تحميل رواية «في مدينة الاسكندرية» PDF
بقلم صابرين عامر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
1- إجازة في الصعيد بسم الله نبدأ من جديد والجزء التاني ألطف من الأول وفي نفس الوقت أحداثه مهمة جدًا ولا تخلو من الأفكار الهادفة بإذن الله موعدنا في رمضان كل جمعة فصل بعد صلاة التراويح لحد ما ندخل على العيد لو في العمر بقية، وبعدها هشوف مواعيد مناسبة تعليقات كتير بقى برأيكم في اللي جاي 💜 صلي على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜 &;كنت أغرد فتبتسم وتصمت&;.. اشتاق لها ولا أجد ولو صوتها فقط حتى اسمعه&;&; ثقيلة وثقلها أرهق قلبي&;. ترى أين ذات العيون العسلية التي خطفت لبي؟؟&; أغلق مفكرته الصغيرة التي تجمع ا...
في مدينة الإسكندرية الفصل الحادي عشر 11 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
شكرًا والله للدعم والتشجيع الكثيف في جروب الفيس من البعض مش الكل، وواحدة قالت نزلي يا صابرين بشروط، انا مش هنزل بشروط مش عايزة كده عايزة عفوية منكم في تعليقاتكم لا أكثر
كل اللي طلباه حاجتين بس
1- اني اشوف حد بيتكلم عن رواياتي غيري انا، بنزل بوست أو ميمز ترويجي على جروبات في الفيس بلاقي فيه ناس فعلًا عارفة رواياتي، طب فين الناس دي؟ مش بيتكلموا ليه؟ ولا شوفت حد منزل بالصدفة بوست واحد
2- تتفاعلوا بتعليقات انا عمري ما بصيت على النجمة دي ولا مرة ولا طلبتها عايزة بس اشوف تفاعلكم ما بين الفقرات، كلامكم اللي بيشجعني اكمل بجد بعرف وقتها الرواية عجباكم ولا لأ
في الآخر انا هكمل الرواية دي علشان مهمة عندي لاني فيها أفكار كتير مهمة وتوعية خاصةً للبنات عايزة اوصلها بطريقة صح، آه نفسي اشوف ناس كتير بتقرأها علشان الأفكار توصل للكل بس يلا يمكن مفيش للطيب نصيب
ده اقتباس علشان ملك أسامة طلبته مني 🎀🤍
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
هبطت من السيارة في حارته وفي يدها الهاتف ولا تزال تستمع إلى صوته، لم تستمع إلى اخويها بالابتعاد عنه وعدم الاقتراب منه مجددًا لكونه نسيها، حاولت والله ولم تستطع فالحب كالرصاص دلوفه إلى الجسد مؤلم لكن إخراجها أشد ألمًا ألف مرة
تحدثت في الهاتف وهي تنظر حولها لا تدري أين هو :
-عمر انت فين؟ قولي انت فين؟؟
ومرة أخري استمعت إلى صوته الثمل هذا مرددًا :
-انا فين؟ انا فوق السحاب علشان فيه هنا دخان كتير
-دخان!؟
هتفت بها متعجبة ليهديها تفكيرها إلى المقهى الشعبي الذي يجلس فيه كل يوم وعندما ذهبت هناك بحثت عنه في الأوجه ولم تجده فارتكنت إلى أحد الجدران تحاول أن تأخذ منه جملة واحدة مفيدة تعلم بها أين هو :
-يا عمر بلاش توجع قلبي قولي انت فين
أجابها الآخر بصوت ثمل ضاحك :
-انا في جهنم تقريبًا علشان قاعد جنبي ابو لهب ومن الناحية التانية اخوه ابو جهل
عقدت الأخرى حاجبيها تحاول ربط كلماته هذه، دخان ويجلس بجانب أناس مخيفون على الأرجح، صوت ضحكات عالية مختلطة بأصوات رجال خشنة :
-هو انت محجوز في القسم ولا في غرزة، اتمنى يبقى الاختيار الأول علشان هتصدم من التاني
وآتاها صوته متفاجئًا إذ قال :
-ايه ده هو انتي تعرفي يعني ايه غرزة صدمتيني بصراحة!؟
ضربت الأخرى جبينها تحاول البحث عنه لكنها لا تعلم أماكن مثل هذه، ولم تذهب إليها من قبل، ولا تعتقد أنها قد تجده فمثل هذه الأماكن تكون مختفية عن الأنظار :
-قاعد في غرزة وأبوك كان لواء وأخوك ظابط ده لو أبوك حي كان اتبرى منك
توقفت بصدمة وهبطت يدها بالهاتف، تبصره يجلس بين أناسٍ مخيفون بحق، أجل ليس يشرب مثلهم لكن كثرة الدخان الموجود جعلته منتشي بهذه النباتات المخدرة
لم تصيح أو تناديه بأسمه بل رفعت ذونت سترتها وغطت رأسها بها مختفية أسفلها ودلفت إلى الداخل حتى تسحبه من بينهم، بينما عمر كان يجلس بينهم مبتسمًا ابتسامة ناعسة وفي عقله كان يطير بين الغيوم وسط سربٍ من البط المهاجر
قبل أن يشعر أن هناك شئ يسحبه للأسفل يزعج طيرانه، نفخ بضجر وهو يبعد هذه اليد صائحًا :
-ايه الإزعاج ده ما تسيبونا نطير بسلام
ضربته الأخرى على رأسه وهي تكتم فمها بمنديل حتى لا تستنشق هذا الدخان فتصبح النتيجة الجلوس معه في هذا المكان يغنيان إحدى أغاني أم كلثوم طوال الليل :
-نطير ايه ده انت هتطير في داهية لو أخوك شافك كده، قوم معايا
حاولت سحبه لكنه كان ثقيل بل وسقطت بجانبه عندما امسك بذراعها وسحبها للأسفل فسقطت أرضًا بجانب المقعد وقبل أن تصرخ به قال عمر بهمس مشيرًا إلى أحد الموجودين في المكان :
-شايفة الراجل ده أبو دقن طويلة وقرعة بيضة
نظرت رقية إلى الرجل الذي يشير إليه مرددة :
-مين ده؟!
-ده يبقى السفاح
اتسعت عيني الأخرى بصدمة قائلة :
-طب احلف!؟ عرفت ازاي؟؟
-الراجل ده من أول القعدة بيقول انا قتلت ودبحت وسلخت فقولت بس أكيد ده السفاح
نظرت إليه الأخرى بحاجب مرفوع قائلة :
-انت عايز تقنعني اني السفاح اللي مدوخ الشرطة والرأي العام ومحدش عارف يمسك عليه خيط واحد يبقى الراجل الحشاش المعفن اللي هناك ده!؟
-اسمعي مني هو بعينه ده من وقت ما قعد وهو بيقول انا وانا وانا، وانا قاعد قباله سامع من الصبح اومال ايه اللي مقعدني في المكان المعفن ده
تنهدت رقية مجارية إياه إذ قالت :
-ماشي فرضًا انه هو هنعرف نتكلم معاه ازاي أكيد مش هنيجي قدام الناس دي كلها ونقوله في وشه كده انت السفاح؟
-لأ سيبيها عليا دي
استقام عمر من فوق المقعد الخشبي المتهالك هذا ليأخذ نفس عميق مخرجًا إياه مرة واحدة في صرخته التي جعلت الجميع ينتفض في مكانه :
-كله يثبت في مكانه، المكان كله محــاصــــر
وقف الجميع مخرجين أسلحتهم البيضاء كالمطوة وغيره فشقهت رقية مختبئة خلف ظهر عمر، بينما الآخر نظر إلى كل هذه الأسلحة الحادة قائلًا :
-انا قولت المكان كله محاصر ايه طقم سكاكين الأضحى اللي طلع ده؟؟
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
اتمنى اللي وعدوني على الفيس يبقوا قد وعدهم وانا هستمر علشانهم 🤍🎀
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الثاني عشر 12 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
فصل هادي مفيش فيه أي خازوق كله أحداث عائلية 👀🤍
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
استنشقت نسيم البحر الذي طالما كان يتحاكى عليه الكثير في الكتب أو الأفلام وكم ودت أن تجرب هذا الشعور وها قد جربته، وفي الواقع لا تشتم شيئًا، ربما لأن الوقت الآن هو الثالثة عصرًا ونسيم البحر يكون في الليل أو الصباح المبكر، ربما؟
نظرت إلى الكتاب تكمل قراءته، ذلك الكتاب الغريب الذي وجدته داخل حقيبتها ولا تدري حقًا كيف وصل إلى هناك ولكنها لا تبالي
بل وصفت نفسها اليوم بأنها شديدة الحظ لحصولها على كتاب كم كانت تود قراءته، وللأسف لم تكن تستطيع شراءه وهذا بسبب رفض والدتها القاطع لمثل هذه الأشياء
ليس لأن والدتها معقدة أو تسخر من الأمر ولكن لأنها لتوها أعادت تصحيح نظرها بواسطة عملية في عينيها بعدما كاد نظرها أن ينطفئ بسبب القراءة فهي من عشاقها، ولأن والدتها كانت دائمًا تمنعها من شراء الكتب كانت تلجأ للكتب إلكترونيًا وهذا ما زاد الأمر سوءًا لنظرها
هزت قدميها وانفعلت ملامح وجهها تبعًا لما تقرأ وكم كانت مندمجة بشدة لدرجة لم تنتبه إلى صوت نداء عائشة وبراءة فضربتها عائشة بعنف على كتفها قائلة :
-ايه يا عمة انتي اطرمتي ولا ايه؟؟
استدارت لها نور تحدجها بغضب لأنها قامت بضربها فقالت براءة رافعة إحدى حاجبيها :
-متنفجريش فينا من الصبح بنادموا عليكي
أعادت الأخرى تركيزها للكتاب فقالت براءة وهي تنظر إلى ما تفعل :
-واو اشتريتي كتاب، اسمه ايه؟؟
-اسمه دليل جدتي لقتل الأوغاد ومشترتوش انا لقيته جوا الشنطة
جلست عائشة بجانبها على الكورنيش مرددة بسخرية :
-لقيتي في الشنطة ازاي؟ ولدته يعني!؟
رفعت الأخرى منكبيها بعدم معرفة لتضع الكتاب داخل الحقيبة مرة أخرى فور أن رأت شروق تاني ناحيتهم من بعيد :
-مش عارفة والله وواضح كده من العلامات الموجودة أنه بتاع حد، بس بصراحة الكتاب جامد قوي فظيع كان نفسي اقرأه من زمان
اقتربت منهم شروق ويبدو القنوط على ملامحها فقالت نور رافعة إحدى حاجبيها :
-ايه يا بابا اتأخرتي كده ايه؟ ده كله بتسحبي الفلوس من ماكنة فوري!؟
-الفلوس اتسرقت يا أختي بالشنطة باللي كان فيها، البطاقة وكارنية الجامعة والمرطب الجديد الغالي اللي لسه مشترياه علشان قشف الشتاء وعلبة مناديل مبللة غالية برضو
اعطتهم كل ما في جعبتها دفعة واحدة فوقفت براءة بسرعة أمامها صارخة بذهول :
-الفلوس اتسرقت يا شروق!؟
-اتسرقت يا براءة اتسرقت
وقفت عائشة كذلك تحاول تهدئة الوضع إذ أخذت براءة تلوم بها، والأخرى يبدو عليها الغضب ولا تحتاج لأحد يلقي باللوم عليها حتى تنفجر به، ونور جالسة مكانها لم تستوعب بعد أن شروق قد سُرقت
هذه أول مرة يحدث شئ كهذا أمامها وهذا لأن نسبة السرقة في قريتها المتواضعة نادرة تكاد تكون معدومة عكس المدن والتي نصف الشباب بها من لا يجد عملًا يتجه مباشرةً للسرقة
أحتدت الحديث بين براءة وشروق فواحدة تلقى حديثًا بدون فائدة والأخرى ترد عنادًا لا غير وكأنهما طفلتان
-مش عارفة تاخدي بالك من الشنطة فسرقوكِ
-كنتي روحتي انتي يا اختي بدال ما انتي نايمة ١٦ ساعة في ٢٤ ساعة
-ايه علاقة النوم بإنك مسطولة؟؟
صاحت بهما نور بصوت حاولت إخفاضه من أجل الناس حولهم :
-ما تمسكوا في شعر بعض أحسن، هو انتوا عيال؟ فيه ايه؟!
سحبت عضد شروق حتى تجلس ثم سألتها :
-اتسرقت ازاي منك الشنطة؟
-بعد ما طلعت من السوبر ماركت وسحبت الفلوس بس روحت عملت بلاغ
-بلاغ ايه بس هو فيه حاجة بتتسرق في البلد دي بترجع تاني
تنهدت على مهل وقد لاحظت أن براءة تزداد غضبًا وكأنها تريد الهجوم على شروق وشنقها فقالت متسائلة :
-هي الفلوس اللي اتسرقت كتير؟؟
-ألفين جنيه يا نور ولو قولت لبابا اتسرقوا هتبقى ليلة ما يعلم بيها إلا ربنا
-وانتوا مش معاكم فلوس حاليًا غير دي؟
تساءلت بها عائشة فهزت براءة رأسها نافية فقالت نور بإقتراح :
-خلاص يا بنات انا معايا من اللي بعتهم بابا نحاول نمشي الدنيا بيهم لحد ما اقبض انا مش فاضل كتير على بداية الشهر، والمفروض تقولوا لأبوكم وامكم إني الفلوس اتسرقت أينعم هتتهزقوا بس لازم تقولولهم علشان يبقى عندهم علم
مسحت شروق وجهها بضيق قائلة :
-طب والملزمات اللي بنحتاجوها انا وعائشة في الكلية مش هتكفي الفلوس لحد أول الشهر ولا قبضك فللأسف هنضطروا نقولولهم فعلًا
وهنا صاحت براءة رافضة لنون الجمع هذه فلا تفعل الأخرى المصيبة وتريد إشراكها بها :
-لا بابا تضطري مش نضطروا، هي اتسرقت مني ولا منك!؟
رن هاتف عائشة فقالت قاطعة هذا الشجار الذي كاد أن يشب بينهما مرة أخرى ما إن رأت رقم معلمة القرآن خاصتهم ترن :
-طب نسكت بقى علشان المس هند بترن، ها مين هيسمّع الأول!؟
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
-اعترفي يا ناهد مين اللي عمل الأكل ولا انتي اشترتيه منين
هتفت أسماء متسائلة بهذا السؤال ترمق ناهد التي تقف معها بشك فقالت الأخرى مبتسمة بتعجب :
-هو باين أوي كده اني مش انا اللي عملته؟!
أشارت الأخرى ناحية الطعام المرتص في المطبخ ثم هتفت ساخرة :
-عايزة تقنعيني إنك عاملة محشي بالطريقة دي والوصفة دي وانتي أصلًا مش بتعرفي تعملي خلطة المحشي
هربت منها ناهد إلى الخارج دون أن تجيب فقالت أسماء وهي تلحق بها فوالله لن تتركها حتى تعلم من الذي أعد هذا الطعام الذي تشعر به بالطعم الفلاحي وكأنه لتوه أتى من الصعيد :
-عثمان انت اشتريت الأكل ده منين
عقد الآخر حاجبيه مرددًا بتعجب :
-مشتري ايه؟ هو مش انتي اللي عملتيه علشان ناهد ايدها اتفتحت حتى لما سألتها مين اللي عمل الأكل قالتلي لما يجي اللي عملوا هقولك
نظرت أسماء إلى ناهد رافعة إحدى حاجبيها :
-مين اللي يجي يا ناهد عبلة اللي عملته؟؟
-لأ
-توحيد؟؟
-أكيد لأ دي مش فكراني أساسًا ولا فاكرة عثمان أخوها
وضعت أسماء يدها على قلبها مشيرًا إلى غادة التي دلفت لتوها من باب الشقة برفقة زوجها وابنهما :
-لأ متقوليش غادة!؟
قلبت الأخرى عينيها بضجر وتحركت تستقبل غادة وزوجها وما إن رأي اسماعيل يدها الملفوفة بالشاش الأبيض حتى قال :
-سلامتك يا مرات عمي ايه اللي حصل لإيدك؟
-وقعت على سكينة واتفتحت إيدي بس الحمد لله اتلحقت وبراءة قالت مش محتاجة خياطة
ابتسم يوسف بتهكم ثم وقف وامسك بيدها وأخذ يفك الشاش حتى يراها :
-طب هاتي كده أكيد محتاجة خياطة
-بس بقولك براءة قالت مش محتاجة خياطة
-ما انا مش بثق في كلام براءة ولا في براءة نفسها، مرة ربطت دراع واحد محتاج سبع غرز وقالت مش محتاج حاجة وده كله علشان كسلت تطلع الدور الرابع تناديني
ربتت أسماء على كتفه كاتمة ضحكتها ثم قالت مدعية الجدية ولكنها في الواقع مشفقة عليه :
-معلش يا يوسف استحملها هي مش بتحب التمريض أصلًا ودخلته غصبًا عنها فهتلاقيها مش طايقة نفسها وهي بتشتغل علشان مش حابة شغلانة التمريض
-طب وانا ذنبي ايه يترفع ضغطي كل يوم بسببها ده انا مرة يتكلم معاها وانا ماشي في الممر علشان عملية كنا هنعملها بعد ساعة، بفهمها المفروض تعمل ايه وهي ماشية ورايا، ببص ورايا لقيتها في آخر الممر قاعدة على كرسي قال ايه تعبت من المشي
أشار لنفسه مكملًا بغيظ بينما الجميع من حوله يكتم الضحكات :
-يعني انا كنت بكلم الهوا طول ما انا ماشي وبقول الناس بتبص عليا كده ليه؟ ما أكيد قدامهم أهبل بيكلم نفسه، التمريض محتاج حد نشيط عنده فرط حركة، وآسف يعني يا مرات عمي بس بنت اخوك دي عندها هبوط حاد في الحركة، انا بعتقد لو منادتش عليها مخصوص بالاسم أربع مرات وخمسة في اليوم مش هشوف وشها حواليا وهتكسل تشوف وراها ايه
-الحمد لله مش لوحدي اللي عندي أزمة من البنات دول
نطق بها يونس بصوت خفيض سمعه حمزة الذي دلف وهو يحمل بعض علب الحلوى التي طلبتها والدته :
-بنات مين انتوا هتخطبولنا ولا إيه؟؟
نظر كريم الي علب الحلوى قائلًا :
-انت جايب حلويات ليه ما امك عاملة جوا كيكة هموت وادوقها
-قالتلي مش هتلحق تعمل فهات حلويات معاك حصل يا رحمة
اجابته الأخرى دون تفكير مفشية بسر والدتها :
-ما نور عملت كيكة وزي ما كريم قال انا برضو كنت هموت وادوقها حتى المحشي اللي عملته براءة أو شروق والله ما فاكرة سرقت صباع منهم بالعافية
-نور مين؟ نورهان بنت اخويا!؟
هتفت بها أسماء متعجبة ليستدير الجميع إلى ناهد منتظرين منها إجابة ليقول عثمان مندهشًا :
-هما البنات اللي عملوا الأكل؟ ليه كده يا ناهد تتعبيهم في حاجة زي كده
-والله ما طلبت منهم بس هما اللي طلبوا لما شافوني محتارة لا عارفة ألغي العزومة ولا عارفة أعمل أكل ساعدوني وبصراحة شطار أوي في الأكل بيعرفوا يطبخوا حلو حتى في الحلويات
تحدثت غادة بنبرة متهكمة لا يعجبها ما يقال فهي لا تطيق هؤلاء الفتيات منذ أن رأتهم أول مرة في منزل عمها محفوظ، القبول من عند الله وهي لم تقبلهم :
-وانتي ليه طلبتي منهم مساعدة ولا وافقتي ليه إنهم يساعدوا ما طنط اسماء أهي وطنط عبلة ولو كنتي اتزنقتي أوي كنتي طلبتي أكل
استدارت إليها الأخرى رامقة إياه بحنق :
-طب ما تطبقي الكلام ده على نفسك يا غادة جاية قبل معاد الغداء بربع ساعة والأغراب من الصبح بيساعدوا معايا، حتى نور من سبعة الصبح كانت في السوق وساعدتني في شيل الأكياس حتى من غير ما أطلب منها
احتنق وجه الأخرى فقال إسماعيل مخرجًا زوجته من هذا الموقف فهو معتاد على هذا، تفسد غادة اليوم بحديثها وهو يعدل من خلفها فلا مفر له من هذا فهي للأسف زوجته وما يسيؤها يسيؤه :
-معلش يا مرات عمي غادة كانت مش فاضية خالص الصبح ولو كنتي ادتيها خبر إنك مش هتقدرى لوحدك تعملي أكل النهاردة كانت هتيجي من ستة الصبح، صح يا غادة
ختم حديثه ناظرًا إلى غادة بتحذير ألا تتمادى في الحديث، وبالطبع لم يخفى عليه يوم أن دعاه والده على الغداء هو وبنات أخواله أنها لم تطيق ولا واحدة فيهن، حتى أنها رحلت مبكرًا حتى لا تجلس معهم، لا يعلم لما تفعل هذا لكنه لن يجبرها على أن تحب وتتقبل أحدًا رغمًا عنها
صمتت غادة مجبرة وأشاحت بوجهها الناحية الأخرى فقال عثمان مغيرًا الموضوع :
-طب هما فين دلوقتي يا ناهد المفروض كنتي تخليهم يقعدوا يتغدوا معانا
-قولتلهم كده فعلًا بس قالوا عليهم تسميع قرآن هيجوا بعد ما يخلصوا ومشيوا هما الأربعة وانا مستنية يطلعوا ومحدش طالع فيهم
نادي عثمان على رحمة وطلب منها أن تنادي الفتيات من شقتهم فقال حمزة وهو يتجه ناحية والدته :
-طب والحلويات ارجعها ولا ايه
أسرع كريم وأخذ منه العلب هاتفًا بابتسامة متسعة :
-لا ترجع ايه هات كده انا اتصرف فيهم
-دخلهم المطبخ يا كريم مش تروح تحطهم في أوضتك وتتسلى عليهم بالليل
هتفت بها ناهد بشئ من الصرامة تدرك أن هذه الحلويات لن تبقى وسينهي عليها كريم هو ورحمة بينما الآخر قال حسنًا وهو عازم على تخبئتهم في غرفته حتى يحل الليل ويتناولهم بينما يشاهد مباراياته العزيزة، وما إن مر من جانب غادة حتى قال وهو يدفعها إلى جنب بجسده :
-خدي جنب كده يا غادة هانم
استندت الأخرى على الحائط قبل أن تسقط صائحة بغضب :
-انت حمار يا كريم
-لا يا روحي بني آدم مش حرباية زي ناس
نظرت اليه الأخرى بأعين مشتعلة وكادت أن تشتبك معه في شجار لولا حمزة الذي أتى وامسك بذراعي غادة ساحبًا إياه للخلف وقد قيدها بيديه مشيرًا إلى كريم أن يذهب فقال الآخر :
-طب امسكها كويس لأحسن تعض
رحل سريعًا فقالت غادة صارخة تزامنًا مع إفلات حمزة لها :
-بابا شوف ولادك مفيش إحترام لإني الكبيرة يعني
وقال عثمان بعدم إهتمام يعلم كم يحب حمزة وكريم استفزازها وإغضابها بأي طريقة وهذا لأنها تغضبهما بتصرفاتها المتسلطة وفي النهاية يقول جملته الشهيرة التي يختصر بها الأمر منعًا لصداع ابنته :
-مفيش حد فيكم انتوا التلاتة أتربى
نظر إلى إسماعيل ثم قال :
-خد مراتك جنبك مش عايز اسمع صوتها لباقي اليوم يا إسماعيل والله يعينك بقى
عادت رحمة ووقفت أمام أبيها قائلة :
-محدش في الشقة، تقريبًا مفيش جوا
نظر عثمان ناحية أسماء ومحفوظ فقالت أسماء وهي تخرج هاتفها :
-هيروحوا فين يعني دقيقة أتصل عليهم
رنت على براءة فأتاها الرد بعد ثواني :
-ايه يا باشا عاملة ايه؟
-انتوا فين؟؟
-في البيت
-يا كدابة محدش في الشقة، بتصيعوا فين يا بت منك ليها؟!
-يا عمتي أسماء إحنا نعرف حاجة في البلد دي أصلًا، إحنا قاعدين على البحر تحت
نظرت إليها ناهد مشيرة بأن تطلب منهن أن يأتين فقالت الأخرى :
-ناهد بتقولكم تعالوا علشان تتغدوا
-لا قوليلها شكرًا اتغدينا
-يا بت عيب تعالي
-عمتي والله ما عندي بربع جنية طاقة اطلعلكم الدور التالت قوليلها اتغدوا
-خليكي انتي بالجوع اديني نور
-راحت تشتري غزل البنات يلا سلام بقى علشان الدور عليا أسمِّع
أغلقت براءة الهاتف فنظرت أسماء إلى ناهد رافعة منكبيها بقلة حيلة :
-مش جايين يا ناهد
ضاقت الأخرى وظهر هذا عليها ثم قالت :
-بنات اخواتك دول عنيدين أوي علفكرة مش أول مرة يرفضوا حاجة، هو إحنا أغراب عنهم يعني
-هو انتوا هتجبريهم ما خلاص مش عايزين براحتهم
نظر إسماعيل ناحية غادة بأن تصمت فقالت أسماء يإقتراح :
-هما قاعدين تحت على الكورنيش تنزل تجيبهم يا محفوظ؟؟
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ركضت على الدرج بعدما يئست أن يهبط المصعد، تتمنى أن تصل قبل أن يتم إلتهام الغداء بأكمله ولا يتركوا لها طبقًا أرزٍ حتى، رن هاتفها فكادت أن تتجاهله لولا أنها لمحت رقم سفيان هو من يرن
ابتسمت بإتساع وفتحت الخط ليخترق أذنيها صراخ سفيان الذي جعل ابتسامتها تزداد إتساعًا وهي تسمعه يقول :
-انتي يا بتاعة انتي عملتي في الواد ايه؟؟
-ايه ده هو وصلك الخبر بالسرعة دي؟ ده الموضوع حصل من ساعة بس!؟
-عملتي ايه في عمر يا رقية
كم بدا صوته مخيفًا وهذا المتوقع من سفيان فأعترفت قائلة :
-ولا حاجة اتحرش بيا الناس مسكوه في الشارع عجنوه بس مرضتش اعمله محضر واتنازلت علشان العِشرة بس مش أكتر
اجابها الآخر بجنون وهو يبصر أخيه الغافي فوق الفراش بفعل الأدوية المهدئة وهناك كدمات منتشرة على وجهه :
-اتحرش مين يا بنت ده لما كان عايز يتقدملك قعد يلف حوالين ابويا مش عارف يقوله أنه بيحب واحدة وعايز يتجوزها تقولي انتي بيتحرش بيا؟ انتي بتتكلمي عن عمر!؟
رفعت الأخرى إحدى حاجبيها مستنكرة :
-يعني هو عمر ابن الخطاب ثم حد قاله يمسك إيدي ويهددني بفلاشة الموزة بتاعته دي اهي الناس افتكرته بيتحرش بيا
-وانتي طبعًا مكلفتيش نفسك وقولتي لأ ده مش بيتحرش بيا
-لا انا فضلت ساكتة ورسمت على وشي ملامح الأنثى المنكسرة
نطقت بها وعلى وجهها ابتسامة بلهاء فقال الآخر وهو يصيح بغضب متجهًا خارج غرفة عمر ولم يلاحظ حتى تلك المسكينة حنان التي التصقت بالحائط رعبًا منه ومن صوته :
-بت انا بدأت افقد أعصابي ولولا إنك آخر أمل ليا اني عمر يرجع زي الأول مكنتش لجأتلك أصلًا
اجابته الأخرى بتهكم شديد وربما بعض الحقد عليه :
-ايوه وتفضل مخبيني عنه ولا كأني كنت في حياته، انت عارف يا سفيان اللي حصل لعمر ده كان يوم كتب كتابنا يعني كنت هبقى مراته، إزاى محيتني من حياته من غير ما تفكر فيا وفيه
-متحسسنيش اني الشرير اللي في قصتكم واني قرار تفريقكم عن بعض كنت واخدة لوحدي ابقي اسألي اخواتك وغوري دلوقتي علشان عمر صحي وصبرك عليا يا رقية إما اديتك علقة زي اللي اخدها أخويا بسببك دي مبقاش انا سفيان
أغلق الهاتف في وجهها دون كلمة فنظرت له الأخرى مذهولة :
-مبقتش مستغربة ليه عمر شخصيته اتحولت لواحد شرشوح شوارعي ما أكيد من حضرته نفس قلة الذوق
شردت قليلًا تراجع جملته الأخيرة لتقول بحيرة :
-يعني ايه قرار تفريقكم عن بعض مكنتش واخدة لوحدي وابقي اسألي اخواتك؟
صمتت لبرهة ثم قالت مبهوتة :
-هو يونس ويوسف كانوا يعرفوا اللي حصل لعمر ومحدش فيهم قال حاجة ليا؟!
نظرت إلى الأعلى لتأخذ الدرج في ثواني حتى وصلت إلى شقة عمها التي كانت مفتوحة وقبل أن تبادر بالبحث عن اخويها لشرح ما قاله سفيان هذا حتى اتسعت عينيها مذهولة تبصر عمتها توحيد _المريضة بمرض الزهايمر _
تمسك عائشة وتضمها بطريقة مخيفة وكأنها ابصرت شخصًا كان غائبًا عنها لسنوات والأخرى تستغيث بعمتها أسماء
أما قبل عدة دقائق عندما دلف عثمان ومحفوظ وخلفهما الفتيات مضطرات لهذا فلم يستطعن إحراج عثمان والآن سيتعرضن لإحراج الجلوس مع أشخاص لا يعرفونهم
فما فهمنه من رحمة حين كن يعددن الطعام في الصباح أن الحاضرين عميها الإثنين محمد ومحفوظ وأبنائهم وعمتها وأبنائها لذا سيكونٍ بينهم أربع غريبات والوضع لن يكون مريح البتة
حتى أنهن ترددن في الدخول لتقول نور ما إن وكزتها براءة حتى يتهربن من هذه العزيمة :
-يا أستاذ عثمان والله ما ضروري نتغدوا إحنا لسه
خرجت ناهد ما إن استمعت إلى صوتها لتسحبها معها للداخل رغمًا عنها قائلة :
-ملكمش حق والله قولتوا هتسمعوا قرآن وتيجوا مجتوش ليه
وها هو الإحراج يكتسح وجهها عندما وجدت نفسها أمام هذا التجمع العائلي ورغبة شديدة تدفعها في الهرب من هنا وعدم الدخول، ألتفتت للخلف تنظر إلى بنات أعمامها تزامنًا مع دعوة ناهد للدخول
ليجدن أنفسهن جالسات على إحدى الأرائك بجانب بعضهن لتضع براءة يدها على وجهها تخفيه بينما تنظر إلى عائشة بجانبها هامسة :
-يلا نمشي من هنا انا مش هقدر أقعد مش كفاية أختك جابتنا هنا نساعدوها في الطبيخ وأكيد دلوقتي هيجيبوا سيرة الموضوع
نظرت إليها نور من خلف عائشة واخذة ظهرها بغيظ ثم قالت :
-خلي عندك دم الناس مسكنينكم في عمارتهم وانتي باصة على مساعدة عملتيها
برمت الأخرى شفتيها بتبرم وظلت صامتة إلىٰ أن رأت ابنة عمتهم رحاب تدلف إلى المنزل رفقة زوجها الذي تتذكر شكله نوعًا ما منذ أن حضروا زفافها، وقفت كما البقية حتى ترحب بها ليلفت انتباهها امرأة سمينة تدلف خلفها لتستحضرها ذكرى عن تلك المرأة
أما عن الأخرى فكانت امرأة سمينة بالفعل ولكن ليس كثيرًا، ذات وجه أبيض متورد بشكل طبيعي ولا تظهر تجاعيد على وجهها بسبب امتلاؤه، كانت ملامحها جميلة وما يراها لا يصدق أبدًا ما تعانيه هذه المرأة
فما إن دلفت واخذا عثمان ومحمد ومحفوظ كذلك يرحبان بها فهي اختهم الكبرى "توحيد" ولكنها تجاهلتهم ودلفت فهي لا تتذكرهم على أي حال ولفت انتباهها أربع فتيات يقفن بجانب بعضهن وواحدة منهن استدعت انتباهها
انتقلبت ملامح وجهها من التعجب إلى الاشتياق وانقضت عليها ضاممة إياها بقوة شديدة جعلت الأخرى تكاد تختنق من المفاجأة ومن ضمها لها بهذه الطريقة العنيفة
وتزامنًا مع هذا الحدث العجيب بشدة حيث كان جميع الموجدين يحدقون بصدمة في توحيد التى تضم عائشة لها وكأنها غاليٍ افتقدته ولم تره من زمن، ومع العلم توحيد لم ترى عائشة من قبل ولا حتى باقي الفتيات ولا حتى تعلم من هم بالأساس
زادت الدهشة عند البعض والصدمة عند البعض الآخر عندما قالت توحيد وهي تزيد من ضم عائشة لها :
ازيك يا مرات عمي عاملة ايه؟؟
حاولت شروق ونور سحب عائشة من بين ذراعي الأخرى لتقول شروق مذهولة :
-مرت عم مين؟ دي عندها ١٨ سنة هتبقى مرت عمك ازاي!؟
صاحت عائشة ما إن شعرت أن ذراعيها على وشك التمزق من كثرة سحب نور وشروق لذراعيها :
-عمتي أســمـــــاء
تحركت الأخرى سريعًا إليها عندما آفاقت من هذه الصدمة لتحاول إبعاد توحيد عن عائشة قائلة :
-سيبي البنت يا توحيد دي مش أمي
-لأ هي مرات عمي انا عرفاها
-يا توحيد صلي على النبي امي ميتة بقالها أكتر من ١٥ سنة هتبقى هي إزاى
رددت الأخرى نفس كلامها مصرة على هذا فصاحت عائشة وهي تحاول سحب نفسها من بين ذراعيها :
-يا ست انتي ما قالتلك ميتة بقالها ١٥ سنة دي بقت تراب في القبر، انا بت ولدها علشان كده شبهها
وبصعوبة ابعدوا توحيد عنها بعدما تدخل أبناء توحيد الذكور الثلاثة وأحدهم يكون زوج رحاب والذي قال :
-يا أمي مش هي دي حفيدتها بنت ولدها مش هي والله
نظرت له الأخرى بأعين حائرة بشدة لتقول بصوت منخفض حزين :
-مش هي!؟
هز الآخر رأسه بلا وهو يسحبها معه حتى تجلس بعيدًا عن عائشة التي تبعثر حالها بشدة من شدة سحبهم لا لتقول رقية مقتربة منها وهي مشفقة عليها :
-تعالي يا عائشة عدلي هدومك وخمارك
-لا انا هروّح اوعي
حاولت رحاب تهدئتها والاعتذار عما بدر من حماتها قائلة بصوت منخفض :
-معلش يا عائشة هي مريضة عندما زهايمر فافتكرتك مرات عمها اللي هي جدتك
انتقلت أنظار الفتيات إلى توحيد مشفقين عليها وسرعان ما تحول هذا الإشفاق إلى صدمة عندما قالت الأخرى مشيرة ناحية براءة :
-والبنت دي مش حسين ولد عمي!؟
لم يكن الجميع مصدوم هذه المرة بل كتموا الضحكات فأشارت براءة إلى نفسها وهي تنظر إلى بنات عمها قائلة :
-هي مش عليا صح!؟
أعادت النظر إلى توحيد مرة أخرى هاتفة بتشنج :
-طب معلش سؤال إزاى البنت دي مش حسين ولد عمي؟ بنت وحسين تيجي ازاي!؟
لم تجبها الأخرى بل قالت مشيرة إليها :
-هي البنت دي بتتكلم معايا؟ هي مين دي أصلًا؟؟
-أصلًا!؟
هتفت بها مذهولة فقال يوسف محمحمًا حتى لا يبدو ضاحكًا فالأمر مضحك وبشدة ويبدو أن اليوم بوجود عمته توحيد سيكون مضحكًا أكثر :
-معلش معلش يا براءة هي مريضة
جرت أسماء الفتيات معها إلى المطبخ وجميع الإناث كذالك تراكين الرجال في البهو فقال زوج رحاب متعجبًا :
-خالي عثمان مين البنات دول
-بنات أخوات أسماء مرات خالك بيدرسوا هنا في الكلية فقاعدين في الشقة اللي قدامنا دي بدال السكن ومرمطته وكده
آماء متفهمًا ليجلس بجانب الشباب متسائلًا :
-انتوا ايه الأخبار بقالي أسبوعين وأكتر مش شايفكم
اجابه يونس وهو يهز قدميه بعدم راحة فلا يميل كثيرًا إلى التجمعات العائلية فهي صاخبة وهو لا ينقصه صخب في العمل وفي البيت :
-طبعًا ما انت بتتفسح انت ومراتك، ناس تتفسح وناس طالعة عينها في الشغل وبتلف حوالين نفسها زي تور في ساقية
ضحك كريم متمتمًا بمزاح :
-مش بيربطوا التور في الساقية بيربطوا جاموسة أو بقرة تقريبًا
نظر له الآخر بشرار ليرفع وسادة الاريكة هاممًا بضربه بها فقالت توحيد قاطعة هذا وقد كانت الأنثى الوحيدة الموجودة هنا وهذا لأنها أكبر الموجدين سنًا :
-اتلم يا حيوان عايز تضرب أبوك
جراها كريم في هذا الجنون قائلًا :
-ابن عاق يا عمتي اتفو عليه عمي محمد معرفش يربي، ربى يوسف ونسي يونس ورقية
-عمك محمد مين؟؟
تحدثت بها توحيد متعجبة فقال الآخر مشيرًا إلى محمد الجالس بجانب اخوته :
-اهو عمي محمد اخوكي
-بس محمد مات في حرب أكتوبر، مات شهيد الله يرحمه
ضحك الجميع على قولها فقال محمد وهو يضع كفه على صدره شاكرًا إياها :
-ماشي يا توحيد انا مُت في حرب أكتوبر اللي مكنتش اتولدت أيامها أساسًا وعثمان هرسه قطر زي ما قولتي قبل كده ومحفوظ مات غرقان في البحر عندك كلام تاني
-أنت مين أصلًا؟
قهقه الجميع ولم يكن الجميع يضحك بسعادة فأخوتها وأبنائها يشعرون بالحزن والسوء عليها بسبب المرض الذي تعاني منه هذا، لكن ما باليد حيلة لقد تأقلموا على وضعها لسنوات
وكز حمزة يونس هاتفًا بإهتمام :
-عملت ايه في القضية؟؟
قلب الآخر عينيه بعدم إهتمام :
-بقاله أسبوعين مقتلش حد وده شئ مريب بصراحة اتمنى يكون مات ويريحنا بقى
-لأ مات ايه، مينفعش يموت من غير ما آخد منه أقوال علشان كتاب سفاح إسكندرية اللي هعمله
حدق به يونس بدون تعابير ثم هتف وهو يحاول كتم غيظه :
-كتاب ايه!؟ انا بقول ايه وانت بتقول ايه؟! امشي يلاه من جنبي هي نقصاك انت كمان
تحدث حمزة منفعلًا :
-ايه نقصاك انت كمان دي نسيت التحاليل النفسية اللي كنت بعملهالك من خلال طرق قتله واختياره الضحايا علشان توصل للسفاح
-وهل وصلتله؟؟
-ما انت اللي ظابط فاشل اعملك ايه يعني
حدق به يونس بشر ضاممًا قبضته بشدة وكان على إستعداد تام للكمه وما نجد حمزة هو استماعه لصوت باب غرفته يُفتح ويُغلق فنظر إلى إسماعيل وابن عمته الآخر هاتفًا بتوجس :
-ولادكم فين؟
وقف من مكانه متجهًا إلى غرفته ثم قال :
-عارفين لو دخلوا الأوضة ومسكوا الكتب زي المرة اللي فاتت هرميهم من فوق
فتح الباب سريعًا ليجد آخر ما توقعه موجودًا في غرفته غير الأطفال فقد وجد نور ممسكة بسجادة صلاة وعلى وشك فردها على الأرض لكن ما إن سمعت الباب يُفتح حتى انتفضت فزعة مقدمة له عذرها سريعًا كتلك المرة التي رآها بمنزله جالسة :
-هصلي العصر رحمة قالتلي الأوضة دي مش بيدخلها حد
رمش الآخر عدة مرات لا يفهم إحراج هذه الفتاة المبالغ به وتقديمها للأعذار طوال الوقت حتى قبل أن يطلب من أمامها عذر فهو واضح من سجادة الصلاة هذه ما تفعله في غرفته :
-لما تخلصي خلي رحمة تقفل الأوضة كويس علشان الولاد الصغيرين ميقطعوش كتبي
ختم كلامه مشيرًا إلى كتبه المرتصة على المكتب وفوقه فنظرت إليهم نور كرد فعل طبيعي عندما أشار لتتسع عينيها مذهولة حتى أنها لم تنتبه أن حمزة أغلق الباب وذهب، بينما هي ظلت متجمدة تنظر إلى كم هذه الكتب وكأنها خرجت من أحلامها وتجسدت أمامها
أطلقت صيحة خافتة منبهرة وهي تقترب من هذه الكتب المرتصة بطريقة أنيقة دليلًا على أن من قام برصها هكذا يعشق النظام، دارت بأعينها تقرأ عنوان الكتب لتلاحظ وجود الكثير من الكتاب العربية والأجنبية المترجمة وحتى كتب لكتّاب لم تسمع عنهم
اخفضت عينيها للكتب الموضوعة على المكتب لتجد أنهم جميعًا لكاتب واحد وهو ذلك الكتاب الذي لم تستطع شراء كتاب له رغم متابعتها لصفحته على موقع التواصل الإجتماعي ومتابعة كل قصة ينزلها
-ضجر الأثرياء لكتاب الظل
همست بها وهي ترفع الكتاب أمام ناظريها، كم تمنت أن تشتري كتاب ورقي لكن والدتها كانت تمنع هذا بتاتًا كما قالت
لقد قرأت الكثير من الكتب الموجودة هذه لكن إلكترونيًا، وكم تمنت أن تقرأها ككتب ولكن ظلت في بالها أمنيات، وضعت الكتاب مكانه متمتمة بخفوت :
-عقبالي يارب ما يبقى عندي كتب زي دي حتى لو نصهم بس مش هعترض
أمسكت سجادة الصلاة حتى تفردها لتشهق مذهولة ترى أن خلف الباب هناك مكتبة كاملة لم تراها فقالت منبهرة :
-دي كلها كتب!؟ انا لو قولتله يسلفني كام كتاب وارجعهم تاني مش هيبقى عيب صح
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
حرك قدميه بشكل سريع ينفث بها عن غضبه بسبب ما حدث اليوم والذي لا يتذكر منه سوى الضرب الذي تعرض له بسبب تلك الصحافية الحمقاء التي تدعى رقية
لقد قال له أخاه أنه أتى به من المشفى بعد أن فقد وعيه وكاد أن يُسجل له محضر تحرش، لم يخبره ماذا حدث رغم محاولته هو وجدته في فهم ماذا فعل ليقوم الناس بضربه في الشارع اكتفى فقط بإلقاء السباب دون توقف على رقية
امسك بهاتفه والذي كسر جزء من شاشته أثناء المشاجرة، صبرًا فقط سوف تدفع تلك الحمقاء ثمن كل هذا، وثمن مماطلتها المزعجة في إعادة الفلاشة له
فتح تطبيق الرسائل وأرسل إليها من إن وجد أنها متصلة بالإنترنت
"تاخدي كام وتجيبي الفلاشة"
"نسخة من الموجود فيها"
فكر عمر قليلًا ثم أرسل
"تمام بكرة أشوفك في مطعم موجود في ميامي على البحر في إسكندر إبراهيم"
"تمام هاجي الساعة تسعة كده بس تعزمني على الفطار"
"وماله أحلى فطار"
حدقت رقية بريبة في الرسالة ولم ترتح أبدًا لها فأرسلت
"مش مطمنالك علفكرة "
ابتسم الآخر بشر متوعدًا لها ليكتب عكس ما ينتويه ليها
"متجيش لو خايفة غوري بقى"
أغلق الهاتف وتركه متمتمًا بفحيح :
-صبرك عليا إما رديت عملتك دي وجبتك أمن الدولة بنفسهم مبقاش انا عمر فياض
أما رقية تشنج وجهها بتهكم تقرأ الرسالة مرة واثنين وثلاثة :
-كان نفسي اقولك غارة تشلك بس متهونش عليا كفاية العلقة اللي اخدتها النهاردة
انتبهت إلى صوت زوجة عمها عندما هتفت مازحة محادثة الفتيات الموجدات :
-مين فيكم هتغسل المواعين
وقفت رحاب من مكانها متحججة :
-انا سامعة صوت تالا بتعيط مع ابوها
تبعتها غادة متحججة بنفس الحجة :
-وانا سامعة صوت لؤي بينادي من الحمام
تبع هذا قفز رحمة راكضة لغرفتها :
-ده انا نسيت إني عليا امتحان بكرة
لوت أسماء شفتيها بتهكم :
-شوف العيال ده كله علشان شوية مواعين
حمحمت براءة نافية هذه الأمر بينما تكتم ضحكتها :
-انا بشفق على اللي هتغسل المواعين مستنيها هم ما يتلم
دلفت ناهد إلى غرفة رحمة حيث اختلت هناك لتجرها رغمًا عنها ناحية المطبخ بينما الأخرى تصيح متذمرة :
-يا ماما انا روحت معاكي الصبح وجبنا الطلبات وساعدتك انتي والبنات في الأكل ما تقولي لبنتك اللي فاكرة نفسها ضيفة ومرفعتش قشة من وقت ما جات
وكان صوت رحمة المتذمر هذا مرتفعًا بشدة ووصل الرجال في البهو وأيضًا غادة الجالسة بجانب والدها فنظرت إليه ذاممة شفتيها :
-سامع بنتك يا بابا
ضحك كريم مستهزًا ثم قال :
-انتي فاكرة ابوكي هيقوم على رحمة علشانك انتي؟! لا يا ماما انسي دي رحمة قلب ابوها آخر العنقود يعني يولع في البيت لو حد زعلها بس
حدج عثمان ابنه بغضب حتى يصمت ويكفي شحنًا في غادة لينظر إليها هاتفًا بجدية :
-قومي يا غادة ساعديهم في المطبخ انتي لا ضيفة ولا غريبة أمك واختك تعبوا أوي النهاردة وأمك ايدها متعورة حتى الغرب ساعدوها، قومي بقى
وقفت الأخرى رغمًا عنها تتأفأف لتجر رحاب ابنة عمها معها :
-مش هقوم أغسل لوحدي قومي انتي كمان
لم تدع لها فرصة للإعتراض وجرتها معها فقال كريم مواسيًا رحاب بصوت مرتفع :
-معلش يا رحاب حكم ظالم وافترى على الغلابة
ضحك ناظرًا إلى أخيه الذي بدا شاردًا بشكل غريب فوكزه قائلًا :
-فيه ايه يا حمزة متنح كده ليه!؟
نظر إليه الآخر ثم همس بعدم إدراك :
-الكتاب معاها
-كتاب ايه؟ ومين دي!؟
قفز حمزة من مكانه ما إن وجد رحمة مرت من أمامه ليجرها هامسًا بشر :
-انتي حطيتي كتابي جوا شنطتها
والأخرى أصابها الخوف من هذه النبرة وما إن سمعت كلمة كتاب حاولت تذكر آخر مرة مست كتبه لتقول بتلقائية :
-والله ما مسكت كتبك ولا قربت منها
-يا حيوانة الكتاب وقع مني في العربية وانتي قلبت شنطتها ولمتيها تاني وأكيد حطيتي كتابي معاهم
فهمت رحمة الآن ما يرمي له لتنظر إلى نور التي كانت تجلس وتضم حقيبتها إلى صدرها في حركة معتادة منها لتقول مذهولة :
-احيه يعني كتابك جوا شنطتها!؟
-ايوه جوا شنطتها روحي هاتيه منها
نطق بها بصرامة فقالت الأخرى فزعة :
-أروح اقولها ايه؟ فتحت شنطتك واتقلبت مني فعبتها تاني وحطيت كتاب اخويا معاهم!؟ لا يا حبيبي اعفيني وربنا يعوض عليك في كتابك
أفلتت منه بسرعة وركضت تلحقها نظرات حمزة التي تملأها الغضب فقال يونس ضاحكًا والذي سمع الأمر كله لجلوسه بجانب حمزة :
-اوعي عقلك يلسع وتروح تقولها عايز كتابي بلاش تحرج البنت واشتري كتاب غيره
زفر حمزة كاتمًا غيظه، متوعدًا لرحمة :
-ماشي يا رحمة الكلب هعلقك بس تمشي الناس دي، الكتاب لسه جديد ومخلصتوش قراية
مرت شروق من أمامهم لتضع بعض النفايات داخل السلة الموجودة في البهو لتنظر إلى يوسف معتقدة أنه يونس، متسائلة :
-لقيت شنطتي صح؟!
حدق بها يوسف متعجبًا بينما اجابها يونس بإقتضاب :
-لأ
حل الاحباط الشديد على وجه الأخرى بينما قال محفوظ متسفهمًا :
-انتي شنطتك اتسرقت ولا ايه؟؟
-ايوه اتسرقت الصبح وفيها فلوس وبطاقتي وكارنية الجامعة اللي مش عارفة هدخل ازاي بكرة من غيره، ولولا اني كنت مساكة التليفون في ايدي كان اتسرق هو كمان
كانت وكأنها على وشك البكاء فقال محفوظ ناظرًا إلى ابن أخيه بعدما شعر بالشفقة كثيرًا على شروق :
-حاول تلاقيها يا يونس مش انت ظابط
ضرب الآخر كف على الآخر هاتفًا :
-هو انا أتعينت في قسم المسروقات وانا مش عارف ما كفاية اللي قرفاني بقالها أسبوع بشنطها والحمد لله غارت من وشي ولقناها
اتسعت عيني شروق مرددة :
-لقيت شنطة الست أم سبعين ألف جنية وانا لأ؟! طبعًا ما عندها واسطة واللي زيي يخبط راسه في الحيط
ضغط يونس على شفته السفلى يمنع سبة نابية ليقول رافعًا ضغط الأخرى :
-طب تصدقي وتآمني بالله انا لو لقيت الحرامي اللي سرقت شنطتك ده هقوله حلال عليك مش عايزها علشان انتي واحدة لسانها طويل
ألقت له نظرة متهكمة ثم سحبت نفسها وهمت بالعودة إلى الفتيات لكن استوقفها صوت محمد مطيبًا بخاطرها :
-متضايقيش كده وفكي ده بيهزر وهيرجعالك
-لا مش بهزر
هتف بها يونس بدون ملامح فوكزه يوسف حتى يصمت ويكف مضايقة في الفتاة بينما قال لؤي واقفًا بجانب شروق :
-بقولك ايه يا شروق بما إنك تعرفي نور أكتر مني هي ناوية تعمل إمتحانات من يوم الأحد الجاي ومتوعدة لينا ففي رأيك كده الإمتحانات بتاعتها هتبقى شديدة
-هتسقطوا كلكم
هتفت بها برد بسيط بشدة جعل الآخر ينتفض مذهولًا :
-لا يا شيخة حرام عليكي متفوليش ده نور طيبة صح
اقتربت منهم براءة واستداعها اسم نور فقالت متعجبة :
-جايبين في سيرة البت ليه؟؟
قالت رحمة والتي استمعت إلى ما قيل فهي أيضًا ستمر بإختبارات نور المفاجِئة هذه :
-شروق بتقول أني المس نور لما تحط إمتحانات هنسقط كلنا
-لأ مش لدرجة كلكم يعني هي امتحاناتها شديدة فعلًا بتجيب اسئلة من وسط السطور والدحيح فيكم ابن أبوه اللي مذاكر إحتمال ينقص اتنين تلاتة
وكزتها شروق مصححة لها :
-بيقول متوعدة ليهم
أعادت نظرها إلى لؤي ورحمة مكملة :
-هي قالت ايه بالظبط علشان تفرق؟
-قالت وهي شبه متعصبة كده من يوم الأحد هبدأ إمتحانات ووروني لو حد فيكم قفل
هتف بها لؤي مقلدًا نور فيما قالت فأجابته براءة ببساطة :
-طالما قالت كده يبقى محدش فيكم مقفل خالص، هي عنيدة وراسها ناشفة لو قالت هتعملها
مدت رحمة شفتيها للأمام هاتفة بنبرة تشبه البكاء :
-انا هسقط على كده مش بحب الدراسات
مد كريم رأسه ينظر إلى نور على الناحية الأخرى قائلًا :
-والله ما يبانش عليها إنها كائن مفتري شكلها هادي كيوت كده
اجابتها شروق نافية هذا تمامًا :
-لا كيوت متتجمعش مع نور في كل الحالات هي هادية فعلًا ومتحبش المشاكل غير بالعكس لو فيه مشكلة حاصلة هي العنصر اللي بيهدي بس دايمًا بيقول اتقوا شر الحليم إذا غضب
نظرت إلى رحمة ولؤي محذرة إياهم بطريقة مضحكة :
-دي بالذات لو اتعصبت بيركبها شيطان ومش بتعرف هي بتعمل ايه لو فقدت اعصابها، دي مرة فتحت راس أيمن ولد عمنا واحنا صغيرين
ربتت براءة على كتف رحمة ضاحكة :
-ربنا يعينكم عليها حاولوا متعصبوهاش مع اني عارفة هيحصل العكس علشان هي من النوع قليل الصبر اللي مش بيطيق دوشة العيال
عادت شروق وبراءة إلى النساء بينما قال كريم مصرًا على رأيه :
-مش عارف والله حاسس إنها مش من النوع اللي بيتكلموا عنه ده شكلها كيوت أوي يا جدعان
نظرا لؤي ورحمة إلى بعضهما لتقول رحمة بيأس :
-يعني كده إحنا ساقطين؟
-شكلها كده والله
-يا عم اللي جاب بنت خالك دي ما كنا قاعدين من غير مدرس والحياة فل ووردي
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الثالث عشر 13 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
قبل البدأ فيه فيه البعض اتلخبط من كثرة الشخصيات مع اني مش شايفة انهم كتير اوي يعني بالعكس دول مرتبطين مع بعض فهشرح بشكل مختصر الترابط بين كل شخصية والتانية بحيث لو حد اتلخبط يرجع للنقطة دي تاني
نبدأ بنور أو نورهان والاتنين نفس الشخص علفكرة، واللي بدأنا بيها الرواية
نور صعيدية سافرت إسكندرية علشان تشتغل مُدرسة بعد ما ناهد "والدة حمزة وكريم" جابت ليها الوظيفة دي، ونور ساكنة مع بنات عمها في عمارة عثمان ومحمد في منطقة ميامي في إسكندرية
براءة بنت عم نور وهي موجودة في إسكندرية علشان تكليف التمريض اللي نقلها إسكندرية لسبب هنعرفه في الأحداث وهي حاليًا شغالة تحت تدريب يوسف
شروق اخت براءة وبنت عم نور موجودة في إسكندرية علشان هي بتدرس في كلية علم النفس
عائشة اخت نور وبنت عم براءة وشروق ونفس الأمر موجودة في إسكندرية علشان بتدرس في كلية صيدلة
أسماء ودي عمة البنات هما الأربعة وزوجة محفوظ اللي هو يبقى اخ عثمان ومحمد يعني هو عم حمزة وكريم ويوسف ويونس
حمزة ابن عثمان وده كاتب الظل زي ما ظهر في الأول بالإضافة إلى ده هو محامي وهيمسك قضية نور اللي هي بتظهر منها مقتطفات مستقبلة كل أربع فصول تقريبًا يعني أحداث الرواية بتحصل في الماضي، والمقتطفات دي لسه محصلتش يعني اللي بيحكي الرواية حاليًا ذكريات في عقل نور
كريم اخ حمزة وابن عثمان التاني، في آخر سنة في كلية صيدلة وله دور مهم في الرواية وواحدة من الأفكار الهادفة بتتكلم عنه
يوسف ابن محمد وابن عم كريم وحمزة وده الدكتور المسؤول عن تدريب براءة
يونس توأم يوسف وابن عم كريم وحمزة وده الظابط المسؤول عن قضية السفاح
غادة واسماعيل غادة تبقى أخت حمزة وكريم الكبيرة، بينما إسماعيل ابن عمهم من جهة وابن عمة البنات الأربعة من الجهة التانية، الثنائي ده لهم دور هادف في الرواية من حيث علاقتهم المعقدة ويمكن دورهم ميظهرش في البداية دلوقتي
رقية أخت يوسف ويونس صحافية وهي صاحبة أول خبر في أي مصيبة بتحصل
هاجر ودي غنية عن التعريف لأني عرفتها في نص فصل كامل ودي له دور مهم في الرواية بس ملهاش أي قرابة بالباقي غير إنها هتبقى مُدرسة في نفس المدرسة اللي بتشتغل فيها نور
عمر الهاكر اللي بيفضح الناس بمعنى أدق ومشكلته ودوره هنعرفه في الأحداث وطبعًا مفهومة علاقته هو ورقية
سفيان اخ عمر ده لسه دوره مظهرش مجرد اسمه بس بيتذكر بس له دور كبير في الرواية لاحقًا
السفاح ده بقى لغز الرواية اللي محدش هيعرفه علشان هخالف التوقعات كالعادة😂
شرحت تقريبًا كل اللي ظهروا معانا في الرواية، هما كتير حبة ولسه كام شخص هيظهر بس وعد كل الشخصيات دي هتحفظوها وهتبقوا معاهم كأنكم جزء من عيلتهم 👀❤️
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
توقف بالسيارة أمام ذلك المقهى الذي يخفيها عنه ليبصرها من خلف الزجاج تقف رفقة بعض الأصدقاء المزيفين كما يسميهم وما جذب انتباهه وتعلقت عينيه عليه هو التصاقها بذلك الرجل الذي فضلته عليه تبتسم وتضحك، ليس وكأنها قامت بنبذه منذ أيام فقط
خرج من السيارة ووقف مستندًا عليها وعينيه لم تزاح من على عايدة وخطيبها الجديد، ما يؤلمه حقًا ويؤلم رجولته أنها تركته دون معرفته ودون تقديم أي سبب حتى
مهلًا السبب أمام عينيه الآن تركته وذهبت لذلك الأخرق من أجل ماله ومال والده، أنه عريس لقطة كما يقولون فهذا الشاب والده يمتلك واحدة من أشهر سلسلة متاجر ذهب في مدينة إسكندرية بأكملها
وعايدة مثلها مثل ذويها من بني آدم اغرتها الأموال فتركته وذهبت لصاحب الأموال
شعر بسيارة تقف خلفها وصوت أخيه وابن عمه يناديان عليه وهو لم يلتفت ولم يزح عينيه من عليهما يريد أن يضغط على قلبه ويشحن عقله بهذا المشهد، لأنها إن عادت مرة أخرى وهذا أمر يشكك فيه سيستذكر حينها ضربتها المؤلمة لرجولته
وضع يوسف يده على كتفه من الخلف ورأي عايدة من خلف الزجاج ولكنه لم يبالي بل قال مقويًا إياه :
-متستحقش يا يونس حتى نظرتك دي خليها تروح لحالها كويس إنها عملت كده قبل ما تدخل حياتك أكتر
تحدث حمزة يحدق في عايدة من خلف الزجاج بملامح مشمئزة اختلطت بالدهشة :
-متخيلتش إنها تطلع واطية أوي كده، هو الفقر مش عيب آه بس احنا مش فقراء فسابتك ليه
اجابه يونس بنبرة جامدة وملامحه لا تقصه السيف :
-هو كده البنى آدم الطماع لما يشوف طريق للفلوس بيبقى زي الكلب اللي بيريل لأي جزار على عضمة زيادة
استدار لهما نازعًا عينيه من عليهما يتمنى أن تكون المرة الأخيرة التي يرى بها هذه الأوجه القبيحة :
-يلا يا يوسف قصتها معايا خلصت لحد كده خليها تروح لحال سبيلها يمكن الفلوس فعلًا تشترليها السعادة الفانية اللي حواليها دي
آفاق يونس من موجة الذكريات هذه على صوت شقيقه دلفًا إلى الشرفة التي يجلس بها وشعره ينقط ماءً دليلًا على أنه لتوه خرج من الحمام، يرتدي ملابس خفيفة لا تناسب هذه الأجواء الباردة ابدًا فهم في منتصف شهر نوفمبر وهذا الشهر شديد البرودة
وإضافةً إلى هذا هم يسكنون أمام البحر أي حيث البرودة كلها والساعة الآن العاشرة مساءً والجو يجعل العظام ترتعد داخل الأجساد من شدة البرودة في هذه الساعة :
-بالله عليك ايه اللي انت مهببة ده، مناعتك ضعيفة وهتاخد برد
لم يهتم الآخر بما قال بل سحب مقعد وجلس أمامه هاتفًا بجدية جعلت يونس يستدير له في انتباه :
-فيه ايه بقى اليومين دول انت واختك انا عايز أفهم؟؟
-فيه ايه؟ مالها رقية!؟
-مش عارف سرحانة بشكل غريب، بتخرج في أوقات مختلفة وغريبة حتى بالليل وده مش عاجبني بصراحة
رفع الآخر منكبيه مرددًا بهدوء :
-ما هي دي رقية شغلها بيخليها تتنطط في كل حتة بس انا وانت عارفين إنها مش بتعمل حاجة غلط وهي عارفة اننا حاطين فيها ثقة وهي مش هتكسرها أبدًا يا يوسف، دي روكا تربية ايدينا، بنتنا الصغيرة
مسح يوسف وجهه والندم لمع في عينيه :
-حاسس إني الموضوع اللي شاغل بال رقية هو عمر هتقولي ليه هقولك شوفت صورتهم هما الاتنين مع ماما وقالت إنها لقيتها بين هدومها
-عمر
نطق بها يونس بملامح غير مفسرة فقال يوسف بصوت يملأه الندم ولوم الذات :
-انا كل ما يعدي يوم وراء التاني وابص لرقية بنّدم أكتر اننا فرقناها عن عمر من غير ما نقولها على الحقيقة الكاملة مستغلين إنها كانت صغيرة أقل من ١٩ سنة والتأثير عليها سهل، خاصةً إنها يةبتصدق أي حاجة مننا وعارفة إننا مش بنكدب عليها في حاجة أبدًا
طرق يونس بأصابعه على سور الشرفة مستمعًا إلى يوسف وهو يكمل :
-واجعني أوي لحد دلوقتي كسرة فرحتها يوم كتب كتابها، آه اللي حصل كان مش بإيد اي حد بس اتكسر بفرحتها واللي حصل بعدها وفقدان عمر لبعض ذكرياته اهمهم رقية، وده اللي خبيناه عليها وقلنا ليها بس اني عمر دخل في حالة اكتئاب وسافر ومش عايز يكمل، هو ده اللي كسر قلبها يا يونس ولحد دلوقتي لسه قلبها واجعها
-أحيانًا بناخد قرارات صعبة بس تبقى هي الصح
هتف بها الآخر بنبرة هادئة مبهمة فقال يوسف متهكمًا لا يعجبه هذا ولا يعلم لما وافق عليه من البداية وترك شقيقته في حالة من الإنطفاء :
-ايه الصح معلش؟ لو كان قولنا ليها
قاطعه يونس بصوت حاد حاول جعله مخفض قدر المستطاع حتى لا يسمعه أحد خاصةً رقية رغم كونها غافية في هذا الوقت :
-لو كنا قولنا ليها إنك اتمحيتي من ذكريات عمر بسبب الصدمة النفسية الشديدة اللي حصلتله يومها كان ايه هيحصل؟ هتفضل معاه لحد ما يفتكرها مثلًا!؟ هتفضل قد ايه؟ انت تعرف اني عمر لحد دلوقتي مش فاكر رقية ولا موجودة في ذكرياته، فات أربع سنين على الموضوع، اختك هتقعد مع واحد أربع سنين تحاول تخليه يفتكرها، انت متخيل كم الألم النفسي اللي هتعيش فيه أختك لسنين مع واحد مش فاكرها؟؟
صمت قليلًا يلتقط أنفاسه، ينظر إلى شقيقه بعينين حزينتين مغلفتان بالقوة :
-انا برضو زعلان على رقية بس كان ده الحل الأفضل اني كل واحد يروح لحاله وكويس اوي اني متكتبش الكتاب يومها وإلا كانت هتتربط به طول حياتها، كده أحسن يا يوسف، كله وافق على ده سفيان وجدة عمر وابوك وأمك حتى انت، وكله نسي الموضوع أصلًا
هز الآخر رأسه ناظرًا بعيدًا ناحية البحر المظلم، متمتمًا بخفوت :
-لو كانت نسيته مكنتش هتحتفظ بصورته بين هدومها
نقل نظره من البحر إلى يونس مغيرًا الموضوع :
-طب وانت؟
-انا ايه!؟
-اي اللي مغير مزاجك ومعصبك طول الوقت وكأنك بتتلكك علشان تضرب أي حد معدي من قدامك حتى العسكري اللي بيقف قدام مكتبك بيقول إنك عصبي جدًا على الكل
رفع الآخر منكبيه هاتفًا بعدم اكتراث مصطنع :
-ولا حاجة دي القضية بس
-مش عليا يا يونس إحنا أخوات وتوأم فيه حاجة مغيراك من فترة وانا واخد بالي من كده، استنيتك تتكلم بس متكلمتش فجيتلك انا
-ولا حاجة يا يوسف قولتلك القضية يا جدع
بدا الكذب واضحًا عليه، يستطيع كشف هذا بسهولة فلا يفهم يونس شخص أكثر من يوسف، رغم أن شخصية كلاهما واهتماماتهم مختلفة إلىٰ أنهما يفهمان بعضهما بسهولة
سأله يوسف حاجزًا إياه في النقطة التي يريدها :
-مين البنت صاحبة الشنطة اللي قرفاك بقالها أسبوع دي!؟
انقلبت ملامح الآخر بشكل ملحوظ ليخرج من جيبه علبة التبغ خاصته مخرجًا منها سجارة وقد وضعها بين شفتيه مشعلًا إياه، وكل هذا بهدوء مخيف ويوسف يتابعه وعلم أنه على وشك البوح له لما يورقه منذ أيام :
-قابلت عايدة
كلمتين جعلت يوسف يدرك كل شئ ورغم هذا هتف بهدوء يحسد عليه :
-وبعدين؟ هزأتها؟!
ضحك الآخر ساخرًا ثم قال بنبرة وطريقة جعلت يوسف يتعجب بشدة :
-أهزأها؟ ده عند أمها، أصل لو هزأتها يبقى بعاتبها، وعلى رأي حمزة إن عاد لي معاتبًا حتى ولو بالصراخ فهو يحبني وانا مسحتها من حياتي بأستيكة وأستيكة جديدة كمان علشان متسبش أثر في حياتي
قهقه يوسف بصوت مرتفع حتى أنه لم يتمالك نفسه ليقول من بين أنفاسه المسلوبة من الضحك :
-انا متوقعتهاش بصراحة
رفع الآخر حاجبه ساخرًا :
-ليه توقعت أخدها بالأحضان وأجواء عودة الحبيبة بعد طريقها الخاطئ وأجواء كتب حمزة
-يا ابني مال حمزة وكتبه بالموضوع دلوقتي
-مش عارف بقى أجواء الرومانسيات دي بتجذع نفسيتي واقفل موضوع بت فلطح باشا اللي جريت على الفلوس دي بتخليني عايز أستفرغ
ظل يوسف يضحك إلىٰ أن سعل فقطب يونس جبينه هاتفًا بضيق :
-أهو ده اللي انا كنت خايف منه، أخدت برد غور بقى جوا وخد دواء
اتسعت أعين الآخر من هذه الوقاحة قائلًا :
-ايه قلة الأدب دي!؟ علفكرة انا الكبير مش انت
-بس بس يا بابا كبير على نفسك انا خبرة أكتر منك انت بتاخد على قفاك من طيبتك الزيادة دي
أشار يوسف إلى نفسه فارغ الفاه :
-انا باخد على قفايا!؟ مش معنى اني طبعي هادي ومحترم مش زيك بتتعامل مع مجرمين وشخط ونتر وزعيق يبقى انا باخد على قفايا
عاد يسعل مرة أخرى فقال يونس ناترًا به فهذه هي عادته إن أحب شخصًا أو خاف عليه يتعامل بمثل هذه الطريقة، يستفزه، يضايقه، يخرجه عن اعصابه، لا طريقة لتعبر عن الإهتمام والحب لديه غير هذه وكما يقول المثل "اللي يحبك ينكشك"
-يا عم ادخل اتخمد وخد دواء قطعت قلبي وانا قاعد
ضحك يوسف ودخل غير مبالي ثم قال :
-يا ابني انا بكح من السجاير بتاعتك دي اطفيها وقوم نام يمكن السفاح بتاعك يطلع لسه حي ويقتلك حد بكرة
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
لم يكن عليها التأخر الي هذه الساعة فقد قاربت على العاشرة مساءً، اتجهت إلى شقتها بخطى سريعة ولكن ألتقطت أذنها صوت تأوهات قادمة من الشقة التي أمامها جعلتها تتوقف
هذه ليست المرة الأولى التي تسمع بها تأوهات تصدح من هذه الشقة التي يسكنها شاب وحيد غامض الهيئة، لم تبصر من قبل وجهه ففي العادة عندما تقابله على الدرج أو أمام الشقة يكون متخفيًا أسفل قبعته ذات اللسان الطويل
وهذه المرة كان الباب مواربًا فاقتربت ببطء خشيةً أن يكون ذلك الشاب لديه مرض مزمن أو ما شابه ولا يجد من يساعده أو يسعفه
اطلت برأسها من الباب لكنها لم تجد أحدًا في الصالة، نظرت إلى الدرج من الأعلى والأسفل بتردد، لا يصح أن تدلف إلى بيت شاب بمفرده وهي فتاة ولكن صوت التأوهات مرتفعة يبدو حقًا أنه بحاجة إلى مساعدة
عزمت أمرها ودلفت بعدما طرقت بخفة منادية بصوتها الخافت الرقيق :
-يا... كابتن.... هو حضرتك كويس؟ عايز مساعدة؟!
اتجهت ببطء ناحية الغرفة التي تصدح منها الأصوات وقبل أن تضع يدها على المقبض استمعت إلى صرخة قوية وكأن أحدهم سقط من بناية مرتفعة، وهذه الصرخة جعلتها بدورها تشهق منتفضة للخلف تزامنًا مع فتح الباب بعنف
توقفت تحدق في هذا الشاب ذو الطول الفارع عريض المنكبين يحدق بها بأعين سوداء غاضبة لتطلق صرخة مرتفعة ترى في يده سكين غارقة بالدماء
صاح بها الآخر بأن تصمت رافعًا السكين عليها :
-اخرسي، انتي مين؟ وبتعملي ايه هنا؟!
حاولت أن تفتح فمها بكلمة لكنه كان معقود برعب من منظر السكين هذا والذي بالطبع كان يقتل به أحدهم بالداخل :
-انت.... قتال قتلة.... أنت قتلت مين
-وانتي مالك انتي، بتعملي ايه هنا أصلًا
-انا انا ساكنة في الشقة اللي قدامك وسمعت صوت حد بيتوجع ودي مش اول مرة فدخلت اشوف فيه ايه
حك جانب فمه بابهامه الملوث بالدماء هاتفًا بسخرية بعدما علم بهويتها فهو يعلم جميع قاطني هذه البناية :
-انتي بقى لوزة العيوطة، طب يا لوزة محدش قالك اني دخول بيت غريب بيبقى بإستئذان غير كده بتبقى قلة أدب وقلة رباية
افرغت الأخرى فمها وتوقفت مسامعها عند ذلك الاسم المضحك الذي لا يعود إليها بالطبع :
-مين لوزة انا اسمي هاجر
-لأ لوزة علشان انتي عيوطة وكل ليلة قرفاني ومصدعاني بعياطك وأي واحدة عيوطة بيبقى إسمها لوزة
استدار حتى يغلق باب الغرفة التي خرج منها مكملًا حديثه :
-ودلوقتي نشوف حكاية انك دخلتي بيتي من غير
في ثانية ونصف كانت تهرول خارج حدود شقته متجهة إلى شقتها لتفتحها بسرعة جنونية مغلقة على نفسها من الداخل، كانت أصوات انفاسها مرتفعة عندما أخرجت هاتفها بسرعة حتى تبلغ عن هذا المختل الذي قتل أحدهم للتو
صرخت برعب عندما وجدته أمامها قادمًا من ناحية الشرفة هاتفًا بلوم :
-انتي قليلة ذوق علفكرة هما اهلك علموكي لما حد يكلمك تسيبيه وتمشي كده!؟
عادت للخلف مرتعبة إلى أن اصطدم ظهرها بباب الشقة وقبل أن تصرخ مستنجدة بأحدهم كان سكينه يصطدم بجانب رأسها تمامًا ولو كان أخطأ الهدف لأتى في منتصف جبينها :
-هتتكلمي هجيبه في رقبتك وبدال ما ابقى قتلت واحد بس الليلة ابقى قتلت اتنين
وضعت يديها على فمها تكتمه فور أن هتف بهذه الجملة التحذيرية ليقترب منها ساحبًا سكينه محدقًا في عينيها البنية الدامعة بأخرى ساخرة بشدة :
-مش بقولك عيوطة اديكي بتعيطي اهو اومال لو عدت السكينة من جنب رقبتك كنت هتبربري
حسنًا لقد ضغط على الزر الأخضر إذ انفجرت في بكاء شديد هاتفة برجاء :
-متقتلنيش بالله عليك هتستفاد ايه لما تقتلني، انا معملتش حاجة ده انا دخلت بيتك بنية اني اساعدك والله
-اممم ولسه النية دي قاعدة موجودة اصل بصراحة محتاج مساعدة
عقدت حاجبيها بتعجب فأكمل الآخر بجدية شديدة :
-بتعرفي تعملي كبدة؟
افرغت هاجر فمها بطريقة بلهاء وقد شعرت أن اذنيها بهما عطل أو ما شابه لذا سألته قائلة :
-قولت ايه!؟
-آه جينا لشغل الاستهبال، بتعرفي تعملي كبدة ولا تونسي جثة مغاوري اللي جوا دي
هزت رأسها بخوف لا تفهم لما قاتل مثله قد يطلب طلب مثل هذا لا يطلبه إلا الزوج لزوجته إذا اشتاق لطعام معين، ابتسم لها الآخر متجهًا إلى الشرفة فشرفة صالتها تلتصق بشرفة صالتها، الشقتين نفس التصميم على أي حال :
-حلو هاروح اجيبلك كبدة مغاوري تشوحيها بقى مع بصلة
-مغاوري مين؟؟
استدار لها مجيبًا ببساطة شديدة أصابت الأخرى بذبحة صدرية :
-الراجل اللي لسه قاتله الكبدة بتاعته لسه طازة
اتسعت عينيها برعب واضعة يدها على صدرها تشعر بدقات قلبها ستتوقف عما قريب فلم تمر قبلًا بموقف كهذا فهي طوال حياتها، لا تهوى المشاكل وتبتعد عنها حتى ولو كانت المشكلة تخصها، وهذا ما جعل شخصيتها مترددة ضعيفة :
-انت.... عايزني اعمل.... اعمل كبدة... بنـ بني
لم تكمل حديثها إلا وسقطت مغشيًا عليها لتخيلها للمنظر الذي لن يسر أحدًا قد يراه، بالله هي تصاب بذعر إن رأت أحدهم يذبح دجاجة أمامها فكيف لذلك المختل أن يعطيها عضو من بشري مثلهم من أجل أن تطهوها
حدق بها ببرود شديد ليقلب عينيه بضجر :
-اي البت دي هو لسه فيه بنات نواعم كده افتركتهم انقرضوا من أيام سعاد حسني
اقترب منها رافعًا جسدها من على الأرض ثم ألقى به على الاريكة بعدم إهتمام لجسدها الهش الطري ثم اتجه إلى الشرفة حتى يعود لشقته يكمل ما كان يفعل :
-اتخمدي على الأقل هعرف انام من غير ما اسمع عياطك زي كل ليلة
قفز من الشرفة بعدما تأكد أن لا أحد موجود ففي هذه الساعة من الليل في هذا الشتاء يكون الجميع نيام، عاد إلى شقته ليعود لتلك الغرفة واضعًا السكين على طبق به بعض البنجر فقد ظنت تلك الحمقاء أن السكين بها دماء
وهذا لأن لون الدماء قريب بشدة من لون البنجر ولأن الأجواء مظلمة في الخارج لم تفرق بين اللون الأحمر والوردي الغامق فنظنت أنه يقتل أحدًا بالداخل
وقد ساعدت أصوات التأوهات والصرخات التي تصدح من حاسوبه المحمول في تأكيد شكوكها، وهو لم يبرر أي شئ بل أكد الأمر ولا يدري لما
أغلق الحاسوب الذي كان مفتوحًا على ذلك الفيديو الذي نشره السفاح قبل أن يلقي بذلك الفتى من فوق البناية، هو يعمل على قضيته هذه منذ أسبوع تقريبًا بعدما عجزت الشرطة عن إيجاده فأستعانوا بمن هم أعلى من الشرطة العادية
وانتقل إلى هذه البناية بعدما تأكدت مصادره من المراقبة أن بنسبة ٧٠٪ السفاح يسكن هذه البناية، جلس على الفراش متصلًا على رقم معين وما إن اتاه الرد حتى قال :
-قولتلك ابعتلي ملفات عن اللي ساكنين في العمارة دي
-ايوه يا باشا حصل، الصبح هتوصلك الملفات
-غيرت رأيي متجبش ملفات العمارة دي بس عايز ملفات عن العمارات اللي في الشارع ممكن السفاح ميبقاش في العمارة دي فعايز امشط العمارة دي
-بس يا باشا كده هتاخد وقت طويل أوي نبعتلك حد تاني يساعدك
-لأ هشتغل لوحدي الملفات تبقى جاهزة بكرة وآه متستبعدش حد خالص خصوصًا واحدة اسمها هاجر ساكنة لوحدها في الشقة اللي قدامي دي
-واحدة اسمها هاجر؟ بس السفاح راجل مش ست
حك الآخر بجانب ذقنه قائلًا :
-مش شاكك فيها بس لحاجة في دماغي كده
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
هل هناك من لا يزال يمتلك ضميرًا في دنيا أصبح الضمير يُباع فيها بثمنٍ بخس
هذا ما تساءلت به براءة في نفسها وهي تلحق بيوسف أينما يذهب كعادتها لكن هناك شئ مختلف هذه المرة وهو أن يوسف مصاب بزكام حاد وبالكاد يستطيع أن يسير بشكل شبه طبيعي
ورغم أن زملائه أخبروه أن يعود للمنزل ويأخذ إجازة إلىٰ أنه رفض، بالله لو كانت مكانه لقفزت فرحة متناسبة المرض خاصةً وأنها تكاد تبكي على إجازة واحدة ويوسف يرفض طوال الوقت لأن ليس لديها حجة قوية
خط بعض الكلمات بأسماء أدوية وأعطاها لها هاتفًا بصوت متحشرج يظهر به المرض مليًا :
-ابعتي حد يجيب الحقن دي واحدة بالليل وواحدة بالصبح في المحلول
نظر إلى السيدة القابعة فوق الفراش مبتسمًا لها، مخفيًا علامات المرض، فابتسامة لمريض تريح عنه الكثير أفضل من الأدوية :
-بالشفا يا أمي
خرج من الغرفة بعدما أنهى مروره على جميع مرضاه فتبعته براءة لتجده يسعل بقوة محاولًا سحب المنديل من داخل العلبة، أشفقت عليه رغم أنها لم تنال شفقته في يوم من الأيام لكن هكذا نحن النساء نمتلك حنانًا وعطفًا يفوق الرجال
سحبت منه العلبة وأخرجت له منديلًا فأخذه منها ثم أدار ظهره حتى لا تشمئز وما إن أنهى حتى استدار لها مرة أخرى شاكرًا إياها بصوت متقطع أثر السعال
هزت رأسها بهدوء ثم قالت وهي تغلق باب الغرفة التي بها المرضى :
-ما ترجع البيت شكلك تعبان قوي واديك خلصت مرور وانا هراجع عليهم تاني ولو فيه عملية ضرورية فيه دكتور جراحة تاني هنا غيرك
رفع يوسف إحدى حاجبيه هاتفًا بنبرة متسائلة بدت لها ساخرة أكثر :
-عايزة أرجع البيت علشان تقعدي من غير شغل يا براءة صح؟
انقلبت ملامح الأخرى وامتعضت بشدة لتقول بنبرة بدت حادة رغم محاولتها لكبت غيظها من إتهامه هذا :
-لا علفكرة مش علشان أقعد من غير شغل، انت مش عارف تصلب طولك وانا كنت عاملة عليك، نضف النية يا دكتور
استدارت تاركة إياه يرمش في أثرها لا يفهم سبب حدتها، هل فهمت سؤاله بطريق خاطئ أم هو من الزكام لم يلاحظ أن ما يقوله قد يُفهم بالفعل بطريقة مختلفة، استدار هو الآخر وعاد إلى مكتبه الذي يشاركه مع زميل آخر
توجه إلى خزانة الأدوية يفرك رأسه من الصداع، يبحث عن بعض الدواء يسكِّن معه تزامنًا مع دخول زميله وعلى الأرجح أنهى عمليته إذ قال :
-ايه يا يوسف لسه تعبان؟
هز الآخر رأسه صامتًا فقال زميله ويدعي "مجدي" بينما يغير ملابس العمليات إلى ملابس عملهم العادية :
-طب ما ترجع البيت يا ابني وارتاح النهاردة
-مينفعش عندي مريض لسه عامل عملية يوم الخميس ولازمله مرور بإستمرار لأنه ممكن يحصله مضاعفات ولا حاجة
تحدث مجدي وهو يرتدي معطفه الطبي :
-طب ارجع انت وانا هاخد بالي منه
-مينفعش برضو لو حصله حاجة وانا مش موجود إحتمال أتجازى علشان انا الدكتور اللي عمله العملية
قلب الآخر عينيه بيأس من يوسف وجديته الشديدة في العمل ليغير الموضوع متسائلًا وهو يراه يعبث في خزانة الأدوية :
-هو انت بتدور على ايه!؟
-على أي مسكن بس مش لاقي
اقترب منه مجدي ومد يده ساحبًا شريط ثم مده له قائلًا :
-خد ده هيسكن معاك
نظر يوسف للشريط متعجبًا ثم قال :
-شريط ايه ده؟؟
-دواء للبرد والاحتقان بس مستورد ولسه واصل الصبح بس متخفش جربته قبل كده ومفعوله قوي خده علشان تقدر تكمل يومك
لم يعارض يوسف وأخذ منه الدواء ثم عاد وجلس على أحد المقاعد بينما قال مجدي متسائلًا وقد اعتلت على وجهه بسمة غريبة فهمها يوسف بسهولة :
-صحيح أومال فين البنت اللي بتمشي معاك دي
-اسمها بدربها يا مجدي مش بمشي معاها
نطق بها بنبرة صارمة جادة فضحك الآخر وجلس على المقعد المقابل له ثم قال :
-ماشي يا عم بس متقفش، قولي مش موجودة حواليك يعني كالعادة
-علشان خلصت مرور ورجعت اوضة الممرضات تقريبًا
-بس انا شوفتها وشها مقلوب وتقريبًا كده بتشتم فيك
أشار الآخر إلى نفسه مستنكرًا :
-بتشتم فيا انا؟!
آماء مجدي ضاحكًا ثم أكمل :
-يا ابني قولتلك براحة عليها انت واحد ربنا خالقك فيك صحة بيج رامي بينما هي بسكوتة نواعم متقدرش على عواصفك الرعدية دي وروحي وتعالي، اتعلم بقى ازاي تتعامل مع الستات
-اتعلم ايه هو انا هخطبها انا بدربها لو مكنتش اتعامل معاها كده في شغلها الأول هتبقى من غير ضمير الكسل دايمًا هو عنوانها الأول، الكسل واحد من الأسلحة اللي بتقتل ضمير كتير من الناس مش بس ممرضات ولا دكاترة يا مجدي، الضمير بقى حاجة غريبة الأيام دي عند ناس كتير
آماء مجدي متفهمًا ورغم هذا قال بنبرة عابثة :
-بس برضو براحة عليها لو هتفضل كده معاها خليني انا أدربها
أمتعضت ملامح يوسف وضغط على كف يده محاولًا الحفاظ على ملامحه الهادئة ورغم هذا ظهرت الحدة في عينيه، مجدي رجلٌ عابث لا يخلو قلبه من النساء فلا يستطيع الجلوس يومًا دون سماع صوت امرأة، ولا يستطيع أن يتعامل مع امرأة ولا يحاول التودد إليها
ولم يخفى عليها أبدًا نظراته الملاحقة أحيانًا لبراءة، لذا من أول يوم لاحظ نظراته هذه حذره من الاقتراب منها لأنها قريبته وتحت مسؤوليته هو، ومرة أخرى حذره وكانت نبرته هادئة هدوءًا تحذيريًا :
-مجدي للمرة التانية بقولها بلاش تقرب من براءة متخلينيش أأقلب بجد، لو بسكت على أفعالك مع الستات رغم أنه حرام علشان ملكش عندي غير النصيحة بس تقرب من براءة الموضوع هيبقى له وش تاني
ابتسم له مجدي يدرك غضب الآخر الغير مبرر ما إن يأتي بسيرة براءة ليقول :
-ماشي يا دوك وانا مش هقرب منها علشان عارف إنها مش من النوع اللي بيجي بالكلام وإنما بالجواز وبصراحة بفكر استقر
حدق به الآخر في جمود ثم وقف واستلقى على الاريكة مكتفيًا بجملة واحدة :
-مش مناسبة ليك
زادت ابتسامة مجدي رامقًا يوسف بحاجبين مرفوعين :
-مش عارف ليه بس حاسس إنك غيران عليها؟
-علشان قريبتي
نطق بها يوسف وهو مغمض العينين فقال الآخر وهو يقف متجهًا للخارج لعلمه أن يوسف سيغفو الآن بسبب وجود نسبة من المنوم في الدواء :
-متأكد إنها في نظرك مجرد قريبة بس يا يوسف
خرج ولم يضف كلمة بينما يوسف وما إن سمع صوت إغلاق الباب حتى نظر له لبرهة يفكر في كلامه جديًا، هو طالما كان يبعد اصطدام يراءة بمجدي حتى لا يحاول الآخر التودد إليها، هو فعل هذا بدافع غيرة رجلٍ على قريبته وليس كما يظن مجدي
أجل هذا هو الدافع
اغمض عينيه وغفى ولم يفق إلا على آلام شديدة في حلقه فاستقام عاقدًا الحاجبين، ناظرًا لساعته في معصمه ليجدها ١:٤٠ أي أن الدوام دقائق وينتهي، ويلي هل نام كل هذه الساعات؟!
وقف بسرعة متناسيًا انه مريض فلا يشعر الآن سوى بألم شديد في حلقه جعله غير قادر حتى على الكلام، توقف قبل أن يخرج من المكتب وعاد إلى خزانة الأدوية مخرجًا ذلك الدواء ليقرأ النشرة المرفقة معه
حسنًا هذا سئ بشدة فهذا الدواء كان يتضمن مادة كيميائية هو يتحسس منها وزاد الأمر سوءًا عنده، تحسس حلقه بألم قبل أن يخرج من المكتب بحثًا عن مجدي ولكنه لم يجده بل وجد براءة تسير في الممر وقد ارتدت ملابسها وغيرت ملابس الممرضات وهي على وشك العودة للمنزل
تقابلا معًا في الممر وكادت أن تتجاهله رغم تعجبها أنه لا يزال هنا، فهو مختفي منذ آخر مرة رأته فظنت أنه عاد للبيت، مرت من جانبه فأستوقفها بيده دون لمسها وحاول فتح فمه والتحدث لكنه فشل في هذا فتلك المادة والتي سبق وأن أخذ مثلها بالخطأ تجعل حلقه يلتهب حتى يصبح غير قادر على الحديث
نظر إليها عاجزًا عن أن يسألها أين مجدي بينما الأخرى كانت تشعر بالريبة منه تراه يحاول الحديث وغير قادر فقالت متوجسة :
-دكتور هو فيه ايه؟؟
أخرج من جيبه قلم ولوح به أمام عينيها وكأنه يكتب فقالت متعجبة :
-عايز ورقة!؟
آماء لها فأخرجت بعض الأوراق من حقيبتها واعطتها لها فخط هو بقلمه كاتبًا
"مجدي فين؟؟ "
-دكتور مجدي؟ ده مشي من نص ساعة ما انتوا الدكاترة عندكم صلاحية انكم تمشوا بدري مش زينا إحنا
قلب الآخر عينيه وأصبح وجهه أحمر لشدة الألم والضغط الذي يمر به الآن فقالت براءة عاقدة الحاجبين :
-يا دكتور انت كويس؟
كتب لها يوسف مرة أخرى
"الدكتورة اللي في الصيدلية مشيت؟ عندي حساسية من مادة معينة في دواء اخدته وزوري قافل خالص"
استدارت براءة إلى الصيدلة الخاصة بالمشفى لتجد أن الطبيبة المسؤلة عنها على وشك إغلاقها والذهاب فنادت عليها وهي تتجه إليها بخطى سريعة :
-دكتورة يمنى استني
لحق بها يوسف لتنظر إليهما الطبيبة متعجبًا :
-فيه حاجة حصلت ولا ايه!؟ دكتور يوسف انت كويس؟
تحدثت براءة لعلمها أن الآخر لن يستطيع الإجابة :
-الدكتور اخد دواء في مادة هو بيتحسس منها فعايز حاجة مضادة
استجابت لهما الطبيبة وعادت وفتحت الصيدلية مستفسرًا عن اسم هذه المادة فكتبها يوسف في الورقة وأعطاها لبراءة، وقد أخذت الأخرى تبحث مع الطبيبة عن الدواء المضاد تزامنًا مع رنين هاتف يوسف باسم يونس
حدق به يوسف عاجزًا عن الرد فاستدارت براءة ناظرةً له عندما طال الإتصال فحدق بها يوسف لثوانيٍ قبل أن يمد الهاتف لها، امسكت الأخرى بالهاتف لا تفهم ماذا يريد فقالت بعدم فهم :
-أخوك بيرن
آماء لها الآخر مشيرًا على زر الرد فقالت براءة :
-عايزني أرد؟ طب أقوله ايه!؟
حاول يوسف الإشارة لها متناسيًا أنه يستطيع الكتابة لها والأخرى لا تفهم شيئًا منه فقالت ضائقة :
-مش فاهمة حاجة، أكتب عايز هو حد قالك بفهم لغة الخُرس
ويلي كيف نطقت بمثل هذه الكلمات، تراجعت فيما قالت ما ان رأت وجهه انقلب وظهر الغضب مليًا داخل عينيه وفي ملامحه فقالت متأسفة :
-مش قصدي والله طلعت كده ذلة لسان
انقطع الإتصال فنظر يوسف للهاتف بائسًا لتقول الأخرى مشيرة للهاتف :
-عايزني أقوله يجي ياخدك
آماء برأسه ولا تزال ملامح وجهه ممتعضة، وما إن دق الهاتف مرة أخرى حتى ردت قائلة :
-الو
أما على الجهة الأخرى نظر يونس إلى هاتفه مذهولًا فإحتمالية أن يسمع صوت امرأة من هاتف أخيه الذي لا يخالط النساء نادرة :
-الو مين معايا؟ ده تليفون يوسف!؟
-ايوه عارفة أنه تليفون يوسف هو عايزك تيجي توصله علشان تعبان قوي
علم يونس من هذه اللهجة أنها قد تكون براءة، وما إن استمع أن أخيه متعب حتى وقف ساحبًا متعلقاته متجهًا إلى خارج القسم :
-تعبان ماله؟ هو لسه في المستشفى صح؟!
-ايوه لسه في المستشفى وبالنسبة لماله هو أخد دواء عنده حساسية منه فصوته راح
-بقى أخرس!؟
صاح بها مصدومًا وصوته المرتفع وصل يوسف من الجهة الأخرى فنظر إلى الهاتف وزاد حنقه بينما قالت براءة محاولةً تفادي الأمر :
-لا مش للدرجة يعني هو يعني مش عارف يتكلم ولا يطلع صوت ولا يعبر عن أي حاجة وبيتكلم بالإشارة
زاد تجهم يوسف فصمتت بينما صاح يونس علي الناحية الأخرى غاضبًا من إستهتار أخيه والنوم دون أن يأخذ علاج :
-بإختصار بقى أخرس
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
دلفت إلى أحد المطاعم المشهورة في منطقتها والذي بالعادة يأتي إليها أصحاب الذوق الرفيع، كم ذكرها هذا المطعم ببعض الذكريات لها ولعمر حين احضرها إلى هنا رفقة أخاها يونس الذي أتى معهما كمحرم، والذي بالمناسبة جعل عمر يكاد يصاب بنوبة قلبية يومها بسبب عجزه عن التحدث معها بشكل طبيعي
والآن تبدل الحال وجمعهم نفس المطعم لكن الآن عمر لا يتذكرها وهي تحاول جاهدة لإرجاع له الذكريات
وجدته يجلس في أحد الأركان المطلة على البحر الأبيض المتوسط في جو صباحي أعطت الشمس للبحر لمعة مميزة عكست اشعتها على وجهه في مشهد دق له قلبها، ابتسمت ابتسامة حالمة وكم ودت أن يعود عمر كما كان ولو حتى لدقائق
حمحمت ساحبة مقعد حتى تجلس عليه فنظر إليها عمر مطولًا قبل أن يقول :
-الفلاشة
-معايا فين بقى الفطار؟!
سحب عمر كوب الشاي بالحليب المعتاد له ولم ينسى بالطبع القشة ثم قال :
-آه وماله وصيتلك على أحلى فطار دقايق وهيبقى موجود
-هو انت لسه بتشرب الشاي بلبن بالشفاطة
هتفت به ضاحكة وسرعان ما تداركت نفسها عندما وجدته يحدق بها بتعجب :
-قصدي فيه حد بيشرب شاي بلبن بالشفاطة؟
-وانتي مالك انتي ما تخليكي في حالك
نطق بها بوقاحة أعتادت عليها مؤخرًا فنفخت الأخرى مغتاظة وهي تتمتم بخفوت :
-الصبر يارب في يوم من الأيام هفتحله دماغه بسبب لسانه ده
ترك عمر الكوب بعد أن أنهاه قائلًا :
-ها فين الفلاشة؟
-موجودة بس ليا نسخة من المعلومات
قلب الآخر عينيه بضجر ليقول مجاريًا إياها :
-ماشي هاتي
أخرجت رقية الشريحة من حقيبتها تنظر إليها بتردد، هي لا تريد منها شيئًا فقد كانت هذه وسيلتها حتى تدلف إلى حياة عمر دون أن يشك بها لذا سرقتها منه يوم كانا بالمقهى وتعمدت أن تراها الكاميرات
رفعت نظرها إليه لتمد له الشريحة، أصبح وجودها معها يأخذ منحنى آخر لذا قررت إعادتها له وستجد بالطبع طريقة أخرى للعودة إلى حياته في أقرب فرصة فوالله لن تتخلى عنه حتى يتذكرها
أخذ منها عمر الشريحة سريعًا وادخلها في حاسوبه المحمول حتى يتأكد من أنها هي بالفعل بينما ظلت رقية تراقبه دون أن ينتبه، حسنًا هذه ليست أول مرة لها تراقبه وهو يعمل على الحاسوب
لقد كان محترفًا منذ أن كان بالجامعة حتى أن زملائه كانوا يطلقون عليه النانو، لكن الأمر الآن بدا مختلفًا أكثر فأصبح أكثر رجولة ونضج، بدايةً من هذه الذقن الخفيفة وعينيه التي برزت بها نظرة تركيز شديد، أنفه الحاد، وشعره الذي تغير وقل طوله عن آخر مرة رأته بها قبل أن يختفي
كل هذا جعله أكثر وسامة، كل هذا جعل قلبها يدق وما زاد دقاته أكثر هو عندما رفع عمر نظره إليها يحدق بها متعجبًا من تحديقه بها مطولًا، اخفضت نظرها بسرعة فتساقط شعرها الأسود حول وجهها بشكل أجفله
هذا الشعر الأسود شعر أنه رآه من قبل، في صورة ملقاة في درج الخزانة في شقة والديه القديمة، صحيح لا تظهر ملامح الفتاة بشكل واضح بسبب يدها التي تخفي بها وجهها لكن هذا الشعر يشبهه كثيرًا في نعومته ولونه الأسود الفحمى
نقل نظراته بسرعة عندما لاحظ توقف بعض السيارات خارج المطعم فوقف سريعًا بشكل آثار انتباهها فقال مبتسمًا بمكر :
-اشبعي بالفطار يا رقية الهواري
ومن حماقة الأخرى لم تفهم ماذا يقصد حتى بعد أن رأته يلملم أشيائه ويرحل ظنت أنه أخذ شريحته وسيجعلها هي تدفع ثمن الإفطار لكن كل هذا تبدل إلى صدمة عندما رأت الشرطة تدلف إلى المطعم متجهة إليها هي بالذات
وقفت مذهولة تستمع إلى الشرطي يقول بنبرة خشنة حادة :
-انتي رقية محمد الهواري؟
آماءت الأخرى بإيجاب لا تفهم لما أتوا من أجلها إلا عندما قال ذلك الشرطي بنفس النبرة لكن أكثر حدة :
-حط الكلبشات في ايديها يا ابني
-ايه ايه ليه؟ انا عملت ايه؟؟
هتفت بها فزعة فقال الآخر بصرامة مخيفة وهو يضع الاصفاد الحديدية في يديها :
-فيه واحد بلغ عنك وقال انك انتي السفاح اللي بيقتل الناس وإنك كنتي هتقتليه بس هرب منك، يلا قدامي
-واحد!؟
نطقت بها مصدومة لتنظر بسرعة إلى زجاج المطعم من الناحية الأخرى التي تطل على الشارع وهناك أبصرت عمر يقف خلفه يلوح لها وعلى شفتيها ابتسامة متشفية فصرخت غاضبة :
-عــــمــــر
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الرابع عشر 14 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
هبطت من سيارة الأجرة وهي تقبض على حقيبتها وتعدل الكاب الذي وضعته فوق رأسها رغم أن الجو بارد وممتلئ بالغيوم لكنه وضعته حتى تمر من أمن الجامعة دون أن يهتموا وهذا بسبب ضياع بطاقة التعريف الجامعية منها
ولكن الأمر أتى معها بشكل عكسي إذ اوقفها الحراس شاكين في أمرها ليقول أحدهم :
-الكارنية بتاعك يا آنسة
حمحمت شروق مبتسمة بتوتر لتعدل من وضعية نظارتها الطبية قائلة :
-الكارنية ضاع مني بصراحة بس انا طالبة في كلية علم النفس اسمي شروق حسين صفوان
-طب هاتي بطاقتك
زادت ابتسامتها ارتباكًا وتوترًا ثم قالت :
-ما هي بصراحة الشنطة اتسرقت وكان فيها الكارنية والبطاقة
رفع الآخر حاجبه قائلًا :
-يعني لا كارنية ولا بطاقة ولا حاجة تثبت شخصيتك، انا آسف بس مش هتقدرى تدخلي
اتسعت شروق مصدومة لتقول بنبرة مرتبكة لم تصب في مصلحتها بل زادت من شك الحارس بها لكن الأخرى كانت مرتبكة وخائفة لأن هناك اختبار ينتظرها الآن وعلى وشك البدأ بعد دقائق :
-لا بالله عليك انا عليا امتحان بعد خمس دقايق كده هيروح عليا
-والله مش بايدي هاتي ما يثبت إنك طالبة هنا ادخلك غير كده لأ
زفرت شروق بحيرة لتظل واقفة ما يقارب العشر دقائق لا تدري كيف تدخل، لتظل خمس دقائق أخرى ثم رأتهم يفتحون البوابة بسبب قدوم سيارة على الأرجح تخص أحد الطلاب المعروفين
تراجعت للخلف قليلًا لكن وللعجب توقفت السيارة أمامها ثم هبط زجاج السيارة وأطل من خلفها المعيد عاصم في أبهى اناقته، نزع عنه النظارة الشمسية يحدق بها بعينين خضراوتين يملأهما التعجب :
-بتعملي ايه هنا المفروض عليكي إمتحان بدأ من ربع ساعة
أشارت شروق ناحية الحرس هاتفة بتهكم :
-الكارنية مش معايا فمرضيوش يدخلوني رغم اني انا طالبة هنا لكن ازاي، اللي زيي يبقى عايزين إثبات واللي زيك باشا ابو عربيات BMW يدخل عادي حتى لو العربية فيها مخدرات
ضحك عاصم بشدة ليخرج من سيارته الفارهة مستندًا على الباب وهو لا يزال يضحك :
-مخدرات ايه هتلبسيني مصيبة
نظر إلى الحرس ثم قال متنحنحًا :
-مش عايزين تدخولها ليه دي طالبة في علم نفس وانا بدرس ليها
نظر إليه الحرس متنهدًا ثم قال :
-يعني على ضمانتك يا دكتور عاصم
-آه طبعًا على ضمانتي بقولك طالبة عندي دخلوها حالًا
ابتسمت له شروق ممتنة فحقًا هذا المعيد يوفر عليها الكثير في الجامعة :
-شكرًا قوي يا دكتور انت ابن حلال والله
هرولت سريعًا إلى الداخل حتى تلحق بالإختبار تلحقها نظرات عاصم والتي اخفاها أسفل نظارته السوداء سريعًا، أما شروق كانت تركض على الدرج بسرعة لعلها تصل فقد مر بالفعل ربع ساعة على الإختبار وما إن وصلت هناك حتى احتل الرعب اوصالها
توقفت على باب المدرج وأنفاسها سريعة وغير منتظمة تبصر أسوء معيد في الكلية ولا يوجد أحد لا يكرهه وهو على الأرجح من سيقف ملاحظ عليهم، ألم يكن معيد آخر هو من سيقف عليهم فماذا يفعل هذا هنا؟
طرقت الباب بخفوت ودلفت إلى الداخل وقبل أن تصل إلى أول المدرج حتى استمعت إلى صوته الغليظ وهو يقول :
-عندك يلا لفي وارجعي تاني
نظرت إليه شروق بإستعطاف فممنوع منعًا باتًا أن يدخل أحد خلف هذا المعيد سواءً كانت محاضرة أو إختبار فلا يهتم لأحد مهما كانت مكانته :
-يا دكتور انا اتأخرت علشان أمن الكلـ
قاطعها الآخر هاتفًا بصرامة احرجتها وسط زملائها الذين طالعوها حقًا بشفقة :
-مش عايز أعذار مش عارفة اني عندك امتحان هيبدأ الساعة تسعة متأخرة تلت ساعة ليه يلا اتفضلي مفيش دخول
ضغطت شروق على ملابسها بإحراج وخجل فهي الآن في موقف لا تتمناه لألد أعدائها :
-دكتور الإمتحان عليه درجات كتير مينفعش محضرش
-اسمك ايه انتي؟؟
-شروق حسين صفوان
نظر الآخر إلى كشف الطلاب ليقول بعدم إهتمام إليها :
-اتكتبتي غياب يلا يا آنسة اتفضلي على برا، تاني مرة تحترمي المواعيد
علمت أن لا حياة لمن تنادي معه لذا عادت ادراجها تجر خيبات الأمل لتجلس على الدرج تمنع دموعها من الإنهمار، نظرت إلى يديها تحسب في عقلها عدد الدرجات التي ستنقصها في هذا الاختبار الذي ضاع عليها وإذ بها تنفجر باكية من هذا الظلم
نزعت نظارتها وهي تجهش في البكاء تتذكر صراخه عليها في وسط المدرج أمام الجميع، ذلك الوغد النتن ألم يراعي أنها فتاة حتى
سمعت أحدهم يصعد الدرج ولكنها لم تبالي فأي موقف لن يكون محرجًا أكثر مما تعرضت إليه منذ قليل، اخفضت نظرها لا تريد أن ترى أحدًا لتستمع إلى صوته الأجش وهو يقول :
-بتعملي ايه يا شروق هنا مدخلتيش ليه المدرج؟
رفعت الأخرى نظرها تبصره يقف أمامها وعينيه معلقة عليها وما إن رأي عاصم أنها تبكي حتى انعقدا حاجبيه ثم هتف مستنكرًا :
-انتي بتعيطي ليه!؟
ترقرقت عينيها مرة أخرى بالدموع قائلة بصوت مختنق :
-الدكتور اللي جوا مرضيش يدخلني
نظر عاصم ناحية المدرج قائلًا :
-دكتور مدحت؟؟
-لا مش هو دكتور غيره مش عارف ليه واقف علينا بس هو دكتور رخم طردني وزعقلي علشان اتأخرت
كانت تتحدث بقهر شديد وانفاسها تكاد تسلب بسبب بكائها فهي منذ أسبوع تدرس لأجل هذا الإختبار وفي النهاية تُطرد منه لسبب ليس بيديها، تحدث عاصم وقد ضاق لبكائها هذا فقال بجدية شديدة :
-قومي انا هدخلك الإمتحان
-بس ده كتبني غياب؟
-كتبك غياب يشطبه ويعملك حضور قومي يلا
وقفت شروق تسمح وجهها بالمنديل وهي تسير خلفه إلى أن وصلا إلى المدرج وما إن رأي عاصم مَن المعيد الذي كانت تتحدث عنه حتى تنهد متأفئفًا فسوف يعاني قليلًا مع هذا الرجل ذو الرأس اليابس :
-دكتور صالح صباح الخير
نظر إليه صالح من خلف نظارته ثم إلى التي تقف خلفه باكية الوجه فقال بجمود :
-صباح النور يا دكتور عاصم
نظر عاصم إلى شروق من خلف كتفه ثم قال :
-دخلها معلش الإمتحان ده مهم وعليه درجات كتير
-والله هي متأخرة واتكتبت غياب من عملها هي مش عملي انا
تحدث الآخر بنبرة جادة وهو ينظر إليه مباشرةً :
-هي جات بدري بس الأمن وقفها على الباب علشان نسيت الكارنية علشان كده اتاخرت لحد ما دخلوها، تحب اجيبلك حد من الأمن لو مش مصدق
مسح الآخر على ذقنه الطويل ثم قال بنبرة تحذيرية :
-لو كانت محاضرتي فعلًا مكنتش دخلتها بس انا واقف ملاحظ مكان دكتور مدحت علشان عنده ظروف، خدي ورقة وادخلي
ابتسمت شروق من بين وجهها المطلخ بالدموع لتدخل سريعًا وهي ترتدي نظارتها ثم سحبت ورقة أختبار وجلست في أحد الأماكن تبدأ بسرعة فقد مضى ثلث الوقت
نظر عاصم إلى المعيد الآخر ثم قال مقترحًا فلا يثق به إن ذهب قد يقوم بإستعنادها أثناء الأختبار :
-دكتور صالح لو عندك حاجة مهمة تقدر تتفضل انت وانا هكمل ملاحظة عليهم انا عندي محاضرة بعد الإمتحان ده وفاضل ساعة تقريبًا
ودون أن يقول الآخر كلمة سحب ما يخصه من على المكتب قائلًا :
-ريحتني انا أصلًا عندي محاضرة بعد نص ساعة هاروح أفطر فيها
رحل وترك عاصم الذي جلس على المكتب هاتفًا بصوت ساخر :
-راجل كله كلاكيع أعوذ بالله استحملتوه إزاي ده
ضحك جميع الموجدين في المدرج بينما هو لم يلقي بالًا لأحد سواها يراها لم تنتبه حتى لما قال بل صاببة كلها تركيزها في ورقة الإختبار أمامها فقال في مكبر الصوت :
-يا عم القطر يا اللي بتحل براحة لتغلطي هديكي وقت زيادة بدال اللي ضاع ده إكرامية من عندي
نكزت إحدى زميلات شروق في ذراعها حتى تنتبه أن الكلام عليها فنظرت الأخرى حولها ولم تستمع لما قيل لكنها قالت متسائلة :
-حد معاه قلم؟ انا قلمي قرب يشطب
ضحك الجميع عليها حتى عاصم كذلك لكن ما ان رأي أنها خجلت بشدة حتى ضرب المكتب بكفه مدعيًا الجدية :
-بس يا شباب بس عادي يعني بتحصل انا مرة دخلت الإمتحان ومش معايا قلم أساسًا
عاد وضحك الجميع ليقول عاصم مخرجًا قلمه الخاص :
-تعالي انا معايا قلم ومش أي قلم ده البركة كلها هتقفلي الإمتحان من وراه
تحدث أحد الطلاب من الخلف قائلًا :
-طب ما تجيبوا انا يا دكتور ده انا محلتش حاجة
-ما امثالك اللي بيقعدوا وراه مش بيحلوا حاجة ايه الجديد يعني، تعالي يا آنسة شروق دي فرصة مش بياخدها كتير
وقفت شروق واتجهت له حتى تأخذ القلم مضطرة للأسف فلتوها فقط لاحظت ان قلمها على وشك النفاذ وها موقف محرج آخر تمر به في هذا اليوم الذي على الأرجح لن يمر مرور الكرام
أما عن عاصم فنظر إليها وهي تتقدم نحوه سارحًا في بعض تفاصيلها وجهها انقلب بعضه أحمر كأنفها وحاجبيها بسبب بكائها، تسير ببطء قابضة على جيبها الواسع الطويل حتى لا تسقط على وجهها وتتعرض لموقف محرج آخر
هي عادية بشدة لأي رجل لكن ما باله هو يشعر وكأن لا امرأة تفوقها جمالًا وجاذبة، مدت شروق يدها حتى تأخذ القلم شاكرة إياه بابتسامة ممتنة بشدة فهذا الرجل حقًا ساعدها كثيرًا اليوم ولولاه لكانت لا تزال تقف خارج الجامعة الآن :
-شكرًا يا دكتور عاصم
حسنًا لم يرها تبتسم له مثل هذه البسمة منذ أن رآها أول مرة منذ عام وبضعة أشهر، لم يكن يدرك أنها تمتلك بسمة جميلة كهذا أو ربما الإبتسامة الصادقة هذه جعلتها في عينيه أكثر جمالًا
ترك لها القلم بعد بضعة ثواني من التحديق بها تعجبته هي وأصيبت بإرتباك فأخفضت نظرها، وما إن ترك القلم حتى عادت بسرعة مكانها حتى تكمل الإختبار فتنهد عاصم تنهيدة تملأها الحيرة
هو ساقط في حب فتاة تصغره بخمسة عشر عامًا على الأقل، هذه مشكلة كبيرة
رن هاتفه فزفر ضائقًا يبصر رقم طليقته التي لم يكتمل شهران على طلاقهما، لما تتصل الآن وتفسد مزاجه الجميل ألا يكفي ما تسببته هذه المرأة في حياته من مشاكل بسبب زواجهما الفاشل هذا
رد عليها حتى يعلم ماذا تريد فلربما هناك شئ مهم هذه المرة فلما تزعجه بمكالمتها منذ أن تطلقا :
-نعم يا عايدة خير
-عايزة أقابلك ضروري
-مش فاضي فيه امتحان واقف عليه سلام
أغلق في وجهها دون إهتمام ينظر أمامه بملامح مقلوبة ليصدح هاتفه برسالة وصلته منها تقول
"مش هدخل في جو صعبنيات محتاجة أأقابلك علشان بنتك عايزة تشوفك يا عاصم ولا علشان اطلقنا هتنساها"
رد عليها برسالة مختصرة فحقًا لا يريد أن يجعلها تعكر مزاجه أكثر من هذا يكفي الخمس سنوات الذين ضاعوا من حياته معها في تفكك أسري ومشاكل يومية ولولا ابنته صاحبة الثلاث سنوات لكان نفاها تمامًا من حياته
"ابعتيها عند أمي يا عايدة وانا ساعتين وهارجع "
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
دلف إلى مكتب المحاماة الذي يعمل به بخطى هادئة يعدل كل حينٍ من خصلات شعره السوداء وهو يلقي تحية الصباح على زملائه، هو ليس لديه مكتب محاماة خاص ولم يفضل الأمر كثيرًا فهو مقتنع أن المحامي يحتاج لاسم وشهرة حتى يصبح محامي متميز ومتألق لذا فضّل العمل في مكتب كمحامي تحت التدريب
يتلقى القضايا كما زملائه المتواجدين هنا معه ويعملون عليها، أحيانًا يذهبون للمرافعة وأحيانًا أخرى لا
جلس على مكتبه في إحدى الغرف التي يشاركها مع اثنين آخرين ليلاحظ أن الجميع في المكتب في جميع الغرف يتحدثون عن أمر ما لذا سأل بشكل مباشر قائلًا :
-هو فيه ايه النهاردة؟!
أجابه أحد الزملاء هاتفًا بنبرة ذات معنى :
-سها سكرتيرة الأستاذ رمضان اتكتب كتابها إمبارح وبتوزع بيبسي وكولا
هز حمزة رأسه متفهمًا :
-طب كويس عقبالك
امسك بحقيبته الجلدية يخرج بعض الأوراق التي تخص قضية كان يعمل عليها بينما قال زميله ذاك بفضول :
-مش مضايق يعني؟؟
عقد الآخر حاجبيه وفهم ماذا يقصد من خلف هذه الجملة فقال بصوت جاد :
-وهضايق ليه سها بني آدمة كويسة تستحق كل خير مش معنى أننا كنا مختلفين لما كنا مخطوبين إني هنتقدها وهنسى إننا زملاء
ما ان أنهى حديثه حتى دلفت فتاة ببشرة حنطية ورغم هذا تمتلك ملامح جميلة وأعين بندقية جذابة، توالت عليها المباركات من الجميع ما إن دلفت لتوزع عليهم علب المشروبات الغازية كنوع من أنواع مشاركة الفرحة وهي تبتسم وتجامل الجميع
وقفت أمام حمزة فقال الآخر مبتسمًا بمجاملة :
-مبارك يا آنسة سها ربنا يتمم بخير
ابتسمت له سها نفس الابتسامة المجاملة تعيد طرف حجابها الذي سقط للوراء في شكل هي تحبه رغم أن هذا لا يعتبر حجابها :
-الله يبارك فيك يا حمزة علفكرة انت مُرشح تبقى السكرتير مكاني لما اتجوز أصل انا مش هرجع اشتغل تاني
ذوى حمزة ما بين حاجبيه معترضًا الأمر :
-لا اعفوني انا من شغل السكرتير ده خلوني ما بين القضايا والورق أحسن
-انت شاطر أوي يا حمزة إن شاء الله هتكون حاجة كبيرة في عالم المحاماة
ما ان أنهت حديثها حتى وضعت أمامه علبة مشروب فأخذها منها حمزة مهمهمًا :
-شكرًا
خرجت سها متجهة إلى غرفة أخرى فوضع هو العلبة أمام مكتب زميله قائلًا :
-بقولك ايه خد دي مش عايزها ومش علشان حاجة في دماغك اللي بتلف شمال دي بس انا مش بحب النوع ده بقرف منه
نظر الآخر إلى العلبة هاتفًا بذهول :
-حد يقرف من البييسي
-انا يا عم بقرف منه مش بحبه، أشرب سيفين أو سبرايت ماشي بس بيبسي لأ وشوفلي الولد الجديد بتاع المشروبات ده يعملي النسكافيه بتاعي وقولوا بمياه بس مش بلبن
قلب الآخر عينيه هاتفًا بسخرية :
-لا مانجا بتحب ولا بيبسي بتحب ولا حتى الشاي والقهوة انتي بني آدم معقد علفكرة
ابتسم الآخر دون إجابة وبعد دقائق أتاه كوب النسكافيه الذي يحبه، شكر الفتى ثم نظر إلى الكوب وسرح قليلًا في يوم أمس عندما طلب نفس الشيء وسمع نفس الشيء أيضًا لكن اتضح أن هناك معقد آخر لا يفضّل ما يفضّله الآخرون مثله
حدث هذا عندما مدت له رحاب ابنة عمه المشروبات حتى يختار شيئًا لكنه لم يجد ما يفضّله فقال معتذرًا :
-انا عايز نسكافية يا رحاب مش بحب الشاي ولا القهوة
تحدثت رحاب بصوت مرتفع حتى تسمعها غادة من المطبخ :
-غادة اعملي اتنين نسكافية بمياه بس مش بلبن
حدق حمزة بها ضاحكًا ثم قال :
-وانا هشرب ليه اتنين هاتي واحد بس
-لأ ما التانية لنور اسكت مش طلعت زيك مش بتشرب أي حاجة والسلام، قدمتلها شاي مش بتحبه ولا قهوة طب اجيبلك مانجا لا مش عايزة طب عصير فراولة لأ مش بتحبه فين وفين لحد ما قالت عايزة نسكافية ومن غير لبن علشان مبتحبوش بلبن
ضحك كريم وهو يشرب القهوة الخاصة بها مستمتعًا بها :
-ابسط يا حمزة لقينا كائن معقد زيك
-انا مش مقعد علفكرة انا بس ذوقي مختلف عن أذواقكم
هتف بها حمزة مصححًا له هذا فقالت رحاب موافقة إياه الأمر :
-نفس الجملة اللي قالتها نور برضو
تركتهم وعاد للمطبخ لتظهر لحمزة نور وهي جالسة على الجانب الآخر وما جعل وجهه ينقلب هو رؤيته لكتابها معه، وقف متجهًا إلى رحمة في الإتجاه الآخر حيث تجلس النساء والفتيات معًا يحدقن في التلفاز بإنتباه شديد
كاد أن يسحب رحمة من ملابسها حتى يجعلها تعيد له كتابه لكن استوقفته جملة جعلته يصاب بتشنج إذ قالت والدته وهي تنظر إلى التلفاز حيث كان يعرض تتر نهاية مسلسل شهير يدعي "لن أعيش في جلباب أبي" وما إن قرأت اسم الكاتب حتى قالت :
-والله شاطرة إحسان عبدالقدوس دي، المسلسل ده ناجح أوي
تحدث حمزة مصدومًا ولم يدرك أنه تحدث في نفس الوقت الذي سمع صدى لصوته لكن بنبرة لينة ضاحكة :
-إحسان عبدالقدوس ده راجل مش ست
نظر حمزة في إتجاه صدى الصوت هذا ليجد أن نور هي من تحدثت فقالت ناهد مستنكرة :
-راجل واسمه إحسان!؟
اجابتها نور وهي تغلق الكتاب الذي في يديها :
-بس شاطر فعلًا زي ما قولتي يمكن ده أكتر كاتب كتبه ورواياته اتعملت مسلسلات وأفلام زي لن أعيش في جلباب أبي، حتى لا يطير الدخان، إمبراطورية ميم، وأفلام أبيض وأسود كتيرة مشهورة، الوسادة الخالية، انا حرة، العذراء والشعر الأبيض، في بيتنا رجل، النظارة السوداء
-ده كله هو اللي كتبه؟؟
هتفت بها أسماء مذهولة فقال حمزة مجيبًا إياها هذه المرة فهذا الكاتب واحد من كتّابه المفضلين :
-وأكتر من كده بكتير يمكن ألف رواية وكتاب ومنهم كتير فعلًا اتعمل أفلام ومسلسلات انا محضرتش أي حاجة اتعملت بس قرأتها ككتب
تحدثت نور وهي تنظر إلى تتر المسلسل :
-بس الكتب مختلفة اختلاف كبير عن الأفلام والمسلسلات خاصةً مسلسل لن مسلسل لن أعيش في جلباب أبي المفروض الكتاب بيتكلم عن نظيرة واخوها والبنت الأنريكية.... الأمريكية دي بس المسلسل عامل تفاصيل مش موجود في الكتاب خالص، علشان كده مرتش... مرضتش أحضر سلسلة هاري بوتر قرأت السلسة كلها من غير ما أحضر الأفلام
ابتسم حمزة متعجبًا شيئًا آخر عوضًا عن أنها فضّلت قراءة سلسلة هاري بوتر عن مشاهدتها كأفلام لكن لاحظ أنها تتلعثم كثيرًا في حديثها، لاحظ هذا من أول مقابلتين لها وفي المرتين كانت متوترة مرتبكة والتلعثم بالطبع متوقع
لكن الآن ورغم أنها تتحدث بتركيز وشغف إلىٰ أنها تتلعثم في بعض الحروف والكلمات وتعود وتنطقها مجددًا وكأنها تعاني رهاب إجتماعي أو مشاكل في التحاور مع الآخرين
تغاطى عن هذا الأمر متسائلًا وقد أُعجب بتفضيلها للقراءة على مشاهدتها كأفلام :
-قرأتي السلسلة كاملة!؟
آماءت نور مكملة معه في هذا النقاش الشيق من وجهة نظرها فما يجعلها تتحدث بطلاقة هي الكتب، وما شجعها أنها لا تجلس معه بمفرده بل أمام مرأي ومسمع من الجميع :
-قرأتها بس مترجمة وقرأت تحقيقات شارلوك هولمز بس مش السلسلة كلها وقرأت
صمتت قليلًا تحاول تذكر أسماء أخرى فقال حمزة وهو يدفع رحمة جانبًا حتى يجلس هو :
-قرأتي لمين تاني غير إحسان؟؟
-قرأت الحرافيش لنجيب محفوظ ودعاء الكروان لطه حسين، قرأت الكتاب وحضرت الفيلم الاتنين حويين.... حلوين رغم الإختلاف اللي بينهم، قرأت لعمر عبد الحميد بس بطلت علشان بيموت الناس وانا مش ناقصة كند... قصدي نكد
ضحك حمزة وهو يهز رأسه يمينًا ويسارًا ليس فقط على ما قالت بل على تلعثمها الواضح هذا لكنه لم يعلق حتى لا يحرجها بل قال :
-بيموت الناس!؟ يبقى مقرأتيش لأسامة المسلم
-قرأتله هو كمان وندمانة بصراحة مفيش كتاب يعدي مقتلش فيه حد يا لهوي على كمية الشخصيات اللي ماتت في سلسلة بساتين عربستان.... عربستان عربستان
-آه والله كتير، كرهني فيه البنى آدم ده رغم اني قرأت كتبه كلها، فيها حاجة تشد
نكزته والدته من خلف ظهر رحمة فنظر إليها الآخر متعجبًا بينما هي همست بنبرة ذات مغزى :
-ايه يا حمزة متعمق أوي في الحوار؟!
قطب الآخر جبينه مجيبًا إياها بما في خاطره :
-يمكن علشان هي بتتكلم في حاجة انا بحبها؟
تحدثت رحمة بحماس شديد وهي تمسك بكفيه :
-نحطبهالك
-بس يا بنت انتي اقعدي على جنب
هتف بها ساخرًا وهو يدفعها جنبًا فهو لن يخطئ نفس الخطأ الذي فعله مع سها وهو أنه أسرع في الارتباط بها بشكل رسمي فقط لأنه انبهر بذكائها في العمل، هو لا يشجع الارتباط الغير رسمي بالطبع لكن على الأقل لا يتسرع
تحدثت رحمة بسرعة موجهة حديثها إلى نور التي كانت تتحدث حديث سري بينها وبين براءة :
-مس نور هو كل قراءاتك كتب مش بتقرأي لحد على الفيس
نظرت إليها نور بإنتباه بعدما كانت تحدثها براءة عن انجرافها في الحديث بهذه الطريقة الغريبة مع رجلٍ غريب :
-على الفيس؟ ايوه بقرأ بس كُتاب مش معروفين قوي مش ليهم أسماء كبيرة يعني
-بتقرأي قصص قصيرة بتحبي النوع ده يعني
نظر حمزة إلى شقيقته متعجبًا هو ود لو يسألها هذا السؤال لكن لم يفعل، إذًا فلما تفعل رحمة هذا، إنتبه إلى نور التي اجابت إجابة جعلت عينيه تلتمع والابتسامة ارتسمت على وجهه :
-مش بميل ليها قوي بصراحة بس بتابع شخص بينزل قصص قصيرة حلوة اسمه كاتب الظل بحب طريقة الكتابة بتاعته وكل قصة ليها عظة كأن الكاتب عاش كل قصة كتبها بيتكلم بواقعية شديدة بس.... بيبقى رخم في بعض الأحيان بسبب الواقعية دي مش كل نهاية كل قصة سعيدة حتى كتبه اللي بينزلها مفيش نقطة وردية كله سواد السواد
كان حمزة يستمع إليها بتمعن شديد وكل كلمة تنطق بها يزداد لمعان عينيه وكأن هذه أول مرة يستمع لأحدهم يمدح كتاباته، لكن ما ان استمع إلى نهاية حديثها حتى قال :
-ما هو ده الواقع مش انتي قولتي كتاباته واقعية جدًا
اعتدلت في جلستها هاتفة بقنوط :
-ماشي بس هو احنا هربانين من الواقع للكتب فنلاقيه مستنينا بمراره جوا
ضحك حمزة بشدة مصيبًا إياه بحرج وقد ازداد حرجها عندما نادي عثمان على ابنه قائلًا :
-ايه يا حمزة بتضحك على ايه عندك؟ ايه اللي مقعدك هناك أساسًا
ألتزمت نور الصمت بعد هذا الإحراج فقال حمزة تزامنًا مع وقوفه :
-انا برضو بفضّل الكتب الواقعية وسمعي الست الوالدة اللي جنبك دي فهميها إننا فعلًا بنقرأ الكتب هروبًا من الواقع علشان بنلاقي فيها شغف وحماس مش حكاية إدمان ولا حاجة
أمسك حمزة بكوب النسكافية وشرب منه القليل منَحِيًا نور عن أفكاره فكما قال حتى ولو انبهر بها لن يستعجل، أمسك بأوراق القضية مكملًا عمله عليها فيشعر كثيرًا بالمتعة وكأنه يكتب أو يقرأ فتذكره أحداث القضايا بكتب التحقيقات والجريمة وحينها يجد طرف الخيط بخياله الواسع...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
نفخت بتعب وهي تعيد بعض الخصلات المتمردة من شعرها خلف أذنها ليس وكأن شعرها شديد النعومة لكن خصلات شعرها من الأمام قصيرة تصل إلى ما بعد غرتها حالها كحال جميع الفتيات اللواتي يعانين من هذا الأمر
وضعت يدها أسفل وجنتها تكمل دراسة المحاضرات وقد شعرت بملل وفتور شديد وأنها تود فعل شئ آخر غير الدراسة
تمددت على الفراش تطالع السقف بضجر وهي تأرجح قدميها في الهواء على الجهة الأخرى من الفراش لتنادي بصوت مرتفع على شقيقتها التي تقوم بتنظيف المنزل اليوم فالدور عليها بما إنها عطلة اليوم من عملها :
-نــــور بتعملي ايه
اجابتها الأخرى وهي تعصر عصا المسح حتى تمسح الأرضية ويبدو الإنهاك باديًا عليها :
-رايحة أمسح الأرض عايزة ايه؟؟
-طب ما تسيبي الشرشوبة وتنزلي تشتريلي حاجة حلوة وتيجي
تحدثت نور بصوت ساخر طغى عليه الغضب فألا يكفي أنها تنظف منذ الصباح بمفردها والأخرى تجلس على الفراش أمام كتبها فكم هو أمر مستفز أن تعمل بمفردك في المنزل وشقيقتك لا، ومَن منا لم يعاني من هذا الأمر :
-واتعب نفسي ليه وأنزل، ما أرميكي من فوق أسرع
-لا ما انا كده مش هنزل قطعة واحدة
-وانا لو دخلت مش هخلي فيكي قطع أصلًا فلمي نفسك على الضهرية علشان انا بشتغل من تمانية الصبح وانتي قاعدة عاملة نفسك بتذاكري
اعتدلت عائشة سريعًا في جلستها تمسك بكتبها قائلة :
-لا علفكرة بذاكرك كفاية ظلم
نظرت إلى كتابها تحاول أن تستعيد شغفها قليلًا فلا وقت للعب، هي في كلية لن ينفع معها اللعب أبدًا ولن تقبل بدرجات هينة، عقدت حاجبيها عندما استمعت إلى أصوات مرتفعة وبالطبع تعلم مصدرها ووالله لن تصمت عليه هذه المرة
هي تريد شخصًا تتشاجر معه حتى يذهب عنها الضجر وهو أفضل من يستحق هذا
سحبت حجاب وغطت به شعرها ثم خرجت من الشرفة تنظر إلى الشرفة المقابلة التي تعود لذلك الوطواط الذي لا يكف عن مضايقتها بصوت تلفازه المرتفع
هي لم تفتح فمها طوال الفترة الماضية مراعاةً لأنه ابن صاحب البناية وستكون وقاحة منها أن والده يسكنها هي وبنات عمها بينما هي تتواقح على ابنه
لكن كفى كما قالت السيدة أم كلثوم للصبر حدود وهي صبرها نفد منذ زمن، نادت بصوت شبه مرتفع حتى يسمع من الداخل :
-انت يا بني آدم انت يا اللي جوا
لم تتلقى أي إجابة فنادت عليه بأسمه بصوت أكثر عصبية :
-انت يا اللي اسمك كـــريـــم
خرج كريم إلى الشرفة متعجبًا أن هناك أحدًا ينادي عليه من الشرفة التي بجانبهم، ففي العادة لا يتحدثن الفتيات معه بل وإن علمن أنه موجود أو حمزة في الغرفة لا يجلسن في الشرفة
رفع حاجبه متعجبًا يبصر عائشة تقف ويبدو الغضب مليًا على وجهها وما إن رأته حتى هتفت قائلة :
-هو انت اطرم؟؟
أشار الآخر إلى نفسه متعجبًا بينما هي أكملت :
-صوت التلفزيون وصل للدور العاشر فوق ده كله مش سامع
-انتي عايزة ايه دلوقتي؟
نطق بها لا يفهم ماذا تريد فقالت الأخرى وهي تضغط على كل كلمة تنطق بها :
-وطي التلفزيون شوية يا إما تروح تقعد على قهوة قرفتنا يا عم، شهرين وانا ساكتة قولت يمكن يكون عنده دم أو إحساس بس شرد من عندك
حدق بها كريم ضاغطًا على شفتيه يمنع نفسه من سحبها من كتفيها وألقائها من الشرفة، وما انقذها هو قدوم شقيقتها التي حضرت على صوتها المرتفع وهي لا تدري مع من تتشاجر :
-بتتكلمي مع مين عائشة بصوتك العالي ده!؟
خرجت إلى الشرفة وهي تحكم خمار الصلاة على رأسها لتتسع عينيها مذهولة، ترى واحد من ابنيّ الأستاذ عثمان ويظهر الضيق على ملامحه، نظرت إلى شقيقتها ودارت عينيها بينهما هاتفة :
-فيه ايه؟؟ هو ايه اللي حصل!؟
نظرت إليها عائشة صائحة :
-بقوله وطي تلفزيونه اللي طرمنا بيه ده لا عارفين نذاكر ولا عارفين ننام
سحبتها نور من عضدها للداخل عاضضة على شفتيها بتحذير حتى تصمت :
-طب ادخلي ووطي صوتك ده عيب
نظرت إلى كريم ثم أكملت بهدوء ورزانة :
-معلش لو توطي صوت التلفزيون شوية علشان هي عايزة تذاكري
هز كريم رأسه مندهشًا من فرق التعامل بين نور وعائشة رغم كونهما شقيقتين :
-فيها ايه لو كانت اتكلمت بهدوء زيك كده؟!
تحدثت عائشة وهي تمد رأسها من الداخل قائلة :
-وانت اللي زيك يعرف الهدوء مشغل ماتشات ليل نهار متقولش حتى فيه ناس حواليا وبلاش إزعاج ولا علشان انت ابن صاحب العمارة، معندكش كلية معندكش نوم معندكش إحسا
دفعتها نور بسرعة قبل أن تكمل صائحة بذهول :
-اسكتي يخربيتك اسكتي
نظرت إلى كريم المصدوم متأسفة له إذ قالت :
-معلش مفيش والله انا آسفة حقك عليا هي عصبية مش بتفكر في اللي بتقوله
تحدثت عائشة بغضب وهي تحاول الدخول إلى الشرفة لكن ذراعي نور تحول بينها :
-انتي بتتأسفي ليه ده هو اللي المفروض يتأسف ويقول معملش كده تاني ووالله لو سمعت صوت صرصار ليل جاي من عنده حتى لأقدم فيه محضر عدم إزعاج
وهذه المرة دفعتها نور بعنف مسقطة إياها على الفراش متحدثة بغضب :
-بس بقى ايه قلة الذوق دي، عيب كده لمي لسانك
عادت إلى كريم مبتسمة بحرج مبدية بإعتذار آخر فهذه هي شخصيتها تقدم إعتذارات حتى ولو لم ترتكب هي المشكلة، هي شخص محايد سلمي لا يحب المشاكل ولو حدثت مشكلة مع شخص يخصها تحاول حلها حتى لا تتأزم الأمور :
-امسحها فيا انا بس فعلًا صوت تلفزيونك عالي وطيه شوية انا بفضل سامعاه لحد ما أنام وهي مش بتعرف تنام وفيه صوت عالي حواليها
اجابها الآخر مذهولة إذ قال :
-سبحان الله شتات بينكم في التعامل والشخصية حتى نبرة الصوت
هز رأسه متفهمًا منها هي ثم أكمل :
-علشانك انتي هوطي الصوت رغم اني اتعودت على صوته عالي بس علشان انتي محترمة واتكلمتي بذوق
استدار حتى يدخل لكنه عاد واستدار نصف استدارة قائلًا بالتزامن مع امساكها لمقبض باب الشرفة حتى تدلف :
-انتي قولتي آسفة وحقك عليا تلات أربع مرات تقريبًا، هو انتى متعودة تعتذري بسببها كده كتير
قلبت الأخرى عينيها متمتمة بسخرية :
-كتير ومش بسببها هي بس تقريبًا نص العيلة بتحب المشاكل
-سيبها المرة الجاية خلي اللي بتتخانق معاه يأكلها علقة
ضحكت نور بنبرة أشد سخرية ثم قالت :
-يأكلها عقلة!؟ مين عائشة؟ ده انت طيب
أغلقت الشرفة ودلفت باحثة عن عائشة لتسمع صوتها قادم من الصالة مختلط مع صوت براءة، خرجت حتى تلقن تلك القصيرة ذات اللسان الطويل درسًا في الأخلاق لكن عوضًا عن هذا وجدت بقع طين لحذاء تلطخ الأرضية التي مسحتها للتو
اتبعت خطوات الحذاء لتجد أنها تعود لتلك السمراء الطويلة التي تجلس القرفصاء على الاريكة ملقية بالحذاء بطريقة عشوائية بينما هي منشغلة بالحديث مع عائشة عن ما فعلته مع كريم، لينتفض كلاهما على صراخ نور وهي تقول :
-طب أقسم بالله العظيم لو ما قومتي يا براءة مسحتي السراميك اللي بوظتيه ده لأمسحه بوشك مش انا أكنس وامسح وارتب وانتوا تبوظوا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
قلبت كوب القهوة في يدها ببطء وهي تسير في أرجاء الشقة تتذكر أحداث كابوس ليلة أمس، لا تدري متى تذهب هذه الكوابيس وتكف عن ملاحقتها ففي الآونة الأخيرة أصبحت تراودها الكوابيس كل ليلة حتى أنها تستيقظ ليلًا تبكي بسببها
ظنت أنه عندما تنتهي من كابوسها الحقيقي ألا وهو حاتم وعائلته ستكف الكوابيس في نومها عن ملاحقتها لكن لم تفعل فظلت تراودها حتى الآن يبدو أنها تحتاج لزيارة طبيب نفسي
جلست في شرفتها تحدق في السماء الغائمة مُخفية نجوم الليل، تتذكر كابوس ليلة الأمس الغريب والذي لم يراودها من قبل، ففي العادة تحلم بوالديها أو بسعاد وعذابها، أو بكاظم ومحاولاته المقززة في التقرب منها، أو بحاتم وتلك الليلة المشؤومة الذي جعلها فيه زوجته بشكل رسمي
لكن أمس حلمت بشخص غريب لم تره من قبل، كان قاتل ويود قتلها، غريب هذا الكابوس ولا تفهم له معنى
ارتشفت بعض القهوة وهي تلقي بنظرة عابرة ناحية الشرفة التي بجانبها عندما تذكرت أن ذلك القاتل من الحلم كان جارها، أطلقت صرخة فزعة وقد سقط الكوب من بين يديها تبصره خرج من خيالها وتجسد أمامها في الشرفة مستندًا عليها بذراعيه، محدقًا بها ببسمة غامضة
لكن ما إن صرخت عقد حاجبيه وهو ينظر حوله :
-بس يا ولية اكتمي هتفضحينا
وضعت هاجر كفيها على فمها بسرعة تحدق به بأعين مصدومة فقال الآخر مبتسمًا ابتسامة ساخرة :
-مكنتش اعرف اني قلبك خفيف كده يا لوزة، أقولك إمبارح اعمليلي كبدة مغاوري فيغمى عليكي
زادت الصدمة في عينيها وجحظت بشكل مضحك له لتنزع كفيها من على فمها قائلة :
-هو انت مكنتش كابوس وعدى
ذم الآخر شفتيه بإمتعاض مصطنع وهو يحاول ألا يضحك عليها خاصةً على ملامحها المصدومة هذه :
-لأ كده ازعل، بقى انا في نظرك كابوس لأ انا مش هقبل من اني أكون أقل من حلم جميل ومن اللي مش بيتكرروا غير مرة في العمر، ثم كابوس ايه؟ هو انتي مش بتعرفي تفرقي ما بين الحلم والحقيقة؟!
تنفست الأخرى بصوت مرتفع ولا تزال الصدمة بادية على ملامحها :
-انت... انت قتلت.... واحد في... في بيتك؟ انت قتال قتلة!؟
آماء لها الآخر مبتسمًا بإتساع رغم أن هذا ليس حقيقي لكن تعجبه هذه اللعبة الظريفة، زادت ابتسامته عاضضًا على شفتيه حتى لا يضحك يراها عادت للخلف مرتعبة حتى اصطدم ظهرها في باب الشرفة :
-لا تأذيني ولا أأذيك بيني وبينك حد الله
-هو انتي شايفة قدامك تعبان ولا عفريت؟ ايه بيني وبينك حد الله دي!؟
حمحم وهو يعتدل في وقفته مكملًا :
-المهم الكبدة اللي
لم يكمل حديثه إلا وجدها تختطف هاتفها من على الطاولة الصغيرة الموضوعة في الشرفة ثم ركضت للداخل، زفر بضجر وهو ينظر حوله ليقول بصوت شبه مرتفع حتى تسمعه :
-لوزة لو بلغتي البوليس هقتلك واحطك في البانيو واحط عليكي بِطاس علشان جلدك وعضمك يدوبوا
توقفت يد هاجر قبل أن تضغط على زر الرنين فهى بالفعل كانت ستتصل على الشرطة، نظرت إلى الشرفة مزدرقة لعابها بتوتر لتقترب منها ماددة رأسها إلى الخارج قليلًا تحدق به بخوف من ثم قالت :
-انت عايز ايه بالظبط؟؟
-عايز كبدة تعرفي تعملي كبدة
هزت رأسها بتردد فضرب الآخر كفيه بقوة افزعتها ثم قال :
-حلو عندك كبدة بقى ولا اجيبلك
-عندي بس مش هعمل كبدة مغاوري
كانت نبرتها مهزوزة خائفة جعلته يود الضحك بملئ صوته لكنه كتمها بداخله ثم قال :
-هسامح المرة دي وآكل كبدة عادية بس لو مطلعش أكلك حلو يا لوزة
استمع إلى رنين الهاتف آتي من الداخل في شقته فنظر إليه لبرهة ثم عاد بنظره إلى هاجر فوجدها تبخرت من أمامه، ضحك بخفوت ثم دلف يرى الرسائل التي وصلت على هاتفه وبها معلومات عن سكان هذه المنطقة فظل يقرأ بها بإهتمام
وقد ظل على هذا الحال لوقت لا بأس به إلىٰ أن سمع صوت الشرفة يغلق بعنف وبالطبع لم تكن شرفته، مد رأسه للخارج وقد أبصر على السور طبق بها طعام وعندما اقترب تبين له أنه الطعام الذي طلبه من هاجر
أرتسمت على وجهه ابتسامة متعجبة هل طهت ما طلبه بالفعل؟!
أمسك بالطبق والتقط قطعة يتذوقها فهمهم بتلذذ شديد قائلًا :
-هبلة وعيوطة بس أكلها حلو
نظر إلى باب شرفتها مضيقًا عينيه بتفكير يتذكر ما وصله عنها من معلومات فلم يكن هناك الكثير غير أنها تعيش وحيدة في هذه الشقة منذ أسبوعين تقريبًا ولا يوجد أي معلومة أخرى وهذا أمر مريب قليلًا
أمسك هاتفه متصلًا على مساعده وهو يأكل من الطبق بجوع وتلذذ فهو يعيش تقريبًا على الأكلات الجاهزة ومعدته تنسى معنى الطعام المعد في المنزل :
-ايوه يا ابني هاجر حاكم اللي ساكنة في شقة سبعة في الدور الرابع ليه مش موجود عنها ولا معلومة
-ثواني يا باشا دقيقة
بحث الآخر في الأوراق التي بعثها لرئيسه منذ قليل ليجد ملف هاجر هذه الشبه فارغ تقريبًا فقال :
-مفيش ولا معلومة عنها يا باشا ولا حتى إذا كانت وارثة الشقة دي ولا مأجراها ولا أي حاجة
اعتدل الآخر في جلسته هاتفًا بتركيز :
-يعني ايه مفيش ولا معلومة عنها هي من الجن ولا ايه؟!
-والله يا باشا ظاهر قدامي اني اسمها هاجر وسكنت في الشقة من ١٥ يوم بالظبط ومش ظاهر اي حاجة تاني عنها حتى اسمها محدش يعرفه علشان هي متعاملتش مع أي حد من وقت ما سكنت
-طب اسمها كامل ايه أنزل السجل المدني وهاتلي معلومات عنها اتصرف يا ابني
-ما هو يا باشا البنت دي قولتلك ساكنة من غير إيجار يعني مفيش عقد بالتالي مفيش اسم اعرف اوصلها بيه
رفع الآخر حاجبيه متعجبًا كم الغموض الذي يحيط بتلك الفتاة رغم أنها تبدو أبسط من كل هذا التعقيد، مسح وجهه ينفي بالطبع شكه من أن تكون هي السفاح فأي سفاح هذا يفقد الوعي في دقائق خوفًا من سكين لم يفرق حتى ان كانت ملطخة بالدماء أم بعصير البنجر :
-لو بعتلك صورة البنت دي تعرف تجيبلي معلومات عنها
-آه طبعًا اينعم هياخد وقت بس هعرف
-تمام هقفل انا وهبعتلك صورتها
أغلق الهاتف ثم وقف متجهًا إلى الحائط الذي يعلق عليه صور سكان البناية فالجميع في دائرة الشك بدون استثناء حتى هاجر هذه فبالتفكير في الأمر، معلوماته تقول أن السفاح دلف هذه البناية منذ خمسة عشر يومًا وهي سكنت هنا منذ خمسة عشر يومًا
السفاح لم يظهر أنه قتل أحدًا منذ أسبوعين وهذه الفتاة وفقًا لمراقبته لها كما يراقب الجميع هنا لم يظهر عليها شيئًا غير أنها تخرج صباحًا وتعود في الثانية ظهرًا
السفاح لم يُعلم حتى الآن إن كان رجلًا أو امرأة وإن تحدثنا عن ذلك الفيديو الذي نشره وظهر صوت رجولي به كما أن الشاب عندما كان يتوسل كان يتوسل بصيغة محادثة ذكر
كل هذا لا ينفي أنه قد يكون أنثى متخفية خلف لثام لذا ظنه رجلًا، أرسل الصورة إلى مساعده ثم ظل يحدق في صورتها التي ألتقطها لها أثناء خروجها من البناية
ربما تظهر هاجر أنها خرقاء ساذجة تخاف من ظلها لكن كم من سفاحين ومجرمين ظهروا من الخارج أنهم ألطف المخلوقات بينما هم ينافسون إبليس في الخبث والدموية، وهو هنا ليعلم من البرئ من المجرم...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الخامس عشر 15 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
بدأت أنزل الرواية على الفيس يا شباب يعني لو حد بيفضل يقرأ على الفيس أكتر من الواتباد مع اني مش بفضل الفيس بصراحة بحس هنا أفضل علشان التعليقات على الفقرات بس انا عملته كنوع من الترويج، الرواية بتنزل على الصفحة اللي بتعامل بيها على جروب الفيس بتاعنا 👀🌹
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
"مقتطف مستقبلي"
خرج يوسف بعد أن أجرى كشف عليها وتركها رفقة براءة بعد فترة من البكاء فلم يكن بها شئ غير انهيار عصبي وقد بدأ يزول عنها، خرج ليجد حمزة جالسًا في الخارج على مقاعد الإنتظار بينما يتكئ يونس بكتفه على الحائط
نظر إلى الإثنين بملامح معقودة ثم قال :
-انتوا لسه قاعدين ليه ممنوع أصلًا
اجابه يونس وهو يشير بعينيه إلى حمزة الجالس :
-رفض يمشي غير لما يتكلم معاها
زفر يوسف بتعب تبعه حديث حمزة وهو يستقيم من على المقعد :
-هتكلم معاها على أساس اني المحامي بتاعها يا يوسف كلها يومين بالكتير وتخرج من المستشفى مش عايزها ترجع على الحجز تاني لازم أعمل حاجة وتخرج على ذمة القضية
نظر الآخر إلى العسكري الواقف أمام غرفة نور وكأنه يقول لهم وماذا عن هذا من ثم قال :
-مفيش زيارة في الوقت ده أصلًا وانا هتجازى بسببكم علشان الكاميرات صورتكم وانتوا رايحين جايين في المستشفى في قرآن الفجر
تقدم حمزة للأمام دافعًا إياه جانبًا حتى يدخل إذ قال :
-عديني انا وحل مشاكلك على جنب
استوقفه بسرعة العسكري ناظرًا إلى يونس والذي قال :
-سيبه يدخل ده المحامي بتاعها وعايز يتكلم معاها وانا نفسي هكون معاهم فلو عايز ترتاح شوية انت ارتاح
تراجع العسكري مسلمًا الأمر فهو مجرد عسكري بينما المتحدث ضابط برتبة رائد، امسك حمزة بمقبض الباب مترددًا فماذا إن كانت غفت؟!
تنهد وسلم الأمر طارقًا على الباب بيد والأخرى على المقبض وعندما استمع إلى صوت براءة تسمح بالدخول دلف في الحال
عقدت براءة حاجبيها تبصر حمزة يقف على الباب بينما عينيه معلقة بنور الممددة على الفراش، تستند بظهرها على الوسادة، تستمع إلى قرآن الفجر من خلال النافذة ولم يبدو أنها انتبهت أن هناك من دلف
حمحمت براءة ناكزة إياها فانتبهت الأخرى وعندما انتبهت أن هناك من يقف على الباب حاولت الإعتدال فقال حمزة وهو يتقدم للأمام :
-لأ خليكي مرتاحة متقوميش
وقف أمام فراشها محدقًا في ملامحها المتعبة وعينيه تشرح حزنه عليها بينما هي عندما رأته يحدق بها لم تخفض نظرها كما العادة بل ظلت تنظر إليه بنظرات ضائعة شاردة ثم قالت وهي توزع نظراتها بين حمزة ويونس الذي دلف واقفًا في أحد الأركان بهدوء شديد :
-هو انا كده لبست القضية و.... وخلاص هتحبس؟؟
نفى حمزة سريعًا يرى الرعب واضحًا داخل عينيها :
-لأ مش هيحصلك حاجة إن شاء الله انا معاكي وههتم بقضيتك لحد ما تخرجي براءة، هي القضية صعبة علشان كده جتلك في الوقت ده علشان انتي هادية حاليًا مش عليكي ضغط من عمامك أو من حد تاني
نظرت براءة ناحية يوسف الذي كان يستند على إطار الباب بكتفه لتشير ناحية يونس وحمزة قائلة :
-هو ازاي دول دخلوا هنا!؟ مش ده ممنوع؟؟
-مش عارف والله دخلوا إزاي بس اللي اعرفوا اننا هنتجازى بسببهم
-وليه حضرتك نون الجماعة انا مالي انا، انا هنا تدريب بس مش موظفة أساسية ثم انت الدكتور النبطشي هنا مش انا
قلب يوسف عينيه ضجرًا منها من ثم نظر إلى نور قائلًا :
-لو فيه حاجة هتنجدك من اللي انتي فيه ده احكيها ليونس وحمزة علشان يساعدوكِ وانجزوا بقى قبل ما يطلع النهار
سحب حمزة مقعد حديدي وجلس في المقابل لها أمام الفراش ونور تتابعه بعينيها صامتة تنتظر أن يتحدث فقال الآخر :
-بصي زي ما قولتلك القضية مش سهلة ومحتاجة دليل قوي، ضد دليل ابن سعيد علشان تاخدي على الأقل إفراج على ذمة القضية ومترجعيش الحجز تاني
أعادت الأخرى رأسها على الوسادة تحدق في السقف بأعين ملتمعة بالدموع :
-دليل ايه بس هيبقى بقوة الظلم اللي نزل على النت، انا مفيش شخص واحد دافع عني كله ضدي
تحدث حمزة بعملية وتركيز شديد فأي جملة تخرج منها سيحتاجها في هذه القضية :
- من البداية كده سليم سعيد غانم تعرفي عنه ايه؟ كان بيعمل ايه أثناء حصتك؟ لاحظتي عليه حاجة؟ أي حاجة مهمة حتى ولو قليلة في نظرك يا نور اتكلمي علشان أعرف أساعدك
نظرت نور أمامها تتذكر ما تعرفه عن سليم الطالب الفاشل صاحب السمعة السيئة ورغم هذا كان مشهور بسبب ثراء والده :
-سليم كان أكبر طالب في المدرسة عنده ١٨ سنة تقريبًا وده شيئ غريب فلما سألت قالوا أنه كان بيعيد كتير بياخد السنة اتنين تقريبًا حتى انه دخل مدارس كتير بسبب إعادة السنة دي
قاطعتها براءة مذهولة من أن هناك طالب في الصف الثالث الإعدادي يمتلك من العمر ثمانية عشرَ عامًا :
-لحظة بس هو عنده ١٨ سنة!؟ على كده لو اتحبس مش هيروح الأحداث ده هيدخل السجن حدف
-والله شكلي انا اللي هدخل السجن حدف
هتفت بها نور ساخرة على حالها لتعتدل بسرعة متذكرة شيئًا فنظرت إلى حمزة سريعًا قائلة :
-هو انا لو اثبتّ اني سليم كان بيتحرش بالبنات في المدرسة والبنات دول شهدوا على كده ده هيديني براءة
آماء حمزة سريعًا مركزًا فيما تقول جيدًا :
-ايوه طبعًا بس انتي تعرفي البنات دول؟ متأكدة من إنهم ممكن يشهدوا بحاجة زي دي
-مش... مش عارفة هيشهدوا ولا لأ بس ممكن نقنعوهم براءتي في ايديهم ومش عارفة كل البنات بس لحظة.... رحمة ولؤي
هز حمزة رأسه لا يفهم لما شقيقته وابن عمه ذُكرا في الأمر :
-رحمة اختي؟! مالها رحمة بالموضوع أصلًا؟
-رحمة واحدة من اللي سليم كان بيضايقهم طول الوقت لدرجة وصلت بيه أنه يتحرش بيها انا مش أول واحدة
اجابته الأخرى وعقلها يتذكر تلك المرة التي أتتها رحمة راكضة تبكي مرعوبة، كانت حينها تجلس على أحد المقاعد في فناء المدرسة كما عادتها فهي لا تحب أن تجلس في غرفة المدرسين عندما لا يكون لديها حصة
بل تحب الجلوس هنا في الفناء رغم أن الأجواء باردة لكن بالنسبة إليها أفضل من الجلوس مع أولئك النساء اللواتي يأتين في سيرة الجميع بل لا عجب أن سيرتها واحدة من اقتراحاتهم، بالإضافة إلى أنها لا ترتاح في الجلوس مع الغرباء، ربما الأمر كرهاب إجتماعي معها لكنها تفضل الجلوس بمفردها
ابتسمت وهي ترى اقتراب هاجر منها تلك الفتاة التي تقابلت معها أول مرة في فناء المدرسة وكان أول يومٍ لها في المدرسة وضائعة في هذا الفناء الفسيح كما كانت هي أيضًا
شعرت أنها تشبهها في نفس التصرفات والخجل من التعامل مع الآخرين بل حتى هي أيضًا لا تجلس في غرفة المعلمين بسبب اسألتهم الكثيرة لها فتأتي وتجلس هنا في الفناء معها، هي شخصية لطيفة خجولة وتبدو وحيدة لذا تجلس معها يوميًا وتتحدث معها في فترة الإستراحة
افسحت لها مكان حتى تجلس به وقبل أن تتحدث عن سبب وجودها هنا رغم أن لديها حصة الآن، قاطعتها هاجر وهي تجلس هاتفة بذعر :
-انا مش بتصل عليكي من إمبارح مردتيش ليه
أشارت نور إلى نفسها هاتفة بتعجب :
-اتصلتي عليا انا؟ أمتى!؟
-على الساعة عشرة ونص كده بالليل
-يا راجل ده انا كنت في سابع نومه ثم التليفون كان صامت يمكن علشان كده مسمعتش المهم كنتي عايزة ايه في الوقت ده
اجابتها الأخرى بصوت منخفض خائف وكأن أحدًا سيسمعها رغم أن الفناء فارغ تقريبًا إلا منهما وكم طالب يمرون هنا وهناك :
-انا هموت يا نور جاري المجنون ده هيقتلني
حدقت الأخرى بملامح باردة قبل أن تقول وهي تعتدل في جلستها :
-طب صلي على النبي جارك ده ما هو إلا واحد فاضي بيستهبل عليكي علشان يضيع وقت فراغه وقولتلك الكلام ده من أسبوع، مش انتي بتقولي أنه طلب منك قبل كده أكل معين بالليل وانتي عملتيه علشان تتقي شره وحطتيه على سور البلكونة
آماءت لها هاجر صامتة فأكملت نور وهي تضربها على رأسها باصبعها :
-ما هو ده اللي هو عايزه لعبة يتسلى بيها وانتي بهبلك خايفة منه، طنشيه ولا كأنه موجود يا هاجر وهو هيحل من على دماغك
-لأ لأ انتي مشوفتيش اللي انا شوفته انا
قلبت الأخرى عينيها مقاطعة إياها :
-شوفتيه ماسك سكينة عليها دم وصوت صريخ جاي من شقته بصراحة فكرت في الموضوع ما يمكن اللي كان على السكينة مش دم وصوت الصريخ ده صوت تليفزيون عادي، أصله ليه انتي الوحيدة اللي شكيتي أنه قاتل وباقي العمارة لأ
-هو انتي عرفتي ده كله ازاي!؟ أو استنتجتي ده ازاي؟؟
تساءلت بها هاجر فقالت نور محمحمة :
-هقولك بس متترقيش انا بقرأ كتب كتير منها عن الجريمة وكده وأحيانًا خيالي بيسرح بعيد ففكرت في الاستنتاج ده
-يا سلام؟ ده حاول يقتلني يا نور، طب ده انا إمبارح شوفته معلق على الحيطة صور لكل اللي ساكنين في العمارة حتى صورتي كان من ضمنهم تفسيرك ايه بقى؟
حدقت بها نور صامتة ترفرف فقط بأهدابها لتقول بعد فترة وجيزة من الصمت :
-هو انتي دخلتي شقته؟؟
-لأ شوفتها من برا، استني اشرحلك انا إمبارح دخلت البلكونة على الساعة عشرة كده علشان ألم الغسيل من المنشر الصغير اللي في البلكونة لقيت بقى الهوا طير نص الغسيل على بلكونته
-وطبعًا روحتي خبطتي عليه في ساعة زي دي بالليل
-اعمل ايه طيب ده انا قعدت نص ساعة أفكر اعمل كده ولا لأ بس كان فيه هدوم محتاجها ضروري أعمل إيه روحت خبطت عليه ويا ريتني ما عملتها
وقفت أمام باب شقته كلما رفعت يدها حتى تطرق اخفضتها مجددًا لا تريد أن تحتك بهذا الرجل الذي يثير رعبها وتعجبها في آنٍ واحد، هو لا ينفك عن التعامل معها بتلك النبرة الساخرة المخيفة وكأنه يستلذ بخوفها
هو لا يتعامل معها كثيرًا لكن ما إن تقابله على الدرج أو جالسة في الشرفة حتى يبدأ في إثارة خوفها بحديثه عن القتل والضحايا والدماء وهي حقًا تخاف من كل هذا
عزمت أمرها وطرقت تتذكر حديث صديقتها في أنه شخص يمزح على الأرجح لكن بمزاح ثقيل نوعًا ما، فمن الذي يعترف على نفسه لأحد بأنه قاتل، طال رده على طرقها فقررت العودة إلى شقتها سريعًا متقية شر الشبهات فماذا تفعل هي أمام شقة رجل وحيد في مثل هذه الساعة
ولكن قبل أن تصل إلى شقتها كان هو يفتح الباب ولا يبدو أنه كان نائمًا، إذًا لما استغرق وقتًا في فتح الباب؟؟
اقتربت عدة خطوات محافظة على المسافة لتقول بنبرة مترددة :
-محتاجة مساعدة منك بس لو مش هضايقك
-لا بصراحة هتضايقيني
اتسعت عينيها مذهولة من هذا الرد الوقح الفظ بشدة بينما الآخر أكمل غير مبالي فهو بالفعل كان مشغولًا حين طرقت هي لكن وجودها هنا والآن جعله يقول مثيرًا خوفها كما العادة فهذه الفتاة الوحيدة التي تجعل مهمته هذه غير مُضجرة :
-انتي بتخبطي على باب شقتي الساعة عشرة ونص بالليل ومسيباني الراجل اللي بقطع فيه جوا علشان حضرتك عايزة مني مساعدة، هو انا جوزك وانا معرفش؟؟
-انت... انت بني آدم قليل الذوق
هذا ما نطقت به بعدما تفاجأت من وقاحته أجل هو يخيفها بحديثه الذي على الأرجح غير حقيقي لأنها جبانة بطبعها، لكن لم تعلم أنه وقحٌ هكذا
ابتسم لها الآخر ابتسامة باردة ثم قال :
-وانتي مزعجة بجد هو فيه حد يخبط على حد الساعة عشرة ونص في عز الشتاء
-ده على أساس انك كنت نايم ما انت صاحي أهو وأكيد مكنتش بتقتل حد زي ما بتقول محدش هيقول على نفسه حاجة بالسرعة دي إلا إذا كان كداب
ارتفعا كلا حاجبيه من جرأتها هذه المرة في الرد ففي العادة تفر هاربة من أمامه بملامح خائفة، يبدو أنها استوعبت الآن أنه كان يمزح منها حتى يراها خائفة
ورغم كل هذا أردف راسمًا على وجهه ابتسامة مخيفة وهو يسحب سلاحه الموضوع على منضدة صغيرة بجانب الباب لكنه خبأه خلف ظهره حتى لا تصرخ في هذا الليل :
-تحبي تسلمي على الجثة جوا؟
رمشت هاجر عدة مرات تستوعب ما قال وعينيها لا ترى ما خبأه خلف ظهره لذا قالت بسرعة حتى ترحل من هنا :
-هدومي الهوا طيرها من على المنشر في بلكونتك
نظر الآخر ناحية شرفته يدعي الغباء فهو رأي بالطبع هذه الملابس وقد رجح أنها تعود إليها لكنه لم يعيدها وانتظرها هي :
-هي دي هدومك؟ والله كويس إنك قولتيلي علشان كنت ناوي ارميها من فوق
اتجه ناحية الشرفة تاركًا إياها تقف على الباب تضغط على فكها بغيظ هامسة :
-فعلًا قليل الذوق
اتجهت انظارها إلى داخل شقته لم تكن الأضواء مغلقة لذا رأت بوضوح هذه المرة ولم يكن أي شئ في مكانه يبدو أنه ليس من النوع المنظم أبدًا، وماذا تنتظر من شاب أعزب يعيش بمفرده
لكن مهلًا هل هو أعزب من الأساس يبدو على ملامحه وبعض الشعيرات البيضاء القليلة في شعره الأسود أنه ليس أقل من خمسٌ وثلاثون عام، مهلًا لما تطرح هذه الأسئلة على نفسها من الأساس
ابعدت نظرها عن شقته لكنها عادت ببطء مخيف عندما لمحت صورًا معلقة على الحائط وإذ بعينيها تتسع شيئًا فشئ تبصر صورًا لساكني البناية حتى أن صاحب محل البقالة في الأسفل صورته معلقة
شهقت بصوت مكتوم تضع كفيها على فمها تبصر صورتها معلقة معهم وعليها علامة خطين احمرين متعاكسين تعني خطأ أو انتهى على الأرجح
عاد جارها وفي يده ملابسها ليقول بفظاظة :
-تاني مرة حطي هدومك بعيد عن الهوا مش ناقص انا
عقد حاجبيه بتعجب شديد يراها في حالة ذعر كلي وعينيها تنتقل بينه وبين سلاحه القابع في يده وعلى الأرجح نسى أنه في يده، نظر إليها في انتظار صراخها أو هروبها أو أي شئ لكنها نقلت بصرها لشئ خلفه وعندما استدار فهم تقريبًا لما هي مذعورة هكذا
عاد بنظره سريعًا إليها عندما سحبت منه ملابسها وفرت إلى شقتها مغلقة الباب بسرعة وعنف فظل ينظر إلى طيفها لثواني قبل أن يدلف ويغلق هو أيضًا الباب ليقول سائلًا نفسه، مستندًا بكفه على الباب :
-تقريبًا كده هتبلغ عني النهاردة أو بكرة بالكتير
أنهت هاجر حديثها تنتظر رد فعل من نور التي كانت تستمع وعينيها تتسع شيئًا فشئ وعندما أنتهت فتحت فمها للتحدث لكن أغلقته مجددًا عندما لم تجد ما يقال فقالت هاجر تنتظر منها أي شئ :
-انتي سكتي كده ليه قولي حاجة بالله عليكي انا مش عارفة أعمل إيه
همهمت نور وهي تقف وتتحرك أمامها في حركة اعتادتها أثناء التفكير فعندما تفكر تظل تسير حول نفسها بدون هدى وكأن هناك من يلحق بها :
-بصراحة المنطق بيقول ده بني آدم هزاره تقيل بينما الصدفة بتاعتك بتقول اني ده واحد سايكو بجد زي اللي شروق بنت عمي بتتفرج عليهم في الأفلام والمسلسلات الكورية بتاعتها
كانت عينا هاجر تتحرك معها أثناء تحركها الغريب هذا بينما أذنيها تركز فيما تقول إذ أكملت نور :
-انتي قولتي أنه كان معاه مسدس وهو عايش واحدة فنستبعد كونه مسدس لعبة علشان مفيش اطفال معاه، وقولتي أنه معلق صور لسكان العمارة وانتي من ضمنهم على الحيطة وده له تفسيرين يا إما هو سايكو فعلًا يا إما هو عنده وسواس وبيحب يراقب الناس
توقفت أمامها وقد دار عقلها بداخل رأسها لتفرد يديها أمامها قائلة :
-بس لو هو عنده وسواس ليه عنده مسدس، اقولك قضى أخف من قضى بلغي عنه ولو هو مش قاتل اقاصها هيتعملك بلاغ كاذب وهتتدفعي غرامة ٥٠٠ جنية
ذمت هاجر شفتيها بتفكير لتقول بتردد :
-بس هو قالي لو بلغتي عني هحطك في البانيو وهحط عليكي بطاس علشان ميبقاش فيه لا جلد ولا عضم
رمشت نور عدة مرات لتعود وتدور حول نفسها قبل أن تقول فجأةً وكأنها وجدت الحل وهي بالفعل كذلك :
-بس لقيتها تروحي القسم وتقوليلهم في سفاح عايش في الشقة اللي قدامي وفيه صريخ كل ليلة بسمعه ومرة كان هيقتلني بسكينة فيها دم، بصي قولي كل اللي تعرفيه وكل اللي حصل وتقوليلهم هددني مبلغش عنه وإلا هيقتلني هما بقى هيتحفظوا عليكي لحد ما يقبضوا عليه بس كده اتحلت
أعجب الأخرى هذا الاقتراح كثيرًا لكن مهلًا هناك مشكلة صغيرة أخرى وهو أنها لا تستطيع التعامل مع الناس فعاشت ثمانية وعشرون عامًا من عمرها في إنعزال فوالديها كانا شديدا الخوف عليها لأنها وحيدتهما
وبعد زواجها من حاتم كان ممنوع الخروج من سجنها ذلك إلا في أقصى الحدود وفي العادة كانت هذه الحدود هو ذهابها الي المشفى أو زيارة قبر والديها
حمحمت تقترح على نور الذهاب معها بطريقة مهذبة تتوقع الموافقة منها فنور وبالرغم من كونها شخصية خجولة إلىٰ أنها تحب المساعدة وهذا يشهده الجميع هنا في المدرسة بمعلميها بطلابها
ورغم أيضًا أن وجودها بالكاد أكمل الشهر إلىٰ أنها استطاعت خلق لنفسها هالة من الإحترام فهي ذات شخصية عطوفة على جميع الطلاب رغم تشددها، محبة لا تقول لأحد لا أبدًا رغم تفضيلها للجلوس بمفردها دائمًا :
-نورهان انتي عارفة اني مش بتكلم مع حد خالص من وقت ما جيت هنا غيرك
هزت نور رأسها تنتظر أن تكمل فقالت الأخرى :
-تعالي معايا القسم علشان انا مش هعرف أروح لوحدي هخاف، انا أصلًا خيبة
-كان على عيني والله، ده انا لو حد عاكسني بموت في جلدي تقولي تعالي نروح القسم نتهموا واحد أنه قتال قتلة
رفعت هاجر اصبعيها السبابة والوسطى مرددة ببلاهة :
-يعني احنا كده خيبتين
وقبل أن تجيبها نور بأجل توقفت سريعًا وهي ترى رحمة تقترب منهما مهرولة وتنهمر من عينيها الدموع لدرجة أنها لا ترى بوضوح فتتعثر أثناء ركضها، تحركت لها سريعًا متجاهلة هاجر التي كانت تتساءل إلى ما تنظر هكذا
وصلت إليها في ثوانٍ لتمسك بكتفيها محاولة فهم ما بها :
-مالك يا بت بتبكي كده ليه؟؟
اجابتها الأخرى بنبرة متقطعة أثر شهقاتها المتتالية تشير بيدها ناحية المبنى الخاص بالمرحلة الإعدادية :
-لؤي بيتخانق مع... مع سليم وعوروا... بعـ.. بعض
أسرعت هاجر بخطى سريعة ناحية ذلك المبنى وتبعتها نور ليجدا لؤي وأحد طلاب المرحلة الإعدادية يدعي "سليم سعيد غانم" كلاهما يتشاجران بالقرب من مراحيض الفتيات وقد أصيبا بجروح في وجهيهما
صاحت نور باسم لؤي وهي تتجه نحوهما ساحبة لؤي من فوق سليم ذو الوجه الدامي، فبرغم من أن سليم وبسبب إعادته لمراحله الدراسية يكبر لؤي بثلاث سنوات تقريبًا، إلىٰ أن لؤي كان له اليد العليا، وهذا بسبب ذهابه أسبوعيًا إلى نادي رياضي رفقة أبناء عمومته
وكم كان من الصعب على نور التحكم به فكان غاضبًا هائجًا بشدة، بل وحديث ذلك الآخر يستفزه ويزيد من حركته العنيفة فقالت هاجر وهي تقف أمام سليم تمنعه من التكلم بأي كلام سخيف آخر ولم ينتهي هذا الشجار إلا من بعض الأساتذة الذين اتوا على الأصوات المرتفعة
لينتهي الأمر بوقوف سليم ولؤي في مكتب المدير ومعهم نور وهاجر التي كانت تضم كتفي رحمة وتقف خلفها تتابع غضب المدير بقلق إذ كان يصرخ قائلًا :
-فاكرين نفسكم بلطجية اومال لو مكنتوش في مدرسة كنتوا عملتوا في بعض ايه؟!
أشار إلى ملابسهما المليئة بالتراب ووجهيهما الداميين ببعض الجروح والكدمات :
-ده منظر طلاب في مدرسة محترمة انا عايز أعرف ايه السبب اللي يخليكم تعملوا في بعض كده
تحدث لؤي بإنفعال واضح وغضب جعل عروقه تنتفخ في وجهه ورقبته بوضوح :
-كان بيضايق رحمة وهي بنت عمي اشوفوا وأسكت يعني
-كان بيضايقها ازاي عملها ايه يعني؟؟
نظر سليم إلى لؤي ينتظر إكمال حديثه لكنه يعلم أنه لن يتحدث فهو لم يرى ما حدث، لذا طالعه بنظرات ساخرة استفزت الآخر فضغط على فكه وود لو يلكمه على وجهه هذا لكنه نفخ ونظر إلى الناحية الأخرى فقال المدير موجهًا حديثه إلى رحمة :
-عملك ايه يا رحمة قولي علشان اعرف اعاقبه إزاي
والأخرى لم تكن في حالة تسمح لها بالحديث فكانت خائفة، باكية، حتى الكلمات لا تخرج من بين شفتيها فقالت هاجر وهي تربت على كتفها بحنو :
-قولي يا حبيبتي عملك ايه سليم، قولي متخافيش
انهمرت دموع رحمة أكثر تنظر إلى لؤي بخوف والذي بدوره لم يكن يعلم ماذا فعل لها هذا الحقير، فقط كل ما رآه أثناء مروره من دورة المياه الخاصة بالفتيات أنه أبصر رحمة تخرج فزعة من أحد الأركان وعندما أبصر ما تركض منه اشتعل غضبًا
هو لم يعلم ماذا فعل لكن بالطبع لم يكن يُحفِّظ لها جدول الضرب فهو يعلم أفعال هذا المدلل الفاشل
كم حاولت هاجر ونور والمدير جعلها تتحدث لكنها كانت خائفة فأرسل المدير في إحضار والدتها فورًا لربما تقنعها بالحديث
جلست نور بجانب رحمة على الاريكة المتواجدة في مكتب المدير تحاول سحب كلمة واحدة منها خاصةً وأنها بدأت تشك في أمرًا :
-رحمة قولي عملك ايه؟؟
بدأت الشكوك تراودها فقالت بصوت خافت بشدة وهي تمسك ذراعها :
-اتحرش بيكي؟؟
نظرت إليها خائفة ثم نظرت إلى سليم الذي بدوره كان ينظر إليها بنظرات اخافتها أكثر وعندما لاحظ لؤي هذا لكم سليم في ظهره بقوة صائحًا :
-متبصش ليها
بدأ الشجار مرة ثانية فصرخ المدير بهما وهو يدفعهما بعيدًا عن بعضهما فأصبح أحدهم في ناحية في بداية الغرفة والأخرى على الناحية الأخرى :
-انتوا كده زودتها أوي وحركة تاني اقسم بالله هفصلكم خالص من المدرسة ومش هتعتبوها تاني
تحدث لؤي بنبرة غاضبة :
-اتفصل اتفصل بس مسكتش على واحد زي ده بيضايق بنت عمي
اجابه سليم بنبرة منخفضة بجملة وقحة بشدة لا تخرج أبدًا من طالب مدرسي وتلك الجملة لم يسمعها لؤي لكن سمعتها هاجر والتي شهقت مصدومة، ونور التي ألتفتت إلى سليم مذهولة من أن لفظ كهذا يخرج من شاب لم يكمل العشرون عام
بل ولم تشعر بنفسها إلا وهي ترفع يدها هابطة على وجهه بصفعة دوت في أرجاء المكتب بأكمله جعلت الجميع يتجمد في مكانه خاصةً وأن من قوة الصفعة سقط سليم أرضًا وعلامات أصابع نور طبعت بشكل واضح على وجهه
لتقول نور بنبرة غاضبة وصوت مرتفع لم تعي كيف خرج منها :
-لما طالب في سنك يقول جملة زي دي يبقى لا شاف تربية ولا أخلاق والعيب على أهلك اللي دخلوك مدارس
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
سار في أرجاء المنزل مبتسمًا بإرتياح على غير العادة ربما لأن هذه أول مرة تتركه جدته يستيقظ دون أن تلكمه بالوسادة؟ ربما
حك خصلات شعره البنية الغير مرتبة بالمرة متجهًا إلى الحوض الموضوع بجانب باب المرحاض ليفتح الصنبور واضعًا رأسه أسفله غير مبالي بأن الجو باردًا لكنه شخص لا يحتمل الحرارة أبدًا وهذه الشقة ضيقة في حارة أضيق لذا الجو بالنسبة إليه حار
خرج إلى البهو مناديًا على جدته تاركًا شعره ينقط ماءً على وجهه لعل هذا يخفف الحرارة قليلًا :
-جدتي انتي فين يا ولية عاملين ايه إفطار النهاردة ولا أفطر على عربة الفول زي كل
انقطع الحديث عنده ولا يستطيع وصف صدمته حين وجد تلك الفتاة تجلس على الاريكة وعلى قدميها حاسوبه وفي يدها جزرة تقطم منها
تحركت شفتيه أكثر من مرة تعبر عن صدمته لكنه لم يجد كلمات مناسبة فأشار إليها مرددًا بصوت مصدوم وعينيه تكاد تخرج من محجرهما من شدة صدمته :
-انتي... انتي بتعملي ايه هنا؟!
ابتسمت رقية تضع قدم فوق الأخرى وفي يدها الجزرة وكأنها سيجار فاخر، معجبة بشعره وهو مبتل هكذا لكن عليها ركن الإعجاب هذا جانبًا الآن :
-فكرك لما تبلغ عني هحل من على سماك يا عمر لأ انسى يا حبيبي
اقترب منها عدة خطوات صائحًا بغضب وهو يكاد يجن لا يعلم كيف دلفت إلى المنزل بل وعلى الأرجح قد دلفت إلى غرفته وأخذت حاسوبه الذي هو على قدميها الآن :
-حبك برص يا شيخة انتي دخلتي هنا إزاي
وقفت رقية سريعًا تضم الحاسوب أسفل ذراعها تقول بجدية لا تليق بها :
-انا كل اللي اشتغلت معاهم قالوا إني عنيدة وزنانة ولو حطيت حاجة في دماغها بعملها، ولو عوزت حاجة باخدها وانت بقى عندك حاجات تلزمني يا عمر، فيا نشتغل مع بعض يا إما مش هتشوف اللابتوب ده تاني
وود عمر لو يلقي عليها شيئًا ثقيلًا لكنه خاف على حاسوبه لكن عندما حشرته في هذه المشكلة شعر بثوران جعله يقفز من فوق المنضدة حتى يصل إليها فصرخت الأخرى مهرولة بعيدًا
وفي هذه الأثناء فتحت جدة عمر باب الشقة وخلفها حنان بعدما تركت رقية حتى تنادي عليها وتعد الإفطار، تجمد عمر ناظرًا إلى جدته وانتقل بصره بسرعة إلى رقية التي كانت تقف على أعتاب البهو من ناحية المطبخ لكنها ظاهرة للأعمى
نظرت جدته إليه ثم إلى رقية لا تدري ماذا يُقال في مثل هذه الحالات، هي تعلم رقية بالطبع لكن عمر لا يتذكرها إذًا المطلوب منها الآن أن تتدعي أنها لا تعلمها، وفي مثل هذه الحالة وجب عليها الصياح إذ قالت مدعية الغضب :
-جايب نسوان في البيت يا عمر!؟
شعر عمر بالذعر حتى رقية التي اتسعت عينيها بذهول تضرب جبينها من تسرع تلك الجدة خاصةً أنها رأت فتاة تمد رأسها للداخل حتى ترى ماذا يحدث، ترتدي حجاب أو نصف حجاب لامع يظهر من أسفله خصلات شعرها المصبوغة بالأصفر الفاقع
استدار عمر مواليًا رقية ظهره بينما وجهه إلى جدته هاتفًا بغيظ :
-نسوان ايه بس هي دي نسوان ثم انا صحيت من النوم لقيتها قاعدة بتاكل جزر قدام اللابتوب بتاعي أكنها قاعدة في بيت أبوها، مين دي؟!
لم تبالي جدته بهذا التبرير بل حدقت في رقية بتعجب تراها تشير بعينيها إلى شئ خلفها فاستوعبت أخيرًا أن حنان تقف خلفها فقالت وهي تتجه إلى الداخل مدعية التذكر :
-يا اختي ده انا نسيت إنك هتيجي النهاردة يا رقية
اتجهت إلى رقية ماررة بجانب عمر الذي حدق في جدته ببلاهة لا يفهم إلى ماذا تُخطط وسرعان ما اتسعت عينيه عندما سمع جدته تقول بينما تضم رقية :
-ازيك يا بنت الغالية عاملة ايه، ايه يا عمر نسيت بنت عمتك اللي مسافرة إنجلترا نزلت مصر علشان تتطمن عليك تعالى سلم عليها
ارتفع طرف شفتي عمر بتشنج واضح فابنة عمته تبلغ من العمر أربعون عامًا ولا تدعي رقية من الأساس لكن السؤال هنا لما فعلت جدته هكذا
اقترب من رقية ووقف أمامها ماددًا يده حتى يصافحها ليقول من بين أسنانه :
-ازيك يا بنت عمتي
مدت رقية يدها بحسن نية لكن تفاجأت به يعصر كفها بين كفه فأطلقت تأوه مرتفع تسحب يدها بسرعة من يده فقال عمر ملقيًا إليها بنظرة حارقة :
-لأ مش كده يا بنت عمتي إيدك ناعمة كده ليه
تركهما وعاد إلى غرفته أسفل نظرات جدته المذهولة ورقية الساخطة، أما تلك الفتاة حنان قالت بفضول وهي تنظر إلى رقية بتقييم :
-إزاي بنت عمته وعايشة في جنترا مش باين يعني إنك أجنبية
رفعت رقية إحدى حاجبيها بتشنج من تلك الكلمة العجيبة التي نطقت بها بينما قالت جدة عمر وهي تشير ناحية المطبخ :
-ادخلي يا حنان يلا اعملي غداء
-غداء يا أم زينب الساعة لسه تسعة
-خلاص اعملي فطار المهم تتحركي
ذمت الأخرى شفتيها تنظر إلى رقية وكأنها تفصلها حتى أن رقية شعرت بالغرابة منها :
-طب اتعرف على قريبتكم ده انا عمري ما شوفت ليكم قرايب غير مقطوعين من شجرة
-مقطوعين من شجرة؟! طب تصدقي انك عايزة تتربي
هتفت بها ونس وهي تميل على حذائها حتى تلقن هذه الفتاة درسًا ولكن الأخرى فرت سريعًا المطبخ صائحة ببعض كلمات الإعتذار، وكل هذا أسفل نظرات رقية المتعجبة لتشير ناحية المطبخ حيث اختفت حنان متسائلة :
-هي مين البنت دي؟
-دي واحدة من بنات الجيران بتساعدني كل يوم
-وعمر بيبقى موجود هنا عادي طول ما هي موجودة!؟
فهمت الأخرى ما ترمي إليه فقالت نافية هذا :
-أكيد لأ ده انا بطرده كل يوم الصبح وبيفضل قاعد على القهوة على الزفت الكمبيوتر بتاعه ده لحد معاد الغداء بس وقتها حنان بترجع بيتها بعد ما تعمل الغداء وترتب البيت
-وبعدين عمر بيعمل ايه؟؟
هتفت بها رقية تشعر بفضول لمعرفة كيف يمر يوم عمر في العادة فقالت الأخرى مبتسمة :
-بيقعد يتسامر معايا لحد بعد العصر كده حنان ترجع تقعد معايا علشان هو وقتها بيطلع بيفضل لحد الليل برا، أموت وأعرف بيروح فين الواد ده كل لما اسأله يقولي كنت في مشوار برا
نكزتها رقية بخفة بسرعة وهي تميل على أذنها قائلة بهمس :
-طب بقولك ايه وزعي نفسك علشان هو جاي عايزة اتكلم معاه كلمتين
نظرت الأخرى ناحية عمر القادم من غرفته ويبدو التجهم على ملامحه فقالت وهي تتجه إلى المطبخ إلى حنان :
-طب انا هشوف حنان عملت الفطار علشان بنت عمتك تفطر معانا
رفع الآخر حاجبه ناظرًا إليها بملامح قانطة :
-هتكدبي الكدبة وتصدقيها ثم مين دي اللي تفطر معانا دي حرامية
وقف أمام رقية التي كانت تتابع حديثه بتهكم واضح ليقول بنبرة مغتاظة وهو يمد يده لها :
-أعتقد اللي في إيدك مش بتاعك فلو هنزعج جنابك هاتيه
ضمت رقية ذراعيها إلى بعضهما وفي يدها الحاسوب لتقول نافية :
-المرة اللي فاتت غدرت وبلغت عني وأخدت الفلاشة
-ايه كلام تجار السلاح ده ثم ما اديكي قدامي اهو لا ناقصة ايد ولا رجل وتلاقي اخوكي خرجك قبل ما تقعدي ساعة هناك
عقدت الأخرى حاجبيها بضيق لتذكرها ترقيح يونس لها بسبب هذا الأمر فصرخت به مغتاظة :
-انت عارف انا حصلي ايه علشان اخرج
-لا مش عارف ومش عايز أعرف إن شاء الله تولعي هاتي اللاب
حاول أن يأخذه منها رغمًا عنها فركضت الأخرى إلى الشرفة ومدته خارج السور قائلة :
-خطوة كمان واللاب هيبقى في ذمة الله، اتكلم معايا بأدب واحترام زي الناس العاقلين ولا أأقل أدبي عليك
مسح عمر وجهه بغيظ شديد يمنع نفسه من إلقائها من النافذة بحاسوبه نفسه، فإن كان تضحية حاسوبه ستخلصه منها إذًا فهو مسامح في الآخر :
-تقلي أدبك ده انا اللي هقل أدبي وهقل منك بس اصبري عليا
أخرجت هاتفها بسرعة وفتحت تسجيل فيديو وعرضته أمامه فتوقف الآخر يحدق بصدمة فيما يراه، عضو مجلس النواب الذي كشف بعض الأسرار عنه البارحة موجود في التسجيل الذي تعرضه لكن الأدهي هو رؤيته لنفسه وهو يلتقط له بعض الصور الذي فضحه بها
أغلقت رقية الهاتف مبتسمة على ملامحه المصدومة هذه فقالت راددة له فعلته التي فعلها في المطعم والتبليغ عنها :
-انا بقالي أسبوع وأكتر براقبك بتركيز علشان امسك عليك غلطة ولاحظت امبارح بالتحديد إنك بتدخل مكان هاي كلاس من بتاع الناس اللي فوق دي وشوفتك قعدت في مكان بعيد عن الكاميرات وعينك على ترابيزة معينة انا استغربت ايه علاقتك بالراجل ده ومالك مراقبه كده ليه روحت شوفتك بقى بتاخدله صور وهو بيسلم شنطة لراجل معرفش هو مين، انا بصراحة استغرابي زاد بس تاني يوم لما شوفت خبر فضيحة النائب العام الذي يعمل في غسيل الأموال لقطت طرف الخيط
أشارت إليه مكملة حديثها والابتسامة تزداد إتساعًا على وجهها :
-انت الهاكر اللي بيفضح كبار البلد الفاسدين ومحدش عارف يوصلك لا بوليس ولا مباحث الإنترنت نفسها
ضغط عمر على شفته السفلية معجبًا بذكائها هذا ليصفق قائلًا :
-لأ حلو، اللعبة الحلوة لازم يتسقفلها
-لأ ده انت اللي يتسقفلك انت عارف انت فضحت كام واحد، البوليس مكنش عارف يمسك عليهم خيط واحد ومع ده محدش عارف عنك حاجة صفحة كل مرة بتتغير ينتشر الخبر من هنا البلد تتقلب من هنا، حتى الناس دي نفسها مش عارفة توصلك تخيل بقى لو عرفوا اني اللي فاضحهم يبقى مجرد شاب خريج تكنولوجيا المعلومات اسمه عمر فياض أبو المجد
غمزت له ثم أكملت :
-حلوة انا صح؟! استاهل يترفعلي القبعة مش سقفة بس
رفع عمر رأسه للسقف يمنع بصعوبة ابتسامته من الخروج لكنها خرجت في النهاية فوضع يده على وجهه يخفيها تزامنًا مع جلوسه على أحد مقاعد البهو قائلًا :
-لا حلو بجد حتى عارفة اسمي ثلاثة ومتخرج من ايه؟!
مسح على ذقنه النابتة ثم أضاف :
-انتي عايزة ايه بالظبط؟ الفلاشة!؟
-لأ فلاشة ايه بقى ده كان زمان انا هدخل على التقيل
رفعت اصبعيها السبابة والوسطى ثم قالت :
-انا عايزة حاجتين ملهومش تالت أول حاجة سؤال لازم تجاوب عليه من غير كدب
بسط عمر كفيه أمامها يدعوها لتكمل، صابرًا على ابتلائه هذا، هو يعلم أنها تريد شيئًا محددًا ولا تريد إيذائه، يرى هذا في عينيها رغم تعجبه من الأمر، يرى نظرة مساومة لا تهديد :
-قولي
تغيرت ملامح رقية بشكل واضح لتنظر إلى عينيه مباشرةً تدعو بمخالفة توقعاتها :
-انت هو السفاح؟؟
صمت الآخر صمت زاد من توترها تخشى حقًا أن يكون عمر هو السفاح لن تتحمل أن يكون الرجل الذي تحب هو قاتل متسلسل تبحث عنه الشرطة والبلاد بأكملها
-ليه السؤال ده؟ ايه دليلك علشان تسأليه
ابتلعت الأخرى لعابها قبل أن تجيب قائلة :
-السفاح بيقتل أي حد قريب من كبار البلد خاصةً ما بيكونوا أولادهم وانت بتفضح كبار البلد الفاسدين وأولادهم، ايه رأيك في وجه التشابه ده بقى؟
-مش انا
كلمتين خرجتا منه بهدوء شديد جعلتها ترتاح قليلًا لكنها شكت أنه يكذب لذا قالت :
-ايه يضمنلي إنك بتقول الحقيقة
-علشان انا مقتلش انا أنزل فضايحهم آه لكن اقتل لأ، القتل من الكبائر
ارتفع حاجب الأخرى بتشنج قائلة :
-يا راجل!؟ تصدق اقشعر جسدي من فرط إيمانك، القتل من الكبائر والفضايح عادي؟ مش بيقولك من ستر عبدًا ستره الله يوم القيامة
مال عمر بجسده ناحية الأمام مستندًا بذراعيه على فخذيه ليقول بجدية وصوت جامد وقد التمع الكره في عينيه ربما هذه أول مرة ترى في عينيه نظرة كره وحقد لأحدهم :
-علشان اللي زي دول الفضيحة حلال فيهم، ربنا لما قال من ستر عبدًا ستره الله يوم القيامة كان يقصد عبد غلط وندم على غلطته، عبد أول مرة يغلط وهيتوب وقتها الستر عليه أفضل، لكن الناس دي ربنا قال فيهم الساكت عن الحق شيطانٌ أخرس
احتد الغضب في عينيه ضاغطًا على فكه بقوة وهو يكمل :
-الناس دي هي اللي بتنشر الفساد في الأرض وطريقتي دي وفضحي ليهم من غير ما يمسكوا عليا دليل هي الطريقة الوحيدة اللي هتنضفها منهم، علشان الأيام دي اللي يقول الحق ويكشف سر عنهم لازم... لازم
اختنق صوته بغصة مريرة مكملًا بصعوبة ضاغطًا على جرح نازف في قلبه :
-لازم يقتلوه علشان الحق في البلد دي بقى غلط والفساد اللي مسخبي وراه بدلة وكرفتة وكلام حلو هو الصح
فهمت رقية ما يرمي بسهولة لكنها لم تبين هذا بل غيرت الموضوع قائلة وهي تحاول ألا تنجرف خلف مشاعرها المضطربة في هذه اللحظة :
-الطلب التاني انا عايزة اشتغل معاك في ده، عايزة نبقى تيم
ضحك عمر ساخرًا بعدما كان على وشك التقهقهر على نفسه لتذكره لوالديه ليقول بإستفزار :
-لا آسف مش بشتغل مع عيال
-طب ما انا برضو مش بشتغل مع عيال بس هعصر على نفسي لمونة
ضغط عمر على كفيه يطالعها بغيظ شديد خلف ابتسامته المتهكمة فقالت رقية وهي تضم ذراعيها إلى صدرها :
-يا نشتغل سوا يا إما الصـ
قطعت حديثها بصرخة مدوية جعلته يفزع منها وما افزعه أكثر أنه رأي جسد يسقط من خلال الشرفة إلى الشارع في الأسفل، ركض بسرعة إلى السور ناظرًا إلى الأسفل وبجانبه رقية وجدته وحنان اللتان أتيا على صراخ رقية بل وصراخ الأناس في الشارع
ولم يلبثوا لثوانٍ إلا وبدأت تصرخ حنان هي الأخرى لاطمة على وجهها ترى إحدى جيرانها ملقاة في الأسفل جثة هامدة :
-يا لهوي يا لهوي ده أكيد سفاح إسكندرية قتل البت ميرفت مرات عبد المحسن اللي في الخامس
أطلقت حنان الصرخات بشكل ازعج عمر بشدة وود لو يلقيها من الشرفة هي أيضًا وقبل أن يجعلها تصمت وجد رقية تدفعه جانبًا ويبدو الحماس على وجهها وهي تقول :
-جريمة قتل جديدة، خبر جديد وانا أول واحدة هتنزله استنوني محدش يحرك الجثة انا جاية
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل السادس عشر 16 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
هرولت في الممرات مستغلة أن المشفى الآن فارغ والجميع في الإستقبال ينتظرون مرور المحافظ فما إن علم المدير من ربع ساعة تقريبًا أن المحافظ على قدوم حتى قلب المشفى رأسًا على عقب
وهكذا حال أغلب المستشفيات والمنشآت الحكومية الأخرى فما إن يعلموا أن هناك مرور من المحافظ أو غيره حتى يسرعوا بإقاظ الغافل، والتحسين والتنظيف حتى لا يحصلوا على جزاء هم يستحقونه على الأغلب
وعندما اجتمع جميع العاملين بالمشفى من أطباء وممرضين وعاملين والمدير على رأسهم، بحثت حينها عن ذلك الذي لا يرتاح ابدًا ولا يريحها معه ولكنها لم تجده، حتى أنها سألت بعض الأطباء عنه ولا أحد يعلم أين هو
ربي عندما تتمنى أن يختفي ويدعها ترتاح قليلًا من العمل لا يحدث عنها، وعندما تبحث عنه لا تجده
وها هي تهرول إلى مكتبه على أمل أن تجده قبل أن يأتي المحافظ فهو للأسف الطبيب الجراح الوحيد المتواجد اليوم ولو علم المحافظ بتقصير من المشفى ولا يوجد جراح فقط متواجد سيحصل على جزاء وأولهم يوسف بالطبع
توقفت تلتقط أنفاسها بعدما تعبت من الركض في الممر، بالله هي لا تستطيع الركض بسبب نقص الحديد المزمن عندها ولكنها لا تريد أن يحصل يوسف على جزاء هو لا يستحقه، مسكين يعمل طوال الوقت على أكمل وجه وفي النهاية يحصل على جزاء لأجل اختفائه لدقائق
كادت أن تطلق صيحة سعيدة لأنها وصلت مكتبه أخيرًا ولم تمت في الطريق، طرقت الباب قبل أن تفتحه مرة واحدة وقد توقعت أنها لن تجده بالداخل لكن خالف توقعاتها ووجدته غافي على فراش الكشف ويضع معصمه أعلى عينيه
رفعت إحدى حاجبيها هاتفة بتشنج :
-ده نايم!؟ معقولة مسمعش قلبت المستشفى اللي حصلت ونايم عادي وفي الآخر يقولي اني انا الكسولة
دلفت إلى الداخل وتركت الباب مفتوحًا منادية عليه بصوت مرتفع :
-دكتور يوسف يا دكتور
امسكت جهاز قياس الضغط ونكزته به صائحة فوق رأسه بصوت مرتفع :
-يــوســـف
رفع الآخر معصمه ينظر حوله بحاجبين معقودين وأعين ناعسة لياقبله وجه براءة فوق رأسه تحدق به بنظرات غير راضية :
-فيه ايه؟ هو فيه عملية جديدة!؟
-لا صباح الفل المحافظ تحت
اعتدل الآخر مستندًا على كفيه ولازال النعس يلازم عينيه وصوته فقد سهر كثيرًا البارحة مع شقيقه وأبناء اعمامه :
-المحافظ عامل حادثة وهيدخل العمليات
-يا عم قوم يا عم ده انت اللي هتدخل العمليات لو المحافظ جه وشاف الجراح الوحيد الموجود في المستشفى نايم ولسه الساعة عشرة الصبح
رن هاتفها باسم واحدة من زميلاتها في العمل فابتعدت حتى تجيب تاركة الآخر يعبث في شعره ولا يزال النعاس متملك منه ولم يشعر إلا برأسه يسقط على الفراش وكاد أن يسحبه النعاس مرة أخرى ولكنه انتفض على أثر صوت براءة عندما هدرت به :
-انت هتنام تاني!؟ المحافظ طالع وجاي على مكتبك مع المدير قـــوم
توتر الآخر ولم يعلم ماذا يفعل فحتى معطفه الطبي لا يتذكر اين وضعته فظل يدور في المكتب دون جدوى لتقول حينها براءة وهي تتجه خارجًا :
-انا عملت اللي عليا علشان أرضي ضميري مع السلامة
وقبل أن تخطي للخارج وجدت المدير ونائبه برفقة رجل آخر في نهاية الممر متجهين إلى هنا فاستدارت إلى يوسف الذي كان يرتدي معطفه الطبي وقد وجده ملقًا خلف فراش الكشف فقالت براءة وهي تحاول أن تفكر في حل لهذه المعضلة :
-المحافظ كام خطوة ويبقى هنا شكلي هكمل تدريبي مع حد تاني
وقع نظرها على شئ موضوع في أحد أركان المكتب فقالت وهي تتجه نحوه :
-أو لأ هعرف احلها أنا
أما في الخارج كان يتحدث المدير مع المحافظ عن عدة أشياء يحتاجونها في المشفى والآخر يومئ له بتركيز وأثناء نظره حوله إلى الأرضية والغرف لاحظ أن أحد الغرف مفتوحة فأشار إليها قائلًا :
-مين موجود جوا مش المفروض الكل تحت
أسرع المدير متجهًا إلى تلك الغرفة تزامنًا مع قوله :
-ده يا فندم مكتب الدكاترة الجراحين و
توقف لسانه عن الحديث عندما رأي يوسف وتلك المتدربة التي تعمل معه في المكتب وعلى قدمي يوسف جهاز قياس الضغط موصله بذراعها فقال مشيرًا إليهما بتعجب :
-هو انتوا بتعملوا ايه هنا؟ مش المفروض تبقوا تحت!؟
دلف المحافظ منحيًا المدير على جنب يحدق فيما يحدث إذ قال يوسف وهو ينزع عن براءة الجهاز :
-براءة يا دكتور عبد السميع كانت بتقول راسي وجعاني وكانت عايزة تقيس الضغط
أشار المحافظ إليهما بعينيه محدثًا المدير المدعو عبد السميع :
-هما دول الدكاترة الجراحين في المستشفى
-لأ يا فندم ده دكتور يوسف محمد هواري جراح أساسي في المستشفى أما الدكتور التاني فهو أجازة النهاردة
-ودي
نظر إلى براءة ينتظر الإجابة فقال يوسف وهو يضع الجهاز على جنب :
-دي ممرضة تدريب وانا المسؤول عن تدريبها
-تدريب إزاي ودكتور عبد السميع قال مفيش حد عندهم تدريب السنة دي خالص لا ممرضين ولا دكاترة
-دي مش من إسكندرية أصلًا يا سيادة المحافظ
نطق بها يوسف بصدق جعل عبد السميع يطالعه بغضب فبراءة تعتبر خطأ هنا ولولا أن محمد هواري طلب منه بشكل شخصي تدريبها في المشفى على يد يوسف ما كان قبِل تدريبها هنا
تحدث المحافظ وهو يعقد يديه خلف ظهره منتظرًا إجابة هذا الخطأ الغريب فكيف لممرضة ليست من محافظة الإسكندرية أن تتدرب في مشفى داخل حدود المحافظة :
-اومال اتقبل تدريبها هنا على أساس ايه يا دكتور عبد السميع
أجابه عبد السميع هذه المرة شارحًا له الأمر وقد بدأ يشعر بالندم أنه قبل تدريب براءة في المشفى فهذا المحافظ يبحث في أدق أدق التفاصيل ولم يكن يتوقع أنه سيعلق على وجود هذه الممرضة :
-شهادة طلب التكليف منقولة لإسكندرية علشان كده وافقت
-منقولة إزاي يعني؟ انا أول مرة أسمع اني تكليف الممرضين بيبقى خارج حدود المحافظة
نظر إلى براءة ثم استكمل :
-انتي من محافظة ايه؟
-أسيوط
-أسيوط!؟ طب ايه اللي جابك هنا هي أسيوط مش موجود فيها مستشفيات ولا ايه؟؟
نظر يوسف إلى براءة ولتوه انتبه إلى الأمر، رغم أن براءة يكاد وجودها هنا يكمل الثلاثة أشهر إلىٰ أنه لم يسأل عن سبب تدريبها في الإسكندرية وليس في محافظتها الأصلية
اجابته براءة بهدوء وملامح جادة رغم لمحة السخرية التي ظهرت في عينيها :
-لا فيه بس مفيش ضمير تقريبًا عند البعض، العميد رفض يمضي ورقتي انا بالذات ونقل تدريبي هنا
-ليه؟ أكيد عملتي مشكلة مش كده!؟
-دخلت سن الحقنة في كف ايده خليته يطلع من الناحية التانية
اتسعت أعين جميع الموجدين حتى المحافظ نفسه، بل ويوسف كان أكثرهم اندهاشًا فلم يكن يتوقع أن براءة تحب المشاكل فهي وكما لاحظ عليها شخصية باردة لا تغضب بسهولة
تحدث نائب المدير مذهولًا من فعلها :
-دخلتي سن الحقنة في ايده!؟
-ولو كان معايا سكينة كنت قطعتها خالص راجل شيبة بيتجـ
قاطعها يوسف بسرعة جاعلًا إياها تصمت عم ما ستكمل فقد وصل المعنى لهم جميعًا فلا داعي لشرح تفاصيل ستحرجها لاحقًا :
-بس خلاص اسكتي يا براءة اسكتي
حدقت به الأخرى عاقدة الحاجبين ليس لجعلها تصمت بل لقولها شيئًا كهذا لكنها لم ترد أن يأخذ المحافظ أو أحد الموجدين فكرة سيئة عنها لتكون هي المخطئة أمامهم كما حدث أمام جميع دفعتها
فنحن في مجتمع ذو عقلية غريبة فإن دافع شخص عن المرأة في حالة كهذه وقال أن المخطئ هو الرجل ستجد عشرة يقولون أنها هي المخطئة متحججون بأي سبب يقنعون أنفسهم به كـ
"هي من اغرته بالتأكيد"
"لما دلفت إلى مكتبه بمفردها من الأساس وهي فتاة صغيرة وهو رجل"
"العيب عليها كيف تغرز السن في يده، هي من فضحت نفسها ما كان ليحدث كل هذا ان اتقت شر الفضائح وصمتت"
-انتي معهد ولا كلية؟ تقديرك كان كام؟؟
تساءل بها المحافظ مثيرًا تعجب المدير ويوسف كذلك فلما كل هذه الأسئلة بخصوصها، ورغم هذا اجابته براءة قائلة :
-انا كلية وتقديري إمتياز 98%
-طب ليه يا بنتي مقدمتيش شكوة بدال ما تترمطي في المحافظات كده
-هشكي لمين ياما هو العميد نفسه مين فوق أكتر من كده علشان أشكي، وزير التربية والتعليم يعني؟!
كانت اجابتها ساخرة رغم كونها مقنعة بشدة فقال المحافظ وهو ينظر إلى يوسف :
-فاضلها قد ايه هي وتخلص فترة التدريب؟؟
-تلات شهور وعشر أيام
-عاددهم علشان يعرف أمتى هيخلص مني
نطقت بها بصوت خافت سمعه يوسف فحدق بها بغيظ متمتمًا :
-بلاش ظن سوء
-تعالي انتوا ورايا
هتف بها المحافظ مشيرًا إلى براءة ويوسف فنظرت الأخرى إلى يوسف والمدير قلقة لكن مما ستقلق هي ليست موظفة هنا إذًا مما ستخاف، هبطت من على الفراش وتبعت المحافظ للخارج أسفل نظرات الترقب من الجميع لتجده ينتظرها على بعد صغير من الغرفة
اتجهت له بخطى هادئة موزونة وخلفها يوسف وما إن وصلا حتى قال الآخر مبتسمًا بجدية :
-بحب اتكلم مع المتدربين خاصةً في المستشفيات، ايه رأيك في المستشفى والدكاترة هنا فيه حاجة بتحصل غلط من وجهة نظرك
هزت براءة رأسها ببطء لا تتذكر أنها رأت شيئًا غريبًا هنا :
-لأ المستشفى حلوة والخدمة هنا حلوة بحس المستشفى كأنها خاصة علشان في منطقة راقية، خلو بالكم أكتر من المستشفيات الحكومية الخدمة هناك مش كد كده
آماء الآخر مبتسمًا ليقول بنبرة ذات مغزى :
-انا شوفتك وانتي بتجري ناحية السلم لما دخلت المستشفى كنتي رايحة فين بالظبط
دارت أعين الأخرى ونظرت إلى يوسف بجانبها والذي انتظر اجابتها هو الآخر فقالت براءة بهدوء شديد :
-من غير كدب كنت طالعة انادي الدكتور يوسف علشان مكنش موجود ومكنتش عايزاه ياخد جزاء على عدم وجوده
نظر المحافظ إلى يوسف مهمهمًا :
-امم واضح اني الدكتور مش بيشوف شغله
انعقدت ملامح يوسف بعدم رضا وقد هم بالتحدث لكن سبقته براءة بقولها :
-علشان كده طلعت انادي عليه مش علشان هو مش بيشوف شغله علشان حرام واحد زيه عنده ضمير في شغله يتجازى على حاجة زي كده
-ايه الدفاع ده كله!؟
-انا مش بدافع حضرتك انا بقول كلمة حق الدكتور ده انا موجودة معاه طول اليوم وعارفة تحركاته وهو عنده ضمير أكتر من أي حد بيشتغل هنا يمكن أكتر من المدير اللي أول ما عرف اني حضرتك جاي وقف المستشفى على رجل
آماء الآخر متفهمًا ليقول ببسمة صغيرة ارتسمت على ثغره :
-علشان كده بحب اسأل المتدربين علشان مش بيهمكم حاجة وبتقولوا الحق اصل ايه اللي هتخسروه
تحرك متجهًا إلى المدير الذي كان يتابع هذا صامتًا والغيظ في عينيه من قول براءة عنه، ولكن استوقفه يوسف قبل أن يصل عندما قال بجدية شديدة :
-حضرت المحافظ ينفع اتكلم معاك عن حاجة في المستشفى بما اني حضرتك هنا
آماء الآخر بحسنًا فأخذه يوسف بعيدًا عن براءة والمدير ونائبه بينما ظلت براءة ترمق المدير بحاجب مرفوع من نظراته هذه، لم تزح عينيها إلا عندما قال المحافظ موجهًا حديثه إلى المدير :
-دكتور عبد السميع انا عايز اشوف المشرحة والدكتور المسؤول عنها
وقف يوسف بجانب براءة يتابع ذهابهم فقالت الأخرى محدثة نفسها :
-دكتور عبد السميع شكله ناوي عن نية سودة على اللي قولته عنه
-مش هخليه يعملك حاجة انا هنا المسؤول عنك مش هو
نظر إليها بإمتنان حقيقي ثم أكمل :
-شكرًا على إنك جيتي علشان تقوليلي المحافظ هنا وعلى الكلام اللي قولتيه
اجابته الأخرى وهي تنظر إليه من خلف نظارتها :
-أنا قولت كلمة حق مش علشان حاجة، رغم إنك مطلع عيني في روحي وتعالي وكل شوية فين براءة بس يلا لله، انا كده ليا عندك خدمة
ابتسم لها يوسف ولازلت عينيه تنظر مباشرةً إلى عينيها وعندما لاحظت براءة هذا ابعدت عينيها سريعًا ورحلت تزامنًا مع قولها :
-خلي بالك يا دكتور تاني مرة علشان انا ماشية بعد تلات شهور وعشر أيام زي ما قولت ومتضمنش اني اللي بعدي هتروح تناديك علشان متاخدش جزاء
تابع يوسف خطواتها وهي ترحل وقد انقلبت ملامحه بعدما كان مبتسمًا، مذكرًا نفسه بكلماتها التي قالت :
-فعلًا هتمشي بعد تلات شهور وعشر أيام
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
حدق حوله بأعين مرتابة قلقة يشعر أن الجميع ينظر إليه رغم أن لا أحد مهتم به فكلٌ يسبح في ملكوته الخاص، أرتكن إلى أحد الزوايا ولا تزال عينيه تدور بزوغان وكان السواد أسفلهما واضح بشدة
حك ذراعه بطريقة أشبه للجرب يشعر بحكة شديدة وخمول أشد وصداع يكاد يقسم رأسه إلى نصفين، انفرجت ملامحه عندما رأي ما يعالج كل هذا ويُذهب الألم من وجهة نظره
اقترب منه شاب يرتدي قبعة بلسان يحاول التخفي بها عن الأنظار، وما إن أصبح بجانبه حتى أخرج يده من جيبه بشريط حبوب وردية اللون فأخذها منه الآخر ومد له مبلغ مالي وما إن أصبح الشريط في يده حتى اخرج منه حبتين وابتلعهم دون مياه
وما إن اخفض رأسه مبتسمًا براحة أن الألم سيزول الآن تفاجأ بوجود شاب طويل أمامه لا يعتقد أنه رآه من قبل، قمحي البشرة، بخصلات بنية شبه مجعدة وأعين بنية تنظر إليه نظرات جامدة بها لمحة من الحسرة والخيبة
-انت فكرك اني كده هترتاح صح؟؟
عقد الآخر حاجبيه بتعجب من سؤاله المبهم هذا ليقول بتوتر :
-انت قصدك ايه؟ عايز ايه بالظبط!؟
اجابه الآخر بنبرة هادئة لم تستطع أن تخفي الحزن الواضح رغم ملامح وجهه الجامدة :
-عايز اقولك على حاجة مهمة أوي معتقدش انك هتسمعها من الكلب اللي جابلك الشريط ده، اللي في ايدك مش دواء راحة ده عذاب، سم بطئ هيفضل ينهش فيك واحدة واحدة لحد ما يخلص عليك وهتلاقي نفسك في مكان من اتنين ملهومش تالت، يا إما هتلاقي نفسك في اوضة مقفولة متعرفش ليل من نهار، يا إما هتلاقي نفسك في قبرك بعد ما تموت ومتفتكرش إنك هتدخل جنة بعد ما كنت بتشرب السم ده
زاغت أعين الآخر وبدأ جسده شبه يتراخى بسبب تلك الحبوب فقال كريم وهو يربت على كتفه :
-اتمنى تلاقي حد يرجعك عن اللي انت فيه دلوقتي زي ما أخويا رجعني عن اللي كنت انا فيه
استدار واعطاه له ظهره وقد انقشعت ملامحه من الجمود إلى الضيق الشديد وكأن هناك صخرة جثت فوق صدره، يأتيه هذا الشعور كلما رأي صورته في أي شاب اغوته هذه السموم وأصبح عبد لها
لذة فانية لو يعلم الإنسان نهايتها لضرب نفسه حتى يعيدها عن التي كانت تنتويه، نهايتها كما قال شيئان لا ثالث لهما ولو أن الأخيار الأول هو الأفضل له لكن سيكون عذاب حتى يستطيع التخلص من تلك السموم
رن هاتفه فأخرجه محدقًا في الاسم الذي اعتلى الشاشة "عم عيالي" ابتسم ابتسامة حزينة مجيبًا على الهاتف بصوت حاول قدر الإمكان أن يجعله طبيعيًا :
-الو يا حمزة
-ايه يا ابني مش قولت هتخلص محاضرات بدري النهاردة
-ايوه انا أصلًا خارج من الكلية أهو
-مالك يا كريم صوتك مش عاجبني
تنهد الآخر ماسحًا على خصلات شعره :
-مخنوق يا حمزة
-ليه كده بس طب تعالى ونفك الخنقة دي
-ماشي انا جاي انتوا فين؟؟
نظر حمزة بجانبه حيث كان يجلس رفقة يونس ويوسف أمام باب البناية على عدة مقاعد احضرهم حارس بنايتهم وقد أحضر لهم كوبان من الشاي :
-انا قاعد مع يوسف قدام باب العمارة بنحاول نقنع يونس أنه يسيب القضية دي اللي هتجيب أجله في يوم من الأيام
تحدث كريم بمزاح قائلًا :
-ايه ده هو السفاح قتل حد تاني مش كان الراجل كتر خيره بدال ما كان بيقتل كل يومين واحد بقى يقتل كل أسبوع
وصله صوت يونس الغاضب من الناحية الأخرى وهو يصرخ في أحد :
-يا عم اسكت يا عم ده قتل إمبارح بنت مساعد وزير ولحد دلوقتي محدش عارف يمسك عليه حاجة وانا كل يوم قرفيني بسبب الرأي العام واختك دي يا يوسف لو مسكتها هخنقها علشان هي اللي مولعة الرأي العام
صفر كريم ضاحكًا من الجهة :
-واضح اني يونس على آخره اربطوه ليعض حد
-طب أقفل انت دلوقتي واتصل على رقية قولها متجيش على البيت علشان لو مسكها يونس هيعضها فعلًا
أغلق كريم وبحث عن رقم رقية تزامنًا مع خروجه من باب الكلية واستماعه إلى أحد الشباب يغازل فتاة أو لنقول يقوم بمعاكستها قائلًا :
-انا نفسي في حلاوة طحينية من اللي قدامي دي
نظر إليه كريم بعدم إهتمام لولا أنه استمع إلى صوت يعلمه :
-لا يا بابا الحلاوة دي تبقي أمك يوم فرحها على أبوك وبعدها جابو خلقتك اللي فسدت المجتمع
نظر كريم إليها يراها تقف بقوة شديد وعلى وجهها علامات الغضب والسخرية في آنٍ واحد تنتظر أن يقول الشاب كلمة أخرى فتهبط على راسها بكتبها لكن كريم لم يدع الشاب يقول كلمة أخرى بل نظر إليه بنظرة حادة ثم قال :
-بلاش دي علشان عرق صعيدي ودول بالذات مش بيهزروا
نظر إلى عائشة بعد أن ذهب الشاب ملقيًا جملة ساخرة جعلت عائشة تشعر بالقهر رغم عدم وضوح هذا على ملامحها :
-أحسن برضو دي برميل طحينية أصلًا
-والله أحسن منك برص ماشي مش لاقي شبشب يلسعه على قفاه
استدار إليها الشاب وعينيه تقدح غضبًا وقبل أن يعود إليها وجد كريم يقف في وجهه هامسًا بتحذير :
-دي تخصني ارجع بدال ما ازعلك
تراجع الآخر بعدما فكر في الاشتباك لكن كريم ذو بنية رياضية عكسه لذا فليحفظ ماء وجهه وليذهب، استدار كريم إلى عائشة ليجدها تقف في مكانها ضاممة كتبها إلى صدرها ويظهر الغضب على وجهها أو ربما شئ آخر
أنفها أحمر اللون، عاقدة حاجبيها وذاممة شفتيها، لا يدري أهذا غضب أم كتم نوبة بكاء
وعلى الأرجح الاثنين معًا هي بالفعل سمينة قليلًا على فتاة في سن الثامنة عشر، لا تزال صغيرة على هذا الوزن لكن قول شئ كهذا جارح بشدة خاصةً للفتيات فهن مرهفات المشاعر وتضطرب مشاعرهن من أقل كلمة
أخرج علبة المناديل الخاصة به ثم قدمها لها فنظرت إليه الأخرى في حدة جعلته يبتسم فحتى في وضع مثل هذا لا تستطيع التخلي عن قوتها وحدة نظراتها التي لاحظ أنها لا تفارقها تقريبًا :
-خليها لنفسك هو انت فاكرني هبكي ولا ايه؟!
-خدي منديل احتياط هو ضروري يبقى المنديل للبكى، ينفع لحاجات تاني علفكرة، انتي أول مرة تكتشفي فايدة المناديل
اشاحت بوجهها الناحية الأخرى ولم تأخذ منه شيئًا فابتسم الآخر مثيرًا غضبها عندما قال :
-يلا وفرتي منديل أصل علبة المناديل بقيت غالية بصراحة
وضع العلبة في جيبه ليجدها تنظر إليه بملامح أكثر حدة لتقول :
-فعلًا وفرها لماتش النهاردة يمكن فريقك يخسر وتلاقي منديل يهون عليك واتفضل امشي من هنا وقفتك معايا ملهاش عازة
ضحك كريم على لهجتها تزامنًا مع عودته للخلف عدة خطوات :
-لأ صعيدية صعيدية مفيش جدال
أعطاها ظهره ورحل فسخرت الأخرى منه بعد ذهابه متنمرة عليه، متناسبة أنه دافع عنها منذ قليل، لكن من وجهة نظرها لم تكن تحتاج إلى دفاعه فوالله لو لم يكن منع ذلك الشاب من الاقتراب منها للقنت الآخر درسًا تتحاكى عليه الكلية لأسابيع :
-أبو ظُرفك غور هي ناقصة
عدلك من خمارها مكملة حديثها مع نفسها :
-وفين ست شروق مجاتش ليه دي كمان، قربت أتجمد في البرد ده
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
قلب الصفحة مستمتعًا بكل كلمة يقرأها فقطعًا هذا الكتاب سيكون من المفضلات لديه بجانب أربعمائة كتاب آخر، ومن يراه يظن أنه في أفضل حالاته المزاجية وهو بالفعل كذلك فالجو غائم وعلى الأرجح ستمطر وفي يده كوب من بديل القهوة "النسكافية" وفي يده كتاب جميل يعجبه :
-هل هناك أجواء أجمل من هذه؟؟
هذا إن استثنى ابن عمه الغاضب والذي ينتظر أي نفس من أحدهم حتى ينفجر به فهو على هذا الحال منذ أن أتى من العمل، يجلس على باب البناية ينتظر رقية حتى يمسك عنقها ويخنقها بين يديه على ما كتبت في صفحة جريدتها
حمحم يوسف يحاول التحدث مع أخاه لكن ملامحه الغاضبة هذه تمنعه من هذا ولكن في النهاية عليه التحدث وتهدئته قبل أن تأتي رقية ويقتلها وهو غاضب هكذا :
-احم يونس
نظر إليه الآخر بملامح حادة مخيفة جعلته يتراجع فيما كان ينتوي قوله فقال يونس بتحذير صارم :
-عارف لو قولت حاجة فيها حرف الراء والقاف هطلع غيظ النهاردة كله فيك، ما هو مش السفاح من الناحية والمأمور من ناحية واختك من ناحية وانت كمان عليا
-ما انت لازم تهدى طيب ودي أختك أيًا يكن هي كتبت ايه ما هو شغلها يعني هو حد جه في يوم من الأيام وقالك انت بتقبض على المجرمين ليه
أخرج يونس هاتفه وفتحه على صفحة الجريدة التي تعمل لها رقية عارضًا إياها امامه، يقرأ المكتوب :
-وتستمر قضية السفاح الشهيرة في الإستمرار ولا يوجد دليل واحد يمكنه الوصول به إليه، فالشرطة فشلت فشل ذريع في هذا وحدث البارحة مقتل ابنة مساعد وزير الهجرة أثناء تنزهها على شاطئ الإسكندرية لتلقى حتفها على يديه مطعونة في صدرها بسكين والسؤال، هو هل ستستمر هذه السلسلة من القتل؟ وهل ستستمر الشرطة في فشلها على القبض عليه؟
اخفض الهاتف ناظرًا إلى يوسف ملامح تشع غضبًا حتى أن عروقه تكاد تنفجر من شدة نفرها :
-انا المأمور يقولي عاجبك اللي كاتباه اختك ده قبل ما تتكلم عن الشرطة بشكل عام فبتتكلم عنك، انا يقولي قدامك أسبوعين لو ممسكتش حاجة على السفاح يبقى تسيب القضية للي يعرف يحلها
أشار إلى نفسه صائحًا بالمزيد بينما انزعجا يوسف وحمزة من صراخه :
-ده انا بسيبها تدخل مسرح الجريمة في كل مرة علشان بتقولي سيبني آكل عيش وبتصعب عليا، في الآخر تكتب كده وتشعلل المأمور عليا من وراء كلامها
رفع يوسف كفيه محاولًا تهدئته داعيًا في سره على رقية التي ستبات الليلة مربوطة فوق سطح البناية في البرد على ما فعلت :
-طب صلي على النبي واهدى كده
-لأ مش ههدى متقوليش أهــــدى
نظر يوسف إلى حمزة ناكزًا إياه حتى يتحدث معه :
-يا عم اتكلم معاه بدال اللي بتعمله ده
نظر له الآخر بطرف عينه هامسًا ببرود وهو يقلب صفحة الكتاب القابع بين يديه :
-قول للتور اللي جنبك ده يوطي صوته علشان مش عارف أقرأ
نظر إليه يوسف ويونس في آنٍ واحد أحدهما بصدمة وذهول والآخر بملامح مشتعلة ليقف يونس مختطفًا كتابه، ناويًا تقطيعه، فالضرب لن يؤلمه قدر تقطيع أحد كتبه العزيزة
وحمزة ما إن رأي أنه امسك بكتابه حتى هب واقفًا محاولًا إراجعه عن الذي في رأسه :
-يونس يونس متستهبلش إلا الكتاب ده انا لسه مشتريه مش واحد يضيع والتاني يتقطع كتير عليا ده
والآخر كان على وجهه ابتسامة متهكمة يقول :
-ما هو انا مش قاعد بشيط وانت بكل برود قاعد تقرأ والله لأخليك تصرخ زي المجانين دلوقتي
امسك بطرفي الكتاب وقام بقطعه إلى نصفين ثم ألقى به أرضًا بكل برود أمام أنظار الآخر إذ ظل يحدق في كتابه الملقى أرضًا بصدمة ثم رفع رأسه إلى يونس ببطء، هامسًا بهدوء مخيف :
-انت قد عملتك دي؟؟
وقف يوسف بسرعة أمام أخيه يمنع شجار حاد على وشك النشب فهدوء حمزة هذا ما هو إلا هدوء ما قبل العاصفة :
-صلي على النبي يا حمزة انا هجبلك كتاب غيـ
ولم يكمل الآخر كلمته ودفعه يونس من أمامه مجيبًا حمزة بنفسه :
-ايوه قده هات اللي عندك وانا هقلبها خناقة ايه رأيك بقى
بدأت ابتسامة حمزة تتسع شيئًا فشئ ليخلع عنه سترته الشتوية هاتفًا بتوعد :
-ماشي يا ابن عمي طلبتها وهتنولها هو إحنا عندنا كام يونس يعني
-يا جدعان صلوا على النبي مش كده انتوا كبرتوا على الكلام ده
تدخل يوسف مرة أخرى حتى يفض هذا لكنه تلقى دفعة أخرى من يونس القته فوق المقعد ثم قال الآخر :
-ملكش فيه يا يوسف اقعد انت على جنب علشان تعالجه بعد ما اكسرله صوابعه علشان لا يعرف يكتب ولا يمسك كتاب
ضحك حمزة وهو يقترب منه ليقف أمامه مباشرةً كلاهما يحدقان في بعضهما بأعين تنبئ عن شجار محتد سيحدث :
-يا اختي كوتي وبتهددي كمان، ده انت ليلتك مش معدية النهاردة
اجابه يونس ضاربًا جبينه في جبين الآخر وكانت عينيه أكثر حدة :
-كده كده مش هتعدي ويا طلع غيظي فيك يا اطلعه في رقية
عاد حمزة خطوتين للخلف ولم يلبث إلا وتقدم بسرعة لاكمًا إياه في معدته بعنف :
-بلاش الوش يا جذمة هقابل صاحب دار النشر به بكرة
لم يصمت الآخر وردها له ويوسف يجلس مكانه بعد دفع يونس له وقرر المتابعة في صمت فوالله لن يتدخل بعد أن بدأت المشاجرة بل سيجلس هكذا إلىٰ أن ينتهيا ويضمد الجروح التي ستنتج عن هذا
تقدم حارس البناية وحاول فك هذا الشجار ولم يحصل شيئًا غير أنه أخذ لكمة من هذا وأخرى من هذا فاتجه إلى يوسف صائحًا بفزع فليس من عادتهم الشجار ابدًا :
-يا دكتور يوسف انت هتسيبهم كده فكهم عن بعض
-هعمل فيهم ايه يعني فرجوا علينا الناس سيبهم كده يعضعضوا في بعض لحد ما يتعبوا
وصل كريم أمام البناية بدراجته البخارية ليتفاجئ بهذا المشهد أمام باب البناية الداخلي فركن دراجته بعدم اهتمام وألقى بالخوذة راكضًا للداخل ليتدخل في الشجار صائحًا بذهول :
-يخربيتكم قطعتوا بعض وانت يا يوسف قاعد كده عادي
قلب الآخر عينيه وقرر التدخل بحضور كريم فعلى الأقل لن يأخذ الضرب بمفرده وما جعله يسرع في مساندة كريم علي فض كل هذا هو رؤيته لنور تقف على الباب الخارجي للبناية تحدق في هذا بذهول تام :
-كفاية بقى فرجتم علينا الناس منكم لله
أما عن نور ومنذ دقائق فقط كانت تسير في الشارع وخلفها رحمة ولؤي بعدما طلبت منها ناهد أن تأخذهما وبقيت هي للتفاهم فيما حدث وقد حضر محفوظ كذلك بعد أن اتصل به المدير بسبب ما فعله لؤي
كان وجهها مقلوبًا وحاجبيها معقودان، أجل لم يقل المدير شيئًا على ضربها لسليم لأنها قالت له عن اللفظ القبيح الذي نطق به سليم وقد شهدت معها هاجر لأنها سمعته أيضًا
لكن لا تشعر بالراحة أبدًا ولازلت متأكدة ان ذلك الحقير فعل شئ مشين لرحمة مثل لفظه، وما يجعله واثق كما بدا أن الأخرى مرعوبة من أن تقل شيئًا
استدارت لهما لتجدها على نفس حالتها وجهها أحمر من شدة البكاء بل وإن الدموع بدأت تلتمع مجددًا في عينيها بصمت، بينما لؤي يسير أمامها وهو يضع منديل على وجهه يحاول مسح به الدماء المتجلطة على وجهه :
-شدوا شوية في المشي وانت أنجز علشان اخلي براءة تعالج وشك اللي باظ ده بدال ما ترجع لعمتي متخرشم كده
امسكت بذراع رحمة وشبكته بذراعها ثم نظرت إليها بشفقة وحيرة هامسة بدعم حقيقي :
-متخافيش من حد أبدًا انا وانتي هنقعد مع بعض ونتكلم واعتبريني صحبتك مش مُدرستك انا وانتي أصلًا قريبين من بعض في الطول والجسم مع إني ده عار عليا علشان بيني وبينك تسع سنين بس معلش هعديها
نظرت رحمة لنفسها ولنور ولاحظت بالفعل أن كلاهما متقاربان في الطول والحجم رغم أن رحمة لا تزال تمتلك من العمر أربعة عشر عامًا لكنها طويلة عكس أغلب مَن في سنها ونور كانت ذات القامة القصيرة والجسد الضئيل
توقفت نور أمام باب البناية الخارجي ولم تطأ إلى الداخل بسبب رؤيتها لمشهد جعل عينيها تتسع بإندهاش فكان يونس في مظهر غوغائي يمسك بذراع حمزة بين ذراعيه ثانيًا إياه بقوة، بينما حمزة في مظهر أكثر غوغائية قابضًا مقدمة ملابس الآخر رافضًا تركه
وبين كل هذا كان كريم يحاول دفعهما عن بعض وقد تدخل يوسف فور أن رآها ليسحب حمزة بعنف من قبضة أخيه هاتفًا بغيظ :
-كفاية بقى فرجتم علينا الناس منكم لله
تحدث كريم مذهولًا وهو ينظر إلى لؤي الذي كان يقف بجانب نور بوجه تملؤه الكدمات :
-حتى انت التاني متخرشم!؟ مين عمل فيك كده يلاه؟؟
تراجع يونس وحمزة كذلك يبعد خصلات شعره عن وجهه حتى يرى من الذي يوجه كريم حديثه له ليشعر بنفس ذهوله من هذا المشهد خاصةً وأنه لاحظ وجه شقيقته الباكي
ربط كدمات لؤي التي على الأرجح نتجت عن مشاجرة، ووجه أخته، ووجود نور معهما ليستنتج أن هناك مشكلة قد حدثت في المدرسة لها علاقة بكلاهما
تقدم منهم سريعًا فعادت نور للخلف بطريقة تلقائية ووقفت خلف رحمة مثبتة كفيها على كتفي الأخرى تستمع لحمزة يقول بتوجس :
-فيه ايه؟؟ حصل ايه في المدرسة وليه راجعين في الحالة دي!؟
نظرت رحمة إلى الأسفل تعبث في اصابعها هامسة :
-مفيش حاجة يا حمزة
-لأ فيه هو ايه اللي مفيش حاجة راجعة معيطة والتاني مضروب أكيد حصل حاجة
تساءل بها كريم وهو يقف خلف حمزة فنظرت رحمة هذه المرة إلى نور حتى ترد هي عنها وعندما رأي جميع الموجدين هذا انتظروا إجابة نور والأخرى رغم غضبها منذ قليل إلىٰ أن في هذه اللحظة أصابها الحرج الشديد تنظر بعيدًا خاصةً وأن حمزة يقف أمامها مباشرةً الفاصل بينهما رحمة :
-مشكلة حصلت في المدرسة وانا هتكلم مع رحمة دلوقتي
نظرت إلى يوسف المتابع لهذا بصمت ثم أضافت :
-معلش شوف وش لؤي اعمل فيه حاجة بدال ما يرجع لعمتي كده وحد يجيبله لبس برضو علشان الزي بتاعه اتقطع
كادت أن تتقدم مع رحمة فأوقف حمزة شقيقته واضعًا يده على كتفها غير ملاحظ بتاتًا ليد نور فسحبت الأخرى يدها سريعًا حتى هو نفسه تفاجأ من رد فعلها السريع هذا لكنه ركن الأمر جانبًا ونظر إلى شقيقته ثم قال :
-بصراحة كده مين اللي ضايقك في المدرسة وأتخانق لؤي معاه فعملوا في بعض كده؟!
ضمت الأخرى شفتيها متمتمة بتردد :
-واحد في تالتة إعدادي
تحدث يونس مبتسمًا بتوعد :
-اسمه ايه ثلاثي وانا اجيبه من قفاه الواد ده
-اسمه سليم ومعرفش اسمه كامل
تقدمت للأمام حتى لا يسألها اخوتها سؤال آخر وتقدمت معها نور حتى لا تظل هي وتصبح محط الأسئلة وعندما اختفيا داخل البناية نظروا جميعًا إلى لؤي ليقول كريم بنبرة جادة بشدة :
-عمل ايه سليم ده لرحمة
-معرفش مش راضية تتكلم يارب تتكلم مع نور نشفت ريق مرات عمي والمدير والمدرسين علشان تتكلم ومش راضية
-اسمه سليم ايه يا لؤي
تحدث يونس متسائلًا مرة بهذا السؤال فقال الآخر بعدم إهتمام :
-سليم سعيد غانم باين أبوه غني أوي علشان كده الواد صايع وفاشل
وهذا الاسم رن في عقل يونس فابتسم ابتسامة مخيفة قائلًا :
-سعيد غانم مرة واحدة؟! ده ايه الحلاوة دي
لم يفهم لؤي سر هذه البسمة المخيفة التي ارتسمت على وجهه لكنه تغاضى عن الأمر وجلس على أحد المقاعد المتواجدة مكملًا :
-حد يجيب تلج لوشي يا جدعان يخربيت الواد ايده تقيلة بس انا عجنته
ربت كريم على كتفه بشئ من القوة مادحًا إياه :
-جدع يلاه تربيتي
نظر إلى يونس وحمزة ويوسف ثم أكمل بنبرة ذات مغزى :
-وبالنسبة لابن سعيد غانم اللي شكل ولاده بيعيدوا قرفهم معانا هنعمل فيه ايه بقى؟؟
وقد أتته الإجابة من لؤي هذه المرة إذ قال :
-لأ مش محتاجين تعملوا حاجة كفاية اللي عملتوا فيه نور، دي عملت الواجب وزيادة
اتجهت جميع الأنظار إليه ليقولوا في آنٍ واحد :
-عملت ايه؟؟
ابتسم الآخر ابتسامة عريضة متشفية ثم قال :
-سكعته حتة قلم رزعته بيه على الأرض خلت خده ورم، لو مكنتش شوفت القلم قدامي لقولت استحالة اللي ضربه يكون بنت مش راجل
أشار حمزة ناحية البناية حيث اختفت نور ورحمة ثم هتف متسائلًا :
-هو انت بتتكلم عن بنت خالك النواعم اللي لسه داخلة دي!؟ ده بتتكسف من الهوا لدرجة اني انا بتكسف اقولها صباح الخير أصلًا، دي بتهرب ناحية السلم لو شافتني رايح ناحية الاسانسير
أكمل كريم على حديثه موافقًا إياه :
-معاه حق البنت دي بالذات عكس اللي بنسمعه منك انت ورحمة عن إنها عصبية وطبعها شديد دي كيوت أوي والله، تعرف لو بتتكلم عن التلاتة التانين أصدق عادي لكن دي لأ
رفع الآخر منكبيه ضاحكًا :
-انا ساعات بحس اني عندها انفصام فعلًا شخصية عصبية مفترية وشخصية خجولة، احم واسكتوا علشان جاية أهي
نظر ناحيتها يونس موافقًا كلام لؤي عندما رأي ملامح وجهها المقلوبة :
-تصدق معاك حق من شوية كانت طالعة مكسوفة ودلوقتي كأنها قاتلة قتيل فوق
مرت من أمامهم دون النظر إليهم فقال لؤي بسرعة ما إن رأي حقيبة الظهر المنتفخة التي تحملها والتي على الأرجح بها ملابس :
-استني استني انتي رايحة فين البلد دي أحسن من غيرها
نظرت إليه نور ثم إلى الحقيبة لتقول بنفي :
-لا انا مش مسافرة بس البنات كلهم عند أمك وقالتلي هاتي نفسك وهدوم للبنات علشان بايتين عندكم
وقبل أن تكمل حديثها كان كريم يقاطعها مبتسمًا بإتساع :
-بايتين برا يعني اختك مش هتطلعي زي كل يوم وتقولي وطي التليفزيون وطي التليفزيون
ابتسمت نور ابتسامة بالكاد ظهرت وهي تميىٓ بهدوء :
-اعمل اللي تعمله بقى الليلة دي إعفاء
قفز كريم صاعدًا إلى شقتهم بسرعة فتلك عائشة كانت كالشوكة في الحلق تمنعه من مشاهدة مباراياته الحبيبة منذ أسبوع وأكثر وهذا بعد أن شكت لوالده عن الصوت والآخر منعه منعًا باتًا أن يفتح التلفاز الموجود في غرفته قائلًا :
-خلي عندك دم وذاكر بدال الماتشات دي، انت لا بتذاكر ولا سايب البنت تذاكر مش هينفعك محمد صلاح لو سقطت يا معفن
حدق يوسف في كريم هاتفًا بذهول :
-اخوك الكورة لحست دماغه
وأجابه يونس بدلًا من حمزة قائلًا :
-انت بتكلم مين أساسًا ما التاني الكتب لحست دماغه
نظر له الآخر بطرف عينه بتحذير قائلًا :
-اسكت بدال ما اقوملك يا يونس
-لا بالله اسكت انت بشعرك المستفز اللي جاي وشك ده بدال ما اقطعهولك
ضحك حمزة رافعًا خصلات شعره عن وجهه إلى الخلف ليلاحظ أن نور لا تزال تقف لكنها تمسك بشئ وسرعان ما وقف بسرعة من مكانه قائلًا :
-لا استني ده كتابي
استدارت له نور وفي يده الكتاب المقطوع إلى نصفين قائلة :
-بس ده مقطوع!؟
-آه ما فيه تور جذمة إلهي ايده تنكسر هو اللي قطعه
مد يده لها حتى يأخذ الكتاب فأعطته له وهي تنظر إلى الكتاب بتركيز شديد فقال حمزة ملاحظًا نظراتها هذه :
-عجبك الكتاب مركزة أوي يعني
انتبهت الأخرى لما قال فأبعدت نظراتها سريعًا هاتفة بتلعثمها المعتاد :
-لا مش قصدي، لفت نظـ... نظري مش أكتر
استدارت حتى تذهب تزامنًا مع قولها الذي وجهته للؤي :
-لؤي اجيب حاجة من السوبر ماركت عبال ما تخلص انت علشان نمشوا سوا
-نور
توقفت الأخرى بل تجمدت عندما نداها فهي في العادة بل لم يحدث من قبل معها وأن ناداها رجلًا واهتمت بل تتصنع الصم حتى لا ترد، استدارت مرة أخرى وضمت يديها تشعر بحرج شديد يعتيرها حتى أنها لم ترفع نظرها :
-نعم
تحدث حمزة وهو يتابع كل حركة منها بدقة دون أن يُظهِر :
-سليم ده عمل لرحمة ايه، أكيد اتكلمت معاكي
-اتكلمنا وهي دلوقتي في بيتها واتمنى ومش قصدي التقليل، اتمنى متدخلوش لا انتوا ولا لؤي انا هعرف اتصرف في الموضوع ده
لم تدع له فرصة ليسأل سؤال آخر وانطلقت بعيدًا تحت أنظاره المتعجبة لينقشع وجهه بابتسامة بسيطة ثم عاد إلى أبناء عمه مكملًا الحرب الباردة هذه مع يونس
بينما نور وما إن ابتعدت عن البناية أخرجت ذلك الكتاب الذي وجدته في حقيبتها تفتح الصفحة الأولى حيث اسم الكتاب لتنظر إلى الأعلى ناحية اليسار حيث كان مكتوب اسم حمزة بلغة عربية رقعة داخل سحابة صغيرة
نفس العلامة والاسم والخط كلن مكتوبًا في ذلك الكتاب المقطوع وهذا إن عنىٰ شيئًا فيعني أن هذا الكتاب في يدها يعود إلى حمزة والسؤال الأهم هو
كيف وصل كتابه إلى حقيبتها؟!
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل السابع عشر 17 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
ازدرقت لعابها، تهز قدمها بتوتر وهي تجلس على مقعد في مكتب رئيس المباحث بنفسه وهذا بعدما قدمت بلاغ في جارها أنه سفاح الإسكندرية الذي يبحث الجميع عنه بل وأنه تهجم على بيتها وحاول قتلها من قبل
لكن ما أصابها بالبلاهة حقًا هو عندما سألها عن اسمه، هي حتى الآن لا تعلم اسمه ولم تتجرأ من قبل وتسأله عن هذا رغم أنها كانت تراه بشكل شبه يومي
اكتفت فقط أنها قالت أنه يسكن أمامها واملته العنوان ورقم البناية والطابق وها هي الآن تجلس في القسم أمام رئيس المباحث منذ نصف ساعة تقريبًا تنتظر حضور ذلك السفاح حتى تشهد بأنه هو، وايضًا لأنها تخاف العودة الآن فيفعل ذلك المختل لها شيئًا فهي الآن في اعتقادها بأمان
نظرت إلى رئيس المباحث هاتفة بتردد فسبحان من جعلها تدلف القسم وتسجل بلاغ وهذا بعد ساعات من التفكير والتردد :
-هو الموضوع هيطول؟ مينفعش ارجع البيت متأخر، انا عايشة لوحدي وده مش هيكون في مصلحتي أكيد فاهم
آماء لها الآخر محدقًا في بطاقتها خاصةً في الخانة المكتوب بها اسم الزوج :
-هو انتي مرات حاتم الدخيلي المستثمر اللي توفى من تلات أسابيع
جفلت الأخرى من هذا السؤال الغير متوقع لكنها آماءت بهدوء قائلة :
-ايوه بس انا ارملته دلوقتي
نظر إليها الآخر بطريقة مربية جعلتها تخفض رأسها، طالما رأت هذه النظرات من جميع من يعلم أنها وفي مثل هذا العمر الصغير تزوجت من رجل في عمر والدها، وبالطبع الجميع يحكم على أنها تزوجته طمعًا في أمواله
لا أحد يعلم الحقيقة ولا أحد يهتم بالبحث عنها بل يكتفوا بتأليف الأسباب على هواهم هم دون مراعاة أنها قد لا تكون حقيقية
طرق الباب فسمح رئيس المباحث بدخول الطارق ليدلف أحد العساكر متسع العينين وكأنه يحمل خبرًا كارثيًا وهو بالفعل كذلك :
-يا باشا جابوا السفاح
وقف المأمور بسرعة تزامنًا مع وقوف هاجر كذلك لكن بحالة معاكسة فقد كانت هي تشعر بالخوف والرهبة، بينما الآخر كان يشعر بحماس شديد وشئ من التفوق لكونه أول من سيعلم ذلك السفاح الذي أرهق شرطة إسكندرية لأشهر :
-جابوه!؟ اوعى الصحافة تشم خبر لحد ما نحقق معاه
-متقلقش يا فندم إحنا أصلًا دخلناه القسم من غير دوشة وهو دلوقتي في مكتب النقيب يونس هواري بس هو حاليًا مش موجود لسه ماشي من ساعة نبعت نجيبه؟
اجابه الآخر وهو يسحب هاتفه المحمول من فوق المكتب قائلًا :
-لأ هحقق انا معاه
نظر إلى هاجر ثم أكمل :
-وانتي تعالي يلا علشان تتعرفي عليه
ابتلعت الأخرى لعابها بتوتر وهي تهز رأسها بحسنًا لتتبعه بخطوات مترددة وكل خطوة تخبرها أن تخرج من هذا القسم، لا تريد رؤيته لكن ما باليد حيلة يجب أن تشهد أنه هو حتى تنتهي من هذا الأمر الذي بدأ يورق راحتها التي ظنت انها ستنعم بها بعد رحيلها من سجن آل الدخيلي
فتح المأمور أحد الأبواب ودلف فدلفت هي خلفه بتوتر وخوف وما إن وقعت عينيها عليه وجدته يجلس على المقعد الأمامي للمكتب بكل أريحية رغم كونه مكبل بأصفاد حديدية وهناك خمس عساكر تقريبًا يحرسونه
وعندما دلف المأمور لم يلقي له بالًا بل اتجهت أنظاره لها هي بالتحديد هاتفًا بنبرة ساخرة :
-كده يا لوزة تبلغي عني
ضمت الأخرى كفيها بالحقيبة إلى صدرها بخوف وهي تختبئ خلف المأمور فقال الآخر وهو ينظر إليه بتفحص يبصر أمامه شاب في منتصف الثلاثينات، يمتلك خصلات شعر سوداء تتخلل ببعض الشعيرات البيضاء، وعيون من نفس اللون وجسد معضل نتيجة لتدريبات شديدة وقاسية وهذا ظاهر من ضخامته :
-انت بقى سفاح إسكندرية اللي مدوخنا عليك، مكنتش متخيلك كده بصراحة
-وهو من امتى الإجرام بالشكل ما ياما حرامية وتجار مخدرات من كبار البلد وعدو البلطجية في الإجرام
كانت نبرته هادئة باردة لا تتناسب أبدًا مع الموقف الذي هو به الآن، وهذا ما آثار استفزاز المأمور فصرخ به قائلًا :
-قوم أقف يلا ده انت هتطلع عين أمك بس اصبر
وقف الآخر ولم يعطي للمأمور فرصة للإستيعاب إذ كان في ثواني يقف أمامه فتراجع الآخر من عنصر المفاجأة تزامنًا مع رفع العساكر لأسلحتهم عليه ليقول بصوت مخيف :
-لأ يا باشا تجيب سيرة امي ازعل وانا لما ازعل بزعل الكل معايا علشان بيصعب عليا نفسي لو زعلت وحدي
ارتعدت هاجر خلف المأمور تلعن نفسها انها أبلغت عنه، ليتها تركت البناية بأكملها وطلبت من عادل أن ينقلها إلى مكان آخر وتخلصت من المشكلة دون إيقاع نفسها مع سفاح
وفي هذا الوقت دلف نفس العسكري الذي أبلغ المأمور أن السفاح قد وصل وهذه المرة كانت ملامحه مرتعبة بشدة ليقول صادمًا الآخر :
-باشا فيه واحد من أمن الدولة برا
-ايه؟ أمن الدولة!؟
ولم بتشرب المأمور صدمته إلا ووجد رجل طويل يرتدي ملابس رسمية يقف أمام الباب ليلاحظ هاجر الشبه ملتصقة به فقال رافعًا إحدى حاجبيه :
-هو انتي بلغتي عنه؟! والله كنت حاسس
أبعد نظره عنه ناظرًا إلى المأمور ثم هتف بنبرة شديدة الجدية :
-انا الملازم أمين خليل من أمن الدولة فين المسؤول هنا
أشار المأمور إلى نفسه ثم هتف متمالكًا نفسه :
-انا هنا المأمور خير فيه حاجة حصلت علشان أمن الدولة بنفسهم يكونوا عندنا هنا
-آه طبعًا فيه بس الأول العساكر دي كلها تطلع برا
نظر المأمور إلى العساكر مشيرًا إليهم بالخروج فخرج الجميع حتى هاجر كادت أن تخرج معهم لولا صوته الذي هتف بنبرة باردة تشوبها السخرية كما العادة :
-لا يا كتكوتة انتي مش خارجة، اسمعي اللي هيتقال علشان لما اطلع عليكي حق المرمطة دي مبقاش غلطان
نظرت هاجر للمأمور بإستنجاد لكن الآخر كان تركيزه مع موظف أمن الدولة هذا والذي رفع له بطاقة وما إن ابصر الآخر الصورة والمكتوب بها نظر إلى ذلك الرجل الذي قام بسبه بأمه للتو، معتذرًا له بشدة :
-سفيان فياض أبو المجد ظابط أمن دولة؟! يا نهار أبيض يا باشا والله زي ما بيقولوا اللي ما يعرفك يجهلك، بس والله باين عليك الشكل ده شكل ظباط أمن دولة فعلًا
رفع الآخر يده المقيدة بالأصفاد وعلى شفتيه ببسمة باردة ففهم الآخر وبحث عن المفتاح في جيوبه بينما قال ببرود شديد :
-هفضل كتير مستني، علشان انت راجل كبير بس مش هردهالك وأقولك أنجز بدال ما اطلع عين أمك، اصل امي علمتي اني الناس الشيبة اللي زيك ليهم احترام حتى ولو هو مش عندهم
ابتلع الآخر هذه الإهانة وخرج بحثًا عن العسكري الذي يمتلك المفتاح بينما نظر "سفيان" ضابط أمن الدولة هذا إلى هاجر بأعين الشرار يتطاير منها هامسًا بهدوء مخيف :
-انا اركب بوكس قدام الناس ويتحط الكلبشات في ايديا من وراء راسك طب تعالي واسألي كنت هكدب عليكي يعني
صاحت هاجر به بغيظ شديد فمنذ أن أتى هذا الرجل إلى البناية وهو يؤكد لها كل يوم عن الآخر انه سفاح وقاتل متسلسل :
-وانا هعرف منين مش انت اللي قولت انا لسه قاتل واحد جوا، مش انت اللي قولت اجيبلك كبدة مغاوري تعمليها
اقترب منها الآخر بسرعة مخيفة جعلتها تلتصق بالحائط ليقول بعدها بغضب :
-هو انتي ليكي عين تبرري كمان، ده انا هنفخك
دلف المأمور واقترب منه حتى يفك الأصفاد فقال وهو ينظر إلى هاجر بنفس النظرات الغاضبة :
-يلا يا لوزة اوصلك ما انتي جارتي بقى والجيران لبعضها
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
وطأت قدمها إلى هذا المطعم الفخم وقد أغلقت مظلتها، نظرت حولها بحثًا عن الرجل المطلوب وأخيرًا وجدته يجلس بجانب زجاج النافذة يحدق في الخارج حيث تتساقط الأمطار بغزارة لكنه لا يبدو شاردًا في المطر بل في شئ آخر
اقتربت من طاولته وسحبت مقعد لتقول بصوت رقيق به لمحة توتر :
-بتفكر في مين يا دكتور
انتبه الآخر فنظر إليها نظرة متفحصة من الأعلى إلى الأسفل، امرأة جميلة في منتصف العشرينات بملامح جذابة وشعر أسود مسترسل، ترتدي فستان أزرق قصير بالكاد يصل إلى ركبتيها وفوق كتفيها سترة من الفرو الأبيض الناعم
كان كل شئ بها يوحي إلى الثراء الفاحش، ملابسها، حقيبتها، تصفيفة شعرها، حتى مستحضرات التجميل
وقف بإنتصاب ومد يده مصافحًا يدها الناعمة بلباقة :
-ازيك يا مروة عاملة ايه
آماءت الأخرى وهي تبعد يدها عن يده بعدما صافحته :
-الحمد لله يا دكتور اديني جيت اهو مع اني مستغربة اني الجلسة تبقى هنا مش في العيادة
ابتسم لها بهدوء وهو يجلس دارسًا كل حركة منها فنظرت إليه الأخرى بتركيز ولمحة من الإعجاب فهو طويل وعريض المنكبين يمتلك ملامح وسيمة لفتت نظرها منذ أن دلفت بشعر أسود شديد النعومة وأعين زرقاء تلتمع أسفل إضاءة المطعم
حمحمت تبعد نظرها عنه بعدما نظر إليها مباشرةً لتكف عن النظر إليه :
-احم هنبدأ الجلسة دلوقتي ولا ايه
كان الآخر هادئًا بشدة حتى أنه لم يجب على ما قالت بل أشار إلى النادل بأن يأتي ليقول بابتسامة هادئة :
-شوف الآنسة تطلب ايه لو سمحت
نظرت مروة إلى النادل مبتسمة بهدوء تملي عليه ما تريد بينما الآخر كان ينظر إلى هاتفه أسفل الطاولة حيث كان مفتوحًا على منشور منذ شهر يتمثل في صورة لرجل يشبه هذه المرأة التي تدعى مروة واسفلها مكتوب
"وقد تم إلقاء القبض على ثروت الشامي متهمًا بقضايا تزوير ونصب وزوجته متهمة بإدارة شبكات دعارة كبيرة"
نظر إلى مروة والتي قالت بشئ من التوتر :
-ها يا دكتور هنبدأ ولا ايه انا بصراحة تعبت شهر وانا بتعالج، نفسي ارتاح بقى
آماء لها الآخر هامسًا بنبرة غامضة :
-متخافيش يا مروة هريحك، هريحك من الدنيا وما فيها
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
كان يهز قدمه بنفاذ صبر وهو يستمع إلى شقيقته التي تتحدث معه من خلال مكالمة فيديو وهذا بعد أن علم أنها في بيت عمه محفوظ وستبات هناك وبالطبع خوفًا من أن تعود إلى المنزل ويونس موجود هنا
صاح بها وقد حاول أن يجعل صوته منخفضًا حتى لا يسمعه يونس رغم كونه يجلس في الشرفة والآخر في المرحاض :
-وبعدين ها بعد المبررات دي كلها هترجعي أمتى بقى إن شاء الله
-لما أخوك يهدي ويصفي النية
ضحك الآخر بسخرية شديدة ثم قال :
-يهدي ويصفي النية الأتنين مع بعض، ده عدى ست سنين على اللي حصله من عايدة ولحد دلوقتي نيته مصفيتش ناحيتها ولو طال يحطها في الحجز ويسلط عليها النسوان يضربوها هيعملها، وانتي بقى لو يمسكك هيعملك كيس ملاكمة على اللي كتبتيه عنه
تحدثت الأخرى تزدرق لعابها بتوتر مبتسمة له ابتسامة متسعة بدت له بلهاء بشدة :
-الله طب ما ده شغلي أعمل إيه يعني ثم ما أخوك زيهم كلهم محدش عرف يمسك على السفاح غلط واحد، حتى الفيديو الوحيد اللي نزله للواد اللي رماه في كليوباترا محدش برضو عرف يوصله به مستني اكتب ايه يعني؟ انزل للشرطة قلوب حمرة وكل أسبوع والتاني حد يتقتل
-طب كنتي خلي حد تاني من الجريدة يكتب المنشور روحتي انتي نزلتيه بنفسك خليتي المأمور يهزقه
رفع إحدى حاجبيه متسائلًا :
-على كده لو المستشفى اللي انا شغال فيها بتاجر في الأعضاء هتخديني في الرجلين ولا هتعملي حساب اني اخوكي
اتسعت عيني رقية بإندهاش لترتسم على شفتيها ابتسامة شديدة الإتساع هاتفة بحماس :
-هي المستشفى بتاجر في الأعضاء بجد!؟
-يخربيتك هتلبسيني مصيبة!؟ انا بقول لو
-لا يا يوسف لو دي وراها إنة انت متقولش الخبر وتسبيني متعلقة، قول قول بالله عليك خلي اختك تاكل عيش
هز يوسف رأسه بيأس فأصبحت شقيقته مدمنة أخبار بعد أن عملت في تلك الجريدة، عقد حاجبيه يستمع إلى صوت براءة تتحدث مع شقيقته قائلة :
-رقية تيجي تتفرجي معانا على فيلم جومانجي؟
اخفضت رقية الهاتف على الفراش تنظر إليها متسائلة :
-جومانجي الجزء الكام؟؟
-هنسهر على السلسلة كلها بما اني بكرة الجمعة، انتي بتعملي ايه؟؟
مدت رأسها تنظر إلى الهاتف وكادت أن تسخر منها لأنها تشاهد فيديو مسجل لأخيها، لكن أعادت نظرها إلى الهاتف سريعًا وعندما أدركت أن هذا ليس فيديو انتفضت متراجعة للخلف تخفي خصلات شعرها أسفل زونت منامتها الشتوية هاتفة بفزع تزامنًا مع سحبها لخمار الصلاة الذي احضرته نور معها :
-يخربيتك مش تبعدي التليفون، مش شايفاني واقفة جنبك بشعري
امسكت الأخرى الهاتف بسرعة واخفت الكاميرا قائلة :
-هو انا يعني اللي قولتلك حطي وشك في الكاميرا أجري بعيد يلا انا هقفل وجاية
ابعدت رقية يدها عن الكاميرا لتجد أن يوسف بدوره أبعد الهاتف عنه فقالت مبتسمة لعلمها أنه عندما رأي براءة بشعرها غض بصره وابعد الهاتف :
-خلاص يا يوسف مشيت ها قولي موضوع الأعضاء ده جد ولا هزار
حمحم الآخر معيدًا الهاتف أمام وجهه يحاول إبعاد مشهد براءة بخصلاتها السوداء عن رأسه فهو لمحها وهذه اللمحة أظهرت له ما تخفيه هي أسفل خمارها الواسع فقد كانت تمتلك شعر أسود ترفعه للأعلى وهناك خصلات قصيرة أمامية تعيديها خلف اذنيها :
-انا هقفل علشان دلوقتي يونس يطلع من الحمام وعلفكرة جايين بكرة كلنا بيت عمك محفوظ شوفيلك حجة تهربي بيها
-يا عم ربنا يخليك ليا انت وابويا مش هتخلوه يقربلي ولو فيه حاجة شمال في المستشفى عندك تقولي فورًا، انا اختك حبيبتك مش هتستخسر فيا خبر حلو كده ناكل بيه عيش يلا سلام
أغلقت هاتفها وخرجت إلى بهو شقة عمها محفوظ حيث كان يجلس على الاريكة بجانب زوجته أسماء بينما على الأرض يجلس لؤي وبراءة وعائشة يعبثون في الحاسوب المحمول الخاص برحاب والذي تركته لأخيه بعد أن انهت هي دراستها
جلست بجانب عمها قائلة :
-معلش يا عمي هنتقل عليك في البيات النهاردة وما شاء الله اتضح اني في ناس كتير هتبيت عندك النهاردة
-آه ولسه بكرة ده هيبقى مارثون والله
نظرت أسماء إلى شروق ونور الخارجات من المطبخ بعد أن اعدوا طبق كبير مليئ بالفشار لتقول وهي تلاحظ أن الفتيات الأربعة يجلسن بخمارات فوق مناماتهم الشتوية :
-يا بنات ما بلاش الخمارات دي مفيش حد غريب لؤي اخوكم الصغير وعمكم محفوظ زي ابوكم
اجابتها نور وهي تجلس على الأرض بجانب البقية :
-بس لؤي عنده ١٥ سنة يعني كبير مش صغير وعمي محفوظ ايوه في سن ابويا بس هو مش من محارمنا ثم أصلًا الجو برد يا عمتي يعني الخمار هيدفي أكتر
نظرت أسماء إلى رقية لتنكزها في جانبها بخفة قائلة :
-اسمعي واتعلمي يا بنت محمد يارب تتعظي وتبطلي تطلعي بشعرك زي المسيحيين
ذمت الأخرى شفتيها ولم تكن من الحقد الذي يجعلها تغضب لمقارنة أسماء بينها وبين بنات أخواتها بل قالت بنبرة فلسفية وبنفس الجملة التي تقولها كلما تحدث معها اخوتها ووالدها في الأمر :
-انا مش هلبس الحجاب غصب لازم اقتنع بيه، انا شخصيتي كده ربنا خلقني كده لو مقتنعتش بالحاجة مش هعملها غصب عني
وهذه المرة اتتها الإجابة من براءة إذ قالت وهي تعقد حاجبيها بعدم رضا عن هذا الحديث :
-لا إله إلا الله اهي دي آخرة الحرية اللي ادوها للنساء يا ماما الحجاب فرض فرض مش اختيار
أكملت نور على حديثها وكم ودت أن تحدث رقية في الأمر لكن شخصيتها الخجولة منعتها من التدخل في شيءٍ لا يخصها :
-بصراحة انا مستعجبة عليكي إزاي بتطلعي بشعرك كده، انا لو طلعت مترين برا بيتنا وانا لابسة بونية بس بقعد اتلفت يمين وشمال أخاف لو حد شافني، انا لو هطلع وامشي في الشارع كده زيك هحس نفسي عريانة
انقلب وجه رقية بشدة لتقول غاضبة :
-بس انا لبسي واسع ومفيش فيه أي حاجة غلط ولا بكشف حاجة من جسمي
تحدثت شروق عندما رأت أن رقية بدأت تغضب لذا وجهت حديثها إلى بنات عمها قائلة :
-خلاص يا بنات هي حرة محدش هيشيل وزر حد
أبت نور أن تصمت إلا عندما توجه نصيحتها كاملة فقالت بعد دقيقة من الصمت :
-هو انتي جربتي ولبستي الحجاب قبل كده يا رقية؟؟
-أكيد ايوه
-طب ايه اللي معجبكيش فيه
حدقت بها رقية لوهلة لتقول حائرة :
-حاسة نفسي وحشة بيه وبتخنق بسرعة منه ولو لبست الحجاب عايز إلتزام وانا شخصية غير ملتزمة بصراحة
استدارت عائشة لها لتربع قدميها محدقة بها بجدية :
-لو على انك وحشة بيه فهو أصلًا بيخبي جمالك، ليه بقى لليستحقه مش كل اللي رايح وجاي يبص على شعرك عادي كده ببلاش ولو على إنك بتتخنقي بيه ومش هتلتزمي فهو تعود مرة في مرة هتلاقي نفسك لو حد خبط قبل ما تفكري مين على الباب علشان تفتحي هتتلافي أول طرحة علشان تستري نفسك بيه
أكملت نور على حديثها عندما رأت بوادر اقتناع على وجه رقية :
-تعرفي يا رقية لو فيه كام شعرة طالعة من الحجاب بتاخدي عليهم وزر كل واحد شاف الشعرة دي، فما بالك بقى باللي بتطلع بشعرها واللى بتلبس نص طرحة وتقول انا لابسة حجاب وهي نص شعرها باين
أكملت شروق ساخرة من الفتيات اللواتي تراهن في الكلية إذ سحبت حجاب قصير بجانب عمتها وقامت بلفه فوق خمارها إذ وضعته على راسها وأعادته للوراء، والقت بطرف للخلف والآخر لفته حول عنقها :
-واللي بتلف طرحتها كده ببقى عايزة امسكها كده من زمارة رقبتها وأقولها أمثالك عار على المسلمين، دي مش كفاية واخدة ذنب شعرها اللي باين لا وكمان رقبتها اللي باينة
زادت براءة في حديث الأخرى قائلة :
-واللي بتعملها كده وتروحي مدخلة الطرحة جوا هدومها، حضرتك الطرحة بردانة ولا ايه؟ حتى مكلفتش نفسها تحط دبوس لا ومبينة رقبتك والسلسلة كمان اللي لبساها، ما تطلع بشعرك أحسن ما هي كده ذنوب وكده ذنوب
ضحكت رقية مشيرة إلى نفسها :
-انا خايفة ألبس الحجاب اعمل كده مش هطيق حد يتريق عليا بجد
-انتي لو عملتي كده هتاخدي تريقة وذنوب جارية
هتفت بها عائشة ساخرة ثم عادت تبحث عن الفيلم في الحاسوب بينما عوجت أسماء شفتيها ذاكرة غادة والتي لا ترتدي حجابها إلا على الطريقة التي شرحتها شروق :
-نفسي تقولوا الكلمتين دول لغادة مرت ولدي يمكن ربنا يهديها
اجابتها براءة وهي تاخذ بعض الفشار حتى تأكله :
-قولنا ليها كده آخر مرة كنا عندك كانت مبينة جزء من شعرها وشروق قالتلها شعرك باين فقالتلها البونية بيتزحلق، حضرتك فيه اختراع كده لو ممرش على حياتك اسمه دبابيس وهي سمعت كده من هنا وقامت قالت بصوت مسرسع انا مش بلبس على مزاج حد ويلا يا اسماعيل وديني عند ماما
ختمت حديثها مقلدة صوت غادة فقال محفوظ مذهولًا :
-هو انتوا قولتوا ليها كده بجد؟ وانا أقول مشيت ليه واصرت تمشي ومكنتش طيقاكم يوم ما كنا معزومين عند عثمان، اتراي انتوا علمتوا عليها
-ايه علمنا عليها دي؟! كنا بننصحها لوجه الله مش أكتر
هتفت بها شروق بنبرة متهكمة فقالت رقية بوجه ضاحك :
-ما هي غادة بتعتبر النصيحة من الجهة دي تدخل في حياتها وتعديل عليها وهي موتها وسمها إني حد يعدل عليها في حاجة أو يتدخل في حياتها مش بتقبل اي كلام بسهولة
صفقت نور بصوت مرتفع صائحة :
-لا إله إلا الله الكلام كان على نصيحة لرقية قلبتوه على غيبة ونميمة، دعوا الخلق للخالق خلتوا القعدة كلها ذنوب
وافقها محفوظ الرأي قائلًا :
-والله معاكي حق أي قعدة فيها ستات وبنات لازم تتقلب نميمة
تحدثت أسماء رافعة إحدى حاجبيها :
-وانت ايه اللي مقعدك معانا ما تروح تنام على الأقل البنات ياخدوا راحتهم
-طب أروح انام وحدي!؟ أهون عليكي يا أسماء تسيبيني أنام وحدي
ابتسمت له الأخرى ابتسامة مصطنعة بشدة ثم قالت :
-تصبح على خير يا محفوظ
استقام الآخر بعدم رضا ثم اتجه إلى غرفة النوم قائلًا :
-أريح الساعة أصلًا تسعة والجو بدأ يبرد أوي تصبحوا على خير
رحل دون إضافة شئ آخر فقالت شروق وهي تنظر إلى عمتها :
-روحي نامي يا عمتي انتي كمان
-وانا جايباكم تباتوا هنا علشان اروح انام شغلي يا بت الفيلم ده
-يا عمتي ما تسيبيش الراجل ينام زعلان منك المرأة التي يبات زوجها غاضبًا منها لعنتها الملائكة
رفعت الأخرى حاجبيها تفكر في الأمر لتنادي على زوجها بصوت مرتفع قائلة :
-يا محفوظ انت زعلان؟؟
واتاها صوت الآخر غير مبالي من الداخل :
-لأ مش زعلان خلي بنات اخواتك ينفعوكي
-آه طبعًا هينفعوني مش هيساعدوني بكرة، يلا يا بت شغلي الفيلم أهو قال مش زعلان يبقى محدش هيتلعن النهاردة
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
رمشت بأهدابها تحاول تبين المكان من كم هذا الظلام لكن لم يكن الظلام يساعدها ولا حتى شعورها الشديد بالخمول والألم الشديد الذي يلفح رأسها وكأنها مخدرة
أعادت رأسها للخلف وحاولت رفع يدها لكنها لم تستطع ليتبين لها أنها مقيدة اليدين، ابتلعت لعابها الجاف وحاولت تذكر ماذا حدث لتأتيها آخر الذكريات حيث كانت تجلس مع طبيبها النفسي في أحد المطاعم
وبعد أن انتهت الجلسة النفسية وانتهى الطعام طلب منها أن يقلها إلى المنزل وهي لم ترفض، لكن لا تذكر أنها قد عادت للمنزل آخر ما تذكره انها كانت تتحدث معه في سيارته ولا تتذكر شيئًا آخر
ربما هي غفت داخل السيارة لكن لما هي مقيدة الآن؟؟
فُتح الضوء بشكل مفاجئ فأغلقت عينيها بسبب تأذيهما من هذا الضوء بعد أن اعتادا على الظلام لتبدأ في فتحمها رويدًا رويدا واذنيها تلتقط اقتراب خطوات منها، وأول شئ رأته هو الطبيب المعالج لها والذي طلب منها أن يوصلها للمنزل
حاولت أن تتكلم لكن صوتها لم يخرج بسبب شريط لاصق موضوع فوق فمها، سحب هذا الطبيب أحد المقاعد المتواجدة في الغرفة وقد تبين لها بعد أن أُضئ المكان أن هذه غرفة معيشة في احد الشقق تقريبًا
راقبته بتوتر تراه يخلع سترة حلته ويضعها على ظهر المقعد ثم جلس عليه متكئًا بذراعيه على فخذيه :
-هشيل اللصاق بس مش عايز صوت صريخ
آماءت له بسرعة وما إن نزع عنها الشريط حتى تنفست بخوف قائلة :
-دكتور انت جايبني هنا ليه؟ ورابطني كده ليه!؟
-انتي هنا علشان ترتاحي
-ارتاح من ايه؟؟
ابتسم لها ابتسامته الهادئة هذه ثم أضاف :
-من الألم النفسي اللي انتي بتعيشي فيه، فضيحة الست الوالدة والسيد الوالد اللي عاملة ليكي عقدة نفسية مش عارفة تعيشي بيها حتى مش عارفة تشوفي أصحابك ولا تكلمي الناس ولا ترجعي شغلك مش كنتي بتقولي كده طول الشهر اللي فات في كل جلسة
تحدثت الأخرى بتلعثم قائلة :
-و... وانت هتريحني ازاي؟؟
-ايه هي الراحة الوحيدة اللي ممكن تيجي للبني آدم من وجهة نظرك؟
-ايه!؟
-الموت يا مروة
اتسعت عينيها بصدمة لتنتفض فوق المقعد مرتعبة، تردد بتلعثم شديد :
-أنت... انت هتقتلني!؟
آماء الآخر وهو يستقيم من على المقعد متجهًا إلى إحدى الخزانات المرتكنة إلى جانب الحائط وأخرج منها قفازين بلاستكيين ليقول تزامنًا مع ارتدائهما :
-ايوه هريحك من الدنيا دي، تموتي دلوقتي وانتي لسه نضيفة أحسن ما تتعقدي من الدنيا بسبب ابوكي وأمك وتبقي زيي
صرخت الأخرى بملئ صوتها لتجده أسرع إليها وكتم فمها بقوة آلمتها ثم همس بصوته الهادئ ولا تعلم من أين له بكل هذا البرود :
-كده يا مروة انا بقولك هقتلك علشان اريحك وانتي تصرخي علشان تلمي علينا الناس
بكت الأخرى واهتزت أسفل يديه فنزع الآخر يده عنها ببطء منتظرًا ما ستقول فقالت الأخرى بنحيب :
-انا مش عايزة أموت سيبني في حالي
-ليه مش انتي قولتي قبل كده انا بفكر انتحر يا دكتور علشان ارتاح من الدنيا انا هريحك من الدنيا أهو
أغلق فمها بذلك الشريط اللاصق مرة أخرى وسحب من الخزانة سلاح بارودي به كاتم للصوت، سحب الأمان فسالت دموع الأخرى وهي تهز رأسها وجسدها المقيد بهستيريا فقال بنفس النبرة الهادئة وكأنه ليس على وشك قتل روح :
-صدقيني ده أفضل ليكي، انتي لسه نضيفة الدنيا موسختكيش زيي، لو فضلتي فيها هتبقي لعنة كارهة حتى نفسك واللي حواليكي، بلغي بقى سلامي لأبويا لما تروحي جهنم
رفع السلاح ووجهه ناحيتها فزادت هستيريتها وصراخها المكتوم لينتهي كل هذا بطلقة خرجت من السلاح واستقرت في منتصف رأسها...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
رفع أصابعه من فوق حاسوبه الخاص بعد أن شعر بإنقطاع مفاجئ في أفكاره على غير المعتاد، ليس لأنه فقد الشغف أو ما شابه بل لأن هناك شئ آخر غير روايته الجديدة يشغل أفكاره
أغلق الحاسوب وأسنده فوق قدميه سارحًا في الفراغ أمامه حتى أنه لم يلحظ شقيقه الذي دلف إلى الغرفة وأخذ يعبث في التلفاز بحثًا عن قناته المفضلة
بينما هو أخذته أفكاره إلى تلك الفتاة التي لم يرى في خجلها من قبل، أجل سمع أن فتيات الصعيد يتميزن بالخجل وبالطبع ليس الجميع وإنما أغلبهم، لكنه لم يسبق له وأن تعامل مع إحداهن أو مع فتاة تتميز بهذا الطبع شديد الخجل على أي حال
لاحت على وجهه ابتسامة أخذت تتسع شيئًا فشئ كلما تذكر شيئًا يخصها
شغفها في التحدث عن الكتب والروايات وهذا أول ما جذب انتباهه لها، تقديمها للإعتذارات والتبريرات السريعة وكأنها قد اقترفت خطأ فظيع تحاول تبرئة نفسها منه
خجلها طوال الوقت وإخفاض نظرها عندما تتحدث مع أحد سواءً كان رجلًا أو امرأة وخاصة مع الرجال، خجلها اليوم وانتفاضها عندما وضع يده بدون قصد على يدها
وأكثر شئ لاحظه بها بجانب خجلها هذا هو تلعثمها في الحديث خاصةً عندما تتحدث كثيرًا، إن قالت جملة أو اثنين تخطئ مرة واحدة أو اثنين بالكثير لكن إن تحدثت كثيرًا أو تحاورت مع أحدهم كاليوم وعندما تحدثا عن الكتب
حينها تتلعثم في كل جملة كما أنه لاحظ ان وجهها ينقلب كلما تلعثمت وكأنها تحاولت تفادي الأمر ولكنها لا تستطيع، وفي النهاية وعلى حسب ما استنتج تلجأ للصمت
لا يستطيع أن يقول أن لديها رهاب إجتماعي فهي وكما لاحظ تحب مساعدة الآخرين بل وتبادر بالمساعدة قبل أن يطلب أحدهم منها عكس الثلاثة الأخريات
هز رأسه وقد اتسعت بسمته لدرجة بوادر الضحك ظهرت عليه ولم يلاحظ كريم الذي كان يحدق به مرتبكًا إذ قال :
-حمزة انت اتلبست ولا ايه؟! آه انت بتسرح بخيالك الواسع ده كتير بس مكنتش بتضحك زي المجانين كده
أدار حمزة رأسه له ولا تزال الابتسامة مرتسمة على ثغره ليسأله بسؤال لا علاقة له بما قال الآخر :
-غريبة أوي البنت دي مش كده؟؟
-مين دي؟!
-نور
رفع الآخر منكبيه قائلًا :
-نور؟؟ لأ مش غريبة عادية أوي، بنت محترمة ومحدش بيسمع صوتها خالص لدرجة بينسى الواحد إنها عايشة معانا في نفس العمارة، من النوع الكيوت كده ومش مصدق بصراحة إني البنت دي عارفة تتعامل مع طلاب إعدادية
فرقع الآخر اصبعه وكأنه أدرك شيئًا مهمًا آخر في شخصية نور فقال :
-صح معاك حق البنت دي إزاي عارفة تتعامل مع طلاب الإعدادية والمعروف عنهم التمرد ورحمة بتقول اني أول ما بتدخل الفصل محدش بيعرف يفتح بوقه خوفًا منها، الكلام ده محتاج حد عكس شخصيتها تمامًا
-انت مالك يلاه مهتم بالبنت دي كده ليه
لم يجبه حمزة وإنما ظل سارحًا يحدق في سقف الغرفة بينما هو متكئ على ظهر الفراش لينتفض فجأةً على صوت التلفاز الذي ارتفع بشكل مفاجئ على أحد المبارات التي يفضلها كريم
صاح بشقيقه وهو يلقي عليه أحد الوسائد قائلًا :
-كريم اطفي التليفزيون ده انا صدقت ما بطلت تفتحه وتسهر عليه
نظر له الآخر برفض شديد قائلًا وهو يرفع الصوت :
-لأ ده انا ما صدقت البنت دي مش موجودة النهاردة، عايز اتفرج على شاشة واسعة بقى زهقت من التليفون
-انزل اتفرج في أي كافية انا عايز أركز في الكتاب ده علشان يوم السبت هروح دار النشر
أشاح له الآخر بيده فزفر حمزة وهو يفتح الكومود مخرجًا سدادات للأذن يستخدمها طوال الوقت ليستطيع التعايش مع هذه الضوضاء في الغرفة، لكن مؤخرًا كان قد استغنى عنها بسبب منع والده لكريم أن يفتح التلفاز مرة أخرى
عاد وفتح حاسوبه يكمل الكتاب الذي سوف ينشره هذا العام ليستمر على هذا لمدة ربع ساعة قبل أن يشعر بقلم اصطدم في ذراعه فرفع رأسه إلى كريم وهو يخلع إحدى سدادات الأذن تزامنًا مع قول كريم :
-يا اسطا انزل هات لأمك مضاد حيوي وابرة سخونية من الصيدلية اللي تحت
-ليه هي أمك تعبانة ولا ايه؟؟
-لأ اختك شكلها داخلة على دور سخونة فأنزل هات الدواء بدال ما تنزل على اتنين بالليل
رفع حمزة حاجبه ثم هتف بشك :
-بصدق كده أمك قالت اروح انا ولا تروح انت؟
ارتفعا حاجبي كريم بإندهاش مصطنع :
-هو انت صغير يا حمزة على الكلام ده ما تنزل يا عم هو انت هتتخطف
-يبقى قالتلك انت وبتلبسها ليا وانا مش نازل علشان مش فاضي
أعاد بصره للحاسوب فقال كريم محاولًا استعطافه :
-يا حمزة بقى ما الماتش ده مهم ونازل مباشر والاعادة بتاعته تلاتة الفجر
-مليش فيه قالتلك انت يبقى تنزل انت، ولا خايفة تتشقطي يا بيضة!؟
ختم حديثه بنبرة ساخرة فقال كريم مطلقًا زفرة مستسلمة :
-طب بص انزل انت وانا يا عم هعملك اللي انت عايزة لمدة ساعتين اشطا
-اللي انا عايزة اللي انا عايزة؟؟
-ايوه يا عم روح بقى
استقام حمزة ساحبًا سترته واتجه إلى الصيدلية محضرًا الدواء وعندما عاد اتجه إلى غرفة شقيقته التي أصيبت بحمى دون سابق إنذار ووالده ووالدته يجلسان معها
وضع الأدوية على الكومود ثم دنك إلى مستوى شقيقته النائمة وقبّل جبينها بحنان أخوي ممسدًا على وجنتها المُحمرة من السخونة لينظر إلى والديه متسائلًا :
-عاملة ايه دلوقتي الحرارة نزلت شوية
آماء عثمان ناظرًا إلى ابنته بحاجبين معقودين فقد حاول أن يفهم من زوجته ماذا حدث بالمدرسة معها لكن الأخرى لم يكن لديها أي معلومة غير أن هناك فتى ضايقها ولؤي ابن أخيه تشاجر معه وكلاهما حصلا على استدعاء ولي أمر :
-الحمد لله نزلت شوية يارب بس متعلاش مرة واحدة بالليل
-طب بقولكم ايه روحوا انتوا ناموا، انا وكريم سهرانين هدخلها كل شوية اقيسلها الحرارة
نفت ناهد هذا الاقتراح جالسة بجانب ابنتها على الفراش فأي أم تنام وابنتها مريضة :
-لأ انام ده ايه مفيش نوم هيجيلي ورحمة تعبانة روح انت شوف وراك ايه انا هسهر جنبها
حاول حمزة معهما لكنه فشل فعاد مجددًا إلى كريم وقد وجده على وضعيته فقال بقنوط :
-هو انت مفيش دم خالص؟ اختك سخنة مولعة جوا وانت قاعد على قلبك مراوح!؟
نظر له الآخر عاقدًا الحاجبين ثم قال :
-هي تعبانة أوي كده!؟
خلع حمزة عنه سترته وحذائه مجيبًا على سؤاله :
-لأ مش اوي بس تعبانة برضو، انا بس هموت واعرف الواد ده عملها ايه
ضيق كريم عينيها هاتفًا بشك :
-ممكن يكون عملها حاجة كده ولا كده
رفع الآخر رأسه سريعًا نافيًا هذا التوقع تمامًا :
-كده ولا كده ده ايه!؟ دول أطفال يا كريم تلاقيه اتنمر عليها ولا حاجة بس لأ متوصلش للي في دماغك
هز الآخر رأسه يحاول أن يقنع نفسه ليقول حمزة بعد تفكير لدقيقة :
-ولا ممكن يكون عملها حاجة بجد دي البنت من كتر الخوف مكنتش عايزة تتكلم حتى مع أمك، دي جالها حمى من الخوف
-لا بقولك ايه متوغوشنيش بدال ما أروح امسك رقبته اكسرها في إيدي، انا أختي محدش يبصلها علشان يلمسها
هتف بها كريم بإنفعال ليرده حمزة وهو يتمدد على فراشه :
-سيب الموضوع ده انا هشوفه ويوم الأحد هاروحلها المدرسة
عاد كريم يركز في المباراة بينما الآخر شرد في الأمر إن كان تنمر ذلك المدعو سليم عليها ما كانت لتكون مرتعبة باكية كما رآها، حتى نور رفضت أن تفصح عن الأمر واكتفت بقول أنها ستحل المشكلة بما إنها معلمتهم
حسنًا سوف يسألها مرة أخرى عن الأمر غدًا ولن ينتظر ليوم الأحد، رفع رأسه إلى كريم الذي يلقي بإنتباهه للمباراة أمامه فابتسم مقررًا استفزازه فقال وهو يلقي بالقلم على ظهره بعنف نوعًا ما :
-كريم، انت يلاه
حرك الآخر كتفه هاتفًا بعدم إهتمام بينما تركيزه مشغول بما يرى :
-عايز ايه يا حمزة؟ عايز ايه؟
-أطلع هاتلي مياه
لوى الآخر شفتيه بقنوط ولم ينظر إليه حتى :
-ماشي عندك أمك
-لأ عندك انت مش قولت هتعملي أي حاجة لمدة ساعتين خلاص بدأت الساعتين وانا عايز مياه
-يا حمزة إبدأ الساعتين بعد الماتش مش دلوقتي
-لا انا عايز دلوقتي
لم يرد عليه فألقى حمزة عليه قلم آخر اصطدم سنه في رأس كريم فصرخ مغتاظًا وهو يمسك بالوسادة يلقيها في وجهه :
-يا اخي بقى أبو شكلك
ضحك حمزة بشدة وعندما أتى وقت مستقطع ما بين الشوطين ذهب كريم إلى المطبخ واحضر كوب ماء ووضعه بغيظ أمامه هامسًا من بين أسنانه :
-اتفضل اطفح
-ايه الأسلوب ده، مش أسلوب عبده لسيده
-عبد ايه؟؟ هو انت هتسرح بخيالك بعيد ناقص تقول خسئت وتبًا لك
شرب حمزة من الكوب وقبل أن يجلس كريم قال حمزة آمرًا إياه :
-بقولك يا كريم الشنطة اللي على المكتب دي فيها كام صباع بُقسمات هاتهم
امسك كريم الحقيبة وألقاه ناحيته بغيظ شديد فصرخ الآخر بحنق وهو يمسك بها :
-يا جذمة البُقسمات مش هتستحمل همجيتك دي يا غوغائي
رفع الآخر اصبعه في وجهه صارخًا :
-بقولك ايه الشوط هيبدأ مسمعش صوتك
جلس في مكانه متابعًا المباراة ولم يلبث حمزة دقيقة واحدة إلا ونادي عليه قائلًا :
-كريم
وضع الآخر رأسه بيد يديه، ممسكًا بخصلات شعره بقوة، هامسًا بصوت نادم :
-ايه اللي انا عملته في نفسي ده ما كنت نزلت انا جبت الدواء ولا الذل ده
استدار إليه راسمًا بسمة متهكمة على وجهه ثم استرسل :
-عايز ايه أقوم ارقصلك؟؟
-يا ريت والله وحشني رقصك يا كراميلا قومي هزي شوية
ضحك كريم بعدم تصديق ولم يرد عليه بل تابع مباراته هامسًا بغيظ :
-فعلًا كُلها حاف ولا تتذل للخسيس الواطي
-كريم
وهذه المرة انتفض كريم من مكانه هاجمًا على الآخر، ممسكًا بتلابيب ثيابه وهو يهزه فوق الفراش وحمزة يضحك من أسفله وسط صراخ الآخر :
-عايز ايه عايز ايــــه، ده ايه الليلة المش معدية دي، يا اخي كان يتقطع لساني قبل ما اقولك هعملك اللي انت عايزه
حاول الآخر التقاط انفاسه من الضحك ثم قال :
-خلاص والله دي آخر حاجة هطلبها
-عايز ايه قول؟
-هات بوسة
اذبهلت ملامح كريم فارغًا فاهه مرددًا مرة أخرى لظنه أنه أخطأ السمع :
-عايز ايه؟!
-بوسة يا كراميلا كده
رفع الآخر ذراعيه وادعى أنه سيحاوط عنقه فانتفض كريم من فوق الفراش تاركًا له الغرفة بأكملها :
-يخربيتك هو انا علشان قولتلك هعملك اللي انت عايزه هتوصل لكده!؟ والله ما أبات معاك النهاردة
انفجر حمزة بالضحك وقد استقام وأغلق التلفاز بل وأغلق الغرفة من الداخل ثم عاد إلى فراشه ممسكًا بحاسوبه :
-كويس إنها جات من عنده وساب الأوضة علشان ميقولش طردني منها
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل الثامن عشر 18 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
ما شاء الله بقى فيه تفاعل كبير في المشاهدات من بعد الترويجات اللي انا عملتها بس انا مستغربة ليه نفس الناس هي اللي بتعلق ما بين الفقرات، انا آه بشكرهم على دعمهم في التعليقات بس سؤال بجد ليه الباقي صامت مع إني لو نزلت بوست بلاقي ناس عرفاها وبتقول كلام حلو ليه بقى الناس دي مش بتظهر هنا؟؟
فصل طويل أحداثه حلوة وناخد هدنة فيه من الصدمات اللي خدناها علشان نستعد للأعلى منه وعلفكرة انتوا لسه مشوفتوش حاجة لسه التقيل وراء 👍🏼❤️
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
زفرت بغيظ للمرة التي لا تعلم عددها، تطرق بأصابعها بخفة على الطاولة الموضوعة أمامها والتي تحمل عددًا كبيرًا من صناديق الحلوى المعروضة للبيع، وكل دقيقة والأخرى تنظر إلى نور بجانبها تنتظر إشارة واحدة حتى تنقض على صاحب هذه البقالة تخنقه بين يديها ساببة إياه بكل لغات العالم
لكن الأخرى تمنعها بهذه النظرات التحذيرة بألا تفتح فمها، فأسلوب نور المسالم يمنعها من فعل المشاكل حتى أنها تمنعهن من هذا مذكرة إياهن أنهن الآن في بلد غريب ولا يجب أن يخلقوا مشاكل أو يتدخلوا بها مهما كان السبب
أشارت لها نور بأن تهدأ قليلًا لتقول بصوت هامس مستغلة أن صاحب البقالة مشغول في البحث عن الطلبات التي طلبوها :
-شروق اهدي ومترديش عليه خالص اعملك نفسك خرسة وطرمة
نقلت الأخرى نظراتها من عليها إلى ذلك الأخرق والذي عاد ومعه الطلبات مبتسمًا لهما تلك الإبتسامة السمجة التي يرمقهما بها منذ أن دلفا، ووالله لولا أنها البقالة الوحيدة التي تفتح في مثل هذا الوقت من ظهر الجمعة ما كانا ليأتيا إلى هنا :
-أدي الشيف كيك والفانيليا والبيض والكاكاو، انتوا ناويين تعملوا كيكة ولا ايه؟ بس إن شاء الله هتكون حلوة لو انتوا اللي هتعملوها
ضغطت شروق على كفيها تحاول بكل قوتها عدم إمساك أي صندوق من صناديق الحلوة الموضوعة أمامها هذه وإلقائها في وجهه المفلطح هذا الذي يشبه اليقطين
أخرجت نور من حقيبتها النقود مرددة بجدية :
-بكام دول؟
-من غير فلوس على حسابي المرة دي، ده انتوا أول مرة تشرفونا
-لا شكرًا بكام قول يلا
هتفت بها شروق بصوت حاد فنظر إليها الآخر متحدثًا بنبرة لعوب اثارت غضب الأخرى :
-والله صعايدية ما تقول منين انا عندي قرايب في الصعيد علفكرة
ألقت نور النقود فوق الطاولة وسحبت حقيبة المشتريات من يده وباليد الأخرى جرت شروق معها وخرجا من البقالة، وما إن ابتعدا حتى قالت شروق بغضب شديد :
-يخربيته برميل غتاتة لأ وعنده كرش اومال لو كان حلو شوية كان عمل ايه
هزت الأخرى رأسها مبتسمة بقلة حيلة وهي تجرها معها إلى البناية التي تسكن بها عمتهم، تقول كما عادتها :
-الله يسهل لعبيده يا شروق ادينا طلعنا من عنده
-علشان كده عمتي مرضيتش تنزلي لوحدك وقالت خدي واحدة من البنات معاكي، علشان الحيوان اللي هناك ده، صحيح انتي ادتيه كام؟؟
-خمسين جنية حلو عليه لو فيه باقي مش عايزينه
تركت ذراعها بسرعة عندما سقط شئ من الحقيبة البلاستيكية فمالت والتقطته ليتبين أن هناك مكون مفقود رغم أن ذلك الرجل ذكره :
-اقفي يا شروق اقفي فين الكيك شيف مش احنا اشتريناه
سحبت الأخرى الكيس منها وتفقدت الموجود به لتلاحظ أن به قطع فصاحت مغتاظة :
-ده الكيس مقطوع يعني رغاي وكياسك مقطوعة ده ايه الوكسة دي
نظرت نور حولها على الأرض لتبدأ في البحث عنه هي وشروق من خلال الخطوات التي ساروا عليها، وإذ بنور تنتفض بسرعة على صرخة شروق باسمها تزامنًا مع وقوف سيارة من خلفها بشكل مفاجئ افزعها حقًا فشهقت عائدة للخلف بشكل لا إرادي
ركضت شروق عليها بينما أخرج سائق السيارة رأسه من النافذة صائحًا بصدمة :
-يخربيتك كنت هدوسِك!!
خرج من كانوا بالسيارة والسيارة التي خلفها ليتضح أنهم رجال العائلة المدعوين على الغداء فقد أتى النساء منذ التاسعة صباحًا لإعانة أسماء بينما الرجال قالوا أنهم سيأتون من بعد صلاة الظهر
تحدث إسماعيل بقلق مقتربًا منهما بعدما تبين هويتهما :
-انتوا كويسين؟! مين خبطتها العربية؟؟
خرج يونس من السيارة وقد كان هو من يقود ليقول وهو ينظر إلى كلاهما بنظرة متفحصة سريعة :
-مفيش حد خبطته العربية انا فرملت قبل ما اخبطها
نظر محمد إلى ابنه وكريم ابن أخيه بغضب ليقول بصوت حاد :
-قولت بلاش تهزروا وانتوا سايقين كنتوا هتموتوا البنت
-ما هي لسه حية يا بابا أهو يبقى براءة
هتف بها يونس وهو يدلف إلى السيارة مجددًا حتى يركنها على جنب، وكذلك فعل حمزة مع سيارته بعد أن اطمأن أن السيارة لم تصطدم بأحد
بينما جرت نور شروق معها من أمامهم حتى يذهبوا فقالت الأخرى وهي تنظر إلى الشارع :
-طب والكيك شيف الكيكة مش هتظبط من غيره
-ما احنا رايحين نجيب غيره
جرت شروق يدها منها عندما رأت أنهم سيتوجهوا بالفعل إلى تلك البقالة مرة أخرى :
-لا يا ماما استني مش هاروح تاني هناك أنا
استوقفهما إسماعيل عندما أبصر أنهما متوجهتين إلى بقالة معينة :
-استنوا عايزين ايه انتوا علشان رايحين عند الراجل ده
حدقت نور به لوهلة قبل أن تقول بإقتراح يشوبه بعض الحرج :
-معلش يا إسماعيل تيجي معانا عند السوبر ماركت ده نشتري طلب، الراجل اللي فيه رخم شوية
-ليه اشتريتوا من عنده أساسًا كنتوا قولتوا للؤي ينزل
وقبل أن تجيبه أحداهن كان هناك زامور سيارة يصدح من خلفهما جعلهما ينتفضان لتصيح شروق قائلة :
-فيه ايه العربيات كلها عايزة تدوسنا ما الشارع فاضي أهو
نظر اسماعيل إلى صاحب السيارة وقد كان ابن عمته توحيد وهي معه في السيارة، أشار إلى نور بينما تقدم اهو أمامها ثم قال :
-ماشي تعالي شوفي هتشتري ايه
سارت خلفه نور بينما كانت شروق ستتجه إلى البناية لكن انفتح الباب واستمعت إلى صوت توحيد تنادي عليها قائلة :
-انتي يا بنت يا أم نضارة خدي تعالي
أشارت شروق إلى نفسها بمعنى هل تقصدين أنا وكل هذا يحدث أمام الجميع متابعين ما ستفعل توحيد هذه المرة إذ قالت توحيد وهي تنظر إليها دونًا عن الجميع :
-ايوه انتي تعالي اسنديني علشان اطلع من العربية
تحدث ابنها وهو يخرج من السيارة حتى يساند هو والدته :
-تعالي يا ماما اسندك انا
وما كان من الأخرى غير أنها ضربته على وجهه هاتفة بغيظ :
-امك مين جاتك مَو انا اخلف شحط قدك
-شحط قدي؟ ده انتي عندك سبعين سنة يا ماما، ده انتي مخلفة وعندك أحفاد
اقترب عثمان من شقيقته حتى يساندها هي قائلًا :
-تعالي يا توحيد اسندي عليا انا
-ولا انت اوعى انا معرفكش انا عايزة تسندني البنت دي انا عرفاها
لوى كريم شفتيه بتهكم قائلًا :
-يعني انتي يا عمتي ناسية اولاد واخواتك وأولاد اخواتك وفاكرة دي اللي مشوفتهاش غير مرة
عدلت شروق نظارتها واقتربت من توحيد حتى تسندها فقالت توحيد وهي تنظر إلى يدي شروق الممسكة بكفها :
-إيدك ناعمة؟!
-اها شكرًا
-انا برضو ايدي كانت ناعمة زمان بس مش عارفة عملت كده ليه؟!
تحدثت شروق وهي تصعد الدراجات الأولى أمام باب البناية الرئيسي قائلة :
-معلش حكم السن بقى
-سن مين يا بنت انتي ده انا أصغر منك
ضمت الأخرى شفتيها تكتم ضحكتها قائلة :
-فعلًا انتي أصغر مني وأحلى مني مبسوطة كده؟؟
دفعتها الأخرى بعنف ناحية الحائط قائلة :
-جاتك ضربة انتي بتتعاملي مع عيلة ولا ايه؟؟
التصقت شروق بالحائط مذهولة فاقترب منها ابن توحيد معتذرًا منها :
-معلش يا آنسة انا آسف والله بالنيابة عنها
هزت شروق بأنه لم يحدث شئ بينما قالت توحيد مشيرة إلى المصعد أمامها :
-تعالى يا أحمد شوف البتاع ده بيشتغل ازاي عايزة اطلع لمحفوظ
فتح أحمد أبنها المصعد ودلف مع والدته وأخيه الثاني وخالهم عثمان وهكذا اكتفت الحمولة وصعد المصعد بينما شروق كانت تدلك ذراعها الذي اصطدم في الحائط فقال محمد متسائلًا :
-معلش يا بنتي شكلها جات شديدة
-لا عادي محصلش حاجة بس هي عايزة حد يسندها وهي فيها القوة دي، ده انا لصقت في الحيطة حسيت دراعي اتخلع!؟
ابتسم محمد ليقول مغيرًا الموضوع بينما يشير إلى حقيبتها :
-هو انتي لقيتي شنطتك؟؟
نظرت الأخرى إلى الحقيبة التي معها ثم قالت :
-لا دي واحدة غيرها
نظرت إلى يونس الذي كان يقف كما البقية في انتظار المصعد فاضافت :
-صحيح لقيت الشنطة بتاعتي صح؟؟
هز الآخر رأسه بلا فحبطت ملامح الأخرى ذاممة الشفتين :
-ولا هتلاقيها شكل اللي بيروح فعلًا مبيرجعش
تحدث يوسف مشيرًا إلى نفسه مستعجبًا أنها علمت يونس بسهولة :
-هو انتي ازاي عرفتي إني ده يونس؟ ده نادرًا ما حد بيعرف يفرق ما بينا
نظرت الأخرى إلى كلاهما بحيرة لترفع منكبيها مرددة :
-مش عارفة بحس إنك شخص محترم متربي وذوق وابن ناس
أكمل يونس خلفها مشيرًا إلى نفسه وعلى شفتيه ابتسامة متهكمة :
-وانا دبش ومشوفتش ريحة التربية وابن كلاب
امتلأ المكان بالضحكات بينما رفعت شروق حاجبيها بإندهاش من هذا الرد لتقول بصوت مذهول اختلط بالغضب :
-علفكرة انا مقولتش كده!؟
تحدث حمزة ضاحكًا وهو يشير باصبعه ناحية يوسف ويونس :
-هو حرفيًا ده الواقع واحنا مش بنفرق بينكم غير كده
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
جلست في شرفة شقتها بعد أن أدت فريضة الظهر وفي يدها لوحة وبعض الأقلام وكل دقيقة تنظر إلى الشرفة التي بجانبها والتي تعود إلى جارها الذي كانت تظنه سفاح ليتضح إليها لاحقًا أنه ضابط وليس أي ضابط بل ضابط أمن دولة
حسنًا لتكن صريحة أراحها أنه ليس سفاح وفي نفس الوقت ارتعبت أكثر لأن وجوده في هذه البناية لأن هناك شك أن سفاح الإسكندرية يسكن هذه المنطقة والآن باتت تريد الذهاب من هنا لكن لن تستطيع الطلب من عادل أن ينقلها
على الأقل الضابط يكون جارها وستكون في حمايته، هذا إن كان يطيقها من الأساس نظرًا لمعاملته الأمس أثناء عودتهم من القسم، فأصر أن يأخذها معها ويوصلها وهذا ليس لطيبة قلبه وإنما لإلقاء أوامر عليها طوال الطريق إذ كان يقول :
-محدش يعرف اني ظابط ومحدش يعرف إنك بتتعاملي معايا أساسًا ولو شوفتيني معدي من جنبك مترميش عليا السلام حتى
استدار إليها حيث كانت تجلس في المقعد الخلفي للسيارة هاتفًا بصوت حاد :
-انتي مبترديش ليه؟؟
تحدث مساعده والذي كان يقود السيارة مشفقًا على الفتاة التي تبدو وكأنها قطعة بسكويت لا تتحمل حتى درجة السخونة :
-يا سفيان باشا كفاية على البنت حاسس إنها هتعيط والله
رفعت هاجر رأسها تحدق في السائق بتعجب لتعيد نظرها إلى ذلك الغاضب متسائلة :
-هو انت اسمك سفيان؟!
-عند جنابك إعتراض؟؟
هتف بها بسخرية فقالت هاجر معترضة على هذه المعاملة :
-هو انت بتتعامل معايا كده ليه ما انت اللي كنت بتأكدلي إنك قتال قتلة اعمل ايه يعني؟؟
-تروحي تبلغي عني والبوليس يجي ياخدني وتبقى فضيحة ارتاحتي انتي كده
-ما بصراحة البنت معاها حق انا لو في مكانها هاعمل كده
هتف بها مساعده فنظر إليه الآخر نظرة مخيفة اسكتته ليظل صامتًا إلى أن وصل أمام باب البناية فهبطت هاجر من السيارة وقبل أن تقل أي كلمة وجدت عادل ابن زوجها يقترب من البناية وقد ابصرها تترجل من سيارة غريبة فقال متعجبًا :
-هاجر بتعملي إيه في الساعة دي؟ وعربية مين دي اللي نازلة منها
نظر إلى داخل السيارة فأبصر رجلين يجلسان في المقدمة فنظر إلى هاجر منتظرًا الشرح لتقول الأخرى كاذبة وهذا لأن أن سفيان حذرها من كشف هويته لذا قالت :
-ده أوبر يا عادل انت اللي بتعمل ايه هنا
-جيت اطمن عليكي بما إنك بطلتي تسألي كأنك صدقتي ما خلصتي منا
ابتسمت الأخرى ابتسامة ساخرة ثم قالت :
-انا فعلًا صدقك ما خلصت منكم مش هنضحك على بعض
حك الآخر خصلات شعره ثم قال مغيرًا الموضوع وهو ينظر إلى السيارة وقد تذكر أن بها رجلين وليس السائق فقط :
-صحيح ازاي أوبر فيه شخصين غير السواق؟؟
نظرت الأخرى إلى سفيان ومساعده حائرة لتقول بسرعة بأول شئ خطر إلى بالها :
-ما ده شخص معرفة للسواق باين طريقه نفس طريق رحلتي فيعني اخده معاه وكده
نظر عادل إليها بعدم اقتناع ثم قال متنحيًا عن الأمر :
-تمام دفعتي ولا ادفع انا؟
-لأ لأ دفعت وهو هيمشي دلوقتي
ختمت حديثها تنظر إلى سفيان فأشار الآخر إلى مساعده بأن يتحرك لتستقر السيارة بعيدًا نوعًا ما لكن لا يزال سفيان يراهما إذ كانا يتحدثان أمام البناية لوقتٍ ما فسأل مساعده قائلًا :
-مين الواد ده؟؟
-ده عادل الدخيلي ابن حاتم الدخيلي جوزها
عقد سفيان ذراعيه أمام صدره ولا تزال عينيه معلقة بهما :
-علفكرة المعلومات اللي جبتهالي عن البنت دي قليلة أوي
-فعلًا ده انا لقيتها بصعوبة أساسًا، بنت يتيمة لا اب ولا أم ولا قرايب ملهاش غير حاتم الدخيلي وأولاده واللي عرفته يعني إنها مكنتش عايشة متهنية مش عارف ايه يجبر واحدة صغيرة زيها تتجوز واحد قد ابوها وعنده خمس عيال
-أكيد إجبار مش انت قولت ملهاش حد ثم ليه بعد ما مات سابت كل حاجة وجات هنا أكيد ما صدقت خلصت منهم وده يأكد إنها مكنتش طمعانة في فلوسه مثلًا
آماء له الآخر مقتنعًا بهذا الحديث ليقول بسرعة ما إن تذكر شيئًا :
-صحيح يا باشا عرفت معلومة تانية عن البنت دي ومش هتصدق بجد، عرفت إنها من خمس سنين كده كانت بتتعالج من أمراض نفسية زي الهلاوس والصرع ده جالها دكاترة من برا علشان يعالجوها، حتى مدخلتش مصحة اتعالجت بشكل متكتم
عقد سفيان حاجبيه بإندهاش قائلًا :
-هلاوس وصرع؟! علشان كده بتصرخ وتبكي كل ليلة لحد ما صرعتني انا
نظر إلى مساعده ثم أضاف :
-انا عايزك تعرفلي عن حالتها النفسية وتعرفلي معلومات أكتر يا أمين عنها حتى لو هنضطر ناخدها نستجوبها في أمن الدولة
-فيه ايه باشا مالها البنت دي شاغلة دماغك؟؟
-مش شاغلة دماغي قد ما انا محتاج منها حاجة بما إنها من عيلة الدخيلي
أشار إلى المباني حوله من ثم أكمل :
-العمارات اللي في المنطقة دي كلها من استثمارات الدخيلي للعقارات حتى الكاميرات اللي موجودة كلها تحت ايديهم علشان كده مش عارفين نفرغ ولا كاميرا لحد دلوقتي
-يا باشا ما قولتلك نطلب منهم انت قولتي لأ
هز الآخر رأسه نافيًا ثم هتف بذكاء :
-مش عايز نلفت انتباه إني أمن الدولة شاغلين على الموضوع، السفاح ده ذكي وذكي فوق المتوقع كمان علشان كده السرية لازمة
نظر الآخر إلى هاجر التي ودعت عادل ودلفت إلى البناية ليقول :
-والله خايف يكون السفاح مش ساكن هنا ولا حاجة انت عملت تحريات عن كل اللي ساكنين في المنطقة ومفيش حد مشكوك فيه
-لأ فيه وشاكك فيهم بنسبة كبيرة بس محتاج الكاميرات علشان اتأكد
نظر الآخر له سريعًا ثم قال :
-مين؟؟
لم يريحه الآخر وهبط من السيارة قائلًا :
-تجيب معلومات أكتر عنها يا أمين وتحاول في موضوع تفريغ الكاميرات ده بس زي ما قولتلك من غير شوشرة
خرج سفيان من ذكرياتها لتجده يقف في الشرفة مستدعيًا انتباهها ليقول ما إن رآها جالسة :
-ينفع اطلب منك خدمة؟
ركزت الأخرى معه بينما أكمل سفيان ولا يدري كيف يبدأ الموضوع فقال متنحيًا عن الأمر تمامًا حتى لا يضع نفسه في موقف محرج بسؤاله عن خصوصياتها فهو الآن ليس في تحقيق رسمي معها :
-خلاص انسي الموضوع
كاد أن يدلف فاستوقفته هي بصوتها :
-سفيان باشا بالنسبة لموضوع السفاح ده ليه متأكدين أنه موجود في المنطقة دي محدش عارف يمسك عليه حاجة أصلًا
-مش المفروض اجاوبك على السؤال ده لإنها معلومات خاصة وسرية ايه اللي يضمنلي إنك مش السفاح
ابتسمت الأخرى ابتسامة ساخرة يشوبها بعض الحزن لتقول :
-انا لو اعرف اقتل فرخة بس كان زماني قتلت سعاد وعيلتها من زمان
تساءل الآخر سريعًا وقد وجدها فرصة ليسأل عن تلك العائلة دون إحراج نفسه فهي من بدأت :
-ليه عملوا ليكي ايه؟؟
-عملوا ايه؟؟ قول معملوش ايه بس، ده مفيش حاجة بشعة متعملتش سبوها
نطقت بها بشرود وهي ترسم اللوحة أمامها لكنها أخطأت في شئ بها بسبب شرودها هذا فزفرت بضيق وهي تلقي بالاقلام على جنب لذا قال سفيان وهو لا يرى ماذا تفعل :
-انتي بتعملي؟؟
-برسم
-بترسمي ايه؟؟
أدارت هاجر اللوحة له فنظر إليها الآخر رافعًا حاجبيه بإندهاش :
-طبق مكرونة؟؟ قاعدة ترسمي طبق مكرونة، انتي جعانة ولا ايه!؟
ضحكت هاجر تميئ برأسها ثم قالت :
-آه والله جعانة ونفسي في مكرونة أوي بس مش موجود جوا ومحدش فاتح تحت علشان ضهر الجمعة
-انا عندي مكرونة مش عارف حاططها أمين ليه جوا اجيبهالك؟؟
هزت الأخرى رأسها بحسنًا ثم وقفت بسرعة مردفة :
-ثواني اجيبلك فلوس
-لأ فلوس ايه مش عايز حاجة هي موجودة بقالها كتير جوا وانا مش بعرف اطبخ أساسًا فخديها عادي
دلف حتى يأتي بها وعندما عاد وجد في مكانها بالضبط تجلس قطة تنظر إليه بتركيز فقال مذهولًا :
-انتي اتسخطي قطة ولا ايه!؟
خرجت هاجر من الداخل لتقول بهدوء وهي تمد يدها حتى تأخذ الكيس :
-وكمان اسباجتي شكرًا بجد
أعطى لها الآخر الكيس ثم قال :
-ليا نصيب فيه ماشي
حمحمت هاجر محرجة منه لتمئ برأسها بهدوء، نظرت إليه بتعجب وهي تراه ينظر إلى قطتها والأخرى تحدق به وكأنهما عدوان :
-هو فيه ايه بتبص للقطة بتاعتي كده ليه
-هي دي قطتك؟؟
-اها
-طب حيث كده قولي لقطتك متجيش تاني عندي بدال ما ارميها من فوق المرة الجاية
رفعت هاجر حاجبيها بإندهاش قائلة :
-هي بتروح عندك وانا اقول بتختفي فين؟؟
-آه بتجي عندي وتفضل تنونو لحد ما تفقعلي نافوخي، وتنحة بشكل، بفضل فاتح الباب علشان تمشي وهي أبدًا قطعت نفسي تلات مرات وانا بلف وراها في الشقة علشان تطلع وآخر مرة من تلات أيام اديتها فوق نافوخها ومجتش تاني
كانت الأخرى تستمع إليه بتعجب فما هذه اللهجة المريبة التي يتحدث بها فهو من شكله وعمله يجب أن يكون شخص راقي في حديثه لكن طريقته ووقاحته هذا لا تعود إلا لرجل تربى في حواري هذا إن كان تربى من الأساس
وما إن استمعت إلى آخر جملة بأنه ضرب قطتها حتى صاحت به غاضبة، مذهولة :
-هو انت اللي ضربت القطة خليتها تمشي وهي بتعرج؟! حرام عليك ليه كده
قطب الآخر جبينه هاتفًا بقنوط من صياحها هذا :
-ايه الانفعال ده كله، دي قطة؟!
-ايه يعني قطة مش روح زيها زيك ترضى انت حد يضربك بالجذمة
-ويضربني بالجذمة ليه هو انا صــرصــار!؟
صاح بها غاضبًا فقالت هاجر وهي تنظر حولها خيفةً من أن يخرج أحد من شرفته على صياحهه هذا :
-علفكرة انت إنسان مفيش في قلبه رحمة وانا همشي
أخذت قطتها من على المقعد تزامنًا مع قول الآخر :
-أحسن برضو يلا اتكلي على الله انتي وهي وعارفة لو لمحت قطتك عندي هدبحهالك من غير ما أسَمي
جحظت أعين الأخرى بصدمة لترفع القطة أمام ناظريه هاتفة :
-حرام عليك ويجيلك قلب تدبح العسل دي
أعاد الآخر رأسه للخلف بضيق ومد يده حتى يبعدها تزامنًا مع قوله :
-يا عمة ارجعي لوراء مش بحب القطط أنا
وقبل أن يكمل حديثه كانت القطة تتعلق بكفه بمخالبها الصغيرة فصاح الآخر وكرد فعل لا إرادي منه أشاح بيده بعنف حتى يبعدها فسُحبت من بين يدي هاجر إلى ناحية الشارع لتصطدم في البناية الأخرى وبالتحديد في زجاج إحدى الشقق لتكسره وتستقر بالداخل
يليها صراخ هاجر الفزعة والتي ركضت بسرعة حتى تلحق بقطتها :
-منك لله حرام عليك القطة مــاتـــت
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
من منا لم يجرب هذا الشعور العائلي الذي ورغم صخبه إلىٰ أنه يبث لنا الشعور بالسعادة والألفة حيث يجلس الجميع على طاولات الطعام مستعدين لتناول الغداء
هناك من يضع الطعام، وهناك من ينادي بإحضار بعض الملاعق، وهناك من ينادي على البقية حتى يأتون قبل أن يبرد الطعام
كان الجو صاخبًا بشدة ومزدحمًا، الجميع يتحدث والجميع يتحرك، بالكاد تستطيع أن تتحرك من بينهم وتستمع إلى أحد وكما كان البهو مزدحمًا كان المطبخ أكثر ازدحامًا بالإضافة إلى الحرارة التي كان يبثها الموقد وبخار الطعام
مسحت براءة العرق المتصبب منها وهي تعطي آخر الأطباق إلى لؤي حتى يضعهم على الطاولة في الخارج :
-يا لهوي أخيرًا خلصنا
اجابته شروق بسخرية وهي تبحث عن بعض الملاعق الزائدة :
-خلصنا ايه ده هيبقى فيه جبل مواعين ربنا يعين اللي هيغسلهم
- يشوفوا حد منهم يغسل بقى، هو هيبقى غسيل مواعين عزايم بحري وقبلي
هتفت بها براءة وهي تغسل يديها إستعدادًا لتناول الطعام لتقول عائشة وهي تدلف من الخارج قائلة :
-بقولكم ايه الدنيا زحمة قوي برا وانا مش هطلع بصراحة
-ومين قالك اني احنا طالعين إحنا هناكل هنا مش ببقى مرتاحة وانا معاهم
هتفت بها نور وهي تغرف الطعام لها ولهن فقالت شروق وهي تعطي لهن الملاعق التي وجدتها :
-تفتكري هيقولوا حاجة زي اننا متكبرين أو مقروفين نقعدوا معاهم
صمتت نور مليًا تفكر في الأمر لتمد رأسها إلى الخارج وقد لاحظت أنه بالكاد يوجد مكان فنادت على عمتها هاتفة :
-عمتي هاكل انا والبنات هنا ماشي
لم تنتظر أن تسمع اجابتها وعادت إلى المطبخ لتجد عمتها بعد دقائق فوق رأسها مرددة بقنوط :
-وتاكلوا هنا ليه اطلعي يا بنت منك ليها قدامي
امسكت بذاع براءة حتى تجرها معها لكن الأخرى عادت للخلف قائلة :
-عمتي عمتي مفيش مكان أصلًا برا خلينا قاعدين هنا أحسن
-تعالوا هنفضيلكم مكان
تحدثت نور مختصرة الأمر لعمتها :
-عمتي بإختصار كده إحنا محرجين نقعدوا معاهم اعفينا بقى وخلينا هنا
وبعد عدة محاولات عادت أسماء للخارج بعدما يئست منهن فقالت رحاب ناظرة ناحية المطبخ :
-ايه يا ماما فين البنات؟
-مرضيوش يجوا قالوا هياكلوا في المطبخ
وقفت رقية من مكانها بسرعة ساحبة طبقها :
-طب تمام أروح انا اكل معاهم
-قصدك تكملي نميمة معاهم، بلاش تتعاملي معاهم كتير هيفسدوكِ يا رقية
هتفت بها أسماء مصححة لها فقالت الأخرى وهي تتخطى طاولة النساء ماررة بطاولة الرجال :
-مرات عمي انا فاسدة أساسًا مش محتاجة حد يفسدني
امسك بها يونس من طرف ملابسها عندما مرت من جانبه ليقول من أسفل أسنانه وهو يرجها كما علبة المياه الغازية :
-اوعي تفتكري علشان هربتي على هنا اني نسيت يا رقية انا مش بنسى ومستني نروح علشان اطلع عليكي القديم والجديد
حاولت الأخرى جذب نفسها منه محذرة إياه بخفوت :
-طب اوعى يا يونس عيب كده الناس قاعدة
اجابها حمزة وهو يجذب قطعة لحم من الطبق الموضوع في المنتصف :
-لا عادي يا رقية خدوا راحتكم إحنا عارفين إنك مهزقة أساسًا ونصيحة مني مترجعيش بيتكم خليكي هنا عند عم محفوظ قد تلات أربع أسابيع
سحبت رقية نفسها من بين يده لتقول نافخة نفسها بثقة زائدة :
-بس اتكلم على قدك انا مش طالبة دلوقتي انا صحافية وصحافية ليها صوت يعني بعملي حساب قبل ما يتكلم بدال ما اشرده على الجريدة
-انتي قد الكلام ده؟؟
نطق بها يونس بهدوء زائف فقالت الأخرى مؤكدة :
-قده واللي عندك اعمله يا يونس
ختمت حديثها بتحدى لتصرخ هاربة إلى المطبخ ما إن رأته أخرج سلاحه ليكمل من خلفها قائلة :
-بتجري ليه ما كنتي عاملة فيها رضوى الشربيني من شوية
اخفض يوسف سلاح الآخر بسرعة مردفًا بصدمة :
-انت يا عم انت ايه اللي مطلعه ده فيه عيال قاعدة
-عيال مين بس هو فيه عيال الأيام دي، ولاه رجع الطبق يا كريـــم
صاح بها يونس بغضب عندما رأي كريم يهم بسرقة طبق الأرز الموضوع أمامه فقال الآخر بفزع وهو يعيد الطبق :
-آسفين يا يونس مكنتش اعرف انه انت
حرك يده بإتجاه طبق يوسف فوضع الآخر يده عليه هاتفًا بذهول :
-ايه ده هو انت مقدرتش عليه هتسرق مني انا
-يعني هي أول مرة هات الطبق يا يوسف انت أصلًا مش بتحب الرز
تحدث يونس وهو ينظر إلى أخيه بسخرية :
-مش بقولك من طيبتك بتاخد على قفاك اديك بتتسرق أهو
شُحن الآخر من كلامه هذا بينما قال كريم معترضًا :
-فيه يا باشا انت بتولعها ليه هو أصلًا مش بيحب الرز
تمسك يوسف بطبقه قائلًا :
-لأ انا عايز أكل رز اوعى سيبه
ورفع الآخر حاجبه رغم أنه من العادي أن يتركه له ويطلب من زوجة عمه طبق آخر لكنه عاند قائلًا :
-شحنك عليا يا بطة؟! طب ايه رأيك هاخده واولع انت واخوك
سحب منه الطبق فوقف يوسف واستعاده منه لكن الآخر تمسك به قائلًا :
-سيب الطبق يا يوسف انت مش بتطيق الرز يا جدع
-وانت مالك انت جه على مزاجي أكله هو طبقي ولا طبقك
نكز محفوظ ابنه قائلًا :
-إسماعيل هات الطبق اللي معاهم ده
والآخر نفذ دون كلمة وسحب الطبق منهما واعطاه لوالده والذي بدوره أخذ يأكل منه هاتفًا بإستفزاز :
-لا انت ولا هو كلوا فاصوليا من غير رز
أما بالداخل وعند الفتيات كانت بالفعل النميمة هي المنتشرة رغم كون نور كل دقيقة تقول لهم توقفوا فهذا لا يجوز ولكن لا حياة لمن تنادي فهذا طبع يجري في أغلب جنس حواء
وكان الموضوع المتحدثين به يخص الصعيد وكانت رقية منبهرة بالأمر لتقول بينما تبتلع الطعام :
-يعني بيتاجروا في المخدرات في الصعيد كده عادي جدًا ويبيعوا والحكومة نايمة على ودانها
اجابتها شروق وهي تضع الشاي على الموقد كما وصتها أسماء :
-مش عارفين يمسكوا عليهم حاجة الصعيد فيه مخابئ كتير خاصةً في الجبل وكده، ومش كل القرى فيها تجار يعني بلدنا إحنا صغيرة فيها ايوه بس سُكيتي كده عند واحد بس اسمه عم سوسو باين
تحدثت نور مذهولة من معرفة شروق كمعلومة كهذا :
-وانتي عارفة حاجة زي دي ازاي يا شروق!؟
-ما البلد كلها عارفة الموضوع
شهقت رقية بذهول قائلة :
-البلد كلها عارفة اني فيه ديلر مخدرات وعارفين اسمه ومحدش مبلغ
-يبلغوا ايه بس صلي على النبي ده لو القسم اتحرك من مكانه ألف واحد يقولوا الحكومة جاية على البلد، بلدنا صغيرة وكله فيها بيتكشف بسرعة
اعتدلت رقية في وقفتها نافضة دقيق الخبز بعدما انتهت من طعامها :
-صحيح فيه حاجات عايزة اعرفها عن الصعيد وكده علشان انزلها مقال في الجريدة بتاعتي
نظر إليها الأربعة بتركيز فقالت رقية متسائلة :
-أول حاجة جواز القاصرات هل لسه الموضوع موجود في الصعيد
-آه فعلًا واحدة صاحبتي اتجوزت وهي عندها ١٤ سنة
هتفت بها براءة بجدية شديدة فأفرغت رقية فمها متسعة العينين :
-بجد والله اتجوزت وهي عندها ١٤ سنة؟! ازاي؟
ضحكت براءة بعدما لم تستطع التمثيل أكثر من هذا فقالت رقية مشيرة إليها :
-هي بتهزر ولا ايه؟؟
-أكيد طبعًا بهزر مفيش حاجة اسمها كده الموضوع قل بشكل كبير جدًا مفيش غير الناس المتخلفة بس هي اللي بتجوز بناتها وهما صغيرين، أصلًا بالنسبة ليا أقل من ٢٠ سنة مش هتعرف تشيل مسؤولية
آماءت رقية بإقتناع لتسأل سؤالًا آخر :
-طب والتار لسه موجود
اجابتها نور وهي تقلب الشاي قائلة :
-لأ خلص بس قاعد في مناطق ومناطق انا عن نفسي مشوفتش تار خالص في بلدنا
-طب والورث صحيح البنات ملهاش ورث في عرفكم
صمتن الفتيات قليلًا لتقول شروق وهي تعطي لها أكواب الشاي :
-مش عارفة بصراحة عن الموضوع ده كتير اطلعي بالشاي ده للرجالة واسألي عمتي أسماء اخدتي ورثك ولا لأ
اوقفتها نور سريعًا رافضة الأمر :
-لأ يا رقية متسأليهاش ممكن تتضايق اطلعي بالشاي يلا، وانتوا تعالوا نلموا الأكل
اعترضت شروق على هذا لتقول بقنوط :
-من الصبح بنطبخوا ما يلموا هما الأكل برا
تركتهن رقية وخرجت بالشاي لكن الأمر لم يخرج من عقلها وبطبيعتها الفضولية سألت أسماء دون الاكتراث لتحذير نور، وضعت الشاي على منضدة الضيافة الصغيرة الموجودة في غرفة الضيوف لتخرج وسألت أسماء قائلة :
-مرات عمي هو انتي خدتي ورثك؟؟
استدارت لها الأخرى متعجبة من هذا السؤال حتى عبلة تضايقت من الأمر لتوبخ ابنتها قائلة :
-ليه بتسألي انتي مالك بالموضوع خدت ورثها ولا لأ
نظرت أسماء إلى رقية بتركيز :
-انتوا بتتكلموا عن ايه في المطبخ يا رقية
-بنتكلم عن حاجات تخص الصعيد وكده علشان هعمل مقالة عنه زي جواز القاصرات والتار وورث البنات فبسألك اخدتيه ولا لأ
-آه اخدته مكتوب باسمي بس انا مش عايزاه علشان كده سيباه لاخواتي وهما قالوا لو عايزاه موجود ومكتوب باسمك لو عوزتيه خديه
آماءت رقية بهدوء ثم سألتها سؤالًا آخر مستفسرة أكثر عن الأمر :
-يعني البنات بتاخد ورثها عادي
-لأ مش كله الأغلب بيتظلم وبيقولوا البنات ملهاش ورث وفيه اللي بتتنازل عنه أو تبيعه لاخواته بس انا اخواتي مش ظلمة علشان كده نصيبي في الأرض مكتوب باسمي وانا اديته لاخويا عبد الجواد بإيجار سنوي
تحدثت عبلة عاقدة ذراعيها :
-خلصتي يا اختي ياربي من فضولك ده اللي ملهوش آخر
تذمرت الأخرى قائلة :
-ايه يا ماما هو السؤال حرام ما تسيبونا ناكل عيش
عادت إلى المطبخ مجددًا وقد كانت رحاب تنقل الطعام رفقة شروق وعائشة فأخذت تنقل معهن وقد وقع اختيار غسل الأطباق على رحاب فقالت رقية وهي تعطي الأطباق لرحاب :
-أومال فين غادة مش المفروض تغسل معاكي
اجابتها الأخرى لاوية ثغرها بضيق :
-هربت مش عارفة فين؟
-استني هجيبها من قفاها دلوقتي
خرجت رقية بحثًا عن غادة تلك المدللة المتهربة لتجدها جالسة في غرفة الضيوف الموجود بها الرجال، ملتصقة بعمتهم توحيد وتمزح معها فوقفت أمام الباب واضعة يدها في خصرها قائلة :
-غادة هانم لو سمحتي تيجي تقفي مع رحاب في المطبخ علشان تغسلي المواعين
برمت الأخرى شفتيها بقنوط :
-وهي مفيش ولا واحدة يعني غيري ما فيه خمسة ستة واقفين في المطبخ
-والخمسة ستة دول من الصبح شغالين وانتي جيتي قبل الضهر بساعة حضرتك
مسح إسماعيل وجهه بضيق من زوجته ليقول كاظمًا غضبه :
-وفيها ايه يا غادة ما تقومي، اقوم انا يعني أغسل المواعين
-وتقوم انت ليه ما بنات اخوالك واقفين في المطبخ يساعدوها
وهذه المرة نظر إليها اسماعيل هامسًا بصوت حاد تحذيري :
-وهما بنات اخوالي جايين يشتغلوا ولا ضيوف!؟ قومي يا غادة احسنلك
وقفت الأخرى متكدرة تلحقها نظرات اسماعيل ليقول حمزة وهو ينظر إليها بعدما رحلت غادة :
-حاسس إنها غيرانة منهم لسبب معين
وأتته الإجابة من رقية عاقدة ذراعيها أمام صدرها :
-علشان مرات عمي مشغولة معاهم حاسة إنهم واخدينها منها
ضحك محفوظ موافقًا إياها، متذكرًا ما حدث أمس :
-هما واخدينها فعلًا، إمبارح سهرت معاهم للفجر ومرضتيش تنام علشان تقعد معاهم وهي مش بتحب السهر أساسًا
خرجت رقية بينما أذن العصر أثناء شربهم للشاي فذهب الكبار لتأدية الصلاة بالجامع بينما تكاسل أغلب الصغار وقالوا أنهم سيصلون هنا ولم يبقى في غرفة الضيوف غير إسماعيل وكريم وعمتهم توحيد وابنها
وبعد ذهابهم بدقائق اقتحم لؤي تجمع الشباب بسرعة شديدة وفي يده هاتف ليجلس بجانب أخيه عارضًا عليه الصورة التي بالهاتف، صائحًا بذهول :
-إسماعيل انت ده؟!
حدق الآخر في الهاتف مصدومًا يبصر نفسه عندما كان صغيرًا يرتدي جلباب صعيدي قصير بعض الشئ وفي يده عود قصب وهناك طفل في نفس عمره يقف بجانبه ويرتدي نفس الشئ
صاح إسماعيل بصدمة وعينيه تزداد اتساعًا كلما لاحظ شيئًا بالصورة :
-ده انا وانا صغير؟ ايه الصورة دي جبتها منين؟!
دلفت رحاب شقيقته وهي تقهقه بشدة على ملامحه المصدومة هذه :
-شايف نفسك عامل ازاي يا إسماعيل، لأ وعود القصب عامل شغل جامد، غادة شافت الصورة ومصدقتش أنه انت
نظر الآخر إليها فارغًا فاههه بينما سحب كريم وأحمد الهاتف حتى يروا تلك الصورة وما هي إلا ثواني وانفجرا ضاحكين ليقول كريم :
-ايه يا ابني العبث ده لابس جلبية وقصيرة عليك، ومتبت أوي كده ليه في العود هو خطيبتك؟!
نظر أحمد مشيرًا إلى الشخص الثاني في الصورة متسائلًا :
-مين اللي معاك في الصورة ده يا اسماعيل؟؟
-ده خالي ماهر
-خالك مين ده في سنك!؟
سحب الآخر منهم الهاتف محدقًا في الصورة بابتسامة :
-ما هو انا عندي سبعة منهم خال في نفس عمري وخال أصغر مني قد رحاب كده
أفرغ كريم فمه مصدومًا ليطلق صيحة مضحكة دليلًا على صدمته وهو يرفع كفيه مُظهرًا سبعة أصابع :
-عندك سبعة ومنهم كمان أصغر منك؟! ايه يا ابني جدك ده جاب منين الصحة دي
وما إن ختم حديثه حتى وجد كف عمته يصطدم في وجهه يليه صراخها :
-اهو قر الناس ده هو اللي خلى صفوان يموت قبل ما يشوف ابنه حتى
وضع كريم يده على وجهه مذهولًا أنها ضربته بينما ضحك ابنها بكل قوته قائلًا :
-يعني يا ماما فاكرة الراجل وفاكرة أنه مات قبل ما يشوف ابنه وتحت لميتي علينا امة لا إله إلا الله وعايزة البنت تسندك قال ايه واثقة فيها وفكراها واحنا اللي عايشين معاكي بقالنا خمسين سنة مش فاكرة حد فينا
جلست رحاب بجانب إسماعيل الذي كان يقلب في الهاتف وعلى الناحية الأخرى لؤي لتأتي نور ومعها براءة وعائشة بعد أن أنتهوا من المطبخ أو لنقول تركوه لغادة، مطمئنين أن لا يوجد في الغرفة الكثير من الرجال فقط ثلاث شباب
وضعت براءة يديها خلف خصرها ناظرة إلى إسماعيل بمزاح :
-شوفت نفسك وانت بالجلبية جمب عود القصب حاجة آخر عبث
نظر إليها اسماعيل مبتسم الثغر ثم قال :
-انتي جبتي الصور دي منين انا فاكر أننا اتصورنا كده واحنا صغيرين بس معرفش اني الصور دي موجودة
-صورتهم من ألبومات الصور اللي عندنا منها صور كده في أفراح عمامي حتى فيه صورة ليك وانت قاعد على رجلين عمي علي في فرحه وفي إيدك چزازة ساقع من القديمة دي
أخذت منه الهاتف وأخذت تقلب في الصور حتى أتت بها لتعرضهما أمامهم وإذ بالضحكات تملأ المكان حتى أن يوسف وحمزة وغادة ورقية أتوا على الأصوات ليجدوا إسماعيل ورحاب ولؤي جالسين على الاريكة وخلفها يقف أحمد وكريم وخمستهم يحدقون في هاتف وبالكاد يلتقطون انفاسهم من الضحك
تحدثت غادة بفضول وهي تجلس بجانب زوجها تمد رأسها إلى الهاتف :
-بتتفرجوا على ايه بيضحك أوي كده!؟
عرضت رحاب أمامها صورة لإسماعيل يقف مع ثلاث شباب آخرين وأربعتهم في أعمار الثانوية :
-شوفي جوزك عامل ازاي تحسيه اتغير مش هو ده خالص
حدقت الأخرى في الصورة بإندهاش بينما قالت براءة ضاحكة وقد رأت الصورة التي يتحدثون عنها :
-اتغيروا بس دول اتحولوا، اسماعيل وعمي ماهر وحسن وياسر كل واحد تشوفيه دلوقتي تقولي كاريزما أما في الصورة تحسيهم شلة صيع لسه ضاربين ترامادول
لكمتها نور في كتفها حتى تصمت فمن ناحية هي تتنمر عليهم، ومن ناحية أخرى بدأ المكان يزدحم بالشباب لذا يجب أن تصمت عن ضحكاتها المرتفعة هذه
بينما من وسط الجالسين ابتسم يوسف على ضحكتها وليكن صادق هذه أول مرة يراها تضحك ففي العادة تكون متذمرة، ضائقة، نافخة طوال الوقت بضجر وتعب وكأنه يعذبها معه وهذا بالفعل الواقع من وجهة نظرها هي
أبعد نظره عنها وجلس على الاريكة وقد تذكر ليلة أمس عندما ابصرها بخصلات شعرها من خلال الكاميرا وهي ابتعدت بسرعة خجلة، وهذه كانت صفة أخرى عليها فلم يراها من قبل خجلة فهي ذات شخصية جريئة باردة
رفع رأسه سريعًا كما البقية عندما استمعوا إلى شهقة قوية خرجت من إحدى الفتيات وقد خرجت من نور، وللعجب كان يقف خلفها حمزة متسع الأعين مصدومًا مثلهم وعندما توجهت الأعين له بنظرات مريبة له قال مدافعًا :
-والله كنت بسألها عن رحمة هي اللي اتخضت
عادت النظرات إلى نور والتي كانت تضع يدها على صدرها مغمضة العينين أثر الفزعة ليكمل قائلًا :
-ثم ايه ردت الفعل دي، انا ذات نفسي اتخضيت؟!
نظرت له الأخرى بنظرات حادة غاضبة التي التمعت في عينيها وقد ساهمت الإضاءة الطبيعية التي تصدح من النوافذ في بيان لون عينيها العسلي المائل للأخضر
أجل هذه ليست أول مرة يراها تحدق به في غضب هكذا فسبق وأن رأي هذه النظرة عندما ضربها فوق رأسها بالطبق لكن حينها لم يرى عينيها بوضوح من الإضاءة العادية للكهرباء، وشروده هذا جعله لم ينتبه لما تقول بالضبط :
-وهو لما حد يخض حد من وراء كده المرفـ المفر
بدأت تتلعثم كثيرًا حتى لم تستطيع أن تكمل كلمتها الأخيرة فقال إسماعيل بسرعة مهدئًا إياها :
-بس بس خلاص يا نور اهدي
وبالفعل صمتت الأخرى محرجة من تلعثمها هكذا أمام الجميع لتنظر أرضًا تدور بأعينها في خجل تشعر أن ردة فعلها كان مبالغ به قليلًا لكنها بالفعل شعرت بالفزع
تحدث حمزة مراعيًا خجلها واحراجها هذا إذ قال :
-آسف بس انا كنت بجد عايز اسأل عن رحمة وموضوع إمبارح
تحدثت غادة عاقدة حاجبيها :
-موضوع ايه؟ مالها رحمة؟!
ابتلعت نور لعابها تحاول التركيز هذه المرة فيما تقول :
-مملهاش حصلت مشكلة في المدرسة وانا هحلها إن شاء الله
تركت غادة الهاتف ووقفت أمامها مستفسرة عن الأمر :
-مشكلة من أي نوع يعني، مالها رحمة يا حمزة حتى ماما قالت إنها سخنت اوي إمبارح، فين رحمة أصلًا يا رحــمــة
نادت عليها فقلقت نور من أن يضغطوا على الفتاة والمشكلة التي حدثت حساسة بشدة لا تستطيع أي فتاة التحدث عنها لذا هتفت متسرعة دون التفكير في الأمر مرتين :
-فيه ولد اتنمر عليها
رفع كريم حاجبيه بعدم تصديق :
-اتنمر عليها؟! على رحمة؟
آماءت الأخرى وقد نظرت أرضًا لتفادي الأعين فقال حمزة بنبرة هادئة أكثر من اللازم متسائلًا بذكائه دون أن يتهمها بالكذب :
-وانتي ضربتيه علشان اتنمر عليها، معتقدش اني ده أسلوب كويس
-لأ انا مضربتوش علشان كده انا ضربته علشان هو قال لفظ زبالة ميصحش خالص إني طالب يقوله انا مش عارفة ازاي يعرف ألفاظ زي كده علشان كده ضربته
-مازال الضرب غلط كان المفروض تعلميه غلطه بهدوء، خاصةً السن ده مينفعش معاه الضرب
نطق بها يوسف بعقلانية فقالت نور بتشوش :
-اهو اللي حصل الكلام عصبني وفلتت اعصابي مني فضربته وبالنسبة ليا الكف ده هيعمله ينضف لسانه من اللي قاله ده
ووافقها كريم الرأي مردفًا بصوت شارد :
-أحيانًا فعلًا الضرب بيكون أفضل حل علشان يرجع الغلطان عن غلطه قبل ما يروح في سكة الغلط ويبقى الرجوع منه صعب
لم يكن حديثه مفهوم للجميع بل مبهم للبعض، المقربين فقط من كريم هم من فهموا فقالت غادة ممازحة إياه بمزاح ثقيل نوعًا ما :
-كنت تعالي ليا وانا اديك قلمين قبل ما تتجر في السكة دي
نظر إليها زوجها في تحذير شديد فبنات اخواله موجودات وهكذا ستحرجه أمامهم بينما كريم نظر إلى الجميع بخجل وسحب نفسه من بينهم فنظرت غادة إلى أثره بندم وقبل أن تعتذر وجدت حمزة يقف في وجهها وملامح الغضب مسيطرة على ملامحه
وقبل أن تقول شيئًا صرخ حمزة في وجهها بغضب شديد جعلها تتراجع بخوف منه :
-ليه كده يا غادة لــــيــه
وقف إسماعيل أمام زوجته يمنع حمزة من الوصول إليها، يدرك غضب حمزة في هذه اللحظة قد يصل به إلى ضرب غادة فقد فعلها من قبل وبسبب لسانها أيضًا :
-حمزة اهدي بس، هي مش قصدها كده
-مش قصدها ايـــه مش قصدها دلوقتي وقبل كده، دي مش أول مرة تكسفه فيها، اضربك على وشك زي المرة اللي فاتت علشان تخرسي يعني
اختبأت الأخرى خلف ظهر زوجها بينما قال الآخر بجدية شديدة :
-عارف لو رفعت ايدك عليها يا حمزة هيبقى الزعل بيني وبينك
أتى الجميع على الصوت ليقول عثمان وهو يرى أن المشادة بين أولاده فقد خرج كريم منذ ثواني ولم يرد على أحد إلى أين هو ذاهب والآن حمزة يصرخ في غادة والأخرى مختبئة خلف زوجها :
-فيه يا حمزة بتزعق ليه؟؟
وأجابه الآخر بغضب شديد نادر الظهور على حمزة لكون شخصيته هادئة شاردة معظم الوقت :
-بنتك مش هتعقل أبدًا وتعرف لسانها بيقول ايه؟ ارحمينا بقى يا شيخة قرفتيه وقرفتينا هو هيفضل ذنب ملاحقه طول حياته ولا ذنب علينا إنك اختنا
ادمعت عيني غادة بندم حقيقي لتخفي وجهها في ظهر إسماعيل متمسكة في ملابسه بينما سحب عثمان ابنه معه للخارج بعدما فهم أن الأمر عن كريم وكالعادة تسببت ابنته بمشكلة :
-بس خلاص كفاية فضايح تعالى
سحب حمزة نفسه منه وخرج من منزل عمه لاحقًا بأخيه الصغير وهذه الليلة لن تمر مرور الكرام عليه دون أن يجلده ماضيه بما اقترف في حق نفسه...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل التاسع عشر 19 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
صلي من قال أمتي أمتي ❤️
هبطت على درجات السلم متناسية أن هناك مصعد لكن غيظها طغى على تركيزها حيث كان هاتفها في يدها تقرأ محادثات الأمس على جروب دفعتها للمرة التي لا تعلم عددها وكلما تقرأ يزداد غضبها
كانت المحادثة عبارة عن أن البعض يريد شرح مكثف لإحدى محاضرات المعيد عاصم ولكن الآخر كان قد قال آخر مرة أنه لن يعيد شرح المحاضرة بسبب عدد الغياب الكبير
ولأن المحاضرة مهمة يريدون أن يعيدها، وليس هذا الأمر المهم بالنسبة إليها وما يثير غيظها، وإنما كانت إحدى الرسائل التي أرسلتها إحدى الفتيات قائلة
"شباب طيب ما نقول لشروق تقولوه أكيد مش هيقولها لأ يعني، ده دخلها الامتحان غصب عن دكتور صالح وبيهتم اذا كانت فاهمة ولا لأ وبيعيد بعض الجزئيات مخصوص علشانها تحسوا مش مهتم بحد غيرها"
بالطبع ما كانت ترمي إليه تلك الحقيرة هو أن بينها وبين المعيد شئ لذا هو يهتم بها، ووالله هي ليس في نيتها شئ ولا تراه من الأساس سوى أستاذ لها فلما رمي المحصنات هذا
وقفت أمام البناية تنظر إلى الأجواء الممطرة حيث كانت تمطر لكن ليس بغزارة شديدة ولكن إن تحركت أسفل المطر ستبتل ثم يلي هذا نزلة انفلونزا حادة وهي ذات مناعة ضعيفة
نفخت بضيق وهي تتقدم للأمام نادمة على عدم شراء مظلة رغم نشرة الأخبار أمس التي كانت تؤكد أن الأمطار ستكون غزيرة هذه الأيام، فها قد بدأ فصل الشتاء المعروف في الإسكندرية بأمطاره الغزيرة
سارت بخطوات سريعة وهي تضع يدها على رأسها خوفًا من ابتلال الخمار ويصل إلى رأسها فتصاب سريعًا بنزلة برد، نزعت نظارتها حتى تضعها داخل حقيبتها بعدما ابتلت
وفي هذه الدقيقة رأت أمامها سيارة ظهرت من العدم وكانت على وشك ان تصدمها لولا أن سائقها غير مسارها بسرعة مخيفة حتى يتفاداها لينتهي به الأمر مصطدمًا في عمود الإنارة
ارتعش جسد شروق ولولا أنها تمالكت نفسها لخرت أرضًا من الرعب، لا يوجد أي شخص بالشارع فالساعة الآن السادسة والنصف صباحًا أي بعد الفجر وهذا لأن محاضرتها الأولى ستبدأ في السابعة والنصف لذا خرجت مبكرًا حتى قبل عائشة
وكما أن الأمطار ساعدت في عدم وجود أي كلب يمر حتى بالشارع لذا لم يسمع أحد بإصطدام السيارة بالعمود
نظرت إلى السيارة ببطء وتقدمت نحوها بخطى مرتعشة لتضع يدها على الزجاج تحاول النظر إلى الداخل لكنه كان معتم فلم تستطع رؤية أحد، دقت على الزجاج بقوة تنادى لعل من بالداخل لم يمت ويسمعها :
-يا أستاذ يا اللي جوا، انت حي ولا ميت
امسكت بمقبض الباب وفتحته فسقط جسد السائق هذا عليها ولولا أنها امسكت به لكانا سقطا معًا أرضًا وسط الماء، امسكت به بقوة حتى لا يسقط من يديها فهو كان فاقد الوعي كما أن رأسه تنزف الدماء
أعادته للخلف واجلسته مرة أخرى على المقعد لتتسع عينيها عندما ابصرت أنه يوسف او ربما يونس ففي هذه الحالة لا تستطيع أن تفرق بينهما، شعرت بالذعر لتنظر حولها بحثًا عن أي مخلوق في الشارع لكنها لم تجد ولا حتى سيارة واحدة تمر
نظرت إليه بحيرة وخوف لتجده يفتح عينيها ويرمش بصعوبة فقالت بسرعة :
-انت كويس سامعني طيب؟؟
وضع يونس يده على رأسه النازفة يشعر أن ما حوله أصبح أسود لا يذكر سوى أنه كان يقود ويشعر بالدوار لعدم تناوله للطعام وسهره على القضية ليلة أمس وهذا بعد أن اتاه خبر أن هناك جثة جديدة
لذا تحرك من العصر من منزل عمه محفوظ ولم يفكر في العودة إلى المنزل إلا الآن وهذا بعد أن شعر أنه سيفقد وعيه حقًا من شدة التعب، والاسوء من هذا أنه لم يرى بشكل جيد وهو يقود وقد زاد المطر الأمر سوءًا
حتى أنه كاد أن يصدم أحدًا لولا أنه تفاداه ولكن لم يستطع أن يوقف السيارة فاصطدم في شئ وقد اصطدمت رأسه في عجلة القيادة وهذا لأنه نسى وضع حزام الأمان
والآن زاد الدوار عليه وبالكاد يسمع صوت فتاة تتحدث معه وتحاول أن تجعله يقف، أما شروق فكانت تلعن في هذا الحظ الرسائل، المطر، هذا الحادث، ولا يوجد أحد يساعدهم حتى
وضعت يدها على رأسها تفكر في العودة إلى البناية واخبار عائلته لكن البناية بعيدة قليلًا وستتركه هكذا بمفرده لكن لا حل آخر، وقبل أن تتحرك أبصرت رجل يسير أسفل المطر بسرعة فنادت عليه بصوت مرتفع حتى يسمع :
-يا أســـتـاذ، لو سمحت
اقترب منها ذلك الرجل فقالت شروق برجاء :
-لو سمحت قريبي عمل حادثة ينفع بس تسنده معايا نرجعه البيت، العمارة قريبة من هنا مش بعيدة قوي
نظر الآخر إليها ثم نظر حوله وعندما لم يجد أحدًا هز رأسه ببطء وفي عينيه نظرات مريبة لم ترها شروق بسبب المطر، مد الآخر جسده إلى الداخل يبصر رجل ما بين الوعي واللاوعي، لم يهتم به بل نظر إلى أرجاء السيارة الفاخرة وعندما أبصر هاتفه ملقى على أرضية السيارة امسك به، وقبل أن يضعه في جيبه سُحب منه لتقول شروق بغضب وهي تأخذه منه :
-أنت بتعمل ايه انت كمان؟!
استقام الآخر وأخرج ماديته من جيبه وفتحها أمام وجهها ففزعت الأخرى وأطلقت شهقة تزامنًا مع عودتها عدة خطوات للخلف ليقول الآخر بتهديد :
-هاتي الموبايل يا بت اطلعي به
ضمت شروق الهاتف وحقيبتها إلى صدرها تهز رأسها برفض فتقدم الآخر منها والشر يلتمع في عينيه وقبل أن يفعل شيئًا سقط على وجهها بسبب تعثر قدمه بشئ ليتضح أن هذا الشئ هو قدم يونس التي مدها حتى يُسقطه
صرخت شروق متفاجئة تبصر الآخر يخرج من السيارة بضعف شديد لكنه يحاول حتى لا يتركها بمفردها فهرولت له حتى تحتمي به
وقف ذلك اللص وهو يمسح وجهه من الماء لتجحظ عينيه يبصر سلاح موجه ناحيته بينما قال يونس بصوت حاول جعله قوية ولا يظهر به التعب حتى لا يستضعفه الآخر :
-مفيش راجل يرفع سلاحه على واحدة ست ولا يستغل إنها محتاجة مساعدة
رفع سلاحه وأطلق طلقة في الهواء اندمجت مع صوت الرعد يخيفه بها وقد حدث بالفعل إذ ركض الآخر يلوذ بالفرار بينما يونس اخفض سلاحه وتهاوى جسده على الأرض، أجل المجهود لم يكن قويًا لكن تعب الحادث واصطدام جسده بالسيارة زاد بشدة وهو على شفا جرفٍ من فقدانه الوعي
هبطت شروق معه تحاول أن تجعله ألا يفقد الوعي حتى لا تصبح بمفردها فأصبح المكان حقًا مخيف وهذا البرق والرعد يجعل الأمر أكثر رعبًا :
-يا يونس باشا، يونس بالله عليك ما تموت دلوقت
حاول الآخر أن يمسح وجهه من الماء والدماء التي تنهمر من رأسه فقالت شروق بسرعة وهي تخرج منديل من حقيبتها :
-عايز تمسح وشك دقيقة دقيقة
رفعت الحقيبة فوق رأسه حتى تمنع المطر بينما بيدها الأخرى أخذت تمسح وجهه من الماء والدماء لتخرج منديل آخر وتضعه فوق الجرح تكتم الدماء بينما ماء المطر أغرق وجهها هي
نظر إليها يونس وبالكاد يستطيع أن يبصر فتاة بوجه مبلول تحدق به في قلق لتقول شروق وهي تترك الحقيبة وتمسك بهاتفها بينما وضعت هاتفه داخل حقيبتها
اتصلت على الإسعاف فلا حل آخر لديها، تحتاج لربع ساعة على الأقل لتعود إلى البناية وربع ساعة أخرى لتعود إليه ولن تستطيع تركه بعد هذا الموقف بالذات، قد تعود وتجده مسروقًا أو مقتولًا
استمعت إلى صوت الموظف في الهاتف فقالت بسرعة بينما تضغط بيدها على جرح رأس يونس والآخر لا يزال في حالة بين الوعي واللاوعي :
-الو، فيه حادثة حصلت في ميامي على البحر معلش تيجوا بسرعة الراجل بينزف قوي
-فين في ميامي بالظبط؟
املته شروق العنوان بالضبط ومن الجيد أنها تحفظه، أغلقت الهاتف ووضعته في حقيبتها ثم وضعتها مرة أخرى على رأسه وأخرجت منديل آخر وكتمت به الدماء لتقول بضيق شديد وهي تحدق في ملابسها المبتلة
وحمدًا لله انها ترتدي سترة جلدية طويلة لن تجعل الماء يصل إلى صدرها ولكن الجيب ابتل والخمار ابتل :
-لبسي اتبل والخمار اتبل وهتأخر على المحاضرة وانت بتموت جمبي وهو يوم باين من أوله، قوم يا عم معايا ادخل العربية من المطرة دي
نظرت إليه لتجده مغلق العينين فعلمت أنه فقد الوعي، خافت بشدة من أن تظل هكذا في الشارع بمفردها، الوقت مبكر حتى الشمس لا تظهر من الغيوم، والأمطار تزداد غزارة
وكل هذا لا يجعل أحد موجود غيرهما فخافت أن يأتي أحد آخر يحاول سرقتهم أو ربما أسوء، فهناك سفاح موجود في الاسكندرية يقتل الناس وآخرهم امرأة قتلها البارحة ووجدوا جثتها ملقاة في الشارع
انتفضت بسبب صوت الرعد الذي دوى في المكان فوقفت بسرعة وحاولت أن تجعله يقف معها لكنه ثقيل عليها كما أنها لم تعتد أن تلامس رجل هكذا لكن هذه حالة خاصة إن بقيا هكذا كلاهما سيصابا بنزلة برد، كما أنها لم تعد ترى بسبب المطر
رفعته من أكتافه وبصعوبة شديدة جعلته يجلس داخل السيارة حتى أنها وقفت تلتقط أنفاسها لتسحب مسدسه وتلقي به داخل السيارة
ابعدت قدميه قليلًا وجلست على أرضية السيارة وجعلت قدميها في الخارج بحيث أصبحت رأسها داخل السيارة بعيدًا عن الأمطار وهي ليست داخل السيارة معه
نظرت حولها وهي تمسح عينيها من الماء تدعو ربها أن تمر هذه المشكلة على خير، رفعت رأسها له لتجد أن الدماء لا تتوقف عن النزيف فأخرجت الكثير من المناديل ووضعتها على رأسه تحدق به في قلقٍ من أن يموت
ظلت على هذا الوضع لعشر دقائق تقريبًا قبل أن تستمع إلى صوت صفارة الإسعاف فقفزت بسرعة حتى توقفها رافعة يديها حتى يرونها من بين المطر، توقفت السيارة وهبط المسعفين واخذوا يونس بينما هي أغلقت سيارته بعدما سحبت مفاتيحه ه حتى لا يسرق أحد السيارة
-هتركبي معاه؟
هتف بها المسعف بينما نفت الأخرى برأسها فلا تستطيع أن تذهب معه وتترك محاضرتها فهي مهمة جدًا :
-لا مش هاجي، تقدروا تاخذوه لمستشفى ماري قريبة من هنا أخوه شغال فيها أكيد هيهتم بالموضوع هو من هناك
صمت لبرهة تعيد التفكير في الأمر قليلًا لتعود فيما قالت وهي تصعد معهم فقد تجد مواصلة من أمام المستشفى بدلًا من الوقوف هنا ولا يوجد كلب يمر حتى وتحتاج السير لعشر دقائق أخرى حتى تصل إلى موقف السيارات :
-ولا اقولكم خدوني معاكم بدال ما تحصل حاجة تاني وابقى انا وحدي
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
في التاسعة صباحًا
حركت قدميها بضجر شديد وعينيها معلقة بالنافذة حيث الأمطار تنساب بغزارة ومن الجيد انها أتت بمظلة معها، وضعت كفها على وجنتها وهي تقلب في هاتفها على موقع الجريدة حيث نشرت البارحة خبر مقتل إعلامية مشهورة تدعي مروة
أصبح هذا السفاح يهز الرأي العام حتى أن سكان الإسكندرية بدأوا يشتكون على مواقع التواصل الإجتماعي خاصةً بعد ذلك الفيديو الذي نشره السفاح وهو يلقي بشاب من فوق البناية وكأنه يقول للجميع أنه موجود ولا يخشى أحدًا
خرجت من الموقع وذهبت لموقع آخر لم تكن تعلم أنه يخص حبيبها حيث كانت المنشورات التي ينشرها عمر الأعلى مشاهدة لكنها قلقة عليه من هذا فهو يفضح أناسًا مهمين ولهم سلطة، تخشى أن يصيبه ضرر منهم إن كشفوا أمره
خرجت من التطبيق وذهبت إلى المعرض حيث كنت تخبئ ملف صور برقم سري، كان هذا الملف يضمن جميع الصور الموجود بها عمر وقد خبأتها في هذا الملف بعدما طلبت منها والدتها أن تمسح صوره وجميع ما يتعلق به
كانت أمها غاضبة وناقمة عليه لأنه تركها في يوم عقد القران ولم يأتي لكن لم يكن الأمر بيده لقد مات والديه في هذا اليوم وخسر هو جزء من ذكرياته وكانت هي جزء من هذه الذكريات
قلبت في الصور وعلى شفتيها ابتسامة حالمة لتزداد اتساعًا وهي تستمع إلى صوت المطربة الراحلة صباح يصدح في المقهى وهي تصف حبها لحبيبها من خلال مقطع وصف حالتها وعلاقتها مع عمر تمامًا
"قابلت كتيـــر... فرشولي علشاني الأرض حرير وشوفت كتيـــر... ولا شوفتش زي حبيبي أمير.... منيش رايداه ومنيش رايداه، منيش رايداه إلا هو منيش رايداه"
أحسنتي صباح وصفتي ما أشعر به فوالله لو عرضوا عليها رجال الأرض لن تقبل إلا بعمر، تتسألون ربما لما تحبه كل هذا الحب ومتمسكة به هكذا رغم انه لا يتذكرها ستقول وببساطة لأنها تعشقه
المرأة لا تعشق رجلًا بكل كيانها إلا في ثلاث حالات، إلا يكون حنونًا معها، لا تشعر بالأمان إلا معه، لا يرى غيرها ولا ينصف عليها أحد
وفي حالتها مع عمر فهي تختار الثانية فحبها لعمر بدأ بسبب شعورها بالأمان معه وهذا بعد موقفين جمعهما سويًا، أحدهما كادت تودي بحياة عمر في سبيل الدفاع عنها
وكانت تلك مقابلته الثانية معها بينما مقابلتها الأولى معه كانت منذ خمس سنوات، عندما اتجهت إلى كلية الحاسبات والمعلومات التي تدرس بها ابنة عمها رحاب في سنتها الأخيرة
كانت حينها لا تزال تبلغ من العمر ثمانية عشر عامًا وكانت في عامها الأول في كلية الإعلام، لكن تواجدها في كلية الحاسبات والمعلومات كان لأن تذهب من رحاب إلى بيت عمها رفقة ابن عمتهم فقد كانت رحاب متزوجة منه انذاك
دلفت إلى الكلية وهي تضم كتبها إلى صدرها عاقدة شعرها الأسود على هيئة ذيل حصان وفي يدها هاتفها تحاول التواصل مع رحاب حتى تعلم أين هي
كانت تبدو غريبة عن الكلية وشكلها جذب انتباه بعض الشباب خاصةً بعدما انزلق هاتفها من يدها وعندما مالت حتى تأتي به سقطوا كتبها
زفرت بضيق تجمع الكتب وقبل أن تمسك بالهاتف امسك به شاب وعندما رفعت رقية رأسها له صفر الآخر بإعجاب صريح :
-ايه العيون دي؟! أموت انا في العيون السود
وقفت رقية بسرعة وحاولت أن تأخذ منه هاتفها لكن الآخر رفع يده إلى الأعلى هاتفًا بنبرة عابثة :
-ليه بس كده تحرمينا من عينيكي استني شوية
تحدثت رقية بغضب وهي تحاول أن تسحب منه هاتفها :
-انت بني آدم مش محترم هات
سحب شاب آخر كتاب من كتبها متحدثًا بتساؤل وهو يحدق في الكتاب :
-شكلك مش الكلية دي، هاتي كده نشوف
صاحت به رقية وهي تحاول أخذ كتابها فألقى به لصديقه قائلًا :
-ما براحة يا قمر العصبية مضرة ليكي
تحدث صديقه هذا وهو يقرأ عنوان الكتاب :
-شكلها كده صحافة وإعلام اسمك ايه بقى يمكن تكوني أشهر من مني الشاذلي في يوم من الأيام
ضحك الثلاثة ليسحب شاب رابع الكتاب بعنف من يده قائلًا وهو يدفعه ناحية صديقه :
-مش رجولة تتشطروا على واحدة
وقف المتحدث أمام رقية يخفيها خلف ظهره بعدما أعطى لها الكتاب بينما امسك الشاب بصديقه قبل أن يسقط ليقول الثالث وهو الذي يمسك بالهاتف :
-ايه يا عمر تخصك ولا ايه؟؟
-لأ متخصنيش بس بنت وشايف همج زيكم بيضايقوها، وانا بصراحة ابويا علمني اني لو شوفت بنت محتاجة مساعدة ووقفت اتفرج عليها ابقى ومن غير زعل من أشباه الرجال زيكم
اعتدل الآخر في وقفته مقتربًا منه بغضب :
-وليه بس الكلام اللي يزعل ده
اجابه الآخر بنبرة ساخرة وهو يشير إلى ثلاثتهم :
-كلامي يزعل إنكم أشباه رجال أومال مضايقتكم للبنت تعتبر ايه؟ ظرافة وخفة دم
مد يده حتى يأخذ منه هاتفها قائلًا :
-هات التليفون
-ولو مجبتهوش؟؟
نطق بها الآخر وهو يبعد يده ويلقي بالهاتف لصديقه بالخلف فقال عمر وهو ينظر إلى عينيه ببوادر غضب :
-هيبقى في كلام ده بس مش باللسان
ختم حديثه صادمًا رأسه في رأس الآخر فتراجع للخلف وهو يضغط يده على أعلى أنفه حيث أصيب بجرح وقد بدأ ينزف
تحدث أحد الشابين بالخلف وهو يجر صديقه معه :
-خلاص يا عمر خلاص
ألقى إليه بالهاتف وأخذ معه صديقيه بينما استدار عمر إلى رقية ماددًا لها الهاتف فقالت الآخر ممتنة :
-شكرًا أوي انت شخص خلوق بجد
آماء الآخر بهدوء ليسألها وهو ينظر إلى كتبها :
-انتي مش في الكلية دي بتعملي ايه هنا؟؟
-مستنية بنت عمي تيجي اسمها رحاب
نطقت بها وهي تتصل على رحاب والأخرى تضغط على زر عدم الإجابة فيعطيها مشغول بينما قال عمر يإنتباه :
-رحاب محفوظ هواري؟
آماءت له رقية سريعًا فقال الآخر وهو ينظر خلفها :
-اهي هناك جاية
واستدارت الأخرى بسرعة لتجد رحاب تتحرك بخطى سريعة حتى تصل إليها فقالت بضيق وصوت مرتفع :
-انا بتصل بتكنسلي ليه ما تردي
-وأرد ليه ما انا جيت اهو
نطقت بها بهدوء لتنظر إلى زميلها عمر ثم عادت بنظرها إلى رقية تنتظر شرحًا فقال عمر مجيبًا تساؤلها هذا :
-كان في كام واحد بيضايقوا بنت عمك بس انا حليت الموقف
اتسعت أعين الأخرى بذهول مردفة :
-احيه بجد!؟ طب شكرًا أوي يا عمر إنك مسبتهاش لحد ما جيت
هز الآخر رأسه وتركهما ورحل وكانت هذه المقابلة الأولى لها بعمر وحالها كحال من يحدث معهن مثل هذا الموقف يعجبن بالبطل الذي ينقذ الموقف وبما أنها كانت في أواخر مراحل المراهقة جذب الأمر عقلها
وعندما بدأت تتناساه ظهر مجددًا في حياتها لكن المرة الثانية كانت سيئة بشدة
افاقت من ذكرياتها الوردية هذه وأغلقت هاتفها عندما أتى من تنتظره، عقدت ذراعيه ولم تكلف نفسها وتقف حتى بينما قالت عايدة مبتسمة لها :
-صباح الخير يا رقية
-هنشوف هنشوف
عقدت الأخرى حاجبيها متعجبة إذ قالت :
-نشوف؟! نشوف ايه؟؟
-نشوف هيكون خير ولا لأ مع اني أشك بصراحة طالما اصطبحت بوشك ده
-علفكرة دي قلة ذوق؟!
هتفت بها عايدة غاضبة بينما ضحكت الأخرى ضحكة ساخرة بشدة :
-بلاش انتي يا عايدة تتكلمي عن قلة الذوق وقولي اللي عندك علشان انا مش فضيالك وجاية النهاردة بعد زنك الكتير علشان اقابلك فها عايزة ايه
جلست الأخرى على مضد تحاول ألا تدع الغضب يؤثر عليها لتقول :
-انا اصريت أقابلك علشان انا وانتي بنات زي بعض وأكيد هتفهميني انا ليه سبت يونس زمان
-علشان طماعة بنت كلب
اتسعت عينيها بصدمة شديد لتصيح بها قائلة :
-احترمي نفسك يا رقية وإلا والله هسيبك وامشي
أشارت الأخرى إلى باب المقهى متحدثة بكل برود :
-اتفضلي امشي هو انا مسكاكي
زفرت عايدة تضغط على نفسها فهي تحتاج إليها إذًا فلتتحمل وقاحتها رغم تعجبها من كم الوقاحة التي أصبحت تتحلى بها هذه العائلة :
-انا اتعرض عليا ابن راجل كبير أوي في البلد وغني وابوه تاجر دهب والكلام ده لما كنت مخطوبة لاخوكي أو نقول قراية فاتحة علشان دي مكانتش خطوبة، وانا طبيعي وزي أي بنت صغيرة في السن تفضل الأغنى والأحسن
قاطعتها رقية هاتفة بحدة :
-لا عندك أغنى آه بس مش أحسن، لإني لو كان أحسن مكنتيش اتطلقتي منه وراجعة دلوقتي تحاولي تجري ناعم تاني مع يونس
ضغطت الأخرى على شفتيها لا تدري متى أصبحت رقية بهذا النضج في الحديث والعقل، لقد تناست أنه قد مر أكثر من ست سنوات ولم تعد رقية الفتاة صاحبة السبعة عشر عامًا :
-رقية أي بنت كانت هتعمل كده حتى انتي لو مكاني كنتي هتعملي كده
-لأ لأ لأ دي مقارنة خسرانة انا مش واطية زيك يا عايدة ابيع الراجل اللي بيحبني وشاريني، واوعي تفتكري علشان انا قاعدة معاكي دلوقتي ابقى قابلة كلامك أو اني مثلًا ممكن اساعدك ترجعي ليونس، ده انا لو عرفت انه فكر، فكر بس انه يرجعلك هفكره بكل اللي عملتيه فيه وإنك رمتيه وراء ضهرك وبعتيه
وقفت من مكانها وجمعت اشيائها من فوق الطاولة مكملة :
-بصي يا عايدة من الآخر كده انتي لو بقيتي حورية من الجنة أو بقيتي آخر ست على وش الأرض يونس لا هيبصلك ولا هيرجعلك علشان البني آدم لو رمى زبالة مش هيرجع يبص عليها تاني
سحبت مظلتها ورحلت بينما حدقت عايدة في الفراغ، يبدو أن بعد رفض رقية لدعمها ستلجأ للعاقل في هذه العائلة فهي على حسب ما تتذكر يستطيع يوسف التأثير على أي أحد بكلامه الموزون...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
امسك بدفتر الحضور والغياب يمضي حضوره بينما يتحدث مع الممرضة قائلًا :
-هي براءة جات؟؟
-آه يا دكتور جات من ربع ساعة
رفع يوسف نظره مندهشًا ثم قال :
-جات من نص ساعة!؟ تتحسد جاية بدري
كاد أن يغلق الدفتر ويعطيه لها لكنه توقف ما إن قرأ حضور أحد الأطباء ومنذ فترة لم يرى حضوره موجود، رفع نظره للممرضة مرة ثانية وهذه المرة كان أكثر اندهاشًا :
-هو إسماعيل رجع!؟
آماءت الأخرى بهدوء وهي تأخذ منه الدفتر :
-آه دكتور إسماعيل رجع وهتلاقيه بدأ شغله كمان
ابتسم يوسف وأخذ يبحث عن إسماعيل ابن عمه والذي كان يعمل طبيبًا معه في المشفى لكنه أخذ أجازة بدون أجر لمدة ثلاثة أشهر وهذا بسبب مشكلة حدثت بسببه في غرفة العمليات
أجل لم تمت المريضة وانقذها لكن إسماعيل تعب نفسيًا من شدة الضغط الذي حدث في تلك الساعات القليلة في غرفة العمليات لذا أخذ إجازة بدون أجر وها قد عاد مرة أخرى
ازدادت ابتسامته إتساعًا وهو يبصره يتحرك في إتجاه عيادة النساء والتوليد فنادى عليه قائلًا :
-على رأي رقية البالطو هيزغرط عليك يا دكتور إسماعيل، كويس إنك رجعت زهقت من القعدة وحدي يا جدع
استدار إسماعيل رامقًا إياه بضحك ثم قال :
-هو انت فاضي علشان تقعد وحدك أصلًا، لو انت تقعد وحدك مين اللي يشتغل في المستشفى يا يوسف
ضحك الآخر وهو يقف معه في الممر قائلًا :
-ايه الحسد اللي عيني عينك ده بس تصدق ليك وحشة
-علفكرة إحنا لسه شايفين بعض إمبارح لو مش مستوعب
-لا قصدي على المستشفى وكده بس قولي عامل ايه
رفع الآخر منكبيه واضعًا كفيه داخل جيوب معطفه الطبي :
-عامل ايه من أنهى إتجاه؟ قصدك على حالتي عامةً ولا على اللي عملته غادة إمبارح
تنهد يوسف شاعرًا عليه بالأسى فدائمًا ما يتحمل إسماعيل نتائج مصائب غادة التي تحدث من خلف لسانها :
-إسماعيل كلنا عارفين غادة وشخصيتها الغريبة دي واني لسانها دايمًا سابق تفكيرها وأكتر من مرة تحصل مشكلة بسبب لسانها وانت كل مرة تعدل من وراها، غادة مش وحشة وإحنا عارفين مشكلتها بس اني اللي في قلبها على لسانها
مسح إسماعيل وجهه متنهدًا بتعب فربت الآخر على كتفه مشفقًا عليه من هذا الضغط الشديد :
-معلش يا إسماعيل نصيبك كده وبينكم طفل مش هينفع أبدًا انفصال
-يوسف انا عمري ما فكرت في انفصال بس مش عارف هتفضل لحد امتي مش بتاخد بالها من كلامها خاصةً وهي متعصبة، انا تعبت مش عارف امتى تكبر وتعقل بقيت أم وعندها تلاتين سنة
-إسماعيل اهدى احنا في المستشفى
ضغط الآخر على جسر أنفه ليصمت لثواني ثم قال من بعدها مغيرًا مجرى الحديث :
-صحيح أخبار كريم ايه؟؟ أكيد اتضايق
-كريم قلبه طيب ومش بيشيل من حد وعارف أخته كويس هو بس اتضايق جامد إنها جابت سيرة الموضوع قدام بنات اخوالك، وكويس إنها متكلمتش كتير وانت عارف موضوع اني كريم كان مدمن لحد دلوقتي لسه مأثر على نفسيته
آماء إسماعيل بتفهم ثم قال :
-لسه موصل غادة عند عمي علشان تصالح كريم وحمزة
ضحك يوسف بقوة على آخر كلمة معدلًا عليها :
-تصالح كريم آه بس حمزة لأ، لا هي بتطيقه ولا هو بيطيقها تحسهم أعداء مش اتنين مولدين فوق بعض، أعتقد لولا عارفين إنهم كبروا لكانت هتبقى معظم خناقتهم بالضرب زي زمان
ضحك كلاهما على تصرفات حمزة وغادة القديمة والتي لا تزال قائمة حتى الآن فالفرق بينهما سنتين فقط وفي هذه الحالة يكون الأخوان لا يطيقان بعضهما البعض
أبصر يوسف براءة تسير في تقاطع الممرات فنادى عليها بينما الأخرى كانت على وشك أن تشتري شيئًا تأكله بما أن يوسف لم يأتي بعد وهناك فرصة لتناول الإفطار، لكن ما إن نادى عليها حتى اغمضت عينيها ساببة إياه بصوت منخفض ثم قالت وهي تنظر ناحية الصوت مبتسمة بتهكم :
-طب أفطر الأول بدال ما اهبط منكم ثم هو حد لحق يدخل العمليات علشان تنادي عليا لسه بنقولوا يا فتاح يا عليم
-شوفت بنت خالك اهو ده حال كل يوم
نطق بها يوسف محدقًا في اسماعيل بينما استدار الآخر ناظرًا إليها بابتسامة واسعة فاقتربت الأخرى منه ما إن ابصرته يقف معه لتقول وهي تحدق في معطفه الطبي :
-هو انت دكتور هنا يا إسماعيل؟؟
-اها في قسم النسا والتوليد
نظرت براءة إلى يوسف متعجبة ثم قالت :
-بس انا مشوفتكش خالص وبقالي هنا شهرين ونص
-ما انا كنت واخد أجازة لتلات شهور
-ليه؟؟
هتفت بها بفضول فقال يوسف مانعًا الآخر من الإجابة :
-ايه الأسئلة الكتير دي مش كنتي عايزة تروحي تفطري روحي يلا وخمس دقائق وتكوني قدامي علشان نُمر على المرضى
برمت الأخرى شفتيها هاتفة بقنوط :
-خمس دقايق افطر فيهم!؟ وجاي على نفسك ليه ما أفطر واحنا بنمر على المرضى اللي مش هيطيروا علفكرة
أشار يوسف إليها محدثًا إسماعيل وكأنه يشكو منها :
-شايف اهو ده انا اللي باخده منها وأمك فكراني بعذبها
-ما بصراحة معاها حق ايه المعاملة دي ثم خمس دقائق ايه اللي تفطر فيهم ده انت متعملهاش اتقي الله شوية يا يوسف
اتسعت أعين الآخر من مدافعته الغير متوقعة هذه، بينما صاحت براءة وكأنها وجدت طوق النجاة من هذا الطبيب :
-قوله يا إسماعيل قوله مش بيديني فرصة أفطر ولا اقعد على حيلي دقيقة ورايح جاي في المستشفى يقول يا براءة
نظرت إلى يوسف ثم أكملت شكوتها والآخر مذهول من كم الاتهام هذا :
-هو مفيش إلا براءة في المستشفى؟ ما فيه وفاء فيه علا فيه ابتسام ولا هو لما تيجي تدخل عملية مفيش غير اسم براءة بيجي على لسانك، انت كل مادا بتكرهني أكتر في اليوم اللي دخلت فيه تمريض
-شايف اسلوبها يا إسماعيل هو انا يعني بعذبها؟! دي هي اللي رافعة ضغطي
نطق بها يوسف مستنكرًا كل هذه الاتهامات فقال إسماعيل ضاحكًا :
-خلاص يا يوسف بعفيك انا من الموضوع ده اتكلم مع المدير إنك هتسلمني تدريبها
-ايــه
هتف بها كلاهما في نفس الوقت لتقول براءة بشك :
-مش هتبقى زيه وتخليني ألف زي التور في الساقية علشان لو كده وفر على نفسك وانا هستحملهم التلات شهور دول
-لا يا ستي هراعي إنك بنت خالي
نظر إلى يوسف مسترسلًا :
-شوف الموضوع ده يا يوسف وهاتلي الملف بتاعها علشان التقييمات
-أشوف ايه؟؟
نطق بها يوسف غير مصدق أنه يتحدث بجدية فقال اسماعيل بهدوء :
-موضوع نقل تدريب براءة ليا
-بس... بس دكتور عبد السميع مش هيوافق علشان انا المسؤول عنها من لما وصلت
لا يعلم لما يرفض الأمر لكن شئ بداخله يرفض أن يعطي تدريب لبراءة لإسماعيل حتى تصبح ملازمة له طوال فترة العمل، والآخر كان يصر على الأمر إذ قال :
-اتكلم مع دكتور عبد السميع وهو أكيد مش هيرفض انت دكتور وانا دكتور برضو هيرفض ليه؟ أقولك انا هتكلم معاه
تحرك من مكانه حتى يذهب لكن توقف على صوت إحدى الممرضات وهي تحادث يوسف قائلة :
-دكتور يوسف أخوك عايز يشوفك
استدار يوسف متعجبًا وجود يونس في هذا الوقت :
-اخويا يونس؟ هو هنا؟!
-آه يا دكتور جابته الإسعاف الصبح وكان خارج من حادثة عربية
كان اسلوبها باردًا بعض الشئ ليس وكأنها تخبره أن أخيه وتوأمه متواجد في المستشفى بسبب حادث والآخر فزع بشدة صائحًا بها بغضب جعلها تجفل :
-وانتي بتتكلمي ببرود كده لــيــه؟ فين يونس!؟
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
طرقات مزعجة جعلته يلقي بالغطاء من فوقه صائحًا بغضب بينما بالكاد يرى من النعاس الذي يملأ عينيه :
-عايزة ايه يا رحــمــة غوري من هنا انا عايز أنــــام
فُتح الباب واطلت غادة من خلفه ماددة رأسها فقط للداخل :
-ده انا غادة يا كريم
مسح الآخر شعره ووجهه يطرد النعاس محدقًا في الأخرى بضيق :
-يا فتاح يا عليم على الصبح، عايزة ايه يا غادة واللي جابك على صباح ربنا كده
-ينفع ادخل
-ادخلي يا اختي هو انا منعتك
ما إن ختم حديثه حتى غطى رأسه بالوسادة حتى يعود للنوم بينما دلفت غادة وجلست على طرف الفراش مبعدة الوسادة عن وجهه ثم قالت :
-كريم انت زعلان مني؟؟
اعتدل كريم وجلس على الفراش أمامها قائلًا بهدوء أقرب لعدم المبالاة :
-لا عادي اتعودت على لسانك
-اومال ليه مردتش على مكالماتي بالليل
-علشان كنت متضايق يا غادة، وطبيعي اتضايق لما اختي قدام ناس غريبة تقول كنت جيتلي اديتك قلمين بدال ما تروح خالص في سِكتة الإدمان
تحدثت الأخرى مدافعة عن نفسها فهي لم تذكر كلمة إدمان :
-انا والله مقولتش إدمان وكنت عايزة أهزر، بس.... بس فعلًا زي ما ماما بتقول انا هزاري تقيل ومحدش بيقبله
نظر إليها كريم بأعين غائمة قائلًا :
-غادة مكنش ذنبي والله هما اللي ضحكوا عليا، كانوا بيحطوه ليا في العصير
سحب خصلات شعره بقوة ضاغطًا على شفتيه بقوة فهو لا يريد أن يبكي، وعندما رأته غادة في هذه الحالة سحبته إلى أحضانها مربتة عليه فدائمًا ما كان كريم الأقرب إليها في اخوتها :
-خلاص يا كريم انت سليم دلوقتي ومفيش فيك اي حاجة واللي عملوا كده يونس وحمزة ظبطوهم هما وأهاليهم
ابتعد عنها قليلًا فمسحت الأخرى على شعره مكملة :
-حقك عليا انا آسفة ليك والله
-خلاص يا غادة ما انتي اختي بقى ولازم استحملك، ربنا يكون في عون إسماعيل، صحيح هو فين
اجابته الأخرى وهي تجلس القرفصاء على فراشه :
-وصلني هنا انا ولؤي وراح هو المستشفى علشان رجع الشغل تاني
نظرت إلى فراش حمزة المرتب ثم تساءلت :
-صحيح فين الرخم أخوك؟؟
-علفكرة الرخم أخويا هو اخوكي انتي كمان لو مش واخدة بالك
نطق بها كريم وهو يرى حمزة يقف على باب الغرفة مبتسمًا في البداية على مصالحتهم لبعض لكن بدأت ملامحه تنقلب بحديث غادة الأخير وقد زادت الأخرى الطين بلة إذ عقدت ذراعيها رافعة انفها للأعلى ثم قالت :
-لا اخويا ولا اعرفه جاته ضربة في ايده المعقد الحقودي ده بيحقد عليا وبيكرهني من وإحنا صغيرين علشان انا الكبيرة وأحلى منه
وما إن ختمت حديثها حتى وجدت كف يهبط فوق رأسها مسقطًا إياها على وجهها ثم توالت الضربات بالوسادة مختلطة بصوت حمزة الغاضب :
-مين المعقد الحقودي ده يا سودة يا مقفشة، انا بحقد عليكي يا بت ولا انتي اللي قلبك أسود
صرخت الأخرى بصوت مكتوم بسبب التصاق وجهها بالفراش والآخر مهيمن عليها ويمنعها من رفع رأسها مكملًا وهو يحاول خلع حذائه حتى يضربها بها :
-ثم أحلى من مين ده انتي محدش عبرك غير إسماعيل وانا قولتله بلاش دي هتتعبك وتطلع عينيك الواد خد أكبر خازوق في حياته
دفعه كريم بقوة من فوقها صائحًا به :
-خلاص يا حمزة يخربيتك البنت هتفطس
سقط حمزة على فراشه وما ابتعد عنها حتى تنفست غادة بعنف ولم تلبث إلا وهجمت عليه ساحبة إياه من شعره لعلمه أنه نقطة ضعفه ويجن إن احد لمسه :
-ايوه حقودي وانت فاكر نفسك حلو يعني علشان مطول شعرك وسايح، والله لانتفه
والآخر ما إن سحبت شعره حتى امسكها بدوره من شعرها أسفل حجابها ساحبًا اياه بعنف فصرخت غادة بقوة :
-سيب شعري يا حــــمـزة
-سيبي انتي الأول
وقف كريم بسرعة وحاول فكهم عن بعض وما إن رأي رحمة تقف أمام الغرفة تشاهد وكأنها تتطلع على فيلم حتى صاح بها قائلًا :
-انتي بتتفرجي نادي بابا
ركضت الأخرى حتى تنادي أبيها الذي كان يسمع كل ما يحدث لكنه لا يحرك ساكنًا وكأنه أعتاد على هذا وهو بالفعل كذلك، بينما ابتعدت غادة عن حمزة عندما قطعت من شعره عدة خصلات ناظرة له بتشفي، بينما الآخر اتسعت عينيه بصدمة وأصبح كثورٍ هائج
وعندما رأي كريم هذه النظرة حتى سحب غادة بسرعة صارخًا :
-أجري يا غادة ليقوم ياكلك
ومن سرعة سحبها لها سقطت غادة وسقط هو معه أمام باب الغرفة حيث عادت رحمة مرة أخرى وعلى شفتيها ابتسامة متسعة لتقول وهي تمسك بمقبض الباب :
-بابا بيقول محدش فيكم انتوا التلاتة اتربى، وقالي اقفل الباب عليكم واسيبكم تقطعوا في بعض
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
-يا ابني انا كويس والله كويس
هتف بها يونس عندما كاد أن يقف من فوق الفراش الطبي في المشفى حتى يذهب إلى المرحاض فوقف يوسف بسرعة حتى يسانده أو لنقول انتفض
عقد يوسف حاجبيه وهو يسانده رغمًا عنه قائلًا :
-وانا عملت ايه مش بسندك ده انت طالع من حادثة
-يعني انت كمان شايفني طالع من العناية المركزة انا يا دوب عندي كام كدمة وراسي اخدت فيها غرزتين
سانده يوسف حتى المرحاض وأعاده مرة أخرى وما إن جعله يجلس على الفراش حتى نادى على براءة فقال يونس ضاربًا كف على الآخر :
-يا ابني يا ابني مفيش حد في الأوضة غيري انا وانت دي تالت مرة تنادي على براءة عايز منها ايه
ابتسم الآخر بإحراج فلسانه قد أعتاد على المناداة عليها، دلف إسماعيل إلى الغرفة مبتسمًا لهما ليقف أمام يا يونس مردفًا بتساؤل :
-مين البنت اللي جابتك هنا يا يونس؟؟
-بنت!؟ بنت مين؟
نطق بها بتعجب فقال الآخر :
-المسعفين بيقولوا اني واحدة اتصلت عليهم وكمان ركبت معاهم عربية الإسعاف ونزلت منها قدام المستشفى وركبت تاكسي ومشيت حتى مقالتش اسمها قالت أخوه دكتور يوسف موجود في المستشفى هيهتم هو به
نظر يوسف إلى يونس مندهشًا :
-طالما تعرفني وتعرف اني شغال في المستشفى دي تبقى أكيد عرفاك، بس
صمت لبرهة ثم قال :
-الدكتور النبطاشي اللي كان هنا قالي أنهم جابوك قبل الساعة سبعة ده كان لسه بدري أوي، مين البنت اللي هتبقى موجودة في الشارع في الوقت ده وفي عز المطر
رفع الآخر منكبيه بعدم اهتمام فهو لا يتذكر شئ من الأساس ولا يعلم من الذي أتى به إلى هنا :
-خلاص مش مهم كويس أصلًا إنها كانت موجودة في الوقت اللي عملت فيه حادثة ده ربنا بعتها نجدة
هز اسماعيل رأسه لينظر إلى يوسف متسائلًا :
-صحيح فين تقييمات براءة علشان آخد انا تدريبها
-انت كلمت دكتور عبد السميع؟؟
هتف بها يوسف بتوجس فنفى الآخر برأسه قائلًا :
-لأ بس قولتلك معتقدش أنه هو هيرفض
-لأ رفض
-انت روحتله؟؟
نطق بها الآخر رافعًا إحدى حاجبيه فقال يوسف بكذب :
-آه روحت وقالي كمل انت معاها طالما هتخصص جراحة عمليات
-طب ما انا برضو جراحة عمليات يا يوسف بس جراحة نسا وتوليد
نظر إليه الآخر مستمرًا في كذبه رغم أنها ليست من شيمه :
-خلاص يا إسماعيل قولتلك رفض ثم انا أو انت مش هتفرق ولا انا خايف عليها مني!؟
رفع إسماعيل منكبيه ينفي هذا قائلًا :
-لأ أكيد واثق فيك وعارف انك مش هتعملها حاجة وحشة ده كويس انها معاك مش مع مجدي الفلاتي ده، وخلاص تمام انا أو انت مش هتفرق
نظر إلى يونس ثم أكمل بابتسامة وهو يخرج شيئًا من جيبه :
-ألف سلامة عليك يا يونس أمشى انا بقى علشان عندي كشفات وصحيح المسعف عطاني محفظتك لقيوها في جيبك
أخذ منه الآخر المحفظة عاقدًا حاجبيه :
-المحفظة بس؟! طب والمسدس والتليفون
-مش عارف والله ممكن يكونوا وقعوا معاك في العربية أصل ملقيوش معاك غير المحفظة، بس اروح أسأل تاني لو عايز
تركهم إسماعيل ورحل فنظر يونس إلى أخيه رافعًا حاجب ومخفضًا الآخر فقال يوسف متعجبًا :
-ايه فيه ايه؟؟
-فيه إنك كدبت من شوية
-لأ مكدبتش
-لا كدبت يا يوسف في إنك روحت لدكتور عبد السميع ده، أولًا انت متحركتش من جنبي من ساعة ما دخلت عليا، ثانيًا انا اخوك وتوأمك لو كدبت على الدنيا دي كلها مش هتعرف تكدب عليا، انت كتاب مفتوح قدامي زي ما انا كتاب مفتوح قدامك
تنحنح يوسف وهو يعبث في ساعته مدعيًا الانشغال بها :
-وفرت عليه علشان دكتور عبد السميع مكنش هيوافق أصلًا
-عايزاها جنبك
اتسعت أعين الآخر عندما نطق يونس بهذا فضحك الآخر قائلًا :
-يا ابني بقولك كتاب مفتوح قدامي
-انا... انا مش عايزها تتشتت ما بين الجراحة العامة وجراحة النسا والتوليد، مادام بدأت تدريبها في الجراحة العامة يبقى تكمل
رفع يونس حاجبه غير مقتنع بكل هذا ليقول :
-وايه يعني الجراحة العامة وجراحة النسا والتوليد ما الاتنين فيهم سكاكين ومقصات ودم بيطرطش في كل حتة
-سكاكين ومقصات!؟
هتف بها الآخر مذهولًا فقال يونس بعدم إهتمام :
-حوَّر زي ما انت عايز في الآخر مسيرك يا ملوخية تيجي تحت المخرطة، انت يعني هتحكي لمين غيري
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
في مدينة الإسكندرية الفصل العشرون 20 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
معلش تأخرت في التنزيل علشان في مشكلة في الواتباد، التعليقات مش راضية تشتغل سواءً في روايتي أو رواية تانية من المكتبة مش عارفة المشكلة دي عندكم ولا عندي انا بس 👀
قبل ما البدأ عايز اشرح نقطة مهمة بالنسبة للمقتطفات المستقبلية اللي بتظهر في بداية الفصل كل أربع خمس فصول تقريبًا دي عبارة عن طريقة جديدة بستخدمها في شرح الأحداث، نور مش بتشوف المستقبل وإنما وقت القضية هو الوقت الحالي وباقي أحداث الرواية ذكريات من الماضي في بداية سفر نور الإسكندرية
يعني أغلب الأحداث ذكريات في عقل نور وباقي الابطال وعلشان متتلخبطوش لو نزلت مقتطف مستقبلي هيبقى اكتب فوقه وانا بظهر مقتطف كل أربع فصول علشان تتحمسوا لأحداث الرواية المستقبلية
انا بصراحة عجباني الطريقة وحبيت اشرحها علشان البعض اتلخبط في أحداث الماضي والحاضر
فصل طويل اهو زيادة ألف كلمة يعني مشهد زيادة علشان الحلويات اللي بشوفها من البعض على جروبات الفيس وبالاخص من بنوتة عسولة اسمها "سما بهاء الدين" شوفت منشور إمبارح 👀♥️
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
توقفت أمام عتبة البناية تحدق في الأمطار متأفئفة، هي تريد الذهاب إلى السوق حتى تشتري مخزون الأسبوع ولكن هذه الأمطار لا تتوقف وهي ليس معها مظلة، كيف ستذهب ولا يوجد أي طعام بالمنزل ويجب أن تشترى اليوم بل والآن في الصباح
مسحت وجهه مستغفرة ربها تحاول التفكير في الأمر من أين لها بمظلة الآن، ابتسمت وهي تبصر لؤي الصغير ابن إسماعيل يهبط على الدرج ليقف مثلها أمام المطر ذاممًا شفتيه بتذمر فقالت مبتسمة :
-مش هتعرف تطلع انت كمان ارجع تاني يلا، في الأجواء دي محتاجين شمسية
-بس انا كنت عايز أشتري شوكولاتة
نظرت نور إلى المطر الغزير قائلة :
-مفيش شوكولاتة دلوقتي لو طلعت هتاخد برد أقولك استنى
امسكت بحقيبتها واخرجت من حقيبتها لوح شوكولاتة صغير قائلة :
-خد يا سيدي شوكولاتة أهي يلا اطلع من البرد ده
نظر الآخر إلى اللوح بتردد ليهز رأسه برفض قائلًا :
-لأ شكرًا
-ليه بس بابا وماما قالولك متأخذش من حد غريب؟
آماء بإيجاب فقالت الأخرى ضاحكة :
-بصراحة انا لو مكانك هرفض برضو ومش عارفة اقنعك ازاي اني انا قريبتك بس انا ابقى بنت خال أبوك يعني أمان
أصر الآخر على الرفض وفي هذه الأثناء فُتح باب المصعد وخرج منه حمزة وهو يعدل في شعره ويطلق بعض السباب المنخفضة ليتوقف عندما شاهد نور تقف مع ابن اخته وتمد له شيئًا فقال متعجبًا :
-فيه ايه
ابتسمت نور مخفضة نظرها إلى لؤي :
-عايز يشتري شوكولاتة في المطرة فقولتله ياخد دي وبلاش يطلع
ربت حمزة على كتف لؤي واقفًا خلفه ثم قال :
-خدها منها يا لؤي
-بس بابا قالي ماخدش حاجة من حد معرفوش يا خالو
نطق بها لؤي بأدب غريب على شخصيته جعل حمزة يطالعها بتشنج قبل أن يقول :
-ايه يلاه الأدب اللي نزل عليك مرة واحدة ده، خدها منها دي قريبتنا
مد لؤي يدها وأخذ لوح الشوكولاته منها ليمد يده الأخرى بالمال منتظرًا أن تأخذها فضحكت نور وكاد صوتها يعلو لولا تداركها لنفسها وادركت وجود حمزة بل وتحديقه بها
حمحمت بإحراج راددة يده بالمال ثم قالت :
-لا يا عسل مش عايزة فلوس خدها مني ليك عادي
تحركت ناحية مخرج البناية فقال حمزة متعجبًا خروجها في هذه الأجواء :
-رايحة فين من غير شمسية تاخدي برد؟!
-مش معايا شمسية ومضطرة أطلع ضروري للسوق
هتفت بها بنبرة بائسة فقال حمزة وهو ينكز لؤي بخفة قائلًا :
-روح اعمل بالشوكولاتة اللي خدتها دي وهات شمسية من جنب الباب فوق يلا أجري
أسرعت نور برفضها قبل أن يصعد لؤي لكن الآخر صعد على الدرج بسرعة كما أخبره خاله فقالت ناظرة لحمزة :
-مش ضروري انا همشي لحد ما ألاقي محل بيبيع شمسيات واشتري واحدة كده كده هنحتاجوها
نظر الآخر إليها بجدية رافضًا رفضها هذا :
-الطريق من هنا للسوق طويل هتتبلي كلك لحد ما توصلي، خدي شمسية أحسن وكمان الطريق المشي فيه هيكون صعب فلو تحبي أوصلك بـ
-لأ طبعًا ايه اللي بتقولوا دِه
قاطعته نور بحدة اندهش لها حمزة وسرعان ما ابتسم مهدئًا إياها :
-اهدي مش قصدي حاجة وحشة والله ليه العصبية دي كلها
لم تجبه بل استدارت مبتعدة عنه موالية ظهرها له تشعر أن رد فعلها مبالغ به لكن لا هو المخطئ كيف يطلب منها مثل هذا طلب، ماذا يظنها هذا الرجل
تحدث حمزة وهو يحدق في ظهرها يشعر أنه أخطأ بالفعل هي ليست من النوع الذي يقبل مثل هذه الأمور لكن رد فعلها كان حادًا جدًا وكأنه طلب رقمها أو ما شابه :
-انا آسف لو ضايقتك كان غرضي إني اساعد بس
-حصل خير
وكان ردها خافتًا هادئًا بالكاد سمعه لتخرج نور بعد دقيقة من التفكير كتابه من حقيبتها محدقة به بتردد، ان أعطته له فماذا ستقول إن سألها ماذا يفعل كتابه معها
وإن تركته معها وهي تعلم من صاحبه ستحمل ذنبًا، إذًا لا مفر من أعطائه له ولتكن النتائج كما تكون
استدارت وفي اعتقادها أنه ذهب لكنها دُهشت من وجوده بل وينظر إليها بنفس الطريقة التي احرجتها بشدة فأخفضت وجهها أرضًا، مقتربة منه خطوة، لتمد الكتاب له قائلة :
-هو ده كتابك؟؟
نظر حمزة إلى الكتاب هو لم ينسى أمره بالطبع لكم لم يتوقع أن تعيده بل وكيف علمت أنه له :
-ايوه كتابي بس عرفتي ازاي أنه ليا؟!
-اسمك مكتوب عليه من قدام بص انا بقول دايمًا الحقيقة ومش بكدب وانا كتابك لقيته في شنطتي بس والله والله انا معرفش وصل شنطتي ازاي ومأخدتوش لما صليت في أوضتك
ضحك حمزة ليضع يده في خصره والأخرى مسح بها على شعره محدقًا في نظراتها المتعجبة فقالت خائفة من أن يكون ضحكه هذا عن عدم تصديقه لها :
-انت مش مصدقني؟! انا ممدتش إيدي على حاجة والله وعمري ما حلفت كدب
-انت بتقدمي ليه اعتذارات وتبريرات بسرعة كده سيبي للقدامك فرصة حتى يفهمك غلط ويظن فيكي ظن سوء
لم تفهم منه شئ فتصنعت البسمة ومدت الكتاب له مرة أخرى فأخذه منها حمزة ونظر إليه لبرهة لا يشعر بسعادة أنه استعاده بل هناك رغبه بداخله تخبره أن يعيد الكتاب لها ويجعلها تحتفظ به
رفع نظره إليها بسرعة قبل أن تتحرك ليقول :
-حلو الكتاب؟؟
تنحنحت الأخرى تنظر حولها فلا يعجبها أن تقف معه هكذا يتحدثان لكن لم ترد أن تظهر أمامها كقليلة ذوق لذا قالت وهي تنظر أرضًا فلا مقدرة لها أن تنظر إلى أحد غريب لأكثر من خمس ثوانٍ تخجل بشدة حينها وتبعد نظرها :
-حلو وواقعي، له فكرة هادفة مهمة قوي لازم الكل يبقى عنده توعية عنها خاصةً إني فعلًا ناس كتير بتخاف وتسكت عن الموضوع والسكوت بيجيب نتيجة عكسية في الموضوع ده وبيوصل لمصيبة
تذكرت رحمة وتحرش سليم بها فعزمت أن تذهب غدًا إلى المدرسة رغم تكاسلها لشعورها أنها على أعتاب نزلة انفلونزا لكنها ستذهب لتخبر أهل سليم بالأمر حتى لا يتمادى
عاد لؤي بالمظلة فأخذتها منه شاكرة إياه بطلف لتنتبه إلى صوت حمزة عندما مد حمزة الكتاب لها فنظرت له تستمع لحديثه :
-خلاص طالما عجبك احتفظي به
نفت نور هذا الاقتراح بقوة قائلة :
-لأ طبعًا اخد ايه مش هينفع ده كتابك مش كتابي ومش علشان عجبني هاخده كفاية إني قرأته من غير ما اعرف هو بتاع مين
-بس انا مُصر تاخديه اعتبريه هدية
رفعت نظرها له رافضة الأمر بإصرار فهو هكذا الأمر يبدأ بهدية ثم بمشاعر وهي لا تريد أن تنخرط في هذا الطريق فمن جهة سيكون محرمًا ومن الناحية الأخرى أهلها وضعوا ثقة بها الموت أهون عليها من أن تكسرها :
-وانا مُصرة إني مش هاخده آسفة مش هقبل هديتك
فتحت المظلة وتحركت للخارج لتقول مستديرة له نصف استدارة :
-وهرجعلك الشمسية
نظر حمزة إلى طيفها وهي ترحل وإن كانت تظن أنها أوقفته هكذا عن حده فهي مخطئة فلا يميل الرجل إلا للفتاة التي تصده يضعها في عقله حينها وهو منذ فترة وهو يفكر بها على الأرجح منذ حوارهم عن الكتب
-خلاص مشيت هتفضل متنح كده
نظر حمزة إلى لؤي بعدم انتباه ثم قال :
-ايه؟!
-قصدي على القمر اللي بتبص عليها دي حلوة علفكرة
ابتسم حمزة ضاربًا إياه بخفة على رأسه :
-يلاه عيب ده انت لسه كنت محترم من شوية كمل احترامك للآخر
-اوعى تسيبها دي عيونها ملونة وبتتكسف بابا بيقول البنت اللي عيونها ملونة وبتتكسف متتسابش أبدًا
ابتسم الآخر بتهكم ثم قال :
-ابوك قال كده؟! اومال بص لأمك على أساس ايه كان أعمى وقتها؟؟
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ألقى بحقيبته على المنضدة نافخًا بضيق وهو يخلع عنه سترته الشتوية ثم جلس على الاريكة بجانب والدته التي قالت متعجبة ضيقه الواضح :
-مالك يا عاصم فيه ايه؟؟
-مفيش
نطق به كاذبًا وهو يمسح على ذقنه النابتة يفكر فيما يورق تفكيره، شروق لم تحضر إلى محاضرته رغم رؤيته لها في الكافتيريا مع ابنة عمها تلك والغريب أنها ورغم وجودها إلىٰ أنها لم تحضر غير المحاضرة الأولى والبقية لا
والاغرب من هذا أنه عندما نادى اسمها استمع إلى بعض الهمهمات من البعض ولكنه لم يفهم لما فعلوا هذا بالذات عندما نادى على اسمها وكل هذا لا يهمه بقدر ما يهمه أن يعلم لما تغيبت رغم وجودها في الجامعة
ربتت والدته على كتفه قائلة :
-عاصم بنتك هتيجي النهاردة بلاش تخرج اقعد معاها شوية بلاش تحسسوها إنها يتيمة
آماء عاصم بهدوء لينظر إلى والدته يوصيه عليها :
-خلي بالك منها يا ماما كفاية أمها اللي مش واخدة بالها، مش عارف انا مشغولة في ايه بعيد عن بنتها اليومين دول
-خليها تروح دي كانت جوازة منيلة
رفع الآخر حاجبه بتهكم ليقول بنبرة ساخرة مذكرًا إياها بحديثها عنها :
-دي بنت متتعوضش يا عاصم، عليها جمال وأدب يا عاصم، انتي انبهرتي بجمالها يا أمي مسبتيش فرصة اتعرف عليها كويس وجوزتهالي بعد خطوبة شهر واحد عايدة فضلت تخرج فيه أحسن ما فيها لحد ما لبست انا وفي الآخر الهانم وأبوها طلعوا مغفلين واحد كان خاطبها دي طردت الواد من حياتها علشان فلوس ابويا أثق فيها ازاي دي
لوت والدته شفتيها بتهكم متذكرة سقوط شقيقة عايدة الصغرى في الحديث عن شاب كانت عايدة مخطوبة له وكانوا على وشك الارتباط رسميًا وهم لم يذكروا هذا من أجل أن يكتمل زواجه هو منها وكل هذا بسبب أموال زوجها التي لا تعوض بالنسبة لهم
وكل هذا علموا به بعد الزواج للأسف وقد تضايق ابنها كثيرًا بسبب هذا لكنه أعطى لعايدة فرصة رغم أن هكذا تصرف يدل على الطمع لتظهر الفتاة وأهلها على حقيقتهم لاحقًا، نادمة بشدة أنها لم تستمع إلى ابنها في إطالة فترة الخطوبة ليتها فعلت هذا
تنهدت مشيحة بيدها ثم قالت :
-خلاص يا ابني ده كان نصيبك واديها راحت في داهية هي وأهلها ومش صعبان عليا غير بنتك اللي متعلقة ما بينكم دي
اقتربت منه قليلًا هاتفة بنبرة لينة :
-بقولك يا عاصم خلاص انسى البنت دي وانت مش أول ولا آخر واحد مُطلق كمان انت لسه صغير، ايه رأيك نخطبلك تاني ويا سيدي انا موافقة على فترة الخطوبة اللي انت عايزها إن شاء الله تقعد سنة
نفى الآخر برأسه ناظرًا لها برفض إذ قال :
-أنسي اني اتجوز واحدة انت تجبهالي تاني، انا لو هتجوز هيبقى بإختياري انا
-يعني انت في دماغك واحدة؟؟
صمت الآخر لا يدري أيخبرها بأمر شروق أم لا فإن اخبرها أنه يحب فتاة لا تزال بكرًا بل وتصغره بخمسة عشرَ لا عجب في أنها ستثور عليه، بينما والدته عندما أبصرت صمته علمت أن هناك فتاة في حياة ابنها، وهذا بالطبع أسعدها كثير لتقول متحمسة :
-يبقى في واحدة في دماغك، اسمها ايه؟ تعرفها من امتى؟ بنت مين؟!
عقد عاصم حاجبيه لآخر سؤال ليقول :
-هي لو مكنتش بنت حد مهم ده هيوقف الموضوع؟؟
-هو بصراحة أبوك ممكن يعترض بس لو انت عايزها انا هقنعه
ابتسمت مكملة وهي تقترب منه أكثر حتى التصقت به :
-قولي حلوة؟؟
ابتسم عاصم متذكرًا ملامحها البسيطة التي حفرها في عقله وربما في قلبه أيضًا :
-ملامحها عادية أوي بس بالنسبة ليا مفيش في جمالها اتنين كفاية بس ضحكتها
-يا سيدي يا سيدي، اسمها ايه بقى؟؟
-شروق
صفقت والدته معجبة باسمها ثم قالت :
-حلو الاسم، تعرفها من امتى؟
-من سنة وكام شهر
افرغت الأخرى فمها مصدومة :
-من أكتر من سنة؟! يعني من قبل ما تطلق عايدة، انت طلقت عايدة علشانها على كده؟؟
-لأ طبعًا انتي عارفة اني كنت عايز اطلق عايدة من أول ما اكتشفنا طمع أهلها وعدم اهتمامها بيا وببيتها واللي وقفني اني عرفت إنها حامل قولت هديها فرصة تانية علشان اللي في بطنها بس خلاص كنت جبت أخرى منها وبصراحة مش هكدب، لما دخلت شروق حياتي بدأت اقارن بينها وبين عايدة وكان فيه فرق زي السما والأرض كفاية إني شروق محجبة ومتدينة وعمرها ما عملت حاجة تلفت النظر ليها بينما عايدة لبسها كان ملفت وبتطلع بشعرها وأكتر من مرة اقولها يا عايدة انا مش بقرون لو مش عايزة تتحجبي على الأقل البسي لبس مقفول خالص بس هي ولا كانت بتسمع علشان كده طلقتها لما زهقت منها ومن تصرفاتها
ربتت والدته على كتفه حتى يهدأ قائلة :
-خلاص اهدى مش هنجيب سيرتها طالما بتعصبك، بس قولي طالما تعرف شروق دي من سنة وأكتر ايه رأيك نعتبر دي فترة الخطوبة ونجوزهالك علطول
ضحك عاصم يهز رأسه ببؤس منها ثم قال :
-والله ما هتتغيري
رفع رأسه عندما أبصر أخيه الصغير يهبط من على الدرج يرتدي ملابس خاصة بالخروج ليستمع إلى والدته التي قالت موجهة حديثها إليه بنبرة غاضبة على غير العادة :
-أهلًا بالصايع اللي مش عنده غير الخروج مع صحابه الصيع اللي زيه
نظرت إلى عاصم ثم أكملت :
-عاصم الواد ده مطلوب حضور ولي أمره بكرة بس أبوك مش فاضي ومكنش حتى فاضي يروح يوم الخمس يوم ما عمل المشكلة
نظر عاصم إلى أخيه هاتفًا بجدية :
-مشكلة ايه اللي عملتها يا سليم ده بدل ما تركز في مذاكرتك يمكن تنجح السنة دي، بتدور على المشاكل؟!
مسح الآخر على خصلات شعره المصففة بعناية ليقول بكذب :
-اتخانقت مع واحد زميلي
-وهو اللي معورك في وشك كده
آماء الآخر بأجل فوقف عاصم واقترب منه ليقف أمامه مباشرةً ثم قال :
-واتخانقتوا ليه بقى؟
-عادي يعني خناقة عادية عمرك ما اتخانقت مع زمايلك
كانت نبرته واثقة لثقته أن رحمة لم تخبر أحدًا بما فعل وعلى الأرجح ستخاف ولن تفعل، واجابته هذه استفزت عاصم بشدة ليسحبه من ملابسه هاتفًا بغضب :
-لا مكنتش بتخانق مع حد يا سليم وكنت مركز في دراستي كويس علشان كده انا دكتور في الجامعة مش زيك بتاخد السنة اتنين
اقتربت منهما والدته لتسحبه منه خوفًا من أن يضربه فهو ابنها في النهاية بل وأصغرهم :
-خلاص يا عاصم اتكلم معاه بلاش ضرب
صاح الآخر غاضبًا من أسلوب الدلال المفرط هذا :
-خلاص ايه ما هو دلعكم ده هو اللي خلاه فاشل حتى الباشا بابا ناوية يجيبله عربية
نظر إليه ثم أكمل بحزم وصرامة :
-ويكون في علمك لا فيه عربية ولا عجلة حتى غير لما تعدي سنتك دي ولو مبطلتش خروجاتك مع الفشلة صحابك وانتبهت لدراستك ودروسك لا هيبقى فيه موبايل ولا إنترنت
رفع الآخر رأسه له هاتفًا بغضب :
-مش من حقك تتحكم فيا وتقولي اصاحب مين ومصاحبش مين
دفعه عاصم ناحية الاريكة مسقطًا إياه عليها ثم صاح :
-انت كمان بتعترض ده انت المفروض تتكسف وتخلي عندك دم اللي زيك في أولى جامعة وانت لسه مأخدتش الإعدادية
نظر إلى والدته ثم أكمل وهو يعدل قميصه بعدما استمع إلى صوت ابنته الصغيرة قادمة :
-بكرة عندي محاضرة بدري هخلصها واروح على مدرسته، وانت اطلع ذاكر مفيش خروج
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
توقف ووضعت الحقائب البلاستيكية أرضًا فوق المطر لتنظر إلى يدها التي انقلبت للأحمر والبنفسجي من شدة حبس الدماء وثقل الحقائب على يدها، نظرت يمينًا ويسارًا بحيرة أسفل المطر لا تدري كيف تتحرك من السوق إلى البناية وهي معها كل هذه الحقائب والطرق مبتلة بالماء
نظرت إلى الأمطار الغزيرة أسفل المظلة بملامح متهكمة كم كانت تود أن ترى المطر وتقف أسفله وهذا لأن في الصعيد لا تمطر إلا نادرًا يكاد يكون المطر شئ منعدم عندهم
لكن الآن وبعد أن جربت معاناة أهالي الإسكندرية مع المطر باتت تود العودة إلى قريتها الصغيرة وعدم الخروج منها مرة أخرى فكما قال المثل "من طلع من داره اتقل مقداره"
نظرت يمينًا ويسارًا بحيرة هي تسير منذ دقائق طويلة بكل هذه الحقائب حتى ليس معها الهاتف كي تتصل على أحد يأتي ويساعدها هذا ان وُجد أحد يساعدها، فبراءة في العمل وشروق منذ السابعة صباحًا وهي في الجامعة ولحقتها عائشة بعد ساعة
بإختصار هي بمفردها الآن ولا أحد ليساعدها غير نفسها
رفعت الحقائب بيد واحد فالأخرى تحمل بها المظلة لتكمل سيرها أسفل المطر وقد ابتلت ملابسها من الأسفل واختلطت بالماء والطين وهذا ما زاد حنقها أكثر فباتت الآن كما المتسولين في الشوارع
استمعت إلى زامور سيارة خلفها وعندما استدارت وجدت سيارة أجرة ففكرت قليلًا في أن تستقلها إلى المنزل بدلًا من السير في هذا المطر بكل هذه الحقائب، هي لم تركب من قبل سيارة أجرة بمفردها لكن المسافة ليست بعيدة
أوقفت السيارة وصعدت بها بعدما وضعت بها جميع الحقائب فقال السائق :
-على فين يا أستاذة
وصفت نور له الطريق لتلتقط أنفاسها وهي تدلك يدها بألم طفيف ثم تنهدت وهي تخرج منديل تمسح به انفها فها هي بوادر نزلة الانفلونزا، من الجيد أنها احضرت دواء من إحدى الصيدليات
أخرجت زجاجة مياه لكنها سقطت منها بسبب سرعة السيارة فقالت بتوتر :
-براحة يا اسطا في ايه هنعملوا حادثة على كده
-لأ متخافيش يا أستاذة
-لا أخاف انا مش مستغنية عن حياتي
آماء الآخر بصمت فأخرجت نور الدواء وأخذته لتنظر إلى النافذة تحدق في الشارع من خلال الأمطار في عادة منها، فهي من الناس التي تحب النظر من النافذة حين تكون في المواصلات بل وتفضل الجلوس بجانبها
عقدت حاجبيها وهي تركز في الطريق الذي تمر منه يوميًا ولم يكن هو فقالت بقلق وهي تعتدل في جلستها :
-مش... مش ده الطريق
-آه ده طريق مختلف علشان التاني مقفول
-مقفول ده ايه انا لسه ماشية فيه وكان مفتوح أقف هنا على جنب نزلني
لم يستمع لها الآخر بل زاد سرعة السيارة فدق قلب نور برعب شديد وفكرت في الصراخ لكن من سيسمعها لكن لن تظل هكذا مكتوفة الأيدي وتنتظر مصيرًا مجهولًا لتجد نفسها في النهاية مُغتصبة أو مقتولة
مدت يدها في حقيبتها وأخرجت مقص صغير تحتفظ به لوسواس في عقلها لترفعه عليه وتضعه بجانب عنقه صارخة به برعب ويدها تنتفض من الموقف الذي لأول مرة تُوضع به :
-وقف العربية دي
حاول السائق أن يأخذ منها المقص لكن نور من رعبها جرحته في عنقه فصرخ الآخر وأوقف السيارة، وما إن رأت هي هذا ألقت المقص وفتحت السيارة وفرت هاربة أسفل المطر، بالكاد استطاعت سحب الحقيبة لأنها معلقة في كتفها
ركضت وركضت ولم تكترث لملابسها التي ابتلت أسفل المطر أو لتحديق الناس بها والذين بدورهم نظروا إلى السائق بإتهام وهو ما إن رأى هذا حتى قاد بسرعة كبيرة فاررًا
بينما نور لم تتوقف عن الركض وكل دقيقة تنظر خلفها وقلبها ينتفض برعب شديد بل كل خلايا جسدها تنتفض، توقفت عندما لم تجد أحد خلفها لتتنفس بصعوبة وهبطت دموعها بخوف مختلطة بماء المطر
سارت بضعف بسبب قدميها اللذان أصبحا كالهلام من شدة الفزع فلم يعد بها أي أعصاب، نظرت حولها بخوف لا تدري أين هي ولا تدري ما الطريق للعودة، وعلى جثتها أن تركب سيارة أجرة أخرى
مسحت الدموع وقطرات المطر من على عينيها حتى ترى لتعود وتتشوش الرؤية مرة أخرى فالأمطار غزيرة وهي أسفلها وحيدة، ضائعة، بائسة
وللمرة الثالثة تضيع منذ أن أتت إلى هذه المدينة، أول مرة حين انقلب القطار ووجدتها رقية، والثانية في السوق ووجدتها ناهد، وها هي الثالثة وفي كل مرة لا تقول إلا شيئًا واحدًا فمن سينقذها غيره :
-يارب يارب
همست بها بضعف وهي ترتعش بردًا وخوفًا تنظر حولها كما الطفل الذي فقد والديه وهي في هذه الحالة كانت أقرب مثال لهذا، عادت وناجت ربها فهو المستجيب كما أن الأمطار تهبط وهذا وقت استجابة
وكان سبحانه برحمته الواسعة أكثر من مستجيب إذ أرسل إليها من ينقذها بل ورآها دون هى أن تراه هى
-نــــور
رفعت رأسها تبحث عن المنادي بلهفة لكن لا تبصر إلا تشوشات بسبب دموعها والمطر لتجد من وقفت أمامها في يدها مظلة واليد الأخرى تحمل هرة مصابة، تحدق بها بأعين بنية يملأهما التعجب :
-نور بتعملي ايه هنا؟؟ ماشية في المطر كده ليه من غير شمسية!؟
أُغرقت عيني الأخرى بالدموع لتحتضنها بقوة منفجرة في بكاء شديد بصوت مرتفع تحمد ربها أنه لم يتركها بمفردها أيضًا هذه المرة...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
خرج من المصعد رافضًا أن يستند على أخيه لينظر إليه بنظرة مخيفة لكنها آثارت ضحكات إسماعيل والتي كتمها حتى لا ينفجر يونس به يسمعه يقول :
-يوسف أقسم بالله عارف أمشي وحدي انا اتخبطت في راسي مش اتشليت
ذم الآخر شفتيه بطريقة جعلت ضحكات إسماعيل تتعالى فنظر إليه يوسف بتعجب قائلًا :
-انت بتضحك على ايه؟؟
واجابه يونس صائحًا به :
-علينا طبعًا شايف قدامه منظر طريف لاخ بيعلم أخوه المشي، فيه حاجة تضحك أكتر من كده
نظر يوسف إلى رقم الشقة التي وقف يونس أمامها فقال باستغراب :
-يونس دي شقة عمك مش شقتنا رايح فين انت
دق الآخر الجرس مجيبًا إياه بتهكم :
-عايزني اطلع عند امك وتشوفني كده دي تفضحنا بصوتها، أبوك سافر القاهرة صح؟!
-آه الصبح
فتح كريم الباب ليتفاجأ بمنظر يونس أو يوسف لا يدري حقًا من منهما، وكان رأسه ملتف بشاش أبيض وهناك عليها بقعة كبيرة من المطهر الأحمر الذي يشبه لون الدماء
شهق بذهول مرددًا بشكل عفوي الجملة التي اعتاد الجميع سماعها من أمهاتهم :
-يا ضنايا يا ابني مين عمل فيك كده
دفعه الآخر من أمامه مرددًا بسخرية :
-كنت بقبض على السفاح ووقعت على رأسي
عاد خطوتين للخلف عندما وجد حمزة قفز أمامه من اللامكان هاتفًا بابتسامة متسعة :
-لقيتوا السفاح يا يونس
ابتسم له الآخر بتهكم مجيبًا إياه :
-ايوه بس مش عارف هتلحق تتكلم معاه قبل ما نحطه الفرن ولا لأ
نظر حمزة إلى يوسف واسماعيل متسائلًا :
-هو بيتريق عليا؟!
-أكيد يعني انت لسه بتسأل
نطق بها وهو يجلس على الاريكة متنهدًا بتعب من آلام جسده فقال حمزة وهو ينظر بتفحص :
-لأ بجد ايه اللي حصلك
-حادثة وعدت على خير الحمد لله
-حادثة ايه؟!
نطقا بها ناهد وعبلة وهما يخرجان من المطبخ فقال يونس وهو ينظر إلى والدته مندهشًا :
-هو انتي هنا يا ماما؟!
ولم يمر ثانية إلا وعلىٰ صياح عبلة وهي تتفقد ابنها بخوف أمومي وكل ثانية تتطرح عليه سؤال عن حاله، وما يؤلمه، ومتى حدث هذا، وكيف لم يخبرها بالأمر
واستمرت على هذا إلى أن سحبها يوسف لعلمه أن يونس لا يحب كثرة الإهتمام من هذا النوع، الدلال المفرط يشعره حينها وكأنه طفل وليس رجل في نهاية العشرينات :
-خلاص يا ماما هو كويس رأسه اتخبطت وخيطناها وعنده كام كدمة بس
نظرت عبلة إلى ابنها بقلق شديد ثم تساءلت :
-هو ممكن اللي حصل ده يكون بفعل فاعل بسبب القضية اللي هو مسكها؟!
نظر جميع الموجدين إلى يونس في انتظار إجابة ليقول يوسف بخوف على أخيه :
-يونس الموضوع له علاقة بالقضية؟؟
نفى الآخر بسرعة هذه الظنون قائلًا :
-لا يا جماعة ملهوش علاقة انا كنت تعبان ومطبق وشوفت واحدة واقفة في الطريق وسط المطر فحودت بالعربية وخبطت في عمود، وعلشان مكنتش لابس حزام الأمان راسي اتخبطت جامد في الدركسيون :
-وانت مش رابط الحزام ليه ها
نطقت بها والدته بنبرة أقرب للصراخ فقال الآخر مقلبًا عينيه :
-يا ستي الحمد لله جات على كده كان ممكن اخبط في الإزاز
-طب والبنت حصلها حاجة
تساءلت بها ناهد ليقول إسماعيل نافيًا الأمر :
-لا معتقدش علشان هي وصلت يونس للمستشفى واتصلت بالإسعاف
-وسرقت التليفون ومفاتيح العربية الجذمة
هتف بها يونس بغضب فقال يوسف بقنوط :
-يا ابني متظلمش البنت مش طلبنا من صاحب المحل اللي حصلت قدامه الحادثة يفرغ الكاميرا بتاعته وهو قالك بكرة الصبح هيبعتهالك، متحكمش بقى قبل ما تشوف الحقيقة
-بس يلاه انت طيب متعرفش الدنيا عاملة ازاى
لوى الآخر شفتيه بحنق ليرن جرس الشقة في هذه الدقيقة فذهبت رحمة وفتحت الباب وإذ بها تُذهل من رؤيتها لشاب وسيم يمتلك بشرة قمحية وأعين سوداء ضيقة نوعًا ما وشعر أسود مصفف بعناية
ابتسم هذا الشاب لها بإعتذار وهو ينظر إلى باب الشقة الذي يقبع خلفه :
-آسف شكلي غلطت في رقم الشقة
ابتسمت الأخرى بإتساع وقد علمت من لهجته أنه صعيدي بل لا عجب أن يكون قريب الفتيات :
-ايه العسل ده هو كل إنتاج الصعيد حلو كده
نظرت إلى إسماعيل منادية عليه :
-يا إسماعيل واحد قريبك من الصعيد
وقف إسماعيل بسرعة متجهًا إلى الباب بينما قالت غادة عاقدة حاجبيها :
-هو فيه ايه كل شوية حد يظهر من قرايبه اللي في الصعيد ثم ايه اللي جابه هنا مش المفروض يطلع علطول عند مرات عمي
نظرت إليها ناهد بإستنكار شديد لحديثها الأشبه بالحنق لتواجد هذا الضيف أمام منزلهم، وقبل أن تعنفها على هذا الأسلوب كان حمزة يمسك غادة من فكها ضاغطًا على خديها بقوة ليهمس بعدها بتحذير شديد :
-حطي لسانك جوا بوقك يا غادة واقفلي عليه ميطلعش لا بكلمة حلوة ولا وحشة
دفعها بخفة ناحية والدته ثم أضاف :
-شوفي بنتك يا ماما بدال ما تجيب مشكلة تانية من وراء لسانها وانا عارف انه هيحصل
اتجه ناحية الباب حيث كان يدعو إسماعيل قريبه هذا بحفاوة وترحيب شديد ليقول حمزة مندهشًا وهو يرى هوية هذا الشاب :
-انت؟ استنى انا فاكرك اسمك ياسر صح!؟
ابتسم الآخر يومئ برأسه بخفة فهو يعلم أبناء أعمام إسماعيل نظرًا لتواجده كل عام في الإسكندرية عندما يأتي من والده واعمامه في زيارة إلى عمتهم أسماء، ولأنه في نفس سن حمزة وأخيه وأبناء اعمامه استطاع خلق نوع من الصداقة معهم :
-كويس انك فاكر اسمي المرة دي ومتلخبطش فيه زي كل سنة
دعاه الآخر للدخول مردفًا بإحراج فهم يخطئون في اسمه بالفعل لتشابه حروفه مع أسماء أخرى :
-معلش بقى من سنة لسنة بنشوفك بس بنعتبرك واحد مننا والله ميغركش اننا بنغلط في اسمك ده فقدان ذاكرة عادي عند كل البشر، اتفضل ادخل يا ياسر هو احنا أغراب
رفض ياسر الدخول متحدثًا برزانة ونبرة خشنة تليق برجال الصعيد :
-لا شكرًا انا كنت بوصل حاجة للبنات وغلطت في عنوان الشقة يمين ولا شمال
ابتسم إسماعيل وخرج معه حتى يسلم على بنات اخواله فهو لم يكن يحتك بهم كثيرًا لكونهم أربع فتيات بمفردهم وهو لم يكن يريد أن يفعل شئ يسئ بهم :
-طب استنى أجي معاك أسلم عليهم
استدار حتى يتجه إلى الشقة الأخرى ليطرق الباب ويرن الجرس لكن لا أحد يجيب فنظر إلى إسماعيل متعجبًا والآخر هتف بتساؤل :
-يمكن محدش جوا؟؟
-محدش جوا ازاي انا لسه مكلم براءة وهي اللي وصفتلي الطريق وقالت هي جاية في الطريق اطلع الشقة وهلاقي شروق ونور جوا
خرجت ناهد من شقتها مجيبة على حيرتهم هذا :
-مش هتلاقوا حد جوا تعالى يا ياسر استناهم عندنا
نظر إليها ياسر عاقدًا الحاجبين ليقول بنبرة خشنة متسائلة :
-ازاي مفيش حد جوا أومال نور وشروق فين
اجابته الأخرى رافعة منكبيها بحيرة مثله :
-والله يا ابني من ساعة ونص كده رجعت شروق لوحدها وقعدت يجي ساعة كده وبعدها خبطت علينا بتسأل على نور انا قولتلها اني شوفت نور في السوق بتشتري طلبات بس الكلام ده الساعة عشرة ونص الصبح انا قولت يمكن لسه بتشتري حاجات هناك
تحدث ياسر بإنفعال حاول كتمه فها هو ما يخشى فهو بالكاد وصل وها هي المشاكل ترحب به من خلف رؤوس هؤلاء الأربعة :
-حاجات ايه اللي بتشتريها من عشرة ونص الصبح لحد الساعة اتنين متصلتش عليها ليه ترجع وراحت فين شروق دلوقتي؟؟
-شروق اتصلت عليها فعلًا بس نور طلعت ناسية تليفونها فأخدت رقية وطلعوا السوق يشوفها اتاخرت ليه، استنى هخلي يوسف يتصل عليها
نظر ياسر إلى إسماعيل متسائلًا وعلامات الضيق بدأت تظهر على وجهه :
-مين رقية دي؟؟
-دي بنت عمي متخافش
دعاه حمزة للدخول وقد عقد حاجبيه بشئ من القلق على اختفاء نور هذا، فإن كانت لم تظهر حتى الآن فهي ليست مختفية من العاشرة والنصف صباحًا بل من التاسعة حين أعطاها المظلمة ومن التاسعة حتى الثانية وقت كبير على التسوق خاصةً وأنها بمفردها أي لن تشتري الكثير من الأشياء :
-تعالى يا ياسر استنى جوا
دلف ياسر محمحمًا بينما يخفض رأسه تحسبًا لوجود نساء، جلس على الاريكة مقابل يوسف الذي كان يرن على شقيقته ولكن لا رد وبعد المحاولة الثالثة اجابت ففتح المكبر قائلًا :
-ايوه يا رقية انتوا فين لقيتوا نور
اجابته الأخرى من السوق حيث كانت تسير بخطى سريعة هي وشروق المصابة بتوتر شديد لإختفاء نور الغير مبرر :
-لأ يا يوسف ملقنهاش بقالنا ساعة بندور ونسأل ومحدش عارف حاجة، استنى خليك معايا دقيقة
توقفت أمام أحد محلات العطارة تسأل عنها بينما عرضت شروق صورة لنور حتى يقول إن كان رآها، بينما على الناحية الأخرى زاد انفعال ياسر وظهر هذا بوضوح فقال إسماعيل :
-اهدى يا ياسر هنلاقيها هتروح فين
-ما هو ده السؤال هتروح فين انا لسه جاي وابويا وأعمامي وصوني عليهم علشان هبقى متواجد بحكم شغلي اللي اتنقل الإسكندرية تروح واحدة فيهم من أولها كده تتطلع تايهة
انتبه الجميع وصمتوا ما إن تحدثت رقية في الهاتف وكان صوتها قلقًا :
-ايوه يا يوسف فيه واحد عنده عطارة بيقول شافها ركبت تاكسي ومعاها كياس كتير بس بيقول الكلام ده من الساعة ١١
اتسعت أعين عبلة متوقعة شئ سئ إذ قالت :
-من الساعة ١١ لتكون اتخطفت ده فيه حالات خطف كتير في السوق ده بالذات
تحدث إسماعيل وهو يخرج هاتفه نافيًا التوقع الذي أتى برأسه فهناك بالفعل حالات اختطاف كثيرة في تلك المنطقة لكنه حاول تهدئة الوضع :
-اتخطفت ايه يا مرات عمي بشروا ولا تنفروا ممكن تكون راحت عند ماما
اتصل عليها بينما تحدث حمزة بضيق وتوتر وهو يسحب الهاتف من يوسف يحادث رقية من على الجهة الأخرى :
-رقية بقولك ايه العطارة اللي عندك دي فيها كاميرات؟؟
-ايوه فيها وانا بقول للراجل يفرغ أهو يارب تظهر نمر التاكسي
دقيقة من الصمت حلت على الجميع ليعود إسماعيل بعدما تحدث مع والدته فسأله ياسر رغم إدراكه الإجابة من ملامح الآخر الغير مُبشرة :
-قالتلك ايه عمتي
-مفيش عندها ومشفتهاش من إمبارح
شعر حمزة بالقلق يتزايد عنده بل عند أغلب الموجدين ليستمع إلى صوت رقية في الهاتف تنادي فقال :
-ايوه يا رقية انا معاكي نمر العربية بانت
-باينة ايوه وكتبتها في ورقة
سحب يونس ورقة من رحمة الممسكة بكتبها ليقول وهو يسحب منها أيضًا القلم :
-قولي يا رقية وانا هبعته لحد في القسم ويجيب صاحب التاكسي ده من قفاه
املته رقية الأرقام لتقول بخوف وهي تركز في تسجيل الكاميرات أمامها :
-يا شباب أعتقد اني صاحب التاكسي دي ناوي على نية مش تمام علشان المفروض لو نور هترجع البيت التاكسي يمشي يمين بس ده حود شمال ناحية سيدي بشر
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
المكان : سيدي بشر
الوقت : الرابعة مساءً
جلست هاجر على الاريكة تحدق في نور الممدة على الاريكة، متدثرة بغطاء ثقيل، غافية بعمق شديد لا تدري بالدنيا وما فيها
تنهدت بحيرة وهي تستند بذراعيها على فخذيها تفكر بصوت مسموع :
-وبعدين بقى البنت نايمة بقالها خمس ساعات ومش راضية تفوق ولا اكنها واخدة منوم
وضعت يدها أسفل وجنتها تتذكر عندما رأت نور أسفل المطر وحيدة ضائعة في الساعة الحادية عشر والربع صباحًا تقريبًا، كانت حينها لا تزال خارجة من العيادة البيطرية المتواجدة بالقرب من بنايتها، وكانت تحمل حينها هرتها الصغيرة المصابة بعدة جروح وكسر في الساق
وهذا بعد أن ألقى بها ذلك المدعو سفيان ناحية زجاج البناية الأخرى، لا تدري من أين له بكل هذه القوة التي جعلته يلقى بها ناحية بناية تبعد عن بنايتها بعدة أمتار لكن لما هي متعجبة فهو ضابط ولديه بُنية تساعده على هذا
مهلًا تبًا له ولبُنيته لقد كاد أن يقتل قطتها وكم هي حانقة عليه لما فعل، مسدت على هرتها بحنان هذه الهرة التي تؤنس وحدتها فهي الرفيق لها الآن
رفعت رأسها تمسك بالمظلة جيدًا تسير أسفل الأمطار التي لا تحبها فهي تشعرها بالبؤس والحزن ورغبة عارمة في البكاء الشديد، عقدت حاجبيها وضيقت عينيها تبصر صديقتها نور تسير أسفل المطر دون مظلة ويبدو أنها تائهة
اسرعت بالخطى إليها ونادت عليها فرفعت الأخرى رأسها لتسألها هاجر مذهولة من الحالة التي هي بها :
-نور بتعملي اي هنا؟؟ ماشية ليه كده في المطر من غير شمسية!؟
وما كان من الأخرى غير أنها ضمتها بقوة وكأنها وجدت طوق النجاة بعدما كانت تغرق في وسط المحيط لتتفاجأ بها تبكي وتحمد ربها بصوت مرتفع فقالت مذهولة وهي تبتعد عنها قليلًا :
-انتي كنتي تايهة ولا ايه؟!
آماءت الأخرى بسرعة وهي تحاول أن تجمع الكلام من بين بكائها لكن تلعثمها في هذه الحالات لم يساعدها ابدًا فعادت تبكي مرة أخرى، اشفقت عليها هاجر كثيرًا وشعرت أنها ستبكي معها :
-طب خلاص اهدي اهدي تعالي معايا
سارت معها نور واتبعتها ناحية إحدى المباني لتقول بقلق وهي تدخل معها :
-إحنا رايحين فين؟؟
ضغطت هاجر على زر المصعد حتى يهبط لتجيبها بنبرة هادئة مطمئنة :
-اهدي انا ساكنة في العمارة دي ومش معايا حد ساكن، انا يتيمة ومليش حد في الدنيا دي غير ربنا وقطتي المكسورة دي فمتخافيش
صعدت نور معها ودلفت إلى شقتها لتقول هاجر بقلق تحدق في ملابسها المبتلة من الأعلى إلى الأسفل :
-نور لبسك كله مبلول دقيقة اجيبلك لبس من عندي
والأخرى نفت بقوة أجل هي تعلم هاجر وليس لديها أحد يساعدها هنا غيرها لكن في هذا الزمن لا يُوثق ابدًا في أحد :
-لا لا انا مش عايزة اغير هدومي انا تمام كده
-يا بنتي تمام ايه ده انتي بتتنفضي من البرد
ونور كانت مُصرة على الرفض الشديد فتنهدت الأخرى مستسلمة تدرك خوفها وحرصها الشديد حتى في حالتها السيئة هذه :
-طب علي الأقل غيري الخمار مبلول خالص دقيقة هجيبلك خمار من عندي وغطاء تقيل
تحركت هاجر إلى الداخل بينما نظرت نور حولها بقلق لكن لم تعد مرعوبة كما كانت بالأسفل وجودها مع هاجر يطمئنها قليلًا، تحسست ملابسها الداخلية لتجدها ابتلت أيضًا وهذا سيزيد نزلة الانفلونزا عليها هذا ان لم تنقلب إلى إلتهاب حاد في رئتيها، لكن لا لن تغير ملابسها في منزل غريب لا تعرفه
استندت على الحائط تشعر بدوار شديد وثقل في رأسها لتجلس على الاريكة متناسبة أنها مبتلة، تذكرت الحبوب التي أخذتها للبرد يبدو أن بها مفعول منوم كما أغلب دواء أعراض البرد ولكن ليس عليها أن تنام الآن لن ينفع
عادت هاجر ومعها خمار وغطاء ثقيل وضعته على كتفي نور لكن لن يجدي معها نفعًا طالما هي لا تزال ترتدي هذه الملابس المبلولة، غيرت نور خمارها المبتل وارتدت الذي احضرته هاجر فتساءلت الأخرى عن الذي حدث معها
وعندما قصت الأخرى عليها انقبض قلب هاجر وفكرت لوهلة أن يكون هذا السائق هو السفاح وقد أحضر نور هنا ليقتلها فكما قال سفيان السفاح موجود هنا، نفت هذا ونظرت إلى نور الخائفة قائلة :
-خلاص يا حبيبتي اهدي انتي في أمان والحمد لله ربنا حفظك منه
آماءت الأخرى حامدة ربها ثم اضافت :
-انا عايزة ارجع البيت بس مش عارفة الطريق ومستحيل أركب تاكسي تاني ومش معايا تليفوني ارن على أي حد يجي ياخدني
-طب تركبي مشروع
-ايه مشروع دِه؟؟
نطقت بها نور متعجبة فشرحت لها هاجر قائلة :
-ميكروباص يعني بس معتقدش إنك هتلاقي دلوقتي علشان المطر شديد أوي والعربيات خطر تمشي على الطريق في الوقت ده علشان كده مفيش مشروع هيخاطر بنفسه ويطلع
-طب اعمل ايه مينفعش استنى هنا
ابتسمت الأخرى متفهمة خوفها لتقول :
-نور انا عارفة إنك خايفة مني ومش واثقة فيا وده حقك علشان الدنيا دي فعلًا مبقاش فيها أمان بس انا والله ووالله تاني عمري ما هأذيكي انا بنت زي زيك واللي مش هرضاه على نفسي عمري ما هرضاه على غيري
اطمأنت نور قليلًا من حديثها هذا فأكملت الأخرى :
-استني شوية يمكن المطر يوقف ولو موقفش انا هطلب أوبر أو تاكسي وهاخدك بنفسي واوصلك البيت وارجع تاني
ابتسمت نور براحة مرددة :
-شكرًا يا هاجر هتعبك معايا
-مفيش تعب الدنيا لسه بخير يا نور بس انا عايزة تغيري هدومك المبلولة دي بدال ما تاخدي برد شديد في صدرك الجو تلج زي ما انتي شايفة
رفضت نور مرة أخرى فتنهدت هاجر مستسلمة لتقف حتى تعد لها شيئًا ساخنًا :
-هعملك حاجة سخنة تشربيها طيب
دلفت إلى المطبخ وغابت به عشر دقائق وعندما عادت وجدت رأس نور متدلي على الاريكة وغافية تمامًا وهذا بعد أن تغلب النعاس على نور، تأوهت مشفقة عليها لتعدلها على الاريكة وكادت أن تغطيها لكن نظرت إلى ملابسها المبتلة بتردد
هل تغير لها ملابسها أم ستتضايق نور لفعلها هذا وهي نائمة، هي لا تنوي لها بنية سيئة ورغم هذا غطتها ولم تفعل شئ، لقد طلبت منها ثلاث مرات وهي رفضت
وها هي تجلس على الاريكة بعد خمس ساعات من نوم نور لا تدري كيف تصل إلى أهلها الآن والأخرى لا تفيق وكأنها قد شربت قرص منوم
أستمعت إلى شرفة سفيان تُفتح فركضت إلى شرفته حتى تخبره بما دار في خلدها عن سائق سيارة الأجرة الذي كان سيختطف نور، وعندما خرجت وجدت سفيان يمسك بقطتها ويرفعها إلى الأعلى وعلى وجهه علامات التهكم :
-قطتك دي مش بتحرم تدخل بيتي اعمل فيها ايه
سحبت الأخرى قطتها منه بسرعة ضاممة إياها بخوف :
-حرام عليك ماسكها كده إزاي دي رجلها مكسورة
رفع الآخر حاجبه لا يدري لما خوفها مبالغ به ناحية هذه الهرة، أجل اوصانا سبحانه وتعالى برحمة مخلوقاته لكن خوف هاجر مبالغ به :
-انتي خايفة اوي على القطة دي كده ليه؟ يا ستي حتى لو ماتت ما فيه قطط كتير غيرها
اجابته هاجر وهي تضم الهرة وكأنها جزء من عائلتها وكم كانت نبرتها حزينة بائسة اشفق عليها سفيان وهو من تعلم من عمله عدم الإشفاق على أحد :
-علشان انا مليش حد في الدنيا غير القطة دي لا أب ولا أم ولا زوج ولا ابن ولا أهل ولا حد يسأل عليا مليش غير القطة دي بتكلم معاها أحسن ما اكلم نفسي والحيطان
ازدرق سفيان لعابها بصعوبة بسبب غصة الندم التي استحكمت حلقه وكاد أن ينسحب لولا أنها نادت عليه قائلة :
-سفيان باشا في حاجة عايزة اقولهالك تخص السفاح
انتبه لها الآخر بكل حواسه فقالت هاجر وهي تنظر إلى نور الغافية :
-انا صاحبتي كانت هتتخطف النهاردة في تاكسي والسواق جابها على هنا بس هي عورته في رقبته ونزلت قبل ما يعمل فيها حاجة
-انا مش فاهم عايزة تقولي اني السواق ده هو السفاح وكان جايب صاحبتك على هنا علشان يقتلها
آماءت له الأخرى بسرعة فقال سفيان مستبعدًا هذا الأمر :
وليه متقوليش كان عايز يخطفها فعلًا، اصل مفيش حد في سكان المنطقة دي معاه تاكسي
-وليه ميطلعش هو، انت عارف لو هو، صاحبتي هتبقى هي الوحيدة اللي عارفة شكل السفاح
فكر سفيان في الأمر قليلًا، كل شئ وارد ولن يخسر شيئًا إن أتى بهذا السائق من خلال صديقتها التي تعرف شكله لربما يكون هو السفاح بالفعل :
-طب صاحبتك دي فين؟؟
-اهي نايمة ثواني بتتكلم شكلها فاقت
دلفت هاجر بينما ظل سفيان يقف في الشرفة مستندًا بذراعيه على السور يفكر في الأمر بشكل جدي، بدأت هذه المهمة تأخذ وقتًا أكثر من اللازم وهو يجب أن ينهيها في أسرع وقت
عادت هاجر متسعة العينين فقال سفيان متوقعًا كارثة قد حدثت :
-ايه البنت ماتت ولا ايه؟!
-لا دي سخنة نار جسمها بيتنفض من السخونة
-خلاص اعملي كمادات ليها مالك مخضوضة كده ليه؟؟
صاحت به الأخرى لا تفهم بروده هذا :
-انت اللي مالك بارد كده ليه بقولك البنت بتموت جوا وانا أقول دي بقالها خمس ساعات نايمة ليه اتراي البنت بتفيص مني
قلب الآخر عينيه مجيبًا عليها إذ قال :
-خلاص خديها المستشفى
-ماشي بس اخدها ازاي مش هعرف اشيلها
-اشيلهالك انا يعني!؟
-لأ برضو مش هينفع حرام
صاح بها سفيان وقد بدأ يفقد اعصابه منها :
-طب اعملك ايه انا دلوقتي
وعندما صاح بها بهذه الطريقة صاحت به بشكل لا إرادي :
-متزعقش فيا بقولك البنت بتموت جوا المفروض تتصرف مش انت ظابط والشرطة في خدمة الشعب
اصمتها الآخر بسرعة ينظر حوله قِلقًا من أن يسمعها أحد :
-اسكتي يخربيتك هتفضحينا
وضعت الأخرى كفيها على فمها خوفًا من نظرته المخيفة هذه ليقول الآخر وهو يعود إلى الداخل مسلمًا الأمر :
افتحي الباب هاخدها المستشفى
عاد بسرعة قبل أن يدلف متسائلًا عن هوية الفتاة :
-هي البنت دي بتعمل ايه أصلًا عندك من خمس ساعات ملهاش أهل يسألوا عليها؟!
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍