تحميل رواية «دمعات قلب» PDF
بقلم رباب فؤاد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أيام من حياتي...عالفاضي ضيعتها كنت صفحة فحياتي...دلوقتي قفلتها كان قلبي ف حبه ليك قرب يضيع نفسه وبدل ما يكمل بيك أحلام جوايا نقصوا إيه خدته من حبك ليا غير جرح بيموت فيا جيتلك أنا خدت بإيديك جيت انت بخسارة عليا 11- جلست(هالة) إلى جوار طفلتها الصغيرة تهدهدها لتنام, وشرد ذهنها بعيداً في حوارها مع(طارق). لقد فتح لها قلبه وصارحها بكل ما بداخله, صارحها بما شعرت به منذ البداية وتمنت لو كان خيالاً... صارحها بأن قلبه ليس لها, بل لأخرى. أخرى تحبه بشدة, أخرى ذات قلب كبير, أخرى ذاقت مثلها مرارة اليتم, أخرى...
رواية دمعات قلب الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم رباب فؤاد
طرقت (هالة) باب غرفتها المفتوح بهدوء وهي تنظر إلى (طارق) يعدل رباط عنقه في المرآه، فابتسم بعذوبة لصورتها المنعكسة وعيناه تحملان تساؤلاً عما تريده.
دلفت إلى الغرفة بنعومة وهي تتنحنح بحرج قائلة ـ"هل ستتأخر اليوم في المستشفى؟"
التفت إليها وهو يغلق أزرار معصميه قائلاً بنفس الإبتسامة ـ"أعتقد ذلك...فلدينا اجتماع مع المدير العام".
قالها وتنحنح وهو يعدل ياقة قميصه بشكل سينمائي ويضيف ـ"يبدو أنه سيكافئني على مجهودي الخرافي في الفترة السابقة وكأنني الجراح الوحيد بالمستشفى..ولهذا أرتدي الملابس الرسمية".
ضحكت على عبارته وهي تلتقط السترة من فوق الفراش وتساعده في ارتدائها قائلة ـ"ستكون هذه المكافأة إستجابة لدعاء أمي لك..فهي تدعو لك أكثر مما تدعو لي ولأبنائي".
أدخل ذراعه في كم السترة التي تمسكها (هالة) قائلاً بمرح ـ"أهذه غيرة؟ أم محاولة للوقيعة بيني وبين أمي؟"
ضحكت ثانية وهي تعود لتقف أمامه وتربت على كتفه قائلة بنبرة خاصة ـ"لا غيرة ولا شيء..ربنا يهني سعيد بسعيدة".
ضحك هو لطريقتها في الحديث قبل أن يكتسي صوته بالجدية وهو يقترب بوجهه منها ويسألها بود ـ"المهم...بعد الاجتماع سأجري جراحتين بإذن الله..أي أنني سأعود بعد العاشرة مساء إن شاء الله. هل أجبت سؤالك؟"
تخضب وجهها خجلاً لإقترابه منها فتراجعت قليلاً وهي تزدرد لعاباً وهمياً وتحاول أن تقول بشكل طبيعي ـ"تقريباً..بعد إذنك ستأتي (نهى) صديقتي لتزورنا بعد المغرب".
تناول ساعة يده وهو يسألها بإهتمام ـ"هل تريدينني أن أستقبل زوجها؟"
قالت في سرعة ـ"كلا...سيوصلها أخاها بسيارته فقط..زوجها مع الأولاد في الخليج وهي هنا في زيارة قصيرة لتطمئن على والدتها المريضة".
عقد حاجبيه للحظات لاح فيه الضيق على وجهه قبل أن يسألها وهو يلتقط جواله من جوار الفراش قائلاً بروتينية ـ"وهل زرت أنت والدتها؟ عهدي بك أنك تعرفين الواجب".
قالت بثقة ـ"طبعاً زرتها وإستأذنت منك قبلها".
التفت إليها وعادت ابتسامته الهادئة إلى وجهه وهو يقول ـ"دائماً أقول إن الذوق كله عند (هالة) دون جميع النساء".
إلتهب وجهها من الخجل وهي تخفضه أرضاً وتتمتم ـ"شكراً".
أربكه خجلها غير الطبيعي فضغط فكيه بقوة لثوان قبل أن يسألها ـ"هل أشتري بعض الحلويات وال..".
قاطعته في سرعة لتفلت من حيائها ـ"كلا..سأصنع حلوى مميزة نحبها وهي ستحضر معها القهوة العربية التي اشتقت لرائحتها".
مد يده يلتقط علبة السجائر والولاعة وهو يقول مازحاً ـ"أهم شيء أن تتركوا لي جزءاً من هذه الحلوى".
تابعت عيناها كفه وهو يلتقط علبة السجائر ويهم بوضعها في جيبه فأسرعت تقول بضيق ـ"ألم يكفك أكثر من شهر؟"
توقفت يده في الهواء وعقد حاجبيه مستفهماً لتتابع هي بنفس الضيق ـ"لقد عدت إلى التدخين منذ أكثر من شهر...أدرك أن ما مررت به صعب ولكنك أقوى من أن تخضع لسيجارة".
خفض عينيه أرضاً ثم عاد يرفعهما قائلاً بجمود ـ"أخبرتك أنني أدخن كلما شعرت بالضيق، وليس طوال الوقت".
أدهشته بحنانها وهي تقول ـ"فلماذا لا تعيدها إلى عصمتك إذاً؟ لماذا تكابر وتقاوم حبها في قلبك؟"
إتسعت عيناه في دهشة وهو يسألها باستنكار ـ"ماذا تقولين يا (هالة)؟ أي حب هذا الذي أقاومه؟ لقد كنت أعيش وهماً كبيراً وأفقت منه".
قالت بنفس الحنان ـ"لا تعاند نفسك...أعتقد أن شهراً فترة كافية جداً كي تهدأ أعصابكما وتبحثا ...".
قاطعها قائلاً بحدة أخافتها ـ"نبحث ماذا؟ إنها ليست قضية السلام...لقد إنتهى الأمر ولا يستحق إعادة النظر فيه..هي أهانتني أمام الجميع، وكرامتي لا تسمح بأن أتركها على ذمتي بعد ذلك".
حاولت تهدئته قائلة بإبتسامة مرتبكة ـ"ولكن حبكما..".
قاطعها وهو يشير إلى قلبه قائلاً ـ"قلبي قبل كرامتي لا يقبل الإهانة..هي باعت هذا القلب وتمسكه بها، وأنا كذلك لم أعد بحاجة إليها. لقد كنت وفياً لها حتى النهاية وكنت مستعداً للتضحية من أجلها بكل شيء..لكنها باعتني عند أول منعطف".
قالها وزفر بعمق قبل أن يستغفر ربه بصوت خافت ويعود ليرسم ابتسامته العذبة ويقول ملوحاً بسبابته في تحذير ـ"دعك من هذا..لا تنسي نصيبي في الحلوى".
ثم تابع وهو ينظر إلى علبة السجائر في كفه قائلاً ـ"وإذا كانت السجائر تضايقك أعدك ألا أدخن ثانية".
وأقرن قوله بالفعل وهو يلقي بعلبة السجائر في سلة مجاورة للفراش ويعود بوجهه إليها مازحاً ـ"لقد توقفت عنها من أجلك قبل ذلك، وها أنذا أتوقف ثانية من أجلك".
وبحركة عابثة أشار إلى وجنته وهو يخرج من الغرفة قائلاً ـ"ألا أستحق مكافأة لأنني أطيع زوجتي؟"
قالها ومضى إلى عمله تاركاً (هالة) وقد إتسعت عيناها في ذهول من جرأته التي جعلتها تشتعل حرجاً للمرة الثالثة خلال أقل من نصف ساعة.
حاولت ألا تُحمل مزحته أكثر من معناها وهي تُلهي نفسها بأعمال المنزل التي لا تنتهي مستغلة أنها في إجازة عارضة من عملها بالمدرسة.
ولكن حينما ارتدت ملابسها إستعداداً للقاء صديقتها وقفت تتأمل نفسها قليلاً في المرآة.
لم تكن ملابسها ملفتة قياساً بما إعتادت إرتداؤه لإستقبال صديقاتها حينما كانت في الخليج.
كانت ترتدي سروالاً قصيراً من الجينز يصل إلى منتصف ساقها وبلوزة قطنية حمراء ناعمة بدون أكمام زانتها رسوم لبالونات مختلفة الألوان.
كانت تبدو أصغر سناً في هذه الملابس، وخاصة بعدما أضافت رتوشاً هادئة من مساحيق الزينة لتبرز جمال عينيها السوداوين وتزيد غموضهما، ورفعت شعرها الأسود الفاحم قليلاً ليصل إلى منتصف ظهرها بدلاً من نهايته.
ورغم ذلك راودتها هواجس أن يراها (طارق) هكذا ويسيء فهمها.
إنها ترتدي هذه الملابس لأنها تشتاق لأوقات مرحها مع صديقتها،
تماماً كما تشتاق لأوقات برائتها قبل أن تتزوج وتخنقها المسؤوليات.
وبتمرد غريب عليها أكملت وضع زينتها بأحمر الشفاه اللامع وهي تتمتم لنفسها في المرآة قائلة ـ"(طارق) لن يعود قبل العاشرة، وحينها تكون (نهى) قد عادت إلى منزلها وأزلت أنا مساحيق التجميل وعدت إلى ملابسي المعتادة...لا يُعقل أن أقابلها مثل ربات المنازل اللائي يهملن أنفسهن...كفاني إهمالاً".
قالتها وأعادت تأمل نفسها وقد ارتسمت ابتسامة رضا على شفتيها ولسان حالها يقول "نعم كفاني إهمالاً".
رواية دمعات قلب الفصل الثلاثون 30 - بقلم رباب فؤاد
تظاهر (هيثم) بمتابعة قنوات التلفاز في غرفته بالمستشفى، بينما كان في الحقيقة يراقب أمه التي أمسكت بالمصحف الشريف بين كفيها وكأنها تقرأ منه، لكنه كان متأكداً أنها شاردة في وادي ثاني تماماً. فهي لم تغير الصفحة التي تقف عليها منذ أكثر من ربع الساعة، بل ولا يبدو أن عينيها تنظران إلى الصفحة أمامها، وإنما إلى مكان آخر.
وفي رصانة تفوق عمره سألها ـ"أماه..ماذا بك؟"
رفعت (هالة) إليه عينين ساهمتين وهي تسأله في حيرة ـ"هل طلبت شيئاً يا حبيبي؟"
ابتسم في هدوء ذكرها بوالده وهو يقول بذكاء ـ"كنت أسألك عما بك. تبدين شاردة بعيداً عن هنا، رغم أنني بخير".
منحته ابتسامة منهكة وهي تنهض لتحكم الغطاء على جسده الصغير وتداعب شعره الأسود قائلة ـ"لن أشعر بالراحة وأتخلص من قلقي قبل أن أراك تنير غرفتك في منزلنا".
تناول كفها الأيمن يقبله في حنان قائلاً بصدق ـ"أحبك يا أمي".
احتضنت رأسه بحنان وقبلت شعره قائلة بصوت مختنق ـ"أنا الأخرى أحبك..أنت أول فرحة في حياتي. أول من ناداني أمي، وأول مصادر بهجتي وفخري. حفظك الله لي أنت وأخوتك".
لف ذراعيه النحيلين حول وسطها وهو يغوص بأحضانها أكثر ويستشعر دفئها الذي يعشقه حينما قطع عليهم اللحظة صوت طرقات سريعة على باب الغرفة أعقبه دخول (طارق) الغرفة وهو يقول بمرح مفتعل ـ"ما هذا؟ تعانق زوجتي أمامي؟ أنا احتج".
رمقته (هالة) بنظرة عدائية وشددت من احتضان ابنها وهي تقول ببرود ـ"أنا أمه قبل أن أكون زوجتك".
شعر (طارق) بالحرج من كلماتها الباردة، فاقترب من الفراش موجهاً حديثه إلى ابن شقيقه ـ"سامحتك هذه المرة لأنك في فترة النقاهة..عامة ستنتهي نقاهتك قريباً. هيا استعد لأننا سنعود إلى بيتنا الآن".
التفتت إليه بحركة حادة قبل أن تحاول أن تبدو هادئة وهي تقول ـ"الممرضة أخبرتني قبل قليل أننا سنمكث يومين آخرين".
رفع عينيه يواجهها، والتقت أعينهما للحظات قليلة لم يستطع خلالها سبر أغوار زوجته التي تظاهرت باللعب في شعر ابنها، فتنهد في عمق قبل أن يقول ـ"لا داعي للبقاء في المستشفى..لقد قبلوا طلبي للأجازة طيلة الأسبوع القادم وسأتابع علاجه من المنزل طالما ترفضين البقاء مع الصغار هناك. لا يُعقل أن نترك أبنائنا لدى الجيران أكثر من ذلك. ومع رفضك المستمر للراحة أو تناول الغذاء الصحي فالحل الأفضل هو أن نعود جميعاً إلى منزلنا".
لم تجادله لعلمها بأنه على حق.
فقد أجبرها في اليوم السابق على العودة إلى المنزل لرعاية الصغار بعدما أفاقت واطمأنت على حالة (هيثم)..
واليوم تركت الصغيرين لدى جارتها ثانية منذ الصباح حتى الآن
ربما كان الوضع سيختلف في وجود أمها ورعايتها للصغيرين
لكن الآن..
الحل الأفضل للجميع بالفعل هو العودة إلى المنزل
ولكن كيف تعود معه إلى نفس المنزل بعد ما فعل؟
كيف تطيق التواجد معه تحت نفس السقف؟
كيف تستطيع النظر في عينيه؟
كيف تتحمل أن تراه ولا تستطيع أن تدفن نفسها في أحضانه؟
وكيف تتحدث معه دون أن تفلت أعصابها أو يشعر أبنائها بتوترهما؟
كيف تحفظ لسانها وقت الغضب من أن تتهور وتهينه؟
كيف ترعى الله فيه رغم النيران التي تستعر في كيانها كله كلما لمحت طيفه؟
بل كيف تنظر إليه دون أن تبدو في عينيها نظرات الاحتقار؟
احتقار ضعفها واستسلامها لحبه
واحتقار غبائها الذي جعلها تصدقه في سذاجة
تصاعدت دماء الغضب في رأسها، كما يحدث معها كلما تذكرت الخديعة التي تعرضت لها، ودفعت معدتها إلى الانقباض في عنف، فهرعت إلى الحمام الملحق بالغرفة وهي تحاول منع نفسها من القيء الذي ألهب حلقها وبلعومها من مرارة العصارة المعدية
وحينما خرجت كان أمامها (طارق) وعيناه تحملان قلقاً عارماً، لكنها تجاهلته وهي تتجه نحو صوان الملابس لتفتحه وتلتقط منه حقيبة ملابس ابنها هامسة ـ"جهز سيارتك ريثما نستعد".
تأملها للحظات وبداخله حنين بالغ لها ولحركاتها وابتسامتها بعيداً عن برودها وجمودها معه، ثم مالبث أن تنحنح ليمنح صوته بعض القوة وهو يقول ـ"السيارة بالقرب من الباب الرئيسي..هيا سأساعدكما".
تابعته بعينيها في صمت وهو يساعد (هيثم) في ارتداء ملابسه ويحمل الحقيبة عنها، ثم غادروا المستشفى معاً.
لم تحاول أن تتبادل معه الحديث طيلة رحلتهم إلى المنزل، واحترم (طارق) ذلك، ربما تفادياً لتوتيرها أكثر من ذلك أو أن يدرك صغيرها مدى التوتر بينهما.
وما أن أوقف السيارة أمام بوابة المنزل حتى ترجلت (هالة) منها وفتحت لصغيرها الباب الخلفي وساعدته في النزول دون أن تنتظر مساعدة (طارق) الذي تابعها بنظره صامتاً وهو يفتح حقيبة السيارة ويلتقط الحقائب منها ويتبعهما إلى داخل المبنى.
فتح(طارق) باب الشقة وأفسح المجال لـ(هالة) وابنها للدخول,
وفي صمت صحبت(هالة) ابنها إلى غرفته وساعدته في خلع ملابسه والاستلقاء على الفراش, ثم خرجت بعدما أحكمت إغلاق باب الغرفة خلفها.
وفي طريقها للخارج ثانية لتحضر(هاني) و(هند) من شقة الجيران وقف(طارق) أمامها وسألها في حيرة قائلاً ـ"(هالة)! ماذا بك؟! إنك لم تنظري في وجهي منذ يوم جراحة(هيثم)؛ إنك حتى لا تخاطبيني بشكل مباشر. ماذا حدث؟"
رمقته بنظرة حادة وهي تسأله بحنق ـ"أتسأل عما بي؟ وماذا يهمك من أمري؟ آه نسيت.أنت قلق على ابنك وليس على الحاوية التي تحمله."
أمسكها من مرفقها قائلاً في دهشة ـ"ما هذا الذي تقولين؟ وما الداعي لقوله؟"
جذبت ذراعها من قبضته قائلة بخشونة ـ"الداعي هو أن رائحة الكذب والخيانة فاحت وزكمت أنفي ولم أعد أستطع تحملها أكثر من ذلك؛ لذا أطلب منك وبكل هدوء أن تطلقني."
عقد حاجبيه قائلاً ـ"ماذا تقولين؟ وماذا تعنين بالكذب والخيانة؟ لو أنك تقصدين عودة(سمر) إلى عصمتي, فأقسم لك أنني أعدتها قبل مرض(هيثم) بأسبوع واحد فقط بعد وساطة أصدقاء مشتركين. ولكن لماذا تصفين عودتها بالخيانة؟ أنسيت أنك كثيراً ما طلبت مني إعادتها لعصمتي؟"
أشاحت بذراعيها في عصبية هاتفة ـ"أجل طلبته، ولكن هذا في الماضي...حينما كنت (هالة) أختك أو صديقتك. حينما رضيت بك زوجاً على ورق وكان همي إسعادك. وأنت طالما تحججت برفضها العودة وأخبرتني أنك نادم على كل يوم قضيته بعيداً عني, ألم يكن ذلك كذباً؟"
وتابعت بانهيار _"لماذا لم تخبرني بأنك ستعيدها؟ ولا تقل أنك نسيت أو أنك كنت في انتظار الوقت المناسب؛ لقد كذبت علّي وادّعيت سفرك في مؤتمر بالإسكندرية بينما كنت معها؛ وكذبك وحده أكبر خيانة."
أمسكها من كتفيها ونظر في عينيها قائلاً ـ"وأنا بالفعل نادم على كل يوم قضيته بعيداً عنك, وعودة (سمر) إلى عصمتي كان لسبب قهري صدقيني؛ لكنني لم أقصد خيانتك, لقد..."
قاطعته في حدة وهي تتملص من قبضته هاتفة ـ"لست بحاجة لسماع تبريراتك, لقد انتهى كل ما بيننا, هدمته بيديك ولم يعد من الممكن إصلاحه. فأنا لا أقبل أن تكون لي ضرة. لذا سأطلبها منك ثانية...طلقني يا(طارق)".
ثم التقطت نفساً عميقاً لتمنح صوتها بعض الهدوء قبل أن تقول ـ"لو ما زلت تخاف على ابنك وأبناء أخيك طلقني وسيظل في إمكانك رعاية الأولاد وسيظل البيت بيت أخيك وأولاده. لو كنت تحمل بين ضلوعك ذرة حب تجاهي حقق لي أمنيتي وطلقني."
آلمه طلبها ووصفها إياه بالأمنية,
ألهذا الحد أصبح عبئاً عليها تتمني الخلاص منه؟
ألهذا الحد تسبب في جرحها دون أن يدري؟
جرحها بمحاولته حمايتها من معرفة الحقيقة وما دفعه إلى العودة إلى من ظنها طليقته
ومن أعماقه أطلق زفرة حارة وهو يتأمل الدموع التي تترقرق في مقلتيها قبل أن يقول بصوت حاول أن يجعله هادئاً ـ"(هالة)..أدري أنني تسببت بجرحك دون قصد وأنك ترفضين الاستماع إلى مبرراتي. لذا لن أعقب على حديثك إلا بعد أن تهدأ أعصابك وتعيدي التفكير فيما تريدين".
ثم تابع بابتسامة جاهد ليرسمها على شفتيه قائلاً ـ"ولكن حتى حينما تهدئين_ ولأن قلبي لا يوجد به سواك_ فلن أستطع تلبية طلبك, للأسف أنا أناني مثل كل المحبين. يمكنك قول ما تريدين كي تخرجي ما بداخلك لكني لن أطلقك ما دام في صدري نفس يتردد. كل ما سأفعله هو أنني سأترك لك البيت عندما تعود أمي من الحج بسلامة الله. هذا أقصى ما يمكنني عمله في الوقت الحاضر."
رمقته بعينين دامعتين وخُيل إليها أنها ترى(حازم) على قيد الحياة ثانية؛
ففي هذه اللحظة كان(طارق) نسخة من أخيه بنفس التعنت والكبرياء والصرامة,
نفس التحكم والتمسك بالرأي حتى لو كان خطئاً.
وللحظات اعتراها الندم لمجرد أنها ظنته يومأً مختلفاً عن أخيه وأنها أعطته قلبها عن طيب خاطر.
مجرد التفكير فيما فعلت و جعلها في مثل هذا الموقف جعل معدتها تقفز إلى فمها ثانية فهرعت من أمامه إلى الحمام تفرغ معدتها في عصبية علها تخفف من توترها.
وحين عادت إلى الردهة وجدته حيث تركته عاقداً ذراعيه أمام صدره, وما أن رآها حتى اقترب هامساً بتوسل ـ"(هالة)! أرجوك حاولي تهدئة أعصابك وإيقاف هذا القيء المستمر. لقد كان في البداية بسبب الوحام، لكنك الآن تقتلين نفسك بهذا القيء الهستيري. على الأقل تناولي شيئاً و إلا ستموتين...إنك..."
قاطعته بإشارة من يدها وهي تبتعد عنه قائلة في ضيق ـ"لا تأمرني. أنت تعرف جيداً سبب هذا القيء؛ ابتعد عني وسأشفى و..."
وفي الثانية اللاحقة لكلمتها الأخيرة أظلمت الدنيا أمام عينيها للحظات لم تدر مداها,
وعندما أضاءت ثانية وجدت(هالة) نفسها على فراشها وأنبوب الجلوكوز معلق بوريدها ليمدها بقليل مما فقده جسمها في الفترة الماضية.
أول ما لفت انتباهها كانت رائحة عطره المميزة وهو ينحني عليها ويحتضن كفها الخالي من المحلول في حنان ويمسد شعرها بكفه الأخرى والحزن يطل من عينيه وهو يتأملها عن قرب قبل أن يقول بلهجة مؤنبة ـ"إنك تقتلين نفسك ببطء, وتقتليني معك. لو لم أكن أنا بحاجة إليك فهناك ثلاثة أبناء يفتقدونك والرابع لا يريد أن يأتي إلى العالم بعد رحيل أمه. لقد فقدت الكثير من وزنك بسبب القيء الهستيري الذي تعانين منه, والأهم أن ضغط دمك مرتفع وقد يؤذيك هذا؛ ولا أستطيع إعطاءك أية أدوية لخفضه و إلا آذت الجنين, وأنت لا تفعلين سوى ما يضركما."
ورغم حاجتها إلى قربه ذلك واشتياقها له، شعرت بدمائها تفور وهي تتنفس أنفاسه ممزوجة بعطره، فأشاحت بوجهها في الاتجاه الآخر علها تتنفس هواءاً لا يحوي رائحته وجذبت كفها من كفه في ضيق
كانت تشعر وكأنها على حافة الجنون
فكيف تعشقه وتتمنى قربه إلى هذا الحد، بينما لا تطيق لمساته وهمساته؟
كيف تشكوه إلى نفسه، وتلقي همومها منه على عاتقه؟
كيف تشكوه وهو الخصم والحكم؟
لم تجد حلاً سوى أن تشكو بثها وحزنها إلى الله العلي القدير..فهو الحكم العدل
تناجيه بدموعها وقلبها وهي ترفع طرفها نحو السماء وتدعوه سراً أن يفرج كربها ويخرجها مما هي فيه،
وثقتها في عدله واسعة.
أما (طارق) فشعر بخنجر يمزق جنباته وهو يراها تشيح بوجهها عنه، ويشعر بنشيجها الخفيض، لكنه تمالك نفسه وهو يتابع ـ" هذا المحلول سيعيد إليك بعضاً من قواك الخائرة شريطة أن تريحي نفسك. لقد أضفت إليه دواء لمنع القيء حتى تهدأ معدتك قليلاً، وطلبت لنا جميعاً بيتزا احتفالاً بعودة (هيثم)، ستصل ريثما ينتهي محلولك. أرجو أن تحاولي التماسك أمام الأولاد وأن تتناولي العشاء معنا، وسأنام مع(هيثم) والأولاد في الغرفة المجاورة, فلا تقلقي عليهم. مازلت أستطيع العناية بهم وبك أنت أيضاً."
وتركها وخرج في هدوء يخفي الكثير من الآلام والأحزان... والدموع.
رواية دمعات قلب الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم رباب فؤاد
جلس(طارق) خلف مقود سيارته وإلى جواره جلست أم(هالة) بعد عودتها من رحلة الحج, ولم يخف عليها بقلب الأم الحزن الدفين في عينيه فسألته في قلق ـ"ماذا بك يا بني؟ هل حدث شيء في غيابي؟"
تنهد(طارق) في عمق وهو يدير محرك السيارة مما أثار قلقها فسألته ثانية ـ"ماذا تخفي عني؟ ماذا أصاب ابنتي وأولادها؟"
مط شفتيه في تردد قبل أن يقول ـ"لا شيء, (هالة) حامل."
قالت بثقة ـ"أعلم هذا, لقد أخبرتني قبل سفري؛ ماذا حدث غير ذلك وجعلك حزيناً هكذا؟ هل تشاجرتما؟"
تنهد ثانية وهو يطفئ محرك السيارة ويخفض وجهه أرضاً في ضيق، قبل أن يروي لها في تردد كل ما حدث منذ مرض (هيثم) حتى المساء السابق.
وحين أنهى حديثه هتفت به حماته في حنق قائلة ـ"أهذه وصيتي لك؟ أهذا ما أقسمت بكتاب الله على أن تفعله؟ لماذا يا(طارق)؟ لماذا يا بني؟"
استدار يواجه حماته قائلاً بصدق ـ"أقسم لك أنني لم أجرحها عن عمد؛ وأعلم جيداً أنني ظلمتها كثيراً ولذا أحاول ألا أجرح فتاة أخرى. لقد أعدت(سمر) إلى عصمتي حتى لا تّدَّعي هي أو أي من أقاربها أنني ظلمتها.أعترف بأنني تأخرت في إخبار(هالة) لأنني كنت متردداً حتى آخر لحظة بالنسبة لعودة(سمر)؛ وظننت أنني بذلك أرضي جميع الأطراف لأنني لا أستطيع التخلي عن(هالة) أو أولادها...لا أدري...لقد اختلطت الأمور بشكل لم أتوقعه إطلاقاً, ولا أدري ماذا أفعل."
سألته حماته بحزم قائلة ـ"هل تحب(هالة)؟"
أجابها في سرعة ـ"أحبها كروحي ولا أتخيل حياتي بدونها."
عقدت حاجبيها قائلة ـ"وماذا عن(سمر)؟"
تنهد في عمق قائلاً ـ"لقد أحببتها ولم أكن أرى سواها قبل الزواج؛ أما الآن وبعد كل ما حدث, صدقيني لم تعد مشاعري تجاهها كما كانت في السابق."
مطت شفتيها قبل أن تتنهد بدورها قائلة ـ"خذني إلى المنزل يا(طارق), وما قدّره الله عز وجل سيكون."
تنهد ثانية في عمق، ثم أومأ برأسه في صمت وهو يعتدل ويدير محرك السيارة ثانية ويعاود الانطلاق في طريقه إلى المنزل.
وطيلة الطريق يتردد في ذهنه السؤال: كيف ستتعامل (هالة) معي أمام والدتها؟
وكان عقله يجيبه في كل مرة : ستتظاهر بأنها لم ترك
وكما توقع، فما أن فتح باب الشقة أمام حماته حتى هرع إليها الأولاد والتفوا حولها يتقافزون في سعادة،
أما حبيبته فتهادت نحو أمها بخطوات ثقيلة بسبب ضعفها، وخُيل إليه أنها أكثر شحوباً مما تركها عليه هذا الصباح، ربما بسبب خصلات شعرها المبعثرة حول وجهها، وربما بسبب ذبول عينيها من كثرة الدموع، وربما بسبب قميصها القطني الأصفر الذي عكس لونه على بشرتها
كان يحتويها بنظراته ويتمنى لو تلتقي أعينهما حتى يبثها حبه وشوقه إليها
لكنها تجاهلته_ تماماً كما توقع_ وهي ترتمي في أحضان أمها تبكي وتشكو طول غيابها؛
ولوهلة شعر بأنه غريب في هذا المنزل
إذ لم يعره أحد انتباهاً وسط هذا الهرج ما بين سعادة الأطفال بعودة جدتهم ودموع (هالة) التي أصبحت ملازمة لها مؤخراً
لم يجد أمامه سوى أن يُدخل حقائب حماته إلى غرفتها في هدوء، وفي طريق عودته مر بغرفته مع (هالة)...
الغرفة التي شهدت أجمل لحظاتهما
وهي نفس الغرفة التي شهدت لقائهما الأخير وابتعادها عنه بعد عودة (هيثم) من المستشفى
فقد كانت تلك الليلة المرة الأخيرة التي تجمعهما فيها غرفة واحدة
ومن بعدها تجاهل تام
حتى حينما يدخل إلى الغرفة ليستبدل ملابسه، كانت تتظاهر بالنوم أو تغادر الغرفة
تأمل الغرفة بألم وعيناه تجوبان أرجائها وشريط ذكرياته فيها يتدافع أمامه بسرعة بالغة جعلته يشعر بالإختناق، فتنهد بقوة قبل أن يواصل طريقه إلى الردهة
ثم ما لبث أن عاد إلى الغرفة وفتح صوان الملابس ليلتقط بعضاً من ملابسه ويضعها في حقيبة كتف صغيرة التقطها من قاع الصوان قبل أن يغلقها ويحملها على كتفه ويغادر الغرفة ثانية.
وفي طريقه تناهت إلى مسامعه أصوات الأولاد الجذلة مختلطة بصوت الجدة الهادئ وهي تخبرهم عما أحضرته لهم من هدايا...كان مصدر الصوت غرفة الجدة و(هند)
وهذا يعني أن أي منهم لم ينتبه لغيابه
حينها آثر الخروج قبل أن ينتبهوا له، لولا أن هرع إليه (هاني) هاتفاً ـ"بابا! إلى أين ستذهب؟"
مسد(طارق) شعر ابن أخيه في حنان وهو يحاول أن يداري اختناق صوته قائلاً ـ"لدي بعض الأعمال التي ستتطلب وجودي بعيداً لفترة."
تعلق(هاني) بيد عمه ورفع إليه عينيه البريئتين والدموع تترقرق فيهما يسأله بانكسار ـ"وهل ستتركني كما تركنا بابا(حازم)؟"
ركع(طارق) على ركبتيه أمام الصغير وضمه إليه في حنان قائلاً والدموع تنساب على وجهه ـ"كلا يا حبيبي؛ لن أتركك أبداً, لن أترككم جميعاً. ألا تعرف كم أحبك؟"
إبتعد الصغير قليلاً وأشار إلى الحقيبة على كتف عمه قائلاً ـ"لماذا هذه الحقيبة إذاً؟"
داعب (حازم) شعره قائلاً ـ"ألم أخبرك بأنني سأضطر إلى الغياب عن المنزل بضعة أيام، ولابد أن تكون معي ملابس إضافية."
انتبه (هاني) لدموع عمه حينها فعاد يسأله في دهشة ـ"هل تبكي يا بابا؟"
حاول(طارق) إخفاء دموعه وقال بابتسامة مرتبكة ـ"أنا أبكي لأنني سعيد بعودة أمي ولا أريد أن أفارقكم, لكنني أيضاً لا أستطيع ترك عملي ومع ذلك أعدك بالعودة فور انتهاء أعمالي تلك."
دفن(هاني) وجهه في صدر عمه هامساً ـ"أنهها في سرعة من أجلي, أريد أن أنام في أحضانك مثلما فعلنا أمس. ولا تنس اختباراتي الشهرية, إنها الأسبوع القادم ويجب أن تذاكر معي كما تفعل دوماً."
قَبّله عمه في جبهته ثم نهض يمسح دموعه قائلاً ـ"لن أنس يا حبيبي؛ سأحضر يوم الخميس القادم إن شاء الله لنحتفل بشفاء (هيثم) وعودة أمي بسلامة الله، ثم نستيقظ صباح الجمعة مبكراً لنراجع الدروس معاً بإذن الله".
ثم داعب شعر الصغير ثانية قائلاً ـ" قَبّل إخوتك من أجلي, واتصل بي دوماً. اتفقنا؟"
أومأ الصغير برأسه وهو يلوح لعمه مودعاً؛ وعندما اقتربت منه شقيقته(هند) بخطواتها الصغيرة أحاطها بذراعيه بحنان يفوق سنه وقَبّلها قائلاً ـ"هذه القبلة من بابا(طارق)؛ لقد وعدني بأن يعود من أجلنا وأنه لن يتركنا مثل بابا(حازم). وأنا أيضاً لن أتركك."
أما (طارق) فخرج من المنزل وهو يشعر بضيق بالغ وكأن حجراً ضخماً يجثم على أنفاسه
قاد سيارته على حين هدى وكأنه يقاتل في شوارع القاهرة المزدحمة وقت الذروة،
وربما كان شروده من حسن حظه حينها حتى لا ينفجر غضباً من شدة الزحام
فقد كانت سيارته وكأنها تمشي بقوة الدفع الذاتي بين موجات السيارات المختلفة
ولأنه لم يكن من السهل الهروب إلى مكانه المفضل على ضفاف النيل في هذا الوقت من اليوم،
فوجئ بنفسه أمام المبنى الذي يضم شقته الخاصة التي لم تطأها قدماه منذ جراحة (هيثم)
وبخطوات لا تقل شروداً عن ذهنه ارتقى درجات السلم المؤدية إلى شقته وفتح بابها ودلف إليها في صمت قاتل لم يقطعه سوى صوت (سمر) المندهش وهي تقول من خلفه ـ"(طارق)!! حمداً لله على سلامتك".
حينها فقط انتبه وخرج من شروده وهو يجيبها بهدوء دون أن يستدير لها ـ"سلمك الله".
اقتربت منه بحذر وهي تسأله ـ"خيراً!؟ ما الذي أتى بك فجأة؟"
التفت إليها ورفع كفه معتذراً وهو يجيبها بسخرية ـ"آسف. كان ينبغي أن استأذن قبل دخول منزلي".
احتقن وجهها بدماء الحرج من سخريته فقالت في سرعة ـ"العفو..كنت أريد الاطمئنان فحسب".
أدرك غلظة كلماته فقال موضحاً ـ" لقد عادت والدة (هالة) من رحلة الحج. وفضلت أن أتركهما وحدهما قليلاً".
غمغمت وهي تهز رأسها متفهمة ـ" أها..حمداً لله على سلامتها".
ثم أردفت تسأله ـ" كيف حال (هيثم)؟ هل أزال غرز الجراحة؟"
تنهد في إرهاق وهو يجلس على أريكة الأنتريه ويضع الحقيبة أرضاً قائلاً ـ"سأصحبه إلى المستشفى يوم الخميس لإزالتها بإذن الله".
هزت رأسها ثانية ثم سألته بتردد ـ"هل أضع لك الغذاء؟"
تمدد على الأريكة وهو يضع ذراعه على عينيه قائلاً باقتضاب ـ"لا شكراً..لا أريد".
شعرت بالضيق من تجاهله لها لكنها ضغطت على مشاعرها وهي تقول بهدوء ـ"سأكون في غرفتنا أجفف شعري، لذا ربما لا أسمعك بسبب مجفف الشعر".
لم يغير وضعه وهو يقول بلامبالاة ـ"لا تخافي..أعرف طريق الغرفة إذا احتجت إليك..وأعرف أيضاً كيف أخدم نفسي".
زاد احتقان وجهها وشعرت بأن ضغط دمها سيرتفع إن هي وقفت أكثر معه،
لذا لم تعقب واتجهت في عصبية إلى غرفتهما.
لكنها سرعان ما عادت إلى الردهة ثانية وعقدت ذراعيها أمام صدرها وهي تقول بتحفز ـ"(طارق)..أريد أن نتحدث قليلاً حينما تستيقظ".
رفع ذراعه عن عينيه وأدار رأسه إليها مندهشاً من لهجتها الغريبة قبل أن يعود إلى وضعه القديم قائلاً بضيق ـ"(سمر)...أياً كان ما سنتحدث بشأنه فأنا لست في مزاج مناسب له. أرجوك امنحيني بعض الوقت حتى أحدد اتجاهاتي".
عقدت حاجبيها الجميلين للحظة وهي تشعر بأنه أساء فهمها، ثم تنحنحت قائلة ـ" الموضوع ليس كما تظن. وعلى أي حال يمكنني الانتظار".
قالتها وهي تهرع إلى الغرفة دون أن تأبه للمنشفة التي سقطت عن شعرها المبلل.
وكالمغيبة وقفت تتأمل نفسها في المرآة الأنيقة التي تعلو طاولة الزينة
تتأمل ملامحها البريئة ووجهها الخالي من أي مساحيق تجميل
وشعرها المبلل المحيط بوجهها بلا نظام
وتتأمل المنامة الرقيقة التي ترتديها، والتي كانت دائماً ما تثير (طارق)
كيف لم يشعر بها ولم يلحظها هكذا؟
ألهذه الدرجة أصبحت وكأنها لا وجود لها؟
ألهذه الدرجة خرجت من حياته؟
حتى وإن لم تكن زوجته وحبيبته السابقة فهي أنثى
أنثى وترتدي ملابس صيفية تكشف أكثر مما تخفي
وهو رجل
طبيعي أن تثيره أي امرأة في هذا الوضع...ناهيك عن زوجته
ورغم ذلك لم يعرها أي انتباه
ألهذه الدرجة أعمت (هالة) عينيه عن أي أنثى سواها؟
وبحركة ميكانيكية تناولت مجفف الشعر وبدأت تجفف شعرها دون أن تشعر بدموعها التي أغرقت وجهها.
رغم توقعها لتغير (طارق) تجاهها، لم تتوقع أن يكون بهذا البرود معها
نعم هي تسرعت بطلب الطلاق
بل وتعاملت مع الأمر بحماقة وتهور
وتدرك جيداً أنه ما من رجل يحترم رجولته يقبل بمثل هذه الإهانة
ورغم ذلك كانت تتوقع في كل يوم منذ طلاقهما أن يحاول التقرب منها ثانية.
كأنثى كانت تتمنى ذلك
لكن (طارق) لم يفعل
وكأنه أوصد قلبه خلفها بمجرد أن قال لها بألم ’أنت طالق‘
بل إنه غير مواعيد عمله كيلا يلتقي بها ولو قدراً في المستشفى
وحينما كلمها لأول مرة بعد الطلاق لم يخف عليها لهجته العدائية وهو يسألها عن صحة طلاقهما.
يومها، وحين قابلته للذهاب إلى دار الإفتاء، أيقنت أن عدوانيته لم تكن وهماً...بل حقيقة
فقد عاملها بجفاء وبرود غير مسبوقين طيلة الطريق من بيت والدتها إلى دار الإفتاء
كانت تشعر به وهو يتكلم مع المسؤول هناك وكأنه يتمنى أن يخبره بأن طلاقهما صحيح وأن عدتهما على وشك الانتهاء
ولم تخف عليها ملامح الصدمة وخيبة الأمل التي ارتسمت على وجهه وهو يستمع إلى الرأيين الفقهيين في حالتهما
فهناك رأي بوقوع الطلاق وإن كان مكروهاً
والآخر أن يراجعها وينتظر أن يطلقها حسب شروط الطلاق الصحيح
تعلقت عيناها بوجهه وهي تلمح التردد في عينيه
ثم ما لبث التردد أن تحول إلى ضيق وهو يقبل مراجعتها حتى حين
أي زوجة في موقفها ربما كانت ستسعد بعودتها إلى زوجها الأول الذي لم تر منه سوى كل حب وإعزاز وتقدير
لكن ملامحه المتغيرة أكدت لها أنه كان يتمنى الخيار الأول
أن يقع الطلاق
وتأكد حدسها حينما عادا إلى شقتهما ثانية
كان موقفهما هذه المرة مناقضاً تماماً لموقفهما في آخر مرة عادا فيها معاً إلى المنزل
يومها كانت منهارة بعد اكتشاف عقمها، لكنه صحبها إلى العشاء في الخارج
واستطاع بشخصيته المرحة وحنانه أن يخرجها قليلاً عما بها من كدر
وحينما عادا إلى المنزل كانا أشبه بعريسين في أول أيام زواجهما
ولولا عذرها الشرعي ذلك اليوم، لعاشت بالفعل معه ليلة من لياليهما الأولى
أما يوم عودتها إليه....
فقد كان شخصاً مختلفاً عن زوجها القديم
كان رجلاً يُساق إلى قبره
يتعامل معها بضيق وعصبية طوال الوقت
والأدهى أنه أمضى معها ثلاثة أيام لم يمسها فيهم
كان يتركها تنام في غرفتهما بينما ينام هو في غرفة الضيوف
لم يستجب لها ولم يحركه أي من ملابسها التي كانت تلمع لها عيناه من قبل
وقتها فسرت سلوكه بأنه لا يزال غاضباً منها ومن أسلوبها الغبي في طلب الطلاق
ولكن حينما رأت (هالة) في المستشفى ذلك اليوم،
وحينما زل لسانه وهو يعترف بحمل زوجته
أدركت السبب الحقيقي لبروده معها
فقد كان يخشى أن يخون (هالة)
(هالة) التي كانت دائماً الزوجة المثالية حتى وهي مجرد زوجة على الورق
فكيف وهي زوجة حقيقية؟
زوجة منحته كل ما يحتاجه من حب واهتمام و.....أطفال
خرجت من شرودها على هواء المجفف الساخن الذي يلفح وجهها فأغلقته في ضجر وتركته على الطاولة
ثم جمعت شعرها إلى الخلف بشكل عشوائي ورفعته بمشبك أنيق قبل أن تتجه لتجلس وسط فراشها في ضيق وبين الحين والآخر تنظر ناحية باب الغرفة وكأنها تنظر إلى الراقد خلفه
وفي أعماقها اتخذت قراراً جديداً
لابد وأن تضع النقاط على الحروف...سريعاً.