تحميل رواية «بين الردي والهدي» PDF
بقلم نوري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ي "الله أكبر.. الله أكبر" الفجر يا ليلى - صاحية يا بابا وهصلي اهو متقلقش كنت واقفة في شباك اوضتي اللي مبقتش افارقه كل ليلة، غمضت عيني بقهر وأنا ساندة جبيني على خشب الشباك البارد وبسمع الأذان، الصوت ده مش صوته، مش دة الصوت اللي كان بيصحيني من أحلى نومة ويطمن قلبي كان الإمام، صوته كان بيهز جدران البيوت بخشوع ويرجعنا لربنا بكلمة واحدة، دلوقتي في إمام تاني وصوت تاني، ومكانه في المحراب بقى فاضي زي مكانه في حياتي اتنهدت وأنا بفتكر زمان لما كنت اشوفه نازل قبل كل صلاة بشوية يفتح المسجد ويقعد فيه عقبال م...
رواية بين الردي والهدي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نوري
ي
كان طول الطريق بيحاول يهدي نفسه عشان مبعملش حاجة تخليها تخاف منه وتنفر، لكن اول ما وصل، فتح باب الشقة وقفله بعنف هز الحيطان، فاطمة كانت قاعدة في الصالة اتخضت من الحالة اللي دخل بيها لكن منطقتش لأنها عارفة السبب، دخل وهو بيتلفت حواليه زي الديب اللي بيدور على فريسته وزعق بصوت جهوري
فين بنتك؟ ليلى فين يا فاطمة؟
حاولت تبان هادية ومتماسكة ف قالت
في إيه يا مصطفى داخل كدة ليه؟ البنت في المحل، لسه ميعاد رجوعها مجاش
خبط إيده في الترابيزة اللي قدامه بقوة خلت الفازة تتهز
في المحل؟ ماشي، أنا رايحلها اعرف هناك إيه اللي اتقال من ورا ضهري وخلى الراجل يجيلي المكتب الصبح ويقولي مفيش نصيب
اتحرك بأتجاة الباب ف جريت وقفت قدامه قبل ما يخرج وحطت إيدها على الترباس وقالت
بلاش فضايح يا مصطفى، رايح للبنت وسط المحل والناس عايز تعمل إيه؟ عايز الحارة كلها تتفرج علينا؟ أهدى واحكيلي بالراحة إيه اللي حصل
زق إيدها بغضب وزعق
اللي حصل إنه جالي وشه متغير وقال مش متفاهمين، مش متفاهمين من أنهي ناحية؟ وهو شافها كام مرة أصلاً؟ دي ليلة غبرة، أكيد بنتك عملت حاجة او أنتي وزيتيها
اتنهدت وقالت بمكر عشان تداري معرفتها
وجت من عند ربنا يا مصطفى، يمكن فعلاً مش نصيبها، والبنت مش مرتاحة وأهو ربنا استجاب لدعواتها، ليلى ملهاش ذنب
بصلها بنظرة شك وغل وقرب منها لحد ما بقى وشه في وشها وقال
ماشي يا فاطمة، عاملة نفسك مش عارفة؟ فاكرة يعني إن كدة الطريق فضي؟ يكون في معلومك أنتي وهي لو الدنيا اتطربقت فوق بعضها ولو سيف ده بقى آخر راجل في الدنيا برضو مش هجوزهولها ولا هيدخل بيتي تاني، سامعة؟
بلعت ريقها ومردتش، سأل ايديها من على الترباس وفتح الباب وخرج ف قالت
رايح فين دلوقتي يا مصطفى؟ استهدى بالله بس
مبصلهاش وهو نازل على السلم وقال بحدة
ملكيش دعوة بيا
سابها واقفة على الباب قلبها بيدق رعب، مش عارفة هو رايح لليلى يفرغ غضبه فيها، ولا رايح يدور على سيف يخلص قديمه وجديده معاه
المسجد كان هادي فاضي بعد ما الأطفال مشيوا، ريحة الحصير وصوت مروحة السقف اللي بتزن بانتظام كانوا هما الونيس الوحيد لسيف، كان قاعد ساند ضهره على العمود وعينه شاردة في الفراغ، ملامحه شايلة تعب السعي بتاع النهار كله وكسرة القلب اللي بيحاول يداريها عن الناس
حس بحركة جنبه ف رفع عينه لقى منصور بابتسامته الرزينة بيقعد جنبه وهو بيسند بإيده على الأرض
والله ورجعت لمكانك من تاني
* اذيك يا عم منصور
في نعمة الحمد لله، اذيك انت
* الحمد لله
مالك؟ حاسس إنك شايل هم كبير، احكيلي
* لا مفيش الحمد لله انا كويس
يا واد عيب، هتخبي على عمك منصور؟ تحكي يلا
اتنهد تنهيدة طويلة وقال بصوت مهزوز
* الحمد لله على كل حال يا عم منصور، بس والله الحال واقف خالص، لفيت النهاردة كأني بلف في ساقية، الأبواب كلها مقفولة في وشي وكأن الدنيا بتحاسبني على سنين فاتت وراحت، وحتى ليلى .. ليلى اللي كنت بحارب عشانها اتقرى فاتحتها من كام يوم، حاسس إن كل الطرق اتسدت في وشي ومش عارف أعمل إيه ولا أروح فين
فضل منصور باصصله بهدوء وهو مبتسم ابتسامة فيها حكمة السنين وقال
إيه يا شيخ سيف؟ جرى إيه يا راجل يا مؤمن؟ أنت متعرفش إن الإنسان لما بيبدأ في طريق التوبة والاستقامة ربنا بيبتليه؟ الشيطان دلوقتي قاعد جنبك وبيقولك شوفت جرالك إيه لما توبت؟ الدنيا اتقفلت لما استقمت، وعايزك ترجع لورا، بس ده اختبار، اختبار من ربنا عز وجل بيشوف صدق قلبك
هز سيف راسه بصمت وكأنه بيستوعب الكلام، كمل منصور بصوت حنين وقال
عارف، مرة سيدنا عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه؟ راح للنبي ﷺ يشتكيله وجع كان بيحس بيه في جسمه من ساعة ما أسلم، تفتكر النبي قاله إيه؟ قاله ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل
بسم الله ثلاث مرات، وقل سبع مرات أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر، سيدنا عثمان بيقول ففعلت ذلك فأذهب الله عز وجل ما كان بي، الوجع اللي في قلبك ده يا سيف دواه إنك تلمسه بيقينك في الله
ابتسم سيف بخجل من نفسه وحس إن كلام منصور زي البلسم على جرحه فقال
* كلامك ريحني أوي يا عم منصور، والله كنت محتاج أسمع ده
طبطب على كتفه وقال
كمل سعي يا ابني ومتشيلش هم، الرزق بييجي في وقته المعلوم، ولا حتى تشيل هم ليلى، ادعي ربنا وفوض أمرك ليه، هو سبحانه اللي بيقلب القلوب وبيرتب الأسباب
بصله بمرارة وقال
* المشكلة يا عمي إني لسه مش مصدق إن ده حصل، يعني حتى لما عرفت الخبر لقيت ودورت على شغل وانا كل همي إني ألاقي حاجة كويسة وأروح لأبوها وأتقدملها تاني وأثبتله إني اتغيرت، زي ما يكون عقلي مش عايز يصدق
لو ليك نصيب فيها والله لو ميت شخص قري فاتحتها مش هتكون غير ليك، ربنا لما بيريد يجمع قلبين بيجمعهم، خلي يقينك في اللي خلقها أكبر من خوفك من اللي خطبها
هز سيف راسه وسكت، قام منصور بهدوء من جنبه وسابه ومشي، فضل قاعد مكانه في المسجد في كلامه، أخد نفس عميق ورفع إيده ومسح على صدره وهو بيهمس
* أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر
وبدأ قلبه يهدى وكأن فيه نور جديد بدأ يظهر في آخر النفق
الشارع كان زحمة و الناس حوالين مصطفى كانت بتجري عشان تلحق تروح قبل الأذان، لكن هو كان ماشي بخطوات تقيلة وتايهة، ايديه كانت محطوطة في جيوب جاكتته وعقله شغال زي المفرمة مبيوقفش
انا غلطت في إيه بس يا ربي؟
همس لنفسه بمرارة وهو حاسس بالضيق
يعني لما أكون عايز لبنتي واحد ملوش ماضي وسيرته زي الصفحة البيضا أبقى ظالم؟ يحيى كان أخلاق وعيلة وتربية ومحاسب أد الدنيا وبيصلي وعارف ربنا، يعني ولد ميتخيرش عن سيف اللي هي ماسكة فيه دة
وقف فجأة في نص الشارع بعد ما الكلمة رنت في ودنه بصدى غريب
ميتخيرش عن سيف
بص للفراغ وهو بيستوعب اللي لسانه نطقه من غير وعي، الحقيقة المرة اللي كان بيداريها ورا غضبه بدأت تظهر، هو عارف إن سيف في الأصل ابن أصول وإن معدنه نضيف و راجل، لكن السنين اللي ضاعت من عمره والسُكر، والسهر هتروح فين؟ هو أب ومن حقه يخاف، اللي شرب مرة يشرب تانية، واللي ضاع مرة ممكن يضيع ألف
قعد على دكة خشب في جنينة عامة صغيرة وبدأ يفتكر شكل سيف وهو وسط الأطفال في المسجد وكلام الناس في الحارة عن توبته
ماشي، التزم وحفظ العيال قرآن والحارة كلها طايرة بيه، بس ده لوحده مش كفاية، ده ميطمنيش على بنتي، الماضي ده عامل زي الخيال هيفضل ملاحقه وملاحقها طول العمر، وأنا مش حابب أناسب بيت الماضي فيه بيطارد الحاضر
" الله اكبر .. الله اكبر "
صوت الأذان فوقه من أفكاره، بص حواليه لقى الشوارع بدأت تفضى والناس بتروح بيوتها تفكر وسط اهلها، حس بغصة في حلقه، لأول مرة في حياته يجي المغرب وهو برا بيته بعيد عن سفرة فاطمة ودلع ليلى
الموبايل في جيبه بدأ يتهز، بص عليه لقى فاطمة بتتصل، كنسل وحطه في جيبه تاني، الرنة اتكررت مرة والتانية والتالتة كأنها بتنادي عليه يرجع، بس كرامته وعِنده كانوا لسه حاجز بينه وبينهم
قام وقف وشاف من بعيد مائدة رحمان منصوبة في شارع جانبي، مشي بخطوات مكسورة وراح قعد فيها اتحط قدامه كوباية البلح والأكل والناس حواليه بدأوا يفطروا إلا هو فضل يبص لكل واحد فيهم شوية ويسأل نفسه
يا ترى هما كمان هربانين من بيوتهم؟ ولا أنا بس اللي اخترت الغربة في وسط أهلي؟
رن موبايله تاني، والمرة دي فضل يتهز في جيبه لحد ما سكت لوحده
في مكان تاني ساكنه القلق وتأنيب الضمير، السفرة كانت مفروشة والأطباق مرصوصة بعناية، والبخار اللي طالع من الشوربة بدأ يختفي تدريجيًا وبدأ الاكل يبرد تماماً
فاطمة كانت رايحة جاية في الصالة وماسكة الموبايل في إيدها بتضغط على زرار الاتصال للمرة العشرين، عينيها كانت بتلمع بالقلق وكل ما تسمع صوت الرنة تطول وميردش قلبها يتقبض
ليلى كانت قاعدة على الكرسي سانده راسها بإيدها، وهي حاسة بتأنيب الضمير من ناحيته، بصت لأمها وقالت
- مبيردش برضو يا ماما؟
نفخت فاطمة بضيق وقالت
ولا الهوا، بيكنسل وساعات يسيبه يرن لما يفصل، أبوكي عمره ما عملها، عمره ما ساب البيت لا في رمضان ولا في غيره، أنا خايفة يكون جراله حاجة ولا ضغطه علي و وقع في أي حتة
قامت ليلى وقفت وحطت إيدها على كتفها
- اهدي يا ماما إن شاء الله هيكون بخير، هو بس تلاقيه مضايق من اللي حصل، وأنتي عارفة بابا لما بيقفل من حاجة بيحب يفضل لوحده
يفضل لوحده فين والناس بتفطر؟ يفضل لوحده واللقمة محرمة علينا من غيره؟ أنا اللي واجع قلبي إنه مشي زعلان
نور الموبايل في إيدها فجأة ف فتحت السكة بلهفة
أيوا يا مصطفى، أنت فين قلقتنا عليك
جالها صوته من الناحية التانية، بس مكنش الصوت الحنين اللي متعودة عليه، كان صوته طالع ناشف و خالي من أي مشاعر وكأنه بيكلم حد غريب
انا كويس يا فاطمة، ملوش لزوم القلق دة كله
سكتت لحظة من صدمتها في نبرته وكملت بلجلجة
طب انت فين
في ارض الله، عموماً أنا فطرت والحمد لله، كلوا أنتوا ومحدش يستناني ولا يشغل باله بيا، أنا هقعد شوية مع نفسي ومش راجع دلوقتي
حاولت فاطمة تجنن قلبه ف قالت
البيت ملوش طعم من غيرك يا مصطفى، ارجع وان شاء الله كل حاجة هتتحل..
قاطعها بحدة وهو بيقفل الكلام
قولتلك قفلي على الموضوع ده يا فاطمة، أنا مش عيل صغير عشان تطلبي مني أرجع والقرار اللي أخدته مبرجعش فيه، سلام
وقبل ما تلحق ترد كانت السماعة أعلنت عن انتهاء المكالمة، نزلت إيدها ببطء وهي بتبص لليلى بكسرة
- قال إيه يا ماما؟
قعدت فاطمة على أقرب كرسي بقلة حيلة
بيقول فطر وخلاص، ومش عايز حد يسأل عليه، أبوكي بيعاقبنا ببعده
سكتت ليلى وبصت لسفرة الفطار اللي لسه زي ما هي، رجع الصمت تاني للبيت بس المرة دي وهي شايلة ذنبه، اما فاطمة، ف متوقعتش إنه في يوم يقسى عليهم كدة
في شقة سيف، كان قاعد في اوضته بيمارس هوايته المفضلة وبيصلح راديو صغير قديم كان باظ من كريمة، قاعد على طرف السرير ولابس نضارة القراءة اللي بتبرز تركيزه وحواليه مفكات ومسامير رفيعة مرصوصة بدقة تامة، هوايته دي كانت دايماً هي الملاذ لما الدنيا تضيق بيه، بيحب يفكك الأشياء ويصلحها كأنه بيحاول يصلح اللي انكسر جواه
من ورا الباب الموارب، صوت التليفزيون في الصالة كان واصل لعنده، كريمة كانت قاعدة بتتفرج على فيلمها المفضل "الباب المفتوح"
سيف في الأول مكنش مركز مع الصوت، كان كل همه ترس صغير معصلج معاه، لكن فجأة، نبرة الصوت اللي طالعة من التليفزيون خطفت قلبه قبل ودنه، سكتت إيده عن الحركة تماماً لما سمع صوت صالح سليم الهادي وهو بيقرأ الجواب بإحساس عالي
"عزيزتي ليلى .. ماذا أفعل؟ ماذا أفعل في الفكرة المجنونة التي سيطرت عليّ؟ فكرة أنكِ لي .. وأنا لكِ .. مهما طال الزمان
الاسم لوحده كان كفيل يخليه يحس بكهربا سارية في جسمه، غمض عينيه بقوة والراديو اللي في إيده مبقاش له وجود، الكلمات كانت بتنزل على قلبه زي المطر على أرض صابها الجفاف، كمل الصوت وهو بيقول
" إن الخطأ الوحيد الذي ارتكبتيه، هو أنكِ جعلتيني أراكِ .. وأنكِ جميلة "
ساب الراديو ببطء وسند ضهره على السرير وهو بيبص لسقف الأوضة، حس إن الكلام ده مكتوب له هو مخصوص عشان يتقال لليلى بجد، افتكر أول مرة شافها فيها بعد ما رجع، وافتكر جمالها اللي زاد رغم الحزن اللي في عينيها
* الفكرة المجنونة
همس لنفسه بوجع
* فعلاً يا ليلى، فكرة إنك ليا وأنا ليكي هي اللي مخلياني صامد لحد دلوقتي، هي اللي مخلية النفس بيطلع ويدخل رغم كل البيبان المقفولة
فضل تايه في صوته الداخلي والفيلم لسه شغال برا، بس هو مبقاش سامع غير صدى اسمها، افتكر فاتحتها اللي اتقرت على واحد تاني غيره، وان هي دي زي الحيطة السد اللي بينهم، نزلت دمعة من عينه مسحها بسرعة بضهر إيده الخشنة، بص للمفك وقال بمرارة
* أنا بعرف أصلح أي حاجة يا ليلى، أي تروس معصلجة بعرف أرجعها تمشي تاني، إلا حياتي وحياتك
اتنهد تنهيدة طويلة وحاول يرجع يركز في الراديو اللي قدامه، بس إيده كانت بتترعش، الكلمات سابت فيه أثر مبيتمحيش وجددت جواه يقين غريب، إن ليلى جميلة لدرجة إنها تستاهل إنه يحارب الدنيا كلها عشانها، حتى لو كان السلاح الوحيد اللي في إيده هو الصبر
الصباح كان لسه في بدايته ونور الشمس المتسلل من مناور السلم كان رقيق وهادي، خرجت من شقتها وهي بتعدل شنطتها على كتفها، ملامحها كان باين عليها السهر بس عينيها كانت صافية لأول مرة من أيام، نزلت السلم و نفس اللحظة باب شقة سيف اتفتح وخرج وهو لابس قميصه المكوي بعناية وماسك ملف أوراقه في إيده وعزمه متجدد رغم خيبات الأماني بتاعة الأيام اللي فاتت
اتقابلت نظراتهم والوقت كأنه وقف لثواني، اتسمر مكانه وقلبه بدأ يدق بعنف، أما عنها، ف حست برعشة خفيفة بتمشي في جسمها، النظرة كانت طويلة ومليانة عتاب وشوق وكلام كتير محبوس، لكن بسرعة سيف فاق لنفسه ونزل عينه للأرض احتراماً لحرمة الجيرة والوضع الجديد، هي كمان بصت في الأرض وهي بتعدل طرحتها بتوتر، لكن المرة دي اتشجعت وكسرت الصمت بصوت رقيق ومبحوح وقالت
- صباح الخير يا سيف، عامل إيه؟ طمني على حالك
رد وهو لسه باصص للأرض وصوته كان هادي ورزين
* صباح النور يا ليلى، الحمد لله في نعمة كبيرة من ربنا
سكت لحظة وكمل وهو بيلف عشان ينزل السلم
* عن إذنك عشان متأخر على ميعادي
كان خلاص هينزل أول درجة والمسافة بينهم بدأت تبعد، لكنها حست إنها لو ممسكتش اللحظة دي ممكن تضيع منها للأبد، نادت عليه بصوت مسموع لكن فيه لهفة
- سيف
وقف مكانه من غير ما يلف كأنه خايف يواجهها، قربت خطوة وقالت بسرعة وكأنها بتخفف حمل عن قلبها
- انا .. أنا نهيت الموضوع .. مفيش عريس خلاص، ويحيى مشي ومبقاش فيه خطوبة
الكلمة وقعت عليه لجمته، لفلها ببطء وعينيه كانت واسعة من الصدمة، ملامحه اتجمدت وهو بيحاول يستوعب اللي سمعه وفضل ساكت لثواني طويلة بيبصلها وكأنه بيسألها بعينه
أنتي بتتكلمي بجد؟
الفرحة بدأت تتسلل لوشه بس كان لسه مذهول مش قادر ينطق ولا كلمة، لما شافته كدة ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالتله برقة
- انا حبيت أقولك بس عشان تبقى عارف
وقبل ما يلحق يرد أو يجمع شتات نفسه سبقته ونزلت السلم بخطوات سريعة وسابته واقف مكانه في الطرقة مذهول، بس قلبه كان بيرقص من الفرحة
فضل واقف مكانه لعدة دقايق بيبص للفراغ وهو مش مصدق إن الجبل اللي كان سادد طريقه انزاح، حس بطاقة غريبة بتجري في عروقه وبص لملف الأوراق اللي في إيده بنظرة تانية خالص، أخد نفس عميق وطلعه بابتسامة نصر ونزل السلم بخطوات واسعة وسريعة والحماس كان مالي قلبه وروحه وقرر إن النهاردة مش هيرجع غير وهو لاقي شغل بأذن الله، الأمل رجع يفتح شبابيك قلبه من تاني، وصورتها وهي بتقوله الخبر بقت هي الوقود اللي هيخليه يهد الصخر عشان يوصلها
المحل كان مبهج بشكل ملفت للنظر، أشعة الشمس داخلة من الإزاز ومنعكسة على نقط الماية اللي ليلى كانت بترشها على الورد بحب، كانت بتتحرك في المحل زي الفراشة، وشها فيه نضارة غريبة وابتسامتها مش مفارقة شفايفها
نرجس كانت واقفة بتراقبها وهي مستغربة، شافتها وهي بتمسك المقص وبتقص فروع الزرع الزيادة بسرعة ونشاط وبترص البوكيهات بذوق عالي وكأنها بترسم لوحة مش مجرد بتأدي شغلها وخلاص
قربت منها وحطت إيدها على كتفها وهي بتضحك
دة إيه النشاط والحلاوة دي كلها؟ ده أنتي من يومين كنتي حاسة باليأس، والنهاردة كأنك شربتي إكسير الحياة، قوليلي إيه اللي حصل قلب حالك كدة؟
لفتلها وعينيها بتلمع بلمعة نرجس ماشفتهاش من سنين، ضحكت وقالت وهي بتنضف ورقة وردة بإيدها
- قابلته الصبح على السلم وأنا نازلة
اوعي يكون ابوكي شافكم
طمنتها وهي بتكمل شغلها بهمة
- لا مشفناش، اللقاء كان سريع أوي، واستغليت الفرصة وقولتله، قولتله إن موضوع يحيى انتهى ومبقاش فيه خطوبة ولا عريس، وسيبته ونزلت قبل ما ينطق بكلمة
سكتت نرجس شوية وملامحها قلبت لجدية وهي بتبصلها
طيب وبعدين؟ فرحانة إنك قولتيله، بس أنتي متوقعة إيه اللي يحصل بعد كدة؟ أبوكي لسه قافل دماغه، وسيف لسه بيخبط في الدنيا إيه اللي هيتغير يعني؟
سابت الورد من إيدها وبصت لنرجس بنظرة كلها ثقة ويقين وقالت بصوت هادي بس قوي
- مش متوقعة .. انا متأكدة، أنا شوفت الصدمة في عينه وبعدها شوفت الأمل اللي رجع نور وشه في ثانية، سيف كان محتاج يعرف إن الطريق لسه مفتوح عشانه، وأنا واثقة فيه، واثقة إنه مش بس هيحاول، ده هيحفر في الصخر عشاني وعشان يثبت لبابا إنه يستاهلني
نرجس هزت راسها وقالت
يا خوفي من عشمك ده يا ليلى، بس يا رب يكون قد ثقتك دي
رجعت ترش الماية على الورد وهي مبتسمة بـ هدوء
- هيكون قدها، الحب لما بياخد فرصة تانية بيبقى أقوى بكتير من المرة الأولى، وسيف مش هيضيعني من إيده المرة دي
الشقة كانت هادية زيادة عن اللزوم بطريقة تخنق، فاطمة كانت قاعدة في الصالة بعد ما خلصت شغل البيت، التليفزيون شغال بصوت واطي ملوش ملامح، وهي عينها على كرسي مصطفى اللي بيقعد عليه دايما
اتنهدت تنهيدة طويلة وحطت إيدها على خدها وسرحت في حالهم
أخرتها إيه في القسية دي يا مصطفى؟
همست لنفسها بمرارة، هي عارفاه وعارفة إن قلبه أبيض زي البفتة، بس عِنده جبل مبيتهدش بسهولة، شريط العمر مر قدام عينيها، سنين طويلة شالوا فيها الشيلة مع بعض، الحلوة والمرة، مكنش بيعدي عليهم يوم وهما مخاصمين بعض كدة، حتى لما كانوا بيختلفوا كان بيجي بكلمة طيبة أو هي تروحله بكوباية شاي ويخلص كل شيء
بصت لصورة فرحهم القديمة اللي متعلقة في الصالة وقالت
كبرنت واتغيرنا يا مصطفى، ولا الدنيا هي اللي قسّت قلوبنا على بعض؟
هي حاسة بوجعه وعارفة إن كسر كلامه قدام الناس في موضوع يحيى وجعه في كرامته، بس هي كمان أم ومكنتش تقدر تشوف بنتها بتتدبح قدام عينيها وتسكت
قامت ببطء ودخلت المطبخ شافت اطباق الرز بلبن اللي هو بيحبه، كانت عاملاها من يومين وملمسهاش، طلعتها وحطتها على الرخامة وفكرت
الخصام ده بياكل من عمرنا، وإحنا مبقاش في عمرنا قد اللي فات، لبنت ومستقبلها حاجة، و ودنا وعشرتنا حاجة تانية خالص
بدأت ترتب في دماغها هتقوله إيه لما يرجع، مش هتعاتبه ولا هتجيب سيرة سيف ولا يحيى، هي بس هتروح تقعد جنبه وتطبطب على كتفه وتقوله حقك عليا، فكرت إن القسية مبتولدش غير قسية، وإنها لازم تكون هي الميه اللي تطفي ناره
في شقة سيف، كان قاعد على الكنبة ساند ضهره ورافع راسه للسقف ورجليه مفرودة قدامه بتعب، اليوم عدا زي اللي قبله مشي وتدوير ورفض، لكن الغريب إن قلبه المرة دي مكنش مقبوض
لأول مرة ميحسش باليأس اللي كان بياكل روحه، كان بيفكر فيها وفي الفرصة التانية اللي ربنا بعتهاله على طبق من دهب لما موضوع يحيى انتهى، همس لنفسه وقال
* مش هسكت يا ليلى .. ميت شركة، ألف باب، هخبط عليهم كلهم لحد ما واحد فيهم يتفتح، لازم أقف على رجلي قبل ما حد تاني يجي يطلب إيدك، المرة دي مش هسيبك تضيعي مني
قطع حبل أفكاره أدهم وهو داخل الصالة بابتسامة رمى نفسه جنبه على الكنبة بخفة وقال
سرحان في إيه؟ يا رب يكون في اللي شاغل بالنا كلنا
ضحك خفيف وطبطب على كتفه
* سرحان في كرم ربنا اللي ملوش آخر
عدل ادهم قعدته وبصله بجدية فجأة
بقولك يا سيف، انا عايز أسألك على حاجة من زمان ومكسوف، هو أنت حبيت ليلى إزاي؟ يعني لا كان بينكم كلام ولا خروجات ولا تعامل مباشر، الحب ده جه منين؟
سكت لحظة وابتسامة دافية اترسمت على وشه وهو بيفتكر
* الحب مش محتاج كلام كتير يا أدهم، ليلى كانت قدام عيني من سنين، من واحنا صغيرين، كنا قريبين من بعض اوي لحد ما كبرنا وبعدنا، شوفت أدبها، أخلاقها، مشيتها في الحارة وهي حاطة عينها في الأرض، وتدينها اللي ظاهر في أبسط تصرفاتها، كل ده خلاني أحترمها قبل ما أحبها، وبعدين يا سيدي اللهم بارك، ربنا خلقها جميلة قلباً وقالباً، يعني تتحب من أول نظرة ومن غير ولا كلمة
أدهم غمزله بهزار
يا سيدي يا سيدي على الرومانسية، ده إحنا وقعنا بجد بقا
كان لسه هيرد لكن الباب خبط وقطع كلامهم، قام ادهم يفتح وهو بيبرطم
مين الفصيل اللي بيخبط دلوقتي دة؟
أول ما فتح الباب ملامحه اتغيرت 180 درجة واتحولت لغضب واضح
انت؟! إيه اللي جابك هنا؟
كان مازن، واقف وشه باهت وباين عليه التردد
اذيك يا ادهم، سيف هنا؟
وقف سد الباب وقال
عايزين منه إيه تاني؟ ما تسيبوه في حاله بقا، وابعدوا عنه بشركم
قام سييف من مكانه وراح ناحية الباب
* في إيه يا أدهم؟ مين اللي على الباب؟
أول ما شاف مازن استغرب وساد صمت بينهم لثواني، اتكلم مازن بلهجة فيها رجاء وقال
سيف .. أنا عايزك في كلمتين ضروري، ومش جاي أضرك والله
بصله بتمعن وبعدين بص لأدهم وقال بهدوء
* اتفضل
أدهم اتنرفز وبصله بصدمة
أنت هتدخله بجد يا سيف؟ اللي زي ده المفروض يتطرد برا
سيف بصله بحدة وقال
* ادهم عيب
سكت ودخل الأوضة وهو مضايق، شاور سيف لمازن يقعد، قعد على اقرب كرسي وقال
سيف .. أنا مش جاي عشان حاجة غير إني أنبهك، وليد مش سايبك في حالك وعايز يرجعك السكة تاني بالعافية
* يعمل اللي يعمله، ميهمنيش
كمل بأسف وقال
انا عارف، بس هو فعلا مش سايبك في حالك، انت عارف ليه كل الشركات بترفضك؟ وليد هو اللي مسلط عليك ناس، أخوه الكبير شغال في مكتب توظيف وعلاقاته واسعة، وهو اللي مطلع عليك سمعة في كل الشركات عشان مفيش شركة تقبلك فتضطر تطلب مساعدته لما تضيق بيك
اتصدم و حس إن الأرض بتلف بيه، كل التعب والمشي تحت الشمس ونظرات الرفض الباردة كانت بفعل فاعل، كمل مازن وقال
أنا حبيت أحذرك بس، أنت نضيف و مش شبهنا، ومتستاهلش اللي وليد بيعمله فيك ده، انا قولت اللي عندي، وربنا معاك
فضل مكانه مذهول مش عارف ينطق، مازن انسحب بهدوء وخرج وقفل الباب وراه، وساب سيف وسط دوامة من الغضب والذهول، عرف أخيراً إن عدوه مش الماضي، عدوه هو وليد اللي لسه بيحفر تحت رجليه بكل قوته
رواية بين الردي والهدي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نوري
بيت مصطفى كان زي كل يوم ساكت وكئيب، مبقاش فيه روح زي الأول ولا حتى ضحكة فاطمة ودلع ليلى وحنية مصطفى عليهم، كل دة راح مع اول عاصفة هجمت عليهم، لكن المرة دي، فاطمة قررت متسكتش، مع اول دقة ساعة لميعاد رجوعه، فتح مصطفى باب الشقة ودخل، مرماش السلام بلسانه بس عينه جت في عينها لثانية واحدة، نظرة كان فيها زعل بيحاول يداريه ورا قناع الجمود، ملامحه شاحبة والقميص اللي كان دايماً بيفخر بنضافته وكويه كان مكرمش، كأنه بيعكس الكركبة اللي جوه عقله
مشي لأوضة النوم و قفل الباب وراه بهدوء، قلع جاكتته ورماها على الكرسي وقعد على طرف السرير وفضل باصص للأرض بهم، بعد دقايق اتفتح الباب ببطء شديد وظهرت فاطمة، دخلت من سُكات وقعدت جنبه على السرير، مرفعش راسه ولا اتكلم ف بدأت هي وقالت بصوت واطي ودافي
مش كفاية زعل بقا
مردش عليها ف قربت منه شوية ومدت إيدها ببطء وحطتها على كتفه وبدأت تطبطب عليه بحنان وهي بتقول
والله يا مصطفى البيت كان ضلمة من غيرك، هون على نفسك، أنت سيد البيت وتاجه، وميرضناش أبداً إنك تنام وأنت شايل مننا ومحمل كدة
رفع راسه وبصلها بعتاب
أنا مكنتش عايز غير إني أطمن عليها يا فاطمة، مكنتش عايز غير إني أختارلها الطريق اللي ميتعبهاش
مسكت إيده بين إيديها الاتنين وقالت
عارفين يا اخويا، والله عارفين إنك بتعمل كدة من حبك فيها، بس النصيب غلاب يا مصطفى، والقلوب دي بين إيدين ربنا، أنت طول عمرك كبيرنا وعلمتنا إن البيوت بتتبني بالود مش بالعند، حقك عليا أنا لو كنت قسيت في الكلام أو لومتك، وحقك على ليلى هي كمان، أنت عارف غلاوتك عندها
سكت وبدأ التلج اللي جواه يدوب قدام حنيتها، سحب إيده ومسح بيها على وشه بتعب وقال بنبرة أهدى
أنا تعبت يا فاطمة، تعبت من التفكير ومن خوفي عليها، الدنيا برا مبقتش ترحم، وأنا كنت فاكر إني بقفل الباب في وش أي ريح ممكن تأذيها
ابتسمت بـ هدوء وقربت منه أكتر وسندت راسها على كتفه
فوض أمرك للي خلقك وخلقها، المهم إننا نفضل مع بعض ومنضيعش اللي فاضل من عمرنا في خصام وزعل، ارجع اضحك في وشنا تاني يا مصطفى، ده البيت من غير ضحكتك ملهوش روح
لف وشه ليها وبص في ملامحها اللي عاشت معاه الحلوة والمرة، ملامحه لانت و أخد نفس طويل وطلعه براحة وكأنه كان مستني اللحظة دي عشان يرمي حمله
ماشي يا فاطمة، أنتي دايماً بتغلبيني بلسانك الحلو ده
ضحكت بخفة وقامت وقفت
ده قلبي الحلو اللي بيحبك، قوم اتوضى وصلي ركعتين لله عشان قلبك يهدى ونعرف ننام وإحنا مرتاحين
ابتسملها وحس إن الحيطة اللي بناها العند بدأت تتهد، وإن دفا فاطمة وحنيتها هما الوحيدين اللي قدروا يرجعوه لبيته بجد
أوضتي كانت ضلمة، مفيش فيها غير النور اللي طالع من شاشة اللاب توب، كان ضارب في عيني كأنه كشاف حقيقة بيواجهني بكل اللي هربت منه، الماوس في إيدي وعيني متثبتة على السطر اللي فيه اسم الشركة القديمة، تلات سنين .. تلات سنين من عمري، تعب وسهر وشغل كان المفروض يبقوا هما السلم اللي هيطلعني لفوق، لكن النهاردة بقوا هما القيد اللي وليد ماسكه بيلوي بيه دراعي
أخدت نفس طويل وحسيت بمرارة في حلقي وأنا بضغط على زرار Delete، شوفت الحروف وهي بتتمسح قدام عيني حرف ورا حرف كأني بمسح حتة من تاريخي، بس كان لازم أعمل كدة، الشركة دي مبقتش فخر في الـ CV بتاعي، دي بقت خيط بيوصل أي حد بيسأل عني لوليد وأخوه
* معلش يا سيف، ابدأ من الصفر كأنك لسه متخرج امبارح، أنضف وأشرف من إنك تفضل تحت رحمة ناس عايزين يغرقوك معاهم
قولتها لنفسي بصوت واطي وبدأت أعدل في البيانات، ركزت على مهاراتي الشخصية، دوراتي ولغتي وبدأت أبعت إيميلات لشركات صغيرة و مكاتب بتشغل ناس أونلاين من البيت، مكنتش مستني منصب ولا مرتب خيالي، كنت مستني باب يتفتح بس، باب ملوش علاقة بوليد ولا بالماضي،
* هبدأ من الصفر .. المهم أمشي في طريق ملوش عيون ليهم فيه
قفلت اللاب توب وحسيت إن شلت حمل تقيل، بس فيه مواجهة تانية كانت مستنياني في الصالة، خرجت لقيت أمي بتسبح وبتحمد ربنا بعد ما خلصت صلاتها، قعدت على الأرض جنب رجليها وسندت راسي على الكنبة بتعب، حطت ايديها على كفي وابتسمتلي، رديت الإبتسامة ومستنتش اكتر من كدة وقولت
* أمي .. أنا فكرت في حاجة تانية تسندنا الفترة دي لحد ما موضوع الشركات ده يظبط
بصتلي بحنان وقالت
قول يا قلب أمك، ربنا يفتحها في وشك يا رب
أخدت نفس وقولت بعزم
* أنا هشتغل أوبر
استغربت وقالت
اوبر؟
* ايوا، الشغل مش عيب يا أمي، وأنا مش هفضل قاعد مستني الشركات تمن عليا بفرصة و وليد لسه بيحفر ورايا، هشتغل بموتوسيكل أتحرك بيه في الزحمة وأجيب قرشي بعرق جبيني ومحدش ليه سلطة عليا
شوفت القلق في عينيها وهي بتقول
يا حبيبي متستعجلش، أنت متعلم ومعاك شهادة، اصبر وشوف شركة كويسة تليق بيك، الموتوسيكلات خطر والشغلانة دي هتاخد من وقتك وصحتك
مسكت إيدها وبوستها وقولت
* يا ست الكل القعدة هي اللي بتخلص على الصحة، أنا هشتغل كدة مؤقتاً عشان أقدر أصرف على نفسي وعلى البيت، وعشان لما أروح أتقدم لليلى تاني أكون واقف على أرض صلبة ومحدش يكسر عيني، الشغل شرف يا أمي، وأنا مش عايز أمد إيدي لحد
سكت شوية وكنت متردد، فركت إيدي في بعضها وقولت
* بس .. أنا كنت محتاج مساعدتك، الموتوسيكل محتاج مقدم عشان أشتريه بالقسط، وأنا والله يا أمي أول ما أقف على رجلي هرجعلك كل قرش، اعتبريه دين في رقبتي
ابتسمت وطبطبت على وشي وقالت برضا
دين إيه يا أهبل، أنت ابني وسندي، والفلوس اللي شايلاها للزمن متغلاش عليك، قوم يا سيف، ربنا يبارك في خطوتك ويفتحلك أبواب الرزق الواسعة، الفلوس جاهزة، والمهم عندي أشوفك رافع راسك ومبسوط
بوست ايديها وسندت راسي على رجليها، بدأت تلعب في شعري زي زمان وغمضت عيني وانا مطمن وبحمد ربنا إنه رزقني بأم زيها
دارت عجلة الأيام ومعاها بدأت تتبدل ملامح الحزن اللي خيمت على البيوت لفترة، سيف رجع يشتغل من تااني. وبمساعدة كريمة اللي قدمت شقى عمرها بحب، جاب الموتوسيكل وبدأ يخط طرقه الخاصة بعيداً عن عيون وليد وغدره
كل يوم بيبدأ مع خيوط الفجر الأولى، يلبس خوذته ويشق الزحمة، يلف من شارع لشارع ومن حي لحي وعرق جبينه نازل على وشه بكرامة، يشتغل بجد ونشاط لحد وقت العصر وبعدين يرجع لبيت ربنا، يسيب تعب الشغل برا المسجد ويدخل يقعد وسط الأطفال، يرجع الشيخ سيف اللي بيغرس في قلوبهم الآيات، ينسى هموم الدنيا وهو بيسمع أصواتهم البريئة بتكرر وراه، وبعد ما المغرب تأذن، يطلع البيت ويفطر لقمته وسط ضحكة أمه وهزار أدهم اللي مبيخلصش، وبعدين ينزل تاني يلف الشوارع تحت أضواء العواميد لحد نص الليل وهو حاسس إن كل مشوار بيقربه خطوة من حلمه .. ليلى
أما هي، فكان حالها زي الورد اللي بدأ يفتح من تاني بعد ما كان دبلان، وشها رجعله النور وحركتها في محل الورد بقت كلها بهجة، كانت بتعرف أخبار سيف بالتفصيل فمن كريمة وفاطمة اللي رجعوا لودهم القديم، وكل قعدة عصرية كانت كريمة بتحكي لفاطمة عن كفاح سيف وعن الموتوسيكل وإصراره إنه ينجح، وفاطمة بدورها كانت بتنقل الكلام لليلى اللي كانت بتسمع و قلبها بيدق بفخر وحب وتدعيله في سرها
وفي بيت مصطفى، الجو بقى أهدى بكتير، فاطمة عرفت بذكائها تمتص غضبه والهدوء رجع يرفرف على الجدران، رجع يتكلم ويضحك هو وليلى من تاني، لكن كان فيه اتفاق غير معلن بينهم أن محدش بيجيب سيرة يحيى وكأنه مكنش، ولا حد بيجيب سيرة سيف وكأنه لسه الجرح اللي محتاج وقت عشان يلم، مصطفى كان بيشوفها مبسوطة فـ بيطمن، وليلى كانت بتراعي خاطر أبوها فـ بتسكت، وكل واحد فيهم مستني القدر يرمي ورقتُه الأخيرة
الدنيا كانت ماشية بتناغم غريب، وكأن الكل بياخد نفس عميق قبل الخطوة الكبيرة الجاية، سيف بيبني في صمت، وليلى بتدعي في يقين، والحارة كلها شاهدة على سيف الجديد اللي بيحفر في الصخر عشان يوصل لبر الأمان
وفي يوم، الليل كان سادل ستايره على شوارع القاهرة والجو فيه نسمة برد بتخبط في وشه وهو سايق، كشافات العربيات كانت عاملة زي خطوط نور طويلة مبتخلصش، وصوت المواتير هو الموسيقى التصويرية الوحيدة في الخلفية، كان لابس الجاكيت بتاعه والخوذة فوق راسه وعينه على الموبايل اللي محطوط قدامه مستني الطلب الجاي
بعد شوية، نور الموبايل بإشعار طلب جديد، المكان كان في حتة مقطوعة شوية ورا ورش العربيات القديمة، حتة ضلمة والأنوار فيها يدوبك فانوسين تلاتة شغالين، مخدش في باله وضغط قبول واتحرك بالموتوسيكل وهو بيتمتم بالأذكار عشان ربنا يحفظه في طريقه
وصل للمكان وركن الموتوسيكل على جنب، الشارع كان هادي زيادة عن اللزوم والضلمة كانت محاوطة المكان من كل ناحية، مفيش غير صوت تكتكة الموتوسيكل وهو بيبرد، لمح من بعيد خيال واحد واقف ساند ضهره على شجرة قديمة، والسيجارة في إيده منورة زي عينه في الضلمة
أول ما لمحه بدأ يتحرك ببطء ناحية النور، سيف قلبه انقبض، لمشية دي وطريقة مسكة السيجارة وحتى الضحكة اللي بدأت تظهر بوضوح تحت ضوء الكشاف الضعيف، بانت الملامح اكتر وعرف مين الشخص اللي زي المجهول
وقف وليد قدام الموتوسيكل، رمى السيجارة تحت رجله وداس عليها ببرود وبص لسيف بنظرة استهزاء من فوق لتحت
يا أهلاً يا أهلاً، سيف بنفسه هو اللي جالي؟ والله ودارت الأيام وبقيت بتلف بالشوارع عشان مليمين وتوصيلة
قبض إيده على جادون الموتوسيكل وحس بدمه بيفور، لكن رسم على وشه هدوء مخيف وقال بصوت رزين
* لو عايز تروح مشوارك اركب من سكات، لو مش عايز خليني أمشي أشوف أكل عيشي، معنديش وقت أضيعه معاك
ضحك بصوت عالي وخطى خطوة قرب فيها من سيف أوي
معندكش وقت؟ ده أنت بقيت غلبان أوي يا سيف، قولي بقا، ليلى عارفة إنك بقيت شغال سواق؟ ولا فاكرة إنك لسه المحاسب اللي بيقعد في مكاتب مكيفة؟ تفتكر أبوها لو شافك وأنت لابس الخوذة دي وماشي تشحت الرزق في الشوارع، هيرضى بيك؟
بصله بثبات يهد الجبال ونظرة عينه كانت حادة زي الموس
* لو مستغني عن نفسك جيب اسمها على لسانك تاني. وبعدين ريح نفسك، هي عارفة إني راجل، والراجل بيتعرف بشقاه وتعبه مش بقعدة القهاوي والفلوس اللي بتيجي من الحرام يا وليد، الرمية اللي أنت شايفها دي، هي اللي مخلية راسي مرفوعة قدام الدنيا كلها، انا هنا بشتغل بعرق جبيني ومحدش ليه عندي حاجة، لا أنت ولا أخوك ولا أي حد من اللي بيحاولوا يسدوا في وشي الأبواب
وشه اتغير وبدأ يستفزه أكتر بخباثة
تبواب إيه اللي بتتكلم عنها؟ أنت لسه مشوفتش حاجة، طول ما أنت عامل فيها شيخ وبتبعد عننا هتفضل تلف كدة زي النحلة ومتلاقيش بر أمان، ارجع يا سيف، احنا لسه شاريينك، والمكان لسه موجود والقرش هيجري في إيدك تاني وتتعدل أحوالك بدل الموتوسيكل ده
ابتسم ابتسامة فيها ثقة وبرود خلت وليد يستغرب للحظة، عدل خوذته وقال وهو بيشغل الموتوسيكل
* تعرف يا وليد، أنا النهاردة بس اتأكدت إني صح، تعبي واللف في الشوارع بكرامتي أشرفلي مليون مرة من إني أبص في وشك أو ألمس قرش من وراك، أنت فاكر إنك قافل الأبواب؟ أنت غلبان أوي، لأن الأبواب اللي بيقفلها بشر بيفتحها رب العالمين
كان لسه هيكمل كلامه لكن سيف داس بنزين بقوة خلت الموتوسيكل يطلع صوت عالي غطى على المكان كله وقاله وهو بيتحرك ببطء
* الطلب متكنسل يا وليد، دور لك على حد شبهك يوصلك، أنا مشواري بعيد عنك أوي، ومستقبلي أنضف بكتير من إنك حتى تلمحه
سابه واقف في نص الضلمة ومشي بموتوسيكله وسط الضلمة، كان حاسس بانتصار غريب، المواجهة دي بدل ما تكسره قوته بزيادة وعرف إن وليد أضعف بكتير مما يتخيل، وإن نضافة طريقه هي اللي جننته بالشكل دة
ريحة السمنة البلدي كانت مغرقة بيت ليلى ومخلية له روح تانية خالص، طبلية كبيرة كانت محطوطة في نص الصالة وحواليها لمتهم اللي بتطمن القلب، ليلى كانت قاعدة ومربعة وهي لابسة عباية بيتي مريحة وماسكة المنقاش بتركيز وكأنها بترسم لوحة فنية مش مجرد كحكة
مصطفى أول ما شم ريحة الدقيق والخميرة، عرف إن الاحتلال النسائي بدأ في لبس قميصه وأخد مفاتيحه وهو بيضحك
أنا هنزل أقعد مع الرجالة شوية عشان أسيبكم براحتكم، الله يعينك يا فاطمة على اللي هتعملوه في المطبخ
أول ما باب الشقة اتقفل، بصت فاطمة لكريمة وقالت
اهو نزل يا ستي، اقلعي بقا الطرحة دي وفكي كدة عشان نعرف نشتغل بذمة
ضحكت وهي بتشمر كمامها
والله يا فاطمة مليش نفس أعمل حاجة، بس قولت لازم نفرح العيال، وسيف بيحب الكحك من إيدك أوي
ليلى انتبهت أول ما جابت سيرته، نزلت راسها أكتر في المنقاش بس فاطمة غمزت لكريمة وقالت
يا ستي سيف يستاهل كل خير، ده ابني الغالي، وبكرة ياكل منه في بيته وهو متهني يا رب
قلبها كان بيرقص من الفرحة وهي بتسمعهم، بصتلها كريمة وقالت بحنان
ادعيله يا ليلى معاكي
اتنهدت تنهيدة دافية وقالت بصوت رقيق
- ربنا يقويه يا طنط، والله هو تعب أوي وكلام الناس في الحارة عن اجتهاده وشغله بيوصلني وببقى نفسي أقول للدنيا كلها إنه أجدع راجل في الدنيا
فاطمة كانت بتبس العجين بإيدها بمهارة والجو كان مليان أصوات تكتكة المناقيش على الصاجات وضحكاتهم اللي طالعة من القلب، بصتلهت وقالت
الصبر آخره كرم يا بنتي، ربنا يجعله في كل خطوة سلامة ويرزقه بلطف
ابتسمت لمامتها ورجعت تنقش الكحك من تاني، وكأنها بتبعت فيهم رسايل حب مستخبية لسيف مع كل واحدة بتنقشها وبتبتسم وهي حاسة إن العيد السنة دي له طعم مختلف، طعم فيه ريحة الانتصار والبدايات الجديدة
كانت الساعة داخلة على نص الليل، حط سيف مفتاحه في الباب ودخل بخطوات هادية، ملامحه كان باين عليها إرهاق يوم طويل في شوارع القاهرة لكن حمد ربنا على نعمة الشغل اللي معاه دلوقتي
دخل الصالة لقى أدهم قاعد لوحده ممدد رجليه وماسك موبايله والبيت حواليه ساكت مفيش فيه حس كريمة ولا دبة رجليها الحنينة، ساب خوذته على الترابيزة وبصله باستغراب
* البيت ماله هادي كدة ليه؟ أمي فين؟
رفع عينه من الموبايل وقال
أمي؟ أمي زمانها دلوقتي غرقانة في الدقيق تحت عند ليلى بتعمل الكحك، وقالتلي شوية كدة وهتكلمني عشان أنزل آخد الصواني أوديها الفرن
أول ما سمع اسمها عينيه لمعت ببريق مكنش موجود من لحظات، حس بقلبه بدأ يدق بانتظام مختلف وجت في باله فكرة، سحب كرسي وقعد قصاد أدهم وحاول يرسم على وشه براءة مصطنعة وقال
* يعني أنت يا أدهم هتنزل تشيل الصواني التقيلة دي كلها لوحدك وتوديها الفرن وتجيبها؟
أدهم فهم اللعبة فوراً و ساب الموبايل وضحك ضحكة عالية وهو بيبصله
لوحدي؟ طب ما أنت موجود أهو يا هندسة، ولا أنت تعبان وعايز تنام؟
نط من مكانه ورمى نفسه على الكنبة جنبه بحماس زي الأطفال وبصله بعيون واسعة وهو بيضحك
* أنام إيه بس ده أنا بموت في الكحك، وأنت عارف إن كحك طنط فاطمة ملوش زي ولازم الواحد يطمن على العجين وهو رايح الفرن بنفسه
أدهم خبطه على كتفه بـ هزار
يا واد يا بتاع العجين أنت، قولي إنك عايز تلمح ذات الرداء الاحمر ومكسوف،بقى الشيخ سيف الوقور هينط من الفرحة عشان ينزل يشيل صواني كحك؟
مكنش قادر يداري ضحكته اللي طالعة من القلب
* يا أخي ارحمني بلسانك ده، قوم بس ألبس وخلينا نجهز، أول ما الموبايل يرن عرفني، أنا مش هسيب أخويا الصغير يشيل الحمل ده لوحده أبداً، الجدعنة بتقول كدة
فضلوا الاتنين يضحكوا وسيف مكنش بيفكر في تعب السواقة طول اليوم، كان بيفكر بس في اللحظة اللي هيدخل فيها البيت هناك ويشوف نظرة عينيها اللي بتغنيه عن تعب الدنيا كله
بعد شوية، نزل سيف وأدهم السلم بخطوات سريعة، ادهم كان عمال يغمز لسيف اللي كان بيعدل قميصه بتوتر كأنه رايح مقابلة رسمية مش رايح يشيل صاجات كحك، وقفوا قدام الباب ف أخد نفس عميق وطلعه ببطء قبل ما أدهم يمد إيده ويخبط الخبطة المميزة بتاعتهم
ثواني والباب اتفتح وزير ما كان بيتمنى ظهرت هي، كانت لسه بعباية البيت وطرحتها ملفوفة بعفوية، أول ما عينيها جت في عينه الابتسامة اترسمت على وشها تلقائيًا بخجل، أما سيف ف كل تعب اليوم داب وضحكلها ضحكة صافية طالعة من قلبه، دخل ادهم في النص وهو بيضحك في الخفى
الصاجات جاهزة ولا لسه؟ هاتي يا ستي الحاجة عشان نلحق نودي ونرجع
- اة .. اة حاضر
كانت لسه هتتحرك عشان تجيبهم لكن سيف وقفها بأيده وقال لأدهم بنبرة آمرة بس فيها هزار
* ادخل انت واحنا هنستناك
أول ما دخل ادهم عدل سيف من وقفته وقال بصوت هادي
* عاملة اية
ارتبكت وبصت للأرض وقالت
- الحمد لله، انت عامل اية
* بخير طول ما انتي بخير
ابتسمت ورجعت تبص للأرض بخجل وتوتر، قلبها كان بيدق لدرجة إنها خافت يسمعه، قرب منها خطوة لكنه حافظ على المسافة وقال بلهجة جدية بس فيها حنية مفرطة
* أنا عارف إن الوقت مش مناسب والظروف لسه بتعافر معايا، بس أنا مبقتش قادر أستنى أكتر من كدة، ليلى .. أنا ناوي أفتح الموضوع مع عمي مصطفى تاني بعد العيد، بس المرة دي وأنا واقف على رجلي وبشغلي، بس .. كنت محتاج أسمعها منك، لسه موافقة؟ لسه عايزة تكملي الطريق ده معايا؟
ارتبكت أكتر وحست إن الكلام هرب منها، لكنها ابتسمت بخجل وهي لسه بصة للأرض، ضحك وقال بهزار خفيف وهو بيحاول يلطف الجو
* والله أنا عارف إنك بتتكسفي من خيالك بس أنا محتاج ردك دلوقتي، ردك هو اللي هيخليني أمشي في الشوارع بكرة وأنا حاسس إني مالك الدنيا
رفعت عينها لثانية واحدة شافت فيها كمية الحب والرجاء اللي في عيونه، ضحكت ضحكة رقيقة وهزت راسها بموافقة بكل جوارحها
مكنتش الفرحة سايعاه، ضحكته وكأنه ملك الدنيا كلها، فضل باصصلها ونده على ادهم اللي كان لسة جوا ف قال وهو بيضحك
* يا أدهم .. سيب الكحك وهات الشربات
بعد ما خلصوا كل حاجة ورجع البيت لهدوءه تاني، كانت ليلى في اوضتها فاردة جسمها على السرير ومغمضة عينيها وكأنها بتحاول تحفظ صدى صوته ونظرة عينه في ذاكرتها
دخلت فاطمة ف ابتسمت بمكر الأمومة اول ما شافتها كدة وقربت منها
ايه يا ليلى؟ الكحك كان حلو اوي كدة؟
فتحت عينيها و وشها كان لسه منور بحمرة الخجل، قامت جريت عليها وحضنتها بقوة ودفنت وشها في كتفها وهي بتضحك
- يا ماما أنا مش مصدقة، سيف كلمني، سيف قالي إنه راجع يطلب إيدي تاني
طبطبت على ضهرها بحنان وهي بتهز راسها
وعارفة إنك وافقتي من غير ما تنطقي كلمة، شوفتها في عينك وأنتي داخلة المطبخ بتجري والضحكة على وشك
رفعت راسها وبصتلها بعيون بتلمع
- أنا فرحانة أوي يا ماما، فرحانة لدرجة إني مش مصدقة، شوفتي كان بيتكلم بثقة إزاي؟ شوفتي تعبه وشقاه في الشارع باين على وشه بس ضحكته لسه زي ما هي؟ قالي إنه مش هيستنى، وإنه هيفتح الموضوع مع بابا بعد العيد على طول
فاطمة اتنهدت تنهيدة فيها راحة ممزوجة بقلق وقالت
ربنا يتمملك على خير يا بنتي، ادعي لباباكي ربنا يلين قلبه ويهديه، أنتي عارفاه لما بيقف عند كلمة
مسكت إيدها وقالت بإصرار
- بابا هيوافق يا ماما، أنا متأكدة، لما يشوف سيف واقف قدامه بكفاحه ده مش هيقدر يرفض، سيف محفرش في الصخر عشان يتهزم في الآخر، وأنا هفضل جنبه لحد ما نعدي الحتة دي
فضلت ليلى تحكي لأمها كل كلمة قالهالها سيف، بتعيد وتزيد في التفاصيل وهي مش قادرة تبطل تبتسم، وفاطمة بتسمعها بصبر وحب وكأنها النهاردة رجعت طفلة صغيرة طايرة فوق الأرض
وفي يوم، الساعة كانت داخلة على اتنين بعد نص الليل، الشوارع بدأت تهدى وسكونها الموحش بيفرض نفسه على الشوارع الجانبية، سيف كان سايق الموتوسيكل والبرد بيخبط وهو في طريقه لآخر مشوار قبل ما يروح، دخل في شارع جانبي نوره ضعيف والمحلات اللي فيه قافلة من بدري، وقف يستنى الشخص اللي طلب وعينه عمالة تقفل من كتر النعاس، سمع صوت عجل عربية وراه لكن مهتمش، وفجأة، وقفت قدامه بالعرض ونزل منها تلات أشخاص ملامحهم متدارية ورا كوافي وشالات وفي عصيان، قرب منه واحد وقال
انزل من على المكنة يا روح أمك وهات الموبايل والمحفظة بالذوق
مكنش خايف على الموبايل قد ما كان خايف على الموتوسيكل، اكل عيشه وحلمه وشقى أمه اللي دفعته في المقدم، نزل من عليه ببطء بس عينه كانت بتدور على مخرج
* المكنة لا، خدوا اللي أنتوا عايزينه الا دي
رد التاني بسخرية وهو بيمد إيده يزقه
بقولك هات المكنة يا شاطر بدل ما نخرطك هنا ومحدش هيسمي عليك
أول ما مد إيده عشان يشد الجادون سيف متمالكش نفسه، نسي إنه لوحده ونسي إنهم مسلحين، ضرب الأولاني بدماغه في مناخيره وقعه مكانه وادى التاني بوكس في فكه خلاه يترنح، الغضب اللي جواه كان بيحركه، غضب من الدنيا ومن وليد ومن كل حاجة بتعطله عن ليلى
بدأ يصارع التلاتة بشراسة، واحد بيشده من الجاكت والتاني بيحاول يغزه بالمطواة في كتفه وهو بيتفاداه، كان عامل زي الأسد اللي بيحمي عرينه وكل ما يضربوه ضربة يرجع يقف ويضرب أقوى
خلص عليه يا غبي، الناس هتتلم
صرخ الأولاني في التالت اللي واقف عند العربية، وفي اللحظة اللي سيف كان بيحاول يزقه فيها، لف من وراه وبكل قوته نزل بالعصاية على دماغه من ورا
الدنيا اسودت في عينه في ثانية، الصوت اللي حواليه بدأ يختفي تدريجياً وحس بـ تقُل غريب في جسمه، ركبه خانته و وقع على الأرض وراسه خبطت في الرصيف بقوة، كان شايف خيالاتهم وهما بياخدوا الموتوسيكل ويركبوا العربية، وصوت الموتور وهو بيبعد كان كأنه صوت حلمه وهو بيتسرق منه
حاول يقوم بس مكنش فيه طاقة، الدم بدأ يسيل من راسه ويغطي جفن عينه وقبل ما يغيب عن الوعي تماماً، كانت آخر حاجة افتكرها أمه وهي بتدعيله قبل ما ينزل، وضحكة ليلة وهي بتهز راسها بالموافقة، وكأن الدنيا قررت تكسر فرحته في أغلى ما يملك
غاب سيف عن الوعي والشارع رجع لسكونه القاتل وسابه لوحده مرمي في الضلمة غرقان في دمه وحلمه المسروق
رواية بين الردي والهدي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نوري
في احدى المستشفيات الحكومية دخل اتنين وهما شايلين سيف بين إيديهم، هدومه كانت متبهدلة بالتراب والدم اللي مغرق ياقة قميصه، وشه اللي كان من ساعات منور بضحكته بقى دلوقتي شاحب و غايب عن الدنيا تماماً
راسه ميلة لورا بضعف وإيديه مدلدلة كأن الروح سابتها وجسمه كله مستسلم تماماً للغيبوبة اللي سحبته
حطوه الممرضين على ترولي بسرعة و سحبوه لأوضة الطوارئ، دخل الدكاترة وبدأوا يقصوا جزء من شعره عشان يوصلوا للجرح اللي في قفاه والدم كان لسه بينزل، في اللحظة دي أصدر أنّة مكتومة أوي، وجفونه اتهزت كأنه بيحاول يفتح عينه ويقاوم السواد اللي محاوطه، ايده اتحركت حركة بسيطة فوق الملاية كأنه لسه بيحاول يتشبث بالجادون أو بحلمه اللي اتسرق منه في الضلمة
بدأ الدكتور يفحص نبضه وعينيه بتركيز، والممرضة كانت بتمسح الدم بقطنة بتادين، وكل ده وهو بيحاول يفوق بجسد منهك من كتر المعافرة مع الدنيا
سحبوا السرير وراه ستاير الطوارئ وسابوا الشباب اللي جابوه واقفين برا بيبصوا لإيديهم اللي اتلوثت بدمه، بينما سيف كان لسه بيصارع في صمت بين ذكريات ليلى الحلوة و واقع الغدر اللي رماه في المستشفى
عند ادهم وكريمة .. البيت كان هادي، لكن هدوءه المرة دي كان فيه غلوشة غريبة، كريمة كانت رايحة جاية في الصالة عينيها على الساعة اللي عقاربها بتتحرك ببطء وكل شوية تبص من الشباك، السحور كان محطوط على السفرة لكن محدش مد أيده مستنيين سيف
لفت لأدهم اللي كان قاعد ماسك موبايله وسرحان وقالت
أخوك تأخر أوي النهاردة، رن عليه يا ابني قلبي واكلني عليه
حاول يطمنها بصوت هادي وقال
يا أمي تلاقي بس المشاوير كترت عليه، بس حاضر هرن عليه أهو
مسك الموبايل ورن، الجرس فضل يضرب لحد ما قطع ومحدش رد ف قلقت كريمة وقالت
مردش؟
هز راسه وقال
يمكن الزحمة مش مخلياه سامع الموبايل، هرن تاني
المرة التانية الخط اتفتح ف قال بلهفة
إيه يا سيف أنت فين؟ السحور هيبرد وأمي مش راضية تاكل لقمة من غيرك
جاله صوت غريب خشن وفيه نهجة وتوتر
حضرتك تقرب لصاحب التليفون ده؟
وشه اتخطف وقلق
انا أخوه، أنت مين؟ وأيه اللي فاتح تليفونه عندك؟
يا أستاذ إحنا بقالنا ساعة بنحاول نوصل لحد من أهله ومش عارفين، أخوك في مستشفى مصر العام، لقيناه مرمي في الظلمة ورا الورش مضروب على دماغه وسايح في دمه
الموبايل كان يقع من إيده، كريمة كانت واقفة بتراقب ملامحه اللي انقلبت وقالت
في إيه يا أدهم؟ سيف ماله؟ انطق يا ابني
سيف .. سيف في المستشفى، بيقول مضروب ودمه سائح
صرخت صرخة شقت سكون الليل، صرخة أم حست بنار قايدة في قلبها وبدأت تخبط على صدرها وهي بتعيط
يا مري، يا ضنايا يا سيف
جرى عليها يمسك إيدها ويحاول يهديها
يا أمي اهدي عشان خاطري، أنا هروح أشوفه وأطمنك، خليكي أنتي هنا لو حصل حاجة أعرف أوصلك
مسمعتش كلامه و زقته وهي بتلبس طرحتها بأيد بتترعش
أقعد ازاي واخوك مرمي في المستشفى، ابعد عني
فتحت باب الشقة وجريت على السلم وهي بتصوت وبتعيط، صوتها وصل لشقة مصطفى اللي كان لسه صاحي بيستعد للسحور، خرج هو وليلى بفزع، نزل السلم بسرعة وقال
في إيه يا أم سيف؟
أدهم رد وهو بيسند أمه المنهارة
سيف يا عم مصطفى، سيف اتضرب وهو دلوقتي في المستشفى العام بين الحيا والموت
ليلى أول ما سمعت كدة حست إن الأرض بتلف بيها، عينيها لمعت بالدموع في ثانية وحطت إيدها على بوقها
لا إله إلا الله، طب يلا نروحله
ليلى اتحركت تلقائياً وراه وهي بتعيط بصمت، لف وشافها ولسه هيقولها تطلع لكن لقى نظرتها كلها كسرة ورجاء، دموعها كانت بتحكي وجع أكبر من أي كلام فسكت وبلع كلمته، ركبوا العربية واتحركوا في شوارع القاهرة الفاضية، السكوت جوه العربية كان مرعب ومفيش فيه غير صوت شهقات كريمة ودعاء ليلى اللي كان طالع من قلبها بيقين إن ربنا مش هيضيع فرحتهم اللي لسه مكملتش
في مكان تاني كان السكون محاوط شقة وليد اللي كان قاعد وحاطط رجل على رجل وفي إيده كاس بيشرب منه بتمهل ونظرة عينيه فيها نشوة انتصار مرعبة، مازن كان قاعد قصاده ساكت وحاسس إنه وراه كارثة المرة دي بس مش قادر يحدد ملامحها
فجأة، تليفون وليد رن، بص للاسم وضحكة خبيثة اترسمت على وشه، فتح الخط وقال ببرود
ها .. طمنوني
سكت لحظة بيسمع الطرف التاني وبعدين ضحك بأنتصار وقال
عاش يا رجالة الله ينور عليكم، بكرة الفلوس هتكون عندكم زي ما اتفقنا، وزي ما قولتلك، لو جالي خبره عندي حلاوة زيادة
قفل الخط وهو بيضحك ضحكة عالية هزت جدران الشقة، سأله مازن بخوف من الإجابة
في إيه يا وليد؟ خبر مين اللي مستنيه؟ وأنت باعت مين لمين بالظبط؟
قام من مكانه وطبطب على كتف مازن وهو بيمسح ضحكته المصطنعة
تعالى .. تعالى معايا تحت أوريك حاجة هتفرح قلبك
نزلوا السلم ومازن قلبه كان بيقبضه مع كل درجة بينزلها، أول ما خرجوا للشارع الجانبي اللي ورا البيت شاور بأيده على حاجة مركونة في الضلمة ومتغطية بمشمع قديم، قرب ورفعه بحركة مسرحية فظهر موتوسيكل سيف، الموتوسيكل اللي كان بيعتبره طوق النجاة
مازن اتسمر مكانه و لسانه اتلجم وهو بيبص للموتوسيكل اللي عارفه كويس
إيه ده يا وليد؟ دة موتوسيكل سيف
مد إيده وحطها على الجادون كأنه بيلمس كنز ثمين وقال
دي يا سيدي آخر حاجة من ريحة المرحوم، أصل صاحبها خلاص، زمانه دلوقتي بيتحاسب، أو على الأقل بياخد تذكرة ذهاب بلا عودة
مازن وشه شحب تماماً، هجم على وليد ومسكه من لياقة قميصه وهزه بغضب
مرحوم مين يا حيوان؟ أنت عملت إيه في سيف؟ انطق
زق إيده ببرود وبعد عنه وهو بيعدل قميصه
عملت اللي كان لازم يتعمل من زمان، بعتله كام واحد يربوه ويعرفوه إن اللي يخرج عن طوعي ملوش مكان وسط الأحياء، المكنة دي بقت بتاعتي دلوقتي، تمن لسانة الطويل وتوبته اللي صدعنا بيها
كان بيبصله بصدمة، كأنه بيشوف شيطان لأول مرة، عينه كانت بتلمع بغضب وندم وبصوت مخنوق قال
انت إيه يا أخي؟ أنت مفيش في قلبك ذرة رحمة؟ ده كان صاحبنا، ده أنضف واحد فينا
وليد اتنرفز وزعق فيه
وأنت محموق عليه أوي كدة ليه؟ بلاش الدور اللي بقالك يومين عايشلي فيه ده يا مازن، أنت كنت معانا وشربت معانا، متعمليش فيها الشيخ دلوقتي
بصله باحتقار وبصق في وشه بقوة وقال
انا فعلاً كنت معاكم، بس النهاردة بس عرفت إني كنت مع شياطين، سيف أنضف منك ومني، ولو جراله حاجة، ذنبه هيفضل يطاردك لحد ما يوديك في داهية
سابه واقف مكانه ولف ضهره ومشي بخطوات سريعة وهو بيقطع كل خيط كان بيربطه بالمكان ده وبالشخص ده، وليد وشه احمر من الغضب وعروق رقبته برزت وهو بيصرخ وراه بغل
في ستين داهية، غور أنت كمان، أنا مش محتاج حد جنبي، أنا وليد اللي مبيكسروش حد
فضل واقف لوحده في الضلمة جنب الموتوسيكل المسروق وصوته لسه بيرن في الشارع الخالي، بس المرة دي كان فيه نبرة خوف مستخبي، خوف من اللي جاي بعد ما الكل سابه
الطريق للمستشفى كان كأنه سنين مش دقايق وصوت دقات قلبي كان أعلى من اي حاجة تانية، كنت قاعدة ورا، عيني مثبتة على الشباك والدموع نازلة زي الشلال مبتوقفش مش شايفة منها غير خيالات أنوار الشوارع وهي بتجري، كنت بدعي مع كل نفس إن ربنا يحفظه ويقومه ليا بالسلامة، حاسة بنغزة في صدري كأن الروح بتتسحب مني، وكل ما أفتكر ضحكته ليا أحس إن الدنيا بتضيق بيا أكتر
أول ما العربية وقفت مستنتش حد، نسيت إني المفروض أستنى بابا، نسيت رفضه و نسيت خوفه عليا، نزلت أجري و رجلي كانت بتسبق عقلي، دخلت الاستقبال وأنا بنهج وروحي رايحة وقولت للممرضة
- سيف .. سيف اللي لسه جاي مضروب، فين؟ بالله عليكي قوليلي هو فين؟
بصتلي باستغراب من لهفتي وقالت
في الطوارئ جوه، ادخلي من الممر ده
جريت في الممر الطويل وريحة المستشفى كانت بتخنقني أكتر، كنت ماشية مش شايفة قدامي والكل جاي ورايا بس أنا كنت في عالم تاني، وصلت لباب الطوارئ ولمحته، كان مرمي على سرير وحواليه اتنين دكاترة وممرضة، حاولت أدخل، كنت عايزة ألمس إيده، أقوله إني هنا ومستنياه، بس الممرضة منعتني
ممنوع يا أنسة، الدكاترة شغالين، استني برا لو سمحتي
وقفت قدام الباب الازاز عيني مش مفارقة ملامحه الشاحبة والدم اللي كان لسه معلم في هدومه كأنه خنجر في قلبي، مقدرتش أقف على رجلي، سحبت نفسي لأقرب كرسي و قعدت عليه وبدأت أعيط في صمت مر، صمت بيحرق جوايا أكتر من أي صريخ
جنبي كانت طنط كريمة صوت عياطها يقطع القلب وهي بتنادي عليه بـ حرقة الأم
يا سيف .. يا حبيبي رد عليا يا ضنايا، يا وجع قلبي عليك يا ابني
كل صرخة منها كانت بتخليني أغمض عيني وأدعي بيقين
- يا رب، أنت عارف نيتنا، وعارف إنه تعب عشان الحلال، رجعهولنا بالسلامة يا رب
ضميت نفسي وانا بحاول اتماسك، في اللحظة دي كان هو دنيتي كلها، وكنت مستعدة أديله عمري كله بس أشوف عينه بتفتح وتطمني إنه لسه معايا
داخل أوضة الطوارئ، كانت الإضاءة البيضاء القوية كأنها بتخترق جفون سيف المقفولة، وصوت الأجهزة حواليه هو الحاجة الوحيدة اللي مسموعة، الدكاترة كانوا بيتحركوا بسرعة محسوبة، واحد منهم ماسك كشاف صغير بيجرب رد فعل عينه، والتاني بيبص في الأشعة المقطعية اللي لسه طالعة ومنورة على الشاشة الجانبية
الحمد لله، الأشعة سليمة، مفيش نزيف داخلي ولا كسر في الجمجمة، هو مجرد ارتجاج بسيط من قوة الخبطة، والجرح محتاج تنضيف وخياطة فوراً
قال الجملة وهو بيلبس جوانتي معقم وبيشاور للممرضة تجهز أدوات الخياطة
بدأت تقص خصلات صغيرة من شعره عند مكان الجرح من ورا وبدأت تنضف الدم بشاش غرقان مطهر، و بدأ الدكتور يجهز إبرة البنج الموضعي وغزها براحة في طرف الجرح
بدأت إيد الدكتور تتحرك بـ مهارة، خيط جراحي رفيع بيمر بين الجلد، غرزة ورا غرزة بتلم الشق اللي وليد سابه في راسه، بعد ما خلص الخياطة، لفت الممرضة شاش أبيض نضيف حوالين راسه برفق وحقنت في الكانيولا اللي في إيده حقنة مسكن قوية ومعاها مادة بتساعد على الاسترخاء
اديله المحلول ده يا سعاد وخليه ينام، الارتجاج محتاج راحة تامة وكلام قليل لما يفوق
قال كدة وهو بيقلع الجوانتي، تدريجياً ملامحه بدأت تسترخي و التجاعيد اللي كانت بين حواجبه فكت ونفسه بقى هادي ومنتظم، المسكن بدأ يسيطر على جسمه ويسحبه لنوم عميق، نوم خالي من المطاردات ومن وجع وليد، كان نايم وشكله مسالم، غايب عن الدنيا اللي برا وعن ليلى اللي قاعدة ورا الباب بتموت من القلق عليه
باب الطوارئ اتفتح ببطء والصوت المعدني للمفصلات خلى القلوب كلها تتنفض من مكانها، خرج الدكتور وهو بيقلع الكمامة وبيمسح جبينه بتعب، وعينيه كانت بتدور في الوجوه الملهوفة اللي محاوطاه
ليلى كانت أول واحدة وقفت قدامه، إيديها كانت ساندة على الحيطة كأنها خايفة تقع، وعينيها بتسأل قبل لسانها. كريمة جرت على الدكتور ومسكت في كمه وهي بتشهق
طمني يا دكتور.. ابني جراله إيه؟ حصله حاجة؟
رسم ابتسامة هادية عشان يطمنهم وقال بصوت
وحدوا الله يا جماعة.. الحمد لله هو زي الفل، الأشعة طلعت سليمة ومفيش كسر ولا نزيف داخلي، هو بس جرح سطحي واحتاج غرزتين، ومعاه ارتجاج بسيط من أثر الخبطة، حالياً هو أخد مسكن قوي ونام، ومحتاج راحة تامة وكلام قليل لما يفوق
ليلى في اللحظة دي حست إن الروح ردت فيها بجد، غمضت عينيها وأخدت نفس طويل كان محبوس في صدرها ودموعها نزلت المرة دي باردة، همست بصوت واطي وقالت
- الحمد لله.. يا رب لك الحمد والشكر كنت عارفة إنك مش هتكسر بخاطرنا
كريمة قعدت على الأرض وهي بتعيط وبتحمد ربنا، ومصطفى اللي كان واقف بعيد شوية، ملامحه لانت وبان عليها الارتياح وقال الدكتور
كتر خيرك يا ابني
بعد دقايق، الباب اتفتح تاني وخرج الممرضين وهما بيزقوا الترولي اللي عليه سيف، كان نايم وشه هادي ومستسلم وراسه ملفوفة بشاش أبيض، أدهم قرب منه وبص في ملامحه بتمعن ولمس إيده لثانية يتأكد إنه دافي وعايش
حط مصطفى إيده على كتف أدهم وقال
تعالى يا أدهم خلينا نخلص إجراءات المستشفى وندفع الحساب عشان يرتاح في أوضته وهو متأمن
هز راسه ومشي مع مصطفى ناحية الخزنة وهو حاسس إنه المرة دي واقف معاهم وقفة اهل بجد
في الوقت ده، ليلى وكريمة مكنوش قادرين يسيبوا سيف لحظة و مشيوا جنب السرير وهو بيتحرك في الممرات الطويلة الهادية، ليلى كانت ماشية وإيدها قريبة من طرف السرير، عينها مش مفارقة وشه بتراقب حركة نفسه المنتظم وكأنها بتعده نَفَس نَفَس،
وصلوا للأوضة، والممرضين نقلوه للسرير ب،فق وغطوه، كريمة قعدت على الكرسي اللي جنبه وهي ماسكة إيده وبتبوسها، وليلى وقفت عند طرف السرير بتبصله بنظرة فيها وعود كتير، وعود إنها مش هتسيبه مهما حصل
رواية بين الردي والهدي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نوري
ي
الجو في المستشفى كان لسه مشحون وصوت صرخة كريمة كان لسة بيتردد في ودن مصطفى، راح مع أدهم الخزنة ودفع كل اللي معاه رغم رفض ادهم الشديد
لا يا عمو مصطفى متكلفش نفسك، انا هروح اجيب فلوس من البيت واجي بسرعة
بطل عبط يا ادهم عيب تقول كدة، احنا اهل ومفيش بيننا الكلام دة
انا عارف والله بس المبلغ كبير
مفيش حاجة تغلى على سيف، انتوا الاتنين ولادي
سكت ادهم وحس إن مصطفى رجع يميل لسيف تاني ودي حاجة هتفرح اخوه وتبقى في صالحه، رن تليفون مصطفى في جيبه ف فتح الخط وقال
أيوة يا فاطمة
انت فين يا مصطفى انت وبنتك
جاله صوتها من الناحية التانية مخضوض ف مكنش عارف يقولها ولا لا عشان ميخضهاش اكتر
احنا مع كريمة وادهم
ليه خير، حد فيهم حصله حاجة
لا هما كويسين الحمد لله
اومال اية اللي حصل، ما تقول يا مصطفى وقعت قلبي
مفيش، حادثة بسيطة لسيف وكلنا معاه، بس هو بخير الحمد لله
يا لهوي حادثة، اية اللي حصل طيب
مش عارف، بس حد طلع عليه ضربه على دماغ، بس الحمد لله هو كويس والجرح سطحي
ازاي متخدونيش معاكم طيب
ما انتي كنتي بتصلي القيام هنقولك ازاي، وكريمة مكنتش مستنية حد ف جرينا وراها
يا حبيبي يا ابني، يا وجع قلب أمه عليه بجد مبتلحقش تاخد نفسها، طيب أنا جاية هلبس واجي على طول
رد عليها بنبرة متقبلش نقاش رغم الحنية اللي في نبرته
تيجي فين في الوقت ده؟ الساعة داخلة على تلاتة الفجر والشوارع مقطوعة، خليكي في البيت وانا هبقى اجيبك الصبح إن شاء الله
بس يا مصطفى
قاطعها بهدوء وقال
مفيش بس، خليكي مكانك وانا هبقى اطمنك كل شوية، يلا سلام
قفل الموبايل و وقف يفكر في ليلى اللي شاف في عينيها نظرة حزن وحس بقلبها اللي بيتحرق عليه وهو مش عارف يعمل اية ولا يحميها ازاي من كل اللي بتتعرضله في حبها لسيف اللي ملوش نهاية
تاني يوم، بدأت أشعة الشمس تداعب جفون سيف ببطء، حس بتقل غريب في راسه وحاول يفتح عينه لكن مقدرش في الأول، غمضهم تاني وهو بيئن أنة مكتومة طلعت من بين شفايفه الناشفة
سيف؟ سيف يا حبيبي أنت سامعني؟
صوت كريمة كان أول حاجة لمست قلبه، صوت مليان دموع ورجاء
فتح عينه المرة دي ببطء أكتر وبدأت الرؤية تتجمع قدامه زي صور مهزوزة بترسم ملامح الناس اللي بيحبهم، اول حاجة شافها كان سقف الأوضة الأبيض، وبعدين وش أمه اللي كان قريب منه وعينيها منفوخة من كتر العياط، حاول ينطق بس حلقه كان جاف كأنه صحرا
أدهم لمح حركة إيده ف جري بسرعة جاب كوباية مية وشال راسه براحة وسنده
اشرب يا حبيبي، حمد الله على سلامتك
شرب بوق مية صغير وبدأ الوعي يرجعله تدريجياً، لف بعينه في الأوضة، شاف أدهم وفاطمة وهي بتمسح دموعها، عينه راحت على ركن الأوضة، كانت واقفة هناك، ساندة ضهرها على الحيطة وضمة إيديها لصدرها .. ليلى
عينيها كانت حمرا والدموع لسه معلمة على خدودها، بس أول ما عينه جت في عينها اترسمت على وشها ابتسامة فيها كمية راحة متتوصفش، ابتسملها براحة ف هزيتله راسها كأنها بتقوله
- انا هنا .. متخافش
بص الناحية التانية لقى مصطفى، حاول يعدل نفسه بس مصطفى حط إيده على كتفه بهدوء وضغط ضغطة خفيفة كأنه بيثبته مكانه
خليك مكانك يا سيف، الدكتور قال محتاج راحة تامة
بصله بذهول ومكنش متخيل إنه هيلاقيه واقف جنبه في محنة زي دي، كمل مصطفى وقال
حمد لله على سلامتك يا ابني، فداك مية مكنة، المهم إنك قومتلنا بالسلامة
ابتسمله وهو حاسس بفرحة وراحة من جواه، بص لأمه اللي كانت بتبوس إيده و لليلى اللي كانت لسه عينيها مش مفارقة عينه وحس إن الوجع اللي في راسه كله يهون قصاد اللحظة دي، غمض عينه تاني وهو حاسس بدفا مكنش متوقعه، دفا العيلة واللمة، ونظرة ليلى اللي كانت كفيلة إنها تنسيه مرارة الضربة وغدر الشارع
بعد شوية، خبط الباب خبطة رسمية ودخل أمين شرطة ماسك في أيده دفتر وقام و وراه ظابط شاب ملامحه حادة ورسمية
وقف ادهم جمب مصطفى والكل سكت وكأن هيبة القانون فرضت نفسها على المكان، قرب الظابط من سرير سيف، بص في ملامحه المجهدة وراسه المربوطة بالشاش وقال
حمد الله على السلامة، انا المقدم عزيز الشامي من مباحث قسم عابدين، أنا عارف إنك تعبان، بس محتاجين كلمتين منك عشان المحضر
حاول يعدل وضع رقبته ببطء والوجع لسه بيسمّع في دماغه، بصله بعيون دبلانة وقال
* الله يسلمك يا فندم .. اتفضل، أنا معاك
فتح الأمين الدفتر واستعد
احكيلي اللي حصل بالظبط، كنت فين؟ والساعة كانت كام؟ وشوفت ملامحهم ولا لأ؟
سكت لحظة كأنه بيسترجع شريط الفيلم البشع اللي عدى عليه في الضلمة وصوت الكاوتش وهو بيفرمل وراه بدأ يرن في ودنه تاني
* كنت مخلص مشوار وراجع البيت، كنت في الشارع الجانبي اللي ورا الورش، الدنيا كانت ساكتة ومفيش صريخ ابن يومين، فجأة عربية قطعت عليا ونزل منها تلاتة
سكت والكل كان باصصله بتركيز، ليلى كانت ضمة إيديها لصدرها وعينيها بتلمع بالخوف عليه، كمل بصوت أهدى وقال
* كانوا مغطيين وشهم، كوافي وشالات، مش باين منهم غير عينيهم، طلبوا المكنة والموبايل وأنا قاومت عشان أكل عيشي وشقايا، ضربت واحد والتاني هجم عليا، فجأة محستش غير بحاجة تقيلة نزلت على دماغي من ورا وبعدها الدنيا اسودت
مممم، بتشك في حد؟ ليك عداوة مع حد؟ حد هددك قريب أو كان مستنيلك غلطة؟
اتلجم لحظة وسكت، صورة وليد وتهديداته القديمة ونظراته الغدارة نطت قدام عينه، بس فكر في ليلى وفكر في أمه وفكر إن معندوش دليل ملموس يثبت إن وليد هو اللي بعتهم، خاف يدخل في دوامة تانية وخاف يورط أهله في صراع مع ناس معندهاش قلب، بلع ريقه وبص لعزيز
* لا يا فندم، مليش عداوة مع حد، أنا بقالي فترة مليش غير شغلي وبيتي وبس، الموتوسيكل كان جديد وشكلها يطمع أي حد، متهيألي هما مجرد بلطجية كانوا عايزين يسرقوا الموتوسيكل مش أكتر
هز راسه وكأنه مش مقتنع لكن سكت وسجل الكلام في المحضر
تمام يا سيف، إحنا هنفرغ الكاميرات اللي في أول الشارع وآخر الورش، وإن شاء الله هنجيبهم والمكنة هترجع، ارتاح أنت دلوقتي
لف وخرج هو والأمين، اخد سيف نفس طويل وغمض عينه، كان حاسس بوجع في قلبه أكبر من وجع راسه، وجع إنه عارف مين اللي عمل كدة بس مش قادر يتكلم
قرب ادهم منه وهمسله بصوت واطي وهو بيعدل له الغطا
متشغلش بالك يا سيف، المهم إنك وسطنا والمكنة في داهية، بكرة ربنا يعوضك بأحسن منها
مردش و بص لليلى اللي كانت بتبصله بنظرة فهم وحزن، كأنها حاسة باللي بيدور في عقله، وحاسة إن الحكاية لسه فيها فصل غامض ميعرفوش غيره هو و وليد
بعد ما الدكتور اطمن على جرحه وسمحله ياكل، كان ساند ضهره على المخدات بضعف لكن بوش منور بوجودهم حواليه، ريحة الأكل البيتي اللي فاطمة طبخته بحب ملت المكان وغلبت على ريحة المستشفى اللي تخنق
كريمة كانت قاعدة على طرف السرير ماسكة المعلقة وبتقربها من بوقه بإصرار
يا حبيبي خد بس المعلقة دي، دي شوربة من إيد خالتك فاطمة ترد الروح وتخليك تقف على رجلك قبل ما نخرج
ضحك ضحكة خفيفة وهو بيحاول يهرب من المعلقة
* يا ست الكل والله شبعت مش قادر
أدهم غمزله وهو بيسرق صباع محشي من الحلة اللي فاطمة شايلاها
يا عم كُل وأنت ساكت، ده أنت وشك كان لونه أصفر زي الليمونة الصبح، دلوقتي بس بدأ يرد فيه الدم، وبعدين أنت مش شايف الدلع؟ ده أنا لو اتخبطت الخبطة دي مش هلاقي حد يسقيني مية
الأوضة كلها ضحكت وفاطمة كانت واقفة جنب كريمة ساندة إيدها على كتفها وبتبص لسيف بنظرة حنينة ومبتسمة
بالهنا والشفا يا حبيبي مطرح ما يسري يمري، المهم تقوملنا بالسلامة وتملى البيت علينا حس من تاني
في الركن التاني من الأوضة كانت ليلى قاعدة على كرسي مثبتة عينيها عليه، مكنتش بتاكل ولا بتتكلم، كانت بس بتبصله بذهول ممزوج براحة كأنها لسه مش مصدقة إن الراجل اللي شافت دمه مغرق هدومه من ساعات قاعد قدامها دلوقتي وبيهزر، عينيها كانت بتلمع بدموع فرحة محبوسة وكل ما يخطف نظرة ليها وسط كانت بتنزل عينيها في الأرض بخجل والابتسامة بتترسم على وشها غصب عنها
رغم تعبه مكنش بيبطل يلمح طيفها، وكل ما عينهم تتقابل للحظة كان بيحس إن الوجع اللي في راسه بيختفي تماماً، وكأن نظرته ليها هي المسكن الحقيقي اللي محتاجه
كل التفاصيل دي، من ضحكة سيف المكتومة لنظرة ليلى الملهوفة، كانت تحت عيون مصطفى، كان واقف ساند ضهره على الباب مربع إيديه وبيراقب المشهد بصمت رزين، ملامحه اللي كانت دايماً جامدة بدأت تلين وعقله بدأ يعيد حساباته وهو شايف الخيط المتين اللي رابط بينهم، شاف في عين بنته خوف مبيطلعش لغير حد غالي، وشاف في عين سيف عفارة محارب مش عايز يقع قدام حبيبته
اتنهد وبصله وهو بيشوف فيه الراجل اللي كبر في نظره النهاردة، مش بس عشان كفاحه، لكن عشان الحب الصادق اللي باين في عينيه
الليل كان تقيل على قلب مازن، الندم بياكل في روحه وهو متخيل صورة سيف وهو غرقان في دمه مش مفارقة خياله، وقف قدام القسم متردد لحظة، بيفكر في العشرة اللي كانت بتجمعه بوليد، بس سرعان ما افتكر غدره وضحكته الخبيثة وهو بيحط إيده على الموتوسيكل المسروق فاستعاذ بالله ودخل بتصميم
جوا القسم، كانت الحركة هادية وسكون الممرات بيقطعها صوت خبط على الآلات الكاتبة، وقف قدام مكتب النبطشية وشه شاحب وعيونه باينة فيها قلة النوم
لو سمحت، أنا عايز أبلغ عن واقعة سرقة بالإكراه وشروع في قتل وعايز أدلي بأقوالي لأني عارف مين اللي عمل كدة
وبعد دقايق، كان قاعد جوا مكتب الظابط، المكتب كان مليان ملفات وصورة وليد وسيف بتمر قدام عينه كأنها شريط سينما، الظابط بصله بتركيز وسند ضهره لورا
انت قريبه؟ ولا كنت شاهد عيان؟
بلع ريقه وصوته طلع مخنوق بس واضح
انا كنت صاحبه يا فندم، وصاحب اللي حرض على ضربه، أنا جاي أبلغ عن وليد الناجي، هو اللي بعت ناس تثبته وتضربه وتسرق مكنته، والمكنة دلوقتي مركونة تحت بيته في الشارع الجانبي متغطية بمشمع
اعتدل الظابط في قعدته وبدأ يسجل الكلام باهتمام
وأنت عرفت الكلام ده منين؟ وايه اللي يثبت إن اللي بتقول عليه دة هو اللي عمل كدة؟
غمض عينه لحظة ورجع رسه لورا بأسى
هو اللي قالي بلسانه يا فندم، وراني المكنة واتباهى باللي عمله، قالي إن ده تمن توبة سيف وتمن وقوفه في وشه.، أنا كنت معاه وقتها وشوفت الغل في عينه وهو بيقول إنه بعتله ناس يربوه، أنا مقدرتش أسكت، سيف ميستاهلش الغدر ده
بدأ مازن يحكي التفاصيل بالملي، الساعة اللي وليد استلم فيها المكالمة، الكلمتين اللي قالهم في التليفون، والمكان اللي الموتوسيكل مستخبي فيه بالظبط، الظابط كان بيكتب بسرعة وعيونه بتلمع بجدية
انت عارف إن شهادتك دي هتودي وليد ورا الشمس؟ وأنت كمان ممكن تتحاسب لو ثبت إنك كنت شريك في التخطيط؟
هز راسه بإصرار وقال
عارف يا فندم ومستعد لأي حاجة، المهم سيف حقه يرجع و وليد ياخد جزاؤه، أنا مش هقدر أعيش بذنب سيف طول عمري
خرج الظابط للمأمور وبلغوا عزيز لما إنه ماسك القضية وأتحرك فوراً بقوة للكان عشان يقبض على وليد قبل ما يهرب
خرج مازن من القسم وهو حاسس أن ضميره مرتاح وهينيمه الليلة دي من غير تأنيب
ليل القاهرة بدأ يفرض سكونه على ممرات المستشفى والهدوء حل في الأوضة بعد يوم طويل مشحون بالمشاعر، وقف مصطفى وعدل جاكيته وبص لكريمة وفاطمة بنظرة هادية وقال
يلا يا جماعة، الوقت سرقنا والليل ليل وانتوا من إمبارح منمتوش ولا ارتحتوا، لازم تروحوا عشان تقدروا تيجوا بكرة
رفضت كريمة وقالت
أروح فين؟ أنا مقدرش أسيب ضنايا لوحده
سيف سحب إيدها وباسها
* يا ست الكل أدهم معايا ومش هيسيبني، وأنا الحمد لله بقيت أحسن كتير، روحي ارتاحي عشان تيجيلي الصبح بضحكتك اللي بتنور الدنيا
أدهم كمل وهو بيطمنها
يا أمي متخافيش أنا هنا معاه، روحي أنتي مع طنط فاطمة وعمي مصطفى
فاطمة طبطبت على كتفها وقالت
يلا يا حبيبتي، الصبح إن شاء الله نكون عنده من النجمة
بدأوا يخرجوا واحد ورا التاني ومصطفى كان في المقدمة، ليلى استنت لما الكل خرج وبدأت تأخر خطواتها بذكاء وقلبها بيدق بتسارع، لفت وشها وسيف كان عينه عليها كأنه مستني اللحظة دي بفارغ الصبر
قربت من طرف السرير والابتسامة اللي كانت مخبياها طول اليوم ظهرت بخجل
- حمد لله على سلامتك يا سيف، إن شاء الله هتكون بخير ومش هتشوف أي حاجة وحشة تاني أبداً
بصلها بظرة كلها امتنان وقال
* الله يسلمك يا ليلى، وجودك هو اللي خلاني أحس إني بخير فعلاً
كملت بصوت واطي وقالت
- متزعلش على الموتوسيكل يا سيف، فداك أي حاجة، المهم إنك قومتلنا بالسلامة
اتنهد تنهيدة فيها وجع خفيف بس مختلط بأمل
* عارفة الحاجة الوحيدة اللي مزعلاني إيه؟ إن اللي أنا فيه ده عطلني إني آجي أتقدملك تاني، كنت راسم اليوم ده في خيالي بشكل تاني خالص، بس أوعدك أول ما رجلي تخطي برا المستشفى دي، هكون عندكم في البيت
وشها احمر ونزلت عينيها في الأرض بكسوف
- أنت بس قوم بالسلامة وأشوفك بخير وسطنا، دي عندي أهم حاجة في الدنيا
حب يفك التوتر ويهزر معاها ف قال دي الأهم؟ يعني مش عايزة تتجوزيني ولا إيه؟
ضحكت بخجل وسكتت، وفي اللحظة دي صوت مصطفى جه من برا الممر وهو بينده
ليلى .. يلا
اتوترت وبصت لسيف نظرة أخيرة كلها وعود وجريت لحقت باباها، مصطفى بصلها بنظرة فاحصة وهو بيحط إيده على كتفها وبيمشي بيها، عينه جت في عين سيف لثانية، نظرة كانت غامضة بس مفيش فيها الرفض بتاع زمان
أدهم قفل الباب وراهم ورجع قعد على الكرسي وهو بينفخ
ربنا يستر من عم مصطفى ونظراته دي، أنا بحس إنه بيقرأ اللي في النفوس
سيف ابتسم وقال
* تعرف يا أدهم .. انا حاسس المرة دي إنه هيوافق، مش عارف ليه، بس قلبي مطمن
يا رب يا سيدي، يسمع منك ربنا
حاول يعدل نفسه بصعوبة
* أدهم .. أنا عايز أتوضى، ساعدني بالله عليك
أدهم بصله بقلق وقال
يا سيف أنت تعبان ومحتاج راحة، ومش هتعرف تصلي وأنت بالوضع ده
بصله بإصرار وقال
* لا إن شاء الله ربنا هيعينني، مش عايز أنام وعليا صلاة فايتاني وأنا غايب عن الوعي
حاضر
جاب إزازة مية كبيرة وطبق وبدأ يساعده برفق يتوضى وهو مكانه على السرير، بدأ سيف يصلي كل الفروض اللي فاتته بأيماءات راسه وخشوع ملوش وصف، دموعه كانت بتنزل وهو بيحمد ربنا على النجاة، بعد ما خلص سند راسه لورا ونفسه هدي تماما
* الحمد لله، مفيش أحلى من إني أنام وأنا متوضي
أدهم قعد جنبه بفضول
أنا عارف إنها سنة، بس مش عارف بالظبط إيه اللي بيحصل لما الواحد ينام متوضي؟
سيف بصله بـ هدوء وقال
* عارف إيه اللي بيحصل؟ يبات في شعارك ملك، يعني بين جسمك وهدومك بيبات ملك من ملائكة ربنا، فـ ميقربكش شيطان بإذن الله، وكل ما تتقلب أو تتحرك في نومك، الملك ده يقول اللهم اغفر لعبدك، تخيل يا أدهم ملك بيدعيلك بالمغفرة ودعاؤه مستجاب؟
أدهم بصله بذهول وإعجاب
ياه، دي حاجة عظيمة أوي سبحان الله
قعدوا الاتنين يحكوا في هدوء الليل، وأدهم بدأ يحس بفخر بأخوه اللي رغم وجعه مسبش فرض ربنا ولا نسي دينه، والسكينة بدأت تنزل على الأوضة وهما بيستعدوا لنوم هادي بعد عاصفة كانت هتاخدهم بعيد
بعد ايام، هلت شمس نهار جديد كانت مالية الحارة، والخبر كان سبق سيف لبيته، الكل واقف مستنيه وهو راجع من معركة غدر وهو رافع راسه، العربية وقفت قدام البيت وأدهم نزل بسرعة يفتحله الباب وهو نازل ببطء، ساند بإيده على كتف أدهم وبالإيد التانية ماسك راسه اللي لسه ملفوفة بالشاش الأبيض النضيف
براحة على مهلك
كان بيتكلم وهو بيحاوط ضهره بدراعه، وسيف كان بيحاول يبتسم للجيران اللي بيباركلوا على السلامة، بس الوجع والدوخة الخفيفة كانوا لسه مأثرين عليه
طلعوا السلم وبمجرد ما دخلوا الشقة ريحة البخور اللي كريمة كانت مولعاه ملت مناخيره، حس إنه أخيراً في أمان، أدهم سنده لحد ما دخل أوضته وقعده على السرير براحة ورفعله المخدات ورا ضهره، سيف اتنهد تنهيدة طويلة وغمض عينه
* ياه، وحشتني ريحة البيت، مكنتش فاكر إني هشتاقله كدة
أدهم قعد على طرف السرير وفضل ساكت شوية وهو بيبصله والسكوت طول لحد ما سيف فتح عينه وبصله
* مالك يا أدهم؟ في إيه في دماغك؟
فرك إيده بتوتر وقال بصوت واطي
بصراحة يا سيف، في سؤال واكل عقلي من وقت ما الظابط كان في المستشفى، أنت ليه مقولتش إنك شاكك في وليد؟ ليه قولت معرفش ومتكلمتش في أي تفاصيل؟ أنت عارف أكتر من أي حد إن مفيش حد ليه مصلحة يكسرك غيره
سيف سكت لحظة وبعدين قال
* الله أعلم هو اللي عمل كدة ولا لأ، حتى لو شكوكي رايحاله أنا معنديش دليل يمسكه، والكلمة في القسم مش لعبة، وبعدين أنا مش ناقص مشاكل، وليد ده شيطان، ولو دخلت معاه في حرب علني وسيرته جت في محضر مش هيسكت وأنا مش حمل إني أشوف أمي ولا أنت ولا ليلى يجرالكم حاجة بسببي، أنا عايز أعيش في سلام وأبدأ من جديد، أنا بس كل اللي واجع قلبي وحامل همه هو الموتوسيكل اللي راح وفلوس أمك اللي ضاعت في الأرض وشقاها اللي طار في ليلة
في اللحظة دي الباب اتفتح وكريمة كانت داخلة بصينية فيها شوربة، سمعت كلمته الأخيرة فحطت الصينية بسرعة وقربت منه، مسكت وشه بين إيديها وباسته من جبينه بحنان غامر
تضيع الفلوس يا سيف ويغور الموتوسيكل في ستين داهية، يغور الحديد وتعيش أنت يا نور عيني، الفلوس بتروح وتيجي وشقايا فدا ضفرك، المهم عندي إنك قاعد قدامي دلوقتي بتتنفس ونورك مالي البيت
عينه لمعت بالدموع، مسك إيدها وباسها
* والله يا أمي لهعوضك عن كل قرش، أوعدك يا ست الكل إن بكرة هيكون أحلى وهجيبلك كل اللي بتتمنيه
أدهم حب يكسر لحظة الدراما دي ف نط وقعد جنبهم وهو بيضحك
ايوا بقا يا عم سيف، بقيت أنت النجم وأنا اللي شغال ديليفري طلبات وعصاير، طب ما توعدني أنا كمان بمكنة جديدة أركب وراك فيها بدل ما أنا ماشي كعابي كدة؟
كريمة ضحكت وطبطبت على أدهم
بس يا واد، اخوك محتاج راحة مش محتاج نقرك ده
يا أمي أنا بفك عنه بس عشان الارتجاج اللي عنده ده يروح بخفة دمي، ولا إيه يا سيف؟
ضحك من قلبه لأول مرة من يوم الحادثة
* والله يا أدهم أنت اللي مهون عليا، بس ارتاح أنت من خفة دمك دي شوية عشان الجرح ميفكش من كتر الضحك
الأوضة اتملت بدفء العيلة وسيف حس إن رغم خسارته للموتوسيكل كسب رضا وحب وسند يسدوا عين الشمس، وبدأ يستعد لأيامه اللي جاية بنفس جديدة
الشمس كانت لسه مايلة للغروب، وقف بوكس البوليس قدام بيت سيف و نزل منه عزيز ببدلته الميري وهيبته وطلع السلم بخطوات واثقة، خبط على الباب خبطات هادية، أدهم فتح الباب وأول ما شافه قال
خير يا فندم؟
ابتسم ابتسامة هادية طمنت قلوبهم
مساء الخير، اولا متقلقش مفيش غير كل خير، أنا جاي أطمن على سيف وأبلغه بشوية أخبار هتفرحه
كريمة وسعتله الطريق وقالت
اتفضل يا ابني نورتنا
دخل الصالة وطلب يقابل سيف، ف خرج سيف من أوضته ببطء ساند على كتف أدهم وراسه لسه ملفوفة بالشاش و عينه فيها تساؤل كبير
بدأ عزيز كلامه بنبرة مريحة
حمد الله على سلامتك يا سيف، أنا جيت بنفسي عشان أقولك إن الحق مبيضيعش، وإحنا قبضنا على وليد والرجالة اللي بعتهم ليك
سيف اتسمر مكانه والدهشة لجمت لسانه
* قبضتوا عليه؟ إزاي يا فندم؟
سحب نفس وقال بجدية
الضربة جاتله من صاحبه، مازن جيه القسم وبلغ عنه بكل التفاصيل، وحكى على الاتفاق اللي تم بينه وبين البلطجية، ولما القوة راحت تقبض عليه في شقته لقينا عنده كمية مخدرات وخمرة، والأهم من ده كله .. لقينا الموتوسيكل بتاعك مركون تحت بيته ومستخبي تحت مشمع
سيف بص لأدهم بذهول وأدهم ضرب كف بكف
مازن؟ مش ممكن! ده كان دراع وليد اليمين
الجدعنة لسه موجودة يا أدهم، المهم، وليد طبعاً في القسم أنكر كل حاجة وعمل فيها مظلوم، بس لما اتعرض على النيابة الصبح وواجهناه بشهادة مازن وبالمسروقات والمخدرات انهار واعترف بكل حاجة، ودلوقتي صدر قرار بحبسه وهيترحل على المحكمة
كريمة رفعت إيدها للسما ودموعها نزلت
الحمد لله يا رب لك الحمد، تسلم يا ابني ربنا ينصركم دايماً
وقف عزيز وجهز نفسه للمشي وبص لسيف بتقدير
الموتوسيكل بتاعك موجود دلوقتي في القسم، خلصنا الإجراءات وبقى حرز مسترد، تقدر تيجي في أي وقت بالبطاقة والرخص وتستلمه
سيف حس إن في جبل انزاح من عليه، مد إيده سلم عليه بامتنان حقيقي
* أنا مش عارف أشكرك إزاي يا فندم، تعبناكم معانا وحقك عليا إني مكنتش صريح في الأول بس كنت خايف على أهلي
مقدر ظروفك يا بطل وده واجبنا، المهم ترتاح وتشد حيلك عشان ترجع لشغلك
سلم عليه وخرج من الشقة، قعد سيف على الكنبة وأخد نفس طويل وبص لأدهم بابتسامة نصر
* شوفت يا أدهم؟ الفلوس والشقاء مرجعوش لوحدهم، دول رجعوا ومعاهم كرامتي وحقي، و وليد اللي كان فاكر نفسه فوق القانون، نهايته كانت بغدر إيده
أدهم ضحك وهو بيحضنه
مبروك يا حبيبي، بكرة نروح نجيب الوحش من القسم ونلف بيه الحارة كلها
ابتسمله وحس براحة لأول مرة من ساعة ما خرج من المستشفى، بص للسما وحمد ربنا في سره ورجع تاني يضحك لأدهم
بعد ايام، كان قاعد على القهوة مع منصور، الراجل اللي شاف فيه ريحة أبوه الله يرحمه وسنده في كل أزمة، كان بيفرك إيده بتوتر ونظراته مش مستقرة لحد ما أخد نفس طويل وقال
* بقولك إيه يا عم منصور، كنت عايزك في خدمة وعارف إنك مش هتردني
نزل منصور حجر الشيشة وبصله باهتمام
قول يا سيف، رقبتي ليك يا ابني
* كنت عايزك تيجي معايا نطلب إيد ليلى رسمي من عم مصطفى، أنا مش عايز أستنى أكتر من كدة والحق رجعلي والحمد لله بقيت واقف على أرض صلبة
ابتسم منصور ابتسامة عريضة وطبطب على كتفه
يا زين ما اخترت يا ابني، ليلى بنت أصول وأنت تستاهلها، هتروح إمتى؟
رد سيف بتفكير
* يعني .. على آخر الأسبوع إن شاء الله، نكون رتبنا حالنا
قام منصور وقف فجأة وعدل جلبابه
وليه مش دلوقتي؟
سيف اتخض و وقف هو كمان
* دلوقتي؟ دلوقتي إزاي يا عم منصور؟ إحنا لسه بنقول يا هادي والناس مش عاملة حسابها
سحبه من إيده بحزم وحنية
يا ابني خير البر عاجله والقلوب شواهد، لسه هنستنى لأخر الأسبوع ونفتح باب للشيطان؟ يلا بينا، أنا اللي هروح معاك وبصفتي أبوك
حاول يقنعه إن ده مش وقته بس منصور كان مصمم، وفعلاً طلعوا السلم وخبطوا على بابهم، فتح مصطفى الباب وأول ما شافهم استغرب ورفع حواجبه بذهول
عم منصور؟ خير يا جماعة، في حاجة حصلت؟
رد منصور بضحكة بشوشة
كل خير يا أبو ليلى، ممكن ندخل شوية
اة طبعاً اتفضلوا
دخلوا وقعدوا ومصطفى كان لسه بيراقب سيف بنظرات فاحصة، منصور مستناش ودخل في الموضوع بقلب جامد
بص يا مصطفى، أنت عارفني دوغري ومبحبش اللف والدوران، أنا جايب سيف النهاردة بما إني في مقام أبوه، وجاي أطلب إيد زينة البنات ليلى ليه على سنة الله ورسوله
سكت تماماً وعينه جت في عين سيف اللي نزلها الأرض بأدب، كمل منصور بحكمة ورزانة
انسى اللي فات يا مصطفى، انت عارف وكلنا عارفين إن سيف ده زينة الرجال، متربي في وسطنا وأخلاقه الكل بيحلف بيها، اللي حصل ده كان وزة شيطان وكل إنسان وله زلاته لولا ستر ربنا علينا، متعقدهاش بقا و وافق خلينا نفرح بالعيال
اتنهد تنهيدة طويلة وقال
مجيتك على راسي يا عم منصور وأنت مقامك كبير عندي
لف وشه لسيف وكمل
وأنت يا سيف .. مش عايز تقول حاجة؟
حاول يسيطر على توتره وبص لمصطفى بجدية
* يا حاج مصطفى أنت عارف إني شاري ليلى من زمان، والله يعلم إني اتغيرت ومستحيل أعمل أي حاجة تغضب ربنا أو تخسرني ليلى تاني، أنا بدأت صفحة جديدة ونفسي أكملها معاها
سكت مصطفى تاني والجو كان مشحون بالانتظار لحد ما منصور نكزه بهزار
ها يا أبو ليلى؟ خير البر عاجله بقا، ادخل خد رأي العروسة يلا
بص لمنصور وابتسم ابتسامة خفيفة
عشان خاطرك أنت بس يا عم منصور
قام ودخل لقى ليلى وفاطمة في الأوضة، ليلى كانت واقفة ورا الباب بتسمع دقات قلبها وهي بتترعش، مصطفى قعد جنبها على السرير بحنان أبوي ملوش وصف وقال
طبعاً أنتي عارفة مين اللي برا
هزت راسها بكسوف وعينيها في الأرض
كمل وقال
سيف جايب عم منصور وجاي يطلب إيدك، موافقة ولا لأ؟
هزت راسها تاني وقالت
- موافقة يا بابا
سألها تاني بتأكيد
متأكدة من قرارك؟
رفعت عينها وبصتله بـرجاء وفرحة
- ايوا يا بابا .. متأكدة
هز راسه وسكت لحظة، وبعدين خرج ليهم برا، سيف اول ما شافه بصله بلهفة، قعد مصطفى وقال
أنا موافق يا سيف
كان لسه هيفرح ويضحك لكن مصطفى كمل بجدية
بس الخطوبة مش أقل من تلت سنين
انطفت فرحته شوية وقال بعفوية
* تلت سنين؟ كتير يا عمي
بصله بنظرة عميقة وقال
اعذرني يا ابني، أنا أب وليلى دي بنتي الوحيدة وأغلى ما عندي وعايز أطمن عليها بجد، تلت سنين أشوف فيهم صدق توبتك وأتأكد إنك شاري بنتي وصاينها في كل الظروف، ساعتها تتجوزوا وتدخل بيتك وأنا مرتاح
سكت وبص لمنصور اللي هزله راسه بوافق، بص لمصطفى وقال برضا تام
* وأنا مش هعارضك يا عم مصطفى، أوعدك مش هتشوف مني إلا كل خير، والتلت سنين دول هثبتلك فيهم إني استاهل شرف نسبك
اتدخل منصور وقال
عللى بركة الله، نقرأ الفاتحة بقا؟
وقروا الفاتحة أخيراً .. والبيت اللي كان مليان هموم من أيام اتملى بنور الفرحة والدعوات اللي طالعة من القلوب
رواية بين الردي والهدي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نوري
دخل سيف الشقة وخطواته كأنها طايرة فوق الأرض، ملامحه اللي كانت دبلانة من أثر التعب والوجع انمحت تماماً ورسمت مكانها ضحكة صافية من القلب، أول ما قفل الباب وراه وقف في نص الصالة، سكت لحظة وهو بيحبس الفرحة جواه عشان يشوقهم وبعدين قال بصوت عالي وفيه رنة نصر
* قرينا الفاتحة يا جماعة، ليلى بقت خطيبتي رسمي
كريمة سابت السبحة من إيدها وبصتله بلهفة
قريتوا الفاتحة؟، امتى وازاي
اتعدل ادهم في مكانه وقال
بتهزر ولا بتتكلم جد
* جد الجد كمان
طب فهمنا يا ابني
قعد وسطهم وابتدى يحكيلهم اللي حصل واللي عمله منصور لحد ما اقنع مصطفى بقراية الفاتحة، زغردت كريمة زغرودة طويلة شقت سكون البيت، قربت عليه وحضنته وهي بتعيط من الفرحة
يا ألف نهار أبيض يا ألف نهار مبروك يا ضنايا، اخيراً يا سيف؟ أخيراً ربنا جبر بخاطرك وهيجمعك بالحلال مع اللي قلبك اختارها؟
باس إيدها وراسها وهو ضاممها لصدره
* دعواتك يا ست الكل، دعواتك هي اللي فتحت الأبواب المقفولة، عمي مصطفى وافق وعم منصور كان واقف وقفة رجالة متتنسيش
أدهم نط من مكانه زي الصاروخ وفضل يتنطط حواليهم وهو بيخبط على كتاف سيف بشقاوة
أيوا بقا يا عريس بقيت خطيبها رسمي خلاص
بعدت كريمة عنه شوية وهي بتمسح دموعها وقالت
والله وبقيت عريس يا سيف، من بكره هنبدأ نجهز، مش هخليها محتاجة حاجة، دي بنتي قبل ما تكون خطيبتك
ضحك وهز رأسه بـ رزانة
* استني بس يا أمي، عمي مصطفى حط شرط أن الخطوبة تلت سنين، عايز يطمن إني شاري بجد وإني اتغيرت، وأنا وافقت، التلت سنين دول هبني فيهم نفسي وهخلي ليلى ملكة في بيتي إن شاء الله
استغرب أدهم وقال
تلت سنين؟ ده عم مصطفى ده فظيع، بس ولا يهمك إنت قدها وقدود، المهم إن الفاتحة اتقرت
قعدوا التلاتة مع بعض وبدأت كريمة تحكي وتخطط وتتخيل شكل الفرح والشبكة، سيف كان حاسس إن الوجع اللي في راسه تلاشى تماماً، وإن التعب والشقا اللي شافه الديون والحادثة كان هو الضريبة اللي دفعها عشان يوصل للحظة دي، بص لأمه وأخوه وقال بصدق
* انا النهاردة أسعد واحد في الدنيا، مش عشان ليلى بس، عشان شوفت الفرحة دي في عيونكم أنتوا كمان، ربنا يخليكم ليا ولا يحرمني منكم أبداً
البيت كان دافي بمشاعرهم وصوت ضحك أدهم وكريمة كان بيحسس سيف إن الدنيا أخيراً بدأت تضحكله
في الناحية التانية، أوضة ليلى كانت منورة ومبهجة على غير العادة، كانت قاعدة هي وفاطمة على السرير والضحكة مش مفارقة وشهم، فاطمة كانت بتبصلها بفرحة وحنان وهي بتقول
شوفتي؟ شوفتي ربنا لما بيريد بيسخر الأسباب إزاي؟ سيف تعب وشاف كتير، بس في الآخر جيه ودخل الباب من وسعه وأبوكي قلبه لان
اتنهدت بنفس طويل وهي لسه مش مصدقة
- أنا حاسة إني بحلم يا ماما، أول ما سمعت صوت عم منصور وهو بيتكلم قلبي كان هيقف، مكنتش متخيلة إن بابا هيوافق بالسرعة دي
ابوكي طيب ومهما عمل ميهموش إلا سعادتك
اتفتح الباب ودخل مصطفى في ساعتها، ملامحه كانت لسه فيها هيبة الأب اللي بيحاول يداري عطفه ورا قناع الجدية، وقف في نص الأوضة ربع إيديه وبصلهم بنظرة فاحصة و قال
ارتاحتم؟ الفاتحة اتقرت، بس اعملوا حسابكم أنا قولت لسيف ومنصور إن الخطوبة مش أقل من تلت سنين، تلت سنين بحالهم لا تقديم ولا تأخير
فاطمة ضحكت ضحكة هادية وقامت وقفت جنبه، حطت إيدها على دراعه وقالت بدلع زوجة عارفة مفاتيح جوزها
اللي تشوفه يا أخويا، إحنا لينا بركة إلا أنت؟ المهم إنك ريحت قلب البت وفتحت البيت لابن حلال شاري، ربنا يخليك لينا وميحرمناش منك ومن حنانك أبداً
بصلها بغيظ مكتوم وابتسامة غلب غصب عنه وهز راسه
طلعتي مش سهلة يا فاطمة، عارف إنك كنتي عارفة وراضية ومخططة لكل ده من ورايا، ماشي يا أم ليلى
لف نظره لليلى اللي كانت بتبصله بخجل واحترام وقال بنبرة تحذيرية أبوية
وأنتي يا ست ليلى، خلي بالك إن ده اختيارك، وأنا وافقت عشان خاطرك وعشان خاطر منصور، بس اسمعي الكلمة دي وحطيها حلقة في ودنك، أنتي اللي هتشيلي الليلة لو حصل أي حاجة، فاهمة؟
قامت وقفت قدامه وبصت في عينيه بيقين وثبات مكنش موجود فيها زمان
- متقلقش يا بابا، أنا متأكدة من قراري وعارفة سيف كويس، وعارفة إنه مش هيخذلني ولا هيخذل ثقتي فيه
بصلها بغيظ كأنه مش عاجبه إنها كبرت وبقى ليها رأي وبقت بتدافع عن اختيارها بـ قوة، قال وهو بيخرج من الأوضة
ماشي .. ماشي
أول ما قفل الباب وراه بصوا لبعض وانفجروا في الضحك من قلبهم، اترمت في حضن فاطمة ف ضمتها بقوة وهي بتبوس راسها
مبروك يا حبيبتي، ربنا يتمملك على خير ويسعدك مع اللي اختاره قلبك
كانت حاسة إنها أسعد بنت في الدنيا، وإن تلت سنين مش كتير أبداً قصاد إنها هتكون مع سيف في الآخر في النور وقدام عيون الكل
الليل كان ساكن تماماً، مفيش فيه غير صوت مروحة السقف وهي بتلف بانتظام رتيب، سيف كان قاعد على سريره ساند ضهره على الحيطة وعينه مثبتة على سقف الأوضة والوجع اللي في راسه بدأ يهدى ويحل محله وجع من نوع تاني .. وجع التفكير في الجاي
بدأ يحسبها بالورقة والقلم في خياله، الشبكة، الشقة، الجهاز، تلت سنين مش كتير على كل الحمل ده، غمض عينه بأسى وهو بيفتكر دهب أمه اللي اتباع وفلوس الجمعية اللي طارت في الموتوسيكل وقال
* يا رب .. أنا مش عايز أحمل أمي فوق طاقتها تاني، كفاية اللي شافته بسببي، نفسي أجيب شبكة ليلى من عرق جبيني، من شقايا أنا .. بس إزاي والمكنة لسه محتاجة مصاريف وأنا قاعد مكاني كدة؟
الهم بدأ يتسحب لقلبه وبدأ يحس إن الفرحة اللي كان عايش فيها من ساعات بدأت تتهز قدام واقع المصاريف، وفجأة في وسط السكون ده، تليفونه اللي شاشته لسه فيها شروخ بسيطة نور واهتز على الكومودينو برقم غريب ميعرفوش، استغرب لكن رد
* السلام عليكم؟
جاله صوت رسمي وواضح
وعليكم السلام .. أستاذ سيف معايا؟
* ايوا
معاك طارق من شركة إمكان، إحنا كنا راجعنا الـ CV بتاعك اللي قدمته من فترة، والحقيقة الخبرات اللي عندك لفتت نظرنا جداً
اتعدل في قعدته ونبضات قلبه بدأت تتسارع
* طب الحمد لله
بدأ طارق يسأله أسئلة دقيقة عن مجاله وخبرته السابقة، كان بيرد بـ ذكاء وتركيز محاسب شاطر عارف قيمة اللقمة اللي بيسعى وراها، استمر الانترفيو التليفوني أكتر من ربع ساعة وسيف حاسس إن كل كلمة بيقولها هي طوق نجاة بيترميله، سكت طارق لحظة وبعدين قال بإعجاب
تمام يا سيف، إحنا قبلناك مبدئياً ومحتاجينك تشرفنا بكرة الساعة عشرة الصبح في مقر الشركة عشان المقابلة النهائية، يناسبك المعاد؟
كان عايز يصرخ من الفرحة بس حبس صوته بالعافية
* طبعاً يا فندم، بكره الساعة عشرة هكون موجود بإذن الله، متشكر جداً لحضرتك
قفل الموبايل وهو مش مصدق، فضل مذهول لثواني وبعدين فجأة نزل من على السرير ونط نطة واحدة في نص الأوضة وهو بيقبض إيده بانتصار وقال
* الحمد لله يا رب .. الحمد لله
الفرحة كانت بترقص في عينيه، حس إن الأبواب اللي كانت مقفولة بالترابيس بدأت تتفتح واحد ورا التاني بقدرة قادر، مستناش لحظة وجاب السجادة من على الكرسي وفرشها في اتجاه القبلة بهدوء وخشوع غطى على فرحته الصاخبة
وقف وصلى ركعتين شكر لله، وفي كل سجدة كان بيحكي لربنا فيهم عن تعبه وشقاه، وعن حبه لليلى، وعن خوفه على أمه، رفع راسه من السجود ومسح وشه بإيده وحس بسكينة ملمستش قلبه من سنين
نام سيف الليلة دي وهو حاسس إن بكرة مش مجرد يوم جديد، ده عوض كبير من ربنا، وإن الشبكة اللي كان شايل همها ربنا بعتله تمنها لحد باب بيته
بعد يومين، الشمس كانت هادية وصوت اغاني العيد في الشوارع بدأ يعلى، ليلى كانت ماشية وخطواتها كأنها بترقص من الفرحة، وصلت قدام محل نرجس وقفت ثانية تعدل طرحتها وتطمن على شكلها، دخلت والابتسامة مالية وشها، نرجس أول ما شافتها سابت اللي في إيدها وقالت
يا أهلاً يا أهلاً، القمر متأخر ليه النهاردة؟
- اصلي منمتش امبارح من الفرحة
اية اللي حصل احكيلي
قربت منها ومسكت إيديها بلهفة وصوتها طالع بنعمة فرحة حقيقية
- باركيلي، سيف حدد مع بابا خطوبتنا في العيد إن شاء الله
شهقت نرجس من الفرحة وقالت
مش ممكن قولي والله؟ يا ألف نهار مبروك يا حبيبتي، بس إزاي؟ ده أنا قولت باباكي هيماطل في حوار الخطوبة، ده العيد فاضل عليه يومين بس
ضحكت برقة وهي بتسند ضهرها على المكتب وقالت
- والله يا طنط البركة كلها في عمو منصور، كلامه زي السحر، خلى بابا يلين ويوافق والحمد لله إن ربنا سهلها من عنده وسيف بقى في حال غير الحال
نرجس وهي لسه مذهولة
والله سيف ده وراه سر باتع، بس قوليلي، هو لحق يرتب نفسه؟ ده الحادثة مكملتش أسبوع والموتوسيكل كان لسه مسروق وراجع
عينيها لمعت بفخر وهي بتحكي عنه
- الحمد لله ربنا رزقه جاله شغل في شركة كبيرة، واليومين اللي فاتوا دول خلص ورقه واستلم الشغل فعلاً، وعشان يثبت لبابا إنه شاري بجد ومستعد يعمل أي حاجة قرر يبيع الموتوسيكل ويجيب منه الشبكة
يا عيني، باعه عشان يجهز نفسه؟ ده كدة شاريكي بجد يا ليلى، ربنا يهنيكم ببعض يا رب
كملت ليلى وهي بتعدل الساعة في إيدها وتشوف الوقت
- انا جاية استأذن النهاردة عشان رايحين ننقي الشبكة، هيخلص شغله وهنتقابل مع ماما وطنط كريمة، أنا مش مصدقة بجد، كنت فاكرة إن العيد ده هيعدي علينا حزن وكسرة قلب، بس سبحان مغير الأحوال من حال لحال
نرجس حضنتها بقوة وقالت
تستاهلي كل خير يا ليلى، وسيف راجل ويستاهلك، روحي يلا نقي أحلى شبكة، وخلي الحارة كلها تعرف إن ليلى وسيف لبعض مهما كانت الصعاب
- تسلميلي بجد يا طنط على اللي بتعمليه معايا
انا معملتش اي حاجة، وبعدين انتي بنتي، ولا اية؟
- اكيد طبعا
يلا روحي أجري
- حاضر
خرجت من المحل وهي بتضحك وحاسة إن الهوا اللي بتتنفسه المرة دي مختلف، عينها على الطريق مستنية سيف اللي راجعلها المرة دي مش بس بحب، لكن بوعد وعهد رسمي قدام الكل
محل الصاغة كان غرقان في نور اللمبات الصغيرة اللي بتعكس لمعة الدهب في كل ركن، سيف كان واقف جنب ليلى قدام الفاترينة الازاز، وكريمة وفاطمة قاعدين على الكراسي الجلد وراهم بيتفرجوا بفرحة وصوت ضحكهم مالي المكان
عدل ياقة قميصه بتوتر خفيف وبص لليلى اللي كانت واقفة منزلة عينيها في الأرض بكسوف و وشها منور من فرحتها، شاورلها بإيده على طقم رقيق وقال
* بصي يا ليلى شوفي ده كدة؟ حاسس إنه هينطق في إيدك، رقيق شبهك
بصت للطقم ورجعت بصت لسيف بابتسامة
- ذوقه حلو أوي يا سيف، بس خايفة يكون غالي، إحنا لسه بنقول يا هادي والمشوار طويل
قرب خطوة صغيرة لكن فضل محافظ على المسافة بينهم وبصلها بنظرة كلها حنية وتقدير
* مفيش حاجة تغلى عليكي، كفاية أشوف الفرحة في عينيكي، كل اللي تحت إيدي فداكي وأنا شقيان عشانك أنتي
حست بدقة قلبها بتزيد وبصت للأرض وهي بتفرك إيديها
- تسلملي يا سيف، كفاية عندي إنك مقدرني وده أغلى من أي دهب
طلع الصايغ الدبل ومسك سيف دبلتها وبصلها وقال
* عارفة؟ الدبلة دي عهد قدام ربنا إني هصونك وأشيلك في عيني وتكوني أنتي السند والبيت، وأوعدك إن اللي جاي كله هحاول أعوضك فيه عن كل لحظة خوف عيشتيها بسببي
رفعت راسها وبصتله بنظرة فيها وعد هي كمان وقالت بصوت هادي
- وأنا هفضل أدعي ربنا يباركلي فيك ويجعلني ليك الزوجة اللي تريح بالك وتصون اسمك، ربنا يقدرك على شقاك ويجعلني وش السعد عليك
قطعت كريمة اللحظة دي وهي بتميل على فاطمة وبتقول بصوت مسموع
شايفة يا فاطمة؟ العرسان سارحين وناسيين إننا قاعدين، ما يلا اختاروا
ضحك سيف وبص لليلى اللي وشها بقى أحمر زي الورد
* خلاص يا ست الكل قربنا
وهما خارجين من المحل سيف مشي جنب ليلى بوقار، ملمسش إيدها ولا نطق بكلمة تخدش حياء اللحظة، بس نظراته كانت كفيلة تقولها أنها أغلى ما يملك، كانت حاسة إنها طايرة، مش عشان الدهب، بس عشان حست بقيمة نفسها في عين الراجل اللي اختاره قلبها، واليوم ده بقى محفور في ذاكرتها كأجمل بداية لحكاية بدأت بوجع وانتهت بعوض كريم من ربنا
البيت كان عبارة عن خلية نحل وكله واقف على رجله، ريحة المنظفات والبخور كانت مالية الأركان والشقة بتبرق كأنها لسه مدهونة جديد، كريمة كانت بتفرش سجاد الصالون الجديد، وليلى كانت لابسة طرحة قطن خفيفة وماسكة في إيدها ريشة بتنفض بيها البراويز والنجف بهمة ونشاط والضحكة مش مفارقة وشها وهي بتبص لكل ركن في بيتها اللي هيستقبل سيف خاطب رسمي بعد ساعات، فاطمة كانت بتعدل مفرش السفرة وبتبص لكريمة بامتنان
تعبناكي معانا يا كريمة، كفاية وقفتك معانا في المطبخ من الصبح، إحنا خلاص قربنا نخلص
مسحت عرق جبهتها بطرف كمها وضحكت بصوت عالي
تعب إيه بس ده يوم المنى، وبعدين البيت ده بيتي زي ما هو بيتك بالظبط
اما في البلكونة الجو مختلف شوية، أدهم كان واقف على كرسي خشبي ماسك طرف فرع النور البيبي لايت وبيمده لمصطفى اللي كان واقف ساند ضهره على السور وبيراقب الحارة من فوق
يا عم مصطفى ارمي الطرف ده شوية عشان الفرع يرمي نور لحد بيتنا تحت، عايزين الحارة كلها تعرف إن ليلى وسيف لبعض
مسك طرف السلك ببرود ورماه فعلاً وثبته في مسمار قديم، ملامحه مكنتش فيها الفرحة الصاخبة اللي في عيون أدهم، كان فيه هدوء غريب و مسحة من القلق لسه متدارية ورا نظراته الرزينة، مكنش غضبان بالعكس، كان بيساعد بس قلبه لسه واقف في منطقة الحذر، كان بيبص لليلى وهي بتتحرك جوا الشقة بخفة وهو حاسس بغصة خوف الأب إن بنته تنجرح تاني، أو إن سيف ميكونش قد الوعد الطويل اللي قطعه على نفسه
برا .. خبط باب الشقة المفتوح ودخلت نرجس وهي شايلة شنطة كبيرة و وشها منور بفرحة صادقة
يا أهل الدار، يا عروسة العيد
جرت ليلة عليها وحضنتها، طلعت نرجس من الشنطة فستان بسيط ولونه أوف وايت هادي مطرز بتطريز رقيق جداً عند الصدر
دي هدية خطوبتك، فستان سمبل زي ما كان نفسك
مسكت الفستان وبصتله بإعجاب وعيونها لمعت
- تحححفة، تسلم إيدك يا طنط ذوقه يجنن، كأنه متفصل عليا بالظبط
فاطمة وكريمة اتلموا حواليهم وبدأوا يباركوا ويشوفوا الفستان والجو في الصالة بقى كله زغاريد وضحك وفرح
خرج مصطفى من البلكونة و وقف عند باب الصالة وشاف لمتهم، عينه جت في عين ليلى اللي كانت ماسكة الفستان وبتبصله فـ هز راسه ليها بابتسامة خفيفة فيها حنان ومشى ناحية أوضته من غير ما يتكلم
حست بغصة بسيطة بس فاطمة طبطبت عليها وهمست لها
متقلقيش .. ابوكي قلبه طيب ومع الوقت لما يشوف سيف وحبه ليكي هو اللي هيستعجل الجواز
كملوا التنضيف وهما بيحضروا صواني الكحك والبسكوت، والبيت بقى جاهز تماماً لاستقبال الليلة الكبيرة، ليلة العيد اللي هتكون أغلى ذكرى في حياة الكل
أنوار الحارة كانت عالية والبيت عند ليلى كان ريحته عود وبخور هادي، الباب خبط خبطة واثقة ف فتح مصطفى بابتسامة هادية واستقبل سيف اللي كان داخل بطلة تخطف القلب، بدلة كحلية بسيطة وقميص أبيض وفي إيده بوكيه ورد كبير ألوانه مبهجة، وراه أدهم بقميصه الشيك ومنصور اللي داخل بوقاره وعكازه وضحكته اللي مالية الوش
نورتونا يا جماعة اتفضلوا
رحب بيهم مصطفى ودخلوا الصالون، جوا في الأوضة كانت ليلى واقفة قدام المرايا، نرجس بتحاول تقنعها بلمسة مكياج خفيفة لكنها كانت رافضة تماماً
- لا يا طنط خليني طبيعية احسن
لفت طرحتها الـ اوف وايت واكتفت بلمسة ملمع شفاه بسيطة خلت وشها ينطق براءة ونور طبيعي، فاطمة كانت واقفة وراها بتعدلها الفستان وبتبصلها بدموع فرحة
الله أكبر عليكي يا بنتي، ربنا يحميكي من العين
خبط الباب ودخل مصطفى، بصلها نظرة طويلة فيها حنين وخوف أب وقال
سيف برا .. جاهزة؟
هزت راسها و مسكت في دراعه وخرجوا، أول ما سيف شافها قام وقف لا إرادي وعينه اتعلقت بيها كأنه لسه بيشوفها لأول مرة، كانت ماشية بصة للأرض وابتسامتها مرسومة بحياء، قعدت جنبه على الكنبة وفضلت مسافة الاحترام موجودة بينهم، ميل عليها وهمس بكلمة واحدة يادوب سمعتها
* مبروك يا زينة البنات
لرفعت عينها وبصتله بأبتسامة و وشها بقى جمرة نار من الكسوف
بدأ منصور الكلام بهزار عشان يفك التوتر
ها يا أبو ليلى، مش هنلبس الشبكة ولا إيه؟
قامت كريمة جابت علبة القطيفة الحمراء وبناءً على طلب ليلى لبستها الدبلة والشبكة الرقيقة، وفي اللحظة دي انطلقت زغرودة مجلجلة من فاطمة ردت عليها نرجس بضحكة وفرحة، أدهم قام حضن سيف وقال
مبروك يا عريس، ربنا يتمملك على خير إن شاء الله
مصطفى اللي كان مراقب المشهد بصمت بص لليلى وقرب باس راسها
مبروك يا حبيبتي، مبروك يا سيف
الابتسامة كانت بسيطة على وشه، بس كانت كافية إنها تطمن قلب سيف إن الحواجز بدأت تتهد، فاطمة دخلت بصواني الجاتوه والحاجة الساقعة والكل بدأ ياكل ويضحك والجو بقى عائلي بامتياز
مرت الشهور عليهم وكل حاجة كانت ماشية كويس، سيف كان غرقان في شغله الجديد بيثبت كفاءته كل يوم عشان يوفي بوعده لمصطفى، وليلى كانت هي الراحة اللي بيلاقيها في آخر يومه
العلاقة بينهم كانت زي خيط حرير، قوي بس ناعم، لو حصل شد من ناحية التاني بيرخي فوراً، بمرور الوقت بقى عنده دستور في حياته
ليلى متنامش زعلانة
كان عارف إن الحنية هي اللي بتفتح القلوب المقفولة، وهي كمان كانت بتخاف على زعله وتراعي تعبه وشقاه، لدرجة إنها كانت بتحس بضيقته من نبرة صوته في التليفون
وفي يوم من الايام حصل بينهم خلاف بسيط، سيف كان مضغوط جداً واتأخر في الرد على مكالماتها ولما رد كان صوته حاد ومنفعل شوية، حسست ليلى بكرامتها وجعتها وسكتت وقفلت السكة وهي زعلانة، وقررت إنها مش هتكلمه لحد ما يحس بغلطه
أول ما هدي وخلص شغله افتكر نبرة صوتها الحزينة ف تضايق من نفسه ومستناش للصبح ولا استنى لما هي تصالحه، نزل من الشركة وجري اشترالها هدية وحطها قدام بابها وطلع وقف في بلكونة بيتهم وبعتلها رسالة
* افتحي باب الشقة وبعدين ادخلي البلكونة
شافت الرسالة قلبها دق بلهفة بس حاولت تبان تقيلة، فتحت الباب لقت علبة مخملية عليها فيونكة، ضحكت وخدتها ودخلت البلكونة فورا، شافته واقف تحت في بلكونته لابس هدوم الشغل و وشه باين عليه الإرهاق، بس أول ما شافها ابتسم ابتسامة اعتذار صادقة وشاور لها بإيده على قلبه وبعدين همس بصوت يادوب سمعته مع هوا الليل
* حقك عليا، الضغط كان كبير، بس مستحيل يهون عليا زعلك، الهدية دي اعتذار من سيف اللي ملوش غيرك
مقدرتش تقاوم حنيته، الابتسامة اترسمت على وشها غصب عنها وهزت راسها وقالت
- خلاص مسامحة
كمل كلامه وهو بيضحك
* طب اضحكي بقا عشان أمام وانا مرتاح
ضحكت بصوت واطي وقالت
- روح يا سيف، روح ارتاح، وأنا مش زعلانة خلاص، بس متبقاش تقسى عليا في الكلام تاني
حط إيده على راسه بـ احترام وقال
* أمرك سموك، تصبحي على خير
دخل اوضته وهو حاسس إن جبل انزاح من عليه، دخلت هي كمان أوضتها وهي حاسة إنها أغلى حد في الدنيا، وان الموقف ده رغم بساطته خلى اللي بينهم أقوى
ليل هادي وسكون في الصالة، مصطفى كان قاعد وساند ضهره ماسك مسبحته وصوت حباتها وهي بتخبط في بعضها هو الصوت الوحيد اللي مسموع، فاطمة دخلت عليه بصينية الشاي حطتها قدامه وقعدت جنبه، سكتت شوية وهي بتراقب ملامحه اللي الزمن رسم عليها حكمة وهيبة، بدأت الكلام وقالت
بقول اية يا مصطفى، مش آن الأوان بقا نريح قلب العيال دي؟ سيف بقاله سنتين وشوية مبيشوفش النوم، من الشغل للبيت، و ولا كلمة خرجت منه تزعلنا، ولا خطوة مشيها غلط
بصلها ورفع حاجبه بـ هدوء
ما إحنا اتفقنا يا فاطمة، تلت سنين عشان أطمن، والأيام بتعدي مفيش استعجال
مالت عليه برفق وقالت
بس الاستعجال المرة دي فيه خير يا أخويا، سيف بسم الله ما شاء الله جاب الشقة و وضبها وبقت زي الفل، وجهاز ليلى خلاص ملوش مكان في الأوضة من كتر ما كمل، والعيال شقيوا وبنوا نفسهم طوبة طوبة قدام عينينا، ليه نستنى سنة كمان على الفاضي وهما جاهزين؟
سكت شوية وسرح في صورة سيف وهو بييجي كل يوم جمعة يقعد معاه بأدب يحكيل عن شغله وترقيته في الشركة وعن تعبه عشان يخلص توضيب الشقة قبل ميعاده، افتكر سيف اللي كان متهور زمان، وسيف اللي واقف قدامه دلوقتي راجل بجد شايل مسئولية وعارف قيمة الكلمة، فاطمة كملت بـ ذكاء
انت نفسك يا مصطفى بقيت بتعتمد عليه في كل حاجة، وبقيت بتثق فيه أكتر من أي حد، سيف أثبتلك إنه تاب بجد وإن السكة القديمة دي اتقفلت واترمى مفتاحها في البحر، ارحم حنينهم لبعض وافرح ببنتك وهي في بيتها مستورة ومعاها راجل يصونها
اتنهد تنهيدة طويلة وحط المسبحة من إيده وبصلها بنص ابتسامة
تفتكري يا فاطمة؟ تفتكري سيف هيصونها زي ما أنا صونتها؟
ابتسمت بيقين وقالت
ايوا طبعا، سيف بسحبها وعمره ما هيكسر الثقة اللي أنت إديتهاله، ده شاريها بالغالي وأنت أكتر واحد عارف ده
هز راسه برزانة كأنه بياخد قرار مصيري وقال
خلاص يا فاطمة، هكلمه واقوله، كفاية عليهم كدة، والظاهر إن سيف غلبني بصبره وأدبه
ربنا يخليك لينا وميحرمناش منك ابدا
ضحك وخدها في حضنه وهو مقرر أنه يتكلم سيف على طول يببلغه ويفرحه
تاني يوم، شوارع وسط البلد كانت زحمة بحركة الناس والأنوار بتلمع في المحلات، سيف وليلى كانوا ماشيين و وراهم أدهم شايل أكياس كتير وبينهج، كانوا في جولة اللمسات الأخيرة للشقة، كان ماسك في إيده عينة من قماش الستاير وبيميل على ليلى اللي كانت واقفة قدام جاليري نجف وبتبص بتركيز لنجفة رقيقة
* ها يا ليلى رسيتي على إيه؟ دي خامس نجفة نقف قدامها النهاردة والراجل بتاع المحل بدأ يشك فينا
ضحكت برقة وشاورت على النجفة اللي قدامها
- دي يا سيف .. هادية وشيك وهتليق جداً مع لون الصالة اللي اخترناه
نزل ادهم الأكياس في الأرض ومسح جبهته بتعب
يا جدعان ارحموني، النجفة دي شبه اللي قبلها بالظبط وأنا رجلي خلاص استوت، وافقي يا ليلى بالله عليكي خلينا نروح نلحق ناكل لقمة
سيف بص لليلى وقال بقلة حيلة
سمعتي؟ أدهم هيعلن العصيان، بس ولا يهمك، نقي اللي يعجبك وذوقك هو اللي هيمشي طبعاً، أمري لله، أنا مجرد ممول ومنفذ هنا
ليلى بصت له بامتنان
- تسلملي يا سيف، ذوقك برضو جميل بس أنا بحب الحاجات الهادية
* يا ستي الشقة شقتك والذوق ذوقك المهم تكوني مرتاحة فيها
وفجأة، تليفونه رن في جيبه، طلع الموبايل وشاف الاسم ملامحه اتغيرت وبقت جدية وفيه استغراب
* ده عمي مصطفى، غريبة بيكلمني دلوقتي ليه؟
رد بسرعة وقال
* أيوا يا عمي خير حضرتك؟
ليلى وقفت وبصتله بقلق، كان بيسمع وبيهز راسه
* تمام يا عمي .. إحنا أصلاً في وسط البلد ومعانا أدهم، هنيجي حالاً مسافة السكة
قفل السكة وهو بيبص لليلى بحيرة
* باباكي عايزنا إحنا الاتنين عنده في البيت دلوقتي حالا، وصوته كان غريب، هادي بس فيه جدية
وصلوا البيت في وقت قياسي، ليلى دخلت اوضتها وسيف وأدهم قعدوا مع مصطفى في الصالون، سيف قعد وهو بيقول
* خير يا عمي؟ قلقتنا
مصطفى سكت لحظة وبص لسيف نظرة طويلة فيها تقدير حقيقي وقال برزانة
بص يا سيف، أنا لما حطيت شرط التلات سنين مكنتش بقصد أعجزك، كنت عايز أطمن على بنتي وأشوف الراجل اللي هيشيل اسمها هيكون قد المسؤولية ولا لأ
سيف بلع ريقه ومصطفى كمل
أنا بقالي سنتين وشوية براقبك، شوفت تعبك وشوفت إصرارك، وشوفت إزاي بنيت نفسك من الصفر وحافظت على ليلى وصونتها في غيابها وحضورها، الحقيقة يا ابني أنت أثبت لي إنك راجل بجد، وإن توبتك كانت نصوحة، وإنك شاري ليلى بالغالي، عشان كدة انا قررت إننا مش هنكمل التلات سنين، الشقة جاهزة وانتوا جاهزين مفيش داعي نستنى سنة كمان على الفاضي، حددوا ميعاد الفرح يا سيف، أنا موافق تتجوزوا الشهر الجاي
سيف من الفرحة مكنش عارف ينطق، وقف فجأة وبص لمصطفى بذهول
* بجد يا عمي؟ بجد حضرتك وافقت؟
قرب منه وباس إيده وقال
* والله ما هخذلك أبداً يا عمي، وهفضل طول عمري مديون لك بالجميل ده، ليلى في عيني وفي قلبي، وأوعدك إنك هتفضل فخور بيا وبجوازي منها
كانت الشمس بدأت تغيب وتفني خيوطها الذهبية في سما الحارة، والبيت عند ليلى كان عبارة عن معزوفة فرح صاخبة، جوا أوضتها كانت ليلى قاعدة قدام المرايا ونرجس وفاطمة وكريمة حواليها كأنهم بيحضروا ملكة، كانت لابسة فستان أبيض ستان رقيق جداً واسع ومحتشم، نرجس كانت بتبص لها بإعجاب وهي بتحطلها لمسة خفيفة جداً من المكياچ
ما شاء الله يا ليلى .. إنتي مش محتاجة زينة إنتي منورة لوحدك
كانت بتبتسم في المرايا وإيدها بترتعش وهي بتمسك بوكيه ورد صغير أبيض في سكري
فجأة سمعوا صوت زغاريد وهتفات أدهم من الشارع، وصوت عربية الزفاف اللي كانت متزينة بستان أبيض، نزل سيف منها ببدلته الكاملة وطلع السلم بلهفة، خبط على الباب وفتحتله فاطمة وهي بتزغرط، دخل الصالة و وقف يستنى
خرجت ليلى من أوضتها وساندة على إيد باباها، أول ما شافها سكت تماماً وعينه لمعت بدموع فرحة حقيقية، قرب منها ببطء وبعدين بص لمصطفى بامتنان، مسكت ليلى في طرف چاكتته ونزلوا سوا والكل وراهم
في المسجد، الجو كان مليان وقار وسكينة، سيف كان قاعد وجنبه ليلى وقدامه المأذون ومصطفى، المنديل الأبيض اتفرش وابتدى المأذون يلقنه الكلمات، اول ما سيف قال بصوته الرجولي القوي
* قبلتُ زواجها ورضيتُ بها زوجةً لي
ليلى غمضت عينها ونزلت دمعة فرحة منها
انطلقت الزغاريد والتكبيرات وقام مسك إيديها الاتنين وباسهم قدام الكل ومال على راسها باسها بوسة طويلة كأنه بيطمنها إنها خلاص بقت في حماه، همس في ودنها وسط الزغاريد وقال
* خلاص يا ليلى، مفيش قوة في الأرض تقدر تبعدنا عن بعض تاني.
بعد الزغاريد والمباركات قرروا يروحوا شقتهم احسن، على باب الشقة .. شال سيف ليلى ودخل بيها وقفل الباب وراهم بالمفتاح وكأن العالم كله اختفى ومفضلش غيرهم، كانت واقفة في نص الصالة منزلة راسها بكسوف شديد وإيدها لسه ماسكة البوكيه بتوتر
قرب منها بهدوء لحد ما بقى واقف قدامها مباشرة، بص في عينيها بنظرة كلها حب وهيام وقال
* مش مصدق يا ليلى، مش مصدق إن الباب ده اتقفل علينا وأنتي بقيتي مراتي فعلاً
صوتها طلع مهزوز ورقيق
- الحمد لله يا سيف .. ربنا استجاب لدعائي
مسك إيدها وبدأ يغازلها بصوته الدافي
* عارفة؟ أنا كنت بشوفك من بعيد وأقول يا ترى القمر ده هينور بيتي في يوم؟ النهاردة البيت مش منور بالنجف اللي اخترناه، البيت منور بيكي أنتي، الفستان الأبيض عليكي يجنن، بس وشك وهو مكسوف كدة أحلى من أي حاجة شوفتها في حياتي
وشها بقى أحمر زي الورد وحاولت تهرب من نظراته لكنه ضحك بخفة وقرب أكتر وهمسلها
* خايفة مني يا ليلى؟ ده أنا سيف، سيف اللي استنى السنين دي كلها عشان اللحظة دي، أوعدك يا حبيبتي إني هكونلك الأب والأخ والزوج، ومش هخليكي تندمي ثانية واحدة إنك اخترتيني
رفع راسها برقة وخلاها تبصله
* تنا بحبك يا ليلى .. بحبك فوق ما تتخيلي
ابتسمت بخجل وقالت بصدق
- وأنا بحبك يا سيف .. ومستعدة أبدأ معاك العمر كله من اللحظة دي
ضمهما لصدره بحنان غامر وريحة المسك والورد كانت بتملا المكان، وبدأت أول ليلة في حياتهم الجديدة، ليلة مليانة وعود صادقة وحب طاهر بدأ بوجع وانتهى بجنة على الأرض
مرت سنتان وكأنها حلم جميل اتبدلت فيه ملامح الحارة وهدأ ضجيج الأيام، لكن حب سيف وليلى ظل هو الثابت الوحيد، في صالة شقتهم الهادية ليلى كانت واقفة قدام ترابيزة المكواه وهي ماسكاها وبتكوي جلابية سيف الجديدة بتركيز وعينيها بتلمع بالرضا
اتفتح الباب ودخل سيف و وشه منور بابتسامة واسعة وفي يده أكياس مليانة حلويات، ملحقش يخطئ خطوتين وهجموا عليه مريم ونور، توأمه اللي اول ما نوروا الدنيا حلوها في عينه، وقفوا قدامه بفساتين العيد المنفوشة وضحكات تشبه زقزقة العصافير، رمى الأكياس على الكنبة ورفع كل واحدة منهم على دراسه وقعد يبوسهم ويهزر معاهم وهو بيقول
* روح قلب بابا، جيبتلكم حلويات زي ما بتحبوا اهو
ساهم يلعبوا وراح ناحية اوضته هو وليلى، وقف وراها وشم عطرها الهادي و حط أيده على كتفها بحنان، لفت بابتسامة وهي تمسح جبهتها
- كل سنة وأنت طيب يا حبيبي، الجلابية جاهزة اهي
مال على راسها وباسها بوسة طويلة وضمها لصدره بقوة وكأنه بيخبيها من الدنيا كلها، همسلها بصوت دافي
* كل سنة وأنتي جنتي يا ليلى، كل سنة وأنتي الأميرة اللي نورت حياتي وبقت أم بناتي، أنا لسه كل يوم بشكر ربنا إنك بقيتي من نصيبي
دفنت راسها في كتفه بخجل وحست بأن كل تعب السنين داب في الضمة دي
بعد شوية، نزلوا كلهم وراحوا الحارة، الشوارع كانت مليانة بالزينة اللي متعلقة بين البلكونات والتكبيرات طالعة من المسجد الكبير، كان ماشي بجلابيته البيضا وليلى جنبه بعبايتها الرقيقة شايلة مريم وهو شايل نور
وسط الزحمة وقعت عينه على شخص واقف بعيدا، دقق النظر ولما عرفه قال
* مازن؟؟
مشي ناحيته بخطوات سريعة، اول ما مازن شافه ابتسم وقرب منه
* مازن .. إزيك، فينك من زمان؟
أهلاً يا سيف، مبروك على كل حاجة سمعتها عنك
* انا اللي مبسوط اني شايفك هنا
أنا توبت يا سيف، السكة دي مكنش وراها غير الوجع، سيبتها من زمان وشغال دلوقتي في ورشة على قد حالي، والحمد لله على كل شيء
بصله بفخر ومترددش لحظة، فتح دراعاته وهو بيقول
* الحمد لله يا مازن، ربنا يقويك على طريق الخير، والسكة اللي أولها توبة آخرها جبر، لو احتجت أي حاجة رقمي معاك وأنا أخوك، كلمني في أي وقت
سابه وهو حاسس براحة غريبة، رجع ووقف جمب ليلى واهلهم اللي كانوا موجودين، شال واحدة من البنات وحط أيده التانية على كتف ليلى وقربها منه قدام الكل بفخر، بص في عينيها وقال بحب
* شوفتي يا ليلى؟ العيد مبيبقاش عيد غير لما بنكون سوا وسط أهلنا، وأنتي عيدي الكبير اللي مبيخلصش
ابتسمتله وقربت منه اكتر والكل حواليهم بيضحك، وصوت التكبيرات بيعلى معلناً نهاية حكاية بدأت بوجع وضياع وانتهت ببيت دافي وتوبة نصوحة وحب طاهر سكن القلوب للأبد
تمت الحكاية ..