تحميل رواية «في مدينة الاسكندرية» PDF
بقلم صابرين عامر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
1- إجازة في الصعيد بسم الله نبدأ من جديد والجزء التاني ألطف من الأول وفي نفس الوقت أحداثه مهمة جدًا ولا تخلو من الأفكار الهادفة بإذن الله موعدنا في رمضان كل جمعة فصل بعد صلاة التراويح لحد ما ندخل على العيد لو في العمر بقية، وبعدها هشوف مواعيد مناسبة تعليقات كتير بقى برأيكم في اللي جاي 💜 صلي على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜 &;كنت أغرد فتبتسم وتصمت&;.. اشتاق لها ولا أجد ولو صوتها فقط حتى اسمعه&;&; ثقيلة وثقلها أرهق قلبي&;. ترى أين ذات العيون العسلية التي خطفت لبي؟؟&; أغلق مفكرته الصغيرة التي تجمع ا...
في مدينة الإسكندرية الفصل الحادي وستون 61 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
الاقتباس ده كان المفروض ينزل قبل ما أبدأ الجزء التاني بس علشان بدأت بدري شوية
وقف في بهو الشركة وقد ألقى داخل فمه قطعة شوكولاتة يمضغها على مهل وعينيه تدور في أركان هذه الشركة اللامعة، وهو لا يبالغ أبدًا فيشعر أن الشركة من شدة إتساعها وجمالها تملع
سار قليلًا إلى الأمام يراقب الموظفين المتحركين في كل مكان والعجلة تأخذهم، عجبًا من أين لهم بكل هذا النشاط أم أن المدير صارم بشدة لدرجة تجعلهم يعملون هكذا خوفًا منه
صدح رنين هاتفه في الأجواء فرفعه إلى أذنه يستمع إلى المتصل وعينيه لا تزال تتابع المكان بتركيز :
-انت فين يا كريم الساعة بقيت عشرة ونص وانت لسه موصلتش
-انا هــنـا
نطق بها بصوت مرتفع حتى يسمع والده الذي كان يقف على بعد منه وهو لا يراه، استدار عثمان ليجد ابنه المبجل قد وصل أخيرًا، تحرك نحوهه بخطوات متعجلة فقال كريم بتعجب :
-هو الكل في الشركة دي بيمشي بسرعة كده ليه!؟ براحة هى الدنيا هتطير
توقف الآخر أمامه لاكمًا ذراعه بعنف على تأخره :
-ده كله بتتنيل تفطر انا مش مصحيك الساعة سبعة وقولتك نص ساعة وألاقيك ورايا وقولتلي ماشي
فرك كريم موضع لكمة والده هاتفًا بتبرير :
-قولتلك ماشي وانا نايم يبقى كأني مقولتش حاجة، انا صحيت مش فاكر حاجة على الساعة تسعة على تليفونك لحد ما فطرت وجيت في الطريق الطويل ده جات عشرة ونص
-بعد كده تصحى الساعة سبعة الشغل هنا بيبتدي تمانية يعني قدامك ساعة والطريق من هنا للبيت خمسة وأربعين دقيقة يعني ربع ساعة تغسل وشك وتنضف نفسك وتفطر وتيجي
-في ربع ساعة؟! ايه شغل الجيش ده؟! انا أروح أدخل الجيش أرحم
دفعه عثمان أمامه حتى يسير ليستقلا المصعد ثم قال بجدية :
-كريم هنروح دلوقتي عند الدكتور فؤاد صاحب الشركة وهو هيعمل معاك المقابلة
-وهو أي واحد عايز يقدم على وظيفة أو تدريب هنا بيعمل المقابلة مع صاحب الشركة نفسه؟؟
-لأ المفروض المقابلة مع مدير التوظيف بس لما طلبت من الدكتور فؤاد إنك تنزل تدريب هنا وافق بس لما قرأ السي في بتاعك طلب يشوفك
قلق كريم مما قال وقلق أكثر من أن يكون ذلك المدعو فؤاد يعلم بماضيه وعن كونه كان متعاطي لذا قال مترددًا بلسان ثقيل :
-بابا هو عارف اني كنت مدمن
رمقه عثمان بطرف عينيه ثم قال :
-ايوه عارف
-حلو معلش بقى اسحب الملف وانا هروح بكرامتي
كاد أن يضغط على زر النزول ولكن منعه عثمان من هذا هاتفًا بجدية :
-هو عارف ومعندوش مشكلة بلاش تضيع فرصة زي دي يا كريم مش هتلاقي زيها، دي واحدة من أكبر شركات الأدوية في مصر، وانا هكون معاك حتى في المقابلة متخافش
تراجع كريم وقد زاد القلق في نفسه من هذه المقابلة، كونه كان متعاطي يسبب له أزمة نفسية يشعر أنه ليس مثل باقي اقرانه وكأن لديه وصمة عار لا يمكن نسيانها أو محوها من تاريخه
وهى بالفعل كذلك
توقف المصعد عند الطابق المنشود وهو آخر طابق في الشركة ولا يتكون إلا من عدة أبواب بينهما مسافات شاسعة، والهدوء في المكان مخيف لا يقطعه إلا صوت قرع كعب أنثوي مرتفع يرن في المكان
نظر في إتجاه الصوت ليبصر امرأة ممشوقة الجسد، حسنة المظهر، بخصلات شقراء قصيرة، ترتدي كعب مرتفع لا يدري كيف تسير به مع خطواتها السريعة هذه، رفع نظره لوجهها الأبيض الشبه مختفي خلف نظارة سوداء قد رفعتها للتو على عينيها
كانت تسير بخطوات واسعة غاضبة وكأنه تقول للجميع ابتعدوا من طريقي، افسح لها حتى تمر من جانبهما ولكنها توقفت ونظرت إليه من خلف نظارتها، أو لا هى لا تنظر إليه بل إلى والده، وقد علم هذا عندما قالت بلكنة انجليزية متقنة وكأنها ولدت في الخارج :
-Doctor osman
نظر نحوها عثمان وسرعان ما تعجب قائلة بنفس اللغة :
- Sara, when did you return from Germany - سارة متى عدتي من ألمانيا؟؟
وقفت الأخرى أمامه هاتفة بنبرة قوية رغم إرتعاشة يديها وهى تتحدث :
-I returned yesterday. Please tell my father I won't work for his company and let me go back to Germany. - لقد عدت البارحة، أرجوك أخبر أبي أني لن اعمل في شركته ويتركني أعود لألمانيا
-Okay, calm down - حسنًا اهدئي
-When you go in to see him, tell him I've returned home - عندما تدخل له اخبره أني عدت للمنزل
وهكذا ختمت حديثها ورحلت كشعلة مشتعلة وظل يراقبها إلىٰ أن اختفت داخل المصعد فقال محدثًا إلى والده :
-مين القطر السريع دي؟؟
-دي سارة بنت دكتور فؤاد
-بس دي باين عليها أجنبية؟!
تساءل بها بسرعة وهو يلحق به فقال الآخر بجدية تامة :
-آه أمها ألمانية وأبوها مصري
-بس حلوة، وبيضة أوي بطريقة مستفزة تحسها مشافتش شمس في حياتها
نظر نحوه عثمان بعدم رضا فقال الآخر بتبرير :
-ايه؟! ان الله جمال يحب الجمال متبقاش خنيق زي مرات ابنك بقى، كل حاجة حرام وغُض البصر، معرفش البت المؤمنة دي وابنك البجح قليل الأدب هيعيشوا مع بعض ازاي!؟
قلب الآخر عينيه بضجر ثم طرق على الباب الأخير في هذا الممر وولج بعد أن أخذ الأذن، ولج كريم خلفه منبهرًا بهذا المكتب الفسيح، وهذه الواجهة الزجاجية الضخمة، وعلى جنب شاشة ضخمة مقسمة إلى عدة شاشات أصغر لكاميرات الشركة بأكملها، وكأن صاحب المكتب يعشق مراقبة الآخرين
تحدث والده منظفًا حلقه ثم قال :
-دكتور فؤاد، ده كريم ابني
نظر كريم إلى ذلك الرجل الأربعيني الذي كان يقف بجانب تلك الشاشة الضخمة وبدا من النظرة الأولى أنه يحمل الكثير من الهموم، ولكن ما إن رآهما حتى تبدلت ملامحه للهدوء والرقي
أشار لهما بالجلوس بينما تحرك هو من جانب الشاشة وجلس على مقعده خلف المكتب الفخم والذي كُتب على لوحة زجاجية في مقدمته "Dr. Fouad Al-Husseini - الرئيس التنفيذي"
جلس كريم على المقعد الأمامي للمكتب وقد جلس والده في المقعد المقابل له ليتحدث ذلك المدعو فؤاد بنبرة هادئة رخيمة :
-ازيك يا كريم مبروك التخرج
وأجابه الآخر بنفس النبرة محاولًا كبح توتره :
-الله يبارك فيك
-خلصت جيش ولا لسه؟؟
-لأ انا مدخلتش جيش، جالي إعفاء
-ازاي؟؟
لا يعلم أهذا الرجل يعشق التفاصيل أم يقول هذا لتخفيف التوتر عنه، وفي كلتا الحالتين أجاب بإختصار شديد :
-عدم اللياقة الطبية
همهم الآخر بهدوء وقد فتح ملف كريم القابع أمامه ثم قال :
-انت بتحب الصيدلية والكيمياء يا كريم؟!
-لأ
تفاجئ فؤاد من صراحته هذه حتى عثمان نفسه تفاجئ، ليقول فؤاد ببسمة بسيطة :
-أومال دخلت ليه صيدلة؟؟
-بابا جبرني ادخلها وانا مكنتش لا عايزها ولا عايز المجال العلمي أصلًا
ضحك فؤاد على صراحته المبالغة بها هذه ثم قال :
-دمه خفيف يا عثمان
آماء الآخر وهو يرمق ابنه بنظرة حانقة تلك النظرة التي تدل على أنه عندما يعود للمنزل سيأخد ضرب لم يأخذه لص، تنحنح فؤاد ثم استرسل :
-دمك خفيف وهاخده على محمل الهزار علشان لو في مقابلة قولت كده هتروح علطول على بيتكم، قولي يا كريم السي في بتاعك بيقول إنك واخد كورس انجليزي وألماني، بتعرف ألماني على كده؟!
-آه
-اثبت ليا
نظر كريم حوله ثم قال بعد عدة ثواني بلكنة ألمانية جيدة :
-Warum gibt es so viele Überwachungskameras in Ihrem Büro? - لما كل كاميرات المراقبة في مكتبك؟
ابتسم له الآخر ثم أجاب بنفس اللكنة :
-Um die Angelegenheiten des Unternehmens selbst zu überwachen - من أجل مراقبة أحوال الشركة بنفسي
زفر على مهل بعد أن أغلق الملف ثم قال :
-بص يا كريم أهم حاجة في شركات الأدوية تبقى إنك تعرف لغات كتير عايزك جنب الألماني والانجليزي تتعلم اللاتيني وفرنسي لو هتقدر يعني
نظر نحو عثمان ثم أضاف بجدية شديدة :
-فيه دفعة تدريب نازلة السنة دي عندنا صح؟؟
-ايوه من جامعة خاصة بس كريم لو هيكون معاهم هيكون أكبر منهم بسنة
-مش مشكلة ينزل معاهم تدريب هو وسارة
عقد الآخر حاجبيه وهم بالتحدث ولكن قاطعه الآخر بنبرة جادة مخيفة :
-عثمان انا شوفتها اتكلمت معاك برا وانا مش هغير رأيي، سارة مش هتسافر تاني دي بلدها اللي اتولدت فيها مش ألمانيا، وهتنزل تدريب زيها زي باقي الموظفين اللي بدأوا من الصفر علشان لما تمسك مكاني ميقولوش اخدته على الجاهز
وبالطبع لم يفهم هو أي شئ ولم يكترث، ولكن نبرة فؤاد هذا جعلته يشعر أنه أب صارم بشدة مع ابنته
نظر فؤاد نحوه ثم تغيرت نبرته للهدوء وأضاف :
-وكمان عندي طلب شخصي من ابنك اتمنى ميردنيش فيه
انتبها الاثنين لما سيقوله لتنقلب ملامح كريم للبلاهة عندما طلب طلبًا غير متوقع :
-عايزك يا كريم تعلم سارة تتكلم عربي علشان هى طول عمرها عايشة برا وضايعة خالص فيه ومن صغرها بتعاند ومش عايزة تتعلمه
صمت الآخر لبرهة ثم نظر إلى والده وقد أشار له بالاقتراب قليلًا من ثم قال له بهمس متهكم :
-ايه اللي بيقوله الراجل ده؟! هو انت جايبني أتدرب في شركة أدوية ولا اشتغل مدرس؟؟
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الثاني وستون 62 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلي على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
تشعر أن جلد يديها قد باش بسبب الماء والصابون السائل ولكن ما باليد حيلة إن لم تنتهي من غسل الأطباق والقدور قبل أن يخرج الجميع من المندرة سوف تعلقها والدتها
رفعت يدها عن القِدر تشعر بتشنج في أعصاب يدها من قوة ضغطها حتى يلمع القدر لمعان كما طلبت والدتها المبجلة مهووسة النظافة، رفعت عينيها إلى شقيقتها التي كانت تقف بجانب باب المندرة تمامًا تسترق السمع لما يدور بالداخل فوالديها وعائلة يوسف يحددون الآن موعد عقد القرآن ويوم الزفاف
قلبت عينيها بضجر وهى تتمتم بينها وبين نفسها :
-حسبي الله، ناس تغسل المواعين وناس بيتحددلها كتب الكتاب
شطفت القدر بالماء بعد أن انهته لتأتي براءة لها مهرولة تصيح بصوت جعلته منخفض حتى لا يسمعها من بالداخل :
-حددوا كتب الكتاب
اعتدلت في وقفتها تنتظر تكملة حديثها وهى سعيدة لسعادتها هذه فأكملت براءة بحماس شديد :
-كتب الكتاب بعد فرح ولد عمك جابر بتلات أيام يعني الخميس اللي جاي
-طب والفرح؟!
-بعده بأسبوعين
ختمت حديثها وهى تخرج هاتفها تبحث عن صورة الفستان الذي حضرته منذ ما يقارب الشهران لكي تصمم واحد مثله في عقد قرانها :
-انا وانتي وماما لازم نروحوا بكرة نشتروا قماش وبعدها نشوفوا خياطة شاطرة عـ
قاطعت شروق حديثها وهى تضمها بقوة غير مبالية بمريول المطبخ المبتل وعلى الأرجح قد ترك أثر على ملابس براءة الجميلة، ولكنها لم تبالي بكل هذا قائلة :
-مبارك يا براءة، متوقعتش أقولها في يوم من الأيام..... بس انا مش عايزة تسيبي البيت وتمشي
بادلتها براءة العناق في لحظة أخوية دافئة نادرة الظهور، ليس وكأنهما كل يوم يتشاجرا على اتفه الأسباب، ليس وكأنهما يلقيان بالمهام على بعضهما وقد يصل بهما الأمر للمشاجرة الكلامية
كل الأخوة على هذا الحال لا يطيقان بعضهما طوال الوقت ولكن يحبان بعضهما بشدة ولا يظهر هذا الحب إلا في مثل هذه المواقف
تقسم شروق أن عينيها قد أدمعت وضاق صدرها من فكرة أن شقيقتها بعد عشرون يوم سترحل من البيت ومن المحافظة بأكملها وتنتقل إلى مكان بعيد عنهم
وفي هذه الأثناء خرجت والدتهما من المندرة على هذا المشهد الجميل فتبسمت بشدة وهى تقترب منهما قائلة :
-ايه يا شروق هتبكي علشان براءة هتتجوز؟!
ولم تنكر الأخرى بل آماءت بسرعة وهى تشدد من عناق شقيقتها التي أخذت تقهقه وهى تحاول إبعاد شروق عنها :
-ايوه ادخلي قوليلهم معندناش بنات للجواز، متخليهومش ياخدوها
ضحكت براءة بقوة تكاد تجزم أن من بالداخل سمعها بينما أبتعدت شروق وهى تمسح عينيها بطرف كمها، تستمع إلى والدتها تقول وهى توجه حديثها إلى براءة :
-ابوكي اتفق معاهم كتب الكتاب الخميس اللي الجاي والفرح بعده بأسبوعين، ها موافقة وامورك هتبقى تمام
نظرت براءة نحو شروق التي أحمر أنفها الصغير ثم عادت بنظرها إلى والدتها هامسة بخفوت :
-ايوه تمام
ربتت والدتها على كتفها داعية لها بالزيجة المباركة ثم نظرت إلى شروق قائلة :
-صبي كوبايتين عصير في الكاسات الجديدة وطلعيهم برا في الصالة علشان اختك هتقعد شوية من خطيبها
زمجرت شروق برفض قاطع لهذا الظلم إذ قالت :
-وما تصب هى ما انا بغسل المواعين من الصبح ولحد دلوقتي مخلصتش
-زي بعضه اعملي انتي وخلصي المواعين ولما تمشي الناس هخليها هى تلم البيت كله وانتي متعمليش حاجة باقي اليوم
وهنا ابتسمت شروق برضا بينما انقلبت ملامح براءة بضيق معترضة :
-ألم البيت كله وحدي؟! طب راعي إني عروسة والعروسة مش بتعمل حاجة
-عروسة يا حبيبتي يوم الفرح والحنة ويوم كتب الكتاب في التلات تِيّام "أيام" دول مش هخليكي تعملي حاجة خالص، غير كده مرمطون في البيت زيك زيها
تركتها ورحلت فصاحت براءة من خلفها بتهكم :
-طب اتجوز بس وانا هخليه يجيبلي خدامة فلبينية
رحلت هى أيضًا بعد أن نادى عليها شقيقها الصغير من البهو كي تأتي حتى تجلس قليلًا مع يوسف ويكون هو المحرم معهما
بينما شروق سحبت الستار القابع أمام المطبخ عندما رأت طيف يوسف يخرج من المندرة وانكبت هى على باقي الأطباق حتى تنهيهم، وفي هذه الأثناء استمعت إلى صوت يونس من خلف الستار وهو يتحدث مع والدتها التي تدله على المرحاض والذي يقع بجانب المطبخ تمامًا
توقفت عن إصدار الأصوات حتى ينتهي ويخرج بينما ظلت هى تشغل نفسها في وضع باقي الأطعمة في الفرن ثم إنتهت أخيرًا من الغسل لتخرج الكاسات الجديدة التي قالت عليها والدتها والتي لا تخرج إلا ليوسف وعائلته، ذلك الوغد الذي سيأخد شقيقتها
صبت عصير المانجو داخل الكاسات ووضعتهم على صنية مزخرفة ثم عدلت من ملابسها ونشفت يديها وارتدت حجابها وخرجت متجهة إلى البهو
حيث كانت تجلس براءة ويوسف على نفس الاريكة مع مساحة شاسعة بينهما بينما شقيقها محمد والذي يبلغ من العمر ستة عشر عامًا يجلس بجانبهما على هاتفه
عجبًا لما لم يثرثر مع يوسف كعادته وعلى الأرجح الأمر يعود لنظرة قوية حادة من براءة، تعلم هذه النظرة المخيفة جيدًا فهى تمتلك واحدة مثلها، وضعت العصير على طاولة الضيافة فتبسم لها يوسف بسمته الهادئة ثم قال بنبرة لبقة تخرج منه طوال الوقت :
-شكرًا يا آنسة شروق
حسنًا هو محترم بشدة لدرجة تجعل من حوله يحترموه، لذا أجابته بنبرة مازحة وهى تعتدل في وقفتها :
-خلاص بقى هتبقى جوز اختي ملهاش لازمة آنسة دي
-أعتقد انتي اللي عودتيني أقولها
هتف بها بنفس نبرتها المازحة فإرتفع خد شروق ببسمة بسيطة تتذكر عندما ناداها في مرة باسمها فأجابته متهكمة أن يناديها بلقب لذا أخذ فترة يناديها هكذا :
-علفكرة لما قولتلك متقوليش يا شروق حاف كان قصدي تقولي يا شروق هانم
قهقه يوسف عليها فرحلت شروق تاركة لهما بعض الخصوصية فابتسم الآخر في أثرها ثم قال وهو يجذب كأس العصير :
-لطيفة أختك بس أحيانًا بحس إنها مش طايقاني وعايزة تقوم تاخدني قلم
-لأ متحسش هى أحيانًا تبقى مش طايقاك علشان هسيبها وأمشي حتى ماما زعلانة وانا والله زعلانة
ختمت حديثها وهى تخفي ضيق حقيقي تشعر به كل فتاة حينما يقترب يوم زفافها وتترك البيت الذي كبرت وترعرعت به، ابتسم يوسف عليها متذكرًا شقيقته رقية وحزنها مع كل يوم يقترب من يوم زفافها
وحين أتى ذلك اليوم كان عبارة عن الكثير من الدموع منها ومن والدته حتى هو ووالده ضاقا لأن زهرة المنزل قطفها آخر وسيزرعها في بستانه، حتى يونس تأثر يومها ولكن من يستطيع ملاحظة هذا غيره
حمحم ثم اردف بلطف محاولًا إخراجها من حالة الشرود التي انتابتها :
-علفكرة اخدت بالي إنك انتي وشروق شبه بعض جدًا بطريقة عجيبة
عقدت براءة حاجبيها لا تفهم ما الشبه بينها وبين شروق، الأخرى قمحية بينما هى بشرتها أسمر قليلًا، شروق نحيفة وهى جسدها أنثوي عريض :
-فين الشبه بيني وبينها مفيش غير لون العيون بني غامق والطول، كمان هى أطول مني سيكا
-لأ قصدي على الشخصية والتصرفات وطريقة الكلام حتى النظرات يعني لما تبقوا على تكة من الانفجار كده ودي شوفتها عليكي كتير تبصي كده للي معصبك منزلة النضارة لتحت شوية رافعة واحد من حواجبك ونظرتك حادة كده اللي هو لو مسكتش هقوم اعجنك، بخاف انا من البصة دي وهى عندها نفس البصة بالظبط
ضحكت براءة موافقة هذه النظرية تمامًا فشخصية شروق تتشابه مع شخصيتها، نفس النظرات والكلمات والتصرفات ونفس المفضلات، ومؤخرًا منذ عدة سنوات نقلت لها عدوى الكسل :
-متوقعتش أقولها علشان كنت شايفاها في وشي علطول حتى لما روحت إسكندرية بس هتوحشني والله
عاد الضيق واحتل صدرها فقال يوسف بنفس بسمته الهادئة :
-ايه رأيك نجيبها عندنا
-يعني ايه تدرس هناك يعني؟؟ مش هتوافق
-لأ هجوزها يونس
ضحكت براءة ضحكة أقرب للسخرية ثم قالت :
-دي هى بنزين وهو نار هتجوزهم فيولعوا في بعض ويولعوا فينا إحنا كمان
-إن جيتي الحق هما هيولعوا فعلًا بس هيبقى على هوى يونس
-مش فاهمة؟؟
-يونس اخويا يموت على اللي يعصبه بحسه والله بيتغذى على نكش الناس اللي حواليه واستفزازهم، يعني ممكن هو وحمزة يدبوا خناقة مع بعض على كوباية مياه، أو لو يونس زهقان يشرب سجاير قدامي علشان عارف إني هتخانق معاه، هو ده مفهوم الحب والإهتمام عند يونس استفزاز الآخرين، مسمعتيش بالمثل اللي بيقول اللي بيحبك ينكشك أهو يونس كده بالظبط
همهمت براءة بتفكير في الأمر ولكن لا تشعر بالراحة لذا قالت مبدية رأيها :
-مش عارفة يا يوسف حاسة لأ الاتنين مش هينفعوا مع بعض، كمان انت وهو بعد شهر هيبقى عندكم تلاتين وشروق من شهرين بس كملت عشرين يعني فرق عشر سنين بينهم واحيانًا الفرق الكبير بيجيب مشاكل، يعني ياسر وعائشة الفرق بينهم برضو عشر سنين وده تقريبًا عامل مشاكل مع عائشة وشايفة إنها ماشية في علاقة مش مظبوطة علشان فيه فرق تفاهم بينهم
آماء يوسف بموافقة ليقرر تغيير الموضوع فقال :
-علفكرة انا قدمت ورقك على الوظيفة
-والله؟! واتقبلت في أنهى مستشفى؟؟
-المستشفى اللي انا شغال فيها طبعًا
-تاني؟!
-وهتبقي في قسم إفاقة وعمليات
-تاني!!
-وهظبط مع مسؤولة التمريض علشان تبقي معايا انا بس في العمليات
-تاني!؟ وأفضل ألف وراك زي البطة في المستشفى كلها تاني!! وتفضل اليوم كله تنادي عليا يا براءة يا براءة تاني!! لا يا بابا صدقت ما سنة الإمتياز راحت لحالها، انا هقعد في قسم مفيهوش حركة على مكتب معززة مكرمة وبطلنا شغل فرهدة علشان انا واحدة صاحبة مرض، يا كده يا أقعد في البيت
ضحك يوسف بعلو صوته حتى وصل له صوت حمزة بداخل المندرة وهو يقول :
-الله يسهلك يا يوسف وإحنا لأ
وضع الآخر كفه على فمه حتى يكتم ضحكاته بينما حدقت به براءة في تذمر :
-يوسف انا مش هرجع اشتغل معاك انت بتهد حيلي بضميرك شوفلك واحدة عندها صحة يا عم
-يعني معندكيش مانع اشتغل مع واحدة غيرك مش هتغيري مثلًا؟؟
ابتسمت له الأخرى بسمة بلاستيكية ثم قالت :
-انا مش من النوع اللي بيغير ثم انت برضو مش من النوع اللي بيلعب بديله، وانا عارفاك وقعدت معاك سنة كاملة، فأمان
ضم يوسف ذراعيه إلى صدره معترض بشدة :
-لأ مفيش منه الكلام ده طالما هتشتغلي معايا في نفس المستشفى هتبقى معايا الست ساعات كلهم تحت عيني
-طب بذمتك مش هتزهق يعني في الشغل قدامك وفي البيت قدامك البنى آدم بيحب التجديد
قلب عينيه بضيق فهو يحاول أن يصنع أجواء رومانسية بجمله ولكن على الأرجح براءة حمقاء ولا تفهم لذا قال بطريقة مباشرة لربما يرى خجلها نادر الظهور عليها :
-مكتفي بوجودك حواليا يا براءة وعايزك معايا في الشغل وبرا الشغل، عايزك أربعة وعشرين ساعة جنبي
حسنًا أخجلها هذا الكلام كثيرًا وودت لو تذهب الآن ولكن منعها يوسف من التحرك حين قال بعفوية منه وبصوت هامس حتى لا يسمع شقيقها الجالس بجانبهما وباله ليس معهم :
-متمشيش خليكي شوية بقالي كتير مقعدتش معاكي ومقضينها تليفونات بس
جلست صامتة هذه المرة وحين حاول يوسف أن يفتح معها موضوع وجد يونس فوق رأسهما يقول بهدوء أقلقه هو :
-معلش يا براءة عايز اتكلم مع أخويا شوية
ودون الإعتراض آماءت بسرعة ثم استقامت من مكانها جاذبة شقيقها معها وتركتهما بمفردهما في البهو، جلس يونس إلى جانب أخيه بملامح مبهمة ثم قال جملة عجيبة فهمها بشكل خاطئ في الوهلة الأولى :
-أبوك وأمك خطبوني يا يوسف
أفرغ يوسف فمه مستعدًا للنطق بشئ ولكن لم يجد فلم يفهم الجملة المركبة بشكل خاطئ :
-قصدك خطبولك؟!
-هتفرق يعني في الضمير اللي في آخر الكلمة!؟ ماشى خطبولي وانا اضربت على دماغي ووافقت في لحظة تسرع
أعتدل يوسف في جلسته ثم تحدث بإنتباه شديد :
-لأ بهدوء كده واحكي ويعني ايه اتسرعت، مش في قاموسك كلمة التسرع دي يا يونس
بدأ يونس في روي ما حدث إذ قبل عشر دقائق وبعد أن تركت شروق براءة ويوسف وجدت والدتها في المطبخ تعد أطباق الكيك وكاسات العصير وما إن رأتها حتى قالت :
-تعالي يا شروق هاتي أطباق الكيكة وانا هاخد صنية العصير
ولم تعترض وفعلت ما قالت ثم تحركت خلفها نحو المندرة، اخذت توزع والدتها العصير على الجميع بينما وضعت هى الأطباق على الطاولة ولم ترفع عينيها في أحد، حتى لم تلاحظ أن أحدهم عينيه عليها منذ البارحة
وليس يونس كما تتوقعون بل عبلة والدته التي تراعي بنظرها على شروق منذ يوم أمس، ومثل اي أم لديها أبناء على مشارف الزواج تجذبها الفتاة المهذبة الجميلة
وشروق تمتلك جمال بسيط عادي وإنما أقل من العادي ولكنها مهذبة والأهم من هذا كله لم يخفى عليها النظرات التي يسترقها ابنها لها في الخفاء، يظن أن لا أحد يراه ولكنها ترى هذا بوضوح، فهذا ابنها أنجبته وترعرع في كنفها وتعلم طباعه وتعلم ما يكره وما يحب
-ازيك يا شروق عاملة ايه؟!
رفعت شروق عينيها نحوها مبتسمة بمجاملة :
-الحمد لله بخير
-حطي جنبها طبق كيكة يا شروق
نطقت بها والدتها وهى تجلس إلى جانب زوجها بعد أن أنهت توزيع المشروبات، شعرت شروق بالحرج من طلبها وقدمت لها الطبق على إستحياء، تود الفرار بسرعة من هنا فهى لا تحب التجمعات العائلية
وإن وُضعت بها تجلس على هاتفها أو تتحدث مع أقارنها في السن، أما جلسات الكبار وحديثهم لا تفهمه ولا تحبه
أخذت منها عبلة ثم شكرتها لتزيد والدتها عليها الحرج عندما قالت :
-حطي باقي الأطباق جنب الباقي
طالعتها شروق بملامح حارقة مخفية ولكن لم تتحدث بكلمة بل كتمتها بداخلها وأخذت باقي الأطباق وأخذت توزع عليهم تتمنى أن تختفي الآن، وعندما وصلت إلى توحيد ابتسمت لها بمزاح قائلة :
-ازيك يا حماتي
وما كان رد فعل الأخرى غير أنها أخذت تحدق في شروق بتعجب فقالت شروق عاقدة الحاجبين مع بسمة مستفهمة :
-نسيتيني صح؟!
وآماء لها يونس وهو جالس على الاريكة التي بجانبها يسحب من الطبق الذي تحمله قطعة كيك أخرى غير التي أخذها :
-هى نسيتك فعلًا بعد ما مشيتي بخمس دقايق بالظبط
تبسم لها محمد متذكرًا ما رواه إسماعيل لهم حين عادوا :
-إسماعيل قالي على اللي عملته توحيد معلش متاخديش على كلامها هى تعبانة
-لأ عادي أنا عارفة إنها تعبانة وربنا يشفيها بس دي كانت فاكرة اسم ابنها وسنه وشغله وعمتي ووالدة حمزة
أتتها الإجابة من حمزة بنفسه إذ قال بنبرة هادئة ليس وكأنه كان سيشن معركة على عمته بسبب حديثها :
-هى كده أحيانًا تفتكر حاجات وتنسي، واحيانًا تألف من دماغها وترفع ضغطنا، دي كانت عايز تجوز نور لأبويا وراسها وألف سيف إنها تطلق أمي منه
علت ضحكات يوسف في الخارج فابتسم الجميع هنا دون تعليق إلا يونس الذي غمغم قائلًا :
-الله يفضحك يا يوسف فضحتنا
وحمزة كذلك الذي صاح بصوت مرتفع حتى يصل ليوسف :
-الله يسهلك يا يوسف وإحنا لأ
أخذت شروق الأطباق الفارغة وانسحبت من المكان تلحقها نظرات عبلة، وما إن اختفت حتى مالت على زوجها قليلًا هامسة :
-محمد ايه رأيك نخطب شروق ليونس
تفاجأ الآخر بشدة من طلبها وفي هذا الوقت بالتحديد إذ قال :
-بتقولي ايه؟! اشمعنا شروق!! وتفتكري يونس ممكن يوافق؟
-عادي انا شايفة إنها جميلة ومحترمة وإحنا هناخد اختها ليوسف والناس دول ذوق أوي ومحترمين وأكيد مربيين بناتهم احسن تربية كفاية لبسهم الكويس وأخلاقهم
راقت له الفكرة كثيرًا فهو قد طلب من ابنه أن يفكر في فتاة من هنا حتى يتزوجها ولا مانع لديه إن كانت شروق أو غيرها، ويفضل أن تكون شروق فهى شقيقة براءة ومن نفس العائلة التي يناسبوها :
-تمام شوفي يونس ولو إني حاسس إنه مش هيوافق
-لأ هيوافق إن شاء الله ولو حصل هنطلبها دلوقتي
-دلوقتي؟!
لم تلقي له الأخرى بالًا واقتربت من ابنها بعدما جعلت كريم يجلس مكانها ثم امسكت بذراعه حتى ينتبه لها ويترك طبق الكيك الذي يتناوله بنهم فابنيّها يدمنان شيئًا يدعى كيك :
-يونس بص عليا
همهم لها الآخر حتى تكمل وباله منشغل بما في يده، فأكملت عبلة بنبرة هامسة :
-ايه رأيك في شروق؟؟
توقف يونس عما يفعل وترك الطبق من يده منتبهًا لها بتركيز فهو يعلم هذه الجملة التي تسبق اسم شروق "ايه رأيك" سمعها عشرات المرات ويعلم ما الموضوع التالي ورغم هذا ادعى عدم الفهم إذ قال بنفس نبرتها الخافتة :
-مالها؟!
-ايه رأيك لو نخطبها ليك
عشر ثواني مرت دون رد فعل منه لا رمشة ولا همسة، عشر ثواني بالنسبة الي عبلة وعشر ساعات بالنسبة إليه حدد بها ما يريد إذ قال بجدية شديدة خالية من أي مزاح أو سخرية :
-تمام
-تمام ايه؟!
-تمام اتكلوا على الله انا موافق
تعلم أن ابنها معجب بشروق وتروق له ولكن صدمتها موافقته السريعة التي جعلتها تحدق به ببلاهة لعدة ثواني، أوافق دون أن يرهق قلبها معه مثل كل مرة؟! والله لولا ملامحه الجادة الآن لظنته يسخر
وبعد ذهولها هذا ارتفعت بسمة متسعة على ثغرها جعلتها تهرول نحو زوجها وتزف له الخبر ومحمد بدوره لم يقل ذهولًا عنها إذ ظل يحدق في ابنه بإندهاش شديد قاطعته عبلة عندما همست له بشئ ثم استقامت من مكانها، وتلىٰ هذا مناداة محمد على حسين قائلًا :
-حسين معلش اتكلم معاك في موضوع مهم وضروري
انعقدا حاجبي يونس بتعجب شديد يحاول إبعاد فكرة أن والده يحادث حسين الآن في موضوعه هو وشروق، وليقطع الشك باليقين قد جر ذراع والدته قبل أن ترحل مع النساء وتخرج من المندرة خلف والدة براءة :
-ماما استني هو بابا هيتكلم معاه دلوقتي؟؟
-آه طبعًا لازم نستعجل في الموضوع قبل ما نرجع إسكندرية
أفرغ الآخر فمه ببلاهة لا يصدق هذه السرعة لتزيد عبلة الطين بله عندما قالت وهى تجذب ذراعها منه :
-وانا هاروح اتكلم مع مامتها علشان نفتح الموضوع من الناحيتين
تركته هكذا مذهولًا ورحلت فحرك بصره نحو والده الذي بدا منشغلًا في الحديث مع حسين بل وعمه محفوظ يشاركهم الأمر وبين الحين والآخر ينظر نحوه دليلًا على أنهم يتحدثون عليه
لقد وضعوه في زواج أمام الأمر الواقع
هزه حمزة قليلًا لا يفهم ما الذي أصاب يونس وكأن على رأسه الطير، وقد كان مستمع لما قالته عبلة الآن نظرًا لأنه يجلس بجانب يونس تمامًا :
-مالك يا يونس متنح كده ليه؟!
-انا هطلع ليوسف
رمي له جملته وخرج بسرعة وقد طرد براءة بالمعنى الخفي وها هو يجلس أمام يوسف المندهش والآن فهم ما يقصده يونس عن كلمة تسرع، هو أعطى موافقته ويظن أنهما سيتمهلان قليلًا في عرض الأمر على والديّ شروق ولكنهما خالفا توقعاته
وقبل أن يفتح فمه بكلمة وجد الشباب يهلون عليهم ويقول إسماعيل بنبرة سعيدة :
-ايه يا يونس مش كنت تقولنا إنك هتخطب
طالعه الآخر بتعجب لا يفهم كيف عرفوا بهذه السرعة ليقول حمزة بنبرة مشاغبة منه :
-الله يسهلك يا عم انت كمان بيخطبولك جوا، بس مش شايف إنك أنت وشروق حاميين أوي على بعض
ولم يبادر يونس بكلمة فهو لا يعلم ماذا يقول في هذا الوضع، أجل هو وافق ولكن لم يتوقع أن يمر الأمر هكذا سريعًا ويضعوه أمام الأمر الواقع، ولربما غدًا يجرونه منذ الصباح الباكر من أجل شراء خاتم الخطبة
برم كريم شفتيه لا يعجبه الوضع إذ قال بتذمر :
-لأ مينفعش كده إسماعيل اتجوز، ويوسف هيتجوز، وانت وحمزة خلاص هتخطبوا، وأحمد ابن عمتكم خاطب وأخوه متجوز وأمير بيحب وانا اللي قاعد زي خيبتها، لا واحدة معباراني ولا انا معبر حد
قهقه حمزة ضاربًا على ظهره بخفة ثم قال :
-لسه يا صغير انت يا كراميلا اشتغل وابني نفسك الأول وبعدين فكر في الحب والجواز
-لا يا عم مليش فيه انا أبغى اتجوز الحين، وجيبولي عروسة الحين
صمت جميعهم عندما أبصروا شروق تتقدم نحوهم وفي يدها محفظة رجالية فأفسحوا لها مجال حتى تقف بينما قالت الأخرى بنبرة مبهمة جادة :
-انا لقيت المحفظة دي في الحمام بتاعت حد فيكم؟!
تحسس جميعهم الجيوب تفقدًا لمحافظهم بينما يونس رفع عينيه على صوتها وما إن وقعت على المحفظة حتى علم انها تخصه وقد نسيها في المرحاض لذا قال سريعًا :
-دي بتاعتي انا نسيتها بعد ما خرجت من الحمام
ولا يدري لما وجهت له هذه النظرة القوية الحادة من دون الجميع وكأنه اقترف إثمًا وتريد أن تصفعه عليه :
-بتاعتك المحفظة واللي جواها بتاعك!؟
ظن أنها تسأل هذا حتى تعلم إن كان صاحب المحفظة أم لا لذا أجاب بنبرة غير مبالية :
-ايوه بتاعتي وحتى افتحي المحفظة هتلاقي بطاقتي فيها
-تمام واللي وراء البطاقة برضو بتاعك
نطقت بها بنبرة حادة آثارت فضول الجميع بها بينما قال يونس بعدم فهم :
-ايه اللي وراء البطاقـ
ابتلع آخر الكلمة وشرد بشكل مخيف ثم اغمض عينيه بقوة وفي هذه اللحظة أراد صفع نفسه على الشئ الذي تقصده شروق والذي نسيه داخل محفظته منذ أكثر من سبعة أشهر
لقد رأت بالطبع صورتها الشخصية داخل محفظته، تلك الصورة التي سقطت من حقيبتها أسفل مكتبه وقد وجدها العسكري أثناء التنظيف وأعطاها له، وبدلًا من تقطيعها أو رميها أو حتى إعادتها لها قام بوضعها داخل محفظته خلف بطاقته الشخصية حتى يتصرف في الأمر ويفكر هل يعطيها لها أم لا
ولأن الصورة كانت مختفية خلف بطاقته نسيها تمامًا وظلت هناك لأكثر من سبعة أشهر دون أن يتذكرها حتى، وبالصدفة الآن تذكرها ولكن بعد ماذا؟ بعد أن رأتها شروق دونًا عن الجميع، والآن ستظنه عاشق ولهان لها ويحتفظ بصورتها داخل محفظته
فارق بين جفنيه ثم زفر ببطء محاولًا بقوة أن يهدئ من روعه ثم قال بطريقة مبهمة حتى لا يفهم الجميع والذين يحدقون بهما في فضول شديد :
-لأ اللي وراء البطاقة مش بتاعتي
-ومتعرفش برضو جات ازاي صح؟!
نطقت بها بنبرة مستهزئة فقال حمزة وهو يمد يده لها حتى تعطيه المحفظة :
-هو ايه اللي وراء البطاقة ممكن أعرف
في ثانية ونصف قفز يونس من مكانه قبل أن يأخذ حمزة المحفظة ويصبح أضحوكة ومحتوى لمدة شهر، حاول أن يجذب هو المحفظة ولكن شروق خبأتها خلفها تحدق به بقوة تريد تفسير سريع لهذا، تنهد يونس من هذا الموقف السخيف وللأسف عليه التبرير :
-هى وقعت من شنطتك لما كانت عندي في القسم
-انت فتشت في شنطتي؟؟
-علشان اتأكد من الحاجات اللي قولتي عليها يوم ما اتسرقت منك
-اممم
-ودي وقعت وحطتها في محفظتي ونسيتها خالص
-وبعدين
زفر يونس بضيق شديد وبدأ الموقف يزداد سخافة وإحراج بنظرات الجميع المسلطة عليهما لذا صاح بعصبية :
-متقوليش اممم وبعدين هو انتي عاملالي تحقيق
-يــــونس
نطق بها يوسف يعلم أن أخيه يشعر بالضغط الآن لذا يتعامل بعصبية، بينما قال كريم والفضول يأكله بالمعنى الحرفي :
-هو أي اللي جوا المحفظة علشان انا دماغي بتفكر في كل حاجة غلط
لم يبالي يونس بما قال بل مد كفه لشروق هاتفًا بجدية شديدة وعينيه البنية تنظر إلى عينيها الواسعة مباشرةً :
-ممكن بقى محفظتي وخدي اللي يخصك انا قولتلك على اللي حصل ومش مضطر أكدب
حسنًا رد مقنع ولكنها لم تقتنع بعد لذا استغلت الموقف حتى تعلم شيئًا كان يحيرها حين كانت حقيبتها مسروقة :
-تمام هديهالك بس اسأل سؤال الأول، شنطتي لما اتسرقت لقيتها في نفس اليوم اللي اتسرقت فيه ولا في اليوم اللي انت ادتهالي فيه؟؟
وبصراحة مفرطة منه أجابها :
-لأ لقيتها في نفس اليوم وخليتها عندي علشان انتي كنتي مستفزة وحرقالي دمي ومش عايز ارجعهالك
ضغطت شروق على فكها بغيظ شديد ثم قالت وهى تفتح محفظته أمام عينيه تخرج الأموال الموجود به دون الاقتراب من شئ آخر :
-حلوة كنتي حرقالي دمي علشان انا مستفزة أكتر مما تتوقع وهحرق دمك أكتر دلوقتي
وضعت الأموال في كفه ثم احتفظت بالمحفظة خلف ظهرها مسترسلة ببسمة قوية، ترد له الصاع صاعين :
-انا متعودتش أسيب حقي والعين بالعين والسن بالسن بس انا هطلع أكرم منك، خد فلوسك علشان ممكن تحتاجها وزي ما شنطتي قعدتك عندك أكتر من أسبوع محفظتك هتبقى عندي لحد ما مزاجي يهفني ارجعهالك، ممكن يوم فرح يوسف وبراءة اللي هو بعد عشرين يوم أو يوم سبوع أول بيبي، على حسب مزاجي بقى
تركته وصعدت الدرج القابع بجانب البهو تمامًا تاركة الجميع يحدق بها في ذهول، أولهم يونس والذي قال بدهشة من جرأتها _التي راقت له كثيرًا_
-انتي قولتي هترجعي المحفظة بعد ما اجاوبك على السؤال
رفعت الأخرى كتفيها بلا مبالاة محدقة به من أعلى الدرج ثم قالت بنبرة إستفزازية :
-رجعت في كلامي
أكملت صعود الدرج وأختفت عن الأنظار ولكن لا يزال يونس يحدق في أثرها بإعجاب واضح، أول امرأة تتجرأ على التحدث معه بكل هذه الجرأة فحتى عايدة ومن خلفها لم يفعلن، ووالدته وشقيقته يهابانه
المرأة الأولى التي تشعل عصبيته، وفي نفس الوقت تطفئ هذه العصبية بطريقة هو حتى لا يفهمها
تحدث حمزة وهو يخرج صوتًا من فمه دليلًا على ذهوله من هذا الموقف :
-انا شكلي هتراجع للمركز التاني في إستفزاز يونس، بس سؤال هى جات وعملت كده وعارفة إنك هتخطبها
اخفض يونس عينيه عن الدرج وقد ارتفع خده الأيسر بإبتسامة جذابة لم تظهر لهم وهذا لأن وجهه للدرج وظهره لهم :
-لأ لو كانت تعرف مكنتش وقفت قدامي، ولما تعرف هترجع المحفظة انا عارف
وضع النقود داخل جيبه ثم تمتم بينه وبين نفسه :
-هى أصلًا كلها لسان بس داخلة دماغي بنت الإيه ومش راضية تخرج
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
رن هاتفها للمرة الثالثة وهى تغلس دون الإجابة تدعي عدم سماعه وبداخلها موجات من الحيرة والتخبط، يرن عليها منذ يومين وهى لا تجيب إلا مرة أو اثنين حين تسئم من محاولاته
شردت منه يوم أمس حين حاول التحدث معها وظلت ملتصقة بجانب والدتها وإنشغاله مع الضيوف قد ساعدها كثيرًا، ولكن في صباح اليوم حين صعدت حتى تنادي دعاء لم تستطع أن تهرب منه
كان يجلس على الدرج حينها بينما دعاء في شقة عمها ماهر مع زوجته تستعير منها حجاب يليق على ملابسها وقد ولجت براءة حتى تستعجلها
لم تهرب حين رأته بل ظلت في مكانها تحدق به ويحدق بها في صمت قاطعه ياسر عندما قال :
-انا عايز أعرف انا عملتلك ايه مش عايزة تكلميني بسببه، حتى لما نزلت أجازة كأنك مش عايزة تشوفيني
طرح عليها المشكلة بطريقة مباشرة فهذا هو ياسر مباشر ولا يحب الطرق الفرعية في الحديث، وها هو ينتظر منها إجابة وهى لا تعلم كيف تأتي بسبب المشكلة
كيف تخبره أنها تشعر بالتخبط من هذه الخطبة وهناك شعور قوي بداخلها يريد أن يفسخها وكلٌ منهم يذهب في طريقه :
-ياسر هو لو حصل حاجة وفسخنا الخطوبة هتوافق من غير مشاكل
صمت الاخر مليًا، مفكرًا في رد عقلاني على سؤالها المراوغ هذا :
-بس إحنا لسه معملناش الخطوبة أصلًا، هو انتي عايزة تفركشي الموضوع ليه يا عائشة
ازدردت لعابها بتوتر تشعر بالتخبط الشديد ووسوسة داخلية تخبرها أن تتحدث دون أن تخاف وتلقي بهذا الهم من على كتفيها :
-انت وعمي عبد الجواد اتكلمتوا مع بابا بعد ما عرفت إن حمزة هيتقدم لنور وهيخطبها خلاص وقبلها بيومين قولتلي إنك عايز تعجل بالجواز
-يعني انتي خايفة من ايه برضو مش فاهم؟؟
-سمعت أمك بتقول لأمي إنكم عايزين تعملوا الفرح قريب بعد ما نور تتجوز وبابا موافق ماما على الكلام ده
ظل ياسر صامتًا يستمع لها بتركيز قأكملت الأخرى تشرح له وجهة نظرها في هذا الأمر :
-وانت طبعًا هتوافق على الموضوع ده علشان انت عايز تتجوز النهاردة قبل بكرة
-أكيد
رمقته عائشة بضيق حقيقي تشير إلى نفسها قائلة :
-طب وانا محدش ليه بياخد برأيي
-مين قال كده؟! الكلام في الموضوع ده لازم ناخذ فيه رأي الكل وأهمهم رأيي ورأيك، انت اللي ليه مش عايزة نتجوز بدري؟؟ انتي خلاص عديتي ١٨ وانا هخليكي تكملي الكلية مش هبطلك يعني
-بس انا مش عايزة اتجوز دلوقتي يا ياسر ولا حتى بعد ما أكمل عشرين زي ما كنتوا متفقين في الأول، انا مش عايزة ادفن نفسي في الجواز وانا لسه في سن صغير، عايزة أعيش سني، يعني حتى بعد ما أخلص كلية لسه بدري
زفر ياسر على مهل ولا يزال جالسًا في مكانه على الدرج وعائشة تقف أمامه :
-عائشة انا عارف إنك مش من النوع اللي بيتأثر بكلام الناس، بس مين لاعب في عقلك وقالك الكلام ده!؟
-محدش لاعب في عقلي مش عيلة انا
نطقت بها بنبرة متهكمة فقال ياسر وهو على نفس هدوءه :
-عائشة انا أعرفك من لما اتولدتي وكبرتي قدام عيني، انا أعرف تفاصيلك كلها يمكن أكتر من نور اختك نفسها، حد اتكلم معاكي في الموضوع وقالك كلام لخبطك؟!
حسنًا راق لها ما قاله وأشعرها بمدى اهتمامه بها لدرجة أنه يفهمها من مجرد الكلام وهذا أكثر ما أعجبها في ياسر وقبلت الخطبة لأجله، عقدت ذراعيها أمام صدرها ثم أجابته بما حدث :
-لما كنت في الكلية في واحدة في سنة أولى كانت متجوزة وحامل وكانت بتتعب قوي في المحاضرات فبتروح وبسبب تعبها ده درجاتها قلت وجابت جيد بالعافية، الموضوع فضل في دماغي بس متكلمتش مع حد وعديته بس لزق في دماغي، ومن أسبوع كده واحدة في مقرأ القرآن لسه منقولة جديد لحلقتي، لسه في الكلية ومعاها بنوتة عندها سنة وكانت بتشرح وضعها للمس وقالت إنها مش هتقدر تلتزم بالمواعيد لما تبدأ الجامعة علشان هى لسه في الكلية وعندها مشاغل كتيرة في البيت وبتهتم ببنتها وبيتها، الخلاصة يعني إنها مش عارفة توفق ما بين بنتها وبيتها وجوزها وكليتها وكمان كليتها عادية أما أنا صيدلة يعني كلية عايزة جهد كبير ومش عايز اجيب أقل من إمتياز في كل سنة، انا مش عايزة أحط نفسي مكانها وابقى متشتتة ما بين أكتر من حاجة وفي الآخر ولا حاجة من دي هتاخد حقها كامل
ارتاح كثيرًا لأنها صارحته بما تشعر فهكذا سيكون الزواج المشاركة في الفرح والحزن وفي المشاكل أيضًا، ومشاركته الأمر يعني انها تقبله في حياتها ولا ينكر هو منذ يومين في قلق من أن عائشة لم تعد تريده أو تقبله
اعتدل في جلسته وقبض على كفيه أمامه ثم أجابها بجدية :
-معاكي حق في اللي قولتيه بس دايمًا يا عائشة في حل وسط، لو انتي خايفة من الجواز بدري للسبب ده فأنا أصلًا مش باجي البلد غير عشر أيام وبغيب خمسين يوم ومش طالب منك غير العشر أيام تبقي مهتمة بيا فيهم وبالك معايا، ولو صادف العشر أيام دول امتحانات الكلية عندك انا مش هنزل البلد وهأجل الأجازة لحد ما انتي تبقي تخلصي
اتسعت البسمة على وجه عائشة وقد حاولت إخفاء إعجابها بعقلية ياسر ورزانته في الحديث وتحاوره معها في حل دون اللجوء لفرض قرار هى لا تريده، ورغم حله السلمي هذا لا يزال هناك مشكلة بل ومشكلة حرجة قد شعرت بخجل من التحدث فيها أمامه
وعندما رأى ياسر ترددها في الإجابة عليه شجعها للحديث قائلًا بمزاح :
-والله ما هعضك لو اتكلمتي، انا قاعد مكاني بعيد أهو
تبسمت بخفة على ما قال ثم قالت بجدية وقد انمحت بسمتها هذه :
-طب والخلفة يا ياسر هتأثر معايا أكتر منك
أنمحت بسمة الآخر وقد ظل لوقت على وضع الصمت وهى تنتظر منه شئ وبعد ما يقارب الدقيقتين قال :
-صعبة دي يا عائشة هتبقى صعبة عليكي أكتر مني، انا أكبر ولد عند ابويا وأمي وهما على نار إني اتجوز وأخلف ولولا إني مش عايز غيرك كان زماني متجوز من كذا سنة، مش عايز حد يسمعك كلمة متعجبكيش وانتي عارفة الصعيد بالذات اللي بتتأخر فيها الواحدة عن الخلفة بياخدوها بالكلام قدامها ووراها
تنهد بهم وهو ينظر إلى موضع قدميه دون إضافة شئ آخر فقالت عائشة وهى تشد حقيبتها على كتفها :
-علشان كده بقولك لو حصل حاجة وفسخنا الخطوبة هتوافق من غير مشاكل وإحنا لسه في أولها أهو حتى لسه مجبناش الدهب
رفع ياسر رأسه لها هاتفًا بجدية صارمة :
-انا مش هسيبك يا عائشة مستنتش العمر ده كله علشان تكبري وتعدي السن القانوني علشان اسيبك لغيري بالساهل كده
حسنًا أصابها بالخجل من حديثه هذا لذا التزمت الصمت وعينيها أرضًا، بينما أكمل ياسر بنفس جديته :
-ابويا وأمي عايزين يعجلوا بالجواز علشان انا بكبر مش بصغر ومعاهم حق انا بقى عندي تسعة وعشرين سنة بس مستعد فوق ده استنى تاني لو مش هيبقى فيه حل غير إننا نستنى، انا بقى عايز أعجل لسبب تاني وهو الحرمانية بيني وبينك والله بجاهد علشان معملش حاجة تغضب ربنا، وكمان إحنا في زمن الفتن صعب واحد يستحمل يفضل نضيف من غير ذنوب، علشان انتي بنت مش فاهمة إحنا الرجالة صعب ازاي عندنا نغض بصرنا ومنعملش حاجة حرام علشان نستنى الحلال، وكل ما بنكبر كل ما الموضوع يبقى أصعب
-يـــاســر
هتفت بها بخجل تمنعه من الاسترسال في الموضوع الذي أخذ يفتحه فمسح الآخر وجهه فاتحًا موضوع آخر :
-ده غير سبب تاني وهو إن انتي بيتقدملك ناس كتير، لسه بس من عشر أيام أيمن قالي في واحد كان بيسأل عمي علي هيرجع أمتى من السفر علشان يطلب إيدك منه، انا دمي بيتحرق مع كل مرة اسمع واحد عايز يتجوزك ومربوط ومش عارف اخطبك رسمي أو اكتب الكتاب بسبب نورهان
تنهدت عائشة وقد تعبت من الوقوف هكذا وكثرة المشاكل التي تواجه علاقتهما لذا قالت :
-ما هما حل من اتنين يا ياسر يا تستنى، يا تشوف نصيب غيري وانا أشوف نصيب غيرك
-أكسر دماغ اللي يفكر ياخدك مني
هتف بها ياسر بنبرة عصبية وهو يستقيم من مكانه ثم وقف أمامها مباشرةً ليظهر فرق طول شاسع بينهما فعائشة ذات قامة قصيرة مثل نور بينما ياسر يتعدى طوله ١٧٥سم
تراجعت بسرعة للخلف عندما استرسل بنفس العصبية :
-يعني انا اقولك يتحرق دمي لو حد طلب إيدك وانتي تقوليلي وانا أشوف نصيب غيرك، ده انا أكسر دماغه وعضمه كمان
خرجت زوجة عمهم ماهر على صوت ياسر وقد كانت صغيرة في السن في مثل عمر ياسر وحسن لذا هى قريبة منهم في التفاهم :
-فيه ايه مالكم انتوا بتتخانقوا؟! علفكرة فيه ناس نايمة جوا
صمت ياسر وقد نسي تمامًا أن النساء ينمن في شقة عمه ماهر، بينما تحدثت عائشة بسرعة حتى تفر من هنا فلا تحبذ رؤية الوجه الآخر من ياسر :
-جهاد قولي لدعاء وبراءة يلا علشان هنمشوا
ختمت حديثها هابطة على الدرج فقال ياسر بجدية وهو يقف على بداية الدرج من الأعلى :
-عائشة لما اتصل عليكي مطنشيش ماشي
اجابته متوترة بأجل ورحلت وها هى تخالف ما قالت إذ رن ياسر فوق الخمس مرات وهى لا تجيب، فرن هاتف نور الذي تمسك به وهى ممددة بجانبها على الفراش فحدقت بها بعدم اهتمام متوقعة أن يكون حمزة، لتجدها فجأةً قالت :
-الو يا ياسر
انتفضت من مكانها حتى تذهب إلى المرحاض وقبل أن تفتح الباب قالت نور وهى تمد لها الهاتف :
-خدي يا عائشة كلمي ياسر
رمقتها الأخرى بغيظ ثم جذبت منها الهاتف بعنف فتركت لها نور الغرفة بعدما رمقتها بتعجب لضيقها هذا، جلست عائشة على الفراش كما كانت تستمع لصوته على الناحية الأخرى يقول بضيق :
-انتي راسك ناشفة ليه مش قولتلك اتصل عليكي تردي ومطنشيش
-مسمعتش التليفون
-هعمل نفسي مصدق
-طب انت متصل ليه؟؟
-مالك يا عائشة مش طايقاني ليه!؟
-ياسر مش حكاية مش طايقاك انا بس مش عارفة آخرة الموضوع ده ايه، تعبت نفسيًا منه
ابتسم الآخر على الناحية الأخرى بسمة جذابة ثم أجاب :
-انا متعبتش منك يا عائشة وزي ما قولتلك الصبح انا استنيتك عمر ومستعد استنى تاني
حكت عائشة خصلات شعرها الناعمة بحرج من حديثه ثم قالت بخفوت :
-لقيت حل طيب؟؟
-لسه بس يا عائشة الجواز لازم علشان يتم يبقى فيه تضحيات وتنازلات
-اتمنى ميكونش قصدك إني أبطل من الكلية يا ياسر
-حبيبتي انا أكتر واحد عارف تعبتي قد ايه في الثانوية علشان تجيبي مجموع عالي واتقهرت على قهرتك لما مقدرتيش تجيبي طب، مش هاجي انا أضيع كل تعبك وأهده، ده انا اللي قدمتلك على الكلية واقنعت أبوكي وأمك يسيبوكي تسافري وتتغربي في بلد تانية، وسبت شغلي في السويس ونقلت إسكندرية علشان بس ابقى جنبك
-ياسر
همهم الآخر بإيجاب مستمعًا لاسمه يخرج من بين شفتيها بنبرة خجولة فأكملت عائشة محاولةً إدعاء الغضب رغم الفراشات التي باتت تحلق في معدتها الآن فهذه أول مرة يلفظ هذه الكلمة :
-احترم نفسك ايه حبيبتي دي
-انا أقسم بالله كده محترم نفسي يارب نخلص من موضوع اختك ده وأعرف على الأقل اكتب كتابي عليكي، علشان لما أعرف إن واحد عايز يتقدملك افقعله عينيه
حمحم محاولًا تهدئة أعصابه التي فارت دون سابق إنذار ثم اكمل بنبرة حانية منخفضة :
-تصبحي على خير يا عائشة وبكرة تلبسي حاجة واسعة علشان الضيوف ولو متطلعيش قدامهم يبقى أحسن، وانا عارف إنك مش هتحبي تطلعي أصلًا سلام
أغلقت بسرعة قبل هو أن يغلق وقلبها يقرع داخل أضلعها بسعادة وقلق، ذلك الياسر يعلم جيدًا كيف يذيبها في حبه أكثر وأكثر، ولكن التعقيدات التي سيمران بها تقلقها
هو يريد التعجيل وهى تريد التأخير ولا تعلم ما الذي سيحدث بعد زواج نور والذي على الأرجح سيكون قريب بشدة
فتحت نور الباب وأطلت إلى الداخل في يدها شطيرة بيض قد أعدتها لنفسها لشعورها بالجوع فقالت عائشة متذمرة :
-طب وانا
-وانا مالي روحي اعملي لنفسك
جلست على الفراش جاذبة هاتفها تعبث به قليلًا بينما تقطم من الشطيرة، ولكن شرود عائشة آثار انتباهها لذا تساءلت :
-مالك تنحتي كده ليه؟؟ قالك ايه ياسر ومش راضية تردي عليه ليه بقالك كذا يوم هو عملك حاجة!؟
ضمت الأخرى قدميها إلى صدرها وأحاطتهما بذراعيها :
-مش عايزة اتجوز دلوقتي عايزة بعد ما اخلص الكلية وحاسة إنه هيجي يوم يقولولوا الفرح الشهر الجاي جهز نفسك
-مفيش حاجة هتم من غير موافقتك يا عائشة، يا أما انتي العروسة يعني أهم واحدة فيهم، الست اللي جات الحلقة بتاعتنا الأسبوع الفات كلامها أثر فيكي صح؟؟
همهمت بإيجاب فقالت نور مربتة على ذراعها بلطف :
-متفتكريش كتير لسه بدري، ولو انتي اصريتي تخلصي كلية الأول بابا وياسر هيقولوا تمام
-انا اتكلمت مع ياسر في الموضوع وقولتله يا تشوف حل يا كل واحد يروح لحاله
-يبقى هيشوف حل علشان مستحيل يسيبك ده بيموت فيكي بالمعنى الحرفي
تبسمت عائشة خجلة فقهقهت نور بصوت مرتفع لا ترى عائشة خجلة كثيرًا فلسان عائشة أطول منها ولا تخجل من أحد وجميع أفراد العائلة يعشقون التحدث معها بسبب لسانها الفصيح، حتى أنها تغار أحيانًا من فصاحة لسانها مع الجميع بينما هى تتلعثم كلما تحدثت :
-يا اختي حلوة اتكسفتي، والله ولقينا حد يكسفك يا أيوش
-هو كان باين قوي إنه بيحبني انا والعيلة كلها عارفة انه متكلم عليا مع بابا، وانا اللي كنت حمارة
-اممم انتي مكنتيش حمارة وإنما كنتي في ثانوية عامة وماما قالت محدش يجيبلك سيرة علشان متتشتتيش حتى ياسر مكنش بيكلمك ولو حب يبعتلك حاجة كان يبعتها معايا انا، لو بيسأل عليكي يسألني انا، كل مرة كان بيرجع من شغله في الأجازة يجيبلك شوكولاتة كتيرة علشان بتموتي فيها ويديهالي علشان ادهالك، وانا كل أسبوع كنت بطلعلك واحدة علشان متشكيش في حاجة، ووقت امتحاناتك كنت بحوشهم وقبل ما ترجعي من الإمتحان احط واحدة على مكتبك وفوقها ستيك نوتس اكتبلك فيها مبارك المادة الأولى واليوم اللي بعده التانية، هو كان يدفع حق الشوكولاتة وانا اكتبلك الورق كل يوم، ويفرح قوي لما يشوفك منزلاها ستوري وانا برضو كنت أفرح لما أشوفك فرحانة
رمقت عائشة شقيقتها بأعين لامعة لتفرد لها ذراعيها داعية نور لعناق فسعدت نور بشدة لحركتها هذه وعانقتها بقوة، لا يتعانقا كثيرًا بسبب رفض عائشة للتلامس فلا تحب أن يضمها أحد أو يلمس وجهها، وبين فترات بعيدة تدعوها لعناق، عندما تكون فقط سعيدة أو تحتاج لدعم
ربما مختلفتان عن بعضهما بشدة ولكنها تحبها وكأنها ابنتها وقطعة منها، تجن إن حدث لها شئ وكادت تفقد أعصابها عندما ظلت عائشة في الكلية لوقت متأخر بالليل دون أن يعلموا عنها شئ
وعائشة ليست أقل من هذا، لا تُظهر فقط هذا الحب كثيرًا ولكنها تحب نور بشدة ومتعلقة بها بل وعندما كانت مراهقة صغيرة في الخامسة عشر من عمرها وعلمت أن أحدهم قد تقدم لنور بكت بشدة رافضة الأمر، وقالت لوالديها أن يرفضا هذا العريس ولا يدعا نور تذهب وتتركهم
ظل هذا العناق الدافئ الصامت لدقيقة كاملة، قاطعه صوت نور وهى تقول بنبرة مشاغبة :
-هو ياسر قالك انه بيحبك!؟
-لأ مقالش لسه بس بيبين بطريقة غير مباشرة يعني إني مهمة عنده
-حلو مستني الحلال علشان يقولك، امسكي فيه الواد ده اللي يخاف ربنا ويستنى الحلال بقيوا قليلين اليومين دول وقربوا ينقرضوا
ضحكت عائشة بصوت مرتفع متذكرة حمزة ذلك المجنون :
-طب وحمزة!؟ أعتقد قالهالك مش بيتكسف ده
-لأ طبعًا يخاف من رد فعلي وعارف هبهدله من هنا للصبح، ده دماغه لاسعة أقسم بالله ولولا إني الطرف اللي بيشد وبحاسبه على الكلمة كان زمانه مركبنا إحنا الاتنين ذنوب قد كده
باعدت بين ذراعيها حتى تريها حجم الذنوب في مخيلتها فضحكت عائشة وضحكت هى أيضًا ليأتي صوت والدتها المرتفع من الغرفة الأخرى وهى تصيح حتى يتوقفا :
-نامي يا بت انتي وهى كفاية علشان هنصحوا بدري ننضفوا ونطبخوا، واللي هقومها ومتقومش هنزل عليها بالشبشب
وضعت نور هاتفها بسرعة على الشاحن ثم عادت الي الفراش حتى تنام بينما مددت عائشة جسدها لا تشعر بالنعاس لذا مالت نحو نور تزعجها مثل كل ليلة لا يجافيها النعاس بها :
-انا مش قادرة أنام
قلبت نور عينيها ولم تجبها فعائشة كل ليلة تفعل هذا، حين تنام كثيرًا بعد الظهر لا يجافيها النعاس في المساء وتزعجها هى، وكزتها عائشة حتى ترد عليها فقالت نور بضيق :
-يا بتي نامي أمك هتصحينا بكرة من الفجر، محدش قالك نامي في الضهر
حدقت الأخرى في السقف حيث تدور المروحة على سرعة عالية لتقول مرة أخرى :
-هتلبسي ايه بكرة؟؟
ولم تجبها نور ليس لأنها نامت ولكن حين لا تجيب عليها تسأم عائشة وتنام وهذا ما حدث بعد قليل بينما ظلت نور تلوب في الفراش تفكر في يوم غد وما سيحدث في يوم غد
وأهمهم وجود حمزة لأول مرة في بيتها، ترى هل سيكون عاقلًا بما يكفي أم سيتصرف بتسرع مثل كل مرة ويخجلها أمام الجميع بكلماته المعسولة...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الثالث وستون 63 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
الفصل هينزل النهاردة بدلًا من يوم الجمعة هدية مني للسكرة شهد علي وتصاميمها الجميلة💜
صلي على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
الإبتسامة متسعة على ثغرها من هذه الأذن إلى هذه الأذن، وفي يديها تقبع محفظته تحدق بها بسعادة، لم تكن تعلم حين أخذت منه المحفظة أنه تقدم لخطبتها، حتى الآن لا تستطيع تصديق هذا ولم تكن تتوقع أن يفعلها
لكن هل تم الأمر بشكل تقليدي أم هو من طلب هذا بنفسه، فالأمر يشكل فارق كبير بالنسبة إليها، إن كانت خطبة تقليدية فهذا يدل على أنها كأي فتاة غيرها بالنسبة إليه وإن طلب منه والديه أن يتقدم لدعاء ابنة عمها كان ليوافق
وإن كان هو من طلبها بنفسه فهذا يدل على أنها تشغل تفكيره أو هو معجب بها، ويح قلبها إن كان معجب بها فستطير سعادةً لهذا
خبأت المحفظة بسرعة أسفل الوسادة عندما استمعت إلى خطوات براءة تفتح باب المرحاض وتأتي إلى هنا وبعد ثواني فتحت باب الغرفة وولجت إلى الداخل ثم ألقت جسدها على الفراش بأرهاق شديد قائلة :
-آه يا ضهري كان لازم انضف البيت كله دلوقتي ما كنتوا اجلتوا الموضوع لبكرة
لم تجد أي رد فعل من شروق لذا اعتدلت بسرعة وجلست أمامها هاتفة بسرعة :
-هو فعلًا يونس اتقدملك يا شروق؟؟ سمعت أبوكي وأمك بيتكلموا معاكي في المنضرة بعد ما الناس مشوا
آماءت لها الأخرى ولا تزال البسمة المتسعة على وجهها فقالت براءة مبتسمة بشكل تلقائي على سعادتها الواضحة :
-ومالك فرحانة ليه اوعي تقولي هتوافقي؟!
-وموافقش ليه ماله يعني مش وحش
-بس ده أكبر منك بعشر سنين يا شروق وافتكر يعني إنك قولتي مش هتجوز واحد أكبر مني بأكتر من خمس سنين ورفضتي واحد علشان أكبر منك بتسع سنين ورفضتي الدكتور عاصم علشان أكبر منك بـ ١٥ سنة
حسنًا محقة فيما تقول كان شرط أساسي عندها أن لا يكون شريك حياتها أكبر منها بأكثر من خمس سنوات، ولكن ماذا تفعل في قلبها الذي أحب ذلك الضابط، تنحنحت وهى تعتدل في جلستها قائلة :
-طب ما انتي من ضمن مواصفات زوجك المستقبلي إنه يكون أسمر وكنتي بتقرفي من الرجالة البيضة بزيادة ايه النظام بقى مع يوسف؟ اتغير ليه؟!
-بس يا يوسف دكتور
نطقت بها براءة ببسمة بلهاء فقالت شروق ضاحكة :
-ويونس ظابط
-خمسة جد طيب انتي هتوافقي على يونس علشان هو عاجبك وعينك منه صح؟!
همهمت شروق بإيجاب وهى تعبث في أصابعها النحيلة فقالت براءة متسائلة :
-طب وماما وبابا؟؟
-موافقين بس مستنين رأيي انا، وطبعًا سمعوني كلام كتير في مميزاته وشايفين إنه كويس وإنه ظابط وعارفين أخلاقه وتربيته وأهله
-استني على كلمة أخلاق وتربية دي، ده مستفز ويوسف بيقول بيتغذى على إستفزاز الآخرين
-طب ما دي حاجة حلوة علشان يبقى فيه شد وجذب بيني وبينه متبقاش الحياة كده روتينية مملة
-طب بيشرب سجاير
-هخليه يبطلها ما بابا كان بيشرب سجاير وبطلها
عقدت براءة حاجبيها متعجبة سرعة إجاباتها :
-لا ده انتي واقعة مش بس عاجبك
ربعت شروق قدميها أمامها ثم استرسلت بنبرة حماسية :
-بصي على الموضوع من كذا جهة هنبقوا سلايف وهنسكن في نفس العمارة وهنتجوز اتنين أخوات
-امم خلاص على بركة الله تعرفي هيعملوا الخطوبة أمتى بقى؟!
-مش لما أوافق الأول
رفعت الأخرى إحدى حاجبيها بتهكم فقالت شروق بغرور مضحك :
-ايوه طبعًا لازم أبان تقيلة وقولتلهم سيبوني أفكر لحد الصبح
ضحكت براءة بشدة على حديثها ثم استقامت من مكانها حتى تضع كريماتها المسائية بينما جذبت شروق المحفظة من أسفل الوسادة ووضعتها داخل حقيبتها من ثم عادت إلى الفراش كما كانت، تفكر في أحلام وردية لها مثل أي فتاة يتقدم لها عريس، تظل تخطط وتخطط حتى لأسماء أبنائها المستقبليين...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
خرج من المرحاض يمسح حبات العرق التي تكونت على جبينه فقط في الدقائق التي كان يرتدي فيها ملابسه، الشقة التي يباتون فيها ليست صغيرة وإنما مغلقة من كل النواحي، وإضافة لهذا البيوت في الشارع ملتصقة ببعضها فلا يوجد منفس للهواء أن يدخل
هذا إن كان هناك هواء من الأساس فهم في منتصف شهر يوليو والأجواء بها تغلي بالمعنى الحرفي وهم غير معتدون أبدًا على مثل هذه الحرارة
دلف إلى الغرفة التي يبات بها هو وشقيقه وابني عمه بينما بقية أبناء أعمامه يباتون في الغرفة المجاورة وياسر وحسن يباتان معهم في الشقة حالة احتاجوا لشئ بالليل
زفر بضيق وهو ينظر إلى عداد المروحة والذي كان على آخر درجة ورغم هذا يشعر أن المروحة لا تأتي بهواء بارد بل بهواء ساخن، حرك أنظاره إلى هذا التجمع إذ كان جميع أبناء أعمامه يجلسون في نفس الغرفة وهذا ما يزيد سخونة الأجواء
كان ينام كريم على الأرض فاردًا ذراعيه وبجانبه لؤي ابن عمهم على نفس الوضعية، وعلى الاريكة الخشبية يجلس يوسف وإسماعيل يمسكان بقطع كرتون ورقية يحركانها أمامهما بسرعة لربما تأتي ببعض الهواء، وهناك أحد يقف في الشرفة وعلى الأرجح يكون يونس
تمدد حمزة على الأرض بجانب كريم أسفل المروحة مباشرةً ليقول كريم بغيظ يلوم به هو ويوسف :
-بذمتكم حد يجي الصعيد في الجو ده؟! هو عقلكم كان فين؟؟
وأجابه حمزة بضيق شديد يجذب الوسادة من على الاريكة حتى ينام على الأرض هذه الليلة :
-يعني هو أبوها كان وافق في الشتاء وانا اللي قولت مش هاجي غير في الصيف
اخفض يوسف ذراعه بعدما تعب من التهوية بالورقة أمام وجهه ثم قال :
-يا جماعة انا فاكر إني شوفت تكييف في واحدة من البلوكات في البيت ده، في أنهى شقة المكيف بقى؟؟
-في شقة خالي ماهر مش هنا
نطق بها إسماعيل وهو يخفض ذراعه أيضًا من التعب فقال لؤي بسرعة وهو يقف من مكانه :
-حلو هاروح أقول لأمي انا هنام معاكي علشان بحلم بكوابيس ومش عارف أنام
تركه البقية يرحل وما هى إلا دقائق ووجدوه يدلف مرة أخرى بملامح متذمرة يدفعه حسن أمامه وهو يتمتم بعدة كلمات حانقة، ولج ياسر خلفهم وفي يده طبق كبير ممتلئ بالبلح وعندما وجدهم مستيقظين جميعًا هتف متعجبًا :
-انتوا لسه صاحيين لحد دلوقتي دي الساعة ١١ ونص؟؟
أجابه كريم وعينيه تركزت على الطبق ولكنه لم يطلب حتى لا يكون ضيف وقح :
-الجو حر بطريقة لا تطاق والمروحة دي بتجيب هواء سخن مش هواء بارد
جلس ياسر بجانب إسماعيل على الاريكة ووضع الطبق بينهما ثم قال :
-معلش بكرة تروحوا عند عمي علي الهواء الطبيعي كله عنده
لم يفهم حمزة ما يقصده فشرح إسماعيل ما يقصده ياسر إذ قال :
-ده علشان خالي علي بيته وسط الزرع وكده مش زي البيوت هنا لازقة في بعض فهتلاقي الجو هناك حلو، وبصراحة حتى المنظر حلو لما روحت هناك السنة اللي فاتت كانت المناظر حلوة تفتح النفس
ولج يونس من داخل الشرفة بعدما أنهى إتصال مع أحد زملائه، وعندما قابلته الحرارة هذه خلع قميصه الذي يرتديه وقد نسي أنه لا يرتدي غيره فصاح به الجميع على هذا المنظر ومنهم كريم الذي غطى عيني لؤي هاتفًا بقنوط :
-ايه يا يونس معانا مراهق عيب تخدش بصره بمنظرك ده
لم يرتدي يونس القميص وإنما أخذ يبحث في الحقيبة الخاصة به هو ويوسف عن آخر أخف من هذا فقال حسن مغلقًا الشرفة :
-خدوا راحتكم بس نقفل البلكونة علشان الجيران قدامنا
ارتدي يونس تيشرت بدون أكمام ثم قال :
-لأ افتحها لو قفلتها هنموت مخنوقين
جلس على الاريكة الأخرى بعدما جذب طبق البلح من كريم فقال الآخر بحنق :
-طب ليه قلة الأدب دي بقي
-هو كده وبطل طفاسة يا كريم عيب يا بابا ولاحظ اننا في بيت ناس، وآخر حد بيقوم من على الأكل كل يوم هو انت
صاح به الآخر بحنق وهو يسرق من الطبق بلحتين وهذا كل ما طالته يداه :
-بلاش أكل وابني جسمي يعني ثم هما اللي أكلهم حلو ولولا إن باخد بالي محدش فاضل غيري على الأكل مش هقوم
وقف ياسر من مكانه وخرج إلى الشرفة يحادث أحد على الهاتف بينما قال حسن يرى طبق البلح قد نفد :
-أنزل اجيبلكم تاني
شعر الجميع بالحرج من طلب المزيد إلا لؤي والذي كان معتاد على خاله حسن كثيرًا لذا قال :
-آه بالله عليك يا خالي لو فيه تاني هات وهات معاك مياه ساقعة
إستجاب حسن وقد استقام من مكانه حتى يأتي بما طلبوه وفي هذه الأثناء قال كريم بنبرة هامسة لشقيقه :
-حمزة لو قولتله يجيب أكل معاه ليا هيبقى عيب؟؟
رمقه الاخر بنبرة حادة فذم كريم شفتيه بتذمر وصمت ولكن حدس حسن أخبره أن كريم يريد شئ لذا قال :
-عايز حاجة اجبهالك؟؟
-لأ مش عايز شكرًا
نطق بها حمزة بلطف فرمقه كريم بنظرة متذمرة أشبه بطفل يريد حلوى من الضيوف ولكن والدته تمنعه من فتح فمه حتى، ابتسم حسن ضاحكًا عليه ثم قال :
-قول قول عايز ايه متخافش منه
همهم كريم بحرج ثم قال :
-لو لقيت سندوتش تحت هاتلي معاك لو هتعبك يعني
-لا مفيش تعب هشوفلك حاضر
خرج حسن من الشقة وهبط للأسفل بينما قال كريم ببسمة متسعة :
-عيلتكم كريمة اوي يا إسماعيل
وكزه حمزة بخفة في ذراعه قائلًا بسخط :
-آه كريمة بس متتعودش تطلب كتير يا كريم عيب، أبقى اشتري كيس شيبسي حطه في الشنطة هنا، ولما تجوع بالليل كُله
رمقهما يونس من خلف شاشة هاتفه ثم قال بنبرة ضاحكة مغلفة بالسخرية :
-شكلكم زي واحدة وابنها أوي، متقمص دور الأم يا حمزة
اعتدل حمزة وجلس نصف جلسة ثم خلع قميصه القطني وبقى بالذي أسفل نافخًا بضيق لشدة الحرارة الغير معتاد عليها، يشعر أنه يريد أن يستحم مرة أخرى رغم أنه لم يمر إلا ربع ساعة على خروجه من المرحاض
نظر نحو يونس الذي بدا منسجمًا مع هاتفه لذا قال ببسمة عابثة :
-بتعمل ايه يا يونس في التليفون ومتنح فيه أوي!؟
رفع عينيه له لثانية ثم اخفضها مرة أخرى هاتفًا ببرود :
-ملكش فيه ولم نفسك عني
-شكله بيكلم الجو، هو من ناحية وأخوه من الناحية التانية
نطق بها كريم وهو يشير إلى يوسف الذي انسجم مع هاتفه ويبتسم من حين إلى الآخر حتى أنه لم ينتبه لما قاله كريم
-عقد يونس حاجبيه لم يفهم ما يقصده كريم من كلمة "الجو" لذا قال :
-يعني ايه الجو؟! ثانية قصدك عليها؟ لأ مش بكلمها علشان مش معايا رقمها أو ثواني معايا من لما كانت شاهدة على القضية بس برضو مش هكملها
استقام حمزة من مكانه وجلس إلى جانبه ثم قال بجدية :
-متتقلش أوي يا يونس البت تطفش، خلي لسانك حلو معاها ومتنشفهاش عليها
-اخلي لساني حلو وهى واخدة مني المحفظة ومش راضية ترجعها
نطق بها بنبرة ساخرة فقال إسماعيل بنبرة رجل خبير :
-أيًا يكن ايه السبب اللي خلاها تاخد المحفظة بس حركتها عجبتك شوفتها في عينيك يا يونس
ثقل يونس ولم يجب عليهم وأدعى النظر إلى هاتفه فأخفض حمزة الهاتف بيده ثم قال بجدية خالية من المزاح :
-تاخد مني نصيحة وتقبلها؟!
تنهد الآخر ثم آماء برأسه مستعدًا لسماع نصائحه فقال حمزة وهو على نفس جديته :
-النبي قال على البنات أو النساء على الوجه العام رفقًا بالقوارير يعني البنت أرق من الإزاز لو شديت في مسكتك ليها هتتسكر في إيديك ولو رخيت خالص هتقع من إيديك، لكل واحدة طريقة خاصة آه بس كلهم بيجوا بالحنية والإهتمام، تديها إهتمام تديك قلبها
تنهد يونس مرة أخرى يشعر بصعوبة تنفيذ ما يقول ورغم هذا أستمر إلى الإستماع إليهم إذ أضاف إسماعيل قائلًا :
-ميتخافش على حمزة علشان كاتب وفاهم دماغ البنات، وميتخافش على يوسف علشان شفاف وعفوي الخوف من تقلك انت يا يونس خف تقل البنت تحب الواد التقيل آه بس لما يكتر تقله ويكتر طناشه ليها هتزهق
-مش فاهم
نطق بها يونس بضيق وهو يضم ذراعيه إلى صدره فقال يوسف وهو يرفع عينيه عن الهاتف :
-لأ فاهم يا يونس بس عارف نفسك مش هتعرف تنفذ
-عليك نور انا مش هعرف أنفذ علشان مليش في الجو ده، انا راجل جد لا شفاف وعفوي زيك ولا رومانسي وفاهم دماغ البنات زي حمزة، طبعي كده مش هعرف أغيره
رفع حمزة إحدى حاجبيه ثم تساءل بطريقة مباشرة دون التطرق لمقدمات :
-هى عجباك وداخلة دماغك صح؟؟
همهم الآخر وهو يقلب عينيه في السقف مدعي اللامبالاة :
-عادي بنت زي باقي البنات
صاح به حمزة وهو يلكمه في كتفه بعنف قائلًا :
-يخربيتك متكبر تقول عجباك، أومال مين اللي كان مولع من الغيرة النهاردة الصبح من كلام عمتك ده انت كنت حتة وتقوم تفطسهم هما الإتنين وتجيب أمير من إسكندرية معاهم تفطسه
رمقه يونس بطرف عينيه ولم يجب فقال كريم وهو لا يزال ممدد أرضًا وبجانبه لؤي يستمع بصمت يأخذ خبرة منهم :
-معاه حق واول إمبارح لما فضلت تمدح في عاصم انا أعتقد لولا يوسف مسكك كنت هتديها قلمين
-طب متجبليش سيرة الراجل ده علشان مقومش أدوس في بطنك
ختم يونس حديثه العنيف ملقيًا الوسادة على رأس كريم بعنف فتأوه الآخر لقوة الضربة المفاجئة، وتلىٰ هذا صياح حمزة به أن يتوقف ولا يخرج عن الحوار :
-يونس انت لو فضلت كده هتطير البنت من إيديك وانا شايف إنها عجباك وأوي كمان ونظرًا لخبرتي في نظرات البنات هى عينها منك وانت تموت على اللي يرد عليك الكلمة بعشرة أمسك فيها بقى واتجوز خلاص هتدخل التلاتين من غير جواز
ضغط يونس على فكه وقد آماء له محاولًا إدخال ما قال في عقله :
-ماشي يا حمزة شكرًا لنصايحك حاجة تاني
-اتمنى بس تعمل بالنصيحة ومتنشفش دماغ الجاموسة اللي جوا راسك دي
رمقه يونس بنظرة حادة وقد ضم قبضته منتويًا صدمها في أضلعه ولكن دلوف ياسر من الشرفة منعه من ذلك، وهذه البسمة التي كانت على وجه ياسر جعلته يتساءل قائلًا :
-مالك يا ياسر بتضحك للهوا كده ليه؟؟
ضحك حمزة بخفة متوقعًا أنه كان يحادث شقيقة نور التي لا يتذكر اسمها الآن :
-بيحب يا عم عقبالك
تنهد ياسر بعمق ثم عاد بظهره نحو الحائط محدقًا في حمزة دون الجميع :
-اتجوز نور وخلصني منها يا حمزة عايز اتجوز انا كمان
-تعرف تقنعلي عمك أكتب كتابي مع يوسف؟!
رمقه الآخر بتشنج فهل يريد هذا الأحمق أن يخطبها غدًا وبعد ستة أيام ايام يعقد القران :
-عايز تكتب كتابك بعد ما تتقدم ليها بست أيام؟! ده انا بقالي تلات سنين مش عارف أعملها
تحدث يوسف بضحكة مكتومة موجهًا حديثه لحمزة :
-انا بقالي سبع شهور خاطب وانت شوفت ازاي بالعافية اقنعت أبوها نكتب الكتاب انت عايز موضوعك يتم في أسبوع كده عادي
رمقهما حمزة بملامح هادئة ثم قال بنبرة كانت أشبه بالتهديد :
-انا مليش دخل بيكم انا مش هتحرك من البلد دي غير وانا كاتب كتابي ومحدد معاد الفرح ومش هيكون أبعد من شهر، يا كده يا ارتكب فيكم جناية انا صبري عليها هى وأبوها بدأ ينفد
ابتسم إسماعيل على ابن عمه المجنون ثم قال :
-روح نام يا حمزة سيب الموضوع ده لبكرة يمكن تحصل معجزة وأبوها يوافق مين عارف
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
في ظهر اليوم الثاني كانت الساعة الثالثة قبل العصر والشمس تقدح فوق رؤوسهم وهم يسيرون في هذا الشارع الطويل الذي يحيط به الحقول من الجهتين، وبعض البيوت القليلة تحت الإنشاء كانت تقابلهم ويبدو أن لا أحد يسكن بها إلا الأقلة
زفر كريم بتعب وهو يضع يده فوق رأسه في محاولة واهية لمنع أشعة الشمس ثم قال موجهًا حديثه إلى عمه محفوظ الذي يتقدم الجميع لأنه من يعرف الطريق :
-يا عم محفوظ مقربناش نوصل هما الناس دول ساكنين في الصحراء ده كله طريق؟!
-لما يخلص الطريق ده هنوصل هما ساكنين آخر الشارع ثم صحراء ايه ما الزرع قدامك أهو يمين وشمال
-اومال انا حاسس ليه إننا ماشين في صحراء، الشمس لحست دماغي يا نـــاس
مسح وجهه من العرق الذي بدأ يتصبب منه ثم نظر إلى لؤي الصغير ابن شقيقته والذي كان يسير ممسكًا يد رحمة وفوق رأسه قبعة صغيرة تحميه من الشمس :
-بقولك ايه يا لؤي يا حبيب خالو ما تجيب الطاقية اللي على راسك دي ربنا يخليلك أبوك
خلع لؤي القبعة بطيب خاطر ومد يده له بها ولكن منعته غادة من هذا ووضعت القبعة على رأس ابنها مرة أخرى صائحة بكريم بغيظ :
-اتلم يا كريم وسيب الطاقية بتاعته الشمس سخنة عليه وهيتعب
ذم الآخر شفتيه متذمرًا ثم أجاب :
-ما الشمس سخنة عليا انا كمان وبدأت اتعب، انا بسيح حرفيًا
-انت شحط كبير هو لسه طفل ميستحملش
زفر بضيق وأكمل سيره متجهًا نحو حمزة الذي يمسح وجهه كل دقيقة من العرق ولكن لا يتحدث كعادته وكأنه مجبر على الصمت :
-حمزة هات منديل
أعطاه الآخر العلبة دون مجادلة فأخذ منه كريم منديل يمسح جبينه ثم قال وهو يرمق ملابس حمزة التي استيقظ في الصباح المبكر حتى ينتقيها بذوق، وظل ساعتين بالمعنى الحرفي منها ساعة في الحمام والساعة الأخرى يرتدي ملابسه ويهندم خصلات شعره ويختار عطر مميز من أجل أن يصبح في أفضل حالاته
ولكن للأسف أتت الشمس وافسدت كل هذا :
-حمزة هدومك باظت من العرق يا خسارة الساعتين اللي فضلت ترتب نفسك فيهم
توقف الآخر سريعًا وقد رفع ذراعيه مبصرًا العرق قد طبعت لون غامض في منطقة الإبطين على قميصه ذو اللون الكحلي وللأسف يبدو ظاهرًا
-يلا يا حمزة وقفت ليه؟؟
نطق بها يوسف وهو ينظر إلى ابن عمه الذي أصبح في المؤخرة فتقدم الآخر نحو والده وعمه قائلًا بعجلة :
-بابا ما تيجوا نأخر المعاد للعشاء بدال الغداء
رمقه الآخر بنظرة سريعة ثم أجاب برفض :
-مينفعش الناس مستنين هناك وعمتك توحيد زمانها وصلت، والله لو كنت أعرف هنمشي كتير في الشمس دي كنا خدنا أي مواصلة كلنا
وبعد ما يقارب الخمس دقائق وصلوا إلى آخر الشارع الذي يسيرون به وقد كانت نهايته عبارة عن ثلاث بيوت منهم بيت أمامه شارع متسع وهناك الكثير من المقاعد به بالإضافة إلى اريكة خشبية كبيرة تسمى هنا "دِكَة" يجلس عليها ثلاث أشخاص
توحيد وعلي وصفية اللذان استقاما بسرعة لإستقبالهم، وبعد ربع ساعة من السلامات استقر كلٌ في مكان بينما وجلت أسماء مع صفية إلى الداخل حتى تساعدها في صب الطعام
رفع عثمان أنظاره إلى منزل علي، كان منزل كبير في مساحته ولكن يتكون من طابقين فقط، الأرضي والطابق الثاني غير مكتمل البناء ومثل أغلب المنازل في الصعيد يكون السطح به مكان مخصص للفرن البلدي المبني من الطين ويحيط هذه المنطقة "خوص بوص" فلا يخلو أي منزل صعيدي من هذا الركن
نظر حول المنزل والذي كان يحيطه الزرع الأخضر من جهتين بينما الجهتين الأخرتين يطلان على شارع منهم هذا الشارع الذي يجلسون به
استقام علي مناديًا على لؤي ابن شقيقته حتى يساعده ثم ولجا إلى داخل المنزل وخرجا معهما طاولتين كبيرتين قاموا بوضعهما في الشارع فقال حمزة متسائلًا :
-هو إحنا هنتغدى عادي كده في الشارع
سمع علي ما قاله فأجابه هو قائلًا :
-بيتنا هنا مختصر محدش بيعدي كتير، مش شارع رئيسي يعني وكل سنة في رمضان في العزايم بنفطروا في الشارع، هنا هوا ووَسَع أحسن من الكتمة جوا
أما في الداخل كانا نور وعائشة يعملان كخلية النحل وكانت نور تتمم على آخر الأشياء وبشكل كبير هى من قامت بطهي كل الطعام فتركت لها والدتها أمور الطهو وقامت هى وعائشة بترتيب المنزل
ولجت أسماء إلى داخل المطبخ مبتسمة بإتساع للروائح التي اخترقت انفها :
-الله الله تسلم إيد اللي عمل، مين اللي طبخ بقى؟؟
أجابتها نور بسرعة وهى تصب العصير من الخلاط إلى الدورق حتى تضعه في الثلاجة :
-انا اللي عملته كله
نظرت أسماء نحو صفية فآماءت الأخرى مؤكدة حديث ابنتها :
-مخلتش حد يمد ايده غيرها علشان لو سألوا أقولهم نور
استمعوا إلى صوت ناهد قادمة من الباب فخرجت صفية في استقبالها بينما بقيت نور في المطبخ فعلى جثتها ان تخرج لناهد وهى ترتدي هذه الملابس التي ترتديها منذ المساء
إذ كانت ترتدي بلوزة بنصف كم لا تتناسب أبدًا مع لون البنطال فمن التي ترتدي ملابس متناسقة في المنزل، وناهيك عن رائحتها المختلطة بالثوم والبصل والعرق، إذ ان المطبخ هنا وبسبب الموقد يغلي من الحرارة
كما أن خصلاتها مشعثة من الامام ومربوطة من الخلف ولا تريد أن ترى ناهد "حماتها المستقبلية" شعرها الاشعث هذا، ولا حتى تريد أن يراه حمزة في يوم من الأيام حتى لا يتنمر عليها وسترى حلًا لهذا بعد الزواج
اقتربت من حائط المطبخ دون أن تخرج إلى مدخل المنزل تستمع لما تقول ناهد إذ أعطت لوالدتها علبة كرتونية متوسطة الحجم لم ترها هي فأخذتها منها صفية دون أن تعلم ما بها ثم شكرتها قائلة :
-ليه بس التعب ده تعبتي نفسك وكلفتي
تبسمت لها ناهد بطيب خاطر ثم قالت وهى تنظر إلى أركان المنزل حولها :
-مفيش تعب ده إحنا هنبقى أهل، اومال فين العسل اللي هتبقى مرات ابني؟؟
نادت صفية على ابنتها بأن تأتي وتلقي التحية على ناهد فهزت نور رأسها بنفي دافعة شقيقتها للخارج بسرعة، ودون حتى أن تستوعب عائشة شئ وجدت نفسها أمام ناهد ووالدتها وعمتها أسماء
نظرت بسرعة إلى نور بنظرات حارقة فأغلقت الأخرى الستار مانعة أي أحد من اغتلاس النظر إلى الداخل، قهقهت أسماء بشدة على حركتها قائلة :
-معلش اتكسفت فزقت عائشة لبرا
ضغطت عائشة على قبضتيها بحرج ثم اقتربت من ناهد وألقت التحية عليها ثم اعطتها والدتها العلبة حتى تدخلها وقد نفذت ما قالت ودلفت إلى الداخل، بينما قالت ناهد ببسمة لطف :
-تحبوا أساعدكم في حاجة لو انتوا مزنوقين، سبق ونور واختها وبنات عمها ساعدوني لما كنت مزنوقة في عزومة، ما شاء الله على تربيتهم، وأخلاق وجمال
ابتسمت صفية بفخر بتربية ابنتها ثم قالت :
-شكرًا يا حبيبتي الله يخليكي مش عايزة أتعبك، ابعتيلي بس لؤي من برا
خرجت ناهد بالفعل حتى تنادي على لؤي بينما اقتربت صفية من المطبخ هاتفة بجدية :
-يلا يا نور ادخلي اتشطفي وغيري هدومك وألبسي الطقم الجديد اللي اشتريته
خرجت نور المطبخ مجيبة عليها بتردد :
-هو انا ضروري اطلع يا ماما
-ايوه يا ماما ضروري اومال مين هيطلع يقدم الشاي وبعديها العصير، هما مش جايين علشان غداء ما انتي عارفة
-طب انا عارفة، وعارفة برضو إنهم عارفيني وحمزة عارفني أكتر منهم يعني مش ضروري أطلع ورؤية شرعية والكلام ده اتفقوا انتوا واللي هتتفقوا عليه انا تمام معاكم، بس اطلعهم إنسي
ختمت حديثها وفرت إلى الداخل قبل أن تنطق والدتها بشئ لتجد عائشة ترمقها بنظرة حادة صامتة فقالت نور ببسمة مازحة :
-معلش يا اسطا جات فيكي
لم ترد عليها عائشة وفي هذه الأثناء دخلت عليهما صفية هاتفة بغضب محاولةً خفض نبرتها :
-يعني ايه مش هتطلعي اومال اطلعلهم أمي
-طلعي عائشة
-وهما جايين يخطبوها هى ولا انـتـــي
سارعت عائشة في تهدئة والدتها حتى لا يصل صوتها للضيوف في الخارج فقالت نور بإستعطاف :
-يا أمي هتكسف اطلع انا، وبيقوا كلهم باصيين عليا
-وتتكسفي ليه ما انتي عرفاهم
حاولت مرة أخرى إقناعها فقالت صفية برفض قاطع :
-البسي وحطي الشاي وهنادي عليكي من برا ومحدش هيقدم الضيافة غيرك النهاردة يا بت علي
ختمت حديثها وتركت لهما الغرفة وخرجت حتى تصب الطعام وقد نادت على عائشة حتى تلحق بها وتركا نور وحدها في الغرفة، وهذه أتتها حالة الإحراج المبالغ به، إذ أخذت تقفز في مكانها بضيق وتتمتم بعض الكلمات الحانقة
لا تحب أن تخرج وتقدم الضيافة للضيوف العاديين فما بالك لو هؤلاء الضيوف قد أتوا لخطبتها
استسلمت للأمر وبدأت بتجهيز نفسها وقد أرتدت الملابس التي قالت عليها والدتها والتي اختارتها هى وعائشة لها منذ أمس، إذ كانت عبارة عن بلوزة صيفية جميلة مزركشة باللونين الأصفر الهادئ والأسود، والجيب الأبيض المفضل لديها وحجاب متسع باللون الأبيض
اقتربت من العلبة الموضوعة على الطاولة بفضول إذ كانت علبة حلويات وقد تنمت ألا تكون بداخلها حلوى بالعسل، وقد خاب ظنها وأبصرت المفضل لديها في الحلوى، قطع كيك فاخرة أو ما تسمى "جاتوه"
تعجبت اختيارهم لهذا وقد تساءلت هل هذا من باب الصدفة أم أنهم يعلمون أنها تفضل الجاتوه على جميع أصناف الحلوى
أما في الخارج أخذ لؤي يوزع أطباق الطعام المختلفة على الطاولات هو وعائشة التي خرجت مجبرة من والدتها، ابتسم عثمان ممازحًا ابن أخيه إذ قال :
-ايه لؤي شغال من وقت ما جيت كأنك من صحاب البيت
ذم لؤي شفتيه بتذمر دون إجابة، لا يدري لما منذ أتى وزوجة خاله لا تطلب إلا منه هو، هل لأنه الأصغر أم لانه ابن أسماء، ولكن لما لا تعمل رحاب وإسماعيل وفقط هو
مَل حمزة وهو ينتظر خروجها ولا تخرج، وبعد عدة دقائق مال قليلًا نحو والدته قائلًا بحرج :
-ماما انا محتاج ادخل الحمام أقول لمين؟؟
رمقته الأخرى بنظرة غاضبة وكأنه أخبرها أنه يريد التسكع في الشوارع وشرب الخمر مع رفاق السوء، وإجابتها جعلته يشك فيما قال إذ قالت ناهد بهمس غاضب :
-اتلم يا حمزة
-ايه اتلم يا حمزة هو انا بقولك نازل اصيع في الشوارع؟! بقولك عايز ادخل الحمام
-مش دلوقتي بعد الغداء
-وانا هفضل كاتمها جوايا لحد بعد الغداء؟؟
-اسكت يا حمزة وعدي يومك من غير جنان
زفر حمزة بضيق وقد أخذ يحرك قدمه بإنزعاج ثم اقترب من والده هذه المرة والذي هم ببدئ تناول الطعام فمنعه من غرز الملعقة في الأرز قائلًا بهمس :
-بابا مش هنطلع من هنا غير قبل ما تحددوا كتب الكتاب
-إن شاء الله يا ابني بس سيبني آكل
-ماشي كُل بس بجد لو متفقناش على كتب كتابي يبقى مع يوسف انا غير مسؤول عن تصرفي
-طب آكل الأول وبعدين نشوف، وكُل انت كمان واقعد ساكت شوية متفضحناش
صمت حمزة بالفعل وشرع في الأكل وتعرف عليه بسهولة إنه من صنع نور بالتأكيد، ولا تسألوه كيف علم فهو نفسه لا يعلم، وبعد الغداء أخذ الجميع يتشارك أطراف الحديث ولكن موضوعه هو لم يكن من ضمنهم لذا استأذن على لدخول المرحاض وقد أخذه علي بنفسه له ثم خرج
وتلىٰ خروجه هذا خروج نور بسرعة خلفه من المطبخ وفي يدها الشاي وقد، أستوقفته قبل أن يخرج من الباب :
-بابا بابا استنى خد الشاي معاك
رمقها الآخر لبرهة من الزمن ثم أشار لها بأن تأتي خلفه وتقدم هو نحو الضيوف، فضربت نور الأرض بقدمها بغيظ فحتى والدها تحالف عليها، استمعت إلى صوت قادم من المرحاض ولكن لم تهتم فعلى الأرجح أحدهم في الداخل وعليها الآن أن تفكر فيما تفعل
سوف تخرج وعينيها في الأرض بالطبع فلن تستطيع رفعها في أحدهم ولا في حمزة على الوجه الخاص، ثم تترك الصنية لهم على أقرب طاولة وتفر هاربة للداخل، ثم تتصرف والدتها في التوزيع عليهم
تنفست بقوة ثم خرجت تشعر بالحرج الشديد وقد رفعت عينيها لجزء من الثانية حتى ترى أين قد وضعوا الطاولة، ولترى أيضًا أين موقع حمزة حتى تبتعد عن مرماه
وقد خاب كل هذا عندما طلبت منها والدتها بصوت مرتفع أن توزع عليهم ووالله لولا أن هذه السيدة والدتها لسبتها الآن، ولكن للأسف ستنال ذنبًا على هذا
اقتربت من أول الجالسين حتى تعطيه الشاي وقد كان محمد والذي أخذه منها وشكرها بلطف ثم مرت على باقي الرجال دون أن ترفع عينيها من على صنية الشاي، وعندما وصلت إلى للشباب قد زاد حرجها أضعافًا، تخجل من الشباب أكثر من الرجال الكبار لسبب غير مفهوم
مرت على إسماعيل ويوسف ويونس دون أن يتحدث أحدهم ولكن كريم أضاف لمسة خاصة عندما قال محدقًا في باقي الأكواب :
-حمزة مش بيحب الشاي ليه معملتيش نسكافية
وهنا رفعت رأسها بشكل لا إرادي تنظر إلى باقي الموجدين ولكن لم تجد حمزة من ضمنهم، عجبًا هل لم يأتي معهم وترك هذا اليوم؟!
ابتسم كريم بمكر وهو يسحب كوب شاي له ثم قال :
-متبصيش كتير جه معانا بس دخل الحمام
توتر حالها بشدة حتى أنها لم تدري ماذا يقول لسانها إذ هتفت بتلعثم :
-انا مكنش.... مكنتش ببص عليه
ضحك جميع الموجدين على تلعثمها فزاد خجل نور أضعافًا حتى أنها تركت الصنية لوالدتها هاتفة على نفس نبرتها السريعة المتلعثمة :
-انتي كملي... كملي وزيع
نكز يوسف كريم في ذراعه هاتفًا بضحكة مكتومة :
-حرام عليك كسفتها
-انا كسفتها؟! طب استنى واسمع وشوف العجايب اللي هيعملها حمزة
نادى علي على ابنته حتى لا تذهب فيجب أن تجلس معهم ولكن الأخرى ادعت الصم وأكملت طريقها للباب لتجد جسد طويل قد سد عنها المرور، يرتدي ملابس راقية تبدو باهظة ولديه خصلات طويلة سوداء حالكة ولحية نابتة وبشرة قمحية، وأعين بنية تحدق بها في تعجب
بئسًا هذا اليوم العالمي للإحراج
تنحت بسرعة إلى جنب حتى يمر بعدما ظلت لثلاث ثواني تحدق به بدهشة لظهورها أمامها فجأةً من اللامكان، ثلاث ثواني كانت قادرة على جذب عقل حمزة لجمال عينيها في ضوء النهار
احتار في لون عيني هذه المرأة، فهى في الإضاءة العادية وبالليل عسلي أقرب للبني، وفي النهار عسلي أقرب للأخضر، بينما عندما تبكي تصبح شئ آخر فائق الجمال إذ تنقلب عينيها للون الأخضر الباهت
سمع عن الأعين المتغيرة كثيرًا ورأى مثلها أكثر، فزوجة عمه أسماء تمتلك نفس الأعين تمامًا، ومؤخرًا لاحظ أن والدها يمتلك نفس الأعين وعمها حسين وحسن، ولكن ماله لا يرى في جمال عينيها منافس؟!
هبط درجتين ببطء شديد وود لو يقترب منها ويرفع له رأسها التي تخفضها كلما تراه من حياءها منه، ولكن صبرًا يا حمزة حين تصبح زوجتك ووالله لن يقتصر الأمر لديه على النظر لعينيها فقط
شعرت نور أنه مر ساعتين على وقوفه هكذا دون حركة وما يزيد الطين بله هو تحديق الجميع بهما وكأنه عرض سينمائي، تحدث علي طالبًا من ابنته الدخول بشكل غير مباشر لربما يتحرك ذلك الأبله الواقف أمامها :
-نورهان حمزة مش بيشرب شاي اعمليله نسكافية
آماءت نور بسرعة دون أن ترفع رأسها :
-تمام
وقف حمزة أمامها يمنع تحركها مضيفًا عدة طلبات، يسرق بعض الوقت معها :
-اعمليه بمياه بس من غير لبن
-تمام
-وتلات معالق سكر
-تمام
-ولو هتعملي كوباية صغيرة يبقى معلقتين بس
رفعت عينيها له بغيظ لكثرة طلباته هذه فهل يظن نفسه في مقهى، وبشكل عفوي صاحت بعصبية طفيفة قائلة :
-تمام تمام ينفع اعدي
ابتعد من أمام الباب فمرت الأخرى بسرعة بينما عاد حمزة وجلس إلى جانب والده والذي رمقه بنظرة جانبية وإحدى خديه قد رُفع ببسمة على تصرفات ابنه
نظر نحو محفوظ بأن يبدأ الحديث هو بما أنه أخاه الكبير وأكبر فرد في عائلتهم، بغض النظر عن توحيد وحالتها الصحية، وترك محفوظ كوبه على الطاولة أمامه ثم دلف إلى صلب الموضوع دون مقدمات لا فائدة منها فالجميع يعلم ما الهدف من وجودهم اليوم :
-علي قبل ما تسافر من ست شهور من إسكندرية قولتلك بعد ما تخف بنتك استنى زيارة مني انا واخويا عثمان علشان نطلبها منك لابن أخويا حمزة، وادينا جبنا عيلتنا كلها علشان نطلب القرب منك في بنتك نور
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
هبط من سيارة الأجرة بهلاك جسدي وليس فقط تعب، يشعر أن كل عظمة بجسده تشتكيه إلى ربه وتقول "يا سفيان جسدك أمانة فلما تقضي عليه بسبب عملك الانتحاري"
وهو انتحاري بالفعل فكاد يموت في هذه المهمة لولا ستر ربه الذي يعلم أن لديه اخ وجدة وزوجة قد يحدث لهم شئ إن مات هو، رفع رأسه إلى البناية الشبه متهالكة التي تسكنها جدته والتي تصر اصرارًا عجيبًا أن لا تغادر هذا المكان إلا إلى قبرها
ولج إلى الداخل بخطوات شبه بطيئة بسبب جروح جسده والرضوض المخفية أسفل ملابسه، كان على شعرة من الموت ولولا صخرة توقفت في طريقه لكان سقط من أعلى الجبل أثناء مهمة القبض على جماعة إرهابية يسكنون الجبال
توقف أمام شقة جدته وقد استخدم المفتاح ليفتح الباب متوقعًا بسهولة من التي ستستقبله ككل مرة، وها هى تظهر بعد أن فتح الباب تحدق به بعينين بنيتين وتحرك ذيلها الطويل وكأنها ترحب به
ارتفع خده الأيسر ببسمة خفيفة ثم ولج وأغلق الباب وهبط قليلًا إلى قطة زوجته البنية التي تنتظره على الباب في كل مرة وكأن هذه القطة تشتم رائحته عن بعد :
-ازيك يا لوزة رقم تو أومال فين صاحبتك
ارتفع صوت الخلاط من المطبخ بطريقة مزعجة فعلم أن هاجر بالداخل لذا اتجه بخطوات غير مسموعة إلى هناك ولكن قبل أن يصل سلك طريقًا آخر إلى غرفة جدته
فتح الباب بخفة ليجد جسدها مكوم على الفراش القديم وعلى وجهها قناع أكسجين وبجانب الفراش الاسطوانة، بينما على الكومود هناك الكثير والكثير من الأدوية فحالة جدته الصحية متدهورة هذه الفترة
اقترب من الفراش وقد جذب مقعد صغير وجلس إلى جانبها يراقبها وهى نائمة بصمت، وبعد عدة دقائق فتحت ونس عينيها على حركة بجانبها لتجد حفيدها الكبير يربت بكفه على وجهها بخفة
ابتسمت من أسفل قناع الأكسجين ثم نزعته عن وجهها حتى تتحدث معه إذ قالت بصوت خافت متعب :
-شكلك تعبان يا ابن زينب، قولتلك سيب الشغل اللي هجيب أجلك ده زي ما جاب أجل أبوك وأمك
ضحك الآخر بخفة على لاذعة لسانه حتى في أسوء حالاتها :
-يا حجة الأعمار بيد الله طب ده انا كنت هموت لولا ستر ربك، اللي يسيبها على ربه ميتخافش عليه
احتل القلق قسمات وجهها الذي ملأه التجاعيد وعلامات كبر السن فقال سفيان بحنو بالغ :
-متخافيش انا كويس لسه فيا عمر
-خاف على نفسك يا سفيان انت مراتك ملهاش حد غيرك، تروح فين من بعدك
-لو حصلي حاجة ليها رب أحن مني ومن الكل عليها، ثم دي وارثة فلوس لا تعد ولا تحصى تشتري الحتة المعفنة اللي ساكنة فيها دي كلها
ختم حديثه بنبرة مازحة فعلمت الأخرى ما الحديث الذي سيتطرق إليه لذا قالت برفض قاطع :
-مش هسيب بيتي يا سفيان انسي الموضوع وبلاش تفتحه مش كل يوم انت وعمر نفس الحكاية
تنهد سفيان بضجر لرفضها هذا فكم من مرة عرض عليها هو وعمر أن تأتي وتسكن معهم حتى ولو ستجلس في شقة والديهما حتى تكون بجانبهم وفي راحة أكثر من هذا المكان، وفي كل مرة لا يتلقيان إلا الرفض :
-طب ايه رأيك تقعدي في المستشفى أحسن برضو من المكان ده
-لأ انا مش عايزة أموت في المستشفى عايزة أموت في بيتي هنا
-طب ليه الكلام ده دلوقتي؟! ليه تضايقيني
رفعت ونس كفها المجعد وربتت على يده بخفة مبتسمة له بحب وحنان خالص :
-خلاص روح شوف مراتك وروحوا لشقتكم علشان ترتاح شوية
-لأ مش هنمشي هنفضل معاكي هنا
-يا سفيان مراتك طول فترة غيابك معايا ومش سيباني، وعمر كل يوم بيجي عندي هنا وقالي لما سفيان يرجع من الشغل وياخد مراته ويرجعوا شقتهم هيجيب مراته ويباتوا معايا هنا
ابتسم سفيان على تفكير أخيه ثم قال :
-هو عمر جه النهاردة ولا لسه؟!
-لأ لسه مجاش روح يلا لمراتك علشان عندها خبر حلو عايزة تقولهولك
عقد الآخر حاجبيه متسائلًا فتحركت ونس في مكانها تحاول إلزام لسانها ولكن عندما تساءل سفيان عن الخبر قالت له بسرعة :
-بص مكنتش عايزة اقول وأخرب المفاجئة اللي عايزة تعملها بس انت عارفني ست ميتبلش في بوقي فولة، مراتك حامل ما شاء الله وفي الشهر التاني باين ما أعرف التالت والله ما فاكرة قالت الكام، بس المهم يعني الحمد لله ربنا هيكرمك بعيل أخيرًا قبل ما تموت يا بعيد
قهقه سفيان بعلو على آخر حديثها فقالت ونس وهى تعقد حاجبيه بضيق لصوت الخلاط المرتفع هذا :
-يلا روح لمراتك وأعمل نفسك متعرفش حاجة، وقولها تطفي الخلاط ده انا دماغي وجعتني
وضعت قناع الأكسجين كما كان على وجهها فترك لها سفيان الغرفة حتى ترتاح، ثم اتجه إلى المطبخ حيث سيجد زوجته التي تعشق الطهو أكثر منه، اتكأ على الباب يراقبها بتركيز شديد لكل تفاصيلها وهى تواليه ظهرها منشغلة فيما تفعل
إذ كانت تخلط بعض الطماطم كصلصة وكل حين والآخر تمسح وجهها من العرق بسبب حرارة الموقد، ترتدي ملابس بيتية ضيقة عليها بشدة، ربما لأن وزنها قد زاد عن ذي قبل، تعقد خصلاتها الناعمة للأعلى بطريقة مبعثرة تعطيها مظهر فوضاوي لذيذ
وقفت على مقعد قصير حتى تأتي بقدر من فوق المطبخ الخشبي، فعض سفيان على طرف شفته يرمق منحنياتها بكثب ثم قال :
-مش قولتلك يا لوزة بلاش اللبس الضيق ده هنا ممكن عمر يجي على غفلة ومتلحقيش تغيري
استدارت هاجر بسرعة إلى صوته مندهشة من وجوده فمتى قد حضر وهى لم تسمع صوت الباب، هبطت بسرعة من على المقعد ملقية نفسها في أحضانه فكتم سفيان آلامه وخرج على هيئة أنين خافت منه لشدة اندفاعها إلى صدره وهى تقول بسعادة لعودته مبكرًا هذه المرة :
-حمد الله على السلامة يا سفيان جيت بدري المرة دي قولت هتيجي بعد اسبوعين عدى عشر أيام بس
ضمها سفيان بخفة وقد لامس كفه بطنها البارز بشكل غير ملحوظ، متذكرًا حديث جدته عن كونها تحمل الآن قطعة منه ومنها في رحمها، أسند رأسه على كتفها ثم هتف بمزاح :
-تخنتي يا لوزة وبقى عندك كرش
ابتعدت عنه قليلًا ثم وضعت يدها على بطنها هاتفة بسعادة شديدة التمعت في عينيها البنية :
-لا ده مش كرش، كنت خايفة لما اتأخر الحمل كام شهر إني فرصتي في الحمل بقيت قليلة علشان سقطت تلات مرات بس الحمد طلعت حامل يا سفيان في شهرين ونص، هيجي لينا آسر
ابتسم سفيان بشكل تلقائي لبسمتها هذه ثم استند بظهره على الحائط كما كان هاتفًا ببسمة حنونة :
-نفسك ايه يا هاجر اعملهولك!؟
ورفعت الأخرى منكبيها ولا تزال محتفظة ببسمتها :
-مش عايزة حاجة
-ليه مش عايزة حاجة يا هاجر؟! حتى الفرح رفضتي نعمله وعملنا كتب كتاب عادي، ورفضتي تجيبي فستان منفوش زي باقي البنات وجبتي فستان عادي حتى لونه مكنش أبيض
هزت هاجر رأسها لا تفكر في أن تحضر شئ فهى مكتفية بما لديها وتحب الحياة البسيطة لا المظاهر المبالغ بها :
-مش عايزة حاجة يا سفيان معايا كل حاجة، انت بس تعالى معايا عند الدكتورة، عندك أجازة كبيرة المرة دي صح؟؟
آماء لها سفيان بإيجاب دون التحدث بشئ فقالت الأخرى بريبة تشعر أن به خطب ما فلا يتحدث ويداهرها كعادته كلما يأتي إجازة :
-مالك يا سفيان؟! هو انت..... مش فرحان؟؟
علم سفيان لما تقول هذا لذا اعتدل في وقفته وأمسك بخديها الممتلئين بيديه وضغط عليهما بقوة في حركة يعشق بها إغضابها
حاولت الأخرى إبعاد كفيه عن وجهها صائحة بتذمر :
-براحة بس متدوسش أوي كده ناعمين ميستحملوش ايديك
فرك سفيان وجهها بين كفيه الكبيرين مبتسمًا على الأصوات المتذمرة التي تخرجها :
-ايه يا بت الحلاوة دي، ايه الخدود دي والشعر ده
جذب خصلاتها بقوة وفك عقدتها فضربت هاجر يده متراجعة للخلف بسرعة ثم صاحت به وقد أحمَّر وجهها بشدة لشدة فركه :
-خلاص يا سفيان كفاية اطلع برا عايزة أكمل الغداء
-ســـفيــــان
نادت ونس على حفيدها من غرفتها فأجابها سفيان وهو يتحرك نحو هاجر بنوايا خبيثة :
-نعم يا جدتي
توقف بسرعة في مكانه وقد أتسعت عيني هاجر يخجل تسمع ونس تقول :
-الناس حوالينا بطلوا قلة الأدب الحاجات دي تعملوها في بيتكم مش هنا خدها وروحوا شقتكم طالما وحشاك أوي كده
اكتسح الخجل وجه هاجر وقد أدارت جسدها بسرعة نحو الموقد تكمل ما كانت تفعله بينما سفيان حرك عينيه بضجر مجيبًا عليها بصوت مرتفع حتى يصل إليها :
-محصلش حاجة أصلًا نضيفي انتي نيتك
-يا كداب أومال ايه براحة متدوسش دول ناعمين عيب يا قليل الرباية منك ليها
شهقت هاجر بصدمة مخفية وجهها بين كفيها بإستحياء شديد فيبدو أن ونس قد سمعت ما قالت وفهمته بشكل خاطئ تمامًا، وقف سفيان في منتصف الردهة بين المطبخ وغرفة جدته :
-ده انا كانت ماسك خدودها
-كداب
-والله خدودها
-برضو مش مصدقة
هم سفيان بالرد عليها فجذبته هاجر بسرعة تمنعه ثم قالت :
-خلاص كفاية الناس حوالينا سمعوا كل حاجة يا سفيان
واتاه صوت ونس من الداخل وهى تقول بصوت حانق ظهر به التعب :
-خد مراتك يا سفيان وروح شقتك وابعتلي عمر حبيبي مؤدب مش بيتعبني ولا يرفعلي ضغطي زيك ولا له في قلة الأدب
دلف لها سفيان رغم محاولة هاجر الواهية في جذبه وهذا لم يمنعه من قول هذا إذ قال بنبرة متهكمة :
-هو انا متجوزها عرفي دي مراتي؟! ثم حتى وانتي تعبانة حاطة نقرك من نقري اتقي الله ده انتي في آخر أيامك
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الرابع وستون 64 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
عيدية العيد وكل عام وانتم بخير بمناسبة عيد الفطر المبارك وإن شاء الله هيكون فصل كمان بكرة على العصر كده فصياح كتير بقى في الكومنتات 🤍
صلي على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
وقفت بجانب النافذة التي تطل على الشارع وقد اغلقتها بإحكام حتى تستمع منها لما يدور بالخارج، إذ كانوا يتحدثون منذ ما يقارب النصف ساعة على زواجها هى وحمزة ويبدو أن حمزة يريد عقد القران قبل سفره بينما والديها يرفضان هذا الاستعجال
نظرت إلى عائشة خلفها والتي كانت تجلس على الاريكة لا يعجبها ما تسمعه فلما كل هذا الاستعجال وجب أن يتعرفوا على حمزة وطباعه أكثر قبل أن يزوجوه شقيقتها الوحيدة
فذلك الأبله يريد عقد القران قبل سفره والزواج بعد شهر، هل أصابها العته ليظن أن والديها سيقبلان؟!
حل الصمت في الخارج فعقدت نور حاجبيها متسائلة ولم يدم هذا التساؤل إذ وجدت والديها يدخلان المنزل، يتجهان نحوها هى بالتحديد فأعتدلت في إستعداد لما قد يقولانه
جذبت صفية ابنتها وجعلتها تجلس أمامها هى وزوجها ثم بدأت هى الحديث قائلة بجدية شديدة :
-نورهان حمزة عايز يتجوزك علطول مفيش خطوبة، عايز هو وأهله نجيبوا الشبكة بكرة وآخر الأسبوع كتب الكتاب وبعد شهر أو شهر ونص الفرح
دارت نور بعينيها بينهما بحيرة ثم قالت :
-طب وانتوا رأيكم ايه؟!
وأجابها على بنفس الجدية إذ قال :
-بصي الرأي هيبقى رأيك وانا وأمك شايفين بلاش استعجال في كتب الكتاب لو حصلت مشكلة بينكم هيبقى طلاق
-بس مطلقة بيضة زي ما بتقولوا
-بس طلاق يا بتي وده مفيهوش هزار
عبثت نور في أصابعها بتوتر وحيرة فقالت صفية بإقتراح :
-انا وابوكي شايفين تبقى خطوبة عادية بس هما مُصرين يعملوا كتب كتاب مع يوسف فقولنالهم نسألوا البت فأنتي ايه رأيك
ازدردت الأخرى لعابها بتردد قائلة :
-انا شايفة كتب الكتاب أحسن وبعدها نأجل الفرح علشان التعارف شهرين، تلاتة، سبعة بس كتب الكتاب يمنع الحرمانية انا مش عايزة طول الخطوبة أفكر في الكلام اللي المفروض يتقال واللي المفروض مقولوش، وفي الشبهات والمكالمات والرسايل وهو طبعًا هيتكلم كتير وانا بصراحة مش عايزة أعمل حاجة واقعد أفكر هى حرام ولا حلال
اعترضت صفية على ما تقول فعقد القران خطوة قوية لا رجعة بها :
-يا بتي لو حصل مشكلة هتبقى مطلقة، المفروض كتب الكتاب ميتكتبش غير قبل الفرح بيومين
-بس انتي يا ماما كتبتي كتابك انتي وبابا قبل الفرح بسنة وخالتي فايزة وعمي حسين قبلها بسنتين، انا شايفة كتب الكتاب أحسن من الخطوبة انا بقولك مش عايزة اعمل حاجة فيها شبهة، أكيد انا عارفة حدود كتب الكتاب بس احسن بكتير من الخطوبة اللي من غير حاجة دي
تحدث والدها منهيًا الحوار :
-يعني انتي خلاص موافقة كتب الكتاب يبقى آخر الأسبوع؟!
صمتت نور عن الرد وفكرت بهما قبل أن تجيب إذ قالت مترددة :
-يعني لو انتوا مش معاكم دلوقتي فلوس فبلاش يبقى آخر الأسبوع ويبقى وقت تاني
-لا معانا الحمد لله انتي موافقة كتب الكتاب دلوقتي والفرح نتفقوا عليه بعدين علشان حكاية شهر واحد ده مش موافق عليها
سحبت الأخرى قدر كبير من الأكسجين ثم زفرت على مهل تعيد التفكير في الأمر في عقلها ثم قالت بقرار أخير لا رجعة به :
-ايوه يا بابا موافقة
جذب علي زوجته وخرجا للناس فنظرت نور إلى شقيقتها التي كانت تتخذ وضع الصمت طوال الحديث ثم سألتها عن رأيها هى فقالت الأخرى بجدية خالية من المزاح :
-انتي خلاص طلعتيهم وقولتي رأيك
-ماشي قولي رأيك انتي كمان يعني هو انا هكتب بكرة لسه آخر الأسبوع يعني ممكن تحصل حاجة والموضوع يتلغي
-والله انا برضو شايفة إن كتب الكتاب أحسن علشان الحرمانية وحمزة ده شكله من النوع اللي مش بيعرف يمسك لسانه
ابتسمت نور على تفهم عائشة فهذا أكبر سبب لإختارها لعقد القران السريع وهذا لأن حمزة لا يمسك لسانه معها وسيتحدث ويتغزل دون توقف لذا اختارت الحلال السريع أفضل من القلق من شبهات الخطبة الكثيرة
وهذا هو رأيها الشخصي
اعتلت بسمة خجولة على وجه نور تستمع لصوت الزغاريت في الخارج من عمتها أسماء بالتحديد، غطت بسمتها بسرعة بحرج من وجود عائشة والتي ابتسمت لها بحب وضمتها بذراعيها بخفة ثم قالت :
-مبارك
بادلتها نور هذا العناق ثم ابتعدت عائشة عندما ولجت والدتها وضمتها بقوة وكأن هذا عناق الوداع ثم قالت بسعادة شديدة :
-مبروك يا حبيبتي مبروك ربنا يجعله خير ليكي
بادلتها نور هى أيضًا وقد تشنج وجهها لشدة ابتسامها ثم ابتعدت والدتها عنها تفتح باب داخلي لغرفة في منزلهم لها شبابيك كبيرة مفتوحة في الحوائط تسمى "برندة" وتكون في العادة في مقدمة المنزل وأشبه بمجلس للضيوف
-هتعملي ايه يا ماما
تساءلت بها نور لا تفهم لما تفتح والدتها البرندة وجميع الضيوف يجلسون في الخارج، لتجيبها صفية وهى تنظر بعينيها في المكان ترى إن كان كل شئ مُرتب بشكل تام أم لا :
-هفتح البرندة علشان تقعدي انتي وحمزة فيها
-واقعد ليه انا وحمزة مش لازم رؤية شرعية ما هو شافني وانا شوفته
هتفت بها نور معترضة على هذه الجلسة فحتى هذه اللحظة لا تزال تخجل من حمزة كثيرًا ولم تعتد عليه بعد، لتقول صفية بحزم وكأنها تأمرها لا تخيرها :
-قال عايز اقعد معاها عشر دقايق وابوكي قال ماشي، وبعدين مش هتقعدوا وحدكم عيشة هتقعد معاكم
اتسعت البسمة على وجه عائشة ولكن لم تكن بسمة سعيدة بل أخرى خبيثة فهى تنتظر هذه اللحظة منذ زمن، إذ قالت وهى تفرك كفيها وكأنها تستعد لنصب فخٍ لدجاجة مسكينة :
-وانا موافقة
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ساعدت جدة زوجها على أن تقف معها حتى تخرج من هذه الغرفة قليلًا وتتناول الغداء معهم في الخارج مع حفيدها الذي قد تشاجرت معه منذ قليلًا وكلاهما اسمع الآخر من الحديث اللاذع ما لذ وطاب وكأنهما رجلٌ وزوجة ابيه التي لا يطيقها
استندت ونس على هاجر بنصف جهدها والنصف الآخر تلقيه على عكازها، لقد كبرت واقترب معاد اللقاء وهى ليست حزينة أو خائفة بل مشتاقة لرؤية زوجها وابنتها ووالديها الذين تركوها في هذه الدنيا وسبقوها منذ سنواتٍ عجاف
وما يريحها أن كلا حفيديها تزوجا وسيأسس كلًا منهما أسرته الخاصة
جلست بتعب على أحد مقاعد البهو أمام طاولة متوسطة الحجم تحمل من الطعام كل ما لذ وطاب، تلك الدبة زوجة سفيان بارعة بشدة في طهو الطعام :
-مراتك شاطرة بتعرف تطبخ يا سفيان وأكلها يفتح النفس مش زي الخايبة مرات عمر مش عارفة حتى تعمل شوية ملوخية، ابقي علميها يا هاجر تكسبي ثواب في الواد عمر تعب قلب سِته من أكلها
ابتسمت هاجر كاتمة ضحكتها على ما قالت فوالله لو سمعت رقية لقلبت وجهها لباقي اليوم فلا تقبل أبدًا أن يسخر أحدهم منها أو يقلل من شأنها حتى عمر نفسه لا يستطيع فتلك الفتاة لديها شخصية عنيدة
نطق سفيان بكلمة بسم الله ثم شرع في تناول الطعام ثم قال وهو يهمهم متلذذًا بجمال طعام زوجته :
-كان المفروض تدخلي سياحة وفنادق مش فنون جميلة يا لوزة خسرت الفنادق شيف شاطرة زيك
زادت البسمة على وجه هاجر لثنائه عليها ثم قالت بمراوغة :
-إحنا لسه فيها تحب أنزل اشتغل شيف
نفي سفيان ما قالته وهو يلوك الطعام داخل فمه ثم قال ببسمة متهكمة :
-لأ يا حبيبتي أغير على أكلك، مش عايز حد ياكله غيري ولا يدوق حلاوته غيري
قلبت هاجر عينيها تعلم أنه يخدعها بحديثه المعسول هذا أو كما يقول المثل "ياكل بعقلها حلاوة" ويفعل هذا حتى لا تفكر في الأمر وهى تعلم وراضية، وفي الواقع لا تحتاج أبدًا لعمل ولكن تحب أن تشاكسه لذا قالت :
-عمر بيحب برضو ياكل من أكلي
-وماله مننا وعلينا وبعدين رقية بتعمل تجارب في أكلها وتأكله وهو مستحمل وساكت بلاش نيجي عليه إحنا كمان
-وعمو ثروت عجبوا الأكل بتاعي وقالي ابقي علمي مراتي وصفاتك
نطقت بها هاجر وهى تقلب في طبق المعكرونة أمامها وعلى محياها بسمة ماكرة فقال سفيان بتعجب وقد ابتلع ما في جوفه :
-مين عمو ثروث ده؟!
تنهدت ونس بضجر للقادم والذي لن يعجبها تمامًا إذ تمتمت بحنق وهى تقرص هاجر من أسفل الطاولة :
-قولتيله ليه يا مزغودة دلوقتي يولع فيكي وفي ثروث الغلبان
رفعت صوتها مجيبة على سفيان والذي انتظر الإجابة بملامح هادئة بذلك الهدوء الذي يسبق العاصفة :
-ده جارنا يا سفيان مراته مكنتش موجودة وعياله يا عيني رجعوا من المدرسة جاعنين وشموا ريحة الأكل اللي عملاه مراتك وانا شوفتهم قاعدين على السلم صعبوا عليا قولت لهاجر تغرفلهم أكل وهى مقالتش لا وبعتتلهم طبق مليان محشي، آخر اليوم أبوهم جاب الطبق وشكرها بس كده
-اممم وقالها شكرًا وبس كده؟!
مصمصت ونس شفتيها دون إجابة ففي الواقع ذلك المدعو ثروت لم يترك كلمة مدح مبالغة بها لم يقلها لهاجر حتى قامت هى بطرده بطريقة غير مباشرة قبل أن يصل الأمر لنقطة غير حميدة ويعلم سفيان، والذي إن علم ما قاله ذلك الأخرق سيذهب الآن ويحرقه حي
فلم تنسى حتى الآن الشهر الماضي حين كانت هاجر تتسوق في السوق أسفل المنزل وتشتري طلبات للبيت وأحد الشباب الفاسقين كان يلحق بها ويغازلها بألفاظ ركيكة دنيئة وقد قلقت هى من التصرف بمفردها واتصلت على سفيان أن يأتيها
ولا يقل لكم ماذا فعل بذلك الشاب قد قام بتحطيم عظامه على المعنى الحرفي، ولم يتجرأ أحد على التدخل لسببين وهو أن هذا الشاب ذو سمعة سيئة ويستحق، والآخر لأن الجميع هنا يعلم أن حفيدها ضابط وهم يخشون التحدث معه حتى
ولولا تدخل عمر ذلك اليوم وأوقف أخيه لكان فقع عيني ذلك الشاب، ومنذ ذلك الحين يمنع هاجر من النزول في هذه المنطقة إلا حين الضرورة القصوى وإن احتاجت شئ تبعث عمر يشتريه لها حين يكون هو بعيدًا في عمله
والآن هذه الخرقاء التي تجلس إلى جانبها تقول له أحد الجيران قد تذوق أكلها واعجبه ومدحه وهى تعلم أن سفيان لديه طبع الغيرة الشديدة، تريده أن يحرقها ويحرقه هذه البلهاء فقط لكي تراه يغار عليها وتتكيف من الوضع
نظرت نحو هاجر ما إن أعاد سفيان السؤال مرة أخرى بنبرة أكثر حدة هذه المرة :
-سكتوا انتوا الاتنين ليه؟! قال ايه عمو ثروت ده؟؟
ازدردت هاجر لعابها بتوتر ثم نظرت إلى ونس بأن تنقذها من الموقف فضربت الأخرى كفيها ببعضهم ثم قالت بعد أن رمقتها بنظرة حارقة :
-قولتلك قالها شكرًا وراح لحاله وانا بعتله أكل مش علشان سواد عيونه ده علشان العيال وبطل خنقة وغيرة يا سفيان متبقاش زي أبوك كان مطلع عين بنتي بغيرته
-الراجل اللي مش بيغير على أهل بيته يبقى ناقص رجولة يا جدتي وهى حلوة بزيادة أعمل إيه يعني انا، أخبيها ازاي من الرجالة اللي عاملة زي الدبان بيجروا على أي حاجة حلوة، ده من شهرين واحد جاي يطلبها منك فاكرها اختي انا وعمر
نظر نحو هاجر التي كانت تجلس أمامه وتخرج القلوب الحمراء من عينيها ثم قال بنبرة حانقة :
-قولتلك نعمل فرح والناس كلها تعرف قولتي مش عايزة غير حاجة هادية والقريبين مننا بس يعرفوا، اعمل فيكي ايه دلوقتي
ابتسمت هاجر خجلة على حديثه بينما صاحت به ونس رغم تعب صوتها :
-قولتها لأبوك وهقولهالك انت كمان احبسها وحطها في بترينه إزاز واتفرج عليها من برا، ربنا ياخدكم انتوا الجوز رفعتوا ضغطي
وضعت يدها على صدرها وقد امتعض وجهها ألمًا فقفزت هاجر من مكانها بسرعة قائلة :
-هاروح اعملك الأعشاب اللي قال عليها الدكتور
-ايوه يا اختي روحي وانتي هبلة زي بنتي الله يرحمها كانت تحرق دم فياض وتشعلل غيرته وفي الآخر تجي تشكي منه
ملأ سفيان كوب ماء وأعطاه لها سريعًا ثم قال :
-خدي اشربي وبطلي كلام هتفطسي مننا
أخذت منه ونس الكوب وشربت منه القليل ثم قالت بجدية شديدة :
-سفيان خف على البت من غيرتك دي متخنقهاش
-بس هى مش معترضة
-طبيعي متبقاش معترضة في الأول أي واحدة هتحب تشوف جوزها بيغير عليها وهى هبلة ما شاء الله بتقولك على اللي يعصبك علشان تشعللها، بس انتي بتزودها يا سفيان مانعها تنزل تحت لوحدها لما تكون هنا إلا في أضيق الظروف ومخليها تقفل كل الشبابيك لما تكون واخدة راحتها هنا، بدأت تضيقها عليها يا سفيان ولكل بني آدم طاقة تحمل
زفر سفيان بضيق يعلم أنه يضيقها في بعض الأحيان ولكن هذا الطبع وراثي به منذ كان صغيرًا يغار بشدة على ما يخصه فما بالك بزوجته ذات الملامح الجذابة والجسد الانثوي، وهم في مجتمع حقير النساء تنظر قبل الرجال :
-مش بإيدي والله بحبها وبغير عليها حتى من قبل ما تبقى مراتي، وبالنسبة لإني مانعها تنزل لوحدها علشان مفيش كلب يضايقها وانا مش موجود، وبخليها تقفل الشبابيك هنا ليه مش علشان شوفت واحد بيبص عليها من بلكونته قبل كده وهى قاعدة هنا بالبجاما، وأقسم بالله لولا إنك قفلتي الباب بالمفتاح عليا من جوا علشان مخرجش وأعمل مصيبة لكنت روحت رميته من بلكونته
قلبت الأخرى عينيها بضجر تعلم أن لا فائدة من الجدال معه وأكتفت بذكر أمر أخير قبل أن تأتي هاجر :
-سفيان بطلب منك بس متدوس اوي في موضوع الغيرة لحد ما هى تطق منك، سبق وأبوك عملها زمان لدرجة أمك زعلت وقعدت هنا أسبوع مش عايزة تروح معاه وراسها وألف سيف متدخلش بيته غير لما يخف غيرة وتحكم، وطبعًا انت شايف أبوك معاه حق ومش هتقتنع بكلامي
آماء لها سفيان وابتسامة باردة ارتسمت على وجهه فصاحت به ونس قائلة :
-خلاص أولع يا ابن فياض
عادت هاجر ومعها كوب أعشاب من أجل ونس ثم وضعته أمامها قائلة بلطف :
-بالشفا يا قلبي
-انا قلبك مش هى
نطق بها سفيان بمزاح فابتسمت له هاجر وقد لمعت عينيها البنية وبين هذه النظرات الطويلة بينهما ضربت ونس على كفيها بالتزامن مع طرق الباب :
-يا صــبــر قولتلكم روحوا شقتكم انا مش عايز قلة أدب هنا، قوم روح افتح الباب تلاقيه عمر جه
دلفت هاجر بسرعة الي الداخل حتى تغير ملابسها ولم يفتح سفيان الباب إلا عندما وجدها اغلقت الباب عليها من الداخل، ففتح هو لشقيقه مبتسمًا أنه يراعي وجود هاجر هنا أثناء غيابه ويطرق الباب بدلًا من أن يفتح بمفتاحه الخاص
ولج عمر معانقًا شقيقه، متفاجئًا بوجوده هنا :
-سفيان رجعت بدري المرة دي.... انت كويس؟!
نطق بها بقلق من الخدوش الطفيفة التي على وجهه، وقد شعر أن به خطب فلا يأخذ سفيان أجازة سريعة هكذا إلا إن كان مصاب أو به شئ
ابتسم سفيان بخفة وجذبه حتى يدخل ثم أغلق الباب فصاح عمر بسرعة متذكرًا رقية التي كانت تصعد الدرج خلفه :
-استنى يا سفيان رقية لسه طالعة على السلم
فتح الباب سريعًا ليجد زوجته تقف في منتصف الدرج، تحدق بملامح مذهولة مهددة بالبكاء ثم قالت :
-انتوا قفلتوا الباب عليا ليه؟؟ جدتك مش عايزاني ادخل علشان مش بعرف اطبخ
ضحك عمر بخفة وقد هبط هذه الدرجات القليلة حتى يصل إليها قائلًا :
-طب وايه علاقة الطبيخ بده دلوقتي ثم سفيان قفل الباب كان فاكرني جاي لوحدي
جذب يدها معه حتى تصعد فقالت رقية جاذبة ذراعه :
-عمر قول لجدتك متفتحش موضوع الطبيخ ده وتعايرني علشان مش بعرف أطبخ، انا بضايق والله بس بسكت علشانك
-معلش استحمليها وبعدين هى بتحبك والله بس مش بتحب الستات اللي مش بتفهم في شغل البيت
ولج إلى الشقة وهى خلفه ليقترب من جدته مقبلًا كفها فربتت على خصلاته بحنو ثم قالت :
-عامل ايه يا حبيبي اتأخرت النهاردة ومجتش بدري؟!
-معلش رقية كانت عايزة تيجي معايا واتأخرنا شوية عند الدكتورة
نظرت ونس نحو رقية فاقتربت منها الأخرى وقبّلت جبينها ثم قالت :
-ازيك يا تيتة
-بخير الحمد لله عاملة ايه في الحمل؟!
أجابها عمر وهو يجلس إلى جانبها مشتاقًا لرائحتها وحنانها، ولطعام هاجر أيضًا إذ جذب طبق معكرونة بشاميل يشتم رائحته بتلذذ :
-هى كويسة انا اللي تعبان معاها
ضمته ونس تحت جناحها ثم قالت :
- كُل يا حبيبي شكلك هفتان
آماء عمر يوافقها الرأي ولكن لا يستطيع أن يتحدث بسبب وجود رقية بالطبع، نظرت ونس إلى سفيان ثم استرسلت رافعة انفها إلى أعلى :
-يلا خد مراتك وامشوا جه عمر حبيبي خلاص
وأجابها الآخر بلا مبالاة وهو يحشر الطعام داخل فمه :
-ماشي آكل وآخدها وامشي، ولا بلاش آكل؟!
-آه بلاش تاكل روح كُل في بيتك
همهم عمر متلذذًا بالطعام يكاد يجزم أنه لم يتذوق طعامًا في جمال طعام هاجر، ذمت رقية شفتيها تراقبه يتناول بنهم وكأنه لم يتناول الزاد منذ أسبوع :
-على مهلك يا عمر ولا هو الأكل حلو أوي
كاد عمر أن يرفع المعلقة الأخيرة في الطبق إلى فمه ولكن تراجع واخفضها مجيبًا عليها بملامح مستنكرة :
-لا مش حلو بس انا باكله جبر خاطر
أكل المعلقة الأخيرة ولم يهن على قلبه أن يتركها ثم أكمل وهو يضم ذراعيه إلى صدره :
-علشان متزعلش بس وتقول عمر مش بيرضى ياكل من الأكل اللي انا بعمله
ابتسمت عليه رقية وهى تعلم أنه يقول هذا من أجل ألا تحزن وتغار من هاجر لأن الجميع يمدح في طهوها بينما هى لا تجيده، رفع سفيان رأسه لشقيقه يراقبه بتهكم وعدم رضا وهو يلوك الطعام داخل فمه فقال عمر متنحنحًا :
-احم سفيان ما تجيب حتة الفراخ اللي قدامك دي أدوقها شكلها كده مش
-لأ
نطق بها سفيان قبل أن يكمل الآخر حديثه ثم استرسل بنبرة مستهزئة :
-من الصبح بتتريق على مراتي وانت طفحت نص البشاميل وأنا سكتلك، كلمة زيادة هديك باللي في رجلي، ولا انت خايف على مشاعر مراتك وانا حلوف يعني؟!
جذبت رقية قطعة دجاج على طبق واعطته لعمر ثم قالت ببسمة بسيطة :
-خد يا عمر انا عارفة اني أكلي مش حلو زي هاجر وانت أصلًا بتاكل نص أكلي بالعافية علشان متزعلنيش
ولجت هاجر إلى البهو وبين يديها شاي أخضر اعتادت أن تعده بعد الغداء، ابتسمت بسمة لطيفة للموجودين وبعد السلامات والتحيات، جلست إلى جانب رقية ثم قالت :
-رقية هو انتي في الأسبوع الكام في الحمل؟؟
-التامن ليه؟!
اتسعت البسمة على وجه هاجر ثم قالت بسعادة :
-وانا برضو الدكتورة قالتلي انا في الأسبوع التامن
نظر عمر نحو سفيان والذي كان مبتسمًا بهدوء فقال متسائلًا :
-هو انت عرفت يا سفيان؟!
-هو انتوا كلكم كنتوا تعرفوا؟؟
-ايوه لأن هاجر لما تعبت كنت انا ورقية موجودين، عامةً مبروك يا حبيبي ربنا يجيبه بالسلامة وتقوم اللوزة بتاعتك بالسلامة
نطق بها عمر بحب وهو يربت على فخذ أخيه فرفع الآخر يده بسرعة من على فخذه وقد امتعض وجهه بألم فقال عمر بصوت خافت :
-سفيان انت كويس؟؟
آماء سفيان وهو ينظر إلى هاجر التي انشغلت في الحديث مع رقية عن أمور الحمل ثم قال بمزاح حتى لا يلح عليه عمر في السؤال :
-انا تمام وبما ان الاتنين حوامل وماشيين في نفس الوقت فمن دلوقتي لو انا خلفت بنت انا اللي هسمي زينب
رفض عمر بسرعة معاندًا كالأطفال :
-لأ انا قولت الأول لو خلفت بنوتة هسميها زينب على اسم أمي
-ولد عيب انا الكبير يا عمر انا اللي اسمي الأسم
رفعت رقية إحدى حاجبيها بتهكم لا يعجبها الحديث إذ صاحت بإنزعاج :
-لأ ثواني معلش هو انتوا ليه تختاروا وإحنا ملناش حق نختار وإحنا اللي هنتعب في الحمل مش انتوا وإحنا اللي هنربي مش انتوا، يعني إحنا نختار وانتوا تسجلوا اللي هنختاره
وافقتها هاجر ما تقول إذ آماءت برأسها عدة مرات قائلة :
-معاها حق إحنا بنتعب يبقى إحنا نختار ثم افرض خلفنا ولدين أو بنتين، أكيد يعني مش هنسمي الاتنين زينب!!
ابتسمت ونس ثم قالت بحل وسط من وجهة نظرها قائلة :
-إن شاء الله لو الموضوع كمل الأول على خير يبقى واحدة اسمها ونس على اسمي، اسم جديد وحلو، والتانية يبقى اسمها زينب على اسم بنتي الله يرحمها
نظرت نحو سفيان وعمر ثم استرسلت بنبرة تحذيرية :
-بس لو واحد خلف ولد اوعوا تسموا فياض بلاش تجيبوا للعيال عقد نفسية
لوى سفيان شفتيه بسخرية ثم أجابها بفظاظته المعتادة :
-فياض يجيب عقد نفسية وونس لأ، ثم ايه ونس ده اللي انتي شايفاه جديد، انا عمري ما شوفت في حياتي حد اسمه ونس في مصر كلها غيرك
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
رفع كوب النسكافيه إلى شفتيه يستمع إلى رنين الهاتف ولكن بدون رد، عقد حاجبيه بضيق فلما لا تجيب على المكالمات منذ أن تمت خطبتهما، لقد مر يومين على الأمر وحتى الآن تحادثه بالرسائل وكأنها تخجل من محادثته شفهيًا
حاول مرة أخرى وهذه المرة عاقدٌ على إن لم تجب سيذهب لمنزلها الآن، ولم يمر الكثير وأجابت عليه فقال متعديًا أي كلمة ترحيب وبنبرة جادة خالية من المزاح :
-عارفة لو مكنتيش رديتي عليا يا نور انا كنت هجيبلك البيت واطلع جناني عليكي
تحركت نور من مكانها بسرعة وخرجت من الغرفة التي تجلس بها مع والدتها وبراءة وخالتها ثم أجابت عليه بنبرة خافتة :
-معلش كنت قاعدة مع ناس مش عارفة أرد على التليفون
-قاعدة مع مين؟!
-بتخطب لواحد غيرك
نطق بها بمزاح ثقيل نوعًا ما فأجابها حمزة بنبرة هادئة أقرب للجمود وهو يحتسي ما في الكوب :
-مين ده؟!
-واحد من ولاد عمامي
-مين فيهم بالظبط ما شاء الله عندك ولاد عم كتير
هتف بها بسخرية لاذعة يعلم أنها تمزح وأراد أن يكمل هذه المزحة فقالت نور بدون مزاح هذه المرة :
-واحد كان هيموت عليا بس انا رفضته زمان ولما عرف إني هتخطب راسه وألف سيف محدش ياخدني غيره
هذه المرة شعر أنها لا تمزح ونور لم تكن تمزح بالفعل فالبارحة وصل لها هذه الخبر من والدها وهو يحادث والدتها ولكن والله إن وقف على شعر رأسه لن تتزوجه، اخفض حمزة الكوب بعنف حتى شعر أنه شعر أن حدث به شق :
-نور يا حبيبتي بلاش هزار في الكلام ده، انا آه كاتب مرهف المشاعر ومحامي ورزين في شغلي بس عندي فولت جنان عالي واسألي عني عمتك، أقسم بالله اتجنن عليكي
حمحمت نور بصوت مرتفع تشعر أنها قد أفسدت الأمر لذا قالت بخفوت :
-انا عند براءة تعبانة شوية وبزورها، وعلفكرة كنت بهزر يا حمزة
-يا قلب حمزة
اتسعت عينيها بصدمة من سرعة تقلب مزاجه والآن قد صدقته فيبدو أنه بالفعل مجنون، بينما استرسل الآخر في حديثه وقد ضحك بخفة على صمتها الناتج عن صدمة وخجل بالطبع :
-طب وقبل كده لما برن مش بتردي ليه؟!
-انت بترن بالليل وانا ببقى نايمة
-وبالصبح يا نور بطنشي ليه، بتكلم معاكي رسايل تردي علطول لكن تليفون لأ، بطلي تقل يا نور والله بيجنني
ضمت نور شفتيها بتوتر ثم تلعثمت في حديثها محاولةً الإجابة عليه :
-انا مش بنقـ.... مش بقتـ...
صمتت بسرعة لا تستطيع إكمال الكلمة حتى ولهذا السبب لا تجيب على مكالماته حتى لا تخطئ في حديثها وتتلعثم وتظهر كبلهاء أمامه، رفعت بسرعة الهاتف على أذنها قائلة بإختصار :
-انا هقفل سلام
-بحبها
زادت دهشتها بهذه الكلمة العجيبة التي لا تناسب الموقف حتى أنها شعرت أنه يحادث أحد آخر ولا يزال الخط مفتوحًا لذا قالت :
-الو
-معاكي ومتقفليش انا بحب لخبطتك في الكلام، أحيانًا مش بفهمك بصراحة لما تتكلمي بسرعة وأعتقد الموضوع وراثة من ابوكي لأن حرفيًا نص كلامه لما جيت اتقدملك مكنش مفهوم وأمك كانت شغالة مترجم لما تشوفنا ضعنا في نص الكلام
ضحكت نور على حديثه فهو محق به، كلام والدها سريع والذي أمامه لا يفهمه وهى قد ورثت هذه الصفة منه :
-بابا كلامه سريع بس مش ملخبط زيي
-ليه بيحصلك كده طيب
همهمت بينها وبين نفسها مترددة في الإفصاح عن هذا الأمر ولكنه بعد أيام سيكون زوجها والزواج عبارة عن مشاركة :
-علشان مش بتكلم كتير وبقعد ساكتة طول الوقت، بحب اسمع بس مش بحب اتكلم علشان كده لو اتكلمت بتلخبط في الكلام علشان مش متعودة اتكلم كتير
-اخدت بالي يا نور وعايزة أسألك ليه بتحبي الصمت، في كل مرة كنت بشوفك في تجمع عندنا أو عند عمي محفوظ ساكتة طول الوقت، تسمعي اللي حواليكي ومركزة في الكلام بس مش بتشاركي أبدًا، حتى لما كنت قاعد معاكي ساكتة وانا اللي بفتح الحوار لحد ما زهقت، ولما كنا بنختار الشبكة مكنتيش بتتكلمي بتسمعي أذواق اللي حواليكي بس من غير مشاركة ولا كأن الموضوع ده يخصك انتي، حتى أكتر من مرة ابوكي وأمك يقولولك اتكلمي وقولي عايزة ايه
تنهدت نور بثقل رغم البسمة البسيطة المرتسمة على وجهها، وقد نسيت مَن بالداخل وأخذت تتحدث معه :
-من وانا صغيرة الموضوع ده عندي وعمل تراكمات لحد ما بقيت على وضع الصمت طول الوقت، من وانا صغيرة بحس كلامي مش مقبول أو لما اتكلم محدش بيهتم، مش بعرف اتكلم ولا اعمل صداقات، انا من الابتدائي لحد الكلية معنديش صحاب ومش ببالغ يعني مش بعرف أعمل صحاب ونتكلم كتير على الشات ونطلع سوا ونتشارك الآراء زي باقي البنات، كل تطبيقات السوشيال عندي فاضية حتى بنات عمامي مش بكلمهم كتير، حتى مع عيلتي بيتكلموا مع بعض ونهزر حتى مع ولاد عمامي، شروق بتحب جمال قوي وتحب تتكلم معاه بحسه توأمها وبراءة ودعاء يموتوا في استفزاز حسن والكل بيحب عائشة علشان لسانها حلو، بحس إني مش متشافة وسطهم فبقعد ساكتة واسمع ومتكلمش إلا لو حد وجهلي كلام، ولو قاعدة مع ابويا وامي وأختي التلاتة يحبوا يناكفوا في بعض وانا بقعد اتفرج عليهم، عيب شخصية تقريبًا عندي بس مش مضايقة من الموضوع اتعودت عليه علشان كده بحب اقرأ بخلق مع نفسي عالم تاني بعيد عن اللي برا
-سبحان الله غادة رقم اتنين أوي معادا موضوع القراءة هى مش بتحب تقرأ
لم تفهم نور ما يعنيه فقال حمزة وهو يسترق النظر لخارج الغرفة فيبدو أن أبناء اعمامه قد عادوا من الأسفل لذا قال منهيًا الحوار :
-هقفل علشان الولاد رجعوا وهياخدوني محتوى لما يسمعوني بكلمك فـ هبقى أتصل عليكي بعدين، نور انتي لو مش متشافة مكنتيش وقعتيني فيكي، كفاية عنيكي يا حبيبتي اللي بتخطف قلبي دي لوحدها مدوباني فيكي
خجلت نور بشدة من غزله الصريح بها لذا قالت بسرعة بنبرة متلعثمة :
-متتكلمش كده حز... يا حمزة.... حرام
ضحك الآخر على لعثمتها اللطيفة ثم قال بنبرة مشاكسة :
-طب مع السلامة يا قلبي
أغلقت نور مستغفرة ربها منه وله، لما لا يصبر قليلًا ذلك الرجل ألهذا الحد قتله الشوق وفيضان المشاعر؟!
أما حمزة ما إن أغلق معها حتى وجد كريم فوق رأسه، يضع كلتا يديه في خصره ثم قال مقلدًا ما قال بطريقة ساخرة :
-بتكلم مين يا قلبي؟؟
تبسم الآخر على منظره ثم أجاب بهدوء، ضاممًا ضحكاته عنه :
-بكلم نور
-وبتقولها كده في وشي طب راعي مشاعري طيب
نطق بها بتذمر وكأنه امرأة تغار على زوجها من زوجته الثانية، تحرك حمزة من مكانه نحوه ثم قام بضمه بقوة قائلًا ببسمة متسعة :
-كراميلا
بداله الآخر العناق ثم قال مدعيًا التذمر :
-يا نعم
-ما تجيب بوسة
دفعه بسرعة بعيدًا عنه فسقط حمزة على الاريكة وهو يقهقه بقوة بينما صاح كريم قائلًا :
-انا كريم يا حمزة مش نور، انت دماغك لسعت وحالة الجفاف عندك بقيت صعبة أوي
خرج بسرعة من الغرفة وقد اصطدم في يوسف في طريقه فأعتذر منه يوسف وولج إلى الغرفة حتى يغير ملابسه ويستعد للخروج، نظر بطرف عينيه إلى حمزة الممدد على الاريكة ونظره للسقف وهناك بسمة ضاحكة على وجهه مثل المجانين :
-حمزة تجي معانا؟
انتبه له الآخر ثم اعتدل وجلس نصف جلسة قائلًا :
-اجي فين؟!
-إسماعيل ولؤي عايزين يروحوا الأرض وقالوا لحسن وهو قالهم ماشي وانا وكريم رايحين معاهم نتفسح شوية في الزرع، تيجي معانا؟!
واستقام الآخر من مكانه بسرعة ثم قال :
-اجي وماله أهو الواحد يطلع من علبة السلامون دي حاسس إني قربت اتسلق من الحرارة هنا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
بدأت تشعر بثقل في جفنيها والنعاس يداهمها الآن بعد أن فارقها الليل كله، غفت بإرهاق وصوت والدتها يعلو فوق رأسها بتلاوة القرآن وهى تضع كفها تمامًا فوق رأسها، بينما براءة ممددة على الفراش ورأسها فوق قدمي والدتها
ظلت والدتها تتمتم بالقرآن بخفوت وهى تمسح بيدها على رأس ابنتها تشعر بالخوف عليها، وحولها تجلس صفية وبناتها وشروق واختها الكبيرة "جمالات" والدة ياسر وحسين يقف بجانب الباب يتنهد من حين إلى آخر لا يدري ماذا أصاب ابنته
توقفت فايزة عن تلاوة القرآن فور أن دلفت نور والتي ما إن رأت براءة قد غفت بعد معاناة حتى قالت محاولةً خفض صوتها قدر المستطاع :
-الحمد لله نامت؟!
تمتمت صفية حامدة ربها هى أيضًا ثم حولت نظرها لشروق التي كانت تجلس بجانب براءة تمامًا وعينيها عليها بقلق وخوف حقيقي فلا تزال ترتعش خوفًا كلما تتذكر ما عاشته أمس بسبب شقيقتها التي انقلب حالها الساعة الحادية عشر قبل منتصف الليل أثناء بحثهم عن تصاميم فساتين مميزة لعقد القران
شعرت براءة بالصداع المفاجئ وتركت الهاتف واستقلت قليلًا مغمضةً عينيها دون أن تنام بينما بقيت هى على الهاتف تكمل البحث، وفجأةً استمعت لشقيقتها تشهق بقوة وجسدها يختض بعنف في الفراش وكأن أحدهم يجثوا فوقها ويقبض على عنقها
تيبست بالمعنى الحرفي من الرعب حتى أنها لم تشعر بنفسها وهى تصرخ بعلو صوتها تنادي على والدها، ولأن الأجواء كانت ليلية والصوت يسري اتاه حسين ركضًا من الأسفل والنوم لا يزال في عينيه ليجد ابنته في حالة من التشنج والمحاربة من أجل التنفس
لم يفهموا ماذا أصابها ولأن والدتها امرأة متدينة تفقه كثيرًا في أمور القرآن والدين شعرت أن ابنتها قد أصابها مس أو ما شابه لذا أتت بماء وقرأت عليه قرآن ثم سكبته فوق رأس ابنتها
دقيقة مرت وعادت براءة طبيعية وكأن شيئًا لم يكن وعندما سألوها قالت أنها شعرت بشئ يجثوا فوق صدرها يمنعها من التنفس، لا تستطيع التكلم ولا دفعه ولا الاستنجاد بشروق وهى تسمعها تصرخ وتنادي
فسر والديها أن ما حدث ما هو إلا جاثوم وحتى شروق أكدت هذا خاصةً وأن براءة شبه غفت بعد أن داهمها ذلك الصداع، ولكن بعد هذا تعقدت الأمور إذ حين حاولت براءة أن تنام كانت تقفز مرتعبة من نومها وكأن هناك من يزورها في الحلم ويرعبها حتى تستيقظ
وما زاد تعجب الجميع أنها تهتف باسم يوسف وكأن من يثير رعبها في الحلم هو يوسف، ظلت هكذا طوال الليل تغفي دقائق ثم تقفز من نومها مرتعبة خائفة فاقترحت والدتها أن تستحم بماء دافئ ولكن الأمور زادت سوءًا
إذ أثناء ما كانت تغير براءة ملابسها في المرحاض خرجت لهم نصف عارية والرعب على قسمات وجهها، تقسم بالله أنها شعرت بأحد يدور حولها داخل المرحاض وهى لا تراه
وهنا تأكد والديها أن براءة بها شئ غير طبيعي لذا عندما طلعت الشمس ذهب والدها مسرعًا لأحد الشيوخ الذي يعرفهم وأتى به بسرية تامة _ولا تعلم لما_ وعندما رآها الشيخ قال أنها مصابة بسحر
حتى الآن لا تصدق ما تفوه به فعن أي سحرٍ يتحدث، ولما قد يفعل أحدهم لبراءة سحرًا وهى لا أحد يعلمها بسبب عشق براءة للجلوس في المنزل، تكاد تجزم أن اختها إن سارت في شوارع قريتهم لن يعلم أحد ابنة مَن هذه، فمن الذي قد يفعل لها سحرًا
علمت خالتها جمالات وخالتها صفية وبالطبع والدتها هى من أخبرتهما وأتين مسرعتان لهذه الورطة من وجهة نظرهن، وقد قالت خالتها جمالات أنها قد تكون كوثر زوجة عمهم وهذا الاحتمال الأكبر ولكن عليهم التأكد قبل إيقاع الظلم على أحد
ربما كوثر امرأة سيئة بغيضة ولا أحد يطيقها في العائلة ولا حتى زوجها وهى لا تطيق والدتها وخالاتها، ولكن لم يشهد أحد أن قامت بسحر لأحد أفراد العائلة بسبب حقدها، وهذا ما قاله والدها حتى لا يظلموها
وكما أن كوثر مشغولة في زواج ابنها منذ أسبوع ولا وقت لديها للحكة بالمعنى الحرفي فمتى إذًا قامت بالسحر؟؟ وبقى هذا السؤال معلق دون إجابة وقد تركوه على جنب وها هم يعالجون براءة بالقرآن والأذكار مثلما قال الشيخ
وها هى شقيقتها غفت بعد معاناة دامت سبعة عشر ساعة منذ ليلة أمس حتى عصر اليوم، تحدثت صفية قاطعة الصمت على الجميع وهى تقول بجدية :
-فايزة أوعوا تقولوا ليوسف وعيلته
أيدتها الأخرى دون تفكير وهى تربت بخفة على وجه ابنتها الغافية على قدميها :
-أكيد محدش هيقول، هنقولوا يعني البت اتمست كفاية وحدة شهروها في البلد هيبقوا هما الاتنين
أسرّتها شروق في نفسها ولم تتحدث ولكن عائشة اعترضت هاتفة بعقلية تسبق سنها :
-معلش أعتقد المفروض يعرفوا علشان لو هو سابها وهى تعبانة يبقى ميستهالش
تحدث حسين بإعتراض، مؤيدًا حديث زوجته وصفية :
-بس هى مش عيانة عياء عادي دي ممسوسة بسحر لو عرفوا هيتفركش الموضوع كله وهى بعد يومين المفروض كتب كتابها الناس تقول ايه السبب واللي حصل ويحطوا ويزيدوا من عندهم، وعليه ده كله؟!
وقفت شروق من مكانها صائحة بنبرة غاضبة وقد فاض بها خوف والديها وعائلتها من الناس على حساب صحتهم وراحتهم هم، في البداية هى والآن براءة :
-الناس الناس النـــــاس يحرق *** الناس كــلـــها
تركت لهم الغرفة وخرجت فتبعتها عائشة حتى تهدئ من روع الأخرى وقد ظلت نور تجلس في مكانها تفكر فيما قالت لحمزة، لقد أخبرته أن براءة متعبة ولكن لم تخبره ما التعب فهل تقول لهم أنها فعلت هذا أم لا
خرجت من فقاعة تفكيرها على صوت والدتها وهى تجذبها معها لخارج الغرفة ثم قالت :
-نورهان روحي البيت انتي واختك هاتوا ربيع للطير وودوله وهاتوا لبسكم وحاجتكم علشان هنطلعوا من هنا على الفرح
-طب ما نروحوا نلبسوا في البيت ونرجعوا تاني
-الطريق طويل وانا مش عايزة اسيب خالتك حايرة مع بتها لوحدها
-تمام بس هى خالتي هتروح الفرح وتسيب براءة كده ولا براءة تقدر تيجي
-مش عارفة هشوفها دلوقتي، روحي انتي الحقي قبل ما الشمس تغيب
آماءت لها نور وفعلت ما طلبته إذ أخذت عائشة وعادا إلى المنزل وفي الطريق رأت نور من على مرمى البصر حسن ومعه بعض الشباب يتوغلون في الحقول وقد رجحت أن حمزة وأبناء اعمامه هم من معه، ولكن لم تعلق وأكملت الطريق للبيت
أما على الناحية الأخرى كان حمزة والبقية يتبعون حسن الذي كان يسير في المقدمة على طريق ترابي ضيق وحقول الذرة تحيطهم من الجهتين، وحتى الآن لم يصلوا إلى أرضهم
توقف لؤي في مكانه ثم صاح بتعب قائلًا :
-يا خالي هو إحنا لحد دلوقتي لسه موصلناش؟؟
-لأ لسه وبعدين ايه اللي انتوا لابسينه ده، حد يجي غيط مزروع شامي بنص كم؟!
رفع يوسف منكبيه بجهل مثله مثل البقية ثم قال :
-طب وإحنا هنعرف منين؟؟ لو فاضل كتير يلا نروح ادينا اخدنا فسحة
وأجابه كريم بنبرة متهكمة قائلًا :
-فسحة ايه معلش اللي خدناها!؟ بقالنا نص ساعة بنمشي وسط متاهات الدرة دي، هو كده فسحة؟؟
توقف حسن أمام أرض كبيرة مزروعة بالفول السوداني القصير على الأرض فأستدار إليهم قائلًا :
-تعالوا ارتاحوا شوية هنا وبعدها نروحوا علشان ألحق البس للفرح
جلس إسماعيل على جنب بجانب حسن بينما اخذ البقية يتجولون في هذه القطعة الزراعية والآن فقد استطاعوا إلتقاط أنفاسهم، بعدة عدة دقائق ارتفع صوت من اللامكان ثم ظهر رجل يرتدي ملابس بالية شبه متسخة بالتراب وبعض البقع الخضراء
ظهوره المفاجئ هذا آثار فزع البعض بإستثناء حسن الذي استقام من مكانه ثم اتجه إلى هذا الرجل وقد حيّاه بهدوء :
-ازيك يا ممدوح عامل ايه
نظر الآخر لمن خلف ظهر حسن ولكن لم يبالي كثيرًا بل وجه حديثه لمن أمامه قائلًا :
-تمام الحمد لله لو هتعبك تعالى ارفع معايا شيلة الدراو "برسيم صيفي للحيوانات" على الحمارة
-ماشي دقيقة
نظر حسن خلفه للبقية ثم قال بصوت مرتفع حتى يسمع جميعهم :
-هرفع الشيلة على الراجل وجاي محدش يروح بعيد علشان متوهوش علشان لما آجي نمشوا علطول
اختفى حسن عن أنظارهم بين أفرع الذرة الطويلة بينما بقى إسماعيل مكانه يعبث في هاتفه قليلًا والبقية يلتقطون الصور بهاتف كريم لأن كاميرته ممتازة
دعس كريم بالخطأ على إحدى عشبات الفول السوداني المزروع وقد ماتت أسفل قدمه فهبط سريعًا يحاول عدلها لأن حسن حذرهم من الضغط عليها ويفضل السير بين الفراغات
كان كريم مشغولًا بما يفعل وحمزة يلتقط له بعض الصور مع يوسف في أكثر من وضعية فلا يأتيان كل يوم إلى حقول زراعية بهذه المساحة، كان الجميع منشغل لدرجة أن أحدهم لم ينتبه لخروج حسن من مكانه ثم قال بصوت مرتفع :
-يلا علشان نمشوا
نادى إسماعيل على أبناء عمه حتى يحضروا فلبيا يوسف وحمزة وتحركا لخارج الأرض هذه بينما كريم لم ينتبه لهم وظل يحاول أن يعدل أغصان الزرعة الصغيرة التي داس عليها فانتبه حمزة لغيابه وعاد بسرعة له وبقى يوسف على جنب وعينيه تنظر من حين لآخر لطيف حسن الذي يسير على نفس الطريق الذي أتوا منه
جذب حمزة شقيقه وجعله يقف قائلًا :
-بتعمل ايه هنمشي خلاص قوم
استقام بالفعل معه وتحرك ثلاثتهم خلف يوسف الذي عاد ونظر للطريق بسرعة بحثًا عن حسن أو البقية ليجد شاب ينحني أرضًا ويبدو أنه يلتقط شيء، يرتدي مثل ملابس حسن تمامًا حتى أنه لم يفرق أنه ليس هو
تحرك ذلك الشاب إلى اليمين متوغلًا لطريق آخر فقال كريم بتعجب :
-هو رايح فين إحنا مرجعناش من الطريق ده؟!
دفعه حمزة بسرعة لكي يتحركوا ولا يضيعوا أثره قائلًا :
-يمكن طريق مختصر هو يعرف أكتر مننا
توغلوا خلفه بسرعة ولكن كان ذلك الشاب يسلك طرقًا كثيرة ويمشي بسرعة فنادى عليه يوسف لكي يتوقف قائلًا :
-يا حسن دقيقة استنى مش عارفين نمشوا بسرعة
أستدار الآخر نحو المنادي وقد أبصر ثلاث شباب لم يرهم من قبل في قريتهم، ولم يبالي بهم كثيرًا وتحرك قبل مغيب الشمس حتى يعود لمنزله
بينما أخذ الثلاثة صدمة جعلتهم ينظرون لبعضهم ببلاهة شديدة وأول من تحدث كان حمزة والذي صاح بيوسف قائلًا :
-يخربيتك ده مطلعش حسن وواحد لابس زيه معرفتش تفرق ليه يا غبي
حرك الآخر رأسه بعدم فهم وهو نفس يجهل كيف أخطأ بينهما وكيف لم يلحظ أن لؤي وإسماعيل لا يسيران معه :
-مش... مش عارف طب إحنا هنروح فين دلوقتي!؟
سار حمزة بسرعة في الإتجاه الذي سار منه ذلك الشاب ثم قال :
-نروح وراه يمكن يخرجنا من هنا أو نسأله نطلع ازاي
ورغم أن هذا كان الإختيار الوحيد إلىٰ أنه كان أسوء إختيار، إذ ضيعوا أثر ذلك الشاب أيضًا بين أفرع الذرة الطويلة والتي يتعدى طولها طولهم هم وتخفيهم عن الأعين
وبعد عدة دقائق استمعوا لصوت حسن ينادي من بعيد عليهم وقد اكتشف لتوه أنهم غير موجودين معهم، ولكن للحظ السئ كلما تحركوا لا يصلون أبدًا وكأن صوته يبتعد ولا يقترب
أخذ يوسف يحك في جلده بقوة والذي ترك أثر لونه أحمر مع خطوط حمراء كثيرة، رفع رأسه إلى حمزة والذي كان يحاول الإتصال بأحد يأتي ويخرجهم من هنا ولكن بدون فائدة فلا إشارة هنا أبدًا، وهذا لأن شركة الإتصالات التي يستخدم حمزة شريحتها بعيدة عن هذا المكان كل البعد لذا الإشارة منقطعة
اخفض هاتفه بيأس قائلًا :
-الإشارة قاطعة عندي شوفوا تليفوناتكم انتوا
-انا تليفوني مع لؤي كان بيصور به علشان قال كاميرته حلوة
-وانا تليفوني سيبتوا في البيت على الشاحن
رمقهما حمزة بملامح جامدة لبضع ثواني ثم قال مقلدًا امرأة سمعها تتشاجر صباحًا مع طفلها :
-يا صلاة النبي يعني إحنا كده توهنا؟!
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الخامس وستون 65 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
النهاردة يصادف أفضل حدث في اليوم كله قابلت في صلاة العيد واحدة من متابعين الرواية وتكون صاحبتي من أيام الطفولة السكرة ضحى علي وأبدت إعجابها الشديد بالرواية وإنها متابعاها فصل بفصل وانا مبسوطة بجد إنها عجبتك يا ضحى💜
كل عام وأنتم بخير مرة أخرى + زيدوا التعليقات حبة ده احنا في عيد لما البارت نزل واختفى عملتوا صياح غير كده صامتين طب ليه🙂👀
صلي على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
يستمعون للنداء في كل مكان لكن لا يعلموا إلى أين يذهبوا في متاهات الذرة هذه، والأصوات تصبح بعيدة كلما تحركوا وكأنهم يتحركون في الطريق الخطأ، وما يزيد الأمر سوءًا هو الأفرع التي تجرح أذرعتهم المكشوفة ووجوههم التي أصبحت خريطة حمراء
بالإضافة إلى ذلك الحرارة الشديدة والاختناق في المكان وكأن الأكسجين مسحوب من هنا، حتى أن يوسف قد أحمَّر وجهه كثيرًا وهو على شفا جرفٍ من نوبة ضيق تنفس
سقط كريم أرضًا بعدم انتباه لبؤرة تعثرت قدمه بها والأسوء من هذا أنه سقط على أرض مرتوية بالماء لذا أصبحت ركبتيه وكفيه عبارة عن وحل، جذبه حمزة بسرعة حتى يقف فصرخ الآخر بتلف الأعصاب وهو ينظر إلى حالته المزرية المثيرة للشفقة :
-احـيــه خرجوني من هــنــا
كانت صرخته أشبه بامرأة تلد وهذا ما جعل يوسف ينفجر ضحكًا رغمًا عنه فهجم عليه كريم يفرغ به غيظه المكبوت من هذا المكان الخانق :
-انت بتضحك على ايه بتضحك على ايــــه، تايهين وهنموت مخنوقين هنا وانت بتضحك
جذب حمزة شقيقه بقوة وهو على شعرة من الانفجار بهما وحرق كل هذه الذرة التي حولهم، دفعه أمامه ودفع بيوسف كذلك حتى يتحركوا صائحًا بهما :
-مسمعش صوت حد فيكم علشان مش ناقص خلينا نشوف حل ونخرج من هنا
بدأوا بالسير مرة أخرى وقد تفقد حمزة هاتفه للمرة العاشرة وللأسف لا توجد إشارة هنا، استمعوا إلى نباح كلاب ظهر فجأةً وقد افزع ثلاثتهم ولا يعلموا من أين قادمة الأصوات، والمشكلة هنا أن يوسف يخاف الكلاب ولا يطيقها لذا تحرك بخطوات سريعة في إتجاه عكس الأصوات حتي يبتعد عنهم
لحق به حمزة بسرعة وهو يجذب شقيقه حتى لا يضيعوا من بعضهم فيكفي أنهم قد ضاعوا من حسن والبقية :
-استنى يا يوسف
وتوقف الآخر بالفعل ولكن ليس لطلبه بل لأن قدميه قد غاصت في وحل ولم يتمهل حتى ينذرهم أن يتوقفا إلا ووجدهما جانبه وأقدامهم أيضًا قد غاصت في الوحل
تحولت ملامح كريم للبكاء بينما حمزة للإشمئزاز الشديد، ورغم أن الوحل ليس به شئ بل هو عبارة عن تربة قد اختلطت بالماء إلىٰ أنه لا يطيق إتساخ جزء منه أبدًا وحذائه بأكمله قد أصبح طين
تحرك بسرعة للخلف حتى يعود للأرض اليابسة وبسبب سرعته هذه انزلقت قدمه بسبب الوحل، وقبل أن يسقط قد تمسك في قميص يوسف والآخر كرد فعل أمسك بكتف كريم لتكون النتيجة هى سقوط ثلاثتهم وإتساخهم وإتساخ ملابسهم
وهنا لم يعد كريم يتحمل شئ آخر في هذه القرية ليطلق صرخة قوية مقهورة على ملابسه وحاله وذراعيه وعنقه والحكة الشديدة التي يشعر بها فيهم
ولم يكن حال حمزة أفضل حال، إذ حاول مسح أصابعه من الطين وملامحه عبارة عن الازدراء الشديد عكس ملامح يوسف الهادئة، أجل يشعر بالضيق مثلهم ولكنه هادئ وليس مثل كريم الذي لا يزال يصرخ كسيدة تم إلقائها في الشارع كالمشردين رفقة أبنائها الخمسة
حاول حمزة أن يقف وبدأ يشعر بالندم أنه أتى إلى هنا، لما لم يجلس مكانه كافي خيره شره مثل يونس الذي رفض أن يأتي معهم وبقى مع البقية في منزل عبد الجواد، تبًا لكريم الذي جذبه رغمًا عنه حتى يأتي معهم إلى هذه الحقول الممتلئة بأفرع الذرة الطويلة من أجل التنفيس عن أنفسهم
نظر إلى حاله بإزدراء شديد فالوحل كان يغطي حذائه وكفيه، ومؤخرة البنطال أصبحت عبارة عن طين، هذا غير الحكة التي يشعر بها في كل جزء مكشوف من جسده، والعرق الذي أغرقه بالمعنى الحرفي وجعل رائحته لا تطاق
حاول كريم أن يقف ولكن كان ينزلق في كل مرة فتحرك ببطء على ركبتيه وكفيه بعيدًا عن هذا الطين ثم صاح بصوت مرتفع :
-أنا لما أطلع من هنا هاخد القطر وأرجع على بلدنا عدل وأقطع رجلي إن فكرت أروح الصعيد تاني
-يعني مش هتحضر كتب كتابنا
نطق بها يوسف ببسمة ساخرة غير معتادة منه وهو يشير إلى هو وحمزة فصاح الآخر بهما بصوت ثرثري حاد :
-أولعوا انتوا الإتنـيـــن
استقام من مكانه وقد مسح الطين الذي في يديه بملابسه المتسخة على أي حال ثم جلس على الأرض في انتظار النجدة ليجد يوسف قد جلس إلى جانبه هو أيضًا بينما حمزة لا يزال يقف ينظر حوله بحيرة وقد اختفى تمامًا صوت حسن المنادي عليهم
جلس إلى جانبهما عندما شعر باليأس وقد كانت حالتهم أشبه بالمتسولين وهم يجلسون إلى جانب بعضهم وملابسهم متسخة يملؤها العرق
-طب ايه هنطلع من هنا إزاي، انا خايف الشمس تغيب ومحدش يلاقينا لحد الليل وأعتقد المكان هنا بالليل هيبقى أسوء
نطق بها يوسف محاولًا البحث عن حل فقال حمزة بضيق شديد :
-انا تليفوني مفيش فيه إشارة الشبكة قاطعة خالص وانت سيبت تليفونك في البيت وكريم تليفونه مع لؤي
-بس خلاص يا جماعة إحنا هنموت في المكان ده
نطق بها كريم وقد ذم شفتيه بطريقة توشك على انفجار وشيك في البكاء، وقبل أن يتحدث حمزة سبقه هو عندما صاح فزِعًا وهو يستقيم من مكانه مهرولًا بعيدًا عنهم :
-اجــــروا ده في قطيع كلاب جاي علينا
استدارا حمزة ويوسف بسرعة ليجدا أكثر من عشر كلاب قادمين نحوهم، ويلي من أي تأتي كل هذا الكلاب؟!
ورغم أن حمزة لا يخاف الكلاب إلىٰ أن أي رجل سيجد أمامه كل هذا العدد سيفر نافدًا بجلده لذا هرول خلف يوسف الذي لحق بكريم بسرعة وثلاثتهم باتوا يركضون خلف بعضهم وسط الحقول
ولكن وكأن الحظ السيئ طاقته عالية في هذا المكان، تائهين وخلفهم بعض الكلاب وأمامهم متاهات لا آخر لها من حقول الذرة ذات الأفرع الحادة، ليجدوا بصعوبة قطعة أرض مزروعة برسيم
وهنا قد سقط كريم على البرسيم متنفسًا بعنف وبجانبه قد ألقى يوسف نفسه والاكسجين هنا أفضل من الداخل ألف مرة، بينما وقف حمزة أمامهما يرى الكلاب لم تتوقف عن اللحاق بهم
بل وقد أخذوا في الظهور من بين الذرة يذومون عليهم في علامة إستعداد للعض، ليصدح صوت فتاة حاد في المكان بكلمة لم يفهمها ثلاثتهم ملقية بعض الحجارة نحو الكلاب ففروا فورًا خوفًا من الحجارة
استدارت الأعين نحوها ليبصروا نور في مظهر لم يبصروها به من قبل، إذ كانت ترتدي جيب أسود مبقع بالطين عند ركبتيها وقميص صيفي بكم، بالي نوعًا ما وحجابها عليه قبعة ولكن ليست أي قبعة بل تلك التي يرتدنها الفتيات على البحر، ويديها ملوثتين بالتراب وفي يدها أداة حادة تشبه سكين الموز لكن بشكل أكبر
كان مظهرها رث ولكن ليس مثلهم أبدًا
صاح كريم بإستنجاد بالأمل الذي سيخرجهم من هنا، وقد كان يحاول أن يستقيم من على الأرض ولكن لم يقدر فجلس على ركبتيه قائلًا :
-نورهان ربنا بعتك نجدة طلعينا من هنا يا شيخة إلهي تنستري
وقد كانت الأخرى ترمقهم بذهول شديد على حالتهم السيئة بل شديدة السوء، لتظهر عائشة في الخلفية ترتدي مثلها ولكن بدون قبعة ثم وقفت من مكانها بعدما كانت تقتلع بعض الحشائش الضارة، ترمقهم بإندهاش شديد :
-مين عمل فيكم كده؟! انتوا أصلًا جيتوا الغيط إزاي وحدكم؟؟
لم يجبها أحدهم فما سيقولونه يخجل بشدة يكفي حالتهم البشعة أمامهما، خاصةً حمزة الذي جلس محاولًا إخفاء نفسه عن نور فهو مهووس بالمظهر الجميل المنمق ويوأد حي ولا يظهر أمام شخص غريب بهذه الهيئة البالية
ولكن قد فات الأوان ورأته نور بل وتقدمت نحوه حتى تراه بشكل كامل، ملابس متسخة بشدة، حذائه لا يظهر من الطين، جسده متعرق من كل مكان، وجهه به خدوش حمراء كثيرة، وشعره لأول مرة تراه بهذا الشكل الفوضاوي
لذا لم تمنع نفسه من الضحك على هذا الشكل الذي لم تتخيل حمزة الوسيم المنمق به، فقد كان أشبه بأولاد الشوارع :
-حمزة
همست بأسمه وهى تضم ضحكتها فقال الآخر عاكسًا عينيه بعيدًا، يشعر بالخجل الشديد منها، عجبًا حمزة يشعر بالخجل ومن مَن؟! من نور!!
-انا في أسوء أسوء حالاتي أرجوكِ بلاش تعليق يا نور
حدق بهما كريم بتشنج ثم صاح بغيظ شديد ولا يزال جالسًا مكانه على ركبتيه
-يا جدعان خرجوني من هنا وابقوا حبوا في بعض بعدين، انا ويوسف بننهار هنا
خجلت نور بشدة مما قال وعكست عينيها إلى عائشة التي كانت تقف تتابع ما يحدث ببسمة مستمتعة فقالت لها :
-شيلي المناشير وشيلي شوية من الربيع وانا هشيل الباقي ويلا علشان نمشوا
تحدث يوسف وهو يقف من مكانه غير آبه بنفض التراب فهو متسخ من الأعلى للأسفل :
-هو بيتكم بعيد عن هنا؟! هنمشي كتير؟؟
نفت نور وهى تحمل بين ذراعيها بعض البرسيم وقد حملت عائشة البعض الآخر مثلها :
-لأ قريب من هنا
سارت أمامهم داخل طريق بعمق صغير عن الأراضي التي حولها ويُستخدم هذا الطريق لكي تسير داخله المياه من أجل ريّ الأرض، ولكن للأسف هذا الطريق يقع على جانبيه الذرة من كل مكان وإن مروا به لن يسلموا من أفرع الذرة الحادة هذه
أو لن نقول هم لن يسلموا فعائشة ونور يرتديان قمصان بأكمام وتلك القبعة لن تجعل الافرع تصطدم في وجوههم حتى، تحدث كريم برفض وهو يرى عائشة توغلت في البداية وخلفها وقفت نور تنتظر تحركهم :
-لأ متقولوش هندخل الدرة دي تاني؟!
رفعت نور منكبيها ثم أجابت ببسمة بسيطة :
-أومال نعدوا طايرين من فوق؟! الناس كلها زارعة شامي وبعدين الغلط عليكم من قالكم تعالوا بنص كم، حسن ليه مقالكومش المفروض تيجوا بكم؟!
استقام حمزة من مكانه ثم هتف متبرمًا وهو يمسح يديه في ملابسه من الطين الذي لوثهما بشدة :
-والله عندي شعور إن حسن هو اللي سابنا نتوهوا، نيتوا مش صافية عمك ده وفي الآخر يقولي انا اللي مش سالك ده؟!
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
فتح هاتفه وأتى برقمها للمرة التي لا يعلم عددها، يضع إصبعه على زر الإتصال ولكن يتراجع وهو على هذا الحال منذ ما يقارب الربع ساعة لا هو يتصل ولا يترك الهاتف
مسح وجهه بضيق من حالة التردد هذا فقد مر يومان على موافقة شروق على الخطبة وحتى الآن لم يتصل عليها وقد قام حمزة ويوسف بتعنيفه هذا الصباح على اللامبالاة التي هو به وقد قال له حمزة بالنص :
-هو انت مستنيها تتصل عليك ولا ايه؟! أومال ليه اتعملت فترة الخطوبة دي مش علشان تكلموا بعض وتتعرفوا على بعض
حسنًا محقٌ في كل كلمة قالها ولكنها في أمور الحب والإهتمام هذه أقل ما يقال عنه أنه حمار، ليته حتى يجيد التصرف بعفوية مثل يوسف إلىٰ أن حتى هذه يفشل بها
اخفض الهاتف على الأريكة يمسح على وجهه ولحيته الخفيفة يفكر في الكلام الذي سيقوله إن اتصل عليها، بالطبع بداية الكلام ستكون جملة "عاملة ايه" وستجيب أنها بخير، إذًا ما الذي بعد هذا؟؟
-الو
ارتفع هذا الصوت من الهاتف فحدق به يونس بصدمة فمن الذي رن وهو لم يفعل، ارتفع صوت شروق مرة أخرى فرفع الهاتف على أذنه وقد وضعه القدر أمام الأمر الواقع، إذ حمحم بخشونة ثم قال :
-الو يا شروق
-مين معايا؟؟
-انا يونس
هتف بها عاقدًا حاجبيه بتعجب أنها لم تتعرف على صوته بينما الأخرى ابتسمت وهى تصعد بسرعة إلى الأعلى وبالطبع تعرفت على صوته بل وهى تحفظ رقمه ولكن عليها ألا تظهر اللهفة له فكما تقول زوجة عمها دائمًا
ابخلي على الرجل يتلهف إشتياقًا لكِ
وهذه النصيحة تسير بها نساء العائلة جمعيهن وأكثرهن نور التي تسحل حمزة خلفها من ثقلها عليه
حك يونس خصلات شعره ثم قال بأول شئ خطر على باله :
-فين المحفظة بتاعتي مينفعش امشي في بلد غريبة من غير البطاقة
رفعت شروق إحدى حاجبيها بتلاعب قائلة :
-وماله هبعتلك البطاقة مع اخويا والمحفظة هتقعد وخلاص مبقتش هتسيبها مع حد غريب
-طب وكارنية الشغل
-ماشي
-وصورة ليا انا ويوسف وولاد عمي وإحنا صغيرين معلش علشان متضعش
-ما.... لا لحظة مفيش الصورة دي
نطقت بها شروق متعجبة فهى قد قلبت محفظته كلها بفضول ولكن لم ترى هذه الصورة، استقامت من مكانها بسرعة وولجت لغرفتها ثم جذبت محفظته التي تخبئها بين ملابسها وقد فتشتها مرة أخرى جيب جيب، لتجد بالفعل صورة صغيرة لعدة أطفال لم تعرف منهم غير إسماعيل فهى رأت من قبل صورة له وهو صغير
ارتفعت ضحكاتها بصخب وهى تحدق في هذه الأشكال المعاقة، لا تقصد السخرية على خلق الله ولكن أشكالهم وهم أطفال مثيرة للضحك، عجبًا لما الجميع يظهر في منظر عبثي في الصور وهو صغير؟؟
صمت يونس يستمع لضحكاتها الصاخبة على الناحية الأخرى وعلى سخريتها أيضًا وهى تقول :
-يخربيت العته ايه المناظر دي، وايه اللبس ده جالي حول من الألوان الفاقعة، استنى هعرف انت مين
همهمت بتفكير وهى تحدق في الولدين اللذان يشبهان بعضهما بشدة حتى أنهما يرتديان نفس الملابس وكلاهما يضعان ذراعه على الآخر :
-انت اللي لابس تيشيرت بطيخي كأنك طالع من نص بطيخة وجنبك علطول واحد لابس تيشرت بنفسجي وشعره نازل على وشه، أكيد حمزة ده يخربيت شعره يا جدع أنعم من حياتي أموت وأعرف بيستخدمله ايه
كان يونس مبتسم بسمة جذابة مندهش لأنها عرفته بهذه السهولة وهو طفل ولكن انقلبت ملامحه وانعقدا حاجبيه بضيق عندما غازلت خصلات حمزة الذي يثير الجدل بشعره منذ كان صغيرًا :
-احترمي نفسك طيب
ظنت شروق أنه يقول هذا لأنها سخرت من شكله لذا اكملت استفزازه أكثر، تعشق استفزاز هذا الرجل تُغرم بشكله عندما يكون غاضبًا :
-طب والله شكلك يضحك بس مش أكتر من الواد الأحول اللي واقف على الحرف القصير اللي فيكم ده، مين ده؟؟
-كريم
-قول والله ده كريم اللي ما شاء الله طوله مترين؟! ده أطول واحد فيكم دلوقتي، سبحان الله قزم في الصورة وعمود دلوقتي، بس أحول ليه كده تحس المصور قاله بص على صباعي فعمله زي الواد في فيلم شيكامارا، هى فين اللوحة دي
ختمت حديثها بقهقه عالية جعلت يونس يبتسم بشكل لا إرادي عاضضًا على طرف شفتيه فلم يسبق وأن سمع ضحكتها هذه من قبل، أرهف السمع بتركيز عندما أكملت سخريتها على باقي مَن بالصورة قائلة :
-يوسف طبعًا اللي واقف جنبك سبحان الله شكله كيوت حتى وهو صغير، وأكبر واحد فيكم أكيد إسماعيل
زادت البسمة على وجه يونس وهو يستمع لكل كلمة تخرج منها بتركيز وإذ بهذه البسمة تختفي ويحل محلها ملامح مشتعلة عندما قالت :
-صحيح مين أمير في ولاد عمتك التلاتة دول؟! اللي قاعد على ركبة ونص ده صح؟؟
اندلعت النيران في قلبه عندما قالت هذا فبالفعل أمير هو من كان يجلس أرضًا في الصورة :
-رجعي الصورة مكانها يا شروق
-طب هو؟؟ والله عندي شعور إن هو ده، نفس ملامحه وهو كبير
-وانتي شوفتيه فـيــن؟!
صاح بها بغيرة رجل على حبيبته فقالت الأخرى وعلى ثغرها اتسعت بسمة ماكرة :
-عند عمك محفوظ شوفته هناك كذا مرة وفي الصورة اللي ورتهالي أمه، بس تصدق شكله...
-شروق
-اممم
-رجعي الصورة مكانها وابعتي المحفظة مع حد
-لأ
ضغط على كفه بقوة وود لو يخترق الهاتف حتى يمسك بعنقها بين يديه صائحًا بها أن تتوقف عن استفزازه، عجبًا هذه الفتاة تخرج أعنف ما به :
-شروق بلاش تستفزيني، انا عصبيتي مش حلوة
-طب قولي هو ولا مش هو
وصاح بها قائلًا :
-ايوه هو زفـــت رجعي الصورة بــــقـى
-طب انت بتزعق ليه دلوقتي، لا متقولش إنك غيران
نطقت بها ببرود أعصاب استفز يونس على الناحية الأخرى فهدر بعصبية مفرطة :
-ايوه انا غيران مش خطيبتي وليا حق أغير عليكي لما تركزي في راجل غيري كده
اتسمعون دقات قلبها الصاخبة الآن والفراشات التي اخذت تحلق في معدتها عقب جملته هذه، حتى أنها لم تستطع ان تخفي سعادتها هذه فأخذت تضرب بقدميها في الأرض من فرط سعادتها فقال يونس على الناحية الأخرى متعجبًا الأصوات التي يسمعها
-الو، ايه الخبط ده؟!
-لأ مفيش خبط
زفر يونس علي مهل ليس وكأنه انفجر بها منذ قليل، ثم قال بصوت رجولي جعل الإبتسامة تتسع على وجه شروق من هذه الأذن إلى الأخرى :
-لما تيجي الفرح هاتي المحفظة معاكِ
-لأ ما انا مش جاية الفرح لأنه مفيش فرح عند عمي جابر أهل العروسة بس هما اللي عاملين الحنا، الفرح بكرة في القاعة
-بكرة يوسف وحمزة هيعملوا التحاليل المطلوبة لكتب الكتاب اكيد هتيجي مع اختك
-لأ مين قال، بابا وماما هما اللي هيروحوا
مسح يونس وجهه بضيق ثم قال :
-تمام في الفرح ابقي هاتيها، ومتجبيش سيرة أمير تاني علشان متعصبش عليكي سلام
أغلق دون أن تبادر بقول كلمة فألقت الهاتف على الفراش مبتسمة بشدة حتى كادت بسمتها تشق وجهها، وسرعان ما ارتفع رنين هاتفها برقمه مرة أخرى فالتقطته بلهفة وردت عليه قائلة :
-الو
-بكرة تيجي مع أختك والمحفظة تكون معاكي
نطق بها بنبرة شبه آمرة فقالت شروق بعبث :
-اجي علشان المحفظة بس؟!
-ايوه علشان المحفظة بس، سلام
ومرة أخرى هو من أغلق فأخفضت شروق الهاتف ترمقه بضيق ثم قالت :
-أبو تقلك يا شيخ، وأبو حلاوتك في نفس الوقت
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
كانت تسير عائشة في المقدمة وخلفها نور وخلفها حمزة وفي المؤخرة كريم ويوسف، كان الطريق كالمتوقع ضيق بشدة وممتلئ بالذرة على الجانبين، ولكن عائشة ونور يسيران وكأنهما يحفظان الطريق عن ظهر قلب وهم خلفهما، وكل دقيقة والأخرى تلتفت نور لترى إن ضاع أحد أم لا يزالون على الطريق
ضيق حمزة عينيه ينظر إلى نور من الأعلى إلى الأسفل بتركيز شديد ولأول مرة يراها بهذه القامة القصيرة، حتى أن عائشة أطول منها، بل ورحمة شقيقته الصغيرة تكاد تكون هى أيضًا أطول منها :
-نور هو انتي طولك قد ايه؟!
استدرات له الأخرى نصف بإستدارة، ذاممة شفتيها بتذمر ثم قالت :
-عيب يا حمزة متتنمرش
-لأ بجد شكلك أقصر من كل مرة، تقريبًا دي أول مرة أشوف فيها طولك الطبيعي
-١٥٧ أو ١٥٨ حاجة ما بين دول
-ده طولك؟!!
هتف بها مذهولًا فقال كريم بنبرة ساخرة وهو يدفعه من الخلف حتى يتحرك :
-لأ عرضها، امشي يا حمزة الله يباركلك انا بسيح ويوسف توفاه الله وراء.
تحرك حمزة سريعًا ثم وقف خلف نور مباشرة ناظرًا لفرق الطول ثم قال بنبرة ضاحكة :
-انا ١٨٤ انتي متخيلة لو وقفتي جنبي هتبقي فين
إستدارت له الأخرى سريعًا وضربته على ذراعه بعقدة البرسيم التي تحملها بين ذراعيها ثم صاحت بضيق :
-قولتلك متتنمرش
وضع الآخر كفه على ذراعه يفركه بألم ثم قال ضاحكًا :
-ايه العنف ده؟!
-خلاص يا بسكوتة ينفع تسكت
هزت نور رأسها بموافقة ثم أكملت لاحقة بعائشة التي نطقت بها فقال حمزة عاقدًا حاجبيه :
-اختك مش طايقاني ليه؟!
-مين قال
-هو ايه اللي مين قال؟! انا اللي بقول، ده انا متكلمتش معاكي خمس دقايق على بعض لما قعدت معانا
ابتسمت نور بسمة خفية متذكرة ما فعلته عائشة يوم طلب حمزة الجلوس معها، ولم تكتمل هذه الجلسة أكثر من ثلاث دقائق بسبب عائشة، ولم يتعدى حديثه معها أكثر من جملتين ثم خرج
وعندما سألوه في الخارج لما لم تتأخر وخرجت بهذه السرعة كانت اجابته الصريحة هى
"مش عارف اتكلم معاها من أختها، قعدالي بالمرصاد هاتوا محرم غيرها معلش"
وقح وجرئ وصريح هذا الحمزة
وما لم تتوقعه هو أن جعلت والدتها عائشة تخرج وجلسوا هم برفقة والدته، ولكن أيضًا لم يتهنى بهذه الجلسة بسبب خجلها الشديد إذ أغلب إجاباتها له كانت إماءة، وللعثمتها دور إذ كانت تجعلها تتوقف في منتصف الكلام ولا تريد أن تكمل
لذا سئم حمزة أن تخرج مني جملة مفيدة وقال أننا سنتحدث في الهاتف في المساء، يظن أني أبالغ في الخجل ولكن لا والله لا أبالغ فلا أتعامل مع الرجال إلا نادرًا وأغض بصري حين أمر من جانبهم، هكذا انا وهذه شخصيتي
خجولة هادئة زيادةً عن اللزوم
-غصن ريحان
نطق بها حمزة بصوت مسموع فإستدارت إليه نور هاتفة بحسن نية :
عايز ريحان؟!
-ريحان!!
-ايوه قولت غصن ريحان لو عايز ماما زارعة على السطح عندنا هجيبلك عود
عادت ونظرت أمامها فابتسم حمزة بشدة، عجبًا لم يقصد غصن ريحان بالمقصد الذي فهمته بل كان يقصد قامتها القصير تشبه غصن الريحان ولكن نيتها أنظف من تفكيره، على أي حال سيحصل منها على غصن ريحان
وصلوا أخيرًا إلى منزلهم وحمدًا لله جيرانهم ليسوا في الخارج وإلا ما كانوا ليستطيعوا المرور بهذه الهيئة السيئة، وضعت عائشة ونور البرسيم بجانب الحائط ثم ولجت بسرعة بينما نور أحضرت دلوًا ووضعته أسفل الصنبور الخارجي بجانب الباب تمامًا ثم قالت :
-اغسلوا دراعاتكم ووشوشكم هنا
ضم حمزة شفتيه بحيرة ثم قال :
-طب ينفع أدخل الحمام؟؟
-ثواني بابا يطلعلكم دلوقتي أنا مقدرش أدخلكم من غير ما يعرف إنكم هنا
ابتسم يوسف على إحترامها لوالدها، يعجبه في هؤلاء الفتيات أنهن على تربية سليمة وكأن أخلاق كل واحدة بهن تصرخ قائلة لقد رباني والداي واحسنا تربيتي :
-شكرًا يا نور تعبناكي
فتح حمزة الصنبور وأخذ يزيل الطين عن ذراعيه وكفيه ثم غسل وجهه وعنقه ومسح على خصلاته، أما نور كانت على بعد منه تحاول ألا تبدي تركيزها به، ولكن عندما التصقت خصلاته الطويلة ببعضها بسبب الماء عقدت وجهها بعدم رضا، تحب رؤية شعره مفرقًا عن بعضه ويسقط على جانبي وجهه لا ملتصقًا هكذا فوق رأسه فشكله لا يبدو جذابًا حينها
أنهى حمزة ثم تحرك حتى يدع يوسف يغتسل فولجت نور بسرعة وأحضرت فوطة نظيفة واعطتها لحمزة الذي أخذ يمسح الماء عنه فقالت مشيرة إلى شعره :
-إمسح شعرك
استجاب الآخر دون جدال ومسح خصلاته بخفة فقالت معترضة :
-افرك شعرك زين
-هو فيه طين على شعري؟!
نطق بها مستفهمًا فقالت نور بشكل عفوي :
-لأ بس شكلك مش حلو وشعرك لاصق في بعضه كده
ابتسم حمزة بعدم تصديق فهذه أول مرة تبدي إعجابها _بشكل غير مباشر_ بشئ يخصه، وما إن أبصرت نور هذه الضحكة حتى سارعت في الإبتعاد عنه بالتزامن مع خروج والدها من الداخل ثم هتف متعجبًا حالتهم البالية هذه :
-ايه اللي حصلكم؟!
روى له يوسف ما حدث بإختصار فقال علي محدثًا ابنته :
-اتصلي على حسن طيب تلاقيه لسه بيدور عليهم
تحدث حمزة بسرعة بطلب قائلًا :
-معلش لو كان رجع البيت قوليله يجبلنا هدوم علشان انا على جثتي أرجع بالهدوم اللي مليانة طين دي
آماءت نور بخفة ثم تساءلت :
-أقوله يجيبلكم هدوم من عنده؟!
-لأ من الشنط بتاعتنا، خليه يقول ليونس يجيبلنا، أو بلاش يونس مثقش فيه في المواقف دي، خليه يقول لماما وهى تتصرف
آماءت الأخرى بإيجاب وولجت فنادى علي على ابنته الأخرى بأن تحضر لهم ماء بارد لكي يشربوا، وبينما كان يحضر علي الشاي والماء من ابنته وجد حمزة شئ يسقط على قدميه من الأعلى جعله ينتفض بفزع لوهلة ثم ابتسم ورفع عينيه عندما أبصره غصن ريحان
زادت بسمته لنور التي بادلتها البسمة بحرج وسرعان ما عادت للخلف عندما رأت يوسف وكريم قد رفعا أنظارهما أيضًا، اخفض حمزة نظره لغصن الريحان متعجبًا أنها ألقته له من أعلى ولكن سرعان ما رجح أنها قد خجلت من وجود والدها لذا ألقته له من الأعلى
يالا الرومانسية المضحكة
حاول كريم جذب الغصن منه فأبعد الآخر يده بسرعة قبل أن يأخذه ناظرًا له بإعتراض :
-لأ عندك ممنوع
طالعه الآخر ببلاهة لا يفهم ما الممنوع إذ قال :
-مش هاخده والله هشمه بس
-ممنوع برضو دي أول هدية من حبيبتي يعني لا شم لا لمس
وضعها بسرعة في جيبه حين عاد علي بينما قال كريم بضيق خفي :
-أول مرة أقولك عايز حاجة وتقولي لأ يا حمزة
أحاط الآخر بذراعه هاتفًا بمزاح يكسوه الحنو، لا يدري لما يتصرف كريم بهذه التصرفات الطفولية مؤخرًا :
-تاخد كليتي لو محتاجها بس دي بقى مش محتاجها وبطل غيرة العيال دي، لما تحب بكرة هتبقى عايزها بكل ما يخصها ليك لوحدك
قدم لهم علي الشاي فعقد حمزة حاجبيه رافضًا بذوق :
-لا شكرًا مش عايز
-عايز نسكافية دقيقة هقولهم يعملولك
نظر حمزة نحو يوسف الصامت بشدة فقال بهدوء مازح :
-ايه يا يوسف زعلان علشان خطيبتك تعبانة؟!
عقد الآخر حاجبيه ثم اعتدل في جلسته هاتفًا بتركيز شديد :
-براءة تعبانة!!؟
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
في صباح اليوم التالي
وفي إحدى السيارات على الطريق السريع كان علي وحسين ويوسف يجلسون في المقعد الأمامي، وخلفهم حمزة ووالده ويونس الذي أصر على أن يأتي معهم، وخلفهم صفية وشروق ونور وبراءة التي كانت في حالة مخيفة من الشرود للأحداث الغريبة التي تمر بها
خاصةً الاكوابيس التي تورق ليلها وأهم ما بكوابيسها هو يوسف وكأن هذه الكوابيس تطلب منه الإبتعاد عنه، أخبرت والدتها بهذا لتكون ردة فعل الأخرى الصمت الشديد ثم تحدث مع والدها في شئ لم يخبروها به، بل أخبروها أن تستمر في تلاوة القرآن والأذكار لعل هذا البلاء يزاح
هى ليست حمقاء حتى لا تعلم ما الذي بها فإما هى مصاب بمس شيطاني أو بمس السحر، تشعر بالتعب الشديد ودوار ملازم لها بل وفقدت الوعي البارحة في حفلة الحناء
كم يخيفها أن الأمر مرتبط بشكل غير مفهوم بيوسف وظنت أنها تعاني فقط من أضغاث أحلام مرتبطة به لشدة تفكيرها به هذه الفترة، ولكن عندما التقت به هذا الصباح على الطريق السريع من أجل أن يذهبوا إلى مركز طبي لأجل تحاليل عقد القران تغيرت الأوضاع
فما إن قابلت عينيه عينيها حتى شعرت بقشعريرة قوية تصيبها جعلتها ترتعش في مكانها، تشوشت رؤيتها وشبه انفصل عقلها حتى أنها لم تسمع صوته وهو يلقي عليها الصباح، بل وكادت تسقط من طولها لشدة الدوار الذي لفح رأسها فجأةً
ولكن أسندتها شروق ونور قبل أن تسقط وقد قلق الجميع عليها حتى أن عثمان طلب أن يعودوا إن كانت غير قادرة على الذهاب اليوم، ولكن اعترض حمزة إعتراض عقلاني وهو أن موعد عقد القران اقترب والتحاليل تحتاج أيامًا حتى تخرج، فإن تأخروا في التحاليل سوف يؤخرون موعد عقد القران
اشترى لها والدها عصير وأصبحت بخير نوعًا ما ولكن كلما نظرت إلى يوسف تشعر بتشوش شديد لذا عكست عينيها عنه حتى عندما سألها عن أحوالها، شعرت أنه ضاق لهذا التصرف ولكن ماذا تفعل هناك شئ غريب يحدث
وها هى الآن تنظر له من مكانها حيث كان يجلس في الأمام وهى في الخلف، غير قادرة على التحدث وماذا ستقول إن تحدثت هى
جذبت صفية ذراعها قليلًا ثم تساءلت بنبرة خافتة بشدة :
-براءة هى أمك مجتش ليه!؟
رفعت الأخرى منكبيها بعدم معرفة لا تعلم لما رفضت والدتها الذهاب وذهبت منذ الصباح الباكر رفقة خالتها جمالات إلى مكان مجهول هويته، فقط طلبت من شروق أن ترافقها بدلًا منها لأنها ستذهب إلى مكان هام هى وخالتها
لا تدري ما هذا المكان الأهم منها والعجيب أن والدها لم يعترض :
-مش عارفة يا خالتي طلعت الصبح هى وخالتي جمالات ومقالتش رايحين فين
وبدا على صفية أنها تعلم أين ذهبوا إذ أماءت بهدوء وعادت على وضعيتها بينما هى نظرت نظرة عابرة إلى نور التي كانت تجلس على هاتفها تحدق به بتركيز لذا خطر على بالها أن تراسل يوسف ولكن لا تدري أهو متصل بالإنترنت الآن أم لا
أما نور كانت ترمق آخر منشور أنزله حمزة بحساب كاتب الظل، إذ نشر صورة لغصن الريحان الذي أعطته له وكتب فوقه
"هدية من محبوبتي ذات العينان الناعستان... هى قصيرة، ناعمة، جميلة... طولها يشبه غصن الريحان"
كتمت بسمتها بكفها وقد اغمضت عينيها بقوة لشدة المشاعر التي هاجت بداخلها، إن حمزة مجنون لدرجة أنه يصرح بحبه لها للجميع دون خجل، ويل قلبي من هذا الرجل يجعلني أغرق في حبه وانا كنت أظن أني على الشاطئ بعيدة عن أمواجه
رفعت رأسها له عندما استمعت لهمهمات قادمة منه وهو يحادث يونس، لم تسمع هذه الهمهمات ولكنها أرسلت له مكافئة بسيطة تتكون في عدة جمل، حسنًا يكفي بخلًا على الرجل لترويه قليلًا لكن بحذر حتى لا تتعدى حدودها فهو لا يزال أجنبي عنها حتى لو كانت تجمعهما خطبة
أغلقت هاتفها وأصبحت متلهفة لرؤية رد فعله على الرسالة ولكن يبدو أن هاتفه ليس متصلًا بالإنترنت فلم تسمع إشعار الرسالة عنده
أما حمزة كان يحادث يونس عن سبب مجيئه معهم ليكون رد الآخر إستفزازي كالعادة مع بسمة ماكرة :
-جاي أمسك مع الدكاترة هناك علشان نسحب منك عينة دم، ابقى أمسك نفسك يا حمزة قدام خطيبتك لتنزل من نظرها لما تشوفك مرعوب من حقنة
برم حمزة شفتيه متمتمًا ببعض الكلمات بالفصحى، مشيحًا بوجهه الناحية الأخرى :
-عسى أن يتأجج لسانك في سقر
لم يفهم يونس ما المقصود وذلك الوغد بالتأكيد يسبه متستغلًا أنه لا يفهم اللغة العربية الفصحى المعقدة هذه، ولكنه أبى أن يُسب دون أن يرد عليه لذا قال جملة سمعها من قبل ولكن لا يدري أين ولا يفقه معناها حتى :
-سكلتلك أمك
ضحك حمزة ضحكة ساخرة بالكاد ظهرت عليه ثم قال بتحدٍ :
-لو انت فالح أوي كده ما تقولي يعني ثكلتلك أمك ثم هى بالثاء مش بالسين
صمت يونس وضم شفتيه إلى الداخل عاصرًا عقله حتى يجيب ولكنه حقًا لا يدري لذا قال رافعًا أنفه بأسلوب مراوغ :
-أسأل نفسك لساني مش فاضي يرد عليك
-لسانك مش فاضي يرد ولا انت مش عارف معناها أصلًا
نطقت بها شروق ببسمة ماكرة فأدار الآخر رأسه نحوها عاقدًا ملامحه بضيق، هل الآن تكالبا عليه حمزة وشروق هذان الوغدان، ولكن مرة أخرى أبى كبريائه الإستسلام أمامهما لذا قال بعناد :
-لأ عارفها هقول حاجة انا مش عارف معناها يعني
-طب ما تقول
نطقا بها شروق وحمزة في آنٍ واحد وهنا شعر أنه مهزوم وظهر هذه عليه فأشفقت عليه نور وبما أنها تجلس خلفه مباشرة قالت بصوت هامس لعله يصل إليه :
-يعني فقدتك أمك
سمعها يونس لذا رفع رأسها للأعلى بتكبر قائلًا :
-خلاص بطلوا زن هقولها يعني فقدتك أمك اقعدوا انتوا الاتنين على جنب بقى
-طب علفكرة بقى سمعت نور قالتهاله
صاحت بها شروق بإعتراض فقال حمزة وهو ينظر إلى نور بلوم :
-غششتيه ليه كان عامل زي البطة الدايخة وهو مش عارفها
رفعت نور منكبيها بسرعة هاتفة ببراءة :
-لأ انا مقولتش حاجة
-آه هى مقالتش حاجة انا كنت عارفها
هتف بها يونس بإعتراض على إفتراء شروق وحمزة عليه فضحكت براءة من الخلف ويوسف من الأمام وهذا لأنهم يشبهون المدرس والطالب الفاشل، حمزة المدرس ويونس الطالب ونور الطالب المجتهد الذي يملي الإجابات لزملائه بالغش
ابتسم عثمان بجانبهم قائلًا :
-كداب يا يونس مكنتش عارفها ونور غششتها ليك فعلًا
ضيق يونس عينيه بعناد وتحد ثم قال موجهًا حديثه لحمزة :
-طب قول حاجة تاني كده
-بلاش يا يونس مش هتعرفها وتكسف نفسك
نطق بها يوسف من الأمام فضربه يونس في رأسه بخفة حتى يصمت ثم قال :
-بس اسكت انت ملكش دعوة، يلا يا حمزة طلعلي إبداعك
تابع الجميع هذه المشاحنة بإستمتاع وتركيز، فأعتدل حمزة في جلسته ثم قال ببسمة متسعة بخبث :
-قطفته من وجنةٍ من لثم ورد الخجلِ.... فقال لا لا لا وقد غدا مهرولِ.... يلا ترجمي يا أُلفت
ضحكت نور بشدة وقد فهمت نصف البيت الشعري فقط والنصف الآخر لا :
-لأ صعبة دي
حدق يونس بابن عمه بشرار ثم قال :
-إحنا اتفقنا على كلمة مش على قصيدة يا فقيه الشعراء
توقفت السيارة فور وصولها راحمة يونس من الإجابة ثم بدأ الجميع في النزول ولكن أبى حمزة الاستغناء عن الإجابة فقال :
-لما نرجع هستنى الإجابة
-انا أصلًا هكون نسيت التعويذة بتاعتك دي
هبط الجميع في موقف الاتوبيسات ليستقلوا أحدهم وقد اوصلهم إلى أحد ميادين أسيوط الواسعة، وبما أن حمزة ويونس ويوسف غرباء عن هذا البلد ساروا بإتباع علي وحسين وفي الخلف يسيرن الفتيات مع صفية
لم يسيروا كثيرًا ووصلوا إلى إحدى مراكز التحاليل الخاصة، واحدة من أكبر مخاوف حمزة وكأنه دلف إلى بيت أشباح مهجور منذ عشرات السنين، حتى أنه توقف على الباب بقلق وود لو يعود أدراجه ولكن دفعه والده من الخلف هامسًا بصرامة :
-عيب يا حمزة انت كبير مش صغير علشان تخاف من الحقن
ازدرد الآخر لعابه مردفًا بتوتر وعينيه تدور في الجالسين، إما ينتظرون تحاليلهم أو سيخضعون لإجراء تحاليل :
-هو لازم تحاليل علشان كتب الكتاب، مين طلع القانون الغبي ده؟؟
ضغط عثمان على ذراع ابنه يحدجه بنظرة قوية بادله الآخر بأخرى متوترة، ليس الأمر بيده كل إنسان لديه ما يخافه ويثير فزعه وهو مخاوفه بأكملها تتكون في ذلك الشئ البلاستيكي النحيف الذي لا يتعدى طوله الخمسة عشر سنتيمتر، ولديه سن حديدي حاد، رقيق يدخل في جسد الإنسان كله
كيف يتحمل المرء أن يدخل سن حاد داخل جسده دون أن يصرخ ألمًا وفزعًا، وهو الأمر الضعف عنده يخاف الإبر كثيرًا وإن مرض لا يأخذ إلا كبسولات أو شراب، ممنوع نهائيًا أن يأخذ حقنة أو محلول ولو سيموت
وذلك المحلول أشنع فعلى الأقل إبرة الدواء ستخرج بعد ثواني أما إبرة المحلول ستبقى داخل جسده وقد تبقى لأكثر من يوم، كيف بالله تتطلبون منه تحمل هذا
عاد حسين وعلي بعد أن تحدثوا مع الفتاة الموجودة وأخبروها بالمطلوب لتعد هى الأوراق اللازمة والإبر من أجل عينات الدماء ثم أتت لهم بعد ربع ساعة من الإنتظار وقالت :
-فين الأربعة اللي هيعملوا تحاليل كتب الكتاب، أول اتنين يدخلوا علشان نسحب منهم دم
هز حمزة رأسه رافضًا أن يدخل الأول فأستقام يوسف وبراءة ودلفا إلى غرفة منفصلة ومعهما حسين وتلك الفتاة ليقول حمزة مودعًا يوسف بطريقة كوميدية :
-مع السلامة يا يوسف تروح وترجع بالسلامة
قلب عثمان عينيه بضجر من دلال ابنه الزائد ثم قال :
-هو مش رايح يحارب على الحدود، ده هيسحب بس عينة دم أومال لو كنت دخلت صيدلة زي باقي أخواتك
-أومال انت فاكره دخل حقوق ليه يا عمي، ايه يا حمزة تيجي نروح
ولم تخرج هذه الجملة الإستفزازية إلا من يونس فرمقه حمزة بحنق لشماتته به ثم قال :
-سكت ابن أخوك يا بابا علشان ممدش ايدي عليه
أما بالداخل حضرت الممرضة الموجودة الإبرة لسحب العينة حتى تسحبها من يوسف الذي كان يجلس أمامها فاردًا ذراعه ولم يأخذ الأمر الكثير من الوقت ثم استقام من مكانه وجلست براءة ولكن قبل أن تكشف ذراعها أشارت إلى يوسف دون النظر إليه قائلة :
-طب وانت هتفضل باصص كده كتير؟! بص الناحية التانية
وعقد الآخر حاجبيه مستفهمًا :
-ابص الناحية التانية ليه!؟
-أومال انا هكشف دراعي قدامك؟!
-يعني انتي هتكشفي شعرك؟! ثم انا سبق وادتيك محلول حديد في نفس الدراع
-كنت وقتها دكتور ومكنتش خطيبي انت دلوقتي مش دكتور
رمقتهما الممرضة بضجر ثم تحدثت :
-طب ايه طيب مش هنخلص فيه ناس كتير برا مستنين
وقف حسين أمام ابنته المزعجة يخفيها عن يوسف قائلًا :
-شمري وخلصي فيه غيرك عايز يحلل
رفعت الأخرى كُمها بالفعل ولكن أبصرت يوسف يميل قليلًا حتى يراها فقالت بغضب لذيذ :
-انا مش قولتلك متبصش
اعتدلت الآخر بسرعة فوالله لم تكن نيته سيئة بل فقط هذه الممرضة يدها ثقيلة في حقن الإبرة لذا كان يريد أن يرى إن كانت ستتألم أم لا، وها هى تأوهاتها ترتفع بقوة عندما حقنتها بقوة في شريانها :
-آه براحة شوية
-اهدي يا آنسة علشان الإبرة متتكسرش في دراعك
ولم تتوقف الأخرى عن إطلاق التأوهات تسب تلك الفتاة في سرها، يدها ثقيلة كثيرًا فكيف لم يخرج يوسف صوتًا منذ قليل، ضحك يوسف على تأوهاتها المضحكة فصاحت به براءة قائلة :
-متضحكش
-حاضر
نطق بها بكل طاعة لتصيح براءة في هذه الممرضة المعاقة من وجهة نظرها، ترى أن شريانها بدأ ينقلب لونه للأزرق بسبب كثرة تحرك الإبرة داخله :
-وانتي يا ستي خلصي بتسحبي كيس دم ولا عينة دراعي وقف
-لو سمحتي متزعقيش في ايه؟؟
-لا ازعق انتي شكلك جاية تتعلمي جديد إيدي زرقت طلعي الإبرة بقى كفاية اللي خدتيه
أمرها حسين بخشونة أن تتوقف فذراع براءة قد انقلب لونه بالفعل :
-زرقتي ايد البت انتي بتتعلمي فيها!؟
توترت الأخرى فجذبت الإبرة بعنف منها مما جعل حَد الإبرة يقطع جزء من الشريان لتتناثر دماء براءة، وهذا ما جعلها تنتفض فزعة بينما أخذ يتشاجر حسين مع الفتاة، تحرك يوسف من مكانه وكتم دماء براءة بقطنه ممسكة بذراعها من الأعلى حتى يبطئ تدفق الدماء
ولجت فتاة أخرى على أصواتهم وأخذت تهدئ حسين وتعتذر منه عن هذا الخطأ، بينما براءة كنت تشعر بنفس الدوار يداهمها ولا تعلم أبسبب فقدان الدماء ونقص الحديد عندها أم بسبب يوسف الذي كان يقترب منها بشدة، يمسح الدماء بالقطن بحنو بالغ وهو يقول :
-معلش لو كنت أعرف إنها لسه بتتعلم جديد كنت سحبت انا منك العينة
رفع نظره له ببسمة مُحبة سرعان ما انقلبت للقلق يرى براءة في حالة غريبة من التعب الشديد إذ كانت عينيها زائغة وبشرتها شاحبة وحبات العرق تنتشر على جبينها ووجنتيها حمراوتين دليلًا على تعبها، فقال بقلق وهو يتفحص بكفه وجهها :
-مالك يا براءة؟؟
ابعدت الأخرى وجهها بضعف عنه تشعر أن لمستها عبارة عن لسعات حارقة ثم خرجت الكلمات منها مبعثرة، متعبة، تجر أنفاسها بقوة وكأن الأكسجين سُحب من المكان :
-اوعى..... دايخة.... مش عارفة اتنفس..... طلعوني من هنا
ساعدها بسرعة على الوقوف من على المقعد فقال حسين وهو يقترب من ابنته :
-مالها؟؟ وشك بقى زي اللمونة كده ليه؟!
كاد أن يجيبه يوسف ولكن براءة نفضته بعيدًا عنها ولا تبالغ فحقًا لمسته ليدها وكأنها جمرة، همت بالإبتعاد عنه ولكن خطوة واحدة جعلت الغرفة تدور من حولها والأصوات تتداخل وأصبحت قدميها كهلام لم يحملاها فارتطم جسدها بعنف في الأرض
أصبحت بين الوعي واللاوعي، والدها وفتاة أخرى يساعداها على الوقوف بينما اقترب يوسف من تلك الممرضة التي سحبت العينة هاتفًا بغضب وصوت مرتفع لا يخرج منه إلا نادرًا ولكن حالة براءة المتدهورة هذه جعلته يخرج عن طور هدوءه :
-انتي عملتي فيها ايـــه؟! بتتعلمي فيها وقطعتي الشريان وانتي بتسحبي الإبرة بغباء، أقسم بالله لو حصلها حاجة من وراء راسك انتي هوديكي في داهـــــية
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
انتظروا مني اقتباس والمواعيد الجديدة 💜
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل السادس وستون 66 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
رن هاتفه فحاول تجاهله قدر الإمكان فنظرات شروق المسلطة له توحي بأنه لو فتح الهاتف وانشغل أيضًا هذه المرة عنها سوف تترك له البيت تمامًا
والاها انتباهه مرة أخرى ثم قال ببسمة :
-جهز الفطار ولا لسه
همت بالإجابة عليه ولكن صدح رنين الهاتف مرة أخرى من البهو لذا تركت ما في يديها وخرجت لتحضر الهاتف فمسح يونس وجهه يتمنى أن لا يكون الأمر بالغ الأهمية
فإن انشغل مرة أخرى عن شروق وأهملها ولم يتناول معها الإفطار الذي تعده بكل حب الآن وتركها ورحل كما تركها البارحة ولم يتناول معها العشاء كما وعدها سوف يحدث إهتزاز في علاقتهما التي لم تكمل أسبوعًا بعد
أتته بالهاتف الذي لا يزال يرن واعطته له قائلة بهدوء شديد وهى تعود إلى الموقد :
-ده يوسف
نظر لهاتفه لبرهة ثم نظر إلى ظهرها يعلم أنها على أعصابها الآن وأذنيها معه حتى ترى إن كان سيرد ويرحل ككل مرة، ترك الهاتف يرن ثم أرسل رسالة ليوسف بأنه لا يستطيع الرد الآن ثم فعّل الهاتف على الوضع الصامت
اقترب من شروق وأسند ذراعه على كتفها ثم مال قليلًا للأمام يتذوق البيض الذي تعده قائلًا بتلذذ :
-شكلك بتعرفي تطبخي كده اطمنت على مستقبلي انا وعيالي
رمقته شروق ببسمة سعيدة لأنه أثنى على طعامها ولأنه لم يرد على الهاتف وقرر صب إهتمامه معها اليوم، رأى يونس في عينيها السعادة أخيرًا منذ يوم الزفاف ويعلم أن الضيق والغم الذي تعيشه هذه الأيام هو حقها، ولو أخرى مكانها لقلبت المنزل غمًا فوق رأسه، ولكن شروق حتى الآن لا تزال صابرة وتحاول جاهدة إعطاءه مبررات وأعذار
اغمض عينيه بضيق عندما استمع لنداء شقيقته من على الدرج مختلطًا بنشيج البكاء الذي يلازمها منذ اختفى عمر اختفاء غير مبرر ليلة زفافه هو وشروق
نظر لشروق التي احتل الضيق قسمات وجهها ولم تستطع إخفاءه فربت قليلًا على كتفها بأن تعطي له العذر مرة أخرى ولا يعلم العذر الكم هذا، لتقول بنبرة باردة جامدة تخفي خلفها دموع أخذت تتراكم في عينيها :
-افتحلها الباب يا يونس
خرج بسرعة فور جملتها وفتح الباب لشقيقته التي ظهرت بملامح شاحبة وأعين متورمة من فرط بكائها على زوجها، وخلفها ظهر يوسف ووالده لتقول رقية بل تصيح بصوت مرتفع ترفع له هاتفها أمام وجهه :
-فيه حد بعتلي فيديو لعمر ومعاه ست معرفهاش
-في وضع مخل؟؟!
نطق بها متوجسًا، متقمصًا دور الضابط الآن فقال يوسف بنفي :
-لأ قاعد على اللابتوب بتاعه والست دي مشوفناش وشها شوفنا ضهرها بس
دعاهم يونس للدخول بسرعة ثم أغلق الباب فجلست رقية على الاريكة تقرض أصابعها بتوتر بدا كالعدوة لهم إذ أصابهم التوتر هم أيضًا :
-يعني كده عمر ممكن يكون متجوز عليا؟!
قلب محمد عينيه يعلم وسواس النساء الذي بدأ يعمل على عقلها فقال بحدة :
-بطلي يا رقية هبل وهو هيتجوز عليكي ليه، ثم شوفتيهم هما الإتنين في وضع مش ولابد؟! لأ... يبقى بلاش استنتاجات هبلة
فتح يونس الفيديو الذي أُرسل لشقيقته صباح اليوم وقد كان عبارة عن عمر يجلس في حديقة فارهة على حاسوبه المحمول، بملابس نظيفة وبدون خدش يدل على كونه مخطوف
وأمامه تجلس سيدة يبدو عليها الثراء رغم أنها توالي المصور ظهرها فلا يظهر منها سوى خصلاتها السوداء المصففة، المربوطة على شكل ذيل حصان
كان الفيديو هادئ كثيرًا خالي من الأصوات إلا من أصوات زقزقة العصافير، أي أن المصور يصورهما خلسةً دون أن يدريان
حك حاجبه ولا تزال رقية تثرثر بإستنتاجات خرقاء ليستمع إلى صوت زوجته الهادئ هدوء ما قبل العاصفة وهى تقول للجالسين بعد أن ارتدت إسدالها :
-صباح الخير أعملكم شاي، ولا أحط فطار
ختمت حديثها وهى تنظر نحو يونس وكأنها تخيره بين هذان الاقتراحان فأخفض يونس الهاتف ونظر إلى عائلته قائلًا بجدية :
-فطرتوا ولا لسه؟؟
تحدثت رقية بإنفعال مبني على توترها وقلقها على عمر إذ قالت :
-انا لا عايزة شاي ولا فطار عايزة أعرف جوزي فين يا يونس
حدجها والدها بغضب حتى تكف عن الصياح ثم نظر إلى زوجة ابنه يدرك كم الضغط والإهمال الذي تتعرض له من الجميع وأولهم يونس المنشغل بشكل كامل مع شقيقته ولم يمر على زواجهما إلا بضعة أيام فقط
-معلش يا شروق عارف إننا بنضغط عليكي بس رقية ملهاش غير يونس يعرف عمر راح فين وهى قلقانة عليه أوي، فمش عارفة هى بتقول ايه ولا بتعمل ايه
تنهدت الأخرى تنهيدة خفية ثم نظرت إلى يونس بطرف عينيها وكان الآخر يتابع ردات فعلها بتركيز :
-ده أخوها يا عمي وليها فيه أكتر مني انا يا دوب لسه مراته من ست أيام بس
استدارت وتركتهم على راحتهم بعد أن ألقت هذه الجملة ثم استرسلت بنبرة مختنقة نتجت عن حزنها لأنها مرة أخرى لن تستطيع أن تأكل مع زوجها كأي زوجين طبيعين :
-هعملكم شاي
طرق يونس الأرض عدة مرات بقدمه بتوتر ولم يكن يعلم أن شروق عاقلة إلى هذا الحد ولكن يعلم أن لكل مرء طاقة صبر وإن استمر انشغاله عنها وإهماله لها ستنفجر عما قريب
رن جرس شقته فاستقام من مكانه وفتح الباب ليجد سفيان وهدوء ملامحه لم يستطع إخفاء فزعه على شقيقه وهو يقول بنبرة حادة :
-ازيك يا عريس انا بتصل عليك من الصبح وانت مطنش ليه؟؟
-أعتقد إنك جاوبت نفسك، ادخل
ترك له الباب وعاد للداخل فولج سفيان وقال موجهًا حديثه لرقية :
-فين الفيديو اللي اتبعتلك ده؟؟
أعطاه يونس الهاتف ثم قال بجدية تامة يرى نظرات التفحص والتركيز في عيني الآخر :
-الفيديو هادي خالص مفيش أي صوت وشكل الست مش باين أوي، يعني اللي صور وبعت الفيديو بعته علشان حاجة من الإتنين، يا إما علشان يطمن رقية على عمر يا إما علشان يفضح عمر قدام رقية
-يفضح عمر؟؟!
هتفت بها سفيان مستفهمًا عن الخيار هذا فقفزت رقية من مكانها هاتفة بغضب شديد :
-يفضحه بإنه متجوز الست دي عليا، مين دي يا سفيان؟؟
أخفض سفيان الهاتف رامقًا هذان المجنونان أبناء محمد هواري أمامه بنظرات متشنجة ثم قال :
-أخويا متجوز وانا معرفش سبحان الله؟!! خلي حد غيرك يتكلم يا رقية معلش انا أخويا مختفي بقاله ست أيام ولا حس ولا خبر، وجدتي مرمية في المستشفى بين الحياة والموت فروحي في مناخيري ومش عايز غباء من حد
إن شاء الله هنرجع للمواعيد القديمة يوم الإتنين والجمعة الساعة تمانية ومعادنا يوم الجمعة في الفصل التامن
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل السابع وستون 67 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
ممكن تحسوا إن الفصول الجاية أقصر من الأول بس ده طبيعي علشان في رمضان كان كل أسبوع فصل وكان فيه متسع من الوقت للكتابة وبحاول اعوضكم بفصل طويل، أما دلوقتي فصلين في الأسبوع والوقت قليل يعني الفصل هيكون أقل بحوالي مشهد أو اتنين عن فصول رمضان
عامةً بحاول اخصص وقت على قد ما أقدر للكتابة وابقى ملتزمة في المواعيد فاتمنى تتفهموا ده ومحدش يقول الفصل صغير أوي لأن الكتابة عمرها ما كانت زي القراءة وشكرًا 💜
صلوا على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
أصوات مرتفعة تصدح من الجميع بين ثرثرات النساء وحديث بعض الرجال عن السياسة والحروب المنتشرة هذه الفترة، هذا المعمل مزدحم كثيرًا لذا الأصوات به مرتفعة
كانت تطرق بقدميها على الأرض في توتر خفي من كونها تجلس في مكان مرتبط بذكر الدماء فلا تزال لديها رهبة منها، حتى أنها لا تستطيع أن تشاهد مسلسلات أو أفلام القتلة المتسلسلين التي كانت تعشق مشاهدتها، الآن باتت كلما ترى مشهد نحر أو أصوات رصاص تصاب بحالة من الهلع الداخلي
ولا تمزح في القادم إن قالت أنها رأت كاظم معها في الغرفة في مرة حين وضعت نفسها أسفل الأمر الواقع وشاهدت مشهد لفتاة تُنحر حتى تعالج نفسها وتعالج الفوبيا التي أصابتها ولكن الأمر إنقلب عليها
إذ خافت من المشهد وأصابها الهلع وخرجت منها الضغوطات التي كانت تكبتها طوال الوقت، وكأنها ترى فريال تُذبح أمامها للمرة الثانية، وتلىٰ الصراخ الذي كان يخرج من الفتاة في المسلسل رؤيتها لكاظم في أحد أركان الغرفة فأطلقت حينها صرخة دوت في أركان المنزل
ولحظها شديد السوء كان عمها جابر وزوجته في زيارة عندهم، إذ هرولا إليها هما ووالديها يحاولون فتح الباب وهذا لأنها كانت تغلق باب الشقة العلوية عليها من الداخل
صوت صراخها كان حادًا وهذا ما جعل والدها وعمها جابر يكسران الباب عليها ليجدوها مكومة في أحد الأركان تصرخ وتنتفض وهى تغمض عينيها وتحرك رأسها بهستيرية
كانت حالتها مخيفة آنذاك اليوم تضرب كل من اقترب إليها لكي يساعدها، حتى أن والدها قد جثى فوقها وقيدها حتى يتحكم بحركاتها العنيفة، وهذا ما زاد الأمر سوءًا، تكاد تجزم أنها رأت كاظم هو من فوقها وليس والدها فعلى صراخها الهستيري وزادت انتفاضة جسدها
لم يتصرفوا معها بشكل سليم يومها وبدلًا من تهديئتها بعناق أو بكلمات قام والدها بكتم فمها حتى تتوقف عن الصراخ ولكنها لم تفعل بل زادت صرخاتها المكتومة، وزاد الادرينالين في جسدها
إذ دفعت والدها الذي كانت تظنه كاظم ثم هرولت على الدرج الي الأسفل بملابس البيت وبخصلات شعرها وخلفها صياح والديها وعمها جابر بأن تتوقف
وقبل أن تخرج من باب المنزل قام شقيقها بالإمساك بها، لتهلع أكثر ثم بدأ الإدراك عندها يستجيب شيئًا فشئ لتدرك أن ما حدث ما هو إلا تهيؤات منها نتجت عن كتم مشاعر الخوف والقلق منذ يوم الحادث فولد كتم الضغوطات إلى إنفجار
ومنذ هذه الواقعة وعاد الجميع يتحدث عنها مرة أخرى بأن مس جني أصابها ثانيةً، أو أن الجنون قد أصابها ولم تبخل زوجة عمها وحكت لكل من سأل عن كل شئ شاهدته، وعندما واجهها زوجها وعنفها أنها سوءت سمعتها قالت أنها لم تقل شيئًا وأن الجيران شاهدوا وسمعوا ما حدث ونشروه بين الجميع
أصبحت تتعرض للضغط أكثر من قبل، من الجميع حتى والديها الذين صدقوا أنها مُست وأخذوها لشيخ، وضغط فوق ضغط فوق ضغط جعلها تعاني من إضرابات نفسية وكلما حكت لوالدتها أنها ترى كوابيس وترى وجه القاتل تقول لها بالنص
"متوهميش نفسك بحاجة وتطلعي على نفسك سمعة تاني، انتي كويسة بس أعصابك تعبانة إقري قرآن وأذكار وانتي ترجعي زينة"
لم تعترض وأصبحت تقرأ القرآن والأذكار ونوعًا ما أصابتها السكينة ولكن لا تزال تعاني من إضرابات نفسية وحالات خوف كلما شاهدت مشهد قتل في مسلسل أو فيلم، أو ترى منشورًا عن فتاة قد قتلت وما أكثر من هذه الأخبار هذه الأيام
وفي نفس الليلة تحلم بالكوابيس التي لا تخلو من كاظم ومحاولات قتله لها، أصوات الرصاص، دماء فريال تلك الفتاة التي ذهبت ضحية هوس الحب
ادمعت عينيها بشكل لا إرادي على المأساة التي تعيشها دون أن يدرك أحد، فتاة جميلة ذكية من الخارج ومن الداخل مرتعبة، محطمة لا تجد من يصلحها، تلعق جروحها بمفردها منذ أشهر دون الشكوة فكلما اشتكت لا تجد غير جملة
"انتي زينة مفكيش حاجة بلاش توهمي نفسك"
أخرجت مناديل من حقيبتها وأخذت تمسح وجهها بالتزامن مع مناداة فتاة في مقتبل العمر على من سيقومون بتحاليل كتب الكتاب ليدخل براءة ويوسف إلى إحدى الغرف برفقة والدها بينما بقية هى في مكانها
أخرجت هاتفها تعبث به قليلًا على الإنترنت لتجد رسالة وصلت إليها البارحة من يونس على الواتس آب تقول
"متنسيش المحفظة وانتي جاية"
محفظته في حقيبتها ولكن لن تعطيها له لذا أجابت برسالة إستفزازية
"يوه تصدق نسيتها"
رفعت عينيها له حيث كان يجلس في المقاعد المقابلة لها يداهر حمزة كعادته ولكن شعر بها تراقبه، وعندما نظر إليها أخفضت عينيها للهاتف مرة أخرى، ولكن ذلك الرجل ذكي وشديد الملاحظة إذ فتح هاتفه ونظر إلى الرسالة التي أرسلها أمس لها محاولًا خلق حوار
ولكنها لم ترد، والآن ردت رد جعله ينظر إليها بنظرة تهكمية مجيبًا عليها
"وحياة أمك"
"متجيبش سيرة أمي علشان مجيبش سيرة أمك"
قرأ الرسالة ولكن سرعان ما حذفتها هى عندما أدركت ما أرسلته ولكنه قد رآها لذا حرك شفتيه وعينيه في عينيها بمراوغة :
-شوفتها
أغلقت هاتفها وادعت أنها لا تراه بينما تنظر له من حين إلى آخر بطرف عينيها لتسمع صوت هاتفها برسالة جديدة وكأنه يريد فتح حوار معها
" تيجي نعمل التحاليل إحنا كمان ونكتب الكتاب"
رفعت شروق رأسها له سريعًا تحدق به بأعين مذهولة ولكن سرعان ما انعقدت ملامحها حين أرسل
"أو لا خلينا نستنى فترة الخطوبة يمكن أغير رأيي"
إنسان مستفز جرئ إلى أبعد الحدود وهى أكثر منه إستفزازًا إذ أجابت هذه المرة بصوت مرتفع وكأنها تحادث نفسها :
-اتفق أصلًا انا كمان ممكن أغير رأيي
نظرت نحوها نور خارجة عن هدوءها إذ قالت :
-بتقولي ايه؟؟
-مفيش حاجة بكلم نفسي
ضحك يونس ضحكة اخفاها بأنامله وهو ينظر إلى القوة التي تنبعث من عيني شروق أسفل نظارتها الكبيرة، تعجبه هذه المرأة تعجبه بطريقة غير عادية، ورغم أن الفارق بينهما كبير وقد شعر بتردد في البداية لهذا الفارق، إلىٰ أنه بات يريد أن يتزوجها الآن متخطيًا فترة الخطوبة هذه
أرسل لها رسالة ولكنها لم تفتحها بل إدعت أنها لم تسمعه وعندما راسلها بأخرى وضعت الهاتف على وضع الصامت ثم أخذت تتحدث مع نور غير مهتمة له هو ورسائله وهذا ما جعله يبتسم بسمة جذابة على إدعاء الثقل عندها
رغم أن شروق معجبة به وهذا واضح في نظراتها، إلىٰ أنها تعلم متى تشد ومتى تجذب في هذه العلاقة، امرأة ذكية بشدة وذكائها وجرأتها يعجباه بشدة، هذه هى المرأة التي يريد
مال حمزة عليه قليلًا ثم قال بخفوت بنبرة عابثة :
-ارفع عينك يا مفضوح
-شوف مين بيتكلم
-انا معترف يا حبيبي إني بحبها وبموت فيها كمان، الدور والباقي على اللي واخد دور التُقل بزيادة
قلب يونس عينيه بضجر دافعًا رأس حمزة بعيدًا عنه، ليرى شروق قد فتحت هاتفها وتقرأ رسائله وسرعان ما علت البسمة على وجهها وقد اخفتها سريعًا عندما رأته ينظر إليها
وقد كانت محتوى الرسائل الآتي
"عجباني انتي"
"أموت على اللي يعرف يرد عليا علشان كده بحب انكش حمزة ولو هنقطع بعض عادي"
ارتفع صوت يوسف من الداخل فتحرك يونس من مكانه سريعًا ولحقه حمزة مقتحمين الغرفة دون إستئذان ليبصرا يوسف في حالة نادرة من غضبه وبراءة يساندها والدها وهناك بقع من الدماء على كُمها وملابسها
تدخلت نور سريعًا وساندت براءة بدلًا من والدها الذي جذب يوسف مهدئًا الوضع :
-خلاص يا يوسف نشوفوا البت الأول وبعدين نلوموا
بدأ جميع الموجدين في المركز يتسائلون ماذا حدث فأخذ العاملين يبررون أن الفتاة لديه سيولة أو ما شابه فانفجر شريانها بالدماء، وبالطبع اخفوا الحقيقة حتى لا ينسحب الزبائن من مركزهم
أخذت صفية ونور براءة للمرحاض يغسلون وجهها ويمسحون هذه الدماء وشروق تقف خارج المرحاض تخاف أن تدخل وتصطدم عينيها في منظر الدماء، وبدلًا من أن يقلقوا على واحدة يقلقوا على اثنين
-هاتي يا شروق في علبة مناديل في شنطتي
نطقت بها نور منادية على شروق التي تحمل الحقائب في الخارج فولجت الأخرى بحذر ولم يكن هناك إلا بقع دماء قليلة على ملابس شقيقتها ونور تكتم الدماء المتدفقة بقطن احضرته إحدى العاملات هنا
أخرجت علبة المناديل فأخذت صفية تمسح وجه ابنة شقيقتها بينما حالة براءة زادت سوءًا في المرحاض إذ أخذت تجر أنفاسها بصعوبة وهى تقول :
-طلعوني.... مش عارف..... اتنفس
أخرجنها من المرحاض بسرعة وقد هبطن من هذه البناية بأكملها تاركن يوسف يتشاجر مع الطبيب المسؤل وتلك الممرضة، جعلتها صفية تجلس على درجات البناية في الظل ثم قالت :
-دقيقة أجيب مياه من السوبر ماركت متتحركوش من هنا
تركتهن صفية بينما قالت براءة بإرهاق وهى تجذب طرف قميص شقيقتها بضعف :
-اقروا عليا قرآن حاسة إني مش كويسة
ودون جدال جلسا نور وشروق على جانبيها، واحدة وضعت كفها على رأس براءة والأخرى وضعت كفها على صدرها واخذا يتلوان الآيات القرآنية بصوت مسموع وبراءة تردد معهم بتحريك شفتيها فقط
عادت صفية ومعها زجاجة ماء وعلبة عصير جعلت براءة تشربها بأكملها حتى يسترد وجهها لونه الطبيعي، وبعد دقائق من تلاوة القرآن بدأت براءة تشعر بالتحسن فتساءلت صفية عما حدث معها بالداخل
وقصت عليهم الأخرى ما حدث لتأخذ صفية دقيقة كاملة تسب تلك الفتاة بكل السباب التي تعرفها بينما أضافت براءة بحيرة :
-بس حاسة إني تعبت قوي لما قرب مني يوسف هو معملش حاجة بس انا حالتي كلها اتغيرت لما قرب مني، حسيت الدنيا بقيت سودة وايده اللي على ايدي حسيتها نار مش قادرة استحملها
-أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لما نرجعوا لازم ناخدوكي لشيخ علشان يشوف حل في الموضوع دِه
نطقت بها صفية بإصرار غريب على أن براءة مصابة بسحر ليهبط الشباب والرجال من الأعلى ثم قال عثمان بجدية :
-تعالوا نروح مركز تاني اللي فوق دول متخلفين
اقترب يوسف من براءة وهبط قليلًا إلى مستواها ثم امسك بذراعها حتى يرى إن كان الجرح لا يزال ينزف أم لا
شعرت براءة بنفس الحرارة في يده لكن هذه المرة أخذت تتلو القرآن بصوت داخلي تحارب الدوار الذي أخذ يلفح رأسها مرة أخرى فقال يوسف وهو يغطي ذراعها :
-لو تعبانة نرجع ونبقى نعمل التحاليل في يوم تاني
نفت الأخرى برأسها ثم قالت :
-انا كويسة يلا نروحوا مركز تاني ونخلصوا من اليوم ده
تحركوا من أمام هذه البناية وقد استندت براءة على شروق في سيرها معهم وهى تفكر جديًا في أنها مصابة بسحر ولكن السؤال هو، مَن الذي صنع لها هذا السحر؟؟ ولما فعل هذا؟!
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
كانت تدور في متجر الملابس وزوجها بتابعها بصبر لم يكن يعلم أنه يمتلكه إلا حين تزوج رقية والتي كان رأسها وألف سيف أن تذهب الصعيد لأجل عقد قران أخيها وابن عمها حتى أنها اشتكت لجدته والتي وقفت في صفها وعنفته هو قائلة :
-ما تخليها تروح يا عمر يعني هى البت اخوها هيتجوز كل يوم، خدها وروح ولو مش فاضي انتي خد أجازة يا تروح لوحدها
والآن ها هى تشترى فستانًا جديد من أجل عقد القران وأجبرته على أن يأتي معها لأن كل أقاربها الفتيات في الصعيد الآن وهاجر متعبة بسبب الحمل ولا تستطيع أن تأتي
خرجت من غرفة قياس الملابس مرتدية الفستان رقم ثمانية أو تسعة لا يتذكر ولكنه قد سئم حقًا مما تختار، وفي كل مرة يقول :
-الفستان ضيق يا رقية
-يا عمر بقى ما كل فساتين الأفراح عاملة كده، ده اسمه فستان سهرة مش إدناء
صاحت به بضيق لرفضه على الفستان الثامن الذي تختاره، أشار لها عمر بأن تستدير هاتفًا بتفكير :
-لفي كده ممكن تكون الهدوم اللي انتي لبساها تحته مطلعاه ضيق
-لأ ما انا قلعت الهدوم جوا علشان أعرف ألبسه
-نهار أبوكي مش فايت ادخلي قدامي
دفعها عمر بسرعة إلى غرفة قياس الملابس يبحث في كل الزوايا بعينيه وقد أشعل إضاءة هاتفه وحتى المسامير قد تفحصها وعندما لم يجد شيئًا زفر بإرتاح مُزج ببعض الحدة وهو يقول :
-إياكِ يا رقية تقلعي برا البيت خاصةً في محلات الهدوم، الدنيا مبقاش فيها أمان لو هتقيسي يبقى على هدومك
آماءت له رقية بطاعة فقال عمر وهو يخرج :
-اقلعي الفستان ده مش هنشتريه، هنروح نشوف محل تاني
خرجا من هذا المتجر متجهين إلى آخر لتبدأ رقية جولتها مع العاملة في المتجر بينما هو ارتكن إلى إحدى الجدران يتصل على سفيان حتى يطمئن على جدته التي تتدهور صحتها أكثر وقلبه يقول أن أجلها قد حان وعقله يرفض ويستنكر تمامًا هذا الأمر
-الو، ازيك يا سفيان ايه الأخبار؟؟
-تمام حاطط ماسك قهوة على وشي والدنيا حلوة
لوهلة ظنه يمزح ولكن الآخر استرسل بجدية شديدة :
-مرات اخوك عاملة ماسك قهوة وحطتلي معاها وحالًا رايحة تقطع خيارة علشان الهالات السودة
قهقه عمر بصخب لا يصدق أن أخيه العقيد في أمن الدولة ذو الشخصية الصارمة الحادة يجلس على الأريكة ووجهه مغطى بسواد القهوة وعلى عينيه قطعتين خيار :
-انت بتتكلم بجد؟؟
-آه والله وبدأ وشي يتشنج لما نشف الماسك ده، حاسس نفسي عامل بوتوكس مش عارف أحرك وشي يا عمر
زادت ضحكات الآخر في المكان حتى أنه لم ينتبه أنه جذب انتباه الزبائن له، حمحم وقد خفتت ضحكاته قليلًا عندما قال سفيان متسائلًا :
-انت هتسافر أمتى
-كتب الكتاب هيبقى يوم الخميس هسافر يوم الأربعاء العصر كده علشان أوصل الخميس الصبح
-بلاش تسوق بالليل وأنت أول مرة تسافر المسافة دي كلها، سافر الأربعاء الفجر علشان على الأقل لو توهت على الطريق تلاقي حد تسأله
-والله شايل هم السفرية دي من أولها لآخرها، حتى القعدة هناك حاسس هتبقى تقيلة علشان الناس قرايبها هى مش انا، بس محبتش أكسر بخاطرها وده كتب كتاب أخوها
-معلش استحمل يومين
-طب خلي بالك من جدتك في اليومين دول، انت هتبات انت وهاجر معاها صح؟؟
-والله لو عليا اخدها عندنا بس معاندة على القعاد هنا وانا مش عارف هنام ازاي انا ولوزة على السرير اللي جاب آخره ده
-كان بيستحملني انا وانت مش هيستحملك انت ومراتك، انت بس بلاش تتشتاقى ليتكسر وجدتك تعملك مظاهرة لأحسن السرير ده آثار من عمر أمك الله يرحمها
ضحك سفيان على حديثه قائلًا :
-يا قليل الرباية، تربيتي يلاه
تحدثا قليلًا ثم أغلق عمر معه عندما رأى رقية قادمة ووجهها مقلوب وبدون مقدمات جذبت ذراعه بقوة وخرجا من المتجر دون شراء شئ فقال متعجبًا :
-فيه ايه مالك؟!
-مليش
نطقت بها بصوت غاضب فأوقفها عمر بسرعة هاتفًا بجدية :
-مالك يا رقية حد ضايقك جوا
ضمت الأخرى ذراعيها إلى صدرها وملامحها زادت سخطًا فقال عمر بصوت أكثر حدة، قلقًا من أن يكون أحد أزعجها ولا تريد أن تبوح :
-لو حد عملك حاجة قوليلي متسكتيش
-انت كنت بتضحك ليه جوا كده كأنك بتسمع نكت؟! كنت بتكلم مين أصلًا مخليك مسخسخ من الضحك؟؟
-مسخسخ؟!! مين علمك الكلمة دي أكيد جدتي مينفعش تقعدي في باكوس تاني
صاحت به الأخرى بحدة منخفضة نظرًا للناس من حولهم :
-متغيرش الموضوع انت كنت بتضحك وكل الستات باصين عليك حتى واحدة منهم قالت مين الحلو ده ضحكته تجنن
رمقها عمر ببلاهة وهو من ظن أن أحدهم ازعجها بكلمة أو فعل ليتضح له فقط أن زوجته المجنونة تشعر بالغيرة :
-انتي هبلة يا رقية!؟
-انت الأهبل مش انا
اتسعت عيني الآخر بصدمة لردها الحاد هذا فسحبت رقية ما قالته سريعًا قائلة بتوتر :
-لا استنى دي طلعت غلط والله ذلة لسان
مسح على وجهه مخفيًا بسمته، ربما مجنونة ومتسرعة ولكنها طيبة القلب فلم يمر يوم تنكد عليه إلا وتمسحت فيه مثل القطط آخر اليوم تطلب منه السماح والعفو، وإن تعدت حدودها في الكلام تسرع وتعدله حتى لا يغضب منها
مجنونة هذه المرأة ولكنه يحبها كثيرًا
حمحم مدعيًا الجدية والغضب وبدون كلمة تخطاها مكملًا سيره فلحقت به رقية سريعًا قائلة :
-هو انت زعلت آسفة والله طلعت غلط دي، انا بس اتعصبت وكنت غيرانة بلاش أغير على جوزي!؟ طيب ما انت برضو بتغير ومش بتكلم
-بس مش بغلط فيكي
نطق بها مدعيًا اللوم والعتاب مخيفًا قهقه صاخبة عليها فهى تلحق به مثل الكتكوت الصغير الذي يلحق بوالدته وهى تقول بأسف :
-طب خلاص انا آسفة متزعلش
-لا زعلان علشان انتي لسانك طول يا رقية
وقفت أمامه بسرعة ودفعته للخلف بخفة حتى يتوقف :
-طب ايه يرضيك طيب!؟
أشاح عمر بوجهه الناحية الآخر يشعر أنه سينفجر ضحكًا في أي لحظة على ملامحها اللطيفة هذه وهى تقول :
-متزعلش علشان انا كمان هزعل والنونو جوا يزعل ولما يزعل يحلف يمين تلاتة ما هو قاعد جوا وينزل
-يحلف يمين تلاتة؟! انا أشك إنك من ميامي يا رقية
ضحك ولم يتمالك نفسه فجذبت رقية ذراعه نحو إحدى المتاجر ليس وكأنها كانت تركض خلفه كالبط الصغير :
-بس ضحكت يبقى اتصالحت يلا نكمل بقى
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
في المساء
رفع زجاجة عطره الفواحة ونثر منها على عرقه النابض وعلى رسغيه وقميصه الأبيض الناصع، من ثم نظر إلى كريم الذي كان يميل قليلًا ويربط رباط حذائه فاقتربت منه ونثر على عنقه وعلى قميصه الأزرق _والذي سرقه منه ليرتديه اليوم_
رفع كريم رأسه لشقيقه مبتسمًا له بإتساع وقد راودته ذكرى جميلة منذ سنوات طويلة عندما كانا صغارًا وتكون هناك مناسبة، يتسلل حمزة إلى غرفة والده ويسرق عطره ويضع منه ليتذمر هو تذمر الأطفال لأنه يريد أن يضع عطرًا مثله فيضع له ثم يعيدا الزجاجة دون أن يعلم أحد
استقام كريم ثم قال مبتسمًا :
-شكرًا يا عم يوم الفرح انا اللي هحطلك بنفسي
اقترب من المرآة يرتب خصلات شعره بالتزامن مع دخول يونس مغلقًا أزرار كم قميصه الأسود الذي يرتديه وهو يقول :
-خلصتوا ولا لسه
وأجاب حمزة :
-تمام كريم يرتب شعره ونخلص، بس متقوليش إنك أنت ويوسف لابسين نفس القميص الأسود علشان مش ناقصة لخبطة
قلب الآخر عينيه بعدم إهتمام ثم أجاب وهو يجذب حذاؤه الأسود من أسفل الاريكة حتى يرتديه :
-فكرة يوسف عايز يعرف براءة هتعرف تفرق ما بينا ولا لأ
-هى لسه بتتلخبط بينكم؟؟
-أحيانًا
-بس شروق بتعرف تفرق بينكم عادي
ابتسم يونس بسمة خفية ثم تمتم بينه وبين نفسه :
-عفريتة ومعرفش ازاي
رفع نظره إلى حمزة الذي كان يعبث في هاتفه فقال ببسمة مستفزة :
-صحيح مقولتش حصل ايه لما خدوا منك عينة الدم كان نفسي ادخل بس عمي عثمان هو اللي دخل
قلب الآخر عينيه بضجر ظاهر وحرج خفي لقد حاول ألا يُظهر خوفه من الإبر أمام نور واغمض عينيه حتى لا يرى الإبرة وهى تدخل ذراعه، ولكن للأسف مع أول وخزة أطلق صرخة حادة كبط صغير اكتشف أن كلبًا مسعورًا يركض خلفه
لا تزال ضحكات نور ترن في اذنيه وهى تقول :
-ده كله علشان حقنة؟! معاها حق عائشة إنها مسمياك بسكوتة
كان موقفًا محرجًا لا يتمنى ان يعاد مرة أخرى، وما زاد الطين بله أنها لم تطلق تأوهًا واحدًا ولا اي شئ عندما سُحبوا منها العينة حتى أنه قال مندهشًا :
-طب غمضي عينيكي حتى علشان أحس إنك موجوعة
وما كانت اجابتها غير بسمة غير مبالية ارتسمت على ثغرها الصغير وهى تقول :
-انا اضّربت بسكينة في بطني مظنش الحقنة هتوجع أكتر
حرك أنامله على شاشة الهاتف ثم أرسل لها
"خرجتوا ولا لسه"
عقد حاجبيه بتعجب عندما وجد رسالة محذوفة منها قد ارسلتها عندما كانوا في أسيوط لذا أرسل قائلًا
"انتي بعتي ايه وحذفتيه"
أغلق هاتفه وقد تركه متصل بالإنترنت في حال ردت، ثم وجه حديثه إلى يونس الذي كان ينفس سيجاره في الهواء وباله شارد :
-هو يوسف واسماعيل نزلوا ولا ايه؟؟
-إسماعيل نزل ويوسف بيحب في التليفون
-ما تروح تعمل زيه بدال ما انت بتشد سجاير، قربت تبلي نفسك بالمرض وتبلينا معاك
زفز يونس بضجر وأخذ نفسه وخرج إلى الشرفة ثم فتح هاتفه ينظر إلى الرسالة التي أرسلها لها بإعتراف صريح أنها تعجبه وحتى الآن لم ترد، أتسرع أم أنها فقط خجلت ولا تعلم بما ترد عليه
وفي كلتا الحالتين أغلق الهاتف ولم يرسل لها شيئًا
أما في الداخل قد جلس حمزة على هاتفه يقرأ الرسالة التي أرسلتها نور له
"هو انت شوفت الرسالة؟!"
"لأ علشان كده بسألك انتي بعتي ايه وحذفتيه"
"اعتبرني مبعتش حاجة"
رفع حمزة إحدى حاجيبه بريبة ثم أرسل لها
" بعتي ايه يا نور "
" رسالة ملهاش لازمة مدّقش "
" مدّقش ايه؟؟ "
" قصدي يعني متزنش "
" امم طب انا عندي برنامج يرجع الرسايل المحذوفة"
"احلف؟! هو مش البرنامج ده للواتس بس، إحنا بنتكلم فيس"
"لأ جديد ده ثواني هاروح أشوف"
يكذب لا يوجد برنامج هكذا وإنما يريد أن يعلم ماذا أرسلت له وحذفته، وقد زاد فضوله أضعافًا عندما أرسلت
" حمزة بالله عليك مترجعش الرسالة "
" الرسالة فيها ايه يا نور "
" معلش مترجعش الرسالة خليك عسول "
" هو انتي بتكلمي ابن أختك؟! انتي باعتة حاجة فيها قلة أدب ولا ايه "
" احترم نفسك يا حمزة انا معملش كده"
"طب يا بنت الناس باعتة ايه ولا أقولك انا اتعب نفسي ليه أروح أرجع الرسالة"
خرج من التطبيق مدعيًا أنه يفتح آخر فأرسلت له قائلة
"بعتلك رد على منشور عود الريحان اللي نشرته بس مسحته تاني لما حسيت إني ممكن آخد ذنب"
"ليه انتي كنتي كاتبة ايه؟!"
لم تجبه فأرسل لها علامة استفهام وعلى شفتيه ابتسامة مستمتعة وكم أراد رؤية خجلها الآن على وجهها الصغير، وبعد قليل أرسلت له رسالة جعلت الإبتسامة تتسع من هذه الأذن إلى هذه الأذن
" لما نتجوز هقولك "
تنهد بعشق لهذه الفتاة يتمنى أن يجتمع بها عن قريب في بيت واحد، لا لكي تعلمه الأخلاق الحميدة بل لكي يفسد هو أخلاقها هذه
"يارب نتجوز بسرعة يا نور علشان أفسدك"
"تفسدني؟!"
"مش هشرح أكتر من كده هناخد ذنوب ومش بعيد تعملي ليا بلوك"
"انا هعملك بلوك فعلًا "
احتل التعجب ملامحه عندما وجدها حظرته بالفعل فصاح مذهولًا :
-ده عملتلي بلوك؟!
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
في قاعة متوسطة الحال لا هى رخيصة ولا فاخرة، توقفت عدد من سيارات الأجرة أو ما تسمى "ميكروباص" ليهبط منها أهل العريس وهم عائلة عبد الجواد وعلي وحسين وجابر وماهر، ليبدأ الرجال والشباب في تفقد القاعة والترتيبات مع العمال
بينما جلسن السيدات على الطاولات القريبة من المسرح ومنهن كنّ الفتيات اللواتي أخذن طاولة بمفردهن مع اقرانهن يتحدثن عن القاعة وشكلها ويلتقطن الكثير والكثير والكثير من الصور
بدأ المدعوون في الحضور منهم عائلة هواري ليجدوا أن الأمر هنا مختلف نوعًا ما عن أغلب القاعات التي يعرفونها، إذ كانت هذه القاعة منقسمة نصفين، نصف للرجال ونصف للنساء
اقترب ياسر وابنيّ عمه جابر واخذوا الرجال والشباب إلى إحدى الطاولات بينما اتجهن النساء بحثًا عن البقية وقد وجدوهن بالقرب من المسرح
جلس الشباب على إحدى الطاولات ليقول يوسف وهو يغلق الهاتف مع شقيقته :
-رقية وعمر هيجوا يوم الأربعاء وأمير وإسلام وأحمد ومراته علشان يحضروا كتب الكتاب
وضع الهاتف في جيبه ثم أخذ يبحث بعينيه عن براءة ولكن النساء اللواتي يجلسن كُثر ولم يستطع رؤيتها بسبب بُعد المسافة، لذا جلس صامتًا مثل البقية وقد ظلت الأجواء على هذا الحال إلى ما بعد الساعة التاسعة، وقتها فقط حضر العروسين
أظلمت القاعة ظلامًا حالكًا وبدأ العد التنازلي ثم صدحت بعدها اغنية لحضور العروسين، كانت الأجواء صاخبة سئم يونس منها لذا أخذ نفسه وخرج من القاعة التي تطل على الطريق السريع
أخرج علبة السجائر ثم أشعل سيجار يشعر بغضب داخلي حتى أنه لم يدرك أنه ظل في الخارج لنصف ساعة يتنفس النيكوتين من السيجارة رقم ستة
أجل لقد وعد والده أنه سيخففها ولكن لا يدري لما أعصابه فائرة والسبب هو أن شروق ترتدي اللون الأزرق
أجل ستظنوه يكبر الأمور عندما يكمل ولكن عندما رآها تذكر جملة عمته "هاتيه أزرق علشان أمير بيحب الأزرق"
لما اختارت هذا اللون من بين جميع الألوان، يحاول إقناع نفسه أنه من باب الصدفة وليس عنادًا به، ولكن جلوس عمته منذ بداية حفل الزفاف وهى تتحدث معها هى والفتيات بهذه الحماسة تجعل نيرانه تغلي، والأخرى تبتسم لها كبلهاء وتضحك من حين لآخر
لا يريد أن يشك ولا بنسبة صغيرة أن شروق بدأ يعجبها أمير، مهلًا ولما لا وهى حين نظرت إلى صورته قالت "آه والله حلو - اكدب يعني ابنك ما شاء الله حلو"
أكانت تستفزه أم هو نال إعجابها بالفعل، لا يريد أن يكون الرجل الغيور الذي يشك في كل رجل تتحدث معه حبيبته، ولكن أصابتها عقدة حين تركته عايدة دون مقدمات لأجل عاصم وتركته خطيبته السابقة لنفس السبب من أجل زميل لها في الجامعة
وبهذا تكونت عنده شخصية معقدة غير قادرة على محادثة النساء برقي، هو لا يتحكم في مشاعر عايدة والأخرى ولكن هل النصيب يتكرر مرتين لنفس السبب أم هو به عيب؟!
أخفض سيجاره وراودته جملة قالتها شروق هذه الظهيرة حين اقترح حمزة ويوسف أن يتناولوا الغداء في أسيوط، كان حمزة مندمجًا كعادته في الحديث مع نور رغم كون الأخرى هادئة أكثر منه وتسمعه بتركيز
وكان يوسف مشغول مع حالة براءة الغريبة بالتعب المفاجئ الذي أصابها لتنظر له شروق حينها وبدت أنها تنتظر منه أي شئ يبادر به ولكنه لم يفقه ماذا يقول لذا قالت جملة رنت في عقله إلى الآن بعد أن رمقت نور وحمزة بنظرة طويلة
"هو انت ليه مش بتتكلم معايا زي باقي المخطوبين ما بيعملوا"
مرحى يونس انت تضيع الرابعة من بين يديك
اغمض عينيه بقوة يشعر بالتخبط والعجز الشديد غير قادر على فهم ماذا تريد شروق، حاول تذكر كلمات حمزة في أن الفتيات يحتجن للرعاية والإهتمام حتى لو بالكلمات
ولكنه غاضب الآن من تلك المستفزة التي ترتدي فستانًا أزرق وقد خرج يصب غضبه في السجائر بدلًا من أن يصبه بها
-يونس بتعمل ايه بقالك نص ساعة برا
لم يكن بحاجة إلى الاستدارة فعلم أن المتحدث يوسف والذي نظر إلى موضع قدميه يعد أعقاب السجائر ثم صاح قائلًا :
-انت شارب ده كله لوحـــدك؟!
-متزعقش فيا يا يوسف
نطق بها بجمود ونبرة باردة استفزت الآخر فصاح أكثر قائلًا :
-لا ازعــــق لما تدمر صحتك كده ازعق فيك
-وانا قولت متزعقـــــش
جفل يوسف من صراخ شقيقه بهذه الطريقة ليلقي الآخر سيجارته على الأرض بضيق ثم ولج إلى القاعة مرة أخرى متجهًا إلى المرحاض الموجود به، وأثناء سيره في هذا الزحام بسبب رقص العروسين في المنتصف اصطدم في فتاة وسقط على فستانها المياه الغازية التي تحملها
-لا مؤاخدة.
نطق بها بلامبالاة ليسمع الفتاة تقول بنبرة متهكمة مرتفعة :
-ايه الغباء ده ماشي تخبط في الناس
استدار بقوة لها ليجدها فتاة غير معروفة بالنسبة إليه لتهم نور بالإعتذار فقد كانت تقف معها هى وشروق وعائشة :
-معلش انا اسفة يا
تركت جملتها معلقة ثم نظرت إلى شروق والتي علمت أنه يونس بسرعة فقالت :
-معلش يا يونس بس انت قلبت على فستانها الببسي وانتي معدي
-وانا قولت آسف ليه تطول لسانها بقى
نطق بها بعصبية ناتجة عن الضغط الذي يدور في ذهنه لتقول الفتاة بنفس عصبيته :
-انت بتزعق وانت اللي غلطان، معدي تخبط في الناس بدل ما تستأذنهم تعدي
رمقها يونس بحدة ويبدو أن هذه هى الفتاة التي سيصب بها جام عصبيته، وعندما رأت شروق هذا استوقفته سريعًا وقد اقتربت منه عدة خطوات :
-خلاص يا يونس عديها معلش
انكمش وجهها سريعًا عندما اصطدم انفها في رائحة نيكوتين قوية تخرج منه فقالت بضيق :
-هو ريحة السجاير دي كلها طالعة منك؟؟ انت شارب كام واحدة
لم يجبها يونس وإنما ظل يرمقها بنظرات قوية لم تفسرها فقالت :
-علفكرة لازم تبطلها انا مش بستحمل الدخان
-وهو انا كنت شربتها جنبك؟!
-علشان فيما بعد
-مين ضامن فيما بعد دي أصلًا
نطق بها بحدة غير مبررة ثم رحل تاركًا شروق في منتصف ملابسها من شدة الحرج الذي أصابها بعد جملته هذه لتقول الفتاة وقد كانت ابنة خالهن :
-انا مشوفتش كده قلة أدب وبجاحة، هو ده خطيبك يا شروق انا منك افركش مش هستحمل قلة الذوق دي
نهرتها نور عما تقول بينما اقتربت من شروق محاولةً إصلاح الأمر :
-شروق يمكن متعصب وطلعت منه غلط انا بطلع دبش لما ابقى متعصبة
دفعت الأخرى يد نور بخفة ثم استأذن أنها ستذهب للمرحاض دون أن تدري أنها ستقابله هناك ولأن القاعة بسيطة كان المرحاض واحد مشترك فأبصرته يقف هناك يغسل يديه وفمه بينما خرجن الفتيات اللواتي كن يلتقطن الصور حرجًا من وجود شاب بينهن
هى ليست بفتاة ضعيفة كي لا تأخذ حقها وتتركه هكذا يحرجها بين الفتيات وتصمت، وقفت خلفه مع حفظ مسافة بعيدة ثم قالت بحدة طفيفة :
-مين ضامن فيما بعد دي أصلًا، معناها إنك عايز تفركش صح؟؟
ابتسم الآخر بسمة بعيدة عن السعادة بل تلك البسمة الساخرة الخاصة به :
-مسكتي في الكلمة علشان جات على هواكِ صح!؟
-يعني ايه جات على هواكِ ما تتكلم بطريقة مباشرة
نظر لها الآخر في المرآة محدقًا في ملامحها الضائقة ثم قال :
-انا لو اتكلمت بطريقة مباشرة محدش هيزعل غيرك
رمقته الأخرى بنظرة قوية ولولا أنه غاضب الآن وفي موقف لا يسمح له بقول كلمة _أنها راقت له_
-اتكلم يا يونس الخطوبة اتعملت علشان كل واحد يشوف وش التاني ونعرف بعض من قريب
استدار الآخر بعنف وقد استفزته جملتها هذه فقال :
-انا معنديش وشين علشان اخبي واحد منهم انا طول عمري صريح حتى لو كان كلامي يوجع
-عايز ايه يا يونس!؟ مين حارق دمك وجاي تطلعه عليا انا
-انتي اللي حارقة دمي طول الوقت، ينفع أعرف ليه ما بين ألوان الدنيا كلها لابسة فستان أزرق
نظرت الأخرى لفستانها بتعجب شديد لا تدري ما علاقة لونه الآن بالمشادة التي تدور بينهما :
-ايه علاقة اللون بالموضوع، ده بدال ما تقولي الفستان حلو عليكي زي باقي الرجالة
خرجت منه هذه الأفكار بصوت مرتفع دون أن تلاحظ فصرخ بها يونس وجن جنونه لكلمتها :
-انا مش بقارنك مع واحدة بيبقى إياكِ تقارنيني براجل تـــــانـي
جفلت لصراخه هذا ولم يصل الصوت للخارج لضجيج القاعة بالموسيقى، بل وصل لمن في المرحاض فقط، إذ خرجت واحدة من إحدى كبائن المرحاض وقد كانت رحاب ابنة عمه وابنة عمتها والتي قالت بحرج :
-مش قصدي اتطفل عليكم وانا جوا، بس حسيت الخناقة شدت جامد ما بينكم فخرجت أفك
صمت يونس وجذب علبة المناديل التي معه يمسح بها يديه لتقول رحاب بعقلانية ورثتها من والدها :
-مالكم بس ده شيطان ودخل بينكم
-بيتعصب عليا وانا معلمتش حاجة يا رحاب
نطقت بها شروق وضاق صدرها قهرًا لتصرفات يونس معها لتنظر رحاب إلى يونس والذي بدوره آثر الصمت حتى لا تكبر المشكلة وهو يعلم إن تحدث بما في جعبته لن تصبح الأمور إلا أسوء وأسوء
هى تعلم أبناء اعمامها جيدًا وتعلم أن يونس ليس من النوع الذي يجيد التحدث مع النساء وصمته يدل على أنه لا يريد أن يفسد الأمور أكثر فقالت :
-معلش يا شروق تلاقيه مصدع من الأغاني برا وهو لما يبقى مضغوط بيتعصب على اللي حواليه
-مش لدرجة يزعق فيا كده، مش لدرجة يقولي مين ضامن نكمل مع بعض أصلًا، انا عارفة إنه نصيب بس هو قالها كأنه بيقول وجودي مش فارق معاه حتى لو الموضوع هيخلص مش هيفرق
نظرت له ثم قالت بلوم خفى خلف عزة النفس التي لمعت في عينيها :
-انا مش قصدي أحطك في مقارنة مع راجل تاني بس انت اللي بتضطرني ابص على اللي مخطوبين حواليا وأحس إني مش زيهم ولا شبههم، لو انت مش طايق وجودي وحاسس إننا مش مناسبين نفارق من غير ما واحد يوجع التاني في الكلام انا مش هفرض وجودي على حد
سحبت نفسها من المكان تشعر أن انوثتها وكرامتها قد جُرحا، لأول مرة ترى هذا الوجه من يونس
نظرت رحاب إلى ابن عمها ثم قالت بلوم :
-ليه كده يا يونس هتضيعها هى كمان علشان الدبش اللي بترميه على اللي حواليك، شروق لايقة عليك أوي والكل مبسوط بيكم حتى يوسف قال هى دي اللي هتكمل معاه فبلاش تخنقها، وهى معاها حق في آخر حاجة قالتها، بدال ما تكسب قلبها بكلمتين تعكنن عليها، ده لو قولتلها بس الفستان تحفة عليكي والله تكسب قلبها، متخلنيش بقى احلف في الحمام
مسح الآخر وجهه مستندًا على الحوض خلفه ثم قال :
-رحاب عمتك كانت بتقول ايه وهى قاعدة معاكم
-ايه دخل عمتك بالموضوع دلوقتي؟!
-معلش ردي
-كانت بتخرف كعادتها يعني وطلعت أبوك وابويا حضروا الاحتلال الإنجليزي اللي جدك نفسه مكنش اتولد وقتها
-وهى كانت بتضحك معاها
-ده الكل مات من الضحك عليها حتى انا
زفر يونس بضيق شديد والآن فهم سبب سعادة شروق وهى بجانب عمته، وللأسف خرجت من هنا حزينة مكسورة الخاطر بسبب مزحتها انذاك اليوم مع عمته لتنقلب المزحة لمشكلة تجعل علاقته معاها على شفا جرفٍ من الانهيار
ولا مخطئ غيره...
(قبل ما تقيموا الحد على يونس حبيت أوضح ليكم حاجة، أي اتنين خلقهم ربنا لازم تحصل بينهم مشاكل حتى لو كانوا بيموتوا في بعض لازم هيتخانقوا حتى لو على اتفه الأسباب ودي واقعية حبيت أضيفها في للرواية فأحب اسمع رايكم في الوجه الاخر ليونس؟؟)
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الثامن وستون 68 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
حبيت أشارك ده معاكم
انا بكتب من تلات سنين وجالي آراء كتير داعمة وتعليقات حلوة انا لحد دلوقتي لسه محتفظة بيها، بس أول مرة أفرح من قلبي بجد من رأى واحدة أو تعليق واحدة، أول مرة أحس إني كتبت حاجة ليها قيمة وناس إستفادت منها وعلقت معاها
مبسوطة بجد ليهم واتمنى أكون عند حسن ظنكم جميعًا 💜
صلوا على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
-يعني انتي دلوقتي كويسة
نطقت بها نور وهى تحادث براءة المشغولة في إلتقاط الصور مع دعاء وعائشة، بينما شروق تجلس قالبة وجهها وبالتأكيد أصابها الضيق مما قال يونس، وهى محقة في هذا فلو قال لها حمزة ما قاله لأخذت موقف صارم معه
وكزت براءة حتى تنتبه لها فقالت الأخرى :
-ايوه ايوه كويسة
-طب هو قالك ايه لما روحتي انتي وأمك وخالتي جمالات؟؟
ذمت الأخرى شفتيها مرددة كل كلمة قالها ذلك الشيخ :
-اقرأ قرآن كتير واسمعه طول الوقت، أواظب على الأذكار كلها والصلاة، استعيذ بالله واقرأ آية الكرسي لما احس إني تعبت وقالي معمولي سحر يسبب المرض ومرتبط بيوسف
-أعوذ بالله مين هيعمل كده
-مش عارفة بس عندي احساس إنها مرت عمك جابر بس معنديش دليل للأسف
كان حديثهم بالهمس فيما بينهما حتى لا يستمع أحد لهذا السر الذي تُصر والدتها على أن تجعله سرًا لا يصل أبد لمسامع عائلة يوسف
وعلى ذكر يوسف أبصرته قادم من بعيد وفي يده إبرة تشبه إبر الأنسولين ثم اقترب من الطاولة التي يجلسن عليها عمتها أسماء وباقي النساء في نفسها سنها، ثم قال ببسمة هادئة :
-مساء الخير يا جماعة معلش هضرب إبرة الأنسولين لعمتي وامشي
-هى توحيد لحد دلوقتي مأخدتش دواء السكر
نطقت بها أسماء وقد لامت نفسها أنها غفلت عن توحيد ونسيت دواء السكر الخاص بها فأجاب يوسف بعملية :
-غادة قالت لاسماعيل إنها أكلت حلويات كتير فبعتنا جبنا انسولين ليها علشان ميحصلهاش غيبوبة سكر ولا حاجة
اقترب من عمته ثم قال ببسمة يتوقع رفضها للأمر :
-يلا يا عمتي علشان تاخدي الإبرة
وها هى تنظر إليه وكأنه يطلب منها منكرًا والعياذ بالله ثم نظرت إلى ناهد بجانبها قائلة :
-عايز ايه ده!؟
-عايز يديكي الإبرة يا توحيد ارفعي كومك
-لأ عيب
-معلش ده ابن اخوكي مفيش عيب
-لأ عيب اتكسفي على دمك يا ست انتي
جذبت غادة الإبرة من يوسف ثم قالت بمسايرة :
-طب اديهالك انا يا عمتو انا ست زيك
-ست مين ده الراجل اللي جنبك ده فيه أنوثة عنك
اتسعت عيني يوسف بصدمة بالتزامن مع قهقه براءة المرتفعة لأنها كانت تتابع المحادثة فطالعها يوسف لاويًا شفتيه بتذمر :
-يعني انا اتهزأ وانتي تضحكي
-بصراحة تضحك، مضحكش وافرقع يرضيك
ابتسم يوسف وقد حاول أن يأخذ نظرة لفستانها ولكن فشل لأنها تجلس ونصف جسدها أسفل الطاولة ولا يظهر الفستان من الوشاح البُنى الذي ترتديه، عجبًا إن براءة تحب كثيرًا اللون البني بكل درجاته وهو حقًا يليق على بشرتها الخمرية
استقامت رحاب وقد كان لها طريقة إقناع مع توحيد لأنها زوجة ابنها وتجلس معها كثيرًا، وبالفعل استجابت توحيد وأخذت الإبرة من غادة ثم قالت وهى تكرمش وجهها بألم :
-غوري إيدك تقيلة
-علفكرة بتشتميني وانا ساكتة
نطقت بها غادة بسخط ثم أعطت الإبرة فارغة ليوسف أو لنقول ليونس الذي وقف بجانبها ظنًا منها أنه يوسف ثم قالت :
-خد يا يوسف وروح ارجع مكانك مينفعش تقف هنا جنب الستات
ترك يونس الإبرة على الطاولة مكانها دون أن يصحح لها مسترقًا النظر لشروق التي جذبت هاتفها تعبث به فور أن ظهر هو، يحاول أن يفكر في طريقة يعتذر بها منها ولكن لا يدري كيف وكل هؤلاء النساء هنا وبالطبع لن تسمح له بمحادثها بعيدًا
جذب يوسف الإبرة الفارغة ونظر حوله عن سلة مهملات فقالت دعاء بإقتراح :
-هاتها احطها في شطنتي وبعدين هرميها في الزبالة لما نطلعوا
أعطاه يوسف لدعاء ثم نظر إلى براءة التي كانت تجلس بجانبها مبتسمًا بعفوية :
-ينفع أشوف الفستان
رفعت الأخرى رأسها بنرجسية :
-حلو من غير ما أقوم كفاية إن انا اللي مختاراه
زادت بسمة يوسف محدقًا في عينيها الكحيلة وقد تخلت عن نظارتها وكم بدت جميلة بدونها :
-أكيد هيكون حلو انتي أي حاجة بتختاريها حلوة
صِحن الفتيات بإعجاب من عفوية يوسف بينما غطت براءة فمها مدعية الخجل الذي لا يلازمها كثيرًا لطول فترة تعاملها مع يوسف لذا تتعامل معه بأريحية :
-خلاص بقى استحيت
رمقتهما شروق مطولًا بينما ترفع هاتفها دون النظر إليه ولو بربع تركيز، كم تمنت أن يقول لها يونس هذا أو فقط يخبرها أنها تبدو جميلة ولكن عوضًا عن هذا اختلق معها شجارًا من أسفل الأرض وها هو أمامها يلوب من أجل أن يحادثها
تحدثت عبلة بجدية لا يعجبها وقوفهما هكذا بين النساء :
-يوسف خد أخوك وارجعوا يلا
نظر لها يونس ثم قفزت لعقله فكرة ولكن لا يعلم أسوف تفهم شروق أم لا، وعلى كُلًا قرر تنفيذها إذ نظر إلى والدته ثم جذب ذراعها ووقف تمامًا بجانب الطاولة التي تجلس عليها شروق من ثم قال بعدما رمقها شروق بنظرة جانبية سريعة :
-متزعليش مني على اللي قولته مكنتش أقصد والله
ولولا أن عبلة تراه ينظر إليها لظنته يحادث أحدًا آخر فأشارت إلى نفسها متعجبة ثم قالت :
-أزعل منك على ايه يا يونس هو انت قولتلي حاجة تزعل؟؟
-متتقمصيش بقى كنت مضغوط اوي وطلعته كله فيكي ورميت كلام دبش يزعل، ولولا رحاب وقفت الخناقة كنا هنوصل لحتة وحشة اوي
رفعت شروق عينيه له ترمقه بنظرة باردة بشدة، تعلم أنه عليها ولكن على جثتها أن تتنازل هكذا كمراهقة تشاجرت مع حبيبها، وما إن قال لها كلامًا معسولًا هرولت له كالحمارة متناسية ما سببه له
أجل تحبه ولكنها تحب كرامتها أكثر
اخفضت عينيها بالتزامن مع وقوف رحاب خلف مقعدها ثم مالت على أذنها هامسة :
-عليكي علفكرة
-خليه يتربى علشان يتعلم يمسك لسانه، مش بالونة انا ينفخ فيها عصبيته
أما عبلة كانت البلهاء الوحيدة أو ربما ليست الوحيدة فيوسف أيضًا يقف ولا يفهم شئ :
-هو انت زعلت أمتى ماما يا يونس!؟
-والله يا ابني ما أعرف
نطقت بها بجهل وهى تنظر إلى يونس الذي بدوره كان ينظر إليها بدون تركيز بل تركيزه مع شروق التي لا تزال ترمقهما كما معظم الجالسات على الطاولة بفرق أنهن معجبن بحنان يونس على والدته وإعتذاره له دون أن يدركن أنه لا يقصد والدته ولو بـ 1%
تنهد يونس بضيق قائلًا :
-يعني مش هتتراضي؟؟
-يا ابني انا مش زعلانة أصلًا، فيه ايه أخوك يا يوسف؟!
هزت شروق رأسها بنفي بشكل غير ملحوظ ولكن رأى يونس هذه الهزة وزاد ضيقه فقال وهو ينظر إلى والدته بيأس :
-والله غالية عليا ومش قصدي أكسر بخاطرك
اشفقت عبلة على ابنها لتربت على كتفه هاتفة بحنو :
-خلاص يا يونس مش زعلانة حتى مش عايزة أعرف عملت ايه، انا مش زعلانة
ارتفع خد شروق ببسمة اخفتها بسرعة رافعة عبوة المياه الغازية إلى شفتيها دون إلقاء نظرة ليونس الذي ضاق وترك والدته والمكان وذهب فأخفضت العبوة وقد اتسعت البسمة على ثغرها رافعة الهاتف على رسالة وصلتها منه عبارة عن
"طب خلاص"
فتحتها ولم ترد وتعمدت إظهار نفسها متصلة بالإنترنت لحرق أعصابه كما هو حرق أعصابها فشعارها في الحياة
رُدَ الصاع صاعين وعامل الآخرين بما يعاملوك به....
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
في عصر اليوم التالي
كان يومًا حارًا بل شديد الحرارة حيث كان يفرد جسده على الأرض أسفل المروحة عاري الصدر ولا يشعر أبدًا أنها تأتي بهواء بارد بل تأتي بسخونة فقط تشعل في جسده الحرارة
رفع يده بالهاتف ولا تزال شروق لا ترد عليه، تلك الخبيثة ترى الرسائل ولا تجيب، ولا تجيب حتى على مكالماته، تبًا لها لقد أرهقته
حرك عينيه إلى ابن عمه حمزة الذي خرج من المرحاض للمرة الرابعة هذا اليوم ولم يكلف نفسه بإرتداء قميص أو تنشيف جسده، فقط إرتدى بنطال قماشي وخرج صدره يقطر الماء، لوى شفتيه بعدم راحة وهو يقول :
-ألبس حاجة يا حمزة انا وانت سلابيت من فوق ولوحدنا في أم الشقة لو حد دخل دماغه هتروح شمال
لم يبالي به الآخر ووقف أمام المرآة الملتصقة في الحائط ينظر إلى ظهره الذي امتلأ ببثور حمراء صغيرة تشبه الطفح الجلدي وتحرقه كثيرًا :
-يونس بص كده على ضهري ورقبتي هى دي حساسية ولا ايه؟!
-كريم برضو طلعتله الحاجات دي وياسر قاله دي عَرْقَة باين من الحرارة، فيه مرهم جابه يوسف من الصيدلية علشان برضو طلعتله إدهن منه
زفر الآخر بضيق وهو يسحب ذاك المرهم وقد أخذ يوزعه على عنقه الملتهبة وهو يقول :
-هنسافر يوم السبت اللي جاي فاضل أربع أيام يارب عديهم بسرعة بقى
رفع يونس قدمه فوق الأخرى ولا يزال ممدًا على الأرض ثم قال وعينيه تتابع المروحة التي تدور بسرعة ورغم هذا سخونة الغرفة تشبه سخونة علبة سمن فوق الموقد :
-يخلصوا بس وانا على جثتي اجي الصعيد تاني، هى مرة ومش هتتعاد
-لازم تجي يا فالح مش خاطب من هنا هيبقى فيه زيارات وكتب كتاب، انصحك تجي في البرد بس
-قَطْيعَة
-مين البرد؟!
-لأ شروق
ضحك حمزة لا يصدق الوقاحة التي وصل إليها ابن عمه :
-بتقطع البنت ليه يا يونس
-تعبتني
-معلش هما البنات كلهم كده ما انا نور عملتلي بلوك لما عكيت معاها شوية في الكلام بس مقدرش اشتمها
-قطيعة تاخد البنات كلها يا عم دول وجع دماغ
-آمين كلهم إلا نور والبسكوتة اللي هخلفها منها
نطق بها حمزة وهو يوزع بعض المرهم على صدره غير منتبه لنظرات التهكم التي يرسلها له يونس إذ قال :
-جاتك نيلة في دلقتك يا حمزة
-أحسن منك يا أبو قلب ناشف أكيد عملت حاجة للبت علشان بتتصل عليها من إمبارح ومش معبراك
صدق حمزة فيما يقول إن قلبه لا يفقه في أمور الحب والإهتمام لذا شروق بدأت تشعر بنقص في علاقتهما لهذا قالت له ما قالته البارحة، أغمض عينيه بضيق عندما أخذ يدندن حمزة اغنية سمعها في القاعة وقد أصابه بها بصداع فمنذ البارحة وهذه الأغنية على لسانه :
-بعيونه بضرب به مثل أول ما بيطلو.... دوقته من طعم الغزل دوقني من ذله.... وبحبه انا مهما حصل طب مين بقى يقوله..... ماهو لو حبيبك كان عسل متخلصوش كله
-خلاص يا حمزة خلاص يا بابا ده انا حفظته الأغنية
ابتسم حمزة يكمل دندنته لهذه الأغنية التي تعود لمحمد منير، هو لا يهوى الموسيقى والاغاني ولكن أعجبته هذه الأغنية لأنها تذكره بنور كثيرًا لدرجة أنه حفظها :
-كانت نار تقيد من لمس إيد.... من حضن من ضمة.... وإن راح بعيد النار تزيد... واصرخ وأقول ياما
ابتسم يونس لا ينكر أن هذه الأغنية جميلة حتى أنه لم ينتبه أنه يردد الأغنية مع حمزة فهو قد حفظها لشدة ترديد حمزة لها البارحة :
-سألته هل داق الولع كان الجواب صده.... ساق الدلال ساق الدلع مفاتيح هواه صده.... ومشيت أوشوش في الولع ولا جاني ليه رده... اللي فتح باب الوجع واجب عليه رده
يذكره هذا المقطع بعلاقته مع شروق كثيرًا، مليئة بالثقل والولع والصد، ترى ما نهاية هذه العلاقة المعقدة
خرج حمزة إلى الشرفة بعد أن ارتدى تيشرت خفيف وقد هندم خصلات شعره بترتيب، عقد حاجبيه بتعجب لما رآه في الأسفل وسرعان ما ابتسم قائلًا :
-بقولك يا يونس ما تيجي نلعب كورة
-بس يا حبيبي أقعد على جنب
-بتكلم بجد كريم ويوسف بيلعبوا تحت مع شوية شباب
استند يونس على كفيه رافعًا جذعه قليلًا ثم قال بدهشة :
-طب أخوك مجنون كورة وإحنا عارفين، بس يوسف اللي عنده تلاتين سنة بيلعب كورة مع العيال تحت؟ هو لسع ولا ايه؟!!
ولج حمزة إلى الداخل مرة أخرى ثم إرتدى خف منزلي وهو يقول بعجلة :
-يا ابني شباب كبار في سن لؤي ابن عمك وأكبر، انا نازل ألعب معاهم أهو حاجة تكسر الزهق والحر ده
خرج دون أن يسمع إجابته ففكر يونس قليلًا في الأمر ووجد أنه لا ضير فهو في أجازة على أي حال إذًا لما لا يمرح قليلًا مع أبناء أعمامه
إرتدى خُفه وقميص قطني بنصف كم ثم هبط ليجد الأمر كالآتي كريم مع يوسف ولؤي بل وياسر أيضًا، رفقة عدد من المراهقين من أبناء جابر وغيرهم من الجيران يلعبون مباراة وإسماعيل يجلس مع غادة وعمته توحيد على بعض المقاعد البلاستيكية يتابعون المباراة
وإن تساءلم عن البقية فقد ذهبوا منذ نصف ساعة لزيارة العروسين رفقة أبناء صفوان وزوجاتهم في عادة لأهل الصعيد تدعى "الصباحية" وهى زيارة أقارب العروسة والعريس لهما في عش الزوجية ثاني يوم أو ثالث يوم
تقدم للأمام مع حمزة والذي قال بصوت مرح وكأنه مراهق في الرابعة عشر وليس شاب راشد في الثامنة والعشرين من عمره :
-فيه مكان لإتنين يا شباب
ابتسم كريم للإنضمامهما فقال :
-أكيد فيه مع إن الكورة مش بتاعتي
وجّه حديثه الي إسماعيل المتابع بصمت ثم أضاف :
-ما تيجي يا إسماعيل ولا انت خت دور كبار السن المتفرجين وقعدت جنب عمتك وغادة
ابتسم إسماعيل بحرج فسيكون أكبرهم إن لعب معهم هكذا في الشارع :
-عيب يا كريم ده انت عندي خمسة وتلاتين سنة
-دول خمسة وتلاتين مش خمسة وخمسين قوم يا عم
جذبه ياسر حتى يلعب معهم ويرفه عن نفسه قليلًا فدفعته غادة حتى يقف معهم ثم أخرجت هاتفها تصور هذه المباراة فلم يسبق وأن تجمع شباب العائلة في كورة القدم منذ فترة طويلة
تحدث يونس وهو ينظر إلى المراهقين معهم ثم قال :
-ماشي نلعب بس مش مع العيال الناس تقول علينا ايه
-طب ما الكورة بتاعتنا
نطق بها أحد الفتيان الموجدين بإعتراض على مشاركتهم اللعب ليقول ياسر مناديًا على هذا الفتى :
-صـــلاح هات الكورة يا بابا نلعب بيها شوية وبعدين نرجعها ليكم
وبعد محاولات إقناع إنسحب من أهم أقل من خمسة عشر عامًا ووقفوا على جنب يشاهدون فقط ليقول كريم بتفكير :
-إيه رأيكم نلعب فريقين، فريق عيلتنا وفريق عيلتكم يا ياسر
-بس مفيش غيري انا واتنين من ولاد عمي جابر
نطق بها ياسر وهو ينظر حوله لتتسع البسمة على وجهه مبصرًا شقيقه الأصغر منه قليلًا المدعو علاء وحسن وماهر خارجين من بيت عمهم جابر فقال بحماسة الشباب :
-جه الدعم خلاص
نادى عليهم بسرعة حتى ينضموا له ليزداد الحماس في الجميع مستعدين لخوض مباراة شاحنة منقسمين لفريقين
فريق يجمع أحفاد هواري والفريق الآخر يجمع أبناء وأحفاد صفوان، بينما وقف إسماعيل في المنتصف فهو من كلتا العائلتين ليقول حسن رافعًا إحدى حاجبيه :
-ايه يا إسماعيل انت لسه هتفكر تروح لمين؟! تعالى لعيلة أمك يلا
-بس يا خالي الأقرب عيلة الأب مش الأم
نطق بها بمزاح فأجابه ماهر بنفس المزاح وهو يحاول جره نحوهم :
-تلتين "ثلثين" الواد على خاله يا إسماعيل تعالى
وعلى الجانب الآخر قد جر لؤي شقيقه حتى ينضم لهم هم :
-يا خالي بس انتوا كتير إحنا خمسة بس
-طب ما إحنا خمسة برضو
-فين خمسة؟! ده ستة بس اللي داخلين وسبعة غيركم واقفين
هتف بها كريم بنبرة حانقة فنظر حسن نحو إسماعيل قائلًا :
-هتختارهم هما ولا إحنا؟؟
ابتسم الآخر بحيرة ينظر إلى الفريقين بتوتر وكأنه في إختبار ليأتي صوت والده من الخلف بعدما عادوا من تلك الزيارة وقد تفاجأ كما البقية بهذه المباراة، ليجر مقعد يجلس عليه بجانب غادة وتوحيد حتى يشاهد بل وقد حضر عثمان ومحمد وعدد من عائلة صفوان للمشاهدة :
-روح لعيلة أبوك يا إسماعيل انت مكتوب إسماعيل هواري ولا إسماعيل صفوان
رفع إسماعيل ذراع ماهر عنه هاتفًا بإحترام غلف بنبرة مازحة :
-معلش يا خالي اقنعني وهما برضو قليلين إنما انتوا كتير ما شاء الله
-ماشي يا إسماعيل بس لما نسفلتكم مش هنسمي عليك ولا نحط بإعتبار إنك ابن اختنا انت والتاني ده
ضحك لؤي بحماس منضمًا لفريق عائلته، أجل هم ستة أفراد فقط ولكن على الناحية الأخرى قد اختاروا فقط ستة من أجل التعادل ليصبح الفريقين
هو وإسماعيل وحمزة وكريم ويوسف ويونس، وعلى الناحية الأخرى ماهر وحسن وياسر وعلاء واثنين آخرين من أبناء عم ياسر
ولا يتحدث عن تجمع الناس الذي حدث حين بدأت المباراة وكأنهم في استاد، حتى أنه أبصر الكثير من النساء يقفن في النوافذ والشرفات
ومن ضمن هؤلاء النساء كانت تقف نور وبنات أعمامها كلهن يتابعن هذه المباراة الشيقة من شرفة ابن عمهم العريس الجديد لأنهن قد حضروا مع عائلاتهن، لتأتي لهن دعاء تهرول بعدما كانت تلتقط بعض الصور لها في الشرفة ثم قالت أنهم يلعبون كرة القدم في الشارع ويجب عليهن أن يشاهدنها
ولم يكذبن خبرًا إذ تركن الكبار يثرثرون وهربن هن للشرفة بعيدًا عن البهو يتابعن منها المباراة
كانت الشرفة مكتظة بالكثير من الفتيات، نور وبراءة وعائشة ودعاء وعدد من بنات أعمامهن، تحدثت دعاء بنبرة مفتخرة ترى اخويها ياسر وعلاء وعميها ماهر وحسن أفضل من يلعب في الجميع وهذه بسبب هوس شباب عائلتهن بشئ يدعى كرة القدم :
-فريق عيلتنا هو اللي هيفوز علفكرة شوفوا علاء بيلعب ازاي؟!
وافقنها البقية هذا بينما قالت عائشة ترمق الفريق الآخر بتركيز :
-مفيش حد بيلعب في الفريق التاني عدل غير كريم ولؤي
-مين كريم علشان لسه محفظتش الأسماء اللي لابس تيشيرت ابيض
نطقت بها كبرى بنات عمهن عبد الجواد المتزوجة منذ سنوات فقالت نور نافية :
-اللي لابس تيشيرت أبيض ده حمزة، كريم أخوه اللي لابس أصفر كناري
-خطيبك ده يا نور اللي شعره طويل؟! يا لهوي شوفوا شعره كل ما ينزل على وشه يرفعوا تاني ازاي
نظرن الفتيات نحو نور حتى من قالت هذا تنتظر من الأخرى ثورة لكن نور عاقلة وليست من النوع الذي يغار كثيرًا إذ قالت ببسمة متسعة غير مبالية بما قالت ابنة عمها، تنظر إلى كل حركة تصدر من حمزة :
-شعره ناعم وطويل علشان كده بينزل على وشه، أموت وأعرف طول كده أمتى كان قصير خالص لما سافرت من إسكندرية
وأجابتها شروق معجبة هى أيضًا بخصلات حمزة شديدة النعومة فأي فتاة تنظر له يلفت نظرها خصلاته الجذابة :
-صارف عليه أكيد ابقي اسأليه على الروتين بتاعه يمكن ربنا ينفخ في صورتنا إحنا
-رحمة اخته قالتلي حمزة عنده هوس بشعره نص مرتبه رايح على اللبس واهتمامه بشعره ونفسه، هتكسف من شعري قدام شعره لما نتجوز مش هيبقى فيه مقارنة أصلًا
نطقت بها نور بنبرة بائسة فلا مقارنة بالفعل بين شعر حمزة الناعم الأسود المدرج في الطول فخصلاته الأمامية يصل طولها إلى ما بعد أذنيه، والخلفية تكاد تغطي عنقه لشدة طولها، شعره نسخة طبق الأصل من الممثل التركي الذي قام بدور كريم في مسلسل فاطمة، ذاك المسلسل القديم الذي كانت تتابعه في طفولتها
وبين شعرها هى الذي يصل إلى ما بعد كتفيها وتعقده دائمًا على شكل ضفائر فنوع خصلاتها منفوشة إذ حين تمشطه يصبح هائجًا منفوشًا كمن أصابها بمس كهربائي
على جثتها أن تمشطه أمامه بعد الزواج لتظهر أمامه كذكر الأسد وخصلاته الثائر، بل لن تريه شعرها فما الفائدة إن رآه من الأساس
نادت عليهن جمالات حتى يرحلوا بعد أن أدوا الواجب وبعضهم مرغم على هذا فلا أحد يطيق كوثر ولكن ما ذنب أيمن وجابر الذي لم يتأخر عليهم يومًا في واجب أو مصيبة
هكذا هى الحياة نتحمل أشخاصًا لا تُحتمل من أجل أشخاصًا آخرين لا ذنب لهم
هبطوا جميعًا من منزل عمهم جابر ليتابعوا هذه المباراة الشاحنة من الأسفل، كانت مباراة قوية وقد أصبحت كفتين المباراة متعادلة والأجساد متحمسة والمتابعين أكثر حماسًا
توقفن الفتيات على جنب يتابعن الصيحات المرتفعة التي خرجت من أبناء عائلتهم بعد أن سدد ماهر جول بهم ليصيح كريم مغتاظًا فنصف فريقه لا يجيد اللعب، أو لنقول لم يلعبوا ويتابعوا منذ زمن بسبب انشغال يوسف وإسماعيل في حياة الطب ويونس في الجرائم وحمزة في كتبه
بإختصار لا أحد هنا يلعب غيره هو ولؤي :
-جاتكم نيلة ادينا خسرنا أهو
مسح حمزة جبينه الذي يتصبب عرقًا وقد اشتعل جسده من السخونة والحركة المفرطة :
-معلش إحنا خايبين الحمد لله مكنش اللعب على حاجة
-ومين قالك يا مهند مش على حاجة الخسران يدفع
نطق بها حسن هو يقترب منهم حاملًا الكرة وعلى شفتيه بسمة خبيثة ليقول ماهر مشيرًا لإسماعيل :
-قولتلك تعالى إلعب معانا إلبس الحكم بقى
ابتسم إسماعيل مواجهًا خاليه ثم قال :
-ايه الحكم بقى اتمنى ميبقاش حكم شديد
-لأ ولا شديد ولا حاجة تيجوا ناخد لفة في الغيط
إعترض يوسف بسرعة متذكرًا ذلك اليوم :
-لأ انا كنت هطلع في الروح هناك شوف حاجة غيرها
همهم حسن وهو يحك ذقنه بتفكير ليقول محفوظ مبتسمًا بإتساع :
-هى فسحة في الغيط حلوة خليهم يجيلهم تسلخات من الحر
ذم كريم شفتيه محدقًا في عمه بإستنكار :
-إحنا بنموت في الشقة المقفولة دي أومال لو روحنا في الشمس
-ده المرة اللي فاتت لقيناهم بيطلعوا في الروح وساعتها الشمس كانت هتغيب اومال لو راحوا في عز الشمس دلوقتي مش هيرجعوا خالص
نطقت بها نور بصوت ظنته منخفضًا لكنه خرج مسموعًا للجميع فقال كريم محدقًا بها في تذمر :
-من ستر على مسلم ستر الله يوم القيامة ليه بس الفضايح
-كان شكلهم وحش للدرجة
نطقت بها يونس وكم ود أن يرى أشكالهم ولكن عادوا نظيفين لتقول براءة بدون مراعاة مشاعر هؤلاء الثلاثة :
-كانوا باين واقعين في زرعة وهدومهم من فوق لتحت طين وشعرهم منكوش صعبوا عليا منظرهم مكنش حلو خالص
رمقها يوسف بإندهاش لمعرفة كل هذه التفاصيل ثم قال :
-انتي كنتي هناك يومها؟!
-لأ عائشة صورتكم من فوق وبعتتلي الصور
قفزت غادة من مكانها متحمسة لرؤية مناظرهم تلك قائلة :
-اشوفها بالله عليكم وتبعتوا الصور ليا
نظر حمزة نحو نور بلوم وتهكم فقالت الأخرى مبتسمة بحرج :
-بصراحة شوفتها بتصوركم مقدرتش أقولها لأ منظرك كان لازم يتوثق يومها
-كسرتي فؤادي
-معلش
نطقت بها ضاحكة فاقترب منها عدة خطوات قائلًا بتهديد هذه المرة :
-عارفة لو مفكتيش البلوك
-لأ
-خافي يا نورهان يومين وهنكتب الكتاب أقسم بالله هطلع كل اللي بتعمليه ده عليكي
ضمت نور شفتيها وعادت للخلف خطوة عندما رأت حسن قادم من خلف حمزة ثم ضربه بالكرة على ظهره على سبيل المزاح ولكنها تعلم نوايا حسن بعيدة عن المزاح :
-طب اتكسف شوية أبوها وعمامها واقفين وأنت لازق ليها
رمقه حمزة نظرة متحدية ثم قال بجرأة :
-خطيبتي ويومين وهتبقى مراتي وانا واقف معاها قدامكم علشان مش بعمل حاجة غلط، عم محفــــوظ شوف نسيبك ده بقى
تحدث محفوظ بضجر من حسن ومناقرته لحمزة في الذهاب والإياب :
-سيبهم يا حسن ما هما واقفين قدامنا وكلنا حواليهم سيبهم متبقاش خنيق
ابتسم له حمزة ثم نظر إلى نور بأن تأتي خلفه بعيدًا عن ذلك المتسلط فتحركت الأخرى بالفعل خلفه بعدما أخذت الإذن بنظرة من والديها لتسمع تمتمة حمزة المتهكمة وهو يقول :
-اتجوزها بس وانا هاجي قدامك وابوسها
لم تشعر نور بنفسها إلا وهى توكزه في ظهره بأناملها النحيفة فتأوه الآخر بصوت مرتفع وقد شعر أن أداة من أدوات الميكانيكا قد وكز ظهر لا إصبع أبدًا
ابتسم حسن بإتساع ثانيًا على نور :
-جدعة يا بت
تركهما وولج إلى المنزل بينما فرك حمزة مكان وكزتها هذه قائلًا :
-انتي دخلتي ايه في ضهري؟!
-دخلت صابعي
نطقت بها بنبرة متهكمة فهز حمزة رأسه بنفي لا يصدق أنها وكزته بإصبعها وليس بقلم أو ما شابه، تحدثت نور بنبرة غاضبة خفيضة :
-انت ايه اللي قولته ده؟؟
-قولت ايه!؟
-قولت لما نتجوزه هتيجي قدام حسن و..
-و..؟!
ترك ذاك الحرف معلقًا وهو يرمقها بنظرة خبيثة يعلم أن لن تتجرأ للنطق بهذه الكلمة وها هى ترمقه بنظرة حرجة غاضبة بعينيها العسلية، تزم شفتيها الصغيرتين بشدة بطريقة لطيفة فابتسم على مظهرها هذا قائلًا :
-ينفع اخدلك صورة يا نور
-لأ طبعًا
-ليه ما إحنا إتخطبنا
-بس انت مش جوزي ولو متقفلش علينا باب واحد مش هحط صورتي على تليفونك، انا سمعت بلاوي كتير يا حمزة تخليني مثقش إن تليفوني اللي فيه حاجاتي الخاصة يبقى في إيد حد معرفوش، ما بالك صورتي؟! مش... قصدي اوجهلك اهت..... إتهام بس والله الدنيا مفيهاش أمان
أمال حمزة رأسه رامقًا ملامحها الجادة بأخرى عاشقة، هذه المرأة زرعت في قلبه نبتة حبها وتسقيها بكلامها واحترامها لدرجة جعلته لا يرى امرأة تنافسها، يكفي لعثمتها هذه التي تجعل القلوب تتطاير من عينيه :
-حرام عليكي
ظنت الأخرى أنه لم يقتنع فهمت بشرح له وجهة نظرها فسبقها الآخر بما جعل بسمة خجولة تتسلل إلى ثغرها حين استرسل :
-حرام عليكي قلبي هتعملي فيه ايه تاني أكتر من كده
-هى شروق مجاتش معاكم؟؟
نطق بها يونس موجهًا حديثه لنور، غير مبالي بمقاطعة حديثهما فقالت نور بنبرة هادئة ولم تنسى بالطبع ما فعله يونس البارحة ولكنها لن تتدخل :
-لأ جات بس محودتش معانا على هنا روحت علطول
آماء يونس دون إضافة شئ آخر ثم دلف إلى المنزل ومنه إلى الأعلى مخرجًا علبة سجائره ليأتيه صوت يوسف من الأسفل ولا يدري متى يظهر ولما يظهر كلما أمسك بسيجار :
-تاني يا يوسف قربت تخلص العلبة في يومين!؟
رمقه يونس من على الدرج بملامح جامدة ثم قال جملة جعلته يتعجب بشدة :
-قول لأبوك يظبط معاد نروح فيه عند أهل براءة وشروق، وياريت يبقى النهاردة قبل بكرة
-طب ما هما كلهم برا انت شوف انت عايز تقولهم ايه وقوله
أجابه الآخر بنفس النبرة وهو يرفع ولاعته البنية مشعلًا سيجارته وكم أقلق يوسف هذا المظهر الذي يدل على أن أخيه ينتوي شيئًا :
-اللي عايزها مش موجودة فيهم ومش بترد وانا أعصابي بدأت تفلت
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ابتسمت بسمة خجولة متحمسة وهى تأخذ منه كيس ورقي ملون مليئ بالشوكولاتة ليرد لها الإبتسامة مستندًا بكتفه على الحائط متأملًا هيئتها الجميلة، عينيها البُندقية التي تضيق تلقائيًا كلما ضحكت أو ابتسمت، خديها الممتلئين، بشرتها البيضاء، قامتها القصيرة فبالكاد عائشة تصل إلى أسفل كتفه
-كلفت نفسك والله كل سفرية تجيبلي وانا مش بجيب حاجة شكلي بقى معفن
نطقت بها كاسرة الصمت عندما رأته يتأملها فقال ياسر وهو على نفس وضعيته :
-خبيهم من العيال ومن دعاء بالذات لأحسن يطمعوا فيهم، خلي نور تحطهم في شنطتها
آماءت عائشة بهدوء تدور بعينيها في كل مكان عدا هو لكن عندما طال تحديقه بها قالت :
-خلاص يا ياسر يعني انت أول مرة تشوفني غض البصر بقى
-هسافر يوم الجمعة الإجازة خلاص خلصت
تنهدت الأخرى بهدوء ثم قالت نفس الجملة الاعتيادية :
-تروح وترجع بالسلامة
-طب مفيش هتوحشني؟؟
رفعت له إحدى حاجبيها هاتفة بصوت جاد مُهدِد وهى تضغط على كل كلمة تخرج منها :
-واخد بالك بقيت قليل الأدب الفترة دي
-ما انتي اللي حلوة
-والله انت اللي حلو هلاقيها من مين ولا مين انا
استدار الاثنان على هذا الصوت ليبصرا حسن يقف خلفهما ثم صاح بياسر بنبرة خفيضة وهو يقول :
-وانا اللي كنت فاكرك العاقل اللي فيهم، روحت اتسحبت مننا زي التعبان وسحبت البت من غير ما حد يشوفك
زفر الآخر على مهل لا يدري ماذا يصيب حسن هذه الأيام، لربما الغيرة على نور وبراءة وشروق كذلك لأنهن سيتزوجن عن قريب وينتقلن إلى الإسكندرية، وكم متعلق بهن حسن بل بجميع أبناء اخوته ويعتبرهم جميعًا أصدقائه وإخوته :
-مالك يا حسن خلقك في مناخيرك اليومين دول؟!
-ليه شايفني بتخانق من دبان وشي
-انت حرفيًا ماشي تتخانق مع اللي رايح واللي جاي
نظر حسن نحو عائشة فتنحنحت الأخرى وهمت بالإنصراف فقال ياسر موقفًا إياها :
-عائشة ماشيين دلوقتي!؟ عايزة اتكلم معاكي في موضوع
-مش عارفة هشوف ماما هنمشوا أمتى
نظرت إلى حسن ثم قالت بتهديد صريح :
-خف يا حسن على الناس ماشي
-امشي يا بت غوري لولا إنك شبه أمي كنت طبقت وشك ده
ضحك ياسر ولكنه إبتلع هذه الضحكات عندما رأى عائشة ترمقه بتركيز فقال مدعيًا الجدية :
-لا يا حسن اغلط في أي حد إلا عائشة
-يعني اغلط فيك عادي
لم يستطع ياسر أن يكتم ضحكاته فقهقه بقوة وهو يقول من بين أنفاسه المسلوبة :
-مالك يا حسن متعصب كده ليه
-علشان أبوك وعلي وحسين وجابر في الرايحة والجاية يقولولي هتتجوز أمتى جوزنا عيالنا وانت لسه
وافقتهم عائشة رأيهم هذا هاتفة بصراحة مفرطة :
-معاهم حق عندك ستة وعشرين سنة وشقتك ناقصها الألوان والعروسة، اتجوز وخلف بقى قبل ما ربنا ياخدك
أمسك حسن بخديها الممتلئين بين كفيه ضاغطًا عليهما بقوة نوعًا ما فأخرجت عائشة صوتًا متذمرًا بالتزامن مع جذب ياسر بسرعة لها من يد حسن الذي قال :
-يا دوب واصلة لحد كوعي ولسانك أطول منك
استقرت عائشة بجانب ياسر تفرك خديها بتألم وهى تسمع ياسر يقول :
-حرام عليك يا حسن ملقتش غير الغلابة دي تيجي عليها
-مين دي اللي غلبانة ده انت اللي غلبان دي تبلعنا إحنا الإتنين، ده مرت عمك جابر اللي مش بتخاف من جوزها بتخاف منها علشان قادرة زي أمي الله يرحمها
أشارت عائشة الي نفسها بإصبعها تقول ببراءة زائفة :
-انا؟؟ والله ما عملت حاجة ده انا ماشية جنب الحيط ولا عمري عملت حاجة لحد
قلب حسن عينيه ضجرًا ليقول ياسر بنبرة إستعطاف يكره أن يتحدث بها مع حسن المستغل :
-حسن ما تقنعلي عم علي يخلينا اكتب كتابي انا كمان معاهم
-ليه يا اخويا هى شغلانة، أربعة يتجوزوا وواحدة تتخطب في نفس الأسبوع، أومال مين اللي هيقعد عازب في العيلة لما كلكم خلاص قررتوا تتجوزوا
تركه يتمتم مع نفسه بعدة كلمات حانقة فزفر ياسر بضيق وهو ينظر إلى عائشة ثم قال :
-يعني مفيش فايدة في أبوكي
-طب ما تتكلم انت معاه
-ما انا اتكلمت بس رفض، وعلفكرة ابوكي ظالم قولتله وافقت على حمزة وخطب أول الأسبوع وهيكتب الكتاب آخر الأسبوع وانا بقالي سنين مستني كلمة منك تبل ريقي، وفي الآخر يقولي هتاخدوا البنات هما الإتنين وتفضوا علينا البيت، كلمة زيادة وهقعدهم هما الاتنين جنبي ولا انت ولا هو
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أتى يوم الخميس اليوم الذي ينتظره يوسف منذ بداية الأسبوع، والذي ينتظره حمزة منذ أُغرم بعيني نور
طرق باب الغرفة التي يجلس بها الشباب يتجهزون لعقد القرآن الذي سيكون بعد صلاة العصر، ولج إسماعيل معه حقيبة سوداء بها بنطال كُحلي قد أعطاه ليوسف قائلًا :
-البنطلون أهو يا يوسف ألحق خدلك دُش
تنهد يوسف براحة أنهم استطاعوا تغيير البنطال بعدما اكتشفوا البارحة أن به عيب بعد أن اشتروه، فقد ذهب هو وحمزة رفقة ياسر وماهر إلى منطقة لا يدري ما اسمها بعيدة عنها من أجل شراء ملابس جديدة لعقد القرآن، وقد كانت ملابسه هو وحمزة متشابه الفرق أنه اختار الكحلي وحمزة الأسود
وعلى سيرة حمزة ذلك المتلكع، اقترب من باب المرحاض وطرقه بعنف صائحًا :
-إطلع يا حمزة بقالك ساعة جوا جلدك خلاص داب
لم يجد منه إجابة ولن يجد ليقول كريم وهو يبحث في ملابس حمزة عن طقم مناسب يرتديه :
-عايز نصيحتي شوفلك حمام تاني علشان حمزة مش هيطلع غير بعد نص ساعة كمان اسألني انا
-اروح فين يعني؟؟
أجابه إسماعيل بإقتراح :
-إطلع الشقة اللي قاعد فيها بابا وعمامي خدلك دُش والبس هناك وانزل
-انا طلعت فعلًا بس عمر جوز رقية بياخد دُش هو كمان
-تلاقيه خلص يا يوسف إطلع لازم نكون هناك على العصر مينفعش نتأخر
وفي هذه الأثناء خرج حمزة من المرحاض يجفف خصلاته الندية، تفوح منه رائحة المنظفات الثمينة ويلمع من فوق إلى أعلى بالمعنى الحرفي، زفر بضيق عندما قابله حر الغرفة وقبل أن يهم بالتحدث قاطعه يوسف وهو يصيح به قائلًا :
-بذمتك يا حمزة بقالك ساعة جوا بتنيل ايــــه
حدق به حمزة مضيقًا عينيه بشك ثم تساءل :
-هو انت يوسف ولا يونس علشان يوسف اللي أعرفه مش بيعلي صوته ولا بيطلعله صوت أصلًا
دفعه يوسف من أمام المرحاض حتى يستحم فزفر حمزة من الحرارة التي اكتسحت جسده مرة أخرى، فهو ذو جسد شديد التعرق لا يطيق الحرارة أبدًا وقد يستحم يوميًا في الشتاء القارس فمالكم في الصيف، وهذا ليس أي صيف بل صيف الصعيد
ألقى المنشفة على الاريكة بجانب كريم الذي كان يغلق أزرار القميص الأبيض الذي كان يرتديه حمزة يوم زفاف ذلك المدعو أيمن :
-كريم ادخل خدلك دش انت هتروح كده
أجابه الآخر وهو يميل قليلًا بحثًا عن حذائه أسفل الاريكة :
-اخدت دُش الصباح
-من الصبح لحد دلوقتي تلاقي العرق غرقك من علبة السلامون اللي إحنا قاعدين فيها دي، ادخل خدلك دُش تاني
-يا عم انت أصلًا مش مدي حد فرصة يدخل يستحمى، انت من بعد الضهر في الحمام لو كنت بتولد كنت خرجت
ولم تخرج هذه الكلمات الحانقة إلا من يونس الذي كان يجلس على الاريكة وكان الوحيد بهم الذي لم يرتدي ملابسه بعد، كان يجلس رافعًا قدم والأخرى متلدية، يضع كفه أسفل وجنته التي يستند بها على فخذه وكأنه امرأة قليلة الحيلة سوف يتزوج زوجها امرأة أخرى عليها الليلة
رمقه حمزة بطرف عينيه قائلًا :
-مالك يا يونس شبه الراجل اللي عليه وصُلات أمانة توديه في داهية، صحيح عملت ايه مع خطيبتك إمبارح، اتصالحتوا؟؟
-لأ
-لأ ليه يا ابني مش كنتوا عندهم زيارة
-مكنتش هناك الهانم طلعت في مقرأ القرآن، وفضلت ساعة مستني لحد ما تيجي ولما أمها اتصلت عليها قالتلها روحت عند الخياطة مع نور علشان يجيبوا الفساتين وانا استنيت كتير وفي الآخر مجاتش
أخذ حمزة يمشط خصلاته شديدة النعومة أمام المرآة ضاحكًا على ما يقول :
-أقسم بالله البنت دي هتربيك من أول وجديد، انا معرفش لحد دلوقتي انتوا ليه قافشين من بعض بس خدها مني كلمة البنت دي هتلففك حوالين نفسك امسك فيها بقى
تحدث إسماعيل بهدوء ورزانة متسائلًا :
-انتوا متخانقين يا يونس؟! علشان كده عرفت إنك في بيتهم ومرضيتش تيجي؟
همهم يونس بإيجاب فسترسل إسماعيل :
-مين فيكم اللي غلطان!؟
-انا
-طب حلو إنك معترف، هتشوفها النهاردة أكيد يعني هتيجي كتب كتاب اختها، لما تشوفها اعتذرلها علطول
-اعتذرلها؟؟
نطق بها يونس بطريقة ساخرة ليضيف حمزة عليه مستطردًا سخرية يونس هذه :
-شكلها عنيدة فعلشان تكسب دماغها قولها وحشتيني واستنيتك بيت أهلك ومجتيش، وبلاش الزعل ما بينا يطول
صاح يونس به حتى يتوقف، هاتفًا بإستنكار :
-انتوا عايزين اعتذرلها وهى كارفة لأمي بقالها تلات أيام حتى انا روحتلها ومرضيتش تيجي، لأ وكمان عايزين أقولها وحشتيني وبلاش الزعل ما بينا يطول؟؟ ده انا أول ما أشوفها هـنفخـــها
ضحك كريم بصخب، بينما استنكر إسماعيل همجيته هذه، ليقول حمزة محدقًا في انعكاس يونس بالمرآة :
-بصراحة مقدرش ألومه عملتها فيا نور ست شهور ومفيش بينا حاجة رسمية وكنت عايز أروحلها الصعيد ويا اقنع أبوها يا اخطفها منه، وشروق في حكم خطيبتك، بس هو أنت عملتلها ايه يا يونس علشان تبقى شادة عليك أوي كده
لم يُجب يونس متوقعًا اللوم عليه إن علموا، وفي هذه الأثناء بدأ حمزة خلع ثيابه مجددًا ما إن شعر بالتعرق مرة أخرى ليقول كريم :
-انت بتقلع تاني ليه؟؟
-علشان الهدوم كده هتتملي عرق هبقى ألبس قبل ما نخرج بعشر دقائق
-مفيش عشر دقائق يا حمزة فاضل نص ساعة ونمشي والجامع هناك فيه تكييفات متقلقش على هدومك
استسلم حمزة وأخذ يرتدي مرة أخرى بالتزامن مع سؤال كريم الفضولي :
-هو مين اللي اقترح فكرة كتب الكتاب في الجامع دي؟؟
وأجابه حمزة :
-خطيبة يوسف، ونور عجبتها الفكرة وانا كمان عجبتني، نادرًا ما تلاقي حد بيكتب كتابه في الجامع الفترة دي
رفع زجاجة العطر وأخذ ينثر على ملابسه بغزارة لدرجة أن إسماعيل سعل قائلًا :
-كفاية يا حمزة ريحتك هتبقى تقيلة أوي كده
-أحسن ما تبقى ريحتي مليانة عرق
وقف كريم أمامه بسرعة فاردًا ذراعيه قليلًا كما لو كان طفلًا يطلب من والده أن يضع لها عطرًا فضحك حمزة بخفة ونثر له البعض ثم قال موجهًا حديثه ليونس :
-قوم يا يونس إلبس متبقاش زي الست اللي فرح جوزها النهاردة وهيجيبلها ضُرة
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل التاسع وستون 69 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلوا على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
وكأنها ذاهبة لآداء إختبار يحدد مستقبلها كله فدقات قلبها تقرع كما الطبول وهذا بالإضافة إلى آلام أصابعها بسبب الحذاء الأبيض الذي اشترته كي يليق على الفستان
عدلت حجابها الأبيض الذي يرفرف بسبب الهواء فقد أصرت على أن تركب مواصلة ولا تسير في شارعهم المشمس وكأنهم يسيرون في صحراء، ولم توافق والدتها ولكن رضخت في النهاية تحت بند هى عروس ولها حق الدلال
شعرت بوالدتها تُمسك بكفها ثم قبلته بحنو فردت لها هذه القبلة مبتسمة لها ابتسامة صادقة لتقول صفية :
-مالك خايفة؟!
همهمت بإيجاب ثم أضافت :
-اممم وكمان الهيلز ضيق قوي على صوابعي
-زي بعضه كده كده هتقلعيه في الجامع
-بابا وصل هناك
-تلاقيه من بدري ايوه هناك هو وعمامك، ده خلاص قربوا يصلوا العصر
نظرت نور نحو شقيقتها التي تحدق في هاتفها بتركيز شديد وعندما رأت ما تبحث عنه قالت :
-متدوريش على فلاتر رقية هتصور بالكاميرا بتاعتها
-هى جات؟!
-ايوه جات عشية مع جوزها وأولاد عمتهم التانيين
تحدثت صفية موجهة حديثها لعائشة :
-اتصلي على خالتك وبراءة كده شوفيهم وصلوا ولا لسه
-لسه طالما براءة العروسة يبقى اعرفي إن إحنا هنكتب الكتاب العشاء مش العصر
نطقت بها نور ساخرة من تأخير ابنة عمها، وبعد قليل وصلن أمام الجامع القابع على الطريق السريع تمامًا لتهبط نور من "التوكتوك" الذي اوصلهن إلى هنا، ورغم أن نور ليست أول مرة ترى هذا الجامع لكن انتابتها حالة من الهلع وكأن هنا سيتم إعدامها
كان صوت أحد الشيوخ يقيم الصلاة بمن بالداخل ورجال عائلتها ورجال عائلة هواري جميعهم يصلون الآن لأن عقد القران سيكون بعد صلاة العصر، حاولت أن تتنفس بشكل طبيعي ولكنها غير قادرة لشدة التوتر الذي أصابها
حتى أنها لم تنتبه لتحرك والدتها وعائشة إلى الطابق الثاني الموجود به النساء في المصلى الخاص بهن، بل كانت تقف على بعد من باب مصلى الرجال تراهم ساجدون منشغلون بالصلاة بينما هى عقلها يعمل أسرع من آلات تكرير البترول رغم شرود ملامحها المخيف
فقط بعد دقائق معدودة ستكون شرعًا زوجة حمزة عثمان هواري الذي ساقها القدر إليه في بلده التي تبعد عنها مئات الكيلو مترات، تلك البلد التي رفضت والدتها رفضًل قاطعًا أن تذهب إليها وتسكن بعيدًا عنها لأجل العمل
سبحان من جعل ناهد تقترح عليها أن تأتي لتعمل هناك بسبب عجز في المعلمين
سبحان من جعل والدتها توافق بعد محاولات إقناع دامت أسبوع كامل
سبحان من جعل المدير يوافق على عملها رغم أن لا أحد يجد عملًا بسهولة هذه الأيام
سبحان من جعلها تسكن في نفس البناية التي يسكنها حمزة وليس في شقة عمتها أسماء
سبحان من كان يجمعها مع حمزة ويجعلهما يتعاملان مع بعضهما ليُغرم هو بها
سبحان من جعلها تقع في قضية معقدة لينقذها حمزة منها ويظهر أمام والديها بشكل بطولي جعلهما يستحسنانه في نظرهما
كل هذه هى تدابير القدر، كان زواجها من حمزة مكتوبًا في قدر كلًا منهما ووالله لو أتى لها أحد منذ ثلاث سنوات أو أكثر وقال لها أنها ستتزوج وتسكن بعيدًا عن بلدها، كانت لتقول أن هذا لن يحدث فهى سترفض الغربة بعيدًا عن والديها بل ووالديها لن يتقبلا الأمر أبدًا
وها هى بعد دقائق ستكون زوجة الرجل الذي قالت له بلسانها الارتباط بها كالحبال البالية سيُقطع في أي لحظة، وها هى الحبال ستتتحول إلى سلاسل حديدية وتكون زوجة حمزة على سنة الله ورسوله
تحركت من مكانها أخيرًا صعدت إلى الطابق الثاني لتستقبلها ناهد بالأحضان والبقية بالمباركات، أصبحت تنتقل من حضن هذه إلى تلك وتقابلهن بمجاملة فالتوتر لا يجعلها تركز في شئ، استقرت أمام رقية وقد عناقتها بعناق حقيقي قائلة بلوم :
-أهلًا باللي ست شهور مسمعناش فيهم صوتها حتى مجاتش فرحي
ابتسمت لها نور بسمة هادئة ثم قالت :
-ربك يعلم كنت تعبانة ازاي ده انا دراعي اتكسر تاني قبل ما نفك
لم تشأ رقية أن تتطرق لمواضيع تضايقها لذا قالت وهى تجهز كاميرتها :
-تعالي بقى آخدلك كام صورة لحد ما مرات اخويا تظهر، بس بصراحة تحفة فستانك يا نور شيك وبسيط ومفيش فيه افورة اليومين دول، تحسي إنك أميرة كده طالعة من قصص زمان
ابتسمت نور تنظر إلى فستانها الذي اختارت تصميمه بعناية وعندما لم تجد مثله جاهز قامت بخياطته وشراء ما يلزمه، كان فستانًا أبيضًا من الشيفون وله بطانات متعددة، ضيق من الخصر وينزل بإتساع شديد، إذ كانت تعشق نور الفساتين الشيفون المتسعة
لم يكن لامعًا بشدة بل فقط مكتفي ببعض الورود المنتشرة في الأسفل وقد لفت الحجاب ووضعت عليه طوق ورد ابيض ويغطي صدرها وظهرها كاب ابيض من الشيفون، لم يعجب والدتها وشقيقتها هذا الكاب ولكنها أصرت عليه حتى تكون مستورة
فارغت فمها بذهول عندما وجدت رحمة تقترب منها ومعها باقة ضخمة من الورد الأحمر ملفوفة في قماشة بيضاء من الستان وبين الورود بطاقة مغلقة
أعطت رحمة لها الباقة قائلة :
-حمزة أشترى ده ليكي وقال محدش يقرأ الكارت غيرك
أخذت منها نور الباقة ولا تزال مذهولة من حجمها وعندما شمتها علمت أنه ورد طبيعي وفي حياتها لم ترى كل هذا الكم من الورد فما بالكم أن هناك من اشتراه لها :
-انا عمري.... عمري ما حد جابلي ورد بلاستيك وده... ده ورد طبيعي؟!!
التقطت رقية صورة لملامحها المندهشة هذه قائلة ببسمة :
-يوسف وحمزة وصوني أصور كل لحظة، المفروض آخد تلات أربع آلاف على الفوتوسيشن ده بس يلا لله
أمسكت نور بالبطاقة لتجد جميع الفتيات أصبحن فوق ظهرها وعلى رأسها حتى يقرأن ما المكتوب فقد حذر حمزة أن يقرأ أحدهم البطاقة قبل نور، تبسمت نور ضاحكة على حركتهن ثم قرأت المكتوب بعينيها
"أعجبك جمال الباقة ولكنها لا تنافس جمالكِ فما من منافسٍ لجمال عينيكِ زوجتي"
صِحّن الفتيات على جمال ما كتبه فخجلت نور وأغلقت البطاقة بسرعة لتقول رحمة ببسمة واسعة :
-هتسمعي كتير من الرومانسية دي، ده حمزة عاملك نوتة مخصوص ليكي
رفعت نور رأسها لتبصر باقة أخرى بجانب عبلة لكن نوع آخر غير الذي معها ولون آخر :
-هو البوكية ده لبراءة؟!
أجابتها رقية وهى تُقربها من النوافذ المطلة على الشارع حتى تحصل على إضاءة طبيعية للصور :
-ايوه لبراءة المتأخرة تعالي كده علشان اخدلك كام صورة
فعلت نور ما قالت مبتسمة في كل الصور وكم كانت رقية محترفة في الأمر وكأن هذه مهنتها، وصلت براءة مع والدتها وشقيقتيها وقد حدث نفس الأمر من الاحضان والمباركات لتشير براءة بإعجاب نحو الباقة التي تحملها هى قائلة :
-حلو ده عايزة اتصور به
-بتاعك أهو
اقتربت منها عبلة وقد أعطتها باقة من الجوري الزهري ووسطهم بطاقة أخرى لكن لم تسمح براءة لأحد أن يقرأ معها فقالت دعاء صائحة :
-يا بت متبقيش رخمة خلينا نشوفوا كتبلك ايه
أطبقن عليها جميعًا حتى رقية معهم يقرأن ما كتبه يوسف
"مش عارف بتحبي ورد نوعه ايه بس انا بحب الجوري الوردي هيبقى حلو مع الفستان الأبيض"
-اخويا عفوي والله اللي في قلبه قاله
نطقت بها رقية بنبرة ضاحكة ثم عادت لنور حتى تلتقط لها عدة صور بينما أخذن الفتيات يثنين على على جمال فستان براءة إذ كانت ترتدي فستان كامل من السيتان الأبيض مع حزام به ذيل يصل إلى الأرض ويجر خلفها قليلًا
ليس به الكثير من التطريزات ولم يكن متسع من الأسفل مثل فستان نور، ولكن الذيل أضاف له لمسة جميلة، فيليق الفستان كثيرًا في جسد براءة الأنثوي
انسحبت نور منهن عندما أتى دور براءة في إلتقاط الصور، فتحركت هى نحو النافذة الكبيرة الفاصلة بين مصلى النساء في الطابق الثاني ومصلى الرجال القابع أسفلهم تمامًا
وقد كانت النافذة مغطاة بالخشب المليئ بالفراغات الواسعة التي يمكن الرؤية منها وعليه زجاج عازل للصوت حتى لا يصل صوت النساء هنا للرجال
وقفت بجانب الحائط حتى ترى من بالأسفل دون أن يلحظها أحد، علت بسمة على وجهها ترى عمها حسين وعبد الجواد يتفقان مع الشيخ وبجانبهما يقف يوسف وحمزة يرتديان ملابس متشابه بفارق اللون
إذ كان يرتدي حمزة بنطال أسود وقميص ناصع البياض عليه صدرية سوداء أو ما تدعى عندهم هنا "سديري"، ويوسف نفس الشئ ولكنه اختار اللون الكحلي وليس الأسود، ولكن الأسود يليق مع حمزة كثيرًا خاصةً خصلاته الحالكة التي هى أجمل ما به
بالله أول شئ ستفعله بعد عقد القران هى أن تخلل أصابعها داخل خصلاته الناعمة المغرية هذه، ولكن.... ما هو أول ما سيفعله حمزة عندما يعقدا القران؟؟
أما بالأسفل
امتلأت مقدمة الجامع برجال العائلتين، فقد اكتفوا بالأقارب حتى لا يكون هناك زحام شديد، جلس الشيخ الذي سيعقد لهما وأمامه دفتره الضخم وبجانبه قد
جلس يوسف على اليمين وحسين على اليسار في إنتظار هبوط براءة من مصلى النساء مع والدتها، بينما كانا الشهود هما إسماعيل وحسن الذي أصر إصرارًا عجيبًا على أن يشهد هو لبنات اخوته
ظهرت رقية ومعها كاميراتها ثم وقفت في أحد الأركان تسجل لحظة دخول براءة فكاميراتها الحديثة قادرة على إلتقاط صور ثابتة وتسجيل أفلام
اقترب عمر من زوجته ووقف إلى جانبها فلا امرأة غيرها الآن ولم يحب أن ينظر أحدهم إلى زوجته رغم أن ولا رجل رفع عينيه لها بإستثناء حمزة الذي قال لها :
-تسجلي كل حاجة يا رقية معتمد عليكي إعتماد كلي
-وانا مش هقبل أقل من ألفين جنيه من كل واحد فيكم انا ضهري وجعني ولسه كتب الكتاب مبدأش
مال عمر نحوها قليلًا ثم قال بهمس :
-لو تعبتي شوفي حد غيرك يصور وارتاحي انتي علشان حامل
ابتسمت رقية بحب له ثم قالت بنفس النبرة :
-لأ محدش يصور كتب كتاب اخويا غيري، انا بس بهزر معاهم
رفعت كاميراتها بإستعداد عندما ظهرت براءة تسير بإستحياء وعلى يمينها والدتها وعلى يسارها والدة براءة، بينما تسير شروق خلفهن تمسك بباقة الزهور لشقيقتها وعلى ثغرها بسمة متسعة سعيدة لها
طلب منها الشيخ الجلوس إلى جانب والدها ففعلت وعلى رأسها وقفت شروق ووالدتها تتلو الآيات القرآنية بإستبشار لابنتها وكي تحصنها أيضًا، أخرج الشيخ منديلًا ثم طلب من يوسف وحسين أن يقبضا كفهما ببعض ثم وضع عليهما المنديل
نظر يوسف نحو براءة مبتسمًا لها بسعادة جارفة ثم أخذ يردد ما ينطق به الشيخ بصوت مرتعش قليلًا من هول الموقف، أجل هو سعيد بل يكاد يطير من فرط سعادةٍ يجرب طعمها لأول مرة، ولكن الموقف يصيبه بالتوتر وهو رجل فما الذي تشعر به براءة الآن
أما الأخرى كانت متماسكة منذ بداية اليوم ولكن ما إن خطت إلى الجامع وتضاربت مشاعرها لدرجة أنها تتعرق بشدة رغم وجود أجهزة المكيف في الجامع، مالت شروق قليلًا لها ومسحت جبينها بخفة بالمنديل حتى لا يفسد مكياج براءة
اعتدلت كما كانت ثم ألقت بنظرة سريعة نحو يونس، حاولت أن تتجاهله ولكنها لم تستطع وقد همت بإبعاد عينيها عنه ولكن جذب انتباهها هذه البسمة التي يرمقها بها، لم تكن بسمة مستفزة أو ساخرة حتى أنها تعجبت أن يكون رد فعله على تجاهلها له هكذا
فرجل بشخصية يونس تتوقع منه الشجار خاصةً أنه أتى لها المنزل مع عائلته وهى كانت في المقرأ وبعدها ذهبت للخياطة، حتى أن والدتها اختلقت شجار معها لأنها ذهبت للخياطة وتركت الناس ينتظرون في المنزل حتى رحلوا
وأجبرتها على الإتصال من عبلة ويونس والاعتذار منهما، لقد اعتذرت لعبلة بالفعل ولكنها تجاهلت يونس، ما قاله كسر كبريائها وهى لا تفهم حتى لما ثار عليها بتلك الطريقة وكأنه اكتشف عليها ذنب
ضيقت عينيها عندما رأت حركة شفتيه لها لكنها لم تفقه ماذا يقصد فهى فاشلة في قراءة الشفتين وهو قال جملة وليس كلمة واحد لذا حركت شفتيها بعصبية بجملة "مش فاهمة حاجة"
ضرب يونس جبينه بإصبعه ثم نظر حوله للموجدين الذين يلقون بتركيزهم كله مع الشيخ لذا أشار لها وهو يضم أربع أصابع هامسًا بكلمة "البطاقة"
عقدت حاجبيها لا تفهم عن أي بطاقة يقصد، مهلًا هل يقصد بطاقته هو التي في محفظته؟!
أعادت رأسها أمامها عاقدة الوجه وسبته في سرها فبدلًا من الإعتذار منها يسأل عن محفظته ذلك الوغد
تقلص جبينها بتعجب تبصر عدد من البطاقات أمام الشيخ منها بطاقتي حسن وإسماعيل، مهلًا هل طلبوه للشهادة وهو أعتذر لأن بطاقته ليست معه، فالبطاقة بالفعل داخل المحفظة التي معها
تبًا فحتى المحفظة ليست معها الآن فقد تركتها في المنزل داخل خزانتها، نظرت له مرة أخرى ثم قالت بحركة الشفتين :
-مش معايا
رأته يتنهد بضيق ثم مال نحو حمزة وهمس له بشئ جعله ينظر إليها هى فنظرت أمامها بسرعة بحرج مدعية التركيز مع الشيخ الذي ختم حديثها لتنطلق زغروطة من والدتها تبعها الكثير والكثير من الزغاريط من الطابق الثاني إذ كُن يتابعن النساء من النافذة عقد القران بأكمله
استقام يوسف وأول من عانقه كانت والدته التي تقف خلفه ثم والده فأعطت رقية الكاميرا لعمر وهرولت لأخيها وعانقته قائلة بسعادة :
-مبروك يا يوسف مبروك
اقترب يونس منهما وضمهما معًا أسفل ذراعيه قائلًا بقهقه رجولية :
-أخيرًا جوزتكم انتوا الاتنين وارتحت من همكم
وعلى الجانب الآخر حدث نفس الشئ إلىٰ أن براءة قد زرفت الدموع وهى في أحضان والدها فقالت فايزة تضحك على ابنتها الباردة التي كانت تشك أنها بدون إحساس :
-يا اختي عشت وشوفتك هتبكي، يعني طلع عندك دم؟!
ابتعدت براءة قليلًا من بين إطار والدها ثم قالت وهى تمسح طرف عينها من الدموع :
-حتى في كتب الكتاب بتتريقي عليا، طلق الست دي يا عم والشيخ أهو لسه قاعد
أعطت شروق الباقة لوالدتها ثم ضمت براءة قائلة بصوت مازح :
-هتبكي المسكرة تبوظ وتبقى خلقتك معفنة، تقلي قلبك لسه فاضل أسبوعين تقرفينا فيهم في البيت
وقبل أن تتحدث براءة وجدت شروق أدارتها سريعًا لتبصر يوسف أمامها تمامًا مبتسمًا بإتساع فأكتسحها الخجل وخرجت منها جملة سريعة دون أن تدرك ماذا تقول :
-احترم نفسك ومتعملش حاجة تكسف
ضحك يوسف بخفة وحرج ثم اقترب منها متخطيًا المساحة الشخصية، ورفع ذراعيه محيطًا بهما جسدها، ثم ضمها بخفة إلى صدره وقد كان التوتر هو سيد الموقف
براءة شعرت بالخجل الشديد من والدها وأعمامها فجميع الموجدين رجالًا، ويوسف هذه أول مرة له يعانق فتاة فالأمر كان له مربكًا، لذا لم يستغرق عدة ثواني ثم أبعدها عنه هامسًا بخفوت :
-جميلة يا براءة
حدقت به الأخرى بعينين سعيدين يغزوهما الخجل ثم عكست عينيها عنه فجذبها يوسف من ذراعها والتقط باقة الزهور من شروق ثم نظر نحو رقية مشيرًا إليها :
-يلا
رفعت الأخرى حاجبيها بتعجب ثم أشارت نحو حمزة الذي كان يتحدث مع والده :
-يلا ايه والواد ده مش هيصور كتب كتابه
تحدث الشيخ الجالس أرضًا وهو يفتح صفحة جديدة في دفتره الضخم :
-العروسين التانيين
تحرك حمزة من مكانه وجلس إلى جانب الشيخ بحماس شديد وقد جلس علي في المقابل له في إستعداد لتدوين ما اتفقوا عليه إلىٰ أن تصل ابنته، اما في الطابق الثاني تحركت ناهد مع نور التي بدا عليها التوتر والقلق الشديد وخرج منها هذا على هيئة ضغطات قوية على ذراع والدتها فقالت صفية مربتة عليها :
-يا بت اهدي ضوافرك هتدخل جوا دراعي
-فين ضوافري دي انا معنديش ضوافر
خرجت عائشة تحمل باقة الزهور الحمراء وهى تشمها بإعجاب شديد وخلفها قد خرجت رحمة وغادة، بينما ظل البقية في الداخل يتابعن من النافذة، هبطت نور الدرج وهى تضغط على أصابع قدميها داخل الحذاء الضيق تحاول تحمله قليلًا إلىٰ أن ينتهي اليوم
خلعته أمام المسجد ثم ولجت رفقة والدتها وناهد، تنظر إلى المكان المكتظ برجال العائلتين ورقية أخذت دور المصور، بينما براءة ويوسف يقفان بجانب بعضهما في أحد الأركان ويوسف متمسك في ذراعها وكأنها ستهرب
سقطت عينيها على ذلك الوسيم الذي سيكون زوجها خلال عدة دقائق، يجلس أرضًا بجانب الشيخ لتقودها والدتها نحوهم ثم جعلتها تجلس إلى جانب والدها، وما إن تركت يد والدتها حتى أمسكت طرف جلباب والدها تخفف عن نفسها التوتر
وحتى الآن لم تقابل عيني حمزة رغم أنها تشعر أن عينيه مصوبة نحوها هى فقط، بدأ الشيخ حديثه بالبسملة وكانت هذه أول مرة تسمع بها هذا الحديث الحنيفي الذي يردده والد العروس والعريس، بينما يقبض كلًا منهما على كف الآخر أسفل هذا المنديل الأبيض
شعرت بوغزات في معدتها لفرط السعادة والتوتر وكل تركيزها مع حديث الشيخ وهو يوجه حديثه لحمزة قائلًا :
-قول يا ابني اني توكلت علي الله تعالي و اطلب منك زواج موكلتك البكر نورهان علي صفوان لنفسي وبنفسي علي كتاب الله وسنة رسوله
ردد خلفه حمزة ولم يقل حماسه بل يزداد والبسمة مرسومة على وجهه من هذه الأذن إلى هذه الأذن ليوجه الشيخ حديثه لـ علي قائلًا :
-قول يا علي، إني توكلت على الله تعالى وقبلت زواجك لابنتي وموكلتي على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صل الله عليه وسلم، وعلى الصداق المسمى بيننا عاجله وآجله، وعلى شهادة الشهود والله خير الشاهدين
ردد علي خلفه ولم يكن سعيدًا ولكنه يحاول إدعاء الهدوء فأي رجل سيسعد لأن ابنته ستتزوج وتذهب من البيت، أي أب يتمنى هذا اليوم لابنته ولكن لم يكن يعلم أنه بكل هذه الصعوبة
ختم الشيخ حديثه رافعًا المنديل الأبيض من على كفيهما :
-زواج مبارك إن شاء الله، العروسين يمضوا هنا
تعالت الزغاريط للمرة الثانية بالتزامن مع جذب حمزة للعقد ثم مضى على خانته باسمه الرباعي من ثم أعطى القلم لنور ودفع نحوها الدفتر، أخذت منه الأخرى القلم بأنامل مرتعشة ثم حدقت في العقد مطولًا وأول ما وقع نظرها عليه هو توقيع حمزة المنمق بخط جميل بشدة نظرًا لخطها هى الذي ستوقع به الآن
وضعت سن القلم أسفل خانتها ولكنها توقفت ولم تحركه فقال حمزة الذي كان يراقبها بكثب أسفل زغاريط النساء من حولهما :
-عايزة ترجعي في كلامك ولا ايه!؟
رفعت عينيها الكحيلة له ثم نفت بهزة بسيطة وخطت اسمها ببطء شديد حتى لا يظهر خطها سيئًا فقال حمزة بفقدان صبر :
-حلزونة بتكتب، إنجزي يا نور صبري نفد
كتبت اسمها الرابع ثم تركت القلم وظلت تحدق في الورقة بعدم إستيعاب مع مشاعر متضاربة تجربها لأول مرة في حياتي حتى أنها لم تشعر بوالدتها التي هبطت لمستواها وعانقتها وقبلت وجنتيها مرددة لها عبارات المباركة الكثيرة
ساعدتها عائشة على الوقوف لتتنقل من أحضان هذه إلى تلك ونفس العبارات تتلى على مسامعها حتى شعرت أن الأصوات أصبحت متداخلة مع أصوات الزغاريط الكثيرة ليهدأ كل هذا عندما جعلوها تقف أمام حمزة الذي طالعها ببسمة سعيدة محدقًا في كل تفصيلة بها من رأسها إلى اخمص قدميها
بئسًا لا تستطيع أن تقول له أن يغض بصره عنها فهو زوجها الآن
ثقلت أنفاسها بل لا لم تثقل هى انقطعت تمامًا عندما اقترب منها وعانقها العناق الأول ضاغطًا على جسدها بين أحضانه، اغمضت عينيها حتى لا ترى نظرات الجميع المسلطة عليهما وانصهر وجهها لشدة الخجل الذي احتلها
لا تعلم كم مر من الوقت لكن عناقه له أخذ وقتًا لدرجة جعلت أنفاسها تضطرب ليلفح عطره الثقيل انفها وهذا ما جعلها شبه تختنق، لكن ما زاد خجلها بالفعل هو أصواتهم حولها يمازحون حمزة قائلين
-خلاص يا حمزة محدش هياخدها منك
-كفاية يا ابني انت نعست ولا ايه
وبعناد طفولي شدد عليها أكثر يرمق الجميع بعناد أن يفصله أحد عنها ولم يبتعد إلى عندما صاحت هى بعد أن فشلت جميع محاولاتها في التنفس من ثقل عطره وقوة ضمه له :
-خلاص مش عارفة اتنفس
أبعدها عنه ببطء فأخفت هى وجهها أسفل كفها تتدعي أنها تعدل حجابها وقد همت بالتحرك، ولكن هيهات أن يتركها هو اليوم إذ إمسك بكفها وشدد عليه وجعلها تقف بجانبه فقال يونس بصوت مرتفع يمازح :
-خلاص لزق مين هيعرف ياخدها منه دلوقتي
تعالت الضحكات في المسجد لتقول رقية تشير إلى أربعتهم قائلة :
-يلا علشان ناخد الفوتوسيشن وبعدين اقعدوا براحتكم إن شاء الله تقعدوا للفجر
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ظلت تحدق في باقة الزهور التي تحملها بإعجاب واضح حتى أنها أرادت أن تأخذ وردة منهم لنفسها لكن قد تضيق شقيقتها التي تلتقط الصور بداخل المسجد مع زوجها الآن لذا أخرجت هاتفها وهمت بإلتقاط صورة لها مع باقة الزهور الجميلة هذه
أتت بالفلتر المفضل لديها ثم رفعت الهاتف وقد ساهم ذراعها الطويل في أخذ صورة جميلة بها مع الباقة، التقطت عدة صور على نفس الوضعية لتنقلب بسمتها للتعجب عندما وجدت دخيلًا في الصورة يستند بكتفه على الحائط وعينيه عليها هى
استدارت بسرعة لتقابل نظرات يونس الهادئة وقبل أن تهم بالتحدث قال هو :
-خلاص كفاية كده ولا ايه
نظرت إلى هاتفها تتساءل إن كان يقصد الصور أم ماذا ليقول الآخر على نفس هدوءه :
-أعتقد كفاية زعل لحد كده والله ما اقصد اللي قولتله يومها
حل الجمود على ملامحها ضامة الباقة إلى صدرها تحدق في ملامحه ثم قالت دون مقدمات :
-انا عايزة نفركش انت مش من ذوقي يا يونس
وكأنها أخبرته أن يسير عاريًا في الشارع، هذه نفس الصدمة التي ظهرت على وجهه حتى أنه شعر بإهانة لرجولته لذا انقلبت الصدمة لغضب وعندما رأت شروق هذا قالت بجدية شديدة :
-شايف الكلام بيوجع ازاي، هو مش بيوجعك لما يطلع منك بس بيوجع اللي قدامك، أقدر دلوقتي أقولك مش قصدي اللي قولتله ويمكن تسامح بس مش هتنسى، انا دلوقتي قولتلهالك ومحدش واخذ باله معانا بس انت قولتهالي قدام بنات عمي وكسفتني قدامهم
رقت ملامحه متقبلًا عتابها بهدوء ثم قال :
-ليه مردتيش ولا مرة عليا في التلات أيام اللي فاتوا
-سيباك تفكر في اللي قولته يمكن تحس فعلًا إن اختيارك غلط وعايز تنسحب
-شروق كلامي مقصدوش، طلع مني وقت عصبية، انا طلعت عصبيتي كلها فيكي
-انت بتقدملي سبب تاني علفكرة، إنك بني آدم عصبي وبتطلع غيظك في اللي قدامك من غير مراعاة مشاعره، ومين هيكون قدامك بعد الجواز غيري؟!
تنهد يونس ولم يعترض ولم يبرر بل قال :
-مش المفروض في الخطوبة كل واحد يفهم التاني ويبقى صريح معاه، انا بقولك أهو من سلبياتي إني عصبي
أدارت شروق وجهها فلم يكن هذا ما تنتظره منه ولكن لا مفر إن بدأ فيجب أن تختم هى ولن تجد فرصة مناسبة أكثر من هذه فالجميع منشغل الآن :
-خلاص كمل الصراحة، واحد انا بالنسبة ليك أي واحدة اختارها أبوك وأمك علشان تخطبها؟! اتنين اللي قولتله يوم الفرح قولتله ليا ليه يا يونس ومتقوليش علشان كنت متعصب وطلعته فيكي، علشان انت اتعصبت عليا أكتر في الحمام
صمت يونس مليًا ثم أجاب :
-واحد انا محدش يعرف يجبرني على حاجة، بابا وماما لما قالوا ليا نخطبلك شروق قولتلهم ماشي علشان انا عايزك يا شروق لو قالوا على واحدة تانية كنت هرفض علشان مش عايز اتجوز واحدة انا معرفهاش
أصابها الحرج من وقع كلماته ولكن حاولت إدعاء الجدية والصمود حتى تسمع باقي كلامه إذ أكمل قائلًا :
-اتنين اتعصبت عليكي علشان كنت غيران
-غيران من ايه وايه علاقة بأن الفستان كان أزرق بالموضوع
تبًا هى تتذكر كل كلمة قالها وبالطبع لن يخبرها بعقدته أنه يخاف أن تعجب برجل آخر فتتركه كما فعلت غيرها، فهذا يعد شك بها والثقة هى أهم ما بالعلاقة لذا قال محاولًا إدعاء الثبات والصدق :
-علاقة إن الفستان كان أزرق علشان سمعت راجل بيعاكسك، قال الفستان الأزرق عليكي طلقة وانا غيرت عليكي علشان كده انفجرت فيكي
نظر إلى عينيها حتى لا تعلم أنه يكذب أو يقول نصف الحقيقة بينما شروق ظلت تحدق في مقلتيه بتركيز تحاول أن ترى اهتزاز بسيط يدل على إرتباكه، وعندما شعر يونس أنه يفشل في الثبات قال محركًا مقلتيه نحو الفستان الذي ترتديه محاولًا تنفيذ ما قالته رحاب ابنة عمه :
-الفستان ده عليكي أحلى من الفستان الأزرق
نظرت شروق إلى ما ترتدي إذ كانت ترتدي جيب أسود متسع يعلوه قميص نسائي باللون الوردي الغامق من السيتان، رفعت رأسها له هاتفة بتعجب :
-دي جيبة وبلوزة مش فستان؟!
-بجد؟؟!
نطق بها محرجًا من غبائه ولكن قُصر القميص جعله يظن أنه ملتصق بالجيب وظنهما قطعة واحدة، هو فقط أراد أن يقول لها كلمة حسنة يكسب بها وُدها ولكن غبائه وجهله في أمور النساء أفسد الأمر
تسللت بسمة إلى ثغر شروق ترى لأول مرة حرجه إذ رفع كفه الضخم يحك جبينه مخفيًا وجهه، حسنًا على الأقل قال لها كلمة جميلة في حقها
-كده اتصالحنا؟؟
نطق بها محاولًا معرفة إن كانت نيتها قد صفت إتجاهه أم لا، بينما ظلت شروق على وضع الصامت تحرق في أعصابه ثم قالت وكأنها تمُن عليه، تلك الخبيثة بارعة في إثارة إستفزازه :
-المرة دي بس علشان انا قلبي طيب
قلب الآخر عينيه متمتمًا بينه وبين نفسه :
-تلات أيام منشفة ريقي وفي الآخر تقولي قلبي طيب، جاتك وجع في قلبك زي ما وجعتي قلبي
آمالت شروق رأسها قليلًا تراه يتمتم بشئ لا تسمعه فهتفت بحدة طفيفة :
-هو انت بتشتمني في سرك؟!
-انتي هتتبلي عليا انا مشتمتش
لازالت ترمقه بهذه النظرات المتشككة فقال :
-سيبي بوكية الورد ده علشان هنمشي
-نمشي نروح فين؟؟
-عند أقرب جواهرجي علشان نجيب الشبكة، وسامحيني بقى مش هنلحق نعملها علشان ماشيين بكرة
لم تخرج من صدمتها في أنهم سيأتون بخاتم الخطبة اليوم دون أن تعلم هى إلا وولجت إلى صدمة أنهم عائدون إلى الإسكندرية غدًا دون أن يقوموا بحفل خطبة لها مثل باقي الفتيات :
-لأ استنى براحة علشان مش فاهمة حاجة، انتوا مش كنتوا ماشيين يوم السبت باين؟؟ بكرة لسه الجمعة
-حصلت مشاكل في العمارة ومحدش موجود خالص في إسكندرية كلنا هنا حتى ولاد عمتي جم فلازم نرجع
ظهر الحزن على وجهها فظن أنها ضاقت لسرعة الأحداث الخاصة بخطبتها هى فقال محاولًا قدر المستطاع أن يظهر لطيفًا :
-متزعليش علشان مش هنلحق نعمل خطوبة إن شاء الله هعوضهالك لما تيجي إسكندرية يوم ١٠/ ٨ في فرح يوسف اللي هو بعد أسبوعين تقريبًا
لم يقل الحزن في وجهها فبدت بالفعل ضائقة فقال يونس بلطف نادر الظهور عليه لكنه أراد بالفعل التخفيف عنها :
-متزعليش يا شروق
-ليه الكروتة دي طيب ما نعمل خطوبة بعدين
-بعدين أمتى مضمنش أقدر آخذ أجازة اجي الصعيد تاني ولا لأ، وعد اعوضهالك هناك
تنهدت شروق بضيق مكبوت ثم قالت :
-طب اشوف ماما وبابا الأول
-ما أبوكي وأمك بيتكلموا مع بابا وماما علشان هنطلع دلوقتي
-دلوقتي دلوقتي؟!
-آه دلوقتي دلوقتي إحنا مسافرين بكرة الصبح مفيش وقت
أشارت الأخرى نحو يوسف وبراءة اللذان لا يزلان يلتقطان الصور لأن براءة لا يعجبها العجب :
-طب هتسيبوا يوسف لوحده في يوم زي ده
-ده على أساس إننا سايبينه في الصحراء!؟ ثم مين قالك انه هيجي معانا ده هيروح مع براءة أسيوط في فسحة سريعة بما انهم كتبوا الكتاب
رمقته الأخرى بإستنكار شديد قائلة بتعجب :
-لوحدهم؟!
-لأ حمزة ونور كمان رايحين
-لوحدهم!!؟
تعجب يونس إصرارها هذه الكلمة فقال متسائلًا :
-ايه لوحدهم ما هما أربعة، محتاجين عشرين يعني علشان يروحوا معاهم؟؟
-أولًا أخوك وابن عمك ميعرفوش حاجة هنا، ده لما كانوا بيعملوا التحاليل كانوا ماشيين ورانا هيروحوا أسيوط الواسعة ازاي؟! ثم ازاي يروحوا وفاضل ساعة والشمس تغيب عمي علي وبابا مش هيوافقوا براءة ونور يروحوا معاهم من غير حد كمان معاهم
قلب الآخر عينيه ضجرًا لا يدري اين الخطأ فقال :
-لو على الإقناع فحمزة عنده اسلوب إقناع دبلوماسي هيعرف يقنعهم، ولو على موضوع أنهم ميعرفوش حاجة هنا فإن شاء الله عنهم ما عرفوا، وانا قولتلهم هتوهوا وهما مسمعوش الكلام خليهم في حالهم بقى علشان نفضى لحالنا إحنا، يلا نمشي
هم بالإستدارة فقالت شروق بسرعة موقفة إياه :
-تجيبلي بوكية زي ده
نظر الآخر لعينيها المتسعة وبدت وكأنها تنتظر إجابته على أحر من الجمر فتأنى يونس في الإجابة، إن قال لا سيكسر بخاطرها مرة أخرى حتى وإن كان بالنسبة إليه الأمر تافه، ابتسم لها ثم هز رأسه موافقًا :
-تمام هجيبلك اللي عايزاه
رأى على وجهها بسمة سعيدة وكأنها لا تصدق موافقته، عجبًا حمزة كان محق أقل شئ يسعد النساء، وكلمة خاطئة في ساعة غضب تقلبهن إنقلابًا شنيعًا
والٰها انتباهه ثم قال بجدية شديدة :
-أي حاجة عايزاها قوليلي عليها ماشي، بلاش موضوع انت لو بتهتم كنت عرفت انا عايزة ايه ،خليكي مباشرة معايا يا شروق
آماءت له بإيجاب ثم هتفت مترددة :
-طب بما إنك مش هتعمل خطوبة فده يضمن إنك مش هتجيبلي أي حاجة من اللي بيجيبها العريس لخطيبته
-زي؟!
ترددت شروق في التحدث حتى لا يأخذ عنها انطباع انها مادية أو ما شابه، هى فقط تريد أن تجرب ما يحصلن عليه الفتيات حين تتم خطبتهن وعندما رأى منها يونس التردد قال :
-قولتلك خليكي مباشرة معايا
عقدت الأخرى أناملها وهى تتحدث قائلة :
-المفروض تجيبلي تليفون جديد وخط جديد وشوية حاجات كمان، هو انت أول مرة تخطب ولا ايه؟؟
ابتسم يونس ثم عقد ذراعيه تمام صدره ولم يشعر بالضجر من التحدث معها :
-مع إن معاكي موبايل بس اكيد نفسك في إصدار جديد وانا هجيبلك اللي تختاريه، زائد لا مش أول مرة اخطب خطبت تلات مرات قبل كده ومـ
قاطعت شروق حديثه بصيحة مصدومة إذ قالت :
-خطبت تلات مرات يا مفتري!!؟
-هو انا اتجوزتهم يعني، خطبت وفركشت عادي يعني
ذمت شروق شفتيها بطريقة لطيفة أعجبت يونس قليلًا وما أعجبه هو غضبها هذا إذ قالت بنبرة مغتاظة :
-بس كان لازم تقولي إنك خطبت قبل كده، لازم تبقى صريح في الحاجات دي، على الأقل أعرف انت فركشت ليه ما يمكن فيك
أمسكت آخر كلمة قبل أن تنفلت من لسانها فابتسم يونس بسمة جامدة ثم قال :
-يمكن فيا عيب صح؟! عامةً مفيش بني آدم خالي من العيوب وانا هقولك وبصراحة في التلات مرات فركشت ليه، بس قبلها انا مجاش في بالي أقولك وانتي مسألتش زي ما انا برضو مسألتش نفس السؤال ومش مهتم أعرف الإجابة علشان الحاجات دي تعتبر ماضي ومش لازم نقلب فيه
تنهد ببطء ثم قال بعد أن ألقى نظرة سريعة حوله ووجد أن البعض من العائلة لا يزال يجلس في الجامع لأن حمزة ويوسف لم ينتهوا بعد :
-أول واحدة هى اللي فركشت ومن غير ما تقولي كمان علشان كنت في الكلية وعرفت من اخواتي ولما سألت عن السبب عرفت إنها سابتني علشان واحد أغنى اتخطبتله بعد أسبوع واحد بس من الرسالة اللي بعتتها لاختي ان كل شئ نصيب... حتى مكلفتش نفسها وكلمتني انا
لاحظت شروق أن ملامحه تحولت للتهكم والضيق وهو يتحدث عن هذه الفتاة التي لا تعرفها وكأنه كان يمتلك مشاعر لها ضيعتها الأخرى بتخليها الفظ عنه، أكمل يونس نافضًا الأفكار المتعلقة بعايدة من رأسه إذ قال :
-تاني واحدة بنت خالتي انا اللي سبتها مرتاحتش ليها وانا أصلًا مش بطيق أمها ولولا ماما وزنّها مكنتش وافقت عليها من الأول
-ليه ده حتى أمها خالتك
-اهو كده مش بقبلها لا هى ولا بناتها ولا جوزها، ولولا إنها اخت ماما الوحيدة ملهاش غيرها كنت خليتها تتبرى منها
تضايقت الأخرى لتحدثه بهذه الطريقة عن خالته لذا قالت حتى يكمل ويتخطى هذه الفقرة :
-طب والمرة التالتة
-هى اللي فركشت بقى وقالتلي بالنص أنت بني آدم استفزازي وعصبي ومش بتهتم بيا وبمختصر انت لا تطاق يا يونس
ضمت شروق ضحكة كادت أن تنفلت منها قائلة :
-طب والله معاها انت لا تطاق فعلًا
ورمقها الآخر ساخرًا ثم قال :
-أومال انتي طايقاني ليه؟!
-علشان بحبـ
صمتت بسرعة وقد وضعت كفها على فمها بعنف وكأنها تعاقبه على تسرعه هذا، ثم رفعت عينيها ببطء نحو عيني يونس تراه يطالعها بملامح مندهشة سرعان ما أخذت تتحول تتدريجًا إلى بسمة ماكرة فقالت بسرعة :
-دي طلعت غلط، زلة لسان عمر ما لسانك قال حاجة غلط متقصدهاش
نفى يونس بهزة من رأسه ولا تزال البسمة تتسع على وجهه ثم قال :
-انتي بتحبيني يا شروق
وما كان من الاخر غير هزة سريعة متوترة تنفي تسرعها الأهوج فتعالت ضحكات يونس جاذبة انتباه جميع الموجدين فصوت يونس كان مرتفع فقالت شروق وقد زاد عليها الخجل أضعافًا :
-يا لهوي اسكت اسكت فضحتنا
لم تجد ملاذًا غير الفرار وقد ساعدها نداء حسن عليها بأن تأتي فركضت نحوه سريعًا تشعر أنها أكبر بلهاء أنجبتها البشرية، فكيف تعترف له هكذا بكل تسرع أنها تحبه، الآن سيثقل عليها أكثر ذلك الأرعن الذي لا يزال يضحك حتى الآن وكأنها أخبرته بنكتة...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل السبعون 70 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلوا على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
كانت عينيها تدور بين والدها وعمها وبين حمزة الذي يحاول إقناعهما بأن يذهبوا إلى أسيوط بما أنهم قد عقدوا القران، تتمنى أن يقبل والدها وفي نفس اللحظة تتمنى أن يرفض ففكرة أن تذهب مع حمزة إلى المدينة الواسعة بمفردهما مربكة
حتى وإن كانا براءة ويوسف معهما بالطبع سينشغلان مع بعضهما وينفرد حمزة بها، إنها فكرة مخيفة وليس فقط مربكة فهى لا تثق في جنون حمزة أبدًا
عاد حمزة بملامح مستبشرة وليست بائسة فأحتل القلق أوصالها خاصة عندما قال ليوسف :
-يلا يا يوسف هات مراتك علشان نلحق نروح ونرجع
نظرت بسرعة نحو والديها اللذان أخذا يقتربان منها ثم قالت والدتها بجدية شديدة :
-نورهان هتروحي من جوزك تتفسحوا شوية وترجعوا بس خلي بالك انتوا كتبتوا كتاب بس
جملة تحذيرية منها تحمل الكثير من المعاني التي تخجل بالإفصاح عنها بالطبع فأكتفت بهزة مطيعة منها فقال علي :
-لو حصل حاجة اتصلي علينا وخلي بالك من نفسك انتي وبنت عمك
شعرت بحمزة يقف بجانبها ثم قال ببسمة متسعة يوجهها إليها :
-يلا
ابتعدت عنه قليلًا فليست مرتاحة بعد لفكرة أن التلامس بينهما أصبح مباحًا ثم استمعت لوالدها يقول :
-حمزة خلي بالك من البنت ولو حسيتوا إنكم تهتوا اركبوا أي حاجة للنزلة ونورهان وبراءة عارفين هيركبوا ايه علشان ترجعوا تاني
-مش محتاجين نركب اتوبيس أو ميكروباص إحنا رايحين بعربية ابن عمتي
ختم حديثه مشيرًا لسيارة رمادية تقف على جانب الطريق فقالت صفية بعدم إرتياح :
-بس انتوا متعرفوش الطريق هتسوقوا لهناك ازاي
-التكنولوجيا مقالتش حاجة هنعرف الطرق كلها من على جوجل ماب
لم يظهر على والديها سوى البلاهة وهذا لأنهما أمّيين ولا يفقهان في التكنولوجيا الحديثة إلا القليل فشرحت هى قائلة :
-قصدوا هيمشوا على الطرق اللي على النت، خريطة أسيوط بكل حاجة فيها موجودة على جوجل وانا وبراءة حافظين الطريق من هنا لأسيوط من أيام الكلية
لا تزال إمارات عدم الراحة ظاهرة عليهما ورغم هذا ربتت صفية على كتف ابنتها قائلة :
-طب خلوا بالكم من نفسكم ومتنسيش اللي قولتلك عليه
آماءت لها نور ثم نادت على شقيقتها التي تلتقط بعض الصور هى وفتيات العائلة بباقة الزهور الخاصة بها وباقة براءة التي تتحدث مع والديها وعلى الأرجح يتلوان عليها نفس الوصايا :
-عائشة هاتي شنطتي وهاتي البوكية ده انا متصورتش به قد ما اتصورتوا به انتوا
اقتربت منها وأخذت الحقيبة التي لا تستطيع أن تفارقها مهما حدث وأخذت الباقة ثم قالت :
-بقولك ايه ما تجيبي الكوتشي اللي انتي لبساه وتاخدي الهاي هيلز ده
نظرت عائشة لحذاء نور المرتفع ثم قالت :
-بس الجذمة دي هتبقى ضيقة عليا
-يعني انتي اللي رجليكي أقصر من رجليا بتقولي ضيقة انا أعمل إيه؟! حاسة صوابعي اتنوا من جوا يا عائشة ولسه أكيد هنلفوا تاني في أسيوط أما انتي مروّحة "راجعة البيت"
-مين قالك إني مروّحة انا رايحة مع شروق علشان هيجيبوا الشبكة دلوقتي
رفعت نور قدمها من على الأرض بتألم ثم قالت :
-طب أرجع البيت ألبس كوتشي وبعدين أرجع، والله ما هقدر استحملها
نظرت عائشة حولها لبنات أعمامها ثم قالت :
-بصراحة ولا واحدة لابسة كوتشي عليه القيمة علشان تبدلي معاها انا شايفة إنك تتعايشي مع الوضع لحد ما ترجعي
همت نور بالصياح بها أنها لن تتحمل ولكن قاطع هذا نداء حمزة عليها وهو يقف إلى جانب تلك السيارة الرمادية ومعه براءة ويوسف فتحركت نحوهم مستسلمة تدرك أنها لن تتحمل هذا الحذاء كثيرًا وللأسف لن تستطيع خلعه هناك
وقفت إلى جانبهم فقال حمزة محدثًا يوسف بالتزامن مع إلقاء المفاتيح له :
-يلا يا يوسف انت هتسوق
رمقه الآخر بإستنكار فلما سيقود هو :
-ما تسوق انت يا حمزة انا عايزة أقعد وراء
فتح حمزة الباب الخلفي للسيارة ثم قال بنبرة شبه تهديدية :
-أقسم بالله ما حد هيقعد وراء غيري، ثم انا سواقتي وحشة وكلكم بتذِموا فيها يلا بقى انت زي الشاطر سوق
أشار لنور بأن تصعد فقالت براءة بإستنكار :
-وانت هتقعد معانا وراء ليه؟؟
-لأ السؤال هو انتي هتقعدي معانا ليه ما تقعدي مع جوازك قدام
نظرت براءة نحو يوسف والذي أشار لها بأن تأتي وتجلس إلى جانبه بينما اقتربت نور من حمزة قائلة بصوت منخفض :
-بلاش تقعد جنبي يا حمزة اطلع أقعد قدام
-متخافيش مش هعمل حاجة وهقعد مؤدب
-بس يا كداب
نطقت بها بعفوية راقت له فقال ضاحكًا :
-انا فعلًا كداب ادخلي بقى
ولجت نور مستسلمة لتجلس في آخر المقعد ملتصقة بالباب وما إن رأى حمزة هذا حتى ضحك بخفة معطيًا لها العذر بأنها لم تعتد عليه بعد، جلس مبتعدًا كما هى تريد ثم أغلق الباب قائلة :
-يلا يا يوسف شغل جوجل ماب على تليفونك واتكل على الله
قام الآخر بتشغيل السيارة بالفعل بعد أن فتح موقع خرائط جوجل على هاتفه حتى لا يضيعوا فقالت براءة وهى تنظر أمامها :
-حاسة والله أعلم إننا هنضيعوا من وراكم
-لأ إن شاء الله مش هنضيع
أراح حمزة ظهره على المقعد عكس نور التي بدت متشجنة في جلستها فمد يده دون تردد وأمسك بكفها الذي ارتعش داخل كفه الضخم، نظرت نور نحوهه متوترة ثم قالت دون أن تحاول سحب كفها منه فيجب أن تعتاد عليه ولا تهرب منه :
-هو انتوا محددين هنروح فين ولا سايبينها بالبركة
نظر يوسف نحو براءة التي كانت تصب تركيزها في باقة الزهور القابعة فوق قدميها :
-انتوا تعرفوا مكان حلو نتعشى فيه ولا أعتمد على جوجل
همهمت براءة بتفكير تعصر عقلها لتذكر الأماكن التي كانت تذهب إليها مع صديقاتها أيام الجامعة :
-أعرف ايوه فيه مطعم كان قريب من الكلية بتاعتي اسمه مطعم صلصة تقريبًا كنا نمشوا نص ساعة علشان نوصلوا
نظر يوسف نحو حمزة ثم قال :
-ابحث كده عنه يا حمزة
بحث الآخر عنه بالفعل على هاتفه دون أن يفلت كف نور من يده :
-امم بس ده مش على النيل، إحنا عايزين حاجة على النيل
أخذ حمزة يبحث عن مطاعم أسيوط الشهيرة المطلة على النيل ثم قال :
-فيه مطعم اسمه Nile Valley
آماءت براءة سريعًا متذكرة هذا الاسم :
-ايوه عرفاه ده قريب برضو على كلية التمريض
بحث يوسف عن اتجاهات ذلك المطعم الذي قالوا عنه ثم قال :
-محتاجين ساعة وربع علشان نوصل
وزفر حمزة بعدم رضا قائلًا :
-بس هما قالوا بعد العشاء نرجع وفاضل على العشاء بس تلات ساعات ونص يعني بالمجمل الطريق رايح جاي لوحده ساعتين ونص يعني هنقعد هناك بس ساعة؟!
-معلش يا حمزة أحسن من بلاش ولما نكون في إسكندرية هنعرف نلف أكتر من كده
انشغل يوسف في التحدث مع براءة عن أسيوط وعن أيام الجامعة بها بينما كانت تتابع نور كل شئ بصمتها المعتاد فقبض حمزة على يدها حتى تنتبه له ثم قال محدقًا في اناملها النحيفة التي تغوص في كفه :
-إيدك حلوة وصوابعك رفيعة لا هى طويلة ولا قصيرة
ابتسمت نور له دون رد فقرر هو أن يبدأ الحوار حتى يرفع عنها الحرج وبين كل دقيقة والأخرى يحاول الاقتراب منها أكثر حتى يلغي هذه المسافة بينهما :
-ضوافرك صغيرة ونضيفة زي العيال انتي معندكيش ضوافر أصلًا
-لسه قصاهم الصبح مش بحب أطولهم
تحسس اظافرها النظيفة ثم رفع نظره إليها هاتفًا بتعجب :
-انتي فيكي العجب والعجاب، اول مرة أشوف بنت ضوافرها مش طويلة أو مش حاطة مُنوكير في ضوافرها حتى ولو اللون مش ظاهر
حاولت أن تجذب منها يدها التي يحتجزها بين كفيه ولكن الآخر أبى بعناد مرسلًا إليها نظرة بأن لا تحاول فزفرت مستسلمة ثم أجابت :
-المُنوكير بيفسد الوضوء والضوافر الطويلة مش مستحبة لازم يتقصوا على الأقل مرة كل أسبوع، انا اعترف مش مهتمة بيهم زي باقي البنات
ضحك حمزة بخفة متذكرًا اظافر شقيقتيه ثم قال :
-رحمة ضوافرها طويلة تحسيها ضوافر قطط وغادة لحد ما خلفت لؤي كانت بتطول ضوافرها، كانت في خناقتنا بتخلي رقبتي ودراعاتي شوارع
تبسمت نور في وجهه وهو بدوره أطال النظر لعينيها التي استحلت اللون العسلي الفاتح وكأنهما طبقان من عسل النحل وهذا بسبب الشمس التي بدت تميل للغروب فأصبحت أشعتها تنعكس في عينيها
خجلت نور من تحدقيه لعيونها فأخفضت رأسها كما المعتاد للتفاجأ به يرفع وجهها له بكل جرأة ثم قال :
-انا مش كاتب الكتاب علشان تنزلي راسك بصي ليا يا نور عايز أشبع من عينيكي قبل ما أسافر هتحرم منهم أسبوعين لحد ما تيجوا إسكندرية بقى
لم تتحمل عينيه التي تتفرس ملامحها بشغف وتركيز بل أصبح قريبًا منها ولا تدري كيف وهو كان بجانب الباب وهى على الجانب الآخر، لم تجد ملاذًا غير إغماض عينيها فقهقه حمزة قهقهة صاخبة جعلتها تفتح عينيها بدهشة ثم قالت وهى تغتلس النظر ليوسف وبراءة في الأمام :
-بس يا حمزة فضحتنا فيه غيرنا قاعد
نظر حمزة سريعًا إلى يوسف الذي تجاهل قهقهته وأكمل حديثه الشيق مع براءة التي أيضًا ادعت أنها لا تهتم بهما :
-هما مش فاضيين لينا أصلًا خلينا في حالنا إحنا
حرر يدها أخيرًا حتى يأتي بشئ أسفل المقعد فخبأت هى يديها بحركة عفوية وكأنها هكذا ستمنعه من الإمساك بهما، رفع حمزة صندوق هدايا ضخم لا تدري من أين أتى به ثم وضعه على قدميها بعدما أبعد باقة الزهور، هاتفًا بحماس :
-افتحيه
بالطبع هذه هدية لها غير باقة الزهور التي على الأرجح ثمينة بشدة، رفعت عينيها له هامسة بسعادة رآها في عينيها وهى تقول بعدم تصديق وكأن هذه أول مرة يحضر أحدهم لها هدية :
-البوكس ده كله ليا
همهم بإيجاب مستمتعًا بكل لحظة يقضيها معها لتقول نور وكأنها محرجة من فتحها هنا :
-افتحها هنا؟!
-آه أصلًا الطريق طويل خلينا نستغله شوية، هناك يا دوب نلحق ناكل
رفعت نور الغطاء وظنت أنها ستجد هدية واحدة على حجم الصندوق ولكنها تفاجأت بوجود العديد من الأشياء داخل الصندوق الممتلئ بكرات الفوم الصغيرة الملونة
جذبت أول شئ قابلها وكان علبة هاتف بإصدار حديث فقالت مذهولة :
-بس انا معايا تليفون
-تليفونك إصدار قديم ده أحسن وأحدث
تركت العلبة على جنب ثم مدت يدها تجذب شئ آخر لتجد دمية محشوة صغيرة باللون الأبيض على شكل دب فضحكت لرومانسيته قائلة :
-تصدق وتآمن بالله طول عمري نفسي في دبدوب بس أمي كانت بتقول لأ عندها وسواس إن عيونها بيتمثل فيها الجن وطبعًا أفلام الرعب خوفتني منهم أكتر، بس ده شكله صغير وحلو
تلمست فوره الناعم ثم قبلت أنفه الصغير في حركة عفوية منها فقال حمزة متهكمًا :
-عجبت لك يا زمن جه اليوم اللي أحسد فيه دبدوب
ضحكت نور خجلة ثم قالت بمزاح :
-عادي علي بن أبي طالب كان بيغير من المسواك اللي بتستخدمه فاطمة الزهراء
مدت يدها وأخرجت شئ آخر لتصيح بعدم تصديق مبصرة سماعة الرأس على أحدث نوع :
-يا لهوي انت جاي تحققلي أحلامي النهاردة
رمقها بإستفهام فقالت الأخرى شارحة له :
-سنين اتحايل على أمي أجيب واحدة حتى ولو من فلوسي وهى عمرها ما رضيت
-بس انتي كنتي بتشتغلي ليه مجبتيش واحدة
-كانت هتكسرها فوق رأسي لو عرفت، أصل بعيد عنك أمي من النوع الدكتاتوري لو مكنتش الحاجة ليها فايدة وتعيش خمسين سنة لقدام متوافقش إننا نجيبها، ويا ويلها اللي تجيب حاجة هى قالت عليها لأ حتى لو كان كيس اندومي
-لأ وبعيد عني ليه، عندي نفس النوع بس الكلام ده يمشي على رحمة بس متقدرش تمشيه عليا انا وكريم، ثواني عايز اسمعك حاجة بتفكرني بيكي
جذب منها السماعة وأوصلها بهاتفه على أغنية محمد منير التي سمعها في حفل الزفاف، هم بوضعها فوق رأسها لكن وجد ملامحها قد انقلبت وبسمتها اختفت فتراجع قائلًا :
-مش بتحبي تسمعي أغاني علشان حرام صح وانتي خاتمة القرآن
-للأسف عارفة إنها حرام وبسمعها
بدا الحرج في عينيها رغم هدوء ملامحها فقال مخفضًا السماعة قليلًا :
-طب ليه بتسمعيها وعارفة إنها حرام
تنهدت بعمق وكأنها تحمل ذنبًا على عاتقيها وهى تقول :
-بجاهد والله علشان أبطلها بس عاملة زي الإدمان برجعلها تاني مهما حاولت أبعد، مفيش بني آدم خالي من الذنوب وده واحد من الذنوب اللي انا بعملها بس بحاول أبطلها والله لما ياكلني الندم قوي، وبفضل استغفر لعل وعسى ربنا يتوب عليا
-علفكرة انتي كده لسه في أمان إنك تخافي تعملي الذنب وتضعفي في لحظة شيطان وتعمليه وترجعي تستغفري وترجعي تعملي الذنب في لحظة ضعف تانية وتخافي ربك وتندمي وتستغفري تاني انتي كده من ضمن الأوابين، تقريبًا كده في آية سمعتها من الشيخ عن الأوابين دول في خطبة الجمعة
-وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكٌلِ أوَّابٍ حَفِيظٍ، ما هو ده اللي بيخليني أندم وأرجع وادعي ربنا يتوب عليا من البلاء دِه
ابتسم حمزة لأنها تحفظ الآية عن ظهر الغيب ثم قال متسائلًا :
-انتي بتسمعي الأغاني كتير
-لما اشتغل في البيت، اكنس أو أمسح، اغسل المواعين، أنشر الغسيل بسمعها كتسلية لما اشتغل
-طب ايه رأيك تبعدي عن السبب اللي يخليكي تسمعي أغاني
-قصدك التليفون؟؟
-محدش يقدر يستغنى عن تليفونه انا عارف، قصدي لو على تليفونك أغاني أمسحيها بحيث ميبقاش قدامك الأغاني فمتسمعيش
ابتسمت له نور بسمة غريبة تعجب لها حمزة فقال :
-فكرة فعالة صح؟!
-فعلًا فعالة ونفذتها يطلع عشر مرات قبل كده، ياكلني الندم قوي فأمسحي كل الأغاني وأقول دي آخر مرة مش هسمع تاني، ألاقي على النت اغنية عجبتني، مقطع حلو، هوب التليفون يتملي أغاني تاني ورجعت ريما لعادتها القديمة وأندم تاني واستغفر تاني ولفينا بينا يا دنيا وانا على الحال ده لحد دلوقتي وبدعي ربك يتوب عليا، اللي مصبرني بس اني بتوب مغرقتش خالص
ضحك حمزة وقد مال قليلًا للأمام ثم اعتدل رافعًا خصلاتها التي سقطت على وجهه فركزت نور عينيها على شعره وكأنها هرة أبصرت فأر يتأرجح أمامها، رفع السماعة على أذنيها ثم قال :
-معلش اسمعي دي من غير موسيقى بس عايزك تسمعي الكلمات دي
وضعت السماعة على رأسها كما يريد ثم قالت متسائلة :
-أغنية لمين؟؟
-محمد منير
-فظيعة أغاني محمد منير
-انا أحلى
نطق بها وكأنه طفل يشتكي أن والدته تدلل طفل آخر أمامه ولكنها لم تسمعه بسبب بدئ الأغنية التي سبق وسمعتها من قبل ولكن هذه المرة سمعتها على تفكير حمزة وكأن محمد منير يشرح ما يعيشه حمزة معها من ثقل ودلال وتعب ولوعة الحب
أبتسم حمزة وصدى الأغنية يصل إليه، فأسند رأسه على ظهر المقعد وهو يفكر مليًا في حب هذه الفتاة الذي استوطن قلبه وكأنه محتل أبى إستقلال الأراضي التي سيطر عليها
لا يصدق حتى الآن أنه بات له الحق في لمسها والنظر لعينيها وضمها والجلوس إلى جانبها، ترى متى ينقضي الثلاث أشهر التي حددهم مع علي بصعوبة بعد أن كان يريد أن تكون فترة الخطبة ليست أقل من عام
متى تنقضي حتى تنير هذه الجميلة منزله وتصبح حرمه وأنيسته
الآن بات يحسد يوسف مرة أخرى لن سيتزوج بعد أسبوعين وهو بعد ثلاثة أشهر ...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
مر أثني عشر يومًا على عودتهم من الإسكندرية ولا يصدق أنه عاد أخيرًا لهوائها المنعش والبحر وجهاز التكيف ولا يفسد مزاجه كل صباح إلا هذا الصوت
تقلب في مكانه بضجر يستمع لنداء بعيد لوالده ولكن هل يترك الفراش المريح والهواء الرطب المنعش الذي يتسلل من جهاز التكييف القابع فوق رأسه، لا والله لن يفعل
ولج عثمان إلى غرفة ابنيه ليجد فراش فارغ مرتب بشكل نظامي، والآخر فوضاوي مبعثر من كل إتجاه ويستكين فوقه جسد حيوان الكسلان المدعو كريم الذي يسهر للساعة الثانية على مبارات كرة القدم ويظل خاملًا حتى الظهيرة
زفر بضيق ثم أغلق جهاز المكيف فحين يشعر كريم بالحرارة سيستفيق من تلقاء نفسه، اقترب من الفراش ووكزه بيده قائلًا :
-قوم يا كريم الساعة سبعة
همهم الآخر بكلمات لا معنى لها فقال عثمان بضيق :
-قوم يا كريم مش اتفقنا بعد ما نرجع من الصعيد تنزل تدريب في الشركة، عدى أكتر من عشر أيام على رجعونا ولحد دلوقتي مشوفتش وشك في الشركة وكل يوم تقولي الصبح وتفضل مقتول للضهر على السرير
-حاضر حاضر..... هقوم
خرجت منه هذه الكلمات المتقطعة الخافتة بدون وعي حتى يحل والده من على رأسه فقط، اقترب عثمان من جهاز الراوتر الموضوع بجانب الشاشة تمامًا وبسببه يسهر كريم إلى الثانية صباحًا وتلك الصغيرة رحمة تسهر على المسلسلات الكورية وعندما تكلمها والدتها تصيح قائلة أنهم في إجازة
خلع الجهاز بأكمله ثم نظر نحو كريم الذي لا يزال في سُبات البط فقال بنبرة قوية :
-كريم قدامك نص ساعة وألاقيك هناك وانت عارف العنوان ماشي
-ماشي
-اكيد هتقولي ماشي ومش هتيجي زي كل يوم
همهم بها بحنق ثم خرج من الغرفة وأعطى الراوتر لزوجته التي لا تزال مستيقظة ثم قال :
-خدي ده أخفيه خالص ويا انا يا عيالك في البيت ده، ابقى أشوف واحد ولا واحدة يسهر لبعد عشرة كده
أخذت منه ناهد الراوتر دون مجادلة فقد أكثر أولادها في السهر بالفعل خاصةً ابنتها رحمة التي لا ترفع كوبًا من الأرض وليل ونهار على الهاتف، تبًا لجيل الإنترنت البائس هذا :
-هو حمزة لسه نايم؟! قالي اصحيه بدري النهاردة
-حمزة لسه نازل شغله قالي عايز ينجز كل حاجة وراه علشان يتفرغ اليومين اللي جايين علشان فرح يوسف وعلشان خطيبته جاية إسكندرية
أشار نحو غرفة كريم ثم قال :
-تصحى الواد ده
-مش بقدر عليه
-تصحيه يا ناهد علشان ينزل تدريب بقى كفاية مرقعة
آماءت مستسلمة وهى تعلم أنها لن تقدر على ذلك الكسول ثم قالت :
-ماشي هاروح أسخنلك فطار علشان تلحق تمشي بس أدخل أصحى رحمة الأول
-مش هلحق الدنيا زحمة أوي الصبح يا دوب ألحق أوصل علشان محتاج اتكلم مع دكتور فؤاد النهاردة بدري
خرج وأغلق الباب خلفه فاتجهت ناهد إلى غرفة ابنتها طاردة النوم من عينيها حتى تخرج حيوان الكسلان هذه من غرفتها، فتحت الغرفة بعنف وذلك لم يؤثر على تلك الخمولة لتنادي عليها بصوت مرتفع :
-رحمة قومي ورانا شغل كتير
جذبتها من ذراعيها وجعلتها تجلس فهمهمت الأخرى بضيق تفرك خصلاتها البُنية القصيرة التي تستمر في قصها بطريقة لا تتجاوز كتفيها، حاولت فتح عينيها وهى تسمع والدتها تعد عليها ما سيفعلوه اليوم _من المفترض_
-قومي عايزين نغسل الغسيل وننضف المطبخ والحيطان ونلم السجاد ونمسح البيت كله والحمام عايز نضافة شاملة
-ليه يعني هو بكرة العيد!؟
-لأ مش بكرة العيد بس علشان تقومي وبابا شال الراوتر خالص وريني هتقعدي على مسلسلاتك تاني ازاي
رمقتها رحمة بأعين ناعسة ثم قالت :
-هو ايه ده اومال لو مكناش في أجازة، حرام عليكم اتقوا الله ده انا بنتكم
ظلت ناهد تحدق بها في جمود ولم تتأثر فسقطت رحمة للخلف ظنًا أن والدتها قد رحلت فصاحت بها الأخرى بطريقة مفزعة :
-هو انتي هتنامي تاني بقولك قـــــومي
ركلت الأخرى الفراش بقدميها بتذمر ثم صاحت :
-طب سيبيني أنام شوية وبعدين هصحى نعمل كل حاجة
-لأ قومي دلوقتي يعني دلوقتي
لم تتلقى منها غير النظرات الغير راضية فجذبتها ناهد من على الفراش ودفعتها أمامها قائلة :
-قومي مش فالحة غير تسهري للفجر وتنامي للعصر وتنقطيني انا
زفرت رحمة بتعب وهى تسير مجبرة أثر دفع والدتها لها لتقول ناهد وهى تقف في ممر الغرف :
-ادخلي أوضة اخواتك هاتي الهدوم الوسخة كلها، يــــلا اتحركي
ولجت رحمة إلى غرفة اخويها بعدما لم تجد إستجابة لمن بالداخل ليقابلها الهواء المنعش الرطب وهذا ما جعلها تبتسم كالبلهاء فغرفتها لا يوجد بها جهاز تكييف مثل هذا :
-هو انا دخلت الجنة ولا ايه
نظرت حولها وقد كانت الغرفة تعثو في الفوضى بإستثناء مكتب حمزة وأرفف الكتب الخاص به وفراشه الذي يرتبه قبل أن يذهب لعمله كل يوم، وقعت عينيها على كريم الغافي على الفراش في سبات عميق حُرمت هى منه للتو
مدت رأسها لخارج الغرفة لتجد والدتها تجمع الغسيل من غرفتها فعادت كما كانت وأغلقت الباب بالمفتاح ثم سقطت على فراش حمزة تتململ بنعاس وهى تقول :
-سوري يا ماما بس انا مش هسيب التكييف ده لكريم لوحده واتسحل انا في شغل البيت في الأجازة
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
تحرك بخطى سريعة خارج قاعة المحكمة تاركًا موكله يتحدث مع عائلته ومعارفه بعد حكم البراءة، فبعد أن نجت نور من القضية وبرأها أمام المجتمع أخذ هو شعبية في الإسكندرية بسبب نجاحه خاصةً أن القضية كانت رأى عام فحتى المحاميين الكبار كانوا يتابعونها
حصل على فرص عمل كثيرة مع المحاميين الأكثر خبرة منه وهو لم يرفض فالعمل كمحامي يتطلب الخبرة والسمعة والصيت، والأهم من هذا كله الذكاء والقدرة على حل الثغرات في القضايا وهو يتمتع بِحِث شارلوك هولمز الذي كان يعشق القراءة عنه فأصبح يفكر كما المجرمين والمحققين
وهذه قضية قد وكلها له أحد المحاميين ليرى ماذا سيفعل بها وهو لم يخذله ونجح بها بجدارة، فتح هاتفه الذي اهتز كثيرًا في جيبه على الوضع الصامت أثناء مرافعته بالداخل ولكنه لم يرد لإنشغاله
اتسعت البسمة على وجهه مبتعدًا قدر الإمكان عن الأصوات ثم ضغط على زر الإتصال عندما وجد مكالمة فائتة من "زوجتي الجميلة"
استمع لرنين الجرس ثم أتاه صوتها الناعم وهى تقول :
-صباح الخير يا حمزة
-صباح الفل يا قلب جوزك
قلبت الأخرى عينيها وعلى ثغرها بسمة هادئة، استطاع هذا الحمزة سرقة قلبها بكلماته المعسولة، لم تظن أنها يومًا قد تتزوج رجل يغازلها مثل حمزة :
-صليت الصبح؟!
الحجة التي تقولها عندما لا تدري ماذا ترد على غزله فتسأله حينها على صلاة آخر فرض وفي كل مرة يصمت هذا الصمت ثم يخرج لها بحجة مختلفة عن كل مرة إذ قال :
-كنت في المحكمة ولازالت في المحكمة علشان كده معرفتش أرد على مكالمتك، صحيح مش متعودة تتصلي انتي الأول، وحشتك صح!؟
-اممم نوعًا ما
قلب الآخر عينيه بفقدان أمل، فلا تزال نور حتى الآن تبيع له ثقلًا تجعله يغرق أكثر وأكثر :
-هتركبوا القطر بالليل النهاردة صح؟؟ توصلوا أمتى على كده
-على الصبح الساعة سبعة أو تمانية تقريبًا كده، جهزوا مكان لسبع عائلات اتمنى يكون عندكم مكان
-عندنا متخافيش بس للأسف أشك إن فيه مكان ليكي انتي
تعجبت من قوله هذا فكيف يوجد لجميع أعمامها وأولادهم ولا يوجد لها هى، وسرعان ما فهمت ذلك الخبيث الماكر عندما أضاف بنبرة عابثة :
-بس لو ملكيش يا حبيبتي انا....
قاطعته بسرعة قائلة :
-حمزة متتكلمش كده وانت برا الناس تركز معاك، وخف قلة الأدب هو علشان كتبنا الكتاب هتنطلق!؟
-هو انا انطلقت ولا لحقت حتى غير سافرت تاني يوم كتب الكتاب وملحقتش آخد غير حضن يتيم، ثم انا متكسفش أقول للناس إني بحب مراتي وبموت فيها
-حمزة
-قلبه يا نورهان
-احترم نفسك قولت، الناس صوتها عالي من كترهم حواليك
تنهدت بهدوء ثم أضافت عندما لم تجد منه مداهرة كما العادة وكأنه حزن لوقع حديثها الجاد :
-انت زعلت؟؟
-شوية
نطق بها بهدوء خارجي وخبث خفي فقالت نور بسياسة :
-مش قصدي ازعلك بس انا يعني اتكسفت والمفروض كلام زي ده ما تقولوش بصوت مسموع حتى لو انا مراتك، خلي الحاجات دي بيني وبينك بس
حك حمزة حاجبه وعلى ثغره بسمة شديدة الإتساع على خجل زوجته الفطري :
-ماشي لما تيجي هسمعك من ده كتير
-وتوديني الملاهي
-نعم؟؟!
-خلاص خلاص سحبتها اعتبر نفسك مسمعتش حاجة
هتفت بحرج شديد على تلك الجملة العفوية التي خرجت منها فقال حمزة بحنو :
-نفسك تروحي الملاهي!؟
-اممم بس ملاهي ملاهي يعني، فيها الحاجات الضخمة اللي بشوفها على التيك توك
-ومش هتخافي ولا ترجّعي؟
-لأ طبعًا متقلقش مش بخاف من الحاجات دي، ده انا هموت وأركب البتاعة المدورة اللي بتطلع فوق خالص وتنزل مرة واحدة، واللي شبهها بس بتلف يمين وشمال، والقطر الأفعواني
ضحك حمزة على الحماسة التي تتحدث بها فقال بعبث لا ينسلخ عن شخصيته :
-حبيبتي انا شجاعة زي جوزها
-بس يا بابا ده انت بتخاف من الحقن
تنحنح حمزة وقد رفع خصلاته بجاذبية ليس وكأن كرامته بُعثرت الآن :
-علشان بحبك هعديها، عارفة لو يونس كنت سفلت وشه
-سفلت؟! أحيانًا بشك انك وولاد عمك من ميامي أصل الناس كلها هناك ناعمين قوي رجالة وستات كأنهم بسكوت ونواعم، انتوا لأ فيكم سِنة خشونة كده وكلامكم شعبي أكتر
-اممم بحكم تعاملنا مع الناس، وبرضو علشان أهلنا أصلهم صعيدي علمونا نتكلم بطريقة ناشفة شوية عن باقي الناس هنا
نظر خلفه عندما نادى موكله عليه فقال بسرعة :
:هقفل علشان أكمل شغل، من هنا لحد ما أكلمك بالليل هتوحشيني، ومن هنا لحد ما توصلي إسكندرية بالسلامة هيتعبني الشوق، مع السلامة يا قلب جوزك
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
وقف في بهو الشركة وقد ألقى داخل فمه قطعة شوكولاتة يمضغها على مهل وعينيه تدور في أركان هذه الشركة اللامعة، وهو لا يبالغ أبدًا فيشعر أن الشركة من شدة إتساعها وجمالها تملع
سار قليلًا إلى الأمام يراقب الموظفين المتحركين في كل مكان والعجلة تأخذهم، عجبًا من أين لهم بكل هذا النشاط أم أن المدير صارم بشدة لدرجة تجعلهم يعملون هكذا خوفًا منه
صدح رنين هاتفه في الأجواء فرفعه إلى أذنه يستمع إلى المتصل وعينيه لا تزال تتابع المكان بتركيز :
-انت فين يا كريم الساعة بقيت عشرة ونص وانت لسه موصلتش
-انا هــنـا
نطق بها بصوت مرتفع حتى يسمع والده الذي كان يقف على بعد منه وهو لا يراه، استدار عثمان ليجد ابنه المبجل قد وصل أخيرًا، تحرك نحوهه بخطوات متعجلة فقال كريم بتعجب :
-هو الكل في الشركة دي بيمشي بسرعة كده ليه!؟ براحة هى الدنيا هتطير
توقف الآخر أمامه لاكمًا ذراعه بعنف على تأخره :
-ده كله بتتنيل تفطر انا مش مصحيك الساعة سبعة وقولتك نص ساعة وألاقيك ورايا وقولتلي ماشي
فرك كريم موضع لكمة والده هاتفًا بتبرير :
-قولتلك ماشي وانا نايم يبقى كأني مقولتش حاجة، انا صحيت مش فاكر حاجة على الساعة تسعة على تليفونك لحد ما فطرت وجيت في الطريق الطويل ده جات عشرة ونص
-بعد كده تصحى الساعة سبعة الشغل هنا بيبتدي تمانية يعني قدامك ساعة والطريق من هنا للبيت خمسة وأربعين دقيقة يعني ربع ساعة تغسل وشك وتنضف نفسك وتفطر وتيجي
-في ربع ساعة؟! ايه شغل الجيش ده؟! انا أروح أدخل الجيش أرحم
دفعه عثمان أمامه حتى يسير ليستقلا المصعد ثم قال بجدية :
-كريم هنروح دلوقتي عند الدكتور فؤاد صاحب الشركة وهو هيعمل معاك المقابلة
-وهو أي واحد عايز يقدم على وظيفة أو تدريب هنا بيعمل المقابلة مع صاحب الشركة نفسه؟؟
-لأ المفروض المقابلة مع مدير التوظيف بس لما طلبت من الدكتور فؤاد إنك تنزل تدريب هنا وافق بس لما قرأ السي في بتاعك طلب يشوفك
قلق كريم مما قال وقلق أكثر من أن يكون ذلك المدعو فؤاد يعلم بماضيه وعن كونه كان متعاطي لذا قال مترددًا بلسان ثقيل :
-بابا هو عارف اني كنت مدمن
رمقه عثمان بطرف عينيه ثم قال :
-ايوه عارف
-حلو معلش بقى اسحب الملف وانا هروح بكرامتي
كاد أن يضغط على زر النزول ولكن منعه عثمان من هذا هاتفًا بجدية :
-هو عارف ومعندوش مشكلة بلاش تضيع فرصة زي دي يا كريم مش هتلاقي زيها، دي واحدة من أكبر شركات الأدوية في مصر، وانا هكون معاك حتى في المقابلة متخافش
تراجع كريم وقد زاد القلق في نفسه من هذه المقابلة، كونه كان متعاطي يسبب له أزمة نفسية يشعر أنه ليس مثل باقي اقرانه وكأن لديه وصمة عار لا يمكن نسيانها أو محوها من تاريخه
وهى بالفعل كذلك
توقف المصعد عند الطابق المنشود وهو آخر طابق في الشركة ولا يتكون إلا من عدة أبواب بينهما مسافات شاسعة، والهدوء في المكان مخيف لا يقطعه إلا صوت قرع كعب أنثوي مرتفع يرن في المكان
نظر في إتجاه الصوت ليبصر امرأة ممشوقة الجسد، حسنة المظهر، بخصلات شقراء قصيرة، ترتدي كعب مرتفع لا يدري كيف تسير به مع خطواتها السريعة هذه، رفع نظره لوجهها الأبيض الشبه مختفي خلف نظارة سوداء قد رفعتها للتو على عينيها
كانت تسير بخطوات واسعة غاضبة وكأنه تقول للجميع ابتعدوا من طريقي، افسح لها حتى تمر من جانبهما ولكنها توقفت ونظرت إليه من خلف نظارتها، أو لا هى لا تنظر إليه بل إلى والده، وقد علم هذا عندما قالت بلكنة انجليزية متقنة وكأنها ولدت في الخارج :
-Doctor osman
نظر نحوها عثمان وسرعان ما تعجب قائلة بنفس اللغة :
- Sara, when did you return from Germany - سارة متى عدتي من ألمانيا؟؟
وقفت الأخرى أمامه هاتفة بنبرة قوية رغم إرتعاشة يديها وهى تتحدث :
-I returned yesterday. Please tell my father I won't work for his company and let me go back to Germany. - لقد عدت البارحة، أرجوك أخبر أبي أني لن اعمل في شركته ويتركني أعود لألمانيا
-Okay, calm down - حسنًا اهدئي
-When you go in to see him, tell him I've returned home - عندما تدخل له اخبره أني عدت للمنزل
وهكذا ختمت حديثها ورحلت كشعلة مشتعلة وظل يراقبها إلىٰ أن اختفت داخل المصعد فقال محدثًا إلى والده :
-مين القطر السريع دي؟؟
-دي سارة بنت دكتور فؤاد
-بس دي باين عليها أجنبية؟!
تساءل بها بسرعة وهو يلحق به فقال الآخر بجدية تامة :
-آه أمها ألمانية وأبوها مصري
-بس حلوة، وبيضة أوي بطريقة مستفزة تحسها مشافتش شمس في حياتها
نظر نحوه عثمان بعدم رضا فقال الآخر بتبرير :
-ايه؟! ان الله جمال يحب الجمال متبقاش خنيق زي مرات ابنك بقى، كل حاجة حرام وغُض البصر، معرفش البت المؤمنة دي وابنك البجح قليل الأدب هيعيشوا مع بعض ازاي!؟
قلب الآخر عينيه بضجر ثم طرق على الباب الأخير في هذا الممر وولج بعد أن أخذ الأذن، ولج كريم خلفه منبهرًا بهذا المكتب الفسيح، وهذه الواجهة الزجاجية الضخمة، وعلى جنب شاشة ضخمة مقسمة إلى عدة شاشات أصغر لكاميرات الشركة بأكملها، وكأن صاحب المكتب يعشق مراقبة الآخرين
تحدث والده منظفًا حلقه ثم قال :
-دكتور فؤاد، ده كريم ابني
نظر كريم إلى ذلك الرجل الأربعيني الذي كان يقف بجانب تلك الشاشة الضخمة وبدا من النظرة الأولى أنه يحمل الكثير من الهموم، ولكن ما إن رآهما حتى تبدلت ملامحه للهدوء والرقي
أشار لهما بالجلوس بينما تحرك هو من جانب الشاشة وجلس على مقعده خلف المكتب الفخم والذي كُتب على لوحة زجاجية في مقدمته "Dr. Fouad Al-Husseini - الرئيس التنفيذي"
جلس كريم على المقعد الأمامي للمكتب وقد جلس والده في المقعد المقابل له ليتحدث ذلك المدعو فؤاد بنبرة هادئة رخيمة :
-ازيك يا كريم مبروك التخرج
وأجابه الآخر بنفس النبرة محاولًا كبح توتره :
-الله يبارك فيك
-خلصت جيش ولا لسه؟؟
-لأ انا مدخلتش جيش، جالي إعفاء
-ازاي؟؟
لا يعلم أهذا الرجل يعشق التفاصيل أم يقول هذا لتخفيف التوتر عنه، وفي كلتا الحالتين أجاب بإختصار شديد :
-عدم اللياقة الطبية
همهم الآخر بهدوء وقد فتح ملف كريم القابع أمامه ثم قال :
-انت بتحب الصيدلية والكيمياء يا كريم؟!
-لأ
تفاجئ فؤاد من صراحته هذه حتى عثمان نفسه تفاجئ، ليقول فؤاد ببسمة بسيطة :
-أومال دخلت ليه صيدلة؟؟
-بابا جبرني ادخلها وانا مكنتش لا عايزها ولا عايز المجال العلمي أصلًا
ضحك فؤاد على صراحته المبالغة بها هذه ثم قال :
-دمه خفيف يا عثمان
آماء الآخر وهو يرمق ابنه بنظرة حانقة تلك النظرة التي تدل على أنه عندما يعود للمنزل سيأخد ضرب لم يأخذه لص، تنحنح فؤاد ثم استرسل :
-دمك خفيف وهاخده على محمل الهزار علشان لو في مقابلة قولت كده هتروح علطول على بيتكم، قولي يا كريم السي في بتاعك بيقول إنك واخد كورس انجليزي وألماني، بتعرف ألماني على كده؟!
-آه
-اثبت ليا
نظر كريم حوله ثم قال بعد عدة ثواني بلكنة ألمانية جيدة :
-Warum gibt es so viele Überwachungskameras in Ihrem Büro? - لما كل كاميرات المراقبة في مكتبك؟
ابتسم له الآخر ثم أجاب بنفس اللكنة :
-Um die Angelegenheiten des Unternehmens selbst zu überwachen - من أجل مراقبة أحوال الشركة بنفسي
زفر على مهل بعد أن أغلق الملف ثم قال :
-بص يا كريم أهم حاجة في شركات الأدوية تبقى إنك تعرف لغات كتير عايزك جنب الألماني والانجليزي تتعلم اللاتيني وفرنسي لو هتقدر يعني
نظر نحو عثمان ثم أضاف بجدية شديدة :
-فيه دفعة تدريب نازلة السنة دي عندنا صح؟؟
-ايوه من جامعة خاصة بس كريم لو هيكون معاهم هيكون أكبر منهم بسنة
-مش مشكلة ينزل معاهم تدريب هو وسارة
عقد الآخر حاجبيه وهم بالتحدث ولكن قاطعه الآخر بنبرة جادة مخيفة :
-عثمان انا شوفتها اتكلمت معاك برا وانا مش هغير رأيي، سارة مش هتسافر تاني دي بلدها اللي اتولدت فيها مش ألمانيا، وهتنزل تدريب زيها زي باقي الموظفين اللي بدأوا من الصفر علشان لما تمسك مكاني ميقولوش اخدته على الجاهز
وبالطبع لم يفهم هو أي شئ ولم يكترث، ولكن نبرة فؤاد هذا جعلته يشعر أنه أب صارم بشدة مع ابنته
نظر فؤاد نحوه ثم تغيرت نبرته للهدوء وأضاف :
-وكمان عندي طلب شخصي من ابنك اتمنى ميردنيش فيه
انتبها الاثنين لما سيقوله لتنقلب ملامح كريم للبلاهة عندما طلب طلبًا غير متوقع :
-عايزك يا كريم تعلم سارة تتكلم عربي علشان هى طول عمرها عايشة برا وضايعة خالص فيه ومن صغرها بتعاند ومش عايزة تتعلمه
صمت الآخر لبرهة ثم نظر إلى والده وقد أشار له بالاقتراب قليلًا من ثم قال له بهمس متهكم :
-ايه اللي بيقوله الراجل ده؟! هو انت جايبني أتدرب في شركة أدوية ولا اشتغل مدرس؟؟
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍