تحميل رواية «في مدينة الاسكندرية» PDF
بقلم صابرين عامر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
1- إجازة في الصعيد بسم الله نبدأ من جديد والجزء التاني ألطف من الأول وفي نفس الوقت أحداثه مهمة جدًا ولا تخلو من الأفكار الهادفة بإذن الله موعدنا في رمضان كل جمعة فصل بعد صلاة التراويح لحد ما ندخل على العيد لو في العمر بقية، وبعدها هشوف مواعيد مناسبة تعليقات كتير بقى برأيكم في اللي جاي 💜 صلي على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜 &;كنت أغرد فتبتسم وتصمت&;.. اشتاق لها ولا أجد ولو صوتها فقط حتى اسمعه&;&; ثقيلة وثقلها أرهق قلبي&;. ترى أين ذات العيون العسلية التي خطفت لبي؟؟&; أغلق مفكرته الصغيرة التي تجمع ا...
في مدينة الإسكندرية الفصل الحادي وثلاثون 31 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
نزلت الفصل الخميس مش الجمعة بمناسبة كملت 300K وده خبر مفرح بالنسبة ليا ❤️
صلي على من قال أمتي أمتي❤️
كانت حدقتيها تتابع الطريق الزراعي الذي يسير عليه القطار متجهًا إلى الصعيد، تنهدت بقوة وهى تشعر بنظرات ياسر المراقبة لها بصمت ولكنها لا تقوى على النظر إليه تشعر بالخجل من نفسها لسببين
الأول أنه ساعدها مرتين متتاليتين بينما هى قامت بجرح كرامته بحديثه معه بعد أن خرجوا من عند العميد وقولها له بأنه لا يصلح للزواج منها
لا تدري كيف خرجت منها هذه الجملة حينها لكنها لا تريد أن تجتمع مع ياسر في علاقة كهذه لأنها لا تشعر بإتجاهه بأي نوع من أنواع المشاعر، ليس وكأنه يسمح لهن في عرف الصعيد بالحب قبل الزواج ومثل هذه الأشياء، ولكنها لا ترى ياسر غير ابن عم لها مثله مثل البقية لا أكثر ولا أقل
أما عن السبب الثاني فهو احتضانها له بعد أن وجدها، ولا تزال حتى الآن تستغفر لذنبها هذا ولكنها كان فزعة من الموقف والضغط الذي كانت تتعرض له
تذكرت البارحة عندما آفاقت على أصوات الأمطار الشديدة لتجد نفسها ممدة على أرضية صلبة باردة وعندما حاولت أن تستقيم أنَّت عظامها من الألم بسبب صلابة الأرض، وبعد محاولات استندت بكفيها على الأرض وجلست نصف جلسة تنظر حوله بأعين مشتتة والصورة مشوشة أمامها
استقر كفها على رأسها تضغط عليه بألم وعندما حاولت أن تقف اصطدم كفها بشئ على الأرض لم تبصره من الظلام ولكنها شعرت أنه هاتف، انتفض جسدها بقوة على صوت الرعد الذي صدح في الأجواء وقد أُنير المكان للحظات بسبب البرق لتجد أن هذا هو هاتفها ولكنه محطم
نظرت حولها للظلام بقلق فهى تخافه بشدة، استقامت من على الأرض تتحسس ما حولها ولا تدري حقًا أين هى فمن الظلام لا ترى شيئًا، وعندما أضاء البرق مرة أخرى وجدت نفسها في إحدى معامل الكلية وهنا تذكرت ما حدث وذلك الجسد الذي خدرها من الخلف قبل أن تعود إلى المنزل
ازدردت لعابها بخوف شديد وهى تسير بإتجاه النافذة لعلها ترى شيئًا ولكن الأمطار المتساقطة بغزارة كانت حائل بينها وبين الرؤية، أخذت تتحسس الحائط بجانبها حتى تصل إلى الباب أو إلى الإضاءة لعلها ترى شيئًا هنا
اصطدمت بخزانة المواد الكيميائية لتعلم أنها أصبحت قريبة من الباب وعندما أضاء البرق مرة أخرى استغلت هذا وهرولت ناحية الأضواء واشعلتها وحمدًا لله أنها تعمل، نظرت حولها تتفقد المكان لتأتي عينيها بالصدفة على ساعة الحائط المعلقة والتي كانت تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل
اتسعت عينيها بصدمة شاهقة بقوة فهل هى خارج المنزل إلى هذه الساعة المتأخرة؟! اسرعت في إتجاه الباب حتى تفتحه ولكنه كان موصود من الخارج، أخذت تطرق وتصرخ لعل أحدًا يسمعها ولكن صرخاتها لا تساوي شيئًا من الأمطار وكأنها سيول في الخارج
ظلت تنادي قرب الربع ساعة حتى شعرت أن صوتها قد بُح من كثرة الصراخ، تهاوى جسدها أرض وهى تبكي بذعر وخوف شديد لا تدري ماذا تفعل، مسحت دموعها بسرعة عندما تذكرت هاتفها لتسرع إليه محاولةً تشغيله لكن وكأن القدر تضدها فلم يستجيب الآخر ويعمل إطلاقًا
ألقت به بعنف وقد ازداد بكائها لتتكور على نفسها، دموعها تنهمر على وجنتيها حتى أصبح وجهها مثل حبة الطماطم وقد استمرت ربع ساعة أخرى تشهق وتبكي دون فائدة إلى أن آفاقت لنفسها
نظرت حولها تمسح وجهها من الدموع لتجد أن الساعة أصبحت الواحدة والنصف، استقامت من مكانها ونظرت إلى زجاج النافذة التي تطل على الممر إذ كانت نافذة عريضة ولكنها زجاج كامل أي لن تُفتح يجب أن تكسر
انتقلت انظارها إلى المقاعد الحديدية المرتصة حول الطاولات لتمسك بواحدٍ منهم منتوية كسر النافذة حتى تخرج من هنا فلن تظل تبكي وتنوح دون فائدة، ولأن عائشة ذات شخصية جريئة لم تهتم سوى بخروجها دون الإهتمام بالنتائج القادمة
وقفت أمام النافذة قابضة على المقعد بقوة، ثم وبكل قوتها هبطت به على الزجاج مهشمة إياه بعنف، ألقت المقعد على جنب ثم أتت بهاتفها وحقيبتها لترتديها مقررة القفز ولكن هناك عقبة وقفت أمامها فحين حطمت الزجاج لم يتهشم بأكمله ليبقى شظايا مسننة ملتصقة به تمنعها من المرور فوقها
مدت يدها ونزعت أحداهن فنُزعت بسهولة معها، أخذت تنزعهن حتى تمر بسلام ولكن اكبرهن وقفت أمامها فامسكتها بكفيها حتى تنزعها وقد نتج عن هذا ان جُرحا كفيها بعنف
أطلقت تأوهًا مرتفعًا وهى تضم كفيها بألم، وبعد دقيقة من الوجع أتت بمقعد ووضعته أمام النافذة حتى تصعد عليه وتقفز للخارج وقد تركت تلك الشظىٰ مقررة الإبتعاد عنها حين تقفز، ولكن ما لم تحسب له حساب أنه وكما أن هناك شظايا مسننة في الأسفل هناك أيضًا بالأعلى كمل أن المقعد مرتفع وليس منخفض لذا عندما مرت اصطدمت رأسها في الزجاج المكسور مصيبًا جبينها بجرح
لذا وبرد فعل طبيعي منها ألقت بجسدها قافزة للخارج ولأن جسدها ليس بالخفة التي كانت تحسبها سقطت بقوة على قدمها التي إلتوت أسفلها
ارتفعت تأوهات ولكن هذه المرة أصبحت صرخات مختلطة بالبكاء تشعر بالحسرة على حالها وعلى ما تعانيه بمفردها ولا أحد يشعر بها أو يسمعها هنا
تحسست جبينها النازف وقد تناست أن كفها مجروح وملطخ بالدماء فطبعت على وجهها وكأنه ينقصها هذا أيضًا، وقفت بصعوبة وأخذت تسير في الممرات مستندة على الحائط وهى تعرج بقدمها وكلما تلامس أزرار الضوء تقوم بفتحها فأكثر ما يثير رعبها هى الممرات المظلمة وهذا بسبب أفلام الرعب التي شاهدتها مسبقًا
هبطت إلى الأسفل وهى بالكاد تستطيع تقف لتستمع إلى أصوات قادمة من غرفة الأمن فعلى الأرجح هناك أحد هناك، وبالفعل وجدت رجلين يجلسا ويتحدثان ولم يبصراها بسبب الظلام الغارقة به، نظرت حولها بحثًا عن ازرار الضوء هناك وعندما فتحتها استدعت انتباههما وبدلًا من مساعدتها فزعا بشدة
ولما لا وهما يبصران فتاة خرجت من العدم ونصف وجهها مغطى بالدماء كما أن هناك بقع من الدماء على ملابسها وكأنها شبح، وقبل أن تتحدث بشئ سبقاها في الصرخات :
-أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أعوذ بالله إلحق يا عبد الحميد دي عفريتة
اندهشت عائشة ما قولهما حتى أنها فزعت عندما رفعوا بعض العصيِّ عليها ثم قال أحدهم :
-انصرفي لا تأذينا ولا نؤذوكي
جلست عائشة على الدرج بعدما فشلت في الوقوف أكثر من هذا ثم قالت بتعب وهى تمسح الدماء من على جبينها بكمها :
-عفريتة ايه انا محبوسة فوق ومن الصبح بنادي محدش سامعني
نظر الرجلين إلى بعضهما بتعجب شديد ليسألها أحدهما هاتفًا بتوجس :
-هو انتي اسمك عائشة صفوان؟!
واندهشت الأخرى من معرفته باسمها لتهز رأسه بسرعة وهى تحاول الوقوف مرة أخرى :
-ايوه انا عائشة
-وانتي كنتي فين لما كنا بندور عليكي ده احنا دورنا في كل أوضة في الكلية
ورغم تعجبها من كونهما بحثا عنها وايضًا لم يجدوها، تقدمت منهما بخطى بطيئة بسبب إلتواء كاحلها قائلة :
-انا في حد حط حاجة على وشي لما كنت ماشية من المعمل واغمى عليا وفوقت من نص ساعة بس
نظر أحدهما إلى غرفة الأمن حيث شاشات عرض كاميرات المراقبة ثم قال :
-معمل رقم كام؟!
أملت عليه عائشة رقم المعمل ليدلف إلى الداخل حتى يأتي بعرض كاميرا المراقبة الموجودة هناك بينما وقفت عائشة أمام الباب ولم تدلف إلى الداخل تنظر إلى ما يفعل، ولم تلاحظ نظرات الذئب البشري خلفها والذي كانت نظراته تجردها من ملابسها إذ كانت عائشة وبالرغم من بلوغها الثامنة عشر إلىٰ أن جسدها الممتلئ وكأنه لامرأة ثلاثينية
سألها بجرأة وهو يحدق في مناطق معينة من جسدها :
-هو انتي في سنة كام؟؟
واجابته عائشة دون الاستدارة إليه لتركيزها مع تسجيل كاميرا المراقبة الذي يعيده رجل الأمن الآخر :
-لسه في سنة أولى
تساءل حارس الأمن وهو يقدم ويأخر في التسجيل :
-هو انتوا طلعتوا من المعمل على الساعة كام
-كنا آخر فرقة دخلت المعمل في آخر اليوم على الساعة أربعة ونص كده
قدم حارس الأمن التسجيل للحظة التي بدأ يخرج بها الطلاب لترى عائشة فتاة تدخل متخفية أسفل قبعة وقد قامت بتخديرها مستغلة أن لا أحد غيرها، ثم حطمت هاتفها واقتربت من مكبس الضوء الرئيسي في المعمل وانزلته بعد أن خبأت جسد عائشة أسفل إحدى الطاولات
-يا بنت الكلب علشان كده السكينة كانت نازلة في المعمل ده بالذات ولما دخلنا ندوروا مشوفنكيش
نطق بها حارس الأمن الذي بالخارج وهو يقترب من عائشة لدرجة انه التصق بها مدعيًا أنه يقف حتى يشاهد
وعلى فعلته هذه انتفضت عائشة مبتعدة عنه، ترمقه بغضب شديد وكأنها ستأكله بينما الآخر أدعى عدم الإنتباه ثم قال محدثًا زميله :
-على كده الواد اللي جه سأل عليها اداك رقمه يا عبد الحميد
نفى الآخر بينما خرج لعائشة حتي يخبرها أنه أتى من سأل عليها :
-بعد المغرب كده واحد جه ومعاه بنت عيونها ملونة وسألوا عليكي، مكنش العميد لسه مشي فطلب مننا ناخدهم وندور عليكي في كل الكلية وبما إني البنت دي خبتك تحت ترابيزة إحنا مشوفنكيش
اهتزت حدقتي عائشة بتوتر شديد ثم قالت وهى تحاول إدعاء القوة :
-طب معلش عايزة تليفون اتصل على اهلي يجوا ياخدوني
هز عبد الحميد رأسه بحسن نية منه ثم دلف يأتي بهاتفه وهكذا هى الدنيا بها الطيب وبها الخبيث فأحدهما يريد أن يساعدها بطيب خاطر منه واعتبرها مثل بناته والآخر ذئب بشري يريد أن ينهك عرضها وهى تقف لا حول لها ولا قوة
خرج المدعو عبد الحميد وفي يده الهاتف فأخذته وطلبت رقم والدها فهو الرقم الوحيد الذي تحفظه لأنه سهل، دلف عبد الحميد واحضر لها مقعد حتى تجلس وهو يحدق في جبينها النازف بقلق إذ قال :
-هو انتي اتعورتي كده ازاي؟؟
اجابته الأخرى بتوتر وهى تعيد الإتصال مرة أخرى بوالدها ولا تتوقع الإجابة منه ابدًا فالساعة قاربت على الثانية وبالتأكيد هو غارق في النوم الآن :
-كسرت الشباك الجزاز علشان اعرف اطلع واتعورت في راسي وإيديا
-طب تحبي نجيبلك شاش وقطن؟؟
وقد نطق بها الآخر ورغم أن الجملة ذات مغزى طيب لكن طريقته أبعد ما يكون عن الطيبة ولم ترتح أبدًا لهذا الرجل ولا لنظراته الحقيرة هذه لذا اجابته بحدة قائلة :
-لأ مش عايزة حاجة انا كويسة
نظر عبد الحميد لها وهى تعيد المحاولة للمرة الخامسة ولا أحد يجيب فقال :
-طب بصي شكل محدش هيرد في الساعة دي خالص انا هتصل بالبوليس ولا الإسعاف لاني تاكسي في الوقت ده وفي المطر ده مش هتلاقي خالص يا إما كده يا إما تستني للصبح
واجابته الأخرى رافضة هذا الاقتراح تمامًا :
-لأ صبح ايه ده انا اهلي تلاقيهم قلقانين طالما جم ودوروا عليا
فكرت بسرعة في حل ليقفز في عقلها بسرعة بعد دقيقة فلطالما امتازت بالذكاء وسرعة التفكير :
-ينفع اطلع الخط بتاعك واحط خطي هو مسجل عليه رقم اختي وقرايبي هنا في إسكندرية
وآماء الآخر موافقًا إياها دون تردد إذ قال :
-اتفضلي اعملي اللي عايزاه أهم حاجة حد يجي ياخدك
ختم حديثه وهو ينظر إلى زميله بحدة وقد فهم نظراته للفتاة فهو رجل أيضًا ويفهم كيف ينظر الرجل للمرأة، اقترب منه وسحبه بعيدًا ثم قال بهمس :
-ايه اللي بتنيلوا ده يا خليل هتاكل البنت بعينيك، حرام عليك اعتبرها زي اختك
ابتسم الآخر ابتسامة سمجة وهو يرفع منكبيه مدعيًا البراءة :
-معنديش اخوات بنات، ثم انا عملت حاجة ولا لمستها حتى؟!
نظرت إليهما عائشة بريبة من همسهم هذا وقد شعرت بالخوف على نفسها فهى بمفردها معهم وقد يفعلوا لها شئ ولن ينجدها أحد، استدار إليها عبد الحميد ذلك الرجل الطيب ثم تساءل :
-ها عرفتي توصلي لرقم لحد؟؟
نفت برأسها وهى لا تزال تطالعهما بريبة :
-لأ الأرقام طلعت متسجلة على التليفون مش على الخط
-طب هاتي نتصلوا على الإسعاف حتى انتي متعورة ومش هيبقى بلاغ كاذب
وفور أن أعطت له الهاتف حتى صدح صوته بمكالمة فأجاب الرجل وقد كان رقم غير مسجل، وما إن فتح المكالمة حتى أتاه صوت رجل لم يتعرف عليه ولكن عائشة تعرفت عليه بسهولة لتأخذ الهاتف منه بلهفة قائلة :
-الو يا ياسر تعالى خدني
أما ياسر وعلى الناحية الأخرى قد أتته رسالة منذ ثواني أن رقمها أصبح متاح الآن لذا لتصل دون تردد، وكم شعر بالراحة لأنه سمع صوتها وأنها بخير، تنفس بعمق وهو ينظر إلى عمته وزوج عمته وبراءة ونور الذين اتو على صوته لتقول عمته بلهفة :
-دي عائشة يا ياسر؟!
آماء ياسر يإيجاب مجيبًا على عائشة إذ قال :
-انتي فين يا عائشة وانا اجي اخدك
-انا في الكلية
-في الكلية ازاي انا جيت انا ونور ودورنا عليكي هناك وملقيناكيش
تحدث إسماعيل بسرعة معترضًا على سؤاله هذا فلا وقت للأسئلة :
-انت لسه هتسأل يا ياسر قولها خليكي هناك واحنا هنيجي ناخدها
سحب مفاتيحه بسرعة ولحق به والده وياسر كذلك والذي لا يزال يتحدث من عائشة غير مبالي بأسئلة نور وعمته فهو لا يستمع لهما من الأساس :
-عائشة خليكي عندك وإحنا جايين متروحيش بعيد ومتقفليش التليفون، خلي المكالمة شغالة وخليكي معايا على الخط حتى لو مش هتتكلمي
صعد بسرعة في سيارة إسماعيل المرتكنة أمام البناية ليأتي صوت من الأعلى متسائلًا :
-إسماعيل انتوا لقيتوها؟!
رفع إسماعيل رأسه لحمزة والذي كان ساهرًا على إحدى الكتب بما أن الغد إجازة، وعندما استمع إلى أصواتهم في الأسفل سأل ابن عمه ان كان وجد تلك الفتاة المفقودة منذ ساعات وأجابه الآخر يإيجاب قائلًا :
-ايوه يا حمزة لقيناها بس خلي بالك انت من بنات اخوالي وامي علشان لو احتاجوا حاجة ماشي
-ماشي متشلش هم انت خالص
أما عند عائشة اخفضت الهاتف ثم نظرت إلى عبد الحميد قائلة :
-معلش هخلي الخط مفتوح لحد ما يجوا وهرجعلك تليفونك
ولم يعترض الآخر بل أشار إلى المقعد الذي احضره حتى ترتاح ثم قال :
-مفيش مشاكل اقعدي بس على الكرسي ولا تحبي تقعدي في الدفا جوا
نفت بسرعة اقتراحه ثم جلست على المقعد وهى تحدق في الهاتف على مكالمة ياسر والذي كان يستمع لكل ما يقال وقد تعجب وجود رجل معها ولكن قرر أن يسأل لاحقًا وليس الآن
تحدث عبد الحميد موجهًا حديثه إلى خليل حتى يصرفه من هنا :
-روح يا خليل لِم الازاز اللي اتكسر قبل الصبح
-لا خليها الصبح يا عبد الحميد، قبل ما نباطشيتي تخلص هلمه
طالعته عائشة بحدة شديدة وهى تراه لا يحيد بنظره عنها وكم تمنت ان تختفي الآن من أمامه، ولكن الطريق من ميامي لهنا يأخذ أكثر من نصف ساعة وإضافةً للمطر سوف يتأخرون أكثر
فتحت حقيبتها وأخرجت علبة مناديل واخذت تمسح الدماء من كفيها ووجهها فقال عبد الحميد بطيبة خاطر منه :
-تحبي اجيبلك شاش تربطي به
صدح صوت ياسر من الهاتف يسألها إن كانت مصابة فلما سيحضر ذلك الرجل شاش لها :
-انتى متعورة يا عائشة ومين الراجل اللي بيتكلم معاكي ده
روت عائشة له كل حدث لعل الوقت يمر بسرعة، بينما أرسل عبد الحميد خليل رغمًا عنه لينظف الزجاج وذهب الآخر مستسلمًا وعندما عاد وجد الأمر على ما هو عليه، الفتاة تجلس على المقعد وزميله في مقعد آخر بعيدًا عنها
سحب مقعد هو الآخر وجلس بجانب زميله فاتحًا حديث معها إذ قال :
-شكلك من لهجتك مش إسكندرانية
نظرت إليه عائشة بضيق هاتفة بحدة وكم ودت أن تصفعه بقوة على نظراته الوقحة هذه تكاد تجزم أن لولا وجود الرجل الآخر لفعل لها شيئًا مشينًا :
-ملكش دعوة
حدجه عبد الحميد بغضب قم قال ناكزًا إياه :
-اسكت يا خليل اقولك ادخل جوا
-ايه يا عم بسأل هو السؤال حُرم، واهدي على نفسك يا دكتورة هو انا عملت حاجة
صدح صوت ياسر من الهاتف فرفعته لأذنها وقد كان غاضبًا لما سمعه واتضح له أن هناك رجلين وليس رجل وهذا الأمر ليس بجيد ابدًا خاصةً أنها بمفردها معهما :
-عائشة فيه ايه؟؟
-مفيش يا ياسر
-هو واحد فيهم بيبصلك!؟
اجابته الأخرى بإختصار شديد بكلمة أجل فمسح ياسر على ذقنه النابتة يفكر في حل لها، وبعد ثواني قال :
-طب بقولك ادخلي الحمام واقفلي عليكي كويس ومتطلعيش لحد ما نيجوا انا مش هعرف أآمن عليكي معاهم طالما واحد فيهم وسخ بيبصلك، اعملي اللي بقولك عليه وبرضو خلي التليفون مفتوح متقفلهوش
فعلت الأخرى ما قاله واعتذرت منهما أنها ستذهب للمرحاض ثم اوصدته على نفسها من الداخل جالسة على جنب وقد شعرت قليلًا بالراحة أنها بعيد عن أعين ذلك الحقير
وبعد ما يقارب الساعة أو أقل تحدث ياسر وقد صدح صوت توقف سيارة :
-عائشة اطلعي إحنا وصلنا
اغلقت معه وأخرجت الشريحة الخاصة بها ثم وضعتها في هاتفها حتى تعطي هاتف الرجل له، حملت نفسها وخرجت لتتسع عينيها بصدمة عندما ابصرت ذلك المدعو خليل أمامها ثم قال :
-ايه يا آنسة طولتي يعني
حمحمت مدعية القوة وهى تمر من جانبه وقد قررت عدم الإجابة لكن عندما امسك بذراعها حتى دفعته بقوة شديدة بعيدًا عنها، هى ليست بالفتاة الضعيفة التي يتحرش بها أحد وتصمت عن حقها :
-ابعد يا عم انت عايز ايه مني
رفع الآخر ذراعيه متراجعًا إذ قال :
-مش عايز حاجة كان غرضي بس اساعدك علشان بتعرجي
وقد زادت نبرتها حدة ولو كانت النظرات تحرق لأحرقته حيًا :
-مش عايزة مساعدتك وايدك لو لمستني تاني مش هترجع سليمة
تقدمت بسرعة وببطء في آنٍ واحد بسبب إصابة قدمها لكنها كانت تود الذهاب من هنا بأي طريقة، ولسرعتها في السير التوي كاحلها مرة أخرى فصاحت بقوة هذه المرة وقد سقطت على إحدى درجات السلم فللأسف المرحاض كان في الطابق الثاني وليس الأرضي
اقترب منها خليل حتى يساعدها مستغلًا وضعها وأنها تشعر بالألم وقد استباح كفه جسدها، وهنا لم تصمت له عائشة إذ مسكت بكفه وسحبته في الناحية المعاكسة دافعة جسده بكل قوتها من فوق الدرج
سقط الآخر واستقر جسده في آخر الدرجات مطلقًا تأوهات مرتفعة استدعت انتباه عبد الحميد والذي كان يتحدث مع أهل الفتاة، ولكن عندما وجد خليل ساقط أسفل الدرج مصابًا حتى اقترب منه هاتفًا بذهول :
-انت بتعمل ايه مش قولت هتدخل تنام
اقترب ياسر بسرعة من الدرج عندما ابصر عائشة تهبط من عليه بخطوات مهرولة وهى تستند بكفها على الجدار، وعندما ابصرته أسرعت في خطواتها أكثر حتى أنها تعثرت في الدرجة الأخيرة ولولا أن امسك ياسر بذراعيها لسقطت على وجهها وكأنه ينقصها إصابات
تمسكت عائشة به بقوة وكأنها تحتمي به رغم أن خليل يتلوى أرضًا من ألم ظهره، وعندما رأى ياسر تمسكها به علم أن ذلك الحقير فعل لها شيئًا فقال بحدة :
-عملك ايه؟!
ولم تجبه الأخرى وكأنها لم تستوعب بعد ما يحدث معها من شدة تسارع الأحداث فخليل يتلوى أرضًا وعبد الحميد يحاول أن يجعله يقف، محفوظ يحدق بها في قلق واسماعيل تحرك إتجاه خليل ولم يفهم ماذا فعل لكنه بحكم عمله كطبيب يجب أن يساعده، وأخيرًا ياسر يحاوطها وهى شبه متمسكة في أحضانه دون وعى منها
وعندما لم تجبه رفع رأسها له صارخًا حتى تجبه وترحم عقله من المشاهد التي تتقاذف داخل عقله وكل مشهد أسوء من الاخر :
-عملك ايه انطقي
وكأنه أعطى لها الإشارة بأن تفيق وتتحرك لتدفعه بخفة بعيدًا عنها حتى يتركها ثم اتجهت إلى خليل وبكل قوتها هبطت على رأسه بحقيبتها فلم تشفي غليلها منه بعد، كيف ذلك الحقير يستبيح جسدها بتلك الطريقة القذرة، تكاد تقسم أن جسدها لا يزال يرتعش من لمساته لها :
-يا حيوان يا زبالة يا كلب
ولم ينتظر ياسر ليفهم ماذا فعل لها إذ دفع عائشة جانبًا وهبط بلكمة قوية على وجه ذلك المغفل، ثم جثى فوقه يكيل له اللكمات والسباب، بينما ارتكنت عائشة إلى الجدار تبكي بشدة، حتى أنها انتفضت بخوف عندما لامسها محفوظ حتى يهدئها ولكن جسدها فسر لمسته على نحو خاطئ
أبعد إسماعيل ياسر بسبب إصابته وعلى الأرجح فرط حركته تسببت في فك غرزه والآخر لا يتوقف عن إلقاء السباب البذيئة على خليل، امسك محفوظ بياسر صائحًا به :
-خلاص يا ياسر هتودي نفسك في داهية يعني علشانه
استدار إسماعيل ناظرًا لخليل المدد أرضًا بشر وعندما هم بالاقتراب منه أوقفه عبد الحميد حتى لا يضربه هو أيضًا، ثم هتف برجاء :
-خلاص يا استاذ كفاية كده هو كلب وغلط وعرفتوه غلطه خدوا بنتكم خلاص
امسك ياسر بذراع عائشة وسحبها معه حتى يذهبوا بعدما ألقى نظرة حارقة إلى خليل بينما أخرجت عائشة هاتف الرجل ووضعته على المقعد قبل أن يخرجوا من الكلية بأكملها وقد كانت لا تستطيع مواكبة سرعة ياسر الذي يسير وكأنه يلتهم الأرض أسفله
توقفت وسحبت ذراعها حتى يتوقف بعدما اشتد ألم كاحلها عليها بشدة، ثم هتفت بصوتٍ باكٍ :
-براحة يا ياسر مقدراش امشي
توقف ياسر وهو يشعر بالغضب يتدفق إلى دمائه فتتسبب في فورانها، تخطاهم إسماعيل وفتح سيارته بسرعة ونادى عليهم حتى يدخلوا بسرعة اختباءً من المطر
سحبها ياسر معه مرة أخرى ولكن هذه المرة راعي إصابة قدمها وعندما دخلت السيارة أغلق الباب واستدار إلى الكلية بأعين غاضبًا عازمًا نقلها من الإسكندرية بأكملها بعد أن يعلم من تلك الحقيرة التي خدرتها وقامت بحبسها في المعمل
وها هى في القطار المتجه إلى الصعيد بعد أن أصرت على العودة إلى قريتها والابتعاد عن الكلية والإسكندرية بأكملها لبضعة أيام، فما واجهته ليس بهين وقد كانت أحداث أمس ليلة لا تنسى بالنسبة إليها
رفعت أنظارها إلى ياسر والذي كان يشتري بعض الطعام من الباعة المتجولين في القطار لكسب لقمة العيش، مد يده لها بشطيرة فلافل ثم سألها إن كانت تريد شيئًا آخر لتنفي برأسها قائلة :
-لا شكرًا مش عايزة
دفع ياسر ثمن الشطائر لتسأله عائشة عن شروق والتي علمت ماذا حدث معها عندما عادت إلى الشقة :
-كان المفروض ناخدوا شروق معانا حالتها وحشة قوي
آماء الآخر بهدوء وهو ينظر إلى النافذة بهدوء شديد ثم أجابها :
-رفض يونس علشان هى شاهدة في القضية، مينفعش تسافر من غير ما تقول شهادتها وهى اصلًا من الصدمة مش قادرة تتكلم
همهمت عائشة مشفقة على ابنة عمها بل مشفقة على حالتهن الغير طبيعية هذه الأيام ففي البداية نور ثم شروق والآن هى، وايضًا ياسر من ضمن هذه المصائب فالآخر مصاب في ظهره بجرح كبير
وعلى سيرة جرحه هذا نظرت إليه تود أن تسأله عن جرحه، وقبل أن تفعل رن هاتفه ثم انشغل بالمكالمة وعلى الأرجح من أحد أبناء اعمامها، عقدت حاجبيها تراه يضحك ويهنئ الآخر إذ قال :
-ايه الكسفة دي بقي يعني انا يبقى عندي ٢٨ سنة وانت تتجوز قبلي؟! عامةً يا عم ألف مبروك أخيرًا في فرح في العيلة اللي مشافتش فرح دي من ساعة فرح رحاب بنت عمتك من سبع سنين
تحدث معه قليلًا ثم أغلق فقالت عائشة بفضول :
-مين هيتجوز!؟
-أيمن ولد عمك ناوي يخطب
ابتسمت عائشة لهذا الخبر المفرح فأخيرًا سيكون هناك مناسبة سعيدة قريبة سيشتروا لها فساتين جديدة خاصة بالأفراح، وبرد تلقائي معتاد حين سماع خبر كهذا قالت :
-عقبالك
تنهد ياسر تنهيدة قوية لا يعلم ما العمل في علاقته الشبه متوقفة معها، لقد رفضته وهذا حقًا آثار سخطه فكم هو مهين بالنسبة إلى رجل، حتى أنه كان ينتوي أخذ خطوة في علاقتهم ولكنه تراجع بعد حديثها وحقًا لا يدري ما نهاية هذه العلاقة
نظر إلى عينيها البنية بأخرى غامقة ثم قال بطريقة مبهمة يتوقع أن تفهم مغزاه فهى ذكية كما يعلم :
-راسها ناشفة اللي عايزها ويا عالم هتجوزها أمتى
-مكنتش اعرف اني نورهان رأسها ناشفة قوي كده
حسنًا يعترف أن هذا ردٌ غير ما توقعه تمامًا، حتى أنه من صدمته همس بكلمةٍ واحدة تعبر عن صدمته :
-نورهان!؟
وكانت إجابة الأخرى هادئة ترسل بها إليه رسالة خفية عن التوقف من التقرب منها بهذه التعاملات اللطيفة طالما أنه يريد شقيقتها :
-ايوه، ونصيحة من بنت عمك متوقفش حالك علشانها لو هى مش عايزاك، سبق ورفضت فاروق ولد عمي جابر وهى صريحة وبتقول لأ ومش بتخاف
-انتي فاكرة اني اللي عايز اتجوزها نورهان!؟
نطق بها بهدوء عاصف ولا تزال الصدمة ظاهرة في عينيه، اعتدلت الأخرى في جلستها وهى تميئ بإيجاب رغم تعجبها من سؤاله وكأنها قالت شيئًا خاطئًا :
-مش انت جيت من سنتين مع ابوك وامك وقريت فاتحتها، آه مكنتش نور موجودة وانا استغربت ازاي العروسة مش موجودة بس قولت هو أول مرة هيشوفها يعني
أشار ياسر لنفسه لا يصدق ما تقول تلك المجنونة فمتى أتى بوالديه وقرأ الفاتحة مع عمه على نور :
-انا عملت كده وقريت فاتحتي على نور!؟
ضمت عائشة ذراعيها لا تفهم سبب دهشته هذه ثم قالت :
-انا فاكرة حتى لما كنت داخلة بالشاي سمعت بابا بيقول خلاص هتبقى ليك يا ياسر ودي كلمة مني بس البت تكبر شوية علشان لسه صغيرة ولما دخلت بالشاي سكتوا
رفعت منكبيها بتعجب ثم أكملت والآخر يطالعها ولا يستوعب أنها تتكلم بجدية :
-مش عارفة هتكبر أكبر من كده ايه دي بقى عندها ٢٣ سنة؟؟
-بس اسكتي
همس بها مغمضًا عينيه، يحاول التحكم في أعصابه وعقله يخبره أنها تدعي البلاهة أو ربما هذا بالفعل ما تفهمه، فتح جفنيه ونظر إليها بقوة ثم سألها بشكل صريح :
-مين اللي قالك كده نورهان ولا عمي علي
-لا ده ولا دي انا سمعتكم يوم ما جيت تتقدم لنور زي ما قولتلك
-وانتي مين بقي قالك اني كنت جاي اتقدم لنور يومها يا ست العاقلين
كانت نبرته ساخرة آثارت حنقها لتجيبه بنبرة أشد سخرية من نبرته :
-اومال كنت جاي تتقدم لمين معندناش اخت تالتة ونور هى الكبيرة؟!
ضغط الآخر على شفتيه بقوة ثم قال مبتسمًا لها بتصنع غير مبالي بسخريتها هذه :
-ومجاش في بالك اني كنت جاي اتقدملك انتي مثلًا
اتسعت عيني الأخرى بذهول مشيرة إلى نفسها فهذا ما لم تتوقعه كما أنها دائمًا ما ترى ياسر يتحدث مع نورهان في التجمعات العائلية ربما أكثر من يتحدث إليها، كما أن علاقتها مع نورهان ليست قوية ليحكوا لبعضهما عن مثل هذه الأشياء
أجل هما اختان ويحبان بعضهما ويخافان على بعضهما، لكن هما مختلفتان تمامًا في الشخصية وهذا الإختلاف طالما وقف حائل في التفاهم فيما بينهما، دائمًا ما كان يندهش الناس عندما يعلموا أنهما اختان، فلا يمتلكان نفس الملامح أو الجسد أو طريقة الحديث، حتى ما يفضلونه وما يكرهونه مختلف
وإضافةً لكل هذا لا تحب أن تسأل عن أمور الخطاب والزواج فلم تسألها أو حتى تسأل والديها، كم أن جميع الخطاب يأتون لنور لأنها الكبيرة
تنهد ياسر وهو لا يصدق أنها طوال الوقت كانت تظن أنه يحب نور ويريد الزواج منها بينما هو يهيم عشقًا بهذه الغبية، وبالطبع رفضته في الكلية لهذا السبب :
-طب بصي بقى شكلك مسمعتيش كل اللي اتقال وسمعتي الشرط الأول بس ولما خرجتي قال التاني، والأول بالتاني هما اللي مكتفيني علشان كده لحد دلوقتي لسه متجوزتكش
حدق في ملامحها المصدومة ثم أكمل ضاربًا بتحذير عمه بعدم اختبارها عرض الحائط فلم يعد يتحمل هذا :
-عمي قالي كذا شرط لما جيت اتقدملك مع ابويا وامي، قالي خلاص هتبقى ليك يا ياسر ودي كلمة مني بس البت تكبر شوية علشان لسه صغيرة ومش هيبقى فيه حاجة رسمية علشان نور لا اتجوزت ولا اتخطبت ومش عايز يكسر بخاطرها والناس تقولها كلمة وحشة في اني الصغيرة اتخطبت والكبيرة لأ
رفعت عينيها المذهولة له تسمعه يكمل ولأول مرة تراه ينظر إليها بتلك الطريقة التي أصابت حتمًا بخجل شديد :
-يعني انتي اللي خطيبتي مش نور يا عائشة انتي اللي عايز اتجوزها مش هى
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
جلس في بهو شقتهم مستمتعًا بهذا الجو العائلي فقد تصالحا والديه بعد أن قام حمزة بحبسهم في الغرفة حتى يتصالحا، وأيضًا اليوم إجازة بسبب الأمطار الغزيرة في الخارج وهذه الأجواء تتطلب مشروب دافئ
ولا يوجد أدفأ من السحلب وعليه بعض المكسرات اللذيذة، ابتسم يرى مشاغبات والديه وأخيه لينتبه لصوت هاتفه الذي يرن على الشاحن، ترك كوب السحلب واتجه إليه حتى يرى من الذي يرن عليه
عقد حاجبيه لرؤية رقم غريب يعلو الشاشة وعندما أجاب ظل لعدة ثواني يستمع لأصوات أنفاس مضطربة فكرر كلمته قائلًا :
-الو مين معايا
-حضرتك كريم هواري؟؟
-ايوه انا مين معايا
-انا سعد
شعر كريم بالحيرة فلا يعلم أحد بهذا الاسم :
-سعد مين؟
-فاكر الولد اللي كان هيشرب مخدرات وانت وقفت قدامه وقولتله لو فاكر اني ده دواء راحة تبقى غلطان
وبعد حديثه هذا سحب كريم هاتفه من على الشاحن ووقف أمام النافذة بعيدًا عن عائلته ثم قال :
-انت هو؟ جبت رقمي منين؟!
وآماء الآخر وهو يحدق في الأمطار من نافذة سكن الجامعة الجالس به وقد كانت حالته مزرية وبشرته شاحبة وكأنه جثة خرجت من القبر :
-ايوه انا وجبت رقمك من جروب سنة رابعة.... انا محتاج.... محتاج مساعدتك، انا فاكر كلامك ليا أنت قولت اتمنى حد ينجدك من اللي انت فيه زي ما اخويا نجدني، هو انت..... هو انت كنت مدمن؟؟
تنفس كريم بقوة فلا يريد أن يدلف إلى تلك الذكريات البشعة التي يخزنها في أقصى بقعة في عقله، وعندما استمع الآخر إلى تنهيدته هتف بتردد :
-كنت مدمن واتعالجت صح؟!
-ايوه، عايز ايه انت دلوقتي؟
حك سعد ذراعه مزدردًا لعابه بتوتر وقلق :
-انا عايز اتعالج وحاولت بس مش قادر ومعنديش صحاب، عايزك تساعدني
تنفس كريم وهو يمسح على خصلات شعره البنية محدقًا في انعكاسه في زجاج النافذة التي يسيل عليها قطرات المطر :
-وأهلك فين؟
-انا طالب مغترب وأهلي كلهم في البحيرة وميعرفوش بالموضوع ده، أهلي لو عرفوا اني بقيت مدمن هيتقهروا عليا خصوصًا ابويا اللي دفع اللي وراه واللي قدامه علشان يدخلني كلية الصيدلة
-وانت ليه معملتش حساب اللحظة دي لما تشوف أهلك مقهورين عليك وتعبهم هيروح على الفاضي بعد ما يعرفوا اني ابنهم الحيلة بقى مدمن
ادمعت عيني الآخر يشعر بالندم الشديد منذ أن تحدث إليه كريم، وكم حاول بعدها أن يتوقف عن تلك السموم لكن لم يستطع، وعندما تلقى كريم الصمت منه قال :
-انت قاعد فين؟؟ في سكن الكلية ولا
-آه آه في سكن الكلية وانا في السكن دلوقتي
-طب فيه كافية قريب من الكلية تقدر تستناني فيه
استبشرت ملامح سعد لا يصدق أنه وافق على مساعدته إذ قال :
-انت هتساعدني بجد!؟
-أكيد كفاية إنك بدأت تفوق لنفسك وده أول الطريق وصدقني انا حاسس بكل اللي انت حاسس به دلوقتي علشان مريت به، نص ساعة وهكون هناك
أغلق معه ثم اتجه إلى غرفته ملتقطًا سترة ثقيلة ومظلة من ثم عاد إلى البهو متجهًا إلى الباب تزامنًا مع قوله :
-بابا انا خارج ساعتين كده وارجع
نادى عليه عثمان بسرعة قبل أن يخرج متعجبًا خروجه في مثل هذه الأجواء :
-خد يلاه تخرج فين دلوقتي، يعني بجيلك نزلة رئوية
-معلش يا بابا واحد صاحبي حصلت معاه مشكلة ومحتاج مساعدة
رفع مفاتيح السيارة حتى يراها أخيه ثم قال :
-حمزة هاخد العربية انا ماشي
لحق به حمزة بسرعة على الباب قبل أن يرحل متسائلًا :
-صاحبك مين ده يا كريم؟؟
تنهد كريم مُقرًا بالحقيقة فلا يستطيع الكذب أبدًا على حمزة :
-بصراحة يا حمزة هو مش صاحبي بس محتاج مساعدة ضروري
-ايه نوع المساعدة
مسح الآخر على عنقه من الخلف مترددًا في البوح بهذا ولكن حمزة كان مصرًا فقال :
-واحد دخل المستنقع اللي انا دخلته زمان وعايز يخرج ومحتاج مساعدة
فهم حمزة ما يرمي إليه بسهولة لذا قال وهو يهم بالتوجه إلى الداخل :
-طب استنى انا هاجي معاك
سحب كريم عضده بسرعة قبل أن يدلف معترضًا بلطف :
-لا يا حمزة معلش سيبني اروح لوحدي انا مش عايز أحرجه لو جيت معايا وهو عرف غلطه وعايز يتعالج، وانت عارف الموضوع بيبقى وقتها حساس إزاي
تنهد حمزة فهو لا يريده أن يذهب بمفرده ورغم هذا قال :
-طب خلي بالك من نفسك ولو حصل أي حاجة أي حاجة اتصل عليا ماشي
-ماشي يا بابا حمزة سلام
نطق بها بابتسامة ضاحكة وهو يتجه إلى المصعد ليقول حمزة يوصيه بشئ آخر :
-وسوق على مهلك أديك شايف دي سيول مش مطر
-حاضر
-واوعى تأمنله وخلي بالك منه علشان الدنيا متضمنش اليومين دول
قهقه الآخر بشدة وهو يضغط على زر الهبوط بعدما دلف إلى المصعد ثم قال :
-خلاص بقى غور ده لو انا بنت مش هتوصيني كده
انغلق المصعد فتنهد حمزة هامسًا بخفوت قبل أن يغلق باب الشقة :
-ما هو ده واجب الأخ الكبير يا كريم
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
تركت فرشة الشعر من يدها بعدما انتهت من تمشيط شعر شروق والتي أصرت على أن تتحمم لربما تفيق قليلًا لنفسها، ابتسمت بهدوء وهى تعطي لها قبعة صوفية ثم قالت :
-هاروح أشوف اللي على النار البسي دي علشان الجو برد
القت نظرة سريعة لبراءة الغافية على الفراش بعمق ثم أضافت بنبرة متهكمة :
-وصحي حيوان الكسلان دي، الضهر أذَّن من ساعة كفاياها كده
خرجت نور وتركت شروق تحدق في المرآة بملامح قل شحوبها بعد هذا الحمام الدافئ، والذي جعلها بالفعل تفيق قليلًا كما قالت نور، رفعت يدها تتحسس فوق حاجبها إذ كان مغطى بالشاش الأبيض بعدما سقطت البارحة على الرصيف واصيبت بجرح وقد تم تقطيبه
نزعت الشاش ببطء تحدق في الجرح ليقفز في عقلها منظر فريال وهى مذبوحة والدماء تحاوطها، انتفض جسدها بفزع على تلك الذكرى ولولا المهدئ الذي حقنوها به البارحة في المشفى ما كانت لتستطيع النوم
غيرت على الجرح من الشاش والقطن الموضوع على الخزانة الصغيرة بجانب الفراش ثم ارتدت القبعة الصوفية بعدما شعرت بلسعة برد، وفي هذه الأثناء دلفت نور وهى ترتدي ملابس تبين على أنها ستخرج كما أن في يدها مظلة، ثم اتجهت إلى براءة الغافية تهزها بقوة :
-براءة قومي حسن اتصل وقال اطلعله علشان مش عارف احنا في أنهي عمارة، انا ولعت النار على الطاسة التحمير قومي حمري الفراخ لحد ما أجي
سحبت الأخرى الغطاء على رأسها مهمهة برفض :
-لا انا سهرانة الليل كله سيبيني أنام
وصاحت الأخرى بغيظ وهى تضربها بالوسادة ولم تؤثر بها بسبب ثقل الغطاء :
-يعني انا اللي كنت نايمة، انا لحد الساعة تلاتة الفجر صاحية وكنت بلف مع ياسر على عائشة، وصحيت رتبت مع عمتك البيت وطبخت وغسلت المواعين وانتي جنابك نايمة قومي بقى بطل كسلك ده
ضربتها بعنف بالمظلة عندما لم تتلقى منها سوى الهمهمات فصاحت براءة وهى تبعد الغطاء عن وجهها :
-خلاص بقى امشي هقوم
-قومي دلوقتي الطاسة على النار وعمتك مشت الصبح وقالت هتشطب بيتها وجاية تاني
اعتدلت براءة حتى ترحل وتحل من على رأسها وقد رحلت نور بالفعل بعدما رأت براءة تدلف إلى المطبخ، بينما الأخرى اطفأت الموقد حتى تعود للنوم ولعدم تركيزها لم ترى أنها اطفأت على إناء الشوربة وليس على الزيت
عادت للغرفة مرة أخرى ونامت بجانب شروق المسطحة على الفراش، بينما الأخرى كانت تود النوم حتى لا تفكر فيما حدث ولكن مرت دقائق طويلة ولم يجافيها النوم فوقفت وهى تشعر بالظمأ الشديد
وأثناء اتجاهها إلى المطبخ ببال شارد أبصرت دخان شديد يخرج من المطبخ فاطلقت صرخة قوية وهى تدلف إلى الداخل، ولقوة النيران هبطت للأسفل زاحفة على قدميها ويديها ناحية الموقد حتى تطفأ على الزيت الذي يشتعل، ولكن حتى بعد أن اطفأت النيران لم تخمد فالتصقت في أحد الزوايا وهى تصرخ بقوة شديدة مستنجدة بأحد...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أخرج السيجارة الأخيرة من العلبة وقد اشعلها ملقيًا بالعلبة الفارغة داخل سلة المهملات الممتلئة بأعقاب السجائر، ابتسم ساخرًا وهو يخرج إلى الشرفة فعندما يرى يوسف كم السجائر التي شربها سيثور عليه بالطبع
ولكن عليه أن يلتمس العذر له فهو يشعر أن عقله سينفجر من كم الضغوطات التي يمر بها، وهذه السجائر هى من تخفف عنه حدة الضغوطات، فمن جهة ذلك السفاح الطليق، ومن جهة أخرى شروق الشاهدة الوحيدة عليه والتي لا تتحدث بسبب الصدمة التي تعرضت لها
ومن جهة رقية وكسر ثقتهم بها بعدما علموا أنها تقابل عمر من خلف ظهورهم منذ أسابيع، ومن جهة أخرى عاصم الذي يحب شروق وكم ظهر هذا واضحًا في عينيه، ذلك الحقير الذي وكأن القدر ساقه لينغص عليه حياته
لكن لا، فوالله لن يترك له شروق كما ترك له عايدة سابقًا ولو انقلب قردًا
نفخ الدخان في الهواء فأصبح يتطاير أمام عينيه وهو شارد في هذه الحياة المبعثرة التي يحيا بها، وإذ بجسده يستدير بشكل عفوي على صوت فتح باب الغرفة ليجده يوسف وملامحه قلقة، فقال وقد تسرب قلقه إليه :
-فيه ايه يا يوسف؟!
-هى ريحة الدخان دي جاية من عندك انت؟؟
-دخان؟!
نطق بها يونس مستفهمًا ليقول الآخر وهو يدلف، وبالطبع لم يعجبه كونه يدخن منذ البارحة بهذه الطريقة :
-فيه ريحة شياط مش عارف جاية منين
نفخ يونس الدخان في الهواء هاتفًا بنبرة ساخرة :
-مش من عندي، انا لسه مولع السيجارة والدخان بيروح في الهواء تلاقيها واحدة فاشلة حرقت الأكل
وما إن أنهى حديثه حتى صدح صوت صراخ انثوي من الطوابق السفلى فقال وهو يؤكد الأمر :
-مش قولتلك
علىٰ هذا الصراخ بشكل مخيف فقال يوسف وهو يركض للخارج :
-ده مش شياط دي أكيد حريقة
هبط هو ويونس بسرعة للطابق الثالث تزامنًا مع خروج عثمان وابنيه من الشقة لأن الصراخ كان يصدح من شقة الفتيات، ليتجه إليها عثمان طارقًا الباب بعنف وصوت الصراخ يعلو ولا ينخفض، حتى أن سكان البناية بدأوا في التجمع
وعندما لم يجد عثمان اي استجابة من الداخل صرخ في ابنيّه وابنيّ أخيه قائلًا :
-انتوا هتتفرجوا عليا؟! تعالوا اكسروا الباب ده
اقترب حمزة ويوسف من الباب ودفعاه سويًا مرة واثنتين، وفي الثالثة انفتح الباب من تلقاء نفسه وظهرت من خلفه براءة بأعين زائغة يملأها الخوف، فقال حمزة بقلق وهو يحاول أن يختلس النظر للداخل :
-فيه ايه؟ مين بيصرخ جوا؟؟
عادت براءة بسرعة للخلف لتقول بنبرة فزعة وهى تحاول إخفاء خصلات شعرها أسفل زونت المنامة الشتوية التي ترتديها، فمن شدة تخبطها بين طرقات الباب العنيفة وصوت صراخ شروق داخل المطبخ لم تستطع أن تحدد ماذا تفعل خاصةً انها لا تزال مستيقظة على أصوات الصراخ :
-شروق جوا المطبخ وفي نار عالية مش عارفة ادخلها ولا هى عارفة تطلع
دلف يونس وعمه عثمان وابنيّه متجهين إلى المطبخ بسرعة وتبعهم يوسف لكنه استدار إلى براءة محدقًا بعدم رضا وغيرة في منامتها الضيقة التي تحدد جسدها بأكمله وقد رآها الجميع هكذا :
-ادخلي البسي حاجة واسعة جسمك كله متحدد
تركها ودلف خلفهم إلى المطبخ وكان الأمر كالتالي، يحاول حمزة وكريم وعمه عثمان إخماد النيران، ويونس يبحث عن شروق ولا يراها من كثرة الدخان، والأخرى انقطع صوت صراخها فور دخولهم فلا يستطيع تحديد مكانها
ولكنه ابصرها في النهاية متكومة أرضًا في إحدى الزوايا تحاول التقاط أنفاسها من كثرة الدخان وكأنها اصيبت بنوبة ضيق تنفس، اتجه إليها بسرعة وجثى أمامها يحاول سحبها حتى يخرجها من هنا، ولكن جسد الأخرى أعطى رد فعل آخر إذ أخذت تدفعه بهستيريا
صرخ بها يونس يحاول إيقافها عن هذا يعلم أنها في دائرة اللاوعي مثل تلك المرة التي كادت تصدمها السيارة أمام قسم الشرطة ولولا أن عاصم سحبها لكانت الآن ميتة
وعندما لم يجد فائدة من جعلها تتوقف مد ذراعيه واحاطها بقوة رافعًا جسدها من على الأرض ثم خرج بها للخارج بعيدًا عن الدخان، بينما شروق تصرخ وتبكي دون وعي منها
شعر يونس بالخوف عليها خاصةً انها لا تستطيع التنفس وتصرخ في آنٍ واحد وهكذا ستتعرض لإنهيار عصبي وشيك، اقتربت منه والدته ورقية صائحة به وهى تحاول جذبها من قبضته :
-سيبها يا يونس مش عارفة تتنفس
افلتها الآخر فساعدتها رقية وعبلة على الجلوس على الاريكة وهى تحاول أن تجعلها تهدأ، وبعد فترة من الوقت خرجوا من المطبخ وهناك بقع سوداء على وجوه البعض واحتراق في ملابس البعض الآخر ولكنهم قاموا بإطفاء ذلك الحريق في النهاية
نظرت ناهد بقلق إلى شروق التي هدأت بصعوبة بين ذراعي شقيقتها لتقول متسائلة :
-انتي كويسة؟! النار طالتك؟
واجابتها عبلة نافية بعدما تفحصت شروق جيدًا :
-لا الحمد لله مفيش حاجة، هى جالها ضيق تنفس بس من الدخان
تحدث عثمان وهو ينظر إلى المطبخ الممتلئ بالسواد أثر النيران متحدثًا بضيق :
-الحريقة دي حصلت ازاي نسيتوا حاجة على النار أكيد
وهذه المرة اجابته براءة بحيرة شديدة وهى تنفي برأسها :
-انا كنت نايمة وشروق جنبي ومحطتش حاجة على النار قبل ما أنام تلاقيها نورهان
وتحدث حمزة بقلق وهو يبحث عن نور في الموجدين ولم يجدها، وأيضًا تذكر أن لا أحد كان في المطبخ سوى شروق كما أن يونس اخرجها :
-وهى فين نور؟!
بحثت براءة بعينيها في الموجودين وبالفعل لم تكن نور متواجدة رغم أن ما حدث جعل جميع المتواجدين في البناية يأتوا إذًا أين هى :
-مش عارفة؟! والنهاردة اجازة رسمية أكيد مش في المدرسة، مش عارفة راحت فين؟؟
نظرت إليها شروق بملامح جامدة قبل أن تصرخ بها فجأةً بطريقة افزعت الجميع :
-مش قالتلك نازلة وخلي بالك من طاسة الزيت روحتي طلعتي دقيقة ورجعتي اتخمدتي تاني
ولبراءة عادة سيئة إذ تنسى أي شئ حدث معها إن كانت تشعر بالنعاس أو لا تزال مستيقظة لذا لم تتذكر أن نور اخبرتها أنها ستخرج أو أن تهتم بالمطبخ حتى تأتي
وعندما وجدت الأبصار كلها معلقة بها هتفت بسرعة وهى تهز رأسها تنفي كل هذا :
-والله ما حد قالي حاجة ولا فاكرة اني نور صحتني أصلًا؟!
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الثاني وثلاثون 32 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
اقتباس كوميدي نفك به شوية عن الهم والنكد اللي شوفناه الفصول اللي فاتت 😂❤️
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
دلف إلى إحدى محلات الحلاقة وخلفه أخيه وأبناء اعمامه، وقد كانوا أول مرة يأتوا إلى هذا المكان فهم معتادون على حلاق آخر، تحدث حمزة وهو يسير بجانب يونس ذو البسمة المتسعة وللحق لم تروق له هذه البسمة فلا يبتسم يونس في العادة :
-يونس ليه جينا هنا ومروحناش عند ماجد؟؟
وأجابه الآخر بهدوء شديد وهو يطالع الموجودين من حلاقين وزبائن :
-انا جيت هنا قبل كده والحلاقين هنا شاطرين فقولت جربوه ولو عايزين نرجع تمام
ورفع الآخر منكبيه غير مبالي بالأمر :
-لأ عادي مش هتفرق
تقدم للأمام ومعه يونس، وخلفهما يوسف وكريم والذي مال قليلًا ناحية يوسف هامسًا :
-مش عارف ليه مش مرتاح لأخوك
-والله ولا انا
جلس حمزة على أحد المقاعد الخمسة المرتصة بجانب بعضها أمام مرآة مستطيلة كبيرة بعرض الحائط، تحدث إلى الحلاق الذي يقف خلف المقعد، متحسسًا ذقنه التي ازدادت طولًا :
-خفلي لو سمحت دقني ودرّجها وقص ٣سم من شعري مش أكتر من كده ماشي
نظر الحلاق إلى بشرة حمزة مضيفًا :
ؤبشرتك مشققة شوية
-آه بغسل وشي كتير بمياه وعلشان شتاء وكده فوشي فيه قشف
-طب انا عندي ماسك جامد للقشف ثواني هجيبلك منه
وافقه حمزة اقتراحه ليقول كريم بذهول وهو يجلس على المقعد المجاور :
-انت هتعمل ماسك؟!
-آه ومعملش ليه؟؟ اومال انت فاكر الممثلين الرجالة حلوين ليه علشان مهمتين بنفسهم
ولم يقل ذهول الآخر بل هتف بنبرة أكثر ذهولًا :
-انا عمري ما شوفت راجل ممكن يحط ماسك
ابتسم له حمزة ابتسامة متهكمة ثم قال :
-ده علشان انت معفن يا كريم، مكسل حتى تغسل شعرك بشامبو نضيف
وطالعه كريم عاقدًا ذراعيه بتذمر لا يقبل التقليل منه :
-ليه يا اخويا وهى الصابونة قالت لأ ثم انا شعري أحلى من شعرك ومش بغسله بشامبو بغسله بصابونة لوكس
ضحك حمزة مطالعًا خصلات كريم الملتفة حول بعضها، رغم أن كريم ليس شعره بمجعد ولكن عدم اهتمامه به جعله ملتف هكذا، بينما شعره هو أسود ناعم يشبه الممثلين الأتراك كما تقول غادة ووالدته دائمًا :
-انت بتغسل وشك بنفس الصابونة اللي بتغسل بيها شعرك يا كريم وده في حد ذاته هبل
-وليه هبل إن شاء الله ما مصر كلها بتعمل كده، أمك نفسها بتعمل كده
وسهى حمزة بحديثه مع كريم عن يونس الذي كان يجهز له هدية عيد ميلاده والتي ستجعله يصاب بنوبة قلبية، إذ امسك بالفتى الذي سيهتم بشعر حمزة هامسًا بخفوت :
-هو قالك تعمله ايه في شعره
-قالي اقص منه ٣سم مش أكتر
أخرج يونس من جيبه ورقة نقدية من فئة المائتين ثم قال :
-طب خد دي ومتسبش في شعره غير ٥سم
اتسعت أعين يوسف الذي كان يتابع الحوار وكاد أن يصيح رافضًا حديثه هذا ولكن اطبق يونس على فكه مكممًا إياه بكفه حتى يمنعه من إصدار أي صوت، مكملًا مع الفتى والذي قال بخوف :
-لا يا أستاذ ممكن صاحب المحل يطردني لو الزبون عمل مشكلة
وأجابه يونس غير مبالي بيوسف الذي يتلوى أسفل ذراعه حتى يتركه والآخر قبضته قوية عليه فلا يستطيع الإفلات :
-ده ابن عمي وانا بهزر معاه علشان عيد ميلاده وكده ثم صاحب المحل صاحبي متقلقش انت
ذهب الفتى مستسلمًا لما قال بينما سحب يونس أخيه للخارج حتى لا يسمع حمزة بالمقلب الذي ينتويه له، وما إن أفلته حتى صاح الآخر وهو يهم بالدخول مرة أخرى ولكن كان يونس يمسك به بقوة :
-اقسم بالله انت شكلك ناوي على موتك، حمزة هيتعصب أوي، ده لو حد قرب من شعره هيدبحه وانت عارف
وأجابه الآخر بإستفزاز شديد متحمسًا لرؤية ملامح حمزة بعد أن يقص شعره العزيز :
-مش هو اللي مخترع مقالب العيد ميلاد دي يستحمل، انت ناسي انه حطلي سكر مطحون جوا كياس بلاستيك جوا تابلوه العربية وأقسم بالله لو كنت عديت على لجنة تفتيش لكنت اتحبست أربع أيام على ذمة التحقيق، وانت يا فالح مش حطلك تعبان لعبة في الحمام وعارفك بتخاف من الحاجات دي، يستحمل مقالبه بقى لما تترد
تركه ودلف بسرعة ليجد الفتى بدأ في عمله بينما حمزة وجهه عليه مادة وردية اللون تشبه التي تضعها شقيقته رقية ليلة العيد، بينما يضع سماعات في اذنه ويغمض عينيه معيدًا رأسه للخلف، يعطي الأمان تمامًا
أما كريم انتهى من وضع ذلك الغشاء الوردي بعد إجبار حمزة له، ولا يعجبه الأمر فيشعر حقًا أنه فتاة، أدار رأسه إلى حمزة بالصدفة لتتسع عينيه بصدمة يرى الحلاق يقص شعر أخيه بعكس ما طلب منه تمامًا :
-انت بتعمل ايـــه؟!
نطق بها كريم بذهول ليجد يونس يهجم عليه كاتمًا فمه حتى لا يتكلم والآخر حاول الإفلات منه فسيجن أخيه عندما يرى حالة شعره، ويونس لم يترك له فرصة حتى أن كلاهما سقط أرضًا وايضًا لم يفلته
اقترب منهما يوسف حتى يتوقفا عن هذا وهذا بسبب متابعة جميع الموجدين للمهزلة التي تحدث هذه، عدا حمزة الذي لا يصل له أيًا مما يحدث بسبب صخب ما يسمعه :
-خلاص يا يونس سيبه يخربيتك الواد هيفطس
ركل كريم قدم حمزة بقوة حتى يفيق لما يحدث بينما الآخر اعتدل ناظرًا على يمينه حيث تم رُكل ليجد أخيه وابنيّ عمه ثلاثتهم على الأرض وكأن هناك زلزلًا أسقطهم أرضًا
رمقهم بإستغراب شديد وقبل أن يتحدث سبقه الحلاق حيث قال وهو يبعد المقص عن شعر حمزة :
-انا خلصت
أدار حمزة رأسه بشكل تلقائي ناحية المرآة لينتفض بقوة وكأنه أبصر مارد في المرآة، هدر بغضب شديد يرى خصلات شعره القصيرة والتي غيرت شكله تمامًا وكأنه يرى رجل آخر يشبهه فقط في بعض الملامح :
-ايـــــه ده؟؟!
وقد كان الحلاق يشعر أنه سيغضب هكذا لذا أشار ناحية يوسف ولم يدرك أنه ليس من اتفق معه، فكلاهما يشبهان بعضهما لدرجة مخيفة :
-مليش دعوة انا، هو قالي اعمل كده علشان عايزين يهزروا معاك
نظر حمزة إلى يوسف بشر وقبل أن يقول الآخر أن الحلاق أخطأ وكان يقصد يونس، كان يونس يدفع بيوسف هاتفًا بغضب مصطنع في محاولة منه لتقليد أخيه :
-كده يا يونس قولتلك هيزعل يا أخي متقصش شعره اتفضل حل بقى
"الفصل يوم الاتنين بإذن الله وتقريبًا المواعيد هتبقى اتنين وجمعة ثابتة"
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الثالث وثلاثون 33 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
الفصل ده المنتظر من بداية الرواية، الفصل اللي استنيتوا ٢٧ فصل علشانه، هتقولوا ليه هقولكم واضحة من العنوان، استمتعوا بالصدمات اللي منتظراكم لأني الفصل أحداثه كتير
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
فارقت بين جفنيها ببطء تشعر بالخمول والألم في كل أنحاء جسدها بعدما نامت ليوم كامل منذ عصر الأمس على الأرضية بين قصاصات ملابسها التي قامت بتمزيقها بعد الانهيار الذي أصابها
نظرت حولها بأعين مشوشة ليقع بصرها على النافذة المفتوحة والتي تأتي برياح شديدة محملة بالأمطار الغزيرة، جلست نصف جلسة تشعر أن عظامها محطمة من النوم لساعات على الأرض بدون غطاء حتى
عانت لدقائق حتى تقف والباب يطرق بقوة وصوت والدتها يصدح قلقًا عليها :
-يا عايدة افتحي الباب يا بنتي كفاية كده
فتحت الباب لتشهق والدتها من المنظر الذي تراه، هذه ليست ابنتها الجميلة بل فتاة بشعر أشعث ووجه ملطخ بألوان مستحضرات التجميل ويبدو عليها الإعياء الشديد، سحبتها للداخل بسرعة وبالتحديد إلى المرحاض وهى تنادي على الخادمة التي كانت تقف معها في الخارج وفي يدها الغداء :
-يا فاتن سيبي الغداء وهاتي بجامة تقيلة من الدولاب واقفلي الشباك بسرعة خلي الأوضة تدفى شوية
وقد كانت عايدة مستسلمة لما تفعله والدتها فلا طاقة لها بالحديث حتى، بينما فتحت والدتها رذاذ المياه وقد عدلت الحرارة بحيث تصبح ملائمة للإستحمام في هذه الأجواء شديدة البرودة، ثم عادت لابنتها آمرة إياها إذ قالت :
-استحمي وربع ساعة وهخبط عليكي اديكي البجامة
خرجت وتركتها لتدلف عايدة أسفل المياه دون أن تخلع ملابسها تتمنى أن تنظفها المياه من كل شئ لوثها، تتمنى لو تعود عايدة القديمة قبل أن تعرف عاصم أو يونس، تلك الفتاة ذات الطمحات العالية والتي لا تلقي بالًا للدنيا رغم كونها فتاة في حالة متوسطة لكنها كانت حياة جيدة بالنسبة إليها
ظلت أسفل الماء ما يقارب النصف ساعة حتى عندما نادتها والدتها أخبرتها أنها لم تنتهي، خلعت ملابسها المبتلة وارتدت مأزر الحمام لتجد أن الخادمة فاتن تقف بجانب الباب وفي يدها ملابس بيتية لها
اخذتها منها بصمت ثم خرجت بعد خمس دقائق ترتدي منامة شتوية باللون النيلي وشعرها النديّ قد بلل ظهرها، نظرت إليها والدتها بحزن وهى تجلس على الفراش معاتبة ابنتها :
-كده يا عايدة قافلة على نفسك يوم كامل ومبهدلة الأوضة ومبهدلة نفسك، ليه ده كله؟؟
لم تجبها الأخرى بل سحبت فرشة شعر من فوق السراحة واعطتها لها ثم جلست أرضًا عند قدميها ووالتها ظهرها ففهمت والدتها أنها تريد أن تمشط لها شعرها كما كانت صغيرة، ابتسمت بحنو وأخذت تمشط شعرها البني بهدوء وفاتن تراقب بصمت تنتظر أي أمر لها، كما أنها تشعر بالشفقة على هذه المرأة
حمحمت بتوتر ثم قالت :
-مدام عايدة تحبي اجيبلك تالين تشوفيها
وآماءت الأخرى دون أن تعي ما قالته حتى، تحركت فاتن بسرعة وأتت بتالين من أمام التلفاز وعندما رأتها عايدة واستمعت إلى صوتها الطفولي حتى ترقرقت الدموع في عينيها الفاتحة وقد فردت ذراعيها تدعوها للقدوم
وما إن أصبحت الأخرى بين أحضانها حتى ضمتها بقوة تشعر وكأنها لم تراها لأشهر طويلة، أكثر من ظلمته في حياتها هى ابنتها تالين التي اهملتها وتشتت الفتاة بين والديها بعد الطلاق
أخذت تقبل كل إنش في وجهها وهى تللو عبارات الإعتذار وقد تعجبت والدتها من فعلها هذا وكأن تالين كانت غائبة عنها
نظرت إلى فاتن بإنتباه عندما أخبرتها أن زوجها في الأسفل ينتظرها، آماءت بهدوء ثم نظرت لعايدة التي لا تزال تضم ابنتها قائلة :
-عايدة اتغدي وكلي كويس انا هشوف ابوكي عايز ايه وعلفكرة ميعرفش إنك حابسة نفسك في الأوضة بقالك يوم انا مرضتش أقوله
لم تهتم الأخرى بأي كلمة مما قالت إذ كانت تضم ابنتها داخل أحضانها وكأنها حصلت على العالم بأسره، إن لم تتلقى هى الإهتمام من أحد سوف تعطيه لابنتها، وتكرس المتبقي من حياتها لأجلها بعد الآن، ولن تترك حضانتها ابدًا لعاصم كما طلب فهى الأحق بها
صدح في المكان صوت جعل قلبها داخل ضلوعها يهتز، صوت لطالما سمعته ولكن لم تلبي نداءه بسبب الغفلة التي كانت تحيا بها، رفعت رأسها ببطء لفاتن التي كانت تمسك بهاتفها والذي يصدح منه صوت الأذان فقالت بخفوت ونبرة مترددة وكأنه ليس من حقها أن تسأل هذا السؤال :
-هو ايه.... ايه اللي بيأذن دلوقتي!؟
نظرت لها الأخرى بإنتباه ثم اجابتها بهدوء :
-ده العصر يا هانم استأذنك هروح أصلي وارجع تاني
-انتي بتصلي يا فاتن؟؟
نطقت بها بسؤال غير متوقع بالنسبة للأخرى إذ اجابتها بنبرة متعجبة :
-أكيد يا هانم مش مسلمة!؟
وكأن اجابتها هذه كانت كصفعة قوية لعايدة جعلتها تنكشف أمام نفسها وكم شعرت بالخزي وجلد الذات أكثر وأكثر، إذ قالت بنبرة مضطربة وكأن ما ستقوله كالأشواك في حلقها :
-انا برضو مسلمة بس مش بصلي
حمحمت الأخرى بتوتر ثم اجابت :
-ربنا يهديكي يا هانم
-انا وحشة صح
نطقت بها عايدة بنبرة ضائعة فتوترت فاتن أكثر تخاف الإجابة الحقيقية فينقطع عملها إن لم يعجبها الأخرى الحديث لذا اكتفت بقول :
-ربنا يا يهديكي يا مدام عايدة
أعادت الأخرى رأسها على الفراش وقد كانت لا تزال تالين بين أحضانها أرضًا لتقول بنبرة بائسة بشدة :
-متخافيش من الكلام انا وحشة وغرقانة في الذنوب انا عارفة
-اشركتِ بالله
نطقت بها فاتن بهدوء فأجابت الأخرى وهى تنفي برأسها بقوة :
-لأ طبعًا لا إله إلا الله
-يبقى لسه فيه فرصة ترجعي عن اللي انتي فيه أيًا يكن هو ايه، بيقولك ولو كنت زانيًا أو شاربًا للخمر أو عاصيًا فإن الله يغفر الذنوب جميعًا، باب التوبة لسه مفتوح يا مدام عايدة وربنا بيحبك علفكرة طالما راجعتي نفسك وعارفة إنك بتعملي ذنوب وحسيتي بتأنيب الضمير يبقى انتي لسه على بر الأمان، تخافي فعلًا لما تغرقي في الذنوب ومتحسيش إنك بتعملي ذنب، وقتها ربنا هيفضل يبتليكي بالذنوب أكتر
اعتدلت عايدة في جلستها ولامس كلامها قلبها اليائس إذ هتفت بنبرة متلهفة :
-يعني انا عندي فرصة أتوب؟! علفكرة انا مكنتش كده والله انا كنت احسن من كده وبلبس واسع وطويل وبصلي، آه مكنتش محجبة بس كنت أحسن من كده، مكنتش أنانية طماعة زي ما الكل شايفني كده
-انتي شايفة نفسك كده؟!
سؤالًا طرحته عليها جعلت أعينها تزيغ بحيرة ولم تجب فقالت فاتن حتى تريحها :
-بصي مش هقولك حطي كلام الناس في الزبالة علشان ملهوش أهمية، مش كل كلام الناس نطنشه علشان أحيانًا بيبقى صح زي نصيحة، انتقاد هو موجود فيكي، أنا امي دايمًا كانت بتقولي اسمعي من الناس عجبك الكلام اعملي به معجبكيش طنشيه يعني مش كله نطنشه ومش كله ننفذه
-انا مش فاهمة
همست بها عايدة بحيرة شديدة فقالت الأخرى تشرح لها بشكل مبسط :
-يعني لو الناس بتقول انتي أنانية وطماعة فكري في الكلام وراجعي نفسك لقيتي انك فعلًا كده غيري نفسك للأحسن فهماني
وآماءت الأخرى وبسرعة راجعت نفسها، هى بالفعل تصرفت بأنانية كثيرًا ولكنها لم تفكر بطمع في أموال عائلة عاصم والدليل على ذلك أنها حين تطلقت منه لم يفرق معها الأموال كما فرق معها أنها خسرت رجل محترم كان يود بناء أسرة معها
ليتها عملت بنصيحة فاتن من البداية وفكرت في كلام الناس قبل أن تعمل به، ربما كانت لتحافظ على حياتها وأسرتها الصغيرة، الآن شعرت بالخسارة والندم ولكن فيما يفيد الآن
وقفت من على الأرض رافعة تالين التي لا تزال متشبثة بها، مقررة التطهر من كل هذا والعودة لعايدة القديمة وربما الأفضل من هذا، وأول خطوة للتوبة والتطهر من الذنوب هو الوقوف بين يدي الله مستغفرة من ذنوبها، داعية الهداية لها :
-فاتن انا عايزة اصلي معاكي وكل ما يأذن الفرض تعالي ليا حالًا وقوليلي يلا نصلي
نظرت إلى قصاصات الملابس المنتشرة في أرجاء الغرفة هاتفة بإصرار على الإنسلاخ عن ذلك العالم القذر، ولأول مرة تدرك أن الغنى والثراء قد يكون نقمة وليس نعمة :
-وكل الهدوم القصيرة دي تترمي في الزبالة انا مش عايز أحس اني رخيصة واكشف من جسمي تاني
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
كان يستمع إلى الإذاعة المحلية للأرصاد الجوية والتي تصدح من مسجل سيارة أخيه، والذي بدوره كان يقود ببطء نظرًا للأمطار الغزيرة متجهين إلى الطبيب الذي بدأ المتابعة معه حين عاد من لندن ولكنه توقف منذ فترة بعدما شعر باليأس تمكن منه
والآن وبعد أشهر سيعود مرة أخرى له وليس لشئ إلا ليعلم إن كانت رقية موجودة في حياته قبل أن يفقد ذاكرته، وكان شرط سفيان أن يذهب للطبيب لذا انصاع له مستسلمًا، والآخر ما إن علم بهذا حتى أسرع واحضر السيارة وها هم في طريقهم
-سفيان
نادى عليه بهدوء فهمهم الآخر حتى يكمل ما سيقول :
-هو انت ازاي اقنعت الدكتور ينزل من بيته ويستنى في المستشفى لحد ما نيجي
ابتسم سفيان ابتسامة متسعة ثم قال بغرور :
-لما تبقى ظابط أمن دولة بيبقى معاك صلاحيات كتير
تنهد الآخر بضيق شديد وهو ينظر إلى الأمطار المتساقطة من خلال النافذة فقال سفيان وهو يعلم لما عمر ضائقًا لكنه أراد أن يتحدثوا قليلًا :
-مالك يا عمر!؟
-مش عايز ارجع للمستشفى تاني وللأدوية تاني انا فقدت الأمل يا سفيان اني افتكر حاجة
-علفكرة الأدوية بتجيب نتيجة يا عمر آه بطيئة بس موجود أمل، انت ناسي أول ما فوقت كنت عامل ازاي مكنتش فاكر حتى انت مين وواحدة واحدة بالأدوية بدأت تفتكرني وتفتكر أيام الطفولة وحبك للبرمجة
نظر إليه الآخر عاقدًا الحاجبين إذ قال :
-وانت فاكر انا فضلت قد ايه لحد ما بدأت افتكر، نتيجة الأدوية بطيئة أوي يا سفيان انا أسوء فترة مريت بها لما كنت شهور مش فاكر انا مين، بتعامل مع جدتك وعمتك وعيلتها وانا حتى مش فاكر اساميهم
توقف سفيان أمام المشفى وقد كان قريب من المنزل، ثم إستدار لأخيه قائلًا :
-قول الحمد لله يا عمر، لكل داء دواء وانت من وقت ما بطلت العلاج وانت حالك مش عاجبني وقولتلك انا والدكتور فاضل ذكريات تاني في حياتك لسه منسية قولت لأ انا تعبت وعايز انزل مصر وكفاية كده وجالك انهيار عصبي، علشان كده سمعت كلامك ورجعت مصر انت وجدتي وقولت ترتاح شوية وترجع للعلاج بس رفضت وخوفت اضغط عليك تنهار تاني والدكتور قال غلط كده
غامت عينيه بحزن ونبرة بائسة فيحاول بكل طاقته أن يجعله مرتاحًا والآخر لا يحدد ما الذي يريده حتى :
-قولي ايه اللي يريحك وانا اعمله انا اصلًا عايش في الدنيا علشانك، انا بس عايزك مرتاح ومش مضايق ولا حاسس بنقص
اشفق عمر على أخيه من الضغط الذي يمر به منذ وفاة والديه فوالله لو كان جبلًا لانهار، رفع ذونت سترته على رأسه ثم فتح الباب قائلًا :
-يلا ننزل يا سفيان يلا
هبط سفيان معه وبدأت الرحلة التي يكرهها عمر كلما ذهب للمشفى، فيظل يتنقل بين التحاليل والإشاعات والطبيب هذا والطبيب ذاك، وبعد ما يقارب الأربع ساعات جلس عمر أمام طبيب المخ والأعصاب وفي يده الإشاعات والتحاليل فنظرًا لمكانة سفيان انقضى الأمر سريعًا
نزع الطبيب نظارته ثم رمق عمر بهدوء متسائلًا :
-عمر انتي بقالك قد ايه موقف الدواء
-تقريبًا سنة أو ١٠ شهور
آماء الطبيب متفهمًا ثم تحدث بنبرة جادة موجهًا حديثه لسفيان وعمر الجالسان أمام المكتب في انتظار حديثه :
-تمام انت هتوقف الدواء القديم وهنبدأ بعلاج جديد
-وفيه فرق يا دكتور!؟
تساءل بها سفيان بهدوء ليجيب الآخر وهو يستقيم من على المقعد جاذبًا حقيبته الجلدية المرتكنة فوق أحد المقاعد :
-العلم كل يوم بيتطور وده علاج لسه جديد وأقوى من القديم وبرضو في الأول والآخر الشفا بايد ربنا
وضع أمامهما علبة دواء بلاستيكة بداخلها عدد كبير من الحبوب وقد نظر إليها عمر بيأس شديد غير منتبه لحديث الطبيب، فقط يشعر أنه سيظل المتبقي من حياته يتناول حبوب الدواء بشكل يومي
صدقوا عندما قالوا الصحة تاج فوق رؤوس الأصحاء
انتبه لصوت أخيه عندما نادى عليه فأجاب بعدم انتباه :
-ها خلصنا نمشي؟!
فهم سفيان حاجته الملحة في الذهاب فهو يكره المكوث في المشفى وهو أجبره لكي يأتي، سحب علبة الدواء وشكر الطبيب من ثم لحق بأخيه الذي سبقه للخارج وما إن أصبح خارج المشفى حتى زفر بقوة وراحة وكأنه خرج من المعتقل
تابعه سفيان بصمت مخرجًا مفاتيح السيارة وقد ضغط على جهاز التحكم عن بعد لتطلق الأخرى صوتًا مرتفعًا متصل إلكترونيًا بالجهاز، دلف إلى السيارة وقد دلف عمر خلفه وقبل حتى أن يشغل سفيان السيارة تحدث عمر بجدية منتظرًا ما وعده به مقابل أن يأتي إلى المشفى :
-ها بقى رقية أي سبب وجودها في حياتي، وهل كان ليها وجود قبل حادثة فقدان الذاكرة
لم يتلقى إجابة ولا إلتفاتة حتى بل انطلق بالسيارة بصمت وهو يعبث في جهاز التسجيل حتى يشغل شيئًا يكسر الصمت والآخر يتابعه بملامح شبه متشنجة يدرك برود أخيه جيدًا
وبعد ما يقارب الثلاث دقائق تحدث سفيان وقد صدح في السيارة صوت عبد الحليم بأغنية عتيقة مشهورة قد سبق وغناها في فيلم شارع الحب :
-بتفكرك بحاجة الأغنية دي؟؟
عقد الآخر حاجبيه لا يفهم ما علاقة الأغنية بسؤاله، ورغم هذا أجاب بصراحة مبالغ بها :
-بحنان وهى بتغنيها وهى بتطبخ حتى قبل ما تخلصها بتدخل على اغنية انتي معلمة واللي ملهاش علاقة بعبد الحليم ولا حتى من بعيد
تعالت ضحكات الآخر ترج السيارة ليقول عمر بضيق لا تعجبه مراوغته هذه :
-انت بتلف وتدور ليه ما تجاوبني بشكل مباشر
زفر سفيان بهدوء وهو يزيد قليلًا من سرعة السيارة :
-كنت بتحبها لأ بتحبها ايه؟! ده انت كنت بتموت فيها
ولم يكن يتوقع عمر هذه الإجابة مطلقًا، إذ اندهش بحق كونه كان يحب رقية ألهذا في العادة تسرح بنظراتها له وكأنها عاشقة؟؟
وصدمه سفيان بالإجابة الثانية إذ قال :
-كانت خطيبتك ويوم ما اتقلبت بينا العربية كان كتب كتابكم
وقد كانت هذه الصدمة الأشد عليه وللحظات لم يستوعب عمر ما يقوله سفيان والذي بدأ روي له كيف تعرف على رقية وكيف أنه دافع عنها وأصيب بقوة، وكم أعجب بها وطلبها للزواج، وكيف مرت فترة خطوبته الطويلة بالنسبة إليه فيونس ويوسف لطالما كانا يغارا على شقيقتهما منه
ظل يحكي له حبه لها الذي كان يزداد مع مرور الوقت والآخر في صدمة طويلة، لا يتذكر أيًا مما يقول وكأنه يسمع قصة حب رومانسية لأول مرة ليس وكأنه عاش هذه القصة مع رقية
رقية؟! ويراوده سؤالٌ عنها، كيف تحملت أن تراه يعاملها كالغريبة؟ كيف كانت تكتم بداخلها كلما تطاول بلسانه عليها؟! كانت تتحجج بأي شئ حتى تظل بجانبه، ولهذا كانت خائفة عندما رآها أخيها معه، ولهذا كانت تخطئ في حديثها عن حياته سابقًا وكم كان مختلف عن الآن، ولهذا ادعت جدته أنها لا تعلمها عندما وجدتها في المنزل وكم كان إدعائها مكشوفًا
ظل يسترجع ما عاشه مع رقية في تلك الأسابيع وهو يستمع لحديث سفيان عنهما، لقد كانت نظراتها واضحة بالحب فكيف فلم يلحظ هذا
ازدرد لعابه بصعوبة يشعر بالمرارة تستحكمه ليطلب من أخيه التوقف فما عاد عقله يتحمل المزيد :
-كفاية يا سفيان خلاص كفاية
وكان الآخر يتابع تعابير وجه عمر منذ بدأ الحديث وعندما طلب منه التوقف أدار رأسه له يرى الدموع تهبط ببطء على وجنتيه، لم يخبره أن يتوقف فليس من العار أن يبكي الرجل حين يتألم، منافق وكاذب من قال أن الرجال لا يبكون
-ليه اختفت من حياتي، ليه يا سفيان مجبتش سيرتها طول السنين اللي فاتت
-مجبتش سيرتها واختفت لنفس السبب وهو إني ابوها خاف عليها
اعتلت ابتسامة ساخرة على ثغر عمر لا يفهم حديثه هذا إذ قال :
-وخاف عليها ليه إن شاء الله مِناسب تجار مخدرات؟! ولو خايف عليها كده ليه قِبل من الأول بجوازي منها
-عارف يا عمر ليه سفرتك انتي وجدتي لندن بعيد عن مصر ورفضت ترجعوا إلا بعد ما قبضت على اللي قتلوا بابا وماما؟؟
سؤال مبهم جعله يدرك سر اختفاء رقية واختفاءهم أيضًا من مصر بعد ذلك الحادث كما روت له جدته، فسبب انقلاب السيارة ذلك اليوم لم يكن قضاء وقدر، وإنما كان حادث مدبر من إحدى الجماعات الإرهابية التي اسقطها والده وقبض على أميرهم كما يزعمون
وظل سفيان عامين أو ربما أكثر حتى استطاع هو وزملائه إسقاط تلك الشبكة الشيوعية، وعلى الأرجح خاف والد رقية عليها وهو الآن لا يلومه، فمن سيلقي ابنته في أحضان عائلة كانت مهددة بالقتل
نظر إلى النافذة بملامح جامدة وقد جفت الدموع على وجهه ولم يشعر بشئ إلا حين توقفت السيارة، وقد أبصر مدخل بناية راقية بالطبع لا تعود لإحدى بنايات باقوس تلك المنطقة الشعبية المتكدسة بالسكان
بل هذه البناية التي كانوا يقطنو بها مع والديهم ولهم شقتين أخرتين بها، واحدة له والأخرى لسفيان، الغريب أنه أتى به إلى هنا وهم لا يأتون إلا نادرا، فكل أوقاتهما يقضونها رفقة جدتهم في باقوس
رمقه بنظرات مستفهمة فقال الآخر بهدوء وهو ينزع حزام الأمان عنه :
-جايبك هنا علشان فيه حاجة تحت سريرك تخصك انا مخبيها، يمكن مع العلاج والذكريات اللي هتشوفها ترجعلك ذاكرتك
فك عمر حزام الأمان هو أيضًا وكاد أن يخرج ولكنه تراجع على يد سفيان التي قبضت على رسغه ثم قال :
-عمر أيًا كان القرار اللي هتاخده في علاقتك انتي ورقية انا معاك فيه بس علشان خاطري فكر مرة واتنين وتلاتة قبل ما تقرر، رقية بنت حلال وبنت ناس وبتحبك وانت بتحبها حتى لو انت مش فاكر بس متأكد إن شاء الله على العلاج الجديد هتفتكر، فبلاش تاخد خطوة صعبة في الموضوع من غير ما تفتكر رقية كانت ايه بالنسبالك
آماء له بصمت فترك سفيان يده وتركه يخرج ثم خرج هو خلفه حتى لا يتركه بمفرده، وقبل أن يصلا إلى المصعد كان هناك رجل يهرول نزولًا على الدرج، والذي ما إن رأى سفيان حتى صاح بصوت متقطع أثر تقطع أنفاسه بسبب ركضه على السلم :
-سفيان باشا انت فين من إمبارح؟؟
إستدار الآخر على الصوت نصف إستدارة، مبصرًا مساعده المدعو أمين ويبدو عليها القلق والأنفاس المسلوبة :
-خير يا أمين بتعمل ايه هنا؟!
-يا باشا انا بتصل عليك من الصبح تليفونك مقفول روحت باقوس ملقتكش جيت هنا يمكن الاقيك
والاه سفيان انتباهه، عاقدًا الحاجبين، متعجبًا بحثه هذا والذي ينبئ عن حدوث كارثة أو ما شابه :
-ايه اللي حصل لده كله ده انا مكملتش ٢٤ ساعة أجازة، ايه السفاح اعترف على نفسه؟!
-ده انيل انت مش قولت اتنين بس المتهمين والبنت اللي اسمها هاجر خلاص برا
انمحت الإبتسامة المتعجبة من على وجه سفيان فور أن ذكر هاجر ليقول بصوت جاد وقد كانت نبرته تحمل الهدوء العاصف :
-ايه علاقة هاجر!؟ دي مش من ضمن المتهمين
-إزاي يا سفيان باشا وانت حاطط اسمها جوا الملف اللي استلمه الرائد صالح، وهى في أمن الدولة دلوقتي واللي بيحقق معاها الرائد صالح بنفسه وده مش بيعرف يفرق ما بين راجل وست أهم حاجة عنده المعلومة، وزيادة الكارثة لما جم ياخدوها مش عارف افتكرتهم ايه وقاومت وكانت هتقتل عسكري ودي بلوة عليها، ده لو كانت عملت البلوة الأولى أصلًا
أما عمر لم يكن يفهم أيًا مما يُقال، أو مَن هاجر هذه ولكن على الأرجح تعني شيئًا لشقيقه إذ كانت ملامحه ورغم صدمته إلىٰ أنها مخيفة مشتعلة حتى أنه صاح بأمين قائلًا :
-قبضوا عليها ازاي يا أمين؟! وبقالها قد ايه هناك؟
-من إمبارح المغرب وانا لسه شايفها الصبح وحالتها تصعب على الكافر وانت عارف اللي بيحصل في أمن الدولة، وكمان البنت شكلها مخفتش من الصرع زي ما عرفت من التحريات علشان تقريبًا جالها نوبتين صرع من إمبارح لحد دلوقتي، إلحقها يا باشا البنت دي شكلها بريئة ومعملتش حاجة وصالح باشا مش مصدقني علشان اسمها كان في الملف وانت مش بترد على حد
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
تباطأت خطواتها عندما أبصرت تجمع بعض الناس أمام الشقة وكأن هناك من مات، كما أن الأصوات مرتفعة من الداخل ومتداخلة لم تفهم منها شئ، مرت من بين الواقفين حتى تدلف وقد أبصرت عائلة عثمان وعائلة محمد مجتمعين عندهم على غير العادة، والاسوء من هذا أن البعض يظهر وكأنه خارج من حريق مشتعل
-نور جات أهي
نطقت بها رقية بعدما لاحظت وقوف نور مع الموجدين لتتجه الأعين إليها مصيبة إياها بإرتباك ليقول حمزة بنبرة شعرت وكأنها حادة رغم هدوءها :
-انتي كنتي فين في الجو ده؟!
وقبل أن تجيب الأخرى بشئ استمعت لصوتٍ خلفها يبعد الناس حتى يمر إذ هتف بلهجة صعيدية خشنة :
-ايه يا جدعان وسْعوا شوية هو فيه ايه؟؟
وقف بجانب نور محدقًا بالجميع بأعين عسلية مشابهة لأعين نور، ولم يبصر شروق أو براءة من كثرة الموجودين، فقال وهو يسحب عضد نور معه متراجعًا للخلف :
-شكلك غلطتي في الشقة، تعالي انتي واقفة كده ليه
-تعالى حسن
نطق بها عثمان متذكرًا ذلك الشاب بالطبع، بينما الآخر تعرف عليهم منذ الوهلة الأولى وعندما ناداه الرجل باسمه ترك ذراع نور ثم هز رأسه بتحية مردفًا :
-طب السلام عليكم أولًا، هما البنات قاعدين هنا ولا في الشقة اللي قبال دي!؟
وقفت براءة وتقدمت منه حتى يراها بينما سألت نور وهى تحدجها بغضب :
-هو انتي سيبتي أكل على النار، المطبخ ولع يا نور
اتسعت أعين الأخرى مذهولة من قولها بل واتهامها هذا لترد عليها بنفس النبرة صائحة :
-انا؟! هو مش انا صحيتك وقولتلك قبل ما امشي خلي بالك من طاسة الزيت وممشتش غير لما شوفتك دخلتي المطبخ، ايه دخلتي نمتي على نفسك جوا؟!
همهمت عبلة وقد استنتجت أن براءة من النوع الذي ينسى ما يُقال أو يحدث عندما يكون ناعسًا ويظن لاحقًا أنه كان مجرد حلم :
-شكلك انتي فعلًا يا براءة اللي نسيتي الطاسة ونعستي تاني
كادت براءة أن تعترض على هذا الظلم والافتراء من وجهة نظرها فقاطعها حسن منهيًا الحوار هذا :
-خلاص يا جماعة حصل خير محدش حصله حاجة صح
نظر إلى المتجمعين خلفه، واضعًا كفه على صدره كتحية ثم قال :
-منجلكوش في حاجة وحشة يا جماعة بس الرجالة طفو الحريقة أهو
مال كريم على والده قليلًا محدقًا في ذلك الشاب، من ثم قال متسائلًا :
-مين ده يا بابا
-عمهم، أصغر واحد في ولاد عمي صفوان
نظر إليه يوسف بذهول ثم نظر إلى حسن بتفحص وقد كان شاب في منتصف العشرينات ذو خصلات سوداء وأعين عسلية مائلة للأخضر مثل أعين نورهان وزوجة عمه أسماء، كما أنه يمتاز بطول فارع وجسد نحيف نوعًا ما :
-عم مين؟ ده انا تلاقيني أكبر منه!؟
استدار حسن لبنات اخوته ثم قال بشئٍ من الغضب :
-انا قولت انتوا مينفعش تقعدوا في بلد تانية لوحدكم اديكم أهو لسه عاملين مصيبة
-مصيبة واحدة بس!؟
وقد خرجت هذه الجملة من شروق الجالسة على الاريكة بجانب عبلة وناهد، وعندما رآها حسن أسرع في خطاه نحوها محدقًا في الشاش الأبيض الملتصق في جبينها :
-شروق يخربيتك مين بطحك في راسك كده؟!
أدمعت عيني الآخر وقد اختنق صوته بغصة البكاء ثم قالت :
-حسن خدني معاك البلد انا مش عايزة اقعد هنا، حتى مش عايزة أكمل في الكلية مش عايزة
ابتعدت عبلة من جانبها حتى يجلس حسن والذي ربت على كتف شروق الباكية ثم قال مازحًا حتى تتوقف عن البكاء رغم أنه لا يعلم بعد ماذا حدث معها :
-ايه ده يا شروق انتي بتبكي، والله وطلع عندك إحساس ودم
حدقت به الأخرى بملامح غاضبة ثم قالت وهى تدفعه من جانبها :
-انت بتهون عليا ولا بتتريق عليا قوم من جنبي
تحدثت رقية وهى تنظر إلى أخيها يونس ثم تساءلت بإقتراح :
-علفكرة فكرة سليمة اني شروق ترجع البلد، السفاح مش هيعرف يوصلها لو في الصعيد
-ســفــاح؟؟
نطق بها حسن مذهولًا بل مصدومًا فقالت شروق وهى تسحب منديلًا من فوق المنضدة الصغيرة تمسح بها انفها الأحمر :
-مش بقولك محصلش مصيبة واحدة دول مصايب وراء بعض
نظر حسن حوله لا يفهم ماذا حدث بالضبط لكن يبدو أنها بالفعل مصائب كما تقول، عاد بنظره إلى شروق ثم هتف بجدية :
-قومي البسي هترجعي البلد معايا وفي الطريق تقولي كل اللي حصل
تحدث عثمان بضيافة منه إذ قال :
-هتسافروا دلوقتي انت لسه جاي
-انا أصلًا كنت في مطروح وقولت أحود أسلم على أسماء والبنات، بس شكل فيه بلاوي حصلت محدش يعرف بيها ولا ايه؟؟
ختم حديثه وهو يحدق في نورهان وبراءة بحدة فقالت براءة تبرئ نفسها من هذه النظرات التي يرمقهما بها :
-طب انتي بتبصلنا كده ليه طيب، علفكرة المصايب بدأت من يومين وملحقناش ناخد نفسنا علشان نقولوا لحد
اقترب يونس من شروق مخرجًا هاتفه، غير مبالي بكل ما يقال فالأهم بالنسبة إليه شهادة شروق الآن :
-شروق اتمنى تكوني تخطيتي الصدمة وتقدري تدلي بشاهدتك
ابتسمت الأخرى ابتسامة مريرة ساخرة، ثم قالت :
-اتخطيت اني واحدة اتدبحت قدامي في ليلة؟!
-اتــدبــحــت
صاح بها حسن وكلما استمع لشئٍ يصاب بصدمة فبالله ماذا حدث في تلك الأيام القليلة معهن، استدار إلى نور وبراءة مصرًا على أن يعلم ما الذي حدث بالضبط والآن، بينما جلس يونس في المقعد المقابل لشروق عارضًا أمامها صورتين ثم قال :
-ركزي معايا انتي دلوقتي الوحيدة اللي عارفة شكل السفاح فلو واحد من دول هو قولي
امسكت شروق بالهاتف محدقة بالصورتين وبالأخص إلى صورة شاب في الثلاثينات بعينين زرقاء وملامح وجه جادة باردة، ضيقت عينيها مشيرة إليه ثم قالت :
-فيه شبه من ده
-شبه منه ولا هو؟؟
نطقت بها رقية بسرعة وهى تقفز جالسة بجانب شروق والتي قالت وهى تعصر رأسها لتذكر ملامحه جيدًا :
-انا شوفت جزء من وشه في انعكاس المرايا وبعدها وطى علشان فريال دي كانت واقعة في الأرض، فيه ملامح منه وحتى نفس لون الشعر
كاد أن يأخذ يونس منها الهاتف ولكن سبقته رقية إذ اختطفت الهاتف محدقة في الصورة بسعادة غريبة :
-وكده السفاح يبقى عادل الدخيلي، انا جيالك يا عادل
ختمت حديثها وركضت خارج الشقة ومعها الهاتف لا ترى سوى مشهد تكريم مدير الجريدة وهو يكرمها على أول خبر لهوية السفاح الحقيقي، ولم تبالي بصراخ يونس القوي خلفها بأن تتوقف، ولن تبالي :
-انتي يا بت؟؟ رقــيــة، خدي يا بـــت
كاد أن يلحق بتلك المجنونة ولكنه توقف على صوت شروق الحائر وهى تقول :
-عادل الدخيلي؟! لا مكنش اسمه عادل
واتسعت أعين الآخر بصدمة فهل تعلم اسم القاتل، اقترب منها بسرعة مخيفة حتى وقف أمامها مباشرة ربما يفصلهم سنتيمترات وقد فزعت شروق بهذا الاقتراب ملتصقة في ظهر الاريكة تسمعه يقول :
-انتي سمعتي اسمه!؟ اسمه ايه
اجابته الأخرى بحيرة وهى تتذكر هزيان الآخر بعد أن ذبح فريال وكأنه ندم على قتلها كم أنه كان مسكورًا على الأرجح :
-كان اسمه باين كاظم كان بيقولها انا كاظم حبيبك قومي
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
توقف خارج المقهى متجهًا إلى سيارته بخطى متزنة، من ثم امسك مقبض الباب واستدار ليرى سعد ينظر إليه بابتسامة شاكرة ممتنة، بادله البسمة بأخرى هادئة ثم صعد سيارة أخيه وقادها عائدًا للمنزل بعدما تحدث مع سعد الذي يود وبشدة الإقلاع عن الإدمان، ووعده أنه سيسانده في هذا الأمر ممليًا عليه ببعض النصائح
كـ الصبر وعدم الاختلاط مرة أخرى برفقاء السوء، الإرادة والعزيمة وهذان الأهم فما الفائدة إن كان يريد التوقف ولا يستطيع بسبب ارادته الضعيفة، خاصةً وأنه يرفض الذهاب لمصحة حتى لا يصل الأمر لعائلته ويسقط تمامًا من نظرهم
ووعده أيضًا أنه سيسانده وأن يكون موجودًا دائمًا ان احتاج لشئ فأيضًا مهم أن يكون هناك من يدعم كما دعمه حمزة في تلك الفترة، لاحت على ثغره بسمة حزينة متذكرًا ما عاناه قديمًا بسبب المخدرات
قد كانت حالته أسوء من حالة سعد فإن كان الآخر ظل غارقًا في ذلك المستنقع لأسابيع فهو ظل به لأشهر
لا يزال يتذكر اليوم الذي دلف به إلى المصحة وكأنه كان الأمس ولم يمر عليه ثلاث سنوات
دلف إلى الشقة وقد كان على حال غير الحال بشرته شاحبة، جسده هزيل، ملامحه متعبة ومرهقة، لديه هالات سوداء دائمة طوال الوقت
سحب المفتاح من الكالون ثم دلف بخطىٰ مترددة وهو ينادي على أسرته ولكنه لم يتلقى أي رد لذا توقع أنهم بالخارج، أسرع بخطواته إلى غرفته وقد كان الباب مواربًا، وما إن ولج للداخل حتى انغلق الباب بشكل غير متوقع وقد ظهر أخيه حمزة خلفه
ازدرد لعابه بتوتر متفاجئًا من وجوده خلف الباب، ابتسم بإرتباك واضح ثم قال :
-بتعمل ايه يا حمزة وراء الباب؟!
امسك حمزة بمفتاح الغرفة وأغلق عليهما من الداخل فارتاب كريم من فعلته هذه وقد دق ناقوس الخطر عندما طلب منه حقيبته بنبرة هادئة مخيفة وكأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة :
-هات شنطتك يا كريم
ونظر الآخر إلى حقيبته الرياضية بقلق وقبل أن يخرج من فمه أي كلمة إستفسار كان حمزة يسحب منه الحقيبة بعنف ملقيًا بجميع محتواياتها فوق الفراش، حتى أنه بحث داخل الجيوب الصغيرة وبين الكتب
قبض على كيس صغير بجيبه وقد أرسل عقله رسائل الخطر والخوف، لاحظ حمزة حركته هذه فقال وهو على نفس هدوءه ملقيًا بالحقيبة الفارغة على جنب :
-طلع اللي في جيبك
وكانت هزة رأس نافية هى ما خرجت من كريم فصرخ به الآخر بطريقة افزعته بحق :
-بقولك طلع اللي في جــيـبـك
-مفـ... مفيش حاجة في جيبي
نطق بها متوترًا مرتعبًا منه فتقدم حمزة منه بسرعة مخيفة ساحبًا جيوب بنطاله للخارج رغمًا عنه وها قد أخرج ما يريده، كيس بلاستيكي صغير ممتلئ بمواد بيضاء تشبه الدقيق ولكنها أبعد ما يكون عن الدقيق
رفعه حمزة أمام ناظريه وكان لا يزال يحتفظ بهدوءه الغريب ثم قال :
-ايه ده يا كريم
تجمعت الدموع في أعين الآخر وكان كالفأر الذي حاصره قط ولا يجد أي مهرب، صمت بخزي ولم يجيب بينما انكسرت عينيه أرضًا، وعندما رأى حمزة انكساره وصمته حتى اعتلت ابتسامة مريرة ساخرة على طرف شفتيه ثم قال :
-لأ انت مش بس مدمن، ده انت شمام!؟
وتلىٰ حديثه الساخر هذا صوت صفعة هبطت على وجه كريم شعر بها الآخر وكأنها شقة وجنته لنصفين فلم يعد يشعر بها من شدة التخدير الذي أصابها
جلس في المنتصف بين الفراشين يستمع لصراخ حمزة به والذي كان يخترق عقله وقلبه كالسهام المارقة دون رحمة :
-ليه كده لــيـه؟ كان ناقصك ايــه؟! علشان تروح الطريق ده، أبوك وامك منفصلين وعايش ما بينهم في مشاكل؟ ناقص تربية؟ ناقص دين؟ عندك اكتئاب من حياتك الملخبطة؟! قولي روحت للسكة دي لـيــه؟؟
هبطت دموع كريم تحرق وجنتيه وحديث أخيه يجلده بسوط لاذع ولم يستطع حتى أخباره أن بداية الأمر كان كوب عصير شربه في منزل أحد أصدقاءه حين كانا يذاكران سويًا، أو هذا ما كان يدعيه الآخر
كوب عصير بداخله ذلك السم وضعه على أول الطريق وحتى عندما علم لاحقًا أن الأمر كان أكثر من كوب عصير يجعله منتشيًا بطريقة غير طبيعية، حين علم أنه ما كان يحتسي سوى مخدرات لم يعد ويرتد
لم يرتد عن ذلك الطريق، كان قد غرز بذلك المستنقع غارقًا أكثر وأكثر وها هى الصفعة التي توقعها أتته ومِن مَن؟! من حمزة
استقام بعنف عندما سحبه حمزة من على الأرض جاررًا إياها خلفه من ثم فتح الباب متجهًا للخارج وحينها رأى والديه يقفان، والدته تبكي ووالده ينظر إليه متحسرًا
ادمعت عيناه وعلم أنهم أصبحوا بدراية بأمره وكم شعر بالخجل الشديد، وكم تمنى ان تنشق الأرض وتبتلعه ولا يكون في هذا الموقف الحقير
اغمض عثمان عينيه ثم قال بقهر وقد كسر ابنه ظهره بفعلته هذا، يرى تعبه وتربيته تتلاشى كالبخار أمام عينيه :
-خده يا حمزة يا خده
انفجرت ناهد في بكاء مرير وجسدها تهاوى أرضًا وقد بدأت تنتحب بشدة، بينما الآخر لم يفهم إلى أين سيأخذه، إذ وجد نفسه داخل السيارة وقد أغلق عليه حمزة الباب بعنف صاعدًا أمام عجلة القيادة ثم قادها على سرعة عالية مسببًا احتكاك ذو صوت مرتفع للإطارات وكأنها غاضبة أيضًا لغضب السائق
تنفس كريم برعب من السرعة ومن حالة حمزة الثائر، وعندما سأله إلى أين هما متوجهين ثار عليه خارسًا إياه، وبعد ما يقارب النصف ساعة توقف أمام مبنى أبيض اللون يشبه المشفى
قرأ كريم اللوحة المكتوبة بخط عربي كبير لتتسع عينيه برعب أشد واقوى وقد أصابته حالة هيسيريا من الهلع :
-لا يا حمزة لا بالله عليك بلاش ترموني هنا
ولم يستمع له الآخر رغم انشطار فؤاده على أخيه الصغير، ولكن هو من اختار ذلك الطريق ليتحمل النتائج إذًا
سحبه بعنف وصعوبة من داخل السيارة والآخر يقاوم ويصرخ وكأن أصابه الجنون :
-بالله يا حمزة بلاش مصحة عالجوني في البيت وانا موافق بلاش مصحات بلاش
وبسبب مقاومته الشديدة هذه جرح بأظافره كفيه فتركه سريعًا وقام بتكبيله بذراعيه بقوة، صارخًا في الموجدين بأن يحضروا ممرضين حتى يساعدوه، شعر كريم بالفزع والتعب لكثرة المقاومة خاصةً أن جسده خامل يحتاج لجرعة
وكل هذا أدى إلى سقوطه أرضًا من بين ذراعي حمزة على ركبتيه، فقام بضم قدميه يترجاه كطفل صغير يترجى والده ألا يتركه هنا بمفرده ويذهب :
-متسبنيش يا حمزة هموت والله لو قعدت هنا، انت متعرفش بيعملوا ايه في المصحات دي مقبرة محدش بيطلع منها
كان يهزي بشكل هستيري والدموع لطخت وجهه ليس وكأنه شاب في العشرين من عمره، ومع كلمة ينطق بها يشدد بذراعيه على قدمي حمزة ويأن من شدة الألم الذي يشعر به
سالت دموع حمزة على أخيه الصغير، يعلم مقدار الألم والخوف الذي يشعر به الآن ولكن إن تركه لن يتعالج، ليس كل من قال سيترك المخدرات ولن يعود إليها ينفذ بصدق، ما كانوا حينها ليطلقوا عليهم مدمنين، والمدمن هو من اعتاد شيئًا ولا يستطيع الإنسلاخ عنه
ابتلع لعابه كشفرات مسننة يرى اقتراب الممرضين حتى يأخذوا كريم فأشار إليهم بالتوقف ثم هبط على ركبتيه أمامه وعانقه بقوة وقد بادله الآخر العناق متمسكًا به ولازال يردد جملة ألا يتركه هنا والشهقات المرتفعة تشق صدره
ربت عليه بحنو شديد معاكسًا للنبرة القوية التي تحدث به :
-متخافش مش هسيبك ودي انضف مصحة في البلد علشان تتعالج كويس، انا مش هسيبك يا كريم وده وعد من أخ لاخوه، مش هسيبك غير لما تتعالج ولو هنبيع اللي ورانا واللي قدامنا في سبيل إنك ترجع لينا زي الأول
أشار بعينيه إلى الممرضين حتى يأتوا ويأخذونه بينما كريم وبعد حديثه هذا شعر بأيدي تسحبه وذراعي حمزة يفلتانه لهم، فصرخ بقوة وهيجان وهما يجرانه معهما رغمًا عنه وقد شعر أنه كالثور المسحوب نحو ناحِره
ظل حمزة ينظر له حتى اختفى من أنظاره وقد تجمدت الدموع داخل مقلتيه لا يصدق أن كريم الصغير ألطف من بالعائلة يفعل هذا، شعر بيد تربت عليه ثم صدح بها صوت هادئ رزين يطمئنه به :
-متخافش يا حمزة كريم هيتعالج ويرجع كويس، إسماعيل كان دفعتي ووصاني عليه
وأجابه الآخر بنبرة جامدة رغم الرجاء الذي ظهر في عينيه :
-مش عايز حد يعرف إني كريم في الصحة، يتعالج بسرية مش عايز غلطة عملها تدفعه مستقبله كله
وقضى أيامًا داخل جدران المصحة يشعر بتفتت عظامه، لا يعلم الليل من النهار، وقد صدق حمزة ولم يتركه، إذ كان يوميًا يجلس معه، يطعمه الطعام بنفسه، وكم عانى معه بسبب انفعالاته وتحمل ضربات وسبات وجروح حتى أنه كاد يخنقه في يوم من الأيام بسبب الهيجان الذي اجتاحه وهو كان أكثر من صبور معه
ربما كان يرى حمزة أكثر من أي شخص، لا يقول أن عائلته لم يكن لها دور، قد ساندوه كثيرًا ولم يتركوه ولكن حمزة أكثر من سانده وكان له عكاز يستند عليه ولا يشتكي حمله
انقضت هناك الأشهر ببطء مميت وكأنها قرون حتى أنه لم يحضر اختبارات الجامعة وضاع عام من حياته في سبيل أن يتعالج، وربما لو لم يكن حمزة يوميًا معه وذلك الطبيب يكون صديق لإسماعيل لمكث هناك إلى أرذل العمر، فليس كل المصحات تعالج بأمانة فأغلبهم يأخذون البشر هناك كتجارة يستفيدون من بقائها...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ولج إلى جهاز أمن الدولة بخطوات واسعة غاضبة وكأنه يود دك الأرض من أسفله وخلفه يهرول مساعده، وقد كانت خطواته تعلم إلى أين هى متجهة، إذ اقتحم إحدى غرف الاستجواب والتي تنقسم إلى نصفين
كل نصف عازل للسمع مطل على الآخر يفصل بينهما جدار زجاجي يظهر على ناحية بعضًا من الضباط الجالسين بإستماع لما يقال في الغرفة الأخرى من خلال الأجهزة، وقد أبصر بها رجلين جالسين تفصل بينهما طاولة مستطيلة الشكل وأحدهما سيد ذلك الشاب المشتبه به
وقف أحد الضباط متعجبًا وجوده فهو قد طالب بأجازة بعد إنهاء مهمته :
-بتعمل ايه هنا يا سفيان؟!
-صالح فين؟؟
هتف بها بنبرة قوية حادة فأجابه الآخر وهو يشير إلى الحائط المقابل له :
-في الأوضة اللي جنبنا بيستجوب المتهمة التانية
خرج سفيان ولم يهتم بإغلاق الباب بل اتجه إلى الغرفة التي أشار إليها، فاتحًا الباب على مصرعيه بعنف مسببًا الفزع لمن بالداخل، لم يلقي أي بال لهم بل أكمل طريقه للغرفة التي يستجوبوا بها هاجر وقد ابصرها مقيدة اليدين، معصوبة العين، يبدو الرعب والألم على ملامحها رغم عدم رؤيته لعيناها
ضُمرت النيران داخل صدره عندما استمع لصراخها والذي صدح فجأةً وقد رأى صالح كاد يتجه نحوها لولا دخوله المفاجئ عليه، اتجه نحوه كأسد طليق دافعًا إياه بعنف نحو الجدار، قابضًا على تلابيب ثيابه ثم هدر بغضب :
-تراضاها على اختك إنها تتعامل بالشكل ده زي الحيوانات المسعورة، مش هتبطل طريقتك الهمجية دي يا صالح
دلف بسرعة البعض من زملائه يفكون بينهما لينفض سفيان صالح من بين يديه ولا تزال نبرته مرتفعة غاضبة رغم أن ما سيقوله قد يضر مهنته ومكانته في الجهاز :
-دي مش متهمة أصلًا اسمها اتحط بالغلط والشاهدة اللي شافت السفاح في الجامعة اثبتت إني السفاح راجل مش ست
بدا الجميع متفاجئًا ليس فقط مما يقول بل من هجومه بغتًا على صالح، ودلوفه الغوغائي عكس شخصية سفيان التي لطالما كانت تميل للبرود، اتجه سفيان نحو هاجر التي كانت تحاول فهم ما يجري حولها وعصبة عينيها لا تساعدها على الرؤية
لامس كفيها حتى يفك وثاقها فانتفضت مكانها رغم عدم استطاعتها على الوقوف هاتفة بنبرة مرتعبة :
-لأ لأ معملتش حاجة والله ما قتلت حد كفاية بقى كفايــــة
سب سفيان صالح في سره ثم صاح بصوت مسموع وهو ينزع عنها العصبة السوداء المحيطة بعينيها لتظهر له حدقتيها البنية والتي انتشرت العروق الحمراء حولها، كما ظهر جفنيها متورمين لشدة البكاء :
-متخافيش محدش هيقرب منك
فك واثاقها بسرعة وساعدها على الوقوف فسقطت بقوة أرضًا مع أول خطوة له مطلقة صرخات قوية متألمة وهى تمسك ببطنها المسطح بينما سفيان تعلقت عينيه بالمقعد والذي ظهرت عليه الدماء مكان جلوسها وكأنها كانت تنزف...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الرابع وثلاثون 34 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
"مقتطف مستقبلي"
شعرت بإكتفاء من النوم لتفتح عينيها بعدما كانت تتململ دون فائدة، تأوهت بخفة عندما أصاب حرف الوسادة جرحها القابع في جنبها، رفعت طرف منامتها تحدق في الشاش الأبيض الذي يحيط بطنها المسطح والذي يتم التغيير عليه يوميًا ولكن لم تمتلك الجرأة في يوم لتنظر لبشاعة الجرح، يكفي ملامح والدتها الآسية حين نظرت هى له
اعتدلت ببطء على الفراش وهى تتلفت بحثًا عن هاتفها فيبدو أنها نامت كثيرًا وهذا بعد أن ظلوا لساعة متأخرة يشاهدون المنشورات والفيديوهات التي ينزلها الناس على مواقع التواصل الاجتماعي داعمين لها بعد أن ساهمت رقية في نشر اعترافات الطلبة في تعاملها معهم.
والأغلب وصفها بالطيبة رغم القوة، بالمرح رغم الشدة، وأنها كانت صديقة قبل أن تكون معلمة رغم كونها كانت تتعامل مع المخطئ بطبع صعب
سارت ببطء نحو الخزانة الصغيرة عندما ابصرت هاتفها على الشاحن متذكرة أن بطاريته نفدت البارحة، مرت من أمام المرآة وقد استدرات إليها بمحل الصدفة وقد أتت بعقلها ذكرى غير حميدة بالمرة للدقائق التي مرت عليها كالجحيم في حجز النساء
اقتربت من المرآة بخطى بطيئة وهى تنزع بندانة من النوع السوري تضعها في العادة على رأسها تخفي بها خصلات شعرها حتى إن كانت بالمنزل، فقد اعتادت على الأمر، نزعت البندانة ببطء وقلبها يقرع بخوف من رؤية حالة شعرها فهى تتذكر أن بعض الخصلات تقطعت بين ايديهن حين ضربوها
فكت جدائلها ترى كم خف شعرها بعد أن انتزعوه من جذوره، ادمعت عيناها بحسرة شديد فقد ظلت لسنوات تعالج شعرها من التلف والتقصف حتى يقضوا عليه في دقائق، تكاد تجزم أنهن قطعن نصف شعرها
فُتح الباب وولجت والدتها تنادي عليها حتى توقظها، وقد توقفت الكلمات في حلقها عندما وجدتها تجلس أمام المرآة كاشفة شعرها، علمت أنها أصبحت على دراية بما حدث لشعرها فأولئك الحقيرات قد قطعن نصف خصلات صغيرتها
اقتربت منها بسرعة عندما وجدتها على شعرة من الانفجار في بكاء مرير، وما إن أصبحت بين أحضانها حتى أخذت نور تبكي بقوة بين أحضان والدتها الحنون والتي أخذت تربت على ظهرها بحنو رغم شعورها بالقهر عليها :
-هيطول تاني متزعليش، عند ربنا يا بتي قادر يجيبلك حقك من كل اللي ظلمك
دلفت براءة حتى تخبر نور أن هناك من ينتظرها في الخارج ولكن عندما وجدت هذا المشهد حتى توقفت قليلًا تحدق في نور الباكية بشفقة، وبعد دقيقتين اقتربت منهما حتى تهدئ الأجواء هاتفة بمزاح :
-ده بدال ما تجيبي للبت فطار يا خالتي قاعدة تبكي معاها
رمشت الأخرى بأهدابها وهى تضم ابنتها أكثر لتقول براءة وهى تسحب نور منها :
-خلاص يا ست هتفطسيها سيبها بقى أغير على الجرح وروحي شوفي حاجة تاكلها
انصاعت صفية لحديث براءة لتميل قليلًا على ابنتها طابعة قبلة دافئة فوق جبينها ثم قالت بحنو بالغ :
-متزعليش يا ماما وتحطي في نفسك قولي يارب
-يارب
همست بها الأخرى دامعة العينين والتي استحلت اللون الأخضر الباهت بعدما كانت عسلية، يحيط حدقتيها الجفون الحمراء، تركتها صفية وخرجت حتى تحضر لها شيئًا تأكله بينما سحبت براءة كيس الأدوية والشاش والقطن ذو اللون الأبيض ثم جلست على الفراش مقابل المقعد الذي تجلس عليه نور مستعدة لتغير الجرح
رفعت نور منامتها وهذه المرة أرادت أن ترى الجرح وكم هو سئ وليتها لم تراه، ليتها استدرات الناحية الأخرى ككل مرة، كانت تظنه جرح صغير لطعنه نافذة لكنه كان أبعد من هذا إذ أن المرأة التي طعنتها اتخذت جسدها كدجاجة على وشك تقطيعها فسارت بالسكين بعد أن غرزته داخل جسده
اهتز جسدها وكأنها تعيش الألم للمرة الثانية لتطلق آهٍ غير متوقعة بالنسبة لبراءة إذ ابعدت يديها بسرعة وظنت أنها أصابت الجرح دون إدراك منها ولكن انفجار نور بالبكاء بعدها جعلتها تدرك أن الألم الذي تمر به الآن في عقلها فقط
وعلى ناحية أخرى خلف الحائط الذي يفصل الغرفة التي يجلسان به عن غرفة حمزة، كان متواجدًا بالغرفة فوق الفراش وفي يده قضية نور يعمل على تفاصيلها بجد
وحين استمع لصرختها تلك ترك الأوراق من يده مطرقًا السمع، وهذه المرة وقف من مكانه فقد استمع لصوت بكائها منذ دقائق ولكن كريم منعه من التحرك تحت بند أنه لا يجوز، ومنعه كريم هذه المرة أيضًا إذ وقف بسرعة عندما وجده يهم بالخروج من الغرفة ثم قال :
-انت يا بني آدم انت رايح فين؟!
وأجابه الآخر عاقدًا الحاجبين وقد صدح بكاء نور على الناحية الأخرى :
-انت مش سامعها من وقت بتبكي وتصرخ أكيد حصلها حاجة انا هسأل عليها بس
ركض كريم ووقف أمام الباب لا يصدق ما يقوله أخيه والذي على الأرجح أصابه جنون يدعى الحب :
-وتروح هناك بصفتك مين؟! هو انت علشان المحامي بتاعها هيبقى ليك الحق تدخل حتى في حياتها الشخصية
جلس حمزة على الفراش متأفئفًا، ضائق الملامح، عاقد الحاجبين فقال كريم :
-حمزة متنساش ابوها قالك ايه إمبارح
-سمعت عن حاجة اسمها غض البصر
نطق بها حمزة وهو يسحب هاتفه يرن على رقم نور، متذكرًا تلك الجملة التي رماها علي له بذكاء وكان الآخر من الفطنة التي يجعله يدرك مقصدها، هو يظنه ينظر إلى ابنته من باب الخبث والنوايا السيئة، ولا يستطيع لومه ولا أيضًا يستطيع التبرير فهل يقول له أنه يحب ابنته، لن يسير الأمر أبدًا على يرام إن قال هذا
أما على الناحية الأخرى كانت هدأت نور قليلًا مستغفرة ربها تارة وتقول حسبي الله تارة، أنهت براءة التغيير على الجرح ثم رفعت بصرها لجرح رأسها ثم أخذت تغير عليه هو أيضًا بينما تقول :
-هاجر برا جات تسأل عليكي
ابتسمت نور بسمة هادئة وسط دموعها التي جفت على وجنتيها :
-طب والله فيها الخير
انتظرت حتى تنتهي براءة ثم تخرج، وأثناء هذا الإنتظار رن هاتف براءة داخل جيبها وعندما أخرجته ظهر اسمه مكتوبًا باللغة الإنجليزية وبجانبه ايموجي بارد وسكين "Youssef🔪🙂"
ضحكت نور ضحكة خفيفة عندما ابصرت الاسم بطرف عينيها لا تصدق عقل ابنة عمها المجنونة، هل هكذا تكتب اسم خطيبها في الهاتف؟ وهل ذلك المسكين يعلم؟!
نقلت براءة بصرها ناحية نور بعد أن اغلقت الهاتف في وجه يوسف فهى ليست متفرغة الآن :
-ايه اللي يضحك؟!
-طب ليه السكينة طيب
ورفعت الأخرى منكبيها ثم أجابت بنبرة غير مبالية :
-عادي ما انا مش بحب القلوب ولا كلام المراهقين دي
-قوم تحطيله سكينة!؟
رن الهاتف مرة أخرى فقالت نور وهى تكمل لصق الشاش الطبي لنفسها أمام المرآة :
-ردي يا اختك ضحكتوني في عز همي
وأجابت الأخرى وهى تبتعد قليلًا ليقول يوسف على الناحية الأخرى متسائلًا :
-انتي كنسلتي ليه؟؟
-كنت بغير على جرح نور
-طب اديها التليفون حمزة عايز يكلمها ومش عارف علشان تليفونها مقفول
-لا والله وبقينا انا وانت مرسال بقى؟! قول لولد عمك يتهد شوية علشان عمي علي اخد باله ومعداش الموضوع على خير
نطقت بها ساخرة وهى تنظر ناحية نور التي انتبهت لما يقال عندما ذكرت اسم والدها، عقدت حاجبيها بتعجب عندما مدت الأخرى لها الهاتف بمعنى تحدثي، وما إن وضعت الهاتف على أذنها حتى استمعت إلى صوت حمزة الجاد وهو يقول :
-نورهان باباكِ قالك حاجة إمبارح بعد ما مشيتوا من عندنا؟!
انغلقا جفون الأخرى بإرهاق تتذكر حديث والدها لها عن حمزة وعن إن كان يتحدث إليها في الفترة التي كانت تجلس بها في بنايتهم :
-سألني عنك وعن إن كنت بتتكلم معايا قبل كده وعن تعاملك عمومًا
-وقولتيله ايه؟!
-هقوله ايه يعني هو انا كنت بتكلم معاك أصلًا
همهم حمزة مفكرًا في أمر جنوني قليلًا ثم قال :
-تمام أدي التليفون لبراءة علشان يوسف عايز يكلمها وبلاش تبكي يا نور عينيكي هتبدل وتتنفخ وانا عايزهم حلوين زي عادتهم
قلبت الأخرى عينيها مبتسمة بشكل غير إرادي فمن تستطيع أن تقاوم مثل هذا الحديث المعسول دون الابتسام، تجاهد حقًا حتى لا يغويها الشيطان أكثر لكن الآخر لا يتوقف عن جنونه هذا :
-سلام يا حمزة وكفايا ذنوب كفايا بقى
أعطت الهاتف لبراءة دون الإستماع لإجابته ثم ارتدت خمار الصلاة فوق منامتها حتى تقابل هاجر تلك الفتاة الطيبة اللطيفة والتي سقيت من مُر الحياة كؤوسًا، تشفق عليها حقًا ربما أكثر من شفقتها على نفسها
ابتسمت بهدوء عندما وقفت هاجر حتى تصافحها ولكن نور عانقتها بذراع واحد نظرًا لأن الآخر مكسور، شاكرة إياها بإمتنان حقيقي :
-شكرًا يا هاجر على وقوفك جنبي بجد سواءً دلوقتي أو قبل كده لما سخنت واخدتيني المستشفى
ربتت هاجر على ظهرها بخفة ثم أردفت بنبرة صادقة :
-انتي تستاهلي الخير يا نور بس الدنيا مش بتضحك لكل الناس وانا أكتر واحدة حاسة بيكي وبالظلم اللي عشتيه
ابتعدت عنها قليلًا ثم استرسلت بمزاح :
-يا ستي احمدي ربك إنك كنتي في قسم عادي انا كنت في أمن الدولة انتي فاهمة يعني ايه أمن دولة؟!
ضحكت الأخرى بشئ من السخرية، فذلك القسم الذي تتحدث عنه قضت به دقائق من العذاب حتى تمنت وهى تتلوي بين أيديهن أن يقبض الخالق روحها عسى كانت ترتاح من ذلك الألم الذي كان يجتاح كل خلية بها
فهمت هاجر هذه النظرات لتجلس على الاريكة متذكرة ما مرت به والذي لم تفصح من قبل عنه لها :
-صدقيني يا نور الظلم اللي انتي شوفتيه ميجيش حاجة من اللي انا شوفته هناك، مش بيقولك اللي يسمع بلاوي الناس تهون عليه بلوته
-طب احكي ادينا فاضيين
-مش عايزة انكد عليكي يا حبيبتي بلاش احكي
أصرت نور على أن تسمعها ليس لروي فضولها أو ما شابه فهى ليست بفضولية، وإنما لا تريد أن تجلس لبقية اليوم تفكر فيما سيحدث غدًا يوم المحاكمة :
-لا قولي اهو زي ما قولتي يمكن لما اسمع بلوتك تهون عليا بلوتي
لاحت على شفتي هاجر ابتسامة حزينة ظهرت في عينيها قبل شفتيها، تتذكر كم الظلم الذي عانته في تلك السويعات في اشنع مكان قد يطأه إنسان، فما بالك وتلك المقبرة البشرية التي يطلقون عليها الناس "الداخل بها مفقود" وهو مفقود بالفعل
كم من أناسٍ اختفت في ذلك المكان ولم تظهر إلا بعد سنوات طويلة، ومنهم من لم يعد إلا ميتًا، ومنهم من لم يعد من الأساس، ذلك المعتقل والذين يعملون به عديمي الرحمة
ومنهم ذلك الضابط الذي قبض عليها وقد اذاقها الويل بالضغط النفسي والعصبي حتى أنه قد ضربها وكل هذا وهى معصوبة العينين، لم يرأف بحالها وبخوفها وكونها امرأة قليلة الحيلة لا سند لها، حتى أنه لم يرأف بمرضها ونوبات الصرع التي اتتها مرتين متتاليتين في أقل من أربعٍ وعشرين ساعة
لا تعلم كيف عاد لها ذلك المرض اللعين وهى قد شفيت منه منذ سنوات مع أمراض الهلاوس والتهيؤات، ولكنه عاد مرة أخرى وقد كانت تظن أنه بسبب حالة الرعب التي عاشتها ولكن اتضح لها لاحقًا أنه عاد إليها بسبب آخر وهو نفسه السبب الذي جعلها مريضة صرع في أول مرة
تتذكر عندما آفاقت من النوبة الثانية، جسدها بارد كقطعة ثلج، هناك آلام تطحن في رحمها من قوية التشنجات التي مرت بها، سالت الدموع من عينيها المعصوبتين بحسرة شديدة، تشعر أنها ستفقد جنينها فلن يتحمل نوبة أخرى
صدح صوته الحاد مرة أخرى وهو يسألها نفس السؤال للمرة التي لا تعلم عددها حتى بدأت تراودها أفكار مجنونة بأن تعترف بالفعل فهو لا يصدقها وعلى الأرجح لن يفعل :
-ها يا هاجر مش ناوية تبقى شطورة وتعترفي بقى
هزت رأسها بقلة حيلة مجيبة إياه بنفس الإجابة فلا تمتلك غيرها :
-والله ما عملت حرجة، حلفت لك بربنا أعمل إيه تاني
أخذت تبكي بقوة لربما يرأف بحالها ولكن الآخر لم يرف له جفن فأغلب من يعملون في هذا المجال بالتحديد يتركون مشاعرهم في المنزل قبل أن يأتوا إلى العمل، هذا إن امتلكوا أي مشاعر من الأساس
طرق على الطاولة الحديدة بقوة انتفضت لها الأخرى، مرهفة السمع لما يقول :
-يعني انتي لما تحلفي هصدقك مثلًا؟! ثم أصدق واحدة مجنونة ازاي ده انتي مريضة هلاوس وتهيؤات وصرع ما شاء الله يعني عندك بلاوي
لم تشعر من قبل بمثل هذا الذل والإهانة فهل يدعوها بالمجنونة بسبب مرض لم يكن بإرادتها، وحتى لم يكن ابتلاء من الله لحمدته حينها، بل كان ابتلاء سعاد التي كانت تضع لها أدوية في الطعام تجعلها ترى وتسمع هلاوس لا واقع لها
حتى أنها وضعت لها سم يدعى الدومويك حتى تقتلها به ولكن حياتها البائسة متمسكة بهذه الدنيا فلم تمت وإنما ابتليت ببلاء آخر ألا وهو مرض الصرع
ازدردت لعابها الجاف بصعوبة شديدة فلم تأكل ولم تشرب منذ أكثر من عشرين ساعة، كما أن هناك آلام تأفك برحمها :
-مش معنى إني كنت مريضة اني ابقى قتالة قتلة
-بس انتي حاولتي تقتلي فعلًا، حاولتي تنتحري ست مرات ومش عارف بصراحة انتي ازاي لسه حية لحد دلوقتي؟! وحاولتي تقتلي عيلة الدخيلي أثناء نوبة من نوبات جنونك حطيتي ليهم منوم كلهم وربطتيهم في كراسي واستنيتي لما فاقوا وفتحتي أنابيب غاز حتى كنتي ناوي تموتي معاهم لولا اني زوج واحد من بنات عيلة الدخيلي أنقذ الموقف
احتدت نظراته بشدة يرى خوفها الواضح مما قال :
-بصراحة كنت إمبارح ناوي أصدق إنك مش السفاح بس بعد ما وصلتني التحريات دي من ساعة بدأت أشك أكتر إنك السفاح يا مدام هاجر
لا تعلم حقًا كيف علم بهذا الأمر فقد تكتم حاتم عليه وهدد الجميع بألا يفصحوا عنه حتى الخدم، بهت وجهها وهى تشعر بسائل يسيل من بين قدميها، شعرت بتيبس في جميع عضلات جسدها وعقلها دق بناقوس الخطر فها هى تفقد جنينها، وللمرة الثالثة تُحرم منه حتى قبل أن تراه
اهتز جسدها بعنف فوق المقعد تحاول تحرير نفسها ورأسها يهتز يمينًا ويسارًا ولسانها يردد كلمة "لا" مرارًا بخفوت وكأنها لا تصدق أنها ستخسره
قطب صالح جبينه وقد شعر أنها ستتعرض لنوبة صرع أخرى ولكنها بعد لحظات أطلقت صرخة قوية وكأنها روحها ترحل من جسدها، فزع منها بشدة وكاد يتحرك نحوها وقد استوقفه هجوم سفيان عليه هذا بعد أن فتح الباب بعنفوان شديد
أما هاجر استمعت لأصوات كثيرة ولكنها لم تغطي على ذلك الألم الساحق برحمها، وينافسه ألم أشد في عقلها لخسارتها لجنينها، ربي لما لا تكتمل لها فرحة؟! لما تعاني كل هذا العذاب؟ ما الجُرم الذي اقترفته لتكفر عنه بهذه الطريقة
انتفضت في مكانها عندما شعرت بيدين خشنتين تلامس يداها فصرخت بقوة وعقلها لا يترجم أي شئ وكأنه أُغلق تمامًا :
-لأ لأ معملتش حاجة والله ما قتلت حد، كفاية بقى كفايــــة
ومرت ثانيتين ثم ازيل الشريط من فوق عينيها ليقابلها الضوء الشديد والذي أذى عينيها بعدما اعتادا على الظلام ولم ترى من أمامها أو ماذا قال، فقط شعرت به وهو يفك وثاق يديها ورفع جسدها من على المقعد ولكن تلك الحركة البسيطة جعلت الألم يزيد أكثر فسقطت على ركبتيها مطلقة صرخات متألمة وهذه المرة شعرت أن هناك سكاكين حادة تخترق احشائها
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
كانت تقود السيارة بسرعة والحماس يدق أوصالها وقد أفادها أن الأمطار قد توقفت، رن هاتف يونس في يدها والذي أخذته معها بعدما علمت أخيرًا هوية السفاح الحقيقية، كان المتصل يوسف ولكن توقعت ان يكون يونس لذا لم ترد، فإن اجابت ستستمع للكثير من السباب منه لأنها أخذت هاتفه وسيارته بل وانطلقت كالقذيفة نحو منزل السفاح
ارتفع الرنين كثيرًا لذا اجابت مضطرة وللعجب كان يوسف والذي صاح بها غاضبًا أن تعود، ربما أول مرة يتحدث بذلك الغضب والصوت المرتفع :
-انتي فين يا رقية ارجعي حالًا
-لا بالله عليك يا يوسف انا مش هرجع غير لما اتكلم معاه، حتى مش هبين أني عارفة انه هو السـ
-مطلعش هو السفاح يا هبلة
توقفت رقية بالسيارة بشكل مفاجئ ولوهلة توقعت انه يقول هذا حتى تعود ولا تعرض نفسها للخطر :
-انت بتهزر صح!؟
-مش بهزر بعد ما مشيتي قالت اسمه ومطلعش اللي اسمه عادل
-احلف!؟ قالت اسمه؟ طب هو مين؟؟
نطقت بها بحماس متجدد بعدما حطم الآخر آمالها، وقد حطمها مرة أخرى عندما قال :
-مش هقول غير لما ترجع وربع ساعة وألاقيكي قدامي
أغلق في وجهها وبدا حقًا غاضب بشدة على غير العادة، شغلت السيارة وهمت أن تديرها وقد صدح صوت هاتف مرة أخرى وهذه المرة كان الصوت من المقعد الخلفي، اتسعت عينيها تبصر حقيبتها التي أخذها يونس منها بعدما مشاجرتهم بالأمس وقد كان الهاتف داخل الحقيبة
سحبت الحقيبة بسرعة وفتحتها لتجد عمر هو من يرن، ازدردت لعابها بتوتر وقد فكرت كثيرًا في عدم الإجابة فلا تزال تشعر بالذنب لأنها خبأت عن عائلتها
ولكنها اجابت بعد المكالمة الثالثة وقد استمعت إلى صوته الغير متزن وقد اختلط بأصوات رجولية كثيرة :
-انتي مش بتردي ليه يا ولية مش بتصل انا
ابعدت رقية الهاتف عن أذنها ونظرت له بتركيز حتى تتأكد أن هذا رقم عمر :
-عمر هو ده انت؟ بتتكلم كده ليه؟!
-اومال سِتُه انا عايز اشوفك
-مش هينفع
نطقت بها بهدوء شديد فلا تريد أن تراه الآن، ليس بعد أن مر فقط يوم على مشاجرتها مع اخويها، وإن اكتشفوا أنها عادت تقابله مرة أخرى فلن يمر الأمر مرور الكرام أبدًا وسيكون لهم الحق في أي شئ يفعلانه حينها
عقدت حاجبيها بقلق وهى تستمع لصوته وقد بدا ثملًا أو ربما منتشيًا وفي كلتا الحالتين عمر لا يفعل هذا :
-لا لازم تيجي ضروري انا اكتشفت حاجة جديدة عن السفاح
لم تهتم بما قاله قدر اهتمامها بنبرته هذه، إذ انطلقت بالسيارة نحو باقوس هاتفة بجدية :
-انا جاية متقفلش خليك معايا على الخط
وبعد ما يقارب النصف ساعة هبطت من السيارة في حارته وفي يدها الهاتف ولا تزال تستمع إلى صوته، لم تستمع إلى اخويها بالابتعاد عنه وعدم الاقتراب منه مجددًا لكونه نسيها، حاولت والله ولم تستطع فالحب كالرصاص دلوفه إلى الجسد مؤلم لكن إخراجه أشد ألمًا ألف مرة
تحدثت في الهاتف وهي تنظر حولها لا تدري أين هو :
-عمر انت فين؟ قولي انت فين؟؟
ومرة أخري استمعت إلى صوته الثمل هذا مرددًا :
-انا فين؟ انا فوق السحاب علشان فيه هنا دخان كتير
-دخان!؟
هتفت بها متعجبة ليهديها تفكيرها إلى المقهى الشعبي الذي يجلس فيه كل يوم وعندما ذهبت هناك وبحثت عنه في الأوجه لم تجده فارتكنت إلى أحد الجدران تحاول أن تأخذ منه جملة واحدة مفيدة تعلم بها أين هو :
-يا عمر بلاش توجع قلبي قولي انت فين
أجابها الآخر بصوت ثمل ضاحك :
-انا في جهنم تقريبًا علشان قاعد جنبي ابو لهب ومن الناحية التانية اخوه ابو جهل
عقدت الأخرى حاجبيها تحاول ربط كلماته هذه، دخان ويجلس بجانب أناس مخيفون على الأرجح، صوت ضحكات عالية مختلطة بأصوات رجال خشنة :
-هو انت محجوز في القسم ولا في غرزة، اتمنى يبقى الاختيار الأول علشان هتصدم من التاني
وآتاها صوته متفاجئًا إذ قال :
-ايه ده هو انتي تعرفي يعني ايه غرزة صدمتيني بصراحة!؟
ضربت الأخرى جبينها تحاول البحث عنه لكنها لا تعلم أماكن مثل هذه، ولم تذهب إليها من قبل، ولا تعتقد أنها قد تجده فمثل هذه الأماكن تكون مختفية عن الأنظار :
-قاعد في غرزة وأبوك كان لواء وأخوك ظابط ده لو أبوك حي كان اتبرى منك
توقفت بصدمة وهبطت يدها بالهاتف، تبصره يجلس بين أناسٍ مخيفون بحق، أجل ليس يشرب مثلهم لكن كثرة الدخان الموجود جعلته منتشي بهذه النباتات المخدرة على الأرجح
لم تصيح أو تناديه بأسمه بل رفعت ذونت سترتها وغطت رأسها بها مختفية أسفلها ودلفت إلى الداخل حتى تسحبه من بينهم، بينما عمر كان يجلس بينهم مبتسمًا ابتسامة ناعسة وفي عقله كان يطير بين الغيوم وسط سربٍ من البط المهاجر
قبل أن يشعر أن هناك شئ يسحبه للأسفل يزعج طيرانه، نفخ بضجر وهو يبعد هذه اليد صائحًا :
-ايه الإزعاج ده ما تسيبونا نطير بسلام
ضربته الأخرى على رأسه وهي تكتم فمها بمنديل حتى لا تستنشق هذا الدخان فتصبح النتيجة الجلوس معه في هذا المكان يغنيان إحدى أغاني أم كلثوم طوال الليل :
-نطير ايه ده انت هتطير في داهية لو أخوك شافك كده، قوم معايا
حاولت سحبه لكنه كان ثقيل بل وسقطت بجانبه عندما امسك بذراعها وسحبها للأسفل فسقطت أرضًا بجانب المقعد وقبل أن تصرخ به قال عمر بهمس مشيرًا إلى أحد الموجودين في المكان :
-شايفة الراجل ده أبو دقن طويلة وقرعة بيضة
نظرت رقية إلى الرجل الذي يشير إليه مرددة :
-مين ده؟!
-ده يبقى السفاح
اتسعت عيني الأخرى بصدمة قائلة :
-طب احلف!؟ عرفت ازاي؟؟
-الراجل ده من أول القعدة بيقول انا قتلت ودبحت وسلخت فقولت بس أكيد ده السفاح
نظرت إليه الأخرى بحاجب مرفوع قائلة :
-انت عايز تقنعني اني السفاح اللي مدوخ الشرطة والرأي العام ومحدش عارف يمسك عليه خيط واحد يبقى الراجل الحشاش المعفن اللي هناك ده!؟
-اسمعي مني هو بعينه ده من وقت ما قعد وهو بيقول انا وانا وانا، وانا قاعد قباله سامع من الصبح اومال ايه اللي مقعدني في المكان المعفن ده
تنهدت رقية مجارية إياه إذ قالت :
-ماشي فرضًا انه هو هنعرف نتكلم معاه ازاي أكيد مش هنيجي قدام الناس دي كلها ونقوله في وشه كده انت السفاح؟
-لأ سيبيها عليا دي
استقام عمر من فوق المقعد الخشبي المتهالك هذا ليأخذ نفس عميق مخرجًا إياه مرة واحدة في صرخته التي جعلت الجميع ينتفض في مكانه :
-كله يثبت في مكانه، المكان كله محــاصــــر
وقف الجميع مخرجين أسلحتهم البيضاء كالمطوة وغيره فشقهت رقية مختبئة خلف ظهر عمر، بينما الآخر نظر إلى كل هذه الأسلحة الحادة قائلًا :
-انا قولت المكان كله محاصر ايه طقم سكاكين الأضحى اللي طلع ده؟؟
حاول عمر كتم ضحكاته عندما شعر بيديها تتشبث في ظهره كقط مذعور فقال وهو يرفع يده دون أن تراه، يشير إليهم بأن يخفضوا أسلحتهم، ولم يستطيع أن يكتم ضحكاته أكثر عندما صاحت في محاولة واهية منها للخروج من هنا :
-يا جدعان إحنا لا بوليس ولا نيلة سيبونا نطلع من هنا
تعالت ضحكات عمر في الأجواء فهو يلعب عليها حتى يرى مكنون حبها له، يريد أن يرى إن كانت متمسكة به حتى بعد أن فقدها من ذكرياته، يلعب بنفس اسلوبها فلن يمرر كذبتها عليه هى وسفيان ومعاملته كدمية
وهو يحب رد الصاع بالمزاح لا بالانتقام لهذا أسلوبه كوميدي في نشر فضائح القوم
أما رقية لم تشك لوهلة به فظنت ضحكاته هذه بسبب انتشائه، حتى لم يأتي ببالها أن الدخان المحيط بها يخلو من أي مواد مخدرة فقد كان دخانًا عاديًا :
-هو انت بتضحك يا أهبل هيصفونا دلوقتي
استدار عمر لها وعلى شفتيه ابتسامة لعوب إذ قال :
-خايفة عليا يا روكا!؟
-أومال خايفة عليهم هما يا عم يلا نمشي
سحبته بعنف حتى يخرجوا من هنا وللعجب لم يقف في طريقهم أحد بينما كان عمر يسير خلفها يضحك بقوة متوقعًا فشل لعبته بسبب ضحكاته هذه وقد أصاب رقية الحنق الشديد من ضحكه المستمر فأستدارت له صارخة في منتصف الطريق :
-انت لسه بتضحك؟! انت ايه اللي وداك هناك من أصله، داخل غرزة يا عمر؟!
استند الآخر على الجدار محدقًا في عينيها السوداء الغاضبة بأخرى بنية حائرة، لا يستمع لهتافها بل يتذكر الصور والفيديوهات التي رآها تجمعهما سويًا، يتذكر كيف كانت نظراته لها كعاشق بينما هو في هذه اللحظة لا يشعر بشئ نحوها، يراوده سؤال شديد في هذه اللحظة
هل ينسى القلب محبوبه؟!
صاحت رقية بغضب عندما لم تتلقى منه إجابة فهى أتت له رغم تحذير اخويها، أتت له لأن قلب النساء أحمق والمشاعر تتلاعب به بسهولة، أتت وأخرجته من ذلك المكان البغيض وهو ينظر إليها صامتًا دون إلقاء كلمة
بدأت هذه العلاقة تستنفذ قواها، لقد تعبت من المحاولة بمفردها وخوض حربٍ لا فائدة منها، يبدو أن شقيقيها كانا على حق لم تعد تتحمل أن تبقى داخل عقله ذكرى مفقودة وهى تتلظى في النيران بمفردها :
-انا ماشية
همت بالاستدارة لتتوقف بشكل مفاجئ عندما قاطع طريقها شابين لا تبدو نيتهما حسنة، وها هى أحد صفات المناطق العشوائية _الشباب سيؤ السمعة _
تحدث أحدهما وهو ينظر بطرق عينيه لعمر الذي اعتدل في وقفته، ثم عاد بنظره إليها قائلًا :
-وماشية ليه بس لو منفعش معاكي نسد إحنا
دق الخوف أوصال رقية وارتابت منهما، وقبل أن تتحرك من مكانها وجدت قبضة قوية تقبض على ذراعها ثم سحبتها للخلف وقد كان هذا عمر والذي سحبها من أمامهما مخفيًا جسدها خلفه ثم قال وقد احتلت الحدة قسمات وجهه :
-ايه بقى مش وراكم حاجة فجايين ترخموا؟!
استند أحد الشابين بذراعه على كتف صديقه ثم قال :
-آه بصراحة فاضيين
تحدثت رقية من خلف ظهر عمر هامسة له وقد شعرت بالخوف عليه من أن يعاد نفس الأمر ويصاب عمر مرة أخرى، ألم تقل أن قلب النساء أحمق فها خائفة عليه بعدما كانت تنتوي الذهاب وعدم العودة مرة أخرى :
-عمر يلا نمشي من هنا، متردش عليهم يلا نمشي
-لا والنبي يا عمر استنى نرغي شوية
نطق بها أحدهما وهو يقلد صوت رقية فقال عمر بفظاظة تعلمها من الجلوس لأشهر في باقوس وقد، ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة لم تصل لعينيه :
-لا ما الرغي ده للستات وانا لما جيت الدنيا دي الدكتور قال لأمي مبروك جبتي ولد
امسك بعضد رقية وسحبها خلفه تزامنًا مع قوله :
-شوفلكم شوية حريم بقى ارغوا معاهم
-طب ما انتوا حريم يا اسطا اصل انا مش شايف هنا غير اتنين نسوان واتنين رجالة
شهقت رقية بصدمة لهذا القول، رامقة عمر بقلق فلن يصمت الآخر وهى لا تريده الاشتباك معهما، أما عمر لم تتغير البسمة الباردة من على وجهه ولو مقدار شعرة بل قال بهدوء وفضل عدم التشابك لوجود رقية فلا يريد أن يصلها أذى :
-لا غلطان يا اسطا اللي واقفين تلات نسوان وراجل واحد
وهذه المرة سحب رقية بعنف حتى يذهبوا وشعر بندم أنه أتى بها إلى هذه البقعة القذرة، بالله فيما كان يفكر حينها فها هي اللعبة تأخذ منحنى آخر
كانت رقية تنظر من حين لآخر خلفها خوفًا من أن يباغتوهما بضربة فلا تآمن ابدًا لبلطجي، توقف عمر بالقرب من البناية التي تقطن بها جدته وقد كانت هناك سيارة فارهة تقف أمامها، حدق برقية متسائلًا ان كانت هذه سيارتها :
-دي عربيتك!؟
-ايوه دي عربية أخويا
ترك يدها ثم قال بنبرة آمرة :
-طب اركبي ومتجيش المنطقة دي تاني لوحدك
-لحظة ازاي ده
رفع الآخر حاجبه من سؤالها الغريب هذا ولوهلة لم يفهم معناه لتقول الأخرى متعجبة حديثه العادي الآن بعدما كان يهزي منذ دقائق :
-ازاي بتتكلم طبيعي كده وكنت من شوية مسطول من دخان الحشيش؟!
-مسطول!! والله ما حد هنا مسطول غيرك ويلا اركبي عربيتك وامشي
فتح لها الباب حتى تدلف بينما الأخرى رفضت قبل أن تفهم إذ وقفت في المقابل له يفصل بينهما باب السيارة، تحدق في عينيه بغضب :
-انت كنت بتعمل ايه هناك أصلًا
-وانتي مالك دخلك ايه هو انتي مراتي
وها هو عمر الفظ يظهر مرة أخرى، كان يتعجب حقًا من لباقته وطريقته الهادئة في الحديث قبل ذلك الحادث ليتضح له لاحقًا أن نصف حديثه الوقح والفظ تعلمه من معاشرة الناس في باقوس، والنصف الآخر من سفيان بالطبع
اتسعت أعين الأخرى من رده هذا لتقول بغيظ شديد وهى تدفع الباب الذي ارتطم في قدميه بعنف ثم صاحت هى :
-طب غور بقى غور وانت رافعلي ضغطي طول الوقت، اقسم بالله خسارة إني موجودة في حياتك انا اروح اتجوز الدكتور اللي متقدملي ده اكرملي
ختمت حديثها متمتمة بينها وبين نفسها ولكن سمعها عمر وهناك شعور من الغيرة تدفق إلى عروقه، ربما لا يتذكر مشاعره نحوها ولكن كونها كانت خطيبته وأنه كان يحبها أعطاه شعور بالغيرة عليها من أن يتقدم لها رجل آخر، شعر في هذه اللحظة بأنها له وليست لأحد غيره
تحدث بسرعة قبل أن تدلف إلى السيارة قائلًا :
-عايزة تعرفي ليه كنت في المكان ده واتصلت عليكي علشان تيجي
نظرت له رقية بتركيز فأكمل الآخر وعلى شفتيه ارتسمت ابتسامة عابثة :
-علشان وحشتيني وكنت عايز أشوفك
ظن أنها ستسخر ربما أو تلتفت بلا مبالاة فعلم عنها في هذه الأسابيع أنها شخصية جريئة بسبب فضولها الشديد، وكان رد فعلها مناقض لما توقعه إذ استحت بشدة، فاركة كفيها ببعضهما، وهناك ابتسامة خجولة تسللت لثغرها الصغير
وقد حطم هذه البسمة حين قال مندهشًا :
-انتي مكسوفة بجد!؟ ده شئ غير متوقع
-وليه غير متوقع ان شاء الله!؟ مش بنت ولا مشبهش باقي البنات؟؟
نطقت بها بتذمر لاوية ثغرها بطريقة لطيفة وقد شعت ذكرى لهذا المشهد أمامه في إحدى الصور التي رآها، يبدو أنها لم تتغير مع مرور السنوات :
-لا انتي أحلى من كل البنات
أعادت رقية إحدى خصلات شعرها شديدة السواد خلف أذنها، وعاد الخجل واكتسح وجنتيها وقد أُعجب عمر بهذا الخجل كثيرًا ليقول بنبرة ضاحكة :
-عجبني كسوفك هبقى اكسفك كتير بقى
نبض قلب رقية لهذه الجملة والتي سمعتها منه قبلًا في حفل الخطوبة حين كانت خجلة منه في البداية، تسأل نفسها سؤالًا هل لا يزال هناك فرصة لعلاقتها مع عمر فيبدو أنه بدأ يتقبل وجودها في حياته حتى دون أن يتذكرها
لاح الحزن على عينيها عندما شعرت انها تخون ثقة يونس ويوسف حتى قبل أن تعود مرة أخرى، وقابلت عمر دون أن يعلموا مرة أخرى، امسكت مقبض الباب ثم دلفت إلى السيارة تزامنًا مع قولها :
-انا لازم امشي سلام
تعجب عمر للحزن الذي تمكن منها بشكل مفاجئ، ورغم تعجبه إلىٰ أنه قال عندما وجدها سترحل :
-هشوفك تاني!؟
ابتسمت له رقية بسمة سعيدة لأنه سأل هذا السؤال وهذا يعني أنها اخذت حيز من تفكيره، وقد ردت عليه بإجابة غير مباشرة، تزامنًا مع تشغيلها للسيارة :
-سمعت مقولة قبل كده كانت بتقول "رُب صدفةٍ خيرٌ من ألف ميعاد" دايمًا النصيب بيبقى أقوى من أي حاجة، لو في بلدين واحدة في الشرق والتانية في الغرب ومقدر لينا اننا نتقابل هنتقابل
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
صمت يخيم على المكان لا يقطعه سوى اصطدام حذاء سفيان بالأرضية السيراميكية للمشفى، زفر للمرة التي لا يعلم عددها محدقًا في السقف الأبيض وهناك شعور سيئ يتملك منه، إنه شعور الذنب بالطبع فهو السبب في حالة هاجر الآن لو لم يكن نسي قطع الورقة التي بها اسمها لما كان ظنها صالح من ضمن المشتبه بهم
اعتدل في جلسته فأصبح يستند بذراعيه على فخذيه وقد زادت طرقات حذائه على الأرض دليلًا على توتره فقد تأخرت داخل غرفة العمليات ولم يخرج أحد حتى يطمئنه إن كانت لا تزال على قيد الحياة
وظل ينتظر لربع ساعة أخرى إلىٰ أن خرجت الطبيبة فاستقام سفيان من مكانه منتظرًا ما ستقول :
-ها يا دكتورة هى كويسة دلوقتي؟!
-بصراحة لأ كون اني جالها نوبتين صرع وراء بعض ممكن حالتها تسوء أكتر ويحصلها مضاعفات وكما هى فقدت الجنين من شدة التشنجات اللي جاتلها والمفروض كانت تاخد بالها وبلاش حمل طالما هى بتعاني من صرع على الأقل لحد ما تخف
رمش سفيان بأهدابه بعدم استيعاب لكلمة حمل هذه ولكن سرعان ما تدراك الأمر فبالطبع كانت تحمل من زوجها قبل موته، تصلبت قسمات وجهه ثم قال بجدية شديدة عاقدًا كفيه خلف ظهره :
-طلعي تقرير بحالتها حالًا يا دكتورة وتهتموا بيها كويس وتدوني خبر لما تفوق
نظر إلى أمين خلفه ثم أكمل بنفس نبرته :
-تجيب التقرير وتجيلي حالًا انا هحول الرائد صالح للتحقيق ووالله لأوديه في داهية
تحرك من أمامهما وزاد شعور الذنب في صدره ولن يفرغ هذا إلا في صالح، أخرج هاتفه بعد أن قام بشحنه وقد وجد مكالمات فائتة من يونس، صعد إلى سيارته وقد أعاد الإتصال عليه ليأتيه صوت الآخر مختلطًا بصافرات الشرطة :
-انت فين يا بني آدم انت
-الشاهدة اعترفت؟!
نطق بها بصوت جامد وهو يدير سيارته فقال الآخر بقوة ما جعل سفيان تتسع عينيه وقد أوقف السيارة بسرعة قبل أن تنقلب :
-كاظم الدخيلي هو السفاح يا سفيان وانا اخدت قوة ورايح أقبض عليه
دارت حدقتي سفيان في المكان من حوله قبل أن يشغل السيارة مرة أخرى منطلقًا بها بسرعة شديدة :
-وانا هكون هناك حالًا اوعى الواد يفلت منك يا يونس
أغلق معه بسرعة متذكرًا المعلومات التي جمعها عن عادل والذي اتضح حين هموا بالقبض عليه أنه خارج البلد منذ ثلاث أيام أي انه وقت قتل فريال لم يكن موجود، كاظم يكون شقيقه وهو يشبهه كثيرًا في الشكل لكن لا يظهر بل عادل هو المتولي الرسمي لجميع ممتلكات العائلة
وفريال كانت خطيبة كاظم هو وهذا ما وصل إليه منذ ساعات، لقد كان المتهم الأول هو عادل ولم يأتي على باله أبدًا أن يكون كاظم والذي استغل المنطقة التي تمتلكها عائلته للتخفي بها، ولم يظهر حين مراقبه للمنطقة ولا مرة إلا حين قُتلت مروة وكان حينها في القسم، ثم ظهر بعدها عادل بمحل الصدفة
أما على الناحية الأخرى وحين أغلق يونس الهاتف هبط من سيارة الشرطة وفي يده سلاحه المعمر وخلفه قوة خاصة طلبها للدعم فهو لا يتعامل مع مجرم عادي سيتم إلقاء القبض عليه، وإنما هو سفاح قتل العشرات ولم يستطع أي أحد إمساك دليل واحد عليه وها قد سقط وأخيرًا
دلف في المقدمة وخلفه عدد من العساكر والذين اهتم بعضهم بالأمن حتى يلجوا إلى هذه الفيلا الفخمة، اقتحم يونس المنزل موزعًا العساكر حتى لا يجد كاظم منفذ ويهرب
جفلت لمار ابنة حاتم من هذا الاقتحام لتقف من فوق الاريكة منادية بصوت مرتفع على والدتها والتي تقدمت من يونس هاتفة بغضب :
-انت مين انت ازاي تقتحم فيلا حاتم الدخيلي بالطريقة دي معاك إذن نيابة علـ
أبعد يونس هذه المرأة الثرثارة من أمامه آمرًا العساكر الذين دلفوا بصوت قوي :
-فتشوا الفيلا دي حتة حتة تجيبولي كاظم الدخيلي ولو مستخبي تحت الأرض
تحدثت لمار بتوتر لا تدري لما يريدون شقيقها :
-بس كاظم مش هنا
استدار لها يونس رامقًا إياها بطريقة مخيفة ثم هدر بها بقوة افزعتها :
-أومال راح فــيـن!؟
واجابته الأخرى بخوف وهى تتراجع خلف والدتها :
-سافر مطروح عندنا شاليه هناك، لسه طالع من ساعة ونص كده
سحب يونس هاتفه بسرعة متصلًا على سفيان بينما خرج خارج الفيلا بعدما ترك العساكر بالداخل :
-سفيان الواد سافر مطروح من ساعة ونص يعني إحتمال يكون لسه في إسكندرية، ابعت قوة دعم من عندك تقفل مداخل ومخارج إسكندرية والساحل في مطروح لازم الواد ده يجي يا سفيان
أغلق معه دون إضافة كلمة ثم سحب اللاسلكي من سيارة الشرطة والمتصل مباشرةً بالقسم والأقسام الأخرى ثم تحدث به بنبرة قوية قائلًا :
-عمليات عمليات كاظم حاتم محمد الدخيلي هو السفاح الهارب اسمه يتوزع على كل نقط التفتيش والدائري في كل الطرق، أكرر كاظم حاتم محمد الدخيلي السفاح الطليق لازم يتقبض عليه، لازم يجي حي أو ميت كل العربيات تتفتش أهمهم الملاكي المسافرة ولو حاول المقاومة أو الهرب يضرب بالنار
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الخامس وثلاثون 35 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
مكنتش هنزل النهاردة علشان التليفون كان فيه مشكلة ومع ذلك كتبت الفصل ونزلته اتمنى الاقيك تفاعل حلو وانا اقصد الكومنتات ما بين الفقرات، انا بستنى انزل الفصل علشان اقرأ تعليقاتكم حرفيًا 👀
الفصل النهاردة جميل جدًا مفيش فيه أي صدمة بالعكس ده اغلبه فرشات، واعتقد بعضكم هيحب ذكاء وكاريزما السفاح في الفصل ده 🙂❤️
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
يناير
ذلك الشهر قارس البرودة والذي يتميز بأنه أول السنة الميلادية، كانت مدينة إسكندرية بالذات باردة عن باقي محافظات مصر، والكسل ينتشر في جميع الأجساد بسبب تلك البرودة حتى أن بعضهم قد يتكاسلون عن الاستحمام متحججون أن الأجواء باردة
وهذا الشهر يتميز أيضًا بالاختبارات إذ كانت الدولة بأكملها طلابها ومعلميها وأولياء الأمور يستعدون لبدأ الاختبارات وستقف مراقب لأول مرة في حياتها على طلاب أثناء أداء الإختبار
وإن كنتم تظنون أنها ستشعر بهم وبمحنتهم وتساعدهم على الغش فأنتم مخطئون بالطبع، فما ذنب من اجتهد وسهر ودرس من أجل أن يحصل على أعلى الدرجات ليأتي آخر يلهو ويلعب طوال العام ويحصل على الدرجات العليا بسبب الغش
صبرًا لأولئك الحمقى ستخرج عليهم عقدها النفسية غدًا وهو أول يوم في اختبارات نصف العام، لن تُدعي نورهان ولن تكون ابنة ابيها ان لم تذقهم الويل غدًا
تشعر في بعض الأحيان حقًا أنها شريرة؟!
ارتشفت القليل من القهوة الذائبة أو ما يسمى "النسكافية" داخل الكوب الزجاجي القابع بين كفيها، يبعث حرارته لهما في هذا الجو قارس البرودة، ورغم أنها تغلق جميع المنافذ التي قد يتسلل منها الهواء
وأيضًا ترتدي ثلاث قطع من الملابس العلوية وبنطالين، إلىٰ أن جسدها لا يحتمل البرودة ابدًا لذا قامت بالتدثر أسفل الغطاء الثقيل ولفته حولها لتبقى هى في المنتصف لا يظهر منها سوى وجهها وكفيها
نظرت حولها إلى الصمت الذي يكتسح الأجواء وهذا لأنها تجلس بمفردها في الشقة بعد أن عادت شروق وعائشة إلى قريتهم الصغيرة لنيل قسطًا من الراحة من كم الكوارث التي مروا بها، لا تدري لما ليست معهم ألم تكن ستتعرض للإختطاف أم أن هذا لا يُحتسب شيئًا كارثيًا؟!
ولكنها ظلت في الإسكندرية _مرغمة_ حتى تبقى مع براءة والتي بالمناسبة ذهبت صباحًا إلى المشفى بتكاسل شديد كعادتها تناجي ربها وتقول "متى تنتهي فترة التدريب اللعينة هذه"
سحبت هاتفها بعدما أنهت الكوب وقد تركته على الكومود بجانب الفراش، لتبدأ في تصفح شبكات التواصل الإجتماعي بعد أن انزوت عنها لثلاث أيام بسبب المصائب التي كانت تقع على رؤوسهن من كل حدبٍ وصوب
عقدت حاجبيها بتعجب واندهاش لكم الرسائل المجهولة التي تتقافذ عليها في ماسنجر التطبيق، تكاد تجزم أن الهاتف سيتوقف من كم الرسائل، سارعت بسرعة وأغلقت الإنترنت حتى تمنع كم الاشعارات التي انهالت على الهاتف
فتحت أول دردشة من حساب لا تعرفه وقد سقطت عليها الصدمة تقرأ المكتوب مرة واثنين وثلاثة
"انتي بجد حبيبة كاتب الظل؟؟"
مَن؟! هى حبيبة كاتب الظل؟؟ بالتأكيد هذه مزحة سخيفة!!
فتحت رسالة أخرى وقد كان نفس المضمون لكن بكلمات أخرى
"انتي طالما تعرفي كاتب الظل؟! اكيد تعرفي شكله ارجوكي ابعتي صورة له نفسي بجد أشوف شكله"
ما بال القوم هل جنو؟! ولولا أن هناك فوق المائة رسالة عن نفس الأمر لقالت أنها فتاة تريد المزاح ليس أكثر، عادت وفعَّلت الإنترنت ولم تبالي بتلقي المزيد من الإشعارات ومنها طلبات صداقة بكم لا تستطيع عدَّه، وقد توجهت مباشرةً إلى حساب كاتب الظل لربما تفهم شيئًا ولا تبقى هكذا كالحمارة
اصطدمت عيناها بآخر منشور له منذ يومين وقد كانت جملة غزلية متوقعة من كاتب لكن ما جعل الصدمة والبلاهة تستولي على عقلها هو أنه يضع اسمها أسفل هذا الغزل مشيرًا إليها أو ما يسميه المتصفحون "منشن"
جملة غزلية جميلة كفيلة بأن تجعل المشارة إليه بهذه الحديث تصاب بخجل لكن ما كانت تشعر به نور في هذه اللحظة هى البلاهة ولا شعور غيرها
كيف يشير إليها بحديثٍ كهذا وهو لا يعلمها وهى حتى لا تعلمه، حسنًا هى تعلم أنه كاتب مشهور غامض يخفي نفسه أسفل جملة "كاتب الظل " وقد سبق ورأت صور له وهو في معرض الكتاب ينشرها محبين كاتب الظل ويكون متخفيًا أسفل كمامة وقبعة بلسان طويل
هذه فقط المعلومات التي تعلمها عنه، هى نفسها لا تعلم ما هو اسمه الحقيقي ولم تهتم حتى وليست من عشاقه، هى فقط تحب القراءة بكل أنواعها وكتابته تجذب انتباهها وتقرأها، وإن عجبتها تضغط لايك، حتى لا تكلف نفسها وتكتب تعليقًا فهى من القراء الصامتين يكتفون بتسجيل الإعجاب لا أكثر ولا أقل
أخذت تقرأ التعليقات المكتوبة والتي تنقسم إلى قسمين، البعض يتساءل إن كانت خطيبته أم لا تزال حبيبة، والبعض الآخر وأغلبه فتيات يحسدنها على أنها حبيبة شخصية مشهورة رومانسية ككاتب الظل
ربي على ماذا يحسدنها وهى لا تعلمه من الأساس، وعلى الأرجح لقد أخطأ في كتابة اسم الحساب حين قام بالإشارة، كاتب الظل يحب فتاة وربما تكون خطيبته بالفعل _وهى لا تبالي حقًا_ تمتلك نفس اسمها الثلاثي وهذا شئ وارد وأخطأ في الإشارة إلى الحساب المطلوب
أجل هذا السبب الأكثر منطقية
عادت للدردشات تبحث عن حساب كاتب الظل ترى إن كان راسلها أم لا وعندما لم تجده تأكدت أنه أخطأ في كتابة اسم الحساب فجل من لا يسهو كما يقال
أغلقت الإنترنت عندما دق جرس الباب، تركت الهاتف هابطة من على الفراش لتلسعها برودة السيراميك ورغم هذا أكملت سيرها حتى ترى من الطارق، نظرت من العين السحرية لتبصر حمزة ومعه رجل غريب لا تعلمه
أصابها الارتباك وقد التقطت خمار الصلاة والجيب الأسود التي تصلي بها، من ثم فتحت الباب وهى تعدل الكنزة الصوفية التي ترتديها، ابتسم حمزة ببعضٍ من اللباقة ثم قال :
-صباح الخير معلش يا نور جبت نقاش ياخد سقف المطبخ بالمعجون علشان دخان الحريق طبع عليه
ضمت الأخرى كفها داخل جيب الكنزة دليلًا على توترها ثم قالت :
-بس انا قاعدة وحدي جوا مقدرش اخليكم تدخلوا
همهم حمزة ولم يكن يعلم أنها تجلس بمفردها فقد ظن أن براءة معها، فكر قليلًا في حل، والدته ليست بالمنزل وكذلك والده ورحمة فلا أحد غير كريم
أخرج هاتفه وقد اتصل على ابنة عمه حتى تهبط وتجلس مع نور حتى لا تكون بمفردها وتطمئن قليلًا، هبطت رقية بعد قليل فقال حمزة وهو يضع هاتفه مجددًا داخل جيب بنطاله :
-معلش يا رقية تدخلي مع نور علشان عايز أصلح سقف المطبخ وهى قاعدة لوحدها فـقلقانة
وآماءت الأخرى بهدوء ثم دلفت مع نور والتي عادت بسرعة إلى المطبخ ملقية عليه نظرة سريعة، حامدة ربها أنها غسلت الأطباق صباحًا وإلا كانت تعرضت لإحراج شديد الآن، استدارت عائدة للخلف ثم سألت ذلك الرجل قائلة :
-طب هى البوهية مش هقع على الأرض والمطبخ على كده؟؟
-وهى ايه بوهية دي؟!
نطق بها حمزة متعجبًا هذا اللفظ فقال الرجل وهو يفهم حديثها :
-لا يا أستاذة انا هحط ورق على الحاجة علشان ميقعش المعجون عليها وكمان دي شكلها بقعة صغيرة يعني مش هعمل السقف كله
-تمام ينفع بس اسحب حاجة من جوا
ختمت حديثها وقد دلفت بسرعة للمطبخ وسحبت كوبان فارغان وصنية صغيرة ثم خرجت بهما متجهةً للبهو حيث كانت تجلس رقية لتسألها بشئٍ من الحرج وهى تضع الأكواب على جنب :
-رقية هنزل أجيب علبة عصير وجاية معلش خلي بالك علشان لو طلبوا حاجة
وتحدثت الأخرى بسرعة قبل أن تتحرك :
-وتنزلي ليه ما تقولي للبواب اللي قاعد تحت يجيبلك اللي انتي عايزاه
-طب لو انزل اقوله ما انزل اشتري بالمرة؟؟
ضحكت رقية بخفة ثم قالت مخرجة هاتفها :
-ثواني اتصلك عليه انتي عايزة ايه من تحت
-علبة عصير من اللتر دي أو جزازة "ازازة" ساقع أي حاجة تتشرب
طلبت رقية من بواب البناية أن يحضر زجاجة عصير ويحضرها الطابق الثالث، بينما جلست نور مع رقية تسألها بنبرة عادية :
-عاملة ايه انتي!؟
-انا تمام انتي اللي مختفية من وقت ما سافروا البنات
رفعت نور منكبيها بعدم إهتمام فبعد سفر عائشة وشروق لم تخرج بالفعل ولا حتى للمدرسة التي أخذت إجازة ما قبل الاختبارت، ورغم أن باقي المدرسين يذهبوا لإثبات حضورهم لكنها لا تذهب، بل تنتوي العودة إلى بلدها بعد أن تنتهي فترة الاختبارات هذه ولا تعود مرة أخرى إلى الإسكندرية :
-عادي الجو برد ومش بطلع علشان مفيش حاجة اطلع علشانها
-شكلك كائن بيتوتي
نطقت بها رقية بمزاح فقالت الأخرى بنفي :
-لا بالعكس انا بحب اطلع مش بحب اقعد كتير في البيت بزهق، وحتى في البلد انا اللي بجيب طلبات البيت كلها من برا علشان معنديش اخوات اولاد، وما بصدق نروحوا عند حد من قريبنا، عكس اختي عائشة مش بتحب تطلع من البيت خالص لا هى ولا براءة، شغليهم خدامين في البيت بس يطلعوا برا لأ
دق الباب فتحركت حتى تفتحه وقبلها التقطت هاتفها وفتحت جرابه مخرجة ورقة من فئة الخمسون جنيهًا حتى تدفع ثمن علبة العصير، دلفت وأغلقت الباب بعدما شكرت حارس البناية، ثم صبت العصير في الكوبين ووضعتهم فوق الصنية متجهةً إلى المطبخ
كنوع من الضيافة التي اعتادتها من والدتها شديدة الكرم وقد حفظت عنها هذا التصرف متذكرة حديثها "الضيف لما يدخل البيت الملايكة تفضل تدعي لأهل البيت لحد ما يمشوا والرسول قال لا يؤمن أحدكم حتى يكرم ضيفه"
حمحمت بحرج وهى تقف خلف حمزة مع حفظ مسافة :
-أستاذ حمزة
استدار حمزة لصوتها فرفعت الأخرى الصنية حتى يأخذها منها، فقال حمزة متعجبًا سرعة ضيافتها :
-انتي لحقتي أمتى تعملي عصير؟!
-اشتريته
نطقت بها بهدوء وهى تضع الصنية على رخام المطبخ وقبل أن تخرج التقطت كوب آخر حتى تضايف رقية فهى ضيفة أيضًا، وضعت الكوب أمام رقية التي كانت تحدق في هاتفها ثم قالت :
-اتفضلي يا رقية
ابتسمت لها الأخرى بمجاملة ثم شكرتها لتقول نور متسائلة عن أمر السفاح متذكرة رسالة شروق البارحة، ولكنها لم ترى يونس منذ أن خرج من شقتهم بعد إدلاء شروق بأن اسم القاتل كان كاظم ومن بعدها لم تراه حتى تسأل :
-صحيح قبضوا على السفاح ده ولا لسه!؟
-لأ لسه للأسف السفاح ده ذكي جدًا رغم إني اتبعت لكل لجان التفتيش اسمه بس مظهرش خالص ولا حتى عرفوا إذا خرج برا إسكندرية ولا لأ، فص ملح وداب كأنه عرف انه اتكشف، واحساسي بيقولي اني السفاح ده مش لوحده أكيد وراء حد، مستحيل يبقى بالذكاء الخارق ده اللي يخليه يكتشف من العدم أنه سره انكشف
تمتمت نور بعدة كلمات معتادة منها حتى تنهي الحوار حين تنخرط في الحديث عن أحد، هى لا تحب أن تغتاب أحدًا فليس من عادتها أن تتحدث عن أحد غائب لا بالخير ولا بالسوء، هى لا تحب الحديث من الأساس بل تفضل الصمت أكثر :
-ربنا يهدي ويصلح الحال
فتحت هاتفها عندما وجدت رقية عادت تحدق في هاتفها الخاص، وقد انهالت الإشعارات مرة أخرى فور أن فتحت الإنترنت جاذبة انتباه رقية والتي قالت ضاحكة ولا تزال صوت الإشعارات يصدح من هاتف نور :
-ايه كمية الاشعارات دي؟! ده انتي شخص مهم بقى؟؟
برمت الأخرى شفتيها بتهكم ثم قالت :
-ولا مهمة ولا حاجة، واحد مشهور عملي منشن بالغلط وناس كتير بعتالي فكراني خطيبته
-مين بقى المشهور ده ينفع أعرف؟؟
نطقت بها رقية بفضول لا ينسلخ عنها فأدارت نور الهاتف لها تريها المنشور وصاحب الحساب، وهنا أصاب الأخرى الذهول وقد انتقلت عينيها ببطء ناحية المطبخ حيث كان يقف حمزة مع الرجل حتى ينتهي من عمله
حمحمت بهدوء وادعت أنها لا تعلم صاحب الصفحة ثم قالت :
-ده ايه الكلام الحلو ده ما يمكن مش غلطان وقاصدك انتي ثم تعرفي مين ده؟؟
-لأ طبعًا معرفوش ده كاتب تحت اسم مستعار، انا قرأت كتير ليه بس معرفوش معرفة شخصية ولا حتى اعرف اسمه الحقيقي، ثم اكيد مش قاصدني، انا اعرفه منين وهو يعرفني منين؟!
ابتسمت رقية متعجبة من فعل حمزة هذا فما المغزى من هذا المنشور إن كانت نور لا تعلم أنه هو :
-طب ما تبعتيله خاص وتسأليه
-وابعتله ليه ما يولع، انا مش مضايقني غير الرسايل الكتير دي مش عارفة ارد اقول ايه؟؟ ومش عايزة أرد أصلًا
ضحكت الأخرى بشدة من جملتها الأولى وودت لو يسمع حمزة حديثها هذا ولكن الآخر لم يصله الصوت بسبب كون المطبخ بعيد عن غرفة الضيوف، وقفت نور عندما خرج حمزة وذلك الرجل معه وعلى الأرجح انتهى عمله
تنحنحت نور ترى حمزة يدفع للرجل وقد ألقى نظرة خاطفة عليها يراها تقف متوترة فرجح أنه بسبب وقوف رجلين غريبين بجانبها، دعا الرجل للخروج وقد شكرها قبل أن يخرج :
-معلش تعبناكِ
سارعت الأخرى في الحديث تسأله عن المبلغ الذي دفعه فهى ترى أنه من عدم الذوق أن يحرقوا المطبخ وهو من يدفع ثمن التصليحات :
-هو انت دفعت كام؟؟
تعجب حمزة سؤالها هذا ولم يجبها بل سألها سؤالًا آخر :
-ليه السؤال؟!
-علشان ادفع انا لأننا اللي بوظنا المطبخ ومن أفسد شئ عليه اصالحه.
ابتسم لها حمزة فاخفضت الأخرى رأسها فور أن ابصرت ابتسامته بينما قال الآخر بهدوء وهو يضع كلتا يديه داخل جيوب كنزته الشتوية :
-لأ مفيش مشكلة دي سكينة معجون مش حاجة يعني، وأهم ما في الموضوع اني محدش حصله حاجة من النار
-لا معلش قولي دفعت كام وانا هدفعه
-وانا برضو لا مش هقول علشان مش هتدفعي
تدخلت رقية في الحوار إذ دفعت حمزة من أمام نور ناحية الخارج مبتسمة له ابتسامة متهكمة ثم همست :
-خلاص يا عم عرفنا إنك جنتل مان اطلع بقى وكفاية سبِّيل للبت
اغلقت الباب بعدما ودعت نور فقال حمزة بضيق شديد لإخراجه فقد كان يريد أن يتحدث معها للمزيد من الوقت وهذا بعد أن تحجج بأمر تبيض سقف المطبخ لرؤيتها فقط، فهى مختفية منذ سفر شقيقتها وابنة عمها أي منذ ما يقارب اليومين ونصف، والآن هذه الخرقاء افسدت الأمر :
-انتي يا بت طالعة رخمة لأخوكي كده ليه؟؟
دقت رقية على شقة عمها ليفتح كريم الباب بعد ثواني يبصر أمامه رقية وأخيه، قطم من الجزرة التي بيده وقد وجدها ملقاة في المطبخ حين كان يبحث عن طعام كقارض خرج من بياته الشتوي بسبب شعوره بالجوع :
-خير يارب
ابتعدت رقية من أمام الباب مشيرة لحمزة بالدخول إذ قالت :
-ادخل يا عم الرومانسي خطتك اتقفشت
عاد كريم للخلف حتى يدلفوا بينما قال حمزة متسائلًا وهو يجلس على ذراع الاريكة :
-خطة ايه؟!
اجابته رقية وهى تقف أمامهما وقد تركت الباب مفتوحًا بينما أخرجت هاتفها وأتت بحساب كاتب الظل وآخر منشور قد نشره ثم عرضته أمامهما قائلة :
-ايه رأيك في آخر حاجة نشرها أخوك يا كريم
لم يعطي حمزة أي رد فعل غير أنه رفع إحدى حاجبيه بينما أخذ كريم الهاتف هاتفًا باستغراب لا يفهم ما الغريب :
-ايه عادي غزل بالفصحى بيكتب زيه كتير
-بص كده على المنشن اللي تحته
-نورهان علي صفـ
لم يكمل باقي جملته وأشار إلى شقة الفتيات هاتفًا بذهول شديد :
-نورهان اللي هى نورهان دي؟!
نظر إلى أخيه وقد اعتدل في جلسته ثم استرسل :
-حمزة انتي معجب بنور!؟
-لأ السؤال مش كده، السؤال يا حمزة لو انت معجب بنور وعارف إنها مش عارفة إنك الكاتب ده، ليه منشنت ليها؟! إلا إذا
نطقت بها رقية وقد تركت السؤال معلقًا فقال حمزة وهو في حالة من الهدوء الشديد :
-إلا إذا فكراني بتسلى مثلًا
-انت لو بتعمل كده يا حمزة فأحب أقولك لأ نور مش من البنات دي ولا هتيجي كده أبدًا، دي أصلًا مدايقة بسبب الموضوع وناس كتير بتبعتلها رسايل فاكرين إنها حبيبتك زي ما انتي موضح
اعتدل حمزة في جلسته فلم يتوقع أن تؤول الأمور لهذه الدرجة :
-انا مش بتسلى يا رقية انا بس عايز أعرف فضولها هيخليها تكلمني خاص، عايز أعرف هتفضل متمسكة بعفتها وحياءها ولا هتقول انا محدش شايف انا بعمل ايه ولا حد هيعرف انا بكلم مين
-لا يا حمزة معتقدش إنها كده
نطق بها كريم بشكل نافي فلا يعتقد أن نور وبنات عمها وشقيقتها قد يكونَّ من هذا النوع، وقد أكدت رقية على هذا متذكرة حديث نور :
-هى فعلًا مش كده حتى رفضت لما قولتلها ادخلي خاص وأسأليه إذا كان غِلط في المنشن
أخرج حمزة هاتفه وفتح منصة الفيس بوك وقد وجدها متصلة بالإنترنت فأرسل إليها رسالة
"توقعت تبعتي تسألي بس تأخرتي فقولت ابعت انا"
وقف كريم بجانب أخيه وعندما قرأ الرسالة صاح مذهولًا :
-انت بعتلها
-عايز اعرف ردها يا كريم، عايز اعرف آخرها
وضعت رقية كلتا يديها في خصرها لا تعجبها طريقته هذه إذ قالت :
-وليه تعمل كده في الضلمة، ليه متخطبهاش وتعمل كده في النور يا حمزة
وأجابها حمزة بنبرة جادة بما يدور في خلده منذ أن شعر الإعجاب ينمو بداخله بإتجاه نور :
-علشان في الخطوبة كل طرف بيحاول يبين أحسن ما عنده وانا مش عايز كده، ثم انا عملتيها منشن على كلام يحرك أي بنت حتى لو بالفضول، عايز أعرف هتنجذب ولا هتفضل مصرة على تقاليدها ودينها وانا اتمنى كده بصراحة
زفر كريم وهو يرى أن نور لم ترد ولم ترى الرسالة بعد :
-بس يا حمزة هي ممكن تغلط هى بشر مش ملاك، ثم ليه ده كله هو انت علشان خطبت وفشكلت بقيت معقد
صمت حمزة ولم يجبه، لا يدري ما نهاية ما يفعله ولكنه لا يريد أن يتسرع مرة أخرى كما فعل سابقًا، وايضًا لا يريد أن يخطب فتاة لا يشعر بإتجاهها بأي مشاعر، هو معجب بنور يعترف بهذا، وصدها وتهربها يزيد إعجابه، فلا يُعجب ابدًا الرجل بامرأة تلقي بنفسها وترخص من كرامتها
كما أن الكثير من الفتيات يظهرن بالوجه الجميل ذو الأخلاق العالية أمام الناس، وفي الظل ينجذبون خلف عالم الإنترنت الأسود تحت مسمى لا أحد يرانا أو يعلم عن الأمر شئ، وهو يريد أن يعلم نور من أي نوع من الفتيات
-شافتها
نطق بها بسرعة وزاد تركيزه بينما وقفت رقية بجانبه على اليمين وكريم على اليسار يريدون أن يعلموا ماذا ستفعل نور، بينما على الناحية الأخرى كانت نور تحدق في هذه الرسالة وقد ظلت دقيقة كاملة بدون أي رد فعل
مدت اناملها النحيفة تكتب ردًا عاديًا يروي قليلًا من فضولها لمعرفة من هذا بما أنه هو من أرسل
"انت تعرفني؟"
"آه"
"تعرفني منين؟؟"
"معجب"
ولا تنكر أن قلبها قد دق بطريقة غريبة لهذه الكلمة وقد ترددت في الإجابة على رسالته، وعلى الناحية الأخرى تحدث كريم مذهولًا من أخيه :
-هو انت داخل حامي كده ليه!؟ ما تصبر شوية
وتحدثت رقية على الجانب الآخر وهى تقرض أصابعها :
-متنجذبيش للكلام ده يا نور انتي انضف من كده، ده ذئب بشري
ارتفع إحدى حاجبي حمزة بتهكم شديد ثم قال :
-ايه ذئب بشري دي هو انا رايح اعتدي عليها؟! الملافظ سعد يا رقية
-ردت ردت
نطق بها كريم بسرعة فنظر حمزة يقرأ رسالتها والتي تكونت من أربع كلمات مختصرة
"وانت شوفتني قبل كده؟! "
ورد عليها بسرعة ردًا بديهيًا
"آه شوفتك ومش عارف اخرجك من دماغي"
"وعرفت حسابي منين؟؟ وعرفت اسمي منين!؟"
-ذكية
نطقت بها رقية بابتسامة متسعة تقرأ ما أرسله حمزة
"عندي طرقي الخاصة"
تنفست نور بعمق وقد سئمت هذه الدردشة السخيفة فما الفرق من محادثة ولد أمام العلن أو خلف الشاشة، كلاهما حرامًا ولا يجوز
" طب بص بقى لو انت عندك وقت فاضي وعايز تتسلى يا عم الفاضي فبنات الناس مش تسلية والدنيا دي سلف ودين، واللي بتعمله دلوقتي هيتردلك في يوم من الأيام، في امك في اختك في مراتك في بنتك، اتقي الله في أهل بيتك وبنات الناس"
وما إن أرسلت هذه الرسالة حتى حظرت رقمه تمامًا ثم اتجهت إلى مدير الحسابات وقامت بتسجيل دخول جديد بحساب جديد حتى لا تزعجها هذه الرسائل مرة أخرى وهذه المرة لم تكتب اسمها بل كتبت اسمًا مستعارًا حتى لا يصل لها من الاسم مرة أخرى
صفقت رقية بقوة لهذا الرد الحاد الناري بينما قال كريم يرى الإبتسامة تكاد تشق وجه أخيه :
-مش قولتلك مش من النوع ده، دي بنت ناس متربية يا حمزة وانا لو مكانك مش هسيبها من ايدي
أدار حمزة رأسه له ولا تزال الابتسامة تحتل وجهه، ثم سأله سؤال لا علاقة له بما قال :
-ابوك هيرجع أمتى يا كريم؟!
-ليه السؤال؟؟
-علشان أقوله اني معجب بواحدة وعايز اتقدم ليها بشكل رسمي
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
سحب قد كبير من النيكوتين المتواجد داخل السيجارة القابعة بين انامله، من ثم زفرها في الهواء متابعًا السحابة الرمادية التي كونتها والتي نافس لونها لون الغيوم الملبدة في السماء فهذا هو يناير، أمطار متواصلة، غيوم دائمة
ألقى بسيجارته أرضًا بعدما انهاها وأخذ يحدق في كم السجائر التي شربها وهو يفكر في حل للمعضلة التي سقط بها، لقد كُشف أمره وعلمت الشرطة أنه هو السفاح، وفي الواقع هو لا يخاف الشرطة بل لا يخاف أحدًا من الأساس وتفكيره الآن ليس لكيف يخرج نفسه من الأمر بل يفكر كيف يختمه بختامٍ يليق به
فعلى أي حال طالما كُشف فهو ميت سواءً من الشرطة أو ممن يعمل أسفل ايديهم، إذًا فليمت ميتة هو يختارها وليس غيره يختارها، وهذا لا يعني بالطبع أنه يود الإنتحار فكما سمع من قبل الإنتحار محرم كما أنه سيكون من العار عليه أن يكون قاتلًا محترفًا وفي النهاية يموت منتحرًا، هذا لا يليق
أعاد رأسه للخلف متابعًا السحب الكثيفة في السماء وأخذ يتذكر منذ يومين حين وصل له خبر أنه تم كشف أمره
كان حينها في طريقه إلى مطروح فقد كان يريد أن يصفي ذهنه بعد موت حبيبته فريال، تلك الخرقاء لو لم تكن رفضت أن تكمل الزيجة لكانت حية الآن، لكن ماذا يقول الطمع قل ما جمع وهى أرادت رجلًا آخر وفضلته عليه إذًا فلتذهب للجحيم ولتقرئ له السلام من والده هناك
كان صوت أحد المغنين الأسبان يصدح في السيارة، يحب أن يستمع إلى الموسيقى الإسبانية عندما يكون حزينًا، وعندما يكون سعيدًا، وعندما يقتل ضحاياه، هو يعشق هذه اللغة لهذا أصر على أن يكون تعليمه أسبانيًا عكس جميع اخوته
أبصر أثناء قيادته الهاتف يضئ وقد كان الهاتف من ماركة "نوكيا" يستخدمه لإتمام مهامه لأن الهاتف من طراز قديم ولا يهتم له أحد، توقف بالسيارة على جانب الطريق ثم أجاب بنبرة غير مبالية :
-انا في أجازة دلوقتي مش هاخد مهمات
اعتدل في جلسته يستمع للطرف الآخر وهو يقول بنبرة حادة :
-انت فين يا بني آدم كارتك اتحرق يا كاظم لازم تختفي خالص
فهم الآخر من هذه الجملة المطمسة أنه تم كشف أمره لكن كيف؟؟ أتلك الفتاة تعرفت عليه وشهدت باسمه، يتذكر أنه لم يقل سوى كلمة كاظم كيف وصلت له من كلمة :
-انا في طريقي لمطروح بس لسه مخرجتش من إسكندرية
-ومتخرجش منها ولا تتحرك بالعربية اسمك متوزع على كل الدورات والأقسام، أصل زي ما بيقولوا التور لما بيقع بتكتكر سكاكينه
خرج كاظم من السيارة وأغلق الباب بعنف رغم ملامح وجهه الهادئة هدوء أقرب إلى اللامبالاة :
-اعتبر ده تهديد!؟
-آه يا سفاح إسكندرية اعتبره تهديده
-طب خد بالك بقى مش انا اللي اتهدد واسم سفاح إسكندرية انا اللي عملته مش انتوا وانتوا بس استغليتوا الدوشة اللي كنت بعمله وبشغل الرأي العام والصحافة بيها علشان تشتغلوا انتوا في شغلكم الوسخ ضامنين اني الشرطة مشغولة بحاجة تانية
ابتسم ابتسامة مخيفة متابعًا صمته والذي يدل على صدمته مما سمع، ثم قال :
-ولا فاكر اني مش عارف انتوا في ضهري ليه أكيد يعني مش كاسر شوكتكم وانا مش بقتل علشانكم علفكرة، ده علشان مزاجي أصل مش البودرة والمخدرات وحدها اللي ممكن تبقى إدمان فيه حاجات ألعن من كده ممكن الواحد يبقى مدمن عليها، وانا كيفي قتل الناس، خاف على نفسك وعلى اللي معاك لاني زي ما قتلت أكتر من ميت واحد من غير ولا دليل عليا وكنت باصطادهم بسهولة أقدر اقتلكم زيهم
استمع إلى ضحكات الآخر الساخرة من على الناحية الأخرى ثم قال :
-من غير ولا دليل اومال البوليس عرف ازاي إنك السفاح يا شاطر
أخرج كاظم علبة سجائره مشعلًا واحدة ثم هتف بعدم إهتمام :
-تقدر تقول انتقمت من واحدة وانا في عدم وعي مني، للأسف كنت سكران وقتها ومأخدتش بالي اني في حد في الحمام، ده كويس اني روحت وانا متخفي بس بنت الايه دي معرفش عرفتني ازاي مع اني كـكاظم الدخيلي مش مشهور أوي كده
-وغلطتك دي هتغرقك وانت لو أتقبض عليك انسى إنك تعيش لحظة كمان، ومش البوليس هو اللي هيقتلك يا كاظم
نفث الآخر الدخان في الهواء متابعًا انتشاره ببطء :
-قولتلك مش انا اللي يتقالي الكلام ده ثم انا لسه متقبضش عليا
-تمام ابعتلي لوكيشن بمكانك وانا هبعت رجالة تجيبك وهجهزلك سفرية برا مصر
ضحك كاظم بشكل مباغت غير متوقع ادهش الآخر على الناحية الأخرى بينما قال كاظم بعد أن خفتت ضحكاته مدركًا لعبته القذرة التي ينتويها :
-هو انت فاكرني مولود إمبارح، ده انا في مجال القتل ده من أكتر من عشر سنين، عايزين السر يموت معايا قبل ما احكي مع اني علفكرة مكنتش هحكي، انا آه قاتل بس مش غدار، وانت بقى تبعت ليا رجالتك زي ما قولت بس مش علشان تخرجني برا البلد يا باشا، تؤ تؤ علشان تخرجني برا الدنيا
ازدرد الآخر لعابه بتوتر من كشف كاظم لمخططه بكل هذه السهولة، يبدو أنه بالفعل اذكى مما كان يتوقع، ولما لأ وهو قتل بالفعل أكثر من مئة شخص دون دليل واحد على شكله أو اسمه أو من هو :
-كاظم انا عايز اساعدك صدقني
-قالوا للحرام احلف
وما إن ختم حديثه حتى أغلق الخط في وجهه، ثم ألقى بالهاتف داخل السيارة، سحب هاتفه الآخر وأخرج منه الشريحة ووضعها بجيبه هى والهاتف مغلقًا، دلف إلى السيارة مرة أخرى مغيرًا وجهته تمامًا إذ دلف إلى الصحراء متوغلًا بها فميزة أهالي الصحراء أن لا أحد يعلم ماذا يجري في الدنيا من حولهم، وهذا المكان لن يصل له أحد بل ولن يكتشفوا أنه هناك
والآن تتسائلون كيف مر يومين وهو بداخل الصحراء بدون ماء أو طعام، في الواقع لقد ظل ليوم كامل بعدما فرغ البنزين من السيارة وقد وجد رحالة وللحق تعجب أن البدو لا يزالون متواجدين بعدما يأس أن يجده أحد
وها هو يجلس معهم بعدما ادعى أنه تاه في الصحراء من رفاقه أثناء قيامهم برحلة سفاري وهم صدقوه وآووه إلىٰ أن يجدوا وسيلة تعيده، وإلى ذلك الوقت سيفكر فيما سيفعله...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
دار بذلك المقعد المتحرك يمينًا ويسارًا بدون هدى يفكر في أخيه المختفي عن المنزل منذ أكثر من يومين ولم يتصل عليهم إلا مرة واحدة قد طمأنهم عليه وأنه قد لا يستطيع أن يتحدث معهم هذه الفترة بسبب انشغاله الشديد في القضية
هو يخاف عليه كثيرًا، يكاد يجزم أنه يقلق عليه أكثر من أي شخص آخر فمن يتحدث عنه هو توأمه ومن قضى معه تسعة أشهر في رحم واحد وتسعٌ وعشرون عام معًا دون أن يفترقا
امسك بقلمه يطرق على سطح المكتب وهو يغمض عينيه بإرهاق شديد، طرق الباب بطرقات هادئة فسمح للطارق بالدخول بالتزامن مع فتحه لجفنيه مبصرًا تلك السمراء الحنطية التي تسرق منه جزء من تفكيره هذه الفترة
-اتفضلي يا براءة
نطق بها بهدوء وهو يستند بذراعيه على سطح المكتب متابعًا دلوفها للداخل وتركت الباب مفتوحًا، وقفت أمام المكتب محتفظة بكفيها داخل زي التمريض الذي ترتديه :
-صباح الخير يا دكتور معلش هو الدكتور اللي بيدربني عايزني انزل شفت ليلي، ايه معناه ده بقى؟؟
حاول يوسف كتم ابتسامته، حسنًا ظن أنه فقدها ولن يستطيع جعلها تعود للعمل تحت تدريبه لكن ها هو القدر يسوقها له مرة أخرى :
-عادي ده شئ طبيعي
-طبيعي ازاي مش فاهمة انا بقالي تسع شهور تقريبًا في المستشفى عمري ما نزلت شفت ليلى ومش هينفع أنزل شفت ليلى أصلًا
عاد يوسف بظهره على المقعد ثم قال بجدية شديدة :
-براءة انتي اصلًا المفروض تتعاملي معاملة متدربين سنة الامتياز، تنزلي في كل الأقسام نسا وتوليد، جراحة، باطنة، مخ واعصاب، أطفال، وكمان زيك زي أي متدرب طول سنة الامتياز ليهم شفت ليلى وصباحي، بس انتي تقريبًا مش واخدة بالك إني تدريبك هنا بواسطة من والدي وعمي محفوظ وكمان إسماعيل وعلشان التلاتة دول المدير حطك تحت تدريبي وتنزلي معايا عمليات بس، وكمان راعىٰ طلب عمي محفوظ انك منزليش شفت ليلي علشان مغتربة وهو وافق رغم أنه ده أسلوب مش نظامي بس علشانه وعلشان انتي المتدربة الوحيدة في المستشفى يعني مش هيكون حد معاند فيكي، وافق
رمشت الأخرى بأهدابها بعدم استعاب فضحك الآخر بخفة ثم وقف واستدار حول المكتب مستقرًا أمامه وأمامها هى أيضًا ثم قال :
-تقريبًا محدش اداكي خبر عن الموضوع
نفت براءة برأسها فبالفعل لا تعلم عن الأمر شئ أو أنها تعامل بتميز هنا، تحدث يوسف بسؤال آخر ويعجبه حقًا صدمتها هذه فكيف لطالبة تمريض ألا تعلم نظام سنة الامتياز :
-ولا حتى كنتي مستغربة إزاي بتنزلي عمليات بس
ومرة أخرى نفت برأسها ثم أضافت بحيرة :
-يعني انا المفروض دلوقتي اعمل ايه!؟
-ولا حاجة انتي فاضلك تلات شهور بس وعامةً التمريض بياخد خبرة أكتر بعد ما ينزل شغل ويتثبت في الوظيفة، سنة الامتياز وتدريب المعهد والكلية مجرد إجراءات عادية
-بس انا مقدرش انزل شفت ليلى والدكتور ده مصر انزل، ينفع تتكلم معاه حضرتك، لو كان إسماعيل هنا كنت قولتله بس هو أجازة
ويوسف في هذه اللحظة حمد الظروف التي جعلت إسماعيل يسافر الصعيد مع حسن وشروق لأسباب لا يعلمها هو، فأجاب براءة بكذب مدعيًا الجدية :
-لا دكتور طاهر مش بيحب يخالف النظام خالص، للأسف مش هيوافق حتى لو اتكلمت معاه
ابتأست ملامح براءة بشدة فقال يوسف بمكر لا يظهر عليه في العادة :
-بس اقدر اساعدك، انتي ليكي خدمة عندي من وقت ما كان المحافظ هنا واعتقد ده وقت اني اردهالك
ركزت حواسها معه فأردف الآخر وقد اتسعت الابتسامة على وجهه رغمًا عنه :
-تكملي فترة التدريب دي معايا
لم يرى أي ضيق أو امتعاض ظهر على وجهها وقد تعجب هذا حقًا فقد خالفت توقعاته، يبدو أنها أعقل مما كان يظن، ورغم أنها بدت تفكر في الأمر بجدية إلىٰ انه أردف بإعتذار قد تأخر قليلًا :
-براءة انا آسف بجد لو كنت بضغط عليكي مكنتش أعرف إنك بتعاني من انيميا حادة
وبعد تفكير براءة في هذا الأمر رأت أنه لم يخطئ في شئ ذلك اليوم لقد فعل المعتاد من أي طبيب، بل هى كانت المخطئة وهى من اهملت في صحتها ودواءها رغم أنها تعلم أنها مريضة انيميا :
-لا انت مش غلطان انا اللي قصرت في دواء الفيتامينات وقصرت في الأكل، بس الحمد لله على كل حال
-لازم تاخدي الدواء بإنتظام مينفعش تهملي فيه طالما عندك انيميا ونقص فيتامينات حاد يبقى لازم تتغذي كويس
تعجبت براءة نبرته الصارمة وكأنه يؤنبها على فعلتها هذه وقد تدارك الآخر نفسه معالجًا الأمر :
-هو انتي من زمان عندك انيميا؟ اتولدتي كده يعني!؟
-لا أثر الموضوع عليا في الإعدادية كنت باخد فترة تدريبية مكثفة لحفظ القرآن كنا بنقعد سبع ساعات في اليوم نحفظ ولما نرجع البيت نراجع كل اللي حفظناه واليوم اللي بعده نتسأل فيه ونرجع نحفظ تاني، كنت مش باكل حرفيًا من الضغط وجالي هبوط حاد وكان بيغمى عليا كتير ومن وقتها وانا بعاني مع الأنيميا دي
ابتسم يوسف وقد تعجب أنها تحفظ القرآن، أجل هذا الأمر ليس بعجيب لكن لم يكن يتوقع :
-انتي بتحفظي القرآن يا براءة؟! في الجزء الكام؟؟
ضمت الأخرى كفيها داخل جيوبها وقد استوعبت ان هذه المحادثة طالت زيادةً عن المطلوب لذا هتفت بإختصار :
-انا الحمد لله خاتمة ومعايا قراءات
اتسعت ابتسامته منبهرًا من قولها وقد تضخم إعجابه لها فلطالما كان يريد أن يتزوج من فتاة تحفظ القرآن فأمثالهن يستطعن تربية الأبناء بطريقة صحيحة وسليمة، كما أن خلقهن يكون عالي فلا توجد فتاة خاتمة للقرآن وتكون أخلاقها سيئة :
-ما شاء الله يا براءة
شعرت براءة بالحرج من نظراته هذه فقالت وهى تعود عدة خطوات للخلف :
-طب انا موافقة ارجع تحت تدريبك بس شوف هتقول ايه لدكتور طاهر مش عارفة هيوافق ولا لأ
-وميوافقش ليه ماسك عليكي ذلة ده انا ما صدقت
وبالطبع لم يقل هذا بصوت مرتفع فبالكاد سمع نفسه، امسك هاتفه يأتي باسم طاهر تزامنًا مع قوله عندما رأى براءة على وشك الرحيل :
-استني يا براءة علشان في عملية بعد ربع ساعة وهتدخلي معايا
برمت الأخرى شفتيها بتهكم متمتمة :
-ايه السرعة دي هو لحق؟!
استدارت له وملامح الضيق تعلو وجهها فقال يوسف متوجسًا :
-لو انتي تعبانة يعني
-لأ مش تعبانة يا دكتور ماشي هغير الزي وجاية
نطقت بها بإستسلام، بقى ثلاثة أشهر إذًا لتتحملهم، ابتسم يوسف سعيدًا أنها ستكون معه مرة أخرى :
-لو قابلتي سمية قوليلها متجهزش للعملية علشان انا كنت قولتلها تجهز
آماءت بهدوء ثم رحلت متجهة لغرفة الممرضات وقد وجدت سمية تجلس هناك بمفردها تعبث في شئ وعندما فتح الباب انتصبت متوقفة عما كانت تفعل، عقدت حاجبيها بتعجب ولم تعلم ماذا كانت تفعل :
-انتي كنتي بتعملي ايه؟؟
-وانتي مالك
رد وقح فظ منها جعلها ترفع حاجبيها بتهكم ولم ترد التشابك معها، ليس لكونها لا تستطيع أو جبانة فلا تعرف من هى براءة أثناء المشاجرات، ولكنها لا تريد أن تتعب نفسها فلا طاقة لها :
-احترمي نفسك ده أولًا، ثانيًا دكتور يوسف بيقولك متجهزيش للعملية اللي جاية علشان انا اللي هدخل معاه
واتسعت عيني الأخرى بذهول وها هى تُخرج وجهًا لا تتعامل به من الجميع إذ صاحت بنبرة سوقية قائلة :
-ليه يا حبيبتي تدخلي معاه؟! مش انتي تحت تدريب دكتور تاني ولا انتي كل شوية هتلقحي نفسك عليه
ولا تكذب إن قالت أنها لم تُصدم من حديثها هذا، وعند هذا الحد لم تصمت لها لتُخرج هى أيضًا شخصية غير تلك الكسولة الغير مبالية بالحياة فبما تتهمها هذه المجنونة التي تجالس الجثث :
-ألقح نفسي على مين يا ماما هو انتي فاكراني مين
-واحدة من غير كرامة، مش ساب تدريبك روحتي أكيد اتحايلتي عليه علشان ترجعي تاني
اشتعلت أعين براءة بغضب لوقاحته هذه هى لا تبالي بأحد، وظلت تسعة أشهر تحاول عدم الاحتكاك بأحد حتى تمر سنة تدريبها على خير وبدون مشاكل، ولكن لسمية رأي آخر إذ كانت تصر على إخراج أسوء ما بها، ولها ما تريد
اقتربت منها بخطوات هادئة وملامحها أصبحت حادة مخيفة بحق رغم برودها، فهذه هى براءة كسولة غير مبالية بالحياة ولا تهتم لها، وإن أصابها أحد بسوء ولو بكلمة تصبح شخصية أخرى باردة حادة اللسان تجعل خصمها يلعن معرفته بها، فحتى والديها يشكيان شخصيتها المعقدة هذه :
-حبيبتي انا مش بتحايل على حد ولا في دماغي حد، ولو انتي منفسنة وغيرانة عليه فهو مش في دماغي اولعي بيه
وضعت الأخرى يدها في خصرها ترمقها بنظرة متحدية :
-خلاص تروحي زي الشاطرة للدكتور طاهر وسيبي خالص الدكتور يوسف وعدي الكام شهر اللي فاضلين ليكي على خير
ضحكت براءة ضحكة ساخرة بدون روح، فقط صوت ساخر خرج من حنجرتها على هيئة ضحكة :
-يا حلوة مش عايزاني ابوس ايدك بالمرة، انتي عقلك مهيئلك اني هسمع كلامك؟!
قاطع هذه المشاجرة دخول إحدى الممرضات تستعجل براءة من أجل عملية جراحية فقالت سمية من بين أسنانها لا تدري لما لا تخرج براءة من تفكير يوسف فكلما أراد شيئًا يقول براءة :
-انتي شكلك سحراله علفكرة كل شوية براءة براءة، ايـــه مفيش غير براءة في المستشفى
طالعتها براءة بغضب شديد فهل الآن تتهمها بالسحر؟!
عادت بنظرها لزميلتهن تلك ثم قالت :
-علا هو دكتور يوسف فين؟؟
-رايح على أوضة العمليات
-تمام قوليله جاية
كادت أن تتحرك حتى تغير ملابسها فجذبتها سمية بعنف من ذراعها قائلة :
-لا يا حبيبتي ولا هتروحي ولا تيجي وزي ما كنتي مع دكتور طاهر تفضلي قاعدة وملكيش دعوة بدكتور يوسف انا بقولك أهو وإلا أقسم بالله ارجعك بلدكم بفضيحة
خرجت من الغرفة وهى على أي حال ترتدي زي العمليات، وتركت خلفها براءة مصدومة من وقاحة سمية ولكن إن كانت تظن أنها ستخاف فهى أكبر مخطئة فتمتاز براءة بالعناد والعصيان والرد الصاع بأربع وليس فقط صاعين
أرتدت بسرعة زي العمليات الجراحية ثم لحقت بسمية والتي ما إن وصلت لغرفة العمليات حتى استقبلها يوسف ببسمة متعجبة :
-ايه يا سمية هى براءة مقالتش ليكي اني هى اللي هتكون معايا في العمليات؟!
-لا يا دكتور قالتلي بس تعبت وداخت فجأة وقالت ليا أروح انا علشان هى مش هتقدر تقف
عقد يوسف حاجبيه بقلق من تعبها المفاجئ فكانت بخير منذ دقائق، تحدثت سمية وهى تدعوه للدخول :
-يلا يا دكتور عندنا عملية مهمة
والآخر تخطاها تمامًا مسرعًا بخطواته في الإتجاه المعاكس حيث كانت تهرول براءة نحوه وبالكاد تلتقط أنفاسها فقال بقلق من ركضها وصعوبة تنفسها :
-خلاص اقفي متجريش
توقفت الأخرى بالفعل مستندة على الحائط نادمة على ركضها هذا تشعر وكأنها أصبحت عجوزًا في الخمسين وليس فتاة لم تكمل ربيعها الثالث بعد
اقتربت سمية منهما بخطوات غاضبة لتقول وهى تسندها مدعية التعاطف :
-بتجري ليه وانتي تعبانة يا براءة تعالي اقعدي
نظرت الأخرى إلى يوسف مبتسمة بهدوء ماكر بعدما هدأ قلبها عن الخفق بقوة، فلم تكن براءة بالشخص السهل فهى من أنصار عامل الآخرين بالمثل :
-ها يا دكتور يلا ندخل العمليات
-عمليات ايه انتي تعبانة لازم ترتاحي دلوقتي
-لأ ومين قالك اني تعبانة؟! سمية؟؟
نطقت بها بمكر ثعلبٍ لتعلم سمية خطتها لذا قالت مسرعة :
-خلاص بقى مش هتفرق انا أو انتي المهم العملية تتعمل
لم يفهم يوسف ماذا يحدث خاصةً وأن هناك نظرات بين الاثنين لا يفهمها هو :
-هو فيه ايه بالظبط؟؟
ابتسمت براءة ببرود شديد رغم الغضب الذي يلتمع في عينيها :
-مفيش يا دكتور سمية قالت إني تعبانة أو قصدي كدبت وقالت كده علشان تدخل معاك انت العمليات، معلش غيرانة مني عليك
ازدرد يوسف لعابه بصعوبة يبصر صدمة سمية الواضحة وإحراجها مما قالت براءة، وبرد غير متوقعة لهما قال يوسف :
-عيب يا براءة اللي بتقوليه ده
رمقته الأخرى بصدمة وكانت سمية لا تقل ذهولًا عنها فقال يوسف بهدوء مبالغ به بالنسبة إليهما :
-تقدري تمشي انتي يا سمية انا آسف على اللي اتقال ده
رمقته براءة بتهكم واضح تبصر رحيل سمية والتي لم تجد من يقال بعد هذا الموقف، أما هى فضلت الرحيل أيضًا فقالت وهى تهم بهذا :
-هبعتلك علا يا دكتور انا حاسة اني مش هعرف ادخل العمليات دلوقتي
وفي حركة غير متوقعة منه وجدته يضع كفه على الحائط يمنعها من التحرك فنظرت له بحدة على هذه الحركة قائلة :
-نزل ايدك انا عايزة أعدي
-هو اللي قولتيه بجد ولا ده حوار؟؟
وكانت اجابتها حادة والعجب راقت ليوسف فلم يرى هذا الجانب الحاد منها من قبل، وحقًا يرى أنه أفضل من جانبها الكسول ذاك :
-انا مش بحور يا دكتور هى اللي عايزة كده وقالتها بالنص، ده بتقولي اني سحرالك علشان كل لما بتنادي على ممرضة بتقول يا براءة
-والله كلام منطقي انا حاسة إنك سحرالي فعلًا، انا مش على لساني غير اسمك
وكانت هذه جملة غزلية منه والأخرى فهمتها بشكل خاطئ إذ صاحت به مخرجة إياه من الفقاعة الوردية التي بدأت تسحبه :
-سحرالك ايه انت كمان وانا مالي كل لما تنادي تقول يا براءة
دفعت يده بعنف حتى تمر ثم قالت :
-هنادي علا تساعدك في العملية، معلش فيه واحدة مش عاجبها أساعدك انا، وانا مش ناقصة صداع
لم يبالي الآخر بكل ما قالت هذا فهو يعلم أن سمية معجبة به ولكنه لا بشغل بالًا لها، ليس تكبرًا منه ولكنه لا يرى أنها تناسبه، نادى على براءة قبل أن تبتعد قائلًا :
-براءة انا عايز رقم والدك
رفعت الأخرى إحدى حاجبيها بتعجب ثم هتفت بنبرة ساخرة :
-ليه هتشتكيله مني وتقوله بنتك نوتي مش سامعة الكلام
نفى يوسف بهزة بسيطة منه ثم قال وعلى شفتيه ابتسامة جذابة :
-لأ عايز اطلب منه ايد بنته أصل مش عارف اطلعها من دماغي، حتى لساني مش بينطق غير اسمها
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل السادس وثلاثون 36 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
فصل يوم الجمعة نزلته بدري يوم هدية ليكم علشان التعليقات الكتير اللي كانت الفصل الفات، وهكذا الأمر تدلعوني ادلعكم ❤️👀
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
أعاد شريط تسجيل مغادرة كاظم من فيلا عائلته للمرة التي لا يعلم عددها فصاح به يونس بضيق شديد لا يفهم لما يعيده :
-انا مش فاهم انت بتعيد تسجيل الفيديو ليه؟؟
تنهد سفيان ببطء وهو يرفع صورتين من بين أوراق عديدة متناثرة أمامهما على الطاولة المستطيلة التي يجلسان عليها، وقد كانت إحدى الصور تعود لكاظم بينما الأخرى لأخيه عادل :
-انت شايف وجه الشبه ما بينهم دول كأنهم توأم بإختلاف بسيط في الملامح
-عادي يعني مش اخوات، عمرك ما شوفت اخين شبه بعض ومش توأم
زفر سفيان على مهل يشعر بالتعب فها هم منذ يومين يجلسان في مبنى أمن الدولة من أجل البحث عن كاظم والذي اختفى وكأنه لم يعد له وجود على سطح الأرض
يومان مرا ببطء مزعج بعد أن نشروا اسم كاظم وصورته على جميع دورات التفتيش بكل المحافظات القريبة من الإسكندرية، بل وجاري البحث عنه في المحافظات البعيدة رغم استحالة خروجه من الإسكندرية، فلم يظهر داخل أي سيارة مرت وقد تم تفتيش كل السيارات حتى سيارات النقل الضخمة تم تفتيشها :
-الواد ده يا إما لسه في إسكندرية يا إما طلع برا مصر من البحر
تحدث يونس بهدوء وإرهاق لا يقل عن الآخر :
-مش هيقدر يطلع مفيش مركب خرجت من أي ميناء في إسكندرية من غير ما تتفتش تفتيش ذاتي، حتى الشرطة البحرية واخدين بالهم كويس، الاحتمال الأقوى أنه ممكن يكون اتقتل
-مستبعدش بصراحة، وده كمان لاني حاسس إنه وراه ناس هما اللي بلغوه أنه اتكشف، فيا إما قتلوه بجد علشان يخلصوا منه أو هما خفوه في مكان محدش يعرفه، بس هيروح فين مش هيقدر يطلع برا مصر لا بري ولا بحري ولا جوي حتى
دلف أمين وهو ضابط هنا لكن ذو رتبة أقل لذا يعمل تحت يد سفيان :
-باشا عادل الدخيلي رجع إسكندرية وعرف باللي حصل لأخوه وبعتنا علشان نجيبه ونستجوبه زي ما استجوبنا باقي عيلته
هز سفيان برأسه هزة بسيطة، ثم وقف من على المقعد ملتقطًا هاتفه ومفاتيح سيارته، من ثم قال :
-يونس خليك موجود لما يستجوبوا عادل وبعدها ابقى ارجع بيتك ارتاح شوية علشان تعرف تكمل
عقد الآخر حاجبيه متسائلًا قبل رحيل الآخر :
-هو انا لسه هكمل، مش خلاص كده القضية هيهتم بيها أمن الدولة والشرطة خرجت من الموضوع
-خرجت من الموضوع ازاي يعني، فيه سفاح طليق يا حضرت الظابط ثم انت لسه معايا في القضية دي، ومش هتفرق أمن دولة من شرطة أهم حاجة الواد ده يجي حي أو ميت
خرج من الغرفة وتركهما بها ليقول يونس محدثًا أمين :
-هو سفيان رايح فين؟؟
-تقريبًا يا باشا رايح للبنت اللي اتاخدت في الرجلين في القضية دي، أصله محمل نفسه ذنب اللي حصلها
وآماء يونس بعدم اهتمام ثم وقف من مكانه مستعدًا لسماع عادل الدخيلي فيما سيقوله عن أخيه وهذا بعد أن اكتشف أنه سفاح إسكندرية الشهير، والسؤال الأهم الذي سيُطرح على عادل
هل كان يعلم أن أخيه قاتل؟!
أما بالنسبة إلى سفيان توقف بسيارته أمام مشفى يبعد عن جهاز أمن الدولة بعدة دقائق، سار بين الأروقة متجهًا إلى الغرفة الموجودة بها هاجر وقد كان لا تزال على نفس وضعيتها منذ آفاقت وعلمت أنها فقدت الجنين، تجلس ضاممة قدميها إلى صدرها بدون أي رد فعل، لم تصرخ لم تبكي لم تثور حتى
هى صامتة فقط وكأن الصدمة افقدتها النطق
تحدثت معه الطبيبة وهى تحدق في هاجر التي تستند بذقنها على قدميها اللتان تضمانهما إلى صدرها بذراعيها :
-لازم تخرج الكبت اللي جواها، غلط عليها السكوت ده
-انا اقدر اطلعه بس ممكن تتعرض لنوبة صرع تانية؟؟
نفت الأخرى برأسها تمد له التحاليل التي اجروها لهاجر :
-لأ هى مش هتتعرض لأي نوبة تانية علشان اكتشفنا إني في سم كان في جسمها هو اللي كان بيعمل تحفيز وإثارة للجهاز العصبي واحنا اديناها دواء مضاد والحمد لله السم بدأ يختفي من جسمها
حدق بها سفيان مذهول ثم عاد بنظره لهاجر متسائلًا لنفسه :
-عملت ايه علشان تتسم؟؟ كل شوية اكتشف فيها حاجة تحيرني أكتر
عاد بنظره للطبيبة ثم قال :
-هاخد نسخة من التحليل وحالتها علشان نشوف مين حاول يقتلها
دلف سفيان بعد أن طرق الباب لربما يستدعي انتباهها، وبالفعل نظرت هاجر بطرف عينها له ثم عادت تنظر أمامها بصمتها القاتل، سحب الآخر مقعد حديدي وجلس عليه ثم قال :
-عاملة ايه النهاردة يا لوزة؟؟
-هاجر
ابتسم سفيان لأنها أجابت وكذلك الطبيبة فمن الجيد أنها ردت عليه فمر يومين ولم تتحدث بكلمة واحدة، تحدث سفيان بنفس الرد الذي رده عليها في أول مقابلة لهما :
-لأ لوزة علشان انتي عيوطة وأي واحدة عيوطة بيبقى اسمها لوزة
دفنت هاجر وجهها بين قدميها ولم تجب فقال سفيان وقد قرر استخدام أسلوب علم النفس العكسي، وبوقاحته المعتادة أجبرها على رفع رأسها له حين قال :
-خلاص بقى انتي هتأفوري ليه، قاعدة في جو المكتئبة البائسة الدنيا مش هتوقف يعني
رمقته هاجر بضيق شديد لوقاحته هذه إذ قالت :
-اطلع برا انتي بني آدم قليل الذوق سبيني في حالي وامشي
استند سفيان على فخذيه مستفزًا اياها أكثر حتى تكسر قوقعتها وتخرج :
-طب انتي تعرفي انك هتورثي في أملاك الدخيلي هيبقى عندك ملايين كتير، في واحدة بقى هيبقى معاها ملايين وتقعد قعدتك دي
تبًا له، وتبًا للملايين التي يتحدث عنها، وتبًا لآل الدخيلي جميعًا والذين لم يأتوا عليها سوى بالآلام الجسدية والنفسية حتى باتت تتمنى الموت
امسكت بقارورة مياه بجانب الفراش وبكل قوتها ألقتها عليه ولولا أن تفادها الآخر لكانت اصطدمت في رأسه، بينما هاجر فاض كيلها وانتهى صبرها وكأن فقدانها للجنين للمرة الثالثة جعاها تنفجر وتخرج مخزون الأحزان والهم الذي تحملته لسنوات بعد أن أخذوا منها الأمل الذي كانت ستحيا لأجله :
-مش عايزة منهم حاجة مش عايزة حاجة من حد سيبوني في حــالــي
اقتربت منها الطبيبة بسرعة حتى تهدئها ولكن اوقفها سفيان يريد أن تخرج هاجر جميع ما في جعبتها، والأخرى انفجرت بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فأخذت تلقي وتحطم أي شئ تطوله يديها من أدوية أو محاليل حتى أنها حطمت الزجاج :
-كل اللي عملوه فيا ده علشان الفلوس، قتلت عيالي علشان ميورثوش مع عيالها، حكموا عليا الناس اني اتجوزت واحد أكبر مني عمري بمرة ونص علشان طمعانة في فلوسه وانا اتجوزته غصب عني
ألقت بجسدها على الفراش وأخذت تمزق في الوسائد ومازالت تصرخ وتهزي وسفيان يطالعها بصمت ينتظر سكونها ولكن أخطأ فحالتها لن تستكين بل ستزيد الأمر سوءًا، إذ امسكت بشظايا الزجاج المكسور ووضعته على رسغها تنتوي قطع شرايينها
وهنا انتفض هو والطبيبة التي حاولت منعها بالكلام والذي في حالة هاجر ما كان ليجدي نفعًا، وقد كان سفيان تصرفه أسرع إذ أمسك بذراعيها وابعدهما عن بعضهما ولأجل إيقاف جسدها عن الحركة العنيفة حاصرها بينه وبين الحائط صارخًا بها أن تترك قطعة الزجاج والتي من قوة قبضتها عليها أصبح كفها يسيل بالدماء :
-ســيـبيـها
-لأ
-بقولك ســيـبيـها
وصرخت به هاجر بنفس القوة رافضة تركها فعكس سفيان الوضعية وادار جسدها بسرعة بحيث أصبح ظهرها مواجهًا لصدره، بينما أمسك برسغيها بيدٍ واحدة والأخرى انتشل منها قطعة الزجاج وألقى بها بعيدًا
اخذت الأخرى تنتفض بشكل هيستيري حتى يتركها فأمرته الطبيبة بتركها حتى لا تصاب بإنهيار حاد، افلتها سفيان ببطء فهبطت الأخرى أرضًا تبكي بقوة، أرادوا منها الانفجار والآن لن يستطيعوا إخماد بكائها
-انا هديها مهدئ
نطقت بها الطبيبة وهى تهم بالخروج فجميع الأدوية القتها هاجر أرضًا، بينما الأخرى هزت رأسها بنفي، لا تريد أن تنام بفعل المهدئات كما كان يفعل معها الطبيب أثناء مرضها بالهلاوس والصرع سابقًا :
-مش عايزة مهدئات مش عايزة
نظرت إلى سفيان برجاء شديد فقال الآخر بهدوء وهو يعيد ترتيب خصلات شعره التي فسدت بسبب ما حدث :
-متديهاش مهدئ يا دكتورة انا عايز اتكلم معاها انا هخليها تهدى
وبعد محاولات إقناع الطبيبة أن المهدئ حل أفضل حتي تنام، استسلمت وتركت سفيان مع هاجر التي كانت ترفض المهدئ وكأنهم سيعطون لها سم
نظر سفيان إليها يرى دموعها تهبط بغزارة وكأنها لم تبكي لسنوات، لم يطلب منها أن تهدأ بل تركها تبكي كما تريد وظل هو يجلس أرضًا مثلها على مقربة منها، مستندًا بظهره على الحائط
وبعد دقائق طويلة انتبه أن كفها مجروح فأخذ الشاش الملقى أرضًا ومد يدها حتى يسحب كفها، واقترابه منها جعل جسد هاجر يرتد للخلف رافضة اقترابه بينما قال الآخر بنبرة هادئة حنونة لم تسمعها منه من قبل، وكانت نبرته تعاكس تصرفه إذ سحب كفها بحزم رغمًا عنها وأخذ يدلفه بالشاش الأبيض :
-هلفلك الجرح وانادي حد يطهره
قطع الشاش وربطه ببطء حتى لا تتألم والأخرى تحدق به بصمت رغم حالتها المزرية وجفونها المتورمة، والدموع التي جفت على وجهها أفسدت نقاء بشرتها البيضاء
لم يرفع سفيان عينيه لها رغم علمه أنها تحدق به، بل قال بهدوء شديد :
-عايزة تنتحري وتروحيله كافرة أومال ايه مسلمة ومحجبة ولا مش عارفة انتي الإنتحار حرام!؟
عادت الدموع تتبلور في عينيها البنية ثم قالت كلمة واحدة وصفت بها العواصف التي ترعد بداخلها :
-تعبت
-لو كل واحد تعب قرر ينتحر مش هيفضل حد في الدنيا دي، عُمر الإنتحار ما كان الحل
نطق بها بقوة وهو يحدق في عينيها غاضبًا من محاولتها لإزهاق روحها بهذا التهور، بينما هاجر همست بحزن شديد وملامح وجهها جامدة :
-انا حاولت انتحر ست مرات قبل كده ودي السابعة
ختمت حديثها وهى ترفع كمها عن معصمها تريه أثر جروح غائرة ومقطبة بل وهناك حروق وكأنها حاولت حرق نفسها حية، من ثم قالت تراه يرمقها بذهول يغلفه الغضب :
-من عشر سنين بالظبط كنت بستعجب ليه واحد ممكن ينتحر، ايه الوحش اللي شافه وعلشانه مش عايز يكمل في الدنيا، دلوقتي اكتشفت اني الدنيا والناس وحشين أوي، والبني آدم ممكن يمر بحاجات تخليه مش طايق يقعد فيها ولو لثانية واحدة كمان
-ايه اللي شوفتيه في الدنيا والناس يخليكي تحاولي تنتحري سبع مرات؟!
ورغم هدوء نبرته إلىٰ أنه غاضب منها بشدة ولكن يريد أن يسمعها، فيبدو أن لطف وهدوء هاجر الذي كان يراه ما هو إلا سطح هادئ لطيف لبحر أعماقه هائجه مخيفة، ابتسمت هاجر بمرارة وودت لو أن تضحك عاليًا ولكن بسخرية منه :
-شوفت ايه من الدنيا والناس؟! انا شوفت حاجات كتير أكبر من سني وقوة تحملي، كنت بتظلم واسكت، اتقهر واسكت، اتذل واسكت، الدنيا خدت مني ابويا وامي في يوم واحد وانا لسه عندي ١٨ سنة
-ابويا وامي برضو ماتوا في يوم واحد، الموت خطفهم مني في لحظة واحدة
سالت الدموع من عيون هاجر ثم استرسلت :
-اتغصبت على راجل أكبر مني بخمسة وعشرين سنة
-اتغصبت اني اتحمل موتهم علشان خاطر اخويا اللي ملوش حد غيري، اتغصبت اتحمل مرض اخويا واكتم انا جوايا علشانه
-انا حملت تلات مرات وسقطوني، حرموني منهم قبل ما اشوفهم
صاحت بها وكأنه تخبره أنها تعاني أكثر منه بينما سفيان أجابها بنبرة هادئة رغم قسوة ما يقول :
-ابني خبطته عربية قدام عيوني وهو لسه عمره تلات سنين ومات بين ايديا
-انا كانوا بيحطولي دواء في الأكل علشان يجننوني لحد ما جالي صرع وبقيت مريضة هلاوس
-وانا فضلت تلات سنين وسط جماعة إرهابية على أساس اني واحد منهم وشايف اللي قتلوا ابويا وامي رايحين جايين قدامي ومطلوب مني اتحمل لحد ما اقبض عليهم، انتي لو اتحملتي المرض انا اتحملت عذاب جهنم على الأرض بعد ما اتكشفت ولولا إني في عمري بقية كان زمان تحت التراب
لا تعلم لما آلامها قلبها عليه وشعرت بالفعل أن هناك من يعاني مثلها وليست هى الوحيدة التي ظلمتها الحياة :
-انا عشت سنين مع راجل مش بحبه
-وانا عشت سنين برضو مع ست معيشاني في هم ونكد وخنقة، وحتى موت ابني حملتني سببه
بكت هاجر مرة أخرى وهذه المرة لا تعلم اتبكي حالها أم حاله هو، لا تدري من منهم الحياة ظلمته أكثر، أبتسم سفيان يعلم أنها تشعر بالسوء الشديد ولكنه يحمد ربه على كل حال لربما بلاء الدنيا أهون من بلاء الآخرة :
-حالتي زي حالتك وعمري ما حاولت انتحر، أحمديه حتى على البلاء يا هاجر انتي متعرفيش إرادة ربنا، ده بيقولك لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع، مش الدنيا ولا الناس دي إرادته هو وبيهم أو من غيرهم هتحصل
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
استمعت إلى آذان العصر يصدح من المأذنة وينتشر صداه بسرعة بسبب الخلاء الذين يعيشون فيه، فهم يسكنون في قلب الحقول حيث مساحات واسعة من النباتات الخضراء وقد كان في هذه الأثناء موسم القمح ولا تزال السنابل خضراء اللون
حدقت في نبتة الريحان التي تزرعها والدتها على السطح داخل علبة بلاستيكية مستديرة وكأن اللون الأخضر الذي يحيطهم من الثلاث جهات لا يكفي، تنسى هذه النبتة دائمًا ربما لا أحد يتذكرها سوى والداها فهى التي تهتم بها وتسقيها
تنهدت بقوة وهى تطالع كفيها المربوطين بالشاش الأبيض يفسد نقاؤه بقع حمراء من ذلك المطهر، سوف تعود إلى الإسكندرية مرة أخرى قريبًا وهذا لأن اختبارات نصف العام على أبواب، نادمة على أنها أصرت على الدراسة هناك وعاندت والدتها التي اخبرتها ألا تغترب وتذهب لمحافظة أخرى
كم بكت حتى تدعها تدرس هناك ولولا موافقة والدها وأن ياسر قدم أوراقها هناك قبل أن يغلق باب القبول ما كانت حقًا لتستطيع الذهاب
لم يشغل بالها ما حدث في الأيام السابقة فما كان يشغلها هو أنها خطيبة ياسر دون علمها، كيف يفعل والدها بها شيئًا كهذا ويوافق دون أن يخبرها حتى، تفكر منذ يومين في المشادة التي ستحدث بينها وبين والديها حين تخبرهم بالأمر، لا تعلم اترفض أم تقبل ولكنها ناقمة على الجميع بسبب إخفاء الأمر عنها
صدح صوت والدتها وهو تصعد الدرج وكم بدت غاضبة من سبابها المتواصلة التي تلقيها عليها، لا تعلم ماذا حدث فهى تجلس هنا منذ نصف ساعة ولم تفعل شئ و..... ويبدو أن هذا هو السبب
اقتربت منها والدتها وهى تصيح بها غاضبة :
-انا بنادم بقالي ساعة مرداش ليه
تبسمت لها عائشة ضاحكة حتى تخفف من حدة والدتها :
-فين ساعة تلاقيكي لسه قايلها من خمس دقايق
التقطت والدتها بعض الملابس المعلقة على حبال الغسيل ثم قالت :
-طب قومي يلا إلبسي علشان نروحوا خطوبة أيمن ولد عمك
تكاسلت الأخرى عن الأمر فهى لا تحب الخروج من المنزل أبدًا وإن أرادت شيئًا من الخارج تبعث نور فالأخرى عكسها تحب الحركة كثيرًا :
-لأ انا مش هروح
استدرات إليها الأخرى بضيق لا تدري لما تسير ابنتها عكس الناس فجميع الفتيات يحببن الخروج خاصةً إلى حفلات الخطوبة والزفاف، إلا ابنتها تفضّل الجلوس في المنزل ولا تخرج حتى إلى محل البقالة الذي يقع على أول الشارع :
-وانا مش هروح واسيبك هنا ثم ابوكي اتصل وقال لازم نروحوا انا وانتي علشان ده ولد أخوه ولازم نعملوا الواجب في غيابه، انا لو عليا مش عايزة أروح علشان مرت عمك بس أبوك قال نروحوا وأيمن جه بنفسه ودعاني وقال هيزعل لو مجتش
لوت عائشة شفتيها بتهكم ثم قالت :
-معرفش ايه اللي لم عمي جابر على كوثر أكنك حطيتي وردة جنب قشرة موز معطنة
قهقهت والدتها "صفية" بعلو على تشبيه ابنتها لزوجة عمها وقد كان الوصف صحيح تمامًا، فجابر شقيق زوجها رجل طيب صالح لا يحب المشاكل ولم يسبق وأن قال كلمة سيئة لأحد
بينما زوجته كوثر عكس ما قيل تمامًا فهى خبيثة ماكرة، تبحث عن المشاكل للجميع ولا تحب الخير لأحد، ولا تآمن لها سرًا ابدًا
دائمًا ما يكون في كل بيت وعائلة شوكة تؤذي الجميع ولا أحد يسلم من شرها سواءً كانت زوجة عم، أو عمة، أو حماة، أو حمى، أو حتى زوجة ابن، وكوثر هى الشوكة في عائلتهم
-طب يلا قومي واوعي يا عيشة تقولي لحد على اللي حصلك هناك لا انتي ولا اللي حصل لأختك، اديكي شايفة مرت عمك الناصحة عملت ايه لما عرفت اللي حصل لشروق وطلعت على البت إنها اتلبست بعفريت والبلد كلها ملهاش سيرة غيرها ورايحين جايين يقولوا بت حسين صفوان اتلبست
ضاقت عائشة بشدة وظهر هذا واضحًا على ملامحها فقالت صفية وهى تربت على كتف ابنتها، تعطي لابنتها درسًا في الحياة :
-الناس يا بنتي تحب تنقل الكلام وتعدل عليه وبدال ما يقولوا عليكي كانت محبوسة في الكلية لحد الفجر هيقولوا كانت دايرة على حل شعرها لحد الفجر، الناس مش ملايكة، لو حد سالك مالك ايه اللي حصل قوليلهم وقعت من على السلم في الكلية وبس
أعطت لها الملابس التي جفت ثم اكملت :
-يلا قومي نزلي دول والبسي عارفة لبسك هيقعد سنة، انا هودي للطير وجاية
دلفت صفية من باب صغير يفصل سطح منزلهم إلى قسمين إذ كانت تربي أنواع كثيرة من الطيور كما هو شائع في جميع بيوت أهل الصعيد، وقفت عائشة على الباب ترى والدتها تلقى بعض البرسيم إلى أرانبها الصغار
تحدثت بتردد قلقة من رؤية ياسر في الخطوبة فهى لم تتحدث معه منذ آخر محادثة معهم في القطار، ولم تراه بعدها رغم أنه اتصل عليها وأتى إلى هنا مع والدته بحجة واجب زيارة المريض، وهى ادَّعت أنها نائمة ولم تخرج، وقد كان ياسر هو صاحب فكرة أنها سقطت من على الدرج فلا يعلم أحد بالحقيقة سوى والدتها وشروق وياسر وحسن فقط :
-ماما هو ياسر مقالش حاجة لما جه هنا؟!
-حاجة زي ايه؟؟
نطقت بها الأخرى وهى مشغولة فيما تعمل فقالت عائشة بثبات تود كشف المستور الآن :
-حاجة زي انه اتقدملي وانتوا وافقتوا من غير ما تقولولي على حاجة؟!
اعتدلت الأخرى في وقفتها ولم تُصدم من حديثها هذا بل قالت مستفسرة :
-ياسر هو اللي قالك ولا نورهان
-هى نورهان كمان عارفة؟؟ لأ ده شكل العيلة كلها عارفة وانا آخر من يعلم ولا أكني العروسة!؟ كنت فاكرة اني حكاية الجواز على الغيابي دي خلصت ولا انتوا كنتوا ناويين تقولوا ليا على الفرح!؟
هزت صفية رأسها بنفي وقد كانت تعلم أن هذه المواجهة ستحدث وها هى قد حدثت :
-لأ لما كنتي تكبري كنا هنقولولك مكناش عايزين حاجة تأثر عليكي انتي كنتي في ثانوي وقتها يعني مستقبلك كله
ابتسمت عائشة بسمة متهكمة ثم قالت :
-ويا ترى بقى لسه ليا رأي ولا خلاص كده
-ليكي رأي طبعًا بس هو ياسر وحش علشان ترفضيه ده شغال في شركة بترول وأكتر واحد بيكسب في ولاد عمامه كلهم، وكمان رايدك وشاريكي ودخل البيت من بابه ويبقى ولد عمك وولد خالتك
مسحت عائشة وجهها بعصبية من فرض الأمر هذا، تشعر حقًا بالغضب من كونهم وافقوا دون العودة إليها وكأنها بدون أهمية، ورغم أن العناد ليس من صفاتها إلىٰ أنها عاندت في هذا الأمر قائلة :
-طب ولو قولت مش عايزاه ورافضة الموضوع
تركت صفية ما بيديها وخرجت لها ثم تحدثت معها برزانة وعقلانية :
-وماله ياسر يا بتي ده انا مربياه وعمره لا عمل حاجة غلط ولا لسانه قال العيبة ولا مسك سجارة حتى، أبوه رباه راجل ومعلمه الحلال من الحرام، وكمان خالتك ثناء هتحبك قوي يعني مش هتبقى ليكي عمة تطلع عينك معاها
بحثت عائشة عن حجة بسرعة لتقول :
-بس ياسر كبير قوي يا ماما ده أكبر من بعشر سنين
-دول عشر سنين هما عشرين؟! ثم ابوكي أكبر مني بسبع سنين وعمك عبد الجواد أكبر من خالتك بتسع سنين
لم يبدو الإقتناع على ابنتها فقالت ساحبة نفسها من الموضوع :
-بصي عندك ابوكي لما يتصل قولوليه اللي انتي عايزاه يوافق يوافق يرفض يرفض انتوا حُرين، بس ياسر زين ومؤدب ونعرفوه والقريب أحسن من الغريب
تركتها وهبطت بينما ظلت عائشة تحدق في الحقول الخضراء التي يطل عليها بيتهم من جهة الغرب، ربما ياسر بالفعل ليس بالشاب السيئ لكن الفارق بينهم لا يعجبها، وكونهم اخفوا عنها الأمر _حتى لو لمصلحتها انذاك الحين كما قالت_ لا يعجبها
لكن هناك سؤال لم تطرحه على نفسها ولم تفعل من قبل لكونها كانت تظن أن ياسر يحب شقيقتها.... هل ياسر يعجبها؟!
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
وقف أمام نافذة البهو المطلة على الشارع، متابعًا الشمس وهى تتجه ببطء ناحية الغروب وقد بدأت اشعتها تندمج مع البحر ونتج عن هذا انعكاسات ضوئية كثيرة، منها انعكاس مر من خلال زجاج النافذة منعكسًا على عينيه البنية
اعتلت ابتسامة جذابة على شفتيه يتذكر رد فعل براءة بعد أن طلب منها يدها بشكل مباشر، لقد هربت ولم تعطي له الرقم أو تعطي له إجابة، حتى أنها لم تدلف للعمليات معه وبعثت علا متحججة بكذب أنها تشعر بإعياء مفاجئ
أسند رأسه على الزجاج يتخيل أنه وفي يوم من الأيام قد تكون براءة زوجته، سوف يفتح الموضوع مع والده والذي سيعود الليلة من سفره، الكثير من المواضيع ستقال الليلة ومنهم عن تحديد علاقة رقية وعمر
وعلى سيرة رقية، أبصرها تخرج من غرفتها وفي يدها حقيبتها ثم اتجهت إلى باب الشقة وكأنها على وشك الخروج رغم أنها ترتدي منامة شتوية :
-رايحة فين يا رقية!؟
نطق بها مستفهمًا وهو يقترب منها واضعًا كفيه داخل كنزته الشتوية، ورغم أن السؤال كان عاديًا ونطق به يوسف بطريقة عادية، إلىٰ أن رقية ترجمته بطريقة أخرى وشعرت أنهم فقدوا ثقتهم بها، ولهم الحق في هذا
طأطأت رأسها أرضًا، من ثم اجابته :
-نازلة عند نور وبراءة أقعد معاهم شوية ولو مش مصدقني تـ
-لأ انا مصدقك
نطق بها يوسف مقاطعًا إياها وتركها تذهب لعلمه أنها لم تخرج من يومين من المنزل وهذا شئ لم تفعله رقية _صاحبة الحركة المفرطة_من قبل، ورغم أن يونس غائب إلىٰ أنها نفذت عقابه، ليس خوفًا منه وإنما لأنها تعلم أنها مخطئة
رن هاتف والدته على الشاحن بعد ذهاب رقية فاتجه إليه مسرعًا فوالدته مشغولة في المطبخ لإعداد الطعام لزوجها العائد من السفر، ابتسم بإتساع عندما رأي أن المتصل هو يونس فأجاب سريعًا وهو ينادي على والدته حتى تأتي :
-تعالي يا ماما يونس بيتصل، الو يا ابني انت فين؟؟ ده انت لو في حرب أكتوبر مش هتقطع بينا كده
ابتسم يونس بإرهاق وصوت أخيه أعطاه بعض الطاقة ليعود للمنزل على الأقل :
-حاسس اني دماغي هتفرقع من الصداع يا يوسف والله، ومعنديش الصدر الحنين اللي يجيبلي كوباية مياه وقرص بنادول
تبتسم يوسف وعلم أنه يقصده، وقبل أن يتحدث اختطفت عبلة منه الهاتف هاتفة بلهفة :
-ايوه يا يونس انت فين يا حبيبي انا قلقانة عليك أوي
-انا كويس يا ماما بس علشان الشغل والقضية وكل شوية تتصل علينا الدوريات في واحد شبه السفاح والتحقيق مع أهله، مقدرش من ده كله اتصل عليكم ولا أنام حتى
اشفقت الأخرى على ابنها، فحتى إن كان بعد أشهر سيكمل الثلاثين يظل صغيرها في النهاية :
-وطبعًا مش بتاكل يا يونس، هتقطع نفسك في الشغل يعني ولا هى مصر كلها مفيش فيها ظابط غيرك، بقولك ايه لازم ترجع علشان ترتاح وعلشان باباك راجع الليلة دي وانا عايزة نتلم على سفرة واحدة إحنا الخمسة مش كل شوية واحد فيكم يغيب عن البيت
آماء يونس وكأنها تراه ثم قال متحججًا :
-ماشي انا ساعة كده وجاي سلام دلوقتي
أغلق مع والدته ثم والىٰ انتباهه للذي أمامه إذ كان يجلس رفقة بعض الضباط أمام زجاج يظهر من خلفه عادل وهو يجلس أمام ظابط يفصلهم طاولة مستطيلة بينما الآخر يطرح عليه نفس الأسئلة التي طُرحت على باقي عائلة كاظم :
-أستاذ عادل أنت كنت فين أثناء حادثة قتل فريال واللي كانت خطيبة كاظم أخوك
-انا كنت مسافر علشان شغل في شرم الشيخ ومعرفتش اني فريال اتقتلت، أصلًا فريال فركشت مع كاظم
كان رده هادئ هدوء مبالغ به بشدة فقال الضابط وهو يدرس رودود أفعاله بتركيز :
-أخوك كاظم الدخيلي هو سفاح إسكندرية انت تعرف ده؟؟
ولم يبدو على عادل تفاجئ بالأمر بل اكتفى بهزة رأس نافية فقط فقال الضابط بشك :
-مش شايف اني رد فعلك على معرفتك بالموضوع غريب
-وصلني الخبر علشان كده نزلت إسكندرية وأكيد رد الفعل اللي انت عايزه خلاص اتعمل
-ايه رأيك في القضية المتهم فيها أخوك تفتكر أنه يعملها
-آه
وهذه المرة كانت المفاجأة للضابط فجميع العائلة قالت لا بإستثناءه هو، استند بذراعيه على الطاولة ثم قال :
-يعني انت تعرف أنه قتال قتلة وكنت متستر عليه
نفى عادل سؤاله هذا هاتفًا بذكاء :
-لأ سؤالك مكنش كده، سألتني إذا كنت أشك انه يقتل وانا قولتلك آه بس مقولتش إذا كنت أعرف انه قتل والإجابة على دي لأ
تنهد الآخر وعلم أنه يتعامل مع رجل ذكي :
-ليه تشك انه اخوك ممكن يقتل يا أستاذ عادل؟؟
-علشان هو مجنون سيكوباتي بيحب يشوف الدم مستبعدش أنه يطلع قتال قتلة
-عندك ما يثبت انه كده؟؟
-انا عارف انه كده من سنين وقولتله يتعالج وهو راح لدكتور نفسي فعلًا وقاله أنه مريض سيكوباتي بيأذي الناس ومش بيحس بأي ندم
-ايه اسم الدكتور ده!؟
-لا معرفش مقالش اسمه
أستمر استجوابه عشر دقائق أخرى وقد كانت ردوده الهادئة _عكس ردود أفعال باقي العائلة_ تدعو إلى الشك، تحدث يونس وهو يرى عادل يرحل من باب آخر :
-انتوا مراقبين تليفوناتهم ومراقبينهم كويس صح
آماء له أمين بإيجاب فقال أحد الضباط الجالسين بنبرة آمرة :
-تحطوا مراقبة مكثفة على ده بالذات هدوءه يقلق مش بعيد يكون عارف انه أخوه قتال قتلة وبيستهبل بهدوءه ده
أما عادل خرج من جهاز أمن الدولة ثم فتح باب سيارته وقد تفاجأ من أن سائقه قد تغير رغم أنه يرتدي نفس الملابس، لم يدم هذا الاندهاش كثيرًا وصعد السيارة فانطلق السائق بسرعة عادية هاتفًا بهدوء شديد :
-انت متراقب
-أكيد لازم أكون متراقب مش اخويا طلع السفاح
-لازم أخوك يخرج برا البلد، انت عارف لو أتقبض عليه نهايته هتبقى ايه وكمان هيجرك معاه يا عادل
تنفس عادل بعمق لا يفهم كيف تم كشف أخيه الأخرق هذا، بالطبع قد قتل فريال وهو مسكور فمنذ أن انفصلت عنه وهو لا يتوقف عن تجرع الكحليات :
-هو فين دلوقتي؟ ازاي اختفى وانتوا مش عارفين هو فين؟!
-انا المعلومات اللي عندي بتقول أنه هو هددهم لما حاولوا يخرجوه من البلد وبعدها اختفى ومش عارفين له طريق والمطلوب منك توصله قبل ما البوليس يوصله
نظر له السائق في المرآة وهو يعلم مع من يتعامل فهذا عادل الدخيلي، رجل الأعمال الشهير وهو الوجه الارستقراطي لأعمال عائلة الدخيلي الاستثمارية
وخلف رُقيه ونبله وهذه الملامح الوسيم الهادئة يقبع ضبع مفترس ينتظر من يزعجه فقط حتى يقضي عليه، فأمامكم رجل بوجهان، وجه راقي هادئ وآخر سفاح قاتل
ولك أن تتخيل عزيزي القارئ أن سفاح الإسكندرية شخصان وليس واحد، أحدهم هادئ في قتله والآخر مجنون سيكوباتي، والأثنان هما أبناء حاتم الدخيلي الذكور وكلاهما يقتلان لأسباب مختلفة
ربما معظم الضحايا كانت من نصيب كاظم فهو يقتل ليشبع غريزته في سفك الدماء، بينما عادل العكس يخرج طاقة مكبوتة في داخله كما يزعم، وفي النهاية كلاهما قاتلان حقيران ولكن ذكيان
فلم يتوقع أحدهم أن السفاح اثنين وليس واحد...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
وقفت أمام شقة رقم خمسة في الطابق الثالث وقد كانت تعود هذه الشقة للفتيات والمتواجد بها الآن هما نور وبراءة فقط، طرقت الباب وقد قررت التونس بهما فهى لا تخرج منذ يومين ولم تعتاد هذا أبدًا، حتى عمر لا ترد على مكالماته ورسائله
يالا سخرية القدر تحاول منذ أسابيع أن تجعله يتعود على وجودها حتى تعود علاقتهما كما كانت، وعندما تعود تنسحب هى مجبرة، وكأن القدر يأبى أن يجتمعا مرة أخرى
فتحت نور الباب بعدما أبصرتها رقية من العين السحرية، ابتسمت لها بمجاملة تدعوها للدخول :
-اتفضلي يا رقية تعالي
دلفت رقية وفي يدها حقيبتها وقد أخرجت منها كيس أسود واعطته لنور بحذر فأخذته منها الأخرى بتعجب :
-ايه ده!؟
-دي مقادير كيكة انا جبتها وعايزة اعملها بنفسي بس تقفي معايا وانا بعملها، امي بصراحة مشغولة أوي وانا عايزة اعملها مفاجأة يعني لبابا علشان راجع من السفر وكده
تبسمت لها نور ولم تمانع بل فتحت الكيس تتأكد من أن المقادير كاملة :
-تمام نعملوا كيكة وماله، انتي عايزاها شوكلاتة ولا سادة ولا تحبي تعملي الاتنين في بعض
عقدت الأخرى حاجبيها بتعجب فلم يسبق لها وأن رأت كعكة مختلطة :
-هو ممكن نعمل الاتنين في بعض
-ايوه اسمها كيكة تايجر هى هتحتاج شغل بس حلوة عملتها قبل كده
-ماشي نعمل دي، معلش هتعبك يا نور بس مش معايا اخت بنت ومش بعرف أعمل حاجة في المطبخ لوحدي
نطقت بها رقية بإحراج فقالت نور بمزاح حتى لا تحرجها :
-مش بتعرفي تعملي حاجة في المطبخ لوحدك وانتي في السن ده يا فرحة أمك بيكي يا رقية
نظرت إلى الكيس ثم قالت :
-طب احنا كده هنحتاج بيض تاني وكاكاو وكريم شانتيه علشان الزينة ولو تجيبي لوح شوكولاتة أو مكسرات هطلعك الكيكة دي تورتة
-بصي انا عايزة اعمل حاجة كده ينبهروا بيها وكمان عايزة اعملها بأيدي علشان اتفشخر كده وأقول اني انا اللي عملاها
ختمت حديثها بحماس شديد فدائمًا ما تصاب بإحباط من أخويها عندما تفشل في صنع شئ في المطبخ فلم تستطع ولو لمرة أن تصنع شئ جيد ينبهروا به، كل محاولاتها فاشلة
-طب مين هيجيب باقي الطلبات
تساءلت بها نور فأجابتها رقية وهى تخرج هاتفها :
-هتصل على البواب يجيبها بس يعني انتي عندك وقت؟!
-يا بنتي انا فاضية فضى الكلاب تعالي تعالي دي انتي جيتي من السماء بعد ما كنت هطُق من الزهق
دلفت رقية إلى البهو خلفها وهى تتصل على البواب وقد املته الطلبات خلف نور التي كانت تملي عليها ما تحتاجه من أجل صنع كعكة لذيذة ذو شكل جذاب، تساءلت رقية وهى تضع هاتفها على الوضع الصامت :
-اومال براءة فين مش شايفاها يعني
-بتاخد دش
اعتدلت رقية في جلستها ثم سألتها عن ذلك الحساب، رغم أنها تعلم ما حدث من جهة حمزة، إلىٰ انها أرادت أن تسمعه من جهة نور، بينما الأخرى انقلبت ملامحها بإنزعاج ثم قالت :
-انا اتصدمت فيه كنت فكراه بني آدم راقي ومحترم طلع ز
كادت أن تسبه علانيةً ولكنها تراجعت بسرعة مستغفرة ربها ثم أضافت :
-يلا ربنا يصلح حاله، انا غيرت الحساب خالص من وراء الرسايل اللي كانت بتوصلي ده التليفون كان بيهنك من كتر الرسايل
دلفت براءة إلى البهو بخصلات ندية ترفعها إلى الأعلى ولتوها خرجت من المرحاض، ولكنها استمعت إلى صوت نور تتحدث مع أحد في البهو فأرادت أن تعلم مع مَن، وقد شعرت بالريبة من وجود رقية فهل بعثها يوسف لكي تتحدث معها
تعترف كم كانت خرقاء عندما تركته وركضت في الممر هربًا منه فقد أصابها الارتباك والخجل الشديد من طلبه الصريح للزواج منها، لا يحدث هذا عندهم في الصعيد فلا يطلب رجل من امرأة الزواج بهذه الطريقة المباشرة
بل يذهب هو أو أحد من أقاربه من أجل تحديد موعد لمقابلة والدها، وإن وافق والدها سيراها ويجلس معها في رؤية شرعية، لكن إن لم يوافق والدها لن يراها أبدًا
لا تدري اهو يعلم بهذه التقاليد عندهم أم لا، وحتى هى لا تدري ما العمل فلا تستطيع أن تعطيه الرقم فإن سأله والدها من أن أين أتى برقمه هل سيقول له من ابنتك، ربما هذا شيئًا عاديًا لكن في عرف الصعيد عندهم ليس بعادي
ابتسمت لها رقية ولم تكن على علم بعد بما فعله يوسف لذا تعاملت مع براءة بشكل عادي :
-ازيك يا براءة ايه الأخبار
اكتفت الأخرى بهزة بسيطة ولم تسألها عن سبب قدومها بل انسحبت من المكان حتى تمشط خصلات شعرها قائلة :
-الحمد لله تمام
طرق الباب فعادت براءة للغرفة بينما تحركت رقية حتى تفتح عندما وجدت نور تبحث عن شيئًا ترتديه على رأسها، أخذت منه المقادير ثم قالت :
-شكرًا يا عم جمال لما أنزل هبعتلك الفلوس
أغلقت الباب ثم قالت بنبرة متحمسة لصنع كعكة حتى تراضي بها اخويها فهى تعلم أنهم يفضلون الكعك أكثر من أي شئ :
-يلا نعمل الكيكة
دلفت خلف نور إلى المطبخ وكم كانت قلقة من أن يفسد الكعك فهى تعلم نفسها فاشلة في كل ما يخص أمور المطبخ، أخرجت الخلاط ثم ابتعدت طالبة من رقية الاقتراب :
-تعالي يلا علشان تحطي المقادير
-بس انا مش حافظاها
أخرجت نور هاتفها حيث تحتفظ بوصفات البسكويت والكيك فعقلها ليس بدفتر لذا تحتفظ بملف يخص هذه الأمور :
-عندي ملف للكيكة والبسكويت والنواعم هبقى ابعته ليكي، انا هقولك تحطي ايه وانتي تحطيه بس خلي بالك انا معلمة غليظة ولو الكيكة باظت هيبقى من وراكي انتي مش من ورايا انا
آماءت رقية بإيجاب مستعدة لخوض التجربة وتحمل النتائج :
-يلا توكلي على الله طلعت حلوة هياكلوها طلعت وحشة هياكلوها برضو غصبًا عنهم
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
استمع إلى صوت الجرس ودون إجابة، هبطت يده من على أذنه بيأس من أن تجيب رقية على مكالماته أو رسائله، لما لا تجيب عليه؟! حتى أنها ترى الرسائل ولا ترد
زفر بضيق وهو يحدق في الجدران المقشرة والمتصدعة حوله، يشعر أنها تضيق عليه تقيد حريته، سحب علبة الدواء الموضوعة على الكومود ثم أخرج منها قرص وابتلعه بمساعدة الماء
ألقى بالعلبة الشفافة دون إهتمام ثم فتح حاسوبه المحمول والذي كانت متصل بتلك الفلاشة التي وجدها في شقة والديه حيث أخبره سفيان
أخذ يقلب في الصور وعقله لا يتذكر الجميع، يشعر برؤيته لرقية معه وكأنه حضر تلك الصور وتلك المشاهد، هناك ومضات تأتي من حين لآخر داخل عقله
ظل ينظر للصور والفيديوهات قرابة الساعة ليس وكأنه شاهدهم ثلاث مرات من قبل، مد أنامله إلى صورة رقية متحسسًا الشاشة وكأنه يلمسها بالفعل، رأي هذه الأعين السوداء من قبل، وهذا الشعر الأسود الطويل، وهذه البشرة الناعمة
ابتسم بحب للصورة ولا يدري أعاد قلبه يتذكر رقية أم أن عقله بدأ يحبها ويشتاق إليها بشكل لا إرادي بعد معرفته أنه كان يحبها، وهذا واضح من الصور إذ كان في أغلب الفديوهات يطالعها بنظرات شغوفة وكأن نظراته تنطق بحبه لها
يبدو أن هذا الدواء له مفعول بالفعل فبدأ يتذكر لحظات مشوشة، ولكن لما تتجاهله رقية وهو من أعتاد على رؤيتها في كل مكان يذهب له، هل تعكس الأدوار الآن حتى يشتاقها؟!
ويبدو أن طريقتها فعالة فبدأ يشعر بالحنين لرؤيتها
استمع إلى صوت جدته وهى تناديه من أجل الغداء، استقام من على الفراش وقد أصابه دوار حاد مع ارتفاع في نبضات قلبه، منذ الأمس وهو يعاني من هذا الأمر وقد ظن أنه ربما فقر في الدم أو ما شابه
لكن هذه البرودة التي تجتاح أطرافه منذ الصباح لا تطمئنه، علىٰ صوت جدته مرة أخرى فحاول أن يقف وهذه المرة سقط على الفراش وهو يضع يده على صدره بألم لهذه النغزات التي تضرب داخل صدره لسرعة خفقان قلبه
علىٰ تنفسه في الغرفة وهو يشعر بحرارة شديدة رغم برودة الأجواء فلما الحرارة إذًا؟؟ طرقت جدته على الباب وهى تناديه :
-يا عمر انت نايم ولا صاحي
-انا صاحي
نطق بها بصوت منخفض متعب لم يصل إليها ففتحت الباب حتى ترى ماذا يفعل وقد ابصرته يجلس على الفراش ويبدو عليه الإعياء، اقتربت منه بخطوات بطيئة وهى تستند على عكازها هاتفة بلهفة :
-مالك يا عمر؟؟
جلست بجانبه متحسسة جبينه المتعرق بغزارة وقد كانت درجة حرارته شبه مرتفعة رغم أن عمر يشعر أن جسده يغلي، تحدث بضعف مستندًا على صدر جدته :
-دايخ ومش... مش عارف اخد نفسي
-دايخ ليه يمكن ضغطك واطي تعالي نقيس الضغط في الصيدلية اللي تحت
-مش قادر أقوم
وبالكاد سمعت ونس جملته هذه فعلمت أنه متعب بشدة ولا تعلم حقًا مما فكان صباحًا بخير، نادت على حنان بصوت فزع قلق على حفيدها قائلة :
-بت يا حنان انتي يا بت
أتت حنان على صوتها فقالت ونس بسرعة وهى تحيط بعمر بذراعيها تريد أن تجعله يتمدد على الفراش :
-روحي بسرعة نادي الدكتور اللي في الصيدلية عمر تعبان ومش عارف ياخد نفسه
أسرعت الأخرى للخارج بخطوات مهرولة فيبدو أن عمر متعب بحق، ولسرعتها اصطدمت في سفيان الذي كان يصعد الدرج بملامح مرهقة، امسك بها بسرعة قبل أن تسقط فقالت الأخرى بفزع :
-ألحق يا باشا الأستاذ عمر تعبان أوي فوق
-عمر؟! عمر اخويا؟؟
نطق بها سفيان بفزع وقد تلاشى التعب تمامًا، وبدلًا من كونه كان يصعد الدرج بخطوات متكاسلة أخذ الدرج في ثلاث خطوات، دفع الباب الذي كان مفتوحًا متجهًا إلى غرفة أخيه والذي كان ممد على الفراش يلتقط أنفاسه بصعوبة، وجدته تجلس بجانبه لا تدري ماذا تفعل فلا هى طبيبة ولا تستطيع القراءة حتى تأتي بأي دواء من الثلاجة
ولج للغرفة بسرعة وهو يتفحص أخيه بخوف حقيقي :
-مالك يا عمر مالك؟؟
أخذ يفك السترة الثقيلة التي يرتديها لربما تطبق على أنفاسه وهو يحادث جدته بفزع :
-ماله حصله ايــه؟!
-مش عارفة والله هو كان كويس دخلت اناديه علشان الغداء لقيته دايخ وبيقولي مش عارف أخد نفسي
وضع عمر يده على صدره فوق نبضاته المتسارعة بقوة ثم تحدث بصوت متحشرج بسبب أنفاسه المسلوبة :
-قلبي يا سفيان هيـ.... هيقف
وشعر سفيان بالضغط الشديد على عقله وكأنه توقف فلا يريد أن يخسر أخيه كما خسر والديه، دلف الطبيب الصيدلي أو لنقول الشاب الذي يقف في الصيدلية فالأطباء ذو التخصص الصيدلي لا يقفون في الصيدليات يكتفون بكتابة اسمهم عليها :
-وسعوا كده علشان يتنفس
أوصل ذراع عمر بجهاز الضغط الذي أحضره من الصيدلية ليجد أن ضغط عمر عالي بشدة فقال :
-هو بيعاني من الضغط أو السكر أو القلب، نبضات قلبه عالية وضغطه عالي
-لأ مش بيعاني من حاجة زي كده خالص
نطقت بها ونس بسرعة فقال الشاب وهو يفك جهاز الضغط من على ذراعه :
-يبقى اخد دواء غلط، انت بتاخد دواء معين
أشار عمر بعينيه إلى العلبة الشفافة الموضوعة على الكومود فألتقطها الشاب وأخرج هاتفه يبحث عن مكوناتها :
-انت بتاخد ده من امتى؟؟
-يومين وده التالت
نطق بها عمر بتعب شديد وقد زادت نبضات قلبه بطريقة لا تحتمل فقال سفيان بشك وهو يحدق في العلبة الناقصة :
-عمر انت اخدت منها قد ايه دي؟؟
-كل يوم قرصين يعني ست لحد دلوقتي
وصاح به الشاب بغضب وذهول بعدما تبين مكونات الدواء واضراره وفوائده :
-ستة ازاي انت عايز تنتحر؟! دي دواء تقيل جدًا في التلات أيام كنت تاخد حباية أو تلاتة بالكتير
شعر سفيان بالفزع على أخيه خاصةً وان عمر أصبح كمن ينازع الموت على الفراش، فصاح بالشاب الصيدلي قائلًا :
-طب اتصرف اكتبله على دواء أعمل حاجة
-لأ دواء ايه ده لازم يتنقل على المستشفى حالًا وإلا هيجيله ذبحة صدرية يموت فيها
"كان كام بنت قالوا اني جاية على البنات أوي وفي الواقع انا هاجي على الشخصيات كلها علشان روايتنا واقعية وهو ده الواقع وهى دي الدنيا لازم الكل يدوق الحلو الوحش فيها ✋🏻🙂"
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل السابع وثلاثون 37 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
الفصل النهاردة عبارة عن نكد، نكد، نكد، تلاتة نكد
كله مشاكل عائلية 👀🙂
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
حرك قدميه المتدلية من على الفراش بضجر شديد، من المفترض أن يقف الآن ويهم بالدراسة فاختبارته اقتربت بشدة ولكن لما هو غير مبالي بالأمر، لا يشعر أنه يود أن يصبح صيدلي فمنذ أن فاتته سنة من حياته بها وهو لم يعد يود أن يكمل بتلك الكلية
لم يكن في يوم محب للصيدلة أو الكيمياء حتى، ولكن والده هو من قدم له بها كما فعل مع غادة سابقًا ومع رحمة مستقبلًا، الوحيد الذي لم يجبره على هذه الكلية هو حمزة المدلل لوالده، وصدقوا هذا هو مدلل والده أكثر من رحمة، لا يستطيع رفض له أي طلب منذ كان صغيرًا
فحتى انصاع خلف رغبته ودراسة القسم الأدبي ثم بعدها الإلتحاق بكلية الحقوق، هو لا يغار من حمزة فالأقرب له في هذا المنزل هو حمزة، حتى ليس حانق من والده والذي قدم له في كلية الصيدلة رغم أنه يعلم حبه لكرة القدم، لكنه محق فلا يعتمد أحد على كرة القدم دون مؤهل دراسي يُعيله
اعتدل في جلسته مستندًا بكفيه على الفراش عندما أبصر حمزة يدلف للغرفة وعلى كتفيه كانت تقبع منشفة ولتوه خرج من المرحاض بعد أن استحم، يحسده على الاستحمام بكل سهولة في هذا الشتاء القارص فلا يفرق مع حمزة شتاء من صيف
-أبوك رجع من الشغل؟؟
تساءل بها حمزة وهو يجفف خصلات شعره أمام المرآة فأجابه الآخر وهو يتمدد مرة أخرى على الفراش بملل واضح :
-آه رجع وقال هيغير هدومه وعايزني في موضوع
-عايزك انت؟؟
همهم كريم وهو يطالع السقف فقال حمزة وهو يمشط خصلات شعره بتركيز، رغم أنه يجلس في المنزل ولكنه لا يستطيع أن يجلس بشكل فوضوي أبدًا :
-ايه بقى مش ناوي تتلم وتفتحلك كتاب مش فاضل كتير على الإمتحانات
-لأ
نطق بها الآخر بإختصار شديد فطالعه حمزة من انعكاس المرآة بملامح متشنجة ثم قال :
-ايه يلاه الصراحة دي؟! لأ صراحة ايه دي وقاحة
ألقى بجسده بجانبه على الفراش محدقًا في السقف مثله ثم قال :
-صحيح ايه اخبار الشاب اللي كان عايز مساعدة
-كويس بكلمه كل يوم وبحاول أقنعه يروح مصحة بس هو رافض
-علشان خايف؟؟
-آه خايف لا أهله يعرفه، هو طالب مغترب لما يغيب عن السكن كتير اكيد هيوصل الموضوع لأهله
تنهد كريم بثقل هم لا يدري لما يشعر به منذ الصباح وكأنه فاقد الشغف لأي شئ، حتى للتحرك من فوق الفراش، عقد حمزة حاجبيه بتعجب لبؤس كريم الواضح فقال وهو يعبث في خصلات شعره الفوضاوية :
-فيه حد يبقى أخوه هيتجوز ويبقى ضارب بوز كده، تكونش زعلان علشان هتجوز واسيبك يا كراميلا
-انت هتتجوز
صاحت بها رحمة من على الباب مصيبة الاثنين بفزع شديد لظهورها الغير مفاجئ إذ صاح بها حمزة وهو يجلس على الفراش :
-ايه يا ولية ده، فيه حد يخض حد كده؟!
قطب كريم جبينه قليلًا ضاحكة بخفة :
-حمزة مش ملاحظ اني أسلوبك سوقي شوية اليومين دول، حاسس إنك من العصافرة مش من ميامي
-من معاشرة المتهمين في المحاكم ما انا بنزل المحكمة كتير اليومين دول
اقتربت رحمة من حمزة وحاولت لمس خصلاته المرتبة بعناية فقال الآخر بتحذير وهو يمسك بيدها قبل أن تصل إلى شعره العزيز :
-عارفة لو خربتيه هولع فيكي
-ما تفكر تقصه شوية مش حاسس أنه طول بزيادة، خليني اقصه بالله عليك يا حمزة هعملك قَصة جنان
-طب وربنا اضربك اوعي كده
دفعها حمزة ناحية الفراش الآخر فسقطت عليه الأخرى تزامنًا مع قول كريم والذي اردف بصوت اختلط بالضحكات ولا يزال ممددًا على الفراش :
-عايزة تقصي شعره؟؟ ده يبلعك
ذمت الأخرى شفتيها بتذمر ثم قالت وهى تقف من فوق الفراش متجهة للخارج خلف حمزة حتى تعلم ما حكاية الزواج الذي نطق به منذ قليل :
-كلم بابا يا كريم عايزك
ونهض كريم بتكاسل من فوق الفراش يجر قدميه جرًا ناحية البهو حيث كان يجلس والده يقرأ كتاب علمي عن الكيمياء، يالا السخرية فوالده تجاوز الخمسين ويقرأ في كتاب وهو بعد أسبوعين ستبدأ اختباراته ويعجز عن فتح كتاب
جلس إلى جانب أخيه والذي بدت عليه الحيرة وعلى الأرجح يختار جملة افتتاحية لإلقاء الخبر على والده، وبسرعة نطق نيابةً عنه يقصر المسافات ويمنع حمزة من التفكير في خطاب طويل عريض باللغة العربية الفصحى على الأرجح :
-بابا حمزة عايز يتجوز
استدار حمزة إلى شقيقه مذهولًا بينما قفزت رحمة من مكانها حتى تزف لوالدتها هذا الخبر السعيد، وبين كل هذا لم يستمع عثمان لما قبل إذ كان مندمجًا في الكتاب فقال كريم مرة أخرى وهذه المرة سحب الكتاب من بين يديه هاتفًا بتهكم :
-يا بابا ركز معانا البنت هتطير لكن الكيمياء مش هتطير
-بنت مين؟؟
حمحم حمزة مجيبًا على والده بنبرة مرتبكة فالأمر بالنسبة إليه يدعو للإرتباك :
-نورهان يا بابا انا عايز اتقدم ليها
والٰهم عثمان انتباهه إذ قال وهو يستند بذراعيه على فخذيه :
-نورهان بنت علي صفوان؟! انت عايز تتجوزها؟
لم يفهم حمزة سبب تكرير والده للسؤال ولكنه آماء بهدوء فقالت ناهد بلهفة تملؤها الفرحة، وهى تخرج من المطبخ بعد أن قالت لها عصفورة البيت هذا الخبر فمن أبرع من أصغر فرد في المنزل لنقل الأخبار :
-انت عايز تتجوز يا حمزة؟! في واحدة في دماغك؟؟
-نورهان بنت اخو أسماء
نطق بها عثمان وهو لا يزال على نفس هدوءه فقالت ناهد ببسمة اتسعت على وجهها، فقد كانت تود أن تخطب لابنها واحدة من الأربع فتيات ويبدو أن حمزة وضع أحداهن في عقله مسبقًا، فلم تغفل عن سؤاله عن نور يوم حدث الحريق :
-والله وعارف تنقي يا حمزة، ووالله أحسن من خطيبتك القديمة على الأقل دي نعرف أصلها وفصلها، والبنت جمال وأدب.... بس عصبية وطبعها شديد
-طالعة لأبوها واعمامها طبعهم شديد
هتف بها عثمان وهو ينظر لابنه والذي قال بهدوء لا يدري لما ذكروا هذا الأمر وكأنه عيب :
-وهو دي حاجة وحشة؟؟
-لأ طبعًا حاجة كويسة هتبقى أم عارفة تربي عيالها كويس ومش هيطلعوا مدلعين
-يعني أفهم من كده إنكم موافقين؟؟
تساءل بها حمزة متوجسًا فقال عثمان وهو يسحب الكتاب من بين يدي كريم :
-انا معنديش مانع هبقى اقول لعمك محفوظ يكلم نسيبه وربنا يسهل
تبسم حمزة بإتساع ليضمه كريم بقوة مرددًا بسعادة لأخيه :
-مبارك يا عم العيال انا هحضر طقم من دلوقتي، على كده هنروح الصعيد نتقدملها هناك؟؟
قهقهت ناهد بخفوت ثم قالت :
-مش لما توافق وأهلها يوافقوا الأول
-هى تطول أصلًا تتجوز صنف تركي زي حمزة كده، دي هتموت عليك بشعرك ده اللي موقع نص بنات إسكندرية
ضحك حمزة بسخرية لما قاله كريم فهو لم يترك طريقة يتكلم بها معها إلا وقامت بصده، حمحم عثمان وهو ينظر إلى كريم متذكرًا ما الأمر الذي طلبه من أجله :
-كريم ايه أخبار الجامعة؟؟
اعتدل كريم في جلسته مواليًا انتباهه لوالده إذ قال :
-الحمد يا بابا
-شد حيلك انا عايز امتياز السنة دي، السنة اللي فاتت جبت جيد جدًا بس انا مضغطتش عليك علشان كنت عارف إنك كنت لسه تعبان
مال كريم قليلًا على حمزة ثم قال هامسًا :
-أومال لو عرف اني ناوي على جيد بس السنة دي هيعمل ايه
-هيربطك على السطح في عِز الشتاء
نطق بها حمزة بنفس النبرة الهامسة ليقول عثمان متنحًا عن همسهما المريب :
-بعد ما تخلص الإمتحانات هتبدأ تدريب في الشركة اللي انا بشتغل فيها انا اتوسطلك عند صاحب الشركة وهو وافق
ابتسمت ناهد ثانية على الأمر بينما رفع كريم إحدى حاجبيه متعجبًا موافقة صاحب الشركة على تدريب طالب لا يزال يدرس، خاصةً وان شركة الأدوية هذه مرموقة لا أحد يتعين بها بسهولة حتى يحصل على تدريب مجاني :
-واسطة ايه دي اللي تخليه يوافق كده على تدريب طالب واحد بس ولسه بيدرس، انت لو متجوز أخته مش هتاخد الواسطة دي
-ده على أساس اني فراش هناك؟! انا مدير قسم كامل، ثم انا موجود في الشركة دي من أيام والده وانا اللي علمته الشغل لحد ما مسك الشركة من بعد وفاة والده وهو بيعتبرني زي أخوه الكبير علشان كده وافق
فتح الكتاب مرة أخرى منهيًا الحوار :
-شد حيلك في الامتحانات، الشركة دي مش بتاخد موظفين أقل من امتياز الأربع سنين يعني انت معاك فرصة على طبق من دهب
رن جرس الباب فقالت ناهد وهى تتجه إلى المطبخ :
-روحي افتحي يا رحمة، دي غادة أكيد، إسماعيل سافر الصعيد من عمه حسن ده، وانا قولتلها تقعد معانا النهاردة
تحركت رحمة حتى تفتح الباب بينما تحدث حمزة بسرعة ما إن نطقت والدته باسم غادة :
-محدش يقول لغادة اني عايز اتقدم لنور لأحسن تقفش من الموضوع انا عارفها مش بتحب فرعنا الصعيدي ده، هتطلع فيها القطط الفطسانة
وبالتزامن مع حديثه فتحت رحمة الباب ثم قالت بسعادة غير مبالية بحمزة وما قال :
-غادة حمزة هيخطب
صفع حمزة جبينه ساببًا رحمة جهرًا بينما قال كريم ذاممًا شفتيه حتى يكتم ضحكاته :
-ده احنا هنصدع النهاردة من المشادة اللي هتحصل بينك انت وغادة
وولجت غادة رفقة ابنها الصغير لؤي والذي بدوره ركض على جده الذي رحب به بشدة ثم أخذه معه إلى المطبخ حتى يأتي له بقطعة شوكولاتة، ابتسمت غادة بتفاجئ لهذا الخبر إذ نظرت إلى حمزة ثم قالت وهى تضع الأكياس التي تحملها على جنب :
-هتخطب بجد؟! مين؟ اوعى تكون واحدة شبه سها، تبقى مبهور بيها وبعدها تقول مش عايز أكمل
حسنًا كلامها مقنع فكان مبهورًا بها كما هو مبهور بنور الآن ولكن شعور أن نور صعبة المنال يجعله متمسك بها وصوت داخلي يحسه على ألا يترك هذه الفتاة من بين يديه، ووجد نفسه يقول بتلقائية :
-لأ حاسس إنها مختلفة عن أي بنت شوفتها، حاسس إنها هتبقى نص ديني فعلًا
صفر كريم بإعجاب لحديث أخيه المعسول بينما زادت ابتسامة غادة لما قال ثم تساءلت وهى تجلس إلى جانب كريم :
-ده ايه الكلام ده!! انا هحسدها من دلوقتي، قولى اسمها ايه؟ وشكلها؟؟ هى حد نعرفه!؟
وها قد أتت اللحظة، حمحم حمزة وكاد أن يختلق حجة حتى لا يخبرها وقد سبقته رحمة في الإفصاح عن هويتها إذ قالت بحماس :
-نور يا غادة، عايز يتجوز نور
وقف كريم بسرعة صافعًا رأسه رحمة بخفة ثم قال :
-يا بت انتي فتانة كده ليه؟! انتي عمرك ما تحفظي سر
لم تدرك غادة للوهلة الأولى من نور التي يقصدوها ولكن سرعان ما أدركت هويتها فأشارت إلى الخلف حيث الشقة التي تجلس بها نور مع بنات عمها :
-انتوا قصدكم على نور دي؟؟ انت بتهزر يا حمزة انت؟ عايز تتجوز البنت دي!!
اعتدل حمزة في جلسته إذ ضم ذراعيه إلى صدره متكيئًا على ظهر الاريكة ثم هتف بنبرة جادة :
-عجباني وعايز اخطبها
-لأ تعجبك حاجة وتخطبها وتتجوزها وتكمل باقي حياتك معاها حاجة تاني، دي مش شبهك خالص يا حمزة
-قصدك على المستوى ولا أي مش فاهم؟؟
-انا مش بتكلم على مستويات مادية وإنما مستويات تاني زي طريقة الكلام، التفكير، التعامل، دي تقريبًا مش بتتكلم مع حد، كل مرة بشوفها بتبقى ساكتة وبس ولو اتكلمت بيبقى كلامها سريع وملخبط تقريبًا عندها رهاب إجتماعي
رمقها الثلاثة بضيق لكلامها المسموم هذا، هذه هى غادة قلبها طيب ولكن لسانها يفلت بكلمات جارحة أحيانًا، وهذا عيب الإنسان وإلا ما وصاني الرسول وقال "امسك عليك لسانك فلا يلقى الناس في جهنم على انوفهم إلا من حصائد ألسنتهم"
تحدث كريم بضيق شديد لحديثها، حامدًا ربه أنها لم تقل مثل هذا الحديث في وجود نور :
-أعوذ بالله يا غادة من لسانك، ايه التنمر ده؟؟
-انا مش بتنمر انا بقول اللي بشوفه، دي تقريبًا مصابة بتوحد، وانت يا حمزة بتحب الكلام ومثقف تقدر تقولي هتتعامل معاها إزاي؟! ثم دي من الصعيد يعني عالم غير اللي عايشينه
-وماله الصعيد بقى يا ست غادة؟!
هدر عثمان بهذه الجملة وقد انضم للحديث بعد أن ارتفع صوت نقاشهم ووصل إليه هو وناهد في المطبخ، ازدردت غادة لعابها فتدخل والدها في النقاش حتى ان كان مجرد نقاش عادي يجعلها متوترة وكأنها تخشى الحديث معه فقط، وهى بالفعل كذلك :
-انا مقولتش حاجة وحشة عن الصعيد انا بقول واقع، عيشة إسكندرية غير عيشة الصعيد، وناس إسكندرية غير ناس الصعيد
-وانت بقى ناسية اني إحنا أصلًا من الصعيد ولا علشان اتولدتي انتي واخواتك هنا هتنسي أصلًا وتتبري منه؟!
-بابا
صاح بها عثمان بغضب شديد فقد سئم طريقة ابنته المتسرعة والتي تأتي على رأسها وعلى غيرها بالمشاكل :
-بس اخرسي، انتي ايه دخلك في الموضوع أصلًا هو انتي اللي هتتجوزي ولا هو، بطلي طريقتك الزبالة دي بقى إحنا زهقنا منك
انكمشت غادة على نفسها وقد شعرت بغصة تستحكم حلقها لآخر جملتين، ليست أول مرة تسمعه يقول هذا لها، ليست أول يصرخ عليها في حضور الجميع، ليست أول مرة يوبخها بهذه الطريقة القاسية
ادمعت عينيها وهى تسمعه يكمل جلدها بلسانه ولم يأتي على باله أنخ ومع كُره الخطأ يجب أن يُرحم المخطئ :
-انتي مش بتكبري خالص يا غادة الاسم الأم وانتي لسه عيلة لسانها بيفلت منها، انا مش عارف إسماعيل مستحملك إزاي
-خلاص بقى كــفــايـة
صاحت بها ناهد بقوة فابنتها على شفا جرفٍ من الإنهيار في البكاء، أجل غادة مخطئة ولكنها ابنتها في النهاية، استدار لها عثمان هاتفًا بإستنكار لصياحها به :
-انا كفاية، بدال ما تقولي لبنتك تحترم نفسها وتحترم سنها
-انت عايزني اقول وانت تقول والكل يقول، كتر الدق على الراس بيكسرها يا عثمان
دار لؤي الصغير بأعينه الملونة في جميع الأوجه، هو ليس بالصغر الذي يجعله غير مدرك لما يدور حوله، ربما لا يفهم نصف ما يقال ولكنه يرى جده وجدته يتشاجران وخالاه حمزة وكريم أخذا يهدئان الوضع خاصةً وأن الشجار بين جديّه محتد
أبصر بأعينه الحائرة والدته منكمشة على نفسها، وجهها المبلل بالدموع ينظر أرضًا، تقبض بكفيها على الاريكة، وجسدها ينتفض بخفة غير ملحوظة من حين لأخر
ومن بين الجميع تحرك ناحيتها هى، واقفًا أمامها، واضعًا كفيه الصغيرين على قدميها علها ترفع رأسها له، وبالفعل رفعت غادة رأسها تبصر ملامح ابنها الهادئة والتي لا تشبهها أو تشبه إسماعيل، بل العجب تشبه جده عثمان مع اختلاف لون العيون فقط
حاوطت جسده الصغير واستقامت ببطء من على الاريكة، منسحبة من المكان ومع انشغال حمزة وكريم مع والديهما لم يرها أحد، إلا رحمة والتي كانت تقف بجانب الجدار قلقة ومرتبكة مما يحدث، ولكن عندما ابصرت شقيقتها رحلت حتى صاحت بهم حتى يتوقفوا :
-غادة مشيت يا ماما
وبرد فعل أمومي من ناهد صاحت باسم ابنتها وهى تقف على عتبة الشقة، والأخرى كانت صعدت المصعد وآخر ما أبصرته هو وجهها الباكي، عادت بسرعة إلى الداخل صائحة في حمزة وكريم بنبرة صارمة رغم ملامحها القلقة :
-هاتوا اختكم متسبوهاش تمشي، عارفين لو مشيت هسيب البيت وامشي انا كمان
تنهد حمزة بضيق وهو يخطو للخارج خلف كريم ولا يعلم كيف انقلبت الأمور هكذا بين دقيقة والأخرى، استدارت ناهد لزوجها الذي كان يقف وملامحه غير مفسرة ثم قالت بغضب :
-عاجبك كده؟!
-يعني انتي عاجبك طريقة بنتك اللي بتضايق الكل منها، لسانها مش راحم لا قريب ولا غريب
تنفست ناهد بغضب تشعر أن ضغط دمها ارتفع بشدة، ورغم هذا صاحت قائلة :
-لأ غلطانة مقولتش حاجة بس بدال ما تفهمها غلطها بتدوس عليها ليه
-علشان دي الطريقة اللي هتيجي بيها يا ناهد، بنتك مش هتتغير غير كده
نفت ناهد هده الفكرة العقيمة التي يتحدث عنها قائلة :
-لأ مش هتيجي كده، عمرها ما هتيجي باللوم والرفض المستمر ولا بالزعيق طول الوقت، انت كده بتكسرها يا عثمان
-انتي شيفاني قومت اخدتها بقلمين، بنتك ناقصة رباية
نطق بها عثمان بضيق لا يرى ما الخطأ في تعامله بل يرى أن ابنته تحتاج للتربية من الصفر مرة أخرى، تنفست ناهد بقوة لا تفهم لما زوجها عنيد الي هذه الدرجة :
-فيه كلام بيوجع ألف مرة من الضرب، وهى من يوم ما طلعت الدنيا وانت بتوجع فيها وتيجي عليها، عارف ليه؟! علشان اتولدت بنت مش ولد، انت كان نفسك في ولد وأول فرحتك جات بنت، انت مفترحتش بغادة نص فرحتك بحمزة ليه بقى؟؟ علشان هو ولد، فرحت به ونسيت الدنيا بما فيها حتى نسيت إني عندك بنت لازم تخلي بالك منها هى كمان ومتفرقش بينها وبين اخوها
مسح عثمان وجهه بضيق بينما أكملت ناهد غير مبالية أن ضغط دمها ارتفع بشدة فقد سئمت تصرفات زوجها العنصرية وتفضيل البعض على الآخر :
-كام مرة قولتلك وانت ولا هنا، بنتك كانت بتغير من حمزة بسببك، كل مرة كنت بتجيب حاجة لحمزة وتدلعه كنت انا بحاول أعوض غادة واجيب ليها هى كمان بس برضو كانت بتغير لما تشوفك بتدلعه وتلعب معاه وأي طلب له مجاب وهى تفضل قاعدة على جنب تبص وبس، عمرها ما صعبت عليك يا عثمان، دايمًا بتيجي على غادة حتى بعد ما اتولد كريم ورحمة، وتقولها انتي الكبيرة هما صغيرين، انتي الكبيرة عيب لازم تستحملي، فضلت تيجي تيجي عليها لحد ما طلعتها بالشخصية دي، جاي دلوقتي تقولي بنتك ناقصة رباية؟! بنتي ناقصة حنان ناقصة رعاية، البنى آدم مش بيتولد وحش يا عثمان شخصيته بتتبني على أساس تعامل الناس ليه
زاد ضغط دمها فتهاوي جسدها على الاريكة تشعر بصداع يفتك برأسها، أسرع عثمان حتى يساندها فدفعت بيده بعيدًا رامقة إياه بخيبة أمل ثم قالت :
-لو زرعت شوك مش هتلاقي ورد يا عثمان، فضلت تزرع فيها الشوك وجاي دلوقتي تشتكي إنها بتجرح اللي حواليها
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أخذا الدرج ركضًا للأسفل بعدما استخدمت غادة المصعد، ولأن كريم معتاد على الركض في النادي وملاعب كرة القدم استطاع الوصول قبل أن تخرج غادة من البوابة الداخلية للبناية، تمسك بذراعها بقوة قبل أن ترحل فصاحت غادة متألمة من قوة قبضته
أبعد كريم يده عنها متأسفًا إذ قال :
-آسف مش قصدي
تحدث حمزة ملتقطًا أنفاسه لركضه على الدرج ثم قال :
-ايه يا غادة حرام عليكي قطعتي نفسنا
-انا مقولتش تعالوا ورايا
امسكت بيد ابنها ثم تحركت هابطة الثلاث درجات في مقدمة البناية فقال حمزة وهو يسرع بخطاه متخطيها حتى وقف أمامها يمنعها من الذهاب :
-انتي لو مشيتي ماما هتمشي يرضيكي نقعد يتامى من غيرها في البيت
-سيبوني في حالي مش انا شخصيتي زبالة مش هو قال انكم زهقتوا مني، انا محدش متحملني سيبوني امشي
ختمت حديثها بصراخ حاد وبدت غير واعية لطبقة صوتها التي ارتفعت فوق المستوى الطبيعي، كتم كريم فمها حتى تصمت فهم شبه في الشارع، دفعته الأخرى بعيدًا عنها ثم تراجعت للخلف مصطدمة في إحدى الدرجات فأدى هذا لسقوطها أرضًا
بكى لؤي على والدته ساحبًا يدها في محاولة ضعيفة منه حتى تقف :
-قومي يا ماما متعيطيش
انفجرت غادة في البكاء أكثر بعد استماعها لصوت ابنها فقال حمزة وهو يهبط لمستوى غادة :
-كريم خد لؤي اشتريله حاجة، خدوا بعيد
سحب كريم لؤي بصعوبة من أمام غادة بينما اكتفى حمزة بضم شقيقته فهى في حاجة للعناق فقط، وشعرت الأخرى بالحرج الشديد مما قالت فها هو يضمها ويهدهدها بعدما انتقدت الفتاة التي يريد أن يتزوجها :
-انا آسفة يا حمزة انا مكنش ينفع اتكلم ولا اتدخل في حاجة تخصك، انا اللي زيي مينفعش يتكلم أصلًا علشان مش بيجيب غير المشاكل
ربت حمزة على كتفها بعدما ابتعد عنها ثم قال :
-اتكلمي يا غادة بس خدي بالك من لسانك علشان فيه كلام بيوجع، على أقرب مثال اللي قولتيه على نور، حتى لو كانت فعلًا بتعاني من رهاب إجتماعي وسمعتك بتقولي عنها كده هتزيدي الطين بله ينفع كده؟؟
هزت الأخرى رأسها برفض فقال حمزة ضاحكًا على هذا الموقف وكأنه أب يعلم ابنته الخطأ من الصواب :
-والله ما انا عارف مين فينا الكبير، يلا قومي ومتزعليش من بابا هو شبهك أصلًا لما يتعصب بيقول كل اللي في نفسه حلو بقى وحش هيقوله
جذب ذراعها حتى تقف معه فرفضت الأخرى بشدة أن تصعد مرة أخرى قائلة :
-لأ انا مش هطلع
-متبقيش عنيدة يا غادة
مسحت وجهها من الدموع رافضة الانصياع له فلا تريد حقًا أن ترى والدها، يكفي كلامًا جارحًا، قلبها لا يتحمل المزيد :
-لأ انا هروح شقتي مش هقعد علشان اسمع منه كلام تاني وكمان علشان منكدش عليكم
حاول منعها من الذهاب هكذا حزينة مكسورة الخاطر، ولكنها رفضت وتقدمت للأمام فقال حمزة في محاولة اخيرة :
-انتي لو مشيتي ماما هتمشي
-مش هتمشي انت عارفها بتقول كده بس
امسكت بابنها الذي عاد ممسكًا بكيس شيبسي احضره له كريم حتى يكف عن البكاء، امسك كريم بكتفيها حتى لا تذهب قائلًا :
-مش انا كريم أقرب حد ليكي في اخواتك، لو بتحبيني بجد متمشيش وانتي كده يا غادة
ربتت الأخرى على كفه بهدوء شديد ثم قالت بتعب نفسي قبل أن يكون جسدي :
-انا مش هقدر اطلع والله متضغطوش عليا ثم انا مش مهاجرة
ابتسمت بسمة حزينة بالكاد ظهرت على جانب شفتيها :
-مبروك يا حمزة، وآسفة مرة تاني ليك على إني اتدخلت في حاجة متخصنيش ونكدت عليك فرحتك
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
حملت الكيس الممتلئ بالكريمة المخفوقة وأخذت تزين سطح الكعكة بالطريقة التي شاهدتها على إحدى مقاطع الفيديو التي عرضتها نور عليها منذ ثواني، وللعجب لم تكن بنفس الانحناءات التي كانت تريد، بل لم يظهر بها أي شئ سوى خط مستقيم تمامًا
-ايه ده بقى مطلعتش زي الفيديو!؟
هتفت بها بتذمر وهى تشير إلى الكريمة فقالت نور بقلة حيلة وعلى ثغرها ابتسامة بسيطة :
-هو بيطلع كده كل مرة مهما عملتي، تقريبًا السر في الكيس نفسه مش في قَصة الكيس، كملي كملي وخلي بالك علشان الكريمة لو باظت مش همسحها علشان بعدها شكلها هيبوظ، يا إلا تجيبي اعملها انا
-لأ هعملها انا
هتفت بها رقية بإصرار وهى تكمل الرسم بالكريمة على سطح الكعكة، تزامنًا مع دخول براءة إلى المطبخ قائلة :
-الدنيا بتولع برا وانتوا بتعملوا كيكة؟!
أجابتها رقية وهى منهمكة في التركيز على ما تفعل :
-قصدك على خناقة بيت عمي عثمان؟! بصراحة حاسة اني العمارة كلها اتحسدت انتوا في الأول، وبعدها بيتنا احنا واهو بيت عمي عثمان، ومن كام يوم اتنين اتطلقوا في الدور السابع بعد ما دبوا خناقة كبيرة ويا عالم الدور الجاي على مين
تابعت نور الحديث بصمت معتاد منها، بينما استندت براءة على رخامة المطبخ قائلة :
-العجيب انهم بيتخانقوا بقالهم ربع ساعة وانا مسمعتش ولا كلمة، مع اني الشقة لازقة في الشقة بس موصلتش كلمة واحدة واضحة غير صوت مدام ناهد وهى بتنادي على غادة
-يبقى أكيد غادة سبب الخناقة، هى أصلًا في العادة بتبقى سبب الخناقات عندهم
زفرت نور بهدوء وهى تعدل يد رقية قائلة :
-متدوسيش قوي على الكيس هى مش عافية ثم دعو الخلق للخالق وغيروا الموضوع البيوت كلها فيها مشاكل
وافقتها رقية الرأي قائلة :
-صح البنت دي معاها حق البيوت أسرار ومشاكل، ده لسه من يومين عملت خناقة انا واخواتي مسكنا في بعض
شهقت بتفاجئ عندما صاحت بها نور قائلة :
-بوظتي شكل الكيكة قولتلك، متدوسيش على الكيس متدوسيش على الكيس
نظرت رقية إلى براءة والتي لم تفزع لصوت نور على الإطلاق، وعندما رأتها تنظر إليها قالت بهدوء :
-لا متستغربيش كده صوتها العادي، وانتي يا حلوة خفي شوية وبراحة على البت مش حملك دي وراعي أنها أول مرة تعمل
أشارت نور إلى الكيك حيث ظهر خط كريمة عريض بشدة والآخر أقل سُمكًا بكثير :
-يعني حلو كده خط عريض وخط رفيع
دفعتها براءة بخفة على جنب ثم قالت وهى تسحب كيس الكريمة من رقية :
-وفيها ايه نعرض الرفيع، بصي يا بت عليا وخدي عصير خبرتي
ابتسمت رقية تتابع ما تفعله براءة بإحتراف وكأنها تفعل هذه المهنة منذ سنوات، حتى أنها اكملت تزيين الكيك بالكريمة بشكل جميل فقالت متسائلة :
-هو انتي بتعرفي تعملي كيك وحلويات يا براءة!؟
-عيب يا بت به انا اللي معلمة الشيف الشربيني
ضحكت نور ساخرة على غرورها الكاذب هذا قائلة :
-يخربيت النفخة الكدابة
رفعت براءة عليها كيس الكريمة وكأنها ترفع عليها سكينًا ثم هتفت بتهديد قائلة :
-بعرف اعملها ولا مش بعرف
-لا يا ستي بتعرفي بس بصراحة معرفش عمايلك حلوة ولا لأ علشان مدوقتش حلوياتك دي
عقدت رقية حاجبيها بتعجب وهى تفتح كيس البسكوت حيث يحتوي على قطع صغيرة دائرية سوف يزينوا بها الكيك :
-انتي مش بتاكلي حلويات رمضان يا نور؟!
ونفت الأخرى بهزة بسيطة من رأسها فقالت رقية بتعجب مضاعف وكأنها تستمع لشئ خارق للطبيعة :
-يعني مش بتاكلي القطايف؟؟
-لأ
-طب البسبوسة أو بلح الشام أو صوابع زينب والحاجات الحلوة دي
-لأ برضو
-ولا الكنافة المحشية أو السادة؟؟
-لأ السادة بس بحبها ومليش تقالة عليها قوي
-ولا حتى بالمانجا؟!
-لأ انا اصلًا مش بحب المانجا في كل حالاتها
أشارت رقية إلى الكيك ثم قالت :
-طب والكيكة أعتقد بقى مفيش حد مش بيحب الكيك
أشارت نور إلى نفسها ضاحكة :
-انا مش بحبها بحسها تقيلة
-حتى لو كانت سادة أو بالشوكولاتة؟!
-لأ دي ولا دي ومليش في الشوكولاتة قوي يعني قطعة صغيرة حلوة عليا مش أكتر
ضحكت براءة بقوة على صدمة رقية الواضحة والتي كانت تتطالع نور بريبة وكأنها كائن غير بشري :
-نور انتي عايشة ازاي من غير سكر، البنكرياس عندك شغال ازاي؟!
أطلقت نور ضحكة خفيفة وهى تأخذ منها البسكويت تزين به سطح الكعكة :
-ممكن جاتوه أو آيس كريم وبشرب عصير عادي بس عصير برتقان أو جوافة أي عصير تاني لأ يعني لا رمان ولا فراولة ولا مانجا طبعًا ولا عصير قصب
-طب بالنسبة للفاكهة عامةً مش بتحبي كل اللي ذكرتيه؟ مش بتاكلي غير جوافة وبرتقال بس؟!
-لأ باكل كل اللي ذكرته عادي، انا مش بحبه عصير بس باكله انا أصلًا بحب الفاكهة قوي بس مليش في المانجا خالص
هزت رقية رأسها غير مقتنعة أن هناك كائن حي لا يحب المانجا :
-انتي كونك مش بتحبي المانجا بيخليكي بالنسبة ليا كائن غير طبيعي
ضحكت نور بقوة ليس على حديثها وإنما لأن هذه الجملة ليست أول مرة تقال لها، هى بالنسبة إلى غيرها كائن معقد تكره ما يحبه الجميع :
-ليه يعني عادي الناس أذواق وانا ذوقي مختلف فعلًا، الناس كلها تحب المانجا انا لأ، الناس تحب الشاي أو القهوة أو المشروبات السخنة اللي بالأعشاب دي، انا لأ مش بحب غير اللبن أو النسكافية، الناس كلها بتعشق حلويات رمضان انا مليش فيها يمكن الكنافة السادة اللي بالشربات بس حتى دي مليش تقالة عليها قوي، تاخدي التقيلة؟!
استدرات إليها ثم قالت بابتسامة متسعة :
-انا مليش في الاكسسوارات خالص بكل انواعها دهب فضة حتى لو جابولي ألماس مش هلبسه، حتى وانا طفلة مكنتش بلبس الحاجات دي، ولا حتى لو كانت بلاستيك زي اللي البنات بيلبسوها اليومين دول
ختمت حديثها مشيرة إلى اسوارة على شكل كرات خرزية سوداء تزين معصم رقية، ورفعت الأخرى رأسها إليها هاتفة بدراما مازحة :
-بس خلاص تأكدت إنك مش من ضمن البشر ولا حتى من ضمن البنات، فيه واحدة تقول للإكسسوارات لأ؟!
-والمكياج برضو
اتسعت أعين رقية بصدمة فقالت براءة بنبرة ضاحكة :
-رقية بلاش تتصدمي كتير هى كده فعلًا، لما يجي عيد ميلادها بنحتاروا نجيبوا ليها ايه علشان هى كائن معقد مفيش حاجة منطقية بتحبها
-طب الإكسسوارات أذواق فعلًا بغض النظر عن اني عمري ما شوفت واحدة ترفض الإكسسوارات بكل أنواعها، طب المكياج عمرك ما حطيتي مكياج في حياتك؟!
رفعت نور منكبيها هاتفة ببساطة :
-لأ حطيت وانا عيلة كنت بحب المكياج، بس لما كبرت لأ مبقتش اطيقه على وشي خاصةً أنه حرام تتطلعي متبرجة، بس تعرفي حتى لو مش حرام مش هطلع وانا حاطة مكياج ولا حتى كريم البشرة، علشان انا بشرتي دهنية وبعرق كتير، أي حاجة بحطها همسحها تلقائيًا لما امسح وشي من العرق، وحتى لو في البيت احنا بيتنا موقع زيارة دائم وكل شوية حد يخبط مش معقول هحط مكياج واقابل الناس بيه
حدقت رقية في وجه نور ذو البذور الطفيفة وتعجبت عدم وضعها لكريم رغم أن وجهها يقول عكس هذا :
-لو انتي مش بتحطي كريم ليه وشك نضيف من الحبوب
-علشان بستخدم غسول نضيف قبل ما أنام، انا من الناس المقنعة اني الجمال بالنضافة مش بالمكياج ولا بالعطور، على الأقل لما اطلع الشارع مش هاخد ذنوب، لا حد هيشم مني ريحة حلوة ولا حد هيشوفني متبرجة
ابتسمت رقية بتعجب ولتكن صادقة لم ترى فتاة في هذا العصر تكره مستحضرات التجميل أو الكريمات والعطور، هذه الفئة على الأرجح نادرة بشدة إن لم تكن انقرضت :
-بصراحة مفاهيمك غريبة وانتي شخصية تركيبتها عجيبة بس الناس فعلًا أذواق في النهاية
تبسمت نور وهى تواليهم ظهرها ولم تكن ابتسامتها بالسعيدة فهى مختلفة بالفعل وهذا الإختلاف عقبة في التعامل بينها وبين اقرانها فحتى الإختلاف هذا يقف عائق بين التفاهم الكامل بينها وبين شقيقتها الوحيدة
وكل هذا جعلها غير قادرة على التواصل بينها وبين الناس لهذا هى صامتة معظم الوقت وفي أي مكان، وأدى هذا الأمر إلى صعوبة التحدث عندها إن دلفت مناقشة أو طُلب منها التحدث، فيكون حينها كلامها ملعثم وسريع وكأنها تفتقر للتحدث بطلاقة وهى بالفعل كذلك
لكل شخص عيوب وهذا العيب بها
حدقت رقية في براءة بعد صمت نور وكأنها أنهت المناقشة معها :
-طب وانتي بقى؟؟
أشارت الأخرى إلى نفسها هاتفة ببساطة شديدة :
-انا يا بنتي دايسة في أي حاجة وكل حاجة
ضحكت رقية ضاربة كفها بكف براءة ثم قالت :
-الناس اللي من النوع ده مريحة فعلًا وانا من النوع ده
رن جرس الباب فتحركت براءة حتى تفتح وقبل هذا نظرت من العين السحرية وقد أبصرت يوسف يقف في الخارج أو ربما يونس، في الواقع لا تستطيع التفرقة بينهما وهذا شئ تكتشفه لأول مرة ففي العادة لا تتعامل إلا مع يوسف
عادت للمطبخ مرة أخرى ثم قالت بهدوء متصنع تاركة يوسف يرن الجرس :
-اخوكي برا يا رقية
ابتسمت الأخرى بحماس وهى تغطي الكعكة حتى لا يراها شقيقها لتقول براءة بشئٍ من الفضول محاولةً عدم إظهار اهتمامها بالأمر :
-هو انتي بتفرقي ازاي ما بين اخواتك يا رقية دول نسخة من بعض
همهمت رقية بتفكير قليلًا ثم قالت :
-وهما صغيرين كان التفريق بينهم شئ مستحيل بس لما كبروا كل واحد بانت شخصيته أكتر وهو ده الفرق بينهم، يوسف هادي ونظراته هادية وحتى نبرة صوته هادية، أما يونس عكسه تمامًا وده علشان شغله، بنعرف نفرق بينهم لما يتكلموا، بس لو الاتنين ساكتين وكمان لابسين شبه بعض انسي خالص إنك تعرفي تفرقي بينهم
حملت الكعكة ثم قالت ببسمة ممتنة :
-شكرًا على مساعدتكم بجد، هبعتلكم نصيب فيها لو كانت حلوة، أما بقى لو أخدت فيها خازوق فبلاش تدوقها
تحركت نحو الخارج وتحركت معها براءة حتى تفتح لها الباب فهى تحمل الكعكة بكلتا يديها، فتحت الباب لها فخرجت رقية قائلة :
-باي براءة
واجابتها الأخرى وهى تختبئ خلف الباب نظرًا لما ترتديه وأيضًا هى لا تريد التصادم مع يوسف، لم تُعِّد حديثًا مناسبًا بعد :
-مع السلامة ابقي تعالي تاني
ختمت حديثها وأغلقت الباب بينما عقد يوسف حاجبيه لإختبائها هذا وهو من كان يظن أنه سيراها بعد هروبها في المشفى، الآن باتت تفضل لعبة الاختفاء ولكنه لن ينصاع طويلًا خلف هذا، هو ليس من مفضلي المراوغة بل يفضل الطرق المباشرة، ولكن أيضًا عليه إعطاء بعض المساحة لخجلها
نظر إلى رقية مشيرًا بعينيه إلى ما تحمل ثم قال :
-بابا رجع من ربع ساعة وسأل عليكي، ايه اللي في إيدك ده بقى؟؟
واجابته الأخرى بإختصار شديد فلا تريد أن تحرق المفاجأة :
-دي هدية، هو يونس رجع؟!
-على وصول
نطق بها بهدوء وهو يصعد خلفها الدرج إلى الطابق الرابع حيث شقتهم، وقد أبصروا يونس يقف على الباب وكان على وشك رن الجرس، ولكنه تراجع عندما أبصر اخويه قادمين من الأسفل، ورقية تحمل شيئًا كبيرًا بين يديها :
-انتوا كنتوا فين؟!
نظرت رقية إلى يوسف بعدما استقرت أمام الباب بجانب يونس والذي أعاد سؤاله مرة أخرى فقالت بهدوء ساخر :
-هنكون فين يعني بالبجايم دي، في الديسكو
حدق بها يونس ببسمة مستفزة لها ثم قال :
-معنديش مزاج ولا طاقة اني اهزر بصراحة افوق وأروقلك يا رقية
فارق يوسف بينهما ثم رن هو الجرس هاتفًا بحزم :
-والله ما وقت خناقكم ده، بابا رجع ولازم الموضوع ده يتحل النهاردة ونعرف بابا عمل كده ليه
-علشان خاف عليها تتقتل زي ما قتلوا العميد فياض ومراته وقلبوا عربيته على الطريق السريع
رمشت رقية بأهدابها مذهولة لما قال بينما هتف يوسف بنبرة مندهشة قائلًا :
-وانت عرفت ازاي؟!
-انا مع سفيان بقالي تلات أيام تقريبًا أكيد سألته عن اللي حصل وبابا هو صاحب فكرة اني عمر ورقية يسيبوا بعض مش سفيان ولا حتى عمر
انفتح الباب وقد تبسمت عبلة لرؤيتها لأبناءها الثلاثة، دعتهم بسرعة للدخول وقد لفت نظرها ما تحمله رقية :
-تعالوا يلا بابا رجع سلموا عليه
أخذت الكعكة من رقية دون أن تعلم ما هى وقد تركتها رقية لها ببال مشغول بما قاله يونس، دلفت عبلة كاشفة عن الكعكة لتقول بإندهاش :
-انتي اشتريتي تورتة؟! بس انتي نزلتي اشتريتها بالبجامة؟؟
ولجت رقية للداخل حيث كان يجلس والدها في البهو شارد الذهن ولكن عندما أبصر أبنائه تصنع البسمة منحيًا أفكاره بعيدًا، وقف من على مقعد الاريكة مرحِبًا بهم :
-ايه مفيش حمدًا على السلامة ده انا بقالي أسبوع وأكتر برا البيت
عانقه يونس بهدوء وهو ينظر إلى شقيقته الصامتة بطرف عينه، وقد ترك لها المساحة لتتحدث هى فحتى يوسف بقى صامتًا :
-حمد الله على السلامة يا بابا
ابتعد عنه فتحرك الآخر نحو ابنته الصغيرة وضمها بحنان بينما رقية لم ترفع ذراعيها وتبادله العناق بل هتفت بنبرة جامدة مغلفة بغصة البكاء :
-بابا أنت خبيت عليا اللي حصل لعمر وخليتني اسيبه علشان كنت خايف عليا اتقتل
تنهد محمد ببطء مستعدًا لهذه المواجهة فقد قالت له عبلة كل ما حدث، ابتعد عنها قليلًا لكن لم يخرجها من إطار ذراعيه بل وضع كفيه على كتفيها هاتفًا بهدوء :
-اديكي قولتي كنت خايف عليكي تتقتلي، ارمي بنتي بإيديا في النار؟!
تجمعت الدموع في عينيها السوداء ثم قالت بصوت متحشرج مغلف بالعتاب :
-وليه كذبت عليا يا بابا وقولتلي سابك وسافر ومش عايز يكمل
-علشان انتي كنتي لسه عيلة عندها ١٩ سنة وكنتي عنيدة جدًا يا رقية ولازلتِ عنيدة لو كنت قولتلك على السبب مكانش هيفرق معاكي وكنتي هتفضلي متمسكة بعمر
سالت الدموع ببطء على وجنتيها وقد اهتز صوتها بسبب بكائها :
-فتقرر من نفسك تبعدنا عن بعض وتكسر فرحتي وتوجع قلبي ليالي وشهور
تنفس محمد بقوة يدرك صعوبة الأمر عليها ولكنه أب في النهاية، وعندما علم من رئيس سفيان في العمل أن المسؤول عن حادث السيارة هو جماعة إرهابية كان هدفها قتل فياض وعائلته، وبرد فعل طبيعي منه قرر إبعاد ابنته عن هذه العائلة ولم يفكر في الأمر مرتين، ولكن في النهاية حبل الكذب قصير :
-اومال كنتي عايزاني اسيبك تتجوزيه وترجعيلي مقتولة؟! كنتي هتزعلي شهرين سنة اتنين بس كنتي هتنسيه في الآخر
هزت الأخرى رأسها يمينًا ويسارًا وقد زادت الدموع في عينيها أكثر هامسة بصوت مختنق :
-بس انا منستوش يا بابا منستوش
وهنا تحولت ملامحه للجمود تزامنًا مع قوله :
-ما انا عارف انه رجع في حياتك تاني بس اللي مكنتش أعرفه اني بنتي بتقابله من ورانا ومش هتكلم في الموضوع تاني كفاية اللي عمله يونس
تنفست رقية بعنف لا تصدق أن والدها اختار الكذب وكسر قلبها، حتى لو كان مع الحق كله ولكن لما الكذب :
-لو كنت سبتني اختار كانت حاجات كتير هتتغير بس انت اختارت تخبي وتكدب
صاحت عبلة بها خائفة عليها من نفس الخطأ :
-رقـيـــة ده ابوكي احترميه، ثم هو غلط فيه ايه كان خايف عليكي وعُمر ما حد هيخاف عليكي ويحبك قد أبوكي
شعرت رقية بإختناق شديد وأنها تود الصراخ بقوة، ولم تجد أي مهرب إلا لغرفتها حيث شهدت وسادتها على دموعها ونحيبها طوال الليالي الماضية، نظر يوسف إلى والده بهدوء شديد رغم عدم الرضا الذي ظهر بوضوح في عينيه :
-طب ليه خبيت حتى عننا، هى معاها حق لو كنت قولت كانت حاجات كتير هتتغير
زفر محمد بقوة تاركًا لهم المكان بأكمله :
-انا غلطان بس هو ده الحل اللي ظهر قدامي، ليلتها سفيان طلب طيارة طبية تنقل أخوه برا البلد علشان خاف عليه، إذا كان هو الظابط ومعاه أمن خاف على أخوه، انا برضو خوفت على بنتي ومجاش في دماغي غير اني اخليها تسيبه والحمد لله إني وقتها مكانتش مراته وكنا لسه على البر، وقولت أنه سابها وسافر علشان متفتكرش فيه تاني وتنساه بس الوضع كله اتقلب
خرج من البهو متجهًا إلى غرفته ولكن استوقفه يونس والذي تحرك من صمته إلى غرفة شقيقته وقد كانت موصدة الباب عليها فطرق على الباب هاتفًا بنبرة هادئة لا يتحدث بها في العادة :
-رقية مش عايزة تشوفي عمر
وصرخت الأخرى من الداخل بعصبية شديد وودت لو تفرغ طاقتها المكبوتة في الصراخ ولكنها لا تستطيع :
-مش عايزة اشوفه ومش عايزاه ارتاحوا بقى
-عمر في المستشفى يا رقية
تجمدت ملامح رقية بصدمة لما قاله، حتى محمد ويوسف وعبلة اقتربوا منه متسائلين عن الأمر وعن كيف علم به فقال يونس وهو على نفس هدوءه :
-اتصلت بسفيان قبل ما أجي وقالي أنه في المستشفى، عمر اخدت جرعة زيادة من دواء رفع ضربات القلب فجاتله ذبحة صدرية
وضع يده على الباب منصتًا لأي صوت يخرج من شقيقته ولكنه لا يستمع سوى للصمت فقط :
-عارف إنك زعلانة ومخنوقة إننا كلنا كدبنا عليكي وده حقك وإحنا اسفين ليكي، بابا كان خايف عليكي من الموت، وعمر مش ذنبه حاجة لأنه مكدبش عليكي يعني زيه زيك، مش عايزة تشوفيه ولو لمرة أخيرة يا رقية؟!
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الثامن وثلاثون 38 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
تنفس بهدوء وهو يتابع كشف الطبيب مرة أخرى عليه بينما يتحدث شقيقه بقلق ظهر في عينيه رغم هدوء ملامحه :
-ها يا دكتور عمر تمامًا دلوقتي ولا حصلت مضاعفات
أبتسم الطبيب بعملية مشيرًا إلى عمر الراقد على الفراش :
-اديك شايفه أهو بقى تمام أوي، اتمنى بقى تاخد بالك يا بشمهندس من تعليمات الدكتور، قالك تاخد مرة واحدة بس في اليوم، ازاي تاخد مرتين؟!
لاحت بسمة على ثغر ونس الجالسة على مقعد بلاستيكي بجانب الفراش :
-هو نصيب يا دكتور ونصيبه يدخل المستشفى، الحمد لله أنه كويس دلوقتي
نظر عمر إلى الطبيب متسائلًا عن موعد خروجه :
-طب انا عايز أخرج من المستشفى
-لأ مش هينفع لازم تبقى معانا مش أقل من أربعة وعشرين ساعة، زيادة اطمئنان مش أكتر
خرج الطبيب بعدما تمنى له الشفاء العاجل وقد لحق به سفيان مستفسرًا عن بعض الأمور ثم ولج للغرفة مرة أخرى وقد مد يده مبعثرًا خصلات عمر المبعثرة على أي حال ثم قال :
-كده يا عمر تخضنا عليك قلبي وقع في رجليا يا عم
ربت عمر على كف أخيه الذي استقر على كتفه ليقول سفيان معتذرًا منه على ذنبٍ ليس بذنبه :
-حقك عليا كان لازم اخد بالي منك بعد ما رجعنا من عند الدكتور بس انا انشغلت في القضية وانشغلت عنك خالص
نفى عمر برأسه بخفة فالذنب ليس ذنبه إذ قال :
-لأ متقولش كده انا اللي غلطان علشان مأخدتش بالي من كلام الدكتور وكنت فاكر الدواء الجديد بيتاخد زي القديم
طرق الباب وقد سمح سفيان للطارق بالدخول، فـفُتح الباب ببطء وظهرت خلفه رقية ووالدها والذي ولج أولًا للغرفة مبتسمًا بسمة مجاملة :
-ألف سلامة عليك يا عمر
ذوى الآخر ما بين حاجبيه متعجبًا وجوده، يعلم أن هذا والد رقية من الصور والفيديوهات التي شاهدها، ولكن لما هو هنا؟؟ استقرت عيناه على رقية التي دلفت خلف والدها تسترق بعض النظرات له
رحب سفيان بمحمد فهو لم يراه منذ فترة طويلة، ربما آخر مرة رآه بها كانت في جنازة والديه، استقامت ونس مرحبة بهما وقد سعدت لوجود رقية فلا تريد أن تضيع هذه الفتاة من حفيدها فهو يحبها بشدة، نظر محمد إلى سفيان ثم قال بنبرة لبقة :
-يونس قالي إني عمر جاتله ذبحة صدرية وانتقل للمستشفى
-آه بس هو كويس دلوقتي الحمد لله
وقد كانت نبرة سفيان هادئة بشدة، الفترة التي ابتعدت العائلتين عن بعضهما جعلت من الحديث غريب وثقيل، ورغم هذا أراد عمر أن يتحدث مع رقية قليلًا فقال بهمس وهو يجذب ذراع سفيان حتى يهبط له قليلًا :
-بقولك ايه انا عايز اتكلم مع رقية شوية، شوف بقى انت واتصرف
استغل الآخر أن محمد كان يتحدث مع جدته فقال على نفس همسه :
-انت عايز ترجعلها؟!
-آه بس خايف ابوها يرفض لأنه هو اللي بعدها عني
تبسم له سفيان بحنان مربتًا على كتفه ثم قال :
-طالما عايزها هقنعه، ولو عايز تتجوزها؟ في خلال أسبوع هتبقى مراتك
ولو في حالة أخرى غير هذه لكان ضحك بملئ صوتها ولكن صدره سيؤلمه وهذا بالإضافة إلى وجود محمد بالطبع، أعتدل سفيان في وقفته ثم هتف بنبرة جادة :
-دكتور محمد ينفع اتكلم مع حضرتك برا دقيقتين
نظر محمد إلى ابنته التي تقف صامتة منذ دلفت فقال سفيان بهدوء وكأنه قرأ ما يريد :
-جدتي هتفضل قاعدة يعني مش هيبقى عمر ورقية لوحدهم
خرج معه محمد مستسلمًا فتحركت أنظار عمر من على رقية إلى جدته وكأنه يتراجها بنظراته أن تتركه معها قليلًا، والأخرى فطنت لنظراته ورغم هذا قالت برفض :
-لا متبصليش كده مش هينفع اسيبكم من غير محرم ويبقى الشيطان تالتكم
ذمت رقية شفتيها بحرج بينما قال عمر بنبرة ساخرة :
-ده على أساس إن انا اقدر اعمل حاجة وانا متلقح كده مش عارف اتكلم أصلًا من وجع ضلوعي
استقامت ونس من على المقعد مستندة على عكازها نحو الاريكة الموجودة فقد أحضر سفيان عمر إلى مشفى خاص حتى يتلقى عناية أفضل :
-انا هقعد هنا بس متقلش أدبك ماشي
-انت بس مترميش ودانك معانا يا جدتي
أشار إلى رقية بأن تجلس فتحركت الأخرى ببطء ولم تنبس بكلمة حتى الآن، حمحمت بهدوء والتزمت الصمت فبدأ عمر الحوار فقال :
-انا عرفت كل حاجة وإننا كنا مخطوبين وعن الحادثة واني نسيتك وسافرت ووالدك فركش الخطوبة علشان خاف عليكي وبصراحة حقه
رفعت الأخرى عينيها له تنتظر أن يكمل فلا تستطيع هى أن تقول شيئًا، بل لا تعلم ماذا تقول حتى ولأول مرة في حياتها تعجز عن وجود كلمات مناسبة، تنهد عمر ثم قال بنبرة غير راضية عن صمتها هذا فقد أعتاد على ثرثرتها :
-انتي ساكتة ليه؟؟
-علشان مفيش كلام يتقال يا عمر انا جاية ومش عارفة جاية ليه بس خوفت تبقى آخر مرة اشوفك فيها
اعتلت بسمة على ثغر عمر ليعتدل قليلًا على الفراش بحيث أصبح متكئًا بظهره على الوسادة، ثم مال قليلًا بإتجاهها وكأنه سيطلعها على سر :
-تعرفي اني سفيان برا بيطلب ايدك من ابوكي... للمرة التانية
ختم جملته وهو يحاول كتم ضحكاته خاصةً على الذهول الذي ظهر جليًا في عينيها، رمشت رقية بأهدابها ولم بتبدد الذهول من على ملامحها :
-انت عايز تتجوزني وانت مش فاكرني يا عمر!؟
آماء عمر ولا يزال محتفظ ببسمته متشربًا ملامحها الجميلة عن قرب لأول مرة، يود حقًا أن يكون سفيان صادقًا في حديثه وتصبح هذه الجميلة زوجته خلال أسبوع
تنفست رقية بصعوبة وكأن الأكسجين قد سُحب من الغرفة، تشعر بقلبها يرفرف بين أضلعها، منذ ساعة كانت يائسة تبكي على وسادتها والآن من سعادتها تريد أن تقفز، ازدردت لعابها بتوتر تسأله مرة أخرى وكأنها تود أن تتأكدت من أنه يريدها بالفعل :
-ليه عايز تتجوز واحدة انت مش فاكرها؟؟
-علشان الواحدة دي فضلت محتفظة بيا جوا قلبها لسنين فأكيد هتبقى زوجة وفية ليا، علشان الواحدة دي حبتني من قلبها بجد ورغم اني كنت مش فاكرها وبعاملها زي الغريبة فضلت برضو جنبي فأكيد هتبقى زوجة أصيلة وحنونة عليا، انا لو ضيعتك هندم بجد علشان مش هلاقي واحدة تحبني زي ما انتي حبتيني يا رقية
أغمضت رقية عينيها وقد إلتمعت دموع السعادة بين جفنيها، أهو يخصها بكل هذا الحديث المعسول؟! تكاد تجزم أنها تستمع لدقات قلبها السعيدة داخل صدرها، فلم تكن تتوقع أن تتحسن علاقتهما هكذا بعد أن أصابها اليأس من أن تكون لعمر بعد كل ما حدث :
-انا كل ده يا عمر؟!
-انتي فعلًا كده وكمان زيدي إنك صحافية شاطرة عرفتي توقعيني في حبك مرتين
ضحكت الأخرى بخفة لما قال فما علاقة كونها صحافية بأنه أحبها مرتين :
-طب ايه علاقة اني صحافية بالموضوع
رفع الآخر منكبيه ضاحكًا على ضحكها ثم قال :
-مش عارف بقى هى طلعت مني كده، ثم انتي فعلًا صحافية شاطرة وذكية جدًا، عرفتي تكشفي هويتي في أسبوع ومباحث الإنترنت بقالها شهور مش عارفة تجبني
ضمت رقية ضحكتها حتى لا يرتفع صوتها ويصل إلى والدها في الخارج، وعلى سيرة والدها نظرت إلى عمر وقد تبددت السعادة وتحولت لتوتر :
-تفتكر بابا ممكن يوافق عليك؟؟
-هيوافق سفيان هيقنعه ثم انا مش هسيبه ياخدك مني مرتين الراجل ده، ثم عايز ايه دليل تاني علشان يعرف انك انتي نصيبي والظروف والسنين معرفوش يفرقونا
-طب اتكلم عن بابا بإحترام شوية ازاي تقول الراجل ده؟ هو ملوش اسم يعني!؟
رفع الآخر حاجبيه متهكمًا لقولها ثم قال :
-يعني من كلامي كله مأخدتيش بالك غير من دي؟!
ابتسمت ونس متابعة حوارهم هذا منذ البداية لتقول بصوت ظهرت فيه الحكمة، جاذبة انتباههما :
-سبحان الله؟! انا عايشة بقالي ٨٥ سنة وشوفت في عمري العجب كله بس أول مرة أشوف اتنين النصيب يجمعهم ويحبوا بعض وبعدها يفرقهم سنين وبعدها يجمعهم تاني، انتوا من الأول لبعض علشان كده الدنيا جمعتكم تاني وفعلًا زي ما قالوا زمان لو نصيبك هتاخدوا ولو غصبًا عن الدنيا كلها
وكان هذا كلام حكيم من جدته ولكن جذبه أول الحديث وهو رقم عمرها فقال ببسمة بلهاء تشوبها الضحكات :
-انتي عايشة بقالك ٨٥ سنة يا جدتي!؟ ده انتي حضرتي الاحتلال الإنجليزي على كده؟؟
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
مكان ضيق بشدة يكاد يطبق على أنفاسها، طرق شديد على الباب وكأنه سيتحطم فوق رأسها، دماء تسيل أرضًا من كل مكان وتقترب ببطء منها كثعبان مترصد، جسدها متكوم في إحدى الزوايا ينتفض برعب من كل شئ يحيط بها وأسوء ما في الأمر أنها تصرخ بصوت مكتوم ككل ليلة ولا أحد ينجدها
تعلم أنها تحلم ولكنها غير قادرة على الخروج من هذا الكابوس، ظلت تعافر في نومها تحاول رفع يديها حتى لربما تفيق، بينما في الواقع جسدها ممد على الفراش وكأنها جثة ولكن الجثة لا تتحرك بينما جسدها وكأنه يقاوم
ومرت ثواني في هذا العذاب كانوا كالسنوات بالداخل لينتفض جسدها أخيرًا شاهقة بعنف وكأنها كانت تغرق في عمق المحيط، أخذت تنتحب بشدة ثم بدأت في البكاء وهى على هذا منذ أن عادت إلى الصعيد، لا تأكل، لا تتحدث، لا تنام حتى بسلام
لا تزال الصدمة متملكة منها حتى الآن ولا تستطيع تخطيها أو التعبير عما بداخلها
ولا تستطيع أيضًا التحدث مع طبيب نفسي، جميع من حولها يرفضون هذا الأمر خاصةً والدتها والتي ترى أن المجتمع والناس لن يرحموا ابنتها إن وصل خبر أنها تتعالج نفسيًا فغدًا سيقولون ابنة حسين أصابها الجنون كما أصابها مس من الجن
وضعت رأسها بين يديها تشعر بضغط نفسي شديد عليها، دلفت والدتها إلى الغرفة وقد وجدتها على حال كل يوم، تنهدت ببطء وحزن على حال ابنتها، ألا يكفي ما هى به بل وأيضًا الناس تتحدث عنها بالسوء
جلست أمامها ورفعت رأسها من بين يديها محدقة في وجهها الذابل والذي فقد بهجته تمامًا :
-قومي كلي حاجة انا عملتلك أرانب
هزت رأسها يمينًا ويسارًا دون الإجابة بشئ فقالت الأخرى وهى تجذب حجابًا من الخزانة وجيب طويل ثم قالت :
-طب البسي دول وتعالي خالتك صفية وعائشة جُو يسألوا عليكي وكمان إسماعيل ولد عمتك
استقامت الأخرى ببطء ليس لمقابلة أحد سوى عائشة، سارت خلف والدتها وعظامها تأن ألمًا لمكوثها في الفراش طويلًا دون التحرك، دلفت إلى بهو الضيوف أو ما يطلقون عليه في الصعيد "المنضرة"
ظهرت منها ابتسامة خافتة بشدة عندما رأت عائشة وقد استقامت الأخرى بسرعة وقامت بضمها دون أن تنبس بكلمة فبادلتها الأخرى العناق بنفس الصمت رغم الدموع التي أخذت تترقر في عينيها
ازدردت لعابها بإختناق شديد مستشعرة مرارته فربتت عليها عائشة هامسة بخفوت :
-ابكي يا شروق هترتاحي لو بكيتي
سالت دموع الأخرى على وجنتيها التي استحلت اللون الأصفر بسبب إعياءها، ماذا تخبرها؟؟ أنها تبكي من يومين بشكل متواصل ولكنها لا تشعر بأي تحسن
نظر إسماعيل لها بشفقة، ليس من السهل عليها ما رأته أبدًا وتحتاج لإخراج الكبت الذي بها ولو حتى ستقوم بالصراخ وتكسير ما حولها :
-عاملة ايه يا شروق دلوقتي مش باين عليكي إنك كويسة خالص
تحدث حسين والد شروق وهو يجذب ابنته حتى تجلس بجانبه :
-مش راضية تاكل ولا تتكلم ولا تتطلع، تروحي مع عائشة وخالتك صفية شبكة أيمن
هزت شروق رأسها برفض شديد فكيف تذهب لخطوبة ابن السيدة التي نشرت بين الجميع أنها أصبحت ممسوسة، تحدث إسماعيل ولا يدري أسوف توافق أم لا :
-طب انا رأيي بصراحة إنها ترجع إسكندرية تاني علشان فترة الإمتحانات قربت وكمان حاسس إني وجودها هنا مش جايب نتيجة في تحسن نفسيتها
وظهر الرفض من شروق قبل الجميع إذ قالت بسرعة وهى تهز رأسها بقوة يمينًا ويسارًا :
-لأ انا مش هرجع للكلية ومش عايزة ارجع البلد دي تاني
اقتربت عائشة وجلست بجانبها قائلة :
-انا برضو مش عايزة اروح تاني بس مش هينفع ننقل في نص السنة لازم نخلص السنة دي على الأقل
زادت الدموع في عيون شروق تستمع لإسماعيل يقول :
-انا عارف مش سهل عليكي اللي شوفتيه ومش هتعرفي ترجعي كويسة زي زمان بسهولة بس على الأقل تخلصي السنة دي وتسحبي ملفك من الكلية وكمان لازم تتكلمي مع حد عن اللي حصل، الكتم في نفسك مش كويس
نظر في ساعته وقد وجدها الخامسة مساءً فقال :
-انا راجع إسكندرية بكرة الصبح، كان المفروض ارجع النهاردة بس خالي جابر أصر أحضر خطوبة ابنه، لو وافقتوا ترجعوا إسكندرية هاخدكم بالعربية معايا بدال ما ترجعوا بالقطر
استقام من مكانه ثم قال بنبرة لبقة متمنيًا الشفاء لشروق :
-ألف سلامة عليكي يا شروق أستاذن انا بقى
وقفت صفية معه قائلة :
-استنى يا إسماعيل نروحوا معاك يلا عائشة
-بس انا هاروح عند خالي عبد الجواد الأول خالي حسن وياسر مستنيني هناك علشان نروح سوا علشان انا مش عارف مكان بيت العروسة
وقف حسين حتى يذهب معهم، أجل زوجة أخيه قالت كلام لا يصح على ابنته ولكن إن لم يذهب سيحزن أخيه على عدم حضوره خاصةً أن أيمن ابنه الكبير :
-طب استنوا خمس دقايق هلبس الجلابية واجي معاكم
خرج حسين من المنضرة فقالت عائشة وهى تربت على كتف شروق الصامتة :
-هتقدري تمتحني يا شروق، امتحاناتك بعد تلات أيام بس
اغمضت الأخرى عينيها بقوة تتوقع فشلها الذريع هذه السنة فهى غير قادرة على التعامل مع أحد حتى تستطيع الدراسة من أجل الاختبارات، تشعر أنها ستمر بإنتكاسة قوية لن تخرج منها بسهولة...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ارتدي جلبابه الصعيدي رغم تفضيله للملابس الرجالية الكاجول ولكن إصابة ظهره جعلته يرتدي هذا الجلباب المريح أفضل له، امسك بعطره ونثر البعض على جلبابه مستحسنًا مظهره في المرآة
دلف حسن إلى الغرفة التي يتشاركها مع ياسر، رغم أنه يمتلك شقة كاملة في المنزل إلىٰ أنه لا يحب الجلوس بها بمفرده خاصةً أنه لا يزال عازب، لذا في أيام إجازة ياسر يأتي لغرفته ويزعجه
ذم حسن شفتيه مبصرًا ابن أخيه والذي يكبره بعامين فقط، يرتدي جلباب صعيدي في مناسبة كهذه على الغير العادة :
-ايه يا ياسر وانا اللي قولت اشوفك هتلبس ايه علشان نطقم مع بعض الاقيك لابس جلابية
-علشان ضهري يا حسن انا أصلًا مكنتش عايز اروح بس علشان أيمن وعمي جابر ميزعلوش
سحب وشاح قطني من اللون الجملي ووضعه على كتفيه فالجو شديد البرودة بالليل، اقترب منه حسن وجلس على الفراش ثم قال ببسمة ماكرة :
-طب خلاص متروحش يا عم بس يكون في علمك عائشة جاية مع أمها
استدار له ياسر وقد اتسعت البسمة على وجهه فقال حسن ضاحكًا بقوة :
-ايوه يا عم فكيت دلوقتي، بس يا خسارة انت تعبان ومش هتقدر تروح
استقام من فوق الفراش عادلًا من لياقة سترته الشتوية ثم قال مدعيًا اللامبالاة :
-هبعت سلامك لأيمن واقوله زي بعضه ياسر تعب ومقدرش يجي
دفعه الآخر حتى يجلس مردفًا بضيق من مزاحه هذا :
-يا حسن اقعد واتكلم جد شوية، هى جاية ولا مش جاية؟؟
-جاية والله جاية حتى هتلاقيها وصلت تحت علشان هتروح معانا هى وصفية وإسماعيل
نظر ياسر إلى المرآة بسرعة وهو يمشط خصلات شعره السوداء وقد اتسعت البسمة على شفتيه أكثر وأكثر ثم قال وهو ينظر إلى ملابسه :
-ايه رأيك انزل كده ولا أغير وألبس كاجول
-ده على أساس انك العريس ورايح تجيب العروسة من الكوافير
نطق بها حسن محاولًا كبت ضحكاته ولكنه فشل في هذا مقهقهًا بقوة فقال ياسر وهو يهم بكتم فمه حتى لا يأتي أحد على ضحكاته هذه :
-خلاص يا حسن هو انت فشتك عايمة قوي كده ليه النهاردة!؟
-عيب ياد حد يقول لعمه كده ولا علشان انت أكبر مني بسنتين هتتفرعن عليا
رمقه ياسر نظرة طويلة منتظرًا أن ينفجر ضاحكًا مرة أخرى بينما الآخر حاول التماسك وعدم الضحك حتى لا تسقط هيبته _الغير موجودة_، تنهد ياسر وأبعد أنظاره عنه ثم قال :
-اقولك على حاجة بس متسوحش ماشي
آماء الآخر بسرعة معتدلًا في جلسته ثم قال :
-قول قول سرك في بير
-آه يا خوفي من البير بتاعك ده يكون في خالتي صفية وفايزة وأحلام وامي ومش بعيد باقي العيلة فيه
-لأ عيب هو انا يعني قولت حاجة لحد عن اللي حصل لعائشة وشروق مع إنه لازم يتعرف على الأقل حسين يعرف اني بنته شاهدة على جريمة قتل وعلي يعرف بنته حصلها ايه
رفع إحدى قدميه ووضعها أسفله والأخرى متدلية من على الفراش بحيث أراح جلسته، من ثم قال :
-ها قول حصل ايه معاك انت كمان، ده كانت ساعة مقندلة لما قررتوا كلكم تروحوا إسكندرية
تنهد ياسر على مهل ثم اردف بنبرة مترددة :
-انا قولت لعائشة اني قاري فاتحتي عليها
لم يُصدم حسن كثيرًا مما قال فـعاجلًا أم آجلًا كانت ستعلم عائشة سواءً من ياسر أو من علي والدها، أشار بأن يكمل فقال الآخر وهو يجلس بجانبه :
-كانت فاكرة اني قاري فاتحتي على نور ومش عارف بصراحة إزاي كانت فاكرة كده ومقالتش لحد، ده لو كانت قالت لنور كانت هتقولها عادي
-وبعدين هى كان رد فعلها ايه؟!
رفع الآخر منكبيه هاتفًا بحيرة :
-ولا حاجة بعد ما قولتلها فضلت ساكتة الطريق كله، انا عارفها لما تفكر في حاجة تفضل ساكتة ومن وقتها مشوفتهاش، حتى لما روحت انا وامي نسأل عليها مطلعش وقالت نايمة ومش قادرة تقوم وكان باين يعني إنها حجة
-حد يعرف إنك قولتلها
تساءل بها حسن متوجسًا، فعقد ياسر حاجبيه من طريقته ومن السؤال وكأنه ارتكب جريمة يخشى أن يعلم بها أحد :
-انت ليه بتقولها كأني عملت مصيبة!؟ انا مش خايف اني حد يعرف إني قاري فاتحتي عليها ولولا اني عمي علي رفض علشان خاطر بنته الكبيرة انا كنت قولت للناس كلها علشان دي مش حاجة تكسف يا حسن
قلب الآخر عينيه بضيق من استنتاج الآخر ثم قال :
-انت غبي ياد هو انا سألتك علشان كده ثم انت قاري فاتحتك عليها وهى عندها ١٦ سنة علشان تضمن إنها متروحش لحد غيرك، غير كده انت وعبد الجواد عارفين ومتأكدين إن علي مستحيل يجوزهالك وهى لسه عيلة حتى لو مكنتش نور اللي واقفة في الموضوع، انا سألتك علشان اعرف انت ناوي على ايه فها يا ابن الناس بعد ما قولتلها ناوي على ايه؟؟
-انت عارف إن عم علي مش هيوافق إني اتجوزها دلوقتي بس انا يا حسن مش قادر استنى بقى عندي ٢٨ سنة، وبصراحة يعني خايف ترفض بعد ما عرفت، سكوتها ده مش مطمني
صحح له حسن سريعًا ما قال، راددًا الأفكار التي اخذت تستحوذ عقل الآخر :
-خد بالك عائشة عاقلة جدًا، يمكن اكتر واحدة في عيال اخواتي كلهم بالعقل ده، من صغرها والكل بيقول عليها عقلها أكبر من سنها، ويمكن سكوتها تفكير مش رفض
-ويمكن يكون رفض يا حسن وبتفكر تجيبها إزاي، عايز اعرف هى بتفكر فيه ايه علشان كده قولتلك على الموضوع
-يعني انت عايزني أكلمها؟!
واجابه ياسر بنبرة مترددة قائلًا :
-ايوه انا عايزك تكلمها، نور مش هنا ومحرج أكلم خالتي صفية علشان كده عايزك انت تكلمها، انت قريب قوي مننا علشان سنك من سننا وعائشة بتقبل منك الكلام، عايزك تعرف هى بتفكر في ايه أو فيه قبول ليها ناحيتي، انا فكرت كتير اسألها لما كنا في القطر بس..... خوفت يا حسن ترفضني وانا مهما كنت بحبها وعايزها مش هقبل الرفض ولا هقبل إني أكمل مع واحدة مش قبلاني
صمت حسن مفكرًا في الأمر لثواني ثم قال :
-ماشي هكلمها يا ياسر وربنا يقدم اللي فيه الخير
آماء الآخر بموافقة ليدق باب الغرفة ثم صدح بعدها صوت شقيقته دعاء البالغة من العمر تسعة عشر عامًا :
-ياسر حبيبتك تحت أنزل
فهم الآخر مَن تقصد فقال حسن بصوت مرتفع حتى تسمع دعاء :
-ماشي اديه نازل امشي انتي
رحلت الأخرى بالفعل فقال حسن وهو يستقيم من مكانه :
-أنزل قدامي كده عايز أشوف هتبصلك ازاي بعد آخر مرة شافتك واتكلمتوا فيها
وافق الآخر وخرج أمامه دون الإعتراض ولكن قبل أن يصل إلى الدرج امسك حسن بعضده وأوقفه ثم قال متسائلًا :
-ياسر انت قولت من شوية بقى عندي ٢٨ سنة ومش قادر استنى تاني، هى لو عندها قبول ليك بس عاندت وقالت مش هتجوز غير لما اخلص تعليم وده بنسبة كبيرة هو اللي هيحصل، مستعد تستناها تلات سنين ونص تاني
واجابه الآخر دون التفكير في الأمر مرتين قائلًا :
-استناها العمر كله يا حسن بس وانا متأكد إنها عايزاني وعندها قبول ليا ومستعدة تكمل معايا
ربت الآخر على كتفه مبتسم الثغر ثم قال :
-طب يلا انزل قدامي ربنا يجمعك بيها في الحلال قريب إن شاء الله
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
حل الصباح ولم تنم الليل من السعادة ورغم هذا قفزت من فوق الفراش بنشاط شديد، لقد تقدم لها عمر ووافق والدها وبعد أن تنتهي مهمة سفيان ويونس سوف يعقد قرانهم، هل يوجد ما يجعلها سعيدة أكثر من هذا؟؟
مرت من أمام غرفة اخويها ليناديها أحدهم وفي الواقع لم تعلم أهو يونس أم يوسف فقد فك يونس الشاش البارحة وعادت لحيرتها معهما مرة أخرى :
-رقية تعالي
اقتربت من الباب بخطىٰ بطيئة مترددة فلم تتحدث معهما منذ مشادة البارحة، ربما تصالحت مع والدها بعد موافقته على عمر لكنها لم تتصالح بعد مع يونس ويوسف وبالاخص يونس الذي لا تزال تتذكر صفعته لها :
-صباح الخير
نطقت بها بخفوت كما خفتت بسمتها فقال يوسف وهو يبعثر خصلات شعرها السوداء بكفه :
-مبارك يا روكا
-الله يبارك فيك يا
-انا يونس
عقدت الأخرى حاجبيها وقد توقعت أن يكون يوسف وليس يونس، جذبها يوسف للداخل محاولًا إدعاء كونه يونس بينما الآخر يغط في نوم عميق منذ البارحة لشدة إرهاقه، هو يريد من إدعاءه هذا أن تتصالح رقية ويونس حتى ينتهي هذا الموضوع :
-طب يا ستي انا آسف على القلم اللي ادتهولك، إن شاء الله كانت تتقطع أيدي قبل ما ارفعها حلو كده
ذمت الأخرى شفتيها وهناك وسوسة داخلية تخبرها أن من أمامها ليس يونس، ورغم هذا رفعت قدم فوق الأخرى هاتفة بدلال :
-لا يا يونس مش هتصالح كده بسهولة
-انا يونس يا هبلة اللي قدامك يوسف
وصدح هذا الصوت من يونس الغافي أسفل الغطاء الثقيل وقد كان يستمع لما يحدث، نظر له يوسف بغيظ شديد فلما استيقظ الآن، عاد بنظره لرقية التي كانت ترمقه بشك ثم قال جاعلًا نبرة صوته أكثر حدة وخشونة :
-انا يونس ده يوسف بيهزر
أبعد يونس الغطاء عن وجهه محدقًا في ظهر أخيه بسخرية :
-تمثيلك فاشل يا حبيبي انت متعرفش تقلد يونس هواري حتى لو كنت توأمه
ألقى يوسف نحوه الوسادة بحنق لمحاولته إفساد خطته ثم صاح :
-ملكش دعوة يا يوسف متلخبطاش بقى
تحدثت الأخرى بحيرة شديدة وهى لا تعلم الآن مَن يوسف من يونس :
-انا اتلخبطت فعلًا
اعتدل يونس من فوق الفراش ثم رمق أخيه بتحدي، موجهًا حديثه لرقية :
-طب مين أول واحد وصلك المدرسة في أول يوم
-يونس
سارع يوسف في إيجاد إثبات له فقال :
-طب مين اللي بيطردك من مواقع جرايم القتل
-يونس أكيد
هتفت بها بحيرة شديدة فقال يونس بعدم إهتمام وهو يجذب الغطاء عليه حتى يعود للنوم مرة أخرى من أجل أن يستطيع السهر على القضية إن استدعاه سفيان :
-انا يونس وهو بيعمل كده علشان يصلح ما بيني وبينك، بس برضو تمثيله فاشل
زفر يوسف بضيق فقد أفسد يونس ما كان يريد فعله ورغم هذا وجد رقية ترمقه ببسمة فبادلها الآخر بأخرى حانية ثم قال :
-حقك عليا انا هو بيحبك والله بس ايده طرشة، ظابط بقى
اقتربت منه رقية وضمته بقوة فربت الآخر على ظهرها مبادلًا العناق بحنان بالغ ظهر في صوته :
-ألف مبروك يا رقية رغم اني مضايق أنه هيجي يوم وتسيبي البيت وتروحي بيت تاني
زادت الأخرى في عناقها له بينما رفع يونس الغطاء محدقًا في هذا المشهد الأخوي المؤثر ثم قال :
-طب يلا هش منك ليها انا عايز أنام كملوا الدراما دى برا
ذمت رقية شفتيها رامقة يونس بغيظ ثم قالت :
-بس كده اتأكدت إنك أنت يونس علشان يوسف مستحيل يطردني من الأوضة علشان هو محترم وانت قليل الذوق
وأجابها الآخر بابتسامة مستفزة ولم يتأثر بأيٍ مما قالت :
-طب يا اختي اشبعي به، يلا بقى اطلعوا برا واقفلوا الستاير دي ثم انت يا دكتور يا محترم يا ابن الناس مروحتش ليه المستشفى
وأجابه يوسف رافعًا منكبيه بقلة حيلة :
-اخدت أجازة النهاردة بشكل إجباري من أمك، حتى ابوك رفضت أنه ينزل شغله وهى كمان اخدت أجازة من الشغل علشان نقضي اليوم مع بعض كأسرة، وعلشان برضو يشوفوا موضوع عمر ورقية وهنقرر فيه ايه
طأطأت رقية رأسها ببسمة خجلة فطالعها يونس بتشنج قائلًا :
-حوش البت اتكسفت؟! أومال لو مكنتيش عارفاه بقالك خمس سنين وكنتي بتقابليه من
كتم يوسف بسرعة فمه قبل أن يكمل صائحًا به :
-خلاص بقى انت عايز تعيد القديم تاني، هى غلطت واحنا غلطنا خلص الموضوع بلاش نفتحوا تاني
رن جرس المنزل وقد فتحت عبلة الباب ثم صدح صوت كريم وحمزة في الأجواء فقالت رقية مذكِّرة اخويها بهذا اليوم فلربما يكونا غافلين عنه :
-علفكرة النهاردة عيد ميلاد حمزة لو ناسيين
انتبه يوسف لما قالته ثم هتف بشكر عكس يونس الذي ارتسمت بسمة ماكرة على وجهه :
-كويس إنك قولتي علشان ألحق اجيبله هدية
خرجت رقية عائدة لغرفتها وخلال ثواني دلفا حمزة وكريم وقد كان صوت كريم المازح يصدح في المكان :
-يونس قبضتوا على السفاح ولا لسه؟؟
اعتدل الآخر في جلسته ماددًا يده نحو درج الكومود حتى يأتي بعلبة السجائر ثم اجابه بإختصار شديد حتى لا يخرج أسرار العمل :
-لسه يا كريم
انتفض يوسف من مكانه عندما رآه يهم بإشعال سيجار، فأختطفها منه قائلًا :
-انت عايز تولع سيجارة على الصبح كده، يعني مش كفاية إنك بتشرب كتير اليومين كمان هيبقى على الريق
سحب كريم السيجارة من بين أنامل يوسف قائلًا وهو يحدق به بشكل مطول :
-على كده حلوة السجاير يا يونس؟! ما تجيب الولاعة دي أجربـ
وقبل أن يكمل كلمته وجد يد اختطفتها منه وقد قامت بهرسها بغضب ثم صدح بعدها صوت حمزة الغاضب :
-تجرب إيه؟! طب ألمحك كده بتشرب سجاير يا كريم
صاح به يونس وهو يرى عود السجاير الذي تفتت أرضًا :
-هرست السيجارة إلهي يهرسك قطر يا بعيد، ثم ما تسيب الواد يجرب يا حمزة يعني هى السجاير حرام
رمقه حمزة بنظرة غاضبة ثم قال بصوتٍ ساخر :
-بس يا يونس يا فاسد بدال ما اطلع أقول لأبوك إنك بتشرب سجاير، أظن أنه مش عارف
أشار يونس نحو الباب رامقًا الآخر بتحدي :
-طب اطلع اقوله هتلاقي في الصالة ولو مكنش هناك هتلاقيه في أوضته
أوقف يوسف هذه المشاجرة الكلامية قبل أن تحتد إذ قال :
-خلاص بقى اقفلوا الموضوع ده
نظر لحمزة ثم أضاف ببسمة هادئة :
-كل سنة وانت طيب يا حمزة هانت بقي سنتين وتدخل التلاتينات
-أتمنى تبقى عقلت شوية يا حمزة ما البنى آدم كل ما بيكبر كل ما بيعقل
نطق بها يونس يإستفزاز شديد يريد اليوم بأي طريقة أن يخرج حمزة عن أعصابه، وقد فهم يوسف خطة أخيه الماكرة فقال بسرعة :
-بقولكم ايه انا أجازة النهاردة تيجوا ننزل شوية في أي كافية، آخر مرة نزلنا سوا كانت من أسبوعين ولا حاجة
وافقه حمزة هذا الاقتراح إذ قال :
-تمام انا كده كده كنت هاروح عند الحلاق تيجوا معايا ولا اسبقكم انا وبعد ما اخلص اشوفكم فين واجيلكم
لم يعترض كريم أو يوسف على اقتراح الذهاب للحلاق، حتى يونس قفز من على الفراش حتى يغير ملابسه ويذهب معهم فقال يوسف وهو يشعر أن أخيه ينتوي شيئًا، وهذا لأنه كان يريد النوم لأنه متعب من قليل والآن سيخرج معهم :
-ما تقعد انت يا يونس ريح شوية علشان لما ترجع شغلك
أخرج الآخر ملابس له من الخزانة ثم قال رافضًا عدم الذهاب معهم، وقد كانت هناك بسمة ماكرة ترتسم على شفتيه :
-لأ هاروح معاكم احنا فعلًا مخرجناش سوا بقالنا كتير
وبعد ما يقارب النصف ساعة دلف حمزة إلى إحدى محلات الحلاقة وخلفه أخيه وأبناء اعمامه، وقد كانوا أول مرة يأتوا إلى هذا المكان فهم معتادون على حلاق آخر، تحدث حمزة وهو يسير بجانب يونس ذو البسمة المتسعة وللحق لم تروق له هذه البسمة فلا يبتسم يونس في العادة :
-يونس ليه جينا هنا ومروحناش عند ماجد؟؟
وأجابه الآخر بهدوء شديد وهو يطالع الموجودين من حلاقين وزبائن :
-انا جيت هنا قبل كده والحلاقين هنا شاطرين فقولت جربوه ولو عايزين نرجع تمام
ورفع الآخر منكبيه غير مبالي بالأمر :
-لأ عادي مش هتفرق
تقدم للأمام ومعه يونس، وخلفهما يوسف وكريم والذي مال قليلًا ناحية يوسف هامسًا :
-مش عارف ليه مش مرتاح لأخوك
-والله ولا انا
جلس حمزة على أحد المقاعد الخمسة المرتصة بجانب بعضها أمام مرآة مستطيلة كبيرة بعرض الحائط، تحدث إلى الحلاق الذي يقف خلف المقعد، متحسسًا ذقنه التي ازدادت طولًا :
-خفلي لو سمحت دقني ودرّجها وقص ٣سم من شعري مش أكتر من كده ماشي
نظر الحلاق إلى بشرة حمزة مضيفًا :
-بشرتك مشققة شوية
-آه بغسل وشي كتير بمياه وعلشان شتاء وكده فوشي فيه قشف
-طب انا عندي ماسك جامد للقشف ثواني هجيبلك منه
وافقه حمزة اقتراحه ليقول كريم بذهول وهو يجلس على المقعد المجاور :
-انت هتعمل ماسك؟!
-آه ومعملش ليه؟؟ اومال انت فاكر الممثلين الرجالة حلوين ليه علشان مهمتين بنفسهم
ولم يقل ذهول الآخر بل هتف بنبرة أكثر ذهولًا :
-انا عمري ما شوفت راجل ممكن يحط ماسك
ابتسم له حمزة ابتسامة متهكمة ثم قال :
-ده علشان انت معفن يا كريم، مكسل حتى تغسل شعرك بشامبو نضيف
وطالعه كريم عاقدًا ذراعيه بتذمر لا يقبل التقليل منه :
-ليه يا اخويا وهى الصابونة قالت لأ ثم انا شعري أحلى من شعرك ومش بغسله بشامبو بغسله بصابونة لوكس
ضحك حمزة مطالعًا خصلات كريم الملتفة حول بعضها، رغم أن كريم ليس شعره بمجعد ولكن عدم اهتمامه به جعله ملتف هكذا، بينما شعره هو أسود ناعم يشبه الممثلين الأتراك كما تقول غادة ووالدته دائمًا :
-انت بتغسل وشك بنفس الصابونة اللي بتغسل بيها شعرك يا كريم وده في حد ذاته هبل
-وليه هبل إن شاء الله ما مصر كلها بتعمل كده، أمك نفسها بتعمل كده
وسهى حمزة بحديثه مع كريم عن يونس الذي كان يجهز له هدية عيد ميلاده والتي ستجعله يصاب بنوبة قلبية، إذ امسك بالفتى الذي سيهتم بشعر حمزة هامسًا بخفوت :
-هو قالك تعمله ايه في شعره
-قالي اقص منه ٣سم مش أكتر
أخرج يونس من جيبه ورقة نقدية من فئة المائتين ثم قال :
-طب خد دي ومتسبش في شعره غير ٥سم
اتسعت أعين يوسف الذي كان يتابع الحوار وكاد أن يصيح رافضًا حديثه هذا ولكن اطبق يونس على فكه مكممًا إياه بكفه حتى يمنعه من إصدار أي صوت، مكملًا مع الفتى والذي قال بخوف :
-لا يا أستاذ ممكن صاحب المحل يطردني لو الزبون عمل مشكلة
وأجابه يونس غير مبالي بيوسف الذي يتلوى أسفل ذراعه حتى يتركه والآخر قبضته قوية عليه فلا يستطيع الإفلات :
-ده ابن عمي وانا بهزر معاه علشان عيد ميلاده وكده ثم صاحب المحل صاحبي متقلقش انت
ذهب الفتى مستسلمًا لما قال بينما سحب يونس أخيه للخارج حتى لا يسمع حمزة بالمقلب الذي ينتويه له، وما إن أفلته حتى صاح الآخر وهو يهم بالدخول مرة أخرى ولكن كان يونس يمسك به بقوة :
-اقسم بالله انت شكلك ناوي على موتك، حمزة هيتعصب أوي، ده لو حد قرب من شعره هيدبحه وانت عارف
وأجابه الآخر بإستفزاز شديد متحمسًا لرؤية ملامح حمزة بعد أن يقص شعره العزيز :
-مش هو اللي مخترع مقالب العيد ميلاد دي يستحمل، انت ناسي انه حطلي سكر مطحون جوا كياس بلاستيك جوا تابلوه العربية وأقسم بالله لو كنت عديت على لجنة تفتيش لكنت اتحبست أربع أيام على ذمة التحقيق، وانت يا فالح مش حطلك تعبان لعبة في الحمام وعارفك بتخاف من الحاجات دي، يستحمل مقالبه بقى لما تترد
تركه ودلف بسرعة ليجد الفتى بدأ في عمله بينما حمزة وجهه عليه مادة وردية اللون تشبه التي تضعها شقيقته رقية ليلة العيد، بينما يضع سماعات في اذنه ويغمض عينيه معيدًا رأسه للخلف، يعطي الأمان تمامًا
أما كريم انتهى من وضع ذلك الغشاء الوردي بعد إجبار حمزة له، ولا يعجبه الأمر فيشعر حقًا أنه فتاة، أدار رأسه إلى حمزة بالصدفة لتتسع عينيه بصدمة يرى الحلاق يقص شعر أخيه بعكس ما طلب منه تمامًا :
-انت بتعمل ايـــه؟!
نطق بها كريم بذهول ليجد يونس يهجم عليه كاتمًا فمه حتى لا يتكلم والآخر حاول الإفلات منه فسيجن أخيه عندما يرى حالة شعره، ويونس لم يترك له فرصة حتى أن كلاهما سقط أرضًا وايضًا لم يفلته
اقترب منهما يوسف حتى يتوقفا عن هذا وهذا بسبب متابعة جميع الموجدين للمهزلة التي تحدث هذه، عدا حمزة الذي لا يصل له أيًا مما يحدث بسبب صخب ما يسمعه :
-خلاص يا يونس سيبه يخربيتك الواد هيفطس
ركل كريم قدم حمزة بقوة حتى يفيق لما يحدث بينما الآخر اعتدل ناظرًا على يمينه حيث تم رُكل ليجد أخيه وابنيّ عمه ثلاثتهم على الأرض وكأن هناك زلزالًا أسقطهم أرضًا
رمقهم بإستغراب شديد وقبل أن يتحدث سبقه الحلاق حيث قال وهو يبعد المقص عن شعر حمزة :
-انا خلصت
أدار حمزة رأسه بشكل تلقائي ناحية المرآة لينتفض بقوة وكأنه أبصر مارد في المرآة، هدر بغضب شديد يرى خصلات شعره القصيرة والتي غيرت شكله تمامًا وكأنه يرى رجل آخر يشبهه فقط في بعض الملامح :
-ايـــــه ده؟؟!
وقد كان الحلاق يشعر أنه سيغضب هكذا لذا أشار ناحية يوسف ولم يدرك أنه ليس من اتفق معه، فكلاهما يشبهان بعضهما لدرجة مخيفة :
-مليش دعوة انا، هو قالي أعمل كده علشان عايزين يهزروا معاك
نظر حمزة إلى يوسف بشر وقبل أن يقول الآخر أن الحلاق أخطأ وكان يقصد يونس، كان يونس يدفع بيوسف هاتفًا بغضب مصطنع في محاولة منه لتقليد أخيه :
-كده يا يونس قولتلك هيزعل يا أخي متقصش شعره اتفضل حل بقى
وقبل أن يبرر يوسف المسكين أي شئ كانت قبضة حمزة تصطدم في وجهه فصاح متألمًا وهو يمسك بفكه وكم كان قبضة ذلك الأخرق قوية، وقف يونس بسرعة أمام أخيه فيبدو أن حمزة سيجن الآن
تحدث كريم بسرعة مقيدًا شقيقه من الخلف قبل أن يتهور أكثر، وأصبح جميع الموجدين في المحل يتابعون ما يحدث :
-استنى يا حمزة اللي ضربته ده يوسف
وانتقلت نظرات حمزة النارية ناحية يونس الذي يقف أمام يوسف مطالعًا اياها ببسمة متسعة استفزته بشدة :
-كده خالصين يا حمزة وردتلك السكر اللي حطيتوا في التابلوه وقصيت شعرك العزيز، دلوقتي بس أقدر اقولك كل سنة وانت طيب يا ابن عمي الغالي
أبعد حمزة كريم عنه بعنف وهجم على يونس قابضًا على تلابيب ثيابه غير مبالي بجذب كريم له ولا بصياح يوسف أن يتوقفوا :
-لأ متتقالش كل سنة وانت طيب يا يونس علشان انا مش هبقى طيب النهاردة وربي لألبسك قضية آداب المرة الجاية بس بعد ما احلقلك شعرك زيرو
جذب بسرعة أقرب ماكينة حلاقة له وكاد أن يسير بها على رأس يونس ولكن الآخر كان رد فعله الأسرع إذ جذب منه الماكينة ودفعها بقوة فاصطدمت بالزجاج، ثانيًا ذراعه خلف ظهره
ولو يكن حمزة خصمًا سهلًا بل وكأن غضبه يزيد من الأدرينالين في دمه إذ مال بجسده للأمام قابضًا على يونس بيده المحرر فأسقطه أرضًا على ظهره
جذب كريم شقيقه بقوة ووقف يوسف أمامه حتى لا يتقدم حمزة، ويونس أرضًا يقهقه بقوة منتشيًا بغضب حمزة وعصبيته فها قد اذاقه من نفس الكأس الذي اذاقه له في يوم ميلاده السابق تحت بند "لا يوجد عيد ميلاد بدون مقلب"
صدحت صافرة الشرطة في المكان جاعلة الجميع يتجمد في أماكنهم، ثم ارتفع صوت أحد الزبائن وعلى الأرجح هو شرطي وشهد كل ما حدث :
-تعالى يا عسكري خد الأربعة دول
تحدث يوسف بسرعة محاولًا أن يحل الأمر قبل أن يتطور :
-يا باشا ياخدوا ايه دول ولاد عم وبيهزورا
أشار الآخر ناحية زجاج المرآة الذي تهشم :
-وده بقى من ضمن الهزار ولا فاكرين المحل ملككم، عامةً صاحب المحل له حق يشتكيكم
نظر يوسف بسرعة ناحية أخيه حتى يحل الأمر فهو شرطي، وقد وقف الآخر من على الأرض متحسسًا جيوبه بحثًا عن بطاقة الهوية المدنية الخاصة به أو بطاقته الشخصية ولكن يبدو أن كلاهما في المنزل
ابتسم حمزة له بتهكم وتحرك مع العسكري ناحية الخارج كما فعل كريم ويوسف مستسلمين :
-شكرًا يا يونس واضح انه هيبقى عيد ميلاد ميتنسيش
ورغم الظرف السئ الذي سقط أربعتهم به إلىٰ أنه هتف بضحك وهو يضم كتفه متجهًا معه ناحية سيارة الشرطة :
-علشان تعرف بس اني في هدايا عيد الميلاد معنديش ياما ارحميني، كل سنة وانت طيب يا حمزة
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أذن الظهر ولتوها أنهت غسل الأطباق لتجد زوجها قد عاد من العمل مبكرًا على غير العادة، تجاهلته متجهة إلى غرفتها تنال قسطًا من الراحة فقد تغيبت عن المدرسة اليوم بسبب تعبها، وقد قاطع طريقها صوت عثمان مناديًا عليها، يعلم أنها غاضبة بسبب ما حدث البارحة خاصةً أن غادة عادت لمنزلها حزينة مكسورة الخاطر :
-مفيش حمد الله على السلامة؟؟
-ايه اللي جابك بدري
نطقت بها بسؤال آخر دون الإجابة على ما قال فقال عثمان بهدوء وهو يضع متعلقاته على منضدة البهو :
-تعبت شوية فأخدت باقي اليوم أجازة
نظر إليها منتظرًا أن تسأله ما الذي يتعبه أو شيئًا من هذا القبيل كما تفعل في العادة ولكن لم يجد منها سوى الصمت فقال بضيق محاولًا ابقاء هدوءه :
-خلاص يا ناهد
-لا مش خلاص غير لما تصالح بنتك يا عثمان علشان قبل ما تبقى وجعتها انت وجعتني، مش هتقلل من رجولتك لو قولت لبنتك آسف، حمزة نفسه عملها رغم إنها انتقدت نور وقالي إنها قالت آسفة قبل ما تمشي، غادة مش وحشة هى بس مش بتعرف تتكلم
امتثل لها حتى لا تتعب ويرتفع ضغطها مثل البارحة فقال وهو يسحب هاتفه من على المنضدة :
-حاضر هتصل عليها اهدي انتي علشان ضغطك ميعلاش
رن على ابنته ليأتيه الرد من إحدى موظفات الشركة بأن الرقم مغلق أو غير متاح الآن، رفع الصوت حتى تسمعها ناهد تزامنًا مع قوله :
-تليفونها مقفول
-تروح تجيبها النهاردة تحضر عيد ميلاد أخوها
لم يعترض هذه المرة أيضًا ووافق وفي هذه الأثناء رن هاتف ناهد القابع فوق الاريكة وقد وجدته مدير المدرسة، تعجبت من هذا فاليوم ليس إمتحان رحمة بل الصف الأول الإعدادي، إذًا فلما يرن، وأجابت على أي حال قائلة :
-الو
-انتي فين مس ناهد؟؟
تعجبت صوته هذا وكأنه كان يهرول أو ما شابه :
-انا مش في المدرسة اخدت أجازة النهاردة علشان ضغطي كان عالي شوية
-حضرتك لازم تيجي حالًا
-ليه حصل حاجة؟!
وأجابها الآخر وهو يحدق في النافذة المطلة على أحد الفصول مثله مثل باقي الطلاب والأساتذة الذين ينادون على المعلمة نورهان التي تعتقل في الداخل عدد من الطلاب رافضة أن تفتح قبل أن يأتي أولياء أمور هؤلاء الطلاب الفاسدين :
-تعالي شوفي قريبتك دي حابسة كام طالب في الفصل وقفلته بالادراج ومعاندة ومش راضية تفتح غير لما أهاليهم يجو، والمشكلة اني إمتحان الفترة التانية هيبدأ بعد ربع ساعة هيضيع كده على لجنة الفصل وعلى الأولاد دول
(انا بعتذر عن فصل يوم الاتنين وده لأن عندي أختبار يوم الثلاثاء في المقرأ ومش هلحق أكتب الفصل 🤍)
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل التاسع وثلاثون 39 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
كنت ناوية أنزل اقتباس يخض كده بغرض التسخين، بس غيرت رأيي ونزلت اقتباس كله فراشات، أي خدمة 👌🏼❤️
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أبصرت رحمة تتقدم نحوهما وفي يدها كتاب فتوقعت أنها تود أن تسألها عن شئ قبل أن يبدأ الاختبار، ولكن اليوم ليس اختبار مادة الدراسات الإجتماعية؟!
توقفت رحمة أمامهما ملقية تحية الصباح وقد ردتها هاجر ونور ببسمة هادئة لتقول رحمة وهى تنظر إلى هاجر التي بدت وكأنها ليست هى رغم أنها نفس المرأة، ولكن نظراتها بدت أكثر برودًا وملامحها اللطيفة أصبحت جامدة بعض الشئ وكأن روحها تغيرت :
-ازيك يا مس هاجر انتي بطلتي ليه تيجي المدرسة؟؟
-معلش يا رحمة شوية ظروف، انتي عاملة ايه؟؟
-الحمد لله
نطقت بها رحمة بإختصار ثم نظرت إلى نور وقدمت لها الكتاب وهناك بسمة على ثغرها تكاد تشق وجهها من فرط إتساعها :
-اتفضلي يا مس نور دي هدية
أمسكت الأخرى الكتاب متسائلة بتعجب وقد أدركت أنها رواية وليس مجرد كتاب عادي، والأدهى من هذا أن هذه الرواية أحدث روايات كاتب الظل ولم تتوفر بعد، لأن اليوم هو معرض الكتاب في القاهرة وستُعرض هناك :
-هدية بمناسبة ايه؟! ثم جبتي الكتاب ده منين ده لسه منزلش
رفعت رحمة مستواها قليلًا هامسة بجانب أذنها وكأنها ستطلعها على سر وهو بالفعل كذلك :
-دي هدية من حمزة، آخر رواية نزلت لكاتب الظل وعلفكرة يبقى هو كاتب الظل، ابقي اقرأي الإهداء والرسالة اللي جوا الكتاب
ختمت حديثها بصوت مرتفع ثم ابتعدت عنها وركضت بعيدًا وهى تقهقه بقوة على ملامح البلاهة التي أعتلت وجه نور، رمقت هاجر رحمة بتعجب متسائلة :
-هى البنت دي قالتلك ايه خليتك تتنحي كده!؟
لم تجبها نور بل فتحت الكتاب بسرعة تحدق في أول صفحة تبصر أول إهداء خُط لها فهى لا تمتلك أي كتاب رغم رغبتها العارمة لهذا
"إهداء لصاحبة الأعين الجميلة ببحورها العسلية وشواطئها الخضراء التي خطفت لُبي وقلبي، اتمنى أن ينال كتابي إعجابكِ وكوني عالمة أنكِ صاحبة أول نسخة فلم أجد من هو أعز منكِ ليقتنيها"
وضعت هاجر يدها على ثغرها تمنع ضحكاتها من التسلل :
-ده ايه الحب ده كله؟؟ ده فيه شاعر واضح إنه مغرم بيكي يا نور
حدقت بها الأخرى بملامح مندهشة لدرجة الجنون التي وصل إليها ذلك الرجل، ألا يكفي ما فعله وغزله الصريح لها أمام مسمع جميع نساء عائلته، الآن ارتفع بدرجات الجنون وأرسل لها هدية
سقطت ورقة من الكتاب فهبطت هاجر قليلًا وألتقطتها ثم قالت ضاحكة :
-كمان باعت رسالة ده ايه الجو القديم ده؟!
ظهرت بسمة على جانب ثغر نور ثم قالت بخفوت :
-قاطعة عليه كل طرق التواصل علشان كده بيتعامل بالرسايل وبعت الكتاب مع اخته رحمة علشان برضو عارف إن مستحيل كنت أقبله منه
أخذت منها الورقة ووضتعها داخل الكتاب كما كانت فقالت هاجر بسرعة :
-بتحطيها ليه اقرأيها الأول
-لأ طبعًا انا أصلًا هرجعله الكتاب بالرسالة هى ناقصة دربكة
ذمت الأخرى شفتيها لا تصدق ما تقوله نور إذ صاحت بها :
-الراجل شكله بيموت فيكي كاتبلك إهداء شاعر لحبيبته وباعتلك رسالة ولا كأنه في عهد عبد الحليم وشادية وانتي بتتبطري على النعمة، حد عاقل يسيب راجل زي ده
وأجابتها الأخرى بتصميم تحاول ألا تنخرط خلف حديثها، وتحاول جاهدة ألا تنصاع خلف وسوسة الشيطان لها بأن تقرأ رسالته :
-لأ ما هى بتبدأ كده بهدية وكام كلمة حلوة وفي الآخر ألاقي نفسي في نقطة انا مش عايزة أوصلها وآخد عليها ذنوب، طالما مدخلش البيت من بابه يبقى بأي حق يبعتلي هدية؟!
برمت الأخرى شفتيها مقتنعة بوجهة نظرها ولكن بداخلها فضول لتعلم ماذا يقول هذا الشاعر في رسالته، فلم يسبق ورأت شيئًا كهذا سوى بالأفلام القديمة :
-طب ماشي اتقلي زي ما انتي عايزة بس بالله اقرأي الرسالة ورجعيها تاني، وابقي اعملي نفسك مقرأتيش حاجة
همهمت نور بتفكير في الأمر وقبل أن تنبس بكلمة كانت هاجر تختطف منها الكتاب ملتقطة الورقة من داخله تقرأها هى :
"أكيد اتضايقتي لما عرفتي اني كاتب الظل وأول حاجة جات على بالك الحركة اللي عملتها على الفيس وانتي عملتي ليا بلوك، يمكن من وجهة نظرك هى سخيفة بس انا كان عندي دافع وراء ده هبقى أقولك عليه لما نتخطب إن شاء الله"
نظرت هاجر إلى نور ببسمة ماكرة ثم قالت :
-لا ده الراجل بجد واقع وشكلك فعلًا قاطعة عليه كل طرق التواصل يا نور
أخذت منها نور الورقة بسرعة تقرأ باقي الرسالة وقد التصقت بها هاجر حتى تقرأ هى أيضًا
" دي أول نسخة من كتابي الجديد قمري الغائم اتمنى تعجبك وانا متأكد إنها هتعجبك علشان نفس المواصفات اللي انتي بتحبي تقرأيها، انا لسه فاكر لحد دلوقتي أول حوار بيني وبينك، انا سافرت النهاردة القاهرة علشان المعرض وبعتلك الكتاب مع رحمة وبإذن الله لما أرجع من القاهرة أول حاجة هعملها إني هاخد اهلي وننزل الصعيد نشرب شاي مع والدك مع إني مش بحب الشاي بصراحة بس هشربه علشانك واقوله جئت لأسترد ضلعي الذي آمنك الله عليه لحين أن آتي انا وآخذه فأبنتك يا عمي سرقت قلبي وانا لن أرضى بأقل من أن أفعل المثل"
عضت نور على باطن شفتيها من الداخل بخجل شديد، تستمع لتصفيق هاجر الحار بجانبها وهى تقول :
-لأ ده الراجل مش بيلعب ده عايز يروح الصعيد ويتقدملك، ملكيش حجة بقى ومش هترجعي الكتاب والرسالة علشان الشاعر الولهان ده هيبقى جوزك
(انا كصابرين واقعة في غرام حمزة من الدور العشرين❤️)
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الأربعون 40 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
سارت بين أروقة المدرسة وفي يدها ملف به أوراق الإمتحان، تنظر إلى أبواب الفصول لعلها ترى رقم اللجنة التي ستقف عليها، توقفت أمام الفصل المنشود وقد أبصرت معلم يجلس به في انتظار المراقب الثاني ألا وهو هى
دقت الباب بهدوء ملقية عليه تحية الصباح وقد بادلها الآخر التحية بإحترام :
-صباح النور يا مس نور ورق الامتحان معاكي
آماءت الآخر بهدوء وهى تعطيه الملف حتى يوزع الأوراق بينما هى أخذت تنادي على كشف الحضور حتى ترى إن كان العدد مكتملًا، اطلعت أمامها إلى اللجنة وكانت من فتيات الصف الأول الإعدادي وكم كان التوتر يسيد المكان فقالت بلطف حتى تخفف من توترهن :
-ايه الخوف ده كله انتوا مش مذاكرين ولا ايه؟!
وأجابتها احداهن وهى تحدق في ورق الأسئلة بفزع حقيقي :
-ده الإمتحان تلات ورقات يا مس
-طب وايه يعني معاكم ساعتين ونص يعني تناموا وتقوموا فيهم، ثم اللي مذاكر هيخلص الإمتحان ده في ساعة، انا نفسي كنت بخلص أي امتحان في الساعة الأولى
سحبت كرسي وجلست عليه ثم قالت بملامح باردة وكأن لطفها تبدد :
-انا مش عايزة اسمع صوت، عينك في ورقتك والغش ممنوع، اقسم بالله اشوف واحدة بتغش مش هعلم على ورقتها ولا اعمل محضر غش علشان ده تهديد مدرسين، انا هخليها عبرة للمدرسة كلها آمين
ابتسم لها المعلم الآخر ضاحكًا ثم قال :
-براحة عليهم يا مس ده احنا لسه بنقول يا هادي
-زي بعضه انا قولت اهو علشان لما امسك واحدة بتغش وامسح بيها بلاط الفصل ميبقاش ليها حجة
نظر الفتيات لبعضهن بتوتر فتبدو صادقة في حديثها، كما أن هذه المعلمة ليست باللطافة التي تبدو عليها فيكفي ما فعلته من أسبوعين حين أصابت إحدى الفتيات الدورة الشهرية وقد طبعت على بنطالها، وتسبب هذا في الضحك والسخرية عليها من باقي زملائه، حتى أن الفتاة ظلت تبكي من إحراجها
حينها قامت نور بتعنيف جميع من ضحكوا على الفتاة المسكينة والصراخ عليهم وكم كانت تبدر مخيفة حينها، رغم أن ملامحها هادئة لطيفة ولكن كما يقول المثل اتقي شر الحليم إذا غضب
كما أن الجميع في المدرسة يشهد بطبعها الشديد ويستنتجون هذا لأنها آتية من الصعيد، ورغم هذا هى ليست كبعض المعلمين ويستعندون بعض الطلاب، هى تبدو حادة فقط مع المخطئ
مرت عدة دقائق وقد انغمس الجميع في الاختبار ونور تطرق أذنيها لأي همسة تصدر من أحد فكانت تحرق اللجنة كما يطلق البعض على هذا الوضع، أشعل المعلم الآخر سيجارة وقد انزعجت منها نور فلا تطيق الدخان وعندما رأى الآخر هذا أردف بإعتذار :
-لا مؤاخذة هطلع اشربها برا
خرج وتركها في اللجنة بمفردها فأخرجت نور هاتفها تعبث به قليلًا فالوقت لا يزال طويلًا، وقد استغل الطالبات انشغالها وخروج المعلم الآخر وأخرجن هواتفهن التي خبأنها ثم فتحن تلك الصفحة التي ينضمون إليها معظم طلاب مصر في كل المراحل ويطلقون عليها "شاومنج"
رفعت نور عينيها دون أن ترفع رأسها ثم ابتسمت بسخرية عليهن، هذا الشعب لا يأتي بالكرامة والحديث بل يحبون أن يسيروا بالمقولة التي تقول "العبد يقرع بالعصا والحر تكفيه الإشارة"
طرقت على الطاولة بقوة افزعتهن لتترك هاتفها على جنب ثم استقامت من مكانها قائلة :
-حذرت وانتوا شعب مش بيجي بالكرامة ومع ذلك فرصة اخيرة كل واحدة معاها تليفون أو ورقة تطلعها حالًا
لم تجد أي رد فعل غير الصمت فقالت بقوة وهى تتجه إلى واحدة منهن متأكدة ان معها ما تغش به :
-حلو كان معاكم فرصة بس انتوا اللي عايزين الإهانة
وقفت أمام الفتاة ودون أن تقول لها شيئًا قامت بنفسها بسحب الهاتف من جيبها
استمرت في المرور عليهن واحدة تلو الأخرى وقد أخرجت عدد لا بأس به من الهواتف والكثير من الورق الذي ملأ الطاولة، نظرت إليهن بإستهزاء شديد قائلة :
-لو واحدة فيكم لمت المنهج في اليومين اللي فاتوا ولو حتى ليلة الإمتحان بس كان أحسن من ذلها في الغش، السنة كلها تلعبوا وتتمرقعوا وفي الآخر عايزين تنجحوا بالغش، وحتى لو نجحتوا أقسم بالله ما حد فيكم هينفع اللي اتبنى على الباطل عمري ما هينفع
دلف المراقب الثاني على صوتها وقد وجد عدد من الهواتف على الطاولة بجانبها فقال مندهشًا :
-انتي هتفتحي سينترال؟! ايه كمية التليفونات دي جبتيها منين
نظر إلى الطالبات ثم قال بحنق :
-كده تكسفونا قدامها مش قولت اللي معاها تليفون تطلعه مع الشنطة
جلست نور مكانها مجددًا ثم قالت بغضب وتوعد لهن متذكرة الظلم الذي يعاني منه جميع من سهر وتعب :
-كده مش قدامكم غير تغشوا من بعض وحتى دي مش هتطولها
حمحم المعلم الآخر وهو يجلس على المقعد الآخر ثم قال :
-معلش يا مس سيبوهم شوية ومن غير صوت
نظرت له الأخرى بغضب وكأنها ستهم بصفعه ورغم هذا حاولت أن تتحكم في نبرتها فهو أكبر منها في النهاية :
-وهو التعليم باظ من فراغ ما من ده، انت تقدر تستحمل دعوات الأهالي اللي عيالها تعبوا وسهروا وهما شربوا المر معاهم وفي الآخر عيالهم جابوا أقل من واحد أبوه جابلوه سماعة أو الأستاذ سابوهم براحتهم يغشوا، دعوة المظلوم مستجابة يا أستاذ افتكر دي
نظر الآخر إلى الطالبات ثم قال بإستسلام رافعًا كفيه أمامه :
-حاولت اهو بس مش راضية كل واحدة مع نفسها بقى
وتمتمت نور بصوت منخفض وهى تعيد ظهرها للخلف عاقدة ذراعيها أمام صدرها :
-يارب تسقطوا علشان تتعلموا تذاكروا
مر نصف الوقت والبعض يحل والبعض يحاول عصر عقله حتى لا يترك الورقة فارغة، بينما نور عينيها تعلقت بفتاة تجلس بجانب النافذة في الخلف، تكتب قليلًا ثم ترفع القلم ويبدو عليها التركيز الشديد ثم تعود وتكتب، هذه الفتاة لم تأخذ منها شئ وقد ثنت عليها معتقدة أنها المجتهدة التي بهم لكن يبدو أن الأمر لن يمر هكذا
وقفت من مكانها ببطء وتحركت للأمام ثم صاحت بغضب عندما استمعت لهمس من خلفها وكأنهن استغللن أنها استدارت ولكنها تمتاز بالسمع الحاد خاصةً أن الفصل هادئ :
-بصوا قـدامــكـم
-بسم الله طب والله اتخضيت
نطق بها المراقب الثاني ولكنها لم تبالي بل اتجهت إلى الفتاة والتي توقفت عن الكتابة وبدا عليها التوتر من اقترابها منها، سحبت منها الورقة متحدثة بهدوء شديد :
-دقيقة عايزة اشوف حاجة في الإمتحان
أطالت نور التحديق في الورقة وعين عليها وعين على الفتاة والتي شعرت بالتوتر يزداد لتقول بسرعة وهى تهم بأخذ الورقة :
-هاتي الورقة يا مس قبل الوقت ما يخلص
أعطتها نور الورقة ثم ظلت على مقربة منها ترى توتر الأخرى الواضح بشدة، وبطريقة مفاجئة للأخرى مدت يدها ناحيتها فأبتعدت الفتاة والتصقت بالحائط بفزع ونور لم تعطي لها الفرصة إذ الصقت كفها في رأس الأخرى وبالتحديد ناحية أذنها وها قد وجدت ما كانت تبحث عنه
ابتسمت لها بطريقة بدت للأخرى مخيفة ثم قالت :
-وانا اللي كنت فكراكي الشاطرة اللي فيهم طلعتي عايزة تعملي شاطرة عليا انا، طلعي السماعة يا بت
هزت الأخرى رأسها بخوف حقيقي من انكشاف أمرها فقد كان الأمر سيمر بسلام :
-انا مش.... معـ معايا سماعة
وضربتها نور على رأسها نحو أذنها هادرة بغضب :
-ودي تبقى ايـــه
أقترب منها المراقب الآخر لا يفهم سر غضبها هذا :
-فيه يا مس مالها دي!؟
وصاحت بها نور بطريقة ادهشت الآخر فقد خرجت عن طور هدوءها :
-فيه واحدة لو مطلعتش سماعتها دلوقتي اقسم بالله وانا أقسمت به هقطعلك ورقتك واسقطك في الامتحان ده
سارعت الأخرى واعطت لها السماعة فأمسكتها نور وألقت بها أرضًا ثم وضعت فوقها احد المقعد وبكل قوتها هبطت به عليها وحطمتها تمامًا
كم من طلاب ظُلموا بسبب هذه السماعات، كم من أولياء أمور شعروا بالقهر على أبنائهم وعلى تعبهم، شقيقتها واحدة ممن ظلموا في اختبارات الصف الثالث الثانوي ووالديها كانوا من آلاف غيرهم تعبوا وسهروا وصرفوا وفي النهاية يحتل القمة هؤلاء الفشلة بسبب الغش، والقهر هو نهاية من تعب واجتهد
نظرت إلى الفتاة المرتعبة منها بنظرات حادة ثم قالت :
-لولا اني ممكن اتجازى كنت خدت ورقتك واديتك واحدة بيضة تبدأي فيها من الأول بس ملحوقة
نظرت إلى باقي الفتيات اللواتي كن يتابعن ما يحدث :
-لو واحدة فيكم معاها سماعة تطلعها دلوقتي علشان بعد دقيقتين بالظبط هطلع الأستاذ ده واقلعكم طرحكم واحدة واحدة واشوف مين فيكم أمها داعية عليها النهاردة
انقضت الفترة الأولى وخرج الجميع من أجل الإستراحة وقد ظلت نور في الفصل تفكر فيما فعلت، هى لا تحب التصرف بهذه الطريقة فتكره نفسها حينها ولكن الجميع هنا يجبرها على التصرف هكذا
انتفضت شاهقة بقوة عندما دلف أحد الطلاب على الفصل بطريقة غير متوقعة فصاحت به غاضبة لإفزاعها هكذا :
-يا حيوان خضيتني
جلس الآخر مترددًا لتقول نور بتعجب من جلوس ولد في هذه اللجنة :
-انت يا بابا هتقعد فين دي لجنة بنات
وكان الفتى يبدو عليه الخوف وعلى الأرجح ليس منها فقد لاحظت أن بعض الطلاب كانوا سيهمون بالدخول خلفه وعندما رأوها بالداخل ذهبوا، عادت بنظرها لذلك الفتى والذي قال بتوتر :
-مس حضرتك نازلة ولا هتقعدي هنا
رمقته الأخرى بتركيز فقد كان أحد طلاب الصف الأول الإعدادي، ذو بنية ضعيفة ولكن تعلم أن هذا الطالب مجتهد فقد دلفت إلى حصة احتياطي وتتذكره، اقتربت منه بهدوء ثم اردفت بتوجس :
-مالهم العيال دول قاطرينك ليه، قصدي يعني كانوا هيجروا وراك ليه
ازدرد الآخر لعابه بتوتر، ثم قال :
-عايزين يضربوني
-يضربوك ليه؟؟
-علشان مرضتش اغششهم في إمتحان العربي
رفعت الأخرى حاجبيها مذهولة من هذا الرد إذ قالت :
-علشان مرضتش تغششهم!؟ يعني مش بس تنمر كمان بلطجة
في عادتها لا تحب أن تدخل نفسها في مشاكل ولا تحب أن تدخل نفسها في أي مواضيع لا تخصها حتى ولو بالكلام، ولكن بعض الأمور تحتاج تدخل حين يشعر أحدهم أنه يحتاج مساعدة مثل ما حدث لرحمة وتاليا الفتاة التي سخر الطلاب منها بسبب الدورة الشهرية أي شئ لا تستطيع التحكم به ولا تقصده
والآن هذا الفتى والذي أتى للإختباء منهم في هذا الفصل محتميًا بها، وهى في هذه اللحظة أكثر شخص يعلم شعور من يتعرض للتنمر
دفعته أمامها من كتفه بخفة هاتفة بحزم :
-اطلع قدامي وتقولي مين دول واسمائهم ايه
وبرد فعل غير متوقع لها تراجع الآخر للخلف بذعر قائلًا :
-لأ انا مش هطلع مقدرش أقول حاجة هيضربوني
نظرت إليه بشفقة متفاجئة من بكاءه، يبدو أنهم يضربوه بشدة للدرجة التي تجعل فتى في سنة يبكي هكذا، وايضًا هو جسده ضعيف لا يستطيع تحمل خوض مشاجرة دون أن يكون خاسر به وأولئك الحمقى يستغلون هذه النقطة
خرجت نور من الفصل بسرعة وقد وجدت بعض الطلاب يقفون في نهاية الممر فقالت متوجسة وهى تدلف للداخل مرة أخرى :
-هما اللي برا دول؟؟ فيهم الواد اللي عامل فيها فتوة ده اسمه أدهم
وآماء الآخر بسرعة ثم أردف بنبرة مترجية :
-مس لو مش هتنزلي خليني قاعد هنا لحد ما يرن الجرس وانا بعدها هروح لجنتي
-بس انا لازم انزل علشان اعرف لجنتي في الفترة التانية
نظر الفتى حوله بخوف فقالت نور وهى تمد يدها له :
-تعالى معايا نروح للمدير وتقوله على اللي بيعملوه ثم انت ليه مش قايل لأهلك متسمحش لحد يمد ايده عليك، اللي يمد ايده عليك تلويها
مسح دموعه ولم يجب فقالت نور وقد ارتفع جانب شفتيها بابتسامة حزينة ترى صورتها به عندما كانت صغيرة :
-انا حاسة بيك مش قادر عليهم علشان هما أكتر منك واقوى منك فبتسكت، بس لازم تقول لأهلك صدقني لازم تقولهم واوعى تسكت على الظلم وإنك تفضل ساكت طول الوقت علشان هتلاقي نفسك في مكان عمرك ما تتخيل إنك تبقى فيه
شردت عينيها رغم نظرها له مباشرةً، مسترسلة :
-لوحدك، مش عارف تتعامل مع حد، بتخاف تتعامل مع الناس تتعرض وقتها للرفض وتفضل تتعرض للرفض لحد ما تتعود على السكوت وتبقى في الآخر شخص موجود بس مش متشاف
اختنق صوتها بغصة مريرة استحكمت حلقها فتوقفت، لكنها استمعت إلى صوت خلفها ينادي :
-تامر قاعد ليه هنا تعالى
استدارت ببطء ولم تغفل عن الخوف الذي أصاب الفتى المدعو تامر، أبصرت مجموعة من الطلاب يقفون فقالت بعد ثواني من التفكير :
-هو صاحبكم
وأجابها أحدهم وهو المدعو أدهم وقد سبق وتنمر على الكثير من الطلاب هو وهذه الشلة الفاشلة :
-آه صاحبنا وكنا بندور عليه
-تمام أهو قدامكم انا أصلًا ماشية
اتسعت أعين تامر بصدمة وخوف مما قالت فهل ستتركه لهم، بينما الأخرى فتحت هاتفها بسرعة وهى توالي البقية ظهرها وقد فتحت التسجيل ووضعته في جيب بنطال تامر ثم تحركت وأخذت حقيبتها وخرجت من الفصل مبتعدة عنه مسافة لا بأس بها، وعندما رأي أدهم أنها ذهبت نظر إلى تامر بشر مبطن بنبرة ساخرة :
-رايح تتحامى فيها يا كوتي، هو انا مش ناديت عليك في اللجنة علشان اخد منك سؤال النحو وانت عملت أطرش
عاد الآخر للخلف بخوف منهم فهم أربعة وهو واحد فقط، أي حتى لو حاول أن يفعل ما قالته له سيخسر بكل تأكيد، ورغم هذا حاول إدعاء القوة حتى يخرج من هنا فقال :
-انا مش هغششكم ومش هديكم مجهودي
صاح متألمًا عندما دفعه أحدهم بقوة فسقط الآخر أرضًا واغمض عينيه تأهبًا لضربهم له مستمعًا لحديث أدهم :
-شكلك عايز تضِّرب تاني
-لأ ده انتوا اللي شكلكم هتضربوا النهاردة وقولوا يارب تيجي على الضرب بس
وتلىٰ صوت نور الحاد صفعها للباب بقوة ثم سحبت أحد الادراج واغلقته به، وعندما رأى أدهم وزملائه أنها ستحبسهم في الفصل هموا بالهروب من النافذة ولكن الأخرى كانت الاسرع إذ اغلقت النوافذ بسرعة ثم وقفت أمامهم صائحة بغضب :
-على فين محدش هيطلع من هنا غير لما تتربوا من أول وجديد، ارجــعـوا لوراء يلا
عاد أربعتهم للخلف ليقول أدهم محاولًا الخروج من هذا المأزق :
-يا مس احنا كنا بنهزر بس
ساعدت نور تامر في أن يقف وقد نفضت له ملابسه وجعلته يجلس ثم استدرات لأدهم واحتدت ملامحها أكثر رغم هدوء نبرتها المبالغ به :
-بتهزوا؟! فتوقعوه صح!!
اقتربت منهم ومنه هو بالتحديد ثم وبكل قوتها دفعته أرضًا فسقط الآخر بقوة أكبر من قوة دفعه لتامر، صاح متأوهًا فقالت نور بسخرية :
-بتصرخ ليه دلوقتي ده انا بهزر
ركلته في قدمه بعنف أشد تزيد من ألمه أكثر ثم صاحت بقوة تنافس صراخه :
-بهزر معاكم مش عاجبكم هزاري
استدرات للثلاثة الآخرين ثم هوت عليهم بصفعاتها في أي مكان تطوله يديها بعدها فقدت أعصابها تمامًا وكان هذا أكبر عيوبها فلا تعلم ماذا تفعل أو تقول حين تفقد آخر ذرة عقل بها
توقفت تتنفس بعنف تنظر إليهم الأربعة وهو منذوون في ركن واحد وقد تركت صفعاتها أثر على وجوههم ورغم هذا لم تهدأ إذ صاحت بهم بغضب قائلة :
-مش عاجبكم الهزار ده علشان هو مش هزار، ده ضرب، ده تنمر وعمره ابقى أبدًا ما كان اسمه هزار
نظرت إلى تامر والذي كان يجلس مكانه يتابعها بخوف فلم يكن يعلم أنها بكل هذه القوة، سحبت منه هاتفها وأغلقت التسجيل متمتمة بتوعد وغل :
-والله لاوديكم في داهية علشان تعرفوا اني الله حق، مستقويين نفسكم على واحد يا كـــلاب
صرخت بآخر كلمة وهى ترمقهم بشر ثم صاحت :
-كل واحد فيكم يمليني رقم أبوه واللي مش حافظه يبقى رقم أمه واللي مش حافظه يديني تليفونه اطلع منه أعتقد كلكم جايبين تليفونات علشان تغشوا منها يا فشلة
كتبت أول رقم أعطاه لها أحد الأربعة لترن عليه ولم تهدأ أعصابها وعندما أجاب قالت :
-الو حضرتك والد أدهم؟!
-ايوه انا هو فيه حاجة
-فيه مصيبة عملها ولدك ولو مجتش حالًا الإمتحان هيروح عليه علشان انا مش هخليه يمتحن غير لما حضرتك تيجي
-طب فهميني هو عمل ايه؟؟ مصيبة ايه دي!؟
نظرت الأخرى إلى أدهم بغضب ثم قالت :
-الأفضل لما تيجي اتمنى متتأخرش علشان الإمتحان فاضل عليه نص ساعة يعني يا تلحق يا لا
أغلقت معه واتصلت على باقي أولياء الأمور، حتى والد تامر ثم سألته وهى تضغط على زر الإتصال :
-أبوك اسمه ايه يا تامر؟؟
نظر لها الآخر وقد جفت الدموع على وجهه :
-اسمه جورج
تعجبت ملامح الأخرى مرددة :
-انتي مسيحي!؟
وقد كانت نظرة تامر لها غريبة فسارعت في التبرير :
-لأ متبصش كده كأني هعمل تفرقة عنصرية انا ياما شوفت مسلمين أعمالهم أعمال يهود وياما شوفت مسيحين كويسين ولا عمرهم عملوا مشاكل مع حد، بالعكس دول دايمًا في حالهم
اتاها الرد من والده فقالت وقد كانت نبرته مختلفة هذه المرة رغم حزمها :
-الو انت أستاذ جورج والد تامر
-آه انا مين معايا
-انا مُدرسة في المدرسة اللي ولدك فيها لازم تيجي حالًا وتسيب أي حاجة في ايدك
-ابني حصله حاجة؟؟
نظرت الأخرى بعيدًا ثم أجابت بضيق :
-واضح إنك بعيد قوي عنه علشان هو بيتعرض للتنمر وانتوا مش عارفين وواضح برضو إنها مش أول مرة يتعرض للتنمر
أغلقت معه بعدما أخبرته بضرورة أن يأتي بسرعة وفي هذه الأثناء صاح أدهم عندما أبصر بعض الطلاب ينظرون لما يحدث من خلال النافذة :
-يا خـالـــد قول للمدير المس نور حبسانا قولوا يـجــي
اخرسته الأخرى بصوتها إذ قالت :
-ولو جه وزير التعليم نفسه مش هتطلعوا من هنا غير لما أهاليكم يجوا
ويبدو أن الأمور انفلتت منها إذ بعد دقائق تجمع الطلاب على النافذة والمدير والمدرسين يريدون منها أن تُخرج الطلاب ولكن الأخرى عنيدة لم ترد على أحد، ولكنها فكرت في الأمر بعدما هدأت وعاد عقلها، قد تكون اسقطت نفسها بمشاكل بتسرعها هذا فقد زاد الأمر عن حده
وقفت من مكانها واقتربت من تامر ممسكة بكتفه، ثم قالت بغضب وعينيها على الأربعة الذين لم يبرحوا مكانهم :
-انا هطلعكم علشان الإمتحان خلاص بعد كام دقيقة ومش علشانكم، علشان الغلبان ده ملوش ذنب يفوت عليه الإمتحان
عادت بنظرها لتامر ثم قالت بقوة :
-لما نطلعوا تقول للمدير على اللي حصل كله واوعى تخاف تاني من حد، احنا مش في جنينة تتعامل مع الناس كأنهم ورد، الدنيا دي مليانة ناس وحشة بيحبوا يجوا على الطيبين اللي زيك حتى لو معملوش ليهم حاجة
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
مسح وجهه بإرهاق وتعب لا يصدق أنه داخل الحجز الآن مع المجرمين بينما هو طبيب محترم لا تشوبه شائبة، وكل هذا بسبب أخيه وابن عمه، نظر إليهما بغضب شديد فقال حمزة لا يفهم لما يوجه الغضب له هو :
-انت بتبص ليا كده ليه؟! هو انا اللي كسرت المرايا ولا انا اللي عملت المقلب؟؟ ما اخوك هو السبب في ده كله، حتى مش معاه لا كارنية ولا بطاقة يطلعنا بيها غير قاعد معانا اهو زي قِلته
ختم حديثه ناظرًا إلى يونس بشرار فقال الآخر بابتسامة باردة مقلدًا نفس ما قال حين كان ثائرًا مثله :
-كريم قول لأخوك الحمار ده يوطي صوته علشان جايبلي صداع
انتفض حمزة من مكانه وهم بالهجوم عليه وإطباق وجهه المستفز هذا ولكن جذبه كريم بسرعة قائلًا :
-يا حمزة كفاية هو مستفز وانت عارف، اسكتوا بقى خلينا نطلع من هنا
نظر إلى يوسف بضيق لتأخر رقية فقد مر أكثر من ساعتين على اتصالهم بها :
-وانت كان لازم تتصل على رقية تيجي ما كنت قولت لأبوك ولا ابويا
ابتسم الآخر بسخرية قائلًا :
-عايز نتصل عليهم نقولهم تعالوا خرجونا من القسم، انا عمري ما دخلت الحجز في حياتي
ضحك حمزة بتهكم شديد مرددًا :
-ولا انا عمري ما عملتها وتحصل يوم عيد ميلادي ويتقص شعري
اغمض عينيه بحسرة شديدة صائحًا :
-اروح ازاي انا معرض الكتاب بشعري المقصوص ده
-ده على اساس انك أحمد عز ورايح مهرجان الجونة، ده انت بتروح متخفي كأن عليك تار، اللهو الخفي بسلامته
أدار حمزة رأسه له ببطء ثم نفض ذراع كريم بعيدًا عنه لاكمًا يونس بعنف وقد احتدت مشاجرة أخرى بينهما، وهذه المرة لم يحرك يوسف ساكنًا بل ظل يرمقهما بضيق شديد دون التدخل وفي هذه الأثناء صاح أحد السجناء وقد أصابه الصداع منذ دخول هؤلاء الأربعة :
-ما خلاص بقى انا مش عارف أنام منكم
ورفع حمزة رأسه له هادرًا به بغضب :
-إن شاء الله عنك ما نمت ما تولع نعملك ايه يعني
وقف كريم ويوسف بسرعة عندما ابصرا ذلك الرجل يقف ولم تكن ملامحه تدل على أنه شخصية لطيفة أبدًا :
-انا تقولي أولع؟! لأ ده انت ناوي على موتك النهاردة، انت متعرفش انا مين يلاه
وقف يونس أمامه وجعل أخيه وأبناء أعمامه خلفه فهو أدرى الناس بالتعامل مع هذه الفئة من الناس :
-هتكون رئيس الجمهورية مثلًا، أرجع مكانك وعدي اليوم ده خير
انفتح باب الحجز وقد أوقف العسكري مشاجرة كانت على وشك النشوب :
-الأربعة اللي جم في خناقة يطلعوا قدامي يلا علشان في حد جه يضمنهم
وكان يوسف أول الخارجين من هذا المكان القذر يسب حمزة ويونس وحتى كريم المسكين تلقى نصيبه من السباب فقال متذمرًا :
-وانا مالي يا يوسف بتشتمني ليه؟؟
-اسكت انت كمان، انا هقطع علاقتي بيكم أول ما أخرج من هنا
توقف الأربعة بعد أن ولجوا إلى مكتب الضابط الذي ألقى القبض عليهم وقد استقامت رقية بسرعة ملتقطة لهم صورة ثم قالت ضاحكة :
-دي صورة للذكرى في أول مرة دخلتم فيها الحجز
حدقت بالصورة قليلًا ثم رفعت رأسها لحمزة مذهولة أنه قص شعره، ربما آخر مرة كان شعره قصيرًا بهذا الشكل كان هو في الثانوية :
-حمزة انت قصيت شعرك؟!
نظر إليها الآخر بحنق واضح ثم قال :
-اخوكي الفالح إلهي يتشل
نظر له يونس بطرف عينه مضيفًا :
-لم لسانك يا حمزة انا لامم إيدك عنك بالعافية
أقترب منهم الضابط وبالتحديد من يونس إذ أعطاه بطاقته وبطاقة الأحوال المدنية ثم قال :
-اتفضل يا يونس باشا اخت حضرتك دفعت التعويض لصاحب المحل وهو اتصالح تقدر حضرتك تمشي
خرج خمستهم من القسم ليقول يونس وهو يرى سيارته أمام القسم وعلى الأرجح قد أتت بها رقية :
-حد عرف إننا في القسم؟؟
ونفت الأخرى وهى تخرج مفاتيح السيارة من حقيبتها :
-لأ انا قولت لماما نازلة اشتري حاجة بس انتوا هتقولوا ايه لما يشوفوا مناظركم دي
ختمت حديثها مشيرة إليهم إذ كانت هناك بعض الكدمات على وجوههم بالأخص حمزة ويونس، ثم استرسلت مشيرة إلى كريم :
-بس اشمعنا كريم مش مضروب!؟
وصاح الآخر بها بنبرة متهكمة وهو يصعد إلى السيارة :
-مش كفاية دخلوني القسم وانا معملتش حاجة كمان عايزاني اضِّرب!؟
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
صمت وفراغ شديدين احتلوها بعد آخر محادثة حدثت بينها وبين سفيان، من يومها لم يظهر ومن يومها وهى تفكر في حياتها التي لم تعد حياة تحتمل بالنسبة إليها، حتى الموت لا يريدها
تشعر أنها لم تعد كما هى وكأن هناك سواد شديد أخذ يحاوطها ويبتلعها ببطء شديد وهى مستسلمة له تمامًا فلما ستقاوم؟! ولمن ستقاوم؟؟
مر عشر سنوات على صمتها والآن حان وقت الانفجار وخروجها من قشرتها لتريَ سعاد وغيرها النسخة الغير آدمية التي صنعوها
اعتدلت من فوق الفراش بعدما انهت الطبيبة فحصها ثم قالت بابتسامة هادئة :
-انتي دلوقتي كويسة خالص وكمان عملنا ليكي تحليل دم تاني تتأكد اني سم الدومويك اختفى من جسمك واتضح أنه اختفى خالص ومع العلاج مش هترجعي تتعرضي لأي نوبة صرع تانية
عقدت هاجر حاجبيها من الاسم الذي ذكرته فسألتها متوجسة :
-سم الدومويك؟؟ انا جسمي كان فيه السم ده؟؟
-آه السم ده بيعمل فرط تحفيز في الجهاز العصبي وممكن يسبب نوبات صرع، يعني انتي مش مريضة صرع انتي كنتي واخدة سم
تذكرت هاجر علبة العصير تلك والتي اعتقدت أنها فاسدة، يبدو أن سعاد اذكى مما توقعت فقد وضعت لها السم في العصير حتى تأتيها نوبات الصرع كما كان يحدث لها سابقًا، وكثرة تشنجاتها ستؤدي إلى إجهاض
امرأة ذكية ولكن لم تحزر فبعد فقدانها للأمل الوحيد الذي كان سيجعلها متمسكة بالحياة لم تعد تبالي إن كانت ستحىٰ أم ستموت، وفي كلتا الحالتين ستجعل سعاد تدفع ثمن كل لحظة ألم جسدي ونفسي سببتها لها
لن تصمت بعد الآن فما عاد هناك شئ تخاف عليه أو منه
نظرت إلى الطبيبة ثم قالت :
-انا عايزة أخرج من هنا
آماءت لها الأخرى بهدوء ثم قالت بنبرة عملية :
-تمام هبعتلك ممرضة تساعدك
رحلت الطبيبة بينما أعادت هاجر رأسها للخلف تفكر في طريقة تؤلم بها سعاد ولم تجد لديها أغلى من المال ثم شكلها أمام المجتمع ثم أبنائها ولكن هى من حقها الثُمن فقط في الميراث ولكن لا بأس تستطيع أن تفعل الكثير بهذا الثُمن ضدها
اعتدلت في جلستها عندما طرق الباب فظنت أن الطبيبة قد عادت لذا سمحت بالدخول وقد تفاجأت أن الطارق هو عادل، تبسم الآخر لها ثم ولج إلى الداخل هاتفًا بنبرة راقية :
-حمد الله على السلامة
-مفيش سلامة يا عادل ومش هتبقى فيه سلامة تاني امك قتلت فيا آخر حاجة كان ممكن أسيب الدنيا علشانها بس خلاص خدتها مني وعليا وعلى أعدائي
ورغم قسوة ما قالت إلىٰ أن نبرتها كانت مقهورة بشدة، وقف عادل أمامها ولم يبالي بأي كلمة مما قالت بل قال بهدوء :
-انتي لازم ترجعي معايا علشان بعد يومين إعلان الميراث ووصية المرحوم، تخيلي كتبلك النص لوحدك من كل حاجة
رفعت رأسها له مصدومة مما نطق به هل بالفعل كتب حاتم لها النصف في كل شيء، ويلي ستجن سعاد عندما تعلم هذا، ضم عادل ذراعيه خلف ظهره محدقًا بها بأعين زرقاء هادئة ثم قال :
-ليكي النص في العمارات والمطاعم والشركة، حتى الفيلا ليكي النص فيها وكلهم هيتكتبوا باسمك علشان كده لازم تبقي موجودة، عبد الرحمن قالي إن بابا كتب كده في وصيته علشان هو كان موجود معاه يومها
ابتسمت هاجر وقد انمحت الطيبة من عينيها ولم تعد عينيها البنية الهادئة كسابق عصرها بل احتلتها قسوة الزمن، ولوثت براءتها وطيبتها نفوس الناس المريضة، هذا العالم لا يحتاج إلى الطيبة فإن لم تكن ستأخد حقك بيدك فلا تعتقد أن هناك من سيجلبه لك
رأى عادل الإنتقام في عينيها ورغم كونه قاتل متسلسل إلىٰ أنه قال محاولًا ارجاعها عن الذي تنتويه، لا يريدها أن تصبح مثل باقي من يعيشون في الطبقة الارستقراطية، يملأ معظم الغل والسواد مثله ومثل كاظم ووالدته، حتى أبيه واخوته ليسوا بملائكة ولكن هى لا تزال تحتفظ ببعض النقاء داخل قلبها :
-بلاش يا هاجر خدي نصيبك وبلاش تخلي سواد الناس يلطخك معاهم
-انا السواد لطخني من زمان يا عادل من وقت ما حاولت اقتل نفسي وحاولت اقتلكم
-مكنتيش في وعيك انتي كنتي مريضة
نظرت له بحدة ثم صرخت بغضب وهى تقف من مكانها :
-ومين السبب في ده مش أمك، مين اللي كان بيحطلي الدواء في الأكل والعصير مش أمك، مين اللي سقطني تلات مرات وحرمني منهم قبل ما اشوفهم حتى؟؟ امك عملت فيا كتير وانا سكت كتير علشان كنت خايفة بس خلاص انا مبقتش خايفة ومبقاش ليا حاجة أخاف منها خلاص كده جه وقت الحساب
احتدت عينيها بطريقة جعلته يدرك أن هاجر قد دلفت إلى المستنقع وقد لا يكون لديها فرصة في أن تخرج منه :
-انا هخلص حقي منها ومن كل اللي اذوني وأمك أولهم
طرقت الممرضة على الباب ومعها ملابس هاجر بعد أن قاموا بتنظيفها، أخذتها هاجر منها ثم دلفت إلى المرحاض وغيرت ملابسها وقد وجدت عادل لا يزال جالسًا في انتظارها ثم قال بهدوء عندما ابصرها خرجت :
-انا دفعت حساب المستشفى فيه مكان معين هتروحيه اقدر اوصلك
-فيلا أبوك
آماء بهدوء ثم استقام وتقدمها بينما سارت الأخرى خلفه وهى تحدق في ظهره محتارة، عادل شخصية غامضة بشدة لا تعلم عنه الكثير بل لا تعلم عنه أي شئ، كان يدافع عنها بإستمرار وسبق وأنقذها من الموت أكثر من مرة هو وشقيقته الصغيرة لمار، لذا هى تخرجهما من حساباتها
جلست بجانبه في السيارة وانطلق الآخر نحو فيلا والده حيث تجلس والدته يأكلها الذعر على كاظم
تحدثت هاجر قاطعة الصمت الذي احتل السيارة إذ قالت :
-انت جيت علشان تقولي ليا نص الميراث؟؟
-آه
نطق بها الآخر مختصرًا الإجابة فقالت هاجر وهى تنظر إلى ملامحه التي تشبه ملامح حاتم كثيرًا :
-عارفة إنك مش زيهم وانت النضيف اللي فيهم يا عادل
ابتسم الآخر ساخرًا منها فعن أي نظافة تتحدث وهو يعمل قاتل، لقد مر خمس سنوات على عمله في هذا المجال بعد أن اكتشف بالصدفة أن أخيه يعمل قاتل متسلسل، وعلى عكس المتوقع من أي اخ لم يثور أو يُصدم بل سأله سؤالًا واحدًا "لما تفعل هذا"
وقد كانت إجابة الآخر غير عقلانية بالمرة جعلته يدرك أن أخيه على الأرجح مريض نفسي وهو بالفعل كذلك منذ موت حبيبته الأولى، وهو يظن أنها لا تزال حية رغم أنه من قتلها بنفسه ثم أصابه الجنون من بعدها :
-بقتلهم علشان اريحهم يا عادل، علشان ميبقوش في يوم من الأيام زيي، انا برتاح أوي وانا شايفهم بيموتوا قدامي ويروحوا مكان أحسن من هنا بكتير
علم بعد ذلك الحين أن هناك من يساعده على إنجاز مهام القتل وهم من يأتوا له بأسماء الضحايا منهم أبناء كبار الدولة أو أقاربهم ويكون قتلهم كتهديد لهم حين مخالفة أحد الأعمال الغير مشروعة
لم يبالي بكل هذا الحديث بل كان يبالي بنبرة كاظم وكأنه يصف له أكثر شئ ممتع يقوم به، شعر بشعور غريب وكأنه يود أن يجرب الأمر فقد كانت هناك رغبة عارمة آنذاك الوقت تدفعه لسفك دماء أحدهم
لم يهتم بأن هذا محرم وغير قانوني كل ما أراده هو أن يجرب ثم بعد ذلك أصبح كإدمان كلما شعر بالغضب الشديد والسخط يطلب من كاظم أن يعطيه أحد مهماته حتى يرى الدماء وهى تسيل أمامه، حتى يشعر أنه قوي قادر على فعل أي شئ حتى القتل
نظر إلى هاجر بجانبه بحسرة التمعت في عينيه رغم برود ملامحه، قادر على فعل أي شئ ولكن فشل في أن يتزوج من الفتاة التي أحبها من صميم قلبه
ومنذ ذلك الحين وهو غارق في ذلك المستنقع بل وأصبح قاتل سيكوباتي مثل أخيه
توقف أمام الفيلا لتهبط منها هاجر وقد هبط خلفها حتى يرى الحريق الذي سيندلع فوالدته ليست امرأة هينة ويبدو أن هاجر انسلخت عن رقتها وطيبتها وستخرج منها نسخة لا تبشر بالخير
ولجت هاجر إلى الفيلا ثم وقفت في منتصفها منادية على سعاد بكل قوتها :
-ســعــاد انزلي علشان عندي خبر هيجلطك
خرج الخدم من المطبخ ووقفوا على عتبته يشاهدون ولأول مرة هاجر الزوجة الثانية لحاتم ترفع صوتها في منتصف المنزل متحدية سعاد هانم، هبطت سعاد على الدرج مندهشة من وجود هاجر هنا وفي هذا الوقت، فقد أخبرها أحد الرجال الذين تثق بهم أنها في المشفى في حالة صعبة بشدة بعد أن فقدت جنينها
نظرت هاجر حولها وقد كانت العائلة بأكملها مجتمعة بنات حاتم وازواجهم وعادل، الجميع بإستثناء كاظم بالطبع والفتاة الثانية وزوجها فهم خارج مصر، اعتدلت في وقفتها ترمق سعاد بقوة والتي هبطت آخر الدرجات هاتفة بغضب :
-انتي بتعملي ايه هنا؟؟
-بيتي يا سعاد
نطقت بها بنبرة قوية وعلى ثغرها اتسعت ابتسامة واسعة تستمع إلى صياح الأخرى :
-بيت مين انتي صدقتي نفسك إنك مرات المرحوم، انتي أول ما خطت رجلك برا البيت ده وانتي ملكيش حاجة
واكتفت هاجر برد عادل الذي اثلج قلبها، منتشية بصدمة سعاد الواضحة :
-لأ هى معاها حق، عبد الرحمن شاف الوصية بعد ما بابا الله يرحمه ادهاله، وهو قالي لازم هاجر تكون موجودة يوم إعلان الوصية علشان ليها النص في كل حاجة
ضحكت هاجر بسخرية رغم أن ما تقوله سيؤلمها قليلًا :
-حاتم استخدمني كتير علشان يحرق دمك انتي وعيالك في حياته وفي مماته
نظرت إحدى بنات سعاد لزوجها بسرعة والذي يكون هو عبد الرحمن _محامي العائلة_ فآماء الآخر بهدوء كرد فعل على سؤالها :
-الكلام ده بجد يا عبد الرحمن؟!
-آه بجد الله يرحمه كتب كده فعلًا
نطق بها بهدوء شديد متابعًا ما يحدث، خاصةً هاجر التي تحركت من مكانها وجلست على الاريكة الفاخرة بأريحية كاملة ثم قالت ملاحظة بهوت وجه سعاد الواضح :
-براحة على نفسك يا سعاد لأحسن الصدمة تجلطك ولا حاجة
اقتربت منها سعاد بغضب وكأن خطواتها تدك الأرض أسفلها، رفعت يدها هاممة بصفع هاجر وقد توقعت الأخرى هذا فوقفت ممسكة رسغها قبل أن يصطدم في وجهها، ثم وبكل قوتها دفعتها للخلف على الطاولة الزجاجية فسقطت سعاد عليها بعنف وقد تحطمت الطاولة وغرزت بعض الشظايا في ظهرها
اهتز البهو بصرخات سعاد المتألمة، وانتفض الجميع مهرولين لها حتى عادل نفسه تحرك بينما هاجر مكانها ولم يرف لها جفن بل تشعر وكأن قلبها سيتوقف لشدة إنفعالها
اقتربت منها كبرى بنات سعاد هادرة بها بغضب :
-انتي مجنونة؟! انا هوديكي في داهية لو ماما حصلها حاجة
وغضبها هذا لم يساوي شيئًا في غضب هاجر والتي صرخت بها بطريقة افزعت جميع الموجدين فبدت لهم وكأنها فقدت عقلها تمامًا :
-انا فعلًا مجنونة ولا انتي نسيتي؟! انا مريضة تهيؤات وهلاوس وصرع وعندي دكتور يثبت، حاولت انتحر سبع مرات آخر مرة كانت إمبارح، حاولت اقتلكم قبل كده وحاولت اخنق سعاد وزقيت لمار من على السلم كسرت رجلها وكنت هولع في البيت باللي فيه، وده كله في نوبات جنوني يعني بالميت كده لو قتلتكم كلكم دلوقتي مش هاخد فيكم ساعة سجن هتحول على مستشفى المجانين
احتدت نظراتها بشكل مخيف وزاد صراخها، وأحمر وجهها، ونفرت عروقها، ثم استرسلت وهى تحدق في ملامحهم القلقة :
-ولو حتى اتعدمت مش هيهمني علشان مبقاش فيه حاجة تهمني ولا أخاف منها ولا أخاف عليها، قلبي مات خلاص ومستعدة اعمل حاجة تيجي في دماغي حتى لو هقتلكم كلكم وادخل فيكم السجن، دوقوا بقى الشخصية اللي انتوا عملتوها علشان هندمكم على كل لحظة ظلمتوني فيها وقلبتوا فيها حياتي لنار، اقسم بالله لأحرقكم كلكم بنفس النار اللي حرقتوني سنين بيها
دفعتها من أمامها متجهة إلى الدرج ثم وقفت على أولى درجاته تنظر إليهم بقوة متشفية بنظرات الصدمة التي تعلو وجوه البعض، والخوف على البعض الآخر ثم تركتهم وصعدت
حل الصمت على المكان ينظرون إلى بعضهم بذهول مقسمين على أن من كانت تتحدث ليست أبدًا بهاجر، بل امرأة تشربت القسوة والظلم لسنوات وحان وقت الانفجار غير مهمتة إن كانت نيرانها ستحرقها هى أيضًا، فكل ما تريده الآن ويستحوذ على عقلها هو حرق الجميع بنفس النيران التي انكوت بها لسنوات...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
جلست على أقرب مقعد هاربة من رئيسة الممرضات، تلتقط أنفاسها أخيرًا بعد أن ظلت تعمل في كل الأقسام، عجبًا وهي من كانت تدعي على يوسف ليل نهار لأنه يجهدها، الآن باتت تتمنى لو لم يتغيب اليوم
اغمضت عينيها بإرهاق وهى تعيد رأسها نحو الجدار خلفها، متذكرة صباحًا ذلك الموقف المحرج الذي تعرضت له مع يوسف في المصعد، ربي لا تعلم لما جميع المواقف المحرجة تمر مع هذا الراجل، فمرة ابصر خصلات شعرها، ومرة رآها بإحدى مناماتها الضيقة
وتلك المرة صباحًا كانت الأسوء لا تريد أن تريه وجهها بعد ذلك الموقف، إذ خرجت من الشقة مستقلة المصعد حتى لا تتأخر، وكانت تبحث عن شئ داخل حقيبتها لذا لم تهتم من بداخل المصعد
والته ظهرها وهى تخرج محفظتها تتأكد من وجود بعض الفكة من أجل المواصلات بينما يوسف عاد للخلف ملتصقًا بالجدار وقد غض بصره عما رآه ولكن شعر بغيرة عليها من أن يرآها أحدهم هكذا لذا فضل أن تشعر بالحرج الآن منه أفضل من يوقفها أحدهم في الشارع
-براءة
استدارت الأخرى للخلف محمحة بحرج ولتوها لاحظت أنه يقف معها داخل المصعد بمفردهم :
-صباح الخير
بلل الآخر شفتيها ثم هتف مترددًا :
-ينفع تنزلي الجيب علشان مرفوعة
نظرت الأخرى لجيبها الأسود الطويل والذي من طوله يغطي جزء من حذائها، رفعت رأسها له وكاد أن تستفسر كيف تنزله وهو طويل بالفعل ولكن الآخر سبقها بما جعل عينيها تتسع مذهولة إذ قال :
-الجيب من وراء مرفوعة لفوق أوي ومبينة بنطلون البيجاما بالطول
ازدردت براءة لعابها الذي جف من شدة الحرج وقد عادت للخلف كثيرًا حتى التصقت في الباب، ساحبة جيبها الذي التصق طرفه السفلي في البنطال من الأعلى بعد خروجها من المرحاض تمامًا، تبًا لنور لما لم تخبرها أن الجيب مرتفعة لأعلى وتُظهر ما لا يجب أن يظهر
أبعد يوسف عينيه عنها حتى لا يحرجها أكثر وقد توقف المصعد مضيفًا موقفًا محرجًا آخر على براءة التي كانت تلتصق في الباب وعندما توقف المصعد في الطابق الأرضي فتح أحدهم الباب من الخارج فسقطت هى أرضًا أمام يوسف الذي حاول جاهدًا كبت ضحكاته عليها حتى لا تصرخ به مثلما فعلت شقيقتها مع يونس في موقف مشابه لهذا
تأوهت الأخرى بصوت مرتفع مطلقة السباب المنخفضة، لا تعلم على من ولكنها تطلق دون اكتراث كأغلب من يتعرضون لمواقفٍ كهذه، ساعدتها المرأة التي فتحت الباب معتذرة منها حتى يوسف اعتذر منها وهو يرفع لها حقيبتها من على الأرض متمتمًا بعدة كلمات منخفضة زادت من حرجها :
-معلش بس في العادة بتحصل مواقف محرجة كتير ما بين اتنين رايحين يتجوزوا فمتتضايقيش
وهكذا بدأ يومها بالحرج وسينتهي بتعب، ولا تدري ماذا قد يحدث في باقي اليوم فهى ليست مستبشرة
رن هاتفها فرفعته مبصرة والدتها هى من ترن فأجابتها وبعد التحيات واسألتها عن كيف حالها ومتى تنتهي فترة التدريب، قالت :
-بقولك ايه حسن هيوصل إسكندرية مع إسماعيل هو هيقضي حاجة هناك ويخلصها تجيبي نفسك معاه وترجعي البلد
عقدت الأخرى حاجبيها بتعجب قائلة :
-ارجع البلد ليه يا ماما بقولك لسه قدامي تلات شهور
-ما انتي يومين وهترجعي إسكندرية تاني
-وانا هعمل ايه في اليومين دول ثم مش عارفة هيرضى الدكتور يديني أجازة ولا لأ، ده تسع شهور المفتري مرضيش يديني أجازة غير لما كنت هفيص خالص
وأجابتها الأخرى وهى تنظر إلى زوجها الذي يتابع الحديث :
-لأ ما هو هيرضى يديكي أجازة علشان ابوه لسه قافل مع ابوكي وهو وأهله جايين يتقدملوك بكرة
رمشت براءة بأهدابها ولم تستوعب ما قالت وأنه تقدم لها بالفعل، اخفضت هاتفها، ودق قلبها، وارتفع تنفسها وبشكل لا إرادي، اتسعت البسمة على وجهها بشكل لم تمنعه فهى في النهاية فتاة ويدق قلبها بتوتر ومشاعر غريبة عندما تعلم أن هناك رجل سيتقدم لخطبها
وهذا ليس أي رجلًا بل صاحب المواصفات المطلوبة في ذهنها، أجل لا تنكر أعجبت كثيرًا بيوسف عندما قابلته لأول مرة وقد تخيلت أنه في يوم من الأيام سيتقدم لها مثل الأفلام التي يعجب الطبيب بالممرضة، ولكن مع مرور الوقت طردت هذه الفكرة من رأسها فالواقع لا يقول هذا فالطبيب لا يتزوج إلا من فتاة بتعليم عالي مثله
وها قد خالف يوسف القاعدة فالطبيب الوسيم سيتزوج من الممرضة، يوسف يريد أن يتزوجها
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍