتوعدها بويلات عصيانه والتمرد عليه ! ويبدوا
أنه أيضاً لم يكن يتوقع أو ينتظر تعبيراً آخر منها يتعدى الصمت
فأضاف بجدية وهو يدس يديه في جيبي بنطلونه الكحلي وصوته
الجهوري يملأ الغرفة الساكنة " وما جئت لقوله بل وتأكيده بأنه
لا يحق لأحد هنا أن يهينك ولا عائلتك يا جليلة وأنا أولهم
تفهمين هذا ؟ "
وتبادلا نظرة صامتة أخرى ما أن أنهى عبارته تلك وكان هو من
قطعها ووضع هاتفها الذي تركته هناك مرمياً على السرير
وانشغلت عنه بترتيبات هجرانها لغرفتهما على طاولة التزيين
الموضوعة على الجدار المحاذي للباب وغادر مغلقاً الباب خلفه
بهدوء حاملاً معه كل تلك الزوبعة الوهمية التي كانت تتكهن بها
في خيالها فقط ! وانهارت جالسة على السرير خلفها ودفنت
وجهها في يديها وأجهشت بالبكاء الذي لم يعد يمكنها كتمانه أكثر
فليته يفهم فقط كم باتت تكره الرجال ولا يمكنها المضي بهذا
لأنها فقدت ثقتها بهم جميعهم .
رفعت رأسها تلامس شفتيها بظهر أناملها تمسك شهقاتها الباكية
حين ارتفع صوت رنين هاتفها وكأن من يتصل الآن يمكنه سماع
بكائها دون أن تفتح الخط له ! ويبدو أن هذا سبب جلبه لهاتفها
هنا فثمة من يتصل بها منذ وقت .
وقفت وتوجهت نحوه مسرعة تمسح بظهر يدها الدموع من
عينيها فقد يكون أحد شقيقيها أو زوجة وسام ، وما أن رفعته
ونظرت للإسم على شاشته المضيئة شعرت بخيبة أمل كبيرة
فالمتصل كان والدتها ، وكان عليها توقع هذا فمن الطبيعي أن
تتصل بها وهي العروس التي نامت البارحة أول ليلة مع زوجها ،
وأي ليلة كانت تلك ؟ إنها أسوأ من جميع ما رسمته من توقعات
لليلتهما الأولى التي كانت ستكون سيئة على كل حال .
مسحت عينيها بقوة أكبر وحمحمت تحاول تحسين حال حنجرتها
المتشنجة كي لا تشك والدتها بشيء رغم أنها ستتوقع هذا وبعيداً
عن موضوع قائد فهي أكثر من يعلم برفض ابنتها لهذه التجربة
بأكملها
" صباح جليلة بنيتي .. كيف أنت يا قلب والدتك ؟ "
وانهارت حصونها جميعها ما أن سمعت صوت والدتها الدافئ
الحنون والذي لم تسمعه هكذا منذ ظهر هذا الرجل في حياتها..
لا بل منذ قررت الطلاق من رماح شراع ، ولم تستطع قول شيء
كما لم تستطع كتمان عبراتها المختنقة التي خرجت في شهقات
متتالية مكتومة وتسربت الدموع من عينيها كحبات المطر الخفيف
ففوق ما حدث مع شقيقها وما قد يؤدي لهلاكه التام ووالدتها لا
تعلم عنه وهي من تحملت الويلات من أجل توأماها الصغيران
اللذان فرت بهما من الجحيم وزواج فاشل لم يدم طويلاً لعائلة
أخرى لم تستطع أبداً أن تجعلهما جزءاً منها بالرغم من أنهم
أبنائها جميعهم هي تشعر الآن بما لم تشعر به يوماً وهو الحنين
لهم .. لتلك العائلة التي تركتها بعيداً عنها هناك ومن لم تفارقهم
يوماً فتملكها الحنين لهم سريعاً والخوف عليهم من مغبة ما فعله
ابن العائلة الأكبر وهو من يحمل اسم عائلة والده وعائلته
الأخرى من والدته .
"جليلة ما بك بنيتي ؟! "
مسحت عيناها بقوة وقالت ببحة وحزن
" لا شيء أمي اشتقت لكم فقط "
واختلط صوت والدتها المعاتب بتنهيدة ارتياح عميقة حين قالت
" أفزعتني ظننت مكروهاً أصابك ، أنت لم تفارقينا سوى من
يومين فقط ! ولم تعودي صغيرة ليبكيك فراقنا وأنت في منزل
زوجك "
زمت شفتيها بقوة أظهرت غمازتيها بوضوح فقد جرحتها
بكلماتها تلك بدلاً من أن تواسيها وقالت بانفعال واضح
" ألا تملك الكبيرة إحساساً ومشاعر كغيرها ؟ هي بشر أيضاً "
وصلها صوت والدتها سريعاً مستنكرة
" جليلة من هذا الذي تحدث عن سنك وعن أنك كبيرة ؟ حتى
الصغيرات اليوم لم يعدن يبكين فراق عائلاتهن وحلمها الوحيد
الزواج منذ طفولتها "
فأغمضت عينيها وتنفست نفساً عميقاً فهي في حال سيئة اليوم
بسبب ما حدث وتفقد هدوئها المعتاد بسرعة البرق ، قالت تغير
مجرى الحديث
" كيف حالك أمي وحال والدي ؟ "
وسرعان ما انساقت تلك مع الأمر وكما تعرفها تماماً فقد أسرعت
قائلة بما يشبه الحزن
" بخير جميعنا ولا ينقصنا غيرك ، لقد تركت فراغاً كبيراً وتركت
المنزل بعدك ساكناً تسكنه الأشباح ، ووالدك أكثر من يفتقدك لكنه
لا يتحدث كما تعرفينه "
ابتسمت بسخرية ولم تستطع التعليق على كل ذلك فهي أيضاً لم
تتركهم سوى من يومان فقط وقد كان عقبتهم الوحيدة هي الابنة
المطلقة العانس ذات الوقت ولم يصدقوا أن طرق بابهم طارق
يسأل عنها ، لكنها تعذر والدتها ولا يمكنها لومها وتتفهم مشاعر
الأم التي يكبلها الواقع والظروف .
قالت بهدوء حزين
" اعتني به جيداً أمي ولا تنسي أدويته فهو لن يأخذها ما لم
يعطيها أحد له ولا تنسوا وصايا الطبيب "
" اطمئني بنيتي فشقيقتك مريم تتصل بي عند كل موعد لدوائه
وقررت استلام تلك المهمة ، لا تفكري سوى في نفسك وزوجك ..
اعتني به جيداً يا جليلة فهو رجل لن تعطيك الحياة مثيلاً له أبداً "
أسدلت جفناها الواسعان وابتسمت بمرارة ونظرها تحرك لا إراديا
ناحية باقي ثيابها المكومة فوق السرير وهي تتمتم
" أجل أمي كوني مطمئنة "
وأرادت أن تضيف ( فابنتك ستكون لديك قريباً ) لكنها لن تفجعها
في الزواج الأسطوري هذا سريعاً فنهايته ستكون واحدة إما أن
يمل من وضعه الحالي ويرميها خارجاً أو أن تستسلم له ويجد
حينها لعبة العناد انتهت وباتت مملة ويرميها لهم والنتيجة
واحدة .
*
*
*
نظرت للهاتف الذي عاود الرنين مجدداً ولإسم الكاسر على
شاشته وشدت شفتها بأسنانها بقوة فإن لم تجب عليه هذه المرة
لن تستغرب أن يكون هنا لديهم خلال لحظات فهو اكتشف بالتأكيد
غياب والدته عن المنزل وتخمينه الوحيد أن تكون هنا فهو
وكعادته يجب أن يراها قبل أن تغادر المنزل لتكون في مكتبها في
البرج وبالتأكيد ستكون هي خياره الأول لسؤالها عنها ، لكن لما
ليس رعد من سأله وليس هو من يتصل بها الآن ليسأل عنها ؟
هل يكون علم بما حدث ؟ يا إلهي ستتفاقم المشكلة أكثر حينها .
تشجعت وفتحت الخط قبل أن ينتهي الاتصال هذه المرة أيضاً وما
أن وضعت الهاتف على أذنها حتى انفتحت عيناها من الصدمة
حين وصلتها صوته الصارخ بحماس
" أخبريني ما كانت النتائج ؟ هل انطلقا في رحلة شهر العسل
المؤجلة خمسة عشر عاماً ؟ "
فأبعدت الهاتف عن أذنها وحدقت في أسمه باستغراب وكأنها
تتأكد منه أو كأنها ستراه من خلالها ! وقالت ما أن أعادته لأذنها
مجدداً
" أي نتائج وأي شهر عسل تتحدث عنه يا معتوه ؟ "
وأذهلتها ضحكته المرتفعة قبل أن يقول ضاحكاً
" يبدو أنك لا تعلمين شيئاً يا دجاجة أو أنه ثمة ديك ألهاك التفكير
فيه عما حولك "
أمسكت خصرها بيدها الحرة وقالت بضيق
" كاسر قل ما لديك من دون سخرية "
وصلها صوته الباسم فوراً
" ألا تعلمين أن والدتك في منزلكم منذ البارحة ؟ "
بلعت غصتها مع ريقها وتبدلت ملامحها للبؤس وقالت بصعوبة
تجاريه في ظنونه
" كاذب .. من أخبرك ؟ "
وصلها صوته المتحمس سريعاً
" عمتي جويرية .. لقد رأتها وتحدثت معها قبل أن تخرج
وأخبرتها بأنها ذاهبة لزوجها "
كتمت شهقتها الباكية بيدها ونزلت دموعها رغماً عنها بينما تابع
من في الطرف الآخر بحماس لم يجعله ينتبه أو ظنها دموع فرح
" لم أجدها في غرفتها بعد الفجر وكنت سأتكهن بمغادرتها
لمكتبها باكراً لولا اتصال مساعدتها تستعلم عن تأخرها فلم أجد
أمامي غير رعد الذي فكر مباشرة في عمتي قبل أن يتحرك بحثاً
عنها وهي أخبرتنا ، وباقي الأخبار ستكون هناك لديك فتحركي
بسرعة "
انحنى كتفاها وحسدته على السعادة والحماس الوهميان اللذان
يعيشهما وتمتمت بخفوت
" ليسا هنا "
" ماذا ؟! "
وصلها صوته المستغرب وكادت تبكي وتقر بكل شيء لعلها تشعر
وإن ببعض التحسن لكنها قررت التروي فقد يجد قاسم ورجال
والدها حلاً للأمر دون أن يعلم منهم أحد ، قالت تجاريه في ظنونه
" لقد ... هو ... علمت أن والدي خارج البلاد في رحلة غير
معلنة ولم أكن أتخيل أن ذاك هو السبب "
وتقوست شفتاها بحزن ما أن انطلقت ضحكته الحماسية مرتفعة
وصرخ قائلاً
" هو شهر العسل إذا كما توقعت ، سأتصل بعمي رعد لأخبره ..
وداعاً الآن يا دجاجة عودي للنوم "
نظرت لشاشة هاتفها بحزن ما أن قطع الاتصال وتحول ذاك
البؤس لتعاسة ما أن تبدلت الشاشة لصورة والدتها التي كانت
اختارتها كواجهة له ، وكانت للصورة التي تناقلتها الصحف لأيام
وقت حفل العمران واعتراف والدها بالسبب الحقيقي وراء تركه
لها في الماضي ، ولم تستطع اختيار صورة غيرها فهي كانت
لأجمل امرأة رأتها وعيناها تسبحان في دموع الجرح الذي يكون
محله القلب بالرغم من كل الكبرياء الذي اعتلى ملامحها ورأسها
المرفوع نحو أعلى المنصة والواقف فوقها .
أبعدت الهاتف وحضنته لصدرها هامسة بألم
" أمي ... ما هذا الذي فعله يجعلك تتصرفين هكذا ؟
هي ليست طباعك "
وانهارت على السرير خلفها وانزلقت دمعتها من رموشها ببطء
وهي تتذكر حديث والدها الغاضب سابقاً عن تهورها وتصرفها
دون تفكير فهل هي كذلك فعلاً وستفعلها الآن ؟
حركت رأسها بقوة في حركة رافضة للفكرة لا إرادياً وعبست
ملامحها الجميلة بحزن ما أن تذكرت بأنه شبهها بها أيضاً ومر
أمامها ذاك الموقف والملهى الليلي وما كادت أن تخسر نفسها
بسببه وللأبد ، انقبضت أناملها البيضاء الرقيقة على الهاتف الذي
كانت تمسكه بكلتا يديها اللتان تريحهما في حجرها ورفعت
نظرها عاليا حيث سقف الغرفة وهمست بعينين دامعة
" يا رب أخرجنا من هذه المحنة سريعاً أرجوك "
*
*
*
*
*
فتح باب الشقة ونظر للواقفة خلفه عيناها شاردتان في الفراغ
بحزن كئيب قد اكتحلتا باحمرار مخيف من كثرة البكاء ، ملامحها
متعبة متجهمة تقبض على مقبض حقيبتها الجلدي بين أصابع
يديها بقوة تفرغ كل ذاك الشعور المؤلم فيه فتنهد بأسى فبهذا
الوضع لن ينجح الأمر بتاتاً ولن يصعب على ذاك العقل الذكي
كشف اللعبة ، استدار ناحيتها وأمسك بذراعيها وقال بهدوء ينظر
لعينيها الشاردة للبعيد
" القادم يحتاج منك لقوة أكبر ماريه إن كنت فعلاً مقتنعة بما
ستفعلينه أو لن يجبرك أحد عليه وأجبري مطر شاهين على إيجاد
حل آخر كما فعل زوجك "
تدلت دمعة من طرف رموشها الطويلة فكيف سترفض وما البديل
مثلاً إن كان إيقاف مهامه وإخراجه من هذه البلاد معناه موته ؟
وإن كان بقائها معه بعدما أصبح أقارب تلك الفتاة الإيطالية هنا
يؤدي للنتيجة ذاتها ؟
لم يعد الأمر خياراً في يدها وإن حدث له شيء مستقبلاً فلن تكون
الملامة من نفسها فقط بل ومن هؤلاء جميعهم ، رفعت عيناها
الدامعة لعينيه وهمست ببحة ببكاء
" ليتني فقط وافقت على أن أهبه الطفل الذي أراده ، اتركوني
أفعلها من أجله "
كانت نظراتها كلها استجداء لأن يوافق طلبها وإن من دون علم
رئيسهم ذاك خاصة أنه ابنه ويحبه وأنجبه بالرغم من كل
الظروف القاسية التي كان يواجهها لكنه خان توقعاتها حين حرك
رأسه رافضاً واشتدت أصابعه على ذراعيها وهو يقول
" لا تكرري ما حدث معه في إبنه ماريه "
أتعستها المرارة التي سمعتها في صوته وقد تغلبت محبته الأبوية
له على أن يتمنى له الوقوف في ذات موقفه الحالي يوماً وهو
يرفضه وبقسوة ، مما يعني أن أمد لعبتهم هذه قد يكون طويلاً
جداً ، قالت في أمل يحتضر
" لكني أملك المال ولست مثلهما سابقاً "
وكان الأمر كما توقعت حين أبعد يديه عنها قائلاً
" المسألة ليست متعلقة بالمال ماريه والله وحده يعلم إن كان
سيكون لك مال مستقبلاً أم لا، ومن الجيد أنك رفضت
ذلك مسبقاً "
أبعدت نظرها عنه بحزن وتمنت أن كان له رأي مخالف فهو
بالتأكيد ممتن لأن تلك المرأة وهبته ابناً من صلبه وإن كان بعيداً
عنه فلما هو لا ؟
ولما تحرم هي من ذلك ؟
قد تموت هي فالخطر بات محدقاً بها أكثر منه الآن خاصة وأن
تلك الفتاة الإيطالية ثمة من شكك بأنها تعرضت لجريمة قتل ولم
تقتل نفسها ؟ .
أحاطت ذراعه بكتفيها وهو يتوجه بها نحو الداخل هامساً بجديه
" هيا ادخلي ماريه واتركي الغد لله فوحده المتصرف فيه"
وكانت كلماته تلك كالماء المنعش غسل قلبها وجسدها وتذكرت
بأنه بالفعل أقدارنا بيد الله وحده يوجهها كيف يشاء فإن لم يستطع
تيم تفهم موقفها ومسامحتها مستقبلاً ستكون هي راضية عن
نفسها ويكفيها أن تراه حياً أمامها وإن كان يرفضها ، تلك الأفكار
أراحتها قليلاً وإن لم تجعلها تتحسن تماماً لكنها كانت كافية
لتجعلها تبتسم قليلاً للفتاة التي أطلت عليهم برأسها وشعرها
المموج المتدلي معه من أحد الأبواب المفتوحة في الشقة الواسعة
والتي التقتها سابقاً في الحفل وأخبرها تيم بأنها زوجة والده ،
بينما نقلت الواقفة هناك نظرها بينهما بشيء من الاستغراب ما
أن غادرت الغرفة وقبل أن تنظر لعيني الذي حرك رأسه لها
بعبوس وكأنه يقول لها ( لا هجوم شرس آخر رجاءً ) فهو غادر
من هنا ليلاً بامرأة شبه ميتة ولم يرجع إلا الآن وبرفقته واحدة
أخرى مشابهة لحالتها وإن كانت تسير على قدميها عكس تلك
فعيناها الجميلتان المجهدتان من البكاء وملامحها التعيسة تعبر
عن مأساة حقيقية مرت بها ، فما أخرجها من غرفتها لم يكن
سوى رغبةً منها للاطمئنان وللتفاهم عن طبيعة ومآل الوضع
بينهما خاصةً بعد ما حدث .. وقد شعرت فعلاً بالارتياح حينها
لتأجيل ذلك ، عادت تمرر نظراتها عليهما وهي تقف بجانبه وكيف
تحضنها ذراعه ولملامحها الكئيبة الباكية قبل أن تعود بنظرها له
وقالت متجاوزة ما علق بينهما وبريبة وترقب
" هل هو بخير ؟ "
فتنهد بعمق ولا ينكر إحساس الراحة الذي تسلل إليه لتجاوبها مع
رغبته وقال وهو ينقل نظره هذه المرة للواقفة بقربه
" حتى الآن ، هيا ادخلي ماريه يجب أن ترتاحي قليلاً "
فرفعت نظرها له وهمست ببحة وحزن
" لكننا لا نعرف موعد عودته "
فحرك رأسه موافقاً فمعها حق فقد لا يجد متسعاً من الوقت
ليعيدها لمنزل شقيقته فإن عاد مؤكد سيمر بها هناك أولاً
ليحضرها ، وإن لم يجدها هناك ولا في جامعتها سيبحث عنها هنا
بالتأكيد ، هذا إن لم تضعف شقيقته وتخبره بأنها غادرت معه ثم
وكعادتها ستقول
( لم أجد حلاً غيره يا شاهر فأنت لم ترى كيف كان يستجوبني )
تركت يده كتفيها واستدار لباب الشقة وغادر منه تاركاً إياه
مفتوحاً وقاصداً سيارته في الأسفل بينما تحركت الواقفة هناك من
مكانها وتوجهت نحوها على الفور تهديها ابتسامة جميلة
وحضنتها بقوة ما أن وصلت عندها وكأنها شخص تعرفه منذ
أعوام والتقته أخيراً قائلة
" حمداً لله .. المهم أنه بخير وباقي الأمور يمكن معالجتها "
وختمت عبارتها تلك بضحكة صغيرة رقيقة تنظر للعينين
الذهبيتين المجهدتين واللتين سرعان ما امتلأتا بالدموع من جديد
فقالت وابتسامتها تتحول للحزن والدفء
" لازلت جميلة كما كنت في طفولتك ماريه "
وضحكت بحنان وهي تتابع
" كانت عيناك أكبر شيء في وجهك الدائري الصغير وأنت طفلة
رضيعة .... ولازالتا "
وابتسمت برقة بعد كلمتها الأخيرة على نظرات ماريه المستغربة
والتي جعلتها تضحك بخفة مجدداً وأمسكتها من يدها وسحبتها
معها قائلة
" بلى لازلت جميلة كما كنت في طفولتك ماريه وكل ما تحتاجينه
الآن كوب عصير منعش وجميع مشاكل العالم لها حلول إلا الموت
لا حل له "
فابتسمت بحزن وهي تتبعها منصاعة فمعها حق كل شيء له
حلول إلا موته لا حل له أبداً سوى العيش ميتة من بعده ، جلست
على أحد كراسي طاولة المطبخ والذي اختارته هي لها أيضاً
وراقبتها نظراتها وهي تتوجه نحو الثلاجة التي فتحتها تخرج
إبريق العصير منها تتصرف كسيدة لهذا المنزل بالفعل ! فهل
عفويتها الواضحة على شخصيتها السبب أم أنها هنا منذ وقت
ولا أحد يعلم ؟
فتيم لم يبدي مشاعر كراهية هجومية ناحيتها مما جعلها
تدهش لذلك !
فإن كانت هذه الفتاة تعرفها في طفولتها فهي تعرف تيم أيضاً
بالتأكيد فهل يذكرها هو ويعرفها جيداً ؟
هل يقبل بها كزوجة لوالده وبديلة لوالدته وإن بالصمت وتجاهل
الأمر ؟!
انتقلت نظراتها للكوب الكبير الممتلئ بعصير البرتقال الذي
وضعته أمامها على الطاولة وقالت بملامح رافضة
" هذا كثير ! "
فابتسمت لها التي جلست على الكرسي قربها وقالت تقرب وجهها
منها وبابتسامة صغيرة
" سيعجبك وستشربينه بأكمله ، ثم نحن لا نريد أن نُشعر سيد
المنزل بالتقصير ناحية نسائه "
فابتسمت لها من بين حزن ملامحها وأدارت رأسها في حركة لا
إرادية تبحث عن الذي تركتاه خلفهما وكان واقفاً عند باب المطبخ
بل ويستمع لما قيل ومؤكد الجالسة قربها تعلم بذلك وكانت
تقصدهما كلاهما فواحدة زوجته والأخرى زوجة ابنه !
لكنها لم تفهم مغزى ما أشارت إليه بالتقصير !!
فيبدو ثمة شيء ما حدث بينهما وتجهله ؟!
نقلت نظرها لها وقد وقفت حينها دافعة الكرسي خلفها وقالت
مبتسمة وهي تعيده مكانه
" لابد وأنكما بحاجة للبقاء معاً بدوني"
ثم غادرت من فورها دون أن يعترض من مرت بقربه عند الباب
والذي توجه نحوها وسحب الكرسي ذاته والأقرب لها وجلس
عليه فنقلت نظرها منه لكوب العصير بين يديها على الطاولة
وهمست بابتسامة حزينة
" كم هي رائعة ولطيفة "
قالتها معترفة بالرغم من مكانتها الحساسة في حياة الرجل الذي
تحبه أكثر من حبها لذاتها ومن الفترة القصيرة التي عرفتها فيها
فمن الصعب أن لا يعترف المرء بذلك وإن لم يعرفها إلا للحظات ،
وراقبت نظراتها الذي قال وهو ينظر للهاتف الذي يمسكه بين
يديه يتذكر المعلومات القليلة التي قالها مطر عنها
" ما بات واضحاً لدي بأنها أقوى مما ستكون مرت به "
اكتسى الوجوم ملامحها البريئة الجميلة وعادت بنظرها لكوبها
وهمست بتعاسة
" أحسدها فهي تخطت كل ذلك الآن وتغير كل شيء "
" لا أحد يجزم بذلك "
رفعت نظرها له سريعاً ونظرت لعينيه الشاردتان بعيداً وقد قال ما
أن نظر لعينيها
" لا يغرك الظاهر ماريه فالعفوية والابتسامة جزء من شخصيتها
ولا يعبران كلياً عن مزاجها أو ما يحدث داخلها "
نقلت نظراتها في ملاحه تحاول استيعاب قوله لبرهة فهل يقصد
بأنها ليست راضية عن وجودها هنا ؟
وسرعان ما تنهدت بأسى ونظرت لكوبها بوجوم متمتمة
" أحسدها أيضاً "
فارتسمت ابتسامة عفوية صغيرة على شفتيه ونظر لها وقال
" ما باليد حيلة إذاً "
سحبت نفساً عميقاً لصدرها وزفرته بقوة واكتست التعاسة
ملامحها أكثر وملأت الدموع عينيها الشاردة بعيداً بحزن وقالت
" يمكنني أن أكون أسعد امرأة في الوجود وأنا بقربه .... "
وتدلت دمعتها من رموشها وخنقت العبرة صوتها وهي تتابع
" ليتكم فقط تفهمون هذا وتصدقونه "
ولحقت الدمعة الأولى أخرى تدحرجت فوق وجنتها تلامسها
بنعومة فارتفعت يده لكتفها وأراحها عليه وقال بحزن رجولي
عميق محدقاً في ملامحها الباكية بصمت
" أعلم ماريه ولأنك تحبينه وتريدين العيش بقربه دائماً سيكون
عليك فعل هذا والابتعاد عنه ، جميعنا نقدم التضحيات ولا نفكر في
قطف ثمارها لأنها سترضينا مستقبلاً وإن كان طعمها حامضاً "
حركت رأسها نفياً ولم تعلق وانتقلت يدها لوجهها تمسح الدموع
عنه فهي لا ترى ما هو فيه الآن يمكن تسميته بالسعادة بالرغم
من تضحياته التي قدمها في الماضي فقط من أجل ابنه الذي
حرمه منه في الحاضر وهي ستكون مثله بالتأكيد ، لكنها ومثله
أيضاً ستواسي نفسها مستقبلاً بأنه على الأقل لازال على قيد
الحياة .
رفعت الكوب لشفتيها وشفطت منه شفطة صغيرة تلتها أخرى
وأخرى أكبر منهما واكتشفت حينها بأنها تشعر بالعطش !
أجل فهي لم تشرب شيئاً منذ الصباح ، بل وطعم هذا العصير
السبب أيضاً فهو منعش ورائع ويبدو معد هنا في المنزل ولا
يحوي البرتقال فقط بل وشيء ما آخر لم تستطع اكتشافه من
الطعم !
كانت قد شربت أكثر من نصف الكوب حين وضعته من يديها على
الطاولة وكانت تنوي شرب المزيد فهو ساعدها فعلاً على
الاسترخاء قليلاً لكن نظرها وتركيزها انشغل بالهاتف الذي مده
لها والذي كان يديره بين يديه منذ وقت جلوسه هنا وكأنه قنبلة
موقوتة ووجوده يوتره وكل مناه التخلص منه !
رفعت نظرها له ما أن قال بنبرة جوفاء وإن كانت تتسم بالهدوء
" رقمها موجود هنا يمكنك الاتصال بها مباشرة "
فنقلت نظرها من عينيه للهاتف في يده مجدداً وعاد ذاك الألم
يعتصر قلبها فلا مفر من هذا على ما يبدو ، بل وقد يكون ورغم
قسوته أقل ضرراً من أن يتخذ ذاك الرجل سبل أخرى أكثر ضرراً
لها إن هي رفضت وعاندتهم أو أخبرته بما يخططون له كما سبق
وفعل هو معها لأنه أقوى منها أما هي فأضعف من كل شيء
وأهمه فكرة فقدانه التي ترفض حتى التفكير فيها ، مدت يدها
نحوه ببطء وأمسكته منه ورفعت نظرها لعينيه قائلة بريبة
" هل سيكون براء بخير ؟ "
كان توقعه صائباً وعلم بأنها ستفكر في سلامة ابن عمها ذاك قبل
كل شيء فكانت نظرته لعينيه جادة حين قال
" أجل ماريه عليك الوثوق به فهو من يتحكم في بلاد كاملة ولن
يعجز عن حمايته مستقبلاً وقد استعلمت منه بنفسي عن ذلك "
بلعت غصة مرة مع ريقها ونظرت للهاتف في يدها وللرقم في
شاشته وعلمت حينها أي قنبلة مدمرة يكون ولما يريد كل من
يلمسه أن يتخلص منه ، فهو يبدو هاتفاً خاصاً غريب الشكل لا
يستخدم إلا لأمور طارئة مبهمة ومحددة ! وبدأت ضربات قلبها
ترتفع مع ارتفاع صوت رنينه في أذنها وقالت بحزن ومرارة
خالطها الكثير من الحنين ما أن انفتح الخط
" مرحباً زهور "
فصاحت من في الطرف الآخر من فورها قائلة " مارياااا ... يا
إلهي لا أصدق أنها أنت ! لقد أصابني الذعر من الاتصال الذي
ظهر برمز عبري دون رقم وظننتها منظمة ما ستختطفني "
وضحكت عند آخر عبارتها تلك بينما كان تعليق محدثها ابتسامة
حزينة شاردة وتابعت تلك من فورها
" يا لك من خائنة للصداقة الطويلة .. أين أنت ولما لم تتحدثي
معي ... "
وانطلق صوتها الرقيق كالمذياع الصغير تسأل وتعاتب وتستفسر
ذات الوقت بينما الممسكة بالهاتف اكتفت بمسح الدموع التي
تقاطرت من عينيها في صمت وقالت ما أن وجدت الفرصة لذلك
وبصوت حزين مبحوح
" كان رغماً عني ولدواعي أمنية يا زهور "
فوصلها صوت تنهدها واضحاً وقالت بصوت باسم
" كم اشتقت لك ماريه وأمور كثيرة حدثت معي وأنت هناك "
وما أن أبعدت شفتيها لتتحدث أسكتتها إشارة الجالس بقربها
لساعته يذكرها بأنه ثمة دقائق معدودة ومحددة للإتصال فتنهدت
باستسلام وقالت ببطء وكأنها تجبر لسانها على قول ذلك
" زهور هل الهاتف الذي تركته لديك سابقاً لازال موجوداً ؟ "
" الهاتف السري تعنين ؟ "
كان سؤالها سريعاً ومباشراً فقالت ببطء وكأنها تستجديها إنقاذها
وإفشال مخططهم ذاك
" أجل الذي اشتراه لي براء سابقاً والشريحة معه ؟ "
قالت من فورها
" أجل ماريه لازال موجوداً لدي ، هل أعيده له ؟ "
شعرت بالتعاسة لتحطم أملها وتمنت أن كانت أضاعته أو تخلصت
منه أو حتى أعادته له ، لكن ذلك أيضاً لن يوقف مخططهم كما
تتوهم وتمني نفسها ولن يصعب عليهم إخراج واحدة باسمه ومن
دون علمه ، ملأت الدموع الحارة عينيها وهي تقول
" لا بل سأطلب منك أمراً تفعلينه به فاستمعي لي بانتباه "
*
*
*
تبعته نظراته المتجهمة وهو يستدير حول طاولة مكتبه ويقف
خلفها وقال في محاولة جديدة يائسة
" جدي التحدث معها لن يخرج بأي نتائج وأنت تعرف حفيدتك
تلك جيداً "
أبعد نظره عنه وقال ببرود
" لن تعلمني أنت ما الصواب من الخطأ فيما أفعل "
فتنهد بضيق نفساً طويلاً ولاذ بالصمت فمن الطبيعي أن يغضب
منه وهو رفض أن يذهب لها ويقنعها بالمجيء فلم يكن على
استعداد مطلقاً لأي مواجهة معها بعدما حدث صباحاً ولا أن ينظر
لعينيها وما كان ليرجع للمنزل الآن وقد قرر قضاء الليلة أيضاً
خارجه لولا اتصال جده وإصراره الغاضب ليكون هنا ، وبعد
استجواب مطول معه لم يخرج منه بأي نتيجة تذكر لأنه مثله
تماماً يجهل باقي الحقائق ولم يتيقن إلا منها قرر أن تقف أمامه
أيضاً وتدلي بشهادتها ، وعندما حاول إقناعه بالعدول عن الفكرة
كان مصيره مؤسفاً للغاية وهو ينعته بالطفل .. الكلمة التي بات
يسمعها منه كثيراً مؤخراً وهو من كان يراه رجلاً منذ صغره ولا
يصفه إلا بذلك ، وتخوفه من أن يفكر جده في فعلها والذهاب
بنفسه لغرفتها جعله يتراجع عن عناده نهاية الأمر لكن ما أن
غادر من هنا وجد نفسه يصعد للطابق الآخر بدلاً من أن يذهب
لغرفتها ووجد الحل الأنسب هناك وهو الطلب من والدة رواح أن
تفعل ذلك بدلاً عنه فهو يعرفها جيداً ويعرف طريقتها الملحة في
الإقناع والتي تجعلك تنصاع لها فقط لتتخلص من إلحاحها
المزعج ، كما يعرف جيداً شخصية زيزفون التي لا تحب أن تسمع
بقدر ما تكره أن تتحدث .
رنين هاتف جده المفاجئ أمر كان إيجابياً بالنسبة له خاصة وأن
الذي جلس على كرسي مكتبه الجلدي بات هادئاً بعض الشيء
وهو يجري المكالمة ، ويشك أن أمراً ما كان سبب غضبه الفعلي
من قبل عودته إلى هنا فهل فكر في لقاء مطر شاهين أو حاول
فعلها وكان مصير طلبه ذاك الرفض المحتم ؟!
لا يستبعد ذلك بعد موقفه العدائي الذي شهده اتجاهه حين علم
بأمر حفيده فيبدو أنه ثمة علاقة ما ومضطربة جداً
وقديمة بينهما ؟!
أخفض رأسه وتنهد بعمق مغمضاً عينيه ما أن سمع الباب ورائه
يفتح وعلم أنها هي من طريقة إغلاقها له وهي تصفقه بقوة ولن
يستغرب ذلك فلابد وأن ضيفتها الغير مرحب بها تلك جعلتها
تشتعل غضباً علاوة عن رفضها المجيء هنا من أساسه ، وهذا
مؤشر سيء للغاية وسيجعل من المواجهة الأخرى هنا تكون أسوأ
من سابقتها خاصة مع مزاج جده الغاضب المشتعل ، ولازال لا
يفهم ما يغضبه هكذا وما علاقة مطر شاهين بالأمر !
فهو خلال بحثه لم يتوصل أبداً لأي علاقة تربطه بهما وبذاك
الشقيق التوأم خصوصاً !!
ويبدو أنه ثمة ثأر قديم بينهما هو يجهله بل وعداء حقيقي
سيخرج للسطح قريباً !
أدار عينيه وطرف وجهه يساراً في حركة لا إرادية ما أن شعر
بها تقف يمينه وشعر بالتوتر والإضطراب يغزوان المكان الذي لا
يسمع فيه سوى صوت جده الجهوري المرتفع يناقش محدثه
على الطرف الآخر وأثاره هذا الشعور في داخله وهو من وقف
في قاعات المحاكم لأعوام بقوة وثبات وصلابة توتر هذه الفتاة
مشاعره وأعصابه ! بل كيف له أن يستغرب هذا بعد فعلتها تلك ؟
" جباان "
اتسعت عيناه بصدمة ونظر ناحيتها بحركة لا إرادية سريعة ما أن
وصله همسها الواضح والمتعمد وزم شفتيه بضيق ما أن لمح
ابتسامتها الساخرة وهي تتعمد عدم النظر ناحيته تحدق عيناها
ببرود في أرفف المكتبة المليئة بالكتب خلف المكتب الذي يقفان
أمامه وبادلها الهمس وبكلمات خرجت متأثرة بضيقه المكبوت
" لا تعبثي يا خماصية "
وتعمد ذكر نصف نسبها الآخر لما تشتهر به نساء تلك القبائل من
شجاعة وعناد حتى أن الزواج من إحداهن في الماضي كان يعد
مغامرة لا يقدر عليها سوى رجال قبيلتهم وذاك أهم سبب جعلهم
حكراً لنسائهم فقط ولأعوام طويلة فإن أردت ذاك الجمال الغربي
المميز عليك بالمغامرة والقبول بعواقب اختيارك ذاك ، ودليل ذلك
لم يغب عنه يوماً وحينها تحديداً وهي تدير مقلتيها الزرقاء
الواسعة ناحية عينيه كما وجهها له وقالت بابتسامة مائلة
" وها أنا أنظر لعينيك مباشرة "
يا إلهي ما هذا الذي تفعله هذه المرأة وما قلبَ مزاجها الناري
ناحيته فجأة !
أيعقل أن يصل بها تحدي جمانة والانتقام منها لهذا الحد !!
لا يصدق هذا وهو من عرف شخصيتها جيداً لا تبالي لمن ثأرت
لنفسها منه مرة فيصبح بالنسبة لها والجدار سواء في أي
مواجهة لاحقة ، كان هو من أعلن الهزيمة وأبعد عينيه عنها في
حرب لا يستطيع إنكار أنه الخاسر فيها مسبقاً ونظر لجده الذي
كان يحرك قلماً في يده على الطاولة تحته بعشوائية ويتحدث بينما
همس بما تغلب الألم في قلبه عليه وقد علت شفتاه ابتسامة
ساخرة هي أقرب للمرارة التي شعر بها تفتته
" أنا لا أجبر نفسي على ما تكره و تشمئز منه فقط لكسب
التحديات "
فما كان منها إلا أن أهدته ابتسامة تشبه ابتسامته تلك وإن لم
يراها ولازالت عيناها تحدق بنصف وجهه المقابل لها فما لا يعلمه
هذا الرجل بأن ذاك شعورها نحو الرجال جميعهم ، ولو علم
الحقيقة وكل ما تخفيه ورائها لكره أن تكون زوجة له ولرفضها ،
لكن أن تسخر منها تلك الوقحة وتتهم جدتها في شرفها فلن
ترضاها أبداً بل وستسحبه لسريرها إن فكرت تلك في فعلها
مجدداً .
أبعدت نظرها عنه للذي وضع هاتفه في جيبه ما أن انتهت
مكالمته التي كم كانت طويلة على حفيده الذي كان يمسك رسغ
يده بالأخرى خلف ظهره ويشدها بقوة وكأنه يفرغ جميع انفعالاته
فيها ، وطويلة أكثر على التي كانت تكره الوقوف أمامه والنظر له
وإن كانت تجنبته طوال الوقت بل وحتى سماع صوته فأراح
كليهما وإن جزئياً وهو يقف بينما كان حديثه موجهاً للتي لازالت
تتجنب النظر لوجهه بتجاهل متعمد تدير عينيها بعيداً عنه ودون
أن تخفض رأسها وقال بجدية ودون مقدمات كعادة شخصيته
" أين هو شقيقك يا زيزفون ؟ "
فابتسمت بسخرية وإن كان أمرهم كعائلة لهما يعنيها لذكّرته بأن
يقول حفيدي وليس شقيقك ، لكن كل ما خرج من شفتيها
المسترخية بلا مبالاة ما أن نظرت لعينيه ببرود
" لا أعلم "
فضرب كفه على الطاولة وقال بحدة
" من يعلم إذاً ؟ أين هو وما اسمه ولما أخفيتم أمره عني ؟ "
فومضت الزرقة في عينيها ببريق كاللهب الحارق بينما ملأ البرود
نبرتها وقالت بابتسامة ساخرة
" أسمه سمحاق .. ورفض إلا أن يناديه الجميع إسحاق ما أن
علم بحقيقته أتعلم لما ؟ "
وتبدلت كل تلك السخرية في صوتها لمرارة مدججة بالكره ما أن
قالت ببطء تحدق بقوة وثبات في عينيه
" لأنه أراد أن يذكر والدي دائماً وما حدث له ومن كان
السبب فيه "
كانت نظرته لعينيها تضاهيها قوة وصموداً بينما لم يعلق بشيء
ولا بأي تعبير ارتسم على صفحة ملامحه الجامدة كالفولاذ ولم
تنتظر هي ذلك أيضاً وقد تابعت ببرود قاتل
" أما أين يكون فلست أعلم وإن كنت أعلم ما أخبرتك أبداً "
فانقبضت أصابعه بقوة فوق الطاولة في حركة لمحها حفيده ذاك
سريعاً ومن كان يعرف جميع انفعالاته ونتائجها وهو من رباه
على يديه ، وما أن شعر به يسحب عصاه ويخطو جانباً حتى مد
ذراعه أمامها في حركة سريعة ودفعها بها للخلف مما جعلها
تبتعد خطوة للوراء وقال بحزم نظره مركز على العينان السوداء
المتقدة بغضب والمصوبة ناحيتها
" جدي لا تفعل ما تنهانا جميعنا عنه معها "
وما أن نظر لعينيه لم يستطع إنكار شعور الخوف داخله للنظرة
التي رآهما فيها واشتدت أصابعه على قماش قميصها الناعم
ولازال يدسها خلفه تقريباً وقال بجدية
" الأمر لا يستحق أن يتحول لشجار بينكما وهي حفيدتك
وتحت حمايتك "
فخرج البركان الغاضب أمامه من صمته وأشار ناحيتها برأس
عصاه المذهب صارخاً
" لتتعلم كيف تحترم جدها إذاً أو علمتها درساً لن تنساه في
كيفية احترامي "
وما أن كانت التي اتسعت عيناها بغضب ستتحدث حتى أسكتها
وقاص وهو يبعد جسدها خطوة أخرى بينما نظر لها بطرف وجهه
قائلاً بحدة
" أصمتي يا زيزفون وأجيبي فقط على أسئلته إن كنت تريدين
المغادرة من هنا وأن لا تريه "
" لن أفعل "
قالتها مباشرة وبعناد غاضب فصرخ ضرار محدقاً في عينيها
ورأس عصاه يشير لها مجدداً
" أين هو حفيدي يا زيزفون ومن وراء إخفاء أمره عني كي
لا أعلم به ؟ "
ولم يزدها سؤاله ذاك إلا اشتعالاً وصرخت بغضب
" وتعلم به لما ؟
ما هذا الذي يفعله بعائلة مثلكم تخلت عنه ؟
وما الذي ستفعله أنت له ؟ "
وقالت عبارتها الأخيرة تشير له بسبابتها بينما لازال جسدها
أسيراً لقبضة ذراع الذي لازال يبعدها عنه وتابعت هجومها
الغاضب مباشرة
" لترميه في مدرسة داخلية بعيدة كي لا تفشل في توجيهه
كأشقائه ؟
أم لتشتريه بشركة طيران صغيرة كطفل تهديه لعبة غالية الثمن
وتجعله تابعاً لك فلا يفكر في الفرار بشهادته ومؤهلاته لمن هم
أفضل وأنجح منك ؟
أم لتجعله مدمناً على الكحول والمخدرات وتقف هكذا تتفرج عليه
ولا يمكنك لوم أحد لأنك الملام الوحيد في جعله يصبح هكذا ويكره
أشقائه ويفقد ثقته في الجميع لأنه يراهم لا يثقون به ؟
أم ستزوجه بإحدى بنات شركائك ليبقى تحت عنقك تهدده كيف
تشاء لأنه وبكل بساطة رفض أن يكون إلا نفسه ويبني ثروته
ومستقبله بعيداً عنك ؟ "
رمته بسموم سهامها في وجهه دون خوف تواجهه بما يعجز أي
منهم قوله أمامه أو التفكير فيه فمن يكرهك وحده فقط من يمكنه
رؤية عيوبك ، هذا هو الشرح الوحيد والمبسط لما يحدث حينها
وما جعل حدقتاه السوداء تتقد كالحجر الأسود المشتعل وتحرك
نحوها فعلاً هذه المرة ممسكاً عصاه من منتصفها وكان وقاص
في وجهه مجدداً بل وتوجه نحوه بخطوات سريعة ووقف بينهما
رافعاً ذراعيه وصرخ موقفا له
" جدي توقف لن أسمح لك بضربها ولا التفكير في فعل ذلك "
وذلك لم يزد البركان المشتعل أمامه إلا اشتعالاً وصرخ ملوحاً
بعصاه في وجهه
" وقاص ابتعد أو ستنزل هذه على جسدك أنت "
لكنه لم يتحرك ولا بخطوة وقال بإصرار غاضب ينظر لعينيه
مباشرة
" لن تضربها وأنا موجود في هذا العالم وسأمنع هذا وبأي
طريقة كانت "
فاتسعت عينا الذي صرخ فيه بعنف
" ما هذا الذي أسمعه ؟ تهدد بضربي يا وقاص "
وتبادلا نظرة قوية صامتة وكأنهما تركا المجال لعيناهما المتشابة
في كل شيء للتحدث .. قويتان غاضبتان وعنيدتان إن كان على
حق أم باطل .
وكان قاص من كسر كل ذاك الصمت المشحون وتحدث بجدية
عيناه تؤكد وبإصرار ما يقول
" إن فعلتها سأدافع عن نفسي وعنها قبلي فلا تجعل الأمر يتحول
لشجار بيننا واترك عصاك جانباً "
وتبادلا نظرة تحدي أخرى وكأن كل واحد منهما ينتظر أن ينفذ
الآخر تهديده ، بل ووقاص تحديداً من كان سينتظر رد الفعل
الأولي كما رسما للعبة تحديهما الغاضب ذاك وكأنهما ليسا الجد
المبجل والحفيد المدلل كما كانا لأعوام !
ليخترق الصوت الأنثوي الهامس من خلفه كل ذاك الصراخ
الغاضب للتي همست من بين أسنانها
" اترك الجبان يفكر فقط أن يفعلها "
فتصلب جسد الواقف أمامها بصدمة خشية أن يكون كلامها ذاك
وصل جدها هناك ونظر فوراً لعينيه وما أن نظر لها موجها رأسها
المذهب ناحيتها صرخت من قبل أن يتحدث
" أنا لا أخافك ولا أخاف عكازك السخيف هذا ولست أحتاج
لمن يدا.... "
" زيزفون اصمتي وغادري من هنا الآن "
صرخة وقاص الغاضبة أسكتتها حينها وإن لم يلتفت وينظر لها ،
لكن مفعولها لم يدم طويلاً أيضاً فقد عادت للصراخ في وجه الذي
كان ينظر لها بغضب تشير بسباتها له مجدداً
" لن أصمت والجبان وحده من يهرب من حقيقته ومن فشله ،
ولا نريد لا أنا ولا إسحاق أن نكون دمى جديدة في يديك "
ولم تكتفي بذلك فقط ولم تخيفها البتة النظرة السوداء القاتلة التي
كان يوجهها لها ولا عصاه السوداء اللامعة التي تهدد بتحويل
بشرتها البيضاء النقية للوحة فنان تشكيلي وتابعت ولازالت تشير
له بسبابتها صارخة
" ولتعلم فقط فشقيقي يكرهك أكثر مما أكرهكم أنا جميعكم ولن
يوافق ولا على رؤيتك أمامه ... "
وتابعت دون أدنى تفكير في التراجع بالرغم من يد وقاص التي
أمسكها من يدها وسحبها منها بالقوة خارج المكتب لينقذها على
الأقل من غضبه
" يكرهك ويرفضك أيضاً وهذا سيكون مصير أحفادك جميعهم
وستخسرهم تباعاً يا متعجرف يا متسلط ..أيها العجوز الفاشل..."
ولم تتوقف عن كيل الشتائم له بالرغم من ابتعادهما عن المكان
الذي تركاه فيه ووصولها لباب غرفتها الذي فتحه ودفعها داخلها
وضربه خلفه صارخاً
" يكفي يا زيزفون فهو لا يسمعك الآن "
فانتفض جسدها بقوة وغضب لم يخمد بعد وصرخت فيه بالمثل
" يسمع البقية وهذا يكفي وأولهم أنت أما هو فيعلم من دون
أن يخبره أحد "
وما أن كان سيتحدث قاطعته بحدة
" أصمت أنت وغادر من هنا أنا لم أطلب منك أن تدافع عني
لتأمرني الآن وأطيعك عرفاناً لك بالجميل ، أنا قادرة على
فعلها وحدي "
لكنه وكالعادة لم يستجب لا لطردها ولا استنقاصها لما يفعل
لأجلها وقال بحزم
" قادرة على فعل ماذا بربك ؟ عن منعه من جلدك بعصاه ؟! "
صرخت فيه وعلى الفور
" ما كان ليجرؤ على فعلها وما فعله ليس سوى تهديداً لك
أنت لأمر تجهله "
جعله تحليلها ذاك للأمر يجمد تماماً في صدمة وقد نجحت أفكاره
المخالفة في جعله يجتازها بسرعة وقال بحدة وسبابته تشير
ناحية الباب خلفه
" مخطئ خيالك إن أخبرك بغير ذلك ، أم لم ترى عيناك
غضبه جيداً ؟ "
قالت من فورها وبضيق
" بلى ولن يفعلها لأنه أجبن من أن يواجه صورة المرأة التي
ظلمها وتركها خلفه حين سيقف أمام وجهي وسيراها ويرى الظلم
الذي ألحقه بها وبعائلته منها حينها ولن يجرؤ على فعلها ولم
يكن المعني سواك فهو يعلم بأنك ستمنعه "
كان تنفسه لازال يخرج قوياً بينما لاذ بالصمت ينظر لعينيها وكأنه
يحاول إيجاد ثغرة أخرى في حديثها لينكر تحليلها للأمر لكن الباب
الذي انفتح خلفه فجأة منع كل ذلك مما جعله يصمت تماماً عن
الأمر وللأبد والتفت فوراً للذي أصبح يقف على عتبته يدس يديه
في جيبي بنطلونه والذي ابتسم بسخرية متمتماً
" هل لي أن أعلم ما بكم مع زوجتي تغضبونها طوال الوقت ؟ "
فنظر له بقوة ولم يتحدث بل ولم يستطع ولا رميه بنظرة حاقدة
كارهة كالتي كان يهديه إياها في كل موقف مشابه بل وكلما تقابلا
مؤخراً لأن ما قفز في ذهنه حينها وسريعاً هو كلماتها التي خصته
بها وهي تواجه من لا يجرؤ ساكني ذاك المنزل جميعهم ولا على
مناقشته
( أم لتجعله مدمناً على الكحول والمخدرات وتقف هكذا تتفرج
عليه ولا يمكنك لوم أحد لأنك الملام الوحيد في جعله يصبح هكذا
ويكره أشقائه ويفقد ثقته في الجميع لأنه يراهم لا يثقون به ؟ )
مما جعل قبضتاه تشتدان بقوة بجانب جسده بل وتحركت خطواته
وغادر دون أن ينظر له تراقبه عينا الذي لازالت الابتسامة
الساخرة تزين شفتيه حتى اختفى من هناك ودخل حينها وقال
ناظراً للتي كانت تجمع شعرها على كتفها وترتبه بحركة غاضبة
وذات الابتسامة الساخرة تزين شفتيه
" مهلك على الشعر الجميل يا حسناء ، لا شيء يستحق
أن تفقديه "
وتابع وخطواته تقترب منها ما أن طال صمتها متجاهلة ما قال
كتجاهلها لوجوده
" هل تتصوري ؟ خالك اتصل بي اليوم وكا... "
" نجيب "
وبتر جملته ونظر خلفه للتي أصبحت تقف هناك وكانت والدته
التي تابعت ببرود
" جدك يطلبك في مكتبه "
وغادرت من فورها وصوت الخطوات الغاضبة لكعب حذائها
لازالت تُسمع خلفها بوضوح فتنهد بضيق وتبعها متمتماً
" يغضبه حفيده المبجل وندفع نحن الثمن "
وغادر وترك خلفه التي توجهت لباب الغرفة وضربته بقوة
متمتمة بغضب
" يالكم من عائلة كريهة "
*
*
*
*
*
*
وقفت داخل بهو المنزل يداها تتمسكان بحقيبتها بينما نظراتها
انتقلت باستغراب بين من كانوا يتحركون هناك وعلى غير العادة !
ابتداءً من وقاص الذي توجه نحوها بخطوات واسعة وملامح لا
تعلم هي غاضبة أم عابسة متجهمة !
واجتازها هامساً دون أن ينظر ناحيتها
" مساء الخير ماريه "
وتبعته هي بنظراتها حتى نزل عتبات الباب الزجاجي الكبير
المفتوح فكلماته لم تختلف كثيراً عن ملامحه وإن كان كما يبدو
جاهد نفسه كثيراً ليلقي عليها التحية بنبرة هادئة لكن لم ينجح
الأمر ! وانتقل نظرها لوالدة نجيب التي خرجت من ذات الممر
وتوجهت من فورها ناحية مكتب كبير العائلة في الجانب الآخر
يتبعها ابنها وكعادته يداه في جيبي بنطلونه الجينز وخطواته
كسولة ومتسعة ذات الوقت وكأن ما يحدث حوله بل والعالم أجمع
آخر ما يهمه !!
وقد التقى بوالدته عند الباب الذي كانت تنتظره أمامه وتبادلا
الهمس الذي كانت تعبر عنه هي بحركات غاضبة من يدها بينما
كان مزاج ابنها العكس تماماً والذي تركها تتحدث وفتح باب
مكتب جده ودخل مغلقاً إياه خلفه متجاهلاً التي تأففت تنفض يديها
قبل أن تدني رأسها وأذنها من الباب تحاول الاستماع لما يدور
في الداخل !
فتنهدت بأسى وتحركت خطواتها نحو الممر ذاته والذي يحوي
غرفتها المؤقتة هنا ولن تستغرب سلوك كل فرد من هذه العائلة
فهم الأغرب على الإطلاق !
وقفت ما أن كانت أمام الباب الأقرب لغرفتها هناك ونظرت له
بحزن وتمنت لو أنها طرقته ودخلت لغرفة الشخص الوحيد الذي
إن سمحو لها بالتحدث عماّ حدث معها اليوم لاختارته .. وهي
زيزفون ، كانت ستختارها بالرغم من اختلاف شخصياتهما
ووجهة نظرهما للأمر بل وقلة حديث تلك والذي يجعلك تشعر
وكأنها لا تحب سماعك أيضاً وإن لم تعرب عن ذلك ولا بملامحها
أو أي رد فعل غير الكلمات لكن من لا يتحدث معك تشعر دائماً
بأنه يرفض سماعك ، وبالرغم من ذلك هي تحب مجالستها
والتحدث إليها وسماع كلماتها القليلة تلك فهي لا تخرج عبثاً أبداً
، لكنها أيضاً تستطيع توقع ما سيكون رأيها بالأمر وستقترح
عليها بإيجاز أن تترك الخيار لها نفسها لعقلها ولقلبها .. لماريه
فقط دون أن تستمع لأحد وإن تهورت واتخذت قراراً مجنوناً لن
يتوقعه الجميع ، وهي تعلم سلفاً ما سيكون خيارها ذاك وهو ذاته
ما قرروه سابقاً عنها ولن يترك لها لا قلبها ولا عقلها فرصة
التفكير في أمر قد يكون سبباً في تضرره وإن كان الثمن تعاستها
وحزنها وللأبد ... خيار صعب وقاسي ومجحف بجميع أشكاله
ونواحيه لكن لا مفر منه ومهما حاولت إقناع نفسها باتخاذ غيره
وجدتها تعود طوعاً له فلا يمكنها أن تكون كزيزفون ولا كتيم
نفسه ولن تمتلك الشجاعة لمواجهة خوفها عليه وعلى سلامته
كما فعل هو سابقاً .
تركت ذاك الباب وراءها وسارت عبر الممر الطويل تنظر
لخطواتها عليه بحزن كما تركت كل شيء هناك وعلق في قلبها
الكئيب للأبد ، كل ما مرت به اليوم كان يشبه تلك اللحظات
القصيرة التي وقفتها هناك وهو الهرب من مواجهة من هم أقوى
منها كما حدث مع ذاك الرجل الذي وقفت أمامه لم تستطع النطق
بأي حرف ، أجل أضعف منه في كل شيء ولم تجد ولا حجة
واحدة قوية تواجه بها كل ما قال ، وآمنت حينها بأنها امرأة
ضعيفة بلا شخصية ولا إرادة يحركها الغير كما سبق وقال الرجل
الذي تحب بنفسه ولن تتغير أبداً.
فتحت باب غرفتها وركضت نحو سريرها على الفور وارتمت
عليه تسكب بكائها وعبراتها فيه دون قيود ولا حدود تخرج باقي
الألم المعتمر داخلها وذاك الصوت الجهوري القوي الآمر تشعر
به وكأنها تسمعه الآن
( تيم أصبح الآن ضابطاً في البحرية الملكية ووجود ابن السيد
غاستوني ميديشي فيها وكونه شخصياً ضابط قديم ضمن أسطول
سفنها الحربي وكونهما الأقارب الأقرب هنا لماري ديفسنت يجعلك
خطراً حتمياً عليه ماريه هارون )
مما زاد حدة بكائها وعبراتها يخرج أنينها الموجع كضبي جريح
ترك وحيداً حتى شعرت باليد التي مسحت على شعرها والشخص
الوحيد الذي يعلم بالتأكيد عما يحدث معها وسيكون شقيقها
أخبرها لتكون هنا معها ما أن تركها هنا وغادر ، وكما توقعت فقد
وصلها صوتها الحزين الحنون لازالت تمسح على خصلات
شعرها الناعم بحنان
" لقد فعلت الصواب صغيرتي فلا تقسي على نفسك ، لو أنك
اتخذت قراراً غيره ما صدقت بأنك تحبينه فعلاً ... الحب تضحية
ماريه ومن لا يضحي من أجل من يحب فهو لا يحبه "
*
*
*
فتحت باب الغرفة ووقفت أمامه وابتسمت من فورها بحب تراقب
العينان والأحداق الرمادية المحدقة في شاشة التلفاز باهتمام
وتركيز ترسم على شفتيها ابتسامة جميلة تشبه ملامحها البريئة
الرائعة تشاهد بحماس المسلسل الكرتوني المعروض على شاشته
الضخمة ، وسرعان ما ماتت تلك الابتسامة ما أن انتقل نظرها
لابنتها والجالسة بجوارها بل المقلوبة رأساً على عقب ساقها
فوق ظهر الأريكة والأخرى على مسندها بينما تنام بظهرها عليها
مقابلة للسقف تلعب بخصله من شعرها تضعها على وجهها
وتنفخها بقوة لتطير عنه وتكرر ذلك مجدداً وإن بملل أيضاً ، ولن
تستغرب هذا منها فهي لا تحب متابعة هذا النوع من أفلام الأطفال
كما تسميها هي ولا يمنعها عن مشاهدة ما يخبرنها عنه زميلاتها
بالمدرسة إلا تعليماتها الصارمة وحجبها لجميع تلك القنوات
عنها ... المدرسة !! في كل مرة تدور وتعود لذات النقطة
والسبب الأساسي في فساد أغلب الفتيات كما ترى وعن قناعة
تامة أيضاً فهي تراها باتت أخطر من الإنترنت لأنها السبب
الأساسي لإيصال الفتيات له ، وأكثر ما باتت تخشاه هو أن تفقد
هذه الفتاة الرائعة كل هذه البراءة والخصال الحسنة بسبب
المكان المسمى مدرسة وذاك ما جعلها تقرر عدم إرسالها لها
وستكمل دروسها هنا وتتقدم للإمتحانات فقط فشعورها
بالمسؤولية اتجاهها وحبها الشديد لها يجعلانها حريصة وأشد
الحرص على سلامتها وتربيتها فهي في نظرها ليست زوجة
لإبنها لأن ذاك المعتوه رفضها من قبل مجيئها إلى هنا بل
تعتبرها ابنة لها بل وكأمانة في عنقها تخاف عليها من كل شيء
وأهمه أن تحاسب أمام والدتها يوم تلقاها .
أغلقت الباب قليلا بينما بقيت خلفه ما أن قفزت ابنتها جالسة
وقالت بملل
" يالها من عطلة كئيبة طويلة حتى في نهايتها "
وتابعت تعد بأصابعها
" الأحد الإثنين الثلاثاء ... "
وما أن وصلت الجمعة صفقت بيديها قائلة بسعادة
" ستة أيام فقط وتعود المدرسة "
وتابعت بضيق مفاجئ
" حبيبتي وحدي بالطبع فليس ثمة من تسعد بها وبقدومها
مثلي "
قالت يمامة بفضول
" ستبدأ الدراسة الأسبوع القادم بالفعل ؟ "
ضحكت وقالت
" أجل بالتأكيد هو موعد ثابت كل عام يا حمقاء "
وكان صوتها مليئاً بالحزن حين قالت
" كم أحسدك على هذا "
وتابعت من فورها
" هل لك صديقات هناك ؟ "
قالت بثينة مبتسمة
" أجل بل وجميعهن صديقات لي "
سألتها مجدداً وحماسها يرتفع معها
" وتلعبون الرياضة كما في المدارس الموجودة في الكرتون ؟ "
وكان جواب بثينة حماسياً أيضاً وكأنها تلقت العدوة منها
" بالطبع وثمة نشاطات ترفيهية كثيرة ومسابقات وجوائز "
وتابعت بابتسامة كرتونية
" بالرغم من أني لم أنل واحدة منها من قبل لكني كنت
أشارك دائماً "
كانت تنهيدة الحسرة واضحة في صوت التي قالت حينها
" يا إلهي كم هذا رائع ، لو أني فقط أكون معكم "
فسحبت بثينة جهاز التلفاز من حجرها قائلة
" لا أرى والدتي متحمسة لذلك وأخشى أن لا تكوني معنا
إلا ونحن ندخل الجامعة "
وأتبعت آخر كلماتها بضحكة عالية بينما نظرها على التلفاز
والقنوات القليلة فيه تقلبها بالتتابع وقالت حين لم تعلق التي
انشغلت بالنظر للتلفاز بحزن
" يمكنك طلب ذلك منها فهي كمارد المصباح بالنسبة لك "
ونظرت لها حين تابعت بجدية
" وعليك أن تكوني عنيدة ومصرة إن رفضت لا أن تخضعي
لها كالعادة "
وارتسمت ابتسامة جانبية على شفتيها وهي تتابع وقد عادت
بنظرها للتلفاز
" أو استعيني بأبان إن تأزم الأمر فوالدي لن يغير في قراراتها
شيئاً بل ولن يناقشها فيها "
اشتدت حينها يد جوزاء على مقبض الباب تنتظر بشعور غريب
تعليقها على ذلك ورأيها فيها وهي ليست موجودة معهما
وابتسمت بحزن وحنان ما أن قالت يمامة أخيراً
" أحب المدرسة وأن أراها وأكون فيها لكني أحبها أكثر منها
ولن أرفض ما تريد "
وكان تعليق بثينة وكالعادة أن قالت
" آآه حمقاء ولا أمل يرجى منك أبداً "
مما جعل والدتها تزم شفتيها بضيق منها والتفتت لصوت
الخطوات التي وقفت خلفها ونظرت بصمت للتي قالت
" سيدتي رفض أن أجهزها له وسألني عنك أيضاً "
أومأت لها برأسها وقالت تبتعد عن الباب الذي تركته مفتوحاً
" أخبري بثينة تكون في غرفتها حالاً أريد رؤيتها ما أن أنزل "
وغادرت ووجهتها السلالم المشترك الذي يربط بين طوابق المنزل
، ستراه سريعاً ثم تنزل لها وعقابها لن يكون سهلاً هذه المرة
بسبب ما قالت .. والأسوأ من ذلك تحريضها لها على العصيان
وأن تكون نسخة سيئة مثلها !
هي ابنتها وقد فقدت السيطرة عليها حين وافقت بسبب إلحاحها
ووالدها معها على أن تواصل الدراسة مع زميلات طفولتها
وارتكبت خطأ مريعاً بذلك ولن يتكرر مع يمامة ، تنهدت بأسى
وهي تسير في الممر القصير ناحية باب الغرفة المفتوح تتذكر
حديثها الحماسي وأسئلتها عن المدرسة وإيثارها رضاها عنها
وحبها لها على رغباتها هي .
ما أن وصلت باب الغرفة ودخلتها حتى ابتسمت وقد وقع نظرها
على الذي كان يضع القميص المطوي في الحقيبة الموضوعة
على السرير تحته ببطء وعناية يرتدي ملابسه الخاصة بعمله
كطيار .. القميص الأزرق الفاتح كلون السماء الصافية بأكمامه
القصيرة تزينها خطوط ذهبية خصصت لها تحديداً وربطة العنق
باللون الأزرق المائل للسواد كلون البنطلون المكوي بعناية وقد
زينها دبوس ذهبي عند منتصفها لترى فيه حلمها الكبير الذي
تحقق كلما رأته بها ويزداد حبها له عظماً وقوة .
وما أن رفع رأسه ونظره لها أهداها ابتسامة تشبه ابتسامتها تلك
قبل أن يتحرك نحو الخزانة المفتوحة وقال وهو ينزع قميصاً آخر
من علاقته الخشبية
" أنت من أرسلها إذا ؟ "
ابتسمت وقالت وهي تجلس على حافة سريره الكبير
" بالتأكيد أم أنك معتاد على دخول الخادمات لشقتك هنا وأنت
موجود فيها ؟ "
أعاد العلاقة الخشبية مكانها قائلاً بابتسامة
" لا بالطبع ولم تخالف إحداهن أوامرك فلا تخافي "
فابتسمت ولم تعلق فذاك كان أشد وأكثر أوامرها صرامة وحرصاً
على تنفيذه هنا إن في وجودها أو غيابها عن المنزل ، فلكل واحد
من ابنيها شقة مستقلة تحتل نصف الطابق الثالث والأخير
لمنزلهم وبباب مستقل أيضاً يتشاركان فقط في ردهة واسعة تربط
السلالم الخاص به بالطابقين أسفله وقد شددت على أن لا تدخل
الخادمات شقتيهما إلا بأوامر منها ولا يتم تنظيفها إلا في غيابهما
وبعلمها أيضاً ، ليس شكاً منها في تربيتها لهما لكنه حرص منها
ليس إلا وخوف منهن تحديداً فهي ربت ابنيها لكنها لم تربي
الخادمات وكم من قصص مروعة كن هن السبب فيها ، وحين قال
رسول الأمة ( عليه الصلاة والسلام )
( ما اجتمع اثنان إلا وكان الشيطان ثالثهما )
لم يقلها من فراغ وهي مقتنعة تماماً بكل ما يقول ويحذر منه ،
والخادمة الأكبر سناً هنا هي وحدها من تطلب منها أي أمر
يحتاجه أحدهما وهو موجود في غرفته وحين تصبح زوجة كل
واحد منهما معه هنا حينها له أن يوظف في منزله من يريد .
قالت مبتسمة وهي تراقبه يطوي القميص بعناية وحركة خفيفة
متقنة تشبه سيطرته وشخصيته
" أردت فقط تخليصك من عناء فعل هذا بنفسك "
قال وهو يعود جهة الخزانة المفتوحة مجدداً
" لا أمي أنا أحب أن أضع أغراضي حيث أجدها فوراً فيما بعد ولا
أضطر لإخراج كل ما في الحقيبة بحثا عن إحداها "
قالت ونظرها لازال عليه مولياً ظهره لها
" ستطول رحلتكم هذه المرة ؟ "
أخرج صندوقين صغيرين وضعهما فيها أيضاً قائلاً
" أسبوع على الأغلب "
وتوجه جهة حمام غرفته فقالت ونظرها يتبعه
" أخبرتني الخادمة أنك سألتها عني "
خرج خلال لحظات يحمل عدة الحلاقة الخاصة به ومعجون أسنانه
الخاص وقال متوجهاً ناحية السرير
" أجل أريدك أن تتحدثي مع والدي وتتفقا مع عائلة كنانة
بشأن الزفاف "
ابتسمت تراقبه وهو يضع أغراضه في الحقيبة وقالت
" مستعجل لهذا الحد ؟ "
رفع نظره لها بينما كان لازال منحنياً لحقيبته وقال بابتسامة
جانبية
" أجل مستعجل وأريد زوجتي هل هذا ممنوع ؟ "
ضحكت بينما انشغل هو بوضع أغراضه وقالت
" لا هو حق مشروع بالتأكيد لكن ثمة حفل زفاف وأمور كثيرة
أيضاً فأنا لن أحتفل بزفافك دائماً "
استوى واقفاً وأمسكت يداه خصره النحيل المشدود بحزام
البنطلون وقال
" لا أظنك غافلة عن كل هذا سابقاً وما يشتريه المال يمكن
توفيره خلال ساعات وببضع اتصالات هاتفية فقط "
حركت كتفيها مستسلمة وقالت بابتسامة
" سأتحدث مع والدك ونتفق مع والديها ولن يحدث إلا ما تريد "
ورفعت سبابتها تحذره بجدية
" لكن لا إلغاء لحفل الزفاف هنا أيضاً يا غيهم لا تنسى هذا
وتحت أي سبب كان "
لوح بيده لها مبتسما وهو يستدير مجدداً وقال عائداً جهة الحمام
" ولن يلغى الموعد أيضاً وتحت أي سببٍ كان اتفقنا ؟ "
وما أن خرج منه يحمل في يديه منشفة بيضاء ناصعة ومطوية
كانت نظرتها له لازالت تحمل معانٍ كثيرة أولها
( لن تحتال على ذكائي يا ابن جوزاء )
فقال مبتسماً
" هذا هو العدل أمي فلن أسمح بتأجيله لأنك تريدين حفلاً كبيراً
وقد واجهتنا ظروف ما تمنع ذلك "
وانشغل بوصع المنشفة في حقيبته فقالت مستلمة
" أمري لله موافقة ولا خيار لدي "
فقال ما أن استوى واقفاً ونظر لها مجدداً
" لن نتكهن بحدوث أي أمر سيء يعرقل خططك والحفل الذي
تخططين له "
قالت مبتسمة بسعادة
" أجل وسيكون لكما حفل في أفخم مكان وأكثره شهرة "
توجه لطاولة التزيين ورفع ساعته وقال مبتسماً وهو يلبسها
ونظره على ما يفعل
" لا مانع لدي في أي شيء تريدين المهم أن لا تقرري فجأة أن
تزوجيني وأبان في يوم واحد لأن ذلك معناه أن لا أتزوج قبل
أعوام "
ضحكت وقالت
" لا بالطبع فأبان ذاك لن يطال مناه قبل أن يتعلم الدرس جيداً "
فابتسم وانشغل بتمشيط شعره ونظره عليه في المرآة وقال
" وبعيداً عن كل ذلك هي صغيرة أمي فلا تغامري على حساب
الفتاة ولا تتأسي بأفعال شقيقك "
قالت من فورها ونظرها على صورته المقابلة لها من بعيد
" لا بالطبع وأرى جيداً ما تراه أنت يا غيهم وثمة فرق شاسع بين
ابنة مطر ويمامة بل وحتى بثينة "
وتابعت بضحكة
" تلك ليس ثمة فتاة في سنها تشبهها ! لا تعرف جيناتها أم
طبيعتها أم والدها السبب في ذلك "
ابتسم ولم يعلق لازالت أصابعه ترتب خصلات شعره ونظره عليها
وقالت هي مبتسمة
" لو لم يكن مطر زوّجها سلفاً لما كنت تركتها لغيرك أبداً "
نظر لصورتها في المرآة حينها بينما لوح لها بالمشط في يده
مهدداً وقال بابتسامة جانبية
" بل قولي إن لم أتعرف بكنانة قبل كل ذلك فلن أوافق الآن
على امرأة غيرها "
ضحكت وقالت
" وأنا أحببتها وأريدها ... "
وتابعت مبتسمة تنظر لعيني الذي رمى المشط مكانه واستدار
ناحيتها
" كنت وجدت مع عناد شقيقك حلاً وزوجته بها حينها فيمامة
ابنتي في جميع الأحوال "
ضحك وقال متوجها لحقيبته المفتوحة
" لا فأبان قد أوقعه عناده فيما يحب "
ابتسمت بمكر وقالت
" يريد التأجيل لعدة أعوام ...؟ له ذلك إذاً "
قال الذي انحنى لحقيبته يغلقها
" لا تستأمني له كثيراً أمي فأن يكون الرجل وزوجته في منزل
واحد لن يفلح أي قانون في إبعاده عنها "
قالت من فورها وبضيق
" يطال النجوم أولاً ، لقد غيرت برنامجي السابق بالكامل وحتى
خروجي من المنزل فقط من أجل هذا وأنا له بالمرصاد "
والتوى فمها بامتعاض وتنهدت بضيق وإن كانت كلماتها هادئة
باردة حين قالت
" بالرغم من أني أوافقك الرأي جزئياً فقد فاجأتني الفتاة وهي
تتحدث عن حقوقها اتجاهه كزوج وبأن له القرار ومؤكد هو من
يحشو رأسها بتلك الأمور فهي لا تعرفها "
فضحك وهو يستوي واقفاً بينما غابت الابتسامة عن وجهه
الرجولي الوسيمً حين قال ينظر لها
" حاذري إذاً يا جوزاء كي لا تتسببي بعقدة نفسية طويلة الأمد
للفتاة وسببها ابنك "
كانت ستعتقده مزاحاً منه لولا أن لهجته كانت جادة تماماً فيما قال
بل ولا تراه يتحدث عن أمر حساس كهذا وبجرأة معها إلا لخوفه
الفعلي من حدوث ذلك فلا أحد في هذه العائلة عرف يمامة ولم
يحبها وفكر فيما يكون لصالحها قبل كل شيء ، كتفت ذراعيها
لصدرها وقالت بجدية
" أعلم جيداً تربية ابني وإن كان متهوراً عنيداً ولا يشبهك
لكن ما أخشاه فعلاً أن يدفعها لإطاعته في ذلك "
أخفض نظره وقال بابتسامة جانبية
" حينها لا مناص لك من الاستسلام "
صفقت يديها ببعصها وحركت رأسها مبتسمة من حياء ابنها قبل
ما قاله أو ما قالته هي قبله وتنهدت نفساً طويلاً قبل أن تقول
بجدية
" يمامة صغيرة وأصغر من سنها بكثير فهي لا تعرف من العالم
شيئاً أبعد من المكان الذي تعيش فيه ولن أسمح لأبان ولا لغيره
أن يشكلها كيف يشاء "
" وتسمحين لنفسك أمي ؟ "
حدقت فيه باستغراب بل برفض فقال من قبل أن تعلق وقد دس
يديه في جيبي بنطلونه
" أن تحميها وتخافي عليها شيء وأن تتحكمي بها وبقراراتها
شيء آخر تماماً "
اتسعت عيناها بصدمة وقالت برفض قاطع
" ما هذا ... "
فقاطعها قبل أن تقول ما يعلمه جيداً وقال وبذات نبرته الجادة
" أمي لن أكون إلا صريحاً معك ، فأن تكون الفتاة موافقة على
كل ما تريدينه ليس معناه أنها سعيدة به "
ولم تزد كلماته الأمر إلا سوءاً بل وانزلق الأمر لمنحى آخر أشد
حين قالت ببرود تنظر لعينيه
" عنها أم عن نفسك تتحدث يا غيهم ؟ "
فاتسعت عيناه هو حينها وقال مستنكراً
" لما خلط الأمور الآن أمي ؟
تعلمين جيداً بأني درست الطيران وتركت ما أحب طاعة لك
ونزولاً عند رغبتك لأنه حلمك الوحيد الخاص بي ليس لأني لا
أستطيع أن أعاندك حينها وأفعل ما أحب "
قالت من فورها وبحزم
" بلى أعلم كما لا تعلم أنت معنى أن تكون ضمن قوات عسكرية
في بلاد مهددة بالخطر حتى إن كنت تحت رعاية خالك وناظره فلا
هو ولا رجاله في مأمن وإن أصبحوا داخل البلاد "
كان سيتحدث فقاطعته سريعاً وبجدية
" ولا تقل بأن الموت لا يمسكه أحد ولا شيء فالدخول في
الحروب الأهلية ومع أي طرف كان جريمة في حد ذاتها وأرفض
أن تشاركوا أبنائي فيها "
فرد ذراعيه وقال يعود بها لذات حوارهما السابق والأساسي
" إذاً اتركي للفتاة حرية الاختيار وفعل ما تحب وإن كان في
نظرك خاطئاً ، أخبريها فقط عن مخاطره عليها ولتتجنبه هي عن
عقل ليس لأنها تطيعك أو خائفة منك "
وتابع بجدية يمسك جيبي بنطلونه بإبهاميه
" وتأكدي من أن ذلك ما حدث معي تماماً أمي وأعي جيداً
معنى ما تفكرين وتقصدين "
لاذت بالصمت ولم تعلق كما كان يظن وعلم بأنها تدرس أبعاد
قرار ما يخص الفتاة وكانت ستقرره نيابة عنها فقال يحثها أكثر
على تغيير رأيها فيما تنوي فعله وإن كان يجهله
" أتركيها تقع وتقف وتخطئ وتتعلم من أخطائها لتنصقل
شخصيتها وتصبح سيدة نفسها وقراراتها "
وعلم بأنه أصاب الهدف حين تنهدت باستلام قبل أن ترفع سبابتها
قائلة بحزم
" لن يكون أبان بالطبع من ستختبر عليه قدراتها "
فلم يستطع منع نفسه عن الضحك وحرك رأسه قائلا بابتسامة "
لا أحسد أبان البتة على ما صار إليه "
وقفت وقالت بضيق
" ذاك ما جنت يداه والفتاة صغيرة وزواجهما لن يتعدى الحبر
الذي كتب به وفي جميع ما يربطها به كزوج "
رفع كتفيه قائلاً
" حلك الوحيد إذاً في سفره والدراسة في الخارج "
حدقت فيه بصمت قبل أن تقول
" لست وحدي من يرفض ذلك بل وأبان نفسه "
قال بجدية
" ورغم كل ذلك وكما يعلم الجميع فأنت قادرة على فعلها وإن
رفض هو نفسه ، وأبان أعقل من أن يكون مصيره الإنحراف
وأنت من ربيته وتعرفينه جيداً "
وحرك رأسه جانباً وكأنه يشير لشيء بعيد به متابعاً
" ثم ورجال خالي مطر منتشرون في إنجلترا ويمكنك ممارسة
رقابتك عليه حتى وهو هناك "
وقال آخر كلماته تلك مبتسماً يعلم جيداً مصيره منها لكنها تجاهلت
مقصده ذاك وقالت ببرود
" لا رغبة لي في ذلك لكن الأمر وارد جداً إن لم يتعقل ويبتعد
عن الفتاة "
ابتسم وانحنى لحقيبته وأمسك مقبضها وأنزلها للأرض ونظر
للتي قالت وكأنها تحدث نفسها ونظرها شارد في الفراغ
" إذاً عليا إرسالها للمدرسة مع بثينة وإن كنت أكره ذلك "
فابتسم ولم يعلق أو يحاول إقناعها لأنها وكما يبدو اقتنعت تماماً
بل قال مبتسماً ينظر لها
" تغير كل شيء في البلاد وقوانينها منذ عاد شقيقك إلا موعد
الدراسة الغريب هنا !! "
رفعت نظرها الشارد له حينها وقالت بحزم
" معه حق يتركه كما كان فمن الصواب أن ينام الأطفال في
منازلهم وقت الشتاء والبرد ويذهبوا للمدارس في الصيف فوقت
النهار فيه يكوم طويلاً ومع أنظمة التكييف الحديثة والحافلات
الخاصة بالمدارس لن يكون الحر مشكلة "
قال بابتسامة جانبية
" لكن أن يكون وقت العطلة والسفر والتنزه في الشتاء
مشكلة أمي أليس كذلك ؟ "
قالت مباشرة ويضيق
" ولما السفر والتنزه ؟ التعليم أهم "
ضحك وقال ينظر لهاتفه الذي بدأ بالرنين
" حمداً لله أنك لست وزيراً للتعليم "
ورفعه من فوق السرير ونظر لإسم المتصل ووضعه على أذنه ما
أن فتح الخط ينظر مبتسماً للتي كانت تنظر له بضيق بسبب ما
قال ولم يتحدث ويبدو أن من في الطرف الآخر لم يترك له المجال
لذلك مما جعلها تنظر بريبة لملامحه التي فقدت ابتسامتها فجأة
وحاجباه اللذان انعقدا بتوجس وقال بعد قليل
" متى حدث هذا ؟ "
وازداد توجسها ما أن قال بجمود
" وأبان أين هو ؟ وهل علم عن الأمر ؟ "
وأنهى الاتصال بعد أن تمتم ببرود
" ليتحمل نتائج أفكاره واختياراته "
فقالت تنظر له بريبة واستغراب
" ماذا حدث وما علاقة شقيقك بذلك ؟! "
لم يجبها بل دس هاتفه في جيبه ورفع حقيبته وقبعته الخاصة
ببذلته وقال وهو يجتازها مغادراً الغرفة
" سيخبرك حين يكون هنا "
وتابع وهو يجتاز الباب المفتوح
" وتذكري اتفاقنا أمي ولن يوقف شيء وجود زوجتي هنا
وفي أقرب وقت "
وغادر وتركها تنظر لمكانه باستغراب تبدل للصدمة ما أن فسرت
معنى كلماته فأخرجت هاتفها سريعاً واتصلت بأبان لكنه لم يجب
ولم تتعب نفسها بتكرار الاتصال فهي تعرفهما جيداً من لا يجيب
على اتصالها الأول فلن يجيب أبداً وإن أحرقت هاتفه بالاتصالات ،
فأعادت هاتفها لجيبها وغادرت الغرفة أيضاً متمتمة بضيق
" أي مصيبة ورائك هذه المرة يا أبان "
بل وتابعت ببرود وهي تغلق باب الشقة بعد خروجها منها
" وكما قال شقيقك تحمل ما تصنع يداك "
وما أن وصلت السلالم حتى تغلب عليها قلب الأم الذي كانت تشعر
به يشتعل ناراً في جوفها فأسندت جسدها بسياج السلالم وأخرجت
هاتفها واتصلت بمن تعلم بأنه لن يتجاهل اتصالها وقالت ما أن
فتح الخط
" أيوب اتصل بأبان فيبدو ثمة ما يحدث معه وغيهم لم يخبرني "
*
*
*
*
*
أغلقت النافدة وأسدلت الستائر المخملية عليها فالبرد هنا لا يمزح
مطلقاً ولن تشعر بملمس النسائم الدافئة على بشرتك إلا بحلول
فصل الصيف لا الربيع ، وابتسمت بحزن تتذكر تلك الأيام التي
عرفت فيها البرد بأبشع سلوكه الوحشي وهي طفلة وسط
مجموعة أطفال مثلها لا يملكون من أمرهم شيئاً ، حتى بكاء
الأصغر سنناً بينهم بسبب شدة البرد تشعر بأنها تسمعه الآن ،
ولاحت ابتسامة أخرى على شفتيها لا تشبه سابقتها مطلقاً حين
تذكرت فكرتها المجنونة وإشعالها النار في خشب المنزل ليشعروا
بالدفء وكانت النتيجة أن انتقلوا لمنزل أسوأ حالاً منه لكنها لم
تكن تعيسة حينها فقد قضوا تلك الليلة في جو دافئ وهم
يشاهدونه يحترق .
ضحكت على أفكارها الغريبة تلك حينها ورفعت هاتفها ونظرت
لشاشاته وابتسمت لأحرف رسالته الأخيرة
( أين أنت لم تدخلي يا عنقاء ؟ )
فهو كان يختار لها هذا اللقب منذ أعوام وكانت تستاء منه بينما
كان هو معجب به واختار إلصاقه بها وهذا ما جعلها تكرهه بداية
الأمر بينما كان يراه هو شيئاً مختلفاً حتى أقنعها به وبأنه وصف
مميز لها على أنها مخلوق أسطوري لكن مؤخراً تغير كل ذلك
حين لاحظت أنه لا يستعمله إلا وقت تضايقه منها فباتت تراه
أحيناً يقصد به يا حمقاء ! شعرت بالاستياء منه فجأة بسبب
أفكارها تلك وكانت سترميه مكانه السابق ومنعها وصول رسالة
جديدة منه ونظرت سريعا لأحرفها تزين شاشته المضاءة
( دخلت أخيراً إذاً )
واستشعرت فيها عتبه الواضح لعدم تواصلها معه وقررت أن
تراضيه بطريقتها لكنّ أصابعها توقفت واضطربت أفكارها كما
ضربات قلبها حين تابع
( لديا معلومات جديدة عنها قد تهمك وتوصلك لها )
فزفرت نفساً طويلاً ومنهكاً من صدرها لم تكن تدرك بأنها تحبسه
وأنهت المحادثة بينهما برمز ودون أن تكتب له شيئاً بل ورمت
الهاتف بعيداً عنها حيث سريرها الواسع وسيفهم بالتأكيد بأنها
لن تفعل شيئاً الآن فعليها التريث قليلاً لتنظم أوراقها من جديد ،
توجهت لباب الغرفة وفتحته وكعادتها التي لم تغيرها السنين حال
أغلب طباعها أخرجت رأسها منه تنظر للمكان الخالي تماماً بعد
أن سمعت أحد الأبواب هناك يُفتح ويبدو أنه لم يكن باب غرفته !
لم يتبادلا أطراف الحديث اليوم أبداً ومنذ مغادرته بالأمس وحتى
حين كانت ماريه هنا وغادر بها وبعد عودته تناول طعامه في
صمت ولم تحاول هي فعل ذلك بل وتركته يتناوله وحده وغادرت
لغرفتها وكان قد دخل غرفته حين كانت تغسل الأطباق وها هو
يغادرها قاصداً مكان آخر سيكون مكتبه بالتأكيد فهو الأقرب
لغرفتها وسمعت صوت بابه بوضوح .
أغلقت الباب بهدوء واقتربت خطواتها من ذات الباب وكل ما
أرادت هو الاعتذار منه عما قالت سابقاً ويبدو أزعجه فتلك ليست
طباعها لكن وضع تلك المرأة استفزها واستنفرها وغاص بها
بعمق في ماضيها الذي شعرت بنفسها تقذف في دوامته ودون
شعور ، لكنها أيضاً علمت الكثير سابقاً عن المدعوة غيسانة وما
كان عليها أن تلقي بلومها بأكمله عليهما بل وعليه هو تحديداً
فمطر لم يكن أمامها حينها .
ما أن كانت أمام باب المكتب وجدته مفتوحاً في إشارة دلتها على
أنه لم يعتد على إغلاقه أو أنه لا يمانع دخول أحدهم وهو فيه مما
شجعها على المضي في تنفيذ ما عقدت العزم عليه فاستندت
بيديها وجسدها على إطاره ولم يتسلل رأسها منه هذه المرة بل
نصف وجهها ونصف جسدها أيضاً تنظر له بعين واحدة وكان
يلبس بنطلون رياضي مريح وقميص قطني متوسط السمك يرفع
أكمامه الطويلة لما يقارب مرفقيه يجلس على أريكة صالون
المكتب بينما يضع حاسوبه الشخصي على الطاولة الزجاجية
المنخفضة أمامه وقد انتبه سريعاً لوجودها وسرقت تركيزه عن
جهاز الحاسوب أمامه ما أن التقط نظره طيف جسدها النصف
موجود ، لقد بدى لها أصغر سنناً بملابسه الغير رسمية تلك
وشعره الناعم الذي لم يهتم كثيراً بتمشيطه مرتباً للخلف كالعادة
وذكرها ذلك بابنه وحربه التي تبدو مستميتة مع خصلات شعره
الناعم وكتمت ابتسامة حانية كانت سترتسم على شفتيها .
كانت تنظر لعينيه المحدقة بها نظرة اعتذار واضحة ترسل رسالة
صامتة تؤكد فيها مدى اهتمامها بغضبه منها لكنه خان جميع
توقعاتها حين ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه وهو ينسحب
بنظره من عينيها لشاشة حاسوبه المحمول وقال وسبابته تضغط
أحد أزراره
" لن أتركك تنتصري عليا في هذا دائماً "
فابتسمت من فورها بسعادة فمعنى عبارته تلك بأنه سيحذو حذو
مشاعر التسامح لديها ويكون مثلها ، والأهم من كل ذلك أنه
ليس غاضباً منها ، لكن ذلك لا يكفي فهو لم يعلن عن مسامحته
المطلقة لها بعد بل ولم تنل هي العقاب الذي اختارته لنفسهاً وهو
الأهم ، اقتربت من الأريكة وجلست بجانبه بينما كانت تراقبها
نظراته وهي تخرج لوح شوكلاته من جيب قميصها الأنثوي
الطويل بعض الشيء كحال أكمامه التي غطت أغلب كفيها وقد
رسم تفاصيله على جسدها النحيل الصغير وله قلنصوة أخفت
بقصتها الدائرية المتسعة أغلب خصلات شعرها الذي كانت تجمعه
للخلف بمشبك مطاطي مزين بالفصوص بينما تمسك خصلات
غرتها الناعمة القليلة بذات المشبك الذي رآه في شعرها أول مرة
بل وفي كل مرة ولم يلاحظها تنزعه أبداً .
غضن جبينه وهو يحدق في لوح الشوكولا في يدها فهذا النوع لم
يراه في ثلاجة المطبخ ولا الخزانة ولم يحضره بنفسه مما يعني
أنها تحتفظ به لديها وتخص نفسها فقط به ! بينما كانت الجالسة
قربه تقرأ نظراته تلك بشكل مختلف تماماً وقالت بعبوس
" حسناً هذه الأشياء ليست حكراً للأطفال فقط وما أن تتذوقه
ستكتشف حقيقة ذلك ... لقد كلفني الكثير من المال ومشكلتي
أني أحبه "
ففهم حينها لما قدمته له وكما توقع تماماً هو نوعها المفضل
ولا تخص به سوى نفسها ، عاد بنظره لحاسوبه متمتماً بهدوء
" شكراً لك الأمر فعلاً لا يستحق .. ثم أنا لم أعد غاضباً "
فارتسم البؤس على ملامحها وعيناها التي كانت تنظر لعيناه
المحدقتان في الأسطر التي تملأ الشاشة أمامه بينما التفت أصابعه
الطويلة على ذقنه يثبت مرفقه على فخذه وكأنه ينصب بكامل
تركيزه على ما يقرأ وتمتمت أيضاً ولكن بنبرة طفولية
" لن أستطيع النوم وضميري يؤنبني هكذا "
وراقبته نظراتها العابسة ولازال يتعمد الانشغال بحاسوبه بينما
همس بنبرة لاذعة بسبب محاولاتها
" هي أنانية إذاً ؟ "
وكان جوابها سريعاً وصريحاً وبابتسامة واسعة
" شيء كهذا "
ونجحت في رسم ابتسامة جديدة على شفتيه ونظر لها قبل أن
تنتقل عيناه للوح في يدها التي لازالت تمدها له ، كان قد قرر
رفضه بطريقة لبقة لتحتفظ به لنفسها بما أنها تحبه بل ولم تكن
تغريه فكرة تناوله لكن أن تختاره كعقاب لنفسها منه كما قالت فقد
كانت الفكرة الأكثر إغراء بالنسبة له ولابأس في أن ينتقم لنفسه
منها كما تريد .
فاستوى في جلوسه وأخذه منها وهمس يشكرها ووضعه بجانب
حاسوبه على الطاولة وظن أن الأمر انتهى إلى هذا الحد لكنها
وما أن لاحظت بأنه سيعود لعمله السابق قالت بكلمات سريعة
وكأنها تخشى أن تتراجع أو أن تفقده بطرق أبشع
" عليك أن تفتحه الآن وتأكله لأتأكد من أنك قبلته "
فنظر لها باستغراب وابتسمت له من فورها بعفوية تلك الابتسامة
التي لا يتقنها غيرها هكذا فتنهد باستسلام ورفعه من الطاولة
وبدأ يزيل الغلاف الورقي عنه فحركت يديها بعشوائية أمامه
وقالت مندفعة
" لا ليس هكذا "
فتوقف عما يفعل ينظر لها بذهول فاقتربت منه أكثر حتى كانت
شبه ملتصقة به وبدأت تشرح له ونظرها على اللوح في يديه
وأصبعها يتتبع الخط الوهمي على غلافه عن كيفية فتحه بالطريقة
الصحيحة وأبعدت يديها وقالت مبتسمة تنظر لعينيه المحدقتين
فيها باستغراب
" وبرقة رجاءً "
فتنهد في صمت يجاريها في عقابها الغريب لنفسها وما أن أمسك
طرف الغلاف من جديد أوقفته قائلة بسرعة
" لا لا ستفسد شكل المغلف هكذا "
فزم شفتيه ينظر له بضيق بين يديه قبل أن ينظر لعينيها المبتسمة
له ببراءة فالعقاب انقلب ضده على ما يبدو !
وبعد صراع طويل مع الغلاف الورقي ليزيله بطريقة لا تجرح
مشاعره كما تريد أخرج اللوح الكبير منه وكانت رائحته الواضحة
كما بريق لمعانه يوضحان نوعه الفاخر ، وبدأت مرحلة أكله له
وشعر ببعض الإحراج من فعل ذلك في وجودها وهي تكاد تكون
ملتصقة به هكذا ، فأكل هذه الأطعمة يحتاج نوعاً خاصاً من التلذذ
وأنت تأكلها أو سيكون مصيره مزرياً كما حدث مع الغلاف ، كما
أنه في الحقيقة لا يحب الحلويات كثيراً .
رمقها بطرف عينيه فكانت تنظر للوح في يده نظرة ترقب لم
يفهمها لكنه يعلم بأنها لن تتركه حتى تتأكد من أنه أكلها كاعتذار
وعربون صداقة جديد كما تسمه لكن نظراتها تلك لم تزد مهمته
سوى صعوبة ، ولأنه لا مفر أمامه قرر أكله نهاية الأمر ، وما ان
قربه من فمه حتى توقف مكانه مجدداً يده معلقة في الهواء أمام
وجهه ونظر سريعاً ناحية صاحبة الشهقة الأنثوية الرقيقة
والعفوية التي صدرت منها عند شعورها بأنها ستفارق حلواها
المحببة ، وذاك ما رآه واضحاً في عينيها وكأنها تفارق حبيبها !
ودون شعور منه مده لها فأخذته على الفور وأمسكته بكلتا يديها
مقتربتان لصدرها وكأنها لا تصدق أنه عاد لها أخيراً وابتسمت
بارتياح مما جعل مزاجه ينقلب للحنق وشعر بأنه وقع في مكيدة
وتحول لجاني متوحش فجأة !
وبالرغم من كل ذلك كان صوته بارداً حين قال
" ألم تعطني إياه بنفسك ورغم رفضي له ؟ "
فقالت من فورها وبامتعاض
" كان بإمكانك الإصرار على الرفض "
اتسعت عيناه وقال بضيق
" ومن التي أصرت وألحت عليا لآخذه؟ "
وفاجأته بأن قالت سريعاً ودون لحظة تفكير
" لا تصدق كل ما يقال ... "
وتابعت بتحدي صدمه وهي تقذفه في عمق عينيه كاشفة عن
نواياه الخفية
" ثم أنت لا تستطيع أن تنكر بأنك كنت تخطط لاستغلاله
والتضحية به رغم عدم حبك له فقط من أجل تعذيبي "
ووقفت من فورها لكن بعد أن رمقته بنظرة مؤنبه شعر بها تلسع
ضميره فارتفعت يده وأمسك برسغها في حركة لا إرادية وأوقفها
مكانها وما أن نظرت له ترك يدها بطريقة عفوية أيضاً وفرد يديه
وتمتم بابتسامة جانبية مستسلماً
" آسف إذاً "
وعلم بأنه لا مفر له من الاعتذار وهذا ما كانت تخطط له بالتأكيد
وها قد انقلبت الأدوار ولا شيء أمامه سوى الاستسلام ، وكما
توقع كانت ابتسامتها العفوية والجميلة أول رد يصدر عنها ..
وكما توقع أيضاً بل وما بات يعلمه عن شخصيتها فلن يكفيها
الاعتذار اللفظي فقط فقد خبأت لوح شكولاتتها المفضلة خلف
ظهرها مع يديها وقالت مبتسمة
" موافقة لكن لديّ طلب صغير جداً وكتعويض بالطبع عليك أن
توافق عليه "
فأشار لها برأسه دون أن يتحدث لتتابع فضحكت بسعادة وهي
تخرج من ذات الجيب علبة بسكويت مالح صغيرة ووضعتها قرب
حاسوبه على الطاولة وتحركت نحو باب الغرفة من فورها قائلة
بسعادة
" شكراً لك .. كنت أعلم بأنك لن ترفض أمراً مهماً كهذا "
وغادرت على نظراته المصدومة متمنية له ليلة سعيدة دون أن
تذكر له طلبها الذي اعتبرت موافقته على قولها إياه موافقة
عليه ! بل ودون أن تنظر ناحيته حتى وهي تخرج !!
تنهد نفساً عميقاً طويلاً شعر به خرج من أعماقه قبل أن يحرك
رأسه مبتسماً بقلة حيلة على بؤسه ونظر لعلبة البسكويت على
الطاولة .. حتى أنها يبدو تعلم بأنه لا يفضل أكل الحلويات ودون
استثناء!! .
" سحقاً لأفكارك يا مطر "
وذاك ما لم يكن يستطع منع نفسه من الهمس به ما أن عاد لعمله
على الشاشة المليئة بالجداول المرصوفة بالأرقام ولجلوسه
السابق يثبت ذقنه بأصابعه قبل أن يغلق حاسوبه بحركة واحدة
من يده ووقف ورفع العلبة التي تركتها له وغادر المكان متوجهاً
لغرفته فقدْ فقدَ الرغبة في كل هذا وما يريده الآن هو النوم .
*
*
*
Nesrine Nina, ام الانصاري and جولتا like this.
رد مع اقتباس
#12662
قديم 29-03-20, 12:50 AM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
نظر لشاشة هاتفه وللإسم الذي اختاره لها سابقاً واستخدمه
لرقمها أيضاً ( زهرة الجنوبي ) وابتسم بسخرية وهو يعود بنظره
وتركيزه على الطريق أمامه فهذه المرة الأولى التي تقرر فيها
الاتصال به منذ عرفها وحتى بعد زواجهما القريب ، ولن يستغرب
هذا بعد أن فعلها هو البارحة وقطع الاتصال من قبل أن تجيب
ويبدو أنها كانت تنتظر منذ ذاك الوقت أن يفعلها مجدداً حتى
أصابها اليأس نهاية الأمر ، في وقت سابق كان ليسعد باتصالها
هذا وبرؤية اسمها على شاشة هاتفه لكن الآن هو بمثابة ذر
للملح على الجرح المفتوح فلا يذكره سوى بجرمها ناحيته .
لقد ظهرت له تلك المدعوة مايرين من العدم في الوقت المناسب
تماماً لتمنعه مما كان سيفعله البارحة حين قرر الاتصال بها وهو
كشف الحقيقة التي علمها وبالطريقة التي تستحق ثم تطليقها لكنه
اكتشف فيما بعد بأنه قرار متهور وغبي فلن يشفي غليله منها أن
يهينها ويجرح كرامتها بكلماته ثم يطلقها في اليوم التالي ويخرج
من حياتها وفقط انتهى الأمر فذاك لن يقتص له منها ولن تتأذى
مطلقاً فلن يصدق أبداً أنها قد تحمل مشاعر له ليجرحها بخذلانه
فما فعلته لا ينم سوى عن الكراهية والانتقام ويبدو أنها لم تعلن
موافقتها عليه سوى لتكمل باقي مخططها الإجرامي معه .
اشتدت أصابعه بقوة تقبض على المقود وكأنه يفرغ غضبه
المكبوت فيه فلن يغفر لها أبداً ما فعلته في حق والده ووالدته قبل
أن يفكر فيما فعلته به هو .. بمهنته بسمعته والأهم بقلبه
ومشاعره فهو كان على استعداد لأن يتخطى كل تلك الأزمات التي
عصفت به ماداما معاً وهي بجواره وفي حضنه فينسيه وجودها
بقربه كل همومه التي يمر بها .
شد على أسنانه بقوة وضرب براحة يده على المقود هامساً
بغضب مكبوت
"يالك من مغفل ومعتوه وهذا ما تستحقه لأنك وثقت في النساء "
وما هي إلا لحظة تفكير قصيرة وعاد وأخرج هاتفه واتصل بالذي
أجاب عليه على الفور قائلا بصوت باسم
" مرحباً أويس "
فشد على أسنانه بقوة فلا يقهره شيء أكثر من خذلانه لهذا الرجل
الذي وثق به ، لكن ابنة زوجته السبب وهي من خذلتهم جميعهم
وأولها تربيته لها كإبنة وحيدة له ، تنفس بعمق قبل أن يقول
ونظره على الطريق أمامه
" مرحباً عمي "
وتردد قليلاً قبل أن يتابع بنبرة هادئة رزينة
" أردت أن أتحدث معك بشأن موعد زواجنا ... "
وعاد للصمت المتردد مجدداً وسبقه محدثه قائلاً
" نعم يا أويس ما به موعد زفافكما "
وكان وكأنه يذكره بأنهما متزوجان سلفاً فقال بذات هدوئه الذي
أتقنه بحرفية منافياً لما يحدث داخله
" أجل عمي عن موعد حفل الزفاف أتحدث أريد أن نعجل به
قدر الإمكان "
وساد الصمت من الطرف الآخر قبل أن يصله صوته
" لكنكما ... أعني لكنك سبق ووافقت على أن تحدده هي في
الوقت المناسب لها ، ثم والفصل الدراسي في جامعتها لم ينتهي
بعد وأنت تعلم المسافة من الجنوب إلى هنا "
أجل يعلم وهو أكثر من يعلم وسيجعلها تعلم ذلك أيضاً فأي دراسة
هذه التي تستحقها ؟ وهو المغفل من تكبد عناءً كبيراً لتكون
ضمن طلبة تلك الجامعة المهمة وحقق لها كل ما تتمناه لمستقبلها
بينما دمرت هي مستقبله وبقلب ميت ، أدار المقود ودخل بسيارته
لطريق فرعي أشارت اللافتات يمينه للمكان الذي وصله وكان
يقصده وقال وسرعة سيارته تتباطئ تدريجياً بسبب حركة
السيارات في الطريق المزدوج
" أعلم عمي وسنجد لذلك حلاً مؤقتاً ، ثم هي ستنهي دراستها
لدي في جميع الأحوال "
قال ذاك من فوره
" أجل بني ولكن ... "
لكنه قاطعه وبإصرار
" أنت فقط أخبرها برغبتي في ذلك أليس القرار في يدها ؟
أتركها تقرر إذاً وأنا مُصر ولا أرى سبباً للتأجيل "
سمع صوت تنهده الواضح دليل استسلامه وكما يعرف وتوقع قال
بهدوء
" أترك الأمر لي وسأرى ما يمكنني فعله وسنصل لما يرضي
كليكما بالتأكيد "
ابتسم بسخرية متمتماً
" شكراً لك عمي كنت أعلم بأنك لن تردني خائباً "
وودعه وأنهى الاتصال معه ولازالت الابتسامة الساخرة تزين
شفتيه فما يريده هو فقط سيحدث ورغماً عنهم جميعهم ولم تعرف
تلك المدللة بعد من يكون أويس غيلوان الذي تلاعبت به .
وما أن كان سيعيد الهاتف لجيب سترته توقفت يده مكانها بسبب
رنينه المفاجئ فعاد ونظر لشاشته مجدداً وأجاب من فوره قائلاً
" مرحباً يا أبان "
قال من في الطرف الآخر مباشرة ودون مقدمات
" أين أنت الآن ؟ أمازلت في الجنوب ؟ "
أوقف سيارته حيث المكان الذي كان يقصده وقال
" أجل ولن أغادر في الوقت الحالي ، بما يمكنني مساعدتك ؟ "
قال من فوره،
" أريد التحدث مع يمان ، هل أنت في منزلك الآن ؟ "
أخفض رأسه ينظر للساعة الرقمية المعلقة أعلى المبنى المرتفع
خلف الرصيف وقال
" ظننته اشترى هاتفاً بالأمس ، ألم يتصل بك ؟! "
" لا !! "
كان جوابه مباشراً ومستغرباً أيضاً فقال ما أن عاد لجلوسه
السابق وأراح ظهره لظهر الكرسي مجدداً
" أخبرني بأنه يريد شراء واحد من أسواق جينوة ويبدو لم
يذهب حتى الآن "
وتابع ينظر للشارع المزدحم من نافذته
" أنا الآن في نجيران وسأمر بإحليل ولن أصل المنزل قبل أقل
من ثلاث ساعات "
وتغضن جبينه باستغراب ما أن وصله الصوت الرجولي المنخفض
" يبقى لا حل غيرك فثمة أمر مهم يخصه عليك إخباره به ما
أن تصل وعلى الفور "
*
*
*
Nesrine Nina, ام الانصاري and جولتا like this.
رد مع اقتباس
#12663
قديم 29-03-20, 12:51 AM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
" ماري "
وقفت والتفتت خلفها حيث الصوت الرجولي الرصين والذي ناداها
عن مقربة منها وحضنت مذكراتها في حركة لا إرادية حين علمت
هويته وقد وقف أمامها وقال ما توقعته تماماً وما عبر عنه
حاجباه المعقودان
" ماري أنت لا تعجبينني اليوم أبداً.. يبدو أسبوعك كان سيئاً ؟ "
أخفضت نظرها خجلاً من ملاحظته واعتذرت هامسة
" آسفة أستاذ "
لكنه لم يتوقف وتابع قائلا بجدية
" لقد تغيبت بالأمس وثمة إخطار وصلني من الإدارة بشأن غيابك
وعذرتك لأجل ذلك لكن أن تجلسي في المدرج كجثة هامدة فقط
مجدداً فهو أمر سيء للغاية وأنت من الطلبة الجيدين لدي "
لم تستطع التعليق فهي بالفعل تكررها للمرة الثانية في محاضراته
وقد عذرها سابقاً بل وسمح لها بمغادرة القاعة ولأول مرة يفعلها
مع طالب لديه وها هي تكررها مجدداً ، وكانت الدموع الرقيقة
التي ملأت عينيها التعبير الوحيد حين سألها باقتضاب
" ما بك ماري ؟ هل تواجهين مشكلة ما ؟ "
وكان جوابها الصمت أيضاً سوى بحركة خفيفة من رأسها فهي لا
تستطيع قول المزيد ليس فقط بسبب التيبس المؤلم بحنجرتها بل
ولأنها لا تقدر فسألها مجدداً وبجدية ظهرت جلية في صوته قبل
ملامحه الانجليزية الشقراء
" هل انفصلت عن خطيبك ؟ "
كان سؤاله مباشراً بل وواثقاً وكأنه يتوقع ذلك سلفاً !
وتذكرت مزاحه معها حين شرد ذهنها في محاضرته سابقاً
وسألها أين نامت البارحة فكان التعليق من أحد الطلبة فوقها
بخصوص خطيبها .. الخطيب الذي تحدث عنه الطلبة لوقت وإن
لم يره إلا القليل جداً منهم في ملعب السلة وهو يلبسها خاتمه
أمامهم ، همست بصعوبة تمسك نفسها عن الانهيار باكية
" أجل "
هي لم تتحدث مع أحد اليوم ولا البارحة وقضت ليلة سيئة للغاية
لم تنم فيها أبداً ولم تتوقف عن البكاء وخرجت صباحاً في وقت
باكر لم ترى أحداً أيضاً بل وجمعت جميع أغراضها وتركت رسالة
فقط للتي ستدخل الغرفة بحثاً عنها بالتأكيد وهي والدة رواح
وجاءت هنا بحالها المزري هذا لأنه لا يمكنها التغيب عن جامعتها
دون سبب مقنع يتم تقديمه لإدارة الجامعة والحصول على موافقة
عليه ، ولم تكذب فيما قالت فهي ستنفصل عنه وإن كانت زوجته
التي تشك أن تستمر كذاك أيضاً ، مسحت عيناها بقوة تمنع
دموعها من مجرد التفكير في النزول بينما قال الواقف أمامها
وبحزم يشبه شخصيته
" لن تتوقف حياتك من أجل رجل تخلى عنك ماري أو لأي سبب
كان ، عليك أن تكوني قوية كي لا تخسري كل شيء وأوله
احترامك لنفسك "
شعرت بكلماته تجرحها أكثر من كونها تواسيها أو تمنحها القوة
فهمست بصوت مرتجف حزين تتجنب النظر لعينيه
" كلانا لا يريد الانفصال ... أنا فقط مجبرة على فعل ذلك "
وكانت وكأنها تنتظر فقط من يتحدث معها عن الأمر .. بل هي
كذلك بالفعل حتى تكاد تموت كمداً ، ورغم يقينها من أنه ليس ثمة
من قد يجد حلاً لمشكلتها أو يفيدها بشيء تابعت بحزن ما تتوقع
بأنه يريد أن يسمعه منها كما ساندرين في السابق
" لكننا نتأقلم ونعتاد ثم ننسى "
وكما توقعت أيضاً فقد قال وسريعاً
" أجل ماري لكن علينا أن نكون أقوياء ونحن نجتاز تلك المراحل
لذلك عديني أن لا أرى هذا الوجه الكئيب الحزين المرة القادمة "
أومأت له بحسناً واعتذرت منه هامسة واستدارت متابعة طريقها
وابتعدت خطواتها حتى اختفت بين جموع الطلبة وتوجهت ناحية
مبنى المكتبة وحاولت بيأس أن تركز مع المرجع والكتاب اللذان
كانا مفتوحان أمامها وعبثاً كانت تحاول فعيناها كما رأسها كانا
يؤلمانها بشدة ، هذا إن استثنينا التعب النفسي المريع ولن تنجح
في جمع أي معلومات لبحثهم الجديد على هذا الحال .
" مرحباً "
رفعت رأسها ونظرت للفتاة الشقراء التي أطلت عليها من فوق
الطاولة البيضاوية الضخمة التي كانت تجلس عند طرفها حال
الكثيرين حولها وقالت التي جلست أمامها مبتسمة
" هل نتعاون ماريه ؟ هكذا ينادونك أليس كذلك ؟ "
وتابعت دون أن تنتظر جوابها وهي تستدير بنصف جسدها
العلوي لتخرج شيئاً من حقيبتها التي علقتها على ظهر الكرسي
" قررت الإنضمام لمجموعتكم في بحث الاستاذ هامبسون
وأخبرت باولا ولم تعترض وقالت أن أخبرك "
ووضعت مجموعة أوراق على الطاولة أمامها تهديها ابتسامة
حيوية جميلة تشبهها فابتسمت لها بدورها وقالت
" يسعدني ذلك كيم "
وبالفعل رحبت بالفكرة فكيم من الطالبات المتفوقات لكنها لم
تتحدث معها سابقاً ، كان لديها مجموعة أصدقاء شعرت بأنهم
يرفضون الاحتكاك بغيرهم ، وهذا ما كان يلاحظه الجميع وليس
هي فقط ، قالت التي ابتسمت لها برضا
" رائع وسنزيد المجموعة فرداً آخر فسنحتاج للسفر لدندي
ولقاء موظف من مركز البحوث العلمية هناك .. هو ابن صديق
قديم لوالدي ووعد بمساعدتنا وسنقدم بحثاً سيتحدث عنه الجميع
وسنراه على صفحات جريدة الجامعة "
وابتسمت بحماس وهي تختم شرحها المفصل واقتراحها المفيد
ذاك فأبعدت نظرها عنها للكتاب الذي كانت تريح يديها عليه
وقالت ببعض التردد
" إن كان شاباً وعليا السفر معكم فلا أستطيع الموافقة "
ولم تستغرب الضحكة التي أطلقتها الجالسة أمامها قبل أن تقول
" يا إلهي ماريه أنت تعنين ذلك فعلا ؟! "
لم تنزعج مما قالت ولم تعتبره سخرية من أفكارها فهي تعلم جيداً
طريقة عيش وتفكير المجتمع الذي وجدت نفسها مجبرة على
الانخراط فيه وإن أصبح أغلب ذلك مباحاً في بلاد المسلمين
مؤخراً لكن ليس كحايتهم بالتأكيد فحاولت الابتسام وهي ترفع
نظرها لها قائلة
" باولا والأخريات استغربن مثلك تماماً بادئ الأمر لكنهن اقتنعن
بأنه ليس تزمتاً ولا رجعية كما ستفكرين أيضاً "
" ثمة من يرفض ذلك إذاً ؟ "
كان سؤالها متوقعاً ومن فتاة نبيهة مثلها فأومأت لها دون أن
تتحدث والتوى جانب شفتها وكأنها توصل لها رسالة مفادها أنها
ليست راضية عن هذا كي تنجو مما تتوقعه جيداً فقالت ما توقعته
أيضاً وبابتسامة مشككة
" خطيبك إذاً السبب ؟! "
فتنهدت بعمق قبل أن تقول
" بل قريبي وهو المسؤول عني "
فكان رد فهل الجالسة أمامها أن عبست بأسى متمتمة
" آه لابد وأنه عجوز متزمت بالرغم من أن هذا لا يتعارض
مع أفكار أمثاله "
فنقلت نظرها منها ليديها مجدداً تحاول إخفاء مشاعرها
الحقيقية وقالت
" هو ليس كذلك لكن ... لكنه يوناني وأنا إيطالية ويصعب
إقناعه بالأمر بطرق أيسر "
فأطلقت الجالسة أمامها ضحكة أخرى وقالت تلعب أصابعها
بخصلة من شعرها الأشقر اللامع
" لا يمكنني تصور ذلك .. يوناني متزمت ! سيكون رهيباً جداً "
ابتسمت بحزن وأبعدت نظرها للبعيد ولن تستطيع أن تخبرها
بأن الحياة مع ذاك المتزمت العجوز كما تسميه هي النعيم
المطلق بالنسبة لها والتي زوالها وحده ما يدفعها الآن للانهيار .
واستطاعت بالفعل أن تجذب انتباهها وهي تشرح لها عن
مخططها للمشروع ، بل وبددت بعضاً من سحابة الكآبة التي كانت
تشعرها بالدوار والغثيان ، وبعد أن اتفقتا مبدئياً على أغلب النقاط
المهمة فيما سينجزونه قريباً وقفت وشكرتها وصافحتها مغادرة
من هناك بينما اختارت تلك البقاء لوقت أطول في المكتبة
وغادرت هي مبنى الجامعة ووجهتها لندن وليس بريستول ،
ستمضي باقي الوقت في شقتهما وإن كان سيرجع بعد أسبوع فلن
يحرموها من المكان الذي جمعهما وستفقده أيضاً.
*
*
*
Nesrine Nina, ام الانصاري and جولتا like this.
رد مع اقتباس
#12664
قديم 29-03-20, 12:52 AM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
نزل للأرض مستنداً بقدميه عليها وأبعدت يده الأوراق بين
الحشائش القصيرة يحفر التربة الرطبة بأصابعه هامسا
بتمتمات غاضبه
" لن يوقف أحد ما خططت له ولن احرم من الفرصة الأخيرة
لإثبات نفسي في هذا العالم الحقير "
ونفض يده في سترته الجلدية بقوة يخفف من الأتربة التي كان
يشعر بها تحرق الجلد تحت أظافره ونظر للمسدس الشخصي
الثقيل والذي دمج اللونين الأسود والفضي في تفاصيله يمسكه
بيده الأخرى وتمتم بغيط من بين أسنانه
" أنا من سيضع حداً لكل هذا أو سنسافر سوياً لعالم الأموات به "
ودسه في التراب يخفيه بكلتا يديه أنفاسه تخرج قوية متلاحقة
حتى أعاد المكان كما كان سابقاً فلا يجده أحد بعده ولا مصادفة ،
وما أن استوى واقفاً استدار للخلف بسرعة وعقد حاجبيه بقوة
ينظر لصاحبه الخطوات الخفيفة التي أصبحت تقف خلفه أو أنها
كانت تراقبه خلسة ولم يكن يشعر ! قال بضيق من فوره
" ما الذي تفعلينه هنا ؟ "
وبددت جميع شكوكه حين قالت ببرود
" أبحث عنك بالطبع ، متى سنخرج ؟ "
قال والضيق لم يغادر نبرته بعد كما ملامحه
" اسمعي جيداً يا فتاة جدك أمر بعدم خروجك مطلقاً من هنا "
فاحتقنت عيناها بغضب أسود وقبل أن تعلق بأي شيء أو تسأل
سبقها قائلا وإبهامه يشير خلف كتفه
" انتظري فثمة مفاجأة سارة أخرى فهو قرر إرجاعك للمصح
النفسي وتحت حراسة مشددة أيضاً "
" هكذا إذاً ؟ "
كان ذاك فقط ما همست به من بين أسنانها وقال الواقف أمامها
وبإصرار جاد
" سنبطل مخططه بالتأكيد فلن أسمح له بإيقاف مخططاتي "
فارتسم الازدراء الساخر على ملامحها وقالت
" عن أي مخططات حمقاء تتحدث فأنا لا أرى شيئاً أبعد من
أفكار تافهة ستقودك لقتل شقيقك نهاية الأمر لأصبح المتهم
حينها بالطبع "
لوح بسبابته قائلا بضيق
" لا شأن لك بهذا ومن اليوم وصاعداً سأعمل لوحدي ، بل ومنذ
فترة بعيدة فأنا لم أعد أثق بأحد منهم "
نطرت له باستغراب قائلة
" عمن تتحدث ؟! "
" قلت بأنه لا شأن لك "
قالها سريعاً وبضيق واقترب منها حتى بات يقف مواجهاً لها
مباشرة وقال بجدية ينظر لعينيها
" ما عليك معرفته فقط بأن عدونا واحد ويبدو أقرب وأخطر مما
تتصوري ونواياه ليست حسنة مطلقاً "
" ليس ثمة عدو لي كجدك "
قالتها مباشرة وبحقد فقال بذات جديته الغريبة عنه وبصوت
منخفض لازال ينظر لعينيها
" المهم أن تكوني حذرة وسيُكشف كل شيء يوماً ما
لا أراه بعيداً أبداً "
حدقت فيه باستغراب لبرهة قبل أن تهمس بجمود
" هل أفهم ما بك اليوم ؟! "
فتحركت خطواته وتمتم بحنق وهو يجتازها
"جننت .. فقدت عقلي ولهذا سأتصرف كأي مجنون فاقد للعقل "
وابتعد نظراتها المستغربة تتبعه قبل أن تنتقل للفراغ أمامها
بشرود تشوب كل تلك الزرقة الجميلة في عينيها نظرات
الكراهية والحقد تشد قبضتيها بجانب جسدها بقوة وهمست
من بين أسنانها المطبقة بغضب مكبوت
"هذاهو ردك إذاً على من يواجهك بحقيقتك يا ضرارالسلطان ؟ "
ونظرت للمكان الذي كان يحفره نجيب قبل قليل حيث كانت تراه
ولا يعلم وتوجهت نحوه وجثت أمامه على ركبتيها وأبعدت
الأوراق والحشائش ثم أزالت أصابعها التربة المكدسة بشكل
عشوائي وأخرجت المسدس الذي لا يتماشى وزنه الثقيل مع
حجمه البته تنظر له بعينين متسعة من الصدمة .
*
*
*
Nesrine Nina, ام الانصاري and جولتا like this.
رد مع اقتباس
#12665
قديم 29-03-20, 12:54 AM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
حضنت ركبتيها ودفت وجهها فيهما وكأنها ستهرب من واقعها
بأكمله بذلك ! وشعرت بألم قاسي في أطرافها قبل قلبها ما أن
ظهرت صورة والدتها أمامها مجدداً ، بل وآخر مشهد رأتها فيه
وذاك الرجل الطويل شديد دكون الشعر كما العينان صاحب النظرة
القوية الداكنة الغاضبة التي لم تهتم ولا بالنظر ناحيتها والذي
تراه للمرة الثانية فقط في حياتها بعد حفل افتتاح البرج وقد
تشبت جسد والدتها الواهن به ويدها تتمسك بسترته السوداء
كي لا تسقط أرضاً بينما أحاطت ذراعه بكتفيها يساعدها كي تسير
معه مغادران غرفتها في المستشفى وأمام جميع من كانو هناك ،
وملأت الدموع الساخنة عينيها واشتدت أناملها على قماش
بجامتها القطنية تحضن نفسها أكثر وهي تتذكر النظرة الميتة
التي رأتها في عينيها حين رفعت رأسها ووقع نظرها عليها
وكأنها فتاة غريبة عنها لم تعرفها يوماً ..!! كانت نظرة أخرى
قتلتها بها بعد تلك التي رمتها بها وجدها هنا حين دخلا غرفتها
بعد سماعهما صراخها الباكي الموجع المؤلم .
وهذا حالها منذ ساعات تسجن نفسها في غرفتها هرباً حتى من
نظرات جدها قبل أسئلته ، بل وحتى من أعين الخدم ونظراتهم
الفضولية .. وإن لم يكونوا من خارج البلاد ومحاصرين بالعيش
هنا لعلم الجميع بما حدث داخل هذا المنزل البارحة قبل خارجه .
لا شيء حولها سوى صوت الذكريات المؤلمة وضجيج التلفاز
الذي لم تفارقه عيناها منذ وقت تتنقل بين قنواته ومواقع
التواصل في جهازها المحمول تخشى من اللحظة التي سيذاع فيها
الخبر الذي ترفض حتى التفكير في صيغة له ، وكم حمدت الله أن
شيئاً عماّ حدث لم يذكر حتى الآن ويبدو أن أولئك الصحفيين لم
يستهوهم الخبر بعد أن نفته بما فعلت وبعد أن سحب الحرس
الصور منهم وتلقوا تهديداً معتبراً من رجال الشرطه الموجودين
هناك بعد أن تم الحجز على هوياتهم فبات كعدمه بالنسبة لهم ،
لكن مخاوفها لم تخمد بعد فمن كان من مصلحته أن يفتح أعينهم
لما يجري بداية الأمر مؤكد سيفعلها مجدداً وحين تصبح الوجبة
أكثر دسامة ليتناولها الجميع ومجاناً .
ارتجفت شفتاها هامسة بدعاء خافت ورفعت رأسها ونظرت
لهاتفها المرمي على السرير قربها من بين الدموع الراكدة
بسكينة في عينيها فحتى قاسم لم يتصل بها ليحمل خبراً يطمئنها
وإن كاذباً ، ولم تتصل هي به ليقينها من أنه سيفعل ذلك ما أن
يكون لديه أية أخبار لكنها لم تعد تستطيع الانتظار أكثر من ذلك
وقلبها يشتعل وهي سجينة هنا لا شيء بيدها تفعله ، امتدت
أناملها ناحيته ورفعته نهاية الأمر فهي ستفقد عقلها لا محالة
على هذا الحال ، لعبت أصابعها فوق شاشته بسرعة ونعومة
ووضعته على أذنها بعدما اتصلت بمن وحده قد يحمل لها خبراً
يفرحها قليلاً بالرغم من يقينها بالعكس فإن كان ثمة شيء لاتصل
هو بها لكن يبقى لديها أمل ما عالق في قلبها وإن كان ميتاً
فولولا الآمال الميتة ما انتظر أحد شيئاً تفعله المعجزات .
انفتح الخط بعد رنين دام لوقت قصير وانحبست أنفاسها في ترقب
وعلمت بأنه كان يحاول الابتعاد عن تجمع ما ما أن سمعت صوته
الأقرب لها من أصواتهم المتداخلة البعيدة
" نعم يا تيما "
كان صوته مجهداً متعباً وإن تمسك بقوته المعتادة ولها أن تتوقع
أي ليلة تلك التي مرت بهم جميعهم وقالت بصوت ضعيف حزين
تعس
" أريد والدتي يا قاسم "
وعادت الدموع للتكدس في عينيها فهي تعبت من الاختناق في
صمت وحيدة ومن تقمص دور المرأة القوية الناضجة فعند بعض
النكبات ينهار حتى أعتى الرجال وأصلبهم ، وتقوست شفتاها
كطفلة تأذت بعنف ما أن وصلها صوته العميق المتجهم
" سنجدها يا تيما كوني مؤمنة بذلك ولا تؤذي نفسك حبيبتي "
كانت كلماته راجية متفهمة للكلمات الطفولية التي خرجت من
أعماق الطفلة الصغيرة الوحيدة التي لازالت بداخلها .. الطفلة
التي عاشت محرومة من كلى والديها تقريباً ومن والدتها
خصوصاً... التي بكت ونامت وحيدة من دونهما لوقت طويل
والتي تُذكّرها الآن بكل ذلك وبأنها لن تتخطى ذلك ولن تتخلص
منها وللأبد .. الطفلة التعيسة الحزينة الجالسة في أحد زوايا
قلبها حتى اليوم واللحظة لم يستطع أحد إخراجها ولا تحريرها
منها .
خرج همسها الكئيب بما يشبه البكاء معبراً عن حالتها تلك
" فقدتها للأبد أعلم ذلك "
" تيما !! "
كانت لهجته تحذيرية مغلفة بالرقة جعلتها تبلع غصتها بمرارة
وتابع من فوره وبجدية
" لا تقول هذا من تصرفت وفعلت ما فعلتِه كامرأة أفخر بكونها
وإن قريبتي وليس زوجتي "
كان صوته قاسياً وإن لم يكن إلا موبخاً وكأنه يقرأ جيداً ما يحدث
داخلها لكنها متعبة وتشعر بالتعاسة وما يريدونه منها فوق
طاقتها وتحملها ، تحرك رأسها بإيماءة رافضة لا إرادية واختنق
صوتها وقالت بحرقة
" أنت لم ترى ما رأيته في عينيها وكيف رفضتنا بقسوة وكره ..
أنا أعني فعلاً ما أقوله "
واشتدت أناملها على الهاتف فيها ما أن وصلها صوته الحازم
" والدتك تعاني من أمور لازلنا نجهلها ولديها أسبابها بالتأكيد
وهي امرأة راشدة عاقلة ليست طفلة نخشى ضياعها في
شوارع البلاد "
تدلت الدمعة اليتيمة من طرف رموشها وهمست بحزن
" لكن.... "
لكنه قاطعها سريعاً وبذات نبرته الحازمة الواثقة
" ما أن نجدها سنفهم ما يحدث وواثق تماماً بأنه ثمة سبب
قوي دفعها لذلك فهي أعقل من أن تتهور يا تيما .. عليك
أن تكوني واثقة بها "
تنهدت بحزن وخشيت أن تطمئن لما قاله ثم تواجه حقيقة قاسية
تفجعها مما جعل قوى التشاؤم تتغلب عليها مجدداً ولا تفهم قال
ما قاله بسبب غضبها السابق منه في المستشفى أم لأنه رأيه
الفعلي بوالدتها ؟
وترجح السبب الأخير فهي سبق واختبرت شخصيته في جميع
حالاتها وهي شخصياً لم يستطع أن يثق بها بسهولة وكان هذا
أسلوبه ذاته في كل مرة اتصلت به سابقاً حين كان والداها
يتشاجران وتحزن لذلك ، لكن لذلك بعد آخر أيضاً مما يعني أنه ...
قالت بكآبة
" وهذا ما أخشاه أن يكون ثمة ما تسبب به والدي لها "
كان ذلك أصعب اعتراف أدلت به في حياتها وإن بينها وبين
نفسها فكيف في العلن ؟
فأن تبرئ أحدهما معناه أن تتهم الآخر وذاك أصعب أمر مرت به
وتخشى بالفعل أن تقف في اختيار بينهما يوماً ما باتت لا تراه
بعيداً أبداً ، تلك الأفكار جعلت المقلتان الزرقاء الواسعة تسبح في
الدموع مجدداً وانزلق الهاتف على بشرة وجهها ببطء وهمست
بخفوت
" أخبرني إن كان ثمة أي جديد ... وداعاً "
" تيما "
نظرت لشاشة الهاتف في يدها وأعادته مكانه ما أن وصلها صوت
نداءه وتحركت شفتاها هامسة
" أجل "
" تحبينني ؟ "
اتسعت عيناها باستغراب لا بصدمة من سؤاله وتوقيته !
وشعرت بموجة من الخجل الفطري تغلبت حتى على مفاجأتها
بالسؤال ومررت ظهر سبابتها على وجنتها المشتعلة وكأنه
أمامها ويراها وتمتمت بعبوس وصوت رقيق
" قاسم هل تراه الوقت المناسب لهذا سؤال ؟ "
وكان صوته جاداً حين قال
" لو لم أراه مناسباً ما سألت "
لا تعلم لما فكرت لحظتها بالساعات التي جمعتهما في المستشفى
وكل ذاك التوتر الذي جعلهما متباعدان رغم وجودهما معاً وكانت
كلما نظرت لعينه قرأت فيها تلك العبارة المؤكدة
( ثقي بي يا تيما )
لكنها كانت مشتتة مفجوعة ومصدومة وشعرت بالوحدة في مكان
يعج بكل أولئك الحرس والشرطى ورجال الصحافة وحتى الأطباء
بالرغم من وجوده هناك بينهم إلا أن الموقف كان أقوى منها ،
ولا تعلم لما تشعر الآن بأنه عنى تلك الأوقات وإن لم يصرح
بذلك وانتابه الشك حول ثقتها به بل ومشاعرها نحوه ، قالت
أخيراً ً وبعد تنهيدة عميقة
" أنت تعلم الجواب جيداً "
" بل أريد أن أسمعها منك "
كان تعليقه سريعاً وملحاً ويبدو بأنه فقد ثقته بمشاعرها نحوه
أيضاً وهي السبب في ذلك إن كان صحيحاً ، سحبت نفساً عميقاً
آخر لصدرها ودفعته نحو الخارج بقوة وقالت بابتسامة حزينة
" بلى أحبك أكثر من أي شخص في هذا العالم عدا والداي "
ولاذت بالصمت تغرس أسنانها في طرف شفتها المبتسمة بتأنيب
فهو أراد الحقيقة وهي لم تبخل بها عليه ، وكان صوته مبتسماً
حين قال
" يالك من عادلة ! "
فارتسمت ابتسامة خجولة صغيرة على شفتيها وقالت تنظر
لأصابع يدها الأخرى في حجرها
" تلك هي الحقيقة .. أحبهما كثيراً لكني لن أكون سعيدة إن كنت
معهما بدونك "
فساد صمت قصير من جانبه وعلمت بأن كلماتها السبب فيه
فاستغلته هامسة برقة
" أحبك وأثق بك كثيراً "
وشعرت بالارتياح حين وصلها صوت تنهده الطويل وكأنه يخرج
الهواء المسجون في صدره منذ وقت طويل وتمتم بنبرة رجولية
مسترخية
" يالك من نسخة مصغرة عن والدك "
فابتسمت والدموع تملا عينيها بينما ابتعد صوته ويبدو أن أحدهم
اقترب منه يتحدث معه مما جعله يبعد الهاتف قبل أن يقول مجدداً
" نتحدث لاحقاً حسناً ؟ "
فهمست تبعد الهاتف عن أذنها
" حسناً "
وحضنته لصدرها تغمض عينيها الدامعة برفق فهو بالفعل بات
أحد أهم أسباب قوتها وشخص ستضعف كثيراً إن فقدته يوماً ولن
يملأ الفراغ الذي سيتركه أحد فالظروف التي جعلتها تكبر وتنضج
قبل أوانها تعيدها مجدداً طفلة ما أن تفقد مصدر ثقتها وذاك لم
يحدث منذ عرفته والتقت به هنا مجدداً فباتت أقوى بكثير في
مواجهة كل ما مرت به وكان بجانبها دائماً وهذا كل ما تريده
المرأة من الرجل موقف رجولي رائع حين تعصف الظروف
القاسية بها أو بعلاقتهما .
زحفت خارج السرير ودست هاتفها في جيب بيجامتها وهي تفتح
باب الغرفة وتخرج منها ووقع نظرها فورا ً على التي خرجت من
غرفة والدتها هناك فقالت تستوقفها
" هل تناول جدي طعام الغداء ؟ "
وقفت الخادمة ونظرت ناحيتها وقالت بإحترام تجمع يديها معاً "
لا آنستي فهو لم يغادر غرفته "
قالت باستغراب
" لم يخرج أبداً !! "
ونظرت بترقب للتي حركت رأسها بالنفي فتنهدت بأسى وقلة حيلة
وقالت لها ما أن كانت ستستدير مغادرة
" كنت تريدين إعطائي شيء ما وقت عودتي للمنزل ؟ "
وانتظرت التي حدقت فيها بصمت تخفي توترها ببراعة وقد
تذكرت تلك المكالمة وشجعها بأنها لن تتحمل مسؤولية أي شيء
لاحقاً فقالت كاذبة
" لقد كان خطاباً غير مهم آنستي وتصرف الحرس بشأنه وسيتم
تحويله لمكتب السيد في القصر هناك "
فحركت رأسها إيجاباً واجتازتها مبتعدة بينما تنفس تلك بارتياح
وعادت للغرفة مجدداً وكأنها تتوقع استجواباً آخر من التي ابتعدت
خطواتها حتى كانت في بهو المنزل ووقفت مكانها تنظر للذي
أصبح يقف أمام بابه المفتوح ولم يكن سوى صقر فحدقت فيه
بصمت وتعلم مسبقاً ما سيكون تعليقه على أي رد فعل لها
وكالبقية تماماً بأنه عليها أن تكون قوية ، لكنه خان جميع
توقعاتها حين اقترب منها فارداً ذراعيه لها وهو يقول بنصف
ابتسامة
" قلة هن النساء اللواتي يجعلهن الحزن أجمل "
فملأت الدموع الرقيقة عينيها ولم تسطع مقاومة دفء حضنه
الذي كان أكثر ما تحتاج حينها وذراعاه تحتويانها بقوة ، لكنه
أيضاً سرعان ما أبعدها عنه وقال وسبابته تمسح الدمعة الوحيدة
العالقة في رموشها
" مأ أخبار ذاك الأسد الغاضب دجى الحالك ؟ "
حدقت فيه الأحداق الزرقاء اللامعة باستغراب وهمست صاحبتها
ببحة
" هل علم بالأمر ؟! "
أبعد يده عن وجهها وتنهد بعمق متمتماً
" لا لكان تحول لوحش آخر بالتأكيد ، لقد كان غاضباً بشدة ولا
أفهم لما حين زرت المنزل البارحة وصادفته جالس هنا ينتظر!! "
وحرك رأسه وبدا لها مشتت الأفكار وهو يتابع ببرود بينما كان
نظره شارداً وإن كان ينظر لها
" ولن يفوّت ذكائه الحاد بالتأكيد ملاحظة أني كنت أتملص من
الجواب عن الكثير من أسئلته "
وحدق في عينيها الدامعة تراقبه بحزن ما أن سأل باستغراب
" لكن ما عنى بسؤاله إن كانت إبنته فعلاً أم أنجبتها والدتها
من شراع بعد زواجهما ؟ "
فعلقت العبرة في حلقها وحركت رأسها بالنفي عاجزة عن الإجابة
بغير ذلك فبما ستخبره وماذا ؟
بينما راقبت عيناها السابحتان في الدموع حدقتاه التي ابتعدت
عنها لتنتقلا في المكان ما أن قال بجدية
" وأين هو الآن ؟ "
وانتقلت لها العدوى سريعاً ونظرت جهة ممر غرفته قائلة بحزن
" لم أره منذ غادرنا للمستشفى وتركناه هنا ، هو يسجن نفسه
في غرفته منذ البارحة ولم يغادرها "
نظر لعينها بطريقة أرجفتها وقال بتجهم
" لم يخرج ؟ "
حركت رأسها هامسة
" هذا ما أخبرتني به الخادمة فأنا لم أستطع الذهاب له ولا
مواجهته كي لا يرغمني على الاعتراف بما حدث هناك "
فتحرك مجتازاً إياها بينما تبعته هي على الفور وقلبها يرتجف
فلم يعجبها تبدل مزاجه المفاجئ ما أن علم بأن شقيقه ذاك
يسجن نفسه في غرفته وهي خمنت سابقاً بأن ما حدث البارحة
السبب والدليل لديه إن كان كما قال وجده بمزاج سيء وغاضب
البارحة ، لكن بالفعل كيف يجده هو ينتظر هنا بينما وقت عودتها
هي لم يكن موجوداً ليستعلم عنها ! كانت تتوقع غضبه من
كلماتها القاسية ورفضها لهما لكن ما رأته في وجه شقيقه قبل
قليل لا يشبه تفكيرها البتة ففيما فكر ومما هو خائف ؟!
تبعته بخطوات مسرعة تحاول الهرب من أي إجابة قد يصورها
لها عقلها ووقفت خلفه عند باب غرفة جدها وازداد قلقها حين
طرق بمفصل أصبعه عليه وحرك مقبضه وناداه ولم يحب
فهمست تشد يديها بقوة
" قد يكون نائماً أو في الحمام "
كانت تمني نفسها فقط وهي تعلم ذلك جيداً بل وتمنت أن وافقها
الرأي وإن مطمئناً لكنه لم يعلق ولم ينتظر أيضاً بل غادر من
فوره مجتازاً الرواق الطويل ونظراتها الوجلة تتبعه حتى اختفى
عنها وعاد سريعاً وفي يده مجموعة مفاتيح وراقبته بتوتر
مخيف وهو يدخلها الواحد تلو الآخر في قفل الباب حتى وجد
ضالته وانفتحت عيناها على اتساعها من الصدمة وخرجت
شهقتها القوية دون شعور منها حين ظهر لهما الباب الموجود
في الجانب الآخر البعيد للغرفة الواسعة والذي يصلها بحديقة
المنزل وقد كان مفتوحاً على اتساعه بينما كانت هي خالية تماماً
ولا أحد فيها .
*
*
*
Nesrine Nina, ام الانصاري and جولتا like this.
رد مع اقتباس
#12666
قديم 29-03-20, 12:56 AM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
تنهدت بارتياح هامسة
" حمداً لله "
وقالت لمن في الطرف الآخر
" وأين هو الآن ؟ "
وصلها صوت زوجة شقيقها سريعاً
" لقد غادر ما أن استحم وتناول بعض الطعام "
غضنت جبينها قائلة باستغراب
" أين ذهب ؟! "
كانت تنتظر جوابها بترقب لكن محدثتها غيرت مجرى الحديث
قائلة بعرفان
" شكراً لك يا جليلة ... لولا طلبك من زوجك فعلها ما رأيناه
حتى يعثروا على شقيقه "
فتنهدت بأسى ليس فقط بسبب تهربها الواضح من الإجابة عن
سؤالها بل لظنونها المضحكة بأنها من كان السبب وراء إطلاق
سراحه وهي لم تتحدث معه في الأمر مطلقاً ، ولن تستغرب أن
تتوقع زوجة شقيقها بأنها من سعى لذلك فمن الغريب فعلاً أن
يطلق سراحه في غضون ساعات فقط !
تمتمت ببرود
" لم تجيبي عن سؤالي يا عبير "
وكان صوت التنهد الواضح الذي سمعته حينها هو ما كانت
تتوقعه فقالت بإصرار
" هددك بعدم إخبار أحد أعلم ذلك فقولي ما لديك "
" غادر بحثاً عنه "
اتسعت عيناها بصدمة وشعرت بقلبها توقف عن العمل تماماً
بسبب الرصاصة التي صوبتها نحوها سريعاً هذه المرة
وهمست بصعوبة
" بحثاً عن ماذا ؟ "
وكما توقعت تماماً وأكده صوت التي قالت باستياء
" حاولت كثيراً أن أمنعه لكنه لم يقتنع وقال بأنه ذاهب لحوران
الآن وبأنه يعرف كيف سيجده ولن يسمح له بأن يؤذي نفسه "
اشتدت قبضة يدها الحرة حتى آلمتها وقالت بضيق
" ما هذا الجنون ؟ لم يجدوه رجال المخابرات ولا القوات
الخاصة يفعلها هو ؟ هل يريد أن يُسجن بالفعل ؟ "
وبدا صوت محدثتها شبه باكي حين قالت
" لم يصغي لي يا جليلة وتعرفين عناده وعلاقته بشقيقه التوأم "
وسرعان ما تابعت برجاء حزين
" هل يمكنك فعل شيء من أجل.... "
فقاطعتها من فورها وببرود وإن كان داخلها يشتعل غضباً
" لا يمكنني فعل أي شيء يا عبير وليتحمل هو مغبات جنونه ....
وداعاً الآن "
وأنهت المكالمة ورمت هاتفها على السرير بجانبها بحركة غاضبة
وحضنت نفسها واتكأت بجانب وجهها على ظهر السرير وهامت
نظراتها الحزينة حيث السماء المزينة بقطع كبيرة ومتفرقة من
السحب البيضاء الناصعة وشعرت بأنها تشبه عصفور مسجون
في قفص ينظر للحرية بعين الأمل الميت ، فأن تكون سجينة
لجدران غرفة واحدة لساعات أمر لم تعتاده ، كانت ستكون الآن
في إحدى الندوات المسائية للجمعية بعد أن انتهت محاضراتها
في الجامعة وبعد أن ساعدت والدتها في إعداد طعام الغذاء الذي
تناولتاه ووالدتها تستمع لحديثهما الذي يدور وكالعادة حول
بناتهم وعائلاتهم وأزواجهم ففي كل يوم ثمة طارئ جديد في
حياة إحداهن وإن بوقوع أحد أطفالها من فوق سور منزلهم
وكسره ليده ، وما أن ترجع للمنزل ستجد أمامها الكثير لتفعله
من أجل اليوم الذي يليه وليست هكذا جوفاء لا شيء لديها
سوى التفكير في الكارثة التي حلت بهم .
حجبت دموعها الرقيقة كل ذاك الإبداع الإلهي عنها وكم تمنت
لحظتها أن كانت أي شيء آخر لا يوجد لديه قلب ينبض في
صدره .. لا يشعر لا يتنفس ولا يعلم عن أي شيء مما حوله ولا
يحمل أية هموم داخله ، مسحت عينيها مستغفرة الله بهمس خافت
وانتفضت واقفة خارج السرير ما أن سمعت صوت طرق على
الباب ، لم يكن باب غرفتها بل الباب المجاور له وهنا تكمن
الكارثة فهذا الشخص لن يكون زوجها بالتأكيد فإما أنها
عمته أو ابنتها .
دارت حول السرير ولم تستطع فعل أي شيء غيره بينما كان
صوت الطرق يزداد وموقفها السيء يزداد معه فلا يمكنها
الخروج من هنا ولا من هناك ، رفعت غرتها الناعمة للأعلى
بعصبية وتأففت نفساً عميقاً فيبدو أن ذاك الطارق مصمم على أن
يفتحوا الباب له ! وتنفست بارتياح حين توقفت كل تلك الطرقات
المتعاقبة واقتربت من باب غرفتها وفتحته ببطء تنظر من خلاله
وأوقفته مكانه ما أن وقع نظرها على التي كانت تنزل السلالم
ببطء ووصلها بوضوح صوت الطفلة التي لم يكن يظهر منها
سوى قمة رأسها الأسود ويبدو تمسك يد جدتها
" ألن نرى العروس الآن ؟ "
ولم تسمع جواب التي اختفت عنها أيضاً لأن صوتها كان منخفضاً
عكس الصغيرة التي تشبه أقرانها عفويتهم تبدأ في عدم اهتمامهم
بمن يستمع لما يقولون ، وعلمت حينها لما كانت تسمع كل ذاك
الطرق الذي لن تكون جدتها السبب فيه بالتأكيد .
فتحت باب الغرفة أكثر وكما توقعت كان ثمة صينية كبيرة مغطاة
بمفرش حريري جميل ومطرز بالخيوط الذهبية يخفي تحته عدة
أطباق كما يبدو وموضوعاً على الطاولة المحاذية لجدار السلالم
وتنهدت بأسى فهي لم تستطع أن تكون لبقة مع المرأة الأكبر سناً
والتي صعدت بنفسها لتحضر لها الطعام بينما وكما قالت ابنتها
تلك صباحاً هي تملك مطبخاً كالذي تملكانه وليست بحاجة لأن
يكونوا خدماً لديها .
شعرت بالغضب بمجرد تذكر كلماتها وصفقت الباب بقوة ونظرت
سريعاً جهة هاتفها الذي أعلن عن وصول رسالة فتوجهت نحوه
ورفعته ونظرت للأحرف بعينان متسعة وهي تفتحها ليس لفحواها
فقط والذي كان
( أنت أمام خيارين لا ثالث لهما يا جليلة إما أن تأكلي أو أن
تتناولي طعام العشاء معي ورغماً عنك )
ونقلت نظراتها الغاضبة من أحرف رسالته تلك لأعلى شاشة
الهاتف حيث رقم الهاتف الذي لم تخزنه فيه سابقاً والذي أصبح
الآن تحت اسم
( زوجك رغماً عنك )
فعادت ورمته مكانه السابق بعنف فهو يبدو فتشه قبل أن يجلبه
لها من غرفته وعلم بأنها لم تحتفظ ولا برقمه مخزناً لديها ، ولم
تعد تعرف أيهما زاد من غضبها ناحيته فهو لم يخجل ولا من أن
تعلم عمته بأنهما ينامان في غرفتين منفصلتين ! وكان عليها أن
تتوقع ذلك وهي تصعد لها بالطعام في غير أوقاته المعتادة !!
وكان عزاءها الوحيد أن تكون اعتقدت بأنها في الحمام أو نائمة
بالرغم من أن طرقات حفيدتها تلك كفيلة بإيقاظ الأموات .
كتفت ذراعيها لصدرها وأشاحت بوجهها بعيداً عن صوت الرنين
الذي خرج ملحاً من هاتفها فسيكون هو بالتأكيد ولن تجيب ، لكن
لما يرسل رسالة إن كان سيتصل ؟
اقتربت منه ورفعته ونظرت لشاشته فهو لن يراها من خلاله
على أية حال ، وكما توقعت لم يكن هو بل غدير فقد تبادلتا أرقام
الهواتف بالأمس وتذكرت حينها فقط بأنها لم تتصل بها فهل
تجهل ما حدث مع قائد ؟!
فتحت الخط ووضعت الهاتف على أذنها لتقطع الشك باليقين
ووصلها الصوت الرقيق القلق سريعاً
" جليلة مؤكد تعلمين بما حدث ؟ "
فانفرجت شفتاها وتصلبتا في عجز عن إصدار أي تعبير وقالت
من في الطرف الآخر برجاء آسي
" جليلة تحدثي لا يكون جوابك الصمت "
قالت متلعثمة
" ما ... من أخبرك ؟ "
" القضية الآن ليست في من أخبرني بل في الكارثة التي ستحل
على رأسي "
انهارت جالسة على السرير خلفها وقالت بخوف مما تخفيه
المصيبة التي قد تكون حلت بهم أيضاً
" أي نوع من الكوارث تعنين وما علاقتك أنت ؟! "
فانطلق الصوت الأنثوي في الطرف الآخر من فوره وكأنه زر
تشغيل ينتظر من يلمسه
" لقد تم استدعاء جميع العاملين معه في مكتبه في أرياح
وصيباء وفزقين والحميراء وحتى مكتب بينبان وتم استجوابهم
بشأن اختفائه فقط والدور سيكون عليا قريباً يا جليلة "
" ماذا ؟! "
اتسعت عيناها بصدمة وهي تهمس بتلك الكلمة اليتيمة وقالت
محدثتها من فورها
" هل نسيت بأنني نائبته ومديرة مكتبه هنا ؟
سيجن والدي ويقتلني شقيقي إن حدث ذلك وأنت تعلمين
حساسية الأمر في مجتمعنا "
شعرت بالاختناق من مجرد التفكير في الأمر وظهر ذلك جلياً
في صوتها وكلماتها المشتتة
" لكن أنا ... أنت.... "
وأخرستها تماماً حين قالت ما يبدو أنها تعده سلفاً
" جليلة الحل الوحيد لديك "
فحدقت في الفراغ بصدمة هامسة
" أي حل هذا الذي لدي ؟ "
قالت تلك من فورها
" زوجك "
أمسكت جبينها بأصابعها تنزل رأسها وتأففت نفساً طويلاً ، فلما
يعتقد كل هؤلاء بأنها امتلكت عصاً سحرية بزواجها هذا وسيكون
بإمكانها تلبية ما يتمنون بها ؟
رفعت رأسها وغرتها التي تدلت على وجهها وتركت أصابعها
فيها وقالت
" وما الذي سأفعله بربك يا غدير ؟
أطلب منه أن يستوجبني أنا بدلاً عنك "
" ليس وقت مزاح هذا يا جليلة "
كان صوتها متضايقاً وحالها هي لم يكن أفضل منها وقد قالت
بذات النبرة وهي تخرج أصابعها بعنف من غرتها
" آخر ما قد أفكر فيه الآن هو المزاح "
وسرعان ما عادت وقالت ومن قبل أن تتحدث تلك وكأنها
استفاقت للتو لتلاحظ ذلك
" لكن غدير أخبريني من هذا الذي أخبرك بأنه ثمة أمر آخر
غير اختفائه !
ولما يتم استبعادك حتى الآن ؟ "
قالت تلك من فورها " لا أعلم لا أعلم ... ما أعلمه بأنه عليك
إنقاذي ووظيفتي التي أحب وسأخسرها للأبد فلن يسمحوا لي
بدخول مكتبه مجدداً "
انحنى كتفاها وتمتمت بعبوس
" لا أجزم بأنه يمكنني مساعدتك "
قالت تلك من فورها
" ولماذا يا جليلة ؟
هو طلب صغير من زوجك ولن يرفضه وأنت زوجته
ولازلت عروس "
فتنهدت بأسى وصمت ، لما لا يعون حجم المأساة التي تعيشها
الآن ؟ فأي عروس نحس هذه التي حلت عليه وعلى نفسها ؟
استغفرت الله بهمس وقالت متهربة وأصابعها تشتد
على الهاتف فيها
" هو ليس هنا ولا يمكنني الاتصال به فسيكون مشغولاً
ولن يجيب "
وأغمضت عينيها متنهدة بضيق ما أن وصلها صوتها الملح
" أنت فقط حاولي ولن يتجاهل اتصالك وليأتي أي شخص
وإن هو لمكتبي ويسألوني عما أرادوا "
" غدير !! "
كانت صدمتها بعبارتها تلك أقوى من أن تمنع نفسها من تحذيرها
بتلك الطريقة وإن كانت تعذر خوفها وحالة الاضطراب التي تمر
بها فزيادة عن مصيبتها منفصلة ستكون قلقة بالتأكيد بشأن قائد
وما حدث وسيحدث معه ... لا بل سيكون قلبها متأذياً بسبب ما
فعل وهي يبدو تعلم جيداً عن مشاعره ناحية ابنة خالتهم تلك وقد
اجتمعت المصائب عليها الآن ولن تصمد المرأة القوية بداخلها
أمام كل هذا ومهما كانت ، أم أنها تعلم سبب اختفائهما وما حدث
وما تريده غسق منه لهذا كان تفكيرها منصباً على سلامتها هي
لا سلامته ؟!
يا إلهي كم سيتحمل قلب هذه المرأة من صدمات تواجه كل هذا
وحيدة وبقلب جريح ؟ لكنها عاجزة أيضاً عن مساعدتها ولا شيء
بيدها تفعله لها ، وصلها صوتها المتفهم والمستجدي ذات الوقت
" أعلم بأنه طلب سخيف بالنسبة له ولك أيضاً لكنك الوحيدة
القادرة على إنقاذ مستقبلي ووظيفتي فلك أن تتخيلي حجم الكارثة
وأنا أخرج مع رجال الأمن وأدخل مبناهم أمام العيان في
العاصمة هنا "
نظرت لأصابعها التي كانت تشدها بقوة في قبضة واحدة تريحها
في حجرها وقالت بما يشبه الهدوء قليلاً
" لن يكون في صالحك أن تخضعي للتحقيق وهم غافلون عنك
حتى الآن على ما يبدو ، فلما تفتحي تلك الأبواب على نفسك ؟ "
قالت ذلك تذكرها بما تعلمه هي ويجهله الجميع ولعلها أيضاً تعذل
عن فكرة إقحامها في الأمر لكن أملها ذاك مات ما أن قالت التي
نسيت بأنها درست المحاماة وامتهنتها
" لن أفترض ذلك .. ولست أعلم أكثر مما يعلمون هم ولن
يخرجوا مني بشيء ويمكنهم التأكد من ذلك بسهولة "
فتنهدت بأسى ولاذت بالصمت بينما قالت من في الطرف الآخر
بلمحة أمل
" هل ستتحدثي معه يا جليلة ليأتي ؟ "
" لا "
قالتها مباشرة ودون تفكير وكأنها تركت قلبها يتحدث نيابة عنها
فإن كانت تمر بظروف سيئة فوضعها هي ليس بأفضل منها ،
وتوقعت جميع ردود الأفعال منها، إلا ما قالته حينها وببرود
" سحقاً لغيرة النساء "
فاتسعت عيناها بصدمة وقالت محذرة
" غدييير .... "
وأتاها ردها سريعاً وبضيق أيضاً
" وما الذي يمنعك إذاً من طلب ذلك منه ؟
وهل ثمة امرأة لديها زوج مثله لا تغار عليه أم أنك
لستِ منهن ؟ "
اشتدت أصابعها على الهاتف فيها بقوة وقالت بضيق
" إذاً أجل أغار عليه منك ولن أسمح له بدخول مكتبك ولن
أطلب ذلك منه "
وعادت ورمت الهاتف مكانه السابق ما أن فصلت الخط عليها .
*
*
*
*
*
*
دس هاتفه في جيبه وابتسامة خفيفة تزين شفتيه والتفت ناحية
الواقفان حول طاولة المكتب النصف دائرية الكبيرة وقد توقفا
عن الحديث لحظتها بينما ضيق بشر عينيه المحدقتان به متمتماً
بضيق
" أراهن على أنه لا يفعل شيئاً سوى مراقبة مكالمات زوجته
ليعلم ما الذي تقوله عنه "
تحول نظر قاسم له بينما ضحك هو واقترب منهما وقال الذي دار
حول طاولة المكتب ليكون معهما وبشيء من الضيق
" ياله من مزاج هذا الذي يجعلك تضحك ونحن نمر بما
نمر به ؟ "
نقل نظره بينهما وقال
" هل قرر العودة اليوم ولم يمدد ؟ "
قال الذي وقف مواجها له تماما ً
" بل وطائرته نزلت قبل لحظات وستُعلق مشنقتك في وسط
العاصمة أمام العامة ما أن يصل هنا يا رجله الأول "
فبادله النظرة بواحدة مستفهمة ونظر ناحية الواقف عند الباب
يدس يديه في جيبي بنطلون بدلته العسكرية وقال
" ليشددوا المراقبة حول شقيقه فهو متجه هنا لحوران الآن كما
نعلم وأريد من يستجوب مديرة مكتبه هنا في العاصمة في مكتبها
وليخضعوا رقم هاتفها للمراقبة أيضاً "
أومأ له الواقف هناك برأسه وما أن استدار ليفتح الباب أوقفه
صوت بشر الجامد جمود الجدران المتسعة حولهم
" لا داعي لكل ذلك ... أوقفوا كل شيء "
وما أن حدق فيه عمير باستغراب وقبل أن يتحدث رفع ورقة ما
كانت على طاولة المكتب قربه ومدها له قائلا
" وصلت هذه وأنت منشغل بهاتفك "
نظر لها باستغراب في يده ولم يستطع أن يتكهن شيئاً من الأختام
الموجودة فيها والتي لمحها أسفلها كما في الظرف الورقي
المغلق الذي كانت موضوعة فوقه وتركه على المكتب فأخذها
منه بحركة سريعة ونظر لها لتتسع عيناه ما أن قرأ أول أسطرها
وارتفعت نظراته المصدومة لهما وقال بعدم استيعاب
" المحكمة العليا للقضاء ؟! "
وزاده الجرعة وقد أشار له عليها ونبرته كما ملامحه تشبه
جثمان رجل دخله الموت للتو
" اقرأ اسم المدعو للمثول أمامهم "
*
*
*
ما أن وصلت شوارع لندن وجدت نفسها ودون شعور منها
تتوقف بسيارتها عند الجسر الذي زاره سابقاً معاً وكان من
اختيارها ، وبالرغم من أن الظلام بدأ يسيطر على المكان فتحت
باب السيارة ونزلت منها وتحركت خطواتها ناحية أعمدته
الحديدية العالية ووقفت في المكان ذاته وتحضن العمود ذاته
تنظر بحزن لمياه النهر وأضواء المباني المنتشرة على ضفتيه
كالنجوم فهنا وقف خلفها وحضنها .. وكاد يسقطها في النهر فقط
ليسمع اعترافها بحبها له .. حملها وركض بها وملأت ضحكاتها
السعيدة المكان ، وهنا ولدت أحلامها وسمحت لها بخداعها
وصدقت بأنها لن تموت .
ملأت الدموع عينيها وأغمضتهما ببطء وابتسمت بمرارة تتذكر
ذاك اليوم وبجميع تفاصيله وتمنت مجدداً وبمرارة وفي مرة
ليست الأولى ولن تكون الأخيرة بالتأكيد أنها لم تغادر بلادها لم
تلتقي به مجدداً ولم تراه .. بل ولم تعرفه أبداً في حياتها ومر
الوقت وهي واقفة مكانها تبكي كل تلك الذكريات التي حُرمت حتى
من شعور السعادة وهي تتذكرها كما كانت دائماً بل وستضاعف
من آلامها ومآسيها كلما حدث هذا مستقبلاً .
مسحت عينيها بقوة وجلست أسفل الرصيف تسند ظهرها بسياجه
البارد وحضنت ركبتيها ودفنت وجهها فيها ولا شيء سوى
الصمت والكآبة فحتى دموعها تبدو جفت وانتهت وحرمتها من
التعبير عن دواخلها بها! .
ولم تشعر بأي رغبة في مغادرة المكان حتى بدأ صوت السيارات
المسرعة على الطريق يخف تدريجياً فوقفت حينها وتركت آخر
أحلامها حيث استنزفتها وسلبتها باقي قواها لمواجهة أي شيء
وحتى نفسها ، وحين وصلت الشقة وفتحت بابها ودخلت كانت
منهكة حد الإعياء وكأنها لم تنم لأشهر .. لم تجلس لم تستلقي
ولم ترتاح !
فهل حَمل الهموم الثقيلة يفعل كل ذلك ؟!
أهي حسية لهذه الدرجة فتشعرك بمعاناة حملك إياها !!
لما لم تكن تشعر بكل هذا سنوات حياتها الماضية بدونه وبالرغم
من كل ما عانته وأقساه نظرات الناس واتهاماتهم وفراقه الذي
ترك روحها خاوية ضعيفة ؟!
وشعرت بتبخر ذرات تلك الطاقة الإيجابة التي اكتسبتها من
انشغالها مع كيم في المشروع الذي تركت له حرية التحكم في
أفكارها طوال الطريق إلى هنا والوقت الذي قضته عند الجسر
ونجح في أن يكون ملاذاً لها من همومها لبعض الوقت لكن كل
شيء انتهى هنا للأسف .
لم تشعر بالطريق طويلة وبعيدة كما هو اليوم حتى أنها لم تقد
السيارة بسرعة بسبب الصداع الذي كانت تشعر به ولم تشعر
بالراحة إلا وسيارتها تتوقف عند الجسر ولم يعد يمكنها تخمين
الوقت الذي وصلت فيه الآن ولم تشعر بالرغبة في النظر
لساعتها ومعرفته ، أغلقت باب الشقة وتقدمت خطواتها داخلها
بينما كانت نظراتها الدامعة تتنقل في تفاصيلها وشعرت وكأنها
أيضاً لم تدخلها بالأمس بل منذ أعوام ..! وعلمت بأن خسارتها
لكل هذا لن تكون بالأمر الهين فأن لا تحصل على الشيء البتة
أهون مئة مرة من أن تمسكه في يديك تم تفقده .
ضمت قبضتها لصدرها وأغمضت عينيها بقوة وانحبست
دمعتها بين رموشها المطبقة كقضبان سجن حديدي محكم
وتقاطعت أنفاسها وكسر الألم قلبها ... كانت تستنشق عطره
تتذكر حضنه وتسمع صوته وكأنه هنا تراه بالألم الذي يعتمر في
قلبها .. بعشقها له وبجنونها المتيم به ، وفارقت الدمعة اليتيمة
ذاك السجن الواهن رغم قوته وشعرت بالحنين له وبعظم
الإحساس بفقدانه منذ الآن ومن قبل أن تفقده فعلياً .
انفتحت عيناها ولم تستطع مقاومة أوامر جسدها وهو يستدير
ودون شعور منها ما أن دار قفل الباب ببطء وانفتح وتوقفت
أنفاسها تماماً ما أن ظهر أمامها صاحب الملابس السوداء يمسك
حقيبته على كتفه وملأت الدموع عينيها وتقاطعت أنفاسها ما أن
أنزل يده والحقيبة فيها بينما ارتسمت ابتسامة مائلة على شفتيه
حين قال
" هذه أول مخالفة لأوامري ماريا " .
*
*
*
Nesrine Nina, ام الانصاري and جولتا like this.
رد مع اقتباس
#12667
قديم 29-03-20, 12:59 AM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
*
*
*
شدت أصابعها بتوتر وضربات قلبها ترتفع بشكل جنوني أحمق ما
أن سمعت صوت باب المنزل يُفتح حيث كانت واقفة خارج باب
المطبخ تنظر للمكان الذي سيدخل منه فهو لم يرجع منذ خروجه
فجراً وها قد شارفت الشمس على المغيب وخشيت بالفعل أن
يتأخر اليوم أيضاً ويقتل قلبها انشغالاً عليه ، وملأت الدموع
عينيها الحزينة ما أن مر متجهاً ناحية الغرفة الوحيدة في المكان
ودون أن ينظر ناحيتها وكأنها والجدران سواء !
وارتجف جسدها ما أن ضرب باب الغرفة بقوة ورائه مما جعل
الدموع تتقاطر تباعاً من عينيها وأخذتها خطواتها ودون تفكير
ناحية الباب المغلق وضربت عليه براحة يدها قائلة ببكاء
"يمان أرجوك استمع إلي على الأقل واتركني أحكي لك ما حدث "
لم يعد بإمكانها الالتزام بأوامره والصمت أكثر من ذلك وعليها
التحدث وقول الحقيقة وإن لم يتحدث هو ، وذاك ما حدث حين
طال صمته في الداخل فقالت ببكاء ويدها تلامس خشب الباب
القديم المتشقق
" يمان أنت تعر.... "
وبترت جملتها بسبب صوته الصارخ من الداخل
"أصمتي يامايرين وغادري من هنا أو تركت لك المنزل ورحلت "
فتراجعت للخلف دون شعور منها تمسك عبراتها بيدها بسبب
رفضه القاسي لسماعها بل وللنظر لوجهها وها هي نهاية
وجودها هنا معه باتت تراها أقرب مما كانت تتخيل ، وذاك ما كان
يسعى له بالفعل وصدقت ظنونها ولم يمنع ذلك سوى رقم هاتف
مطر الذي أعطاه إياه سابقاً والذي كان يجده مقفلاً كلما حاول
الاتصال به يجهل بأن صاحبه خارج البلاد بأكملها ، ولأن
إنسانيته لا تسمح له بأذيتها وبأي طريقة كانت ورجولته ترفض
أيضاً أن تهان بتلك الطريقة التي تعرض لها فالحل الأنسب أمامه
هو الإبتعاد عنها ومن ثم إبعادها .. وما فعلته به وخداعها له
سيترك لخالقهما مهمة محاسبتهما عليه .
ارتجف جسدها بقوة لكن بسبب باب آخر هذه المرة ونظرت خلفها
حيث صوت باب المنزل الحديدي يضرب بقوة ونظرت سريعاً
للذي فتح باب الغرفة وخرج منها واجتازها متجاهلاً لها وقد تبعته
خطواتها بعد برهة واقتربت من جدار الحمام تمسح دموعها من
وجنتيها بينما سمعها كان منصباً على ما يجري هناك عند الباب
ولا تراه ، وارتفعت يدها لصدرها بخوف ما أن فتحه وقال بعد
صمت قصير
" مرحباً أويس .. هيا أدخل "
وملأت الدموع عينيها دون شعور منها وارتجف جسدها وهي
تتذكر ما حدث وكيف جلبها إلى هنا وما قاله وخشيت أن يكون
هنا فقط لينتقم منها أكثر وعلى طريقته ، وما زاد خوفها
واضطرابها صوته الأجوف حين قال
" لا حاجة لأن أدخل ، لقد جئت لأمر مهم يخصك "
فتعالت ضربات قلبها واقتربت خطوة أخرى ولازالت ملتصقة
بالجدار خشية أن يخفض صوته وهو يتحدث ولا تسمعه وكل ما
تخشاه أن يكون الأمر يخصها هي وتنتهي ليلتها في الشارع هذه
المرة ، لكن توقعاتها أو مخاوفها تلك خانتها هذه المرة لكن
الصدمة كانت أيضاً أكبر مما تتخيل حين وصلها ذات ذاك الصوت
الأجوف قائلاً بكآبة هذه المرة
" زوجة والدك قتلت ووالدك اعترف بقتله لها "
فلم تستطع لا هي ولا يدها أن تحجب شهقتها المصدومة
لما سمعت .
*
*
*
*
*
*
قلّب رقعة الشطرنج بين أصابعه ونظراته تراقب تفاصيلها بوجوم
حزين وصوت الأمواج المصطدمة بالصخور الضخمة وحده ما
يشرح تفاصيل ذاك المشهد للرجل الجالس فوق الصخرة العالية
ترمي أنوار الأعمدة القريبة نورها الباهت عليه وسط الظلام
الكئيب الموحش .
( الملك ) الرقعة الأعظم والأهم في لعبة الذكاء الأولى .. لقب
حمله لأعوام وبلغات مختلفة يسمعه من الكثيرين وهذه القطعة
الذهبية كانت هدية جده له في حفل تخرجه وكانت ما يشعره
بعظمة ما وصل له كلما نظر لها لكنها اليوم لا يراها تساوي
حجمها الخشبي الحقيقي ، ليس في طريقة نظره لها فقط بل وفي
حقيقتها داخله وحقيقته التي تمثلها ولا تتعدى الحزن والمرارة
في مقلتيه السوداء المحدقتان بها الآن فهو لم يكن كذلك يوماً ..
حقيقة سقطت القشور الزائفة عنها فور أن فكر في البحث عن
الإنسان الحقيقي داخله والذي يمثله وحده فقط وليس ذاك المثالي
في أعين الجميع كما يرى هذه الرقعة أمامه الآن ليصل للحقيقة
المفجعة وهي عجزه عن إيجاده مجدداً وضاعت هويته الحقيقية
داخله وازداد شعوره الغريب بالضياع وبات لا يعرف نفسه !
لا إسمه ولا ماضيه !
وضاع حاضره وكره مستقبله .. المستقبل الذي لن يجد نفسه
فيه أيضاً وسيتخبط بينه وبين الماضي الذي سيمثل حاضره
اللحظة ما أن سيصله وسيرجع لذات النقطة مجدداً ..
للفراغ للوحشة ولشعور الفشل المؤلم في غمرة ما سيراه
الجميع نجاحاً عظيماً يستحق التصفيق له والوقوف بفخر .
وكل ما يراه الآن في ذاك المحامي الناجح هو بقايا رجل فاشل
يجاهد للبحث عن نفسه من جديد فيعود ويفشل ويعجز أمام ذات
النقطة وفي كل مرة
( عشق امرأة ليست ولن تكون له )
حقيقة مفجعة قلبت موازين حياته بأكملها .. ماضيه حاضره
مشاعره وحقيقته بأكملها ، حقيقة يؤلمه محاربتها أكثر من ألم
التفكير فيها ، حقيقة هي عين الحقيقة ذاتها والسبب الأساسي
ونقطة العودة لتفسير كل ما يمر به .. ولم يكن ليتخيل يوماً بأن
يفعل به ذلك كل ما فعل لتحطمه مشاعره من الداخل والخارج فلا
تترك له ولا واجهة زائفة ودور للرجل القوي ليتقمصه أمام
الجميع مخفياً دواخله خلفه ، امرأة علّمه عشقه الممنوع لها
معنى جهاد النفس وحرب الذات والقبول بالهزيمة دون نقاش ولا
احتجاج .. معنى التنازل حد الإفلاس والتضحية دون مقابل ولا
تفكير ، والأسوأ من كل ذلك هو حرمان النفس وإقناعها بذلك
وبأن نيل ذاك الحب هو المستحيل الذي لا يقبل التغيير أبداً ليموت
في كل مرة يراها فيها أمامه يسمع صوتها وأنفاسها ويشعر
بنعومتها التي تحرقه كالسعير .
يمكنه وبكل سهولة أن يركب طائرة خاصة ويسافر حيث يشاء
ويشتري ما يريد وبأي ثمن كان لكنه عاجز تماماً عن شراء
سعادته الحقيقية وبكل ما يملكه من مال وهو حضن امرأة وحبها
وعشقها وإن لم تبادله إياه فقد بات يتمنى لو فقط يمكنه امتلاكه
لوحده وحق ممارسته .. للحقيقة الوحيدة لتلك السعادة التي باتت
ترفض أن ينالها أكثر من رفضه لها ليعيش محروماً يحارب نفسه
يمنعها حتى من تذكر ملمس شفتيها الذي اختبره مرغماً .
ارتفعت حدقتاه لعرض البحر الأسود وهامت فيه بحزن يشعر
بالضيق في داخله بقدر ذاك الاتساع أمامه وتسللت يده تحت
سترته جهة النابض وسط أضلعه وقبض عليه بقوة وتألمت
ملامحه بسبب الألم الذي كانت تسببه أصابعه وأغمض عينيه
وترك كل انتباهه لصوت الأمواج الغاضبة وابتسم بسخرية
ومرارة يتذكر المكالمة التي سمح لصاحبها أن يقطع خلوته قبل
قليل وندم بعدها وقرر أن يغلقه نهائياً ولا يكررها وكانت والدة
رواح التي تركت بكلماتها وصوتها المتوتر صداعاً في رأسه
لوقت طويل .
" جمانة تسجن نفسها ولم تخرج ولم تتناول شيئاً وأخشى أن
مكروهاً أصابها فتعالى بسرعة لا ينقصك مشكلات أكثر مع جدك
يا وقاص فمزاجه مشتعل للغاية وقد تشاجر مع نجيب شجاراً يبدو
عنيفاً جداً جعله يغادر المنزل غاضباً وأمر بمنع زيزفون من
الخروج من المنزل كلياً "
" وقاص تكلم هل تسمعني ؟ لا نريد لزوجتك ولا شقيقك أن يؤذيا
نفسيهما فتصرف بسرعة "
" وقاص ما بك ؟ لما لا تتحدث "
كان ذاك فقط فحوى المكالمة القصيرة بحجمها الكبير جداً والتي
انتهت بأن قطعها دون أن يتحدث فوقاص لم يعد يجدي لذاك
الدور ولا حلول لديه ليقدمها للغير ويعجز عن منحها لنفسه وقد
انتهى تحت حذاء امرأة وخلف قضبان مشاعره المجنونة بها
وسقطت مملكته العالية وانتهى من الوجود منذ أن تيقن من أنها
ليست له ولن تكون .. لن يشعر يوماً بدفء حضنها ولن تعرف
أضلعه ملمس وجنتها الناعمة وثقل رأسها .. لن تبتسم له بعاطفة
امرأة عاشقة ولن تخبره بأنه الرجل الوحيد الذي تحب ويرى ذاك
في عينيها من قبل أن تنطق به فمات وقاص ومات الحلم الذي
يمنع نفسه من مجرد السفر إليه في صحوته قبل منامه .
نظر لرقعة الشطرنج في يده مجدداً وابتسم بسخرية .. لا بل
بمرارة فقد سقط الملك كنهاية كل لعبة ومهما طالت وانتهى كل
شيء ، وقف على طوله ورفع يده عالياً ورماها بقوة في مواجهة
الريح القوي البارد لتهوي حيث الأمواج المتكسرة على الصخور
العالية وتوجه لسيارته المتوقفة قريباً منه وغادر من هناك .
بينما ثمة من كان يحاول منذ لحظات الاتصال به ولم يستطع
الوصول له وقد دس هاتفه في جيب سترته متأففاً وصعد عتبات
السلالم ينظر للساعة في معصمه فالوقت تأخر وسيسبب له
والدها مشكلة إن بقيت على عنادها ولم تجب على اتصالاتهم ،
وبما أن ابنه ركب طائرته منذ يومين وعاد لمشروعهم في تلك
الجزيرة تاركاً كل شيء ورائه ودون أن يهتم فسيكون عليه
وحده مواجهة الحفيد العنيد الجديد ليحاول أن يفهم منه على الأقل
ما الذي يحدث بينه وبين زوجته ويمنعه من التصرف بجنون .
وما أن اجتاز الباب الزجاجي كان في بهو المنزل الواسع والشبه
مظلم عدا عن الأضواء المعلقة على الجدران المتباعدة بسبب كبر
حجم المكان ومر بمكتبه ووضع بعض الأوراق فيه قبل أن يتوجه
لجناحه الخاص ودخله يفك ربطة عنقه بملامح متضايقة وكأنها
تخنقه ، وما أن وصل باب غرفته وأدار مقبض الباب المغلق
وفتحه ووقف مكانه ينظر بحاجبين معقودان ونظرات مستغربة
للتي كانت تقف عند خزانة الغرفة الضخمة تكتف ذراعيها
لصدرها .. من لم تدخل جناحه مسبقاً ولم تدخل غرفته !
وقد استوت في وقوفها مقابلة له ما أن تقدم خطوة نحو الداخل
وقال بجمود يشبه ملامحه الصخرية
" ما الذي تفعلينه هنا ؟ "
وحين لم يصله رد سوى الابتسامة الساخرة القاتلة التي تزين
شفتيها قال بجمود
" هل قررتِ أخيراً وبعقل أن تقدمي مصلحة شقيقك على
أفكارك السوداء ؟ "
ازدادت ابتسامتها الساخرة تلك اتساعاً وهمست
" سوداء !! "
فاشتدت قبضتاه بجانب جسده وقال بحدة ظهرت في صوته
كما ملامحه
" أجل سوداء تشبهك تماماً فلست سوى تمثال لامرأة حسناء
فقدت كل معنى لذاك الجمال لأنها ميتة "
فرفعت رأسها وارتفعت معه ضحكتها الأبعد تماماً عن معاني
المرح وكأنها تخبره بأن استخدام أسلوبها السابق معه في
مهاجمته بعيوبه ورأيها به ليس سوى أسلوب أطفال هزلي
مما جعل نظراته الغاضبة تشتد في مواجهة عينيها التي حدقت
به مجدداً وهمست بحقد
" عليك أن تهنئ نفسك بهذا "
" بل أنت وحدك السبب فيما وصلت له "
قالها مباشرة وبنبرة جامدة قوية بينما قابلت هي ذلك بلامبالاة
وقد كتفت ذراعيها لصدرها وقالت بابتسامة جانبية
" حسناً جداً .. سوف أسألك سؤالا صغيراً ولست أحتاج أن
أطلب منك الصراحة في الإجابة عليه "
نظر لها بصمت ولم يعلق وتابعت هي مباشرة تنظر لعينيه وقد
بدت لهجتها أكثر جدية هذه المرة
" إن كنت في خيار بين أن تقدم أحدنا نحن حفيداك للسجن .. بل
للقصاص بالموت كما ستحكم المحكمة بالطبع فمن ستختار ؟ "
كان جوابه الصمت ينظر فقط لعينيها ويعلم بأنها لا تلقي أسئلتها
عبثاً وليست هنا لذلك أيضاً وقد قالت بسخرية دون أن
تنتظره أكثر
" هل ستكون أنا من ستضحي بها يا ابن السلطان لتبقي
حفيدك ؟ "
" أجل "
كان جوابه مباشراً وصريحاً كما وصفته وتوقعته لكن شيئاً في
ملامحها الساخرة ألا مبالية قد تغير وكأنها موقنة تماماً من جوابه
ومن أنه لن يجاهد لإخفائه بينما تابع هو هذه المرة دون أن
ينتظر تعليقها وبلهجة قاسية
" أنت وهبتك الفرصة للحياة ومراراً لكنك لم تستغلي ذلك ولم
تستحقيه فمن حقه أن ينال هو ما لم يكن مجدياً لك "
" ندمت يا ضرار السلطان ؟ "
قالتها بسخرية بينما عيناها ونظراتها كالعادة لا تنطقان سوى
كراهية وحقداً أسود مخيف وأدارت يدها خلف ظهرها وأخرجت
المسدس الذي تخفيه في حزام بنطالها الجينز الضيق ورفعته
أمام وجهه تمسكه بكلتا يديها قائلة
" وأنا سأحقق لك ذلك ، سأقدم عنقي لحبل المشنقة وبروح
معنوية عالية أيضاً ، لكن ثمة من عليه أن يغادر المكان معي
لتكتمل العدالة الكاذبة ... وهو أنت "
وزينت شفتيها ابتسامة الموت كما تستحق تسميتها تغذيها
الأحداق الزرقاء المشبعة بالحقد تنظر لعينيه الساكنتان تماماً
بجمود وضغطت سبابتها الزناد دون أدنى تراجع أو تفكير ..
ودوى عالياً صوت الرصاصة التي استقرت في قلبه تماماً كالنصل
المسموم وجعلت جسده يجثو على ركبتيه وعيناه شاخصتان فيها
بصدمة قبل أن يسقط أرضاً .
المخرج :
بقلم / طعون
الخاطرة على لسان زيزفون ..
أما لأوجاعي من نهاية ؟
ألم يحن وقت الأفول ؟
تالله أكاد ألفظ داخلي من شدة الألم
أكاد احفر صدري و اجتث قلبي
أكاد أمزق أوردتي
يا لجزعي .. و آهٍ ألف آهٍ لقهري ..
لم تعد تشرق شمسي ..
و لم يعد ينير قمري ..
لقد اعتمت أنجمي ..
أصبح ليلي عتيم ..
حالك يوقع الوحشة بقلبي ..
لم يعد لفجري روح
و لم يبقى لصبحي نسيم ..
فما آن الوقت لأرتاح ؟
لقد قادوني إلى الجنون بأعين مفتوحة ..
أشعر و كأن هناك من يقضم عقلي ..
يلعب به و يعيث به فسادًا ..
هل حقًا جننت أخيرًا ؟
ألن اشعر بعد الآن ؟
يا للروعة ..
ففي النهاية .. لم يكن الجنون سيئًا بقدر
ما تصورت ..
فـ مرحبًا بجنوني ..
***********
بقلم/ لووليت
ماريا لتيم
يسألني التفهم !!
و أنا اكون ...
إحدى ملكات الكون في فلكك تهيم
أنثى أعياها السكون
طفلة مدللة تهواك بجنون
أنثى تحاول إختطافك عن كل العيون
تلميذة علمتها أن تردد الآه والشجون
أنثى تحارب للحصول على قلبك الحنون
أنثى تسعى لضمك بحنان وتطبق عليك الجفون
أنثى تصرخ نبضاتها بإسمك صباحا ومساء وبجنون
فأي تفهم ترجو بعد هذا واي منطق سيكون 💘
*************
نهاية الفصل