تحميل رواية «في مدينة الاسكندرية» PDF
بقلم صابرين عامر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
1- إجازة في الصعيد بسم الله نبدأ من جديد والجزء التاني ألطف من الأول وفي نفس الوقت أحداثه مهمة جدًا ولا تخلو من الأفكار الهادفة بإذن الله موعدنا في رمضان كل جمعة فصل بعد صلاة التراويح لحد ما ندخل على العيد لو في العمر بقية، وبعدها هشوف مواعيد مناسبة تعليقات كتير بقى برأيكم في اللي جاي 💜 صلي على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜 &;كنت أغرد فتبتسم وتصمت&;.. اشتاق لها ولا أجد ولو صوتها فقط حتى اسمعه&;&; ثقيلة وثقلها أرهق قلبي&;. ترى أين ذات العيون العسلية التي خطفت لبي؟؟&; أغلق مفكرته الصغيرة التي تجمع ا...
في مدينة الإسكندرية الفصل الحادي وخمسون 51 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
هينزل النهاردة فصل وبكرة بإذن الله على معادنا فصل كمان، دلع الأجازة فتعليقات كتيرة بقى 👀❤️
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
ولج إلى غرفة الاستجواب وهو يرتدي حُلة رمادية أنيقة فاليوم خطوبة أخيه الوحيد، ولكن أتاه إستدعاء عاجل وهذا بسبب أن عادل يريد أن يعترف بشئ هام ولا يريد أن يقول هذا الشئ إلا أمام الضابط المدعو سفيان الذي ألقى القبض عليه
وقف ضابط زميل له ملقيًا عليه التحية ثم قال :
-معلش يا سفيان باشا جبناك من خطوبة أخوك بس حاولنا ناخد منه المعلومة دي رافض يقولها لحد غيرك
آماء سفيان بهدوء ثم وقف أمام الزجاج الذي يظهر خلفه عادل جالسًا في الغرفة العازلة للصوت ثم ولج من الباب وأغلقه خلفه، ألقى نظرة سريعة عليه كان وجهه شاحبًا، هناك شاش أبيض يلتف حول رأسه، والأهم من كل هذا يبدو الندم واضحًا داخل عينيه
سحب المقعد المقابل له ثم جلس وقال بجدية :
-قدامك عشر دقايق انا سِبت خطوبة وجيت علشان طلبتني بالاسم، رغم إن مفيش معرفة بيني وبينك غير إني قبضت عليك لما سلمت نفسك، فها عايز تقولي ايه؟!
نظر له عادل بصمت لعدة ثواني ثم هتف بنبرة مترددة :
-انت تعرف هاجر من أمتى؟؟
عقد سفيان حاجبيه ثم نظر نحو الزجاج إلى المتابعين للحوار من الخارج، عاد بنظره لعادل مرة أخرى ثم قال :
-وده ايه علاقته بالقضية؟؟
-انت عايز تتجوزها مش كده؟؟
نطق بسؤال آخر دون الإجابة عليه فقال سفيان بصوت جاد قوي :
-اتكلم علطول وبشكل مباشر، ايه علاقة هاجر مرات أبوك بالقضية؟!
ابتسم عادل بسمة مريرة على كلمة "مرات أبوك" ليقول بهدوء شديد :
-بما إني في أمن الدولة أعتقد محدش عرف من عيلتي إني هنا صح؟؟
ضم سفيان قبضتيه بصبر على كثرة اسألته هذا ورغم هذا أجاب قائلًا :
-صح وبعد ما نستجوبك وتتحول للمحكمة هيعرفوا
-لأ انا مش عايزهم يعرفوا ولا أي حد من الناس يعرف، حتى لما اتعدم مش عايز الخبر ده يطلع، وده شرطي مقابل إني أقولكم على الناس اللي كان بيتعامل معاهم كاظم، واللي كانوا بيختاروا ناس معينة علشان يتقتلوا
ذم سفيان شفتيه وكان هذا أغرب طلب سمعه من مجرم لذا لم يمنع فضوله من السؤال إذ قال :
-ليه!؟
-علشان مش ناقصين فضايح كفاية صدمتهم في كاظم مش عايز تبقى الصدمة اتنين، كتير عليهم
-بصراحة مقدرش أقولك تمام ماشي لأن الموضوع ده مش في ايدي، لازم موافقة من الرتب اللي أعلى مني على إنه يتعملك محاكمة سرية
-هو ده شرطي علشان اقولكم
تنهد سفيان على مهل ناظرًا إلى باقي الضباط في الخارج من خلال النافذة ثم عاد ببصره إلى عادل قائلًا :
-هو ده اللي طلبتني مخصوص علشانه؟؟ ثم مجاوبتش على سؤالي ايه علاقة هاجر وليه ذكرتها؟
دارت أعين عادل بتردد في المكان مقررًا الاحتفاظ بحبه لها داخله وعدم الإفصاح عنه :
-انا عارف إنك هتتجوزها فخلي بالك منها كويس، هى اتظلمت كتير في حياتها متجيش عليها انت كمان
وآماء له سفيان مشيرًا إليه بأن يكمل كلامه فقال عادل بخفوت :
-لو سألت في يوم عني متقولهاش إني كنت قاتل، واتمنى بعد ما اتعدم وتسلموا جثتي ليهم تقولوا عمل حادثة أو أي سبب وفاة تاني
-انت ليه قتلت كاظم يا عادل؟؟
سؤال حير سفيان كثيرًا ولكنه لم يكن متولي التحقيق مع عادل لذا لم يعلم الإجابة، ليجيبه عادل ببسمة فاترة والندم ظهر في عينيه بوضوح :
-علشان اريح الناس من شره وسلمت نفسي علشان اريحهم من شري انا كمان
-طب فيه حاجة تانية عايز تقولها ليا؟!
نطق بها سفيان وهو يستقيم من مكانه فنفي عادل بصمت دون إضافة كلمة أخرى، استدار سفيان حول الطاولة إلىٰ أن وقف بجانبه ثم قال وهو يضع يده على كتفه :
-أنت أغرب مجرم انا شوفته في حياتي، وإنك سلمت نفسك ده بيدل على إنك ندمان والندم أول طريق للتوبة
نظر له عادل بأعين غائمة بالحزن والندم :
-تفتكر هيقبل توبتي؟! ده انا قتلت ومكنتش بركعها حتى
رفع الآخر يده من كتفه ثم قال ببسمة واثقة :
-باب التوبة لسه مفتوح يبقى لسه في أمل إن توبتك تتقبل
توجه نحو الباب وقام بفتحه ولكن قبل أن يخرج نظر إليه مضيفًا :
-هبقى أقولهم يبعتلوك مصحف وسجادة صلاة
خرج وأغلق الباب ليتحدث قليلًا مع زميله عن أمر المحاكمة السرية ثم بعدها رحل مستقلًا سيارته حتى يعود إلى القاعة المقام به حفلة الخطبة، وبالطبع سيجد جدته تنتظره بالكثير من الترقيح لأنه ترك الخطبة واختفى
ولكن للعجب لم يجدها فعلت هذا بل أبصرها تجلس في نفس مكانها ولكن مع فتاة يعرفها تمام المعرفة، تقدم نحوهما بتعجب لأنها حضرت دون أن تتصل عليه فقال :
-لوزة مش قولتلك اتصلي عليا لما توصلي
أدارت هاجر رأسها له بإنتباه لتقول جدته بإندهاش :
-هى دي لوزة بتاعتك!؟
-بتاعته
نطقت بها هاجر بإندهاش لهذه الكلمة لتجد ونس اندفعت نحوها أكثر هاتفة بسعادة شديدة :
-مش تقولي إنك لوزة البنت اللي عايز يتجوزها سفيان، علفكرة هو حكالي عنك الصبح وانا كنت هطير من الفرحة أقسم بالله، بقالي أكتر من سبع سنين أقوله اتجوز انا والمرحومة أمه الله يرحمها بس هو دماغه ناشفة
نظرت هاجر نحو سفيان الذي جلس معهم على نفس الطاولة، ثم سألته مذهولة :
-هو انت مطلق مراتك بقالك سبعة سنين؟؟
-تمانية
نطق بها بهدوء شديد فقالت هاجر بذهول أشد :
-دي فترة طويلة علفكرة، ليه متجوزتش من بعدها؟؟
-عملتلي تروما بعيد عنك
ابتسمت ونس بشدة وهى تنظر لملامح هاجر الرقيقة عن كثب :
-بس جميلة ما شاء الله، بتعرفي تنقي يا سفيان
تبسمت هاجر لها بحرج ليقول سفيان وهو يخرج منديل من جيبه وعينيه على شفتيها المصبوغتين باللون الأحمر القاني، معطيًا لها مظهر مغري بشدة مع بشرتها البيضاء وهذا ما آثار غيرته :
-آه جميلة بس بعد ما تشيل اللي على وشها ده
ختم حديثه وهو يعطي لها المنديل فقالت هاجر بإعتراض :
-لأ انا مش هشيله ده فرح والبنات كلها حاطة، حتى بص حواليك
لم ينزع سفيان عينيه عنها وقد وضع المنديل أمامها هاتفًا بجدية :
-انا مليش دعوة باللي حواليا، ليا دعوة بيكي انتي والميكاب ميتحطش برا يا هاجر، في البيت تحطي لجوزك اللي هيبقى انا زي ما انتي عايزة، إن شاء الله تحطي تلاتة كيلو على وشك، أما برا لأ ممنوع احترمي حجابك حتى
وأجابته الأخرى بجدية تنافس جديته :
-انا محترمة يا سفيان وحجابي كامل مش زي باقي بنات اليومين دول، وعلفكرة مش بحط ميكاب أبدًا غير في المناسبات ويبقى خفيف جدًا مش أوفر
-خف على البنت يا سفيان مش من أولها كده متبقاش خنيق زي أبوك، والبنت زيها زي باقي البنات ما كلها بتحط مكياج في المناسبات هى جات عليها
نطقت بها ونس عندما رأت الضيق علىٰ وجه هاجر فقال سفيان وهو على نفس إصراره :
-ماشي تحط خفيف حاجة بسيطة مش اللون الملفت ده خالص، ده انا أول حاجة عيني جات عليها هى شفايفها، وكل راجل هيبص في وشها عينيه مش هتبقى غير على ده بس، وانا مرضهاش على رجولتي بصراحة
أخرجت هاجر منديل مبلل من حقيبتها وقامت بمسح الطلاء بعدما اقتنعت بكلامه فاللون الذي تضعه بالفعل ملفت رغم أنه غامض وليس صارخ، ورغم هذا لم تمنع نفسها من الإعتراض ببعض التمتمة إذ قالت :
-شكل غيرتك هتبقى لا تطاق
سمعها سفيان وونس فالموسيقى هادئة وليست مرتفعة في المكان، وقبل أن يتحدث سفيان سبقته جدته بقولها :
-والله يا بنتي هو كله لا يطاق ربنا يعينك عليه بقى
ابتسم لها سفيان بتهكم قائلًا :
-وليه بقى توقفي المركب يا جدتي ده انتي صدقني ما اتحركت
-أكدب يعني، انا بس بقولها علشان تبقى مستعدة
استند الآخر بذراعيه على الطاولة الزجاجية التي يجلسون عليها ثم قال :
-هو انا ابن ضرتك يا ست انتي؟! حاطة نقرك من نقري ليه؟! أومال لو مكنتش حفيدك الأول حتى
تمتمت ونس لهاجر بعدة كلمات بصوت خافت في أذنها فضحكت الأخرى أمام أنظار سفيان المترقبة لما يحدث، وقبل أن يتحدث وجد عمر يقترب من طاولتهما قائلًا بقلق :
-ايه يا سفيان انت اختفيت فين الساعة دي ورجعت تاني
استقام سفيان له ودفعه بخفة حتى يعود لمكانه قائلًا :
-بس عندك انت جاي وسايب عروستك علشان تيجي ترغي معايا يلا لف وأرجع
لفت نظر عمر فتاة تجلس بجانب جدته فقال متسائلًا :
-هى مين دي؟؟
وأكمل الآخر دفعه بعيدًا عنهما إلى الاريكة البيضاء التي يجلس عليها العروسين :
-هقولك بعدين يلا امشي روح لعروستك المكشرة هى وأخواتها، دي شكلها جوازة مش معدية
عاد عمر الي رقية التي كانت تلوي شفتيها بحزن بالفعل وهى تنظر من حين إلى آخر إلى شقيقيها الجالسين على إحدى الطاولات، جذب ذقنها في اتجاهه حتى تنظر إليه هاتفًا ببسمة متسعة :
-انتي مكشرة كده ليه؟؟ كده الناس هيفتكروا إنك مغصوبة على الجوازة
حاولت رقية رسم ابتسامة على شفتيها وعينيه عادت إلى شقيقيها مرة أخرى فقال عمر متسائلًا :
-هو انتي واخواتك متخانقين!؟
-هما زعلانين علشان انا همشي وأسيب البيت وانا زعلانة على زعلهم ده
ضحك عمر بخفة على هذه العائلة اللطيفة قائلًا :
-بصراحة معنديش اخت علشان أعرف إحساسهم بس انا يعني مش هاخدك ونهاجر خالص
نظر إلى فستانها ذو اللون الأخضر الباهت الناعم أو ما يطلقون عليه اليوم "مينت جرين" كان من قماشة لامعة من السيتان تجعلها تملع بين الموجدين مع إضاءة القاعة :
-حلو الفستان ده أحلى من الأول، ده شكله ولونه أحلى
نظرت رقية إلى فستانها مبتسمة بإتساع لأنه أعجبه :
-بجد حلو؟! ده ذوق خطيبة اخويا يوسف، بجد ذوقها تحفة أوي حتى هى اللي عملت ليا الميكاب ولفت ليا الطرحة لفة شيك تليق بخطوبة
نظر عمر إلى حجابها شبه مقتنع به، هو لا يُظهر أي خصلة من شعرها وهذا أرضاه ولكنه قصير نوعًا لذا قال :
-هو حلو بس ابقي اتعلمي تلفيه بطريقة تسترك من وراء وقدام
نظرت له الأخرى بنظرات حارقة فقال متراجعًا :
-خلاص هقول حلو علشان منكدش على بعض
-لأ نكد يا عمر هى جوازة مليانة خناق شكلها
نطقت بها بحنق شديد وهى تلوي شفتيها المصبوغتين باللون الوردي الهادئ فقال عمر وهو يقلدها :
-قصدك إني خنيق؟! علفكرة انا بني آدم فرفوش أوي
نظرت له رقية بطرف عينيها فقال الآخر ببسمة متسعة :
-بس مبسوط بجد إنك لبستي الحجاب شكلك حلو فيه، خاصةً اللون ده لايق عليكي أوي
لعوب يستطيع أن يكسبها بكلامه وهو تعلم هذا، تنحنحت معتدلة في جلستها، منتوية فتح موضوع العمل بعد الزواج بما أنه هادئ البال الآن :
-عمر بالنسبة لموضوع الحجاب انا سمعت الكلام ولبسته، تنفذ ليا طلبي بقى زي ما انا عملت
ضيق عمر عينيه بالتزامن مع إماءة بسيطة من رأسه بمعنى أن تكمل فقالت الأخرى :
-بالنسبة للشغل بعد الجواز انت لسه مُصر على رأيك؟!
ومرة أخرى آماء لها فقالت رقية بنبرة متوجسة لرد فعله :
-طب لو قولتلك سيبني أجرب ولو حسيت إني اضغطت وقصرت في حقك هسيب الشغل، أو على الأقل يعني اشتغل من البيت
فكر عمر مليًا في اقتراحها هذا، الرفض ليس فكرة جيدة، وهى نطقت بها بلسانها إن شعرت بتقصير سوف تتوقف لذا لا ضير من الموافقة على اقتراحها، وفي الأشهر الأولى لن تكون هناك مسؤولية كبيرة على عاتقيها، وحتى لا تقول له لاحقًا انت من أجبرتني على ترك العمل :
-ماشي يا رقية تجربي، بس انا برضو لو حسيت إنك قصرتي هعترض ووقتها هتبطلي
آماءت له رقية سعيدة أنه وافق فهى تحب عملها كثيرًا، وفكرة أن تتركه لا تتقبلها أبدًا، مالت نحوه قليلًا فمال هو أيضًا بشكل تلقائي في الناحية الأخرى متعجبًا اقترابها هذا، فقالت رقية متعجبة أيضًا من هروبه هكذا :
-مالك بعدت كده ليه عايزة أسألك سؤال؟!
-طب ما تسألي من بعيد مقربة كده ليه؟؟
عادت رقية لوضعتها السابقة هاتفة بحنق :
-علفكرة مكنتش هعمل حاجة من اللي في دماغك المنحرفة، نضف تفكيرك يا عمر
أشار عمر إلى نفسه مندهشًا من كلمة منحرف فهو ليس هكذا أبدًا بل بالعكس لا يحب الاختلاط مع الفتيات وإن تعامل معهن يتعامل بطريقة مهذبة ولا يتجاوز أبدًا الحدود، حتى أنه مع رقية هكذا
أشارت رقية نحو الطاولة التي تجلس عليها جدته وسفيان وفتاة لا تعرفها هى ثم تساءلت :
-هى مين يا عمر البنت اللي قاعدة مع جدتك وسفيان دي؟ هى قريبتكم؟؟
نظر عمر إلى الناحية التي تشير إليها ثم قال :
-لأ مش قريبتنا ومش عارف بصراحة مين ولما جيت أسأل سفيان قالي هقولك بعدين روح لعروستك
دفعته رقية بسرعة حتى يقف عندما لاحظت أن صديقاتها قادمات نحوها :
-طب قوم روح أسأله علشان صحابي جايين
-طب ما أفضل قاعد حتى علشان صحابك أكيد جايين يباركوا وطبعًا هيسألوا فين العريس
نفت رقية اقتراحه ودفعته هذه المرة بقوة جعلته يقف رغمًا عنه ثم قالت :
-لأ دول بيعاكسوك في الصور وأنا بغير على حلاوتك دي فيلا أمشي
ضحك بعدم تصديق لما سمعه قائلًا :
-انتي بتعاكسيني يا رقية؟!
ولوت الأخرى شفتيها بتذمر مجيبة عليها :
-آه ما لقيتك عمرك ما قولت ليا كلمة حلوة تبل الريق فقولت أبدأ انا، ابقى خد دروس عند حمزة ابن عمي بيحب الشعر وبيعاكس البنت اللي بيحبها كل لما يشوفها
نظرت إلى الموجدين خاصةً إلى حمزة الغريب بشدة فلا يبدو على طبيعته التي تعرفها ثم همست لنفسها بتعجب شديد :
-بس مش عارفة ماله مضايق ليه وكمان نور مجاتش مع البنات رغم إني عزمتها هى كمان وأكدت عليها تيجي
ابتسمت بهدوء عندما اقتربن منها صديقاتها وزميلاتها بالعمل وأيام الجامعة، وبعد المباركات وإلتقاط الصور، مالت إحداهن عليها وفي يدها هاتف قائلة بحماس :
-بس فاتك يا رقية تغطية خبر هز السوشيال ميديا في كام ساعة بس
اقتربت رقية منها بفضولها المعتاد حتى ترى ما هو هذا الخبر بالتزامن مع قول صديقتها وهى تُري لها فيديو لفتاة تنهال بالضرب على طالب :
-انا مش عارفة ايه السبب بجد إنها تضربه بالطريقة دي وأعتقد سبب كبير أوي، بس التعليقات والناس حرفيًا عاملة هجوم مش طبيعي عليها، ده فيه ناس بيقولوا عليها إرهابية
أخذت رقية الهاتف منها بسرعة وأعادت تشغيل الفيديو وهى تركز على الفتاة التي تحاول سحب الأخرى، أليست هى نفسها التي تجلس مع سفيان؟؟
وما إن قالت الأخرى جملة "يا نورهان كفاية هتموتيه" حتى رفعت رأسها نحو الطاولة التي تجلس عليها براءة وشروق بصدمة شديدة تمكنت منها
أما على الناحية الأخرى وكانت تجلس براءة وشقيقتها على نفس الطاولة التي يجلس عليها يوسف وعائلته، لم تكن تود الجلوس هنا ولكن أحرجتها عبلة حين دعتها للجلوس معهم تحت بند أنهم أهل خطيبها لذا لا داعي للحرج
نظرت شروق نحو شقيقتها التي كانت تحدق في يوسف ويونس بحيرة شديدة، فكلاهما يرتديان نفس الشئ وكلاهما نفس الملامح وكأنهما مرآة وانعكاسها بجانبها :
-مش عارفة متنحة فيهم كده ليه، والله الفرق باين وواضح
نطقت بها شروق بتهكم تشعر أن شقيقتها بلهاء بشدة بهذه النظرات، وقد أسمعت جميع من حولهم حتى يونس ويوسف اللذان لم ينتبه أحدهما أن براءة تحدق بهما
ابتسم يوسف لبراءة فحين استقبلها ظلت دقيقة كاملة تحدق به على شك أنه يونس، حمحمت براءة بحرج وهى تقرص ذراع شقيقتها في الخفاء لأنها أحرجتها هكذا ثم قالت :
-هو فين الفرق ده؟! بالله فين الفرق انا مش شايفة فرق واحد يوحد ربنا بينهم
ضحك محمد بخفة موافقًا إياها :
-قولتلهم بلاش تلبسوا زي بعض النهاردة، انا أهو ابوهم وبتلخبط بينهم
تحدثت عبلة بفضول موجهة سؤالها لشروق تريد أن تفهم ما هو الفرق الواضح الذي تراه هذا وتستطيع أن تفرق به بينهما بسهولة :
-هو ايه الفرق يا شروق اللي بتعرفيه ده؟؟ انا بحكم أمهم فعارفة أفرق بينهم انتي بقى بتعرفي ازاي؟!
انتبه يونس لسؤالها متابعًا رد شروق بطرف عينه إذ أجابت الأخرى ببساطة، رافعة منكبيها لأعلى بخفة ثم أنزلتهم :
-مش عارفة بس لما ابص لواحد فيهم بعرفه، ولو هما الإتنين مع بعض بشوف برضو فرق بينهم، اللي هو ايه معرفش بس فيه فرق يعني
ختمت حديثها وهى تلقي بنظرة عابرة نحو يونس فرأته بدوره ينظر إليها ببسمة غريبة ولكن عندما رآها نظرت إليه أخفى بسمته عنها وتصنع أنه يتحدث مع شقيقه، إذ مال عليه يوسف قليلًا ثم قال :
-بقولك ايه هو مال حمزة كده شكله مش عاجبني هو لسه قاعد مكتئب
-لأ معتقدش، ده مش شكل واحد عنده اكتئاب، ده باين عليه مش طايق نفسه ولا هدومه ولا حتى الناس اللي قاعدة حواليه، وعلفكرة شوفته من البلكونة الصبح بيتخانق مع أمه في الشارع وقبلها شوفت نور نازلة من عربيته والجيبة بتاعتها عليها دم وشكلها كده شبه اللي واخدة على راسها خبطة ومش حاسة بالدنيا حواليها
اتسعت أعين يوسف بصدمة من الاستنتاج الذي وصل إلى عقله إذ قال :
-هو ممكن يكون عملها حاجة!؟ يعني علشان مثلًا
لم يدعه يونس يكمل كلامه إذ لكم أخاه في كتفه ثم قال :
-ايه الهبل اللي بتقوله ده!؟ آه حمزة متهور بس مش لدرجة الجنان اللي بتقوله، ازاي أصلًا وصل لعقلك حاجة زي كده؟؟
-فيه ايه يا ولاد
نطقت بها عبلة ملاحظة شجار كلامي بين ابنيها، فقال يوسف وهو يستقيم من مكانه، متجهًا إلى الطاولة التي يجلس عليها حمزة إذ كان منعزلًا بمفرده وليس مع عائلته :
-مفيش يا ماما
لحق به يونس وقد جذب مقعد وجلس إلى جانب حمزة ومن الجانب الآخر كان يجلس كريم يحاول إقناع شقيقه في أن يحكي له عما يزعجه والآخر لا يجيب عليه :
-ايه يا عم حمزة مالك مش طايق نفسك كده ليه؟؟ لو عندك طاقة سلبية تعالى الجيم بكرة ونطلعها في بعض
نظر له حمزة وقد توقع الآخر أي شئ آخر غير الطلب الذي سمعه من حمزة، حتى أنه لوهلة شعر أنه أخطأ السمع، إذ قال بهمس وهو يميل نحوه بالتزامن مع اقتراب يوسف وكريم حتى يسمعوا ما سيقال :
-يونس معاك سجاير
ابتعد كريم مذهولًا مما سمع ولم يكن يوسف ويونس أقل منه ذهولًا، ورغم هذا تدراك يونس ذهوله هذا قائلًا :
-ايه التغيير الجامد ده؟! الأستاذ حمزة اللي ضد السجاير والمخدرات حتى البخور يقول عايز سجارة!؟ انتي هتتجه للفساد ولا ايه؟؟
-أخلص يا يونس معاك ولا مش معاك
نطق بها حمزة بضيق فقال يونس ببسمة متسعة وهو يدخل يده في جيب بنطاله حتى يخرج علبته الخاصة :
-معايا استنى اطلعلك، بس هتشربها هنا عادي وأبوك قاعد على الترابيزة اللي جنبنا؟؟
صاح يوسف بكلاهما لا يصدق ما يسمعه إذ وضع يده على يد أخيه قبل أن يخرج ما سيخرجه ثم قال :
-انت بتقول ايه انت كمان هو انا قادر على واحد علشان يبقوا اتنين
وضع كريم يده على جبين أخيه متفقدًا حرارته، بالتزامن مع قوله :
-حمزة انت عايز تشرب سجاير بجد ولا بتقلش على يونس؟!
-لا بتكلم بجد هات يا يونس وانا هطلع اشربها برا، انا مخنوق ومضايق وعايز اطلع ضيقتي في أي حاجة
واتسعت بسمة الآخر محاولًا دفع أخيه حتى يخرج علبة السجائر :
-لأ ده إحنا نطلع سوا بقى وأعلمك أصولها علشان انت لسه جديد وممكن تفطس فيها
واستقام حمزة بالفعل من مكانه فدفعه يوسف بغضب ثم قال :
-أقعد يا عم انت هتسمع كلامه؟!
نظر إلى شقيقه ثم أضاف بنفس النبرة ولكن أكثر حدة :
-وانت اسكت خالص وإلا أقسم بالله أنادي بابا وعمي يشوفوا عيالهم الفاسدين
ذم كريم شفتيه وهو ينظر إلى شقيقه بحزن، فلم يسبق وأن رأى حمزة في هذه الحالة لدرجة أنه يريد إخراج ضيقه في شئ سوف يضره :
-ده كله من وراء اللي اسمها نور صح؟! يا ريتها بجد ما دخلت حياتك ولا شوفناها
أغمض الآخر عينيه يشعر بفوران في دماؤه، مع غصة مقهورة في صدره كلما ذكر أحدهم اسمها أمامه، هذا وكأنه النهار بأكمله لا يفكر بها وعقله لا يكف عن التخيل كيف تحرش بها وغدان لا يزالان في المرحلة الإعدادية
استقام يوسف من مكانه وتركهم متجهًا إلى شقيقته التي تركت مكانها متجهة بهرولة نحو براءة وشروق، وحركتها هذه استدعت انتباه جميع من بالقاعة
وقفت رقية أمامهما، رافعة الهاتف أمام أنظارهما وهى تقول بنبرة مذهولة :
-مش دي نور يا براءة!؟
نظرت براءة إلى الهاتف ترى فتاة ترتدي ملابس تشبه التي تمتلكها ابنة عمها، وتنهال بالضرب على أحدهم بعصا خشبية، استقامت من مكانها جاذبة الهاتف من يدها، متمتمة بصدمة :
-دي نورهان بنت عمي؟!
أخذت شروق منها الهاتف تحدق في ذلك الفيديو بينما جذبت براءة هاتفها واتجهت إلى مكان أكثر هدوءًا حتى تحادث نور، اقترب يوسف من الطاولة بالتزامن مع سؤال عبلة :
-فيه ايه في التليفون يا رقية؟؟
-نور يا ماما حد مصورها وهى بتضرب طالب في اللجنة، والمصيبة الفيديو مرفوع في كل حتة وبقي تريند
تعالت الأصوات خاصةً صوت أسماء التي فزعت ما إن رأت ابنة أخيها داخل فيديو منتشر على مواقع التواصل الإجتماعي :
-مين اللي مصورها والفيديو ده نازل من أمتى؟!
وأجابها عثمان لا يصدق ما يشعل بال زوجة أخيه الآن :
-هو ده المهم يعني مين اللي صورها مش الولد اللي نازلة فيه طحن؟! دي كده جريمة تعدي على طالب وهتروح في داهية
اقترب حمزة من تجمعهم وجذب الهاتف من زوجة عمه بالتزامن مع قول ناهد :
-أكيد أبوه أو أخته اللي نزلوا الفيديو يا حمزة، البنت كده لبست قضية وهتروح فعلًا في داهية، انا قولتلك حل الموضوع شوف وصل لفين
لم يكن يفهم أيًا من الموجدين ما يقصدوه فلا حمزة ولا ناهد ولا نور تكلموا عن الأمر، ولم يجب حمزة على والدته بل أخرج هاتفه وأعطاه لشروق قائلًا بعجلة :
-اكتبي رقم نور واتصلي عليها بسرعة شوفيها فين
أخذت شروق هاتفها بالفعل وسجلت الرقم ولكنها لم تسمع أي شئ حين اتصلت عليها بسبب صراخ حمزة على الجميع أن يصمتوا ويكفوا عن الأسئلة فيكفي التوتر الذي به الآن، وهذا لأن بيده دليل على نور قلب الرأي العام عليها، ولا يستبعد أن هذه الحركة الخبيثة خلفها عائلة سليم
عادت براءة وملامح وجهها مخطوفة وباهتة من هول ما سمعته لتقول بخوف شديد وهى تتمسك في ذراع عمتها تستنجد بها :
-عمتي عائشة بتقول فيه بوليس جه الشقة وخدوا نور
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ارتبكت حدقتيها برعب حقيقي وهى تحدق لفيديو مسجل لها حين انهالت بالضرب على سليم في الفصل، وليس هذا ما آثار رعبها بل ما كُتب على الفيديو وتعليقات الناس عليه
"ايه الوحشية دي بجد مستحيل أمثالها يكونوا بني آدمين"
"هى بتعمل كده ليه علشان غش مثلًا، معندهاش لسان تفهمه بدال الضرب"
"هو الولد لسه عايش بعد اللي عملته فيه المفترية دي!؟ "
"حد يطمنا على الولد يا جماعة"
"لأ بجد دي مش طبيعية أكيد إرهابية"
اغمضت عينيها بحسرة وقهر فهبطت دموعها من بين جفنيها، لا تستطيع أن تكمل قراءة التعليقات من هجوم الجميع عليها، وهكذا هم الناس يحكمون على من أمامهم دون أن يعرفوا القصة بأكملها، دون أن يستمعوا لجميع الأطراف
سحب الضابط هاتفه من بين اناملها ثم قال بنبرة جادة :
-نورهان علي صفوان انتي متهمة بالتعدي على طالب أثناء تأديته اختباره، والمصيبة اللي عليكي أكتر إنه اتذكر في المحضر اللي قدمه ضدك إنك انتي لمستيه بقصد بطريقة مش كويسة في منطقته الخاصة ولما زقك ووقعك في الأرض قلبتي الترابيزة عليه وخوفتي يقول عملتي فيه ايه فاتعصبني وانهلتي عليه بالضرب بعصاية خشب وسببتيله على حسب التقرير الطبي اللي قدامي جرح في دماغه واتخيط غرزتين وتمزق في أربطة معصمه اليمين، ده غير طبعًا باقي الكدمات اللي على وشه وفي جسمه
هزت نور رأسها بشكل شبه هستيري، تبرئ نفسها إذ قالت :
-والله ما ده اللي حصل دول اتحرشوا بيا انا وزقيت نفسي على الأرض علشان أبعد عنهم، والله ما عملت حاجة ولا لمستوا حتى ده هو اللي اتحرش بيا
ختمت حديثها وسالت دموعها أكثر على وجهها فمد لها الضابط علبة المناديل التي أمامه ثم أضاف بجدية شديدة :
-عامةً انتي هتباتي في الحجز وبكرة هتتعرضي على النيابة وتقدري هناك تقولي كل اللي عايزاه
فزعت بشدة وانتفض جسدها برعب فهى لأول مرة اليوم تخطو إلى القسم فهل ستستطيع أن تبات ليلة كاملة في حجز، لم يجد لسانها أي كلام يقال، فماذا تقول وهى الآن مجرمة في نظر الجميع
أشار الضابط إلى الهاتف ثم قال وهو على نفس أسلوبه الرسمي :
-القانون بيديكي الحق إنك تعملي مكالمة فلو عايزة تتصلي على أهلك أو محامي فاتفضلي
رفعت الأخرى سماعة الهاتف وهى تتطلب رقمًا بأنامل مرتعشة، لا تحفظ رقم حمزة ولم تتصل على والدها بل اتصلت على من تحتاج إلى الاختباء في أحضانها من ظلم الدنيا لها
تحتاج إلى صوتها الحنون حتى تشكو لها، تحتاج إلى نظرتها الدافئة الحانية التي هى الدنيا بأكملها بالنسبة إليها، نادمة أنها تركتها وأتت لهذه المدينة، ليتها بقيت بجانبها أسفل جناحها فأين هى الآن لتضمها حتى تشعر بالأمان
-ماما
همست بها بصوت مختنق بشدة وقد تعرفت صفية بسهولة على صوت ابنتها لتقول بصوت أمومي متلهف على خبر عن صغيرتها :
-نورهان يا عمري انتي فين؟؟ دعاء ورتني فيديو منشور ليكي عملتي ايه يا بنتي
تمسكت الأخرى بالسماعة وهى تبكي بقوة، تقول بصوت متلعثم :
-انا معملتش من كده من فراغ.... والله هما اللي جبر... جبروني على كده انتي متعرفيش عملوا فيا ايه
صمتت قليلًا تلتقط أنفاسها ثم قالت وصوت نشيجها يعلو في المكان :
-تعالي يا ماما بالله عليكي انا خايفة قوي
-متخافيش انا هجيبلك انا وعمامك وابوكي متخافيش يا قلب أمك
ودت لو تتحدث معها أكثر ولكن استعجلها الضابط فأغلقت الخط ثم استدعى هو أحد العساكر حتى يأخذها إلى الحجز
كانت تسير مع العسكري وقلبها يقرع برعب وكأنها تساق إلى المذبحة وعندما ادخلها هذه الغرفة الضيقة التي تجمع عددًا من النساء أصابها الفزع وهى تستمع لصوت إغلاق الباب من الخارج، حتى أنها لم تنتبه أن العسكري أشار في الخفاء عليها لإحدى الجالسات
تحركت بخطىٰ مرتعشة متقدمة نحو أحد الأركان حتى تجلس بها ولكن وجدت امرأة تقف أمامها لم ترى ملامحها بوضوح بسبب الإضاءة الركيكة في المكان ولكنها استمعت إلى صوتها بوضوح :
-ازيك يا أبلة باين عليكي بنت ناس ومؤدبة، ايه بس اللي جابك هنا؟!
لم تجبها نور وإنما تحركت إلى مكان آخر حتى تجلس عليه لتجد امرأة أخرى قاطعت طريقها فقالت بخوف منهن، وقد ظنت أن مشاهد العنف التي تراها في المسلسلات ستحياها الآن :
-انا عايزة أقعد مش عايزة حاجة تاني
اقتربت أخرى ثالثة منها ومالت قليلًا نحوها نظرًا لأن قامة نور قصيرة ثم قالت بشفقة أقرب إلى السخرية :
-شكلك يا اختي على نياتك ومش بتاعة مشاكل بس إحنا قبضنا بقى علشان نبعتلك رسالة تهديد ولازم ننفذ اللي قبضنا علشانه، يلا يا نسوان اعملوا بالفلوس اللي خدتوها
شهقت شهقة قوية عندما أسقطنها أرضًا على الأرضية الباردة ثم ألتففن حولها، وكانت هذه الشهقة تشبه التي خرجت منها صباحًا وقد خرجت من داخل صدرها غير مستعدة للرعب والظلم الذي ستعيشه
وفي هذا اليوم، وفي هذه اللحظة التي لن تنساها مهما حييت قد كسرتها الدنيا مرة أخرى، ولا زال اليوم لم ينتهي بعد...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
"إحنا كده خلصنا كل ذكريات نور في الماضي من أول ما جات إسكندرية وهنبدأ في أحداث القضية ألا وهى الحاضر، وعلشان متتلخبطوش من القفزة اللي هتبقى من آخر مشهد كتبته في المقتطفات المستقبلية والمشهد ده انا هعيد المشاهد تاني بشكل تسلسلي من أول مشهد لحد آخر مشهد، وكمان هضيف مشهد في النص علشان يبقى التسلسل ماشي بشكل مفهوم"
تحرك إلى داخل قسم المباحث بخطوات سريعة وخلفه ابن عمه الذي أبى الجلوس مكتوف الأيدي ونورهان تجلس الآن في القسم متهمة بقضية لم تفعلها وهذا بعدما قلب عليها والد ذلك الحقير المدلل الطاولة وأصبحت هي المتهمة بدل المجني عليها
وخلفهم بالطبع والده وعمِّيه وبالكاد جعلوا شقيقتها وبنات عمها وعمتهم أسماء يبقَين ولا يأتين، اتجه مباشرةً إلى مكتب الضابط الذي ألقى القبض عليها، وقد ساعده منصبه على تخطى العسكري، ليسبقه حمزة ابن عمه في قوله إذ هتف بجدية شديدة لم تستطع أن تخفي القلق الذي ظهر متخفيًا في كلماته :
-نورهان علي صفوان انا المحامي الخاص بيها هى فين
اجابه الآخر بهدوء يحسد عليه وسط هذا الجو المشحون :
-في الحجز
اتسعت عيني الآخر هاتفًا بغضب :
-حجز ايه من غير تحقيق ومحامي؟! ازاي يحصل كده يا يونس؟؟
أنهى حديثه موجهًا هذا السؤال الي ابن عمه فقال الآخر ماسحًا وجهه بضيق فقد اوقعت نور نفسها في ورطة بعد تورطها مع سعيد غانم وابنه :
-طبيعي يا حمزة يحصل كده دي السوشيال ميديا مقلوبة بسببها، انت شوفت الفيديوهات بنفسك وتعليقات الناس وهجومها عليها، ده البعض بيتهمها إنها إرهابية
تحدث حمزة بإنفعال شديد بسبب الباطل الذي يلقى على تلك المسكينة الذي كل ما فعلته أنها لم تصمت على حقها ودافعت عنه في زمن أصبح الحق يدفنه صاحبه خوفًا من المجتمع :
-بس هي معملتش حاجة الناس متعرفش الحقيقة متعاطفين مع ابن سعيد غانم ومشافوش النص التاني للحقيقة
وهنا تحدث الضابط وقد استفز الواقفين بشدة بسبب بروده هذا :
-والله هي هتبات النهاردة في الحجز وهتتعرض بكرة على النيابة، ونشوف بقى مين الظالم ومين المظلوم
نظر والد يونس إليه يعترض أن تبات نورهان في الحجز مع أدنى فئة من النساء فوالله لن تتحمل الفتاة الجلوس هناك لساعة، ويبدو أنه محق في تفكيره إذ دلف العسكري اللي مكتب الضابط هاتفًا بتوتر :
-محمود باشا البنت اللي لسه داخلة الحجز من ربع ساعة، الستات عدموها العافية والبنت شبه قاطعة النفس
انتفض المدعو محمود بغضب متجهًا إلى حجز النساء وقد لحق به يونس وحمزة فمن ستكون التي دلفت إلى الحجز من ربع ساعة إلا نورهان، ورغم أن هذه كانت الحقيقة لكن حمزة تمنى أن يخالف القدر توقعاته ولكن يبدو أنه لن يفعل هذه المرة
توقف ولم يدخل مع يونس والضابط الآخر بل ظل متصنمًا أمام الباب يبصر جسدها ملقى أرضًا وكأنها جثة هامدة، قاطعة النفس كما زعم العسكري، ارتفع صوت يونس في الجميع أن يحضر أحدهم سيارة إسعاف
وهو تحرك إلى الداخل ببطء وعينيه لم تفارقها وكلما اقترب يتضح له ما حدث لها، يبدو أنها تعرضت للضرب الوحشي من أولئك المدعون نساءً، فقد كان وجهها متورم وتنساب الدماء من انفها ورأسها
بينما ذراعها ليس على وضعه الطبيعي فيبدو أنه كُسر، بل وهناك بقعة دماء كبيرة على ثيابها ومن الواضح أنه من أثر طعن بنصل حاد
وقف محمود صارخًا في النساء على ما فعلوه الفتاة المسكينة :
-انتوا مــجــانـيـن عملتوا في البنت ايه حتى مفيش احترام لحجابها شلتوه ومقطعين شعرها ده انتوا هتروحوا في داهــيــة
تهاوت قدمي حمزة بجانبها لكن سحبه يونس بعيدًا عنها حتى لا يزيد أصابتها سوءًا، فقد لا يكون ذراعها وحده المكسور :
-حمزة
تحدث الآخر وقد كان خوفه عليها واضحًا بشدة :
-نور يا يونس... عملوا... بص عملوا فيها ايه
وجه يونس حديثه إلى الضابط محمود هاتفًا بغضب :
-مش هينفع نستنى الإسعاف تيجي دمها كده هيتصفى، ثم ازاي يا حضرت الظابط يبقى فيه أداة حادة جوا الحجز دول ضاربنها في جنبها بسكينة
ترك حمزة الاثنين يتناوشان واقترب منها واضعًا كفه على وجهها الذي لم تعد ملامحه ظاهرة مناديًا عليها بصوت مختنق :
-نور يا نور
لم يتلقى منها إجابة ولن يتلقى فكانت الأخرى فاقدة للوعي بعد كم الضرب الذي تلقته منهن وهذا بالطبع لم يكن سوى تهديد مباشر من سعيد من أجل أن تتنازل عن القضية التي رفعتها على ابنه الفاسد
وهكذا هو المجتمع اليد العليا هي الأقوى حتى ولو كانت فاسدة
لم تفق نورهان إلا على آلام شديدة تجتاحها فلا يوجد منطقة في جسدها لا تصرخ متألمة، لم تستطع حتى فتح عينيها رغم كل الأصوات التي تدور حولها وقد استطاعت تمييز صوت والديها وأعمامها المرتفع
مرحى لقد علمت عائلتها بما حدث والآن هنيئًا لكِ نورهان على الكارثة التي اوقعتي نفسكِ بها، وكل هذا لأنها لم تصمت على حقها وإنما أخذته بيديها في نفس ذات اللحظة أمام مرأى ومسمع الناس حتي يكون عبرة لغيره
وفي الحقيقة يوجد غيره الكثير فما عاد هناك من يحترم المرأة ويتذكر ربه قبل أن ينظر إليها
أصبحت الآن هي المتهمة بل وستصبح قضيتها قضية رأي عام بعد أن أصبحت البلاد كلها على علم بما فعلت، والكارثة أنهم لا يعلمون لما فعلت هذا بذلك الطالب المسكين من وجهة نظرهم، فآخٍ لو يعلموا ماذا فعل هو
لو يعلموا الحقيقة التي اخفاها من نشر ذلك الفيديو واظهرها خلف الشاشة أستاذة متجبرة ظالمة تضرب طالب مسكين بوحشية شديدة أمام مرأى جميع زملائه في منتصف المدرسة دون شفقة أو رحمة
حتى أن البعض اتهمها بالتخلف والرجعية والإرهاب، كل هذا لأنها لم تصمت عن حقها مثل كل أنثى تتعرض بشكل يومي للتحرش من قبل كائن يدِّعي الرجولة وهو غلبت شهوته على عقله كالحيوانات
ليتها لم تطأ اسكندرية، ليتها لم تقبل الوظيفة، ليت والدتها صفعتها كفين على وجهها عندما ألحت عليها أسبوعًا حتى تأتي إلى الإسكندرية وتبقى مع اختها وبنات عمها
ليت قريبتها تلك لم تخبرها بحاجة مدرستهم إلى معلمة، تلك المدرسة التي كانت السبب في كل ما هى به الآن
فتحت عينيها على ألم يسحق ذراعها سحقًا، وهذا بالإضافة إلى ذلك الألم الذي ينخر خصرها والآلام المنتشرة في باقي جسدها ووجهها، دارت بعينيها في هذه الغرفة الكئيبة وأصوات مرتفعة تصدح من الخارج، بينما بجانب الباب كانت تجلس شقيقتها وابنة عمها فقالت بصوت ظهر فيه التعب جليًا :
-عائشة.... يا شروق
استقاما الاثنتين نحوها وأنهالا عليها بالأسئلة عن أحوالها وبما تشعر الآن لتقول من بين ثرثرتهم هذه وقد ضاق صدرها من هذا الألم :
-انا عايزة اشرب هاتولي مياه
لم يكن هناك أي قنينات أو ماء موجود في الغرفة فخرجت شروق حتى تحضر لها بينما وضعت عائشة يدها على جبين شقيقتها هاتفة بلهفة :
-انتي كويسة؟ حاسة بإيه؟!
-لأ انا مش كويسة جسمي كله واجعني، إدوني مسكن أي حاجة مش قادرة استحمل الوجع ده
اجابتها الأخرى وقد التمعت الدموع بين جفنيها المتورمين لشدة بكائها على ما حدث لنور :
-مينفعش انتي اخدتي مسكن قوي ولسه فايقة منه مشوفتيش نفسك وانتي بتصرخي من الوجع مينفعش تاخدي واحد تاني استحملي شوية
أتتهم شروق وفي يدها زجاجة مياه وخلفها قد دلفت براءة وتركت الباب مفتوحًا، وقبل أن تعطي لها الأخرى الماء حتى تشرب دلف اعمامهم واحد تلو الآخر
وعلى رأسهم بالطبع عمها عبد الجواد والذي صاح بنورهان وهي بالفراش بصوت انتفض اربعتهم له وقد وقفت عائشة أمام شقيقتها وفي اعتقادها أن عمها سيهم بضرب نور فهو ذو طباع حادة :
-عجبك اللي عملتيه وقعتي نفسك في مشكلة وصوركي وانتي بتضربي عيل ونشروها على النت، لبستي نفسك في قضية
وقف حسن وعلي في وجه عبد الجواد حتى لا يقترب لها فيكفي ما هي به الآن بينما الآخر لم يتوقف عن الصياح :
-حرام عليكي عملتي في نفسك كده ليه، عمرك ما كنتي بتاعت مشاكل من دونهم كلهم، كنتي بتتقي شر المشاكل روحتي لبستي نفسك قضية يا بت علي
علت الأصوات في الغرفة وصفية تضم ابنتها التي كانت تبكي وينتفض جسدها من شدة الألم والخوف ووالدها يدافع عنها وباقي اعمامها يجرون في عبد الجواد حتى لا يصل إلى نور ويضربها في نوبة غضبه هذه
بينما ارتفع صوت عمتها أسماء على أخيها تدافع عن هذه المسكينة التي فوق المشاكل التي حطت على رأسها يصرخ عليها الآخر ويحملها ذنب كل ما حدث :
-اسكت يا عبد الجواد حرام عليك سيبها في حالها كنت عايزها تسكت وواحد بيتحرش بيها ثم ده مش عيل، وبنت ابوها أنها ردت عليه بأيديها قبل لسانها ولو كانت سكتت كان هيبقى رد إن ده عادي ويكمل اللي بيعمله معاها أو مع غيرها
لم يهدأ الآخر أو يخفض صوته يشعر بالغضب والقهر عليها فما فعلته قد يلقي بها في السجن ويسئ سمعتها بعد أن أصبحت البلاد بأكملها تتحدث في الأمر، والجميع يتهمها هي لا غيرها، وها هي طريحة الفراش وهذا أقل ما قد تراه بعد أن اتهمت ابن ذلك الرجل الثري ورفعت عليه قضية
دلف يوسف سريعًا وقد أتى يركض هو وحمزة ويونس ووالديهما على أصوات الصراخ التي ارتفعت مرة أخرى وبصوت أعلى، وما إن رأي يوسف ملامح حمزة تنبئ بإنفجار حقيقي وعينيه تعلقت بنور التي أقل ما يقال أنها في حالة انهيار عصبي حتى سارع هو بقوله :
-ايه يا جماعة ده انتوا بتتخانقوا في اوضتها، مينفعش كده اطلعوا برا
سحب محفوظ وعثمان عبد الجواد للخارج وبدأوا بالإنسحاب واحدًا تلو الآخر حتى بقى يوسف وبراءة وحمزة ووالدي نور التي تبكي وتصرخ ألمًا في أحضان والدتها وقد زاد كلام عمها على آلامها
خاف عليها حمزة وهو يراها في هذه الحالة مرة ثانية بعد أن أتو بها إلى المشفى فصاح بيوسف قائلًا :
-هتفضل واقف كده!؟ اتصرف شوفها
تحدثت براءة بفزع ترى الأخرى من شدة آلامها تنازع فوق الفراش وزوجة عمها صفية تبكي بدون فائدة :
-لازم تاخد مسكن مش هتستحمل هي الوجع ده كله
أجابها الآخر وهو يكشف على ذراعها المكسور والأخرى لا تكف عن التلوي والانين :
-مش هينفع دي واخدة مسكن نومها أكتر من سبع ساعات ولسه فايقة منه، على الأقل نستنى ساعتين أو تلاتة تاني علشان تاخد حاجة مسكنة
تحدث علي وقد استشاط غضبًا يرى ابنته في حالة مزرية :
-مش هتستحملش هي ساعة كمان اديها أي حاجة
-والله ما هقدر خطر عليها تستنى على الأقل ساعة، لازم تبطل حركة كل ده هيزيد الالتهابات والوجع عليها
بكت صفية على ابنتها تسب نفسها علانيةً لأنها وافقت من البداية أن تأتي ابنتها إلى هنا فقالت براءة ولا تدري أتهدئها أم تهدئ نور، تشعر بالحزن على كلاهما :
-مينفعش كده يا خالتي يعني كنا هنعلم الغيب
استدار يوسف حتى يتركهم وقد سحب حمزة معه بينما نور كان عليها تحمل كل هذه الآلام بمفردها وفوق كل هذا لم يرحمها عقلها تسمع والدتها تسب وتلعن اليوم الذي أتت به إلى هنا دون وعي منها أنه لا يجوز سب الأيام :
-كان يوم أسود يا بنتي لما جيتي هنا كان مالك ومال المشاكل دي بس
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الثاني وخمسون 52 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
توقفت السيارة قريبًا من المشفى في حدود الساعة الثالثة فجرًا، وهذا بالطبع لم يكن يعجب يونس البتة فقد أصر حمزة على أن يذهب الآن إلى المشفى في هذا الوقت بالتحديد وجره هو خلفه متحججًا أنه لن يستطيع الدلوف إلى المشفى بدونه وهذا لأنه ضابط
-ها يلا ننزل
هتف بها حمزة بنبرة مغلفة بالهدوء فنظر إليه الآخر بعدم رضا ثم قال :
-هو حد يعمل كده؟! جاي الساعة تلاتة الفجر علشان تشوفها مش عارف تستنى للصبح، قتلك الشوق للدرجة دي؟!
-شوق ايه يا يونس؟ انا بس مش هقدر اشوفها الصبح لأن عمامها وأهلها هيبقوا موجودين وانا مش عايز اعملها مشاكل خاصةً وانا حاسس إني عمها اللي اسمه حسن ده ملاحظ نظراتي ليها، كل ما ابصلها في وجوده بلاقيه باصص ليا انا بالذات كأنه هيقوم ياكلني قلمين
رفع يونس إحدى حاجبيه بعدم تصديق البتة فقال الآخر زافرًا بإستسلام :
-ماشي انا مش عارف أنام كل ما اغمض بشوف شكلها لما كانت في الحجز بين الحياة والموت، بسمع صوتها وهي بتصرخ من الوجع يا يونس، عايز اشوفها عايز أطمن عليها، هبصلها من بعيد لبعيد مش هدخل الأوضة الموجودة فيها حتى
-طب لو حد من عمامها فوق هيبقى وضعك ايه؟؟
-محدش معاها غير بنت عمها براءة ومامتها، يوسف واخد شفت مسائي وقالي
هبط يونس من السيارة مستسلمًا للأمر فعلى الأرجح جن ابن عمه فهو لا يتصرف بشكل طبيعي منذ حادثة نور هذه، حتى من قبلها :
-أنزل يا عم الرومانسي والله هنروح في داهية بسببك، هندخل إزاي بس في وقت زي ده المستشفى!؟
هبط حمزة بعدما أطفأ السيارة ثم قال :
-انت هتدخل بصفتك ظابط وطبعًا نور دلوقتي متهمة فعايز تتأكد إن العساكر مراقبينها كويس
-طب وانت؟؟
-هدخل المستشفى من ناحية التانية لما تتكلم انت معاهم
لم يدع له فرصة للإجابة وتركه متجهًا إلى مدخل آخر للمشفى بينما حدق يونس في طيفه بغيظ :
-والله شكلنا هنروح في داهية
استدار ناحية البوابة وتأكد من وجود بطاقته معه ليقف حراس المشفى عندما وجدوا أن أحدهم قادم في إتجاههم، أما عند حمزة فقد دلف إلى المشفى بسهولة بسبب انشغال الحرس مع يونس، وهو كان مخطِطًا العودة مرة أخرى بالليل بعد رحيل جميع أقارب نور
لم يكن يبالغ عندما قال أنه لم يستطع النوم، فوالله لم يجافيه ولو لدقيقة كلما اغمض عينيه أتاه منظرها وهى ملقاة أرضًا كالجثة داخل حجز النساء
دلف إلى المشفى وفي هذه الساعة لم يكن أحدهم مسيقظًا لا أطباء ولا ممرضين ولا حتى مرضى فكان التحرك سهلًا بالنسبة إليه لكن... هو لا يذكر نور في أي غرفة؟ يبدو أنه سيذهب إلى يوسف أولًا حتى يعلم أين هى
انتفض بخفة على صراخ سرى بين الممرات بشكل واضح بسبب الصمت الذي يحل على المكان، يبدو أنه سيعلم أين هى دون اللجوء إلى يوسف فصوت الصراخ هذا صوتها
أما قبل دقائق وفي الغرفة القابعة بها نور كانت نائمة فوق الفراش ولكنها لا تغط في النوم فلتوها استيقظت منذ ساعة تقريبًا وكانت براءة نائمة في فراش آخر، وعلى الأرجح هي من باتت معها الليلة
حاولت الإعتدال على الفراش بعدما راودها شعور الذهاب إلى المرحاض ولكنها لم تستطع وبراءة لا تفيق فنومها ثقيل بشدة، حتى أنها حاولت أن تستدعي إحدى الممرضات من خلال الأزرار هذه لكنها لا تدري أي زر فهي لم تبات قبلًا في مشفى
حسنًا لا فائدة لا تستطيع التحمل، استندت على الفراش بذراعها السليم ودفعت جسدها للأعلى ثم أنزلت قدميها على الأرض ووقفت بعد معاناة، ساندت نفسها حتى تصل إلى براءة
ووصلت أخيرًا لها لتهزها بشئ من العنف منادية عليها والأخرى وكأنها مصابة بتخدير فكانت تهمهم دون فتح عينيها، وعندما يئست منها نور اتجهت للخارج وهي تستند على الحائط تسير ببطء شديد، ومن الجيد أنها أتت كثيرًا إلى هذا المشفى من قبل بحكم عمل براءة به لذا هي تعلم مكان المرحاض
سارت في الممر ولم تكن يبارح كفها الحائط فلا تستطيع السير حتى بسبب هذا الألم القوي في جنبها، نظرت حولها بحيرة هي لم تمر من قبل بهذا الممر، فلن تعلم إذًا أين هو المرحاض وهي لن تستطيع العودة مرة أخرى دون الذهاب إلى هناك فلا تستطيع التحمل
ظلت تسير ببطء وهي تحاول تذكر الممرات وكم كانت تشبه بعضها حتى شعرت أنها إن استمرت في السير فستفقد طريق العودة، توقفت في المنتصف لا تعلم أين تذهب وقد هلكها التعب بشدة فليس فقد جانبها هو من يؤلمها بل جميع عظامها تؤلمها
جلست بتعب شديد على مقاعد الإنتظار في منتصف الممر تتنفس بصوت مرتفع فعلى بالك كانت تركض
لأميال لا تسير ببطءٍ كسلحفاة داخل بعض الممرات، أدمعت عينيها بسبب ضعفها هذا وقد صدقت الحكمة التي تقول الصحة تاج على رؤوس الأصحاء
مسحت عينيها من الدموع وهي تنظر حولها لربما يكون هناك أحد يمر ويأخذها للمرحاض وعوضًا عن هذا اصطدمت عينيها بزجاج النافذة ولأن الجو ليل بالخارج وهناك ضوء بالداخل كان الزجاج كالمرآة ابصرت نفسها به بوضوح
كانت ترتدي ملابس المشفى المنقطة هذه وحجابها مربوط بإهمال حول وجهها، ذراعها في جبيرة بيضاء والتعب ظاهرًا بوضوح عليها، ولكن ما جعل الدموع تجري من عينيها هو وجهها المنتشر به بقع حمراء وبنفسجية لدرجة لم تعد ملامحها تظهر، ولو رأت صورة لها على هذه الشاكلة ما كانت لتعرف نفسها من شدة تشوه وجهها بالضرب
اختنقت بغصة في حلقها فأصبحت تشهق بقوة وكأن الأكسجين اختفى من حولها، حاولت أن تقف وتبتعد من أمام النافذة حتى لا تبصر نفسها بها هكذا، وما كانت النتيجة إلا أنها سقطت مجددًا على المقعد
لكن هذه المرة أصطدم جانبها المصاب بذراع المقعد فأطلقت صرخة متألمة دوى صداها في الممر وربما وصل للممرات الأخرى في هذا الليل الصامت
وضعت يدها على جنبها تبكي بقهر شديد على نفسها، وحيدة في هذا الليل لا تستطيع أن تقف وتعين نفسها وتذهب إلى المرحاض حتى، هل هناك ما هو أشد بؤسًا من هذا؟؟
ومن شدة بكائها لم تكن تدرك بحالها أنها تصرخ حتى جذبت لها الموجودين في المشفى فمن ناحية استيقظ الممرضين والطبيب الموجود في الدوام الليلي وهو يوسف، ومن الناحية الأخرى أتى حمزة وهو من أتاها أولًا
أما حمزة فظل يهرول في الممرات لا يدري من أين أتت تلك الصرخة ولكن ما إن علىٰ البكاء بصوت مسموع حتى اتبعه ليجدها أخيرًا تجلس على مقاعد الإنتظار ضاممة جسدها بذراعها السليم وتكاد تنتفطر من شدة بكائها
ركض إليها وقد سمع أصوات قادمة لا يعلم لمن تعود هل الممرضين أم الحرس ولكنه لم يبالي، وصل إليها ليجلس أرضًا أمامها يتفحصها بعينيه دون لمسها وكانت نبرته أكبر دليل على خوفه عليها في هذه اللحظة :
-مالك فيكي ايه؟ انتي برا بتعملي ايه أصلًا!؟
وكانت اجابتها متقطعة اختلطت بنشيج البكاء فلم يفهم منها سوى كلمات قليلة :
-وشي.... جنبي.... جسمي
أطلقت آه قوية هزته من الداخل فوقف بسرعة وامسك بذراعها السليم حتى تقف :
-طب قومي هاخدك عند يوسف أو الإستقبال قومي
لم يشعر في يوم بالتوتر والتخبط أكثر من هذه اللحظة، لا يدري ماذا يفعل والمشفى فارغ هكذا وهى تبكي دون توقف، فكر ألف مرة أن يحملها ويذهب بها إلى الإستقبال لكن هى لن تقبل بهذا
أتته النجدة من السماء عندما رأى يوسف ومعه براءة ووالدتها وممرضة أخرى قادمين من نهاية الممر فنظر حمزة إلى نور هاتفًا بطمأنة :
-اهدي خلاص جم
جعلها تجلس مرة أخرى تزامنًا مع اقتراب براءة والدتها منها، بل وقد حضر يونس ومعه العسكري المسؤول عن مراقبة نور وعلى الأرجح لم يكن متواجدًا أمام غرفتها فإن كان هناك فماذا تفعل نور هنا بمفردها
سحب يوسف عضده مذهولًا من وجوده في المشفى في مثل هذه الساعة :
-بتعمل ايه هنا يا حمزة!؟ دخلت إزاي أصلًا؟؟
ولم يكن بال الآخر معه بل مع نور التي ما إن حاوطتها والدتها تضمها إليها لكى تهدأ حتى زاد بكاء الأخرى وهى تقول :
-وشي يا ماما وشي، عملوا فيا ايـــــه
تحدث يوسف موجهًا حديثه لبراءة والممرضة الأخرى :
-خدوها أوضتها وانا جاي اكشف عليها
ختم حديثه وهو يسحب معه حمزة بعيدًا عن المكان وذهب به إلى غرفة الأطباء، وهناك جعله يجلس رغمًا عنه من ثم صاح به بعدم تصديق :
-انت عقلك راح فين يا حمزة مش معقول كده جاي في وقت زي ده وانت وهى بس في الممر
-انت بتقول ايه انت كمان؟؟ انت مكنتش شايف يعني وضعها عامل ازاي!؟
-شايف وعارف، مش عارف ايه خرجها في الوقت ده بس اللي عايز أعرفه يا حمزة انت بتعمل ايه في المستشفى؟!
صمت الآخر يضم يديه بقوة ولم يُجب فقال يوسف تزامنًا مع دخول يونس الي الغرفة واكتفى بالصمت ومتابعة ترقيع يوسف لحمزة :
-حمزة انا عارف إن عندك مشاعر ليها واتحركت أكتر من خوفك عليها بسبب اللي حصل، بس لازم تحط حاجة قدام عينيك إن نور صعيدية وعمامها وأبوها وعيلتها كلها هنا، وضعك كان هيبقى ايه لو مكنتش براءة والدتها هما اللي موجودين النهاردة وكان حد تاني وشايفها وهي تقريبًا في حضنك
اتسعت أعين الأخرى معترضًا على هذه المبالغة إذ هدر قائلًا :
-أعقل كلامك يا يوسف انا كنت بساعدها تقف، كنت ماسك دراعها مش واخدها في حضني!؟
-اشش وطي صوتك ده أولًا، ثانيًا انت حتى لو كنت بتساعدها من بعيد مكنش باين كده، والله انا أول ما شوفتكم كنت فاكر حاجة تاني، بقولك كده علشان تاخد بالك لأن لو حد من عمامها أو ابوها شاف وضعكم مكنتش أول حاجة ممكن تيجي على باله إنك بتساعدها تقف، كان ممكن تلبسها مصيبة تانية مع عيلتها فوق المصايب اللي عندها
استدار إلى يونس وقد أعطاه نصيبًا هو الآخر من الترقيع إذ قال :
-وانت كنت فين لما وافقت تخليه يجي في وقت زي ده؟؟ ما انت أكيد جاي معاه
رفع يونس إحدى حاجبيه بإعتراض ثم قال :
-انت بتزعقلي انا؟
وأجابه الآخر بنبرة أشد غضبًا :
-وهو ده اللي فارق؟! تاخد حمزة وترجعه ومتخليهوش يجي هنا تاني نظراته لوحدها فضحاه والناس دي لو حد بص لبناتهم مش بيعدوها بالساهل، فمال بالك بواحد واقف معاها لوحدهم في نص المستشفى في الفجر، ممكن تقلب جناية عندهم عادي
خرج وتركهما فنظر يونس إلى حمزة الذي كان يجلس ويستند بذراعه على فخذيه ولا يبدو الرضا أبدًا على وجهه وهذا واضح من حاجبيه المعقودين ووجهه المحتقن :
-معاه حق بصراحة انا أول ما دخلت الممر وشوفتك انت وهى أول حاجة جات في دماغي إنك اتهبلت ورايح تحضنها علشان تهديها
وصاح به الآخر بضيق شديد من لوم الجميع عليه :
-أهو التاني هو كمان بيقول هحضنها، انا عمري ما فكرت في نور بطريقة وحشة وعارف قد ايه هي محترمة ومتدينة وبتتنفض لو حد لمس ايدها أو وقف جنبها حتى، هاجي انا وابوظ شكلها قدامكم وتقولوا كنت حاضنها في نص المستشفى كده عادي، والله يا يونس كنت عايز اخليها تقوم علشان تروح الإستقبال علشان أعرف هتموت نفسها من العياط كده ليه
استند الآخر على الحائط بكتفه ملاحظًا إنفعال ابن عمه الواضح وهو يبرئها فقال متسائلًا :
-انت من امتى وانت بتحب البنت دي أوي كده لدرجة تخليك تتصرف من غير تفكير زي مجيتك في الفجر علشان تتطمن عليها بس، انا آه لاحظت من كام شهر نظرات إعجاب منك ليها، بس قولت عادي إعجاب وهيروح لما اترفضت، أمتى تحول كده؟ مع العلم أنت مكنتش بتتعامل معاها إلا نادرًا يمكن موقفين تلاتة اللي اتكلمتوا فيهم غير كده كانت هي بتصد أي كلام أو موقف يجمعكم
زفر حمزة بقوة وأعاد شعره للخلف ولديه مشاعر متخبطة بين كلام يوسف المنطقي، وخوفه ولهفته على نور الآن، وسؤال يونس المهم هذا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
خرج يوسف بعد أن أجرى كشف عليها وتركها رفقة براءة ووالدتها بعد فترة من البكاء فلم يكن بها شئ غير انهيار عصبي وقد بدأ يزول عنها، خرج ليجد حمزة جالسًا في الخارج على مقاعد الإنتظار بينما يتكئ يونس بكتفه على الحائط
نظر إلى الإثنين بملامح معقودة ثم قال :
-انتوا لسه قاعدين ليه ممنوع أصلًا
اجابه يونس وهو يشير بعينيه إلى حمزة الجالس :
-رفض يمشي غير لما يتكلم معاها
زفر يوسف بتعب تبعه حديث حمزة وهو يستقيم من على المقعد :
-هتكلم معاها على أساس إن المحامي بتاعها يا يوسف كلها يومين بالكتير وتخرج من المستشفى، مش عايزها ترجع على الحجز تاني لازم أعمل حاجة وتخرج على ذمة القضية
نظر الآخر إلى العسكري الواقف أمام غرفة نور وكأنه يقول لهم وماذا عن هذا من ثم قال :
-مفيش زيارة في الوقت ده أصلًا وانا هتجازى بسببكم علشان الكاميرات صورتكم وانتوا رايحين جايين في المستشفى في قرآن الفجر
تقدم حمزة للأمام دافعًا إياه جانبًا حتى يدخل إذ قال :
-عديني انا وحل مشاكلك على جنب
استوقفه بسرعة العسكري ناظرًا إلى يونس والذي قال :
-سيبه يدخل ده المحامي بتاعها وعايز يتكلم معاها وانا نفسي هكون معاهم فلو عايز ترتاح شوية انت ارتاح
تراجع العسكري مسلمًا الأمر فهو مجرد عسكري بينما المتحدث ضابط برتبة نقيب، أمسك حمزة بمقبض الباب مترددًا فماذا إن كانت غفت؟!
تنهد وسلم الأمر طارقًا على الباب بيد والأخرى على المقبض وعندما استمع إلى صوت براءة تسمح بالدخول دلف في الحال
عقدت براءة حاجبيها تبصر حمزة يقف على الباب بينما عينيه معلقة بنور الممددة على الفراش ووالدتها بجانبها، تستند بظهرها على الوسادة، تستمع إلى قرآن الفجر من خلال النافذة بأعين شاردة، ولم يبدو أنها انتبهت أن هناك من دلف
حمحمت براءة ناكزة إياها بخفة فانتبهت الأخرى وعندما انتبهت أن هناك من يقف على الباب حاولت الإعتدال فقال حمزة وهو يتقدم للأمام :
-لأ خليكي مرتاحة متقوميش
وقف أمام فراشها محدقًا في ملامحها المتعبة وعينيه تشرح حزنه عليها بينما هى عندما رأته يحدق بها لم تخفض نظرها كما العادة بل ظلت تنظر إليه بنظرات ضائعة شاردة، ثم قالت وهي توزع نظراتها بين حمزة ويونس الذي دلف واقفًا في أحد الأركان بهدوء شديد :
-هو انا كده لبست القضية و.... وخلاص هتحبس؟؟
نفى حمزة سريعًا يرى الرعب واضحًا داخل عينيها :
-لأ مش هيحصلك حاجة إن شاء الله انا معاكي وههتم بقضيتك لحد ما تخرجي براءة، هى القضية كده بقيت صعبة علشان كده جتلك في الوقت ده علشان انتي هادية حاليًا مش عليكي ضغط من عمامك أو من حد تاني
نظرت براءة ناحية يوسف الذي كان يستند على إطار الباب بكتفه لتشير ناحية يونس وحمزة قائلة :
-هو ازاي دول دخلوا هنا!؟ مش ده ممنوع؟؟
-مش عارف والله دخلوا إزاي بس اللي اعرفوا اننا هنتجازى بسببهم
-وليه حضرتك نون الجماعة انا مالي انا، انا هنا تدريب بس مش موظفة أساسية ثم انت الدكتور النبطشي هنا مش انا
قلب يوسف عينيه ضجرًا منها من ثم نظر إلى نور قائلًا :
-لو فيه حاجة هتنجدك من اللي انتي فيه ده احكيها ليونس وحمزة علشان يساعدوكِ، وانجزوا بقى قبل ما يطلع النهار
سحب حمزة مقعد حديدي وجلس في المقابل لها أمام الفراش ونور تتابعه بعينيها صامتة تنتظر أن يتحدث فقال الآخر :
-بصي زي ما قولتلك القضية مش سهلة ومحتاجة دليل قوي ضد دليل ابن سعيد علشان تاخدي على الأقل إفراج على ذمة القضية ومترجعيش الحجز تاني
أعادت الأخرى رأسها على الوسادة تحدق في السقف بأعين ملتمعة بالدموع :
-دليل ايه بس هيبقى بقوة الظلم اللي نزل على النت، انا مفيش شخص واحد دافع عني كله ضدي
تحدث حمزة بعملية وتركيز شديد فأي جملة تخرج منها سيحتاجها في هذه القضية :
- من البداية كده سليم سعيد غانم تعرفي عنه ايه؟ كان بيعمل ايه أثناء حصتك؟ لاحظتي عليه حاجة؟ أي حاجة مهمة حتى ولو قليلة في نظرك يا نور اتكلمي علشان أعرف أساعدك
نظرت نور أمامها تتذكر ما تعرفه عن سليم الطالب الفاشل صاحب السمعة السيئة ورغم هذا كان مشهور بسبب ثراء والده :
-سليم كان أكبر طالب في المدرسة عنده ١٨ سنة تقريبًا وده شيئ غريب فلما سألت قالوا إنه كان بيعيد كتير بياخد السنة اتنين تقريبًا حتى إنه دخل مدارس كتير بسبب إعادة السنة دي
قاطعتها براءة مذهولة من أن هناك طالب في الصف الثالث الإعدادي يمتلك من العمر ثمانية عشرَ عامًا :
-لحظة بس هو عنده ١٨ سنة!؟ على كده لو اتحبس مش هيروح الأحداث ده هيدخل السجن حدف
-والله شكلي انا اللي هدخل السجن حدف
هتفت بها نور ساخرة على حالها لتعتدل بسرعة متذكرة شيئًا فنظرت إلى حمزة سريعًا قائلة :
-هو انا لو اثبتّ إن سليم كان بيتحرش بالبنات في المدرسة زي ما قولت انت في القسم، والبنات دول شهدوا على كده، ده هيديني براءة
آماء حمزة سريعًا مركزًا فيما تقول جيدًا :
-ايوه طبعًا بس انتي تعرفي البنات دول؟ متأكدة من إنهم ممكن يشهدوا بحاجة زي دي
-مش... مش عارفة هيشهدوا ولا لأ بس ممكن نقنعوهم براءتي في ايديهم، ومش عارفة كل البنات بس لحظة.... رحمة ولؤي
هز حمزة رأسه لا يفهم لما شقيقته وابن عمه ذُكرا في الأمر :
-رحمة اختي؟! مالها رحمة بالموضوع أصلًا؟
-رحمة واحدة من اللي سليم كان بيضايقهم طول الوقت لدرجة وصلت بيه أنه يتحرش بيها، انا مش أول واحدة
تغيرت نظرات حمزة بشكل ملحوظ لذكر شقيقته في الموضوع ليقول بنبرة هادئة بذلك الهدوء الذي يسبق العاصفة :
-لأ براحة كده وتقولي سليم قرب من رحمة إزاي، وانا فاكر كويس إني سألتك وسألتها وسألت ماما وكلكم قولتوا إنه كان تنمر
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ولج إلى داخل فيلتهم الفسيحة بملامح تنطق بالغضب رغم صعوبة سيره وإستناده على سائقه، فلم يمر إلا أربع أيام على خروجه من العمليات وإخراج رصاصة من داخل جسده كادت تؤدي بحياته
لم يعد إلى منزله رغم محاولة والدته بل أراد الإنزواء في مكان بعيد بمفرده حتى يفكر في حياته بعد رفض شروق له ورؤية التغيير الملفت الذي تغيرت به طليقته عايدة
أراد فقط أن يفكر في هدوء ليأتيه خبر صادم بفيديو لأخيه وهو يُضرب بعنف من قبل معلمة، وهو يعلم جيدًا من هذه المعلمة ويتذكرها فهى من أخبرته أن شقيقه قد تحرش بفتاة في المدرسة
ولم يشك ولو 1% أنها تفتري عليه كما قرأ في التعليقات الهجومية عليها، بل يبدو أن أخيه الحقير هو من قام بفعل مصيبة أخرى، ويا ويله إن كانت مثل المصيبة الأولى
استقبلته الخادمة بإحترام وهى تقول :
-حمد الله على السلامة يا دكتور عاصم
نظر الآخر حوله ولم يبصر أي فرد من أفراد عائلته فقال بجدية مخيفة :
-بابا وماما فين؟؟ وسليم الزفت فين؟!
-الهانم والباشا فوق، والهانم الصغيرة في الجنينة برا هى والباشا الصغير
استدار عاصم حتى يخرج الي الحديقة ولا يزال مستند على السائق فهو يجد صعوبة في السير من جرح جانبه العميق، أبصر شقيقيه يجلسان على المقاعد الخارجية في الحديقة وأمامهما حاسوب محمول يحدقان به في تركيز شديد
انتفض سليم من مكانه عندما رأى شقيقه الكبير قادم وقد لمعت عينيه بخوف شديد من القادم منه، فمن النظرات الحارقة التي يرمقها به، إذًا هو ميت لا محال
وقفت هنا بسرعة عندما رأت أخيها قادم وأول ما فعلته هو أنها وقفت أمام سليم حتى لا ينهال عليه ضربًا، فأكثر ما يكرهه عاصم هو الخطأ وأكثر من مرة قال لوالديه أن يقسوا قليلًا على سليم ولكنهما افرطا في دلاله
ورغم أن عاصم مصاب ومتعب إلىٰ أن غضبه هو من كان يحركه، وبدفعة واحدة اسقطها على المقعد كما كانت ثم أمسك بخصلات سليم بقوة غير آبهة بجرح رأسه، صائحًا به بعنف :
-عملت ايه تاني يا سليم؟؟ ايه المصيبة الجديدة اللي عملتها؟
صاح الآخر متألمًا أسفل يده بينما استقامت أحلام مرة أخرى وحاولت جذب سليم بعيدًا عنه قائلة :
-مش كده يا عاصم ومش علشانه انا عارفة إنه واطي ويستاهل، بس علشانك انت تعبان وجرحك لسه جديد
نظر لها الآخر بنظرة اخافتها ثم قال :
-طالما هو واطي يبقى انتي عارفة المصيبة اللي عملها، واكيد انتوا وراء نشر الفيديو ده ما انا عارف إن صاحب الصفحة اللي نشرت الفيديو في كل حتة من معارف ابوكي سعيد باشا اللي بيخبي فضايح الفاشل ده
ختم حديثه دافعًا سليم على الأرض العشبية بعنف فتأوه الآخر بصوت مرتفع من آلام جسده، ورغم صراخ عاصم عليه حتى يعلم ماذا فعل إلىٰ أنه رفض فتح فمه بكلمة فإن علم أنه تحرش بالمعلمة سيدفنه حي مكانه
حضر سعيد وزوجته على الأصوات الحادة القادمة من أسفل نافذة غرفتهما لتركض والدة عاصم عليه بلهفة قائلة :
-عاصم يا حبيبي انت جيت أمتى؟! وواقف كده ليه ده انت تعبان
اسندته سريعًا وقد ألقى الآخر بحمله على المقعد فقد شعر بتعب للمجهود الذي فعله، انتقلت نظراته الحارقة من على سليم إلى والده ثم قال بصوت مرتفع غير آبهة بأنه يتحدث مع والده :
-ها يا سعيد باشا ابنك الصايع الضايع عمل ايه تاني!؟ ايه الفضيحة الجديدة اللي نزلت راسنا كلنا من وراء راسه؟
-ملكش دخل يا عاصم انا هحلها
نطق بها بهدوء استفز كل خلية بداخله فصاح قائلًا :
-هى دي الجملة اللي ضيعته، ملكش دخل يا عاصم، ده ابني انا وهربيه زي ما انا عايز يا عاصم، وأدي النتيجة فضحنا في كل حتة مبقاش فيه حد في البلد مشافش الفيديو
وأجابه الآخر بنفس النبرة الهادئة بالتزامن مع جلوسه على المقعد المقابل له وهو يضع قدمًا فوق الأخرى بجبروته المعتاد :
-ابني متفضحش هى اللي اتفضحت والقضية هتلبسها هى، شكلك مشوفتش الفيديو كويس
ضحك عاصم ضحكة ساخرة مجيبًا عليه بحدة :
-هو انت فاكرني واحد من بتوع السوشيال ميديا وتضحك عليه بالكلمتين دول؟! طب الناس دي ميعرفوش ابنك ووساخته أما أنا أعرف كويس الواطي دي بيعمل ايه
ركل سليم بعنف في جانبه ثم صاح قائلًا :
-عملت ايه يا سليم قـــول
وصاحت والدته بالجميع بنبرة مقهورة على ما يحدث لعائلتها والمشاكل التي حلت على رؤوسهم بين ليلة وضحاها :
-كفاية بقى بدال ما بتقطعوا في بعض نشوف حل للمصيبة دي، تحقيق النيابة النهاردة هتعملوا ايه؟!
-لأ التحقيق مش النهاردة بعد يومين علشان البنت...
نطق بها هنا مجيبة على والدتها، ولكنها ابتلعت باقي كلامها عندما رأت نظرات والدها التحذيرية، وعندما أبصر عاصم هذا أستقام بسرعة أمام شقيقته هاتفًا بتوجس :
-علشان البنت ايه؟! عملتوا في المُدرسة ايه؟؟
ختم حديثه ونظر إلى والده الذي التزم الصمت فعاد بنظره إلى شقيقته صارخًا بها :
-انـطـقــــي
وانتفضت الأخرى في مكانها على هديره القوي، مجيبة عليها بالأخبار التي وصلتها من المحامي :
-علشان فيه ستات ضربوها في الحجز وانتقلت المستشفى فالتحقيق اتأجل
شهقت والدتها بذهول فلم تكن تعلم بالذي حدث للفتاة ولو كانت تعلم لما سمحت بحدوثه، وقف عاصم أمام والده مباشرةً هاتفًا بقوة :
-انت اللي عملت كده صح؟!
ولم ينفي سعيد بل أجابه بصراحة يحسد عليها :
-آه علشان تتنازل عن المحضر وابني ميروحش في داهية، حاولنا معاها بالفلوس بس نشفت دماغها نجرب القوة ودي بتفلح أكتر مع بتوع الشرف وأخد الحق بالقانون
اتسعت أعين عاصم بذهول مما يسمعه بينما صرخت به زوجته لا تصدق الجبروت الذي وصل إليه زوجها :
-ليه كده يا سعيد لـــيـه؟؟ حرام عليك البنت ذنبها ايه؟ كنت سبتني اتكلم معاها والله كنت هعرف أقنعها بس مش بالطريقة دي
صاح بها الآخر وهو يشير إلى ابنه الجالس أرضًا يتابع ما يحدث بصمت إجباري :
-علشان أخرج ابنك من المصيبة دي لازم ادوس على الطرف التاني، لو كانت خدت فلوس وسكتت مكنش حصل ده، وعامةً هى عايشة مماتتش ولو مغيرتش أقوالها في النيابة واتنازلت تبقى تلوم نفسها لما تتحدى اللي أكبر منها، جاتكم القرف كلكم مش واخد منكم غير المصايب
ختم حديثه وتركهم جميعًا وذهب فقال عاصم وهو يجلس مكانه بتعب شديد غير قادر على فعل شئ فقد وقعت المصيبة على رؤوس للجميع وهى تكبر الآن :
-دعوة المظلوم مستجابة وهى مظلومة، هتروحوا فين من الدنيا وهى سلف ودين، ده كله هيتردلنا ويا خوفي يترد في بنتي في يوم من الأيام
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
مر يومين عليها في المشفى بين زيارات أعمامها ومكثوت والدتها معها طوال الوقت والتفكير الزائد الذي أصبحت تعيش به، فقد أصر والدها وأعمامها على استكمال القضية وألا يضيعوا حقها
خسرت الكثير من الوزن وأصبحت شاحبة بشدة ومتعبة وجسدها هامد، كانت خائفة من القادم ومن يوم التحقيق وأكثر ما يقلقها أنها لم ترى حمزة، حتى حين اخذوها من المشفى لكي يتم التحقيق معها من النائب العام، لم يكن موجود
تنفست بصعوبة وهي تنظر من خلف زجاج السيارة إلى المبنى الذي يقع به مكتب النائب العام حيث سيتم التحقيق معها للمرة الثانية، ففي المرة الأولى تم التحقيق معها في القسم لأن الدليل كان قوي ألا وهو التسجيلات التي قلبت الناس عليها
لا تدري ماذا سوف تقول، أخبرها حمزة عندما كان معها في المشفى من يومين أن تطمئن وأنه سيتصرف بما أنه أصبح المحامي الخاص بها الآن
ورغم أن أبيها وأعمامها رفضوا أن يكون حمزة هو المحامي الذي سيدافع عنها بسبب صغر سنه وقلة خبرته بالتأكيد، لكن حمزة أكد لهم أنه قادر على إخراجها من هذه القضية
تدرك جيدًا أن حمزة يحبها ولديه مشاعر لها وهي لا تترك له فرصة أبدًا ليعبر عن هذا ولن تدع له فرصة أبدًا وعليها الآن التوقف عن التفكير بالأمر فلديها كارثة يجب أن تخرج منها
فتح لها والدها السيارة فخرجت وهي تستند عليه نظرًا للطعنة النافذة التي بجانبها لا تساعدها على الوقوف بإعتدال حتى الآن، ساندها من الناحية الأخرى عمها الأصغر حسن فقالت نور وهي تنظر إلى من أتى معها ولم ترى لا والدتها ولا واحدة من الفتيات فقالت :
-هى ماما مجاتش ليه؟!
وأجابها والدها بإستنكار قائلًا :
-وليه تيجي عمامك كلهم هنا وجوز عمتك وولد عمتك جاي في الطريق هو والمحامي
توقفت نور تنظر إليه بقلق وخوف :
-هو حمزة مفيش فوق؟ اومال انا هدخل لوحدى!؟
اجابها حسن يحاول أن يهدئها :
-اهدي وتعالي ندخل الوقفة هتتعبك كده
ساندها الاثنين للدخول إلى المبني ثم جعلاها تجلس على مقاعد الإنتظار إلى أن ينادي العسكري على اسمها من أجل أن تدلف إلى وكيل النيابة، وقد ظلت تنتظر لربع ساعة ولم يأتي حمزة حتى الآن فنظرت إلى أعمامها قلِقة ثم قالت :
-هو محدش جِه ليه؟! انا مش عايزة ادخل لوحدي
تحدث عمها عبد الجواد وهو يُدخل هاتفه في جيبه بعد أن اتصل على إسماعيل وأخبره أنهم قادمين في الطريق :
-اتصلت على إسماعيل وقال إنهم جايين وجايبين شاهدة تشهد على الواد دِه
اتسعت عيني الأخرى بذهول لتقول بشكل عفوي دون الإدارك لما تقول :
-هيجيب رحمة أخته تشهد زي ما قالي؟! أكيد لأ مش هيخليها تقول حاجة عن نفسها زي كده
عقد عمها حاجبيه ليسألها بنبرة مريبة متوجسة قائلًا :
-وهو قالك كده امتى؟ انتي في المستشفى بقالك يومين وهو مشفكيش خالص في اليومين دول
فكرت نور بسرعة في كذبة تختلقها، أجل هي لا تحب الكذب بل لا تطيقه لكن لن تخبرهم أنه أتى في وقت الفجر منذ يومين من أجل أن يتحدث معها :
-هو جه قبل كده مع ولد عمه يونس واتكلم معايا بخصوص الواد ده وعن تصرفاته في المدرسة حتى براءة كانت موجودة معايا يومها هى وماما
آماء الآخر وصمت فقال حسن وهو يربت على يدها قائلًا :
-حاسة بتعب ولا حاجة من القعدة تحبي تتمشى شوية؟؟
نفت الأخرى برأسها ثم اضافت :
-مش حاسة بتعب كَد ما انا خايفة
-متخافيش حاسس إن المحامي ده هيطلعك من القضية
نطق بها حسن بثقة رغم أنه لا يطيق حمزة هذا بسبب نظراته المباشرة والواضحة لابنة أخيه، لكن عندما طلب أن يكون هو المحامي الخاص بها وافقه في هذا لأنه رأي في عينيه أنه سيفعل المستحيل من أجل أن يبرئ نور من هذه القضية
استدارت الأعين إلى ناحية معينة وعندما أدرات نور رأسها ابصرت سليم يسير وأمامه والده ومحامي غزى الشيب رأسه دليلًا على تقدمه في العمر، توقفوا بالقرب من نور وأعمامها بينما ذهب المحامي لينهي بعض الأشياء بخصوص دلوف سليم إلى وكيل النيابة
كانت هناك حرب باردة مشتعلة في الأعين خاصةً من أعمام نور الذين ودو لو يهبطوا بالضرب المبرح على سليم هذا ويكسروا عظامه هو وأبيه لما فعلاه بابنة أخيهم سواءً التحرش بها أو تحريض النساء في الحجز على ضربها بهذه الوحشية
بينما نور كانت لا تحيد بنظراتها عن سليم ولم تكن نظراتها غاضبة بقدر ما كانت متحسرة لتنطق بما في خلدها ناظرةً إلى عينيه بعمق :
-هترتاح لما تدخل السجن وتضيع مستقبلك علشان لمسات لا زادت ولا قلت في نفسك المريضة، نصحتك مرة وحذرتك التانية، والتالتة لما اتمدت عليا عملتلك فيها تمزق في الاربطة واديك هتتحبس أهو
نظر سليم إلى والده لا يدري بما يجيب فهو هنا معتمد إعتماد كلي على والده وذلك المحامي وما سيطلب منه قوله سيقوله دون تفكير
وقد أجابها سعيد غانم بنفسه هذه المرة قائلًا :
-لأ انا ابني لا هيدخل السجن ولا مستقبله هيضيع وهتشوفي
ابتسم له عبد الجواد متقدمًا بقوة وهيبة تمثلت في نظراته وكلامه القوي الخشن :
-ما إحنا هنشوفوا وكله هيتشاف بس الصبر وحق بنت اخويا هنجيبه حتى لو مش بالقانون
اقترب منه المحامي الخاص بسليم قائلًا بمراوغة :
-علفكرة الكلام ده غلط عليك وعلى بنت اخوك وممكن يتقيد ضدها
اقترب محفوظ من عبد الجواد فكلام ذلك المحامي صحيح، لكن عبد الجواد قبل أن يتحرك نظر إلى سليم ذو الوجه المكدوم والكف المصاب الملفوف بالشاش الأبيض ليعلو صوته ببسمة مفتخرة :
-بنت ابوكي يا نورهان وتسلم ايديكي على اللي عملتيه في العيل ده، صدقيني فرحان كَد ايه علشان وريتي الناس كلها مش بناتنا اللي تتمد الايدين ليهم بالغلط وترجع سليمة
وهذا الحديث لم يعجب سعيد وكاد أن يأخذ رد فعل لولا أن العسكري نادى على ابنه فتحرك مع المحامي وخلفهم سليم مطأطأ الرأس
بينما استدار عبد الجواد إلى نور مضيفًا على حديثه :
-بس انا بعاتب عليكي في حاجة طالما ضربتيه واتصورتي والموضوع انتشر كنتي كسرتي ايديه الأتنين ورجليه بالمرة، قليل اللي عملتيه فيه دِه
ابتسمت نور بسمة صغيرة لعمها رغم أنه ثار في البداية لكنها تعلم أن هذا من خوفه عليها، فعمها عبد الجواد ورغم عصبيته إلىٰ أنه لا يترك حق عائلته ويأتي به ولو كانت جميع الظروف منقلبة ضده :
-معلش يا عمي اللي قدرت عليه بقى
-أهو حمزة جه أهو
نطق بها محفوظ فتحركت الأعين بإتجاه حمزة الذي كان يأتي مسرعًا من نهاية الممر وخلفه يونس وإسماعيل وبرفقتهم لؤي ورحمة، توقف حمزة أمامهم وعينيه تبحث عن نور لكنه لم يراها بينما قال محفوظ متسائلًا :
-اتأخرتوا كده ليه؟؟
-معلش حاولنا تاني مع الستات اللي في الحجز نخليهم يعترفوا إن حد حرضهم على ضرب نور بس ولا واحدة فيهم راضية تتكلم، واضح إني مدفوع كتير ليهم علشان يسكتوا، هي فين نور؟؟
-اهِه
نطق بها علي مشيرًا إلى ابنته التي تجلس بينه وبين حسن لكنها لم تظهر بسبب جسد عبد الجواد الواقف أمامها، نظر حمزة إلى نور وللحظات كانت عينيه تظهر بها الاشتياق والخوف فهو لم يراها منذ يومين ولكن أخفى هذا سريعًا نظرًا لأن جميع أعمامها موجدين ويحدقون به لذا قال بشكل عفوي :
-عاملة ايه دلوقتي؟؟
واتته الإجابة ساخرة من حسن يحدق به بشرار :
-تعبانة ومكسورة وخايفة زي ما انت شايف، معلش ربنا ما يكتبها عليك وتقعد قعدتها متهم في قضية وداخل لوكيل النيابة بعد شوية
رمقته نور بنظرة مصدومة من هذا الحديث القاسي من وجهة نظرها لتقول :
-هو انت بتعايرني يا حسن؟؟ انت بترش على جروحي ملح بكلامك ده
ربت حسن على كتفها بحنو قائلًا :
-انا بجاوب على سؤاله عملت ايه يعني؟؟
-وهو كلمة الحمد لله وحشة قلبت على البت المواجع قوم
هتف بها علي بحدة فقام الآخر متذمرًا ووقف بجانب أخيه ماهر بينما جلس حمزة على المقعد المقابل لنور تمامًا متحدثًا بجدية شديدة :
-بصي هندخل جوا هتحكي كل حاجة تعرفيها عن سليم وكل اللي عمله في أول مرة وتانية مرة معاكي انتي، مش عايزك تخافي أي سؤال يتوجه ليكي مش عارفة اجابته انا هجاوب مكانك
-طب وبالنسبة للستات اللي ضربوني احكي برضو
تنهد حمزة ثم قال :
-هتحكيه بس للأسف مش معانا دليل إن سعيد عمل كده، مفيش ولا واحدة من الستات اللي عملوا كده فيكي راضية تعترف
تحدث ماهر بنبرة غاضبة قائلًا :
-مش راضين يعترفوا يعني ايه؟ ما تجربوا أي حاجة إن شاء الله تدوهم علقة
واتته الإجابة من يونس هذه المرة بنبرة مستهزئة :
-علقة أشد من اللي خدوها من الستات اللي وزِّيتهم عليهم؟؟ معتقدش، دول أكيد اخدوا فلوس أكتر من اللي اخدوها في الأول علشان يسكتوا وميفتحوش بوقهم بحاجة
نظر إلى رحمة ولؤي وبالتحديد إلى رحمة ليقول :
-بس مش مهم على الأقل عندك شاهدة تشهد معاكي ضد الكلب اللي دخل ده
اقتربت رحمة من حمزة ووقفت بجانبه محدقة في نور بحزن على حالها هذا فقالت الأخرى مبتسمة بسمة حزينة :
-شكلي مش اللي هو صح؟! أكيد بتقولي مين دي؟؟
-هما اللي عملوا فيكي كده؟!
آماءت نور بصمت فقال حمزة وهو يضم أخته بذراعه :
-رحمة عارفة هتقولي ايه جوا صح؟؟
هزت الأخرى رأسها بسرعة بينما قالت نور وهي ترمق رحمة بدهشة :
-كنتي خايفة تقولي لاخواتك وأمك عن اللي عملوا، هتقولي ده دلوقتي قدام حد غريب!؟
وهذه المرة رمقها حمزة بلوم ثم أضاف :
-كنتي غلطانة لما خبيتي حاجة زي كده، انا سألتك تلات مرات ومكنتيش بتقولي الحقيقة، يمكن لو كنتي قولتي وقتها وكنت كسرت عضمه على اللي عملوا لأختي مكنش رفع راسه في واحدة أبدًا
طأطأت نور رأسها أرضًا ربما معه حق لم يكن عليها أن تخفي شيئًا كهذا لكن رحمة أوصتها ألا تفعل وهي لم ترد أن تكسر بخاطرها، ربت والدها عليها مخبرًا إياها أن هذا قدر ومكتوب بينما قال حمزة وهو ينظر إليها بتركيز :
-انا كتبت فيه محضر قبل ما نيجي هنا وزي ما هجيبلك حقك هجيبلك حقها ولؤي هيشهد باللي حصل يومها صح يا لؤي؟؟
آماء لؤي بإيجاب لتنظر إليهم نور بشكر حقيقي وهناك أمل بدأ يشع بداخلها ليضيف حمزة يزيد شعورها بالأمل أكثر :
-ومش بس دول الشهود اللي هيشهدوا، زي ما خلوا الرأي العام يتقلب عليكي بالفيديوهات اللي نزلوها هخليه يجي في صفك لما الطلاب في المدرسة يشهدوا ليكي باللي كنتي بتعمليه معاهم وإنك مش مفترية ولا حاجة
-كنت بعمل ايه؟؟
تساءلت بها نور لا تتذكر شيئًا مما كانت تفعل فقالت رحمة مُذكرة إياها :
-كنتي بتعملي ايه؟ انتي بجد مش فاكرة؟! مش فاكرة تاليا لما جاتلها Period في حصة الرياضة والكل قعد يضحك وانتي حطيتي شال عليها وهزأتيهم كلهم علشان ضحكوا، مش فاكرة تامر أنه كان بيقعد طول فترة الاستراحة في الفصل علشان خايف ينزل الاولاد يتنمروا عليه وانتي جبتيله حقه لا واديتي أدهم درس في الأخلاق وعلمتيه التنمر وحش قد ايه، مش فاكرة رقىٰ لما جاتلك تعيط وقالتلك في واحد اتحرش بيها وانتي جبتلها حقها، مش فاكرة ولا مرة لما كنتي بتدخلي احتياطي وبتعلمينا عن الأخلاق والصلاة والألفاظ والأفعال الغلط المنتشرة في الزمن ده
ابتسم حمزة للسعادة التي تلتمع في عيني نور بوضوح فأكمل هو :
-دول كلهم هيشهدوا معاكي يوم المحاكمة وكمان هيطلعوا لايفات علشان يقولوا اللي كنتي بتعمليه معاهم على السوشيال ميديا
-إزاي دي هتروحوا لدول كلهم أمتى؟؟
ضحك يونس عليها ثم قال :
-ازاي؟ بقى حد يعرف رقية ويقول ازاي ينشر خبر على السوشيال في دقايق، دي رقية من صباح ربنا اخدت البنات وبتنزل لايفات للعيال دي هي وأهاليهم على المواقع كلها مش بس موقع جريدتها، بس مش هتشوفي اللايفات دي دلوقتي لما تدخلي جوا
ابتسمت نور بشدة وودت لو تبكي من الأمل الذي كبر في داخلها، منذ يومين كانت بائسة وفي أشد حالات اليأس والآن اعطوها أمل في أن تخرج براءة، بل وتصبح أمام الناس امرأة طيبة وليست متوحشة متسلطة كما أظهروها :
-ده كله عملتوا في اليومين اللي فاتوا؟؟
وأجابتها رحمة بنبرة ضاحكة إذ قالت :
-ده حمزة منامش بقاله يومين، لا نام ولا خلى حد ينام
حك حمزة خصلات شعره بشئ من الحرج وهو ينظر إلى نور، بينما الأخرى ابتسمت بسمة خجولة وابعدت عينيها عن ناظريه لينتفض كلاهما على صوت حسن والذي هتف بتهكم :
-ومنمتش ليه يا مِتر لازم تنام لأحسن قلة النوم تجيب هلاوس، ولا قدر الله يوم المحاكمة تجيب للبت إعدام بدال ما تطلعها من القضية
وصاح به أخيه حسين وهو ينكزه في جانبه بقوة حتى يصمت عن الصراخ ككلب أجرب داست عليه شاحنة :
-اسكت وحط لسانك في بوقك انت عمال تفول على البت
حمحمت نور لتحاول الوقوف من على المقعد محدثة رحمة إذ قالت :
-رحمة معلش اسنديني ادخل الحمام
سارعت رحمة في مساعدتها لتسير معها نور بخطى بطيئة تبعتها نظرات حمزة القلقة مغلفة باللهفة الواضحة فهمس له يونس بخفوت وتحذير وهو يجلس إلى جانبه :
-شيل عينيك بقى فضحتنا، عمامها كلهم موجودين حتى ابوها تلاقيه اخد باله منك
اخفض حمزة رأسه أرضًا يفرقع أصابعه بينما يرد ليونس بنفس الهمس الخافت :
-مش عارف بجد، وحشاني أوي وخايف عليها رغم إن القضية حلها في جيبي، بقالي يومين مطبق بسببها ومسمعتش صوتها فيهم حتى
نكزه إسماعيل دون أن ينتبه أحد لكن بالطبع الجميع يلاحظ همسهما الغريب هذا :
-طب واقع ماشي بس مش كده يا حمزة اتقل شوية
صمت حمزة ماسحًا على ذقنه النابتة، محدقًا أمامه في نقطة وهمية يراجع جملة إسماعيل في عقله
عن أي ثقلٍ يتحدث وهو سيجن من ثقلها هي، لا تترك له فرصة ليتحدث معها وتتهرب منه دائمًا، أجل يعلم بتدينها وحياءها الشديد لكنه كان يريد منها فرصة للتحدث معها ولكن الأخرى كانت تقول له بتهربها الدائم منه أن لا فرصة للتقرب منها إلا بالحلال
فعل ورفضه والدها، وهو لم يكن ينتوي لها أي شئ سئ بل كان فقط لا يريد التسرع مثل ما فعله مع خطيبته السابقة، كان يريد أن يعلم عنها أكثر، يراها أمامه، يتحدث معها ولكن لم يتلقى من نور في أغلب الوقت إلا الصد
يقول في أغلب الوقت لأنها احيانًا كانت تتبسم له من حين إلى آخر أو تختطف له بعض النظرات، متأكد من أنها تُكِّن شيئًا له كما هو يفعل لكن الفرق بينهما أنها تجاهد في ألا تُظهر هذا وتخفي وتمنع نفسها دائمًا من الوقوف معه أو مبادلته أي حديث
وهو على النقيض تظهر لهفته ومشاعره لها بوضوح خاصةً في الآونة الأخيرة
لاحظ نظرات والدها له فلم يبعد عينيه عنه، لم يراه كثيرًا هذان اليومين بسبب إنشغاله ولأول مرة ينظر له بتركيز فكم كان يشبه نور إلى حد كبير حتى نفس العينين التي تخطفه، الفرق أنه رجل وهى فتاة
عادت نور بعد قليل مع رحمة وجلست إلى جانب والدها كما كانت وقد توعكت معدتها لشدة توترها من الموقف
-نورهان علي صفوان
انتفض جسدها بخفة عندما نادى العسكري باسمها فنظرت بتلقائية ناحية حمزة والذي بدوره استقام من فوق المقعد وقد كان هادئًا عكسها تمامًا، وقف أمامها معيدًا ما قاله عليها بنبرة حانية بشدة :
-متخافيش أبدًا انا معاكي عايزك تقولي كل اللي حصل ماشي
وآماءت له نور مستعدة للدخول إلى النائب وما إن خرج سليم والمحامي الخاص به حتى دلفت هى رفقة حمزة متحاشية النظر إلى سليم فلن تفيد النظرات بشئ، أصابتها الرهبة من الموقف حيث جلست هنا نفس الجلسة لكن في القسم وتوالت عليها الإتهامات دون رحمة بأشياء لم ترتكبها
ازدرقت لعابها بتوتر عندما دفعها حمزة للأمام بخفة فتقدمت وجلست على المقعد الأمامي للمكتب وجلس حمزة في المقعد المقابل، بدأ النائب اسألته إذ هتف بجدية :
-نورهان علي صفوان انتي متهمة بضرب شاب بطريقة وحشية في المدرسة قدام الطلاب والمعلمين وتم تصوريك وانتي بتعملي كده، ما هى أقوالك فيما نُسب إليكِ؟
تنفست نور بهدوء ثم قالت بينما تقبض بكفيها المتعرقين على ملابسها :
-حصل وعملت كده فعلًا علشان سليم أتحرش بيا وانا ضربته فعلًا منكرش، رد فعل طبيعي من أي واحدة اتحرش بيها حد، بس مكنتش أعرف إني بتصور
-كانت ايه علاقتك بسليم؟؟
-مفيش علاقة أصلًا مجرد طالب وانا المُدرسة وسبق وحصل موضوع التحرش ده مع أكتر من طالبة وانا نصحته وحذرته وهو متعظش لدرجة انه اتحرش بيا انا
نظر النائب إلى الكاتب بجانبه حيث كان يسجل كل ما يُقال، ثم عاد ونظر إلى نور وسألها :
-بس سليم أنكر إنه عمل كده
وهذه المرة تحدث حمزة بدلًا عنها قائلًا :
-بس هو حصل فعلًا وفيه شهود على إن سليم متحرش ومش أول مرة يتحرش بواحدة
-مين؟؟
-رحمة عثمان هواري ولؤي محفوظ هواري طلاب في المدرسة اللي كان فيها سليم قبل ما بتنقل المدرسة اللي حصلت فيها الحادثة وهما برا دلوقتي
استدعى النائب العسكري الذي يقف في الخارج طالبًا منه إحضار رحمة ولؤي هذان ليدلفا الاثنين وعندما سألهما النائب عن شهادتهم تحدث لؤي أولًا :
-انا اعرف سليم من لما كنت في تانية إعدادي كان هو لسه منقول جديد مدرستنا وكان أكبر من الكل عنده ١٧ سنة تقريبًا علشان كان بيسقط ويعيد، وبصراحة كانت سمعته مش أحسن حاجة طالب فاشل العيال حواليه علشان فلوس أبوه وكان بيكلم بنات سواءً في المدرسة أو السنتر وانا كنت عارف انه مش تمام بس مشوفتش عليه حاجة عن التحرش غير في يوم كده
أدلى لؤي بما رآه يوم تحرش سليم برحمة فنظر النائب موجهًا حديثه إلى رحمة قائلًا :
-سليم اتحرش بيكي ازاي؟
نظرت رحمة إلى أخيها بقلق والآخر ابتسم مشجعًا إياها رغم أنه يعلم أن ما سيسمعه لن يعجبه أبدًا، ابتعلت الأخرى لعابها بتوتر ثم تحدثت عن ذلك اليوم البشع :
-كنت يومها في حمام المدرسة ولما خرجت منه كان سليم واقف جنب الباب وحط رجله علشان يوقعني وانا اتكعبلت بس هو مسكني قبل ما أقع... مسك دراعي بايد وايده التاني كان... يعني
ارتعش جسدها وادمعت عينيها لتذكرها هذه الذكريات السيئة فقال النائب مراعيًا حالتها :
-خلاص تمام امضوا على أقوالكم وتقدروا تتفضلوا
فعل الاثنين ما قاله وخرجا بينما تنفس حمزة بقوة قابضًا على كفه وكان أشبه بمن يجلس على جمر، ووالله لولا أن أي فعل قد يرتكبه في سليم سيجعل موقف نور سئ لخرج الآن وحطم رأس ذلك الحقير على ما فعله بشقيقته الصغيرة
انتبه للنائب عندنا وجه حديثه إلى نور قائلًا :
-آنسة نور عايز أعرف ايه اللي حصل من سليم بالظبط، انتي بتقولي مش أول مرة يعملها عايزك تتكلمي وتقولي كل مرة عمل ايه؟ وقولتيله ايه؟ ولما تحرش بيكي حصل ايه بالتفصيل
آماءت الأخرى برأسها مستعدة للبوح بالأمر للمرة الثانية بينما في الخارج وعندما خرج لؤي ورحمة استقبلهما محفوظ وعثمان يسألانهما عما حدث بينما سحب عثمان ابنته بعيدًا وجعلها تقف امامه ثم هتف بجدية :
-رحمة انا وامك واخواتك سألناكِ سليم ده عملك ايه ليه مقولتيش الحقيقة وقولتي اتنمر عليا؟؟
طأطأت الأخرى رأسها مجيبة عليه بنبرة خافتة يكسوها الندم :
-كنت خايفة يا بابا
وضع الآخر يده على كتفها متحدثًا بغضب مكتوم :
-كنتي خايفة من ايه؟! واحد حيوان زي ده يتحرش بيكي وإحنا منعرفش؟!
-انا آسفة
زفر عثمان بضيق وهو ينظر إليها بتأنيب ثم عاد وجلس في مكانه في إنتظار خروج نور من الداخل، وأثناء الانتظار ظهرت شروق وعائشة لتقف شروق بسرعة أمامهم ملتقطة أنفاسها وهى تنظر حولها بحثًا عن نور :
-نور فين؟؟
وقف حسين والدها أمامها هاتفًا بتساؤل :
-انتوا اللي جايين منين؟!
رفعت شروق أمامه هاتفها حيث علىٰ فيديو لفتاة تبرئ نور وتتحدث عن كم كانت معلمة جيدة وخلوقة ومحترمة وسط الجميع، ابتسم يونس مفتخرًا بما فعلت شقيقته :
-لا رقية شكلها عملت إنجاز
آماءت عائشة يإيجاب وبالكاد تلتقط أنفاسها بسبب ركضهم :
-عملت إنجاز فعلًا بالجريدة اللي شغالة فيها، اقنعنا كذا واحد وواحدة بالموضوع وناس كتير تعاطفت مع نور بعد الفيديوهات دي والبركة في مس ناهد وهاجر جابوا عنوانين الطلاب من إدارة المدرسة وسبنا رقية وبراءة وهاجر يكملوا وجينا إحنا على هنا
-هى نور دخلت؟؟
تساءلت بها شروق وهى تبحث عن نور بعينيها فقال ياسر وهو يشير إلى مكتب النائب العام :
-دخلت من عشر دقايق وإن شاء الله خير بإذن الله
آماءت عائشة تدعو لأختها في نفسها ثم قالت ببعض الحرج :
-طب انا عايزة ادخل الحمام، فيه حمام هنا؟؟
-في الدور اللي تحت
نطق بها يونس فحملت عائشة نفسها وذهبت وقد لحقت بها شروق كذلك وعندما هبطا إلى الطابق الأرضي ابصرا والد سليم المدعو سعيد غانم يتحدث رفقة رجل آخر فنظرت له عائشة بحنق وودت لو تغرز اظافرها في وجهه لكنها اتقت الشر ولم تفعل
اتجه كلاهما إلى المرحاض تزامنًا مع خروج سليم من مرحاض الرجال وقد اصطدم كتفه بكتف عائشة فقال بإعتذار دون أن ينظر :
-لا مواخذة
وكانت إجابة الأخرى ضائقة حتى أنها لم تتعرف إليه لكونه مخفضًا رأسه :
-يا عم روح هى ناقصاك انت كمان
استدار سليم إليها وقد شعر بغضب من حديثها ليقول بحدة :
-احترمي نفسك ما قولت لا مواخذة اوطي على جزمتك يعني ابوسها
وقفت شروق وعائشة يحدقان به بدهشة لكونه ذلك الفاسد سليم، والآخر لم يتعرف عليهما فهو لا يعلم غير نور ولم يرى أقارب لها سوى المعلمة ناهد، ابتسمت عائشة بشر وهى تضع حقيبتها على جنب :
-لأ قاصد وانا هخليك فعلًا توطي على جذمتي تبوسها
ضحك الآخر بسخرية شديدة ليدفع عائشة في كتفها قائلًا :
-طب بس يا شاطرة العبي بعيد
نظرت عائشة إلى كتفها في موضع دفعته وبكل قوتها دفعته هى بيديها فسقط سليم على ظهره من عنصر المفاجأة ثم هتفت شروق وهى تهم بخلع حذائها :
-احنا نوروك دلوقتي الجذمة وهى بتنزل على راسك يا متحرش يا زبالة
أما بالأعلى خرجت نور مع حمزة وهى مبتسمة بإتساع فقال علي مستبشرًا من بسمتها :
-خير عملتوا ايه؟؟
واجابته الأخرى بسعادة وهى تحتضنه بقوة قائلة :
-اخدت إفراج لحالتي الصحية والأدلة مع حفظ القضية ليوم الأربعاء
-يعني ايه مش فاهم؟؟
وهذه المرة أجابه حمزة مبتسمًا لسعادة نور الواضحة منتظرًا سعادتها الكبرى عندما يبرئها تمامًا مما اتهموها به :
-يعني مش هترجع القسم هترجع معانا ويوم الأربعاء إن شاء الله هتكون المحاكمة
اندهش يونس لهذه السرعة إذ قال :
-ايه السرعة دي؟ يوم الأربعاء بعد يومين؟!
-ايوه طبعًا متنساش إن القضية رأي عام علشان كده لازم تخلص بسرعة وإن شاء الله هتطلع براءة انا مستبشر خير
ختم حديثه ناظرًا إلى نور بتلك النظرات التي تجعلها تخجل وقد جاهدت على كبت ابتسامتها هذه المرة لكون والدها يقف الآن، استمع الجميع إلى أصوات مرتفعة قادمة من الأسفل فقال حسن بقلق :
-هما مش البنات تحت
هبط بسرعة هو واخوته فقال حمزة وهو ينظر إلى إسماعيل :
-بنات مين؟؟
-شروق وعائشة مش عارف فيه ايه اتمنى الموضوع ميكونش له علاقة بيهم
تحركت نور من مكانها عندما سمعت اسم شقيقتها وابنة عمها لتهبط ببطء بسبب جرحها إلى الأسفل وقد لحق بها حمزة وقبل أن تنهي الدرج كانت تقف مذهولة مما ترى
شروق وعائشة يمسكان سليم كل واحدة من جهة، واحدة تعض والأخرى تضرب وسعيد يصرخ في الجميع وهو يحاول إنجاد ابنه من أسفل يديهما
بينما اعمامها يقفون دون تدخل متشفين في سليم، وبصعوبة ابعدوا شروق وعائشة ليصرخ المحامي الخاص بسليم ناظرًا إلى اعمامها قائلًا :
-انا هقدم محضر باللي حصل ده ومش هسكت أبدًا
وبهدوء نظر عبد الجواد إلى ابنتي اخويه قائلًا :
-عملكم ايه؟؟
-اتحرش بينا
نطقا بها في نفسٍ واحد فصرخ سليم مدافعًا عن نفسه :
-والله ما حصل انا معملتش كده
وبنفس صراخه قالت شروق وهى تهبط بحذائها فوق رأسه :
-لا عملت كده يا كداب يا ابن الكدابة هنتبلى عليك يعني
وبدأت المشاجرة مرة أخرى وعلت الأصوات بينما قال حمزة بخفوت لنور :
-واضح إنهم بيتبلوا عليه فعلًا ومعملش كده علشان مستحيل يعملها في المكان ده بالذات وهو لابس في قضية تحرش، بس شكل بنت عمك واختك شافوه فادوه علقة وده مجرد مبرر، شكل عرق الجنان ده في عيلتكم كلها
نظرت إليه نور رافعة حاجبيها وقد ساعد انعكاس الشمس من النوافذ في بروز لون عينيها الخضراء لتقول :
-يعني احنا غلطانين اننا بندافع عن نفسنا؟!
-لأ طبعًا ده انا مبسوط إنه ادوه علقة كنت هموت وادهاله بس يلا سبقوني
ازدرقت نور لعابها بتوتر تريد أن تسأله نفس السؤال الذي سألته له في المشفى عن عدد السنوات التي قد تحكم عليها إن لم تُبرأ من القضية :
-حمزة
-قلبه
وقلبها هى من دق لكلمته لتشيح بوجهها الناحية الأخرى مدعية الغضب رغم ابتسامتها التي تعافر للخروج :
-اهو جينا للكلام اللي ملوش لازمة
-انتي شايفة إن كلامي ومشاعري ملهومش لازمة؟؟
نطق بها معاتبًا بينما عينيه لا تحيد عن عينيها التي رفعتها له لجزء من الثانية ثم اخفضتها مرة أخرى من ثم قالت :
-انا اقصد كلامك معايا بالطريقة دي من غير أي حاجة رسمية بينا حرام
-انا مستني اخلصك من القضية دي وهتقدملك تاني، مستعد والله اتقدملك دلوقتي بس مش وقته
رفعت الأخرى عينيها له بحزن لتقول بنبرة بائسة :
-حمزة اهلي مش هيوافقوا متعلقش نفسك بحبال دايبة وتعلقني معاك، ومتسألش حبال دايبة يعني ايه، يعني حبال هتتقطع في أي لحظة
ابتسم الآخر مردفًا بثقة :
-حبي ليكي مش حبال دايبة يا نور مستعد أعمل اي حاجة علشان تبقي مراتي
قلبت الأخرى عينيها كاتمة بسمتها بكل ما أوتيت من قوة ثم تساءلت :
-هتعرف تطلعني براءة من القضية؟؟
-وإن مطلعتش حبيبتي براءة مين اللي هطلعه؟!
ضربت نور كفها على فخذها مديرة رأسها الناحية الأخرى بعدما فشلت في كبت بسمتها لترتسم بإتساع على ثغرها تزامنًا مع قولها :
-لا إله إلا الله يا ابني حرام ركبتنا ذنوب، انا ماشية
هبطت آخر درجات السلم متجهة إلى اعمامها ووالدها الذين كانوا يشحنون الشجار الذي احتد فنادى حمزة عليها وعندما استدارت إليه هتف بصدق ودون حرج كعادته وكأنه لا يزال غير مدرك أن ما يفعله لا يجوز :
-عينيكي حلوة بتخطف القلب وانا في حضرتهم قلبي خفيف بيتخطف بسهولة، جهزي نفسك ليوم الأربعاء وانا في ضهرك وكوني واثقة في ده
لم تجعله يكمل كلامه واستدارت عاضضة شفتيها بقوة من خجلها، ويلي لولا أن اعمامها منشغلين بالمشاجرة بعد تصريح شروق الكاذب بأن سليم تحرش بهما والأصوات مرتفعة لماتت خجلًا من حديثه
وقفت بجانب ياسر بينما هبط حمزة الدرجات المتبقية متجهًا بخطى واثقة ناحية المحامي الخاص بسليم والذي كان يقسم أنه سيفعل الأفاعيل بسبب ضربهم لسليم، وقف أمامه مباشرةً ناظرًا له بحدة رغم هدوء نبرته :
-اهدى على نفسك يا متر بدال ما انا اطلع للنائب دلوقتي وارفع قضية تحرش زيادة غير اللي هتوصلك من البنات اللي اتحرش بيهم سليم في المدرسة والسنتر، اصل انا مقولتلكش البنات دول كلهم هيشهدوا معانا ضد الزبالة ده فنصيحة مني بلاش تكمل في القضية دي علشان هتخسرها وهتبقى وحشة في تاريخك الطويل علشان انا اقسم بالله وقسم على قسمك لأحبسه
صاح الآخر غاضبًا من تهديده هذا إذ قال :
-سليم قال إنه معملش حاجة وده يبقى افتراء
ضحك الآخر بسخرية ثم قال مشيرًا إلى سليم خلف والده :
-افتراء ايه يا باشا محسسني إنه الشيخ البخاري ده لابس في قضايا تحرش؟! بس وماله قضية بقضية ونطلع سوا نقدمهم في بعض بس معتقدش إن واحد متقدم فيها محاضر تحرش هيتصدق إنه بنتين بيتبلوا عليه إنه اتحرش بيهم
تابعت نور حديثه بإنبهار بذكائه وسرعة تفكيره فبالرغم من أنه يعلم أن شروق وعائشة كاذبتان إلىٰ أنه قلب الأمر على سليم بكل سهولة، يبدو أنه محامي ذكي بشدة ويتعامل مع الأمور بمكر
ابتسمت بسمة متسعة وهى تراقبه عن كثب لأول مرة بل ولأول مرة تنظر إليه علانيةً بإعجاب صريح....
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الثالث وخمسون 53 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
فتحت حاسوبها المحمول تقلب في مواقع التواصل الإجتماعي التي أصبحت أغلبها يجمع صورة ابنها وصورة تلك المعلمة أو ذلك الفيديو الذي تم نشره، ولكن هذه المرة لم يكن الهجوم على نور بل كانت تدور الأسئلة والإتهامات حول سليم
فتحت إحدى الفيدوهات التي حازت على الكثير من المشاهدات، تستمع لما تقوله هذه الفتاة عن القضية التي شغلت الجميع هذه الأيام
"السلام عليكم يا جماعة من كذا يوم ظهر فيديو لمُدرسة بتضرب طالب في اللجنة بطريقة مش عادية، مع إني أشك الشحط اللي في الفيديو ده لسه طالب إعدادي، حصل هجوم مش طبيعي عليها عن إنها متوحشة ومفترية وازاي تعمل كده في طالب، طب ليه محدش سأل هى ليه عملت كده وضربته بالعنف ده؟؟ ولو حد حاول يسمعها بتقول ايه وهى بتضربه هتلاحظوا إن البنت من كتر القهر الكلام مش طالع منها مظبوط، فيه تسريبات عن تحقيق النيابة بيقول إن المُدرسة بتقول إنه اتحرش بيها مع طالب تاني، الله أعلم التاني ده راح فين علشان فص ملح وداب وعلشان كده نزلت ضرب في ده ولو بصينا على المنطق هنلاقي إن ده أقوى سبب، فيه ناس قالت بلاش نفتري عليه هو كمان ده مجرد طالب، لا حضرتك ده مش طالب ده ساقط إعدادي أكتر من مرة وعنده ١٨ سنة، وتاخدوا الكبيرة فيه فيديوهات من مجهول نزلت على السوشيال ميديا من بنات خافية نفسها أو ظاهرة نفسها عادي بيقولوا إن سليم ده اتحرش بيهم، يعني الولد له تاريخ ما شاء الله وكمان انتقل من كذا مدرسة بسبب سقوطه المستمر واخرهم مدرسة محمد رجب في سيدي بشر علشان اتحرش بطالبة، راح ايه بقى رفع الليفل واتحرش بالمس، يعني الضحية هى المُدرسة وده باين عليها من قهرتها وكمان ضربوها في الحجز وكسروا ليها دراعها وضربوها بسكينة في جنبها والبنت قعدت في المستشفى يومين، إحنا بقينا في زمن يخوف بجد، بقينا حتى نخاف من العيال اللي أصغر مننا، انتوا هتروحوا من ربنا فين حسبي الله ونعم الوكيل في أمثالكم وحق البنت دي واللي زيها مش هيروح لا في الدنيا ولا في الآخرة "
أغلقت الحاسوب ورفعت رأسها إلى زوجها وأبنائها فجميعهم كانوا يستمعون مثلها، مسحت هنا على وجنتيها هاتفة بذهول :
-مش عارفة ازاي الموضوع اتقلب كده، المحامي بتاعها ورغم صغر سنه إلىٰ إنه مش سهل عرف في كام يوم بس يقلب الترابيزة علينا ويقلب الرأي العام، أموت وأعرف اقنع البنات إزاي يطلعوا يقولوا عن نفسهم كده
وأتتها الإجابة من عاصم وهو يبتسم بقوة وكأنه يشعر بالسعادة لأنهم سيخسروا القضية :
-المثل بيقول التور لما يقع بتكتر سكاكينه وهما لما شافوا إنه هيتفضح طلعوا وقالوا الواطي ده عمل فيهم ايه
نظر إلى أخيه الصامت ثم قال بنبرة قوية :
-تصدق وتآمن بالله كانت حاجة جوايا تتمنى إنك تطلع من القضية علشان انت اخويا للأسف، بس بعد ما شوفت فيديوهات البنات وعن ازاي اتحرشت بيهم بقيت اتمنى تتحبس بجد يمكن السجن هو اللي يربيك
نظر له الأخرى ناظرة حانقة وملامح وجهه زادت احتقانًا عندما أضافت هنا على كلام شقيقها بنبرة خائبة :
-معاك حق انا مش عارفة ازاي عايشة مع واحد زيه، انا خوفت بجد منك وانت لسه يا دوب ١٨ سنة أومال لما تكبر هتعمل ايه تاني
أكملت والدتهم وعينيها التمعت بدموع الحسرة :
-انا اللي معرفتش أربى علشان يعمل في بنات الناس كده
وهنا ولم يعد يتحمل أي كلمة أخرى منهم لينفجر بهم كقنبلة موقوتة :
-آه انتي فعلًا معرفتيش تربي ولا حتى هو، ما انتوا لو كنتوا اهتميتوا تعرفوا مستوايا الدراسي مكنتش بقيت فاشل، ما انتي لو كنتي جيتي بالليل كل ليلة تشوفيني وتطمني عليا مكنتش بقيت مدمن أفلام إباحية، ما انتوا لو كنتوا اهتميتوا انا بروح فين وبخرج فين مكنتش بقيت كده
وكانت الإجابة على صراخه صفعة هبطت على خده تسببت في دوارن رأسه للناحية الأخرى، ورغم هذا عاد ونظر إلى والده الذي صفعه بملامح محتقنة يسمعه يقول :
-انا مشوفتش بجاحة كده في حياتي، بدال ما تندم على المصايب اللي عملتها ونزلت على دماغنا من وراء راسك نازل لوم علينا وبقينا إحنا الغلطان؟! بس لأ يا سليم مش إحنا اللي غلطانين العيب فيك انت علشان لو بصيت على اخواتك هتلاقي إنك أنت اللي الغلط، ما هما قدامك أهم مفيش أحسن منهم ولا عمرهم جابوا ليا مصيبة من برا
ضحك الآخر بسخرية راددًا بوقاحة متوقعة فماذا تنتظر من متحرش حقير مثله :
-بقيوا هما الملايكة وانا الشيطان صح!؟
دفعه سعيد من أمامه بعنف صارخًا به :
-امشي من قدامي ومتظهرش في وشي خالص وإلا أقسم بالله اكسرلك عضمك وارميك بنفسي في السجن
رحل سليم وصعد إلى غرفته فقالت والدته وهى تحيط برأسها بتعب شديد :
-آه يا سليم روحت خلاص في داهية ومش هنعرف نخرجك منها
-أحسن أهو السجن يربيه ويكسره
نطق بها عاصم بنبرة جامدة فرفعت والدته رأسها له هاتفة بأعين دامعة :
-ده ابني في الآخر يا عاصم، ولو كانت ألعن واحد في الدنيا انا للأسف أمه وهو حتة مني
نظرت إلى زوجها متمسكة في يده برجاء :
-أعمل حاجة يا سعيد انا عارفة إنه غلطان والله ويستاهل بس بلاش يتسجن، انا هربيه من الأول ولو هكسر عضمه بس بالله عليك بلاش سجن مش هيستحمل هناك
وقفت هنا وضمت والدتها إلى أحضانها تشعر بالحزن والشفقة عليها ليقول سعيد بضيق وحيرة وهو يمسح على خصلات شعره التي يكسوها بعض الخصلات البيضاء القليلة :
-القضية كده بقيت في صفهم هما خصوصًا من بعد شهادة البنات دول، آه لو أعرف اوصلهم واخليهم يغيروا كلامهم بس مش هعرف ومعظمهم خافيين نفسهم والصفحات اللي نشروا عليها، مفيش حاجة هتنهي الموضوع غير إن نور دي تلغي القضية وتتنازل
وهنا تحدثت زوجته بسرعة هاتفة بنبرة متلهفة :
-خدني ليها انا هتكلم معاها وهحاول اقنعها إن شاء الله تاخد عشرة مليون جنيه بس تتنازل وابني ميتحبسش وكده كده الرأي العام برأها
صاح بها الآخر بغضب من كل التعقيدات التي يعيشون بها من خلف هذه القضية وهذه المدعوة نور التي ظهرت لهم من اللامكان :
-ما هى رفضت الفلوس اللي عرضتها هنا ومرجعتش، خليت الستات يدوها علقة لحد دلوقتي مفاقتش منها وبرضو مرجعتش، وأدي المحكمة بكرة وعندهم شهود من كل حتة ابنك الوسخ عك فيها واديه أهو هيدخل السجن وسمعتنا هتبقى في الأرض بسببه
-يعني ايه خلاص كده الولد ضاع يا سعيد!؟ لأ اتصرف وخدني ليها وانا هعرف أحلها انا ست زيها وهعرف أقنعها
تنهد الآخر بحيرة يهز رأسه يمينًا ويسارًا لا يدري كيف يقنع الفتاة للتنازل بل هى ليست فتاة واحدة فهناك بلغات كثيرة تقدمت ضد سليم :
-لا جاية بالصعبانية، ولا بالفلوس، ولا بالضرب، يا ترى البنت دي هتيجي بإيه؟!
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
شعرت بإكتفاء من النوم لتفتح عينيها بعدما كانت تتململ دون فائدة، تأوهت بخفة عندما أصاب حرف الوسادة جرحها القابع في جنبها، رفعت طرف منامتها تحدق في الشاش الأبيض الذي يحيط بطنها المسطح والذي يتم التغيير عليه يوميًا ولكن لم تمتلك الجرأة في يوم لتنظر لبشاعة الجرح، يكفي ملامح والدتها الآسية حين نظرت هى له
اعتدلت ببطء على الفراش وهى تتلفت بحثًا عن هاتفها فيبدو أنها نامت كثيرًا وهذا بعد أن ظلوا لساعة متأخرة يشاهدون المنشورات والفيديوهات التي ينزلها الناس على مواقع التواصل الاجتماعي داعمين لها بعد أن ساهمت رقية في نشر اعترافات الطلبة في تعاملها معهم، بل والبعض قد نشر أن ذلك القذر المدعو سليم هو متحرش بالفعل
والأغلب وصفها بالطيبة رغم القوة، بالمرح رغم الشدة، وأنها كانت صديقة قبل أن تكون معلمة رغم كونها كانت تتعامل مع المخطئ بطبع صعب
سارت ببطء نحو الخزانة الصغيرة عندما ابصرت هاتفها على الشاحن متذكرة أن بطاريته نفدت البارحة، مرت من أمام المرآة وقد استدرات إليها بمحل الصدفة وقد أتت بعقلها ذكرى غير حميدة بالمرة للدقائق التي مرت عليها كالجحيم في حجز النساء
اقتربت من المرآة بخطى بطيئة وهى تنزع بندانة من النوع السوري تضعها في العادة على رأسها تخفي بها خصلات شعرها حتى إن كانت بالمنزل، فقد اعتادت على الأمر، نزعت البندانة ببطء وقلبها يقرع بخوف من رؤية حالة شعرها فهى تتذكر أن بعض الخصلات تقطعت بين ايديهن حين ضربوها
فكت جدائلها ترى كم خف شعرها بعد أن انتزعوه من جذوره، ادمعت عيناها بحسرة شديد فقد ظلت لسنوات تعالج شعرها من التلف والتقصف حتى يقضوا عليه في دقائق، تكاد تجزم أنهن قطعن نصف شعرها
فُتح الباب وولجت والدتها تنادي عليها حتى توقظها، وقد توقفت الكلمات في حلقها عندما وجدتها تجلس أمام المرآة كاشفة شعرها، علمت أنها أصبحت على دراية بما حدث لشعرها فأولئك الحقيرات قد قطعن نصف خصلات صغيرتها
اقتربت منها بسرعة عندما وجدتها على شعرة من الانفجار في بكاء مرير، وما إن أصبحت بين أحضانها حتى أخذت نور تبكي بقوة بين أحضان والدتها الحنون والتي أخذت تربت على ظهرها بحنو رغم شعورها بالقهر عليها :
-هيطول تاني متزعليش، عند ربنا يا بتي قادر يجيبلك حقك من كل اللي ظلمك
دلفت براءة حتى تخبر نور أن هناك من ينتظرها في الخارج ولكن عندما وجدت هذا المشهد حتى توقفت قليلًا تحدق في نور الباكية بشفقة، وبعد دقيقتين اقتربت منهما حتى تهدئ الأجواء هاتفة بمزاح :
-ده بدال ما تجيبي للبت فطار يا خالتي قاعدة تبكي معاها
رمشت الأخرى بأهدابها وهى تضم ابنتها أكثر لتقول براءة وهى تسحب نور منها :
-خلاص يا ست هتفطسيها سيبها بقى أغير على الجرح وروحي شوفي حاجة تاكلها
انصاعت صفية لحديث براءة لتميل قليلًا على ابنتها طابعة قبلة دافئة فوق جبينها ثم قالت بحنو بالغ :
-متزعليش يا ماما وتحطي في نفسك قولي يارب
-يارب
همست بها الأخرى دامعة العينين والتي استحلت اللون الأخضر الباهت بعدما كانت عسلية، يحيط حدقتيها الجفون الحمراء، تركتها صفية وخرجت حتى تحضر لها شيئًا تأكله بينما سحبت براءة كيس الأدوية والشاش والقطن ذو اللون الأبيض ثم جلست على الفراش مقابل المقعد الذي تجلس عليه نور مستعدة لتغير الجرح
رفعت نور منامتها وهذه المرة أرادت أن ترى الجرح وكم هو سئ وليتها لم تراه، ليتها استدرات الناحية الأخرى ككل مرة، كانت تظنه جرح صغير لطعنه نافذة لكنه كان أبعد من هذا إذ أن المرأة التي طعنتها اتخذت جسدها كدجاجة على وشك تقطيعها فسارت بالسكين بعد أن غرزته داخل جسده
اهتز جسدها وكأنها تعيش الألم للمرة الثانية لتطلق آهٍ غير متوقعة بالنسبة لبراءة إذ ابعدت يديها بسرعة وظنت أنها أصابت الجرح دون إدراك منها ولكن انفجار نور بالبكاء بعدها جعلتها تدرك أن الألم الذي تمر به الآن في عقلها فقط
وعلى ناحية أخرى خلف الحائط الذي يفصل الغرفة التي يجلسان به عن غرفة حمزة، كان متواجدًا بالغرفة فوق الفراش وفي يده قضية نور يعمل على تفاصيلها بجد
وحين استمع لصرختها تلك ترك الأوراق من يده مطرقًا السمع، وهذه المرة وقف من مكانه فقد استمع لصوت بكائها منذ دقائق ولكن كريم منعه من التحرك تحت بند أنه لا يجوز، ومنعه كريم هذه المرة أيضًا إذ وقف بسرعة عندما وجده يهم بالخروج من الغرفة ثم قال :
-انت يا بني آدم انت رايح فين؟!
وأجابه الآخر عاقدًا الحاجبين وقد صدح بكاء نور على الناحية الأخرى :
-انت مش سامعها من وقت بتبكي وتصرخ أكيد حصلها حاجة انا هسأل عليها بس
ركض كريم ووقف أمام الباب لا يصدق ما يقوله أخيه والذي على الأرجح أصابه جنون يدعى الحب :
-وتروح هناك بصفتك مين؟! هو انت علشان المحامي بتاعها هيبقى ليك الحق تدخل حتى في حياتها الشخصية
جلس حمزة على الفراش متأفئفًا، ضائق الملامح، عاقد الحاجبين فقال كريم :
-حمزة متنساش ابوها قالك ايه إمبارح
-سمعت عن حاجة اسمها غض البصر
نطق بها حمزة وهو يسحب هاتفه يرن على رقم نور، متذكرًا تلك الجملة التي رماها علي له بذكاء وكان الآخر من الفطنة التي يجعله يدرك مقصدها، هو يظنه ينظر إلى ابنته من باب الخبث والنوايا السيئة، ولا يستطيع لومه ولا أيضًا يستطيع التبرير فهل يقول له أنه يحب ابنته، لن يسير الأمر أبدًا على يرام إن قال هذا
أما على الناحية الأخرى كانت هدأت نور قليلًا مستغفرة ربها تارة وتقول حسبي الله تارة، أنهت براءة التغيير على الجرح ثم رفعت بصرها لجرح رأسها ثم أخذت تغير عليه هو أيضًا بينما تقول :
-هاجر برا جات تسأل عليكي
ابتسمت نور بسمة هادئة وسط دموعها التي جفت على وجنتيها :
-طب والله فيها الخير
انتظرت حتى تنتهي براءة ثم تخرج، وأثناء هذا الإنتظار رن هاتف براءة داخل جيبها وعندما أخرجته ظهر اسمه مكتوبًا باللغة الإنجليزية وبجانبه ايموجي بارد وسكين "Youssef🔪🙂"
ضحكت نور ضحكة خفيفة عندما ابصرت الاسم بطرف عينيها لا تصدق عقل ابنة عمها المجنونة، هل هكذا تكتب اسم خطيبها في الهاتف؟ وهل ذلك المسكين يعلم؟!
نقلت براءة بصرها ناحية نور بعد أن اغلقت الهاتف في وجه يوسف فهى ليست متفرغة الآن :
-ايه اللي يضحك؟!
-طب ليه السكينة طيب
ورفعت الأخرى منكبيها ثم أجابت بنبرة غير مبالية :
-عادي ما انا مش بحب القلوب ولا كلام المراهقين دي
-قوم تحطيله سكينة!؟
رن الهاتف مرة أخرى فقالت نور وهى تكمل لصق الشاش الطبي لنفسها أمام المرآة :
-ردي يا اختك ضحكتوني في عز همي
وأجابت الأخرى وهى تبتعد قليلًا ليقول يوسف على الناحية الأخرى متسائلًا :
-انتي كنسلتي ليه؟؟
-كنت بغير على جرح نور
-طب اديها التليفون حمزة عايز يكلمها ومش عارف علشان تليفونها مقفول
-لا والله وبقينا انا وانت مرسال بقى؟! قول لولد عمك يتهد شوية علشان عمي علي اخد باله ومعداش الموضوع على خير
نطقت بها ساخرة وهى تنظر ناحية نور التي انتبهت لما يقال عندما ذكرت اسم والدها، عقدت حاجبيها بتعجب عندما مدت الأخرى لها الهاتف بمعنى تحدثي، وما إن وضعت الهاتف على أذنها حتى استمعت إلى صوت حمزة الجاد وهو يقول :
-نورهان باباكِ قالك حاجة إمبارح بعد ما مشيتوا من عندنا؟!
انغلقا جفون الأخرى بإرهاق تتذكر حديث والدها لها عن حمزة وعن إن كان يتحدث إليها في الفترة التي كانت تجلس بها في بنايتهم :
-سألني عنك وعن إن كنت بتتكلم معايا قبل كده وعن تعاملك عمومًا
-وقولتيله ايه؟!
-هقوله ايه يعني هو انا كنت بتكلم معاك أصلًا
همهم حمزة مفكرًا في أمر جنوني قليلًا ثم قال :
-تمام أدي التليفون لبراءة علشان يوسف عايز يكلمها وبلاش تبكي يا نور عينيكي هتبدل وتتنفخ وانا عايزهم حلوين زي عادتهم
قلبت الأخرى عينيها مبتسمة بشكل غير إرادي فمن تستطيع أن تقاوم مثل هذا الحديث المعسول دون الابتسام، تجاهد حقًا حتى لا يغويها الشيطان أكثر لكن الآخر لا يتوقف عن جنونه هذا :
-سلام يا حمزة وكفايا ذنوب كفايا بقى
أعطت الهاتف لبراءة دون الإستماع لإجابته ثم ارتدت خمار الصلاة فوق منامتها حتى تقابل هاجر تلك الفتاة الطيبة اللطيفة والتي سقيت من مُر الحياة كؤوسًا، تشفق عليها حقًا ربما أكثر من شفقتها على نفسها
ابتسمت بهدوء عندما وقفت هاجر حتى تصافحها ولكن نور عانقتها بذراع واحد نظرًا لأن الآخر مكسور، شاكرة إياها بإمتنان حقيقي :
-شكرًا يا هاجر على وقوفك جنبي بجد سواءً دلوقتي أو قبل كده لما سخنت واخدتيني المستشفى
ربتت هاجر على ظهرها بخفة ثم أردفت بنبرة صادقة :
-انتي تستاهلي الخير يا نور بس الدنيا مش بتضحك لكل الناس وانا أكتر واحدة حاسة بيكي وبالظلم اللي عشتيه
ابتعدت عنها قليلًا ثم استرسلت بمزاح :
-يا ستي احمدي ربك إنك كنتي في قسم عادي انا كنت في أمن الدولة انتي فاهمة يعني ايه أمن دولة؟!
ضحكت الأخرى بشئ من السخرية، فذلك القسم الذي تتحدث عنه قضت به دقائق من العذاب حتى تمنت وهى تتلوي بين أيديهن أن يقبض الخالق روحها عسى كانت ترتاح من ذلك الألم الذي كان يجتاح كل خلية بها
فهمت هاجر هذه النظرات لتجلس على الاريكة متذكرة ما مرت به والذي لم تفصح من قبل عنه لها :
-صدقيني يا نور الظلم اللي انتي شوفتيه ميجيش حاجة من اللي انا شوفته هناك، مش بيقولك اللي يسمع بلاوي الناس تهون عليه بلوته
-طب احكي ادينا فاضيين
-مش عايزة انكد عليكي يا حبيبتي بلاش احكي
أصرت نور على أن تسمعها ليس لروي فضولها أو ما شابه فهى ليست بفضولية، وإنما لا تريد أن تجلس لبقية اليوم تفكر فيما سيحدث غدًا يوم المحاكمة :
-لا قولي اهو زي ما قولتي يمكن لما اسمع بلوتك تهون عليا بلوتي
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
كان يجلس بهدوء وراحة أعصاب على أريكة منزلهم يستمع لصياح والديه على الخطوة المتسرعة التي ارتكبها منذ ما يقارب النصف ساعة، وعندما سئم من لومهم عليه قال بضيق :
-هو انا روحت عملت حاجة حرام لا سمح الله كل ده علشان روحت اتقدمت للبنت اللي عايز أتجوزها
جذبه والده من خصلاته بعنف قائلًا :
-وانت يعني شايف ده الوقت مناسب؟! البنت متدغدة وأهلها هيموتوا من القلق عليها بسبب القضية اللي لبساها دي تروح انت تقوله انا عايز اتجوز بنتك، انت عقلك حصله ايه؟؟
ذم حمزة شفتيه لا يرى أنه أخطأ في شئ إذ قال مصححًا له ما حدث وهو يبعد يده عن خصلاته بعدما أفسدها :
-انا مقولتش خبط لزق عايز اتجوز بنتك انا روحت كده شرحتله بعض التفاصيل في القضية علشان يطمن أكتر وقولتله يا عم علي بعد القضية ما تخلص بإذن الله طالب القرب منك في بنتك، فيها حاجة دي؟!
طالعه والديه بتشنج بينما ضحك كريم على البساطة التي يتحدث بها قائلًا :
-طب يا اخويا فرضًا الراجل تقبل الهبل اللي عملته هل بقى هيوافق!؟
وأجابه الآخر بذكاء غير معهود لهم فلم يتعامل معهم حمزة بشخصية المحامي من قبل :
-لأ هو متقبلوش قالي الكلام ده مش وقته وانت شايف، بس انا حبيت أقوله علشان لما أخرج بنته من القضية هتقدم تاني وأفكره ووقتها عمامها كلهم هيبقوا موجودين وانت وعمامي برضو، الراجل مش هيبقى عنده فرصة يرفض هيتكسف من وجود الكل ولو رفض هيبقى العيب عليه علشان انا اللي مخرج بنته من القضية وطالب بنته في الحلال الكل هيقف معايا انا ووقتها هيوافق
حدق به الجميع مذهولين من الشخصية الخبيثة التي يرونها لأول مرة من حمزة ففي العادة هو معهم شخص مازح يحب المقالب والشعر والهدوء والاستفزاز أحيانًا، ولكن الخبث والمكر اللذان يلتمعان في عينيه الآن لم يمر عليهم من قبل
وقف حمزة من مكانه وقد عدل خصلات شعره بأصابعه بعدما افسدها والده :
-طبعًا يا بابا هتقف مع ابنك في اليوم ده، نورهان ١٠٠٪ بعد القضية دي ما تخلص هتسافر الصعيد بدون رجعة وانا عايز اللي يربطني بيها بشكل رسمي، إن شاء الله تكون قراية فاتحة بس اضمن بيها إنها هتبقى ليا
ختم حديثه وعاد إلى غرفته وقد فتح تطبيق الواتساب وبعث رسالة لنور مضمونها
"علشان متقوليش الحبال بينا دايبة انا اتقدمت لأبوكي مرة تانية وهتقدم تالت ورابع وهيفضل فيا نفس لحد ما يوافق"
كاد أن يخرج من التطبيق ولكن لاحظ رسالة من رقم غريب جعلت البسمة من على وجهه تختفي ببطء مع كل كلمة يقرأها
"خلي بالك من موكلتك علشان سعيد غانم مش هيسيبها تحبس ابنه هيعمل المستحيل علشان تتنازل يا بالفلوس يا بالغصب "
نبض قلبه بقلق فهل هذه رسالة تهديد أم تحذير، فتح تطبيق آخر حتى يبحث عن صاحب الرقم ولكن لم يصل لأي نتيجة وهذا ما زاد قلقه
فُتح الباب جاذبًا انتباهه وقد كانت والدته فقال محاولًا أن يجعل نبرته هادئة ولكن عقله كان مشغول بالرسالة :
-اتفضلي يا ماما
وقفت ناهد أمام الباب ولم تدخل بل قالت بجدية يكسوها الحزن على ابنها :
-بص يا ابني النصيب غلاب ويا عالم هى نصيبك ولا لأ، متعلقش نفسك بيها، أبوها وأمها ممكن يرفضوا مرة تانية حتى بعد اللي هتعمله علشان مفيش حاجة تجبرهم يجوزوا بنتهم لواحد هما رافضينه
ختمت حديثها وهى تشعر بالأسى على ابنها إن كسر خاطره للمرة الثانية فابتسم حمزة ناطقًا بجملة واحدة وبنبرة حاول صبغها بالهدوء وعدم إظهار ضيقه :
-هيوافق إن شاء الله، معلش بقى هستأذنك تتطلعي علشان أغير هدومي
ختم حديثه خالعًا عنه سترته حتى تخرج وتغلق الباب وقد فعلت ناهد هذا بالفعل، وما إن أغلقت الباب حتى انقلبت ملامحه من فكرة رفض علي له للمرة الثانية، هو يريد نور وبقوة وإن كان يريدها حين تقدم لها في المرة الأولى قيراط فهو يريدها الآن أربعة وعشرين قيراط
لا يعلم لما الجميع يقول أنها ليست نصيبه وأن ينسى أمرها حتى نور نفسها، لما يشعر أنه يحارب في معركة بمفرده، لما هو صعب أن تتزوج من فتاة تحبها لأنها فقط من محافظة بعيدة عن التي تعيش بها...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
حلت الظهيرة ورغم هذا لا تزال الأجواء غائمة بشدة وكأنهم في الفجر، وهكذا هى مدينة الإسكندرية في شهر يناير وهذا بالإضافة إلى البرد القارس الذي يجعل الوجوه تقشعر من شدة البرودة
أخذت تبحث عن المعطف الخاص بنور فهما قد هبطا للأسفل قليلًا بعيدًا عن الأجواء المكتومة في الشقة، وهذا بعد أن اقترحت عليها هذا الأمر لكي تبتعد عن التفكير الزائد وتنشغل في رؤية البشر قليلًا، فمنذ ذلك الحادث ونور لا تخرج أبدًا من المنزل، بل لم تخرج إلا يوم تحقيق النيابة
ظهرت شقيقتها أمامها من اللامكان هاتفة بتساؤل :
-بتدوري على ايه؟!
-بدور على الجاكيت الكحلي التقيل بتاع نور علشان اللي لبساه خفيف قوي ومخليها بردانة
نظرت شروق حولها تبحث عن نور فهى غير موجودة في الشقة من الأساس :
-وهى فين نور أصلًا؟!
وأجابتها الأخرى وقد وجدت أخيرًا المعطف :
-تحت، ما انا وهى كنا قاعدين تحت بس لقيتها بردانة قوي وقالتلي أطلع اجيبلها الجاكيت الكحلي
-طب انا هنزل معاكم ثواني هلبس
لم تعترض براءة وظلت تنتظرها قليلًا وهى جالسة في البهو مع عائشة وخالتها صفية وعمتها أسماء فالنساء جالسات هنا بينما أعمامها في منزل محفوظ
علت الطرقات على الباب وقد كانت قوية فتحركت عائشة لتفتحه وهى تجذب زنط بجامتها وهذا بعد أن رأت من العين السحرية الملتصقة في الباب أن الطارق هو والدها وعمها عبد الجواد
فتحت الباب وقبل أن تلقي التحية عليهم تحدث والدها بصوت جاد أشعرها بالقلق والخوف معًا :
-انتي اتحبستي في الكلية الليل كله ولما رجعتي البلد قولتي للكل إنك بس وقعتي من على السلم؟!
استدارت عائشة نحو عمتها ووالدتها ليكمل عمها حسين وهو يدلف إلى الداخل مشيرًا إلى شقيقته بغضب :
-شروق كانت هتتقتل مرتين هنا يا أسماء ومحدش يقولي؟! وانا أقول البت فيها ايه مش طبيعية ليه؟؟
خرجت شروق بعد أن إنتهت من إرتداء ملابسها على أصوات مرتفعة في الخارج لتجد الأجواء محتدة خاصةً بين عمها عبد الجواد وعمتها أسماء وزوجها محفوظ، بل ويذكرون كل الكوارث التي حدثت هنا في الإسكندرية وقد أخفوها عنهم
أشارت لها براءة في الخفاء بأن ترحل وتهبط إلى نور فلم تكن تريدها أن تتأثر بحديثهم خاصةً وأنها لم تتعدى مرحلة الصدمة حتى الآن ولا تزال في حالة النكران تلك
ونفذت شروق هذا جاذبة معطف نور ثم خرجت من باب الشقة المفتوح هابطة للأسفل ومعها هاتف شقيقتها فهاتفها قد حطمه كاظم لعنه الله في قبره الآن
أما في الأسفل كانت نور تجلس على الكورنيش وسط الأجواء القارسة والهواء يصطدم بها من اليمين واليسار، غطت أناملها الظاهر من الجبيرة بشالها بعدما شعرت أن أصابعها قد تجمدت لتتنهد بقوة مطلقة بخار ساخن من بين شفتيها في هذه الأجواء الباردة
رغم أن الساعة الآن الواحدة ظهرًا إلىٰ أن الأجواء وكأنها فجرية فاليوم شديد البرودة على عكس البارحة، كانت تحدق في المارة متخفية أسفل قبعة بلسان طويل حتى لا يظل الجميع ينظر إليها فيكفي نظرات الجميع لها حين خرجت من المستشفى
نظرت إلى هاتفها حيث كان ينعكس وجهها المكدوم به، فلا تزال آثار الضرب ظاهرة على وجهها رغم أنها بدأت بالتحسن، كادت أن تتصل على براءة حتى تعلم لما تأخرت هكذا وعوضًا عن هذا أطلقت شهقة فزعة عندما رفع أحدهم القبعة من على رأسها ليقول من فعل هذا متعجبًا من فزعها المبالغ به :
-علفكرة انا لاحظت إن قلبك خفيف أوي وبتتخضي بسرعة
جذبت الأخرى منه قبعتها ساببة إياه فلا يزال قلبها يقرع من شدة الفزع :
-روح يا شيخ منك لله قلبي وقف
-سلامة قلبك يا
منعته بسرعة من أن يستكمل كلامه، فبالبطلع سيتغزل بها، ولن يكون حمزة إن لم يستغل كل فرصة حتى يغازلها :
-عارف لو كملتها وقولت حاجة من كلامك انا هرميك في البحر اللي ورايا ده، مش معقول كده يا حمزة حرام والله اللي بتعمله ده
جلس حمزة إلى جوارها فتنحت الأخرى بعيدًا عنه بمسافة كبيرة بينما قال الآخر بملامح متغنضة :
-هو كل حاجة حرام حرام انا لا لمستك ولا قربت منك فين الحرام في اللي بعمله؟؟
نظرت له الأخرى بدهشة مما يقول هاتفة بتوجس :
-يعني انت شايف إن معاكستك ليا في الرايحة والجاي مش حرام؟!
-لأ علشان انا عمري ما قولتلك حاجة غلط أو خارجة، ده كله شعر زي لما قولتي صباح الخير قولتلك صباح الخير والخير حضر مع طلتكِ يا جميلة، بقولك عيونك حلوة بتخطف قلبي، فيها حاجة دي؟!
زاد ذهولها منه متمتمة بدهشة :
-لا ده انت على الله حكايتك خالص
اعتدلت في جلستها فيبدو أن حمزة لا يعلم الكثير عن دينه لذا لا يرى أن ما يقوله لا يجوز :
-بغض النظر عن إن قعدتنا دي غلط وشبهة بس انا هتكلم معاكي واكسب فيك ثواب، حمزة هو انت ايه تفكيرك عن الحدود اللي المفروض تبقى بين الراجل والست؟؟
همهم الآخر وهو ينظر أمامه لا إليها ثم قال :
-ملمسهاش، مقربش منها واتعدى المساحة الشخصية، اتعامل معاها بشكل رسمي
-حلو انت بقى بتتعامل مع كل البنات بشكل رسمي ولا رايح جاي تعاكسهم زي ما بتعمل معايا؟! ده مصيبة لو بتتعامل مع كل البنات كده، حقيقي هغير نظرتي ليك يا حمزة أصل انا عمري ما اقتنعت بفكرة الراجل بيتغير بعد الجواز، ما هو طالما كان رمرام بتاع ستات قبل الجواز مش هيتغير بعده
نظر لها الآخر مصدومًا من حديثها الأخير فصاح بها قائلًا :
-رمرام وبتاع ستات؟! ليه شوفيني مرة ماشي مع واحدة ولا ليل ونهار بكلم بنات، انا عمري ما تخطيت حدودي مع واحدة، آه اعترف جرئ وصريح ومعاكي بالذات بس بالكلام، وعمري ما قولتلك حاجة خادشة للحياء، ولو انا بجد يا نور بتاع بنات كنت لفيت عليكي بكلامي من غير ما اخد خطوة رسمية، انا كلامي زاد معاكي لما تقدمت لأبوكي بشكل رسمي علشان كنت فاكر إن كلها أيام وهنبقى مخطوبين بس هو رفضني
تنفست الأخرى بعمق مستشعرة الحزن في آخر حديثه، ورغم هذا عادت لموضوعهم الأول :
-طب إحنا حتى لو كنا مخطوبين فيه حدود المفروض تكون عارفها، مينفعش يقعدوا في مكان لوحدهم بدون محرم، مينفعش يغازلوا بعض، كلمة حبيبي وقلبي وروحي وعمري ده كله ميتقالش غير لمراتك، ونفس الموضوع عند البنات متقولهاش غير لجوزها علشان غير كده حرام ومينفعش علشان لو قدر الله الموضوع مكملش ميبقوش اتعلقوا ببعض، علشان كده ربنا حرم العلاقة بين الولد والبنت من غير رابط رسمي وعقد شرعي، الكلام خارج الحدود حرام، النظرة حرام علشان ربنا أمرنا بغض البصر، اللمسة لا تجوز الرسول قال ليطعن أحدكم في رأسه بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له، علشان كده انا بصدك طول الوقت وبصد كلامك علشان عارفة نهاية ده ايه، مش عايزة قلبي يتكسر يا ابن الناس، لو انتي قلبك هاين عليك انا قلبي مش هاين عليا
نظر لها حمزة بعمق وتقابلت أعينهم في نظرة طويلة قاطعها هو عندما قال بإصرار :
-انا في كل مرة بشوفك وبتعامل معاكي وبسمعك ببقى مُصر أكتر إنك تبقى ليا ومش هسيبك غير لما تبقى مراتي علشان لو ضيعتك من بين ايديا هندم ندم عمري إن ضيعت بنت زيك
حاولت كبت بسمتها لكن لم تفلح فوضعت كفها السليم على وجهها حتى لا يراها ولكنه شعر بها تبتسم لذا أخفت وجهها عنه وسرعان ما نزعت كفها ونظرت له بقوة واهية ومرة أخرى صدته بكلامه المعسول الذي نجح في رفع نبضات قلبها :
-قولتلك الحبال بينا دايبة يا حمزة
-ليه هو انتي متعرفيش من ابوكي إن اتقدمتلك تاني النهاردة الصبح؟!
نطق بها بثقة شديدة فانفجر ثغر الأخرى واتسعت عينيها بذهول مرددة بأول جملة خطرت على بالها :
-يخربيتك
ولا ينكر أنه تفاجأ بل شعر بصدمة افقدته النطق للحظات ثم قال :
-يخربيتي؟! ده أغرب رد فعل شوفته لواحدة عرفت إن في عريس اتقدم ليها
عضت الأخرى على باطن شفتها من الداخل ومرة أخرى نطقت بما في خلدها :
-انت مش طبيعي يا حمزة ولا بتتهد، ابويا وأمي موافقوش في المرة الأولى هيوافقوا في التانية مثلًا؟!طب استنى اعدي المرحلة دي الأول واخدة خبط لزق
وأجابها الآخر بثقة أشد من ذي قبل :
-في المرة الأولى مكنوش يعرفوني معرفة شخصية يا دوب معرفتهم هو إني ابن عثمان هواري، أكيد لما يعرفوني أكتر ويعرفوا المحامي اللي هيخرج بنتهم من القضية هيغيروا رأيهم، ده حتى والدتك دعت ليا كتير لما شرحتلهم إن القضية بقيت في صفنا، وده شئ مبشر بصراحة
ضحكت الأخرى على ثقته العالية هذه، فنصف ثقته وتحتل العالم :
-طب علفكرة بقى لو أي محامي مكانك كانت برضو هتدعيله، ثم رفضهم يا حمزة مش علشانك انت شخصيًا علشان انت عايش في إسكندرية وانا عايشة في الصعيد
-بس دي أنانية منهم، عايزين يربطوكي جنبهم وخلاص من غير ما يهتموا انتي مبسوطة ولا لأ، ما يمكن لو اتجوزتي جنبهم متبقيش مبسوطة في حياتك وتعيشي في نار، هما عايزين راحتهم هما مش راحتك انتي
وانقلبت ملامحها بشدة لحديثه عن والديها بهذه الطريقة لتقف من مكانها محدقة به في قوة لم يعهدها عليها من قبل :
-إياك تتكلم عن أهلي كده أبدًا علشان متنزلش من نظري، أهلي ثم أهلي ثم أهلي اللي مليش حد غيرهم ومش بحب حد قدهم، ولو قالوا مش هنجوزوكِ وتقعدي تخدمينا يبقى يتقطع لساني لو قولتهم لأ، وانا عارفة إنهم عمرهم ما هيعملوا حاجة زي كده علشان مش هلاقي في حياتي كلها حد يخاف عليا ويتمنى ليا الفرحة أكتر منهم، وانا عمري ما هوافق على راجل هما مش موافقين عليه ومش راضين على جوازي منه ولو حتى كنت بموت في التراب اللي ماشي عليه
فهم حمزة مقدار الخطأ الذي ارتكبه فوقف سريعًا مصححًا لها ما قاله :
-انا آسف مش قصدي والله أقول كلام يضايقك عن أهلك، انا بس مضايق إنهم رفضوني لسبب انا مش مقتنع به
لم تقل قوة نظراتها إليه ولا قوة نبرتها عندما أكملت :
-انا ابويا وأمي مش أنانيين هما بس ربنا مأردش إنهم يخلفوا أولاد أو يخلفوا أكتر من بنتين، ومعروفة البنت لبيت جوزها يعني هيجي يوم ويبقوا لوحدهم بس وقتها هيبقوا كبار في السن محتاجين حد يخدمهم ويسأل عليهم ويبص عليهم، عرفت ليه ابويا وأمي رفضوك؟؟
ادمعت عينيها رغمًا عنها، فقد استطاع حمزة وبكل أسف أن يعلقها به لتصبح أمام كفتين، هو وأهلها، وفي هذه المقارنة لن تختار شخص تعرفت عليه منذ ثلاثة أشهر وتترك عائلتها التي عاشت عمرها بأكمله في كنفها
استدارت وتقدمت عدة خطوات للأمام حتى تذهب فسبقها حمزة ووقف أمامها يمنعها من التقدم بعدما أخذت موقف منه، ولكن بتقدمه هذا أصبح على الطريق السريع لتطلق إحدى السيارات زامور قوي افزعهما، لذا وبرد فعل طبيعي من جسدها تمسكت في ذراعه وجذبته للخلف بكل قوتها
وحمدًا لله مرت السيارة دون إصابته ولكن هى من أطلقت تأوهًا مرتفعًا عندما اشتد عليها جرحها من حركتها العنيفة هذه
جذبها بخفة للخلف وجعلها تجلس كما كانت محاولًا أن يرى إن كانت بخير أم لا، ولكنها لم تكن تسمح له بفعل شئ ولا حتى بالإقتراب، إذ كانت تحيط جانبها بذراعها السليم وهى تميل للأمام قليلًا وتأن بخفوت :
-نورهان انتي كويسة؟؟ طب تعالي ندخل العمارة بنت عمك أكيد فوق تشوف الجرح، ردي عليا
ختم حديثه وهو يجلس على ركبتيه أمامها غير مبالي بإتساخ ملابسه، فرفعت الأخرى رأسها له تبعد يده عنها بسرعة ففوق أنها لا تدع رجلًا يلمسها أصبحت تنتفض إن لمسها رجل أو فتى عن طريق الخطأ، ذلك الحقير المدعو سليم ترك لها عقدة
-انتي كويسة؟!
نطق بها حمزة وهو يرفع يديه بعيدًا عنها فآماءت برأسها بعدما خف الألم قليلًا، انتصب جسدها مرة أخرى لتتسع عينيها بصدمة وخوف عندما أبصرت حسن قادم من بعيد بخطوات واسعة وخلفه كانت تهرول شروق
نظر حمزة في الإتجاه الذي تنظر إليه ليرى عمها الأصغر المدعو حسن قادم والذي بالمناسبة لا يطيقه البتة، اعتدل وانتصب كما كان ثم وقف أمام نور التي كانت خائفة بشدة من رد فعل حسن، وها هو يقوم بما قلقت منه إذ دفع حمزة بعيدًا عنها ثم قال بغضب مكتوم :
-انت كده جبت أخرك معايا، طب خاف على شكلها قدام الناس دي!! خاف تجيبلها شبهة؟!
لا تدري لما لسانها انعقد ولم تستطع أن تبرر ما الذي حدث فنظرت إلى شروق كي تتحدث هى، وقد فعلت الأخرى إذ تركت المعطف لها وحاولت جذب حسن قائلة :
-حسن متفرجش علينا الناس تلاقيها كانت تعبانة وهو كان بيحاول يشوف فيها ايه، صـــح؟!
نطقت بآخر كلمة وهى توجه حديثها إلى نور التي هزت رأسها بسرعة عندما نظر إليها حسن بتلك الملامح المشتعلة، تعلم لما كل هذا الغضب وهو محق به، خاصةً أن حمزة بالفعل كان قريب منها بشدة وهما في وسط الشارع، والناس ما كانت لتفهم أنه يحاول مساعدتها :
-العربية كانت هتخبطه فأنا شديته لوراء، الشَدة دي خلت الجرح يقوم عليا فقعدت ماسكة جنبي من الوجع وهو كان بيقولي اطلع عند براءة علشان تشوفني، والله يا حسن هو ده اللي حصل
تمسكت بجانبها مرة أخرى فساعدتها شروق على الجلوس كما كانت، بينما نظر حسن نحو حمزة ولا تزال نظراته تحمل الحدة :
-بص يا ابن الناس انا راجل زيك وفاهم بصتك ليها من أول يوم شوفتك فيه لما الشقة اتحرقت بالغلط من براءة المسطولة، وكنت ناوي اهزقك في مرة علشان حسيتك من النوع اللي بيحب يلف ويدور على البنات ودي بنت اخويا واختي الصغيرة، ولما عرفت إنك اتقدمت ليها سكت وقولت ده يبقى عايزها في الحلال مش بتاع لف ودوران، بس خلي بالك من نظرات الناس وهى مش مرتك ولا حلالك، خاف على شكلها حتى لو غرضك شريف انتوا هنا في بلد واسعة وأغلب الناس مش واخدة بالها من حركات الناس التانية، بس لو انت في بلدنا الصغيرة اللي الناس فيها تحب اللت والعجن خاصةً على بنات الناس كان زمانك جايبلها مصيبة، علشان كده في مثل بيقول سمعة البنت زي عود الكبريت لو ولع مش هيرجع زي الأول ده هيبقى رماد
تنهد حمزة وهو يمسح وجهه بتعب ثم نظر إلى نور بنظرة خاطفة والآن فقط علم أن طريقته معها كانت خاطئة، لم يظن أنه هكذا قد يأذيها وفوق هذا يرتكب ذنوبًا كما قالت، كان يظن أن هذا هو الحب الذي لطالما كتب عنه وقرأ عنه
ولكن في الواقع الحب ليس في كلمات غزلية معسولة أو حتى في قصائد شعرية، فأغلب الشباب يصطادون الفتيات بإقاعهن في عشق كلماتهم
الحب يكون أفعال وخوف حقيقي على من تحب، خوف على سمعته، على تعبه، على فشله، خوف من فراقه، الخوف على من تحب هو أولى علامات الحب الصادق
ابتسم معتذرًا عن خطأه هذا لحسن ولنور نفسها فالآن فقط فهم ما كانت تعنيه :
-انا آسف إني معملتش حساب ده، غباء أو تهور أو طيش شباب، انا آسف يا نور
آماءت له الأخرى بهدوء سعيدة بداخلها لأنه فهم أخيرًا أن ما يفعله كان خطأ ولا يجوز، نظر حمزة إلى حسن ثم أضاف بجدية يشرح له الموقف أكثر حتى لا يتشاجر مع نور لاحقًا :
-هى كانت قاعدة واحدة انا اللي جيت قعدت معاها، حتى هى أصلًا كانت هتسيبني وتمشي
عقد حسن ذراعيه أمام صدره وكلامه هذا استفزه إذ قال :
-وجيت قعدت معاها ليه طالما هى قاعدة وحدها، اديني سبب مقنع بقى
جذبه حمزة بعيدًا عن نور عدة خطوات ثم فتح أمامه هاتفه على الرسالة الذي بعثها ذلك الرقم المجهول ثم قال :
-انا مش عارف دي رسالة تهديد ولا تحذير بس في كلتا الحالتين انا شوفتها من البلكونة قاعدة وحدها فخوفت حد يعملها حاجة أو حتى يخطفها، انا مش ضامن الناس دول ممكن يعملوا أي حاجة علشان يخلوها تتنازل ويطلعوا سليم براءة
نظر حسن نحو ابنة أخيه بقلق فقال حمزة بخفوت وهو يجذب ذراعه بخفة :
-متقولهاش علشان متخافش وهى متوترة وخايفة لوحدها من يوم المحكمة بكرة
مسح الآخر على ذقنه الكثيفة ثم قال بهدوء اصطنعه جيدًا وهو يتجه نحوها هى وشروق :
-يلا يا نور نطلع الجو برد قوي هنا
هزت الأخرى رأسها بنفي فهى هبطت رغم برودة الأجواء لأنها تشعر بالاختناق لشدة التفكير في يوم غد :
-لا يا حسن عايزة أقعد شوية في الهواء انا اتخنقت من القعدة فوق
-مفيش قعدة هنا بقولك الجو برد تلج وانتي أصلًا تعبانة يلا قدامي
نظرت نور إلى شروق تطلب منها التدخل فقالت الأخرى متذكرة ما يدور في الشقة الآن :
-أصلًا مينفعش تطلع وفي خناقة دابة فوق، يعني هتزيد الضغط اللي عليها وانت عارف أخواتك لما يتعصبوا بيقولوا كلام بيزعل ولا يطاق، ده براءة هربتني لتحت علشان مش ناقصة غم وكفاية الغم اللي عندي انا والغلبانة دي
عقدت نور حاجبيها لا تفهم عن أي مشاجرة تتحدث فقالت :
-وعمامي بيتعاركوا ليه فوق؟!
ابتسم لها حسن ساخرًا ثم أجاب :
-ما هما عرفوا بالبلاوي اللي حصلت هنا وخبتوها عليهم وماسكين أسماء ومحفوظ وياسر وواخدينهم غسيل ومكوة علشان هما اللي خبوا وانا الحمد لله خدت البت دي ونفدنا
-ولسه عايز تطلعلهم يا حسن وتاخدنا معاك!؟
نطقت بها شروق بنفس النبرة الساخرة ليأتي الرد من نور مقترحة مكان ليذهبوا إليه :
-في كافية حلو قريب من هنا بعدي عليه وانا رايحة المدرسة، نروحوا هناك نشربوا حاجة سخنة ونص ساعة كده ولا ساعة ونرجعوا يكونوا هديوا
انقلبت ملامح حسن بإستنكار قائلًا :
-انتي عايزانا ندخلوا كافية في ميامي كوباية الشاي فيه تلاقيها بسبعين جينه؟!
كتم حمزة ضحكة كادت أن تنفلت منه فقالت شروق وهى تنظر إلى حسن بملامح حانقة :
-روح يا حسن ضحكت الراجل علينا، ودلوقتي يقول علينا بُخلة ومعفنين
-يعني هو هيهمه كوباية الشاي بسبعين ولا بمية؟! ده معاهم عمارة كاملة في ميامي
ذُهل حمزة مما قال وقد أفرغ فاهه من الذهول فقالت نور وهى تقف من مكانها ببطء وحذر :
-غور يا عم بقى فضحتنا هيقولوا بُخلة ومعفنين وبيحسدوا
لحقت شروق بنور وهى تسحب المعطف قائلة بإشمئزاز :
-روح يا حسن لأخواتك فوق ياخدوك غسيل ومكوة معاهم انا هتمشي شوية مع الغلبانة دي
قلب حسن عينيه بضيق ولحق بهم حتى لا يصيبهما مكروه ونور بالذات :
-خلاص تعالوا نروحوا بس بلاش كافية غالي ده غلط علي صحتي
جلس حمزة على الكورنيش مكان جلوس نور متابعًا اختفائهم يشعر أن نور تبتعد عنه فكلما حاول الاقتراب هو خطوة تبتعد هى ثلاثة، وليست هى من تقرر الإبتعاد بيديها بل والديها اللذان يرفضانه لمشكلة أنه من محافظة بعيدة عن مسكنهم
أغمض عينيه بتعب وهو يبعثر خصلاته على الغير العادة، ولا يفعل هذه الحركة إلا حينما يكون الضغط عليه شديد وقد بدأ يفيض عن قوة تحمله، لا يدري ما الحل ليقبل والديها أن يتزوج من ابنتهم، والعجيب أنه كلما شعر أنها بعيدة شعر بإصرار على أن تصبح زوجته
شعر بخطوات تقترب منه ويد ربتت على كتفه ثم صدح بعدها صوت لم يتوقع وجوده هنا :
-حمزة انت كويس؟!
فارق بين جفينه ونظر لمن أمامه ولمن جلس إلى جانبه فقد كانا كريم وغادة ولا يعلم ما الذي أتى بهما في هذا الوقت، لتأتيه الإجابة من كريم وهو يجلس إلى جانبه من الناحية الأخرى ليصبح هو في المنتصف :
-إحنا بقالنا تقريبًا ربع ساعة بنتفرج من بعيد على اللي حصل من أول ما كنت قاعد مع نور وبعدين تقريبًا شديتوا مع بعض وكنا هنروحلك لما العربية كانت هتخبطك بس لقينا عمها اللي اسمه حسن ده اتدخل وشكلها كانت هتقلب بخناقة
أشار إلى غادة بحنق وكأنه يشكو منها :
-البنت الرخمة دي مرضيتش أروح اتخانق معاك وبعدها لقينا الأمور تقريبًا اتحلت بس انت اللي شكلك مضايق وسابوك ومشيوا، فها ايه بقى اللى حصل وتحكي من الألف للياء
تنهد حمزة بقوة وظل صامتًا فربتت غادة عليه مرة أخرى ترى أخيها لأول مرة يحمل الهم :
-مالك يا حمزة حصل ايه؟! إن محكتش لينا وإحنا أخواتك هتحكي لمين؟
-كل ما أحاول افكها تتعقد أكتر
نطق بها بضيق شديد يحتل صدره فقال كريم متسائلًا :
-قصدك على القضية؟!
هز رأسه بنفي فقالت غادة وهى تبرم شفتيها :
-يبقى قصدك على نور، قولي انت بجد بتحبها ولا عايزاها لمجرد إنها عجبتك!؟
-تاني السؤال ده يا غادة
نطق بها بضيق يذكرها بالمشاجرة الأخيرة التي حدثت بينهم فقال كريم مُصرًا على أن يجيب على هذا السؤال :
-لا بجد جاوب ده مجرد إعجاب ببنت ولا قلب معاك بتعلق وحب
-هتفرق في ايه يعني؟!
وأجابته غادة تشرح له الفرق إذ قالت :
-لو إعجاب وخلاص فهيروح لحاله لما هى تسافر علشان كده بيقولك اللي بعيد عن العين بعيد عن القلب، أما بقى لو هو حب وتعلق يبقى هتتعب أوي يا حمزة علشان تنساها، وبصراحة يعني مش متفائلة إنهم يوافقوا في المرة التانية، دول ناس شكلها قفل
نظر لها الآخر بحنق فهى تغلق الباب في وجهه مثل البقية فقال كريم وهو يدفع غادة من كتفها بعيدًا عن حمزة هاتفًا بغيظ :
-بس يا شيخة انتي بتعقدي الواد ليه؟! سيبك منها يا حمزة وبصلي انا، عمك قال اتقدم خمس مرات يعني قدامك مرمطة حلوة علشان يوافقوا وباين كده الناس دي بتحب تمرمط الشباب اللي بتتقدم لبناتهم علشان يخلوهم يفكروا كده ألف مرة قبل ما يزعلوهم
ظهرت ابتسامة جانبية على ثغر حمزة وهو يقول :
-تعرفوا ايه اللي مضايقني بجد في الموضوع ده
-ايه؟!
نطقا بها كلاهما في ذات اللحظة فأجاب حمزة بنبرة متهكمة بدت لكلاهما مضحكة بشدة وكأنه طفل يتذمر :
-إنهم وافقوا على يوسف من أول مرة وانا ابن البطة السودة اللي لازم يسف التراب علشان يوافقوا عليه
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
كانت تسير ببطء وشروق تساندها بعدما رفضت أن يستقلوا سيارة أجرة فهى أصيبت بعقدة نفسية من الأمر بعد أن حاول السائق اختطافها، كان حسن يسير أمامهما وهى وشروق في الخلف لتنظر إليها شروق هامسة :
-بت كنتي بتعملي إيه انتي والمحامي حمزة!؟
سارعت الأخرى في إصماتها وعينيها على حسن حتى لا يسمع :
-اشش اسكتي انتي عايزاه يسمع ويطين عيشتنا
-ما انا بستفسر ونكسروا الصمت شوية
كان صوت شروق منخفض حتى لا يصل حديثهما إلى حسن لتجيب الأخرى بنفس النبرة :
-محصلش غير اللي حكيتوا
-يا بت عليا انا برضو!؟ ما كلنا عارفين إن هو عينه منك، أبوكي وأمك نفسهم عارفين
نكزتها نور حتى تصمت عندما استدار إليهما حسن، يرمقهما بشك إذ قال :
-انتوا بتتوسوسوا في ايه!؟ وماشيين وراء كده ليه اطلعوا قدام شوية
سارع كلاهما في الخطوات لتشير نور إلى إحدى الشوارع وهى تتجه نحوها :
-مفيش بتسأل هنشربوا ايه، تعالوا من الشارع ده
-طب وانتي عارفة الطريق ولا هتوهينا
تساءل بها حسن وهو يسلك الطريق الذي أشارت إليه فقالت نور مؤكدة على حديثها فهى تسير من هذا الطريق منذ ما يقارب الثلاث أشهر :
-انا توهت تلات مرات قبل كده فحفظت الطرق خلاص
مروا من منتصف الشارع حتى يصلوا إلى ذلك المقهى الذي أشارت إليه لتتوقف أمامهم سيارة مسرعة مطلقة صرير مرتفع جعل جميع الموجدين في الشارع يتوقفون منتظرين حادث
لا تعلم ما الذي قد حدث بين ثانية والأخرى ففجأة انقلبت الأجواء، وخرج صاحب السيارة يتشاجر مع حسن من دون الموجدين رغم أنه هو المخطئ
وبين ثانية والأخرى ارتفع الصياح في الشارع لدرجة أن لو هناك سيدة تلد لن يستمعوا أبدًا لها فقد تجمع الناس لفك الشجار حتى الموجدين في المحلات قد خرجوا وصاحب السيارة لا يريد ترك حسن وشأنه والآخر ذو طباع حادة ولا يصمت
تدافع الناس حتى يقوموا بحل الأمر فعادت نور للخلف جاذبة شروق معها، تتقي شر الزحام فلا يلدغ المسلم من جحرٍ مرتين، كانا ينظران من بعيد بحثًا عن حسن، يستمعان لصوته المرتفع ولكن لا يستطيعان رؤيته من كثرة الموجدين
وفي هذه الدقيقة شعرت نور بباب فُتح من خلفها وقد جذبتها يد قوية من خصرها، مكممة فمها عن الصراخ، لتصيح شروق بفزع وهى تحاول جذب ابنة عمها من هذا الرجل الذي يحاول إدخالها عنوة لتجد من دفعها هى أيضًا للداخل معها ثم أُغلق الباب كما كان
وكل هذا دون أن ينتبه أحد لهما فالمشاجرة كانت حادة والأصوات كافية لإصابة الجميع بالصم عما حولهم....
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الرابع وخمسون 54 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
لازم اللي طنش التنويه السابق يقرأه + حسيت أغلبكم قفل بسبب الاقتباس عن الأحداث الجاية مش كده؟!
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
وكان الموقف كالآتي ملتصقتان في الجدار بجانب بعضهما في داخل هذه الغرفة الفارغة التي تم سحبهما إليها عنوة وقد كانت تبدو مثل الجراج الصغير، وأمامهما عدد من الرجال مثل حراس الأمن ضخام الجثة، يرفعون عليهما الأسلحة البارودية وكلاهما يشعران بالخوف من القادم
بل نور كانت تشعر بالرعب أكثر لذا تمسكت في ذراع شروق بقوة لا يعلمان من هؤلاء الرجال وبالطبع نيتهم ليست بالجيدة البتة
تصلب جسد شروق بجانب نور لأنها تتعرض لنفس الموقف للمرة الثالثة بينما الأخرى لم يكن حالها أفضل، فقط أنفاسهما المرتفعة هى ما تقطع هذا الصمت المخيف بجانب الأصوات المرتفعة القادمة من الخارج من الشجار الذي قد نشب فجأةً بين الناس دون سابق إنذار
ولجت امرأة خمسينية من الباب الموجود في الغرفة تمتلك خصلات شعر بنية مصبوغة ومربوطة للخلف، يبدو على هيئتها الثراء رغم ملامح وجهها الحزينة، لم يتعرفا عليهما بالطبع ولكن عندما ولج خلفها سعيد غانم علما أن القادم ليس بجيد
وللأسف لا أحد سوف ينجدهما هنا فحسن في الخارج وسط الشجار وعلى الأرجح هم من اختلقوا هذا الشجار لينشغل حسن بعيدًا عنهما، وأيضًا لا يستطيعا الصراخ بسبب هذه الأسلحة المرفوعة عليهما بتهديد واضح فلما يتجرءا حتى على الكلام
تقدمت والدة سليم منهما ولم تكن ملامحها تُظهر أنها تنتوي على الشر بل وكأنها كانت ترجو نور وحديثها التالي أكد هذا إذ قالت :
-انا مامت سليم يا مس نور
لم تجبها نور بل كانت تحدق في الأسلحة برعب حقيقي فقالت الأخرى آمرة الرجال بإخفاض الأسلحة :
-سعيد قولهم ينزلوا المسدسات انا عايزة اتكلم معاها مش جاية أهددها
أمر سعيد رجاله بأن يخفضوا أسلحتهم فقالت زوجته وهى تنظر إلى نور برجاء :
-انا اتكلمت مع المحامي بتاعك وطلبت منه أقابلك بس هو رفض فملقتش غير الطريقة دي أشوفك بيها
-عايزة ايه؟!
نطقت بها نور بقلق واضح فقالت الأخرى وهى تقترب منها خطوة :
-انا بطلب منك تتنازلي عن القضية وانا والله مستعدة أعملك أي حاجة بس بلاش ابني يتحبس
نظرت نور إلى شروق التي أصبحت تقف خلفها ثم عادت بنظرها إلى والدة سليم هاتفة بسخرية مبطنة بالقهر :
-مستعدة تعمل ايه؟! هتعرفي تنسيني اللي ابنك عملوا فيا مرتين مش مرة؟؟ هتعرفي تنسيني اللي جوزك عملوا فيا وخلى الستات في الحجز يضربوني لدرجة إنهم كانوا هيقتلوني، انتوا فضحتوني في كل حتة مبقاش فيه حد مش بيتكلم عليا
-انتي مش عايزة تبرئ نفسك؟! خلاص السوشيال ميديا كلها بتتكلم عن إنك مظلومة كفاية كده، لو روحتي المحكمة بكرة ابني هيتحبس
صاحت بها نور من قهرها قائلة :
-ما يتحـبــس أمثاله دول حيوانات المفروض يكونوا في الحبس فعلًا
لم يستطع سعيد أن يصمت عليها أكثر من هذا إذ قال بنبرة تهديدية :
-وانتي فاكرة إنك لو حبستي ابني انا هسيبك في حالك؟! ده انا هعمل فيكي ألعن من اللي عملته في الحجز، فعلشان كده اعقلي وأخرجي من القضية بالذوق بدال ما أخرجك بطريقة مش هتعجبك
عاد الخوف واحتلها مرة أخرى فقالت والدة سليم وهى تتمسك في كفها برجاء شديد :
-هو مش بيهزر اتقي شره يا بنتي واتراجعي عن القضية انتي مش قده
جذبت نور كفها من بين يديها صائحة برفض وقوة واهية :
-لأ مش هتنازل وانتوا لو عملتوا أي حاجة فيا دلوقتي هتزيدوا الطين عليكم انتوا مش عليا
أبعد سعيد زوجته من أمامها وقد انقلبت ملامحه وأصبحت مخيفة وبين ثانية والأخرى كانت خصلات نور أسفل يده إذ أمسك بحجابها بعنف فصرخت الأخرى متألمة، وفي المقابل صرخت شروق ولكن أصمتها أحد رجال سعيد عندما وضع ذراعه حول عنقها ويده الممسكة بالسلاح على رأسها
تحدث سعيد بتهديد غير مبالي بصرخات نور التي لن تصل إلى أحد بسبب أصوات الناس المرتفعة في الخارج :
-بلاش تتحديني أحسنلك انتي مش قدي زي ما هى قالتلك فهتتنازلي ولا امحيكي من على وش الأرض؟؟
صاحت شروق بسرعة رغم الموقف الذي به، ترفض أن تنصاع ابنة عمها خلفه وتتنازل عن حقها :
-لأ يا نور لو اتنازلتي هينزلوا هما ويقولوا اتنازلت علشان خافت تتفضح وتخسر القضية، ومش بعيد يقولوا إنك فوق ما انتي مفترية طبعًا اغرتيه وقلبتي الترابيزة عليه وقولتي اتحرش بيا، بفلوسه هيعمل أي حاجة علشان يطلع ابنه مظلوم
-سكت البنت دي
صاح به سعيد فأحاط ذلك الحارس بفم شروق واصمتها ولا يزال سلاحه فوق رأسها، عاد بنظره إلى نور المرتعبة تهز رأسها برفض وهى تدفعه بعيدًا عنها بذراعه السليم وكم كانت مقاومتها هذه تجعل آلام جرحها الحديث يزداد ولكنها لم تبالي بل صرخت به بروح فتاة مظلومة :
-مش هـتـــنـازل، ولو قتلتني انت اللي هتتلام وهيقولوا قتلها ودفن سرها علشان متفضحش ولده، الناس هتصدق الضحية اللي اتقتلت، ولو خلصت مني مش هتعرف تخلص من الناس وسمعتك هتبقى في الأرض، انت مش خايف على ولدك قد ما انت خايف على سمعـتــك
ضغط الآخر على فكه بعنف جاذبًا خصلاتها بقوة لدرجة أن حجابها قد فسد تمامًا :
-ومين قال إني هقتلك ده انا هخلي ابوكي وعمامك اللي فرحانة بعزوتهم هما اللي يقتلوكي لما أضيعلك شرفك دلوقتي وبدال ما تبقي اتعرضتي للتحرش هتبقى اتعرضتي للإغتصاب
حاول جذ حجابها ولكنها كانت تثبته جيدًا بيدها حتى لا يخلعه عنها فدفعها أرضًا بعنف لتطلق نور صرخات مرتفعة بعدما شعرت أن غرزها قد فُتحت وقد اصطدم ذراعها المكسور في الأرض الصلبة مسببًا لها آلامًا لا تطاق
بكت بقوة من شدة آلامها وهى تستمع إلى صرخات شروق المكتومة وهى تحاول الإبتعاد عن الرجل الذي يقيدها، وإلى صوت والدة سليم الخائف وهى تقول :
-سعيد مش كده، متفقناش على كده
صاح بها الآخر واخرسها تمامًا ثم نظر إلى نور التي أصبحت تتلوي أرضًا :
-انتي صعيدية مش كده!؟ واللعب في الشرف عندكم بالدم! تفتكري ايه هيكون رد فعل ابوكي وعيلتك لما ينزل فيديو حلو كده على كل مواقع التواصل الإجتماعي لبنتهم المصون وهى بتتعرض للإغتصاب، أعتقد حتى لو انتي مظلومة مش هيستحملوا العار وكلام الناس فهيخلصوا منك
-سعيد فوق إحنا عندنا بنت زيها
همست بها زوجته لا تصدق ما سيفعله زوجها والجبروت الذي وصل إليه فصرخ بها الآخر مرة أخرى :
-بس انتي اخرسي ما لو عرفتي تربي ابنك مكناش اتحطينا في الموقف ده
عاد بنظره إلى نور التي كانت تزحف بعيدًا وهى تضع يدها السليمة على جرحها الذي أصبح ينزف وعلى الأرجح أصبحت حالته أسوء من ذي قبل بعدما فُتحت غرزه :
-ها يا نور تتنازلي ولا اخدرك دلوقتي واخليكي في حضن واحد وانتي مش هتعرفي تقاومي للأسف من المخدر، وبدال ما تظهر كأنها اغتصاب هتظهر كأنها بالتراضي منك، ووقتها مش هيبقى عليا أي حاجة، وبدال ما تبقي ضحية في نظر الناس هتبقى واحدة رخيصة وهعمل زي ما قالت بنت عمك وهجيب شهود يقولوا إنك واحدة مش كويسة وكنتي بتغري الشباب ومستخبية وراء اللبس الديني المحتشم وتدينك، زي الإرهاب بالظبط يقتلوا الناس ومستخبين وراء دقن وسبحة
استندت بظهرها على الحائط بضعف بالكاد تستطيع التنفس والرؤية، ترى ابنة عمها تبكي بصوت مكتوم عليها، والدة سليم تطالعها بملامح مقهورة ولكنها لا تستطيع التحدث أو فعل شئ، سعيد يطالعها بملامح شيطان بجبروت وشر لم تراه من قبل في وجه بشري
هبطت دموعها بحسرة وضعف وإنكسار، وهذه المرة لم تكن مثل المرتين السابقتين فقد استطاعت الدنيا بظلمها وفي أسبوع واحد أن تكسرها ثلاث مرات متتالية
-شكلك مش ناوية تتنازلي يا نور
نطق بها سعيد بشر فنظرت له الأخرى برعب تراه يأمر أحد رجاله وهو يقول بنبرة جامدة وكأن الرحمة قد انتزعت من قلب هذا الرجل :
-خدر البنت دي وشوفلي كاميرا حلوة تصور اللي هيحصل
هزت رأسها يمينًا ويسارًا بشكل هستيري، ورغم أن الدموع قد شوشت رؤيتها تمامًا إلىٰ أنها صرخت بسرعة وهى تتكور على نفسها إذ ضمت قدميها إلى صدرها وإلتصقت في إحدى الزوايا وكأن الجدار هو من سيحميها من بطشه :
-خلاص هتنازل هتنازل، والله هـتنـــازل
سالت الدموع من عيني شروق لأول مرة منذ أن تعرضت لمحاولة قتل للمرة الثانية على يد كاظم، بكت على ابنة عمها وما تعانيه فهى تعلم الآن مقدار الرعب والفزع الذي تعيشه، ستعيش في صدمة غير قادرة على تخطيها مثلها
ابتسم سعيد بإنتصار على ما تفوهت به ورغم هذا هتف بنبرة متوجسة :
-شاطرة تطلعي من هنا على القسم تتنازلي وواحد من رجالتي هيكون معاكي في ضلك، لو جه الليل وانتي لسه متنازلتيش هجيبك تاني حتى لو رجعتي الصعيد وقعدتي وسط عمامك كلهم ووقتها انا مش هخيرك يا نور انا هنفذ علطول
أشار للرجل الذي يمسك شروق بأن يتركها ثم فتح الباب الجانبي الموجود في الغرفة وأشار إليهما بأن يخرجا، دفعت شروق ذلك الرجل بعيدًا عنها بعنف ثم اقتربت من نور التي كانت تنتفض في مكانها من الخوف والألم ثم ساعدتها على الوقوف والخروج من هذا المكان، دون أن تدرك أن الأخرى بدأ جرحها ينزف
اخرجهما هذا الباب من بناية مرتفعة ليصبحا بعدها في الشارع وقد هدأت الأجواء نوعًا ما وانفض الشجار، نظرت شروق حولها بحثًا عن حسن لتراه بعيدًا ينظر يمينًا ويسارًا بحثًا عنهما فقالت بسرعة وهى تحاول جذب نور معها :
-أهو حسن هناك تعالي نقوله
وهنا لم تعد نور تقوى على الوقوف ولا تحمل أي شئ آخر فعظام ذراعها وكأنها كسرت مرة ثانية بعد أن اصطدمت في الأرض بعنف، وجرح جانبها ينزف حتى أنها تشعر بدمائها الدافئة تسيل على بطنها
جلست أرضًا بضعف تطلق الآهات المتألمة لتهبط معها شروق قائلة بخوف :
متقعديش كده قومي يا نور نروح لحسن
أبعدت الأخرى يدها عنها وأبعدت سترتها ذات اللون الأزرق الغامق لتجد كنزتها الصوفية تلطخت بالدماء، بكت بقوة وهى تميل للأمام وقد تحول بكائها لصراخات مرتفعة جذبت انتباه الناس حولها ليتفقدوا عما أصابها
ابتعدت شروق أو انتفضت على المعنى الصريح عندما أبصرت الدماء في كفها وعلى كنزة نور، شعرت بنفس التجمد الذي تشعر به كلما رأت الدماء حتى لو كانت في مشاهد من مسلسل أو فيلم، تصاب بشلل يصمها ويخرسها، حتى أنها لم تنتبه على حسن الذي أخذ يدفع الناس من أمامه حتى يصل إليهما
جثى أمام نور محاولًا تفقدها ولكن عندما أبصر الدماء تلطخ كنزتها جذبها معه للأعلى صائحًا :
-قومي نروح المستشفى قــومــي
صرخت الأخرى صرخة مصحوبة بالتأوهات وهى تعود على وضعها أرضًا بينما خرج صوتها متلعثمًا مصحوبًا بنشيج البكاء :
-مش قاد... قادرة مش قــــادرة
وضع حسن ذراعه أسفل ركبتيها والآخر أسفل ظهرها ورفعها من على الأرض فزاد بكائها وهى تشعر أنها غير قادرة على التنفس من شدة الألم الذي تشعر به، بينما صاح الآخر في شروق المتصنم على الأرض أن تقف :
-شروق قومي وقفي عربية
لم يتلقى منها رد ولا انتباه حتى، ليأتي أحد الواقفين بسيارة أجرة حتى تنقل هذه المسكينة إلى المشفى فوضعها حسن بالداخل شاكرًا الناس ثم عاد إلى الجالسة أرضًا في غير عالم وجذبها بقوة فصاحت شروق بعنف وهى تدفع يديه بعيدًا عنها، وتنزوي زحفًا للخلف أسفل نظراته المصدومة من رد فعلها هذا
لم يدري ماذا أصابها بل لا يدري ماذا أصاب كلاهما في العشر دقائق التي مرت، فواحدة تنزف داخل سيارة الأجرة والأخرى منفصلة عن العالم وتجلس أرضًا وتحدق حولها بريبة دون وعي بما يدور حولها...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
استقامت من مكانها وفي يدها هاتفها تاركة الجميع يتحدث فحتى الآن لا يزالا والدها وعمها حسين غير مستوعبين لكل الكوارث التي حدثت هنا، ويبدو أن كارثة أخرى قد حلت على رأس شقيقتها، إذ حين أجابت على هاتفها اتاها صوت حسن وهو يقول :
-عائشة هاتي أمك وبراءة وتعالوا على المستشفى اللي شغالة فيها براءة بس متقوليش لأبوكي وعمامك، لو سألوكي رايحين فين قولي نور وقعت وغرزها اتفكت فراحوا المستشفى يخيطوها تاني
أغلق معها دون إضافة أي كلمة أخرى فخرجت للبهو وقد كان ياسر موجود الآن وبما أنه هنا إذًا الأمر قد تم حله فياسر ذو شخصية دبلوماسية يستطيع إيجاد حل لكل شئ
جذبت والدتها معها وكذلك براءة فقال علي بتركيز لحديثهم الهامس :
-فيه ايه تاني؟ عايزين تخبوا إيه؟!
رفعت عائشة منكبيها وهى تهز رأسها يمينًا ويسارًا :
-مفيش حاجة حسن اتصل عليا وقال إن نور في المستشفى علشان وقعت والغرز اتفكت
-وهى وقعت فين مش نايمة جوا
نطق بها بحدة لكم المصائب التي تسقط على رأس ابنته من كل حدبٍ وصوب فقالت صفية وهى تقف أمام ابنتها مجيبة على زوجها :
-البت اتخنقت من القعدة قالت أنزل اقعد شوية تحت وشروق نزلت معها وطالما حسن هو اللي اتصل يبقى هو كمان معاهم
أعطى علي هاتفه إلى ياسر هاتفًا بضيق وقلق على ابنته :
-هاتلي رقم حسن وانتوا خشوا البسوا نروحوا نجيبوها
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أغمضت عينيها بقوة حتى لا ترى منظر الجرح بعد أن فُكت غرزه، لتبدأ الطبيبة في إعادة تقطيبه بعد أن وضعت لها مخدر موضعي، لم تتحمل شروق رؤية الدماء وهى تخرج من جانب نور مع كل غرزة تخيطها الطبيبة فخرجت بسرعة من الغرفة هاربة من منظر الدماء
استقام حسن من مكانه عندما خرجت شروق من الغرفة ويبدو الفزع على وجهها فقال مستفهمًا وهو يقترب منها عدة خطوات :
-فيه ايه؟؟ حصل ايه جوا!؟
لم تجبه الأخرى بل اتجهت بخطوات واسعة نحو المرحاض الموجود في الممر واكتفت بقول :
-انا رايحة الحمام
لم يستطع حسن إيقافها حتى يعلم ماذا حدث بالداخل أو ماذا قد حدث لهما حين حدثت المشاجرة، يشعر أن عقله سيطير من رأسه لشدة التفكير فعاد وجلس مكانه كما كان، ضاممًا كفيه أمامه
رن هاتفه برقم شقيقه علي فسب بشكل تلقائي عائشة، ألم يخبر تلك الحمقاء ألا تقول لأحد سوى والدتها وبراءة، أجاب على هاتفه ليأتيه صوت علي الخشن وهو يقول :
-الو يا حسن حصل ايه لنورهان ووقعت إزاي!! وعارف هتكدب وتحور زي ما حورت في اللي حصل لعيشة وشروق
لم يستطع الكذب عليه وأيضًا لا يعلم ما الذي قد يقوله له وهو لا يعلم ما الذي حدث حتى، لذا اكتفى بقول ما حدث :
-كنا ماشيين في الشارع وعربية وقفت قبل ما تخبطنا، السواق طلع عفاريت الدنيا قدامه ومسك في خناقي انا، والناس اتجمعت علشان تفك العركة، معرفش الاتنين راحوا فين وسط العركة دي وبعد ما فضت قعدت أدور عليهم وفي الآخر لقيت الناس متجمعة حواليهم ونور عمالة تصرخ وتبكي وبطنها بتجيب دم، ركبتها تاكسي وطلعنا على المستشفى وحاولت اسأل شروق حصل ايه بس راكبها الخرس ومش عارف اخد منها كلمة
-طب انتوا في مستشفى ايه دلوقتي؟.
-في المستشفى اللي شغالة فيها براءة خليها تجيبكم وهاتوا صفية معاكم علشان نور من ساعة ما جينا المستشفى وهى بتقول عايزة أمي
أغلق مع علي ثم أتصل على إسماعيل حتى يأتي له فهو يعلم أنه يعمل في هذا المشفى أيضًا، وعندما آتاه إسماعيل قال :
-ايه يا خالي بتعمل ايه هنا؟ فيه حد تعب؟؟
أشار الآخر إلى غرفة الكشف التي يجلس أمامها ثم قال :
-نور جوا الغرز اتفكت والدكتورة بتخيط الجرح تاني ليها، اتصل انت على ولد عمك حمزة علشان مش معايا رقمه وهات أكلمه
فعل الآخر ما قاله وأعطاه الهاتف حتى يحادثه ثم وقف هو أمام غرفة الكشف وطرق الباب، ثم بعد دقيقة استمع لصوت الطبيبة تسمح بالدخول ثم خرجت هى من خلف الستار القابع خلفه الفراش الذي تجلس عليه نور بالطبع فهو يستمع لصوت تأوهاتها المرتفعة :
-نعم يا دكتور إسماعيل فيه حاجة!؟
أشار الآخر إلى الستار العازل ثم قال :
-اللي بتخيطي جرحها تبقى بنت خالي وكنت عايز اطمن عليها
-طب دقيقة اخلص خياطة الجرح علشان هى كاشفة جسمها اتفضل أقعد هنا
جلس إسماعيل على المقعد الأمامي للمكتب وعينيه على حسن خارج الغرفة إذ كان يتحدث مع حمزة بصوت حاد رغم محاولة لخفض نبرته، استمع لآخر حديثه وقد طلب من حمزة الحضور حالًا، وبعد أن انتهى ولج إلى الغرفة محدقًا في جميع الزوايا بحثًا عن نور أو الطبيبة فقال :
-ادخل يا خالي الدكتورة بتقفل الجرح
اقترب منه حسن وأعطى له الهاتف ثم جلس في المقعد المقابل له ثم بعض عدة دقائق خرجت الطبيبة وكشفت الستار لتظهر نور لحسن ممدة على الفراش بحالة مزرية ولا تزال تصدر صوت أنين
اقترب منها حتى يساعدها على النهوض فقالت الطبيبة بسرعة :
-لأ لو سمحت متحركاش الجرح حالته بقيت أسوء وهيسيب أثر عميق على المدى الطويل، ده غير دراعها المكسور اتخبط جامد ولازم تاخد إبرة مسكنة دلوقتي
نظر حسن نحو ابنة أخيه وقبل أن يسأل عن الذي حدث سبقته الأخرى ونادت بصوت خافت على إسماعيل عندما وجدته جالسًا، اقترب منها إسماعيل ثم هتف بهدوء وهو يطالعها بشفقة :
-ألف سلامة عليكي يا نور
ابتلعت نور لعابها الجاف وقد كانت حالتها مزرية بشدة، إذ كانت تحيط بذراعها المكسور وبالكاد تستطيع التحدث مع نهجة ألم :
-إسماعيل انت دكتور اديني حقنة منوم تخليني أنام للصبح
لم يفهم إسماعيل هذا الطلب الغريب منها إذ قال :
-اديكي منوم إزاي يا نور مينفعش اللي بتقوليه ده
هزت الأخرى رأسها بخفة مطلقًا تأوهًا خافتًا :
-انا تعبانة بدال المسكن ادوني مخدر ولا منوم وأنام علطول
-يا بنتي افهمي مش أي حاجة تطلبيها تاخديها، اللي بتطلبيه ده بيتاخد في العمليات أو في حالة انهيار عصبي حاد، أما انتي اخدتي مخدر موضعي وهتاخدي دلوقتي مسكن علشان دراعك وهتبقى كويسة والله
لم تكن نور تريد المنوم إلا لتخلد للنوم وترحم عقلها من كل هذا، تريد الهرب ولا توجد إلا هذه الطريقة :
-أفهمني انا تعبت ومش قادرة استحمل، جسمي كله واجعني ادوني منوم خلوني أنام، انا تعبانة تــعبـــانـة
صرخت بآخر جملة وعادت تبكي فاقتربت الطبيبة منها بسرعة قائلة :
-اهدي انتي عايزة ايه دلوقتي؟؟
تمسكت الأخرى في معطفها الطبي تصرخ بكل ما أوتيت من قوة، لا تعلم لما تصرخ هكذا ولكنها لا تشعر بأعصابها فكل الظلم والقهر الذي تشعر به يخرج منها على هيئة صراخ وبكاء :
-عايزة أنام ادوني حاجة أنام والله ما قادرة استحمل ارحموني بالله عليكم خلوني أنام
في حالة طلبها هكذا ليس عليهم الانصياع خلفها ولكن الطبيبة أحضرت بالفعل من خزانة الأدوية إبرة مخدر حتى تحقنها بها فقال إسماعيل برفض :
-مينفعش نمشي وراء كلام المريض يا دكتور إحنا هنهديها دلوقتي من غير منوم
وأجابته الأخرى بعملية وهى تسحب المحلول المائي من العلبة الزجاجية، ترى أن نور على شفا جرفٍ من الانهيار، فحين أتت كانت تبكي وتصرخ ثم صمتت قليلًا وها هى عادت للصراخ مرة أخرى :
-حضرتك مش شايفها يا دكتور؟؟ هى تكة كمان وهيجيلها انهيار عصبي فلازم تنام فعلًا علشان متأذيش نفسها
اقتربت منها ورفعت كُم كنزتها حتى تحقنها والأخرى كانت مستسلمة بالفعل وقد خفت بكائها إلا من الشهقات، أخرجت الطبيبة سن المحقنة ثم دلكت مكانها واخفضت الكُم قائلة :
-شوية وهتنامي وانا هنقلك اوضة عادية وتفضلي معانا لحد الصبح
أحاطت الأخرى بذراعها المكسور دون إضافة كلمة، ثم أدارت وجهها إلى الحائط فقال حسن وهو يعدل وجهها له مرة أخرى :
-طب اتكلمي وقول حصلك ايه قبل ما تنامي، أبو سليم اللي اسمه سعيد غانم ده عملك حاجة؟؟
رمق إسماعيل حسن بتعجب لسؤاله بينما الآخر نظر إلى نور ينتظر إجابتها، وبعد صمت دقيقة آماءت له ببطء والدموع اخذت تناسب على بشرتها بضعف وقلة حيلة فاعتدل الآخر في وقفته ثم قال بصوت حاد قوي :
-عملك ايه قولي؟!
لم يكن مفعول المخدر قد سرى في جسدها بعد، ولكن من الصراخ والبكاء تعب جسدها بشدة وشعرت بضعف شديد وثقل في جفنيها فرفعت يدها السليمة وتمسكت في سترته قائلة بصوت خافت :
-خلوكوا حوليا وجنبي متسبهمش يخدوني تاني يا حسن
تركت سترته وأسندت يدها على بطنها حيث تركت الدماء أثر على كنزتها ذات اللون الفاتح، ثم أدارت وجهها للحائط مرة أخرى واغلقت جفنيها ونامت، لا تدري أنامت من مفعول المخدر أم من التعب ولكن في كلتا الحالتين أغلق عقلها الستار وانفصل أخيرًا عما حوله...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ها هى تجلس داخل المرحاض منذ ما يقارب النصف ساعة، لا تفعل شئ غير انها تحدق أمامها في الفراغ وكلما أغمضت عينيها ترى مناظر للدماء في حادثة فريال، وحادثتها هى، ونور منذ قليل لتفتح عينيها بفزع حقيقي ولو لم تكن تدرس علم النفس لشككت فما أصابها
هى الآن أصبحت تعاني من فوبيا الدماء، تتجمد فور رؤية ذلك السائل الأحمر وتجحظ عينيها وكأنها ترى جثة فريال أمامها، وعاصم وهو ينزف، وتلك المعيدة التي قتلها كاظم، لا تستطيع منع نفسها من التفكير في الأمر، تشعر أنها ستنفجر في البكاء ولكن هناك حاجز يمنعها من هذا
حاجز النكران فحتى الآن لا تريد أن تصدق أنها مرت بمحاولتين للقتل بل ثلاث، بل وفوق هذا أصبحت تعاني من فوبيا
شعرت بطرق على الباب فوقفت من مكانها هاتفة بصوت متردد :
-نعم
-شروق يخربيتك بندوروا عليكي في المستشفى كلها اطلعي
كان هذا هو صوت شقيقتها براءة فشعرت بالراحة نوعًا ما وخرجت من المرحاض، حدقت بها براءة بقلق لحالتها الغير متزنة ثم استمعت إلى صوت والدها في الخارج وهو ينادي :
-ها لقيتيها جوا ولا ايه؟!
-ايوه يا بابا لقيتها
امسكت بذراعها وجذبتها معها للخارج والأخرى سارت معها بإستسلام إلى أن وصلوا إلى إحدى الغرف، وقد رأت نور مسطحة على الفراش ويبدو أنها غافية بعمق وحولها يجلس حسن وعمها علي وزوجته صفية وإسماعيل ويوسف وحمزة كذلك
وما إن ولجت براءة وهى معها في يدها حتى وقف حمزة بسرعة مقتربًا من شروق ثم هتف بصوت جاد :
-سعيد غانم عملكم ايه!؟
حدقت به الأخرى مطولًا لكن بدت وكأنها لا تراه ولا تسمعه حتى، فوقف حسن يسألها هو فهى الآن من ستروي ما حدث بعد أن نامت نور أو لنقول هربت من واقعها :
-يا شروق حصل ايه لما اتشغلت انا في الخناقة
ازدردت الأخرى لعابها بصعوبة رامقة نور بحزن :
-عايز نور تتنازل عن اللي حصل
-يعني عملها ايه بالظبط هددها ازاي؟؟
نطق بها حمزة بتركيز يريد أن يفهم حتى يستخدم هذا ضد سعيد وابنه فسالت دموع الأخرى على وجنتيها رغم تجلد ملامحها :
-كان هيخلي رجالته يعتدوا عليها وقالها قدامك لحد الليل لو متنازلتيش انا هجيبك ولو وسط عمامك كلهم
شهقت صفية شهقة قوية منتفضة من جانب ابنتها ثم صاحت بقلب أم مرعوب على صغيرتها :
-لا يبقى تتنازل تتنازل انا قولت من الأول منقفوش قدام الناس دي
جذب علي شروق من كتفها حتى تنظر له هاتفًا بقوة :
-عملها حاجة ولا هدد بس!؟ حد لمسها؟
نفت الأخرى برأسها ولكن الآخر لم يطمئن بل هناك وسواس بداخله لم يقتنع فصرخ بشروق بقوة :
-انتي بتقولي كده علشان خايفة، لو حد قرب منها قـــــولي
بكت الأخرى وهى تهز رأسها بطريقة شبه هستيريا، تزامنًا مع قولها :
-لأ وقعها على الأرض بس محدش عملها حاجة وهى قالت هتتنازل
نظر حسين نحو أخيه قائلًا :
-علي تتنازل عن القضية بدال ما البت تروح في داهية خالص
واعترضت براءة على ما يقوله والدها إذ قالت بعنف :
-وقتها هتروح في داهية أكتر ما هى في داهية، لو تنازلت نضمن منين مش هيسيبها في حالها
تمسكت صفية في زوجها هاتفة بنبرة مذعورة :
-علي انا مش هضحي ببتي، الناس دي إحنا مش كدها
نظرت إلى حمزة الذي لم ينطق بكلمة حتى الآن ثم قالت :
-شوف ايه هتعملوا علشان تتنازل ونعملوه
وأخيرًا تحرك لسانه إذ تنفس بقوة ثم نظر إليها بملامح مبهمة ثم قال بنبرة جامدة :
-مش هينفع تتنازل وهى واخدة منوم هتروح إزاي القسم؟!
ارتفعت الأصوات في الغرفة فسحب حمزة نفسه وخرج منها، يكاد يجزم أنه يسير على نيران مشتعلة تحرقه معها، أمسك به يوسف بسرعة وأوقفه في منتصف الممر ثم قال :
-حمزة انتي رايح فين دلوقتي؟؟
حاول الآخر أن يسحب نفسه منه هاتفًا بضيق مكتوم :
-اوعى يا يوسف
-لأ انا مش هسيبك وعارف إنك متعصب
وبكل قوته دفعه بعيدًا عنه فاصطدم الآخر بالحائط ثم تحرك حمزة بعنفوان نحو الخارج، وقبل أن يصل إلى آخر الممر وقف إسماعيل أمامه ودفعه بقوة للخلف ثم قال :
-انت رايح فين دلوقتي هتروح تتنازل عن القضية؟؟
وصاح به الآخر بنبرة غاضبة وقد نفرت عروق رقبته لشدة عصبيته :
-مفيش تنازل وأقسم بالله لأدخل سعيد غانم السجن على اللي عمله فيها ده
قيده يوسف من الخلف وجذبه معه لداخل إحدى الغرف الفارغة في المشفى أسفل صياحه الرافض ليغلق إسماعيل الباب عليهم من الداخل ثم قال بقوة :
-حمزة متاخدش خطوة وانت متعصب اهدى علشان تفكر
نفض حمزة ذراعي يوسف بعيدًا عنه ثم صاح بنفس عصبيته :
-انا مش هاخد خطوة غلط انا هلعب بنفس الوساخة اللي لعب بيها
وقف يوسف أمام الباب يمنعه من الخروج ثم دفعه للخلف قائلًا بغضب :
-انت مش واعي أصلًا بتقول ايه اهدى علشان تعرف تتصرف، هى قدامها تلات أربع ساعات بالكتير وتفوق من المنوم ده ووقتها أهلها هيخلوها تتنازل حتى لو غصب عنها خوفًا على بنتهم، وانا ضد ده علشان كده حقها هيضيع والكلب اللي اسمه سليم ده واللي زيه هيلاقوا فرص أكتر يعملوا كده في بنات الناس فإهدى علشان تعرف تتصرف صح
جلس حمزة على الفراش الطبي الموجود في الغرفة وهو يهز قدميه بعنف ويقبض على الفراش بكفيه بقوة ثم قال بعد دقيقة من الصمت :
-يوسف هو مش خطيب رقية ده شاطر في مجال التهكير والبرمجة وكده
-ايوه بس ليه؟!
-قوله يجي
-يجي يعمل ايه يا حمزة هتحتاجوا في ايه ده؟!
نطق بها إسماعيل بتساؤل فصاح بهما حمزة بغضب :
-اتصل عليه يجي ويجيب اللابتوب بتاعه اللي هيشتغل به وبلاش أسألة كتير علشان انا دمي محروق ومش ناقص
أخرج يوسف هاتفه حتى يتصل على عمر بينما نظر حمزة نحو إسماعيل قائلًا بنفس النبرة :
-تخلي ممرضة قاعدة جنبها لحد ما تفوق وتخلي أمها وأبوها وعيلتها دي بعيد عنها تقولهم قدامها لحد الصبح علشان تفوق، ولما تفوق انا أول واحد يتكلم معاها، أبوها وأمها لو اتكلموا معاها هيضغطوا عليها بكلامهم علشان توافق على التنازل، ولو اتنازلت عن القضية يبقى كله راح ومش هعرف أرجع حقها خالص
-طب حاضر بس انت ناوي على ايه؟؟
مسح الآخر وجهه بعنف ثم قال ضاغطًا على كل كلمة يقولها وهناك نيران مندلعة في صدره :
-قولت محدش يسألني حاجة انا في حالة تخليني أقوم أعجن حد فمحدش يسألني
أخرج هاتفه حتى يتصل على يونس ويأتي معه لرؤية المكان الذي حدث به الأمر ومراجعة الكاميرات وبما أنه ضابط سيساعده على القيام بالأمر بسرعة، وإن كان سعيد قام بفعل شئ يمنعه من الوصول للكاميرات سيساعده عمر في السيطرة عليها، حتى إن كاميرا واحدة تثبت أن سعيد كان موجود في تلك المنطقة :
-الو يا يونس انت فين؟!
-عندي ليك خبر بمليون جنية
-ايه؟؟
نطق بها بإستفهام يشعر أن ما سيسمعه سيقوم بتغير مزاجه تمامًا وهذا لأن يونس لا يهوى المزاح على الأخبار السخيفة، ليجيب الآخر عليه بجدية مع نبرة إنتصار :
-الواد اللي ادتني اسمه كامل وقولتلي أقلب عليه إسكندرية لحد ما ألاقيه
استقام حمزة من مكانه بقوة والبسمة قد إرتسمت على وجهه بإتساع :
-أنت لقيته؟!
حدق الآخر أمامه إلى مراهق نحيف في الخامسة عشر من عمره، ببشرة حنطية وشعر مشعث عبارة عن إلتواءات كثيرة :
-قدامي أهو علشان تعرف إني بيعتمد عليا في طلبات زي كده ومش هتنازل عن أقل من عزومة منك في أغلى مطعم في إسكندرية
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أغلق مع الرجل الخاص به ثم نظر إلى زوجته القلقة والتي كانت تنتظر أي خبر منذ أن اتصل عليه :
-ها يا سعيد اوعى تكون البنت ماتت
وأجابها الآخر بتعب أعصاب وقد ألقى بهاتفه على جنب :
-في مستشفى ماري ولسه حية بس واخدة منوم ونايمة، أهلها عرفوا بالموضوع وخافوا ومستنينها تقوم علشان تتنازل، وده شئ كويس على الأقل لو فضلت مكابرة أهلها يجبروها من خوفها عليهم
-انت عملت فيها ايه علشان تبقى في المستشفى؟!
نطق بها عاصم وهو يلج إلى غرفتهم دون إستئذان فقال سعيد بضجر وهو يعيد ظهره للخلف على الاريكة الصوفية التي يجلس عليها :
-معملتش حاجة وهى لسه حية
-أومال هى في المستشفى لـــيـه؟؟
صاح بها عاصم بغضب للبساطة التي يتحدث بها والده فاستقام الآخر من مكانه بعنف صائحًا به بنفس الطريقة :
-انت متعليش صوتك عليا مش كفاية بلتوني بالمصايب وبحلها من وراكم
وقفت والدته بسرعة ودفعته للخارج حتى لا يتصادم مع والده فيكفي الضغط الذي تعيش به لذا لا ينقصها شجارهم :
-بالله عليك يا عاصم أطلع انا ضغطي عالي لوحده ارحموني بقى
وخرج الآخر من أجلها فقط ليجد شقيقته تقف في الخارج تريد أن تعلم ماذا فعل والدها لنور :
-عاصم البنت كويسة ولا بابا عملها ايه!؟
مسح عاصم لحيته بضيق وهو يتجه إلى الدرج حتى يخرج من المنزل فلحقت به هنا وهى تسمعه يقول :
-بيقول هددها بس مقالش إزاي وهى دلوقتي في مستشفى ماري
-طب انت رايح فين دلوقتي؟! رايح هناك؟؟
توقف الآخر على آخر الدرج وطالع شقيقته بحيرة ثم قال :
-مش عارف يا هنا انا حتى لو روحت هقول ايه ولا هتسمعني أصلًا، انا لو عليا عايز احبس سليم الكلب ده بنفسي يمكن يتربى، بس أبوكي لو اتحبس سليم مش هيسيب البنت دي في حالها
عبثت الأخرى في أصابعها ثم قالت بتردد وصوت خافت حتى لا يسمع أحد :
-انا بعت رسالة للمحامي بتاعها من رقم مجهول وقولتله يخلي باله على موكلته، انا برضو بنت زيها ومش عايزة يطولها أذى من بابا، علشان انا لو مكانها هعمل أكتر من اللي هى بتعمله
-يا خوفي يا هنا اللي أبوكي بيعمله فيها يترد في يوم من الأيام فيكي وفي بنتي، ما الدنيا دي سلف ودين
نطق بها عاصم بصوت مهموم وهو يستند على دربزين الدرج بذراعه لتأتي الخادمة لهما هاتفة بإحترام :
-مدام عايدة عايز تقابل حضرتك يا دكتور عاصم
عقد الآخر حاجبيه بتعجب ثم حدق في ساعته وقد وجدها تعدت السادسة مساءً :
-تمام خليها تيجي
نظرت هنا إلى عايدة التي ظهرت من الباب الداخلي للفيلا ولم تتعجب كثيرًا من هذا التطور فهى كانت تعلم به من خلال حساب عايدة على مواقع التواصل الإجتماعي، ابتسمت لها بمجاملة وردت لها تحيتها برقي لتقول عايدة وهى تنظر نحو عاصم :
-انا عرفت باللي حصل لسليم واللي عمله، الفيدوهات في كل حتة على السوشيال ميديا
عقد عاصم ذراعيه أمام صدره مبتسمًا بسخرية فلم يعد أحد في البلاد لم يسمع بالأمر :
-جاية تواسينا ولا ايه!؟
ضغطت الأخرى على حقيبتها الصغيرة التي تحملها، وعينيها تدور في المكان بتوتر ملحوظ ثم قالت :
-ينفع نتكلم في مكان محدش يسمعنا فيه
نظر الآخر إلى شقيقته بإستغراب ثم أشار لعايدة بأن تأتي خلفه إلى الحديقة وقد لحقت بهما هنا فعلى الأرجح لدى عايدة مصيبة أخرى خاصة بسليم، وقف ثلاثتهم في الحديقة بعيدًا عن الآذان لتقول عايدة بنبرة مترددة :
-هو انتوا مصدقين أن سليم عمل كده في المُدرسة؟؟
وأجابها عاصم بصراحة يخشى أن يكون ما في عقله قد فعله سليم فوالله إن علم أنه قد لمسها عندما كانت زوجته سيقتله دون أن يرف له جفن :
-عايدة سليم عملك حاجة؟!
بللت الأخرى شفتيها وقد اختنق صوتها بشكل تلقائي :
-لأ سليم عمل اللي ألعن من كده وانا هقولك علشان عارفة إنك هتعمل الحق والصح ولو على رقبتك يا عاصم، سليم لازم يتحبس لو فضل برا يا عالم ممكن يعمل ايه ألعن من اللي عمله، ده حاول يعتدي على اختي الصغيرة يا عاصم وماسك عليها صور متفبركة علشان تسكت ومتقولش لحد عن حاجة
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
هبط من سيارة ابن عمه وقد ولج ذاك إلى المشفى بخطوات سريعة بينما هو ظل ينظر إلى تلك الفتاة الطويلة التي تقف بمفردها بجانب أحد الأشجار، عجبًا هذه المرة الأولى التي يلاحظ بها أن شروق ذات طول فارع، أجل هى لا تفوقه طولًا ولكنها طويلة حتى أطول من شقيقتها براءة
أستند على السيارة يتابع ما تفعل بأعين متعجبة فهى تمسك الهاتف وتضعه على أذنها ولا تبدو أنها تحادث أحد بل وكأنها تستمع لشئ، اقترب منها بخطوات متوجسة ثم توقف خلفها تمامًا عندما وصله صوت نور وهى تصيح بعدة كلمات لا تصل له واضحة فقال متسائلًا :
-انتي بتعملي إيه
انتفضت الأخرى صارخة بفزع وكرد فعل منها في مثل هذه المواقف قامت بضربه بعنف في كتفه صائحة :
-يا حـيـــوان خضيتني
نظر يونس لمكان ضربتها متسع العينين ثم رفع نظره لها ببطء ليجدها عاقدة الحاجبين وتحدق به بأعين حادة مشتعلة فابتسم لها ثم نفض مكان ضربتها وكأنه ينفض تراب وهمي :
-مش هعلق ولا هعمل رد فعل علشان انتي دلوقتي في حالة لا تسمح ليكي بالنقاش مع حد
وضع يديه داخل جيوبه محدقًا في عينيها المرتبكة ثم قال بنبرة جادة :
-انتي عاملة مصيبة ولا ايه؟! مش مظبوطة كده ليه؟؟
وأجابته الأخرى بنبرة مترددة بعد أن بدأت تتمالك نفسها :
-هو... هو لو عرفنا نثبت إن سعيد غانم كان هيخلي راجل يعتدي على نور.... كده نقدر نحبسه؟؟
-إحنا لسه بنحاول نوصل للكاميرات اللي كانت في الشارع علشان نثبت إنه كان هناك لما هددكم، ولو عرفنا نثبت اللي عمله فيها مش أقل من ١٥ سنة، ده تهديد بإعتداء جنسي وده غير التهديد بالضرب اللي حصل في الحجز، دي بقى لو عرفنا نثبتها سعيد غانم هياخد عشرين سنة أو مؤبد
اتسعت عيني شروق بأمل وهى تنظر إلى الهاتف القابع بين يديها ثم رفعته أمام أعين يونس قائلة :
-انا معايا تسجيل على اللي عمله سعيد، وفيه كمان قال إن هو اللي حرض الستات في الحجز على إنهم يضربوا نور وهددها لو متنازلتش هيخدرها ويصورها مع راجل وهو بيعتدي عليها ويبعتها لعمامي
رمش يونس بأهدابه عدة مرات بعدم استيعاب فكيف حصلت على دليل كهذا :
-وانتي معاكي ازاي تسجيل؟ سجلتيه إزاي أصلًا؟!
أخفضت شروق يدها ثم قالت بنبرة مرهقة من كم الأحداث التي تمر بها :
-حطيت التليفون في الكُم وشغلت تسجيل وانا مخبية التليفون وراء نور وكنت لاصقة فيها علشان كده محدش خد باله
أتسعت البسمة على وجه يونس فحمزة سيقفز من فرط السعادة عندما يرى هذا الدليل، أخذ منها الهاتف ثم قال ببسمة مشاغبة لم تظهر عليه من قبل لها :
-انا مقولتش كده لبنت في حياتي بس انتي عسل
رمقته الأخرى بنظرة بلهاء وظنت أنها قد أخطأت السمع فكلمة كهذه لأ تخرج أبدًا من شخص يمتلك شخصية كشخصية يونس
تحرك بسرعة من أمامها قائلًا بجدية :
-لازم عمامك يسمعوا ده علشان لما يعرفوا إن معانا دليل يحبس سعيد غانم وابنه مش هيجبروا نور تتنازل عن القضية
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
فتح إسماعيل الغرفة القابعة بها نور ليلج حمزة ثم دلف هو خلفه وأغلق الباب، وعلى أثر هذا أدارت نور رأسها وأبعدت عينيها عن الممرضة التي كانت تفحص ضغط الدم لديها ليقول إسماعيل وهو ينظر إلى ضغط دمها :
-ضغطك واطي شوية أكيد من قلة الأكل
لم تبالي كثيرًا بما قال ولن تكذب إن قالت أنها فقدت الشغف للحياة من كثرة الظلم الذي تعرضت له، وفي هذه اللحظة لم ترد إلا الحضن الحنون الذي يحتويها لذا قالت بنبرة مرهقة خافتة بالكاد وصلت لهم :
-انا عايزة ماما هى فين؟!
نظر إسماعيل نحو الممرضة فقالت الأخرى بعملية :
-والدتها مكنتش سيباها لحظة وخرجت مع رجلين والممرضة براءة من شوية واكيد راجعة تاني، انا هاروح ابلغها إنها فاقت دي كانت هتتجنن عليها
-لأ مش دلوقتي عشر دقايق كده وقوليلها
نطق بها حمزة وهو يجذب أحد المقاعد الموجودة وجلس عليه بجانب الفراش فنظرت الممرضة لإسماعيل وهو بدوره أشار لها بالخروج وظل مع نور وحمزة في حين أتى خاله أو زوجة خاله فلا يكون حمزة ونور في موقف سئ حينها
نظر حمزة إلى كف نور الموضوع فوق الغطاء وفوق صدرها تمامًا، ربما يعلم الخطأ من الصواب، والذي يجوز والذي لا يجوز ولكنه ضعف أمام ضعفها وامسك بكفها الناعم بين كفه الضخم نوعًا ما ثم قال بجدية :
-انتي مش هتتنازلي عن القضية
حاولت نور جذب يدها منه بضعف ولكن لا طاقة لها فهى بالكاد تستطيع فتح جفنيها من أثر المنوم والآخر تمسك في كفها أكثر وعاطفته هى ما تحركه الآن :
-انا مش هسيبك تضيعي حقك
-هما ضيعوني خلاص انا مش كد الناس دي من الأول.... انا اتكسرت يا حمزة
نطقت بها بوهن شديد وقد أدمعت عينيها بشكل لا إرادي منها فقال الآخر بقوة :
-متقوليش كده انتي سليمة محدش عملك حاجة ولا لمسك وانا والله لاجيبك حقك منهم كلهم، مش عايز بس غير حضورك بكرة في المحكمة
هزت رأسها يمينًا ويسارًا بتعب رافضة تحدي ذلك الرجل :
-مش هيسيبني في حالي حتى لو حبست ولده
-وانا هحبسه هو وابنه هخليه يدفع تمن اللي عمله من عمره ومن فلوسه
ابتلعت لعابها بصعوبة وكأنه شفرات مسننة لتهبط دموعها بضعف شديد فتمسك الآخر في كفها بيديه الاثنين ثم قال بجدية وصوت مُحِب :
-مش عايز غير حضورك بكرة خليكي واثقة فيا انا، والله وانا حلفت ليكي هجيبلك حقك يا نور
-حمزة سيب ايدها مينفعش كده
نطق بها إسماعيل فور ملاحظته لهذا فقال الآخر بمازح يحاول بها رسم بسمة على وجه هذه المسكينة :
-قلبي مش مطاوعني بصراحة
جذب الآخر ذراع نور ووضعه فوق صدرها كما كان ثم جعل حمزة يقف معه هاتفًا بجدية :
-خلاص كفاية كده وسيبها ترتاح هى لسه تعبانة وأثر المخدر فيها، هى تقريبًا مش واعية انت قولت ايه وهى ردت بإيه
آماء حمزة بإيجاب ثم نظر إلى نور بنظرة اخيرة قائلًا :
-خلي بالك منها يا إسماعيل ومتخليش حد يدخل عندها
دفعه الآخر أمامه حتى يخرج ثم أغلق الباب على نور وفور أن أستدار وجد خاله وزوجته قادمين مع يونس وشروق، وما إن وقف علي أمام حمزة حتى قال بنبرة جادة :
-انت كنت بتعمل ايه جوا عندها؟؟
حاول إسماعيل التبرير حتى لا يقع حمزة وتهوره في مشاكل ولكن الآخر قد سبقه وقال بجدية :
-كنت بقولها متتنازلش عن القضية، هى بقيت معايا خلاص بشهود وأدلة
عارضته صفية بخوفها على ابنتها قائلة :
-وانت فكرك هو هيسيبها دول ناس واصلة وانا مش هرمي بتي في النار
-ده هو اللي هيترمي في السجن بعد التسجيل ده خلاص القضية دي مبقاش فيها خوف
نطق بها يونس وهو يرفع أمامهم الهاتف الذي كان مع شروق فقالت الأخرى حتى تطمئن خالتها :
-خالتي انا سجلت لما كنت معاها والتسجيل فيه صوت سعيد وهو بيهدد نور وفيه قال إن هو اللي خلى الستات يضربوها في الحجز علشان تتنازل، يعني كده هو رايح في داهية
ابتسم حمزة متعجبًا لحكمة ربه فبعد أن ضاقت على نور من كل إتجاه ها هو يفرجها عليها، بينما لم تكن صفية على علم بمثل هذه الأشياء فهى امرأة بسيطة لا تفهم الكثير لذا قالت بإستفهام :
-يعني كده هو كمان هيتحبس؟!
وابتسم لها حمزة بثقة عالية وقد التمع المكر والخبث في عينيه :
-ده عملها ترويع بإعتداء وفضيحة علشان تتنازل، وحرض على ضربها وعندنا تقرير يثبت إن دراعها اتكسر وعندها جرح نافذ وعميق في جنبها وجرح تاني في راسها غير الكدمات والحالة النفسية اللى بقيت صفر، ده انا هجيبله مؤبد بدول وهدخله هو وابنه السجن بتذكرة واحدة
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الخامس وخمسون 55 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
بحب آخر فصل علشان التعليقات فيه بتبقى كتيرة أوي والكل بيقول رأيه في الرواية حتى الصامتين
بعضكم وعدني بريفيو لما الرواية تخلص وانا أطالب بهذا الريفو، صحيح الرواية لسه مخلصتش بس على الأقل خلصنا الجزء الأول والرواية دي بجد أهم رواية انا عملتها بسبب واقعيتها انا نفسي كتبت شخصيتي جوا الرواية، ومش هقول مين طبعًا
طبعًا لسه فاضل على رمضان أكتر من ١٥ يوم فـ لحد العيد كتير ٤٥ يوم أو أكتر حتى وهتنسوا الرواية، فأنا قررت ننزل كام فصل علشان الأحداث متنسيش بس مش هنزل كتير ولا بمواعيد، هنبدأ بمواعيد بإذن الله بعد العيد
بالنسبة لأمتى هنزل أول فصل فأنا هاخد إستراحة الأول وبعدها نشوف وانتوا وكرمكم لو شوفت ريفيوهات تفرحني عن رأيكم في الرواية في جروبات الفيس وعد أنزل أول فصل قبل ما رمضان يبدأ
انا بنزل بإنتظام ومفيش غير مرة او اتنين طول الرواية اعتذرت فيها عن الفصل فأعتقد ريفو ترويجي كده مش خسارة فيا، واوعوا تنسوا المنشن ليا طبعًا
الفترة الجاية استنوا مني اقتباسات كتير علشان حسيت أغلبكم قفل من الرواية من وراء اقتباس شروق ويونس وحبيت أوضح إن الاقتباس ده بعيد أوي في الجزء التاني واللي هيكون أحلى من الأول بكتير
مش هكدب وأقول مفيش فيه مصايب بس أوله عكس أول الجزء الأول هنا بدأنا مصيبة نور وتوالت الكوارث، التاني بقى هناخد فيه مش أقل من ١٥ أو ٢٠ فصل أحداث عائلية وكوميديا وأفراح وهناخد جولة في الصعيد زي ما اخدنا في إسكندرية
وكفاية حرق كده واسيبكم في الفصل الأخير، تعليقات كتير بقى ❤️
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
هبطت من سيارة ابن عمتها إسماعيل بمساعدة والدتها وشقيقتها لتقف أمام مبنى ضخم لم تره قبلًا إلا في التلفاز، كل الأحداث التي تمر بها لم يسبق وأن مرت بها، فقط كانت تشاهدها في الأفلام والمسلسلات، ووالله لو كانت تعلم أن الدنيا بكل هذا الظلم ما برحت منزلها
أسندتها والدتها حتى تصعد الدرج الذي أمامهم وخلفها والدها وأعمامها كلهم وزوج عمتها وعمتها أسماء فلم يتركوها في مثل هذا اليوم، شعرت بالطمأنينة قليلًا بوجودهم وأن لها ظهر ولكنها أرادت أن ترى الدفاع
أرادت أن ترى المحامي الذي سيدافع عنها ومن وعدها بأنه سيخرجها من هذه القضية، أرادت أن ترى حمزة بين الموجدين ولكنه على الأرجح سيتأخر مثل يوم تحقيق النيابة
توقفوا بداخل المحكمة لكن لم يلجوا للقاعة بعد فلازال هناك بعض الوقت أمامهم، اقترب علي من عثمان الذي كان موجود هو أيضًا ومعه زوجته وابنته رحمة التي ستكون شاهدة :
-حمزة ولدك فين؟! هيتأخر زي ما اتأخر يوم تحقيق النيابة
نفى عثمان وهو يدعوهم للجلوس في مكان ولا يقفوا في المنتصف هكذا :
-هو هنا بقاله نص ساعة مع كام زميل ليه وبيخلص الإجراءات ما هى مش هتدخل علطول
جلست نور على المقاعد الموجودة ثم همست لوالدتها قائلة بنبرة متوترة :
-ماما عايزة أشرب
-تشربي؟! حاضر دقيقة
جلست براءة مكان خالتها التي اتجهت إلى حسن تطلب منه أن يحضر زجاجة ماء، فمالت قليلًا على نور قائلة بنبرة خافتة :
-أقولك على حاجة تفك التوتر عنك شوية
نظرت لها الأخرى بإنتباه فأكملت الأخرى وعلى شفتيها بسمة عابثة :
-تعرفي حمزة الليل كله سهرانة جنبك في المستشفى من برا أوضتك ومروحش
أكملت عائشة على حديثها إذ كانت تجلس بجانب نور على الناحية الأخرى :
-حتى سمعت ماما قالت لبابا كده وكل لما تطلع تلاقيه قاعد ومعاه حسن وصِعب عليها قوي وكل مرة تقوله روح روّح وحسن معانا ميرضاش ويقولها مش مآمن لسعيد غانم ممكن يبعت حد يعمل لنور حاجة
ارتفعت بسمة على وجه نور وشعرت بمشاعر مختلطة سببت لها فراشات داخل معدتها وقد ارتفع نبضها لشعورها بالسعادة، الآن فقط علمت مكانتها عند حمزة فما كان ليجلس في البرد ويسهر الليل كله إن لم تكن غالية على قلبه، ما كان ليهتم بأن يحرسها بنفسه إن لم يكن يخاف عليها ويحبها
اعتدلت في جلستها وقد أدعت الجدية حتى لا تظهر أمامهما كـبلهاء عاشقة :
-طب سيبوني في الهم اللي انا فيه دلوقتي
ارتفع إحدى حاجبي براءة بتهكم قائلة :
-طب ماشي خليكي في الهم اللي انتي فيه، وحمزة هناك أهو
رفعت نور نظرها سريعًا تبحث عنه بعينيها فقالت براءة ضاحكة عليها :
-كارفة للواد وانتي هتموتي عليه؟! عجبت لك يا زمن
ضحكت عائشة وقد ضربت كفها بكف براءة فحدقت بهما الأخرى بغيظ ثم نادت على والدتها قائلة :
-يا ماما قَومي الإتنين دول من جنبي جابولي صداع
واستقامت براءة بالفعل قبل أن تأتي خالتها صفية ثم اقتربت من يوسف الذي يتحدث في الهاتف متسائلة :
-يوسف هو ابن عمك هيجي أمتى؟؟
انتبه لها الآخر وقد أغلق الهاتف مع يونس ثم أجابها :
-هو أصلًا هنا بس بيخلص الإجراءات ومعاه يونس
آماءت الأخرى وكادت تعود لمكانها ولكنه استوقفها متسائلًا :
-براءة طب بالنسبة لينا إحنا هنأجل ولا ايه؟؟
-نأجل ايه؟!
-خطوبتنا كان المفروض تبقى بعد خطوبة رقية بحاجة بسيطة بس يعني اللي حصل ده هيأجل الموضوع أكتر
ارتبكت براءة وظهر عليها هذا ليس عليها أن تعطيه كلمة، فالكلام في هذه الأمور يكون مع والديها لذا قالت منسحبة :
-مش عارفة يا يوسف اسأل بابا
استوقفها مرة أخرى ووقف أمامها قبل أن تذهب قائلًا :
-طب هو انتي هتسافري معاهم لما يسافروا؟! انا سمعت عمي محفوظ بيقول إنهم هيسافروا بكرة بعد إعفاء نور إن شاء الله يعني، وهياخدوها معاهم فهل انتي هتسافري كمان
نفت براءة هذا مجيبة عليه بما تعلم :
-لأ انا مش هسافر علشان لسه سنة الإمتياز مخلصتش بس نور هتسافر وشروق كمان علشان الإمتحانات عندها اتلغت بعد المصايب اللي حصلت هناك وعائشة مش عارفة علشان أصلًا امتحاناتها لسه مخلصتش وأول إمبارح راحت الكلية والله أعلم عملت ايه في امتحانها
-طب انتي هتفضلي قاعدة في الشقة مش كده؟!
-لأ طبعًا مش هقعد وحدي هاروح عند عمتي أسماء
نادى حسين على ابنته عندما رآها تقف مع يوسف فنظرت بسرعة نحوه ثم عادت بنظرها إلى يوسف قائلة :
-ابويا هيعلقني سلام
تحركت من أمامه بسرعة بالتزامن مع ظهور سعيد غانم وزوجته وابنه وبرفقتهم المحامي الذي كان موجود يوم تحقيق النيابة، استقام علي واخوته له وفي رأسهم شئ واحد فقط وهو أن هذا الوغد كان على وشك أن يضيع في شرف ابنتهم
اقترب منهم محفوظ وإسماعيل وعثمان حتى لا يختلقوا مشكلة معهم في وسط المحكمة ولكن علي أبى أن يمر الأمر هكذا فقال بنبرة خشنة قوية وهو يحاول إبعاد ذراع إسماعيل الذي يمسك به :
-لو فاكر الموضوع عدى كده فالحساب بيجمع وكل اللي عملته في بتي هيتردلك
توقف سعيد ونظر إليه بقوة فقام المحامي بدفعه أمامه بخفة قائلًا :
-سعيد باشا متردش عليه، كأنك مسمعتش حاجة
تحرك معه بالفعل ليبصر حمزة قادم من بعيد برفقة شابين آخرين يعرف أن أحدهما يكون ابن عمه والآخر لا يعلم من هو
ابتسم له حمزة وقد غير طريقه نحوه ووقف أمامه قائلًا ببسمة بلاستيكية :
-اتصلت على حضرتك إمبارح بس مردتش كنت عايز أقولك حاجة مهمة أوي
انتبه الآخر لما قد يقوله فقال :
-تقولي ايه؟؟
-كنت هقولك لو راجل تعالي خدها زي ما قولت، صحيح مجتش ليه خدتها يا سعيد باشا ولا انت مش قد كلامك؟!
ابتسم له سعيد بسمة جانبية ثم قال :
-انا مش عارف انت بتتكلم عن ايه؟!
رد له الآخر نفس البسمة مقتربًا منه خطوة قائلًا :
-لا يا باشا عارف بس عامل أهبل، كنت برضو عايز أقولك جهز مبلغ حلو كده وممكن يكون بالملايين بما إنك غني ما شاء الله، ومش هقولك المبلغ ده ليه هخليك تتفاجئ جوا
تخطاه متجهًا إلى نور والبقية وقد انقلبت ملامحه إلى الهدوء وما إن وقف أمامهم حتى قال دون النظر إليها مباشرةً فهو يعلم إن نظر إليها لن ينزع عينيه عنها :
-خمس دقايق وهندخل، الشهود كلهم جاهزين ودفاع سليم هو اللي هيبدأ فمهما تسمعوا جوا منهم محدش ينفعل أبدًا، دي محكمة يعني مفيش صوت فيها خالص
-طب انا هقول حاجة لما أدخل
نطقت بها نور متوجسة فنقل حمزة عينيه نحوها محدقًا في ملامحها المرهقة، لقد بهتت ملامحها من شدة التعب كما أن الكدمات على وجهها لا يزال لها أثر، تنحنح منظفًا حلقه ثم قال :
-لو القاضي طلب منك تتكلمي اتكلمي ولو انا حسيت إن السؤال مش هتقدرى تجاوبي عليه هجاوب انا
ارتفع نداء العسكري عليهم فانقبض قلب نور بشكل تلقائي متمسكة في ذراع والدتها فربتت الأخرى عليها قائلة بحنو :
-متخافيش يا ماما هتطلعي منها إن شاء الله قومي يلا وقولي يارب
استقامت معها الأخرى مناجية ربها بينها وبين نفسها ثم ولجت مع عائلتها إلى قاعة المحكمة وقد وجدت بها عائلة سليم وعدد من الناس اتو لرؤية المحاكمة، وعدد من الصحافة من أجل أن يعلموا الحكم وينشروه على الأخبار لروي فضول الرأي العام
جفلت عندما أمسك بذراعها عسكري متجهًا بها نحو القفص الحديدي الموجود في القاعة، لتنظر بسرعة وفزع نحو حمزة والآخر هدأها قبل أن تتحدث :
-اهدي ده إجراء لازم تدخلي القفص وكمان سليم هيدخل، انا مش عايزك تخافي
-لأ انا خايفة
نطقت بها بخوف وهى تطلب منه فعل شئ، لكنه ليس بيده شئ فهذا إجراء ضروري وسليم ليس المتهم فقط بل هى أيضًا، جذبه العسكري معها بخفة وأدخلها القفص ثم ولج خلفها سليم وكلاهما بنفس مشاعر الخوف والتوتر، كلاهما يجربان هذا لأول مرة، كلاهما يتعرضان لهذا الموقف لأول مرة، كلاهما متهمان ولكن أحدهما ظالم والآخر مظلوم
أحضر العسكري مقعد وجعلها تجلس عليه نظرًا لحالتها الصحية بينما بقى سليم واقفًا، جلست نور بخوف تكاد تجزم أن جسدها يرتعش من الرهبة والرعب النفسي الذي تعيشه لرابع مرة على مدار هذا الأسبوع
الأولى حين تحرش بها سليم
الثانية حين وضعوها في الحجز
الثالثة حين هددها سعيد بالفضيحة والإعتداء
وها هى الرابعة في المحكمة متهمة بقضية إعتداء على طالب قد تُسجن بها لخمسة عشر عامًا
اقتربت منها عمتها ووالدتها لتعطي لها أسماء منديلًا ثم قالت بحزم رغم حزنها وخوفها على ابنة أخيها :
-أمسحي عينيكي وامسكي نفسك شوية وإن شاء الله إن شاء الله هتاخدي براءة وترجعي معانا
مدت صفية يدها من داخل القضبان الحديدية ومسحت على رأس ابنتها قائلة :
-متخافيش يا نورهان ومتبكيش انتي اللي على حق مش هما
-مـحكـمـــــة
نطق بها أحد العساكر المكلف بنطق هذه الكلمة لكي تصمت القاعة بأكملها وينتبه الجميع لحضور القاضي والمستشارين، ابتعدت أسماء وصفية وجلسا في أماكنهما تاركين نور ينبض قلبها برعب وفزع، ومن قوة نبضاته بدأ صدرها يؤلمها، ومع كل كلمة ينطق بها القاضي يزداد خفقان قلبها
بدأ وكيل النيابة والذي يكون موجودًا في المحاكمات دائمًا وكان قوله لا ينحاز لأي طرف بل ينطق بما تدور حوله القضية :
-سيدي القاضي نحن أمام قضية مهمة وليست أول قضية ولن تكون آخر قضية طالما النفس الأمارة بالسوء في نفوس البشر، سليم سعيد غانم متهم بالتحرش جنسيًا بعدد فتيات ما بين سن الثالثة عشر إلى الخامسة عشر وآخرهم معلمته وقد قُدمت دعوة ضده بأنه فعل هذا في الفصل أثناء أداء إختبار للصف الثالث الإعدادي، وعلى الصعيد الآخر نور علي صفوان وهى المعلمة التي تدعي أنه تم التحرش بها من قبل طالب في الصف الثالث الإعدادي وقد قدمت دعوة ضدها بأنها تغري الشباب مختبئة أسفل الحجاب والعفة وقد قال سليم أنها حاولت إغراءه في وسط الفصل أثناء انشغال الجميع بالاختبار وقد قام بدفعها وإسقاطها أرضًا بعيدًا عنه لتقوم بقلب الآية عليه وانهالت بالضرب عليه مدعية أنه قام بالتحرش بها
نظرت نور إلى سليم بصدمة من الظلم والافتراء الذي يقال عليها وهى من تنتفض إن لمسها رجل، تحدثت بنبرة مصدومة وهى ترمق سليم بنظرات حارقة :
-انا أغريتك!! ده انا حافظة كتاب ربنا وعمري ما احتكيت براجل في حياتي؟!
طرق القاضي بمطرقته فصمتت نور مقهورة بينما قال القاضي بصوت مرتفع :
-سليم سعيد غانم المهدي، الدفاع يتقدم
استقام المحامي الخاص بسليم من مكانه واقترب من منصة الدفاع ثم حمحم منظفًا حلقه وقال :
-كمال سيف الدين المحامي حاضر مع المتهم سليم سعيد غانم، سيدي القاضي دايمًا بنسمع إن واحد اتحرش بواحدة أو عاكسها بس إحنا دلوقتي قدام حالة مختلفة تمامًا، قدام معلمة بتستغل الطلاب وتشبع شهواتها بإغراءهم ومستخبية تحت حجاب وشكل لطيف وخجل زائف، وموكلي واحد من الضحايا اللي عملت معاهم كده لتتجرأ في نص اللجنة الإمتحان على فعل هذا، ولما صدها موكلي قلبت الترابيزة عليه وقالت اتحرش بيا وانهالت عليه بالضرب وتم تصويرها والفيديو نزل على مواقع التواصل الإجتماعي يا سيادة القاضي
سحب حاسوبه المحمول وقام بتشغيل ذلك الفيديو وعرضه على القاضي والمستشارين ثم أحضر عدة أوراق وقدمها لهم أيضًا ثم قال :
-وده تقرير طبي عن حالة موكلي وعندنا شهود تثبت إن المدعوة نور قامت بإغراءهم اتمنى من سيادتك تسمع شهادتهم
نظرت نور إلى من دلفوا وقد كانوا طلاب في المدرسة التي تعمل بها ولكن لم يسبق أن تحدثت معهم من الأساس حتى تغريهم، توقف أحدهم أمام منصة الشهادة ليقول القاضي له :
-قول والله العظيم هقول الحق
ردد الفتى خلفه قائلًا :
-والله العظيم هقول الحق، انا خالد ثابت خيري في سنة تالتة إعدادي والمس نور جات المدرسة من حاولي تلات شهور بس مش من أول الترم، هى هادية زيادة عن اللزوم ومش بتحب تتكلم مع حد، عمري ما كنت أشك إنها تعمل كده بس عملت
-عملت ايه؟!
وأجابه الآخر دون النظر إلى نور ولو بنظرة حتى :
-في آخر الحصة كنت بسألها على كام سؤال وكان الكل خرج من الفصل ولقيتها بتبص ليا بطريقة مش كويسة وبدأت تلمس دراعي أوي وتتكلم كلام غريب انا نصه مفهتهوش بس مكنش كلام كويس كان كلام وحش مش هينفع أقوله
أدمعت عينيها وارتفعت وتيرة تنفسها بقهر تسمعهم يفترون عليها بل ويحلفون بالله أنها قامت بإغراءهم والتحدث معهم بكلمات هى نفسها قد لا تفقه معناها
أغمضت عينيها بقوة وضغطت بكفها على جرحها لا تريد أن تسمع المزيد من الإفتراء، لا تريد أن ترى أعين والديها المتحسرة عليها، لا تريد أن ترى نظرات سعيد الشامتة بها، لا تريد أن ترى نظرات الشفقة من باقي العائلة، ولو تستطيع إيقاف هذه المحاكمة ستفعل
ليتها تنازلت من البداية حين طلبت منها شقيقة سليم هذا، لَما كانت في هذا المكان الآن، في وضع إتهام، تستمع لإتهامات تلقى عليها ما كانت لتفكر بها فقط لا أن تسمعها
شعرت بدوار يلفحها ونفسها يضيق وهى تستمع إلى القاضي يوجه حديثه لسليم :
-سليم المُدرسة نورهان عملت معاك ايه في الفصل؟!
نظر لها الآخر بطرف عينيه ثم قال وهو ينظر أرضًا مدعي الحرج :
-لمستني بطريقة مش كويسة في منطقة حساسة فزقتها وقامت ضربتني بعصايا خشب وانا محستش بحاجة غير لما جات الإسعاف
فارقت بين جفنيها عندما استمعت إلى القاضي يناديها :
-نورهان علي صفوان مين عمل فيكي كده؟؟
نطق بها وهو ينظر إلى حالتها المزرية فقالت الأخرى دون أن تتنظر نظرة من أحد، بل رمقت سليم بجانبها بكره وحقد، لم تحقد على أحد في حياتها قدر حقدها الآن على سليم :
-أبوه عمل كده قال للستات في الحجز يضربوني، كسروا دراعي وقطعوا شعري وضربوني بسكينة في جانبي وقبل ده كله قالولي، شكلك على نياتك ومش بتاعت مشاكل بس إحنا قبضنا بقى علشان نبعتلك رسالة تهديد ولازم ننفذ اللي قبضنا علشانه
-انا اعترض يا حضرة القاضي
نطق بها المحامي الخاص بسليم بإعتراض فسمح له القاضي بسماعه ليقول الآخر بجدية شديدة :
-اللي بتقوله ده كذب وافتراء على سعيد غانم والد سليم، هما الستات في الحجز ضربوها فعلًا بس لما استجوبهم الظابط في القسم قالوا إن نور هى اللي تطاولت عليهم علشان كده ضربوها وهما اخدوا جزاتهم على ده وتقدر بنفسك تستجوب مأمور القسم، وكمان الكلام ده اتذكر عند وكيل النيابة وحققوا مع الستات
قلب القاضي في الأوراق أمامه عن القضيتين ثم قال برسمية :
-عايز تقول حاجة كمان قبل ما الدفاع التاني يبدأ
أغلق الآخر قلمه ثم قال بنفس جديته حديثًا جعل نور ترتعش خوفًا :
-عايز أقول اللي زي المعلمة دي مينفعش يبقوا معلمين ونآمن ولادنا عليهم، كنا بنخاف من المعلمين الرجالة في الأول ودلوقتي هنخاف على ولادنا من الرجالة والستات طالما أمثالهم موجودين في المجتمع، لذا يا سيادة القاضي انا بطالب بتوقيع عقوبة قاسية عليها على ما فعلته في حق هؤلاء الطلاب والمراهقين وقد تركت لهم عقد نفسية لن ينسوها، ومين عارف كام طالب وولد حاولت الأستاذة دي إغراءه
قبضت على ملابسها بقوة تشعر أنها على شفا جرفٍ من الإنهيار، وعقلها قد طرح على نفسه سؤال، ماذا سيحدث إن تم سجنها؟!
سوف يتدمر مستقبلها وليس هى فقط بل مستقبل شقيقتها التي ستكون شقيقتها رد سجون، تصبح وصمة عار في العائلة وعلى والديها إلى أن تموت، لن ينظر إليها أحد حتى إن قضت عقوبتها وخرجت
رفعت نظرها إلى حمزة لأول مرة منذ بدأت المحاكمة لترى ملامحه جامدة تمامًا وكأنه لا يبالي بكل ما قيل، حسنًا ولما قد يبالي فهى من ستسجن وليس هو، وقد يتركها تمامًا ولا يهتم لها إن خسرت القضية
-دفاع نورهان علي صفوان يتقدم
استقام حمزة من مكانه عندما أتى دوره ليتقدم بهدوء يحسد عليه إلى منصة الدفاع، ماررًا من الجانب المحامي الآخر فابتسم له ولم يمنع نفسه من قول هذا :
-احييك على الدفاع ده كنت ممتاز بصراحة وده متوقع من محامي بخبرة زيك، بس أسمع بقى دفاعي انا اللي أصغر منك بخبرة وسن واتمنى تقيمني
تبدلت ملامحه تمامًا حين وقف على المنصة ليقول بصوت مرتفع مرتديًا ثوب المحامي الذي لا يتعامل بشخصيته إلا في قاعة المحكمة فقط :
-حمزة عثمان هواري حاضر مع المتهمة نورهان علي صفوان، سيدي القاضي قبل ما أبدأ بالدفاع عن موكلتي هقول حاجة تدور حول أحداث القضية، التحرش لو كان سببه الجهل، فلماذا يتحرش المعلم والأستاذ الجامعي والدكتور؟ لو كان سببه الفقر، لماذا يتحرش رجل الأعمال؟؟ ولو كان سببه تأخر الزواج، لماذا يتحرش المتزوج وأب البنين والبنات؟ ولو كان سببه الكبت الجنسي، لماذا يتحرش ذو 14 سنة، لو كان سببه لباس المرأة، لماذا يتم التحرش بالمنتقبة والمختمرة؟! التحرش الجنسي لو كان سببه جسم المرأة و قوامها المثير لماذا يتم التحرش بـ الأطفال؟! إحنا قدام قضية متكررة لا هى الأولى ولا الأخيرة وانا بصراحة عمري في حياتي ما سمعت واحدة اتحرشت، يمكن موجود بس نادر وعايزك تبص على موكلتي يا سيادة القاضي بقى ده شكل واحدة تغري طالب ولا تتحرش به
-وهى بالشكل يا متر؟!
نطق بها المحامي الآخر بنبرة ساخرة فقال له حمزة مبتسمًا بإتساع :
-صح معاك حق والله عمرها ما كانت بالشكل، سيادة القاضي إحنا قدام قضيتين ضد بعض مش عارفين مين الصادق ومين الكذاب مين اللي اتحرش بالتاني وزي ما سليم عنده شهود إن المُدرسة نورهان بتغريهم انا عندي شهود يثبتوا إن نورهان طول فترة وجودها في المدرسة محترمة ومهذبة ومش بتاعت مشاكل، المدرسين والمدير وكمان الطلاب يشهدوا بكده، أقربهم ليها هاجر حاكم زميلة ليها في المدرسة وكانت بتقضي معظم أوقات الفراغ معاها وهى كانت موجودة في نفس اللجنة ونفس الفصل يوم ما حصل حادثة التحرش اتمنى تسمع شهادتها
نادى القاضي على هاجر باسمها الثلاثي فاستقامت الأخرى من مكانها وتقدمت نحو منصة الشهادة ملقية بنظرة داعمة نحو نور، وما إن وقفت على المنصة حتى قال القاضي :
-قولي والله العظيم هقول الحق
-والله العظيم هقول الحق
-ايه هى معرفتك بالمدعوة نورهان وهل شهدتي عليها أي تصرف من المتهمة به
نفت هاجر كلامه هاتفة بصدق :
-انا اتعينت جديد في المدرسة واتصاحبت على نور علشان هى شبهي هادية ومش بتحب تختلط بالكلام مع حد ومكنتش أصلًا بتتأخر لما الحصة تخلص دي بتطلع قبل الطلاب وأغلب قعدتنا في الفسحة مع بعض وعمري ما شوفت عليها حاجة من الإتهامات دي، نور بني آدمة محترمة وكل الطلاب والمدرسين يشهدوا بده، حتى هى كانت بتنصح البنات بالحجاب الصحيح، ولو شافت ولد وبنت بيختلطوا جامد ببعضهم بتقولهم إن ده حرام ومينفعش
-ايه اللي شوفتيه في اللجنة لما حصلت حادثة التحرش
نظرت الأخرى إلى سليم بغضب ثم قالت :
-انا كنت واقفة جنب طالب سألني على سؤال في الإمتحان واخدت بالي إن نور اتحركت ناحية سليم وسألته سؤال وهى باصة في ورقته وكانت بعيدة عنه وكانت هتمشي بس هو نادى عليها تاني وشوفته بيشاور ناحية الولد اللي جنبه في الكرسي التاني، انا مفهمتش الإشارة دي ولما نادى الولد ده عليا عمل نفسه اتكعبل وزق نور على سليم كأنه بيسند عليها
ازدردت لعابها بصعوبة ثم أكملت بضيق شديد احتل صدرها :
-زنقوها وسطهم هما الاتنين واتحرشوا بيها انا شوفتهم، نور وقعت على الأرض مصدومة وانا كنت هتخانق مع الولدين دول وهما انكروا وقالوا كانت هتقع وسندوها مش زي ما سليم قال دلوقتي، بعدها هى قامت وفي ايدها عصايا خشب كانت واقعة جنب الدروج ومن قهرها قعدت تضرب فيهم زي ما باين في الفيديو اللي انتشر
-مين هو الولد التاني ده اتذكر بس سليم في المحضر
وهنا تحدث حمزة مكملًا مرافعته إذ قال :
-الولد التاني ده يبقى سمير جوزيف ملاك طالب في تالتة اعدادي واتذكر في المحضر بس هو خاف وهرب من المدرسة ومعرفوش يجيبوه حتى من العنوان اللي اتذكر في ملفه في المدرسة، لما البوليس راح هناك قالوا إن العيلة كلها نقلت من غير سبب ومحدش يعرف عنوانهم الجديد ونظرًا لحالة والد سمير المادية هو ميقدرش ينقل فجأة كده إلا إذا
ترك جملته معلقة ونظر نحو سعيد غانم ثم أضاف :
-ظهرله حد يساعده على النقل أو اداه فلوس علشان يختفي هو وعيلته خاصةً ابنه سمير
-انا بعترض يا سيادة القاضي هو كده بيتهم والد موكلي
نطق بها المحامي الآخر فرفض القاضي هذا الإعتراض قائلًا :
-إعتراضك مرفوض، كمل يا متر
ابتسم حمزة ثم نظر إلى القاضي مكملًا :
-انا بطلب من سيادتك تسمع شهادة الشاهد اللي هيدخل دلوقتي وانا متأكد إن شهادته هتغير مجرى القضية
نظر حمزة نحو باب القاعة مثله مثل باقي الموجدين حتى نور وسليم انتبهوا للشاب الذي دلف مع العسكري والذي ما إن رآه سليم حتى دب الفزع أوصاله بخوف من القادم، فهذا سمير والذي قام والده بإخفاءه هو وعائلته حتى لا يشهد بما حدث في الفصل وأنه هو من أشار له بأن يدفع نور نحوهه
ابتسمت نور بأمل وقد استقامت من مكانها فشهادة سمير أهم من شهادة البقية وهى من ستخرجها من هذا المأزق، وهذا بالطبع إن شهد بما حدث
توقف سمير على منصة الشهادة وهو ينظر إلى سليم في القفص بخوف ولكن خوفه الأكبر كان من حمزة ويونس
تحدث القاضي وهو ينظر إليه بتركيز :
-انت سمير جوزيف ملاك؟؟
آماء الآخر بصمت فأكمل القاضي :
-قول والله العظيم هقول الحق
-والله العظيم هقول الحق
-ايه اللي حصل يا سمير في الفصل وهل تعرف المُدرسة نورهان
حدق الآخر في نور من خلف القضبان ثم إلى حمزة الواقف بجانبه :
-انا معرفهاش كانت جاية ضمن المراقبين علينا من مدرسة تانية، كنت في اللجنة قاعد بحل الإمتحان وشوفت المُدرسة دي قربت من سليم وسألته عن حاجة في الإمتحان معرفش هى ايه، سليم نادى عليا وشاورلي بحركة إن ازقها عليه وانا عملت كده فعلًا وزقتها عليه
أكمل سمير سرد ما قد حدث دون الكذب في كلمة فقد أتاه هذا المحامي المدعو حمزة أمس هو ورجل شرطة وقاموا بالقبض عليه لأنه تحرش بمعلمة، قال له الشرطي أن مدة العقوبة قد تكون هينة إن قال ما حدث بالضبط دون كذب وها هو يدلي ما حدث لعل العقوبة تكون هينة كما قال
انتهى من الشهادة وقد استمع القاضي والمستشارين لباقي الشهود، مثل رحمة والمدير وكم طالبة قد تحرش سليم بهن، ليس جميع من تحرش بهن سليم قد حضرن فأغلبهن رفضن الشهادة بسبب الخوف ولكن البعض أصر على الشهادة وقول الحق دون الخوف من سليم وغيره
تحدث حمزة بجدية شديدة وهو يخرج فلاشة وجهاز حاسوب يكمل مرافعته :
-سيادة القاضي دي تسجيلات إمبارح لأكتر من كاميرا في إحدى شوارع ميامي وظهر فيهم موكلتي ومعاها بنت عمها وعمها ماشيين في الشارع وحصلت خناقة كبيرة وأتجمع الناس ووسط ده حد فتح باب جراج وشد نور وظاهر في التسجيلات بنت عمها وهى بتحاول تسحبها منهم فزقوهم هما الاتنين جوا وبعدها ظهر سعيد غانم هو وزوجته نزلوا من عربية ودخلوا العمارة نفسها وبعد ربع ساعة أو عشر دقايق خرجت موكلتي في حالة من الرعب هى وبنت عمها، حتى إنها وقعت على الأرض وفضلت تصرخ وتبكي
عرض المشهد أمام القاضي والمستشارين فجذب سعيد كتف المحامي له هامسًا بغضب :
-كمال اتصرف انا كده هاروح في داهية
وهمس له الآخر بضيق شديد غير متوقع هذا من حمزة فهو لا يعلم شئ عما فعله سعيد البارحة :
-اعمل ايه يا سعيد باشا، ازاي متقوليش على اللي عملته ده، لو رجعتلي كنت قولتلك بلاش المحامي ده دماغه سم وواضح عنده ناس في البوليس وقلب الموضوع علينا اهو لما عرف يوصل للولد اللي اسمه سمير
ابتسم حمزة لهما وقد كان يتابع حديثهما الهامس هذا ثم قال بصوت مرتفع :
-وعلى نفس الفلاشة يا سيدي القاضي تسجيل للـ حصل في العشر دقايق وده لأن بنت عم موكلتي سجلت كل كلمة اتقالت جوا وأحب كل اللي موجود في القاعة خاصةً الصحافة يسمعوا اللي حصل من سعيد غانم تاجر الدهب وهو بيهدد موكلتي بالإعتداء لو متنازلتش عن القضية
نظر نحو سعيد مبتسمًا له بمزاح سوداوي يرى وجهه الذي شحب بشدة هو وزوجته وابنته، حتى عاصم صُدم مما يسمع :
-شكلك جديد في موضوع التهديد ده يا سعيد باشا، هو حد يهدد حد في الصبح كده وفي وسط ميامي، طب كنت خطفتها على الصحراوي وفتشتها كويس قبل ما تهدد، معلش بقى تعيش وتاخد غيرها
ارتفع صوت زوجة سعيد وهى تترجى نور أن تتنازل عن القضية ثم أرتفع صوت سعيد المهدد لها، ابتسمت نور محدقة في ملامح سعيد وقد انتفض قلبها من شدة السعادة على نصر الحق لها بعد ظلم شديد عاشته وكرهت الحياة بسببه
جلس المحامي كمال مكانه، يستمع للتسجيل مثل باقي مَن بالقاعة، والآن لا فرصة لنجاة سليم ولا حتى سعيد، نظر عاصم إلى والده لا يصدق ما سمعه الآن، فحتى هنا مصدومة مما سمعت، أجل يعلمان مدى جبروت والدهما لكن لم يصل به الأمر قبلًا لتهديد فتاة بالإعتداء والفضيحة حتى ينقذ ابنه :
-بابا انت كنت هتفضح البنت بجد؟!
نطقت بها هنا بذهول شديد ولم تتلقى الإجابة منه لا هو ولا والدته التي كانت تجلس في حالة من الصدمة والقهر فالآن لن تفقد ابنها فقط بل وزوجها كذلك
تحدث عاصم بغضب مُزج بالذهول وهو يحادث والده :
-طب كنت فكرت الأول اللي هتخلي راجل يعتدي عليها ويفضحها دي مش بنت زيها زي بنتك، ذنبها ايه هنا تتاخذ بظلمك ووساخة ابنك، مسمعتش قبل كده عن جملة دان تدان يا سعيد باشا
-بس يا عاصم اسكت
نطق بها سعيد وهو بالكاد يستطيع التنفس فقال عاصم بغضب شديد وقد خرج عن طور هدوءه تمامًا :
-لأ انا مش هسكت على الحق تاني، في المرة الأولى سكتت البنت وخافت من أهلها وأديه أهو وراء القضبان وهيتحبس وهتتحبس انت كمان، لو كنا رجعناه في المرة الأولى مكنش حاجة من دي حصلت
استقام من مكانه ثم صاح بقوة خالعًا عنه ثوب الشيطان الأخرس :
-ســــيادة القاضي انا عايز أقول حاجة
استقامت معه والدته تمنعه من التحدث بشئ آخر يدين سليم أكثر :
-عاصم انت هتعمل ايه؟؟
أبعد عاصم يدها عنه بعنف ثم قال مبتعدًا عن مقاعد الجلوس تمامًا :
-ابعدي ما هو سكوتك ده هو اللي وصله للحالة دي، فضلتوا تلموا وراه لحد ما خلاص مبقاش فيه فرصة عنده للرجوع تاني
طرق القاضي بمطرقته بقوة حتى يصمت من بالقاعة :
-ايه الهرجلة دي لو سمحت أقعد مكانك
تقدم عاصم نحو منصة الشهادة ولم يستمع له بل قال بجدية وكم صعب عليه ما سيقول، فحتى ان كان سليم وغد حقير فللأسف هو شقيقه :
-انا عايز أضيف حاجة يا سيادة القاضي علشان اخلص ضميري، إحنا فشلنا في تربية سليم ويمكن السجن هو اللي يربيه، سليم فعلًا متحرش ومش أول مرة يتحرش بواحدة وانا نقلته من مدرسة محمد رجب في ميامي علشان هو اتحرش بطالبة هناك، ومؤخرًا اكتشفت إنه رفع مستوى التحرش وكان هيعتدي على اختي طليقتي وماسك عليها صور متفبركة علشان متبلغش عنه
نظر إلى سليم من وراء القضبان بخيبة أمل كبيرة ثم استرسل :
-ومين عارف كام واحدة عامل معاها كده، وكام واحدة ساب ليها ذكرى سودة مش هتنساها، وده كله وهو لسه ١٨ سنة، اخويا لازم يتحبس يا سيادة القاضي علشان يتربى ويبقى عبرة لغيره
تشاور القاضي مع المستشارين قليلًا ثم قال وهو يوجه حديثه إلى محامي سليم :
-هتضيف حاجة يا متر؟!
نفى كمال برأسه فالقضية هكذا انتهت ولا حاجة لإضافة كلمة أخرى :
-لا يا سيادة القاضي
وسأل القاضي حمزة نفس السؤال ليقول الآخر وهو يعدل من معطفه الأسود :
-ايوه يا سيادة القاضي أعتقد بعد اللي سمعناه من شقيق المتهم كده إتاكدنا إن سليم ترك عقله للشيطان واستباح حرمة الأجساد من أجل إشباع شهوة فانية، وبعد برضو سماع التسجيل اللي يثبت إن والده سعيد غانم حرض السيدات في الحجز على ضرب موكلتي ضربًا مبرحًا سبب ليها كسر في ذراعها، وجرح غائر في جانبها وآخر في جبينها، وكدمات في أنحاء جسدها ووجهها هذا غير الحالة النفسية التي أصبحت صفر بعد أن هددها بالإعتداء عليها وتصويرها وفضحها، وكل ده علشان ينقذ ابنه الفاسد من السجن، لذا ارجو من سيادتكم تطبيق عقوبة مشددة على كلاهما ليوكنا عبرة لمن يظلم ويستبيح حرمة الغير، بل وإلزام سعيد غانم بدفع تعويض مادي كبير على ما سببه لموكلتي من آلام جسدية ونفسية، وتوقيع محضر رسمي أنه لن يتعرض لها مرة أخرى بهدف الإنتقام أو ما شابه، انا كده خلصت يا سيادة القاضي
تحفزت الآذان وقرعت القلوب فور أن اختتم مرافعته، أصبح ميزان القضية غير معتدل الآن فتُرى من سيكسب هذه القضية ومن سيكون الخاسر، لكن الخسارة ليست هينة ابدًا فمن سيخسر هذه القضية ويقع عليه الحكم سيخسر مستقبله أيضًا
-الحكم بعد المداولة
هتف بها القاضي بصوت مرتفع وأخذ يتشاور مع بقية المستشارين، بينما هي سلمت أمرها للخالق فما عاد بأيديهم شئ ليفعلوه سوى انتظار حكم القاضي، فإما يكون الحكم لصالحها هي ويسجن ذلك النتن ابن سعيد غانم أو يكون لصالحه هو وحينها ستسجن هى وتخسر حاضرها ومستقبلها تمامًا
ابصرته يقترب منها بخطوات متمهلة إلى أن استقر أمامها يفصلهما هذه القضبان الحديدية فهتفت خائفة بصوت هامس فقد عم الصمت المحكمة في انتظار الحكم :
-هو... هو لو الحكم وقع عليا انا، ممكن... ممكن اتحبس كام سنة!؟
ضحك بخفة عليها فهل بعد كل هذا لا تزال ترى أنها ستُسجن :
-لأ انتي مش هتتحبسي انا قدمت دليل قوي، وبشهادة الشهود القضية بقيت معانا، اوعي تخافي
-في حالة خسرت يا حمزة ممكن اتحبس كام سنة قولي بالله عليك
وضع يده على القضبان ناظرًا إلى عينيها الباكية وقد تورم جفنيها من شدة البكاء ليقول بصوت قوي رغم خفوته وكم بدا واثقًا من براءتها :
-انتي مش هتتحبسي ولا يوم، ابن سعيد وأبوه هياخدوا جزاؤهم وهدفع ابوه دم قلبه تعويض على كل اللي عمله فيكي هو وابنه
ورغم أنها تعلم أنها ناجية ولكن وسواس بداخلها يقول ان الأمور ستنقلب، وكم بدت في حالة سيئة بطريقة آلمته وهي تقول :
-انا مش عايزة تعويض انا عايزة براءتي بس
لثاني مرة منذ تعرف عليها تجرأ وامسك بكفها حتى هي نفسها لم تنتبه بسبب بكائها وانشغال عقلها، ليقول بهدوء مخيف وعينيه اتجهت إلى سعيد بشماتة، يراه في عالم موازي وكأن هموم الدنيا أصبحت فوق رأسه، ومن يراه الآن لا يرى شكله يوم تحقيق النيابة :
-حقك هيرجع يا نور وزي ما وعدتك هخليه يدفع تمن اللي عمله من عمره وفلوسه
-مــحــكـمــة
حاولت سحب يدها من يده لكن الآخر كان مشددًا عليها بطريقة غريبة وقد أدار رأسه ناحية هيئة القضاة ينتظر بنطقهم للحكم، فإن حصلت نورهان على البراءة ستكون أهم قضية في حياته المهنية بأكملها، فهذه القضية أصبحت رأي عام وهنيئًا لمن سيكسبها
ولكن لا ينتظر هو هذا المكسب فكل ما يريده هو براءة نور
دعت صفية لابنتها وعائشة لشقيقتها، بكت والدة سليم على الخسارة القادمة، ارتفع التوتر في القاعة بأكملها يستمعون للقاضي وهو يقول بصوته الثابت القوي :
-وبعد رؤية الأدلة وسماع الشهود حكمت المحكمة حضوريًا وبإجماع الآراء، أولًا بمعاقبة المتهم سليم سعيد غانم المهدي بالسجن خمسة عشر عامًا مع الأشغال الشاقة نظرًا لأنه تعدى السن القانوني، ثانيًا القبض على المدعو سعيد غانم المهدي في سرايا المحكمة إلىٰ التحقيق في قضيته وهى تهديد وترويع المدعوة نورهان علي صفوان بالضرب المبرح والتهديد بالإعتداء والإشهار بها، وإلزامه بدفع تعويض مادي لها قدره خمسة مليون جنيه على ما سببه لها من أضرار نفسية وجسدية، ثالثًا الإفراج عن المدعوة نورهان علي صفوان من كل القضايا التي أُسندت لها، رفعت الجلسة
حالة من الهرج والأصوات المرتفعة دقت في جميع أركان القاعة، تراجعت نور للخلف ومن شدة سعادتها زرفت عينيها الدموع، ولأول مرة في حياتها تعلم ما هو معنى جملة دموع الفرحة
ابتعد حمزة للخلف عندما تقدمت عائلتها من القضبان يهنؤها على البراءة والأخرى لا تزال تبكي في مكانها فصاحت بها براءة قائلة :
-بطلي نكد هو انتي مظلومة تبكي منصورة تبكي
تقدم عاصم من القضبان محدقًا في شقيقه الذي جلس أرضًا بعدما فشلت قدميه في تحمل هول ما سمع، وجده يبكي وهذا طبيعي لكن فيما سوف يفيده البكاء وهو من وضع نفسه في هذا المأزق
وقع يده على القضبان وقد هبط للأسفل حتى يكون في نفس مستواه ثم قال :
-لو كنت رجعت لما ضربتك وحبستك في الأوضة مكنتش هتبقى هنا، لو عرفت تسيطر على شيطانك مكنش زمانك بتبكي كده
رفع الآخر رأسه له هاتفًا بنشيج هستيري :
-عاصم خرجني من هنا وانا والله مش هعمل كده تاني
اقتربت والدته من القضبان ووقفت خلف عاصم ولكنها لم تستطع النطق بكلمة، فقط تبكي بصوت مرتفع فضمتها ابنتها وحاولت أن تكون هى الأقوى وسط انهيار الجميع :
-سليم جه الوقت تتعلم من غلطك خلاص مبقاش فيه في ايدينا حاجة تاني
فتح العسكري الباب حتى يخرجهما ويترحلا للنيابة من أجل الإفراج عن نور وترحيل سليم إلى السجن، جذب العسكري ذراع سليم ووضع القيود الحديدية في يديه، وقبل أن يجره حتى يقف كانت نور تهبط إلى مستواه ثم قالت بنبرة أنثى مجروحة خرجت من صميم قلبها :
-يا رب اللي عملته فيا انت وأبوك يتردلكم في أغلى الناس عندكم وتشوفوهم بيتظلموا زي ما ظلمتوني
تخطته وأكملت طريقها للخروج من القفص لتستقبلها والدتها بعناق قوي تحمد ربها بصوت مرتفع على نصر ابنتها
حدق عاصم وهنا بهم لثواني معدودة ليقول عاصم بجمود خارجي وداخله قد انتفض لجملة نور، فهل سيأتي يوم ويرد ما فعله سليم ووالده في ابنته الصغيرة :
-هنا هاتي ماما ويلا نمشي، خلاص هى كده خلصت
رحل هو وشقيقته ووالدته بينما بقى سعيد مكانه مع المحامي حتى ينظر في المصيبة الثانية التي حلت على رأسه، فبينما كان يريد إخراج ابنه من مصيبته وجد أخرى أكبر حلت عليه هو من دعوات تلك المظلومة من بطشه عليها
اقترب كريم من شقيقه وقد احاط كتفه بسعادة ثم قال :
-مبروك القضية يا حمزة انا بعد كده هحضر كل مرافعاتك كلها، ده انا حسيت ان بتفرج على شخصية جديدة منك يا راجل مش حمزة بتاع المقالب اللي أعرفه
ابتسم له الآخر مربتًا على ظهره ثم قال بهمس وكأنه سيستشيره في الخطوة المتهورة المقدم عليها :
-بقولك ايه اتجنن واطلبها ولا استنى!؟ بس عامةً انا لو استنيت هياخدوها الصعيد والبنت هتروح مني
وإن كنتم تظنون أن كريم بالعقل الذي سيجعله يعود عن خطوة مجنونة كهذه فأنتم مخطئون إذ قال كريم وهو يدفعه للأمام :
-لأ جنان بجنان اضرب على الحديد وهو سخن يا متر متستناش، وبخبث ها
خرج حمزة من القاعة ليجد نور تحدق بتوتر في عسكري قد وقف أمامها حتى يأخذها مع سليم، ولا هى ولا أهلها يفهمون ماذا يجري فاقترب هو قائلًا :
-متخافوش يا جماعة هى هتروح النيابة وهتاخد إفراج من هناك بس هتركبي البوكس مع سليم للأسف، بس متقلقيش هكون هناك قبل ما توصلي
تقدمت الأخرى مع العسكري بكرامة وبجانبها سليم ويده مقيدة رفقة عسكري آخر، وما إن خرجوا من المحكمة حتى تفاجؤا بمجموعة كبيرة من الصحافيين أخذوا يتدافعون حتى يحصلوا على معلومة
اقتربت رقية بخطوات واسعة من نور والتي تراجعت للخلف قلقة من هذا المشهد :
-نور نور اوعي تجاوبي على أي أحد انا ساعدتك ورفعت كفتك على السوشيال ميديا، خليني انا بس اللي أعمل معاكي لقاء صحفي وتـ
لم يدعها يونس تكمل حديثها وجذبها من معطفها بعنف قائلًا :
-يا مستغلة يا حقيرة سيبي البنت في حالها هى ناقصة
تحدثت رقية بسرعة بصوت مرتفع لا تريد أن تفوت فرصة كهذه لتكون صاحبة أول لقاء صحفي مع القضية التي قلبت الرأي العام لأسبوع كامل :
-نور هتخليني انا اللي أعمل معاكي لقاء صحفي صح؟!
ورغم أن الأخرى لم تفهم ماذا تريد إلىٰ أنها آماءت لها بحسنًا ثم اقتربت من سيارة الشرطة التي هى على شكل صندوق، وهنالك قد كان حمزة في انتظارها وقد تخطى أعمامها والصحافة حتى يستطيع أن يبارك لها بنفسه على البراءة
ابتسمت له بإمتنان وشكر حقيقي ثم قالت وهى تتوقف أمامه :
-شكرًا يا حمزة على كل حاجة وعلى إنك فضلت معايا ومخلتنيش اتنازل
فقط هذه النظرة كل ما كان يريد، رغم أن الكدمات لا تزال على وجهها وحالتها سيئة إلىٰ أن وجهها قد أضاء بسعادة نصرة المظلوم، ابتسم لها بحب خالص ثم قال :
-انا يا دوب اترافعت وجبت سمير بعد ما سعيد خفاه، أغلب الشكر المفروض يبقى لبنت عمك علشان من غير التسجيل كان صعب جدًا تثبت اللي عمله سعيد فيكي
هزت رأسها يمينًا ويسارًا بخفة ثم قالت ولا تزال البسمة مرتسمة على وجهها :
-انت برضو عملت كتير، جبت سمير واقنعت البنات يرفعوا محاضر ضد سليم وخليتهم يشهدوا إنه اتحرش بيهم ويرفعوا فيدوهاتهم حتى يعني لو مكنوش ظاهرين بس ده كله خلى الناس تعرف ان انا مظلومة، كلكم وقفتوا جنبي بس انت اللي اتكلمت وجبت البراءة، انت اللي كنت مصر إني متنازلش مع إني خوفت والله وكنت هتنازل، حتى لما كنا في القسم خوفت من أخته بس انت برضو عملت المحضر، مع إني لو اتنازلت وقتها لا كنت اضربت ولا اتكسرت ولا اتفضحت على السوشيال ولا اتهانت بس يلا قدر الله وما شاء فعل
-وانتي لو كنتي اتنازلتي من الأول مكناش هندخل الحيوان ده السجن ولا كان هيبقى معاكي دلوقتي خمسة مليون جنيه
رمشت نور بأهدابها بعدم إستيعاب على جملته الأخيرة ثم قالت بنبرة متلعثمة :
-وهو يعني هيتـ... هيدفع فعلًا المبلغ ده كله تعويض؟!!
-آه طبعًا المحكمة حكمت بكده وهجيبهم منه بس لازم نعملك حساب في البنك علشان مستحيل لو رجعتي الصعيد ترجعي بالمبلغ ده كله، انتي مليونيرة دلوقتي
ضحكت بعدم استعاب لا تصدق أنها قد تنظر لهذا الرقم حتى :
-لأ انا مش مصدقة لحد دلوقتي لسه في مرحلة الصدمة
صعد سليم سيارة الشرطة بينما مد العسكري يده لها حتى تصعد هى أيضًا فحدقت في يده مطولًا ولم تمد يدها، أصبحت تعاني رهاب من جميع الرجال بعد ذلك الحادث، لذا استندت بنفسها على إطار السيارة وتحاملت على جرحها حتى تصعد بنفسها لتشعر بذراع حمزة رفعتها للأعلى عندما كادت ان تنزلق قدمها
جلست بسرعة داخل السيارة وقد تراجعت للخلف بعيدًا ترمق حمزة بتوتر فقال الآخر ببسمة بسيطة :
-نورهان ابقي اتكلمي مع دكتورة نفسية عن الموضوع علشان شكله هيسبب ليكي عقدة نفسية و
ترك جملته معلقة ثم نظر نحو عائلة نور القادمة من بعيد بعد أن عطلتهم الصحافة بأسئلتهم المزعجة :
-وابقى خلي بنت عمك تروح معاكي علشان ظهرت في الكاميرا وهى مرعوبة من شكل الدم فهى كمان تقريبًا جالها أزمة نفسية من اللي شافته، وعلى الأقل متبقيش لوحدك
-ايه طيب هتفضل تتكلم مش نروح نطلع البنت قبل ما توصل النيابة ولا تستنى هى هناك
نطق بها حسن بقنوط يراه منذ فترة يتحدث مع نور بعيدًا عنهم، استدار حمزة له فور أن رحلت السيارة تحمل نور وسليم، ثم قال بضيق يحاول رسم بسمة متهكمة على وجهه :
-هو انت ليه نقرك من نقري مش من حقي أبارك ليها على الأقل كده بصفتي المحامي بتاعها، هو انت ليه محسسني إن بعمل كبيرة من الكبائر أومال لو مكنتش دخلت البيت من بابه وطالبها من ابوها مرتين
رد له حسن نفس بسمته المتهكمة قائلًا :
-إن شاء الله هيرفضك للمرة التانية علشان انت مش سالك
اكتفى حمزة بهمهمة مغتاظة ثم تحرك نحو على ورسم على وجهه بسمة جادة ثم قال :
-مبروك البراءة
صافحه علي بحرارة ممسكًا بكفه بكفيه الإثنين ثم قال بنبرة صادقة :
-متشكر خالص يا حمزة على وقفتك دي، مع إني قولت مش هتقدر على القضية بس طلعت كدها
ابتسم حمزة سعيدًا لإطراءه هذا بينما قال عبد الجواد مكملًا خلف أخيه إذ قال بنبرة جادة خشنة :
-شوف كل أتعابك هتتكلف كام وإحنا هدفعوها
وهنا تنفس بقوة مستعدًا لخوض تجربة مجنونة، أجل الوقت ليس وقته أبدًا ولكنه يريد ربط رباط رسمي بينه وبين نور قبل أن تعود إلى بلدها :
-انا مش عايز أتعاب خالص، إحنا أهل وأتمنى يعني نبقى أكتر من كده
لم يفهم علي تلميحاته أو ربما فهمها ولكنه أدعى عدم الفهم :
-يعني ايه؟!
وقبل أن يطلبها منه مباشرةً قد سبقه عمه محفوظ في الكلام، ممسكًا بذراعه :
-يعني انت هتفضل تتكلم وتسيب البنت في النيابة هناك؟؟ خلي الكلام ده بعدين
دفعه أمامه نحو سيارته ثم جعله يصعد بها عنوة، من ثم استدار هو إلى باقي العائلة قائلًا :
-ارجعوا انتوا مع عثمان ومحمد وانا وحمزة هنجيبوها ونيجوا
ولم ينتظر منهم إجابة ولا رد إذ صعد من الناحية الأخرى ثم أمر حمزة بالتحرك :
-يلا أطلع
رمقه الآخر بعدم رضا فقال محفوظ بنبرة أكثر جدية :
-يلا يا حمزة أطلع قبل ما حد يجي يركب معانا انا عايز اتكلم معاك، مش انت عايز تتجوز نور انا يا سيدي هجوزهالك اطلع بقى
أخرج حمزة مفاتيحه مستسلمًا وتحرك بسيارته ثم قال بجدية :
-انت قولت كده علشان أمشي ولا بتتكلم بجد
-لأ بتكلم بجد بس مكنش ينفع الهبل اللي كنت ناوي عليه ده وعثمان قالي لما طلبتها تاني، مش معنى إنك تكسفه قدام الكل إنه هيوافق
اعترض على حديثه هذا مخرجًا كل ما في جعبته فقد سئم هذه العقد الصعبة :
-بس بابا قال إن الطريقة دي خلت أبوه يوافق على جوازك من بنته يا عمي، انا مش راضي أصلًا عن رفضه ليا، ايه يعني انا ساكن في إسكندرية، هو انا هاخدها ومسافر الصومال؟! والله لو قالت في يوم عايزة أروح لأهلي هاخدها بنفسي ليهم مش هحرمها منهم
ربت محفوظ على فخذه ثم قال بخبرة رجل كسىٰ الشيب رأسه :
-سيب الموضوع ده عليا انا ومرات عمك إحنا عارفينهم أكتر وهنعرف نقنعهم وكونك كسبت القضية وخرجتها منها ده رفعك في نظرهم، بس المهم نور موافقة بيك لأن لو هى مش موافقة يبقى تنسى خالص الموضوع ده
حدق الآخر في مرآة السيارة على الطريق بجانبه ثم قال :
-قالت لو موافقوش أهلي انا عمري ما هوافق يعني هى موافقة بس موافقة أهلها أهم
-خلاص تمام انا وراء علي لحد ما يوافق بس خليك عارف إن الموضوع مش هيبقى كن فيكون، هى لسه خارجة من حالة زفت ما يعلم بيها إلا ربنا ونفسيتها اكيد في الأرض، يعني محتاجة شهور علشان ترجع كويسة فيا ابن الحلال هتستناها
وآماء له حمزة بلهفة ثم أجابه بنبرة صادقة :
-استناها ولو حتى هتفضل سنة كاملة لحد ما تبقى كويسة بس يا عمي اضمن إنها هتبقى ليا انا خايف تروح مني، وبعد ما تاخد التعويض ألف واحد هيقول اتجوزها طمعًا فيها، انا عايز كلمة من أبوها علشان ميفكرش يديها لحد غيري
واكتفى محفوظ بإماءة بسيطة له ثم قال :
-خلاص سيبها عليا يا حمزة انا هاخد منه الكلمة دي قبل ما يسافروا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
"بعد المحاكمة بيومان"
جلست بتعب داخل سيارة سفر من التي تحمل عدد أحد عشر راكب، والتي ستنقلهم إلى محطة القطار، وها هم سوف يعودوا إلى الصعيد مرة أخرى بعد ثلاثة أشهر ونصف، ومرت في هذه الفترة بالكثير من المشاكل جعلتها تكتسب خبرة ومناعة وعقد نفسية
لا تعلم ما هو شعورها بالضبط أهي سعيدة لعودتها إلى قريتها الصغيرة، أم حزينة لأنها ستترك أناس أحبتهم هنا فكما يقولون من عاشر قومًا أربعين يومًا صار منهم وهى عاشرتهم أكثر من ثلاثة أشهر
أم ربما هى خائفة من رد فعل الناس معها عندما تعود إلى بلدها التي يعشق نساءها الحديث والتأليف، ويا حبذا حين يخص الموضوع فتاة مرتبطة بفضيحة أو كارثة
ربما هى تشعر بكل هذه المشاعر، وبالإضافة إلى ذلك هى لن تنسى أيًا مما عاشته هنا منذ أول يوم انقلب بها القطار حتى يوم المحاكمة
جلست شروق إلى جانبها داخل السيارة فهى ستسافر معهم وتبقى براءة من أجل إكمال عام الإمتياز وعائشة من أجل إنهاء اختباراتها، ولكنهما ستجلسان مع عمتهما أسماء وقد أغلقوا الشقة وأعادوا المفتاح لعثمان
تنهدت بعمق وهى تنظر إلى البحر من خلال النافذة لربما تكون المرة الأخيرة التي تراه بها، لا تزال السيارة متوقفة أمام البناية وحسن يقوم بربط حقائب السفر بالأعلى بإحكام حتى لا تسقط
بينما كان والديها يتحدثان مع عثمان وحمزة في شئ يجعلها متوترة فهى لا تدري ما هو هذا الموضوع الذي يجعل حمزة مرتاح البال منذ يومين عكس توقعتها، فهى قد توقعت ان يحزن لسفرها، لكن وكأنه يضمن أنها ستعود ثانيةً، وفي الواقع على جثتها أن تخطو مرة أخرى لهذه المدينة
طرق الزجاج بجانبها وقد كان يوسف أو ربما يونس لا تدري، ولكنه مد يده بهاتف شروق ونظارتها ثم قال موجهًا حديثه لشروق بجانبها والتي علمت بسهولة أنه يونس :
-خدي موبايلك والنضارة
أخذتهم منه الأخرى محدقة بهما بتعجب ثم قالت :
-انت جبتهم منين وبعدين ده كسر التليفون قدامي؟!
-ما انا صلحته ليكي وهما كانوا معايا بعد ما فريق البحث الجنائي نضف كل حتة وكانوا دول موجودين في أوضة أدوات النضافة اللي كنتي مستخبية فيها، بس مجتش فرصة يعني ارجعهم ليكي علشان الدربكة اللي حصلت دي
تبسمت له شروق وشكرته بشدة وهى تمسح نظارتها حتى ترتديها فحمحم يونس بخشونة يريد قول شئ ولكن لا يدري ما هذا الشئ الذي سيقوله ولما حتى سيقوله :
-هترجعي تاني إسكندرية في الترم التاني
اختلق هذا السؤال منتظرًا إجابتها فقالت الأخرى بعدم إهتمام :
-مش عارفة أصلًا هكمل في الكلية ولا لأ، شكلي هحول على كلية تاني وتبقى في أسيوط مش عايزة لا أسافر ولا أطلع برا بلدنا تاني، كفاية اللي حصل على كده
-يعني مش هترجعي إسكندرية تاني؟!
نفت برأسها فابتأس يونس لهذه الإجابة دون أن يُظهر، وشعر أنها قد تكون بالفعل آخر مرة يراها بها لذا قال بهدوء شديد :
-ترجعي بالسلامة واتمنى تكوني عرفتي إن بلدنا فيها رجالة مش زي ما كنتي فاكرة
ختم حديثه ورحل من أمامها ثم ولج إلى البناية دون أن ينتظر مع البقية ويودعهم معهم، بينما ظلت شروق لدقيقة كاملة تستوعب مغزى جملته الأخيرة، وسرعان ما قد فهمتها فهو يرمي للحديث على أول لقاء بينهما
ليته انتظر حتى تجيب عليه وتخبره أنها كانت مخطئة ولكنه رحل دون إهتمام لذا تمتمت بتهكم قائلة :
-رخم بس...... حلو
همست بآخر كلمة بينها وبين نفسها حتى لا تسمعها نور التي كانت تستمع للحديث من البداية لأنها كانت تجلس في المنتصف بينها وبين النافذة
ارهفت التركيز لنور عندما تساءلت بنبرة خافتة تقطع الصمت والإنتظار :
-شروق هو انتي ازاي عرفتي تتخطي كل اللي عشتيه ولا كأنه حصل؟؟
انتظرت منها إجابة ولكن لم تتلقى سوى الصمت منها فأعادت السؤال مرة أخرى بصيغة مختلفة :
-انا مش عايزة أروح عند دكتور نفسي علشان ماما مش هتوافقي، انا عارفة ردها على الموضوع ايه
-ومين قالك إني عرفتي اعديه، انا اصلًا جاتلي فوبيا من الدم
نطقت بها شروق بنبرة مختنقة، معترفة أنها لم تتخطى بعد كل ما عاشته، ولكن نور محقة لن يدعوهما يتواصلا مع طبيب نفسي لذا عليهما دفن الأوجاع والتعامل وكأن شيئًا لم يكن، ففكرة الذهاب لطبيب نفسي غير مقبولة بالنسبة لعائلتهم ولن تحدث وهذا تفكيرهم وعليهما تحمل هذا
أضافت ببؤس شديد وهى تحدق في مياه البحر المقابلة لها من النافذة يفصلهم الطريق السريع :
-حتى مش عارفة لما نرجعوا البلد هيحصل ايه وكلام الناس، هنرجعوا نتعاملوا ازاي طبيعي زي الأول، مرت عمك اللي أقسم بالله لو فتحت بوقها بكلمة عليا ولا عليكي زي ما طلعتني ملبوسة لأطلع عليها العفاريت اللي ركبتهالي
ورغم حالة البؤس التي حلت عليهما فجأة إلىٰ أن نور أجابتها بنبرة موافقة وقد علت بسمة ساخرة على شفتيها :
-انا برضو شايلة هم كلام الناس لما نرجعوا بس معتقدش إن إحنا هنشوفوا أسوء من اللي شوفناه هنا، تفتكري يا شروق إحنا اللي نحس ولا البلد هى اللي منحوسة؟!
فكرت مليًا في الأمر ثم تنهدت وقالت مقتنعة كليًا بالإجابة :
-لا البلد هى اللي منحوسة علشان كده مش هعتبها تاني، ولو قولت عايزة أسافر ادوني على راسي بأي حاجة
- +1 حرفيًا
نطقت بها ضاحكة ليبدأ الجميع في الصعود إلى السيارة، وبعد وداع وسلامات انقضت بصعوبة تحركت السيارة نحو محطة إسكندرية، شعرت بحزن عميق بداخلها لأن حمزة لم يودعها
أجل كانت تنتظر وداعه، أجل تعلقت به وتعلق قلبها بسحر كلماته وأفعاله، أجل قالت أنها لا تود العودة لهذه المدينة مرة أخرى ولكن منذ متى وينصاع القلب لكلام العقل
تنهدت بضيق وهى تخرج هاتفها تعبث به قليلًا حتى ينقضى الطريق لتجد رسالة من حمزة على تطبيق الواتساب يقول بها
"يخربيت السرعة طلعت أجيب حاجة نزلت لقيت العربية مشيت من غير ما أقولك مع السلامة ولا اديكي هدية الوداع حتى، بس معلش في خطوبة يوسف وبراءة انا هاجي الصعيد، أمتى بقى الله أعلم بس هاجي إن شاء الله وهطالب بيكي من أبوكي يارب يوافق بقى انا تعبت"
وضعت يدها على فمها تخفي بسمتها التي اتسعت على وجهها من هذه الأذن إلى هذه الأذن، لا يزال متمسك بها حتى الآن، ورغم أنها في البداية كانت تعلم أن حمزة مرفوض ولا أمل في أن يكون زوجًا لها، ولكن الآن ومن صميم قلبها تتمنى أن يرضى والديها على هذه الزيجة
ولكن عليها أن تثقل عليه قليلًا لذا أرسلت
"مع السلامة يا حمزة ومتبعتش رسايل تاني، اتقي الله فيا واستنى الحلال أحسن"
وبعد دقيقة أرسل لها رسالة أخرى جعل الفراشات تحلق في معدتها، ولحسن الحظ تجلس في المقعد الاخير لذا وضعت رأسها على ظهر المقعد الذي أمامها تخفي وجهها تمامًا حتى لا تُفضح أمام الجميع، تقرأ رسالته مرارًا وتكرارًا دون ملل
"حاضر هستنى الحلال، وهستنى تبقي كويسة وأحسن، استنيني زي ما انا هستناكِ يا نور❤️"
يــتـبــع.......
أراكم قريبًا لو في العمر بقية، أمتى الله أعلم بس على لقاء قريب إن شاء الله ومتنسوش الريفيو حقي ورأيكم في الرواية👀❤️
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل السادس وخمسون 56 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
يستمعون للنداء في كل مكان لكن لا يعلموا إلى أين يذهبوا في متاهات الذرة هذه والأصوات تصبح بعيدة كلما تحركوا وكأنهم يتحركون في الطريق الخطأ، وما يزيد الأمر سوءًا هو الأفرع التي تجرح اذرعتهم المكشوفة ووجوههم التي أصبحت خريطة حمراء
بالإضافة إلى ذلك الحرارة الشديدة والاختناق في المكان وكأن الأكسجين مسحوب من هنا، حتى أن يوسف قد أحمَّر وجهه كثيرًا وهو على شفا جرفٍ من نوبة ضيق تنفس
سقط كريم أرضًا بعدم انتباه لبؤرة تعثرت قدمه بها والأسوء من هذا أنه سقط على أرض مرتوية بالماء لذا أصبحت ركبتيه وكفيه عبارة عن وحل، جذبه حمزة بسرعة حتى يقف فصرخ الآخر بتلف الأعصاب وهو ينظر إلى حالته المزرية المثيرة للشفقة :
-احـيــه خرجوني من هــنــا
كانت صرخته أشبه بامرأة تلد وهذا ما جعل يوسف ينفجر ضحكًا رغمًا عنه فهجم عليه كريم يفرغ به غيظه المكبوت من هذا المكان الخانق :
-انت بتضحك على ايه بتضحك على ايــــه، تايهين وهنموت مخنوقين هنا وانت بتضحك
جذب حمزة شقيق بقوة وهو على شعرة من الانفجار بهما وحرق كل هذه الذرة التي حولهم، دفعه أمامه ودفع بيوسف كذلك حتى يتحركوا صائحًا بهما :
-مسمعش صوت حد فيكم علشان مش ناقص خلينا نشوف حل ونخرج من هنا
بدأوا بالسير مرة أخرى وقد تفقد حمزة هاتفه للمرة العاشرة وللأسف لا توجد إشارة هنا، استمعوا إلى نباح كلاب ظهر فجأةً وقد افزع ثلاثتهم ولا يعلموا من أين قادمة الأصوات، والمشكلة هنا أن يوسف يخاف الكلاب ولا يطيقها لذا تحرك بخطوات سريعة في إتجاه عكس الأصوات حتي يبتعد عنهم
لحق به حمزة بسرعة وهو يجذب شقيقه حتى لا يضيعوا من بعضهم فيكفي أنهم قد ضاعوا من حسن والبقية :
-استنى يا يوسف
وتوقف الآخر بالفعل ولكن ليس لطلبه بل لأن قدميه قد غاصت في وحل ولم يتمهل حتى ينذرهم أن يتوقفا إلا ووجدهما جانبه وأقدامهم أيضًا قد غاصت في الوحل
تحولت ملامح كريم للبكاء بينما حمزة للاشمئزاز الشديد، ورغم أن الوحل ليس به شئ بل هو عبارة عن تربة قد اختلطت بالماء إلىٰ أنه لا يطيق إتساخ جزء منه أبدًا وحذائه بأكمله قد أصبح طين
تحرك بسرعة للخلف حتى يعود للأرض اليابسة وبسبب سرعته هذه انزلقت قدمه بسبب الوحل، وقبل أن يسقط قد تمسك في قميص يوسف والآخر كرد فعل أمسك بكتف كريم لتكون النتيجة هى سقوط ثلاثتهم وإتساخهم وإتساخ ملابسهم في الوحل
وهنا لم يعد كريم يتحمل شئ آخر في هذه القرية ليطلق صرخة قوية مقهورة على ملابسه وحاله وذراعيه وعنقه والحكة الشديدة التي يشعر بها فيهم
ولم يكن حال حمزة أفضل حال، إذ حاول مسح أصابعه من الطين وملامحه عبارة عن الازدراء الشديد عكس ملامح يوسف الهادئة، أجل يشعر بالضيق مثلهم ولكنه هادئ وليس مثل كريم الذي لا يزال يصرخ كسيدة تم إلقائها في الشارع كالمشردين رفقة أبنائها الخمسة
حاول حمزة أن يقف وبدأ يشعر بالندم أنه أتى إلى هنا، لما لم يجلس مكانه كافي خيره شره مثل يونس الذي رفض أن يأتي معهم وبقى مع البقية في منزل عبد الجواد، تبًا لكريم الذي جذبه رغمًا عنه حتى يأتي معهم إلى هذه الحقول الممتلئة بأفرع الذرة الطويلة من أجل التنفيس عن أنفسهم
نظر إلى حاله بإزدراء شديد فالوحل كان يغطي حذائه وكفيه، ومؤخرة البنطال أصبحت عبارة عن طين، هذا غير الحكة التي يشعر بها في كل جزء مكشوف من جسده، والعرق الذي أغرقه بالمعنى الحرفي وجعل رائحته لا تطاق
حاول كريم أن يقف ولكن كان ينزلق في كل مرة فتحرك ببطء على ركبتيه وكفيه بعيدًا عن هذا الطين ثم صاح بصوت مرتفع :
-أنا لما أطلع من هنا هاخد القطر وأرجع على بلدنا عدل وأقطع رجلي إن فكرت أروح الصعيد تاني
-يعني مش هتحضر كتب كتابنا
نطق بها يوسف ببسمة ساخرة غير معتادة منه وهو يشير إلى هو وحمزة فصاح الآخر بهما بصوت ثرثري حاد :
-أولعوا انتوا الإتنـيـــن
استقام من مكانه وقد مسح الطين الذي في يديه بملابسه المتسخة على أي حال ثم جلس على الأرض في انتظار النجدة ليجد يوسف قد جلس إلى جانبه هو أيضًا بينما حمزة لا يزال يقف ينظر حوله بحيرة وقد اختفى تمامًا صوت حسن المنادي عليهم
جلس إلى جانبهما عندما شعر باليأس وقد كانت حالتهم أشبه بالمتسولين وهم يجلسون إلى جانب بعضهم وملابسهم متسخة يملؤها العرق
-طب ايه هنطلع من هنا إزاي، انا خايف الشمس تغيب ومحدش يلاقينا لحد الليل وأعتقد المكان هنا بالليل هيبقى أسوء
نطق بها يوسف محاولًا البحث عن حل فقال حمزة بضيق شديد :
-انا تليفوني مفيش فيه إشارة الشبكة قاطعة خالص وانت سيبت تليفونك في البيت وكريم تليفونه مع لؤي
-بس خلاص يا جماعة إحنا هنموت في المكان ده
نطق بها كريم وقد ذم شفتيه بطريقة توشك على انفجار وشيك في البكاء، وقبل أن يتحدث حمزة سبقه هو عندما صاح فزِعًا وهو يستقيم من مكانه مهرولًا بعيدًا عنهم :
-اجــــروا ده في قطيع كلاب جاي علينا
استدارا حمزة ويوسف بسرعة ليجدا أكثر من عشر كلاب قادمين نحوهم، ويلي من أي تأتي كل هذا الكلاب
ورغم أن حمزة لا يخاف الكلاب إلىٰ أن أي رجل سيجد أمامه كل هذا العدد سيفر نافدًا بجلده لذا هرول خلف يوسف الذي لحق بكريم بسرعة وثلاثتهم باتوا يركضون خلف بعضهم وسط الحقول
ولكن وكأن الحظ السيئ طاقته عالية في هذا المكان، تائهين وخلفهم بعض الكلاب وأمامهم متاهات لا آخر لها من حقول الذرة ذات الأفرع الحادة، ليجدوا بصعوبة قطعة أرض مزروعة برسيم
وهنا قد سقط كريم على البرسيم متنفسًا بعنف وبجانبه قد ألقى يوسف نفسه والاكسجين هنا أفضل من الداخل ألف مرة، بينما وقف حمزة أمامهما يرى الكلاب لم تتوقف عن اللحاق بهم
بل وقد أخذوا في الظهور من بين الذرة يذومون عليهم في علامة إستعداد للعض، ليصدح صوت فتاة حاد في المكان بكلمة لم يفهمها ثلاثتهم ملقية بعض الحجارة نحو الكلاب ففروا فورًا خوفًا من الحجارة
استدارت الأعين نحوها ليبصروا نور في مظهر لم يبصروها به من قبل، إذ كانت ترتدي جيب أسود مبقع بالطين عند ركبتيها وقميص صيفي بكم، بالي نوعًا ما وحجابها عليه قبعة ولكن ليست أي قبعة بل تلك التي يرتدنها الفتيات على البحر، ويديها ملوثتين بالتراب وفي يدها أداة حادة تشبه سكين الموز لكن بشكل أكبر
كان مظهرها رث ولكن ليس مثلهم أبدًا
صاح كريم بإستنجاد بالأمل الذي سيخرجهم من هنا، وقد كان يحاول أن يستقيم من على الأرض ولكن لم يقدر فجلس على ركبتيه قائلًا :
-نورهان ربنا بعتك نجدة طلعينا من هنا يا شيخة إلهي تنستري
وقد كانت الأخرى ترمقهم بذهول شديد على حالتهم السيئة بل شديدة السوء، لتظهر عائشة في الخلفية ترتدي مثلها ولكن بدون قبعة ثم وقفت من مكانها بعدما كانت تقتلع بعض الحشائش الضارة، ترمقهم بإندهاش شديد :
-مين عمل فيكم كده؟! انتوا أصلًا جيتوا الغيط إزاي وحدكم؟؟
لم يجبها أحدهم فما سيقولونه يخجل بشدة يكفي حالتهم البشعة أمامهما، خاصةً حمزة الذي جلس محاولًا إخفاء نفسه عن نور فهو مهووس بالمظهر الجميل المنمق ويوأد حي ولا يظهر أمام شخص غريب بهذه الهيئة البالية
ولكن قد فات الأوان ورأته نور بل وتقدمت نحوه حتى تراه بشكل كامل، ملابس متسخة بشدة، حذائه لا يظهر من الطين، جسده متعرق من كل مكان، وجهه به خدوش حمراء كثيرة، وشعره لأول مرة تراه بهذا الشكل الفوضاوي
لذا لم تمنع نفسه من الضحك على هذا الشكل الذي لم تتخيل حمزة الوسيم المنمق به، فقد كان أشبه بأولاد الشوارع :
-حمزة
همست بأسمه وهى تضم ضحكتها فقال الآخر عاكسًا عينيه بعيدًا، يشعر بالخجل الشديد منها، عجبًا حمزة يشعر بالخجل ومن مَن؟! من نور!!
-انا في أسوء أسوء حالاتي أرجوكِ بلاش تعليق يا نور
حدق بهما كريم بتشنج ثم صاح بغيظ شديد ولا يزال جالسًا مكانه على ركبتيه
يا جدعان خرجوني من هنا وابقوا حبوا في بعض بعدين، انا ويوسف بننهار هنا
في مدينة الإسكندرية |الجزء الثاني|
قريبًا....
(علشان تعرفوا بس مش كل اللي جاي نكد👀)
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل السابع وخمسون 57 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
اقتباس طويل أوي بمناسبة إن الرواية كملت مليون قراءة والحمد لله، وكنت ناوية أنزل أول فصل قبل رمضان بيوم ولا اتنين بس علشان الرقم ده استنوا أول فصل الجمعة الجاية بإذن الله ♥️
مرت بجانب باب المنضرة متجهة إلى المطبخ لتلبية نداء خالتها ليستوقفها صوت مألوف لها ينادي عليها :
-انتي يا بنت يا أم نضارة تعالي
نظرت شروق من باب المنضرة مغتلسة النظر للداخل لتجد أن المنادي هو توحيد شقيقة محفوظ، عجبًا هل أتت هذه المرأة معهم فهى لم ترها يوم أمس، أرتابت حدقتيها عندما أبصرت يونس وأبناء اعمامه جميعهم بالداخل يجلسون حول توحيد والتي أشارت مرة أخرى لها بأن تأتي :
-خدي تعالي
وبشكل لا إرادي منها جذبت ذراع أول فتاة كانت بجانبها حتى تدلف معها فهى لن تدلف بمفردها، أجل لسانها متران ولكن حقًا تخجل من موقف هكذا، حاولت نور جذب ذراعها منها عندما وجدت جميع شباب عائلة هواري يجلسون بالداخل ولكن لم تفلح وأصبحت أمام الأمر الواقع
ألقت التحية عليهم ببسمة متوترة دون النظر إلى أحد بعينه فأعتدل حمزة عندما أبصر نور هنا، أوه يالا استجابت القدر السريعة فمنذ دقائق كان يريد أن يراها وها هى بشحمها ولحمها أمامه
عدلت شروق نظارتها تحاول تجاهل نظرات الجميع لهما ثم قالت موجهة حديثها ونظرها مباشرةً إلى توحيد :
-نعم حضرتك ناديتي عليا وانا برا
انتبه الجميع للمحادثة القادمة إذ قالت توحيد وهى تشير لها بأن تأتي :
-تعالي يا عسولة اقعدي جنبي هنا وقولي انتي بنت مين؟!
نظرت شروق إلى المكان الذي تشير إليه فوقف إسماعيل حتى تجلس إلى جانب عمته وقبل أن يبتعد همس لها قائلًا :
-معلش يا شروق هى تعبانة سايريها في الكلام
-بتقولها ايه يلاه يا ابن أسماء
نطقت بها توحيد بنبرة حادة لا تليق على بشاشة وجهها الممتلئ فقال إسماعيل مندهشًا أنها تعلمه وتعلم اسم والدته :
-تتحسدي يا عمتي افتكرتي أخيرًا إني ابن أسماء
-أومال انت فاكرني مجنونة ولا عقلي اتلحس
-لا والله حاشَ لله شوفي البنت اللي انتي موقفاها دي
نظرت توحيد إلى شروق ببسمة شديدة الإتساع مربتة على المكان بجانبها حتى تجلس وقد لبت شروق طلبها فهى امرأة مريضة ويجب التعامل معها بالمسايرة كما قال إسماعيل، إذ ابتسمت لها بسمة جميلة ثم قالت :
-نعم
-نعم الله عليكي هو انتي مخطوبة؟!
اختفت البسمة من على وجه شروق بإندهاش بينما قال كريم الجالس بجانبها تمامًا بنبرة ضاحكة :
-ما شاء الله يا عمتي داخلة سخنة اوي كده ليه؟! براحة شوية البنت بلمت من الصدمة
نكزته الأخرى بحدة قائلة :
-اسكت يا عبد المنعم محدش طلب منك تتكلم
أدارت رأسها إلى شروق ثم أكملت وهى ترفع يدي شروق أمامها دون طلب منها وعندما لم تجد أي خاتم في يديها قالت ببسمة متسعة وهى تنظر نحو كريم :
-مش مخطوبة يا عبد المنعم
-عبد المنعم مين يا عمتي؟ ثم انتي بتبصيلي كده ليه هو انتي عايزة تخطبيها ليا؟!
-اخطبها ليك ايه يا معفن يا ابو شعر معزة انا هخطبها لابني أمير
ضحك يونس ضحكة خفيفة بدون روح موجهًا حديثه إلى عمته ورغم ضيقه الآن إلىٰ أنه يعلم أن عمته بنصف عقل ولا يأخذ أحد على كلامها :
-طب حلو إنك عارفة اسم ابنك اللي بيشرب المر علشان تفتكري اسمه بس عيب كده يا عمتي كسفتي البنت سيبها تمشي
كادت شروق بالفعل أن تقف فجذبتها توحيد بسرعة حتى تجلس كما كانت، فقالت شروق مترجية نور أن تأخذها من جانب هذه المرأة التي تريد أن تخطبها لابنها :
-يا نور
نظرت توحيد نحو الفتاة الأخرى ثم قالت بنبرة متحمسة وعينيها أصبحت تخرج القلوب الحمراء :
-الله شوف البنت دي يا عبد المنعم
-اممم
-شبه ابويا الله يرحمه بالظبط
ضحك جميع الموجدين بينما خجلت نور وهمت بالرحيل فاستقامت توحيد بسرعة وجذبت ذراعها بعنف حتى لا ترحل فصاحت نور بعدما شعرت أن ذراعها قد خُلع في يدها :
-براحة طيب دراعي
لم تبالي الأخرى وجذبتها معها وجعلتها تجلس إلى جانب شروق ثم جلست إلى جانبهما وفعلت مثل الذي فعلته مع شروق وعندما لم تجد أي خاتم في يدها صاحت متحمسة :
-الله دي مش مخطوبة
بهت وجه حمزة قافزًا من مكانه بسرعة قبل أن تخطبها هى أيضًا لابنها الثاني :
-لا معلش يا عمتي ملكيش دعوة بدي علشان تخصني
عضت نور على شفتها من الداخل من شدة الحرج بينما توحيد ظلت تحدق في حمزة بريبة وكأنه حمار بثلاث رؤوس ثم قالت موجهة حديثها إلى كريم الذي يخفي وجهه كاتمًا ضحكاته :
-مين ده يا عبد المنعم؟!
-ده عبد التواب أخويا
وفور أن ختم حديثه قهقه بعلو على ملامح حمزة المتشجنة حتى نور ضحكت على هذا الاسم فلانت ملامح حمزة على ضحكتها مردفًا بغزل :
-عسل والله عسل
قلبت شروق عينيها ضاحكة على هذا العاشق بينما نور اغمضت عينيها بقوة ووضعت كفها عليهم تتمنى أن تختفي الآن، لتأتي صفعة من يد توحيد القوية هابطة على رأس حمزة فقال يونس شامتًا به :
-أحسن تستاهل يا مُحنُه
كاد أن يسبه حمزة ولكن ابتلع الكلمات عندما قالت توحيد بحدة له :
-اسكت يا ولاه متعاكسش البنت اللي هتبقى مرات اخويا
-اخوكي مين؟!
وصدر هذا السؤال من جميع الموجدين لتقول الأخرى ببسمة متسعة مصيبة حمزة بنوبة تشنج :
-اخويا الدكتور عثمان
صاح حمزة بقوة مهرولًا نحوها حتى تتوقف عما تقول :
-عثمان ابويا؟؟ انتي عايزة تجوزي البنت اللي بحبها لأبويا وتحرميها عليا، حرام عليكي يا ست انتي
حدقت به الأخرى بملامح متذمرة إذ قالت :
-أبوك مين يا جحش انت انا اخويا عثمان لسه عنده أربعة وعشرين سنة
-يا راجــــل عنده أربعة وعشرين سنة ومخلف أربعة أكبرهم عندها واحد وتلاتين سنة!!
-انت كذاب يا عبد التواب
-عبد التواب مـــيـن
صاح بها بقوة فقالت الأخرى بغضب وهى تدفعه بعصاها بعيدًا عنها :
-متزعقش فيا يا قليل الأدب يا ابن ناهد المقشفة
عاد حمزة للخلف ممسكًا بجانبه بألم من وكزة العصا بينما قال يوسف بسرعة يخفي ضحكته على العبث الذي يحدث :
-حلو يا عمتي انتي عارفة بقى إن ناهد تبقى مرات عمي عثمان
-آه يا اخويا عارفاه تبقى مراته ناهد المعفنة المقشفة أم صُرم وانا هطلقها منه واجوزه العسل السكرة أم عيون حلوة دي
ختمت حديثها وهى تربت على كتف نور المصدومة حالها كحال الجميع من سبها لناهد هكذا دون سبب، بإستثناء كريم الذي قهقه بقوة مردفًا من بين ضحكاته :
-لحظة إدراك إنها بتشتم أمي وانا بضحك مش عارف ليه؟!
مسح إسماعيل وجهه لا يصدق الجنون الذي تتفوه به عمته ليقول موجهًا حديثه لنور وشروق :
-معلش يا بنات اطلعوا انتوا
وهمَّا بالفعل بالخروج دون إعتراض ليسقطا كما كانا بسبب عصا توحيد التي دفعتهم بها للخلف ثم صاحت :
-محدش هيطلع مرات اخويا ومرات ابني من هنا، وشوفوا عثمان فين يشوف العروسة
صاح حمزة بجنون ينافس جنون هذه المرأة قائلًا :
-عروسة مين اللي يشوفها ده هو هيجي معايا بكرة علشان نخطب العروسة اللي بتقولي عليها دي ليا
-لأ يا اخويا مفيش منه الكلام ده، انا خلاص خطبت البنت أم عيون حلوة لعثمان وأم نضارة لأمير ابني... ولا انتوا عندكم إعتراض
ختمت حديثها تنظر إلى نور وشروق بتوجس فقررت نور مجاراتها حتى لا تضربهما بالعصا الذي بيدها إذ قالت بنبرة قلقة وبسمة متوترة :
-والله الدكتور عثمان بني آدم محترم بس فيه مشكلة صغننة كده إن هو أكبر مني، مش شايفة إن الموضوع فيه ظلم ليا؟؟
رق صوت توحيد لها إذ قالت محاولة إقناعها بالأمر :
-لأ يا حبيبتي مفيش ظلم ولا حاجة المفروض تتجوزي واحد أكبر منك علشان يفهمك ويحتوكي
وضع حمزة كلتا يديه في ذراعه هاتفًا بإعتراض ساخر :
-والله علشان تتجوز واحد يحتويها تتجوزه قد أبوها!؟
-بس لسه فيه صحة ويجي منه أطلع منها انت يا عبد التواب.... وانتي عندك إعتراض
رفعت عصاها في وجه شروق فأعادت الأخرى رأسها بسرعة للخلف حتى لا يصطدم في انفها وقد قررت مجاراتها هى أيضًا إذ قالت مبتسمة بمزاح :
-إعتراض واحد بس وهو إني مشوفتش العريس، هتجوز على الغيابي كده يرضيكِ؟
ابتسمت لها توحيد ابتسامة متسعة وقد هرولت نحو كريم لاكمة ذراعه عدة مرات بيدها وهى تقول :
-لأ انا هوريكي صورة، عبد المنعم هات صورة لأمير يلا علشان العروسة تشوفها
قلب يونس عينيه بضيق ولولا معرفته بجنون عمته لاعترض على هذه المهزلة التي تحدث، بينما صاح كريم بقوة مبعدًا يدها عن ذراعه :
-خلاص يا عمتي يخربيت الصحة دراعي اتخلع
أخرج هاتفه بسرعة وأتى بصورة لأمير ابن عمته ثم أعطاها الهاتف حتى تبتعد عنه ثم أعطت توحيد بدورها الهاتف لشروق لترى الصورة، فمالت نور عليها حتى ترى المدعو أمير هذا وبشكل لا إرادي قالت :
-حلو
-حلو؟!
نطق بها حمزة موجهًا لها نظرة حادة فتراجعت الأخرى دون التفوه بكلمة بينما أكملت شروق وهى تحدق في ملامح هذا الشاب الوسيم :
-آه والله حلو، عنده كام سنة بقى؟!
رمقها يونس بنظرة قوية رغم برود ملامحه ثم قال :
-شروق عمتي ومعلش في اللي جاي مجنونة بس بتصدق
نظرت له الأخرى بلامبالاة مصطنعة وقلبها يرفرف من الداخل عندما استشعر منه شعور غيرة لذا أكملت قائلة :
-أكدب يعني ما شاء الله ابنك حلو، بس برضو عنده كام سنة؟؟
وأجابتها توحيد بحماس مجيبة عليها :
-عنده سبعة وعشرين سنة وشغال مهندس مدني
رمقها أبناء اخوتها ببلاهة لتذكرها كل هذه الأشياء فقال يونس ضاربًا كف على الآخر :
-فاكرة اسم ابنها وسنُه وشغال ايه وفي الآخر تقولوا دي عندها زهايمر، يا جدعان عمتكم شكلها بتستهبل أقسم بالله
وقفت براءة أمام الباب منادية على شروق ونور عندما وجدتهما هنا :
-يلا يا بنات علشان دعاء خلصت لبس وهنروح دلوقتي علشان نلحقوا نرجعوا بدري
تحركت أنظار توحيد نحو براءة وقد اتسعت البسمة على وجهها من هذه الأذن إلى هذه الأذن ثم قالت :
-الله مين الحلوة الطويلة دي؟! انتي بنت مين يا سكرة؟
وهنا استقام يوسف من مكانه بسرعة وقد وقف أمام عمته حتى لا تخطبها لأحد هذه الثالثة :
-لأ عمتي لا دي محجوزة ليا وانا خطيبها والله حتى بصي في ايدها البدلة
نظرت توحيد نحو انامل براءة التي لا تفهم ماذا يحدث ثم قالت لاوية شفتيها بتذمر وخيبة أمل كبيرة :
-خسارة كنت عايزة اخطبها لأخويا محمد قرب يخلص الجيش وطلب مني أدورله على عروسة
في مدينة الإسكندرية |الجزء الثاني|
قريبًا....
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الثامن وخمسون 58 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
بسم الله نبدأ من جديد والجزء التاني ألطف من الأول وفي نفس الوقت أحداثه مهمة جدًا ولا تخلو من الأفكار الهادفة
بإذن الله موعدنا في رمضان كل جمعة فصل بعد صلاة التراويح لحد ما ندخل على العيد لو في العمر بقية، وبعدها هشوف مواعيد مناسبة
تعليقات كتير بقى برأيكم في اللي جاي 💜
صلي على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
"كنت أغرد فتبتسم وتصمت..... اشتاق لها ولا أجد ولو صوتها فقط حتى اسمعه...... ثقيلة وثقلها أرهق قلبي.... ترى أين ذات العيون العسلية التي خطفت لبي؟؟"
أغلق مفكرته الصغيرة التي تجمع الكثير والكثير من الخواطر الشعرية للمحبوبة نورهان، ولكن أين هى نور الآن فقد مر ستة أشهر ولم يرها أبدًا، بالكاد سمع صوتها عدة مرات آخرهم كانت من شهر على هاتف زوجة عمه وكانت تتحدث هى معها أمامه ولكن لم يستطع فتح فمه حتى لا تأخذ والدتها الهاتف منها
كلما فاتح والدها في أمر الزواج يتحجج الآخر أن ابنته لا تزال لم تتعافى وتحتاج لوقت، هو يعلم أن ما مرت به هنا ليس أبدًا بقليل لذا يحترم أنها تريد بعض الوقت حتى تتعافى وتنسى ما حدث ولكن إن كانت هى من تقرر الإنتظار وليس والديها
وضع المفكرة داخل جيب بنطاله ثم رفع عصير البرتقال الذي طلبه وهو الآن في إنتظار حضور باقي أبناء أعمامه، عاد كريم من المرحاض وفي يده طبق مكسرات، عجبًا كم يعشق شقيقه الأكل فعشقه للأكل بماثل عشقه لكرة القدم، لا يستطيع البقاء ساعتين متواصلين دون أن يأكل شيئًا حتى إن كان سيأكل تفاحة
جلس كريم في مكانه يأكل من الطبق الذي في يديه وعينيه على شاشة العرض الكبيرة الموجودة داخل المقهى تعرض أحد مباريات كرة القدم ثم قال :
-فاتني كتير ولا ايه؟ دخلوا على الشوت التاني ولا لسه؟!
رفع حمزة عينيه نحو الشاشة غير مبالي بما يعرض إذ قال :
-هو انت مش لسه حاضر الماتش ده إمبارح بالليل!؟
-ماتش ايه اللي حضرته إمبارح بالليل ده كان ماتش لرونالدوا، ده منتخب مصر
-ما شاء الله انت محلي ودولي
لم يجبه كريم بسبب انشغاله في متابعة المباراة وكل دقيقة والأخرى يرفع قطعة مكسرات ويأكلها ولم يفكر في إعطاء حمزة شيء، ليقاطع هذا دلوف يوسف ويونس إلى المكان فاليوم إجازة ولتوهم عادوا من صالة الرياضة ليرتاحوا قليلًا في المقهى المجاور لها
جلس يوسف على الطاولة ملقيًا التحية ثم قال :
-طلبت برتقال يعني ونسيتنا إحنا؟!
جذب يونس القليل من المكسرات من الطبق الذي أمام كريم بالتزامن مع جذبه للمقعد حتى يجلس عليه :
-هو إسماعيل لسه مجاش ليه؟!
أخفض حمزة كوب العصير عن شفتيه ثم أجابه :
-لسه في الطريق جاي وقال عنده خبر حلو
-ايه قرر يتجوز على أختك؟!
ضحك بخفة على حديثه مضيفًا :
-طب دي كانت تقتله، مش عارف اليومين دول متملكة ناحية إسماعيل وبتغير من الرايحة والجاية، مجنونة
نظر نحوه يوسف متسائلًا :
-ايه يا حمزة مش ناوي تتجوز ولا ايه، لسه حماك ده محنش عليك شوية
-هو علميًا ميعتبرش حماه لأنه لحد دلوقتي مدخلش بيتهم ولا قرأ فاتحة، كل الموضوع إن عمي محفوظ قبل سفرهم من ست شهور قال لأبوها هاجي انا واخويا لما بنتك تبقى كويسة ونشرب معاكم شاي ولحد دلوقتي لا روحتوا ولا شربتوا لا شاي ولا قهوة
نطق بها يونس بنبرته الساخرة مثيرًا ضيق حمزة وهذا لأن كلامه صحيح، تنحنح يوسف محاولًا الترفيه عن حمزة قليلًا :
-تحب اجيبلك رقمها الجديد من براءة، مش عارف بصراحة هاخده ازاي بس هعرف اجيبه
نفى حمزة برأسه لا يريد أن يضايقها بكلامه وتظل تقول له حرامًا ولا يجوز فهو يعلم نفسه إن أخذ رقمها لن يتوقف عن الإتصال بها، وهو يريد أن ينالها في الحلال وحينها لن يوقفه أحد عن فعل أو قول أي شئ يريده ولا حتى هى
أخرج يونس علبة السجائر الخاصة به ثم اخرج منها سيجار دون أن يشعله بالتزامن مع قوله :
-طب أبوها ليه لحد دلوقتي بيهرب من مجيتكم، يكونش جوّزها ومش عارف يجيبهالك إزاي
انقلبت ملامح الآخر بطريقة عنيفة إذ قال بهدوء مخيف :
-أقسم بالله هطلع عليهم كلهم جناني وهى من قدامك
قهقه يونس بصوت رجولي بينما قال يوسف وهو يشير إلى العامل حتى يطلب شيئًا :
-عنيف انت يا حمزة، مش عارف كاتب ازاي والمفروض تكون مرهف الاحساس بس انت عكس كده معانا
وافقه يونس حديثه مضيفًا :
-معانا عنيف ومجنون ومعاها بسكوتة نواعم من اللي بتدوب في الشاي دي، أهو هو كده لما يشوفها بيدوب
-خلصتوا فقرة القر؟! وانا أقول الراجل لحد دلوقتي مش راضي يدينا معاد ليه؟؟
نطق بها حمزة متهكمًا ليفزع ثلاثتهم على صرخة كريم الحماسية بجانبهم عندما أتى جول في المباراة التي يشاهدها، سبه يونس علانيةً وهو يهبط بيده فوق رأسه بغيظ :
-أبو شكلك يا كريم خرعتني
وتلىٰ ضربته هذه ضربة أخرى أتته من حمزة ولكن أشد عنفًت ثم قال :
-متضربش اخويا يلاه، يعمل اللي هو عايزه
استدار له الآخر رامقًا إياه بتهكم بينما بعث كريم قبلة لأخيه في الهواء قائلًا :
-حبيبي حبيبي يا عم العيال خد بوسة
قهقه يوسف بعلو صوته فرمقه يونس بحنق لاكمًا إياه في كتفه :
-بتضحك واخوك بيتهزق آه طبعًا ما براءة لحستلك دماغك واتركنت انا على الرف
-يا يونس بقى بطل تغير منها انا أول مرة أعرف إنك غيور أوي كده، من وقت ما اتجوزت رقية وانت ماسك فيا انا، مش مهنيني على مكالمة واحدة منها
برم الآخر شفتيه بعدم رضا ثم وضع سجارته بين شفتيه وأشعلها فقال يوسف بضيق وهو يحاول أن يأخذها منه :
-تاني سجاير تاني، أعمل فيك ايه
سحب يونس السيجار وأبعده عن مرمى يديه متحججًا :
-خلاص بقى ولعتها مجاتش على واحدة
-وهى واحدة بس يا يونس حرام عليك صحتك
-معلش معلش هشرب دي بس
نطق بها بمسايرة حتى يصمت ولكن هيهات إذ مال عليه يوسف مفتشًا جيوبه ثم أخرج العلبة وفركها بعنف بين كفه ثم استقام من مكانه حتى يلقي بها في سلة المهملات فقال يونس بإعتراض :
-طب والله حرام ده، كله لما أجيب واحدة ترميها في الزبالة مش بفلوس دي؟ ولا هو مال حرام!؟
حدق به حمزة بضيق لإكثراه لشرب السجائر إذ قال وهو يرفع كوب العصير إلى شفتيه :
-نفسي أعرف ايه الحلو فيها ده حتى ريحتها معفنة
-اومال انت كنت عايز تشربها ليه في خطوبة رقية؟؟
رفع الآخر منكبيه بعدم معرفة فأجابه يونس هاتفًا ببساطة :
-بتطلع ضيقك فيها وبعدها الموضوع بيقلب بتعود، كل لما تفكر تشرب، كل لما تتنرفز تشرب، كل لما تزعل تشرب، انا بخلص العلبة في أسبوع أعرف ناس تخلصها في يوم
عاد يوسف وجلس مكانه محدقًا في السيجارة التي في يد يونس فقال الآخر بتحذير :
-عارف هتاخدها هتخانق معاك
-ده انت لو مطفتهاش هتخانق معاك
دلف إسماعيل من باب المقهى ثم توقف يبحث عن أبناء أعمامه ليرى كريم يشير نحوه حتى يأتي، تقدم نحوهم ملقيًا التحية وسرعان ما انقبضت ملامحه بسبب الدخان فقال بإنزعاج :
-يونس اطفي البتاعة دي، انا مش بطيق ريحتها
واطفأها الآخر مجبرًا ثم كتف ذراعيه لصدره يستمع لصوت حمزة المتسائل وهو يقول :
-ها يا إسماعيل ايه الخبر الحلو؟!
-انت تفتكر ايه؟؟
رفع حمزة منكبيه بعدم معرفة ثم قال بمزاح :
-مش عارف يمكن هتتجوز على غادة زي ما قال يونس
ابتسم الآخر دون أن يعلق، ليقول وهو يتراجع بظهره نحو الخلف :
-فرح ابن خالي بعد خمس أيام وهنسافر الصعيد انا وماما وبابا ولؤي أجازة أسبوع هناك
-طب وايه الخبر الحلو يعني هو إحنا هنروح مثلًا؟!
تساءل بها يوسف ولم يصل له الخبر المفرح بعد فأجابه الآخر يؤيد ما قال :
-آه هتسافروا علشان خالي عزم عمي عثمان وعمي محمد كمان يعني يوسف يقدر يروح ويعجل شويتين في جوازه هو وبراءة، فإحنا هناخد كلنا أجازة أسبوع في الصعيد نغير جو بعيد عن صداع إسكندرية، والخبر الأحلى بالنسبة لحمزة إن خالي علي اتصل على ماما وقال تشوفوا معاد تقدروا تيجوا فيه
اتسعت عيني حمزة لا يصدق ما يسمعه إذ مال للأمام قليلًا نحو الطاولة هاتفًا بدهشة :
-قول والله يعني خالك خلاص وافق عليا؟؟ ووافق نيجي علشان اخطب نور؟!
ضحك يونس على السعادة الواضحة على حمزة إذ قال :
-براحة يا حمزة لتتشل من الفرحة
آماء إسماعيل مؤكدًا الأمر إذ قال :
-ايوه وافق والمعاد اللي قال عليه بعد فرح ابن أخوه يعني بعد ست أيام وإحنا هنسافر بكرة الفجر، يلا بقى جهزوا الشنط وخدوا أجازة أسبوع ولا عشر أيام علشان هتسافروا معانا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
كانت ثائرة بشدة لا يعجبها ما فعله زوجها، كيف له أن يتصل على الرجل ويعطيه موعد حتى يتقدم لابنتها بشكل رسمي، لقد شعرت براحة أن ابنتها وأخيرًا بدأت تنسى كل ما حدث لها في تلك المدينة وتنسى تلك الزيجة البعيدة من ضمنهم ليأتي هو الآن ويبدي موافقته بهذه الزيجة
صاح علي بها من كثرة ثرثرتها عن الأمر :
-ما تسكتي يا بت بقى عاملاها جنازة ليه
رمقته صفية بضيق شديد قائلة :
-يا علي انا مش عايزة اجوز بتي بعيد وبعديها تبقى زي اختك مش بنشوفوها غير سنتين مرة
-التليفونات قصرت المسافات وابقي كلميها كل يوم، الواد كل راسي وعايزها، وانا ست شهور أقولهم تعبانة مش وقته، خلاص بقى كده كفاية وهى بقيت كويسة
جلست الأخرى إلى جانبه بإعتراض :
-قوله مش هندهالكُم، مكسوف قولها لمحفوظ يوصلهالهم
-وليه نقولوا لأ ما الواد كويس وأهله مرتاحين وهو مرتاح كمان وبتك هتعيش في أحسن حتة في إسكندرية عايزة ايه تاني؟؟
-عايزة بنتي تبقى جنبي يا علي علشان لما نكبروا انا وانت يشيلونا
تنهد علي بضيق لكثرة إلحاحها ثم قال :
-يمكن نموتوا قبل ما نكبروا حد ضامنها وهو عايزها وست شهور مستني خلاص كده استوعبي إن البت كبرت وهتمشي إحنا عايزين ايه غير يكونوا مرتاحين، وانا حاسس هتبقى مرتاحة معاه، ثم انا هشرط عليه ميخلهاش تقطع بينا، طالما هو مرتاح ومعاه فلوس يخليه تيجي كل شهر عندنا
لم يبدو على صفية الرضا ولكنه محق، عاجلًا أم آجلًا سيتركن بناتها المنزل وهما لا يريدان إلا سعادتهما وراحتهما، تحدث علي وهو يمسك جهاز التحكم يغير قناة التلفاز :
-قومي اعملي شاي ولما البنات يرجعوا من برا تقولي لنور علشان تجهز وشوفيها قابلة ولا مش قابلة وإياكِ تدوسي على البت بكلامك
والأخرى قد سلمت الأمر إذ قالت قبل أن تقف من مكانها وتنفذ ما قال :
-وانا هدوس عليها ليه انا مش عايزة ليها غير الزين كله، ولو هتبقى بعيدة عننا وكويسة ومبسوطة أحسن ما تبقى جنبنا ومتنكدة
دلفت إلى المطبخ وقد سحبت هاتفها حتى تتصل على ابنتها وترى إن كانت عادت من مقرأ القرآن بعد أم لا ولكنها لم تجيب وفي العادة قد لا تجيب فهى تضع هاتفها هناك على الوضع الصامت
وعلى الناحية الأخرى في مبنى كبير نوعًا ما يتكون من عدة طوابق والكثير والكثير من الغرف في كل طابق والضوضاء كانت تنتشر ولكنها ضوضاء من نوع مريح إذ كانت أصوات تلاوة القرآن تصدح من كل الغرف
أصوات متداخلة فهناك طفلة تسرد ما حفظت لمعلمتها وهناك طفل يصِح صفحة جديدة حتى يحفظها، وهناك مراهقة تقرأ القرآن في إستعداد للإختبار، وهناك معلمة تجوب بين الفصول بإشراف على الجميع هنا
وفي أحد الفصول كانت تجلس بجانب الحائط تنتظر دورها حتى تسرد ما راجعته فهى قد ختمت القرآن منذ فترة طويلة ولكنها تراجعه بإستمرار حتى لا تنسى كما أنها بدأت مؤخرًا في الحفظ برواية جديدة
-يلا يا نورهان تعالي
استقامت من مكانها وفي يدها مصحفها ثم جلست في المقعد القابع أمام المعلمة تمامًا تسرد ما حفظته من الرواية الجديدة التي بدأت بها فهى حتى تخرج من الدوامة السوداء التي سقطت بها، كان يجب عليها الانشغال بشئ آخر حتى تنسى كما قالت والدتها
لذا وضعتها معلمتها في مسابقات للقرآن واختبارات كثيرة جعلتها بالفعل تنشغل عن التفكير كما أن والدتها وشقيقتها وخالاتها كن بجانبها في هذا الأمر ولكن لا تزال هناك عقدة تؤثر في نفسيتها وهو رهاب من الزحام، تقف ساعتين على قدميها في انتظار فك الزحام ولا تدلف به
كما أن شروق المسكينة أصبحت تعاني فوبيا من الدماء تصاب بحالة خرس وشلل وبصعوبة تستطيع تمالك نفسها وإبعاد عينيها عن ذلك اللون الأحمر حتى إن كان في التلفاز أو الهاتف وليس حقيقي
لا يعلم الكثير بهذا الأمر كما أن لا أحد يعلم بعد أن شروق تعرضت لمحاولتين للقتل، فقد تكتم عمها حسين على الأمر حتى لا تتعرض ابنته لكثرة الضغط كما تعرضت هى حين خطت بقدمها البلد منذ ستة أشهر
حسنًا لتكف الآن عن التفكير وتركز فيما تقول، أما في المقعد الخلفي لها كانت تجلس شروق وعائشة داخل درج واحد ولكنهما لا يفتحان المصاحف فقد سردا ما عليهما اليوم بل يشاهدان تصاميم لفساتين المناسبات الخاصة من أجل زفاف ابن عمهم، فجميع فتيات العائلة ينتظرن مناسبة كهذه منذ سنوات حتى يشترين الفساتين الجديدة
استدعى انتباه شروق رسالة ظهرت في أعلى الشاشة من براءة وكادت أن تتخطاها ولكنها أبصرت جملة تحمل "يوسف وعيلته جايين" لذا فتحت الرسالة سريعًا تقرأ محتواها
"يوسف وعيلته جايين من إسكندرية بكرة يا بِه"
نظرت نحو عائشة التي لم تكن تنتبه لها بل تنتبه لهاتفها الذي تخفيه أسفل الدرج حتى لا تراها المعلمة فممنوع إمساك الهواتف أثناء حلقة القرآن
أخفت هى أيضًا هاتفها تجيب على شقيقتها برسالة
"قولي والله"
"والله حتى ماما قالت أجيب طقم تاني حلو لما نروحوا النهاردة بالليل نشتروا علشان ألبسه لما يوسف يجي علشان كلم بابا وقاله هيتكلموا في موضوع كتب الكتاب لما يجوا"
"يعني ممكن تكتبوا الكتاب المرة دي؟!"
"باين هيبقى كده فعلًا"
برمت شروق شفتيها تشعر بالغيرة، ليس من شقيقتها وإنما على شقيقتها فلا تتقبل أبدًا فكرة أنها ستتزوج وتسافر إلى محافظة أخرى مع زوجها، أي لن تستيقظ وتراها، لن تتشاجر معها بسبب أعمال المنزل، لن يسهر كلاهما على الأفلام والمسلسلات
ربما هما طوال الوقت كالقط والفأر ولكنها تحبها ولا تريدها أن ترحل وعلى هذا الأساس لا تطيق يوسف أبدًا، فحتى يوم الخطوبة لم تكن تدع له فرصة للتحدث مع براءة تحت بند أنها مِحرم ولا يجوز أن يبقيا بمفردهما أبدًا
أغلقت هاتفها عندما نادت عليها المعلمة قائلة :
-لو ماسكة التليفون شيليه يا شروق
-حاضر يا مس
قالت لها هذا حتى تبعد عينيها عنها، وبعد عشر دقائق اقتربت منهما نور حتى تجلس إلى جانبهما ترى فيما يتحدثان :
-على ايه الكلام؟!
-على إن يوسف وعيلته جايين يتكلموا في كتب كتاب براءة
رفعت عائشة رأسها بإنتباه لما قالته شروق ثم قالت :
-قولي والله؟! يعني هيبقى فيه فرحين في العيلة مش واحدة، لا انا كده هحتاج اشتري فستان كمان علشان فرح براءة
نكزتها الأخرى بخفة هامسة بضيق :
-بس يا بابا هو كتب كتاب بس وعليا إن خليتهم يتجوزوا غير بعد سنة
-لا معتقدش طالما هيكتبوا الكتاب يبقى فترة صغيرة وهيبقى الفرح، معروفة دي
اعتدلت نور في جلستها تدعي عدم الإهتمام بالأمر وهى تسأل شروق :
-جايين لوحدهم مع عمتي وعيالها ولا لامين نفسهم كلهم وجايين
معروف لما تسأل نور هذا السؤال فهى تسأل عن ذلك المحامي الشاعري ذو الملامح الوسيمة، ورغم أنهم لم يسمعوا خبر عنه منذ ما يقارب الستة أشهر إلىٰ أن شروق أخرجت هاتفها وبعثت رسالة لبراءة حتى تسأل يوسف بطريقة غير مباشرة إن كان حمزة وعائلته قادمين معهم
وبعد أن أرسلت الرسالة اخفضت نور يد شروق قائلة بوجوم :
-خلاص متبعتيش تلاقيه زهق وعدى الموضوع، بابا كل شوية يقولهم لسه محتاجة وقت علشان تبقى كويسة وهو وماما رافضين من البداية، خلص الموضوع من زمان
أعادت ظهرها على المقعد تحدق بشرود أمامها تشعر بنفس الضيق الذي شعرت به عندما لم يأتي خطوبة براءة ويوسف كما وعدها، ربما خفت ضيقها عندما علمت بعدها بيوم أنه أصيب بحمى شديدة منعته هو ووالديه من القدوم ولكن بداخلها شئ آلم قلبها عندما رأت الجميع موجود يومها إلا هو وعائلته
ذلك الألم الذي كانت تعلم أنه سيأتي مع كل مرة كان يعلقها بكلماته المعسولة ولكن يكفي، والديها يرفضان وقد مر ست أشهر على الأمر وعلى الأرجح قد سئم الرفض، ولو هى مكانه كانت ستسأم أيضًا لذا عليها التأقلم وأن تخرجه تمامًا من عقلها فلا يجوز أن تفكر في رجل وهى على ذمة آخر
حسنًا لا تفزعوا هى لم تتزوج ولكن تقول هذا لِما فيما بعد، فهل ستظل عزباء في إنتظاره حتى يفوتها قطر الزواج؟! كما أنه تقدم لها الكثير والكثير من الخطاب بعد هذه الحادثة وليس عشقًا في جمالها بل لأنها تمتلك الآن الكثير من الأموال في البنك
ووالدها كان يرفض حتى أن ترى أحدهم، لا تدري لما ولكن على الأرجح لأنه لا يريد أن يزوجها لرجل فقط يطمع في مالها
-هتيجي معانا النهاردة علشان نشتروا فساتين للفرح صح؟!
تساءلت بها عائشة وهى توجه السؤال لنور فآماءت لها الأخرى بعدم إهتمام :
-إن شاء الله ايوه اتمنى بس متقعدوش تلفوا كتير علشان ضهري بيوجعني من كتر اللف
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
كانت تسير خلف زوجها في كل مكان في الشقة تحاول إقناعه بسفرها مع عائلتها والآخر يرفض رفضًا قاطعًا، ليس لكونه رجل دكتاتوري وإنما هو فقط يخاف عليها لذا صاح بضيق لكثرة إلحاحها على الأمر :
-لأ يا رقية لأ مفيش سفر انتي مش هتسافري ساعتين ولا تلاتة دول عشر ساعات
ضمت رقية شفتيها بتذمر تراه يجلس على الاريكة ويفتح حاسوبه الخاص يكمل عمله عليه، وإن كان يظن هكذا أنها ستتنازل عن الأمر فهو مخطئ إذ جلست الي جانبه هاتفة برجاء :
-يا عمر بقولك إحتمال يوسف يكتب كتابه انت مش عايزني أحضر كتب كتاب اخويا؟!
-انت مقولتيش كده انتي قولتي رايحين فرح واخوكي هيتكلم مع حماه على الموضوع مقولتيش رايحين يكتبوا كتب الكتاب، وحتى لو مش هتروحي
اتسعت عينيها بذهول لرفضه القاطع هذا وقبل أن تفتح دائرة النكد اصمتها عمر عندما أكمل وهو يعلم رأسها اليابس :
-انا مش هقدر أروح ومش هسيبك تروحي وحدك وانا عارف هتفضلي تتنططي يمين وشمال وتنسي إنك حامل في الشهور الأولى والدكتورة طلبت منك راحة علشان ميحصلش اجهاض زي المرة الأولى، فاكرة ليه بقى أجهضتي في المرة الأولى يا رقية؟!
قلبت الأخرى ملامحها وضمت ذراعيها إلى صدرها هاتفة بضيق لذيذ له :
-علشان الحركة الكتير في الشغل واديك ادتني أجازة إجباري من لما عرفت إني حامل، سيبني أسافر معاهم يا عمر انا عايزة أحضر كتب الكتاب
-يا رقية لأ ده سفر عشر ساعات غلط عليكي السفر وانتي لسه في الشهور الأولى، انتي عايزة تجهضي تاني؟؟
-ليه تقدر البلاء قبل وقوعه انا هخليهم يمشوا على مهلهم
نطقت بها في محاولة لمراضاته فقال الآخر متسائلًا :
-انتوا هتسافروا عربية!؟
-لأ قطر علشان كلهم مسافرين
-يا سلام وهتخلي القطر يمشي على مهله؟!
تخصرت الأخرى له مستشعره رفضه مرة أخرى إذ قالت :
-يعني انت كده برضو مش موافق
-آه
-عمر!!
-لأ
-عــــمــر
-قولت لأ
حدقت به رقية بشرار وتقلبات الحمل تؤثر عليها لذا هتفت بدون وعي أو بطريقة مضحكة بالنسبة إليه :
-خلاص لم هدومك وروح عند جدتك متقعدش في البيت
رفع الآخر رأسه له متفاجئًا مما قالت فأكملت الأخرى بعصبية وهى تستقيم من مكانها بعنف :
-زي ما سمعت الشقة من حق الزوجة وانا مش عايزة اشوفك قدامي بتعصب
تقدمت نحو غرفتهم وفتحت الباب حتى تدلف وقبل هذا استدارت نحوه صائحة بغضب :
-وأقولك حاجة كمان ريحتك وحشة
وختمت حديثها صافعة الباب بقوة تاركة عمر يحدق في أثرها بذهول تام وبعد ما يقارب الدقيقتين عاد يكمل عمله على الحاسوب غير مبالي بما قالت فهى تتصرف كالمجنونة هذه الأيام، لا يدري أتتدلل أم أن هذه هرمونات الحمل وفي كلتا الحالتين هو يملك طاقة صبر واسعة يتحمل عنادها وجنونها هذا
مرت خمس دقائق أخرى حين استمع إلى صوتها من الداخل تتحدث في الهاتف مع شقيقها يوسف وهى تقول بصوت تصنعت به البكاء :
-الو يا يوسف عمر ضربني وكهربني وشد شعري تعالوا خدوني من هنا
حسنًا ارتفع فولت الجنون عندها هذه المرة ورغم هذا صاح من الخارج مكملًا عليها وكأنه اعتاد على مثل هذه الأمور :
-واوعي تنسي تقوليله إني أكلتك ملوخية من غير ملح غصب عنك إمبارح
ولا يقصد المزاح هذه المرة فالبارحة تناول الطعام بدون ملح البتة من يديها وهذا لأن رقية لا تجيد الطهو ولا تزال تتعلم وهو في المقابل يصاب بتلبك معوي بسبب تجاربها هذه...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أخرج كل ما يمتلك من ملابس في الخزانة ووضعهم على الفراش يختار ما سيذهب به إلى الصعيد في هذه الإجازة الغير متوقعة لأحد، ربي لا يزال قلبه يرفرف سعادةً لأنه سيرى نور وسيخطبها أخيرًا بعد أن سف التراب بالمعنى الحرفي حتى يرضى والدها
قد تظنونه خفيف أو "مدلوق" بالمعنى الشعبي البسيط ولكن الأخرى ثقيلة بشدة هى ووالديها بالذات وإن كانت هى ثقيلة وهو ثقيل إذًا لن تتحرك مركب الزواج هذه أبدًا، فوجب أن يشد أحدهما والآخر يرخي
ولج كريم إلى الغرفة وفي يده عصير مانجا قد اعدته والدته منذ قليل للجميع وقد أعطته نصيبه هو وحمزة ولكن الآخر لا يميل للمانجا كثيرًا لذا سيشربه هو بالنيابة عنه
توقف بجانب الباب ينظر إلى حيرة أخيه وهو يحدق في الملابس أمامه وما بداخل الخزانة :
-ايه محتار تاخد ايه في الشنطة
رفع الآخر رأسه له ثم قال ببساطة وهو يبحث داخل الخزانة عن بنطاله الثلجي :
-لأ انا هاخدهم كلهم محتار بس ألبس ايه لما نروح بيت نور لما نتقدم ليها
أبعد كريم الكوب عن شفتيه محدقًا به بدهشة :
-انت هتاخد الهدوم دي كلها؟؟ ليه يا ابني هو انت خلاص مهاجر
نظر حمزة إلى الملابس التي يشير إليها إذ كانوا عبارة عن ثماني أطقم مختلفة من البناطيل والتشيرات وغيرها :
-ده انا لسه مأخدتش الهدوم الداخلي وحاسس يعني دول قليلين فرضًا يعني قعدنا أكتر من أسبوع
نظر كريم نحو حقيبته الرياضية التي وضع بها طقمين أيتام لا غير :
-واخد ٨ أطقم ده لسه غير الداخلي وبتقول حاسس انهم قليلين؟؟
رفع حقيبته الرياضة ثم صاح قائلًا :
-ده انا واخد تلات تشيرات وبنطلون وعايز أسيب تشيرت من التلاتة علشان الشنطة مش مكفية
رمقه الآخر بنظرة تهكمة مشمئزة ثم قال :
-انت هتاخد بنطلون واحد؟! هتقعد أسبوع بنفس البنطلون يا كريم؟؟
-صح معاك حق خلاص انا هاخد تشيرتين وبنطالونين كده متساويين
أخرج أحد التيشيرتات من الحقيبة ثم وضعه داخل الخزانة دون أن يبالي حتى بتطبيقه كما كان ثم أخذ يبحث عن بنطال مناسب، وفي هذه الأثناء سحب حمزة تلك الحقيبة وافرغ محتواها ليجد بنطال وتيشيرتين والشاحن فقط لا غير :
-كريم هو انت مش هتاخد هدوم داخلي
سحب الآخر بنطال من الخزانة ثم أجابه :
-لأ ما انت هتاخد نبقى نلبس سوا بقى
-طب مش واخد لا شامبو ولا فرشة السنان ولا المعجون ولا حتى فوطة؟!
ضرب كريم كفيه ببعضهما وكأنه تذكر شيئًا :
-صح فرشة السنان كويس إنك فركتني، بس ليه يا حمزة شامبو وفوطة هو إحنا هنستحمى هناك؟!
حدق به حمزة بنظرة متشنجة ثم صاح هابطًا بالحقيبة فوق رأسه :
-لا هنقعد أسبوع كامل من غير ما نستحمى يخربيت العفن اللي انت فيه
ضحك الآخر بقوة مبعدًا الحقيبة حتى يصحح هذا الخطأ :
-يا عم مش قصدي كده قصدي إنه أكيد عندهم فوط فليه آخد فوطة
-وانت عايز تنشف جسمك بنفس الفوطة اللي هيستخدمها الباقي، لأ بجد ايه القرف ده
تركه حتى يكمل ما يفعل وقد أخرج لكريم فوطة واحضر فرشات الأسنان ومعجون والشواحن وأطقم إضافية لكريم وكل هذا وضعه داخل حقيبة سفر كبيرة وألقى بتلك الحقيبة الصغيرة على جنب
بينما الآخر كان يجلس على الفراش يحتسي عصير المانجو وعينيه على حمزة الذي يطبق ملابسه وملابسه الخاصة ويضعها بنظام داخل الحقيبة، أبعد الكوب عن فمه بعد أن انهاه وقد أخذ الكوب الخاص بحمزة يشربه هو :
-كل مرة نسافر تتخانق معايا على الشنطة اللي انا واخدها وفي الآخر تجهز هدومي وهدومك وتحطهم في نفس الشنطة، طب ما تعمل كده من الأول ليه الخناق والكلام الكتير بقى
رمقه الآخر بحنق ولم يتحدث فهو معتاد على هذا في كل مرة يسافروا إلى مكان منذ أن كان كريم صغيرًا وحتى هذه اللحظة التي أصبح بها بغل كبير
ترك كريم الكوب الآخر على جنب بعد أن شربه دفعة واحدة ثم قال :
-هتلبس ايه لما تروح تخطب الست موناليزا اللي أبوها أخيرًا حن علينا وقالك تعالوا اتقدموا
وأجابه حمزة بنبرة حانقة وهو يكمل ترتيب الحقيبة :
-متتريقش عليها يا كريم علشان مضربكش
وعقد الآخر ذراعيه أمام صدره هاتفًا بإعتراض لما يسمعه :
-ايوه اتغير علينا بقى وده كله ولسه مقرأتوش فاتحة أومال لما تتجوزها هتعصيك علينا يا أستاذ حمزة
قهقه الآخر بخفة على هذه الغيرة الطفولية التي يتصرف بها، يبدو أنه سيضحك كثيرًا هذه الأيام، وأكمل كريم حديثه رافعًا أنفه بتكبر :
-يا أخي مش تحمد ربها وتصلي قيام وشكر إنها هتتجوز واحد عسل وحلو زيك بشعر ناعم وتلاقيه أنعم من شعرها، لأ ده مش عاجبها لا هى ولا أبوها وبقالهم ست شهور كارفين ليك ومطلعين عينك يا ضنايا ولا حتى كلفت نفسها واتصلت عليك مرة كده من يوم ما سافرت الصعيد كأنها صدقت ما خلصت من البلد واللي فيها، أومال لو مكنتش مطلعها من قضية كانت هتوديها في داهية وكمان مأخدتش منها أتعاب، مش عارف ايه الناس دي بجد
ارتفعت ضحكات حمزة في المكان مستندًا على الخزانة بذراعه فحضرت والدتهما حتى ترى إن كانا أنهيا ترتيب الحقائب، لتتبسم ترى ابنها يغوص في الضحك فقالت متعجبة :
-ايه يا حمزة بتضحك أوي كده ليه؟!
-كريم غيران من نور يا ماما ونازل تريقة عليها من الصبح
ختم حديثه وعاد يضحك مرة أخرى متذكرًا كلمات كريم، بينما قال الآخر برفض :
-انا مش غيران بس معترض على دلقتك دي اللي خلتها هى وأبوها يرفعوا راسهم في السما علينا، ست شهور علشان ناخد موافقة منهم ده لو بنت السيسي كان وافق
-انا مدلوق يا كريم!؟
نطق بها حمزة بصوت مختلط بالضحكات مشيرًا إلى نفسه فأجابه الآخر بسخرية :
-حبيبي انت مش شايف نفسك ولا ايه ولا مش فاكر معاكستك ليها في الرايحة والجاي، دي لو كانت حلوة كنت قولت معلش الواد مسحور بجمالها بس دي عادية خالص آه عيونها حلوة معاك حق، بس كده مفيش حاجة تاني حلوة فيها ولا طول حتى، دي كانت طول الوقت بتلبس كوتشي عالي في مرة شوفتها لابسة بجامة حمراء وطرحة ولكلوك وطالعة من الشقة ترمي الزبالة، أقسم بالله افتكرتها عيلة وانا غلطت في الدور أصل الشقة دي مفيش فيها عيال، ده انت وقفت جنبها يا حمزة وهى لابسة كوتشي عالي وصلت لكتفك اومال لو من غيره بقى
-احيه على الغيرة يا كريم هتطق من الغيرة
نطقت بها ناهد ضاحكة على ابنها فقال كريم غير معترف أنه يغار :
-انا مش غيران قولت بس بقول لابنك لما نروح هناك بلاش يدلق، انتي مشوفتهوش لما قاله إسماعيل إن خاله وافق نيجي نخطبها كان حتة وهيقوم في نص الكافية يرقص
ترك حمزة ما بيديه واتجه نحو شقيقه ثم امسك بوجنتيه بقوة هاتفًا بنبرة ضاحكة :
-يا اختي حلوة غيرانة عليا يا كراميلا
حاول كريم إبعاده عنه ولكن هيهات أن يترك حمزة شئ قد أمسك به لذا صاح قائلًا :
-انا مش غيران مش غيران اوعى بقى
ضمه الآخر بقوة أسفل ذراعه يعبث في خصلاته الملتفة ثم قال :
-يا كراميلا هتولعي من الغيرة بس انا قلبي كبير هيشيلكم انتوا الإتنين، انتوا الاتنين حبايبي
رفع الآخر عينيه له هاتفًا بتوجس :
-يعني انا لو طلبتك متتأخرش عليا
-وانا أمتى اتاخرت عليك يا كريم؟! لما مات صاحبك وقولتلي محتاجك سيبت معرض الكتاب ولفيت من نص الطريق وفضلت اليوم كله معاك، مين يلاه اللي بيستحمل صداع الماتشات بتاعتك مش انا؟؟ مين اللي كان بيعمل البلوة وانا اشيلها مكانه علشان بابا ميضربكش
ابتسمت ناهد على ابنيّها، كلاهما حنوان على بعضهما فحين مرض حمزة منذ عدة أشهر ظل كريم بجانبه طوال الليل ولم يغمض له جفن حتى لا ترتفع حرارة حمزة وهو نائم، وحين مر كريم بفترة علاج الإدمان تحمل حمزة من نوبات بكائه وجنونه وتعبه ما لا يتحمله الأطباء هناك
لقد افنت حياتها من أجل هذه اللحظة التي ترى بها أبنائها متحابين وكلًا منهما يشد عضده بالآخر، ماذا تريد الأم أكثر من هذا
ابتسم كريم لشقيقه ثم قال بمراوغة :
-ولو قولتلك في مرة تعالى بات معايا مش هتقولي لأ؟!
وهنا أبعده حمزة عنه هاتفًا بإعتراض مضحك :
-لا إلا دي يا حبيبي هو انا هتجوز علشان أبات في حضنك انت؟!
-ايوه قول كده شوفتي يا ناهد المحامي اللي فخورة به أوي، وانا اللي سهرت عليه الليل كله وهو سخن وبيفرفر بينما هى معبرتوش برسالة في الآخر اختارها هى وركني انا على الرف
دفعه من جانبه بغيظ بينما حمزة تمتدد على الفراش يقهقه بقوة هو وناهد فقال كريم بتذمر وهو يتجه نحو الخارج :
-أضحك يا حمزة أضحك، قلبي وربي غضبانين عليك ليوم الدين
وبينما هو يتجه نحو المطبخ حتى يأتي بشئ يأكله وينسيه الهم الذي هو به، نادى عليه عثمان من البهو قائلًا :
-تعالى يا كريم ايه الدوشة اللي عاملها انت وأخوك دي
جذب كريم جزرة وجدها على رخام المطبخ ثم عاد إلى البهو مجيبًا على والده بنبرة حانقة :
-بابا قول لابنك يتقل شوية علشان البنت وابوها ميتفردوش علينا
ضحك عثمان عليه فمن أين أتى بهذه الجملة التي لا يقولنها سوى النساء :
-ميتفردوش علينا؟! مين قالك الكلمة دي يلاه؟
-سمعت مرات عمي أسماء بتقولها، المهم عقل ابنك لأحسن عقله يطير لما يشوفها ومش بعيد يقولوا سيب إسكندرية وأسكن جنبنا فيقولهم ماشي
تبسم الآخر على غيرة ابنه الواضحة إذ قال :
-انت غيران على أخوك منها يا كريم؟! مش عارف ايه حكاية الغيرة في العيلة اليومين دول حتى محمد بيقول يونس يطيق العمى ولا يطقش أخوه وهو بيكلم خطيبته، عيب انتوا كبار على الغيرة دي
قطم كريم من الجزرة بيده ثم جلس إلى جانبه قائلًا :
-مش غيران انا لسه مش مستوعب الفكرة، يعني ايه اخويا بقالي تلاتة وعشرين سنة تاخده هى على الجاهز كده في أقل من سنة
-يا ابني ده هيسكن في الشقة اللي قدامنا علطول، ده انت لو ناديت عليه وانت في الأوضة هيسمعك من الناحية التانية، المهم مش خلاص خلصت الجامعة وحضرت حفلة التخرج وخلصت مرقعة
اعتدل كريم في جلسته يدرك ما الموضوع الذي سيتحدث عنه والده وها هو عثمان يدخل في صلب الموضوع :
-لما نرجع من الصعيد هتروح معايا الشركة كفاية كده انا مرضتش اخدك من كذا شهر علشان تركز أكتر في الجامعة وانت لا ركزت ولا هباب مكنتش مركز غير في أم الماتشات بتاعتك وجبتلي جيد جدًا
-أحسن من جيد
تمتم بها بخفوت بينه وبين نفسه فقال عثمان بجدية أقلقته :
-كريم انت اتدلعت بما فيه الكفاية كده لازم تنزل تدريب في الشركة وتشد حيلك أوي علشان تتعين وتمسك وظيفة حلوة ما هو التدريب مش زي الوظيفة لازم تثبت إنك تستحقها
ضيق كريم عينيه مردفًا بتوجس :
-وبعد ما إن شاء الله إن شاء الله يعني اعدي التدريب وأتوظف هتخطبولي زي الواد حمزة؟!
دفعه الآخر من جانبه هاتفًا بحنق :
-طب انت أنزل تدريب الأول وبعدين فكر في الجواز ده عمك محمد اتجوز وهو عنده تلاتة وتلاتين سنة
-بس انت كنت أصغر منه واتجوزت قبله
-ده نصيب يا ابني بس برضو متحلمش أجوزك قبل حمزة انت لسه مشوارك طويل
آماء له كريم بإقتناع ثم تحرك نحو غرفته عندما استمع لصوت والدته تنادي بينما لحقته نظرات والده يتمتم بينه وبين نفسه بثقل هم مستقبلي :
-اتمنى بس موضوع إنك كنت مدمن ميقفش في طريقك يا كريم
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
كعادته يجلس في الشرفة في أقصى مكان في المنزل ويختلي مع سجائره حتى لا يكشفه والده، ربما بعد شهر سيبدأ في الثلاثين من عمره ولكن يحترم والده ولا يستطيع أن يشعلها أمامه
تتسألون فيما يفكر الآن وبصره ممتد لآخر البحر سيقول لكم يفكر في تلك الطويلة ذات النظارات التي مؤكدًا سيراها يوم غد، لم يرها منذ خطوبة أخيه التي كانت منذ خمسة أشهر ولكن لا يستطيع نسيان ذلك اليوم، خاصةً نظراتها له
ربما كانت تفعل هذا دون أن يلاحظ ولكن ليس عليه، يكاد يجذم أنه كان ملتقى عينيها طوال الوقت أي أنه أكثر من كانت تنظر إليه في حفلة الخطبة رغم أنها لم تبادر له بكلمة ولا بتحية
ولكن خبرته الواسعة في هذه الحياة التي أخذت ثلاثون عامًا من عمره تجعله يدرك أن شروق تمتلك مشاعر نحوه، لا يعلم منذ متى أو لما حتى ولكنه يعلم أن هناك شئ بداخلها نحو
وإن كنتم تتسألون ما هى ردة فعله نحو الأمر ستكون اجابته أنه إدعى عدم الإنتباه، سبق وقال قطعوه إربًا ولا يعترف لفتاة أنها تعجبه لقد تاب من هذا الأمر ولا يلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين، والفتيات لا يحببن الرجل الخفيف فإن ثقل عليها ذابت في هواه أكثر
هل تعجبه شروق؟! أجل تعجبه بشدة ولا تزال في عقله حتى الآن، فتاة شرسة ذكية ولا تصمت على حقها، عادية الملامح ولكن عينيها الواسعة جذابة بالنسبة إليها، يجذبن انتباهه الفتيات ذواتي الأعين الواسعة والطباع الشرسة المتمردة وهى تجمع كل هذه الصفات
وغدًا سوف يرى إن كانت مشاعرها نحوه قد اختفت مع مرور الوقت أم لا تزال موجودة، وعلى الأرجح قد اختفت فقد مر خمسة أشهر لم تره ولم يرها
-بتشرب سجاير يعني يا يونس؟!
تجمد الآخر مكانه عندما وصل له صوت والده ولا يعلم لما لم يرمي بالسيجار نحو الأسفل، لكن حتى إن رماها كيف سيفسر له كل هذا الدخان أسيقول له الجو يشتعل من شدة الحرارة؟!
استدار له ليجد ملامحه هادئة ونبرته كذلك عكس ما توقع تمامًا، صمت ولم يجب فقال محمد وهو يستند على السور بجانبه :
-مش بتبرر ليه اوعى يكون لسانك اتشل من الصدمة؟؟ مش متعود عليك كده خالص
وأجابه الآخر بصراحة مبالغ بها مشيرًا بعينيه إلى الدخان الذي يحاوط المكان :
-أقول ايه بس وانت ماسكني متلبس بالجرم
-ليه ماسكك بتشرب مخدرات!! هات سيجارة كده
أفرغ فمه ببلاهة وقد ظن أنه أخطأ السمع لذا أعاد ما قاله :
-عايز ايه!!
-سيجارة
-لأ وبتقولها ببساطة كده طب ادخل اتخانق معايا، الطشني بالقلم أعمل اي جو درامي أكشن ده انا بقالي ست سنين بشرب من وراك
ضحك الآخر بخفة وقد سحب السيجار من يده يستنشقها هو :
-ما انا عارف إنك بتدخن من زمان
-يوسف قالك؟!
-لأ انا شوفتك قبل كده وعلفكرة انا زمان كنت بدخن كتير ونصيحة مني بطلها يا يونس دي بتضر مش بتنفع
ضحك بسخرية مشيرًا إليه بينما الآخر يسحب النيكوتين من السيجار بخبرة :
-شوف مين بيتكلم ده انت بتشربها بمزاج وخبرة ولا كأنك بتشرب سيجارة حشيش
ضحك محمد على لفظه هذا قائلًا :
-احترم نفسك يلاه، انت بتكلم أبوك علفكرة
-احترم ايه يا بابا انت بوقفتك دي قدامي ضيعت الهيبة كله، وعلفكرة لو دخل يوسف وشافك بتدخن معايا هيعلقني انا بعد ما يجيله جلطة قلبية طبعًا
أخرج علبته الخاصة وأشعل سيجار آخر غير الذي أخذه والده منه ثم قال متسائلًا :
-بس انا أول مرة أعرف إنك كنت بتشرب سجاير؟!
-علشان انا من زمان أوي مبطلها يمكن من قبل ما اخلفكم، لما اتجوزت أمك حرمتها عليا وعلفكرة لو شافتنا كده هتعلقك وتعلقني وتعلق يوسف الغلبان معانا
أغلق يونس باب الشرفة حتى لا يتسلل الدخان للداخل وتأتي والدته أو يوسف ثم قال :
-بس انا بصراحة أول مرة برضو أشوف دكتور بيدخن، جديدة عليا دي
-لأ عادي ما عمك عثمان دكتور وكان زمان برضو بيدخن معايا
-طب وعمي محفوظ؟!
-لأ ده العاقل الكبير اللي فينا ده، كنا نخاف نشرب سجاير قدامه أو قدام ابويا الله يرحمه فكنا نشربها في الخباثة، أقولك على موقف في مرة كنا معزومين في فرح بعيد والكلام ده من زمان اوي أوي يمكن من أكتر من خمسة وتلاتين سنة بس لسه فاكره، المهم في الفرح كان في حشيش وانا وعثمان مكناش نعرف نفرق فشربنا على أساس إنه سجاير رجعنا البيت انا وهو مسطولين وابويا شافنا وعرف وعينك بقى ما تشوف لا نور ولا ضلمة عجنا إحنا الاتنين ومحفوظ معانا مع إنه مرحش الفرح حتى بس خد العلقة معانا، من وراء العلقة دي انا وعثمان حرمنا علينا الدخان لفترة طويلة
ضحك يونس بكل قوته لا يستطيع أن يتخيل هذا أبدًا، والده الطبيب المحترم وعمه عثمان الوقور يشربان مخدرات، خياله لا يستطيع الوصول إلى نتيجة
تبسم محمد على ابنه ولا يراه يضحك هكذا كثيرًا فيونس شخصيته قوية جامدة مسيطرة لا يرضخ أو يخضع لأحد، ولا حتى يعبر عن مشاعره واهتمامه لأحد فحتى إهتمامه بأقرب الناس له يخرج على هيئة تهكم وأمر وصياح عكس يوسف تمامًا
فالآخر هادئ عاقل رزين وحنون وعاطفي وشفاف أيضًا تظهر مشاعره للآخرين بوضوح على وجهه وفي كلامه، وإن سألتموه من يشبه منهما سيقول يوسف أما يونس فهو نسخة طبق الأصل من جده هواري، نفس جديته وحدته وصرامته
ربت على كتف ابنه بحنو مغلف بالجدية الصرامة ثم قال وهو يسحب السيجارة من بين أنامله :
-بص مش معنى إني شربت معاك سيجارة يبقى تسوق فيها بطلها يا يونس علشان بجد هتضرك أوي
-مش عارف والله حاولت ويوسف حاول معايا بس مفيش فايدة
-انا عارف إنها مش هتيجي مرة واحدة ما انا مجرب قبلك بس هتيجي، لو بتشرب خمس مرات في اليوم خليهم تلاتة وبعدها يبقى اتنين وبعدها واحدة وبعدها في الأسبوع مرتين تلاتة وهكذا هتلاقي نفسك بطلت
آماء له يونس ثم هتف بمزاح نادر الظهور وهو يسحب السيجار حتى يكملها :
-طب خلاص دي آخر واحدة
ضحك الآخر وتركها له ثم قال بعدما تنحنح بجدية :
-بقولك ايه ولاد عمي صفوان عندهم بنات كبار ايه رأيك تختار واحدة اخطبهالك
نفى الآخر برأسه لا يعجبه الأمر فقال محمد محاولًا التأثير عليه فسيكمل ابنه الثلاثون دون زواج :
-لأ ليه دول بناتهم محترمين أوي
-مش عجباني فكرة اني اتجوز واحدة لا أعرفها ولا تعرفني وفي الآخر نلبس في بعض مدى الحياة مش طايقين بعض
-ليه بتقول كده ما الناس كلها بتتجوز كده ثم هيكون في خطوبة مش هنجوزهالك خبط لزق، بس انت فكر في الموضوع لما نكون هناك
-إن شاء الله
نطق بها بإختصار حتى يتوقف والده ويغير الموضوع، ألقى محمد سيجاره من الشرفة وكذلك سحب الأخرى الخاصة بيونس دون أن يكملها ثم قال :
-دي آخر مرة أمسك فيها سجارة وهرجع وأسألك بطلتها ولا لأ يا يونس يا إما كده يا إما هقول لأمك تظبطك هى بمعرفتها
ابتسم له الآخر بمراوغة قائلًا :
-طب خلي بالك انا كده مسكت عليك ذلة ولو عبلة عرفت هتيجي تنام معايا انا ويوسف أو إحنا التلاتة هنشوف شقة تانية نقعد فيها
صفعه الآخر بعنف على ظهره بينما الآخر قهقه بعلو، مستمعًا إلى صوت والده المتهكم :
-واطي يا يونس، ويلا أدخل نام عندنا سفر بكرة، ودي آخر مرة اتكلم فيها معاك كأنك صاحبي يا جذمة محدش يآمنك على سر زي عمك عثمان بالظبط
تركه ودلف وخلفه ضحكات يونس المرتفعة والذي بقى قليلًا في الشرفة يفكر في آخر كلام والده وهو أن يفكر في فتاة كي يخطبها، وتلقائيًا أتت في باله شروق
لا يدري لما هذه الفتاة الليلة لا تبارح تفكيره رغم أنه من أشهر لم يفكر بها، وعلى الأرجح لأنه سيراها قريبًا، ترى إن تقدم لخطبتها قد توافق عليه؟!
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل التاسع وخمسون 59 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
معلش اتأخرت أوي في التنزيل بس خالتي كانت مريضة وبزورها ولسه راجعة البيت
صلي على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
سيارتين من التي تحمل عدد أحد عشر راكب ستنقلهم من محطة القطار متجهين نحو إحدى قرى أسيوط قد ذكرتها زوجة عمه أسماء للسائق حتى يأخذهم ولكن الاسم صعب ولا يستطيع نطقه حتى
فتح النافذة بجانبه حتى يسمح بدخول الهواء إلى السيارة فالأجواء أقل ما يقال عنها أنها تغلي فهم الآن في شهر يوليو ومدينة الإسكندرية حارة فما بالك بالصعيد
-يا جدعان اتحركوا يا جدعان بسيح أقسم بالله وانا قاعد
صاح بها كريم في المقعد الأخير وهو يمسح حبيبات العرق من على جبينه فصاحت به والدته من الأمام قائلة :
-انت قاعد بنص كم وتقول كده اومال إحنا اللي لابسين بكم وطرح نعمل ايه
تحدث يوسف وهو يهوي على نفسه بيديه لعل وعسى يجد نسمات هواء ترطب عليه :
-هى الشبابيك دي كلها مفتوحة ومش جايبة هواء ليه؟! انا هفطس بجد
وأجابه يونس بنبرة حانقة ساخطة فهكذا هو الحر لا أحد يطيق الآخر بسبب سخونة الأجواء :
-علشان العربية واقفة يا فالح، انا مش فاهم سيبتوا شهور ربنا كلها وجيتوا في شهر سبعة قولتوا كلكم مرة واحدة يلا نروح الصعيد اللي الناس اللي ساكنة فيه عايزة تهاجر من الحر ده
مسحت عبلة وجهها المتعرق بمنديل ورقي لتجد أن المنديل قد تفزّع من شدة ابتلاله فقالت بتعب :
-يا جماعة هو إحنا مش بنتحرك ليه انا هموت مخنوقة هنا، الجو حر بطريقة مش معقولة
هبط يونس حتى يرى لما لم يتحركوا ليجد أن هناك مشكلة مع سائق السيارة الأخرى ويحاول عميه وحمزة حلها، فهم كثيرون وسيارة واحدة لهم لا تكفى
وبعد ما يقارب العشر دقائق قد وجدوا سيارة أخرى وقد وضعوا جميع الحقائب بها ثم صعد هو وحمزة وعميه ورحمة ولؤي اللذان تركا السيارة الأخرى نظرًا لكثرة الموجدين بها وصعدوا هذه بينما السيارة الأخرى كان بها البقية
تحركتا السيارتان على الطريق السريع ليفتح حمزة النافذة التي بجانب رحمة حتى يدخل الهواء إلى السيارة وشعور الراحة تغلغل إلى نفس يونس عندما اصطدم الهواء البارد في وجهه بسبب تحرك السيارة السريع
زفر نفس قوي ثم نظر إلى حمزة الشارد بجانبه ناكزًا إياه حتى ينتبه له :
-ايه بقى دي ملامح واحد هيخطب؟! ده انت هتشوفها بعد ست شهور لازم تبقى فرحان مش مبلم كده كأنهم هيجوزك غصب عنك
ضحك حمزة بخفة على وقاحته المعتادة وتجاوزه في الحديث، رفع يونس قدميه قليلًا بحيث أسند ركبتيه على ظهر المقعد الذي أمامه ثم قال بصوت خافت :
-بابا عايزني أخطب واحدة من هناك
-طب حلو انت أصلًا كبرت يا يونس وداخل على التلاتين المفروض تاخد خطوة جد
-مش عايز ارتبط بواحدة معرفهاش يا حمزة
-فاهمك والله بس مش هيبقى جواز على طول لسه خطوبة تقدروا فيها تتفاهموا
ضحك الآخر بسخرية فهذه هى أكبر مشكلة لديه وهى فترة الخطوبة، فقال :
-حلو جينا لصلب المشكلة انا أي واحدة هتخِطب ليها مش هتستحملني يومين وأكيد فاكر المرتين اللي خطبت فيهم بعد عايدة حصل ايه
-طفشوا منك علشان انت دبش وبجح ومستفز وعديم المشاعر ومحدش بيعرف ياخد منك كلمة بسهولة ولا تطاق
نطق حمزة بكل صفات يونس الذميمة بصراحة تامة وعلى عكس المتوقع أيده يونس بنفس الصراحة قائلًا :
-بالظبط انا فاشل في أي حاجة تخص الجنس اللطيف ده
-أديك قولت لطيف لازم تعاملهم بنفس لطفهم ده، البنات يا يونس يحبوا اللي يديهم إهتمام زي الوردة كل لما تسقيها تبقى أحلى وأحلى
هز يونس رأسه يمينًا ويسارًا يعلم أنه لن يستطيع فعل هذا، فهذه شخصيته وهذا طبعه لا يبين للآخر عن اهتمامه به، حتى اخوته ووالديه يتعامل معهم هكذا، يحبهم ويخاف عليهم دون أن يُظهر لهم
لا يعلم لما يفعل هذا أهو مصاب بعقدة أو ما شابه ولكن هذا الطبع أصبح به منذ سنوات قليلة
على الأرجح بعد أن تخرج من كلية الشرطة، أصبح أقسى وأكثر جدية ولا يهتم لأمور الفتيات التافهة من وجهة نظره وربما رؤيته لها تافهة هو الحاجز الأكبر بينه وبين إقامة علاقة غير فاشلة :
-مش هعرف يا حمزة انا عايز واحدة متطلبش مني كلام حلو علشان مش هعرف أقول خالص، عايزة حاجة تطلبها بشكل مباشر مش تقولي الإهتمام مش بيطلب
طالعه الآخر بتشنج ثم قال بالحقيقة الواضحة :
-وقتها يا يونس هتدور على الكلام الحلو من راجل تاني علشان عندها جفاف منك، لازم تحاول تكون لطيف، تِقل بجاحتك واستفزازك دي شوية، لو مش هتعرف تبين اهتمامك بالكلام حاول بالأفعال، هو انا هعلمك يعني
وكم كان النطق بهذا صعبًا على يونس إذ طالع حمزة ببسمة متهكمة ثم قال :
-واضح إني هحتاج منك دروس فعلًا
ختم حديثه ثم عكس وجهه الناحية الأخرى وأسند رأسه على إطار النافذة يتابع الطريق إذ كانت تظهر له مناظر في النادر ما كان يشاهدها، مناطق زراعية وبساتين كثيرة لجميع الفواكه
وبعد ما يقارب ساعة توقفت السيارتين في إحدى القرى على جانب الطريق السريع وقد كانت الساعة الآن الثالثة عصرًا والشمس أقل ما يقال عنها أنها حارقة حتى أنهم لم يتحملوا الوقوف أسفلها فجعلت أسماء النساء يتحركن هبوطًا إلى إحدى الشوارع بينما طلبت من الشباب المساكين حمل الحقائب
نفخ كريم بضيق شديد وهو ينظر حوله إلى الناس والأطفال إذ كانوا محط أنظار الجميع وكأنهم يشاهدون عرض سينمائي :
-هى الناس يتبص كده ليه هو إحنا فينا حاجة غلط ولا نازلين من كوكب تاني؟!
ساروا قليلًا في هذا الشارع الممتلئ بالمنازل على الجانبين وجميعها ملتصقة ببعضها، كان الوضع عكس توقعات الشباب إذ كانوا يعتقدون أن المنازل تقع في وسط الأراضي الزراعية الخضراء ولكن الأمر هنا أشبه بمنطقة شعبية الفرق أن المنازل قصيرة وأغلبها لا يتعدى طولها طابقين أو ثلاث
كان محفوظ وأسماء يتقدمون الجميع والبقية يسيرون خلفهم فأغلبهم لا يعلمون الطريق، ولا يزال الناس يحدقون بهم بطريقة مزعجة، عجبًا ألا يخجلوا قليلًا من التحديق بهم بهذه الطريقة؟!
ولا يوجد الكثير من الإزعاج مثل المدن فقط الأطفال وأصواتهم المرتفعة وهم يلعبون في الشوارع
ارتفعت عدة أصوات لبعض الأطفال بطريقة عجيبة يصيحون باسم أسماء وهم يركضون نحوها مثل هجوم التتار، وبقلب أسماء الكبير أخذت تضمهم واحد تلو والآخر فهؤلاء أبناء اخوتها الصغار، والبعض أخذ يركض في الطريق المعاكس يصيح في المكان بأن العمة أسماء قد وصلت
وحمدًا لله لم يسيروا كثيرًا إذ توقفت أسماء أمام إحدى المنازل وقد كان يتكون من أربعة طوابق ولم تنتظر الإذن بل دلفت صائحة بصوت مرتفع :
-السلام عليكم يا أهل الــــدار
وأستقبلها شقيقها عبد الجواد وهو يرتدي جلبابه بعدما أتى له أحد أبناء اخوته مهللًا أن العمة أسماء قد أتت، هو يعلم أنهم قادمون ولكنه ظن أنهم سيصلوا على الغروب وليس مبكرًا هكذا
ضمته أسماء مرددة عبارات الاشتياق لتجد زوجته خرجت من الداخل وهى تهلل مرددة عبارات الترحيب الحارة بكل ود حقيقي فعلاقة أسماء مع زوجات اخوتها جيدة بشدة وهذا لأنهم كانوا جيران وأصدقاء منذ الطفولة
تغيرت الأجواء وارتفعت الأصوات في المكان والجميع تقريبًا يتحدث في وقتٍ واحد ولم يتركوا أحدٍ لم يسلموا عليه، وقد كانت سلامات النساء لا تقتصر على المصافحة إذ كانوا يقبلون بعضهن من الوجنتين وقد بدا على الكبار أنهم يعرفون بعضهم جيدًا
انفصل الرجال عن النساء وقد ادخلوا الرجال والشباب في غرفة واسعة في الطابق الأرضي بينما بقى النساء في بهو المنزل في الخارج وقد طلب عبد الجواد من زوجته أن تضع مائدة الغداء الآن فهو قد طلب منها منذ الصباح أن تطهو الطعام من أجل أن شقيقته وعائلتها قادمين من السفر
جلس عبد الجواد معهم في المندرة يتحدث مع الكبار بينما مال حمزة قليلًا نحو إسماعيل متسائلًا عن نور التي لم يرها من ضمن الموجدين في الخارج لا هى ولا والدها ولا حتى والدتها :
-إسماعيل هى نور ساكنة في البيت ده؟؟
ونفى الآخر برأسه ثم قال :
-لأ ده يعتبر بيت العيلة وخالي عبد الجواد ساكن هنا هو وأولاده وخالي ماهر وخالي حسن له شقة لوحده علشان يتجوز فيها، أما باقي خوالي كل واحد له بيت وخالي جابر ساكن هنا في نفس الشارع وخالي علي ساكن في حتة بعيدة شوية عن هنا بيته في الزرع انا فاكر، وخالي حسين ساكن بعد الشارع ده بشارعين
عقد يونس حاجبيه لا يفهم لما هو متفرقون هكذا ولا يسكنون في نفس المنزل مثل عادات الصعيد التي يسمع عنها :
-وهما مش كلهم اخوات؟! ليه مش ساكنين في بيت واحد وكل واحد في حتة كده حتى البيوت مش جنب بعضها
-مش عارف تقريبًا البيت مش مكفي ما هما كتير بصراحة وتلاتة منهم هنا والباقي طلعوا برا، بس أكيد كلهم هيجوا بالليل علشان يسلموا علينا
قاطع حديثهم ولوج جابر وماهر وخلفهما قد دلف ياسر الذي ما إن رحب بالكبار حتى اتجه نحو الشباب ببسمة متسعة يرحب بهم بحفاوة، وما إن وصل إلى حمزة وصافحه حتى قال ببسمة متسعة وصوت ناصي :
-أهلًا بحمزة هواري العديل المستقبلي
ابتسم له حمزة ضاحكًا ثم اجابه بنفس النبرة الخافتة :
-قول يارب بس يكمل الموضوع على خير
-صدقني انا أكتر واحد بيدعيلك الموضوع يتم على خير واتمنى تتجوزها النهاردة قبل بكرة علشان اتجوز انا كمان
لم يفهم حمزة يا يقصده لذا اجلسه إلى جانبه بينه وبين إسماعيل ثم قال :
-مش فاهم قصدك ايه؟!
-انا خاطب عائشة أو هى مش خطوبة هى مجرد قراية فاتحة، وعلشان نور لسه متجوزتش عمي علي موقف حالي انا وعائشة لحد ما نور تتجوز، علشان كده بقولك اتمنى تتجوزها النهاردة قبل بكرة
اتسعت البسمة على وجه حمزة وقد ضمن صديق في هذه العائلة يساعده على الزواج من نور، ورغم هذا لا يفهم لما قد يوقف علي زواج ابنته الصغيرة من أجل الكبيرة لذا تساءل :
-طب طالما انتي عايز تتجوزها ليه معترضتش على الموضوع؟؟ ليه تستنى الكبيرة تتجوز مش ده ظلم لعائشة
-لأ مفيش ظلم عائشة أصلًا مش عايزة تتجوز دلوقتي وعمي علي موافقها، مستنيها تكبر أكتر علشان تتقدر تتحمل المسؤولية وتبقى بالعقلية المناسبة، انا اصلًا خاطبها من لما تمت ١٦ سنة علشان محدش ياخدها غيري وانا من ساعتها لحد دلوقتي مش عارف اخد خطوة جديدة
-واضح إن عمك علي هيبقى حمى مفتري
نطق بها كريم بنبرة ضاحكة فآماء له ياسر موافقًا كريم ثم قال موجهًا حديثه لحمزة :
-هيطلع عينك معاه
-أكتر من الست شهور اللي استحملتهم؟!
-يا عم أحمد ربك على إنهم كانوا ست شهور ده انا مستني بقالي سنتين ونص ولسه هستنى تلاتة كمان لحد ما ربك يفرجها
دلف حسن قاطعًا على حمزة الحديث وها هو قد حضر المتربص له ولا يدري أقد صفت نيته اتجاهه أم لا، ألقى حسن التحية على الجميع وقد صافح الموجدين واحدًا تلو الآخر وعندما وصل إلى حمزة ابتسم له ابتسامة مصطنعة بشدة :
-أهلًا يا متر
ورد له الآخر نفس البسمة مجيبًا عليه بإختصار :
-أخبار حضرتك ايه؟! اتمنى تكون صفيت نيتك ناحيتي
-هنشوف هنشوف
نقل حسن نظره نحو يوسف وقد ابتسم لهذا ابتسامة متسعة وصافحه بحرارة :
-ازي الحال يا دكتور يوسف
وبهدوء يوسف ولطفه قد أجاب عليه أسفل نظرات حمزة الحانقة ولم يستطع منع نفسه من قول هذا إذ قال :
-اشمعنا يعني مش فاهم؟؟
-علشان هو سالك انت لسه شاكك فيك
نطق بها حسن بصراحة مبالغ بها فضحك إسماعيل على ملامح حمزة التي انقلبت بشكل واضح وقد أسرها في نفسه حتى لا يختلق مشكلة لذا قرر الدفاع عنه أمام خاله فقال :
-لا يا خالي حمزة برضو كويس هو لسانه فالت، بس مش بتاع لف ودوران
ومرة أخرى نطق حسن بنفس الكلمة ولازال يرمق حمزة بعدم ارتياح :
-هنشوف
جلس إلى جانب اخوته وترك الشباب مع بعضهم، بينما خرج ياسر عندما نادت عليه والدته حتى يأتي ويأخذ الشاي فقال يونس وهو يرمق ابن عمه بسخريته المعتادة :
-مش طايقك بسبب نظراتك المفضوحة ليها أومال لو عرف هو والموجودين دول إنك كنت بتعاكسها في الرايحة والجاية هيعملوا فيك ايه
غطى حمزة وجهه ولا يريد التفكير في الإجابة فلن تسره البتة، ولج ياسر وفي يديه صنية ممتلئة بأكواب الشاي وقد أخذ يوزعها على الموجدين وفي هذه الاثناء قال كريم بصوت خافت ظنًا أن أحدًا لن يسمعه :
-انا مش عايز شاي وهو مش الراجل ده قال لمراته تجهز الغداء اومال هو فين؟!
نكزه حمزة حتى يصمت محدقًا به بضيق فقال الآخر ذاممًا شفتيه بتذمر :
-ايه يا عم جعان هو حرام الواحد يقول جعان
-كريم بقى ياكل كتير اليومين دول ولا انا أول مرة اخد بالي انه مفجوع
نطق بها يونس متسائلًا ليجيبه حمزة قائلًا بخفوت حتى لا يستمع لهم الناس :
-لا هو مفجوع من يومه، وعلفكرة يا كريم تقفل على موضوع الأكل الكتير بالليل علشان إحنا هنا في بيت ناس
عقد الآخر ذراعيه أمام صدره هامسًا بسخط :
-يعني حر ومفيش أكل يهون علينا؟! هى أجازة باينة، ايه اللي كان جابني معاكم ما كنت قعدت هناك، وبالمناسبة فين بقى المكان اللي هيكفي التلات عائلات دول؟؟
اقترب منهم ياسر وقد استمع للجملة الأخيرة لذا أجابه قائلًا :
-متقلقوش على المكان اللي هتباتوا فيه البيت واسع وفيه تلات شقق فاضيين فوق شقتي انا وحسن واخويا
شكره حمزة دون أن يأخذ شئ فهو لا يحب الشاي فقال ياسر عارضًا عليه شئ آخر :
-طب تحب نعملك قهوة؟!
-يعني لو فيه نسكافية ماشي
خرج ياسر حتى يطلب من والدته إعداد نسكافية لحمزة بينما بدأ يلج عدد من الشباب ملقيين التحية، ربي ألن تنتهي السلامات والتحيات لهذا اليوم؟! لما هذه العائلة كبيرة إلى هذه الدرجة؟؟
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
صدح صوت آذان المغرب في جميع مآذن القرية وفي منزلهم بالذات تستمع لجميع المآذن فهو يقع في منتصف الحقول والخلاء حولهم يجعل صدى الصوت يسري
أغلقت صنبور الماء بعد أن امتلأ الدلو القصير الذي تمسك به ثم وضعته أمام الطيور التي تربيها والدتها على سطح منزلهم، وبعد أن أنهت كل هذا أخذت نظرة طويلة للشفق الأحمر الذي بدأ في التسلل بعد غروب الشمس، أجمل منظر تراه من منزلهم هو الغروب يكون فوق الخيال
استمعت إلى والدتها تنادي من الأسفل فوقفت على الدرج من الأعلى تلبي النداء إذ قالت :
-نعم يا ماما
-انزلي البسي يلا علشان نروحوا بيت عمك
-بيت عمي مين؟!
-بيت عمك عبد الجواد
وفي الواقع هى ليست من النوع الكسول الذي يتأفأفه حين تقول لها والدتها أنهم سيخرجوا لزيارة أقاربهم، في الواقع هى تعشق الخروج خاصةً لزيارة الأقارب عكس جميع فتيات العائلة
هبطت على الدرج تلحق بوالدتها التي دلفت إلى إحدى الغرف حتى تغير ملابسها لتقول متسائلة :
-هى عمتي أسماء جات؟!
-ايوه جم قبل العصر، عمتك أسماء وعيلتها وعيلة الدكتور محمد وعيلة الدكتور عثمان
إلى آخر اسم كانت ملامحها عادية ولكن ما إن لفظت بالاسم الأخير حتى تغيرت ملامحها ١٨٠ درجة لتردد نفس الاسم بنبرة مذهولة قائلة :
-عيلة الدكتور عثمان جم معاهم؟!
استدارت لها والدتها مبتسمة بحنو وهى تحيط بوجهها الصغير بين كفيها، صحيح هى لم تكن راضية على هذه الزيجة منذ البداية ولكن ما باليد حيلة وافق زوجها، وابنتها موافقة منذ البداية
فلا تزال تتذكر جملة ابنتها منذ عدة أشهر قليلة في خطوبة براءة عندما حضر الجميع بإستثناء عائلة عثمان لسبب مرض حمزة الشديد والذي علموا به مؤخرًا
وقبل أن تعلم ابنتها بالسبب قد جلست حزينة منزوية في مقعد بمفردها والسبب كان واضح لها، هى حزينة لأن حمزة لم يأتي لذا اتجهت نحوها أنذاك اليوم قائلة :
-مالك مكشرة كده ليه؟؟ افردي وشك لناس تفتكرك غيرانة من بت عمك
هزت نور رأسها بنفي تحاول أن تكون طبيعية ولكن تشعر بخاطرها مكسور لعدم حضور حمزة وهو وعدها أنه سيأتي حتى يراها :
-انا مش غيرانة يا ماما
-مضايقة إن حمزة وعيلته مجوش صح؟! انا حتى نفسي مستغربة مجوش ليه بس بصي يا بتي متعلقيش نفسك بالموضوع علشان ممكن ميكملش، عارفة رأيي انا وابوكي في الجوازات البعيدة ومش أول واحدة يعني نقولوله لأ
رمقتها نور بنظرة لم تنسها صفية، نظرة حيرة قاتلة كانت في عينيها وكأنها ما بين نارين ورغم هذا قالت بخنوع :
-انا شايفة إنه مش وحش يا ماما بس اعرفي إني عمري ما هوافق على واحد انتوا مش موافقين عليه
ومرت الشهور وها قد وافق زوجها بعد إلحاح حمزة الشديد، كما يقولون "الزن على الودان أمر من السحر"
قبلت وجنتي ابنتها التي لا تزال مذهولة ثم قالت :
-ايوه جم هما كمان علشان يخطبوكِ، البسي حاجة حلوة علشان ابوكي قال نروحوا نسلموا عليهم، الناس معملوش معانا حاجة وحشة ووقفوا معانا لما كنتي في إسكندرية وعليكي قضية فلازم نسلموا عليهم وعلى عمتك أسماء وعيلتها
تركتها صفية في ذهول شديد وعقلها يترجم ما قالت، حمزة هنا في الصعيد مع عائلته حتى يتقدم لها، إذًا قد وافقوا عليه؟!
دارت حول نفسها في الغرفة مثل المجنونة والابتسامة تتسع وتتسع لتتوقف بسرعة عندما وجدت شقيقتها تقف أمام باب الغرفة تحدق بها في ذهول ثم رفعت يدها وحركتها بجانب رأسها في علامة أنها قد جُنت
كتمت بسمتها سريعًا ثم أسرعت لها تبلغها بهذا الخبر قائلة :
-حمزة هيجي يخطبني يا عائشة بابا وماما وافقوا
رمشت عائشة عدة مرات قبل أن تتسع البسمة على وجهها بشدة ببسمة صادقة، حسنًا لم تتوقع أبدًا أن يوافقوا عليه وقد ظنت هكذا أنه تم رفضه :
-والله؟! طب هو جاي أمتى؟؟
-هو أصلًا جه مع أبوه وأمه وعمتي أسماء
-طب يعني هيجوا هنا أمتى؟!
نفت نور برأسها لا تعلم متى بالضبط، إذ قالت وهى تبحث قي خزانتها عن فستان جميل تذهب به :
-مش عارفة والله هبقى أسأل ماما
جلست عائشة على الفراش وقد انقلبت ملامحها بحزن فموافقتهم تعني رحيل شقيقتها القريب، لم تستعد بعد لهذه اللحظة :
-بس انتي كده هتسافري؟!
اخفضت نور ما بيدها ونظرت إلى شقيقتها بضيق داخلي لهذه الفكرة، فلا تبغض في حياتها أكثر من الغربة ولو لم يكن حمزة قد علق قلبها المسكين به لكانت رفضته لأنها لا تريد الإبتعاد عن عائلتها
ابتسمت عائشة عندما رأت شرود الأخرى لتغير بسرعة هذا المزاج الذي عكر سعادتها قائلة :
-خلاص سيبك من الموضوع لسه بدري على الكلام ده، وريني هتلبسي ايه
رفعت الأخرى أمامها فستان صيفي أبيض منطفى مزركش باللونين الكشمير والأسود، هزت عائشة رأسها مستحسنة الفستان :
-حلو البسي عليه الخمار الأسود
-لا لا لا بلاش أسود هلبس الكشميري أحلى
رمقتها الأخرى بحنق لإختيارها هذا اللون، صحيح إنهما متناقضتين في كل شئ، حتى الألوان المفضلة فعائشة تعشق الألوان الغامقة خاصةً الأسود بينما نور تفضل جميع الألوان وتعشق الأبيض
ركضت نور إلى المرحاض وغسلت وجهها بالغسول الثمين الذي لا تستخدمه إلا قبل النوم ولكن حتى يكون وجهها نظيفًا، ثم غسلت أسنانها جيدًا وارتدت الفستان من ثم عادت إلى الغرفة تبحث عن الخمار الكشمير
وقفت أمام المرآة وقد فردته حتى تلفه على رأسها فقالت عائشة وقد كانت لا تزال تجلس في مكانها ولا كأن والدتها أخبرتها أن ترتدي هى أيضًا ولكن هل ستطاوعها وتذهب، لا بالطبع إنها أكسل من هذا بكثير :
-حطي كريم والليب جلاس البينك
نفت الأخرى هذا لا تريد أن تتبرج ليس لأنها تكره المكياج وإنما لسببين، الجو حار بشدة وخروج المرأة متبرجة حرام :
-الجو حر نار وانا بشرتي دهنية لو حطيت كريم هيسيح قبل ما اطلع من البيت
-خلاص حطي ليب جلاس بس
-لأ حرام
رفعت عائشة حاجبها بتهكم قائلة :
-بلاش تعقيد ده حاجة بسيطة مش هتبان ولون بينك هادي الناس كلها بتحطه
نفت الأخرى لا تريد الانصياع خلف حديثها إذ قالت :
-لأ انا حلوة كده عايزة ابقى على طبيعتي
أنهت لف الخمار بسرعتها المعتادة فهى أسرع من ترتدي ملابسها في فتيات العائلة قد تنتهي من كل هذا في سبع دقائق فقط، استدارت لعائشة قائلة :
-ها حلو ومظبوط
وبالطبع عائشة لن تكون عائشة إن لم تعلق على الملابس فهى من أولئك الفتيات اللواتي يهتممن بشكل الحجاب المظبوط المنمق حد الهوس فلا يجعلن جانب قصير والآخر طويل، وإن كانوا سيخلعونه ويلفونه مرة أخرى خمس مرات
وقفت من مكانها وأخذت تعدله لها من كل الاتجاهات بالتزامن مع دخول صفية إلى غرفتهن لتقول بغضب ترى ابنتها لا تزال ترتدي ملابس البيت :
-ملبستيش ليه يا بت
وأجابتها عائشة بلا مبالاة قائلة :
-وانا قولتلك مش هاروح، أروح اعمل ايه
-لأ تعالي معايا مش هاروح لوحدي انا
نطقت بها نور وهى تدير رأسها نحوها فأجابتها الأخرى وهى تعيد رأسها كما كان حتى تكمل ما تفعله بطريقة جيدة :
-ابوكي وأمك رايحين مش رايحة لوحدك ولما ترجعي ابقي احكيلي اللي حصل
-لأ تعالي انتي كمان متقعديش لوحدك هنا
-يعني انا هتخطف؟! روحوا ومتطولوش وتعالوا
نادت صفية على زوجها حتى يقنع ذات الرأس اليابس هذه حتى تأتي معهم :
-يا علي قول لعيشة تلبس مش راضية تيجي معانا
وكجميع الآباء المصريين في مثل هذه الحالات يقولون الجملة المعتادة وهم لا يزالون جالسين في أماكنهم دون حركة واحدة :
-عيشة البسي علشان تيجي معانا يلا
وكزت نور شقيقتها هامسة لها بخفوت :
-انتي متخانقة مع ياسر صح؟!
ذمت الأخرى شفتيها دون الإجابة فأجل بجانب كسلها على الذهاب هى لا تريد أن تذهب لأن ياسر هناك لسبب لم تبُح به ولا حتى ياسر نفسه يعلم لما تغير اسلوبها معه مؤخرًا
قلبت الأخرى عينيها بضجر عندما لم تجبها عائشة، ثم أعطت ظهرها لوالدتها التي أخذت ترتدي عباءة سوداء مثل كل مرة فهى تمتلك سبعة منها على الأرجح بأشكال مختلفة ولكن اللون واحد :
-طب حتى لو متخانقين تعالي معانا واعملي نفسك من بنها مش شايفاه
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
-يلا يا براءة البسي علشان نروحوا نسلموا على يوسف وأهله وعمتك أسماء وعيالها
نطق بها حسين بعد أن انتهوا من تناول العشاء لتكون ردة فعل ابنته الكسولة هو الرفض كالعادة إذ قالت :
-هو انا لسه هلبس مش انت قولت هتعزمهم بكرة على الغداء، خلاص لما يجوا هسلم عليهم
ولم يعترض حسين فهم على أي حال سيقوموا بدعوتهم على الغداء غدًا ولكن ابنته الثانية تحدثت من الوسط قائلة بإقتراح :
-طب انا عايزة أروح علشان أسلم على عمتي أسماء
نظر نحوها حسين بتفكير بينما قالت والدتهم بإعتراض :
-لو شروق هتروح يبقى انتي كمان تقومي تلبسي علشان ميقولوش كلهم جم إلا هى رافعة مناخيرها في السماء
-خلاص شروق متروحش
نطقت بها براءة بحل وسط فقالت الأخرى برفض عجيب، تستقيم من مكانها حتى ترتدي ملابسها :
-لأ انا هاروح، ورايحة ألبس
حدقت بها براءة بتعجب فلا تذهب شروق إلى مكان وتصر هكذا إلا إن كانت هناك فائدة من الذهاب هناك، وهى بالطبع ليست مقتنعة بحجة أنها تريد أن تسلم على عمتهم أسماء، إذًا فلما تريد شروق الذهاب؟!
لحقت بها بسرعة حتى لا تنظف هى طاولة الطعام وتلقي بالأمر على شقيقتها الصغيرة، وما إن وصلت إلى غرفتهما في الطابق الثاني حتى أبصرت شقيقتها تبدأ في جمع ما سترتدي لتقوم بسحب الجيب الأسود بسرعة من يدها قائلة :
-لا معلش هلبس انا الجيبة السودة
جذبت منها شروق الجيب بقوة هاتفة بسخط :
-بس يا ماما انا اللي مسكاها الأول
-معلش ما هى هتليق على الأوتفيت الجديد
-مليش فيه البسي البيج وعدي كده
دفعتها من أمام حتى تذهب إلى المرحاض وتغسل وجهها فبدأت الأخرى في البحث عن طقم آخر ترتديه وقد شعرت أن الخزانة فارغة ولا شئ جميل عندها ترتديه لذا تمتمت بجملة الفتيات المعتادة :
-انا محتاجة اشتري طقم جديد مينفعش كده
خرجت شروق من المرحاض فدلفت هى بينما أخذت شروق ترتدي ملابسها التي تكونت من جيب أسود وقميص أزرق بكم طويل، امسكت بكريم البشرة وأخذت توزعه على وجهها وبعدها وضعت مورد الشفتين أو ما يسمى "ليب جلاس" باللون الوردي الهادئ فلا يظهر منه إلا لمعة ولون خفيف
سحبت وشاح قطني طويل من اللون الأسود وبدأت تلفه على طريقة حديثه بحيث سترتها من الأمام والخلف، عطرت كفيها بعد أن وضعت عليهم مرطبها الخاص ثم أرتدت خاتمها المفضل في سبابتها لتصبح في أكثر حالاتها أناقة وهذا ما تعجبت له براءة إذ قالت بإندهاش :
-انتي لو رايحة حنة بنت عمك مش هتلبسي كده
استدارت لها الأخرى بعد أن وضعت نظارتها الطبية هاتفة بغرور :
-انا طول عمري شيك يا حبيبتي ويلا خلصي بابا من الصبح بينادي
جذبت هاتفها من على الشاحن ثم جلست في انتظارها في الردهة وقد فتحت تطبيق الفيس بوك تعبث به قليلًا حتى تنتهي شقيقتها ليظهر أمامها منشور لرقية شقيقة يوسف
لم تبالي كثيرًا بالمنشور بل فتحت صفحتها وأخذت تتفحصها، تحب رقية نشر المنشورات كثيرًا وصور والدها وشقيقها مفتخرة بهم، توقفت أناملها عند صورة قديمة قد نشرتها لأخويها وقد سقطت عينيها على يونس بالذات
علت على وجهها بسمة لا تظهر في العادة، تراقب ملامحها الوسيمة بتركيز شديد
حسنًا لتكن صادقة يونس يأخذ حيز كبير من تفكيرها وهى ذاهبة الآن معهم حتى تراه، أهو إعجاب أم أكثر من هذا لا تدري ولكن عندما رأته في خطبة شقيقتها منذ خمسة أشهر قد حرك بداخلها مشاعر كثيرة
يونس لدرجة مخيفة يشبه مواصفات فتى أحلامها، حتى أسلوبه الاستفزازي هذا تحبه فهى لا تريد رجل ممل مثل يوسف ومعاملته اللطيفة بشدة مع براءة، هذا يسبب الضجر بالنسبة إليها، هى تريد رجل يستفزها وتستفزه حتى لا تكون الحياة مملة بينهما
هو سالب وهى موجب ومن أول مرة رأته بها جذبها، لا تقول أن أول مرة كانت في بنايتهم بل منذ أكثر من هذا عندما كانت تسكن مع عمتها لأجل كليتها هناك، وقد كانت تراه عندما يأتي إلى منزل محفوظ مع أبناء أعمامه
كان له هيبة لم ترها في البقية رغم أنه ليس أكبرهم ولكنه أقوى شخصية بهم، شخصيته جذبتها كما الفراشة للنيران ولكن بالطبع لم تتجرأ للتحدث معه فدينها وتربيتها تمنع عليها هذا، لذا كانت تكتم إعجابها بداخلها
وبتركيزها في تفاصيله أصبحت تستطيع التفرقة بينه وبين يوسف بسهولة، وكانت تحب مراقبته من بعيد كلما يأتي وهو لا ينتبه لها ولا يرها حتى
إلىٰ أن انتقلت إلى بنايتهم وقد كانت الحقيبة التي تحملها ثقيلة بشدة وهو يقف دون أن يراها ولسوء الظن ظنته يراها ولا يبالي ومن شدة إحراجها لسقوطها أمامه تمتمت بينها وبين نفسها بصوت سمعه هو ولا تدري كيف
"شكرًا مش عايزة بلد الرجالة فيها شاحة"
ومنذ هذه اللحظة وبينهما شد وجذب قوي، هو مستفز وسليط اللسان وهى لا تصمت لأي أحد على كلمة لا تعجبها وفي كل مرة كانت تستفزه أو العكس يزداد إعجابها نحوه
وعندما كاد يصدمها بسيارته في ذلك اليوم وفقد الوعي داخل السيارة كانت مرعوبة حقًا عليه، وحمدًا لله مر الأمر بسلام عليهما وبداخلها قد زاد نحوه شعور عجيب لم تفقه له معنى
أما عندما كادت أن تُقتل للمرة الثانية على يد كاظم ورأته قادم نحوها ركضًا، ركضت له دون أن تفكر انها أظهرت نفسها للقاتل فكل ما أرادته هو الاختباء به هو، ومنذ ذلك الموقف ثبت في قلبها شعور آخر بجانب الإعجاب نحو يونس، كان شعور الأمان
هو وسيم وهذا يعجبها، مستفز وهذا يعجبها، ضابط وهذا يعجبها، ثقيل وليس رجل خفيف مثل حمزة وأخيه وهذا يعجبها أكثر، ذو شخصية لها حضور وهذا يعجبها أكثر وأكثر
على الأرجح قد نبت بداخلها الحب نحو هذا الرجل ولكن للأسف الشديد هو حب من طرف واحد، لذا عندما رحلت من الإسكندرية وأدركت أنها قد لا تراه مرة أخرى دفنت هذه المشاعر بداخلها لتتفجر برؤيته في الخطبة بحضور جذب أنظارها حتى أنها شعرت بالغيرة من الفتيات اللواتي حضرن الخطبة وكن يراقبنه بتركيز
والآن وبعد خمسة أشهر ستراه مرة أخرى وتتمنى أن لا تفضحها نظراتها فهى تلاحظ أنه على ملاحظة بنظراتها منذ حفلة الخطبة ولكنه يدعي عدم الإنتباه، ألم تخبركم أنه ثقيل
نادى والدها للمرة العاشرة على الأرجح كالعادة كلما يخرجون من المنزل فقالت بصوت مرتفع وهى تمسك بحذائها الرياضي حتى ترتديه :
-حاضر يا بابا جايبين
خرجت براءة من الغرفة متجهزة لترتدي هى أيضًا حذائها ثم هبطا إلى الأسفل وتحركوا معًا نحو منزل عمهم عبد الجواد...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
خرج من المرحاض يمسح حبيبات العرق عن وجهه وكأنه لم يكن يستحم منذ قليل، ولكن الأجواء هنا حارة بدرجة لا تطاق فحتى أبناء أعمامه يجلسون جميعًا داخل الشرفة بسبب عدم تحملهم للحرارة بداخل الشقة
وإليكم التقسيمة التي حدثت، قد جلس جميع الشباب في شقة حسن، بينما الرجال في شقة ياسر وباقي السيدات والفتيات جلسن في شقة ماهر بينما ماهر ترك الشقة لهن حتى يكن على راحتهن وذهب للبيات مع الرجال في شقة ياسر
خرج إلى الشرفة يلتقط أنفاسه، يمسح على خصلاته المبتلة فقال حمزة موجهًا حديثه له :
-مستحملتش القعدة جوا صح؟!
وأجابه يوسف وهو يستند على السور بجانبهم قائلًا :
-الجو حر اوي جوا وانا اتعودت على التكييف وهوا البحر مش الجو ده خالص، إحنا هنام هنا ازاي؟!
-مش كنتوا فرحانين وهتموتوا من الفرحة علشان جايين هنا اشربوا بقى
نطق بها كريم بنبرة ضاحكة وهو يترك الشرفة ويتجه إلى الداخل فقال حمزة مناديًا عليه :
-رايح فين يا كريم؟!
-نازل تحت اخد نفسي من علبة السلامون دي على رأي يونس
لم يتحرك لا يوسف ولا حمزة فالجلوس هنا أفضل من الجلوس أسفل بين الازدحام، فعلى المعنى الحرفي خمس عائلات يجلسون في مكانٍ واحد، ولم يستمر يوسف كثيرًا على هذا الحال
إذ ما إن أبصر براءة تأتي هى ووالديها في الشارع حتى دلف بسرعة للداخل، من ثم هبط إلى الأسفل بخطوات سريعة حتى أنه تعثر في آخر أربع درجات فصدحت الأصوات من الجميع بعدة جمل مثل
"براحة يا ابني، بسم الله عليك، مش على على مهلك"
بإستثناء يونس الذي جذبه من ذراعه هامسًا بحنق :
-جاي جري من فوق كده ليه لدرجة كنت هتتكفي على وشك؟! هتموت على شوفتها أوي كده ليه؟ ما تتظبط كده واتقل
ابتسم له يوسف مخفيًا ضحكته ثم حمحم مدعيًا الجدية عندما نادى عليه والده حتى يسلم على حماه وحماته المستقبليين، تحرك بخطوات رزينة نحوهم ليس وكأنه كان يركض على الدرج منذ قليلًا، ومن ضحكة براءة التي توجهها نحوه الآن يبدو أنها شاهدت المشهد
بئسًا على هذا الإحراج
صافح حسين وزوجته باليد ولكن عند براءة لم تسمح له أن يصافحها لذا حيَّته من مكانها فزادت بسمته لها، رغم أنه مر ست أشهر على خطوبتهما وعام وثلاثة أشهر على معرفتهما ببعض، إلىٰ أنها لا تسمح له بلمسها ولا الإمساك بيدها حتى وهذا ما يزيد مكانتها علوًا عنده
أدار رأسه نحو شروق وقد حياها هى أيضًا بهزة رأس ردتها له الأخرى ببسمة عادية وجملة مختصرة ثم نقلت عينيها غير مهتمة بالحديث الذي أخذ يدور بين والديها ووالدي يوسف، أو بيوسف الذي وقف إلى جانب براءة مراعيًا مسافة مناسبة ثم أخذا يتحدثان في أمورٍ لا تود سماعها
فلديها الآن ما يشغل بالها أكثر، ذلك الثقيل الذي يقف بجانب الدرج مع أبناء أعمامه، ظنت أن مشاعرها قد اختفت مع مرور الوقت ولكن لا والله لم تختفي بل في تزايد مستمر
تبدو بشرته أكثر إسمرارًا من ذي قبل وعلى الأرجح من أجواء الصيف، وعمله بالطبع لا يقتصر على الجلوس في مكتب مكيف، ولحيته أقصر من ذي قبل بينما شعره أطول من ذي قبل
تبًا لكِ شروق انزعي عينيكِ من على الرجل قبل أن يلاحظ أحد، ابعدت عينيها سريعًا عندما رأته ينظر نحوها تدعو ربها ألا يكون أمسك بها متلبسة وهى تنظر نحوه كالخرقاء
-يونس تعالى
نادى محمد على ابنه حتى يسلم على حسين وزوجته وخطيبة أخيه وقد فعل الآخر دون إعتراض، وعندما اتجه إلى براءة ويوسف هتف حانقًا محاولًا المزاح :
-سيبي ودن الواد مش من أولها كده
حدقت به براءة متفاجئة مما قال، ولتكن صادقة هى لا تتعامل مع يونس إطلاقًا، عدد المرات التي تحدثت بها معه تُعد على الأصابع ولا تقتصر إلا على جملة أو اثنتين، وعندما رأت شروق شقيقتها لم تجب دافعت هى عنها قائلة :
-أخوك اللي بيرغي مش هى إحنا لسه داخلين وهو جالها رمح "جري" مش العكس
تحدث يوسف موقفًا أي صدام قد يحدث منهما كالعادة :
-ماشي انا اللي برغي معاها فيها حاجة دي ما هى خطيبتي، ومعلش لو هتتخانقوا اتخانقوا بعيد علشان أعرف اتكلم انا
تقدمت شروق منهما وجذبت شقيقتها بجانبها بينما وقفت هى في المنتصف هاتفة ببسمة مصطنعة :
-ومالوا اتكلم وانا واقفة معاكم محرم
ضحك يونس بخفة مشيرًا إلى القوم الذين يقفون حولهم ثم قال :
-هتقفي ليه محرم مش كفاية الخمسين اللي حوالينا دول
-معلش يبقوا واحد وخمسين اقعد انت على جنب
لا تعلم كيف خرجت منها هذه الجملة ولكنها تقولها لأي أحد ولا تقصد الاستهزاء به، وبعد أن نطقت بجملتها رمقها بنظرة عميقة، وعلى شفتيه قد اتسعت بسمة مستمتعة
قاطع هذا التواصل براءة عندما دفعتها بخفة من جانبها حتى لا تسبب الإحراج ليوسف كعادتها فتصرفاتها هذه تدل على أنها لا تطيق يوسف، رغم أنها تعلم أن نية شقيقتها ليست هكذا، هى فقط تريد المشاغبة وتشعر قليلًا بالغيرة منه
نادت والدتها على شروق حتى تأتي وتلقي التحية على محمد وزوجته فهى لم تسلم عليهم بعد ولا على البقية، تحركت شروق من جانبهم تتبعها نظرات يونس لعدة ثواني ثم أبعد عينيه عنها عندما دلفوا من كان ينتظرهم حمزة على أحر من الجمر
نظر نحوه سريعًا مناديًا عليه :
-بِيست، حمزة
رفع الآخر عينيه نحوه فأشار يونس بأصابعه نحو الباب، وما إن رأى حمزة علي على الباب، وبصوته الخشن يلقي السلام على الموجودين حتى اعتدل سريعًا في وقفته وكأن وزير الوزراء قد أتى، حتى أنه ترك كريم وياسر يحدثانِه واتجه نحوه
برم كريم شفتيه بتذمر يبصر والده يوقف حمزة قبل أن يتقدم أكثر من هذا ثم همس له بعدة كلمات وجعله يقف إلى جانبه، وقد ضرب حمزة بكل ما قاله له عرض الحائط عن أن يكون ثقيل ورزين، إذ ما إن رأى نور تظهر حتى اتسعت بسمة متسعة على وجهه رآه هو بلهاء من وجهة نظره
توقف يونس إلى جانبهم ثم قال ببسمة ساخرة وهو ينظر إلى حمزة وشقيقه المندمج في الحديث بشدة مع براءة وكأنهما عصفوران كناريا :
-ابو الحب اللي يذل الرجالة يا جدع
-آه والله معاك حق ده ذل مش حب خالص
نطق بها ياسر وهو ينظر إلى عائشة التي دلفت مع شقيقتها وها قد أتت المحبوبة التي تقاطعه منذ عدة أيام دون سبب وجيه
وعلى الصعيد الآخر كانت تقف نور في الخلف أمام عتبة الباب وبجانبها شقيقتها، تنتظر أن ينتهي والديها من السلامات حتى يأتي دورهما، وبالطبع كانت تبحث عنه بين الموجدين الكُثر، عجبًا كيف يتحملون الجلوس جميعًا هكذا في مكان واحد في هذه الأجواء الحارة
نبض قلبها المسكين بسعادةٍ عندما رأته يتقدم مع والده يصافحان والدها، وبشكل لا إرادي اتسعت البسمة على وجهها غير قادرة على إخفائها، هى فاشلة في إخفاء بسمتها أو ضحكتها فتخرج منها دون إرادة، لا تستطيع التحكم في ردات فعلها أبدًا
أبعد حمزة عينيه عن علي وصفية بعد أن سلم عليهما لتقع أنظاره عليها ببسمتها التي تدل على أنها سعيدة لرؤيته، ربي لما هذه الفتاة ليست زوجته الآن فهو حتى لن يستطيع أن يصافحها باليد وهو مشتاق إليها بشدة الآن، فعسى لسانه ألا ينفلت منه
اقتربت نور من عثمان وناهد وسلمت عليهما بهدوء ولطف ثم على عمتها وزوجها وحتى محمد وزوجته، وعندما وصلت له هو لم تجد على لسانها كلمة واحدة تقولها له وكأن لسانها عقد، ولم تستطع أيضًا أن تمد يدها لتجد أن حمزة هو من قد مد يده لها ثم قال ببسمة متسعة وعينين تلتمعان :
-نور خفيتي الحمد لله عن آخر مرة شوفتك فيها، عاملة ايه؟!
نظرت إلى يده طويلًا لا تستطيع أن تبادله المصافحة، ولا تستطيع إحراجه حتى، لذا مضطرة مدت له يدها وفقط جزء من الثانية وسحبتها بسرعة حتى ربما لم تستقر في كفه، من ثم أجابت عليه بخجلها الفطري :
-الحمد لله تمام انت عامل ايه؟؟
لو تعلم كم أن فعلتها هذه زادت مكانتها عنده، لكنه لم يستطع حتى أن يمسك بيدها ولكن صبرًا مضى الكثير وبقى القليل، ووالله لن يترك هذه البلدة إلا حين تصبح نور زوجته وليس فقط خطيبته....
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الستون 60 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
آسفة على التأخير المرة دي علشان كنت معزومة + تعليقات كتير وانزلكم اقتباس يوم الثلاثاء لكريم ونصه التاني 🙃👀
صلي على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
لا يعلم كيف يتحدث معها والجميع موجودين وعيونهم عليهم، يفصلهم بضعة أمتار فقط فهى تجلس في المقابل له بجانب والدتها وخالاتها وهو بجانب عائلته على الناحية الأخرى ولكنها بعيدة كل البعد عنه ولا يستطيع حتى النطق بكلمة لها
مسح على خصلاته يشعر بالحيرة والاشتياق والغيرة من يوسف أيضًا، فها هو هناك يتحدث مع براءة منذ ما يقارب النصف ساعة بدون حرج أو توقف وبجانبهم والدتها بينما هو غير قادر على التحدث مع نور
والأخرى لا تستطيع النظر له حتى بل تكتفي بسرقة النظرات له من حين إلى آخر، ضيق عينيه عندما رآها تخرج هاتفها ثم عبثت به قليلًا ورفعت رأسها له في إنتظار وهو لا يعلم ما الذي تنتظره منه فهاتفه لم يرن، ولا تستطيع بالطبع الإتصال عليه وهى تجلس وسط الجميع هكذا
همست له نور بكلمة أو لنقول حركت شفتيها لينتبه لها سريعًا وعلم ما الذي تقصده بحركة شفاهها، تقصد أن يفتح الإنترنت وسرعان ما فعل ليجد إشعار من حساب غريب يطلب مراسلته على الفيس بوك وكان اسم الحساب "قارئة القرآن" اسم مستعار لا يعلم إن كانت هى أم لا وعندما فتح المراسلة وجد رسالة واحدة تقول
"عامل ايه"
رفع رأسه لها ثم أرسل رسالة إستفسار
"نور؟؟"
"ايوه انا"
"وحشتيني يا نور أرهقني قلبي بالإشتياق "
اغمضت نور عينيها بقوة تشعر بنغزات قوية في معدتها حتى أنها أغلقت الهاتف خوفًا من أن يقرأ أحد هذه الرسالة، ربي ألا يزال هذا الحمزة وقحًا، حتى أنها لم ترفع رأسها وترى وجهه ولو رأت لتركت المكان وعادت لمنزلها
إذ كان حمزة يطالعها ببسمة عابثة وقد اعجبته هذه الحركة كثيرًا، يتحدث معها بالرسائل ويرى رد فعلها أمامه بصمت تام، ولكن عليه أن ينزع عينيها عنها حتى لا ينتبه لهما أحد
وصلت رسالة لنور منه ففتحت الهاتف وقرأتها بعينيها
"مصعبتش عليكي في الست شهور دول تتصلي عليا يا نور وانا كنت هتجنن علشان أشوفك واسمع صوتك بس"
بئسًا ليتها ترساله وهو ليس أمامها، فالآن لا تستطيع إخفاء رد فعلها وذلك الوغد عينيه لا ينزعها عنها، أرسل رسالة أخرى تقول
" تقيلة اوي انتي يا نور بس للبني آدم حدود للصبر وانا أقسم بالله صبري نفد مش عايزة اتجنن عليكي انتي وابوكي وأمك "
" ومال ابويا وأمي دلوقتي؟! "
" مش هما اللي كانوا مانعينك تكلميني حتي غيرتي رقمك علشان مقدرش اتكلم معاكي"
عجبًا كيف علم هذا ومن قال له؟! رفعت رأسها له بسرعة ثم اخفضتها وأرسلت له
" مين قالك كده؟؟ "
" مرات عمي أسماء ولما كنت اخليها تتصل على والدتك علشان أعرف أكلمك مكنتش بعرف حتى انطق وانا عارف إن امك جنبك وهتاخد منك التليفون لو بس سمعت صوتي، كريم معاه حق لو الأميرة ديانا مكنتش اتمرمطت المرمطة دي كلها"
" بس انا مش الأميرة ديانا انا مجرد واحدة عادية واديك صبرت وهتنول "
" أمتى بقى "
" وانا ايش عرفني انا، ما بابا قدامك إسأله "
-عمي علي
نطق بها حمزة بصوت مسموع قد جذب انتباه الموجدين فاتسعت عيني نور بصدمة فهل سيتحدث معه الآن أمام مرأى ومسمع الجميع ضاربًا بخجلها عرض الحائط؟!
اعتدل علي في جلسته ملبيًا نداء حمزة إذ قال :
-نعم يا حمزة
نظر عثمان لابنه ينتظر ما سيقول يتمنى حقًا ألا يحرجه أمام الجميع، أجل حمزة ناضج وعاقل وذو لسان فصيح ولكن عندما يزيد فولت جنونه لا يضمنه، وحمزة قد راعى نظرة والده له لذا هتف بإحترام لـ علي :
-إن شاء الله بكرة نشرب الشاي عندكم؟!
ورغم أن علي كان سيحدد موعد بعد زفاف ابن أخيه ولكنه لم يشأ أن يحرج حمزة لذا قال :
-إن شاء الله هنستناكم
نبض نور بعنف وقد ارتفعت حرارة وجهها من الخجل والحرج ترى الجميع ينظر لها هى، حتى حمزة نفسه طالعها بنظرة عاشقة لم يخفيها ولكن اعترض حسين مما جعل ملامحه تعبس :
-طب خلوها بعد بكرة علشان إحنا هنستنوكم بكرة إن شاء الله على الغداء
-ما إحنا مش هنروح عندهم على الغداء، يعني على الساعة تمانية كده
نطق بها حمزة بجدية يريد أن يعقد عليها الآن لا غد فقال عثمان بتنبيه لابنه ألا يكثر الكلام في هذا الأمر :
-بكرة من بعده مفرقتش يا حمزة
انقلبت ملامح الآخر فقال علي مسيِّرًا الأمور :
-خلاص الغداء بكرة عند حسين وبعده عندنا إحنا
حسنًا لقد أرضى الاقتراح هذا الجميع، بينما فتح حمزة المحادثة مرة أخرى وأرسل لنور التي تكاد تموت من الحرج وهى جالسة
"جميلة وانتي مكسوفة شكلنا هنتعب علشان نخف الكسوف عندك"
قلبت نور عينيها تضم ابتسامتها وحتى الآن لم تطالعه بنظرة واحدة ثم ارسلت
"احترم نفسك يا حمزة عيب"
"عيب إني بقولك جميلة!؟"
"ايوه"
"ده انا خطبتك أهو قدام الناس لسه فيه عيب، ولا علشان انتي بتتكسفي فبتقولي عيب؟؟ "
طالعها ببسمة عابثة ماكرة ردته له الأخرى بنظرة حرجة من كشفه له لتتبدل ملامح الاثنين عندما جذبت صفية هاتف ابنتها منها بعنف وهمست له بعدة كلمات غاضبة لم تصل لحمزة فقلق أن تكون والدتها تعنفها لأنها تحادثه ولكن هو الآن في حكم خطيبها أمام الجميع فلما قد تفعل
بينما صفية لم تكن تعنف ابنتها لهذا فهى على أي حال أُمية لا تفقه القراءة والكتابة بل كانت تعنفها لأنها تمسك الهاتف في التجمع العائلي بدلًا من التحدث مع الناس، مثلها مثل جميع الأمهات فمن منا لم يجرب هذا الموقف
عقدت نور أصابعها بعد أن أخذت والدتها الهاتف واكتفت بالصمت فأشار حمزة لها إن كان هناك مشكلة فأشارت له الأخرى في الخفاء بأن ليس هناك شئ لذا قرر فتح موضوع مع نور بصوت مرتفع فهو يريد أن تكون علاقتهم في النور لا في الظلام وهو لا يخجل من أي أحد على أي حال :
-عملتي ايه يا نور بالخمسة مليون؟؟
نظرت الأخرى إلى والديها ثم أجابت بلعثمتها البطيئة المحببة إلى قلبه :
-ولا حاجة... لسه قاعدين.... في البنك
-المفروض تستثمريهم يا نور ده مبلغ حلو مش صغير، يعني اشتري أرض أو سبايك دهب حاجة كده قيمتها تزيد مع الأيام
نطق بها عثمان مشاركًا الحوار فأجابته صفية التي كانت تقترح هذا أيضًا حتى تستفاد ابنتها بالأموال :
-انا قولت كده وعلي بيشوف أرض تقدر تشتريها ويكتبها باسمها تنفعها وتنفع عيالها بكرة وبعده
تحدثت إحدى السيدات الموجدات بنبرة خافتة حاقدة وصلت إلى صفية وابنتيها :
-عشنا وشوفنا البنات تتكتب باسمها الأراضي
نظرت لها نور بضيق وبغض شديد وودت لو تقول لها فلتعيشي نصف ما عشته وحلال عليكي الأراضي، ولكن والدتها منعتها من هذا ضاغطة على ذراعها حتى تصمت
بينما لم تصمت تلك السيدة وقد كانت زوجة جابر المدعوة كوثر، لتقول موجهة حديثها إلى حمزة :
-وعلى كده يا صفية الأستاذ ده شغال ايه
ابتسم لها حمزة بحسن نية قائلًا :
-انا محامي واللي طلعت نور من القضية
-وعلى كده خت اتعابك؟!
-لأ انا مش عايز أتعاب
-ذكي والله مرضيش ياخد الأتعاب وقال يتجوز نور واهو ياخد الخمسة مليون وعليهم عروسة
ولم تُسمِّعه ما قالت هذه المرة بل بصوت خافت وبمزاح سوداوي ثقيل منها وصل لجميع السيدات بجانبها ومنهم نور التي ضغطت على كفيها بقوة ساببة كوثر في سرها تشعر بالقهر لأنها لا تستطيع التحدث بينما قالت أسماء بنبرة قوية حادة :
-لسانك يا كوثر عيب كده، وبعدين انا عرفت ان بتك اتخطبت مش تقولي حتى نفرحولك
اعتدلت الأخرى في جلستها ولم تفصح من هو خطيب ابنتها حتى لا تُحسد ابنتها بل قالت :
-لسه الموضوع متمش ومتكلمناش فيه بس يعني هو مش قد كده كان نفسي اجوزها لدكتور ولا مهندس زي ياسر ولا محامي بس يلا نصيب
وفور جملتها الأخيرة دفعت والدة براءة يوسف حتى يقف من هنا قبل أن تقضي عليه عيني كوثر :
-قل أعوذ برب الفلق، قوم يا يوسف ربنا يحفظك من عينها
بينما ناهد بنفسها خافت على ابنها ودفعته حتى يذهب هامسة :
-قوم يا حمزة خد يوسف واطلعوا فوق
لم يفهم حمزة لما تقوم بهذا فحتى نور وصفية تشيران إليه حتى يذهب، ولم يتحرك إلا عندما وجد يوسف يهم بصعود الدرج لذا لحق به ليستوقفهما ما في الطابق الثاني
إذ أبصرا شروق تقف وبجانبها فتاة وشاب في نفس عمرها تقريبًا وأمامهم يقف كريم يتحدث بعفوية وإندماج عن كرة القدم وفي الخلف يقف يونس مستندًا بظهره على الحائط بملامح جامدة وأعينه ثابتة على شيئان، شروق والشاب الذي يقف بجانبها
وقبل هذا بعشر دقائق كان يونس صعد إلى فوق بعدما سئم ثرثرة الجميع وقد أصابه الصداع منهم ليجد كريم يتحدث من شاب لا يعرفه وبجانب هذا الشاب تقف شروق تتابع الحديث ومعها فتاة أخرى
كان سيتخطاهم ويكمل الصعود لأعلى ولكن وجود شروق واهتمامها بما يُقال جعله يريد أن يعلم على ماذا يدور الحديث لذا قال بنبرة هادئة :
-مين يا كريم اللي واقف تتكلم معاه
نظر له الآخر بإنتباه ثم قال بحرج فهو لم يسأل عن اسمه بل اندمج معه في الحديث لأنه سمعه يتحدث عن كرة القدم فقط، وعندما رأت شروق صمت كريم أجابت هى وكأنها تود إختلاق محادثة بينها وبين يونس وكم شعرت بالضيق لأنها تسرعت في هذا لذا قالت بإختصار :
-ده.... ده ولد خالي
ابتسم له ذلك الشاب ثم أكمل حديثه مع كريم بينما الآخر استند على الحائط يرمق شروق التي عادت وألتهت فيما يقال أو تصنعت هذا حتى لا تنظر إلى يونس ليفاجئها هو عندما قال :
-هو انتي نقلتي على كلية تانية ولا لسه قاعدة في علم نفس
انتبهت له شروق مثل البقية فعدلت نظارتها ثم أجابت :
-لا انا نقلت خالص من كلية الآداب وقدمت على ألسن بس للأسف هعيد أول سنتين تاني
-طب ليه كده ما تكملي في علم نفس بدال ما تضيع من حياتك سنتين كمان ولا خلاص انتي اتعقدتي؟!
نطق بها كريم مشفقًا على حال هذه الفتاة بشدة فأجابت الأخرى برفض :
-ايوه انا اتعقدت ولو عليا مش عايزة أكمل تعليم خالص من وراء اللي حصلي في الكليات
-وايه هو اللي حصل بقى؟!
نطقا بها ابن خالها "جمال" والفتاة الأخرى والتي تكون دعاء شقيقة ياسر فنظرت لهما الأخرى نظرة فاترة دون إجابة، منها علما يونس وكريم أن شروق لم تقل لأحد أنها تعرضت لمحاولتين قتل في الكلية
نكزها ابن خالها بهاتفه دون لمسها هاتفًا بإلحاح :
-يا بت قولي انا هموت وأعرف حصلك ايه رجعتي محملة عقد وبلاوي انتي ونورهان
-خلاص موت يا عم بقى متقرفنيش
-هو انت حصلك زي نورهان؟؟
-لأ حصلي الألعن
حل الذهول على ملامح الإثنين مما وصل إلى تفكيرهما فسارعت الأخرى نفي هذا بسرعة قائلة :
-لا تفكيركم ميروحش بعيد مش اللي وصلكم خالص
نظر جمال نحو كريم مبتسمًا لعله يخبره ماذا قد فعلت هناك :
-كريم ما تقولي البت دي حصلها ايه هناك
رفع الآخر كتفيه مخرجًا يده من الأمر إذ قال :
-والله لو هى مش عايزة تقول يبقى انا مالي
نظرا جمال ودعاء إلى شروق بإستعطاف فقالت الأخرى ببسمة باردة :
-بس يا حبيبي كمل كلامك في الكورة وملكش دعوة بيا
آمال يونس رأسه قليلًا محدقًا بهما بريبة وكلمة حبيبي هذه خرجت منها عادية ولكنها لا تزال تتردد في أذنه، وقد مرت دقيقة كاملة وهو لا يزال يحدق بهما دون أن ينتبه جمال لعودة حديثه مع كريم ليظهر يوسف وحمزة على الدرج وقد ألقى يوسف السلام عليهم قائلًا :
-مساء الخير واقفين كلكم كده ليه؟!
اعتدل يونس في وقفته ثم أردف بنبرة متعجبة مبطنة بالسخرية :
-جيتوا ليه وسيبتوا اللي جيتوا علشانهم الصعيد مخصوص في الحرارة اللي تسلق البني آدم في نص شهر سبعة؟! اوعوا يكونوا مشيوا؟؟
أشار حمزة إلى يوسف محدثًا إياه بنبرة حانقة :
-سكِت أخوك يا يوسف، حر ويونس في مكان واحد وانا صبري مش هيستحمل
نظرت شروق إلى الأسفل من خلال الدرج ثم قالت :
-هو حصل ايه تحت؟!
-تلاقي كوثر نكدت عليهم سمعت صوتها من شوية، أو كانت هتديهم عين فطلعوهم فوق علشان متجبش أجلهم
نطقت بها دعاء بنبرة ساخرة فقال يوسف بجدية متذكرًا تلك المرأة التي تحدثت :
-مفيش حاجة اسمها حسد يا جماعة ده نصيب
نظرت شروق إلى دعاء وجمال ثم قالت بنبرة ضاحكة ولكن ضحكتها لم تكن سعيدة بل مستهزئة :
-آه وماله نصيب هو نصيب فعلًا بس من الحسد يا يوسف، انت تعرف إن في الخطوبة لما هى شافتك قاعد جنب براءة وانا وعائشة سمعناها أقسم بالله علشان متقولش بنتبلى عليها قالت راحت إسكندرية كام شهر وجات بدكتور مش زي بناتنا مخرجوش خالص ولا شافوا حاجة، انت تعرف بقى تاني يوم براءة مش عارفة تاكل حاجة وفضلت تلات أيام من غير أكل واغمى عليها من الإنيميا وعلقنا ليها محاليل وده كله من عينها
أكمل جمال من خلفها متذكرًا ما حدث لنور أيضًا :
-ولما عرفت ان نور بقى معاها خمسة مليون جنيه، البنت وقعت من على السلم دراعها اتكسر تاني
-أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
نطق بها كريم فزعًا فقالت دعاء مؤكدة عليه جملته :
-آه والله شيطان فعلًا مفيش حد منكدتش عليه حياته من وراها مرة سَوّ أقسم بالله، مش عارفة عمي جابر مستحملها ازاي، وبلاش تطلعوا قدامها حرام شبابكم يضيع خسارة الوشوش الحلوة دي تروح هدر
وكزتها شروق حتى تصمت عما تقوله ثم سحبتها معها وصعدا إلى الأعلى بينما ظل جمال يتحدث مع كريم وقد وعده أنه سيأخذه غدًا إلى أحد الكافيهات لمتابعة مباريات كرة القدم، تركهم حمزة يتحدثون ثم أخرج هاتفه وأرسل رسالة لنور
"انتوا مشيتوا؟؟"
وبعد دقيقة وصله الرد منها
"لأ لسه بس مش هقدر أمسك التليفون كتير علشان ماما قاعدة جنبي"
"خلاص هكلمك بالليل"
"إحنا أصلًا بالليل ثم مش هرد عليك بنام بدري"
"بتنامي بدري ولا مش عايزة تكلميني أصلًا، نور هو انتي متقبلاني؟! انا مش شايف من ناحيتك قبول ناحيتي "
انتظر منها الرد بلهفة ولكنها اخذت وقت تكتب وهذا يدل على أنها تكتب وتمسح وبعد دقيقتين أرسلت
"لأ عندي قبول وإلا مكنش بابا أداك معاد إلا وهو عارف إني موافقة، بس صدي ليك علشان انا عارفة الحرام والحلال يا حمزة أعتقد لسه فاكر كلامي، وعلفكرة لولا إن ماما عارفة اني بكلمك رسايل دلوقتي مكنتش هتشوف مني ولا رسالة ولا رد"
ابتسم حمزة على أخلاقها وصونها لنفسها ثم أرسل لها
" تعرفي ليه دخلت كلمتك من حساب كاتب الظل من غير ما أبين إني حمزة "
" ليه "
" علشان عملتها قبل كده مع واحدة خطبتها زمان أو مكنتش خطوبة يا دوب تعارف في الجامعة وكنت ناوي اخطبها بعد ما اخلص جامعة فكرت لو دخلت بحساب مختلف ليها وحاولت أتعرف عليها من غير ما أبين إني عارفها وأقولها إني معجب بيها وبحبها أوي ومن زمان وعايز آخد خطوة ناحيتها، ردت وقالت مين وانا قولتلها اسم من دماغي والمشكلة إني فضلت بكلمها أسبوع ولما طلبت أقابلها في الجامعة وافقت وكانت ملهوفة وانا شايفها من بعيد مستنية"
"بغض النظر عن إنها كلمت شاب هى متعرفوش وده غلط بس انت عملت ليه كده يا حمزة وانت وهى مفيش بينكم حاجة؟! يعني مكنتش خطيبتك وممكن مكنتش مايلة ناحيتك انت مش هتتحكم في مشاعرها "
" هى فضلت معايا يا نور كانت معايا ومع التاني على الرسايل يعني في حياتها راجلين ومفرقش معاها والحركة دي قفلتني منها وكمان فضلت أسبوع تتكلم مع واحد متعرفوش لفكرة بس إن كلامه جذبها أوي، مش هآمن ليها بعدين ده كان اختبار وفشلت فيه ليه ردت أصلًا وفضلت في الحوار حتى لو عاجبها، انا عملتها معاكي وبحركة أكبر لما حطيت اسمك على غزل في بوست في صفحتي يعني حتى لو مين كان هيجذبها الفضول على الأقل، انا فضلت يومين مستني تبعتي حاجة ومبعتيش ولما دخلت انا كلمتك هزقتيني واديتني درس "
" وبعدين؟! "
"وبعدين قولت يا حمزة هى دي شريكة العمر، أخلاقك كانت في كفه وجمالك في كفة طلعت عيني ولسه مطلعة عيني علشان بس أوصلك يا نور"
" انت شايفني جميلة يا حمزة؟! انا بس عيوني حلوة أما باقي كل حاجة فيا عادية وأقل من العادية"
" جميلة كطلوع الشمس يا نور بوجهٍ صبوح، وحين تنعكس الشمس على عينيكِ يبرز جمالهما بوضوح "
أرتفع حاجبي حمزة بإندهاش عندما رآها اختفت تمامًا بعد أن وصلت لها رسالته وهذا يعني أنا خجلت بشدة الآن، ليتها أمامه حتى يرى ملامحها، أخفض هاتفه عندما رأى شروق تهبط من الأعلى بمفردها فأستوقفها قائلًا :
-آنسة شروق ينفع أسألك سؤال
توقفت شروق منتظرة سؤاله فقال الآخر بتركيز :
-هو انتي ونور تواصلتوا مع دكتور نفسي؟!
صمتت شروق قليلًا وقد تبدلت ملامحها بشكل واضح إلى الضيق ثم قالت :
-لأ للأسف علشان الدكاترة النفسيين هنا محرمين واللي بيروحوا ليهم المجانين بس
اعترض يوسف على هذا العبث الذي تقوله إذ قال :
-ايه الهبل ده يعني كل الناس اللي بتروح للدكاترة النفسيين مجانين؟! مش عندهم مشاكل ومش عارفين يتعاملوا معاها وعايزين يتكلموا مع حد مثلًا؟!
-يعني نور متكلمتش مع حد ولا حتى طلبت تروح عند دكتور نفسي ولا حتى اتكلمت مع مامتها
نطق بها حمزة بضيق حقيقي من فكرة أن نور تراكم الضغوطات النفسية التي مرت بها دون اللجوء لأحد تتحدث معه، لتجيبه الأخرى بنبرة متهكمة :
-خالتي صفية جبانة شوية خافت عليها من كلام الناس اتكلمت هى معاها وبقيت تقولها انسي واشغلي نفسك في حاجات تاني علشان متفكريش في الموضوع ومتقفيش في حتة زحمة أو لما تشوفي راجل امشي بعيد عنه وفضلت تقولها كده لحد ما نور بقى عندما رهاب من الزحام، وعشية كنا بنشتري هدوم جديدة علشان فرح ولد عمنا وكانت الشوارع زحمة وهى شافت كده وخدت نفسها وقالت يلا نروحوا ونيجوا الصبح ومستنتش تسمعنا ومشت وسابتنا
حسنًا وهذا ما كان يخشاه أن تتعرض نور للضغط من قبل مَن حولها وبدلًا من أن يجعلوها تتخطى الأمر يجعلوها تدفنه بداخلها وتظل تدفنه حتى يتكون لديها حاجز خوف كبير من الزحام والرجال وبالطبع هو سيكون من ضمن هؤلاء الرجال
مسح يونس على أرنبة أنفه ثم سأل شروق عن حالها هى محاولًا عدم إظهار اهتمامه بالأمر :
-طب وانتي لسه عندك فوبيا من الدم
انتبهت له شروق لتبتسم بسمة سعيدة أنه اهتم بالسؤال عن حالها هى، وسرعان ما أخفت هذه البسمة مدعية أنها تعدل نظارتها ثم قالت :
-لسه بس أحسن من الأول علشان بحاول أطبق كلام الدكتور عاصم ولسه فاكرة كلامه ليا عن تخطي الصدمات
ومع ذكرها لعاصم وكأن الشيطانين تجمعت أمام عيني يونس إذ اعتدل في جلسته هاتفًا بإستنكار شديد :
-هو انتي بتكلمي عاصم؟!
عقدت الأخرى حاجبيها لا تفهم سر ضيقه الغير مبرر من عاصم، لربما لأنه شقيق سليم ذلك الوغد :
-لأ بس قبل ما تحصل قضية نور وسليم كنت بتكلم معاه هو تطوع بده علشان أعرف اتخطى محاولة القتل الأولى وكلامه فادني قوي وقتها وكمان دلوقتي، صحيح أخوه كلب وأبوه ستين كلب في بعض بس هو بني آدم محترم جدًا ده كفاية كان هيموت مكاني ولحقني قبل ما كاظم يقتلني لولا ستر ربنا ولولاه كان زماني ميتة، ربنا بعته ليا نجدة والله
نظر لها يونس بنظرات حارقة لا يطيق هذه البسمة المرسومة على وجهها وهى تتحدث عن عاصم الأبله، وود لو يصيح بها أن تتوقف ولكنه تحكم في ذاته لتخرج منه الكلمات بسخرية مبطنة بالحقد والغيرة المخفية :
-علفكرة انا اللي اتصلت عليه علشان يلحقك علشان انا وسفيان كنا لسه على الطريق ولو مكنتش اتصلت عليه كاظم كان دبحك ومحدش كان هيحس بيكي
-يـــونـــس
صاح يوسف بأخيه فالآخر يقول كلامًا ثقيلًا دون أن يشعر فحتى شروق صمتت صمت مخيف بعد كلماته، مسح يونس وجهه بضيق وقبل أن يبرر ما قاله وجدها تقول :
-بس الحمد لله لحقني وخد رصاصة في جنبه وهو بيحاول يبعد كاظم عني، آخ لو كان مات كنت هشيل ذنبه طول عمري، وللأسف حصلت مصيبة نور ومقدرتش أشكره على اللي عمله ليا حتى رقمه اتمسح من عندي مش عارفة إزاي!!
لم يعد يتحمل الصمت وهى تحرق دمه لذا صاح بها بطريقة افزعتها قائلًا :
-بس مماتش ولسه حي، انتي مش كنتي نازلة اتفضلي انزلي
ربت حمزة على كتف ذراع يونس حتى يهدأ وهو يحاول كتم ضحكاته عليه فدفعه الآخر بعيدًا عنه بحنق بينما قالت شروق بدهشة :
-ليه الحقد ده كله؟!
-انا مش بحقد عليه ابن سعيد غانم الواطي ده بس أبوه وأخوه صفايح زبالة تتوقعي ايه منه يعني!؟
نفى حمزة هذا الحديث مردفًا بجدية بعيدًا عن المزاح :
-بصراحة عاصم نفعنا لما شهد ضد أخوه، وكمان شهد ضد أبوه إنه عمل في نور اللي عمله، وهو اللي جاب الخمسة مليون التعويض علشان يعجل في الإجراءات وبعت اعتذار كامل لنور على اللي عملوا أبوه وأخوه فيها، انا شايف من الظلم إننا ناخده بذنب أهله
حرك يونس رأسه نحو الآخر ببطء رامقًا حمزة بنظرة حارقة لتزيد شروق الطين بله حين قالت :
-معاك حق هو بني آدم محترم وكان الدكتور بتاعي في الكلية وساعدني اتخطى كذا صدمة بكلامه وكان بيساعدني في الكلية وفي المحاضرات وكذا مرة اتأخر وميقولش حاجة ودخلني إمتحان اتاخرت عليه، كان بيعاملني
-اسكتي
نطق بها يونس بهدوء عاصف حتى تصمت فحدقت به الأخرى بضيق لقطع كلامها وقبل أن تخرج حرفًا من فمها قاطعها مرة أخرى بنبرة أكثر حدة :
-اسكتي وانزلي زي ما كنتي نازلة
-خروف يخرسك يا بني آدم انت متقوليش اسكتي
هتفت بها بغضب على أسلوبه الفظ هذا فحدق بها الجميع بدهشة لتجاوزها على يونس، أجل يعلمون أن يونس يكره عاصم ولا يزال يكرهه لسبب غير معلوم ولكن تجاوز شروق هذا أدهشهم وأولهم يونس الذي أشار إلى نفسه مرددًا جملتها بدهشة :
-خروف يخرسني؟!
وزادت شروق في الكلام دافعة جسده بحقيبتها حتى تمر فهو يقف بجانب الدرج :
-الناس بتحقد على اللي أحسن منها وهو محترم وانت دبش، اوعى كده عديني
مرت بسرعة قبل أن يهم بلكمها فوالله رأته يرفع يده نحوها لولا يوسف الذي جذبه للخلف فقال يونس يعترض على ما قالته قبل أن تتعدى الدرجة الثانية والغيرة نهشته أنها ترى أن عاصم أفضل منه :
-انا مش بحقد عليه من باب للطاق عندي سبب والقبول من عند الله وانا مش بطيقه، ثم اللي عايزة تشكريه علشان خد رصاصة مكانك انا اللي باعته رغم إني أطيق العمى ولا اسمعش صوته وانا كمان اخدت طلقه مكانك ولولا فيزت الحماية كانت جات في بطني ومشوفتش منك كلمة شكر واحدة ولا فالحة تحرقي دمي
ذُهلت شروق تمامًا من حديثه حتى أنها ظلت فترة ترمق عينيه التي رأت بهما الغيرة بوضوح، أيونس الثقيل يغار عليها من عاصم، مهلًا يونس يغار عليها بالفعل ويرفض أن تمدح عاصم وتأتي بسيرته أمامه فهذه هى غيرة المُحب
إنه بالفعل يغار منه فحتى الآن لم تنسى اليوم الذي رفض أن تذهب إلى غرفة عاصم تتطمئن عليه في المشفى متحججًا أن الزيارة ممنوعة عليه، تبًا لك يا يونس فكلما شعرت أنها لا تطيقه بسبب لسانه وإستفزازه تُغرم به أكثر
عكست عينيها بسرعة وهرولت للأسفل عندما رأت عينيه لانت لها بعد تحديق دام لنصف دقيقة، شعر يونس بالضيق لما فعل ولكنها تخرج أسوء ما به بسبب إستفزازها وردها على كلمته بعشر، أول امرأة تستطيع إستفزازه وثالث شخص بعد حمزة وسفيان
وعلى سيرة حمزة ذلك الوغد لم يمرر ذلك الأمر بالطبع إذ وجده يقترب منه ثم قال نفس الجملة التي قالها له عند منزل عمهم محفوظ :
-حد شامم ريحة شياط؟! تحب اجيبلك جردل مياه يا يونس تطفي نارك؟؟
نظر له يونس بتفكير وهو يلقي له بنظرة متفحصة من الأعلى إلى الأسفل ثم قال بغضب حارق :
-تفتكر يا يوسف ايه أكتر عضمة في جسم البني آدم لو اتكسرت متتصلحش تاني
ولم يرف لحمزة جفن بل ابتسم له ابتسامة متسعة ثم قال :
-براحة يا يونس على نفسك لتولع انت لسه في عز شبابك
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
في صباح اليوم التالي وقد كانت الساعة العاشرة صباحًا تقف نور رفقة شقيقتها على جانب الطريق السريع في إنتظار وصول شروق وبراءة حتى يذهبوا لشراء ملابس جديدة من أجل زفاف ابن عمهم الذي سيكون بعد ثلاث أيام
وبعد ما يقارب العشر دقائق ظهرت براءة وشروق في الأفق فزفرت عائشة براحة وما إن وصلا إليهما حتى صاحت بهما نور بغيظ :
-تسع ساعات واقفين أومال نروحوا أمتى ونرجعوا أمتى؟!
ابتسمت لها براءة حتى تتوقف عن الصياح وقد هدأتها بكلمتين لتقول شروق وهى تنظر نحو الشارع الموجود به منزل عمهم عبد الجواد :
-أومال فين دعاء؟!
-متأخرة زيكم
-طب لازم نمشوا علشان نلحقوا نرجعوا قبل الغداء إحنا بالعافية عرفنا نسلكوا نفسنا من ماما وسبناها هى والبت جنا يطبخوا
تنهدت نور بضيق وهى تنظر نحو الشارع وبالطبع لن تفكر في الذهاب إلى هناك لا هى والبقية بسبب وجود الشباب هناك، لذا ظلوا في إنتظار دعاء لعدة دقائق أخرى ولكن تعبت براءة من الوقوف ولم تعد تتحمل فقالت عائشة :
-طب يلا نروحوا نستنوها هناك رجليا وجعوني والشمس مولعة فوق راسنا
اعترضت نور بشدة على فكرة الذهاب لهناك لتعترض براءة على إعتراضها هذا قائلة :
-انا تعبت والله ولو مجاتش انا هروح يلا نشوفوها هناك وكمان عطشت قوي
تحركت نور معهن مستسلمة وقد دعت أن يكون حمزة نائم الآن حتى لا تلتقي به، عجيبة هى تتمنى أن تراه ولكن تخجل من رؤيته بسبب جرأته، ونظراته الفاضحة لها تسبب لها الخجل بشكل لا إرادي منها
وكان توترها عكس براءة التي بدت متلهفة لرؤية يوسف، عجبًا سقطت هذه الفتاة في حب ذلك الطبيب، وفي الواقع علاقة يوسف وبراءة هى اهدى وأفضل علاقة بين الجميع خالية من التعقيدات والمشاكل
ليس مثل علاقتها الصعبة مع حمزة، أو علاقة عائشة وياسر المترددة فهناك مشاكل بين الاثنين بسبب أمور الزواج هو يريد التقديم وهى تريد التأخير، وشروق ويونس كذلك، أجل لا تتعجبون أني أعلم فالحماسة التي تظهر على وجه شروق تدل على ذلك
كما أن هذه الحمقاء لا تترك فرصة لا تنظر بها إلى يونس وهى لاحظت هذا منذ كانوا في مدينة الإسكندرية، النساء يدركن سريعًا ما يعجب الأخريات فنحن نحب التركيز في هذه التفاصيل، وتحديق شروق المستمر ليونس وسهولة التفرقة بينه وبين توأمه تدل على أنها معجبة بيونس
وصلن إلى منزل عمهم بعد عدة دقائق لتقول نور وهى تضع ذراعها في ذراع شروق، موجهة حديثها لبراءة وعائشة :
-ادخلوا انتوا هاتوها وتعالوا
نظرت شروق إليها بضيق لأنهم سينتظروا في الشارع فهى تود الدخول ولكن لم تعترض ودلفتا براءة وعائشة وصعدا إلى فوق مباشرةً لأن دعاء معظم الوقت تقضيه بالأعلى، خرج أحد الأطفال من الداخل وقد كانت ابنة عمهم ماهر التي تبلغ من العمر ثمانية أعوام فنادت عليها نور قائلة :
-ايسل خدي
اقتربت منها الأخرى تنتظر حديثها فقالت نور وهى تميل عليها قليلًا :
-هما الضيوف جوا؟؟
-ايوه
-كلهم
-لأ بابا وعمي عبد الجواد خدوا الكبار وطلعوا من الصبح والستات لسه نايمين فوق والشباب لسه صاحيين وقاعدين في المنضرة مع مرة تخينة شوية وماسكة عصايا، ومرت عمي عبد الجواد بتعملهم فطار في المطبخ
آماءت لها نور بعدما علمت أخبار الموجدين في الداخل ولم تبخل ايسل بكلمة فهكذا هم الأطفال يقرون كل شئ دون الإهتمام بشئ يدعي أسرار البيوت :
-تمام معلش إملي لينا الجزازة دي مياه مسقعة علشان إحنا رايحين مشوار ونخدوها معانا
أخذتها الأخرى وولجت للداخل ولكن سرعان ما خرجت قائلة لهما :
-مرت عمي بتقولكم تعالوا عايزاكم علشان عايزة حاجة تشتروها ليا
وبعد تردد من نور دلفت مقررة المرور بسرعة من أمام المنضرة دون أن يلاحظ أحد بينما مرت شروق ببرود شديد بجانب باب المنضرة متجهة إلى المطبخ لتلبية نداء خالتها ليستوقفها صوت مألوف لها ينادي عليها :
-انتي يا بنت يا أم نضارة تعالي
نظرت شروق من باب المنضرة مغتلسة النظر للداخل لتجد أن المنادي هو توحيد شقيقة محفوظ، عجبًا هل أتت هذه المرأة معهم فهى لم ترها يوم أمس؟! أرتابت حدقتيها عندما أبصرت يونس وأبناء اعمامه جميعهم بالداخل يجلسون حول توحيد والتي أشارت مرة أخرى لها بأن تأتي :
-خدي تعالي
وبشكل لا إرادي منها جذبت ذراع أول فتاة كانت بجانبها حتى تدلف معها فهى لن تدلف بمفردها، أجل لسانها متران ولكن حقًا تخجل من موقف هكذا، حاولت نور جذب ذراعها منها عندما وجدت جميع شباب عائلة هواري يجلسون بالداخل ولكن لم تفلح وأصبحت أمام الأمر الواقع
ألقت التحية عليهم ببسمة متوترة دون النظر إلى أحد بعينه فأعتدل حمزة عندما أبصر نور هنا، أوه يالا استجابت القدر السريعة فمنذ دقائق كان يريد أن يراها وها هى بشحمها ولحمها أمامه
عدلت شروق نظارتها تحاول تجاهل نظرات الجميع لهما ثم قالت موجهة حديثها ونظرها مباشرةً إلى توحيد :
-نعم حضرتك ناديتي عليا وانا برا
انتبه الجميع للمحادثة القادمة إذ قالت توحيد وهى تشير لها بأن تأتي :
-تعالي يا عسولة اقعدي جنبي هنا وقولي انتي بنت مين؟!
نظرت شروق إلى المكان الذي تشير إليه فوقف إسماعيل حتى تجلس إلى جانب عمته وقبل أن يبتعد همس لها قائلًا :
-معلش يا شروق هى تعبانة سايريها في الكلام
-بتقولها ايه يلاه يا ابن أسماء
نطقت بها توحيد بنبرة حادة لا تليق على بشاشة وجهها الممتلئ فقال إسماعيل مندهشًا أنها تعلمه وتعلم اسم والدته :
-تتحسدي يا عمتي افتكرتي أخيرًا إني ابن أسماء
-أومال انت فاكرني مجنونة ولا عقلي اتلحس
-لا والله حاشَ لله شوفي البنت اللي انتي موقفاها دي
نظرت توحيد إلى شروق ببسمة شديدة الإتساع مربتة على المكان بجانبها حتى تجلس وقد لبت شروق طلبها فهى امرأة مريضة ويجب التعامل معها بالمسايرة كما قال إسماعيل، إذ ابتسمت لها بسمة جميلة ثم قالت :
-نعم
-نعم الله عليكي هو انتي مخطوبة؟!
اختفت البسمة من على وجه شروق بإندهاش بينما قال كريم الجالس بجانبها تمامًا بنبرة ضاحكة :
-ما شاء الله يا عمتي داخلة سخنة اوي كده ليه؟! براحة شوية البنت بلمت من الصدمة
نكزته الأخرى بحدة قائلة :
-اسكت يا عبد المنعم محدش طلب منك تتكلم
أدارت رأسها إلى شروق ثم أكملت وهى ترفع يدي شروق أمامها دون طلب منها وعندما لم تجد أي خاتم في يديها قالت ببسمة متسعة وهى تنظر نحو كريم :
-مش مخطوبة يا عبد المنعم
-عبد المنعم مين يا عمتي؟ ثم انتي بتبصيلي كده ليه هو انتي عايزة تخطبيها ليا؟!
-اخطبها ليك ايه يا معفن يا ابو شعر معزة انا هخطبها لابني أمير
ضحك يونس ضحكة خفيفة بدون روح موجهًا حديثه إلى عمته ورغم ضيقه الآن إلىٰ أنه يعلم أن عمته بنصف عقل ولا يأخذ أحد على كلامها :
-طب حلو إنك عارفة اسم ابنك اللي بيشرب المر علشان تفتكري اسمه بس عيب كده يا عمتي كسفتي البنت سيبها تمشي
كادت شروق بالفعل أن تقف فجذبتها توحيد بسرعة حتى تجلس كما كانت، فقالت شروق مترجية نور أن تأخذها من جانب هذه المرأة التي تريد أن تخطبها لابنها :
-يا نور
نظرت توحيد نحو الفتاة الأخرى ثم قالت بنبرة متحمسة وعينيها أصبحت تخرج القلوب الحمراء :
-الله شوف البنت دي يا عبد المنعم
-اممم
-شبه ابويا الله يرحمه بالظبط
ضحك جميع الموجدين بينما خجلت نور وهمت بالرحيل فاستقامت توحيد بسرعة وجذبت ذراعها بعنف حتى لا ترحل فصاحت نور بعدما شعرت أن ذراعها قد خُلع في يدها :
-براحة طيب دراعي
لم تبالي الأخرى وجذبتها معها وجعلتها تجلس إلى جانب شروق ثم جلست إلى جانبهما وفعلت مثل الذي فعلته مع شروق وعندما لم تجد أي خاتم في يدها صاحت متحمسة :
-الله دي مش مخطوبة
بهت وجه حمزة قافزًا من مكانه بسرعة قبل أن تخطبها هى أيضًا لابنها الثاني :
-لا معلش يا عمتي ملكيش دعوة بدي علشان تخصني
عضت نور على شفتها من الداخل من شدة الحرج بينما توحيد ظلت تحدق في حمزة بريبة وكأنه حمار بثلاث رؤوس ثم قالت موجهة حديثها إلى كريم الذي يخفي وجهه كاتمًا ضحكاته :
-مين ده يا عبد المنعم؟!
-ده عبد التواب أخويا
وفور أن ختم حديثه قهقه بعلو على ملامح حمزة المتشجنة حتى نور ضحكت على هذا الاسم فلانت ملامح حمزة على ضحكتها مردفًا بغزل :
-عسل والله عسل
قلبت شروق عينيها ضاحكة على هذا العاشق بينما نور اغمضت عينيها بقوة ووضعت كفها عليهم تتمنى أن تختفي الآن، لتأتي صفعة من يد توحيد القوية هابطة على رأس حمزة فقال يونس شامتًا به :
-أحسن تستاهل يا مُحنُه
كاد أن يسبه حمزة ولكن ابتلع الكلمات عندما قالت توحيد بحدة له :
-اسكت يا ولاه متعاكسش البنت اللي هتبقى مرات اخويا
-اخوكي مين؟!
وصدر هذا السؤال من جميع الموجدين لتقول الأخرى ببسمة متسعة مصيبة حمزة بنوبة تشنج :
-اخويا الدكتور عثمان
صاح حمزة بقوة مهرولًا نحوها حتى تتوقف عما تقول :
-عثمان ابويا؟؟ انتي عايزة تجوزي البنت اللي بحبها لأبويا وتحرميها عليا، حرام عليكي يا ست انتي
حدقت به الأخرى بملامح متذمرة إذ قالت :
-أبوك مين يا جحش انت انا اخويا عثمان لسه عنده أربعة وعشرين سنة
-يا راجــــل عنده أربعة وعشرين سنة ومخلف أربعة أكبرهم عندها واحد وتلاتين سنة!!
-انت كذاب يا عبد التواب
-عبد التواب مـــيـن
صاح بها بقوة فقالت الأخرى بغضب وهى تدفعه بعصاها بعيدًا عنها :
-متزعقش فيا يا قليل الأدب يا ابن ناهد المقشفة
عاد حمزة للخلف ممسكًا بجانبه بألم من وكزة العصا بينما قال يوسف بسرعة يخفي ضحكته على العبث الذي يحدث :
-حلو يا عمتي انتي عارفة بقى إن ناهد تبقى مرات عمي عثمان
-آه يا اخويا عارفاه تبقى مراته ناهد المعفنة المقشفة أم صُرم وانا هطلقها منه واجوزه العسل السكرة أم عيون حلوة دي
ختمت حديثها وهى تربت على كتف نور المصدومة حالها كحال الجميع من سبها لناهد هكذا دون سبب، بإستثناء كريم الذي قهقه بقوة مردفًا من بين ضحكاته :
-لحظة إدراك إنها بتشتم أمي وانا بضحك مش عارف ليه؟!
مسح إسماعيل وجهه لا يصدق الجنون الذي تتفوه به عمته ليقول موجهًا حديثه لنور وشروق :
-معلش يا بنات اطلعوا انتوا
وهمَّا بالفعل بالخروج دون إعتراض ليسقطا كما كانا بسبب عصا توحيد التي دفعتهم بها للخلف ثم صاحت :
-محدش هيطلع مرات اخويا ومرات ابني من هنا، وشوفوا عثمان فين يشوف العروسة
صاح حمزة بجنون ينافس جنون هذه المرأة قائلًا :
-عروسة مين اللي يشوفها ده هو هيجي معايا بكرة علشان نخطب العروسة اللي بتقولي عليها دي ليا
-لأ يا اخويا مفيش منه الكلام ده، انا خلاص خطبت البنت أم عيون حلوة لعثمان وأم نضارة لأمير ابني... ولا انتوا عندكم إعتراض
ختمت حديثها تنظر إلى نور وشروق بتوجس فقررت نور مجاراتها حتى لا تضربهما بالعصا الذي بيدها إذ قالت بنبرة قلقة وبسمة متوترة :
-والله الدكتور عثمان بني آدم محترم بس فيه مشكلة صغننة كده إن هو أكبر مني، مش شايفة إن الموضوع فيه ظلم ليا؟؟
رق صوت توحيد لها إذ قالت محاولة إقناعها بالأمر :
-لأ يا حبيبتي مفيش ظلم ولا حاجة المفروض تتجوزي واحد أكبر منك علشان يفهمك ويحتوكي
وضع حمزة كلتا يديه في ذراعه هاتفًا بإعتراض ساخر :
-والله علشان تتجوز واحد يحتويها تتجوزه قد أبوها!؟
-بس لسه فيه صحة ويجي منه أطلع منها انت يا عبد التواب.... وانتي عندك إعتراض
رفعت عصاها في وجه شروق فأعادت الأخرى رأسها بسرعة للخلف حتى لا يصطدم في انفها وقد قررت مجاراتها هى أيضًا إذ قالت مبتسمة بمزاح :
-إعتراض واحد بس وهو إني مشوفتش العريس، هتجوز على الغيابي كده يرضيكِ؟
ابتسمت لها توحيد ابتسامة متسعة وقد هرولت نحو كريم لاكمة ذراعه عدة مرات بيدها وهى تقول :
-لأ انا هوريكي صورة، عبد المنعم هات صورة لأمير يلا علشان العروسة تشوفها
قلب يونس عينيه بضيق ولولا معرفته بجنون عمته لاعترض على هذه المهزلة التي تحدث، بينما صاح كريم بقوة مبعدًا يدها عن ذراعه :
-خلاص يا عمتي يخربيت الصحة دراعي اتخلع
أخرج هاتفه بسرعة وأتى بصورة لأمير ابن عمته ثم أعطاها الهاتف حتى تبتعد عنه ثم أعطت توحيد بدورها الهاتف لشروق لترى الصورة، فمالت نور عليها حتى ترى المدعو أمير هذا وبشكل لا إرادي قالت :
-حلو
-حلو؟!
نطق بها حمزة موجهًا لها نظرة حادة فتراجعت الأخرى دون التفوه بكلمة بينما أكملت شروق وهى تحدق في ملامح هذا الشاب الوسيم :
-آه والله حلو، عنده كام سنة بقى؟!
رمقها يونس بنظرة قوية رغم برود ملامحه ثم قال :
-شروق عمتي ومعلش في اللي جاي مجنونة بس بتصدق
نظرت له الأخرى بلامبالاة مصطنعة وقلبها يرفرف من الداخل عندما استشعر منه شعور غيرة لذا أكملت قائلة :
-أكدب يعني ما شاء الله ابنك حلو، بس برضو عنده كام سنة؟؟
وأجابتها توحيد بحماس :
-عنده سبعة وعشرين سنة وشغال مهندس مدني
رمقها أبناء اخوتها ببلاهة لتذكرها كل هذه الأشياء فقال يونس ضاربًا كف على الآخر :
-فاكرة اسم ابنها وسنُه وشغال ايه وفي الآخر تقولوا دي عندها زهايمر، يا جدعان عمتكم شكلها بتستهبل أقسم بالله
وقفت براءة أمام الباب منادية على شروق ونور عندما وجدتهما هنا :
-يلا يا بنات علشان دعاء خلصت لبس وهنروح دلوقتي علشان نلحقوا نرجعوا بدري
تحركت أنظار توحيد نحو براءة وقد اتسعت البسمة على وجهها من هذه الأذن إلى هذه الأذن ثم قالت :
-الله مين الحلوة الطويلة دي؟! انتي بنت مين يا سكرة؟
وهنا استقام يوسف من مكانه بسرعة وقد وقف أمام عمته حتى لا تخطبها لأحد هذه الثالثة :
-لأ عمتي لا دي محجوزة ليا وانا خطيبها والله حتى بصي في ايدها الدبلة
نظرت توحيد نحو انامل براءة التي لا تفهم ماذا يحدث ثم قالت لاوية شفتيها بتذمر وخيبة أمل كبيرة :
-خسارة كنت عايزة اخطبها لأخويا محمد قرب يخلص الجيش وطلب مني أدورله على عروسة
ولا تزال براءة لا تفهم ماذا يجري فقالت نور وهى تقف من مكانها عازمة الرحيل :
-طب يلا علشان نلحقوا فين دعاء وعائشة
استقامت شروق من مكانها ثم ربتت على كتف توحيد ببسمة متسعة لتغيظ يونس لا أكثر، حتى أنها رأت بطرف عينيه نظراته الحارقة الموجهة إليها فور أن قالت بلطف :
-سلام يا حماتي
تمسكت بها توحيد تسألها إلى أين ذاهبة :
-لا استنوا رايحين فين!؟
-رايحين نشتري هدوم جديدة علشان لما يجي الحلو ابنك يشوفني حلوة
سبها يونس سبة نابية في سره، يشعر بدمائه تفور منها تلك المستفزة ولكن لما تفعل هذا، ربما البارحة مدحت عاصم أمامه بشكل عفوي منها ولكن الآن لا يشعر بهذا خاصة وهو يلمحها تنظر له بالذات بعد جملتها الأخيرة
وما زاد الأمر سوءًا هو حديث عمته المتلهف وهى تقول لشروق قبل أن ترحل :
-ماشي يا روحي ابقى هاتي فستان أزرق أمير بيحب اللون الأزرق
-حاضر عيوني
نطقت بها بنبرة مختلطة بضحكة ناعمة منها ثم رحلت مع الفتيات فقال يوسف وهو يجذب عمته حتى تجلس قائلًا :
-تعالي يا عمتي فضحتينا وكنتي هتخلي حمزة يقطع شعره وهو قاعد تعالي
-طب اتصلي على أمير يشوف عروسته
حسنًا لن يجلس هو هكذا يحرقون في دمائه دون فعل شئ، يعترف أن شروق تعجبه وقبل حتى أن ترحل من الإسكندرية وهى تستحوذ جزء كبير من عقله لهذا تلك الخبيثة تلعب على أوتار أعصابه
استقام من مكانه وأجلس عمته رغمًا عنها ثم قال بنبرة هامسة وهو يضغط على كتفيها بدون عنف :
-عمتي حبيبتي اقعدي كده وانا هجيبلك دواء السكر علشان متهبطيش مننا واهدي كده وقولي هديت وسيبي أمير ياكل عيش حرام شباب الواد يروح
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍