تحميل رواية «بين الامس و اليوم» PDF
بقلم HaboOoshy
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
************ قبل واحد ثلاثين عاما عالم غير العالم ودنيا غير الدنيا وبشر غير البشر بحر ممتد.. وشاطئ عذب.. وأحلام تبدأ : لتنمو.. أو لتُنحر!! يجلسان على بحر منطقة دخان.. شابان غضان.. للتو يعبران حاجز التاسعة عشر عاما يفرق بينهم الأصل والقبيلة ويجمع بينهما الفقر والصداقة والرجولة الكثير منها ثلاثتها كثيرٌ من الفقر وكثير من الصداقة وكثير من الرجولة!!! "زايد.. هونها وتهون يأخوك" " قهرتني ياخليفة.. قهرتني" خليفة بشبح ابتسامة: أبي أدري بس وش عايبك فيها..لسانها طويل يبتسم زايد وهو ينظر للأفق خلف البحر ال...
رواية بين الامس و اليوم الفصل الحادي والستون 61 - بقلم HaboOoshy
يقف أمام باب مجلس الحريم المطل على الحوش..
يعرف هذا البيت جيدا.. فهو من بناه.. ويحفظ كل تفاصيله..
التي حاول تناسيها منذ علم أنها سكنت قريبا منه..
طوال الأشهر الستة الماضية وهو يحاول تجاهل حقيقة سكناها بجواره..
حتى حين يخرج من بيته يدور للجهة الأخرى لم يعبر ولو لمرة واحدة من أمام بيتهم مباشرة
خوفا أن يلمحها خارجة في سيارة مغيمة بالسواد..
حتى الجد جابر.. غالبا هو من يأتي لمجلس زايد لأنه يشعر بالضيق من الجلوس في البيت
فيمر كل يوم بعد عودته من صلاة العصر.. ويبقى حتى يذهب لصلاة المغرب..
ثم يعود لبيته..
لذا لم يضطر أن يضغط على أعصابه.. وهو يتجاهل وجودها قريبة هكذا..
ومع ذلك في أحيان كثيرة كان يقول لنفسه ليلا وهو يستعد للنوم
"هل لو أرهفت السمع قليلا سأسمع صوتها يعبر الحوائط؟؟"
كان وجودها جواره رغم كل محاولات التجاهل متعب إلى حد كبير لمشاعره وذكرياته..
فهو يؤمن أنه لم يبق لسواه سوى الذكريات!!
هذه المرة لم يضع مطلقا في باله أي احتمال أنه سيراها...
فهو اتصل بكاسرة مباشرة حتى تكون من تفتح له الباب..
لذا حين فُتح الباب.. دخل بثقة وعفوية.. وهو يسلم بنبرته الواثقة الفخمة..
ليجد أن من فتحت له الباب سيدة متشحة تماما بالسواد ومعها خادمة كانت تضع صواني القهوة والشاي على الطاولة وتقف عندها..
عــــــرفــهـــا..!!
عـــــــــــــرفــــــــهــــا!!
وعرف من هي... وآه من هذه المعرفة ما أقساها!!
أي كارثة.. مصيبة.. فاجعة.. كاسحة.. كل مسميات الصدمة للصدمة هذه لم تخطر له ببال!!
"لماذا ترتكبين هذه الجريمة في حق عمكِ يا كاسرة؟؟
أأتي لأصلح بينك وبين زوجكِ
فيكون جزائي أن تذبحيني؟؟
المرة الماضية لم أستطع احتمال رؤية طرف أناملها
فكيف وهي تقف أمامي هكذا؟؟؟ كيف؟؟"
لم ينظر مطلقا ناحيتها وهو يختار له أقرب مقعد للباب ويجلس عليه.. وهو يغلف كل مشاعره -التي احترقت فجأة- بالبرود قدر ما استطاع..
ولكنها لم ترحمه وهي ترد السلام بصوتها الرخيم..
ثم تهتف باحترام جزيل: حياك الله يا أبوكساب..
بنتك بتجيك الحين.. والله لا يقصر خطوتك ويكبر قدرك مثل ماكبرت قدرها..
حينها كاد يقسم أنه انتفض بعنف قارص وهو يشعر بلسعة باردة حادة كسهم مسموم اخترقت أذنه من ناحية لتخرج من الناحية الأخرى..
لم يكن يريد أن يسمع صوتها مطلقا.. كان يخشى من تأثير الصوت عليه
أما أن يقلب مواجعه أو ينسفها..!!!
فإذا به يقلبها كإعصار هائج..مجنون لا يرحم من يعبر عليه!!
مازال الصوت هو نفسه كما سكن في روحه..
هو نفسه .. نفس البحة الناعمة ولكن..أكثر نضجا وعمقا وهدوءا وأنوثة..إلى درجة تثير الصداع..
ولكنه بات خاليا من روح تمردها المتعجلة على الدوام التي كانت تأسره وتغيظه في ذات الوقت..
لتسكنه روح عمق مختلفة مسكونة بأنوثة لم تُخلق إلا لها وحدها..
أنهت عبارتها وخرجت.. لتتركه مبعثرا خلفها.. لم يستطع حتى أن يرد على ترحيبها..
بل وصف (التبعثر) لا يمكن أن يرتقي ليصف حالته أبدا..
هل يُقال حين تتفجر الروح إلى أشلاء لا عدد لها.. مجرد تبعثر؟!!
هل يُقال حين تقتحمك كل ذكرياتك الأثيرة بقوة آلاف القنابل النووية.. مجرد تبعثر؟!!!
هل يُقال حين ترى كل أحلامك تتضاءل وتتقزم أمام مجرد همسات.. مجرد تبعثر؟!!
إن كان يصح أن يُقال ذلك عن حاله ويوصف ذلك بالتبعثر..
فهو إذن تبعثر ملايين المرات ودون توقف!!!!
" ألوم الولد الصغير على اندفاعه
وأنا الشيبة القاضي ماني بقادر أتحكم في انفعالي؟!!
أشلون شكلي قدامها
وأنا حتى ماتحفيتها ولا سألتها لو كاسرة قالت لها شيء مثل ماهو مفترض؟؟
ليتني ماجيت..
ليتني ماجيت..!!!"
بعد أقل من دقيقة عادت مرة أخرى.. لتصدمه صدمة أشد من الأولى..
فهو توقع أنها انجزت مهمتها في ذبحه.. فلماذا عادت إذن؟؟
"لماذا عادت؟؟ لماذا؟؟
أ لم يكفها مافعلته بي؟؟
ماعاد بي شيء يحتمل وجودها أبدا!!"
كاسرة دخلت خلفها.. وهي تتجه لزايد لتقبل رأسه ثم تجلس جواره وهي تهمس باحترام:
أمي من كثر ماهي زعلانة عشان كساب تبي تقعد تساعدك عليّ..
حينها كانت مزنة تتوجه لتجلس في الناحية الأخرى..
زايد شعر بالفعل أن ريقه جاف.. وأن الكلمات كلها هربت منه..
كره لأبعد حد أن يكون هو.. زايد المتحكم المسيطر في هذا الموقف... موقف الضعف..الذي لا يليق به أبدا!!
شد له نفسا عميقا وهو يستعيد سيطرته على الموقف!!
فهذا نتاج فترة متطاولة من التدرب على التحكم في أعصابه في أقسى المواقف وأعقدها..
ليهتف بحزم السيطرة على الأمور : زين يأبيش دام حتى أمش مهيب راضية على سواتش
منتي بمكبرة قدري وقدرها وترجعين لبيتش..
ولو كساب مضايقش بشيء أنا بأخذ لش حقش منه.. أنتي تعرفين غلاش..
وتدرين أكثر أني وش كثر أوصي كساب عليش..
بس مايصير يأبيش الرجّال طلع وأنتي في البيت يرجع ما يلقاش..
همست حينها كاسرة بحزم مخلوط باحترامها العظيم لزايد:
قدرك أنت وأمي على رأسي.. بس ماظنتي إنه يرضيك أنه قدرك وقدرها يغصبني على حياة ما أبيها..؟!!
حينها تكلمت مزنة بثقتها البالغة الراقية: زين الحين أنا وعمش موجودين
أنتي بنتي وهو أبيه..
قولي لنا السبب..
ما يصير يأمش تهدمين حياتش كذا وماتبين حد يتدخل..
كساب ماشفنا عليه شيء يحدش تطلعين من بيتش..
ودامش ماتبين تكلمين.. فالحق الحين عليش مهوب عليه...
شعر زايد بصداع فعلي يمزق دماغه بمطارق لا ترحم
"هل هذه تتكلم أم تغرد؟؟
كيف أحل المشكلة وأنا عاجز عن التركيز هكذا؟؟"
كاسرة بذات الحزم الرافض لإعطاء مبررات: يمه اسمعيني أنتي وعمي
أحيانا ترا ما يكون فيه سبب ينقال..
صدقوني أنا وكساب مابيينا مشكلة فعلية
بس ماصار بيننا توافق.. ليش تبون تغصبوني أو حتى تغصبونه؟؟
ماتدرون يمكن لا رجع من السفر تلاقونه مستانس أني أنا فكيته من شري..
حينها هتف زايد بحزم وهو مازال يتجاهل النظر بكل قوته لبقعة الضوء والتشتيت الجالسة في الطرف الآخر أمامه..
لا يعلم كيف يستطيع التوفيق بين كلام مهم يجب أن يقوله.. وإحساس قاهر بانعدام التركيز يتجمع في المكان:
زين يأبيش ليش تسلبينه حقه إنه يعبر عن رأيه..
دام تقولين مابينكم مشكلة.. ارجعي لبيتش.. ماراح أقول الحين
بس لا رجع من سفره يلقاش قدامه مثل ماكنتي وراه يوم سافر..
تفاهمي أنت وإياه وتأكدي أني معش طول الطريق..
بس لا تخلين العزة بالأثم تأخذش..
كان زايد يتكلم ويتكلم ويتكلم بطريقته الخاصة البالغة الحزم والفخامة
بينما مزنة تنظر له من خلف فتحات نقابها الشديدة الضيق
بالكاد تظهر رفات رموشها التي لم يستطع حتى أن ينظر ناحيتها وهو يتجاهل النظر لها..
فيكفيه مافعله به صوتها.. لن يحتمل رؤية (زولها) حتى!!
كانت تنظر له وتبتسم رغم حساسية الموقف..
فهذه هي المرة الأولى التي تراه يتكلم بعد ثلاثين عاما!!
حتى المرة الماضية حين جاء لأخذ كاسرة كانت هي معتصمة بالباب
هو لم يرفع صوته بالسلام وكل حواره كان مع كاسرة..
وسبب رغبتها بالإبتسام.. أنها ترى أمامها كم تغير.. تغير جذري شكلا ومضمونا.. حتى أسلوبه في الكلام تغير 180 درجة..
فأين زايد الهجومي الحاد غير اللبق.. من هذا الفخم الأنيق والواثق الذي تشعر بروح سيطرته تحيط المكان بإحكام من حوله..؟؟
كإحساس..زايد الآن كما كان قبل ثلاثين عاما.. مجرد جار وابن جماعتها تربطها به المودة العامة.. ولم تحمل له أبدا مشاعر خاصة..
كانت وهي مراهقة تشعر بالغيظ منه.. ولم توافق على الزواج منه لأنها شعرت أنه يريد فرض سيطرة عليها هي ترفضها..
بعد ذلك تحولت المشاعر لمشاعر احترام عميق وهي ترى تواصله مع والدها
ولا تأخذه أبدا مشاغله المتزايدة عن وصله وخصوصا مع معرفتها بمحبة والدها له
ولكنها وهي تراه الآن لا تنكر أنه يستحق فعلا مشاعر الإعجاب التي يثيرها في الجميع..
فهي كانت سابقا تستغرب كيف استطاع زايد المتهور العنيد طويل اللسان أن يحقق كل هذه النجاحات..!!
الآن.. آن لها ألا تستغرب أن من له هذه الطريقة المقنعة المبهرة في الكلام لابد أن ينجح..
لا تعلم كيف إن ابنتها مازالت لم تقتنع حتى الآن..
رغم أن في ابنتها كثير من عنادها ولكن السنوات هذبتها ومنحتها الحكمة..
ولو كانت هي في موقع ابنتها من تستمع لزايد لكانت تعود معه لبيتها الآن..
زايد تعب فعلا من محاولة إقناع كاسرة التي كانت مصرة تماما على موقفها
حينها وقف وهو يهتف بحزم: تعبتيني يأبيش وماهقيت إني مالي خاطر عندش كذا
كاسرة همست بجزع حقيقي وهي تقبل رأسه: محشوم فديتك.. بس ظني إنك صرت أكثر واحد يعرفني في ذاك البيت
وماظنتي يرضيك أكسر نفسي عشان أرضيك..
زايد قبل جبينها وهو يهتف لها بمودة عميقة: أنا رايح يأبيش عمرة الليلة
وبأدعي لكم ربي يصلح بينكم
بس طلبي مني شي واحد..
لا جا كساب يبي يكلمش.. لا تصدينه.. طالبش يأبيش تقعدين معه وتتفاهمون...
حينها همست كاسرة في داخلها بألم: (لا تخاف مهوب جاي.. أصلا هو يبيها من الله..)
ولكنها أجابته بمودة: أنت تأمر.. والله لا ياتي لأقعد معه ونتكلم..
بس لا تهقا أني رديتك وأني بأرجع معه.. قدرك أكبر عندي من كل قدر..
زايد غادر وهو يشعر أنه يريد أن يهرب فعلا.. يشعر ن جسمه خلا من الطاقة تماما..قدماه بالكاد حملتاه للخارج..
يبدو أنه سيحتاج بالفعل إلى الذهاب للعمرة مع ابنه التي جاءت في وقتها لتبرد بسكينتها جروح قلبه التي انفتحت على اتساعها
ليُذر عليها كل ملح العالم!!
كان يعلم أنه يستطيع أن يضغط على كاسرة أكثر من ذلك لو استخدم كل ذكائه وقدرته على الإقناع..
ولكن هذا هو كل ما استطاعه حتى لا يبدو بمظهر مزري أمامها..
يا الله لماذا جاءت مع ابنتها لماذا؟؟
ماذا استفاد غير اشتعال الحرقة والمرارة في جوفه.. وفشله في الوساطة التي جاء لها..؟؟
لو أنه على الأقل نجح في وساطته كان سيقول أن حرقته المتزايدة التي تكوي جوفه جاءت بنتيجة..
لا يعلم كيف مازال لها كل هذا التأثير الأسطوري في ذاكرته رغم مرور كل السنوات؟؟
كيف لم يخفت تأثير وجودها في المكان كما لو أنها شمس تحرق كل ماحولها..؟؟
تماما كما كان يشعر بها وهو يراها تعبر الطريق أو تقف أمام الباب وهي صغيرة..
ليجد كل شيء حولها بهت.. تماما كما الشمس تُبهت ماحولها!!
"يبدو أن مزنة ستبقى حسرة مرة في قلبي حتى أموت!!!"
خلفه كانت مزنة تهمس بغضب وهي تخلع عباءتها وتجلس: أنتي مافي وجهش سحا
حتى جية عمش مالها قيمة عندش..
ماحتى كبرتي قدره وهو جايش عاني لين مكانش..؟؟
حينها استغربت مزنة وقلبها يتهاوى وهي ترى كاسرة جلست جوارها
لتحتضن خصرها وهي تضع رأسها على كتفها وتهمس بحزن:
بس يمه طالبتش.. بس.. حرام عليكم كل واحد يضغط علي من ناحية..
أنا بروحي تعبانة وماحد راضي يرحمني..
مزنة احتضنتها وقلبها كما لو كان سيتمزق ألما من أجل ابنتها وهي تهمس بحنان:
يأمش نبي مصلحتش.. كساب والله العظيم مافيه مثله.. أنا أعرفه زين يأمش
يعني ما أظنه شين لدرجة أنش ماتطيقين تعيشين معه..
ولو فيه طبايع ماتعجبش.. المرة تقدر تغير رجّالها بصبرها عليه..
ولو أنتي ماتحبينه...
ترا الحياة الزوجية تستمر بالمودة حتى لو ماكان فيها حب بمفهومكم يا الشباب..!!
حينها تدفقت كاسرة بألم وهي تشدد احتضانها لخصر أمها ودفنها لوجهها في ثنايا صدرها:
كساب مهوب شين.. أدري.. والله العظيم مهوب شين..
أما على الحب؟؟
أنا مهوب بس أحبه.. أنا أموت فيه ومن أقصاي
ولو فيه شيء فوق كذا فهو حبي له.. ارتحتي يمه!!
بس يمه ما ابي أعيش معه.. ما أبي..
تكفين يمه.. كفاية تسوين علي حصار..
انا بروحي متضايقة حدي إنه عمي زايد طلع زعلان..
مزنة صمتت وهي تمسد شعر كاسرة بأناملها..
ورأس كاسرة يرتخي على كتف أمها وهي تمنع نفسها ان تبكي.. رغم حاجتها الماسة لذلك..
ومزنة تقرر أن تتوقف تماما عن الإلحاح على كاسرة.. حتى حين..!!
فهي لم تتوقع أبدا أن كاسرة قد تعبر عن حبها له بهذه الطريقة ثم تقرر تركه..
هناك شيء قد لا تفيد فيه الوساطات..
شيء بينهما ولن يحله سواهما!!
ولكن مع ذلك مزنة ستنتظر عودة كساب قبل أن تنزل معه بكل ثقلها..
فهذا الشاب أصبح قريبا جدا من روحها..
وهي تعوض فيه كثيرا من مشاعرها التي كانت لمهاب..ويسد فراغا ما في حياتها..
فهو بعيدا عن كونه زوج ابنتها..كان كثيرا ما يزورها هي..
وبينهما تفاهم كبير رائع...
تراه أكثر من مذهل.. ويعجز أيا كان على عدم الإعجاب بشخصيته ورجولته ولباقة حديثه وإتساع أفقه..
فلماذا ابنتها عاجزة عن رؤية كل هذه المزايا.. لماذا؟؟
************************************
عاد للبيت بعد صلاة العصر.. بعد أن تغدى في بيت أهله..
لم يصعد للأعلى..
ولكنه يشعر أن البيت ساكن تماما.. حتى ابناه لم يراهما اليوم..
نادى إحدى الخادمات وسألها عن نجلا والأولاد..
فأجابته أنهم ذهبوا جميعا مع سميرة حوالي الساعة الثانية والنصف..
استغرب..سميرة تأخذهم بعد عملها وتذهب أين..
وكيف تخرج نجلا بدون أذنه.. يعلم أنها حتى لو كانت غاضبة فيستحيل أن تذهب دون أن تستأذن لو حتى برسالة هاتفية..
أ يعقل أنها عادت لبيت أهلها؟؟
اتصل بنجلا ولم ترد.. واتصل مرة أخرى لترد عليه سميرة.. سلم باحترام ثم سألها عن نجلا..
سميرة همست بتردد: نجلا تعبانة شوي وجبتها المستشفى الأهلي عشان يسوون لها فحوص شاملة..
حينها تفجر قلق صالح: أشلون تعبانة والبارحة مافيها شيء؟؟؟
ووش ذا التعب اللي يستلزم فحوص شاملة؟؟
تدرين... خلاص أنا جايكم الحين؟؟
لم يستغرق سوى عشرين دقيقة ليكون واقفا بجوار سميرة.. التي شعرت بالحرج من وقوفها مع صالح في الممر.. بعد أن اتصل بها لتواجهه خارجا..
حتى يعلم منها ما الذي حدث قبل أن يرى نجلاء
كان صالح يتفجر قلقا حقيقيا وهو يسأل بأنفاس مقطوعة:
نجلا وش فيها؟؟
سميرة شرحت له باختصار ودون تعمق عن حالة نجلا..
ليجيب حينها بغضب متفجر: وليش ماقالت لي أنا يوم إنها صار لها كم شهر وهي تعبانة؟؟
سميرة أجابته بحرج: إسأل روحك يابو خالد.. أنت اللي عايش معها المفروض إن التغيرات ذي ما تمر عليك..
والحين دامك جيت.. اسمح لي بأكلم رجالي وأروح..
نجلا داخل في الغرفة هذي وأنا اسمح لي..
سميرة غادرت بالفعل لصالة انتظار أخرى حتى تهاتف تميم ليحضر لأخذها فهي لا تستطيع البقاء مع صالح..
بينما صالح لم يستطع صبرا وهو يطرق الباب ويدخل..
حين دخل كانت تتمدد على السرير وعليها لباس المستشفى وعباءتها جوارها..
ويسحبون منها عدة زجاجات من الدم..
بعد أن أصرت سميرة أنها لابد أن تبقى الليلة في المستشفى حتى ينتهون من نتائج الفحوص..
نجلا حين رأت صالحا.. رغما عنها تغرغرت عيناها بالدموع..
صالح دار من الناحية الأخرى بعيدا عن الممرضة.. ليشد على كف نجلا بقوة وهو يهتف بعمق: أفا يام خالد.. ترا مافيش إلا العافية
لا توسوسين بشيء الوسوسة من عمل الشيطان..
نجلاء حينها بدأت تبكي: بس أنا ما أسوس.. والله العظيم ما أوسوس..
لا تقول إنك ما لاحظت أشلون أنا متنت مع أني ذبحت روحي ريجيم
لا تقول إنك مالاحظت أشلون مزاجي على طول متعكر وأقل شيء يضايقني..
أما عاد اللي ماقلته لك إنه حتى دورتي الشهرية مختبصة مرة وحدة..
وعقب ذا كله تقول لي لا توسوسين..
صالح شد على كفها بقوة أكبر وهو يذوب لها حنانا: حتى ولو.. هذي كلها أعراض اختلال في الغدة
بس يعطونش علاج ينظم عملها بتكونين زينة.. السالفة بسيطة لا تكبرينها يالغالية..
نجلا أجابت بحزن عميق: خير إن شاء الله خير..
*************************************
ركبت جواره وهي تشير بالسلام.. أشار لها بالسلام ردا عليها
ثم أشار: شأخبار أختش؟؟
أشارت بقلق: مابعد طلعت نتائج الفحوص..
ثم أشارت بتردد: تميم أبي أروح لبيت هلي عشان عيال نجلا.. أمي ماتقدر عليهم كلهم.. ونجلا يمكن تمسي في المستشفى..
لا ينكر أنه شعر بضيق عميق.. فهي نادرا جدا ما باتت عند أهلها..
وهو اعتاد على وجودها لأبعد حد.. لا يتخيل أنه قد يبات الليلة دون إحساسه بعذوبتها تحيط المكان..
ومع ذلك هز رأسه موافقا..
وهو يتجه لبيت أهلها..
حين وقفا في باحة البيت.. كانت تستعد للنزول حين شد على كفها..
انتفضت وهي تنظر له وتشير بيد واحدة: تبي شي؟؟
شد على كفها بقوة أكبر ثم أفلتها وهي يشير ببساطة مهمومة: لا..
سميرة لا تنكر تصاعد دقات قلبها لأبعد حد..
تصرفاته باتت توترها كثيرا لدرجة القلق وهي تشعرها بالتحفز لعجزها عن فهمه..
كانت تشعر أنه يريد أن يقول شيئا ولكنها لم تمنحه الفرصة وهي تنسحب هاربة..
حين دخلت لداخل البيت وصلت رسالة لهاتفها.. كانت منه:
" يعني عشان اسمك على القلب منحوت
معاد تسأل صاحبك كيف حاله؟؟ "
سميرة ألقت الهاتف على الاريكة كما لو كان سيلسع يدها..
ثم جلست بعيدا عن الهاتف كما لو كان الهاتف وحشا مرعبا وهي تضع كفها على قلبها لتهدئ دقاته:
أنا أقول الرجّال استخف رسمي..مافيه شك..
بروحي كنت أسخن يوم أقرأ مسجات صويلح لنجول..
أشلون الحين والمسج لي!!
يمه يمه يمه.. حرمت أفتح مسجات منه....
**********************************
" خوش وقت يروحون فيه علي وزايد للعمرة
عشان نكسبش عندنا"
مزون تلبس زايد الصغير وهي تجلس على الناحية الأخرى من السرير وهي تبتسم:
إيه تبون تشغلوني خدامة عند زايد الصغير.. ألبس وأغسل..
عفراء بابتسامة أمومية: يا النصابة.. توش متهادة مع جميلة من فيكم اللي تبدل ملابسه وأنتي اللي فزت..
مزون تضحك: أنا فزت لأن جمول أصلا ماصدقت تشوفني تبي تتسبح..
خبرش الدلوعة لو ما تنقعت في الماي المعطر على الأقل نص ساعة.. بتجيها حساسية..
وبعدين أنا فزت المرة اللي فاتت.. ذا المرة المفروض مرتها.. والأخت صار لها أكثر من ساعة فوق..
عفراء بحنان موجوع: زين مزونتي روحي طلي عليها.. ترا حالها مهوب عاجبني..
وحاسة إنها داسة عني ضيقتها..
يعني من عقب حالتها الهستيرية يوم طلقها خليفة سكتت مرة وحدة عقب ماولدت..
أنا دارية إنها كاتمة في نفسها عشان ما تضايقني.. تكفين خليها تفضفض لش شوي.. مهوب زين تكتم في نفسها..
مزون تضع زايد الصغير بين يدي خالتها لترضعه وهي تقبل رأسها وتهمس بمودة عميقة: حاضرين يالغالية.. ولا تحاتينها..
مزون طرقت الباب بخفة.. ودخلت لتجد جميلة مرتبكة.. تنهض عن السرير وهي تحاول إخفاء وجهها ومازال روب الحمام عليها..
وهي تهمس بصوت محتنق: دقايق مزون بس أستشور شعري وألبس ملابسي وأنزل لكم الحين..
مزون تقدمت منها وهي تشدها لتجلس معها على السرير وتهمس بحنان:
أدري أنش كنتي تبكين.. مافيه داعي تدسين.. شوفي وجهش وعيونش بس..
حينها دفنت جميلة وجهها في كتف مزون لتنتحب بوجع عميق: بأموت يامزون بأموت..
ماهقيت خليفة يسوي فيني كذا.. ماهقيت أني ممكن أهون عليه كذا..!!
مزون بحزن: ياقلبي ياجميلة أنتي اللي حديتيه يسوي كذا..
جميلة بين شهقاتها: لا ماحديته... أنا عطيته الخيار.. وهو ماصدق يخلص مني..
أنا كنت أقول له كذا وأنا بأموت من الرعب إنه صدق يبيعني..
بس مابغيت أعيش حياتي معه وأنا حاسة إني خيار هو مجبور عليه.. حدته عليه الشهامة وأني بنت عمه المريضة..
بغيته يختارني الحين بكامل اقتناعه.. بس هو ماصدق.. ماصدق.. قال جاته من الله..باعني وبرخيص..
حينها همست لها مزون بنبرة تهدئة: زين دامش تقولين إنه بايعش.. خلاص ليش تبكين عليه كذا؟؟
جميلة مازالت تنتحب: هذي عشرة طويلة.. ثمان شهور وهو مستحملني ومستحمل غثاي.. تعودت عليه فوق ما تتخيلين..
وهو يا مزون.. طيب وحنون فوق ما تتخيلين..
تمنيت لو أقدر أرد له شوي من جميله علي.. قلت لا اختارني بإرادته والله لأخليه أسعد رجّال في العالم..
بس.. بس...
مزون ترفع وجهها وتمسحه بحنان ثم تهمس بحزم رقيق: بس يا قلبي لا تبكين
الوجه الحلو هذا ما انخلق عشان يبكي..
أصلا أنا محتاجتش تروحين معي ننقي شبكة علي ودبلته..وشوي هدايا لمرته..
تدرين الملكة صارت وحن مشغولين مع خالتي في المستشفى..
الليلة نروح للأماكن القريب.. وبكرة الصبح من بدري نكمل..
ونروح لهم في الليل بكرة..
جميلة تمسح وجهها: ماعليه مزون اسمحي لي ما أقدر أخلي أمي حايسة مع زايد..
مزون تبتسم: فديت حس المسئولية ياناس.. لا تحاتين أمش عندها بدل الخدامة أربع..
أنا اللي محتاجتش الحين!!
***************************************
القلق يلتهم روحه.. وهما ينزلان للأسفل بعد أن أصرت الدكتورة ..
أنه لابد أن تعمل نجلاء تلفزيون..
بينما قلق أشد سوداوية ومرارة يلتهم روح نجلا.. هل تكون مصابة بشيء في الرحم تريد أن تتأكد منه الطبيبة؟؟
نجلا طوال نزولهما للاسفل ويدها ترتعش بعنف في يد صالح التي تشد عليها بقوة وهي تكثر من الدعاء وقراءة القرآن..
وصالح يطمئنها إنه لا داعي للقلق.. رغم أنه يكاد يموت قلقا..بل يكاد ينتهي من شدة احتكام قلقه.. وهو يحاول إبعاد الأفكار المؤذية عن باله..
أ يعقل أن تكون مريضة وهو طوال الأشهر الماضية كان يحرق أعصابها؟؟
حتى لو لم تكن مريضة كما يدعو ويتمنى
فهي كانت تعاني لوحدها من هواجسها دون أن يشاركها سوى بالصراخ عليها وتأنيبها في كل وقت..
يا الله كم هو نادم على كل هذه الشهور التي جعلها تعاني بسببه دون أن يخفف عنها..!!
شد على يدها أكثر وهما يقتربان.. ويكثر الدعاء في قلبه..
وهو يشعر بندم عميق يُغرق روحه على كل دقيقة سمح لنفسه فيها أن يجرح مشاعرها!!
حين وصلا.. وتمددت نجلاء على السرير..
شجاعة صالح كلها ذهبت وهو عاجز عن تقبل الفجيعة إن حدثت..
هتف لنجلا بحنان عميق: أنتظر برا؟؟
شدت نجلا على يده بقوة وهي تهمس بجزع: لا لا.. تكفى لا تخليني..
الطبيبة جلست من الناحية الأخرى وتبتسم وهي ترى علائم الرعب والتوجس على وجهيهما..
الطبيبة مررت الجهاز على بطن نجلاء من الأسفل.. بينما وجهيهما يزدادن امتقاعا..وهما ينظران للشاشة الضخمة أمامهما..
الطبيبة رفعت درجة الصوت من الجهاز ليسمعا بما أن الصورة لم تظهر بعد..
صالح هتف بجزع: وش ذا الصوت..؟؟
مع أنه سبق أن سمعه ولكن شدة جزعه وخوفه على نجلاء ألغى كل التركيز من مخيلته..
بينما نجلا اختنقت تماما وغامت عينيها وهي تشعر بانهيار حقيقي موجع
وهي تتعرف فورا على الصوت..
لتظهر الصورة حينها واضحة على الجهاز..
ليصرخ صالح بصدمة كاسحة: جنين..؟؟؟
ابتسمت الطبيبة: ليه ماسمعت دقات قلبه؟؟...وشوفت عينك قربت كل أعضاءه تكتمل.. شوف رأسه وايديه ورجليه..
أنا بس حبيت أعرف المدام أي شهر.. لأن الدم ماوقف معها فهي مش عارفة الحمل بالتحديد كان متى..
لكن على الجهاز مبين.. المدام دخلت الشهر الخامس قبل يومين.. والجنين سليم الحمدلله..
والمدام كمان سليمة وكل تحاليلها ممتازة.. وحالة استمرار نزول دم بعد الحمل طبيعية مادامت لا تتجاوز الحد..
نجلاء أدارت وجهها ناحية صالح وهي تدفن وجهها في عنقه وتنتحب بصوت مسموع
حينها وقفت الدكتورة لتغادر وهي تشد الستارة عليهما..
ليزداد نحيب نجلاء ارتفاعا.. صالح ضمها بكل حنان وهو يهمس بتأثر عميق:
الحين ليه تبكين يا الخبلة.. هذا أنتي سليمة وحامل بعد..
شددت احتضانها لعنقه ونحيبها يزداد ألما وهي تهمس باختناق: مبسوطة يا صالح مبسوطة..
صالح هتف بألم السعادة الحقيقية: أجل لو زعلانة وش بتسوين؟؟
هذا أنتي اختصرتي أربع شهور من الحمل يعني شهور الوحم..
عشان ماتصدعيني وتقولين مشتهية لبن العصفور وإلا ما أدري ويش..
***************************************
عاد إلى غرفته الليلة في وقت مبكر لأنه كان لديه عدة رسائل إلكترونية مهمة لابد أن يرسلها قبل الغد..
لم يجدها في الغرفة.. ولكنه وجد الغرفة مرتبة بعناية بالغة.. وتفوح برائحة عطرة مميزة..
ثم حين فتح الخزائن وجد ملابسه كلها قد اُعيد ترتيبها بدقة أكثر عناية وتفوح منها رائحة عود ثمين مركز..
مطلقا لا يمكن أن يجد على جوزا أي ممسك من هذه الناحية.. فهي طيلة الأشهر الستة الماضية كانت تبالغ في اهتمامها بكل هذه التفاصيل..
ولكن لا يعلم لماذا شعر اليوم أن هذا الاهتمام ليس عفويا بل متقصدا حتى يلاحظه.. وهاهو لاحظه.. فماهي خطوتها التالية؟؟
كان مستغرقا في العمل على حاسوبه حين دخلت وهي تحمل حسن النائم على ذراعيها..
حينها قفز بجزع حقيقي.. وهو يلقي الحاسوب دون تفكير لا يعلم أين ألقاه..
ليتناول حسن منها وهو يهتف بغضب مكتوم:
أنتي صاحية؟؟ الولد ثقيل.. وأنتي توش في الشهر الثاني وطالعة من المستشفى وهم معطينش إبر تثبيت..
تبين تسقطين أنتي وإلا وش تبين؟؟
حينها أجابت بألم عميق: يهمك يعني؟؟
عبدالله باستنكار وهو مازال يحمل حسن: نعم؟؟
جوزاء تجاوزته وهي تهمس بذات الألم العميق: تدري إنك حتى ماقلت لي مبروك على حملي؟؟
عبدالله بذات نبرة الاستنكار: نعم؟؟
حينها همست بسكون: ممكن لو سمحت تحط حسن على سريره عشان ألبسه بيجامته.. نام بدون مايقول لي إنه بينام..
عبدالله توجه لغرفة حسن ليضعه على السرير وجوزا وقتها كانت تستخرج لها ملابس داخلية وبيجامة حتى تستبدل ملابسه..
وضعتها على السرير ثم توجهت للحمام لتحضر بعض الماء الدافئ في إناء وفوطة صغيرة لتمسح جسد حسن بما أنه نام قبل أن تحممه
كان عبدالله يراقبها وهي تقوم بعملها بكل دقة وتفاني.. حين وصلت لإلباسه ملابسه.. شدها عبدالله وهو يهتف بحزم:
خلاص أنا بألبسه كفاية عليش ذا كله وأنتي مدنقة..
جوزا بجزع عفوي: لا والله ماتلبسه وأنا قاعدة صافة يدي..
عبدالله بحزم: بس جوزا اقعدي خلاص..
جوزا لم تجلس لكنها انسحبت بإرهاقها وعادت لغرفتها بينما عبدالله أكمل إلباس حسن الغارق في نومه
وهو يحركه بخفة ثم يتولى هو مسئولية تحصينه بالأذكار..
ليعود بعد ذلك لجوزا التي كانت تستحم في الحمام..
عاود تناول حاسوبه.. ليكمل عمله المبتور..
حينها خرجت وهي تلتف بروبها وتسأله بسكون وهي تستدير لإخراج ملابسها:
تبي عشا؟؟ ماظنتي إنك لحقت تتعشا في المجلس دامك جاي بدري كذا..
أجابها بسكون مشابه: ماني بمشتهي.. كنت مع واحد من الربع في كوفي عقب المغرب
وكلنا كيك مع القهوة وسدت نفسي..
ثم أردف بذات السكون: ومبروك
أجابته وهي مازالت توليه ظهرها بنبرة حزن عميقة: مالها طعم بالضبط مثل ماقلتها!!
حينها وقف وتوجه ناحيتها ليمسك بخصرها وهو يديرها ناحيته ويهتف بعمق:
لا تصيرين سخيفة لأنش عارفة أني مبسوط ومستانس..وفوق ما تتخيلين..
أجابته بذات نبرة الحزن الشفاف وهي تزيل يديه عن خصرها: مبين واجد إنك مبسوط!!
*************************************
" سميرة يأمش روحي لبيتش.. نجلا جات وخذت عيالها من زمان"
سميرة برفض: خلاص يمه بأنام عندكم.. أنا استأذنت تميم ورخص لي..
أم غانم باستغراب: بس يامش بكرة عندك دوام.. أغراضش كلها معش..؟؟
سميرة لأنها كانت قد قررت أنها ستبات..
فهي طلبت من وضحى إرسال حاسوبها وأوراقها التي كانت قد أعادتها معها حين أنزلوها في بيت نجلا اليوم ظهرا..
لذا أجابت والدتها: إيه يمه كلها معي..
لكنها يستحيل أن تخبر والدتها عن السبب الحقيقي لرغبتها في عدم العودة لبيتها
وهي تحتضن هاتفها بين يديها وتقرأ رسالة تميم الأخيرة ربما للمرة الألف..
بعد أن قرأت كل واحدة من الاربع السابقة التي وصلتها الليلة لألف مرة أيضا ربما..
" يا ويلش يا وضحى لو كنتي اللي قلتي لتميم
أني وحدة خبلة والمسجات تأثر علي
فأشلون والمسجات منه هو!!
لا حول ولا قوة إلا بالله هذي الليلة قاعد يلعب بي كنه يلعب بكورة"
وهي في أفكارها انتفضت مع رنة الرسالة السادسة
شعرت بالصداع وهي تهمس داخلها: الرجال هذا استخف وبيجنني معه..
فتحت الرسالة وشعورين متضادين يمزقانها تماما.. اللهفة لمعرفة المكتوب والخوف منه:
" إن قلت احطك داخل العين.. عييت***خايف يحول الرمش بينك وبيني
وان قلت احط بداخل القلب لك بيت***صعب علي اخفيك عن نظرعيني
ودي اشوفك كل ما اصبحت وامسيت***ممساك في قلبي وصبحك بعيني "
حينها ألقت سميرة الهاتف جوارها.. ودفنت وجهها بين يديها وهي تنخرط في بكاء رقيق عميق..
تشعر أنه يضغط على أعصابها ومشاعرها كثيرا.. والمشكلة أنها لا تستطيع مواجهته لأنه يضغط بطريقة غير مباشرة..
والدتها قفزت بجزع لتجلس جوارها ووهي تسأل بقلق:
سميرة يأمش.. تميم مزعلش في شيء؟؟
سميرة دفنت وجهها في كتف والدتها وهي تهمس بصوت باكي: لا والله يمه..
بس أنا مضغوطة شوي..
لم ترد أن تكذب عليها بشيء وفي ذات الوقت لم ترد أن تخبرها بشيء خاص بها هي فقط ولن تتفهمه والدتها..
والدتها احتضنت كتفيها وهي تهمس بحنان: تعبانة يأمش من الشغل.. قدمي على إجازة..
سميرة بذات الصوت الباكي: خير يمه.. خير..
***********************************
" عمرة مقبولة يبه.. وتقبل الله طاعتكم"
زايد يلتفت لعلي وهو يلف إحرامه ليستر الجزء العلوي من جسده النحيل
وهما خارجان من عند الحلاق ويبتسم: وعمرتك وطاعتك مقبولة إن شاء الله
ثم أردف باهتمام عميق: أشلون نفسيتك الحين يأبيك؟؟
علي بشجن إيماني عميق: مافيه حد يأتي هنا ونفسيته ماترتاح.. الله لا يحرمنا زيارة بيته..
زايد بذات الاهتمام: ودعيت من قلبك..
علي بذات الشجن الإيماني: والله العظيم دعيت ودعيت ودعيت من أقصاي..
الله لا يخيبني.. قلبي احترق من يومين
وش بيصبرني باقي العمر..؟؟
زايد يهتف في داخله بألم هو يملأ عينيه من علي:
"يصبرك اللي يصبر أبيك..
ثلاثين سنة مافتر لساني وأنا أدعي ربي في كل صلاة إنه ينسيني إياها
وما نسيت..
لكن ذا المرة مادعيت إلا لك.. أنا استحملت واتحمل
مافرقت علي المواجع عقب ذا السنين كلها..
لكن أنت بغيت تموت من يومين..
يأبيك لا تحرق قلبي عليك..
طالبك ياربي وأرجاك ماتحرق قلبي عليه وأنا واقف قدام بيتك وجايك عاني
فلا ترد دعوة من نصاك"
علي ابتسم وهو يهز كتف والده: يبه وين رحت؟؟
زايد انتفض بحزم: هنا يأبيك هنا..
يا الله خلنا نروح الأوتيل نرتاح ماعاد باقي على شروق الشمس إلا شوي..
*********************************
" يا الله.. أحلى صباح ذا الصباح مر علي من زمان"
نجلاء تبتسم وهي تنفض الفراش ثم ترتبه وهي تنظر لصالح الذي نهض للتو:
إيه اشتكي اشتكي... يعني أنا نكد من زمان..
صالح يميل ليقبل كتفها ثم يتوجه لتناول فوطته ويهتف بسعادة حقيقية:
نكدي علي على كيف كيفش... أنا كلي حلالش..
نجلاء مازالت تبتسم وهي تكمل الترتيب: هذا كله تبي بنية يعني؟؟
صالح بمودة عميقة: بنية صبي اللي بيجي من الله حياه الله.. المهم أنش زينة وبخير..
يا الله كم يبدو هذا الصباح مختلفا لهما كليهما..!!
مشرق شفاف مغلق بسعادة شفافة..
بعيدا عن الهم غير المعروف المؤلم الذي غمر الأشهر الماضية..
روح طاهرة نقية ساكنة تغمر المكان تماما كروح الجنين الذي يسكن أحشائها..
الذي جاء كالسحر ليعيد كل الأمور إلى أفضل من نصابها حتى!!
كم يبدو كل شيء تافهما حقيرا أمام نعمة الله عز وجل وهو يمنح روحهما السكينة ويغمرهما بفضله!!
************************************
" عبدالله قوم..
خلاص أنا جهزت الريوق تحت عند أمي صافية"
عبدالله نهض وهو يفتح عينيه على وجهها المرهق.. هتف بصوت ناعس:
رجاء جوزا لا عاد تسوين شيء..
أساسا الريوق عند أمي أشكال وألوان على كل حال.. ومسوينه الخدامات من صبح..
مافيه داعي تسوين شيء..
جوزا بذات النبرة الساكنة الحزينة وهي تنهض من جواره:
ليه ما تبيني أسوي لك شيء؟؟ أو ماتبي مني شيء؟؟
عبدالله اعتدل بشكل كامل ليشدها ويعيدها جواره ويهتف بنبرته الحانية التي افتقدتها خلال اليومين الماضيين إلى درجة الوجع:
جوزا اشفيش كل شيء تفهمينه بالمقلوب..
أنا بس ما أبيش تتعبين نفسش.. أنتي بروحش تعبانة..
حينها أدارت وجهها للناحية الأخرى حتى لا يلمح دموعها..
حينها أدار وجهها ناحيته ليقبل عينيها المبللة بألم اشتياق موجوع ويهتف بعمق متجذر:
مثل ماتكرمتي علي بمرة وحدة وذوبتي قلبي بكلمة..
أقول الله لا يحرمني من عيونش.. ياكثر ما تطعنين في ذا القلب ولا كفاش..
حــيـنـهـا..
دفنت وجهها في صدره وهي تنتحب فجأة بطريقة جنائزية فعلية كما لو أنها تكتم هذا الدمع في قهر روحها منذ دهور..
بكت كما لو أنها لم تبكِ مطلقا قبل ذلك..
ثم بدأت تلكم صدره بكل قوتها وهي تنتحب بجنون:
أنت نذل وحقير وأنا أكرهك.. أكرهك..
تدري أني أكرهك..
شدها ليحتضنها بقوة ووهو يهدهدها كما لو كان يهدهد طفلة:
خلاص خلاص...أششششش... أدري أنش تكرهيني.. وأنا أستاهل..
مازالت تنتحب بهستيرية كل ألم الذكريات ومرارتها.. ووجهها مدفون في صدره:
لا ما أكرهك.. أحبك.. بس أنت ماتستاهل..
أجابها وهو مازال يحتضنها ويبتسم بألم: أدري بعد!!
مازالت تنتحب وتهذي بكلمات مبعثرة: لا.. أنا أحبك.. بس أنا اللي ما أستاهل حتى أني أحبك عشاني أنا نذلة وحقيرة..
عبدالله يشدد احتضانها أكثر وهو مازال يهدهدها ويهتف بألم عميق.. عميق.. عميق:
لا عاد هنا ما أسمح لش.. أنا لو رضيت تقولينها لي.. ما أرضى تقولينها لنفسش..
مازالت تنتحب وهذيانها مستمر وكلماتها تتناثر بين شهقات نحيبها:
وكذابة بعد.... وممثلة.. أنا ما استخدمت.... مانع حمل أساسا..
وكنت بأموت... لو ما حملت..وكنت خايفة.... إنك تملل مني وتخليني..
وأنا زعلانة.... لأنك منت بفرحان بحملي..... مع أني كنت بأموت من الفرحة يوم دريت..
أبي ولد بعد.. وأبيه يشبهك مثل حسن.. أبي أجيب عيال واجد.... وأبيهم كلهم يشبهونك..
وأبي أكمل دراستي.. وأبي عبدالرحمن يقوم لأني اشتقت له واجد..
وأنا أحبك.. والله العظيم أحبك.. وما أتخيل حياتي من غيرك..
تكفى لا تخليني.. لا تخليني.. والله العظيم حياتك من غيرك ماتسوى..
أنا من قبلك ميتة وأنا حية..
أنهت عبارتها لترفع رأسها قليلا وهي تطوق عنقه بذراعيها وتدفن وجهها بين عنقه وكتفه
وتستمر في النحيب من أقصى نقطة مدفونة في روحها..
عبدالله بدأ يشعر أن قلبه يؤلمه فعلا وهو يُعتصر فعلا بقوة كاسحة من فيض المشاعر المتفجر غير المتوقع..
يؤلمه فعلا وهو يحتضن خصرها بقوة ويهتف بألم شجن عميق:
أنا كنت خايف إنش أنتي اللي تخليني.. وأنا اللي كنت حاس إن حياتي بتنهار يوم فكرت أنش بتخليني..
ولو أنت تحبيني شوي أنتي عارفة إن حبي لش ماله قياس..
ووالله العظيم أني كنت متشفق على حملش أكثر منش بس ما أبي أضغط عليش..
جوزا حينها صمتت عن الكلام ولكنها لم تصمت عن البكاء الذي تحول لأنين موجوع مثقل بشهقات خافتة وهي تتعلق بعنقه أكثر..
كما لو كانت تخشى فعلا أن يتركها..
وعبدالله يضمها لصدره أكثر وهو يدفن رأسه في طيات شعرها ويتنفس بعمق..
وألم قلبه يتزايد لفرط سعادة ماعاد يحتملها..
كان يحتضنها بكل قوته ويأسه وكأنه لا يريد إفلاتها أبدا لأنه يخشى أن يكون في حلم جميل طال اشتياقه له وهو لا يريد أن يصحو من هذا الحلم أبدا.. لا يريد..
لن يحتمل أن تمنحه كل هذا الفيض من خصوبة المشاعر ثم تعاود جره على أرض جفائها البور..
حسن قاطع فيض المشاعر وهو يقفز على السرير معهما ويهتف وهو يفرك عينيه بنعاس: وس فيه؟؟
سويتو ازعاز ماخليتوني أنام..
أنا زعلان عليكم ومابي أروح روضة..
حينها شدت جوزا حسن بينها وبين عبدالله وهي تحتضنهما كلاهما وتنتحب بشكل أشد..
عبدالله خلص حسن برقة وهو يهمس بألم: فكيه شوي.. الولد انخنق وهو مهوب فاهم شيء!!
************************************
سميرة تنتظر قدوم تميم ليأخذها لعملها رغم أنها أرسلت له رسالة إنها ستذهب مع سائق بيت أهلها..
ولكنه أرسل لها رسالة رفض قاطع..
كانت سعيدة جدا أنها أخيرا ترى منه رسالة رسمية بعد أن أرهقها البارحة برسائله غير الرسمية إطلاقا..
وهي في الانتظار وصلتها رسالة منه ظنته يخبرها أنه في الخارج.. ففتحتها بعفوية:
" من أمس وقلبي خفقته ماهي بخير ..من يوم غابت عن سمايا بروقك
يومين وهمومي بقلبي طوابير ......وأنت الوله ما يبلل عروقك
كانه بخل ؟حول علي الفواتير!..وكانه ثقـل ؟الله يلين خفوقك !
أنا برا.. ياقلبي "
سميرة همست بغيظ مخلوط بأنفاسها المقطوعة تماما من سببه وهي تضع هاتفها في الحقيبة:
دمك خفيف ياولد..
وقلبي بعد؟؟.. الحالة صارت مستعصية عندك!! الله يشفيك..
حين خرجت.. وركبت جواره بتوترها الغريب هذه الأيام.. سلمت بإشارة ساكنة..
ثم التفتت خلفها لتلقي التحية على وضحى ليتحول التوتر إلى صدمة..
وهي تشير بجزع: وين وضحى؟؟
أجابها ببساطة: عندها موعد اليوم الصبح.. أمي ودتها وعقبه بتجيبها هي للمدرسة..
توترت أكثر وهي تهمس لنفسها بتذمر وبصوت مسموع: والله مهوب بعيد إنك بعد اللي مسوي ذا الحركة !!
حينها أشار لها بإبتسامة: تراني حتى لو أنا ما أسمع.. أدري لو كان اللي جنبي يتحلطم.. أحس بالذبذبة..
سميرة شعرت بالخجل الذي تفجر لخجل أشد وهو يشد يدها ليحتضنها في كفه بقوة ثم يفلتها وهو يشير بتقصد:
انبسطتي البارحة وأنتي مخليتني بروحي ماقدرت انام حتى..؟؟
حينها انفجرت سميرة وهي تشير بانفعال: أنت ليه تسوي فيني ذا كله؟؟ حرام عليك
هز كتفيه ببساطة باسمة وهو يحرك السيارة: ليه أنا وش سويت؟؟
حرام يعني أعبر عن شوقي لش؟؟
***********************************
" الدحمي.. إلا أنت وش تحب تأكل دامك دب كذا؟؟ وحتى الغيبوبة ماضعفتك..
لأنه من الحين أقول لك إذا أنت تبي تاكل شيء من ورا أيديني
استعد لشيئين.. أما الريجيم وإلا التسمم..
أنا فاشلة في المطبخ.. وترا مهوب ذنبي.. أمي ماعلمتني
وتبيني أتبرأ من أمي ماعندي مانع... أهون علي من أني أتعلم أطبخ "
صمتت عالية قليلا ثم همست بتردد خجول:
عبدالرحمن.. لو مسكت يدك بس..
بتعصب علي وتقول إني قليلة أدب؟؟
تدري لو عليّ أنا.. خاطري أسوي أكثر من كذا.. لا تنصدم وتقلب وجهك وتقول هذي مافي وجهها حيا
لأنه المشكلة أني مستحية ومن قلب وإلا ماكان خليتها في خاطري..
بس الحين صدق صدق خاطري أمسك يدك بس..
عادي يعني ماراح تزعل؟؟
وأيضا لشدة استغراقها في الثرثرة والارتباك والنظر لوجه عبدالرحمن لم تنتبه إلى تغير مؤشراته الحيوية..
دون أن تعلم أن هذه ليست المرة الأولى ولا الثانية ولا حتى الرابعة..
فهو خلال الأسبوعين الماضيين بدأت مؤشراته الحيوية تتغير أحيانا مع حديثها..
فرغم شدة اهتمام أهله به إلا أنهم لم يكونوا يوجهون له حديثا مباشرا
أو يشعرونه أنه مخلوق حي كما تفعل هي.. بحديثها الحماسي وكأنها تتحدث لإنسان متفجر بالحياة..
كان يسمع أحاديثهم من بعيد ودون تركيز كالهذيانات.. وكثيرا مايسمع تلاوة والده للقرآن
التي كانت تعمق سكينته وسكينة روحه وهو يتمنى لو تنتهي هذه الحياة ليرتحل إلى جوار ربه..
فهو كان بالفعل في غيبوبة عميقة سيطر فيها عقله الباطن تماما الذي رفض عودته للحياة بعد أن شهد بنفسه موت صديق عمره..
كان يحاول أن يصل له وهو يسمع حشرجة صدره التي علم يقينا أنها لحظات انتزاع الروح..
ولكنه حين وصل له بصعوبة وهو يشعر أن جسده يتمزق من الألم كان مهاب قد فارق الحياة..
كان هو من أغلق عينيه وتشهد عليه.. قبل أن يدعو ربه بصدق موجوع أن يأخذه معه لأنه لن يحتمل الحياة بعده..
حتى وهو في غيبوبته كان يدعو الله بذات العمق أن ينهي هذا العذاب الطويل..
حتى دخلت هذه المخلوقة الغريبة حياته.. بداية لم يعرف من هي.. وهو يسمع ثرثرة كثيرة لا يفهم أكثرها..
ولكنها كانت تتحدث له من قرب وبشكل مباشر وكل حديثها له.. عرفها..
فهي عرفته بنفسها.. واعتاد عليها بسرعة..
في البداية كان عاجزا عن التركيز
ولكنه بعد ذلك بدأ يركز معها ومع حديثها وهو يلتقط كل ماتقول..
وبدأت تجذبه لعوالمها الملونة المرفرفة المليئة بالحياة.. بدأ يشعر فعلا أن هناك حياة خلف أسوار سكون جسده..
تعرف على أخبار كل من تربطهم به علاقة وهي تشعره كم مضت الحياة بالناس بعده..
ثم بدأ يتعرف على وقت زيارتها ويتلهف لها بطريقة لا واعية..
ولكن مازالت حرقة مهاب أكبر بكثير من أن يقرر عقله الباطن إطلاق إساره...
عالية حاولت بالفعل أن تمسك بيده لكنها فشلت لشدة خجلها ثم همست بتأفف:
تدري عبدالرحمن أنا وحدة جبانة وما أبي أمسك يدك خلاص..
الظاهر أني خايفة أمسكها وتقوم تأكلني..
خلك أنت لين تقوم وتمسك يدي.. ياويلك ماتمسك يدي..وتبوسني بعد أول ما تشوف وجهي..
مهوب أنا قاعدة أسوي لك غراميات وأنت راقد ومكبر المخدة وبعدين كله على الفاضي..
نظرت لساعتها همست بتأفف: أف وأف وأف.. مسرع يمر الوقت..
ابيك مهوب ماخذ يوم إجازة واحد يعني ويريح شيباته شوي؟؟؟
**************************************
انتفض بشدة وهو يشهق بعنف وزايد يهز كتفه ليوقظه
قبل صلاة الظهر ليصليا في الحرم ثم يطوفان قبل المغادرة للمطار..
ثم اعتدل جالسا وهو يشد له أنفاسا صعب عليه سحبها ليكح بشكل متقطع..
زايد ناوله كأس ماء وهو يربت على كتفه ويهتف بهم عميق:
بسم الله عليك يأبيك بسم الله
ثم أردف بهم أعمق: علي أشلون ممساك ؟؟
علي يحاول الوقوف بتوازن رغم شعوره بدوار خفيف وهو يهتف باحترام:
زين جعلني فداك..
زايد بذات نبرة الهم العميقة فمايراه في هذا الفتى من ألم يجرحه لأبعد حد:
تكذب علي وأنا ممسي معك وسامع بنفسي..!!
علي بجزع عفوي: وش سمعت؟؟ والله ماقلت شيء!!
زايد بشجن وجع عميق: تون يأبيك.. طول ما أنت راقد وأنت تون..
ونينك ذبحني.. ونين موجوع..
حرام عليك يأبيك تسوي في روحك كذا..
حينها همس علي ببساطة مغلفة بعمق إنساني متجذر:
ليه يبه؟؟ هو الشيء ذا بيدي..؟؟
وإذا على الونين.. من شابه أباه فما ظلم..
وعلى الأقل يبه أنت عندك اسم تون به.. البلا اللي حتى اسمها مايعرفه..
سنين يبه وأنت تون باسمها وما مليت ولا عجزت..
مستكثر علي الونين الحين...؟؟
زايد بصدمة كاسحة حقيقية زلزلت كيانه وقلبت كل شيء فيه:
انا أون باسمها؟؟ مستحيل.. مستحيل
علي بنبرة بدأ الحزن يغلفها: تبي أقول لك اسمها عشان تصدق؟؟ أو تبيني أقول لك من هي لأنه صار عندي توقع..
تدري يبه ..عقب ما كبرت شوي.. صار يجيني إحساس مثل الموت
يا ترى أمي كانت تسمعك وأنت تون باسم غيرها؟؟
بس عقبه ريحت نفسي بأحد ظنين.. تكفى لو كانت إنك ماتغيرها في بالي..
قلت لنفسي إنها لو كانت تسمعك كان مستحيل تسكت عليك..
والثاني قلت يمكن إنها حب عقب أمي.. لأني ماسمعتك تون باسمها إلا عقب موت أمي بسنة..
زايد مازال يهز رأسه رفضا.. وكل مافي باله هي وسمية.. وسمية فقط!!
هل تجرأ على جرحها بهذه الطريقة المتوحشة؟؟ مستحيل مستحيل..!!
يحاول أن يريح وجعه بظن ابنه الثاني.. أنه لم ينادي باسمها إلا بعد وفاة وسمية
بما أن علي يقول إنه لم يسمعه إلا بعد وفاتها بسنة..
وعلي كان الوحيد الذي ينام معه أحيانا حتى قبل وفاة وسمية..
زايد بذات الصدمة: ومن بعد اللي سمعني أون باسمها غيرك؟؟ يمكن الحين فضيحتي الكل داري بها..
علي بنبرة شجن عميقة: ماظنتني حد.. لأنه ماحد كان ينام معك في غرفتك حتى لا سافرنا غيري..
كساب ومزون كل واحد منهم في غرفة..
مرة وحدة كنا كاشتين وأنا وكساب سهرانين وانت امسيت.. كساب استغرب وقال: أبي وش يقول؟؟
بس أنا قلت له إنك تنادي باسم مزون.. وعقبه رحت وقلبتك بشويش على جنبك الثاني عشان ما تون.. وعشان ماينتبه هو إنك تدعي حد غير مزون..
زايد شعر بضيق عميق التهم روحه.. من كل ناحية..
سيموت فعلا لو أن وسمية كانت تسمعه وهو بجوارها وينادي غيرها.. سيموت!! سيموت!!
وكيف أنه حمّل هذا الفتى الصغير سره وهو مازال طفلا حرص على هذا السر وكتمانه..
ثم بعد ذلك أورثه دائه نفسه.. هذا القلب الذي حينما يحب لا يعرف أنصاف الحلول..
ولكنه مازال يقول أنه غير علي.. هو كان ومازال قادرا على الاحتمال..ومابقي له من مزنة هو محض ذكرى..
ولكن قلب علي الشفاف المغرق في الشفافية وروحه التي لا تعرف التلون لن تحتمل.. وقلبه يحترق بهذه الطريقة..
زايد هتف بحزم: يا أبيك خلك مني.. أنا سالفة غبّرت وكل السالفة مجرد ذكريات ماقدرت أنساها..
لكن أنت مستحيل أخليك كذا..
خلاص فاضل بأتفاهم معه.. وأعرف أشلون أرضيه..
لكن مستحيل أخليك كذا قدام عيني.. قل لي أي شيء عنها.. ونخطبها أول مانرجع الدوحة..
علي بحزم رقيق: يبه خلنا ننزل الحرم ومانضيع الوقت.. قلت لك البنت ذي خلاص مستحيل أخذها..
زايد بحزم أشد: زين بنعجل بعرسك.. ماتدري يمكن لا عرست تطيب نفسك منها..
علي برجاء: يبه طالبك ماتحل الغلط بغلط.. مرتي مالها ذنب في حالتي عشان نعاقبها بها..
خلني شوي يمكن أنسى وألا أتناسى بروحي.. وخل البنية تدرس براحتها لين تتخرج..
ووعد علي أتزوج إن شاء الله أول ما تتخرج مرتي...
**************************************
" هلا والله مزون ياحياش الله.."
مزون بمودة: هلا والله كاسرة.. أشلونش اليوم؟؟
كاسرة بذات المودة: طيبة طاب حالش
مزون العائدة للبيت بعد أن انتهت من تغليف هدايا عروس علي كانت تحادث كاسرة على الهاتف وتهمس برقة:
كاسرة تقدرين تروحين معنا بيت عمتش عقب المغرب..؟؟
خبرش خالتي نفاس.. وأنا وجميلة مستحين نروح بروحنا.. ونبيش تروحين معنا..
كاسرة بأريحية: أكيد أقدر.. عقب المغرب بتلاقوني جاهزة أنتظركم..
كاسرة أغلقت الهاتف وهي تنهض لتلبس نقابها وتهمس لفاطمة: فطوم تبين أوصلش للبيت؟؟
فاطمة تقف وهي تهمس بمودة: لا فديتش.. أصلا أبو العيال بيجيبهم وبنطلع نتغدى برا..
إلا أخت رجالش وش تبي فيش؟؟
كاسرة بحزم: قولي مزون.. أو لو بغيتي أخت كساب... بلاها رجّالي..
فاطمة تضحك:صدق خبلة.. وهو رجّالش حتى لو ماقلت..
كاسرة بثقة: تبيني أروح معها هي وجميلة لبيت عمتي.. أكيد يبون يودون لشعاع شبكتها..
حينها همست فاطمة بخبث: خاطري أشوف جميلة ذي اللي خلت كاسرة على سن ورمح تولع غيرتها..
أجابتها كاسرة ببساطة حازمة: حلوة وتجنن وجذابة جدا.. العين ما تمل من شوفتها.. وحتى طولها وجسمها يجنون إلا خيال..
وشعرها يجنن مع إنه قصير واجد.. وبشرتها كأنها حليب بعسل من كثر ماهي حلوة..
مع أني يوم شفتها كانت تعبانة وبدون ميكب كلش..
كفاية عليش كذا؟؟
أجابتها فاطمة بخبث لطيف: أفهم من ذا المعلقة اللي وش طولها إنها أحلى منش يعني؟؟
كاسرة بثقة: مافيه حد أحلى مني.. ولا حتى يقرب من مستواي..
بس على قولت الشيخ كسّاب.. لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع..
يمكن تكون هي ذوقه.. وشايفها أحلى.. بكيفه مايهمني..
فاطمة تستعد للمغادرة معها وتضحك: كذابة عودة!!
**********************************
"عبدالله اشفيك تأخرت؟؟
شوي ويأذن العصر وأنت مابعد تغديت"
عبدالله باستعجال: هذا أنا جاي في الطريق عشر دقايق وأكون في البيت..
ثم أردف بابتسامة: وبعدين عبدالله حاف كذا.. مافيه حبيبي.. قلبي؟؟
جوزا ابتسمت: ماسمعت إن العجلة شينة..
عبدالله يبتسم: والله في حالتنا مااسمها عجلة.. صار اسمها مشي السلحفاة..
عبدالله أغلق الهاتف ومازالت ابتسامته الدافئة مرتسمة على وجهه..
يحاول أن ينظر لكل شيء في الكون بإيجابية.. حتى مقابلة الطبيب التي أخرته عن العودة للمنزل يحاول ن يأخذها من جانبه الإيجابي..
يتذكر اتصال الطبيب المسئول عن حالة عبدالرحمن به وطلبه أن يحضر حالا لمقابلته..
عبدالله تفجر قلقه وهو يجلس أمام الطبيب: عسى ماشر؟؟
الطبيب بمهنية خير إن شاء الله.. أنا طالبك بخصوص عبدالرحمن..
عبدالله بقلق أشد: وش فيه عبدالرحمن؟؟
الطبيب بذات النبرة المهنية: أنا بصراحة ماحبيت أتكلم مع أبوه عشان ما أعطيه أمل ولا أحطمه.. وأنا شايف بنفسي حالته..
عبدالله تزايد قلقه: ليه شاللي صاير..؟؟
الطبيب بهدوء: عبدالرحمن صار له أسبوعين والاجهزة المتصلة به تسجل تغيير متذبذب في إشاراته الحيوية..
عبدالله بذات النبرة القلقة: وهذا وش معناه؟؟
الطبيب بذات الهدوء: أحد شيئين.. أما أنه ممكن يصحو من الغيبوبة... أو..
إنه هذي أيامه الأخيرة..
عبدالله قفز وهو ينحني على مكتب الطبيب ويهتف باستنكار: نعم؟؟
الطبيب بذات المهنية: يا أخ عبدالله أنا اخترت أكلمك أنت بالذات
عشان عارف إنك ممكن تفهم علي.. وتتهيأ للي بيصير على فرض إنه ممكن يصير..
في حالات الغيبوبة اللي بدون سبب عضوي مثل حالة عبدالرحمن
قبل حدوث تغير كبير بفترة تبدأ تظهر مؤشرات طفيفة على تغير في المؤشرات الحيوية
الحين فيه حالتين متوقعة تاليا: أما إنه يصحى.. أو لا قدر الله يموت..
وعبدالرحمن قضى فترة طويلة في الغيبوبة.. احنا ماندري لو كان يسمع أي أصوات أو عنده استجابات للمؤثرات الخارجية..
ولو صحى احتمال كبير يكون يعاني أما من تخلف عقلي أو شلل جسدي.. ويمكن يعاني منها كلها.. لأنه العقل والجسد قضوا فترة سبات طويلة وصعب يستعيدون نشاطهم السابق..
عبدالله بجزع: لا حول ولا قوة إلا بالله.. وش ذا الفال يادكتور؟؟
الدكتور بذات المهنية الهادئة: أنا أهيئك لأسوأ الاحتمالات بس..
وبالنسبة لافضل الاحتمالات.. بالنسبة لحركة الجسد أنا شايف إن أبوه كان مهتم كثير بهذه الناحية
لدرجة إنه كان يجيب مدلك زيادة عن مدلك المستشفى.. ودائما يحرك كل مفاصله.. فممكن نتوقع إنه لو صحى يتحرك بس بيحتاج لفترة قبل يستعيد الحركة بشكل طبيعي
أما بالنسبة للنشاط العقلي ما أقدر أفيدك لحد مايصحى..
لأنه لو ماكان يسمع إطلاقا ولا عنده أي استجابة خارجية.. فاحتمال التخلف وارد بشكل كبير..
عبدالله حينها هتف بحزم: وحن إن شاء الله مؤمنين إن الله رحمته أوسع من كل شيء..
وأنا إن شاء الله متوقع قريب أسمع خبر إنه صحى وهو سليم إن شاء الله..
حينها أجابه الطبيب بابتسامة: إن شاء الله..
والحين أبي أقول لك على إجراء أنا قررت أسويه..
أنا لاحظت إنه تغير المؤشرات يصير عند عبدالرحمن خلال فترة معينة محددة
تقريبا بين الساعة 11 الصبح و3 ونص العصر..
وهالشيء غريب فعلا...
عشان كذا أنا بأخلي ممرضة تلازمه خلال هالوقت.. عشان نشوف شنو اللي يحفز النشاط عنده.. عشان نحلله.. يمكن نستفيد منه..
كان هذا حوار عبدالله مع الطبيب الذي قرر ألا يخبر به أحدا
فهو لا يستطيع مطلقا أن يمنحهم أملا قد لا يكون حقيقيا
فأهله لن يحتملو أبدا أن يفجعوا بعد أن تأملوا أملا شاسعا كهذا...
***********************************
بعد خمسة أيام..
.
.
" سمور أشفيش.. من يوم جيتكم وحالش مهوب عاجبني
سرحانة وذا التلفون مايرن رنة مسج إلا كنه راكبش عفاريت"
سمير تهمس في داخلها : هذا اللي كان ناقصني.. دقة ملاحظة كاسرة..
ياشيخة ارحميني.. كفاية أخيش لاعب في حسبتي..
لا عاد ليلي ليل ولا نهاري نهار..
والمشكلة ليته بس يصرح وش يبي كان ارتحت..
خله يقول لي أنا زفت غلطان وأبي الرضا وأتغلى عليه شوي..
وإلا يقول لي أنا مليت منش وأبيش تفارقين لبيت هلش..
لكن مسجات ولمسات غير مقصودة وأنا أدري إنها مقصودة
وهدايا وورد وعزومات عشا.. وفي النهاية يبين إنه ملاك مايبي شيء النصاب...
تعبت والله العظيم تعبت.. خلاص بأنفجر منه...
حينها قررت سميرة أن تقلب الطاولة على كاسرة حتى تبعدها عن حالتها وهي تهمس بتخابث:
تدرين قبل شوي وأنا جايه من بيت هلي.. شفت سيارة كساب داخلة حوشهم..
زمان عن شوفة الحلوين...
شعرت بألم عميق.. عميق جدا.. فهي كانت تترقب عودته بقلق روحي عارم منذ أيام بعد أن تأخر في رحلته ثلاثة أيام أكثر من موعد عودته مما زاد من قلقها عليه..
وإن كان عاد..
ليصبح قريبا.. فهي لابد أن تعتاد على هذا الوجع المر الجارح في غيابه..
همست بثقتها المعتادة: حياه الله على بيته..
سميرة بابتسامة: التئل صنعة... على قولت خالي هريدي
وأنتي اللي اخترعتي الصنعة..
***********************************
قبل ذلك بقليل..
" علي فديتك وين بتروح؟؟
توك جاي!! "
علي باستعجال وهو يتأكد من ترتيب مظهره في المرآة: فيه وفد جاي بأكون مع المستقبلين..
مزون بقلق: علي حبيبي هالك نفسك في الشغل وبزيادة.. مع أنك المفروض تأخذ راحة مع ذا المرض اللي ما عاد صحيت منه..
علي بشجن: خليني أشتغل يأخيش وألهي نفسي.. لو قعدت وأرتحت على قولتش بأموت من الهم..
مزون بحنان: أنت تدور الهم لنفسك بدون سبب.. يأخي عيش سنك شوي..
اطلع مع ربعك وانبسط... ماركبك الهم غير ذا الشغل اللي مايخلص..
علي يبتسم لها بمودة صافية وهو يخرج: خير خير إن شاء الله...
بعد دقائق
كانت مزون مستغرقة في مشاهدة برنامج ثقافي حين سمعت الصوت القوي الحاني:
السلام عليكم ..
حينها قفزت وابتسامتها تتسع وهي تتلقاه بقبلاتها واحضانها:
هذا اللي قال أربع أيام صارت أسبوع بدون حتى ماتدق تلفون تطمني عليك
لولا إن أبي قال لي إنك كلمته وإلا كان استخفيت..
كساب يجلس وهو يهتف بمودة: وهذا أنا جيت.. لا نقص مني يد ولا رجل..
وتأخرت غصبا عني..
مزون همست بمودة صافية: أشلونك فديتك عسى ماتعبت..
كساب بابتسامة: أبد..
مزون برقة: تتقهوى؟؟
كساب بمودة: لا بأطلع أشوف كاسرة وأتسبح
ثم أردف نبرة غامضة باسمة: وفيه عقب سالفة صغيرة أبي أخذ رأيش فيها
وعقب بأروح لخالتي.. تروحين معي؟؟
حينها همست مزون باختناق وهي تراه يقف فعلا: كاسرة مهيب فوق.. عند بيت أهلها..
كساب بعفوية: عادي بأتصل لها تجي..
مزون باختناق أكبر: كساب أنت ماكلمت مرتك طول الأسبوع اللي فات؟؟
كساب بنبرة غضب: ليه أنا كلمتش يعني؟؟
ماقدرت أكلم حد.. يالله قدرت أكلم ابي وقلت هو بيبلغكم..
مزون حينها همست بنبرة عتب: يعني أنت حتى ماسألت عنها؟؟
مرتك راحت لبيت أهلها زعلانة..وأبي حاول يرجعها بس هي مارضت..
حينها تفجر غضب أسود قاتم في كل تفاصيل وجهه: نعم؟؟ زعلانة؟؟
********************************
" عالية يأمش.. لمتى وأنتي رابطة رأسش كذا..؟؟"
عالية تضغط رأسها وتهمس بإرهاق: يمه الصداع ذبحني.. والبنادول ماعاد فادني..
أم صالح بقلق: تدرين لازم تسوين أشعة على رأسش.. وش ذا الوجع اللي مايشيله البنادول..
عالية باصطناع: يمه يمكن أسناني أو أذاني فيها شيء.. عشا كذا جايني صداع..
أم صالح بقلق: زين بكرة لا تروحين الدوام.. بأروح أنا وأنتي مع فهد للدكتور
عالية تهمس لنفسها بهم " حتى لو رحت الشغل وش الفايدة؟؟
ذا المقرودة قاعدة تحرسه.. والمشكلة إنها عربية
والله لا تفضحني لو شافتني أوطوط عنده
شكلي لازم أغير الأدمان أخليه كابتشينو أحسن من وجه عبدالرحمن الدب"
مرهقة عالية تماما وهي تشعر بفراغ عاطفي ونفسي كبير بعد أن تولت ممرضة حراسة عبدالرحمن خلال الفترة التي كانت تزوره فيها
وبالطبع توقفت عن زيارته لأنها تعلم أن الممرضة ستسأل من تكون..
فكرت أن تتهور وتزوره بعد أن تخلع البالطو الأبيض على أساس إنها أحدى قريباته..
ولكنها لمعرفتها بحب الممرضات بشكل عام للثرثرة الودودة والعربيات منهن بشكل خاص..
علمت أن أن الممرضة قد تخبر شقيقات عبدالرحمن وأمه أو والده بزيارتها لو على سبيل تبادل أطراف الحديث..
تشعر بالفعل أن حالتها مزرية وهي لم تعتد أن تكون فاقدة السيطرة هكذا..
وهي تقرر أنها لابد أن تحاول علاج نفسها من هذه الحالة بأي طريقة!!
*************************************
كانت توشك على الاستحمام لتبرد جسدها قليلا.. لأنها شعرت منذ معرفتها بعودة كساب بحرارة عارمة اجتاحت جسدها..
يا الله هاهو يعود ليقلب موازين حياتها من جديد.. وعلى كل حال يجب أن تعتاد على ذلك لأنها لن تتراجع عن رأيها..
منعها من ذلك رنين هاتفها.. تناولت الهاتف لتكون صدمتها الهائلة في الاسم المضيء على الشاشة..
لم تتوقع أبدا أنه قد يفعلها ويتصل.. توقعت أن تكبره سيمنعه تماما..
أو ربما لم يعلم بعد أنها رحلت.. ولأنه لم يجدها في البيت اتصل يبحث عنها..
لا تنكر أنها استغربت أنه لم يتصل بها الأسبوع الماضي إطلاقا..
لذا ظنت أنه لابد علم بمغادرتها للبيت..
تركت الهاتف يرن حتى انقطع.. فهي غير مستعدة أبدا لسماع صوته..
ليس لأنها خائفة...أبدا.. ولكن لأن الشوق أضناها تماما..
وهي يستحيل أن تتراجع عن قراراها بعدم العودة إليه..لذا لا تريد ألما هي في غنى عنه..
وصلتها رنة رسالة.. رسالة أثارت صدمتها بشكل أشد.. لم تتخيل أن كساب سيفعلها وبهذه السرعة!!
شعرت أنه لابد وهو يطبع هذه الرسالة كسر لوحة مفاتيح الهاتف لشدة غضبه:
" انزلي تحت يا الجبانة..
أنا في مجلس الحريم مع عمتي مزنة..
انزلي خلينا نتفاهم يأم التفاهم
زين يا البرنسيسة أنا أوريش التفاهم على أصوله
انزلي بس "
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل الثاني والستون 62 - بقلم HaboOoshy
رواية بين الامس و اليوم الفصل الثالث والستون 63 - بقلم HaboOoshy
" مزون.. مزون!!"
مزون بمودة: تعال فديتك.. أنا أرتب شوي داخل..
كساب أطل برأسه عبر غرفة التبديل حيث ترتب مزون ملابسها داخل الخزائن
وهتف بابتسامة: مساء الخير... عوافي.. الله يقويش..
مزون بمودة رقيقة: الله يعافيك.. مافيه شيء بس أرتب شوية..
كساب حينها هتف بحزم: زين خلي الترتيب أبي أسولف معش شوي..
مزون وضعت قطعة الملابس التي كانت في يدها وخرجت معه ليجلسا كلاهما
حينها هتف كساب بثقة: أمس قلت لش أبيش في سالفة..
بس سالفتي أنا أشغلتني شوي..
حينها هتفت مزون بحزن: وسالفتك وش صار فيها؟؟
كساب بثقته الطاغية المعتادة: بتنحل إن شاء الله.. كم يوم بس وترجع كاسرة..
مزون بدفء: إن شاء الله.. والله فاقدتها في البيت..
حينها ابتسم كساب بدفء مشابه: ماتدرين يمكن حن اللي نفقدش!!
مزون باستغراب استنكاري: تفقدوني؟؟
كساب ضحك: وش فيش ارتعتي؟؟ عادي.. نفقدش مثل ماكل البنات يفقدون أهلهم وجودهم في البيت..
حينها صمتت مزون بخجل طبيعي وهي تعلم ما الذي خلف هذه المقدمة
ليتناول كساب زمام الأمور وهو يهف بمودة حازمة:
المرة اللي فاتت يوم عرضت عليش ولد آل ليث ورفضتيه.. ما أدري بالضبط وش أسبابش؟؟
هل فعلا لأنش تبين تدرسين.. أو عشان الخلاف اللي كان بيننا..
الحين كلها صارت محلولة.. الدراسة باقي فصل واحد غير ذا الفصل اللي قرب يخلص أساسا..
وأنا وأنتي ولله الحمد سمن على عسل...
وأنا والله أبي لش الزين.. غانم لمح لي مرة ثانية.. والرجّال شاريش..
السالفة مافيها ضغط عليش.. هذي مهيب خطبة رسمية.. مجرد أخذ رأي..
فكري براحتش.. أسبوع أسبوعين.. وصلي استخارة..
وغانم أنا أعرفه زين.. رجّال والنعم!!
مزون صمتت قليلا ثم همست باختناق خجول: تدري كساب حتى لو فكرت واقتنعت..
فيه حاجز بيني وبين غانم ما أدري.. ما أدري وش أقول لك .. أخاف يكون صعب علي أتجاوزه مهما حاولت...
صمتت لثوان ثم أكملت باختناق أشد:
كساب أنا أحاول ما أقلل من قدر نفسي.. بس رحم الله امرئ عرف قدر نفسه..
وأنا الحمدلله ذا الأيام مسترجعة ثقتي بنفسي.. وأخاف زواجي من غانم يرجع يفقدني إياها..
كساب باستغراب لهذا الحديث غير المفهوم: الحين هذا كله ليش!!
مزون بخجل عميق: كساب لا تزعل مني لو تجرأت شوي.. بس أظني مابيني وبينك حواجز في الكلام..
كساب.. غانم أنا شفته على الطبيعة.. أحلى مني بواجد.. إلا مافيه مجال للمقارنة بيننا حتى..
كساب حينها هتف بغضب: بصراحة كلام ماسمعت أسخف منه..
مع إنه أنتي مافيش قصور.. بس خلينا نجاريش في خبالش..
أنا شخصيا ماكان عندي مانع أتزوج وحدة شينة حتى ..
ليه هو الجمال كل شيء في الدنيا.. والرجّال الصدق مايهتم بذا السوالف..
ابتسمت مزون بشفافية مرحة: هذا كلام نظري لأنك يوم تزوجت.. تزوجت أحلى وحدة..
وبعدين تعال أنت عادي لو تزوجت وحدة شينة.. لأنك شين ..
لكن غانم أزين منك بواجد ولازم يتزوج وحدة حلوة..
حينها انفجر كساب ضاحكا: كذا يامزون.. من الحين شايفته أزين..
حينها تراجعت مزون بخجل وهي ترى نفسها تجاوزت الحد: مهوب أنا اللي شايفته.. أنا أتكلم بصراحة..
كساب وقف وهو يهتف بمودة: فكري يأخيش زين.. وأعرف عقلش كبير
لا تفكرين تفكير المراهقات هذا..
مزون وقفت معه وهمست بشجن: تدري كساب مع شغلة غانم صدقني بتصير هذي مشكلة بيننا..
كل يوم بيكون في بلد.. والمضيفات أنت عارف زين هم وش يسوون وأشلون أشكالهم!!
وأنا هنا الهواجس تاكلني..
كساب ربت على خدها بحنان: لا تصيرين سخيفة..فكري زين يأخيش!!
صمتت مزون.. وهي تفكر فعلا..
قد يكون فعلا ماقالته هو مبدئيا السبب الرئيسي..
لكنها في داخلها وبعد تصالحها مع كساب باتت ذكريات الطيران تثير شجنا عميقا ووجعا تسببه ذكريات مرارة تلك الأيام!!
وخصوصا أن لغانم ذاته ذكرى خاصة لرحلتها الأولى.. ذكرى تحاول تناسيها لشدة حرقتها التي تغلغت فيها..
وإحساس آخر غريب.. اسمه لو كان غانم هذا يريدني فعلا كما يقول لكساب...
لماذا لم يتقدم لي إلا بعد أن تركت الطيران؟؟
لو وجدت لابن عمه العذر فلا أجده له !!
فهل غانم أيضا كان ينظر لي وأنا معه في الكلية بنظرة الاحتقار والامتهان التي كان ينظرها لي مهاب رحمة الله عليه؟؟
************************************
" يبه تبي تنام أروح؟؟"
الجد يشير بيده اليسار لا.. وهو يتمدد على جنبه اليمين على سريره.. وكاسرة تجلس جواره على الأرض..
رغم أنها تستطيع جذب المقعد والجلوس عليه..
ولكنها تحب أن تجلس هكذا حتى تكون قريبة منه تماما..
هتفت كاسرة حينها بابتسامة: زين تسولف علي وإلا أسولف عليك؟؟
أجابها الجد بنبرة مقصودة: كاسرة كم صار لش عندنا من يوم طلعتي من بيتش؟؟
كاسرة تنهدت لأنها اشتمت رائحة العتب القادم رغم أنها رجته ألا يفعلها..
ومع ذلك استغربت أنه تركها كل هذا!!
هتفت بمودة باسمة.. فله يحق كل شيء.. لكن رجاءها ألا يضغط عليها فقط فقلبها يؤلمها حين تضطره للإلحاح:
يبه صار لي حوالي 8 أيام..
الجد أكمل بنبرة مقصودة: ورجالش رجع البارحة صح؟؟
تنهدت: رجع يبه.. وطالبتك بس.. أنا دارية أنت وش أنت تدرج له!!
فديتك أنا يوم جيت هنا قلت لك إني خلاص طلعت وما أبي أرجع..
الجد حينها هتف بنبرة حازمة: بس أنا ماقلت لش إهِدّى!! (إهِدّى= موافق أو راضي)
كاسرة وقفت على ركبتيها لتقبل جبينه وهي تهمس بشجن: طالبتك ماتقول شيء..
يعني حتى لو أنت منت براضي.. ماتقدر تخليني براحتي؟؟
يبه واللي خلاك أغلى خلقه.. لو أنه عاد وراي شيء من الصبر ماذخرته..
تنهد الجد فهو لا يستطيع سماعها تترجى هكذا: تلعبين علي يأبيش بحبة الرأس وتسكتيني كني بزر.. مالي حق أقول شوري حتى..
كاسرة بجزع انحنت على كفه تقبلها: أفا عليك يبه.. شورك على رقبتي..
ثم صمتت لثانية وهمست بعمق: بس يبه أنا مستوجعة واجد.. تكفى ماتوجعني أكثر.. أقواها من خلق الله بس منك ما أقدر أقواها..
الجد صمت وهو يربت على رأسها بحنو الذي أرخته على طرف سريره..
يبدو أن كساب سيبقى يلاحقها في كل دقيقة من اليوم دون أن تستطيع حتى أن ترتاح من مجرد ذكراه..
ألا يكفي أنها كل ماتذكرت اقتحامه لغرفتها البارحة تشعر بقشعريرة باردة تهز كل جسدها...؟!
كلما تذكرت أنفاسه التي صافحت وجهها من قرب.. ازدادت قشعريرها..
وكلما تذكرت حدة كلماته وبعده عن محاولة إرضاءها تشعر أن غصة ضخمة تتجمع وتتجمع حتى تتخم روحها!!
***********************************
" يأبيش ماكلتي شيء!!"
جميلة بابتسامة شفافة: والله أني كلت لين شبعت..
ابتسم منصور: أكل عصافير ذا؟؟
جميلة بذات الابتسامة: والله في حالتي أكل البطات مهوب العصافير..
منصور بمودة: نروح نمشي شوي على الكورنيش..؟؟
جميلة برفض رقيق: لا عمي فديتك.. أبي أرجع أسبح زيودي.. خليت أمي واجد..
منصور بحنان: براحتش.. على العموم أنا لازم أمشي شوي.. بأمشي حوالين البيت..
لأني ما أقدر أقعد عقب عشاء ثقيل مثل ذا.. شوفتش عاد فتحت نفسي.. وخبصت واجد في الأكل
ضحكت جميلة بعذوبة: يعني شوفتي تنفع فاتح شهية..؟؟
منصور بذات النبرة الحانية: أحسن فاتح شهية..
ثم صمت لثانية وأكمل بحزم واثق: جميلة يا أبيش ترا مهوب خافيني حالتش..
جميلة بارتباك: أي حالة عمي؟؟
منصور بحنو باسم: الحال اللي أنتي عارفته وأنا عارفة..
يعني مهوب أنا اللي بنتي تكون متضايقة وأنا ما أحس فيها..
جميلة صمتت بحزن شفاف لتذكرها حاله ولسعادة شفافة لقربها هكذا من منصور بينما منصور أكمل بحزم:
أنا وعمش زايد بنتدخل .. بس نبي ننتظر شوي لين يطيب خاطر خليفة..
جميلة بحزن: يعني تبي ترخصني له.. وهو ماحتى فكر فيني؟!
منصور بفخامة: أفا عليش.. الغالي مايرخص..
ولا تحاتين.. خليفة اللي بيجيش لين عندش.. بس أنتي وقتها عاد لا تعاندين..
أنا وزايد بنتصل له وبنخليه يأتي عندنا ونتفاهم معه..
وتاكدي إنه مهوب صاير إلا اللي يرضيش..
بس خليفة رجّال حرام تضيعينه من يدش!!
جميلة صمتت وأمل شفاف بدأ يستوطن روحها المرهقة من التفكير...
أحقا ستعود لخليفة؟ حقا؟؟
*********************************
الليلة قررت أن تتبع نصيحة مزنة..
كما يلاعبها ستلاعبه.. ستذيقه بعضا مما يذيقها حتى ترى ما الذي يهدف إليه..
رغم أنها تخوفت قليلا من التنفيذ..
فكما قالت لها مزنة تماما..
كانت هذه لعبة محترفين لا يهابون دك الحواجز لإسقاط الخصم في الفخ..
كانت تعلم أنها مازالت أبعد ماتكون عن الاحتراف.. بل ربما مجرد هاوية للتو تعلمت اللعبة ومازالت على أول سلم الهواة..
ومع ذلك تهورت.. و استعدت تماما..
وجلست في الانتظار!!
تميم حين فتح الباب.. ودخل بعفوية..
كانت المفاجأة التي تنتظره.. هـــي تتمدد نصف تمدد على سريرها تصحح أوراقا في يدها..
وترتدي قميص نوم أسود غاية في الفخامة والرقي والإثارة..
بدا كحكاية سحر خيالية في بياضها المشع.. وهو يزيدها فتنة على فتنتها..
وشعرها الأشقر يتناثر بأناقة مدروسة على الضدين السواد والبياض..
تراجع خطوة للخلف.. فهو بالكاد يحتمل وجودها جواره في محض بيجامات..
فكيف الآن؟؟
وهي تبدو كقنبلة يخشى من تفجرها في حناياه..
أغلق عينيه لبرهة عاجزا عن استيعاب حكاية الحسن الموجعة الماثلة أمامه..
لم يسارع للقفز للاستنتاجات.. فهو لا يريد إفساد مخطط طويل تعب فيه في لحظة واحدة..
سيرى خطوتها التالية أولا.. فهو يعلم يقينا أنها مازالت لا تجرؤ على مضمون الرسالة الواضح من شكلها...
هي لم ترفع نظرها مطلقا منذ فُتح الباب والقلم في يدها يرتعش..
وهي تسب نفسها مرارا وتكرارا على هذا التصرف الذي هي غير أهل له..
أشار بالسلام.. ولكنها لم تراه.. حينها علم أنها تعاني الخجل والتوتر.. وربما الندم على تصرفها الأهوج!!
تجاوزها.. رغم صعوبة التجاوز وقسوته!!
دخل للحمام ليستحم..
مرهق أساسا من هذا الشد..
يريد أن يحيا حياة طبيعية.. لكنه مازال يخشى عدم تقبلها لها..
فهو مازال يشعر بتوترها وخجلها وتباعدها.. وهو لا يريد محض جسد..
يريد الروح قبل الجسد..
فروحه المنهكة تتوق للامتزاج الروحي بروحها.. فهو مسافر في عوالم صامتة أنهكته فيها الوحدة والغربة الروحية..
روحه القلقة تتوق للسكنى إلى روحها العذبة!!
حين خرج مازالت على نفس الوضعية تدعي التصحيح.. وجسدها كله يرتعش..
وتتمنى لو قامت لترتدي لها روبا فوق قميصها.. ووجهها يشتعل احمرارا من الخجل..
ولكنها تعلم أن مظهرها سيبدو سخيفا لو فعلت هذا..
مادامت فعلت هذا فلتحتمل نتائجه.. وهي تفهم جيدا أي رسالة أرسلتها له..
رغم أنها أرسلتها لمجرد التلاعب به..
تميم صلى.. وقرأ ورده..
ثم تمدد على أريكته لينام.. دون أن يوجه لها إشارة واحدة..!!
حينها سميرة شعرت فعلا بالصدمة.. ربما في داخلها تمنت أن يتجاهلها.. لكن التجاهل جرحها لأبعد حد..
أ تبالغ في التزين له.. ويكون رده عليها بهذا البرود..؟؟
إذن لماذا كان يلاعبها طيلة الأيام الماضية؟؟
أم أن التلاعب هو حق له وحده ولا يحق لها بذلك؟؟
حينها قررت أن تنتقل للعبة أخرى.. تناولت هاتفها وأرسلت له:
" خالد الفيصل يقول:
يامدور الهين ترا الكايد أغلى....اسأل مغني كايدات الطروقي
هذي رسالتك لي؟؟"
أرسلتها وجلست تنتظر بتوتر بالغ ليصلها رده خلال ثوان:
" وخالد الفيصل يقول بعد:
من خصايص عنود الصيد كثر الطواري.... عادة الظبي يجفل لي تحرك ظلاله
وصلتش ذا الرسالة؟؟ "
سميرة لم تفهم فعلا ماذا يقصد.. لذا أرسلت له ببراءة:
" مافهمت.. وش تقصد؟؟"
ثم جلست تنتظر الرد.. ليكون الرد الصادم لها انتزاع تميم لها من سريرها وهو يشدها من عضدها العاري ليوقفها..
حينها انتفضت برعب..
وهي تهرب لتستدير خلف السرير وتجعله حاجزا بينهما
وعيناها تفيضان بالدمع وهي ترتعش..
حينها أشار لها بوجهه المحمر وأنفاسه المتصاعدة زفيرا وشهيقا:
فهمتي الحين..؟!!
أنتي الحين جفلتي من ظلالش بس.. وأنا ماقربت منش حتى..
يعني لا تسوين شيء منتي بقده..
لو لاعبتش.. مايضر.. ليش أنش مابعد استويتي..
لكن أنا لا تلعبين معي.. لأني واحد مستوي خالص.. واللعب معي خطير..
تميم أنهى إشارته ثم خرج من الغرفة كاملة..
بينما سميرة انكبت على سريرها وهي ترتعش وتبكي بحرقة...
وتتمنى لو أنها لم تتصرف فعلا كما قال.. تصرف هي غير أهل له..
تصرف لم تنل منه سوي جرح مشاعره ومشاعرها..!!
فنصيحة مزنة لم يكن فيها عيب سوى أنها كانت فعلا لعبة محترفين يعلمون تماما على ماذا هم مقدمون..
بينما هي غير مستعدة أبدا في هذه المرحلة!!
ولا تعلم حتى على ماذا هي مقدمة!!
************************************
كانت مستغرقة في النوم حين رن المنبه لصلاة الفجر..
مدت يدها في الظلام الخافت لتطفئ المنبه..لتصطدم يدها بجسد شديد الصلابة بدا ملمسه مألوفا لها..
قفزت بجزع مرتعب وهي تجلس لتتحسس ماجوارها..
ليمد هو يده ويطفئ المنبه ويشعل الضوء المجاور له ويهمس بصوته المثقل بالرجولة والنعاس:
صباح الخير..
كاسرة كانت تريد أن تقفز من السرير كاملا لولا أنه منعها وهو يشدها من يدها
ثم يضع رأسه في حضنها بكل تملك وهو مازال يتمدد بينما هي جالسة متصلبة..
كاسرة همست بغضب متفجر وهي تحاول إبعاد جسدها عنه:
والله العظيم أنت مجنون وخبل ومافي رأسك ذرة عقل..
حد يسوي سواتك.. يا أخي أنت ماتفهم.. ما أبي أعيش معك..
وما أبي أنام جنبك.. وما أبيك بكبرك..
أجابها بتحكم وهو يطوق خصرها بذراعيه ومازال يضع رأسه في حضنها:
والله كلامش غير تصرفاتش..
أشلون ماتبيني.. وماتبين تنامين جنبي.. وأنتي طول الليل نايمة على صدري..
لا وشادة علي بعد.. كنش خايفة أخليش!!
أجابته كاسرة باستنكار شديد ملتهب بالغضب: كذاب وكذاب وكذاب..
حينها أفلتها واعتدل جالسا وهتف ببرود: خلاص بكرة أصورش عشان تدرين أني ماني بكذاب..
كاسرة قفزت من السرير كاملا وهي ترتعش.. وتكاد تبكي لشدة قهرها
همست بكل قهرها المخلوط بحزمها وغضبها ويأسها:
أنا أبي أدري بس وش هدفك من ذا الحركة البايخة..؟؟
يعني حتى في غرفتي في بيت هلي حرام أحس بالأمان بعيد عنك؟؟
البارحة تأكدت أني قفلت كل شيء قبل أنام.. أصحى ألقاك جنبي.. حرام عليك يأخي..
أجابها بذات البرود وهو يستعد للذهاب للحمام ليتوضأ:
قبل كنتي تقولين ماتحسين بالأمان إلا في حضني..
وعلى العموم.. خلصينا من خبالش وارجعي لبيتش..
كاسرة بغضب هادر: مستحيل.. لو كان فيه قبل أمل لو واحد فيه المية أني أرجع لك
الحين أقول لك مستحيل..
وش ذا الأسلوب الهمجي في التعامل؟؟
تبي تقنعني إنه مافيه شيء يستعصي عليك..
وأنه حتى البيان المسكرة ماتردك من اللي تبيه مثل ماقلت لي يوم عرسنا..
أدري والله العظيم أدري..ياجيمس بوند..
بس حتى لو نطيت عندي كل ليلة مستحيل أرجع لك... مستحيــــــل...!!
حينها اقترب منها ليشدها وهو يضع كفه اليمين على منتصف ظهرها ويقربها منه
بينما هي تبعد جزءها العلوي عنه وتهمس بغضب:
كساب هدني أنا تعبت منك ومن حركاتك البايخة..
أنا وحدة أبي أتطلق بأي حق تلمسني..!!
أجابها حينها وهو يحتضنها بذراعيه الاثنتين بكل تملك ويهمس قريبا من أذنها:
لين تطلقين أنتي مرتي وحقي وحلالي..
وعلى العموم الطلاق هذا حلم احلمي فيه!!
حاولت التفلت منه دون جدوى..
قهرها يتزايد في روحها..
لم تستفد شيئا من خروجها من بيته..فماتعانيه في بيته هاهي تعانيه الآن..
و مازال هو كما هو متعجرف متسلط ولا يهمه إلا تنفيذ ما برأسه..
لم يحاول مطلقا حتى أن يعدها بإصلاح حاله.. رغم أنها لم تنتظر مثل هذا الوعد منه.. فهي تعلم أنه غير قابل للإصلاح..
همست باختناق قهرها وهو مازال يحتضنها:
كساب هدني خنقتني.. والله العظيم خنقتني!!
أنا أبي أدري بس وش بتستفيد من ذا كله..؟؟
حينها أفلتها ببساطة وهو يهمس ببساطة أشد: تعودت أنام على أنفاسش قريب مني..
أجابته بقهر: زين والأسبوع اللي فات كله أشلون كنت تنام؟؟..
حينها أجبها ببساطة مغلفة بالغموض وهو يغادر للحمام: ومن قال لش أني قدرت أنام!!
حين خرج من الحمام
دخلت هي.. لتخرج كما تتوقع وتجد الغرفة خالية من وجوده كما لو كان تبخر!!
ولتنهار هي جالسة وهي تمنع نفسها أن تبكي لشدة إحساسها بالقهر وتسلطه على روحها!!
" يا الله وش ذا الإنسان؟؟
مجنون.. والله العظيم مجنون!!"
*********************************
بعد عشرة أيام
.
.
.
" ها يامش.. أشوفش صار لش كم يوم زينة ووجع الرأس خلاش!!"
أجابت عالية بسكون: الحمدلله يمه.. رجعنا لحالة البلادة..
ام صالح باستفسار: وش بلادته يأمش؟؟
عالية بذات السكون الذابل: لا تهتمين يمه.. حكي راديو مايرجع..
بالفعل توقف معها الصداع منذ أيام مع تصميمها على علاجه..
فالقضية بمجملها نفسية..
ولكن هناك وجع شفاف استوطن روحها وغاص فيها حتى آخر الجذور..
تشعر بوحشة غريبة.. ضياع مؤلم..
لم تتخيل أن توقفها عن رؤيته سيكون له هذا التأثير النفسي العاصف عليها..
قلقة.. خائفة.. مرتاعة..
ولا تستطيع أن تشكي لأحد أوجاعها.. حتى نايف توأم روحها لم تستطع أن تخبره بشيء.. رغم أنه اشتم رائحة شيء غير طبيعي في صوتها..
وهاهو يتصل بها كل يوم ويلح عليها أن تخبره دون فائدة!!
المشكلة أنه أخبرها أنها عائد بعد ثلاثة أسابيع..
حينها كيف ستخفي على روحه التي تخاطب روحها كل هذا الوجع الذي تكاد تنفجر به ؟؟
واشتياقها لهذا النائم بات ينغرز في خلاياها إلى أقصاها ودون رحمة؟؟!!
**************************************
" ها يادكتور بشرني!!"
الطبيب يلتفت لعبدالله ويهمس بسكون قلق تخلى فيه عن مهنيته:
بصراحة ياعبدالله أنا قلق جدا على عبدالرحمن..
بعد ماسكنت مؤشراته طول الأسبوعين الماضيين صار له يومين مؤشراته غير طبيعية أبد..
تقول كأنه يصارع له شيء أو يتألم.. والمشكلة إن الألم بدأ يبين على ملامح وجهه..
وأبوه انتبه.. و صارت حالته غير طبيعية وهو تقريبا واقف جنب السرير طول الـ24 ساعة..
عبدالله تنهد بقلق فهو يعلم ذلك منذ البارحة حين اتصل به عمه أبو عبدالرحمن وطلب منه لأول مرة أن يبيت في مجلسه لأنه لا يستطيع مفارقة عبدالرحمن لفرحته العارمة بظهور معالم إحساس في تقطيب عبدالرحمن لوجهه..
وهو يحلم أن لحظة صحوه اقتربت..
عبدالله زفر: طيب دكتور ليش أنت قلق كذا؟؟
الطبيب بذات النبرة القلقة: لأني خايف إنه ماتكون هذي علامات صحوة.. لكن علامات النزع الأخير!!
***********************************
" يبه فديتك..
جعلني فدا أرجيلك صار لي ثلاث ساعات هنا وأنت واقف على أرجيلك
ارحم روحك شوي.. حط الكرسي جنبه واقعد"
فاضل المشتت المدهوش الضائع المتوتر المثقل بالألم واليأس هتف بكل فيض هذه الأحاسيس:
والله إنه البارحة واليوم حرك وجهه.. والله العظيم يأبيش.. أنا شفته بعيني..
أنا شفته بعيني!!
شعاع تبكي وهي تحاول أن تشده لتجلسه: وأنا والله العظيم أدري أنك صادق
الله يقوم لنا عبدالرحمن بالسلامة.. بس أنت تبيه لا قام يشوفك قوي مهوب مافيك حيل..
مازال يهتف بتناثر: تحرك يأبيش.. والله العظيم إنه تحرك.. أنا شفته بعيني..
بيقوم.. أدري إنه بيقوم.. خلاص عبدالرحمن بيقوم...
شعاع يأست وعادت مدحورة باكية..
فهي مضى لها أكثر من ساعة تحايله وهو لايرد عليها بغير هذه العبارات المبعثرة المبتورة..التي تشعر بها كساكين في عمق قلبها
عادت لتجلس جوار والدتها التي كانت تبكي بصمت وحرقة في زاوية الغرفة..
فكل هذا الأمل كثير على قلبها المجهد.. كثير!!
*********************************
" هاسميرة وش أخبارش ؟؟"
سميرة تبتسم ابتسامتها العذبة المعتادة مهما كانت تعاني: أنا أخباري تمام..
أخبار كرشة هانم..
نجلاء بابتسامة شاسعة: أنا تمام.. أبي أسوي تلفزيون متى مابين جنس المولود بإذن ربي.. عشان أبدأ أتسوق له..
ابتسمت سميرة: لو بنت أو وولد أشلون بتشترين؟؟
نجلاء بذات الابتسامة الدافئة: اللي يجي من الله حياه الله..
بس لو بنت الله يستر لا استخف وأشتري لها أنا وصالح كل سوق الدوحة
بس لو ولد.. كفاية عليه ملابس أخوانه قبله..
سميرة تقلب وجهها بمرح: أخيه منش يا الزطية.. خلاص خالته بتشتري له كل شيء جديد
مايبي منش أنتي ورجالش شيء..
ولو ماتبونه عطوني إياه!!
نجلاء تضحك: لي هو جاي ببلاش أعطيش إياه.. الولد ذا لو ماجاء الله يستر ما أدري أشلون كانت بتكون حياتي..
إلا أنتي خلاص عقب كم يوم بتكملين سبع شهور.. لمتى ماحملتي؟؟
مافكرتي تروحين دكتورة أنتي وتميم.. ترا مافيها شيء!!
سميرة كحت بحرج: نجول يالدبة مالش دعوة فيني أنا ورجّالي.. بكيفنا تو الناس..
نجلا فتحت عينيها بعتب رقيق: سمور.. لا تكونين تأكلين مانع يا الخبلة؟؟
سميرة وقفت وهي تهمس بتهرب: بأروح أشوف أمي وش تسوي بدل سوالفش البايخة..
سميرة هربت بالفعل من جراحها ومشاعرها التي باتت تشعر بها هشة جدا وتوشك على الانهيار..
فتميم بعد الايام التي قضاها في التلاعب بها.. بدأ في تجاهلها بطريقة موجعة منذ الليلة المشؤومة التي قررت هي فيها أن تتلاعب به..
لدرجة أنه الأيام الأربعة الاخيرة كان يبات في المجلس..
بالطبع مازال أهل البيت لم يلاحظوا.. لأنه ينزل بعد أن يصبحوا في غرفهم.. ويعود بعد صلاة الفجر..
ولو لاحظه أحد وسأله أين كنت؟؟ أسهل شيء أن يقول كنت أريد أن أتأكد من شيء أو ذهبت لأمشي..
يعني.. لن يعجزه العذر الذي مازال لم يحتاجه!!
ولا تعلم حتى متى سيستمران على هذا الحال؟؟
تشعر بألم امتهان عميق وجرح أعمق لأنثوتها.. هل هناك رجل طبيعي يتجاهل زوجته كل هذا؟؟
أم أن العيب فيها؟؟
ربما لا تعجبه.. لا تحرك مشاعره؟؟!!
أو ربما كان الذنب كله ذنبها.. وهي تصد تلميحاته تلميحا وراء تلميح..
فكيف يتشجع وهي تشعره بخوفها وتوترها وجزعها منه؟؟
لا تلومه إن تعب منها!!
فهي لا تعلم لماذا مازالت عاجزة عن احتوائه رغم أنها تدعي إنها نست أو تناست جرحه العميق لها؟؟
أو ربما كانت كل المشكلة إنها تدعي ذلك.. وجرحه مازال غائرا في روحها الشفافة؟؟!!
لا تعلم لِـمَ هذا الحاجز الممتد بينها وبين تميم لا يريد الإنهيار!!
كانت تقول سابقا أنه لا مانع لديها من إنشاء حياة كاملة مع تميم..
فلماذا يبدو لها هذا الأمر صعبا هكذا حين أصبح الأمر قريبا؟؟
لماذا تراه عسيرا عليها أن تهبه روحها وجسدها؟؟
وربما كان كل هذا.. لأنها تدعي نسيان إهانة لم تنسها!!
فكيف تهبه الروح التي شك ولو للحظة في نقائها؟؟
وكيف تهبه الجسد الذي شك ولو للحظة في طهارته؟؟
**************************************
" كاسرة لا تكونين ناوية تسهرين عندي الليلة بعد؟؟
خلاص بكرة دوام!!"
كاسرة ابتسمت بتحكم بالغ وهي تجيب وضحى:
لا طبعا ليش أسهر عندش..
أمس وقبل أمس سهرت عشان ويك إند.. بس بكرة على قولتش دوام..
وضحى تبتسم بمرح: الظاهر العرس خربش.. قبل كان مستحيل تسهرين للفجر إلا في الأعياد..
كاسرة تنهدت في داخلها.. يبدو أنها الليلة لا مهرب لها من مقابلته..
بعد أن تهربت اليومين الماضيين بحجة إنهم في إجازة نهاية الأسبوع..
ولكن قبل ذلك كانت تتفاجأ به كل ليلة كالشبح في غرفتها..
لم ترد أن تهرب من غرفتها حتى لا يلاحظ أحد شيئا غير طبيعي فهم لم يعهدوها تخاف من شيء..
كما أنها لم ترد أن يظنها كساب خائفة منه هو شخصيا وهي تظن إنه سيمل وسيتوقف..
ولكنه مازال لم يمل.. وهي لابد أن تفكر بحل جذري لهذه المشكلة..
فهي لا يمكن أن تسمح له بفرض نفسه عليها أكثر..
الأمر بات ضاغطا وجارحا لأبعد.. تظن حين تنام أنها ستصحو هذه المرة ولن تجده ..
لتتفاجأ انها أحيانا تصحو وهي نائمة على صدره!!
تكاد حينها ان تصفعه حتى تتعب .. ثم تشد شعرها حتى يتمزق!!
وأحيانا أخرى تقرر أن تنتظره جالسة لتعرف من أين تدخل.. فتراه يدخل بكل بساطة عبر نافذة تأكدت من إغلاقها..
هل هذه حياة طبيعية؟؟ زوج يدخل لزوجته عبر النوافذ المغلقة؟؟
كما لو أنها تعيش حياتها في فيلم أكشن سخيف لا تستطيع ترقب مشهده التالي!!
والأغرب والأكثر إيلاما معرفتها اليقينية أنها تتلهف لرؤيته حتى نخاع النخاع..
فهي لا تنكر أبدا على نفسها ولعها به.. فهي تعلم تماما كم هي مغرمة به..
ولكنها لا بد ان تنقطع عن رؤيته حتى تستطيع إغلاق جروح قلبها وروحها التي لن تغلق مادامت رؤيته زادا لهذه الجراح...
اليومان الماضيان لم تعد لغرفتها حتى صلت الفجر.. ومع ذلك وجدت آثاره في الغرفة
الليلة الأولى أثار عاصفة من الفوضى في الغرفة رغم أنها تعلم أنه مرتب ومنظم كالمسطرة..
والبارحة بكل وقاحة ترك ملابسه في الحمام بعد أن استحم واستخدم مناشفها..
تتخيل منظرها لو أن الخادمة أو والدتها دخلت الحمام قبلها..ووجدت ملابس رجل فيها..
كيف سيكون موقفها؟؟..
ويبدو أنه الليلة لا مفر من مقابلته وهي تعود لغرفتها في وقت مبكر.. فهي تريد أن تشبع نوما قبل أن يعكر صفوها بوجوده الثقيل..
فهو رغم لمساته التي تتجاوز الحد أحيانا.. إلا أنها تعترف أنه لم يحاول مطلقا إجبارها على شيء.. وهو يلتزم الحدود القاطعة معها..
رغم أنها تعلم صعوبة التزامه الحدود حتى لو أظهر تحكمه البالغ بنفسه..
ولكن حتى لو حاول.. فهو لن ينجح..
لأن مابينهما انتهى.. انتهى إلى غير رجعة!!!
*********************************
" علي هذي والله العظيم مهيب حالة..
شوف نفسك قربت تنهار..
وأنا وأنت كل يومين رايحين كن حن حرامية عشان ماحد يدري من أهلنا
نركب عليك مغذي ونضرب أبر فيتامينات"
كان كساب ينظر لعلي المنهار بإرهاق في مقعد السيارة المجاور له وهو يقود السيارة
عائدين من المستشفى كعادتهم كل يومين أو ثلاث ليركب الجلوكوز على علي
بعد أن باتت شهيته مسدودة عن الطعام لأبعد حد..
عدا عن إرهاقه النفسي!!
علي هتف بإرهاق: زين وش تبيني أسوي؟؟
هتف كساب بغضب: اصطلب يا رجّال.. حالتك مهيب حالة رياجيل..
إذا قلبك بيسوي فيك كذا اشلعه من مكانه أحسن وأبرك..
علي نظر لكساب من تحت أهدابه ويهتف بنبرة مقصودة:
لا.. حالة الرياجيل إني ما اقدر أمسي الليل وأنا اطوف حول بيت هل مرتي لين صلاة الفجر....
كساب نظر بصدمة لعلي لم يتوقع أن أحدا قد يكتشفه..
رغم أن علي الهادئ الساكن والعميق كان دائما دقيق الملاحظة وهو يراقب بصمته وعمقه..
كساب صمت وهو يشد على المقود ويعتصره بين كفيه بغضب وعلي يكمل بذات النبرة المقصودة:
أنت ياكساب آخر حد ممكن يعطي نصايح..
يا أخي يومك رايح في خرايطها ومالك صبر عن مرتك..
وش فيك مسوي روحك اللي مايهمه حد وأنت قلبك ذايب..؟؟
اشلع أنت قلبك من مكانه يا رجّال واصطلب...
كساب بغضب متفجر: لا.. إلا أنا اللي باخذ نصايح من واحد ماصدق يشوف له زول مره
ويتسكر عليهم في مكان إلا هو اللي رايح في خرايط خرايطها..
علي هز كتفيه ببساطة: على الأقل ماكابرت في مشاعري.. ولا كذبت ولا ادعيت..
كساب يحاول أن يكتم غضبه: وأنا ما أكذب ولا أدعي..
حينها حاول علي أن يعتدل جالسا وهو ينظر لكساب بشكل مباشر ويهتف بنبرة حازمة مباشرة:
زين يا اللي ماتكذب ولا تدعي.. أنت وش تسوي في بيت أهل مرتك..
مزون كانت اللي لاحظت إنك ترجع وقت الآذان بلبس رياضة وتبدل وتروح للصلاة على طول..
وطلبت مني أشوف وش فيك.. كانت تظنك تركض لين صلاة الفجر وأنك متضايق من غيبة مرتك..
مادرت إنك منت بمتضايق بس.. لكن ميت من الشوق لدرجة إنك قاعد تراقب البيت لين يأذن الفجر..
أو قل لي.. فيه شيء غير المراقبة؟؟ معقولة ذا الساعات كلها قاعد تراقب بس؟؟
كساب بين صرير أسنانه: مهوب شغلك.. وياويلك حد يدري..
مشاكلي بأحلها بروحي..
علي عاد ليسترخي وهو يهتف بثقة: لو أني بأعلم كنت علمت مزون اللي بالها مشغول عليها..
لا تخاف... متى كنت ما أكتم سر ؟؟ ..
بس لا تعاتبني وحالك مثل حالك..
كساب زفر بحرارة وهو يشعر بضيق متعاظم..
يكره أن يبدو في مظهر ضعف أو أن يمسك عليه أحدهم ممسك..
ويكره أكثر عدم توصله لهدفه مع كاسرة وكسر مقاومتها رغم مرور كل هذه الأيام..
فهو كان ينتظر أن تمل من ضغط زياراته وتقرر أن تعود!!
يريدها أن تعود بأي طريقة.. بــــأي طـــريـــقــة!!
لأنها ما أن تعود لبيته لن يسمح لها أن تفكر حتى بتركه مرة أخرى!!
**********************************
" شوشو عندي لش مفاجأة تطلعش من المود المتوتر شوي!!"
شعاع تلتفت لجوزا وتنتبه من شرودها الناتج عن قلقها وترقبها لتطورات حالة عبدالرحمن: ها نعم؟؟
جوزا بحماس رقيق: عندي لش مفاجأة!!
شعاع بترقب: ويش؟؟
جوزاء ترقص حاجبيها: صورة المسيو علي.. أخيرا جبتها لش!!
شعاع قفزت بجوارها وهي تهمس بحماس طفولي: أخيرا مابغيتي.. صار لي أكثر من عشرة أيام وريقي نشف معش
والله لو أني طالبة مخططات مبنى البنتاغون كان قد جبتيها..
جوزا تضحك فهي سعيدة جدا بتطورات حالة عبدالرحمن وكوالدها وأمها وشعاع تظنها علائم الصحوة القريبة:
يمه البنت مافي وجهها سحا.. بغت تأكلني..
يا أختي أنا طلبتها من أخته دايركت لأنها كانت قد لمحت لي إنه لو أنتي تبين صورة بتجيبها..
بس أنا استحيت وقلت مافيه داعي..
وعقبه تشجعت وطلبتها منه.. واتفقنا لا رحت أزور خالتها نتقابل هناك وتعطيني إياها..
وتوني زرتها البارحة..
شعاع بلهفة: زين وينها؟؟ وينها؟؟
جوزاء تبتسم: في شنطتي..
شعاع قفزت لتأخذ الحقيبة بلهفة وبعثرت محتوياتها بذات اللهفة.. ولكنها لم تجد شيئا همست بخيبة أمل عميقة:
جوزا مافيها شيء!!
حينها ضربت جوزا رأسها: يووووه البارحة كان معي شنطة غير هذي!!
خلاص بتكون في بيتي..
شعاع تكاد تبكي: زين أنا وش استفدت الحين كون إنش شفقتيني على الفاضي..
يا الله روحي لبيتش جيبيها..
جوزاء تضحك: آسفة يا الشيخة.. الساعة الحين عشر ونص وحسون راقد.. ومستحيل أطلب من عبدالله يوديني ذا الحزة..
بكرة بأجيبها لش...
وبعدين تطمني أنا شفته..صحيح ضعيفون شوي.. بس مزيون وماعليه باس.. أبصم لش بالعشرة والعشرين بيعجبش..
شعاع تكتف ذراعيها بغضب: ياسلام... وأنا وش علي من رأيش.. أنتي اللي بتاخذينه..؟؟
أم عبدالرحمن قاطعت جدلهم خارجة من غرفتها وهي تهمس لجوزا بإرهاق:
جوزا ادعي أبو حسن ينام عندش هنا.. واختاروا أي غرفة تبونها...كفاية البارحة أمسى في المجلس..
جوزاء بخجل: لا يمه فديتش.. عبدالله ملزم يمسي في المجلس..
ومستحيل يدخل داخل البيت..
***********************************
هذه الليلة نامت فعلا مبكرا... قررت أن تريح بالها منه ومن التفكير فيه..
لتصحو بعد منتصف الليل على أنفاسه حارة ملتهبة تلفح كتفها وهو يحتضنها من ظهرها وذراعيه تحيطان خصرها بقوة..
همست بسكون وهي تريد أن تبكي من هذا الحصار:
كساب أنت مسخن؟؟ نفسك حار بزيادة...
قبل كتفها حيث تتساقط أنفاسه وأجاب بسكون كسكونها: مهتمة يعني؟؟
كاسرة أنتي ماتعبتي من العناد؟؟
أجابت بخفوت وهي تتحسس أنامله الساكنة على خصرها بحنان دون أن تشعر:
وأنت ماتعبت من طريقتك في فرض رأيك بدون ماتقدم تنازلات..؟؟
أفلتها ليديرها ناحيته.. أنامله تتبع تفاصيل وجهها بدفء وشجن واشتياق
هتف بشجن: كاسرة أنتي لحد الحين ماقلتي لي وش اللي مزعلش مني بالضبط
صارحيني بالتفصيل.. خلينا نخلص من ذا السالفة..
كاسرة أمسكت كفه التي تعبر وجهها واحتضنتها بين رقة أناملها.. وهمست بألم:
كساب أنت تحبني وإلا لا؟؟
شعر بالصدمة من سؤالها.. لم يتخيل أنها قد تسأل بهذه المباشرة والشفافية والوجع.. همس بسكون:
ومافيه حياة زوجية تستمر بدون حب يعني؟؟
أجابته بألم أعمق لأنه تجاهل الإجابة عن سؤالها المصيري:
فـيـه... تستمر بالاحترام والمصارحة بين الزوجين..
وكلها مفقودة عندك.. أنت ماتحترمني.. وفي حياتك أسرار واجدة واقفة بيننا..
حينها همس بألم لأول مرة تسمعه بنبرة صوته مخلوط بنبرة استنكار موجوعة:
كاسرة أنا ما أحترمش..؟؟
ضربتش مرة؟؟ هنتش؟؟ سبيتش؟؟ جرحت في حد من هلش؟؟
أجابته بوجع: لا.. محشوم
بس وين الاحترام وأنت عمرك ماحسستني إني شيء مهم في حياتك..؟؟
تطلع وتدخل على كيفك.. كنك عزابي.. وبدون حتى ما تأخذ بخاطري!!
كلمة حلوة عمري ماسمعت منك..
حياتك مليانة غموض مستحيل تشاركني بشيء فيها!!
أنا يا كساب عداني العيب خلاص..
قمت بواجبك على أكمل وجه..
مستحيل إنك كنت ترجع البيت ماتلاقيني قدامك قاعدة ومتعدلة وأنتظرك..
احترمت غيبتك وحضورك.. واحترمت هلك وكل من يهمك..
وقمت بواجب بيتك وعزايمك ومقابلة حريم الناس اللي لك شغل معهم وحريم ضيوفك الأجانب..بدون ما أشتكي..
عمري ماطلعت مكان حتى لو أنت مسافر إلا لما أخذ أذنك..
كل هذا سويته عشانك.. وأنا ما أتمنن.. لأن هذا واجبي ومهوب طيب مني..
لكن أنت وش قدمت لي في المقابل..؟؟ سويت على الأقل واجبك..؟؟
كساب أنا ما ابي زوج بنص دوام.. ونص مشاعر..
أنا أستحق منك أحسن وأكثر من كذا..
مايكون قدري عندك هو فتات وقتك ومشاعرك اللي فاض عن هلك وشغلك ومشاريعك وغموضك..
وكل شي هو أهم عندك مني.. وأنا في ذيل القائمة..
لم يجبها بشيء ولكنه شدها ليدفن وجهها في صدره..
تمنت حينها أن تبكي..أن تحرق صدره بدموعها.. أن تخترق ضلوعه بأنينها..
ولكنها يستحيل أن تفعلها.. فهي ستبدو كمن تستجدي مشاعره حتى يشفق عليها..
همس في عمق أذنها بخفوت ثقيل: ارجعي معي وإن شاء الله يصير اللي يرضيش..
همست بألم وجهها مختبئ في صدره: اللي يرضيني وأنت حتى حبك مستكثره علي؟؟
حينها سألها وهو مازال يهمس في أذنها: أنتي الحين تطلبين مني حب أنتي ماعمرش عبرتي لي عنه..
همست بشجن مثقل بأمل ما: المفروض المبادرة تكون منك..
صـــــمــــت..
صمته ذبحها من من الوريد للوريد..
مضى وقت ما.. وهما على ذات الوضع
أنفاسه تسكن أذنها.. وأنفاسها تسكن صدره..
حينها همست باختناق أخفته خلف سكون صوتها:
كساب هدني أبي أقوم الحمام..
ماعادت تحتمل.. تريد أن تنتحب كما لم تفعل من قبل.. تريد أن تبتعد عنه لتترك لدموعها المجال..
ولكنه لم يفلتها وهو يغمر حرير وجهها بقبلاته الناعمة اللاهبة.. حينها هتفت بغضب مقهور مكتوم:
كساب هدني.. اللي تبيه مستحيل يصير..
أجابها ببساطة موجوعة حازمة: وأنا ما أبي شيء..
أما اللي في بالش.. بأخذه..بس لا جيتيني أنتي في بيتي..
في غرفتنا ومكاننا... إذا رجعتي الرجعة اللي مستحيل تطلعين عقبها..
زفرت بغضب مثقل بالحزن وهي تسند كفيها بكل قوتها في صدره لتبتعد عن مداه: هدني.. هدني..
أفلتها حينها.. ونهضت لتهمس له بخفوت وأنفاسها تتقطع:
أرجوك كساب على الأقل احترم العشرة اللي بيننا..
أرجوك لا تجي غرفتي مرة ثانية..
لو سويتها وجيت.. اعذرني.. باحط كاميرات على الدرايش
وتخيل منظرك لو هلي وهلك شافو التسجيل بس..
همس بثقل: مايهمني.. أنا أبيش ترجعين لبيتش وبس..
همست بحزم موجوع وهي توليه ظهرها متجهة للحمام: وأنا ماراح أرجع..
واللي بيننا انتهى خلاص..
فخل عندك شوي كرامة واحترم نفسك ومافيه داعي تفرض نفسك علي بذا الطريقة!!!
*************************************
كان عبدالله يغفو للتو بعد صلاة الفجر..
حين تعالى رنين هاتفه.. قفز جزعا وهو ينظر للهاتف بارتياع كما لو كان سيحمل له خبرا مرعبا..
وحين رأى رقم هاتف الخادم الذي يلازم عبدالرحمن ووالده شعر بريقه يجف وحلقه يتشقق جفافا وهو يرد عليه باختناق: نعم أمجد!! فيه شيء؟؟
ليقفز عبدالله بصدمة وهو يرتدي ملابسه دون تفكير
بعد أن أخبره أمجد أن أبا عبدالرحمن سقط مغشيا عليه وتم نقله للإنعاش..
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل الرابع والستون 64 - بقلم HaboOoshy
عبدالله وصل إلى المستشفى مع خيوط الشمس الأولى..
كان يركض في الممرات بدون تفكير حتى وصل إلى غرفة الإنعاش كما أخبره الخادم..
يحاول إبعاد كل الافكار المؤذية وتجميد حتى محاولات التفكير..
مابين زوجته وأخته وعمه وأهل عمه.. كيف سيحتمل وجيعة كل هؤلاء؟؟
أ لم يأن له أن يرتح من الهموم التي كسرت ظهره؟!!
حين وصل بأنفاسه المقطوعة.. أخبروه أنه تم نقل إبي عبدالرحمن للعناية المركزة بعد أن تم إنعاشه..
ليعاود الركض للطابق السادس حيث العناية المركزة..
حين وصل كان أبو عبدالرحمن غائبا عن الوعي محاطا بأجهزة التنفس والتغذية..
جلس منهارا على مقعد قريب منه..
"يا الله ماذا حدث لك؟؟ "
لا يريد أن يُفكر حتى.. ليجد عشرات الصور المفزعة تقفز أمامه رغما عنه!!
يحتلها وجهان أثيران غاليان قريبان جدا من قلبه..
وجها جوزاء وعالية !!
حاول أن يقف.. ليجد قدميه متخاذلتين..
سأل الممرضة التي دخلت للتو لتتأكد من سير الاجهزة بصوت مبحوح تماما:
كيف حاله؟؟
أجابت بمهنية وهي مشغولة بأجهزتها: لا بأس.. تجاوز مرحلة الخطر أساسا..
سألها عبدالله بذات الصوت المبحوح: وما الذي حدث له؟؟
أجابته بذات المهنية: أزمة قلبية خفيفة.. وتجاوزها..
سألها بصوت مبحوح أكثر وأكثر: وما سبب الازمة؟؟
هزت كتفيها دلالة الجهل.. ليتلفت حوله باحثا عن أمجد ولم يجده..
حينها سحب قدميه برعب متجذر.. متجها لغرفة عبدالرحمن..
وهو شبه متأكد أنه لن يجده فيها..
كان يتقدم خطوة ويتأخر خطوتين..
قضى وقتا طويلا قبل أن يصل للغرفة حتى..
ووقف على بابها لوقت أطول وهو عاجز عن سحب أنفاسه الذاهبة..
ليس عاجزا مطلقا عن مواجهة الموقف كموقف.. لكنه عاجز عن مواجهة أحبائه بعده!!
كان مازال يقف أمام باب الغرفة وأفكاره تأخذه وتأتي به..
لينتبه بعد ذلك لحركة غير طبيعية داخل الغرفة..
زاد رعبه.. أما زال في الداخل.. وما زالوا لم يخرجوه..؟؟
لا يعلم لماذا كانت أفكاره كله موجعة!!
ربما لأنه ظن أنه لن يفعل بأبي عبدالرحمن ذلك سوى خبر فاجع لم يحتمله!!
حينها خرج أمجد لأنه يريد الذهاب للاطمئنان على أبي عبدالرحمن..
حين رأى عبدالله ..تفاجأ عبدالله حينها به يحتضنه وهو يبكي..
عبدالله فُجع وهو يرى أمجد يبكي على صدره.. أيقن أن كل مخاوفه التي ترعبه هي حقيقة..
ولكنه استغرب أن أمجد كان يبكي ويبتسم ويهذي بسعادة..
حينها أمسك عبدالله بكتفيه وهو يهتف بحزم: بس أمجد.. بس.. شنو صار؟؟
حينها تماسك أمجد قليلا ليخبره بما حدث..
قال أنهما عادا من صلاة الفجر.. وأنه كان يريد النوم.. بينما أبو عبدالرحمن كان يقرأ في المصحف قريبا من من عبدالرحمن..
حينها سمعا همسا ضعيفا متقطعا مبحوحا تماما: يـ ـبـ ـه.. يـ ـبه..
.
.
.
أبو عبدالرحمن وقف بجزع وهو يرتعش بصدمة.. ليتأكد من مصدر الصوت وهل هو يحلم..؟؟
مؤكد يحلم.. يحلم..يــــحـــــلـــــم!!
يــــــــــحـــــلـــــــــم!!
شعر بألم حقيقي في عضلات قلبه؟؟
كما لو أن عضلات قلبه تتمزق بحد مسنون يحفر شغاف قلبه وشرايينه بوحشية...
اقترب أكثر من عبدالرحمن .. اقترب وهو يشعر أن قدميه لا تحملانه.. لا يعلم حتى كيف استطاع الوصول للسرير..
كما لو أن شيئا أقوى منه حمله.. لأن قدميه كانتا كصخرتين لا يستطيع تحريكها..
حينهارآه على حاله.. ساكن مغمض العينين.. ف
زفر بألم عميق مثقل بالوجع والخيبة واليأس لأبعد حد (كنت أدري أني أتحلم)!!
لكن أمجد اقترب معه وهو يؤكد له أنه سمع الصوت أيضا..
حينها شعر فعلا أنه قلبه يؤلمه وأنفاسه تضيق وقدميه لن تحملاه أبدا.. وكأنها تشدانه للأرض بثقلهما..
استند على حاجز السرير بثقل ليمنع نفسه من السقوط... وهمس بكل حنان العالم وأمله ويأسه ووجعه..
همس بكل مابقي في روحه من أمل.. همس بكل ماتجمع في كيانه من اليأس
همس بوجع أيامله الذابلة وشيخوخته التي كسرت ظهره من بعده..:
عبدالرحمن.. عبدالرحمن ..دعيتني يأبيك.. تكفى يأبيك ماعاد فيني حيل..
تكفى يأبيك.. عبدالرحمن.. عبدالرحمن... رد علي يأبيك..
كان ينادي بكل مافي روحه من الأمل وهو يخشى أن يتحطم حين لا يسمع ردا..
وفي ذات الوقت كان ينادي وبداخله إحساس أنه لن يجيبه أحد..لصعوبة كل هذا الأمل عليه..!!
لذا كانت صدمته البالغة أنه سمع ذات الهمس المتقطع المبحوح ولكن هذه المرة من بين شفتي عبدالرحمن الجافة وهو يراها أخيرا تتحرك أمامه:
يـ ـبـ ـه.. يـ ـبـ ـه..
أبو عبدالرحمن شهق شهقة حادة.. لم يستطع أن يحتمل أبدا.. سقط مغشيا عليه من فوره..
ليرتاع أمجد وهو ينادي الممرضين ليحملوه لغرفة الإسعاف فورا..
.
.
ثم أخبر أمجد عبدالله أنه عاد بعد ذلك لغرفة عبدالرحمن..
وأن عبدالرحمن فتح عينيه بصعوبة وأنه عرفه وناداه باسمه.. ثم عاد للنوم..
وطلب أمجد حينها من الممرضات أن يتصلن بالأطباء
وأنهم كلهم في الداخل الآن مع عبدالرحمن...
ثم هتف أمجد بين ابتساماته ودموعه وهو يختم حكايته: أنا بيروح بابا كبير
أنتي خلي مع عبدالرحمن..
حمدلله ربي.. حمدلله ربي!!
عبدالله دخل بخطوات مترددة... وجلة.. مثقلة بتضاد اليأس والامل.. لا يعلم لماذا مازال قلقا حتى مع بشارة أمجد!!
دخل ليجد الاطباء يحيطون بسريره..
يحاولون إفاقته وهم يراجعون كل المؤشرات..
الطبيب المسئول حين رأى عبدالله هتف بحزم: زين إنك هنا..
تعال قرب.. نبي نفوقه الحين.. ونبي نشوف لو هو بيعرفك..
لأن البوي اللي عنده يقول إنه عرفه وناداه باسمه.. بس أنا أقول يمكن إنه يتهيأ له..
ونبي نتاكد بنفسنا..
الطبيب أعطاه إبرة ثم بعد دقيقة هزه برفق..
حـــيــنــهـــا... فتح عبدالرحمن عينيه بصعوبة وعاود إغلاقها ثم فتحها بشكل جزئي..
عبدالله كاد قلبه يتوقف من الترقب فعلا.. لم يتوقع أنه سيرى عبدالرحمن يفتح عينيه مرة ثانية..رغم أمله الشاسع في ذلك..
ولكن الأمل شيء مختلف عما كان يشعر به وهو يرى الشهور المتطاولة التي غرق عبدالرحمن فيها في غيبوبة عميقة..
عبدالله اقترب من عبدالرحمن وهو يربت على كتفه بحنان ويهتف بصوت هادئ عميق رغم اشتعاله بالترقب:
عبدالرحمن عارف أنا من؟؟
عبدالرحمن عاود إغلاق عينيه وفتحها ثم هتف بصوت مبحوح تماما ومقطع:
عـ ـبد الـ ـله .. ويــ ـن راح ابــ ــي؟؟
عبدالله حينها كاد يجن من السعادة وهو يقبل جبين عبدالرحمن ويرتعش:
الله أكبر.. الله أكبر..
ابيك قريب.. قريب.. راح قريب وبياتي الحين..
حينها هتف عبدالرحمن بذات الصوت المبحوح المتقطع:
ريــ ــقــ ـي نـ ــا شـ ــف..
عـ طنـ ـي مــ ـاي..
كان عبدالله سيتناول القنينة ليبلل شفتيه فقط لأنه يعلم خطر أن يسقيه بعد كل هذه الأشهر التي لم يستخدم فيها فمه لتناول شيء..
بعد أن كان يسكب الطعام السائل بأنبوب داخل حلقه مباشرة..
لكن الطبيب منعه وهو يهتف بحزم: خله حن بنعطيه.. انتظر شوي..
عبدالله حينها هتف للطبيب بحزم: أنا بأروح شوي وبأرجع..
كان يريد أن يكون من يبلغ جوزا ووالدتها بنفسه.. لم يردهم أن يسمعوا الخبر من سواه فيفجعوا به
أراد أن يكون من يهيئهم له..
واتصل وهو خارج بصالح وفهد ليكون أحدهما مع عبدالرحمن والآخر مع أبي عبدالرحمن حتى يعود..
خرج وهو يشعر كما لو أنه يحلم..
أ يعقل عبدالرحمن يصحو بعد كل هذا!!
أ يعقل؟؟
يا سبحان الله ما أكبر رحمته!!
الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر...
***********************************
كانت منهارة تماما وهي تسند رأسها لطرف كتف عبدالله وتنتحب بخفوت
بينما عبدالله يكتف يديه في حضنه.. رغم أنه يتمزق.. وكل رغبته أن ياخذها في حضنه ليهدئ بكاءها العميق منذ علمت بصحوة عبدالرحمن..
ولكنه بالطبع لا يستطيع فعلها في وجود أم عبدالرحمن وشعاع اللتين تحيطان بسرير عبدالرحمن..
بعد أن عادتا من غرفة أبي عبدالرحمن الذي نُقل لغرفة عادية قريبة من غرفة عبدالرحمن بعد أن فاق من أثر الأزمة الخفيفة..
أم عبدالرحمن التفتت بيأس لعبدالله وهي تهمس بنزف روحها الثكلى:
عبدالله يأمك أنت متأكد إنه قام..؟؟
عبدالله بابتسامة حانية مثقلة بالشجن: والله يمه إنه قام وعرفني.. انتظري عليه شوي
يعني صبرتي يمه ذا الشهور كلها.. اصبري شوي بعد..
أم عبدالرحمن همست بأنين وجعها العميق: مل الصبر مني ومليته يأمك..
لم تمضِ دقائق حتى فوجئ الجميع بدخول أبو عبدالرحمن على كرسي مدولب تتبعه ممرضة بالمحلول المعلق في يده ويدفعه أمجد..
شعاع كانت أول من بادرت وهي تنكب على قدمي أبي عبدالرحمن وتدفن وجهها في حضنه وتنتحب نحيبا مكتوما..
أبو عبدالرحمن هتف بتثاقل مرهق وهو يربت على رأسها:
أخيش قام يا شعيع.. قام..
دعاني اليوم.. قام..
جوزاء نهضت لتقبل رأس والدها وهي تهمس بين شهقاتها:
سلامات يبه.. خطاك الشر فديتك...والحمدلله على سلامة عبدالرحمن..
الممرضة بقلق همست: أديك شفتهم ياعمنا الحج..
خليني أرجعك..
همس أبو عبدالرحمن بذات تثاقله الحازم: والله ماعاد أروح مكان..
تبوني.. هذا أنا هنا..
الممرضة بجزع: ماينفعش ياعم الحج..
عبدالله أشار لها بثقة: خلاص روحي أنا بأكلم الدكتور بنفسي..
الممرضة خرجت حينها.. وأمجد يتبعها..
حينها أبو عبدالرحمن هتف بلهفة: حكاكم؟؟
همست أم عبدالرحمن بألم عميق ممزق: لا.. صار لنا عنده ساعتين وهو ماحتى بطل عينه..
عبدالله هتف بمودة: يمه كلميه.. ادعيه..
من يوم جيتي وأنتي واقفة فوق رأسه وساكتة..
أم عبدالرحمن تشعر أن ريقها جاف تماما.. لم تجرؤ حتى تناديه.. فروحها تحلق في سعادة مبتورة منذ علمت أنه فتح عينيه..
تخشى أن تناديه.. فلا يرد عليها.. حينها لن تحتمل.. لن تحتمل أبدا..
تخشى ألا يكون هذا سوى حلم عذب وآن لها أن تصحو منه حتى تعود لأيام حرقتها الطويلة التي لا تنتهي..
شعاع ربتت على كتف إمها وهمست بصوت خافت مبحوح من البكاء:
يمه تكفين كلميه.. ادعيه..
أم عبدالرحمن اقتربت وهي تشعر أن كل مافيها يذوي.. صوتها.. جسدها.. أعصابها..
رفعت طرف برقعها من الأسفل بشكل جانبي.. لتقبل جبينه بشفتيها المرتعشتين وتطيل في معانقة جبينه وهي تتنفس عبق رائحته من قرب..
رغم أنها تقبله كل يوم ولكن اليوم مختلف.. مختلف.. ثم اقتربت من أذنه وهي تهمس بخفوت مرتعش متألم..
تناديه كما لو كانت تناديه من أقصى مكان في روحها المثقلة:
عبدالرحمن يأمك.. طالبتك ترد علي..
يأمك نشفت عروق قلبي وأنا أتنى كلمة يمه منك..
يأمك قوم.. وقل لي يمه.. عبدالرحمن.. عبدالرحمن..
حينها ارتعشت أجفانه.. شعاع هزت أمها وهي تعتصر عضدها وتهمس بصوت مبحوح تماما: يمه بيفتح عيونه.. بيفتح عيونه..
الجميع أحاطوا بسريره.. وأم عبدالرحمن بالكاد تصلب جسدها وتبدو ستتهاوى...
ابنتاها لاحظتا ذلك.. فاحاطتا بها من الناحيتين وهما تمسكان بها.. والجميع يشتركون في لحظات الترقب القاتلة..
عبدالله حينها خرج.. ليشد الستارة عليهم ويغلق الباب..
فهذه لحظة خاصة بهم يجب ألا يكدر صفوهم فيها أحد...
حينها شعاع وجوزاء كل واحدة منهما شدت نقابها عن وجهها وكأنها تريد أن يفتح عبدالرحمن عينيه على وجوهم كلهم..
بينما أبو عبدالرحمن يجلس على مقعده من الناحية الأخرى من السرير.. وقلبه يكاد يتوقف من الترقب بتزايد دقاته التي أرهقت قلبه الضعيف..
مع أنه هذه المرة استعد لصحوته..
استعد تماما...
ولم يخيب أمل عبدالرحمن أملهم جميعا وهو يفتح عينيه بصعوبة..
وعيناه تبحثان بوجع عن وجهها الحاني بعد أن سمع صوتها تناديه..
تلفت حتى رأى عينيها مغرقتين بسيل الدموع تطلان عبر فتحتي برقعها..
همس بصوته المبحوح المتقطع وهو يقطب جبينه بألم:
يـ ـمه.. أبـ ـي أشـ ـوف وجـ ـهـ ـش تـ ـكـ ـفـ ـين!!
حينها انفجرت كل من شعاع وجوزاء في البكاء بصوت مسموع مثقل بالشهقات السعيدة الشفافة..
بينما أبو عبدالرحمن سالت دموعه بصمت وهو ينظر للمنظر أمامه عاجز عن التدخل فيه حتى..
أم عبدالرحمن رفعت برقعها فوق رأسها وهي تنكب عليه تقبل كل ماتقع عليه شفتيها دون تمييز وهي تشهق..وتشهق..
شهيقها مثقل بالأنين والوجع والسعادة وهي تهذي بكلمات غير معروفة..
عبدالرحمن حاول مد يده الحرة ليحتضن رأسها..
لكنه شعر بخدر في يده عدا أن جوزاء وشعاع كل واحدة انكبت تقبل ناحية من يده..
إحداهما عضده والأخرى كفه..
هتف بثقل متقطع وحزن عميق يرتسم على ملامحه: بـ ـس تـكـ ـفون.. أنـ ـا طيـ ـب..
ثم أردف بثقل أشد وهو يحاول بلع ريقه دون فائدة لشدة جفاف حنجرته:
إبـ ـي ويـ نـه؟؟
حينها هتف والده بصوت مختنق تماما: هنا يأبيك..هنا جعلني فداك!!
عبدالرحمن صوته بالكاد يظهر بعد أن استنفذ قدرته: وينـ ـك ما أشـ ـوفك؟؟
فاضل حاول أن يقف ولكنه لم يستطع.. فشد كف عبدالرحمن وقبلها وهو يغرقها بدموعه المنهمرة..
عبدالرحمن شدها بجزع رغم خدر أطرافه وهو يهتف بجزع بصوته الذاهب:
لا يبـ ـه طت ـالبك تـ ـكفى مـ ـاتحب يـ ـدي
أنا اللي أبـ ـي أحـ ـب رأسـ ـك ويـ ـدك..
أم عبدالرحمن انهارت تماما على مقعدها جواره..
بينما جوزا وشعاع كلتاهما انزوتا في الزاوية وكل منهما تحتضن الأخرى وتنتحب..!!
كل هذا كثير.. كثير..
ما أكبر نعمتك يارب العالمين..
وهم يشعرون بالفعل بهذه النعمة تحيط بهم في هذه اللحظات..
وتحلق بهم في سماوات يستحيل أن تكون تنتمي للأرض لشدة ماعمرت قلوبهم السعادة المضنية التي كادت تمزق شراييتهم بتدفقها!!
سعادة كأنها لم تخلق على الأرض قبل ذلك..
ولم تعرفها قلوب البشر من قبل!!
******************************************
" فهيدان.. أنت ماعندك اليوم أوف؟؟
وش مقحصك من صباح الله خير؟؟"
فهد ينظر لعالية التي كانت وقفت حين رأته دخل.. لأنه كان يريد الصعود لينام من شدة إرهاقه.. ولم ينتبه لها..
فهد يتوقف عند أول الدرج ويهمس بإرهاق: تعبان حدي علوي!!
مارقدت حتى ساعة.. مهوب رجالش أول.. وعقبه أنتي تكملين علي...
حينها همست عالية باختناق حقيقي وجزع تخلل روحها حتى أقصاها:
رجّالي.. وش فيه عبدالرحمن؟؟ وش فيه؟؟
أجابها فهد ببساطة باسمة وهو يصعد: ليه أنتي مادريتي إنه قرر يرجع لعالم الأحياء..
أنا منه وأنا داري إني بأرجع لش.. كان قلت الغيبوبة أحسن!!
عالية انهارت جالسة.. بل وصف الانهيار لا يتناسب مطلقا مع حالة الانهدام الكلي الذي شعرت به...
أ هكذا يصحو عبدالرحمن من الغيبوبة دون أن يكلف أحدا نفسه بإخبارها وكأنها مخلوق لا أهمية له في حياته؟؟
أ هكذا يعود للحياة وتعلم هي بالصدفة؟؟
أ تكون تعاني في كل دقيقة من غيابه ولا تكون أول من يعلم بعودته من الغياب؟؟
أي جريمة هذه التي ارتكبوها بحقها؟؟
أي قلوب هذه التي لم تحس بها وبلهفتها عليه وبوجيعتها في كل لحظة من أجله؟؟
كانت اليوم معه في نفس المكان.. فكيف لم تشعر أن الأرض أزهرت..والسماء أشرقت.. والعصافير حلقت بعد الغياب...
دون أن تشعر التقطت هاتفها وهي تتصل بالسائق أن يحضر.. وصرخت بالخادمة أن تحضر عباءتها من غرفة الكوي وتستعد لمرافقتها..
ولكنها بعد ثوان انهارت جالسة وهي تعاود الاتصال بالسائق وتطلب منه إعادة السيارة لمكانها..
وتطلب من الخادمة أن تعود بالعباءة والشيلة والنقاب لمكانها..
ثم صعدت لغرفتها.. وأغلقت بابها..
وانخرطت في بكاء حاد... منذ زمن طويل لم تبكِ هكذا..
بكت من أعمق أعمق أعمق نقطة في روحها..
تكاد تموت لتراه.. لا تتخيل أن ستراه أخيرا بعيون مفتوحة وستسمع صوته..
ولكنها أيضا تعلم أن هذا يستحيل أن يحدث..
الظروف والعادات والتقاليد والخجل كلها تقف حواجز في طريق رؤيتها له..
أما الغريب أنها غرقت حتى مافوق أذنيها في غرامه وهو نائم..مغلق العينين.. تشعر بالحرية وهي تثرثر فوق رأسه..
لا تستطيع أن تتخيل كيف ستنظر لعينيه وهما تنظران لها بشكل مباشر..
كيف ستحادثه وهي تعلم أنه قد يرد عليها..
كيف ستعود لتشعر معه بذات الحرية والإنطلاق..
أي غرابة تعيشها؟؟ وأي غرابة هذه اللي تسيطر على أفكارها؟؟
" أنتي الحين يا الخبلة لش أمل تشوفينه مبطل عيونه وإلا مسكرها؟؟
ابكي على الأطلال بس!!"
*************************************
" كلمت عمك تهنيه سلامة عبدالرحمن؟؟"
علي يضع كتاب كان في يده ويعتدل جالسا وهو يهمس بإرهاق:
كلمته.. وكان ودي أجيهم بنفسي.. بس اليوم تعبان حتى الدوام ماقدرت أروح..
زايد بقلق: مهوب عوايدك يأبيك تقعد من دوامك.. وش أنت حاس فيه!!
علي بمودته الصافية: شوي إرهاق بس جعلني فداك..
علي لا يريد اخبار والده أنه بالأمس سقط مغشيا عليه في استقبال رسمي لوفد أجنبي..
ولكن لحسن حظه أنه كان يقف في زاوية.. وزميله رآه وهو يترنح فسحبه للداخل قبل أن يسقط.. وقبل أن ينتبه له أحد..
يتخيل منظره لو أنه سقط وهو يصافح الوفد...
رغم حبه الشديد عمله في المقام الاول.. ومن ثم رغبته في عدم أخذ إجازة حتى يجد شيء يشغله..
لكنه قرر ختاما أن يأخذ إجازة طويلة حتى يرى على ماذا سيستقر حاله..
فهو لا يستطيع أن يكون في هذا المنظر غير اللائق بوظيفته ولا مهنيته..
وخصوصا أن إجهاده بدأ يؤثر على عمله!!
زايد يجلس بجوار علي السرير وهو يهتف بقلق: اشرايك يا أبيك نسافر مكان يسوون لك فحوصات؟؟
وإلا خلنا مبدئيا ندخلك المستشفى هنا..
علي بمودة مخلوطة بالاحترام: مافيني شيء جعلني فداك يستلزم فحوصات..
بأريح كم يوم وأصير زين إن شاء الله..
زايد يرفع الكتاب الذي كان يقرأ فيه علي ويهتف بشجن موجوع:
وش تبي بذا الكتاب اللي منه فايدة تقراه..؟؟
علي ابتسم: يبه قد شفتني أقراه قبل أكثر من مرة.. وعمرك ماقلت مامنه فايدة..
وإلا عشانك خايف إنه يذكرني بحالي...؟؟
هتف زايد بشجن عميق: الله يرحمه كان رجّال(ن) نادر.. بس ذاك زمن وذا زمن.. يأبيك..
احتضن علي ديوان "محمد الفيحاني" بين يديه وهتف بعمق: يبه مهوب من بعد وقته من وقتنا..
من قبل.. على كثر ما أنا تأثرت من قصته.. بس ماحسيت فيه إلا الحين..
تدري يبه يقولون إن الفيحاني يوم مات يمكن عمره قريب من عمري.. ما بيننا إلا سنة..
زايد بجزع مغلف بحزمه: أمحق طاري.. أنت رجال متعلم وراعي دين وش ذا الخرابيط..
ابتسم علي بشجن: يبه الله يهداك؟؟ هذي سالفة والكلام أخذ وعطا..
ثم أردف بشجن عميق مثقل بالتأثر: وإذا على التعليم والدين وحتى الفلوس والمكانة.. ربي عطا الفيحاني منها كلها من أوسع باب..
تعلم خير تعليم ..
والفلوس كان ربي منعم على هله بخير واجد..
والدين كان متدين لدرجة إنه كان إمام مسجد لفترة.. وهو توه في أول العشرين..
ويقولون بعض الناس إنه حصل منصب قائم مقام من الدولة العثمانية وشارك في الحرب ضد الاستعمار الانجليزي..
وفي الأخير وش اللي قلب حياته وذبحه...؟؟
حبها يبه.. حبها !!
ورغم أن علي لم يكن يريد إثارة شجن والده أو مواجعه أو وخوفه.. ولكنه كان محتاج للبوح والانثيال:
تدري يبه من كثر ماصرت حاس بوجيعته.. رحت لـ(فويرط) الأيام اللي فاتت كم مرة..
أدور هناك كني خبل.. ما أدري وش أدور؟؟ ريحته.. باقي ذكرياته... خطواته على الأرض؟؟
وأقول على الأقل الفيحاني مات وهو يدعي (مي) عارفها.. وعارف مكانها..
لكن أنا بأموت والله العظيم حاس أني بأموت.. وحتى اسم أبل فيه ريقي ماعرفته!!
زايد لشدة وجعه ماعاد حتى قادرا على الاعتراض..
يعلم أن صغيره موجوع.. فهل يمنعه من البوح ببعض كلمات يفرج فيها عن همه؟!!
حتى لو كانت كلمات ابنه أشبه برماح مسنونة تنغرز في روحه التي أثقلتها وجيعة هذا الشاب..
علي أكمل وصوته بدأ بالارتعاش والشديد وهو ينظر لشيء غير مرئي وكأنه يحادث روحه
وحالة (الفيحاني) تتلبس روحه بوجعها.. وكأنه بالحديث عن وجع غيره قد تخف عليه وجيعته:
تقول لي يبه روح المستشفى.. والمستشفى وش سوى بالفيحاني؟؟
مات على سرير المستشفى عمره 28 سنة أو في أول الثلاثين ومن غير مرض..
ماحد درى وش علته؟؟ والدكتور نفسه قال لأخيه: أخيك مابقى شيء في جسمه سليم.. وهو مافيه مرض معروف..
ما كان فيه غير العشق..
يا الله يبه...مابرى حاله غير (مي) اللي كوت جوفه يوم صارت لغيره..
ثم زاد ارتعاش صوته ليختلط بالقهر وأبشع اهتزازات الألم والفجيعة:
تدري يبه.. لا تخيلت إنه فيه رجّال غيري.. بيمد يده ويلمس طرف شعرها..
أحس أني أحترق أحترق لدرجة أني أشم ريحة كبدي تحترق صدق..
فاشلون وأنا عارف إنه لمس أكثر من شعرها.. أشلون؟؟
أشلون؟؟ الحقير لمس أكثر من شعرها.. وهي لي أنا.. لي أنا.. الحقير..
الـــحـــقــــير.. الخــــسيــس... الـــنــذل!!
علي تزايد ارتعاشه بشكل هستيري... وهذيانه.. وهو يصرخ بغضب ويسب هذا الحقير الذي تجرأ على لمسها..
كتم في روحه طويلا.. وماعاد قادرا على الكتمان...
ماعاد قادرا على الكتمان وهو يحترق من كل شيء.. يحترق بمعنى الكلمة.. من العشق واللوعة والغيرة..
زايد ارتاع وهو يقفز ويكتف علي ويشده على السرير.. لأنه أطول منه ولن يصل إلى كتفيه إلا بهذه الطريقة..
ضمه لصدره بقوة وهو يسمي عليه.. وعلي يحاول التفلت وهو يصرخ بقهر وغضب غامرين..
ولكن زايد بنيته كانت أقوى بكثير .. عدا أن عليا كان منهارا من الإرهاق..
لذا انهار فعلا على صدر والده وهو يرتعش بعنف حاد كالمحموم..
زايد هتف بحنان مخلوط بالأسى والحزن والقهر : أفا عليك يأبيك..
عمري ماشفتك كذا.. تسوي في روحك كذ عشان وحدة يمكنها ماتسوى مواطي أرجيلك في التراب..
علي تتناثر كلماته بين ارتعاشات صوته وجسده وكلاهما بلغ مداه في الارتعاش:
يبه مـقـهـور.. مـقـهـور.. وقهر الرياجيل شين..
مقهور ويدي مربوطة...
يبه ما أتخيلها لغيري.. بس هي اللي لغيري.. لغيري..
كل ماتخيلت بس وش اللي ممكن يصير بينها وبينه.. يصير ودي أموت.. أموت..
والله العظيم الموت أحسن من حياة الابتلاء اللي أنا عايشها..
تدري يبه يمكن لو ماعاد شفتها ولا دريت إنها متزوجة كان أهون علي..
يمكن كان قعد في قلبي أمل أني بأشوفها.. أو إنها بتكون لي حتى لو كان هذا كذب على روحي..
لكن الحين حتى الأمل حرام علي.. ومالي إلا حرقة جوفي..
اللهم أني استغفرك وأتوب إليك..
يا الله هونها من عندك.. ماعاد فيني صبر ولا حيل ولا روح..
زايد ماعاد حتى يستطيع أن يتكلم..
فهو مــخـتـنــق من حالة هذا الفتى.. مـــخــتــنـــق..
حينما رأى تدهور حالة علي كان مصرا أن يعرف أي شيء عمن يحبها ابنه..
فهو لن يترك الولد يضيع من بين يديه...
ولكن علي صدمه أنها سيدة متزوجة.. شعر بالصدمة والقهر والحزن؟؟
ألم يكفي أنه هو عانى هذه المعاناة ومزنة تصبح أمامه لرجلين ليس لواحد فقط؟؟
يعلم تماما كم أن هذا الألم جارح ومؤذي وينحر الروح!!
فلماذا يُكتب على ابنه هذا المصير؟؟ لماذا؟؟
"اللهم لا اعتراض على حكمك
أنا تحملت كل ذلك كما تحملت سواه..
ولكن هو لا.. لا..
اللهم ارفع هذا البلاء عنه..
اللهم ارفع هذا البلاء عنه..
اللهم ارفع هذا البلاء عنه..
الولد يذوي أمامي وليس بيدي شيء..
سأفقده يارب.. سأفقده..
لو حدث لعلي شيء فلن أستطيع أن أحيا بعده..
رحماك يا ربي.. رحماك !!"
****************************************
" يـ ـبه.. جـ ـدي جـ ـابر أشـ ـلونه؟؟"
كانت هذه أول جملة نطقها بعد صحوه من نومة طويلة..
أبو عبدالرحمن تلجلج في الرد.. وهو يتعكز على عصاه ويحاول الوقوف حتى يرى وجه عبدالرحمن..
كان يخشى أن يجر سؤاله عن الجد جابر.. سؤال آخر يخشاه كالموت..
الجميع يتشاركون رعبا قاتلا حين يعلم عبدالرحمن بوفاة مهاب..
عبدالرحمن أعاد السؤال بصعوبة.. أبو عبدالرحمن أجاب بصوت مبحوح:
زين يا أبيك وطيب ومافيه إلا العافية..
عبدالرحمن أسبل عينيه وهو يهمس باختناق صوته الذابل:
الحمدلله.. كفـ ـاية وجـ ـيعة عـ ـمود البـ ـيت اللـ ـي راح على بيت خـ ـالي.. ولو أن فجـ ـيعته ماتنـ ـسيها الأيام..
أبو عبدالرحمن بهت تماما.. كيف علم؟؟ من أخبره؟؟
عبدالرحمن أكمل بصوت أكثر ذبولا: يبه طالـ ـبك..
أول مكـ ـان أبـ ـي أروح له لا طلـ ـعت من هنا.. قبـ ـر الغـ ـالي...
أسلـ ـم عليه وأصـ ـب علـ ـيه ماء..
جعل قـ ـبره برايـ ـد عليـ ـه أبو فيـ ـصل..
ما أشين حـ ـرة فـ ـرقاه...
*******************************************
هذه الليلة استغربت أنه لم يمر بها..
ليست عادته.. ربما لم يعد بعد !!
توجهت لغرفته.. ولم تجده..
حينها اتصلت به.. رن طويلا قبل أن يرد.. أخبرها أنه يستحم في بركة السباحة..
مزون نظرت باستغراب للساعة.. كانت الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل..
توجهت لبركة السباحة المغلقة.. المتصلة بالصالة السفلية بممر طويل يربطها بها وفي ذات الوقت يفصلها عن باقي البيت..
كان يستحم فعلا.. وهو يعبر الحوض الطويل عودة وذهابا في لباس السباحة الكامل..
مزون جلست على طرف البركة ليتوقف عندها بينما همست هي بابتسامة:
حد يتسبح ذا الحزة..؟!
لا يعلم لماذا ابتسم ..وفي ذات الوقت شعر بشجن عميق.. ذات العبارة قالها لها قبل أيام..
وهو يراها كحورية خرجت لتوها من البحر بقطرات الماء التي كانت تترتاح على صفحة وجهها الشفاف وتأبى الإنزياح...
ابتسم: عادي.. اشتهيت اسبح.. وماكان عندي وقت إلا الحين.. اليوم كان عندي ضغط شغل..
مزون همست بحنان: زين تعشيت؟؟
أجابها بمودة: تعشيت جعلني ما أبكيش..
ثم أردف باهتمام: علي تعشى؟؟
حينها همست مزون بحزن: بالزور كل له لقمتين وشرب شوي عصير عقب محايل.. بس ماعليه المهم إنه اكل شيء..
ثم أردفت برجاء: تكفى كساب خله يوافق يسافر يسوي فحوص..؟؟
كساب تنهد: والله العظيم حاولت فيه بس مارضى.. يقول مافيني شي..
لا تحاتين يا بنت الحلال.. شوي ويتعدل وضعه..
مزون صمتت بينما كساب هتف حينها بتقصد: ووضعش وش صار عليه؟؟
عشر أيام ماكفتش تفكرين..
مزون همست بحزن: سامحيني كساب.. والله مع حالة علي ماني بقادرة أفكر بشيء..
كساب تظنها عين اللي في علي؟؟ أخاف إنها عين.. والعين حق..
هتف كساب بحنان وهو يستند بذراعيه على طرف الحوض:
ياقلبي يامزون علي طيب.. فكري بنفسش.. مايصير مالقيتي وقت للتفكير..
مزون بشفافية: والله العظيم حاولت أفكر.. ألاقي بالي يأخذني لعلي..
أحسها أنانية مني.. أفكر في نفسي وفي مستقبلي..وعلي كل يوم حالته في النازل..
كساب شد على كفها وهتف بحزم: يا بنت الحلال علي مافيه إلا العافية
لو درا أصلا بأفكارش صدقيني بيزعل..
كساب أنهى عبارته ثم اندفع عبر الحوض ليكمل قطعه..
مضى له أكثر من ساعة وهو يعبر هذا الحوض ذهابا وعودة..
وبقدر ما السباحة مُنهكة وتستنزف طاقة الجسد إلا أنه يشعر أن طاقات كثيرة في داخله عاجز عن تبديدها حتى يرتاح..
الغضب.. القهر.. والاشتياق.. والغضب حتى من هذا الاشتياق!!
***************************************
بعد أسبوع...
.
.
.
.
" يقولون أنه قد يخرج من المستشفى قريبا..
كيف يخرج وأنا مازلت لم أراه؟؟ كيف؟؟ "
كانت عالية تروح وتجيء في غرفتها بعصبية..
منذ علمت بإفاقته من الغيبوبة وهي تشعر أن حياتها انقلبت رأسا على عقب!!
تكاد لا تنام.. وعقلها مشتت من كثرة التفكير!!
تعرف أخباره بالتفصيل الممل من جوزاء..
تعرف أنه يتحسن بشكل كبير.. بعد أن قضى معظم اليومين الأولين نائما..
بدأ يصحو أكثر ويستعيد قدرته على الكلام أكثر وأكثر..حتى أنه خلال اليومين الأخيرين كان قد استعاد القدرة على الكلام كاملة تقريبا..
ويحرك أطرافه حتى لو كانت حركتها ثقيلة.. ولكن حركة يديه أصبحت أفضل بكثير.. فقط حركة قدميه مازالت تحتاج لمزيد من الوقت..
ووالده بدأ يصر على أخذه للبيت.. على أن يكثف له جلسات العلاج الطبيعي...
يفكرون في كل شيء عداها.. وهي أين هي من كل هذا؟؟
تعيش متقوقعة في عالم صقيعها البارد بعيدا عنه وهو لا يخطر بباله حتى أن يسأل عنها؟؟
" وهو وش عرفه عنش وعن خبالش يا البقرة؟؟
الرجال ماحتى يعرفش..!!
ما درا أنش خبلة طايحة غراميات مع واحد راقد مادرا عن هوى دارش!!
زين أدري.. أنا خبلة وستين خبلة..
بس بأموت أبي أشوفه الدب.. الزفت !!
بأموت ياربي..
خلاص مافيني صبر..
.
.
بأسويها!!
والله لا أسويها..
بكرة بأروح أشوفه.. وعليّ وعلى أعدائي!! "
************************************
كانت تجلس في الصالة العلوية..
أفكارها تذهب بها وتعود..
أسبوع كامل مر.. لم يزرها.. لم تراه.. لم تتنتفس عطر أنفاسه أو تشعر بدفء بيديه...
أ حقا تملل منها..؟؟ أم مست كلماتها الجارحة كرامته الغالية؟؟
التناقضات تأخذها للبعيد.. مشتاقة له حد السماء..حد الوجع.. حد الاستنزاف بلا قياس..
ولكنها لا تريد أن تراه.. فعلا لا تريد أن تراه!!
تشعر بضغط نفسي هائل لا تعلم حتى متى تستطيع احتماله..
ووالدتها لا ترحمها وهي تلح عليها بشكل دائم أن تفكر في العودة له..
تقول أي سحر مارسه كساب على والدتها حتى يجعلها في صفه هكذا!!
كأنها أمه لا أمها..!!
إذا كان يستطيع أن يكون لطيفا هكذا مع والدتها.. ألم يستطع أن يكون لطيفا معها أيضا..؟؟
لا تتخيل رؤية كساب وهو لطيف أو دمث الأخلاق معها!!
كانت هذه أفكارها حين دخلت عليها والدتها كأعصار وهي تلقي على المقعد حقيبة ظهر جيشية اللون يبدو ظاهرا من طرفها بعض الحبال..
ومعلق في جيوبها الكثيرة أشكال مختلفة من قطع حديد وأجهزة صغيرة جدا لم يسبق أن رأتها مطلقا في حياتها كلها..
مزنة صرخت فيها بحزم وبوادر الانفعال على وجهها:
اتصلي الحين في الشرطة.. وأنا بأتصل في تميم بسرعة..
تخيلي.. لقيت الشنطة هذي فوق السطح.. شكله حد ناوي يسرقنا..
كاسرة قفزت وهي تتناول هاتف والدتها من يدها وتمنعها من إرسال الرسالة التي كانت تطبعها.. وتهتف بنبرة تهدئة:
يمه اشرحي لي وش السالفة..
مزنة بغضب: طلعت أنا والخدامات أبي أنظف السطح..
شفت لي فأر يركض ودخل في زاوية مستحيل يخطر حتى في بال الجن إنه فيه شيء مدسوس فيها..
رحت أبي أشوف المكان يكفي أحط له سم..لقيت الشنطة هذي مدسوسة هناك..
كاسرة أرادت تحسس الحقيبة وهي تشعر بتوتر متزايد لأنها علمت لمن هذه الحقيبة..
لكن والدتها شدتها منها وهي تهتف بحزم: لا تلمسين شيء منها.. أنا شلتها من طرف العلاقة بس ..
عشان ما أخرب البصمات.. وعشان الشرطة يشيلون البصمات اللي عليها..
كاسرة حينها شدت نفسا عميقا وهتفت بحزم: يمه مافيه داعي للشرطة
الشنطة هذي لي...
مزنة نظرت لها بصدمة وهي مازالت غير مستوعبة: نعم؟؟
كاسرة بذات الحزم الواثق رغم أنها تعلم أن كذبتها الحمقاء الغبية لن تمر على والدتها..
ولكنها تمنت أن تسمح لها والدتها ان تمر بمزاجها: إيه حقتي!!
مرة تهورت وشريت ذا العدة.. وقلت بأجربها على السطح.. بس ماقدرت وخليتها هناك..
مزنة نظرت لها حينها نظرة مقصودة وكأنها ستحرقها بنظراتها..
بينما كاسرة أخفضت نظرها وهي تسب كساب في داخلها لأنه وضعها في هذا الموقف السخيف أمام والدتها..
والدتها ظلت تنظر لها ذات النظرات لدرجة أن كاسرة شعرت أن ريقها جاف..
شعرت كما لو كانت طفلة صغيرة أمسكتها والدتها بذنب عظيم..
مزنة تناولت هاتفها واتصلت برقم معين ثم هتفت بحزم بالغ صادر بنبرتها المقصودة تماما:
كساب لو سمحت أبيك تجيني الحين بدون تاخير...
......................................
هتفت بذات النبرة: أممممم ماتقدر الليلة...!!
زين بكرة أول ماتقدر لازم تجيني ضروري..ضروري!!
أنهت الاتصال الذي رفع ضغط كاسرة وتوترها للقمة.. لأنها علمت أن والدتها علمت لمن الحقيبة.. ويبدو أنها لن تترك الموضوع يمضي!!
ثم عاودت مزنة النظر لكاسرة بذات الطريقة الكاشفة اللاهبة المحرقة لأبعد حد.. وكأن نظراتها تخترق عمق روح كاسرة وتعريها...
وزادتها عليها أن همست بنبرتها المقصودة تماما وهي ترص على الأحرف رصا:
زين قومي شيلي شنطتش دسيها.. لا حد يشوفها..
ويمكن تجي فرصة أنا وإياش نجربها..
أنا باتمان وأنتي سوبرمان!!
*************************************
رغم أنها قررت الليلة أن تنام مبكرا إلا أنها لم تستطع.. وتفكيرها يأخذها إليه..
الليلة لم تره حتى..
يبدو أنه قرر أن ينام دون أن يعود لغرفته حتى!!
ماهذه الحياة الغريبة التي يعيشونها؟؟ تعلم أن احدهما لابد لن يحتمل وسيحدث الانفجار.. وهذا ما لا تريده..
فهي تريد أن تستمر حياتها مع تميم فعلا..
لكن إن كان مازال بأعماقها شيء من حزن شفاف لم تستطع تجاوزه.. فكيف الحل؟؟
تشعر أن هناك حلا مازالت لم تتوصل له..
ماهو؟؟ ماهو؟؟ ماهو؟؟
لتقفز الفكرة إلى بالها ببساطة...
تميم قام بما عليه.. خطا خطوة كبيرة من ناحيته لكسر حاجز الجمود بينهما..
ونجح في جعلها تتجاوب معه بلغة الإشارة رغم أنها قضت ستة أشهر رافضة لهذا الأمر..
إذن الخطوة القادمة لابد أن تكون منها..
لعبة هواة لطيفة.. تماما كما هي.. فهي لن تلبس ثوبا ليس ثوبها..
فربما كانت مشكلتها مع تميم أنهما أرادا حل المشكلة من قمتها.. وهذا لن ينجح أبدا.. فلابد من تفكيك تعقيدات السفح قبل الوصول للقمة..
فكيف يتواصلان على هذا النحو الخاص والحميم قبل أن يبدأ في التواصل الإنساني البسيط؟؟
سميرة شعرت بحزن أكثر شفافية أنها وتميم نادرا ما تبادلا حوارا خاصا.. لا تعرف شيئا من طفولته على لسانه.. وهو كذلك..
لا تعلم همومه أو ما يؤرقه.. فتواصلها معه كان دائما في القشور ولم يصل للب..
وهذه هي مهمتها هي...
إن كان هو نجح في جعلها تحاوره بالإشارة فهي يجب أن تستخدم هذه اللغة لتتحاور مع روحه.. لتتقرب من خفاياه..
وهو كذلك.. فهي لا مانع لديها من الثرثرة حتى لو بغير لسانها..
ولكن كيف تقوم بذلك وهو يتجاهلها هكذا؟؟
إذن الخطوة الأولى يجب أن تكون إحضاره إلى هنا... فورا.. وبدون تأخير..
ولكن على طريقتها...
سميرة قفزت.. خلعت بيجامتها القطنية ... وارتدت بيجامة حريرية لم ترتدها أبدا من قبل..
بيجامة أنثوية فعلا برقيها الفخم ولونها الذهبي الراقي وقصتها الانيقة..
ثم أطلقت شعرها الذهبي من إساره ونثرته على كتفيها..
وضعت زينة خفيفة غير لافتة أبدا.. قليلا من الماسكرا.. وأحمر شفاه مطفي بلون خفيف..
نظرت لنفسها في المرآة وابتسمت: كذا شكل الهواة الحلوين..
خل لعب المحترفين لأمي مزنة.. من يقدر عليه منها؟؟.. على زينها وتلعب باحتراف زيدان..!!
ما ألومهم رياجيلها الأثنين انجلطوا.. ودّعوا ما أستحملوا..!!
خلني أنا في دوري الأشبال..
ثم جلست على منتصف سريرها وهي تضم ركبتيها لصدرها وتمسك بهاتفها
وتطبع رسالة لتميم وهي تستعد لرسم علائم الخوف على وجهها :
" تميم الحقني..
أنا سامعة صوت يخوف في الغرفة
والبنات وأمي مزنة ناموا "
#أنفاس_قطر#
رواية بين الامس و اليوم الفصل الخامس والستون 65 - بقلم HaboOoshy
كما توقعت تماما..
وصلها خلال دقائق..
حتى لو كان نائما فهي تعلم أنه سيقوم من نومه..
لأنها تعلم أنه حين ينام يرتدي خاتما لا سلكيا يرتبط بهاتفه الخاص بأهله.. حين يرن الهاتف أو تصله رسالة يهتز في يده..
فتح الباب باستعجال..
وهو (بفنيلته وسرواله) دون أن يلبس ثوبه حتى.. من شدة استعجاله..
وهو ينظر حوله باحثا عنها.. ليراها تقبع على منتصف السرير وعلى وجهها علائم الخوف المتقن..
أما هي حين رأته قفزت من السرير لتقف جواره..
أشار لها بأنفاس مقطوعة: وش فيش؟؟
أشارت له بخوف وهي ترسم ملامح التأثر على وجهها وتمنت لو تستطيع نثر دمعتين أيضا..
ولكنها ليست من النوع الذي يستطيع جلب دموعه كيف يشاء ..لذا اكتفت بالإشارة: يمه تميم.. فيه صوت يخوف؟؟
أشار لها بحزم: زين أنتي اقعدي هنا.. بأطلع أشوف برا فيه شيء...
سميرة شدته من ذراعه لتمنعه ثم أفلتته لتشير بذات الخوف: أقول لك الصوت هنا في الغرفة.. مهوب برا..
ثم اردفت بإشارة جزعة: يمه يمه.. الحين أسمعه.. اسمعه.. لا تخليني تكفى..
ثم التصقت به وهي تحتضن ذراعه وتخفي وجهها في عضده
وهي معتمدة تماما أنه لن يستطيع تكذيبها مادام لا يستطيع أن يسمع الصوت الذي سمعته..
تميم شعر أن جسده كله تكهرب حين التصقت به هكذا.. لأول مرة تكون قريبة هكذا...
" يا الله الصبر من عندك!!"
بينما هي شعرت أنها ستنهار وهي لأول مرة تشم عطره من هذا القرب الحميم.. تمنت أن تتراجع.. لكن آوان التراجع فات..
ولا بد أن تكمل مخططها للنهاية..
تميم خلصها منه برقة حتى يشير لها بثقة رغم أنه تمنى لو تبقى هكذا حتى آخر يوم في عمره:
زين هديني خليني أدور.. يمكن فار؟؟
سميرة أفلتته وهي تعود لمكانها وتجلس على طرف السرير... تميم بحث في أطراف الغرفة ولم يجد شيئا..
أشار لها بهدوء: مافيه شيء.. بكرة حطي سم فيران وصمغ.. لو فيه شيء بيطيح فيه.. والفار ماظنتي يخوف..
أكمل إشارته وهو ينظر لها بعد أن فتح الباب ليخرج..
سميرة قفزت بجزع:
بتروح وتخليني؟!! تكفى نام عندي.. أنا خايفة !!
تميم تنهد بعمق " يا الله صبرني ألف مرة!!"
وهو يغلق الباب ثم يستدير عائدا.. حتى منى هو أيضا سيبقى ينام في مكان غير غرفته..
حتى متى هذا الهرب؟؟؟ لابد أن يتوقف في يوم !!
توجه لأريكته وهو يشير لها بسكون: خلاص بأنام هنا.. تصبحين على خير..
أشارت له بجزع مدروس: لا تعال نام جنبي.. أو أنا بقعد على الكرسي جنبك..
تميم نظر لها بصدمة حقيقية.. بينما سميرة كانت تخشى أن تبدأ أسنانها بالاصطكاك لشدة توترها مما تفعله..
وقف تميم لثوان حائرا..
لا يليق أن يتركها جالسة على مقعد جواره.. بينما هو نائم على الأريكة..
ونومه معها في مكان واحد لا يستطيع احتماله... فماذا يفعل؟؟
لم يرد أن يبدو بمظهر الجبان الذي يخشى قربها.. أو ربما يخشى عليها هي من نفسه..
ولكن لا مفر من نومه معها..
ولكن هل يعقل أنها خائفة لهذه الدرجة التي توافق أن ينام جوارها وهي من كانت ترتعش من مجرد اقترابه منها..؟؟
حين رأته اقترب فعلا.. أشارت له بجزع حقيقي هذه المرة:
تنام على الطرف..وماتقرب مني..
حينها أشار لها بغضب عاتب: دام بتتشرطين من أولها.. كل واحد ينام في مكانه أحسن..
عادت للتراجع بخجل وهي تستخدم سلاح الرقة هذه المرة: تكفى تميم لا تخليني أترجاك..
أقول لك خايفة.. تبي تخليني؟؟
تميم اندس في الفراش على الطرف تماما وهو يتنهد تنهيدة بحجم الكون " يا الله صبرني للمرة المليون!!" ..
لا يعرف حتى ملمس هذا الفراش أساسا...ولا رائحته.. التي بدت عطرة جدا وناعمة كنعومة صاحبته تماما..
" إيه الأخت بروحها تنام مرتاحة هنا
وأنا تكسرت جنوبي من الكنبة!!"
تميم أولاها ظهره لم يكن يريد أن ينظر ناحيتها فالضغط النفسي الذي يشعر به كبير جدا..
ولكنه فوجيء بطرف أنامله ينقر كتفه..
استدار لها مستفهما.. بينما عادت هي إلى أقصى الطرف الآخر..
ثم أشارت له برجاء عذب: تميم تكفى مافيني نوم.. سولف معي شوي!!
اعتدل جالسا وهو يشير باستغراب: وش أسولف لش يعني؟؟
حينها تربعت جالسة ولكنها تذكرت أنها لابد أن تكون رقيقة وأنثوية لأقصى حد.. والتربع لا يتناسب مع هذه الصورة!!
لذا ضمت ساقيها لتجلس بشكل جانبي وهي تشير بحماس رقيق:
أي شيء تبيه.. قل يوم دخلت صف أول وش سويت..
أو أنا بأقول لك.. وأنت قول لي عقب..
***************************************
" ماقلت لي عمتك يوم اتصلت فيك قبل المغرب وش كانت تبي؟؟"
كساب يعدل المخدة وراء ظهره وهو يجلس على المقعد الطويل الخاص بالمرافق..
ويجيب علي بهدوء: ما أدري تقول تبيني ضروري..
علي بمودة باسمة: كان رحت لها.. يمكن كانت تبي تعطيك مرتك في يدك..
ضحك كساب: لا ماظنتي.. عمتي ماتسويها.. ومرتي مستحيل تنجر
ولو حتى جروها بدبابة تي-ناينتي الروسية ، و دبابة أبرامز- إم- ون الأمريكية.. الثنتين سوا..
حينها هتف علي بجدية: لا صدق كان رحت.. أكيد عمتك ماراح تقول تبيك ضروري إلا لو فيه شيء ضروري..
كساب يهتف بحزم وود غريبين: أنت أبدى من خلق الله..
ما أقدر أخليك وحن تونا داخلين المستشفى.. بكرة لا جاء إبي.. رحت لها..
الدنيا مهيب طايرة..
علي بشجن وحزن عميقين: ماكنت أبي أدخل المستشفى..
بس عاد طيحة في المسجد وأنا في الصلاة قدام خلق الله.. هذي اللي مالها دوا والله...
يا فشلتي وقصارانا كلهم متشاقليني للمستشفى.. (قصارانا=جيراننا.. متشاقليني=شايليني)
وعشر سيارات تتبعنا...
كساب ابتسم: أنت عاد مالقيت تطيح إلا في صلاة الظهر وأنا وإبي كل واحد منا في شغله...
علي أسند رأسه للخلف وهو يغلق عينيه ويهتف بعمق:
تعبت يا كسّاب تعبت.. الحين ذا العذاب بيظل مكتوب علي لين آخر يوم في عمري..
كساب أجابه ببساطة: مشكلتك علي ماخذ الموضوع بجدية..
يعني لا أنت أول ولا آخر واحد يحب له وحدة.. ويتزوج وحدة ثانية...
صدقني إذا تزوجت.. ولهيت في بيتك وعيالك ما أقول لك إنك بتنسى لكن بتنشغل..
علي تنهد بذات العمق: ماظنتي.. وما أقول إلا الله يعين بنت فاضل على مابلاها!!
*************************************
هزت طرف كتفه برفق..
حينما فتح عينيه بإرهاق.. كانت تقف فوق رأسه..
أشارت له بإرهاق شديد: تميم قوم الشغل..
أشار لها وهو يغلق عينيه: ماني برايح الحين.. ما ني بقادر أقوم.. مانمت حتى ساعة.. بأروح الساعة 10..
أنتي الحين سهرتيني بهذرتش لين صلينا الفجر.. وعقبه تقوميني الساعة 6..
مافيني حيل حتى أسوق..
ماعليه خلي أمي والسواق يودونش أنتي ووضحى..
سميرة حينها عادت وهي لا تكاد ترى من النعاس لتندس بجواره.. وهي ترسل لوضحى رسالة أنها هي وتميم لن يذهبا اليوم..
******************************
" حبيبتي عفرا أنتي الحين ليه زعلانة؟؟"
عفراء بغضب فعلي مغلف بطريقتها المهذبة الراقية في الحديث ومثقل بكثير من الحزن والعتب:
يعني ولدي من أمس الظهر وهو في المستشفى وتوك تقول لي الحين..
أنا قلبي ناغزني عليه من يوم شفته قلت جياته عندي الأيام الأخيرة..
وكل ماكلمته يلعب علي ويقول أنا طيب..
وأنت بعد تلعب علي إذا سألتك وتقول طيب..
والولد تعبان.. تعبان.. وأنا ماعندي خبر
مالي شغل أبي أروح له الحين.. الحين... مافيني صبر..
منصور بنبرة تهدئة: والله العظيم بأرجع وأوديش له الظهر.. لكن الحين مكلميني مجموعة من ربعي الضباط يبون يزورونه...
بأروح معهم الحين.. ووعد علي أرجع وأوديش.. هدي حبيتي..
عفراء زفرت بغضب وحزن وهي تجلس وتأثرها العميق باد في وجهها...
بينما منصور خرج.. لتجلس جميلة بجوارها وهي تربت على فخذها وتهمس بحنان:
يمه ياقلبي هدي جعلني فداش..مهوب زين تعصبين كذا..
عفرا تهمس بغضب: وليه مهوب زين.. كملت شهر وزيادة من يوم ولدت..
يعني طيبة ومافيني شيء..
وحضرة العقيد مبلغ ربعه الضباط من أمس وقدهم متفقين اليوم يزورونه وأنا ماعندي حتى خبر...
جميلة برقة: وعلي طيب وأنتي توش كلمتيه من دقايق بنفسش..
عفراء حينها انحدر صوتها لألم وحنان عميقين: ياقلب أمه وش اللي جاه...
قلبي مهوب مرتاح لين أشوف ولدي بعيني...
********************
" جوزا أبي وينه؟؟"
كانت شعاع التي دخلت للتو عائدة من محاضرة وحيدة مبكرة تهمس بذلك لجوزاء بعد أن قبلت جبين عبدالرحمن وأعطته الجريدة التي وصاها عليه..
ثم قبلت جبين والدتها التي تجلس بقرب عبدالرحمن وتتبادل الحديث معه...
جوزاء بهمس محايد في أذن شعاع: راح يزور رجالش هنا في نفس الطابق..
شعاع بصدمة رقيقة كرقتها: رجّالي؟؟ ليه وش فيه؟؟
جوزاء تبتسم: يقولون تعبان شوي.. الظاهر متخرع من العرس ومنش..
شعاع بقلق عفوي: لا جد جوزا.. فيه شيء كايد؟؟
جوزاء برقة باسمة مرحة: ياقلبي على اللي يحاتون... لا لا تخافين على المسيو علي..
إبي يقول تعبان شوي ومقروف من الأكل بس..
بس خبرش ولد نعمة ما يستحمل...
شعاع حينها ابتسمت وهي تغمز جبنب جوزاء: إيه طسي رجّالي عين بعد يا المشفوحة..
إلا الجويزي مالت على عدوش..الحوسة اللي كنا فيها نستني.. لين جبتي الطاري..
صورتي وينها؟؟
جوزاء بعدم فهم: أي صورتش؟؟
شعاع بنبرة مقصودة: صورتي يأم حسن.. صورتي..
جوزاء تضحك بخفوت: يأختي نسيت والله العظيم.. بأدورها والله ما أدري وين قلعتها...
************************************
" هلا زايد وش فيك تاخرت؟؟
كان فيه رياجيل جايين معي ويبون يواجهونك وتوهم راحوا الحين يوم عجزوا وهم يتنونك""
زايد يجلس بعد أن نظر إلى وجه علي النائم بتمعن
ثم يهتف بحزم وهو ينظر لمنصور وكساب الجالسين ويرد على منصور:
رحت أشهد على ملكة رجّال وتوني مخلص الحين..
حينها كساب كان من تسائل باستغراب: غريبة يبه.. يعني ماقلت لي أمس إنك بتروح تشهد على ملكة حد؟؟
زايد بحزم غريب: توهم كلموني الصبح فرحت لهم..
حينها سأل منصور: ومن ذا اللي متملك من صباح الله خير؟؟ مافيه صبر لعقب صلاة العصر؟؟
أجابه زايد بذات الحزم الغريب: خليفة ابن احمد..
منصور بصدمة كاسحة: أي خليفة بن أحمد.. رجّال جميلة؟؟
زايد بذات حزمه الذي لا يتذبذب: تقصد طليقها.. إيه.. هو إياه!!
منصور يمنع نفسه من الانفجار فلا الوقت وقته ولا المكان مكانه..
هتف بصرير حاد من بين أسنانه بينما كساب قرر أن يقف موقف المتفرج فليس له مزاج للدخول بين هذين الجبلين حين يتناطحان:
بصراحة ماقصر.. زين إنه صبر لين كمل شهر من عقب ماطلق بنتك وأنت رايح تشهد على عرسه!!
يعني الدوحة مافيها حد يشهد غيرك.. وإلا مافهمت مقصدهم من إنهم يطلبونك أنت بالذات..
وانت بعد رايح ما حتى تعذرت بولدك المريض..
زايد بثقة: عارف مقصدهم زين... ومهوب أنا اللي أطق وألا اتعذر عشاني عاجز أواجه..
داري إنهم يبوننا أول حد يوصله خبر الملكة..
منصور حينها انفجر بغضب مكتوم: وأنا اللي كنت أبيه يرد بنتي وأسعى في ذا..
والله إنه مهوب كفو.. و والله إنه مهوب كفو.. وو الله إنه مهوب كفو..
رد عليه زايد بثقة غامرة: إلا كفو وكفو وكفو.. وبنتك لو بغى يردها ردها من ورا خشمك ولا لك لسان.. لأنها عادها في العدة..
لو بغى ردها بدون رضاها ورضاك...
منصور بذات الغضب المكتوم الذي بدأ في التزايد: يخسى ويهبى يعرفها مرة ثانية...
والله ولو تذابحنا إنه ماعاد يعرفها لأنه مهوب كفو لها ولا مايستاهلها....
حينها هتف زايد بغضب: أنتو على ويش شايفين حالكم على الناس...
جميلة على غلاها اللي أنت عارفه زين...لكنها سوت فيه سوات ماتسويها حتى مضيعة المذهب..
والحين مستكثر عليه حقه في رد شوي من كرامته..
منصور قفز وهو ينتفض من الغضب: ما أسمح لك تقول عليها كذا...
ووالله لولا إنك أخي الكبير وإلا كان علوم..
يعني عشانه من ريح خليفة كل شيء عليه حلال.. دستنا كلنا عشان خليفة..
أولهم أنا ثم علي ثم جميلة...
زايد بحزم بالغ: منصور اقصر الحكي اللي ماله سنع..
إذا خليفة ولد ولد أخ خليفة.. فجميلة بنته...
قل لي وش تبيني أسوي يوم كلموني والشهود واهل البنت عندهم ويبوني أشهد..
أقول لا والله ردو بنتنا..
مهوب أنا اللي أحط نفسي في موقف سخيف مثل ذا ولا أرخص جميلة مع زعلي منها....
بغيت أبين لهم إنه لو أنتو بعتوا شوي.. حن خلاص بايعين واجد...
**************************************
كان هو من نهض أخيرا قبل أذان الظهر بقليل..
نظر للساعة وهو مازال مستلقيا.. لا وقت حتى ليذهب لمحله..
سيذهب العصر..
ولكنه سينهض ليستحم ويذهب للمسجد للصلاة ثم يذهب لاحضار سميرة ووضحى من المدرسة...
قطب جبينه قليلا (أوف نمت نوم مانمته من قبل..
نعنبو هذي وش ذا الهذرة اللي عندها..؟؟
تعبت إيدي من كثر ما أشرت )
ثم رقت ملامحه بحنان..( يا الله قلت لها أشياء ومن أول مرة
ماعمري هقيت إني بأقولها لأحد حتى وضحى مع قربها مني..
ما أدري وأشلون قدرت تسحب الكلام مني..
لها قدرة عجيبة تدخل بين الواحد ونفسه)
اتسعت ابتسامته أكثر وهو يعتدل جالسا لينهض.. حينها فوجئ بمن مازالت تنام جواره ولم تذهب لعملها..
كانت تنام بشكل أقرب للشكل العرضي.. رأسها ناحيته.. وقدماها تكادان تخرجان عن طرف السرير..
اتسعت ابتسامته أكثر بحنان أكبر.. وهو يميل دون أن يشعر ليقبل جبينها!!..
أرادها أن تكون خاطفة وسريعة..
ولكنه حالما قبل جبينها.. لا يعلم أي غيبوبة لذيذة شعر بها.. وجد نفسه ينزلق ليقبل صدغها..
كان يشعر أن شفتيه ترتعش وهي تلامس بشرتها الناعمة لأول مرة..
وربما كان تهور واتجه لاتجاه آخر.. لولا أنها قفزت بجزع.. وهي تبتعد عنه..
وتنظر له بجزع بعينيها المنتفختان من النوم وشعرها المنكوش لكثرة تقلبها..
رغم أن أكثر ما تحرص عليه أول ماتنهض من النوم أن تمسح على شعرها لتتأكد من هبوط خصلاته الطائرة قبل أن تقوم فعلا..
ولكن صحوها على شفتيه على صدغها جعلها تقفز دون تفكير وتشير بهذا الجزع الذي انتشر في روحها:
شتسوي؟؟
ابتسم وهو يشير بشفافية: شفت رأسش عندي ماقاومت أني على الأقل أحبه..
شعرت بخجل عميق يتفجر في روحها ولم تستطع أن تشير بشيء وهي تقفز للحمام لتهدئ دقات قلبها المتسارعة..
حينها رأت شكلها في المرآة لتقفز الدموع إلى عينيها: وانا أقول وش فيه كان يتبسم.. أحسبه يبتسم لي..
أثره يضحك على شكلي.. وانا كني خبلة بكشتي الطايرة...
لتنهمر دموعها بغزارة وشهقاتها المكتومة تتعالى.. ولم يكن السبب أن شكلها كان مضحكا..
لأن السبب كان أعمق من ذلك بكثير..
ولكنها قررت أن يكون هذا هو السبب.. وهي تشد المشط وتمشط شعرها بقسوة تفرغ فيها توترها..
حين خرجت بذات توترها وهي تلتف بروبها بعد أن استحمت.. وجدته يقف قريبا من الباب..
يستند على دواليب غرفة التبديل.. حينها تراجعت بوجل.. ولكنها عادت لتخرج بخطوات مترددة..
حينها أشار لها بشجن: آسف سميرة لو كنت ضايقتش.. ماقصدت والله..
آلمها ملامح الضيق على وجهه.. أ يأخذ حقا من أبسط حقوقه ثم يعتذر لها عنه؟؟
"أي مخلوقة معدومة المشاعر أنا؟!"
حينها قررت أن تتهور وهي تقترب منه وتتطاول على قدميها لتقبل جبينه..
ولكن لطوله الذي يتجاوزها بكثير لم تستطع الوصول إلا لطرف خده..
تميم منذ رآها تقترب وهو يشعر أن قلبه سيتوقف... ماذا تريد منه؟؟
ليصدم بقبلتها الرقيقة والشفافة الصادمة فعلا..
ثم لتكون صدمته الأشد أنها دفعته داخل الحمام وأغلقت الباب عليه..
لأن وجهها تفجر احمرارا وماعادت قادرة على مواجهته.. وتريده هو أن يستحم أو يفعل مايريده..
حتى تلبس ملابسها وتهرب للأسفل.. قبل أن تواجهه مرة أخرى!!
*******************************
هاهي تقف قريبا من غرفته قبل صلاة الظهر بقليل.. وهي تشعر كما لو كانت مجرم يعد لعملية سرقة..
بل إحساسها كمن يرتكب جريمة فعلا.. ويخشى من اكتشافهم له..
هذه المرة تهورت أكثر وهي تشرك معها أحد عاملات النظافة وتعطيها نقودا حتى تخبرها من في داخل غرفة عبدالرحمن..
انتظرت حتى أخبرتها أنه كان هناك ثلاث سيدات وخرجن قبل قليل..
وتبقى الشيخ والخادم ويبدو أنهما سيخرجان..
وبالفعل بقيت حتى رأت من بعيد أبا عبدالرحمن يخرج متوجها للمسجد وهو يتسند على خادمه...
حينها قررت أن تدخل.. ولكنها شعرت للحظات بالجبن.. وهي تشعر أنه قد يغمى عليها من الرعب والخجل..
فقط ستنظر له دون أن تكلمه.. فهو لم يسبق له مطلقا أن رآها بالبالطو الأبيض سيحسبها أحد أفراد الطاقم الطبي..
حاولت أن تتراجع.. ولكنها تعلم أنها حلفت بالله أن تفعلها.. عدا أنها ستموت إن لم تراه بعد أن أصبحت قريبة هكذا..
سمت بسم الله وهي تحاول دفع أكبر قدر من الشجاعة في روحها المتخاذلة..
تنهدت بعمق وهي تشد لها نفسا عميقا.. وتدفع الباب.. وتدخل
كانت تحمل ملفا في يدها وضعته على الطاولة أمامه دون أن ترفع عينيها ناحيته لشدة توترها..
هو حين رأى الطبيبة التي دخلت أنزل الجريدة التي كان يقرأ فيها.. مع استغرابه لدخولها الصامت دون تحية حتى.
في ذات اللحظة التي أنزل فيها الجريدة.. تجرأت ورفعت عينيها..
لتتكهرب وهي تنزل نظرها وتفتح الملف وتدعي إنشغالها فيه.. رغم ارتعاشها..
" يمه.. يمه.. هو حلاه كذا طبيعي؟؟
وإلا أنا اللي من كثر ما أنا مشتاقة له...شايفته أحلى واحد في العالم..
الدب والله إنه وهو مبطل عيونه أحلى بواجد..
وبعدين وين النظارة اللي شفته فيها يوم جا يزور أمي؟؟
شكلي بأخليه يلبسها أحسن .. ما أقدر أشوف عيونه كذا بدون حاجز.."
عادت لترفع عينيها لتجده ينظر لها باستغراب..
عاودت اخفاض بصرها والقلم الذي تسجل به ملاحظاتها الكاذبة يرتعش في يدها..
الارتعاش الذي لاحظه هو تماما !!!
" فيه حد توه صاحي من غيبوبة ماله أسبوع والدم ينط من وجهه كذا!!
نعنبو وش ذا البياض بحمار اللي عنده؟؟
شكلي بأبطح الرجّال بعيني وأرجعه الغيبوبة مرة ثانية..
خلني أطلع بدون خساير أحسن
هذا أنا شفته وكحلت عيوني بشوفته الدب.."
كانت على وشك فعلها والخروج لولا أنه صدمه الصوت الذي سمعته: دكتورة!!
" يا الله ماتخيلت إني ممكن أسمع صوته بعد
يا الله بأموت.. بأموت!!"
كان يهتف ببنبرة مقصودة تماما وباللغة الإنجليزية وهو يردف بعد أن استوقفها:
دكتورة.. هل من الممكن أن تشدي سلك الجلوكوز لأنه التف خلف حامل الجلوكوز وألمني في يدي...لو سمحتي..
عالية كانت تريد أن تهرب.. لكنها علمت أنها حينها ستفضح روحها..
لم تكن تريد مطلقا الاقتراب منه.. لكنها كانت مجبرة..
" الله يأخذ عدوك يا الدب..
أنت الحين تتلزق في كل دكتورة تجيك..؟؟
خلني أحرك له الواير وأخلص"
عالية اقتربت وهي تحاول أن تكون حركتها عفوية وواثقة..
بالفعل كان هناك حامل للجلوكوز.. لكن لم يكن هناك أي شيء معلق بيده..
وقبل أن يبدر منها أي تصرف.. شعرت أن هناك قنبلة تفجرت بين أناملها وهي تتفاجأ بيده تشد على يدها بقوة..
حاولت شد يدها بكل قوتها ولكنه لم يفلتها وهو يهمس لها بعمق دافئ:
يا الظالمة ثلاث أسابيع ماسمعت صوتش.. هنت عليش كذا؟؟
عالية تفجرت صدمة أشد في داخلها وشعرت أنه سيغمى عليها فعلا (أيعرفني؟؟)
همست باختناق: فكني.. فكني.. لا تفضحني..
أجابها بثقة: وين الفضيحة؟؟ رجّال ماسك يد مرته.. اللي عنده ريال خله يقطعه..
عالية حاولت شد يدها دون فائدة هتفت من بين أسنانها بغيظ:
نعنبو دارك هذي يد وإلا كلبشات... يقولون توك قايم من غيبوبة من وين لك كل ذا الحيل يا الدب..
حينها انفجر ضاحكا بعفوية..
يا الله لم يتخيل أنه قد يضحك مرة أخرى
وهو من كان غارقا في كآبة شفافة منذ نهض من غيبوته وهو يتخيل هذه الحياة قد أصبحت خالية من توأم روحه
هتف وهو يضحك: دب في عينش يا قليلة الحيا.. فيه وحدة تقول لرجّالها كذا..
عالية ماعادت كيف تشعر.. الغيظ أو الخجل؟؟... هتفت برجاء عميق:
عبدالرحمن تكفى .. هدني.. تكفى..
هتف لها بعمق شفاف: ياحلوه اسمي من بين شفايفش..
إذا فيه واحد بيموت من العطش وعطوه كأس ماي..
ظنش حتى لو مافيه حيل.. حد يقدر يأخذ الكأس منه؟؟
هذا الحين حالي وحالش.. يدش الحين كأس الماي للعطشان اللي هو أنا..
عالية تنظر للباب وتهمس بتوتر مرتعب: ولك بال تغزل بعد أنت ووجهك..؟؟
هدني لا يجي أبيك لا تفضحني..
عبدالرحمن انفجر ضاحكا مرة: احترميني لا أقوم أوريش الشغل.. حتى لو ما أقدر أقوم..
أما على إبي.. توه رايح.. يبي له على الأقل ربع ساعة...
وش صار؟؟ قبل كنتي تحسبين لطلعته ورجعته بالثانية... خربت ساعتش يعني؟؟
عالية مصدومة فعلا.. مصـــــــــدومة!!
أ كان يشعر بها فعلا؟؟... ثم تحولت الصدمة لتفجر صداع وخجل لا حدود لهما..
"يعني الدب يتذكر كل شيء كنت أهذر فيه؟؟"
كانت مشغولة بالصدمة والتفكير وهي تنسى يدها التي بين يديه..
لتعلم أنه كان يتذكر جيدا وهي تشعر بأنفاس دافئة على يدها تبعها قبلات أكثر دفئا..
حينها صرخت بصوت مكتوم والعبرات تنط في حلقها:
والله العظيم إنك استخفيت.. فكني.. فكني..
لم يرد عليها وهو يغمر أناملها المرتعشة بقبلاته بينما هي تحاول شدها بعنف.. وقلبها يكاد يتوقف من الرعب..
أفلتها بمزاجه لأنه لم يرد أن يثقلها عليها أكثر من ذلك..ثم أجابها بابتسامة مغلفة بخبث رقيق: أنا نفذت طلبتش بس..
وسامحيني كان ودي إن البوسة في مكان ثاني...على طلبش بعد..
بس ماعليه ملحوقة.. مهما كان المستشفى مكان مايليق..
أجابته باختناق عبراتها التي تحاول منعها من الانسكاب: والله العظيم إنك خبل
هدني يا الله..
أجابها حينها بحزم باسم: أنتي بتعرفين تقصرين لسانش وإلا قصيته لش..
أجابته برجاء طفولي: بأقصه والله العظيم بأقصه.. بس هدني..
أنا أساسا الخبلة اللي جيت عند واحد خبل مثلك..
حينها عاود رفع يدها إلى شفتيه وهو يهتف بابتسامة: لا شكلش مافهمتي اللسان أشلون يتقصر...
وبعدين يا البخيلة جاية لين عندي.. على الأقل بردي قلبي وخلني أشوف وجهش..
ارفعي نقابش...
حينها انفجرت في البكاء: بس خلاص تكفى.. حرام عليك.. هدني..
عبدالرحمن شعر بالجزع من بكاءها.. لم يتخيل أنها قد تفعلها وتبكي وهو من يعلم جرأتها..
ولكنه يخشى حتى الموت أن يفلتها دون أن يأخذ منها وعدا أنه سيسمع صوتها على الأقل..
فهو منذ صحى من الغيبوبة وهو يكاد يُجن ليسمع صوتها فقط.. توقع أن من لها جرأتها لابد ستحاول الاتصال به ولو على سبيل تهنئته بالسلامة..
وحين رأى الأيام تمر وهي لم تحضر.. كان يريد أن يأخذ هاتف جوزا ليأخذ رقمها.. ولكنه لم تتهيأ له الفرصة بعد...
ولم يتخيل أنها كانت تخفي له مفاجأة رائعة.. وهي أن يراها هي شخصيا..
لذا لم يتوقع أن من لها هذه الجرأة جبانة أيضا إلى هذا الحد..
أجابها بتهدئة حنونة: زين اسكتي يا البزر وأهدش.. اسكتي..
عالية حاولت أن تتماسك: زين هذا أنا سكتت.. فكني..
وترا والله ما أنسى لك إنك بكيتيني.. لأني نادرا ما أبكي..
ابتسم حينها وهو يشد على يدها أكثر: وتهددين بعد أنتي ووجهش؟؟
عالية بتراجع جزع: لا ماني بكفو أهدد... تكفى هدني..
عبدالرحمن حينها هتف بحزم باسم: زين اسمعيني عدل.. بأهدش..
بس توعديني تكلميني على الأقل.. ما أعتقد إنه صعب عليش تجيبين رقمي...
عالية بغيظ: لا تشرّط علي.. ما أبي أكلمك..
عبدالرحمن حينها هز كتفيه ببساطة: خلاص خلش عندي لين يجي إبي.. ويعرف من اللي كانت تنط عندي كل يوم وأنا في الغيبوبة...
عالية عاودها الاختناق بالعبرات: أنا أبي أدري أنت كنت منخمد في غيبوبة وإلا كنت تمثل علينا؟؟
عبدالرحمن ضحك: مالش شغل أنتي.. اوعديني تكلميني بأفكش.. وترا إبي صار على وصول..
عالية بجزع وهي تنظر للباب: بأكلمك.. بأكلمك لا بارك الله في عدوينك..
ماشفت واحد أذوة مثلك.. الله يعين الطلاب اللي كنت تدرسهم على غثاك..
شد كفها بقوة وهتف بابتسامة: وطولة اللسان؟؟
عالية عادت للبكاء: لا حول ولا قوة إلا بالله.. يامن شرا له من حلاله علة..
لا تحدني أطلب الطلاق.. عشان أخلص منك
حينها أفلتها وهو يضحك: لا ليش الخساير..
أموت ولا أطلق.. روحي.. بس يا ويلش ماتكمليني..
لم ترد عليه حتى وهي تهرب وتنسى الملف الذي كان معها على طاولته..
وتنجح في الهروب قبل دخول أبي عبدالرحمن بدقيقتين فقط!!
لتبحث عن أقرب حمام وتغلق على نفسها فيه وتنفجر في بكاء مسموع:
يمه.. يمه.. والله مهوب هين ذا الدب...
يا ويلي.. يا ويلي.. يعني أشلون؟؟ أشلون؟
كان سامع كل هذرتي؟؟
يا فضيحتي.. يافضيحتي..
***************
هاهو جالس في انتظار مزنة..
ينظر حوله.. بعد عدة أيام ستكمل شهر منذ خرجت كاسرة من بيته..
ويبدو أن هذا الشهر لم يكفيها لتفكر..
يتساءل ماذا تريد عمته منه؟؟
ليتفاجأ بدخولها عليه وهي تحمل في يدها حقيبة يعرفها جيدا..
ألقت الحقيبة على المقعد المجاور لكساب بينما كساب كان يقف ليقبل رأسها ثم يعود لمقعدها..
بعد السلامات الملغومة من الطرفين هتفت مزنة بنبرة مقصودة:
تعرف الشنطة هذي لمن يا كساب..؟؟
أجابها كساب ببساطة حازمة.. بساطة من لا يهمه أحد وفي ذات الوقت مغلفة باحترام مدروس:
أكيد أعرف.. مثل منتي تسالين وأنتي عارفة...
هذي شنطتي..
مزنة بذات النبرة المقصودة: وشنطتك وش جابها فوق سطح بيتنا..؟؟
كساب اقترب قليلا للأمام وهو يركز نظره عليها ويهتف بثقة: يمه .. أنتي ذكية
وأنا ذكي بعد.. جيبي الكلام من آخره..
حينها هتفت مزنة بغضب حازم: ماهقيتها منك يا كساب.. إنك تعدى على حرمة البيت.. أفا عليك..
كساب أجابها بذات البساطة الحازمة: البيت وحرمته على رأسي..
وأنا ماجيت إلا لمرتي..
مزنة بغضب متزايد مغلف بحزمها : زين ولو أنك دخلت على بنتي وإلا مرت ولدي بتقول بعد إنك ماتعديت على حرمة البيت..
كساب بذات النبرة الحازمة ودون أن يهتز: يمه أنتي دارية زين إني ماني بداخل إلا على مرتي..
لأنش بروحش اللي علمتيني وين مكان غرفتها..
مزنة تقطب جبينها وهي تتذكر أنه سألها بطريقة عفوية يوم وصوله من السفر عن مكان نوم كاسرة وأي غرفة من غرف البيت اختارتها..
من باب اهتمامه براحتها فأجابته مزنة بذات العفوية..
لم تعلم أن سؤاله كان أبعد مايكون عن العفوية..
ولكن مزنة أجابته بغضب متحكم بالغ الحزم.. فما فعله يبقى بعيدا عن كل العادات المقبولة:
اسمعني زين.. ذا الخرابيط كلها ماتدخل رأسي..
اللي سويته يأمك مهيب سوات رياجيل..
تعدى على حرمة بيت جيرانك وتعلبش على درايشهم..
عشان تدخل على بنتهم.. حتى لو كانت مرتك.. لكنها الحين بنتي وفي بيتي..
ودامك تعديت على حرمة البيت وهي غطت عليك وسمحت لك بكذا..ودست سواتك..
فالحين أنا ماعاد عندي إلا كلمة وحدة.. شل مرتك ولا توريني وجهك أنت وإياها..
قاطع كلام مزنة دخول كاسرة كإعصار غاضب..فهي منذ علمت بوجوده وهي تقف قريبا من الباب تحسبا لتصرف والدتها الذي تعلم أنه سيكون هكذا..
حين دخلت سكن الجو في المكان..
وهي وكساب يتبادلان نظرات غريبة حادة مثقلة بألوان متفجرة من التحدي والبرود والشوق...
كانت كاسرة أول من تكلم وهي تقول بثقة غامرة:
يمه آسفة.. والله لو انطبقت السماء على الأرض إني ما أروح معه كني نعجة..
يعني مهوب هو يغلط وأنا أتحمل نتيجة غلطاته..
حينها أجاب كساب بتلاعب واثق وهي يجلس جلسته الواثقة كأنه ملك في أملاكه الخاصة:
غلطتي بروحي؟؟
يعني يمه يدخل في بالش إني بأتعربش على الدرايش على قولتش
إلا لو هي فتحت لي الدريشة عشان أدخل..
مزنة بدأت تشعر بالصداع من تزايد غضبها من وقاحة الاثنين:
يوم كل واحد منكم ماله صبر ثاني.. ليه مسوين لنا فيلم..
انلموا في بيتكم من غير فضايح..
وش كنتو تنتظرون لين تحمل وهي في بيتي...؟؟
كاسرة رغما عنها تفجر وجهها احمرارا دمويا لأبعد حد
و رغم حرج الموقف ولكن كساب شعر بالانتصار وبكثير من البهجة وهو يراها هكذا كعصفور مبلل بالحرج..
وفي داخله ويا لا غرابة الإحساس.. كانت أجمل من كل شيء رآه في العالم بهذا الإحمرار الذي أشعل مشاعره!!
بينما هي تهتف بغضب استنكاري: والله العظيم يمه ماصار بيني وبينه شيء..
كساب قاطعها ببرود متلاعب: وتصدقين ذا الخرابيط يمه..
حدث العاقل بما يعقل...
صار لي أكثر من أسبوعين.. وانا عندها من عقب نص الليل لآذان الفجر..
وش نسوي يعني؟؟ نلعب غميضة؟؟
مزنة بغضب عارم: بس.. بس أنت وإياها..
أنتو مافي وجيكم سحا اثنينكم.. ماحتى حشمتوا إني واقفة بينكم يا اللي ماتستحون..
هذا أنا أقولها ولا عادني بعايدتها... قم شل مرتك الحين
وإلا والله ماعاد أضرب دونكم ولا وراكم.. جعلكم تطلقون والله ماعاد أتدخل..
فعايلكم مهيب فعايل عيال أجواد..
كساب هتف ببرود مدروس وهو ينظر لوجه كاسرة الذي يشتعل:
أبركها من ساعة.. أشلها ذا الحين ومن جدي وبمعنى الكلمة..
بس بنتش اللي ماتبي..
ثم أردف بخبث شاسع: عاجبتها علبشتي على الدرايش.. تبي تلعب لعب مراهقين..
كاسرة انفجرت تماما بغضب عارم: والله لو أهج من الدوحة بكبرها إني ما أرجع له..
أنا تسوي فيني كذا يا كساب.. ؟؟ أنا؟؟
طلقني كساب.. طلقني.. النفس طابت منك.. ما أبيك ما أبيك ما أبيك...
كاسرة أنهت عبارتها الغاضبة وخرجت من فورها لتخلي الساحة لكساب ومزنة..
كساب كان مازال يتمترس خلف بروده الواثق.. رغم أن بداخله شيء يذوي وهو يرى أنه يفقد أسلحته لاستعادته واحدا تلو الآخر..
لتكملها عليه تماما مزنة وتسلب كل أسلحته وهي تهتف بحزم بالغ حزم لم يخلق إلا لها:
شوف يا كساب.. والله اللي خلق سبع سماوات إن غلاك مثل غلا ولدي.. والله اللي عطاك الغلا من عنده..
بس ولد بطني لو هو سوا الغلط والله ما أسكت عليه..
اسمح لي يأمك.. بس بيتي يتعذرك.. أنت منت بأمين على البيت ولا احترمت حرمته...
وأنا وحدة عندي بنات.. وسمعة بناتي فوق كل شيء...
اصبر علينا شهر شهرين لين يخلص بيت تميم.. واحترم جيرتنا لين نشد لبيتنا والوجه من الوجه أبيض..
أما أنت ومرتك بصرك أنت وإياها.. ترجع ماترجع مالي شغل..
لو أنك صبرت شوي ودخلت البيت من بيبانه أنا بنفسي كان كلت كبدها بالحنة لين ترجع لك..
بس أنت دخلت البيوت من درايشها.. ولا عاد لك وجه عندي..
***********************************
" أبو زايد وش فيك جعلني فداك؟؟
من يوم جيت تاخذني عند علي ورجعنا.. وعقبه رحت لشغلك ورجعت
وأنت مكتم ومتضايق..
فيه شيء مضايقك ياقلبي؟؟"
كانت عفراء تهمس بهذه العبارة بخفوت رقيق لمنصور وهما يجلسان على الجلسة في زاوية الغرفة الشاسعة..
بينما جميلة على السرير تلاعب زايد الصغير وهي تقبل يديه وقدميه.. ومشغولة ومأخوذة تماما به...
منصور نظر لجميلة بشجن عميق ثم هتف لعفراء بمودة حازمة: بعدين حبيبتي بعدين..
جميلة شعرت أن هناك شيء غير طبيعي فهتفت بابتسامة عذبة وهي ترفع صوتها ليسمعوها:
حاسة شكلي غلط.. أطلع تأخذون راحتكم؟؟
منصور هتف بحنان وهو يتمزق بين رغبته في إخبارها وبين رغبته في عدم جرح مشاعرها:
لا غير أبيش تجين تقعدين جنبي..
جميلة لفت زايد جيدا ثم حملته ووضعته بين ذراعي والدته.. ثم جلست بجوار منصور الذي احتضن كتفيها بحنان شديد وقبل رأسها وهتف بحنان:
تدرين ترا بيتنا من غيرش ماله حلا..
ابتسمت جميلة: ليه أنا وين بأروح.. هذا أنا قاعدة على قلوبكم..
منصور حينها أجاب بفخامة حميمية: قصدي إنه مانبيش تروحين..
عفراء شعرت بقلق عظيم تصاعد في روحها.. ما الذي حدث؟؟ هل أعاد خليفة جميلة لذمته وهذه مقدمات من منصور؟؟
عفراء حينها كانت من هتفت بحزم قلق: منصور أنت من يوم جيت وأنت منت بخالي..
طالبتك صار شيء.. تكفى ماتدس علينا..
حينها وجد منصور نفسه مضطرا لإخبارهما.. أن يسمعا الخبر منه أفضل من أن يسمعاه من سواه..
عدا أنه لا يريد أن يبقى في قلب جميلة أمل مع أنه من أعطاها هذا الأمل..
هتف حينها بنبرة قاطعة:
خليفة تزوج اليوم !!
*********************************
" وين كساب يومك قاعد بروحك؟؟"
زايد يبتسم بمودة وهو يجيب فاضل: كساب راح قريب عنده مشوار وبيأتي ذا الحين...
إلا أنت قل لي متى بتطلعون من المستشفى؟؟
فاضل بذات المودة التي ارتسمت مع ابتسامة غاية في الشفافية:
ذا اليومين إن شاء الله بنطلع للبيت..
ماهقيت يا أبو كساب إن عادني بأطلع أنا وإياه من المستشفى إلا للمقبرة..
الحمدلله ما أكبر نعمته !!
ثم أردف باهتمام وهو ينظر لعلي النائم: إلا علي أكثر الأوقات اللي أجيكم ألقاه نايم.. وش أخباره؟؟
تنهد زايد تنهيدة ملتهبة احرقت جوفه وهو يهتف في داخله ( لا كثرت همومك يا عبدي فانسدح.. خله يرقد ويريح نفسه)
وأجاب على فاضل باهتمام مشابه: تعبان شوي يأبو عبدالرحمن وماعاد فيه حيل..
حينها صمت زايد قليلا ثم أردف بحزم: دامك تكلمت عن تعب علي..
وهذا أنا وإياك بروحنا..
فأنا أبيك في سالفة مهمة..
**********************************
" سمور يا الدعلة قومي فارقيني أبي أنام..
بكرة عندي دوام..
إذا أنتي ورجالش تبون تسحبون على الدوام بكيفكم
بس أنا بأروح لدوامي"
سميرة بمرح مصطنع: أخيه من النفس الخايسة..
كذا تطردين ضيفانش..
وضحى تضحك: طال عمرش هذي مهيب اسمها ضيفة... هذي اسمها لزقة..
اليوم ناشبة في حلقي حتى النزلة تحت ماخليتيني أنزل
مع إنه رجّال كاسرة سمعت إنه جاء الليلة وماخليتيني أعرف وش صار..
سميرة تبتسم: وش صار يعني؟؟
هذي كاسرة توها طالة علينا... يعني لو صار شيء ماكان شفتي وجهها..
وضحى حينها أجابت بعمق: عشانش ماتعرفينها..
لو هي بتموت ما اندست ولا دست وجهها... عشان كذا توقعي إنه ممكن يكون صار أي شيء..
وهي لو هي تحترق ماقالت الحقوني تراني احترق..
تنهدت سميرة في داخلها "ليتني مثلها بس!!
من الظهر لين الحين وأنا طاقة لا أشوف تميم
وقال الخبلة تبي تلعب...؟؟
ابلعي العافية بس!!
بس والله إني قطعت شوط كبير..
حرام أخرب على نفسي كل شيء..
السالفة وش تبي.. شوي جرأة وأمشي على نفس المخطط لين أحس إنه خلاص مافيه بيني وبينه حواجز..
يا الله سمورة خالش هريدي يقول " لا تحسب المجد تمرا أنت آكله..لن تدرك المجد حتى تلعق الصبرا"
.
والله العظيم خالي هريدي ماقال كذا.. ولا درا عن هوى داره
.
إلا قاله.. وقاله قومي فزي لغرفتش قبل يجي رجّالش..
والله لا يجي وما يلاقيش لا تكون الفلعة اللي مالها دوا "
****************************************
منذ أن عاد كساب وناظره معقود ويبدو كما لو كان يفكر بعمق..
بينما زايد كان يريد أن يخبره بما حدث بينه وبين فاضل..
هتف زايد بحزم: كساب!!
كساب التفت وهو يهتف بحزم مشابه: لبيه يبه!!
زايد بذات الحزم: أبيك في سالفة مهمة..
فالتفت له كساب بجسده كاملا وهو يهتف بحزم بالغ:
إلا أنا اللي أبيك في سالفة مهمة أكثر..
زايد عقد ناظريه متسائلا بثقة: خير إن شاء الله؟؟
كساب شد له نفسا عميقا جدا ثم هتف بنبرة قاطعة صارمة:
اسمعني يبه زين.. أبيك تجاوبني على سؤال بكل صراحة وطالبك ما تدس علي شيء..
لأنه على جوابك يعتمد أشياء كثيرة..
صمت كساب لثانية واحدة ثم أكمل بذات النبرة الصارمة القاطعة:
أمي الله يرحمها.. على حياتها.. درت إنه في قلبك شيء لمرة غيرها؟؟
#أنفاس_قطر#
.
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل السادس والستون 66 - بقلم HaboOoshy
" وين كساب يومك قاعد بروحك؟؟"
زايد يبتسم بمودة وهو يجيب فاضل: كساب راح قريب عنده مشوار وبيأتي ذا الحين...
إلا أنت قل لي متى بتطلعون من المستشفى؟؟
فاضل بذات المودة التي ارتسمت مع ابتسامة غاية في الشفافية:
ذا اليومين إن شاء الله بنطلع للبيت..
ماهقيت يا أبو كساب إن عادني بأطلع أنا وإياه من المستشفى إلا للمقبرة..
الحمدلله ما أكبر نعمته !!
ثم أردف باهتمام وهو ينظر لعلي النائم: إلا علي أكثر الأوقات اللي أجيكم ألقاه نايم.. وش أخباره؟؟
تنهد زايد تنهيدة ملتهبة احرقت جوفه وهو يهتف في داخله ( لا كثرت همومك يا عبدي فانسدح.. خله يرقد ويريح نفسه)
وأجاب على فاضل باهتمام مشابه: تعبان شوي يأبو عبدالرحمن وماعاد فيه حيل..
حينها صمت زايد قليلا ثم أردف بحزم: دامك تكلمت عن تعب علي..
وهذا أنا وإياك بروحنا..
فأنا أبيك في سالفة مهمة..
فاضل بأريحية أخوية: آمر..
زايد بحزم ودود: مايأمر عليك عدو..
يا أبو عبدالرحمن شوفة عينك.. علي تعبان.. والمستشفى ماعرفوا بالضبط وش اللي فيه..
و اليوم طلبت تقاريره وأول ماتخلص بأرسلها برا..
فاضل بتأثر: جعل أبو زايد مايشوف شر.. وجعل سلامته من رب العالمين سلامة طويلة..
زايد بذات حزمه الودود: آمين..
ومثل منت عارف.. عرس العيال عقب حوالي شهرين..
فكانه ودك.. خلنا نأجله.. لين نرجع من السفر ونحدد موعد ثاني..
لأنه خاف يجي الموعد والولد عاده برا يعالج..
فاضل هتف بعمق من يفكر بشيء: ومتى سفركم على خير..؟؟
زايد بثقة: أسبوعين.. ثلاثة..
حينها هتف فاضل بنبرة قاطعة حازمة تماما: بنتي آخر امتحان عندها عقب 3 أسابيع.. مرته بتروح معه..
زايد باستنكار: مايصير يأبو عبدالرحمن الله يهداك.. البنية تبي تدرس.. وعقبه تبي تجهز على راحتها..
لا تحرمها فرحتها...
فاضل بذات النبرة القاطعة غير القابلة للتراجع: فيه شيء أبدى من شيء..
الحين رجّالها المبدى على كل ذا الخرابيط..
وبعدين شعاع ماعندها إلا ثلاث مواد ذا الفصل.. مهيب شي(ن) عسر..
تخلص اليوم وتعرس بكرة..
وإذا على العرس... بنسوي عرس للنسوان وخلها تستانس هي وخواتها..
وأنتو كنكم بغيتوا تسوون عرس للرياجيل.. وإلا بصركم.. حال علي مايسمح بعرس.. ومعذورين.. وبصركم في ولدكم..
لكن بنتي والله مايطلع رجّالها من الديرة إلا وهي معه..
هذا السنع.. وبناتي متربين على السنع..
زايد يحاول إقناعه بالتراجع: اسمعني يا ابو عبدالرحمن...بنتك مثل بنتي..
و علي الحين تعبان.. أنت داري الله وش يكتب؟؟.. تورط البنية يعني؟؟
خل الرجّال لين يتشالى وعقبه يعرس..
فاضل برفض قاطع: مالك لوا..
إذا حن سوينا كذا فحن مافينا خير...
شعاع يوم تملكت علي.. علي كان طيب ومافيه إلا العافية..
فيوم كتب ربي عليه ذا المرض نقول مانبغيه إلا سليم..
إذا هي ماقفت جنب رجّالها الحين.. فما لها خانة..
واللي ماتوقف جنب رجّالها في عسره.. ماله عازة فيها في يسره !!
.
.
.
بعد ذلك بساعتين
منذ أن عاد كساب وناظره معقود ويبدو كما لو كان يفكر بعمق..
بينما زايد كان يريد أن يخبره بما حدث بينه وبين فاضل..
هتف زايد بحزم: كساب!!
كساب التفت وهو يهتف بحزم مشابه: لبيه يبه!!
زايد بذات الحزم: أبيك في سالفة مهمة..
فالتفت له كساب بجسده كاملا وهو يهتف بحزم بالغ:
إلا أنا اللي أبيك في سالفة مهمة أكثر..
زايد عقد ناظريه متسائلا بثقة: خير إن شاء الله؟؟
كساب شد له نفسا عميقا جدا ثم هتف بنبرة قاطعة صارمة:
اسمعني يبه زين.. أبيك تجاوبني على سؤال بكل صراحة وطالبك ما تدس علي شيء..
لأنه على جوابك يعتمد أشياء كثيرة..
صمت كساب لثانية واحدة ثم أكمل بذات النبرة الصارمة القاطعة:
أمي الله يرحمها.. على حياتها.. درت إنه في قلبك شيء لمرة غيرها؟؟
زايد تفجر في روحه توجس واستغراب وقلق.. لماذا هذا السؤال في هذا الوقت بالذات؟؟
أجاب بحزم: وش جاب على بالك ذا الحكي إللي ماله سنع؟؟
كساب بإصرار بالغ: يبه طالبك تجاوبني..
زايد بإصرار أكبر: لا الوقت وقته ولا المكان مكانه.. عدا إنها سالفة غبرت وماعاد لها فايدة..
أمك الله يرحمها لين آخر يوم وهي فوق رأسي..
انتهينا من ذا الهذرة..
كساب وقف حينها وجلس قريبا من والده ليشد على كفه ويهتف برجاء مخلوط بالإصرار والحزم: يبه أقول لك طالبك..
لين متى وأنت دايما تردها في خاطري..؟؟
شايفني بزر .. وإلا ماني بكفو تأمني.. وإلا يمكن لأني مالي خاطر عندك أساسا..؟؟
عرف كيف يمسكه من يده التي تؤلمه.. شعر أن قلبه يؤلمه فعلا وهو يرجوه هكذا..
ومايخاف منه زايد أكثر من أي شيء.. هو الجواب نفسه..
ربما لو كان كساب سأله هذا السؤال قبل شهر واحد فقط.. لربما أجابه بثقة بالغة أن وسمية لم تعلم شيئا أبدا..
ولكن بعدما أخبره علي بهذيانه باسم مزنة.. ماعاد يعرف.. اليقين تذبذب عنده لينشر ألما عميقا في روحه..
وهو يصبّر نفسه أنها لم تعلم بشيء.. فهي عاشت معه لـ13 عاما.. يستحيل أن تعرف وتسكت..
زايد شد نفسا عميقا وهتف بعمق كبير: وسمية الله يرحمها غلاها ماكان له حد.. والوكاد إنها كانت تعرف ذا الشيء وكانت تعرف قدرها عندي..
وسمية لو آشرت على رقبتي عطيتها إياها وبدون ما أفكر حتى..
أما اللي مخفي داخل القلب فهو مهوب بيدي.. هذا حكم رب العالمين..
وربي شاهد إني عمري ماقصدت أضايق وسمية بشيء.. ولا عمري بينت لها حتى إني فكرت في حد قبلها حتى..
وإذا فيه شيء يخفاني.. فأنا والله مالي علم له..
وأظني إنك بروحك تذكر وش اللي جاني يوم ماتت أمك.. كنت باموت من الحزن عليها..
وسمية ماكانت مجرد زوجة.. لكن وسمية كانت شريكة روحي الله يرحمها ويغفر لها..
زايد صمت وهو يشعر بالرضا عن إجابته..
فهو قال الصراحة عما يعلمه... وترك ما لا يعلمه معلقا بطريقة لا تثير الشك ولكنها على الأقل ستريح كساب الذي لا مازال لا يعلم لماذا سأل هذا السؤال حتى...
حينها هتف كساب بطريقة غريبة أقرب للأمر:
زين.. دامك تقول كذا..
تـــــــزوج عــــمــتــــي!!
زايد قفز بصدمة كاسحة.. لأول مرة منذ سنوات طويلة يعجز عن مواجهة صدمة بهذه الطريقة لدرجة أنه يقفز واقفا لأنه عاجز عن الجلوس
وهو يصرخ باستنكار غاضب متفجر لأبعد حد: نعم؟؟ أتزوج عمتك؟؟ أكيد إنك استخفيت...
أنت تامرني أنا ياولد أتزوج عمتك؟؟
كساب لم يتحرك من مكانه حتى وهو يهتف بحزم:
محشوم.. أنا ما أمرت عليك..أنا أطلب منك...
ليه حد بيزوجك غصبا عنك.. مثل مازوجتني غصبا عني!!
زايد غاضب بالفعل: تخسى وتهبى.. مازوجتك غصبا عنك.. أنت وافقت برضاك وبشروطك اللي فرضتها علي..
من اللي يقدر يغصبك أصلا على شيء ماتبيه..
لو أقدر أغصبك كان غصبتك على أشياء واجدة..
كساب بذات الثقة الباردة الحازمة كما لو أنه ينفذ مخططا بكل دقة:
ودامني على قولتك ما انغصب.. فأنت أكيد بعد ما تنغصب..
عشان كذا تزوج عمتي.. وبرضاك طبعا..
زايد بذات الغضب المتفجر الذي أيقظ عليا من نومه دون أن ينتبها المتحاورين:
آسف.. دامك تبي تزوج عمتك.. دور لها رجّال غيري..
حينها أجاب كساب بتلاعب شاسع وهو ينظر لأنامله المتشابكة:
تراني بأسويها.. ولو أنت عادي عندك تصير لرجّال ثالث وأنت تشوف وتحترق
خلاص أنت اللي قلتها..
زايد شعر أن هذا الخبيث يخطط لمخطط كبير .. نجح تماما في إشعال فتيل غيرته حتى الترمد..
لكن على من يلعب هذا الطفل؟؟ على زايد؟؟
زايد حينها عاود الجلوس وهو يهتف ببروده الاحترافي البالغ:
مبروك مقدما.. ولا تنسون تعزموني على العرس عشان نقدم العانية.. (العانية= هدية مالية للعريس)
كلاهما جلسا متقابلين وكلاهما مازال لا يعرف ماذا يدور في ذهن الآخر..
كساب قرر أن والده لابد أن يتزوج مزنة مهما حصل حتى يستطيع هو إعادة كاسرة..
لأنه رأى أن كل وسائله تحطمت.. ومُناصرته الكبرى التي كان يعتمد على مناصرتها (مزنة) انسحبت من مساندته
وانسحبت بطريقة آلمته لأبعد حد مع قرب مزنة من روحه ..
وكل الطرق بينه وبين كاسرة تتقطع..ماعاد حتى يستطيع رؤيتها بأي طريقة..
عقبته الوحيدة في طريق هذا الزواج والتي لن يسمح بها أبدا حتى لو عاش حياته كلها يتعذب بعيدا عن تلك الكاسرة الباردة المغرورة..
أن تكون والدته علمت بحب والده لمزنة.. حينها لن يقبل أبدا أن يبني سعادته على جراح أمه..
لكن بما أن والدته لم تعلم.. وهو يعلم أن والده لن يكذب عليه..
فزايد لابد أن يتزوج مزنة.. حينها سيصبح هناك حبلا متينا يعيد ربط كاسرة به..
ويعلم تماما حينها كيف سيعيدها.. فمخططه مرسوم بدقة حتى اللحظة الأخيرة..
فهو لابد أن يعيدها ولكن دون أن يتنازل هو..
يعلم أن الحياة لا تخلو من التنازلات.. ولكن مع كاسرة حين تقدم التنازل معنى ذلك أنك ستتنازل حتى اللحظة الأخيرة..
يعلم أن في مخططه كم كبير من الأنانية.. ولكن هل أنانيته ستضر أحدا ؟؟
على العكس.. هاهو يقدم لوالده الحلم الذي عجز والده عن تحقيقه بنفسه!!
وربما كان كساب في نفسه يهدف إلى ذلك منذ وافق على الزواج من كاسرة وعلم بمشاعر والده القديمة نحو والدتها..
أراد في أعماقه المثقلة بحب والده حتى النخاع أن يريح والده.. ورأى في مزنة امرأة تستحق ذلك..
ولكن كان وجود مهاب رحمة الله عليه سببا كبير لقمع هذا التفكير..
لأنه يعلم استحالة موافقة مهاب..
ولكن بعد مضي كل هذه الأشهر على وفاته.. أ لم يأن الأوان ليحقق لوالده حلمه ..ويصل هو عن طريق ذلك إلى هدفه؟؟
ساد الصمت لدقيقة..
ليهتف بعدها كساب بنبرة متلاعبة لأبعد حد وهو ينظر لزايد بشكل مباشر:
تدري يبه إن عمتي فيها من الزين اللي ماحد يقدر يأصله..
أجابه زايد ببرود: أدري من قدام تولد.. أظني إني مربيها على يدي..
كساب بتلاعب أشد: بس لك ثلاثين سنة ماشفتها.. ماتبي تشوف أشلون السنين أنضجت زينها..
زايد يشعر بالصداع فعلا.. فالخبيث يتلاعب به بطريقة مؤلمة حقا..
" ربما تجهل يا بني أن أكثر ما أخشاه هو رؤية كيف نضج حسنها
لا أريده ناضجا..
فهو عاش في ذاكرتي بفتاه وصباه وجموحه!!
وفي ذات الوقت قد أموت لآراها مرة واحدة..
فمن أصبح لصوتها هذا الحسن دون أن يتغير..
ألا يعقل أن حسنها نضج دون أن يتغير ؟! "
زايد أجابه بذات البرود المدروس: عليه بالعافية رقم 3..
كساب بذات ابتسامته المتلاعبة الواثقة: إيه والله وأنا أشهد إن أمه دعت له..
كان هناك من يستمع لحوارهما ويبتسم.. في البداية حين صحى من نومه على صرخة والده (أتزوج عمتك)
شعر أن قلبه يُعتصر بطريقة مجهولة.. مؤلمة وحادة..
ولكنه في النهاية عاشق يعرف شعور والده..
أ لم يأن الأوان أن يجد والده الراحة التي سُلبت منه عمره كله؟؟
ثم بدأ يشعر بالتسلية من حوار والده وكساب فهو لطالما شعر بروح تحفز مثيرة في حوارهما..
وكأن كلا منهما يوقض في الآخر كل حسه وذكائه..
زايد يهتف بحزم قاطع: كساب أنا وإياك ماحن بقاعدين نلعب طول الليل..
أمس عليّ.. بدال خبال البزارين..
تراني ماني بأصغر بزارينك.. اعرف أشلون تحشمني..
حينها هتف كساب بجدية صارمة: محشوم يأبو كساب..
وأنا ما أنا ألعب.. أتكلم من جدي.. أبيك تزوج عمتي.. ليه شايف السالفة لعبة..؟؟
يعني هذا موضوع ينلعب فيه.. خصوصا مع قدرك وقدر عمتي..؟؟
زايد يكاد يُجن من هذا الولد وهو يصرخ فيه بغضب: كساب أنت استخفيت..؟؟
وش أتزوج عمتك؟؟ وش ذا الخرابيط؟؟ عيب عليك..
كساب بثقة: وين العيب؟؟ أنت لو بغيت تعرس ماحد يلومك..
عادك بكامل صحتك وشبابك وتقدر تجيب عشر بزران لو بغيت..
وانت عارف إني وش كثر كنت ألح عليك من قبل إنك تعرس..
لا تقول يبه إن عمتي مهيب شاغلة بالك لين الحين..
وين العيب يوم أقول لك تزوجها؟؟ لا أنتو أول حد ولا آخر حد..
زايد بغضب: بس بس.. أنت ماحتى ينرد عليك.. قسم بالله إنك استخفيت..
هذا كله من تاثير غياب مرتك عليك..؟؟
كساب حينها هتف بحزم غاضب: مرتي مالها شغل.. مرتي بترجع وهذا شيء بيني وبينها.. ومالك أنت وعمتي شغل..
أنا أبيك أنت تعرس.. من حقك.. وحق عمتي..
صار لك 17 سنة بدون مرة.. وش ذا الحياة؟؟
زايد يقف ويهتف بغضب حقيقي: ماعليك مردود...
خلاص أنت أمس عند أخيك.. وأنا بأروح للبيت.. لو قعدت عندك مهوب بعيد أذبحك..
أنت تبي تفشلني على آخر عمري...احشمني ياقليل الحيا واحشم عمتك..
يا أخي لو أنت ترضاها لها.. ترا عيالها مايرضونها لها..
كساب التقط طرف الخيط بإصرار: ماعليك من عيالها.. خل كل شيء علي..
بس أنت وافق...
كان زايد على وشك قول عبارة رفض جديدة لولا أنه قاطعهما صوت هادئ كانا يحسبان صاحبه نائما:
يبه مافيها شيء.. وش فيها لو أعرست؟؟ لا أنت آخر واحد ولا أول واحد..
زايد التفت لعلي بغضب بينما كساب يشعر بانتصار لأنه كسب مؤيدا..
رغم أنه يعلم أنه لن يكون صعبا عليه إقناع شقيقيه..لكنه احتاج مساندة في هذا الوقت بالذات...
علي أكمل بهدوءه العميق وهو يحاول أن يعتدل جالسا:
يبه والله العظيم مافيها شيء.. أنت وش أنت مهتم منه.. كلام الناس؟؟
من متى وكلام الناس يهمك لا قدك على حق..
أنت لا سويت شيء عيب في أخلاق ولا دين..
زايد بغضب: الظاهر إن الدنيا انقلبت وأنا الصبي وأنتو الكبار اللي بتحللون وتحرمون..
الحين ماعاد فيه شيء إلا أنا وعرسي في ذا الوقت..
أنت الحين فكر في عرسك اللي عقب 3 أسابيع وعقبه فكر في عرسي..
حينها نظر الاثنان لزايد بصدمة وبينما كساب هتف بتساءل مصدوم:
من اللي عرسه عقب 3 أسابيع؟؟
زايد بحزم غاضب: ذا اللي مريض وماد لسانه مع لسانك.. عمه ملزم إنه يعرس ويأخذ مرته معه لا راح يعالج...
وخلاص اتفقنا إنه العرس عقب 3 أسابيع بالضبط.. مرتك تخلص آخر امتحان وتعرسون وتسافر معنا أنا وإياك..
خلاص اتفقنا على كل شيء...
علي اتسعت عيناه بصدمة شاسعة: وأنا مالي رأي.. تقررون كل شيء السفر والعرس والموعد وأنا مالي حتى رأي..
حينها ابتسم زايد بانتصار: هذا أنتو تبون تزوجوني وأنا إبيكم..
جات على كذا يعني.. يعني ما أقدر أحدد موعد عرس ولدي اللي كان محدد أصلا..
حينها شد علي نفسا عميقا وهتف بحزم قاطع صارم:
زين أنا عقب 3 أسابيع.. أنت تعرس قدامي... ومرتك بعد تروح معنا..
وإلا والله ثم والله ثم والله إني لا أعرس ولا أسافر..
حينها كاد كساب يجن من السعادة وهو يمنع نفسه أن يقفز ليقبل رأس علي ويديه...
فربما لو صنع أفضل مخطط في العالم فما حدث يفوق نجاحه كل مخططاته...
فهو رأى شدة إصرار والده على الرفض.. وكان سيبدأ بصنع حيل جديدة.. لا يعلم مدى نجاحها
ولكن علي أتاه كالمعجزة الحقيقية بهذا المقترح الذي لا أروع.. زواج والده من مزنة وقبل 3 أسابيع حتى..
كان يعلم أن هذه الفكرة غاية الصعوبة على والده حتى لو كانت مزنة مازالت تشغل تفكيره..
فحلم يشغل الذكريات غير حقيقة واقعة..
ولكن علي صنع المعجزة وهو يختصر على كسّاب نصف الطريق..
فأي معجزة مذهلة هذه ؟؟؟
بينما علي كان مقصده مختلفا تماما.. لم يكن يريد إجبار والده أو الانتقام منه..أبدا.. أبدا.. أبدا..
لكنه شعر أن الفرصة لإسعاد والده جأته على طبق من ذهب ولابد أن يستغلها..
يعلم يقينا أن مكانة والده أولا.. وكون مزنة أماً لشباب.. سببان قويان ليرفض والده الزواج قطعيا..
عدا أن حالته هو ومرضه ستكون سببا آخر للرفض...
وعلي أصبح يعلم يقينا مقدار ألم من يعشق ولا ينال..
فإذا كان هو لن ينال حلمه طوال عمره.. فعلى الأقل آن لوالده أن ينال حلمه!!
كان يعلم أنه لابد أن يقف موقفا صارما لكي يدفع بوالده نحو حلمه الذي يخاف منه..
لأول مرة يقرر أن يستخدم مكانته عند والده من أجل والده..
يعلم يقينا أن غلاه عند والده مختلف.. آن له أن يستخدم هذا الغلا من أجل من أغلاه!!
ولم يعلم كم كان والده يخاف هذا الحلم؟؟
كما لو أنك طوال عمرك تحلم أن تعيش فوق الغيوم.. حلم مستحيل لكنه مثير وجميل..
ثم يُقال لك أنك ستعيش فعلا فوق الغيوم.. كيف يكون حالك وأنت تعلم أنه لا أحد يستطيع أن يعيش هناك؟؟
************************************
" خليفة أنت لين متى بتقعد ماد البوز جذيه؟؟"
خليفة صرخ بغضب حقيقي: جاسم أنت بالذات مالك لسان تحجا..
والله العظيم لولا خوفي من ربي وإلا لأحلف إن لساني ماعاد يخاطب لسانك لين أموت..
أنا ياجاسم تسوي فيني جذيه.. والله لو أني عدوك ماتوصل جذيه..
جاسم يضحك: بدون خبال خليفوه.. لا تكون مصدق جذبتك اللي جذبتها على روحك.. إني أنا غصبتك تاخذ اخت مرتي..؟؟
خليفة بغضب: لا والله.. ولك لسان بعد..
لا ماغصبتني..وأنت تقول جدام عمك.. خليفة يبي يخطب عندكم بس خايف تردونه عشان توه مطلق..
خليت الشايب يحلف لو البنت موافقة يملجنا ثاني يوم..
وعقبه تقول ما غصبتني..
جاسم بجدية: خليفة لا تسوي روحك ضحية عشان الدور يناسبك..
أنا قلتها مزح وأنت عارف إني أنا وعمي على طول سوالفنا مزح..
ولو أنت ماتبي البنت كان قلت إن جاسم يمزح..
بس أنت أصلا تبي لك دزة.. ماصدقت..
خليفة بصدمة: الحين أنا اللي أبي دزة.. أنت تألف على كيفك...
أنا آخر شيء أبيه أني أعرس وفي هالوقت..
جاسم بذات الجدية: شوف خليفة سالفة إنك مغصوب إلعب فيها على غيري..
أنت مجروح.. وتبي تستعيد كرامتك.. وشفتها فرصة..
أدري بتقول لأ.. بس قول لا لين بكرة..
وعلى العموم أنت الحين في فترة خطوبة..وشفت البنت قبل الملجة..
وبتشوفها وايد وتقعد معاها ...ولو ماعجبتك ..لا تقول لي بعد مغصوب..
الله حلل الطلاق لشنو؟؟
خليفة بغضب: ياسلام عليك.. كل شيء عندك تافه وبسيط لهذي الدرجة..
أنا أطلق وللمرة الثانية..
وعقب لا تقول إن طلاقي ماراح يأثر بعلاقتك بأم أحمد لأنها أختها..؟؟
جاسم بحزم: مالك شغل فيني أنا وام أحمد.. أنا أساسا قايل لها..
أي شيء يصير بين خليفة وأختج مالنا علاقة فيه..
***************************************
هذه الليلة هاهي تستعد لجولة ثانية من لعبتها..
رغم أنها الليلة أكثر جبنا من البارحة.. فالبارحة لم يكن هناك ماحصل بينها وبين تميم لذا كانت متشجعة..
لكن اليوم تشعر بكثير من التعقيد بعد ماحدث بينهما صباحا..
لذا هاهي تنظر له وهو يقرأ ورده بعد أن تصرف منذ دخوله بكل عفوية ولكن دون أن يقترب منها وهو يسلم ويسألها عن أحوالها بعفوية..
ثم ينشغل في الاستحمام والصلاة والقراءة..
بينما هي تجلس على المقعد وتعبث في أوراقها لأنها انتهت من صلاتها ووردها قبل أن يحضر..
حين انتهى جلس على أريكته وهو يشير لها بعفوية مدروسة:
جيبي فراشي لو سمحت..
أجابته سميرة حينها بصدمة: تبي تنام هنا على الكنبة؟؟ من جدك؟؟
أجابها حينها ببساطة متلاعبة: أخاف أنام جنبش.. ولا سويت شيء عفوي
تحاسبيني عليه؟؟
سميرة ابتسمت بشفافية: لا تصير سخيف.. ولو حاسبتك اليوم ماحاسبتك بكرة..
يعني لا تمسك لي عالوحدة.. وسع الخاطر علي..
تميم أصبح يفهم تماما هدفها مما تفعله ويحاول تقبله.. فهي تحاول أن تتقدم بالعلاقة بينهما في إطار المصارحات الشفافة وكل منهما يتعرف على أفكار الآخر منه شخصيا..
حينها أجابها تميم بابتسامة غاية في الشفافية والتلاعب في ذات الوقت:
زين.. ماني بماسك على الوحدة.. وباوسع الخاطر.. اللي بيشق ثيابه من كثر ماتوسع..
بس جاوبيني على سؤال واحد بدون ماتلفين وتدورين..
أمس صدق سمعتي صوت في الغرفة؟؟ وإلا هذي تأليفة من عندش عشان تجيبني هنا؟؟
على الأقل خليني أغتر إنش سويتي ذا اللفة كلها عشاني.. عقب مانشفتي ريقي..
سميرة وضعت أوراقها على الطاولة وأشارت بتلاعب شفاف:
اغتر على كيفك يا ابن الحلال..
وخلني بأعلمك الليلة بسالفة تخليك تغتر أكثر..
يوم كنت أوقف قدامك كني خبلة وحن بزران وأنت ماتعطيني وجه..
بس شرط تقول لي عقب ما أخلص سالفة ترضي غروري فيها..
مهوب بس أنت حلال عليك تغتر وأنا لأ..
*********************************
" ها عفرا.. وش أخبارها؟؟"
عفراء تجلس جوار منصور بإرهاق.. بينما كان هو جالسا عند زايد الصغير حتى تعود أمه التي قضت أكثر من ساعتين وهي عند جميلة في الأعلى..
منذ فجعها منصور بالخبر وركضت للأعلى دون أن تنطق بكلمة..
عفراء أجابته بنبرة مرهقة مثقلة بالحزن: بتبكي يومين وتنسى..
وش نسوي.. نجبر ولد الناس عليها؟
منصور بقلق: وذا الساعتين كلها تبكي؟؟
عفراء بحزن: وبتبكي أكثر منهم.. واجد متأثرة ماهقت إنها رخيصة عنده ذا الدرجة..
يعرس عقب ماطلقها بشهر واحد...؟؟
منصور بحزم: واللي ركب ذا الرأس إن قد تأخذ اللي أخير منه وينسيها خليفة وطوايفه..
عفراء بجزع: منصور لا طالبتك.. خلاص.. ما أبي بنتي تعرس..
بنتي أساسا صغيرة وتوها على العرس.. خلها تقعد عندي لين تخلص دراستها..
خلصنا يأبو زايد خلصنا !!
**********************************
" جوزا حبيبتي وش تدورين تالي ذا الليل؟؟"
جوزاء التفتت لعبدالله الذي كان يقرأ كتابا وهو متمدد على السرير وينظر لها بنظرة مقصودة أقرب للغضب...
جوزاء بابتسامة عذبة مدروسة: أغراض لي حبيبي ما أدري وين حطيتهم؟؟
عبدالله بنبرة مقصودة فيها رائحة الغضب المكتوم:
غريبة بالعادة تطلعين الأبرة المختفية من مكانها من كثر ما أنتي مرتبة..
وين راحت أغراضش؟؟ وخاصة إنه شيء أكبر من الأبرة وين بيضيع يعني؟؟
جوزاء حينها توترت قليلا.. فهي لاحظت منذ أيام أن عبدالله على غير عادته..
ولكنها لانشغالها بعبدالرحمن وصحوته لم تجد وقتا لتشغل بالها بالموضوع
كما أنها ظنتها مشاكل في العمل..
حينها اقتربت جوزا وجلست جواره وهي تهمس برقة:
لا تصير سخيف لأنك عارف إنها لشعاع مهيب لي.. أخت علي عطتني أياها أعطيها شعاع..
عبدالله حينها هتف بحزم غاضب: عقلي مهوب صغير وأدري إنها لشعاع من يوم شفت حسون يلعب فيها قبل كم يوم..
وسكتت لحد ما تسألين عنها مع إني مولع.. لأني ما أرضى يكون عند مرتي صورة رجّال غريب..
ورجاء جوزا..ذا السالفة ما تكرر.. أنتي منتي بمرسول غرام... واضح؟؟
جوزا ابتسمت برقة أنثوية بالغة وهي تميل لتقبل كتفه: واضح .. وأنا آسفة..
بس تكفى ما تزعل علي..
عبدالله لم يجبها وهو مازال معقود الجبين.. رفعت جسدها أكثر لتقبل مكان انعقاد ناظريه وهي تهمس بخفوت له من قرب:
قلت آسفة لا يصير دمك ثقيل.. مايهون علي زعلك.. والله العظيم السالفة ما تستاهل..
بنية وتبي تشوف صورة رجالها.. عادي حبيبي..
عبدالله بذات الغضب: تشوفها بعيد عنش.. مالش شغل..
عيب.. السواة هذي عيب..
جوزا بعتب رقيق: والله العظيم عبدالله زودتها.. السالفة ما تستاهل..
حينها ابتسم عبدالله رغما عنه.. لا يقاوم انعقاد ناظريها بهذه الرقة:
أغار عليش يا قلبي من كل شيء.. مايحق لي؟؟..
جوزاء برجاء عميق: يحق لك ونص.. بس عطني صورة رجّال شعاع تكفى..
عبدالله هز كتفيه ببساطة حاسمة: شققتها..
خلي الآنسة شعاع تعقل وتركد وبتشوفه ليلة عرسهم..
قولي لها عبدالله يقول لش: علي مافيه شيء شين.. بيعجبها.. على ويش الطفاقة؟؟
***********************************
" كساب ليه مانمت عند علي وخليت إبي يرجع؟؟"
كساب بهدوء: إبي مارضى.. قال لي أنت أمسيت البارحة واليوم دوري..
ثم ابتسم بتلاعب: وبعدين بينه وبين حبيب القلب سوالف طويلة..
لأنهم قدموا عرسه بيكون عقب 3 أسابيع..
مزون قفزت بصدمة: نعم؟؟ نعم؟ وعلي في ذا الحالة؟؟
وأنا متى بألحق أجهز للعرس إن شاء الله؟؟
كساب ببساطة: لا تسوينها مأساة.. الفلوس تسوي كل شيء في أسرع وقت..
عرسي جهزتوا له في شهر.. منتي بقادرة تجهزين لعرس في 3 أسابيع؟؟
وخصوصا إنه خلاص صار عندش خبرة..
أبو عبدالرحمن لزّم إن مرته لازم تروح معه للعلاج..
مزون باستعجال: خلاص خلني أكلم جميلة تستعد تروح معي.. وأجهز لستة بالأماكن اللي بأروح لها بكرة..
إن شاء الله بأقدر..
كساب شدها وأعادها لتجلس وهتف بصرامة: اقعدي .. عندي سالفة ثانية..
صمت لثانية ثم أردف بذات النبرة الصارمة: أشلون علاقتش بمرت تميم..؟؟
مزون باستغراب لسؤال كساب: سميرة؟؟ علاقتي فيها ممتازة.. خصوصا عقب ماصاروا جيراننا..
كساب حينها هتف بذات الصرامة: أنا كنت أسمع من كاسرة إن سميرة لها تأثير كبير عندهم في البيت..
مزون هزت كتفيها: أظن كذا.. وأكيد كاسرة أدرى..
ليش تسأل يعني؟؟
كسابة بحزم: خلينا الحين من ذا السالفة وتعالي نروح لسالفة ثانية..
تذكرين قبل ماتدخلين الكلية وش كثر كنا نلح على ابي يتزوج وكان معيي..
مزون باستغراب لتداخل الموضوعات غير المنطقي: وش علاقة ذا بذا؟؟
كساب بذات الحزم: أنتي عندش مانع إبي يتزوج؟؟
مزون شعرت بصدمة كاسحة فعلا.. قد تكون هي لم تتوقف أبدا عن الإلحاح على والدها أن يتزوج.. ولكن أن ترى الفكرة ماثلة أمامها..
بدت لها صدمة موجعة.. وهي تقف بين حدي الأنانية والإيثار..
إن قالت لا مانع لديها من زواجه.. فهي تعلم أنها تؤثره على نفسها..
وإن قالت أن لديها مانع فمعنى ذلك أنها تؤثر نفسها عليه وأن ذلك أنانية منها لأنها تريد امتلاكه لنفسها..
وخصوصا أنها تعلم أنها ستتزوج يوما بعد أن تزوج أخويها.. فهل يبقى والدها في هذا القصر الضخم وحيدا؟؟
هتفت بصعوبة: أكذب عليك لو قلت إنه خاطري مافيه شيء..
بس لا.. ماعندي مانع إنه يتزوج..
إبي كفى ووفى.. أمي صار لها أكثر من 17 سنة من يوم ماتت.. غيره مايسويها..
حينها أجابها كسّاب بطريقة الآمر الصارم: خلاص أعتمد على ذكائش تقنعين سميرة بزواج أبي من أم امهاب..
وهذا كل المطلوب منش..
مزون بصدمة كاسحة: خالتي مزنة؟؟
كساب ببساطة: ليه وش فيه خالتش مزنة مهيب مقام أبيش؟؟
صحيح أنا ماشفتها إلا ببرقعها بس مبين عليها زينة وأصغر من سنها واجد..
مزون بثقة: من حيث الزين.. مهيب بس زينة..
عمتك ينقال لها اللي زينها يوجع من قلب.. وفعلا تبين أصغر من سنها بأكثر من عشر سنين..
وهي فعلا كشخة ومهتمة بنفسها واجد..
بس هذا ماينفي إن عمتك عمرها 45..
كساب بذات البساطة: وإذا عمرها 45 وش المشكلة؟؟
مزون بجدية: إبي ممكن يتزوج وحدة في أواخر العشرينات أوائل الثلاثينات وبدون مشكلة.. وش المشكلة لو كان الفرق بينه وبين مرته 15 سنة؟؟
كساب بتساؤل: طيب وعمر عمتي وش مشكلته؟؟
مزون بذات الجدية: مشكلته إنها خلاص احتمال كبير جدا ماعاد تقدر تجيب عيال..
وإبي دامه بيتزوج حقه يتزوج مرة بتجيب له عيال...
كساب وقف هو يهتف بحزم: يعني أنتي تشوفين إن إبي تناسبه بنت صغيرة في سني.. أنا خلاص صرت في الثلاثين..
أنا ما أنا بمعش.. أشوف عمتي مناسبة له واجد..
وأنا أطلب منش تقنعين سميرة بالفكرة كخدمة لي.. أو أنا ما أستاهل منش ذا الخدمة؟؟
وأبيش تسوين ذا الشيء بكرة بدون تأخير لان علي شارط إن إبي يتزوج قبل زواجه...
***********************************
صباح اليوم التالي
.
.
.
فرحة عارمة تغمر بيت أبي عبدالرحمن اليوم لعودة عبدالرحمن..
أعدوا له غرفة في الأسفل وحمله العمّال حتى وضعوه على السرير..
وهاهي أسرته بكامل أفرادها تحيط به وسعادتهم الغامرة مستعصية على الوصف..
أم عبدالرحمن بمودة غامرة وبريق الدموع في عينيها:
أنا يأمك سويت لك كل اللي تحبه على الغدا.. بس كنك مشتهي شيء ثاني قمت أسويه ذا الحين..؟؟
عبدالرحمن بمودة عميقة: ما أبي شيء جعلني فداش..
ثم أردف بابتسامة حنونة: أبي بس حسون الخايس يأتي يقعد جنبي مشتحن له وهو صاير ثقيل مايعطي وجه هو ووجهه..
جوزاء تبتسم: ليه وش فيه وجه ولدي؟؟
عبدالرحمن بمودة: خليه يأتي عندي ما أكثر هذرتش.. حسون تعال..
حسن الصغير قفز ليجلس على فخذي عبدالرحمن الممتدين تحت الفراش..
بينما شعاع همست بجزع: حبيبي حسون لا توجع خالك..
عبدالرحمن يهز كفه وهو يقول بابتسامة: من جدش ذا العصفور يوجعني..
اقعد يا ولد.. ماعليك منهم..
بينما أبو عبدالرحمن أشار بيده وهو يهتف بحزم: دامك كلكم متجمعين.. خلني أعلمكم بشيء.. عبدالرحمن عنده خبر..
ترا عرس شعاع بيكون الجمعة اللي عقب 3 أسابيع..
الوجوم والسكون حل على المكان.. بينما شعاع همست كأنها تكلم نفسها وفيضان من الدموع يستعد ليقفز من عينيها:
بس آخر امتحان عندي بيكون الخميس اللي عقب ثلاث أسابيع..
فاضل بحزم صارم: وتعرسين ثاني يوم.. وين المشكلة؟؟
حينها أم عبدالرحمن همست بتردد: البنية قد هي مسوية حجوزاتها.. ماعاد تقدر تقدمها.. وثلاث أسابيع ماتكفيها تكمل تجهيزها..
أبو عبدالرحمن بذات الصرامة الحازمة: الحجوزات تسوي غيرها.. والسوق مهوب طاير.. اللي مهيب لاحقة تشتريه قدام عرسها تشتريه عقب..
شعاع بدأت تدعك أناملها بعنف وهي تمنع نفسها من الانفجار في البكاء..
فهي مشغولة تماما هذه الأيام في الاستذكار وتسليم مشاريعها الأخيرة
وتشعر أنها تكاد تنفجر من ضغط الجامعة..
فكيف بالزواج أيضا وهي من كانت تؤجل فكرة التسوق بالكامل حتى تنتهي من الجامعة..؟؟
فقط أنهت حجز التزيين وتصميم الفستان.. وقررت أن تريح بالها من كل شيء حتى تنتهي من الامتحانات التي تشكل لها شبحا مرعبا لأنها في فصل التخرج..
أبو عبدالرحمن لاحظ ارتعاشها وأنها على وشك أن تبكي.. ناداها بحنان عميق:
شعيع يا أبيش تعالي اقعدي جنبي..
شعاع قامت لتجلس جواره ولتنفجر في كل ما منعت نفسها من إسالتها من دموع.. وهي تدفن وجهها في صدره..
جوزاء كانت تنظر للموقف أمامها مصدومة.. بينما عبدالرحمن كان قد قرر مساندة والده حين يحتاج المساندة..
لانه يعلم بمبررات والده ويحترمها..
أبو عبدالرحمن احتضن شعاع بحنو وهتف بحنان مخلوط بالحزم:
اسمعيني يأبيش.. رجالش تعبان.. وبيسافر يعالج برا عقب 3 أسابيع..
وأنا حلفت إن قد تروحين معه.. مع إن إبيه كان يبي يأجل العرس عشانش..
بس يأبيش المرة الأصيلة إذا ما وقفت مع رجالها وهو معتازها... متى توقف معه؟؟
شعاع اتسعت عيناها الدامعتان بصدمة وهي تنظر لجوزا التي أخبرتها أن مرضه بسيط..
" أ هو مريض فعلا لهذه الدرجة التي يضطر معها للسفر للخارج؟؟"
*********************************
" ها يا العرسان.. وش علومكم اليوم؟؟"
كساب ينظر لعلي وزايد ويبتسم.. علي ابتسم بمودة بينما زايد هتف بحزم بالغ صارم:
أص ولا كلمة.. أما أنت ماعاد تعرف تحشم ولا تحترم حد..
كساب يبتسم: أفا العريس زعلان..
زايد هتف بذات النبرة الحازمة الصارمة: زين دامك تقول العريس اسمعني عدل..
أنا مالي شغل في شيء.. مهوب انت تقول كل شيء عليك.. كل شيء أنت اللي تسويه..
حتى الخطبة ماراح أخطب.. أنا ماعندي استعداد إني انرفض عقب ذا العمر...
كساب بذات الابتسامة: وليه ظنك إنك بتنرفض؟؟
زايد بحزم أقرب للغضب: رفضتني مرتين قدام أتزوج أمك.. بتوافق علي الحين عقب ماصاروا عيالها شباب..
أنا بس أجاريكم في لعبتكم.. لين تسمحون منها..
كساب بابتسامة واثقة: خلاص أبشر.. أنا بأسوي كل شيء.. وبجيب موافقتها المبدئية.. بس عقب لازم أنت اللي تخطب..
هذا السنع يا العريس اللي تعرف السنع..
زايد جلس وهو يشعر بصداع أليم لم يفارقه منذ البارحة..
لا يحتمل هذا الضغط.. وهو يعلم يقينا أنها سترفضه وللمرة الثالثة..
فلماذا يقلبون مواجعه بهذه الطريقة المتوحشة..؟؟
مشغول بعشرات الأشياء وآخر ماكان ينقصه تلاعب أبناءوه به وفي أكثر الموضوعات حساسية في تاريخ حياته؟؟
"لا تخدع نفسك يا زايد!!
فمن ذا الذي يستطيع التلاعب بك؟؟
تعلم أنه لا يستطيع أحد التلاعب بك إلا بمزاجك أنت؟؟
لماذا لا تقول يا زايد أنه رغم استحالة الأمل
ولكنك لم تستطع مقاومة دغدغة الفكرة لذكرياتك التي غاصت في أقصى جذور قلبك!!"
****************************************
" خالتي تعبت أدق على جميلة وجوالها مسكر
وش فيها؟؟ "
عفراء تهمس بإرهاق مخلوط بالحزن وهي تعدل وضع ابنها على يدها وترد على هاتفها باليد الأخرى:
تعبانة شوي يأمش.. لا شفتش علمتش..
جميلة بخيبة أمل: كنت أبيها تروح معي العصر عشان حجوزات عرس علي..
ثم أردفت بحماس رقيق: إلا دريتي خالتي إن عرس علي تقدم وقته؟؟
عفراء بحنان: دريت ياقلب أمه.. هو اتصل بنفسه فديته اليوم الصبح وقال لي..
وخلاص تعالي العصر وأنا اللي بروح معش..
مزون بتردد: بس خالتي يمكن ماتبين تخلين زيودي.. أو مشغولة..؟؟
عفراء بهدوء مغلف بالشجن والإنشغال من كل ناحية:
زايد باخليه عند أخته.. لأني عارفة إنها ماتبي تطلع مكان..
حينها هتفت مزون بقلق: ليه وش فيها خالتي؟؟
عفراء بحنان وحزن: بأقول لش يأمش إذا شفتش...
مزون أنهت الاتصال وهي تتنهد.. يبدو أن هذا الصباح هو يوم المكالمات الملغومة..
فهي للتو أنهت اتصالها مع سميرة.. رغم أنها تعلم أن ماكانت تريد محادثتها فيه موضوع لا يليق مطلقا على الهاتف
وخصوصا أن سميرة في عملها.. ولكنها أرسلت لها رسالة أنها تريدها في موضوع مهم وخاص جدا وأن تتصل بها حين تستطيع
فكساب أكد عليها أن تنهي الموضوع اليوم.. وهي لابد أن تذهب لتغير حجوزات علي وتحجز حجوزات جديدة وتستعجل فيما بقي من حجوزات..
عدا أنها شعرت بالحرج أن تذهب لزيارتهم لأنها تعلم حينها أن مزنة وبناتها سيكن متواجدات ولن تستطيع مطلقا فتح الموضوع مع سميرة..
كانت ستموت من الحرج حين رأت سميرة تتصل بها..
ولكن ربما من حسنات دراسة الطيران أنها هيأتها للتصرف بتحكم أكبر كلما ازداد الموقف تأزما وصعوبة..
ولكنها لم تحتج لتوظيف قدراتها لأن سميرة فاجأتها بتحمسها للموضوع..
فسميرة ترى في عمتها الكثير من الأنوثة التي ستذهب هدرا دون أن تحضى برفقة رجل يكون شريكا لها فيما بقي لها في حياتها..
فهي ترى أن مزنة تستحق رجلا لم تحصل عليه بعد..
وأي رجل أفضل من زايد؟؟
**********************************
كانت عالية تنتهي من صلاة العصر وتريد أن تتمدد قليلا قبل أن تنزل لوالدتها لقهوة العصر..
حين وصلتها الرسالة التي جعلت عيناها تغيمان من الرعشة والتوتر:
" يعني ماكلمتيني ياصادقة الوعد؟؟
زين الملف اللي خليتيه أمس عندي
وعليه اسمش ومليان بخطش وتقاريرش
بيوصله لش عبدالله
وإلا تدرين بأعطيه إبي بعطيه ابيش أحسن !! "
.
.
.
في ذات الوقت
كانت كاسرة نائمة لأنها لم تكن تصلي لعذرها الشهري الشرعي..
سمعت رنين هاتفها ولكنها كانت عاجزة عن الرد..
سمعت الرنين للمرة الثانية فنهضت من نومها.. وكانت على وشك الرد لولا أنه سكت
لتصلها هي أيضا رسالة.. ولكن رسالتها جعلت دخانا يطلع من أذنيها لشدة غضبها:
" جبانة كالعادة..
وأنا اللي كنت مخدوع فيش كل ذا الشهور وأحسب أنش شجاعة!!
لا يكون بأكلش في التلفون يعني؟!!
ردي علي ياجبانة.. أبيش في موضوع مهم
ولا تخافين.. موضوع مايخصنا"
#أنفاس_قطر#
.
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل السابع والستون 67 - بقلم HaboOoshy
كانت عالية تنتهي من صلاة العصر وتريد أن تتمدد قليلا قبل أن تنزل لوالدتها لقهوة العصر..
حين وصلتها الرسالة التي جعلت عيناها تغيمان من الرعشة والتوتر:
" يعني ماكلمتيني ياصادقة الوعد؟؟
زين الملف اللي خليتيه أمس عندي
وعليه اسمش ومليان بخطش وتقاريرش
بيوصله لش عبدالله
وإلا تدرين بأعطيه إبي بعطيه ابيش أحسن !! "
عالية شعرت بالصداع يعاود التفجر في منتصف رأسها..
(ياربي وأنا من أمس أدور له ما أدري وين قلعته
الله يقلع دار العدوين.. مالقيت أخليه إلا عند الدب)
عالية تناولت هاتفها وأناملها ترتعش رغما عنها:
" يا النصاب أنا ما وعدتك..
أنا قلت بأكلمك بس عشان تخليني أروح..
وتكفى الملف عطه لجوزا..فيه شغل مهم واجد..
أدري إنه مايهون عليك تفضحني وتعطيه إبي أو عبدالله!!"
انتظرت أقل من دقيقة ليصلها رده:
" عادي مثل ماهنت عليش
وأنتي تكذبين علي وتسكتيني كني بزر تلعبين عليه
أنتي بعد بتهونين علي..
كلميني الحين مثل ماوعدتيني أو الملف بيوصلش الليلة مع أبيش..."
عالية غطت وجهها حين وصلها رده: صدق يامن شرا له من حلاله علة.. وش ذا اللزقة؟؟
أرسلت له بغيظها:
" أنت ليش تتأمر علي؟؟
تبي تكلمني كلمني.. هذا أنت جبت رقمي.. يعني السالفة مهيب صعبة عليك..
ليش ملزم أنا اللي أكلمك؟؟"
وصلها رده :
" لأنه أكثر شيء أكرهه في العالم الكذب..
ولازم تعرفين عني ذا الصفة..
أنا ما أرضى حد يكذب علي..
كلميني الحين ولا تزعليني.. لأن زعلي شين!!"
عالية بتوتر (ويهدد بعد الأخ!!.. بس ماظنتي يسويها مستحيل
لو وجهه مغسول بمرقة ومافيه مروءة إنه مايفضح مرته كذا..
وش عرفني يمكن الغيبوبة أثرت على عقله..؟؟
بس صدق لو هو بيسويها إنه طاح من عيني..
لا والله.. الدب مايهون علي!!"
عالية اتصلت به بتوتر..
جاءها ترحيبه دافئا عميقا وحنونا ومثقلا بنبرة رجولية خاصة به:
اشتقت لش من البارحة لين اليوم ما تتخيلين وش كثر..
عالية بتوتر: تكفى عبدالرحمن ملفي عطه جوزا..
عبدالرحمن بابتسامة دافئة: وهذا الحين كل اللي هامش وماكلمتيني إلا عشانه..
لا تخافين.. ملفش أصلا عطيته جوزا من قبل ما أكلمش.. يوم راحت من عندنا قبل شوي..
وحطيته في ظرف وماقلت لها أساسا وش هو.. بس قلت عطيه لعالية بدون ماحد يدري..
ومن أمس من يوم طلعتي.. قلت لأبي يعطيني إياه.. ماطلبته من أمجد لأني أعرفه ملقوف ويقرأ عربي وانجليزي زين..
بس إبي عطاني إياه بدون مايطل فيه حتى..
وعلى طول طلبت من الممرضات ظرف أحطه فيه.. وقبل مايوصلني الظرف.. كنت حاطه ورا مخدتي اللي ورا ظهري..
إذا عندش شك واحد في المية إني ما أحرص عليش حتى أكثر من نفسش فأنتي خبلة
يعني تصدقين إني ممكن أسويها يا الخبلة وأعطيه لأبيش أو أخيش عقب ماسويت ذا كله عشان ماحد يلمح اسمش حتى عليه..؟؟
عالية بصدمة متأثرة من لطف كل ماقاله: زين ليه تهددني فيه أساسا؟؟
عبدالرحمن بابتسامة: داري إني مالي خاطر عندش.. وأنش ماراح تكلميني إلا بالتهديد..
يعني أكون بأموت عشان أسمع صوتش.. وأنتي شاحة به علي..
عالية صمتت وحنجرتها تجف تماما.. ووجهها يشتعل احمرارا..
بينما عبدالرحمن أكملها عليها وهو يهتف بدفء عميق هز أعماقها هزا:
ها عالية أوعديني تكلميني.. أو على الأقل ردي على مكالماتي لا كلمت..
يعني صبريني شوي لين موعد عرسنا.. أشلون باستحمل يعني ياقلبي؟؟
عالية زاد وجهها احمرارا (وقلبي بعد.. الرجّال استخف!!) ريقها جاف تماما بالكاد ظهر صوتها مع كلماتها المبحوحة:
تبيني أكلمك.. لا تقول لي ذا الكلام.. ولا تكلمني بذا النبرة..!!
عبدالرحمن ضحك: الحين حلال عليش وحرام علي.. يعني كنتي مذوبة قلبي وانا في الغيبوبة بكلامش واحترق إني ما أقدر ارد..
والحين مستكثرة علي أعبر شوي..
حينها همست عالية بيأس خجول: عبدالرحمن إنت صدق متذكر وش كنت أقول
وإلا تبي تجلطني؟؟
عبدالرحمن بابتسامة: أول الأيام ما أتذكر شيء.. بس أتذكر همسش الدافئ قريب مني ويهز أوتار قلبي..
لكن عقب لو تبين أقول لش سوالفش بالتفصيل قلتها..
عالية تكاد تجن: عبدالرحمن أنا قلت لك أسرار واجد ما أبي حد يدري فيها..
عبدالرحمن بأريحية حميمة: ومستحيل حد يعرف سر أنتي قلتيه لي.. اعتبري نفسش أساسا ماقلتي شيء..
بس فيه سوالف مستحيل أنساها وبحاسبش عليها وحدة وحدة..
ثم أردف وهو يبتسم بغيظ: خصوصا سالفة ولد عمش أبو عيون عسلية.. هذي لها حساب خاص..
عالية شعرت كما لو كان صدمها قطار في منتصف وجهها.. وهي تغلق الهاتف في وجهه وتلقي الهاتف بعيدا عنها..
ثم تدفن وجهها في المخدة لأنها شعرت أنه اشتعل واحترق بكل معنى الكلمة..
لذا لم تشعر بدخول جوزاء عليها التي حسبتها نائمة وهي تضع ظرفا بنيا ضخما قريبا منها ثم تغلق الباب خلفها..
*************************************
كانت كاسرة نائمة لأنها لم تكن تصلي لعذرها الشهري الشرعي..
سمعت رنين هاتفها ولكنها كانت عاجزة عن الرد..
سمعت الرنين للمرة الثانية فنهضت من نومها.. وكانت على وشك الرد لولا أنه سكت
لتصلها هي أيضا رسالة.. ولكن رسالتها جعلت دخانا يطلع من أذنيها لشدة غضبها:
" جبانة كالعادة..
وأنا اللي كنت مخدوع فيش كل ذا الشهور وأحسب أنش شجاعة!!
لا يكون بأكلش في التلفون يعني؟!!
ردي علي ياجبانة.. أبيش في موضوع مهم
ولا تخافين.. موضوع مايخصنا"
كانت على وشك الاتصال به.. حينما عاود هاتفها الرنين باسمه..
فهي مازالت لم تبرد نارها فيه لما فعله بها بالأمس وهو يحرجها هكذا أمام والدتها..
وبالفعل كانت تريد أن تكلمه لتسمه قليلا كما هي مسمومة منه لدرجة شعورها بمرارة السم تتصاعد مع أنفاسها..
ولكنها لم تكلمه حتى لا يعتقد أنه نجح في استفزازها.. ولكن هاهو يأتي لها بنفسه..
ردت على الهاتف وبدون مقدمات ببرود احترافي: هلا والله..
تصدق اشتقت لك وكنت باقول لك تعال تعلبش على الدرايش عشان أشوفك؟؟
كساب ببرود أكثر احترافية: اطلبي وشوفي أنا بأنفذ وإلا لأ.. ما أحب أخلي في خاطرش شيء..
كاسرة بذات البرود: تصدق أسمع بالناس اللي مافي وجيههم سحا..
بس مثل وقاحتك ما تخيلت إني ممكن أشوف في حياتي كلها..
ماكفاك اللي سوته أمي فيك؟؟
كساب بتهكم: ترا ماكنت في التهزئية بروحي لو أنتي ناسية.. أنتي خذتي نصيبش معي
ثم أردف بثقة: وعلى العموم عمتي عبارة أمي وما حد يزعل من أمه..
وخصوصا إنها تشوف السالفة من زاويتها.. أنا ما أشوف نفسي سويت شيء غلط.. هذا حقي..
كاسرة مازالت تحتفظ ببرودها الواثق: صدق وقح.. أي حق هذا اللي تشوفه لنفسك وأنت هاجم على بيوت الناس؟؟
كساب بثقة أشد: والله لا صار عند الواحد مرة مخها معووج ماتنفع معها الطرق المستقيمة..
وش يسوي؟؟ لازم يستخدم طرق معووجة مثلها..
كاسرة بثقة: هذا والله اللي ركبني حمارته وعيرني بعيارته ..
وعلى العموم دامني عوجا ومخي معووج.. وش حادك علي..؟؟
طلقني واخلص مني..
كساب بحزم: قلت لش طلاق ماني بمطلق .. وبتطخين ..واللي في رأسش بيطيح وبترجعين من ورا خشمش..
كاسرة بدأت تنتفض من الغضب الذي لم يظهر في صوتها المتحكم:
أنت ماتفهم.. الحياة معك بالغصيبة؟؟ قلت لك ما أبيك.. نفسي طابت منك..
كساب بجبروت: بس أنا نفسي ماطابت منش.. وأنا اللي أقرر مهوب أنتي..
ثم أردف بتلاعب مثير:وعلى العموم أنا قلت لش ..أنا أبيش في موضوع مايخصنا..
بس أنتي لا سمعتي صوتي أدري تفقدين الإحساس ومايصير في رأسش شيء غيري..
كاسرة رأسها يؤلمها من ثقته الوقحة (أي مخلوق متبجح هذا؟؟
.
وما الغريب فيما يقول؟؟
الغريب إنه محق.. ما أن أسمع صوته لا يعود في رأسي سواه!!"
كساب أكمل ببساطة واثقة: خلينا الحين من طاري الطلاق..
لأنه حن في طاري زواج..
إبي يبي يتزوج أمش..
كاسرة تصورت أن الموضوع قد يكون أي شيء.. لكن هذا الأمر لم يخطر أبدا ببالها.. أبدا.. أمها تتزوج؟!!!
همست بصدمة وصوتها مبحوح تماما: نعم؟؟ من؟؟ أمي وعمي زايد؟؟
كساب بثقة: ليه إبي مهوب قد المقام..؟؟
أدري إنش تحبينه أكثر مما تحبيني..
يعني ماتبينه يكون أقرب لش أكثر ويصير أب وعم..؟؟
كاسرة حينها همست بثقة: لو حبيته أكثر فهو يستاهل.. عطاني سبب أحبه عشانه.. حنان ورجولة وتفهم ..
لكن أنت على ويش أحبك أساسا..
وعلى العموم على قولتك الموضوع مايخصنا..
بس أنا متأكدة إنك تمزح.. وهذا موضوع ما ينمزح فيه لو سمحت كساب..
لين هنا ووقف خبالك..
كساب بثقة غامرة لا تخلو من نبرته الساخرة الحادة التي يتميز بها:
ليه هذي كلها أنانية منش.. تبين أمش لش بروحش..؟؟
أو يمكن كاسرة اللي مايهمها حد.. خايفة من كلام الناس لا يقولون شوفوا أمها أعرست..؟؟
ترا هذا زايد آل كساب اللي متقدم لأمش مهوب أي حد..
كاسرة بثقة غامرة: وزايد آل كساب على رأسي.. بس كلامك مهوب منطقي..
لو إبيك يبي أمي.. أمي صار لها أرملة أكثر من 15 سنة..
وأمك الله يرحمها لها أكثر من 17 سنة من يوم ماتت.. ليش ماخطبها وهم عادهم شباب..
يعني الحين في ذا العمر يبيها؟؟ اسمح لي كلام مايدخل الرأس..
كساب بثقة: وليه أنتي شايفة إبي وأمش شيبان.. بالعكس الأثنين شباب والله معطيهم الصحة..
وشيلي من رأسش إنه كلام مايدخل المخ...
يعني عمش زايد حبيبش مايستاهل منش تأزرينه وهو اللي بداش حتى على ولده..؟؟
يعني هذا بيكون ردش عليه عقب مابداش عليّ وخلاش تمشين شورش؟؟
أمش رفضت إبي مرتين.. بتسمحين لها تفشله مرة ثالثة..
والحين إبي مهوب مثل ماكان قبل 30 سنة.. لا مكانته العالية ولا سنه يسمحون إنه ينرفض.. والرفض بيكون إهانة له...
إذا انتي عادي عندش إنه ينهان.. اعتبري نفسش ماسمعتي مني شيء..
ولو جاكم إبي يخطب ردوه..
واستخسري في أمش فرصة إنها تعيش اللي باقي من عمرها جنب رجّال تدرين زين وش كثر بيحترمها ويقدرها ويعوضها عن شبابها اللي ضاع..
.
.
.
بعد دقائق..
كساب بعد أن أنهى اتصاله مع كاسرة.. قام بإجراء اتصال جديد..
كما لو كان ذهنه يعمل على عدة مستويات..
أو كما لو كان اخطبوطا أذرعه تعمل على عدة اتجاهات..
اتصل بسليم مرافق الجد جابر ليسأله عن مكان الجد..
فأخبره سليم أنهما في مجلس زايد ولكنهما لم يجدا أحدا وسيغادران بعد أن ينتهي الجد من شرب قهوته التي حلف عليه المقهوين أن يشربها قبل المغادرة..
فطلب منه كساب أن ينتظرا لأنه سيحضر حالا لهما..
وصل للمجلس خلال أقل من دقيقة لينحني كساب على رأس الجد ويتأخر سليم ليخلي الجو لهما وهو ينضم للمقهوين قريبا من دلال القهوة..
بعد أن انتهيا من السلامات المعتادة همس كساب باحترام مخلوط بالمودة: بشرني منك يبه..
الجد بنبرة مقصودة: أنا طيب وش العلوم اللي عند شيبة مثلي.. يقول يا الله حسن الخاتمة..
أنت اللي وش علومك.. عاجبك حالك أنت ومرتك؟؟
أنا حالف عليك تسمي الولد الثاني امهاب عقب ماتسمي الولد الأول زايد..
والظاهر إنه لا به زايد ولا امهاب..
كساب ابتسم: والله يبه الظاهر إن بنتك غرها الغلا.. وش أسوي بها ؟؟
الجد تنهد وهو يرسم شبح ابتسامة: هيييييييييه ...الظاهر ياأبيك إنك نسيت وصاتي لك وأنت صغير ..
قلت لك بنتي مهرة تعسف بس ما تكسر.. وأنا أشوف من وجيعتها منك إنك تبي تكسرها..
كساب مازال مبتسما لا يعلم لماذا يشعر مع الجد بأريحية مطلقة كما لو أنك تتحدث إلى بئر عميقة صداها أكثر عمقا..:
يبه هي خلتني أعسف وإلا أكسر.. شلت شلايلها وهجت عندكم..
وعلى العموم يبه.. خل كاسرة شوي.. خلها لين يطيب خاطرها وبترجع..
الحين أبيك في سالفة أهم..
الجد بعتب: أفا يأبيك وش السالفة اللي أهم منك ومن مرتك..
ابتسم كساب: اللي أهم منا إبي وأمها..
الجد قطب جبينه بتساؤل قلق: زايد ومزنة.. عسى ماشر؟؟
حينها هتف كساب بمودة حازمة: مابه شر.. إلا خير.. نبي نزوجهم..
الجد حينها ضحك ضحة خافتة من القلب: الله يونسك بالعافية ياولدي.. لي شهور ماضحكت..
كساب يضحك معه ولكنه يعود ليهتف بجدية: ليه يبه لذا الدرجة متباعد الموضوع..؟؟ تراني أتكلم من جدي..
الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (ثلاث جدهن جد.. وهزلهن جد.. النكاح والطلاق والرجعة..)
يعني مستحيل أمزح في موضوع مثل هذا..
حينها قطب الجد جبينه: يأبيك.. من جدك ذا الحكي؟؟.. بروحك تقول مايجوز المزح في ذا السوالف..
كساب هتف بأكبر قدر من الجدية: والله العظيم يبه إنه من جدي..
إبي يبي يخطب عندك بنتك.. بس خايف تردونه.. وأنت داري قدر إبي مايسمح تردونه ثالث مرة..
حينها هتف الجد جابر بحزم: أجل قل له لا يخطب..
يا أبيك اللي مضى ماعاد يرجع.. أنا لو أنه بيدي كان قلت لك جيب المملك أملكه ذا الساعة..
بس مزنة ماقدرت عليها وهي أم 15 سنة.. أقدر عليها ذا الحين..
مزنة أم عيال ذا الحين.. ولا عاد لها في العرس حاجة.. جعل عمر تميم طويل..
كساب لم يتوقع مطلقا أنه قد يواجه هذه المعارضة من الجد الذي يحب زايد أكثر من ابن حتى..
لم يعلم أن معارضة الجد لم تكن معارضة في ذاتها.. فربما كان هذا الأمر من أكثر الأمور التي تمناها في حياته..
لكنه أراد أن يجنب زايد مرارة رفض ثالث يعلم أنه قادم لا شك..
فهو يعلم فعلا إنه إن كان لم يقدر على مزنة وهي صغيرة.. فكيف يقدر عليها الآن؟؟ كيف يقدر عليها الآن؟؟
تصاعد ضيق غريب في روح كساب.. إذا لم يسانده الجد.. فمشروع الزواج فاشل لا محالة..
حينها قرر تغيير الاستراتيجية واللعب على اتجاه آخر..
هتف كساب ببساطة حازمة: يبه ليه ظنك إبي يبي عمتي؟؟
الجد بنبرة قاطعة: وش يدريني يابيك.. يمكن عادها في خاطره من ذاك الزمان..
كساب بحزم وهو يقترب من الجد أكثر ليهمس في أذنه بنبرة اهتمام:
يبه عمتي مزنة لين الحين وهي حسرة في قلب إبي..
انتفض الجد: الحسرة في قلوب عدوين أبو كساب..
حينها ابتسم كساب: بس أنت تبي تخليها في قلبه لين يموت..
يبه ليه تباعد السالفة كذا.. بعيد الشر عنكم كلكم.. وجعل عمر تميم طويل في الطاعة..
حد ضامن عمره.. عمتي مزنة ماعندها إلا ذا الولد الله يخليه لها..
وبدون قصور في تميم.. لكن مهما كان بتحتاج لها حد يتكلم يسنع أمورهم ويخلص أشغالهم..
ولا خذت إبي بيصير عندها فوق الولد.. ثلاثة عيال..
الجد بدأ يشعر بالصداع من هذا التفكير.. هتف بذات تفكيره المحموم: هذا أنت ولدها..
كساب شعر بالانتصار لأنه علم أنه أثار بلبلة في ذهن الشيخ فهتف بثقة: يبه أنت عارف يباس رأس كاسرة.. لو مارضت ترجع لي..
أي ولد أنا... مهما كان مهوب طالبين مني اللي يبونه..
أنت داري إنه أول كنت أخلص لعمتي أشغالها وأكفي تميم.. لكن من عقب زعل كاسرة ماعاد طلبت مني شيء..
يبه طال عمرك..خل عمتي مزنة تضمن لها رجّال وعيال.. ولبناتها أب تدري إنه مهما صار لهم من عقبك إنه بيكون وراهم سند قوي..
يبه عمتي مزنة ماحد يقدر يغصبها.. بس على الأقل لا تقوي رأسها.. أنت عارف المصلحة وين ولازم تسويها...
*************************************
" يأمش ماتبين شيء؟؟"
جميلة بإرهاق وذبول وهي تحتضن زايد بين ذراعيها: لا يمه فديتش.. والله ما أبي شيء..
أساسا بارقد زايد وأرقد معه..
عفراء بقلق: يأمش.. بسش رقاد..
جميلة هزت كتفيها بيأس: ومن قال لش رقدت.. يمكن الحين أقدر أرقد عشان زايد قريب مني..
عفراء تحمل حقيبها وتهمس بحنان: إن شاء الله ما احنا بمبطين.. وعقب بأرجع أنا ومزون هنا.. مزون تحاتيش واجد وتبي تشوفش..
جميلة بذات النبرة الذابلة: خير يمه.. أنتظركم..
عفراء خرجت.. وجميلة كما لو كانت تنتظر خروجها.. لتعاود الإنفجار في البكاء..
إحساس مرارة وخذلان عميق يلتهم روحها..
لم تتخيل أبدا أن يكون هذا ختام حكايتها مع خليفة..
أن يبيعها بهذا الرخص!!
" هو باعني وحن عادنا في المطار..
وش فرقت الحين؟؟
مهوب أنا اللي كنت أبي أعطيه فرصة للاختيار ..هذا هو اختار..
زايد الصغير انفجر في البكاء.. جميلة كفكفت دموعها بجزع:
آسفة حبيبي آسفة.. روعتك...
وش أسوي بأختك الخبلة اللي تبكي على المقفي.. وهو مادرا عن هوا دارها..
خلاص لا تزعل علي.. وعد علي ما أبكي.. بس لا تبكي أنت فديتك..
********************************
" السلام عليكم يمه..
وين البنات؟؟ "
مزنة تضع الحاسوب الذي كانت تعمل عليه جانبا وهي تهتف بجبين مقطب فهي مازالت عاتبة على كاسرة:
راحوا لشعاع يهنونها سلامة أخيها.. ويشوفون لو هي تبي شيء يسوونه نيابة عنها لأنهم قدموا عرسها.. ويمكن ماتلحق تجهز شيء..
كاسرة همست بإرهاق: إيه والله نسيت.. وضحى قالت لي أصلا..
مزنة بذات الجبين المقطب: اللي ماخذ عقلش يتهنا به.. ما ألومش ماعاد لقيتي حد يتعلبش على الدرايش عشانش..؟؟
حينها ابتسمت كاسرة وهي تجلس جوار والدتها وتحتضن عضدها:
بس يمه مهيب حلوة فكرة إن حد يتعلبش الدرايش عشانش؟؟
تحسين كأنش أميرة في قصة خيالية..
مزنة بذات تقطيبها ونبرتها المقصودة: لا والله.. تدرين إني متضايقة واجد..
عشان كساب مهوب عشانش.. أجعته واجد في الحكي.. وماخليت شيء ماقلته له..
حتى شوفته حرمت نفسي منها وأنتي عارفة زين غلاه عندي.. وكله من سبايبش يا الأميرة..
حرقتي قلب الصبي لين تعلبش على الدرايش وسوى المنقود..
حينها اتسعت ابتسامة كاسرة وهي تهتف بنبرة مقصودة:
دامش مشتاقة له.. ومهوب هاين عليش زعله.. خلاص أرضيه.. وتزوجي إبيه..
مزنة انتزعت عضدها من ذراع كاسرة وهي تستدير بجسدها كاملا نحو كاسرة وتهتف بغضب:
المزحة السخيفة ذي لو سمعتها من وضحى أو سميرة.. يمكن أبلعها.. بس منش عاد...
كاسرة بثقة: وفعلا ليش أمزح في موضوع ما ينمزح فيه..
مزنة بذات الغضب: كاسرة تلايطي.. وعيب عليش ذا الكلام..
كاسرة تنهدت ثم هتفت بجدية صارمة: يمه أنا أتكلم من جدي والله العظيم.. عمي زايد يخطبش..
وش رأيش؟؟
مزنة وقفت وهي تهتف بحزم: رأيي إنش استخفيتي.. وعمش زايد استخف كنه موافق على ذا الخبال..
******************************************
" شعاع يا الخبلة
قومي.. فيه وحدة عرسها عقب 3 أسابيع وتبكي كنه ميت لها ميت"
شعاع تمسح وجهها المحمر من البكاء والذي ازداد مع شفافية الدموع شفافية فوق شفافيته وتهتف باختناق:
زين وش تبوني أسوي.. حاسة إني مخنوقة من كل صوب..
كنت مأجلة التفكير في كل شيء لين أتخرج.. كبوا كل شيء فوق رأسي..
سميرة بحماس: قومي يا الخبلة.. خلينا نسوي مخطط لش للأشياء اللي تبينها..
وإحنا بنسوي كل شيء.. هذا إحنا صيع ماورانا شيء لا رجعنا من الدوام
وأنتي أبد لا تشغلين بالش شيء.. حطي همش في المذاكرة..
شعاع بذات النبرة المختنقة : والله العظيم مالي نفس في شيء..
ليش أشتري وأتزين وأتعدل.. لمن؟؟
ورجالي أساسا تعبان وبدل ما نروح شهر عسل.. رايحين رحلة علاج..
وضحى بتشجيع: تتعدلين عشانش وعشان نفسش وعشان تحسين إنش عروس صدق..
وحتى لو رجالش المسكين مريض ماراح تفتحين نفسه شوي وتحسسينه إنه مهما كان عريس..
يا الله قومي قومي.. خلينا نسوي الجدول.. أنتي بس عطينا الميزانية.. والله لنخربها ونسوي لها اختلال..
**************************************
" يبه أنا أبي أسوي عرس للرياجيل بعد!!"
زايد يلتفت لعلي ويهتف باستغراب: نعم؟؟ تبي تسوي عرس؟؟
يأبيك أنت داري إنه أفرح ماعلي شوفتك بالبشت وأسوي لك عرس أعزم عليه خلق الله ومن خلق..
بس أنت فيك حيل تقعد قدام الرياجيل...؟؟
ابتسم علي بإرهاق: على قولت عمي اللي قالها لك (فيه شيء أبدى من شيء)
وهذا أنا الحين أحسن..
هذا أنا قاعد معك على الكراسي ماني بعلى السرير..
ومن يوم دخلت المستشفى وأنا أحسن لأنهم على طول مركبين على المغذي ويعطوني إبر فيتامينات وفاتح شهية..
يعني على وقت العرس بأكون أحسن بعد..
ويبه ربعي كلهم منتظرين عرسي.. وحتى الوزير كان يسألني يقول لي متى عرسك؟؟
مايصير الحين أعرس سكيتي.. مهيب حلوة في حق منظري قدام شغلي.. ولا حتى معارفك الواجدين..
ابتسم زايد: جعلك إن شاء الله في زود.. وقدرك كبير في عيون ربعك..
أبشر بالعرس اللي ماصار في الدوحة مثله..
والحين بأتصل في مدير مكتبي يستعجل طباعة الكروت...
وماراح يكون فيه مشكلة عنده لأن أسماء المعازيم مسيفة عنده من أيام عرس كساب..
معازيمي ومعازيمك ومعازيم عمك وكساب وجماعتنا اللي هم هم جماعة أبو عبدالرحمن.. كلها مخزنة عنده..
***********************************
" الحين تميم من البارحة لين اليوم وأنت منشف ريقي
قصدي تعبت إيدي عشان أطلع بسالفة تونسني منك"
تميم ابتسم وهو يشير لها: ليه أنتي خليتي لي مجال أتنفس..
أول مرة أشوف حد ممكن يهذر بالإشارة كذا..
هذا وأنتي باقي إشارات ماتعرفينها .. بكرة لا عرفتي كل الإشارات أشلون بألحق عليش..
سميرة تكبر في وجهه بطريقة كوميدية وتشير: الله أكبر.. تبي تطسني عين..
وإلا هذا كله عشان أساسا ماعندك سالفة أرز وجهي فيها..
حينها اقترب تميم منها أكثر ليمسح على خدها بسبابته.. لتتراجع هي بخجل ويكف يده وهو يشير بتقصد:
إذا أنتي طليتي في وجهي واحنا بزران ببراءتهم.. وتبين تحاسبيني عليها..
مهوب كافيش تغترين ذا الشهور كلها اللي حرقتي قلبي فيها وأنا ساكت..
أشوف عيونش وأتنهد.. واشوف شفايفش وأتنهد.. واشوف زولش وأتنهد......
سميرة قاطعته وهي تشير بخجل عميق وإحمرار وجهها الشفاف بدا كإحمرار الدم:
بس تميم خلاص..
تميم مستمر في الإشارة بذات التقصد وعيناه تطوفان بها:
لا مهوب خلاص..
تقولين لي وسع الخاطر.. زين باوسع الخاطر والله يصبرني..
بس بعد أنتي لا تصيرين صكة.. وأقل لمسة مني تجفلش..
تحسسيني كني وحش........
وأنهى إشارته بأن مد يده ليحتضن كفها.. حاولت أن تمنع دقات قلبات من التصاعد..
لا تعلم ما الذي يحدث لها ما أن تشعر بدفء أنامله.. أما حين شعرت بدفء أنفاسه على أناملها..
لم تستطع إلا أن تشدها وهي تشير له بدقات قلبها المتصاعدة:
طيب أنا أوعدك ما أصير صكة.. بس خلنا نسولف أول..
أبي أسألك عن شيء؟؟
تميم تنهد: إسأليني..
سميرة بإشارة مقصودة: وش رأيك في فكرة إن أمك تتزوج؟؟
ضحك تميم: أدري دمش خفيف وراعية نكت.. بس مهوب لذا الدرجة عاد.. تبين تزوجين أمي..
ومن تزوجينها؟؟ شايب في السبعين تخدمه أمي؟؟
سميرة بذات الإشارة المقصودة: خلنا نتكلم جد شوي.. وهي مجرد فكرة..
لا مهوب شايب.. وواحد توه في الخمسين وبصحته ومايبي أمك تخدمه..
تميم حينها أشار بضيق: ترا فيه أحيانا سوالف حتى الأخذ والعطا فيها يضيق الخاطر..
سميرة حاصرته أكثر: هذا كله تتهرب من الإجابة؟؟
تميم أشار لها بشكل مباشر: وليش أتهرب؟؟ طبعا لا.. مستحيل أوافق أمي تتزوج..
حينها تغير وجه سميرة وقطبت جبينها وهي تسأل تميم: وليه؟؟ شنهي أسبابك؟؟
تميم بجدية: مافيه رجال فيه خير يرضى أمه تتزوج..
سميرة بغضب: لا لا تقول مافيه رجال فيه خير.. قل مافيه رجال أناني ومظهره قدام الناس أهم عنده من أي شيء يرضى أمه تتزوج..
تميم أشار بغضب مشابه: أنتي تبين لش سبب تهادين عشانه؟؟... الحين أمي وش حاجتها تعرس.. الخير وواجد وعيال وعندها..
المرة تعرس لأنها تبي حد يضمها ويصرف عليها أو لأنها تبي عيال..
سميرة نظرت له بنظرة مباشرة: الحين أنا أشتغل وماني بمحتاجة إنك تصرف علي..
ويمكن الله ما يكتب إنه احنا نجيب عيال... نتطلق يعني بما إن هذا هو سبب الزواج الوحيد؟؟
تميم يتنهد وهو يحاول مجاراتها: لا طبعا.. لأنه الإنسان محتاج شريك روح قبل أي شيء..
حينها كما لو كانت سميرة أمسكت بصيد ثمين: وأمك يعني ماتستحق شريك حياة بعد مادفنت عمرها في تربيتكم..
مايحق لها تعيش اللي باقي من حياتها مع رجّال يكون فعلا سكن لروحها..
تعرف حالتك بتكون نعمة من رب العالمين... الناس بيتكلمون.. خلهم يتكلمون لأن كلامهم ماراح يوصلك ولا يوجعك..
تميم بغضب: ويعني عشاني ما أسمع.. أخلي أمي تتزوج.. وعادي خل الناس تأكل وجهي من وراي..
أنتي يعني عشان ماتبين تعطيني حقي.. سويتي هالمشكلة كلها عشان مجرد نظرية عمرها ماراح يصير..
خلاص قولي ما أبيك... بدل ما تحرقين أعصابي بذا اللفة الطويلة...
حينها وقفت سميرة وهي تهتف بتأثر فعلي عميق وتمنع نفسها من البكاء ليس لأجل موضوع زواج عمتها ولكن لأجلها:
تذكر في أول يوم لزواجنا لما ضربتني لأنك تشك فيني..
تميم شعر أن قلبه يعتصر بقوة.. لماذا تذكرت هذه الحادثة التي يريد نسيانها؟؟
ولكنها أكملت بذات التأثر العميق وصوتها يختنق بالعبرات وهي تستعد لمغادرته جالسا:
كنت تسأل نفسك.. ليش وحدة مثلي توافق عليك..؟؟
الحين أقول لك..وافقت لأني كنت أظن نفسي محظوظة فيك وأنا أحسبك رجّال مختلف..
كنت أحسب إن في داخلك عمق إنساني مافيه رجال ثاني يقدر يوصل له..
لكن أنت طلعت مثلك مثل الباقيين.. رجولتكم الرخيصة أهم عندكم من أي شيء ثاني..
منظرك طلع عندك أهم من أمك.. ومستعد تدوسها وتدوس مشاعرها عشان رجولة الخرابيط اللي لازم تحافظ عليها..
الرجّال صدق ما يظلم.. ولا يقهر.. ولا يشوف هله آداة لتغذية غروره..
ما أقول غير خسارة ظني فيك.. خسارة..!!
**************************************
كانت عالية نائمة حين رن هاتفها.. فقد اعتادت ألا تضعه على الصامت خوفا أن تحتاج والدتها شيئا وهي نائمة..
تناولت الهاتف بنعاس لتنظر للرقم المضيء في الظلام.. ردت بنعاس:
تدري إنك ماتستحي...
أجابها عبدالرحمن بابتسامة دافئة: وأنتي تدرين إن صوتش وأنتي نعسانة كذا يذبح..
أجابته بذات النعاس: وأنت شكلك تخرف والغيبوبة أثرت على مخك..
لاني يقولون لي إن صوتي مايفرق إن صوت أخواني..
إلا عاد لو صوت هزاع يذبحك هذا شيء ثاني..
عبدالرحمن ضحك: يا الخبلة فيه وحدة تقول لرجالها إن صوتها كنه صوت أخوانها..؟؟
عالية اعتدلت جالسة وهي تبتسم: والله أنا وحدة صريحة ..
وخصوصا إنه فيه ناس مخوفيني إنهم يكرهون الكذب وبيقصون رقبتي لو كذبت..
عبدالرحمن حينها هتف بدفء مقصود: أمانة عليش تقارنين صوتش اللي يذوب شرايين قلبي شريان شريان.. بصوت هزاع اللي كنه مكينة سيارة مخروقة..
عالية ضغطت جانبي رأسها بين إبهامها ووسطاها وهي تهتف بخجل طبيعي:
عبدالرحمن لو تبي تكلمني وأرد عليك قلت لك بلاه ذا الكلام وذا النبرة..
أو تدري بلاها تكلمني مرة وحدة.. تخيل منظري قدام هلي لو اكتشفوا إني أكلمك..
عبدالرحمن بابتسامة: الحين تبين أصدق إنش ماخفتي وأنتي تنطين عندي في المستشفى... بتخافين يكتشفون أنش تكلميني..
خلهم يكتشفون.. ماسويت شيء غلط.. أكلم مرتي وحلالي..
عالية أنا دكتور جامعة وداخل على 32 سنة وآخرتها تبيني أخاف أنه أحد يدري إني أكلم مرتي..
لو ذا السالفة مرعبتش خذت أذن من عمي خالد... وبلا ماتكونين مرعوبة لما تكلميني..
لأني مستحيل من الحين لين نتزوج أقعد ليلة وحدة ماسمعت صوتش..
عالية بجزع: لا عبدالرحمن تكفى.. ماتقول لأبي شيء.. مهما كان هذي عوايدنا..
عبدالرحمن بتلاعب: طيب ولو طلبت أشوفش... عمي خالد راعي دين.. ماظنتي يردني من شيء ربي حلله.. يعني شوفة شرعية مرة وحدة..
مع إنها المفروض قبل الملكة.. بس ماعليه.. على قولت المثل (العوض ولا الحريمة)
عالية تفجر وجهها احمرارا: تسويها عبدالرحمن من جدك؟؟ لا لا أكيد تمزح؟؟
عبدالرحمن بذات التلاعب الواثق: أفكر.. بصراحة فكرة مغرية يمكن ماتخليني أرقد الليلة من التفكير....
****************************************
صباح اليوم التالي
.
.
.
.
" هلا وش فيش صاحية بدري؟؟
مزون التي كانت ترتشف كوبها همست بمودة: بأمر خالتي ثم أبي أمر علي شوي.. وعقب أبي أخلص أشغالي.. لأنه العصر عندي محاضرة.. وماراح أخلص إلا عقب المغرب
ثم ابتسمت: ورانا عرس.. عرس.. لازم نلحق..
كساب ابتسم وجلس: شكلها عروس.. مهيب عرس واحد بس..
مزون تبتسم: لا ..ما نسينا إبيك.. بس هذا حالة سبيشل.. مابعد خلصت أنت جس النبض؟؟
كساب يتنهد: اليوم إن شاء الله أخلص.. وأنا يوم اتكلم عن عروس.. أقصد عرسش أنتي بعد.. ولا تتهربين مني..
ولا تظنينه خافي علي إنش تهربين.. ماتبين ولد الناس قوليها بصريح العبارة.. لا تعلقينه كذا..
شهر كامل تفكرين؟!!
مزون صمتت بخجل بينما كساب أكمل بجدية حازمة: البارحة كان غانم عندنا يزور علي..
والله العظيم وجهي منكسر منه...
اسمعيني.. لا تقولين علي وإبي.. هذا هم طيبين واثنينهم بيعرسون..
لكن لو سمعت خبالش بأفكر وافكر.. لين متى؟؟
عرس علي عقب 3 أسابيع وإبي بيسافر معه.. وما يندرى كم يقغدون..
خلاص الرجّال بيدري إن هذا رفض.. وليته حتى رفض بسنع.. سفهناه بدون رد..
اسمعيني تفكير... أدري إنش فكرتي بدل المرة ألف.. الحين تقولين لي ردش أبلغه فيه..
موافقة ..خلي ولد الناس يتملك قبل سفر إبي..
ما تبينه.. خلاص ابلغه ويشوف نصيبه..
الحين تقولين لي ردش.. الـــــحـــيـــن !!
*************************************
" سميرة وش فيش شكلش تعبانة؟؟"
سميرة بحياد مرهق: مافيني شيء؟؟
ثم أردفت بتساؤل: أنتي وش سويتي مع عمتي؟؟
كاسرة ابتسمت: رأسها يابس.. وأنتي مع تميم؟؟
تنهدت سميرة بألم: رأسه أيبس مرتين.. ماهقيته كذا..
حينها هتفت كاسرة بجدية: شكل ذا السالفة كلها مالها طريق.. مع إني والله العظيم تمنيت بشكل.. إنه صدق عمي يتزوج أمي..
سميرة حينها ابتسمت: أفا كاسرة تستسلم بذا السرعة.. تونا يا بنت الحلال مانزلنا بثقلنا في السالفة..
كاسرة بذات الجدية: ما استسلمت.. وتو الناس على ذا الكلام..
بس تدرين من اللي خايفة إنها تنسف السالفة كاملة ؟؟... وضحى..
لأني عارفة اللي بيصير.. إذا درت.. بتسوي مناحة وتبكي.. وأمي بتخليني..
وأمي لا شافت دموعها عصبت وحلفت مايصير شيء أساسا..
سميرة بقلق: ماظنتي وضحى عقلها صغير كذا؟!!
كاسرة بثقة: مهوب صُغر عقل.. لكن وضحى أصغر وحدة فينا.. الحشاشة.. وهي اللي حاسة إنها محتاجة لأمي أكثر شيء..
ولا تنسين إن وضحى حساسة واجد..
فاجئهن دخول وضحى عليهن وهي تهمس بابتسامة: سامعة اسمي.. وش تخططون علي..
ابتسمت سميرة: نبيش في سالفة!!
ضحكت وضحى: جايبين لي عريس... أخيرا بأودع العنوسة ؟!!
كاسرة بحزم باسم: ماعليه أنتي المرة الجاية.. الحين جايبين عريس لأمش!!
#أنفاس_قطر#
رواية بين الامس و اليوم الفصل الثامن والستون 68 - بقلم HaboOoshy
رواية بين الامس و اليوم الفصل التاسع والستون 69 - بقلم HaboOoshy
كان جالسا عند علي النائم حين وصلته رسالتها...
بينما والده مازال في الطريق بعد أن غادره آل ليث الذين حلف عليهم بالعشاء..
كاد يقفز ويصرخ بانتصار.. فهو كان شبه يائس بعد أن بلغه الجد جابر عصر اليوم أن مزنة رافضة تماما وكذلك تميم..
فما الذي حدث وقلب الموازين هكذا؟؟
كان قد بدأ يفكر أفكارا جنونية لإعادة كاسرة لا يعلم كيف ستنجح..
فإذا بالبشارة تصله في رسالتها المتكبرة مثلها:
" أمي وافقت وتميم بعد..
وتراه عشان خاطر عمي زايد بس
فلا تفكر إنه ممكن يصير شيء غير زواجهم وبس"
ليس غبيا ليعلم ماذا تقصد بسطرها الأخير.. لن يثير ريبتها بشيء..
لأنه سيحدث أكثر من زواجهما بكثير.. ولكنه يجب أن يعتمد على سلاح المباغتة..
لم يستطع مقاومة فرصة سماع صوتها الأثيري مادامت الفرصة ماثلة أمامه..سيكون غبيا إن ترك الفرصة تفلت منه..
وهو اعتاد على اقتناص الفرص مهما كانت درجة نجاحها ضئيلة!!!
اتصل بها.. حينها كانت تدخل غرفتها وهاتفها بيدها بعد أن أرسلت له الرسالة..
تنهدت بحرارة كحرارة اشتيتقها لهذا اللئيم المتلاعب!!..
لم تكن تريد أن ترد.. لكنها تعلم ماسيحدث.. إن لم ترد.. سيتهمها فورا بالجبن..
ردت عليه بسكون: أنت مهوب خلاص سويت اللي في رأسك ليش متصل الحين؟؟
أجابها بثقة: أنا لما بلغتش بالخطبة.. مابلغتش في مسج.. لكن اتصلت..
والسنع إنش أنتي بعد تتصلين وتبلغيني..
كاسرة بسخرية: تدري عاد كلمة السنع كلش مهيب لايقة عليك..
لأني أشك إنك تعرف شيء اسمه السنع..
حينها هتف ببرود: والله أشوف لسانش طايل.. ويبي له تقصير..
كاسرة بثقة: طول عمره طويل في الحق.. ومايقصره إلا اللي خلقه..
رد عليها كساب بذات بروده المتحكم: خوش أسلوب تكلمين فيه رجالش..
حينها همست بشجن عميق مغلف بنبرتها الحازمة: تصدق كساب صرت أشك إنه حن في يوم من الايام كنا متزوجين..
ما أدري أشلون استحملتك.. أكيد كنت عايشة في غيبوبة..
حينها همس بدفء غريب شعرت به يشعل خلايا قلبها:
ترا أحيانا الإنسان من كثر مايكون سعيد يحس إنه في غيبوبة..
أو من كثر ما يحب.. أو من كثر مايحس الحياة قصيرة وتجري..
أنتي أي وحدة فيهم؟؟
كاسرة أغمضت عينيها وهي تسند رأسها لركبتها وهاتفها مازال على أذنها..
وكأنها دون أن تشعر تريد أن تنفصل عن هذا العالم.. لتحلق مع صوته فقط..
صمتت.. غرقت في صمت غريب ولم ترد عليه.. كأنها تريد أن تسمع أنفاسه فقط تجاوب أنفاسها عبر الأثير..
لذا أكمل هو حديثه بذات النبرة الدافئة التي يبدو أنه يعلم تأثيرها:
يعني كاسرة لا تكونين صدق صدق من مكفرات العشير..
كأنش ماشفتي مني شيء حلو... ترا مثل مافيني عيوب كثيرة.. فيني مزايا كثيرة..
همست حينها بعمق: بس مزاياك آجعتني مثل عيوبك.. وش مزايا ماحسيتها لي في يوم؟؟
حنانك لغيري.. واهتمامك بغيري.. وكلامك الحلو لغيري..
وعلى العموم خلنا من هذا كله.. وش عاد يفيد الحكي..أنا ابي أدري وش تستفيد من تقليب الدفاتر القديمة؟؟؟ تبي توجعني وبس!!
شعر برعشة حادة تجتاحه وهي تبدأ كلامها بقولها أنه آلمها وتختمها أنه آلمها..
هتف بثقة: عمرها ماراح تكون دفاتر قديمة..
ولا يخطر ببالش إني ممكن أخليش في يوم..
همست حينها باختناق ماعادت تستطيع كتمانه.. نبرتها شعر بها تمزق وتين قلبه تمزيقا (أتبكي؟؟ أم توشك على البكاء؟؟) :
أنا تعبت منك يا كساب.. تعبت.. خلاص ارحمني الله يرحم والديك..
وش تبي أكثر.. هذا أنا أترجاك ..
حديتيني أترجأ وأنا عمري ماسويتها.. خلاص ارتاح..
ثم انهت الاتصال هي وهي تلقي هاتفها على السرير.. وتنخرط في بكاء محموم موجوع فعلا..
لا يريد أن يرحمها أبدا.. لا تعلم ماذا يريد منها أكثر..
ألا يعلم كم هي متعبة وتعاني بعيدا عنه..
ولكنها بجواره كانت أكثر تعبا بكثير.. بكثير!!
فلماذا يريد أن يذر ملحا على جروحها التي كلما حاولت إغلاقها جاء بسكاكينه ليفتحها بدون رحمة؟؟
كان شاردا تماما..
أ حقا كانت كاسرة هذه ترجوه..؟؟
أي حال من اليأس والبغض وصلت لها.. لدرجة أنها ترجوه حتى يبتعد عنها..؟؟
أ كاسرة ترجوه؟؟ ماذا فعل بها؟؟
أخرجه من شروده صوت علي الباسم: أنت ومرتك مامليتوا من حركات المراهقين..؟؟
يا أخي اللي يسمع صوتك وأنت تكلمها يدري إنك رايح فيها من السنة اللي فاتت..
أجابه كساب بسكون كأنه يحادث نفسه: وأنت يا الجني.. نحسبك دايما راقد إلا أنت قايم علينا كنك سكني..
زين أنت دريت إني رايح فيها من السنة اللي فاتت.. هي مابعد درت..
علي حينها اعتدل جالسا باستغراب لأول مرة بعد زواج كساب يسمعه يعبر عن مشاعره بطريقة مباشرة.. لا إلتفاف فيها..
هتف علي بشجن: تبيها تعلم الغيب.. وش بيضرك لو قلت لها بدون لفاتك الطويلة اللي مالها معنى..
كساب حينها كما لو كان يستقيظ من سهاد ما.. هتف بحزم:
رجاء علي.. أظني قبل قلت لك.. إني ما أقبل نصايح من حد في علاقتي مع مرتي..
علي هز كتفيه وهتف بحزم: زين براحتك.. خلك على حر الجوف اللي أنت فيه..
قبل أن يرد كساب كان زايد يدخل وهو يلقي السلام...
علي وكساب ردا السلام.. ثم هتف علي باهتمام: ها يبه وش اتفقتوا عليه؟؟
ابتسم زايد: ماقالك كساب؟؟ توني قلت له في التلفون..
ابتسم علي وهو ينظر لكساب: سمعت مكالمة غير مكالمتك.. وش اللي صار؟؟
زايد بثقة: يخلصون الفحص الطبي وأملكهم..
حينها هتف كساب بتلاعب: وأنت بعد سوو الفحص الطبي مع بنتك بالمرة دامك رايح رايح..
زايد التفت لكساب بحدة وهو ينهره بقسوة: أنت ما تخلي نغاز الحكي اللي ماله سنع..
كساب ابتسم بخبث: أفا يا بو كساب.. وأنا اللي كنت أبي أقول لك.. خلاص
روح اخطب بكرة.. عشان الجماعة كلهم موافقين... وينتظرون جيتك..
رصــــــــــــــــاصـــــــــــــة!!
رصـــــــــــاصـــــــــة !!
رصــاصــة تماما !! في المفاجأة والمباغتة والتأثير!!
الخبر كان لزايد رصاصة خاطفة مفاجئة مسنونة!!
رصاصة اخترقت صدره وخرجت من ظهره.. بمباغتة ومن مكان قريب جدا..
حاول ألا يظهر تأثره..ولكن جسده أبى..
جلس على أقرب مقعد وهو يشعر أنه عاجز عن الوقوف..
ربما لم يظهر شيء من ثورة براكين داخله على ملامح وجهه المعقودة بصرامة كالعادة..
ولكن في داخله ثارت براكين لا حدود لامتداد حممها!!
شعر أنه ربما لو حاول فتح شفتيه فربما ينفث حمما لاهبة مع أنفاسه!!
شعر أن الغرفة حوله تدور وتدور وتدور.. وأنه يرى أشباح ذكرياته لثلاثين عاما تسبح حوله وتتجاذبه بقسوة..
رغم كل ماقالوه له أبناؤه قبلا وهو يوافق على جنونهم بالخطبة..
ولكنه لم يسمح لنفسه سوى بطيف أمل مستحيل يداعب خيالاته المرهقة..
فلا ضرر من الأمل!!
ولكن أن يتحول الأمل المضني الآن إلى حقيقة واقعة.. كيف سيحتمل؟؟
تحلم حلما مسحيلا لثلاثين عاما.. حلم.. محض حلم.. ثم يتحول لحقيقة!!
أي جنون هذا؟!!
ومتى كانت الأحلام المستحيلة تتحقق إلا في عالم العجائب؟؟
وهو لا يعيش في عالم العجائب.. بل يعيش على الأرض التي صفعته بقسوة ووحشية لا رحمة فيها
وهو يتمزق برؤيتها تذهب لرجلين أمام عينيه بينما كان يظنها حقه وحده!!
أخذوا حقه منه ومنحوه لغيره وحين يأس من استعادته.. أعادوه له!!
الدنيا لا تسير بالمقلوب.. فلماذا سارت بالمقلوب هذه المرة؟؟
بــاخــتــصــار.. هو عاجز عن التصديق !!
أتصدق لو قالوا لك أن الشمس التي حلمت بمجرد ملامستها.. ستنام في حضنك؟؟
قد تجن وتصدق !!... ولكن ألا تخشى أن تحرقك الشمس؟!!
أتصدق لو قالوا لك أنك ستسكن فوق قمة جبل يستحيل الوصول له وحلمت بمجرد الوصول إلى سفحه؟؟
قد تجن وتصدق!! ... ولكن ألا تخشى أن أقل حركة ستسقطك من القمة؟؟
أ تصدق لو قالوا لك أن النجم البعيد الذي حلمت بمجرد الاقتراب منه واكتشاف معالمه سيصبح ملكك أنت؟؟
قد تجن وتصدق!!.. ولكن ألا تخشى أن ماقد تكتشفه قد يصدمك أو يقتلك؟؟
أ تصدق لو قالوا لك إن مزنة.. حلمك المستحيل.. الأصعب من قرب الشمس وقمم الجبال واكتشاف النجوم ستصبح لك؟؟.. زوجتك وملك يمينك؟؟
قد تجن وتصدق!!... ولكن ألا تخشى أن تصحو من حلمك على مرارة لا يمكن لقلبك أن يتداركها؟؟
لأن الأحلام المستحيلة لا تتحقق هكذا.. لا تتحقق هكذا.. لا تتحقق هكذا !!!
كساب حاول جذبه من طوفان أفكاره وهو يتساؤل بثقة: ها يبه !! تروح تخطب بكرة؟؟
زايد أجابه بنبرة حازمة هي نبرة اعتادتها حباله الصوتية بينما ذهنه مغيب في عالم آخر.. بعيد.. بعيد.. مذهول مثقل بالصدمة !! :
خير.. خير..
********************************
" ياربي ياعبدالرحمن.. حرام عليك اللي تسويه فيني..
صرت كل ما رن التلفون.. ارتبش أخاف حد يلمح رقمك
وبعدين أنت قايل لي بتكلمني مرة وحدة قبل تنام.. الحين هذي خامس مرة تكلم اليوم"
عبدالرحمن باتسامة: أفا يا بنت خالد أفا... وتعدين المكالمات بعد!!
أنا واحد مسكين ما أقدر أقوم من سريري حتى.. وميت من الضيقة..
مستكثرة علي تسمعيني صوتش يعني؟!
عالية بتراجع عذب: مهب قصدي كذا يا الدب حرام عليك!!
عبدالرحمن ضحك: وش قلنا على سالفة الدب ذي يا اللي ماتستحين..
عالية بمرح: زين أنت أساسا منت بدب.. بس دغبوج شوية..
يعني لا تدقق على المصطلحات..
عبدالرحمن بابتسامة: بس هذا مهوب مصطلح طال عمرش.. هذي شتيمة..
بس مردودة.. دواش لا شفتش.. عشان أطلع لش شتيمة..
يمكن يكون خشمش كنه مظلة دكان.. وإلا براطمش قدامش شبرين..
عالية بخجل حقيقي: لا عبدالرحمن ..ما تسويها.. من جدك تبي تطلب من إبي تشوفني..؟؟ استخفيت؟؟
عبدالرحمن بثقة: والله إني كلمته الليلة قلت له أبيك في سالفة.. بس هو قال لي إنه لاهي شوي
ثم أردف بخبث: قال لي رايحين يخطبون لأبو عيون عسلية..
عالية وجهها اشتعل احمرارا: حرام عليك عبدالرحمن لا تصير حقود كذا.. والله العظيم كنت أمزح.. ما تعرف المزح..
ثم أردفت بخجل لتغيير الموضوع: زين أنا بأكلمك كثر ماتبي.. بس تكفى لا تطلب من إبي تشوفني.. والله العظيم كذا بتكسر وجهي قدام هلي..
عبدالرحمن بابتسامة خبيثة: تدرين إنش كذا خوفتيني.. ليش خايفة ذا الكثر لا أشوفش..؟؟
لا تكونين قردة بس وما تبيني أشوفش لين أتورط صدق..؟؟
عالية بغضب: أنا قردة يا الدب..
عبدالرحمن يضحك: هاه .. هاه.. وش قلنا.. امسكي لسانش..
عالية بغضب رقيق: خلاص ما أبي أكلمك.. وش تبي بالقردة؟؟..
عبدالرحمن بمرح دافئ حنون: وأحلى قردة.. وباجيب لش موز ولا تزعلين..
عالية بغيظ: دب ودب ودب...
**********************************
" الحين أبيش تفسرين لي وشلون قدرتي على تميم وأمي؟؟
وليه تميم طلع معصب..؟؟
وليه أمي ضربتش؟؟ ولا تقولين ماضربتش لأن خدش مولع أحمر
أمي عمرها مامدت يدها على حد منا مهما عصبت عليه"
وضحى بسكون: مافيه شيء أفسره..
أضطريت أحتد في الحوار شوي عشان أقنعهم.. فتميم عصب.. وأمي ضربتني وين المشكلة؟؟
كاسرة بحزم: المشكلة إن كلامش غير منطقي..
وأساسا ليش تحتدين لين تضطرين هذا يعصب وهذي تضربش..
وش بتستفيدين؟؟
وضحى بحزم غريب: أبي لي أب.. أبي أجرب ذا الإحساس..
إبي مات وعمري سبع سنين.. مايحق لي الحين ألح يكون عندي أب..
كاسرة بحزم بالغ: الكلام هذا كله مادخل رأسي..
قولي بالضبط وبالحرف.. وش الكلام اللي قلتيه لهم وأقنعتيهم فيه؟؟..
وضحى وقفت وهي تهمس بذات الحزم الغريب:
خلاص كاسرة.. مهوب بالغصب تسحبين مني الكلام..
ترا أحيانا الكون يا كاسرة ما يمشي حسب ماتبين.. فيه شيء يصير غصبا عنش..
وشيء ماتقدرين توقفينه.. وشي لازم تنزلين رأسش شوي عشان يمر..
يعني ياقلب أختش.. شوي مرونة في الحياة ماراح تضرش..
ولا تتوقعين إن كل شيء تبينه.. لازم يصير بالمسطرة..
أحيانا ترا لازم نرضى بالرفض وأنصاف الحلول.. لأنه ماعندنا غيرها
وهذي طبيعة البشر.. لكن أنتي في برجش العاجي ماتبين تنزلين لمستوى البشر..
تبين كل شيء يمشي على كيفش.. تبين كل شيء كامل مثل كمالش والكمال في النهاية لله..
***************************************
" يبه ليه مارحت فديتك.. وخليت كساب هنا..
ولو أني والله ماني بمحتاج أحد.. أقوم بروحي وأقعد بروحي"
زايد بحنان أبوي: كساب أمسى عندك البارحة.. اليوم دوري..
وأدري إنك منت بمحتاج حد وبتقوم بروحك..
بس حن نبي بس نسولف عليك عشان ماتضيق من حبسة المستشفى..
حينها ابتسم علي: وإلا قل يا أبو كساب تبي تشغل نفسك فيه عشان ما تفكر..؟؟
زايد ابتسم بشجن عميق: يا أبيك.. التفكير حتى لو طقيت منه ماخلاني..
حينها سأل والده باهتمام: ما أدري يبه حاسك منت بمبسوط..؟؟
ثم أردف علي بشجن عميق مثقل بالوجع: لو أدري إن الله ممكن يجمعني باللي أحبها
لو حتى بمجرد أمل.. يمكن ماعاد قدرت أسيطر على روحي من الوناسة..
ثم أردف بابتسامة وجعها أكثر من مرحها بكثير : أخاف أستخف وأقوم أركض في الشوارع وأبشر كل واحد أشوفه في الشارع..
زايد ربت على فخذه لأنه كان يجلس على مقعد مجاور له وهتف بحنان:
ما تدري يأبيك يمكن يكون في عرسك خيرة.. وربي يغسل قلبك منها..
علي بذات الشجن العميق: يبه هذا أنت 30 سنة وربي ماغسل قلبك منها..
زايد ابتسم: يا أبيك حالتي غير.. أعرفها زين وأعرف أخبارها.. وعلاقتي ما انقطعت بهم..
لكن أنت يأبيك تحب شبح.. حالتك بصراحة غريبة..
علي ابتسم بمودة صافية: زين خلك مني.. أنت ليه حاسك منت بمبسوط..؟؟
زايد تنهد وزفر بحرارة جوفه المستعر: إذا بغيت الصراحة يا أبيك.. أنا لحد الحين ماني بمستوعب اللي صار.. والله العظيم ماني بمستوعب..
أنت ماعليك مخبى..
أنا يأبيك صار لي 30 سنة عايش حياتي.. ومزنة حافظها في قلبي ذكرى ماقدرت أنساها..موسومة في روحي..
لكن ما أكذب على روحي وأقول إن حسرتي عليها ماخلتني أعيش حياتي..
أنا عشت حياتي بالطول والعرض..
وربي أنعم علي بزوجة صالحة ومال وعيال وجاه.. وكنت مبسوط في أكثر حياتي.. ولله الحمد..
بس كان فيه شيء في حياتي راكد ميت.. شيء ناسيه من 30 سنة..
إحساس ما ينوصف بالكلام ومستحيل ينوصف..
بس كان لازم أكتمه في قلبي لأنه خلاص مالي حق فيه..
ضحك زايد ضحكة فخمة قصيرة مثقلة بالشجن والذكريات:
تدري يأبيك إني شتاي وصيفي كنت قاعد في دكتنا.. البرد يصقعني والشمس تخرق رأسي.. وما أحس بشيء..
ثم أردف بعمق والذكريات تستغرقه تماما كأنه يحادث روحه:
المهم مايفوتني زولها وهي طالعة وداخلة.. الله يسامحني.. كان جهل مراهقين..
بس يأبيك لو أحاول أوصف حالتي لا شفتها ما أقدر أوصف..
أحس إني ما أقدر اتنفس من كثر ما قلبي يدق.. وإيدي ترجف.. وريقي يجف..
وياويل اللي بأشوفه يحاكيها وإلا حتى يطالعها بنص عين..
تهاديت مع عيال الجماعة كلهم.. وماحتى كانوا يدرون ليه أنا هديت عليهم..
أستانس لا خليتها تعصب وتسب.. عمري ماشفت حد يعصب ويذوب القلب وهو معصب غيرها..
ومع ذا كله ومع طيش الشباب اللي كنت فيه.. عمري مافكرت حتى أمسك طرف إصبعها.. كنت أشوفها شيء طاهر مايدنس..
كنت أشوفها شمس بتحرق من يلامسها..
وأشلون وأنا أتخيل إنه ممكن أمسك يدها وأشوف زولها صدق..
أنا بس لا تذكرت حالتي أول.. أحس الذكرى توجعني..وقلبي يعصر عصر..
أشلون الحين ينقال لي الذكرى بتصير حقيقة..؟؟
يا أبيك واحد بعمري ومكانتي صعب عليه يحس بذا الإحساس..
عشان كذا أنا حاسس كني متبلد.. أو انا اللي أبي أحس إني متبلد...وأجمد كل أحاسيسي..
لأني خايف إنه أكون متوقع شيء.. واللي بيصير شيء ثاني..
يا أبيك تعودت أكون حاسب لكل شيء حساب.. لكن ذا الشيء أبد ماحسبت حسابه!!
ما ني بقادر أصدق لين الحين.. والله العظيم ماني مصدق..
علي لم يستطع أن يرد حتى.. من شدة تأثره..
يا الله.. يا الله كم هي عميقة ومتجذرة مشاعر والده.. وكم يستحق أن ينال مبتغاه..!!
ولكن أ يحدث له هو ذات الشيء..؟؟
أ قد تمر عشرات السنوات.. وأحفاده حوله... وتلك المعشوقة المجهولة حسرة لا تنتهي في قلبه المتيم..؟؟
هذا لو لم تذوب روحه من الحسرة قبل ذلك بكثير!!
****************************************
منذ أن أنهى صلاته وورده وهو يدور في الغرفة كالأسد الحبيس..
أنفاسه تعلو وتهبط ولا يستطيع الجلوس..
سميرة كانت تنظر له وهو في دورته هذه.. تراقبه بصمت..
تعلم يقينا أنه وافق مجبرا.. لا تعلم كيف تمكنت وضحى من إقناعه..
لكن هذا يستحيل أن يكون منظر شخص وافق برضاه..
حين شعرت أنه فرّغ الحد الأدنى من عصبيته..
وقفت واتجهت نحوه لتشده من كفه وتجلسه جوارها على السرير.. ثم صعقته صعقا أنها شدته إلى صدرها وهي تربت عليه..
حينها شعرت بارتعاشه بين ذراعيها.. يتجاوب مع ارتعاش ذراعيها الناتج عن خجلها الرقيق..
دفن وجهه في ثنايا صدرها وهي تشعر بعرقه المتصبب وازدياد ارتعاشه..
مسحت عرق جبينه برفق وهي تطبع قبلات حانية على رأسه كما لو كانت أما تهدهد صغيرها الخائف..
أبعدته بعد ذلك ذلك برفق رغم أنه لم يكن يريد إفلاتها.. ولكنها أبعدته لتشير له بحنان:
تميم ترا حتى لو وافقت عن غير رضاك..
صدقني إن هذا هو الصح.. لا تخلي أنانيتك تعميك إن أمك لها الحق تعيش حياتها مثل غيرها..
صمت لم يشر لها بشيء..
ماذا يقول؟؟ أ يقول لها أن أمه ماعادت مشكلته ولا سبب غضبه..بل السبب وضحى ولا شيء غيرها..؟؟
أشار لها فقط بإرهاق عميق: أنا تعبان.. وتعبت من التفكير..
حينها فتحت سميرة له ذراعيها مرة أخرى.. كأنها تدعوه أن تُسكن هذا القلق والحزن والصدمة المتجددة في عروقه..
ويسند هو رأسه فعلا إلى صدرها كمسافر أرهقه السفر وآن له أن يؤوب..
وهاهو بالفعل يشعر بالسكينة وهو يشعر بصدى أنفاسها تحت أذنه وإن كان لا يسمعها..
ويشعر بارتباكها من تصاعد أنفاسها واختلاجها في صدرها.. ومع ذلك تقرر أن تضغط على نفسها لتكون الميناء الذي ترسو عليه سفينته..
فالميناء تعب من الهجر.. والسفينة أتعبها الترحال..!!
تميم عدّل وضعه ليجلس ويفتح ذراعيه لاحتضانها.. ما أن شعرت بدفء ذراعيه يحيطان بها بقوة حتى ارتبكت وتوترت ..
ثم حين شعرت بدفء أنامله ترفع وجهها ناحيته.. حتى انتفضت وابتعدت عنه
وهمست باختناق ارتفاع أنفاسها: شوي شوي عليّ تميم..
حينها أشار لها تميم بعتب عميق: شوي شوي هذي تقولها وحدة أول أيام عرسها.. مهوب وحدة صار لها أكثر من سبع شهور..
حرام عليش سميرة.. اتقي الله فيني..
سميرة بوجل: تكفى ماتزعل علي.. ولا تخوفني بربي.. ما استحمل.. أشلون أنام والملايكة تلعني..
عطني يومين بس.. بس يومين..
تميم نهض من جوارها وهو يشير بغضب: سميرة أنا الليلة بالذات فيني من الضيقة اللي مكفيني..
وماكنت أبي شيء منش.. بس أنتي اللي دعيتيني..
أنتي يعني تبين تنتقمين مني؟؟.. وإلا تعذبيني؟؟ وإلا أشلون؟؟
ارتاحي.. ارتاحي ما أبي منش شيء.. الله المغني..
***************************************
اليوم التالي
.
.
.
يشعر بشعور حرج متزايد.. لا يظهر في جلسته الواثقة المتحكمة..
اعتاد أن يخطب لسواه.. وما اعتاد أن يخطب لنفسه..
حتى في خطبتيه السابقة لمزنة.. وفي خطبته لوسمية.. كان والده هو من خطب له..
يشعر أن الوضع غريب تماما عليه..
وهو يقف أمام الجد جابر وتميم.. ومعه كساب ومنصور..
ولولا إلحاح كساب عليه لم يكن ليذهب بهذه الصورة المستعجلة.. وهو مازال غير قادر على استيعاب الفكرة حتى..
مازال عاجزا عن التصديق أن مزنة وافقت عليه!!
الجد هتف بحزم مغلف بارتياح كبير جذري.. فهاهو يحقق حلمه بعد كل هذه السنوات:
والله إنها الساعة المباركة.. زايد ولدي قدام تغدي مزنة بنتي..
وأبدن حددوا الموعد اللي تبونه للملكة..
زايد هتف بثقة متحكمة رغم أنه يشعر بنوع غريب من الدوار مازال حتى الآن عاجزا عن التصديق أن هذا مايحدث فعلا:
ماعليه يبه خل نخلص الفحص الطبي.. وعقب نحدد..
حينها فاجأه كساب بالتدخل الحازم: ترا إبي يقصد ذا الجمعة إن شاء الله..
لأنه الفحوص ماتأخذ يومين..
ملكة ودخلة مرة واحدة.. لأن عرس علي عقب أسبوعين ونص وإبي يبي عمتي أم امهاب تسافر معهم..
زايد منع نفسه من مجرد النظر لكساب حتى لا يحرقه بنظراته أو ربما يتهور ويصفعه..
وهو يشعر أن أسنانه قد تتحطم لشدة ضغطه عليهم.. يبدو أن هذا الولد قد جن.. جن تماما..
أ يمشي رأيه على زايد؟؟ على زايد؟؟
بينما كان منصور يمنع نفسه من الانفجار ضاحكا وهو ينظر لزايد وابنه..
ويحمد الله أن الجد لا يرى جيدا.. وتميم لا يسمع..
كساب كان يخبر تميما بما قاله للجد بطريقة بطيئة حتى يستطع قراءة شفتيه..
تميم شعر بمرارة عظيمة تتصاعد في روحه..
تتزوج أمه... بل وتسافر أيضا..!!
لم يسبق مطلقا أن دخل البيت إلا ووجدها.. كان فور دخوله تبحث عيناها عنها..
ولا تستقر روحه حتى يرى محياها ويطبع قبلته على جبينها..
فأي بيت بل قبر بعد وجودها؟؟
يتزايد غيظه من وضحى.. كل ذلك بسببها.. بسببها هي..
وهاهو الآن بعد شهر أو شهرين سيرتحل لبيته.. ولن يرى أمه إلا مجرد زائرة..
يا الله ماكل هذه الحرقة!!
تميم هز رأسه موافقا.. ماذا يستطيع أن يقول بعد؟؟ فكل شيء انتهى..انتهى!!
ثم فاجئه كساب باقتراح ماكان يتوقعه والحوار يدور بينهما فقط.. لأن كساب يتكلم ببطء وصوت منخفض.. :
وشرايك يا تميم دام أمك خلاص بتجي لبيتنا.. وأنتو يمكن ماتبون تبعدون منها..
وشرايك تشتري بيتي؟؟
تميم شعر بصدمة ترجمها أن أخرج مفكرته الصغيرة وكتب لكساب:
بس أنا ما أقدر على سعر بيت مثل بيتك في وضعي الحالي.. بيتك يفوق إمكانياتي بواجد..
كساب حينها تناول المفكرة وكتب له بسرعة: عادي ادفع لي اللي تقدر عليه
والباقي أقساط شهرية نفس الأجار اللي كنت تدفعه لي..
تمنى تميم حينها لو يقفز ويقبل رأس كساب.. فكساب بطريقة سحرية خفف بعضا من حرقته.. أنه مهما كان فوالدته ستبقى قريبة..
وهذه المرة لم يكن سبب اقتراح كساب هو كاسرة.. فكاسرة ستعود قبل الشهرين بكثير..
ولكنه كان من أجل تميم..
فهو شعر بحرقته تنادي حرقة مشابهة في قلب تميم.. إن كان هذا يخشى فقدان أمه..
فذاك فقدها..
شعر به تماما.. وشعر بوجيعته.. فهذه الوجيعة ترجمتها روحه لإحساس قاهر يحز في عمق النفس ويعلمه هو جيدا..
كساب أنهى حواره مع تميم بأن مد تميم بظرف ضخم كان يحمله بيده
وكان والده مستغربا ماهذا الظرف ولماذا ينزل به معه للمجلس..؟؟
وكساب يهتف بحزم: هذا من أبو كساب للوالدة.. ويقول قدرها أكبر من ذا بواجد..
فور أن خرجوا ماطاق زايد أن ينتزع كساب انتزاعا من ذراعه وهو يهتف بغضب عارم متفجر بالحزم والصرامة:
أنا طلبت منك تكون لسان لي؟؟.. تحدرني وتسندني على كيفك كني بزر يا اللي ما تستحي (تحدرني وتسندني= تذهب بي شرقا وغربا)
كساب بابتسامة متلاعبة: أفا يا ابو كساب.. وش فيك صاير كبريت ما تتنحاكى..
منصور هتف بحزم: خلونا نوصل المجلس وعقبه تلاغوا على كيفكم..
لأنهم خرجوا من بيت كساب متجهين مشيا إلى مجلس زايد الكبير..
حالما وصلا انفجر زايد في كساب:
من اللي قال لك إني أبي أعرس ذا الجمعة...؟؟
ومن اللي قال تتصرف من عندك وتعطيهم المهر.. ليه أنت اللي تصرف عليّ ذا الحين؟؟
يمكن أنا أبي أعطيهم شيء ثاني..
كساب بثقة تثير الغيظ: أفا عليك يبه.. يا أبو كساب الجيب واحد .. ولا تخاف عطيتهم اللي بيبيض وجهك وزيادة..
بنت جابر ذي مهيب أي حد..
أما على العرس.. دامك فيها وش أنت تتتنيها..
ملكة مزون نخليها الخميس.. وانت الجمعة.. ونتفرغ عقب كلنا لعرس علي..
بسيطة يعني..
***************************************
مزنة كانت تجلس تتابع لها برنامجا دينيا..
بينما كلا من سميرة وكاسرة مشغولتان بعد المبلغ الذي وضعه تميم في حضن والدته بعد أن أخبرهم بتفاصيل ماحدث بملامح جامدة..
وغادر دون أن يعلق بشيء..
سميرة بمرح: يمه.. الله.. عمري في حياتي ماشفت فلوس كذا..
كاسرة ابتسمت: تصدقين يمه.. أكثر حتى مهري بواجد.. مافيه مقارنة حتى..
بينما مزنة همست بضيق: ماهقيت إن زايد يتصرف مثل ذا التصرف البايخ..
هو الحين يشتريني يوم يدفع ذا المبلغ كله..؟؟
أنا لو بأقيم روحي بفلوس.. بأقول قدري مهوب بفلوس الدنيا كلها..
لكن هو شكله قيمني بذا المبلغ.. وقال كفاية عليش..
والله العظيم ودي إنه ماقدم مهر كلش.. ولا قدم ذا المهر..
وعلى العموم ولا فلوس الدنيا كلها تساوي حرقة وليدي.. الله يسامح اللي كان السبب..
كاسرة وقفت وجلست جوار أمها وهمست بمودة:
يمه الله يهداش وش فيش قالبة تراجيديا كذا.. والله العظيم عمي زايد نعمة من رب العالمين.. قولي كاسرة قالت..
سميرة قفزت بحماس.. تدرين يمه.. ماعاد فيه وقت.. يالله ذا الكم يوم.. نلحق نشتري شيء..
مزنة بصدمة: نعم؟؟ تشترون؟؟
ثم أردفت بحزم صارم: ياويلكم وياسواد ليلكم أشوف وحدة منكم شارية شيء..
أنا ماني بزر تبون تلبسوني على كيفكم.. ولا وحدة منكم لها دخل فيني..
واللي بتخالفني منكم.. والله لا تشوف شيء مايسرها..
************************************
" خبل.. خبل..
يبي يجلطني.. هذا تصرف عُقّال؟؟"
علي بتهدئة: يبه من كثر ماهو شايف قدرها كبير ..
زايد باستنكار حقيقي: ليه ومزنة قدرها بالفلوس..؟؟
يا أبيك الحين وش تقول علي.. أشتريها؟؟ وإلا شايف إن قد ذا قدرها عندي؟؟
السنع سنع !!
علي يبتسم: يا عيني عليك يأبو كساب ياعيني.. مدرسة مدرسة..
زايد شد له نفسا عميقا وصمت..لا يريد حتى أن يعلق..
يا الله ماهذه الضغوط المتوالية..!!
يشعر بإرهاق عميق من كل هذا..
وكأنه يدور في دوامة توشك أن تسحقه..
برأسه عشرات الأشياء وهذا ماكان ينقصه.. وليس هذا أي شيء.. ليس أي شيء..
بل كل شيء.. كل شيء!!
هذه مزنة !! مزنة !!
وكل ما يرتبط بها..مثلها... معقد.. وثري.. وعميق.. ومؤلم ..ومشتت للأفكار..
وهو لابد أن يعاني من كل هذا وعلى ذات المستوى من الثراء والتعقيد والعمق والألم وتشتيت الأفكار!!
*******************************
" بروفة الفستان طلعت عليش خيال..
الله يجزاها المصممة خير اللي قالت إنها تقدر تخلص الفستان لش"
شعاع تجلس وهي تهمس بإرهاق: وش خياله؟؟ هذا لو أنتي اللي لابسته..
خايفة على وقت العرس يكون وسيع علي.. مضغوطة من كل صوب..
جوزاء تضحك وهي تمسح على بطنها الذي بدأ يبرز قليلا: وين أيام الجسم الله يرحم أيامها..
أما على الضعف لا تخافين.. أنا وأمي مسوين لش برنامج تسمين مايخرش الميه..
ولا تحاتين أي شيء ثاني..
أنا والبنات متفقين نروح ونسوي لش كل شيء... واللي مايعجبش بنرجعه..
بعدين خلاص يا أختي أنا حافظة ذوقش بالمسطرة
لا تحاتين.. وحطي همش في المذاكرة وبس..
شعاع تقترب لتسند رأسها لحضن جوزاء وهي تتمدد على السرير وتهمس بتوتر رقيق:
متوترة جوزا.. متوترة..
ثم أردفت برجاء وهي تشد كف جوزا: جوزا تكفين وين صورته.. ماصارت أبي أشوفه..
خليني أخفف من توتري شوي.. لا شفته وعرفت شكله على الأقل..
جوزاء حينها ضحكت: سامحينا.. الصورة بح..
شعاع اعتدلت جالسة باستغراب: أشلون بح..؟؟
جوزاء ابتسمت: تسلم عليش.. عبدالله شققها.. ويقول لش اركدي يا بنت..
وعلي بيعجبش..
شعاع وضعت كفيها على وجهها من الحرج.. ثم أخذت تضرب كتف جوزا بخفة وهي تكاد تبكي:
كله منش.. كله منش.. كذا تفضحيني في أبو حسن.. الحين يقول البنت مافي وجهها سحا..
جوزا ترقص حاجبيها: وأنتي صدق مافي وجهش سحا..
*******************************
" حبيبي أقوم أجيب لك عشا؟؟"
منصور يشد عفراء ويجلسها جواره ويهتف بحزم ودود: مهوب الحين..
خلي جميلة تخلص سبوحها وتنزل ونتعشى سوا..
ابتسمت عفرا: أجل مطولين وبنتسحر الليلة بدل العشا..
منصور بمودة: خلي البنية براحتها.. وش حن مستعجلين عليه..
ثم أردف بتساؤل لا يخلو من خبث: وأنتي متى إن شاء الله بتشرفين غرفتش؟؟
ترا غرفتش مشتاقة لش.. وبتشق ثيابها..
عفراء همست بحياءها الفطري الرقيق: أسبوع إن شاء الله..
منصور بإبتسامة: ست أيام يا النصابة... إيه وش عليش منتي باللي تعدين الليالي..؟؟
عفراء أخفضت رأسها بخجل.. ليمد منصور سبابته ويرفع وجهها ويهمس بدفء خافت:
ألف مرة قايل لش.. ما أحب تلدين بعيونش وأنا اكلمش..
ثم أردف وهو يقترب أكثر ويمسح على خدها بذات السبابة: بس تدرين من عقب زايد الصغير صاير حلاش غير طبيعي..
عفراء تأخرت بحرج: منصور عيب عليك.. جميلة لا تدخل علينا الحين.. ما احنا في غرفتنا..
منصور ضحك: صدق إنش نصابة.. قبل شوي كنا بنتسحر قبل تخلص سبوحها..
والحين صارت بتطب علينا..
بس صدق جميلة الله يعين رجالها عليها.. بيخيس على باب الحمام ينتظرها تخلص سبوحها..
عفراء بضيق: منصور تكفى تدري إن ذا السالفة تضايقني.. ما أبي بنتي تعرس خلاص..
ثم أردفت بابتسامة: خلنا في العرس اللي صدق..
عساك بس منت بزعلان عشان مزون وافقت على غانم؟؟
منصور بابتسامة فخمة: وليش أزعل؟؟ من جدش؟؟ مزون بنتي وما أبي إلا توفيقها..
عفراء برقة: عشان فهد يعني؟؟.. أعرف بغلاه عندك..
منصور ابتسم بغموض: مزون ما كانت نصيبه.. وفهد له نصيب مابعد جا..
عفراء بمودة: الله يوفقه ببنت الحلال.. والله أني صرت أعزه من معزتك له..
ثم أردفت بتساؤل: والخطبة الثانية وش صار فيها؟؟ خطبة أبو كساب؟؟
ابتسم منصور: كان خاطري بس تشوفين كساب.. تقولين هو اللي بيعرس..
في عرسه ماشفته مشتط كذا..
ضحكت عفراء بخفوت: إيه في عرسه كان مابعد شافها.. الحين ماينلام ياقلب خالته ماعاد فيه صبر..
منصور بتساؤل باسم: شتقولين؟؟
عفراء أشارت بيدها لا شيء.. ليردف منصور بذات الابتسامة:
بس سبحان الله على تقاديره.. زايد خطبها مرتين قبل أم كساب الله يرحمها.. وماوفقت عليه..
وتوافق عليه عقب ذا العمر..
حينها انقلبت ابتسامة عفراء لإنكسار مرعب وهي تشهق: نعم؟؟
خطبها قبل وسمية مرتين؟؟
#أنفاس_قطر#
رواية بين الامس و اليوم الفصل السبعون 70 - بقلم HaboOoshy
حينها انقلبت ابتسامة عفراء لإنكسار مرعب وهي تشهق: نعم؟؟
خطبها قبل وسمية مرتين؟؟
منصور استدار بكامل جسده لها وهو يهتف بقلق: عفرا اشفيش؟؟
بسم الله عليش..
عفراء أشارت له وهي لاتكاد تبصر ما أمامها من شدة الفاجعة
واسما (مزنة – مزون) يضيء في داخلها كقنبلة مدوية بربط موجع لأبعد حد بين الاسمين:
مافيه شيء.. مافيه شيء...
" يا الله أتكون مزنة هي من جلبت كل هذا الحزن لوسمية..؟؟
ويا الله ما أظلمك زايد كيف جرؤت أن تسمي ابنتها على اسم حبيبتك..؟؟
كيف جرؤت أن تظلم قلب وسمية الطاهر هكذا؟؟
كيف طاوعك قلبك أن تقهر وسمية هكذا؟؟
ويا الله ما أصبرك ياوسمية!!
كيف صبرتِ كل هذا؟؟ كيف صبرتِ؟؟
كيف سمحتِ له أن يذلكِ حبه لدرجة أن توافقي على أن يسمي ابنتك باسمها؟؟
يا ربي..يا الله ماكل هذا الوجع!! ماكل هذا الوجع!!
أشعر أن قلبي سيقع من مكانه لشدة الوجع
وسمية لم تكن أختي فقط..
وسمية كانت أختي وأمي ورفيقة روحي!!
.
.
.
ولكن إن كانت وسمية أختا وأما.. فهل أكون ناكرة للجميل وأنكر أن زايدا كان لي أخا وأبا وسندا؟؟
وسمية ذاتها كانت تقسم أنه ماضايقها بشيء هو يقصده
عدا هذا الاسم الذي كان يهذي به ونائم لا يقصد إيذائها به..
وكان يستطيع أن يسمي ابنته باسمها دون تحريف لأنه يظن أن لا أحد يعلم..
هو لم يقصد مطلقا جرحها.. لم يقصد جرحها يارب!!
فهل أتقصد الآن جرحه؟؟
ماذا سأستفيد من ذلك؟؟ هل سيعيد ذلك وسمية من قبرها؟؟
وسمية أحلم بها في نومي على الدوام أنها سعيدة وعلى خير حال؟؟
فهل سترضى وسمية عليّ لو جرحت أولادها وأبوهم وقلبت حياتهم رأسا على عقب؟؟
مزنة ذاتها التي أشعر الآن بالحقد عليها ماذنبها؟؟
هل هي من طلبت من زايد أن يهذي باسمها في نومه؟؟
يا الله ألهمني الصواب لأقوم به!!
ألهمني الصواب..
وسمية رحلت.. فماذا سيستفيد الأحياء من تقليب دفاتر موجعة؟؟
أنتقم لها وأنا كاني أنتقم من زوجها الذي أكرمها وأنتقم من فلذات أكبادها؟؟
يا الله ألهمني الصواب.. ألهمني الصواب!!"
منصور يهز كتفها بقلق: عفرا اشفيش.. كلميني.. اشفيش..
عفراء وعت من غيبوبتها.. لتستدير وتدفن وجهها كاملا في عرض صدر منصور وهي تحتضن خصره وتبكي ببكاء خافت أشبه بالأنين.
منصور كاد يجن وهو يحتضنها بكل قوته ويهمس في أذنها بقلق مرير:
حبيبتي وش فيش؟؟ تكفين لا تحرقين قلبي كذا؟؟
عفراء همست بصوت مختنق: مافيني شيء.. بس تذكرت وسمية الله يرحمها..
حينها شدد منصور احتضانه لعفراء وهو يطبع قبلات حانية على شعرها ويهمس بحنان:
السموحة يام زايد.. وش نقزني أجيب طاري أم كساب.. جعل مثواها الجنة؟؟
عفراء دفنت وجهها في صدره أكثر وهي مستمرة في نحيبها الشفاف..
دون أن ينتبها كلاهما أن هناك من أطلت عليهما ثم عادت ركضا للأعلى ووجهها يشتعل احمرارا..
" يافشلتي فشلتاه.. وش نزلني؟؟ وش نزلني أنا ولقافتي..؟؟
يمه.. يمه.. الحين ممكن يصير في يوم من الأيام أنا أسوي كذا؟؟
لا لا مستحيل.. يمه.. يمه "
***************************************
" هلا يمه..
تقول سميرة إنش تبيني؟؟"
كانت هذه إشارة تميم لوالدته بعد أن أغلق الباب..
أشارت مزنة بشجن: يعني ماتمرني إلا لأن مرتك قالت لك..
تميم بجزع: لا والله يمه..
ثم صمت بألم..
مزنة أشارت للمكان الخالي جوارها..
تميم جاء وجلس جوارها ليضع رأسها على فخذها ومزنة تمسح على شعره بحنو ثم تميل لتقبل جبينه..
قبل هو فخذها حيث كان يسند رأسه ثم نهض وقبل كفها.. قبل أن تشد مزنة كفها لتشير له بحنان:
يا أمك مهوب خافيني إنك متضايق..
ووالله العالم لولا إن وضحى حدتني إني ماكان أوافق..
أنت يامك تكفيني عن كل رياجيل العالم..
ابتسم تميم بشجن: داري فديتش.. طالبش أنتي ماتضايقين روحش..
مهما كان يمه.. هذا زايد آل كساب.. نسبه شرف..
وفعايله ماحد يسويها ولا أحد يقدر يوقف مواقفه..
مزنة ربتت على خده ثم أشارت بحنان: خير يمه..
أنا بس بغيت أشوفك أنت..
ما أبغي شيء يحز بخاطرك طالبتك..
تميم غادرها وأغلق الباب خلفه.. لتتمدد مزنة على سريرها..
لأول مرة تفعل شيئا هي غير مقتنعة به..
فعلا لا رغبة لها بالزواج وقيوده بعد أن مضى أكثر من 15 عاما على رحيل زوجها الثاني..
قد يكون زايد آل كساب خيارا مغريا لأي أحد حتى لشابة أصغر منها بكثير..
ولكن هي لا تريد أن تتزوج لا من زايد ولا من غيره..
لا تتخيل نفسها زوجة مرة آخرى..
ربما لأن الزواج ارتبط في ذهنها بحياة باردة خالية من اشتعال المشاعر..
فزوجها الأول تزوجته صغيرة جدا.. وتوفي قبل أن تتعرف عليه حتى.. بعد زواجهما بخسمة أشهر..
وزوجها الثاني كان رجلا ودودا جدا لا يخالفها في كلمة ويرضى بأدنى شيء قد تقدمه له..
جمع بينهما المودة والأولاد والاحترام.. ولا شيء آخر..
لم يصل أحدا منهما إلى عمق روحها المحضورة..
تأقلمت على حياتها كأم وابنة.. أما الزوجة والأنثى فهي كانت مغيبة من أفكارها..
حتى في اهتمامها البالغ بنفسها.. كانت تفعله لنفسها..وإرضاء لنفسها..
فإذا كان الله قد منحها كل هذا الجمال.. ألا تشكر الله بحفاظها على هذه النعمة؟!!
حينما كانوا يقولون لها: خاطرنا نشوف لو هذا اهتمامش بنفسش وأنتي ماعندش رجّال.. لو عندش رجّال.. وش بتسوين؟؟
كانت ترد باسمة: بيكون نفس الشيء.. يعني الوحدة إذا ماكان عندها رجّال لازم تدفن نفسها..
الحياة ماتوقف عشان رجّال غير موجود..
وهاهو الرجل أصبح موجودا..!!
تجربتها الآن في الحياة أعمق بكثير..
ولا تجهل كيف تتعامل مع رجل وبأفضل طريقة..
ولكنها لا رغبة لها بذلك.. لا رغبة لها بذلك..!!
كما لو كانت طباخة ماهرة جدا ولكنها قررت اعتزال الطبخ..
ثم يأتون لها لكي يجبروها للعودة للطبخ رغم أنها ماعادت راغبة في الطبخ..
ولكنها مجبرة أن تفعل ذلك.. وتعلم أنها ستنجح لأن براعة الطبخ مغروسة في روحها..
رغم سذاجة هذا المثال ولكنه حقيقة..
فمزنة بأنوثتها الطاغية وتفكيرها الذكي هي طباخة ماهرة.. وحتى لو لم ترغب بإعادة استخدام هذه الأنوثة والذكاء كزوجة..
فهذا شيء مغروس في روحها ولابد أن يتدفق تلقائيا حين تضطر لاستخدامها..
فكيف ستوظفه فعلا الآن كزوجة لزايد؟!
************************************
" ها تميم أمك وش تبي فيك؟؟"
كانت هذه إشارة سميرة لتميم الذي دخل والإرهاق باد ملامحه ليلقي غترته على المقعد ويشير لها قبل أن يجلس:
أبد.. تبي تتأكد إن خاطري مافيه شيء..
سميرة حينها أشارت له بتساؤل مقصود: وأنت خاطرك فيه شيء؟؟؟
تميم بشجن عميق: تكفين سميرة لا تسأليني عن أي شيء؟؟
سميرة ابتسمت: ولا حتى وش قالت لك وضحى وأقنعك.. بأموت من الفضول أبي أدري..
حينها ابتسم بإرهاق: هذي عاد مستحيل أقول لش.. خلش بفضولش..
سميرة حينها جلست جواره لتسند رأسها لكتفه وتحتضن خصره..
استغربت بألم شاسع أن تميما أبعدها عنه.. نظرت له باستغراب مصدوم..
بينما أشار لها بشجن:
سميرة ألف مرة صرت قايل لش لا تسوين شيء ماتقدرين تكلمينه..
أنتي بطريقتش هذي تعذبيني..
أنا تعبت وأنا كل ماحاولت أقرب منش.. تجفلين مني..
لا تعطيني نص الإحساس ولا نص اللمسة..
لأنه أنتي كذا ما ترضيني وأنتي محسستني إنه لي حدود لازم ألتزمها..
دامش حاطة حدود بيننا.. خلي الحدود كلها.. لأني مستحيل أرضى أوقف على نص الحدود..
خلينا ربع ونسولف مع بعض من بعيد لبعيد..
وإذا قررتي تشيلين الحدود كلها أنا أنتظرش.. بس ترا صبري صار أقل مما توقعين...
*****************************************
" غانم يأمك وش فيك مستعجل؟؟
كمل قلاصك!!"
غانم يضع كوبه أرضا ويهتف باستعجال: اليوم عندي آخر فحص طبي..
بأخلصه وأطلع المطار عندي رحلة..
تنهدت أم غانم ثم هتفت بأمومة: صحيح نسب آل كساب يشرف.. ومن يقدر يطوله ؟؟..
بس أنا بغيت لك وحدة أزين..
ابتسم غانم وهو يقف ويقبل رأس والدته: يمه ترا الزين مهوب كل شيء في الدنيا..
الحين أنا بأعاشر أخلاقها وإلا بأعاشر زينها..؟؟
لو كانت أخلاقها مهيب زينة.. بأشوف زينها أشين شيء في عيني..
ومزون يمه أنا أعرف أخلاقها زين.. وسالفة الزين كلها ماتهمني.. فريحي بالش..
أنا شايفها من الحين أزين وحدة بأخلاقها..
ابتسمت أم غانم: الله يزينك في عينها مثل ماهي زينة كذا في عينك..
والله يوفقك يامك وينولك كل اللي في بالك
***********************************
بعد عدة أيام ..يوم الخميس..
.
.
.
" يقولون بعد شوي ملكة أبو عيون عسلية!!"
عالية تعدل المخدة تحت رأسها وهي تتمدد بعد صلاة العصر وترد على تهكم عبدالرحمن بتهكم مشابه:
يا الحقود.. يا اللي ماتنسى.. يا اللي قلبك أسود..
ترا أبو عيون عسلية له اسم يهبل.. وولد عمي.. وما ارضى إنك تسميه كذا..
اسمه غانم لو سمحت...
عبدالرحمن بابتسامة مغلفة بالغيظ: ياسلام.. واسمه يهبل بعد.. وعيونه عسلية ياحظ بنت زايد فيه..
على حد علمي.. ترا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خير الاسماء ماحمُِد وعُبد..
حينها همست عالية بانتصار: ويقولون لك يادكتور الجامعة المحترم إن هذا حديث لا أساس له من الصحة وما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم...
فروح لقط وجهك !!
عبدالرحمن ضحك: خطيرة يا بنت... ملعوبة.. حكرتيني في الزاوية..
عالية تضحك: دوم مهوب يوم يارب.. وانت دايم اللي حاكرني وحايسني..
حينها هتف عبدالرحمن بنبرة مقصودة: زين دامش استانستي فأكيد ماتقدرين تنكرين صحة الحديث اللي يقول:
(إن أحب أسمائكم إلى الله عبدالله وعبدالرحمن)
يعني اسمي بالتحديد.. ماقال غانم..
عالية تبتسم: ماخليتيني أستانس بنصري شوي يا الدب..
وانسى غانم.. الولد بتنفقع عيونه منك يا المفشوح.. مايسوى عليه ذا العيون العسلية طلعتها من كبده..
عبدالرحمن ضحك: لو عيني حارة كان قصيت لسانش شوي يا القردة..
عالية بغضب: لا تقول قردة..
عبدالرحمن مازال يضحك: وأنتي لا تقولين دب..
عالية بغيظ: بس أنت دب..
عبدالرحمن ببساطة باسمة: وأنتي قردة !!
عالية أغلقت الهاتف في وجهه.. ليس لأنها غضبت منه.. ولكن لأنها تريد أن تنام قليلا..
وهو يستحيل أن ينهي الاتصال من نفسه..
كانت تبتسم وهي تغلق عينيها.. لا تعلم كيف ملأ حياتها بطريقة سحرية هكذا وفي غضون أيام..
لو تأخر عن الاتصال بها أكثر من ساعتين.. ستتصل هي به.. لأنها لا تستطيع الصبر أكثر عن سماع صوته..
يبدو أن هذا العبد للرحمن سيكون إدمانا لذيذا بكل حالاته...
يتكلمان في كل شيء من أعمق الأشياء لأسخفها..
من أعسر المشاكل والقضايا لأتفهها.. المهم أن يتكلما..
بدأ كل منهما يعرف عن الآخر أدق تفاصيل حياته وأسراره وبطريقة شفافة لا تكلف فيها وهما يتبادلان روح مرح عميقة بينهما..
مطلقا لا يبدوان زوجان تقليديان بل هما لصديقان أقرب بكثير..
كانت على وشك أن تغفو حين أيقظها رنة رسالة:
" ولا تزعلين يا قلبي.. مايهون علي زعلش!!
بأرسل لش رضاوة..
.
.
بعد شوي بتلاقين عند باب بيتكم كرتونين موز
يا الــــقــــــردة !! "
************************************
" أنتي الحين ليش متوترة كذا!!
ترا مافيه شيء يوتر"
كانت جميلة تحاول تهدئة توتر مزون وهي تردف بمرح:
صحيح تجربتي الوحيدة وأنا في المستشفى على سريري ويا الله أشوف لحية الشيخ وهو يسألني..
بس ترا السالفة ماتفرق واجد.. بيجيش الشيخ ويسألش.. وهزي رأسش مثل البقرة وخلاص...
مزون تدعك طرف عباءتها التي لبستها حين أخبرها والدها أن تستعد لأن الشيخ سيأتيها بعد قليل ليسألها تهتف بتوتر:
تدرين إنش متفرغة..
جميلة ضحكت: عاد أنتي وحدة المفروض مافيه شيء يوترش.. كل شيء مار على رأسش.. الطيران ومشاكله..
وكساب ومشاكله... كساب بروحه يكفي...
يعني توترش الحين يشبه مثلا توتر الفترة اللي اختفى فيها كساب في أمريكا..؟؟
مزون بابتسامة: لا.. وش جاب لجاب.. الله لا يعيدها تيك الأيام.. بغيت أستخف.. خمس شهور ماندري عنه..
مع إنه قال لأبي عقب ماخلص الماجستير إنه بيطلع رحلة تخييم للجبال يمكن تطول شهور.. ويمكن مايقدر يتصل..
بس حتى إبي مع إنه كان يبين إنه كل شيء طبيعي بس بغى يستخف..لأنه هقى شهر شهرين مهوب خمسة..
حتى السفارة هناك اتصل بها.. وقالوا له جواز سفره موجود وماراح مكان ودوروا له في المستشفيات والسجون مالقوه..
جميلة مازالت تحاول إلهاء مزون عن التفكير بالملكة بحكايات اخرى:
زين عقب ما انصلح الحال بينش وبينه ما سألتيه وين كان..؟؟
ابتسمت مزون: سألته.. قال لي رحلة تخييم فوق الجبال ومافيه إرسال ولا تلفونات..
ما أن أنهت مزون جملتها حتى سمعت صوت كساب يأتيها عبر باب مجلس النساء الموارب: مزون تعالي هنا... الشيخ هنا..
مزون بدأت ترتعش بعنف.. بينما جميلة شدت على كتفيها وهي تهمس لها بحنان: يا الله قومي..
مزون همست باختناق حقيقي: أبي خالتي.. أبي خالتي.. ليه ماجات..؟؟
جميلة برقة: والله العظيم امي تعبانة واجد.. وصار لها كم يوم تعبانة.. أنتي بروحش شفتيها..
مزون وقفت لتبلس نقابها.. وهي تشعر أن قدميها تكادان تذوبان من التوتر والارتباك..
بينما جميلة تدفعها حتى أوصلتها للباب..
حين دخلت تلقاها كساب بحنان وهو يرى ارتعاشها ليسندها..
سألها الشيخ بنبرته الهادئة: موافقة يا بنتي على غانم بن راشد آل ليث زوجا لكِ؟؟
مزون هزت رأسها إيجابا وهي تستند بثقلها على كساب الذي كان قلبه يذوب حنانا لها وهو يرى حالتها..
الشيخ سألها مرة أخرى: هل لكي شروط يا بنيتي؟؟
فهزت رأسها رفضا..
فقال لها الشيخ: زين يا بنتي وقعي هنا..
مزون تناولت القلم بأنامل مرتعشة ووقعت..
حينها هتف الشيخ بحزم: خلاص أنا بأرجع للمجلس..
قالها وهو يفتح باب مجلس الحريم المفتوح على الخارج ويخرج فعلا حاملا دفتره..
لتدفن مزون وجهها في صدر كساب وهي تبكي بخفوت..
كساب احتضنها بحنو وهو يهمس بابتسامة: هذي دموع الفرح يعني؟؟
مزون بخجل بالغ: كساب حرام عليك.. اللي فيني مكفيني..
كساب قبل رأسها هتف بحنان عميق: ألف مبروك.. غانم نعم الرجال.. وإن شاء الله إنش ما تندمين..
ويا الله خلني أكلم علي يبي يكلمش.. أمني أدق عليه أول ماتوقعين عشان يبارك لش دايركت..
**************************************
تحتضن صغيرها بين يديها ودموعها تنهمر بغزارة..
أ يعقل أن يكون الآن عقد قران ابنتها وهي غير حاضرة فيه..؟؟
أ يعقل أن اليوم الذي حلمت به طويلا يحضر دون أن تكون أحد المشاركين فيه؟؟
ولكنها بالفعل مرهقة ومجروحة لأبعد أبعد حد..
ولا ترغب مطلقا بدخول بيت زايد.. وتقليب أوجاعها المستعرة..
تعلم أن لا ذنب لأحد فيما حدث لكنها لا تستطيع منع نفسها من الإحساس بكل هذا الألم الغريب العميق..
حاولت جاهدة وبكل قوتها أن تتشجع للذهاب..
ولكن قدميها أبتا التحرك.. لذا طلبت من جميلة أن تذهب هي لوحدها مع عمها منصور..
وبعد خروجهما تمنت لو تتصل بمنصور وتقول له عد وخذني حتى لو حملتني إلى السيارة حملا..
ولكنها خافت من ردة فعلها هي..
خشيت أن تتصرف تصرفا يفسد على صغيرتها فرحتها..
قد تكون اعتادت على الكتمان وعلى كتم أوجاعها من أجل الآخرين
ولكنها تريد لها وقتا حتى تتأقلم مع الفكرة الموجعة لها تماما !!
لا تعلم متى تتأقلم؟؟
ولكن حتى ذلك الحين يجب أن تبتعد عما قد يثيرها أو يثير ألمها..
لأن هذا الألم مختلف.. مختلف.. واحتماله صعب!!
*********************************
" يمه.. يمه.. خل الخدامات يدخلون الأغراض اللي برا!!"
هزاع جلس بجوار عالية التي كانت تصب القهوة لوالدتها.. بينما أم صالح تهمس بتساؤل: ليه وش أنت جايب يأمك؟؟
هزاع يضحك: أنا أجيب شيء؟؟ حاشا وكلا.. هزلت.. أنا أكل بس..
أم صالح باستغراب: مهوب أنت تقول خل الخدامات يدخلون الأغراض اللي برا..
هزاع مازال يضحك: تخيلي يمه ما أدري من اللي استخف وجايب لنا خمس كراتين موز..
والغريب إن إبي وأخواني كلهم في ملكة غانم.. من اللي جابهم زين؟؟
إلا لو كانت من بيت فاضل بن عبدالرحمن... توني شفت سواق البيت طالع من حوشنا وأنا داخل؟؟
عالية شعرت بالصداع والممزوج بغيظ عميق (استخف.. والله العظيم استخف!!)
أم صالح باستغراب: 5 كراتين مرة واحدة.. يأمك يمكن قصدك كرتون تفاح وبرتقال وموز.. كذا يعني..
هزاع بابتسامة شاسعة: أقول لش يمه خمس كراتين موز.. ليه ما أعرف الموز أنا؟؟..
تصدقين يمه.. الظاهر يحسبون عندنا مزرعة قرود..
عالية حينها لكزت هزاع بقوة في جنبه لشدة شعورها بالغيظ من عبدالرحمن الذي أكمله عليها هزاع وهو يذكر القرود..
هزاع هتف بغضب وهو يضرب مؤخرة رأسها: وش فيش يا الخبلة علي ؟؟ليه تضربيني؟؟..
عالية بغضب: ما أقصد يا الخبل.. من غير قصد..
كم مرة قايلة لك لا تمد يدك علي.. ماتعرف تحترم الكبير أنت..
هزاع يبتسم : وأنا كم مرة قايل لش اعطفي على الصغير...
الله يعين عبدالرحمن عليش.. الأنوثة ملغية من قاموسش..
حينها لكزته بكوعها بقوة أكبر في جنبه.. حينها أمسك بذراعها وعصرها خلفها
وهتف بغيظ باسم: الحين تخسين تقولين إنش ماتقصدين..
إلا تقصدين وتقصدين..
عالية تصرخ بألم: يمه تكفين.. فكيني من ولدش الخريش.. بيكسر يدي..
أم صالح بابتسامة حانية: وحد قال لش تحارشين الخريش..
رجّال أطول منش واعرض ما تستحين تمدين يدش عليه..؟؟
خلش دواش.. جعله الزين فيش!!
وقومي كلمي السواق.. خله يعطي كل بيت من بيوت جيراننا كرتون.. قدام تخرب عندنا..
*************************************
دخلت على استحياء وهي تسحب قدميها الثقيليتين سحبا لداخل غرفة والدتها..
مزنة فتحت عينيها حين سمعت صوت الباب يُفتح ثم عادت وأغلقتها حين رأت من دخل..
وضحى اقتربت من السرير حيث تتمدد مزنة.. جلست جوارها على الأرض..
وهي تستند على طرف السرير بكوعيها وتهمس لوالدتها من قرب بوجع عميق:
يمه تكفين.. ماكفاش الأيام اللي فاتت وأنتي تعذبيني وهاجرتني حتى من الكلام..
الحين بكرة بتروحين.. تبين تروحين وأنا وأنتي كذا!!
حينها فتحت مزنة عينيها وهمست بألم مغلف بالحزن: مهوب أنتي اللي تبيني أروح.. وش فرقت عندش الحين؟؟
وضحى تناولت كف والدتها وأغرقتها بدموعها ونشيجها المفاجئ وهي تهمس بين شهقاتها:
يمه تكفين لا تحاسبيني على شيء راح وخلاص ماعاد له قيمة..
مزنة بألم: لو ماله قيمة ماكان قدرتي تستخدمينه ضدي وضد تميم..
ماهقيت ذا منش يأمش.. أنتي بالذات من بد خلق الله..
وضحى وقفت على ركبتيها وهي تميل على والدتها لتقبل جبينها وتهمس بين شهقاتها المتزايدة:
يمه تكفين.. تكفين.. لا تروحين وأنتي زعلانة علي.. طالبتش..
مزنة اعتدلت جالسة وهي تسند ظهرها للسرير وتخلي مكانا جوارها وهي تشير لوضحى أن تندس جوارها..
وضحى ماكادت تصدق وهي تقفز بجوار والدتها وتحتضن خصرها وتسند رأسها لكتفها وهي تنخرط في بكاء مثقل بالوجع..
مزنة ربتت على وضحى وهي تحتضنها بحنو: بس يأمش.. بس..
ما أقدر أزعل عليش.. بس أنا مستوجعة منش واجد.. أول شيء دسيتي علي سالفة ما تندس..
وعقبه ماتعلميني إلا عشان تستخدمين السالفة ضدي..
وحتى لو قلتي إنه ماعاد لذا السالفة قيمة.. هذا أنتي عرفتي أشلون تستخدمينها؟؟
وضحى رفعت رأسها قليلا وهي تبتسم بسعادة لأن والدتها غير غاضبة منها.. وهكذا هو قلب الأم لا يعرف إلا التسامح مهما أساء الأولاد..
همست وضحى بإبتسامة مبللة بدموعها وهي تدخل كفها في شلال شعر والدتها الكستنائي المتناثر بفخامة استثنائية على قميصها القطني:
يمه.. قلت حرام ذا الزين كله يروح ماشافه حد.. وما حد يستاهله كثر أبو كساب..
مزنة همست حينها بحزم: إذا على قولتش الله رزقني زين..
فهو رزقني إياه لنفسي مهوب عشان رجّال..
لكن زايد غدا أهم عندش من أمش !!
ثم أردفت بشجن: خاطري أدري لو ذا الخطبة صارت على وقت امهاب الله يرحمه..
كان تجرأتي تسوين فيه اللي سويتيه فيني وفي تميم!!
حينها همست وضحى بألم عميق ألم اشتياق وشجن وبعاد: مستحيل.. كان امهاب بيذبحني..
بس يمه ماعاد به شي عقب امهاب على حاله.. كل شيء تغير.. كل شيء تغير!!
*************************************
" يبه لا تقول إنك بتمسي عندي الليلة عشان كساب أمسى البارحة
لأنك أنت اللي ممسي عندي البارحة
روح جعلني فداك للبيت.. وراك بكرة يوم مشهود!! "
زايد ابتسم: لا... أكون بأروح أحارب يأبيك..
الليلة أبي أقعد أسولف معك..
علي ابتسم مودة غامرة: زين يبه أنا بكرة أبي أطلع وأحضر ملكتك.. وأمسي في البيت وأرجع المستشفى الصبح..
زايد ابتسم: أبشر.. بس وش معنى تبي تمسي في البيت؟؟ ما تبي ترجع في الليل يعني؟؟
علي بابتسامة: اول شيء شوفة عينك أنا أحسن بواجد.. وزهقت من قعدة المستشفى.. أبي أطلع أغير جو..
ثم أردف بمصارحة شفافة مثقلة بالعذوبة: وثاني شيء أبي أكون قريب منك تيك الليلة..
ولا تسألني ليه؟؟ لأني ما ادري وش السبب..
يمكن لأنها بتكون ليلة تاريخية صدق.. أبي أكون قريب منك..
ما تتخيل يبه وش كثر أنا مستانس عشانك.. لأني حاس فيك زين..
زايد حينها هتف بشجن يخفي خلفه قلقا كبيرا: يبه إحساسك غير إحساسي..
إحساسك بريء وتوه طازج..
لكن أنا يا أبيك مليان تعقيدات بعمر 30 سنة..
يا أبيك ماهقيت ولا حتى واحد في الميه إنه أنا ممكن أخذ مزنة في يوم من الأيام..
يا أبيك مزنة مثل حلم مستحيل ماتوقعت إنه ممكن يتحقق يوم..
لأن الأحلام المستحيلة ما تتحقق.. فأشلون تحقق الحين لحد الحين ما أدري!!
علي ابتسم حينها بخبث: يبه دامك تعلمني بكل شيء..
ممكن أطمع إنك بتعلمني بإحساسك بكرة لا شفتها قدام عيونك..؟؟
زايد رد عليه حينها بابتسامة مقصودة: لا عاد يا أبيك كذا مسختها..
مهوب كل شيء ينقال..
*************************************
" يبه لا تحاتي شيء فديتك..
تراني كل يوم عندك صبح وليل.. مافيه شيء بيتغير عليك"
جابر يبتسم بمودة: داري يأبيش داري.. لا تحاتيني.. هذا بناتي الكحيلات عندي ومافيني إلا العافية..
مزنة بحزم: جعل ربي يخليك لهم ويخليهم لك.. بس أنا المسئولة عنك..
كاسرة حينها هتفت باستغراب: بس يمه عمي بيسافر عقب أسبوعين مع ولده ويبيش تسافرين معه..
مزنة بذات الحزم: يسافر بروحه.. يعني رجّال لف الدنيا كلها بروحه.. يبي له خوي..
أبدى ماعلي إبي.. ومستحيل أطلع من الدوحة وهو وراي..
ثم أردفت لكاسرة بخفوت حازم: إبي شيبة عود ما يندرى متى ربي يأخذ أمانته.. ولو صار له شيء وأنا رايحة مع زايد وولده... بينفعوني حزتها؟؟
كاسرة بغضب: تدرين يمه إني ما أداني ذا الطاري..
لا تفاولين على جدي..
مزنة بحزمها الواثق: ما أفاول على إبي.. بس أنا أتكلم في حق..
حينها سألت كاسرة بحزم: زين ولو طلب عمي تسافرين معه بتقولين لا..؟؟
حينها فاجأتها مزنة أن قالت بحزم صارم: هذا أساسا بيكون شرطي في العقد..
*****************************************
بعد صلاة العصر..
كساب وتميم يدخلان مع الشيخ الذي دخل لمزنة..
ليتفاجأ كساب بشرطها الذي أصرت أن يُكتب في العقد.. أنها لن تخرج مطلقا من الدوحة مادام والدها حيا..
ولم يكن شرطها تضييقا على زايد أو تعسييرا عليه.. فهي وافقت عليه قبل أن تعلم أنه يريدها أن تسافر معه ومع ولدها..
ولم تكن تريد اشتراط شيء معين.. لكن حين علمت بذلك..
قررت أن تشترط هذا الشرط حتى تضمن أنها لن تترك والدها الذي تخشى أن يحدث له شيء في غيابها..
كساب أصبح قاب قوسين أو أدنى من مخططه.. فهل يسمح لهذا الشرط أن يفسد عليه مخططاته؟؟..
من جهة أخرى يعلم أن والده يستحيل أن يحرج نفسه بعد أن علم الجميع أن زواجه الليلة لذا سيقبل شرطها..
ومن ناحية ثالثة يخشى أن يظن والده أنها تريد فرض شروطها من البداية عليه فيرفض الشرط..
كساب هتف بمودة مغلفة بالحزم والاحترام: يمه ماحد بغاصبش على شيء ماتبينه
وإبي مستحيل يجبرش تسافرين مكان وأنتي ما تبين..
بس مافيه داعي تحطين ذا الشرط وتفشلين إبي في الرياجيل اللي تارسين مجلسه ذا الحين..
مزنة بحزم: وأنا وش يدريني ما يحلف علي أسافر معه.. وقتها ما أقدر أعصاه..
حينها هتف كساب بحزم: مع إنش آجعتيني يوم قلتي ماعاد لك وجه عندي
فأنا أقول لش الحين ذا الحين إن لش وجهي.. إنه مايغصبش تروحين مكان..
وأظنش يمه صرتي تعرفين إني لا قلت ما أخلف.. وهذا أنا عطيتش وجهي..
طالبش ماتفشليني وتفشلين إبي..
مزنة حينها هتفت بثقة: عشانك يأمك ماني بحاطة ذا الشرط.. بس تبلغه لأبيك..
وحتى لو ماحطيته في العقد هذا أنت صرت إنه هذا شرطي..
كساب تنفس بارتياح بعد شد الإعصاب: أبشري.. أبشري..
.
.
.
" يبه.. ترا عمتي شارطة إنها ماتسافر برا الدوحة دام إبيها حي!!"
زايد التفت بحدة لكساب الذي كان يهمس له بخفوت حين عاد مع الشيخ:
نعم ؟؟.. وعلي اللي شارط إنه حن نسافر معه..؟؟
كساب بحزم: يبه لا تفشل روحك في الرياجيل.. هذا هي ما كتبت الشرط في العقد..
وعلي خله علي.. يبي حد يسافر معه.. بأسافر معه أنا وكاسرة.. وكاسرة بنت خال مرت علي.. مافيه مشكلة يعني..
زايد بخفوت غاضب: هي كاسرة رجعت لك أساسا عشان تسافر معك..؟؟
كساب بثقة غامرة: بترجع الليلة أنا وهي متفقين مع بعض.. بس مانبي حد يدري لين ترجع..
زايد وقع على مضض.. يكره أسلوب لوي الذراع الذي برع فيه كساب مؤخرا..
وربما لم يكن كساب لينجح لولا أن زايد هو من كان يتغاضى بمزاجه ورغبته..
التضادات البشرية تتصارع في نفسه على أعلى مستوياتها وأحدها وأقساها!!
ومايهم هو الختام..!!
فخـــــــــتــــامــــا...
أ يعقل أن مزنة أصبحت أخيرا زوجته.. وهو يرى توقيعها بجوار توقيعه... ؟؟
ليس هذا مجرد عقد زواج.. فهذا وثيقة تاريخية تضع حدا فاصلا بين تاريخ وتاريخ..
فمزنة أصبحت زوجته هو... أخير!!
أخــــــــيـــــــــرا !!!
****************************************
" يوه كساب أرهقتني بذا السالفة
يوم أصريت إن إبي يرجع لجناحه لفوق
صار له شهور من يوم جاتنا خالتي وهو مستقر تحت..
متت وأنا أنقل أغراضه في وقت قصير كذا
وتأخرت على الكوافيرة اللي تنتظرني تحت.."
كانت مزون تهمس بذلك وهي منهمكة بتوزيع مباخر البخور في أرجاء الجناح الواسع..
بينما كساب يهتف بحزم: مايصير تجي تلاقي غرفتها تحت.. وإبي لازم يرجع لغرفته..
وبعدين أنتي اللي تحبين الشقا.. من أمس وكل شيء هنا جاهز..
مزون بإرهاق: لا والله.. حتى كاسرة أرسلت قبل شوي شنطة لأمها..
بس بصراحة استحيت افتحها عشان أرتب الأغراض.. فخليتها على حالها..
حينها هتف كساب بغموض: وليش كاسرة ماجات ترتب أغراض أمها بنفسها..؟؟
مزون بانشغال: ما أدري أكيد هم بعد مشغولين..
حينها هتف لها كساب بنبرة مقصودة: بس أكيد بتجي مع أمها لاجات الليلة..
مستحيل تخليها بروحها..
مزون منهمكة: ما أدري أظن كذا..
حينها هتف لها كساب بأمر صارم مرعب جعل مزون تترك كل شيء في يدها وتلتفت له:
لا مهوب تظنين.. لازم تجي مع أمها..لازم..
وتوصلونهم أنتي وإياها لين غرفتهم.. وعقب تخلينها تنزل بروحها..
وأنتي عاد دوري لش شيء يشغلش عند إبيش دقيقتين بس عقب ماتطلع كاسرة..
مزون باستغراب: وليش ذا التعليمات كلها..؟؟
كساب بحزم: والتعليمات تتنفذ بدقة وبحذافيرها.. أنا اعتمد عليش في ذا الشيء..
مزون لازم تجيبينها معش.. وعقب تخلينها تنزل بروحها.. مفهوم..؟؟
مزون بدهشة أشد: زين وليه ذا كله..؟؟
كساب بغموض: بتدرين بعدين..
كان مخططه بسيطا جدا ولكن تنفيذه هو الصعب..
حين تعود لبيته.. لن يسمح لها أن تخرج.. أبدا !! أبدا !!
ولكن كيف يحضرها؟؟ مهما بذل من الحيل وحتى لو حضرت لبيته لأي سبب كان..
يعلم أنها لن تتجاوز مجلس الحريم في الأسفل..
وهي لابد أن تصل لغرفته هو لينجح مخططه !!!
فهو رغم جهله لدواخل كاسرة.. ولكنه يعرف تماما ردات فعلها.. ويستطيع توقعها بدقة..
*****************************************
" ماهقيت ام امهاب تسوي ذات السوات على آخر عمرها!!"
جوزا تميل على أذن والدتها وتهمس بخفوت: يمه يعني هي سوت جريمة؟؟
خالتي مزنة ماشاء الله عليها عادها شباب!!
أم عبدالرحمن بعتب: والله لولا غلاها وإلا والله ماكان أجي..
يعني حتى لو هي شباب.. عيالها قدهم شباب والمفروض قدها جدة.. وش حاجتها في العرس؟؟
جوزاء بابتسامة: يعني هذا عشانها أعرست عقب أخيش..
خالي ناصر صار له 15 سنة من يوم مات الله يرحمه.. خلاص كفت ووفت..
أم عبدالرحمن بذات العتب العميق: والله لو عرست عقبه بسنة أهون علي من عرسها ذا الحين..
كنت أحسب مزنة أعقل من كذا!!
في زاوية أخرى من مجلس الحريم الواسع الذي لا يتواجد به سوى مزنة وبناتها وسميرة.. وفاطمة صديقة كاسرة
وأم عبدالرحمن وابنتها جوزاء.. ومزون وجميلة فقط!!
فاطمة تهمس في أذن كاسرة بحرج: حاسة شكلي غلط.. وأنتو حتى قرايبكم ما عزمتوهم.. بس عازمين أقرب القراب..
كاسرة تبتسم بمودة صافية: وأنتي أقرب القراب.. أمي تعدش وحدة من بناتها..
فاطمة تبتسم: والله يهنيها أم امهاب.. والله إن قلبي كان حاسس إن ذا الزين كله مايروح هدر..
كاسرة تضحك بخفوت: أنتي على طول قلبش حاسس خرطي...
حينها همست فاطمة بخبث: وإن قلت إن قلبي حاسس إن رجعتش للشيخ كساب صارت قريب..
كاسرة بذات الابتسامة: بأقول إحساسش استخف مهوب خرطي بس..
حينها همست فاطمة بجدية: بصراحة صار لش صار شهر ونص وأنتي مصدعة رأسي بمبرراتش اللي ما تدخل الرأس..
قال أحبه وما يحبني..
عنه ما حبني بالطقاق.. رجال حاشمني ومقدرني ومهوب مقصر علي بشيء خلاص مالي طريق عليه..
كاسرة مازالت مبتسمة: يا شينش لا قلبتي على ذا الموجة!!
حينها ابتسمت فاطمة: لأنش صدق فاقعة كبدي ومرارتي..
الحين لو فرضنا العكس صار.. وكساب ميت عليش وأنتي ماحبيتيه.. كان خليتيه بعد ولا حتى تفكرتي له بعين..
وش ذا الأنانية عندش؟؟
حينها همست كاسرة بضيق: فطوم الله يخليش.. خلاص.. خلينا في أمي وبس..
زاوية ثالثة...
جميلة تهمس في أذن مزون بخفوت: مرت أبيش وش فيها قاعدة ببرقعها كذا..
لا تكون ناوية تدخل على عمي زايد كذا..؟؟
مزون همست بخفوت وهي تنظر لمزنة التي تجلس ببرقعها وعباءتها: حتى في عرس كاسرة وتميم كانت ببرقعها..
جميلة بذات الخفوت: ماعليه هذي أعراس عيالها مهيب عرسها.. وبعدين أنا أعرفها في بيتها ما تلبس برقع..
كم مرة جيت لوضحى قبل كانت بدون برقع.. وبعدين ماشاء الله تهبل.. وشو له البرقع بعد ؟؟
مزون ابتسمت: يمكن خايفة على إبي ينجلط لا يشوف وجهها كذا على طول
تبي تسوي له تهيئة أول.. يشوف عيونها اللي تذبح أول..
وعقب يشوف الوجه كامل..
جميلة ضحكت بخفوت: الله يغربل أبليسش.. فيه وحدة تقول على إبيها كذا؟؟
مزون تضحك بخفوت مشابه: أتكلم من جدي.. إبي مسكين..سنين طويلة وهو محروم من الحريم وعقبه يدخلون القنبلة هذي عليها..
أخاف عليه يطب ساكت.. خلها ببرقعها أحسن..
وبالفعل كانت مزنة تجلس ببرقعها وعباءتها احتراما لوضعها
وأنه لا يتناسب مع من هي في مكانتها وسنها أن تلبس أو تتصابي كصبية صغيرة..
وفي ذات الوقت ومع عدم رغبتها في التزين.. ولكنها تأنقت كما يجب وبرقي دون إفراط أو تفريط.. حتى لا يقول أحدا أن مزنة مجبرة..
وهي ترتدي عباءة أنيقة جدا للمناسبات.. وبرقع بفتحات واسعة يكشف بشكل واضح ومثير عن عينيها المكحلتين بأهدابها الطويلة المصقولة والمكثفة بسواد الماسكرا..
ولكن بعيدا عن المظهر كانت تشعر في داخلها بإحساس تبلد.. وكأنها ليست هي..
رغم أنها أصبحت قبل ساعات وفعليا زوجة لزايد.. ولكنها مازالت لم تستطع استيعاب الفكرة..
يصعب على من اعتادت على التحكم بحياتها أن تصبح قيادا لشخص آخر..
أبسط الأشياء أنها حتى ذهابها لشراء أغراض البيت أو لزيارة جارة مريضة لابد أن تأخذ أذنا له قبل ذلك..
وبعيدا عن تسلطه على حياتها الخارجية فتسلطه الأقسى سيكون على روحها وجسدها..
لها خمسة عشر عاما حرة من قرب رجل.. تنام لوحدها كيف تشاء متى شاءت..
حتى أبناؤها ماعاد أحد منهم ينام معها منذ سنوات طويلة..
أصغرهم وضحى لها أكثر من عشر سنوات وهي تنام في غرفتها..
فكيف ستعاود تقبل قرب رجل..؟؟
يا الله.. دوامة قاسية من الأفكار تصيبها بالصداع.. وخصوصا أن كل شيء حدث بسرعة ومازالت لم تتهيأ للفكرة حتى!!
وهي غارقة في أفكارها اقتربت منها كلا من مزون وكاسرة.. وكاسرة تهتف برقة: يمه عمي زايد ينتظرش برا..
شعرت مزنة أن صداعها يتزايد.. تمنت لو استطاعت أن ترفض الخروج وأن تبقي حياتها كما كانت..
فهي فور أن تخرج من هذا الباب لن يعود شيئا كما كان أبدا..
ولكنها تعلم أنها لا تستطيع فعل ذلك..
وليست مزنة من تخاف أو تجبن!!
مزنة وقفت فعلا.. وبناتها كلهن يحطن بها مع ابنتها الجديدة مزون التي همست لكاسرة بخجل:
تروحين معي أنا وإبي عشان توصلين أمش وترجعين..؟؟
كان بود كاسرة أن ترفض.. لا تريد أن تذهب هناك..
ولكنها كانت قررت وحتى قبل أن تطلب منها مزون أن تذهب مع والدتها
لأنها تعلم أن أمها وإن أنكرت ذلك.. فهي تعاني من ضغط هائل وأرادت أن تكون جوارها حتى اللحظة الأخيرة..
هزت رأسها إيجابا وهي تهمس بحزم: دقيقة بس أجيب عباتي..
بينما وضحى وسميرة الاثنتان كانت أعينهما مغرقة بالدموع..
لا تتخيلان أنهما ستنامان الليلة دون أن تقول لهما مزنة بابتسامتها الحانية (تصبحان على خير)
في الخارج.. في داخل الباحة وأمام مدخل البيت كانت سيارة زايد تقف بفخامة كفخامتها الفارهة وفخامة صاحبها..
وهو يجلس في داخلها.. يشعر أن فولاذ السيارة يكاد يطبق على أحشائه!!
والغريب أنه لو خرج خارجها فهو سيشعر كما كان يشعر قبل قليل
أن أقطاب الكون كله تتقارب لتطبق على أحشائه..
كان في غنى عن ذلك كله..
في غنى عن ذوبان مشاعره هكذا..
في غنى عن ثورة توتر لم يعتدها رجل مثله..
بعد ثوان سيراها.. زوجته هو.. وحلاله هو..
هو الذي لم يستطع احتمال رؤية أطراف أناملها..
ولم يستطع احتمال أثير صوتها.. فكيف سيحتملها كلها بكل مافيها وهي بين يديه..؟؟
"يا الله يارب أقسم لم يكن لي في كل هذا حاجة!!
إذا كنت رجلا مجنونا وحلمت بحلم مجنون وهو أني أريد أن أتنفس كل هواء العالم في لحظة واحدة؟؟
أ يطاوعونني؟؟ ويتركوني أتنفسه كله في لحظة واحدة؟؟
ألا يعلمون أن هذا الهواء كله سيمزق رئتي التي لن تقوى على احتماله؟؟
هكذا هي مزنة.. هي كل هواء العالم الذي لن تحتمله رئتين يتيمين.. كرئتيّ !!
يا الله الصبر من عندك.. يا الله العزم من عندك.."
كان لاهيا في أفكاره حين سمع الطرقات على زجاج السيارة ومزون تشير له بغيظ أن ينزل..
اجتاحه طوفان ضاغط من المشاعر.. كيف لم يشعر بخروجهم..؟؟
نزل بخطوات واثقة حازمة هي خطواته المعتادة.. خطوات لم تظهر فوضى مشاعره لأنها خطوات بات يتحركها بالسليقة..
الفتيات خرجن فقط بعباياتهن وأغطية الرأس فقط دون تغطية وجوهن..لأن مدخل البيت غير مكشوف لباب الباحة المفتوح..
زايد عرف طبعا مزون وكاسرة ولكن معهن صبية ثالثة لم يعرفها..
أما رابعتهن.. بؤرة الضوء.. فهو حاول جاهدا ألا ينظر لها حتى..
ولم يستطع أن ينظر لها حتى.. لأنه حدث ماصدمه.. فبعد أن قبّلتا كل من مزون وكاسرة رأسه وباركتا له وتأخرتا..
الفتاة الثالثة فاجئته أنها قبلت رأسه.. ثم تعلقت بعنقه.. وبكت وهي تدفن وجهها في عنقه..
زايد احتضنها بحنو حتى لا يحرجها وهو يهتف بيقين حنون: وضحى صح؟؟
هزت رأسها وهي تبكي بتأثر.. ثم حدث ماصدمه فعلا أنها انحنت لتقبل كفه..
زايد شد يده بسرعة وهو يربت على رأسها ويهتف بذات الحنو الأبوي:
قدرش كبير يأبيك..
ولكن ما فاجئه وصعق كل من مزون وكاسرة أنها أصرت أن تقبل كفه وهي تهمس بتأثر عميق بين شهقاتها:
طالبتك ماتردني.. لأن حبة رأسك ويدك.. شيء حلمت فيه ليالي طويلة..
بينما مزنة كانت تقف شامخة لا يظهر تأثرها المتزايد في روحها.. خصوصا وهي ترى حال وضحى وتعلم سببه..
وضحى بعد أن قبلت زايد.. التفتت لوالدتها واحتضنتها مطولا..
حينها كان مجبرا أن ينظر أن ناحيتها.. ولكنه لم يستطع أن يلمح شيئا فوضحى تغطي عليها..
ومزنة تنحني بكامل جسدها عليها وهي تحتضنها بكل حنو وتهمس في أذنها:
الله الله في نفسش.. وفي جدش.. ومهما صار ترا ظني فيش ظن خير مايغيره شيء..
وضحى هزت رأسها بألم.. بينما كاسرة تهمس بتاثر: يا الله يمه.. عمي طوّل وهو واقف..
زايد فتح الباب المجاور له.. لتتقدم مزنة بثقة رغم تصاعد توترها وتجلس في مكانها.. ليغلق الباب دون أن ينظر لها حتى..
بينما ركبت الفتاتان في الخلف..
زايد توجه لمكان السائق.. مازال لم يوجه لمزنة كلمة واحدة حتى.. ووجود الفتاتين يلجمه حتى لو حاول..
ركب.. وعيناه تتجهان فقط إلى يديها المشبوكة في حضنها..
"يا الله.. يا الله.. يا الله.. الصبر !!"
هاهو يرى كفيها كاملتين..
كفا مزنة.. كفاها !!
أغلق عينيه لبرهة عاجزا عن الاستيعاب..
أهذه فعلا يديها قريبة هكذا..؟؟
أكل مافيها ينضخ بهذا الحسن الغريب الذي يبدو أنه لم يُخلق إلا لها؟!!
بدا له أنه لم يرى في حياته كلها يدين أجمل ولا أعذب ولا أنقى من هاتين الشمسين المتشابكتين في حضنها..
" يارجال اصطلب..
ماشفت إلا كفوفها وحالك مايسر العدو ولا الصديق..
يا الله الصبر من عندك..
أنا أبي معجزة صبر الليلة !! "
حرك زايد السيارة.. أخيرا ليدخل إلى باحة بيته الشاسعة جدا في غضون ثوان ويتقدم حتى وقف أمام المدخل مباشرة..
لينزل ويتجه ليفتح لها الباب.. رغم أن مزنة شعرت بالحرج من فتحه الباب لها..
وكانت تريد فتحه بنفسها إلا أنها سبقها وفتحه..
والفتاتان تنزلان قبلها...
كان بود كاسرة أن تقول له أن يمسك كف والدتها على الأقل وهي تنزل..
لا تعلم لمّ يبدو مظهره جافلا هكذا..
ولكنها رأت أنه في مقام عمها ووالدتها لا يصح التدخل أبدا!!
وأخيرا هتف زايد بنبرة مثقلة بالفخامة والترحيب والثقة:
حياش الله يأم امهاب في بيتش..
مزنة همست بأدب رفيع: جعل البيت عامر بهله..
" يا الله حتى صوتها من قريب كذا له نكهة غير.. غير!! "
تقدموا جميعا وزايد يفتح الباب ويشير بالترحيب دون أن ينظر لها حتى..
لا يعلم كيف مازال قادرا على السيطرة على نفسه هكذا..
كيف أن عينيه التي أظناهما اللهفة التي امتدت لقرون مازالتا صابرين عن مجرد اختلاس نظرة؟؟
الفتاتان صعدتا خلفهما وهما يصعدان حتى وصلا لجناح زايد..
حينها شعرت مزنة أنها تختنق فعلا " أهذا فعلا حقيقة ويحدث؟؟"
كاسرة حين وصلا لباب جناحهما شعرت بحرجها يتصاعد وهي تقبل رأس زايد ووالدتها على عجالة وتهمس بثقة تخفي خلفها حرجها:
ألف مبروك.. واسمحوا لي..
ثم نظرت لمزون حتى ترافقها.. مزون كادت تبكي لشدة الحرج وهي تريد أن تهرب فعلا..
لكنها تخشى أن يقتلها كساب لو خالفت أوامره التي أعادها عليها اليوم عدة مرات..
وآخرها قبل دقائق حين اتصل بها وأخبرها أن والدها قادم لأخذ مزنة..
همست بنبرة ودودة وصوتها يرتعش من الحرج: يبه ترا العشا رتبته في الجلسة..
وإذا بغيتوا أي شيء.. ترا تلفوني جنبي.. وإذا..........
كاسرة حين رأت أن مزون لديها ماتخبر والدها به.. شعرت أن وقوفها محرج..
لذا قررت أن تنزل للأسفل.. وترسل لتميم رسالة حتى يحضر لأخذها
لأن الباب بين البيتين مغلق بعد أن تركت مفتاحه في غرفتها القديمة..
كانت كاسرة قد أصبحت قريبة جدا من الدرج حين وقفت لثوان..
رغما عنها شعرت أن قلبها يعتصر إلى حد الإجهاد..
غرفته قريبة جدا.. تكاد تشعر برائحة عطره تعبق في الجو فعلا..
كما لو كان عبر المكان منذ ثوان فقط..
يا الله كم اشتاقت له.. ولعطره.. ولصوته.. وحتى للؤمه وخبثه !!
تنهدت بوجع عميق وهي تتحرك متجهة للأسفل..
لتتفاجأ برائحة العطر -التي كانت تظنها طيفا- تحيط بها تماما.. إحاطة السوار بالمعصم حتى دخلت أقصى حويصلاتها الهوائية!!
ويد قوية جدا تطبق على فمها..
والأخرى تحيط بخصرها وتكتف ذراعيها لجنبيها وتحملها لتسحبها بخفة إلى مكان تعرفه جيدا..!!!
#أنفاس_قطر#
.