تحميل رواية «في مدينة الاسكندرية» PDF
بقلم صابرين عامر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
1- إجازة في الصعيد بسم الله نبدأ من جديد والجزء التاني ألطف من الأول وفي نفس الوقت أحداثه مهمة جدًا ولا تخلو من الأفكار الهادفة بإذن الله موعدنا في رمضان كل جمعة فصل بعد صلاة التراويح لحد ما ندخل على العيد لو في العمر بقية، وبعدها هشوف مواعيد مناسبة تعليقات كتير بقى برأيكم في اللي جاي 💜 صلي على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜 &;كنت أغرد فتبتسم وتصمت&;.. اشتاق لها ولا أجد ولو صوتها فقط حتى اسمعه&;&; ثقيلة وثقلها أرهق قلبي&;. ترى أين ذات العيون العسلية التي خطفت لبي؟؟&; أغلق مفكرته الصغيرة التي تجمع ا...
في مدينة الإسكندرية الفصل الحادي وثمانون 81 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
آسفة على التأخير بس كنت مشغولة ومكنش عندي وقت أراجع الفصل، مشهد زيادة تعويضًا فزيدوا التعليقات حبة 🤏🏼
صلوا على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
منذ ما يقارب السبع سنوات تقدم ابن خالتي لخطبتي وانا حلقت من فرط السعادة وهذا لأنه وسيم، وفي كلية الطب، ووالده غني، ويسكن في واحدة من أجمل المناطق في الإسكندرية وتطل تمامًا على البحر
عريس به جميع المزايا، وقد تعبت والدتي لتحيك خيوط المحبة بينها وبين خالتي عبلة حتى تستطيع أن تضمن أبنائها يوسف ويونس لاثنين من بناتها، وكنت انا كاميليا كبرى بناتها لا أزال في السنة الأولى لي في معهد التمريض، ولكن كان سنًا مناسبًا للخطبة
أشهد ليوسف أنه كان حسنُ الطباع معي طوال فترة الخطبة التي استمرت ما يفوق الخمسة أشهر، بل وقد عقدنا القران وحددنا الزواج بعد تخرج يوسف من الكلية وقد غرقت في حبه وهذا لأني أحبه منذ زمن
منذ كنت مراهقة وانا أحلم باليوم الذي سأتزوج به من يوسف _كما تزرع أمي في عقلي_
وانتقل من العيش في الطبقة أسفل المتوسطة الي الطبقة فوق المتوسطة "طبقة الناس المرتاحة اللي معاها فلوس" على المسمي الشعبي، كما انتقلت خالتي عبلة حين تزوجها الدكتور محمد هواري
دائمًا ما كانت والدتي تزرع في عقلي أني لابن خالتي وابن خالتي لي مثل الكثير من الأمهات، وقد تمت الخطبة بالفعل ولكن للأسف لم يكتمل الأمر بسبب غباء شقيقته
كانت رقية في تلك الفترة تبلغ من العمر ستة عشر عامًا وكانت فتاة مفعمة بالطاقة والحركة، نصف الطاقة التي تملكها هذه الفتاة وأحتل العالم
وبالطبع كان هذا السن سنُ الطيش وهى لم تكن أقل منها طيشًا، والغريب أنهما كانتا صديقتين بشدة رغم فارق العامين وكلاهما كانا يتشاركان نفس الأسرار
وفي يوم شاركتها سرًا لم تأتمنه رقية ولكنها كانت مخطئة فكيف تشاركها سرًا شديد الحساسية كهذا، وكان هذا السر قبل خطبتها بيوسف بكثير حتى أنها نسيته ونسيت أنها أخبرت رقية
كان لها حساب آخر بإسم وهمي تحادث به الشباب، ولم تكن تقابلهم أو ترسل لهم صور حقيقية لها، فقط كان للتسلية أيام طيشها، وقد توقفت عن الأمر عندما خطبها يوسف إحترامًا له وحذفت التطبيق بأكمله وصنعت حساب جديد نظيف بإسمها
تبًا لرقية التي لم تصن السر وأخبرت يوسف تحت بند "ايه يضمن إنك مش لسه فاتحة الحساب وبتلعبي بيه تاني، كانت لازم تصارحيه بالسر حتى لو كبير مينفعش يعيش مغفل"
لو كانت مكانها لكانت أخبرت أخيها بالفعل حتى لا يعيش مغفل وتنام بين أحضانه ليلًا امرأة لها ماضي، ولكنها رأت الأمر من منظورها هى تحت بند "كل الناس خطائين وهى تابت عن الأمر فلما فضحت سرها "
ثارت يومها ثورة مخيفة على رقية لدرجة أنها دفعتها من فوق الدرج وقد كسر ذراعها وقدمها وظلت في الجبيرة شهرين ونصف، والغريب أن الجميع سألوا رقية عن سبب دفع كاميليا لها وهى لم تفضحها واختلقت سبب مشاجرة تافهة بينهما، وعندما سألتها قالت بنبرة نادمة :
-انا مش عايز أفضحك قدام الكل بس انا خوفت على يوسف، خوفت ترجعي للموضوع ده ووقتها تبقي مراته، انتي لو مكاني هتعملي كده وهتخافي على اخوكي
بعد الذي حدث بينها وبين رقية أتى يوسف وأنهى الخطبة بشكل رسمي وهى النيران كانت تأكلها من ناحية رقية ومن ناحية يوسف الذي لم تشفع لها دموعها عنده، وإقسامها على أنها مسحت ذاك الحساب وكانت فقط مراهقة طائشة، وأنها لم ترسل لأحد صورة واحدة لها ولا قابلت أحد، وأن كل الناس تُذنب وتخطئ وخيرهم من يتوب وهى قد تابت فلما لا يسامحها
لتكون اجابته لها هادئة، جادة، متعقلة :
-يمكن ربنا سامحك بس انا مقدرش اكمل معاكي وانا عارف إنك كنتي بتعملي كده، هيفضل عندي وسواس إنك رجعتي تكلمي شباب تاني، هيفضل عندي وسواس كل لما تسهري على التليفون أو تضحكي لسبب، هتبقى الحياة بينا مفهاش ثقة يا كاميليا، انا آسف مش هقدر أكمل
حددوا موعدًا للطلاق فكما قالت كانا عاقديّن، وفي تلك الفترة أخذت تفكر وتفكر كيف تربط يوسف بها ولا تجعله يطلقها، وقد استغل الشيطان تخبطها هذا وهداها لقرار طائش غبي تدفع ثمنه حتى الآن
إذ استغلت طبع يوسف الهادئ المسالم وظنت أنه سيرضخ لما قالته يومها ويستسلم ولن يفضحها، وفي يوم الطلاق جذبت والدتها وخالتها عبلة بعيدًا عن الشيخ مفجرة قنبلتها أو إفترائها على يوسف قائلة :
-انا مينفعش اتطلق من يوسف من غير فرح انا كده هتفضح علشان انا ويوسف نمنا مع بعض
"عايزة أقول حاجة مهمة جدًا علشان ذكرت إن قصة براءة ويوسف مع السحر حقيقية وانا سمعتها وأعرف صحابها، بس انا أعرف القصة من ناحية الشخصية اللي بتجسدها براءة، وأعرف اللي حصلها من السحر واللي عانته وازاي اتشفت منه، أما الشخصية اللي بيجسدها يوسف واللي عملت السحر انا معرفش كتير عنهم ولا اعرف الدوافع غير الغيرة والغل وانها كانت قريبته ومن عيلته، فعلشان تبقى حبكة مظبوطة وكاملة المشهد ده من خيالي وليس حقيقي علشان متظنوش إني بخوض في عرض واحدة حتى لو مخطئة، لكن الحقيقي إنه فيه ناس فعلًا تفكيرها غلب الشياطين زي الأخت كاميليا كده وفي العادة ما بيكونوا قريبين مننا"
كل هذا تذكرته كاميليا وهى تحدق في وجه رقية التي تجلس على الفراش الطبي وبدورها تسترق بعض النظرات إليها، لم تصفى القلوب بعد رغم مرور سنوات على الأمر وقد اعتذرت رقية لكاميليا أنها كانت مراهقة خرقاء ولم تقصد إفشاء سرها ولكن كاميليا لم تسامح
حتى رفضت أن تحضر زفاف رقية، ورفضت أن تبارك ليوسف ولولا أنها أرادت أن تجعل براءة تشرب السحر ما كانت لتحضر زفافه
أما عن معالي وعبلة قد عاد ترابطهما الأخوي مع بعضهما بعد سنوات من الخلاف وفي النهاية صفحت كلًا منهما عن الأخرى مقررتين فتح صفحة جديدة بعد عن مشاكل الاولاد، فهما أختان وحيداتان رغم شتات بين شخصيتهما
ولج يونس بعدما طرق الباب وقد عاد من عمله مبكرًا لكي يزور شقيقته ويطمئن عليها ثم يأخذ خطيبته وشقيقتها وياسر لمحطة القطار، انقلبت ملامحه بضيق عندما أبصر خالته وتلك المدعوة كاميليا التي افترت على شقيقه ظلمًا ودفعت رقية من على الدرج مسببة لها كسورًا
وبسبب هذه الفتاة التي تجلس أمامه كره خالته وكل من يخصها :
-تعالى يا يونس سلم على خالتك
كالعادة تحرجه حتى يسلم عليها ورغم هذا يفعل ما يريد إذ قال ببسمة بدت مصطنعة بشدة :
-ازيك يا خالتي
-ازيك يا يونس عامل ايه؟!
ودت لو يقول أنه كان بخير قبل أن يبصرها هى وابنتها الأفعى السامة هذه، لكنه عصر على نفسه لمونة كما يقولون ثم قال :
-عايش في الدنيا والحمد لله
جذب مقعد وجلس عليه أمام شقيقته ثم قال محمحمًا :
-عاملة ايه بنت اختي دلوقتي
ابتسمت له رقية مشيرة إلى بطنها المنتفخ :
-بتسلم عليك وبتقولك نفسي آجي يا خالو
نظر يونس لهذه البطن المنتفخة ثم قال مجاريًا شقيقته :
-إن شاء الله تيجي وتيجي كويسة كمان ومفيش فيكي حاجة يا بنت روكا.... صحيح عمر فين؟!
انقلبت ملامح الأخرى للحنق ثم أجابت عليه :
-معرفش تلاقيه برا
تعجب يونس من أسلوبها الذي تغير فنظر نظرة سريعة لوالدته المنشغلة في الحديث مع خالته، ثم سألها بخفوت متوجسًا من أن يكون ذاك الأخرق عرض عليها أمر الإجهاض :
-ماله عمر قالك حاجة ضايقتك؟؟
كانت الأخرى من الفطنة التي تجعلها تفهم لما استخدم يونس كلمة قال ولم يقل فعل، يبدو أنه يعلم شئ فقالت بشكل غير مباشر :
-انت تعرف حاجة عن الفكرة الهبلة اللي عايز يعملها في البنت؟! حاجة تبدأ بألف مكسورة
زفر يونس بضيق ثم آماء برأسه فاشتعلت أعين رقية بغضب وهمت بالثوران عليه لذا سارع في التبرير :
-هو قالي وانا رفضت الفكرة كلها وقولتله متقولهاش، هو شكله الموضوع مأثر على أعصابه ومش عارف يفكر كويس متاخديش على كلامه
تعجبت الأخرى العقلانية التي يتحدث بها حتى شكت أنه يوسف ولكن لا هو يونس :
-ايه العقل ده يا يونس؟! انتي بتهدي ما بينا!!؟
ابتسم الآخر ساخرًا فهو ما إن سيخرج من هنا سيلكم عمر الأخرق على ما فعله، فمن جهة يريد أن يقتل ابنته ومن الأخرى سيعرض شقيقته للخطر، ولكن لم يود أن يقل هذا في وجود والدته وخالته وابنتيها اللتان يركزان معهما بشكل فضولي مستفز فقال بفظاظة :
-فيه فيلم شغال هنا ولا ايه؟! واحد وأخته بيتكلموا حاشرين مناخيركم ليه معانا عايز أفهم؟؟
شعرت أحداهن بالحرج خاصةً عندما انتبهت معهما عبلة ومعالي بينما كاميليا قالت بوقاحة تنافس وقاحته :
-هو إحنا بنتصنت عليكم، انتوا اللي صوتكم مسموع ولا هما حرموا في الدين إننا نسمع بودانا كمان
بدأت لعبة الاستفزاز هذه وهو أكثر من يجيدها، ورغم أنه يحب من يرد عليه ويداهره ولكنه أراد الآن تحطيم وجه كاميليا دون مبالغة، ولكنه للأسف سيقولون رجلًا ضرب امرأة :
-بلاش انتي تتكلمي عن الحرام والحلال خليكي قاعد في الجحر بتاعك يا كاميليا واتقي شري
رمقته الأخرى بنظرة قوية متجبرة بادلها الآخر ببغض شديد، وقد قاطع هذه النظرات معالي وهى تقول :
-عيب كده، قولي لابنك يسكت يا عبلة
وقال يونس :
-وانتي قولي لبنتك تخرس يا خالتي
رن هاتفه راحمًا إياه من صوت كاميليا المزعج وهى تشتكي أسلوبه الوقح هذا وهى لم تفعل شئ، خرج للممر في الخارج حتى يرد على كيكة الشوكولاتة خاصته ولينظف اذنيه قليلًا من صوت الغرابة كاميليا :
-الو
في هذه اللحظة سمع صوت آخر من يتوقع وجوده مع خطيبته وأن يتحدث من هاتفها الخاص، بل آخر من يتمنى أن يسمع له صوتًا :
-الو يا يونس انا دكتور عاصم
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
توقفت قدامها أمام قسم علم النفس وأخذت تحدق به بتيه شديد، رغم أنها عادت للكلية منذ ما يقارب الشهر والنصف إلىٰ أنها لم تتجرأ يومًا لتخطو إلى قسم علم النفس أو حتى تلقي له بنظرة عابرة
تخاف مواجه مخاوفها، تخاف أن تعلق بين الذكريات السوداء والاضطرابات النفسية التي تعانيها فلا تستطيع أن تخرج، قد تظنون أنها أخيرًا قد تلقت العلاج النفسي ولكن لا لم تفعل
حاول يونس معها مرارًا عندما أتت للإسكندرية، حتى قال أنه لن يخبر أحدًا فقط سوف يوصلها، وحتى إن أرادت أن تدخل العيادة بمفردها سوف يتركها ولن يضغط عليها
وقد حدث هذا بالفعل ولكن عندما أصبحت داخل العيادة ورأت اقرانها ممن يعانون من صدمة أو عقد أو جنون حتى أصابتها حالة من الهلع فتراجعت ولم تدخل للطبيبة حتى، إنها سخرية أليس كذلك أن تكون درست علم نفس وتخاف من زيارة طبيب نفسي
رفضت أن يقترح يونس عليها الذهاب مرة أخرى ولا تدري ما الذي يخيفها إلى هذا الحد، أهو الحديث عما يتعبها أم الغوص داخل ذكريات من بشاعتها لا تريد أن تتحدث عنها ولا أن تتذكرها
لنعد الي الوقت الحالي، قررت تحدي نفسها للمرة الثانية رغم أن المرة الأولى كانت نتائجها غير حميدة فقد فضحت أهلها بسبب حالة الهستيريا التي أصابتها، ولا تدري ما الذي قد يحدث هذه المرة ولكنها ستجاذف
تقدمت نحو القسم وأخذت تسير في إتجاه الدرج، وقفت أمامه وقد راودتها ذكرى يوم ركضت عليه برعب وطلقات البارود تلحق بها من سلاح ذلك المختل عسى أن يتأجج في جهنم
وضعت كفها البارد على الدرابزين ثم أخذت تصعد ببطء الطابق الثاني حيث الحمام الذي ذُبحت به فريال، تتساءل هل يستطعن الطالبات الولوج له دون خوف من روح فريال التي من الأرجح سكنت هذا الحمام؟!
والإجابة كانت لا
إذ عندما وقفت أمام المرحاض وجدته موصود بقفل جعلها تتساءل مرة أخرى، هل اغلقوه لأنه بالفعل أصبح مسكون من روح فريال أم أنها تخرف فقط؟؟ وضعت كفها على الباب ثم رمشت عدة مرات تشعر بضربات قلبها ترتفع وعقلها بدأ يعيد إحياء مشهد القتل فلم تستطع التحمل وأبعدت يدها وتراجعت، هامسة بخفوت وندم :
-انا آسفة يا فريال سامحيني
تحركت للأعلى وقد أخرجت منديل ثم نزعت نظارتها تمسح عينيها من الدموع التي اخذت تتبلور داخل مقلتيها، وصلت للطابق الثالث وقد وقعت عينيها على غرفة المعيدين التي ماتت بها "الدكتورة هبة" رحمها الله
مرت من أمام الغرفة ثم وقفت أمامها برهة ثم قالت بنبرة آسية :
-انا آسفة
ظنت أن المكتب أغلق كما الحمام ولكنها سمعت صوتًا بالداخل فتحركت من أمامه ولم تستدر حتى عندما فُتح الباب، توقفت محطتها الأخيرة أمام غرفة النظافة، المكان الذي كادت تزهق آخر أنفاسها به
تجرأت وفتحت الباب ففُتح معها، ألقت نظرة للداخل دون الدخول وكان كل شئ كما هو وكأن الأشهر لم تمر
لا تعلم لما وكيف قادتها قدميها للداخل لتجد نفسها في وسط الغرفة الضيقة وحولها أدوات النظافة، أخذت تدور بعينيها في المكان بزوغان شديد جعل أنفاسها ترتفع رويدًا رويدا
إستندت على الحائط وقد داهمتها ذكريات ذلك اليوم وكأنها فيلمًا يعرض في رأسها وأمام عينيها، الذكريات تعيد إحياء نفسها مرة أخرى
هنا اختبأت، هنا حاول قتلها كاظم، هنا قاومت، هنا سقطت أرضًا على وجهها وهى تحاول الفرار، هنا جلس عليها كما الجاثوم يقبض على عنقها حتى تموت
وضعت يدها على عنقها وقد أخذت تشهق بصوت مرتفع وكأن أحدهم يقبض عليها، هبطت أرضًا وأخذ جسدها ينتفض بخفة تتذكر كلماته المختلة، تتذكر ترجيها بألا يقتلها، فيما أذنبت هى حتى تعاني كل هذا
تشهد على جريمة قتل، تصبح شاهدة على قاتل متسلسل، تتعرض للقتل من القاتل وتجرب هلع الموت
الموت كلمة ليست هينة عند النطق بها، فمن جرب شعور الموت لن يستطيع أن يعيش بعقل سليم، شعور لا يمكن للكلمات وصفه فهو أثقل وأكبر وأرعب من كل التخيلات
ارتفع بكاؤها بصوت مرتفع وقد أنهارت أعصابها، لاعنة نفسها أنها دخلت هنا وأنها قد خطت لقسم علم النفس مرة أخرى، أخذت تضغط على ذراعيها بعنف حتى جرحت نفسها ولم تشعر بشئ غير أنها تسقط في فوهة الذكريات ولا أحد ينجدها من نفسها
تريد التوقف لكن لا تستطيع، عقلها انفصل وكأنها في كابوس تعافر على الإستيقاظ منه ولا تقدر
رفعت رأسها عندما وجدت من يطل عليها من الباب، كانوا عدة طلاب وعامل النظافة يحدقون بها بذهول على بكائها ورعبها هذا
اقتربت منها فتاة وساعدتها على الوقوف وأخذت تتحدث معها عن سبب بكائها وما تفعله هنا ولما هى خائفة هكذا، ولكن عطلت جميع حواسها فتحركت معهم كما الآلة ولا تزال الدموع تنهمر منها بغزارة، فأخذوها إلى مكتب المعيدين حتى يتصرفوا هم معها
طرق أحدهم الباب وجعلوها تتدخل وهى من تشوش رؤيتها بالدموع لم ترى أحدًا، بل فقط سمعت أحد الطلاب يقول :
-دكتور عاصم البنت دي كانت قاعدة جوا أوضة أدوات النظافة وبتعيط ومش عارفين مالها
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أغلقت سحاب الحقيبة بعد أن وضعت بها ما يلزمها للجلوس عند والديها أسبوع، خرجت بالحقيبة للبهو ووضعتها بجانب الاريكة ثم جلست في إنتظار يوسف أن يخرج من الحمام
نظرت حولها لأركان الشقة التي اختارت ألوانها وأثاثها على ذوقها لكنها لم تفرح بها كأي فتاة، وبدلًا من قضاء شهر عسل كأي عروسين قضتهم ممدة على الفراش تغزو الآلام معدتها ووالدتها تجلس لجانبها تقرأ عليها القرآن لعلها تستكين
تنهدت بتعب عندما أبصرت أوهام الثعابين السوداء تزحف على الحائط فأخذت تتلو القرآن مع نفسها، لكن لسانها ثقيل وكأن هناك من يقبض على لسانها حتى لا يتكلم، زارها الفزع فلا تأتي نوبات السحر هذه في النهار بل تزداد في الليل أكثر
أبصرت الثعابين تزحف نحوها وهى تتضخم ببطء فحاولت النداء على يوسف لكنها لا تستطيع، لسانها قد شُل تمامًا، وقفت بصعوبة حتى تتحرك نحو التلفاز وتفتح قناة القرآن لربما يزول كل هذا
وما إن رفعت قدمها من على الأرض حتى سقطت على وجهها وكأن هناك من قبض على قدميها، نظرت للخلف فرأت ظلًا أسود يخيم عليها فدق قلبها رعبًا وهى تشعر به يدور حولها، أخذت تزحف على بطنها كما دودة الطين فقدميها وكأنهما معقودتان بحبل
بكت عاجزة عندما سقطت رأسها على الأرض، فلا هى قادرة على تشغيل القرآن، ولا على النطق به، ولا تستطيع مناداة زوجها حتى ينقذها
شعرت بهذا الكيان الأسود يقف فوقها فاختنق صدرها بقوة لأنها تعلم أن هذا الكيان ما هو إلا جن، اقترب من وجهها بطريقة انقطعت لها أنفاسها ثم أخذ يهمس لها بصوت خشن غليظ :
-سيبيه بدال ما أجننك، هموتك سـيـبــيه
تبخر من أمامها كما تبخر كل شئ فور أن صدحت سورة البقرة في الأجواء بصوت الشيخ المنشاوي، ثم رائحة صابون تلفح أنفها، وذراعين ينتشلاها من على الأرض، وكف تربت على وجنتها مع صوت زوجها الذي يختلط بصوت المنشاوي يردد عليها آية الكرسي
فتحت جفنيها بصعوبة لتجد وجه يوسف أمامها بخصلات رطبة والمنشفة على كتفيه ونظرات قلقة :
-انتي كويسة، ايه اللي وقعك على الأرض
شعرت بعقدة لسانها قد فكت أخيرًا وخرج لها صوتًا وعندما سألها يوسف مرة أخرى اجهشت في البكاء وبعض الكلمات تخرج منه متقطعة :
-ربطوني.... يوسف.... هيموتوني
ضمها يوسف لصدره متنهدًا بقلة حيلة وعجز عن وجود حل لحالة زوجته حتى بدأ اليأس يصيبه، أخذت تحاول التملص منه بنفور فشدد على عناقها مرددًا على مسامعها القرآن حتى تهدأ ثم قال لنفسه :
-وبعدين يا براءة هنفضل عايشين كده؟! انا خايف تروحي مني خالص، لازم نلاقي حل
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
وضع كوب عصير ليمون أمامها ثم جلس على المقعد المقابل لمقعدها قائلًا :
-انا اتصلت على خطيبك زي ما قولتي وهو جاي في الطريق دلوقتي، صحيح مبروك الخطوبة ربنا يتمم على خير
همست له بكلمة شكرًا ولم تقرب العصير فنظر عاصم ليديها المجروحتين متسائلًا :
-انتي اللي عورتي نفسك كده؟!
نظرت الأخرى لمعصميها اللذان جُرحا من أظافرها الحادة ثم أجابت بإختصار :
-ضوافري طويلة فعورت نفسي بالغلط
استقام عاصم وأحضر من درج مكتبه لاصقات طيبة ثم وضعهم أمامها قائلًا :
-معلش مش معايا للكبار معايا للأطفال بس علشان بنتي شقية وبتعور نفسها فلسه مشتري دول ليها
نظرت شروق نحو اللاصقات ذات الرسومات الكرتونية ثم شكرته مرة أخرى، اخذت تضع منها على الجروح الغائرة فقط وعادت لإلتزام الصمت
تنهد عاصم يحاول أن يخرجها من هذا الاكتئاب فقط لأنها في يوم من الأيام كانت طالبة عنده، فهو قد نسي أمر إعجابه بها فور أن رفضت الزواج منه والتفت لحياته وابنته وزوجته كذلك التي ردها لعصمته مرة أخرى بعد فترة من مراقبته لتغير أحوالها للأفضل :
-ليه دخلتي الأوضة وانتي عارفة إن ليكي فيها ذكريات وحشة
هزت رأسها بعدم معرفة، ظنت أن الأمر سيكون عاديًا ولكنه انقلب عليها وجعلها تسقط في بئر مظلم لا آخر له، استاء عاصم من صممتها هذا قائلًا :
-لازم تتكلمي يا شروق مينفعش السكوت ده، انتي روحتي لدكتور نفسي؟؟
ومرة أخرى نفت دون أن تنبس بكلمة فقال بهدوء :
-أكيد خوف ورهبة من إنك تقعدي مع دكتور نفسي تحكي عن اللي تاعبك، ايه رأيك اتكلم معاكي انا لحد ما يونس يجي
نظرت حولها للمكتب الذي ماتت فيه المعيد بضيق وقلق فقال عاصم :
-ايه اللي حاسة به دلوقتي يا شروق؟؟
-الذنب
نطقت بها بصوت مختنق فشجعها عاصم على الكلام أكثر جاعلًا من هذه الجلسة جلسة علاج نفسي أو جلسة فضفضة نفسية :
-الذنب من ايه؟!
-من إني السبب في إن فيه ناس ماتوا بسببي
-مين قال بسببك هو انتي اللي قتلتيهم؟! لأ كاظم هو اللي قتلهم وهو اللي اختيار يقتلهم
-لو كنت فتحت الباب لما شوفتوا ماسك فريال وهيدبحها كان زمانها عايشة لحد دلوقتي
-بعيدًا عن الكلام المنطقي والنفسي، هى كان مقدر ليها تموت ده كان قدرها متقدريش توقفي قدر نفذ خلاص، يمكن لو كنتي خرجتي كان قتلكم انتوا الاتنين، انتي كنتي خايفة وشعور الخوف جمدك يومها فمعرفتيش تعملي حاجة
صمت لبرهة ثم قال :
-انتي ليه حابسة نفسك في الدايرة دي؟ ليه بتهربي من المواجهة؟ لما تفضلي تحبسي كل حاجة جواكي هتفضل تغلي وهتبقى النتيجة إنك تبقى عنيفة مع كل اللي حواليكي حتى مع نفسك وأهو، وأكيد دي مش أول مرة تأذي نفسك
ختم حديثه مشيرًا لمعصميها ثم أكمل :
-بإختصار هيبقى عندك اضطرابات نفسية والإضرابات دي هى اللي بتمنعك تتكلمي وتخرجي اللي بيوجعك، وكل لما تسكتي وتكتمي ده هيزيد، مش هقولك ابكي لأن البكاء مش بيخرج كل الطاقة السلبية المتجمعة جواكِ، انتي محتاجة تطلعي العنف ده في حاجة، جربي تلعبي رياضة مثلًا
لاحت على شفتيها بسمة ساخرة فأكمل عاصم بجدية :
-انا بتكلم بجد لازم تخرجي الطاقة دي بالإضافة إنك تتكلمي مع حد ده أكتر حاجة هتخليكي تنسي الأحداث اللي انتي عشتيها
ظل يتحدث معها قليلًا إلى أن أتصل يونس على هاتفها وما إن أجابت قال :
-انا وصلت الكلية انتي فين؟؟
-انا هنزلك سلام
اغلقت معه ثم استقامت من مكانها قائلة :
-شكرًا على كلامك معايا، مش عارفة شخص زيك له أخ وأب مـ
لم تكمل نظرًا لأنه شقيقه ووالده حتى إن كانا أدنى خلق الله، نظر عاصم لها ثم قال متنحيًا عن ذكر والده وشقيقه :
-خلي بالك من نفسك وانا آسف بجد مرة كمان على اللي عمله والدي وسليم في بنتك عمك وفيكي
-والله يا دكتور انا اللي آسفة على اللي حصلك مني وإنك خدت رصاصة في جنبك وللأسف معرفتش أشكرك علشان حصل اللي حصل مع أخوك الواطي
ضحك بخفة على أسلوبها ونوعًا ما قد خرجت من قوقعة الاكتئاب هذه، خرجت من المكتب وهبطت ليونس الذي كان ينتظرها داخل سيارته أمام بوابة الكلية، وما إن رآها قادمة حتى خرج لها
لاحظ بسهولة الضمادات على معصميها فأمسك بيدها قائلًا :
-ايه اللي حصل لإيديكي؟!
وجذبت منه الأخرى يدها بخفة قائلة بخفوت :
-دوست على ايديا بضوافري فعورت نفسي
-انتي ليه روحتي قسم علم النفس طيب؟؟
تنهدت شروق بتعب ثم اتجهت نحو سيارته وأجابت عليه :
-مش عارفة يا يونس رجليا خدتني ويا ريتني ما روحت
جلست في السيارة تنتظره وقد وضعت حقيبتها كفاصل بينهما فزفر يونس بضيق وأخرج هاتفه يتصل بعاصم يتمنى أن يكون فعل لها شئ حتى يلكم وجهه الوسيم المستفز
راقبته في الخارج يتحدث في الهاتف فلم تتعب نفسها وتناديه، بل اتصلت على شقيقتها حتى تعلم أين هى فأجاب يوسف وأخبرها أنهما في طريقهما للمشفى حتى يزوران رقية
صعد يونس إلى جوارها بعدما أنهى مكالمته وشغل السيارة قائلًا ببسمة لطيفة لا تظهر إلا نادرًا على وجهه، حتى أنها شعرت أنه فقط يتصنعها تقديرًا للوضع :
-تحبي نروح فين؟؟
نطق بها بإقتراح أن يخرجا سويًا حتى ترفه نفسها فحطمت الأخرى آماله قائلة بفتور :
-عند عمتي آخد منها شنطنتي وشوية حاجات، وبعدها خدني لاختك في المستشفى اسأل عليها وأقعد معاها لحد ما يجي معاد القطر
-طب وانتي؟!
نظرت له بإستفهام فقال يونس بهدوء شديد ونظرات حانية وهذه ثانِ مرة تراه ينظر لها هكذا :
-سيبي لنفسك وقت، ايه رأيك نروح في مكان حلو؟ انتي لسه متغدتيش صح؟!
لو في موقف آخر غير هذا لرقصت سعادةً أنه يطلب هذا منها دون أن يدفع به أحد للحديث، ولكن للأسف التوقيت سئ والحالة أسوء :
-لو كنت في حالة تانية غير دي كنت قولتلك يلا بس صدقني يا يونس معنديش طاقة حتى افتح عينيا، ومش عايز أروح في حتة أصلًا عايزة أنام بس
أشفق على تعبها النفسي فهى تُظهر للجميع أنها بخير وهى تحتاج لأحد يعينها على ترميم نفسها من الداخل، تجرأ وأحاط بكفه وجهها فأعادت الأخرى رأسها للخلف رامقة إياه بحدة وكأنها تحولت لتصفع يده بغضب صائحة :
-إيدك يا يونس عيب كده انا مش من البنات اللي تخلي خطيبها يمسك ايدها وياخدها في حضنه تحت مسمى الخطوبة، انا أصلًا غلطانة إني قاعدة معاك في العربية
لم تسمح له بالتبرير ولا قول كلمة وهبطت من السيارة وقد وجدتها حجة للهروب من الجميع والإنفراد بذاتها قليلًا
هبط يونس خلفها مُقِرًا بخطئه فهى حذرته مرارًا من لمسها بأي شكل، ورغم أنه يعلم أنها تحبه بشدة ولكنها تحافظ على نفسها متمسكة بعفافها حتى منه وهذا ما يزيد تمسكه بها فلا يُعجب الرجل إلا بذات العفاف :
-استني طيب والله ما قصدي
رمقته بنظرة حادة حتى لا يكمل أمام الناس ويزيد الطين بله، من ثم إستدارت تكمل طريقتها فأغلق يونس باب سيارته وأغلقها جيدًا ثم لحق بها، سار لجوارها فقد كانت تسير بهدوء ثم قال :
-مكنش قصدي متزعليش مني
رمقته بطرف عينيها وعادت تنظر للطريق قائلة :
-روح أرجع يا يونس عايزة ابقى لوحدي
-أخاف حد يعملك حاجة
-لا متخافش محدش هيعمل لحد حاجة في عِز النهار كده
ابتسم الآخر ساخرًا ثم قال وهو يضع يديه في جيوب سترته الخريفية :
-والله اللي هيعمل وناوي ما هيفرق معاه ولا ليل ولا حتى فجر
سارت قليلًا على الرصيف وهو خلفها بهدوء وبدون أن يقول شيئًا حتى ظنت أنه رحل، وقد ظلت هكذا لربع ساعة تسير دون هدى حتى مر من جانبها شابين صفر أحدهما بينما قال الآخر :
-الناس كلها تحب القصيرين بس انا أموت في الطويلة
لم تبالي بهما وأكملت طريقها ولكنها إستدارت عندما سمعت صوت هذا الشاب وهو يتأوه أرضًا بعدما اصطدم جسده في الأرض أثر صفعة قوية تلقاها على مؤخرة عنقه من يونس الذي قال متهكمًا :
-وانا أموت في إيدي الطويلة برضو بحب ألطش بها الناس اللي زيكم
ختم حديثه ملقيًا بنظرة حادة نحو الشاب الآخر الذي تراجع للخلف فأستقام الأول ثائرًا وكاد أن يتشاجر لولا أنه أبصر مسدس يونس المعلق في بنطاله فتقهقر للخلف هو وصديقه ورحلا
نظر يونس نحو شروق التي لا تزال متفاجئة من وجوده ثم قالت :
-انت كنت ماشي ورايا؟! افتكرتك مشيت لما قولتلك امشي متوقعتهاش منك يا يونس
-بس توقعتي إني اسيبك في حالتك دي وامشي عادي؟!
هتف بها مستنكرًا مكانته في نظرها فكيف يتركها تسير هكذا في حالة شرود وملكوت آخر لا تدري ما يدور حولها، لحقت به وسارت إلى جانبه مع حفظ مسافة فقال يونس وهو يخرج علبة سجائره عارضًا عليها وكأنها زميل له في العمل :
-تاخدي سيجارة
وللعجب وما جعله يندهش هو أنها جذبت واحدة ثم قالت :
-معاك ولاعة؟!
قهقه بعلو وهو يخرج لها قداحته قائلًا بعبث :
-معايا بس انتي صدرك هيستحمل نفسين حتى!؟
ابتسمت شروق بسمة ساخرة ثم توقفت في مكانها وقالت :
-ايه الفساد اللي انت فيه ده؟! طب قولي عيب مينفعش، منظرك قدام الناس حتى
-مش عايز احرمك من حاجة علشان متقوليش عليا راجل بخيل
لم تستطع أن تكتم ضحكتها أكثر من هذا فقهقت ليبتسم يونس على ضحكتها ثم قال وهو يأخذ منها السيجارة وويضعها بين شفتيه قائلًا :
-وطي صوتك شوية لما نبقى قاعدين لوحدنا اضحكي زي ما انتي عايزة
أشعل سيجارته وهم بسحب النيكوتين منها لكن قاطعت وصوله شروق عندما جذبت السيجارة وألقتها أرضًا أسفل عجلات السيارات، وكل هذا أسفل نظرات يونس المصدومة من رد فعلها السريع
-قولتلك متشربش سجاير تاني
رمش يونس بأهدابه بعدما أفاق من الصدمة مبتسمًا بإندهاش :
-ايه الجبروت ده؟! انتي قد الحركة دي؟؟
عقدت الأخرى ذراعيها أمام صدرها هاتفة بقوة :
-هتضربني يعني ولا ايه؟! انا قولتلك بطلها انت مش بتسمع الكلام
اقترب منها يونس بخطوات متربصة والأخرى لم تتحرك ولو بمقدار شعرة فضحك بعدما فشل أن يتحكم في مشاعره أكثر من هذا قائلًا :
-انتي ولية قادرة بس عجباني
-ولية؟!!
وضع يديه داخل جيوبه مرة أخرى ثم أضاف :
-ها خرجتي الكبت اللي جواكي؟! تيجي نرجع للعربية
-نروح فين؟؟
ابتسم لها بسمة مشاغبة نادرة الظهور على وجهه الجاد طوال الوقت :
-شبيك لبيك يا ستي بما إني فاضي ومش هشوفك غير بعد أسبوع شوفي انتي عايزة تروحي فين؟؟
-اتغيرت قوي يا يونس
نطقت بها شروق وهى ترمقه ببسمة وأعين تلتمع بالحب فبادلها يونس نفس النظرة مجيبًا عليها :
-لا اتغيرت ولا حاجة انتي بس اللي عرفتي تخليني اتعود عليكي واتعلق بيكي، عرفتي تستحملي لحد ما طلعتي النسخة الحلوة مني، متجيش بعد ده كله وتمشي من نص الطريق زي اللي مشيوا يا شروق
تغيرت نبرته للجدية والتوجس فوجدت نفسها تنفي كلامه بشكل تلقائي، وقد خرج من قلبها الكلام دون أن يمر على عقلها :
-انا مش همشي لازقة فيك يا يونس
شعرت بالخجل من نفسها عندما استوعبت ما قالت فقهقه يونس مشيرًا لها كي تأتي خلفه :
-تدوم اللزقة دي يا حُبي يلا تعالي
واتسعت عينيها مذهولة من كلمة "حبي" هذه التي تفوه بها وأخذت الفراشات الوردية تحلق فوق رأسها، عجبًا إن يونس يتغير بطريقة خطرة على قلبها الصغير الذي يحبه
لحقت به سريعًا مثل فتاة صغيرة تلحق بوالدها وعينيها على يده تريد الامساك بها ولكن للأسف الشديد لا يجوز الآن، مهلًا لما هى خفيفة هكذا عليها إدعاء الثقل قليلًا
توقف يونس فتوقفت خلفه عندما صاح بصوت جهوري، مقتربًا من صديقين له وصافحهما فتوقفت في الخلف تنتظره عندما رن هاتفها برقم براءة تسألها أين هى ثم طلبت منها طلبًا عجيبًا :
-شروق لو فيه حواليكي فشار هاتيلي معاكي
-فشار؟!
-معلش معلش نفسي فيه والبت رقية برضو عايزة علبة
نظرت شروق حولها وقد كانت هناك عربة مرا من عليها تبيع الفشار فعادت إليها بسرعة حتى تشتري إلىٰ أن ينتهي يونس من حديثه، ولم تتوقع أن يكون هناك الكثير من الازدحام هكذا فحشرت نفسها مع الفتيات وكل دقيقة والأخرى تنظر نحو يونس
ولكنها غفلت عنه لبضعة دقائق وغفلت عن هاتفها الذي وضعته داخل حقيبتها على الوضع الصامت، خرجت منتصرة وفي يديها علب الفشار المملح وهنا شعرت بهاتفها يهتز ولكنها عاجزة عن الإجابة
عادت لمكان وقوفه ولكنها لم تجده فظلت تسير وصولًا لسيارته وايضًا لم تجده، عجبًا على ذهب وتركها؟!
تركت علب الفُشار على مقدمة سيارته وحاولت فتحها ولكنها لم تنجح فأخرجت هاتفها حتى تتصل عليه لتتفاجأ من عشرين مكالمة فائتة منه
نظرت حولها سريعًا بحثًا عنه فرأته قادم من بعيد وعلى وجهه إمارات الغضب، فزعت من مظهره وهمت بالهروب فسارع في خطواته صائحًا ياسمها حتى تتوقف :
-عارفة لو جريتي هعمل فيكي ايــــه
وقفت على جانب سيارته وهو من الناحية الأخرى وكلما تحرك نحوها تدور هى حول السيارة حتى لا يصل إليها، تسمعه يقول بعصبية :
-أقف أسلم على الناس ابص ورايا ملقكيش وأفضل أدور عليكي زي الأهبل حتى دخلت أدور عليكي في الكلية جوا وانتي مبترديش، مقولتيش ليه إنك هتشتري حاجة بدال ما انا كنت قلقان عليكي، اقفي بقى فرجتي علينا الـنــــاس
صاح بها أن تقف فرفضت الأخرى تشعر أنها لو وقفت أمامه سيلكمها على وجهها :
-انت اللي اقف عيب عليك وعلى طولك تزعق في خطيبتك كده قدام الناس، ايه يعني ما قعدت تدور عليا شوية وقلقت عليا شويتين اطربقت الدنيا؟!!
-يوجع قلبك زي ما انتي واجعة قلبي يا بعيدة
وقف بجانب السيارة متنهدًا بغضب فقد قلق عليها كثيرًا وخاف أن يصيبها مكروه أو يتعرض لها أحد وهى بلهاء لا تشعر بخوفه عليها، اقتربت منه شروق بتوجس قائلة بمشاغبة ليست في وقتها :
-كنت قلقان عليا يا بيبي
رمقها الآخر بحنق ثم فتح قفل السيارة وصعد بها فأخذت شروق علب الفشار وصعدت إلى جانبه، أشار يونس إلى ما تحمل هاتفًا بعصبية :
-هو ده اللي روحتي جبتيه؟؟
-أختك اللي بتتوحم عليه مليش دعوة انا
-جاتك ضربة انتي واختي
برمت شفتيها بتذمر مرددة :
-علفكرة انت بتشتم عليا وانا ساكتة، كلمة زيادة هطول لساني عليك
رمقها الآخر بنظرات مشتعلة فتراجعت سريعًا وأخذت تأكل مما في يديها والتزمت الصمت الإلزامي، شغل يونس السيارة ثم تنهد محاولًا كتم غضبه الناتج عن قلقه عليها وقال :
-متعمليش كده تاني يا شروق متختبريش قلقي عليكي، أكتر حاجة بكرهها إني ابقى قلقان على حد قريب عليا
رمقته ببسمة بسيطة وأعتذرت له بصوت رقيق على النادر ما يخرج منها ثم أخذت تحدق به من خلف نظارتها بعينيها المتسعتين اللتان أصبحتا تشعرانه بالراحة وهو ينظر إليهما :
-انا آسفة كان المفروض أقولك قبل ما اتحرك بس انا اتكسفت من صحابك وقولت هشتري وأرجع بسرعة، متضايقش
زفر بقوة يمنع أفكار بدأت تراوده عن نفسه ثم قال بخفوت بينه وبين نفسه وهو ينطلق بالسيارة :
-المفروض نحدد كتب الكتاب بسرعة انتي قعدتك معايا بقيت خطر كده، خيبتك يا يونس وواحدة أصغر منك بعشر سنين وقعتك فيها
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
حل منتصف الليل عليها ولم تنم بعد ولا تدري ما الذي يورق منامها، فكرت في الإتصال على حمزة ولكن بالطبع هو الآن غافي في سابع نومه كما يقولون
أخذت تتقلب في الفراش تشعر بالرهبة والخوف من فكرة الزواج، وأخذ عقلها الأحمق يصور لها سيناريوهات سوداء عن الأمر وحضر في ذاكرتها كل قصة قرأتها على مواقع التواصل الاجتماعي عن النساء المقتولات وكانوا الجناة هم ازواجهن لأسباب مختلة مثلهم
لكن لا إن حمزة يحبها بل يهيم بها عشقًا ولن يفعل بها هذا، مهلًا ماذا إن وصل الأمر معه لحد الهوس، تكره هؤلاء الرجال المختلين الذين يتحكمون في زوجاتهم بتملك مخيف تحت بند الحب
لكن أيضًا لا حمزة ليس هكذا، تبًا لما لا يتركها عقلها وشأنها كي تنام فهذا الأسبوع حافل بالكثير من المشاغل، هبطت من على الفراش وجذبت هاتفها من على الشاحن ثم اتصلت على حمزة ولا تدري من أين لها بكل هذه الجرأة
لقد أفسدها حمزة تمامًا
أجاب عليها على غير المتوقع قائلًا بنبرته الرجولية :
-ايه اللي مسهرك لحد دلوقتي يا نورهان
-مقولتليش يا قلب جوزك زي كل مرة يعني؟!
سمعت ضحكته عبر الهاتف فجلست مكانها على الفراش بجانب عائشة النائمة بعمق، تسمعه يقول :
-لأ كبرنا، واتجرأنا، وفسدنا
-انت اللي فسدتني على فكرة انا كنت وردة مغمضة بتكسف لما حد يبصلي
-وانا فخور بالفساد ده يا قلب جوزك، مقولتيش ايه مسهرك لحد دلوقتي؟؟
-مجيليش نوم، انت ليه لسه صاحي؟؟
-بخلص شوية من كتاب معرض الكتاب الجديد علشان اسلمه للدار في معاده
اتسعت بسمة على ثغرها قائلة بحماس :
-تاخدني معاك معرض الكتاب
-مع إن بحب أروح وحدي كل سنة بس هاخدك معايا انا أقدر أقول لأ لمراتي، بس هتلبسي كمامة طول الوقت زيي علشان محدش يعرفك
-ليه بتحب تخفي نفسك كده؟ حد يكره الشهرة!؟
-انا مشهور بس بشخصية تانية وفي نفس الوقت عندي حياتي الخاصة اللي محبش حد يعرف عنها حاجة، الشهرة دي حاجة مش حلوة خالص، انا لما بروح المعرض بفضل اليوم كله وسط الناس من هنا لهنا، آخر اليوم ببقى مهدود
-بس الناس دي هى اللي عملت ليك الشهرة يا حمزة
-وهو انا قولت بكرههم يعني؟! بس مش بحب حياة المشاهير دي أوي، انا عايز بس اكتب وأطلع كتبي من غير ما حد يعرف انا مين، مش هتفهمي وجهة نظري يا نور بس انا حابب نفسي كده
أغلق حاسوبه مركزًا حواسه معها حيث أضاف بنبرة خبيثة :
-بعد أسبوع هتبقي مراتي رسمي
-اممم وبعدين عارف لو هتقول حاجة فيها قلة أدب؟!
-لأ مش هقول هسيب كل ده ليوم الفرح
تنهدت نور على مهل ثم قالت بحرج نوعًا ما :
-عايزة أسألك سؤال بس مكسوفة
-ليه هو ايه نوع السؤال؟! لو فيه قلة أدب فأنا أخاف إجابتي تخدش حياءك
-احترم نفسك يا حمزة ولا علشان فرحنا قرب فبتلمح لقلة الأدب، انا لا أسمح بإنحطاط الأخلاق ده علفكرة بعد الجواز، كله إلا دِه
ضحك الآخر بعلو ثم قال :
-يعجبني فيكي يا زوجتي إن تفكيرك نضيف وأخلاقك عالية وعلى الأبيض يا ورد، مستني بفارغ الصبر أفسد تفكيرك ده بعد الجواز وأشوف النتيجة بنفسي، واديكي عليها شهادة تقدير كمان
كتمت ضحكتها حتى لا تستيقظ عائشة ثم قالت :
-هتكتب ايه في شهادة التقدير؟!
وأجاب الآخر بنبرة مازحة :
-يسرني انا حمزة عثمان هواري أن أُهدي هذه الشهادة لزوجتي العزيزة التي كانت خجولة يومًا ما، في نجاحي بإمتياز في هبوط أخلاقها إلى أسفل الصفر وأتمنى لها ولي العمر المديد وافسدها أكثر وأكثر
خرجت منها قهقة مرتفعة رغمًا عنها على هذا العبث الذي تسمعه، صدق من قال أن أفكار منتصف الليل إن عُرضت على العقل في النهار وجب حرقها :
-علفكرة إحنا بنتكلم كلام عبثي قوي انا مش عارفة انا بضحك على ايه
-عيب عليكي العبث ده ملعبي، المهم كان ايه السؤال
تنحنحت نور ثم قالت بعد تفكير دام لدقيقة :
-هو انت بتحبني؟!
وابتسم حمزة ابتسامة متهكمة فبعد كل هذا العشق لها وزواجهما أصبح بعد أسبوع واحد تسأله إن كان يحبها أم لا، ما بال زوجته أصاب الغباء دون سابق إنذار :
-لأ هتجوزك تخليص حق علشان عندي عداوة مع ابوكي فهاخدك كده خدامة تحت رجليا انا أمي، ضرب وذل وإهانة ولو في يوم مزاجي حلو ممكن أجلدك كده خمسين جلدة ولا حاجة، ولو إني مليش في السب والقذف بس علشان خاطر عيونك هتعلم مخصوص علشان اشتمك يوميا، ومش هناديكي غير بالعرجة والعرجة راحت العرجة جات
علت قهقهتها بصخب وصل لوالديها فكتمت فمها سريعًا وقالت بنبرة لينة :
-تعرف انا بحب قوي اللهجات العربية التانية زي اللبناني والعراقي والخليجي وخاصةً المغربي وقرأت روايات كتير بلهجتهم لدرجة إتعلمت كلامهم، تعرف مغربي يا حمزة؟!
-ليه قالولك انا الشاب خالد ولا ايه؟! بس أول مرة اعرف إنك تعرفي لهجات عربية، صعب اوي فهم لهجاتهم
ابتسمت بسمة مُحبة ثم قالت قبل أن تغلق الهاتف :
-كنبغيك بزاف حمزة، كنموت عليك والله
شعر الآخر ببلاهة شديدة جعلته عاجز عن فهم كلمة غير "حمزة، والله" فقال :
-انزلي بالترجمة طيب
-تصبح على خير هكلمك بكرة
آماء وكأنها تراه ووصل له أن جملتها هذه هى تصبح على خير وسوف أحدثك غدًا فقال ببسمة :
-طب ما تقولي تصبح على خير بدال اللفة دي، وانتي من أهله يا روحي
لم يفهم لما ضحكت مرة أخرى ولكنها أغلقت في النهاية فوضع الهاتف على جانبه ثم أعاد فتح حاسوبه قائلًا :
-آه من الستات دول عليهم حاجات
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الثاني وثمانون 82 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلوا على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
أطلقت زفرة قوية، تنظر نحو البيت الذي كان كالسجن بالنسبة إليها لمدة عشر سنوات منصرمة، عزمت أمرها وهبطت من سيارة زوجها ثم قالت بهدوء :
-هتستنى هنا يا سفيان؟!
وهبط الآخر خلفها رافضًا ما تقول :
-اسيبك تدخل البيت ده لوحدك!؟ لأ طبعًا
شبك ذراعها في ذراعه ثم تحسس بطنها المنتفخ فهى في أواخر الشهر الخامس الآن :
-خلي بالك منه وحاولي تمسك نفسك وبلاش تعصبي نفسك علشانك وعلشانه
آماءت له على مهل ثم ولجت إلى منزل حاتم الدخيلي الذي حلت عليه لعنة بعد موته فقد لحق به ابنه كاظم بعد أشهر قليلة من وفاته، ثم لحق به عادل في ظروف مجهولة، وها هى سعاد ستلحق بهم
في عام واحد توفى أربعة من العائلة ومَن يدري على مَن الدور الآن
ربما هذا ذنب اليتيمة التي ظلموها معهم دون مراعاة أن سبحانه وتعالى قال في كتابه العزيز "فَأمَّا اليَتِيمَ فَلَا تَقْهَر"
والله لولا الذنب الذي تخاف أن تذهب لرب العالمين وهو في عنقها ما كانت لتطأ هذا المنزل مرة أخرى ولا تتعب نفسها في رؤية سعاد وهى على فراش المرض
ولجت لداخل المنزل ليستقبلها الصمت الشديد ومدبرة المنزل التي قالت بإحترام لها :
-ازيك يا مدام هاجر
آماءت هاجر بهدوء ثم ردت عليها :
-الحمد لله هى سعاد فين؟!
-سعاد هانم في أوضة الضيوف ومعاها بناتها والأستاذ عبد الرحمن تحبي أبلغهم بوجودك؟!
-مفيش داعي انا هدخلهم بنفسي، بس هاتي قهوة لسفيان
جذبت ذراعها من زوجها ثم قالت بخفوت :
-هدخل انا، استنى هنا شوية
لم يعجبه دخولها بمفردها معهم ولكنه يعلم أن زوجته لم تعد المرأة الضعيفة التي استهانوا بها في الماضي لذا تركها على راحتها وجلس هو على احد أرائك البهو في انتظارها
تحركت هاجر نحو غرفة الضيوف المجهزة في حالة بيات أحدهم ودون أن تطرق ولجت مباشرةً مسببة التفاجئ للجميع وأول من تحدث كانت لمار أصغر مَن في هذه العائلة :
-هاجر انتي جيتي؟!!
رمقتها هاجر بنظرة حائرة تشعر أن هناك خطب ما بها بدايةً من شحوب وجهها وهذه الهالات السوداء والضعف الذي تقف به، ولكنها رجحت أن السبب هو أن والدتها على وشك أن تقابل ربها لذا هى ليست على طبيعتها
تقدمت قليلًا من الفراش حيث يسكن جسد سعاد في عالمٍ آخر، ربما ترى الآن الأموات، فيقال أن الميت قبل موته ينفصل تمامًا عن العالم ويسمع ويرى ما لا يستطيع رؤيته الآخرون
ويظل ينادي ويتحدث مع نفسه بطريقة لا يفهمها أحد وقد يستمر معه هذا الأمر لعدة أيام فقط ثم يأتي ملك الموت ويقبض روحه
نظرت لها ببغض شديد، فوالله لا تستطيع العفو عنها حتى وهى تراها بهذا الضعف المثير للشفقة، ربما الله سبحانه وتعالى عفو غفور ويسامح في حقه ولكنه لا يسامح في حق عباده واقتص لها في الدنيا وسيقتص لها أيضًا في الآخرة
نظرت لجميع الموجدين ثم قالت بنبرة باردة :
-جيت بعد ما لمار قالتلي إن سعاد في آخر أيامها خلاص فجيت أقولها آخر حاجة في نفسي واتمنى كلكم تطلعوا برا
نظرت كارما لوالدتها ثم لهاجر قائلة :
-وانا اضمن منين إنك متعمليش حاجة في ماما
-الضرب في الميت حرام انا مش مفترية زيها افتري على حد في ضعفه
دعى عبد الرحمن الجميع للخروج فخرجوا بالفعل وكان هو آخرهم وعندما مر من جانب هاجر همس لها :
-عملت اللي قولتي عليه والفلوس دخلت حساب البنات من غير ما حد يشك
ختم حديثه وخرج فتنهدت هاجر بنصف راحة والآن حان وقت تنفيذ النصف الثاني، أغلقت الباب ثم تقدمت من الفراش ووقفت بجانبه تحدق في الخراطيم والمحاليل المتصلة بجسدها دون فائدة، فحين ينفُذَ أمر الله لا يشفع طبيب ولا ينفع دواء :
-خدتي ايه من الدنيا؟؟ لو كنتي تعرفي انتي وكل مفتري خلقه ربنا إن هى دي النهاية مكنتوش افتريتوا في الدنيا يا سعاد
جلست مكان كارما على المقعد أمامها تحدق في وجهها الباهت والذي كبر على العمر اثنين حين اختفت مساحيق التجميل التي كانت تخفي بهم كبر سنها
مدت يدها وأدارت رأسها حتى تنظر إليها ثم قالت بصوت جاد تخفي به غصة مريرة :
-ركزي هنا علشان أبرء ذمتي من الذنب ده، انا قهرتك في حاجتين واحدة مكنش ليا ايد فيها والتانية عملتها بإيدي، الأولى إني اتجوزت حاتم وانا وانتي عارفين إنه مكنش بإيدي، أما التانية إني حرمتك من الورث وغيرت الوصية، حاتم كان كاتب نصيبك مع ولادك، انا ليا النص كله والنص التاني يتقسم بينك انتي وولادك، وكتبت في الوصية إنك ملكيش حاجة بس انتي ليكي ورجعت الفلوس في حساب بناتك طالما انتي خلاص هتتكلي على الله وربنا يسامحني بقى
رأتها تنظر إليها بأعين يلتمع بهما الندم بوضوح ولم تستطع حتى أن تنطق بما يدور في خلدها فقالت هاجر بصوت مختنق :
-متبصليش كده، كان نفسي اسامح زي زمان بس كل لما أفكر أعمل كده افتكر كل حاجة عملتيها فيا يا سعاد ومقدرش أسامحك، مقدرش أقولك غير روحي ربنا يجازيكِ على اللي عملتيه في واحدة يتيمة مكنش ليها حد في الدنيا فجيتي عليها بالقوى وظلمتيها
شعرت أنها على وشك البكاء فخرجت بسرعة ولم تستطع أن تكمل جلوسها معها، وما إن خرجت حتى قالت لزوجها بهدوء شديد تخفي خلفه إرتعاش نبرتها :
-يلا يا سفيان
إعتدل سفيان في جلسته وترك فنجان القهوة على الطاولة الزجاجية أمامه، من ثم هندم من سترته قائلًا ببسمة متهكمة لجميع الجالسين :
-اتمنى مشوفش حد منكم قريب من مراتي تاني، علشان وشوشكم بتقلب عليها المواجع
خرج خلف هاجر التي سبقته للخارج بخطىٰ سريعة وكأنها تهرب من هذا البيت الذي بات يقبض على أنفاسها، أوقفها في منتصف الحديقة وجعلها تبطئ من سيرها قليلًا ثم قال بلطف :
-اهدي شوية بتجري كده ليه؟!
تنفست بصوت مرتفع ثم سارت على خطاه فوقع نظرها على بيت صغير في أحد أركان الحديقة، ذاك البيت الذي رممه حاتم بعد أن احترق وأعاد بناؤه للبواب الجديد، تنهدت بحزن وشوق لوالديها ثم قالت :
-سفيان انا عايزة أروح أزور قبر بابا وماما
آماء لها الآخر بقبول ثم قال بهدوء مبطن بحزن :
-تمام وانا كمان عايز أزور أهلي بس استني أشوف جدتي وعمر يجوا معانا
-تمام ماشي
صعدت لسيارة فأخرج سفيان هاتفه يتصل على شقيقه وما إن أجاب حتى قال :
-ايه يا عمر عند جدتك انت ولا فين؟؟
وأجاب الآخر بصوت مرهق مهموم :
-في الطريق رايح عند رقية يمكن ترضى ترجع معايا البيت
-هترضى إن شاء الله بقالها خمس أيام في بيت أهلها بس تروح هناك ومتفتحش الموضوع نفسه معاها، سيبها على الله يا عمر يمكن هو عنده تدبير أحسن إحنا معرفهوش
-حاضر يا سفيان
-تمام لما تخلص تعالى على المقابر علشان نزور ماما وبابا
صمت الآخر قليلًا ثم وافق وقال أنه سيتصل عليه حين يعود، ركن سيارته أسفل البناية ثم دخلها على عجل، صعد إلى شقة حميه ثم طرق الباب وبعد فترة من الإنتظار فتحت له رقية بملامح أكثر تعافيًا من ذي قبل
وضعت الأخرى يدها على بطنها الظاهر بوضوح من ملابسها البيتية ثم عقدت حاجبيها بضيق فقال عمر بهدوء :
-هو ده استقبالك لجوزك يا بنت الناس يا محترمة
-يونس ويوسف وماما وبابا في الشغل ومفيش غيري في البيت
-طب وايه يعني هو انا جاي أزور خطيبتي؟! انا جاي آخد مراتي معايا ونروح
رفضت رقية طلبه هذا بقسوة كما هو قسى على ابنتها :
-لأ يا عمر انا مش هاروح معاك، هقعد هنا لحد ما أولد
المرة الثالثة التي ترفض بها أن تعود معه لمنزلهما وصبره عليها قد نفذ، دفع الباب بخفة حتى يدخل فعادت الأخرى للخلف متفاجئة من حركته ليغلق عمر الباب ثم قال بجدية :
-أدخلي غيرك هدومك يا رقية علشان نمشي
لم يكن لها طاقة للجدال فاقتربت من الاريكة وجلست عليها ثم جذبت الشال القطني الذي تضعه على كتفيها قائلة برفض غير مباشر :
-عمر انا محتاجة رعاية واهتمام ومعملش أي إجهاد علشان ميبقاش غلط على الجنين لحد ما أولد، فخليني هنا تحت رعاية ماما لحد ما أولد وبعدها أرجع معاك
مسح عمر وجهه بتعب وإرهاق فهذه الأيام لا ينام بشكل جيد ومتشتت بسبب زوجته وابنته القادمة في الطريق والله وحده يعلم كيف ستكون حالتها
نظرت له بأعين هادئة لم يرى بهما لا عتاب ولا شغف حبها له، وكأن كل هذا زال بسبب التفكير في خطأ لم يقترفه حتى :
-لو رجعت معاك مش هعرف اهتم بيك ولا بنفسي وانا محتاجة مساعدة، لو سمحت يا عمر
أطلق تنهيدة قوية بإستسلام لإصرارها على المكوث هنا ثم قال :
-انا هسافر لندن هخلص شغل هناك لحد ما تولدي وهرجع
نظرت لها مندهشة من قراره الغير متوقع، فما العمل الذي لديه بلندن فلم يذكر لها هذا الأمر قبلًا، شعرت أنه يهرب منها ومن ابنتها فتنفست بإضطراب ثم قالت بصوت اختنق بغصة مريرة :
-تروح وترجع بالسلامة
يا لقسوة قلبك رقية
-انتي جايبة منين القسوة دي كلها؟! ده كله علشان فكرت معاكي في حاجة انا معملتهاش حتى، ماشي غلطت إني فكرت في ده وعرضته عليكي، حتى سفيان ويونس هزأوني، خلاص كفاية كده هو علشان غلطت مرة هتعلقي ليا مشنقة
بهتت من إنفجاره بها بعدما نفذ صبره فأدمعت عينيها لصراخه هذا قائلة :
-انا مش معلقة ليك مشنقة انت اللي مش عارفة مالك، كنت عايز تجهضني ودلوقتي عايز تسبيني وتمشي أربع شهور، ده كله علشان عرفت إن بنتك هتيجي عاجزة، طب انا ذنبي ايه وهى ذنبها ايه ده قضى ربك هتعترض عليه!؟
زفر عمر بقوة جاذبًا خصلاته حتى كاد أن يمزقهم بين أنامله ثم قال :
-انا كنت متلخبط لما عرفت، معرفتش ايه الصح اللي المفروض يتعمل، فكرت فيها لما تعاني في الدنيا فقولت اريحها، انا آسف ليكي وليها بس بلاش تنبذيني كده يا رقية انا بقالي خمس أيام مش عارف أنام كويس من التفكير فيكي وفيها، انا مش بكرهها بس خايف عليها من الدنيا
صمت يلتقط أنفاسه فقالت رقية وقد رفعت عنه قليلًا العتاب :
-ليه عايز تسافر بعيد طيب؟ انت عمرك ما حبيت الغربة وشغل ايه اللي طلع مرة واحدة ده!؟
وأجاب عمر بجدية بعدما شعر بأن الأجواء بدأت تهدأ :
-طلبت من حد معرفة ليا هناك أيام ما كنت في لندن يشوف ليا شغل كويس في تخصصي علشان لما تيجي بنتنا ويكون إن شاء الله ليها فرصة تتعالج من أيًا يكن اللي ربنا هيخلقها به يكون معايا فلوس تكفى علاجها
رق قلبها له فوقفت بصعوبة من مكانها ثم اقتربت منه وبادرته بعناق حنون دون كلمة، فقط تركت العناق يشرح ما تريد، حاوطها عمر بذراعيه ثم قال بنبرة حزينة يكسوها الحب :
-والله ما بكرهها واتمنى يكون بينا طفل يا رقية، انا بس اتلخبطت أوي ومعرفتش أعمل ايه
اسندت رأسها على صدره وتركت العناق بينهما يطول ثم قالت :
-هتسافر أمتى؟؟ وهتتأخر هناك؟!
-هسافر آخر الأسبوع إن شاء الله، وأول ما الدكتور يحددلك معاد الولادة هارجع قبلها علطول
أخرج محفظته من جيبه ثم ابعدها قليلًا عنه وأخرج لها مبلغًا نقديًا ثم قال :
-خدي الفلوس دي وخليها معاكي ومتخليش اخواتك وباباكِ يصرفوا عليكي أو على علاجك انتي مسؤولة مني انا يا رقية، انا هسحب فلوس من البنك وهسيبلك منهم جوا الدولاب في شقتنا لما دول يخلصوا اسحبي منهم ولو حصل حاجة وإحتاجتي أكتر قوليلي وانا هبعتلك من هناك
آماءت له بطاعة فأحاط وجهها بكفه الضخم ثم قال بحنو :
-وابقي روحي من وقت للتاني زوري جدتي، انا همشي علشان سفيان مستنيني خلي بالك من نفسك وانا غايب
طبع قبلة دافئة على جبينها ثم تحرك نحو الباب فتساءلت رقية بنبرة جادة بعدما أوقفته :
-عمر هو ايه نوع الشغل ده؟؟ انا عندي بنتي تفضل عاجزة ومريضة بس متتعالجش بفلوس حرام
رمقها الآخر بعتاب أنها تتهمه أنه سيتجه للمال الحرام من أجل علاج ابنته فقال :
-وانا عمري صرفت عليكي حاجة حرام؟!
وتبسمت له رقية بهدوء تبرر له تفكيرها في الأمر :
-بطمن بس يا عمر مش قصدي
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ولج للمعمل ببسمة متسعة ككل صباح ولكنه لم يجد أحد في المعمل غير سارة تجلس ويبدو الشرود على ملامحها وعندما رآها بمفردها هم بأن يعود لأدراجه ولكنها قد امسكت به يحاول الهروب فقالت بصوت حزين :
-هتمشي وتعمل نفسك مش شايفني زي كل مرة يا كريم
شعر كريم بالحرج منها فعاد ودخل المعمل ثم جلس في أبعد نقطة عنها يحدق في ساعة هاتفه لا يدري أهو أتى مبكرًا أم أن البقية تأخروا
نظرت نحوه سارة ولم تتحرك من مكانها بل قالت بجرأة مباشرة أذهلته :
-انت ليه بتهرب مني؟! بابا هددك تبعد عني انت كمان؟
لم يفهم معنى جملتها الثانية فهل يهدد الدكتور فؤاد الرجال حتى لا يقتربوا من ابنته؟! نفى برأسه فصدقته سارة وهذا لأنها تعلم أنه يقول الصدق ولو على رقبته، إستقامت من مكانها فتوتر كريم يخشى أن يحدث شئ فها هو يجتمع بها والشيطان ثالثهما
ليته يستطيع أن يبعدها ولكنه غير قادر على إحراجها فيخشى أن يتسبب في مشكلة له ولوالده بسبب هذا الأمر، توقفت سارة أمامه ثم عرضت له صورة سيلفي لها على هاتفها، هاتفة بجدية :
-تعرف الراجل اللي ورايا ده يا كريم
أخذ الآخر منها الهاتف وكبر الصورة على رجل يبدو مريبًا يقف على بعد خلفها، تحدثت سارة توضح له ما تريد أن تقوله :
-الراجل ده في اليومين اللي فاتوا بيظهر ورايا كتير وانا خايفة يكون عايز يأذيني
-طب مقولتيش لوالدك ليه أكيد هيتصرف، هو انتي حد اتعرضلك قبل كده
تبسمت الأخرى بسمة ساخرة وهى تقول :
-كتير اوي، بابا عنده Enmities كتيرة اوي وانا اللي بدفع تمنها مش بقولك هياة الأغنية دي مش زي ما تظهر من برا
أعطى كريم لها الهاتف ثم قال بنبرة جادة :
-انا رأيي إنك تقولي لدكتور فؤاد على الأقل يعينلك حد يحرسك مثلًا
قلبت سارة خصلاتها على الجهة الأخرى، زافرة بضيق فعاد التوتر يجتاح كريم مرة ثانية خاصةً عندما قالت بنبرة ناعمة :
-شكرًا يا كريم على وجودك النهاردة I'm so needed أقول لهد
تبسم الآخر مستعيذًا بالله من الشيطان الرجيم بينه وبين نفسه :
-أعوذ بالله من الشيطان الرجيم امشي يا عم بقى هنروح في داهية
تعجبت سارة من هذا التمتمة ووضعه المرتبك فقالت :
-مالك متوتر كده ليه؟!
وبشكل مباشر خرج منه الرد دون أن يدري :
-انتي جميلة اوي وانا خايف وانا قاعد معاكي كده والشيطان تالتنا نقع في الغلط
أمسك لسانه نادمًا على التفوه بمثل هذا الكلام فماذا ستظن الفتاة به الآن، وبالفعل رمقته سارة بإندهاش ثم قالت :
-انت خايف نقرب من بعض I mean يعني زي اتنين بيهبوا بعض؟!
صدم من جرأتها في الحديث، عجبًا هذه الفتاة لا تتمتع بأي خجل مثل أي فتاة مرت على حياته، وعلى الأرجح ما ستقوله الآن سيقضي على أي مشاعر صغيرة بدأت تنبت بداخله إذ قالت سارة ببسمة :
-علشان كده بتهرب مني؟! كريم انا عمري ما هعمل كده معاك انت عندي صديق وبس، مش هوصل لمرحلة الحب علشان انا أكبر منك، don't have problems تحب واحدة أكبر منك؟؟
ختمت حديثها مصحوبًا بضحكة دون أن تدرك أن كلامها أتى في قلب هذا المسكين وبخرت مشاعره، ماذا كان ينتظر ان تبادله هذه المشاعر الحمقاء؟! ابنة المدير وموظف عندها هذا ما يحدث في المسلسلات التركية فقط لا في الواقع فكما يقول مثل شعبي
"انجي بنت الباشا مش هتتجوز علي ابن الجنايني" وسارة ابنة صاحب الشركة لن تتجوز من موظف عندها
الآن فهم لما حرم الله العلاقة بين الرجل والمرأة دون عقد شرعي لأن أحدهما سينفطر قلبه لأن ليس هناك علاقة رسمية تربطهما ببعض، وفي أي لحظة قد يتراجع أحد الطرفين تاركًا الآخر يعاني الهجر
ما كان عليه أن يوافق الاقتراب من سارة في البداية وها هى النتيجة أن انفطر قلبه، من الجيد أنه لم يقع في حبها كثيرًا وربما كان مجرد إعجاب من جهته هو فقط، وها هى تقضي عليه وهو يجب أن يستسلم لهذا وحمدًا لله سيخرج بأقل الخسائر
حاول الابتسام رغم أنه يشعر بلهيب القهر في صدره ولكن عليه ألا يميل الآن أمامها بشكل مثير للشفقة :
-لأ مش مستعد، بس لو احتاجتي مساعدة في يوم انا موجود يا دكتورة سارة
تعجبت من وضعه للرسميات بينهما فإستقام كريم من مكانه واتجه خارجًا فتساءلت :
-انت رايه "رايح" فين؟!
-رايح الحمام
خرج من المعمل ثم اغمض عينيه بقوة وهناك شعور مر في صدره ولكن لا بأس فنحن الرجال ننسى سريعًا ولا ننوح ونبكي على الفراق كما النساء، الأمر يحتاج بضعة أيام ودجاجة كبيرة يلتهمها هذا المساء، أو ربما زوج حمام بالفريك من أحد المطاعم
اصطدم كتفه بأحد ففتح عينيه سريعًا وقد أبصر أحد زملائه في التدريب يقهقه قائلًا :
-ايه يا ابني ماشي مغمض ونعسان كده ايه؟!
ابتسم له ببهوت فهو ليس في وضع يسمح له بالمزاح الآن :
-معلش مش مركز شوية
إستوقفه الآخر قبل أن يرحل متسائلًا :
-صحيح يا كريم انا حاسس إني شوفتك قبل كده؟!
ورفع كريم منكبيه بعدم معرفة مرددًا :
-يمكن في الجامعة
-لأ مش في الجامعة انا ذاكرتي قوية جدًا وحاسس إني شوفتك في مكان كده، يمكن مستشفى أو مصحة...
استوعب الآخر ما نطق بها فتلعثم بحرج مرددًا فور أن رأى ملامح الصدمة على وجه كريم :
-انا آسف مش قصدي مصحة إدمان يعني يمكن في مستشفى كنت تعبان او فعلًا في الجامعة
آماء كريم ثم إستدار حتى يذهب للمرحاض وقد تضخمت الغصة المرة في صدره من حديث هذا الرجل مع شعور بشع يراوده كلما ذكر أحدهم أنه كان مدمن، وللأسف لا يستطيع محو هذه الحقيقة أو إنكارها وستظل ملازمة له طوال حياته
ولا يستطيع حتى أن يتعامل بشكل طبيعي كلما مس أحدهم هذه البؤرة السوداء بل يتقهقر للخلف هاربًا من الجميع، ووالله كلام سارة له لم يفعل به كما فعل ذكر هذا الرجل لأنه رآه قبلًا في مصحة لعلاج الإدمان
وجد قدميه تأخذه لخارج الشركة تمامًا ثم صعد على دراجته النارية حتى يرحل من هنا ولكن قبل هذا أخرج هاتفه واتصل على والده ثم قال بنبرة جاهد حتى تخرج طبيعية :
-بابا معلش انا تعبت شوية وهمشي ابقى بلغ دكتور صفوت
-تعبت؟! انت كويس طيب؟؟ انت فين وانا أجيب لك؟
-انا أصلًا مشيت وهروح سلام دلوقتي
وفور أن أغلق معه حتى صعدت غصة مريرة لحلقه جعلته على شفا جرفٍ من الانهيار، ضغط على شفتيه يحاول أن يهدئ من نفسه ثم اتصل على حمزة
مرة والثانية وفي الثالثة رد بصوت منشغل :
-ايوه يا كريم
-انت فين يا حمزة؟
-انا في القاعة بشوفها وبصراحة نوعًا ما تمام، أبوك حجز قاعتين مش قاعة واحدة بس منفصلين عن بعض، مش عاجبني بصراحة اوي الوضع بس اعمل ايه في نور، انت فين؟!
تنهد كريم ويبدو أن من انشغال حمزة لم يلحظ نبرته المختنقة، ولا يستطيع لومه أو أن يقول له أن يأتي ويترك كل شئ فزفافه بعد غد وهو منشغل كثيرًا هذه الفترة :
-انا في الشغل كنت بطمن على إنك شوفت القاعة يعني وكده
أغلق معه ثم خرجت منه زفرة حارة تبعها تشغيل دراجته ثم وضع الخوذة على رأسه مدركًا أن هذه المرة يجب أن يلعق جروحه بمفرده...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
قيس أحب ليلى لكن لم يجتمع معها، وعنتر وعبلة كذلك، وروميو وجوليت أيضًا ويبدو أن جميع مَن يحب لا يجتمع أبدًا مع محبوبه، فالحب لعنة كما وصفه البعض
تهدجت أنفاسها بتعب ثم تبعها إغلاق جفنيها بإرهاق عندما رأت اسم يونس يعلو شاشة هاتفها للمرة الثالثة هذا اليوم ولا تجيب عليه، وهى على هذا الحال منذ ستة أيام، تحاول أن تكون طبيعية معه ولكن لا تستطيع، تخاف أن تنهار باكية في أي لحظة
جذبت هاتفها وقد ردت عليه بصوت حاولت صبغه بالنعاس حتى يظن أنها كانت نائمة :
-الو
ووصلها صوته الغاضب وله الحق في الغضب فطريقتها مع الجميع مؤخرًا ومعه هو بالذات تثير حنق الجميع :
-انتي مش بتردي لــيـه؟!
-كنت نايمة يا يونس
-وهو فيه حد ينام لحد المغرب وفي الشتاء
تقلص جبينها وأخذت تفرك وجهها بضيق بعدما صمتت تمامًا فقال يونس بعد برهة من الصمت :
-مالك يا شروق حصلك ايه؟؟ من يوم ما سافرتي الصعيد وانتي مش مظبوطة، كنتي كويسة معايا في النهار وتاني يوم كل حاجة اتغيرت وطريقتك اتغيرت
-مضايقة قوي يا يونس
نطقت بها بصوت مختنق مهدد بالبكاء فزفر يونس بضيق لا يفهم ما الذي أصابها بين ليلة وضحاها، والمشكلة أنها لا تبوح له بشئ :
-ايه اللي مضايقك؟ ما انا سألتك كذا مرة وانتي بتخبي ومش راضية تتكلمي
إلتقطت أنفاسها بصعوبة، هى ليست مستعدة للتحدث الآن فماذا ستقول له؟! أنها ستفعل مثل من سبقنها وتتركه في منتصف الطريق مثلهن، كم ستكون مؤلمًا على قلبه وقلبها هى أيضًا فقد قال لها بلسانه
"عرفتي تخليني اتعود عليكي واتعلق بيكي، عرفتي تستحملي لحد ما طلعتي النسخة الحلوة مني، متجيش بعد ده كله وتمشي من نص الطريق زي اللي مشيوا يا شروق"
شعرت أنها لن تصمد كثيرًا أمام أسئلته فقالت :
-معلش يا يونس النهاردة حنة نور فأنا هقفل علشان ألحق ألبس وامشي
سمعت تنهيدته القوية من على الناحية الأخرى فقالت بصوت حزين :
-انا آسفة يا يونس بس مش عارفة أجمع نفسي اليومين دول استحملني
-بس لو تقوليلي مالك
-بكرة هنسافروا إن شاء الله تتحل، إن شاء الله
باتت لحوحة في الدعاء وهذا ما أكد له أنها تعاني من مشكلة، وللأسف لا تشاركه وإن دل هذا على شئ فيدل على أنه جزء من هذه المشكلة، هكذا يخبره حدسه
أغلق معها فتركت شروق الهاتف وأحاطت رأسها بيديها تشعر وكأنها طاحون يدور، سمعت رنين الهاتف فظنت أنه يونس مرة أخرى ولكنها كانت والدتها فأنقلبت ملامحها ولولا أنها ستكون وقاحة وذنب لتجاهلتها
ردت عليه بصوت جامد قائلة :
-نعم
-مجتيش ليه لحد دلوقتي انتي وأختك؟؟ المغرب أذن المفروض تكونوا هنا من العصر
-براءة نايمة وتعبانة وانتي عارفة، وانا مش هاجي
أغلقت عينيها بضيق فور أن وصل لها صياحها وهى تقول :
-يعني ايه مش هتيجي؟! مش دي نور اللي كنتوا هتموتوا علشان تتجوز وتلبسوا الفساتين اللي فصلتوها؟؟ دلوقتي مش عايزة تيجي!! قدامك ساعة انتي واختك وإياكِ لو قالتلك سيبيني تسيبيها وحديها وتيجي
شعرت شروق بتلف في أعصابها ولم تعد تتحمل كلمة من أحد فصاحت بوالدتها وقد أخذت الدموع تترقرق في عينيها لقهرها :
-مش هاجي يا ماما مش كل حاجة عندكم هتبقى بالغــصــب حرام عليكي بقى
أغلقت الهاتف قبل أن تسمع سيل من السباب عليها ثم وقفت من مكانها تدور في الغرفة بوجه محتقن، ولم تلبث دقائق إلا وانفجرت في البكاء وعقلها أخذ يراجع جميع ما حدث يوم عادت إلى الصعيد، كان إستقبالًا عاديًا كأي أحد كان في سفر وعاد
ذهبت براءة لتنام متعبة بينما جرتها والدتها إلى المندرة مع والدها وهناك بدأ الحوار الذي يرهق نفسيتها حتى الآن
إذ قال والدها يبدأ الحوار بسؤاله عن براءة :
-اختك عاملة ايه هناك لسه تعبانة؟!
-لسه يا بابا ده حتى تعبت في القطر على نص الليل كده وانا وياسر هدناها بالعافية
زفر حسين بتعب على حال ابنته نادمًا أنه زوجها ليوسف فلو كان رفض ما كانت ابنته لتعاني كل هذا، ولكي لا يتكرر هذا النصيب مرتين قال :
-بصي يا شروق إحنا مش عارفين مين اللي عمل كده لأختك بس إحتمال كبير قوي يبقى من عيلتهم هما علشان انا وأمك اتأكدنا من كل عيلتنا، والله أعلم برضو علشان منظلموش حد
لم تفهم شروق نوعًا ما المغزى ولكنها قالت :
-ما حتى لو من عيلتهم هنعرف منين هو مين علشان يفكه؟!
نظرت فايزة لزوجها ثم تنهدت قائلة :
-إلهي ربنا يبتليه اللي عمله، بس مش هو ده اللي عايزين نتكلموا فيه معاكي، انا وابوكي يا شروق عايزين ليكي ولأخواتك الأحسن وتبقوا مرتاحين، لو اللي عمل السحر لأختك من عيلتهم يبقى مش بعيد يؤذوكي انتي كمان
-يعني ايه؟؟
نطقت بها بتوجس وها هى والدتها تفجر القنبلة قائلة :
-يعني تقولي ليونس ملناش نصيب نكملوا مع بعض وترجعيله كل حاجته ويا دار ما دخلك شر
دلو ماء سُكب عليها في برد ديسمبر حتى أنها لم تستطع النطق من الصدمة وقد أعطاها حسين بعض الوقت قبل أن يضيف :
-إحنا خايفين يحصلك انتي كمان زي اختك وبدال ما تبقى واحدة يبقوا اتنين، وانا ناويها لو أختك فضلت كده انا هطلقها منه ترجعلنا مطلقة ولا ترجعلنا ميتة
انتفض عقل شروق معطيًا رد فعل إذ قالت سريعًا تحاول ردعهم عن هذا القرار :
-طب افرض اللي مكنش عمله من عندهم تبقوا فسختوا خطوبتي وطلقتوها وخسرتوا اتنين رجالة كويسين، ده يوسف مستحمل من براءة اللي محدش يستحمله ده فتحت راسه بطبق چزاز "إزاز" وأقسم بالله لو واحد غيره ما كان استحمل ده كله وطلقها
وأجاب حسين بجدية قائلًا :
-ما علشان كده هستنى شوية عليهم ويبقى الطلاق آخر حاجة في ايدينا، ويونس قالي عايز يكتب عليكي وانا قولتله مش دلوقتي، لو انتي مش هتقدري تقوليله وهتتكسفي أقوله انا بس بعد فرح بت عمك علشان منكدوش عليهم
شعرت شروق بدمائها تفور إلى عقلها ورغم هذا حاولت التحكم في ردودها وكلامها من والديها اللذان يقرران مكانها قرارات مصيرية في حياتها :
-وانا شايفة زي ما هتدوا براءة ويوسف وقت تدوني انا ويونس برضو وقت
نظر حسين لزوجته التي بدا الرفض على ملامحها فقال هو بحكمة :
-ماشي نستنوا شوية، وربنا يشفي براءة والبلا ده يخلص بقى يعني انا هبقى فرحان لما تتطلق بعد تلات شهور بس، يعلم ربنا قلبي واجعني عليها ازاي لما شوفتها داخلة عليا بحالة ما يعلم بيها إلا ربنا وبقيت جلد على عضم من اللي فيها، ولو فسخت خطوبتك انتي ويونس فكوني عارفة إنه علشان مصلحتك يا شروق
تنفست شروق بصوت مرتفع وخرجت من المندرة وتركتهما، ولكن بقى الأمر في ذهنها ولم يذهب، تخاف أن يأتي يوم ويفصلان الخطبة دون الرجوع إليها، ربما معهما حق في هذا الحكم فلا تتمنى أبدًا أن تعيش ما تعيشه براءة الآن
ولكن ماذا إن كان ما بأختها بفعل أحد يريد اذيتها هى فقط ولا علاقة لا بيوسف ولا عائلته بالأمر، ستخسر هى حينها يونس وربها وحده يعلم كم تحبه، فهذا الحب على وشك إكمال ثلاث سنوات، بدأ بإعجاب خفي وانتهى بحب يملأ قلبها له
تعبت كثيرًا حتى تجعله يحبها، وأسرّت في نفسها كثيرًا حتى يجمعها الله معه في الحلال، أبعد كل هذا يجعلوها تتركه وتموت بحسرتها؟! والله ينفطر قلبها من التفكير بالأمر فماذا إن حدث بحق؟!
لطفك يا ربي فوالله أحبه ولا أريد زوجًا غيره
ليس في يديها الآن غير الدعاء على من فعل هذا السحر فهو ليس فقط يخرب بيت شقيقتها بل ويخرب علاقتها مع يونس أيضًا
رن هاتفها مرة أخرى وأنتشلها من موجة البكاء هذه لتجد المتصل والدها، خافت من الرد فبالتأكيد روت له والدتها فظاظتها معها ولكن ما باليد حيلة، إن لم تجب لن تمر هذه الليلة مرور الكرام أبدًا ولتستعد لسيل من السباب والوعيد وكأنها تشتهي المزيد من الهموم....
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ولجت مع صديقاتها إلى قاعة الدروس الخصوصية المعروفة بـ "سنتر الدروس" ليستوقفهن أحد الأولاد ممن هم أكبر منهن سنًا في المرحلة الثانوية، ولكن لم يستوقفهن جميعًا بل استوقف إحدى صديقاتها حتى يتحدث معها وقد هرولت له الأخرى وكأنها رأت والدها قد عاد من السفر
امتعض وجه إحدى الواقفات معهن ثم قالت :
-علفكرة مش أول مرة أشوفها واقفة وبتتكلم معاه، المفروض حد يقولها كده غلط يا جماعة
حدقت بها رحمة دون حديث بينما علقت أخرى وقد كانت شيماء ابنة خالتها :
-سما معاها حق كده كتير، أصلًا الولد ده دمه تقيل عاجبها في ايه كل لما نيجي السنتر تقف معاه وترغي
ولج ثلاثتهن إلى الداخل وجلسن في مكان واحد في إنتظار الأستاذ حتى يأتي ويبدأ، وبعد دقائق عادت صديقتهن وهناك بسمة بلهاء على وجهها وفي يدها وردة بيضاء، جلست إلى جانبهن فقالت سما بجدية :
-رانيا مين الولد اللي كنتي واقفة معاه؟؟
صمتت الأخرى لبرهة ثم قالت مدعية الخجل مع بسمة متسعة أرتسمت على وجهها وكأنها فخورة بما تقول :
-ده الكراش
-كراش ايه يا بنتي انتي بتتكلمي بجد؟! انتي لسه صغيرة على الكلام ده
هتفت بها شيماء فقالت سما بنفور من المسمى الذي نطقت به صديقتها :
-لأ ثواني يا شيماء ده ملوش علاقة بسن له علاقة بتربية
احتدت عيني الأخرى بغضب من سبها هذا فقالت :
-قصدك إني مش متربية يا سما؟!
-يا بنتي مش قصدي، انا عايزة أنصحك اللي بتعمليه ده حرام وغلط، حرام تكلمي ولد متعرفهوش
-علفكرة ده يبقى قريبي وباباه يعرف بابا كويس ويعرفه كمان يعني مش ولد غريب
-وهو باباكِ يعرف إنك بتكلميه وبيجيبلك ورد
نطقت بها سما وقد حاصرتها في الزاوية ولكن الأخرى يسيطر عليها الشيطان فلا ترى أن ما تفعله خاطئًا إذ قالت بطريقة هجومية ولا تريد أن تظهر أمامهن كمذنبة :
-انا مش أول واحدة تعمل كده ما الناس كلها بتعمل كده
وقالت رحمة بقنوط لقولها هذا :
-لأ طبعًا مش كل الناس بتعمل كده، يعني ايه أقابل واحد غريب وآخد منه هدايا واخلي الناس كلها تقول عليا إني مصاحبة ولد
رمقتها رانيا بملامح ساخرة ثم قالت بإستهزاء مبطن :
-على الأقل انا مش بعمل كده في الضلمة بعمله قدام الناس، الدور والباقي على اللي بتكلم شباب في الخباثة وماشية توزع نصايح
شعرت رحمة بنبرة الاتهام في نبرتها وقد ألجمها قولها هذا بينما صاحت شيماء تدافع عن صديقتها :
-ايه اللي بتقوليه ده يا رانيا؟ قصدك إن رحمة بتكلم ولاد؟! حرام عليكي الافتراء ده
-انا مش بفتري يا حبيبتي اسأليها قدامك ليه بقيت أربعة وعشرين ساعة على الفون فاتحة واتس حتى في الحصص الفاضية، ولما نسألها تقول صاحبتي أو مرات اخويا، وهى مرات اخوكي يا رحمة اسمها مازن؟؟
نظر ثلاثتهن إلى رحمة، سما بصدمة وشيماء بذهول ورانيا بإتهام، وسرعان ما تحدثت شيماء لا تصدق هذا على أقرب صديقة لها :
-طب علفكرة بقى مازن يبقى اخويا وابن خالتها، عمرك ما ابن خالتك بعتلك رسالة ولا انتي بعتيله رسالة؟!
-وهو ابن خالتي هيبعتلي ليه وحشتيني ومستني الترم يخلص علشان اجي إسكندرية واشوفك
شعرت رحمة بصدمة وخجل من نفسها لدرجة شعرت بالخرس ولم تستطع الدفاع عن نفسها، وبماذا تدافع وهى بالفعل مخطئة فلو كانت على حق الآن لهبطت على وجه رانيا ولطمتها
نظرت حولها بخوف من أن يسمعهن أحد هنا بينما قالت شيماء بذهول :
-رحمة مازن بيبعتلك كده!؟
وخرجت أخيرًا من صمتها فلن تجعل رانيا تقلب الطاولة عليها :
-انتي بني آدمة وحشة اوي يا رانيا علشان بتقلبي في تليفوني وفي الشات عندي من غير إذني
وقالت الأخرى بفظاظة :
-آه نسيب دلوقتي المهم ونمسك فيا انا وانا الوحشة
نهرتها شيماء مدافعة عن رحمة بينما سما تراقب الوجه الآخر من صديقاتها :
-علفكرة إحنا كنا بننصحك انتي يا رانيا وقلبتي الموضوع على رحمة
-علشان أوضح بس اني مش الوحيدة اللي بتعمل كده
نظرت نحو سما ثم أكملت :
-ما تتكلمي يا شيخة يا سما ولا انا وحشة ورحمة نسمة، اتكلمي يا بتاعت الحرام والحلال والمواعظ والدين
رمقتها الأخرى بنظرة قوية ثم أجابت :
-بتاعت المواعظ والدين؟! انا لو زي ما بتقولي فده يدل على انك لا تعرفي حرام ولا حلال ولا عندك دين
اشتعلت أعين رانيا وهمت بالهجوم عليها وجذبها من حجابها الفضفاض فحالت بينهما شيماء حتى لا تضرب سما ثم صاحت بها :
-امشي يا رانيا إحنا مش عايزين نكلمك تاني
وتمتمت الأخرى بحنق وهى تبتعد عنهن تمامًا :
-أحسن عاملين فيها شيوخ وهما مليانين ذنوب
إستدارت رحمة على صوت شيماء وهى تنادي على سما التي جذبت حقيبتها واتجهت نحو الخارج فلحقت رحمة وشيماء بها نحو القاعة بعدما أخذوا مقتنياتهما لتنادي شيماء :
-انتي رايحة فين يا سما؟!
-همشي مش هحضر الدرس النهاردة
نظرت نحو رحمة ثم أضافت بجدية تامة :
-لو الكلام اللي قالته عليكي ده صحيح يبقى انتي بتمشي في سكة غلط يا رحمة
إستدارت شيماء نحو رحمة وعلقت بإستفهام :
-هو مازن بيكلمك بجد وبيبعتلك الحاجات دي!؟
وصمتت الأخرى خجلة من نفسها ولم تجب عليها فقالت سما :
-قولتلكم بلاش نصاحب البنت دي مش كويسة، لا طريقة كلامها ولا لبسها زينا، فاكرين لما قولت لشيماء على الحجاب وقولت لرحمة تطوله شوية قالت ايه؟؟ بلاش خنقة ده إحنا لسه صغيرين، من وقتها وقولتلكم البنت دي مينفعش تبقى صاحبتنا علشان الصاحب ساحب لو مقدرناش نجرها إحنا للحاجات الكويسة هتجرنا هى للحاجات الوحشة وأهو رحمة بقيت بتكلم ولاد
دافعت رحمة عن نفسها وقد ابتلعها الحرج من نفسها ومن الذنب الذي تقوم به :
-انا والله بكلمه بس على الفون مش بشوفه
وقالت سما بنبرة أكثر هدوءًا :
-يا قلبي ده غلط حتى لو شات بس ولو حتى لو ابن خالتك مينفعش تكلميه بأريحية علشان هو مش من محارمك، هتستفادي ايه لما تكلميه ولا حاجة بالعكس ده ممكن بكرة وبعده يذلك بالكلام ده وإنك كنتي بتكلمي شباب وهو ولا جوزك ولا حاجة، تقدري تقوليلي لو أهلك عرفوا إنك بتكلمي واحد وبيبعتلك الحاجات دي هتقولي ايه، انتي هتدمري نفسك يا رحمة
شعرت شيماء بالضيق لهذا الكلام على أخيها فقالت :
-ده اخويا يا سما وهو أكيد مش قصده حاجة وحشة
-حتى لو يا شيماء مينفعش يكلمها بالطريقة دي خالص، والمفروض لو نيته سليمة ميدخلش من ناحيتها هى، ثم أصلًا رحمة صغيرة جدًا على الكلام ده والحب والارتباط، ده بدال ما تذاكر تروح تعمل حاجة حرام؟! ازاي اخوكي يعمل حاجة زي دي؟؟
لم تجد شيماء ما تدافع به عن أخيها لذا صمتت بينما قالت سما وهى تقترب من رحمة :
-انا خايفة عليكي وبنصحك علشان صاحبتي، ومينفعش أشوفك بتعملي حاجة حرام وغلط واسكت، انتي كده بترخصي من نفسك، مثلًا لو جيتي تتجوزي أو تتخطبي وظهر في حياتك من تاني شخص انتي كنتي بتكلميه وقال عليكي قدام خطيبك انا كنت بكلمها وبحب فيها وكذا وكذا، انتي موقفك هيبقى إزاى وقتها؟؟ هتخسري نفسك علشان مجرد كلام في الشات أو كام هدية من واحد، والله انتي أغلى من كده بكتير
دخل كلامها عقل رحمة بقوة وأشعرها أكثر بالذنب فآماءت لها ثم أخرجت هاتفها واتصلت على مازن دون تردد، وما إن رد عليها حتى قالت بشكل مباشر :
-مازن انا مش عايزة نتكلم تاني علشان اللي بنعمله ده حرام، لو سمحت متبعتش ليا حاجة تاني
أغلقت في وجهه ووضعت رقمه على الحظر في كل المواقع وحذفت جميع الرسائل ثم أطلقت زفرة مرتاحة لأنها تخلصت من هذا الذنب بينما قالت شيماء بمزاح :
-رغم إنه اخويا بس هو ده الصح فعلًا، مقدرش أقول حاجة
وضعت يدها على كتف سما أفضل صديقة عرفتها :
-أحلى حاجة إن عندنا صاحبة حلوة زي سما بتبعدنا عن الغلط وتوجهنا للصح
انتبهت لها سما فقالت ببسمة صغيرة وبطريقة نصح لطيفة :
-وانتي يا شيماء أمتى بقى نلبس الحجاب؟!
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الثالث وثمانون 83 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلوا على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
شيئان لا ينمحيان من العقل بسهولة، الذكريات البشعة والذكريات السعيدة
وفي حالته الآن يتذكر واحد من أسوء الأيام التي مر بها وقد كان هذا اليوم هو أول خطوة له في طريق الإدمان، كان لا يزال في العشرين من عمره والسنة الدراسية لتوها إنتهت وقد خرج هو وأصدقائه من أجل الإحتفال بنهاية العام الدراسي
لم يكن يعلم إلى أين هو ذاهبون ولكنه كان متحمسًا أنه سيخرج قليلًا في شهر قضاه بين الدراسة والإختبارات، هبط من سيارة تعود لأحد أصدقائه ليجد نفسه أمام مكان لم تطؤه قدمه من قبل :
-انتوا جايبينا كبارية يا جدعان؟!
هتف بها مصدومًا فقهقه أحدهم بعلو قائلًا :
-كبارية؟! انت عايش أيام الثورة ولا ايه اسمه نايت يا كريم
-يا عم نايت ولا نهار ما المعنى واحد في الآخر
واعترض الآخر قائلًا ببسمة سمجة :
-لأ فيه فرق الكبارية ده للعشوائيات يتفرجوا على رقاصة بترقص على أغنية لسعد الصغير ويشربوا خمرة في أزايز خضرة وهتلاقيه في شارع الهرم، أما ده لأولاد الذوات مفيش فيه عك من ده كله
ارتفع إحدى حاجبي كريم بسخرية مرددًا :
-هو هو نفس اللي قولت عليه بس الفرق كل اللي اتقال ده أقلبه انجلش، كله بيرقص على أغنية Dance Monkey مش رقاصة واحدة وبيشربوا تكيلة أو أي حاجة غالية وهتلاقيه في أماكن هاي كلاس زي كده
أحاط أحدهم بذراعه قائلًا بنبرة ضاحكة :
-وانت تعرف التكيلة ازاي يا كريم، تلاقيك بتيجي الأماكن دي من ورانا
زفر الآخر بضيق فهل هذا فقط ما جذب انتباههم، وعندما وجده صاحب فكرة مجيئهم لهنا ضائقًا قال :
-طب بص تعالى ندخل ولو معجبكش الوضع امشي، مش عايز ترقص ماشي اقعد واتفرج واشرب عصير برتقال سهلة أهي
بعد تفكير دام لدقيقة وافقهم الأمر وولج معهم مقررًا أنه سيجلس فقط دون أن يفعل شئ وليته راجع نفسه أكثر قبل أن يدخل هذا المكان الممتلئ بالفواحش والكثير من الشباب غارقين في غفلة لا يعقلون أن ما هم به ذنوب لا حصر لها
جلس على أحد الارائك السوداء المنتشرة في المكان بجانب أصدقائه ثم طلب صديقهم شئ يشربونه ليأتي النادل ببعض الأكواب الصغيرة ممتلئة بمشروبات لاذعة تتصاعد منها الفقاعات الصغيرة
عقد كريم ملامحه عندما مد له أحدهم كوب منهم فقال :
-انا قولت مش هشرب الحاجات دي
-دي كوباية واحدة يا كريم هتعمل ايه
رفض الأمر رفضًا باتًا وهم بالانصراف فوقف صديقه يمنعه من الوقوف قائلًا :
-خلاص يا عم أقعد وانا هاروح أجيبلك عصير
استقام خلفه أحدهم سريعًا وقد أعطى له في يده شريط حبوب ثم قال في أذنه حتى يسمع :
-حطله واحدة من دي في العصير
ابتسم له بسمة شيطانية ثم أخذه منه ووضع لكريم واحدة في العصير وانتظر ذوبانها ثم عاد لهم وأعطاه له، وقد شربه الآخر معطيًا الأمان له، ولو عاد به الزمن ما كان ليعطي أمثال هؤلاء الثقة أبدًا وهذا الخطأ الذي يقع به الكثير يعطون الثقة والأمان للأصدقاء دون التفكير مرتين
ظل دقائق لا يشعر بشئ إلىٰ أن أصبحت الرؤية عنده غير طبيعية فشعر أن الأضواء أصبحت متداخلة والأصوات صاخبة أكثر من اللازم لتسحبه المخدرات لعالم وردي ولذة فانية لا تدوم كثيرًا، حتى أنه لهذا اليوم لا يتذكر ما حدث يومها
فلا يتذكر أنه أصيب بحالة من النشوة والجنون وأصبح يضحك ويرقص، وجرب جميع المشروبات الموجودة في المكان، وقد ظل على هذا الحال إلىٰ أن فقد وعيه، ولم يفق إلا في ظهر اليوم التالي على صداع شديد يكاد يفلق رأسه لنصفين
وجد نفسه غافيًا في غرفته على فراشه وملابسه قد تم تغيرها، اعتدل بصعوبة وهو يحيط برأسه التي تدق كما الساعة فأخد يتأوه بصوت مرتفع جذب حمزة للغرفة فدخل وأغلق الباب خلفه ناظرًا له بنظرة قوية لم يوجهها له يومًا
إزدرد لعابه بصعوبة ثم قال :
-حمزة
همهم الآخر بإيجاب وقد اتكأ على الحائط، عاقدًا ذراعيه أمام صدره ثم قال :
-كنت فين يا كريم إمبارح؟!
ودار بؤبؤي كريم بتوتر في أرجاء للغرفة ثم أجاب سؤاله بسؤال آخر :
-انا جيت هنا ازاي؟! مش فاكر حاجة
-انا اللي جيبتك بعد ما حد من صحابك رد عليا وقالي تعالى خد أخوك مسطول ومغمى عليه وريحته كلها خمرة
نفى برأسه سريعًا وقد حاول الاستقامة لكن آلام رأسه لم تساعده فقال وهو يجلس في مكانه مرة أخرى :
-والله ما شربت يا حمزة
-بتحلف بالله كدب كمان!؟
هم كريم بالقسم له مرة أخرى أنه لم يفعل هذا فصاح به حمزة حتى يتوقف قائلًا :
-بـــــس يعني انا هكدب عينيا وانا شايفك مسطول وريحتك كلها خمرة وهصدق كدبك؟!
إحتار الآخر فيما يقول فهو لم يضع في فمه إلا ذاك عصير هل يعقل أنه شرب الكحول دون أن يدري؟! تحرك حمزة من مكانه وأخرج من كيس بلاستيكي ملابسه التي كان يرتديها أمس ثم ألقاها نحوه هادرًا بغضب :
-خد شم ده طالما مش مصدق، ريحته زفت خمرة وبرفان بنات، أقولك على الكبيرة بقى رقبتك كان عليها روج وشفايفك كمان
جحظت عيني كريم بصدمة شلت لسانه حتى على نفي هذا أو محاولة للدفاع عن نفسه فأضاف حمزة متهكمًا :
-بس صحابك قالوا إنك ملحقتش تقرب منها ووقعت مغمى عليك في حضنها، تخيل بقى لو كان حصل بينكم حاجة؟!
ظهر الندم داخل عينيه رغم أنه لا يتذكر أي شئ لكنه نادم على أنه دخل هذا المكان من الأساس، طأطأ رأسه خجلًا فصاح به حمزة بعصبية قائلًا :
-متنزليش راسك كــــده، انت ليه روحت المكان ده؟! ليه تصاحب الأشكال ده من الأســـاس؟؟
اقترب منه بعنفوان ثم جذب خصلاته بقوة دون مبالاة بتأوهات الآخر ولكن حتى يدرك حجم الكارثة التي فعلها والتي كان سيفعلها :
-انت عارف انا جبتك هنا ازاي؟! عارف الحالة اللي كنت فيها وانا بدخلك البيت الساعة تلاتة الفجر مغمى عليك ومسطول ؟! ده انا وأمك قعدنا للفجر هنموت من القلق عليك، لفيت عليك في المستشفيات واتصلت عليك مية مرة، وأقسم بالله لو أبوك كان هنا ومش مسافر مكنش دخلك البيت وقالك روح أرجع المكان اللي جيت منه
صاح الآخر متألمًا من جذب حمزة لشعره مع آلام رأسه فأصبح الأمر غير محتمل :
-خلاص يا حمزة والله ما هاروح هناك ده
جذب حمزة خصلاته بقوة أشد ثم قال بتحذير صارم :
-العيال دي متمشيش معاها تاني وتقطع علاقتك بيهم، كان فين عقلك وانت داخل معاهم!؟ مقولتش حرام؟ مقولتش غلط؟ مخوفتش من ربك ولا من أبوك لو عرف؟! ليه كده يا كريم
ضغط على شفتيه بندم مقسمًا له مرة أخرى أنه لن يذهب لهناك :
-والله ما هاروح ولا همشي معاهم تاني يا حمزة خلاص كفاية والله راسي هتنفجر
في هذه الأثناء دخلت والدته الغرفة ولم تنظر إلى كريم بل وضعت صنية طعام وكوب قهوة على مكتب حمزة ثم قالت بنبرة ضائقة :
-قوله يطفح يا حمزة
رمقها كريم بحزن مناديًا عليها ولكنها لم ترد عليه ولا نظرت له حتى بل خرجت وأغلقت الباب فعلم أنها تمارس عليه أسلوب التجاهل فلطالما استخدمت هذا الأسلوب معهم كلما أخطأ أحدهم خطأ كبير، تظل تتجاهله أيام دون النظر له حتى.
لم يستطع منع نفسه من لوم من ظنهم أصدقائه فذهب لهم وثار عليهم ولكنهم انكروا إجباره على شئ فهو من نفسه شرب وطلب المزيد، وهو من رقص مع الفتاة وهم بمعاشرتها لينتهي به الأمر فاقد الوعي قبل أن يبدأ حتى
أقسموا جميعهم على هذا حتى شك في نفسه ورغم هذا ظل فترة طويلة يتجنبهم إلىٰ أن بدأت الدراسة، وعاد يجتمع بهم كثيرًا في المحاضرات فعاد لهم مرة أخرى ويا ليته لم يفعل
قال لنفسه أنه لن يقترب من أي مكان يذهبوه ولن يخرج معهم إلا لأماكن طبيعية، كـ كافتريا الجامعة أو مقهى قريب منها ولكن حتى هذه الأماكن لم تمنع شيطانهم من أن يجعلوه فأر تجارب
تصنع الغيرة من نفوس البشر شياطين أنس يفكروا في ألف طريقة حتى يضربوك بها، في أخلاقك، في سمعتك، في دراستك، يظلوا يحاولوا وسوسة الفساد لك حتى يجعلوك نسخة بشعة مثلهم
وإن لم تفلح الوسوسة يلجأ لحلول أخرى يزرع بها الفساد في داخلك بكل خبث فقد كانوا يضعوا له الحبوب داخل أي شئ يشربه
على سبيل المثال بين المحاضرات أتى أحدهم بقهوة باردة ووزعها عليهم وتكون خاصته مزروع بها المخدر، فقد أصبحنا في زمن مخيف حتى الأصدقاء لا يجب الوثوق بهم ثقة كلية، بل والأهم من هذا أن ندرك من نرافق فكما قال رسولنا الكريم
"المرء على دين خليله فلينظر أحدكم إلى مَن يخالل"
مرة في الثانية في الثالثة بدأ يشعر بصداع غريب، وشرود، وزوغان في عينيه، وفتور في جسده، والكثير من النوم في المحاضرات وهذا ليس من شيمه، فلم ينتظر على نفسه كثيرًا
إذ ذهب لمعمل تحاليل وقام بالتحاليل لنفسه لتأتيه القاضية بأن جسده به مخدرات، أصابه الجنون حتى أنه أعاد التحاليل مرة أخرى لتكون نفس النتيجة، فظل يوم كامل يفكر في الطريقة التي وصلت بها المخدرات لجسده
وبعد الكثير من التفكير وجد أن حالة الشرود وعدم التركيز والنوم الكثير تأتيه بعد أن يشرب شيئًا أحضره صديقه والغريب أنهم يكونوا بخير إلا هو وشاب آخر يصبحا كما المضروب على رأسه
ذهب لهم وادعى أنه بخير ولم يقل لأحد وحين احضروا شيئًا يشربونه كما العادة أصر علي أن يأخذ ما في يد غيره وليس ما قُدمت له، لينفضح المستور حينها ويتشاجر معهم شجار عنيف انتهى بتقديم المشروب للعميد وتقديم شكوة بهم ومقاطعتهم تمامًا
لكن الخطأ الذي فعله أنه لم يخبر أحدًا وتكتم على الأمر خوفًا من أن يعلم حمزة أو والده وعاهد نفسه أنه سيتعالج بنفسه ولكن عهد المدمن لا يدوم يومًا، فلم تكن عنده الإرادة القوية التي تجعله يقلع عن الأمر
عاش ثلاثة أيام في آلام لا تطاق فلم يستطع التحمل وركض بحثًا عن أي شئ يوقف هذه الآلام ليجد نفسه يغرق في عالم المخدرات ببطء شديد وأستمر أشهر قليلة على هذا الوضع إلىٰ أن فُضح الأمر وعلم حمزة ووالديه
تقلب في فراشه متحسسًا جرح ذراعه الناتج عن انقلاب الدراجة به على الطريق وحمدًا لله لم يكن هناك كسور أو أي شئ فقط كُشط جزءٌ من جلد ذراعه وحتى الآن لا يعلم أحد بالأمر
فحين عاد للمنزل لم يكن هناك أحد به، والدته ورحمة في المدرسة ووالده في العمل وحمزة كان يرى قاعة زفافه فبقى هو في المنزل يتذكر ما عاشه في فترة عمره ما بين العشرين والواحد والعشرين
أطلق تنهيدة حارة يسمع صوت حمزة في الخارج قد عاد بعدما ظل حتى المساء في الخارج ينهي آخر ترتيبات زفافه، وللأسف لم يكن هو معه ولم يرضخ لطلبه حتى يأتي ويساعده في الترتيبات
وهذا لأنه يشعر أن به طاقة سلبية ستغطي على طاقة حمزة الإيجابية لذا لم يذهب وساعده يونس وإسماعيل في الأمر، استمع لهمهماتهم قريبة من الباب ويبدو أن والدته تخبر حمزة بحالة الاكتئاب التي هو بها منذ الصباح
ولم تمر دقيقة إلا وسمع طرق الباب ثم فتحه حمزة وقال بلوم مازح :
-بقى أقولك تعالى يا كراميلا علشان تساعدني تقولي جسمي واجعني ومش قادر أقوم لا أخص متوقعتهاش منك
لم يبادله كريم المزاح بل فقط حرك عينيه بإتجاهه بصمت قاتل آثار القلق عند حمزة فجلس على طرف الفراش بجانبه قائلًا :
-مالك يا كريم
خبأ الآخر ذراعه المجروحة أسفل الغطاء ثم ابتسم له منحيًا أفكاره السوداء في أبعد نقطة في عقله حتى لا يفسد مزاج حمزة :
-مفيش تقريبًا داخل على دور برد تقيل
تحسس الآخر وجهه حتى يرى حرارة جسده ثم قال بحنو :
-طب ما تاخذ دواء برد طيب
-أخدت دلوقتي يشتغل المفعول
جذب حمزة من عليه الغطاء حتى يقف ثم ابتسم قائلًا :
-قوم يلا بلاش كسل في السرير أمك عاملة أكل يفتح النفس برا وكمان ابسط يا عم جايبلك حلويات من العبد بجملة المصاريف، وكمان خبر أحلى هيخليك تقوم تزغرط
جذب الآخر كُمه ثم استقام ببطء فسقوطه من على الدراجة يجعل عظامه تئن ألمًا، ورغم هذا ابتسم حتى لا يشعر حمزة بشئ ثم قال :
-ايه الخبر اللي هيخليني ازغرط جايبلي عروسة ولا ايه؟!
-عرفت منين؟!
وتفاجأ كريم حقًا فقد قال هذا صدفةً لا أكثر :
-انت جايبلي عروسة بجد!!؟
هندم الآخر ملابس كريم وكأنه يرتدي بذلة الزفاف وليس بجامة شتوية ذات لون أزرق فاقع، من ثم قال بنبرة درامية مؤثرة ولكنها آثارت الضحك عند كريم وليس مشاعره :
-كبرت صغيري وسوف تتزوج، كيف مر العمر هكذا فلا أزال اتذكر يوم حملتك على يداي رضيعًا
قهقه كريم بقوة ثم قال دافعًا يديه بخفة عن ملابسه :
-بطل فتي بقى وكلام أمهات، أمتى انت فاكر إنك شيلتني؟! يعني كان عندك خمس سنين وقتها
ابتأست ملامحه فهو يقول له كلامًا جميلًا مؤثرًا والآخر يسخر منه :
-كراميلا
وضيق كريم عينيه ثم قال بريبة :
-عارف لو قولتلي هات بوسة؟!
-لأ انا هاخدها علطول
هجم عليه مدعيًا تقبيل رأسه فصاح الآخر برفض كـ بطة تتعرض للهجوم من قبل ذكر إوز ضخم ليسقط كلاهما على الفراش وهذا ما جعل كريم يأن ألمًا بخفوت، بينما قبّل حمزة جبينه رغمًا عنه ثم ضحك قائلًا :
-تم خدش حياءك بنجاح
استقام من مكانه وعدل سترته التي فسدت مدعيًا تقليد مشهد درامي وهو ينظر إلى كريم المكوم فوق الفراش كأنثى تم إنتهاكها للتو :
-انا آسف يا كراميلا مقدرش اتجوز واحدة سلمتني نفسها وخلتني ابوسها كده عادي
ضحك الآخر رغمًا عنه ثم قال مندمجًا في هذه الدراما العبثية إذ ضم ملابسه لصدره بيديه ثم قال مدعيًا الانكسار :
-انت اللي اتغرغرت بيا يا سي حمزة وخدتها مني غصب عني
إعتدل في مكانه بسرعة مبصرًا رحمة تقف على الباب تطالعهما بريبة ثم تساءلت :
-انتوا بتعملوا ايه؟!
وإستدار لها حمزة بعدما كان يواليها ظهره ثم قال محمحمًا :
-بنعمل حاجة مينفعش على اللي في سنك يفهموها
أطلقت الأخرى شهقة قوية ويبدو أنها قد صدقته فقال حمزة سريعًا يشرح لها :
-استني هفهمك
-استني يا آمــــال
نطق بها كريم غارقًا في الضحك بعدما قلد أحد المقاطع المضحكة على السوشيال ميديا، وقد خرج أخيرًا من حالة اكتئاب أصابته اليوم بأكمله في عشر دقائق فقط، عسى ربه ألا يحرمه من نعمة الأخوة...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
-اسم جوزك ايه؟؟
نطقت بها امرأة سمراء ذو وجه بشوش وفي يدها قلم حناء حمراء فتبتسم نور خجلة من فكرة كتابة اسم حمزة على يديها فقالت بحرج :
-اعملي حرف H بس
تحدثت دعاء التي تجلس بجانبها فاردة كفيها أمامها حتى تجف الحناء :
-اسمه حمزة واكتبي اسمه كله متسمعيش كلام البت دي
حدجتها نور بغيظ فقالت الأخرى بلامبالاة :
-متبصيش كده المفروض تكتبي اسمه وبالعربي
نظرت نحو شروق التي تجلس في أحد الأركان عاقدة وجهها بشكل غير متوقع فليست من شخصية شروق أن تلتزم الصمت في مثل هذه المناسبات بل تظل تصور نفسها والجميع وتهلل، فما بالها الليلة كامرأة مات زوجها وفي رقبتها خمس أطفال لا تدري من أين تصرف عليهم :
-شروق مش هتيجي تعملي حنة؟؟
لم تتلقى منها رد فنادت عليها مرة أخرى ولا رد فوكزتها ابنة خالهم بعنف نوعًا ما مما جعل الأخرى تصيح غاضبة وهى تفرك ذراعها :
-فيه ايــــه؟!!
وتحدثت عائشة لا تفهم سر غضبها ومزاجها السئ هذا :
-مالك يا شروق من ساعة ما جيتي من إسكندرية وانتي مش على بعضك
زفرت الأخرى بضيق وشعرت أنها قد بالغت في رد فعلها فقالت :
-مفيش مخنوقة شوية واتعاركت انا وماما، وابويا وهزقني فمزاجي في الأرض
رن هاتف بجانبها وقد كان يعود لنور فرفعته ونادت عليها قائلة :
-نــــور حمزة بيرن
انتبهت الأخرى لها بل الجميع انتبهن لها لتخفض إحدى الفتيات صوت الموسيقى النوبية قائلة بحماس :
-نور Your husband بيرن
تعجبت نور أنه لا يزال مستيقظًا حتى هذه الساعة، لتنظر إلى يديها المرسومتان بحيرة ثم قالت :
-ايه اللي مصحيه لحد دلوقتي؟! سيبيه يرن
-يا بت عيب ايه سيبيه يرن دي، ثم الراجل مش راضي ينام قبل ما يطمن عليكي ازاي مترديش
ارتفعت ضحكات الفتيات من حولها فقالت نور وهى ترفع أمامهن كفيها :
-مش هعرف أرد
جذبت أحداهن الهاتف من شروق وجلست بالقرب منها ثم قالت ببسمة متسعة :
-هرد انا وافتح الإسبيكر وهمسك التليفون وانتي تردي ماشي؟!
اعترض نور سريعًا فهى تخجل عندما يتحدث معها بينهما فماذا سيحدث إن كن الجميع يستمعن :
-لا استني يا بطة مترديش انا هبقى اتصل عليه بعدين
لحت عليها الأخرى حتى توافق وقد أشارت للفتيات جميعًا بالسكوت ثم قالت :
-انا هرد وإحنا هنسكت متخافيش مش هنعملوا صوت هنسمع بس
ردت قبل أن تعترض لتجد نور نفسها أمام الأمر الواقع حين قال حمزة :
-ايه يا حبيبتي انتي نمتي ولا ايه؟؟
عضت نور على شفتيها بحرج ثم ردت :
-لأ لسه الحنة مخلصتش
-طب انا عايز أشوف ايديكي كتبتي اسمي زي ما بيعملوا صح؟!
-هوريهالك لما أجي إسكندرية
-لأ انا عايز اشوفها دلوقتي مليش فيه وأشوف الفستان اللي لبساه كمان
همهمن الفتيات ضاحكات بينهن فرمقتهن نور بغضب وعندما عم الصمت قال حمزة بشك :
-هو انا حاسس ليه إن فيه مستمعين للمكالمة، فيه صوت ضحك كده في الخباثة
-ايه السرعة دي!!؟ لا هخاف منك بعد كده، بتفهم الحاجات بسرعة انت
وفور أن نطقت بها نور حتى علت قهقهات الفتيات من حولها فقال حمزة ببسمة مشاغبة :
-حطاني على الإسبيكر يا نور!؟
-والله ما انا ده هما فتحوا الخط وعايزين يسمعوا قُللات الأدب
ضحك الآخر بخفة ثم قال :
-عايزين يسمعوا ايه بالظبط؟!
نظرت نور سريعًا نحو ابنة خالها قائلة :
-اقفلي يا بت اقفلي
وسارعت دعاء في الرفض قائلة :
-استني يا ولية قولي يا أستاذ انت اختارت بت عمي ليه اشمعنا هى يعني؟؟
ود لو يقول أنه النصيب ولكن لسانه العابث أبى هذا فقال :
-علشان بموت في بنت عمك
خجل الجميع من هذا الرد حتى دعاء نفسها بينما نور ودت لو تخبئ نفسها أسفل الأرض ولم تجد غير الصياح في ابنة خالها حتى تغلق الهاتف :
-يا بت أقفلي
أغلقت الأخرى بالفعل ثم قالت ببسمة بلهاء :
-لو كنت أعرف إنه هيتكلم كده مكناش فتحنا عليه، ايه ده يا جدعان؟!!
نظرت دعاء نحو شروق الصامتة ثم قالت :
-من الأرض إلى شروق حول هل تسمعني؟!
قلبت الأخرى عينيها بضجر قائلة :
-انا تعبت والله عايزة أروح
-تعبتي ايه يا شروق انتي جاية من المغرب معملتيش معانا حاجة، ومن ساعة ما جيتي وانتي قاعدة مكانك متحركتيش
نظرت نحوها إحدى الفتيات ثم قالت بنبرة تهديدية مازحة :
-خطيبك مزعلك ولا ايه؟؟ من ساعة الموقف البايخ بتاعه في فرح أيمن وانا مش بلعاه لو زعلك قوليلنا وإحنا نفرموه
ضحكت الأخرى ساخرة وأجابت :
-لو زعلني مش هستنى حد يجيبلي حقي، وانا معنديش لسان وإيدين ولا ايه؟!
وتحدثت نور وهى تقف من مكانها بعدما أنهت :
-جبروت يا شروق مش محتاجة مساعدة من حد بتجيب حقها بنفسها، تعالى فكي واعملي حنة وقعديني مكانك انا خلصت
زفرت الأخرى ووقفت من مكانها ثم جلست أمام تلك المرأة التي أعطت لها هاتفها تختار منه الرسومات التي تريدها، في نفس اللحظة اقتربت منها دعاء ثم قالت بجدية :
-شروق هى براءة مالها تعبانة قوي وحالتها مش كويسة حتى مرضيتش تعمل حنة مع إنها بتحب الحاجات دي قوي
نظرت لها شروق لبرهة ثم أجابت :
-الانيميا عندها عالية بقالها فترة علشان كده تعبانة
نظرت حولها ولتوها انتبهت على اختفاء براءة رغم أنها كانت تجلس معهن منذ عدة دقائق فقالت بقلق :
-هى براءة راحت فين!!؟
أما عند براءة قبل عشر دقائق
ولجت للحمام وهى تمسك بمعدتها بألم شديد تشعر أن هناك من ينهش بها في الداخل، اخذت تتقيأ داخل الحوض ولم يصل صوتها لأحد بالخارج بسبب أصوات الموسيقى وضحكات النساء
إستندت على الحائط بجسدها وها هى الحالة تأتي إليها مرة أخرى كلما دقت الساعة الثانية عشر منتصف الليل وكأن تأثير السحر يزداد الآن
حاولت الخروج حتى تقرأ قرآن وتنجد نفسها من الوسواس الذي يبدأ معها والتهيؤات التي تصيبها من حين لآخر يوميًا، وبالليل ويوم الجمعة على الوجه الأخص
همت بفتح الباب ولكنه كان موصود من الخارج وهناك صوت أطفال خلفه، تبًا لقد أغلقوا عليها، طرقت الباب بعنف حتى يفتحوا لها ولكن أصوات الموسيقى وإنشغال الفتيات بالرقص ورسومات الحناء لم تساعدها
نظرت حولها برعب وقد بدأت تسمع أصوات وهمسات وترى أفاعي سوداء تعلم أنها ليست حقيقية فطرقت الباب بعنف وهى تصرخ لعل هناك مستجيب
ولكن الصراخ في الحمام في وقت الليل ليس مستحب وما كان رد فعلها حين شعرت بيدٍ على جسدها هو أن ارتفعت صرخاتها المرتعبة تضرب الهواء وهى تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم
هبطت أرضًا عندما زادت الأصوات وأصبحت أقرب للصراخ حولها فغطت أذنيها وهى تصيح لعلهم يرحمونها :
-سيبوني في حالي كفـــايـة
زادت آلام معدتها بشكل غير محتمل وأصبحت تتدفق الدماء من الحوائط إلى الأرض السيراميكة تزحف نحوها والأصوات تعلو بكلمات غير مفهومة أو واضحة، في نفس اللحظة التي أبصرت بها الكثير من الأفاعي والعقارب تتجه نحوها
تبدد كل شئ عندما استمعت لصوت فتح الباب وصوت خالتها صفية وعائشة يرتفع من حولها، فتحت عينيها مع شهقة خرجت من أعماقها تحدق بفزع حولها وهى تحاول أن تستقيم من على أرضية الحمام التي كانت ممددة عليها
ساعدتها صفية على الخروج وهى تنادي على شقيقتها حتى ترى ابنتها التي كانت فاقدة للوعي في المرحاض وعلى ملابسها أثر قيء :
-مالك يا براءة انتي اغمى عليكي في الحمام؟؟
إبتعدت براءة عن مدخل الحمام زاحفة بجسدها فهى تشعر أنه عبارة عن هلام لا تقوى على نصبه لتعلم الآن أنها عاشت كابوس كما سابقه وسابقه وسابقه، وهى في هذا العذاب لثلاثة أشهر
حاولت التحكم في انتفاضة جسدها من أثر ما عاشته بالتزامن مع سماعها لصوت والدتها قادمة بهرولة ثم جلست أمامها أرضًا تتفقدها بخوف :
-مالك حصلك ايـــه؟؟
ضمت ابنتها شاخصة العينين والتي لا تجيب فنظرت نحو صفية حتى ترد هى عليها لتقول الأخرى :
-حد من العيال قالي براءة واقعة في الحمام فجيت ارمح "أجري" انا وعيشة
أتين باقي فتيات العائلة والنساء بعد أن أغلقن الموسيقى فاستقامت فايزة من على الأرض تساعد ابنتها على الوقوف حين قالت نور بقلق وفي يديها نقوش الحناء التي لم تجف بعد :
-مالها براءة؟!
-اغمى عليها مفيهاش حاجة، حد فيكم يوقفها معايا
نطقت بها فايزة تخفي الحقيقة خلف جملتها التي نطقت بها بصوت جاد فاقتربت منها إحدى بنات أخواتها وساعدتا كلاهما براءة على الوقوف، وما إن رفعت الأخرى نفسها قليلًا معهما حتى هبطت مرة أخرى تتقيأ أمام الحمام بعد أن فشلت في التحمل أكثر
جذبت ابنة خالها منشفة وأعطتها لها سريعًا فأخذت فايزة تمسح فم ابنتها التي أدمعت عينيها من التعب والحرج من حالتها أمام الجميع هكذا، اقتربت زوجة خالها منها وساعدتها على النهوض وهى تقول ببسمة :
-قومي قومي خير إن شاء الله تلاقيكي حامل
-حامل؟!!
نطقت بها بصوت مفزوع أكثر من مذهول فكيف هى حامل ويوسف لم يعاشرها معاشرة الأزواج منذ ليلة الزفاف أي منذ ثلاثة أشهر، فهى تنفر منه ومن صوته ورائحته ولا تسمح له بضمها حتى فكيف تحمل في أحشائها طفلًا منه
ربما نتج هذا الحمل بعد ليلة الزفاف المرة الوحيدة التي لمسها بها، ولكن كيف حدث أيضًا وهى مسحورة وتعيش في عذاب نفسي أفقدها نصف وزنها؟؟ كيف يعيش الجنين في أحشائها الآن ولا يزال حيًا كل هذه الفترة!؟
أخذن النساء يؤكدن على أمر كونها حامل وهذه ما هى إلا أعراض الحمل فلاحت على شفتيها بسمة سرعان ما اختفت وحل محلها الجمود قائلة :
-مش عايزاه
نهرتها إحدى زوجات أعمامها عن هذا الرفض المشين قائلة :
-استغفر الله يا براءة حد يقول لأ على رزق ربنا؟!
وصاحت براءة بطريقة بدت هيستيرية وغير طبيعية بالمرة :
-مش عايــــزاه أنا مش عايزاه
أفلتت ذراعها من والدتها وأخذت تلكم منطقة رحمها بعنف بكلتا قبضتيها وهى تصيح أنها لا تريده فأمسكت فايزة بيديها وصفعتها على وجهها حتى تسترد عقلها هاتفة :
-يا بت المجانين هتسقطي نفسك
تشتت تركيز براءة من هذه الصفعة رغم أنها ليست بقوية فسقطت يدها فوق "منجل" حاد أسفل الدرج، رفعته عاليًا منتوية شق بطنها حتى يموت هذا الجنين فصرخن النساء بفزع وقد ألقت والدتها بحملها كله عليها وجعلتها تفترش أرضًا تقيد حركتها بمساعدة زوجة أخيها
جذبت عائشة المنجل منها بسرعة ثم أصابها الرعب حالها كحال البقية حين تحدثت براءة بصوت غليظ أبعد ما يكون عن صوتها، وكأن روحًا شريرة تسكن جسدها الآن وهى من تتحدث وهى من تحركها :
-مينفعش تبقى حامل منه... لازم تسيبه... لازم تتطلق منه
عادت زوجة خال براءة للخلف بذعر قائلة :
-أعوذ... أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.... بتك مالها يا فايزة
صاحت الأخرى بأن يجلبوا ماء ويقرأوا عليه المعوذتين والإخلاص فهرولت صفية نحو المطبخ حتى تلبي طلبها، بينما أفلتت براءة يدها من والدتها وأخذت تلكم معدتها بعنف والصوت بداخلها يقول :
-لازم ده يموت.... لو مسابتش يوسف محمد إحنا هنجننوها
إلتصقن الفتيات ببعضهن من الرعب فمن تتحدث الآن ليست براءة أبدًا وإنما شيطان يسكنها، سقطت فايزة على جانبها بعدما فشلت أعصابها في الثبات أكثر من هذا ولا أحد يساعدها على إمساك ببراءة
بينما جثت جمالات فوق ابنة أخيها وقد كانت أثقلهن قلبًا مما جعلها ترفع ذراعي براءة للأعلى بعيدًا عن جسدها، ثم نظرت لوجهها ولعينيها التي إبيضت تمامًا واختفى البؤبؤ فصاحت بها بقوة قائلة :
-انتوا عايزين تجننوها ليه؟ مين عايزها تطلق من جوزها مـيـن؟؟
أخذت براءة تنازع أسفلهما فجمالات تقبض على يديها ووالدتها على قدميها لتقول فايزة بغضب لابنتها والباقيات المتجمدات في أماكنهن من الذعر :
-هتقفوا تصورها تعالوا اقروا عليها قـــرآن
لم تتحرك واحدة منهن من الرعب فضربت جمالات دعاء ابنتها بحذائها صارخة بها :
-يا بت الـ*** اتحركي منك ليها دراعاتها هيتكسروا تحتيّ
تحركت دعاء وعائشة وثالثة معهما وأخذن يقرأن عليها القرآن بشكل عشوائي وبراءة تصارع وتزوم كما الحيوان الحبيس
اخذت دعاء تمسد على رأسها وهى تقرأ وأخرى على صدرها بينما عائشة حين اقتربت يدها من معدتها وهى تتلو القرآن حتى تجمدت يدها وكأنها شُلت، واختفى صوتها وكأنها أصيبت بالخرس
سقطت على ظهرها وهى تمسك بذراعها وتأن بصوت مرتفع كمن على وشك الإصابة بجلطة، وبدلًا من أن تكون واحدة أصبحا اثنتين
عادت صفية ومعها إبريق ماء كبير قد قرأت عليه المعوذتين وسورة الإخلاص عدة مرات لتُصدم من منظر ابنتها أرضًا وتجمدت دون حركة، أخذت منها شروق الماء سريعًا واقتربت من شقيقتها وسكبت عليها البعض والبقية سكبتهم على عائشة
وتلىٰ هذا شهقة خرجت من براءة وعاد عقلها للواقع لتجد خالتها ووالدتها يقيدان حركتها وهى مفترشة الأرض فقالت بخوف :
-فيه ايه؟؟ انتوا ماسكيني كده ليه!؟
أخذت تحدق بها جمالات بقلق ولم تفلتها فحركت براءة رأسها نحو اليمين لتجد خالتها صفية تضم عائشة التي بدورها تمسك ذراعها بألم وعينيها نحوها هى شاخصة بخوف، فقالت بقلق وتوتر انتقل إليها من نظرات الجميع حولها كما العدوى :
-ايه اللي حصل!!؟
ساعدتها جمالات على الوقوف ثم قالت بقلق :
-قومي قومي حاسة بوجع عندك من تحت
نفت براءة ولا تزال لا تفهم ماذا حدث ولما الجميع ينظر إليها هكذا بخوف وكأنها شيطان، كرهت نفسها كثيرًا هذه الليلة وظلت حتى الصباح لم تنم ولم تترك شروق وشأنها إلا عندما روت لها جميع ما حدث
لم تصدق كونها تحمل في رحمها جنينًا إلا عندما أحضرت إختبار وخرج لها إيجابي، وقد أخذتها والدتها لطبيبة في اليوم التالي حتى تفحصها لربما حدث للجنين شئ لكثرة ضربها له فقالت الطبيبة بجدية :
-انتي حالتك صعبة أوي وشبه الغذاء عندك مقطوع والجنين حاليًا بيتغذى عليكي انتي، لولا إنك بتقولي إنك بتاخدي محاليل بشكل يومي مكنش الجنين عاش ده كله جواكي، لازم تاخدي بالك من نفسك وصحتك أكتر من كده علشان، انا أصلًا متفاجئة إنك لسه مكتشفة إنك حامل والسونار بيقول إنك تقريبًا في آخر التالت
لم تكن تدري أهذا الحمل خير أم شر وهل سيكتمل أم لا، خافت كثيرًا عليه من نفسها ومن السحر الذي يقبع بداخلها ولا يجدوا حلًا لإبطاله، فحتى الشيخ الذي أتت له لم يفلح في فعل شئ
قلقت من أن تقول ليوسف وترددت في الأمر لكن والدتها أصرت عليها أن تخبره لذا قالت لها أنها ستعلمه بالحمل حين تعود إلى الإسكندرية وعلى كل حال سوف يركبوا القطار جميعهم في عصر اليوم...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
دقت الساعة التاسعة والنصف مساءً وكالعادة يأتي متأخرًا في كل مرة يتجمعوا بها الشباب ويكون آخر من يأتي، إستقبله حمزة وهو يمسك في يده علبة صودا قائلًا بتذمر :
-انا مش قولتلك تيجي بدري انت والتأخير أخوات يا يونس
جذب الآخر مقعد وجلس عليه ثم نظر من سطح بنايتهم إلى الأسفل، منتفضًا نفضة خفيفة من البرودة ثم قال :
-ملقتوش مكان بارد أكتر من كده نقعد فيه؟!
وجلس حمزة إلى جانبه ثم قال :
-فيه يا جماعة فين البرد ده؟! إحنا لسه في شهر ١١ مش شهر ١ يعني
وقال إسماعيل وهو يغلق سحاب سترته جيدًا حتى لا يصاب بزكام :
-انت معندكش إحساس يا حمزة انا ذنبي ايه آخد دور برد
قلب حمزة عينيه ضجرًا ثم نظر نحو يوسف الصامت الشارد، حتى أنه لا يأخذ دور المستمع بل هو لا ينتبه لهم من الأساس، نكزه بخفة حتى ينتبه لهم ثم قال بمزاح :
-ايه يا عم شايل هم إن مراتك جاية النهاردة وأجازتك من الحياة الزوجية خلاص هتخلص
ووجد الآخر نفسه يمئ برأسه فهو بالفعل قلق من عودة براءة وعودة المعاناة مرة أخرى، وفور أن رأى يونس هذه الإماءة منه حتى قال بطريقة عبثية :
-يا كبدي يا ابني يعني هى منكدة عليك الفترة دي كلها؟؟ وانا اقول أخويا ماله الضحكة مبقيتش تزور وشه ليه؟!
ضحك حمزة بصخب ثم قال وهو يميل على يوسف قليلًا :
-ايه يا يوسف هو الجواز وحش؟! أتراجع يعني قبل ما ألبس رسمي
-وانت لسه هتلبس ما انت لبست خلاص، الفرح بكرة ومش هنلحق نهربك حتى
وتراجع الآخر مندهشًا من تشاؤم يوسف فقال :
-ايه يا ابني التشاؤم ده كله، هو الجواز وحش بجد
رفع أحمد ابن عمتهم يده يعد على أصابعه :
-أول أسبوع في الجواز حلو أما بعد كده هتكتشف الوجه الآخر اللي كان مستخبي في الخطوبة وانت وحظك بقى، أول الجواز هيبقى في خناقات على أسباب تافهة مثلًا بتتفرجوا سوا على التلفزيون وغيرت القناة علشان المسلسل اللي هى جيباه مش حلو فهتتقمص ومطلوب منك تراضيها، تيجي بقى لموضوع الطبخ وانت وحظك برضو طلعت بتعرف تطبخ يبقى أمك دعيالك، طلعت فاشلة يبقى اعتبر نفسك فار تجارب
-انا معاه في النقطة الأخيرة دي رقية بتجرب عليا لحد دلوقتي وصفاتها اللي تتعمل أكل بط مش أكل بني آدمين
نطق بها عمر الذي حضر لتوه مع سفيان فقد داعهم يونس للحضور بما أن عمر سوف يسافر وهو أيضًا أصبح من العائلة، أدار يونس رأسه نحوه ثم قال مدعيًا النظر خلفه :
-أعتبر نفسك مطلق دلوقتي يا عمر علشان رقية سمعت كل حاجة أهي
استدار عمر سريعًا وعلى وجهه علامات الذهول فهو قد ترك رقية بالأسفل إذًا كيف أتت بهذه السرعة؟! ولكن فور ان استدار لم يجد أحدًا ومع حركته هذه تعالت ضحكات الرجال في المكان ثم صفعه سفيان على كتفه قائلًا بسخرية :
-طالما جبان ومش قدها يبقى متتكلمش أحسن، عرتنا يا عمر
جلس رفقة الشباب ثم نظر نحو يونس قائلًا :
-ايه يا يونس سمعت إنك اترقيت مبروك عقبال ما تبقى لواء كده
نظر لبقية الموجدين ثم قال :
-مين بقى اللى هيتجوز وكان بيسأل عن الجواز؟؟
أشاروا جميعهم لحمزة فاتكأ سفيان على ظهر المقعد ثم قال وكأنه عجوز حكيم :
-بص يا ابني هقولك نصيحة تمشي بيها ملك في حياتك، الستات عقلهم صغير يتضحك عليهم بكلمتين عملت حاجة غلط وعصبتها قبل ما تتحول عليك قولها في وشها كده على طول، لا بس انتي خاسة اليومين يا حبيبتي، هتنسى اللي عملته وتنسى نفسها واسمها وعينيها كده هتنور من الفرحة زي اللمض البيضة
الجديدة دي وتقولك طب قول والله، إياك وقتها تحلف بقى علشان انت كداب وهتتضطر تصوم تلات أيام
تعالت الضحكات فيما بينهم ليقول يونس رافعًا علبة الصودا نحو فمه :
-خد منه النصايح يا حمزة ده متجوز مرتين ده وعنده خبرة
تنحنح سفيان رافعًا شاله الأسود على كتفه مدعيًا الغرور ثم قال :
-هنصحه كده لوجه الله ما إحنا في يوم من الأيام كنا زيه في وسط فرحة البدايات وبعدها اكتشفنا إن فرحة دي ما هى إلا عمك درويش الأسود اللي هتفضل عايش معاه عمرك كله
-مين درويش ده؟!
-ده لقب الجواز بلغة الرجالة المتجوزين، انت متعرفش ولا ايه؟!
نفى حمزة برأسه وهو يقهقه بصخب ليقول كريم بتذمر مشيرًا لسفيان حتى يصمتوه :
-حد يسكت الراجل ده يا جماعة ده بيعقدني من الجواز وانا عايز اتجوز
وربت إسماعيل على كتفه مقهقهًا بمزاح :
-انت لسه صغير يا كريم عيشلك يومين قبل ما يقابلك درويش على رأيه
نظر عمر نحو شقيقه متسائلًا :
-انت ليه مقولتيلش النصايح دي قبل ما اتجوز يمكن كنت رجعت
ورأى عمر من يونس نظرة حانقة جعلته يتراجع عندما قال الآخر :
-بتقول ايه يلاه مسمعتش، ومالها أختي انت كنت تطولها أساسًا، لولاش بس البنت كانت بتحبك مكناش وافقنا عليك أصلًا
أعاد سفيان ظهر عمر للخلف حتى يرى المتحدث ثم قال :
-وماله أخويا يا حضرت الرائد ميشبهش ولا ميشبهش، انا صدقت ما بلعتك يا يونس متخلناش نعيد الزمن تاني
تحدث يوسف سريعًا، مانعًا شجارًا بينهما قد يندلع إذ قال :
-إحنا جايين في قعدة حلوة بلاش تبوظوها بخناقتكم صدقنا ما خلصنا من جو الحموات اللي عايشين فيه ده
وأشار يونس نحو سفيان وكأنه يشكو منه :
-ما هو وأخوه اللي غلطوا الأول وانا لساني بياكلني مقدرش أسكت
أشاح سفيان برأسه بعيدًا عنه ثم قال :
-نكمل كلامنا عن الجواز يمكن نكسب ثواب فيكم
وقاطعه حمزة قبل أن يكمل قائلًا :
-بص انا بقالي سنة مستنيها هى وأبوها يحنوا عليا، فلو قولت ايه هتجوز يعني هتجوز
ضحك يوسف بخفة ثم قال لسفيان :
-سيبيه ياخد الصدمة لوحده يا سفيان هيجيله إنبهار بدرويش لما يقابله بنفسه
صدح رنين في الأجواء وقد كان هاتف يونس فتحرك بعيدًا عنهم حتى يرد عليه بعدما وجد المتصل الكيكة الخاصة به، شعر بشئٍ من التفاؤل إنها مَن اتصل عليه هذه المرة فقد مر أسبوعًا هو من يبادر الإتصال والكلام :
-الو، وصلتوا ولا لسه؟!
استمع إلى صافرة القطار على الناحية الأخرى ثم قالت بتردد غُلف بالهدوء :
-لسه كمان ساعة كده ونوصلوا، انا كنت عايزة أقولك حاجة علشان لو بابا قالك من ورايا يبقى عندك علم، بس يا يونس انا والله مش موافقة على ده ومش عايزة اعمل كده غصب عني
زرعت القلق في قلبه بسبب حديثها ونبرتها فقال قِلقًا :
-فيه ايه يا شروق مالك؟؟
-أحلف بالله إنك مش هتقول لحد إن قولتلك على الموضوع ده علشان براءة ويوسف مكنوش عايزين حد منكم يعرف
نظر يونس نحو شقيقه بسرعة، قد كان يعلم أن به شئ، بل في الواقع الجميع يعلم أن هناك ما يحدث مع براءة ويوسف ولكن كلاهما يرفضان التحدث :
-هو الموضوع له علاقة بيوسف
-الموضوع له علاقة بيوسف وبراءة، وانا وانت برضو هنتاخد في المصيبة دي
أقلقته كثيرًا فقال بحدة رغم انخفاض صوته وقد والىٰ الجميع ظهره ووجهه أصبح للبحر :
-اتكلمي يا شروق متنقطنيش بالكلام كده
ازدردت الأخرى لعابها لا تدري هل من الصحيح أخباره أم لا ولكنها تعيش مشتتة منذ أسبوع بهذا الأمر وما عاد صدرها يحتمل الكتمان :
-براءة ويوسف معمول ليهم سحر وبراءة تعبانة قوي الفترة دي، وبابا قال لو فضلت على حالها ده هيطلقها من يوسف ولو هما أطلقوا إحنا هنفركش
ألقت له ما في جعبتها ثم انتظرت منه أي شئ ولكن كل ما وجدته هو صمت غير متوقع، وما كان الغير متوقع أكثر هو ما قاله بعد هذا الصمت :
-علشان كده بقالك أسبوع مش بتكلميني وحالتك غريبة
-ايوه
أطلق الآخر زفرة مبهمة المصدر فلا تعلم أصدقها أم لا، هل يفكر في الأمر أم تجاهله، كل ما بدر منه هو جملة زادت من حيرتها إذ قال بنبرة هادئة مبهمة لم تفهمها :
-طب اقفلي يا شروق
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍