تحميل رواية «في مدينة الاسكندرية» PDF
بقلم صابرين عامر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
1- إجازة في الصعيد بسم الله نبدأ من جديد والجزء التاني ألطف من الأول وفي نفس الوقت أحداثه مهمة جدًا ولا تخلو من الأفكار الهادفة بإذن الله موعدنا في رمضان كل جمعة فصل بعد صلاة التراويح لحد ما ندخل على العيد لو في العمر بقية، وبعدها هشوف مواعيد مناسبة تعليقات كتير بقى برأيكم في اللي جاي 💜 صلي على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜 &;كنت أغرد فتبتسم وتصمت&;.. اشتاق لها ولا أجد ولو صوتها فقط حتى اسمعه&;&; ثقيلة وثقلها أرهق قلبي&;. ترى أين ذات العيون العسلية التي خطفت لبي؟؟&; أغلق مفكرته الصغيرة التي تجمع ا...
في مدينة الإسكندرية الفصل الحادي وسبعون 71 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلوا على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
زفر بتعب وهو يلقي بحمله على فراش الكشف ولتوه قد خرج من عملية جراحية استغرقت معه أربع ساعات، ولكنه ليس حانقًا من الأمر بل سعيد بشدة لأنه استطاع إنقاذ ذلك الرجل من الموت الوشيك
كم يعشق مهنة الطب هذه منذ كان صغيرًا ووالده هو من جعله يعشقها حتى أنه كان يحب ألعاب الطبيب الصغير التي كانت تشتريها والدته له، وكانت تشتري ألعاب باربي لرقية وليونس مسدس بلاستيكي كان يزعج به الجميع وبكراته الخرزية
رفع قدميه على الفراش محدقًا في السقف متذكرًا الراحة التي ظهرت على وجوه أهل المريض حين قال لهم أنه قد نجى، حضرته ذكرى ليلة عقد قرانه هو وبراءة حين كانوا في ذلك المطعم Nile Valley في مدينة أسيوط الواسعة
وقد كانا يتناولان العشاء على طاولة واحدة وقد تركا حمزة ونور على راحتهما في طاولة أخرى لتقول براءة مختلقة حوار بينهما :
-قولي يا يوسف هو انا لو حصلي حاجة ودخلت العمليات انت اللي تعملي العملية؟!
وقد كانت إجابة يوسف هادئة زيادة عن اللزوم بكلمة واحدة خرجت منه :
-لأ
عقدت الأخرى حاجبيها بتعجب متسائلة :
-تسيب دكتور غريب يكشف عليا وانت موجود؟؟
-لو حصلك حاجة جوا انا مش هسامح نفسي علشان معرفتش أنقذك من الموت
-بس يا يوسف ده قدر لو مقدر ليا أموت حتى لو أشطر دكتور انتجته البشرية مش هيعرف ينقذني
رفع يوسف نظره لها نافيًا الفكرة تمامًا إذ قال :
-تقيلة أوي يا براءة لما يبقى حد بتحبيه ما بين الحياة والموت قدامك مضطرة تدخلي مشرط جواه علشان تعرفي تنقذيه، مش هتعرفي ولا هتعرفي من خوفك عليه وخوفك من شريط القلب ليوقف، سبق ودكتور عراقي تقريبًا، اتجنن بعد ما خرج من العمليات علشان فشل ينقذ والدته وماتت قدامه، انا عمري ما هعرف أعملها ولا ادخل اتفرج عليهم من بعيد حتى، ده شعور مش هتعرفي تجربيه ولا تحسي به، بس الدكاترة يفهموا الشعور ده
كانت تستمع له بتركيز طوال الحديث، ولكن مع آخر جملة له انقلبت ملامحها بضيق حقيقي وابتلعت غصة مريرة في حلقها ثم صمتت، وعندما لح عليها في معرفة سر البؤس الذي حل عليها قالت بإختصار :
-بلاش تفكرني وتنكد عليا في اليوم ده بعدين نتكلم فيه
لم يشأ الضغط عليها يومها حتى أنه نسى الأمر ولم يفتحه مرة أخرى معها، كان يوم يصنف من أفضل أيام حياته، لقد أحب براءة كثيرًا لم يحب كسلها وحتى الآن ينزعج منه ولكنه أحب شخصيتها التي تذكره كثيرًا بشخصية فتاة أحلامه
أحب كونها تحفظ القرآن، أحب احتشامها، أحب تركيزها في العمل رغم السُؤم الذي كان يظهر عليها، فقد كانت تؤدي العمل بإتقان رغم تكاسلها المستمر
اعتدل من على الفراش وجذب هاتفه من على ظهر المكتب وحمدًا لله زميله ليس هنا حتى يستطيع التحدث بأريحية
استمع لرنين الجرس وبعد المحاولة الثالثة ردت عليه بصوت ناعس خمول كما العادة :
-مش قولتلك متتصلش عليا يا ابن الحلال انا نايمة تلاتة الصبح
ابتسم يوسف وقد عاد كما كان محدقًا في السقف وهو يحادثها :
-لسه نايمة؟! الساعة بقيت ١٢ ونص الضهر
-ما بقولك نايمة الساعة تلاتة الصبح يا يوسف فلو سقطت شبكة منك متتصلش تاني
-ايه أخبار ليلة الحناء، ليه مبعتيش رسمة ايديكي زي ما وعدتيني
-علشان مكنتش لسه غسلتها ثواني متقفلش
استقامت من على الفراش بكسل ثم فتحت الشرفة حتى يتسلل ضوء النهار وتكون الإضاءة جيدة، فتحت كاميرا هاتفها ثم صورت كفيها المرسومين بالحناء الحمراء رسمات إحترافية فقد أصرت على أن يستأجروا امرأة بارعة في الرسم
أرسلت له الصورة ثم قالت :
-بعتلك الصورة يا يوسف
-طب ما نتكلم فيديو أحسن
-لا يا عم شكلي مش حلو شبه الغولة ولسه صاحية وكل شعرة في إتجاه
ضحك الآخر بصخب على العفوية التي يكتشفها بها منذ أن عقدا القرآن، فهو يكتشف شخصيتها التي كانت تخبئها عنه أسفل احتشامها وبرودها أحيانًا
فتح الصورة التي أرسلتها له ولا يزال الإتصال مستمرًا بينهما فقال بإعجاب شعرت به مبالغ به :
-تحفة بجد، دي خيالية مكنتش اتوقع تطلع حلوة كده
-هو انت بتطبل ولا بتقول رأيك بجد؟ حساك بتأفور مش عارفة ليه؟!
-بتكلم بجد وطبعًا اخدتي كتير علشان تختاري الرسمة دي عارفك مترددة
-ساعة كاملة أختار حرفيًا البنات كلهم عملوا وانا آخر واحدة تعمل بعد تردد فظيع
ابتسم يوسف بسمة محبة ثم قال :
-يومين وتنوري بيتي يا براءة وتطلي بقى بالأبيض، طلبت من منسق الأغاني يشغل الأغنية دي وقت دخولك زي ما طلبتي
-تمام
تعجب النبرة التي تحدثت بها فقال متسائلًا :
-مالك يا براءة حماسك اختفى مرة واحدة كده ليه؟! اوعي تكوني لسه شاكة في الألوان اللي اخترناها للشقة، والله عملتها زي ما انتي عايزة بس والدتك هى اللي رفضت ابعتلك فيديو وقالت خليها تشوفها بنفسها يوم الفرح
-لأ مش على كده
-أومال مالك؟؟
ترددت براءة في الإفصاح عما يشغل بالها منذ أكثر من أسبوعين ولكن تعب عقلها من كثرة التفكير في هوية الذي فعل لها سحرًا، وقد حذرتها والدتها في التحدث في الأمر مع يوسف ولكن لم تعد تتحمل الكتمان أكثر من هذا :
-يوسف أقولك حاجة بس أحلف الموضوع ميطلعش بينا إحنا الاتنين
اعتدل الآخر بسرعة من مكانه بتركيز شديد لما ستقوله :
-مالك يا حبيبتي انتي كويسة؟؟
تنهدت براءة بثقل هم أثقل كاهلها وجعلها مشوشة لعدة أيام حتى نومها لم تكن تتهنى به :
-سمية لسه قاعدة في المستشفى يا يوسف
-سمية؟؟ ليه بتسألي عن سمية؟!
-رد عليا الأول
-مش عارف بصراحة بقالي فترة مش بشوفها بس مسألتش عنها، ليه سمية جات على بالك يا براءة!؟
تساءل بها متوجسًا لما ستقول وها هى تفجر قنبلتها قائلة :
-يوسف انا اتعملي سحر علشان أبعد عنك في الفترة اللي كنت فيها في الصعيد، وكنت تعبانة قوي وبشوفك في كوابيس كأنك شيطان ولما عملنا تحاليل كتب الكتاب وتعبت قوي ده علشان مكنتش طايقة إيدك عليا ولا قادرة أبصلك، مش عارف اشرحلك بس حرفيًا كنت تعبانة قوي يا يوسف لدرجة أغمى عليا خمس مرات قبل كده
تنفس الآخر بصوت مسموع وقد أخفض الهاتف قليلًا من على أذنه وتغيرت ملامحه للذهول والدهشة، الآن فقط فهم سبب حالتها الغريبة والتعب المفاجئ قبل عقد القران ويوم إجراء الفحوصات
رفع الهاتف مرة أخرى ثم قال بجدية شديدة :
-انتي ليه مقولتيش يا براءة؟! خبيتي ليه؟؟
لم ترد أن تخبره أن والديها هما من منعاها لذا غيرت سؤاله بإجابه أخرى :
-بقالي كتير بفكر مين عمل كده وافتكرت سمية اللي مكنتش طايقاني لما عرفت إنك خطبتني، وفاكرة الكلام اللي قولته عنها فحاسة إنها هى
-اقفلي يا براءة
-نعم؟؟!
نطقت بها بإندهاش شديد فقال يوسف بجدية مخيفة وهو يخرج من باب المكتب :
-اقفلي انا هروحلها دلوقتي وحسابنا بعدين على إنك خبيتي عني حاجة زي دي الوقت ده كله، كنتي ناوية تقولي يوم الصباحية ولا ايه!؟
-يا يوسف
قاطعها الآخر لا يود سماع أعذار الآن فليجد حل للمشكلة ولاحقًا يتعاتبا :
-انا هقفل علشان قربت أوصل سلام
تركها هى من تغلق من باب أخلاقه ثم وضع الهاتف داخل جيب معطفه حين تأكد من أنها أنهت الإتصال، ثم تحرك بخطوات واسعة ووجهته هى إستراحة الممرضات
طرق الباب عدة مرات ثم وقف ينتظر أحداهن تفتح وبعد دقيقة فتحت له إحدى الممرضات هاتفة بتفاجأ :
-نعم يا دكتور يوسف في حاجة؟؟
-هى سمية موجودة؟
-سمية مين يا دكتور؟!
-سمية بركات اللي شغلها في المشرحة مالك يا نجلاء
-انا اللي مالي يا دكتور؟! هو انت متعرفش إن سمية ماتت بقالها شهرين وحاجة
المفاجأة والذهول والصدمة هو ما كان يشعر به يوسف الآن، فمتى وكيف ماتت سمية وهو لم يكن يعلم :
-ماتت أمتى وازاي؟؟!
-ده انت شكلك متعرفش بجد، ماتت من تلات شهور أو أقل وانا البنات كلنا روحنا اخدنا العزاء من أمها، الست يا عيني قلبها متقطع على بنتها
-هى ماتت ازاي؟
خرجت له المدعوة نجلاء ولم تبخل عليه بمعلومة وأخذت تسرد له كل ما تعرفه بثرثرة النساء المعروفة :
-بيقولوا سكتة قلبية صحيوا لقيوها طابة ساكتة بس اختها وأمها قالوا حاجة غريبة كده ان سمية قبل ما تموت يعني كانت غريبة اوي بتتكلم مع نفسها وأصوات تطلع أوضتها واللهم احفظنا يعني كانت بتعمل سحر في أوضتها، شكل البت دي فعلًا بتعمل أعمال بس استفادة ايه يعني من أذية الناس أهي راحت للـ خلقها وهو هيحاسبها على كل بني آدم عملتله أذى، يلا ميجوزش عليها إلا الرحمة ولو إن حتى الرحمة خسارة فيها
شرد يوسف بشكل كبير متمتمًا بينه وبين نفسه :
-ماتت من تلات شهور ازاي وبراءة تعبت من أسبوعين بس؟؟ يبقى مش هى اللي عملته
مَن الذي سَحَر زوجته إذًا؟؟
عارفة إن سبق ونزلت في ترويجات إن براءة هيتعملها سحر من زميلة ليها، والسحر هيبقى في جثة بس انا هغير شوية علشان هنقلكم قصة حقيقية منقولة من على لسان واحدة أعرفها اتعملها سحر علشان يفرقها عن جوزها وفضلت تعاني من الموضوع وانا هنقلكم القصة بكل حاجة فيها بفرق الأسماء وبعض الأحداث الطفيفة
السحر حقيقة وموجود وناس بتأذي غيرها به ودور براءة ويوسف هيتمثل في قصة حقيقة انا شوفتها وسمعتها عن أذية الغير بالسحر، وكده إضافة لغز جديد للرواية علشان الحماس
مين اللي عمل السحر لبراءة؟؟
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
توقف زوجها بسيارته أمام المشفى فلم تنتظر أن يركن السيارة وهبطت منها ثم ولجت إلى الداخل بخطوات غاضبة تعبر الإستقبال والممرات، متجهة مباشرةً إلى غرفة جدته حتى تشتكيه
طرقت الباب ثم دلفت إلى هذه الغرفة التي تجمع ثلاث سيدات كبار في السن منهن ونس التي ساءت صحتها في اليومين الماضيين ممل جعل طبيبها يحتجزها في المشفى حتى تتحسن صحتها قليلًا
وقعت أنظارها عليها فحاولت رسم بسمة تخفي به ضيقها :
-صباح الخير يا تيتة
نظرت ونس للقادمة لتجدها هاجر بعد أن اقتربت منها واتضح لها وجهها فقالت ببسمة مرهقة :
-صباح النور يا لوزة.... مش هو بيقولك كده
لم تستطع إخفاء انقلاب وجهها وانعقاد حاجبيها فور أن ذكرت زوجها فقالت ونس بتنهيدة ضجرة :
-أول مرة أجيب سيرة سفيان قدامك وتضايقي عملك ايه ابن فياض ده
صمتت هاجر مترددة في الإفصاح عن أسرارها هى وسفيان فقالت ونس بخبرة حياتية :
-بصي انا المفروض أقولك اللي بينك وبين جوزك ميطلعش برا، بس انا عارفة إنك مش بتستحملي الكبت وملكيش غيري تفضفضي معاه فها قولي
-هو علشان عارف إن مليش غيره ومعنديش حد اروحله بيدوس عليا!؟
زوت ونس ما بين حاجبيها وقد ضاق صدرها لنبرة هاجر المتحشرجة وكأنها على وشك البكاء :
-هو مد ايده عليكي؟؟ سفيان ميعملهاش دي فرحة كانت منكدة عليه وعلى اللي جابوه وعمره ما مد ايده عليها
نفت الأخرى برأسها فأشارت ونس إلى موضع قدميها على الفراش قائلة :
-تعالي اقعدي وقولي عمل ايه
جلست هاجر كما طلبت ثم قالت :
-عارفة إن فرح أخُ رقية كمان يومين وانا روحت معاها واشترينا فساتين جديدة، لما رجعت البيت حلف ما انا لابسة الفستان اللي جبته
قلبت ونس عينيها بضيق تدرك أن غيرة سفيان ستسبب له الكثير من المشاكل مع زوجته كما كان والده سابقًا :
-وبعدين الفستان معجبوش
-هو بصراحة طلع ضيق حبتين روحت معاه نغيره مع إني كنت تعبانة من اللف مع رقية، جربت خمس فساتين ومش عاجبه ولا واحد، وهو عارف إن تخنانة بسبب الحمل أجيب منين فستان يجي على هواه
-وبعدين يا اختي
-تعبت وجبت آخري قولتله يختار واحد ومش هجرب تاني راح قالي روحي باللي انتي لابساه وانا كنت لابسة إدناء أسود في أزرق مش كفاية مش بطلع غير بإدناءات وواسع بس، اعمل ايه تاني خنقني حتى الألوان الفاتحة في البس بقيت تضايقه، في مرة كنت لابسة أبيض في يوم وواحد عاكسني وقالي يا أبيض يا عِرسي حرم عليا اللون الأبيض والألوان الفاتحة كلها، بس الألوان الغامقة يا تيتة بتمتص الشمس والجو نار، انا بولع وانا مش ماشية في الشارع انا تعبت بجد
هزت ونس رأسها يمينًا ويسارًا تشعر أنها تستمع لابنتها المرحومة وهى تشتكي غيرة زوجها المفرطة، وقد ورث سفيان هذا الطبع الناري منه وها هو يخنق الفتاة ويعلم أن لا أحد لها حتى تشتكي :
-هو فين دلوقتي!؟
-سيبته يركن العربية وتلاقيه دلوقتي بيتكلم مع الدكتور بتاعك
نطقت بها هاجر بصوت مختنق ثم أضافت :
-انا اتخانقت معاه إمبارح وكنت عايزة اجيلك بس الزيارة كانت ممنوعة فجيت دلوقتي
جذبت ونس رأسها وضمتها إلى صدرها بحنو ثم قالت :
-بس يا حبيبتي انتي علشان حامل، انا هربيه الكلب ابن فياض إلهي يولع في قبره ولا بلاش لأحسن ناخد ذنوب ما انا شوية وهروحله
ضحكت هاجر وسط همها الكبير هذا فلم يسبق لها أن غار عليها أحد بهذه الطريقة، ليس لديها أشقاء، ووالدها كان متفهمًا حنونًا لا يخنقها، وحاتم لم يكن يبالي حتى إن خلعت الحجاب ما كان ليسأل لما ولكن سفيان؟؟
وآه من سفيان، لديه طبع الغيرة والتملك يغار من أي ذكر ينظر إليها، في البداية الأمر كان يروق لها، سعادة البدايات كما يقولون، ولكن خرج الأمر عن سيطرته كدائرة هى في منتصفها وأصبحت تضيق وتضيق عليها حتى باتت تريد الفرار منها
تنهدت بضيق شديد هامسة لونس التي لا تزال تضمها بين ذراعيها :
-اتكلمي معاه يا تيتة هو بيسمع منك، انا أصلًا معنديش غيرك اشتكيله
-متقوليش كده انا هغسله بس يجي، ومتقوليش مليش حد دي لما أموت انا تعالي على قبري وانا هعفرته في أحلامه
ضحكت هاجر بصخب هذه المرة وقد دعت لـ ونس بالعمر الطويل ثم ساعدتها على المشي قليلًا في المشفى فقد طلب منها الطبيب أن تسير ولو لنصف ساعة كل صباح، خرجا إلى الحديقة وقد كانت الشمس ساخنة فساعدتها على الجلوس أسفل ظل شجرة ثم جلست معها
ارتفع رنين هاتف هاجر برقم سفيان فقالت ونس وهى تمد يدها حتى تأخذ الهاتف :
-لو سفيان هاتيه
لم تجادل وأعطتها الهاتف ليأتيها صوت حفيدها المتسائل :
-انتوا فين يا هاجر؟؟ سألت الست اللي على السرير اللي جنبكم قالت إنكم خرجتوا
-إحنا في الجنينة قاعدين تحت شجرة تعالى يا سفيان
لم يمر الكثير ووجدته يقترب منهما بخطوات متعجلة لينظر إلى زوجته لبرهة ثم اقترب من جدته وقبَّل جبينها قائلًا بهدوء :
-أخبارك ايه النهاردة يا ونس
نظرت له الأخرى قليلًا ثم قالت موجهة حديثها لهاجر :
-روحي يا هاجر اشتري إزازة مياه من الكانتين اللي هناك ده
نظر سفيان نحو المتجر الصغير الذي يشبه السوبر ماركت والذي يعود إلى المشفى يبيع كل شئ يخطر على البال، وهو الآن مزدحم بشدة نظرًا لكونهم في التاسعة صباحًا، عاد بنظره إلى زوجته التي وقفت بالفعل حتى تشتري زجاجة ماء فقال هو يمنعها من التحرك :
-خليكي هاروح أجيب انا
-لأ تجيب هى اتحركي يلا
هتفت بها ونس بصرامة فتحركت هاجر بطاعة تشتري الماء بينما جلس سفيان إلى جانب جدته هاتفًا بجدية :
-اشتكتلك صح
-هو عندها غيري يعني، بس السؤال هنا لما أموت انا تشتكي لمين اليتيمة دي، خلي بالك يا سفيان انت ليها الزوج والأب والأم والأخ خليك حنين عليها دي يتيمة
عقد الآخر حاجبيه وكأنها تتهمه بإتهام شنيع إذ هتف مستنكرًا :
-يعني انا قاسي عليها يا جدتي؟!
-لأ يا سفيان عارفة إن حنية الدنيا كلها فيك على القريبين منك، بس عندك طبع وحش يا سفيان وهو غيرتك وتحكمك، أبوك زمان من غيرته على أمك قالها متطلعيش تاني من غيري رجلي على رجلك، ومتطلعيش غير بالألوان الغامقة، أمك اتخنقت واتضايقت لما ضيقها عليها أوي، وأغلب خناقتهم كانت بسبب غيرته، مبقولش متغيرش عليها علشان الراجل اللي مش بيغير على أهل بيته ميبقاش راجل، بس يا ابني بالعقل مرة معلش عديها ومرة قولها غيري، متفضلش تخنقها بغيرتك لحد ما تخنقها منك وتهج، وانت عارف ملهاش حد علشان تروحله فأنت كده بتقهرها
تنهد سفيان مطرقعًا أصابعه فصمتت ونس وهى تعلم أنه يفكر في الأمر ثم قالت :
-سيبها تجيب اللي عايزاه يا سفيان إياك تخلي مراتك تحس إنه مش من حقها تلبس زي باقي الستات
-تلبس اللي عايزاه في البيت يا جدتي أما برا...
صاحت الأخرى به بعصبية لأنه لا يزال يجادل :
-يعني هى برا طالعة ببدلة رقص ما البت لابسة خمار أهو وساترة نفسها وراء وقدام وفوق وتحت، أحسن من غيرها بكتير، عايز ايه تاني يا سفـــيـان
قلب الآخر عينيه وهو يدري أن لا فائدة به هو شخصيًا، نظر نحو المكان الذي تقف به زوجته في إنتظار دورها من أجل شراء زجاجة الماء ليعقد حاجبيه بتركيز يرى أن هناك رجل عينيه عليها بل يكاد يأكلها بعينيه
انتفض من مكانه بعصبية فلهذا السبب يغار على هاجر بجنون، من أجل هؤلاء حثالة المجتمع :
-دقيقة وجاي يا جدتي
تحرك نحوها بخطوات واسعة وقد أراد فقع عيني ذلك الوغد ولكن لم يرد أن يسئ الوضع أكثر مع هاجر لذا أكتفى بأن وقف خلفها تمامًا وخفى جسدها عن الأنظار ثم قال بصوت جهوري :
-إزازة مياه هنا لو سمحت
استدرات هاجر وقد تعجبت وجوده خلفها ولكن نظره نحو أحد الرجال بهذه النظرات الحارقة جعلتها تدرك الموقف، حسنًا هذه هى الغيرة المحببة لقلبها ولكن ليس لدرجة التحكمات المتملكة في ملابسها والألوان وخروجها دخولها، هذا كثير
تنهدت بهدوء بعد أن أخذت الماء ثم قالت له بإختصار :
-يلا
جذب يدها خلفه لتجده يسير في إتجاه غير الذي يوصل لجدته فعلمت أنه يريد التحدث معها خاصةً أنه لم يتحدث معها البارحة بعد شجارها معه فهى قد تركته ضائقة ونامت ولم تسمح له بالتحدث معها مرة أخرى
توقف سفيان في مكان يستطيع به أن يرى جدته في حال حدث لها شئ، نظر نحو زوجته ذات الوجه الأبيض الممتلئ والأعين البنية الحزينة التي يلتمع بهما نظرة العتاب الذيذ
أحاط إحدى وجنتيها يتلمس نعومتها أسفل أصابعه الخشنة ثم قال :
-زعلانة يا لوزة؟!
-انت شايف ايه
ابتسم رامقًا أعينها البنية بأخرى غامقة محبة :
-ونس غسلتني
-تستاهل ياريت يجيب نتيجة
-مش هيجيب انا عارف نفسي
نطق بها بشرود وعينيه شاردة في ملامحها يدرك أنه لن يستطيع تغير طباعه فطبع الغيرة والتملك به منذ أن كان طفلًا، حتى أنه كان يغار على ألعابه وهذا الأمر وراثيًا من والده الذي يتذكر أن أكثر مشاجارته مع والدته كانت بسبب غيرته الشديدة كما ذكرت جدته
وما إن سمعت هاجر منه هذا الرد حتى اخفضت يده عن وجهها ثم هتفت بضيق :
-يبقى الكلام مش هينفع ولا له فايدة
امسك بذراعيها ما إن وجدها تهم بالذهاب ثم قال :
-اي راجل هيغير على مراته يا هاجر، ما هو لسه من دقيقتين واحد واطي كان هياكلك بعينيه
-دي اتقلبها منك يا سفيان علشان دي غيرة راجل على عرضه، اتقبل منك تقولي متلبسيش ضيق علشان دي برضو غيرة راجل على عرضه، بس مش لدرجة تحرم عليا ألبس ألوان زي باقي الناس يا سفيان، في عز الحر والصيف مانع افتح شبابيك شقة جدتك وانا بكون ميتة من الحر من جوا بس أقول ده جوزي مينفعش أكسر كلمته وهو غيران عليا من عيون الرجالة، بس انت غيرتك بتزيد مش بتقل كأنك حابسني جوا دايرة وكل شوية بتضيقها عليا أكتر وأكتر
ود لو يعانقها حتى يجعلها تهدأ ولكن ليس هكذا أمام الناس، لذا أكتفى بأن أمسك بيديها الناعمتين بين كفيه ثم قال بحنو :
-حقك عليا مش بإيدي بس هحاول أقللها، وخلاص إلبسي الفستان اللي انتي عايزاه بس مش الأول الضيق خالص ده، شوفي غيره
ارتفع خدها ببسمة صغيرة ثم قالت :
-فاكر يا سفيان ليلة كتب كتابنا لما دخلت بيتك قولتلك ايه؟! قولتلك انا هعتبرك سندي وابويا وأخويا وكل اللي ليا فمتجيش عليا وتقهرني زي ما الدنيا والناس قهروني، والله استحملت كتير يا سفيان وربك لوحده عالم انا عديت بإيه، تعبت ومعنديش طاقة غير أعيش حياة هادية وأخلف عيال كتير علشان محسش نفسي يتيمة، بالله عليك بلاش نكد وبلاش مشاكل وخناق انا بحاول اتلاشى فحاول معايا
ورمقها بمزاح ثم أجاب :
-انا أصلًا مش بحب النكد ولا الخناق يا لوزة وفاضل أقل من أسبوع في أجازتي، نقضيها نكد بقى ولا ايه؟!
مسحت طرف عينها من بعض الدموع العالقة ثم قالت ببسمة جميلة مقررة قلب الصفحة والبدئ من جديد :
-ماشي خلاص كده الموضوع خلص
تدرك أن العلاقة الزوجية كحبل متين أحدهما يسحب والآخر يرخي ولا يوجد زوجين لا يتشاجرا ولكن الأعقل هو من يتلاشى ويصبر وهو من يتحكم في أعصابه حتى لا تنهار العلاقة، فإن شد كلاهما الحبل بالشجار كل يوم سينقطع الحبل وإن تركه كلاهما إنهار المنزل...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
مد رأسه للداخل قليلًا ينظر إلى داخل المكتب الصغير الذي شرح له والده إتجاهاته وقال له أن تلك الشقراء المدعوة سارة تنتظره هناك من أجل درس تعليم اللغة العربية
حتى الآن لا يدري لما رجل في مكانة الدكتور فؤاد يختاره هو خريج الصيدلية من أجل تعليم ابنته لغة بلدها، لما لم يحضر لها أحد مختص؟؟ لما هو بالذات من أختاره وهو قد تعرف عليه للتو
رمش بأهدابه عدة مرات ينظر إلى تلك الحسناء جالسة على اريكة مخملية في أحد أركان الغرفة، تضع كفها أسفل ذقنها وخصلاتها القصيرة تهبط على وجهها من كلتا الجهتين تغطي وجهها تمامًا
وأمامها تقبع طاولة زجاجية وُضع عليها كتاب لغة عربية خاص بالأطفال ونظارتها السوداء وهاتف حديث من نوع آيفون ذو التفاحة المقطومة
طرق الباب متنحنحًا بصوت رجولي فانتبهت الأخرى لقدومه وأستقامت من مكانها قائلة بلكنة إنجليزية متقنة :
-You are Karim, son of Dr. Othman? - انت كريم ابن الدكتور عثمان؟؟
آماء لها كريم بإيجاب وقد اقترب قليلًا عندما وجدها تمد يدها لمصافحته قائلة :
-Hi, I'm Sara, Dr. Foaad daughter. You must know him, right? - مرحبًا انا سارة ابنة الدكتور فؤاد بالتأكيد تعلمه أليس كذلك؟؟
ومرة أخرى آماء دون إضافة كلمة مصافحًا كفها حتى لا يحرجها ثم نظر إلى عينيها التي كان يبزر لونهما الفاتح من ضوء الشمس المنبعث من اللوح الزجاجي الضخم الملتصق في نصف الحائط
كانت عينيها تشبه كثيرًا أعين تلك الممثلة المدعوة يارا السكري إذ كانت زرقاء فاتحة أو تجمع بين اللونين الأزرق والرمادي، كان كل شئ في هذه الفتاة يوحي بأنها ليست مصرية أبدًا، هيئتها ولغتها، كل شئ
جذبت سارة كفها الناعم منه ثم أشارت له بالجلوس على الاريكة بجانبها هاتفة بنبرة حزينة لتوه لاحظ أنها تتحدث بها منذ أن ولج :
-Please take a seat until we begin - تفضل بالجلوس حتى نبدأ
لم يجلس بجانبها وإنما جلس على المقعد المجاور للأريكة قائلًا بالعربية :
-لا شكرًا هقعد هنا
لم تعترض وجلست مكانها دافعة نحوه كتاب الأطفال الذي احضرته سكرتيرة والدها حتى تتعلم اللغة التي لطالما رفضت تعلمها، ألا وهى لغة بلد والدها
نظر لها كريم بجدية وإحترام فهى ابنة صاحب الشركة والتي ستكون هى خليفته عما قريب :
-تحبي نبدأ بإيه
-as you like - كما تحب
نطقت بها بعدم إهتمام فتعجب كريم أنها فهمت ما قاله بالعربية فقال :
-You understood what I said, do you understand Arabic?! - لقد فهمتي ما قلت، هل تفهمين العربية!؟
حركت رأسها يمينًا ويسارا ثم هتفت بعربية ركيكة
-شُوي..... شوية My father spoke to me a lot in it so that I would understand it, but I insisted that he speak to me in my language - أبي كان يتحدث معي كثيرًا بها حتى أفهمها ولكني كنت أصر علي ان يتحدث معي بلغتي
-I understand German Too - أنا أيضًا أفهمها الألمانية
ابتسم بمزاح ثم أضاف بالألمانية :
-Willkommen in Ägypten - مرحبًا بكِ في مصر
ابتسمت سارة بسمة حزينة ثم رفعت خصلاتها بأناملها وصمتت فتعجب كريم حزنها هذا ولكن رجح أن السبب هو رفضها للبقاء في مصر وأنها تود العودة لألمانية كما قالت، جذب كريم الكتاب ثم قلب قليلًا في صفحاته حيث وجد الحروف وبعض الكلمات السهلة المهمة
أعطى الكتاب لها ثم قال :
-Can you pronounce the letters? - هل تستطيعين نطق الحروف؟؟
-Not all - ليس جميعها
-طب يلا قولي معايا.... ألف
نطق بها مشيرًا إلى حرف الألف فرمقته سارة لفترة وجيزة ثم قالت وكأنها طفلة تتعلم الكلام حديثًا :
-ألِف
كسرت اللام كثيرًا فضحك كريم بصخب قائلًا :
-تلفي فين؟! Don't break the "L" sound too much, pronounce the word quickly - لا تكسري حرف اللام كثيرًا، انطقي الكلمة بسرعة
ضحك قليلًا ثم استرسل ساخرًا لنفسه :
-معلمتش رحمة الحروف وهى عيلة ولا لؤي ابن اختي هعلم مديرتي المستقبلية
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
توقف بسيارته على قرابة التاسعة والنصف مساءً أمام أحد مطاعم ميامي والذي يفضل الشباب الجلوس به رغم بُعده قليلًا عن بنايتهم، ركن السيارة ثم هبط منها واضعًا المفاتيح في جيبه ثم دلف للمطعم حيث يقيم شباب العائلة حفل توديع العزوبية ليوسف الذي سيكون زفافه بعد غد
ولج للمطعم باحثًا عنهم ومن صوت كريم المرتفع هو وابن عمتهم أمير استطيع تحديد مكانهم، اتجه إليهم بخطىٰ ثابتة ثم قال بصوت رجولي مرتفع :
-مفيش كرسي زيادة معاكم يا شباب؟؟
إلتفت له الشباب ليستقيم يوسف بسرعة مرحِبًا بشقيقه الذي لم يراه منذ قرابة العشر أيام إلا مرة او مرتين بسبب انشغال يونس في قضية شديدة الأهمية
كان ترحيب يوسف لكمة قوية معاتبة على ظهره ثم قال :
-عارف لو مكنتش جيت واتاخرت لحد يوم الفرح مكنش هعدهالك
ضحك الآخر وبادله هذا العناق العنيف قائلًا :
-الشغل مش بيرحم حد يا يوسف ١٣ يوم طحن وعضمي كله واجعني
استقام البقية مرحبين بيونس فهو مختفي بالفعل منذ فترة كبيرة إذ قال حمزة بطريقة درامية مضحكة :
-انت طلعت عايش؟! كنت فاكرك مُت يا راجل ومش لاقين جتتك علشان كده محدش بلغنا بالخبر
ترحيب إستفزازي متوقع من حمزة ولكنه في حالة لا تسمح له بالمجادلة لذا ربت على صدره هاتفًا بطريقة تحذيرية :
-كُل عيش يا حمزة فرحك قرب
صافح ياسر كذلك الذي أندهش لوجوده معهم فقال :
-وانت كمان هنا يا ياسر افتكرتك في الصعيد
ابتسم له الآخر ابتسامة هادئة ثم أجاب :
-أجازتي خلصت وشغلي هنا ومش بخرج كتير بالصراحة برا منطقة العمل ويوسف وحمزة قالولي آجي أسهر معاكم فقولتلهم ماشي
أمسك يونس بذراعه هاتفًا بطريقة كوميدية :
-طالما هتتلم على الشلة دي هتفسدك وانت شكلك محترم وابن ناس فسيبك من حمزة وخليك في يوسف هو من نفس فصيلتك
-ملكش دخل بعديلي يا يونس خليك في عديلك وأخوك اللي قاعد ده
نطق بها حمزة بتحذير زائف فجذب يونس مقعد وجلس بجانب أخاه موجهًا حديثه لياسر :
-طالما ده هيبقى عديلك مبروك عليك الفساد يا ياسر..... ها يا شباب آخر الأخبار ايه؟؟
أشار كريم نحو يوسف ثم قال :
-فرح اخوك بعد بكرة لتكون المعلومة دي لسه موصلتش ليك
-لأ دي عارفها غيره
-انت مين قالك إننا هنا؟؟
مط يونس شفتيه ثم أجاب :
-القضية اللي كنت ماسكها لسه خلصانة روحت البيت سألك عنكم وماما قالت إنكم هتسهروا النهاردة فقولت أكيد انتوا في المطعم ده
ابتسم له بطريقة متفاخرة ثم استرسل وهو يعود بظهره للخلف :
-عندي خبر حلو بعد كده لما تكلموني حددوا معاد قبلها بيوم علشان انا دلوقتي بقيت رائد
صاحوا الشباب متحمسين لهذا الخبر الذي يضُم ترقية يونس فقال إسماعيل بهدوء بعد أن سكن الصياح قليلًا :
-طالما فيها ترقية يبقى انت كنت ماسك قضية كبيرة
-آه والله كبيرة خدت مني مجهود ١٣ يوم متواصلين مكنتش بنام غير أربع خمس ساعات وأطبق يومين تلاتة، حتى التليفون مكنتش بمسكه أطمن حد عليا
وافقه حمزة هذا قائلًا :
-فعلًا أسبوعين اسمك مظهرش على تليفوني
-يا عم انا مكنتش فاضي أكلم أمي وخطيبتي علشان أكلمك انت
عقد حاجبيه فور أن قال هذا متذكرًا شروق التي لم يسمع صوتها ولم تسمع صوته منذ عشرة أيام كاملة، فرك وجهه متمتمًا بضيق :
-طبعًا الجماعة كلهم جايين بكرة وهتقابلني بوش نكد
سمعه يوسف فقال محاولًا التخفيف عنه :
-ماما قالتلها إنك مشغول في قضية لدرجة مش بنشوفك ولا تقدر تكلمنا، أكيد هى هتراعي ده بس انت حاول تقابلها بوش حلو
-والله على حسب وشها هى اللي هتقابلني به
قلب يوسف عينيه بضجر من علاقة هذان الاثنان، إن براءة محقة إن الإثنين عبارة عن نار ووقود فعسى ألا يحرقان بعضهما غدًا
نظر نحو ياسر ثم هتف متسائلًا :
-هما ركبوا القطر ولا لسه
-لسه في المحطة والقطر موصلش، مفيش قطر بيوصل أبدًا على معاده
تحدث يونس محدقًا في أجواء المطعم الصاخبة من حوله :
-طلبته عشاء ولا لسه
وأجاب أحمد ابن عمته :
-طلبنا وأكلنا ومستنيين حاجة ساقعة تنزل وعلفكرة الحساب لسه مدفعش وبما إنك بقيت رائد واترقيت ومرتبك هيزيد يبقى عليك الدفع يا باشا
-ده عند أمك توحيد.... متخلينش اغلط في عمتي بقى علشان غالية عليا، صحيح هى عاملة ايه؟؟
-كويسة لسه فضحانا في العمارة فاكرة رحاب سرقت دهبها اللي إحنا مش عارفين هى مخبياه فين وهى نفسها مش فاكرة
كانت جلستهم شبابية ممتعة نادرًا ما كانوا يتجمعون بها بسبب إنشغال الجميع في مشاغل الحياة وقد ظلت جلستهم ممتدة للساعة الحادية عشر حين تفاجأ جميعهم بـلؤي الصغير ابن إسماعيل يدلف إلى المطعم وهو ينادي على والده
دُهش إسماعيل من وجوده هنا فأستقام هو وحمزة وكريم قائلًا :
-لؤي بتعمل ايه هنا ومين جابك؟؟!
أشار الآخر نحو الخارج قائلًا :
-ماما وخالتو شافوا عربية خالو حمزة فعايزين يوصلهم البيت علشان معاهم شنط كتير
خرج إسماعيل من المطعم حتى يراهم بينما قال حمزة بتعجب وهو يلحق بكريم وإسماعيل :
-وهما أمك وخالتك لسه بيشتروا هدوم لحد دلوقتي ليه ده إحنا بقينا نص الليل
خرج ليجد إسماعيل يتحدث مع غادة وعلى الأرجح يعنفها على تأخرها لهذه الساعة وبدا هذا من وجه غادة المقلوب فقال هو حتى يحل الأمر ولا يتشاجرا في الشارع وبالطبع ستكون غادة من تبدأ الشجار :
-خلاص يا إسماعيل هرجعهم انا بعربيتي وهارجع تاني خليك انت مع الشباب
تقدم نحو شقيقتيه ثم نظر إلى كم الحقائب التي يحملونها ثم قال :
-انتوا بتشتروا هدوم جديدة ولا بتجهزوا عروسة؟! اطلعوا قدامي يلا
تقدم الاثنتين دون جدال وصعدا إلى السيارة لتعد غادة الحقائب تتفقد إن كان هناك حقيبة ناقصة أم لا أثناء تحرك حمزة بالسيارة حتى يمر من تقاطع الطريق فقالت رحمة بسرعة وجعلت شقيقها يركن على جانب الطريق على بعد صغير من المطعم :
-حمزة حمزة استنى معلش أشتري حاجة حلوة أكلها النهاردة بالليل وانا بتفرج على المسلسل
نظر لها الآخر في المرآة قائلًا :
-مش كفاية اللي اشتروه ده يا رحمة ثم مسلسل ايه وابوكي شال الراوتر
-وانا غبية يعني مش عارفة إنه هيعملها زي ما عملها الأجازة اللي فاتت، انا نزلت تلات مسلسلات وسبع أفلام لحد ما أبوك يرجع الراوتر تاني أكون خلصتهم
هبطت من السيارة ثم وقفت أمام نافذته هو وقد مدت له يدها فقال حمزة ببسمة متهكمة :
-ربنا يسهلك يا حلوة بطلوا تسول بقى مليتوا البلد
فعّلت رحمة وضعية الترجي إذ رسمت على وجهها ملامح جرو لطيف قائلة بصوت ناعم كأنثى اليربوع :
-بليز يا حمزة مش انا أختك
-مين قال انا وحيد أبويا وأمي
قلبت غادة عينيها بضجر قائلة :
-يلا اديها يا حمزة ما انت على قلبك قد كده
-خليكي في حالك يا أم لؤي ثم انا عريس بجهز نفسي كفاية قر بقى
اشتعلت ملامح أخرى وتوقفت أذنيها عند الكلمة الأولى فصاحت بغيظ قائلة :
-حمزة متقوليش يا أم لؤي اللي عاملها لقب عليا اليومين دول، قولي يا غادة بلاش سوقية بقى
أشار حمزة نحو لؤي الذي يجلس في الصدر بجانبه ثم قال :
-وابنك ده اتبريتي منه ولا ايه؟!
وضعت رحمة كلتا يديها في خصرها هاتفة بضيق :
-هو انتوا هتمسكوا في بعض وتسيبوني انا، اخلص يا حمزة مش انت أخويا ومسؤول عني هات فلوس
-ده لما يكون أبوكي توفاه الله ابقى انا مسؤول عنك غير كده انا وانتي مسؤولين منه هو، القانون بيقول كده
رفعت إحدى حاجبيها بتذمر قائلة :
-يعني انت مش هتجيب فلوس؟!
-لأ
-خلاص أولع انا هاروح آخد من كريم وعلفكرة هو معاه حق انت من وقت خطبت وانت نسيتنا خالص، متخليش أسرتك الصغيرة تنسيك عيلتك الكبيرة يا حمزة
وألقت له هذه الكلمات الدرامية ثم تحركت نحو المطعم فخرج حمزة من السيارة وتبعها قبل أن تمر الطريق مقهقهًا بقوة :
-خلاص خلاص تعالي متبقيش قفوشة زي أختك
كان حمزة ممسكًا بذراع شقيقته يجذبها للخلف ثم وقف أمام السيارة يفتح محفظته حتى يعطيها ما تريد، متطمئًا أن السيارات قليلة رغم أنهم على الطريق السريع
ولكن يأتي القدر دون حسبان من أحد يصطدمك بواقعه ولا خيار لك غير تقبله بحلوه ومُره، إذ أتت دراجة نارية مسرعة صاحبها شاب صغير متعاطي هارب من سواد الدنيا وقد زاد سرعته على الحد المسموح به عندما وجد الطريق شبه فارغ من حوله
ولم يبصر تلك السيارة التي كانت تركن وحيدة على جانب الطريق الأيمن فاصطدم بها بعنف
صرخت رحمة وغادة بذعر وبكي لؤي بألم أثر اصطدام جبينه في مقدمة السيارة، بينما هبط حمزة أرضًا ممسكًا بقدمه التي اصطدمت مقدمة السيارة بها بعنف بالغ أثر قوة دفع الاصطدام لها من الخلف
ورغم هذا تحامل على نفسه ووقف من مكانه يرى شقيقته وابنها داخل السيارة، ويرى من الحمار الذي اصطدم بهم
دار حول سيارته فأصبح في منتصف الطريق السريع لتأتي دراجة أخرى ولكن سائقها محترف فحاول تفادي حمزة على أخرى لحظة لتكون النتيجة هى سقوطه من على الدراجة بعد أن مال بها لزاوية خطيرة وهو يحاول تفادي حادث وشيك
احتكت الدراجة على الأسفلت وهى تتجه نحو حمزة بسرعة مخيفة مصطدمة بقدمه المصابة فجعلته يسقط على ظهره للخلف ولم يعد يسمع سوى الطنين المختلط بأصوات الناس الكثيرة التي أخذت تتجمع حولهم....
"ستنتهي الفراشات عما قريب ونبدأ الأكشن"
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الثاني وسبعون 72 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
فصل أكبر من اللي فاتوا بمشهد، زيدوا التعليقات أيها الصامتون بقى علشان بدأتوا تناموا مني وإحنا لسه بنسخن والأكشن لسه مجاش
صلوا على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
في صباح اليوم التالي
أصوات زامور القطار المرتفع مختلطة بأصوات الناس الكثيرة التي أخذت تندفع خارج القطار والذي وصل لتوه من الصعيد حاملًا أبناء صفوان وأحفاده فيوم غد هو يوم زفاف براءة ابنة الأخ وابنة العم
أما العروس نفسها أصابها ضيق في صدرها عندما هبطت على أرض إسكندرية، لا تعلم لما هذا الضيق المفاجئ ولكن رجحت أن السبب يعود لأنها ستتزوج في هذا البلد وتستقر به وستقضي به بقية حياتها
إن مدينة الإسكندرية جميلة ولا تنكر هذا وهى من أنصار الزواج في مدينة، عكس ابنة عمها نور التي كانت تود الزواج في منزل ريفي هادئ يطل على اللون الأخضر من كل مكان بعيدًا عن صخب المدن
ولكن هذه الحياة لا تعطي لكل حالم ما يريد
أخذ الشباب والرجال يحملون الحقائب الكثيرة فالكثير من العائلات قد حضروا ثم تبعهم إلى خارج المحطة الفتيات والنساء ونور كانت متأبطة ذراع والدتها تشعر بالرهبة من الزحام حتى أن عينيها كانت تتلفت في كل الزوايا متربصة ليد خبيثة تريد إستباحة جسدها مرة أخرى
أخيرًا خرجوا من المحطة ليجدوا محفوظ وشقيقه محمد وابنيه يوسف ويونس وياسر كذلك في استقبال الجميع، هم الجميع بالترحيبات والتهليلات ليس وكأنه مر فقط أسبوعين على لقائهم ببعضهم
بينما اقترب ياسر من عمه علي هامسًا له بشئ جعل ملامح الآخر تتحول للذهول والصدمة في آنٍ واحد وهو يقول :
-طب اتعور واعر؟!
جذب انتباه صفية ملامح زوجها فاقتربت منه متسائلة :
-فيه ايه يا علي؟ حاجة حصلت؟؟
-موتسيكل خبط عربية حمزة وهو اتعور وأخته وولدها الصغير
حوقلت صفية بصوت مرتفع ثم هتفت مذعورة :
-مِيته "أمتى" حصل ده، وواعرة الحادثة وخدوهم المستشفى ولا حاجات خفيفة يا ياسر
اقترب محفوظ منهم بعد أن ترك شقيقه وابنيّه يتوليان أمر المواصلات التي ستنقل الجميع إلى بنايتهم :
-قولتلهم يا ياسر
نظر نحو علي وزوجته ثم أضاف :
-متخافوش الحمد لله ربنا ستر وجات على كسر وكام كدمة وجرح وخرجوا من المستشفى بالليل
وفور نطق كلمة مشفى حتى أخذ يتساءل أخوة علي عن الأمر وسرعان ما انتشر الخبر بين الموجودين ووصل لنور التي كانت تجلس في إحدى سيارات الأجرة التي تحمل إحدى عشر راكب فأتاها صوت ابنة خالها وهى تقول :
-نورهان مش جوزك اسمه حمزة؟!
آماءت لها الأخرى بإيجاب ثم قالت وهى تسترق النظر لخارج السيارة :
-ايوه هو جه؟؟ مشوفتوش معاهم
-شوفتي ايه ده بيقولوا عمل حادثة عشية ورجله اتكسرت
اتسعت عينيها بصدمة جعلت لسانها يصمت عن الحديث ليس فقط لوقع الخبر عليها بل لأنها منذ عدة أيام حلمت بعد صلاتها للفجر أن حمزة قد كُسرت قدمه أثر حادث ومن شدة واقعية الحلم شعرت أنها رؤية مستقبلية ستحدث في المستقبل وها هى قد حدثت
علت أصوات النساء من حولها يستفسرن عن حالة حمزة الآن وعن إن كانت الإصابة خطيرة بينما هى هبطت من السيارة تبحث عن والديها لربما لا يدريان بالخبر بينما أخذت أصوات النساء تتعالى بطريقة مزعجة فأتاهم ماهر يصيح بغضب :
-فيه ايه صوتكم عالي والناس كلها بتبص علينا إحنا
وتحدثت زوجته جهاد قائلة :
-هو خطيب نور صِح عمل حادثة ورجله اتكسرت؟!
-ايوه وبطلوا كلام علشان طالعين بالعربيات دلوقتي، تعالي يا نور ادخلي
ختم حديثه جاذبًا نور بخفة حتى تصعد معهم فامتثلت الأخرى له وصعدت بالفعل وهى تفكر، فكرت في الاتصال به ولكن هى في زحام العائلة وكل الآذان ستكون معها فشعرت بالحرج من فكرة الإتصال
صعد يونس إلى جانب ماهر في الأمام ثم طلب من السائق التحرك بينما هو نظر نظرة سريعة إلى النساء من خلال مرآة السيارة الأمامية، وعندما وجد شروق معهم فتح هاتفه ثم من بعده تطبيق الواتساب مرسلًا إليها برسالة أخرى غير التي لم تجب عليها منذ ليلة أمس أو هى أجابت ولكن إجابة مختصرة وكأنها مجبرة عليها
يعلم أن وضعه معقد معها وهو يهملها منذ تمت خطبتهما بشكل رسمي، ولكنه كان مشغول كثيرًا حتى عن النوم بشكل طبيعي والأمر حقًا ليس بيده
"شكلك حلو بالنضارة الجديدة دي"
حسنًا لا يدري أقد اشترت نظارة جديدة أم لا ولكن إن لم تكن ستجيب عليه، وإن كانت ستجيب أيضًا عليه ولكن بإقتضاب
وصلت لها الرسالة دليلًا على أنها متصلة بالإنترنت الآن وكما توقع أجابت عليه بطريقة ساخرة لا يدري لما سمعها بصوتها
" انا مش جايبة نضارة جديدة"
"بجد يمكن اتلخبطت من الكاب اللي انتي حطاه على دماغك ده"
لم تجب عليه ولو بإيموجي حتى فأرسل لها بشكل مباشر ودون التطرق لمقدمات هو لا يطيقها
"شروق انتي مضايقة مني ليه ومن غير إسال نفسك ومن غير لو انت مهتم كنت عرفت انا قولتلك انا راجل مباشر"
"انا لا شايفة منك لا مباشرة ولا ملاوعة، مش شايفة منك أي حاجة، أكتر من عشر أيام رقمك مظهرش على تليفوني"
"كنت في شغل يا شروق حتى نوم بالعافية كنت بلاقي وقت أنام "
" والمفروض حياتك كلها على كده؟؟ "
" لأ في المهمات الشديدة والمهمة بس، ده انا حتى اترقيت مفيش مبروك "
" مبروك "
رد مختصر بشدة ثم بعدها أغلقت إتصالها بالإنترنت فحدق في الهاتف بغضب من الأسلوب الذي تستخدمه وهو لا يأتي أبدًا بهذه الطريقة، رن عليها فصدح رنين هاتفها في الأجواء وهذا ما جعلها تغلقه بسرعة محدقة حولها بحرج لتقول والدتها :
-مين يا شروق؟؟
-٠١١ يا ماما الشركة
أرسل رسالة أخرى تقول بعد أن رآها عادت متصلة بالإنترنت
"متقفليش في وشي غير بعد ما تقولي مع السلامة علشان مزعلكيش"
"لا انت اللي بس علشان مزعلكش"
عض طرف شفتيه بإعجاب شديد لعنف هذه الفتاة ثم أرسل
"طب استني ننزل من العربية ونشوف مين هيضرب التاني"
"يونس"
وجب أن يلحق بهذه المناداة كلمة نعم، ولكن توقفت أنامله لبرهة قليلًا ثم أرسل
"نعم يا عمري "
كم بدا سخيفًا وهو يرسل كلمة" عمري" هذه لم يقلها لوالدته حتى يقلها خطيبته، ولكن كما يقول حمزة الفتيات يعجبهن هذه السخافات، أراد النظر إليها ليرى رد فعلها ولكن وجود ماهر بجانبه منعه من هذا، فقد يظن أنه ينظر لنساء عائلته
انتظر إجابتها على أحر من الجمر لترسل له آخر ما توقع
"اتلم واحترم نفسك يا يونس"
"اتلم علشان قولتلك يا عمري؟! تصدقي انا غلطان انتوا أصلًا جنس مكلكع وغير مفهوم يعني أقول كلام حلو مش عاجب أقول دبش مش عاجب متكلمش خالص مش عاجب"
وصل له صوت قهقهتها من الخلف فعض على خده من الداخل مكافحًا كبت بسمته خاصةً عندما قال ماهر بعصبية لضحك شروق الغير مبرر :
-ايــــه فشتك عايمة يعني؟! "مثال يقال لكثيري الضحك"
ضمت الأخرى شفتيها بحرج قائلة :
-معلش معلش قريت حاجة تضحك على التليفون
إدعى يونس أنه لا يهتم بكل ما يقال ويركز فيما يفعل، وإخفاضه لإضاءة هاتفه ساعدته في أن لا يعلم ماهر ما يفعل
حاولت شروق إدعاء الثبات وتركت الهاتف قليلًا لأن والدتها صبت اهتمامها معها وبدون مقدمات همست لها :
-بتكلمي مين؟؟
وبكل صدق أجابت بنفس النبرة :
-بكلم يونس
-وايه اللي يضحك قوي كده
هى لا تفعل شئ خاطئ لذا أعطت الهاتف لوالدتها حتى تقرأ المحادثة فأخذته الأخرى منها وهى واثقة أن ابنتها لا تفعل ما هو مُشين، ورغم هذا أرادت الإطلاع على أسلوب خطيب ابنتها وترى ان كان جرئ في كلامه معها أم يحترم كونهما في علاقة ليست كاملة
قرأت رسائله وصعدت لأعلى وقد لاحظت أن ابنتها أرسلت الكثير من الرسائل منذ عدة أيام وهو لم يرد عليها، غير مواجهة شروق له بقلة اهتمامه بها، أشارت والدتها للهاتف متسائلة بنبرة منخفضة :
-دي لما هو كان في شغل ومكنش عارف يرد عليكي؟؟
آماءت شروق بصمت ثم قالت تشكو لوالدتها منه :
-حاسة إني آخر اهتماماته يا ماما
-ليه ما هو بعتلك أول ما بقى فاضي
-وليه مبعتش ولو رسالة يرد بيها عليا، ممسكش تليفونه خالص!؟
-شروق هو مش شغال في شركة ولا شغلانة عادية وهينة، شغله صعب يا بتي وأكيد ده مخليه يهتش من هنا لهنا، وهو قالك مكنش عنده وقت ينام اعذريه
عقلها الطائش العشريني لم يقتنع بهذا عكس والدتها الأربعينية ذات العقل الراجح والخبرة الواسعة، لذا قالت شروق بعدم إقتناع :
-يعني رسالة واحدة مكنتش هتضر يعني
-انا شايفة إنك لازم تكوني صبورة معاه، ايوه شغله ده جه على غفلة بعد ما اتخطبتوا بكام يوم في أكتر وقت كان كلامكم المفروض يبقى فيه كتير زي أي اتنين مخطوبين جداد، بس ده مش بإيده وهو أول ما بقى فاضي كلمك علطول متبقيش ناشفة
-ماما هو مفيش أنشف منه في الكلام، بسحبه منه بالعافية مش عارفة ليه مش زي ولد عمه
استدارت لها والدتها بعنف وحدجتها بعصبية هامسة :
-شروق هقولك نصيحة تاخدي بيها بيتك هيبقى زي الفل، متخديش بيها هتعيشي في نكد من عمايل ايديكي انتي، إياكِ يا بتي تقارني جوزك براجل تاني، راجل عن راجل يختلف، راجل يعرف يقول كلام حلو وراجل لأ، راجل يفهم دماغ الست وراجل لأ وعلى حسب نوع جوزك انتي تعرفي تعوديه عليكي، متجبيش النكد لنفسك ولبيتك يا شروق خليكي ناصحة وصابرة، ومتشكيش منه كتير اشتكي ليه
-يعني ايه؟؟
-يعني مش كل حاجة تحصل بينكم تشكي ولو هو غلط في حقك قوليله في وشه لو هو عاقل وعرف غلطته بعد ما فكر فيها هيرجع ويبوس على راسك، لو زاد عن حده ومعرفتيش ترجعيه اشتكي لأبوه وأمه علشان إحنا وقتها هنبقوا بعيد عنك
ابتسمت شروق بسمة واسعة لطريقة والدتها في إلقاء النصائح قائلة :
-ماشي يا ماما هعمل بالنصايح دي، ماعدا لو غلط في حقي اقوله انت غلطت فيا، انا هفتحله راسه علطول
بعد ساعة ونصف بسبب زحام الإسكندرية صباحًا اصطففن السيارات عند مدخل البناية ليكن في استقبالهم أسماء وعبلة وعثمان وابنه كريم، وأول المتقدمين نحوهم كان علي الذي صافح عثمان قائلًا :
-ألف سلامة على ولدك وبتك يا دكتور عثمان
آماء له الآخر مبتسمًا بسمة مرهقة لأجل سهره البارحة بجانب أبنائه :
-الحمد لله ربنا سترها وجات في العربية
عم الصخب في المكان خاصةً عندما طلب محمد من يوسف ويونس وكريم أن يساعدوا الشباب في نقل الحقائب إلى الشقتين اللتان قاموا بتجهيزهما من أجل أن يمكث بهما أبناء صفوان وأُسرهم
هبطت نور من السيارة متجهة نحو والدتها ثم وقفت بجانبها موجهة حديثها لعثمان إذ قالت بأسف شديد :
-ألف سلامة على حمزة يا عمي هو فين دلوقتي
-قاعد فوق تحبي تطلعيله
صمتت نور ثم نظرت إلى والديها تطلب منهما الأذن لتقول صفية بنبرة جادة إجتماعية :
-نطلعوا إحنا كمان علشان نطمنوا عليه، تعالي يلا وشوفي أختك فين وهاتيها معاكي
نادت نور على عائشة حتى تأتي معهم بينما تحركت هى خلف والديها وعثمان حتى ترى زوجها المصاب ويبدو أن لا شئ مما كانت تتمنى سيتحقق، إذ كانت تريد زيارة معالم مدينة الإسكندرية معه كما وعدها خاصةً مكتبة الإسكندرية ومدينة الألعاب، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن
وها هى مصيبة جديدة تستقبلهم
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
جذب يدها بخفة قبل أن تدلف إلى الشقة المخصصة للنساء ومنعها من الدخول ثم قال :
-استني يا براءة عايز اتكلم معاكي
مدت الأخرى جسدها للداخل قليلًا منادية على والدتها :
-ماما ثواني هتكلم مع يوسف
ابتسم بتعجب لما فعلت ثم هتف متسائلًا :
-كان لازم تستأذني يعني؟!
-ايوه طبعًا علشان يبقى عندها علم
آماء يوسف بإقتناع ثم نظر إلى الأعلى قائلًا :
-تحبي نطلع فوق؟!
-فوق فين؟؟
-على الروف
نطق بها بحسن نية فأخذت الأخرى تحدق به بريبة قائلة :
-وليه يعني على الروف ما تقول اللي هتقولوا هنا
-هو انتي خايفة ولا ايه؟! علفكرة انتي مراتي
رفضت براءة بذوق أجل هى زوجته ولكن لم يكتمل زواجهم بعد حتى يذهبوا إلى مكان دون استئذان من أحد، هى حتى هذه اللحظة لا تزال تحت إمارة أبيها وليس إمارته لذا عليها أن تتعامل معه بتوجس ولكن بأريحية حتى لا تكون متشددة أكثر من اللازم :
-معلش يا يوسف نتكلم هنا أحسن
نظر الآخر إلى داخل الشقة قليلًا وقد كُن النساء منشغلات في تقسيم المكان عليهن فقال بخفوت :
-سمية ماتت من تلات شهور
ضمت الأخرى حاجبيها بإندهاش مرددة :
-ماتت ازاي؟؟
-سكتة قلبية وانا لسه عارف من الممرضات لما سألت عليها، ده معناه إن مش هى اللي عملت كده
-ما ممكن تكون هى عملته فعلًا ولسه شغال لحد دلوقتي
-هو مش المفروض السحر يبطل لما يموت اللي عمله؟؟
-مش عارفة يا يوسف معنديش معلومات كتيرة عن الموضوع
فرك يوسف جبينه ثم قال :
-طب انتي لسه تعبانة؟؟
-لأ كويسة الحمد لله بس لما أبطل أقول الأذكار أو أراكم فرض على فرض اتعب والشيخ قالي التزمي بالأذكار والصلاة والقرآن ومشربش أو آكل حاجة من حد غريب أو حد انا شاكة فيه، ومدخلش برضو حد غريب أو بيكرهني أوضة نومي أو اديه حاجة من حاجتي علشان هى دي مداخل السحر
تنهد يوسف بتعب ثم بدون مقدمات وبشكل عفوي منه جذبها في عناق غير متوقع بالنسبة لبراءة ثم قال وهو يربت على حجابها من الخلف :
-ربنا يحميكي ويحفظك ليا من كل شر وأذى
خجلت براءة بشدة لمعانقته لها هكذا وقد حاولت إبعاده ولكن الآخر تمسك بها قائلًا بمعاتبة :
-علفكرة لسه مضايق علشان خبيتي عليا بس مش عايزة نزعل من بعض وفرحنا بكرة
تملصت من بين ذراعيه ثم عدلت حجابها بتوتر قائلة :
-أديك قولت بكرة فلو سمحت خليكي على بعد خمس متر لحد بكرة ده ما يجي
ابتسم على خجلها ولم يرد إحراجها أكثر خاصةً عندما فُتح باب المصعد وخرج منه يونس وكريم وياسر يحملون حقائب النساء كلها، فولجت براءة للداخل بسرعة عندما أخذوا يدخلون الحقائب وقالت ليوسف أن ينتظر قليلًا لأنها تريد إعطاه شئ
بقى معهن ياسر حتى يرى إن كُن يحتجن لشئ بينما خرجا يونس وكريم وأستقلا المصعد حتى يهبطا بالتزامن مع ظهور شروق أمامهما وقد همت بصعود المصعد ولكن توقفت عندما وجدته فراغ إلا منهما لذا قالت بحرج :
-خلاص هاخد السلالم
وضع يونس يده على الباب حتى لا يُغلق ثم قال :
-تعالي لسه هتنزلي ١٤ دور
-انزلهم عادي
همت بالإنصراف فجذبها يونس من ذراعها حتى تدخل وجعلها تقف بجانبه قائلًا :
-عنيدة انتي ما تسمعي الكلام من سكات
تفاجأ بها تضربه بعنف على زنده هاتفة بتمرد :
-إيدك يا بابا إيدك، متسحبنيش السحبة دي تاني
فرك يونس ذراعه مذهولًا من عنفها بينما ضحك كريم ضاغطًا على زر الهبوط قائلًا :
-حمزة معاه حق والله البنت دي هتربيك من أول وجديد
ضمت شروق ذراعيها إلى صدرها وأشاحت بوجهها الناحية الأخرى فقال يونس مقلدًا حركتها دون الإشاحة بوجهه :
-طب انتي مقموصة ليه دلوقتي!؟
-انا مش مقموصة
-لأ مقموصة
-قولت مش مقموصة
نطقت بها بحدة ثم نظرت نحو كريم قائلة :
-إحنا مش هنتخانق قدامه
ونظر الآخر نحو كريم الذي كان يستند بظهره على حائط المصعد ثم قال بلامبالاة :
-ده كريم عادي
ضحك كريم بخفة ساخرة، مقلدًا أحد الأفلام المصرية لكريم عبد العزيز وهو يقول :
-دي ماما عادي
قلبت شروق عينيها متنهدة ثم قالت :
-انا مش مضايقة بس....
قاطع الآخر حديثها وهو يحدق في كفيها بريبة :
-هو ايه اللي في ايديكي ده؟! طفح جلدي!!
اتسعت عيني شروق بصدمة صائحة بصوت مرتفع :
-انت بتقول ايــــه دي حِنا يا يـــونــس
اخرج كريم من فمه صوتًا مستنكرًا ثم قال :
-يونس حرفيًا انت زيرو في فهم التعامل مع الجنس اللطيف، انت مش هتنفع في العلاقة دي، سيبيه يا بنتي بدال ما يجيبلك تروما
ضحك يونس ضاممًا كفيه حول خصره ثم قال ببسمة يوجهها لها :
-علفكرة عارف إنها حناء بس عايز انكشك بدال ما انتي مصدرة بوز البطة ده
-وعلفكرة انت كده مش بتحل انت بتعقد
نطق بها كريم من خلفه معترضًا على هذا الأسلوب فإستدار له يونس نصف إستدارة، محدقًا به بشر :
-كريم انا بعتبرك ألطف واحد في العيلة دي بعد إسماعيل متخلينش أحطك في الليستا السودة اللي حاطط فيها أخوك
رفع الآخر منكبيه مخرجًا مفاتيح دراجته عندما رأى المصعد يقترب من الطابق الأرضي :
-وعلى ايه يا عم انا هاروح الشركة علشان ألحق التدريب
-شركة ايه؟؟
-ما عقبال عيالك هتعين في شركة الأدوية اللي ابويا شغال فيها، بس تقريبًا هيشغلوني مدرس مش صيدلي، بعلم بنت صاحب الشركة اللي جاية من ألمانية اللغة العربية
توقف المصعد فخرج منه وقد لحقت به شروق قائلة :
-هو انت بتعرفي ألماني؟؟
همهم كريم بإيجاب فقالت الأخرى متعجبة :
-هو انت خريج ألسن ولا صيدلة!؟
-صيدلة بس اخدت كورس ألماني وكمان انجلش علشان أحسن اللغة وبشوف دلوقتي كورس لاتيني
أخرجت شروق من فمها صيحة مذهولة ثم أضافت :
-واو بجد علفكرة دي حاجة ممتازة إنه يبقى معاك كذا لغة خاصةً في مجال الأدوية، بس معلش سؤال هو اشمعنا اللغة الألمانية بالذات مع إنها مش بالشهرة العالية زي الانجلش والفرنساوي
رفع الآخر منكبيه مجيبًا عليها غير منتبه لنظرات يونس المتابعة لهذا الحوار الذي لا يعجبه _من وجهة نظر يونس_
-بحب اللغة الألمانية وتعلم اللغات عامةً وكان نفسي ادخل ألسن بس نصيبي أدخل علمي ومن بعدها صيدلة، صحيح انتي مش هتحولي ألسن؟؟
-ألسن مين يا ابني اتضحلي إن لازم مجموعي في الثانوية يكون متوافق مع التنسيق وانا مجموعي قِبل الآداب بس، فشكلي هقعد في كلية الآداب، بس هحول من علم نفس للغات وجبت معايا ورقي علشان أقدم
-نفسك تدرسي لغة ايه بقى؟؟
همت الأخرى بالإجابة عليه فصاح يونس من بينهما بعدم رضا لهذا الحوار الطويل :
-والله انا شايف تقعدوا وتكملوا بدال ما انتوا واقفين كده وامشي انا علشان شكلي عزول ما بينكم والحوار شكله شيق ومطول
دفع كريم الذي أخذ يقهقه لخارج مدخل البناية وهو يقول :
-يلا يا كريم مش وراك تدريب يلا روح اتكل على الله
-ماشي طيب بس متزوقش
ختم حديثه ثم صعد إلى دراجته التي ركنها صباحًا أمام البناية ليقول يونس مناديًا عليه :
-براحة وانت سايق لأحسن تعمل حادثة انت كمان مفيش فيا حيل ألف في المستشفيات تاني
-حــــاضر
نطق بها بصوت مرتفع حتى يسمعه ثم رحل لتقول شروق وهى تفكر بصوت مرتفع ونظرها قد تركز على تلك الدراجة الحديثة :
-نفسي أركب موتسيكل والله
أدار يونس رأسه لها رامقًا إياها بحدة ثم قال :
-عايزة تركبي وراه يعني ولا ايه؟!
-لأ وهو انا قولت كده
-أومال ايه يعني!؟
زفرت شروق بضيق ثم قالت :
-هو انت عايز تتخانق وخلاص
وعقد الآخر ذراعيه أمام صدره هاتفًا بتذمر ينبع من غيرته عليها :
-لما تتكلمي مع حد غيري بتبقي في قمة الإحترام، ولما اتكلم انا معاكي بترمي عليا دبش وتحرقي دمي
-يا راجل ده على أساس إن لسانك بينقط عسل وبيرمي ورد؟! ده انت لسه قايل على الحناء بتاعتي طفح جلدي يا يونس
ختمت حديثها وهى ترفع كفيها أمامه بعصبية فحدق يونس في يديها المرسومتين ببراعة وقد لفت انتباهه اسمه بين الرسومات المنحنية مكتوبًا بالإنجليزية فقال بمكر :
-حلوة الرسمة واسمي محليها
ضمت بسرعة كفيها خلف ظهرها بخجل شديد متناسية اسمه الذي طلبت من الفتاة نقشه على كفها بخط رفيع حتى لا يراه أحد، ولكن يونس شديد الملاحظة بدرجة عالية وبالطبع لاحظه
تحركت بسرعة من أمامه متجهةً إلى خارج البناية فنادى عليها يونس قائلًا :
-استني انتي رايحة فين
-رايحة عند بابا
نطقت بها بسرعة وهى تكمل في طريقها دون توقف وكأنها تهرب منه فلحق بها يونس بسرعة صائحًا باسمها :
-استني يا هبلة ابوكي فين ده اللي رايحة عنده، ابوكي قاعد مع الرجالة في الشقة اللي في الدور العاشر
توقفت بسرعة ضاربة جبينها لشدة بلاهتها ثم قالت بصوت غاضب تخفي به حرجها :
-انا أصلًا كنت نازلة الدور العاشر بس انت اللي قعدت ترغي معايا لحد ما نزلنا الأرضي
أشار يونس لنفسه ضاممًا ضحكته على غضبها اللذيذ ووجنتيها المنتفختين لتدلف شروق مرة أخرى للداخل ثم طلبت المصعد، لحق بها مرة أخرى فهو كان سيهبط الدور الرابع ولكن كريم ضغط على الأرضي
هم بالصعود إلى المصعد الفارغ فمنعته بسرعة من هذا قائلة :
-رايح فين كده هتبقى خلوة!!
-في الأسانسير؟! ده كام دور بس مش هلحق أعمل حاجة ده لو فكرت أصلًا
تجاهلت تلميحاته الوقحة مثله ودفعته من ظهره للخارج ثم ضغطت على الطابق العاشر وقبل أن ينغلق الباب قالت :
-انت ظابط وعندك صحة ومتعود إطلع انت السلم
انغلق المصعد وبدأ بالصعود فانفجر يونس في الضحك وكم ود أن يأخذ صورة لوجهها الذي يكسوه الغضب والخجل
كم يحب تلك الفتاة وكم يعشق رؤية غضبها، خاصةً رؤية شفتيها المذمومتين اللتان يتبعانها انتفاخ خديها فتصبح في مظهر لذيذ يدفعه لفرك وجهها بكفه، أول ما سيفعله بعد عقد قرانهما هو أنه سيفرك وجهها الناعم هذا بين كفيه الخشنين
عجبًا كم هو عنيف حتى في حبه؟!
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ولجت مع شقيقتها إلى هذا المكان الممتلئ بالنساء وجمعيهن على وجوههن غضب الله وكلًا منهن تخوض في سيرة غيرها، وحين ترى كل هذا العدد تشعر أن لا خير في نفوس البشر فكل هؤلاء إما حضرن من أجل فك سحر أو لعمل سحر
تقدمت نحو ذلك الرجل الأسمر النحيف ثم قالت شقيقتها ذات الشخصية المتجبرة بنبرة جادة صارمة :
-إحنا عايزين ندخل للشيخة نوال
رفع الآخر عينيه الضيقتين لها ثم قال بنبرة عادية :
-ادفعي واستني دورك
-كام؟؟
-٨٠٠ جنية
وصاحت به الأخرى بنبرة سوقية رغم أنها متعلمة تعليم متوسط ولكن أي تعليم هذا الذي يفلح حين يتغلب الشيطان على عقل الإنسان :
-٨٠٠ جنية ده ايه هو إحنا هنعمل عملية؟؟ ما من أسبوعين تلاتة كنا هنا وكان بـ ٥٠٠ بس
-وطي صوتك يا مدام
-آنسة يا اخويا
-طب وطي صوتك ولو مش عاجبك روحي لحد تاني بس الشيخة أعمالها فعالة واسألي
وأجابته هى هذه المرة وهى ترفع طرف حجابها الملتف على نصف رأسها بعشوائية فلا هو يخفي ولا يستر :
-وإحنا نسأل ليه إحنا جايين نقولها العمل اللي دفعنا فيه ٣٠٠٠ جنية منفعش والبنت هتتجوز الواد بكرة
-يبقى انتي معملتيش اللي قالت عليه الشيخة بالظبط
-ما هى اللي عملت قدامنا مش إحنا، بس الموضوع منفعش والبت شوفناها واقفة صاخ سليم مفيهاش حاجة يبقى الغلط بقى على مين
نفخ الآخر بضجر ثم قال :
-طب خلاص ادفعوا واستنوا الدور كفاية رغي، هو يعني مش كفاية الزن اللي حوالينا
تقدمت مع شقيقتها إلى إحدى الزوايا حتى يجلسن فيها ثم قالت بقلق :
-انا خايفة يا كاميليا أمك تعرف
وأجابتها الأخرى بنبرة مستهزئة :
-وهتعمل ايه يعني دي أمك خبرة أكتر مننا في المواضيع دي، انا بس هموت وأعرف العمل مشتغلش ليه ده انا دافعة فيه دم قلبي
أدارت الأخرى نفسها لها هاتفة بجدية :
-ما تسيبك من يوسف يا بنتي وتطلعيه من دماغك ده خلاص هيتجوز بكرة، وكمان أبوكي وحماده جوزي خلاص شهرين ويبعتولنا انا وانتي وماما ونسافر في الإمارات ونعيش هناك، يعني هنشوف دنيا تانية ومش بعيد تمسكي شغل في مستشفى نضيفة هناك وتنسي يوسف خالص
نفت الأخرى برأسها وهناك شيطان متربع داخل عقلها يوسوس به :
-لأ مش هسيبه ليها وأخليهم يتهنوا، حتى لو هسافر هطربقها على دماغهم هما الإتنين
ظلتا جالستين مكانهما إلى أن أتى دورهما وولجا إلى داخل غرفة فسيحة معلقة على جدرانها اقنعة مخيفة وسبح خشبية وجوزية، وأدخنة البخور تنتشر في الأرجاء تصيب الأنف بالاختناق
وفي وسط الغرفة تجلس امرأة ذات شعر رمادي منتفش وتربط رأسها بعصبة سوداء لون ملابسها الواسعة، وتجلس ثانية وركيها على مخدة كبيرة وتعكسهما كلًا في إتجاه معاكس
كان شكلها مريبًا، مريعًا، خاصةً بهذا الكحل السميك حول عينيها والنقش الأخضر فوق جبينها وعلى ذقنها، وللمرة الثانية إرتابت منها وأرادت الخروج
ولكن كاميليا ذات الشخصية الحادة والتي ورثتها من والدتها جذبتها معها للداخل رغمًا عنها وجلستا بجانب تلك المدعوة نوال في جلسة ثلاثية
ابتسمت نوال بسمة مريبة زرعت القلق في كلاهما ثم قالت :
-العمل مشتغلش صح؟!
كانت كاميليا من الفطنة التي تجعلها تدرك أن ذلك الأسمر النحيف هو من أخبرها بهذا فقالت :
-آه مشتغلش والبت هتتجوز يوسف بكرة، مش انتي قولتيلي لو جبت حاجة من قطرها واسم ابوها وأمها هتعرفي تعملي العمل؟!
-حصل والعمل اشتغل بس بطل بعد كده
-لـــيــــه
صاحت بها بطريقة إندفاعية فنظرت لها الأخرى نظرة مخيفة جعلتها تتراجع فيما قالت لتسمع شقيقتها تقول بتوتر :
-قومي يا كاميليا نمشي
-لأ انا مش همشي لحد ما أفهم هما هيتجوزوا ازاي وليه وانا دفعت ٣٠٠٠ علشان اكرهّا فيه
تحدثت الدجالة المدعوة نوال قائلة :
-البت عرفت إن معمولها سحر وأكيد فكته أو اتعالجت وطالما اتعالجت يبقى اتحصنت ولو عملنا عمل زي ده كمان مش هينفع
قرضت الأخرى اظافرها بشكل مرضى ثم قالت :
-طب والحل؟؟
-نعملها عمل تشربه هيبقى أسرع، بس ده بقى أغلى
ختمت حديثها وهى تفرك إصبعيها السبابة والإبهام بطريقة معاكسة فقالت كاميليا بتركيز :
-بكام؟؟
-بكام ايه انتي كمان وانتي هتشربيها ازاي؟!!
صاحت بها شقيقتها فنكزتها كاميليا في جانبها حتى تصمت قائلة :
-اسكتي وانا هشوف حل بكرة ابقى اشربها في الفرح على أساس مياه أو عصير وهى من الدوشة مش هتاخد بالها... ها يا شيخة قولي كام
-بتمانية
-٨٠٠٠ جـنـيــه؟؟!
صاحا كلاهما بهذا الرقم العالي لتقول شقيقة كاميليا وهى تدعوها للوقوف :
-قومي يا اختي، ليه يعني عشر تلاف جنية ده قد مرتبك كله وأزيد
-بس العمل ده مش عادي معاه مارد هيبقى لازق في حياتها هيخليها لا طايقة جوزها ولا بيتها ولا صوت حواليها، هيجننها من الآخر وهى اللي هتطلب الطلاق علشان تخلص منه
لم يعجبها الأمر واستقامت بالفعل وتحركت نحو الخارج ولكن لم تجد كاميليا خلفها بل ظلت مكانها تفكر مليًا في الأمر ثم قالت بإستفسار :
-يعني لو العمل اشتغل يطلقوا في قد ايه؟!
-على حسب مقدرة البت وصبرها بقى، وفك السحر ده صعب مش ساهل
همهمت كاميليا برضا كامل عن هذه الإجابة ثم قالت بطريقة مغيبة عن الواقع :
-تمام هاتيه بس عايزة ميتشتغلش علطول علشان لو حد شافني ميشكش، حاجة كده تشتغل بعد أسبوع مثلًا
-مفيش حاجة اسمها كده، طالما العمل مشروب يبقى هيبدأ أول ما بيتاخد، بس ممكن أخليه يتأخر حبتين وده أغلى يا حبيبتي
فكرت كامليا كثيرًا ثم قالت بجدية :
-تمام هاتيه الأغلى ده
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ارتشف القليل من كوب النسكافيه الماكث بين يديه وعينيه على التجمع الكبير أمام مدخل بنايتهم ومن هذا التجمع علم أن عائلة صفوان قد وصلوا من الصعيد وأتت معهم زوجته الجميلة التي قد تلج في اي لحظة الآن
لذا اختار شرفة البهو حتى تكون بعيدة عن تجمع العائلتين وينفرد هو بنور ولو قليلًا قبل انشغالها مع ابنة عمها، رن جرس الباب فتوجس في جلسته يرى شقيقته الخرقاء تركض بخصلات شعرها حتى تفتح الباب دون تكلفة نفسها وإرتداء حجاب فلم تعتد بعد عليه
علت الأصوات في البهو وصوت والدها يصدح وهو يدعو علي وأسرته للدخول ولولا هذه الجبيرة لأستقبلهم معه، استمع لصوت والده وهو ينادي عليه فقال بصوت مرتفع :
-انا في البلكونة يا بابا
أمسك بالعكاز الطبي الذي يستند عليه حتى يستطيع السير به وهم بالوقوف فمنعه علي وهو يلج مع زوجته مردفان بنفس الجملة التي سمعها عشرات المرات منذ ليلة أمس حتى الآن :
-ألف سلامة عليك يا حمزة مش تاخد بالك يا ولدي
نطقت بها صفية بنبرة أمومية جعلته يتبسم ثم قال :
-الحمد لله على كل حال والكسر ده أهون من غيره، ده الولد اللي كان سايق المكنة هو اللي راح فيها
وكزت صفية ابنتها عائشة حتى تتحدث وتتمنى السلامة لزوج أختها فزفرت الأخرى لإحراجها قائلة :
-ألف سلامة عليك
آماء لها حمزة بخفة لتنسحب عائشة للخلف وتظهر نور من خلف والدها مرتدية كاب أبيض أخفى عنه عينيها الجميلتين، ثم سمعها تقول بصوت خفيض ناعم :
-ألف سلامة عليك يا حمزة
أفضل جملة "ألف سلامة" سمعها حتى الآن جعلته يبتسم لنور بسمة متسعة ومد يده لها هاتفًا بمكر خفي وتعجب مصطنع :
-طب سلمي طيب
مدت له يدها بسرعة فأمسك بها بقوة متحسسًا نعومتها وترفها أسفل كفه ثم نظر لعينيها التي إلتمعا لونهما الفاتح بسبب ضوء الشمس القوي حولها، شعرت نور بالحرج وأبعدت عنه عينيها فقال حتى تنظر إليه ضاغطًا على يدها والأخرى أمسك بها العصا :
-معلش أسند عليكي علشان أقف لباباكِ
اعترض علي ودفعه للجلوس كما كان قائلًا بنبرة سريعة لم يفهم نصفها :
-لا متقومش خليك قاعد، ولا أقولك قوم انت ايه اللي مقعدك في الشمس رجلك هتصِلّ عليك على كده
تعجب من تلك الكلمة فنظر لوالده حتى يترجم فقال عثمان :
-الكسر هيتعبك من الشمس كده يا حمزة تعالى أُقعد جوا
-لأ انا عايز أقعد هنا في الهوا شوية تعبت من القعدة على السرير، واستأذنك يعني يا عمي علي نور تقعد معايا
همهم علي بتفكير ثم قال مشيرًا للداخل :
-ماشي وإحنا هنكونوا جنبكم جوا
قبضت نور على حقيبة بلاستيكية بيضاء في يدها ثم جذبت مقعد وجلست في المقابل له وقد وضعت حقيبة ظهرها على قدميها والبلاستيكية أرضًا أسفل نظرات حمزة المتابعة من ثم قالت متسائلة :
-انت عملت الحادثة ازاي؟؟
-كنت واقف قدام العربية ومكنة خبطت فيها من وراء فالعربية طلعت لقدام وخبطت في رجلي، انا خوفت على غادة ولؤي جوا العربية ولما اتحركت كانت مكنة تانية جاية من الناحية التانية من الطريق بس ربنا ستر ومدخلتش فيا كان زماني في حالة صعبة دلوقتي، السواق حاول يتفادى فوقع والمكنة مالت وخبطت في رجلي مرة كمان فاتكسرت وحصلها تورم
نظرت إلى جبيرة قدمه متمتمة بخفوت :
-الحمد لله جات سليمة، وغادة ولؤي كويسين؟؟
تنهد حمزة بأسف ثم قال :
-لؤي رأسه اتعورت علشان طفل وأخد كام غرزة، غادة هى اللي حصل معاها كتير علشان أكتر واحدة أثرت فيها الخبطة علشان كانت قاعدة من وراء
-اتعورت قوي أو اتكسرت؟؟
-لأ كدمات ورضوض، بس في المستشفى قالوا إنها كانت حامل وسقطت لأنها لسه في بداية الشهر التاني
حوقلت نور وهى تمد عينيه ناحية البحر ثم عادت بنظرها لحمزة حين أكمل بأسى :
-نايمة جوا من وقت ما خرجنا من المستشفى ومش راضية تكلم حد، غادة خلفت لؤي بس ومن بعدها محصلش حمل تاني وإسماعيل دكتور نسا وكشف عليها وملقاش فيه مشكلة حتى كشفوا عن دكاترة تانيين ونفس الإجابة مفيش مشاكل والدنيا طبيعية عندهم هما الاتنين بس برضو محصلش حمل لسنين كتير، هى مكنتش تعرف إنها حامل وانهارت لما عرفت إنها كانت حامل وسقطت من قوة الخبطة
-إستغفر الله يمكن مكنش هيكون ولد بار ليهم وهيتعبهم علشان كده مات، متسيبوهاش وحدها في وقت زي ده
مسح حمزة وجهها بضيق لكثرة الأحداث السيئة التي حدثت البارحة ولكن لم يدع هذا يؤثر على مقابلته لنور إذ ابتسم لها بحب قائلًا :
-سيبك انتي، لقد اشتقت لكِ زوجتي
لم تعد تخجل كثيرًا كما السابق بل تبتسم له وتحدق به بهاتين العينين العسليتين دون جواب، مد يده وجذب قبعتها تلك وتركها على جنب قائلًا :
-مخبية عينيكي بلاش منها
نظرت الأخرى نحو الشمس الساطعة بقوة ثم قالت :
-الشمس سخنة انت أصلًا مستحمل تقعد هنا ازاي؟؟
-والله شمسنا مش أسخن من شمسكم، ده انا هناك جالي ضربة شمس
-اممم هتبتدي تعمل تفرقة عنصرية علشان انا صعيدية وانت إسكندراني، ثم يا بابا شمسنا متعبة مكنتش جيت
ابتسم لها حمزة بسمة مشاغبة باتت تحب رؤيتها على وجهه، وتحب سماع كلامه، وتحبه هو شخصيًا :
-تعرفي كام مرة بابا يسافر مع عمامي الصعيد ويقولي تعالى معايا وانا اقوله لأ، لو كنت أعرف إني هلاقي قلبي هناك كنت سافرت من زمان
ردت له تلك البسمة ثم أضافت :
-ومين عارف مش يمكن لو روحت مكنش شوفتي ولا شوفتك، بس هو نصيبي يا حمزة إني آجي إسكندرية اللي انا كان شئ مستحيل اني اروحها وحدي، ونصيبي القطر يتقلب وتيجي بنت عمك اقابلها هناك وتاخدني وتدخلني بيتكم علشان البنات مكنوش في الشقة
تحولت نظرتها للضيق ونبرتها للتهكم عندما أضافت :
-وساعتها افتكرتني أخوك وضربتني على راسي
قهقه حمزة قهقهة صاخبة رجولية فاتسعت عينيها بصدمة مسترقة النظر للخارج قائلة :
-اشش وطي صوتك شوية
خفتت ضحكاته رامقًا إياها بعبث ثم قال :
-قلبك مش صافي من وقتها، بس تعرفي هفضل فاكر أو لقاء بينا من الموقف ده
-بس دي مكنتش أول مرة أشوفك فيها
عقد حاجبيه بتعجب فأسترسلت نور وبدا على ملامحها التذكر والشرود مع بسمة بسيطة ارتسمت على ثغرها :
-شوفتك في فرح إسماعيل، وفي فرح رحاب بعدها علشان دول المرتين بس اللي جيت فيهم إسكندرية
-ياااه ده فرح إسماعيل من تسع أو عشر سنين وفرح رحاب من سبعة، انتي لسه فاكرة ازاي؟!
أشارت الأخرى إلى شعره بعينيها مردفة بمزاح :
-الشعر ده ميتنسيش أبدًا
ضيق حمزة عينيه مع بسمة خبيثة قائلًا :
-بودار الفساد بدأت تظهر عليكي أهو
ضحكت نور بخفوت ثم أخرجت هاتفها تبحث عن صورة معينة وبعدها أرته إياها :
-الصورة دي من فرح رحاب بص على اللي من وراء في الصورة
أخذ منها الهاتف وأول ما وقعت عينيه عليه هو أحد أبناء أعمامها يلتقط صورة أمامية لنفسه "سيلفي" داخل قاعة وخلفه طاولة يجلس هو عليها رفقة يوسف ويونس غير منتبهين وقد كان ثلاثتهم في عمر الجامعة وأشكالهم كالمعاتيه وهذا ما جعله يضحك بقوة قائلًا :
-احيه على المناظر كنا لسه في الجامعة وكان شعري طويل حبتين في الفترة دي
نظرت الأخرى نحو شعره الناعم الذي يصل إلى اذنيه فقط :
-شعرك كده حلو لا هو طويل قوي ولا قصير قوي، كده تحفة
رفع حمزة خصلاته للأعلى بطريقة سينمائية جذبت لب نور وهى تسمعه يقول :
-منه لله يونس قصه على الآخر بس يصبرلي بكرة عند الحلاق يشوف هعمل فيه ايه
تجاهلت نور ما قال ولم تعلق ثم جذبت الحقيبة البلاستيكية من عند قدميها وأخرجت منها علبة هدايا ووضعتها أمامه مع بسمة بسيطة اعتلت وجهها وهى تقول :
-جبتلك هدية، هى حاجة واحدة بس علشان لسه مش عارفة انت نفسك في ايه أو بتحب ايه
ألتمعت عيني حمزة بسعادة وهو يفتح هذه العلبة وأول ما اصطدم في وجهه هو علبة عطر ولكن ليس نفس الاسم الذي يستخدمه لتقول نور ببسمة :
-بصراحة يعني ومن غير زعل ريحة عطرك تقيلة قوي فجبتلك النوع ده ريحته حلوة
فتح الزجاجة وشمها لتنقلب ملامحه للذهول فقالت نور متعجبة :
-مش حلوة؟؟
حمحم حمزة كاتمًا ضحكاته عنها :
-دي حريمي يا نور
بئسًا على هذا الموقف المحرج الذي وضعت نفسها به، حاولت جذب الزجاجة منه هاتفة بحرج :
-معلش البنت في المحل وقتها كانت مشغولة مع زباين تانيين وانا اختارت مع نفسي ونسيت موضوع حريمي ورجالي ده علشان مش بحب العطور ولا بفهم فيها، ومعنديش ذوق حلو زيك في اختيار الهدايا، هاتها هشتري واحدة غيرها وأشوف حد يفهم آخده معايا
أعطاها الزجاجة ثم قال :
-خليها معاكي لما نتجوز ابقى حطي منها في البيت ريحتها عجبتني
عجبًا بل تبًا لوقاحته
أخرجت من نفس الحقيبة قبعتين بلسان أو ما يدعى "كاب" كلاهما باللون الرمادي وقد كُتب عليهما "Amoureux" وعلى الأرجح هذه ليست كلمة انجليزية لأنه لم يفقه ترجمتها
نظر لها بإستفهام يراها تعرضهما أمامه قائلة :
-شوفت دول وعجبوني بصراحة وافتكرت تريند شوفته لاتنين متجوزين لابسين زي بعض، نبقوا نشتروا لبس متشابه في الألوان ونعملوا ماتشي ونتصور به لما نطلعوا نتفسـ
انقطع كلامها عندما رأته يخفض عينيه لقدمه المكسورة فأنخفضت معنوياتها متمتمة بخفوت :
-صح رجلك مكسورة ومش هتقدر تطلع
وضعت القبعتين داخل الحقيبة كما كانا ثم قالت بحرج غُلف بالإحباط :
-معلش انا آسفة ولا هدية نافعة، كنت بس عايزة أفرحك بحاجة زي الهدية اللي جبتهالي يوم كتب الكتاب
سارع الآخر في إبعاد الإحباط الذي اعتلى ملامحها مردفًا بجدية :
-قعدتك معايا دلوقتي في مكان واحد وانتي مراتي قدام الناس كلها أكبر فرحة وأحلى هدية انتي قدمتيها يا نورهان
ابتسمت لأنه يطيب خاطرها ولا تعلم المرة الكم هذه الذي يخطف قلبها بكلماته، حتى أنها خجلت لنظره لها بهذه الطريقة فقالت بتلعثم :
-مش بتقولي يا تورهـ.... نورهان كتير
-اممم عاجبني نورهان أكتر من نور علشان نادر سيكا، أما نور فنص البنات اسمها نور
جذب القبعتين وأخرجهما ثم قال بتفكير :
-يمكن مش هقدر افسحك زي ما وعدتك لظروف خارج إرادتي بس ايه رأيك نتصور بيهم هنا وأهو البحر ورانا والفيو من هنا تحفة، وكمان انا معايا طقم ماتشي أوي مع لبسك دلوقتي
نظرت بسرعة إلى ملابسها إذ كانت ترتدي جيب أسود من الشيفون وقميص نسائي من اللون النيلي يعلوهما حجاب أسود متسع :
-معاك طقم نفس الألوان؟؟
آماء بإيجاب وهو يستند على العكاز حتى يستقيم قائلًا :
-ايوه استني شوية هغير وراجع
نفت بسرعة برفض فهو متعب وفي حالة لا تسمح له :
-لأ استنى انت مش ضروري دلوقتي لما تخف، يعني انا هطير
-يا بنتي وانتي مالك انا اللبس ده مضايقني وداخل أغيره عندك مانع؟؟
تحرك نحو الخارج ولكنه إلتفت لها قائلًا بتحذير :
-إياكِ تمشي يا نور، عارفة لو خرجت ولقيتك مشيتي انتي وأهلك انا هطلع اجيبك من فوق ومراتي بقى ومحدش يعترض
ضحكت نور عليه وعادت تجلس كما كانت حتى يطمئن أنها لن تذهب مبتسمة له وسعادة بدايات الحب تلتمع في عينيها، قال لها حمزة في الرسالة التي أرفقها مع الكتاب أول مرة أنها خطفت قلبه ولن يرضى بأقل من المثل
الآن تعترف وهى بكامل قواها العقلية أن هذا المحامي الماكر الوسيم نجح في سرقة قلبها وبجدارة...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الثالث وسبعون 73 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
ولجت للمرحاض وهى تمسك بمعدتها بألم شديد تشعر أن هناك من ينهش بها في الداخل، اخذت تتقيأ داخل الحوض ولم يصل صوتها لأحد بالخارج بسبب أصوات الموسيقى وضحكات النساء
إستندت على الحائط بجسدها وها هى الحالة تأتي إليها مرة أخرى كلما دقت الساعة الثانية عشر منتصف الليل وكأن تأثير السحر يزداد الآن
حاولت الخروج من المرحاض حتى تقرأ قرآن وتنجد نفسها من الوسواس الذي يبدأ معها والتهيؤات التي تصيبها من حين لآخر يوميًا، وبالليل ويوم الجمعة على الوجه الأخص
همت بفتح الباب ولكنه كان موصود من الخارج وهناك صوت أطفال خلفه، تبًا لقد أغلقوا عليها، طرقت الباب بعنف حتى يفتحوا لها ولكن أصوات الموسيقى وإنشغال الفتيات بالرقص ورسومات الحناء لم تساعدها
نظرت حولها برعب وقد بدأت تسمع أصوات وهمسات وترى أفاعي سوداء تعلم أنها ليست حقيقية فطرقت الباب بعنف وهى تصرخ لعل هناك مستجيب
ولكن الصراخ في المرحاض في وقت الليل ليس مستحب وما كان رد فعلها حين شعرت بيدٍ على جسدها هو أن ارتفعت صرخاتها المرتعبة تضرب الهواء وهى تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم
هبطت أرضًا عندما زادت الأصوات وأصبحت أقرب للصراخ حولها فغطت أذنيها وهى تصيح لعلهم يرحمونها :
-سيبوني في حالي كفـــايـة
زادت آلام معدتها بشكل غير محتمل وأصبحت تدفق الدماء من الحوائط إلى الأرض السيراميكة تزحف نحوها والأصوات تعلو بكلمات غير مفهومة أو واضحة في نفس اللحظة التي أبصرت بها الكثير من الأفاعي والعقارب تتجه نحوها
تبدد كل شئ عندما استمعت لصوت فتح الباب وصوت خالتها صفية وعائشة يرتفع من حولها، فتحت عينيها مع شهقة خرجت من أعماقها تحدق بفزع حولها وهى تحاول أن تستقيم من على أرضية المرحاض التي كانت ممددة عليها
ساعدتها صفية على الخروج وهى تنادي على شقيقتها حتى ترى ابنتها التي كانت فاقدة للوعي في المرحاض وعلى ملابسها أثر قيء :
-مالك يا براءة انتي اغمى عليكي في الحمام؟؟
إبتعدت براءة عن المرحاض زاحفة بجسدها فهى تشعر أن جسدها عبارة عن هلام لا تقوى على نصبه لتعلم الآن أنها عاشت كابوس كما سابقه وسابقه وسابقه، وهى في هذا العذاب لثلاثة أشهر
حاولت التحكم في انتفاضة جسدها من أثر ما عاشته بالتزامن مع سماعها لصوت والدتها قادمة بهرولة ثم جلست أمامها أرضًا تتفقدها بخوف :
-مالك حصل ايـــه
ضمت ابنتها شاخصة العينين والتي لا تجيب فنظرت نحو صفية حتى ترد هى عليها لتقول الأخرى :
-حد من العيال قالي براءة واقعة في الحمام فجيت ارمح "أجري" انا وعيشة
أتى باقي فتيات العائلة والنساء بعدما أغلقوا الموسيقى فاستقامت فايزة من على الأرض تساعد ابنتها على الوقوف حين قالت نور بقلق وفي يديها نقوش الحناء التي لم تجف بعد :
-مالها براءة؟!
-اغمى عليها مفيهاش حاجة، حد فيكم يوقفها معايا
نطقت بها فايزة تخفي الحقيقة خلف جملتها التي نطقت بها بصوت جاد فاقتربت منها إحدى بنات أخواتها وساعدتا كلاهما براءة على الوقوف، وما إن رفعت الأخرى نفسها قليلًا معهما حتى هبطت مرة أخرى تتقيأ أمام المرحاض بعد أن فشلت في التحمل أكثر
جذبت ابنة خالها منشفة وأعطتها لها سريعًا فأخذت فايزة تمسح فم ابنتها التي أدمعت عينيها من التعب والحرج من حالتها أمام الجميع هكذا، اقتربت زوجة خالها منها وساعدتها على النهوض وهى تقول ببسمة :
-قومي قومي خير إن شاء الله تلاقيكي حامل
-حامل؟!!
نطقت بها بصوت مفزوع أكثر من مذهول فكيف هى حامل ويوسف لم يعاشرها معاشرة الأزواج منذ ليلة الزفاف أي منذ ثلاثة أشهر، فهى تنفر منه ومن صوته ورائحته ولا تسمح له بضمها حتى فكيف تحمل في أحشائها طفلًا منه
ربما نتج هذا الحمل بعد ليلة الزفاف المرة الوحيدة التي لمسها بها، ولكن كيف حدث أيضًا وهى مسحورة وتعيش في عذاب نفسي أفقدها نصف وزنها، كيف يعيش الجنين في أحشائها الآن ولا يزال حيًا كل هذه الفترة
أخذن النساء يؤكدًا على أمر كونها حامل وهذه ما هى إلا أعراض الحمل فلاحت على شفتيها بسمة سرعان ما اختفت وحل محلها الجمود قائلة :
-مش عايزاه
نهرتها إحدى زوجات أعمامها عن هذا الرفض المشين قائلة :
-استغفر الله يا براءة حد يقول لأ على رزق ربنا؟!
وصاحت براءة بطريقة بدت هيستيرية وغير طبيعية بالمرة :
-مش عايــــزاه أنا مش عايزاه
أفلتت ذراعها من والدتها وأخذت تلكم منطقة رحمها بعنف بكلتا قبضتيها وهى تصيح أنها لا تريده فأمسكت فايزة بيديها وصفعتها على وجهها حتى تسترد عقلها هاتفة :
-يا بت المجانين هتسقطي نفسك
تشتت تركيز براءة من هذه الصفعة رغم أنها ليست بقوية فسقطت يدها فوق "منجل" حاد أسفل الدرج، رفعته عاليًا منتوية شق بطنها حتى يموت هذا الجنين فصرخن النساء بفزع وقد ألقت والدتها بحملها كلها عليها وجعلتها تفترش أرضًا تقيد حركتها بمساعدة زوجة أخيها
جذبت عائشة المنجل منها بسرعة ثم أصابها الرعب حالها كحال البقية حين تحدثت براءة بصوت غليظ أبعد ما يكون عن صوتها، وكأن روحًا شريرة تسكن جسدها الآن وهى من تتحدث وهى من تحركها :
-مينفعش تبقى حامل منه... لازم تسيبه... لازم تتطلق منه
عادت زوجة خال براءة للخلف بذعر قائلة :
-أعوذ... أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.... بتك مالها يا فايزة
صاحت الأخرى بأن يجلبوا ماء ويقرأوا عليه المعوذتين والإخلاص فهرولت صفية نحو المطبخ حتى تلبي طلبها، أفلتت براءة يدها من والدتها وأخذت تلكم معدتها بعنف والصوت بداخلها يقول :
-لازم ده يموت.... لو مسابتش يوسف محمد إحنا هنجننوها
إلتصقن الفتيات ببعضهن من الرعب فمن تتحدث الآن ليست براءة أبدًا وإنما شيطان يسكنها، سقطت فايزة على جانبها بعدما فشلت أعصابها في الثبات أكثر من هذا ولا أحد يساعدها على إمساك ببراءة
جثت جمالات فوق ابنة أخيها وقد كانت أثقلهن قلبًا مما جعلها ترفع ذراعي براءة للأعلى بعيدًا عن جسدها، ثم نظرت لوجهها ولعينيها التي إبيضت تمامًا واختفى البؤبؤ وقد صاحت بقوة قائلة :
-انتوا عايزين تجننوها ليه؟ مين عايزها تطلق من جوزها مـيـن؟؟
أخذت براءة تنازع أسفلهما فجمالات تقبض على يديها ووالدتها على قدميها لتقول فايزة بغضب لابنتها والباقيات المتجمدات في أماكنهن من الذعر :
-هتقفوا تصورها تعالوا اقروا عليها قـــرآن
لم تتحرك واحدة منهن من الرعب فضربت جمالات دعاء ابنتها بحذائها صارخة بها :
-يا بت الـ*** اتحركي منك ليها دراعاتها هيتكسروا تحتيّ
تحركت دعاء وعائشة وثالثة معهما وأخذن يقرأن عليها القرآن بشكل عشوائي وبراءة تصارع وتزوم كما الحيوان الحبيس
اخذت دعاء تمسد على رأسها وهى تقرأ وأخرى على صدرها بينما عائشة حين اقتربت يدها من معدتها وهى تتلو القرآن حتى تجمدت يدها وكأنها شُلت، واختفى صوتها وكأنها أصيبت بالخرس
سقطت على ظهرها وهى تمسك بذراعها وتأن بصوت مرتفع كمن على وشك الإصابة بجلطة، وبدلًا من أن تكون واحدة أصبحا اثنتين
عادت صفية ومعها إبريق ماء كبير قد قرأت عليه المعوذتين وسورة الإخلاص عدة مرات لتُصدم من منظر ابنتها أرضًا وتجمدت دون حركة، أخذت منها شروق الماء سريعًا واقتربت من شقيقتها وسكبت عليها البعض والبقية سكبتهم على عائشة
وتلىٰ هذا شهقة خرجت من براءة وعاد عقلها للواقع لتجد خالتها ووالدتها يقيدان حركتها وهى مفترشة الأرض فقالت بخوف :
-فيه ايه؟؟ انتوا ماسكيني كده ليه!؟
أخذت تحدق بها جمالات بقلق ولم تفلتها فحركت براءة رأسها نحو اليمين لتجد خالتها صفية تضم عائشة التي بدورها تمسك ذراعها بألم وعينيها نحوها هى شاخصة بخوف، فقالت بقلق وتوتر انتقل إليها من نظرات الجميع حولها كما العدوى :
-ايه اللي حصل!!؟
"جزء بسيط من الفراشات السوداء اللي منتظرانا، علشان الفراشات الوردية خلاص هتخلص"
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الرابع وسبعون 74 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلوا على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
تحرك بخطوات سريعة نحو المصعد وهو ينظر إلى ساعته التي تشير إلى العاشرة صباحًا، تبًا للزحام ولذلك الطريق الطويل فلقد تأخر في أول يوم تدريب له وسيظهر بشكل سئ تمامًا أمام الجميع
اوه مهلًا يبدو أنه ليس المتأخر الوحيد فها هو يبصر أثناء إنتظار هبوط المصعد تلك الألمانية سارة ابنة الدكتور فؤاد صاحب الشركة، تهرول في إستقبال الشركة بكعبها العالي الرنان ولثاني مرة يتساءل كيف تسير بمثل هذا الكعب
وقفت بجانبه ملقية الصباح بالألمانية :
-Guten Morgen - صباح الخير
عقد كريم ملامحه بعدم رضا فقالت سريعًا بالإنجليزية وقد نسيت أنه يفهم الألمانية :
-I mean good morning - انا أقصد صباح الخير
-وبالعربي
بهتت ملامحها تفكر في الكلمة التي علمها لها يوم أمس والتي تسمعها كثيرًا هذه الأيام ولكن نطقها صعب خاصةً ذلك الحرف الذي يدعى حاء
سباه... خير؟؟
رمقها كريم بتشنج قائلًا :
-يعني انتي عرفتي تنطقي الخاء ومعرفتيش تنطقي الحاء، دي مهنة المدرس دي متعبة أوي
نظرت إلى ساعتها فقال كريم وهو يصعد إلى المصعد الذي وصل للتو
-Yes, yes, we are late. - أجل أجل نحن متأخرين
صعدت خلفه وضغطت على زر الطابق المنشود ثم قالت :
-Why were you late? I went to bed late and had difficulty waking up - لما تأخرت انت؟؟ انا نمت في ساعة متأخرة واستيقظت بصعوبة
همهم كريم بتفكير ثم أجاب :
-My cousin's wedding is tomorrow, and yesterday my brother and sister were in an accident, so I'm very busy these days. - زفاف ابن عمي غدًا، والبارحة تعرض شقيقي وشقيقتي لحادث لذا انا منشغل كثيرًا هذه الأيام
تعطافت كثيرًا معه إذ آمالت رأسها قليلًا فتساقطت خصلاتها الناعمة على وجهها ثم قالت بطريقة لطيفة ونبرة ناعمة أثارت تعجبه :
-Oh really?! Are they okay or was it a serious accident? - اوه حقًا؟! وهل هما بخير أم كان حادثًا صعبًا؟
-ايه صوت العصافير اللي طالع منك ده؟! ده انا كده معرفتش بنات في حياتي خالص
لم تفهم سارة أغلب ما قال ورغم هذا قالت بلطف شديد :
-You can take today and tomorrow off for your cousin's wedding. - يمكنك أن تأخذ عطلة اليوم وغدًا من أجل زفاف ابن عمك
-انتي هتعملي نفسك المديرة من دلوقتي
نطق بها بقهقه عالية وهو يخرج من المصعد فقالت سارة بعدما فهمت ما يرمي إليه :
-I'm not the manager yet, but my father won't mind once he knows your circumstances, especially since he loves your father very much. - انا لست المديرة بعد ولكن أبي لن يمانع عندما يعلم ظروفك خاصةً أنه يحب والدك كثيرًا
-My father also says that Dr. Foaad holds him in high regard - يقول أبي هذا أيضًا أن الدكتور فؤاد يعزه كثيرًا
-I love him Too - انا أيضًا أحبه
توقف كريم أمام باب القاعة التي سيقام بها التدريب ثم نظر إليها رافعًا إحدى حاجبيه وقال :
-ده متجوز علفكرة
-What?! I didn't mean it the way you understood it. - ماذا؟! انا لم اقصد ما فهمته
ضحك كريم بخفة وطرق الباب ثم فتحه ليقابله الطبيب المسؤول عن تدريبهم وهناك العديد من المتدربين يرتدون المعاطف الطبية عليها شعار الشركة، حمحم بحرج ثم قال :
-انا آسف يا دكتور علي التأخير
نظر الآخر إلى ساعته ثم قال بصرامة :
-متأخر ساعة كاملة في أول يوم تدريب؟! دي بداية مش حلوة خالص في شركة الإلتزام بالمواعيد أهم حاجة فيها
تقدمت سارة للأمام وظهرت أمامه حتى ترى ماذا يحدث فتحرك الآخر بسرعة من مكانه ما إن رآها قائلًا :
-انتي آنسة سارة بنت دكتور فؤاد، دكتور عثمان اداني خبر إنك هتتدربي معايا
مد يده لها حتى يصافحها فشعرت الأخرى بالحيرة من نصف ما قال وخجلت من أن تسأله عن الترجمة لذا صافحته قائلة :
-سباه الخير
ختمت حديثها ثم نظرت لكريم وكأنها تخشى ان يعلق على ما قالت، دعاها الطبيب للدخول من ثم نظر لكريم قائلًا بحدة :
-اتفضل أنت كمان بس اعتبر ده تنبيه لعدم التأخير ليك ولكل الموجدين، التأخير والغياب هيأثر على تقديركم
ولج كريم متمتمًا بخفوت :
-عند بنت المدير عطف ولطف وعند العاديين الغلابة اللي زينا صدر الوش الخشب
لسوء حظه كان هذا الطبيب ذو سمع قوي وسمع ما قاله لذا وضع يده على كتفه يمنعه من التقدم، قائلًا بحدة صارمة :
-اتفضل اطلع برا على اللي قولته ده
رمقه كريم بنظرة هادئة دون حركة فتقدمت سارة منهما قائلة بالإنجليزية :
-Is there a problem? Karim was late because of circumstances beyond his control, and if you're going to kick him out of training, I'll leave too because I'm late like him. - هل هناك مشكلة، إن كريم تأخر لأن لديه ظروف خارج إرادته وإن كنت ستطرده من التدريب فأنا أيضًا سأرحل لأني متأخرة مثله
عم الصمت في المكان بعد الذي قالت ليس لأنهم لم يفهموا بل يبدو أن ابنة المدير ضعيفة في العربية، تحدث الطبيب المسؤول بعد تفكير دام لعدة ثوانِ :
-تمام علشان الدكتورة سارة بس هعديها، اتفضل البس بالطو وأقعد
ابتسم له كريم ابتسامة بلاستيكية ثم تحرك نحو المعاطف الموجودة في أحد الأركان وأخذ اثنين واحد له والآخر لسارة التي ابتسم لها بسمة شاكرة لدفاعها عنه الغير متوقع :
-شكرًا
أخذت منه المعطف وابتسمت له بسمة شديدة اللطف ثم قالت :
-I don't like racism and I felt it was a burden on you. Besides, I love your father very much and consider him like my own father, and you are my teacher now, so I will consider you my new Egyptian friend. - لا أحب العنصرية وشعرت أنه أثقل عليك، بالإضافة لهذا انا أحب والدك كثيرًا واعتبره في مقام والدي وانت معلمي الآن لذا سأعتبرك صديقي المصري الجديد
ابتسم لها كريم بمزاح ثم قال :
-I don't befriend girls, so I'll consider you my student. - انا لا أصادق الفتيات لذا سأعتبرك تلميذتي
نادى الطبيب المسؤول على سارة قائلًا :
-دكتورة سارة اتفضلي اقعدي قدام علشان تفهمي أحسن ليه رجعتي وراء كده
لم تفهم ولا كلمة مما قال لذا نظرت نحو كريم الذي كان يخرج بعض الأوراق والأقلام بعدما جلس في آخر المقاعد مكانه المفضل، فهو عكس الجميع يفضل الجلوس في الخلف لا في الأمام حتى يتسنى له فرصة للأكل دون أن يلاحظ أحد :
-He tells you to sit in the front so you can understand better. - يقول لكِ اجلسي في الأمام حتى تفهمي بشكل أفضل
وأجابت سارة ببسمة هادئة وهى تجلس إلى جانب كريم الذي تعجب بشدة :
-Thanks, but I'd like to sit here next to Karim. - شكرًا ولكني أريد الجلوس هنا بجانب كريم
أخذ البعض يتمتم فيما بينهم فأغلق كريم جفنيه بضيق لأن الآن سيصنع الجميع إشاعات أنهما حبيبين أو ما شابه وسارة على الأرجح لأنها قضت حياتها كلها بالخارج فهو لشئ عادي ان تجلس إلى جانب شاب
طرق الطبيب على الطاولة التي أمامه قائلًا :
-تمام نعيد اللي قولناه علشان اللي لسه داخلين
أخذ يعيد الشرح النظري والذي كان مختلط بالكثير من الانجليزية لذا كان سهلًا على سارة فهمه وما لا تفهمه تطلب من كريم أن يترجمه لها
لاحظت أنه يدون عدة ملاحظات في الورق أمامه فوكزته قليلًا هامسة بخفوت :
-Karim, could I have a pen and paper? I didn't bring any with me. - كريم هل لي بورقة وقلم لأني لم أحضر معي
تنهد الآخر بهدوء مخرجًا لها ورق وقلم وهو يقول :
-بدأنا شغل الشحاتة أهو
أخرج له شطيرة فلافل يتناولها في الخفاء فعندما يأكل يزداد تركيزه أكثر لتقول سارة بصوت مسموع جعله يخفض الشطيرة بسرعة قبل أن يراه أحد
-What are you eating? It smells strange. - ما الذي تأكله هذا رائحته غريبة؟؟
رمقه الآخر بتهكم قائلًا :
-لأ عليِ صوتك كمان محدش شافهم وهما بياكلوا شافوهم وهما بيتشاوروا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
تبقى خمس ساعات على موعد زفافه وإن سألتموه عن حاله الآن سيقول لكم أنه متوتر بشدة وكأنه ينتظر نتيجة الثانوية العامة، وإن كان هو العريس وبهذا التوتر فما حال براءة الآن
زفر بضيق لأجل هذا الماسك المزعج الذي وضعه له الحلاق من أجل أن تخرج بشرته نضرة لامعة تعكس أضواء القاعة كما زعم هو :
-هو انا هفضل كتير بالبتاع اللي على وشي ده؟؟
أجابه الحلاق وهو يدرج ذقن يونس الماكث أمامه :
-عشر دقايق كمان يا عريس
تنهد الآخر ببطء وأعاد رأسه للخلف قائلًا :
-هو إسماعيل لحد دلوقتي مجاش ليه انا كنت عايز منه شوية نصايح
-خد من خبير الحب اللي قاعد جنبك ده
نطق بها يونس وهو يحدق في انعكاسه بالمرآة قاصدًا حمزة الذي كان يحدق في هاتفه وعلى وجهه بسمة بلهاء بالنسبة إليه، بينما الآخر كان يحدق في الصور التي إلتقطها مع نور البارحة وقد جعل رحمة هى من تصورهم حتى تظهر صورتهما بشكل أفضل
اتسعت بسمته لضحكة عندما رأى صورة هو إلتقطها معها وقد كان يضغط على خديها بين قبضته وكلاهما ينظران للكاميرا، كانت صورة جميلة بشدة لذا وضعها كخلفية داخلية للهاتف يراها كلما فتح القفل
أرهف التركيز عندما قال يوسف وهو ينكزه بخفة :
-حمزة ما تتصلنا بإسماعيل شوفوا فين
-مش محتاج أهو جه
ختم حديثه مشيرًا نحو إسماعيل الذي ولج لتوه من باب متجر الحلاقة بائس الملامح، يظهر الحزن في مقلتيه ولكن ما إن اقترب منهم رسم على وجهه ملامح هادئة حتى لا يفسد أجواءهم
وفي الواقع لا أحد يلومه فخبر إجهاض حمل غادة الذي لم يكن يعلمه كان بمثابة صدمة له حتى أنه ارتكن إلى أحد الجدران في المشفى يواسي نفسه، ويحاول أن ينصب طوله وألا ينهار حتى يواسي غادة
أفسح حمزة مجال لإسماعيل أن يجلس بجانبهم بينما هو إستقام على العكاز الذي أصبح يلازمه، متجهًا إلى المرحاض حتى يغسل الماسك الذي جف على وجهه :
-هغسل وشي وجاي
تنهد إسماعيل جالسًا إلى جانب يوسف ثم ربت على فخذه قائلًا :
-مبارك يا يوسف يارب تكون الزوجة الصالحة وتكون زيجة سعيدة
ابتسم له يوسف بإمتنان قائلة :
-شكرًا يا إسماعيل إنك جيت
-هو في الحقيقة انا جاي أقولك سامحني إني مش هقدر آجي الفرح بالليل
ابتأست ملامح الآخر بينما قال أحمد ابن عمتهم وزوج شقيقته رحاب :
-إسماعيل متهزرش إحنا صدقنا إنك جيت علشان تخرج من الاكتئاب ده متبقاش قفيل بقى
أصمته يونس وقد أنهى حلاقته للتو ثم اقترب منهم مربتًا على كتف إسماعيل بمواساة :
-إحنا مقدرين اللي بتمر به انت وغادة دلوقتي وكان الله في عونكم يعني، بس بصوا على الجانب الإيجابي الحمد لله إنها حملت وده معناه ممكن يحصل حمل تاني
وافقه كريم الرأي مضيفًا :
-معاه حق وكمان انتوا ملحقتوش تتعلقوا بالحمل ده علشان مكنتوش تعرفوا أصلًا، ومين عارف يمكن مكنش هيبقى الطفل ده خير ليكم وهيتعبكم
ابتسم إسماعيل لهم جميعًا على مواساتهم له، ليس الجميع محظوظ بعائلة تدعمه في مصائبه :
-انا حامد ربنا على كل اللي يجيبه وعلى الأقل عندنا لؤي، فيه ناس مش عندها اطفال خالص بس غادة هى اللي أعصابها تعبانة أوي ومش عايزة تروح الفرح، ولؤي لسه تعبان ولو راح مش هيقعد في مكانه وهيتعب أكتر فعلشان كده جيت أبارك ليوسف دلوقتي
إستقام من مكانه مربتًا على كتف يوسف ثم قال :
-مبارك مرة تانية ومعلش لو كنت نكدت عليكم
ختم حديثه واتجه للخارج ثم صعد لسيارته حيث تنتظره غادة ببال شارد ولؤي الغافي في المقعد الخلفي
أما بالداخل خرج حمزة من المرحاض بملامح متعبة بعد أن غسل وجهه، استند سريعًا على الحائط بتعب بعد أن سقط منه العكاز فهو غير معتاد أبدًا على هذا
تحرك كريم ويونس من مكانهما وقد سانده يونس بينما الآخر أعطى له العكاز وهو يقول :
-حمزة كفاية حركة انت لسه تعبان والكسر جديد
ضغط حمزة على شفتيه يكتم تأوهًا وقد ألقى بثقله على يونس وهو يقول :
-قعدني يا يونس رجلي شادة عليا اوي
سانده أمير ابن عمتهم معه وجعله يجلس مكانه بينما وضع كريم العكاز جانبًا ثم قال :
-هدخل اغسل وشي وآخدك ونمشي
-نمشي فين والواد اللي فرحه النهاردة ده
تبسم له يوسف قائلًا بلطف :
-انا أصلًا قولتلك بلاش تيجي وأبوك قالك الحركة الكتير على الكسر الجديد غلط، خده روحه يا كريم وانا مش هزعل والله صحتك أهم، لولا حجز القاعة والناس اللي جات من الصعيد مخصوص كنا أجلنا الموضوع علشان اللي حصلك انت وغادة
نظر حمزة حوله متنهدًا ثم تساءل :
-هو إسماعيل راح فين؟؟
أجابه يونس :
-أختك نفسيتها تعبانة ومش موافقة تروح الفرح وهو مش عايز يسيبها وحدها فـ هيفضل معاها
نظر حمزة إلى ساعة يده التي كانت تشير إلى الرابعة والنصف عصرًا بالتزامن مع خروج كريم من المرحاض بعد أن غسل وجهه ثم قال وهو يعطي العكاز لشقيقه :
-يلا يا حمزة علشان نمشي
نظر نحو يوسف ثم استرسل وهو يساعد شقيقه على الوقوف :
-مبروك يا يوسف ان شاء الله هتلاقوني في القاعة بالليل، محدش هيزفك غيري
نظر إليه حمزة مستنكرًا أنه سيجلس في المنزل بمفرده والجميع يذهب للزفاف :
-وانت هتروح معاهم وتسبيني في البيت لوحدي؟!
-وانت مين قالك إني هاخدك البيت
لم يفهم حمزة ما يقصده وعندما خرجا من متجر الحلاقة وصعد كريم إلى دراجة النارية سأله :
-وإحنا رايحين فين دلوقتي
-عند غادة، قولي انت هتعرف تركب ورايا ولا اسيب المكنة هنا وناخد تاكسي
-لا ناخد تاكسي أحسن بس شوفلنا مطعم تيك آواي كده قبل ما نروح علشان عارف غادة زيك بالظبط مفيش حاجة تخرجكم من الاكتئاب غير الأكل
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
فتح باب شقته بمفتاحه ثم دفعه بخفة وولج حاملًا لؤي الغافي ثم اتجه به نحو غرفته حتى يضعه بها بينما أغلقت غادة الباب واتجهت إلى الاريكة وجلست عليها بهدوء شديد تحدق في الفراغ أمامها بملامح شاردة، بائسة، حزينة
حتى أنها لم تلحظ إسماعيل الذي جلس لجانبها مربتًا على حجابها بحنو داخلي وصرامة خارجية مصطنعة حتى تفيق لنفسها من حالة الاكتئاب هذه :
-غادة كفاية توهان بقى، ملناش نصيب فيه وده حتى ملحقش يكمل علشان الزعل ده كله
-بس كان نفسك في طفل تاني يا إسماعيل، أكتر من سبع سنين وإحنا بنحاول ويوم ما يحصل يروح
نطقت بها بعصبية مفرطة ليس وكأنها كانت هادئة هدوء مريب منذ ثوانِ ليعلم أن عاصفتها قد حلت وهو من سيتلقى كل هذا بصبره وثباته الإنفعالي :
-حرام كده يا غادة، مش بيقولوا الله جاب الله خد الله عليه العوض، ميغلاش على اللي خلقه يا حبيبتي
تبدل حالها للمرة الثالثة في ثانية واحدة حين هتفت مجهشة في البكاء :
-بس انا كنت عايزاه يا إسماعيل
ضمها الآخر بحنو إلى صدره مقبلًا جبينها وكفيها الساخنين بسبب حرارة الأجواء :
-معانا لؤي فيه غيرنا مش معاهم خالص، مش نقول الحمد لله يا غادة؟؟
هزت رأسها بإستسلام مرددة خلفه :
-الحمد لله
ظلا دقائق طويلة على هذا الوضع، تفرغ غادة مخزونها من الحزن على هيئة دموع صامتة وإسماعيل يستقبلها بصدرٍ رحب، تحسس البقعة الداكنة في جبينها أثر تخبطها العنيف داخل السيارة ثم قال :
-هجيبلك مرهم دقيقة
تركها وذهب إلى غرفتهم بحثًا بين الأكياس عن مرهم الكدمات وعندما عاد لم يجدها في مكانها بل وجدها في غرفة لؤي تتحسس الشاش الأبيض الملتف على رأسه ثم اخذت توزع القبلات الحنونة على وجهه الأبيض بحنو أمومي
إستند بكتفه على إطار الباب يسمعها تحدث لؤي بينه وبينها :
-بص يا لؤي الحبوب اللي طلعتلك وإحنا في الصعيد راحت من جسمك ومن جسم بابا، مش هنروح تاني المكان الوحش اللي مليان ناموس ده
كتم ضحكته عليها فسبحان من جعل غادة تتحمل الأسبوع الذي قضوه في الصعيد فكل يوم كانت تأتيه بشكوة مختلفة، بسبب ضيق المكان، والحرارة، والبعوض الكثير، الصخب، ثرثرة بعض النساء الكثيرة ونميمتهن وأسالتهن الغير مباشرة عن حياتها الشخصية
وهو كانت إجابته كل مرة أن تصبر قليلًا وتحاول إلزام لسانها لأنهم ضيوف هنا وسيرحلون قريبًا
رن جرس الباب في الخارج فعقدت غادة حاجبيها متعجبة فمن قد يأتي الآن وجميع العائلة مشغولة في زفاف يوسف، تحرك إسماعيل من مكانه وخرج حتى يفتح الباب ليجد حمزة ويسانده كريم وهناك الكثير من الأكياس على الأرض وعلى الأرجح تعود لمطعم ما
-هتفضل مبحلق كتير دخلنا يا إسماعيل نفسي اتقطع
أفسح لهما سريعًا فور أن نطق حمزة بهذا فتحرك الآخر مستندًا على العكاز بيد والأخرى على كريم الذي قال :
-معلش يا إسماعيل دخل الأكياس دي
فعل ما قاله ولم يحتج تفقد الذي بهم فالرائحة قد بينت محتواهم، خرجت غادة على الأصوات متعجبة وجود اخوتها الآن وأنهما ليس مع يوسف في مثل هذا اليوم
-انتوا ايه اللي جابكم هنا؟!
سؤال خرج منها عاديًا لكن على مسامع الآخرين كان وقحًا فظًا لا يليق بإستقبال الضيوف إذ قال كريم لاويًا شفتيه بتهكم :
-ونعمة الإستقبال يا غادة، خسارة فيكي الأكل اللي إحنا جايبينه
وضع إسماعيل الأكياس على جنب ثم قال بهدوء :
-بلاش أفورة انت كمان عارف إنها قصدها سيبتوا يوسف وجيتوا ليه
ساعد كريم حمزة على الجلوس فوق الاريكة بينما قال الآخر آمرًا إياه هو وإسماعيل :
-روحوا انتوا حطوا الأكل وانتي يا بتاعت الاكتئاب تعالي اقعدي جنبي في ركن المكسحين ده
ارتفع خد غادة في ابتسامة جانبية ثم اقتربت منه وجلست إلى جواره بصمت فقال حمزة بمشاغبة :
-العربية ادشدشت من وراء وانا اتكسرت ومقولتليش حمد الله على السلامة، بس انا هطلع احسن منك وجيت علشان أهون عليكي
لم تتغير ملامحها عن الابتسامة الصغيرة المرسومة على ثغرها فقال بتعجب :
-مالك يا بنتي هى الخبطة أثرت على الاستيعاب عندك ولا ايه؟!
نفت برأسها ثم حدقت في جبيرة قدمه قائلة :
-الحركة الكتير غلط على الكسر ليه مفرهد نفسك
رفع منكبيه بالتزامن مع مط بسيطة بشفتيه وهو يقول :
-فرح ابن عمك ومتعودتش في الأفراح أقعد ساكت انتي عرفاني، انتي بقى مش عايزة تروحي الفرح ليه ورابطة إسماعيل الغلبان جنبك ليه
-انا مش ربطاه، لو عايز يروح تمام، بس انا ولؤي مش هنروح هو تعبان وانا مش في مزاج أروح أفراح
-ما انتي عارفة إنه مش هيهون عليه يسيبك ويروح، بيحبك الحمار مش عارف على ايه بجد
رفع إسماعيل رأسه بتهكم لحمزة والذي قال ببسمة بسيطة :
-لا مؤاخذة يا إسماعيل
قلب الآخر عينيه بضجر وهو يوزع الأطباق مع كريم على الطاولة بينما عاد حمزة بنظره لغادة ذات الملامح المعقودة مما قال ثم أضاف :
-قومي متبقيش بومة نكدية
-آه انا نكدية وهنكد على جوزي وهو عاجبه اطلع منها انت بقى
قهقه كريم بقوة على إحراجها لحمزة لتضيف الأخرى وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها :
-إسماعيل انا منكدة عليك يا حبيبي؟!
-لأ يا قلبي ولو هتنكدي اعملي اللي عايزاه فداكِ
رمقه حمزة بنظرة متشنجة قائلًا :
-إخص عليك إسماعيل انت كده مش راجل انت كده بطة
ابتسم كريم وهو يجذب المقعد حتى يجلس قائلًا :
-بس غادة حالك عال اوي وبتعلي على حمزة، ده انا كنت فاكر هنيجي نلاقيكي رابطة دماغك ونافشة شعرك وقاعدة على الأرض زي اللي جوزها رماها في الشارع وهاتك يا عياط
إستقامت الأخرى من مكانها دون إجابة وجلست إلى جانب كريم وقد جذب الإثنين نصف الطعام أمامهما وأخذا يتناولان بنهم فقال حمزة :
-طب حد يجي يقومني طيب ولا هفضل اتفرج عليكم كده
-متقرفناش بقى قوم لوحدك
نطقت بها غادة وهى تحشر الطعام داخل فمها فقال كريم وهو يشير نحوها :
-قولتلك دي مش أشكال واحدة مكتئبة خالص
وأجاب حمزة وهو يعين نفسه على الوقوف :
-فعلًا دي أشكال واحدة بياعة فجل، يعني فوق ما انا جايب الأكل بتبجح فيا من الصبح وهو خسارة فيكي
خرج إسماعيل من المطبخ ومعه إبريق الماء متفاجئًا من الهجوم الضاري من كريم وغادة على الطعام فقال وهو يضع أمامهما الماء :
-بالهنا يا غادة
إعترض كريم بتذمر قائلًا :
-ومفيش بالهنا يا كريم ولا هى بالهنا وانا بالسم الهاري؟!
ضحك إسماعيل بخفة قائلًا :
-بالهنا انت كمان يا كريم بس هى بقالها يومين مش بتاكل حاجة أما انت لأ
وافقته غادة وهى تجذب الطعام من أمام كريم قائلة :
-ايوه انا مريضة ومش باكل بقالي يومين انت لأ يلا قوم كفاية اللي كلته، قوم أعمل شاي
-وانتي هتاكلي ده كــلـــه؟؟!
صاح بها بإندهاش فأماءت الأخرى ومن شدة امتلاء فمها بالطعام لم تجب، قرب إسماعيل الطعام أمام زوجته قائلًا بحب :
-كُلي يا غادة انتي نزفتي ولازم تعوضي
جذب حمزة الطعام الذي مده إسماعيل معترضًا :
-لو هى مريضة فأنا كمان مريض وانا اللي جايب الأكل
أخذت غادة سريعًا الطبق الذي مده معترضة على إعتراضه :
-انت هتذلنا علشان جايب الأكل، إسماعيل يدفعلك حقه
-يا ستي مش عايزين فلوس بس ناكل، انتي هتاكلي أكل خمس أشخاص لوحدك؟!!
نطق بها كريم بحنق فدفعت لهم طبق ممتلئ بالأرز ووضعت عليهم قطعتين دجاج قائلة بإشفاق مصطنع :
-خلاص قسموا ده بينكم
نظر ثلاثتهم للطبق بذهول ليقول حمزة وهو يرفع الطبق وكأنه على وشك إلصاقه بوجهها :
-عارفة لولا حرام الأكل ده كنت لبسته في وشك
أخذه كريم بسرعة منه قبل أن يتهور الآخر قائلًا بكوميديا :
-هات يا إسماعيل طبق تاني نقسم شوية نخزنهم لرمضان علشان كده إسراف والعياذ بالله
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
لا يدري الوقت يهرول بسرعة أم هو فقط يتوهم فهو يقف الآن في إنتظار عروسه التي ستخرج بعد قليل، فك رابطة عنقه قليلًا حتى يتنفس، مساحًا العرق المتصبب من جبينه بمنديله فقال يونس بمشاغبة :
-أقولك على حاجة تخف التوتر من عليك
نظر له بتركيز وبتلك البسمة الخبيثة علم أن نوايا شقيقه ستضمن شيئًا شيقًا
بعد عدة دقائق خرجت له براءة ترتدي فستانًا منفوشًا بذيل طويل، نادمة أشد الندم أنها اختارت هذا فلم تكن تتوقع أنه بكل هذا الثقل، كانت ملامحها متغيرة قليلًا كأي عروس في يوم زفافها حيث أن كثرة مستحضرات التجميل تجعلها غير مألوفة نوعًا ما
دارت بعينيها في غرفة الإنتظار لتجد يوسف يجلس على أحد المقاعد ومعه ابنيّ عمته فقط، اتسعت بسمة على شفتيها المصبوغتين باللون الأحمر الماروني وسرعان ما قضبت جبينها بتعجب وتوقفت في مكانها رامقة حُلته بإندهاش
هذه ليست الحلة السوداء التي أرسل صورتها لها بل هذه باللون الرمادي وأكثر بساطة وخالية من الببيون أو ربطة العنق بل هو يفتح أول ثلاث أزرار من قميصه الأبيض :
-انت.... انت غيرت ليه البدلة؟ مش دي اللي كنت هتلبسها؟!
نظر يونس لملابسه ثم قال بصوت خشن خرج منه بشكل غير إرادي :
-دي أحلى يا شيخة التانية تخنق في الحر ده
ضيقت براءة عينيها ثم نظرت خلفها لبنات أعمامها اللواتي كُن يتابعن المشهد وشقيقتها التي كانت تصور ما يحدث كاتمة ضحكتها فعادت بنظرها ليونس قائلة :
-انت يونس علفكرة مش يوسف، مش هتعرفوا تضحكوا عليا المرة دي
علت القهقهات في المكان ليقول يونس وهو يستدير للخلف نصف إستدارة محدقًا في شقيقه الذي ظهر من خلف الحائط :
-علفكرة كانت هتقع لو بدلنا اللبس بس مكنش فيه وقت للأسف
-طريقة كلامك مش زي كلام يوسف بدأت خلاص أعرف أفرق ما بينكم
نطقت بها براءة وهى تشرئب برأسها قليلًا حتى ترى يوسف الذي تقدم نحوها بحلة سوداء أنيقة تليق بعريس الليلة، وعلى شفتيه بسمة سعيدة جعلتها هى أيضًا تبتسم
سبحان من دبر القدر فإن أتى لها أحد وقال لها أنها ستنتقل للإسكندرية من أجل إستكمال إمتيازها ليقع الطبيب في حبها ويتزوجها، حسنًا لا تدري ما كانت لتقول له حينها ولكنها مُدركة أن النصيب أقوى من أي شئ
اقترب منها يوسف وطبع قبلة على جبينها متمتمًا :
-ما شاء الله جميلة يا حبيبتي، بس
حدق في بشرتها التي أصبحت أكثر بياضًا بفعل مستحضرات التجميل ثم استرسل :
-كان عاجبني بشرتك السمرا أكتر
كلام جميل جعل الفراشات تتصاعد في معدتها ولكن لا تكون براءة ان لم تعترض على شئ حتى وإن أعجبها :
-علفكرة انا بشرتي خمرية مش سمرا فيه فرق
لاحظت شروق حاجبي شقيقتها المعقودان فقالت بتهديد :
-هتزعلها من أولها كده؟! خلي بالك لو نكدت على اختي انا هنكد على أخوك
أخرج يونس صوتًا معترضًا غير راضي عما قيل ثم أردف :
-يلا يا يوسف الساعة تسعة إلا تلت هستناكِ في العربية تحت
تقدم للأمام حتى يخرج من "البيوتي سنتر" هذا متمتمًا بينه وبين نفسه بصوت مسموع وهو يهبط الدرج :
-انا مش عارف ليه التأخير ده كله من تسعة الصبح لتسعة الليل، ١٢ ساعة بتعمل ايه جوا الكوافير ده انا حلقت دقني ورتبت شعري في تِلت ساعة
وأتته الإجابة من الخلف بصوت ينافس تهكمه تهمكًا :
-ده على أساس إنك انت العريس وبعدين انت ايش فهمك في اهتمامات البنات في يوم زي ده، ١٢ ساعة قليلين أصلًا
توقف يونس في منتصف الدرج محدقًا في صاحبة اللسان السليط الذي يستطيع الرد على كلمته بعشر، كم يحب هذا اللسان وصاحبة اللسان
أخذت شروق تهبط الدرجات المتبقية وهى تتحدث معه ولكن لم تكن الكلمات تصل له واضحة بسبب تركيزه مع كل تفصيلة في مظهرها
كانت ترتدي فستان سهرة باللون البترولي وحجاب من نفس اللون، وتضع بعض مستحضرات التجميل الخفيفة على بشرتها القمحية وعينيها الواسعتين تزينهما بكحل أزرق _لم يعجبه_
تمركزت عينيه فور وقوفها أمامه على شفتيها الورديتين لكن ما بالهما مبتلتين هكذا بطبقة زيتية كمن تناولت لتوها وجبة دهن دسمة وتركت آثارًا على فمها؟!
أبصرت شروق نظرته أين تقع فعادت للخلف خطوة محدقة في وجهه بتهديد واضح :
-فيه ايه يا يونس؟!
رفع الآخر وجهه لها بملامح إشمئزاز حاول إخفائها :
-ايه الريالة اللي على شفايفك دي؟؟
-ريالة؟! ده ليب جلاس
-ايه ده برضو مش فاهم وشكله مش حلو مخلي شفايفك كأن عليهم سمنة
عقدت ذراعيها محدقة به بسؤم لفظاظته هذه بينما أخرج يونس منديلًا من جيبه، ودون أن يعطي لها فرصة للإستيعاب ألصقه في وجهها ماسحًا هذه الطبقة الزيتية السميكة بعنف لدرجة جعلتها تتعثر للخلف وكادت تسقط لولا يده القوية التي جذبتها للأمام قائلًا :
-مالك زي ورقة الخريف كده ليه إثبتي
دفعت يديه عنها بسرعة صائحة به :
-اوعى يا يونس بقى ده مش أسلوب
تجاهل ما قالته مخفضًا المنديل بعد أن مسح تلك الطبقة تمامًا :
-مالهم كده حلوين من غير اللي انتي كنتي حطاه ده
نظر لعينيها الغاضبتين ثم ابتسم ابتسامة زادت فتيل غضبها عندما هم بقول :
-حلو اللي حطاه لعينيكي بس لو كان
تركته وصعدت دون أن تتركه يكمل جملته فحدق في اثرها متعجبًا ثم صاح سريعًا وهو يلحق بها :
-استني هو انا قولت ايه دلوقتي يزعل!؟ ده انا حتى لامم لساني عن الكل النهاردة علشان اليوم يعدي حلو
توقفت في منتصف الدرج هاتفة بذهول :
-انت كده لامم لسانك أومال لو طالقُه علينا؟!
سارع يونس في خطاه نحوها وقد جر ذراعها للأسفل، دافعًا جسدها نحو الحائط ثم وقف أمام جسدها عندما وجد مجموعة من الشباب يمرون نزولًا للأسف، ولا يدري حقًا ماذا يفعلون في بيوتي سنتر للنساء كهذا
من ضيق المساحة احتكوا به هو وقد حاول قدر المستطاع أن لا يلصق جسده في جسد شروق رغم ضيق المكان، وبعد أن مروا تحدث بجدية :
-يلا نستناهم تحت علشان لو حد كمان عدى
أخذت شروق تحدق في ظهره وهما يهبطان وابتسامة بلهاء واسعة ارتسمت على وجهها من هذا الموقف الذي شفع ليونس ولفظاظته وأنساها جميع ما قد حدث لاحقًا، حتى أنها نسيت لما قد هبطت خلفه وأوقفته على الدرج
وصلا إلى الطريق العمومي ليجدوا الجميع في انتظارهم وبراءة ويوسف يجلسان في المقعد الخلفي لسيارته فقالت شروق بذهول :
-لأ ثواني نزلتوا كلكم أمتى مش كنتوا فوق!!؟
تحدث أمير وهو يقف أمام سيارته التي يجلس بها شقيقه من الأمام وثلاث من بنات عم العروس وقد رفضن أن يتحرك قبل أن تأتي شروق وترحل معهن :
-إحنا نزلنا من السلم التاني ومستنينكم انتوا يلا أطلع بالعربية دي وقول لخطيبتك تيجي تركب من البنات وراء علشان نتحرك
نظر يونس للفتيات الثلاث في الخلف معترضًا بسرعة :
-وليه الزنقة دي كلها في عربيتك، ما تركب جنبي في العربية علشان لو أختها احتاجت حاجة
رد مقنع للجميع ولكن لها هى شعرت وكأن شقيقتها حجة لكي تصعد معه، ورغم الإبتسامة التي أخذت تتسلل إلى ثغرها قد صفعها المنطق قائلًا "افيقي يا بلهاء قال هذا من أجل شقيقتك بالفعل لا لسواد عينيكِ"
غابت بسمتها بسرعة ثم قالت بمكر خفي :
-لا أنا عايزة أركب مع البنات
رمقها يونس بنظرة غير راضية ثم قال :
-وليه تتزنقوا كلكم ستة في عربية واحدة؟! ما أهو الكرسي اللي جنبي ده فاضي
تحدث أمير وهو يوجه حديثه لشقيقه الأكبر :
-معلش يا أحمد اركب انت جنب يونس في عربيته وخليها هى تيجي هنا طالما عايزة كده
سارعت يد يونس في إغلاق باب السيارة عندما هم أحمد بالخروج بالفعل ثم قال بهدوء أجاد صنعه :
-أطلع انت يا أمير علشان اتاخرنا وهى هتركب معايا
لم يمهله الرد واقترب من شروق وفتح الباب لها حتى تدخل ثم قال بنفس الهدوء المريب ضاغطًا على اسمها في النهاية :
-ادخلي يا شــروق
ولجت دون جدال ثم أغلق الباب خلفها، وما إن أصبحت بالداخل حتى اخفت فمها بمنديل حتى لا تظهر بسمتها التي فشلت في التحكم بها، موقفين جميلين متتاليتين في يومٍ واحد من يونس
عجبًا عسى ألا تكون هناك مصيبة تنتظرهم هذه الليلة فكما يقول المثل
"الحلو مش بيكمل"
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
جلست على الطاولة التي تجلس عليها والدتها وزوجات أعمامها تشعر بالضيق لكثرة الأسئلة عن الذي حدث لوجهها، هى غاضبة بما فيه الكفاية لما حدث ولا ينقصها المزيد من الثرثرة
-طب مغسلتيهوش بمياه باردة ليه؟!
نطقت بها والدتها بقلق على وجهها المنتفخ ذو اللون الأحمر أثر إستخدام مستحضرات تجميل اتضح أنها تعاني من حساسية في تركيباتها
لتكون النتيجة ورم وجهها وانتفاخه وها هى كمن تعرضت للكثير من الصفع، لدرجة أنها لا تجعل أحدًا يلمس وجهها ولم تضع ولا نقطة كريم حتى فلا تتحمل عليه شئ، تكفي الحرارة
تنهدت مجيبة على والدتها بضيق واضح :
-غسلته بمياه وحطيت عليه تلج بس هو مش بيروق مهما عملت
نظرت حولها للأجواء إذ كانت القاعة تستعد لدخول العروسين ثم قالت :
-انا اتنكدت وعايزة أروح يا ماما
ربتت الأخرى على كفها قائلة :
-مينفعش تروحي ده الفرح لسه بادئ، ولو مضايقة من وشك كنتي حطيتي كريم يضاري "يخبي" الورم ده شوية
-مش قادرة استحمل عليه حاجة انا هاروح امشي، أصلًا العمارة قريبة قوي من هنا
همت بالوقوف بالفعل بالتزامن مع خفت إضاءة القاعة من أجل دخول العروسين فجذبتها والدتها حتى تجلس كما كانت محدجة إياها بنظرة الأمهات الحادة التي تجبرها على الصمت الإلزامي
وهذا ما زاد حنقها أكثر حتى أنها لم تركز مع دخول براءة ويوسف واكتفت بعقد ذراعيها والنظر أرضًا عاقدة وجهها فقالت صفية بحدة :
-افردي وشك دِه
لوت ملامحها أكثر ثم إستقامت قائلة :
-هاروح الحمام
أخذت تبحث عن المرحاض وقد كان فارغًا نوعًا ما بسبب وجود الجميع في الخارج لمشاهدة دخول العروسين، حدقت في وجهها بمرآة المرحاض متنهدة بضيق لهذا التورم
بللت منديلًا ومسحت وجهها بالماء البارد ثم خرجت ولكنها لم تجد أحد على الطاولة وإنما كان الجميع يرقص ويهلل والأغاني صاخبة، وللنساء ركن خاص بهن، وزوجات اعمامها متألقين كما العادة
زفرت بضيق وأخذت حقيبتها وخرجت من القاعة حتى تشتري لها شيئًا تأكله من الكافتيريا الملتصقة في القاعة، توقفت أمام سور رخامي يفصل العامل الذي بالداخل عن الزبون :
-عايزة كيس شيبسي وباكو هوهوز
هز الشاب رأسه لا يسمع ما تريد فرفعت صوتها بالطلب لتجده يضحك بسخافة أربكتها ثم قال :
-انتي مين ضاربك على وشك
لم تجب على سخافته وانتظرت طلبها لتجد عدد من الشباب قادمون ووقفوا إلى جوارها يريدون الشراء، ابتعدت عنهم بسرعة وألتصقت بالحائط ولكن تأخر ذلك العامل وأصبحت محط أنظارهم بل وبدأوا يتهامسون عليها، حتى أنها سمعت أحدهم يقول :
-مش دي اللي كانت واخدة تريند من كام شهر وحبست ابن تاجر الدهب علشان اتحرش بيها
لم تعد تتحمل وقررت الإنسحاب من هنا دون أن تأخذ ما أرادت حتى، وما إن تحركت عدة خطوات مبتعدة حتى سمعت ذلك العامل ينادي حتى تأخذ ما طلبت فتعالت مناداتهم لها حتى تأتي
نظرت للخلف بحيرة شديدة ثم عادت متوترة تشدد على حقيبتها لدرجة جعلت مفاصلها تبيض، وما يزيد الأمر سوءًا هو أعينهم عليها والأفكار السوداوية جميعها تجمعت في عقلها الآن
أخرجت النقود من حقيبتها بأصابع مرتعشة، وما إن مدت الورقة النقدية له حتى شعرت بيده تلمس يدها بقصد فنفضت يدها بعيدًا عنه ثم صاحت مذعورة :
-مش عايزة خلاص
هرولت بعيدًا عنهم فنادى عليها أحد الشباب لاحقًا بها :
-يا آنسة فلوسك وقعت على الأرض
تبًا للنقود وتبًا لذعرها الذي أصبح ملازمًا لها منذ تعرضت لحادث التحرش ذاك، لم يعد لديها أي ثقة في مَن حولها فتشعر أن جميع الرجال يريدون نهشها
توقفت على باب القاعة ولم تستطع الدخول بسبب تجمع عدد كبير من الرجال عند المدخل فعادت للخلف، توقف ذلك الشاب خلفها ومد لها النقود قائلًا بهدوء :
-اتفضلي فلوسك
لم تأخذهم منه وظلت تحدق حولها بتوتر واضح لعلها تبصر أحدًا تعلمه تستغيث به، ولكنها لا تعلم لما قد تستغيث ولم يفعل أحدهم لها شئ، وضع الشاب النقود لها على شئ مرتفع عندما لم تأخذهم منه قائلًا بتعجب :
-خدي فلوسك انا مش هعملك حاجة، خايفة ليه كده!؟
رحل وتركها التقطت بعدها نقودها ثم سمعت صوتًا يقول :
-بتعملي ايه من برا لوحدك؟! ومين اللي كلمك ومشي ده؟؟
إستدارت بسرعة لتجد كريم هو المتحدث فقالت سريعًا :
-دخلني جوا لو سمحت
تعجب طلبها هذا وبهذه النبرة المتوترة فنظر لظهر ذاك الشاب ثم تساءل :
-هو عملك حاجة ولا ايه!؟
نفت برأسها ثم قالت بأنفاس مضطربة لتوترها الشديد :
-معملش بس انا عايزة ادخل ومش عارفة من الناس دي كلها، قولهم يوسعوا شوية
-تمام ماشي تعالي امشي ورايا
سارت خلفه بالفعل مفسحًا لها مجال ليجدها بدأت تسير بجانب الحائط بعيدًا عن الزحام فلحق بها حتى لا يزعجها أحد مستنتجًا أنها خائفة من الزحام الآن :
-حمزة هناك تروحيله؟!
نطق بها مشيرًا بيده نحو طاولة يجلس عليها حمزة ويبدو عليه الإرهاق وعلى الأرجح ناهد تحاول إقناعه بشئ
تحركت نحوهم حتى تسلم على ناهد خاصةً وأن أعينهم قد تقابلت وستكون وقاحة إن تجاهلتها، وما إن اقتربت منها وسلمت عليها حتى قالت ناهد بذهول :
-مال وشك يا نور وارم كده ليه؟؟
حاول حمزة أن يرى وجهها ولكنها كانت تواليه ظهرها فلامس خصرها يديرها له، ليجد منها رد فعل فزِع أكثر من اللازم إذ انتفضت بعيدًا ورمقته بعدائية فقال بدهشة :
-مالك كنت هلفك ليا بس!؟
وضعت يدها على خصرها بسرعة ثم قالت بعصبية غير مبررة للجميع فحمزة زوجها وهو لم يفعل شئ :
-متلمسنيش على غفلة كده تاني
بملامح مذهولة مُتعبة أخذ يحدق بها حمزة بينما قالت ناهد لتخفيف حدة الأجواء :
-مالك يا نور ده جوزك وهو معملش حاجة، كان هيلفك علشان يشوف وشك ماله
نظر كريم نحو الخارج بشك ثم عاد بنظره لنور متسائلًا :
-انتي حد عملك حاجة برا؟ الولد اللي كان واقف قدامك كلمك؟! كنتي واقفة مش طبيعية
تجاهل حمزة رد فعل زوجته وركزت حواسه مع كريم بشدة قائلًا بهدوء وتوجس :
-كانت واقفة فين؟! ومين اللي كان بيكلمها؟؟
إسترسل بغضب مستندًا على عكازه ووقف متحاملًا على آلامه التي هى في تزايد وهو لا يرحم نفسه منذ الصباح ويعطي نفسه راحة :
-حد ضايقك برا علشان كده خايفة، قولي متسكتيش
نفت برأسها مُدركة أن رد فعلها أفزعه هو أكثر منها، ولكن ذعرها تغلب عليها :
-محدش ضايقني، انا بس بقيت بعد اللي حصل بتخض لما حد يلمسني فجأة، واللي بيتكلم عنه كريم كان بيرجعلي فلوس وقعت مني عند الكافتيريا
رسمت على وجهها بسمة مصطنعة ثم هزت رأسها كابتة الضغط بداخلها حتى لا تفسد الأمور أكثر :
-انا آسفة علشان زعقت فيك بس والله اتخضيت
تحدثت ناهد وقد دعتها للجلوس بجانبها قائلة :
-حصل خير تعالي اقعدي
جلست بجانبها متنهدة بتعب ثم رفعت رأسها لحمزة الذي كان لا يزال يقف كما هو وبدا عليه التفكير فيما قالت، لذا أردفت :
-متسرحش خلاص محصلش حاجة
آماء لها حمزة بهدوء ثم جذب كريم حتى يستند عليه قائلًا بخفوت :
-تعالى يا كريم عايز أشوف الولد اللي اتكلم معاها، نورهان فيها حاجة ومش راضية تقول
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الخامس وسبعون 75 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلوا على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
تحرك نحو تجمع السيدات غير راضٍ البتة عما يراه، بالإضافة بالطبع إلى رقصهن ولكن نوعًا ما لا يراهن أحد بسبب تجمع النساء في شكل دوائر، وما إن وصل إليها حتى جذبها بخفة قائلًا بحدة حاول إخفائها :
-انا مش قولتلك بلاش اللفة دي يا عائشة
برمت عائشة شفتيها بعدم رضا تعدل حجابها الذي تدخله بالكامل داخل فستانها اللامع ذو اللون العنابي والذي يضيق كثيرًا عند الصدر وهذا لأن جسدها ممتلئ وملفت وهذا ما لم يعجب ياسر أبدًا إذ أشار لباقي فستانها قائلًا :
-انتي لبستي فستان نور بالغلط ولا ايه؟! ليه الفستان ضيق كده
-علشان هو تفصيلته كده يا ياسر وبعدين ما كل البنات لابسين حتى أختك وباقي بنات عمك
نفى الآخر برأسه موضحًا له فكرته بنبرة شديدة الجدية :
-عودهم غير عودك وانتي عارفة، يعني مش كفاية ضيق لأ ومدخلة الطرحة جوا
لم تفك عقدة شفتيها المصبوغتين بالوردي فقال ياسر مشيرًا نحو الطريق للمرحاض :
-امشي قدامي لفي طرحتك كويس على الاقل تداري شوية
-قصيرة آخرها كده
نطقت بها بإبتسامة بلاستيكية فدفعها ياسر أمامه دون تفاهم قائلًا :
-لأ مش آخرها كده قدامي امشي
عادت بسرعة كما كانت رافضة الأمر :
-خلاص يا ياسر خلي اليوم يعدي ده يوم ومش هيحصل حاجة
همت بالتحرك والعودة للفتيات فوقف ياسر أمامها قائلًا بجدية :
-لو القاعة مقسومة كنت قولتلك ماشي بس فيه رجالة كتير نصهم ناس غريبة منعرفهمش
-انت عايز ايه دلوقتي
نطقت بها زافرة بضيق لكثرة إلحاحه فقال ياسر :
-تعدلي طرحتك بدال ما انتي عـ
أمسك لسانه حتى لا ينطق بما كاد أن ينطق به ثم نظر إلى بنات أعمامه وقد كُن جميعًا يرتدين نفس الشئ فقال بدهشة :
-طول عمركم بتلبسوا الخمارات والطرح الطويلة مالكم انحرفتوا كلكم كده ليه النهاردة
سارت عائشة خلفه نحو المرحاض ثم انتظرها هو بالخارج لحين أن تخرج وكعادة أي فتاة تتأخر لحين أن تنتهي من إرتداء حجابها لتخرج له بعد عدة دقائق بشكل آخر فابتسم برضا على شكلها ثم قال :
-كده أحسن
-لأ
نطقت بها عاقدة وجهها وقد انطلقت أمامه فظل ياسر يحدق في أثرها قليلًا ثم لحق بها قائلًا :
-طب لاوية وشك ليه دلوقتي علشان غيران عليكي
نظرت له ضائقة بحق ثم قالت :
-علشان قولتلي عودك مش زي عودهم قصدك إني تخينة ومش من حقي يعني ألبس زيهم علشان الفساتين كلها ضيق عليا، وده أوسع حاجة لقيتها وبرضو في نظرك ضيق، ومن شوية في الحمام واحدة علشان تعدي قالتلي عن إذنك يا مدام، والصبح في الكوافير وانا مدية ضهري للست خبطت على كتفي وقالتلي انتي مامت العروسة، انا مش تخينة لدرجة تشوفوني واحدة معدية الأربعين
رقت ملامح ياسر لحبيبته يرى انفها قد أحمّر لشدة القهر فقال :
-وايه يعني تخينة يمكن معلومة متعرفهاش بس الرجالة متحبش غير البنات التخينة يا عائشة
-انا عندي ٧٩ كيلو وانا لسه ١٨ سنة يا ياسر وأقسم بالله باكل مرة أو اتنين في اليوم وبقعد النهار كله بالجوع علشان متخنش، بس ولا مرة وقفت على الميزان ولقيت نفسي خسيت، كل مرة مرة الرقم يزيد، ده الناس فاكرة ان نور الصغيرة وانا الكبيرة، ده مرة افتكروني أمي علشان تخينة ونور كل لما تشوفني لابسة من لبس ماما تقولي شيفاكي أمي قوي
مال ياسر قليلًا لكي يصل لطولها وحتى تسمعه من صوت الموسيقى ثم قال بصدق :
-انتي والله عجباني كده
-بس مش عاجبة نفسي يا ياسر، بحاول اقنع نفسي بالرضا بس انا مش راضية
امتلأت عينيها بالدموع فرفعت رأسها حتى لا تهبط دموعها ويفسد وجهها تمامًا فحزن ياسر عليها يعلم أن هذا الأمر يؤثر في نفسيتها رغم محاولات عائشة منذ كانت صغيرة تقبل وزنها
ربما ذكية وجميلة وفصيحة اللسان ولكن جسدها ممتلئ بشكل معاكس لسنها، ولا يوجد إنسان كامل خالي من العيوب
أعطاها منديل ثم قال :
-تيجي نطلع برا شوية
-ماما مش هترضى
نطقت بها وهى تمسح عينيها من الدموع ببطء لتجد ياسر يحدق بها بملامح مذهولة فقالت :
-فيه ايه؟؟
-وشك
-ماله؟!
زادت ملامحه ذهولًا فقلقت من أن تكون الماسكرا لطخت وجهها بالأسود فقالت :
-ماله وشي الماسكرا باظت؟!
-لأ
-أومال ايــــه
-مش عارف وشك بقى أحلى كده ليه
تبدلت ملامحها من القلق للذهول ثم للحنق فقال ياسر بغرور درامي، يمنع نفسه من الضحك على ملامح وجهها :
-حلوة يا عائشة وبحبك كده عايزة ايه تاني من إن واحد زيي يحبك
رمقته من الأعلى للأسفل ثم قالت :
-عارف لولا إن عمي عبد الجواد روحه فيك علشان ولده الكبير كنت عملت ايه
اقترب منها مظهرًا فارق الطويل الشاسع بينهما ثم عقد ذراعيه قائلًا :
-أحب أعرف معلش
رفعت رقبتها حتى تصل لوجهه، ثم عادت للخلف قليلًا متراجعة عن فكرة سبه قائلة :
-علشان انا متربية مش هقول ألفاظ خارجة، يلا روح شوف حالك
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
قاطع حديثها مع والدته ووضع أمامها كيس أبيض ممتلئ بالتسالي مثل الكيك الجاهز والبطاطس المقرمشة وغيره، جلس كاتمًا تأوهًا بسبب الآلام التي بدأت تشتد في قدمه المكسورة ثم قال بجدية :
-خدي طلبك أهو، أفهم بقى ليه كنتى هتاخديهم وغيرتي رأيك وطلعتي تجري
رمقته بإندهاش لا تفهم مغزى السؤال أو تفهم ولا تريد الإجابة الآن، نظرت ناهد نحو كريم الذي جذب مقعد وجلس عليه ثم فتح كيس البطاطا المقرمشة الذي يحمله فسألته :
-هو انتوا خرجتوا تعملوا ايه وجيتوا تاني؟!
وأجاب كريم :
-روحنا نسأل الولد برا ليه كان بيتكلم مع نور فقال إنها كانت واقفة تشتري ومحدش كلمها، جات تمشي العامل اللي شغال في الكافتيريا نادى عليها علشان تاخد طلبها وهى مدت ايدها بالفلوس بس رجعت لوراء وقالت مش عايزة وهاتك يا فكيك، حتي مأخدتش الفلوس اللي وقعت وهو بس راح وراها علشان يديها فلوسها بس كده
وضع كمية من البطاطا داخل فمه ثم استرسل :
-آه وقالوا عليكي مريبة
تحدث حمزة موجهًا حديثه لها بجدية شديدة قائلًا :
-متعودتش اسمع من طرف واحد وبعدين أحكم، لو حد عملك حاجة فيهم قولي وهما واقفين دلوقتي برا علشان أطلع اعجنهم لإن بعد كده مش هعرف اجيبهم لو مشيوا
أشارت الأخرى لقدمه المكسورة مستطردة :
-هتطلع تعجنهم برجلك المكسورة؟!
أعاد كريم يده بالبطاطا قبل أن يلقيهم داخل فمه الذي يشبه دَرّاسة القمح تنهي على كل ما يدخل جوفها :
-يعني نفهم من كده إن حد فعلًا عملك حاجة
نفت برأسها وقد سئمت إلحاحهم فقالت:
-لأ محدش عملي حاجة هما بس كانوا كتير حواليا وأنا خوفت من الزحمة وعلشان البنت الوحيدة اللي واقفة وَسطِيهم، ووقفت قدام باب القاعة مش عارفة أدخل من الزحمة فعلشان كده كنت واقفة خايفة اعدي وقولتلك دخلني
ختمت حديثها تنظر نحو كريم فقال حمزة متسائلًا عن نقطة لم تذكرها :
-ليه طيب مأخدتيش الشيبسي وسيبتي فلوسك وجريتي
تنهدت نور بضجر ومستحيلًا أن تخبره أن ذاك الرجل هم بإمساك يدها، هى نفسها لا تدري أفعل هذا بقصد أم بدون قصد، وفي كلتا الحالتين لن تخبره حتى يتشاجر وقدمه مكسورة الآن، عسى أن تحترق يد ذلك الرجل إن كان يقصد التحرش بلمس يدها :
-خلاص يا حمزة بلاش تحقيق المحاميين دِه
نظرت نحو ناهد ثم أضافت :
-ولدك ده لحوح قوي
آماءت ناهد توافقها الرأي فحمزة إن وضع أمرًا في رأسه لا يتركه خاصةً إن كان شيئًا مخفيًا :
-خلاص يا حمزة قالتلك محصلش حاجة
ظهرت رحمة في الأفق متجهة نحوهم ثم جذبت زجاجة المياه الموضوعة في منتصف الطاولة تتجرع منها بعطش شديد فقالت ناهد بمزاح :
-اتهديتي خلاص من الرقص
ضحكت الأخرى مخفضة الزجاجة من على فمها ثم قالت :
-لا والله مش برقص بس بتفرج عليهم وبحاول أتعلم
نظرت نحو نور ثم أضافت بإطراء حماسي :
-ستات عيلتكم بيعرفوا يرقصوا حلو أوي لحد دلوقتي موقفوش ولا واحدة فيهم تعبت، حتى مرات عمي أسماء ورحاب
-اممم انتي هتقوليلي ده اختصاصهم ده، اديهم فرح وهما يرقصوا فيه للصبح
عقد حمزة حاجبيه مستنكرًا :
-وهما رجالة عيلتكم سايبينهم كده عادي ثم عمي محفوظ فين وسايب مراته ترقص كده عادي هى وبنته
هزت ناهد رأسها يمينًا ويسارًا تنفي ما يظنه :
-لا يا حمزة هما بعيد هناك في ركن لوحدهم وبنات كتير واقفين حواليهم زي دايرة فمحدش من الرجالة شايف اللي بيحصل جوا الدايرة علشان كده واخدين راحتهم
جلست رحمة على أحد المقاعد وأخرجت هاتفها تنظر لحجابها في إنعكاسه ثم قالت :
-ماما هى الطرحة باظت ولسه مظبوطة
حدق بها كريم بعدم رضا ثم قال مستهزئًا :
-طرحة مين يا أم طرحة هو انتي كده حاطة طرحة؟! نص رقبتك باينة وشعرك باين من قدامك
جذبت رحمة حجابها للأمام قائلة بتبرير :
-البونية بيتزحلق لوراء والله
-يتزحلق ليه مش فيه اختراع اسمه دبابيس، ما هى ماما وونور لا شعرهم ولا رقبتهم باينين
-بس نور لابسة كاب على فستانها
نظر حمزة نحو حجاب زوجته ثم قال :
-بس برضو يا رحمة لا شعرها ولا رقبتها باينين فعلًا، ابقي اتعلمي منها
ذمت رحمة شفتيها محدقة في اخويها بسخط فقالت نور بعقلانية، ترى إمارات الغضب ظهرت على رحمة :
-خلاص نصحتوها سيبيوها وهى واحدة واحدة هتعملها مع نفسها بس بلاش مقارنة مع حد، سيبوها هى تقارن نفسها، النصيحة في الحجاب بالذات مش كله بيتقبلها ومش كله بيعمل بيها، هو التغيير بيجي لوحده والله، ثم هى لسه محجبة جديدة طبيعي جدًا تبدأها من تحت، مش طبيعي بعد ما كانت بتطلع بشعرها تنتقب مرة واحدة، في الأول بشعرها بعدها بطرحة قصيرة وتبين شعرها، بعدها بطرحة قصيرة وتخبي شعرها، بعدها طرحة طويلة، خمار وهكذا كل البنات في البداية بتبقى كده
ابتسمت رحمة ثانية على نور وكلامها إذ قالت :
-شايفين الأسلوب الحلو مش زيكم شوية حمير
صفعها كريم على كتفها بعنف قائلًا :
-دلع أبوكي ليكي مقوي قلبك استني يسافر وانا هطلع عليكي القديم والجديد
أخرجت الأخرى له لسانها بإستفزاز قائلة :
-ولا تقدروا تعملوا حاجة بابا يديكم بالجذمة انتوا الجوز، وهقوله يا كريم إنك ضربتني
ختمت حديثها جاذبة الحقيبة البيضاء البلاستيكية حتى تأخذ منها كيس بطاطا مقرمشة فصفع حمزة يدها هاتفًا بحنق :
-بتاعك ده علشان تمدي ايدك عليه
تأوهت الأخرى بخفة تفرك يدها ثم أشارت إلى كريم قائلة بتذمر :
-ما هو كريم معاه واحد
-دول لنور، اللي في ايد كريم جابوا لنفسه، أو انا اللي جبته لما شافني هشتري لنور عمل فيها عيل وقال وأنا
كرمش كريم الكيس بعد أن انهاه معترضًا بتذمر لطيف :
-أومال تشتري لمراتك وأخوك لأ، ايه عقوق الأخوات دي
ضحكت نور بخفة وقد دفعت الكيس لرحمة هاتفة بلطف :
-خدي اللي عايزاه انا أصلًا كنت هجيب كيس صغير علشان مليش في الشيبسي قوي، بس اخوكي جاب نص الكافتيريا وجه مش هقدر أخلص ربعهم حتى
أخذت رحمة كيس واحد ثم قالت بمزاح :
-بيدلعك هو حد لاقي دلع ويقول لأ
آماء حمزة برأسه ناظرًا لنور بمشاكسة :
-بدلعك من قبل ما نتجوز ومشوفتش منك دلع لحد دلوقتي
عقدت الأخرى أصابعها بحرج مرددة بخفوت :
-ما انا مش بفهم في الهدايا اللي بتعجب الرجالة، انت عايز ايه
-والله لو عليا انا عايز حاجات كتير
جملة عابثة بمغزى وقح جعلها تنظر إليه وهى تضيق عينيها بشك :
-بلاش تتكلم بالنبرة دي اللي بتحسسني إن نيتك مش سالكة
-وانتي مين أصلًا قالك إن انا سالك
نطق بها مقهقهًا بصخب فخجلت نور وقررت الإنسحاب فجذب ذراعها وجعلها تجلس كما كانت قائلة بتحذير :
-على فين؟؟
-رايحة لماما مقولتش ليها إني هقعد معاك
-يعني انتي قاعدة مع حد غريب ده انا جوزك يا نور
أمال رأسه قليلًا ينظر لوجهها المتورم ثم قال :
-صحيح مقولتيش ليه وشك ملتهب كده؟!
همت بالإجابة عليه ولكنها أبصرت أحدًا جعلها تضيق عينيها قليلًا ثم وقفت بسرعة قائلة :
-زي بعضه هرجع تاني بس أروح أسلم على صاحبتي وجاية
-صاحبتك مين؟!
نطق بها سريعًا يراها تبتعد فأجابت الأخرى بصوت لم يصل له ثم اختفت عن أنظاره، وهذا ما جعله يشعر بالضيق فلما كلما حاول الاقتراب منها يراها تبتعد عنه بأي حجة، بدأ هذا الأمر يزعجه حقًا فلا حاجة للهروب منه وهو زوجها
لما لا تزال تتعامل معه كالغريب فحتى كلماته وغزله لها لا تريد أن يقوله إلا في أضيق الحالات وكأنه في نظرها لا يزال أمر محرم، أو ربما نور تنفر منه...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
زفر بضيق منذ وطأت قدمه المكان فهو لا يحب الصخب ولا حفلات الزفاف عكس زوجته التي ارتسمت الإبتسامة على ثغرها من هذه الأذن إلى الأخرى وتبدو السعادة على وجهها وكأنه زفاف شقيقتها :
-مالك انتي فرحانة أوي كده ليه؟!
-علشان مش بطلع كتير ونادرًا ما بروح فرح حد
جذب خصرها وجعلها تسير إلى جانبه من الناحية الأخرى عندما رأى رجلًا على وشك المرور من جانبها ثم أجاب على حديثها :
-ماشي خليكي جنبي متتحركيش لحد ما نشوف عمر قاعد فين
-رقية هناك أهي
نطقت بها تشير بيدها إلى تجمع النساء في أحد الأركان فقال سفيان بقهقه صغيرة :
-ما شاء الله نظرك قوي، ماشي روحي هناك معاها بس إياكي يا هاجر ترقصي
-ليه بس ده كلهم ستات هناك
-علشان انتي حامل
لوت هاجر شفتيها إعتراض قائلة :
-مش علشان حامل يا كذاب علشان انت بتغير
قهقه سفيان بصوت رجولي قائلًا :
-انا كذاب؟! ده انتي اتعودتي عليا أوي، الله يرحم أيام ما كنتي بتستخبي مني من الخوف، ده أول مرة شوفتيني اغمى عليكي فيها
-هـــــاجـر
صوتٌ ينادي عليها بالكاد سمعته من صوت الموسيقى الصاخبة فنظرت حولها تبحث عن المنادي، وإذ بها ترى صديقتها التي لم ترها منذ ما يقارب السبعة أشهر، تأتي نحوها بخطوات سريعة فهرولت لها بسعادة مراهقة أبصرت صديقتها في أول يوم مدرسة بعد إجازة الصيف الطويلة
استقبلتها نور بنفس العناق الذي كانت تستقبله به كلما غابت عنها لفترة طويلة هاتفة بصوت مرتفع لعلها تستطيع سماعها بسبب اقترابهما من السماعات العالية :
-عاملة ايه وحشتيني قوي يا هاجر
صفعتها الأخرى بخفة على ظهرها هاتفة بعتاب :
-أخص عليكي انا حاولت اتصل عليكي كتير بس كل مرة يبقى مغلق وبعتلك رسايل كتير اوي، كان نفسي تحضري كتب كتابي بس شكلك عملتي بلوك للناس كلها بعد اللي حصلك
ابتعدت الأخرى عنها تبرر لها سريعًا :
-لا والله انا غيرت رقمي خالص وحاولت اتصل عليكي من الجديد بس انتي تقريبًا عاملة خاصية للأرقام الغريبة
ابتسمت نور عندما تذكرت جملتها الثانية ثم استرسلت :
-هو انتي اتجوزتي؟!
-آه وحامل دلوقتي
ختمت حديثها تتحسس بطنها الصغير فباركت لها نور بود حقيقي لتشير هاجر إلى خاتم الخطبة في يد نور قائلة :
-انتي اتخطبتي؟؟
نظرت نور لخاتمها مجيبة ببسمة :
-آه وبرضو اتكتب كتابي، وده فرح بنت عمي براءة يمكن فكراها
-هى العروسة اللي هتتجوز اخُ رقية؟!
آماءت بإيجاب لينادي سفيان على زوجته بعدما سئم الوقوف هكذا ينتظرها أن تنتهي من الثرثرة، ضمت نور يديها خلف ظهرها تنتظر عودة هاجر التي اتجهت لسفيان سريعًا وقالت له شيئًا ثم بعدها عادت إليها عندما رحل هو فقالت نور :
-ده جوزك؟؟
-آه سفيان
عقدت نور حاجبيها بتعجب لهذا الاسم المألوف :
-سفيان!؟ لأ استني متقوليش اللي انتي بلغتي عنه وطلع ظابط!!؟
-عليكي نور هو ده
ضحكت الأخرى بعدم تصديق قائلة :
-يا بنتي مش كنتي بتشكي منه إنه بيرخم عليكي كل شوية، روحتي اتجوزتيه؟!
-هو اللي طلبني للجواز وانا مقولتش لأ، مع إن فيه رجالة كتير اتقدموا ليا بعد موت حاتم بس شوفت في سفيان السند يا نور
-ربنا يسعدك يا هاجر طب وهو؟!
صمتت هاجر وثبتت في مكانها قائلة بشك اختلط مع هرمونات الحمل التي تجعل المرأة ذات ميول نكدية :
-تصدقي لحد دلوقتي سفيان مقاليش بحبك؟!
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
خرجت من تجمع النساء تجفف حبات العرق التي تكونت على جبينها بمنديل ورقي ثم اتجهت إلى المرحاض حيث الكثير من الفتيات هناك يقفن أمام المرآة الكبيرة التي هى بعرض الحائط
اخذت تعدل من هيئتها ومكياجها حين دلفت رقية شقيقة العريس تضع كفها على وجهها ثم ولجت إلى أقرب مرحاض مفتوح وأفرغت ما بمعدتها، كانت رحاب من ضمن الواقفات فأقتربت من رقية وساعدتها
أخرجت هى بعض المناديل من علبتها ومدتهم لرحاب حتى تمسح وجه رقية المتعب ثم قالت :
-انتي كويسة يا رقية؟؟
آماءت الأخرى بتعب قائلة :
-آه شوية تعب من الحمل عادي
تنفست ببطء فساعدتها شروق ورحاب على الخروج من المرحاض ثم قالت رحاب :
-تعالي اقعدي شوية انتي من الصبح واقفة، وده غلط عليكي
-ماشي بس استني دقيقة
نظرت نحو شروق ثم استكملت :
-معلش يا شروق بصي يونس قاعد هناك في آخر القاعة، إقنعيه يجي لأخوه علشان من وقت ما بدأ الفرح وهو متحركش من مكانه ويوسف بدأ يزعل، لو مقتنعش هاتيه غصب عنه وانا عارفة إنك تعمليها
نظرت شروق نحو ما تشير إليه ولكن للأسف لم ترى شئ لأن نظرها ضعيف بشدة ولا ترتدي النظارة وليست معها حتى، شعرت بالحرج من أن تطلب منها أن تأخذه له لذا قررت البحث عنه بنفسها
أخذت تسير في الإتجاه الذي أشارت نحوه وهى تنظر لجميع الأوجه التي لا تراها بوضوح للأسف، لذا قررت أن تبحث عن أي رجل يرتدي بذلة رمادية
وصلت لنهاية القاعة ولم تجده بعد وقد خفتت الموسيقى في الأجواء بسبب إستعداد لفقرة تقدمها القاعة لذا أخذت تتلفت حولها بحثًا عنه فآتاها صوته قائلًا :
-بتدوري على مين يا شروق؟
نظرت حولها ولكنها لم تره، بئسًا على ضعف النظر الذي تعاني منه ليتها ارتدت عدسات حتى
إستقام يونس من مكانه عندما وجدها عادت تتلفت ثم وقف أمامها قائلًا :
-مالك تايهة ليه كده؟!
تنهدت شروق براحة أنها وجدته أخيرًا ثم قالت :
-قاعد في آخر القاعة ليه تعالى قدام
جذب يونس علبة سجائره وهاتفه من على الطاولة التي يجلس عليها وحيدًا ثم قال :
-صوت الأغاني عالي أوي قدام
-طب تعالى رقية بتقولك يوسف زعلان علشان لحد دلوقتي مشافش وشك
أخرج سيجار من العلبة ووضعه بين شفتيه مرددًا :
-خليه فرحان مع عروسته يشوف وشي انا ليه بقى
أخرج القداحة وهم بإشعال السيجار فقالت شروق بتحذير :
-متولعش السيجارة
نظر له مليًا وهو يرفع القداحة أمام السيجارة ثم ظهرت في عينيه نظر إستفزازية ضاغطًا على زر الإشعال فصاحت الأخرى مغتاظة :
-يا ابني انت غاوي تحرق دمي وخلاص
-آه
نطق بها ببسمة متسعة نافثًا الدخان على جانبه ثم مد لها السيجار قائلًا ببسمة أكثر إتساعًا :
-تاخدي نفس
جحظت عينيها بصدمة مما سمعته أذنيها ثم نظرت إلى السيجارة الممدودة إليها وكأنها أفعى سامة ثم قالت :
-انت عايز ايه؟!
-تاخدي نفس من السيجارة هتعجبك علفكرة
عادت للخلف خطوة تحدق به في ريبة قائلة :
-انت مش مظبوط علفكرة وانا مش هقف معاك
همت بالإستدارة فجذب يونس يدها حتى لا ترحل وهى بدورها جذبت يدها منه بعنف قائلة بجدية حادة :
-واخد بالك دي تالت مرة تمسك أيدي النهاردة، ومش معنى إني طنشت أول مرة تسوق فيها، انا خطيبتك بس لسه مش مراتك يا يونس
عض على شفتيه يمنع بسمة من التسلل إلى ثغره ثم قال :
-معلش انا آسف بس خليكي واقفة معايا
عقدت ذراعيها أمام صدرها هاتفة بعدم رضا :
-وانت ليه واقف وحدك أصلًا ما الكل بيرقص اهو واللي مش بيرقص واقف يسقف، خليك جنب أخوك في يوم زي ده بدال ما انت قاعد هنا تشرب سجاير
عاد يونس وجلس على المقعد كما كان وكأنها لم تكن تتحدث فتقدمت نحوه هاتفة بحنو لم يسبق وأن تحدثت به مع يونس :
-انت زعلان علشان يوسف بيتجوز النهاردة؟؟
آماء لها بصمت ولم تكن تتوقع أن يخرج منه رد فعل حتى فأكملت مبتهجة أنها ترى وجه جديد ليونس ويبدو أن هذا الوجه لا يخرجه كثيرًا :
-وزعلان علشان لما تروح البيت مش هيكون هناك وهتنام لوحدك لأول مرة من غيره
إختنق صوتها في آخر الحديث لأن نفس الأمر ينطبق عليها ولكنها تحاول أن تتجاهل الأمر وترسم السعادة على وجهها منذ بداية اليوم عكس يونس الذي قرر الانزواء في ركن بمفرده يتابع سعادة الجميع بصمت
عبثت في خاتم خطبتها هاتفة بصدق :
-عارفة إن الموضوع صعب وهيكون أصعب أكتر لما ترجع البيت وتلاقي نفسك لوحدك بس دلوقتي بلاش تخلي الزعل يأثر على فرحتك وفرحة أخوك، بص يوسف هناك مش فرحان علشان مستنيك تيجي وانت مش بتيجي
نظر يونس نحو شقيقه الذي يتوسط حلقة من الشباب من أقاربهم وأصدقاء يوسف، يراقصونه بحماس وهو معهم بنصف تركيز فقط، إذ كان ينظر نحوه من وقت لآخر متنهدًا بضيق
سحب النيكوتين من السيجارة ونفثها في الهواء فسعلت شروق تبعد الدخان عن وجهها قائلة :
-هتيجي ولا تقعد تنكد على نفسك
-حاضر هاجي بس أخلص السيجارة
أخرجت من جيب فستانها زجاجة معطر جسدي صغيرة ثم وضعتها أمامه قائلة :
-حط من دي علشان متخنقش الراجل بريحتك اللي كلها دخان
نظر الآخر نحو الزجاجة بإستنكار قائلًا :
-دي حريمي
-أحسن من بلاش
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
جلست على الاريكة البيضاء المخصصة للعروسين بينما اخذت شقيقتها التي تبلغ من العمر خمسة عشر عامًا تحرك أمامها المروحية البيضاء المرفقة مع الفستان فقالت لها :
-جنا معلش اشتري ليا مياه أو عصير عطشانة
-إشتري منين؟!
نطقت بها الأخرى متسائلة فقالت براءة :
-من الكافتيريا اللي برا، خدي فلوس من بابا واشتري
-طيب ما تطلبي من القاعة وانتي العروسة بدال ما تشتري من برا
-لا معلش اشتري انتي وتعالي بسرعة
لم تفهم الأخرى لما طلبت منها ولكنها ذهبت لتفعل ما أرادت وخرجت من القاعة متجهة إلى الكافتيريا ثم قالت للعامل الموجود :
-عايزة علبة عصير مانجا لو سمحت
تحرك الآخر لتلبية طلبها ليتوقف بجانبها امرأتين نظرت إليهما بنظرة عابرة ثم عادت ونظرت أمامها، اخذا يتمتما مع بعضهما قليلًا بكلام لم يصل إليها لتقول أحداهما لها :
-هو انتي تقربي للعروسة؟!
نظرت جنا للمتحدثة وقد كانت امرأة قصيرة ببشرة بيضاء وأعين غامقة حادة نوعًا ما، ابتسمت لها بسمة هادئة ثم أجابت بحسن نية :
-ايوه أختها الصغيرة
-ما شاء الله طب محتاجة حاجة من هنا
-هشتري عصير لأختي علشان عطشانة
آماءت الأخرى بهدوء ثم انتظرت معها وعينها لم تفارقها عنها بطريقة تعجبت لها جنا ولكنها لم تتحدث، أتى الشاب بالعصير وأعطاه لها قائلًا :
-عشرة جنيه
استوعبت الأخرى أنها نسيت أن تأخذ المال من والدتها فقالت سريعًا :
-معلش انا نسيت آخد فلوس من ماما هدخل وجاية تاني
هرولت بسرعة للداخل فنظرت كاميليا نحو الشاب قائلة :
-قهوة مظبوطة تيك آواي لو سمحت.
رحل الآخر حتى يجهز الطلب فقالت كاميليا لشقيقتها سريعًا :
-اقفي على يميني بسرعة علشان الكاميرا متجبنيش
نظرت الأخرى نحو الكاميرا بقلق ثم تحركت من مكانها متمتمة :
-والله إحنا هنروح في داهية
-بطلي كلام علشان هنروح في داهية من وراء كلامك ده
هتفت بها بقوة وقسوة أظلمت قلبها ثم أخرجت من حقيبتها إبرة ممتلئة بمادة شفافة حقنتها داخل العبوة من الأعلى ثم رجتها جيدًا لتقول شقيقتها بقلق أشد :
-علفكرة إحنا فعلًا هنروح في داهية، البنت لو شربت ده وادّروشت هيسألوا شربت ايه ومش بعيد يوصلوا لينا إحنا
-لأ ما النوع ده مش يشتغل حالًا، كمان كام ساعة وهى طبعًا هتاكل وتشرب لما تروح
-طب خلاص خلاص اختها جاية
تصنعت أنها تعدل كُم فستانها وتتحدث مع شقيقتها حين اقتربت جنا من السور الرخامي منادية على العامل :
-لو سمحت
اقترب منهن الآخر وفي يده القهوة الجاهزة فأعطته جنا النقود قائلة :
-اتفضل العشرة وهاخد العلبة
دفع الآخر نحوها العلبة فأخذتها ورحلت تتبعها نظرات كاميليا حتى أنها لم تنتبه للعامل الذي قدم لها القهوة وأخذ يتحدث لها، كل ما يشغل بالها الآن أن ترى براءة تشرب تلك العبوة ويتوغل السحر داخل أحشائها
عادت جنا لبراءة وقدمت لها العصير فأخذته الأخرى متسائلة :
-جبتيه من الكافتيريا؟!
-ايوه
جذبت الأخرى القشة الماصة وأخذت تشرب منها فقال يوسف الجالس بجانبها وهو يميل نحوها قليلًا :
-انا تعبت بجد ما تيجي نروح
-آه والله انا فرهدت على الآخر وسهرانة بقالي يومين منمتش غير ساعتين، ينفع نروح دلوقتي!؟
نظر الآخر إلى ساعته التي تشير إلى الحادية عشر ثم قال وهو ينظر حوله بحثًا عن والده :
-هشوف بابا فين علشان نخلص الليلة دي علشان لو فضلنا ساكتين هنقعد لإتنين الصبح هنا
أبصر يونس يتقدم نحوه فاستقام لأخيه سريعًا وارتسمت على ملامحه السعادة، عانقه يونس عناقًا قويًا وكأنه يقول له وداعًا دون كلمة فربت يوسف على ظهر توأمه قائلًا بعتاب :
-بقالك ساعتين بتشرب سجاير في آخر القاعة لسه فاكر تيجي تاخدني بالحضن؟!
ازدرد يونس لعابه بمرارة مجيبًا عليه بصوت وصل ليوسف فقط :
-كنت بحاول اجمع نفسي علشان أجي اديك الحضن ده وأقولك مش عايز أروح البيت النهاردة علشان انت مش هتكون فيه
ارتعش فؤاد يوسف لجملته الأخيرة وقد حاول إبعاده قليلًا حتى يرى وجهه ولكن أبى يونس الإبتعاد قبل أن يخرج كل ما في جعبته :
-عارف هتبقى دي أول ليلة أبات على السرير لوحدي يا يوسف وانت مش جنبي، لما افتح الدولاب مش هلاقي هدومك جواه هلاقي هدومي انا بس، البيت خلاص بقى فاضي من صوتك انت ورقية وقد ايه هيكون وحش اوي من غيركم انتوا الإتنين
شدد يوسف على عناق أخيه محاولًا التحكم في مشاعره الآن، إذ قال محاولًا فقع الفاقعة الحزينة التي حاوطتهما :
-انت مش قولت يوم كتب كتابي ليا انا ورقية أخيرًا جوزتكم وخلصت منكم انتوا الإتنين
-من وراء قلبـ
اختنق صوته وغطى وجهه داخل كتف شقيقه يخجل من أن يراه أحد في هذه اللحظة الضعيفة لأن شقيقه سيتركه بعد ثلاثين عامًا قد ظلوا بهم ملتصقين ببعضهما، واليوم حان وقت الفراق ليؤسس يوسف أسرته الخاصة
وجّه المصور كاميرته نحو هذا المشهد الدرامي المؤثر وقد ظهر كلاهما على الشاشات الكبيرة الموزعة في القاعة لتتبدل الأغنية الحالية لأخرى يخص المغني بها شقيقه
تبًا هل المنسق عليه أيضًا فلم يجد غير هذه الأغنية حتى ينثر بها ملحًا على جروحه
ابتعد عن يوسف أخيرًا وضغط على عينيه بالإبهام والسبابة ثم قال حانقًا :
-قول للمنسق يغير الأغنية دي بدال ما أكسر القاعة فوق دماغه
ضحك يوسف من بين تأثره ثم أشار لكريم الواقف بجانب المنسق أن يغير هذه الأغنية، نظر يونس طويلًا نحو براءة التي كانت تتابع هذا المشهد ببسمة وعندما أطال النظر لها قالت :
-متبصليش كده يا عم لو عايزُه يروح معاك انا معنديش مانع خده
-واللي يرجع
-تبقى أمه قرعة
قهقه يوسف بعلو على كلامهما محيطًا بظهره الذي آلامه لكثرة الضحك والحركة فقال يونس :
-مال ضهرك
-من الضحك ومن الحركة برضو، من الصبح بينططوني وانا تعبت وعايز أروح
-عايز نفركش الليلة يعني
-ياريت بجد، شوف أبوك فين واتفقوا مع المسؤول علشان نختم الليلة هموت وأروح
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
مرت دقيقة كاملة على تحديقها في الرسالة التي وصلتها من رقم غريب عبارة عن
"شكلك جميل بالفستان ده يا رحمة لايق عليكي اللون الزتوني أوي"
نظرت حولها بحيرة لا تدري من أرسل لها هذه الرسالة ومن قد أرسلها، يبدو أنه يراها بالفعل ليحدد ما ترتديه وما لونه، وصلت لها رسالة أخرى
"متبصيش حواليكي كده شكلك يضحك"
استقامت من مكانه وأخذت تحدق بتركيز في الرجال والنساء، بالأخص من يمسكون هواتفهم ولكنها لم ترى أحد عينيه عليها لذا جلست مرة أخرى وأرسلت
"مين؟؟"
"انتي مش مسجلة رقمي؟!"
"انت مين؟؟"
"قريبكم وبصراحة جيت الفرح علشان أشوفك انتي"
ترى من هذا الظريف الذي لديه متسع من الوقت فقرر تمضيته في إزعاجها
"هعملك بلوك"
"براحتك بس انا مش باعتلك اتسلى، انا بس حبيت أقولك إن شكلك حلو، مش برضو الكلمة الحلوة صدقة"
عقدت حاجبيها بتعجب شديد لا تدري من هذا ومن قريبهم، ودون تفكير حظرته ثم وضعت الهاتف أمامها ولكن الشيطان لم يتركها فأخذ عقلها يفكر من هذا وترى كيف يعرفها
ظلت هكذا لعدة دقائق اليٰ أن استمعت لصوت شاب يتحدث مع والدتها، رفعت رأسها مبصرة شاب مألوف لها، أسمر قليلًا وطوله متوسط وشعره قصير ناعم ولديه أعين خضراء غامقة مألوفة لها أيضًا
نظر نحوها فجأةً ثم ابتسم لها بسمة متسعة غريبة تستمع لوالدتها تقدمها له :
-دي بنتي رحمة يا مازن فاكرها؟!
-أكيد فاكرها لسه شايفها من فترة عندنا في البيت كانت جات معاكي وكانت بترغي مع شيماء في البلكونة
نظر لها بنفس البسمة ثم مد يده نحوها قائلًا :
-ازيك يا رحمة فكراني
نفت برأسها رغم أنها تشعر أنها تعلمه بالفعل ولكن عقلها لا يساعدها لتقول ناهد :
-ده مازن ابن طنط جميلة يا رحمة
اتسعت عينيها بدهشة ترمقه بدهشة، هل هذا مازن ابن جميلة التي تكون ابنة عم والدتها، أو لنقول خالتها فهى مقربة جدًا من والدتها والاثنتان في مقام الأشقاء
ليس هذا ما يشغلها الآن فقط فهذا مازن شقيق شيماء "البيست فريند" ونوعًا ما نسيت مازن هذا وأنه من العائلة فلم تره منذ تخرج من الثانوية، وما به تغير بشكل كبير لدرجة جعلتها لم تعلمه بل وأصبح أكثر سمارًا عن ذي قبل
نظرت ليده الممدودة ثم صافحته بحرج قائلة :
-ازيك
-الحمد لله بس شكلك اتغير عن زمان أوي حاسس إنها كبرت عن الأول، هى مش عندها ١٥ سنة زي شيماء؟؟
وأجابت ناهد :
-ايوه الاتنين في نفس السن وفي نفس المدرسة بس رحمة أطول من شيماء، طالعة طويلة لاخواتها وأبوها ولسه يعني كام شهر وتبقى ١٥
آماء مازن هذا محدقًا في عينيها مباشرةً ثم قال :
-لأ وكمان انا حاسس إنها أكبر من شيماء، شكلها مش في إعدادي خالص، مش عارف بنات اليومين دول تحسي شكلهم وطريقتهم أكبر من سنهم بكتير
-آه فعلًا رحمة بنتي من تصرفاتها بحسها في كلية مش في اعدادي
شعرت رحمة بالحرج من حديثهما عليها فجلست كما كانت على هاتفها وتركتهما يتحدثان سويًا فقال مازن وهو ينظر نحو حمزة الذي يغمض عينيه ويعيد رأسه للخلف وقد زاد الإرهاق على ملامحه :
-ازيك يا حمزة أخبارك ايه؟!
لم يتلقى منه سوى هزة صغيرة فقال مازن متسائلًا :
-هو تعبان ولا ايه يا طنط؟!
-آه يا حبيبي رجله مكسورة
-بجد؟؟ مكنتش أعرف، وعلى كده ماما متعرفش
-لا هو محدش يعرف علشان لسه من اليومين الموضوع، انتي قولي أخبار الكلية في أسوان ايه نظامها؟!
-تعب بجد والجو هناك نار حتى بقيت أسمر أوي من الشمس هناك، والسنين الأولى في الطب صعبة بجد
نظرت رحمة نحوه متسائلة وقد جذبها فضولها :
-هو انت في طب؟!
ومرة أخرى رمقها بتلك الإبتسامة المتسعة ثم قال :
-آه في سنة تانية طب وداخل على تالتة أهو، انتي في تالتة إعدادي
آماءت بخفة قائلة :
-لسه هدخل تالتة إعدادي
-شدي حيلك عارف إنك أشطر من شيماء ماما بتذلها ليل نهار على الفرق ده
قهقه قليلًا ثم قال مشيرًا لفستانها الزيتوني :
-بس حلو إنك اتحجبتي عقبال شيماء، وكمان اللون الزتوني حلو أوي
ربما جملة مجاملة عادية منه ولكنها رمقته بشك لهذه الكلمة التي أرسل نفسها ذلك الرقم المجهول، وظهور مازن بعد أن حظرت الرقم زاد شكها
ظل يتحدث مع والدتها كثيرًا ثم رحل بعد أن وعدها بزيارة مع عائلته حتى يطمئنوا على حمزة
وفور رحيله اقتربت صفية وابنتيها من طاولتهم وقد استقبلتهن والدتها ببسمة ودودة بادلتها صفية نفس البسمة ثم نظرت نحو حمزة الذي زاد التعب عليه كثيرًا والتزم الصمت فقط منذ أكثر من نصف ساعة :
-عامل ايه يا حمزة، مكنش المفروض تيجي وانت تعبان
جذبت صفية المقعد حتي تجلس ولم ترى أن قدم حمزة المكسورة موضوعة عليه، ومع جذب المقعد سقطت قدمه أرضًا فصرخ متألمًا بصوت مرتفع جعل من حوله يستدير له خاصةً أن الموسيقى قد توقفت منذ دقائق
-اسم الله يا ولدي قطعني، والله ما شوفت رجلك
نطقت بها صفية تعتذر سريعًا فقالت عائشة وهى تجذب والدتها للخلف قليلًا :
-خلاص يا ماما وانتي هتقطعي نفسك ليه ما انتي مكنش قصدك
ضغط حمزة على كفيه مخفضًا وجهه أرضًا فاقتربت نور منه ومالت قليلًا حتى ترى وجهه هاتفة بقلق :
-انت كويس يا حمزة؟!
اقتربت ناهد من ابنها ثم رفعت خصلاته للأعلى وتحسست وجهه وقالت قلقة :
-جسمك سخن اوي يا حمزة، يا ابني قولنالك متجيش انت عنيد كده لمين
نظرت سريعًا نحو رحمة قائلة :
-رحمة بسرعة شوفي بابا فين، قوليله حمزة تعبان أوي ولازم يمشي
تحركت الأخرى سريعًا تبحث عن والدها أو كريم لتجد كريم يقف رفقة المدعو مازن يتحدثان في أمر شيق على الأرجح قاطعته هى بقدومها، اقترب نحوها كريم حتى يعلم ماذا أصابها فتجاهلت هى نظر مازن لها وقالت :
-كريم حمزة تعبان أوي وجسمه سخن، وبدور على بابا مش لقياه
تحدث مازن وهو ينظر نحو أحد الإتجاهات قائلًا :
-انا شوفت اونكل عثمان هناك، انت روح بسرعة يا كريم لحمزة وانا هجيبه وآجي
ولم يكذب الآخر خبرًا وتحرك مع رحمة عائدين للطاولة التي يجلس عليها حمزة الآن يكاد يصرخ لشدة الآلام التي تسحق قدمه ويخرج هذا على هيئة ضغطات عنيفة على ظهر المقعد الذي بجانبه وأصوات تنفسه مرتفعة
اقترب منه سريعًا مردفًا بقلق شديد :
-حمزة مالك، تعالى نروح قولتلك خليك في البيت انت قولت لأ
هم بجعله يقف فصاح حمزة برفض، رافضًا أن يتحرك :
-متقومنيش يا كريم حاسس بنار في رجلي
شعرت نور به كثيرًا وهذا لأنها مرت بكسور العظام هذه وكانت على شفا جرفٍ من أن تضرب رأسها في الحائط لشدة الألم، تحدثت من مكانها دون الاقتراب قائلة :
-لما كنت اتعب قوي من دراعي المكسور كان بيدوني حقنة، نبعتوا حد يجبهالك
نفي برأسه سريعًا فقال كريم بضيق :
-مش هيرضى ياخذ حقنة حتى لو قطعتوه، ده فضحنا في المستشفى لما رجله اتكسرت علشان ندهاله
-وهفضحكم هنا انا مش هاخد حقن
هتف بها بخفوت يأن ألمًا فمالت نور قليلًا بجسدها حتى ترى وجهه الذي يخفضه ثم قالت بلطف :
-هدهالك انا، إيدي خفيفة والله حتى اسأل ماما
نظر لها حمزة بدهشة لطلبها هذا بينما قال كريم :
-هتدهالك هى أهو علشان انا إيدي تقيلة، وهى مراتك مش هتتكسف منك
عقدت نور حاجبيها بتفكير ثم قالت بتوجس :
-استنوا هى الحقنة هتبقى عضل ولا وريد!؟
-عضل
نطق بها حمزة ببسمة ساخرة أقرب للخبث رغم الموقف الذي به فاستقامت من مكانها بسرعة متراجعة عما قالت :
-لأ خلاص كريم يدهالك مش انا
هز حمزة رأسه بخفة مبتسمًا عليها ولكن عاد الألم يداهم كسره فضغط على فكه بعنف يستمع لصوت والده ويونس الذي حضر معه أيضًا يقول :
-يا ابني انت راسك ناشفة ليه، قولنالك متجيش ويوسف قالك مش هيزعل
دفع عثمان ابنه نحو الخارج قائلًا :
-بسرعة يا كريم هاتله إبرة مسكن من أقرب صيدلية، وبعدها تاخده وتروحه، كده كده الفرح خلص
-انا مش هاخد حقن يا بابا
صاح بهم حمزة رافضًا الفكرة فقالت ناهد في محاولة لإقناعه :
-يا حمزة دي شكة إبرة
-انا مش عايزها انا شكة الإبرة دي وكل اللي في العيلة ايدهم تقيلة في الحقن
وقال عثمان :
-هجيبلك عمك محمد ايده خفيفة
-لأ ايده تقيلة
-هجيبلك يوسف
-ايده تقيلة برضو، هاتلي إسماعيل ايده هو خفيفة
وصاح به يونس بعصبية لحججه هذه :
-ونجيبلك إسماعيل منين دلوقتي، انت يا تاخدها بالذوق يا نربطك وتاخدها
عاد كريم بالمسكن فقد كانت الصيدلية في أول الشارع وهو أخذها ركضًا :
-الحقنة أهي وتمشي وريد عادي
أخذ عثمان منه الإبرة يجهزها غير مبالي بحمزة الذي أخذ يصيح بالجميع أنه لن يأخذها ولو على جثته فقال والده بهدوء وهو يخرج الهواء من خلال السن المعدني الرقيق :
-انت مش هتيجي بالذوق يا حمزة غير لما يمسكوك أربعة زي أيام ما كنت عيل، كريم شمرلي دراعه وانت يا يونس كتفهولي من وراء
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل السادس وسبعون 76 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلوا على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
حك خصلاته السوداء بالمنشفة ينظر إلى الرسالة التي قد أرسلها له رئيسه في العمل بأن عودته ستكون خلال يومان وأن إجازته قد انتهت، تنهد بخفة ثم خرج من غرفة النوم يسير في أرجاء شقته الواسعة في إحدى أحياء مدينة الإسكندرية الراقية، يتبع الرائحة الذكية التي تخرج من المطبخ
كم إن زوجته بارعة في الطهو حتى أن وزنه قد زاد هذه الإجازة من لذة طعامها، ولكن لا بأس فحين يعود للعمل مرة أخرى سيخسر هذا الكرش الصغير :
-صباح الخير يا لوزة
قبّل وجنتها بخفة ثم سرق قطعة خيار من طبق السلطة الذي تعده، ردت له هاجر تحية الصباح بصوت مرهق فقال متعجبًا :
-مالك تعبانة ولا ايه؟؟
-قلة نوم
-آه حسيت بيكي كتير وانتي بتقومي من جنبي بس سألتك مالك وانتي قولتي حلم وحش، كنتي بتحلمي بإيه بقى
قطم قطعة من الخيار منتظرًا إجابتها فصمتت الأخرى عن الإجابة تمامًا فلن تخبره بالطبع أن حاتم كان يزورها في أحلامها، إستدارت له وقد غيرت الموضوع تمامًا :
-انا جهزت الفطار، تفطر هنا ولا مع جدتك في المستشفى
-لأ نفطر هنا عمر هناك معاها
-عمر؟! هو لحق أمتى يقوم بدري كده دول رجعوا من الفرح متأخر إمبارح
جذب سفيان احد أطباق الإفطار متجهًا نحو الرخام المطل على البهو بتصميم أمريكي ثم جذب مقعد وجلس عليه قائلًا :
-هاتي الفطار وخلينا نستمتع بآخر يومين أجازة ليا قبل ما أرجع للإرهابيين تاني
شعر بقطتها البُنية تحتك بقدمه وهى تموء بصوت مسموع فأخرج أصواتًا منزعجة ثم دفعها بخفة من وجهة نظره فأنقلبت الأخرى على ظهرها مما جعل هاجر تصيح منزعجة :
-حرام عليك يا سفيان انت بتعاملها بعنف كده ليه
رمقها الآخر بعدم رضا للمبالغة التي تتحدث بها قائلًا :
-فين العنف ده؟! قطتك أوفر حبتين عملت نفسها ميتة لما قولتلها هِش أومال لو خبطتها برجلي
رفعت هاجر قطتها من على الأرض ثم ضمتها إلى صدرها وكأنها تهدهد طفلتها ثم رفعتها أمام وجهها وأخذت تدللها أسفل أنظار سفيان الحانقة إذ قال :
-ايه الدلع ده كله ما تبوسيها بالمرة
ولم تكذب الأخرى خبرًا وقبّلت هرتها اللطيفة في حركة اشمأز لها سفيان ليتراجع سريعًا برأسه للخلف عندما قدمتها نحو وجهه قائلة :
-بص حلوة ازاي بذمتك الحلاوة دي تتضرب
أبعدها بسرعة عن وجهه هاتفًا بحنق :
-ما تحطيها في طبقي أحسن، فيه ايه يا هاجر
ذمت الأخرى شفتيها وتركت هرتها أرضًا ثم أحضرت باقي الأطباق وهمت بالجلوس بجانب سفيان ولكن قاطعها رنين جرس الباب فتحركت في اتجاهه مرددة بتعجب :
-مين هيجي على الصبح كده؟!
توقفت بسرعة عندما نادى عليها سفيان بنبرة تهديدية مغلفة بالهدوء :
-عارفة لو طلع راجل وانتي رايحة تفتحي بهدومك دي هعمل فيكي وفيه ايه؟!
تراجعت خطوة للخلف ضاحكة ببلاهة :
-علفكرة كنت هبص من العين قبل ما أفتح
-طب ادخلي جوا يلا
تقدم هو نحو الباب ثم فتحه ليجد امرأة ذات ملابس راقية ونظارة شمس كبيرة أكلت نصف وجهها لتنزعها ببطء وتضعها فوق خصلاتها القصيرة قائلة :
-ده بيت هاجر حاكم؟؟
آماء الآخر بصمت دون أن يدعوها للدخول فهو لن يدخل امرأةً غريبة المنزله، كما أن حسه الأمني يخبره أنها مألوفة كثيرًا له
-لو هى موجودة وانا عارفة إنها موجودة قولها كارما الدخيلي محتاجة تقابلك ضروري ودلوقتي
رفع إحدى حاجبيه بدهشة من أسلوبها المتعجرف قليلًا ثم نادى على زوجته بدون أيضًا أن يدخلها وجعلها تقف على الباب :
-هــاجـــر في واحدة عايزة تقابلك
-آجي كده عادي
نطقت بها بصوت خفيض وهى تشير إلى ملابسها المنزلية فقال سفيان بموافقة :
-تعالي
تقدمت في اتجاهه ثم مدت رأسها من خلف ظهره تنظر لمن بالخارج وإذ بملامحها اللطيفة تتحول كقطة شرسة أبصرت الخطر يهدد حياتها المسالمة :
-عايزة ايه كارما؟؟
-مش هتقولي اتفضلي على الأقل يا بنت الأصول
بدت وكأنها تسخر ورغم هذا دعاها سفيان للدخول ثم ولج وجلس على ذراع المقعد الضخم بجانب زوجته التي وقفت في منتصف البهو عاقدة ذراعيها تنظر نحو الضيف الغير مرغوب به في منزلها :
-خير إن شاء الله ايه اللي فكركم بيا
-فكركم؟! هو فيه حد تاني جالك قبلي؟؟
نطقت بها الأخرى متسائلة فقالت هاجر بجمود :
-ابوكي زارني في المنام هو وأمك ربنا لا يسامحها، هى ماتت ولا ايه
تنهدت كارما على مهل ثم أجابت وهى تجلس على أحد الأرائك :
-لأ بس تعبانة أوي خصوصًا بعد خبر موت عادل الغير متوقع ده البيت كله أحواله اتلخبطت
-معلش ذنوب وبتكفروها
-ذنوب؟!
هتفت بها مستنكرة فقالت هاجر بنبرة ساخرة :
-مستغربة ليه اوي كده من كلمة ذنوب؟! ده على أساس إنكم من أولياء الله الصالحين ده كفاية اخوكي كاظم وفضايحه، وأمك
صمتت مبتلعة غصة مسننة ولم تكمل في فتح جراح الماضي وقررت إنهاء الحديث :
-جاية ليه يا كارما!؟
-ماما عايزة تقابلك
-وانا مش عايزة
-خليكي الأحسن يا هاجر ماما تقريبًا بتموت، صحتها الشهور اللي فاتت دي اتدهورت خالص، موت كاظم وبعدين عادل و...
قاطعتها هاجر بصوت قوي جعل سفيان يخرج صيحة خافتة معجبة، هو متيم بشخصية هاجر اللطيفة الهادئة ولكن لا ينكر أن شخصيتها المتجبرة الأخرى التي صنعتها ظلم الدنيا والناس تروق أيضًا له :
-يعني دلوقتي سعاد عايزة مني ايــه؟!
تنهدت كارما ببطء تتوقع رفض هاجر للأمر تمامًا :
-ماما عايزاكِ تسامحيها، حست ان كل اللي بيحصلها ربنا بيرده على اللي عملته
ضحكت هاجر ولم يتوقع أحدهم أن تخرج منها هذه الضحكات التي لم تكن أبدًا بسعيدة بل كانت ضحكات مقهورة تخرج من صميم قلبها، إستدارت لزوجها وكأنها تخبره أن يسمع ما تقوله هذه البلهاء :
-أنت سامع يا سفيان سعاد باعتة بنتها علشان عايزاني اسامحها، افتكرت بس دلوقتي ان فيه رب وفيه حساب لازم يدفع، ودين لازم يترد، وذنوب لازم تتكفر
نظرت نحو كارما مرة أخرى وقد انقلبت ملامحها لأخرى حادة قوية وهى تقول :
-وهى أمك مفتكرتش ليه ربنا لما كانت بتحطلي دواء يسبب ليا هلاوس وصرع، مفتكرتش ليه لما كانت بتضربني وتذلني وتحبسني بالأيام من غير أكل ولا مياه لما حاتم يسافر وولا حد كان فيكم يستجرأ يقولها متعمليش كده في البنت اليتيمة، متستقويش عليها دي ملهاش لا اب ولا أم ولا حد يدافع عنها، مفتكرتش ليه لما سقطتني وفي مرة فيهم روحي كانت هتطلع من الضرب اللي خدته
أخذت الدموع تتجمع في مقلتيها تكمل بقهر :
-أمك عشر سنين تظلم فيا وكله قدام عينيكي، لو خدامة في البيت كانت هتعيش عيشة غير اللي انا كنت عايشاها، كنت بموت من حالات الصرع اللي تجيني وانا محبوسة مربوطة في السرير خايفين مني أعمل فيكم وفي نفسي حاجة، أمك خليتني مجنونة وفي الآخر عايزاني اسامحها
هزت رأسها يمينًا ويسارًا ثم أكملت بجمود مخيف :
-يارب يتردلها وتشوف كل اللي عملته فيا في الدنيا، وفي الآخرة هاجي يوم القيامة وأقف قدام ربنا وأقوله الست دي....
سالت دموعها تردد بقهر :
-الست دي ظلمتني وانا مش مسمحاها، عايزة حق عشر سنين ضاعوا من حياتي في ظلمها
تحدث سفيان أخيرًا، خارجًا عن صمته، مستقيمًا من مكانه :
-أعتقد عرفتي ردها، اتمنى دلوقتي تسيبي لينا شوية خصوصية علشان كنا بنفطر زي ما انتي شايفة، ولو إنه مش هيجيلنا نفس لباقي اليوم من وراء زيارتك دي
لم تشأ أن تحرج نفسها أكثر من هذا وأخذت نفسها وخرجت، وما إن أغلق سفيان الباب خلفها حتى أتاه بكاء زوجته من الصالة وقطتها تقف أمامها على أقدامها الأربع تشعر بالحزن لبكاء صديقتها
تقدم نحوها ووقف أمامها يراها اخذت تخبئ وجهها مدعية أنها تمسح دموعها، لم يبعد يديها بل فقط وقف أمامها هاتفًا بجدية :
-عارفة لو مبطلتيش بكاء هاخدك أمن الدولة أظبطك هناك، هخليكي تمسكي السلك عريان يا لوزة
نظرت نحوه بعينين دامعتين فمال نحوها قليلًا حتى يصل لطولها وهى جالسة، مستندًا على ركبتيه بكفيه :
-انتي بتبكي ليه صعبان عليكي سعاد؟!
نفت برأسها سريعًا هاتفة بعنف :
-لأ طبعًا انا زعلانة علشان نكدت عليا وكنت جعانة دلوقتي ونفسي إتسدت
مد شفتيه للأمام لا يعجبه هذا السبب أبدًا ثم قال :
-انتي عندك انقلاب حاد في مشاعرك اليومين دول يا لوزة، منهم إمبارح الساعة ١٢ قبل ما أروح في النوم صحتيني قال ايه.... سفيان إحنا متجوزيين بقالنا أكتر من ست شهور ليه لحد دلوقتي مقولتليش بحبك
ختم حديثه مقلدًا صوتها الناعم تقليدًا جعلها تقهقه بصخب فقال سفيان مبتسمًا :
-مش بقولك عندك انقلاب، من شوية كنتي متعصبة وبعدين عيطتي وأهو بتضحكي، يا خوفي الواد يطلع معتوه من وراء تقلباتك دي
اعتدل في وقفته ثم قال بجدية :
-قولتي إنك حلمتي بحاتم مش كده، علشان كده نومك كان صعب إمبارح؟؟
آماءت بهدوء فقال سفيان متسائلًا :
-أقدر أعرف تفاصيل الحلم؟!
تنهدت هاجر وقد أخذت تعبث في أصابعها، وبعد صمتٍ دام لثوانِ قالت بنبرة محتارة :
-بحلم بحاتم يقولي بلاش تيجيلي وانتي شايلة ذنب، انا مش عارفة ايه الذنب اللي انا شايلاه ده يا سفيان
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ولج إلى غرفته المشتركة مع شقيقه حتى يأتي بهاتفه من على الشاحن، يستعد للذهاب إلى شركة الأدوية مع والده، توقف على باب الغرفة من الداخل ثم أغلق الباب خلفه ينظر إلى نوم شقيقه المسالم
كان يغط في نوم عميق بسبب تعبه الأمس وخصلاته الطويلة تسقط على وجهه تغطيه، تقدم نحوه وجلس على فراشه في المقابل له يراقبه بهدوء، وقد كانت هذه عادته منذ تعرض حمزة لذلك الحادث
يجلس هكذا يراقبه أمامه حي يرزق وأنه لم يمت، يظل يتذكر لحظات الرعب التي عاشها عندما خرجوا من المطعم على أصوات الناس المرتفعة في الخارج بأن هناك حادث إرتطام سيارة ودراجة نارية
خرج هو وأبناء أعمامه وأولهم كان يوسف وإسماعيل لربما ينقذوا مَن كان بالحادث، ولم يتوقعوا أن من تعرضوا للحادث منهم هم، إذ أول ما هرول له يوسف كان صاحب الدراجة الذي كان شبه يحتضر
ولم يرى لا حمزة ولا رحمة بسبب تجمع الناس، ولم يروا أن السيارة تعود لحمزة بسبب محاولة الناس لفتح السيارة وإخراج من بالداخل
لقد كان أول من يراه ساقطًا أرضًا، شبه فاقد للوعي وبجانبه رحمة تبكي بذعر، لم يخرج له صوت ولا يدري كيف بل لم يشعر بنفسه إلا وهو يجثوا إلى جانبه يحاول تحريكه بيدين مرتعشتين، فصاح به أحد الموجدين ألا يحركه لأن قدمه قد كسرت على الأرجح
خرج له صوتًا حينها صارخًا باسم يوسف أن يأتي ويرى حمزة :
-يـــــوسـف تعالى شوف حمزة هنا
حينها فقط أدركوا أن السيارة لحمزة حين أخرج أحد الرجال لؤي يبكي بصوت مرتفع ورأسه مدماء
تحرك إسماعيل مرتعبًا على ابنه وحالته هذه وأخذ يتفقده بخوف، في نفس الوقت صاح أحمد ابن عمتهم أن غادة بالداخل فاقدة للوعي، وحين اخرجوها كانت تنزف كثيرًا ولم يدركوا لما تنزف من الأسفل ولم يكن هناك وقت للتفكير
حملها أحمد راكضًا لسيارته ووضعها بالداخل ثم صعد أمام عجلة القيادة، بينما أخذ أمير لؤي من والده وصعد في الأمام يحاول كتم الدماء التي تتدفق من رأسه، وتحرك الآخر لزوجته بالخلف يحاول مداواتها حتى يصلوا للمشفى
ساعد الرجال صاحب الدراجة والرجل الآخر لنقله للمشفى في إحدى السيارات فلم يكن هناك وقت لإنتظار وصول الإسعاف، بينما تكاتف كريم ويونس وياسر على حمل حمزة برفق حتى لا يتأذى من كسوره ونقلوه بسيارة يونس
لحظات خوف وذعر عاشها الجميع وأكثرهم كريم على غادة وحمزة شقيقيه، ورحمة كذلك التي أخذت تبكي في أحضان كريم تلوم نفسها وتجلد ذاتها بأنها هى من أوقفت السيارة وأخرجت حمزة منها لأنها فقط كانت تود شراء بعض التسالي
توفي صاحب الدراجة لأن جسده لم يتحمل الاصطدام وهناك اشتباه أيضًا أنه كان متعاطي، جُبِّرت قدم حمزة وتم خياطة رأس لؤي ولُفت بالشاش والقطن وفقدت غادة جنينها الذي لم تكن تعلم به لا هى ولا إسماعيل
-يا ابني فيه ايه؟ كل يوم أصحي ألاقيك متنح فيا كده ليه؟!
خرجت هذه الجملة الناعسة من حمزة ثم عاد وغفى مرة أخرى دون وعي لما قاله فابتسم عليه الآخر ثم مال قليلًا نحوه وطبع قبلة على رأسه بحنو ثم قال :
-تحب اجيبلك حاجة معايا وانا جاي؟؟
لم يتلقى منه رد ولن يفعل فنوم شقيقه أثقل من الفيلة، وبالطبع هذه الجملة خرجت منه دون وعي ظنًا منه أنه يحلم، بعثر خصلاته الناعمة ثم جذب هاتفه من على الشاحن وخرج من الغرفة ليجد والده يتناول الإفطار حتى يستعد للذهاب للعمل
هم بالجلوس معه وتناول الإفطار ولكن منعه الآخر وأعطى له بعض الشطائر الجاهزة قائلًا :
-انت بتقعد ساعة تاكل، خد السندوتشات دي كُلها هناك يلا بينا
ذم شفتيه بتذمر، ناظرًا لوالدته التي كانت تقف بالمطبخ فقالت الأخرى :
-معلش هو معاه حق انت بتقعد ساعة تاكل وكده هتتأخروا
-يعني إحنا هنتأخر على الطيارة؟! وايه يعني لما نتأخر
أخذ علبة الطعام ووضعها في حقيبة ظهره الشبابية ثم إرتدى حذائه وخرج خلف والده ذو الخطوات السريعة قائلًا :
-ما براحة يا بابا انت مركب عجل في رجليك
هبطا للأسفل متفقدًا هاتفه وقد وصلته رسالة من رقم غريب لم يحتج لأن يسأل من هو فهذه اللغة الألمانية أعلمته هويته، تحدث عثمان وهو يتجه نحو دراجة ابنه النارية قائلًا :
-تعالى سوق يلا مش هناخد تاكسي
نظر الآخر بتعجب لما طلبه قائلًا :
-انت عايز تركب ورايا على المكنة
-أومال هتاخدني على حجرك!؟ يلا يا كريم هنتأخر
رفع منكبيه بعدم اهتمام ثم صعد على دراجته وأخرج المفاتيح ثم أعطى والده إحدى الخوذتين قائلًا :
-خد ألبس دي علشان لو وقعت الخبطة متجيش على دماغك
نظر الآخر للخوذة بإستنكار أن يرتديها في هذا السن ثم قال :
-لأ مش هلبسها انا
-براحتك
إرتداها هو ثم فتح هاتفه على رسالة أخرى من تلك الألمانية سارة تسأله إن كان سيأتي اليوم التدريب أم سيكون إجازة مثل البارحة، هم بالإجابة عليها ولكن والده لم يسمح له وقام بإستعجاله فوضع الهاتف داخل جيبه دون أن يدرك أنه مفتوح بل ومتصل بالإنترنت
شغل الدراجة التي أصدرت صوتًا مرتفعًا فقال عثمان :
-براحة ماشي انت مش سايق طيارة لأحسن نتقلب إحنا الاتنين
نظر له كريم من خلف خوذته ثم قال بصوت ضاحك :
-خلي عندك إيمان يا راجل الأعمار بيد الله
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
مر نصف ساعة على تحديقه بالسقف دون أي كلمة أو حركة، فقط يشعر بالفراغ الكبير والصمت المخيف الذي يبتلع المنزل، ها هو وحيد على الفراش وأول صباح يقضيه دون أن يقول لشقيقه صباح الخير، دون أن يداهر شقيقته رقية ويتشاجرا على كوب ماء
تزوجت رقية وتزوج يوسف وبقى هو وحيدًا هكذا يبتلعه الضجر، جذب علبة السجائر الخاص به من فوق الكومود ولكنه وجدها فارغة، فقد أنهاها ليلة أمس بعد أن عادوا من الزفاف وأوصلوا يوسف لعش الزوجية
زفر بضيق وألقى العلبة مكانها يفكر ماذا قد يفعل الآن في عطلته، فأجازته التي أخذها بعد إنهاء القضية الأخيرة له ممتدة حتى ثلاث أيام قادمة
استقام من مكانه وخرج خارج الغرفة وكما المتوقع، منزلهم غارق في الصمت الكئيب رغم أن والديه موجدان الآن فلما لا يسمع لهما صوتًا؟!
إتجه نحو غرفتهما حيث أخذ صوتهما يتضح له ليبصر والدته تجلس على فراشها وحولها العديد من الصور ووالده يجلس على مقعد السرَّاحة المقابل للفراش :
-بتعملوا ايه؟!
وأجاب والده والبسمة مرسومة على ثغره :
-تعالى يا يونس شوف أمك عاملة مناحة على صوركم وانتوا عيال
خطى يونس للداخل فرفعت عبلة أمامه صورة تجمعه مع اخويه عمرها عقدين، أي عندما كانت رقية لا تزال تبلغ من العمر ثلاث أو أربع سنوات، أخذ منها يونس الصورة يحدق بها ببسمة، يسمع والدته تقول بغصة :
-لسه فاكرة ولادتكم وتعبي عليكم السنين دي كلها، مش مصدقة يا محمد أنهم كبروا بالسرعة دي واتجوزوا وكل واحد فيهم هيعمل عيلة
ضحك محمد على دراما زوجته التي تتحدث بها منذ يوم أمس، فيوم تزوجت رقية أيضًا فعلت هذه الدراما وأخرجت جميع الصور الخاصة برقية منذ كانت رضيعة :
-خلاص عبلة صدقي إن العيال كبروا وسابوا البيت وأهو يونس هيحصلهم
أخذت الأخرى تلملم الصور مرة أخرى ثم قالت بجدية موجهة حديثها ليونس :
-وانت يا يونس هتفسح خطيبتك أمتى؟!
أخفض يونس الصورة من يده متسائلًا :
-افسحها!! فين؟
-آه تفسحها من حقها تتفسح خدها غديها في مكان حلو وبعدها اتمشوا على الكورنيش
-وهما أهلها هيوافقوا نطلع لوحدنا، معتقدش
وأجاب محمد :
-ممكن يروح معاها أخوها أو اختها الصغيرة أو ممكن والدتها
همهم يونس بتفكير وشعر أن تلك النزهة ستكون ثقيلة رغم أنه وعد شروق بها منذ كانوا في الصعيد :
-طيب ما انتوا كده كده هتعزموهم على الغداء
-حتى لو برضو خدها فسحها شوية في إسكندرية، النهاردة محفوظ هيعزم عيلة صفوان كلها وبكرة عمك عثمان وإحنا بعده، وبصراحة مش ضامن يفضلوا قاعدين في إسكندرية ولا لأ
تحدثت عبلة ببسمة متحمسة قائلة :
-خدها مطعم السلطان أيوب المكان هناك حلو وخدلها هدية كمان
-هدية؟!
بدا وكأنه ينطق بها وكأنه قلق ومرتبك من الأمر وهو بالفعل كذلك فهو أفشل من يكون في انتقاء الهدايا وتعلم عبلة هذا جيدًا لذا قالت :
-متقلقش انا هتختارلك الهدية واكيد هتعجبها
حك يونس عنقه ولا يزال يشعر أن الأمر ثقيل عليه لذا قال :
-طب لو هى هتتغدى النهاردة مع عيلتها عند عمي محفوظ، انا
-يا ابني انت بتتلكك علشان متخرجش، المفروض تبقى فرحان علشان هتقابل خطيبتك
نطق بها محمد يرى التردد في عيني ابنه فقال الآخر مبررًا :
-انا بس خايف يحصل بينا شد وجذب يبوظ الدنيا، انا عصبي وهى بتحب تحرق دمي بحس إننا مش فاهمين بعض
تبسمت عبلة ثم وقفت أمام ابنها وقد ظهر بينهما فرق طول شاسع ورغم هذا مدت يديها نحو وجهه وربتت على وجنتيه قائلة بحنو أمومي :
-بالعكس يا يونس علاقتك انت وشروق حلوة أوي، الشد والجذب أحلى حاجة بتحسسك إن علاقتكم مش مملة وروتينية وعلفكرة البنت دي بتحبك اوي، انا ست وأفهم نظرات الستات وبقولك شروق عينها منك من زمان، فحافظ عليها وبلاش تضيعيها من إيديك، ركز في تفاصيلها وفي كلامها الست تحب الراجل اللي يفهمها، يفهم هى عايزة ايه، تحب الراجل اللي تحس إنها رقم واحد في حياته
تنهد الآخر بحيرة وضيق ينظر أمامه بإستنكار لشخصيته المعقدة هذه :
-دي مشكلتي مش بفهم البنات عايزة ايه، فاشل تمامًا في العلاقات العاطفية وانتي عرفاني
-أكيد عرفاك علشان كده بقولك حاول المرة دي تغير شوية من نفسك، أبدأ انت الكلام، خليك مركز معاها، لو زعلانة اسألها زعلانة ليه، لو فرحانة اسألها ايه اللي مفرحك، خليها تحس إنها مهمة عندك، الست يا يونس لو حست إن الراجل أهملها هتكره وجوده في حياتها لأن وقتها وجوده هيبقى زي عدمه
آماء يونس يحاول أن يثبت هذه الكلمات المهمة في عقله فقالت عبلة ببسمة متسعة :
-يلا روح اتصل عليها وقولها صباح الخير يا حياتي انا عازمك على الغداء النهاردة
رغم إستنكاره لكلمة "حياتي هذه" إلىٰ أنه إستجاب للأمر وأخذ يبحث عن هاتفه ليجده في بنطاله الذي تركه على المقعد بإهمال، أتى برقمها ثم اتصل في إنتظار الإجابة يتوقع ألا تجيب الآن بسبب سهرها ليلة أمس
ولكن للعجب أجابت قائلة :
-ابن حلال والله لسه كنت هتصل عليك
-تتصلي عليا ليه
استمع لهمهمتها على الناحية الأخرى ثم قالت :
-هو انا ينفع أسألك سؤال وتجاوب عليه من غير ما تسأل ليه السؤال
فكر الآخر قليلًا في كلامها ثم خرج إلى الشرفة قائلًا :
-هشوف بس اسمع السؤال
تنهدت شروق على مهل ثم قالت :
-تعرف عنوان بيت أهل فريال
-فريال مين؟!!
-البنت اللي.... دبحـ.. دبحها كاظم يا يونس
صمت يفكر في هذا الطلب الغريب بشدة ولم يمنع نفسه من السؤال :
-ليه عايزة تعرفي عنوان أهلها؟!
-من غير ليه يا يونس
-لأ لازم بـ ليه، خطيبتي بتسأل عن عنوان أهل واحدة غريبة متعرفهاش من حقي أسأل ليه
سمع تنهيدة قوية منها وقد تغيرت نبرتها كثيرًا لأخرى مهمومة وكأن صاحبة الصوت ليست شروق وإنما فتاة بائسة متعبة من مرار الأيام :
-بحلم بيها من ساعة ما اتدبحت قدامي، حاسة إنها بتبعتلي رسالة عايزاني أوصلها لأهلها
-هو انتي بتتكلمي بجد!؟
عقدت حاجبيها بضيق من النبرة التي تحدث بها ثم استكمل يونس حديثه قائلًا :
-انتي عايزة تروحي لأهل البنت تقوليلهم بحلم ببنتكم اللي ماتت من أكتر من سبع شهور وحاسة إنها باعتة ليكم رسالة من عالم الأموات
-يونس متتريقش علىّ
نطقت بها بصوت مخنتق لم يلحظه الآخر بينما أجاب قائلًا بجدية بحتة :
-الأحلام دي علشان بتفكري فيها كتير مش رؤى مثلًا، يعني مجرد أوهام
-انا مش بعيش أوهــــام ليه محدش حاسس بيا إن انا تعبــــانة
جفل الآخر من صرختها المقهورة هذه وكأنه ضغط على جرحها دون أن يدرك، بينما استكملت الأخرى بصوت مخنتق مقهور من حكمه وحكم الناس عليها :
-انا لا بعيش أوهام ولا ملبوسة ولا اتجننت، انا كنت هتقتل وشوفت واحدة بتتدبح قدامي والدكتورة واتنين تاني ماتوا بسببي وانتوا وشايفين إني لازم اعيش ده عادي، انا الذنب بياكلني بقالي سبع شهور ومش قادرة أنساه وكلكم شايفين إني بوهم نفسي
سمع نداء عليها من عندها فلم يعد يسمع منها سوى أنفاسها المرتفعة ثم قالت بصوت غاضب منه :
-وفر تريقتك عليا سمعت منها كتير قوي، هتقولي العنوان ولا أساعد نفسي
-أنزلي هستناكي تحت هاخدك هناك وهاتي حد معاكي
نطق بها بهدوء شديد فقالت شروق بتوجس بعدما هدأت نار حدتها :
-هتاخدني انت؟!
-ايوه مستنيكي تحت
أغلق الهاتف ثم ألقى به على الفراش وجذب ملابس له من الخزانة يفكر في كل كلمة قالتها وقالها هو، لقد قلل من مشاعرها وهى ثارت عليه، كلاهما فكرا بطريقة مختلفة من وجهة نظره هو، فهى عشرينية وهو ثلاثيني، لكن ليست المشكلة الكبرى هنا
شروق تعاني من شعور الذنب منذ يوم الحادث والجميع من حولها يقللون مما تشعر به ويسخرون منها، وللأسف هو شبه فعل هذا أيضًا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
توقف بدراجته بالقرب من باب الشركة الرئيسي فهبط والده يسبه علانيةً ويسب قيادته المتهورة فضحك قائلًا :
-خلاص يا دكتور لو مش عجباك سواقتي ابقى خدلك تاكسي
حدجه عثمان بغضب ثم هم بالصياح عليه ولكنه توقف فور أن رأى ابنة الدكتور فؤاد سارة تقترب منهم بخطوات سريعة ويظهر عليها الغضب، وقبل أن يبادر بكلمة صباح الخير لها وجدها تصيح في كريم قائلة :
-انت هُو الهومار
ذُهل كريم من سبها له هكذا أمام والده بدون وجه حق فهم بالنزول من على دراجته ولكن حال عثمان بينهما محدثًا سارة الثائرة بتعجب :
-مالك يا سارة؟ فيه ايه؟!
وأجابت الأخرى بلهجة ألمانية لم يفهم منها شيء :
-Ihr Sohn hat mich auf WhatsApp beleidigt. - لقد سبني ابنك على الواتس آب
أشار كريم لنفسه مستنكرًا إتهامها هذا إذ قال :
-انا شتمتك؟!
-شتمتها؟!
نطق بها عثمان مذهولًا فصاح الآخر بدفاع :
-والله ما عملت حاجة ولا رديت عليها حتى، بتقول شتمتها على الواتس آب
أخرجت سارة هاتفها تعرض أمام عثمان الرسائل التي وصلتها من كريم هذا الصباح وقد كُتبت بالعربية ثم قالت :
-He insulted me in Arabic so I wouldn't understand, but I translated it. Your son insulted me, Dr. Othman, simply because I asked him if he would be coming to training today. - لقد سبني بالعربية حتى لا أفهم ولكني قومت بترجمتها، ابنك سبني دكتور عثمان فقط لأني سألته هل سيأتي إلى التدريب اليوم
نظر عثمان نحو ابنه عارضًا عليه ما أرسل من خلال رسائل متقطعة بها الكثير من الأخطاء الإملائية ولكن يتضح أنه سب وذم منها جملة "زهقتت ن منك" التي علقت عليه سارة بالألمانية قائلة :
-Du bist genervt von mir, weil ich nicht gut Arabisch spreche und dich mit dem Unterrichten nerve?! Na gut, dann lass es halt. Ich wollte es von Anfang an weder lernen noch in Ägypten bleiben. - لقد تعبت مني لأني لا أجيد العربية وأتعبك بتعليمها لي؟! حسنًا لا تعلمها لي مرة أخرى انا من البداية لا أريد تعلمها ولا المكوث في مصر
رمش كريم بأهدابه لا يصدق ما تقوله ولا ما قد أرسل، أخرج هاتفه بسرعة وقد وجده مفتوحًا وعلى وشك إرسال رسالة أخرى لها غير مفهومة الأحرف، رفع الهاتف بسرعة قائلًا :
-التليفون كان مفتوح في جيبي وبيبعـ
ظلت الكلمة على لسانه ولم تخرج فور أن أبصر الهواء أمامه وسارة قد ولجت إلى داخل الشركة غاضبة، ثائرة، حانقة، حتى لم تنتظر منه أي تبرير
وجد ضربة على رأسه من والده ثم صاح به قائلًا :
-يا حمار شتمت البنت في التليفون وبعتلها إنك زهقت منها
-والله التليفون كان مفتوح في جيبي وهو اللي بعت بالغلط
نظر عثمان لداخل الشركة حيث اختفت سارة ثم نظر لابنه قائلًا :
-روح أركن المكنة وتعالى اعتذر منها وفهمها اللي حصل علشان شكلها واخدة على خاطرها أوي
فعل كريم ما قاله وركن دراجته ثم ولج إلى الشركة بحثًا عنها وأول مكان بحث عنها فيه كان قاعة التدريب ولكنه لم يجدها هناك، فتوقع وجودها عند والدها وكان من الصعب حينها أن يذهب ليعتذر لها هناك ولكنه لا يحب أن يأخذ أحدهم عنه فكرة خاطئة ولا يهتم بإصلاحها
صعد بالمصعد نحو الطابق المنشود ثم طلب من الموظفة أن تخبر دكتور فؤاد أنه يريد مقابلته وقد حمد الله أن سارة هناك ولن يضطر للبحث عنها كثيرًا، ولج بعد سماح الموظفة له بالدخول ليبصر سارة تجلس باكية أمام مكتب والدها والدكتور فؤاد يظهر عليه الغضب
مرحى كريم ابنة المدير اشتكت لوالدها عنك والآن سوف تُفصل من التدريب وتقول وداعًا للوظيفة
تنحنح متوترًا ثم طرق الباب بخفة حتى ينتبها له قائلًا :
-صباح الخير يا دكتور فؤاد هى لحقت اشتكتلك
عقد الآخر حاجبيه لا يفهم ماذا يقصد ثم نظر نحو ابنته التي أخذت تحدق في كريم بأعين زاد الدموع بهما ثم قالت لوالدها :
-Sogar Karim hat mich satt und will mir nichts mehr beibringen. Lass mich zurück nach Deutschland gehen, Papa, hier will mich doch keiner mehr. - حتى كريم تعب مني ولا يريد أن يعلمني مرة أخرى، دعني أعود لألمانيا أبي فلا أحد يريدني هنا
نفى كريم بسرعة برأسه وقد شعر أنها تبالغ قليلًا فيما تقول فلما كل هذا البكاء :
-لا والله يا دكتور فؤاد انا مقولتش كده، التليفون هو اللي بعت بالغلط وانا سايق حتى بص
أعطى له هاتفه سريعًا ثم قال :
-بص نص الرسايل مكتوبة غلط والنص التاني حروف مش مفهومة، انا حطيت التليفون في جيبي ومخدتش بالي إنه مفتوح وهو بعتلها
نظر فؤاد نحو سارة التي أخذت تجفف دموعها بالمنديل لا تفهم ما يقال فقال فؤاد :
-Sarah Karim meinte mit dem, was er sagte, nichts Böses; das Handy hatte die Nachricht einfach versehentlich gesendet, als er es in die Tasche steckte. - سارة كريم لا يقصد أي شئ مما قاله، فقط الهاتف أرسل بالخطأ حين وضعه بجيبه
-Und was ist mit deiner Familie, Papa? Wollen die etwa auch mich und meine Mutter beleidigen? - وماذا عن عائلتك أبي؟ ألا يقصدون إهانتهم لي ولأمي أيضًا؟؟
تنهد الآخر بتعب ثم نظر نحو كريم وكأنه يقول لها ألا يصح التحدث في المشاكل العائلية أمام الغرباء ثم قال :
-كريم خد سارة علشان تلحقوا التدريب
نظرت سارة نحو كريم برفض ثم قالت بنبرة حادة :
-Ich will zurück, ich will nicht hierbleiben. - انا أريد العودة، لا أريد البقاء هنا
فقد فؤاد أعصابه عليها مستقيمًا من مكانه بغضب ثم قال :
-Für Sie gibt es kein Zurück. Dies ist Ihr Land und dies ist Ihr Unternehmen, und Sie werden Ägypten niemals verlassen. - لا عودة لكِ، هذه بلدك وهذه شركتك ولن تتحركي من مصر أبدًا
جفلت الأخرى من ثورته عليها وقد عادت الدموع تتجمع في مقلتيها لتأخذ حقيبتها وتتحرك للخارج فقال فؤاد يحاول ضبط أعصابه :
-روح وراها يا كريم معلش
لحق كريم بسارة ليبصرها تتحرك بخطوات سريعة وكعبها المرتفع يرن في المكان، عجبًا هذه الفتاة سريعة أخذت تتباطأ خطواتها بشكل ملحوظ ثم توقفت في مكانها وأستندت على الحائط وأصبح جسدها يهتز دليلًا على بكائها
سارع نحوها بسرعة عندما رآها ستميل وما إن وصل إليها حتى اعتدلت في وقفتها وضغطت على زر المصعد، وقف إلى جوارها ثم قال :
-انتي كويسة؟!
نظرت إليه بأعين زرقاء دامعة ثم هزت رأسها بصمت وهى تنظر نحو كاميرا المراقبة في الممر، وما إن وصل المصعد حتى صعدت به وهنا انفجرت باكية وقد هبطت أرضًا وكأن قدميها لا تتحملا
لم يكن ينتوي الصعود معها حتى لا يكون ثالثهما الشيطان خاصةً وأن سارة جميلة جمال فاتن ولا ينكر أن جمالها يسقط اعتى الرجال، ولكن عندما وجدها ستنهار أشفق عليها ومنع الباب من الإغلاق ثم قال :
-أنادي دكتور فؤاد
هزت رأسها بنفي عندما سمعت اسم والدها ثم قالت بنبرة سريعة مختنقة :
-Sag Papa nichts, ich möchte nur ein bisschen weinen. - لا تخبر أبي بشئ انا فقط أريد البكاء قليلًا
صعد معها وبقى في زاوية بعيدة ويده على الباب حتى لا ينغلق ويهبط ويراها أحد في هذه الحالة المزرية :
-انا لم أقصد أني تعبت منكِ، أقسم اني لم أرسل تلك الرسالة
نطق بها بلهجة ألمانية فنظرت له الأخرى من خلف أهدابها المبتلة دون إجابة، فقط تزرف الدموع فقال كريم بتساؤل :
-لما لا تريدين البقاء في مصر وتريدين العودة لألمانيا بأي طريقة؟!
وكأنها وجدت من تخرج له ما يزعجها ويضايقها فأخذت تسرد له كل شئ :
-انا لا أفهم اللغة هنا ولا أجيد التعامل مع الناس، ولا أصدقاء لي، وعائلة أبي لا يحبوني ويزعجوني دائمًا، حتى الزملاء في التدريب يتحدثون علىّ وانا لا أفهم شئ منهم، والأجواء شديدة الحرارة هنا، منذ خطت قدمي مصر وانا اختنق
ذم كريم شفتيه يدرك ما تعنيه، إنها تعيش شعور الغربة، يبدو أنها قضت الكثير في ألمانيا إن لم تكن عاشت حياتها بأكملها هناك :
-انتي فقط تجربين حياة الغربة، لأنكِ ابتعدتي عن الوطن، تشعرين أنكِ ضائعة وغير مرغوب بكِ ولا تفهمين من أحد شئ ولكن كل هذا سيزول حين تتعلمين العربية وتزورين مصر، أن الإسكندرية بها الكثير من الأشياء الجميلة التي ستحبينها
-وماذا عن قلوب الناس التي لن تتغير
نطقت بها بصوت مختنق بغصة متعبة فقال كريم بتعجب :
-لما يضايقونكِ؟!
-لأن معهم الكثير من المشاكل مع أبي بسبب الشركات والأموال وانا أدفع ثمن كل هذا، ادفع ثمن عداوته وانا لم أفعل شئ، لا تظن أن حياة الأثرياء بهذا الجمال الخارجي إنها بؤس وعذاب نفسي من الداخل وصراعات لا تنتهي ولا أحد يرتاح بها، الآباء يصنعون العداوات والأبناء يدفعون الثمن
همهم كريم بشفقة قائلًا :
-وأين والدتك؟!
-توفيت بعد أن ولدتني بسبب حمى النفاس وقامت جدتي الألمانية بتربيتي لأن عائلة أبي رفضوني
-سبحان الله المناظر فعلًا خداعة، اللي يشوفك من برا والشياكة والفلوس والغنى ميشوفش حياتك البائسة دي خالص
نظرت نحوه لا تفهم ما يقول فإنتبه كريم لجرح في عنقها لا يظهر من خصلاتها الشقراء فتساءل :
-ما هذا الجرح؟!
تحسست سارة جرحها ثم قالت بحزن :
-جدتي والدة أبي لقد ضربتني على وجهي وجرح خاتمها عنقي
-ولما فعلت هذا؟؟
-لأنها تكرهني وتنتظر علىّ الخطأ ولا أعلم لما، جميعهم يفعلون هذا ولا يطيقون وجودي، أبي فقط الذي يطيق وجودي بينهم
همهم كريم بتفكير ثم ترك الباب يغلق وإستدار إليها قائلًا :
-من يصفعكِ ردي له الصفعة
-هل تقصد أن اضرب جدتي
-لأ للأسف هى أكبر منكِ انا أقصد على البقية، رد الصاع صاعين من يزعجكِ ازعجيه، ومن يسبكِ سبيه، ومن يضربكِ اضربيه، ألم تسبيني لأنني سببتكِ في الواتساب
ابتسمت الأخرى بين دموعها ثم قالت بإعتذار:
-انا آسفة على ما قُلت لكني كنت مضغوطة وأشعر بالنبذ
-بالعكس لا ووجب عليكي أن تحسني من ألفاظك حتى يكون وقعها مؤلم
-وماذا إن ازعجتني جدتي مرة أخرى؟!
حمحم كريم منظفًا حلقه ثم قال :
-قولي هكذا، علشان انتي ست كبيرة مش هرد عليكي
-أشان انتي سيت كبيرة موش هارد آليكي
ضحك كريم على طريقتها في الحديث ثم قال :
-بتفقعي مرارتي وانا بعلمك آه بس العربي بتاعك ده على قلبي عسل
إستقامت من مكانها وصلبت طولها ثم أخذت تمسح وجهها من الدموع في اللحظة التي توقف المصعد بها وولج عدد من الموظفين فخرجت هى، لحق بها سريعًا ثم قال :
-انتظري هذا ليس الطابق الذي به القاعة
إستدارت له سارة مشيرة إلى وجهها الممتلئ بالنمش الكثير ثم قالت :
-لقد زال خافي العيوب الذي أضعه من الدموع سوف أعدل وجهي وأعود
-ليس عليكي هذا، انتي جميلة ولا تحتاجين لشئ
تنحنح بحرج بعد جملته هذه فتبسمت سارة له قائلة :
-انت تراني جميلة غيرك يرى أن وجهي به عيب بسبب كثرة النمش
ظهر الضيق والتذمر على وجهها ثم قالت :
-البارحة نسيت وضع خافي العيوب وزملائي في التدريب أخذوا يشيرون لي ويتحدثون علىّ بالعربية وانا لم أفهم ما يقولون، انزعجت لأنك لم تكن موجود حتى تترجم لي
-يقطعني يا بنتي، ده انا هطلع عينيهم
ضحك على نفسه كثيرًا فبدا رده وكأنه رد أم لطفلتها التي تشكو تنمر زملائها عليها، وما إن خفتت ضحكاته حتى قال :
-حسنًا لا تضعي شيئًا ولنذهب وإن سمعت أحدهم يسخر منك سوف تقولين انتي له بالنص، بطلوا غيرة لو تعرفوا تخلفوا بنت حلوة زيي كده هاتوا
رددت سارة ما يقول وكأنهما نفس الأم والابنة التي تعلمها والدتها كيف تدافع عن نفسها دون اللجوء للبكاء والنواح
ابتسم كريم بفخر قائلًا :
-حسنًا انتي مستعدة لنذهب الآن؟!
سرقت الأخرى أنفاسه عندما قامت بمعانقته ولفحت أنفاسه بعطرها الانثوي ثم قالت بالألمانية :
-شكرًا كريم انت لطيـ
مسكينة لم تستطع أن تكمل جملتها ودفعها بعيدًا عنه بفزع عندما أبصر والده على مرمى البصر، ومن شدة الدفعة اصطدم ظهر سارة في حائط الممر بعنف جعلها تطلق تأوهًا مرتفعًا
أبعد كريم عينيه عن والده الذي لم يراهما واختفى عن الأنظار ثم انتبه لسارة التي أخذت تتدلك ذراعها وترمقه بصدمة فقال معتذرًا :
-انا آسف انا آسف لكنكِ انتي المخطئة
-انا المخطـــئــة
-أجل انتي من عانقني ولا يصح هذا
-ولما لا يصح انا فقط أردت شكرك
-حسنًا قولي شكرًا بلسانك دون عناق ألم يعلمكِ والدكِ تعاليم الإسلام
-ليس الكثير، قال لي منذ كنت صغيرة وحتى اليوم أني مسلمة ولا يجوز لي أن أدخل في علاقة حميمية مع رجل أيًا يكن هو من، وألا ارتدي ملابس قصيرة، وانا أنفذ هذا
-ولم يقل لكِ أنه ممنوع الاحضان أيضًا؟!
نفت الأخرى برأسها فقال كريم بجدية :
-حسنًا ممنوع في الإسلام تلامس الرجال مع النساء إلا في حالة المتزوجين، وإن حدث تحت أمر طارئ سيكون بحذر، على سبيل المثال أنتي فقدتي الوعي ولا يوجد غيري أو رجل آخر ليساعدك سوف يفعل
آماءت سارة فابتسم كريم على طاعتها هذه ثم نظر لساعته قائلًا :
-تمام يلا نروح بقى لأحسن
ضغط بسرعة على زر المصعد هاتفًا بفزع :
-احيه إحنا إتأخرنا تلت ساعة، والدكتور الرخم ده انا مش بحبه هيطردنا إحنا اتنين
نظرت سارة في ساعة هاتفها ثم صعدت خلفه ولا تفهم ما يقول ورغم هذا قالت هى :
-لما تبدو فزِعًا هكذا؟؟
وقال كريم مستنكرًا :
-لما انتي باردة الأعصاب هكذا نحن متأخريْن
-لا بأس لن يقول شئ سوف أخبره أننا كنا عند أبي الذي هو صاحب الشركة
هم كريم بالتحدث ولكن راقت له الفكرة، هو صديق ابنة المدير والمديرة المستقبلية للشركة، هل يوجد واسطة أكبر من هذه
ضغط على زر الطابق المنشود ثم قال متسائلًا وكأنه الآن يملك الوقت كله :
-صحيح كم قضيتي في ألمانيا؟
-قضيت حياتي كلها في ألمانيا أي خمسٌ وعشرون عام
-هذا عُـ
توقفت الكلمات على لسانه مستوعبًا الرقم الذي قالته ثم نظر إليها مرددًا :
-خمسٌ وعشرون عام؟! انتي تبلغين من العمر خمسٌ وعشرون!! انا لا أزال بعد في الثالثة والعشرين من عمري؟!
نظرت له متفاجئة ثم قالت :
-عجبًا ثلاثةٌ وعشرون؟! ظننتك لا تزال متخرجًا من الجامعة أي في الثانية والعشرين مثل باقي من في التدريب
-لكنكِ أيضًا لا تزالين متخرجة من الجامعة فكيف تبلغين خمسٌ وعشرون
رفعت الأخرى منكبيها ثم أجابت :
-كلا انا متخرجة منذ ثلاثة أعوام وقد تعمقت في المجال أكثر لأني احب العلوم والكيمياء، ماذا عنك؟!
ظهر على وجه كريم بسمة شاحبة حزينة، مجيبًا عليها :
-انا قد أجلت عام من دراستي بسبب ظروف صحية
ابتسمت له سارة وقد نكزته بمزاح ليس وكأنه أخبرها منذ قليل أنه ممنوع التلامس بين النساء والرجال :
-حسنًا لنترك أمر الدراسة، انا أكبر منك وجب عليك إحترامي يا فتى فأنا المديرة المستقبلية وفي عمر والدتك
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل السابع وسبعون 77 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلوا على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
تحسس خصلاتها الناعمة المقصوصة حديثًا بحيث تصل إلى كتفيها، حسنًا قد توقع أن يرى شعرًا طويلًا ولكن يبدو أن زوجته تعشق الشعر القصير
زوجته؟! ويلي لقد أصبح الآن متزوج بشكل رسمي، أي بعد العمل سيصعد إلى الطابق العاشر في عش الزوجية ليجد زوجته الجميلة قد أعدت الغداء، مهلًا إن براءة ستعمل معه في نفس المشفى وسيعودان معًا، إذًا مَن سيعد الغداء؟!
تبسم وهو يحدق في براءة الغافية بعمق وهو يجلس عاكسًا قدميه على الفراش يراقبها بصمت، استمع لآذان الظهر في الخارج فهزها برفق على تستيقظ قائلًا :
-حبيبتي قومي كفاية الضهر أذن
لم يتلقى منها رد فعلم أنها صاحبة نوم ثقيل لذا تمدد بجانبها ووضع يده أسفل رأسه وعاد يراقبها ويتخيل حياتهما القادمة
عقد حاجبيه وأخذت البسمة تختفي من على وجهه تدريجيًا عندما تذكر ليلة أمس وقد كان الوقت قبل الفجر بسويعات قليلة، أخذت براءة تتشنج في نومها وتعافر وكأنها ترى كابوسًا، حتى عندما أيقظها كانت حالتها غير طبيعية ولم تهدأ وتستكين إلا عندما وضع مصحفها بجانب رأسها
تُرى هل يحدث هذا لها كثيرًا أم أن مكروهًا أصابها، تنهد بهدوء ثم حاول إيقاظها مرة أخرى وقد بدأت تستجيب له وتهمهم بخفوت ثم فتحت عينيها وأخذت تنظر للسقف، رفعت رأسها عندما شعرت انها في مكان غريب ثم أخذت تتلفت حولها بقلق
علت قهقهته عليها بصخب فأخفضت براءة برأسها مرة أخرى عندما أدركت الواقع من حولها وأنه يجب عليها أن تعتاد على رؤية وجه يوسف كل صباح
-صباح الخير يا قلبي
نطق بها يوسف بحب فردت له الأخرى التحية على إستحياء ثم صمتت فقال يوسف وقد مد يده يتلمس خصلاتها السوداء هبوطًا لذراعها :
-بكيتي كتير على أهلك إمبارح كنت حاسس على تكة هتسيبيني وتروحي معاهم
-إيدك إيدك
صفعت يده من على ذراعها بخفة فحدق بها الآخر متفاجئًا من رد فعلها هذا، أستقامت براءة وجلست على الفراش محاولةً الابتسام وإبعاد الخجل الذي يحتلها بطريقة أزعجتها :
-انا بس مش متعودة حد يلمسني أبدًا فاهمني
آماء يوسف مبتسمًا لها بحنو ثم قال :
-فاهمك هتاخدي وقت علشان تتعودي عليا وعلى وجودي معاكي
حك عنقه عارضًا عليها ما حدث الأمس لها إذ قال :
-صحيح يا براءة فاكرة اللي حصل قبل الفجر والكابوس اللي جالك، حسيت إن حالة تشنج جاتلك وانتي نايمة، انتي متعودة يحصلك كده؟!
-كابوس قبل الفجر؟! انا مش فاكرة حاجة زي كده
تنهد بهدوء ثم أعاد البسمة على وجهه :
-خلاص انسي الموضوع، الضهر أذن مش كفاية نوم
نظرت براءة حولها لا تدرك ماذا قد يفعلان الآن :
-ماشي نقوموا بس يعني المفروض نقوموا نعملوا ايه؟!
رفع الآخر منكبيه بجهل ثم قال :
-مش عارف بس انا جعان بصراحة
-خلاص روح شوف تلاجة العروسة فيها ايه
نطقت بها بكسل وهى تعود للنوم مرة أخرى ليقع نظرها على مكان فستانها الفارغ الذي تركته على المقعد هنا فقالت متسائلة :
-هو انت شيلت الفستان يا يوسف
-لأ مامتك وأختك جم الساعة تمانية الصبح اخدوا الفستان وكانوا عايزين يطمنوا عليكي بس انتي كنتي نايمة مقتولة ومرضتيش تقومي، بس مامتك قالت لما تقومي أقولك ترني عليها علشان عايزة تطمن عليكي
جذبت براءة هاتفها من على الكومود حتى تتصل على والدتها فقال يوسف بصوت مازح وهو يستقيم من مكانه :
-متحكيش كل حاجة يا براءة في حاجات متتحكيش
قلبت الأخرى عينيها تخفي خجلها من حديثه وهمت برفع الهاتف على أذنها ولكنها أغلقت الخط سريعًا عندما أبصرت شئ أسود على الحائط يسير وكأنه ثعبان
ظلت تحدق به بأعين متسعة حتى أنها لم تنتبه لصوت يوسف الذي أخذ يسألها ما بها، جذبت نظارتها سريعًا وارتدتها لربما لا ترى جيدًا وعندما عادت بنظرها للحائط لم تجد شئ وكأن ما تراه كان سرابًا
وضع يوسف يده على كتفها قائلًا بنبرة قلقة :
-مالك يا براءة بتبصي للحيطة كده ليه؟!!
-كان فيه حاجة على الحيطة، أو تقريبًا انا كنت بتخيل
نظر يوسف نحو الحائط الذي كانت تنظر نحوه لتقول براءة وهى تحرك رأسها يمينًا ويسارًا تنفي لعقلها ما قد رأت وأنه تأثير سهر لا أكثر :
-يمكن علشان النوم لسه في عينيا بتخيل، هتصل على ماما واسألها هيجوا أمتى
-يجوا؟! النهاردة!!
-ايوه الصباحية أهل العروسة والعريس بيجوا يدوهم النقطة في ظروف ورق ويباركوا، انا عن نفسي مش بحب فكرة الصباحية بس هى عادة ولازم تتعمل حتى غصب عني، انتوا مفيش عندكم كده؟!
-لأ عندنا بس يعني مش من تاني يوم المفروض على الأقل بعد أسبوع
-لأ إحنا عندنا من تاني يوم وكمان هما احتمالوا يرجعوا الصعيد قريب فاعمل حسابك هيبقى فيه ازدحام هنا علشان هيجوا كلهم
آماء بهدوء فقالت براءة وهى تطلب رقم والدتها :
-تاكل ايه، هدلعك أهو شوف عايز ايه وانا أعمله بس متتعودش على كده، علشان النهاردة صباحيتك بس
-مش محتاجة تعملي، والدتك وقرايبك عملوا أكل وحطوه في الميكرويف محتاج يتسخن بس
خرجت براءة تستكشف منزلها الجديد بينما تحرك يوسف نحو ذاك الحائط وقد حرك جميع ما أسفله بحثًا عن ذلك الشئ الذي رأته براءة ولكنه لم يجد شئ فوقف ينظر للحائط بشرود ثم نظر لخارج الغرفة متمتمًا :
-اتمنى تكوني كويسة يا براءة ومفيش فيكي حاجة
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
سار بسيارته بين شوارع أحياء كفر عبده المنطقة التي لا تليق أبدًا مع اسمها، حيث كانت تشتهر بهدوءها ورقي مساكنها وسكانها، نظر إلى المرآة نحو شروق التي تجلس في المقعد الخلفي وعينيها تنظر نحو الخارج بتركيز من النافذة
بينما يجلس بجانبه والدها الذي حضر معها وها هم متجهين نحو منزل عائلة فريال الفتاة التي ذهبت ضحية هوس الحب مثلها مثل الكثير من ضحايا هذه الأيام، لا يدري هل الناس أصبحوا كالشياطين أم أن سفك الدماء أصبح شيئًا هينًا
تحدثت شروق قاطعةً الصمت الذي حل على السيارة منذ نصف ساعة :
-هو قدامنا كتير؟!
-لأ خمس دقايق ونوصل
-كانت عايشة في فيلا لونها بيج فاتح من برا وقدام الفيلا شجر كتير
تعجب يونس ذكرها لهذه التفاصيل فقال حسين بجدية :
-شوفتي ده في الحلم
آماءت بصمت ثم عادت تنظر نحو الخارج إلى الفِلل والبيوت الراقية تفكر في الحلم الذي يزوروها مرارًا وتكرارا، فمنذ توفيت فريال أمام عينيها وهى تزورها في أحلامها حتى أرهقت نفسيتها وأكثر ما أرهقها هو شعورها بالذنب
ظل يونس يسترق النظر لها ولم يعجبه حالة الاكتئاب هذه فقد إعتاد عليها مستفزة، ثائرة، مشتعلة وليست في حالة الصمت المخيفة هذه
توقف بسيارته أمام أحد الفلل بنفس المواصفات التي ذكرتها شروق تمامًا، اقترب من سيارته حرس الفيلا فأخفض زجاج نافذته ثم قال :
-بلغ الأستاذ شاكر وحرمه إن الرائد يونس هواري عايز يقابلهم ضروري
اختفى الآخر من أنظاره ثم عاد له بعد عدة دقائق قائلًا :
-اتفضل
فتح له البوابة فولج يونس بسيارته إلى الحديقة التي أخذت شروق تراقبها بتمعن شديد من ثم توقف أمام الباب الداخلي للفيلا، هبط من السيارة ثم فتح الباب لحسين حتى يهبط هو أيضًا
هبطت شروق من السيارة وقد تغيرت حالتها فور دخولهم للفيلا من الداخل إذ أخذت تراقب كل شئ بأعين مرتبكة والقلق قد احتل أوصالها فأبطء خطواته حتى يصل إليها ثم قال بخفوت :
-تحبي نروح؟!
نفت بسرعة عازمة على إنهاء الأمر اليوم، لربما ترتاح في نومها على الأقل حين تزيح هذا الذنب عن كاهلها، أبصرت رجل شائب الرأس وبجانبه امرأة يبدو حزن الزمن على وجهها بفراق ابنتها الحبيبة
اقترب منهما والدها ويونس الذي أخذ يعرفهما عن نفسه وأنه كان يمسك قضية مقتل ابنتهما، بينما هى اقتربت من الحائط حيث كان تعلق صورة لفريال مبتسمة بسعادة وبين يديها كلب صغير أبيض اللون، وعلى الجانب الصورة كان هناك خط أسود دليلًا على أن صاحبة الصورة قد فُقدت
-شروق
ناداها يونس ولم تنتبه فكانت تصب تركيزها في الصورة ومشاعر الذنب أخذت تنهشها حتى أنها لم تدرك دموعها، تتذكر كيف كانت تقف فقط خلف الباب ترى كاظم يهم بذبح الفتاة وهى فقط كانت متجمدة مكانها تراقب
لما لم تخرج وتطرحه أرضًا؟! لما لم تصرخ لعله كان فر هاربًا أو أتى أحد لينقذهما؟! لما لم تمنعه من ذبحها وفقط ظلت تراقب فلو كانت تحركت من مكانها لظلت فريال حية ولم تمُت
حاولت والله أن تنسى ولكن شعور الذنب كان يأكلها يوميًا دون أن تشكي، وزاد عليها فوبيا الدماء، والأحلام والكوابيس التي لا تخلو من فريال وكاظم ووضغوطات الجميع من حولها، وكل هذا انقشع اليوم وظهر جانبها الهش
سالت دموعها بغزارة على وجنتيها وعلىٰ صوت بكائها في المكان فأدارها يونس وقد تفاجأ من دموعها التي أغرقت وجهها حتى أنها إستندت على إحدى الانتيكات تلتقط أنفاسها المسلوبة فهى تعاني من ضيق التنفس عند البكاء
اقترب حسين من ابنته وعانقها يدرك إنفجارها بعد الكثير من الكتمان فهى قد حكت له عن الأحلام والرسائل التي ترسلها فريال لها وتريد أن توصلها لعائلتها، ولولا أنه رجل يدرك أن رؤية الميت في المنام ليست بالشئ الذي يستهان به ما كان ليأتي بها إلى هنا
نظر يونس لحالتها مشفقًا على ما تعانيه ولا تقول، فوالله حالتها البائسة هذه تنافي تمامًا حالتها السعيدة بزفاف شقيقتها الأمس
أخذ يتحدث معها حسين بصوت خافت كلمات لم تصل للبقية فآماءت شروق وأبتعدت عنه ثم نظرت نحو والدي فريال اللذان كانا يراقبانها بصمت فتنحنحت منظفة حلقها ثم قالت :
-انا يمكن مشوفتونيش بس انا اللي كنت شاهدة على اللي حصل لفريال يوم ما
قاطعتها غصة مريرة استحكمت حلقها دون أن تكمل فقالت والدة فريال وهى تقترب منها عدة خطوات بصوت مقهور :
-انتي اللي شوفتيها وهى بتتدبح؟!
آماءت شروق تحاول مسح دموعها من أسفل نظارتها ولكنها عادت تترقرق بغزارة عندما أضافت الأخرى بلوم :
-يعني شوفتيها وهى بتتدبح ومساعدتهاش، معملتيش ليه حاجة طالما شوفتيه بيقتلها، كنتي وقفتيه
تحشرج صوت شروق عندما ضغطت والدة فريال على جروحها هاتفة بتلعثم :
-أنا.... آسفة مقـ مقدرش أتحرك والله.... آسفة... انا آسفــ
لم تكمل كلمتها بسبب إختناق صوتها بغصة البكاء فأخذت تبكي وتلوم نفسها وتعتذر على عدم مساعدتها لفريال، وترك ذلك المجنون ينحرها بدمٍ بارد
ربت حسين على كتف ابنته حتى يهدئها، بينما جذب والد فريال زوجته قائلًا بحزن :
-خلاص يا سهام متدوسيش على البنت كده، فريال راحت للخالقها
هدأت شروق قليلًا ثم قالت بصوت حزين :
-هى بتحبك والله حتى في الأحلام كانت بتقول ماما زعلانة ولحد دلوقتي منسيتش موتي
-كنتي بتشوفيها في الأحلام؟!
هتف بها والد فريال متسائلًا فحركت رأسها بأجل ثم قالت بالتزامن مع فتحها لحقيبتها :
-ايوه شوفتها كتير في الحلم وإحساسي بالذنب اني معرفتش ألحقها بيزيد في كل مرة
أخرجت عدة أظرف من حقيبتها وأعطتهم لهما ثم قالت :
-أحيانًا بحس إنها بتوصلي رسايل وأكتر من مرة تطلب مني أروحلكم، وانا لسه واصلة إسكندرية من يومين وجيت مع أقرب فرصة، دي ظروف فيها ورق بأسامي، انا معرفش هما مين بس حفظتهم من كتر ما بحلم بكلامها وحفظت اللي عايزة توصله ليكم وكتبتوا
أخذت منها الأخرى الأظرف ثم نظرت لها بنظرات غير مفهومة فقالت شروق بحزن :
-انا مش مألفة حاجة من دماغي وسواءً صدقتوا المكتوب أو لأ انا بس مرسال من ميت
خلعت نظارتها حتي تمسح الدموع العالقة في أهدابها ثم أضافت بصوت مختنق :
-وانا آسفة ليكم والله إني معرفتش ألحق بنتكم
إرتدت حقيبتها مرة أخرى ثم نظرت لوالدها وقالت :
-يلا
-يلا
أحاط بكتفها وخرجا من الفيلا يلحقهما يونس الذي لم يفتح فمه بكلمة فقط كان يستمع بصمت، وما إن وصلوا للحديقة حتى إستداروا على صوت المدعوة سهام وهى تنادي على شروق ثم قالت فور أن وقفت أمامها بنبرة متلهفة وفي يدها ورقة :
-انا مصدقة إنك بتشوفي بنتي في أحلامك، بس هى ليه بتظهر ليكي انتي وانا لأ؟! هى... هى مش عايزة تشوفني علشان انا اللي جربتها تتعرف على كاظم الدخيلي وتوافق على الخطوبة منه صح؟؟ علشان كده مش عايزاني أشوفها حتى في الحلم
نفت شروق رأسها بعدم معرفة قائلة بجهل :
-مش عارفة والله انا اللي أعرفه قولته وكتبته معرفش أكتر من كده
تمسكت الأخرى في ذراعي شروق بطريقة آلامتها قائلة برجاء :
-لو شوفتيها تاني في الحلم قوليلها تسامحني بالله عليكي، انا حاسة إنها ماتت ومش مسامحاني على اللي حصل
حال يونس بينهما بذراعه مبعدًا السيدة عن شروق ثم قال بجدية شديدة :
-لو سمحتي يا مدام هى كانت بتوصل رسالة ليكم ووصلتها ينفع بقى نمشي؟
نظرت سهام نحو شروق التي مسحت عينيها بالمنديل ثم قالت بصوت متحشرج :
-انا آسفة إني قلبت عليكي المواجع عن إذنك
فتحت باب السيارة ودخلت فجلس بجانبها والدها وصعد يونس بالأمام وانطلق لخارج الفيلا، كانت شروق صامتة حين خرجوا ولكن بعد دقائق بدأ يظهر عليها آثار البكاء مرة أخرى
غطت وجهها بكفها ومالت على الباب وأخذ جسدها يهتز وصوت نواحها ملأ السيارة، أخذ حسين يتحدث مع ابنته لعلها تهدأ ويخفف من عليها :
-خلاص يا شروق مش كده الله يرحمها راحت لمكان أحسن إن شاء الله، انتي مش ذنبك إنها ماتت اكيد الصدمة أثرت عليكي علشان كده معرفتيش تتحركي من مكانك
لم تتجاوب معه فأوقف يونس السيارة بجانب أحد المقاهي في كفر عبده ثم قال مستديرًا بجسده للخلف :
-تنزلي نشرب حاجة تهدي أعصابك في الكافية ده
نفت الأخرى برأسها رافضة الأمر تمامًا فقال حسين :
-روحنا يا يونس هى لما تقعد مع بنات عمامها وتتكلم معاهم هتهدي
أبعدت يدها عن وجهها ترفض هذا أيضًا إذ قالت :
-مش عايزة أشوف حد لا عايزة ادخل ولا عايزة أرجع عندهم مش عايزة حاجة، رجعوني البلد
-ترجعي البلد إزاي وتسيبي أختك لسه صباحيتها النهاردة، تزعل لو مجتيش مش دي أختك اللي قعدتي تبكي عليها عشية علشان هتمشي
نظرت نحو والدها بملامح باكية ثم صاحت بإنهيار :
-بس انا تعبانة مش عايزة أقعد في إسكندرية عايزة أمشي
هبط يونس من السيارة وفتح الباب الذي عندها ثم قال بهدوء لا يدري من أين اكتسبه :
-تعالي انزلي هتلاقي الجو هادي جوا ومفيش ناس كتير علشان إحنا لسه صبح، اشربي عصير واهدي شوية وبعدين نشوف حوار ترجعي الصعيد ولا تقعدي
صمتت تفكر في الأمر ثم تنهدت بتعب وهبطت من السيارة تنظر إلى هذا المقهى من الخارج، يبدو مكانًا هادئًا بالفعل يريح الأعصاب وهذا ما تحتاجه لعل الثورة بداخلها تخمد قليلًا
إتجه يونس نحو إحدى الطاولات البعيدة عن الناس وقد ساهم الهدوء في هذا، إذ كان المقهى شبه فارغ في وقت الظهيرة ففي العادة تمتلئ المقاهي ليلًا
جلست على أحد المقاعد وجلس والدها إلى جانبها فأغمضت عينيها تحاول قدر الإمكان الإسترخاء، حضر النادل لتلبية طلبهم فقال يونس موجهًا حديثه لهما :
-انا هاخد شاي تحبوا تشربوا ايه
وقال حسين وهو يحدق في هاتفه الذي يرن برقم زوجته :
-شاي برضو بس يكون سكره زيادة
نظر نحو شروق ولم ينتظر طلبها بل قال :
-اتنين شاي وواحد آيس كريم
رمقته الأخرى بتعجب لأنه طلب نيابة عنها فقال يونس ببسمة صغيرة :
-حاسس الآيس كريم هيهدي معاكي شوية ولو مش عايزة اطلبي حاجة تانية
في الواقع المثلجات اقتراح ممتاز في هذه الأجواء الحارة لذا آماءت بهدوء قائلة :
-تمام آيس كريم نصه فانيليا ونصه شوكولاتة
-تحبي تاخدي حجم ايه
نطق بها النادل برسمية فقالت شروق بلامبالاة :
-اي حاجة
تنهد يونس بضجر لا تعجبه الشخصية الكئيبة هذه من شروق فقال :
-شكلك وانتي زعلانة مش حلو علفكرة، وانتي عصبية ومستفزة أحلى بكتير
تنحنحت شروق ولم ترد عليه نظرًا لوجود والدها حتى أن يونس صمت كذالك عندما رأى حسين يركز حواسه معهما ثم قال :
-صح سمعت إنك إترقيت مش كده
آماء يونس بإيجاب فأضاف حسين :
-شغل الظباط صعب الله يكون في عونك
-أكيد، وأي شغل صعب والله مش بيقولوا أكل عيش مُر
أخذ يتحدث معه حسين عن عمله وعن أمور بناية والده وعمه وأمور الرجال هذه التي أصابت شروق بصداع من ثرثرتهم وهي من كانت تريد الهدوء حتي تريح رأسها
زفرت بضيق ثم استقامت من مكانها بعصبية من ثم قالت :
-هاروح الحمام
-طب انتي عارفة هو فين
تساءل بها والدها وهو يستدير نحوها فقالت الأخرى دون أن تلتفت :
-هسأل حد
إستدار حسين ليونس الذي قال دون مقدمات، وبشكل مباشر سأله :
-ليه مفكرتش تعرض شروق على دكتور نفسي من أول يوم شوفت إنها مش طبيعية
-انا بنتي طبيعية بس هى لسه مخضوضة لحد دلوقتي من اللي حصل، مش كل واحد هيعدي بحاجة صعبة هيحتاج دكتور نفسي
-بس بنتك معدتش بصدمة عادية، دي كانت هتتقتل وشافت قدامها واحدة بتدبح ومش بس فريال دي كمان دكتورة ماتت قدامها وكانت مطاردة في الكلية من واحد مجنون بيضرب عليها نار بطريقة عشوائية مات فيها اتنين، وتلاتة حصلت ليهم إصابات، وأهو سمعتها محملة نفسها ذنب موت فريال، شروق محتاجة دكتور تتكلم معاه، انا سمعت إنها بقى عندها فوبيا من الدم بسبب اللي حصل، انا مستعد اتكفل بكل حاجة تخص علاجها النفسي
تنهد حسين تنهيدة قوية ثم شبك أصابعه فوق الطاولة التي يجلسان عليها ثم قال بجدية :
-ده على اساس اني مش معايا اعالج بنتي، الموضوع مش بس حكاية علاج الموضوع سمعة، يمكن انتوا هنا كل واحد في حاله وميدخلش في حياة غيره عندنا إحنا في الصعيد لأ، ألف واحد عينه على حياتك، الناس عندنا تموت في اللت والعجن في سيرة الناس حتى لو بالباطل، شروق في الأول لما رجعنا البلد متكلمتش مع حد في اللي حصل ومهما نحاول تهرب من الكلام لحد ما انفدرت "انفجرت" فضلت تصرخ وتبكي وتضرب في الكل وهى مش حاسة بنفسها وكانت هتطلع الشارع بهدوم البيت لولا اخوها رجعها من على الباب، تعرف الناس اللي سمعوا قالوا ايه على بنتي
-ايه؟!
نطق بها الآخر وهو في كامل تركيزه مع ما يرويه فقال حسين بغضب مكتوم :
-قالوا ملبوسة وهى لا ملبوسة ولا فيها حاجة، الناس تعشق تتكلم على غيرها وكداب اللي يقولك كلام الناس في الزبالة علشان اللي يقول كده مجربش إحساس البنى آدم اللي الناس بتتكلم عليه بالصدق وبالكدب
تنهد يونس وهو يعود للخلف بظهره ثم قال :
-طب انا لسه رأيي إنك تخليها تتكلم مع مختص ولو هنا يبقى تمام، الدراسة هتبدأ الشهر الجاي وهى هتكون موجودة في إسكندرية علشان الكلية أكيد، تبدأ جلساتها هنا ومن غير ما حد يعرف
هم الآخر بالإجابة عليه ولكن قاطعه رنين هاتفه الذي رن بشكل مزعج كثيرًا فقال يونس :
-لو مكالمة مهمة رد على التليفون
-لو رديت مش بسمع كويس، مفيش شبكة هنا باين
إستقام من مكانه ثم تحرك نحو الخارج قائلًا :
-هقف برا أرد يمكن ألقط شبكة
آماء يونس دون رد وقد وضع تركيزه مع النادل الذي أحضر الشاي وكوب زجاجي مليئ بالمثلجات فنظر حوله بحثًا عن شروق وقد قلق من تأخرها هذا، جذب هاتفه حتى يتصل عليها فسمع الرنين قريب منه، أي أن شروق قد تركت هاتفها داخل حقيبتها المعلقة في ظهر المقعد
إستقام من مكانه حتى يرى لما تأخرت هكذا في المرحاض فوجدها تتقدم نحوه وهى تجفف وجهها من الماء بمنديل ورقي، جذبت مقعدها حتى تجلس ثم تساءلت عن والدها قائلة :
-أومال بابا راح فين؟!!
-بيتكلم في التليفون أهو
نظرت نحو المكان الذي يشير إليه فرأت والدها يقف بالخارج وعينيه عليهما من الزجاج الشفاف الذي يكشف المقهى من الداخل وقد أشار لها بالجلوس، جلست في مكانها ثم جذبت كوب الشاي الذي وجدته أمامها دون الإلتفات للمثلجات فقال يونس :
-دي كوباية باباكِ علفكرة، الآيس كريم بتاعك أهو
ارتشفت القليل من الكوب الماكث بين يديها ثم أجابت ببهوت :
-مليش نفس
-لأ مش متعود عليكي كده ارجعي شروق اللي أعرفها تاني
نطق بها محاولًا فتح حوار معها كما نصحته والدته ليجد منها نظرة باردة ثم قالت :
-يونس بجد مش عايزة اتكلم
رمقها بحيرة ونظرات غير راضية ثم رفع الكوب الخاص به لفمه متمتمًا بينه وبين نفسه :
-لما تتكلم وأسكت تشكي، ولما ابقى عايز اتكلم انا هى اللي تسكت
-علاقة معقدة فعلًا
نطقت بها ببسمة ساخرة ولا تزال لمحة البرود في عينيها التان تنظر بهما حولها إلى كل شئ عداه هو تقريبًا، حمحم منظفًا حلقه بعدما استرق نظرة لحسين الذي يتحدث بإنشغال في هاتفه ولا يزال يراقبهما جيدًا :
-أول مأمورية نزلتها في حياتي لما اتخرجت من الكلية واتعينت كانت فك خناقة جامدة على الطريق حاجة كده للمبتدئين، لما روحت كان أغلب سواقين العربيات ماسكين في بعض، من غير ما أدخل في تفاصيل هقولك المهم، انا والعساكر حاولنا نفك وخدناهم كلهم على القسم، واحد كان باين عليه غلبان مع إنه كان في الخناقة معاهم، إتحايل عليه مدخلوش الحجز معاهم علشان هيطحنوه جوا وانا طنشت رغم ان اللي كانوا معاه باين عليهم الشر للواد ده، بس زي ما قولتلك كبرت دماغي ورميتهم كلهم في الحجز وبعد نص ساعة جالي العسكري يقولي إنهم مسكوا في بعض تاني وواحد فيهم قاطع النفس ومرمي على الأرض، كان الواد اللي إتحايل عليا عدموه العافية لدرجة وشه مكنش باين من الدم والضرب، على ما نقلناه المستشفى الواد كان مستحملش ومات، عدى كتير أوي على الموضوع ولحد دلوقتي مشيل نفسي ذنبه وإني سبته ليهم يعملوا فيه كده
تنحنح مرة أخرى ثم أضاف وعينيه على الكوب بيده :
-مش عارف يعني هتستفادي ايه من الحكاية بس حكيتهالك علشان أقولك يعني اني حاسس بيكي وباللي بتمري به دلوقتي
رفع عينيه لها أخيرًا ليجدها تركز معه بكل حواسها وفور أن أنهى حديثه ابتسمت له بسمة ممتنة ثم قالت :
-تصدق وتآمن بالله دي أول مرة تقولي حاجة حلوة من ساعة ما عرفتك
حرك رأسه يمينًا ويسارًا مع ضحكة خفيفة ظهرت على وجهه ثم قال :
-يعني انا من وقت ما عرفتيني وانا مقولتش ليكي حاجة حلوة
-لأ خالص، بتتريق عليا بس
همهم بتفكير يفكر في لفظ جميل يعجبها فوقع نظره على لوحة معلقة لكوب قهوة وطبق كعك فقال وهو ينظر نحوها دون تفكير :
-انتي كيكة
اختفت البسمة من على وجهها وحل محلها الذهول وقد اتسعا بؤبؤا عينيها من الصدمة، إستدارت بسرعة إلى ما كان ينظر إليه فقابلتها تلك اللوحة، عادت بنظرها نحوه بارمة شفتيها بحنق ثم قالت :
-ملقتش أي كلمة في قاموسك خالص، عسل، سكر، حلوة، أمورة، إن شاء الله تقولي مانجا أهي حاجة حلوة هى كمان، سيبت ده كله ومجاش في بالك غير كيكة؟! انتي محدود التفكير علفكرة يا يونس
قهقه يونس بعلو فنظرت شروق سريعًا نحو والدها الذي كان غير منتبه لهما وعلى الأرجح يتحدث عن عمله بسبب إنشغاله هكذا، عادت بتركيزها مع يونس حين قال :
-مش محدود التفكير بس أكتر حاجة بحبها أو بعشقها حرفيًا هى الكيكة بكل أنواعها من لما كنت عيل لحد ما بقى عندي تلاتين سنة أهو، مينفعش يعدي اسبوع من غير ما ماما تعمل كيكة علشان عارفة إني أنا ويوسف بنحبها
-اممم علشان كده خلصت على نص الكيكة لما كنت عندنا انت وعيلتك، ده انت خلصت الطبقة اللي خدته ودخلت على الطبق اللي كانت ماسكاه أمك
رمقها ببسمة لأول مرة ترى يونس يرمقها بها، بسمة جذابة ظهرت على وجهه وفي عينيه ثم قال بنبرة حانية هادئة :
-الكيكة عندي حاجة حلوة، خفيفة على القلب، أغلى الحلويات على قلبي وبحبها أوي، مينفعش أعيش أسبوع كامل من غيرها، علشان كده قولتلك كيكة وهسجلك عندي برضو الكيكة
-الكيكة؟!
نطق بها بنبرة ضاحكة وهى تخفض كوب الشاي سريعًا بعدما اهتز في يدها وتناطر بعض القطرات على نظارتها فلم ترى عيني يونس التي راقبتها بحب ثم قال معترفًا بصيغة غير مباشرة وهذا أقصى ما استطاع الوصول إليه :
-انتي عندي زي الكيكة يا شروق، غالية عندي، خفيفة على القلب، وبحبها أوي
رفعت نظرها له عند آخر جملة قالها بعدما كانت تمسح عدساتها، فرأته ينظر إليها بنظرات مُحبة أخجلتها، عجبًا نادرًا ما تشعر بالخجل من يونس بل هى نادرًا ما تشعر بالخجل من أحدهم بسبب شخصيتها القوية
إعتدل في جلسته ثم رفع كوب الشاي نحو فمه قائلًا ببسمة عابثة :
-مدلعك أهو يارب يطمر فيكي ومتقوليش منشفها عليا
أبصرت الأخرى والدها قادم نحوهما فقالت بنفس البسمة العابثة، تجذب كوب المثلجات نحوها :
-ايوه هو ده يونس اللي أعرفه كنت بدأت أشك إنك اتبدلت بحد تاني مسافة ما روحت الحمام وجيت
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
وضعت صنية الشاي على الطاولة التي تنتصف بهو شقة عمتها التي تتكدس من كثرة الموجدين، ثم جلست إلى جانب والدتها متسائلة :
-أومال بتك فين يا ماما
لم تنتبه لها صفية بسبب حديثها الشيق مع عمتها وزوجات أعمامها فنظرت هى حولها بحثًا عن عائشة أو ياسر الذي بات كالظل يلتصق بشقيقتها، تلك البلهاء التي تذوب في حب ياسر أكثر وأكثر وهى لا تستطيع لومها فمن التي لا تحب رجلًا يعشقها ويعاملها كما الورود
إستقامت من مكانها وقررت البحث عنهما لتجدهما يقفان في الشرفة وقد كانت معهما دعاء لذا قررت الإنضمام إليهم قائلة :
-بتنموا على مين في الضهرية كده
فرك ياسر وجهه فور أن إستمع لصوتها متمتمًا :
-يعني انا كنت عايز ازحلق اختي تروح تنطلنا اختك هى كمان
دعتها دعاء لتجمعهم قائلة :
-تعالي يا نورهان شوفي اختك منكدة على أخويا
وقفت نور بجانب شقيقتها وضمت كتفها هاتفة بتعالي :
-تعيش اختي وتنكد على أخوكي
قهقه ياسر على كلامها بالتزامن مع شهقة مستنكرة خرجت من دعاء ثم أضافت :
-سمعت يا ياسر قولتلك اتقل على البت شوية أهي وأختها هيرفعوا مناخيرهم علينا دلوقتي
نظرت نحو نورهان ثم قالت :
-انتي طول عمرك حقانية مش تسمعي أختك منكدة على أخويا ليه
إعتدلت الأخرى في وقفتها ثم ارهفت السمع لما سيقال فقالت دعاء :
-عائشة مش عايزة تعمل الفرح غير بعد ما تخلص الكلية وياسر عايز يقدم الموضوع وبقالهم شهر في الموضوع ده
همهمت نور بتفكير ثم نظرت نحو شقيقتها التي كانت تضم ذراعيها إلى صدرها بصمت ينتج عن شئ يدور داخل عقلها :
-طب انتي ليه عايزة تأجلي الجواز تلات سنين تاني يا عائشة، بصراحة فترة بعيدة قوي
-علشان ابقى على بال واحد مش عايزة يبقى عقلي مقسوم نصين، في الكلية وفي الجواز
-قصدك تلاتة هو انتي مش حاسبة الخلفة معاكي
نطقت بها دعاء تذكرها بهذه النقطة فلكمها ياسر بخفة في ذراعها قائلًا :
-هو انتي بتعقدي ولا بتحلي؟!
تحدثت نور بإقتراح قائلة :
-طب مدخلتوش الكبار ليه في الموضوع يمكن يلاقوا حل
وأجاب ياسر :
-مش عايز ندخلهم دلوقتي عايز أشوف حل سوي انا وعائشة لوحدنا بس شكلها كده هتخلص بإننا ندخلهم في الموضوع فعلًا
ختم حديثها وهو ينظر نحو عائشة التي تنهدت بصوت مسموع ثم ولجت للداخل دون إضافة كلمة، أدار ياسر جسده ونظر نحو الشارع من الشرفة فقالت دعاء بصوت خافت توجهه لنور :
-مش عاجبيني وهما زعلانين كده
-هما مش زعلانين، هما بس بيحاولوا يلاقوا حل وسط يرضي الاتنين وبصراحة عارفة أختي مش هتوافق بالجواز غير بعد الكلية أو على الأقل يكون عدى تلات سنين وفاضلها سنة واحدة، مش قدامك غير تستنى يا ياسر
-وانا مش عايز استنى أكتر من كده، هفضل أستنى لحد ما أكسر التلاتين، أكيد فيه حل غير إني استنى
نطق بها ياسر بعصبية طفيفة فذمت دعاء شفتيها قائلة :
-نور معاها حق الموضوع بدأ يوسع منكم انتوا الإتنين لازم الكبار يدخلوا في الموضوع
ولج ياسر للداخل وقد لحقت به دعاء تاركين نور تقف بمفردها في الشرفة، إستندت على الإطار ثم نظرت إلى الشارع الشبه فارغ نوعًا ما بسبب حرارة الظهيرة، أخرجت الهاتف من جيبها وقررت الاتصال على حمزة بما أنه لم يتصل حتى الآن منذ البارحة ولا تدري لما
تعجبت عندما وجدت مكالمات فائتة منه منذ عدة ساعات ولم تجب عليها بسبب وضع الهاتف على الصامت، ولكنها لم ترى أي إشعارات بمكالمة فائتة منه فيبدو أنها مسحت جميع الإشعارت دون النظر إليها عندما إستيقظت صباحًا
طلبت رقمه ولم يجب من المرة الأولى فطلبته ثانيةً وقبل أن ينتهي الجرس أجاب بنبرة ضائقة :
-لسه فاكرة إن عندك زوج تعبان والمفروض تسألي عليه!؟
عجبًا هذه أول مرة يتحدث معها بهذه النبرة، لذا بررت سريعًا :
-انا مشوفتش والله رنتك
-وهى كانت مكالمة واحدة؟! مشوفتهاش ولا طنشتي يا نورهان؟ انتي حتى على رسايلي من إمبارح مردتيش ولا كأن عندك زوج إمبارح كان تعبان والمفروض على الأقل يعني تسألي عليه، ده انتي لما كنتي تعبانة انا فضلت سهران في المستشفى من برا أوضتك، طب وانا بالنسبة ليكي ايه مجرد اسم هيتكتب معاكي في البطاقة
بدأ الحوار يأخذ منحنى جدي لم تتوقعه فإعتدلت في وقفتها قائلة :
-حمزة فيه ايه انا ما شوفت مكالمتك ووالله العظيم ما طنشت بس صحيت متأخر قوي النهاردة وبعدها علطول روحنا كلنا عند عمي محفوظ ولسه مخلصين الغداء، انا ملحقتش اتصل عليك ولا أبص في التليفون
-إحنا كاتبين الكتاب بقالنا أكتر من أسبوعين، فاكرة كام مرة انتي اتصلتي عليا الأول مش انا؟! مرة واحدة يا نور وانا اللي بتصل، وانا اللي بتكلم، وانا الطرف الملهوف اللي بيتحرك أصلًا، وانتي الطرف الساكت الصامت دايمًا حتى كلمة حبيبي مثلًا عمرك ما قولتيها ليا، ماشي في الأول كنتي بتتقلي عليا بس خلاص كده كفاية، ده مش كسوف منك يا نور انا حاسس إنه برود
هذه أول مشاجرة بينهما وربما أول مشاجرة لها مع رجل وهذا الرجل يكون خطيبها وزوجها ولم تحسن التصرف ولم تجد ما يقال لأنها لا تعرف ماذا يقال من الأساس
شعرت أنه يبالغ نوعًا ما، وفي نفس الوقت شعرت أنه محق لا تشبعه بكلمات معسولة كما يغرقها هو، وقد قالت لها والدتها صباحًا أن تسأل عن خطيبها ولكنها نسيت تمامًا
هى نوعًا ما مقصرة في حقه ولا تأخذ أبدًا خطوة وله حق اللوم والعتاب
-سكتي زي كل مرة يا نور
تنهدت بصوت مسموع فلما لا يعطي لها فرصة في التفكير في رد حتى :
-انا آسفة والله بس انا مش بطنشك ولا باردة معاك، انا بس عندي كسوف زايد علشان أنت أول راجل في حياتي مش عارفة أقول ايه أو أعمل إيه مش زيك
-الموضوع مش محتاج خبرة محتاج مشاعر، كفاية تقل قلب عليا، الراجل لو ملقيش من مراته كلمة حلوة هيدور على الكلمة دي برا
استمعت لزفرة قوية منه تلاها جملته :
-انا هقفل علشان هاخد الدواء سلام
أغلق معها فضربت الأخرى رأسها بكفها تلوم نفسها أنها نسيت الإتصال عليه ولم تراجع الاشعارات جيدًا ككل صباح لها، ضغطت على شفتيها تدرك أنها تقصر في حقه وقد أقلقها جملته الأخيرة "الراجل لو ملقيش من مراته كلمة حلوة هيدور على الكلمة دي برا"
هل يعقل أنه قد ينظر لامرأة أخرى فقط لأنها لا يجد الكمال معها؟!
حك خصلاتها أسفل حجابها بقلق فهى لا تجيد بالفعل التحدث بالغزل أو حديثًا معسولًا كما هو يبرع، ليست فاشلة وإنما تخجل بشدة خاصةً أن علاقتها مع حمزة لا تزال حديثة وهى لم تتعامل مع الرجال قط هو أول رجل في حياتها، وهو لا يصبر ويعطيها وقت أكثر لكي تعتاد عليه فماذا بيديها لتفعله
لا يوجد حل غير الإستعانة بالمساعدة
خرجت للبهو ثم مالت في إتجاه والدتها وهى تجذب يدها قائلة :
-ماما عايزاكِ دقيقة
تحركت معها صفية فأخذتها نحو أبعد نقطة في الشقة حتى تستطيع التحدث معها، وقفت أمامها ذاممة شفتيها تتوقع أن تهزئها والدتها لما فعلت لذا قالت بمقدمة :
-بصي انا لو غلطانة فهميني بس براحة
-فيه ايه؟ عملتي ايه؟!
تنفست بعمق ثم اخذت تسرد لها ما حدث وما قاله حمزة وفور أن أنهت كلامها حتى ختمته :
-ودلوقتي هو زعلان وانا حاسة نفسي غلطانة وبرضو حاسة إنه بيأفور شوية
رمقتها صفية بجدية ثم قالت بخبرة حياتية :
-هو واخد على خاطره منك، جوزك تعبان ليه مسألتيش عليه وانا قولتلك وفكرتك الصبح
-نسيت والله
-زي بعضه دي تعلم غيرها، اتصلي عليه تاني
همهمت نور بتفكير ثم قالت بنبرة متوجسة :
-طب يعني ايه رأيك أروحله وانا أصلًا عايزة اجيبله هدية
-وانتي مش جيبتيله؟؟
-ما طلع البرفان حريمي وقالي خليهولك انتي فأنا عايزة اجيبله واحد غيره رجالي وعايزة آخد حد معايا يفهم في الموضوع ده ويفهم في الحاجات اللي بيحبها الرجالة على الوجه العام، ها ينفع أروح
-ماشي بس استني لما نرجعوا كلنا هناك وانا اروح معاكي عندهم علشان مينفعش تروحي لوحدك
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أخذت تقلب في حسابه الشخصي على الإنتسغرام وهناك بسمة معجبة ترتسم على ثغرها، يبدو أوسم من ذي قبل فلم ترى مازن منذ ما يقارب العامين، وقد تفاجأت حقًا عندما علمت أنه في كلية الطب الآن
وضعت كفها أسفل وجنتها تراقب ملامحه عن كثب والسمرة التي اكتسبها من حرارة أسوان كما قال هو مع خضرة عينيه يعطي له مظهر شديد الوسامة خاصةً ملابسه الشبابية
تذكرت البارحة نظراته العجيبة لها التي آثارت في نفسها الخجل الشديد عندما قال "اللون الزيتوني فيكي حلو أوي"
تقلبت على فراشها وعقلها يراودها في رفع الحظر من عليه، هى ظنته شخص غريب ولكنها علمت الآن أنه مازن ابن خالتها لذا لا ضير في الأمر
همت بفك الحظر من عليه لتتفاجأ بوصول طلب صداقة لها منه على الإنتسغرام، همهمت بتفكير في القبول أو الرفض، هى تقبل صداقة جميع أقاربها لذا لم ترفض الطلب وقبلته لكنها لم ترسل له شئ
خرجت من الإنتسغرام حتى تشاهد أحد مسلسلاتها فقاطعها صوت والدتها وهى تنادي عليها من الخارج :
-يا رحـــمـة تعالي اعملي عصير يا حبيبتي
-حاضر جاية
نطقت بها دون أن تتحرك من مكانها حتى ثم أخذت تبحث عن مسلسلها الذي تتابعه مؤخرًا بالتزامن مع وصول رسالة لها من مازن تقول
"قابلة طلب الصداقة وعاملة ليا بلوك على الواتس"
تبع هذا إيموجي ضاحك منه فذهبت للواتساب وفكت عن مازن الحظر واستقبلت رسالة أخرى منه تقول
"بس حلو إنك عملتي بلوك لما حسيتي إني غريب بيرخم عجبتيني، طنط ناهد عرفت تربي"
نغزت قلبها جملته الأخيرة فإرتدت الوجه الخشب وأرسلت
"اممم تمام بس انت داخل تكلمني ليه فيه حاجة؟!"
"بسأل عليكي يا بنت خالتي، هو انتي زعلتي مني في حاجة"
"وانا هزعل ليه هو انت بعت حاجة تزعل "
"ماشي يا رحمة بس قوليلي انتي كبرتي كده أمتى ده انا حسيت عدى سبع سنين ولا حاجة مش سنتين بس"
عضت رحمة على شفتيها تفكر هل ترد أم لا ولكنه لا يقول شئ سئ وهو أيضًا ابن خالتها وتعرفه جيدًا بل في طفولتهم كانت تلعب معه هو وشيماء شقيقته في منزلهم
وصلت رسالة أخرى منه تقول
"كبرتي وبقيتي عروسة يا رحمة وبقيتي أحلى من الأول كمان"
تبسمت رحمة بخجل وأرسلت له
"شكرًا بس هو يعني كنت وحشة في الأول"
"لأ طبعًا دي انتي أحلى واحدة في العيلة، ده انتي أحلى من البنت شيماء، طالعة لطنط ناهد قمر زيها بالظبط"
فركت رحمة قدميها في الفراش وهناك بسمة ارتسمت على ثغرها من فرط إتساعها حتى شعرت بألم طفيف في فكها لتنشغل في الغرق بين الرسائل والمحادثات وقد تكاتف الشيطان مع مشاعر المراهقة في رسم حلاوة البدايات لعقلها....
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الثامن وسبعون 78 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
فصل كبير بزيادة النهاردة هدية مني للجميلة شهد علي على تعبها معايا في الترويجات، وماجدة يحيى على تصاميمها الجميلة 💜
وحابة ألفت نظر البعض على حاجة التعليقات اللي بتطلب بارت تالت في الأسبوع يا جماعة والله عندي حياة خاصة مش أربعة وعشرين ساعة على التليفون، ثم الفصل كبير يا دوب بلحق أخلصه وأنزله وانا كده ملتزمة في المواعيد ومرتين في الأسبوع ده إنجاز
فيه ناس مش بتنزل غير كل أسبوع وناس كل فين وفين لما ينزلوا وانا مش بلومهم أكيد عندهم مشاغل كتير وصعب يلاقوا وقت للكاتبة
بلاش التعليقات اللي بتلح على فصل تالت في الأسبوع أو يقولوا الفصل قصير وهو أصلًا مش قصير، أقسم بالله بتضايق جدًا علشان ده يعتبر عدم تقدير للمجهود اللي بعمله
صلوا على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
ترك الهاتف من يده فور أن أغلق مع زوجته ثم جذب كوب الماء والدواء الخاص به الذي يأخذه قبل الغداء بشكل يومي وكم بدا الحنق عليه وهذا ما لاحظته غادة التي ولجت لتوها لغرفته وفي يدها تفاحة حمراء له :
-مالك مش طايق دبان وشك ليه؟ اتخانقت معاها؟!
ختمت حديثها وهى تنظر نحو هاتفه فهمهم حمزة بضيق يؤكد لها لتقول غادة وهى تجلس في المقابل له على الفراش :
-انا مش قولتلك بلاش البنت دي، مش شبهك يا حمزة
نظر الآخر لها بملامح أكثر عصبية ثم قال :
-اسكتي يا غادة انا مراعي إنك تعبانة غير كده هلسعك قلم على وشك
برمت الأخرى شفتيها ولم ترد عليه بل تحركت نحو مكان جلوسه وتمددت بجانبه تحدق في السقف ذو اللون الكريمي وقد حل الصمت عليهما وكل دقيقة والأخرى يفرك حمزة في مكانه بعدم راحة فقالت :
-أقوم؟!
-لأ خليكي اهو تسليني بدال ما انا قاعد اليوم كله لوحدي، هو انتي مروحتش ليه مع إسماعيل تتغدوا عند عمك محفوظ
نظرت له غادة بنظرات فهمها الآخر مما جعله يتمتم بتهكم قائلًا :
-مش فاهم سبب عدم قبولك لفرعني الصعيدي ده، والله لما روحنا هناك كانت الأجواء حلوة
-أجواء مين اللي حلوة ده انتوا كنتوا بتموتوا من الحر والناموس، انت مشوفتش الستات اللي هناك في الشارع كانوا بيبصوا لينا إزاي أصلًا، هو إحنا كنا فضائيين ولا ايه؟!
ذم حمزة شفتيه يدرك السلبيات التي واجهتهم هناك وهذا الطبيعي من غادة أن تنظر دائمًا للسلبيات :
-طالما القعدة هناك مكنتش على هواكِ اوي ليه روحتي معانا؟؟
-ما انتوا كلكم كنتوا رايحين، أفضل لوحدي يعني قاعدة في إسكندرية، ثم لو مكنتش روحت معاكم كان بابا هيهزقني
-ولما يجي دلوقتي ويعرف إنك مروحتيش مع جوزك على الغداء هيقول ايه
-هقوله اللي قولته لإسماعيل انا مش قادرة أروح في حتة، ولسه تعبانة أصلًا ومش حمل مواصلات.
نكزته في جانبه بخفة حتى يجيب عليها إذ تساءلت :
-بس قولي بجد هو انت متخانق مع نورهان
أمسك حمزة بوجهها بين كفه الكبير قائلًا بمزاح ثقيل :
-ملكيش دخل بقى خليكي في جوزك وخليني في مراتي
صدح صوت كريم في الخارج فأبعدت غادة كفه عن وجهها ثم إتجهت نحو الباب قائلة :
-كريم جه هو، وهو اللي هيخليك تتكلم
مدت نصف جسدها للخارج منادية على كريم فظهر الآخر في أول ممر الغرف قائلًا :
-ايه ده أم لؤي عندنا؟! خرجتي خلاص من حالة الاكتئاب اللي كنتي فيها
قلبت الأخرى عينيها بضيق من هذا اللقب الذي يشعرها أنها عجوز في الخمسين بينما هى لا تزال في بداية الثلاثينات بعد :
-خد تعالى البنت نور منكدة على أخوك
شهق الآخر بطريقة درامية متقمصًا دور الحماة المتسلطة إذ قال :
-منكدة على الواد ولسه مكملوش تلات اسابيع مخطوبين!! أومال لما يتجوزوا هتعمل في اخويا إيه؟!
ولج لداخل الغرفة فوجد حمزة يقطم تفاحة ينتظر صياحه فمن الذي سيوقفه إن بدأ :
-انا مش قولتلك فكك منها وخليك معانا، أدي اللي ركنتنا على الرف علشانها يا حمزة
قلب عينيه ضجرًا ثم قال وهو يلوك قطمة التفاحة داخل فمه :
-ينفع تغيروا الموضوع
-شوف يا عيني حتى مش عايز يجيب سيرتها، شكلها منكدة عليه جامد، إحنا نعمل للبنت دي كارت إرهاب لما تيجي علشان تعرف إن عندها تلات حموات مش واحدة
رفع حمزة نظره لهما ثم إبتلع ما في جوفه وقال بجدية شديدة :
-ينفع بلاش هزار يخص نور خالص، انتوا أخواتي وهى مراتي وانا مش عايز نجيب سيرتها وهى مش موجودة، لازم أعمل ليها احترام وهى غايبة وهى حاضرة حتى لو إحنا متخانقين
رمق كريم وغادة بعضهما لبرهة ثم تنحنحت غادة قائلة :
-خلاص متقفش إحنا بس كنا بنهزر معاك بدال ما انت مكشر من الصبح
مالت قليلًا نحو كريم هامسة :
-غير الموضوع يا كريم
وتنحنح الآخر ثم تحرك جاذبًا مقعد المكتب وجلس عليه بطريقة معكوسة قائلًا :
-ماشي نغير الموضوع، اتغديتوا ولا لسه؟؟
وأجاب حمزة :
-انت اتأخرت ليه كده انت وبابا؟ الشغل المفروض يخلص اتنين مش كده، الساعة دلوقتي داخلة على أربعة معتقدش إن فيه تدريب بيقعد الوقت ده كله
-ما علشان انا عندي بعد التدريب حصص حضرتك
-حصص؟!!
هتف بها كلاهما بتعجب فقال كريم متحمسًا للسرد :
-آه صحيح ما اللي حصل ليكم انتوا الاتنين خلاني اكنسل عن الكلام في الموضوع، مش انا بعلم مديرتي المستقبلية العربي
حدق به كلاهما ولم يقل التعجب بل إزداد إذ هتفت غادة متسائلة :
-سارة بنت دكتور فؤاد؟!
-آه انتي تعرفيها؟
-آه أعرفها اسمًا وشوفتها مرة واحدة من زمان أوي لما كنت مع بابا في الشركة، كانت عيلة تقريبًا عندها ١٥ أو ١٦ سنة وقتها، وهو انت ليه بتعلمها؟!
-علشان هى متعرفش عربي عاشت حياتها كلها في ألمانية
-انا عارفة النقطة دي، قصدي ليه انت بالذات اللي تعلمها عربي ليه باباها مجابش حد متخصص مثلًا
ذم كريم شفتيه لا يدري حقًا الإجابة رغم أن لديه فضول كبير لمعرفة إجابة على هذا السؤال :
-مش عارف بصراحة ولما سألت بابا قالي خايف عليها وواثق فيك انت، ومفهمتش وقتها إزاي يثق في واحد لسه يعرفه من كام يوم بس
همهمت غادة بتفكير تتذكر حديث والدها عن عائلة الحسيني وعن الدكتور فؤاد بالوجه الأخص :
-يمكن علشان هو قريب من بابا أوي وبيثق فيه جدًا فمتأكد إن ابنه محل ثقة، انت متعرفش قد ايه دكتور فؤاد ده بيعز بابا لدرجة إنه قالي انا يوم ما كنت هقدم هناك لو كان عندي ولد كنت جوزته ليكي علشان أناسب باباكِ بس للأسف معنديش غير بنت واحدة
ضحك كريم بخفة ممازحًا :
-طب ما كان جوز بنته لحمزة طالما كان عايز يناسب بابا أوي كده
-مش عارفة بس هو كان رافض خالص بنته تنزل مصر، ولما شوفتها آخر مرة كانت بتعيط لباباها علشان ترجع ألمانيا تاني لجدتها هناك
تحدث حمزة بعدما كان يأخذ دور المشاهد :
-قولي تعاملها حلو ولا زي أغلب ولاد الأغنية، بتعاملك بتكبر يعني
-لأ خالص بالعكس دي لطيفة أوي زي القطط الرومي كده، ولازقة فيا علطول وبتعاملني معاملة المترجم
ختم حديثه مقهقهًا بعلو على صوت سارة وطريقة كلامها فقالت غادة ببسمة :
-حلوة مش كده؟!
صفر كريم بطريقة عبثية ضاحكة ثم أجاب :
-طلقة يا غادة طلقة، لا استني طلقة ايه دي صاروخ كامل
رمقته غادة بفم مفتوح من الذهول ثم إستدارت لحمزة قائلة بسخرية :
-سامع تربيتك يا حمزة
هم حمزة بالتحدث فقاطعه كريم مجيبًا هو :
-انتي بتكلمي مين أصلًا ده هو نفسه كان بيعاكس نور كل ما تجيله فرصة، هطلع لمين انا يعني لما هو يكون كده للشيخ الشعراوي مثلًا؟!
رمقه حمزة مضيقًا عينيه ثم قال :
-مش قادر اعترض بصراحة معاه حق هيجيب قلة الأدب دي منين غير مني
أخرج كريم هاتفه يأتي بصورة حديثة اليوم لجميع المتدربين وقد أخذ هذه الصورة فتاة للجميع في المعمل ونشرتها في مجموعتهم على الواتس آب، كبر الصورة قليلًا وأدار الهاتف وعرضها أمام شقيقيه قائلًا :
-هى دي سارة
أخذت منه غادة الهاتف وحدقت به قليلًا ثم قالت بسخرية :
-انت في كل مكان بتاكل يا كريم
-انا طالع النهاردة من غير فطار بلاش آكل يعني ويجيلي هبوط؟؟
نطق بها بنبرة متهكمة فقال حمزة وهو ينظر نحو الفتاة قائلًا :
-حلوة لو فعلًا بالملامح دي ما ممكن ده كله تزييف، يعني صبغة وشعر وميكاب
وقالت غادة :
-لأ فعلًا البنت حلوة ودي ملامحها وراثة ده كله من مامتها الألمانية، شقراء وعيونها ملونة وبيضة أوي.
-اممم طالما ده كله طبيعي يبقى حلوة
-هقول لنور
نظر حمزة نحو كريم الذي نطق بهذه الكلمة بحماسة فقال له :
-إتلم، ثم هى سايبة الأماكن كلها وقاعدة جنبك ليه وراء
-علشان وخداني المترجم الخاص بها وكمان شوية بنات عارفين إنها مش بتفهم عربي فبياخدوها تريقة، غيرانين منها علشان هى حلوة وهما شبه العِرَس
أعطى له حمزة الهاتف ثم قال بجدية :
-طب خلي بالك طالما بتتجمع معاها كتير وبتقول لازقة فيك وهى لو حياتها كلها برا فشايفة الموضوع عادي
-اخلي بالي من ايه؟!
نطق بها كريم مستفهمًا فأجاب حمزة بنفس جديته :
-خلي بالك من الشيطان يا كريم، الشيطان شاطر والبنت حلوة فعلًا خلي بالك لتقع في الغلط
عقد كريم حاجبيه يشعر أن التحذير صارم أكثر من اللازم لتقول غادة بنفس التحذير :
-معاه حق، إحنا عارفين إنك مش بتاع ملاوعة ولا مرافقة بنات بس زي ما حمزة قال الشيطان شاطر يا كريم
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
هبط من سيارته ثم فتح الباب لجدته وساعدها على الهبوط فلتوها خرجت من المشفى بعد أن أعطى لها الطبيب تصريح خروج وأنها أصبحت بخير الآن ولكن لا تهمل في العلاج، كانت تظن أنها ستموت وأن الأجل قد حان ولكن يبدو أنه لا يزال ممدودًا بعد
نظرت حولها تتنفس بعمق وهناك بسمة مرتاحة على وجهها أنها عادت لمنطقتها ولمنزلها رغم أنف الجميع، تحدثت رقية وهى تغلق باب السيارة بعدما خرجت هى وهاجر منها :
-مش فاهمة ليه مصرة تقعدي هنا؟! ده حتى المكان مش مريح وانتي محتاجة راحة وهدوء
وأجابتها الأخرى وهى تتقدم للأمام مستندة على عكازها وذراع عمر :
-انا عايزة أقعد وأموت هنا انتوا مالكم بقى، هو سفيان فين مش كان معانا في المستشفى؟
أجابت هاجر وهى تلحق بهم لداخل البناية :
-سفيان رجع الشقة هيجيب حاجة وهيرجع على هنا يقعد معاكي شوية وبعدها هيطلع على شغله علطول علشان أجازته خلصت
-قالك هيتأخر المرة دي ولا مش هيطول
-مش عارفة والله يا تيتة بس انا هفضل معاكي متقلقيش
توقفت ونس على الدرج ثم نظرت له بتعب فهى تسكن في الرابع ولن تستطيع الصعود كل هذا ولا يوجد مصعد
-تحبي أشيلك؟!
نطق بها عمر ببسمة لطيفة فقالت ونس برفض :
-بس يا واد تشيلني ده ايه!!؟
-وايه يعني مش انتي شيلتيني وأنا صغير، أشيلك انا وانتي كبيرة
هم بحملها فأبعدته الأخرى سريعًا ترفض الأمر :
-لا يا عمر ده انت هتطلع بيا الرابع، كده ضهرك يوجعك
-يا ستي فداكِ تعالي
نظر نحو رقية وأعطاها المفتاح ثم قال :
-اطلعي انتي وهاجر وانا هجيبها وآجي وراكم
وقالت هاجر :
-طب ايه رأيك تاخدها نص ساعة في أي مكان لحد ما ننضف انا ورقية البيت فوق علشان محدش قعد فيه من كذا يوم، وانا مكنتش أعرف بصراحة إنها هتطلع النهاردة
-لأ طلعوني بيتي، هقعد في الصالة لحد ما تنضفوا اوضتي وبعدها كملوا البيت
نطقت بها ونس بنبرة جادة وقد أعطت العكاز لرقية ثم قالت لعمر :
-شيل يلا بس ريح نفسك ما بين كل دور ودور علشان متتعبش وانا كمان تقيلة مش خفيفة
آماء عمر لها ثم نظر لرقية قائلًا بجدية :
-بلاش إجهاد ليكي كتير ماشي
صعدتا هاجر ورقية أمامهما لتقول هاجر متسائلة :
-هى الدكتورة قالتلك ايه؟؟ تعبتي جامد امبارح بعد الفرح
تنهدت الآخر بضيق ثم أجابت بعدما وقفت في الطابق الثالث تلتقط أنفاسها قليلًا :
-هزقتني علشان الحركة الكتير اللي عملتها في الفرح، قالتلي انتي كده بتموتي الجنين من وقت ما سافرتي الصعيد من غير ما ترجعيلي وهو مهدد بإنه ينزل
اختنق صوتها بغصة مريرة فهى تعاني عيبًا في رحمها يجعل الأجنة لا تستقر بداخله :
-قالتلي أرتاح خالص وبلاش أجهد نفسي وأي حركة مبالغ فيها تاني هينتهي الجنين
استمعت لصوت عمر على الدرج فأكملت الصعود لتقول هاجر بمواساة :
-إن شاء تقومي بالسلامة تفائلي بالخير، ولو على التنظيف فسيبيه عليا انا واقعدي انتي
-آه علشان ونس تهزقني وتقول
وقفت أمام باب الشقة ثم قلدت صوت جدة زوجها بصوت منخفض حتى لا يصل إليها وتهبط على رأسها بالعكاز :
-ما بلاش شغل سلايف واشتغلي زيك زيها ولا هى الخدامة وانتي على ايديكي نقش الحنة
ضحكت هاجر على تقلدها البحت ثم فتحت الباب وولجت، بينما أكملت رقية كلامها قائلة :
-تصدقي بالله انا لو كرهتك في يوم من الأيام هيبقى بسبب الست دي اللي كل لما آجي هنا تفضل تقارن بينا إحنا الاتنين
فتحت هاجر النوافذ حتى يدخل الهواء فقالت رقية وهى تفك الدبابيس من على حجابها :
-عندك هدوم زيادة هنا علشان الهدوم دي متتوسخش
-يا بنتي مش الدكتورة قالتلك ارتاحي، ما تقعدي بقى
ابتسمت رقية لها تشعر أن هاجر طفرة جينية فهى لا تتعامل مثل باقي النساء وأفعال زوجات الأخوة الخبيثات تلك، ولا تكن لأحد صغينة أو كره، وعلى الأرجح السبب يعود لأن هاجر تفتقر لأجواء العائلة التي حرمت منها :
-انتي شكلك عايزاها تشوفني بتهزق، هاتي يا بنتي حاجة من عندك ألبسها
أحضرت هاجر لها عباءة بيتية وأرتدت هى مثلها مع حجاب صغير وضعته على كتفيها في حين حضر عمر تضعه بسرعة على رأسها، فتحت النافذة الكبيرة في غرفة ونس وقد تأكدت أن لا أحد يقف في البناية المقابلة لهم حتى تأخذ راحتها
بدأت حملة التنظيف وقد أخذت تنظف هى الغرفة ورقية أخذت تنظف البهو ببطء سلحفاة بسبب الحمل، بالإضافة ايضًا أنها أفشل مَن قد يكون في الأعمال المنزلية، وهذا لأنها لم تكن ترفع قشة في بيت أبيها بسبب انشغالها بعملها
وهذا ما يجعل ونس تنتقدها في بعض الأحيان وتقارنها مع هاجر
سمعت هاجر صوت عمر وصل وهو يلهث فوضعت الحجاب على رأسها سريعًا، لكن عندما تأكدت أنه لن يدخل هنا نزعته مرة أخرى بسبب الحرارة الشديدة مع المجهود، حتى أنها فكت أول أزرار عبائتها كذلك، أخذت تندمج في التنظيف غافلة عن أعين تنهش بالتحديق بجسدها من أحد الشُرف
ذاك الجار البغيض الذي يستحلِ مراقبة النساء من شرفة منزله، يرتدي الملابس الرسمية للرجال في المنزل في الصيف ألا وهما الشورت الأبيض والفانيلا البيضاء وأحيانًا ينوعون في الألوان
يقف هكذا يوميًا وكأنها عادة مقدسة عنده، يراقب الذاهبة والآيبة ويا حبذا لو امرأة تنشر غسيلها أو تجلس في منزلها بأريحية وتفتح النوافذ، يظل يتطلع إليها وكأنه كلب أجرب جائع يقف أمام محل جزارة يتطلع للحوم وكأنه محروم
وإن اعترض أحد على هذا يقول بوقاحة وكأنه صاحب الحق هنا "واقف في بلكونتي بشم هوا، حرام أشم هوا؟؟"
أمسك به سفيان من قبل ينظر لزوجته وكاد أن يذهب لمنزله حتى يرميه من هذه الشرفة ولكن جدته أوقفته وأغلقت الباب عليه من الداخل حتى لا يوقع نفسه بمشكلة مع هذا الرجل الوقح سليط اللسان
ولكن يبدو أنه لن يسلم هذه المرة إذ ما إن رأته هاجر يتطلع لها بشهوانية وفي يده سيجارة وفي الأخرى كوب شاي حتى ألقت الحجاب بإهمال على خصلاتها وهمت بإغلاق النافذة فماذا بيدها لتفعل غير هذا
ومن سوء حظ هذا الأبله أبصرت سفيان وصل في الأسفل ويهبط من سيارته، ثم رفع عينيه بالصدفة للبناية ليبصر زوجته تقف في النافذة بحجاب يُظهر نصف شعرها من الأمام
والألعن من هذا ترتدي عباءة منزلية بأزرار مفتوحة عند العنق للأسفل يظهر منها بسخاء ما لا يجب أبدًا إظهاره، والحجاب بالكاد طرفه يلتف فقط عند عنقها
عادت هاجر للخلف بسرعة تجر الحجاب لوجهها كله وقد لاحظت لتوها فتحة صدرها التي نسيتها وأن الحجاب لم يكن يغطيها، ويلي لقد رآها سفيان تنظر هكذا من النافذة؟!
هى ميتة اليوم لا محال
أما سفيان أغلق باب سيارته بعصبية وقد نظر نحو البناية المجاورة ليرى أبلهًا ينتوي موته اليوم، عينيه مباشرةً نحو نوافذ شقة جدته المفتوحة كلها حتى أنه لا يخفض عينيه للشارع وبالتالي لم يره
ابتسم بسمة مخيفة متجهًا مباشرةً نحو تلك البناية وهنا مدت هاجر رأسها فقط كما الفئران حتى ترى سفيان فأبصرته يتجه نحو البناية المقابلة لهم وهذا ما جعلها تهرول للخارج صائحة :
-عمر يا عــمــر ألحق سفيان بسرعة
خرجت للبهو حيث كان يجلس عمر مع جدته، ورقية تقف يبدو عليها السخط وعلى الأرجح سخرت ونس من بطئها في التنظيف، انتفض عمر من مكانه بسرعة لصياحها هذا لتقول ونس بخوف على حفيدها :
-ماله سفيان!؟
أشارت هاجر من شرفة البهو المفتوحة إلى البناية الأخرى قائلة بخوف من تهور زوجها الذي اختلط غضبه بغيرته النارية :
-الراجل ده كان بيبص عليا من الشباك وانا مكنتش شايفاه، ولما جيت أقفله سفيان كان تحت وشافني وشافه ودلوقتي دخل عمارتهم
خرج عمر للشرفة بسرعة حتى يرى ذلك الزنديق الذي عينيه تتفحص نوافذهم هم بالذات، وعندما رأى الآخر رجلًا خرج له إدعى أنه ينظر للشارع وهو يرتشف من كوب الشاي
وقفت رقية بجانب زوجها وفي يدها عصا المكنسة، تتطلع معه بفضول حتى ترى ذلك الرجل الذي تتحدث عنه هاجر، وعندما وجدها عمر بجانبه دفعها بغضب قائلًا :
-انتي واقفة تبصي انتي كمان بشعرك ده، ادخلي جـــوا
تركهن وخرج من الشقة يتبعه نداء جدته المتعب وهى تقول :
-عمر يا عــمــر، هات أخوك وبلاش تعملوها خناقة ده راجل بجح وعينيه بيضة
-بجح يتربى، عينيه بيضة يتفقعوا علشان ميبصش تاني على اللي ميخصوش
هذا ما هتفت بها رقية وهى تستند على عصا المكنسة فصاحت ونس وهى تحاول أن تستقيم :
-سفيان غبي في غيرته وعمر أكيد مش هيهديه المرة دي
ساعدتها رقية على الجلوس مرة أخرى ثم قالت :
-اقعدي انتي رايحة فين؟! هما خمسة بس ويجوا بعد ما يطحنوا عضمه، والله لولا إن عمر ممكن يبهدلني لكنت روحت اتفرجت على الخناقة اللي هتحصل هناك
ركضت هاجر نحو الباب وأغلقته من الداخل بالمفتاح ثم بالقفل الداخلي فقالت رقية بتعجب :
-انتي بتعملي ايه يا هاجر؟!
إستدارت الأخرى تبحث عن شئ تسد به الباب قائلة بتوتر :
-بقفل الباب علشان سفيان ميعرفش يدخل وهو شايط، علشان لو دخل قولوا عليا يا رحمن يا رحيم
أما عند سفيان ما إن ولج للبناية حتى صعد للطابق المنشود يأكل الدرج أسفله، وقف أمام الشقة ثم رن الجرس حتى لا يفزع ويقرر ألا يفتح الباب
وبعد دقيقة فتح ذلك الرجل ولا تزال السيجارة في يده، وما إن رأى الطارق سفيان حتى إهتز بدنه بريبة قائلًا :
-افندم؟!
-المدام والأولاد جوا؟!
نطق بها سفيان وعلى شفتيه بسمة شريرة فقال الآخر عاقدًا حاجبيه :
-نعم؟!
-بقولك المدام وأولادك جوا
-لأ عند اختها
وتلىٰ جملته دفع سفيان له بعنف للداخل فجعله يصطدم بالحائط ثم قال :
-حلو علشان محدش يصوت
أما عمر دخل ركضًا البناية ثم صعد للطابق الذي به الشقة ولكن لم يعلم أي واحدة هى المنشودة، اقترب من أحداهما كانت مواربة قليلًا وعندما سمع صوت شقيقه فتحها ببطء ليجد سفيان يجثوا فوق رجل يكيل له الضربات بشكل احترافي دون إعطاء الآخر الفرصة للتنفس حتى
ولج سريعًا يبعد شقيقه الذي يسب الآخر بألفاظ بذيئة مخرجًا شخصية ضابط أمن الدولة منزوعة الرحمة وكأنه قبض على إرهابي :
-خلاص يا سفيان مسبتش فيه حتة أضربه فيها
صاح به الآخر بغضب حارق :
-وانت كنت فين يا بشمهندس والحيوان ده بيبص على حريم بيتنا
-والله ما شوفته ولا كنت واقف جنب البلكونة أصلًا
ركل الرجل بعنف في قدمه ثم أضاف بتهكم :
-يعني هشوفه بيبص على مراتي ومرات اخويا وهعمل نفسي مش شايف، ليه قالولك عليا خروف!؟
نظر سفيان نحو ذاك المسطح ولم يتشفى بعد إذ قال وهو يرفعه من تلابيب فانيلته البيضاء التي تصبغت بالدماء التي تدفق من وجهه :
-انا لسه مشافتش غليلي منه
جذبه عمر منه قبل أن يهم شقيقه الثائر بفقع عينيه وألقى جسد الرجل على الأريكة بإهمال قائلًا :
-خلاص يا عم بقى الراجل مفيش فيه حتة سليمة، يلا نمشي
أخرج سفيان هاتفه يأتي بأحد الأرقام حين تحدث ذلك الرجل وهو يسعل بصعوبة :
-علشان ظابط بتتعدى عليا في بيتي هو انت فاكرها سايبة؟!
نظر له سفيان بنظرات سوداوية ثم وضع هاتفه على جنب ورفع أكمام قميصه قائلًا بوعيد :
-واحد عاكس مراتي كسرت عضمه ما بالك وانت كنت بتبص عليها زي الفار بعينيك دول من بلكونتك هعمل فيك ايه؟!
كور يده على شكل قبضة ثم اقترب منه هابطًا على عينه اليمني ولم يمهله فرصة للصراخ وفعل باليسرى نفس الشئ ثم ألقى به أرضًا صائحًا :
-علشان تبقى تبص على واحدة تاني يا ****
أما عند هاجر قد إرتدت ملابسها كاملة ووقفت بجانب الشرفة من الداخل، تشرئب بنصفها الأمامي للخارج تحاول رؤية سفيان متى سيخرج من البناية، تحدثت رقية وهى تمسح يديها بمنديل مبلل حتى تبعد رائحة التراب عنها :
-علفكرة مكبرة الموضوع مش هيعملك حاجة
أدارت الأخرى رأسها ونظرت لها ثم قالت :
-انتي متعرفيش سفيان ومتعرفيش غيرته زيي
-طب ما أخوه أهو واتعصب بس مش بالطريقة اللي انتي خايفة منها دي، ده انتي قفلتي الباب علشان ميدخلش؟!
تحدثت ونس وقد أصابها الصداع من ثرثرتهن :
-عمر بيغير بعقل ومتفهم أحيانًا، إنما سفيان عقله بيطير لما يغير ودمه حامي بيفور بسرعة
استمع ثلاثتهن لصوت عمر قادم من الدرج وهو يتحدث فاغلقت هاجر الشرفة بسرعة والتصقت في ونس قائلة :
-حفيدك لو اتغابى انا مش هقولك هعمل ايه
-بس روحي اتنيلي وانتي بوق على الفاضي، ده أول ما يبقى قدامك هتبقي زي الفار اللي زنقُه قط
طرق عمر على الباب فقالت رقية بصوت مرتفع :
-معلش يا عمر هاجر قافلة الباب ومش عايزة تفتح
-ليه؟!!
-علشان خايفة من سفيان
ضحك الآخر من الخارج ثم نظر لشقيقه ذو الملامح المتهكمة ثم قال :
-لأ افتحوا مش هيعمل حاجة واقف ساكت أهو
-طب خليه يحلف إنه مش هيعمل حاجة يا عمر
نطقت بها هاجر بتوجس فقال سفيان بصوت مرتفع من الخارج وصل لها واضحًا :
-افتحي الباب هو انا هاكلك يعني؟!
نظرت هاجر نحو ونس التي قالت بطمأنة :
-متخافيش ميقدرش يعملك حاجة طالما انتي جنبي، افتحي الباب يا رقية
تحركت الأخرى بعدما وضعت الحجاب على رأسها ثم فتحت الباب فولج عمر وسفيان الذي اتجه نحو البهو مباشرةً وجلس على أحد المقاعد أمام نظرات هاجر المتوجسة له وهى تتساءل :
-هو انت عملت فيه ايه؟!
لم يجبها إلا بنظرة جانبية ثم قال بهدوء :
-قافلين البلكونة ليه الجو حر؟؟ افتحوها تدخلكم هوا
رمقته رقية ببلاهة كما هاجر التي رددت كلامه قائلة :
-نفتح البلكونة والشبابيك عادي!!؟
وأجاب الآخر بجدية يحاول قدر المستطاع ألا يكون بربري همجي ورغم هذا كان كلامها مخيفًا وهو يقول :
-آه عادي نموت من الحر يعني!؟ وبس أشوف حد تاني عينه باصة هنا، مش هكتفي خالص وقتها بالضرب بس هفقعهم هما الإتنين
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
رنت جرس الباب بصعوبة بسبب ما تحمله فقد تركتها والدتها وصعدت مع والدها حتى تعطي لبراءة "نقوط الصباحية" وقالت لها خمس دقائق وتنزل خلفها، انتظرت أن يفتح أحدهم الباب وبعد ثوانِ وجدت كريم هو من يفتح
تبسمت في وجهه مرددة بلطف :
-مساء الخير ينفع ادخل
وجدت منه رد فعل عجيب إذ ضم ذراعيه إلى صدره هاتفًا بتهكم :
-مزعلة اخويا وعايزاني أدخلك؟!
وهمهمت نور بينها وبين نفسها قائلة :
-امم شكل حمزة شكاي
أتت غادة عندما وجدت شقيقها يطيل في الوقوف أمام الباب فقالت :
-ماما بتقولك مين على بابا
-مرات اخوكي
مدت غادة نصف جسدها الأمامي تحدق في نور وفي صندوق الهدايا الذي تحمله بين يديها ثم قالت ضاربة بحديث حمزة في ألا تتدخل هى وكريم في مشاكله مع نور :
-انتي مزعلة حمزة ليه؟!
-مش مزعلاه علفكرة
نطقت بها بتبرير تشعر بالحرج منهما فغادة طويلة وكريم ذو طول فارع وهى لا ترتدي اليوم حذاء مرتفع لذا أمامهما قصيرة بشدة فبدت كطفلة وتعرض لها متنمريين
نظر غادة وكريم لبعضهما لبرهة ثم سمح لها كريم بالدخول ولكن لم يسمح لها بالمرور دون أن يضيف شئ _بدا كتهديد لها_
-حمزة بيحبك آه بس لو زعلتيه انا مش هعدهالك، اوعي تفتكري علشان عندك حماه طيوبة والواد بيحبك تعملي اللي على هواكِ
رفعت غادة ثلاث أصابع أمامها ثم أضافت :
-انتي عندك تلات حموات مش واحدة، خلي بالك حمزة غالي على الكل لو فكرتي بس تزعليه أو تنكدي عليه، وانتي كلك متر ونص مش هتاخدي غلوة في ايدينا
كانت الأخرى ملتصقة في الحائط الذي بجانب الباب تضم الصندوق لصدرها وترمقهما بريبة فلما تحولت نبرة الحديث عندهما كتهديد مهربين المخدرات :
-هو حمزة قالكم عليا ايه بالظبط، حـمـــزة
نادت عليه بصوت مرتفع حتى ينجدها من أسفل يدي غادة وكريم اللذان يرمقانها بنظرات عدائية أشعرتها بالقلق حقًا، أتى حمزة يستند على عكازه عندما سمع صوت نور في الشقة ليرى شقيقيه يحاصرانها كقطين جائعين وفأر مسكين :
-انتوا بتعملوا ايه!!؟
أمالت نور رأسها تستنجد به قائلة كطفل يشتكي والدته من طفلين أكبر منه وأكثر طولًا يقومان بالتنمر عليه :
-حمزة اخواتك مش عايزين يعدوني
تقدم الآخر منهما ببطء بسبب كسر قدمه لا يصدق ما يقومان به إذ قال :
-انتوا بتنيلوا ايه بجد مش عايزين تدخلوها ليه؟!
ابتعدا كلاهما من أمام نور التي ظلت ترمقهما بقلق ثم أتجهت نحو حمزة تقف بجانبه وأخذت تسرد ما حدث حين سألها ماذا الذي قالاه لها، فقال كريم بهمس محدثًا غادة :
-شايفة البنت بتتسهوك إزاي هتقلبه علينا دلوقتي
-لؤم فلاحين، انا عرفاه
نظر حمزة نحو شقيقيه لا يصدق أن هذه الأفعال الطفولية تخرج منهما :
-تعالي يا نورهان فكك منهم
سار أمامها ببطء بسبب حركة العكاز الصعبة وهى خلفه لتدير رأسها نحو كريم وغادة حتى تراها، وإذ بكريم يشير إليها بحركة توعد جعلتها تدهش من تصرفهما هكذا معها، هل بالغ حمزة في الشكوة منها أم أنهما مَن يبالغان هنا
أعادت تركيزها سريعًا مع حمزة حين صدر منه تأوه بالتزامن مع ميله قليلًا للأمام فتأبطت ذراعه حتى تسانده قائلة :
-على مهلك، اتخبطت في رجلك؟؟
نفى حمزة وهو يبعد يدها قليلًا حتى يستطيع أن يستند جيدًا على عكازه :
-لأ بس الحركة بالعكاز وبرجل واحدة صعبة
-طب أسندك؟؟
-لأ انا تمام
اقترب منه كريم وسانده من ناحية وغادة من الأخرى ثم قالت غادة لنور وقد دفعتها بخفة _من وجهة نظرها هى_ حتى تتحرك ثم قالت :
-معلش يا عسولة لو هنتعبك يعني تقفي في حتة علشان نعرف نعدي، تعبان زي ما انتي شايفة ومش
-فيه ايه غــادة؟!
نطق بها حمزة بهمس حاد لمزاحهما الثقيل هذا ثم نظر نحو كريم مضيفًا بنفس النبرة :
-وفيه ايه انت كمان؟
وأجاب كريم وقد شعر أن المزحة أصبحت ثقيلة :
-فيه ايه مالك بنسندك
-هو ده كارت الإرهاب اللي قولتوا عليه صح؟! مش قولتلكم بلاش من ده
همس بها بصوت غاضب من تصرفهما هذا والذي ليس في وقته أبدًا، وهذا لأن نور لم تعتد بعد على عائلته وتعاملهم وهما هكذا أعطوا لها إنطباع إنهما لا يقبلان بها زوجة أخ
ونور نفسها لديها مشاكل في التعامل مع الآخرين، ودائمًا ما تظل صامتة في التجمعات تحت بند "أنها تشعر أنها غير مرئية وكلامها غير مقبول"، وهما هكذا يؤكدان لها هذه النظرية
وهذا ما كانت تشعر به نور التي تقف على جنب تتابع همسهم الغير مسموع والنار تتأجج بداخلها تريد الرحيل والإنسحاب من هذا الموقف، والشعور بالحرج وعدم القبول يعترياها كغصة مُرة تستحكم صدرها وتجعل من التنفس أمرًا صعبًا
لا تدري أهى تكبر الموضوع أم لا، لكنها حساسة تجاه من يتحدث معها بطريقة سيئة وكأنها شخص غير مقبول وجوده، وهذا الأمر ما يجعلها صامتة في التجمعات، قليلة الأصدقاء، قليلة الاختلاط بالآخرين، قليلة الكلام وشخص غير إجتماعي بالمرة
حتى حمزة تضايق منها لأنها لا تتحدث معه وكلامها قليل بشدة، وها هما غادة وكريم يظهران عدم تقبلها وهى لم ترى القبول أبدًا منهما عكس رحمة التي كانت سعيدة يوم عقد القران أنها ستكون زوجة أخيها
تضاعفت رغبتها في الرحيل من هذا الموقف خاصةً أنها لا تسمع ما يقولون بهذا الهمس
تصرف أحمق تعلم ولكن أفضل من الوقوف هكذا تغرق في الحرج إذ وضعت الصندوق الذي بيدها على منضدة جانبيه ثم قالت بصوت متلعثم :
-انا غيرت عطيـ..... العطر وجبتلك.... حاجة تانية
تهدجت أنفاسهما وكثر تلعثمها فتوقفت قليلًا ثم قالت وهى تتراجع خطوة للخلف :
-هطلع لبراءة.... بابا وماما فوك.. فوق هباركلها و هنزل هنزل تاني معاهم علشان يطمنوا كليـ
لم تستطع النطق بآخر كلمة من شدة تلعثمها فقطعتها وإستدارت تهم بالرحيل وهي تقبض على يديها من شدة التوتر فنادى حمزة عليها دافعًا بيديه هذان الأحمقان عنه قائلًا :
-رايحة فين؟! مش هتمشي أكيد
توقفت بجانب الباب وفتحته ثم قالت ببسمة رسمتها بصعوبة على وجهها :
-هنزلك تاني والله سلام
لم تمهله فرصة التحدث أو التحرك فخرجت وأغلقت الباب، نظر حمزة نحو شقيقه صائحًا بهما :
-هزاركم كان تــقـيـل
تحرك بسرعة وصعوبة محاولًا اللحاق بزوجته التي خرجت محرجة من موقف كريم وغادة معها الذي لم تأخذه على سبيل المزاح أبدًا، بينما نظر كلاهما إلى بعضهما وقد انقلبت المزحة بالفعل وسيثور عليهما حمزة وما أدراك وما ثورته
سارع كريم في خطاه قبل حمزة وفتح الباب ليجد نور تقف أمام المصعد تنتظر وصوله، فنادى عليها في محاولة لتصليح الأمر قبل أن يفقد حمزة أعصابه عليه إن رحلت :
-انتي يا ولية يعني إحنا بنهزر وانتي خدتيها جد كده ليه؟! انت مش بتهزر يا رمضان؟
رمقته الأخرى بنظرات غير مفهومة ليقف حمزة بجانب الباب مخرجًا جسده المرهق ثم قال بحنو حتى تعود :
-عارفة لو مشيتي هضايق أكتر وانتي عارفة إني مكنتش مستني منك هدية، كنت مستنيكي انتي
وصل المصعد مصدرًا صوت الوصول وفتح أمامها فنظرت له قليلًا قائلة بثقل ازعجه كثيرًا :
-ادخل يا حمزة وانا شوية وهنزل
حمقاء غبية لا تدرك التصرف أبدًا في مثل هذه المواقف ولا تضع له تقديرًا، تقدم نحوها قائلًا بجدية هذه المرة :
-متبقيش كده يا نور، عارفة لو مشيتي هيبقى الزعل ما بينا كبير اعملي تقدير ليا على الاقل
تنهدت بإستسلام وتقدمت نحوه وساندته حتى لا يتقدم أكثر ويرهق نفسه فيبدو التعب عليه واضحًا، وما إن وصلت له حتى أحاط حمزة ذراعه حولها وضمها لصدره قائلًا بزفرة متعبة :
-تعبتيني ولسه بتتعبيني يا نور، قلبك تقيل أوي عليا
خجلت بشدة من وجود كريم الذي انسحب وجذب غادة معه للداخل، فحاولت دفعه عنها فهما على الدرج الآن ولا يجوز :
-عيب يا حمزة إحنا قدام السلم اوعى
للمرة الثانية ينعتها بالحمقاء الغبية في خلده، وهذه المرة هتف بعصبية من طريقتها ومن تعبه الآن :
-بس يا نور علشان جبت أخري من طريقتك ومن كلمة عيب دي، انا جوزك ووقفتنا لا هى غلط ولا حرام، في الأول كانت بتعلقني بيكي وأقول بتصون نفسها وتحافظ على عفتها، دلوقتي لأ بقى من حقي وانتي تقلك هيخليني أنفر منك
اغمض عينيه بضيق يدرك أن كلمة نفور ليست بالحسنة ولكن نور لديها عيب في إظهار مشاعرها حتى له ولو من باب جبر الخواطر حتى، كل شئ تضع له حجة حتى لا تفعله حتى كلامه معها لا تسمح له بأن يقوله لها علانيةً
هو يغرق في حبها وهى تزداد عليه ثقلًا، لا يدري أهي فاشلة في التعبير أم تبخل عليه ولكن في كلتا الحالتين الأمر يزعجه كثيرًا
ابتعد عنها قليلًا حين استمع لصوت والده على الباب يقول بصوت هادئ جاد :
-طب ادخلوا جوا بلاش جنان على السلم يا حمزة
أمسك بيدها بإصرار حتى تسانده ثم دخلا الشقة لتقول والدته ببسمة مرحبة :
-أهلًا يا نور تعالي
-فيه ايه حصل وإحنا جوا؟؟
نطق بها عثمان بجدية يشعر بالاجواء متوترة بين الأربعة فقال حمزة بغضب :
-اسأل الاتنين دول، ويستحسن الكلام ليهم يجي منك مش مني
شعرت ناهد بالتوتر بينهم فقالت داعية نور إلى غرفة الجلوس المنفصلة عن البهو قائلة :
-تعالى يا حمزة هات مراتك لأوضة الضيوف
تحركت نور تساند حمزة الذي تباطأت خطواته أكثر لتعب قدمه، وما إن دخل غرفة الجلوس هذه حتى ألقى بحمله على الاريكة ومد قدمه المكسورة أمامه عليها، اغلقت ناهد الباب عليهما حتى لا يصل الصوت لنور إن تشاجر عثمان مع غادة وكريم الآن
نظرت نور للباب المغلق بعدم راحة وقد همت بفتحه فقاطعهما حمزة بحدة طفيفة :
-متفتحيش الباب
رمقته الأخرى وشعور عدم الراحة يزداد عندها وبشكل تلقائي قالت :
-بس مينفعش
-لـيـه؟! ليه بقى مينفعش، هاتي دليل كده يقول الخلوة بين واحد وواحدة كاتبين الكتاب حرام
نطق بها بعصبية فقالت نور بتبرير :
-انا بس يعني مكسوفة نقعدوا انا وانت في أوضة مقفولة
-بس إحنا مش في شقة مقفولة ولوحدنا، أهلي قاعدين برا ثم ده مش كسوف يا نور، ليه حاسس إن هو هروب
-وانا ههرب من ايه؟!
-مني
هتف بها حمزة معاتبًا ثقل قلبها عليه فاقتربت الأخرى وجلست في أبعد اريكة عنه قائلة بخجل :
-أنا مش بهرب، انا بس مش عايزة تحصل حاجة كده أو كده قبل الفرح
أشار الآخر لجبيرته مجيبًا بسخرية لاذعة :
-وده منظر واحد يعرف يعمل حاجة!؟ ده انا علشان الحقك قبل ما تمشي حيلي اتهد، وعلفكرة انا أعرف وبحثت عن موضوع الخلوة بين المخطوبين بعد العقد مش حرام، ويجوز ما هو أكتر من الخلوة زي التقبـ
-بس يا حمزة بـــس
رأى الخجل اكتسح وجهها من كلامه الجرئ فمسح وجهه ثم استكمل دون أن يخدش حيائها، حتى تفهم فقط :
-مراعاةً للتقاليد مينفعش الدخول ويفضل بعد الـ
أشاحت بوجهها الناحية الأخرى حتى يصمت فصمت بالفعل ولم يكمل مضيفًا :
-خلاص سكت بس عايز أقولك انا مش عايز أكتر من إني أحس إن فيه واحدة في حياتي، عايز منك تبادليني المشاعر، إلا إذا مكنش عندك مشاعر أصلًا ناحيتي
-سبق وقولتهالك انا لو مش حاسة ناحيتك بقبول مكنتش وافقت عليك
ذم شفتيه لا يشعر أن القبول فقط دون مشاعر أخرى يكفي :
-قبول بس!؟
-طماع انت يا حمزة
نطقت بها ببسمة بسيطة ثم تنحنحت وأضافت :
-الإعجاب بيجي في الأول، بعدها القبول، بعد الجواز بتيجي المعاشرة الطيب والحب في الآخر حتى لو كان حب عشرة هيكون حب برضو مش كده
-طب واللي اتلخبط الترتيب عنده وجه الحب بسرعة يعمل ايه؟!
عقدت حاجبيها تفهم ما يريد أن يقول لذا أجابت :
-بس الحب لسه مجاش عندك يا حمزة، انت في مرحلة الإعجاب، إحنا عرفنا بعض شهرين ونص تقريبًا بعدها اختفيت من حياتك ست شهور ويا دوب لسه أسبوعين على خطوبتنا مش شايف إن الحب محتاج وقت أكتر من كده يا حضرت الكاتب
-تعرفي ايه عن الحب يا نور؟؟
هتف بها بجدية شديدة فظهرت الحيرة على وجهها لا تدري الإجابة ليقول حمزة بعاطفة قوية إلتمستها في كلامه :
-كتبت كتير عن الحب وأعرف ايه هو كويس، الحب بكل انواعه مش بس ما بين راجل وست، الحب إنك تدي من غير ما تستني مقابل سواءً كلام أو أفعال وانا كل يوم بحاول اغمرك بكلام حلو ومكنتش مستني بس انتي اللي حسستيني إن الوحيد اللي بيحاول في علاقتنا، الحب إن قلبك يوجعك لما تشوفي حد بتحبيه في ضيقة أو وجع، لما حصلك اللي حصل يا نور في القسم والقضية كل مرة كنت ببص عليكي فيها وعلى تعبك قلبي كان بيوجعني عليكي، الحب إنك تلاقي ألف سبب يخليك تسيب اللي بتحبه وتدور على سبب واحد يخليك تتمسك به، ست شهور بحاول مع أبوكي لو واحد عادي عجبتيه بس كان هيزهق من الرفض الأول أو التاني، الحب إنك تشوفي عيوب حبيبك وتحاول تصلحها مش تاخدها حجة علشان تسيبه وعلشان كده بعاتبك على إهمالك ليا، لسه شايفة إني لسه في مرحلة الإعجاب بس؟!
شعرت بقلبها ينبض بقوة لشدة تأثره بما قال، ليتها تستطيع أن تجد كلامًا هكذا مثله ولكن أين وعقلها فارغ وخجلها حائل :
-يا ريتني أعرف أقول كلام حلو زيك
-انا مش عايز منك أشعار، جملة واحدة تكفي، كلمة واحدة تكفي
نظرت له بعينيها العسليتين تفكر في كلامه، أمَا كفى ثقلًا عليه وكفى خجلًا فـ إلى متى ستظل الفتاة الصامتة التي لا تجيد الحديث مع أحد :
-فاكر لما بعتلك رسالة ومسحتها وقولتلك لما نتجوز هقولك عليها
وآماء الآخر بهدوء مجيبًا :
-فاكر واستنيتك بس انتي اللي نسيتي
-كان رد على كلامك بس حسيت إن كلامي سخيف فمسحته وقولتلك بعد الجواز علشان تنسى
-كان ايه؟؟
-مش فاكرة
رفع إحدى حاجبيه محدقًا بها في ضيق فقالت سريعًا :
-لا والله مش فاكرة صِح، انا بنسى بسرعة الذاكرة عندي في ذمة الله، بس
لم تجد حقًا أي حديث عقلها فارغ تمامًا فقال حمزة بغيظ من صمتها المتكرر مثل سيارة متهالكة عاف عليها الزمن تسير مترًا وتقف عاطلة :
-يا بنتي اتكلمي والله ما ماسكلك عصايا علشان كل شوية تخافي وتسكتي
ابتسمت بسمة مصحوبة بضحكة ثم قالت :
-انت شاطر وعارف تتكلم، كاتب ومحامي بقى فعندك أسلوب حوار، انا فاشلة طول الوقت ساكتة فمش لاقية حاجة أقولها، ده عيب فيا أعمل إيه يعني
-تعالي يا نور اقعدي جنبي
جفلت من طلبه هذا لتجد نفسها ترفض دون تفكير قائلة :
-لأ طبعًا
قاطع حديثها هذا وسادة وجدتها التصقت في وجهها من حمزة ثم صاح بها مغتاظًا :
-عارفة لو قولتي عيب دي تاني انا هرمي عليكي يمين الطلاق، انا متجوز علشان كل لما أطلب منك حاجة تقوليلي عيب
ارتفعت ضحكاتها في الغرفة وهى تضم الوسادة لها فأخفض حمزة كتفيه متنهدًا، كان يظن المشقة هو الوصول لنور لكن وجد مشقة أخرى تنتظره
طرق الباب فتوجست نور في جلستها وصمتت تمامًا حين سمح حمزة للطارق بالدخول فقالت رحمة من الخارج :
-افتح انت الباب مش هعرف افتحه انا
وقفت نور وفتحت الباب لتقدم لها رحمة كوبان عصير قائلة :
-ماما باعتة دول ليكم
شكرتها نور وقد أخذتهم منها بالتزامن مع سماع صوت عثمان الغاضب الذي وصل لها وهو يقول :
-هو انتوا عيال؟! طب غادة وعقلها صغير رغم إنها أكبر واحدة فيكم طب وانت يا كريم؟! ده ينفع؟؟
-أقفلي الباب يا رحمة
جذبت رحمة المقبض وأغلقت الباب فاتجهت نور نحو المنضدة الزجاجية التي تتوسط الغرفة وملامحها شاردة، وضعت ما بيديها على المنضدة فقال حمزة وهو يمسك بيدها لا يريد أن يكون هناك سد بين اخوته وزوجته :
-متزعليش منهم، والله كانوا بيهزوا علشان هتبقى فرد جديد في العيلة أنا عارفهم بس هو الهزار كان تقيل وانتي اخدتيه جد
لم تكن نور كثيرة العتاب أو شكاءة لذا اكتفت بإماءة بسيطة بملامح هادئة ولكن بداخلها لم يمر الأمر لا تزال موجودة تلك الغصة المُرة من موقفهما الذي كان جادًا الي أبعد الحدود
-ينفع أفتح الباب؟!
هتفت بها وهى تستقيم في وقفتها فقال حمزة بضيق مغلق بالهدوء وهو يجذب كوب عصير له :
-براحتك يا نورهان
تنهدت لضيقه الواضح وأخذت تعبث في أصابعها ثم قالت :
-بتحب تكتب ليه يا حمزة
أبعد الآخر الكوب عن شفتيه وقد توقع انها فقط تريد فتح حوار :
-علشان برتاح وانا بكتب، الكتابة جزء مني وانا جزء منها، بتغير مودي مهما كان وحش، عالمي الخاص زي ما بيقولوا، مقدرش أقعد من غير ما أكتب مهما حاولت أبطل مش بعرف، الكتابة هى الجزء الحلو في حياتي
-انت كده بالنسبة ليا يا حمزة، انت الجزء الحلو في حياتي
نطقت بها نور بصدق ثم جلست إلى جانبه دون الإلتصاق به ثم أكملت أمام أنظاره المتابعة :
-انت بتحبني؟؟
-وانتي لسه عندك شك!؟
نظرت الأخرى أرضًا بعيدًا عن ملتقى عينيه ثم قالت بصعوبة تحاول إبادة خجلها ولو لدقيقة حتى تستطيع أن تقول له هذا :
-انا بحب شعرك، وبحب لون عينيك، وبحب أشوفك أطول مني، بحب كلامك ليا وبستناه حتى لو مش بعرف أرد عليه، بحب لهفتك ليا رغم إنها بتكسفني، اتقدملي ناس كتير في الست شهور اللي اختفيت فيهم خاصةً لما عرفوا الناس إن بقى معايا ملايين بس انا رفضتهم كلهم وكنت مستنياك انت
ارتفعت البسمة على وجهه يقسم أنه لم يرها بهذا التوتر في حياتها، حتى أن يديها تعرقتا وأخذت تمسحهما في ملابسها وهى تكمل دون رفع وجهها ورؤية رد فعله :
-لو سمعت اسمك ما بين بابا وماما كنت بقف اتسنط عليهم لعل وعسى اسمعهم بيقولوا إنهم وافقوا عليك خلاص، كتابك لسه قاعد معايا بفتكرك كل لما أبصله، قولتلك لما مشيت من إسكندرية استنى الحلال وانت قولتلي إستنيني، وانا فضلت مستنياك يا حمزة وآدي أهو الحلال
ضحك حمزة لا يصدق أن هذا الحديث موجه له من نور بنفسها، أخفض قدميه أرضًا من على الاريكة ثم أمسك بيدها بكف والآخر رفع وجهها له حتى ينظر لعينيها الجميلتين مباشرةً ثم قال :
-وتقوليلي مش بعرف أقول كلام حلو!؟ اختميها بقى قولتي بتحبي فيا كل حاجة بس مقولتيش اللي عايزها
رفعت عينيها للأعلى نحو السقف تبتسم على زوجها ثم قالت :
-مش بقولك طماع
-آه انا طماع قوليها بقى
لم تجبه بل نظرت لها بمراوغة لا تريد إراحته إذ ظلت تهمهم لعدة ثوانِ ثم قالت :
-بيبقى ليها لذة يوم الفرح خليها لليوم ده
رمقها بوجه دون ملامح بعدما اختفت بسمته فجذبت يدها منه وفتحت الباب ثم عادت وجلست في الأريكة المقابلة له متجاهلة نظراته الحارقة إذ رفعت كوب العصير لشفتيها قائلة بمشاكسة :
-خلاص لِم عينيك عني.... عيب
رفع حمزة قدميه مرة أخرى أمامه على الاريكة ثم قال بتوعد :
-براحتك خالص يا نور، بس افتكري إنه فاضل كام شهر بس ونتلم انا وانتي في بيت واحد، هعملك جدول ضرب يومي صبح وليل واطلع عليكي فيه القديم والجديد
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ولجت للمرحاض فور أن رحلوا عائلتها وكل من أتى يبارك لها الزواج، ظلت بالداخل لعشر دقائق تنتظر أن ترى السبب لآلام معدتها هذه ولكن لا شئ
لا هى الدورة الشهرية أو إسهال أو حتى إمساك، إذًا ما الأمر؟؟ لما تشعر وكأن خناجر تمزق معدتها من الداخل
خرجت من المرحاض تستند على الحائط منادية على يوسف الذي كان يتناول الكيك في المطبخ، آخٍ من هذا الرجل يتناول الكيك وهى تموت بداخل المرحاض :
-يــوســف
-ايوه يا براءة
-تعالى بسرعة
حضر سريعًا عندما إستشعر الألم في نبرتها ليجدها تقف أمام المرحاض ويدها على موضع معدتها فقال قلقًا :
-مالك؟!
-بطني وجعاني قوي وضهري من تحت شوفلي مسكن
نطقت بها بصعوبة وأنفاسها لاهثة فساعدها يوسف علي الجلوس في البهو على الأحد الارائك الصوفية ذات اللوان الأسود المزين بالفضي :
-طب انتي أكلتي حلويات كتير ممكن يكون مغص
-مش عارفة بس أول مرة توجعني قوي كده
همهم يوسف بتفكير ثم قال :
-طب هو ده معادها أو قرب؟!
-لأ خالص
أنَّت بصوت مرتفع وهى تغرز أصابعها داخل الاريكة الصوفية فوقف يوسف سريعًا ثم قال :
-هشوفلك مسكن جوا، فاكر إن جيبت شنطة إسعافات في الحمام
أصبحت براءة تتعرق كثيرًا بشكل غير طبيعي وآلام معدتها في تزايد، حتى أنها أصبحت تقوص ظهرها وتضغط على معدتها تطلق الأنين الخافت، رفعت رأسها عندما سمعت خطوات يوسف قادمة، في اللحظة التي أبصرت بها ثعبان أسود يسير على الحائط فأطلقت صرخة فزِعة تلٰها قولها :
-يــوســــف تِعبان!!
ولم تكن لها هذه سوى بداية المعاناة...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل التاسع وسبعون 79 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
فصل هدية تعويضًا عن فصل يوم الاتنين وبمناسبة إن الرواية اكتملت 2 مليون والحمد لله، اينعم الفصل قصير حبة بس ده اللي قدرت أطلع به بسبب انشغالي الأسبوع ده
شكرًا لكل حد عجبته روايتي ورشحها لغيره واتمنى تكون فيه إستفادة اخدتوها من روايتي مش مجرد كلام فقط للتسلية 👀♥️
صلوا على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
سارة فؤاد الحُسيني
انا مجرد فتاة ولدت من أب مصري وأم ألمانية والدي الدكتور فؤاد الحُسيني من عائلة ارستقراطية مرموقة في أنحاء البلاد فعائلته تحتكر سوق الأدوية والأجهزة الطبية بكل أنواعها
كما أن لديهم في أغلب المحافظات مشفى خاص مجهز على أكمل وجه، بإختصار عائلة لديها الكثير من الثروة وبالطبع الكثير من النفوذ والسلطة التي جعلتهم يتحكمون في كل شئ حتى في حياة أبنائهم والتخصصات التي يريدونها
لأحدثكم قليلًا عن والدي الذي كان يعشق العلوم والطب عشقًا جمًا حتى أنه سافر ألمانيا من أجل الدراسة والتعمق في المجال أكثر، وهناك تعرف على والدتي "ماريان"
كانت كما انا تمامًا في كل شئ، ملامح أوربية بحتة ببشرة بيضاء وشعر أشقر وعيون مموجة بدرجات الأزرق، كان لديها سحرها الخاص كما يذكرها أبي طوال الوقت
كانا في نفس الجامعة وفي نفس التخصص، عشقها عشقًا ولا يزال هذا العشق في قلبه حتى الآن، حتى أنه لم يصبر لإنهاء جامعته وطلبها للزواج وهى وافقت رغم إعتراضها في البداية ولكن أبي كان يقفز لها في كل مكان لذا وافقت مستسلمة
لم تكن المشكلة أبدًا في موافقة ماريان وإنما كانت المشكلة بأكملها في موافقة أهله، لذا عندما أتيحت له الفرصة في أول إجازة له فاتحهم في الموضوع
وللعجب لم يعترض والده أبدًا بل رحب بالفكرة خاصةً أن والدتي ماريان متمكنة في مجالها بقوة وكانت ستفيدهم في مجال الأدوية
إعتراضه الوحيد كان على أنه لا يزال في الحادية والعشرين من عمره وأيضًا ماريان كانت تكبره بست سنوات
أجل ألم أخبركم أن أمي كانت واحدة من المعيدين في الجامعة، وكان أكبر رفض لها في البداية أن والدي أصغر منها ولكن من حبه لها لم تتحمل وسقطت
كما أن أبي شديد الوسامة فمن الأنثى التي تستطيع رفض شاب ذو حسب ونسب ووسامة مثله، كما أن تفكير والدتي الأوربي لم يهتم بشئ يدعى "كلام الناس"
استطاع أبي إقناع والده أنه يتزوجها ووافق سلطان الحُسيني على طلب مدلله وتم الزواج على حسب الشروط التي وضعها سلطان الحُسيني، قضوا معًا عام يعيش أبي على ذكراه حتى اليوم وبعد أحد عشر شهرًا زواج أتيت انا فردًا جديدًا في عائلة الحُسيني
طار أبي فرحًا بي وجدي سلطان كذلك، أراد أبي تسمية ملك لأني كنت شديدة البياض وأشبه الملائكة كما يقول ولكن والدتي أرادت تسميتي اسم مشترك بين العرب والأجانب ليستقروا على اسم سارة
كان أبي متحمسًا للعودة مع أسرته الصغيرة لمصر حين ينهي الجامعة، لكن ما لم يضعه أبي في الحسبان أن الموت سيختطف أمي منه فماتت أمي بحمى النفاس بعد ولادتي بثلاثة أسابيع
إذ ارضعتني ثم ووضعتني على الفراش واتكأت للخلف مغمضةً عينيها لتُقبض روحها في هذه اللحظة، كان أبي في نفس الغرفة وظن أنها ترتاح قليلًا ولم يتوقع أنه ستكون آخر مرة يرى عينيها بها
عاش والدي في اكتئاب شديد حتى أنه لم يرعاني في أول سنين عمري وعشتهم مع جدتي والدة أمي، اتذكر ومضات قليلة به وهو يضمني ويبكي بشكل انهياري، ظل في ألمانيا سبع سنوات وأصبح والده يلح عليه في العودة لمصر
عاد وأخذني معه وفي البداية وما اتذكره أنهم كانوا يعاملوني جيدًا وبحب وعطف لأني يتيمة خاصةً جدي الذي كان يفضلني عن بقية أحفاده كما فضل أبي عن باقي أولاده
كنت طفلة مرحة غافلة عن الصراعات الكثيرة التي كانت تدور بين آل الحُسيني بسبب تدهور صحة والدهم الغير متوقعة رغم أنه لم يكن طاعن في السن، ومعروف عند الأثرياء إن مات الأب يجب أن تضمن نصيبك في التركة والأملاك
لم يرضى أحدهم بنصيبه وانقلبوا على بعضهم لدرجة أن الأمر كاد يصل بينهم للدماء لولا تدخل والدتهم وإيقاف هذه الحرب المشتعلة، لم يكن أبي بالرجل الهين وعلم أن المقعد الذي ورثه يحتاج لرجل قوي صارم جاد حتى يستحقه ويستطيع المنافسة في عالم الأعمال
أرسلني لجدتي في ألمانيا حين لاحظ أن التودد الزائف من الجميع قد زاد لي وخاف أن يفعلوا لي شئ خاصةً وأني وريثته الوحيدة من بعده، اعترضت جدتي لإرسالي لهناك وقالت أني سأتطبع بطباع الغرب وآتي لهم بفضيحة في يوم من الأيام
وضرب أبي بكلامها عرض الحائط وعودت لجدتي مرة أخرى بعد قضائي أشهر قليلة بالكاد تعد في مصر التي لم أحبها فمعرفتي للعربية منعدمة لأن جدتي لم تكن تتحدث معي غير بالألمانية
وأبي عندما رآني لا أقبل التحدث بالعربية كان يتحدث الألمانية معي كما أريد، كان يزورني كل شهر ويقضي معي ثلاثة أيام، مهما كان مشغول ورغم هذا لم يكفيني وكنت انا وأبي بعيدين عن بعضنا
وكلما اسأله لما لا تعيش معي يقول أنه يجمع الأموال لي والبقاء في ألمانيا هو الأفضل لي حتى لا يؤذيني أحد، عشت في ألمانيا خمسٌ وعشرون عام وانا نصف مصرية ونصف ألمانية ولكني دائمًا ما كنت أرى نفسي ألمانية فقط
فأنا لا أشبه المصريين في شئ لا في الهيئة، ولا الملامح ولا العادات، ولا اللغة ولا أي شئ، حتى أني لا أفقه عن الإسلام شيئًا رغم أني من المفترض مسلمة، لم يعلمني أحد كيف أصلي، كيف أصوم، كيف أقوم بالتعاليم الإسلامية هذه
الشئ الوحيد الذي كان يمنعني أبي منه ويقول أنه محرم تمامًا في الدين والعرف هو أن أصادق ولد واتخذه حبيبًا لي إذ كان يقول
"إياكِ أعرف إن عندك Boy Friend يا سارة ده ممنوع خالص، إياكِ تخلي حد يلمسك بطريقة مش كويسة مهما كان مين، ومتلبسيش قصير وتبيني جسمك علشان غلط وحرام "
خطأ وحرام كلمتان لم أكن مقتنعة بهما واردت في مراهقتي أن أجرب أن يكون لدي حبيب مثل باقي أصدقائي، ولكن علم والدي وعاقبني عقابًا شديدًا بل وأصبح يهدد أي رجل يقترب مني أو يعلم فقط أني أميل له
حياة معقدة بائسة، الأم متوفية، الأب الغير موجود، لا يوجد اختيارات بل كل شئ إجبار، المدرسة إجبار، الأصدقاء إجبار، الملابس بالإجبار، حتى أنه كان يعين لي حارسة شخصية ملازمة لي
وعندما سألته لما كل هذا أخبرني أنه يعاني من عداوات وانا نقطة ضعفه الوحيدة والجميع يريد أن يستغلها، يمنع عني كل من يشك في نواياه لأنه يخاف عليّ، يعين لي حارسة شخصية لأنه يخاف علىّ
حياة جميلة، ثرية، راقية من الخارج ومن الداخل لا أجد لي راحة بل دائمًا كنت متشتتة، فصدق المثل الذي قال "الفقير يحسد الغني على ماله، والغني يحسد الفقير على راحة باله"
كنت شابة طائشة وأرتكبت الكثير من الأخطاء التي لا أزال ادفع ثمنها حتى الآن، وحين تخرجت من الجامعة أرسل لي والدي أن آتي وانا رفضت رفضًا قاطعًا فكيف أترك بلدي واذهب لبلد لا أفقه حتى لغتها
وهذه المرة أجبرني إجبارًا قاسيًا لم أعهده منه وأتيت لمصر لأتفاجأ من أن العائلة التي كانت تعاملني بحب ومراعاة تغيرت معي بشكل كبير، حب زائف، إهتمام زائف، وابتسامات بلاستيكية واضحة
حتى أن أبي قال لي بالنص
"اوعي تصدقي حد في العيلة ولا تآمني لحد غيري انا، لو لقيتي منهم حب اتأكدي إنه مش حقيقي وتمثيل علشان يكسبوكي ويكسبوا الثروة اللي هتيجي منك لما أموت انا"
كلام قاسي جعلني أشعر أني في نظر الجميع مجرد ثروة طائلة وليست بشر بلحم ودم ومشاعر، وهذا ما جعلني أنفر من البقاء في مصر بسبب الزيف الذي كنت أراه بالفعل في الأعين من جميع أفراد عائلة الحُسيني
والغيرة الشديدة من النساء لأني أجمل فتيات العائلة كما لقبني عمي الأكبر حين رآني أول مرة، وايضًا الصرامة المخيفة من أسماء الحُسيني جدتي التي تنتظر علىّ خطأً واحدًا تلوم به أبي أني لا اشبههم في شئ وكأني طفرة في العائلة
وأنه أخطأ حين أرسلني لجدتي الألمانية حتى تربيني هى على عادات الغرب والحرية والتمرد ومرافقة الشباب وشُرب الخمور والسهر للصباح في الحفلات الشبابية، رغم أن كل هذا كان أبي يمنعني منه
ترجيت والدي أن أعود لألمانيا وألا استلم الإدارة من بعده، ومهما فعلت أصر على أن أظل بقيت حياتي في مصر
وها قد مر ثلاثة أشهر وعدة أيام على وجودي في مصر وأحب أن أخبركم أني أحببت هذه البلد حبًا بسبب رجلٍ واحد
ولا تعتقدون أنه أبي فلم أكن أره إلا على الإفطار والعشاء وبعض المرات في الشركة، بل كان ذلك المصري كريم أول رجل اقترب منه ولا أجد أبي يصدني عن الأمر
كريم الذي كان صديقي الوحيد وأنيسي في غربتي، الشخص الوحيد الذي كنت في نظره فتاة عادية وليست ابنة المدير الذي يجب أن يتعامل معها بحذر ورسمية وبشكليات تجعله يكسب وُدها
علمني كريم اللغة العربية بل وأصبحت اتقن اللهجة المصرية بطريقة تعجب لها والدي، ولقد جعلني أزور الكثير من الأماكن في الإسكندرية وفي مصر جعلتني أحب هذه البلد
ولأن كريم عاشق للطعام كان يأتي طوال الثلاث أشهر يوميًا بطعام مختلف ويجعلني آكل معه ويقول
"كُلي متبصيش ليا في اللقمة كده بطني توجعني"
لقد زاد وزني هذه الفترة بسبب دسامة ما كان يحضره، كان الشخص الوحيد الذي اتحمل الجلوس في مصر من أجله بعد والدي، وطريقته الكوميديا مع الجميع كانت تجعلني أنسى من انا
حتى في يوم تشاجرت مع والدي لسبب لا أذكره وهبطت من مكتبه لا أريد البقاء في الشركة عازمة على السفر اليوم لألمانيا، وفي هذه الأثناء رأيته يدخل وفي يده شطيرة دسمة من اللحم، ولا أدري حقًا من قد يتناول اللحم في الصباح
كان يتلفت حوله وهو يمضغ الطعام وقد سمعته يقول بصوت مرتفع غير مبالي بأحد حوله
"دي كلها شركة؟! دي تعمل فلوس كتير اوي صعبان عليا البنت اللي هتشيلها وحدها، ده انا جبت أخري من حتة تدريب لا راح ولا جه وهبقى حتة موظف أومال هى تعمل ايه لما تشيل الشيلة دي كلها فوق راسها ولوحدها يا ضنايا"
ضحكت بملئ صوتي يومها وتركت فكرة الذهاب من رأسي وقضيت باقي اليوم مع كريم وكوميديته، لم يسبق لي وأن شعرت بالتعلق ناحية شخص كما انا أشعر نحو كريم
وانا أعلم أنه ليس أكثر من تعلق بصديق فكريم أصغر مني وانا لن أحب أن اتزوج أبدًا رجلًا يصغرني
منذ تخرجت من الجامعة وانا امرأة عملية ولست من اللواتي يتطلعن للحب رغم أني سمعت عنه من الكثير وأولهم من والدي، لكني لم أشعر في يوم أني قد أجرب الحب فجميع من يتقرب لخطبتي يريد أن يناسب والدي الدكتور فؤاد الحُسيني
لا يريدني انا بل للوصول لوالدي وللأموال الطائلة التي سأحصل عليها، كنت في نظر جميع الخطاب الذين تقدموا لي في هذه الأشهر مجرد جسر أو ثروة، حتى أني كرهت مقابلة أحد آخر يريد الزواج مني لأنه سيكون مثل البقية
وقفت أمام مرآة غرفتي الواسعة المطلية بإحدى درجات اللون البنفسجي _احب هذه اللون كثيرًا_
إرتديت ملابس صيفية رغم أننا في شهر نوفمبر الآن والجميع يقول الأجواء تنقلب للبرودة ولكني لا أرى أي برودة، فمن يجرب ثلوج ألمانيا يكون بالنسبة له هذا الهواء العليل في الأجواء كنسمات الصيف
أخذت تبحث في احذيتها الكثيرة عن ما يناسب ملابسها وكانت أغلب احذيتها إن يكن جميعها بكعب مرتفع وهذا لأنها قصيرة كثيرًا والمرأة القصيرة في أوروبا عبارة عن شئ غير راقي لذا اعتادت على الأحذية المرتفعة
عدلت خصلات شعرها المصففة بعناية فقد ذهبت البارحة لمركز التجميل وقضت اليوم في الإهتمام بنفسها، فسر أنوثة المرأة هو الإهتمام
أخذت حقيبة صغيرة لها ثم اتجهت إلى الأسفل بخطىٰ بطيئة تدندن إحدى الأغاني الفرنسية، أسرعت في خطواتها عندما أبصرت والدها يجلس في إنتظارها حتى يتناولا الإفطار، فهى قد طلبت منه أن ينتقلا لمنزل بمفردهما بعيدًا عن عائلته وإلا لن تجلس دقيقة أخرى في مصر :
-صباه الخير يا بابي
ابتسم الآخر على نطقها لحرف الحاء هاء، فهى تعلمت اللغة بسرعة شديدة ولكن لا تزال غير قادرة على نطق الحاء والعين، وقال كريم له حين انتهى من تعليمها :
-انا عملت اللي عليا وعلمتها بس الحاء والعين واقعين منها فانت اعتبرها لدغة وشكرًا على كده
ظريف وخفيف الظل ابن عثمان
طبعت قبلة على وجنته فرد عليها تحية الصباح بلغتها هى :
-صباه النور
ذمت شفتيها بتذمر قائلة :
-متأملش زي كريم كل لما أقوله صباه الخير يتنمر أليا
-لا ملوش حق والله، أقعدي أفطري علشان نلحق نوصل
شرع في بدئ الأكل قائلًا :
-ايه اللي عملتيه مع الولد الأخير اللي قابلتيه ده، انا اتصدمت لما سمعت كلامه وقولت مستحيل بنتي سارة تقول كده
عقدت الأخرى حاجبيها بتعجب قائلة :
-وهو قال ايه اتمنى ميكونش هوّر
-حوّر؟! لأ ده معاه حق فعلًا، قالي بنتك قالتلي مش انا اللي يتضحك عليا بكلمتين ولو فاكر هتاخدني جسر علشان توصل للـ في دماغك فأنت هتقع في المياه قبل ما تحط رجلك حتى
رفعت سارة منكبيها لا تدري ما الخطأ الذي حدث :
-مش فاهمة ايه هو الغلط اللي أملته
-الغلط إنه دي مش طريقتك في الكلام أبدًا، ده كلام سوقي جدًا ميدلش على إنك ألمانية وبنت ناس، مين علمك الكلام ده يا سارة
وكأنه أخبرها من الذي تتلمذت على يده لتصبح بهذه العبقرية، إذ رفعت رأسها مفتخرة ثم أجابت :
-كريم قالي على أسماء Egyptian movies اهضرها ألشان "احضرها علشان" اللغة تتهسن أندي
-اممم وايه بقى اسماء الأفلام دي؟!
أخرجت له هاتفها فهى لا تستطيع النطق بهذه الأسماء الغربية، عرضت له شريط التنزيلات في اليوتيوب عندها فأخذ فؤاد يحدق في الأفلام بدهشة :
-الناظر، اللمبي، العيال هربت، عبود على الحدود؟! ايه الأفلام دي أكيد دي أفلام سرسجين
-Contrarily Dady دي أفلام تضهك أوي
أخفض الآخر الهاتف قائلًا بعدم رضا :
-كان يخليكي تتفرجي على أفلام أبيض وأسود على الأقل أحسن من الأفلام دي
وتنهد ناظرًا لها بجدية ثم أضاف :
-لأمتى هتفضلي ترفضي تقابلي الناس يا سارة، انتي كبيرة مش صغيرة
خفتت بسمتها بعد حديثه ثم أجابت بجدية تفوق جديته :
-انا مش فاضية الفترة دي أصلًا عندي Works كتير ولازم أثبت نفسي زي ما انت آيز
-تمام معترضتش بس جنب الحياة العملية لازم نشوف الحياة العاطفية، النهاردة هيجي راجل مهم جدًا علشان اتفاقية شغل وابنه هيكون معاه، الولد ده مش هياخدك جسر زي ما بتقولي علشان مش محتاج، اتمنى بقى تتعرفي عليه على الأقل
آماءت سارة وهى تنتوي الهرب من تلك المقابلة بأي طريقة وهى تعلم أفضل من يخترع الحجج حتى يهرب من شئٍ لا يريده، عجبًا منذ أتت لمصر وهى تتعلم الكثير من الأشياء السيئة بسبب هذا الرجل؟!
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
اعتلت على وجهها بسمة بلهاء خجولة لا تفارقها منذ ثلاثة أشهر تقريبًا، ترى رسالة من مازن يُقرِؤها الصباح
"صباح الخير تصدقي الليل كله وحشتيني"
وأرسلت له قائلة
"بس علشان انا بتكسف"
لم تنتظر الكثير من الوقت ووجدته قد رد عليها برسالة
"حبيبتي انا خجولة"
حبيبتي عجبًا هذه الكلمة تجعل التساؤلات تدور داخل عقلها، هل هى حقًا حبيبته أم فقط يأخذها كتسلية ولكنه دائمًا ما ينصحها ويقول
" متبينيش شعرك خلي حجابك كامل"
"المدراس خلاص هتبدأ انا عايز مستواكِ دايمًا فوق"
"النهاردة عليكي ايه مذاكرة لو محتاجة مساعدة مني قولي"
دائمًا ما يخاف الحبيب على محبوبه ويريده في أفضل صوره إذًا هو بحق يحبها
في البداية كانت الرسائل بينهما عبارة عن مشاركة منشور، أن يسأل عن أحوالها، ثم بعد هذا تطورت إلى التطرق لحياة كلًا منهما، ما يحبان وما يكرهان وما يخافان منه، يعطي لها نصائح طوال الوقت، يشاركان بعضهما البعض تفاصيل اليوم
ودون أن تدرك أصبح هو أكثر شخص تحادثه وقد يصل بهما الأمر لمئات الرسائل يوميًا وفي كل مرة يذكرها أنه ابن خالتها وبالطبع هى تحادث شيماء وغيرها من الأقارب هكذا، إذًا لا يفعلان ما هو خاطئ
وبعد شهرين من كلامهما المستمر اعترف لها برسالة أنها أصبحت تشغل عقله بطريقة غير طبيعية وبات يفكر بها صباحًا ومساءً وعندما لا تفتح الإنترنت لأكثر من يوم يقلق عليها ويشتاق إليها
في البداية شعرت بالتخبط من كل شئ حتى أنها ظلت لثلاث أيام لا تراسله ولا تدري ما الصواب من الخطأ ومشكلتها أنها كتومة لا تستطيع مشاركة أسرارها مع أحد حتى والدتها
وفي الثلاث أيام أرسل لها عشرات الرسائل حتى ترد عليه كانت آخرهم
"خلاص يا رحمة لو مش متقبلة وجودي كمسمى غير ابن خالتك فأنا معنديش مانع بس نرجع نتكلم تاني، مش عارف أبطل تفكير فيكي ردي عليا"
شعرت بالحنين له لذا لم تستطع تجاهله أكثر من هذا، ويومًا بعد يوم بدأت تتكون عندها فكرة أن مازن ليس فقط ابن خالتها، ربما لم تترسخ فكرة الحبيب هذه بعد ولكنها تعتبره صديق تفضفض معه كثيرًا
وهذه مشكلة أغلب جيل هذه الأيام يبحثون عن أحد يسمعهم في الخارج دون التفكير في اللجوء للأهل، دون مبالاة إن كان هذا الشخص من نفس جنسهم أم لا، أو أن هذا الشخص محل ثقة لمشاركة مشكلة تتضمن أسرار حياتهم
اخفضت هاتفها سريعًا عندما وجدت من يهجم عليها من الخلف قائلة :
-ايوه الناس اللي فاتحة التليفون والأستاذ مش موجود، بتكلمي مين يا بنت بقالك فترة كده، كل شوية ألاقيكي فاتحة واتس
ابتسمت رحمة لشيماء صديقتها المقربة بسمة عادية ثم قالت :
-بكلم نور مرات حمزة
-يا سلام وهى بتكلمك ليه دلوقتي مش المفروض مشغولة وفرحها بعد أسبوع
وضعت الأخرى هاتفها في جيبها ثم أجابت :
-عادي نفسها تشوف الشقة والتغيرات اللي حصلت فيها بس حمزة قالي مبعتش ليها أي صور علشان عايزها تشوفها يوم الفرح بنفسها
همهمت شيماء وقد صدقتها فقالت رحمة تسأل عن مازن بطريقة غير مباشرة :
-هو انتوا كلكم هتيجوا الفرح مش كده
-آه طبعًا كلنا مش فرح ابن خالتنا، ده انا اشتريت فستان جديد
-حتى مازن هيجي من كليته كمان؟!
نفت الأخرى مستطردة هذا الأمر :
-لأ معتقدش، مازن كليته في أسوان مش معقول هيسيبها وينزل علشان الفرح
-ليه كده مش ابن خالته ولازم ينزل
تعجبت شيماء إلحاح رحمة على الأمر فلم يسبق لها وان اهتمت بشئ يخص شقيقها أو أتت بسيرته حتى :
-معرفش يا رحمة هيقدر يجي ولا لأ بس إحتمال كبير لأ
وصلت رسالة لرحمة للتو ولكن لم تجب أمام شيماء فلا أحد أبدًا يعلم بمحادثاتها مع مازن، ولا تعلم لما لا تشارك الأمر مع شقيقته، وحتى هو يرفض تحت بند
"شيماء رغاية وفضيحة متنقلة متحكيش ليها حاجة أحسن"
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
نظرت نحو الأشعة التلفزيونية بأعين متوترة ونبضات قلبها صاخبة تخاف من سماع تلك الجملة التي ستفطر قلبها نصفين، ترى صورة لجنينها داخل رحمها في شهره الخامس وعينيها تلتمع بالدموع
أنهت الطبيبة كشفها ثم قالت بجدية شديدة :
-الأكسجين شبه مش واصل للجنين انا هحولك المستشفى حالًا
قرع قلب رقية برعب على جنينها الثاني وأن تفقده هو أيضًا فقالت فزعة :
-هيموت؟!
ضغط عمر على كف زوجته هاتفًا بجدية تامة :
-إن شاء الله هيكون كويس بشروا ولا تنفروا، ظبطي هدومك وانا هستنى برا
خرج رفقة الطبيبة والتي عدلت وضعية نظارتها ثم قالت بهدوء :
-بنسبة ٩٠٪ الجنين مش هيعيش
تنهد عمر بقهر خفي يعلم أن زوجته تعاني مشاكل في رحمها وما يجعل الحمل لا يستقر عندها، وأكملت الطبيبة بجدية :
-مدام رقية زي ما قولتلك عندها مشيمة الرحم مزاحة وده بيأثر على الجنين ونموه وثباته
-وإحنا نفذنا كل تعليماتك، خليتها متنزلش الشغل تاني علشان الحركة
-بس انتوا سافرتوا الصعيد يا بشمهندس وده سفر أكتر من تسع ساعات انا أصلًا مستغربة ازاي الحمل فضل مستقر، وقولتكم وقتها بلاش حركة من دي أبدًا، بس مدام رقية عندها فرط حركة، مينفعش واحدة عندها المشيمة مزاحة تتحرك كده كتير، لازم ليها راحة طول فترة الحمل مش سفر وفرهدة
-يعني انا عمري ما هيثبت ليا حمل أبدًا؟!
نطقت بها رقية التي كانت تستمع لما يقال فقالت الطبيبة بجدية :
-الحل في حالتك، مراقبة ضغط الدم والراحة ثم الراحة، حتى العلاقة الزوجية تبقى ممنوعة لحد بعد الولادة
فرك عمر وجهه مستغفرًا ربه ثم قال :
-اكتبي التحويل يا دكتورة وانا هاخدها دلوقتي، هى المفروض تفضل قد ايه في المستشفى
-يومين تلاتة لحد ما الأكسجين يوصل للجنين بشكل طبيعي، ولو فضل على الحال ده
تنهدت بحزن ثم استرسلت :
-الجنين هيموت وهنضطر نعمل عملية إجهاض علشان هو في شهره الخامس
اغمضت رقية عينيها وجلست على الفراش وقد بدأت في البكاء فقالت الطبيبة سريعًا :
-انتي كده ضغطك هيرفع ويجيلك تسمم حمل وبدال ما يبقى فيه فرصة يعيش هتموتي الفرصة دي
وساعد عمر زوجته على الوقوف سريعًا ثم قال :
-يلا يا رقية وبلاش تبكي علشان ضغطك ميعلاش
وكأنه أعطى لها الإذن بالبكاء إذ أخذت تزرف الدموع وعلىٰ نشيج بكائها وهى تقول :
-هيموت يا عمر مش هيعيش، هيموت هو كمان
أمسك عمر بكفيها يحثها على الوقوف وهو يقول :
-مش هيموت يا رقية إن شاء الله قومي
خرجا من العيادة ثم استقل عمر سيارته وانطلق للمشفى الذي يعمل به يوسف وشقيقها، ولم تكف رقية عن البكاء طوال الطريق لدرجة أرهقت أعصابه وكاد يصرخ بها ولكن فيما سيفيد الصراخ غير أنها ستبكي أكثر
أخرج هاتفه بحثًا عن اسم يوسف ثم اتصل عليه وما إن سمع صوته قال :
-الو يا يوسف معلش عارف إن دوامك خلص بس ارجع المستشفى تاني علشان رقية تعبانة وهتتحجز في المستشفى
وأجابه يوسف بصوت مرهق وكأن النوم لم يجافيه لأيام :
-ماشي مسافة الطريق وجاي يا عمر
أغلق معه ثم نظر بعينين مرهقتين لجسد زوجته المدد على الفراش، بصعوبة نامت بعد الكثير من التشنجات والبكاء والعويل والصياح بأنها لا تطيقه وتريد أن تتطلق
وهما على هذا الحال منذ زواجهما فلم يتهنيا بيوم واحد خالي من المشاكل، حتى يصل الأمر معها بأنها تضربه وتضرب في نفسها كلما هم بالأقتراب منها، وبعد نوبتها هذه لا تتذكر شئ وكأنها أصبحت تعاني من انفصام في الشخصية
فتارة تبكي وتشكي ألمًا في معدتها وتقول له ألا يتركها لدرجة أصبح ملازم لها في البيت ولا يخرج وتركها، وإن تغيبت هى من عملها تجعله يغيب معها وتقول :
-متسبنيش لوحدي في البيت انا مقدرش أقعد هنا لوحدي يا يوسف هموت نفسي من كتر اللي انا بسمعه وبشوفه
وتارة أخرى تصبح جمرة مشتعلة تصيح وتغلط عليه بأنها لا تطيق وجوده معها، ولا رائحته، ولا صوته، وقد يصل الأمر لسبه وضربه، ولا يبالغ في الأمر فأكثر من مرة تضربه بأي شئ تطله يدها في نوبة جنونها هذه
وقد كسرت فوق رأسه طبق زجاجي منذ بضعة أيام، وقال للجميع أنه فقط انزلق في المرحاض، فلا أحد يعلم بالأمر غير عائلتها هى فقط، وعائلته لا تدري بالأمر شيئًا
وكلما أراد أن يقول لهم تبكي براءة وتتوسل له بأن لا يخرج الأمر لهم، فلا تريد أن تتعرض للضغط من أحد يكفي الضغط الذي تعيش به
وقد ساعد وجود شقته في الطوابق العلوية التي يسكنها الأقلة على عدم وصول أي صوت لأحد لذا بالتالي لا أحد يعلم ما يدور في حياته هو وبراءة
لم يكن يعلم أن لديه كل هذه الطاقة من الصبر لتحمل كل هذا، فهو يعيش في ضغط نفسي رهيب ويشعر أنه سيأتي يوم وينفجر وما يجعله صابرًا كل هذه المدة أنه يعلم أن الأمر كله ليس بيديها ولا تفعله من تلقاء نفسها
زوجته مسحورة ولا يعلما مَن الذي سحرها ولا كيف يفكان السحر، فقد ذهبا لشيوخ عديدة من كثرتهم لا يتذكر عددهم ولا أسمائهم، وكل مرة يتضح لهم أنه ما هو إلا دجال يريد نقودًا على حساب صحة زوجته لا أكثر
حتى أنه سافر معها للصعيد حتى تذهب لذلك الشيخ الذي عالجها في المرة الأولى ولكنه قد توفي منذ فترة وقد ذهبوا لأكثر من شيخ يعلمه والداها ولم يصلوا لحل، في كل مرة الشيخ يعطيهم ورد قرآني وأذكار تستمر عليها وهى تساعد بالفعل في تهدئة نوبات تشنجها وجنونها
ولكن لا يستمر الأمر طويلًا وتعود لحالتها كما كانت كلما غفلت عن الورد، ويزاد الأمر في الليل أكثر من الصباح، لو فقط يعلم من الذي فعل هذا السحر سيأكله حيًا
أخرج هاتفه حتى يتصل على شروق التي تحمل معه حملًا كبيرًا فهى عادت للإسكندرية منذ شهران بسبب بدء الدراسة وتهتم ببراءة حين يكون هو في العمل، وتقرأ عليها القرآن وتساعدها على هذا على أمل أن تتعافى شقيقتها
حتى أنها أكثر من مرة تبات مع براءة حين يكون لديه وردية مسائية، أو حين تصاب براءة بالجنون فتجعله لا يجلس حتى في البيت، لذا يذهب للمشفى متطوعًا بوردية ليلية ويجعل شروق تبيت هى معها حتى لا تؤذي نفسها
فحين يزداد تأثير السحر على زوجته تظل تضرب بنفسها وتجذب خصلات شعرها بجنون، حتى أنها خسرت نصف وزنها في هذه الفترة، وأصبحت تصاب بإغماء بشكل يومي بسبب قلة تناولها للطعام وانخفاض ضغطها المستمر، ويوميًا يحقن لها محاليل تغذية
-الو يا شروق انتي لسه في الكلية؟!
-انا طالعة من الكلية أهو، براءة حصلها حاجة؟!
-لأ هى نايمة دلوقتي بس عايزك تقعدي معاها علشان انا رايح المستشفي، رقية تعبانة هناك
-ماشي مسافة الطريق وآجي
تنهد يوسف جاذبًا مفاتيح الشقة وقد شغل القرآن على التلفاز ورفع الصوت على آخر درجة ثم قال :
-انا هسيب المفتاح ليكي تحت الدواسة علشان مش هتصحى وتفتحلك خالص، معلش تعبينك معانا
وأجابته الأخرى وهى تطلق تنهيدة قوية فهذا الأمر يرهق نفسيتها كثيرًا، فمَن الذي يتعامل مع شخص مسحور وممسوس بجان ويظل عقله في مكانه، ولكن ما باليد حيلة :
-مفيش تعب دي اختي يا يوسف
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
حدق في دخان سيارته الذي يتطاير أمامه في الفراغ وعقله يفكر في شئ واحد فقط، وهى المكالمة التي أغلقها للتو مع حسين صفوان "حماه المستقبلي" وقد كان يريد أن يطمئن عليه ويخبره أنه يريد تحديد موعد عقد قرانه هو وشروق
ألم يخبركم أنه أحب هذه الفتاة الطويلة، أحبها لحبها له ولأنها لم تيأس يومًا لفظاظته وأسلوبه الجاف، بل كانت تسكب ماء الورد على قلبه الجاف إلىٰ أن رق ولان لها
لندخل في المهم أراد من حسين أن يحدد موعد عقد القران ولكن إجابة حسين لم تكن مريحة له إذ هتف بنبرة مبهمة :
-إن شاء الله أسبوع وجايين علشان فرح بت علي وفيه موضوع مهم لازم نتكلموا فيه
لا يدري حقًا ما هذا الموضوع ونبرته آثارت الريبة داخل عقله، حاول أن يعلم ما هذا الموضوع ولكن رفض حسين أن يريحه
أخفض سيجارته ثم أتى برقم شروق التي يسجلها على هاتفه بـ "كيكة الشوكولاتة" يا للعبث الذي وصل له، يونس الساخر من أمور الحب أصبح يتعلمها فقط إرضاءً لتلك الطويلة
استمع لرنين الهاتف ثم ردت عليه وصوت قرآن مرتفع يصدح حولها فقال بتعجب :
-انتي في جنازة ولا ايه!؟
-لأ انا عند براءة بس صوت التليفزيون عالي
عقد يونس حاجبيه لا يفهم لما شروق تقفز ليوسف وبراءة بشكل يومي هكذا :
-هو انتي مش لسه كنتي عندهم إمبارح وأول إمبارح وأول أول إمبارح، هو فيه ايه مع أختك!!؟
-تعبانة يا يونس
-تعبانة عندها ايه؟!
نطق بها بجدية شديدة حتى يرى إن كانت اجابتها متطابقة مع إجابة يوسف فهو ووالداه ليسوا عميّ حتى لا يلاحظوا تعب براءة منذ أشهر، وفي المقابل يوسف مرهق معها، وكلما سألوه يقول :
-الأنيميا عندها عالية وضغطها بيوطى كتير، بعلق ليها محاليل وإن شاء الله تبقى كويسة
نظرت شروق نحو شقيقتها التي أتت ووجدتها لا تزال غافية في ثبات عميق وقد تركتها تنام فهى تُحرم من النوم ما إن يأتي الليل ويزداد تأثير السحر عليها :
-عندها ضعف شديد وبتدوخ كتير وبيغمي عليها، حتى الشغل واخدة فيه أجازة بدون مرتب
فرك سيجارته في المرمدة بعد أن أنهاها ثم قال ببسمة متطرقًا لموضوع آخر :
-ربنا يشفيها، قوليلي عملتي ايه النهاردة في الكلية؟؟
ابتسمت شروق لسؤاله، وفرح قلبها أن أسلوب يونس مؤخرًا تغير معها وأصبح يهتم بها أو لنقول يحاول ابداء إهتمامه بها، على الأقل أصبح يحاول ولم يعد يبيع ثقلًا لها :
-تمام كويسة بس لسه فكرة اني أكبر واحدة في الدفعة وكلهم لسه ١٨ سنة مضيقاني
-قولتلك بلاش تسيبي علم نفس وتضيعي سنتين من حياتك بس انتي اللي اصريتي، وعامةً مبقاش فيه فرصة للرجوع خلاص
خرجت شروق للشرفة تنظر إلى المنظر في الأسفل على إرتفاع عشرِ طوابق، تسمعه يقول :
-قوليلي هو والدك كلمك على موضوع عايزني فيه؟! تعرفي عن الموضوع ده حاجة؟؟
-موضوع ايه؟؟
نطقت بها مستفهمة فقال يونس متهكمًا :
-يعني انا لو أعرف موضوع ايه هسألك ليه مثلًا
-مش عارفة انت بتتكلم عن ايه أصلًا، هو انت كلمت بابا؟؟
-آه كلمته علشان أحدد معاه كتب الكتاب وهو قالي هيجي بعد أسبوع وعايزني في موضوع معهم
توقفت مسامعها عند الجملة الأولى وارتسمت على وجهها بسمة متسعة ثم قالت بمراوغة :
-انت عايز تكتب الكتاب بدري كده وإحنا محددين الفرح في أجازة آخر السنة، مش خايف ترجع في كلامك
ابتسم يونس بسمة جذابة ثم أجاب بنفس النبرة :
-لأ مش خايف خلاص اتأكدت
-اتأكدت من ايه!؟
-من إنك طاقة وهتستحمليني
لوت شفتيها بتذمر متمتمة :
-مش هو ده اللي كنت مستنية اسمعه
-اللي عايزة تسمعيه هسمعهولك بس بعد ما نتجوز، علشان مش انا الراجل اللي يقول كلام من غير أفعال
-حاسة إنك بترمي لحاجة قليلة الأدب بس معنديش دليل
وصلت لها ضحكاته الرجولية من على الناحية الأخرى وقد أصبحت عينيها تخرج القلوب الحمراء، من ثم استرسل :
-والله انتي اللي نيتك مش سالكة، بقولك
-ها
-لو باباكِ وافق على كتب الكتاب انا عايز أعمل الفرح في أجازة نص السنة
-في شهر اتنين؟!! ده هيبقى في عز البرد يا يونس
-وايه يعني عادي عمرك ما شوفتي فرح بيتعمل في البرد؟!
وأجابته شروق بعد فترة وجيزة :
-ربنا يقدم اللي فيه الخير بس معتقدش إن بابا هيوافق علشان برد قوي الوقت اللي بتقول عليه ده
-بس انا عايز تبقي مراتي في أسرع وقت
جملة صادقة جعلتها تشعر بوخزات في معدتها وقد عضت على طرف شفتيها خجلًا ليقول يونس مغيرًا الموضوع عندما وجدها صمتت :
-صحيح هتسافري أمتى الصعيد انتي واختك
-بكرة
واتسعت عينيه بدهشة مرددًا :
-بكرة اللي هو بكرة؟! بس ده لسه بدري أوي، كده هتغيبي اسبوع كامل من الكلية
-أعمل إيه ماما وبابا بيزنوا عليا علشان أنزل فحجزت على بكرة
-غريبة يزنوا عليكي علشان تنزلي بدري، انتي كده قلقتيني أكتر من الموضوع اللي عايزني فيه
أرادت أن تقول له أنها قلقة أكثر منه ولكن لم تشأ أن تستبق الأحداث لذا غيرت الموضوع :
-على كده انت في المستشفى مع رقية
-رقية؟!
-ايوه يوسف طلع من البيت علشان رقية تعبانة في المستشفى
إستقام يونس من مكانه سريعًا فور ما قالته، ثم قال سريعًا وهو يبحث عن مفاتيح سيارته فوق المكتب :
-انا محدش قالي إن رقية تعبانة، طب هى كويسة؟! ماما بابا يعرفوا؟؟
-مش عارفة يا يونس كل اللي أعرفه إنها في المستشفى اللي شغال فيها يوسف دلوقتي
-طب سلام دلوقتي علشان أروحلهم، سلام
أغلقت معه ثم تنهدت بهدوء، تنظر للبحر على مرمى البصر تشعر أن علاقتها مع يونس ستمر بشئ سئ جدًا وهذا لأن والديها يلحان عليها أن تأتي، وأصبحت اسئلتهم كثيرة عن يونس وعائلته، كثيرة بشكل مبالغ فيه
تخشى أن يكون لديهم شك أن من صنع السحر لبراءة هم عائلة يوسف، وبناءً على هذا سيجعلوها بلا شك تفصل خطبتها من يونس، وستكون هذه مصيبة على قلبها ورأسها
فليس بعد أن ظلت عامين وأكثر تحب يونس في الخفاء وأشهر تتحمل أسلوبه وثقله إلىٰ أن رق لها أخيرًا وأصبح زواجهما بعد أشهر قليلة، يجعلوها في النهاية تتركه في منتصف الطريق
وهذه عيوب زواج البدل...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الثمانون 80 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
قبل البدء حبيت أوضح حاجة من الفصل اللي فات، زواج البدل ده مسمى عندنا في الصعيد عبارة عن أخين يتزوجوا أختين زي المثال اللي عندنا في الرواية، أو أخ واخت يتزوجوا من اتنين اخ واخت برضو، وده شائع عندنا جدًا في الصعيد وبيحصل كتير وله مشاكل
على سبيل المثال لو اتنين اتضروا أو حصل بينهم مشكلة أو طلاق، الاتنين التانيين لو حتى حياتهم كويسة برضو هتطلوهم المشاكل ده والأهل هيدخلوا ومش بعيد يحصل طلاق، بمعنى بلدي "دي بدي" وهو ده عيب زواج البدل
وانا شوفت نماذج كتير منه وشوفت مشاكله علشان كده حبيت أضيفه كمشكلة من تقاليد وعادات الصعيد وهوضحه من خلال براءة ويوسف ويونس وشروق لأن الأربعة يعتبروا من ضمن زواج البدل
وفيه بعض الحالات العاقلة مش بيدخلوا المشاكل في بعضها، بس الأغلبية لأ
صلوا على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
أخذ يراقب ملامحها عن كثب وهو يتساءل، هل ثلاثة أشهر قادرة على تحريك مشاعره بهذه القوة إتجاه امرأة تكبره بعامين؟!
أغلق عينيه يحاول تشتيت عقله عن سارة، ورقة سارة، وجمال سارة، ويلي كيف وقع في هذه الفتاة هكذا؟!
يحاول جاهدًا ألا يُظهر هذه المشاعر حتى لا تصبح مشكلة، فليس فقط العامين هما العائق بينهما، بل لأنها أكبر منه منصبًا بكثير، هو لا يزال موظف تحت التدريب بينما هى مستقبلًا ستكون صاحبة هذه الشركة
هذه معادلة غير متوازنة بالمرة ولكن من يقنع مشاعره، يعلم أنه ما كان عليه القبول بفكرة تعليم سارة وكان عليه الإنسحاب ولكن ماذا يفعل، حكم القوي كما يقولون ووالدها طلب منه هذا
حتى والده حذره من الإنجذاب خلف جمال الفتاة ويدع الشيطان يلعب في عقله، وها هى النتيجة هو غارق في القاع ولا يجد من ينجده وسارة وتعاملها بأريحية معه يلعب على أوتار أعصابه
سمع فرقعة أصابع أمامه وعندما فتح عينيه أبصرها أمامه تقول ببسمة جذابة :
-انت سرهان فيه ايه؟؟ ركز آلشان الدكتور بيقول كلام مهم
آماء لها كريم محاولًا قدر الإمكان أن يتنحي جانبًا حتى لا يلتصق بها، فهناك عدة أشياء لا يحبها بها، وأهمهم أن الخجل عندها صفر ٪
لا تخجل الجلوس بجانب الشباب، لا تخجل إرتداء الملابس الضيقة، لا تخجل من التعامل مع بأريحية، حاول أكثر من مرة أن يعدل لها هذا ولكن طباعها الأجنبية لا تتغير، ووالدها نفسه لا يهتم
انقضت مدة التدريب أخيرًا فهم الآن يتدربون عمليًا تحت إشراف الأطباء في تطويرات الأدوية، أخذ يجمع أشياؤه داخل حقيبة الظهر ليشعر بأحد يقف خلف ظهره وعلم منه هو من رائحة العطر لذا قال دون إستدارة :
-متحاوليش تخضيني علشان مدكيش بالقلم على وشك كرد فعل طبيعي مني
تراجعت عن الفكرة بالفعل فقال كريم وهو يضع الحقيبة خلف ظهره :
-عايزة حاجة هاروح انا بقى سلام عليكم
هم بالذهاب فتمسكت الأخرى في ذراعه قائلة برجاء :
-كريم I want to withdraw من الشركة علشان بابي جايب ليا راجل أقعد معاه
-راجل؟!
-آه ابن صاهبه
فهم كريم الأمر لكن لم يعلق بل جذب منها ذراعه قائلًا بضيق خفي :
-وانتي عايزة تهربي ليه ما تقعدي معاه ما يمكن يطلع ابن حلال
-انا مش في تفكير الجواز، آيزة ابني لنفسي مكان في الشركة
نظر كريم حوله فقد بدأ المعمل يفرغ إلا منهما وهذا ليس أبدًا بجيد :
-طب انتي عايزة مني ايه دلوقتي؟؟
-مش انا مآك motorcycle خدني نروه أي مكان
نطقت بها بحماس شديد جعله ينفر من الأمر فكيف تهرب من والدها لتخرج مع شاب غريب عنها، حاول أن يعتذر عن الأمر بطريقة مهذبة قائلًا :
-انا وبابا هنروح سوا، وكمان فرح أخويا قريب وانا مشغول معاه دلوقتي فآسف
تمسكت الأخرى في كفه قائلة :
-بليز يا كريم انا مليش صهاب هنا غيرك
شعر كريم بحرارة تجتاح جسده فهو بشر في النهاية وليس حجر وسارة جميلة لدرجة مهلكة، رن هاتفه وأنقذه من هذا الموقف فحمد الله أنه أفاق قبل أن ينجذب لوسوسة الشيطان :
-معلش بابا بيتصل ومستني انا همشي
رحل سريعًا دون سماع إجابة منها ثم هبط في إستقبال الشركة لوالده الذي كان ينتظره لكي يعودا سويًا، ابتسم عثمان لابنه قائلًا :
-الدكتور صفوت لسه ماشي من شوية وكان بيقولي إنك ممتاز جدًا في التدريب معاه ويجي منك
ابتسم كريم ضاحكًا ثم قال :
-أقولك على الحق ولا اتفشخر بالإطراء ده
-لأ قول الحق
-سارة بنت دكتور فؤاد دي بريمو في العلوم والصيدلة، دي تعلم الدكاترة اللي هنا فهى بتساعدني باللي درسته في ألمانيا، رد معروف يعني
تبسم عثمان يخفي قلقه من شدة اقتراب سارة وكريم، ولكنه يطمئن نفسه أنه يعلم كريم جيدًا ولن يخذلهم مرة أخرى....
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أغلقت الموسيقى فور أن سمعت نداءً من الخارج بأن يغلقوا الأغاني لأن العصر يؤذن، وفور أن انطفأت الموسيقى حتى ارتفعت أصوات حديث النساء، لتقول هى بضيق :
-متشغلوش الأغاني تاني انا صدعت والله، وبعدين بحاول بقالي تلات سنين اعتزل الأغاني وانتوا كل يوم بتشغلوها، بتهدوا كل اللي بعمله يا ناس
نكزتها دعاء في ذراعها بخفة قائلة :
-هو انتي يعني هتتجوزي كل يوم، فكيهم بس اليومين دول
تنهدت نور مستسلمة ثم ولجت للمرحاض حتى تتوضأ وتصلي، تاركة نساء عائلتها اللواتي أتين جمعيهم حتى يَجردون مع والدتها جهازها الذي سينتقل للإسكندرية ويقوموا بترتيبه في شقتها الجديدة
مرت فترة الخطوبة قصيرة وهذا لأن والدتها تجهزها منذ كانت في الإعدادية من الفوط إلى الثلاجة، وتحلم باليوم الذي ترتب فيه شقتها، وقد اتفقوا مع والدي حمزة الإتفاقات التي تتم في العادة، وحددوا ما عليهم وما لهم
تركت لوالديها حرية الإتفاق في هذه الأمور واشترطت عليهم شيئًا واحدًا أن يبحثوا عن قاعة منفصلة بها الرجال عن النساء، فلا تريد أن ترى ما حدث في زفاف براءة يحدث مرة أخرى في زفافها
خاصةً لوجود الغرباء بينهم فهى تذكر أن اعمامها قاموا بتعنيف جميع النساء على انخراطهم في الرقص رغم أنهم كانوا في زاوية بمفردهم، وحتى أيضًا تكن هى والنساء على راحتهن وهذا كان طلبها
بالإضافة إلى ذلك طلبت من حمزة أن يذهبا لعمرة بعد الزواج فهذا حلم من أحلامها وهو وافق، هو بشكل عام يوافق على كل شئ تطلبه وليس بخيلًا أبدًا وهذه ميزة به، وهى نوعًا ما تستغل هذا
خرجت من المرحاض على صوت والدتها تنادي عليها لكي تتناول الغداء فقالت لها :
-ماشي أصلي الأول
ولجت لغرفة بمفردها ثم جذبت هاتفها من على الشاحن وقد وجدت مكالمة فائتة من حمزة، ودون تفكير اتصلت عليه حتى لا يقول تهمله، فاتضح لها أن حمزة ذو شخصية تحب أن يتلقى الإهتمام والحب من الجميع، شخص مدلل بإختصار
وفي الواقع لا تشعر بالضيق من الأمر رغم أنه قد يبالغ إن انشغلت عنه يوم كامل فيجعله عتابًا، ولكن في النهاية لكل شخصية عيوب وعيب زوجها أنه مدلل وجرئ و...... لا يصلي
-الو يا حمزة
نطقت بها عندما صدح صوته ليقول حمزة بمشاغبة :
-حمزة كده حاف
-صليت يا حمزة بيه
حك حمزة خصلات شعره مهمهمًا في كذبة لتقول نور بجدية حادة :
-عارف لو كذبت عليا هقعد من هنا لحد يوم الفرح مكلمكش
-بصراحة نسيت
-نسيت ايه يا حمزة حرام عليكي انا تعبت معاك
-والله يا نور بنسى مش بطنش
هزت رأسها بضيق شديد من حجة النسيان هذه، فهو على هذا الحال معها منذ أسبوعان، بالتحديد منذ زيارته هو والديه لها في الصعيد لكي يتفقوا على بعض الأمور الخاصة بالزفاف
ويومها سأل عثمان من باب فتح حوار عن ختامها للقرآن، وهنا قررت والدتها أن تتفاخر بإبنتها أمام نسائبها إذ قالت :
-نورهان ختمت القرآن من كذا سنة وبتدخل مسابقات كتير وبتصلي ما شاء الله عليها، حتى بتصلي الفجر حاضر كل يوم
كم أصابها الخجل وقتها حقًا خاصةً من إطراء ناهد وعثمان عليها ليقول عثمان :
-ما شاء عليكي أحسن حاجة القرآن والصلاة، يارب حمزة يتعلم الإلتزام بالصلاة منك
حينها نظرت إلى حمزة نظرة مذهولة فهو أخبرها قبل عقدهما للقران أنه يصلي، هل كذب عليها هذا الوغد؟!
-انت مش بتصلي يا حمزة!!؟
وكان حمزة في أكثر مواقفه حرجًا، إذ حاول أن يخرج نفسه من هذا الموقف فكم هو مخجل أن يسألك أحدهم اتصلى وتقول له لا، فكيف أنت مسلمًا ولا تصلي فروضك :
-لا متبصيش كده انا مش كافر يعني، انا بصلي بس مش علطول، ممكن انسى خالص، أول لما يتراكموا عليا بكسل، بس بصلي كل جمعة مش بفوت ولا جمعة، وفي رمضان بصلي والله
رمقته نور بوجه بارد ونظرات حادة ثم قالت :
-وهو في رمضان فيه رب وباقي السنة لأ؟! ويوم الجمعة يوم العبادة وباقي الأسبوع أجازة من العبادة؟؟
صمت ولم يجادل بل قال بحرج :
-إن شاء الله هصلي
-انت لو مش مصلي فروضك دلوقتي هتقوم تصلي، حتى لو مكسل تروح الجامع صلي في البيت على الأقل يعني، مفيش حاجة اسمها مش فاضي أو نسيت فيه حد ينسى ربه؟! دي نص ساعة من وقتك كل يوم بس، ازاي داخل على التلاتين يا حمزة ومش بتصلي، هتصلي على السبعين يعني؟! هو حد ضامن يعيش لساعة تاني، لما تروحله تقوله يارب انا مكنتش فاضي وكنت مشغول عنك
ونظر عثمان لابنه قائلًا بلوم :
-جبتلنا الكلام أهو
وقالت نور وهى تنظر لعثمان وناهد بجدية أكبر، أو لنقول فلت لسانها بكلام غير منتقى :
-مش قصدي قلة أدب يعني بس الغلط عليكم انتوا كمان، ليه معلمتهوش الصلاة
وأجابت ناهد :
-والله علمناه هو وأخواته، بس كبروا وباظوا خالص ومبقتش أقدر عليهم فسيبتهم بقى كل واحد يشيل وزره
وأخذت والدتها تذكر لحمزة فوائد الصلاة وفضلها والكثير من الكلام ختمته هى بأن قالت له أنها ستسأله يوميًا عن الصلاة، قليلًا ما يقول أنه صلى وكثيرًا ما يقول أنه نسى، وفي اليوم الذي ينسى فيه لا ترد على مكالماته لباقي اليوم
ورغم هذا لم يلتزم بعد
-انا هاروح أصلي العصر واقفل وروح صلي ومشوفش رقمك على تليفوني لحد الصبح
-طب استني طيب عايز أقولك حاجة مهمة، انا ملقتش قاعة منفصلة يا نور
عقدت حاجبيها بضيق فهذا المتوقع، القاعات المنفصلة قليلة جدًا في مصر بالفعل وقلقت ألا يجد :
-ملقتش خالص
-دورت كتير ولقيت اتنين والاتنين محجوزين في اليوم اللي محددينه إحنا للفرح وقبله وبعده
عضت على شفتيها تشعر الحيرة قائلة :
-طب وبعدين يا حمزة
-انا حجزت قاعة عادية علشان ألحق حجز
أخرجت صوتًا معترضًا وصل له فقال بجدية :
-دورت يا نور وملقتش طيب أعمل إيه
تنفست الأخرى ببطء تفكر في قول الحل له لكن تخشي الرفض، خاصةً وأن الزفاف بقى عليه أسبوعًا واحدًا فمن الذي سيوافق على التغيرات الآن :
-طب بص ايه رأيك نعمل كل حاجة هنا الحناء والفرح وكله ونسافر على الإسكندرية علطول
-عندكم قاعات منفصلة؟!
-لأ معتقدش بس قصدي يعني الفرح يبقى هنا قدام البيت والفِراشة هتبقى فاصل بين الرجالة والستات
نفى الآخر برأسه وكأنها تراه قائلًا :
-لأ يا نور معتقدش إن حد هيوافق على ده
-اسمع بس بابا وماما أصلًا كانوا عايزين من الأول يعملوه قدام البيت علشان ملهمش هما في أجواء القاعات، بس انت وأهلك اصريتوا على موضوع القاعة، لو اقترحت عليهم هيوافقوا
-بس أهلي ممكن ميوافقوش علشان المفروض الفرح يبقى عند أهل العريس يا نور مينفعش كلنا نسافر الصعيد
-ما انتوا جيتوا قبل كده وقعدتوا كلكم عادي، حتى الجو دلوقتي غير، الجو دلوقتي كويس خالص مش حر ولا حاجة، وبعدين هى هى يا انتوا تيجوا كلكم يا إحنا اللي نروحوا كلنا، وعيلتنا أكبر من عيلتكم أصلًا
فرك حمزة جبينه يحاول أن يقنعها بوجهة نظره :
-انتي ضروري يبقى فيه فرق بين الرجالة والستات؟؟
-ايوه يا حمزة عمامي اتعاركوا معانا على اللي حصل في فرح براءة، وأكيد هيعملوا نفس الموضوع في فرحي انا عرفاهم ومش هيسيبوني غير لما أرقص معاهم، انت ترضى الرجالة تتفرج على عرضك
أطلق تنهيدة قوية ثم قال :
-هشوف بابا وماما وأرد عليكي
-حاول تقنعهم يا حمزة
-ماشي سلام
أغلق معها ثم أخذ يفكر جديًا في الأمر، هو صعب كثيرًا خاصةً أن التغيرات هذه ستكون قبل الزفاف بأسبوع واحد وهم قد اتفقوا على كل شئ سابقًا، لولا هذا الأمر الذي خرج من المنتصف
سمع صوت رنين جرس الشقة وعلى الأرجح هذا والده وكريم قد عادا من العمل، خرج من غرفته مناديًا على والدته التي تقف في المطبخ قائلًا :
-ماما تعالي عايزك في موضوع مهم
فتح لهما الباب ليقول كريم وهو يخلع حذائه :
-الغداء فين يا جدعان انا جعان أوي، يا نــــاهد فين الأكل
تركه حمزة يدخل بينما هو وقف أمام والده قائلًا :
-عايزك في موضوع مهم
-طب ادخل الأول ولا هنتكلم على الباب
افسح له طريق للدخول لتقول ناهد وهى تمسح يديها في منشفة المطبخ وقد جذبت كريم معها قبل أن يدخل ويفسد الطعام بأصابعه مثل قطط الشوارع التي تتسلل لمطابخ الجيران :
-ايه يا حمزة مالك؟؟
جعلت كريم يجلس على الاريكة في البهو ثم أضافت :
-اتلم يا كريم وناكل سوا زي الناس
نظرت لابنها الذي جلس لجانب والده الذي يميل قليلًا للأمام يفك رباط حذائه :
-قولت لنور ملقتش قاعة منفصلة فقالت نعمل الفرح عندهم في الشارع الواسع بتاعهم ده ونسافر على إسكندرية علطول على الشقة من غير ما نعمل حاجة هنا
صمت حل على الجميع قاطعه كريم عندما قال :
-يعني إحنا دلوقتي هنسافر الصعيد تاني على كده؟!
اعتدل عثمان في جلسته ثم قال :
-دي مش فكرة حلوة ومش هينفع تتعمل لأن الفرح في بلد العريس مش العروسة
-هى مش عايزة القاعة تبقى مختلطة علشان تعرف تاخد راحتها هى والستات
وقال عثمان بجدية :
-فكرة القاعة والفرح هى اللي مضيقاها خلاص بلاش من الفرح كله وتفرح في بلدهم هى وأهلها وتيجي على شقتها علطول
تعجب حمزة من السهولة التي يتحدث بها والده لتقول ناهد معترضة :
-يعني هى وأهلها يفرحوا وانا مفرحش بإبني
ووافقها كريم هذا الإعتراض قائلًا :
-معاها حق، آه معترض على فكرة حمزة يتجوز ويسيبنا بس انا عايز فرح اهيص فيه للصبح ده انا محضر خطط قد كده لليوم ده
وقال عثمان :
-طب ما هى اللي رافضة
-يا بابا هى رافضة فكرة الاختلاط، عايزة الستات لوحدهم والرجالة لوحدهم علشان الكل يبقى على راحته، وبعدين انا شايف إن الموضوع هو هو والسفر لازم، لو الفرح هيبقى هنا هما اللي هيسافروا، ولو الفرح هناك إحنا اللي هنيجي
-وهو السفر كده خلص؟! ما أهلها هيضطروا يجوا تاني معاها هنا ولا مش هيوصلوها بيت جوزها ويسيبوها تيجي وحدها
تنهد حمزة لا يدري ما هو الحل فقال عثمان وهو يستقيم من مكانه :
-مش هى عايزة الستات يبقوا لوحدهم والرجالة لوحدهم؟! سيب ليا انا الموضوع ده وخلي كل حاجة ماشية زي ما اتفقنا مع ابوها وأمها، بعد أسبوع الفرح على معاده وهما اللي هيجوا وانا هلاقي حل لموضوع القاعة ده
نظر نحو زوجته ثم أضاف :
-حطي الغداء يا ناهد علشان نروح المستشفى، رقية محجوزة ولازم نزورها
إستقامت ناهد من مكانها حتى تحضر الغداء وقد ذهب عثمان للمرحاض وبقى حمزة وكريم في البهو، نظر كريم لشقيقه الذي يحاول الإتصال بزوجته ولكن لا ترد عليه فقال :
-أقولك على حاجة
نظر له حمزة بإنتباه وظن أنه سيقترح اقتراح مهم ولكن خاب أمله عندما قال :
-ما تفكك من الجوازة دي، ده انا اللي هشيل خشبتك لما تموت مش هى
ابتسم حمزة على شقيقه ذو عقل الكستناء ثم قال :
-تاني يا كريم؟! مش قولنا مش هنفتح موضوع يخص نور تاني
صمت كريم بعدما كان يريد أن يمازحه قليلًا ولكن يبدو أنه ما عاد يتقبل المزاح بشئ يخص زوجته، خاصةً بعد المشكلة التي حدثت معه هو ونور وغادة وقد قام والده بتعنيفهما والاعتذار منها، وعدم تكرار هذا المزاح الثقيل معها :
-هى لسه مضايقة مني انا وغادة؟!
-هشوف لما تيجي وتشوفكم تاني، بس الموضوع فات عليه كتير تلاقيها نسيت خلاص
حاول الإتصال عليها مرة أخرى ولكن لا تجيب فرجح أنها تصلي أو تعاقبه على إهماله للصلاة اليوم، هم بالوقوف حتى يصلي قبل أن ينسى فأوقفه كريم قائلًا :
-حمزة عايز اتكلم معاك
نبرته هذه جعلته يعود كما كان ثم قال بجدية :
-اتكلم
دار بؤبؤي عينيه يحاول إيجاد مقدمة مناسبة للأمر :
-بص انت كنت مشغول اوي الفترة اللي فاتت علشان كده متكلمتش بس حاسس الموضوع بدأ يتعبني
-مالك يا كريم انت تعبان؟!
نطق بها بقلق وهو يقف من مكانه ويجلس لجانبه فقال كريم وقد استدار له بجسده :
-هو ايه الفرق بين الحب وإنك تبقى منجذب لشخص
ارتفعت بسمة على ثغر حمزة وقد ظن أن هناك أمر خطير ولكن اتضح له أن الأمر فقط هو أن شقيقه يسأل عن الحب :
-الحب يبدأ بالإنجداب يا كريم، ايه خلاص كبرت وبدأت تحب!؟
-مش عارف يا حمزة بس هما تلات شهور بس والحب محتاج أكتر من كده صح؟!
-على حسب المشاعر بقى، قولي مين؟!
لم يعتد أن يخبئ عنه شئ لذا قال بخفوت حتى لا يصل الصوت لوالده :
-سارة
-سارة مين؟! اتمني ميكونش قصدك بنت صاحب الشركة
آماء له كريم بإيجاب فتنهد حمزة تنهيدة تحمل الضيق ثم قال بهدوء :
-قبل ما اتكلم عنها انت حاسس ايه ناحيتها
-مش بعرف اشيل عيني من عليها، فيها حاجة بتشدني
-ما ممكن يكون انبهار بواحدة جميلة بزيادة ، وانا شوفت صورتها وهى جميلة فعلًا
-وهو الانبهار ده هيفضل لحد الوقت ده كله
عقد حمزة ذراعيه أمام صدره ثم قال :
-قولي يا كريم ايه مدى تعاملك مع البنت دي
همهم كريم محاولًا البحث عن إجابة مناسبة فقال حمزة بتحذير :
-ومن غير كدب
-ماشي من غير كدب انا طول الوقت معاها، حتى وقت الإستراحة بتسيب الكل وتيجي تقعد معايا انا
-يبقى معتقدش إن ده حب وإنما تعود على وجودها حواليك مع انبهار بجمال جديد خاصةً إن هى جمالها اوروبي مش شرقي، جرب كده تبعد عنها خالص ومتشوفهاش لفترة كبيرة ولا تتواصل معاها، هو ده اللي هيثبت انت حبيتها ولا لأ، لما فضلت ست شهور مش عارف أوصل لنور وكنت بفكر طول الوقت ومستني موافقة أبوها، عرفت إني حبيتها بجد وعايزها، لكن لو كنت نسيتها وبطلت افكر فيها وزهقت من الموضوع وقتها مكنش ده هيبقى حب
آماء كريم يفهم كلامه جيدًا إذ قال :
-انا هحاول آخد أجازة الفترة دي علشان فرحك، بس قولي رأيك إيه في الموضوع؟؟
-نصيحة مني بلاش من البنت دي يا كريم، هى أكبر منك سنًا ومركزًا، في الأول هتقول الحب مفهوش سن ولا مركز بس بعد كده لما تفوق من سعادة البدايات هتندم لما تشوف مراتك صاحبة شركة وانت بس شغال عندها، ولو قولت هسيب الشغل عندها خالص هتفضل برضو أقل منها وفطرة الراجل بتخليه يحب يكون هو المسيطر، هو اللي يصرف على البيت، هو اليد الاقوى، علشان الست لو كانت الأعلى منه حياتهم هتبقى مليانة مشاكل، ويا سلام بقى لو طلعت من النوع اللي بيقول "انت نسيت نفسك انت كنت فين وانا فين لأ فوق" وقتها نفسيتك هتتعب يا كريم من العلاقة دي وتلعن قرار الارتباط بيها من الأول، فأرجع أحسن دلوقتي
شعر كريم بمدى صدق ما يقول بالإضافة إلى ذلك سارة ليست مثلهم أبدًا مسلمة اسمًا فقط وتقوم بتصرفات لا تعجبه، وقال الرسول حين نختار للزواج "فاظفر بذات الدين"
-طب لو طلع اللي ناحيتي ليها حب فعلًا يا حمزة
-طب أقولك انا إيه رأيك نخطبلك؟؟ انت خلاص بقى عندك أربعة وعشرين وخلاص كلها شوية وتتثبت في الوظيفة والشقة جاهزة مش ناقص بس غير العروسة، واهو متبقاش السنجل الوحيد اللي فاضل في العيلة ونشوفلك واحدة تلمك
التمعت هذه الفكرة في رأسه، إن خطب فتاة قد ينسى التفكير بسارة بالفعل، ولكن من التي سيخطبها وهو لا توجد امرأة في حياته غير والدته وشقيقتيه وسارة مؤخرًا
يبدو أنه سيقوم بالرحلة التي يقوم بها كل شاب قرر الزواج، رحلة البحث عن عروسة...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
وضعوا لها محلول لا تدري ماهيته ولكن سيساعد على زيادة الأكسجين في دمها وإيصال الأكسجين لجنينها، اغمضت عينيها بتعب ويدها فوق بطنها المنتفخ تتمنى ألا يحدث له شئ سئ وأن يكتمل حملها هذا على خير
طرق الباب ثم ولج يونس ومعه والديها وقد هرولت لها عبلة تقول بقلق :
-مالك يا حبيبتي فيه ايه؟! ايه اللي تعبك؟؟
نظرت لوالدتها وقد امسكت بيدها تستمد منها الأمان والسكينة قائلة بصوت متحشرج لشدة بكائها :
-ماما الدكتورة قالتلي الأكسجين مش واصل للبيبي وممكن يموت
مسدت الأخرى على رأس ابنتها ذات الأعين المنتفخة من شدة البكاء ثم جلست لجانبها على الفراش وقالت بحنو :
-لا إن شاء مش هيموت قولي يارب
-يارب يا ماما يارب
نظر محمد إلى الغرفة التي تتشاركها ابنته من أربعة أخريات ثم قال :
-هو يوسف مش موجود في المستشفى؟! وفين عمر؟؟
-يوسف لما جه جابلي دكتورة نسا زميلته هنا وكشفت عليا تاني وهما دلوقتي عندها
-وسابوكي هنا لوحدك؟!
نطق بها يونس مستنكرًا فقالت رقية بإرهاق :
-ما هى الدكتورة طلبت منهم يجوا مكتبها وبقالهم أكتر من عشر دقايق هناك
شعر محمد بوجود خطب ما حتى تطلب الطبيبة التحدث مع زوج المريضة وشقيقها بعيدًا عنها :
-هى اسمها ايه الدكتورة دي؟!
-مش عارفة يا بابا مأخدتش بالي
جذب يونس مقعد حديدي لوالده حتى يجلس بجانب فراش ابنته ثم قال بهدوء :
-حد جابلك أكل ولا أنزل اجيبلك انا
أشارت رقية لعدة أكياس بلاستيكية بجانب الفراش الذي تجلس عليه قائلة :
-الدكتورة قالت على أكل معين أكله فيه بروتين وحديد وكده وعمر جابلي بس انا مليش نفس أبلع حاجة خالص
وجذبت عبلة هذه الأكياس قائلة بجدية وصرامة أمومية :
-لا مفيش الكلام ده لازم تاكلي حتى لو غصب عنك، ازاي عايزاه يعيش وانتي مش عايزة تاكلي؟!
طرق الباب ثم ولج يوسف بملامح تفوق ملامحه شقيقته إرهاقًا، وعندما وجد عائلته قد حضرت تنفس براحة أنه سيجد أحدًا يعينه على إلقاء هذا الخبر السئ لرقية
نظر يونس لشقيقيه وكلاهما يظهر التعب والهموم عليهما فقال :
-والله انتوا اتحسدتوا واحدة مرمية على السرير أهو، والتاني راسه مربوطة بشاش وشبه اللي عليه ديون توديه في داهية
حاول يوسف الابتسام له ولكن لم يستطع من كثرة الهموم التي يحملها بالفعل، فها هى شقيقته تنضم أيضًا لهمومه الكثيرة :
-الدكتورة قالت ايه؟! وفين عمر؟؟
نطقت بها رقية تبحث عن زوجها الذي لم يأتِ بعد فقال يوسف بملامح شاحبة :
-عمر في الحمام
عاد يونس للخلف قليلًا ليجد عمر خارج الغرفة في الممر يجلس على أحد المقاعد ويضع رأسه بين كفيه وكأنه في مصيبة، عاد بنظره ليوسف الذي أشار إليه بأن يصمت ولا يتحدث
خرج يونس لعمر تاركًا الجميع بالداخل ثم اقترب منه وقال بجدية :
-ايه المصيبة اللي حصلت تخليك تقعد القعدة دي؟!
رفع الآخر وجهه المليئ بالحزن والهم دون أن يجب فقال يونس وقد امتلأ قلبه بالقلق على شقيقته :
-الدكتورة قالتلك رقية فيها حاجة؟؟
وأجاب الآخر بصوت هادئ بين طياته الحزن :
-الدكتورة قالت إن الجنين مش طبيعي وفيه إعاقة
-إعاقة ازاي؟ وانتوا مكنتوش تعرفوا بده من الأول؟!
نفي برأسه ثم أضاف :
-لأ حتى الدكتورة استغربت ازاي اللي قبلها ملاحظتش ده في الكشوفات، نقص الأكسجين المستمر عن الجنين سبب له ضعف في النمو وبالتالي حصله تشوه خلقي
مسح يونس وجهه بضيق وحزن على ما ستعانيه شقيقته من آلام نفسية بسبب هذا الأمر، هم بمواساة عمر ليقاطعه الآخر قائلًا بجمود :
-انا عايز أنزل الحمل ده
وفور أن نطق بهذه الكلمة حتى عنفه يونس عن هذه المصيبة التي ينتوي فعلها :
-انت بتقول ايه يا عمر حرام طبعًا وده عمره خمس شهور يعني إجهاضه حرام، ورقية مستحيل توافق
-أومال اسيبها تجي للدنيا وتتعذب بسبب إعاقتها دي؟! والله أعلم مدى الإعاقة عندها ايه، ممكن تبقى عاجزة تمامًا يا يونس هيبقى حرام عليا أجيبها الدنيا دي تتعذب، ودلوقتي لسه في الخامس بعد كده هيبقى على رقية خطر أكتر
-هى بنت؟! مش يا ابني قولتوا حامل في ولد الشهر اللي فات؟؟
آماء عمر فقد علم من الطبيبة أن زوجته تحمل في فتاة وليس صبي كما زعمت الطبيبة الخرقاء الأخرى :
-آه بنت، تشخيص الدكتورة التانية كان غلط، مش عارف هى دارسة طب بشري ولا بيطري ولا داخلة بالغش، نص اللي كانت بتقوله لينا كان غلط
رفض يونس المفهوم الذي يتحدث به، لا يعلم لو هو مكانه كيف يتصرف ولكن هذه روح حرامٌ إزهاقها بغير وجه حق :
-هو فيه خطر على رقية وهو في بطنها؟!
-لأ الدكتورة بتقول دلوقتي لأ، بس قالت إن العيب اللي في الرحم بيخلي الأكسجين يوصل بنسبة قليلة للطفل ولو فضلت على المعدل ده الطفل هيموت
ضغط يونس على جسر أنفه ولا يعلم ما الحل الأسلم لهذه المعضلة ولكنه متأكد تمامًا إن شقيقته سترفض فكرة الإجهاض هذه ولو على جثتها
ارتفع صوت رقية في المكان وبدأت كأنها تنتحب فعلم عمر أن يوسف قد أخبرها، وما إن وصلا لها حتى وجداها تضم بطنها المنتفخ بيديها وتبكي بإنهيار، وعندما رأت عمر زاد نحيبها وهى تقول :
-عمر.... ابني
لم تستطع أن تكمل بسبب بكائها الشديد فقالت عبلة وقد انفطر قلبها على صغيرتها :
-اهدي يا بنتي اهدي هيحصلك حاجة كده
وقف عمر يراقب انهيارها بعجز حقيقي، يخشى أن يقول لها على أمر الإجهاض فتصيبها حالة هيسترية من البكاء
نظر يونس نحو يوسف صائحًا بتوتر :
-ما تعمل حاجة يا يوسف هتسيبها كده
تحرك يوسف وقد جذب ظهرها للخلف حتى تستلقي بينما اقترب محمد من ابنته يمسح على رأسها ووجهها حتى تهدأ :
-اهدي يا بابا مش كده، ممكن يكون ده مجرد خطأ والبيبي مفيش فيه حاجة، شائع تحصل أخطاء زي دي
تعلقت رقية بهذا الإحتمال كالغريق الذي يتعلق بقشة فقالت :
-صح صح ممكن ده يبقى غلط والبيبي سليم، يوسف شوف دكتور تانية غيرها، أقولك هات إسماعيل بسرعة إسماعيل شاطر أوي
رأت الصمت من الجميع ونظرات الحزن والأسى حتى من النساء اللواتي يتشاركن معها الغرفة، فصاحت بيوسف بعصبية والدموع لا تزال في عينيها :
-اتصل عليه يــــلا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
-يعني انت هتبات في المستشفى النهاردة؟!
انتبهت لصوت شقيقتها الذي صدح بهذه الجملة وهى تتحدث في الهاتف من البهو فتحاملت على نفسها واستقامت من فوق الفراش بضعف ووهن حتى تخرج
إستندت على الحائط وخرجت لها لتسمعها تقول :
-ألف سلامة عليها قولها شروق وبراءة بيسلموا عليكي وإن شاء الله هنيجي نسأل عليها في المستشفى قبل ما نسافروا
صمتت قليلًا تسمع ما يقول وبراءة تقف تراقبها تكمل :
-ايوه إن شاء الله هنسافر العصر بكرة انا حجزت تذاكر هى مقالتش ليك؟؟
-هاتيه انا عايز أكلمه
نطقت بها بهدوء شديد وبالكاد سمعتها شروق فأستدارت لها وقالت :
-يوسف براءة عايزة تكلمك
انتظر يوسف أن يسمع صوت زوجته وها هو يظهر بنبرة مرهقة كما العادة :
-الو يا يوسف
-ايوه يا حبيبتي
لاحت على ثغرها بسمة ساخرة وقد ابتعدت عن شروق وعادت لغرفتها مرة أخرى وجلست على الفراش ثم أجابت عليه :
-فتحت راسك من يومين وبتقولي يا حبيبتي!؟
-عارف إنه مش بإيديكي يا براءة ومفيش في ايديا غير إني استحمل
اغمضت عينيها بتعب تشفق عليه كثيرًا مما يعانيه هذه الفترة بسببها، وتحدث يوسف بنبرة متسائلة :
-ايه حكاية إنك هتسافري بكرة!؟
-علشان فرح نور وعلشان برضو ماما بتقول لقيت شيخ كويس ولازم آجي فهسافر مع شروق
تنهد يوسف من أن يكون هذا دجال آخر لكن ما باليد حيلة :
-بس انا مش عايزكم تسافروا لوحدكم هقلق عليكي، وبرضو مقدرش أسيب رقية وأسافر معاكي علشان تعبانة أوي
-مش ضروري ياسر نازل أجازة وهيسافر معانا، هى مالها رقية تعبانة عندها ايه؟!
ابتسم يوسف وقد شعر أن المحادثة تمر بشئ جيد أكثر من اللزوم فقال :
-شايف إنك رايقة أوي النهاردة زيادةً عن اللزوم، مفيش زعيق ولا مش طايقة اسمع صوتك، يا خوفي انا من الهدوء ده مش متعود عليه
ولاحت على ثغرها بسمة شاحبة ثم أجابت :
-مش عارفة يمكن علشان بنتكلم على التليفون، على العموم هريحك مني أسبوع يارب يكون الشيخ دي ابن حلال مش دجال ابن كلب زي الباقيين
صمتت قليلًا ثم أضافت قائلة :
-هو انت ليه تبات النهاردة برا، تعالي البيت انا حاسة إني كويسة وعفاريتي نايمين
-آه عارفها انا الدخلة دي، تديني الأمان ولما اجي جنبك ولا أقربلك ألاقي طبق فوق دماغي، لبست في حيطة، في السفرة، بيبقى عندك طاقة عشر رجالة لدرجة أخاف تنزلي فيا ضرب تموتيني
أضحكها في تعبها فقهقهت بخفة ثم قالت بحب نادر الظهور عليها بسبب حالة النفور التي تلازمها إتجاهه :
-شكرًا لأنك بتستحملني يا يوسف لو واحد غيرك مكنش استحمل أسبوعين وطلقني
أسند يوسف ظهر لأحد الحوائط يتكئ عليها، زافرًا بثقل بهم ثم قال :
-يارب يا براءة يطلع فعلًا الشيخ ده ابن حلال ويعالجك من اللي انتي فيه، علشان انا تعبت وانتي تعبتي حتى أختك تعبت معانا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
في صباح اليوم التالي
خرج منها أنين خافت بعدما هدأ انهيارها الذي أخذ يوم أمس والليل بطوله، وسكن جسدها بتعب بعدما نفدت طاقتها وجفت دموعها، كانت تتمنى أن تكون الطبيبة أخطأت وجنينها بخير ولكن خاب أملها فقد قال إسماعيل نفس الشئ
بنسبة كبيرة جدًا الجنين به إعاقة وعيب خلقي بسبب قلة وصول الأكسجين له، وإن عاش وتمت الولادة سوف يولد مشوهًا، وبعد عدة أسابيع حين تكون بخير سوف يفحصوا الجنين داخل رحمها من خلال التقنيات الحديثة حتى يعلموا هل هذه الإعاقة ذهنية أم حركية
وهى رفضت رفضًا باتًا إقامة هذه الفحوصات، وأنها لا تريد أن تعلم شئ وستنتظر ليوم الولادة وفي كلتا الحالتين ستستقبله بكل حب وحنان
لاحت على شفتيها بسمة حزينة تتذكر مساندة الجميع لها هى وعمر في هذه الشدة حتى ونس أتت لزيارتها رغم أن كثرة الحركة تتعبها، ولكنها أصرت على أن تأتي وتآزرها، وقد قالت لها البارحة حتى تخفف عنها :
-متصدقيش كلام الدكاترة دول كدابين، ياما بتحصل غلطات ويقولوا الجنين مشوه، الجنين معاق وفي الآخر يطلع زي الفل، ده حتى دكتورة حمارة زمان قالت لزينب بنتي الله يرحمها وهى حامل في سفيان إني الواد هيطلع مشلول واهو قدامك واقف زي البغل مفيهوش غلطة
وكما قالت إن ونس قالت هذا حتى تخفف عنها فهذه الحكاية لا تصدق حين التفكير بها، فمنذ سبعٌ وثلاثون عام وهو عمر سفيان الآن لم تكن المرأة تستطيع أن تعلم الجنين ذكر أم فتاة حتى تستطيع أن تعلم هل هو سليم أم لا
ولكنها تقدر لها محاولتها هذه
وضعت يدها على بطنها المنتفخ، تحادث جنينها بصوت خافت بالكاد تسمع نفسها وهى تقوله :
-يارب تبقي كويسة يا حبيبتي وتيجي بالسلامة، حتى لو طلع فيكي عيب خلقي هحبك برضو
تنهدت عبلة بتعب تدعو لابنتها وطفلتها أن يقوما سليمتين في النهاية :
-تحبي تاكلي؟!
نفت رقية برأسها ثم نظرت نحو النافذة التي تسلل منها شمس الظهيرة فقالت وكأنها تذكرت الآن شيئًا مهمًا غفلت عنه :
-هو الضهر أذن مش كده؟!
-آه أذن من شوية، تصلي؟!
آماءت رقية بسرعة وقد استندت على كفيها حتى تستطيع أن تستقيم قائلة :
-ايوه أصلي وادعي ربنا هو اللي بإيده الشفاء ويغير ده
ساعدتها عبلة على الوقوف والدخول للحمام فتوضأت رقية بصعوبة ثم خرجت تستند على والدتها التي قالت :
-هينفع تصلي بلبس المستشفى ده؟!
-الدريس بتاعي في الشنطة، بس مش عارفة الشنطة راحت فين
-تلاقيها عند يوسف هاروح أشوفها استني انتي هنا
خرجت من الغرفة تاركة رقية تجلس على الفراش، وعندما شعرت بآلام أسفل معدتها إستقامت وخرجت للممر تسير قليلًا، وهناك أبصرت عمر قادم من بعيد وقد سارع في خطاه عندما رآها ثم قال :
-بتعملي ايه من برا
-تعبت شوية قولت اتمشى
نطقت بها وهى تتمسك في ذراعه حتى تستند عليه فجعلها عمر تجلس على أحد الإنتظار تلتقط أنفاسها وقد جلس معها يفكر في عرض الأمر عليها لكن يخشى رد فعلها لتقول رقية عندما رأته يريد قول شئ ويبدو مترددًا :
-مالك يا عمر عايز تقول حاجة؟!
تمالك نفسه حتى يخبرها فقال بمقدمة مناسبة :
-بصي انا عايز أشاركك موضوع كده، بس خليكي عارفة اني عمره ما هفرضه عليكي
حدقت رقية في ملامحه التي تجمع بين الجدية والتردد فقالت بقلق :
-موضوع ايه؟؟
جذب قدر كبير من الأكسجين وبدأ يعرض عليها فكرة الإجهاض ببطء دون إلقاءها في وجهها مرة واحدة :
-انتي رافضة نعمل فحوصات علشان نعرف الإعاقة اللي عند البيبي حركية ولا عقلية
-انت عندك فضول تعرف يعني؟! انا مش عايزة أفكر أصلًا وبدعي ربنا كله ده يطلع غلط وبنتنا سليمة ومفيهاش حاجة
كلامها جعل الوضع أصعب ورغم هذا لم يتراجع، إذ أمسك بكفها الموصول به إبرة كانولا ثم قال بجدية شديدة :
-في كلتا الحالتين يا رقية لو اتولدت بالإعاقة دي هتتعذب طول حياتها فـ
علق كلمته ونظر لعينيها السوداء التي كانت تتابعه بتركيز ولكن عندما صمت وصل لها ما يريد قوله فجذبت منه يدها وتحولت نظرتها إلى الذهول والصدمة قائلة :
-فـ ايه يا عمر؟! عايزني اجهضها؟!!
تحولت نبرتها للغضب والنفور ثم استرسلت حادة :
-عايز تموت بنتنا اللي لسه مجاتش الدنيا؟؟ هانت عليك تقول عليها كده!؟
-اديكي قولتيها لسه مجاتش ليه نجيبها تتعذب، انتي متعرفيش يعني ايه تعيشي في مرض وعجز، يمكن فقدان الذاكرة مش زي الإعاقة بس انا عارف شعور المرض كويس، شعور التعب والعجز وحش اوي يا رقية ومتمناش إن بنتي تعيشه، انا لحد دلوقتي فيه حاجات مش فاكرها وعاجز عن إني ألاقي حل
رمقته بذهول للطريقة التي يتحدث بها عن فلذة كبدها، قطعة منها ومنه هو أيضًا، نهجت بصوت مرتفع لصدمتها به، وفي هذه اللحظة لم تطق أن تراه أمامها :
-انا مصدومة فيك يا عمر، ولو انت مش هتتقبلها لما تتولد انا هتقبلها وهبقى أحن عليها منك حتى لو كانت عاجزة عجز كلي
أشعرته وكأنه ينفر أن ترتبط باسمه وأن تكون ابنته، وهو مقصده لم يكن هذا :
-رقية انا مش بقولك مش عايزها، لو اتولدت وعرفت إن عندها عجز هحبها علشان بنتي
-منين تحبها ومنين بتقول نـمـوتــــهـا
رمقها بضيق لصراخها عليه لكنه يقدر تعب أعصابها لذا لم يعلق، إستقامت رقية من مكانها ورمقته بعصبية وقالت :
-انا مش طايقة أشوفك قدامي يا عمر، عايزة اطبق وشك على اللي قولته ده
زادت عن حدها فوقف عمر أمامها مردفًا بتحذير :
-بدأتي تغلطي وانا قولتلك بشاركك الموضوع مقولتش تنفذيه غصب عنك
لم تبالي بتحذيره وضربت به عرض الحائط لتستكمل حديثها بنفس الحدة :
-انا لما امشي من المستشفى همشي مع أهلي وهفضل متمسكة بيها يا عمر وهدعي تتولد حتى لو فيها عيب خلقي، أما انت لو فضلت على رأيك ده لحد ما البنت تتولد يبقى تنسى إن ليك زوجة وإن ليك بنت
رأت والدتها قادمة تبحث عنها فتحركت نحوها تاركة عمر يعض أنامله فما كان عليه أن يفتح الموضوع معها وهى لا تزال في وضع الصدمة من وقع الخبر عليها
اقتربت رقية ببطء من والدتها التي قالت :
-انتي كنتي فين؟؟ تعالي فيه حد جه يسأل عليكي
زفرت بضيق فهى قد سئمت من كثرة الزيارات هذه، وليست في مزاج يمسح لها بالتحدث مع أحد، ولجت مع والدتها لتجد خالتها معالي أتت لزيارتها وقد حضر معها ابنتيها منار وكاميليا...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍