تحميل رواية «في مدينة الاسكندرية» PDF
بقلم صابرين عامر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
1- إجازة في الصعيد بسم الله نبدأ من جديد والجزء التاني ألطف من الأول وفي نفس الوقت أحداثه مهمة جدًا ولا تخلو من الأفكار الهادفة بإذن الله موعدنا في رمضان كل جمعة فصل بعد صلاة التراويح لحد ما ندخل على العيد لو في العمر بقية، وبعدها هشوف مواعيد مناسبة تعليقات كتير بقى برأيكم في اللي جاي 💜 صلي على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜 &;كنت أغرد فتبتسم وتصمت&;.. اشتاق لها ولا أجد ولو صوتها فقط حتى اسمعه&;&; ثقيلة وثقلها أرهق قلبي&;. ترى أين ذات العيون العسلية التي خطفت لبي؟؟&; أغلق مفكرته الصغيرة التي تجمع ا...
في مدينة الإسكندرية الفصل الحادي وأربعون 41 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
توقف بسيارته أمام بناية عميّه ثم نظر في المرآة الأمامية إلى ابنتي خاله في الخلف قائلًا :
-حمد الله على السلامة وصلنا
هبطت شروق وعائشة من السيارة بينما عاد إسماعيل بنظره إلى حسن بجانبه ثم هتف متسائلًا :
-خالي انت هتبات عند ماما صح أوصلك هناك
وأجابه الآخر بنفي وهو يحدق في البناية من خلال النافذة حيث دلفا الفتاتان :
-لأ انا قضي شغلانة هنا وهرجع في القطر بالليل، قولي يا إسماعيل هو يوسف ولد عمك ده أخلاقه كويسة
عقد الآخر حاجبيه متعجبًا سؤاله عن يوسف بالتحديد فقال :
-يوسف؟! آه أخلاقه كويسة وهادي وعاقل في نفسه
-هو شغال معاك في المستشفى صح؟! عمل مشاكل قبل كده
نفى إسماعيل برأسه وزاد تعجبه لكثرة اسئلة حسن عن يوسف :
-لأ خالص يوسف أصلًا مش بتاع مشاكل وعنده ضمير في شغله، حتى كنت مرتاح لما براءة كانت تحت تدريبه هو، مش الدكتور التاني علشان مجدي بصراحة بتاع بنات
-طب هو عنده كام سنة؟!
-تسعة وعشرين
آماء حسن بهدوء وهو يقول تزامنًا مع فتحه لباب السيارة حتى يهبط :
-حلو الفرق مش كبير ومش صغير واتمنى يكون فعلًا بالعقل اللي يخليه يستحمل براءة
خرج من السيارة فقال إسماعيل بسرعة قبل أن يرحل :
-انت بتسأل عنه ليه يا خالي؟؟
-علشان متقدم لبراءة فكنت بطمن على البت ما هو مش علشان دكتور نرميها وخلاص
هبط قليلًا حتى ينظر إليه من خلال النافذة ثم أضاف :
-ومتقوليش خالي دي، انت أكبر مني بسبع سنين وأكتر
ضحك الآخر معيدًا تشغيل السيارة حتى يعود لزوجته وابنه فقد اشتاق لهما بعد غياب أربع أيام في الصعيد :
-الاحترام واجب برضو انت خالي مهما كان فرق السن
-والله انت اللي محترم بزيادة يا ابن اختي، إما حد في الكلاب اللي في البلد قالها قبل كده
أما في بهو البناية حيث دلفا شروق وعائشة وجدا رقية وكريم ويوسف يحاولون الفصل بين حمزة ويونس وعلى الأرجح كانت هناك مشاجرة حادة هنا نظرًا لبعض الكدمات الطفيفة على وجوههم
دفعت رقية يونس وحمزة حتى تمر فور أن رأت شروق وعائشة يقفان، من ثم هتفت متسائلة :
-انتوا جيتوا بالسرعة دي، مفاتش أسبوع حتى وانا قولت هتقعدوا أكتر من كده
وأجابتها عائشة وهى تحكم حقيبتها على كتفها :
-عندنا امتحانات للأسف وانا لو عليا مش عايزة اخطي بلدكم دي تاني، دي بلد منحوسة اقسم بالله
ختمت حديثها بنبرة خافتة بشدة فقالت رقية وهى تنظر إلى شروق الصامتة صمت مخيف :
-تخطيتي الصدمة ولا لسه
نفت الأخرى بلا ثم مرت من جانبها نحو المصعد دون إضافة كلمة، ولكنها توقفت أمام يونس ويوسف لا تدري من منهما يونس حتى تسأله عن ذلك السفاح لذا سألت ومن فيهما يونس سيجيب :
-قبضتوا على السفاح؟؟
هز يونس رأسه نافيًا وهو يعدل من ملابسه التي فسدت من التشابك مع حمزة وهذا بعد أن استفزه بالطبع :
-لأ هرب ولسه بندور عليه
بهت وجه الأخرى بخوف واضح من أن يصل إليها ذلك المجنون فهو هارب وبالطبع علم أنها الشاهدة التي رأته وسيصل إليها ويقتلها بعدها، وعندما رأى يونس خوفها هذا تنحنح محاولًا أن يجعل نبرته هادئة حتى لا يثير فزعها :
-مش هقولك متخافيش انتي لازم تخافي علشان هو هربان واحتمال يكون بيدور عليكي علشان يقتلك
صفعه حمزة على رأسه لإثارة فزع الفتاة أكثر صائحًا :
-يخربيت الطمأنينة اللي بتخرج من بوقك، افحمتني بيها
استقل المصعد تاركًا الجميع، حانقًا عليهم فلحق به كريم بينما قالت رقية محاولةً أن تصلح ما أفسده شقيقها الأرعن :
-لأ بصي متخافيش انتي بس خلي بالك كويس ومتركبيش تاكسي خليكي في المواصلات العامة ولو يوصلك يونس الكلية هيبقى أفضل منضمنش يقلب الاتوبيس أو المشروع اللي ممكن تركبيه أو يضربك بقناصة ده سفاح محترف بصراحة
رمقتها عائشة بذهول فهى لم تصلح الأمر بل أفسدته تمامًا، ويونس طالع شقيقته بحنق من اقتراح توصيلها إلى أي مكان، بينما صاح يوسف بأخويه بضيق شديد فهما لا يطمئناها بل يزيدان رعبها أكثر :
-كفاية هتموتوا البنت من الرعب
نظر إلى شروق الذي بدا الخوف عليها بالفعل قائلًا :
-انا مش عارف بصراحة ايه ممكن يحصل بس اللي مكتوبله حاجة هيشوفها انتي بس حاولي تتجنبي إنك ممكن تبقي في مكان لوحدك ومتركبيش تاكسي لوحدك ويستحسن تاخدي رقم يونس علشان لو حصل حاجة تتصلي به علطول
وكل هذا لم يعجب يونس بتاتًا فألا يكفيه ضغط القضية حتى يتحمل مهمة حماية الشاهدة، ولكن نظرًا لخوف شروق وصدمتها التي لم تتخطاها بعد لم يتحدث بل هز رأسه بموافقة مخرجًا هاتفه حتى يأخذ رقمها
اتصل عليها حتى تحفظ رقمه وهو ينظر إلى ملامحها الباهتة وعينيها المنتفخة فيبدو أنها بكت كثيرًا الفترة الماضية، فكر كثيرًا في أمر شروق وأنه كان يريدها عنادًا في عاصم، ولكن بعد التفكير في الأمر شعر أنه سيكون حقيرًا إن أخذها فقط لأجل العناد، فما ذنبها هى
توقف عن التفكير بها منذ ذهبت إلى الصعيد وقرر عدم التفكير بها مرة أخرى وعدم التصادم معها ولكن يبدو أن القدر يصر على إلقائها في طريقه فها هو مطلوب منه حمايتها لكونها شاهدة تحت التهديد، ولكنه سيحاول جاهدًا ألا يجعلها تمس جزءًا من قلبه فلا يريد أن يحبها ثم يأخذها أحدهم منه مرة أخرى
فضربة تؤلم وضربتين تكسر...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
دلف إلى الشقة وقد وجد الباب مواربًا وللعجب كانت نور بالداخل تجلس على الاريكة وعمه محفوظ وزوجته موجدان ووالدته تتحدث معها وكأنها اذنبت في شئ، طرق الباب ودلف ملقيًا التحية :
-السلام عليكم ايه التجمع ده؟؟
وبدلًا من أن يجد ردًا وجد النظرات المذهولة مصوبة نحوه ثم صدح صوت والدته قائلة :
-حمزة انت قصيت شعرك؟!
اغمض الآخر عينيه متحسرًا على خصلاته الغالية، ولم يلبث كثيرًا مغمض العينين إذ تحرك ووقف بجانب والده أي أمام نور الجالسة والتي رمقته لجزء من الثانية وأبعدت عينيها كما العادة :
-هى عملت ايه حاسس أنكم عاملين محاكمة ليها
رفع محفوظ منكبيه هاتفًا ببساطة :
-بصراحة مش شايف اني اللي عملته غلط آه فقدت اعصابها لما مدت ايدها عليهم بس معاها حق العيال دي مش متربية
ضمت ناهد ذراعيها إلى صدرها ولا ترى أن نور تصرفت بطريقة صائبة :
-ماشي العيال غلطوا بس هى كمعلمة مينفعش تنفعل عليهم كده، ده ضربت الولد بالقلم اتخبط في الحيطة كانت هتجيبله ارتجاج في المخ، ده انا خوفت منها
رفع كريم حاجبيه بإندهاش من فعلها يتوقع ان يغير حمزة رأيه بعد هذا الكلام :
-إرتجاج في المخ!! يخربيت الافترى؟!
رفعت نور رأسها له بسرعة ترمقه بنظرات نارية لهذا الحكم قبل أن يستمع إلى ما حدث كاملًا، نفس الحكم عليها من أهالي الطلاب المتنمرين، معلمة غليظة القلب، لا رحمة في قلبها، لا تمتلك أي ذرة إنسانية، كيف تفعل في طلاب صغار هكذا
لا تكره في حياتها أكثر من ظلمها والحكم دون الإستماع لذا انفجرت في كريم كما انفجرت في الأهالي صائحة :
-انت كنت موجود لما ضربتهم لأ، يبقى متقولش عليا مفترية علشان انا مش مفترية ولو كنت أطول أكسر راسهم كنت عملتها، عيال لا شافوا الأدب ولا التربية، أربعة بيتنمروا على واحد ويضربوه علشان يغششهم في الإمتحانات، الواد دخل الفصل يتحامى فيا خايف منهم حتى خايف يقول للمدير يضربوه وفي الآخر انا ابقى المفترية؟! أهاليهم جايين يقولوا عليا مينفعش أمثالي يتعاملوا مع أطفال في حين عيالهم مينفعش يتعاملوا معاملة بني آدمين دول كـ
كتمت أسماء فمها بسرعة قبل أن تسترسل في حديثها وقد طالع جميع الموجدين نور بذهول من انفجارها هذا، حتى أن صوتها المرتفع جذب حسن والفتيات الذين خرجوا من المصعد ليقف حسن أمام الباب متفاجئًا لوجود نور عندهم وقد توقع حدوث كارثة جديدة :
-نورهان هتعملي ايه عندك؟!
استدارت الأنظار نحوه لتقول أسماء وهى تبعد يدها عن وجه نور :
-جيت إسكندرية تاني ليه يا حسن؟!
-عندي حاجة هخلصها وهرجع تاني في قطر الساعة عشرة انا وبراءة
جذبت أسماء نور من فوق الاريكة قائلة :
-طب خد البت دي معاك انا مش عارفة البلاوي نازلة على راسهم ليه وراسها هى بالذات من ساعة ما عتبت إسكندرية والقطر اتقلب بيها
ولم تعترض نور بل صاحت موافقة اياها وهى تتجه نحو الخارج قائلة :
-طب والله معاك حق انا مش بتاعت غربة وامي قالتها وانا اللي عاندت، كان المفروض أرجع أول لما القطر اتقلب وكانت دي أول علامة بس هو البنى آدم غبي مش بيفهم العلامات اللي بتجيله
ولم يمنع حمزة نفسه من الانفجار ضاحكًا، منبهرًا بإنفجارها هذا، وأخيرًا وجد وجه غير الفتاة الهادئة الخجولة، لتأتي غادة وترى الفتاة التي وصفتها بالرهاب الإجتماعي فوالله يرى امرأة إن مسها احدًا فلا مانع لديها في أن تأكله حي
رمقته نور بشر من ضحكاته هذه ولأول مرة توجه حديثها له بهذه الطريقة أو ربما ثاني مرة، ولكن هذه المرة كانت أكثر حدة :
-انت بتضحك على ايـــه؟!
جذبها حسن للخارج فهى في حالة لا تسمح لها بالمناقشة مع أحد بينما ظل ينظر إليها حمزة دون أن يحيد بنظراته عنها وهناك بسمة متسعة على ثغره فمال عليه كريم قليلًا ثم قال هامسًا :
-انت متأكد يا ابني إنك عايز تتجوزها دي شكلها عصبية بجد وطبعها شديد زي ما بتقول رحمة
-هى كده دخلت دماغي أكتر والله يا كريم، انا حاسس اني بدأت اتعلق بيها رغم إنها مش مدياني فرصة اتكلم معاها
نطق بها الآخر بنفس الهمس لتأتي عينيه في عيون حسن والذي رمقه بغضب شديد غير مبرر بالنسبة إليه، بينما حسن كان غاضب من نظرات حمزة لابنة أخيه فهو لم يرفع عينيه عنها وهذا شئ غير مقبول البتة فمن هو لينظر إليها هكذا
دفع نورهان أمامه حتى تتحرك ثم قال بحدة طفيفة :
-روحي جهزي شنطتك وحاجتك علشان هترجعي البلد معايا
نكز حمزة والدته بخفة حتى تعترض إذ قال :
-ماما اتصرفي متخليهاش تمشي
زفرت الأخرى على مهل لا تدري ماذا أصاب ابنها فلم يكن ملهوفًا هكذا على خطيبته الأولى كما يفعل الآن :
-مينفعش نور تمشي دلوقتي دي فترة إمتحانات ثم السنة الدراسية لسه مخلصتش، يعني حتى لو سافرت في أجازة نص السنة لازم ترجع في الترم التاني دي واخدة نص المرحلة الإعدادية
هزت نور رأسها رافضة الأمر فلا تريد حقًا أن تجلس في هذه المدينة ولو ليومٍ واحد :
-لأ انا مش هستنى السنة تخلص اتصرفوا في مُدرس غيري، انا مش هقعد تاني علشان بصراحة كده تعبت من بلدكم دي، يا انا اللي نحس يا هى اللي نحس
رفعت كفها تعد على أصابعها وقد عاد ينظر إليها حمزة ببسمة متسعة رغم محاولة إبعاد عينيه عنها عندما رأى حسن يرمقه بحدة، ولكن هذه أول مرة يراها تتحدث وتخرج عن صمتها لذا لم يستطع أن يمنع عينيه من متابعتها بشغف :
-القطر اتقلب بيا، العربية عطلت في نص الطريق، توهت تلات مرات، كنت هتخطف، جالي حمى وبسببها قعدوا تدوروا عليا، واديني أهو عملت مشكلة جديدة من وجهة نظركم
رفعت عينيها لحمزة رامقة إياه بغضب ثم أضافت :
-والبني آدم ده ضربني وكسر طبق فوق راسي
علت ضحكات حمزة بقوة، ألاتزال تتذكر ذلك الموقف؟؟ في الواقع هو لم ينساه، فكيف ينسى أول موقف جمعه مع الفتاة التي سرقت عقله وتفكيره بخجلها وجمال عينيها العسلية
سحب حسن نور بعنف هذه المرة وتحرك للخارج وود لو يصيح بحمزة أن يرفع عينيه عنها ولكن هو بمنزلهم وهذه ليست أصول، تحدثت ناهد بسرعة قبل أن ترحل مع حسن :
-نور مترجعيش البلد خليني ارجع للمدير الأول، الطلاب فضلوا شهر من غير مدرس الترم الأول
-بس دي مش مشكلتي يا مس ناهد
نطقت بها نور بجدية فلا تريد حقًا أن تجلس في الإسكندرية، نادمة على أنها أتت فيكفي كم المصائب التي تعرضت لها، تنهدت ناهد وهى تنظر إلى ابنها بطرف عينيها ثم قالت :
-طب على الأقل خليكي لحد ما تخلص الإمتحانات ولوقتها هنشوف الإدارة ومُدرس تاني
آماءت بموافقة مستسلمة، فستنتهي الامتحانات بعد أسبوعين تقريبًا إذًا لا ضرر في تحملهم، تحركت نحو الشقة المقابلة حتى تفتح الباب وتركت عمتها تتحدث مع شروق وعائشة، دلفت إلى الداخل فقال حسن لها بصوت حاول جعله منخفضًا :
-نور متروحيش عندهم تاني الناس دول، ومختلطيش على كد ما تقدري بولادهم لحد ما تخلصي الإمتحانات دي انتي واختك وبنت عمك وترجعوا
عقدت الأخرى حاجبيها لا تفهم لما يقول هذا، أو ربما تفهم لكن تدعي الغباء فلم تغفل عن نظرات حمزة لها :
-ليه يا حسن دول ناس كويسة على فكرة واسأل عمتي عليهم
-انا مش قصدي حاجة وحشة عليهم بس ولدهم الكبير عينه عليكي وانتي هنا في غربة مش عايز حد يضايقك
تنفست نور بهدوء ثم قالت بجدية :
-متخافش عليا يا حسن انا لا عمري عملت حاجة غلط ولا هعمل علشان متربية وعارف الحلال من الحرام، ولا عمري كلمت ولادهم ولا أي راجل على وجه العموم ولا هسمح لنفسي اني أعمل كده علشان اللي ميدخلش البيت من بابه ميلزمنيش ولا يهز فيا شعره
ربت حسن على كتفها مبتسم الثغر، فخور بتربية اخوته لبناتهن :
-ربنا يكملك بعقلك يا نور
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
طرق الباب بخفة مستمعًا إلى صوت ابنه وهو ينادي على والدته بأنه سيفتح الباب، تبسم مستعدًا لرؤيته وقد أطل الآخر بعينيه الفاتحة التي لا تشبه عيون عيونه أو عيون غادة
صاح لؤي ابنه مناديًا على والدته التي تعد الغداء في المطبخ :
-ماما بابا رجع
عانق إسماعيل ابنه بقوة فلم يسبق وأن غاب عنهم من قبل، أتت غادة مندهشة من أنه أتى دون أن يخبرها ولكن تذكرت أنها أغلقت هاتفها هذا الصباح حتى الآن، يبدو أنه اتصل كثيرًا ولم يتلقى رد، ابتسمت له ابتسامة حانية مستعدة لتلقي عناق هى أيضًا بعد أن يبتعد لؤي عنه
ولم يخب إسماعيل ظنها ولم يفعل من قبل، إذ ضمها له بحنو شديد فأدمعت عينيها رغمًا عنها شاددة بذراعيها حوله، كم كانت تحتاج لهذا الدفء والحنان البارحة ولكنها لم تجد سوى البرودة الشديدة رغم تدثرها بالأغطية الثقيلة، والدموع التي بللت وسادتها واذبلت عينيها
شعر إسماعيل بها وأيقن أن زوجته بها شئ بدايةً من صوتها المبحوح أمس، كذبها أنها مريضة فقط، إغلاقها لهاتفها ولا تفعل هذا إلا حين تريد الانزواء على نفسها، وأخيرًا معانقتها له بقوة على غير العادة وكأنها تحتاج إليه ، هو لم يعاشرها يومًا أو اثنين بل عشر سنوات لذا يعلمها جيدًا
ابتسم لؤي جاذبًا طرف منامة والدته حتى تستمع له :
-ماما بابا رجع اهو كده هنروح عيد ميلاد خالو
اغمضت الأخرى عينيها مفكرة في كذبة أخرى فمن الصباح يريد أن يذهب إلى بيت جده من أجل عيد ميلاد حمزة كما أخبرته جدته البارحة حين أتت لها في ساعة متأخرة مع كريم لكي تطيب خاطرها، مصرة على أن تأتي وتنسى ما قاله والدها
ابتعدت عن إسماعيل قليلًا والذي قال متسائلًا :
-عيد ميلاد حمزة صح؟؟ انا فاكر انه اتولد في يناير؟!
آماء لؤي هاتفًا بحماس :
-ايوه بس ماما قالت إنك مش موجود علشان كده مش هنقدر نروح بس انت جيت أهو
نفت غادة هذا تزامنًا مع إغلاقها لباب الشقة :
-لأ يا لؤي بابا لسه جاي من السفر أكيد تعبان يبقى مش هنقدر نروح
ابتأست ملامح لؤي ناظرًا لوالده والذي قال مربتًا على رأسه يعلم مدى تعلق ابنه بخاليه ورحمة خاصةً :
-لأ هنروح متزعلش، نتغدى وبعدها نروح نشوف هدية حلوة لخالك اللي مش بيعجبه العجب ده وبعدها نروح عندهم
تنهدت غادة مقررة عدم الذهاب معهم وإدعاء المرض فهذا أفضل من أن تتقابل مع والده فهناك فجوة عميقة بينهما منذ كانت طفلة وهذه الفجوة من شدة اتساعها لم تعد هناك فرصة لإصلاحها
-انا هشوف الغداء
نطقت بها بهدوء منسحبة إلى المطبخ فلحق بها إسماعيل بعدما أخرج لابنه لوح شوكولاتة ابتاعه له، وعلى الأقل ينشغل به ويستطيع التحدث مع غادة عما يزعجها، اتجه إلى المطبخ ثم قال وهو يستند بكتفه على إطار المدخل :
-تليفونك كان مقفول ليه طول النهار؟؟
-مأخدتش بالي انه فصل شحن
همهم إسماعيل مقتربًا منها ثم وقف جانبها يراها تقطع السلطة، فقال :
-تعرفي أول مرة أغيب كده عن البيت وواضح إن فيه حاجات كتير حصلت في غيابي فـيلا ابدئي انا كلي آذان صاغية
ازدردت الأخرى لعابها بإرتباك لا تريد أن تزعجه فلتوه أتى من السفر وستكون امرأة عاشقة للحزن كما يطلق عليها باقي العائلة إن فتحت له سيل من الدموع والمشاكل بدلًا من عبارات الاشتياق
رفعت نفسها قليلًا وقبلت وجنته ثم قالت :
-سلامتك يا حبيبي مفيش حاجة حصلت، روح غير هدومك وانا هكون حطيت الغداء
برم الآخر شفتيه، محدقًا في عينيها الغامقة بعمق ثم قال :
-نتكلم الأول يا غادة حصل ايه خلاكي تعيطي طول الليل وأكتر من مرة عملتي كتم للصوت وانا بكلمك إمبارح كأنك مش عايزة تخليني اسمع
أدار جسدها لتصبح مقابلة له ثم قال متفحصًا حرارتها :
-انتي تعبانة!؟
آماءت له الأخرى وقد بدأت تهدد الدموع عينيها بأنها ستهطل دون سابق إنذار، رفع إسماعيل كفيه محاوطًا وجهها ليرى إن كانت حرارتها مرتفعة :
-تعبانة عندك ايه؟؟
وفقدت غادة التحكم في نفسها ملقية رأسها على صدره ثم اجهشت في البكاء، رفع إسماعيل كفه مربتًا على ظهرها بهدوء حتى تهدأ وبعد أن ابتعدت قليلًا دفعها بخفة نحو رخام المطبخ حتى تستند عليه ثم قال :
-انتي مش تعبانة يا غادة انتي حصل معاكي حاجة
هزت الأخرى رأسها محاولة إخفاض صوت بكائها حتى لا تجذب ابنها للصوت :
-اتخانقت انا وبابا
-انت وابوكي ولا انتي وحمزة؟؟
-الاتنين
نطقت بها بصوت خافت فقال إسماعيل بعدما أطلق تنهيدة يمهد نفسه لسماع ما حدث إذ قالت غادة :
-إمبارح حمزة قال إنه عايز يتجوز نور
-نور بنت خالي؟!
آماءت له الأخرى بصمت فقال إسماعيل رافعًا منكبيه بحيرة :
-طب ودي فيها ايـ
توقفت الكلمات على طرف لسانه بعدما استوعب ما قد يحدث بعدها، طالع زوجته بغضب مكتوم، محاولًا أن يجعل نفسه هادئًا :
-وطبعًا اعترضتي على الموضوع علشان نور صعيدية وانا عارف كلامك من الناحية دي عامل ازاي
تنفست الأخرى مسارعة في إصلاح موقفها أمامه :
-انت عارف إن لساني بيفلت مني بكلام كتير نصه غير مقبول بس انا والله اعتذرت على كل كلامي
-انتي قولتي ايه بالظبط
ذكرت له غادة كل ما حدث وما قالته وما قاله والدها والمشادة التي حدثت وختمت حديثه بدموع حارة لطخت وجهها ونبرة مختنقة من امرأة تشعر بالرفض طوال الوقت :
-انا كنت بس عايزة اقول رأيي بس دايمًا بنسى إن رأيي ملوش أهمية وغير مقبول وكلامي غير مقبول حتى هزاري محدش بيقبله
تنهد إسماعيل بقوة محدقًا بزوجته التي تشعر بالرفض من حديث والدها القاسي، هذه ليست أول مرة تحدث فقد سبق وفعلها من قبل منذ سنوات لذا علاقة غادة مع والدها غير مستقرة، بل هى غير مستقرة منذ أن كانت طفلة وهذا بسبب المعاملة التفضيلية التي تلقتها منه
جميع العائلة تعلم أن المفضل لدي عمه عثمان من أبنائه هو ابنه حمزة، وكحال جميع من يفضلون ابن على الآخر ينتج عن هذا فجوة بين "الابن أو الابنة" وبين "الأب أو الأم" وفي هذه الحالة نتج عن تفضيل عمه عثمان حمزة على غادة طوال الوقت أن أصبحت تغار منه وهذا شئ طبيعي
فطالما كان عمه يفضل حمزة على غادة في كل شئ المعنى الحرفي، يتذكر ورغم أنه كان طفل حينها إلىٰ أنه لا ينسى هذه الذكرى إذ في إحدى التجمعات العائلية ووقت توزيع الحلوة أخذ الجميع نصيبه واحتفظ عمه عثمان بحصته وأعطاها كلها لحمزة دون النظر لغادة
لا ينسى نظرة غادة لحمزة ووالدها ورغم أن في يدها حصتها لكنها سألت نفسها حمزة معه قطعة فلما أعطاه والدها قطعته وهى لا
ربما يظهر البعض أن الموقف عاديًا ولكن بالنسبة للأطفال هو ليس عادي وبعض المواقف تُحفر داخل ذكرياتهم ولا ينسوها، مثل هذه التصرفات تجعل الأخوة يغارون من بعضهم البعض وقد كانت تغار غادة بالفعل من حمزة
ولكن حين كبرت ونضجت شعرت أن أمور الغيرة هذه أمور أطفال وعليها أن تنساها ولم تعد تكن أي حقد أو غيرة ناحية أخيها وهذا يراه بعينيه
لكل شخص عيوب وعيب زوجته أنها تتحدث دون أن تجعل حديثها يمر على عقلها "دبش أو اللي في قلبها على لسانها" على المعنى البسيط، كم من مرة أتت بالمشاكل على رأسها من خلف لسانها والأسوء من هذا هو الرد من البقية عليها
لقد عانت ولا تزال تعاني من هذا العيب ففي بعض الأحيان لا يُتقبل رأيها أو مزاحها كما قالت وتشعر حينها بالرفض من الجميع، وكم كان قاسيًا حديث والدها معها فقد زادت عقدتها عليها وزاد من شعورها بأن الجميع لا يريدها وهذه ليست أول مرة يجعلها تشعر بهذا الشعور المقيت
أسوء شعور قد يشعر به المرء هو أنه غير مرغوب به أو بكلامه أو حتى وجوده، أغلب من يحيطون بغادة سواءً من العائلة أو زملائها على مدار سنواتها الدراسية يرون أنها تجر المشاكل أينما تكون ولسانها سليط بشدة وتجرح الناس بكلامها
يعلم زوجته جيدًا هى لا تحقد على أحد ولا تقصد أن تهين أحد أو تجرح مشاعره، والدليل على هذا أنها تعتذر كلما شعرت أنها قالت كلامًا سيئًا في حق أحدهم، هم فقط لا يعلموها مثله، لم يعاشروها مثله، لم يستمعوا لها مثله
هى ليست حقودة بل تشعر أنها غير مرغوب بها، هى لا تقول كلامًا جارحًا بل لا تستطيع أن تفرق بين الكلام الذي يجب قوله في الوقت المناسب، هى ليست عديمة المشاعر كما يصفوها طوال الوقت بل على النقيض، إن غادة حساسة بشدة تحتاج فقط لأحد يجعلها تشعر أنها مرغوب بها
ربما لم يحب غادة قبل الزواج ولم يكن يراها سوى ابنة عم له، وحتى عندما عرض عليه والده أن يتزوجها لم يعترض فـغادة امرأة بجمال عادي بشرة قمحية وأعين بنية غامقة تكاد تكون سوداء، تعليمها عالي فهى خريجة صيدلة أي تليق به لذا تزوجها ولم يرفض
هو رجل متفهم ويتميز بالتعقل والرزانة لذا يستطيع احتواء المشاكل التي تتسبب بها ويستطيع احتواءها، أحبها حب العِشرة عندما لمس الجانب الهش منها لذا يتقبلها في كل حالاتها
اقترب منها وعانقها عندما زادت وتيرة بكائها، طابعًا قبلة على فروة شعرها :
-خلاص يا غادة متبكيش انا جنبك وعارف انه مش قصدك وانتي اعتذري من حمزة وانا عارفه عصبي في بعض الأحيان بس بيسامح بسهولة أكيد مش زعلان منك
ربت على كتفها ولا تزال متمسكة بأحضانه :
-يلا نتغذى وبعدها نروح بيتكم
هزت الأخرى رأسها بعنف رافضة الأمر فتخاف أن تذهب وتتعرض لموقف آخر، وتقول شيئًا آخر يزعج أحدهم وينتهي الأمر بتوبيخ والدها لها بنفس تلك النبرة أمام الجميع مرة أخرى :
-لأ انا مش هروح ومش هطلع يا إسماعيل مش عايزة، انا خايفة منه
تنهد الآخر بقوة لا يريدها أن تعود لهذه النقطة فقد سبق وحدث نفس الأمر منذ سنوات حين كان كريم في المصحة، أرادت أن تمازحه ولكن خرج الأمر منها قاسيًا دون أن تحسب هذا ولأن كريم كانت نفسيته سيئة آنذاك الحين بكي مما قالته وقد شعر الجميع بالضيق منها حتى هو
صفعها حمزة يومها دون وعي منه فقد كان غاضبًا بشدة لجملتها التي وجهتها لكريم وهو في أسوء حالاته، أجل أخطأت لكن ما كان على حمزة أن يفعل هذا وحتى عمه عثمان اسمعها من الحديث ما جعلها تبكي أسبوعًا في المنزل رافضة الخروج منه
وحتى بعد أن انتهى الأمر واعتذر منها حمزة واعتذرت هى لكريم، لم يمر الأمر بل ظل عالقًا في ذهنها لذا ظلت شهرًا وأكثر لا تتحدث مع أحد، كلامها مختصر بشدة وكأنها تخاف أن تقول شيئًا فتحدث مشكلة من خلف رأسها
لا يريدها أن تعود هكذا فقد انفطر قلبه على زوجته وهى في أضعف حالاتها، لا يريد منها الانزواء فجميعنا نخطئ ولكن لا يعني هذا أن نعلق لبعضنا المشانق بل يجب أن نصلح من أنفسنا وهو يعلم أنها تحاول جاهدة للإصلاح من نفسها ولكن يأتي موقف يجعل كل شئ يُهدم فوق رأسها
رن جرس المنزل وقد فتحه لؤي، صائحًا بسعادة لرؤيته لخاليّه عندهم :
-بــابـا مــامــا خالو حمزة وخالو كريم
حمله حمزة ورفعه عاليًا في الهواء فتعالت صرخات لؤي المختلطة بالضحكات، بينما قال كريم وعلى شفتيه ابتسامة ضاحكة، محدقًا في عيون لؤي اللازوردية :
-انا لما اتجوز ومراتي تبقى حامل هخليها تبص في عيون لؤي طول فترة الحمل علشان تجيب بنوتة عيونها ملونة زيه
ضحك بخفة مقلدًا حمزة حين يتحدث بالفصحى في بعض الأوقات النادرة :
-زي ما بتقول انت بالفصحى سأجعلها تبدق فيه طويلًا
انمحت ابتسامة حمزة رامقًا أخاه ببسمة متشنجة ثم قال مرددًا كلمته العجيبة :
-تبدق؟!
-آه مش انتوا بتقولها كده في الكتب والروايات؟! انا فاكر قريت جملة بتقول وبدقت به طويلًا لدرجة اربكته ورفعت من تنورة تنفسه، مش عارف أمتى التنفس بقاله تنورة؟!
تمنى حمزة أن يموت قبل أن يسمع هذا التلوث السمعي، لذا صرخ به قبل أن يزيد الأمر سوءًا :
-أخرس خالص بدقت وتنورة؟! انت بتخترع لغة جديدة؟ هو علشان عيد ميلادي النهاردة عايزين تجلطوني
خرج إسماعيل من المطبخ وخلفه غادة ليقول إسماعيل مندهشًا من شكل حمزة الجديد كليًا :
-انت قصيت شعرك يا حمزة!؟
وصاح الآخر بتهكم يغلفه الحسرة :
-اسكت بقى متفكرنيش انا مش عايز ابص في المرايا علشان متحسرش على نفسي
اقترب كريم من إسماعيل ناظرًا إلى المطبخ الذي خرجا منه وإلى شقيقته الباكية ثم قال :
-انت كنت بتعملها ايه يا اسماعيل في المطبخ ومخرجها معيطة؟! كان بيضربك يا غادة؟؟
رفع إسماعيل حاجبيه مرددًا بإندهاش :
-وانا هسيب البيت كله واضربها في المطبخ ليه؟! كنت بحمي السيخ على النار واحطه في صرصور ودانها؟؟
اقترب حمزة من إسماعيل على الجهة الأخرى قائلًا بتهديد درامي :
-اعترف عملت لأختنا ايه، ميغركش إني كاتب رومانسي انا جوايا محامي خبيث يعني اجرجرك كده في المحاكم وادفعك اللي وراك اللي قدامك تعويض ليها، ده لو كان حيلتك حاجة أصلًا
ضحكت غادة في الخلف فعلم إسماعيل أنهما يمزحان لأجل اضحاكها بعدما رأوها باكية :
-انتوا بتحفلوا عليا اكمني طيب ومحترم يعني ومش هرد عليكم
تجاهل كريم ما قاله وقد جذبته رائحة يعلمها تمام العلم تأتي من المطبخ :
-ألحق يا حمزة غادة عاملة محشي!!
تبسم الآخر وهو يحيط كتف شقيقته الكبيرة والذي لم يعتبرها الكبرى في يوم من الأيام بل طالما عاملها كما يعامل رحمة :
-وهو فيه اشطر من غادة تعمل أكل، بس قولولي هو كان بيعمل ايه في المطبخ علشان لو كان بيضربك هيبقى في كلام تاني كده مش هيعجب إسماعيل نهائي
جلس إسماعيل على إحدى الارائك مبتسمًا بهدوء على محاولة حمزة اللطيفة في التخفيف عن شقيقته فبدايةً من مزاحهما معها علم أنهم أتوا من أجلها :
-صحيح قصيت ليه شعرك ايه الدافع الخارق اللي يخليك تتنازل أخيرًا وتقصه
برم الآخر شفتيه بحنق واضح، ساببًا يونس سبة لاذعة ثم قال :
-يونس الكلب قصه من غير ما اخد بالي إلهي يقتله السفاح وهو بيقبض عليه
تحدث كريم وهو يخرج من المطبخ وفي يده طبق محشي غير مبالي أنه من المفترض أن يتعامل كالضيوف هنا :
-وزاد الموضوع وكسروا محل الحلاق هما الاتنين ودخلنا الحجز إحنا الأربعة ومعانا يوسف الغلبان
ضحك إسماعيل مصدومًا من كم الأحداث التي حدثت في غيابه إذ قال :
-ده كله حصل في اليومين اللي غبتهم، حمزة اتقص شعره أخيرًا بعد أكتر من ١٢ سنة، يوسف اتقدم لبراءة، دخلتوا انتوا الأربعة الحجز لأول مرة في حياتكم، وحمزة عايز يتجوز نور
نظر إلى غادة ثم أضاف بنبرة مبهمة :
-وموضوع تاني كده
جلس حمزة على المقعد المقابل له هاتفًا بهدوء :
-وإحنا جايين نتكلم في الموضوع التاني ده، بس شكل غادة الفتانة قالتلك على اني عايز اتجوز نور
انقبضت ملامح غادة عندما رأته ينظر إليها، وقد سارعت في قولها حين طرأ لعقلها أن حمزة ظن أنها وشت بنور أمام إسماعيل :
-انا مقولتش حاجة وحشة عليها قولتله اللي حصل بس
جذب إسماعيل زوجته حتى تجلس إلى جانبه ثم ربت على كفها حتى تهدأ، بينما قال كريم تزامنًا مع جلوسه على ذراع الاريكة بجانب حمزة :
-غادة الموضوع خلص واحنا جايين ناخدك علشان تيجي معانا البيت نقضي السهرة بما إن حمزة كبر وبقي عنده تمانية وعشرين سنة
نفت غادة محاولةً عدم إظهار رفضها للأمر :
-لأ انا مش هاجي النهاردة تعبانة شوية
-مش هتيجي ده ايه بقولك عيد ميلاد الواد يعني هيبقى في حلويات
نطق بها كريم بذهول فقالت غادة ولا تزال على رأيها :
-بقولك تعبانة
-وايه يعني تعبانة بقولك حلويات ببلاش ده انا لو طريح الفراش وحد قالي تعالى كُل حلويات هجيله جري
-مش هروح يا كريم
-يا بنتي فكري هيبقى في تورتة، فيه إغراء أكتر من كده؟!
-لأ مش هروح
ترك كريم الطبق بعد أن انهاه هاتفًا بسخط :
-انتي فقرية ليه يا بنت انتي بقولك تورتة وحلويات وبلالين وسهرة حلوة، حد يقول لده لأ ويقعد في البيت في وش إسماعيل
نظر إلى إسماعيل معلقًا :
-لا مؤاخذة يا إسماعيل
وقف حمزة من مكانه عادلًا من كنزته الشتوية برقي ثم قال :
-اتكلمنا بالذوق ومنفعش نجرب بقى قلة الذوق
ابتسم إسماعيل مستعدًا لرؤية الجنون الذي سيقومون به إذ نادى كريم على لؤي قائلًا :
-لؤي يا حبيب خالو هات اي إسدال يقابلك من عند أمك
وقفت غادة لا تعلم على ماذا ينتويان إذ قالت :
-لأ انا مش هطلع جوزي لسه جاي من السفر وعايز يتغدى ويرتاح
جذب حمزة الاسدال من لؤي مبتسمًا لها بإتساع تزامنًا مع رفع كريم لكميه حتى يمسك بغادة قبل أن تهرب :
-كده كده إسماعيل جاي معانا
نظرت الأخرى لزوجها والذي قال بهدوء وهو يجذب لؤي معه خارج الشقة :
-هاتوها بس من غير ما تفرجوا علينا الجيران، انا هنزل اشغل العربية
صاحت غادة برفض وهى تركض بعيدًت عنهما فقال كريم وهو يضع كلتا يديه في خصره وقد حاصرها من جهة وحمزة من الجهة الأخرى :
-يلا يا غادة هتلبيسي الاسدال على بجامة ميكي دي وتنزلي معانا بكل هدوء ولا نجرب أسلوب الخطف وناخدك معانا زي شوال البطاطس، ليكي حرية الإختيار
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
هبط من البناية متعجبًا عدم وجودها فقد ظن أنها أتت إلى هنا، وهذا بعد أن أخبرته إحدى الممرضات بالمشفى أنها رحلت عصرًا رفقة شاب في الثلاثينات من عمره يدعي عادل حاتم الدخيلي وهو من دفع باقي الحساب
تنهد حائرًا ثم أخرج مفاتيح سيارته حتى يذهب إلى منزل آل الدخيلي يرى إن كانت هناك أم لا، هو يعترف أنه يفعل كل هذا لأن هاجر ليست كأي امرأة تعامل نعها في حياته، هذا إن كان يتعامل معهن من الأساس فجميع تعامله بناءً على عمله أي مع الرجال والإرهابين والسفاحين، ولكن هاجر رأى بها شئ مختلفة عن باقي النساء
لا يدري ما الإختلاف ولكنه يرى أنها تمتلك كثيرًا من صفات المرأة التي يريد، يبدو أنه سيحين الوقت ليتخلى عن لقب مطلق
هم بالصعود إلى السيارة ولكن جذب انتباهه مواء قطة تأتي نحوه، تذكرها في الحال من لونها البني هذا والذي يشبه القهوة، إنها قطة هاجر التي طالما ازعجته في فترة مراقبته للمنطقة، تسير نحوه بعرج بسيط ثم توقف أمامه تحدق به بأعين بنية فقد كانت هذه القطة من نوع نادر غالي الثمن أي ليست كأي قط بلدي
حملها بهدوء محدقًا بها بشفتين مذمومتين :
-هو انتي من النوع المازوخي؟! رميتك مرة من البلكونة وبرضو جاية عندي!!
تبسم ثغره ببسمة بسيطة ثم أضاف :
-ولا انتي عارفة اني رايح لصاحبتك علشان كده عايزة تيجي معايا
فتح الباب وجلس أمام المقود ثم وضعها على المقعد المجاور له مديرًا السيارة ثم قال :
-يلا نشوف صاحبتك فين ويارب متكونش ماتت ولا حصلها حاجة
وتزامنًا مع هذا الوقت في فيلا آل الدخيلي، هبطت هاجر من على الدرج من أجل موعد العشاء، ترتدي فستان منزلي شتوي من اللون السكري يعلوه حجاب أخضر اللون، وعلى كتفيها استقر شال مزركش لشعورها بالبرد
سارت في البهو نحو مائدة الطعام التي يجلس عليها عادل واختيه وزوج اخته ووالدته سعاد، أما شقيقته الثالثة متزوجة خارج البلاد وكاظم هارب كما المعروف، ابتسمت بسمة استفزت الجالسين وخاصةً سعاد التي رمقتها بإزدراء واضح قائلة :
-لابسة أبيض وحاتم مكملش شهرين ميت؟!
ردت لها هاجر جملتها هذه، مصيبة إياها بالكيد :
-يعني انتي اللي لابسة الأسود ما انتي لابسة أصفر أهو كأنك رايحة النادي، كبرتي على الألوان دي يا سعاد احترمي سنك ده اللي زيك مش بيقلعوا الأسود لحد ما يقابلوا المرحوم في الآخرة
جلست في مقدمة المائدة رغم أن هذا المقعد لم يجلس عليه أحد منذ أن توفي حاتم، وقد اعترضت سعاد على هذا إذ قالت صائحة :
-هو انتي هتقعدي هنا على أساس ايه فاكرة نفسك ست البيت!؟
رمشت الأخرى بأهدابها مدعية عدم الإنتباه :
-هو انتي لحقتي نسيتي يا سعاد إن ليا نص في البيت ده يعني حصتي أكتر من أي حد في الموجدين دول، واللي عنده كلام غير ده يقول، واللي مش عاجبه يقوم ياكل في مكان تاني مغصبتش حد ياكل معايا
اقتربت سعاد برأسها منها إذ كانت تجلس بجانبها مباشرةً، من ثم همست لها بكره :
-محدش طايقك في البيت ده يا هاجر ما تفارقي من سكات
وأجابتها الأخرى بهدوء شديد وهى تشير نحو عادل قائلة :
-لأ مين قال؟؟ عادل طايق وجودي عادي
رمقهما عادل ببرود ولم يعلق بينما استرسلت الأخرى وهى تشير إلى لمار :
-ولمار برضو طيوبة ومش معترضة على وجودي
ازدردت لمار لعابها بتوتر تستمع لباقي حديث هاجر إذ هتفت بنبرة متهكمة :
-ولو محدش طايقني فعادي ما انا برضو مش طايقاكم وساكتة
زفرت إحدى بنات حاتم صائحة بأخيها :
-انت هتسكت على ده يا عادل؟! دي بتهينا
ورفع الآخر منكبيه بعدم إهتمام قائلًا :
-هى بتطلع عليكم اللي عملتوه فيها، حقها
وصاحت سعاد بغضب به قائلة :
-حقها مين!؟ بنت الكلب دي ملهاش حق ثم احنا مشوفناش الوصية لحد دلوقتي ما ممكن تطلع كدابة
طرقت هاجر على المائدة بعنف صارخة بها ولأول مرة ترفع صوتها في هذا المنزل بشئ غير الصراخ متألمة :
-انا مش كدابة، جوز بنتك محامي العيلة هو اللي قال لعادل وعادل قالي، ثم أهو انتي اللي بنت كلب هو ابوكي أحسن من أبويا علشان تشتميه
وقفت سعاد منتفضة من مكانها ثم هدرت بها :
-ابوكي دي كان حتة بواب، انا ابويا كان وزير
ولم تهتز هاجر ولو بمقدار شعرة بل هتفت ببسمة مبهمة اعتلت وجهها المستدير وهى تنظر إلى سعاد بقوة :
-ابويا كان بواب بس شريف جابني من امي في الحلال مش زي ابوكي الوزير اللي لا مؤاخذة جابك من إحدى لياليه الحمراء
زادت البسمة على وجهها تبصر إصفرار وجه سعاد وصدمة باقي الموجدين فأستكملت :
-أصل انا حاتم مرة قالي انك بنت حرام وللأسف عرف ده بعد ما اتجوزك وخلف منك، وقالي لو كان عرف ده قبل جوازه منك مكنش قبل بواحدة زيك بنت زنا
رنت ضحكاتها في أرجاء المكان ترى أن جميع النظرات أصبحت موجهة لسعاد التي بدت وكأن أحدهم دلق عليها دلو ماء بارد :
-علشان كده عشرتك مع حاتم كانت هاينة عليكي أوي، اصل زي ما بيقولوا العشرة متهونش إلا على ولاد الحرام يا..... بنت الوزير
اهتاجت سعاد بشكل هستيري وكادت أن تهجم على هاجر فوقفت الأخرى بسرعة قبل أن تطولها يداها، ترى عادل وزوج كارما "ابنة حاتم" يحاولون أن يجعلوها تتوقف
دارت أعين هاجر في المكان وعلى شفتيها ابتسامة شامتة، تستمع لسبات سعاد المتداخلة، لتقع عينيها على آخر من توقعت وجوده هنا إذ أبصرت سفيان يقف في البهو وعلى الأرجح استمع لما قيل
خرجت بسرعة من غرفة الطعام وأغلقت الباب، غير مبالية بسعاد وصراخها، توقفت أمامه مباشرةً هاتفة بذهول :
-انت بتعمل ايه هنا؟ دخلت ازاي!؟
أشار الآخر إلى الحارس بجانبه والذي كاد أن يدلف ليخبرها أنه يود مقابلتها ولكنه توقف مستمعًا للمشاجرة الباردة التي نشأت بينهم على مسمع جميع من يعملون هنا
شعرت هاجر بقلق من وجوده هنا لذا سارت أمامه نحو الخارج قائلة :
-تعالى نتكلم في الجنينة مش هنا
وخرج سفيان خلفها ولا يزال مذهولًا مما قالته هاجر، ليس الكلام هو ما اذهله بل طريقتها فقد كانت تتحدث بجبروت لأول مرة يراه بها، توقفت هاجر في مكان بعيد في حديقة الفيلا بعيدًا عن الجميع فقال سفيان مندهشًا :
-ده ايه الجبروت اللي انا شوفته ده؟؟ وانا اللي كنت فاكرك قطة مغمضة يا لوزة لا ليكي في التور ولا الطحين
ابتسمت الأخرى ابتسامة ساخرة يشوبها الحزن ثم قالت وهى تنظر أرضًا :
-بيقولك خاف من قلبة المظلوم علشان ناره بتبقى هايجة لو ولعت مش بتطفي
رفعت رأسها له متسائلة عن سبب وجوده هنا :
-انت بتعمل ايه هنا؟؟
رفع الآخر منكبيه مجيبًا إياها ببساطة :
-جيت اطمن عليكي لما عرفت انك خرجتي من المستشفى، روحت الشقة اللي في سيدي بشر بس ملقتكيش هناك فجيت هنا ومعايا دي
ختم حديثه رافعًا القطة أمام عينيها ولتوها لاحظتها معه، اخذتها منه بسرعة تقبل فروها الناعم فهذه القطة هى هدية من حاتم وهى تحبها، ليس لكونها هدية منه بل لأنها تحب الهررة
ضحكت هاجر ضحكة بدون روح ثم قالت، ملاحظة مراقبة سفيان لها :
-خلاص يا سفيان متحسش بالذنب كتير انا مسامحة على الغلط اللي عملته، على الأقل لحقتني منهم، ده انا شوفت هناك ليلة هصنفها من أسوء الليالى اللي عدو عليا
ابتسم سفيان لها ولم يجب بل نظر لملامحها الهادئة أسفل قمر الليلة، ردت له هاجر الابتسامة بأخرى متعجبة من ابتسامته وتحديقه بها :
-أول مرة أشوفك مبتسم الابتسامة دي بصراحة، كل مرة شوفتك فيها كنت بتبقى مكشر أو بتبصلي بسخرية بس دي أول مرة تبقى هادي فيها ومبتسم
-الابتسامة دي مش بطلعها غير للحبايب
حمحمت هاجر بحرج وقد فهمت مقصده فقال سفيان مغيرًا الموضوع :
-انتي بتعملي ايه هنا مش الناس دول اذوكي
-هأذيهم زي ما اذوني
نطقت بها بحقد دفين لمع في عينيها فقال سفيان وقد شعر بالخوف عليها من هذه النظرة :
-نار الإنتقام بتحرق صاحبها يا هاجر
هزت الأخرى رأسها مبتسمة له بسمة مصطنعة خلفها أنثى محطمة تنوي إشعال حطامها كي تحرق به سعاد :
-متخافش عليا انا عارفة انا بعمل ايه ومهما كانت النتايج هعمل اللي في دماغي
-وانتي ايه بقى في دماغك؟؟
تنهدت هاجر مجيبة على سؤاله وهى تداعب فراء هرتها والأخرى تخرخر بسعادة :
-في دماغي حاجات كتير أهمهم اني هساعدك توصل لكاظم، انا عايزة سعاد تشوف ابنها بيتشنق قدامها
ضحك سفيان بسخرية ضاممًا ذراعيه أمام صدره ثم قال :
-وانتي هتعرفي تعملي ايه يا لوزة اذا كنا احنا أمن الدولة مش عارفين نوصله بقالنا خمس أيام أهو أيام
اتسعت بسمة مخيفة على ثغر هاجر جعلت سفيان يشعر أن من أمامه ليست بهاجر اللطيفة الباكية طوال الوقت التي يعلمها، فبدت له وكأنها تحولت :
-ما انتوا يا أمن الدولة مش هتبقوا قاعدين ليل نهار مع أهله وانا متأكدة ان حد فيهم هيحاول يوصله علشان يخرجه من المصيبة اللي هو فيها، وانا وقتها هبقى موجودة علشان أسلم كاظم لحبل المشنقة بنفسي، وأشوف قهرة سعاد على ابنها زي ما قهرتني على ولادي اللي مشوفتش ولا واحد فيهم
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الثاني وأربعون 42 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
صعدت سيارة الأجرة التي تحمل عدد أحد عشر راكب ولكن السائقين المصريين لا يعترفون بهذا العدد بل يحملون عليها أربعة عشر راكب واحيانًا يزداد العدد لستة عشر
جلست بجانب النافذة كما تفضل ثم ردت على الهاتف الذي كان يرن بإستمرار داخل جيبها، وعندما ابصرت رقم براءة قالت ببسمة متسعة :
-أهلًا بأول واحدة فينا سابت دايرة السنجلة وبقيت مرتبطة، أمتي الشبكة "الخطوبة" بقى علشان نشتري الفساتين الحلوة؟!
ضحكت براءة على الناحية الأخرى متدفقة إليها جميع ذكريات ليلة البارحة حين أتى يوسف وأسرته ليخطبها :
-كانوا عايزين يجيبوا الدهب قبل ما يسافروا بس انا قولت لأ وألف لأ أعمل شبكة واجيب فستان ونعملوا زيطة
-ايوه ميتى "أمتى" برضو؟؟
-بصراحة انا عايزة تبقى بعد التدريب بس بعيدة شوية دي، ده يوسف كان عايز الفرح يبقى بعد التدريب علطول يعني بعد تلات شهور
ضمت نور ضحكتها نظرًا لأنها محاطة بالناس ثم قالت :
-ايوه يا عم الواد واقع ومستعجل ومش قادر يستنى، ما توافقي بعد التدريب فيها ايه يعني معتقدش إنه هيجهز شقة ده معاهم عمارة كاملة جاهزة
-بابا قال نطولوا فترة الخطوبة علشان نعرفوه أكتر، هو انتي ماشية في الشارع جنبك صوت عالي؟؟
اعتدلت الأخرى في جلستها تغلق النافذة قليلًا بسبب الهواء شديد البرودة الذي يصدر منها ثم أجابت :
-رايحة لعمتك أسماء، عائشة وشروق مطولين في الكلية وانا لسه جاية من المدرسة ومش عايزة اقعد وحدي فعمتك اتصلت وقالتلي تعالي، احكي بقى حصل ايه عشية بالتفصيل الممل، لبستي ايه قولتوا ايه، أكيد كنتي مكسوفة صح؟؟
ابتسمت الأخرى وهى تقلب كوب النعناع الماكث أمامها :
-لبست الدريس النبيتي اللي اشتريته من إسكندرية، بصراحة حسيت إن بقابل واحد لسه أول مرة أشوفه مش واحد بتعامل معاه بقالي تسع شهور
-طب اتكلمتوا مع بعض وقعدوا الرؤية الشرعية دي؟
-لأ ما هو كده كده انا عرفاه وهو عارفني وأوضة العمليات تشهد، أصلًا قعدوا أغلب الوقت يتكلموا في معاد الفرح علشان زي ما قولتلك يوسف عايزه بعد التدريب وبابا عايز يطول الفترة أكتر، انا عايزة الشبكة بقى بعد التدريب بس الموضوع استقر إنه يبقى بعد ما أخوه يونس يخلص المهمة بتاعته علشان مش هيقدر ينزل معاهم الصعيد، ده مجاش معاهم أصلًا وفضل في إسكندرية
-بقولك ايه انت على كده تعرف تفرقي ما بين يوسف وأخوه؟!
نطقت بها نور بفضول لمعرفة إن كانت تستطيع فعلها وأجابتها الأخرى ضاحكة بشئٍ من البلاهة :
-لأ مش بعرف، ده لو كان جه هو وأخوه مكنتش هعرف مين فيهم العريس
-جاتك خيبة وهتفرقي إزاي بعد كده
-أكيد هيبقى فيه فرق بعدين لما اتعامل معاه أكتر، المهم
همهمت نور تنتظر ما ستقول فقالت براءة بحرج متوقعة سخرية الأخرى منها :
-قولي ليوسف انا مش هعرف أنزل إسكندرية غير بعد بكرة علشان بعيد عنك حاسة إن مرت عمك ادتني عين علشان هتجوز دكتور ونزل عليا دور برد ما يعلم به إلا ربنا، قوليله ياخذ إذن بقى
-وانا مالي مش هو بقى خطيبك ما تقوليله انتي
-ما انا بالصلاة على النبي كده مأخدتش رقمه وهو مخدش رقمي
ضحكت نور بسخرية وذهول على قولها هذا ثم أضافت :
-والله!! اومال قراية الفاتحة دي عملتوا فيها ايه؟!
-يا ولية ما قولتلك كانوا بيتكلموا ثم اتكسفت اطلب من بابا رقم أبوه علشان أقوله فـيلا يا حبيبتي يا نور انتي قوليله مع السلامة
ختمت حديثها وأغلقت الهاتف فحدقت به نور بحنق ثم قالت :
-بترموا كل حاجة عليا مش عارفة ايه العيلة الكسولة دي
مرت عدة دقائق قبل أن تطلب من السائق أن يتوقف حتى تنزل هنا، هبطت منها متجهة نحو البناية التي تقطن بها عمتها وقد وجدت لؤي ابن عمتها على باب المصعد ينتظر هبوطه، ابتسمت بهدوء ثم علقت :
-بتعمل ايه هنا مش امتحاناتك خلاص بعد خمس أيام؟؟
رفع الآخر أمامها كيس ممتلئ بالليمون ثم قال :
-انا أصغر بني آدم فوق فنزلوني اجيب لمون علشان الفسيخ
-فسيخ؟! انتوا عاملين فسيخ؟ طب ليه جايب الكمية دي ما كنتوا استلفتوا لمونة من أي حد وخلاص
وصل المصعد فصعدا به ثم أضافت نور :
-عامل ايه في المذاكرة شد حيلك دي تالتة إعدادي
زفر لؤي من هذه الكلمة التي يسمعها من الجميع، وكأنهم ينتظرون منه لحظة من اللهو حتى يذكروه بأن ينتبه لمذاكرته :
-خلاص يا جدعان خلاص بقى عرفت إن المفروض اذاكر ثم لو عايزني اذاكر عازمين ليه العيلة كلها النهاردة
انتبهت نور لجملته الأخيرة مرددة حديثه بذهول :
-انتوا عازمين عيلتكم النهاردة!!
-آه بابا قرر كده فجأة من نفسه يجيب فسيخ ورينجة ويعزم العائلة الكريمة على الغداء، مفيش مراعاة إن فيه طالب امتحاناته هتبدأ بعد خمس أيام
نطق بآخر جملة بتذمر شديد ونور تحدق أمامها بذهول، لما لم تخبرها عمتها أن لديها تجمع عائلي فوالله حينها لم تكن لتأتي، وهذا لأنها لا تريد أن تجلس كالغريبة بينهم وهم عائلة، لا تطيق هذا الشعور أبدًا
توقف المصعد وقد خرج منه لؤي لكنها لم تخرج فنظر الآخر خلفه هاتفًا بتعجب، ويده على الباب حتى لا ينغلق :
-ما تطلعي يا بنتي واقفة كده ليه
وأجابته الأخرى بحرج ترى كم الاحذية التي تظهر من باب الشقة المفتوح دليلًا على وجود الكثير والكثير من البشر بالداخل :
-لأ انا همشي واعمل نفسك مشوفتيش ومتقولش لعمتي
ضغطت على زر الطابق الأرضي حتى تنزل لكن جذبها لؤي قبل أن ينغلق المصعد ثم قال :
-تمشي فين ده ماما تزعل بجد، دي مرضيتش تقولك عندنا عزومة علشان عارفة إنك هتتكسفي ومش هترضي تيجي، وواضح كده إن كان معاها حق
وقبل أن تأخذ نور أي رد فعل وجدت نفسها على العتبة الداخلية للشقة ثم علىٰ صوت لؤي معلِمًا والدته بأن ابنة أخيها أتت، جاعلًا جميع العيون تتجه نحوها، ربي لما منذ أتت إلى هذه المدينة وهى لا تتعرض إلا للمواقف السيئة والمواقف المحرجة...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
خرجت من المدرج إلى الكافتيريا بعد اختبار جعل جميع الحضور يحدق في الورقة وكأنه يقرأ اللغة الهندية التي تكون عبارة عن رسومات ملتوية لا معنى لمن يفهمها، لحسن الحظ استطاعت أن تنجز اختبارها فقد سهرت الليل كله البارحة حتى تجمع المنهج حالها كحال جميع الطلاب
يتركون السنة بأكملها ثم يذاكرون المنهج بأكمله في الليلة التي تسبق صباح يوم الإمتحان
رنت على شروق ولكنها لم تجب عليها، ليس لديها أي اختبارات اليوم بل اختبارها يبدأ غدًا لكنها ذهبت لمكتب عميد كليتها حتى تطلب النقل من هنا، المسكينة لم تعد تتحمل الجلوس هنا وتذكر مشهد تلك الفتاة التي ذُبحت
وصلت إلى الكافتيريا واشترت بعض الشطائر حتى تسد جوعها، جلست على أحد المقاعد تأكل من الطعام بتلذذ وهى تنظر حولها، تشعر بتعقد شديد من هذه الكلية خاصةً بعد الليلة التي عاشتها هنا، وقد ذهبت للمعيد حتى تخبره بأنها تريد النقل وكانت إجابة الآخر :
-مينفعش تنقلي في نص السنة ثم انتي مغتربة هنا علشان مجموعك مجابش مجموع الكلية في محافظتك يعني حتى لو نقلتي من هنا مش هتعرفي تروحي هناك، ده نظام لازم مجموع الثانوية يتوافق مع الحد الأدنى للتنسيق
ذمت الأخرى شفتيها بضيق من هتفت بأعتراض :
-انا مقدرش اقعد هنا تاني بعد ما واحدة حبستني في المعمل وفضلت هنا لحد الفجر، اعتقد كمان حضرتك عرفت بتاع الأمن عمل فيا ايه
آماء الآخر بهدوء فقد شاهد الكاميرات بعد ذلك الحادث :
-عارف واتفصل من الشغل بس البنت اللي حبستك مش عارفين نوصل ليها، كل الكاميرات مش ظاهرة فيها كويس علشان الكاب فهى كده مجهولة بالنسبة لينا
تنهدت عائشة بغضب وضيق شديد فأضاف العميد مراعيًا حالتها :
-بصي يا عائشة انا اقدر انقلك بعد السنة الدراسية ما تخلص لمحافظة قريبة من محافظتك تقدر تقبلك لكن طالما محافظة أسيوط تنسقيها مش من مجموعك فمش هتقدرى تتنقلي هناك إلا بقى لو عندك واسطة
وقفت الأخرى من على المقعد هاتفة بقهر مكتوم بسبب حقها الذي ضاع هباءً ولم يتعرفوا على تلك الحقيرة التي سجنتها في المعمل :
-وانا لو عندي واسطة في جامعة أسيوط ايه اللي كان جابني هنا
وهكذا تستطيع أن تقول أن حقها قد ضاع، وحتى لم تستطع أن تثبت أن صفا هى من فعلتها فالقبعة أخفت وجه الفتاة، رن هاتفها والذي أصلحه ياسر لها بعد أن عادوا إلى الصعيد، تبسمت ببطء ترى أنه هو المتصل وعلى الأرجح يريد أن يطمئن ماذا فعلت مع العميد في أمر النقل والفتاة التي سجنتها في المعمل
كادت أن تجيب ولكنها تراجعت رغم أن ياسر الآن في حكم خطيبها ولكنها لا تستوعب هذا بعد، لقد تحدث معها حسن وحدثت والدها في الأمر وهو قد خيرها بين أن تقبل أو ترفض
بالطبع عرض عليها مميزات ياسر كما فعلت والدتها وهى ظلت ليلة كاملة تفكر في الأمر مَليًا، لن يقوموا بخطوبة الآن إحترامًا لمشاعر شقيقتها وأيضًا لأنها لا تزال صغيرة ولم تكمل العشرين بعد
كما أنها طلبت أن يتأجل الأمر لما بعد العشرين أي بعد أن تنهي جامعتها وقد وافق والدها على هذا رغم اعتراض عمها عبد الجواد بسبب طول المدة ولكن كانت هذه طلباتها ووافق عليها ياسر ولم يعترض
ونظرًا لموافقة الجميع على شروطها وافقت هى لتصبح الآن خطيبة ياسر ربما كان الأمر قراءة فاتحة فقط ولكنها الآن أمام جميع العائلة مخطوبة لابن عمها
لا تزال هذه الجملة تزعجها قليلًا فلم تكن تريد الانصياع خلف عادة الفتاة لابن عمها، ولكن حين فكرت في ياسر من ناحية أخرى غير أنه مجرد ابن عم لها، وجدت أنه شاب لا يرفض لذا لا ضير في الموافقة
ونور لم تعترض على الأمر بل هى لم تكن معترضة منذ البداية بل اكتشفت لاحقًا أن ياسر يتعامل مع نور كثيرًا كما كانت ترى وهذا ليس لأنه كان يحب شقيقتها بل لأنه كان يريد الوصول إليها هى نظرًا لأن والدها كان يمنعه من التعامل معها بأريحية المخطوبين، لذا نور كانت همزة الوصل بينها وبين ياسر وهى لم تكن تنتبه لهذا
صدح صوت هاتفها مرة أخرى باسمه لذا ردت هذه المرة بحرج شديد فكما قالت لا تستوعب بعد أنها أصبحت خطيبته :
-الو
-رنيت مرتين ومردتيش كنت فاكرك لسه في الامتحان
نطق بها بصوته الخشن رغم هدوء نبرته، أجابته الأخرى وهى ترفع الشطيرة حتى تقطم منها :
-لأ خلصت الإمتحان ولسه طالعة
ابتسم ياسر بإتساع يشعر بالسعادة لأنه يتحدث معها ووصل معها إلى هذه المرحلة بعد إنتظار عامين وقد ظن أنه سينتظر أكثر من هذا :
-حليتي صح ولا هتعرينا
-مين دي اللي تعركم انا جايبة ٩٠.٥٪ في الثانوية يعني اكتر واحدة جايبة مجموع في العيلة
ضحك الآخر وود لو يذكرها بأن إسماعيل طبيب ويعتبر من العائلة أيضًا ولكن لم يرد أن يجرحها فيعلم كم تعبت عائشة في الثانوية من أجل أن تحصل على موجوع عالي ولولا أنها تسرعت في إحدى الاختبارات أثناء نقل الإجابة لكانت أتت بمعدل أكبر من هذا وقبِلها الطب، وفي النهاية كلٌ يحصل على نصيبه :
-حبيبتي انا أشطر واحدة في العيلة، أشطر مني انا شخصيًا
خجلت عائشة من قوله حبيبتي حتى أنها اختنقت بغصة طعام وسعلت بقوة فقال ياسر على الناحية الأخرى، يكتم ضحكاته عليها :
-براحة على نفسك ده كله علشان قولتلك حبيبتي، ده فيه كلام كتير عايز اقوله بس أخاف اخد ذنوب انتي برضو لسه مش مراتي
احتقن وجه عائشة وقد أصبح اللون الأحمر ينتشر على بشرتها بسرعة تقول من بين سعالها المتقطع :
-احترم نفسك يا ياسر
ابتسم ياسر وكأنها تراه، محدقًا في سقف الغرفة غير منتبه لحسن الذي يتابع من على الباب والآخر لا يراه :
-بلاش الكلمة دي يا عائشة علشان انا كده اقسم بالله محترم نفسي
توقفت الأخرى عن السعال ملتقطة أنفاسها بصعوبة فقال ياسر وهو يعتدل ببطء بسبب جرح ظهره الذي بدأ في التعافي :
-كلمتي المعيد وعرفتي مين البنت اللي حبستك؟؟
-لأ راجعوا الكاميرات وكانت لابسة كاب ومظهرش وشها خالص
هتفت بها بعصبية شديدة فكانت تود أن تعلم من هى حتى تشفي غليلها منها فكم شعرت بالرعب في تلك الليلة بمفردها تكاد تقسم أن أحداث الليلة بتفاصيلها لا تزال في ذاكرتها
تحدث ياسر بهدوء بعدة كلمات تخفف من غضبها :
-متزعليش نفسك الحق مش بيروح يا عائشة وهيتردلها في يوم من الأيام حتى لو بعد خمسين سنة، ولما تتحط في نفس الموقف هتفتكر اللي عملتوا فيكي.... طب والحيوان اللي اتحرش بيكي ده غار فين
نطق بآخر جملة بغضب مكتوم فوالله لولا أن جرحه كان حديثًا أنذاك الوقت لكان حطم عظامه :
-لا ده قالي إنه اتفصل من الشغل وبالنسبة لموضوع النقل قالي مش هينفع غير بعد السنة ما تخلص وحتى لو اتنقلت مش هبقى في أسيوط علشان التنسيق فيها مقبلش من الأول فيا إما اتنقل لكلية تنسيقها في مجموع الثانوية قابلني يا إما اكمل في جامعة إسكندرية أو ألاقي واسطة تنقلني أسيوط
استمعت لتنهيدته على الناحية الأخرى وبعد عدة ثواني قال :
-أقدر اجيبلك واسطة
-منين يا ياسر معندناش حد قريبنا هناك
-صاحبي أخوه الكبير شغال في إدراة شؤون الطلبة كلية الصيدلة في جامعة أسيوط، اينعم مش هيعمل الخدمة دي ببلاش بس هيعملها
ابتسمت الأخرى بأمل في أن تذهب من هذه الكلية وهذه المدينة بأكملها ليقطع ياسر هذا الأمل إذ قال وهناك ابتسامة واسعة احتلت وجهه :
-بس لو الموضوع مشي تمام واتنقلتي أسيوط، أول ما تتمي العشرين هنتجوز
-لأ استنى عندك ده مكانش اتفاقنا انا قولت بعد ما اخلص الكلية
-عائشة انتي عايزاني استنى ست سنين؟؟
ارتفع إحدى حاجبي الأخرى بتشنج واضح ثم قالت :
-ليه ست سنين هو انا هعيد السنة مرتين؟!
وأجابها ياسر بصوت منخفض أظهر به بحته الرجولية العاشقة لها :
-لأ بس انا مستني بقالي سنتين وحطي عليهم أربعة كلية، كده كتير على قلبي يا عائشة
-والله وكتير على قلبي انا كمان استحمل كل يوم اسمعك بتتكلم في التلفون بالمحن ده
وأتى هذا الصوت من حسن بعدما رأى أن محادثتهما قد طالت، اعتدل ياسر بسرعة على الفراش متفاجئًا من وجود عمه هنا إذ قال :
-انتي واقف من امتى؟؟ وواقف ليه!؟
ابتسم له الأخرى بتهكم ثم قال مقلدًا نبرته :
-واقف من أول، فيه كلام كتير عايز اقوله بس أخاف اخد ذنوب انتي برضو لسه مش مراتي، كلام ايه اللي عايز تقول للبت يا ياسر؟؟ ده ابوها لو سمعك هينفخك وانا اللي كنت فاكرك عاقل اخس على الرجالة
جلس الآخر نصف جلسة ثم قال بجدية بعدما رأى أن عائشة أغلقت الخط :
-وينفخني ليه؟؟ انا دخلت البيت من بابه مش ماشي معاها في الحرام ثم انا عارف الحدود بين المخطوبين انا بس بنكشها
جلس حسن بجانبه على الفراش ضاربًا رأسه بخفة ثم قال :
-طب اتقل شوية البنات متحبش الواد المدلوق
وأجابه الآخر بأسلوب رزين وهادئ :
-وبرضو متحبش اللي ينشفها عليها حتى كلام مش فالح يقوله، وانا بين البِنِين لا بقولها كلام خارج ولا بختصر الكلام معاها في كلمتين عاملة ايه واخبارك ايه
ضحك حسن يهز رأسه يمينًا ويسارًا قائلًا :
-محدش بيعرف يغلبك في الكلام يا ياسر عندك رد لكل حاجة
اعتدل ياسر في جلسته بحيث أصبح في المقابل له من ثم قال :
-طب بقولك ايه ما تقنع انت وابويا عمي علي يجوزهالي مش لازم نستنى كتير يعني ما انا شقتي جاهزة بقالها أكتر من سنة
-طب وهو مش لازم يجهز بنته، ثم نورهان لسه حتى متخطبتش يا ياسر، حتى لو قالت انا مش معترضة على الموضوع واعملوا اللي عاجبكم هتبقى حاجة في نفسها برضو تقولها هو انا فيا حاجة وحشة علشان اختي الصغيرة تتجوز قبلي وانا لأ، حتى الحريم مش هترحمها وفي ضهرها هيقولوا الكبيرة بايرة والصغيرة اتجوزت
حك ياسر رقبته مقترحًا اقتراح آخر إذ قال :
-طب ماشي نستنى لحد ما نور تتخطب أو تتجوز وبعدها علطول اتجوز انا عائشة
وأعترض حسن على هذا الاقتراح أيضًا فلن ينفعه سوى الإنتظار :
-انت عايز تشنق الراجل هيجهز بنتين وراء بعض؟؟ هو قاعد على بنك!!
-يعني انا مش قدامي غير استنى يعني؟!
صاح بها بتذمر شديد وعدم رضا، أجل رضا بالأمر في البداية لكن الآن لا يسعه الإنتظار، وأجابه حسن ببساطة :
-أهو نصيبك كده وانت لسه على البر، يا تستناها يا تسيبها لحال سبيلها وتشوفلك انت واحدة غيرها
وهز ياسر رأسه بنفي متنهدًا بإستسلام :
-لأ هستناها يا حسن علشان انا عارف إن عيني مش هتراعي غيرها، طالما عرفت إن ليها قبول ناحيتي يبقى استناها
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ولجت إلى الداخل بخطىٰ بطيئة ملقية تحية السلام على الموجدين ثم اتجهت بخطوات واسعة نحو المطبخ، أو هربت لهناك مختفية عن الأنظار لعلمها أن عمتها ستكون هناك وللعجب وجدت حمزة هناك يواليها ظهره وقد سمعت آخر ما قال :
-طب انتي معزمتهاش ليه يا مرات عمي؟!
وأجابته أسماء متعجبة كثرة أسئلة حمزة عن نور منذ أن أتى :
-يا ابني تلاقيها جاية في الطريق، أهي جات وراك
ضمت نور سترتها الثقيلة ذات اللون الوردي الباهت تشعر بإحراجها يزداد أضعافًا عند مقابلة هذا الرجل، ابتسم لها حمزة ابتسامة واسعة جذابة يسمعها تقول بنبرتها الخافتة :
-مساء الخير
ورد عليها جميع مَن بالمطبخ بجملة "مساء النور" إلىٰ أن حمزة جوَّد من عنده مضيفًا بغزل :
-مساء الخير والخير حضر مع طلتك يا جميلة
نظرت له نور بأعين مذهولة غير مستوعبة، بينما نكزت غادة أخيها عندما رأت نظرات الصدمة التي اعتلت وجه والدتها وزوجتي عميها عبلة وأسماء التي قالت :
-ايه ده يا ناهد الواد بيعاكس البت كده عادي
جذبت ناهد نور من أمام حمزة وقد دفعت به هو لخارج المطبخ قائلة :
-اطلع برا يا حمزة انت ايه أصلًا اللي موقفك في المطبخ مع الستات
توقف حمزة أمام المطبخ ثم استدار هاتفًا بنفس البسمة المتسعة :
-طب ثواني هقول حاجة لغادة
نظر إلى نور والتي كانت تقف بجانب غادة ثم أضاف وقد اتسعت البسمة على وجهه أكثر وأكثر مع كل كلمة :
-الطقم ده حلو أوي عليكي يا غادة بحسك بتنوري المكان وانتي في اللون الأبيض
نظرت غادة إلى نفسها وقد كانت ترتدي فستانًا شتويًا من اللون الزيتي يعلو حجاب أفتح بعدة درجات، وبالطبع علم الجميع من المقصود من هذه الجملة فالوحيدة التي ترتدي الأبيض هى نور، وقد كانت ترتدي جيبًا أبيض وكنزة شتوية بيضاء تعلوها سترة من اللون الوردي الباهت وحجاب مزركش من اللونين الأبيض والوردي
ودت نور في هذه اللحظة أن تدفن نفسها من شدة الخجل ولكن قبلها ستصفع لؤي الذي ادخلها إلى الشقة عنوة، رحل حمزة وفور أن رحل هتفت نور بصوت مختنق من الحرج :
-عمتي انا همشي
تبسمت ناهد بتوتر محاولةً أن تصلح الموقف الذي سببه ابنها لا تدري لما أصابه الجنون فجأة :
-تمشي ليه؟؟ ده حمزة بيهزر، بيحب الشعر والغزل وبيحب يمدح اللي قدامه علطول حتى لو كوز درة
احطات الأخرى ذراعها بتوتر من وقع كلمات حمزة على قلبها، ذلك الحقير ألا يعلم أن قلب الفتيات يتعلق بالكلمات بسهولة، حتى إن كانت تحاول صد إغواءات الشيطان لها فهى بشر في النهاية وقلبها قلب فتاة ينبض للكلمة الجذابة :
-أنا أصلًا مش بحب الملوحة فهروح امشي علشان عائشة وشروق لما يرجعوا
همت بالتحرك خارج المطبخ ولكن جذبتها أسماء قائلة :
-انا اتصلت على شروق وعائشة وهما هيجوا دلوقتي هتروحي تقعدي هناك لوحدك؟! ومش بتحبي الملوحة والرينجة أنا عملت أكل تاني علشان فيه ناس مش بتحبها اقعدي كلي معاهم
خرجت غادة عندما وجدت أن نور لن تذهب فأخذت تبحث عن أخيها وقد وجدته يقف في الممر مستندًا على الجدار محدقًا في هاتفه، هبطت على رأسه بصفعة قوية صائحة :
-انت حمار يلاه
تأوه الآخر بصوت مرتفع رامقًا اياها بشر فأكملت الأخرى هجومها قائلة :
-انت بتعاكس البنت كده عادي؟!
رفع الآخر منكبيه لا يرى انه أخطأ في شئ إذ قال :
-هو انا قولتها حاجة خارجة؟! انا مش شايف إن كلامي فيه حاجة غلط
هزت الأخرى رأسها يمينًا ويسارًا بضيق لبساطة حديثه :
-حمزة إنك تكتب غزل في كتبك ورواياتك مش زي إنك تقوله لواحدة، بتحبها ومعجب بيها ماشي بس تأجل كل الكلام اللي عايزة تقوله ليها لحد ما تبقى مراتك أو على الأقل تتقدم ليها وتبقى خطيبتك قدام الناس
فكر حمزة قليلًا في حديثها هو لا يستطيع أن يمنع لسانه عن قول الكلمات أو يمنع عقله عن التفكير بها فهو كاتب ويخزن جميع الكلمات الغزلية التي قرأها أو ألفها لحبيبته، وحين يكون له حبيبه لا يستطيع أن ينطق بكلمة لها؟!
ذم شفتيه بتفكير ثم قال وكأنه يحادث نفسه :
-هكتب كل الكلام اللي عايز اقوله ليها في دفتر صغير لحد ما اتقدم ليها، وإن شاء الله هيبقى قريب بعد ما أرجع من معرض الكتاب من القاهرة
-حمزة
حمحمت غادة بقلق لا تعلم كيف تقول له هذا بدون أن يظن أنها تريد إفساد الزيجة، فوالله ليس في نيتها أي سوء بل اعترفت بخطأها مرتين، الأولى عندما قال حمزة أنه يريد الزواج من نور والثاني في يوم ميلاده عندما أجبروها على الذهاب
وعلى ذكر الأمر هى قد اعتذرت من والدها وقبلت رأسه فالصغير عليه الاعتذار دائمًا من الكبير وهو مرر الأمر، ربما والده عندها يغضب يقول كلامًا كثيرًا غير مدرك أن حديثه قد يجرح مَن أمامه، ولكنه طيب القلب ولم يرفض لها طلب في يوم، فقط إن طلبت هى منه
ربما لا يفعل هذا من تلقاء نفسه معها إلا عندما تطلب، ولكن في النهاية هو أفضل من غيره من الآباء ليس الأفضل ولكنه أفضل وهى لا تكرهه بل تحبه كثيرًا، فقط كانت تتمنى لو يدللها في يوم مثل حمزة ولكن لا يحصل جميع الأخوة على الدلال يجب أن يكون هناك من تلقى النصيب الأكبر في الحب والدلال
فرقع حمزة أصابعه أمامها ثم قال :
-سرحتي فيه ايه؟! قولتي حمزة وسكتي
-بص انا مش عايزة تتعلق اوي بنور علشان ممكن أهلها يرفضوا
ضم الآخر ذراعيه أمام صدره لا يرى أن به عيب أو نقص حتى يُرفض :
-وليه بقى يرفضوا؟؟ انا عندي وظيفة ودخل كمان وشقتي جاهزة وفي واحدة من أحسن الأماكن في إسكندرية
-ما هو ده السبب
نطقت بها غادة قاطعة حديثه ثم أضافت مجيبة على الأسئلة التي وضحت في عيني شقيقها :
-انا وماما فتحنا الموضوع مع مرات عمك بس قالت إن ممكن ابوها وأمها ميوافقوش علشان إحنا هنا في إسكندرية وهى من الصعيد، على حسب اللي فهمته إن والدتها رافضة تجوز بناتها بعيد عنها، يعني مش هيوافقوا على حد في خارج حدود بلدهم
هز الآخر رأسه برفض لا يرى أن هذا سبب كافي لرفضه :
-بس مرات عمك من الصعيد وتبقى عمتها واتجوزت هنا، ويوسف اتقدم لبراءة وابوها وأمها وافقوا، يعني نفس الظروف ومحدش اعترض
-بس براءة ونور مش اخوات يا حمزة
وأطلق حمزة تنهيدة قوية وعينيه لاحظت طيف نور التي مرت من أمام الممر مرورًا إلى البهو، لم يشعر بهذا الانجذاب نحو فتاة كما شعر هو بإتجاه نور، حياءها وصمتها جذب لبه لها كما تنجذب الفراشة للنيران، وإن كان حبها سيكون كالنيران له إذًا فليكن، فلم يعتد أن يحب شئ بشدة ويتخلى بسهولة :
-علشان مندمش بعدين وأقول ياريتي اتقدمت ليها يمكن كانوا وافقوا، انا هتقدم ليها وزي ما تيجي تيجي
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ربما يجلسون معًا الآن كعائلة وهذا يكون واضح لمن لا يعرفهم، ولكن بالنسبة إليهم هم أبعد ما يكون عن العائلة فكلٌ لا يفكر إلا في ذاته حتى هى الآن تفكر في نفسها بينما تنظر إلى جميع الأوجه
وجه سعاد التي تدعي القوة، رافعة رأسها بشموخ وكأنها ستمتلك هذه الشركة بأكملها، مسكينة لا تعلم ما الذي ينتظرها الآن
وجوه بناتها الثلاث فقد عادت ابنتها الثالثة من الخارج هى وزوجها بعد أن طلب منها المحامي العودة إلى مصر من أجل إعلان الميراث وفقًا للوصية التي تركها حاتم قبل موته بيوم وكأنه كان يعلم أنه مسموم وسيموت
وجوه الثلاثة هى نفسها، النفاق يظهر بوضوح، يدعين الأسى على والدهن بينما في الحقيقة ينتظرن بفارغ الصبر إعلان الورث ولا يختلف شكل أزواجهن عنهن كثيرًا
ربما الصغرى بهن "لمار" والتي لا تزال عازبة هى الوحيدة التي كانت ملامحها تنبئ عما بداخلها، يظهر الخوف عليها من القادم والحزن لذكرى رحيل والدها، فكانت أقرب واحدة في العائلة لحاتم هى ابنته الصغيرة لمار
والآن وجه عادل والذي يظهر البرود واضحًا على ملامحه، وعينيه الزرقاء تخفي ما خلفها، هو بارع في التحكم في الذات وعدم إظهار مشاعره للآخرين فحتى في جنازة حاتم لم يظهر عليه أي ملامح لدرجة أنها شكت لثانية أن يكون عادل هو من قتل والده ولكن استبعدت هذا لاحقًا
انتصب الجميع في جلسته عندما دلف "عبد الرحمن" زوج كارما كبرى بنات حاتم، وهو أيضًا المحامي الخاص بجميع أعمال حاتم ويمكننا أن نقول أنه ذراعه اليسرى لأن اليمنى كانت عادل بالطبع
هذا الشاب ذو الملامح الجذابة الهادئة ولكنه عقرب خبيث بذكاء قوي، كان يعمل كموظف صغير في الشؤون القانونية في شركة حاتم ولكنه لعب على كارما ابنته من أجل أن يصل إلى المكانة التي هو بها الآن، مستغلًا ذكائه وملامحه الوسيمة وكلامه الراقي، جاذبًا كارما له كما النحلة للزهور الجميلة
جلس عبد الرحمن على المقعد الأمامي لطاولة الاجتماعات في الشركة الأم لحاتم الدخيلي فلديه أفرع كثيرة منها خارج البلاد، وضع أمامه عدة أوراق تعتليها ورقة كُتبت بخط اليد وهى وصية حاتم وقد كتبها في حضوره وطلب منه ألا تُفتح إلا في وجود جميع عائلته بعد مرور شهرين على وفاته
ارتدى نظارته الطبية ثم حمحم منظفًا حلقه، مستعدًا لسرد الوصية أمامهم :
-أولًا بما إن كاظم مطالب من الشرطة وده لأنه قاتل وكونه مش موجود فإحنا هنبدأ سرد الوصية ولو أتقبض عليه فأكيد هيتحكم عليه بالإعدام وفي الحالة دي نصيبه هيتوزع على باقي الورثة بالتساوي، حد عنده إعتراض على كلامي ده
وفي الواقع لو كان كاظم موجود الآن لأعترض ولكنه غير ولا أحد يطيقه في العائلة بسبب طريقته مع الجميع لذا لم يعترض أحد، رفع عبد الرحمن الوصية أمام عينيه ثم استرسل ساردًا ما كتبه حاتم بيده وهو على فراش الموت :
"انا كتبت وصيتي دي وانا عارف اني هموت قريب، إمبارح حسيت إني مش كويس ولما روحت المستشفى وحللت عرفت إن فيه سم في جسمي بقاله أكتر من ٢٤ ساعة وهموت خلال ساعات والسم ده ملوش أي علاج، واضح إن اللي سمني متأكد إني هودع وأموت حتى لو عرفت إن في جسمي سم، انا مش عارف مين اللي سمني بس متأكد إنه هيتكشف في يوم من الأيام سواءً كنتي انتي يا سعاد أو حد من عيالك أو حد من برا العيلة "
همهمت سعاد بتهكم شديد قائلة :
-حتى وانت ميت ظالم يا حاتم
اكمل عبد الرحمن الوصية إذ قال :
"قبل ما أقسم الورث هقول كلمة لعيالي أنا فضلت أجمع الفلوس حياتي كلها لدرجة إن اهملتكم ومكنتش بعرف عنكم حاجة وسيبتكم لسعاد اللي نفسها اهملتكم ومهتمتش بحد غير نفسها وأنا كنت بجمع الفلوس وازيد فيها علشانكم وعلشاني وفي الآخر اديني أهو هموت ومش هاخد منهم حاجة، في اللحظة دي قد ايه عرفت إن الدنيا فانية ياريتي كنت عملت حاجة تشفعلي في الآخرة بس انا اتلهيت فيها زي ناس كتير، اتمنى متبقوش زيي والدنيا متضحكش عليكم زي ما عملت معايا، واتمنى برضو تسامحوني لو قصرت في حقكم يا أولادي، كارما، غدير، لمار، عادل، كاظم سامحوني كلكم وافتكروا ليا حاجة كويسة عملتها ليكم، بلاش تفتكروا الوحش بس "
وفي هذه اللحظة اجهشت لمار في البكاء الشديد حتى باقي الفتيات التمعت الدموع في عيونهن، كم بدا كلامه صادقًا بالفعل ومس قلوبهن، صاحت سعاد بهن حتى يتوقفن عن هذا البكاء بينما أكمل عبد الرحمن سرد الوصية :
" كاظم وعادل عارف اني ظلمتكم وجيت عليكم، انت يا كاظم اخترت غلط يا ابني فاكر إني اشتريت البنت اللي انت حبيتها وبعدتها عنك بس هى متستاهلش، مرآة حبك عمياء حبيت واحدة لا من دينك ولا بلدك ولا من مستواك، اتمنى تتعالج من اللي انت فيه واللي انا وانت عارفينه، وكمان تتعالج من الجنان اللي جالك ده وتسيب البنت فريال في حالها هى مش البنت اللي حبيتها ومش علشان شبهها هتعوضها بيها كفاية أذى لنفسك بقى وللحواليك، حاولت كتير ارجعك واجبرك على الرجوع حتى حبستك في مصحة نفسية وفي المقابل بقيت انا أكتر شخص انت بتكرهه، صدقني عملت ده كله علشان اعالجك بس انت اللي رافض العلاج ولو فضلت معاند كده هتموت يا ابني"
-عدي الجزئية دي، أصلًا كاظم مش موجود علشان يسمعها
نطق بها عادل وهو على نفس وتيرة بروده فأكمل عبد الرحمن الوصية :
" وانت يا عادل سامحني على اللي عملته فيك، والله يا ابني ما كنت أعرف إنك بتحبها وعايزها علشان لو كنت أعرف مكنتش هوجعك وأعمل اللي انا عملته "
حدق الجميع بعادل الصامت والذي كان ما بداخله يعصف بشدة، يعلم على ما يعتذر والده، هو يعتذر لأنه تزوج الفتاة التي أحبها بشدة وأراد أن يتزوجها هو، قد واجهه بهذا في يوم من الأيام حين انفجر به أنه حرمه من هاجر وتزوجها هو لتصبح محرمة عليه
وكُتب عليه أن يقضي المتبقي من حياته يتلظى وهو يراها أمامه ولكن ممنوع عليه حتى النظر لها لأنها أصبحت زوجته أبيه ومن محارمه، أكمل عبد الرحمن الوصية فقال :
"سعاد صدقيني مطقتش حد في حياتي قدك، انتي كنتي كل يوم بتتفنني إزاي تخليني اكرهك أكتر وأكتر، يمكن انتي شايفة ان انا ظلمتك يوم ما اتجوزت عليكي بس ده من عمايلك معايا وعمرك ما اعترفتي في يوم إنك غلطانة، أما أنتي يا هاجر فحقك عليا ظلمتك كتير معايا واتعذبتي كتير وسكتي أكتر، انا يمكن منفذتش وصية أبوكي صح بس حاولت والله، عقلي هيأ ليا إن لو اتجوزتك هحميكي بس انا كنت غلطان، انا ظلمتك وضيعت سنين من عمرك لما اتجوزتك، اتجوزي يا هاجر وخلفي وعيشي حياتك بس اختاري الشخص اللي هتكملي معاه حياتك صح، يمكن الكلمات متشفعش بس انا بجد آسف واتمنى انتي كمان تفتكري ليا حاجة كويسة انا عملتها ليكي "
تمتمت هاجر بكلمة" الله يرحمه "فلم يعد يجوز عليه سوى الرحمة الآن، تسامحه على ما فعل لها فهذا قدر في النهاية ونحن البشر لا نملك في أيدينا سوى أن نمتثل للقدر ونحمد الله عليه
استرسل عبد الرحمن في سرد الوصية إذ قال ما ينتظره الجميع وما هم موجودون هنا من أجله :
"علشان كده هحاول أعوضك باللي في ايديا وهكتب ليكي نص الأملاك في الشركات والأراضي والمطاعم والعمارات والفيلا، انتي ليكي النص في كل حاجة"
حل الذهول على جميع الموجودين من بنات حاتم وازواجهم وحتى سعاد نفسها انتفضت صارخة :
-ازاي ليها النص ده مش معقول هو اتجنن على كبر؟! يكتب النص وهى ملهاش غير التُمن!؟
ابتسمت هاجر بقوة مستعدة لما سيقوله عبد الرحمن إذ أكمل الوصية دون إهتمام لما تقوله سعاد :
"والنص التاني يتقسم بالتساوي على ولادي هما الخمسة، وانتي يا سعاد ملكيش أي حاجة حق المر اللي شربته طول حياتي معاكي، دي وصيتي وانا في كامل قواي العقلية وهتنفذ سواءً وافقتوا أو لأ، وعبد الرحمن وباقي المحاميين هيكتبوا الميراث زي ما قولت في الشهر العقاري "
اتسعت أعين سعاد بصدمة وقد شعرت أن نبضات قلبها تباطأت وشحب وجهها بشدة، وقد تهاوى جسدها على المقعد وكأنها فقدت القدرة على التحكم في قدميها من فعل الصدمة عليها :
-ازاي؟! أكيد فيه حاجة غلط؟ طلعني كده من الورث ولا كأني حياتي كلها ضاعت معاه، ده انا أم ولاده!! واللي مخلفتش عطاها النص؟؟
سحبت كارما الوصية تقرأ آخر الأسطر بها، وقد كان هذا الخط خط والده بالفعل وهذه إمضته إذًا الوصية ليست زائفة :
-ده خط بابا ودي الإمضاء فعلًا يعني مش مزيفة ولا حاجة
سحبت هاجر الوصية من بين اناملها تحدق في سعاد ببسمة متسعة شامتة، تدفع عمرها كله من أجل هذه اللحظة، نظرت إلى الوصية وقد رفعت إحدى حاجبيها بإنبهار، عجبًا لقد قلد عبد الرحمن خط حاتم بشكل متقن فحتى ابنته لم تعرف أن هذا ليس خط والدها، يستحق الأموال التي أعطته له مقابل رؤية هذه النظرات على وجه سعاد
لا تزال تتذكر ما حدث البارحة في وقت الظهيرة فوق كبري ستانلي إذ كانت تجلس في سيارة الأجرة رقم خمسة التي تصعد بها حتى تشتت أي أحد يتتبعها من رجال سعاد أو أي حد غيرهم، أبصرت عبد الرحمن يعبر الطريق بعد أن أبتاع بعض الحلوي لأبنته كما هو معتاد كل يوم ليفاجئها بها حين عودته إلى المنزل
هم أن يصعد إلى سيارته ولكن وجد من يسحبه بعنف منها ثم ألقى به داخل سيارة الأجرة التي تجلس بها، من عنصر المفاجأة لم يستطع عبد الرحمن أن يدرك ماذا يحدث، وقد اندهش لوجود هاجر داخل السيارة فنظر إليها مذهولًا دون أن ينبس بكلمة
ابتسمت الأخرى له بهدوء قائلة :
-آسفة على الطريقة الهمجية دي يا عبد الرحمن بس محتاجة منك خدمة ومكنش ينفع أقابلك في الشركة أو في بيتك علشان محدش يعرف الحوار اللي هيدور بينا ده
اعتدل الآخر في جلسته وقد بدأ أن يتدارك الأمر رغم اندهاشه لشخصية هاجر الجديدة، فما كان أبدًا أن يتوقع أن مثل هذه الأمور تخرج من كائن لطيف مثلها، لكن يبدو أن هاجر ستبهر الجميع بشخصيتها الجديدة المخيفة هذه :
-خير بقى ايه الحوار اللي خطفاني في نص الكبري علشانه
اجابته هاجر وهى لا تزال على نفس هدوءها :
-عادل قالي إن انت هتعرض الوصية بكرة وإن الوصية معاك دلوقتي وانت كنت موجود مع حاتم لما كتبها، وكمان قولتله إن ليا النص في الأملاك كلها، الموضوع ده بجد؟!
-آه انتي ليكي النص في كل حاجة فعلًا، حاتم باشا الله يرحمه كتب كده في الوصية
-طب وسعاد ليها إيه؟؟
هتفت بها متوجسة فأجابها الآخر ببساطة :
-رغم ان مينفعش أقولك على نَص الوصية بس بما إن بكرة هتتعرض فعادي هقولك، حماتي ليها التُمن والباقي هيتوزع على باقي العيلة البنات والأولاد
-لأ سعاد ملهاش حاجة، النص ليا والنص التاني لأولاده
ورغم فهمه لنبرتها الغامضة هذه إلىٰ أنه ادعى عدم الفهم لذا قال :
-افندم؟!
ابتسمت الأخرى بسمة بدت له مخيفة رغم هدوءها، وقد لمع الخبث في عينيها البنيتين :
-عبد الرحمن المحاميين دول أذكى الناس وانا عارفة إنك فاهمني
-انتي عايزاني أغير الوصية؟؟
-آه
نطقت بها ببرود شديد زاد من تعجبه منها إذ قال :
-دي ليها التُمن وانتي ليكي النص يعني مفيش مقارنة، ليه عايزة تعملي كده؟ علشان تقهريها مثلًا؟؟
-بالظبط كده، سعاد بتعشق شكلها قدام الناس والفلوس وبعدين عيالها وانا هدق تاني مسمار في بنعشها بعد ما فضحتها قدام عيالها، ولما احرمها من الورث واخليها تحس إنها قضيت أكتر من نص عمرها مع حاتم ومأخدتش منه ولا حاجة في الآخر
لأول مرة له يرى هاجر اللطيفة، القشة التي تُكسر بسهولة بمثل هذا الشر، حتمًا الظلم والظروف يغير أنقى البشر إلى ألعنهم وأقساهم :
-وانا ايه يجبرني أعمل كده وليه اعمله أصلًا؟!
همهمت الأخرى تدعي التفكير ثم قالت :
-علشان انا عارفة إنك مش محامي نزيه وعنده ضمير، ده انت متجوز كارما علشان ترفع نفسك لفوق ولولا جوازك منها كنت هتبقى لسه تحت في الشؤون القانونية
ضحك الآخر بسخرية ثم قال :
-طب كويس إنك عارفة إن مش من صفوة المجتمع أوي وإن مصلحتي أهم بس عايزة أقولك حاجة انتي لو اشترتيني بالفلوس غيرك هيدفع أكتر وممكن أبيعك
-اتنين مليون ومش جنيه لأ دولار، يعني شوف بالمصري يساوي كام بسعر الدولار النهاردة، مين معاه سيولة أكتر من كده يدفع ليك، سعاد نفسها مش معاها ولو حتى معاها مستحيل تفرط فيه ليك، ها قولت ايه؟؟
اعتدل الآخر في جلسته متسع العينين لا يصدق أنها ستدفع هذا المبلغ من أجل أن تُخرج سعاد من التركة :
-طب فرضًا وافقت انا هعمل كده ازاي، الوصية مكتوبة من شهرين والمفروض عرضها بكرة، والوصية مكتوبة بخط ايده وأمضته
-اتصرف يا عبد الرحمن مش انت محامي يعني موجود في الدنيا دي علشان تتصرف
حمحم الآخر منظفًا حلقه ولا يزال وقع رقم المبلغ يؤثر على عقله، تنفس بعمق ثم آماء موافقًا :
-تمام اعتبري حاتم باشا كتب في وصيته إن سعاد ملهاش ولا نكلة
رفعت هاجر هاتفها ثم فتحت له تسجيل بالمحادثة التي تمت الآن فأتسعت أعين الآخر بصدمة قائلًا :
-ايه ده بقى!! هو احنا فينا من الحركات دي؟!
-علشان بس لو فكرت تغدر هسمع التسجيل ده لسعاد وبنتها وانا مش هيقدروا يعملوا ليا حاجة، الدور والباقي عليك انت لما سعاد تخلي بنتها تطردك من حياتها، حتى مش هتحلم ترجع موظف في الشركة
أغلقت التسجيل ثم استرسلت أمام عينيه المذهولة :
-ولو حبيت تطمن برضو على الفلوس فهى في شقتك القديمة في كرموز جوا دولابك اللي تقريبًا هيقع من كتر ما هو قديم، في شنطتين سفر لونهم بينك
همهم الآخر منبهرًا لذكائها الغير متوقع بالمرة ثم قال :
-لأ واضح إن الرسامين طلعوا أذكى من المحاميين بمراحل
ابتسمت الأخرى ابتسامة دون روح محدقة في الناس خارج نافذة سيارة الأجرة من ثم أردفت :
-انا فضلت حياتي كلها نعجة الديابة بتاكل فيها، خلاص جه دوري ومش هخلي فيهم حتى عضم يتدفن
اخفضت الوصية عندما علىٰ صوت سعاد وهى تهزي بجنون في المكان وبناتها يحاولن تهدئتها، وقفت من مكانها جاذبة حقيبتها الأنيقة والتي تليق بلونها الأبيض مع سترتها ذات الفرو الناعم فقد أرتدت اليوم أجمل ما لديها من أجل هذه اللحظات
تحدثت موجهة حديثها إلى عبد الرحمن وعادل الذي بقى صامتًا رغم البسمة الغامضة التي اعتلت وجهه :
-لما تسجلوا في الشهر العقاري ابقوا ادوني خبر، وبرضو لما تعملوا إجتماع تعلنوا فيه للشركات عن الرؤساء الجدد، انا لازم ابقى موجودة بما إن ليا أكبر نسبة في الورثة كلهم
نظرت إلى سعاد التي كانت ترمقها بحقد واضح ظهر عليها هى وبناتها الاثنتين، لتقول بنبرة شامتة :
-وآه ابقوا خدوا أمكم المستشفى لأحسن تجيلها سكتة قلبية
-شمتانة فيا يا بنت الـبــــواب
صرخت بها سعاد بجنون استحوذ على جميع خلايا عقلها فزادت ابتسامة الأخرى قائلة :
-أكدب لو قولت لأ
علت ضحكات سفيان في المكان بعد أن انتهت هاجر من سرد ما فعلته اليوم، وكلما توقف يعود ويضحك مرة أخرى وهاجر تجلس أمامه في إحدى المطاعم الراقية التي تعود لآل الدخيلي، لا تفهم سر ضحكاته هذه
توقف سفيان بصعوبة مزدردًا بعض الماء من الكوب أمامه، ولكن عندما نظر إلى ملامح هاجر اللطيفة بهذان الخدين الممتلئين ونظرات الفضول التي تلتمع في عينيها البنية عاد وقهقه مجددًا
ذمت الأخرى شفتيها قائلة :
-طب هتبطل ضحك أمتى؟؟ وأصلًا بتضحك ليه!؟
-علشان حاسس إني يسمع مسلسل رمضاني كده عن البطلة الكيوت اللي الكل بيجي عليها فبتنتقم منهم، بس مش قادر أصدق إنك ممكن تعملي كده يا لوزة
-هاجر قولي هاجر مش بحب اسم لوزة ده
نطقت بها بتذمر وهى ترفع كوب القهوة نحو شفتيها فصاح سفيان وكأنه معه دليل على أنها لا تستطيع أن تفعل شيئًا كهذا :
-أهو شوفي ازاي واحدة زيك بالكياتة دي وخدود الطماطم دي تعمل حاجة بالشر ده، صحيح انت حاطة ايده في خدودك؟!
وضعت الأخرى كفيها على خديها هاتفة بتعجب :
-مش حاطة حاجة ده علشان شتاء وانا خدودي بتحمر في الشتاء
رفع سفيان كوب الماء مزدردًا البعض منه ثم قال متسائلًا :
-هو انتي جبتيني المطعم ده علشان تقوليلى على اللي عملتيه فيهم، وإنك كنتي هتجيبي لضرتك سكتة قلبية
-آه حبيت أشارك مع حد الإنتصار اللي انا عملته ده ومفيش حد في حياتي غيرك انت ونور زميلتي، وبما إنك اتريقت عليا فأكيد هى هتقولي انتي اتفرجتي على مسلسل كوري وجاية تحكهولي
ارتفعت ضحكات سفيان مرة أخرى ثم قال بمراوغة :
-طب مش خايفة وانا ظابط كده أروح أبلغ عنك انت وعبد الرحمن ده بتهمة التزوير في أوراق رسمية، دي وصية ميت مش لعبة
همهمت هاجر وهى تضع الكوب أمامها وقد توقعت من نبرته هذه أنه يمزح لذا اجابته بنفس النبرة :
-اممم شكلك انت كمان عايز رشوة، وانا عزماك على حسابي على أكلة سمك حلوة
-بقى ترشي المحامي باتنين مليون دولار وانا عايزة ترشيني بأكلة سمك طب والله عيب
نطق بها بنبرة ساخرة شعرت منها هاجر أنه لا يمزح هذه المرة فأعتدلت في جلستها هاتفة بتوجس :
-هو انت عايز رشوة بجد؟!
ابتسم سفيان وقد كانت ابتسامة لأول مرة تراها على وجهه، ابتسامة ليست خبيثة أو ماكرة أو حتى ساخرة، بل كانت حانية دافئة وما قاله بعدها جعل قلبها ينبض نبضة لم ولن تنساها أبدًا :
-انا عايز اتجوزك يا هاجر ومتفتكريش إني طمعان فيكي بعد ما ورثتي، انتي من أول يوم خبطتي فيه على باب الشقة وانا مش عارف اطلعك من تفكيري، كأنك خبطتي على باب قلبي اللي قفلته بقالي كتير ودخلتي فيه ومش عايزة تخرجي، مش عارف ده حب ولا مجرد إعجاب بس في كلتا الحالتين انا مش بحب اللف والدوران وعلى الدوغري كده عايزك في الحلال يا لوزة
(بقالنا كام فصل بنقفله قفلة حلوة بس متتعودوش على كده 👀🙃)
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الثالث وأربعون 43 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
اغمضت عينيها بتعب تستمع لحديث العميد في استحالة نقلها من هنا خاصةً في فترة الاختبارات هذه، وقد قص عليها نفس ما قصه العميد الآخر على عائشة، لا يهمها كل هذا الهراء فهى تريد أن تخرج من هذه الكلية بأي طريقة ممكنة
فارقت بين جفنيها عندما استمعت إلى صوت عاصم يناديها إذ كان موجود معهم في مكتب العميد :
-شروق انتي كويسة؟؟
وضعت الأخرى رأسها بين كفيها تشعر بالتخبط الشديد :
-لأ انا مش كويسة ومش هقدر امتحن بكرة حاسة إني نسيت المنهج كله، انا حتى معرفش علينا ايه بكرة
شعر عاصم بالأسى عليها وقد اشفق عليها العميد فقال :
-شروق انتي اتكلمتي مع حد عن اللي حصل، مع والدك أو والدتك أو حتى دكتور نفسي
-محدش يعرف إني شوفت واحدة بتتدبح قدامي لا بابا ولا ماما، قولتلهم إني أتحبست في الحمام كذا ساعة من غير ما حد يفتحلي
اعترض عاصم على هذا الكذب إذ صاح محاولًا خمد عصبيته :
-انتي كده بتعقدي الأمور وعمرك ما هتعرفي تتخطي ده لوحدك
انخفضت نبرته قليلًا فأصبحت هادئة يكسوها الحنو :
-انا عارف ان اللي شوفتيه مكنش سهل ومش سهل علي أي حد يتخطاه، انا عايزك تتكلمي تخرجي المشاعر اللي جواكي مهما كانت هى ايه
ادمعت عيني شروق وقد استحكمت حلقها غصة مريرة :
-انا مش عارفة اطلع من اللي انا فيه، مش عارفة أكل ولا أنام من الكوابيس ولا حتى اتكلم مع حد
تقدم عاصم قليلًا للأمام إذ كان يجلس في المقعد المقابل لها يفصلهما طاولة صغيرة، ليقول بتركيز شديد يريدها أن تنفتح له، يريد أن يساعدها :
-بتشوفي ايه في كوابيسك؟!
-نفس الحمام اللي اتحبست فيه والدم بيدخل من تحت الباب، انا دلوقتي بخاف من أي حاجة لونها أحمر حتى الأماكن المقفولة الضيقة، انا خوفت ادخل حمام القطر علشان ضيق ومقفول حسيت نفسي ضاق قوي
استنتج عاصم أنها قد تعاني لاحقًا من فوبيا الأماكن الضيقة وفوبيا من الدماء، لكن عليه ألا يستبق الأمور لذا تنفس بهدوء وقد سألها سؤالًا آخر :
-ليه مقولتيش لوالدك ووالدتك عن الحقيقة وكدبتي
علت ابتسامة جانبية ساخرة على طرف شفتيها ثم قالت :
-علشان الناس قالوا إني اتلبست وحللوا من دماغهم خوفت أقولهم إني شوفت واحدة بتتقتل قدامي يطلعوا إشاعة تاني
-وليه تهتمي لكلام الناس ما طول عمرهم بيتكلموا ويطلعوا الإشاعات على هواهم، الناس هتشيل الهم معاكي؟؟ الناس هتحس بوجعك؟؟ الناس هيساعدوكي تتخطى اللي شوفيه؟! اللي يهتم بكلام الناس عمره ما هيقدر يعيش بسلام، وطبعًا خوفتي تروحي لدكتور نفسي علشان الناس؟؟
نفت الأخرى رأسها ثم أجابته بوهن وقد كانت هذه أطول محادثة تفعلها من وقت وقوع الحادث :
-لأ، انا مش عارفة اتكلم مع حد
-بس انتي بتتكلمي أهو يا شروق
نطق بها العميد متابعًا الحوار منذ البداية فأكمل عاصم مبتسمًا بهدوء :
-انتي محتاجة تتكلمي أكتر، علشان تخرجي من الحالة دي قبل ما تبقى انتكاسة، لازم تخرجي وتنسي اللي شوفتيه وتتعايشي من جديد، على سبيل المثال ايه رأيك تتمشي شوية على البحر في الصبح مرة وفي الليل مرة، تشتري حاجات، تتكلم مع حد انتي بترتاحي في الكلام معاه، ابعدي على قد ما تقدري عن الأماكن المغلقة على الأقل الفترة دي
-طب والامتحان اللي بكرة ده، انا محتاجة اذاكر ومعنديش طاقة
أخرج عاصم هاتفه وأعطاه لها ثم قال :
-اكتبي رقمك وانا هتصل عليكي النهاردة المغرب فيديو كول واشرحلك كل حاجة انتي مش فهماها، وعايزك متتغطيش على نفسك في المذاكرة وفي نفس الوقت متفكريش في اللي حصل، كل ما تلاقي نفسك هتبتدي تفتكري في الموضوع اشغلي نفسك في أي حاجة، تاكلي، تذاكري، تخرجي، تتكلمي في أي مواضيع تانية مع أي حد
نظرت الأخرى إلى هاتفه القابع بين يديها ثم نظرت إلى العميد وكأنها تسأله ماذا تفعل فقال الآخر بنبرة جادة :
-وافقي على إنه يشرحلك انتي محتاجة لدافع يساعدك على المذاكرة وتبعدي عن التفكير، اعتبريه درس خصوصي بس أون لاين وهو في الآخر الدكتور بتاعك كأنك بتحضري سيكشن طويل، دي فرصة مش بتتكرر على فكرة
تنهدت شروق ولا تدري أهذا صائب أم لا ولكنها بالفعل بحاجة ماسة للمساعدة على الدراسة وعلى تخطي ما رأته في ذلك اليوم لربما تعود حياتها كما كانت وتتخلص من هذا الظلام الذي يود ابتلاعها...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
دلفوا إلى شقتهم بعد يوم عائلي لطيف في منزل عمها محفوظ، وما إن دلفت رقية إلى المنزل حتى صاحت قائلة وهى تهم بخلع حذائها، متذكرة ما قالته لها نور :
-يوسف ابقى اتصل على براءة
انتبه الآخر لما قالت ليعود بسرعة بعدما كان يهم بالدخول إلى غرفته :
-ليه مالها؟!
اعتدلت رقية بعدما خلعت الحذاء ثم أجابته مبتسمة بتهكم :
-قبل ما أقولك مالها هو انت معاك رقمها أصلًا
آماء يوسف بهدوء ثم قال :
-معايا رقمها بس بصراحة متصلتش عليها لحد دلوقتي مش مجهز حاجة اقولها ومكسوف اتكلم معاها فأتلخبط في الكلام
حدقت به رقية ببلاهة شديدة بينما علىٰ صوت ضحكات يونس في المكان حتى أنه كاد يسقط أرضًا أثناء خلعه لحذائه :
-مكسوف تكلم خطيبتك يا يوسف أومال بعد ما تتجوز هتخلف منها ازاي بالبلوتوث
كتمت رقية ضحكتها على ملامح يوسف المتشنجة، وقد اتسعت أعين عبلة من جرأة ابنها فيما قال فلكمته في كتفه صائحة :
-ايه اللي بتقوله لأخوك ده عيب، ما تشوفي ابنك يا محمد
-لأ انا رأيي بصراحة نشوف التاني أهم دلوقتي ليعرنا بعدين
نطق بها محمد بمزاح ثم نظر إلى يوسف وقد أضاف :
-مكسوف تكلمها ليه يا يوسف؟! ده انت قربت تكمل سنة معاها في المستشفى، ست ساعات متواصلين يوميًا وتقولي مكسوف؟!
حمحم الآخر بحرج منسحب من البهو إلى غرفته دون أن يجيب بينما صاح يونس خلفه قائلًا :
-متبقاش خام كده يا يوسف البنات تحب الواد اللي يعرف يتكلم، هبقي أخلي حمزة يديك دروس
وضعت عبلة يدها على فمها حتى لا تضحك، لا تصدق أن يوسف لم يتصل على خطيبته حتى الآن، وعلى الأرجح هو خجِل بالفعل فابنها منذ صغره خجول ولا يحب الاختلاط مع النساء، وإن أجبر على التحدث معهن يقتصر كلامه على جملة أو اثنتين وبحدود :
-عيب يا أولاد كسفتوا أخوكم
ارتفع طرق الباب فتحرك يونس حتى يفتحه وقد أبصر الطارق سفيان، ظن أن هناك جديد في القضية لكن وجود عمر وجدته معه وباقة الزهور هذه جعلته يدرك أن الأمر أبعد ما يكون عن القضية :
-خير يا ابن فياض باشا ايه اللي جابك عندنا
نطق بها مقلدًا إياه عندما أتى له واستقبله بكل فظاظة، والآخر ابتسم له ابتسامة متهكمة رافعًا أمامه علبة شوكولاتة ثم قال :
-جايين ومعانا ورد وشوكولاتة هنكون جايين نعمل ايه عندكم؟ نصلح السخان علشان مش بينزل مياه سخنة؟!
اقترب محمد من الباب ودفع ابنه جانبًا وقد دعاهم للدخول بلباقة، بينما تحرك يونس نحو ممر الغرف حيث كانت تقف رقية مع والدته التي أشارت له بأن يأتي متسائلة :
-مين على الباب يا يونس
-سفيان وأخوه وجدته، وجايبين معاهم شوكولاتة وورد
بهت وجه رقية فجأة بينما قالت عبلة بتعجب :
-جايين دلوقتي من غير ما يدونا خبر؟! ده انا معنديش حلويات أقدمها
ازدردت رقية لعابها بصعوبة فقال يونس بشك متعجبًا ارتباكها هذا والذي أبعد ما يكون عن خجل الفتيات في مثل هذه الظروف :
-مالك يا بنت مش مظبوطة كده ليه!؟
رمشت الأخرى بأهدابها ثم قالت :
-أصل عمر قالي امبارح إنهم جايين النهاردة الساعة سبعة بس هو قالي بالليل قبل ما أنام ولما صحيت كنت فاكرة إن ده حلم فمقولتش لبابا
رفع يونس يده وود لو يهبط بها على رأسها الأحمق هذا فسارعت عبلة بإبعاده صائحة بخفوت :
-انت بتعمل ايه هو ده وقته، اتصل على البواب بسرعة يجيب جاتوه وحاجة ساقعة للضيوف
نظرت إلى رقية بتهكم ثم دفعتها من أمامها قائلة :
-وانتي ادخلي البسي حاجة حلوة وظبطي نفسك كده، الحمد لله إني نضفت البيت قبل ما نمشي وإلا كنت اتحطيت دلوقتي في موقف يكسف من وراء نسيانك يا رقية
أما عند يوسف لم يستمع لما يحدث في الخارج وهذا بسبب جلوسه في الشرفة، يقبع بين كفيه هاتفه على رقم براءة، وقد حصل على الرقم من إدارة العاملين بالمشفى ولكنه شعر بتردد في الإتصال بها
طوال حياته التسعة والعشرون لم يحادث فتاة بأريحية ولا حتى في فترة الجامعة، الفترة التي يرتبط بها أغلب الشبان والفتيات ولكنه لم يكن يميل لمثل هذه الأمور رغم إعجاب بعض الفتيات به، فهو يمتلك ملامح وسيمة وخصلات سوداء غزيرة وبشرة بيضاء ولحية مُدرجة، جسد طويل وكتفين عريضين
كل هذا كان يجذب أنظار الفتيات له ولكنه لم يبالي يومًا بهن بل كان يهتم بدراسته أكثر، وفي العطلة يلتصق بوالده في مركزه الطبي حتى يكتسب خبرة، لم يكرس الوقت أبدًا لمثل تلك الأمور، ففوق أنه محرم إلىٰ أنه كان يرى أيضًا أنه من السخيف أن تصادق فتاة وتتحدثان بالساعات ويولد بينكما إعجاب ثم حب ثم تنقلب الأمور لضجر وفتور ثم تجاهل
وفي النهاية سينسحب إحدى الطرفين وينكسر قلب الآخر
وكل هذا جعله غير مدرك لكيفية التحدث لفتاة دون أن يظهر كأبله أمامها فلا يجيد حقًا الكلام المعسول، يبدو أنه سيحتاج بالفعل لبعض الدروس من حمزة
تنهد بحيرة وهو يفتح الهاتف مجددا، محدقًا في رقمها، هو الآن لا يصادق فتاة بل هذه خطيبته والفتاة التي ستكون بإذن الله زوجته، يجب أن يتحدث معها حتى يتعرف عليها أكثر ولأنه الرجل يجب أن يُقدم هو على الخطوة الأولى
اتصل عليها ولا يدري كيف سيبدأ الحديث ولكنه سيتعامل بعفوية دون محاولة إخفاء أي شئ، أتاه الرد بصوت ناعس كسول فقال يوسف متسائلًا :
-هو انتي نايمة؟؟
علمت صوته على الفور وكيف لا وهى تستمع لهذا النبرة منذ أشهر، تنفست ببطء وهى تخرج من المطبخ حيث كانت تعد كوبان شاي لوالديها ثم نادت على شقيقتها الصغيرة بأن تكمله وقد اختلت هى في المنضرة
نادى يوسف عليها عندما شعر أن صوتها انقطع ليأتيه الرد بعد ثواني بنفس النبرة الناعسة ولكن اتضحت له بأنها متعبة وكأن براءة تعاني من زكام :
-الو يا يوسف
اتسعت البسمة على وجهه كالأبله فهذه أول مرة تتخلى عن لقب "دكتور" وتناديه باسمه هكذا دون ألقاب :
-صوتك تعبان انتي عندك برد؟؟
همهمت بأجل ثم تساءلت وهى تحدق في رقمه الغريب :
-هو ده رقمك؟؟
-آه هو رقمي، سجليه عندك بقى
صمت وصمتت هى أيضًا لا يدري كلاهما ماذا يقال، فهذه أول مرة لها تُخطب لرجل، وهو أول مرة يحادث فتاة على الهاتف، وبعفوية منه قال :
-بصي انا مش عارف ايه يتقال في المواقف دي بس انا هكون عفوي واتمنى برضو إنك تبقي عفوية معايا
آماءت الأخرى وكأنها يراها ثم قالت :
-نور قالتلك إني مش هقدر ارجع إسكندرية اليومين دول علشان اخدت دور برد؟؟
-ألف سلامة عليكي يا براءة هفتقد وجودك حواليا في المستشفى
-آه ما انا كنت كتكوت بيجري وراء أمه في كل حتة شوية
خرجت منها هذه الجملة بعفوية منها جعلت الآخر يقهقه بقوة لهذا التشبيه، حكت الأخرى فروة شعرها بتوتر تسمعه يقول :
-يا براءة ما تخلي الفرح بعد ما سنة الإمتياز تخلص
-لأ بابا قال نطول شوية لازم نعرف بعض أكتر
ارتسمت بسمة جانبية على ثغره متسائلًا :
-طب انتي بقالك تسع شهور معايا لسه متعرفنيش؟!
-اللي أعرفه عنك من خلال الشهور دي إنك بني آدم بتراعي ضميرك في شغلك وانا بحترم النقطة دي، اللي بيراعي ربنا في شغله أكيد هيراعي ربنا في زوجته صح؟!
ختمت حديثها وكأنها تسأله ليطرح الآخر السؤال على نفسه، هل إن تزوج سيراعي الله في زوجته؟؟ وبشكل تلقائي وجد نفسه يتذكر معاملة والده لوالدته، ربما يمران بالمشاكل وهذا لأن الزواج لا يخلو بالطبع من المشاكل، ووالده في مثل هذه الحالات يصمت ويحدق بوالدته بأعين حانقة دون إضافة كلمة ثم يقول لهم
"الستات تحب الكلام، لو سكت الراجل هيفضلوا يتكلموا مع نفسهم لحد ما يتعبوا ويسكتوا"
وينتهي الأمر في النهاية بكوب شاي معًا في الشرفة يتعاتبان فيما بينهم، هو يشبه والده كثيرًا في شخصيته، نفس الهدوء، الرزانة، والتصرف بعقلانية، حتى حب مهنة الطب والعمل بها بشغف ودقة
إذًا سيكون مثل والده مستقبلًا سيتعامل مع زوجته بهدوء وعقل ناضج
وعلى أي حال معظم الأبناء ينظرون إلى آبائهم وأمهاتهم ويتذكرون معاملتهم لبعضهم السيئة قبل الجيدة، في المشاكل والفرح والحزن، ومستقبلًا الأبناء سيقلدون هذا، إن كان صالحًا أو طالحًا لذا يحذر الآباء والأمهات من خلق المشاكل أمام أطفالهم حتى لا يتأثروا بها
ابتسم وقد أجاب براءة بعد فترة وجيزة من الصمت :
-انا على قد ما أقدر هحاول اخليكي سعيدة، مش طالب أكتر من زوجة تفهمني وتربي أولادي صح
تنفست براءة على الجهة الأخرى ثم اعتدلت في جلستها هاتفة بجدية :
-طب بص علشان نكون على بينة ونور انا شخصيتي مش كسولة للدرجة اللي انت فاكرها انا عندي فقر دم ومن وقتها وانا مش بحب الحركة الكتير علشان انا بتعب مش علشان كسولة ماشي
آماء يوسف بإيجاب وقد أعجبه أنها بدأت حوار جديد وهذا يعني أنها تقبل الكلام معه وتريد أن تسمعه ويسمعها :
-تمام
-حاجة تانية لو مكتوب لينا نكمل مع بعض فأنا شخصية مش بتحب حد يفرض رأي أو فعل عليها، صدقني ببقى شخصية لا تطاق لو حاولت تفرض رأيك علىّ يا ابن الحلال علشان انا خلقي ضيق
-آه عارفها دي، أول مرة جيتي المستشفى مع عمي محفوظ كان شكلك شبه القنبلة الموقوتة منتظرة حد يلمسك علشان تنفجري، ولما سألت عمي قالي إنك جاية إسكندرية غصب عنك علشان كده مش طايقة نفسك
تعجبت الأخرى تذكره لمثل هذا الموقف، هى نفسها نسيت، بينما أكمل يوسف وعلى وجهه بسمة عريضة :
-وفاكر موقف تاني لما كنتي في يوم تحت تدريب رئيسية التمريض المس شريهان علشان انا كنت برا المستشفى وعملتي حاجة عصبتها فكانت بتخليكي تشتغلي أكتر من باقي الممرضات، روحتي في نص فترة العمل اخدتي بعضك ومشيتي من المستشفى وده طبعًا ما قولتي ليها إنها ست مفترية وظالمة ومش هتدخلي المستشفى غير لما الدكتور اللي بتشتغلي معاه يرجع، إن شاء الله حتى متجيش تاني وتسقطي في سنة الإمتياز
برمت براءة شفتيها متذكرة هذا الموقف بالطبع ولكن من أين له أن يعلمه وهو لم يأتي للمشفى يومها :
-ده انت مركز معايا بقى من زمان
-مؤخرًا لاحظت إني بركز أوي في تفاصيلك، بس علفكرة حركة غلط وجريئة اللي عملتيها مع المس كان ممكن تقولي للمدير مش تسيبي المستشفى وتمشي
صاحت الأخرى على الناحية الأخرى بغضب فاتسعت البسمة على وجه يوسف أكثر :
-الحمد لله إني مشيت علشان أقسم بالله لو كانت طلبت مني حاجة تانية يومها لكنت فتحت رأسها بجهاز الضغط، اليوم كله تطلب مني شغل في الأقسام كلها وباقي الممرضات قاعدين على الكراسي لا شغلة ولا مشغلة، بتستعندني فسيبتلها الجمل بما حمل هى ناقصة قرف من بنت القرعة دي
علت ضحكات يوسف بقوة فتراجعت براءة مدركة أنها نطقت بعدة كلمات لا تخرج من فتاة مهذبة، الآن سيظنها سرسجية حقيرة
جذبت ضحكات يوسف يونس إذ دخل إلى الغرفة ووجد أخيه يضحك في الهاتف فقال بتعجب :
-انت بتضحك هنا وعندنا ضيوف برا
استغلت براءة تدخل صوت غريب من الناحية الأخرى فقالت متهربة حتى تجلد ذاتها على كلمات الباعة المتجولين في الأسواق الشعبية التي خرجت منها بكل غباء :
-طب انا قفل دلوقتي سلام
أغلقت بسرعة فترك يوسف الهاتف ولا تزال آثار الضحكات على وجهه، فقال يونس مبتسمًا بعدما أبصر هوية الرقم الذي كان يحادثه :
-الله يسهله يا عم، ضحكك وصل آخر ميامي وتقولي محرج أكلمها أومال لو مش محرج
خفتت ضحكات الآخر ولا يزال محتفظًا ببسمته، لم يعتقد أن شخصيتها عفوية هكذا فكل ما كان يظنه من خلال تعامله معها خلال الأشهر السابقة أنها عنيدة وباردة وكسولة بالطبع، ولكنها الآن تفاجئه :
-ضيوف مين اللي عندنا؟؟
-عمر وأخوه وجدته وطبعًا جايين علشان رقية اللي هتتجوز وتسيبنا، وانت هتتجوز كمان وتسيبوني لوحدي يا كلاب
نطق بها متذمرًا وهو يعود مجدد لداخل الغرفة، شعر به يوسف فمن سيشعر به أكثر من نصفه الآخر الذي شاركة نفس الرحم ونفس الفراش ونفس الحليب، حتى أحرف اسميهما متشابه
دلف خلفه وقد عانق كتفه يخفف عنه حتى لا يشعر أنه سيكون وحيد في يوم من الأيام بعد رحيل رقية حين تتزوج وإبتعاده هو عنه، حتى إن كانا سيسكنان نفس البناية لكن ستكون هناك حياة خاصة لكلًا منهما ستبعدهما بالتدريج عن بعضهما، وللأسف هذه الحياة :
-متزعلش يا يونس ما انت في الآخر برضو هتتجوز انت كمان ولا ناوي تبقى راهب؟؟
-آه ناوي ابقى راهب علشان جربت موضوع الجواز ده واخدت خازوق محترم ومش مستعد اخد واحد تاني وانا لسه متعافتش كليًا من الأولاني
خرجت منه هذه الكلمات بصراحة مفرطة جعلت الآخر يقهقه بقوة فدلف محمد على أصواتهم مردفًا بغضب رغم انخفاض نبرته :
-انتوا قاعدين تضحكوا هنا وسايبين الضيوف برا؟! اطلعوا اقعدوا معاهم بدال ما انا قاعد لوحدي مش انتوا أخوات العروسة في الآخر
خرجا الاثنين خلفه نحو غرفة الضيوف بينما طرق محمد بخفة على باب غرفة رقية قائلًا :
-يلا يا رقية انجزي يا حبيبتي
أما بالداخل كانت الغرفة أشبه بسوق لبيع الملابس المستعملة، إذ كانت الملابس أكوام على الفراش، وعلى الأرض، وأسفل السراحة، بينما رقية تجلس في منتصف الخزانة تخرج جميع ما تمتلكه من الملابس الصيفية والشتوية ولكنها تعجز عن إيجاد شئ مناسب ترتديه
أخرجت فستان أسود ولكنها ألقته خلفها دون إهتمام فهى ليست ذاهبة لعزاء، وآخر أبيض منطفئ قليلًا ولكنه لم يعجبها فهذا ليس يوم الزفاف، أخرجت جيب وكنزة ولكنهم أيضًا لم يعجبوها فهذه المناسبة تحتاج لفستان
دلفت والدتها حتى تستعجلها ولكنها شعرت أنها فتحت بابًا لإحدى الأسواق وليست غرفة ابنتها، صاحت بها بصوت حاولت خفضه حتى لا يصل إلى الضيوف إذ قالت :
-انتي قالبة أوضتك وملبستيش لحد دلوقتي ليه؟؟
-علشان معنديش حاجة ألبسها
نطقت بها بنبرة مختنقة وكأنها على وشك البكاء فأشارت عبلة إلى أكوام الملابس قائلة بإنفعال :
-ده كله ومعندكيش حاجة تلبسيها؟! يا شيخة اتقي الله
أخرجت لها من بين أكوام الملابس كنزة قطنية بيضاء وجيب متسع بطبقات من خامة الشيفون باللون الأسود :
-البسي دول وظبطي شعرك وحطي حاجة بسيطة ميكاب، انا هخرج وأرجعلك بعد عشر دقايق انجزي فيها
خرجت عبلة واتجهت للمطبخ حتى تعد عصير طبيعي وهذا بعد أن تذكرت أنها تحتفظ بثمرتين مانجا في المثلج، وضعت العصير داخل اكواب مزخرفة لا تخرج أبدًا من الخزانة الزجاجية إلا للضيوف بل والضيوف من هذا النوع فقط
اتجهت إلى غرفة الضيوف التي يجلسون بها وقد وجدت الأجواء عادية بغض النظر عن بعض النظرات المريبة بين سفيان ويونس، فالاثنان يتقمصان دور والدة العريس ووالدة العروس
قدمت لهم العصير ثم جلست بجانب زوجها هاتفة برقي :
- اتفضلوا يا جماعة العصير
ابتسم يونس لسفيان بتهكم قائلًا :
-اشرب عصير مانجا يا سفيان إما عزمت عليا حتى بكوباية مياه لما جيتلك
رد له الآخر البسمة بأخرى باردة ثم أجاب وهو يتناول كوب العصير من فوق المنضدة الصغيرة التي تتوسط الغرفة :
-قولتلك المياه كانت قاطعة
نكزت ونس حفيدها ذو اللسان السليط حتى يتوقف وقد بدأت هى الحوار :
-أومال فين رقية؟؟
أجابتها عبلة وهى تقف من مكانها حتى تأتي بابنتها :
-هى بتجهز نفسها، انا هجيبها وآجى
نظر عمر نحو أخيه حتى يبدأ الحديث فترك الآخر الكوب على المنضدة ملبيًا نظرات شقيقه الصغير :
-طب ندخل في الموضوع إحنا وللمرة التانية جايين نطلب ايد بنت حضرتك يا دكتور محمد، وانا وانت سبق واتكلمنا في الموضوع في المستشفى
عدل محمد من وضعية نظارته ثم قال :
-إحنا اتكلمنا فعلًا وافتكر إنك قولت إنك هتيجي انت وجدتك وعمر بعد ما القضية اللي شغال عليها انت ويونس ما تخلص، مظبوط؟؟
-مظبوط بس السفاح مختفي من أكتر من خمس أيام تقريبًا وملوش أي أثر ومش عارف بصراحة القضية هتطول أكتر من كده ولا لأ وانا مش عايز عمر يستنى خاصةً وإنه جاهز والشقة جاهزة من كذا سنة، ولو عايزين نشتري الشبكة من بكرة إحنا موافقين
شبك يونس كفيه مستندًا بذراعيه على فخذيه لا تعجبه هذه السرعة فقال :
-بس أخوك لسه مفتكرش اختي يا سفيان ودي أهم حاجة
ابتسم عمر مجيبًا هذه المرة وقد خرج عن صمته :
-انا باخد علاج جديد وهو فعلًا بيجيب مفعول يعني على سبيل المثال انا لما دخلت الأوضة افتكرت حاجات وعن إني جيت الشقة دي قبل كده، حتى بالأمارة فاكر ان الخطوبة اتعملت هنا مش في قاعة
اتسعت البسمة على وجه سفيان، سعادةً لأن أخيه بدأ في التحسن، ليته استمع له منذ البداية وذهب معه لطبيب بعد عودته إلى مصر، ولكن لا بأس رب ضارةٍ نافعة
آماء محمد متفهمًا هذا الكلام فقال وهو ينظر إلى ابنيّه وقد بدا العبوس واضحًا في عينيهما :
-انا معنديش مانع نبدأ في الترتيبات من دلوقتي لو رقية وافقت، وأخواتها وافقوا طبعًا
ختم حديثه ناظرًا إلى ابنيه حتى يتشاركا أطراف الحديث، يعلم أنهما يشعران بالغيرة على شقيقتهما الآن، هذا الطبع بهما منذ ولدت رقية فيتعاملان معها وكأنها أميرة لا يحق لأحد النظر إليها
ولكن آن الأوان للأميرة بأن تتزوج من أمير وترحل عن هذا المنزل، هو أيضًا سيحزن على رحيل مدللته الصغيرة وللأسف هذه سنة الحياة، فحتى الطيور تغادر عشها عندما يطول ريشها وتستعد لصنع عشها الخاص
دلفت عبلة إلى الغرفة وخلفها رقية ولم ترتدي ما قالته والدتها بل ارتدت ما هو أفضل من وجهة نظرها، فستان باللون الزهري الغامق يصل إلى ما فوق كاحلها بقليل، يتناسب مع لون بشرتها البيضاء، وقد عكصت شعرها الأسود للخلف وتركت بعض الخصلات تتدلى على وجهها الجميل الذي زينته ببعض مستحضرات التجميل، واللون الوردي الغامق الذي زينت به شفتيها كان يجعل وجهها يضئ مع مساعدة إضاءة الغرفة العالية
ابتسم عمر بإتساع لرؤيتها بهذه الصورة الجميلة، وليكن صادقًا ربما هذه أول مرة يراها ترتدي فستانًا رقيقًا كهذا، فـفي العادة ترتدي ملابس شبابية تساعدها على الحركة المفرطة التي يمتاز بها الصحافيون
ألقت رقية التحية بخفوت وخجل فطري يلازم الفتيات في مثل هذه المناسبة ثم جلست بين والديها تستمع لثناء ونس عليها ببسمة خجولة، مال يوسف قليلًا على شقيقه هامسًا :
-أول مرة أسمع صوت رقية واطي كده، انا مكنتش أعرف إن عندها الدرجة دي من كتر ما صوتها عالي في العادي
وأجابه الآخر بنفس النبرة الهامسة وهذه المرة يملؤها التهكم والسخرية :
-ما هما البنات كده، لما يتقدملهم عريس صوتهم بيبقى زي الهامستر وفي الطبيعي صوتهم زي العرسة ليل ونهار، اصبر بس هتشوفي مارلين مونورو دلوقتي مش رقية أم لسانين
بدأ الحوار في الأمور المعتادة لمثل هذه المناسبة عن الشقة والوظيفة والدخل كما أن عمر قرر مؤخرًا أن يبدأ العمل في إحدى الشركات التي تحتاج إلى مهندسين برمجة ويحاول الآن الإبتعاد عن عمله الخاص على الإنترنت كما طلب منه سفيان في الوقت الراهن بالذات، حتى لا يُدخل نفسه في مشاكل هو في غنى عنها
انتهى الأمر بقراءة الفاتحة والاتفاق على شراء خاتم الخطوبة غدًا، وستكون الخطوبة آخر الأسبوع بينما عقد القرآن في آخر الشهر، أطلقت ونس زغروطة قوية
وودت عبلة أن تقلدها لكنها لا تستطيع أن تفعلها بنفس الشكل الذي تفعله ونس والتي بدت كخبيرة في هذه الأمور وهى بالفعل كذلك، فـعلى مدار أعوامها الخمسٌ والثمانون حضرت عشرات مناسبات الزفاف وخطوبة، والآن زاد الرحمن في عمرها لتحضر زفاف حفيدها الثاني، وتدعو ربها أن يرزق الأول بزوجة أصلح من زوجته الأولى
نظرت إلى سفيان وربتت على كتفه هاتفة بصدق خرج من قلب أمومي :
-عقبالك يا سفيان، شد حيلك بقى قبل ما عمرك يجري
تبسم لها سفيان مقدمًا المشيئة وود لو يخبرها أنه وجد بالفعل زوجة له، جميلة رقيقة، بقلبٍ صافٍ، شعر قلبه بالألفة والسكينة معها، وود أن توافق على طلب زواجه منها حين عرضه عليها هذا الصباح، ولكنها طلبت منه أن يمهلها وقت حتى تجمع شتات نفسها، فلم يمر الكثير على خروجها من تجربة بشعة دامت لسنوات وتركت لها ندوب وجراح تريد أن تداويها قبل أن تخوض في تجربة علاقة أخرى
هو قدر لها هذا خاصةً مع حديثها المرتبك والمتلعثم وكأنها تحاول تجميع جمل مناسبة، كانت خجلة بشدة وكأنها عذراء تختبر لأول مرة شعور أن يطلب شاب يدها للزواج، لا يدري اتصنعت هذا أم لا ولكن حدسه الخبير أخبره أنها لا تتصنع مشاعرها
"انا مش.... مش عارفة مش هقدر أدخل علاقة دلوقتي.... انا لسه مشوشة ومش مستعدة.... أكيد مش هفضل كده طول حياتي بس اديني وقت أفكر، ووقت أجمع نفسي فيه ونفسيتي ترتاح من اللي عيشته.... انا حاسة اني مدمرة من جوا ومش هقدر أدخل في علاقة في الوقت الحالي... مش هقدر صدقني "
راعي طلبها واخبرها أنه سينتظرها لحين أن تتهيأ نفسيتها مرة أخرى، ومن يدري لربما يكون كلًا منهما دواءً للآخر، كلاهما عانيا في حياتهما أمَا آن الوقت ليجدا الراحة وتتبسم لهما الحياة ولو قليلًا
استقام من مكانه مغلقًا زر سترته الرمادية ثم قال بلباقة لا يتحدث بها في العادة، ولكن من أجل إرضاء أخيه هو مستعد لفعل أي شئ :
-طب نستأذن إحنا دلوقتي وبكرة على الساعة عشرة الصبح هآجي انا وجدتي وعمر علشان تنقي العروسة شبكتها
اعترض يوسف على هذا الموعد المبكر بشدة قائلًا :
-مش بدري أوي عشرة الصبح؟ مين هيكون فاتح؟!
-انا اتفقت مع صايغ علشان عندنا مشاوير كتير بكرة انا ويونس مش كده
لم يفهم الآخر ما الذي يقصده ولكنه فهم أن هناك ما حدث وسوف يخبره به غدًا على الأرجح وليس أمام مسمع الجميع، رحل سفيان وأخيه وجدته وقد أوصلهم يوسف ومحمد إلى باب الشقة كنوع من الذوق
تبسمت عبلة بإتساع وعانقت ابنتها بقوة قائلة :
-مبروك يا حبيبتي ربنا يتمم المرة دي على خير يارب
حمحم يونس وقد قرر أن يبدأ هو الصلح فقال وهو يسحب خصلات رقية بمزاح :
-مبارك يا روكا
حدقت الأخرى بها بأعين ضيقة ثم قالت وهى تفرك رأسها :
-حساها مش من قلبك كأنك مجبور تقولها
لوى يونس شفتيه بتبرم ملقيًا عليها وسادة الاريكة ثم صاح قائلًا :
-انا غلطان أصلًا روحي إلهي ما ترجعي وابقي شوفي مين هيشيل خشبتك لما تموتي
أبعدت الأخرى الوسادة عنها ثم قالت بسرعة وهى تلحق به للخارج :
-يونس متتأخرش علشان تنام بدري علشان انت اللي هتيجي معايا
-وانا مالي خدي ابوكي وأمك
ابتسمت رقية بإتساع متمسكة بكتفه بقوة مزعجة بالنسبة إليه :
-لأ ما انا هاروح انا وانت وماما، وعلفكرة انت لسه مصالحتنيش على القلم هتروح إجباري
وضع الآخر يده على خدها متسائلًا :
-ايدي كانت تقيلة صح؟؟
برمت الأخرى شفتيها بطريقة لطيفة مدللة ثم آماءت لأعلى وأسفل عدة مرات لتتفاجأ به يصفعها على نفس الخد بمزاح قائلًا :
-أحسن تستاهلي
وضعت يدها على خدها متسعة العينين، فارغة الفاه ولم تستوعب ما حدث إلا عندما وجدته يهم بالخروج من الشقة فصرخت به بغيظ قائلة :
-والله انت حيوان يا يونس
وأجابها الآخر ببسمة متسعة وقد لمعت عينيه بحنو واضح، مستديرًا لها نصف إستدارة ثم قال :
-والله هتوحشيني يا رقية مش هاين عليا اخليهم ياخدوكي، يارب تحصل مصيبة تاني وتقرفينا كام سنة كمان
خرج يونس من الشقة ليجد والده ويوسف على وشك الدخول وقد سأله والده إلى أين هو ذاهب في هذه الأجواء الباردة :
-رايح فين يا يونس في الجو ده؟؟
-هتمشى شوية وجاي، الساعة لسه تمانية
نطق بها بإختصار شديد ورحل بعدما أخبره والده ألا يتأخر في الخارج، استخدم الدرج عوضًا عن المصعد وقد لاحظ عند هبوطه وقوف أحد الجيران أمام المصعد رغم أنه مفتوح وقد كانت عينه على الدرج وأخرى على المصعد، لا يفهم ما الذي يفعله فبدا وكأنه ينتظر أحد، ولم يبالي بالأمر كثيرًا
أكمل طريقه للأسفل وعندما وصل للطابق الأرضي وجد شروق تقف أمام المصعد ومعها كريم ويبدو عليها القلق والإرتباك، عقد حاجبيه ثم وقف أمامهما متعجبًا من وقفوهما معًا في هذا الوقت :
-فيه حاجة ولا ايه؟!
أجابه كريم وقد بدا الغضب على ملامحه ونبرته :
-الحيوان اللي في الدور التاني بيضايقها مش عارفة تطلع منه
ولتوه تذكر ذلك الجار الأربعيني الغني، العاطل أيضًا وللحق منذ سكن وهو مريب، يسكن وحده، نظراته مريبة بشدة رغم عدم ثبوت أي شئ عليه
نظر إلى شروق المرتبكة وقد توقع أنها كانت تشتري شيئًا من الخارج نظرًا للأكياس البلاستيكية التي تحملها :
-ضايقك ازاي؟؟
لم تكن نبرته هادئة بل حادة، غاضبًا من فكرة أن ذلك الحقير الذي بالأعلى تحرش بها، آماءت الأخرى برأسها سريعًا وقد انمحى ارتباكها وحل مكانه الغضب وكأنها استقوت بهما :
-من ساعة ما رجعت من الصعيد وهو بيضايقني يفضل مستني الاسانسير ينزل عنده علشان يدخل ويقعد يبصبص، والصبح وانا نازلة انا وعائشة ونور على السلم ومرضناش ننزلوا بالاسانسير بسببه قعد يتكلم كلام زبالة زيه، جرتنا نورهان لتحت وقتها علشان ننزلوا وقالت بلاش مشاكل خليه يتكلم كأننا مش سامعينه
نظرت إليهما ثم صاحت بغضب قائلة :
-انتوا مسكنينه ليه في العمارة ده حيوان مش محترم حتى شيبته
لم يجبها يونس بلسانه بل ضغط على زر المصعد حتى يهبط ثم دلف به مشيرًا إليها بأن تدلف هاتفًا بنبرة جامدة :
-ادخلي
دلفت به وكذلك كريم والذي أتته ذكرى البارحة حين ايقظته رحمة صباحًا من نومه حتى يوصلها للمدرسة، ولأول مرة تطلب طلبًا كهذا، وهذا يعني أن أحدهم يزعجها ولا يستبعد أن ذلك الوغد هو من يزعجها، ولكن لما تلك الغبية لا تقول لأحد على شئٍ كهذا
توقف المصعد أمام الطابق الثاني وقد كان ذلك الرجل على نفس وقفته ولكن عندما رآه هو وكريم تغير ماء وجهه هاتفًا بهدوء اصطنعه :
-مساء الخير
ورد عليه يونس السلام بقبضته التي اصطدمت في وجه الآخر المفلطح اسقطته أرضًا، اعتلاه يونس قابضًا على تلابيب ثيابه ثم همس له بشر :
-تاخد نفسك وتسيب العمارة دلوقتي خلال عشر دقايق، عشر دقايق وتلات ثواني هضربك بالنار، يــــلا
نفضه من يديه بعنف فاصطدم الآخر في الأرضية السيراميكية تزامنًا مع قول شروق :
-انت هتمشيه من غير ما آخذ حقي؟؟ ده انا ملطوعة تحت ساعة في البرد مش عارفة اطلع منه؟!
نطقت بها بغيظ شديد غُلف بالقهر فابتسم كريم بمزاح سوداوي، مطالعًا الرجل الذي بدا مشوشًا من لكمة يونس :
-تعالي يا بنتي طلعي فيه كل الكبت والهم، الضرب حلال في الأشكال
ترددت شروق في فعل هذا ولكن شجعها يونس إذ وقف خلفه الرجل ورفعه لها من ملابسه من الخلف قائلًا :
-تعالي خدي حقك بس بضمير ها
وكأن الأخرى وجدت منفذ اخيرًا لتخرج به الطاقة السلبية التي تخزنت بداخلها منذ وقع حادث فريال، تركت الأكياس جانبًا ثم وبكل قوتها صفعته على وجهه ولم تكتفي بصفعة بل هبطت عليه بالضربات والصفعات في أي مكان تطوله يديها تشعر بالقهر الشديد من كل شئ حولها
من السفاح الذي قتل فريال وحاول قتلها بعدها، زوجة عمها التي أخرجت إشاعات عنها أنها أصبحت ممسوسة، هذا الحقير الذي يود التحرش بها وكأن المصائب قليلة في حياتها، الضغط العصبي الذي تمر به والكوابيس والاختبارات والناس وكل شئ
أخرجت منها كل الطاقة السلبية في هذا الجار المتحرش الأربعيني ولم تعي ما تفعله أو تعي بما حوله، أو بالدموع التي اخذت تسيل على خديها، يديها اللتان بدأتا تؤلمانها، ونفسها بدأ يضيق فهى حين تبكي أو تغضب تنقطع أنفاسها
ألقى يونس بالرجل أرض حتى يبعد شروق التي لم تكتفي بعد، قد كان يظن أنها ستصفعه مرة واحدة وينتهي الأمر، ولكنها لا تزال مستمرة في ضربه حتى بعد أن سقط، والرجل لا يستطيع أن يقاوم أو يلتقط أنفاسه من سرعتها
صاح كريم في يونس بأن يبعدها قبل أن تتسبب للرجل في عاهة مستديمة قد تسجن عليها، فهذا الحقير غني وله معارف وإلا ما كان ليسكن في منطقة كهذه، جذبها يونس بعيدًا عنه وعلى ثغره اتسعت بسمة واسعة كادت أن تشق وجهه لنصفين، فإن سألته ما أكثر ما يثير إعجابه سيقول لك المرأة الشرسة القوية التي لا تُكسر بسهولة وتأتي بحقها بنفسها
خرجت المرأة التي تسكن في الشقة المقابلة على الأصوات المرتفعة فقال كريم بسرعة حتى لا تفهم السيدة الأمر بشكل خاطئ وتظن أنهم يتعدون عليه، خاصةً أن الآخر مفترش الأرض يسعل بقوة :
-مدام شيري متفهميش الموضوع بشكل غلط ده راجل حيوان وبنربيه
وبرد غير متوقع للثلاثة قالت المدعوة شيري بسخط وتشفي واضحان :
-أحسن يستاهل راجل زبالة ومش محترم، مش عارفة الأشكال دي اللي مقعدها في الأماكن النضيفة اللي زي دي
عقد كريم حاجبيه من سخطها عليه متسائلًا :
-هو ضايق حضرتك انتي كمان!؟
-بقولك راجل زبالة ومريض كمان وانا عاملة فيه محضر عدم تعدي وعلفكرة انا شوفته من يومين بيضايق اختك الصغيرة ولولا إني لحقتها منه الله أعلم كان عمل فيها ايه، وانا قولتلها تقولكم علشان تطردوه من هنا، بس حبيبتي البنت صغيرة وشكلها خافت
احتدت أعين كريم بشدة وقد ارتفعت عينيه نحو الطابق الأعلى حيث شقتهم ثم عاد ببصره لذلك المدد أرضًا ولو كانت النظرات تحرق لخر الرجل صريعًا
تقدم منه بسرعة غاضبة وبكل قوته ركله في منطقته العضوية مسببًا له ألمًا لا يطاق، أمسك به يونس بسرعة قبل أن يقدم كريم على عمل يجازى عليه :
-كريم متضيعش مستقبلك علشان كلب زي ده
أبعد كريم يده عنه صائحًا بثورة غاضبة :
-ده انا هدبحه مريض البيدفوليا ده، بيتحرش بأختي وهى بنت صاحب العمارة اللي هو ساكن فيها، ايه الفجور ده!؟
ركله مرة أخرى في نفس المنطقة وبقوة أكبر فدفعه يونس للخلف صائحًا به أن يتوقف، وعلى أثر هذه الأصوات هبط حمزة وعثمان بينما وقفت ناهد تشاهد من أعلى الدرج وبجانبها عائشة ونور اللتان خرجتا على الأصوات أيضًا
تنفس يونس بضيق عندما سمع حمزة يستفسر عما حدث، ربي لا يقدر على كريم وهو مثل الثور في غضبه الآن، والآن أتى من ينافسه غضبًا :
-فيه ايه بتزعق ليه يا كريم؟ وماله الأستاذ رفعت بيصرخ كده ليه؟!
انسحبت شروق للأعلى بسرعة فأستوقفتها ناهد متسائلة عن الأمر :
-فيه ايه يا شروق؟؟
وأجابتها الأخرى بخفوت وهى تنظر إلى رحمة التي تقف على باب شقتهم تستمع لما يحدث بفضول :
-الراجل ده مش كويس وبيضايقنا بقاله كذا يوم والست اللي ساكنة قباله قالت إنه حاول يتحرش برحمة بنتك وهى لحقتها منه
شهقة عائشة غاضبة لما سمعت فمال بال الراجل أصبحوا كالخنازير، أمَا عاد هناك رجل يخاف ربه ويراعي الله في حرمة النساء فحتى الأطفال والمراهقين باتوا يتعرضون للتحرش
نظرت ناهد لأبنتها بذهول وضيق لكونها أخفت عنها، وهى من اتفقت معها أن تقول لها بسرعة إن حدث شيئًا كهذا معها مرة أخرى خاصةً بعد ما فعله سليم ذلك الحقير، والذي أصرت على أن ينتقل من المدرسة رغم كونهم آنذاك الوقت في نصف الترم ولكنها لم تسمح له بالبقاء بها وقد وافق أخيه على هذا ونقله لمدرسة أخرى من خلال معارفه، فعائلته من أغنياء الإسكندرية
قلقت رحمة من نظر والدتها لها بهذه الطريقة وقد استمعت لما قيل، وقبل أن تبرح ناهد مكانها كان كريم يتخطاها بخطوات سريعة مناديًا على رحمة بصوت مرتفع غاضب، فخافت الأخرى بل ارتعبت، راكضة إلى غرفتها وقد أغلقت الباب عليها من الداخل
ولم يأتي على بالها إلا شئ واحد، وهو أن كريم آتٍ للتشاجر معها، سبب خوفها من التحدث سواءً عندما تحرش بها سليم أو ذلك الجار البغيض هو أن لديها صديقة سبق وأن تحرش بها سليم، وعندما قالت لوالدها ثار عليها ذلك المخبول وأتهم ابنته أنها من أغرته بل وقام بضربها وصفعها على ذنب ليس بذنبها
دائمًا ما تكون الضحية هى المذنبة أما الرجل فلا شئ يعيبه بل المرأة هى المخطئة، هى من أغرته، لن يفعل هذا من فراغ فلما لم تحافظ على نفسها، لما خرجت من منزلها دون أن ترتدي ما يسترها كاملة
والله إن ارتدت المرأة خيمة تغطيها من رأسها لأخمص قدميها سينظرون إليها أصحاب النفوس المريضة
طرق كريم الباب بقوة فصرخت الأخرى من الداخل مرتعبة ولم يأتي على بالها غير أن كريم يريد تعنيفها كما عنف والد صديقتها واتهمها بأنها المذنبة :
-افتحي يا رحمة انتي خايفة كده ليه؟!
-مش هفتح انت هتضربني وانا معملتش حاجة والله
اتسعت أعين الآخر مذهولًا من قولها هذا فصاح قائلًا :
-انتي متخلفة يا بت!؟ وانا هضربك ليه؟؟
وقف حمزة أمام الباب دافعًا كريم على جنب ثم قال بهدوء اصطنعه حتى لا تخاف مدركًا أن أخته مرت بشئ يجعلها تخاف هكذا، لقد قرأ الكثير عن كتب التوعية عن التحرش ومشاعر الضحية المتخبطة في هذه اللحظات واخته خائفة منهم، وعليهم طمأنتها :
-رحمة يا حبيبتي إحنا مش هنضربك ولا هنزعق حتى، مين قالك إننا هنعمل كده؟؟ ده إحنا ضهرك وسندك ولو حد ضايقك إحنا اللي نجيبلك حقك
وأجابته رحمة من الداخل موصدة الباب عليها وتجلس أرضًا بجانبه بخوف :
-صاحبتي أبوها ضربها ونقلها من المدرسة علشان قالتله واحد اتحرش بيها، مصدقهاش وقالها إنك انتي اللي غلطانة، انا والله معملتش حاجة كنت نازلة السلم وانا في حالي ومكنتش لابسة حاجة وحشة
صاح كريم من الخارج لا يصدق عقلية ذلك الرجل العقيمة فكيف يتهم ابنته أنها المخطئة وهى الضحية :
-ده راجل حيوان وجبان ومتخلف، ده مش راجل أصلًا وعار على الرجالة
وقف عثمان أمام الباب قابضًا على المقبض ثم قال :
-افتحي يا رحمة أنا هجيبلك حقك من الحيوان ده واخليه عبرة، كان لازم تقوليلي أو حتى تقولي لأخواتك أو لماما مينفعش تسكتي على حاجة زي دي ولا تسكتي لحد يلمسك بطريقة مش كويسة ليه تخافي كده؟؟
شعرت رحمة بالطمأنينة من كلامهم بالفعل فوقفت من مكانها تزامنًا مع طرق حمزة على الباب ثم قال بمزاح حتى يزيد من الطمأنينة في قلبها :
-افتحي الباب يلا وبعد كده هبقى اخدك معايا الجيم تلعبي ملاكمة مع الواد لؤي علشان اللي يضايقك بعد كده تكسريله دراعه
فتحت الباب بوجه أحمر باكي فجذبها عثمان وعانقها بحنو قائلًا :
-ادخلي غيري هدومك وألبسي حاجة تقيلة علشان هتخرجي
-ليه؟؟
همست بها متسائلة فقال حمزة هابطًا قليلًا لمستواها وقد التمع الخبث والشر في عينيه :
-هنحبس الكلب اللي تحت ده وغلاوتك يا رحمة لأمرمطه وأقول ليونس يخلي المساجين في الحجز يعدموه العافية لحد ما يعترف إنه ست
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الرابع وأربعون 44 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
بما إني النهاردة راس السنة وبداية سنة جديدة هنزل فصل يوم الجمعة النهاردة وكل عام وانتم بخير وإن شاء الله تكون سنة سعيدة علينا وعليكم ❤️
بما إني نزلت الفصل فعايزة رشوة، كومنتات كتير بقى انا بنزل الفصل وانا متحمسة اشوف تعليقات الفصل اللي قبله لا تبخلوا 👀❤️
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
هبط بسيارته إلى إحدى مواقف السيارات التي تكون أسفل الأرض، وقد كان يعود هذا الموقف لشركتهم، توقف بالسيارة بشكل مفاجئ عندما أبصر رجلًا ملثمًا يقف أمام السيارة وكأنه لا يخشى الدهس
سحب سلاحه من تابلوه السيارة تحسبًا لهوية هذا الملثم لكن ما إن رفع الآخر رأسه وعلم هويته حتى أعاد السلاح كما كان مشيرًا إليه بالدخول دون أن يخرج من السيارة
دلف إلى السيارة وأغلق الباب عليهما ثم نزع قبعته مبتسمًا بسمة واسعة ليس وكأنه مجرم هارب البلاد مقلوبة عليه :
-ازيك يا عادل والله وحشتني ووحشني برودك ده
حدق الآخر به لا يعلم كيف يتحدث بكل هذه البساطة ومن أين أتى بهدوء البال هذا، ولكن لما يتعجب وهو يعلم أن أخيه مجنون، ابتسم الآخر باحثًا عن أي شئ صالح للأكل هنا لكن لم يجد شئ بل كانت السيارة شديدة النظافة مثل عادتها
نظر إلى أخيه والذي كأن يرمقه بملامح جامدة وأعين متعجبة فقال بتهكم :
-هتفضل متنح كده كتير أطلع على أي مطعم انا مكلتش من إمبارح
ضغط عادل على فكه بقوة من البساطة التي يتحدث بها كاظم ولولا هروبه لأسبوع لظن أنه لا يعلم أن البلاد مقلوبة عليه :
-تاكل ايه!؟ انت كنت فين وانا مش عارف أوصلك
عقد الآخر ذراعيه أمام صدره قائلًا :
-كنت في الصحراء المكان الوحيد اللي مش هيوصلي حد فيه، صحيح ازاي لسه فيه بدو عايشين في خيم؟! انا كنت فاكرهم انقرضوا أو انا تقريبًا اللي دخلت جوا الصحراء أوي
-ووصلت ازاي هنا من غير ما البوليس يعرف وكل الدوريات ولجان التفتيش عارفة اسمك وشكلك؟؟
-عيب عليك هو انا هاوي
التمعت عينيه بنظرات غامضة، مخيفة، مضيفًا :
-صحيح تعرف البنت اللي بلغت عني؟! اللي شافتني وانا بقتل فريال؟؟
مسح عادل وجهه ولم يتحرك بالسيارة بعد ثم قال :
-ويهمك في ايه دلوقتي!!
-عايز أعرف هى مين
-اسمها شروق حسين صفوان طالبة مغتربة ولسه في سنة تانية
-معاك صورتها
نظر إليه عادل بغضب، يعلم جيدًا ما يفكر فيه أخيه المجنون لذا قال :
-وهو ده وقته؟!
-اخلص يا عادل معاك صورتها؟؟
أخرج هاتفه حتى يأتي بصورتها فقد جمع الكثير من المعلومات عن الطالبة التي شهدت على أخيه وهى السبب الرئيسي في أن تعلم الشرطة هوية السفاح، حدق كاظم في صورة شروق بأعين غريبة، مريضة قائلًا :
-عادية جدًا، أكيد البنت عانت صدمة من اللي شافته وباين على ملامحها علفكرة
رفع نظره إلى عادل الذي كان يرمقه بنظرات غريبة جعلته يشك به، فلا تثق بقاتل وإن كان أخاك، لذا قال بنبرة ساخرة :
-ايه بتفكر تقتلني ولا تسلمني
وأجابه الآخر بسخرية أشد من سخريته :
-لأ بفكر حل لمصيبتك بدال ما تجرني معاك
-ملهاش حل غير إن اطلع برا البلد
طرق الآخر على عجلة القيادة أمامه صائحًا بصوت حاول أن يجعله منخفضًا قدر المستطاع :
-تطلع ازاي وكل الطرق مقفولة عليك، بحري وبري وجوي
ابتسم كاظم بسمة مخيفة وقد لمعت في عينيه نظرة مختلة قائلًا :
-أتصرف يا عادل وإلا هتكون النتيجة مش في صالح حد فينا يمكن انا هدخل مستشفى الأمراض العقلية لما يعرفوا تاريخي الأسود في المصحات لكن أنت
أشار إلى عنقه بمعنى الموت فقال عادل بهدوء مخيف :
-انت بتهددني!؟
-انا بقولك على اللي هيحصل يا عادل وانت عارف إن الأفضل إن أطلع برا البلد
-ورفضت مساعدة الناس اللي وراك ليه طالما عايز تخرج
-انت هتهزر ولا ايه، دول كانوا عايزين يصفوني مش يهربوني
ختم حديثه وعاد يحدق في صورة الفتاة التي أسقطت سفاح إسكندرية
في البداية اعرفكم على تاريخ السفاح هو مجنون ويعلم هذا، قتل حبيبته الأولى الاسبانية بعدما خانته مع أحد زملائهم فقتله وقتلها ثم جُن بعدها، فظل شبحها يلاحقه ويراه في كل مكان حتى اليوم
حجزه والده في عدد كبير من المصحات ولكنه لا يكمل بها شهرًا، تارة يقتل الممرض، تارة يذبح الطبيب، وصنفه الجميع على أنه سيكوباتي وهذا لأنه يعشق رؤية الدماء ويستلذ برؤية روح الضحية تغادر جسدها
يأس منه والده لذا أعاده إلى مصر مرة أخرى بعدما كان يتعلم في أسبانيا ومنذ ذلك الحين بدأ في مشواره في متعته المحببة ألا وهى رؤية الدماء تتدفق أمامه، كان يقتل بشكل عشوائي ولكن بطرق احترافية دون أن يعلم أحد، ويخفي الضحية بشكل مدروس
ولكن في إحدى الليالي قد كشفه أحد السياسين بعدما قتل له ابنة أخيه التي كان يواعدها، وللعجب طلب منه أغرب طلب يمكنه أن يطلبه أحد من شخص قتل ابنة أخيه ومر على التخلص من جثتها ساعة واحدة
"تشتغل تحت ايدي وهديك فلوس عمرك ما حلمت بيها بس تقتل اللي اقولك عليه بس"
لم يوافق من أجل الأموال بل لإشباع غريزته في سفك الدماء، ومنذ ذلك الوقت وأصبح سفاح إسكندرية المسبب رعب لجميع سكانها، وأصحاب الطبقة المخملية بالأخص
وفي يوم علم أخيه بالأمر وللحق خاف أن يبلغ عنه ولكنه لم يفعل ولم يبالي وبعدها بعدة سنوات طلب منه أن يشاركه في القتل، تعجب من هذا الطلب ولكنه لم يمانع على الأقل سيشاركه جرائمه لذا لن يبلغ عنه في يوم من الأيام فقد أصبح متورط مثله
بعد ذلك خطب فريال لأنها تشبه حبيبته السابقة تمامًا حتى أنه كاد ينسى الأولى ويبدأ من جديد معها، بالله إن كانت طلبت منه أن يتعالج كان ليفعل ولكنها قررت تركه والذهاب لآخر فعلم أنها تحب رجل آخر وأهلها هم من اجبروها على الخطبة منه من أجل المصالح لا أكثر وهى لم تتحمل فكرة الزواج منه لذا أنهت خطوبتهما
لم يتحمل فكرة الخسارة لمرتين وفي يوم من الأيام كان هو مسكورًا، في العادة هو لا يحتسي أي نوع من الخمور حين يقتل حتى يكون في كامل تركيزه ولكن كانت تلك المرة هى الغلطة التي أسقطت سفاح إسكندرية
ذهب إلى جامعتها فهى كانت في السنة الرابعة لكلية الآداب قسم علم النفس، تربص بها ثم نحرها في المرحاض ثم أخذ ينوح ويبكي عليها كما ناح على حبيبته الأولى "أولى ضحاياه" كان في حالة بين الوعي واللاوعي لذا لم ينتبه أن هناك أحد في المرحاض غيرهما ولم يكن لينتبه لولا أنها أصدرت صوت
حاول أن يقتلها يومها ولكن إن كان بقى في ذلك المكان لدقيقة أخرى ما كان لينجو لذا قفز من نافذة المرحاض وألتوى كاحله إلتواء بسيط، وها هو مطارد من الشرطة بعدما كشفت الشاهدة هويته، لا يعلم كيف فعلتها فهو لا يتذكر الكثير بسبب ثمالته ولكنه انكشف في النهاية على يديها
يالا السخرية لأشهر وسنوات لم يستطع أحد أن يمسك عليه دليل واحد يدينه، لتأتي هذه الفتاة العادية وتفعل ما فشلت به الشرطة والمخابرات وقوات أمن الدولة؟!
تحدث عادل بنبرة تحذيرية بعدما طال تحديق كاظم لصورة شروق :
-كاظم انسى اللي بتفكر فيه، انت مش هتقتل البنت، انت لازم تخرج برا البلد دلوقتي
-وماله اقتلها وبعدين اطلع برا البلد سهلة اهي
شعر الآخر بالثوران من برود الآخر فلا يستطيع أحد أن يخرجه عن طور بروده غير جنون كاظم الانتحاري هذا :
-وانت هتستفاد ايه ما خلاص شهدت عليك وخلص الموضوع، ولو روحت ليها هتتمسك بسهولة وانا مش هسمحلك تضيع نفسك وتضيعني علشان جنان في دماغك
نظر إليه كاظم بطرف عينيه لا تعجبه هذه النبرة البتة، لقد قتل والده لأنه كان يستخدم معه أسلوب الأمر والإجبار فمن هو ليأمره :
-عادل بلاش النبرة دي مش انا اللي اتأمر ومش هعمل حاجة غصب عني، والبنت دي هقتلها يعني هقتلها، عيب في تاريخي اسيب البنت اللي كشفتني حية ترزق وانا أهرب من غير ما أديها تحية سلام حتى
تنفس عادل ببطء يخرج سلاحه من جيبه موجهًا إياه نحو كاظم ثم قال ببرود شديد :
-وانا مش همشي وراء جنانك ده علشان ألاقي نفسي في السجن، خليني اساعدك يا كاظم علشان منغرقش كلنا
رفع كاظم عينيه من على السلاح إلى وجه عادل ببطء، مبتسمًا له ابتسامة شديدة البرود وقد لمعت في عينيه نظرة استهزاء :
-تعرف يا عادل فيه مقولة حلوة اوي انا سمعتها ولحد دلوقتي انا حياتي ماشية بالمقولة دي
عاد للخلف قليلًا أمام أعين عادل الموجسة ثم قال :
-متثقش في قاتل حتى لو كان أخوك
وما إن ختم آخر كلمة حتى ضرب رأسه برأس عادل بقوة جعلت الآخر يشعر بتشوش حاد، ولم يعطيه فرصة لإستعاب ما يحدث مستخدمًا أسلوب السرعة والمباغتة فهو قاتل محترف أكثر من عادل، عشر سنين خبرة لا يقارنوا بأربع سنوات، إذ اختطف من يده السلاح البارودي، هابطًا به على رأسه مرة واثنين وثلاث إلىٰ أن افقده الوعي
ترك السلاح على جنب ثم أمال الكرسي الذي يجلس على عادل ملقيًا بجسده أسفل المقعد الخلفي ثم جلس هو على مقعده بعد أن أعاده كما كان، قابضًا على عجلة القيادة، مبتسمًا بإتساع بسمة بدت مختلة وعينيه على صورة شروق التي تعلو شاشة هاتف أخيه الفاقد للوعي بالخلف :
-شروق حسين صفوان تقريبًا أمك دعت عليكي في ليلة مستجابة علشان يبقى ليكي الشرف اني أختم مسيرتي في مصر بيكي
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
مر من أمام شقة عمه ببال شارد من أحداث البارحة، ليتفاجأ بخروج حمزة هاجمًا عليه بعناق قوي على حين غرة لدرجة جعلته يتراجع للخلف ولولا الجدار لسقطا أرضًا، حسنًا حمزة لا يحب العناق وما يحدث الآن مثيرًا للريبة، لكن ما قاله حمزة جعله يطالعه بحنق :
-ابن عمي الغالي اللي أخواته هيتجوزوا وهو هيفضل كلب عازب وحيد
دفعه يونس عنه صائحًا بحنق دون أن ينتبه أن حمزة أعاد يده خلف ظهره ومسح ما بها :
-والله ما حد كلب هنا غيرك اوعى كده خنقتني
اعتدل في وقفته ثم أضاف بنفس النبرة الحانقة :
-ثم انت بتعمل ايه في البيت معندكش شغل نهائي، ٢٤ ساعة قاعد في البيت
-فين أربعة وعشرين ساعة ده انا كل يوم نازل المحكمة ومعظم شغلي والقضايا بفضل اشتغل عليهم في هدوء مش في المكتب
آماء يونس دون أن يهتم كثيرًا لما قال مكملًا الصعود لأعلى وقد لحق به حمزة صاعدًا معه مما آثار تعجبه فقال :
-طالع عندنا ليه يا حمزة؟!
-بابا وماما وعمك محفوظ وأبوك فوق بيتكلموا عن خطوبة رقية واللي حصل أول إمبارح لرحمة، وانا أصلًا كنت فوق بس نزلت اتطمن على رحمة علشان بتذاكر لوحدها واديني طالع تاني، صحيح ايه حكاية بياتك برا كتير اليومين دول؟! انت متجوز من ورانا يلاه؟؟
ختم حديثه بمزاح جعل يونس يبتسم رغمًا عنه ثم قال وهو يلج للشقة فقد كان الباب مواربًا على أي حال :
-والله ما فايق للهزار ده
ألقى التحية على الموجدين فقد كان يجتمع في منزلهم عمه محفوظ وعمه عثمان وزوجته، ووالديه، رد الموجدين عليه التحية منهم يوسف الذي هتف مسرعًا وهو يرتدي سترته :
-كويس إنك جيت هات مفتاح العربية علشان خارج
-رايح فين؟؟
نطق بها بتساؤل وهو يخرج له المفتاح، ملاحظًا أن رقية هى ايضًا جاهزة للخروج، فأجابه الآخر بإختصار وهو يرتدي حذائه :
-براءة جاية من الصعيد هاروح اجيبها من المحطة، يلا يا رقية
لا يعلم لما شعر بغيرة قليلًا من براءة فلا يستوعب بعد أن توأمه سيكون له حياة خاصة بعيدة عنه، وأن رقية شقيقته الصغيرة سيكون له أيضًا حياة خاصة ويبقى هو وحيد كما قال حمزة
رحل يوسف ورقية بعدما ودعهم وقد صاح حمزة في رحيلهما بنبرة مازحة :
-الله يسهلك يا يــوســف وعقبالي بقى، لأحسن شكلي هعنس
ختم حديثه وهو يرمق والده بنظراتٍ ذات مغزى فهمها الآخر بسهولة فقال وهو يرفع كوب الشاي إلى فمه :
-متبصليش كده عندك عمك محفوظ أهو اسأله اتأخر نسيبه في الرد على طلبنا ليه
جلس يونس بجانب كريم مستمعًا لهذا الحوار، ربي حتى حمزة أيضًا سيتركهم وتكون له حياته الخاصة، يعترف أنه سيشتاق لتجمعاتهم التي بالطبع ستقل بشكل ملحوظ عما سبق
نظر حمزة لعمه منتظرًا إجابة فقال الآخر لا يود أن يقول كلامًا يزعج حمزة وعثمان، لذا حاول أن يخفف من الأمر وعدم اخبارهم برفض علي شقيق زوجته الآن أمام جميع العائلة :
-لسه مردش يا حمزة
-طب اتصل عليه دلوقتي
رفع الآخر إحدى حاجبيه بتعجب لا يدري لما هو متلهف على الأمر هكذا، ولهفته هذه تقول أن نور ليست مجرد فتاة أُعجب بأخلاقها فأراد خطبتها، وفي الواقع هذا سيصعب الأمر أكثر :
-دلوقتي هيكون في شغله ومش هيرد على تليفونه استنى آخر النهار كده
آماء حمزة مستسلمًا، لا يعلم لما يستغرق والدها يومين للتفكير في الأمر، تحدث محفوظ ليغير الموضوع هذا فقال :
-صحيح المحضر اللي عملتوه للراجل وصل النيابة ولا لسه
-بعد يومين وهو خرج بكفالة وأعتقد هنحتاج شروق ونور وعائشة وكمان مدام شيري علشان يشهدوا إن الراجل ده ضايقهم قبل كده
-بلاش شروق والبنات طلعهم من الموضوع، حصلت مشاكل كتير معاهم وانا مش هعرف اخبي أكتر لما علي وحسين يسألوني بناتهم عاملين ايه، كفاية مشاكل لحد كده
لم يعجب حمزة هذا الحديث فشهادة الفتيات مطلوبة حتى تثبت التهمة أكثر على ذلك المتحرش الحقير، تحدث محمد مغيرًا مجرى الحديث بعد أن شعر أن التوتر سوف يسود المكان :
-يونس عامل ايه في القضية، اتصلت عليا إمبارح وقولت إنك مش هتعرف ترجع غير الصبح
مسح يونس وجهه بإرهاق ولم يفصح عن الكثير بل قال بإختصار :
-السفاح ظهر ليلة إمبارح وصلت معلومات إن في حد ركب من الصحراوي في اتوبيس سياحي شبه السفاح، السواق قال إنه كان عايز توصيلة علشان كده ركب معاهم ونزل إسكندرية، وانا وسفيان الليل كله بنسمع الشهود والسواق ونراجع الخطوط اللي مشي عليها الاتوبيس
توقف عن الحديث فجأةً، ناظرًا حوله بطريقة مريبة ثم تساءل :
-هى رقية فين؟؟
عقدت عبلة حاجبيها بتعجب، ألا يتذكر يونس أن رقية خرجت أمامه مع يوسف :
-مشيت مع يوسف قدامك، هو انت خايف منها؟؟
-اومال بنتك دي أسرع من الإنترنت، تاخد الخبر من هنا وينتشر من هنا وتعملنا قلق في البلد
رن جرس الباب فوقفت عبلة حتى ترى من الطارق وبعد ثواني قد نادت على ناهد من أجل أن تأتي فهناك من يريدها
حرك يونس رقبته في حركة اعتادها من أجل فك تشنج رقبته ليلاحظ أن الجميع بدأ ينظر إليه بتركيز وبنظراتٍ غريبة، وقبل أن ينبس بكلمة يستفهم بها، قال عثمان وهو يحادث أخيه :
-محمد هو ابنك على رقبته روج ولا دي كدمة
وضع كريم يده على عنق يونس ماسحًا ما عليها وقد طبق لون أحمر مخملي على أصابعه فصاح بذهول قائلًا :
-ده روج، لأ وشبه روج الرقاصات
ابتسم حمزة بتشفي، مدعيًا الذهول وهو يرمق يونس الذي بدت عليه الصدمة أكثر من الموجدين :
-هو انت كده بتدور على السفاح يا يونس ولا كنت بتروي جفافك العاطفي علشان يوسف ورقية هيتجوزوا وانت لسه عازب
وقف محمد من مكانه متفحصًا عنق يونس بنفسه وقد تأكد أن هذا طلاء شفاه بالفعل فقال بغضب امتزج بالذهول من أن فعلًا كهذا يخرج من ابنه :
-منين الروج ده يونس!؟ انت كنت مع مين قبل ما تيجي؟؟
وقف الآخر من مكانه بفزع يمسح هذا الطلاء من على عنقه، يحاول عصر عقله لفهم كيف وصل الطلاء إليه :
-والله ما أعرف ولا روحت مكان، حتى اتصل على سفيان اسأله هيقولك الليل كله كنت معاه
وبين تبريرات يونس نظر عثمان إلى ابنه يلاحظ هذه النظرات المتشفية البادية على ملامحه بوضوح، يعلم أن يونس هو من قص شعر حمزة كما يعلم تمام العلم أن ابنه لن يترك له فعلة كهذه دون ردها فحمزة من صغره يعشق المقالب كما عشقه للقراءة
رفع يده ممسكًا بكف حمزة بعدما أثر لون أحمر مخملي يظهر على أصابعه، وها هو الدليل على كيفية وصول الطلاء الأحمر على عنق يونس :
-وانت ايه اللي جاب الروج على صوابعك يا حمزة
وبعد هذه الجملة هدأ المكان هدوء مريب يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة قطعه تذمر حمزة من كشف والده للأمر بهذه السرعة :
-حرام عليك كنت استنيت شوية، على الأقل كان عمي اداه علقة اشمت فيه بيها
وعلى بُعد خطوات من هذا الموقع كانت تقف نور أمام الباب تتحدث مع ناهد في وجود عبلة التي دعت نور للدخول ولكنها رفضت بحرجها المعتاد، ثم قالت بنبرة محرجة :
-مس ناهد سألت عليكي تحت فقالتلي رحمة إنك هنا، طبعًا بكرة آخر امتحان لسنة تانية إعدادي وبعده هتبدأ امتحانات سنة تالتة ومدرسين المدرسة كلهم بيروحوا مدرسة تانية علشان المراقبة وسمعت اسم المدرسة اللي هنروحها وانا معرفش حاجة هنا، ومستحيل اركب تاكسي بعد اللي كان هيحصلي آخر مرة فينفع لما تروحي تاخديني معاكي علشان متوهش، معلش لو هتعبك
وافقت ناهد بالطبع مبتسمة لها بإتساع، تشعر بالسعادة حقًا عندما تفكر في أن هذه الفتاة الخجولة المهذبة ستكون زوجة ابنها، فقط لو تقلل من حدة عصبيتها :
-اكيد يا نور نروح سوا وماله، بس بقولك ايه بلاش مشاكل هناك علشان هتبقى مدرسة غريبة، فإيه بقى نخف عصبية
آماءت نور وقد علت على شفتيها بسمة محرجة جعلت ناهد تسأل نفسها، كيف لفتاة خجولة كهذه أن تكون مخيفة حادة الطباع أثناء موجة غضبها؟! صدق المثل الذي قال "اتقي شر الحليم إذا غضب"
ارتفعت الأصوات بالداخل وكأن مشاجرة قد اندلعت فتحركت عبلة من مكانها حتى ترى ماذا يحدث بداخل البهو، وعوضًا عن هذا تراجعت بسرعة ملتصقة بالجدار عندما وجدت حمزة يركض نحوهم بسرعة مخيفة، ضاحكًا بصوت مرتفع وخلفه ظهر يونس صارخًا بتوعد له وبدا كثورٍ هائج
ابتعدت ناهد بسرعة من أمام الباب فكان الأمر أشبه بهجوم ثيران، ولم يتسنى الوقت لنور كي تفهم ماذا يحدث إذ وجدت حمزة أمامها على وشك الخروج فأبتعدت من أمامه مستندة على الباب بيدها
جذب يونس حمزة من ملابسه من الخلف قبل أن يخرج، صافعًا الباب بقوة حتى يمنعه من الخروج قبل أن يحطم عظامه ويسمع صوت تحطيمها أسفل يديه
وتلىٰ هذا صرخة صدرت من نور بعد أن أنغلق الباب على أصابعها وكأن الإسكندرية وسكانها أبوّ أن ترحل من هنا دون أن يتركوا لها جروح وذكريات سيئة
تسأل نفسها أهي منحوسة لهذه الدرجة؟؟ أم أن هذه المدينة المصائب بها كثيرة...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أراح عنقه قليلًا حتى يفك تشنجها بعد أن استمر في الجلوس طويلًا على هذه الوضعية الغير مريحة بالمرة، بالله لا يحب أن يكون موظف في إحدى الشركات هكذا بل يحب العمل حرًا كما كان سابقًا فلما يجب أن يُربط بوظيفة ثابتة حتى يتم الزواج
لم يحصل على العمل هنا بواسطة بل لأن لديه خبرة واسعة في مجال البرمجيات نظرًا لتوسعه في المجال حين كان في إنجلترا، وكل هذا كُتب في ملفه مما مكن له القدرة على الحصول على وظيفة مهندس برمجي في شركة الإلكترونيات والبرمجة هذه
سحب هاتفه حتى يبعث رسالة لرقية يرى إن كانت استيقظت أم لا، اعتلت البسمة على وجهه بعد أن رأى رسالة منها قد أرسلتها في وقت متأخر بالليل وقد كانت الرسالة عبارة عن صورة لفستان الخطبة التي ستقام آخر الأسبوع
قد كان الفستان من خامة ثقيلة نظرًا لهذه الأجواء الباردة، به الكثير من البريق مثل فستانين هذه الأيام ولونه كان الجملي الغامق تزخرفه نقوش من اللون الجملي الفاتح على الأكمام وفي منطقة الخصر
كان جميلًا وأجمل ما به أنه ساتر فلا يُظهر أي شئ من جسد التي ترتديه، لقد نفذت طلبه فهو طلب منها ألا تشتري شيئًا قصيرًا أو مفتوحًا، يبدو أن رقية مطيعة أو مثل باقي الفتيات، أخبرها أنه سيغار ولا يريد أن يرى أحد شيئًا منها لذا نفذت الأمر، بقى فقط أمر الحجاب وبالحديث اللين معها قد توافق على الأمر
فصدق المثل الذي قال أن الطريق لقلب المرأة هى أذنها، اسمِّعها أجمل الكلام وستمتلك قلبها وتفكيرها بسهولة
أرسل إليها رسالة مختصرة يعبر بها عن إعجابه بالفستان
"حلو أوي بس ناقص حاجة"
كانت متصلة الآن بالإنترنت لذا أجابت سريعًا فور أن سمعت الرسالة
"ناقص ايه؟؟"
"الطرحة يا رقية"
قرأت الأخرى الرسالة وذمت شفتيها، لا تعلم لما لا تريد أن ترتدي الحجاب ليست مقتنعة كفاية لتأخذ خطوة كهذه، أغلقت الهاتف ولم ترد على رسالته ثم نظرت إلى يمينها حيث نافذة السيارة التي تطل على الشوارع الصاخبة كالمعتاد في هذا الصباح
رن هاتفها برسالة أخرى منه ففتحت الهاتف لتقرأ محتواها
"معجبكيش الكلام؟!"
"بفكر فيه"
تحدثت يوسف بجانبها وقد علم أن من تحادثه عمر نظرًا للأسم المكتوب
انتي بتكلمي عمر؟!
-آه
-يا أدي عمر
نطقت بها بضيق وهو ينظر إلى الطريق أمامه فقالت رقية متعجبة ضيقه هو ويونس كلما رأوها تحادث عمر، وفي الواقع لا يعجبها الأمر فلما هما ضائقان هكذا؟؟ وهل السبب يعود لأنها كانت تقابل عمر دون علمهم، ألا يزالان حانقان على الأمر حتى بعد إعتذارها والاعتراف بأنها مخطئة :
-هو انت ويونس ليه مش طايقين عمر؟؟ ليه كل ما تشوفوني بكلمه بتضايقوا؟!
ولو سألت هذا السؤال ليونس لراوغ عن الإجابة الحقيقة بإستفزازه المعتاد، ولكنه رجل مباشر لا يحب المراوغة لذا قال بصراحة مفرطة :
-علشان هو هياخدك مننا طبيعي نبقى مضايقين منه، حتى بابا مضايق بس بيخبي
رمشت رقية بأهدابها عدة مرات تستوعب ما نطق به، ولم تلبث لثوانٍ إلا وعلت صوت ضحكاتها في السيارة، فنظر لها يوسف بطرف عينيه متهكمًا من ضحكاتها ثم قال :
-ايه اللي يضحك معلش؟!
-إنكم غيرانين عليا من عمر، علشان كده وإحنا بنختار الشبكة كان يونس ضارب بوز، ولما عمر يتصل عليا تقلبوا وشكم انتوا الاتنين
أماء يوسف بهدوء معترفًا بحقيقة أنهما يشعران بالغيرة على شقيقتهما الصغيرة، فكرة أن هناك رجل سيأخدها من المنزل غير متقبلة بعد وتزعجهم بشدة، نظر إلى رقية التي كانت تطالعه ببسمة تكاد تشق وجهها إلى نصفين وباتت القلوب الحمراء تتطاير من عينيه فقال متعجبًا هذا الوجه :
-فيه ايه؟!
-أول مرة أشوفك انت ويونس باللطافة دي
هجمت عليه بعناق قوي على أثره تمسك يوسف بالعجلة حتى لا تنحرف السيارة منه صائحًا بهذه المجنونة التي تعانقه أثناء القيادة :
-يخربيتك هنعمل حادثة اوعي
قهقهت رقية ومر على خيالها تخيل ليوم الزفاف وهى تودع والديها واخويها، وهذا التخيل البسيط جعل ضحكاتها تنخفض تدريجيًا، مبتعدة عن يوسف وقد شردت وجمدت ملامحها من المشاعر المختلطة التي أصابتها
لم تتخيل يومًا كيف سيكون يوم الوداع هذا وفي الواقع أصابتها رهبة من الموقف وهو بالفعل يستحق هذه الرهبة، أن تودع أهلك وأحبائك والمكان الذي قضيت به طفولتك ومراهقتك لكي تبدأ من جديد مع أشخاص جدد وفي منزل جديد لست معتاد عليه، إنه لأمر صعب ويخيف بشدة
وعلى أثر تخيلاتها هذه أدمعت عينيها فجأة وحالة من الرفض انتابتها، لهما الحق اخويها بأن يشعروا بالضيق فهى أيضًا شعرت بضيق شديد في صدرها من فكرة رحيلها عن المنزل، وأن تفتح صفحة جديدة في كتابها تبدأ بها من الصفر
توقف يوسف بسيارته على جنب، محدقًا في الدموع التي بدأت تتجمع داخل مقلتي شقيقته :
-بتعطي ليه دلوقتي؟؟ علشان انا ويونس غيرانين من عمر؟!
نفت رقية برأسها بهزة بسيطة ثم قالت بما يدور في خلدها :
-الفرح آخر الشهر يعني بعد تلات أسابيع، يعني همشي واسيب البيت، يعني مش هرجع من الشغل ألاقي ماما عاملة الغداء، يعني مش هستنى يونس يرجع من الشغل علشان ارخم عليه، انا لو تعبت مش هلاقيك معايا انتي وبابا علشان تدوني الدواء، انا هسيب البيت وامشي يا يوسف، انا مش مستعدة لده
تفاجأ يوسف ببكاءها الغير متوقع، ألم تكن تضحك منذ ثواني فلما هذا الانقلاب المفاجئ؟؟
ربت على كتفها بحنو ثم قال ممازحًا إياها حتى تكف عن هذا البكاء :
-بس يا هبلة بتعيطي علشان هتسيبي البيت وتمشي، يعني انتي مثلًا مهاجرة دي كلها ساعة بالعربية ونبقى عندك
سحبت رقية عدة مناديل من العلبة الموضوعة في السيارة ثم قالت :
-لأ ساعة كتير انا هقول لعمر يجي يسكن هنا في ميامي علشان ابقى جنبكم وكل يوم تيجوا تزوروني وانا هنطلكم كل يوم
تبسم يوسف عليها فما تقوله لن يحدث مهما وعدت وقالت، فبعد الزواج ستنشغل بزوجها وأبنائها وحياتها ولن يروها إلا كل أسبوع مرة أو أقل من هذا، وهكذا هى الحياة ولن تتغير :
-هتيجي تزورينا ونيجي نزورك آه بس مش كل يوم، انتي شوفتي حمزة وكريم بيزوروا غادة كل يوم أو ماما نفسها كانت بتروح بيت جدي الله يرحمه كل يوم؟!
نفت مرة أخرى وعادت الدموع تتجمع في عينيها ثانيةً عندما أضاف :
-ومش هينفع عمر يجي هنا علشان شقته جاهزة متقدريش تحكمي عليه يسيب شقته الجاهزة ويشتري شقة تاني هنا، ثم إنه يشتري شقة هنا صعب جدًا وانتي عارفة، هتتعودي على الوضع الجديد متخافيش، أكيد كل البنات كانت كده اتعودت فخوفك من اليوم ده طبيعي جدًا، وبعدين بصي على الإيجابيات على الأقل هتبقى جنبنا في إسكندرية مش هتتغربي في محافظة تانية
وجمت ملامح رقية بشدة فضحك يوسف عليها بخفة ثم خرج من السيارة حتى يأتي بشئ بعد ملاحظته أنه يقف بجانب سوبر ماركت، فتحت هاتفها بعد أن راسلها عمر بعدة رسائل وهي لم ترد
كادت أن تحادثه في الموضوع ولكنها تراجعت فيوسف محق فيما قال، لا تستطيع أن تطلب منه أن يبيع شقته الجاهزة ويشتري أخرى في ميامي فالشقق هنا باهظة الثمن قد لا يقدر عليها
وعليها بالفعل أن تنظر إلى الإيجابيات هى ستسكن في نفس المحافظة وسيأتوا كثيرًا لزيارتها وليس مثل زوجة عمها أسماء التي تركت الصعيد وتزوجت في الإسكندرية ويأتي اخوتها كل عام أو اثنين مرة لزيارتها، بينما هى لا تذهب إلى الصعيد إلا في المناسبات الخاصة أو كل ثلاث أعوام مرة
عاد يوسف وفي يده كيس أبيض به عدد من أنواع الشوكولاتة والبسكويت، ابتسمت رقية بشدة عندما أعطاه لها فشكرته بحرارة قائلة :
-ده كله ليا؟!
أغلق يوسف الباب ثم شغل السيارة مجددًا معدلًا على كلامها :
-لأ نصهم ليكي والنص التاني لبراءة
اعتلىٰ الخبث على وجهها ناكزة أخيها الرومانسي اللطيف ولتوها تكتشف به هذه الصفة، هنيئًا لبراءة على زوجٍ كهذا :
-ايوه يا عم بقى وجايبلها شوكولاتة ديري ميلك، وكيت كات، ده ايه البزخ اللي انت فيه ده؟؟ إما عمرك جبتلي حاجة زي كده؟!
نطقت بتعجب حقيقي ليقول الآخر بسخط عليها :
-بطلي كذب اومال اللي في إيدك ده يبقى ايه؟! ثم انا معرفش ايه النوع اللي بتحبه فجبتلها أحسن حاجة موجودة، تفتكري الشوكولاتة هتعجبها أصلًا؟؟
قسمت رقية بالعدل وتركت نصيب براءة داخل الكيس وهى أخذت تأكل من نصيبها تزامنًا مع الإجابة عليه :
-سبق وقالتلي إنها دايسة في كل حاجة ثم دي شوكولاتة يا بابا ومفيش بنت مش بتحب الشوكولاتة، حتى لو ملهاش فيها أوي تعتبر الشوكولاتة أفضل هدية تقدمها لبنت وبصراحة ذوقك حلو في الاختيار
ضحكت بشكل مفاجئ وهى تقطم من الشوكولاتة في يدها ثم قالت :
-انا بشفق على اللي هيتجوزها يونس مستقبلًا علشان هو ملوش أبدًا في الحاجات دي ولا بيعرف يجيب هدية ولا يقول كلام حلو وكمان عصبي، سبحان اللي خالقكم توأم في الشكل بس شتات في الشخصية
ابتسم يوسف بسمة جانبية ظهرت على جانب ثغره ثم صمت صمت غريب فقالت رقية متسائلة :
-سكت كده ليه؟؟
تنهد الآخر ثم قال :
-يونس مخنوق ومتضايق بقاله كذا يوم، انتي هتتجوزي وانا برضو هتجوز ويونس هيبقى لوحده، انا حتى لو هبقى فوقه بكام دور برضو هيحس إنه لوحده
همهمت رقية بتفهم فيونس مزاجه متغير هذه الأيام لهذا السبب :
-فعلًا معاك حق لازم نشوفله عروسة، بس تفتكر هيوافق بجوازة الصالونات؟؟
-هو مش هيوافق بالجواز على الوجه العام علشان لسه معملش موف أون من العلاقة الأولى
أخرجت رقية صوتًا ساخرًا من فمها ثم قالت :
-ست سنين ومعملش موف أون وخلاص داخل على التلاتين هيستنى الأربعين ولا ايه؟!
توقف يوسف بسيارته أمام المحطة ثم قال :
-أهو أمك كل ما تكلمه في الموضوع ده يقول لسه بدري وبابا اتجوز وهو عنده تلاتة وتلاتين سنة
نظرت رقية للخارج نحو المحطة وقد غيرت مجرى الحديث إذ قالت :
-هى براءة تعرف إنك جاي توصلها
-آه اتصلت على عمك محفوظ علشان يجي ياخدها من نص ساعة وقالت إنها في القطر وعلى وصول
نطق بها بهدوء وهو يأتي برقم براءة حتى يعلم أين وصلت فقالت رقية غامزة له :
-وانت طلعت في النص وقولت أروح انا اجيبها، خبيث يلاه!! بس ما كنت روحت وحدك اخدتني معاك ليه؟؟
وأجابها الآخر وهو يرن على براءة والتي لا تجيب على الهاتف وعلى الأرجح لا تسمعه من صوت القطار :
-شرط عمك إن مروحش اجيبها وحدي وكده فقولتلك تعالي معايا
خرجت رقية من السيارة ثم ولجت إلى المحطة مبصرة براءة تقف في انتظار وصول زوج عمتها ولكنها وجدت رقية تظهر أمامها من اللامكان مبتسمة لها بإتساع نفس ابتسامتها المعتادة :
-حمد الله على السلامة يا براءة، إسكندرية نورت
ابتسمت لها الأخرى بمجاملة ثم ردت عليها :
-الله يسلمك، هو انتي جيتي انتي ويوسف بعتلي رسالة وقالي إنه جاي
تقدمت رقية أمامها مبتسمة بمكر ثم قالت :
-لأ يوسف مجاش بس جيت انا ويونس
عقدت الأخرى حاجبيها بتعجب وشئٍ من التذمر، لقد راسلها منذ نصف ساعة وقال أنه سيأتي ليأخذها فلما أرسل شقيقه؟!
ابتسم يوسف بإتساع وتوقف قبل أن يلج للمحطة، مبصرًا شقيقته تعود وخلفها براءة، وقبل أن ينبس بكلمة قالت براءة بهدوء دون النظر إليه ملقية عليه التحية، ولكن بطريقة اصطناعية وكأنها مجاملة ولم تتحدث معه من قبل بهذه النبرة وكأنه غريب عنها :
-صباح الخير
شعر يوسف بأن هناك خطأ ما خاصةً أن شقيقته تنظر بحماس وترقب لهذه المحادثة العادية من وجهة نظره :
-حمد الله على السلامة يا براءة عاملة ايه النهاردة، بقيتي كويسة من دور البرد صح؟؟
تعجبت براءة كثرة الأسئلة هذه منه، هى لم تتعامل كثيرًا مع يونس بل لم تتعامل معه من الأساس فتقتصر عدد مقابلاتها معه على التجمعات التي كان هو بها، وبما أنها أصبحت خطيبة شقيقه فمن العادي أن يسأل عن أحوالها كمجاملة، ولكن ليس بهذه النبرة الحانية الهادئة وكأنه يخاطب حبيبته
تعجب يوسف نظراته لها وكأنه أخطأ في شئ وهنا لم تعد تتحمل رقية الصمت أكثر وضم ضحكاتها، لتضحك بملئ فاهها على هذا المشهد اللطيف فيبدو أن براءة ستعاني مستقبلًا في التفرقة بين يونس ويوسف
حدق بها الاثنين بدهشة تزامنًا مع قولها :
-براءة انتي تعرفي مين ده؟!
-مين ازاي!؟ مش قولتي جوا إنك جيتي مع يونس!!
نطقت بها بإستفهام فقالت رقية بعدما خفتت ضحكها :
-وانتي بقالك تسع شهور مع يوسف متعرفيش تفرقي بينه وبين يونس!؟
ولم يصدر أي رد فعل من براءة غير أنها رفعت اصبعها تشير إلى يوسف الذي كان يبتسم هذه البسمة الهادئة الجذابة خاصته :
-يعني ده يوسف؟!
اقترب يوسف من السيارة قاطعًا هذا الحوار :
-آه انا يوسف اللي معاكي بقاله شهور ومش عارفة فرق بينه وبين أخوه بس ملومكيش بصراحة، إحنا فعلًا شبه بعض أوي
فتح باب السيارة لها حتى تدلف لتخالفه الأخرى وفتحت باب السيارة الخلفي وجلست بالخلف وليس بجانبه قائلة بحرج :
-معلش بس انا هقعد وراء
شعر يوسف بأنها أحرجته ورغم هذا امتثل لها وجلس أمام عجلة القيادة، مخرجًا الشوكولاتة من الكيس وقدمها لها في الخلف، هاتفًا ببسمة :
-اتفضلي هدية رجوعك لإسكندرية
التقطتها منه براءة مبتسمًا بإندهاش فلم يسبق أن أحضر شابًا لها هدية، وايضًا هذه الشوكولاتة باهظة لا تراها إلا في ذكرى ميلادها، شغل يوسف السيارة بعد أن صعدت رقية مستفسرًا عن رأيها :
-عجبتك؟؟
همهمت براءة بإعجاب حقيقي وهى تخرج هاتفها وحمد لله أنه لا يزال محتفظًا بالبعض من البطارية حتى تلتقط صورة لأول هدية من يوسف :
-شكرًا كلفت نفسك والله
تعجب الآخر أنها تصور الشوكولاتة فسألها بفضول لما تفعل هذا لتجيب الأخرى بألطف جملة سمعها منها :
-علشان احتفظ بذكرى أول هدية جبتها ليا، يعني لو هيبقى لينا نصيب نكمل مع بعض هتبقى ذكرى حلوة
اتسعت البسمة على وجه يوسف بشدة لتقوم رقية بوضع السماعات في أذنها، مستندة برأسها على النافذة ونظرها للخارج حتى تترك لهما مساحة شخصية للتحدث دون أن تكون عازل بينهما، ابتسم على فطنة شقيقته، ناظرًا في المرآة الأمامية إلى براءة في الخلف والتي كانت توثق هذه الذكرى فقال :
-فطرتي ولا نروح مكان تفطري فيه
-لأ مفطرتش بس عايزة أروح علشان الليل كله في القطر والنومة مكنتش مريحة يعني فعايزة أنام
آماء يوسف بتفهم يراها تضع الشوكولاتة في حقيبتها حتى تتناولها لاحقًا، فكر كثيرًا فيما سيقوله فالطريق لا يزال طويلًا ورقية أعطت له فرصة حتى يتحدث معها بحرية إذًا فلما لا يجد أي كلام، نادى على براءة ناطقًا بما يدور في خلده وبكل عفوية :
-براءة
همهمت الأخرى رافعة رأسها له وهى تمسح نظارتها من الغبار قبل أن تتورد وجنتيها خجلًا مما قاله لاحقًا، مصحوبًا ببسمته الهادئة :
-وحشتيني علفكرة
وفي هذه اللحظة لم تعلم ماذا تقول براءة، أجل تعلم ما الكلمة التي تلي هذه في العادة ولكن إن قطعها إربًا لن تقولها، ابتسم يوسف مراعيًا خجلها الواضح ولم يضغط عليها في الإجابة بل غير الموضوع قائلًا :
-انا ويونس شبه بعض جدًا في الشكل يكاد يكون مفيش فرق بينا بس شخصيتنا مختلفة عن بعض وهتلاحظي ده مع الوقت بس أقولك على حاجة تعرفي بيها تفرقي بسهولة
آماءت براءة بصمت رغم تركيزها فيما يقول فقال يوسف وهو ينظر إلى عينيها في المرآة الأمامية :
-لو كنت انا ويونس قدامك ولقيتي واحد فينا عينيه في عينيكي زي واحد بيبص لحبيبته اعرفي إنه انا علشان يونس مش هيبصلك زي ما انا هبصلك يا براءة
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
خرجت من المدرج بعد أن أنهت اختبارها وعلى ثغرها بسمة راضية أنها قد أجابت عن الأسئلة، ربما ليست جميع الإجابات صحيحة ولكنها على الأقل أجابت، وكل هذا يعود إلى المعيد عاصم والذي يساندها في إعادة شرح الدروس التي تقف معها بل ويساندها نفسيًا أيضًا
تكن الكثير لهذا الرجل فهو يساعدها على تخطي مرحلة الاكتئاب هذه وهى بالفعل بدأت تشعر بتحسن ملحوظ منذ أن افرغت طاقتها المكبوتة في ذلك الجار المتحرش منذ يومين، وتحدث عاصم معها طوال هذان اليومين عن محاولة التفكير في شئ إيجابي يساعدها بالإبتعاد عن التفكير فيما حدث
اتجهت إلى مكتب المعيدين حيث طلب منها عاصم الحضور بعد الإختبار وهى لم تمانع، وهذا لسببين أنها لا تجلس معه في مكان منغلق عليهما بل في مكان به أكثر من شخص فهو ليس مكتبه بمفرده بل مكتب لباقي المعيدين، إذًا لن تكون خلوة
والسبب الثاني هو أنها تذهب له من أجل مراجعة الإمتحان ولجلسة نفسية مجانية منه تتحدث معه بها عن مشاعرها، هذا الرجل حقًا مثالي وطيب القلب ولطيف بشدة، لا تعلم كيف هو مطلق فمن الحمقاء التي تترك رجلًا كهذا
طرقت الباب ثم تلقت دعوة بالدخول من عاصم والذي كان يجلس رفقة زميلين آخرين له وهذا ما جعلها تدلف مرتاحة البال، ابتسم عاصم بشدة لرؤيتها حتى أنه ترك ما بيده مواليًا تركيزه لها :
-صباح الخير عملتي ايه في الإمتحان؟!
جلست شروق في المقعد المقابل للمكتب الذي يجلس عليه عاصم قائلة :
-الحمد لله يا دكتور حليت اللي قدرت عليه
-بصي انا اتمنى إنك تجيبي إمتياز بس لو درجاتك كانت أقل من كده انا مش عايزك تزعلي أو تتضايقي لأن اللي حصلك مش سهل ووجودك هنا بعد أسبوع بس من الحادثة إنجاز كبير، انتي قوية يا شروق
تبسمت له الأخرى بإمتنان حقيقي شاكرة إياه بصدقٍ إذ قالت :
-شكرًا يا دكتور، بس هو انت طلبتني ليه؟!
اعتدل عاصم في جلسته ثم نظر حوله إلى الموجدين إذ رحل زميله من أجل اللجنة التي ستبدأ بينما زميلته الأخرى كانت تجلس وعلى رأسها سماعة أي لا تنتبه لهما من الأساس
وقف منتقلًا من خلف المكتب وقد سحب مقعد حتى يجلس مقابلتها، توجست شروق محتفظة بمساحة مناسبة ثم انتبهت لما يقول عاصم إذ بعد أن جلس قال بشئٍ من الارتباك :
-شروق هو انا ينفع اخد رقم والدك
ولتكن صريحة لم تفهم لما يريد الرقم فلم يأتي على بالها ولو لجزءٍ من الثانية أن عاصم يفكر بها بطريقة أبعد ما يكون عن معيد وطالبته، لذا سألته مستفهمة عن السبب :
-ليه يا دكتور؟؟
تنفس الآخر بهدوء يهئ نفسه لما يقول متوقع الرفض منها ولكن عليه أن يفعل هذا حتى لا يشعر بتأنيب ضمير لاحقًا :
-انا عايز الرقم علشان انا عايز اتقدملك
ظنت شروق أنها أخطأت السمع لذا أعادت سؤاله مرة أخرى عن السبب مدعية أنها لم تسمع ما قاله :
-انت قولت عايزه ليه؟؟
تنهد عاصم بتوتر يعلم أنها سمعته لكن ما قاله يبدو عجيبًا عليها لذا سألته مرة أخرى :
-انا عايز اتقدملك يا شروق علشان كده عايز رقم والدك
ازدردت لعابها الذي جف من الصدمة، تحرك أهدابها بتوتر شديد، لقد حطم جميع توقعاتها بل وحطم صورته أمامها، فكيف معيد في منتصف الثلاثينات أن يطلب الزواج من طالبته التي لم تبدأ العشرين من عمرها بعد، يبدو أنه متأثر بالأفلام والمسلسلات التركية فما يقوله بعيد عن الواقع
تنفست بعمق تحاول أن تهدئ نفسها مدعية الجدية الشديدة :
-دكتور انت عارف انا عندي كام سنة؟؟
-عشرين؟!
نطق بها مخمنًا عمرها لتقول الأخرى بحدة حاولت أن تخفضها قليلًا فـفي النهاية هى تتكلم مع أستاذها :
-انا لسه عندي ١٩ سنة وحضرتك اتجوزت وخلفت وطلقت زي ما اللي في الكلية عارفين وانا لسه مبدأتش حياتي حتى، مش شايف إن الموضوع ده فيه ظلم ليا؟؟
ابتأس عاصم من قولها، توقع منها الرفض ولكن شعور داخل قلبه كان يتوقع ولو حتى بنسبة ١٪ أن تقبل الأمر، لن يهين رجولته وكرامته أكثر من هذا فقالتها صراحةً أنها ترفض، لذا وقف من مكانه ملتقطًا جاهز الحاسوب الخاص به ثم قال :
-اعتبري نفسك مسمعتيش حاجة انا آسف
رحل عن المكتب وتركها بينما ظلت شروق في مكانها تحدق في أثره بعدم تصديق لما حدث الآن، تقسم أنها لم تراه سوى أستاذ لها ولم تتعامل معه بأريحية من قبل بل كانت تراعي الحدود بينهما وبين أي شاب آخر في الجامعة، فكيف له أن يفكر بها هكذا والفرق بينهما ليس أقل من ١٥ عام وهذا الفرق ليس بقليل حتى تقبل بظلم كهذا لها
كان عليه أن يفكر مستقبلًا، أجل هو الآن في شبابه وهى لم تبدأ شبابها بعد ولكن بعد عشر سنوات سيكون هو في منتصف الأربعينات بينما هى لا تزال في ريعان شبابها، هذه المعادلة غير موزونة وإن حدث زواج سيكون هناك ظلم للمرأة فالزواج لا يقتصر على رجل وامرأة فقط
ربما الأمر ليس محرم ولكنها لا ترى أنه طبيعي أو مقبول، على الأقل بالنسبة إليها
وقفت من مكانها حتى تعود للمنزل وقد ارتدت حقيبتها بالتزامن مع ولوج شاب متخفي أسفل قبعة، لا تكذب إن قالت أنها لم تهتم له فمنذ الحادث الأخير والقبعات من هذا النوع تستدعي انتباهها لأن السفاح كان يتخفى أسفل واحدة مثلها
ولم يكن حدسها يكذب هذه المرة إذ ما إن رفع الآخر رأسه لها وقابلت هذه الأعين الزرقاء حتى صرخت بفزع حقيقي متراجعة للخلف
انتبهت المعيدة التي تجلس على صوت صراخها لتنزع عنها السماعات هاتفة بإندهاش لرعب شروق الواضح وكأنها تبصر أمامها عفريتًا :
-فيه ايه يا بنتي بتصرُخي كده ليه؟!
-معلش خايفة مني
نطق بها كاظم بهدوء شديد وهو يخرج سلاحه من جيبه وقد سبق وأن وضع به كاتم للصوت، فزعت المعيدة لما تراه وقد رفعت سماعة الهاتف التي أمامها تتصل على أمن الكلية، ولم تخرج من فمها سوى كلمة "الو" وبعدها سقط جسدها أرضًا، تتوسط جبينها رصاصة
لم يبالي كاظم بها كثيرًا أو بالدماء التي أخذت تزحف أرضًا بعدما سقطت كجثة هامدة، أخذ يبحث عنها بعينيه ولكنها لم يجدها، تقدم للأمام يبحث عنها أسفل المكاتب وقد سهى عن إغلاق الباب أو ربما هذا من رحمة الله على شروق إذ أخذت تزحف أرضًا نحو الباب وغريزة البقاء على قيد الحياة هى ما كانت تزيد الادرينالين داخل دمها
خرجت من المكتب زحفًا كما هى حتى لا يراها، وما إن أصبحت بالممر حتى كادت أن تصرخ بعلو صوتها حتى ينجدها أحد ولكن لم يكن هناك أي شخص من الأساس فالكلية بأكملها لا يوجد بها سوى أعداد قليلة من الطلبة لأنها فترة اختبارات، والآن هم بداخل المدرجات من أجل الإختبار
إذًا هى هالكة
فتحت أقرب باب لها حتى تختبئ خلفه تزامنًا مع خروج كاظم من المكتب بعد أن علم أنها خرجت من الباب المفتوح، نظرًا يمينًا ويسارًا ولم يجد أحدًا، وخبرته في هذا المجال أخبرته أنها لم تبتعد فالمكتب يقع في منتصف الممر أي إن كانت ركضت في أي إتجاه كان ليراها أو حتى يسمع وقع خطواتها
اقترب من الأبواب الموجودة وأخذ يفتحها واحدً تل والآخر، بينما داخل الغرفة الصغيرة التي اختبأت بها شروق بحثت عن شئ ثقيل تسد به الباب ولكنها لم تجد سوى أدوات النظافة، أخرجت هاتفها ووضعته على الوضع الصامت حين وجدت أن يونس يتصل عليها لأول مرة
أجابته بسرعة وحاولت قدر الإمكان أن تخفض نبرتها حين استمعت إلى صوته على الناحية الأخرى يقول بنبرة بدت لها ملهوفة :
-شروق انتي فين؟؟
-انا في الكلية الحقني ده رجع وعايز يقتلني، ده قتل المعيدة
نطقت بها بنبرة مرتعبة متقطعة فقال الآخر بعد ثواني :
-انتي فين بالظبط متبقيش لوحدك حاولي تبقي في تجمع.... ألو
سالت الدموع من عينيها برعب حقيقي تجربه لثاني مرة في حياتها ترى المقبض يتحرك ثم أطل منه كاظم حتى يرى إن كانت بالداخل أم لا
توقف الوقت، وتوقفت حواسها، وتوقف تنفسها تراه ينظر إليها بهذه الأعين الزرقاء المخيفة وهذه البسمة المنتصرة وكأنه يخبرها بها أن لا مفر بعد أن وجدها فهى الآن هالكة
الشئ الوحيد الذي لم يتوقف هى دموعها التي زادت في الهطول، وصوت يونس على الهاتف....
(الفصول اللي فاتت كانت فراشات وضحك وأجواء مرحة، ندخل على المصايب بقلب تقيل بقى)
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الخامس وأربعون 45 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
(فصل طويل النهاردة بدايته فراشات كتير، نهايته فراشات أكتر، في النص بقى قتل، دم، توتر أعصاب، مصايب متتالية)
اتمنى ليكم قراءة ممتعة ❤️
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
تابع بعينيه ما يحدث أمامه وهو يشعر بالسوء الشديد عليها، ذلك الوغد يونس أغلق الباب بقوة على أصابعها لدرجة جعلت أصابعها تنقلب للون الأزرق وعمه الآن يفحصها حتى يتأكد أن أصابعها لم تنكسر
وهذا بالطبع بعد أن تلقى هو ويونس _قبل أن يرحل_ الكثير من السباب والترقيح من والديه وعمه محمد وزوجة عمه عبلة وحتى عمه محفوظ شارك في الأمر، ربما لم يبقى أحد موجود هنا لم يصرخ به لأنه من بدأ المزاح الثقيل هذا
تحدث معتدلًا في مكانه بقلق عندما تأوهت نور بصوت مرتفع وهى تحاول تحريك أصابعها بصعوبة بعد أن طلب منها محمد هذا :
-عمي انا رأيي ناخدها المستشفى ممكن تكون صوابعها اتكسرت
رمقه الآخر بحنق قائلًا :
-ما انا دكتور قدامك ولا وانت هتاخدها هناك لمهندس بترول
-بس هيكون هناك إشاعات، هنا مفيش حد غير حضرتك
صاح عثمان بضيق مصمتًا ابنه حتى يركز محمد فيما يفعل ويرى هذه الفتاة المسكينة :
-ما تسكت يا حمزة أقولك روح إنزل، خد أخوك وانزل
صمت الآخر مجبرًا وأخذ يتابع نور بأسف وتركيز إذ حركت أصابعها عدة مرات بصعوبة ولكن على الأقل حركتها، ليقول محمد وهو يجذب مرهم طبي قد سبق وأحضرته زوجته من الداخل :
-الحمد مفيش كسور حطي من المرهم دي وهى هتخف بإذن الله
وضع القليل على يدها فأخذت الأخرى توزعه على يدها المصابة وملامح الألم تعلو وجهها كما أن بعض الدموع لا تزال عالقة في جفنيها، فبالطبع بعد أن أغلق يونس الباب على يدها بكت وصرخت بشدة خاصة أن الأجواء شديد البرودة
فإن اصطدمت يدك في قطعة خشب في هذا البرد القارس تود القفز من الألم، فما بالك لو أنغلق الباب بعنف على يدك
تحدث محمد متأسفًا نيابة عن ابنه البغل للمرة الثالثة :
-معلش انا آسف ليكي والله بس ولادنا حمير في الهزار مش بني ادمين
ختم حديثه محدقًا في حمزة بغضب فقال الآخر بتذمر :
-شكرًا يا عمي على كمية الشتايم اللي أخدناها وعلفكرة ابنك اللي قفل الباب على ايدها انا مالي انا دلوقتي؟!
-وانت حد قالك تعمل فيه مقلب؟؟
أشار الآخر إلى خصلات شعره المقصوصة صائحًا بتهكم :
-وهو حد قاله يقص شعري؟؟
-وطي صوتك يا إما تروح تنزل
نطق بها عثمان بتحذير أخير له فوقف الآخر مقتربًا من نور التي كانت تطالعه بنظرات نارية حتى ظن أنه لولا الجالسين لقطعته إربًا، جلس على الطاولة أمامها محتفظًا بمسافة مناسبة ثم أردف بصدق :
-انا آسف ليكي والله لولا إن يونس مشي لكنت اديته علقة بس نفد بقى بعد ما اتصلوا عليه في الشغل، إلهي ياخد طلقة البعيد وريحنا منه
صاحت عبلة به بألا يقول هذا على ابنها بينما تمتمت نور بينها وبين نفسها بجملة "حسبي الله ونعم الوكيل"
أمال حمزة رأسه قليلًا متابعًا حركة أصابعها لتوزع المرهم على يدها، ورؤية الأمر من قرب جعله يدرك كم هو سئ وهذا ما جعله يشعر بالسوء أكثر عليها لذا قال بندم حقيقي :
-انا آسف بجد حقك عليا
رفعت له الأخرى عينيها له وقد استحلت اللون الأخضر الباهت وكانت أهدابها ملتصقة ببعضها تعطي سحرًا آخر لعينيها، لا يعلم لما تغير لون عيونها فهو عسلي فاتح مختلط باللون الأخضر في معظم الأوقات فلما تغيرت الآن
ليس الآن الوقت المناسب لأن تبهره بلون عينيها وبما أنه ذو طابع رومانسي لم يستطع أن يجعل الأمر يمر دون أن يضعه لمسته الخاصة فقال :
-ما على الحسناء البهية من داعٍ لكظم الغيظ فالغيظ على الحسناوات ليس بالحسنِ، فإما تخرجي ما في جعبتكِ أو تريني بسمتكِ.... اضحكي يلا
حدقت به متفاجئة من هذا الرد ولولا أنها مولعة بقراءة الكتب ما كانت لتفهم ما يقول، وللحق حاولت جاهدة ألا تبتسم أو تضحك لكنها فشلت في التحكم في تعابير وجهها أو حتى مشاعرها لينتهي الأمر بقهقه ناعمة خرجت منها
لم يتوقع حمزة منها سوى التهكم، ولكن عندما ضحكت ضحك هو أيضًا بشكل تلقائي مستمعًا لحديثها المذهول :
-انت مش طبيعي علفكرة
"عيناكِ هى الغير طبيعية" جملة كادت أن تنفلت من بين شفتيه ولكنه ضمها داخل صدره إلى وقتٍ لاحق، ربما عندما تكون حلاله
قاطع فقاعته الوردية هذه صوت عمه محفوظ وهو يقول بصوت ساخر، محدقًا به بتهكم :
-ايه يا حمزة مش خلاص اعتذرت ارجع مكانك بقى، هتفضل مبلحق كده كتير!؟
-عمي محفوظ ابقى استعجل نسيبك ماشي لأن التأخير مش في الصالح
نطق بها حمزة وعينيه لا تحيد عن عيني نور، وهناك رغبة بداخله تلح عليه أن يسألها لما تغيرت عينيها هكذا، تنحنحت نور ووقفت من مكانها متجهة نحو الباب لتهرب من حصار حمزة فهو لا ينظر إلا لها وكأن لا أحد موجود في المكان سواها، ولم تهتم لما قال ولم ترهق نفسها في التفكير به بل قالت بإختصار :
-مس ناهد ابقي قولي للمدير إن حصل ظرف معايا ومش هقدر اقعد في إسكندرية علشان انا هسافر النهاردة، كفاية مصايب كده لو قعدت كمان شوية مش هطلع حية
مرت من الباب بالفعل فوقف حمزة بسرعة بعد أن ترجم عقله كلماتها قائلًا بنبرة متلهفة :
-لأ استني تمشي ليه ده البلد دي أحسن من غيرها
لحق بها بسرعة دون مبالاة بنظرات باقي العائلة له ليقول كريم مندهشًا :
-مشوفتش حمزة ملهوف على بنت بالشكل ده!! يستحسن تستعجل مع نسيبك يا عمي فعلًا لأحسن منضمش الواد حمزة انا عارفة متهور
استقام محفوظ من مكانه لا يعجبه تصرفات حمزة المتسرعة ولحسن الحظ أن علي ليس موجود ولم يسمع ما يقوله حمزة لابنته :
-لم ابنك يا عثمان مينفعش كده مفيش حاجة حصلت لسه علشان يتكلم معاها بأريحية كده
برم عثمان شفتيه لا يرى أن ابنه ومدلله أخطأ في شئ، فالجميع معتاد على شخصية حمزة وعلى تغزله في أي شئ يعجبه، وهو يعلم أن نور تعجبه كما أنه لم يتمادى في الحديث معها بل اقتصر على عدة كلمات بالفصحى :
-ايه الجديد ما حمزة متعود يقول غزل وشعر من أيام الثانوية ده ممكن يتغزل في الأكل عادي، ثم انا رأيي إنك تستعجل في رد علي
زفر محفوظ لاحقًا بحمزة المجنون هذا والذي سيشفق عليه حين ينكسر خاطره برفض علي على هذه الزيجة
أما في الخارج وبعد أن لحق حمزة بنور أستوقفها بصوته قبل أن تصل إلى الدرج قائلًا :
-نورهان انتي هتسافري الليلة دي بجد؟!
ورغم تعجبها من سؤاله إلى أنها اجابته بكل بساطة قائلة :
-هحاول امشي فعلًا ولو ملقتش النهاردة هسافر بكرة الصبح
نفي الآخر برأسه مقتربًا منها عدة خطوات حتى أنه تعدى المسافة المناسبة :
-انتي هتمشي علشان اللي حصل دلوقتي؟! انا اعتذرتلك حتى يونس اعتذر قبل ما يمشي
أوقفته نور بصوتها بسرعة قبل أن يتعدى مساحتها الشخصية فالآخر لا يتوقف عن التقدم وهى خلفها الدرج، فهل ينتوي على إسقاطها من عليه أم ماذا :
-بس اقف عِندك هتقربي تاني أكتر من كده ايه؟؟
-حــــمـزة
نادى محفوظ على ابن أخيه وقد استغلت نورهان استدارته له وهمت بالنزول ولكنها توقفت على صوته عندما قال :
-نور خليكي متسافريش
نظرت إليه لعدة ثواني معدودة مندهشة من طلبه، فماله ومالها هذا الرجل؟؟ عادت وأكملت الدرج نزولًا للأسفل وهناك بسمة صغيرة بدأت تتسلل إلى شفتيها، وقد بدأت تتسع رويدًا إلىٰ أن أظهرت أسنانها وكادت تتحول لضحكة خجولة مع الكثير من الفراشات التي بدأت تداعب معدتها فهى فتاة في النهاية
حاولت نهر نفسها كثيرًا ولكنها فشلت في هذا، ذلك الخبيث يريد إسقاطها في شباكه وهى شبه سقطت ولكن نهاية هذا لن تعجبها فأين هو واين هى؟! بينهما محافظات وبلاد ربما هو لا يرى هذا ولكنها ترى هذا واضحًا
كما أنه بقى معها أسبوع فقط وبعدها لن تراه مرة ثانية وربما لن تخطو مجددًا إلى هذه المدينة، وهذا ثاني سبب كان يجعلها تصده بإستمرار أنها هنا لفترة مؤقتة ثم لن ترى أيًا ممن قابلتهم هنا مرة أخرى وهو من ضمنهم...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
هبط من سيارة الأجرة أمام مبنى قطاع الأمن الوطني الذي غادره منذ ساعتين فقط، وها هو يظهر سفيان بسيارته في الأفق فهو أيضًا غادر معه بعدما أصابهما التعب في التحقيق الليل كله لذا طلب منه سفيان أن يستريح لساعتين ثم يعودا للتحقيق مرة أخرى
ولكن هذا الأخرق طلب منه المجئ حتى قبل أن يغير ثيابه ويبدو أنه ليس بأحسن حال منه، توقف بسيارته أمامه مباشرةً فصعد إلى جانبه ثم تحرك سفيان إلى داخل القطاع تزامنًا مع قول يونس بنبرة متهكمة :
-ايه بقى الأمر الخارق اللي حصل، انا ملحقتش اخد دش حتى
لم يبالي سفيان كثيرًا بما قال بل تحدث في صلب الموضوع قائلًا :
-فيه اخبار جديدة عن كاظم وهو حاليًا مع أخوه عادل
-ومين بلغكم بالخبر ده ممكن يكون تضليلي مش أكيد
هبط سفيان من سيارته دالفًا إلى المبنى بخطى واسعة يرد التحية بيده على الجميع بالتزامن مع إجابته :
-فيه أجهزة تصنت موجودة في كل عربيات عيلة كاظم، اخواته، أمه، حتى أزواج اخواته وفي الفيلا في كل حتة، أمين قالي إن صوت كاظم ظهر في عربية عادل وهو معاه دلوقتي وقالي لازم اجي حالًا علشان اسمع هو قال ايه
تعجب يونس بشدة من أنهم استطاعوا أن ينفذوا خطوة كهذه وبالطبع استعانوا بأحد من عائلة الدخيلي أو ربما الخدم فتساءل :
-وانتوا ازاي عرفتوا تحطوا الأجهزة دي؟!
-من خلال حد من عيلتهم
ابتسم يونس متوقعًا بسهولة من الذي يساعدهم إذ قال :
-مرات أبوه أكيد، البنت اللي جات غلط هنا، عجباك البنت دي صح؟!
توقف سفيان متفاجئًا من توقعه لشئ كهذا إذ قال بعدما تخطاه يونس :
-وانت مين قالك إنها عجباني بتفتي من دماغك
ختم حديثه وهو يسير إلى جانبه فقال الآخر بهدوء :
-أمين ده بيحب يتكلم عنك كتير بس للشهادة شخص مُسلي
ضغط سفيان على فكه متوعدًا لمساعده الثرثار، اتجه إلى اليمين حيث تقبع غرفة منعزلة بعيدًا عن الضجيج، وقد سبق وأن تم الإتصال بالأجهزة التي وضعتها هاجر بحرص في السيارات وفي أركان الفيلا حتى تساعدهم في حالة إن تواصل أحد من العائلة مع كاظم
لحق به يونس فهو لا يعلم الاتجاهات، تزامنًا مع سؤاله الجريئ بالنسبة لسفيان :
-هى عجباك فعلًا ولا انت ماشي معاها علشان تساعدك في المهمة وخلاص بما أنها واحدة من عيلة السفاح
وأجابه الآخر بحدة لكلمة "ماشي معاها" لا يعجبه لفظ هذه الكلمة فهو رجل صريح مباشر لا يرافق النساء، وهذا الأسلوب ليس من شيمه، كما أن هذه الكلمة تسئ لهاجر حتى إن كان يونس لا يقصد سوءًا :
-مش مضطر أجاوبك على حاجة تخص مشاعري بس انا مستخدمش أبدًا واحدة ست علشان أوصل لهدف معين ثم هى اللي أصرت رغم رفضي لتدخلها في الموضوع
وقف يونس خلفه حين توقف الآخر أمام إحدى الغرف ممسكًا بمقبض الباب ثم قال بهدوء شديد يُحسد عليه :
-مش ضروري تشرح مشاعرك خلاص وصلت، طالما اتحمقت كده يبقى البنت عششت في دماغك
نظر له بملامح مستنكرة لهذه الألفاظ فقال الآخر على نفس النبرة تزامنًا مع دخوله إلى الغرفة :
-متبصش كده؟! ميفهمش الراجل إلا راجل زيه
زفر سفيان ودلف خلفه فوقف الموجدين ملقين التحية لسفيان فهو صاحب رتبة عالية، اقترب من أمين متحدثًا بجدية شديدة وهو يحدق في الأجهزة أمامه :
-ها يا أمين ايه اللي حصل؟!
ودون أن يكثر الآخر في الكلام بدأ تشغيل التسجيل الذي سمعوه منذ ساعة حتى يسمعه سفيان ويونس والذي انتهى بجملة كاظم الأخيرة :
-انت مقولتش ليه الكلام ده في التليفون!؟ مأخدتش ليه إجراء يا أمين ده رايح يقتل الشاهدة
صاح بها سفيان بحدة فقال الآخر مبررًا :
-سفيان باشا مقدرش آخد إجراء من غير ما أرجع لحضرتك والكلام ده كله مكنتش أقدر اقوله في التليفون
أخرج يونس هاتفه بسرعة يبحث عن رقم شروق بين الأرقام وهو يقول بجدية شديدة :
-سفيان لازم نتحرك دلوقتي أطلب دعم الواد ده مش بيهزر هيقتلها، حياتها كده في خطر واتمنى تكون دلوقتي مش في الكلية علشان هناك هيصطادها بسهولة
لم ينتظر سفيان طلبه هذا فبالفعل أمسك بالهاتف الأرضي الموجود في الغرفة طالبًا الدعم من القوات المجهزة لمثل هذه الحالات، بالتزامن مع رد شروق على الهاتف فقال يونس بصوت خرج منه متلهفًا :
-شروق انتي فين؟؟
لم يحتج للكثير من الوقت حتى يعلم ماذا بها فمن صوتها الخائف الباكي علم أن كاظم قد وصل لها :
-انا في الكلية الحقني ده رجع وعايز يقتلني، ده قتل المعيدة
انتبه سفيان لمحادثة يونس فالآخر رفع صوت السماعة عندما ردت عليه :
-يونس قولها تكون في تجمع تحاول تستخبى في أي زحمة مش هيعرف يجيبها بسهولة من وسطهم
آماء الآخر ونطق بما نطق به سفيان ولكن صوتها اختفى فجأة ولولا أن المكالمة لا تزال مستمرة لظن أن الخط انقطع :
-شروق انتي فين بالظبط متبقيش لوحدك حاولي تبقي في تجمع، الو
لم يصل صوتها له ولم يغلق هو المكالمة بل استمع جيدًا للصوت الذي ظهر واضحًا له :
-معلش يا أستاذ صاحبة الرقم ده مش فاضية تكلمك علشان هتموت دلوقتي سلام
وأُختتم الحديث بإنغلاق الخط فجأة فأنتفض قلب يونس بين أضلعه انتفاضه لم يسبق وأن شعر بها من قبل وكأن صاعقة كهربية قد ضربته، وعشرات المشاهد تقافزت في عقله عن الذي سيحدث لها على يدي ذلك السفاح
وعلى الناحية الأخرى حطم كاظم هاتف شروق التي شعرت بتوقف في أعصابها وكم تمنت لو يكون هذا مجرد كابوس من الكوابيس التي تحلم بها عن يوم الحادث، خاصةً وأن هذه الغرفة الضيقة تشبه نفس الغرفة التي تراودها في أحلامها
هبط أمام شروق الجالسة أرضًا في حالة من التيبس فقال وكأنه يملك الوقت كله للتحدث وهو بالفعل يملك، مستلذًا برعبها الواضح فمن الذي سيوقفه، فحتى عادل ملقى داخل سيارته وهو ينزف الدماء من رأسه
لم يقتله وليس شفقةً منه أو لأنه أخيه، بل لم يفعل هذا لأن عادل هو القادر على إخراجه من البلاد بعد أن كُشفت هويته
أمال رأسه قليلًا محدقًا في ملامحها العادية ليسحب نظارتها من على وجهها ببطء مميت ثم قال متسائلًا :
-نظر دي ولا عيرة
اهتز جسد شروق للبكاء الهستيري الذي أصابها فقال كاظم وكأنه مندهش لبكائها هذا :
-هو ليه الكل بيعيط قبل ما يموت؟! ما انتوا كده كده هتموتوا، دي الحقيقة الوحيدة في حياة البنى آدم، ليه العياط بقى؟؟
هزت شروق رأسها ترجوه ألا يقتلها لاتزال هناك الكثير من الأحلام لم تحققها بعد، لم تتخرج ولم تعمل كما تريد، لم تتزوج ولم تنجب أطفالًا حتى تسميهم الأسماء التي تحبها
هى تعلم أن الموت آتٍ وهو الحقيقة الوحيدة في حياة الإنسان بالفعل ولكنها لا تريد الموت الآن ولا تريد الموت مقتولة، لم تتخيل هذا المِيتة قبلًا :
-خلـ... خليني امشي.... انا عايزة امشي
برم الآخر شفتيه لا يعجبه ما قالت :
-اخليكي تمشي ازاي وانا جايلك مخصوص ده انا ضربت اخويا فتحتله رأسه ويا عالم مات ولا لسه حي، وبحثت عن جدول الإمتحانات علشان أعرف انتي موجودة في الكلية النهاردة ولا لأ، وسرقت كارنية من واحد علشان أعرف ادخل الجامعة وفضلت مستنيكي تخرجي من المدرج وفي الآخر تقولي اسيبك تمشي؟!
ارتفع نحيب الأخرى بشدة فابتسم لها كاظم ابتسامة متسعة متابعًا نحيبها بأعين سادية :
-انا عارف إن الموضوع مؤلم وعلشان كده هسيبك تختاري الموتة اللي انتي عايزاها شوفي انا كريم معاكي ازاي، وعلفكرة عمري ما عملتها بس علشان انتي مميزة، ده انتي اللي كشفتي هوية السفاح اللي كان مجنن إسكندرية كلها
جلس أمامها بشكل تربيعي حيث جلس عاكسًا قدميه عكس بعضهما ثم قال وهو يعد أمامها على أصابعه :
-تحبي تموتي موتة سريعة ولا بطيئة يعني مدبوحة ولا برصاصة ولا اخنقك بإيديا ولـ
لم يكمل حديثه إلا وقامت شروق بضربه على رأسه بدلو يستخدمه العمال لمسح الأرضية، انتفضت من مكانها حتى تهرب من هنا بعد أن كسرت الدلو فوق رأسه
ولكن هذه الضربة لم تفقده الوعي بل أصابته بتشوش لثواني سمح لها بالوصول إلى الباب، ولكن هيهات بينها وبين النجاة فلم تمسك بالقبض حتى إلا وقام بجرها من قدميها مما تسبب في سقوطها أرضًا على وجهها
صرخت بكل قوتها لعل أحدًا ينجدها مثل المرة السابقة بالتزامن مع ركلها له في وجهه وقد زحفت بسرعة نحو ذراع المكنسة حتى تضربه بها على رأسه مرة أخرى، ولكن بين ثانية والأخرى وجدته يعتليها قابضًا على عنقها بعنف
حركت قدميها وذراعيها لعلها تصل إلى وجهه وتمزقه بأظافرها ولكن يديها لم تصل له فكان يجلس ركبة على الأرض وأخرى على معدتها وذراعيه الطويلتين ممتدتان إلى عنقها وعينيه المسعورة تنظر إلى عينيها الجاحظة وهو يقول بنبرة مختلة :
-انا هريحك من الدنيا علشان وحشة أوي يا شروق روحيله نضيفة أحسن ما الدنيا توسخك بسوادها، بس أمانة عليكي لو روحتي جهنم قولي لأبويا هناك كاظم مش مسامحك
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
قفز إلى سيارة سفيان الذي قادها على سرعة عالية، خلفهم فرقة كاملة من القوات الخاصة مجهزة لمثل هذه الحالات، متجهين جميعًا إلى كلية الآداب
وجميع من كان يبصر كل هذه السيارت المسلحة على الطريق يقولون أن هناك تفجير إرهابي على الأرجح، ولكن لا يعلمون أن كل هذا من أجل رجل واحد أصابه الجنون ويريد قتل فتاة لم تكمل العشرين من عمرها في منتصف الكلية وأمام الجميع دون أي ذرة خوف
لا يعلم يونس من أين له بكل هذه الجرأة والشجاعة، وإن دل هذا على شئ فيدل على أن كاظم شخص غير طبيعي أبدًا
اخذ يبحث في هاتفه على رقم عايدة الموجود في سجل المكالمات منذ كانت حقيبتها مسروقة، نادمًا على أنه ألغى الحماية على شروق معتقدًا أن السفاح لن يصل إليها بعد اختفائه لأسبوع كامل، ليفاجأه الآخر بأنه سيقتلها الآن
أجابت الأخرى بصوتها الهادئ هذا فصاح يونس بها دون مقدمات :
-هاتي رقم عاصم حالًا
نظرت الأخرى لهاتفها وقد علمت من صاحب الصوت لكن ما لم تعلمه هو لما يريد رقم عاصم ولما يصرخ هكذا :
-يونس عـ
ولم يسمح الآخر لها بأن تكمل فلا وقت للحديث الآن فهناك فتاة على شفا جرفٍ من الموت :
-انتي لسه هترغي قولي الـرقـــم
املته عايدة الرقم دون أن تفهم ماذا يحدث فيكفي نبرته التي تدل على أن كارثة على وشك النشوب أو هى قد نشبت بالفعل، اتصل يونس على الرقم بسرعة صارخًا في سفيان بجانبه، يشعر لأول مرة بالخوف على امرأة غير شقيقته ووالدته :
-سوق بسرعة يا سفيان الطريق لسه طويل
وصرخ به الآخر بنفس الطريق فالموقف لا ينقصه توتر أكثر :
-أكتر من كده هنتقلب
استمع يونس لصوت الجرس ولم يرد من المرة الأولى ولا الثانية فسبه بصوت مرتفع فلما لا يرد عليه، حاول مرة ثالثة فليس له أمل في إنقاذ شروق غير عاصم الآن
أجاب الآخر بضيق على هذا الرقم الغريب المزعج قائلًا :
-الو مين معايا؟؟
وأجابه يونس بلهفة ولم يكن يتوقع أن يأتي يوم ويطلب طلب منه أو أن يجمعهما موقف من الأساس :
-عاصم انا يونس، ألحق شروق عندك السفاح هيقتلها
قرع قلب عاصم برعب راكضًا في الممر لكي يعود إلى مكتب المعيدين حيث تركها هناك، ولكنه لم يجدها بل وجد بركة دماء على الأرض أصابته بالصم عما حوله
اقترب بخطوات عاجزة، مترددة، ليجد أن صاحبة الدماء هى زميلته وقد كانت مقتولة برصاصة في منتصف جبينها، اغمض عينيه بقوة من هذا المنظر البشع فهذه أول مرة يقف أمام جثة مقتولة وقد شعر بإنقلاب في معدته
استمع لصياح يونس على الهاتف فخرج من المكتب مجيبًا عليه :
-ملقيتهاش بس لقيت واحدة غيرها مقتولة
ترك يونس يتحدث واخفض الهاتف مستمعًا بتركيز لصراخات مكتومة قادمة من الغرفة المجاورة وهى غرفة خاصة بأدوات النظافة للعمال، فتح الباب ببطء شديد تحسبًا لما قد يراه، فأبصر رجل غريب يعتلي فتاة كاتمًا فمها يتحدث معها بطريقة أشبه بحديث المجانين، والأخرى تصرخ أسفله وتعافر بقدميها بشكل هستيري وكأنها تصارع الموت
لم يحتج للكثير من الوقت للتعرف على أن هذا هو السفاح والتي تحتضر أسفله هى شروق
اقترب منه بخطوات واسعة وبكل قوته دفعه بقدمه بعيدًا عنها فالتقطت الأخرى أنفاسها المسلوبة بصعوبة وهى تزحف أرضًا دون أن ترى حتى من الذي انقذها من بين يدي ذلك المجنون
وما إن وصلت إلى الباب حتى استدارت لترى ماذا حدث خلفها وليتها هربت دون الإستدارة إذ أبصرت كاظم يرفع سلاحه وعاصم أرضًا على ركبتبه ويده على جانبه الأيسر والدماء تخرج من بين أصابعه وتقطر أرضًا
شعرت بالخرس فجأة خاصةً عندما ارتفع صوت كاظم الساخر وهو يقف من على الأرض :
-كده يا شروق؟! ده تاني واحد يموت بسببك
صاح عاصم بها حتى تهرب رغم الألم الذي بدأ ينخر جانبه بعدما استقرت الطلقة به :
-اهربي يا شروق يونس جاي في الطريق
وكأنه أعطى لها الإشارة بالتحرك وأن تلوذ بالفرار إذ ارتفع هرمون الادرينالين في جسدها ووجدت قدميها تركض في الممر وصوتها المرتفع يعلو بجنون تُعلم الجميع أن هناك سفاح طليق في هذه الكلية
وقف كاظم لثانيتين يتحسس خلف ظهره حيث أحضر جميع الأسلحة التي وجدها مخبأة في سيارة أخيه تِبعًا إن احتاجها، ويبدو أنه سيحتاجها بالفعل فلن يخرج من هذه الكلية إلا بعد قتل تلك الفتاة، ربما لا يوجد دافع منطقي لقتلها ولكن هناك وسواس داخلي يدفعه لفعل هذا
خرج الطلاب والمعلمين على أصوات صراخ شروق الحاد وقد ظنوا أنها جُنت أو ما شابه ولكن كل هذا تحول إلى فزع هستيري تفشى بين الجميع عندما علىٰ صوت طلقات نارية من شاب مجنون يركض خلف فتاة ويريد قتلها في منتصف الكلية دون خوف أو رهبة
لا تعلم كيف كانت تركض بهذه الطريقة ومنذ دقائق كان جسدها متيبس من الرعب ولكن غريزة البقاء على قيد الحياة هى ما كانت تدفعها للركض والصراخ، هرولت على الدرج حتى تخرج من المبنى بالتزامن مع إرتفاع الطلقات النارية من سلاح كاظم يحاول أن يصيبها ولكن سرعتها تعاكسه
هبط خلفها وأصبح الجميع يركض في الممرات هربًا من سفاح مجنون طليق، واندفاع الجميع للخارج هو ما ساعد شروق على التخفي بينهم، ونظرًا لأن كاظم يحمل سلاحًا لم يحاول أحد إيقافه خوفًا من أن تصيبهم رصاصة فهو يضرب بشكل عشوائي
توقف كاظم أمام المبنى محدقًا في الجميع ولم يستطع أن يرى شروق بينهم فسحب أحد الفتيات اللواتي كن يركضن، واضعًا السلاح فوق رأسها بعد أن ضرب طلقتين في الهواء ثم صدح صوته المرتفع في المكان :
-اللي هيتحرك هضربه بالنار، شروق حسين صفوان لو مجيتيش هنا البنت دي هتبقى تالت حد يموت بسببك
توقف الجميع عن الحركة بالفعل محدقين في هذا المختل والفتاة التي تنتفض أسفل يديه، نظرت شروق إليهما مرتعبة فإن سلمته نفسها سيقتلها وإن لم تفعل سيقتل الفتاة كما فعل مع المعيدة وعاصم
ما الذنب الذي ارتكبته حتى تمر بهذه الأحداث التي لم ترى مثلها إلا في الأفلام حتى ظنت انها غير حقيقية وغير موجودة بالواقع
خمس ثواني مرت في هدوء وضغط أعصاب وقلوب تقرع كالطبول، ثم اقتحمت الشرطة المكان بسيارات القوات الخاصة وسيارة سفيان التي تتقدمهم يرتدي هو ويونس سترة حماية مثل باقي أفراد القوة التي أتت معهم
حدث اختلال للهدوء الذي حل وعلت الأصوات بقدوم الشرطة، فحتى كاظم تراجع بعد أن شعر أن الأمور قد انقلبت وعليه أن يلوذ بالفرار الآن، ولكن مهلًا شروق تركض أمامه الآن فها هى قد ظهرت من مخبئها
رفع سلاحه في إستعداد تام لإصابتها والأخرى كانت تركض في إتجاه يونس حين أبصرته وكأنها أبصرت جزيرة يابسة ترسو عليها بعد أن لطمتها الأمواج دون رحمة
ركض نحوها يونس بسرعة مخيفة صارخًا بها أن تتوقف فهى قد أظهرت نفسها لكاظم بكل غباء، والأخرى عقلها متوقف بالفعل تركض فقط له بخطوات متعثرة وأعين ضبابية من الدموع، كل ما تريده الآن أن تحتمى به هو
علىٰ صوت طلقة جعلتها تسقط أرضًا برعب ولا تعلم أقد أصابتها أم لا، ثم ارتفع الصوت مرة أخرى تزامنًا مع إلقاء يونس بجسده عليها حتى يحميها من الطلقات فجسدها هو المكان المطلوبة لإستقرار الطلقات النارية، ثم ارتفع الصوت مرة ثالثة والثلاث طلقات استقررن في أماكنهن
الأولى استقرت في جذع الشجرة، والثانية في سترة الحماية التي يرتديها يونس، والثالثة خرجت من سلاح سفيان واستقرت في ذراع كاظم
هرول عدد من أفراد القوة نحو سفيان يقفون في ظهره، وعدد آخر نحو يونس الذي ضم شروق بذراعه ورفعها من على الأرض يشعر أن إحدى الطلقات قد أصابته والأخرى تشبثت به بقوة صارخة بذعر هستيري عندما جذبها أحد العساكر حتى تكون بأمان معهم، ولكن عقلها لم يعد يترجم أي شئ فقد توقف تمامًا
صرخ بها يونس حتى تذهب معهم وتتركه هو يساند سفيان وعندما لم يتلقى منها أي رد فعل غير التشبث به والصراخ حملها هو بنفسه وأخذها إلى سيارة سفيان حتى يضعها بها
أصابت طلقة سفيان ذراع كاظم فترك الفتاة وتراجع هو خلف الجدار صارخًا بألم وجنون فقد وصلت الشرطة والهروب من هنا وهو مصاب أصبح مستحيلًا، تنفس بقوة يفكر في حل ولكن لا وقت للتفكير الآن فإما يسلم نفسه أو يقتل نفسه
تقدم سفيان دون خوف فقد أعتاد على هذه المهام وما أخطر منها :
-كاظم سلم نفسك مفيش فرصة ليك إنك تهرب
أشار إلى العساكر بعدة إشارات مدروسة فتحركوا محيطين بالمبنى من كل الإتجاهات حتى يضمنوا كل المخارج التي قد يهرب منها كاظم
تقدم يونس بجانب سفيان، رافعًا سلاحه إلى الأمام في إستعداد وتأهب لأي شئ قد يصدر من كاظم، ولحظة سكون حلت على المكان حين علىٰ صوت طلقة من داخل المبنى ثم خيم الصمت على المكان بشكل مخيف
لحق يونس بسفيان والذي تقدم بحذر وإستعداد وقد زاد في خطواته عندما أبصر دماءً تسيل ببطء من ناحية الجدار الذي يختبئ خلفه كاظم لتكون مفاجأة لكليهما عندما أبصرا كاظم أرضًا جاحظ العينين والدماء تتدفق منه بغزارة، وهناك طلقتين واحدة في ذراعه والأخرى في جانب رأسه
هبط يونس لمستواه متحسسًا نبض عرقه الأساسي والذي توقف تمامًا فرفع رأسه إلى سفيان مندهشًا أن كاظم قد انتحر
أخفض سفيان سلاحه محدقًا في جثة كاظم بجمود ثم قال متذكرًا كل كلمة سمعها في التسجيل :
-يمكن هو خلصت حياته بس القضية لسه مخلصتش، وشريكه عادل الدخيلي لسه حي
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
هرول في ممرات المشفى والرعب يأكله ببطء من الداخل بعد أن وصل له خبر من إحدى زملائه أيام الدراسة أن توأمه في المشفى الآن، وخلفه كانت تهرول رقية بقلق وحماس في آنٍ واحد لسببين منقسمين لا تدري من منهما يطغي على الآخر
السبب الأول الذي يثير قلقها هو إصابة يونس، أما الذي يثير حماسها هو أن قضية السفاح قد انتهت بموته وهى الصحافية الوحيدة التي استطاعت الدخول من الكم المهيب الذي يقف أمام باب المشفى تمنعهم الشرطة من الولوج، فقد انتشر خبر مقتل السفاح أثناء محاولته لقتل الشاهدة بسرعة مخيفة
توقف يوسف أمام غرفة واسعة يجلس بها المصابون بينما من توفوا تم نقلهم إلى المشرحة مع جثة كاظم التي هى تحت حماية مشددة الآن
كانت الغرفة ممتلئة بالناس فقد أصيب طالب ورجل أمن ويونس الذي أصابته الرصاصة بجرح ليس بخطير فمهمة سترة الحماية هى تعطيل الرصاصة ولولاها لاخترقت الرصاصة جسده
وكانت ضمن المصابين شروق التي أصيبت بإنهيار حاد وعاصم الذي لا يزال في غرفة العمليات ولم يخرجوا الرصاصة منه بعد
أشار حمزة ليوسف ورقية بالإقتراب فاقترب يوسف بلهفة من أخيه متفحصًا جسده فصاح الآخر متألمًا عندما ضغط على صدره مكان الجرح :
-براحة يا يــوســـف
كشف يوسف عن الجرح بخبرة طبيب فقال حمزة بنبرة هادئة حتى يهدئ من روع الآخر :
-اهدى يا يوسف ده جرح ومش عميق ولا فيه حاجة، كان لابس فيزت حماية
ستر يونس جسده نظرًا لأن نور وبراءة يجلسن على الفراش القابعة فوقه شروق وقد أبعدن أنظارهن عنه بحرج، نظر إلى رقية ويوسف بتعجب لأنهما هنا فكيف وصل لهما الخبر وهو وصى حمزة ألا يخبر أحدًا وألا يقلقهم فالأمر بسيط ولا يحتاج لضجة :
-مين قالكم باللي حصل انا قولت لحمزة ميقولش لحد
وأجابته رقية وهى تشير إلى الموجدين حولهم :
-هو بغض النظر عن إن البلد كلها عرفت إن السفاح مات بس إحنا عرفنا عنوان المستشفى من زميل يوسف شغال هنا وشافك فبلغه، بعدين تقول لحمزة ومتقولتش لأخواتك؟!
نظر يونس إلى حمزة الذي كان يتكئ على المقعد مستمعًا لهذا المشهد الأخوي بهدوء شديد :
-انا مقولتش لحد غير لبراءة ونور علشان يجوا لشروق ومعرفش ايه اللي جاب ده معاهم
اتسعت أعين حمزة بذهول لإطلاق عليه كلمة "ده" بهذه النبرة الغير مبالية، اعتدل في جلسته مطالعًا الآخر بحنق ثم صاح :
-تصدق وتآمن بالله انا غلطان إني جيت لواحد حيوان صلعوق زيك ميستاهلش، مش عارف ليه الرصاصة جات في الفيزت ومجاتش في دماغك يمكن كنا ارتاحنا منك وقتها
واكتفى يونس بالإشارة إليه، محدثًا أخيه بضيق واضح :
-يوسف خرج البنى آدم ده برا عامل إزعاج من وقت ما جه، وأديك شايف الأوضة فيها مرضى
انتفض حمزة من مكانه وهم بضربه دون الإهتمام بكونه مريض فأي مريض هذا يتوقاح على من كلفوا أنفسهم واتوا من منازلهم من أجل زيارته وهو حقير لا يستحق
أوقفه يوسف بسرعة وحال بينه وبين يونس الذي لم يتحرك ولو لمقدار مليمتر فلم ينسى بالطبع ما فعله هذا الوغد صباحًا معه، بالله يكاد يجزم أن لولا الموجودين وقتها لصفعه والده بعد أن أبصر طلاء شفاه على عنقه :
-بالله عليك يا حمزة اتخانقوا بعدين ده تعبان
-تعبان مين انت كمان، حد تعبان يطول لسانه على اللي جايين يزوروا
نظر إلى يونس من خلف ذراع يوسف ثم استرسل بنبرة متهكمة :
-انا دعيت عليك الصبح وقولت يارب السفاح يضربوا بالنار، لو كنت أعرف إن دعائي هيستجاب كنت قولت يارب يقتله
أبتسم يونس له تلك البسمة التي تزيد من حنقه أكثر وأكثر :
-خلاص طلعت كل اللي جواك؟؟ خد نفسك كده وأنزل الكافتيريا هاتلى حاجة أكلها علشان جعان
أفرغ الآخر فاهه بذهول شديد، وقبل أن يصرخ حمزة بجنون عن كم كونه وقح جذبه هو ناحيته قليلًا ثم قال هامسًا :
-نور طلعت من شوية قبل ما تقوم فيا زي الحمار علشان تجيب أكل لشروق، عيب يا حضرت المحامي تسيبها تروح كده لوحدها وأمة لا إله إلا الله موجودة تحت
نظر له حمزة بطرف عينه ولتوه لاحظ أن نور بالفعل غير موجودة، ثم قال :
-بجح ودبش ولا تطاق بس للأسف أحيانًا بتقول كلام مفيد
تحرك من مكانه نحو الخارج يلحقه صوت يونس المرتفع :
-اوعى تنسى تجيبلي أكل يا حمزة ويا ريت يكون حاجة دسمة أنا لسه طالع من مهمة واخد فيها رصاصة
استقرت أعينه على شروق الممدة على الفراش كجثة هامدة دون حركة على ظهر كفها إبرة محلول متصلة بخرطوم شفافي طويل آخره في علبة شافة معلقة بجانب الفراش، كانت تحدق في سقف الغرفة بدون تركيز أو إنتباه لما يجري حولها وبراءة تضع يدها على رأسها تتمتم ببعض الآيات القرآنية، وهى على هذا الحال منذ آفاقت
لقد مرت بأحداث مرعبة مخيفة لم يكن على فتاة في مثلها أن تمر بها، في الأسبوع الماضي رأت فتاة تُذبح أمام أعينها، وفي هذا الأسبوع كانت على وشك أن تُقتل، ستحتاج للكثير من الوقت حتى تتخطى كل هذا، والأهم تحتاج لمن يدعمها ويحفزها على استكمال حياتها
جذب يوسف قليلًا حتى يحدثه في الأمر إذ قال بنبرة منخفضة :
-يوسف هو انت ليك حد معرفة يبقى دكتور نفسي؟؟
آماء الآخر بإيجاب متعجبًا سؤاله :
-آه الدكتور اللي اتصل عليا من شوية يبقى دكتور أمراض نفسية وعصبية
-يعني ينفع يتكلم مع شروق، انا حاسس إنها هتدخل في دوامة مش هتعرف تخرج منها، لازم تتكلم مع دكتور نفسي
تعجب يوسف نبرة الإهتمام التي يتحدث بها أخيه عن شروق، ورغم هذا آماء بهدوء وقد تحرك من مكانه حتى يأتي بصديقه هذا فأستوقفته براءة تسأله إلى أين هو ذاهب فأجاب الآخر بنبرته الهادئة :
-زميلي يبقى دكتور نفسي هطلب منه يتكلم مع شروق شوية، وعامةً لازم ده يحصل علشان يطمن عليها
لم تعترض براءة بل وافقته ولكن أتى الإعتراض من شروق نفسها والتي تحركت لأول مرة منذ أفاقت هامسة بصوت متحشرج، رافضة أن تتحدث مع أحد :
-انا مش هتكلم مع دكتور نفسي ولا عايزة أشوف حد
رفض يونس رفضها هذا هاتفًا بسخط :
-بلاش عناد الدكتور نفسه قال لازم تتواصلي مع دكتور نفسي، انتي كان فيه واحد هيقتلك أكيد مش هتعدي ده بالساهل
رفضت شروق حديثهم هذا وقد شعرت بضيق شديد بداخلها، تود أن تفصح عما تشعر به وفي نفس الوقت لا تريد التحدث مع أي أحد، تود الصراخ وفي نفس الوقت تود أن تبقى في صمت
هى في حالة من النكران لكل ما حدث، تشعر أن جميع الأحداث التي مرت بها عبارة عن كابوس طويل تريد محوه من عقلها :
-انا مش هروح لدكتور نفسي ومش هقعد هنا، انا عايزة امشي من المستشفى، مشوني من هنا
نظرت إلى شقيقتها برجاء وأعين دامعة، متمسكة في ذراعها بضعف :
-انا عايزة امشي من هنا يا براءة
اقتربت منها رقية تشعر بالأسى الشديد عليها :
-شروق مينفعش تمشي انتي تعبانة
-لأ انا عايزة امـــشـي
صرخت بآخر جملة بشئ من الإنهيار فقال يونس بنبرة آمرة :
-يوسف شيل المحلول وخدها هى وبراءة ونور ورجعهم البيت
حدق به الآخر بتعجب فكيف يطلب منه طلبًا كهذا :
-مينفعش تمشي هى فعلًا لسه تعبانة
لم تنتظر شروق أن ينزع عنها إبرة المحلول لذا نزعتها هى بنفسها مسببة نزيف في شريانها فانتفضت براءة من جانبها قابضة على كف شقيقتها تكتم الدماء، من ثم صاحت بها :
-يخربيتك هو انتي ناقصة
جذبت علبة المناديل خاصتها وضغطت على الشريان حتى تكتم تدفق الدماء فاستقام يونس من مكانه ببطء ثم قال بجدية :
-يوسف اسمع الكلام وخدها وامشي بس متخليش حد يشوفها علشان الصحافة اللي تحت هيضايقوها، وامشوا دلوقتي قبل ما النيابة تيجي وتحقق معاها هى والموجدين هنا وانا هعرف أبرر خروجها من المستشفى
أمتثل يوسف لكلامه فساعدت براءة شقيقتها على النهوض نظرًا لأن الأخرى تشعر بالوهن من الأدوية التي كانت بالمحلول، نظرت شروق إلى يونس قبل أن تذهب بنظرة طويلة لم يفهمها يونس لذا ظل ينظر إليها بتعجب، ولم يقطع هذا التواصل البصري سوى براءة التي جذبتها وخرجوا
خرج يونس خلفهم ببطء وظل ينظر إلى شروق وهى ترحل يسأل نفسه لما نظرت له هكذا، لم يفهم مغزى نظرتها فبدت وكأنها تطلب منه أن يأتي معها، تحدثت رقية مقاطعة تفكيره إذ قالت بنبرة متعجبة :
-ايه يا يونس بتبص ليها كده ليه؟!
-صعبانة عليا أوي مشوفتيهاش وهى بتجري عليا، ولا وهى بتقع على الأرض خايفة من ضرب النار
كان يتحدث بنبرة شاردة متذكرًا الأحداث التي عاشها معها، خوفها وذعرها، تمسكها به وصراخها بألا يتركها، انهيارها بين يديه، لم يسبق له وأن عاش أحداث كهذه رغم خدمته في الشرطة لست سنوات وتوليه الكثير من القضايا والمهام
الأمر لا يتعلق بالقضية بل بشروق نفسها، لا يعلم أهو يشعر نحوها بشفقة كما قال أم لا، ولكنه يعلم أن هذا اليوم لن ينساه أبدًا كما أن شروق أيضًا لن تنساه...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
توقفت في منتصف الممر واعتلت على وجهها بسمة متسعة لم تكن أبدًا بسعيدة بل كانت شامتة، تبصر صراخ سعاد الذي رج المشفى بأكمله ترثي وتبكي بجنون أمام المشرحة، تريد أن ترى جثة ابنها ولكن العساكر يمنعوها من الولوج
وحولها بناتها وأزواجهم فقد تلقوا الخبر دفعة واحدة من الأخبار التي احتلت المراكز الأولى في عصر الإنترنت، عن مقتل سفاح الإسكندرية أثناء محاولته لقتل الشاهدة في منتصف الكلية
عجبًا كانت تريد أن يُقبض عليه ويعدم حتى تذوق مرارة الفقد ولكن يشاء السميع العليم الذي يعلم ما في قلبها من ألم وأوجاع بسبب تلك السيدة أن يقتل ابنها مثلما قتلت هى أجنَّتها بل وممنوعة من أن تراه وتودعه بنظرة أخيرة
سبحانه يرد الحقوق فوق الأرض وسنتظر القصاص منها يوم العرض
تقدمت للأمام حتى تشمت بها أكثر، تريد أن تشفي غليلها منها فموت ابنها، وحرمانها من الميراث، وفضيحتها أمام أبنائها بأنها ابنة زنا، كل هذا لم يشفي غيظها بعد
أبصرت سفيان يقف معهم آمرًا العساكر بألا يدخل أحد للمشرحة غير الطبيب المسؤول فقط، ليراها قادمة كم بعيد فاتجه إليها بخطوات واسعة وعلى الأرجح يعلم ما تنتويه، وقبل أن تنبس بكلمة دفعها أمامه نحو الممر الجانبي بعيدًا عن صراخ سعاد وبناتها فقالت متعجبة طريقته هذه :
-فيه ايه؟ انا عايز أروح هناك
وقف سفيان أمامها محدقًا بها بأعين حادة رغم برود نبرته :
-وعايزة تروحي تعملي ايه؟؟
وبصراحة مطلقة أجابته وبنبرة غاضبة ظهر الحقد بين طياتها وهذا لم يعجب سفيان البتة :
-هشمت فيها واقولها دوقي من اللي دوقته
-وبعد الشماتة ها هتعملي ايه؟! أو تفتكري هى في حالتها دي ممكن تعمل فيكي ايه؟
كانت نبرته باردة آثارت سخطها بشدة فاسترسل سفيان بجدية شديدة لا يريدها أن تصل إلى درجة الحقارة فالإنتقام يعمي صاحبه عما يفعل :
-فضحتيها بين عيالها وحرمتيها من الورث رغم إن ده يعتبر تزوير في أوراق رسمية، ربك انتقملك وأخد منها ابنها وهو كبير عكسك انتي اللي مكنتيش شوفتيهم ولا اتعلقتي بيهم، هى مش هتعرف تجيب غيره وانتي لسه قدامك فرص تخلفي تاني، عايزة ايه أكتر من كده؟!
هزت رأسها بعنف ترفض أن تكتفي بهذه فوالله تنتوي إلقائها في مشفى للأمراض العقلية بعد أن تصيبها بالجنون فحينها فقط سترتاح :
-مش كفاية يا سفيان انت متعرفش الست دي عملت فيا ايه لسنين، دي كانت بتحطلي دواء في الأكل خليتني مجنونة، ضرب وإهانة وذل حتى سم سممتني، انا اقسم بالله ما كنت بعرف أنام بسببها، كرهتني في عيشتي وحاولت اقتل نفسي أكتر من مرة بسببها، لسه مش كفاية عليها ده، انا جوايا نار كانت هى يتقيد فيها لسنين وانا مش عارفة اطفيها، انا لو أطول أروح أدبحها واقطعها حتت والله هعمل كده
ضغط سفيان على كتفيها حتى تجلس على المقعد خلفها، وتهدئ من غضبها وصياحها ثم قال :
-انا مش شايف قدامي البنت اللي دخلت قلبي شايف واحدة الحقد والغل عمو عينيها، متنزليش نفسك ليها وتعملي زيها، هى ست واطية بنت ستين كلب انتي لأ، اخدتي حقك خلاص وكفاية سيبي الباقي لربك، أقسم بالله هتلف الأيام وحقك هيرجعلك وإلا مكنش قال البر لا يبلى والإثم لا ينسى والديان لا يموت، فكن كما شئت كما تدين تدان، بلاش تبقي وحشة زيهم خلاص انسي وعيشي حياتك ده ربك خلق النسيان علشان كده
أعادت هاجر رأسها للخلف ذرافة دموع الحسرة تشعر بالقهر الشديد بداخلها والشيطان يوسوس لها بأن تكمل فهذا لا يكفي بعد، جلس سفيان أمامها على ركبتيه، رامقًا عينيها البنية الدامعة بحنو :
-ارجعي زي ما كنتي في أول مرة شوفتك فيها وسيبي بيتهم والعيلة دي خالص
ابتسم لها ابتسامة مازحة حتى يخرجها مما هى به إذ قال :
-سيبيهم واتجوزيني، وعارفة لو قولتي لأ هروح أقدم فيكي محضر إنك اتفقتي مع المحامي وزورتوا الوصية بتاعت الراجل فإما تتجوزيني براضاكِ أو غصب
حدقت به الأخرى بسخط صائحة :
-لأ انا مش هعمل حاجة تاني غصب عني انا كل حاجة عملتها وبعملها كانت غصب عني، حتى الأكل اللي كنت بتطفحوا كل ليلة ده كنت بعمله غصب عني
رمقها سفيان بإندهاش لصياحها له فقال وهو يرتفع من على الأرض :
-انتي بتزعقي فيا يا بت؟! ثم أكل ايه اللي كنتي بتعمليه ليا كل ليلة انتي كنتي بتحلمي ولا ايه؟؟ ده كان طبق مكرونة وطبق كبدة
صمتت هاجر عاقدة ذراعيها بضيق فجلس سفيان بجانبها مع حفظ مسافة هاتفًا بمشاكسة وهو يضع قدمًا فوق الأخرى :
-بس للحق أكلك حلو، أحلى من أكل جدتي ذات نفسها، شكل وزني هيزيد بعد الجواز
عقدت الأخرى حاجبيها محدقة به بتذمر لكثرة حديثه عن الزواج فهى لم تفكر بعد في الأمر :
-انا لسه موافقتش عليك أصلًا، وبعدين لسه عدتي مخلصتش مش المفروض عدة الأرملة أربع شهور وعشر أيام؟!
-لوزة العدة دي علشان الحمل واختلاط الأنساب علشان كده اتعلمت العدة، وانتي حملتي وسقطتي كده عدتك خلصت، لو اتجوزتك دلوقتي مفتي الأزهر نفسه ميقدرش يقول حاجة، وبطلي تقل بقى علشان قدامك أسبوعين تفكري فيهم وترتاحي نفسيًا من اللي مريتي به، أسبوعين ويوم هحبسك بتهمة التزوير، فيا الجواز يا الحبس قرري مع نفسك بقى
أدارت هاجر رأسها الناحية الأخرى مبتسمة الثغر، وقد ضمت ضحكة كادت أن تنفلت من بين شفتيها، مد سفيان رأسه لكي ينظر إلى وجهها مبتسمًا بخبث :
-بتضحكي صح؟!
تنحنحت الأخرى مدعية الجدية ثم قالت وهى تستقيم من مكانها :
-لأ مش بضحك، سلام
-لوزة
استدارت إليه نصف إستدارة فأكمل الآخر بنبرة غامضة :
-مترجعيش فيلا عيلة الدخيلي تاني علشان لسه القضية مخلصتش وانا خايف يطولك أذى
-مخلصتش ازاي وكاظم مات؟! ثم انا مالي بالقضية يطولني أذى ليه؟؟
لم يرحها سفيان بل وقف من مكانه مهندمًا من ملابسه ثم قال :
-اسمعي كلامي انا أعرف حاجات انتي متعرفيهاش، وبلاش ترجعي الشقة اللي كنتي قاعدة فيها شوفي اي مكان تاني وخلي بالك من نفسك كويس، لو حصل أي حاجة أو وصلتلك أي رسالة أو إتصال من عادل الدخيلي بالذات أو حد غريب اتصلي عليا علطول، وابقي بلغيني بعنوان المكان اللي هتقعدي فيه
ورغم تعجبها المتزايد من كثرة الاحتياطات التي يأكدها عليها بل وعن أي شئ يخص عادل بالذات، إلىٰ أنها آماءت بهدوء ثم أدارت ظهرها وابتعدت عنه تسأل نفسها لما قال عادل ولم يقل سعاد فما علاقة عادل بالأمر؟؟
وهل تخبره أن عادل مصاب الآن في الشقة التي كانت تجلس بها في سيدي بشر، بل وكانت معه منذ قليل بعد أن طلبت له الطبيب ليعالجه....
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل السادس وأربعون 46 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
بالنسبة لموضوع إن حمزة ملزق وشخصية مش واقعية هو مش ملزق وإنما بيحب اللف والدوران لعوب وجرئ بمعنى أصح، وهو شخصية واقعية ليها عيوب ومميزات موجودة كتير حوالينا في شباب كتير بيحبوا يعاكسوا أي حاجة تعجبهم
المختلف في حمزة بيحب الغزل بالعربية الفصحى أكتر علشان كده بيميل له بالإضافة لأنه كاتب وقرأ كتب كتير، عيبه إنه مش فاهم إن ده حرام بل فاكر إن كده هيعجب نور أكتر علشان نسبة من البنات بتحب الكلام المعسول، ده لو مكنوش البنات كلهم
بس برضو نسبة من البنات زي نور عارفين الغلط من الصح والحلال والحرام، وعارفين اللي بيعمله حمزة ده مش صح طالما هو من جوزها
ودي فكرة مهمة منتشرة كتير حوالينا انا هشرحها قدام ❤️
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
"إنتهت قضية السفاح التي حيرت الجميع لأشهر وسببت الرعب والقلق للشعب وسكان الإسكندرية بعد أن آثار الفزع في كلية الآداب منتويًا قتل الشاهدة التي شهدت على قضيته، والتي كشفت هويته ولكنه لم ينل منها، والمعروف أنه لا يوجد حرب دون ضحايا فقد ذهبت معيدة وطالبتين، وإصابة عامل آخر وطالب ومعيد آخر وهم الآن في المشفى للعالج، أما ذلك السفاح فقد أبى أن يسلم نفسه للشرطة رغم إحاطة القوات للكلية من أجل القبض عليه، لينتهي به الأمر منتحرًا بعد أن أطلق الرصاص على جانب رأسه وحدث هذا في صباح السادس عشر من يناير
رقية محمد هواري، عن جريدة أحداث اليوم "
رفع عمر أنظاره عن الحاسوب بعد أن قرأ المنشور الذي أنزلته رقية البارحة على صفحة جريدتها، نظر إلى رقية الشاردة أمامه مبتسمًا لها بتقدير :
-مبروك اديكي نزلتي أول بوست عن اللي حصل للسفاح وشايف إن الريتش عالي جدًا من إمبارح للنهاردة
هزت رقية رأسها يمينًا ويسارًا بمعنى لا قائلة بحيرة :
-تعرف إن يونس وسفيان هما اللي طلبوا مني أنزل المنشور ده وقالوا ليا إن هو انتحر وانزل ده في الجريدة
رفع عمر منكبيه لا يفهم ما الخطأ في الأمر إذ قال :
-وفيها ايه على الأقل نفعوكي بحاجة
-لأ انا حاسة انهم بيعملوا حوار من ورايا والكلام اللي نزلته ده علشان نسكت الناس به والقضية دي تتقفل، فيه حوار انا معرفوش
ابتسم عمر بسمة جانبية ولتوه لاحظ أن رقية شغوفة بشدة بعملها وعلى الأرجح إن طلب منها أن تتركه لن ترضخ للأمر بسهولة، تنحنح وهو يعتدل في جلسته متناولًا كوب العصير الذي أمامه فهو يجلس الآن معها في أحد الكافيهات في الساعة الثامنة صباحًا بعدما طلبت منه بشكل ضروري أن يأتي رغم الأجواء الباكرة هذه
نظر إلى رقية والتي بدت منغمسة في التفكير وتأخذ الأمر على محمل الجد، ثم قال :
-بتحبي مجالك ده أوي يا رقية؟؟
آماءت له رقية ثم قالت بحب ظهر بوضوح في عينيها :
-انا بحب المجال ده أوي من وانا في إعدادي، كان نفسي تبقى معايا يوم تخرجي
ابتسم لها الآخر لا يعلم كيف يوضح لها وجهة نظره في أمر ترك هذا العمل :
-بصي انا عايز اتكلم معاكي في الموضوع ده، انا شايف إن بعد الجواز ملوش لزوم الشغل
هى لم تسمع بشكل خاطئ وهى متأكدة من هذا، لكنه غير متوقع منه فكيف يطلب منها طلبًا كهذا وهو يعلم مدى ذكائها في هذا المجال بل وقد أثنىٰ من قبل عليها، أم أنه أصبح ذكوري ولا يريد من زوجته أن تصبح متفوقة
مثل الكثير من الرجال يريدون زوجاتهم في خلفهم في ظلهم ولا يتقدمون عليهم
وعند هذه النقطة تحولت ملامحها بشكل كبير فعلم عمر أن الأمر لن يمر مرور الكرام وقد تنشب مشاجرة الآن لذا سارع في التفسير لها :
-بصي انا مش عايز أقلل منك أو من شغلك انا عارف قد ايه انتي ذكية ده انتي الوحيدة اللي كشفتي إني صاحب صفحة NO ضد الفساد، بس يا رقية انتي عارفة بعد الجواز حياة البنت بتتغير مش هيبقى معاكي وقت للشغل
وبرد فعل طبيعي من فتاة عنيدة مثل رقية اعترضت على هذا إذ قالت :
-لا هيبقى معايا وقت، أصلًا فيه ستات متجوزة وبيشتغلوا في الجريدة معايا عادي
تنهد عمر محاولًا قدر الإمكان أن يوصل لها وجهة نظره بهدوء :
-أكيد فيه حاجة في حياتهم مش واخدة حقها، انتي كبنت دلوقتي عندك وقت فراغ كتير علشان كده بتشتغلي، بعد الجواز هيبقى عندك مشاغل البيت والأولاد وانا، وطبعًا لازم تهتمي بنفسك مش قبل الجواز تبقى على سنجة عشرة وبعد الجواز تهملي نفسك خالص، اديني مثال عن ست واحدة بتشتغل وعارفة تدي كل دول حقوقهم ووقتهم
-كتير يا عمر بيدو حقوقهم ووقتهم لده كله، وانا هعرف أعمل كده ولا انت مش عايزني اشتغل علشان حاجة تانية وبتحجج بكلمة مش هتلاحقي
نطقت بها بإتهام صريح فـنفى عمر برأسه موضحًا لها ما يفكر به أكثر :
-صدقيني مش هتعرفي وانتي مش محتاجة الشغل، انا والله مش عايز أقلل منك أو أحاول أفرض عليكي تفكير ذكوري زي ما انتي بتفكري دلوقتي، انا بسمع مشاكل زي كده في الشغل واحدة بتقول إنها بتشتغل وعيالها بتوديهم حضانة خاصة بالرضع وهما عندما لسه سنتين يعني عيالهم في السن ده محتاجين لأمهم جدًا، ولما بترجع من الشغل بتبقى مهدودة وتاخد العيال من الحضانة وتروح وعندها عيال أكبر في المدراس عايزة تتغدى، بتعمل غداء وتنضف البيت لحد ما يجي جوزها وبتضطر وهى تعبانة ومضغوطة وهتموت وتنام إنها تهتم بنفسها علشان تعرف تعمل واجاباتها الزوجية ومتقصرش في حق جوزها، وكل يوم عندها نفس الضغط ونفس الروتين وفوق ده مش عارفة تقعد مع عيالها ساعتين على بعض من الشغل ومشاغل البيت، انا حسيت الست وهى بتحكي حاسة بالقهر لأن ظروفها محتاجة الشغل ده علشان تعرف هى وجوزها يخلوا عيالهم يعيشوا حياة كويسة وعايشة في ضغط نفسي شديد بس مضطرة، وده حال كل ست بتشتغل بتبقى عايشة كل يوم في الضغط ده وفي الآخر مقصرة في حق عيالها لأنها مش عارفة تقعد معاهم ومش بإيديها تعمل أكتر من كده
تنهد محدقًا في ملامحها التي بدا عليها التفكير في الأمر :
-انا مش هقول الست ليها المطبخ بس انا بعد اللي سمعته من الست دي مش عايز مراتي تضغط في شغل هى مش محتاجاله، رقية انتي لو كملتي في الشغل ده بعد الجواز مش هتعرفي تلاحقي على كل حاجة زي ما انتي فاكرة، وبلاش تبصي على كلام رضوى الشربيني أو غيرها لأن الناس دي عندها فلوس تدفع لناس تانية تهتم ببيتهم وعيالهم وهما يهتموا بشغلهم، فين حين عيالهم هما الأولى بالإهتمام ده علشان لما يكبروا هيحسوا بنقص ناحية أمهم لأنها مكنتش موجودة في حياتهم بل كانت في الشغل طول الوقت ونسبة من العيال دي وانا بقول نسبة مش كلهم، هيطلعوا ناقصين تربية أو فاشلين دراسيًا لأن الست الوالدة مكنتش موجودة علشان تربيهم
ذمت رقية شفتيها بتفكير بالطبع لا يعجبها أن تترك العمل ولكنها وضعت والدتها مثال حي أمام أعينها متذكرة الضغط الذي تعيش به منذ أن خرجت هى للدنيا، وحتى هذه اللحظة ترى والدتها مضغوطة رغم أنها لا تحتاج لعمل تكسب منه المال فحياتهم المادية جيدة بشدة
ولكنها أصرت على أن تعمل ووالدها لم يمانع وفي النهاية تم التقصير في حقها هى واخويها
لا تقول أن والدتها تهملهم بل لم تكن تجد الوقت الكافي للجلوس معهم، كان يحدث معها نفس ما وصفه عمر بالضبط ولحسن الحظ كان يوسف ويونس أكبر منها لذا كانوا يهتمون بها ويدرسون لها لأنفسهم
لم تكن والدتها بحاجة للعمل رغم الضغط الذي كانت به وحتى الآن، لكنها أرادت أن تعمل لسبب آخر وهو أن تجعل لنفسها أهمية أخرى ولا يقال عليها المرأة خلقت للمطبخ وهى أيضًا لا تريد أن يقال عليها نفس الأمر
نظرت إلى عمر بعناد وعندما رأى منها الآخر هذه النظرة شعر بالضيق لأنها حتى الآن لا تفهم ما يريد أن يوصله لها أو حتى غير مقتنعة به، تحدثت رقية بجدية وحان وقتها لكي تشرح وجهة نظرها هى :
-انا مش هسيب الشغل يا عمر سيبني أجرب الشغل بعد الجواز
-هتضغطي يا رقية وهتقصري، الراجل هو اللي بيجيب الفلوس مش الست ومعظم الستات اللي بتشتغل يا إما عندهم وسواس قهري إن الست متخلقتش للبيت والمطبخ أو مضطرين للشغل علشان يكفو مصاريف بيتهم، وأنا مش هقصر في حق المصاريف وشغلي بيوفر ليا دخل كبير وانتي عارفة، يبقى انتي بقى من النوع الأول
تراجعت رقية للخلف على ظهر المقعد هاتفة بنبرة مُصرة جادة :
-آه يا عمر انا من النوع الأول ما هو مش عدل بعد ١٢ سنة دراسة وأربعة كلية ضاعوا من حياتي مشتغلش وأعمل لنفسي قيمة قدام نفسي بشهادتي اللي تعبت فيها، علشان ميجيش راجل ذكوري دكتاتوري يشوف إني أقل منه في حاجة، بل انا زيي زيه بالظبط
استقام عمر من مكانه زافرًا بقوة ولم تعجبه جملتها الأخيرة البتة فلو هو رجل ذكوري دكتاتوري بالفعل لأجبرها على ترك العمل دون أن يشرح لها وجهة نظره بكل هدوء
يبدو أن رقية متأثرة تمامًا بكلام حقوق المرأة، هو لا يقلل من حقوقها ولكن على المرأة أن تعطي واجباتها قبل أن تبحث عن حقوق خارجية لها
فمن وجهة نظره العمل للمرأة ليس إلا حق إضافي خارجي ليست مضطرة لأن تأخذه فهناك واجابات قد تضيع مقابل هذا الحق، وشهادتها التي تتحدث عنها من أجل ألا تكون جاهلة وتفتخر بنفسها وليس لشئ آخر
وبالطبع لم يتحدث معها بهذا فيكفي ما تحدثوا به اليوم، أخرج محفظته وترك بعض الأوراق النقدية على الطاولة فقالت رقية تراه يهم بالذهاب :
-انت رايح فين دلوقتي كلامنا لسه مخلصش!؟
نظر لها الآخر بجدية مفرطة ثم قال :
-كلامنا لسه مخلصش بس لو اتكلمنا أكتر وإحنا مختلفين كده هنتخانق قدام الناس، انا هاروح الشغل دلوقتي وبالليل هبقى أكلمك مع السلامة
تحرك عدة خطوات للأمام فقالت رقية بتوجس :
-الخطوبة بعد بكرة هيبقى المعاد زي ما هو ولا خلاص صرفت نظر عن الموضوع؟!
ابتسم عمر قبل أن يستدير إليها نصف استدارة، يبدو أنها لم تفهم شخصيته بعد أو لم تعتاد على تغيره الذي طرأ عليه خلال الأربع سنوات الماضية :
-مش علشان إختلاف واحد حصل ما بينا وبشكل طبيعي هصرف نظر عنك تمامًا، الجواز مش كله حلو وأكيد في مشاكل كتير هتقابلنا أكبر من الإختلاف ده يا رقية
استقامت رقية من مكانها وتوقفت أمامه مع حفظ مسافة بينهما ثم قالت ببسمة جانبية :
-واضح إنك هتبقى أعقل مني يا عمر واتمنى أي إختلاف بينا أو أي مشكلة متأثرش على علاقتنا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أنهى تغير الجرح لأخيه والذي أتاه من الساعة السابعة والنصف صباحًا حتى قبل أن يبصم على حضوره، وهذا بعد أن علم أنه في المشفى فقد ظن يونس أنه بها في هذا الوقت الباكر وقد اتصل عليه يسأله أين هو
تنهد بضيق وهو ينظر إلى ملامح أخيه المرهقة من السهر الليل كله خارج المنزل مع سفيان على شئ رفض أن يخبرهم به، ولكن والده كان يعلم بالأمر لذا لم يعترض على مبيت يونس خارج المنزل الكثير هذه الأيام
جذب المقعد وجلس عليه أمامه بعد أن وضع القطن واللاصق الطبي على جنب ثم بدأ العتاب واللوم عليه :
-تعبان وجرحك جديد، الليل كله بتعمل ايه برا البيت؟؟
عدل يونس من ملابسه ببطء ثم أجابه بإختصار :
-شغل يا يوسف
-شغل ايه والقضية خلصت والسفاح انتحر وراح، مش رقية نزلت كده في الجريدة؟!
-انا قولتلها تنزل كده علشان الناس تهدى، السفاح مات بس اللي قتله لسه برا
ارتفعا حاجبي يوسف بإندهاش مرددًا :
-هو اتقتل منتحرش؟!
وأجابه الآخر بهدوء وهو يخرج علبة السجائر الخاص به من سترته الملقاة جانبًا أمام أنظار يوسف المصدومة :
-آه بس متقولش لأختك انا عارفها تقلب البلد في ثانية
كاد أن يضع السيجار بين شفتيه فانتشلها يوسف منه بل انتشل العلبة بأكملها وقام بفركها في سلة المهملات صائحًا بغضب :
-أقسم بالله هيجيلك فشل رئوي من الزفت السجاير دي، أرحم نفسك بقى هو إدمان؟!
رفع يونس حاجبه لصراخ يوسف في وجهه هكذا إذ قال :
-انت بتزعق فيا يلاه ثم انا اتعودت عليها ومش عارف أبطلها
-لأ هتبطلها ثم مين الحيوان اللي عودك عليها من الأول أصلًا
اغمض الآخر عينيه بضيق لصراخه هذا فلا ينقصه صداع، وقد انقذه صوت الممرضة التي طرقت على الباب طالبة حضور يوسف إذ قالت :
-دكتور يوسف الدكتور النبطشي مشي ومحدش من الدكاترة لسه جه وفيه حالة مستعجلة في الإستقبال
ذهب معها يوسف بإستعجال فتحرك يونس مكانه ونظر إلى سلة المهملات ولكنه لم يجد سيجار واحد سليم، لذا زفر بضيق وارتدى سترته وخرج متجهًا إلى بهو المشفى حتى يعود إلى المنزل ويستريح قليلًا
تباطأت خطواته عندما رأى براءة تدلف من الباب الرئيسي فتذكر بشكل تلقائي شروق وللحق هى لم تغب عن عقله طوال الليلة الماضية حتى أنه وضع عساكر يسهروا أسفل البناية لحمايتها، فعادل غير موجود وقد ظهر في كاميرات الكلية وهو يقتل كاظم ثم اختفى
وهذا بالطبع غير الحوار الذي دار بينه وبين كاظم في السيارة والذي يؤكد أن عادل شريك لشقيقه في جرائمه
يالا تدابير القدر العجيبة تخلصوا من السفاح ليظهر شريكه، ومَن يعلم كم شريك له
وقف أمام براءة ثم هتف بهدوء ونبرة خشنة :
-صباح الخير يا براءة
تبسمت الأخرى وهى تشد على حقيبة ظهرها :
-صباح الخير يا دكتور جاي بدري النهاردة يعني؟!
تنحنح يونس وقد حك لحيته هاتفًا ببسمة جانبية :
-انا يونس مش يوسف
-لا والله!؟
نطقت بها بذهول وهو تعود للخلف ترمقه من الأعلى للأسفل وكأنها تنظر إلى يوسف فلا فرق بينهما، يبدو أنها ستعاني كثيرًا من هذا الأمر
تحدث يونس بشكل مباشر يسألها عن شروق إذ قال بنبرة حاول قدر الإمكان أن تظهر عادية :
-هى شروق عاملة ايه النهاردة؟!
وتنهدت الأخرى بحيرة شديدة لا تدري ماذا تقول له فهى نفسها لا تفهم ما الحالة التي تمر بها شقيقتها الآن :
-لما رجعنا إمبارح دخلت استحمت ونامت مع إن الوقت كان لسه العصر ولا كأني حاجة حصلت ومن غير ما تتكلم مع حد، عمتي قالت سيبوها وهتيجي الصبح، النهاردة الصبح بقى الساعة خمسة ونص الفجر في وقت محدش فيه صاحي سمعنا خبط كتير في المطبخ وريحة حاجة بتتشوي، إحنا قولنا الشقة بتولع مرة تانية بس لما دخلنا المطبخ لقيناها بتعمل أكل رز وفراخ وبطاطس لأ وكمان قالت تعالوا كلو، إحنا اقسم بالله شكينا في نفسنا وقولنا اللي حصل إمبارح ده محصلش من كتر ما هى بتتعامل طبيعي
تعجب يونس بشدة مما تقول فكيف تتعامل بشكل طبيعي والبارحة أبصرت امرأة تُقتل أمامها ونظرًا لأقوال عاصم كان كاظم سيقتلها خنقًا لولا أنه نجدها منه :
-يعني من إمبارح لحد دلوقتي لا صرخت ولا بكت ولا ادت أي رد فعل؟!
نفت براءة بهزة بسيطة من رأسها ثم قالت :
-ولا حاجة، بتتعامل طبيعي جدًا وبتتكلم عادي جدًا بس مش بتتكلم عن اللي حصل يعني سألتني عن الخطوبة ويوسف وسألت عائشة عن إمتحاناتها، انا والبنات فتحنا النت علشان نبحثوا عن معنى لحالتها دي
-ولقيتوا ايه؟!
-ملحقناش علشان سمعنا قفل الباب وشروق مش في البيت نزلنا ندور عليها لقيناها تحت وعايزة تقعد قدام البحر الساعة سبعة ونص الصبح في عز التلج وعايزة تشرب آيس كوفي، انا بالنسبة ليا دي شروق اللي أعرفها بس باللي حصل إمبارح وردت فعلها الغريبة على الموضوع، دي مش شروق وفيها حاجة غلط
تنفس يونس بعمق يدور بعينيه في المكان بحيرة ثم قال :
-طب وهى فين دلوقتي
-هى دلوقتي قاعدة على البحر مع عائشة علشان رفضت تطلع فوق ومصرة تقعد فعائشة قعدت معاها وانا سيبتهم وجيت وهحاول أمشي بدري النهاردة علشان مش مطمنة بصراحة ليها، فيها حاجة مش طبيعية
جلس يونس على أحد المقاعد الموجودة في الإستقبال يفكر في حالة شروق الآن، ربما ظن في البداية أنها لا تحتاج لطبيب نفسي لكن بعد الذي قالته براءة الآن فشروق في حاجة ماسة للتحدث مع طبيب نفسي
رفع رأسه لبراءة ثم هتف بجدية :
-انتي لازم تاخديها لدكتور نفسي رد فعلها وتعاملها بطبيعية كده مش طبيعي، في المرة الأولى واللي كانت أخف من دي بكت بس دلوقتي مش مخرجة أي رد فعل طبيعي لواحدة كانت هتتقتل
-بس هى مش راضية حتى مش راضية تتكلم عن اللي حصل مع ولا واحدة فينا، عمتي إمبارح لما جات تتكلم معاها سابتها ونامت.... بس ثواني كده
صمتت براءة تفكر في أمر ما فقال يونس بتركيز :
-بتفكري في ايه؟؟
نظرت له الأخرى بإنتباه ثم قالت ما يدور في خلدها :
-لما رجعت شروق إسكندرية كانت ساكتة طول الوقت وفي اكتئاب بس بعد شوية بدأت تتكلم معانا وتضحك تاني هو مش زي الأول بس كان فيه تحسن، ولما سألتها نور قالت إن في دكتور عندها في الكلية اسمه عاصم وهو أخصائي نفسي وبيشتغل دكتور هناك
تغيرت ملامح يونس بشكل واضح عندما ذكرت اسمه فاسترسلت الأخرى دون الإنتباه له :
-قالت إنه بيتكلم معاها وبيحاول يطلعها من الاكتئاب، حتى كان بيتكلم معاها فيديو كول يشرح ليها الدروس والمحاضرات في ليلة الإمتحان، بصراحة هو شخصية محترمة ما شاء الله عليه ولولاه شروق مكنتش هتعرف تكتب حرف في الإمتحان، اعتقد ممكن تقبل تتكلم معاه أو حتى يقولنا شروق فيها وتقريبًا رقمه معاها
ضم يونس قبضتيه هامسًا باسمه بحنق شديد لن يزول بإتجاه عاصم، بل شعر بتزايد هذا الشعور نحوه عندما رأى نظراته لشروق، ذلك الأحمق ماذا يظن نفسه وهو يحب طالبة عنده لم تكمل العشرين من عمرها بعد
لما يصر القدر على أن يجمعه مع ذلك المدعو عاصم، القبول من عند الله وهو لا يقبله أبدًا
وايضًا لما شروق تتحدث معه؟؟ تركت جميع الأطباء والأخصائيين النفسيين لتذهب وتتحدث مع هذا؟!
انتبه على ظهور يوسف قادم من بعيد فأشار إليه بعينيه محدثًا براءة :
-أهو يوسف جاي هناك
استدارت براءة نحو المكان الذي يشير نحوه لتبصر يوسف قادم بالفعل يرتدي معطفه الطبي الذي يزيده وسامة فوق وسامته، للحق ترى يوسف دائمًا وسيم ولكن هذه المرة الأولى التي تمعن النظر إليه
ابتسم لها يوسف رامقًا إياها بنظرات مُحِبة وهذه البسمة جعلتها ترى الفارق بين يونس ويوسف، كان محق عندما قال لها أن الفارق الذي تستطيع أن تفرقه به بينهما هو نظراته وبسمته لها
وقف يوسف أمامها متعجبًا تحديقها به، حتى أنها لم ترفع عينيه عنه حتى الآن، لذا هتف بمشاكسة :
-ايه شكلي حلو النهاردة؟! اتعودت إنك لما تشوفيني جاي تلفي كأنك مشوفتيش أو تنفخي مضايقة إني جيت
ابتسمت الأخرى بحرج تبعد عينيها عنه فقال يوسف محدثًا يونس حتى لا يحرجها :
-هتروح يا يونس تاخد مفاتيح العربية؟!
-آه هاتها
نطق بها يونس بهدوء شديد غلفه التعب فبحث الآخر عن المفاتيح في جيبه ولكنه لم يجدها لذا توقع أنها في المكتب الآن حيث ترك يونس بعد أن غير له على جرحه
التف إلى براءة بشكل مصادف ليجدها عادت تحدق به مرة أخرى وكأنها تحفر ملامحه داخل عقلها فقال ضاحكًا :
-لأ بقى انا فعلًا شكلي حلو النهاردة، أو شكلي فيه حاجة غلط
تنحنحت الأخرى بحرج شديد تفكر في حجة لتحديقها به فالطبع لن تخبره أنها كانت شاردة في ملامح وجهه :
-لأ انا بس بحاول يعني أشوف فرق في الشكل بينك انت وأخوك علشان متلخبطش فيكم
ابتعدت قليلًا منسحبة من المكان وهى تقول :
-انا هاروح أغير هدومي
ابتسم يوسف عليها وعينيه لاحقت طيفها فقال يونس بسخرية على الرومانسية التي أصبح بها أخيه، ألا يكفيهم حمزة :
-خلاص يا اخويا مشيت من بدري بص قدامك بقى وروح شوف المفاتيح فين
همهم يوسف بخفوت وكاد أن يتحرك ولكن استوقفه يونس عندما قال :
-هو مش ده كريم!؟
نظر بسرعة إلى الناحية التي يشير نحوها ليجد كريم بالفعل يقف في البهو بحثًا عن أحد فاتجه نحوه هو ويونس مناديًا عليه :
-كــريــم بتعمل ايه هنا؟؟
استدار الآخر للصوت ليتحدث بسرعة عما أتى لأجله، فقد أتاه إتصال من هاتف سعد وكان المتحدث أحد زملائه في السكن وأخبره أن سعد تم نقله للمشفى بعدما وجدوه فاقد الوعي في المرحاض :
-يوسف كان فيه شاب جامعي لسه جاية من شوية اسمه سعد جاد الرب هو فين
تعرف عليه يوسف بسرعة فهو المريض الذي وصل في الإستقبال منذ دقائق ولكن كيف كريم يعرفه، ازدرد لعابه بهدوء مستعد لقول أكثر جملة يكرهها في مجال الطب :
-هو الولد ده صاحبك يا كريم
تردد قليلًا عندما أجاب ولكنه بدأ يعتبر سعد صديقه منذ فترة لذا قال :
-هو يعني.... آه هو صاحبي يا يوسف هو فين دلوقتي؟؟ هو كويس!!
ونفى الآخر بأسى ثم قال :
-البقاء لله هو مات بسبب هبوط حاد في الدورة الدموية وواضح إنه مدمن على مواد مخدرة علشان كده هنعمل تشريح للجثة نعرف هو مات طبيعي ولا بسبب جرعة مخدرات زايدة
رمش كريم بأهدابه عدة مرات لا يستوعب أنه مات هكذا ببساطة، معروف أن نهاية أغلب المدمنين هو الموت ولكن سعد أراد أن يتعالج فلما مات وكيف مات هكذا فجأة!؟ لقد كان يتحدث معه الأمس عن الاختبارت والمحاضرات وبدا جيدًا وفي تحسن فكيف اختطفه الموت دون سابق إنذار...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
قطمت من الشطيرة القابعة بين يديها وهى تنظر إلى الناس حولها، من يذهب إلى عمله ومن يذهب إلى المدرسة بينما هى جالسة على الكورنيش، فتاة طبيعية بالنسبة لأي أحد يراها ولكن بالنسبة إلى نور وعائشة لم تكن أبدًا بطبيعية
نظرت عائشة إلى هاتفها هى ونور يقرآن بصمت عن الحالة التي بها شروق الآن وقد تم تفسيرها أنها حالة إنكار للصدمة التي مر المرء بها، حيث يتعامل المصاب بهذه الحالة بطبيعية شديدة وكأن أي شيئًا لم يحدث
وشروق الآن في حالة إنكار لما رأته البارحة أو أنها كانت على وشك أن تُقتل، وعقلها قد هيأ لها هذه الحالة وحظر جميع أحداث أمس حتى يهرب من التفكير بها
ولكن هناك سلبيات كثيرة لما تمر به شروق الآن وهى أنها تكتم بداخلها جميع الضغوطات النفسية التي مرت بها رافضة البوح عنها أو حتى التفكير بها وكأنها هكذا ستصبح أفضل إن لم تتحدث عن الأمر وتظل محتفظة به بداخلها
نظرت شروق إليهما حيث كانا يجلسان على بعد منها لتقول بنبرة عادية :
-نور انتي مش هتروحي المدرسة النهاردة؟؟
نفت نور برأسها وهى تستقيم من مكانها :
-لأ هاروح دلوقتي
نظرت إلى عائشة ثم استرسلت :
-عمتي اتصلت وقالت مش هتقدر تيجي علشان عمي محفوظ تعب وعلق محاليل وقالت نيجوا إحنا، خدي شروق وروحوا وانا بعد المدرسة هحود عليكم
اعترضت عائشة على الذهاب فهى من النوع الذي يفضل الجلوس في البيت عوضًا عن الخروج :
-طب ما نقعدوا هنا انا مش عايزة أروح
-لأ انا عايزة أروح
نطقت بها شروق وهى تستقيم من مكانها لتجذب نور شقيقتها على جنب قائلة بخفوت :
-مينفعش تقعدوا انتي وهى وحديكم افرض عملت حاجة في نفسها وانا مش مطمنة بصراحة للحالة اللي هى فيها دي، هتعملي ايه انتي ولا هتتصرفي ازاي!؟ روحي عند عمتك انتي وهى وانا هقول لبراءة بعد ما تخلص تروح هناك ومتجيش هنا وبالمرة نسألوا على الراجل اللي تعبان ده
ختمت حديثها ثم نظرت إلى شروق التي كانت تنظر إليهما بهدوء ولا تستمع لما يقولان نظرًا لضجيج السيارات في هذا الصباح الباكر :
-انا هاروح المدرسة وانتوا خدوا عربية وروحوا وأوعوا تركبوا تاكسي، سلام
ختمت حديثها واستدارت في الطريق الذي تسلكه يوميًا إلى المدرسة على قدميها فهى تحب المشي كثيرًا وبالخطوة السريعة فهى أسرع من تسير بين بنات أعمامها، وربما هذا السبب الذي يجعلها تكتسب نحافة زائدة من حرقها بإستمرار للدهون _الغير موجودة من الأساس_
وصلت بعد دقائق طويلة إلى المدرسة ثم ولجت إلى الداخل بخطى ثابتة وأعينها لا ترفعها مع على الأرض، يطلقون عليها هنا أنها تسير كما يسير العساكر في الجيش وهى لا تشعر بالضيق من هذا فقد اعتادت على السير بهذه الطريقة السريعة، عكس شقيقتها التي قد تلتفت لها أكثر من عشر مرات خلفها تراها أين وصلت ولم تضيع منها نظرًا لبطء خطوات عائشة
توقفت قليلًا في السير عندما نادت عليها فتاة ولم تكن أي فتاة بل هاجر والتي لم تراها منذ ما يقارب الأسبوعين، ابتسمت ابتسامة صادقة وليست مجاملة فهى حقًا تحب هاجر وهى أقرب زميلة لها هنا، خاصةً منذ أن ضاعت في هذه المدينة ولم تجد من ينتشلها من الضياع غير هاجر
من وقتها وهى تكن لها الكثير من الامتنان، ولم تكن هاجر تختلف عنها كثيرًا بل كانت تعتبرها صديقة لها، بالأخص أنها لا تمتلك صديقة منذ أن أنهت فترتها الجامعية أي منذ ما يقارب الخمس سنوات وأكثر
وقفت أمام نور متفاجئة من اندفاع الآخر وضمها فابتسمت من عفويتها وبادلتها العناق دون نفاق، قد تظهر نور من بعيد أنها فتاة منطوية لا تحب الحديث مع أحد ولكن من يعاشرها يرى الفرق واضحًا
صحيح هى مع الغرباء والرجال على الأخص تختصر الكلام وتفضل الصمت ولكن إن جلست مع شخص ترتاح له ويفهمها، أو تعرفه معرفة قوية حينها تتكلم كثيرًا دون توقف تقريبًا
هى شخصية غريبة لا تفهمها ولكنها تحبها حقًا فلم تنسى ذلك اليوم الذي أتت تزورها به عندما علمت أنها متعبة، لأول مرة يسأل أحدهم عليها وتشعر أن أحدهم يهتم لها، بالله لقد طلبت منها أن تغسل هى الأطباق إن كانت لا تقدر على هذا
وعندما غابت هذه الفترة عنها وجدت عدة مكالمات فائتة منها بل وراسلتها تسأل عن أحوالها ولما هى مختفية، لم ترد عليها برسالة بل أصرت على أن تأتي المدرسة وترى صديقتها الوحيدة
ابتعدت نور عنها وانهالت عليها بالأسئلة عن لما اختفت وأين كانت هذه الفترة ولما لم ترد عليها، وقد اجابتها الأخرى بإختصار دون أن تذكر لها أنها كادت تموت في أمن الدولة بالطبع :
-ظروف طويلة عريضة مش عايزة افتكر منها حاجة، المهم انتي عاملة ايه
رفعت الأخرى منكبيها هاتفة ببساطة :
-عايشة في الدنيا والحمد لله، كنت عايزة اجي اسأل عليكي بس حصلت بلاوي كتير معايا، انا عن ساعة ما خطيت البلد دي وانا بتحصلي بلاوي ومصايب ما يعلم بيها إلا ربنا، انا شكيت ان انا اللي منحوسة بس مش بلدكم، بس بعد اللي حصل لبنت عمي عشية تأكدت ومن غير زعل إن بلدكم هى اللي نحس
ضحكت هاجر لعفويتها هذه لتبدأ في السير معها في ملعب المدرسة تزامنًا مع سؤال نور :
-انتي هترجعي تاني هنا؟؟
-مش عارفة والله بعد الغياب ده كله هيبقى ايه النظام، عايزة ارجع بس ممكن أكون اتفصلت
-طب ما تروحي تجربي يمكن لو حكتيله عن الظروف اللي حصلت معاكي متتفصليش
آماءت لها هاجر موافقة على هذا، رغم أنها لا تحتاج العمل بعد أن ورثت نصف أملاك حاتم ولكنها ستعود من أجل صديقتها :
-هحاول ولو موافقش هشوف واسطة علشان ارجع انا وانتي في مدرسة واحدة، ونقعدوا في الفسحة ناكل سندوتشات مع بعض زي باقي العيال
ضحكت نور معترضة على أن تستمر في هذه المدرسة إذ قالت :
-لأ عندك انا أخري الأسبوع ده وهفلسع على بلدنا بدون رجعة
عبست ملامح هاجر بشدة لقولها هذا فقالت وهى تتوقف مكانها :
-ليه بس؟؟ ده انا مش محتاجة الشغل وهارجع علشانك
-صدقيني يا بنتي انا لو قعدت تاني في إسكندرية مش هارجع بلدنا لأمي قطعة واحدة، حتى بصي
رفعت لها يدها المصابة أمام أعينها ثم استكملت :
-ترلة عشية قفلت الباب على صوابعي كانت هتكسرها، سيبيني يا بنت الحلال أرجع لأمي ده انا أقسم بالله بقيت بدعي وانا بصلي الأسبوع ده يعدي على خير من غير مصيبة جديدة، وانا ابقى جذمة لو طلعت برا بلدنا تاني
علت ضحكات هاجر وحاولت اخفائها، يبدو أن نور بالفعل منحوسة فقد حكت لها عن انقلاب القطار وأنها ضاعت ثلاث مرات وكاد سائق سيارة الأجرة أن يختطفها، وهذا كله دون أن تعلم ماذا حدث لها مجددًا في الأسبوعين اللذان تركتها بهما دون أن تعلم عن آخر أخبارها
أبصرت نور رحمة تتقدم نحوهما وفي يدها كتاب فتوقعت أنها تود أن تسألها عن شئ قبل أن يبدأ الاختبار، ولكن اليوم ليس اختبار مادة الدراسات الإجتماعية؟!
توقفت رحمة أمامهما ملقية تحية الصباح وقد ردتها هاجر ونور ببسمة هادئة لتقول رحمة وهى تنظر إلى هاجر التي بدت وكأنها ليست هى رغم أنها نفس المرأة، ولكن نظراتها بدت أكثر برودًا وملامحها اللطيفة أصبحت جامدة بعض الشئ وكأن روحها تغيرت :
-ازيك يا مس هاجر انتي بطلتي ليه تيجي المدرسة؟؟
-معلش يا رحمة شوية ظروف، انتي عاملة ايه؟؟
-الحمد لله
نطقت بها رحمة بإختصار ثم نظرت إلى نور وقدمت لها الكتاب وهناك بسمة على ثغرها تكاد تشق وجهها من فرط إتساعها :
-اتفضلي يا مس نور دي هدية
أمسكت الأخرى الكتاب متسائلة بتعجب وقد أدركت أنها رواية وليس مجرد كتاب عادي، والأدهى من هذا أن هذه الرواية أحدث روايات كاتب الظل ولم تتوفر بعد، لأن اليوم هو معرض الكتاب في القاهرة وستُعرض هناك :
-هدية بمناسبة ايه؟! ثم جبتي الكتاب ده منين ده لسه منزلش
رفعت رحمة مستواها قليلًا هامسة بجانب أذنها وكأنها ستطلعها على سر وهو بالفعل كذلك :
-دي هدية من حمزة، آخر رواية نزلت لكاتب الظل وعلفكرة يبقى هو كاتب الظل، ابقي إقري الإهداء والرسالة اللي جوا الكتاب
ختمت حديثها بصوت مرتفع ثم ابتعدت عنها وركضت بعيدًا وهى تقهقه بقوة على ملامح البلاهة التي أعتلت وجه نور، رمقت هاجر رحمة بتعجب متسائلة :
-هى البنت دي قالتلك ايه خليتك تتنحي كده!؟
لم تجبها نور بل فتحت الكتاب بسرعة تحدق في أول صفحة، تبصر أول إهداء خُط لها فهى لا تمتلك أي كتاب رغم رغبتها العارمة لهذا
"إهداء لصاحبة الأعين الجميلة ببحورها العسلية وشواطئها الخضراء التي خطفت لُبي وقلبي، اتمنى أن ينال كتابي إعجابكِ وكوني عالمة أنكِ صاحبة أول نسخة فلم أجد من هو أعز منكِ ليقتنيها"
وضعت هاجر يدها على ثغرها تمنع ضحكاتها من التسلل :
-ده ايه الحب ده كله؟؟ ده فيه شاعر واضح إنه مغرم بيكي يا نور
حدقت بها الأخرى بملامح مندهشة لدرجة الجنون التي وصل إليها ذلك الرجل، ألا يكفي ما فعله وغزله الصريح لها أمام مسمع عائلته، الآن ارتفع بدرجات الجنون وأرسل لها هدية
سقطت ورقة من الكتاب فهبطت هاجر قليلًا وألتقطتها ثم قالت ضاحكة :
-كمان باعت رسالة ده ايه الجو القديم ده؟!
ظهرت بسمة على جانب ثغر نور ثم قالت بخفوت :
-قاطعة عليه كل طرق التواصل علشان كده بيتعامل بالرسايل وبعت الكتاب مع اخته رحمة علشان برضو عارف إن مستحيل كنت أقبله منه
أخذت منها الورقة ووضتعها داخل الكتاب كما كانت فقالت هاجر بسرعة :
-بتحطيها ليه اقرأيها الأول
-لأ طبعًا انا أصلًا هرجعله الكتاب بالرسالة هى ناقصة دربكة
ذمت الأخرى شفتيها لا تصدق ما تقوله نور إذ صاحت بها :
-الراجل شكله بيموت فيكي كاتبلك إهداء شاعر لحبيبته وباعتلك رسالة ولا كأنه في عهد عبد الحليم وشادية وانتي بتتبطري على النعمة، حد عاقل يسيب راجل زي ده
وأجابتها الأخرى بتصميم تحاول ألا تنخرط خلف حديثها، وتحاول جاهدة ألا تنصاع خلف وسوسة الشيطان لها بأن تقرأ رسالته :
-لأ ما هى بتبدأ كده بهدية وكام كلمة حلوة وفي الآخر ألاقي نفسي في نقطة انا مش عايزة أوصلها وآخد عليها ذنوب، طالما مدخلش البيت من بابه يبقى بأي حق يبعتلي هدية؟!
برمت الأخرى شفتيها مقتنعة بوجهة نظرها ولكن بداخلها فضول لتعلم ماذا يقول هذا الشاعر في رسالته، فلم يسبق ورأت شيئًا كهذا سوى بالأفلام القديمة :
-طب ماشي اتقلي زي ما انتي عايزة بس بالله إقري الرسالة ورجعيها تاني، وابقي اعملي نفسك مقرأتيش حاجة
همهمت نور بتفكير في الأمر وقبل أن تنبس بكلمة كانت هاجر تختطف منها الكتاب ملتقطة الورقة من داخله تقرأها هى :
"أكيد اتضايقتي لما عرفتي اني كاتب الظل وأول حاجة جات على بالك الحركة اللي عملتها على الفيس وانتي عملتي ليا بلوك، يمكن من وجهة نظرك هى سخيفة بس انا كان عندي دافع وراء ده هبقى أقولك عليه لما نتخطب إن شاء الله"
نظرت هاجر إلى نور ببسمة ماكرة ثم قالت :
-لا ده الراجل بجد واقع وشكلك فعلًا قاطعة عليه كل طرق التواصل يا نور
أخذت منها نور الورقة بسرعة تقرأ باقي الرسالة وقد التصقت بها هاجر حتى تقرأ هى أيضًا
" دي أول نسخة من كتابي الجديد قمري الغائم اتمنى تعجبك وانا متأكد إنها هتعجبك علشان نفس المواصفات اللي انتي بتحبي تقرأيها، انا لسه فاكر لحد دلوقتي أول حوار بيني وبينك، انا سافرت النهاردة القاهرة علشان المعرض وبعتلك الكتاب مع رحمة وبإذن الله لما أرجع من القاهرة أول حاجة هعملها إني هاخد اهلي وننزل الصعيد نشرب شاي مع والدك مع إني مش بحب الشاي بصراحة بس هشربه علشانك واقوله جئت لأسترد ضلعي الذي آمنك الله عليه لحين أن آتي انا وآخذه فأبنتك يا عمي سرقت قلبي وانا لن أرضى بأقل من أن أفعل المثل"
عضت نور على باطن شفتيها من الداخل بخجل شديد، تستمع لتصفيق هاجر الحار بجانبها وهى تقول :
-لأ ده الراجل مش بيلعب ده عايز يروح الصعيد ويتقدملك، ملكيش حجة بقى ومش هترجعي الكتاب والرسالة علشان الشاعر الولهان ده هيبقى جوزك
رفعت نور أنظارها عن الكتاب بخجل شديد، ربي ماذا يريد منها هذا الرجل لما لا ينفك عن محاولة التقرب منها
ضيقت عينيها قليلًا عندما رأت شاب يقف بجانب باب المدرسة وعينيه عليها، لم تتعرف عليه من الدقيقة الأولى بسبب هذه القبعة وهذه الكمامة، ولكن عندما اخفض كمامته ولوح لها علمت بسرعة أنه حمزة
ضمت شفتيها بقوة وأصابها التوتر والإرتباك من وجوده بل وتلويحه لها، لهذا استدارت حتى لا يراه أحد وهو يلوح لها ثم قامت بجذب هاجر مبتعدة عن الملعب بأكمله
أما حمزة خرج من المدرسة وصعد إلى سيارته، لقد أعطى الكتاب لرحمة صباحًا وطلب منها أن تعطيه لنور بسرية بينما هو سيسافر للقاهرة ولكن كان هناك فضول شديد لرؤية رد فعلها وكم أراد أن يراه عن قرب ولكن لا بأس سيأخذ والده معاد مع والدها من أجل أن تكون هذه الفتاة نصيبه ولن يكون لها حجة للهروب منه بعد الآن
ترك قبعته والكمامة على جنب وشغل سيارته متجهًا إلى القاهرة من أجل معرض القاهرة السنوي للكتاب، هو يكون متواجد هناك ليوم كامل من أجل التوقيع والصور فرغم الغموض الذي يحيط به نفسه إلىٰ أنه كاتب معروف ويعمل في مجال الكتابة هذه لسنوات وله جمهور كبير
ولكن يبدو أن هذه السنة لن يذهب للمعرض إذ دق هاتفه برقم كريم لذا أجاب بنبرة مازحة :
-لو قولت أجي معاك القاهرة هقولك لأ علشان مش بحب حد يجي معايا وانت عارف ومتحاولش تتحايل عليا
-حمزة انت سافرت
نطق بها الآخر بصوت مبحوح مختنق فاوقف حمزة السيارة على جنب متعجبًا نبرته هذه وقد شعر بالقلق عليه :
-مالك يا كريم
حاول كريم ألا يبكي ولكنه لا يستطيع خاصة بعد أن رأى جثة سعد بعينيه ومن وقتها ولا يستطيع الكف عن البكاء وهو يجلس بجانبه، وكأن شريط طويل لحياته وهو مدمن يعرض أمام عينيه بكل لحظة ألم نفسي وجسدي عاش بها :
-سعد مات يا حمزة انا عايزك جنبي، بحاول أبطل عياط بس مش قادر، عايز أحضن حد ومش عايز حد غيرك
أدار حمزة سيارته عن طريق السفر هذا ثم سأله بنبرة جادة حنونة فحين يتعلق الأمر بكريم يشعر وكأنه يحادث ابنه وليس أخيه الصغير :
-طب اهدى انت فين قولي
-انا في المستشفى اللي بيشتغل فيها يوسف
-طب انا جاي أقفل
أغلق الهاتف وألقى به على المقعد بجانبه مضاعفًا السرعة حتى يذهب لأخيه، ملقيًا بسفره الذي ينتظره كل عام عرض الحائط فلديه ما هو أهم الآن وهو أخيه الصغير والذي طلبه بالاسم، فوالله لو في منتصف المعرض الآن سيترك كل شئ ويأتي له...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
وقف أمام اللوحة يتأملها للمرة التي لا يعلم عددها، لوحة لشاب مرسومة بالرصاص قد رسمتها هاجر منذ يومين وهو رآها البارحة أثناء تواجده في هذه الشقة، فلم يجد ما هو أأمن منها حتى يرى ماذا يفعل في حياته التي تتلاشى أمام عينيه وبيتلعها الظلام دون أن يستطيع أن يوقف هذا
رفع اللوحة وهو يعلم صاحب هذه الصورة فقد رآه قبلًا يتحدث مع هاجر في حديقة الفيلا، وقد رآه في السيارة التي هبطت منها يوم أتى لزيارتها، وعندما سألها البارحة حين أحضرت له الطبيب من أجل معالجة جرح رأسه، أجابته بنبرة خجولة ويقسم أنه رأى لمعة سعادة في عينيها لم يراها منذ أن توفي والديها :
-ده كان جاري في الشقة اللي قدامنا
وأجابها حين بنبرة جامدة وهو يضع يده على رأسه الملتفة بالشاش الأبيض :
-وانتي أي حد بتقابليه برسميه؟؟ انا أعرف إنك مش بترسمي البني آدمين كتير بتحبي ترسمي المناظر اللي حواليكي أكتر
قبضت هاجر على كفيها بحرج مجيبة عليه :
-هو بصراحة أتقدم ليا وانا شايفة إنه مناسب، ومش هقعد وحيدة طول عمري يعني وأكيد هتجوز
لا يعلم ما كان شعوره وقتها، حتى إن لم تكن ستتزوج لم يكن يستطيع الحصول عليه فهى أصبحت محرمة عليه، حاول مرارًا أن ينساها ولكن وجودها أمام عينيه طوال الوقت جعله غير قادر على هذا، ولم يقدر على رؤية امرأة غير التي أحبها منذ مراهقته
كان يرى هاجر وهى صغيرة مع والدتها في مطبخهم وكان يحب أن يلعب معها رغم رفض والدته الدائم لهذا ولكنه لم يكن يستمع لها، ومع مرور الأيام أحب ابنة الحارس حبًا جمًا دون أن تدرك هى هذا، أحب نقاءها وجمالها البسيط وصوتها الناعم، وعندما سافر للدراسة في الخارج كان متحمس لأن يعود ثم يطلب من والده أن يزوجها له
ليأتيه في يوم الخبر الذي حطم قلبه إلى أشلاء وهو زواج أبيه من الفتاة التي يحبها ليجعلها محرمة عليه لبقية حياته، ومن حينها وأصبح شعور القهر ملازم له في كل مرة ينظر بها إلى هاجر
تغيرت شخصيته وأصبحت أكثر جمودًا وبرودًا حتى أنه فعل الكثير من المعاصي وأكبرها القتل، حتى وصل به الأمر لقتل شقيقه فحتى إن كان الآخر مجنونًا هو ليس كذلك
لا يزال يتذكر يوم أمس بحذافيره حين آفاق على أوجاع رأسه ليجد نفسه ملقى في المقعد الخلفي لسيارته ورأسه ينزف، لم يحتج الكثير من الوقت لأجل أن يعلم ماذا يفعل هنا فسرعان ما تذكر ماذا فعل شقيقه المجنون، ونظرًا للمكان المتواجدة به السيارة علم أنه نفذ ما برأسه وسيقتل تلك الفتاة المدعوة شروق
هبط من السيارة بصعوبة وهو يضع يده على رأسه ولم يكن هناك من يركز معه بل كل التركيز كان مع ما يحدث بالداخل، أمال المقعد الخلفي حيث يحتفظ بمكان سري يضع به بعض الأسلحة فمنذ أن عمل مع كاظم وهو طلب منه فعل هذا تبعًا إن تعرض في يوم لهجوم أو ما شابه
لم يجد إلا سلاح واحد فقد أخذ كاظم الأسلحة الموجودة وكأنه ذاهب إلى حرب، استمع لصافرات الشرطة قادمة من بعيد فاخذ السلاح ودلف إلى الكلية حيث كان يجتمع الطلاب والمعلمين والعاملين جمعيهم في الخارج، بينما شقيقه المجنون يمسك بفتاة ويهدد الجميع
تسلل إلى الداخل المبنى بسرعة عندما اقتحمت الشرطة المكان ثم أخذ يتربص بأخيه الذي تم إصابته بطلق ناري ليظهر أمامه عندما اختبأ الآخر خلف الحائط، غير مبالي بالكاميرات التي لقطته
تنفس كاظم بقوة وهو يرى عادل أمامه فقال بلهفة يراه يمد له يده بكل هدوء :
-هتخرجني من هنا؟؟
وآماء عادل بصمت ونوايا كارثية ليقف الآخر ممسكًا بيده، وقبل أن بنبس بكلمة وجد عادل يضع فوهة سلاحه على جانب رأسه هامسًا له بنفس جملته :
-متثقش في قاتل حتى لو كان أخوك
وتلىٰ حديثه رصاصة استقرت داخل جمجمة كاظم معلنة نهاية حياته المختلة على يدي شقيقه الذي علمه الكار بنفسه
بصعوبة استطاع الخروج من الكلية ولم يجاذف ويذهب إلى مشفى فعلم أن الكاميرات قد صورته وهو يقتل كاظم، والشرطة أول ما ستفعله هو مراجعة الكاميرات لذا اتصل على هاجر متوجهًا إلى الشقة التي كانت تجلس بها هى وقد طلب منها أن تحضر طبيبًا معها
ورغم تعجب الأخرى من الحالة التي وجدته بها إلىٰ أنها لم تضغط عليه في معرفة ما الذي حدث له، حدث كل هذا قبل أن تعلم هاجر أن كاظم قد مات وحتى الآن لم تأتي وهو لم يتصل عليها
كان فقط يريد أن يتزوج من هاجر وفي المقابل انقلبت حياته إلى كابوس لا يستطيع الخروج منه، وهو من قلبها بيديه والآن لم يعد هناك مفر سوف يُقبض عليه ويُعدم ويموت ملطخًا بسواد الدنيا والذنوب
رفع رأسه نحو النافذة وإلى الشمس التي تتسلل منها يشعر بالخجل حتى من أن يتبرأ من ذنوبه فهل سيقبل الله توبته بعد كل المعاصي التي ارتكبها؟؟
أخذ هاتفه وفتحه بعد أن كان على الوضع المغلق ومن الجيد أن كاظم تركه له في السيارة، ثم بعث رسالة مختصرة لهاجر
"خلي بالك من لمار يا هاجر متسيبهاش تضيع زي اللي ضاعوا، دي أمانة عندك"
أغلق التطبيق وفتح آخر متصلًا على الشرطة وفي يده سلاحه مقررًا إنهاء هذه القضية، فهو خسر نفسه وخسر عائلته والفتاة التي أحبها من صميم قلبه وربما أيضًا خسر آخرته
تنفس بصعوبة عندما سمع الرد على الناحية الآخر فقال بصوت متحشرج وقلبه يقرع بقوة :
-الو انا عادل الدخيلي قتلت اخويا سفاح إسكندرية وابقى شريكه في جرايمه، انا موجود دلوقتي في سيدي بشر في العمارات المستثمرة فيها عيلة الدخيلي وبسلم نفسي
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل السابع وأربعون 47 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
-استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل
نطق بها الشيخ وهو يقف أمام قبر سعد وخلفه عائلته ومعارفه يدعون له بالرحمة، كان موت سعد صدمة بالنسبة إلى جميع من يعرفه فهو لا يزال شاب في العشرين من عمره وموته لم يكن على خاطر أحد، ولكن هذا هو الموت يأتي دون استئذان
ومن ضمن الموجودين كان كريم وبجانبه حمزة يقف معه فقد أصر كريم إصرار غريب على أن يحضر دفن سعد، رغم أنه سيدفن في محافظة غير محافظة الإسكندرية وهذا لأنه طالب مغترب
أدمعت عيني كريم رغمًا عنه داعيًا له بالرحمة والمغفرة، ربما لم تتجاوز فترة معرفته به عن الثلاث أسابيع وربما أقل، ولكنه رأى نفسه به عندما كان في نفس حالته، كان في أشد أوقاته بؤسًا ويحتاج لمن يدفعه نحو الصواب وهو اعتبره صديق له حتى يخرجه من ذلك المستنقع
لا يعلم كيف مات فجأة ونظرًا لتقرير الطب الشرعي لقد مات سعد نتيجة هبوط حاد في الدورة الدموية أي لم يمت من جرعة زائدة من المخدرات كما شك به، يبدو أن المرحوم كان لديه العزيمة على أن يتوقف بالفعل فعسى الله أن يغفر له ذنوبه
انتهت مراسم العزاء وأغلقوا القبر وبدأ الجميع يرحل حتى حمزة مال عليه قليلًا محيطًا بكتفه ثم قال :
-يلا يا كريم نمشي علشان نلحق نرجع إسكندرية دي الشمس خلاص غابت
آماء له كريم بصمت متقدمًا من والد سعد الذي جلس بجانب قبر ابنه وكأن الرجل لا يصدق بعد أن ابنه قد رحل عن الدنيا، كم هو مؤلم فراق الأحبة فكما قال رسولنا الكريم "الموت مصيبة"
وقف كريم خلف أقارب والد سعد يحاولون أن يجعلوه يقف معهم حتى يرحل، دلف بينهم حتى يصل إلى الرجل وما إن أصبح أمامه حتى جثى على ركبتيه، ناظرًا له بقهر :
-سعد كان بيحبك أوي ولو هو موجود بينا دلوقتي مكنش هيعجبه ده
لم ينظر له الآخر بل تلمس باب القبر هامسًا بصوت رجل كُسر ظهره بموت فلذة كبده :
-انا مش همشي هبات الليلة دي معاه دي الليلة الأولى أكيد سعد خايف، انا جنبك يا سعد يا ابني مش همشي
ارتفعت الأصوات بعدة جمل مثل "لا إله إلا الله، وحد الله" بينما قال كريم وهو يتكتم على سر سعد فهو يعلم أن لا أحد من عائلته يعلم أنه كان مدمن وسوف يكتم هذا السر حتى لا تقل صورته أمام عائلته بعد مماته :
-سعد كان شاب كويس وشاطر وربنا أكيد رحمه من الدنيا دي لسبب في علم الغيب ادعيله بالرحمة والثباث عند السؤال علشان هى الليلة الأولى زي ما بتقول
استقام من أمامه واتجه إلى حمزة الذي استقبله بعناق قوي داعم فدفن الآخر رأسه في كتف أخيه باكيًا بقوة وكأنه فقد صديق عمره
جذبه حمزة معه إلى السيارة التي ركنها في الخارج بعيدًا نوعًا ما عن المقابر ثم شغلها عائدين إلى البيت، ولطول الطريق هدأ كريم واستكان بصمت ليتوقف حمزة أمام محطة وقود حتى يعبئ السيارة فخرج كريم من السيارة إلى المرحاض الموجود في المحطة حتى يغسل وجهه ويستعيد تركيزه متمتمًا لسعد بالرحمة والمغفرة
عاد إلى السيارة وقد وجد حمزة يتحدث في الهاتف مع والده وهو يقول :
-لأ يا بابا قدامنا ربع ساعة وندخل على إسكندرية وهنروح على البيت فمتستناش نيجي لعمي محفوظ هبقى اسأل عليه بكرة
-يا ابني بقولك عمك تعبان أوي خلي عندك دم وتعالى اسأل عليه وهات كريم
أشار كريم له بأن يرفض فهو لا يريد أن يذهب إلى مكان الآن بعد هذا اليوم الطويل بشدة، بل يريد أن يعود لمنزله وينام، انقلبت ملامح حمزة بشدة بشكل عجيب إلى زواية الغضب فنظر إليه متسائلًا :
-فيه ايه يا حمزة؟؟
رفع يده له حتى يصمت وقد قال :
-ثواني يا بابا اسكت دقيقة
نصف دقيقة من الصمت قد مرت على كلا الطرفين ليقول حمزة متسائلًا :
-بابا هو صوت مين الغريب عندك؟؟ صوت راجل وكمان صوت نور عالي كده ليه وبتضحك أوي على غير عادتها الصامتة
نظر عثمان خلفه إذ كانت تمازح نور وبراءة رجلًا في منتصف الثلاثينات وثلاثتهم يحاولون إخراج محفوظ من صمت المرض، عاد إلى ابنه مبتسمًا بإتساع بسمة ماكرة :
-بتهزر مع واحد
-بتهزر مع واحد ببساطة كده وبصوت عالي كمان ده انا سامعها من عندك، وبعدين مين ده اللي منفتحة أوي معاه ده انا بشحت منها صباح الخير بالعافية، ويا قالتها يا طنشتني
نطق بها حمزة بمشاعر غيرة حبيب لطالما كتب عنها وقرأ عنها حتى شعرًا، ولكن لم يجربها قبلًا حتى مع خطيبته الأولى ولا يعلم لما، ربما لأن نور دائمًا متحفظة لا تدع رجلًا يقترب منها حتى هو، وتحفظها هذا يجعله يشعر بالغيرة، فإن كانت تمنعه حتى من الحديث معها فمن هذا الذي تتحدث معه بكل هذه الأريحية
ابتسم كريم على أخيه منشغلًا معه بعيدًا عن التفكير بسعد، يسمع والده يستفزه على الناحية الأخرى إذ قال :
-وانت مالك بيها
وصاح حمزة بغضب على غضبه :
-مالي إزاي وهى هتبقى مراتي!؟ من حقي أعرف بتضحك وتهزر كده بصوت عالي مع مين
-حيلك مراتك ده ايه؟؟ ده ابوها لحد دلوقتي لسه مردش علينا، ثم خف الدلقة دي واتقل شوية، مش بيقولك حب البنت تسيبك، سيب البنت تحبك
آماء كريم برأسه كاتمًا ضحكة كادت أن تنفلت منه على ملامح أخيه المتشجنة :
-بصراحة معاه حق انت نازل طالع بتعاكس البنت حتى قدامنا، عندك بجاحة عالية يا حمزة
ولم يعجب الآخر هذا الحديث فصاح به قائلًا :
-اعاكس مين في الطالعة والنازلة دي مجنناني بتقلها، اقسم بالله ما بعرف أتكلم معاها لو شافتني في الاسانسير بتنزل السلم ولو نزلت السلم وراها أو قدامها بتاخده في خمس ثواني علشان متبقاش جنبي، لو شافتني جاي بتغير طريقها ولو اتكلمت معاها في شئ عابر كده عينيها في الأرض مش بترفعها، ولو قعدت معايا في مكان واحد حتى لو حوالينا خمسين واحد بتحجج بأي حاجة علشان متقعدش، دي فضلت بالجوع ورمضيتش تقعد تاكل معايا انا وغادة ورحاب لما كنا معزومين عند عمي محفوظ، بتهرب مني طول الوقت أكني لو مسكتها هعضها
ارتفعت ضحكات كريم في الأجواء بعد أن كان يبكي وينوح منذ ساعتين، حتى عثمان ضحك على حديث ابنه مستمعًا لكريم الذي سحب الهاتف من حمزة وقال :
-بابا اتصرف وجوزهاله لأحسن يجيبلنا مصيبة، انا عارف حمزة لما عقله يطير من راسه
جذب حمزة الهاتف من يده قائلًا بنفس النبرة الغاضبة عندما عاد واستمع إلى صوت نور وهى تتحدث مع أحد وقد اختلط صوتها بالضحكات :
-قولي مين بتتكلم معاه كده وريحني، ابوها؟؟
-لأ
-عمها الصغير اللي اسمه حسن ده!؟
-لأ برضو سلام
أغلق في وجهه دون أن يقول له كلمة تريحه وتخفض من غضبه فألقى حمزة الهاتف أمامه وأدار سيارته بسرعة عالية هذه المرة تزامنًا مع قوله :
-انا هوصلك البيت وأروح لعمك محفوظ نشوف الآنسة التقيلة بتضحك مع مين
ابتسم كريم بشدة على أخاه العاشق إذ قال :
-حبتها أوي يا حمزة البنت دي
وضم الآخر شفتيه وعقد حاجبيه بعدم اقتناع ثم أجاب :
-لأ انا لسه محبتهاش، انا لسه في مرحلة الإعجاب
وما إن ختم حديثه حتى صاح به كريم بطريقة افزعته :
-إعجاب مين يا ابو إعجاب!؟ ده انت هتطق من الغيرة جنبي، عيب تبقى كاتب رومانسي وتنكر الحب
ضحك حمزة بخفة مُصرًا على رأيه :
-لا صدقني انا لسه محبتهاش فعلًا علشان لسه متعاملتش معاها، كل ده إعجاب بس
-إعجاب بس؟! طب بس انت وأطلع علطول على عمك محفوظ علشان مش هفوت انا اللحظة دي
وبعد أقل من ساعة توقف حمزة أمام البناية التي يقطن بها عمه وفور أن هبط من كريم حتى رأى يوسف ويونس يهبطان أيضًا من سيارتهما وتبدو الراحة على يونس على غير العادة فقال كريم ملقيًا عليهم التحية :
-ايه يا يونس مرتاح البال يعني!؟
وآماء الآخر بصمت فقد أنهى أخيرًا القضية المشؤومة هذه بعد أن وصل خبر من شرطة النجدة بإتصال من عادل وقد سلم نفسه وهو الآن في مبنى أمن الدولة للتحقيق معه، لا يعلم لما سلم نفسه ولكن عندما رآه بدا عليه الندم بوضوح، ولكن فيما ينفع الندم بعد أن سلم عقله لوسوسة الشيطان
تخطاهم حمزة والجًا إلى داخل البناية دون أن يلقي التحية حتى فقال يوسف بتعجب :
-ايه يا حمزة ماشي زي القطر كده ليه!؟
وأتته الإجابة من كريم وهو يلحق بأخيه بحماس لرؤية ما سيفعله وبالطبع قد لا يخلو الأمر من كلامه :
-أصله غيران
ولم يفهم لا يونس ولا يوسف المعنى من كريم، لذا لحقا بهما وصعدا المصعد معهما وعندما اقتربا من الطابق الذي يسكن به عمهم محفوظ حتى استمعوا إلى أصوات مرتفعة من الداخل وكأنه صراخ فقال يونس عاقدًا حاجبيه :
-ايه الصويت ده يكونش عمكم مات؟!
جحظت أعين يوسف بصدمة مما قاله أخيه ولم يبالي حقًا حمزة بما قال وخرج من المصعد فهذه ليست أصوات صراخ وإنما أصوات صياح وبعضها ناعم كصوت الفتيات، وقبل أن يصل إلى شقة عمه المفتوحة أبصر نور تخرج من الداخل بسرعة وفي يدها أوراق لعب صائحة بصوت شبه مرتفع :
-لا لا لا لا انت خمام اقسم بالله ما اضَّرِب تاني انا هاروح أروح
-نورهان
صاح بها حمزة وهو يقترب منها بخطوات سريعة ليجدها ابتعدت عن الباب بل وعنه تزامنًا مع خروج ياسر من الداخل وهو يضحك بقوة، وهذا ما آثار شعور الغيرة بداخل حمزة أكثر فهو يغار من ياسر كثيرًا بسبب تقربه من نورهان أكثر من أي فتاة أخرى في عائلته
بل وهناك وسوسة داخلية تقول له أن الفتاة المحجوزة من بنات علي لياسر هى نورهان فالأخرى صغيرة عليه ولا يراه يعاملها كثيرًا بل بالعكس أغلب حديثه مع نور :
-طب تعالي رايحة فين مش هخليه يضربك، تعالي خليتي الناس تتفرج علينا
وصاحت به الأخرى برفض شديد معاكسة لملامح وجهها الضاحكة :
-كداب يا ياسر وملكمش أمان انتوا الاتنين، ادخل معاك علشان الاقي ايده طرقعت على ضهري خليه يضرب براءة ولا عائشة شوية انا اضربت كتير النهاردة
-انت عايز تضربها ليه؟؟
نطق بها حمزة بحدة شديدة وهو يقف أمام نور يخفيها بجسده مثيرًا تعجب ياسر فلما يحادثه بهذه الطريقة الحادة، ولم يكد أن يتحدث إلا وسمع صوت عمه ماهر من الداخل يقول بصوت مرتفع :
-هات البت اللي هربت برا دي يا ياسر اللي مش كد اللعب ميلعبش
نظر حمزة نحو صاحب الصوت والذي ظهر من خلف ياسر وبدا أنه شاب في منتصف الثلاثينات أي في نفس عمر إسماعيل، وهناك شبه كبير بينه وبين زوجة عمه أسماء لذا توقع أن يكون إحدى اخوتها فهى تمتلك الكثير من الاخوة
كان سن ماهر قريب قليلًا من سن أبناء اخوته لذا يحب المزاح معهم، وكان يمازح نور والتي هربت للخارج خوفًا من تنفيذ حكمه عليها بعد أن خسرت في لعبة الأوراق أو ما تسمى "كوتشينة"
وعندما أبصر أربع شباب يقفون في الخارج حتى انقلبت ملامحه ونظر إلى نور بنظرة قوية جعلتها تطأطأ رأسها وتدلف بسرعة إلى الداخل وهذا بعد أن ابتعد هو وياسر من أمامها
أقترب يونس من حمزة قليلًا ومال عليه هامسًا بشئ آثار حنقه إذ قال بمكر :
-براحة يا حمزة لتولع من الغيرة، تلاقيه عمها ولا انت غيران من ياسر؟؟
ختم حديثه ودلف إلى شقة عمه وكان الوضع كالآتي الجميع موجود في البهو، والديه وعمه عثمان واسماعيل وغادة والفتيات هم الأربعة، وهذا بالإضافة إلى ياسر وهذا الضيف الجديد وعلى الأرجح أحد اخوة زوجة عمه الكُثر
ألقى التحية ودلف وخلفه ابني عمه وشقيقه، وهذا بالتزامن مع وقوف الفتيات حتى يفسحن مجال للقادمين فلن يكفي المكان كل هذا العدد، نظر حمزة نحو نور مراقبًا تحركها بتركيز شديد فهى لا تنظر إليه ولو بنظرة عابرة رغم أنها تراه مع الموجدين، ولكنها لا تبالي بوجوده
لم يتوقع أبدًا رد الفعل هذا بعد رسالته لها صباحًا ولولا أنه رآها تقرأ الرسالة لظنها تعامله كالعادي منها ولكنها قرأت ما كتبه لها إذًا لما هى ثقيلة إلى هذه الدرجة، وثقلها هذا يثير جنونه وفوق هذا الجنون شعوره بالغيرة من وجود ياسر، فهو حتى الآن يشعر أن نور مكتوبة لياسر لأنه ابن عمها لذا والدها لا يرسل لهم رده لا بموافقة ولا برفض
خرج من أفكاره هذه على جذب أسماء له بعيدًا عن الموجدين وقبل أن يسألها عن سبب جذبه هكذا قاطعته هى بنبرة تهديدية رغم انخفاض صوتها :
-اسمع يا ابن ناهد انا عارفاك صريح وجرئ في كلامك بس حسك عينك تفتح كلام مع نور ولا تبصلها حتى، ماهر اخويا قاعد وانا اخواتي طبعهم شديد ودمهم حامي متجبش للبنت الكلام منه سامع
آماء لها حمزة بطاعة فهو لا يود بالفعل أن يأتي لها بمشاكل من أحد، ولكن يريد من أحدهم الإجابة على أسئلته لذا سألها هى بطريقة مباشرة قائلًا :
-مرات عمي هى مين البنت اللي هيتجوزها ياسر من بنات علي صفوان، نورهان ولا أختها
تعجبت أسماء سؤاله هذا فمن الذي أخبره بهذا الأمر، ولم تجبه بسبب ظهور ماهر أمامهما متسائلًا بهدوء بعد أن ألقى نظرة خاطفة على حمزة :
-أم إسماعيل تعالي عايزينك برا
خرجت معه أسماء وقد لحق بهم حمزة وجلس إلى جانب شقيقه في البهو والذي كان يحادث عمه محفوظ الجالس بينهم وفي يده إبرة موضوع عليها شريط طبي لاصق :
-لا بس احنا توقعنا نيجي ونلاقيك في حال غير الحال، بس انت كويس أوي أهو يا عمي
حمحم محفوظ ساعلًا بخفة ثم قال :
-الحمد لله ده دور برد بس تقيل شوية تعبت نفسكم وجيتوا والله، جهزي عشاء يا أسماء أو ابعتي حد يجيب جاهز أسرع
-انا بجهز أهو والبنات بيساعدوني بس متخليش انت حد يمشي
نطقت بها أسماء وهى تعدل الوسادة خلف ظهره حتى يرتاح عليها فهو أصر أن يترك الفراش ويجلس معهم وقد أخرجه ماهر والفتيات بمزاحهم من أجواء المرض حتى أنهم جعلوه يلعب معهم بالأوراق
تحدث ماهر وهو يخرج عدة أوراق يحفظهم داخل ملف قائلًا :
-بصراحة جيت اسأل عليكي وماشي بس مكنتش أعرف إن محفوظ تعبان وادينا خرجناه من جوا الأوضة وبقى زي الفل، اتفضلي بقى قدام جوزك وعيالك ورثتك من أبوكي
نظرت الأخرى إلى الأوراق التي يقدمه لها ثم تساءلت بتعجب :
-ورث ايه بعد أكتر من خمسة وعشرين سنة، انا قولتلكم مش عايزة حاجة انت نسيت ولا ايه؟؟
-لأ منستش يا أختي بس حقك تاخديه واعملي اللي انتي عايزاه فيه وعبد الجواد كان هيجي معايا بس فيه كام حاجة حصلت في البلد وياسر هو اللي جه معايا
استقام من مكانه وأعطاها الأوراق بين يديها، فنظرت الأخرى إلى زوجها والذي بدوره رفع كفه بمعنى أنه خارج هذا الكلام :
-انتي واخواتك أحرار بقى انا اطلع منها دي
استقامت أسماء من مكانها وقد جذبت ماهر معها لغرفة أخرى بعيدًا عن البهو فقال عثمان بعد أن رحلت سائلًا شقيقه :
-مش مراتك اخدت ورثتها
-لأ هى قالت مش عايزة بس عبد الجواد كان بيزرع هو الأرض وبيبعت ليها الإيجار مش عارف ايه جد وبعت لإسماعيل من أسبوع وكتب نصيبها من الأرض باسمها واديه بعت الورق، بس انا برا الموضوع هما أخوات ويتصافوا مع بعض، اخدت الورث خير، مأخدتوش انا مش حارمها من حاجة
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
نظر إلى الهاتف القابع بين يديه على رقمها لا يدري أيتصل عليها أم لا، ربما يتصل عليها بحجة أنه يريد فقط الاطمئنان عليها بعد ما حدث بصفقته أستاذ لها
تنهد بحزن وهو يلقي الهاتف أمامه فعلى من يخدع هو لا يشعر نحوها كأنها طالبة عنده بل أكثر من هذا، وهى رفضت وقطعت الطريق عليه فلما المحاولة عليه أن ينساها تمامًا
تحدثت والدته وهى ترفع امامه طبق به وجبة طعام جاهزة ثم قالت :
-يلا يا عاصم علشان تاكل وتاخد علاجك
أخذ منها عاصم الوجبة مردفًا بهدوء :
-انا عايز أخرج من المستشفى طيب
-الدكتور قال مش هينفع دلوقتي لازم راحة علشان جرحك يلتئم والحمد لله ده قال الرصاصة كان بينها وبين الكلية كام سنتي، الحمد لله ربنا سترها
نظر الآخر إلى الطعام بدون شهية ولكن عليه أن يأكل من أجل العلاج الذي يأخذه، طرق الباب وقد دلفت ابنته تالين قبل أن تسمع أحدهم يسمح لها بالدخول، راكضة نحوه بسرعة وهى تهتف بكلمة بابا ثم صدح بعدها صوت عايدة التي دلفت خلف ابنتها بسرعة :
-استني يا تالين براحة ده تعبان
رفعت ابنتها من على الأرض قبل أن تصل إلى والدها لتقول الأخرى بصوت طفولي وهى تمد ذراعيها نحوه فهى بالكاد بلغت الثلاث أعوام :
-بابا
لم ينتبه عاصم لها بل اندهش لعايدة نفسها وقد كان اندهاش والدته مضاعف إذ كانت أمامهما امرأة تشبه عايدة ولكن يقسمان على أنها ليست هى فهذه مختلفة اختلاف جذري بدايةً من الخمار الأزرق الطويل الذي يغطيها من الأمام والخلف ولا توجد خصلة واحدة تظهر منه
وإدناء متسع باللون الأسود، طويل يصل إلى الأرض فلا يظهر منها سوى وجهها وكفيها فقط، بينما وجهها خالي من مستحضرات التجميل فقط تُظهر بشرتها البيضاء بالنمش الموجود فوق انفها ووجنتيها
أوقفت عايدة ابنتها على قدميها مبتسمة بهدوء لنظرات الذهول المرسومة على وجه عاصم ووالدته :
-حمد الله على السلامة انا عرفت اللي حصل وإحنا برضو كنا عشرة فجيت اسأل عليك
ابتسم عاصم بهدوء يشعر أن وجهها قد أضاء بالحجاب :
-مبارك على الحجاب يا عايدة
جلست الأخرى على أقرب مقعد مبتسمة بحرج وهى تتابع تالين التي رفعت يديها إلى والدها حتى يرفعها له، وقد استجاب لها الآخر وجعلها تجلس إلى جانبه قائلًا :
-وحشتيني يا توتة مبقتش أشوفك كتير ليه؟؟ بتحبي تقعدي مع ماما أكتر مني، انا هستنى لما تكبري علشان تيجي تقعدي معايا
-هى لما تكبر هتاخدها مني يا عاصم؟؟
نطقت بها عايدة بخوف حقيقي من أن يأخذها منها لتقول والدة عاصم بتأكيد :
-أكيد لما تكبر هياخدها، هى علشان صغيرة دلوقتي فهى معاكي لكن لما تكبر هترجع لأبوها
رأى عاصم الحزن في عيني عايدة وانتقلت نظراته إلى تغيرها الملحوظ الذي لطالما طلبه منها فلما تغيرت هكذا بعد أن انفصلوا لما لم تستمع له من البداية، انتقلت نظراته لابنته وضمها بحنان، لقد كبر ولم يعد صغيرًا حتى لا يعلم ما الذي يريده وإن لم تكن شروق له فعليه أن يرى ما الذي بين يديه ويحافظ عليه...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أشعل سيجاره في الشرفة بعيدًا عن باقي العائلة فهم يتناولون الطعام الآن بينما هو لا يشعر بالجوع بل يفكر في القادم بعد زواج رقية وأخيه هل سيظل هو عازب أم ماذا؟!
لقد طلبت منه والدته عشرات المرات مقابلة عدة فتيات في جلسة صالونات، أي فتاة لا يعرفها وسيتعامل معها لأول مرة ولكنه رفض هذا الأمر في كل مرة تطلب منه، ليس لأنه يريد الزواج عن حب بل لأنه يعلم أن الزواج بتلك الطريقة تضمن إخفاء العيوب وإظهار العروس لأفضل ما لديها ليتفاجأ هو بعيوبها بعد الزواج
لا يريد أن يتزوج أي فتاة والسلام، والأصعب أن لا فتاة قد جذبت تركيزه لها.... عداها هى
نظر إلى جانبه في الشرفة الأخرى حيث كانت تجلس شروق وهى تضع رأسها على سور الشرفة دون انتباه لما حولها، فهى حتى لا تراه يقف منذ دقائق طويلة بداخل الشرفة الأخرى
نفث الدخان في الهواء وعينيه عليها فهى لم تتحرك منذ فترة لذا شك أنها نامت فناداها بنبرة عادية قائلًا :
-لو هتنامي نامي جوا مش في البرد ده
لم تسمعه أو ربما تجاهلته لذا اقترب من السور أكثر محدقًا بها في تركيز ليتبين له أنها تضع سماعات الأذن وتنظر إلى هاتفها وليست نائمة لذا لم ينادي عليها مرة أخرى، بل استند بيده على السور والأخرى يمسك بها السيجار وهناك بسمة جانبيه على وجهه يسأل نفسه سؤال
لما تعجبه هذه الفتاة؟!
ربما لأنها تطاولت عليه أكثر من مرة وهو يعشق النوع الذي يرد له الكلمة بعشر
المرأة القوية المتمردة وهى كذلك، حتى أنها تمردت على كل الأحداث التي حدثت لها ونفتهل من عقلها ونكرتها تمامًا
جريئة فقد أخرجته من السيارة بمفردها ولم تتركه وتهرب تحت كلمة "انا مالي"
تثير غضبه وسخطه أجل ولكنها تثير إعجابه وبشدة، ولكن إن قطعتموه إربًا لن يبدي لأحد بهذا ولا حتى لأقرب الاقربين له، فهو ليس مثل حمزة الذي يغازل نور علانيةً، أو مثل يوسف الذي يتعامل مع براءة بعفوية، أو مثل إسماعيل الذي يحتوي غادة بكلمات داعمة حنونة
هو يونس ومختلف عن الجميع، لا يغازل بل يقول ما في صدره دون الاكتراث لأحد، ليس عفوي بل ذكي مراوغ، لا يعرف شيئًا عن المرأة لذا لا يعلم كيف يتعامل معها أو ما الكلمات التي قد تجعل المرأة تلين للرجل، هو مغرور لذا لا يبدي إعجابه بأي شئ حتى إن كان يعجبه حقًا
لديه الكثير من الصفات الذميمة ولكن هذه هى شخصيته ولا يستطيع تغييرها، فالطبع قد غلب التطبع
أخرجه من تفكيره صوت كريم وهو يدلف إلى الشرفة مناديًا عليه :
-ايه يا يونس قاعد هنا وسايب حمزة شايط برا ده انا قولت هتبقى أول الموجدين علشان تشمت فيه... هو انت بتبص على ايه؟!
دفعه يونس أمامه قبل أن يدلف ملقيًا بالسيجار من الشرفة وقد خرجا من المكان نحو البهو حيث كان يجلس الجميع بعد إنتهاء العشاء، حتى الفتيات موجودات بإستثناء شروق، وعلى الأرجح هناك قصة قديمة تروى نظرًا لملامح الحنين المرسومة على وجوه عميه ووالده
جلس إلى جانب أخيه يستمع لنور والتي هتفت بفضول مستغلة أنهم يحكون قصص قديمة لهم :
-بابا بيقول جدي صفوان أكتر حد كان يحبه هو انتي علشان بنته الوحيدة والباقي أولاد، على كده يا عمتي هو جدي وافق كده عادي تتجوزي بعيد عنه؟!
وأتتها الإجابة من محفوظ بنفسه إذ قال ساخرًا :
-آه عادي وافق بسهولة حتى لسه بابا بيقول عايزين بنتك لابننا قال على بركة الله
عقدت براءة حاجبيها فيبدو أنه يسخر منهم إذ قالت :
-هو انت بتتريق؟!
وأجابها محمد بنبرة ضاحكة مجيبًا :
-أكيد طبعًا بيتريق ده اتقدملها يطلع خمس مرات، مرة مع أمي كلمت أمها ومرة اختي توحيد كلمت أمها برضو وأبوها يبعت الرفض مع مراته، يتهد محفوظ؟ لأ يكلم أبوه يقوله انا عايز بنت عمي صفوان وابويا كلم عمي صفوان وهو رفض بذوق وقاله البنت لسه صغيرة، مع إنه زمان كانت البنات بتتزوج بدري وهى كانت ١٧ سنة تقريبًا علشان فاكر هى وعثمان كانوا من سن بعض، سكت محفوظ شوية ورجع قال تاني جوزهالي، يا ابني ما ابوها رافض شوفلك واحدة غيرها، لأ هى يعني هى، ورجعت أمي كلمت أمها وبرضو مفيش موافقة، أمي وقتها قالت يمين عظيم ما ياخدها أربع مرات ويقولوا لأ هو انا ابني وحش
وافقه كريم هذا الحديث هاتفًا بذهول :
-وربنا معاها حق ايه يا عمي الإصرار ده كله؟! أربع مرات وتترفض أين هى الكرامة؟ أومال لو كانت حلوة
أخرجت أسماء صوتًا متهكمة دليلًا على سخطها وقبل أن ترد عليه سبقتها عائشة بقولها الحانق :
-ايه لو كانت حلوة دي؟! ده أمي بتقول عمتي أسماء أحلى واحدة فيه العيلة، كفاية عينيها اللي وقعت عمك فيها
ضحك محفوظ معترفًا بالحقيقة وبكل صراحة :
-أكدب لو قولت لأ هما اللي وقعوني فعلًا، كان صيف ورجعت أجيب غداء للناس اللي بيشتغلوا في زرعتنا علشان أمي اتاخرت وكان فيه واحدة طالعة من بيتنا لابسة أسود بس مش أمي ولا توحيد فقولت أكيد خالتي، روحت سلمت وقولت ازيك يا خالة ألاقي وش كده حلو اترفع وعيون ملونة لا هى عسلي ولا هى خضرة بس من الشمس حسيتها بتنور، معرفش بقى حصلي ايه أو هى قالت ايه ومشيت، دخلت البيت وسألت أمي مين ياما البت اللي طلعت من هنا قالتلي دي أسماء بنت عمك صفوان، ومن وقتها وانا معرفتش أشوفها تاني وهموت واشوفها، مكنش عبد الجواد بيخليها تطلع كتير وانا عايز أشوفها روحت قولت جوزهالي
تبسمت أسماء لزوجها على تذكره لمثل هذه الذكريات التي مر عليها أكثر من ثلاثين عام لتقول رقية بفضول لمعرفة باقي القصة :
-طب واتجوزتها ازاي؟!
-من كتر الزن على أبوها وافق، ومن وقتها والناس عارفة إنك تتجوز واحدة من عيلة صفوان يبقى هتشرب المر، صح يا ياسر؟؟
نطق بآخر جملة موجهًا حديثه لياسر بالأخص فضحك الآخر مدركًا ما يقصد :
-آه والله فاضلي حبة وابوس ايد عمي علي علشان يجوزني بنته
خجلت عائشة بشدة مما قال ونكست رأسها مدعية العبث في الهاتف، لتصيح نور به بمزاح قائلة :
-عيب يا عم ياسر ولاحظ إني قاعدة
نكزتها براءة في كتفها هامسة بضحك :
-بس ليقوم ياخدك قلمين علشان انتي اللي واقفة في جوازته
مال يونس على حمزة الذي لم تزاح عينيه عن ياسر ونور بعد قولهم هذا، ليهمس له بكيد :
-حد شامم ريحة شياط؟؟ تحب اجيبلك جردل مياه يا حمزة تطفي به نارك
نظر له الآخر بطرف عينيه ضاغطًا على فكه بضيق شديد وحتى الآن لم يجد إجابة سؤاله، مَن التي يقصدها ياسر فقد خجلت عائشة ولكن ما قالته نور يحير أيضًا، وفي كلتا الحالتين لا يطيق وجود ياسر بينهم
تحدثت أسماء منادية على ابنتها رحاب حتى تضع شاي للموجدين فقالت نور وهى تستقيم من مكانها هروبًا من نظرات حمزة لها فبالله تشعر أنه سيحرقها بنظراته ولا تعلم لما :
-رحاب بترضع بنتها أعمل انا
-ماشي اعملي ستة شاي واتنين قهوة وواحد نسكافية علشان حمزة
-بس انا معرفش أعمل قهوة هتتعمل ازاي؟!
حدقت بها أسماء بدهشة مرددة :
-متعرفيش إزاي تعملي قهوة؟؟
-معرفش علشان مش بشربها ولا حد في بيتنا بيشربها غير عائشة، وماما مش بتدخلها البيت أصلًا بتقول مُرة ملهاش عازة
دفع ماهر عائشة بخفة حتى تقف قائلًا :
-طب قومي اعملي انتي قهوة واعمليلي انا برضو بلاش شاي ليا
استقامت الأخرى ودلفت مع شقيقتها تزامنًا مع نظر ماهر للتوأم يونس ويوسف سائلًا براءة :
-على كده مين فيهم الدكتور يوسف
أحتارت براءة بينهما مرة ثانية وقد ظلت لخمس ثواني تنظر للإثنين دون إجابة ليأتي الرد من شروق والتي أشارت تمامًا نحو يوسف قائلة :
-ده هو
رمقتها براءة بتعجب فكيف علمت أنه هو بينما ابتسم يوسف بضحكة خفيفة قائلًا :
-لأ شاطرة جبتيها صدفة ولا تعرفي الفرق فعلًا؟!
نظرت شروق نحو يونس والذي رمقها بنظرة غربية لم تفهمها ولكن تكذب إن قالت أنها لم تثير اهتمامها، ونظراته هذه هى التي تستطيع بها أن تفرق بينهما، فيونس نظراته قوية نبرته جامدة أو ساخرة في بعض الأحيان عكس يوسف تمامًا :
-فيه فرق كبير بينكم بغض النظر عن ان الشكل واحد، بس حتى الصوت والنظرات وطريقة الكلام كل ده مختلف
أشار يوسف نحو براءة هاتفًا بمزاح :
-اتعلمي منها بقى
دفع ماهر براءة من جانبه هاتفًا بجدية :
-قومي خدي اختي وشوفوا الشاي يلا اتحركي
ولم تعارضه براءة بل تحركت وجذبت شروق بصعوبة فالأخرى كانت تنظر بقوة إلى يونس الذي لم يحيد بنظراته عنها، وهى أيضًا لم تفعل تريد أن تفهم ما مغزى هذه النظرات المريبة
هى جريئة في الكلام والأفعال وليس مثل باقي فتيات العائلة، لا تقول أنها لا تخجل بل تخجل مثل أي فتاة ولكن الخجل عندها أسفل العادي لذا تتطاول على أي شئ لا يعجبها أو يزعجها
دلفا إلى المطبخ مع الفتيات لتقول براءة لها بشئٍ من الحدة :
-ايه يا شروق كنتي باصة ليونس قوي كده ليه
وأجابتها الأخرى بنبرة عادية غير مبالية بشئ :
-هو اللي كان بيبص ففضلت بصاله علشان يشيل عينه بس انتي اللي سحبتيني
تابعت نور وعائشة هذا الحوار لتقول عائشة وقد فتحت الموضوع مع شروق فحتى الآن تتعامل بطريقة عادية مع الجميع :
-شروق انتي فاكرة حصل ايه عشية ولا انتي نسيتي خالص
حدقت شروق بها بصمت دام لخمس ثواني قبل أن تقول وهى تخرج هاتفها وكأنها تذكرت شئ هام :
-صح فكرتيني أقول لماما تبعتلي صورة لمقاس النظر بتاعي على الواتس علشان أعمل واحدة غير اللي ضاعت
ختمت حديثها وخرجت من المطبخ هاربة من اسئلتهم وهاربة من التفكير في أي شئ يخص ما حدث البارحة، فحدق الثلاث فتيات ببعضهن بحيرة لا يعلمن ما الصواب لفعله في حالة شروق
أيتركنها تتماشى مع النكران وتعود لحياتها وكأن شيئًا لم يحدث، أم يضغطن عليها إلىٰ أن تنفجر وتخرج ما تكتمه بداخلها
وهن لا يفقهن شيئًا في علم النفس لذا قررن الإختيار الأول وهو الأنسب في هذه الظروف
وقف ياسر أمام المطبخ بعدما كان متوجهًا إلى المرحاض ولكنه مشغول الآن لذا أراد أن يشاكس عائشة قليلًا لذا قال :
-عائشة اعملي الشاي سكر خفيف ليا
وأجابته عائشة ببسمة محرجة فهى لا تصنع الشاي بل نور وهو يرى هذا بعينيه :
-حاضر يا ياسر
ابتسمت له براءة بسماجة قائلة :
-مش قالتلك حاضر لسه واقف ليه اطلع برا يلا
-وانتي مالك انت هو انا واقف على راسك
نطق بها بنفس نبرتها تزامنًا مع فتح باب المرحاض وقد خرج منه حمزة يجفف يديه وعندما رأى ياسر يقف بالقرب من المطبخ ابتسم ابتسامة غريبة وهناك فكرة مجنونة متسرعة قد قفزت لعقله وسوف ينفذها
اقترب من ياسر راسمًا على وجهه ملامح هادئة ثم قال :
-ازيك يا ياسر أخبار جرح ضهرك ايه؟؟
انتبهت نور لصوت حمزة الذي ظهر في المكان وقد ارهفت السمع دون النظر، تسمع ياسر يجيب عليه :
-الحمد لله أحسن من الأول
-مش يوسف قالك بلاش حركة كتير ده يدوب فات أسبوع على اللي حصل جيت ليه بس وتعبت نفسك
-مش بحب قعدة البيت علشان كده جيت وهبقى أنزل الشغل بس من غير إجهاد يعني
ارتفعت همهمات براءة في الداخل هى نور فنظر نحوهما حمزة ثم عاد بنظره إلى ياسر مبتسمًا بمغزى :
-صحيح هو انت خاطب؟! قولت برا إنك تقريبًا كده متكلم على بنت عمك علي
آماء ياسر له مهمهمًا بإيجاب وكان من الفطنة التي تجعله يدرك ما السؤال التالي لحمزة، فهو لا يسأل عنه من باب معرفة أحواله والإطمئنان عليه، بل يريد أن يصل لشئ في عقله وها هو حمزة يسأله السؤال الذي توقعه إذ قال :
-نورهان ولا عائشة بقى
اتسعت أعين نور رامقة حمزة بصدمة لجرأته على أن يسأل سؤالًا كهذا لا يخصه في شئ، وبالطبع لم تستطع أن تنبس بكلمة لا هى ولا عائشة ولا براءة، فقط يتابعن ما يدور بصمت في إنتظار إجابة ياسر، والذي ابتسم له مجيبًا بنبرة هادئة يحسد عليها :
-عائشة يا حمزة، نورهان وبراءة وشروق وباقي بنات عمي كلهم زي إخواتي
اتسعت بسمة حمزة على وجهه براحة متمتمًا بجملة عادية وهو يتخطاه :
-ربنا يكملك على خير
ختم حديثه وعاد إلى البهو فنظر ياسر إلى نور بالذات من دون الموجدات ولم ينبس بكلمة بل اتجه نحو المرحاض واكتفى بإلقاء نظرة غامضة لنور سببت الارتباك لها، أخذت تقلب الشاي هاربة بنظراتها من عائشة وبراءة، ثم أعطت الصنية لبراءة قائلة بإختصار :
-طلعي الصنية انا هاروح أصلي العشاء
خرجت أمامهما وقد نادت على عمتها أسماء وهى تقف في آخر ممر الغرف منتوية على وضع النقاط على الحروف، وتضع حدًا لحمزة الذي وصل به الأمر إلى إرسال رسائل وهدية لها مع شقيقته
ربما أصابها الخجل كأي فتاة عندما قرأت الرسالة ولكن عندما فكرت في الأمر باقي اليوم شعرت بتأنيب ضمير حاد لأنها قبلت الهدية من شاب لا تعرفه ولا تربطه بها صلة وأنها هكذا تخون ثقة والديها وترتكب ذنبًا، ما كان عليها الصمت على مغازلته لها منذ البداية فبصمتها وعدم إيقافه عند حده أعطت له مساحة وجرأة أكثر لدرجة أنه بعث لها رسالة وهدية
هى ليست هكذا ولم تعطي فرصة واحدة لأي شاب أن يتجرأ على الحديث معها، فحتى كلمة صباح الخير لم تكن تقولها لرجل إلا في أضيق الحدود ومن باب الذوق فقط، حتى تقطع أي فرصة لأي شاب من تعدي حدوده معها
وكانت تأخذ نفس التصرف مع حمزة ولكن الآخر جرئ بشدة، وبإختصار لن تطلب منه تركها وشأنها بل ستطلب من عمتها أن تحرجه وتوقفه عند حده ففكرة أن يتزوجها هذه لن تتم وهى تعلم وعليه هو أيضًا أن يعلم حتى يتوقف عن جنونه هذا
أتت أسماء لها هاتفة بتساؤل :
-فيه ايه يا نور؟ وفين الشاي؟!
-خليت براءة توديه بصي يا عمتي قولي لولد سلفك ملوش دعوة بيا ويطلعني من دماغه، انا عاملة إحترام لأبوه وأمه علشان هما ناس محترمين وكتر خيرهم مقعدينا في عمارتهم بإيجار لا يذكر، وانا مش بحب المشاكل من النوع ده بالذات وبتقي شرها علشان محدش يقول كلمة وحشة عليا بس كفاية كده
توجست أسماء لحديثها وقد جذبتها إلى غرفتها بعيدًا عن مسامع الجميع قائلة بخفوت ونبرة متوجسة :
-عملك ايه؟؟
ترددت نور في الإفصاح لها فلا تحب التحدث عن حياتها الشخصية لأي أحد فحتي والدتها لا تحادثها إن تطاول شاب في الحديث معها، فقط تصده وتتكتم الأمر، وحتى حين كانت تتعرض للتنمر في صغرها لم تقل لأحد بل كانت تصمت على حقها وتسكت، وهذا ما جعلها تجد صعوبة في التحاور مع الأخرى على حياتها فهى من النوع الذي لا يحب مشاركة أسراره حتى مع أقرب الاقربين
-يا بنتي اتكلمي عملك ايه متخليش دماغي تودي وتجيب
نطقت بها أسماء بحدة تخشي أن يكون حمزة تعدى الكلام معها إلى مرحلة أكبر وإن كان فعل هذا وتعدى حدوده معها فسوف تقوم بتعنيفه أمام والديه، بنات اخوتها أمانة في رقبتها ولن تصمت إن ازعجهم أحد
شعرت نور بالتوتر أكثر ولكن عليها التحدث مع أحد ليتوقف حمزة عن اللف والدوران حولها ولا يوجد من هو أقرب من عمتها في هذه الغربة لذا تشجعت في الكلام :
-بصي يا عمتي هو مقربش مني وانا أشهد علشان لو كان عملها كان هيبقى فيه تصرف تاني، بس هو بيحاول يتكلم معايا وانا بصده، وقدامك حصل بيعاكسني قدام الكل ومش مراعي حتى إن ده حرام ومينفعش وسبق وكلمني على الفيس بأكونت مش باسمه وانا عملتله بلوك، والصبح بعتلي هدية مع أخته، الله أعلم بنيته ايه وحشة ولا زينة بس في كلتا الحالتين انا متربية على الحلال والحرام وعمري ما امشي مع واحد من وراء أهلي ولو كان أحسن بني آدم على وش الأرض، طالما في الضلمة يبقى ميلزمنيش
-بس هو طلبك من أبوكي تعرفي ده؟!
نطقت بها أسماء بنبرة ذات مغزى وقد اندهشت نورهان حقًا لما قال فلم يصل لها هذه الخبر من والديها، وطالما أنه لم يصل إذًا هما يرفضان وهذا متوقع منهما، فليس حمزة أول شاب من هذه المدينة يتقدم لها ويتلقى الرفض
استرسلت أسماء في حديثها قائلة بضيق فهى غير راضية على رفض أخيها :
-بس أبوكي رفض هو وأمك علشان مش عايزين يجوزوكي بعيد عنهم ومش أول واحد يتقدملك من هنا ويرفضوه، صحيح مش عاجباني طريقة حمزة ومعاكستوا ليكي قدامنا بس انا عارفاه والله ومربياه وعارفة إنه مش بتاع لف ودوران على البنات، هو يحب الشعر والغزل وأحيانًا بيتغزل في اللي قدامه لو عايز يناكشه ده مرة عاكسني، هو ايوه هبت منه كذا مرة قدامنا وهبت أكتر لما يبعتلك هدية من غير حاجة رسمي بينكم، أنا مش ببرر موقفه بس انا عارفة إنه عمل كده علشان عنده عشم إنك هتبقى خطيبته أول ما ابوكي يوافق
تذكرت نور ما كتبه في رسالته لها وعن أمر سفره إلى الصعيد مع عائلته من أجل أن يطلب يدها ولكن سيُكسر خاطره وفرحته حين يعلم رفض والدها، لا تنكر أنها أُعجبت به فهو وسيم بشدة وذو مظهر راقي ولسانه المعسول هذا يجعل أي فتاة تقع في عشق كلماته، ولكنها دائمًا ما تضع دينها وثقة والديها أمام أعينها لذا كانت تصده طوال الوقت وتحاول صد وقع كلماته الساحرة عليها
حمحمت بتوتر وحرج وهى تسألها بنبرة مترددة :
-وهو عرف إن بابا رفضه؟!
وجلست الأخرى على الفراش إلى جانبها لاوية شفتيها بعدم رضا :
-لأ لسه ما هو عثمان متكلمش مع علي علطول بعت مع محفوظ وهو كلم ابوكي ورد نفس الرد المعتاد منه، شايهم مشروب انا مش هجوز بناتي بعيد عني والجيزة "الجوازة" البعيدة تغور، رفض المحامي والأستاذ حتى المهندس يكونش مستني وزير الوزراء؟!
ابتسمت نور على رد والدها فهى تعلم لما يرفض أي رجل يطلب يدها ويكون مسكنه بعيدًا عن بلدهم، هو ووالدتها ينظران نظرة مستقبلية :
-أشك لو حتى وزير الوزراء وبعيد عن بلدنا هيرفضوا علشان هما خايفين في يوم من الأيام يبقوا فيه لوحدهم ومحتاجين اللي يساعدهم ويشيلهم وميلقوش حد علشان غرَّبوا بناتهم بإيديهم، تعرفي بابا وافق على ياسر مع إن عائشة كانت لسه ١٦ سنة بس علشان هو ولد عمها وضامن إنها مش هتبعد وعلى الأقل خالص هتيجي يومين في الأسبوع تقعدهم معاهم، وانا بصراحة مقدرش ألومهم على رفض أي واحد يفكر ياخد بنتهم بعيد وهما معندهمش غير بنتين، يجوزوهم بعيد ويقعدوا وحديهم في الآخر؟!
آماءت أسماء متفهمة جيدًا وجهة نظر أخيها المستقبلية مردفة بتوافق :
-معاه حق الغربة وحشة أوي يا بنتي انا كنت ببكي علشان ابويا وأمي وحشوني، وزمان مكنتش التليفونات منتشرة وفي الصعيد بالذات، تقريبًا في كل بلد صغيرة تليفون واحد أرضي
ربتت على كتفها ثم استرسلت وهى تقف من جانبها :
-انا هاروح أقول لناهد وعثمان كل شئ قسمة ونصيب، ويقولوا لحمزة ينسى موضوعك خالص
لا تنكر نور أنها شعرت بالحزن لأن الموضوع سينتهي قبل أن يبدأ حتى، ولكن كما قالت عمتها كل شئ قسمة ونصيب والنصيب في واقعنا المرير هذا يتغلب على كل شئ حتى على الحب...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الثامن وأربعون 48 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
اقتباس مخصوص لـ شهد علي بس الاقتباس أسود من السواد هيمد ايده عليكم وهينكد عليكم وعامةً الفصول الجاية كلها نكد بإستثناء كام مشهد كده فراشات لحمزة في النص 🙂💔
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
وكان الموقف كالآتي ملتصقتان في الجدار بجانب بعضهما في داخل هذه الغرفة الفارغة التي تم سحبهما إليها عنوة، وقد كانت تبدو مثل الجراج الصغير، وأمامهما عدد من الرجال مثل حراس الأمن ضخام الجثة، يرفعون عليهما الأسلحة البارودية وكلاهما يشعران بالخوف من القادم
بل نور كانت تشعر بالرعب أكثر لذا تمسكت في ذراع شروق بقوة لا يعلمان من هؤلاء الرجال وبالطبع نيتهم ليست بجيدة البتة
تصلب جسد شروق بجانب نور لأنها تتعرض لنفس الموقف للمرة الثالثة بينما الأخرى لم يكن حالها أفضل، فقط أنفاسهما المرتفعة هى ما تقطع هذا الصمت المخيف بجانب الأصوات المرتفعة القادمة من الخارج من الشجار الذي قد نشب فجأةً بين الناس دون سابق إنذار
ولجت امرأة خمسينية من الباب الموجود في الغرفة تمتلك خصلات شعر بنية مصبوغة ومربوطة للخلف، يبدو على هيئتها الثراء رغم ملامح وجهها الحزينة، لم يتعرفا عليهما بالطبع ولكن عندما ولج خلفها سعيد غانم علما أن القادم ليس بجيد
وللأسف لا أحد سوف ينجدهما هنا فحسن في الخارج وسط الشجار وعلى الأرجح هم من اختلقوا هذا الشجار لينشغل حسن بعيدًا عنهما، وأيضًا لا يستطيعا الصراخ بسبب هذه الأسلحة المرفوعة عليهما بتهديد واضح فلما يتجرءا حتى على الكلام
تقدمت والدة سليم منهما ولم تكن ملامحها تُظهر أنها تنتوي على الشر بل وكأنها كانت ترجو نور وحديثها التالي أكد هذا إذ قالت :
-انا مامت سليم يا مس نور
لم تجبها نور بل كانت تحدق في الأسلحة برعب حقيقي فقالت الأخرى آمرة الرجال بإخفاض الأسلحة :
-سعيد قولهم ينزلوا المسدسات انا عايزة اتكلم معاها مش جاية أهددها
أمر سعيد رجاله بأن يخفضوا أسلحتهم فقالت زوجته وهى تنظر إلى نور برجاء :
-انا اتكلمت مع المحامي بتاعك وطلبت منه أقابلك بس هو رفض فملقتش غير الطريقة دي أشوفك بيها
-عايزة ايه؟!
نطقت بها نور بقلق واضح فقالت الأخرى وهى تقترب منها خطوة :
-انا بطلب منك تتنازلي عن القضية وانا والله مستعدة أعملك أي حاجة بس بلاش ابني يتحبس
نظرت نور إلى شروق التي أصبحت تقف خلفها ثم عادت بنظرها إلى والدة سليم هاتفة بسخرية مبطنة بالقهر :
-مستعدة تعمل ايه؟! هتعرفي تنسيني اللي ابنك عملوا فيا مرتين مش مرة؟؟ هتعرفي تنسيني اللي جوزك عملوا فيا وخلى الستات في الحجز يضربوني لدرجة إنهم كانوا هيقتلوني، انتوا فضحتوني في كل حتة مبقاش فيه حد مش بيتكلم عليا
-انتي مش عايزة تبرئ نفسك؟! خلاص السوشيال ميديا كلها بتتكلم عن إنك مظلومة كفاية كده، لو روحتي المحكمة بكرة ابني هيتحبس
صاحت بها نور من قهرها قائلة :
-ما يتحـبــس أمثاله دول حيوانات المفروض يكونوا في الحبس فعلًا
لم يستطع سعيد أن يصمت عليها أكثر من هذا إذ قال بنبرة تهديدية :
-وانتي فاكرة إنك لو حبستي ابني انا هسيبك في حالك؟! ده انا هعمل فيكي ألعن من اللي عملته في الحجز، فعلشان كده اعقلي وأخرجي من القضية بالذوق بدال ما أخرجك بطريقة مش هتعجبك
عاد الخوف واحتلها مرة أخرى فقالت والدة سليم وهى تتمسك في كفها برجاء شديد :
-هو مش بيهزر اتقي شره يا بنتي واتراجعي عن القضية انتي مش قده
جذبت نور كفها من بين يديها صائحة برفض وقوة واهية :
-لأ مش هتنازل وانتوا لو عملتوا أي حاجة فيا دلوقتي هتزيدوا الطين عليكم انتوا مش عليا
أبعد سعيد زوجته من أمامها وقد انقلبت ملامحه وأصبحت مخيفة وبين ثانية والأخرى كانت خصلات نور أسفل يده إذ أمسك بحجابها بعنف فصرخت الأخرى متألمة، وفي المقابل صرخت شروق ولكن أصمتها أحد رجال سعيد عندما وضع ذراعه حول عنقها ويده الممسكة بالسلاح على رأسها
تحدث سعيد بتهديد غير مبالي بصرخات نور التي لن تصل إلى أحد بسبب أصوات الناس المرتفعة في الخارج :
-بلاش تتحديني أحسنلك انتي مش قدي زي ما هى قالتلك فهتتنازلي ولا امحيكي من على وش الأرض؟؟
صاحت شروق بسرعة رغم الموقف الذي به، ترفض أن تنصاع ابنة عمها خلفه وتتنازل عن حقها :
-لأ يا نور لو اتنازلتي هينزلوا هما ويقولوا اتنازلت علشان خافت تتفضح وتخسر القضية، ومش بعيد يقولوا إنك فوق ما انتي مفترية أكيد اغرتيه وقلبتي الترابيزة عليه وقولتي اتحرش بيا، بفلوسه هيعمل أي حاجة علشان يطلع ابنه مظلوم
-سكت البنت دي
صاح به سعيد فأحاط ذلك الحارس بفم شروق واصمتها ولا يزال سلاحه فوق رأسها، عاد بنظره إلى نور المرتعبة تهز رأسها برفض وهى تدفعه بعيدًا عنها بذراعه السليم وكم كانت مقاومتها هذه تجعل آلام جرحها الحديث يزداد ولكنها لم تبالي بل صرخت به بروح فتاة مظلومة :
-مش هـتـــنـازل، ولو قتلتني انت اللي هتتلام وهيقولوا قتلها ودفن سرها علشان متفضحش ولده، الناس هتصدق الضحية اللي اتقتلت، ولو خلصت مني مش هتعرف تخلص من الناس وسمعتك هتبقى في الأرض، انت مش خايف على ولدك قد ما انت خايف على سمعـتــك
ضغط الآخر على فكه بعنف جاذبًا خصلاتها بقوة لدرجة أن حجابها قد فسد تمامًا :
-ومين قال إني هقتلك ده انا هخلي ابوكي وعمامك اللي فرحانة بعزوتهم هما اللي يقتلوكي لما أضيعلك شرفك دلوقتي وبدال ما تبقي اتعرضتي للتحرش هتبقى اتعرضتي للإغتصاب
حاول جذ حجابها ولكنها كانت تثبته جيدًا بيدها حتى لا يخلعه عنها فدفعها أرضًا بعنف لتطلق نور صرخات مرتفعة بعدما شعرت أن غرزها قد فُتحت وقد اصطدم ذراعها المكسور في الأرض الصلبة مسببًا لها آلامًا لا تطاق
بكت بقوة من شدة آلامها وهى تستمع إلى صرخات شروق المكتومة وهى تحاول الإبتعاد عن الرجل الذي يقيدها، وإلى صوت والدة سليم الخائف وهى تقول :
-سعيد مش كده، متفقناش على كده
صاح بها الآخر واخرسها تمامًا ثم نظر إلى نور التي أصبحت تتلوي أرضًا :
-انتي صعيدية مش كده!؟ واللعب في الشرف عندكم بالدم! تفتكري ايه هيكون رد فعل ابوكي وعيلتك لما ينزل فيديو حلو كده على كل مواقع التواصل الإجتماعي لبنتهم المصون وهى بتتعرض للإغتصاب، أعتقد حتى لو انتي مظلومة مش هيستحملوا العار وكلام الناس فهيخلصوا منك
-سعيد فوق إحنا عندنا بنت زيها
همست بها زوجته لا تصدق ما سيفعله زوجها والجبروت الذي وصل إليه فصرخ بها الآخر مرة أخرى :
-بس انتي اخرسي ما لو عرفتي تربي ابنك مكناش اتحطينا في الموقف ده
عاد بنظره إلى نور التي كانت تزحف بعيدًا وهى تضع يدها السليمة على جرحها الذي أصبح ينزف وعلى الأرجح أصبحت حالته أسوء من ذي قبل بعدما فُتحت غرزه :
-ها يا نور تتنازلي ولا اخدرك دلوقتي واخليكي في حضن واحد وانتي مش هتعرفي تقاومي للأسف من المخدر، وبدال ما تظهر كأنها اغتصاب هتظهر كأنها بالتراضي منك، ووقتها مش هيبقى عليا أي حاجة وبدال ما تبقي ضحية في نظر الناس هتبقى واحدة رخصية وهعمل زي ما قالت بنت عمك وهجيب شهود يقولوا إنك واحدة مش كويسة وكنتي بتغري الشباب ومستخبية وراء اللبس الديني المحتشم وتدينك، زي الإرهاب بالظبط يقتلوا الناس ومستخبين وراء دقن وسبحة
استندت بظهرها على الحائط بضعف بالكاد تستطيع التنفس والرؤية، ترى ابنة عمها تبكي بصوت مكتوم عليها، والدة سليم تطالعها بملامح مقهورة ولكنها لا تستطيع التحدث أو فعل شئ، سعيد يطالعها بملامح شيطان بجبروت وشر لم تراه من قبل في وجه بشري
هبطت دموعها بحسرة وضعف وإنكسار، وهذه المرة لم تكن مثل المرتين السابقتين فقد استطاعت الدنيا بظلمها وفي أسبوع واحد أن تكسرها ثلاث مرات متتالية
-شكلك مش ناوية تتنازلي يا نور
نطق بها سعيد بشر فنظرت له الأخرى برعب تراه يأمر أحد رجاله وهو يقول بنبرة جامدة وكأن الرحمة قد انتزعت من قلب هذا الرجل :
-خدر البنت دي وشوفلي كاميرا حلوة تصور اللي هيحصل
هزت رأسها يمينًا ويسارًا بشكل هستيري، ورغم أن الدموع قد شوشت رؤيتها تمامًا إلىٰ أنها صرخت بسرعة وهى تتكور على نفسها إذ ضمت قدميها إلى صدرها وإلتصقت في إحدى الزوايا وكأن الجدار هو من سيحميها من بطشه :
-خلاص هتنازل هتنازل، والله هـتنـــازل
(اقتباس سوداوي جدًا بيدل على إن اللي جاي غير اللي فات تمامًا وهقدم ليكم صورة حقيقية للبني آدم لما الدنيا بظلمها تدوس عليه، اللي جاي مش حلو بل عبارة عن نكد كتير ومعظم المشاهد هيبقى محتواها هو نور وقضيتها )
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل التاسع وأربعون 49 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
آسفة على التأخير بس كنت برا في مشوار + فصل طويل أحداثه كتير فتعليقات كتير بقى بما إن اغلبكم خلص إمتحانات 🤍
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
هجمت على الغرفة التي ينام بعد حفيديها كهجوم ضباط القوات المسلحة على وكر تجار المخدرات، وعلى أثر هذا انتفض سفيان بفزع من مكانه نظرًا لخفة نومه بينما عمر لم يشعر بشئ نظرًا لثقل نومه
صاحت ونس بهما بصوت منخفض رغم حدة صوتها :
-الساعة بقيت عشرة ونص ريحتكم طلعت والجيران اشتكوا
مسح سفيان وجهه يحاول التحكم في أعصابه من هذه الطريقة المفزعة التي توقظهم بها فبالله لو لم تكن هذه المرأة جدته لضربها بالرصاص
لم يبالي كثيرًا بما تقول إذ جذب الفراش على رأسه وتدثر به ليعلو صوتها مرة أخرى وهى تجذب الغطاء من عليهما هاتفة :
-قوموا كفاية كده، وانت يا عمر رقية وأمها برا قـــوم
ولم يسمع عمر ولا كلمة مما قيل بل كان يغفو في ثبات عميق يقفز في الحلم على أزاز حاسوب ضخم ليجد فجأة كف سقط على وجهه ثم صدح صوت سفيان به :
-يا عم قوم وشوف جدتك اللي صرعتني دي انا عايز اتخمد صدقت ما خلصت أم القضية علشان ارتاح
ختم حديثه وجذب الفراش عليه مرة أخرى ليجد جدته تسحبه من عليه أيضًا مرة أخرى فنظر إليها بنظرة قاتلة تزامنًا مع قول ونس :
-لا يا حبيبي متبصش كده مش هخاف قوم أنزل هات غداء عليه القيمة علشان الضيوف
-وانا مال أهلي كانت خطيبتي انا ولا خطيبته هو
أمسك بطرف الفراش حتى يسحبه عليه للمرة الثالثة ولكن هذه المرة رفع اصبعه أمامها بتحذير :
-عارفة لو سحبتي البطانية المرة دي مش هعمل حساب إنك جدتي، وأقوم أكسر مُولة السرير على
ولم ينهي جملته حتى إلا ووجدها سحبت الغطاء مرة أخرى هاتفة بغضب :
-تكسرها على ايه يا ابن فياض يا اللي ما شوفت ريحة الرباية
انتفض سفيان من على الفراش وقد ارتدى خفه صارخًا بغيظ :
-هكسرها على دماغي انا علشان سيبت شقتي والهدوء وجيت أنام في علبة التونة اللي انتي عايشة فيها دي
خرج من الغرفة بملابس بيتية وخصلات مبعثرة وقد مر من على البهو إلى المرحاض غير مبالي بالجالسين ولم يلقي حتى تحية الصباح فوالله إن تحدث معه أحد سيقوم بشق رأسه لنصفين، وهذا لأن أكثر ما يكرهه ولا يطيقه هو أن يوقظه أحد رغمًا عنه
نظرت عبلة نحو ابنتها بتعجب فهل لم يراهم جالسين أم انه تجاهل وجودهم، تحدث يونس والذي أتى رغمًا عنه لأنه أجازة بينما يوسف ووالده في العمل :
-شئ متوقع من سفيان متستغربوش أوي، دي أصلًا عيلة غريبة مش عارف إزاي هناسبهم
نكزته والدته حتى يصمت فقال يونس بسخط واضح :
-لا بقولك ايه متقرصنيش مش انتوا اللي جبتوني استحملوا بقى
أتت ونس هاتفة بعبارات الترحيب وهى تجلس على المقعد :
-نورتونا والله يا أدى النور
ابتسمت عبلة بمجاملة قائلة :
-ده نورك، آسفين إننا جينا من غير معاد بس عمر كان قال لرقية إمبارح في التليفون إنك تعبانة وعايز يأجل الخطوبة اللي هى المفروض بكرة فإحنا جينا نسأل عليكي ونتفق على معاد جديد
-لأ لأ مفيش تأجيل ولا حاجة ده شوية كحة وراحوا لحالهم وانا قولتله كده، إن شاء الله الخطوبة في معادها زي ما هو
خرج عمر من الداخل بملامح ناعسة وملابس نوم شتوية متكونة من بنطال وكِنزة فضحكت رقية عليه وعلى تأرجحه يمينًا ويسارًا وكأنه ثمل :
-ده لسه صاحي من النوم ولا ايه؟!
سبت ونس حفيدها في سرها محاولة الابتسام :
-آه سهر هو وأخوه إمبارح علشان كده لسه صاحيين، تعالي يا عمر سلم على الناس
وألقى الآخر جسده على أقرب مكان وقد كانت الاريكة التي يجلس عليها يونس يمسح وجهه من آثار النوم، يحاول أن يرى من الموجدين عندهم وكم بدا لطيفًا لرقية لذا أخرجت هاتفها والتقطت له صورة مثيرة بها غيرة يونس الاخوية عليها فقال :
-بتاخديله صورة ليه يا اختي؟؟ ليوناردو قدامك؟!
واتته الإجابة من سفيان والذي خرج من المرحاض يجفف يديه بالمنشفة مجيبًا عليه بنبرة متهكمة :
-لا مش ليوناردو يا خفة واصطبح يا يونس يا هواري ماشي
ختم حديثه وجلس على ذراع المقعد الذي تجلس عليه جدته والتي قالت بنبرة تحذيرية :
-سفيان اصطبح انت ومتخربش فرحة أخوك
وأخيرًا إلتقط عمر الإشارة بالاستفاقة ونظر حوله بتركيز لما يدور فقال يونس بسخرية :
-صباح الخير يا عمر، يا ترى كنت سهران على ايه انت واخوك المبجل ده طول الليل؟! اتمنى متبقاش حاجة من ضمن السيكو سيكو
-يا يــونــس
نطقت بها عبلة بضيق فقال الآخر مدافعًا عن نفسه :
-ايه ما انا بفتح مواضيع كده بدال ما إحنا ساكتين
-لأ يا يونس نقطنا بسكاتك أحسن
نظرت إلى عمر ثم أضافت ببسمة بشوشة آثارت حنق يونس بشدة :
-صباح الخير يا عمر يا حبيبي معلش صحيناك من النوم
مال يونس عليها قليلًا هاتفًا بسخط :
-حبيبك ده ايه يا ماما؟! يعني هو اللي لسه مبقاش جوز بنتك وحطي خطين كده تحت لسه بتقوليله يا حبيبي، وانا اللي ابنك بقالي تسعة وعشرين سنة تقوليلي نقطنا بسكاتك!!
ضحك سفيان بسخرية لاذعة معلقًا عليه :
-كبرت انت على الغيرة دي يا يونس خلي بالك ماشي
ابتسم له الآخر بسماجة ولم يجب عليه تزامنًا مع رنين هاتف سفيان على الشاحن بجانب عمر والذي استفاق تمامًا قارئًا الاسم الذي علىٰ شاشة أخيه :
-لوزة؟! مين لوزة دي؟؟
وقف الآخر من مكانه بسرعة جاذبًا الهاتف منه ولكن هيهات إذ قبضت ونس على ذراعه هاتفة بشك :
-مين لوزة يا سفيان؟!
-نظرًا لاسم لوزة فتلاقيها رقاصة ولا حاجة
ولم تخرج هذه الجملة إلا من يونس الذي لم يكن يعلم هوية لوزة هذه ولم يأتي على باله أنها هاجر، مبتسمًا لسفيان بإستفزاز فطالعه الآخر بشر قائلًا :
-أرد وأرجعلك أعجن وشك بالابتسامة اللي عليه دي
ختم حديثه وهم بالتحرك للغرفة ولكن جذبت ونس ذراعه بإصرار أكثر وصوت الرنين يعلو :
-مين لوزة دي يا سفيان انت ماشي في الحرام يلاه؟! وانا أقول مش عايز تتجوز ليه
نطقت جملتها بخفوت وصدمة شديدة فصاح الآخر بهم بضيق :
-حرام ايه ورقاصة ايه دي واحدة أعرفها وتبقى هاجر يا متخلف يا اللي اسمك يونس صبرًا بس وارجعلك
انطلق إلى الغرفة مختليًا بها وأغلق الباب فقال يونس ببساطة، ذاممًا شفتيه :
-لو مكنتش أعرف هاجر دي كنت قولت حاجة تانية خالص بس طلع منها براءة خلاص
نكزته والدته بقوة هذه المرة هاتفة بغضب :
-قوم اطلع برا إحنا جايين نتكلم عنك انت وسفيان ولا عن خطوبة رقية وعمر
أما بداخل الغرفة المتطرفة عند سفيان وما إن أجاب على هاجر حتى قال متخطيًا عبارات الترحيب :
-تتحسدي يا لوزة أول مرة تتصلي عليا
تبسمت الأخرى بحرج متابعها بنظرها اللجنة التي تراقب عليها رفقة أحد المعلمين فقد عادت إلى التدريس بواسطة بالطبع، رغم أنها لا تحتاج المال أو العمل ولكنها تود البقاء إلى جانب صديقتها :
-صباح الخير الأول، ثانيًا قولتلك متقوليش لوزة دي مش عارفة ليه مصر على الاسم ده؟؟
-علشان انتي عيوطة وانا قولتلك أي واحدة عيوطة بيبقى اسمها لوزة
-مسمعتش انا بده قبل كده ومتقوليش يا لوزة ماشي
كاد أن يعارضها بالطبع ولكن عندما استمع إلى صوت رجل إلى جانبها قال متوجسًا :
-انتي قاعدة مع مين؟؟
-انا في لجنة في المدرسة وده صوت المراقب التاني
-هو انتي رجعتي تشتغلي تاني مُدرسة بعد ما ورثتي فلوس تشتري المدرسة اللي شغالة فيها؟!
ضحكت هاجر بخفة مجيبة عليه :
-مش بشتغل علشان الفلوس، علشان انا بحب الرسم جدًا وعلشان صحبتي شغالة في المدرسة وانا أول مرة يبقى عندي صاحبة فعلشان كده عايزة أكون معاها
-قصدك على البنت اللي جالها حمى وكانت هتفرفر عندك زي الكتكوت العيان؟!
ضحكت هاجر بقوة على تشبيهه هذا فقال سفيان بتحذير :
-متضحكيش كده وانتي برا وطي صوتك
كتمت الأخرى فمها بحرج عندما وجدت الطلاب التفتوا عليها، ولكن ما جذب انتباهها هى نبرة سفيان الغاضبة فهل يغار عليها؟!
تحدث سفيان وهو يجلس على الفراش جاذبًا الغطاء عليه لشعوره بالبرد فهم في شهر يناير الآن :
-بس بقولك ايه انا راجل محبش مراتي تشتغل فطلعي حوار الشغل ده من دماغك
-ليه إن شاء الله هو انت طلعت من النوع الدكتاتوري؟!
نطقت بها بنبرة متهكمة ليجيبها الآخر بصراحة مفرطة :
-لأ بس علشان متغلطيش غلطة اللي قبلك، انا مليش مواعيد أرجع فيها من الشغل ممكن أرجع في أي وقت، مش عايز بقى بدال ما ارجع ألاقي مراتي والحضن الحنونة وكلمة حمد الله على السلامة وأكل حلو، ألاقي البيت فاضي ومفيش حد فيه ولا ألاقي المدام، ولا ألاقي أكل حتى كأني مش متجوز، واحد من الأسباب اللي طلقت فرحة علشانها هو شغلها اللي كانت مهتمة به أكتر مني شخصيًا
لا تعلم لما شعرت بضيق شديد لذكر أمر طليقته الأولى ولمقارنته بها، هى لا تقارنه بحاتم بل لا تتذكره من الأساس وهى معه فلما يفعل هو هذا ويقول "متغلطيش غلطة اللي قبلك" هذا مزعج بشدة
-الو يا هاجر سكتي ليه؟ انتي اتضايقتي؟!
-هو انت طلقت مراتك الأولى علشان كانت مهملة لطلباتك؟؟
تساءلت بها هاجر بما أنه فتح الموضوع فقال الآخر ذاممة شفتيه :
-علشان حاجات كتير أهمهم كانت منكدة عليا عيشتي حتى موت ابني حملتني سببه، يمكن معداش يوم عليا من وقت ما مات إلا وقالت فيه انت السبب انت اللي مأخدتش بالك منه، لدرجة إن فترة طويلة أوي حسيت إني فعلًا السبب
-انت بتقول خبطته العربية يبقى قضاء وقدر ملكش ذنب فيه يا سفيان
صمت الآخر لشعوره بغصة مريرة على سيرة فقدان ابنه الصغير، فحتى هذه اللحظة يشعر أنه السبب وأنه قد سهى عنه يومها، تحدثت هاجر بصوت حاني ناعم بعدما التمست الحزن من صمته :
-هو كان اسمه ايه؟؟
-آسر
-طب يا سيدي ندرًا كده عليا لو خلفنا ولد نسميه آسر على اسمه
اتسعت البسمة على وجه سفيان فقد أخرجته من حزنه بكلمات بسيطة منها لذا ابتسم ابتسامة لعوب وهو يقول :
-أفهم من كده إنك وافقتي على الجواز!؟
-لأ لسه فاضل ١٢ يوم انت اديتني مهلة أسبوعين فات منهم يومين بس، ممكن أغير رأيي
-أومال ايه لما نخلف ولد هنسميه آسر انتي بتوعدي وتخلفي في نفس الدقيقة، صحيح قبل ما أنسى انا عازمك بكرة على خطوبة اخويا البسي الطقم الحلو وميبقاش ضيق يا هاجر علشان مهزقكيش، انا اخدت بالي إن شوية من لبسك ضيق زي اللي جيتي به المستشفى من يومين، وانتي دبدوبة حبتين والجيبة كانت ضيقة أوي بس انتي مشيتي قبل ما أعلق، مش عارف انتي واخدة بالك ولا مش واخدة بس في كلتا الحالتين لبسك بعد كده يبقى واسع، انا ميمشيش معايا لبس ولاد الذواد وحياة الاوبن مايد اللي ماشين فيها دي، وخلي بالك انتي محجبة يبقى لبسك كله واسع وطويل
واتسعت البسمة على وجه هاجر كالبلهاء تشعر بفراشات في معدتها بعدما استشعرت غيرته للمرة الثانية، ولتكن صريحة هذه أول مرة تشعر بهذا فلم يكن يبالي حاتم بشكل ملابسها أو ملابس زوجته سعاد وبناته فكان يعيش حياة الاوبن مايد التي يتحدث عنها سفيان
خفتت بسمتها ولاح الحزن على ملامحها تسمعه يقول :
-بعد خطوبة اخويا هنكتب الكتاب ماشي علشان هو فرحه هيبقى آخر الشهر وانا عايز اتجوز قبله بصراحة علشان أركز معاه بعدين
صمتت هاجر وحلق نظرها بعيدًا ليقول سفيان بتعجب :
-سكتي كده ليه؟ عايزة نأجل المعاد شوية!؟
-لأ بس كان نفسي ابقى زي البنات يجي العريس يطلب ايدها من أبوها ويتفق معاه وهى تفرح مع مامتها ويختاروا الفساتين والجهاز، وانا في المرة الأولى بابا مكنش موجود وكنت لوحدي حتى محدش كان فرحان ولا حتى انا علشان كنت مغصوبة، وبرضو في المرة التانية هبقى لوحده مش هيبقى موجود بابا تيجي تطلبني منه ولا يحط ايده في ايدك يوم كتب الكتاب، ولا هتبقى موجودة ماما معايا تختار فستان وتفرح معايا وتزغرط ليا ، مش هيبقى حد موجود من عيلتي أصلًا علشان انا معنديش حد ولوحدي
ادمعت عينيها رغمًا عنها، لربما بلغت الثمانية والعشرون بالفعل ولم تعد يتيمة ولكنها لا تزال تشعر بمرارة اليُتم، تنهد سفيان محاولًا إخراجها من حالة الحزن هذه فقال :
-مش هقدر اعوضك عن وجود ابوكي وعن إني اتقدملك منه، بس مش هتبقى لوحدك انا هبقى كل ما ليكي وبإذن الله نخلف عيال كتير علشان متبقيش لوحدك ويبقى معاكي عيلة، ولو على اللي هتختار معاكي الفستان وتفرحلك فعندك رقية خطيبة عمر اخويا اللي هتبقى سلفتك إن شاء الله عندها فرط حركة ولسان مش بيسكت هتزهقك من الكلام معاها وتجيبلك صداع، ولو على اللي هيزغرط فجدتي هتعمل الواجب وزيادة تزغرط قد عشر ستات، نفسها طويل ما شاء الله ولا كأن عندها حاجة وتمانين
ابتسمت هاجر وهى تمسح عينيها بالمناديل على جبره لخاطرها، ربما وقح ومستفز ولسانه سليط ولكن لديه قلب كبير يحتوي الجميع بداخله، وهى ستكون داخل قلبه عما قريب
تحدث سفيان وهو يقف من على الفراش يستمع لأصوات قادمة من الخارج وكأنهم يتشاجرون :
-طب يا لوزة اقفلي دلوقتي فيه خناقة دبت برا، وباين كده جوازة الواد عمر هتتفركش ولا ايه
خرج بسرعة بعدما أغلق مع هاجر ليجد أن الأجواء مشحونة بالفعل بين رقية وعمر إذ سمع عمر فور خروجه يقول بضيق تمكن منه :
-انتي عنيدة أوي يا رقية، ومن الآخر كده هتلبسي الطرحة في الخطوبة مش هستنى انا للفرح، طالما ناوية على الحجاب يبقى دلوقتي، ليه التأجيل
-فيه ايه؟!
نطق بها سفيان مستفهمًا عن سبب المشاجرة لتجيبه جدته وهى غير راضية عن هذه المشاجرة لا تعلم مَن من جيرانها قد حسدهم :
-بيتخانقوا إلهي عينيها تتفقع اللي اديتهم عين وهما طالعين هنا
قلب سفيان عينيه بضجر من أقوالها هذه فجدته حقًا تخاف من الحسد، حتى أنها تمنع عمر من أن يستعمل سيارته هنا خوفًا من حسد الجيران
تحدثت عبلة وهى تحاول أن تهدئ الأمر فابنتها العنيدة تعقد الموقف :
-عمر رقية عايزة يبقى يوم الفرح هو يوم لبسها للحجاب علشان يبقى مميز كده
وأكمل عمر من بعدها بنبرة متهكمة غير راضية :
-وتحضر الخطوبة بكرة بشعرها وسط القاعة؟! لأ انا مش موافق على ده
استقامت رقية من مكانها بعنف فهو يفرض عليها الكثير من الأمور هذه الفترة، تارة تتركين العمل، وتارة ترتدين الحجاب، وهى بطبيعتها العنيدة ترفض أن يتحكم بها أحدًا حتى إن كانت تحبه :
-ومش موافق عليه ليه؟؟ علفكرة في خطوبتنا الأولى كنت بشعري ويوم كتب الكتاب كنت هحضره بشعري
زفر عمر بضيق لعنادها هذا يكتشف الجانب المزعج من النساء ومن العلاقات على وجه العموم :
-وانا تفكيري اتغير وكنت صغير وقتها ودلوقتي اتغيرت، يا بنت الناس انا راجل شرقي مش عايز حد من الناس يشوف شعر خطيبتي واللي هتبقى مراتي، مش بقرون انا
عقد يونس حاجبيه بضيق شديد بعدما شعر بالأهانة له هو بالذات، فخطيبها لا يريد أن يرى أحد خصلاتها بينما أخيها يسمح لها بالخروج بشعرها
استقام من مكانه مقاطعًا هذه المشاجرة الكلامية ومنهيًا هذه الجلسة، إذ هتف بنبرة جامدة :
-مش هتعرف توصل معاها لحل دلوقتي، علشان أنا أدرى الناس بأختي وبعنادها، الخطوبة على معادها زي ما هى وهنستناكم النهاردة على العشاء بالليل ونكمل كلامنا في حضور بابا ويوسف عن أذنكم
ختم حديثه ودفع شقيقته بعنف أمامه حتى كادت الأخرى أن تسقط لولا أنه أمسك بها بإحكام، لحقت بهما عبلة بعدما استأذنت من ونس لتجد ابنها يجر رقية خلفه على الدرج فقالت بسرعة وهى تحاول مواكبة سرعته :
-براحة يا يونس انت ساحبها وراك كده ليه!؟
استدار لها يونس هاتفًا بغضب مكتوم :
-اشش خالص جبتولنا الكلام والتهزيق، كام مرة انا ويوسف نقولها بطلي تطلعي بشعرك، من أولى إعدادي الكلام ده وانتي كنتي تقولي البنت لسه صغيرة كل البنات في المدرسة في سنها بيطلعوا بشعرهم عادي لحد ما بقى عندها ٢٣ سنة ولسه بتطلع بشعرها، أتعودت الهانم على حياة ميامي ونسيت الدين والتقاليد وأدي اخرتها عمر يقول مش عايز حد من الناس يشوف شعر خطيبتي واللي هتبقى مراتي مش بقرون انا، كان يقص يبص عليا ويقول الكلام عليكي يا جارة، ومعاه حق تلات رجالة في البيت ويخلوها تطلع بشعرها وتقعد برا تتنطط هنا وهناك قال ايه بحكم شغلها، دي بنتك راحت البحيرة لما القطر اتقلب ولا رجعت لحد فينا
خرج من البناية وخلفه رقية ووالدته التي التزمت الصمت نظرًا لغضبه الآن متجهين نحو السيارة، أمسك يونس بمقبض الباب وقد استدار لهما هاتفًا بصوت قاطع لا مجال للتفاوض به :
-هنروح دلوقتي محل للبس المحجبات تجيبوا طرح وطويلة مش قصيرة ولبس واسع علشان تنسي البنطلونات نهائي، وحسك عينك يا رقية أشوفك من النهاردة طالعة برا البيت بشعرك وحتى فستان الخطوبة اللي جبتيه ده يتغير علشان ضيق
ختم حديثه وولج إلى السيارة صافعًا الباب بعنف، منتظرًا دخولهما، وكادت رقية أن تعترض على كل هذه الأوامر ولكن اصمتتها والدتها بسرعة مشيرة إليها بإلتزام الصمت لأن أي كلمة معترضة واحدة ستجعل يونس ينفجر بهما في وسط الشارع فهو حتى الآن يحاول كتم غضبه عنهما...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ربما مر اليوم بالكثير من الأحداث إلا عليه هو، قضاه في الفراش ولم يتحرك خارج حدود غرفته منذ ليلة أمس، وعلى الأرجح مرت أربعٌ وعشرون ساعة على وجوده هنا ولم يقابل أحد ولم يسمح لأحد بالدخول، فحتى كريم قد طرده من الغرفة وكلما جاء أحدهم وطرق على الباب لا يرد عليه
هو لا يسجن نفسه بالغرفة، فقط يفكر في كيفية نسيان نور بعد أن رفضه والدها فقد تعلق بها كثيرًا وبكل تفاصيلها، إحتشامها، توترها وخجلها منه، تلعثمها اللطيف، انقلاب شخصيتها من الهدوء إلى العصبية المفرطة
لقد انزعج بشدة حين أخبرته زوجة عمه برفض علي والد نور، كما أنها وضحت أنه لا يرفضه لذاته بل لأنه يسكن في الإسكندرية ولا يريد لابنته أن تتغرب وعليه هكذا أن ينساها وألا يتعامل معها مرة أخرى وخلال أيام ستترك الإسكندرية وتعود لبلدها ولن يراها مرة ثانية
تنهد بحزن حقيقي فكانت نور تحمل جميع الصفات التي يحددها في عقله للفتاة التي يريد أن يتزوجها، ولكن النصيب أقوى من أي مشاعر أخرى، أقوى من السلطة ومن الحب والمال والكره وأقوى من كل شئ، وعلى الأرجح هى ليست نصيبه كما يقول لها الجميع
ما يجعله منزعج أكثر هو أن والد براءة قبل بيوسف بينما والد نور لم يقبل به وهذا الأمر يجعلها يشعر بالسخط الشديد
طرق الباب فتأفأف بضيق وقبل أن يخبر الطارق أن يدعه وشأنه صدح صوت إسماعيل من الخارج وهو يقول :
-افتح يا حمزة جيت انا وولاد عمك علشان نخرجك من جو الاكتئاب اللي انت غرقان فيه ده
-انا مش مكتئب ومش هفتح علشان رايح أنام
واتاه الرد من كريم في الخارج وهو يقول بنبرة ساخرة :
-تنام ايه ده النهار كله نايم حتى مرضتش تنزل الشغل
دفعهم يونس من أمامه حتى يقف هو أمام الباب، هاتفًا بحنق :
-انتوا لسه هتتسايروا معاه
طرق على الباب بعنف شديد مضيفًا بصوت مرتفع :
-أفتح يا حمزة بدال ما أكسر الباب ده
-مش فــاتــح
-انت حر انا قولت وانت مش سامع الكلام
ختم حديثه دافعًا الباب بكتفه بقوة فصاح حمزة من الداخل وهو يتجه إلى الباب :
-خلاص هفتحه
ختم حديثه وفتح الباب لهم وقبل أن ينبس بكلمة دفعه يونس بخفة للداخل قائلًا :
-ايه يا بيضة حابس نفسك علشان واحدة!؟ ليه ربك مخلقش غيرها؟؟ اومال لو مكنوش الستات أكتر من الرجالة على الكوكب
زفر حمزة بقوة تزامنًا مع دخول كريم وإسماعيل ويوسف فقال بجدية شديدة لا يتعامل بها في العادة معهم :
-يونس لو جاي ترخم عليا بإستفزازك فأنا اقسم بالله ما ناقص هقوم عليك اعجنك واطلع غيظي فيك
ولم يستفزه يونس كالعادة فحمزة كالبالون المنتفخ بشدة وعلى وشك الانفجار في أي شئ قد يلمسه بل قال بصوت جاد :
-بص خد النصيحة من واحد أخد خازوق من واحدة، السنين بتنسي يا ابن عمي، وهيجي عليك يوم تفتكر اللي كنت بتعمله وتقعد تضحك
جلس حمزة على الفراش مغمضًا عينيه بضيق فقال يوسف وهو يستند أمامه على سطح المكتب :
-لو نصيبك هتبقى ليك مهما حصل، على سبيل المثال إمتياز براءة جه إسكندرية علشان العميد استعندها ودي غلطة مش بتحصل بس سبحان الله نصيبها تسيب بلدها وتيجي بلدي والمستشفى اللي انا بشتغل فيها علشان تبقى قدامي
رفع حمزة رأسه له بتهكم صائحًا به :
-انت تسكت علشان كل ما افتكر إنهم قبلوا بيك ورفضوني انا اتعصب
-طب وانا مالي ثم ابو دي غير ابو دي وأكيد تفكيرهم مختلف عن بعض، ما انا ويونس قدامك توأم بس مفيش شبه بينا
ربت إسماعيل على كتف حمزة مستشعرًا أنه أحب نور فلو كانت مجرد فتاة عابرة أعجبته وطلبها ما كان ليشعر بكل هذا الحزن عندما تلقى الرفض :
-متزعلش يا حمزة لو هى نصيبك هتبقى ليك
-ومتبقاش نصيبي ليه يا اسماعيل؟! انا عايزها بجد تبقى مراتي حاسس لو مهما قابلت وشوفت بنات مش هلاقي زيها
نطق بها حمزة بمشاعر خرجت منه صادقة تخفي القهر الذي شعر به لرفض علي له، وكم شعر بالسخط عليه لسبب الرفض وهو أنه من محافظة أخرى فهذا السبب ليس مقنعًا بشكل كافي بالنسبة إليه
ابتسم إسماعيل بمزاح ضاربًا كتف حمزة بقوة واهية ثم قال :
-احترم نفسك شوية دي بنت خالي برضو
وعلى أثر حديثه ضحك كريم بسخرية قائلًا :
-ده على أساس إنه كده هيتكسف مثلًا؟! ده لولا الملامة كان راح لأبوها وقاله بكل صوته انا عايز بنتك، ميغركمش إنه كاتب يا جدعان ده مجنون وانا عارفُه
ابتسم يونس عليه ليقول بهدوء ونظره مسلط على السقف بينما يدور بالكرسي المتحرك يمينًا ويسارًا :
-من بعد ما عايدة ادتني خازوق حسيت الحب ده كلام أفلام مش موجود في الواقع وفعلًا النصيب أقوى من أي حب اتخلق، قيس حب ليلى بس متجوزهاش هى اتجوزت غيره وهو اتجنن، عنتر وعبلة برضو متجوزوش، جاك وروز هو مات وهى اتجوزت غيره، روميو وجوليت الاتنين ماتوا، محدش يمشي وراء الحب علشان النصيب هو اللي هيقرر في النهاية
ابتسم يوسف على كلام أخيه العقلاني فلأول مرة يتخلى عن استفزازه للآخرين ويتحدث بكل هذا العقل، ونوعًا ما هدأ حمزة ولكنه لا يزال حانقًا على الأمر
اقترب عثمان من غرفة ابنيه عندما أبصرها مفتوحة أخيرًا، وقد رأى أبناء اخوته بالداخل فقال :
-كويس إنه فتح ليكم، تعالى يا حمزة علشان تتعشى
-لأ انا مليش نفس
نطق بها بجمود وهو يتمدد على فراشه فقال عثمان وهو يلج للغرفة :
-يوسف خطوبتك أمتى؟؟
أعتدل يوسف في وقفته مجيبًا عليه رغم تعجبه لسؤاله في هذا الوقت :
-لسه مثبتناش على معاد معين بس إحتمال يبقى بعد عشر أيام أو أسبوع نكون خلصنا من خطوبة رقية ونتفرغ ليا انا
آماء عثمان بتفهم ثم استرسل وهو ينظر إلى ابنه الذي كان يتابع الحوار بصمت :
-الخطوبة بتبقى في بيت العروسة وممكن علي يكون هناك فأنا هطلب منه بنفسي ايد نور ليك، عمي صفوان موافقش على محفوظ غير لما بابا الله يرحمه طلبها منه علني وقدام الناس
انتبه حمزة وقد أعتدل على الفراش هاتفًا بتوجس :
-ولو رفض!؟
-يبقى عملنا اللي علينا يا حمزة وهى مش نصيبك ووقتها تنساها خالص
تنهد موافقًا على كلامه هذا وقد ظل الليل كله يفكر في الأمر ويتقلب على فراشه بدون أن ينام فقد استكفى من النوم طوال النهار لذا لم يجافيه بالليل
استقام من على الفراش مع أول ظهور لخيوط الشمس الأولى متجهًا إلى مكتبه الصغير، وبالأخص نحو المفكرة الصغيرة التي يكتب بها بعض الخواطر الشعرية والبعض منها يخص نور
فتح المفكرة وأمسك بالقلم ولكنه لم يجد كلمات، لأول مرة في حياته منذ أن تعلم كيف يمسك القلم وحتى اللحظة التي أصبح بها كاتب مشهور له العديد من الكتب والقصص، لأول مرة لا يجد كلمات تصف ما يشعر به
أو بالأحرى لا يوجد كلمات كافية لوصف شعوره الآن،
تنهد بقوة وهو يلقي برأسه على سطح المكتب وعينيه على باب الشرفة المغلق، تحرك بعد ثواني من مكانه وفتح الباب والجًا الشرفة ثم أغلقه خلفه حتى لا يصاب كريم النائم بالداخل بنوبة زكام
حدق في خيوط الشمس تعلن عن بداية يوم جديد، ورؤيته للشروق أعطت له الأمل نوعًا ما وأخفضت من شعور اليأس عنده
ظل جالسًا بالشرفة إلى أن أتت الساعة السابعة صباحًا وهنا فُتح باب الشرفة الأخرى وخرجت منها نور ترتدي إسدال للصلاة وقد خرجت حتى تأتي بكتاب حمزة الذي نسيته البارحة في الشرفة وهى تقرأ به
وعندما أمسكته وجدته رطب بشدة من الأجواء شديدة البرودة فقالت بضيق :
-أستغفر الله العظيم، الكتاب أتبل
استدارت حتى تلج للداخل من البرد الذي طحن عظمها على الشكل الحرفي فهى جسدها حساس يتحسس من البرودة بسرعة شديدة، وهنا وجدته جالس في الشرفة رغم برودة الأجواء ويحدق بها ببسمته المعتادة ولكن بعينيه لمحة حزن
كادت أن تدلف متصنعة عدم اللامبالاة ولكنه أحرجها عندما قال بهدوء شديد :
-صباح الخير
وأضطرت إلى أن ترد عليه الصباح فالسلام لله ولكنه لم يكتفي بالصباح فقط بل قال بنبرة بدت مبهمة لها :
-الرسالة اللي كتبتها مع الكتاب لسه موجودة معاكي؟!
شعرت نور بالحرج الشديد لذكره للأمر فهى طوال الوقت البارحة تتصنع عدم رؤيته وتتجنبه تمامًا حتى لا يتطرق إلى الموضوع، اقتربت من سور الشرفة ومدت له الكتاب كله قائلة :
-اتفضل كتابك والرسالة جواه
-انا عايز الرسالة بس
-وانا بقولك خد كتابك بالرسالة
-وانا قولت انا عايز الرسالة، انا مش عايز أعلي صوتي إحنا في الصبح
كانت نبرته هادئة بشدة خالية من أي نبرة أخرى ونوعًا ما شعرت بتعجب من طريقته الجديدة هذه، هى ليست رسمية وليست لعوب ككل مرة فقط هادئة
فتحت الكتاب وسحبت الرسالة من وسطه ومدتها له فأخذها حمزة ونظر إليها بنظرة حزينة لم تراها هى بسبب إخفاض نظرها كالعادة :
-اعتبري الكتاب نسخة مجانية كأنك روحتي معرض الكتاب، أما رسالتي انا هحتفظ بها
وفقط نطق بهذه الكلمات ودلف إلى الداخل مغلقًا الشرفة لتشعر نور بنفس الضيق الذي شعرت به أمس، يبدو أن حمزة سلم الأمر وسوف ينسى أمرها كما طلبت منه عمتها ولكنها لم تتوقع أن يفعل هذا بكل هذه السرعة
هى لم تحب حمزة بعد ولكنها تعترف أنها كأي فتاة أُعجبت بشكله ووسامته وكلامه المعسول، فصدها له بإستمرار كان يمنع أي فرصة للوقوع في حبه أو التعلق به ومن الجيد أنها كانت تفعل هذا لأجل هذه اللحظة حتى تنساه بسهولة دون أن يكسر قلبها
ولكنها تعترف أنها تعلقت به كلماته فكلما رأته تنتظر منه أي شئ دون أن تظهر هذا
لهذا الحب العلني بين الرجل والمرأة بدون عقد شرعي محرم لأنه سيزول في يوم من الأيام بدون رابط قوي يجمع الرجل والمرأة وبزواله سيكسر قلب أحدهما أو كلاهما معًا
دلفت هى أيضًا للداخل ترتدي ثيابها من أجل الذهاب للمدرسة التي تراقب عليها وهى في مركز آخر يدعى باكوس، والمدرسة ليست بأحسن حال بل هى مدرسة حكومية وأسوء ما بها أنها بنين والتعامل مع شباب الصف الثالث الإعدادي صعب بشدة خاصةً وأنهم من درجة إجتماعية متوسطة وما أقل من هذا
أي أن اغلبهم وقحون، غير محترمون، بدون أخلاق ولا تظلم الجميع وتقول كلهم ولكن أغلبهم
وكم كان صعب التعامل في أول يوم اختبارات والذي كان البارحة ولكنه مر بسلام نوعًا ما، عدا أن الطلاب قد غازلوها أثناء مراقبتها عليهم إذ قال أحدهم
"عيونك دي يا مس حاجة كده ايه عسل على نعناع"
حسنًا كان غزله وقحًا ورديئًا وهى لم تصمت له ولكن حقًا شعرت بالاختناق الشديد من هذه المدرسة وعليها تحمل أربعة أيام منهم اليوم حتى تنتهي الاختبارات وترحل أخيرًا عن هذه المدينة...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
طرقت على مكتبه ولأول مرة تذهب هى إليه ففي العادة هو من يبحث عنها طوال الوقت، سمح يوسف للطارق بالدخول وعندما أطلت إلى الداخل بحثت عن الأطباء الذين يتشاركون معه المكتب ولكن لم يأتي أحدهم بعد لذا ولجت وتركت الباب مفتوح
ابتسم يوسف لها بإتساع وقد ترك الشطائر التي كان يتناولها على جنب ومسح يديه في أحد المناديل قائلًا :
-صباح الخير، فطرتي؟!
آماءت له براءة بإيجاب لتسأله صراحةً عما أتت لأجله :
-هو انا ليه تحت تدريبك انت ومش تحت إدارة التمريض زي باقي اللي هنا
عقدت الآخر حاجبيه لأنها تسأل هذا السؤال في هذا الوقت فقد بقى لها ثلاثة أشهر وتنتهي من سنة الإمتياز :
-زي باقي اللي هنا ازاي مفيش حد تدريب في المستشفى غيرك
-ما هو حتى لو انا تدريب المفروض ابقى تحت تدريب رئيسة التمريض مش دكتور
تبسم يوسف شارحًا لها الأمر أكثر :
-انتي فعلًا قعدتي تحت إدراة رئيسة التمريض بس مرتاحتيش معاها وكانت كل شوية تشتكي منك فأنا سحبت تدريبك عندي انا رغم إن ده مش نظامي بس انتي اصلًا وجودك هنا مش نظامي وغلط، تفتكري ليه العميد بعتك هنا مش علشان تتغربي لأ علشان عارف إن مفيش مستشفى هتقبلك وانتي مش متخرجة من جامعة إسكندرية، كان عايز يضيع عليكي سنة الإمتياز وبابا وعمي محفوظ كانوا عارفين كده، علشان كده وجودك هنا بواسطة كبيرة من المدير
-ابن الكلب الحقير
تمتمت بها براءة بسبة لذلك العميد وعلى أثرها اتسعت أعين يوسف بذهول منها قائلًا :
-علفكرة انتي لسانك طويل وبتشتمي كتير، يا ترى كان ليا نصيب من لسانك ده؟؟
-للحق ايوه وكتير قوي
نطقت بها بصراحة مبالغ فيها فتشنج فك يوسف محدقًا بها بتهكم فحمحمت براءة تغير الموضوع هذا وتستكمل الموضوع الذي أتت له :
-طب كده انا هاخد شهادة الإمتياز من هنا
-ايوه شهادتك هتتمضي وتتختم من هنا ومش عارف بقى هيحصل ايه بعدها علشان انتي من جامعة أسيوط وإمتيازك خرج من إسكندرية يعني الموضوع كله غير نظامي
تنهدت براءة وقد ألقت سبة أخرى لذلك العميد الظالم، هكذا تمشي الحياة القوي يضغط بكل قوة وظلم على الضعيف، استقامت من مكانها وكادت أن ترحل وبالفعل وصلت إلى الباب ولكنها عادت بسرعة وجلست مرة أخرى مكانها
تعجب يوسف من فعلتها هذا ولكن نوعًا ما عندما رأى سمية تلج للداخل فهم لما فعلت هذا، عجبًا على النساء الكيد يجري في دمائهن؟!
زفرت سمية بقوة وهى ترى براءة تجلس أمام مكتبه لتكتفي بإلقاء نظرة حانقة لها ثم نظرت إلى يوسف قائلة :
-دكتور يوسف في عملية بعد ساعة ومس شريهان بعتتني أقولك علشان انا اللي هكون معاك في العملية
آماء لها يوسف مقدمًا المشيئة لتقول براءة ببسمة متسعة على ثغرها، موجهة حديثها لسمية :
-مش تباركي ليا يا سمية
-على ايه؟؟
نطقت بها الأخرى بتوجس تخشي أن يكون قد حدث ما في بالها، وقبل أن تتحدث براءة سبقها يوسف في قوله إذ هتف بجدية شديدة :
-على إنها هتخلص سنة الإمتياز بعد أقل من تلات شهور
حدقت به براءة بذهول وقد اختفت بسمتها، بينما ابتسمت لها سمية بسمة بلاستيكية ثم قالت :
-آه مبروك، أخيرًا هتغوري من هنا
نطقت بآخر جملة وهى تستدير للخروج وقد تعمدت أن تسمع براءة آخر ما قالت، وبعد رحيلها استدارت الأخرى ليوسف وقبل أن تنبس بكلمة سبقها هو بقوله :
-متقوليش لسمية إننا هنتخطب ولا لأي حد في المستشفى
-ليه إن شاء الله مستعر مني؟!
نطقت بها بغصة مغلفة بالغضب فقال يوسف بنبرة حانية بشدة ينفي ما وصل لعقلها :
-لأ طبعًا انا مش مستعر منك، انا خايف عليكي من سمية
-وانا مش بخافش من حد
-براءة سمية بتعمل سحر وأعمال وأكتر واحدة بتكرهها هى انتي، هتأذيكِ
بهتت الأخرى مما قال ولم تجد كلمات تصف صدمتها الآن غير جملة واحدة :
-وانت عرفت منين وطالما هى كده سيبينها ليه في المستشفى!؟
تنهد الآخر وقد عاد للخلف بمقعده ثم استدار حول المكتب وجلس أمامها :
-مفيش دليل قوي إنها بتعمل سحر وأعمال علشان كده مش عارفين نطردها، انا مرت عليا فترة قبل ما انتي تيجي هنا تعبت فيها جدًا وبقيت بشوف حاجات واحلم بكوابيس والغريب إني كنت بشوف سمية دي أحلى واحدة مش عارف ليه، عمتي توحيد كان جوزها شيخ ومتفقه يعني في الدين وهو الله يرحمه دلوقتي لما شافني قال إني مسحور، خفيت الحمد لله بالأذكار والصلاة وأول واحدة شكيت فيها هى سمية علشان سبق ومجدي شافها بتعمل حاجة في مكتبي هنا ولما سألتها قالت إن حاجة وقعت منها وكانت بتدور عليها في المستشفي كلها
-طب برضو ليه مطردوهاش؟!
-انا روحت للمدير وقولتله وهو جابها وانكرت وقعدت تبكي وتتحايل عليه علشان ميفصلهاش وقالت أبويا متوفي وانا بصرف على أخواتي صعبت عليه فسابها، انا منستش الموضوع ليها ولما المحافظ كان هنا انا قولتله يراجع المشرحة علشان هى نص قعدتها هناك بتساعد الدكتور في تشريح الجثث وقولت ممكن مثلًا بتحط الأعمال دي في الجثث زي ما بنشوف في الأفلام بس برضو ملقيوش حاجة، علشان كده بقولك بلاش هى تعرف وانا هحاول انقلها من هنا قبل ما نتجوز علشان متعملش ليكي حاجة، انا عارف إنها عايزاني ومش هقول بتحبني علشان اللي بيحب حد مش هيأذيه كده
أعادت براءة ظهرها للخلف مذهولة مما تسمع، أجل سمية مخيفة وهادئة هدوء غريب ولكن لم يصل تفكيرها إلى أنها من النوع الذي يلجأ لهذه الأمور، يبدو أنها ستعيش أيامًا قاسية في هذا المشفى...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ارتفع رنين هاتفها مقاطعًا الأجواء الهادئة التي كانت تغرق بها غرفتها فأبعدت الغطاء عن وجهها حتى ترى مَن المتصل، وعندما وجدته عمر أغلقت الهاتف بشكل كلي وعادت للنوم مرة أخرى بدون ذرة ندم
وبعد ما يقارب الخمس دقائق علت طرقات الباب بشكل ازعجها بحق فابعدت الغطاء للمرة الثانية صائحة بالطارق وقد علمت هويته فمن الذي يطرق كالشرطة غير الشرطي الموجود في المنزل :
-ادخل يا يونس وبطل تخبط بالطريق دي مش رايح تقبض على حرامي
فتح الآخر الباب وقد انقلبت ملامحه للإشمئزاز يرى شقيقه وكأنها قد خرجت من مشاجرة نسائية أو أن صاعقة كهربة قد أصابتها :
-أعوذ بالله ده شعر المساجين في الحجز أحسن من شعرك
-عايز ايه يا عم على الصبح ده الساعة لسه تمانية
نطقت بها رقية وهى تتثاءب بنعاس فقال الآخر مشيرًا إلى هاتفها :
-انتي مش بتردي على عمر ليه؟!
-كده كيفي كده متخانقين ومش عايزة اسمع صوته
-يا اختي اتخانقوا ولا اولعوا بس متدخلونيش وسطكم في الموضوع، خدي
نطق بها بحنق واضح وهو يلقي لها هاتفه ثم خرج وأغلق الباب، فسحبت رقية الهاتف من فوق الفراش وقد وجدت مكالمة جارية برقم عمر، ذمت شفتيها بتذمر واضعة كفها أسفل وجنتها وهى تتابع صوت عمر وهو يقول :
-الو... رقية... طب ردي طيب
عاندت الأخرى ولم ترد عليه فقال عمر بصوت مازح :
-رقية يا حبيبتي
-حبك برص
تمتمت بها بصوت منخفض وصل له فقال ضاحكًا :
-طب ما انتي البرص يا روحي، مش بتردي ليه وعاملة فيها مقموصة ده انتي مشوفتيش فرحتي إمبارح لما شوفتك بالحجاب بس كان ناقص تفكي تكشيرتك شوية
وصاحت به رقية بغيظ شديد قائلة :
-آه مقموصة يا عمر علشان كان نفسي أول يوم للحجاب يبقى يوم فرحي علشان يبقى يوم مميز بس انت نكدت عليا انت ويونس وماما
ابتسم عمر وقد قرر أن يتعامل معها بالمسايرة فبعض النساء لا يجب التعامل معهن إلا هكذا، فالعناد سيأتي بنتيجة عكسية :
-قوليلي يا رقية لو معاكي لعبة، عروسة لعبة يعني وبتحبيها أوي لدرجة إنك مش عايز حد يلعب بيها غيرك ولا يمسكها حتى
-يعني انت يا عمر شايف إني لعبة محدش له الحق يلعب بيها غيرك؟!
نطقت بها بنبرة غير راضية فأجابها عمر ولا تزال البسمة مرتسمة على وجهه :
-لأ انتي مفهمتيش قصدي، انتي مش لعبة يا رقية انتي جوهرة غالية والجواهر بتتعرض في المتاحف بس محدش له الحق يلمسها غير صاحبها بس
-يعني انت برضو شايفني حاجة انت اشتريتها بفلوسك
نطقت بها بمراوغة هذه المرة حتى تخرجه عن أعصابه وقد صاح عمر علي الناحية الأخرى قائلًا :
-يا ربـــي، انا بحبك يا هبلة وغيران عليكي يارب الجاموسة تفهم
وضعت الأخرى يدها على فمها تكتم ضحكتها وهناك قلوب حمراء أصبحت تتطاير حولها فقال عمر وهو يهم بإغلاق الهاتف في وجهها :
-انا غلطان إني اتصلت علشان أصالحك انتي عايز منشار يكسر دماغك الناشفة دي، ولما اتصل عليكي تردي وبلاش حركاتك دي تاني سلام
أغلق الهاتف فنظرت لها الأخرى ببسمة متسعة تسحب الغطاء عليها حتى تكمل غفوتها التي قطعوها عليها ولا تزال البسمة مرتسمة على ثغرها فاليوم ستكون خطبتها على محبوب القلب...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ولجت إلى هذه المدرسة الحكومية بخطى سريعة نوعًا ما ليس لأنها تركض بل لأنها تحب المشي السريع فقد اعتادت على هذا، ابتسمت بسرعة عندما أبصرت هاجر تشير إليها بالقدوم فسارعت نحوها وما إن وصلت إليها حتى ألقت تحية الصباح :
-صباح الخير يا هاجر
-صباح النور يا أم عيون عسل ونعناع
نطقت بها مقلدة حديث الطلاب الذي تسمعه منذ أن وصلت، انقلبت ملامح نور للإشمئزاز على هذا الغزل قائلة :
-بس يا شيخة بالله عليكي هو انتي والعيال الفاشلة دي
ضحكت هاجر على تذمر نور الواضح قائلة :
-زعلانة ليه بس ما العيال بتعاكسك اهو وده يدل على إنك حلوة
-حلوة ايه بس دول عايزين ضرب الشباشب، فوق ما هما بيغشوا لا عندهم أدب ولا إحترام ولا أخلاق، المدرسة كلها عايزة الحرق، يا بنتي ده انا لسه داخلة اللجنة عشية وقبل ما أقول السلام عليكم لقيت واحد صفرلي، ده ايه بقى إن شاء الله جايين يمتحنوا دول ولا يقلوا أدبهم!؟
وافقتها هاجر الأمر فقد غمز لها أحد الطلاب البارحة أيضًا وهذا إن دل على شئ فيدل على أن نور محقة في ما قالت :
-وعملتي في الواد ايه؟؟
-ده انا مشيت اللجنة كلها على عجين ميلخبطوش وصبرًا النهاردة هوريهم الفشلة دول، هو علشان انا قصيرة وأغلبهم أطول مني يفتكروني عيلة كوتي
تنحنت هاجر وقد أدارت رأس نور إلى ناحية معينة ثم قالت :
-بقولك ايه بصي هناك كده على الولد اللي لابس جاكيت أسود، مش ده سليم؟؟
وجدت نور صعوبة في تحديد من تقصد هاجر ولكن بعد برهة رأت بالفعل سليم الفتى الذي تحرش برحمة وقد تم نقله من المدرسة يقف على بعد منهم :
-ايوه فعلًا ده سليم بس ايه جابو المدرسة المعفنة دي!؟ باين على أخوه إنهم أغنياء قوي ليه متنقلش على مدرسة خاصة ولا حاجة أنضف من كده
رفعت الأخرى منكبيها بعدم معرفة ثم أجابت :
-معرفش بصراحة يمكن عقاب مثلًا علشان كان باين على أخوه إنه شديد أوي
-اتمنى يكون اتصلح حاله
نطقت بها نور بخفوت وهى تحدق في سليم من بعيد إلىٰ أن رآها الآخر بعد أن انتبه إليها، فابعدت عينيها بسرعة ونظرت إلى هاجر قائلة :
-تعالي نشوف علينا مراقبة في لجنة كام
-انا وانتي نفس اللجنة لسه جاية من عند الإشراف، متحمسة أشوف النسخة الشريرة اللي بترعب العيال منك
ابتسمت لها نور ليرن الجرس معلنًا بدء الإختبار فقالت هاجر وهى تهم بالتحرك :
-اطلعي لجنة رقم أربعة وانا هجيب ورق الإمتحان وجاية
وآماءت لها نور بموافقة واتجهت إلى الدرج حتى تصعد إلى الفصول ولم يكن قد تجمع الطلاب بعد بكثرة عليه لذا صعدت بخطاها السريعة ولكن الأدوار كثيرة حتى تصل للجنة رقم أربعة فتباطأت قليلًا وقد بدأ الطلاب في الإندفاع على الدرج
كانت المدرسة كلها بنين والطلاب يندفعون بقوة ولم يكن هناك أنثى غيرها والباقي ذكور، ولكنها لاحظت معلمة مسنة تصعد فصعدت إلى جانبها والطلاب يمرون من جانبهما
تمسكت جيدًا بحقيبتها في حركة اعتادتها عندما تكون في ازدحام حتى لا ينتشل أحدهم شيئًا من حقيبتها دون أن تنتبه، ولكن نور لم تكن تعلم أن في هذا الزمن المرأة أصبح عليها أن تنتبه لنفسها ولجسدها في الازدحام قبل أن تنتبه لحقيبتها
لم تكن تدري أن حتى المراهقين أصبحوا منحطين أخلاقيًا في زمن انتشر فيه الإنترنت وانتشرت عليه أفلامًا ومقاطع لا يجوز للمسلمٍ أن يشاهدها
لم تتعرض نور في حياتها أبدًا للتحرش رغم أنها تسمع عنه طوال الوقت وبأكثر من طريقة، كانت في الإزدحام تنتبه لحقيبتها أكثر شئ ثم تنتبه لعدم ملامستها لرجل
لتأتيها من الخلف يد استباحت حرمة جسدها واستغل صاحبها الازدحام وكون نور تنظر للأمام ولا تستدير للخلف، في هذه اللحظة شهقت نور شهقة خرجت من داخل صدرها، وانتفض جسدها انتفاضة لن تنساها في يوم
وعلى أثر هذا تعثرت قدمها وسقطت على الدرج على كفيها، توقف الطلبة يحدقون بها في تعجب، بل وضحك عدد منهم على سقوطها هكذا، ساندتها المعلمة الأخرى حتى تقف قائلة :
-بسم الله الرحمن الرحيم قومي قومي
وما إن وقفت نور على قدميها حتى استدارت للخلف بسرعة جاذبة كنزتها الشتوية للأسفل حتى تغطي مؤخرتها التي لا يظهر حجمها من إتساع الجيب الذي ترتديه
كانت عينيها جاحظة بصدمة لما تعرضت له الآن، تحدق في الأوجه حولها منهم من يكتم ضحكاته ومنهم الغير مبالي ومنهم المتابع لردة فعلها على سقوطها على الدرج
شعرت في هذه اللحظات بصدمة شلت لسانها حتى أنها لم تستطع أن تسأل من فعل هذا، ولكن مهلًا كيف تسأل حتى فهل ستسطيع أن تقولها أمامهم وتسأل من الذي استباح جسدها الآن وتحرش بها؟!
جذبتها المعلمة الأخرى حتى تصعد صائحة بالطلاب :
-اوعوا كده وسعوا جواميس بتطلع، وقعتوا المس
تمنت نور وقتها أن يكون الأمر اقتصر على سقوطها كما يظن الجميع الآن فحتى عقلها لا يصدق أنها عاشت تجربة بشعة سمعت عنها الكثير ولكن لم تجربها من قبل ولم تكن تريد حتى أن تجربها
ولكن للأسف قد جربتها ووقعت ضحية لفساد الأخلاق، وعاشت ما تعيشه ملايين النساء في زمن مخيف أصبح هتك العِرض به شئ عادي، وأغلبهن يخرسن تمامًا وكأن أحدهم لم يقم بإستباحة جسدها، وعلى الضحية الصمت فهى في نظر المجتمع وفي كل الأحوال.... مُلامة
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الخمسون 50 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
الفصل ده واقعي بدرجة مخيفة وانا شخصية بتحب تسمع اللي حواليها وسمعت ظلم كتير وكل كلمة كتبتها في الفصل ده والفصول الجاية مبنية على أحداث حقيقية مع إختلاف الأسماء والظروف، والدنيا دي مليانة ظلم كتير يمكن أكتر من اللي هتشوفوه هنا ونور مثال حقيقي للإنسان لما الدنيا والناس يظلموه
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
كانت اللجنة مقلوبة على غير العادة مع وجودها، لم تكن تبالي بمن يغش أو من يفتح هواتفه وينقل الإجابات، كانت في عالم آخر بعيدًا فحتى الآن لم تتشرب الصدمة التي عاشتها وكلما تذكرت تلك اليد وما فعلت يقشعر بدنها
اقتربت هاجر منها وجلست إلى جانبها بإستسلام بعدما فشلت في التحكم في الطلاب قائلة بضيق :
-يخربيتهم مفيش واحد يوحد ربنا وميغشش، بيعملوا ايه دول طول السنة؟!
نظرت إلى نور عندما لم تتلقى منها إجابة وهى على هذا الحال منذ أن بدأت اللجنة :
-يا نور قولي حاجة يا بنتي مالك مسهمة كده ليه؟!
-معلش يا مس وقعت على السلم
نطق بها أحد الطلاب الموجدين فرفعت نور رأسها إليهم تحدق في الجميع بعدم تركيز، كادت أن تسألها هاجر إن كانت اصيبت بجرح أثر السقوط أو ما شابه ولكن صاح أحد الطلاب من الخلف قائلًا :
-يا مس معلش تعالي شوفي السؤال ده
وبالطبع هذه كذبة يخترعها الجميع لكي يأتي المعلم ويساعده قليلًا في إيجاد حل للسؤال ولا يوجد طالب مصري لم يجرب هذه الطريقة على مدار سنواته الدراسية
اقتربت هاجر من ذلك الطالب تاركة نور كما هى والأخرى كانت تدور بعينيها بين الطلاب تسأل نفسها، ترى من فعل بها هذا؟!
كان الجميع منغمس في الإجابات والغش قبل أن ينفد الوقت ولأول مرة لا تبالي بهذا فلديها مصيبة أخرى، وقعت أنظارها على سليم والذي كان موجود في اللجنة وللعجب لا يغش مثل البقية بل كان ينظر إليها من حين لآخر بنظرات مريبة جعلتها تشك به
حين استدارت على الدرج بعد تلك الواقعة كان الطلاب يحدقون بها في تعجب ومنهم من يكتم ضحكاته بإستثناءه هو كان يدير وجهه بعيدًا عنها، هل هو من فعل هذا بها؟؟ نظراته هذه تجعل شكها يزداد فلما يطالعها بهذه الطريقة وكأنه يشعر بالشماتة بها
هل هو من فعلها أم فقط رأى الفاعل؟!
وجدت نفسها تتجه نحوه فانتصب الآخر في جلسته وطالعها بتوجس ولم يكن سليم نسيَ صفعتها له أو الكلام الذي قالته لعاصم وعلى أثره قام بحبسه في الغرفة بعد أن ضربه ضربًا مبرحًا وبعدها قام بنقله إلى هذه المدرسة القذرة كعقاب
توقفت نور أمامه تطالعه بريبة ثم قالت :
-مش بتحل ليه!؟
-بفكر في الإجابات
نطق بها ببساطة مصطنعة فقالت نور وهى تحدق في ورقته الشبه فارغة :
-طب خلص قبل ما الوقت يخلص
لم تجد ما تقوله أكثر من هذا فكيف تبوح بما حدث لها، يبدو أن رحمة كانت محقة في صمتها وخوفها من الكلام فالأمر مرعب بالفعل والكلام عنه شبه مستحيل، استدارت حتى تتحرك وقد استمعت لهمس سليم لصديقه باسمه فتوقعت أنه سيغش ولم تبالي حقًا، ولكنه توقفت عندما نادها سليم قائلًا :
-معلش يا مش تشرحيلي السؤال عايز ايه، انتي مُدرسة دراسات أكيد هتفهمي يقصد ايه
نظرت نور إلى ورقته لبرهة من الزمن تقرأ السؤال فهمس سليم بنبرة ذات مغزى لها :
-هو انتي وقعتي على السلم يا مس ولا حد عمل حاجة فيكي... من وراء
نظرت له الأخرى بأعين متسعة وعقلها توقف لعدة ثواني لإستعاب ما قال، استغل سليم هذه الثواني القليلة ليشير إلى زميله الجالس على يمينه وهو من نادى عليه
وقد أشار إليه بإشارة فهمها الآخر، فالفشلة أمثالهم يستخدمون هذه الإشارة حين تكون هناك فتاة تمر من جانبهم حتى يدفع أحدهم الآخر عليها وكأنهم يمزحون فقط
ابتسم الآخر ولم يشعر بالخوف مما يفعل فهو فعلها عشرات المرات، وقف من مكانه وقال مدعيًا أنه يريد أن يسأل المعلمة الأخرى عن شئ :
-معلش يا مس دقيقة
استدارت إليه هاجر بالتزامن مع إدعاء تعثره في المقعد الذي يجلس عليه وعلى أثره استند على كتف نور ولكن بقوة نوعًا مما جعل جسدها يندفع للأمام حيث يجلس سليم فأدعى الآخر مساعدتها في الوقوف بنوايا أخرى خبيثة بعدما وسوس له شيطانه تاركًا يده تستبيح حرمة جسدها
دفعتهم نور عنها بانتفاضة فسقطت أرضًا بقوة، وهذه المرة لم تكن مثل الأولى أبدًا لا فيما حدث ولا بشعورها الآن، اقتربت هاجر منها بسرعة تستدير حول الأدراج حتى تصل إليها وهى تصيح بهما بقوة وصدمة في آنٍ واحد فقد رأت ما حدث منذ البداية :
-يا حيوان انت وهو عملتوا فيها ايه؟!
تحدث الطالب الثاني وكان يدعي سمير مدعيًا البراءة :
-يا مس كنت هتحرك واتكعبلت في الدرج وسندت غصب عني عليها، حتى اسألي سليم
نظرت نور إليهما بأعين دامعة فهى لم تتخطى ما حدث منذ قليل حتى تتعرض لثانية وثالثة فمن كان خلفها لامس صدرها ومن كان أمامها خاضت يده في فخذها ولم يكن أبدًا يساندها لم تكن يده تسندها
الاثنين تحرشوا بها واستغلوا وقوفها بينهما في مشهد يحدث بشكل يومي في المواصلات العامة والإزدحام
مد سليم يده حتى يساندها مدعيًا البراءة هو أيضًا :
-معلش يا مس قومي تعيشي وتاخدي غيرها
نظرت نور إلى يده النجسة التي استحلت جسدها وفي هذه اللحظة سيطرت مشاعر كثيرة عليه، الرعب، الغضب، القهر وكل هذه المشاعر ساهمت في تشويش عقلها
كانت يدها على مقربة من خشبة مكسورة عن أحد الأدراج فلم تشعر بنفسها إلا وهى تمسكها بكل قوتها ثم هبطت بها فوق يده الممدودة لها بعنف لدرجة أن سليم شعر أن يده قد كُسرت
صمت جميع من بالفصل صمت مخيف لا يقطعه سوى صرخات سليم التي ربما وصلت لجميع من بالممر، لم تتوقف نور عند هذا الحد بل قامت بضرب سمير ذاك على ذراعه بعنف جعلته يصرخ بها قائلًا :
-انتي مجنونة يا ست انتي، بتضربينا لـيـــه
لم يجعلا بها عقل لتستوعب ما تفعل أو ما تقول إذ صاحت بهما وبألفاظ لم يسبق وأن خرجت من فمها، وقد أعطته ضربة أخرى على يده هذه المرة بنفس العصا :
-انا مجنونة يا ولاد الكلب يا اللي ما لقيتوا حد يربيكـــم
استدارت إلى سليم، وعند هذا بالذات هبطت عليه بالضربات في كل مكان تستقر عليه العصا ومن شدة قهرها أصبحت تبكي ولم تتوقف حتى بعدما سقط أرضًا بل استمرت في ضربه وكلامًا متلعثم غير مفهوم يخرج منها
صرخت بها هاجر وهى تسحبها بعيدًا عنها وقد جذبت منها العصا وألقتها بعيدًا، ولكنها لم تستطع أن تسحبها من فوقه :
-يا نورهان كفاية هتموتــيــه
والأخرى لم تتوقف عما تفعل بل استمرت في ضربها له بالصفعات وهى تهزي بدون وعي، غير مبالية بالدماء التي أصبحت تدفق من رأس سليم وقد لوثت يديها أو أن سليم نفسه قد بدأ يفقد الوعي
حضر المعلمين في اللجان الأخرى في نفس الممر على الأصوات متفاجئين من منظر سليم الفاقد للوعي وفوقه المعلمة الجديدة نور وكلما اقترب أحد منها تضربه صارخة بالجميع ألا يقتربوا منها وكأنه أصابها الجنون
انقلبت اللجنة بين دقيقة والأخرى، ولسوء حظ نور كان هناك عساكر في المدرسة، وقد حضروا اليوم بالذات بسبب مشاجرة حادة حدثت خارج المدرسة صباح أمس بين الطلاب وإصابة البعض، لذا حضروا حتى لا تحدث مشاجرات أخرى
والأسوء من هذا وما لم يلاحظه أحد من الموجدين، أن عدد من الطلاب قد أخرجوا هواتفهم يصورون ما يحدث، فللأسف أصبحنا في عالم غريب مخيف بدلًا من مساعدة الآخرين في كارثة أو مشكلة نقوم بالتصوير حتى ننشر الحدث
والمحظوظ هو من ينشر الأول حتى يكون منشوره هو "التريند"
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ولج كريم إلى غرفته وقد وجد حمزة ينام بعمق شديد بعد أن استسلم عقله للنوم بعد سهره طوال الليل، حتى أنه لم يسمع هاتفه الذي يرن منذ فترة، ورغم أن حمزة أكثر شئ لا يطيقه هو أن يزعجه أحد من أجل إيقاظه إلىٰ أنه مضطر لفعل هذا فالأمر يبدو في غاية الأهمية
جلس على فراش أخيه مبعدًا الغطاء من عليه ثم قال وهو يحاول جذب جسده حتى يجلس :
-حمزة، حمزة قوم بسرعة فيه مصيبة باين
تأفأف الآخر بضيق شديد فهو لم يغفو لساعتين حتى وكريم لم يدعه وشأنه بل وضع هاتفه على أذن شقيقه قائلًا :
-كلم أمك على التليفون أنجز
-الو يا ماما
نطق بها بنبرة متحشرجة أثر نعاسه وهو يمسح على وجهه حتى يطرد النعاس وينتبه لما تقول، إذ هتفت الأخرى بسرعة وكأنها تستنجد به :
-حمزة تعالي بسرعة على قسم باكوس واوعى تتأخر عشر دقايق وألاقيك قدامي
استقام حمزة من على الفراش يحاول الثبات وهو يقول :
-انتي كويسة؟! حصل معاكي حاجة؟
-انا كويسة بس انت لازم تيجي دلوقتي، اوعى تتأخر بالله عليك يا ابني
أغلقت معه فاتجه حمزة إلى خزانته حتى يغير ملابسه تزامنًا مع سؤال كريم القلق :
-مالها ماما يا حمزة!؟
وأجابه الآخر بإنشغال وهو يخلع ملابسه المنزلية :
-مش عارف بس هى بتقول إنها كويسة فأكيد الموضوع يخص حد تاني
أما على الناحية الأخرى كانت تجلس نور في قسم الشرطة لا تستوعب ما فعلته بعد، لم يكن ينقصها مصيبة أخرى لتأتي فوق رأسها كارثة بسبب عصبيتها المفرطة
نظرت إلى كفيها ولا تزال دماء سليم تطبع عليها وقد أصابها رعب شديد بعد أن استوعبت ما فعلت به، ربي لو كان مات الفتى لضاعت هى مقابله، عادت ناهد بعد أن اتصلت على ابنها حتى يأتي فقد رفضت ناهد أن يقوموا بإستجواب نور إلا في حضور المحامي، ونور نفسها لا تستطيع الكلام الآن
لاحظت الدموع في عيني نور فقالت بضيق وحتى الآن لا تعلم ماذا حدث جعلها تضرب سليم بهذه الوحشية، وتحاول إستبعاد أمر أنه كان يغش فالأمر لم يكن سيحتاج لكل العصبية التي كانت بها فبدت وكأنها مغيبة عما تفعل :
-طب بتعيطي ليه دلوقتي مش ده عمل ايديكي؟! قولتلك يا بنتي بلاش عصبية انتي عصبية بطريقة وحشة أوي، فتحتي دماغ الواد وجبتيله إلتواء في أعصاب ايده، ده غير الكدمات وآثار ضرب العصايا الخشب اللي ضربتيه بيها
نظرت نور إلى سليم الذي كان يجلس على بعد منهم وبجانبه عسكري كما الذي يجلس بجانبها، كان في حالة يرثى لها، رأسها ملفوف بشاش أبيض وكذلك يده اليمنى، هذا غير آثار الضرب الظاهرة عليه :
-ارتحت دلوقتي؟! هروح في داهية من وراء راسك، منك لله يا بعيد منك لله
صاحت بها نور بقهر شديد فطالعها سليم بخوف خاصةً من حالتها إذ بدأت تضرب على فخذيها وهى تبكي بشدة من الكارثة التي وقعت بها، لم تدخل في حياتها لقسم شرطة، لم تتعرض للتحرش من قبل، لم تجر من قبل عسكري في حياتها، وكل هذا يحدث في يوم واحد بل ولا تزال في بداية اليوم :
-انا مكنتش عايزة كده، والله عمري ما عملت مشاكل مع حد ودايمًا في حالي من وانا عيلة، مش عارفة ليه من ساعة ما جيت هنا والمصايب مش سيباني في حالي
امسكت هاجر بيديها حتى لا تضرب نفسها وضمتها بقوة تهدئ منها وقد كانت هى الوحيدة التي تعلم ماذا حدث فهى قد رأت بعينيها ماذا فعل سمير وسليم بها :
-اهدي هتعدي ومش هتدخلي السجن ولا دقيقة، انتي كنتي بدافعي عن نفسك من الكلاب دول، انا شوفتهم لما زنقوكي وسطهم واتحرشوا بيكي
جحظت أعين ناهد بصدمة فلم تكن تتوقع أن هذا هو ما حدث رغم أن سليم قد تحرش بابنتها من قبل، ولكن لم تكن تتخيل أن يصل به الأمر للتحرش بمعلمة :
-هو اتحرش بيكي!؟
همست بها ولا تزال الصدمة تؤثر عليها ليزداد نشيج نور وهى في أحضان هاجر والتي أخذت تربت عليها قائلة :
-انا هشهد معاكي، بس مش عارفة راح فين الحيوان التاني اللي زقك عليه
-انا عايزة امشي من هنا
نطقت بها بخوف واضح من القادم فماذا إن وصل الآخر لعائلتها ما الذي قد يحدث بعدها، نفت هاجر قولها هذا بقوة قائلة :
-مينفعش تمشي انتي الكل شافك وانتي نازلة ضرب فيه فأكيد هيتعملك محضر تعدي على طالب بس انا هشهد معاكي إن هو اتحرش بيكي علشان كده ضربتيه
ارتاب سليم وشعر برعب لما قالته هاجر فهو كان يسمعهم ولكن أتته النجدة عندما أبصر شقيقته الكبرى "هنا" قد وصلت بعد أن اتصل عليها لتأتي وهذا لسببين، الأول لأنها تعمل محامية والثاني لأن عاصم غير موجود في البيت فهو انتقل لشقته الخاصة بعيدًا عنهم تحت بند أنه يريد التفكير في حياته قليلًا
شهقت هنا بعنف وهى ترى شقيقها في حالة يرثى لها وكأنه خرج من مشاجرة طاحنة وخسر بها :
-سلـيـــم مين عمل فيك كده!؟
انتبهت نور وهاجر وناهد لحضورها بينما قال العسكري برسمية :
-انتي أخته؟!
-ايوه انا
-طب يلا ادخلي للظابط علشان يحقق معاه
جلست الأخرى بسرعة إلى جانب أخيها هاتفة بجدية :
-طب خمس دقايق أفهم منه الأول
-مفيش خمس دقايق افهمي جوا
نطق بها بحدة وهو يجذب سليم بعنف فصاحت به هنا غاضبة :
-ايه اللي بتعمله ده؟! انت مش شايف إنه مصاب وحالته وحشة، كمان بتجره كأنه بقرة
-لما تدخلي وتعرفي اخوكي الحلو ده عمل ايه في الغلبانة دي هتعرفي إن البقرة أحسن منه
ختم حديثه وهو يجر سليم الي مكتب الضابط فهو قد سمع ما قالته نور وهاجر ولا يبدو عليهما أبدًا أنهما يكذبان فالفتاة مقهورة بالفعل، وبعدما كان متعاطف مع سليم على ما حدث له أصبح يريد جذ عنقه، فكيف لطالب أن يتحرش معلمته؟! ألهذا الحد وصل الإنحطاط الأخلاقي بين الشباب
ألقت هنا نظرة سريعة على من أشار إليها العسكري ولكن لم تعلم من المقصودة أهى تلك الفتاة التي تبكي أم التي تحتضنها وعلى الأرجح هى التي تبكي، ولجت خلف أخيها فانتبه لهما الضابط خاصةً على الحالة التي بها سليم :
-ماله ده كمان ومين عمل فيه كده؟؟
وأجابه العسكري بجدية قائلًا :
-ده طالب في المدرسة اللي قريبة مننا واللي عملت فيه كده مُدرسة كانت بتراقب على اللجنة وهى برا دلوقتي مستنية محامي
-يعني فوق ما اخويا ضربته واحدة بتجرره وراك
نطقت بها هنا بحدة فأجابها الآخر بحدة أكبر وبصوت غليظ :
-اسكتي يا ست انتي واسمعي اخوكي الشملول عمل ايه
حدقت به الأخرى بنظرات حارقة على هذه الطريقة ولكنها لم تجبه بلسانه بل أخرجت بطاقتها وقدمتها للضابط أمامها هاتفة بجدية شديدة ولمحة من الغرور :
-انا هنا سعيد غانم المحامية وحاضرة مع أخويا
اعتدل الآخر في جلسته ما إن أبصر اسمها كامل ثم قال :
-انتي بنت سعيد غانم المهدي تاجر الدهب؟!
-ايوه انا
-طب وازاي ده اخوكي والعسكري بيقول جاي من المدرسة اللي قريبة مننا، دي المدراس اللي حوالينا كلها مدراس حكومية
-حضرتك سيبك من التفاصيل دي دلوقتي انا عايزة أعرف اخويا بيعمل هنا ايه، واتمنى تطلع البني آدم ده برا
ختمت حديثها وهى تنظر إلى ذلك العسكري فأمره الظابط بالفعل أن يخرج ثم قال :
-اتفضلي انتي اقعدي وهنسمع الموضوع من اخوكي بس الأول يديني بطاقته علشان باين عليه مش أقل من ١٦ سنة
كان هاتف سليم معه وبالجراب بطاقته الشخصية فأعطاها له ثم حمحم منظفًا حلقه ينطق بما حدث مع قص الحقيقة التي تدينه بالطبع :
-حضرتك انا كنت في اللجنة وبحل الإمتحان
-انت في سنة كام دلوقتي؟! على حد علمي الثانوي خلصوا وتالتة ثانوي لسه مبدأتش؟؟
-احم انا في تالتة إعدادي يعني بس كان في ظروف بتحصل معايا فكنت بسقط
نطق بها الآخر بحرج فرفع الضابط حاجبه بتهكم قائلًا :
-قولتلي ظروف، طب كمل
-انا كنت في الامتحان زي ما قولت وناديت المس نور علشان فيه سؤال مكنتش فاهمه
-المس نور دي هى اللي عملت فيك كده؟؟
-ايوه هى، ناديت عليها وكانت بتقرأ السؤال وكان فيه واحد قاعد وراها على الديسك وقام وقف بس كان هيقع فسند عليها والله أعلم هو سند بس ولا عمل حاجة فكانت هتقع عليا وانا سندتها بسرعة قبل ما تقع بس هى وقعت على الأرض وقامت وهى متعصبة أوي ونزلت ضرب فينا إحنا الإتنين
-وفين الولد التاني ده، اسمه ايه
-مش عارف راح فين وبصراحة معرفش اسمه ايه انا لسه منقول للمدرسة من فترة ومليش دخل بحد
كانت حدقتيه تدورا بشكل مريب، يزدرد لعابه بإستمرار، يقبض على ركبتيه حتى يهدئ من نفسه، كل هذا كان يوحي بأنه يخبي شيئًا ما، فقال الضابط بشك وقد استدعى تركيزه ما قاله العسكري منذ قليل :
-سليم انت مخبي حاجة؟؟ وانت سندتها فعلًا من غير ما تعمل حاجة!؟
نظر الآخر إلى شقيقته بسرعة ثم عاد ونظر الي الضابط مجيبًا عليه :
-آه والله معملتش حاجة ومش مخبي حاجة تانية حتى اسأل كل اللي كانوا في اللجنة
نظرت هنا بسرعة إلى الضابط وبسهولة علمت أنه يكذب لذا قالت :
-معلش يا حضرة الظابط استأذنك اتكلم مع اخويا خمس دقايق علشان أعرف منه بنفسي اللي حصل
آماء الآخر بهدوء وهو يقف من مكانه متجهًا للخارج :
-تمام قدامكم خمس دقايق
وما إن خطَّ إلى الخارج وأغلق الباب حتى نظرت هنا إلى سليم بحدة :
-انت هتقولي اللي حصل ولا اخليهم يرموك في الحجز؟؟ قولي اللي حصل علشان أعرف أساعدك ومتقوليش انا قولت اللي حصل انا عارفة إنك كداب
ازدرد الآخر لعابه بتوتر شديد مردفًا بتلعثم :
-لو قولت هتساعديني أطلع من الورطة دي؟!
-ما انت لازم تقولي علشان أساعدك
آماء لها سليم بتردد ثم روى لها ما فعل بإختصار سريع، لتكن ردة فعل الأخرى أنها صفعته بكل قوتها صائحة بغضب مكتوم حتى لا يصل صوتها للخارج :
-يا حيوان يا زبالة، وصلت بيك الجرأة إنك تتحرش بالمُدرسة، انت معجون من ايه؟! عملت كده إزاي؟؟
ورغم ألم الصفعة إلىٰ أن رعبه الآن أنساه الألم :
-هنا اعملي حاجة انا مش عايز اتحبس
ركلته الأخرى بقدمها في قدمه بعنف لا تصدق مقدار الحقارة التي وصل إليها شقيقها :
-وطالما انت خايف كده عملت كده ليه؟؟ كان عقلك فين وانتوا بتتحرش بواحدة وأكبر منك يا حيوان، اللمسة دي زودتك ايه علشان تضيع سمعتك ومستقبلك علشانها، كان معاه حق عاصم لما قال دلع بابا ضيعك على الآخر
لم يجب الآخر بل التزم الصمت فجذبت الأخرى خصلات شعرها للخلف لا تستوعب بعد ما فعله، بل ولم تكن تدري بعد أن أخاها أحقر من هذا وهذه ليست أول جريمة تحرش له
نظرت إليه بحدة وعادت تجلس على المقعد أمامه قبل أن يأتي الضابط :
-الواد اللي اتحرش بيها معاك ده راح فين؟؟
-معرفش تلاقيه هرب
-اسمه ايه طيب؟
-سمير
-سمير ايه؟؟
-معرفش يا هنا معرفش انا لسه عارفه من شهر ونص بس
طرقعت الأخرى أصابعها تحاول أن تهدأ قليلًا حتى تجد حل :
-بص انت هتفضل على أقوالك دي، سندتها وهى وقعت فاتعصبت عليكم وطبعًا محدش شافك وانت بتتحرش بيها
صمت الآخر دون أن ينطق بكلمة فقالت هنا متسعة العينين :
-متقولش عندها شاهد شافك وانت بتتحرش بيها!!؟
-المُدرسة اللي معاها برا بتقول شافتني انا وسمير وإحنا بنتحرش بيها
عضت الأخرى على شفتيها بعنف فالآن مع الأخرى شاهدة، ليقول سليم بسرعة :
-بس تقريبًا هى الوحيدة اللي شافت باقي اللجنة مكنتش مركزة، بس شافوني لما ضربتني انا وسمير حتى مُدرسين اللجن التانية جم وشافوها وهى نازلة فيا ضرب فلو شهادة دول كلهم ضد شاهدة واحدة بس
ترك الجملة معلقة لها ففطنت الأخرى لما يقصد ورغم هذا نظرت له بتقزز قائلة :
-منك لله يا سليم على المصيبة اللي حطتنا فيها، هضيع حقها رغم إنها على حق علشان انقذك انت
دلف الضابط بعد أن ترك لهما أكثر من خمس دقائق يتحدثا بها، ليقول وهو يجلس مكانه :
-ها نكمل كلامنا
آماءت هنا وهى تشعر بالذنب على ما ستقول ولكن هذا أخاها للأسف :
-ايوه يا فندم بس قبلها إحنا عايزين نقدم بلاغ في المُدرسة اللي اسمها نور بتهمة التعدي على طالب وضربه بوحشية وعندنا شهود تثبت ده
أما في الخارج كانت نورهان هدأت نوعًا ما من البكاء، تناجي ربها وهى مغمضة العينين أن يخرجها من هذه الورطة فمن لها غيره لتناجيه، فارقت بين جفنيها عندما استمعت لصوت حمزة يقول بصوت شبه متقطع الأنفاس :
-ايه حصل يا ماما؟ انتي هنا ليه؟؟
ابتعدت عن أحضان هاجر فلاحظها لتوه ولاحظ أيضًا بقع من الدماء على جيبها الأبيض ففزع بشدة وعشرات المشاهد تدفقت إلى عقله جميعها أسوء من بعض، اقترب منها بسرعة متخطيًا والدته :
-نور ايه الدم؟! حصلك ايه؟؟
عادت الدموع تتجمع مرة أخرى في مقلتيها فزاد فزع حمزة أضعافًا يتمنى ألا يكون ما في عقله قد حدث لها، خرج سليم من الداخل هو وهنا وقد اندهش حمزة لحالته بل ووجوده هنا
لم يكن يفهم أي شئ خاصةً عندما جذب العسكري ذراع نورهان ودلف إلى نفس المكتب الذي خرج منه سليم وتلك المرأة، جذبته والدته بسرعة حتى ينتبه لها، هاتفة بجملة واحدة اشعلت بداخله مشاعر مختلطة تسود عليها الصدمة :
-سليم اتحرش بنورهان وهى ضربته في نص اللجنة، اتصرف وخرجها من المصيبة دي
أما بالداخل وما إن ولجت نور تساندها هاجر حتى رفع الضابط نظره لهما هاتفًا بجدية :
-مين فيكم المُدرسة اللي اسمها نور؟؟
-انا
نطقت بها نورهان بصوت مبحوح خائف فنظر إليها الضابط من الأعلى إلى الأسفل بتقييم لا يصدق أن التي طحنت سليم ذاك هى هذه الفتاة الضعيفة :
-اديني بطاقتك يا آنسة وانت أخرج يا عسكري واقفل الباب وراك
خرج العسكري بالفعل وقبل أن يغلق الباب دفعه حمزة بخفة وولج هو فرفع الضابط أنظاره لهذا الشاب ذو الملامح الغابة، والذي ما إن وضع بطاقته الشخصية أمامه حتى قال :
-حمزة عثمان هواري المحامي وجاي من نورهان علي صفوان
آماء الآخر بصمت مستعدًا لسماع أقوالها هى أيضًا، ولكن قبل أن يفعل هذا قال :
-آنسة نورهان انتي من دقيقتين اتعمل فيكي محضر تعدي على طالب وده عقوبته بتصل من تلات سنين لتأبيده، ايه بقى اللى حصل علشان تكسري الواد بالشكل اللي انا شوفته ده
ضغطت الأخرى على شفتيها من الداخل وكم كان من الصعب أن تنطق بشئٍ كهذا، وكم هو مخجل أمام حمزة بالذات، والذي يطالعها الآن بنظرات غريبة لا تفهم أهي شفقة أم قهر، ولكن عليها الدفاع عن نفسها حتى إن كانت ما ستحكيه ثقيل :
-هو اتحرش بيا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ملامحه قوية حادة، الشيب غزى رأسه ورغم هذا يغطيه بلون أسود صناعي حتى لا يظهر عليه الكبر، يتجول في مصنعه وخلفه طاقم كامل من الإداريين وسكرتيره والمشرفين
هو سعيد غانم المهدي، واحد من أثرى الأثرياء في مصر، وواحد من أهم تجار الذهب في الوطن العربي، وتجارة الذهب هذه يتوارثها عائلته منذ ما يقارب المئة وعشرون عام
كان يشرف بنفسه على أحدث موديلات الذهب هو وابنته ولكنها اختفت منذ ساعة ولا ترد على الهاتف، فقط قالت أن سليم وقع في مشكلة وذهبت، بدأ يشعر بالندم لأنه أنجب سليم الذي لا يأتي له سوى بالمشاكل
هنا الوحيدة التي تسانده في عمله فعاصم ابنه الأكبر لا يهتم كثيرًا لأمر تجارة الذهب، بل يحب عمله أكثر فهو حاز على دكتوارة في علم النفس وأراد أن يعمل بالدكتوراة الخاص به
ابتعد قليلًا عن طاقمه حتى يتصل على ابنته فهى يجب أن تكون هنا فنصف العمل تقوم به وتحت إدارتها :
-انتي فين يا هنا ؟! اتأخرتي كده ليه؟؟
-انا في القسم يا يابا
ابتعد الآخر لمكان هادئ بعيد ما إن سمع كلمة "قِسم" ليقول بجدية شديدة :
-بتعملي ايه في القسم؟؟
نظرت الأخرى إلى سليم بغضب قائلة :
-ابنك المبجل اتحرش بمُدرسة وإحنا في القسم دلوقتي بسببه
-هو عملها تاني؟؟
-احيه يا بابا هو عملها قبل كده!!؟
نطقت بها بصدمة شديدة فقال سعيد بقوة فلا وقت للصدمات الآن :
-مين البنت اللي عملها معاها كده؟؟
-معرفش غير إن اسمها نور وهى مُدرسة بس صغيرة مش كبيرة
-طب تتصرفي وتلمي الموضوع من غير ما حد ياخد خبر بحاجة
أعادت هنا خصلاتها الناعمة للخلف مجيبة عليه بنفس جديته :
-انا عملت محضر تعدي علشان لو هتعمل محضر تحرش يبقى ده قبال ده وأقدر اخليها تتنازل
-البنت دي لازم تتنازل يا هنا لو مش بالذوق يبقى بالفلوس ولو مش بالفلوس يبقى بطرق تانية، سمعتنا هتبقى في الأرض لو الموضوع ده طلع، ولو مش هتعرفي ابعتلك انا محامي أكبر يعرف يلم الموضوع
-لأ متخافش هلمه انا سلام دلوقتي
أغلقت معه وقد انتبهت إلى العسكري الذي اقترب منهما قائلًا :
-الظابط عايزكم في المكتب دلوقتي
آماءت له بجدية ثم لحقت به هو وسليم وما إن دلفا حتى وجدت شاب ذو قامة طويلة استقام محدقًا في سليم بشر ولو كانت النظرات تحرق لخر أخيها صريعًا
وقفت أمام سليم بسرعة موجهة كلامها للضابط :
-خير يا حضرت يا الظابط
أجابها الآخر وكفته تميل لنور فيبدو الكذب على سليم والصدق على الأخرى، ولكن للأسف القانون لا يسير بالمشاعر بل بالشهادة والأدلة :
-دلوقتي الأنسة نور هتقدم محضر في اخوكي إنه اتحرش بيها جنسيًا هو وطالب تاني، وانتوا قدمتوا محضر فيها إنها اتعدت بالضرب على سليم بدون سبب، انتوا معاكم شهود بس لسه مسمعناش أقوالهم وهى معاها شاهدة، دلوقتي المحضرين هيتقدموا للنيابة والموضوع هيمشي رسمي
قاطعته هنا وهى تقترب من نور قائلة :
-انا مستعدة اتنازل عن المحضر بس تتنازلي انتي كمان
لم تجد نور كلامًا للإجابة فنظرت إلى حمزة والذي بدوره أجاب بحدة مصحوبة ببسمة متهكمة :
-مفيش مسوامة على الشرف يا آنسة، ترضي انتي حد يساومك على شرفك؟؟
نظرت له هنا بنظرة غامضة ثم نظرت إلى الضابط والذي بدوره استقام من مكانه قائلًا :
-تمام انا هسيبكم تتكلموا شوية مع بعض، ولو مُصرين على المحاضر الموضوع هيترفع للنيابة
خرج وتركهم رفقة بعضهم فقالت هنا بجدية رسمية وهى تستدير إلى نور :
-تاخدي كام والليلة دي تتلم؟؟
ابتسمت هاجر بسخرية فهى أدرى الناس بهذه الفئة من المجتمع، النقود لديهم تشتري أي شئ حتى قد يشترون بها البشر، ارتفع ثغر نور ببسمة مقهورة فهل تعرض عليها المال مقابل أن تتنازل عن حقها :
-طب انتي تعرفي الأول اخوكي عمل ايه؟؟
لم تُظهر لها الأخرى أنها تعلم بالفعل بل أعادت عرضها مرة أخرى قائلة :
-تاخدي كام وتتنازلي عن المحضر وتلمي الليلة ومتفضحيش نفسك، انا رفعت عليكي محضر تعدي وعندنا شهود كتير بإنك اتعديتي عليه بالضرب في وسط اللجنة بشكل مفاجئ وبدون سبب واضح، معندكيش غير شاهدة واحدة على إنه اتحرش بيكي، يعني القضية في صالحنا إحنا، ولو متنازلتيش والموضوع مشي رسمي انتي هتدخلي السجن سنة أو تلات سنين ومش بعيد بعد الكشف لو اتضح إنك عملتيله عاهة مستديمة تاخدي تأبيدة، ما تفهمها يا متر
شعرت نور بخوف شديد مما قالت حتى أنها فكرت في التنازل بالفعل فما الذي ستجنيه إن عاندت، ستقوم بإشهار نفسها وإن خسرت القضية ستدلف إلى السجن بالفعل، فأهل سليم ذوي نفوذٍ وسلطة بينما هى أهلها بحالة متوسطة ولم يسبق لأحد منهم أن قام بمشكلة بل يبتعدون عنها تمامًا
-انتوا هتتدفعوا كام؟؟
نطق بها حمزة بنبرة جامدة وهو يجلس على المقعد المقابل للمقعد الذي تجلس عليه نور لتستدير إليه هنا مرة أخرى ولا تعلم أنبرته ساخرة ام لا، بينما نظرت هاجر ونور لبعضهما بدهشة لما قاله حمزة
تنحنحت هنا وهى توالي انتباهها لحمزة ثم قالت :
-أي مبلغ هى هتتطلبه هندفعه
آماء حمزة بهدوء ثم قال وهو يرفع قدمه ويضعها على أختها بينما استقر كف يده على المكتب يطالع هنا أمامه ببسمة باردة :
-المبلغ ده تدفعوه بقى لمحامي أشطر منك علشان تعرفي تخرجي اخوكي الحلو ده من القضية
-القضية في صالحنا إحنا مش في صالحكم مش محتاجين محامي أشطر مني، بالعكس ده هى هتحتاج محامي أشطر منك علشان يعرف يخرجها
ردت له الصاع صاعين مستخفة به كما استخف بها، فاستقام حمزة من مكانه ووقف أمامها مُظهرًا فارق الطول، رغم أن هنا ترتدي حذاء بكعب مرتفع إلىٰ أن حمزة فاقها طولًا، ابتسم لها ابتسامة ماكرة ثم قال بنبرة هادئة ظهر الخبث بين طياتها :
-تعرفي ليه اخوكي اتنقل من مدرسته للمدرسة اللي جبتوها منه!؟
في الواقع لم تكن تعلم هنا الكثير عن أخيها الصغير ومشاكله بسبب انشغالها في عمل والدها، لذا نظرت إلى سليم تنتظر إجابة ولكن عندما رأت الخوف ظهر مليًا في عينيه علمت أن ما ستسمعه ليس أبدًا بجيد
زادت البسمة على وجه حمزة أكثر كما زادت نبرته خبثًا :
-اخوكي المبجل اللي وراكي ده له سوابق تحرش في مدرسته القديمة وفي سنتر الدروس على حسب كلام الآنستين دول واللي شغالين مُدرسين في المدرسة، وهو اتنقل منها علشان السبب ده، تفتكري بقى لو جبنا البنات اللي اتحرش بيهم وشهدوا إن اخوكي متحرش، وجبنا المدير وسألناه عن سبب نقل سليم من المدرسة وايه المشكلة اللي اتنقل علشانها، تفتكري بعد ما نعمل كده القضية هتبقى لسه في صالحكم؟!
رمقته هنا بنظرة قوية مغتاظة ثم قالت :
-أوك انتوا اللي اختارتوا، نتقابل بقى في النيابة
امسكت بذراع سليم وسحبته معها للخارج فقال حمزة وهو يطالعها ببسمة آثارت استفزازها :
-اوعي تيجي انتي في النيابة، شوفي حد أشطر منك
لم ترد عليه الأخرى وخرجت من المكتب ومن قسم الشرطة بأكمله، بينما ذمت هاجر شفتيها مدركة حجم الكارثة التي وقعت بها نور :
-انا سمعت عن عيلة سعيد غانم وعن سعيد غانم نفسه ده راجل مش سهل خالص معتقدش إن الموضوع هيعدي بالساهل كده
ختمت حديثها وهى تنظر إلى نور بقلق عليها من بطش أولئك الناس فقالت الأخرى بنبرة ضائعة وبصر شارد :
-اتنازل عن المحضر؟!
واتتها الإجابة من حمزة إذ وقف أمامها هاتفًا بنبرة قوية :
-مفيش تنازل، انتي عايزة تضيعي حقك؟!
-انا مش عايزة مشاكل انا والله ما كنت عايزة ده كله يحصل ولا عارفة ازاي ده حصل
ختمت حديثها بصوت اختنق بغصة البكاء ثم اجهشت باكية على حالها الآن فربتت عليها هاجر مشفقة عليها بالتزامن مع ولوج الضابط وهو يقول :
-ها هنكتب المحضر ولا
-لأ هنكتبه
نطق بها حمزة بنبرة جامدة وبعد ما يقارب العشر دقائق خرجوا من المكتب لتقف ناهد بسرعة وقد كانت في انتظارهم :
-عملتوا ايه؟؟
تخطاها حمزة دون الإجابة فهناك نيران مندلعة في صدره الآن، عاجز عن إخمادها فلحقت به ناهد بسرعة وخلفها نور وهاجر :
-يا حمزة قولي عملت ايه جوا؟؟
-المحضر هيروح النيابة
نطق بها بإختصار شديد وهو يخرج من قسم الشرطة فقالت والدته بفزع حقيقي فإن وصل الأمر للنيابة ستتأزم الأمور أكثر :
-نيابة ايه يا حمزة انا قولتلك حل الموضوع مش وصلوا للنيابة
إستدار لها الآخر بعنفوان صائحًا :
-أحل الموضوع بمعنى إني اخليها تتنازل عن حقها؟! هو ده اللي انتي عايـــزاه
رمقته الأخرى بنظرات غاضبة لصراخه عليها في الشارع هكذا فتحرك حمزة متجهًا إلى سيارته ثم صعد وصفع الباب في انتظارهم، استدرات ناهد لنور وهاجر ثم أمسكت بنور قائلة :
-تعالي يا نور علشان نروح، تحبي نوصلك في طريقنا يا مس هاجر
ونفت الأخرى ببسمة بسيطة ثم قالت :
-لأ انا أصلًا طريقي غير طريقكم، مس ناهد خلي بالك منها هى حالتها صعبة زي ما انتي شايفة واللي حصلها صعب على أي بنت
آماءت ناهد وهى تجذب نور المستسلمة لكل ما يحدث ثم ساعدتها على الدخول إلى السيارة فقالت هاجر وهى تنظر إلى صديقتها من خلال النافذة :
-هبقى اتصل واطمن عليكي ولما تروحي النيابة هكون معاكي متخافيش
طالعتها الأخرى بأعين دامعة ثم تحركت السيارة بسرعة مخلفة خلفها بعض الأدخنة بفعل تشغيل المحرك، سار حمزة بالسيارة بسرعة على الطريق بينما تجلس نور في الخلف تبكي بصمت واعينها المشوشة لا ترى شيئًا
نظر إليها حمزة من خلال المرآة الأمامية وعندما رآها تبكي فقط زاد غضبه من كل شئ، من بكائها، وما حدث لها، من تلك المدعوة هنا وسليم ذاك الحقير الذي لمسها
أدار عجلة القيادة بسرعة وضغط على الفرامل متفاديًا حادث فصرخت والدته بجانبه بفزع :
-براحة يا حمزة هتموتنا
نظر لها حمزة لبرهة ثم عاد بنظره إلى نور التي وضعت يدها على جبينها بعدما اصطدم رأسها بالمقعد الذي أمامها لتسألها ناهد إن كانت بخير :
-انتي كويسة يا نور؟!
-ايوه كويسة
نطقت بها بخفوت مبعدة كفها عن وجهها لترى حمزة يطالعها بنفس النظرات التي كان يرمقها بها في قسم الشرطة، ظلت لثواني معدودة تنظر إلى عينيه ثم ابعدت عينيها كما العادة، ولكن هذه المرة ليس بخجل أو بحرج بل بحزن وخزي من ذنبٍ لم تقترفه
اغمض الآخر عينيه بضيق شديد ثم عاد وشغل السيارة عائدًا إلى المنزل، وما إن وصل أمام البناية وركن السيارة حتى سحب المفاتيح وخرج منها ولكنه لم يدلف إلى البناية بل تحرك إلى طريق آخر بخطوات واسعة دون أن ينبس بكلمة
اغتاظت ناهد منه فخرجت من السيارة ولحقت به ممسكة بذراعه حتى يقف ثم هتفت بضيق :
-انت ماشي رايح فين؟! مش تقولي هتعمل ايه وحصل ايه جوا عند الظابط
خرجت نور من السيارة وقد كانت ناهد وحمزة يقفان بعيدًا نوعًا ما لذا لا تسمع ما يقال، ولكن بدا على حمزة الغضب الشديد وهو يتحدث، أدارت جسدها ببطء ودلفت إلى البناية وقد صعدت الدرجات الأولى بصعوبة وكأنها كبرت مئة عام وعظامها تأن ألمًا
استقلت المصعد ثم نظرت إلى انعاكسها في مرآته وكم بدت حالتها مزرية، فسد شكل حجابها، جفونها متورمة، الدموع جافة على وجهها، هناك بقع دماء على ملابسها من سليم
اغمضت عينيها تاركة دموعها تروي بشرتها وهناك هم ثقيل على عاتقها، وهى من كانت لا تعول همًا لهذه الحياة، تشعر وكأن من شدة الهم الذي هى به وكأنها أصبحت في السبعين من عمرها
توقف المصعد عند الطابق الثالث فخرجت وفتحت الباب بمفتاحها لتجد شروق فقط بالداخل تشاهد التلفاز، فبراءة في العمل وعائشة في الجامعة، أدارت شروق رأسها ترى من فتح الباب وهى ترفع معلقة مليئة بالمكرونة اعدتها لنفسها منذ قليل
جمد لسانها وسقطت المعلقة والطبق من بين يديها ما إن أبصرت بقعة دماء واضحة على جيب نور الأبيض، كان رعبها مبالغ به للواضح، ولكن بالنسبة إليها كان ما بداخلها أسوء مما يظهر عليها، إذ شعرت أن يوما الحادثتين يعاد أمام عينيها، نفسها أخذ يرتفع بطريقة غير طبيعية وهى تحدق في بقعة الدماء تلك
لم تلاحظ نور رعبها بل لم تلاحظها من الأساس، إذ اتجهت إلى غرفتها بخطوات متعثرة وأغلقت الباب بالمفتاح ووضعته على الكومود، ثم خلعت حذائها وصعدت إلى الفراش دون أن تغير ملابسها أو حتى تخلع الحجاب
غطت نفسها جيدًا من اخمص قدميها إلى رأسها وقد أخذت وضعية الجنين ضامة الوسادة إلى صدرها تبكي بصوت مكتوم على كسر كرامتها وعفتها على يد نجسين استباحوا حرمة جسدها
لأول مرة تشعر بالكسرة....
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
هبطت عليه والدته بالصفعات والصرخات المقهورة لا تصدق مقدار الدناءة التي وصل إليها ابنها التي جعلته يتحرش بمعلمة وقبلها مراهقة، والله وحده يعلم كم فتاة استباح جسدها
لم يدافع عنه أحد لا شقيقته التي كانت تنظر لكل ما يحدث بخيبة أمل كبيرة، ولا والده الذي كان يضع يده على رأسه حتى يجد حل لهذه المصيبة
تهاوي جسدها على الاريكة تحاول إلتقاط أنفاسها، تحدق بصدمة في ابنها الذي كان يجلس أرضًا بتعب من كم الصفعات التي أخذها، ومن آلام جسده الناتجة عن الضربات التي أخذها من نور، بكت بحسرة شديدة وقهر وهى تقول :
-ليه؟؟ عملت كده ليه؟؟ استفادت ايه من لمسة لا أخرت ولا قدمت؟! كنت فاكرة في المرة الأولى إنها وسوسة شيطان، بس تتجرأ وتعمل كده تاني وفي المُدرسة، لا انت كده الشــيـطـان؟!
ابتسمت هنا بسخرية مريرة ثم قالت :
-لأ مرة أولى ايه؟! ده المُدرسة اللي اتحرش بيها بتقول إنه سبق واتحرش ببنات في المدرسة وفي سنتر الدروس والله أعلم كام واحدة الواطي ده عمل معاها كده، ولما دول يشهدوا إنك متحرش زبالة هتروح في ستين داهية
أبعد سعيد يده عن رأسه نافيًا برأسه هذا الأمر تمامًا :
-لأ مش هيتحبس أبدًا لازم نلاقي حل والبنت دي تتنازل
-رفضت الفلوس حاولت معاها وكمان المحامي بتاعها ده شكله مش سهل وهيقلب القضية علينا
نطقت بها هنا تبلغه بما حدث هناك فقال سعيد بغضب :
-يبقى بالعافية لو منفعش الذوق يبقى بالتهديد، المهم تتنازل
نظرت له زوجته بقهر على جبروته هذا مرددة :
-عافية وتهديد وهتضيعوا حق البنت!؟
استقام الآخر من مكانه صائحًا :
-يضيع حقها ولا ابنك يتسجن ويضيع مستقبله كله
ربما حقير ودنئ وبه كل الصفات المقيتة ولكنه ابنها في النهاية، أغمضت عينيها بحسرة شديدة وهى تستقيم بضعف من مكانها :
-منك لله يا سليم ضيعت نفسك، منك لله
تهاوي جسدها مرة أخرى بضعف ودوار فأسندتها ابنتها وساعدتها على التحرك إلى غرفتها فقد ارتفع ضغط دمها على الأرجح
نظر سليم إلى والده بعينين خائفتين ثم قال بهمس :
-بابا
وكان الرد صفعة قوية هبط على وجنته ومن قوتها انفجرت لثته وشفته الدماء، ثم صرخ به الآخر قائلًا :
-أخرس يا زبالة يا حيوان مسمعش صوتك خـــالـص
جلس مكانه كما كان وهو يفكر في حل لهذه المعضلة، وإذ بصوت رنين هاتف سليم يعلو بعدة رسائل فنظر له سعيد بتوجس قائلًا :
-هات تليفونك ده
أخرج الآخر هاتفه وأعطاه له بعدما فتح القفل، فتح سعيد الرسالة التي أتت من أحد زملاء سليم وقد كانت عبارة عن لينك لفيديو تم تنزليه منذ قليل على أحد مواقع التواصل الاجتماعي
لم يتردد سعيد وفتح اللينك ليجد ما جعل عينيه تتسع بذهول فقد كان محتواه هو ابنه وهو يُضرب على يد فتاة قصيرة ونحيفة بطريقة عنيفة بشدة وهى تهزي بكلمات غير مفهومة، وهناك فتاة أخرى تحاول جذبها وجعلها تتوقف، أدار الهاتف لسليم حتى يراه ثم قال :
-هو ده اللي حصل في المدرسة؟!
آماء سليم متعجبًا أنهم قاموا بتصوير الحدث ليعيد الآخر الفيديو على أنظاره مرة ثانية وثالثة ورابعة، وهنا علت بسمة مبهمة على وجهه وهو يخرج هاتفه الخاص وقد أتى برقم معين واتصل عليه :
-الو أستاذ فايز أخبارك ايه واخبار الأولاد، انا كنت عايز منك خدمة وهتصب في صالحك أكتر مني
-أؤمرني يا سعيد باشا هو انا أطول أعملك خدمة
زادت البسمة على وجه سعيد وهو ينظر إلى سليم الذي لا يفهم ما الذي ينتوي عليه والده :
-تسلم، انا بس هبعتلك فيديو عايزك تنزله على الصفحات عندك على كل مواقع السوشيال ميديا بعنوان معلمة بدون ذرة رحمة تتعدى على طالب بالضرب العنيف، انا عايز الفيديو ده في خلال ساعتين بس يبقى تريند
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
اقتربت من الباب وطرقت عليه عدة مرات لعل ابنة عمها تستجيب فمر النهار بطوله وحل الليل وهى لا تفتح ولا أحد يعلم حتى ماذا حدث معها، حتى أن ناهد أتت للإطمئنان عليها ولكنها لم تفتح لها ولم تفصح ناهد عن إن كان حدث معها شئ
لم ترد نور فذمت براءة شفتيها ونظرت إلى شقيقتها التي كانت تجلس على الاريكة ترتدي ملابس خاصة بالخروج ولكنها صامتة بطريقة مريبة :
-شروق هى مفتحتش خالص الصبح؟؟
نفت الأخرى بصمت شديد فنظرت براءة نحو عائشة ثم قالت :
-طب ايه هنسبوها كده انا خايفة عليها ومش عايزة امشي من غير ما أعرف فيها ايه
عقدت عائشة حاجبيها تفكر في شئ ثم تحركت من مكانها بحثًا عنه وبعد فترة أتت ومعها مفتاح آخر للباب فقالت براءة بدهشة :
-لقيتي فين المفتاح ده؟ ومقولتيش ليه عليه من الصبح؟!
-مجاش على بالي خالص
نطقت بها عائشة وهى تفتح الباب ثم ولجت للداخل وخلفها براءة، كانت الغرفة غارقة في الظلام لذا فتحوا الإضاءة ليجدوا نور غافية أسفل الغطاء، اقتربت منها عائشة ببطء ورفعت الغطاء عن وجهها لتجدها بالفعل نائمة فقالت براءة وهى تسحبها للخارج :
-خلاص سيبيها نايمة ولما نرجعوا من الخطوبة تكون صحيت، مش انتي هتقعدي وتذاكري هنا؟؟
آماءت عائشة بإيجاب وهى تغلق الباب خلفها فقالت براءة وهى تتجه نحو باب الشقة :
-يلا يا شروق
وأستقامت الأخرى من مكانها بنفس الصمت العجيب وخرجت معها متجهتان إلى حفلة الخطوبة التي تقام في قاعة مناسبات قريبة من هنا، لم تكن تريد الذهاب لأي مكان خاصةً بعد الحالة المخيفة التي انتابتها صباحًا
ولكن رقية دعت براءة لكونها خطيبة أخيها لذا هى مضطرة للذهاب معها وهذا بعد أن سمحت والدتهما لها بهذا، بشرط أن تذهب شروق معها
أغلقت عائشة الباب خلفهما ثم اتجهت إلى كتبها حتى تدرس اللأختبار القادم وقد اخذت عدة استراحات ترد بها على رسائل ياسر، بدأت تتقبل نوعًا ما هذه العلاقة وبدأت ترى جانب آخر من ياسر لم تكن تراه
لا تعلم كم مر من الوقت ليقطع تركيزها طرق على الباب فظنت أن ابنتيّ عمها قد عادا لذا فتحت الباب ولكن عندما رأت رجال غريبون اختبأت خلفه بسرعة تغطي شعرها بذونت منامتها ثم مدت رأسها فقط من خلف الباب متسائلة بتوجس :
-نعم مين انتوا؟؟
-نورهان علي صفوان ساكنة هنا؟؟
نطق بها الضابط الذي يتقدم باقي الرجال والذي لم تتعرف على أنه ضابط إلا عندما أجابته بنعم فقال :
-ايوه ساكنة هنا
-ناديها مطلوب القبض عليها
فزعت عائشة فزعة لم تمر على حياتها من قبل فلأول مرة تقف أمام ضابط ويطلب القبض على أحد من أفراد عائلتها، ومَن؟! يطلب القبض على شقيقتها التي هى أكثر شخص رأته في حياتها يبتعد عن المشاكل ويتجنبها
ركضت بسرعة للداخل وفتحت الباب على نور ثم هزتها بعنف وهى تسحب جسدها حتى تفيق :
-نورهان قومي بسرعة شوفي مين على الباب
لوهلة نسيت كل ما حدث صباحًا وخرجت حتى ترى من على الباب، توقفت في منتصف الطريق عندما تذكرت كل ما حدث معها ليأتيها صوت قوي يقول :
-انتي هى نورهان
نظرت بسرعة نحو الصوت لترى رجل لا تعرفه ويقف خلفه عدد من الرجال، نظرت إلى شقيقتها بسرعة فقالت الأخرى برهبة :
-دول حكومة
تحدث الآخر غير مبالي بصدمتهما هذا إذ قال بنفس نبرته القوية :
-اتفضلي معانا انتي مطلوب القبض عليكي بتهمة التعدي على طالب بالضرب وواضح من الدم اللي على هدومك ده إنك متورطة في الموضوع فعلًا
تمسكت عائشة بها بخوف على شقيقتها ومما يحدث الآن فلم يسبق لها في حياتها كلها وأن تعرضت لموقف كهذا، ولم تكن نور حالتها أفضل، لم تفهم لما يقبضون عليها الآن وقد تركوها صباحًا تذهب، لتنتفض بخفة على صوت الضابط وهو يقول :
-اتفضلي معانا هتفضلي متنحة كتير
-طب انتوا هتاخدوها فين؟؟
نطقت بها عائشة وهى تتمسك في شقيقته أكثر، مرتعبة من فكرة أنهم سيأخذونها فأجابها الآخر بوجوم :
-هناخدها على قسم باكوس لو هتتطلبوا ليها محامي ابعتوه هناك، اتفضلي بقى بدال ما ندخل نجيبك إحنا
تقدمت نور للأمام بخطى مرتعشة وكأنها تساق للذبح، تسأل نفسها ألن ينتهي هذا اليوم دون كارثة جديد تحط فوق رأسها؟!
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍