تحميل رواية «بين الامس و اليوم» PDF
بقلم HaboOoshy
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
************ قبل واحد ثلاثين عاما عالم غير العالم ودنيا غير الدنيا وبشر غير البشر بحر ممتد.. وشاطئ عذب.. وأحلام تبدأ : لتنمو.. أو لتُنحر!! يجلسان على بحر منطقة دخان.. شابان غضان.. للتو يعبران حاجز التاسعة عشر عاما يفرق بينهم الأصل والقبيلة ويجمع بينهما الفقر والصداقة والرجولة الكثير منها ثلاثتها كثيرٌ من الفقر وكثير من الصداقة وكثير من الرجولة!!! "زايد.. هونها وتهون يأخوك" " قهرتني ياخليفة.. قهرتني" خليفة بشبح ابتسامة: أبي أدري بس وش عايبك فيها..لسانها طويل يبتسم زايد وهو ينظر للأفق خلف البحر ال...
رواية بين الامس و اليوم الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم HaboOoshy
" آمرني جعلني فداك!!"
أبو صالح نظر إلى عبدالله نظرة غامضة خليط من غضب عارم وعتب عميق ومرارة قاسية وهو يهتف له بنبرة مقصودة:
بأقول لك سالفة.. اسمعها لين آخرها وعقبه نتفاهم!!
اليوم اللي قبل سفرك بيوم.. كنت بأدخل البيت.. فشفت السواق يعطي خدامة أم حسن كيس ملفوف..
أنا نغزني قلبي منهم.. دعيت السوق ولاغيته.. قلت له وش ذا اللي أنت معطيه الخدامة؟؟
فهو قال لي ( إن ام حسن موصيته يجيب له موس حلاقة حاد مثل اللي يستخدمونه الحلاقين.. وماتبي حد يدري)
أولها قلت وش هي تبي بموس الحلاقة.. وعقبه نقدت على روحي.. قلت بصرها..
تبي به اللي هي تبي به ودامها ماتبي حد يدري.. فأكيد إنها تبيه في شي يخصها بروحها!!
عقبه يوم شفتك ثاني يوم نازل متلطم.. ماطرا علي شيء.. ولا كذبتك.. مادريت إنك قدك متعود على الكذب على أبيك..
لكن يوم شفتك ذا الحين.. بذا الحلاقة اللي حتى ماسويتها وأنت صغير.. فهمت السالفة كلها..
أبو صالح صمت وعبدالله صمت كذلك.. وهو يتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعه حرجا من والده..
لم يتخيل أنه قد يقف يوما هذا الموقف المخزي أمام والده!!
أبو صالح هتف بغضب مكتوم: ها.. وش فيك متلايط؟؟ ليش ما تحكي؟!!
عبدالله بنبرة حزن عميقة: وش كنت تبيني أقول لك يبه.. أقول لك إن مرتي حلقت شنبي ولحيتي..
جوزا مقهورة واللي أنا سويته فيها واجد..
كنت تبيني أضربها.. وإلا أسحبها من شعرها ؟؟..
أبو صالح تفجر غضبه وهو مازال يكتم صوته والغضب يبدو واضحا في ارتعاش يديه:
وتدور لها عذر يا المرة!!
والله ثم والله لو عالية اللي أغلى علي من نسمتي.. سوت كذا في رجّالها..
إن كان أقول له اجلدها قدامي.. وإن عيا.. جلدتها بروحي لين يتمخلس جلدها..
أنت كنك منت برجال وبتسنع مرتك ولا أنت بكفو.. رديناها على أهلها يسنعونها..
طاق من ديرتك.. تتنى لحيتك تنبت بدل ما توريها السنع!!
نعنبو دارك.. هو قد حد سوى سواتها.. المرة إذا زعلت من رجالها..
زعلت بحشمتها وطلبت رضاها يجيها..
مهيب تمد يدها على لحى الرياجيل يا المرة!!
عبدالله شد له نفسا عميقا ثم هتف بحزم: ما يصير إلا اللي يرضيك يبه!!
بس تكفى ما تدخل حد بيني وبين مرتي!!
أبو صالح بحزم بالغ: ماني بمدخل حد بينكم..
بس عقب مابردت خاطري فيك.. بأقول لها الكلام اللي كان قلته لبنتي لو أنها سوت سواتها..
************************************
زايد يتحاور مع علي.. بينهما شيء غير مفهوم..
عفوي أو متقصد؟؟!!
كساب يسألهما بحزم: وش فيكم تساسرون؟؟ بينكم شيء ما تبون أعرفه قمت من المجلس..
زايد هتف بنبرة مقصودة بها رائحة خبث شاسع: وش اللي ممكن نتكلم فيه وما نبيك تعرفه؟؟
كل شيء يخصنا.. يخصك..
كنت أقول لعلي عن أن رئيس كلية الطيران طالب مزون تلقي كلمة في حفل للطلبة الجدد..
وأسأله إذا يقدر يروح معها..
إلا لو أنت تقدر تروح؟؟.. جزاك الله خير!!
ثم أردف بخبث أشد: تدري يأبيك حفل كبير بيكون في الشيراتون.. وفيه ناس واجد.. وأبي واحد منكم يروح مع أختكم..
لم يفت زايد ارتعاش الفنجان في يد كساب وهو ينزله أرضا ويهتف بحزم بالغ وحاجباه ينعقدان بغضب :
أنا من زمان شايل يدي من ذا الموضوع..
وأنت بروحك قايل لي.. مالحد عليها كلمة غيرك..
كيفك في بنتك.. توديها.. تخليها..تحرقها.. أنا مالي شغل...
أنهى عبارته ليخرج كالملسوع.. بينما علي وزايد يتبادلان بينهما نظرات انتصار!!
بينما هو توجه لسيارته..وهو مازال يرتعش من الغضب!!
بحث في أدراجها عن شيء لم يره منذ أكثر من شهرين..
وجد العلبة الموبؤة.. شد له منها سيجارة..
حينما يقفز إلى ذاكرته موضوع مزون يجد أنه يريد أن يعاقب نفسه مادام عاجزا عن معاقبتها كما يريد!!
أو ربما يعاقب نفسه لأنه يعلم أنه عاقبها أكثر مما يجب..
" تستاهل.. تستاهل!!
هذي هي ما تبي تتوب!!
يعني يأما أموت بالسكتة من سبتها وإلا ما ترتاح..
ماكفاها إنها موتتني وأنا حي!!"
شد له نفسين.. ليشرق ويكح وويطلق التأففات اللاهبة وهو يلقيها خارجا بعد النفس الثاني فقط..
يكره نفسه وهو يطفيء النار بالنار هكذا!!
يكره نفسه حين يشعر بنفسه ضعيفا هكذا!!
تناول العلبة كاملة وألقاها خارجا بامتداد يده وكل قوته!!
ثم عاد ليلكم المقود بقبضتيه كلاهما حتى تصاعد الألم في مفاصله!!
مرارة جارحة تتصاعد في روحه..
يستطيع أن يقول لوالده أنها لا تهمه.. فلتفعل ما تريد..
لكنه لا يستطيع أن ينكر على نفسه كم تهمه!!
وكم كانت سعادته المخفية حين تركت الطيران!!
وهي ترسل له رسالة مع عمها.. أنها تركتها من أجله وأنها تريد رضاه!!
" كذابة.. كذابة.. عمرها ماهمها إلا نفسها!!
ماصبرت حتى شهرين من يوم خلت الطيران..
وهذي هي ناطة تبي ترجعنا للفضايح
تقول تبي رضاي؟!!
داستني أول وتالي.. وتقول تبي رضاي!!"
كلما استغرق في أفكاره .. كلما زادت لكماته للمقود وبيديه الإثنتين..
حتى انحرفت يده اليسار من قوة لكماته لتضرب حامل جهازه المحمول الذي كان له طرف حاد..
ربما لو كانت اللكمة غير لكمة كساب لم يكن ليحدث سوى كدمة بسيطة..
ولكن لأن لكمته كانت مفرطة القوة..
جرح نفسه جرحا غائرا نوعا ما بين مفاصل كفه!!
انتزع غترته وهو يتأفف غضبا وقرفا لا ألما.. ولفها حول قبضته.. وهو ينزل للبيت..
دخل كالإعصار وهو يتجه لغرفته.. كانت كاسرة تجلس مع مزون وعفراء في الصالة العلوية..
مر بهن كالسهم ودون أن يسلم حتى..
وغترته في يده وليست على رأسه!!
كاسرة وقفت وهي تهمس لهما بذوق: بأروح أشوف كساب وش فيه؟؟
همست لها عفراء بأمومة: الله يعينش.. شكلها قلبة من قلبات مزاجه!!
كاسرة دخلت خلفه وهي تناديه.. دون أن يجيبها..
بحثت عنه حتى وجدته في حمام غرفة النوم
يغسل يده وحوض المغسلة ممتلئ بالدم..
والغترة الغارقة بالدم ملقاة في القمامة...
مدت يديها مع يديه تغسلهما وهي تهتف بجزع: كساب من ويش ذا؟؟
هتف لها بنبرة نفاذ صبر غاضبة: مافيني شيء.. جرح بسيط.. وخري خلني أضمده!!
هتفت بحزم وهي تتناول الضمادات من صيدلية الحمام: أنا بأضمده لك..
شدته خارج الحمام وهي تجفف يده بفوطة نظيفة وبيدها أدوات الضماد..
لم يناقشها لأنه يشعر أنه سينفجر من الغيظ.. مع أول عبارة قد يقولها..
جلست على السرير وجلس جوارها.. حين كشفت الفوطة.. كان الدم مازال يتدفق..
هتفت له بحزم حان قلق وهي تشعر أن قلبها يؤلمها من عمق الجرح:
كساب يدك تبي خياطة.. لازم تروح للمستشفى..
رد عليها بغضب: زين خلاص عطيني إبرة فيها خيط.. وأنا بأخيطه.. مايحتاج مستشفى.. كل السالفة رتبتين..
كاسرة بصدمة: أنت صاحي !!.. في أي قرن عايش؟!! تبي تخيط الجرح بروحك..
أجابها بذات النبرة الغاضبة: وتبيني أروح المستشفى عشان جرح سخيف مثل ذا؟!!
كاسرة حينها انفجرت بغضب: أنت وش ذا العقل اللي عندك؟!!
يدك تنزف وتقول جرح سخيف وبتخيطه بروحك!!
كساب بغضب مرعب: قصري حسش لأنها مهيب ناقصتش!!..
وقف وهو يشد له من إحدى الأدراج علبة بها إبر وخيوط من تلك التي توزع في هدايا الطائرات..
والأبرة تكون أساسا فيها خيط.. تناول الكحول المعقم من أدوات الصيدلية التي أحضرتها كاسرة..
سكبه على الخيط والأبرة.. ثم عقّم الجرح..
كاسرة كانت تنظر مذهولة له.. لا تصدق ماتراه.. وغضبها يتزايد عليها..
ثم لم تستطع أن تنظر وهي تراه يغرز الإبرة في جلد يده..أشاحت بنظرها وبمرارة..
لم يستغرق دقيقة حتى انتهى.. بخياطتين صغيرتين دقيقتين.. كما حدد!!
ثم وضع عليه لاصق طبي.. وانتهى!!
كل هذا وكاسرة مازالت تجلس جواره..
حينها هتفت بنبرة عاتبة: ترا الطريق للمستشفى ما يأخذ ربع ساعة حتى..
بدل الطريقة الهمجية المتوحشة اللي سويتها في روحك..
لكن أنت إذا ما وجعت قلبي ما ترتاح!!
حينها هتف لها بمرارة متأصلة: والله ماحد قلبه موجوع غيري..
إذا هي وأبيها ماذبحوني ماهم بمرتاحين!!
كاسرة هتفت بغضب: من هي ذي اللي بتذبحك؟؟..
أجابها بغضب مشابه: مهوب شغلش!!
كاسرة انفجرت: إلا شغلي ونص.. من هذي اللي تأثيرها عليك يوصل إنها تذبحك!!..
حينها أجابها ببرود كان يحترق تحته: اعتبريها زلة لسان غير مقصودة!!
كاسرة صمتت وهي تحترق.. لن تسأله أكثر حتى لا يشتم رائحة احتراقها تتصاعد مع احتراق جوفها من الغيرة..
فهي باتت تشك أنه اخترع هذه العبارة لمجرد إغاضتها!!
همست بحزم وهي تسأله لتغير الموضوع: أنت قاعد مع حد يدخن يوم جرحت يدك؟؟.. فيك ريحة زقاير..
وأشلون جرحت يدك أساسا..؟؟
حينها أجابها ببساطة حازمة كأنه يريد أن يجرحها: أنا اللي جرحت نفسي بنفسي!!
وأنا اللي كنت أدخن!!
كاسرة قفزت كالمدلوغة: نعم؟؟ أنت اللي ويش؟؟
ومن متى وأنت تدخن.. وأنا معك قربنا نخلص 3 أسابيع عمري ماشمتيها فيك ولا شفتها معك!!
أجابها وكأنه يريد أن يجرحها أكثر لشدة جروحه التي تغلغت في روحه:
أدخن حسب المزاج.. متى ماطرا علي!!
عندش مانع؟!!
******************************************
مازالت عاجزة على السيطرة على دموعها وارتعاشها..
وجهها تورم لكثرة البكاء.. ولا يهمها أن يدخل عبدالله الآن ويراها
حتى وإن كانت وعدت نفسها الآف المرات أنه لن يرى دموعها!!
كلما تذكرت ماحدث لها الليلة.. تزايدت دموعها انسكابا.. وأناتها ارتفاعا..
تشعر بالحرقة والمهانة والعار والخجل وانعدام الأمن..
كل هذه المشاعر القاسية القارصة تجمعت الليلة عليها.. ليتزايد بكاءها مرارة وحرقة!!
كانت تجلس مع أم صالح ونجلا حين ناداها عمها أبو صالح لتلحق به إلى غرفته..
وقفت بجزع لتتبعه.. وتوجس مرعب يتصاعد في روحها
لطالما كانت تخاف أبا صالح وتهابه.. أكثر حتى من والدها..
تقدمت بخجل وهي تدخل غرفته بخطوات متيبسة.. هتف لها بحزم: تعالي وسكري الباب
تقدمت وهي تغلق الباب... ليحكى لها الحكاية التي حكاها لعبدالله..والا ستنتاج الذي استنتجه!!
شعرت أنها تتمنى لو أنها تذوب في تلك اللحظة.. تختفي!!.. تتبخر!!..
لم تستطع حتى رفع عينيها إليه..
وليته اكتفى باحراجها بالحكاية التي كانت لوحدها كافية لتشعر بكل عار العالم..
ولكنه انفجر فيها بحزم غاضب:
هذي فعايل بنت الأصل يا بنت الأصل.. والله ثم والله لو عالية مسوية كذا في أخيش إن دمها حلال عليه
وش ظنش أبيش يقول لو درى بسواتش..؟؟
زين رجالش غلط عليش.. وماراضاش.. كان جيتيني.. والله ثم والله لأعلقه من أرجيله عشانش..
لكن ذا الحين مالش وجه عندي.. وعذرش انقطع.. لأن سواتش ماتسويها حتى مضيعة المذهب..
ورجالش كنه إياش اللي ماعرف يسنعش!!
قال لها كلاما كثيرا مؤلما جارحا.. تحاول أن تتناساه فلا تستطيع!!
وأكثر ما يؤلم أنها لم تستطع أن تدافع عن نفسها حتى بكلمة..
لأن ما سيرونه جميعهم أنه مهما اخطأ عبدالله في حقها لا يمكن أن تعاقبه بهذه الطريقة..
حق له أن يمزق روحها وحياتها ويضيع مستقبلها.. ثم تكون بضع شعرات في وجهه أثمن من كل ذلك!!
نادمة بشدة على تصرفها.. وليس من أجل عبدالله.. ولكن لأنها بهذا التصرف جعلت نفسها في موقع المخطئة الخطأ الذي لا يغتفر..
تتخيل لو علم والدها الذي هدد بقتل عبدالله لو ضايقها.. لو علم بما فعلته.. لربما قتلها هي!!
لا يوجد حتى من تلجأ إليه!! لأن الكل سيرفع حاجبيه استنكارا من فعل هذه المجنونة..
شعور بعدم الأمان وأنها لن تجد ظهرا يسندها بات يخنقها... فهي بفعلتها هذه أعطت لعبدالله سلاحا مسلطا دائما على رقبتها..
ومع وجود أبي صالح كشاهد.. ضاقت عليها الدائرة حتى اختنقت!!
تتخيل مظهرها أمام الناس لو انتشر الخبر..
"جوزا الخبلة حلقت شنب رجالها ولحيته"
يزداد بكاءها عنفا.. لا تريد أن تكون منبوذة أكثر من ذلك!!
لا تريد أن تكون منبوذة!!
تتخيل ما الذي قد يفعله عبدالله في ظل معرفته أنها لا تستطيع العودة لأهلها خوفا من معرفة والدها لما فعلته!!
تعلم أن والده أعطاه نصيبه من الكلام الجارح.. وأنه الآن معبأ تماما عليها!!
رغم كراهيتها له ولكنها تعلم تماما أي موقف محرج مذل وضعته فيه أمام والده!!
ولأنه لا يستطيع تفريغ غضبه في والده.. فبالتأكيد سيبحث عمن يفرغ غضبه فيه!!
ومن أنسب ممن كان سببا لإحراجه وذله؟!!
تبكي أكثر واكثر.. وهي تكتم شهقاتها حتى لا تزعج ابنها النائم..
تشعر كما لو أن شهقاتها مناجل مزقت روحها دون أن تجد طريقا للخروج..
لذا مازالت تعيث خرابا وتمزيقا كخبط عشواء بحثا عن الطريق!!
ألا يكفي ماحدث لها طيلة السنوات الماضية؟!
ألا يكفي!!
" والله العظيم تعبت.. تعبت!!
ماعاد فيني استحمل!!
أنا ما أنا بطوفة الكل يضرب فيها ويبونها ما تنهد!!
تعبت ياربي... تعبت!!
يا الله فرجها من عندك.. وإلا خذ أمانتك عندك!!"
كان بكائها يزداد عنفا مكتوما..وأفكارها تزداد قتامة ومرارة... وجسدها يزداد ارتعاشا كمصابة بالحمى..
حين سمعت صوت الباب يُفتح..!!
*********************************
يقف أمام باب غرفتها وهو يشد له نفسا عميقا
هل يفعلها ؟؟
أربع سنوات مرت لم يدخل غرفتها مطلقا!!
ولكنه سيموت من القهر أن فعلتها وذهبت!!
سيموت فعلا!!
فهو كان قد بدأ يبني له أملا أنها ستعود يوما إلى حضنه..
ولكن إن ذهبت.. فإن كل هذه الآمال ستنهار لا محالة..
ألا تعلم مكانتها عنده!!
لماذا تريد المتاجرة بهذه المكانة؟!
ولماذا تريد الاستمرار في إشعاره برخص مكانته عندها؟؟
كم هو مؤلم إحساسه أن الإنسان الأثمن لديك في كل العالم.. يُشعرك أنك الإنسان الأرخص لديه!!
قضى الساعات الماضية يركض على الكورنيش..
ثم مر بمسجد وصلى قيامه..
هدأت سورة الغضب.. ولكن القهر والمرارة تعمقا حتى أقصى خلية من خلاياه
تشبعت خلاياه بهما حتى تفجرت بقيحهما!!
شد له نفسا عميقا آخر.. ثم طرق الباب..
همست برقة: ادخلي خالتي.. مابعد تمنت..
دخــــــل..
كم اختلفت الغرفة من بعده!!
في المرة الأخيرة التي دخلها ليرجوها للمرة الأخيرة بكل حرارة أن تتراجع عن قراراها لدراسة الطيران.. وصفعته برفضها القاطع
كانت الغرفة أشبه بغرفة طفلة.. ألوان الزهر والبنفسج تغمر المكان..
ولكنها الآن غرفة تنضح بمرارة النضج وألوان المارون والذهب وستائرها الكلاسيكية القاتمة..
مزون حين رأته قفزت حتى كادت تتعثر..
لم يخطر لها مطلقا ولا حتى في أعذب احلامها أنه قد يزورها يوما!!
توجس قاتل اخترم روحها.. وسعادة محلقة شعرت بها ترفرف في جوانحها..
لا يهمها إن كان جاء ليسمعها بعضا من قسوته!!
يكفيها أنه هنا..
لم تتخيل أنها قد تراه في غرفتها مرة أخرى.. قريب هكذا!!
وكم حلمت بهذا القرب!!
تذكرت أنها ترتدي بيجامتها.. قد يكون سابقا اعتاد رؤيتها بالبيجامة وهما يسهران كل ليلة سويا..
ولكنها الآن تشعر بخجل عميق.. وتود أن تتناول روبها المعلق لتلبسه..
ولكن قدميها المتيبستين لم تتحركا من مكانهما..
همست باختناق: هلا كساب.. هلا والله..
تفضل حياك..
تعال نقعد في الجلسة!!
أجابها بقسوة: ما أنا بجاي أقعد.. كلمة ورد غطاها..
أجابته بذات الصوت المختنق: آمرني فديتك..
حينها انفجر فيها بغضب عارم: الحين تقولين آمرني فديتك.. وأنتي مايهمش إلا روحش ولا عليش من حد..
سويتي اللي في رأسش ودخلتي طيران.. ويوم طاب خاطرش منها خليتيها بكيفش..
الحين أبي أدري يا اللي ما تستحين.. تروحين تلقين خطاب عندهم ليه؟؟
وفي حفل مفتوح بعد.. أنتي وش وجهش؟؟ مغسول بمرق؟؟ مافيه حيا؟؟
أنتي وش جنسش؟؟ وش مخلوقة منه؟؟
خافي ربش فيني؟؟ وحتى في أبيش وأخيش وعمش؟؟
ماعاد يستطيع الاحتمال ومرارة الأربع سنوات تتفجر حممها لاهبة متدفقة:
أنتي ماكفاش اللي سويتيه فيني السنين اللي فاتت..
خليتني أوطي رأسي بين العرب.. وأنا اللي كنت رافعه فيش..
بسبتش عشت قهر ماظنتي شافه بشر في ذا العالم كله!!
أدري إنه خلاص قد ذا موضوع تافه عندش
وش قيمة كلمة تلقينها في حفل مختلط.. عقب مادرستي أنتي أربع سنين اختلاط؟؟
موضوع عادي بالنسبة لش!!
لكن أنا كنت رجيت فيش خير.. قلت حست خلاص.. يمكنها عقلت!!
كان ودي أني أصدق إنه ذا الكابوس خلص.. وأختي وبنتي بترجع لي!!
لكن مادريت إن باع أول.. بيبيع على كل حزة!!
وأني أنا كنت رخيص أول وتالي!!
حينها انفجرت باكية وهي ترتعش بعنف: والله العظيم... ماوافقت..
والله العظيم... ما وافقت..
كانت تنتحب وتشهق بعنف وكلماتها تتقطع كأنها تشرق بالكلمات وتكاد تغص بها:
الرئيس.. كلمني.. وقال لي.. حفل مفتوح.. قلت له.. ما أقدر.. ما أقدر.. ما أقدر
ورجع ..وكلم .. ابي.. وابي.. قال له.. نفس.. الكلام.. وقال له..هذا.. موضوع.. انتهى..
والله العظيم ما وافقت.. ماوافقت..
والله العظيم.. ماوافقت..
لا يعلم لـمَ شعر لحظتها.. أن الدنيا غامت في عينيه..وأنه لا يبصر شيئا!!
كانت ترتعش بعنف أمامه.. ووجهها محتقن.. دموعها تسيل بغزارة..
وهي تشهق بشكل متقطع وتكرر بلا انقطاع: والله العظيم.. ماوافقت..
والله العظيم .. ماوافقت..
فهي أيضا تعبت من كل هذا وحان لحظة انفجار كبت كل هذه السنوات وقهرها ومراراتها..
فهو لأول مرة يواجهها بهذه الحدة بعد صمت السنوات الأربع الأشبه بالموت!!
لأول مرة يمزق الحواجز الهشة/المتينة التي فصلت بينهما!!
تمنى كساب لحظتها لو يستطيع التوجه للصراخ في أبيه وفي علي..
كيف يتخذان من مشاعره لهوا.. يعلمان كلاهما كم هذا الموضوع حساس بالنسبة له..
لا يجد لهما عذرا!! لا يجد لهما عذرا!!
شعر أن قلبه يتمزق بمعاول مسنونة وهو يرى حالتها الهستيرية..
لأول مرة يشعر برغبة بالبكاء بعد وفاة والدته!!
كما لو كان فقدها للمرة الثانية!!
حاول الاقتراب لاحتضانها.. وتمنى أن يحتضنها..
ربما حتى لو عاندت وقالت له أنه ستذهب.. فهو كان سيتحضنها على كل حال..
ليسكن هذا اليأس والذعر الذي شعر بهما يتفجران في جوانحها..
وليسكن القلق الأشد الذي تفجر في جوانحه هو!!
لم يسبق مطلقا أن رآها هكذا.. لا في أقصى حالات الحزن.. ولا في أقصى حالات الغضب..!!
طوال الوقت متزنة.. هادئة.. حتى عندما تبكي.. تبكي بصمت!!
فما الذي حدث لها الآن!!
اقترب وهو يمد يديه لها ويهتف لها بحزن جازع: هدي.. هدي..
ولكنها دفعته وهي تصرخ بهستيرية: ما أبيك.. ما أبيك.. خلني.. خلني..
مد يديه أمامه وهو يشير لها أن تهدأ: خلاص بأروح الحين.. وأرجع بعد شوي..
خرج رغما عنه.. وهو لا يريد الخروج..
ماعاد حتى يريد الصراخ بعلي أو والده..
الحزن غلب الغضب.. يشعر كما لو كان جسده تفتت من الألم!!
يريد أن يجد له حضنا يرتمي فيه.. يسكب بعض مرارته فيه.. مادامت رفضت حضنه..!!
يريد أن يسكن قليلا.. ويدعها تسكن قبل أن يعود لها.. فهناك حديث طويل.. طويل بينهما
حديث بطول ومرارة قرون!!
توجه لغرفته..
نادى بإرهاق: كاسرة!!
لم تجبه.. توجه لسريره ليتمدد عليه.. وهو يشعر أن جسده كله يتمزق كما لو كان ينام على فراش من مسامير مسنونة..
نادى للمرة الثانية بإرهاق أعمق: كاسرة وينش؟؟
جاءها صوتها حازما محملا بحزن غريب عميق: نعم..
هتف بعينين مغلقتين ونبرة ذابلة: تعالي جنبي.. تعبان حدي.. حاس أني بأموت..
أجابته بنفس النبرة الحازمة الحزينة: آسفة.. روح أخذ لك شفطتين تريح أعصابك.. مالك عازة فيني!!
فتح عينيه وهتف بنبرة ذابلة تماما: والله العظيم مهيب ناقصتش..
أجابته بألم: دام مهيب ناقصتي.. مهوب أنا اللي أنقصها ولا أزيدها.
خيرك فيك..
أجابها حينها بحزم وهو يعتدل جالسا: تدرين كاسرة يمكن حياتي كلها ما أحتاج لش كثر الليلة..
وأنتي شاحة علي أنش تقعدين جنبي!!
رغما عنها آلمها قلبها.. أن يعبر بهذه الصراحة عن حاجته لها.. لم تتوقع أنه قد يفعلها يوما ...فكيف وهو يفعلها بهذه السرعة؟!!
ولكنها لا تريد الاستسلام والتراجع.. عن موضوع خطير مثل هذا!!
حينها سيعتاد أن يمرر كل شيء عليها..
كسّاب يحتاج لوقفة حازمة إن كانت تريد الحياة أن تستمر بينهما..
ولكن هل كساب في هذا الوقت.. سيحتمل أو يتقبل الوقفات الحازمة وهي تهتف له؟؟:
اسمعني عدل يا كساب..
لا راح أجي جنبك.. ولا تجي جنبي.. لين تحلف لي إنك ماترجع تدخن..
ولا تقول تعصيني.. لأنك أنت عصيت ربك.. وماظني إنه يجهلك إن التدخين حرام!!
حينها وقف كسّاب وهو ينتزع غترته من جواره ليحملها معه ويهتف بغضب مثقل بالمرارة:
الشرهة علي اللي جيت أبي حنان وحدة ما تشوف أبعد من خشمها المرفوع!!
السموحة يا بنت ناصر.. ضيعت الدرب!! غلطت!!
وأوعدش الغلطة هذي ماتكرر مرة ثانية!!
.
.
دار في البيت قليلا.. وهو يشعر أن جدران البيت الواسع تتقارب لتطبق عليه
لدرجة أنه عجز عن التنفس..
ماعاد يحتمل ألا يراها.. يكاد يجن كلما تذكر كيف حالتها.. ودموعها وارتعاشها!!
قد يكونان خلال السنوات الماضية تبادلا الجرح حتى غاصت جراح كل منهما في روح وجسد الآخر..
ولكن هذه المرة لا ذنب لها.. لا ذنب لها..
اختار الوقت غير المناسب ليفجر فيها كل غضب السنوات الماضية ومراراتها!!
كل يوم خرجا فيه صباحا وكل منهما يتجه لسيارة..
وهو يتجاهلها كأنه لا يراها.. بينما كان في أكثر الأيام يتبعها..
لم تكتشفه أبدا.. بسبب مهارته في السواقة والاختباء خلف السيارت وهو يجعل فاصلا بينهما..
لا يعلم ماذا كان يريد من اللحاق بها!!
تعذيب نفسه أكثر.. إحراق نفسه أكثر.. وهو يتمنى كل يوم لو دخل إلى الداخل وأخرجها عنوة!!
أو ربما كان كل ما أراده مجرد الاطمئنان لوصولها وهي تذهب إلى مكان بعيد مع الخادمة والسائق..
كثيرا ماشعر بالحنق على والده.. إذا كان قد وافق على دراستها هناك.. فلماذا لا يوصلها بنفسه!!
يتذكر كل يوم جلسا فيها على مائدة الأفطار وحيدين
في ظل غياب علي وسفر زايد في بعض الأحيان..
يتجاهلها ويرفض حتى تناول فنجان القهوة من يدها لتعود مدحورة إلى مقعدها..
لا ينظر حتى ناحيتها..
وهي لا تعلم أنه يبقى جالسا حتى يراها تناولت شيئا.. لأنها منذ صغرها حين يتغيب والدها عن البيت.. تقل شهيتها للطعام لأقل حد..
ولا تأكل إلا بالمحايلة!!
ومادام لا يستطيع محايلتها.. فليبقَ جالسا حتى تأكل..
لأنه يعلم أنها لن تقوم عن المائدة مادام جالسا..
وحتى لا يبدو مظهرها سخيفا وهي جالسة هكذا.. فهي كانت تضطر لتناول شيء أمامه!!
ولا يعلم هو أيضا مدى صعوبة ابتلاعها للطعام مع ضخامة العبرات التي تسد حلقها كلما رآته يتجاهلها هكذا كأنها غير موجودة!!
وهي تتخذ الطعام ستارا حتى تبقى معه في مكان واحد لأطول مدة ممكنة!!
وهي تشعر بالألم أنها مهما بقيت جالسة.. فهو لن يكلمها..
ومع ذلك رغما عنها تشعر بالأمل أنه قد يكلمها اليوم !!
"ربما اليوم يحدثني..
يسألني محض سؤال سخيف..
اسألني كساب كما كنت تسألني وأنا صغيرة
هل فرشتي أسنانك اليوم؟؟
وحين أجيب بلا!!
تشد أذني رغم أنك بالكاد تلمسها.. وتعيدني للحمام
لتفرش أنت أسناني بنفسك!!
.
اسألني هل أشرقت الشمس اليوم؟؟
لأخبرك أن الأيام بعدك باتت متشابهة!!
.
اسألني كيف هو يومك الدراسي؟؟
لأخبرك أنني أكره الكلية والكتب والتدريبات وكل شيء أغضبك مني!!
.
اسألني كساب.. اسألني عن أي شي!!
أما تعبت من هذا الجمود والصمت والغضب!!"
لتنتهي جلستهما معها دون أن يسألها عن شيء... ودون أن تخبره عن شيء!!
مرارة جارحة وألم متبادل تشاركاه طيلة السنوات الماضية
هو بتجاهله لها.. وهي باحتمال هذا التجاهل!!
هو بغضبه الأسود رغم أنه تمنى كل يوم أن يسامحها.. ودعا ربه كل يوم أن يقويه ليسامحها!!
وهي بحزنها المتزايد وهي تذبل كل يوم أكثر في انتظار هطول أمطار رضاه التي شح بها عليها حتى أجدبت روحها!!
ماعاد قادرا على احتمال وطأة القلق والأفكار ونهشهما لروحه..
صعد لغرفتها ولم يجدها..
بحث عنها كالمسعور وهو يتخبط في أنحاء الغرفة..
توجه ركضا لغرفة خالته.. فلم يجدها أيضا!!
تفجر قلقه ورعبه وهو ينزل ركضا لغرفة علي.. فلا يجده أيضا..
حينها انهار جالسا على سرير علي وهو يتصل به ويسأله بقلق ورعب:
علي وينكم كلكم؟؟
أجابه علي بصوت ممزق ارهاقا وقلقا:
مزون تعبانة شوي.. جبتها أنا وخالتي المستشفى..
#أنفاس_قطر#
رواية بين الامس و اليوم الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم HaboOoshy
" أنت يا الخبل كم كانت سرعتك
مالك حتى عشر دقايق من يوم سكرت مني"
وجهه مسود تماما ..أنفاسه تعلو وتهبط.. غترته ملقاة فوق رأسه كيفما اتفق.. أزراره العلوية مفتوحة..
والكتفان العاليان الشامخان كانا متهدلين.. منظر لم يُرَ فيه أبدا كساب المتفاخر.. الأنيق.. المعتد.. المتكبر!!
ولم يتوقع أنه قد يراه هكذا يوما..!!
أجابه بجزع كالموت: وش فيها؟؟ وش فيها؟؟
رغم استغراب علي من حالته ولكنه أجابه بتأثر عميق: خالتي ماجاها نوم
وراحت لها تبي تسهر معها.. لقتها تبكي ومنهارة وهي تصيح بكلمة وحدة (ما أبيك)..
نادتني وجبناها هنا... وخالتي معها داخل.. وأنا طلعوني
كساب تجاوز علي ليدخل.. علي هتف بحزم: انتظر شوي..القسم قسم حريم..
لكن كساب أزاحه جانبا وهو يدخل دون تفكير.. ويصيح بألم: خالتي وينكم؟؟
وهو يتخبط بين الستائر ولا يريد فتحها حتى لا يكشف ستر من يختفين خلفها!!
خالته أطلت من خلف أحد الستائر وهي تشير له بيدها تعال..
حين دخل كانت مزون تكاد تسبل عينيها.. والطبيب يمسك بمعصمها ليقيس الضغط مع بدء مفعول المهدىء
انتزع يدها من يد الطبيب وهو ينحني ليضم كفها لصدره!!
ويرى دمعة تخر من عينها قبل أن تغلقها.. دمعة نحرت روحه التي لم يبقَ فيها شيء لم ينحر مئات المرات!!
التفت للطبيب وهو يهمس بغضب مكتوم بصوته الممزق ألما وإرهاقا: مافيه دكتورات هنا؟؟!!
ابتسم الطبيب وهو يربت على كتف كساب: يا ابني دي زي بنتي.. ودلوئتي أنا المناوب هنا..
حينها سأله كساب باهتمام موجوع: وش فيها؟؟
الطبيب بنبرة مهنية: انهيار عصبي.. أنا دلوئتي اديتها مهدئ وهنطلعها لاوضة فوء
لينهار كساب جالسا على المقعد المجاور لسريرها وهو يدفن وجهه بين كفيه..
لو استطاع أن يبكي لبكى.. ولكن إن كانت عيناه شحت بدموع لم تعتد ذرفها
فإن روحه كانت تنزف كل دموع الأرض التي اعتاد نزفها حتى أغرق جوانحه بها!!
كانت خالته تنظر له باستغراب.. لم تتوقع أبدا ردة الفعل هذه من كساب
لذا سألته بحذر: كساب أنت صاير شيء بينك وبين مزون؟؟
كساب حكى لها كل ماحدث دون زيادة أو نقصان وختمها بقوله بكل ألم:
ما أدري ألوم ابي وعلي وإلا ألوم روحي..!!
أجابته خالته بألم مشابه: يأمك ماتدري وين الخيرة.. يمكن الله يبي الخير لكم من ورا اللي صار..
كساب يصرخ بألم شاسع موجوع وهو يقفز ليشير لمزون: أي خير وهي حالتها كذا..؟؟
أي خير وأنا سبة اللي صار لها..؟؟
حينها أجابته خالته بحزن: يعني مهتم الحين يأمك إنها انهارت.. وما اهتميت من وجيعتها ذا السنين اللي فاتت كلها!!
كان لازم تدري إنه بيجيها يوم وتنهد!!
**************************************
حين سمعت صوت الباب يفتح.. رفعت قدميها عن الأرض وضمت ركبتيها لصدرها في حركة دفاعية عفوية..
أكثر ما تخشاه أن يضربها ويصحو حسن على هذا المنظر!!
" لا .. لا ماراح يضربني..
ماسواها وهو محتر يسويها الحين..
بس هو الحين محتر أكثر من يوم راح
إذا أنا الحين عقب كلام أبو صالح متحسفة أكثر وخايفة أكثر!!
فهو أكيد محتر أكثر عقب مادرا أبيه باللي صار!!
يارب مايضربني قدام حسن..
يارب مايضربني قدام حسن!!"
دخل عبدالله بهدوء وعلى وجهه ترتسم علائم غموض..
حين رأته رغما عنها بدأت دموعها تنهمر بغزارة أكبر وشهقاتها المكتومة تتعالى
حينها اتجه ناحيتها.. حين رأته اقترب همست بين شهقاتها:
تكفى لا تضربني هنا عند حسن
خلنا نروح للجلسة..
جلس جوارها وهو يمد يده ناحيتها.. انكمشت بعنف.. ولكنه مسح على شعرها وهو يهتف بحنان عميق مغلف بحزن أعمق:
أنا آسف إذا كان كلام ابي جرحش.. امسحيها في وجهي!!
حين دخل.. كان قراره أنه سيتجاهلها فقط.. لن يكلمها.. حتى لا ينفجر فيها..
فهو يشعر بمرارة الحرج من والده تحرق روحه حتى أقصاها..
ولكن حين دخل ورأى حالتها.. عينيها الزائغتين.. وجهها المحمر الغارق بالدموع..
شعر أن قلبه يذوب.. يذوب بكل معنى الكلمة.. لا يستطيع احتمال ألمها أو دموعها..
هو يحتمل الألم عنها.. لكن هي لا لا..
يستطيع أن يتحمل عنها كل ألم العالم.. ويدفنه بين أضلاعه ليبعده عنها.. حتى لا يقترب من ملامسة حدودها حتى!!
وهي حين مد يده ناحيتها كانت تظن أنه يريد أن يشدها من شعرها للجلسة.. انكمشت بعنف..ثم صعقت بتصرفه الحاني..
شعرت أن مشاعرها المرهفة المرهقة انهارت..
بدون تفكير ألقت بنفسها على صدره..
عبدلله تيبس لثوان وهو يراها في عرض صدره.. ليشدها بحنو.. وهو يضمها لصدره.. ويطبع قبلاته على شعرها..
بينما كانت هي تشهق بعنف وصدره يغرق من غزارة دموعها..
لم يتخيل عبدالله أنها قد تفعلها بنفسها.. كانت سعادة شفافة تتسرب إلى روحه وهو يهمس لها بولع وحنان:
بس حبيبتي خلاص.. خلاص..
كان يشعر كما لو أن صدره يُشق وهو يسمع أنينها الموجوع..
اختلطت مشاعره بعنف.. بين فرحة بوجودها بين أحضانه..
وبين حزن مزق روحه لدموعها الغالية!!
ليتفاجأ أكثر بها تخلص نفسها بحدة من حضنه وتصرخ فيه بكراهية عميقة:
لا تقول حبيبتي.. لا تقول حبيبتي..
علم حينها أن هذه لم تكن سوى لحظة مسروقة من زمن كراهيتها المر.. احتاجت حضنا.. فوجدته.. وحين علمت أنه حضنه هو.. ابتعدت عنه!!
عبدالله ابتعد عنها.. ووقف دون يكلمها..
"يا الله أي قسوة وكراهية في قلب هذه المخلوقة!!
ألا تلين؟!!
ربما لو شعر الحجر بمشاعري تجاهها لذاب تماما..
وهي لا تريد أن تلين حتى!!
كم أنا متعب منها.. ومن هذه الحياة!!
أ يحكم علي أن أحبها كل هذا الحب.. وتكرهني هي كل هذه الكراهية؟؟
حتى متى؟!!
حتى متى؟!!"
*****************************************
" أختكم وش اللي صار فيها؟؟
وأشلون ماقلتوا لي ؟؟ تخلوني لين فقدتكم بروحي وأنا أدور في البيت كني خبل"
علي بنبرة تهدئة: يبه فديتك مافيها إلا العافية.. تبي ترتاح بس يوم وإلا يومين !!
كساب بغضب مكتوم متحسر: إلا فيها وفيها.. وكله منك أنت وولدك!!
خليتوني أهب فيها.. وأنتو عارفين زين إنها عيت تروح للحفل!!
البنية ارتاعت مني.. حرام عليكم اللي سويتوه فيها وفيني!!
لو صار فيها شيء ماراح أسامح نفسي ولا أسامحكم!!
حينها التفت له زايد وهو يهتف بحزم غاضب مثقل بالوجع:
لا تحملنا أغلاطك وأنك ماتعرف تتصرف لا أول ولا تالي..
زين وقلت لك إنها عيت تروح الحفل.. وش الفايدة؟؟
بتقول عيت منه مثل ماخلت الطيران.. عشانها تبي كذا !!
حرقتوا قلبي أنت وإياها على ذا الحال والجفا!!
تعبت منكم وعشانكم... بغيتك تروح تكلمها.. تستفسر منها.. تفتح باب حوار..
مهوب تهب فيها لين صارت كذا!!
لولا إنك ولدي.. وإلا كان قلت حسبي الله ونعم الوكيل فيك!!
ذبحتها أول وتالي!!
زايد أنهى عبارته الموجوعة الغاضبة ثم عاد إلى مقعده بجوار مزون الذي له يجلس فيه أكثر من ساعة وهو يلتزم الصمت ويحتضن كفها بين كفيه..
قبل أن ينفجر بالسؤال في ابنيه!!
كان ينظر بحزنه العميق إلى ذبولها الظاهر.. الهالات تحت عينيها.. مظاهر لم تتكون من يوم أو يومين..
بل كانت تذوي أمامه منذ سنوات.. ويشعر أن روحه تذوي معها وهو عاجز عن رد روحها إليها..
كان يعلم أنها تحب كساب أكثر منه.. من صغرها وهي تحبه أكثر منه!!
لم يعتب عليها.. بل كان سعيدا بهما وعلاقتهما..
وما المشكلة أن يكون لديها أبوان لا اب واحد..؟؟
ولكن هذا الأب الثاني كان قاسيا فعلا!!
ولو كان فعلا أبا ماكان ليقسو كل هذا !!
ولكنه لا يستطيع أن يحاسبه على هذه القسوة..
فمهما كان روح الشباب جرفته بعيدا.. ولا يستطيع أن يمنحه تجربة وثقل مشاعر سنوات مازال لم يمر بها..
حاول طوال هذه السنوات الإصلاح بينهما ولكن مع عناد كساب بدا الإصلاح متعذرا..
ولم يتخيل أنه حتى يحدث الصلح هذا ما سيحدث لصغيرته..
يمد يده ليمسح على شعرها.. وروحه تنزف وجعا مصفى:
"سامحيني يا أبيش..
سامحيني.. ماهقيت إن ذا كله بيصير
ليته فيني ولا فيش يا الغالية!!
ليته فيني ولا فيش!!
يا أبيش لا تخليني!!
الحياة كلها متعلقة بأنفاسش فيها!!
وش حياة مافيها ضحكتش وصوتش؟؟
القبر أحسن منها!!"
**********************************
ثلاثة أيام مرت..
وحالها لا تحسن فيها!!
نائمة طوال الوقت.. كما لو كانت تهرب بالنوم!!
مع إن الطبيب توقف عن إعطائها المهدئات منذ اليوم الأول لأنها لم تعد للثورة ولا للصراخ..
وبدأ بإعطائها مضادات الاكتئاب.. لأنه يتبع الإنهيار غالبا إكتئاب حاد..
ومع ذلك طوال الوقت نائمة..
وأنا أبقى فقط أراقب ملامحها.. أنتظر أي ملامح لاستيقاظها..
وحين يحدث.. وتفتح عينيها..وتراني.. تفر من عينيها دمعة واحدة..
دمعة أشعر بها كمشرط مسموم يمزق مابقي فيني..
وكأنه بقي فيني شيء لم يتمزق من أجلها!!
ثم تعود لإغلاق عينيها والغرق في النوم..
وأنا أعود لمحاولات المراقبة!!
ألازمها طوال الوقت.. لا أغادر المكان إلا حينما يأتيها زوار نساء..
حينها أغادر مضطرا ولكني لا أبتعد حتى.. أبقى في الاستراحة وأطلب من خالتي أن تتصل بي فور مغادرتهن..
وإن أطلن البقاء أحرق خالتي بكثرة اتصالاتي!!
أخشى أن تفتح عينيها أو تصحو أو تتكلم وأنا غير موجود..
أريد أن أكون أول من يسمعها حين تتكلم!!
يا الله هل كان يجب أن يحدث كل هذا حتى أعلم أنني لا أستطيع أن أحيا في العالم بدون وجودها..
ما الجديد كنت أعلم ذلك حتى وأنا غاضب منها!!
ولكن هل كان يجب أن أشعر أن هذا الوجود مهدد حتى أصحو من غيبوبة الغضب ؟؟
*********************************
أربعة أيام مرت..
في الليلة الأولى حين خرج من عندي
لم أستطع النوم مطلقا.. ومازلت في نوم متقطع مليء بالكوابيس والقلق..
حين خرج.. أعترف أنني تمنيت في داخلي..
لو ركضت خلفه وأعدته..
شعرت أن مرارته كانت تخنق روحي..
ولكني منعت نفسي.. قلت لنفسي لابد أن أصلح مابيننا .. وأصلحه هو!!
لم أعلم أنه غير قابل للاصلاح وأنه مملوء بالأعطاب..
ماكان يدريني بما حدث بينه وبين شقيقته.. كيف أعلم أنه كان بحاجتي فعلا؟!!
كيف أعلم بشيء وهو من كان يتباعد ويقسو ويجرح!!
أربعة أيام مرت
لا أراه فيها إلا عند شقيقته حين أذهب لزيارتها.. أو حينما يأتي لللاستحمام وتبديل ملابسه فقط!!
وفي كلا الحالتين يتجاهلني وكأنني غير موجودة!!
ويبدو أنه اعتاد لعبة التجاهل حتى اتقنها!!
أولا مع أخته.. ثم معي!!
عمي زايد أخبرني بكل شيء!!
كان الوحيد الذي شعر بي وأنا أدور في المنزل وحيدة.. ولا أعلم شيئا مما يدور حولي وكأنني لا أسكن معهم في نفس المنزل..
شاركني همه المتجذر الذي عاناه حتى غاص في أقصى روحه..
وشاركته همي الجديد الذي بدأ يغوص في روحي..
وكأنني أعرف هذا الرجل طوال عمري.. وكأن بيننا خيط مخفي من تفاهم يتجاوز حدود الكلام!!
ولكن كل منا كان يشبه الآخر أن هناك أشياء يخفيها لأنه يريد الحفاظ على خصوصية حياته التي يجب ألا تمس!!
فلا يمكن مثلا أن أعري زوجي وسلبياته ولا حتى أمام والده!!
وهأنا أطرق باب مكتبه حين علمت أنه عاد أخيرا..
هتف لي (تعالي يأبيش) يعلم أنه ليس هناك سواي في صقيع هذا البيت..!!
دخلت وأنا أحاول أن أرسم ابتسامة فاشلة لا حاجة لأحد منا فيها:
أشلونها مزون الليلة.. أنا جيت منها عقب المغرب.. كانت على حالها..
هتف بحزن عميق: وأنا توني جيت منها.. وعادها على حالها..
حاولت في كساب يروح معي بس مارضى!!
فهتفت له بسكون: جاء عقب العشاء بدل ملابسه ورجع المستشفى..
لأعود وأتذكر عودته الليلة..
كان يبدو مرهقا تماما..ذابلا.. عارضاه يحتاجان الترتيب..على غير أناقته البالغة أقصاها دائما!!
تمنيت حينها لو أستطعت أن أضمه لصدري..
لم أتخيل أنني قد أراه يوما هكذا.. قد تكون ثلاثة أسابيع مدة قصيرة جدا لتكوين فكرة عن أحدهم..
ولكن اعتداده بنفسه فكرة تكونت منذ اليوم الاول!!
لا أستطيع مطالبته بقرب أذوي إليه من أجله هو.. مادمت قد رفضت أن اكون جواره حين احتاجني..
مادامت الظروف عاكست وكل التوقيتات كانت خاطئة فهل أستطيع إصلاح ما أراد الله عز وجل أن يحدث؟؟
الليلة نهضت لأحضر له غياراته.. ولكنه نهرني بقسوة: أعرف أخذ ملابسي بروحي..
عدت وجلست مكاني.. لا أنكر هذا الألم العميق المتسلط على روحي ومع ذلك هتفت له بحزم:
تراني ما أعرف الغيب.. ودامك تعاملني بذا الغموض وانعدام الشفافية بيننا..
فاشلون تبيني أعرف خفاياك..
تصرخ علي وتجيني وأنت مدخن.. وعقبه تقول تعالي جنبي..
فرد علي بحزم مرعب وهو يرتدي ملابسه: مافيه داعي نحكي في موضوع تافه ماله قيمة..
أما التدخين فنذر لله علي ماعاد يطب حلقي لين أموت إذا ربي شافى مزون..
عشانها هي بس.. مهوب عشانش !!
كم صفعة وجهها لي خلال عبارته القصيرة هذه؟؟
تحقير.. ومهانة.. وقسوة.. وإذلال..
في أحيان كثيرة أجدني أفكر بالهروب من كساب وبيته قبل أن يصل امتهانه لعمق روحي التي ماعتادت أبدا قبول مثل هذا التعامل..
ولكن أجدني أعود لأقول إن هذا تصرف لا يليق لا بتربيتي ولا بشخصيتي ولا بكوني ابنة أصول..
فبنت الأصل لا تتخلى عن زوجها في ظرف مثل هذا..!!
أنا حتى أهلي حين سألوني عن مرض مزون قلت لهم مجرد حمى.. فلست من تخرج أسرار بيتها..
وهأنا الآن أتلهى بالإعداد لزواج تميم الذي لم يبق عليه سوى يومين وأنشغل فيه حتى أقصى طاقتي!!
أخرجني من أفكاري صوت عمي زايد العميق: الله ماخذ عقلش يأبيش..يتهنى به
هاش اخذي!!
انتفضت بخفة وأنا أراه يمدني بورقة مطوية: وش ذا يبه؟؟
أجبني بمودة: هدية صغيرة عشان عرس تميم.. أكيد أنش تبين تجيبين هدية لمرت أخيش.. وعندش مصاريف
أنا داري إن كساب ماكان نسى مثل ذا الشيء.. بس دام موضوع مزون شاغله ماظنتني إنه تذكر..
قفزت وأنا أهتف باستنكار: والله العظيم ما أخذ منك شيء.. كساب مايخلي علي قاصر.. وأنا أساسا عندي فلوس.. جعل خيرك واجد!!
لا أعلم لماذا ابتسم حينها بحزن وهو يقول: جعل كساب يعرف قيمتش قبل يفوت الوقت..
مشكلة كساب مايعرف غلاة الشيء لين يفقده!!
******************************
" حبيبي تكفى ترخص لي!!
سميرة تعبانة وتعبت أمي "
صالح برفض: أمسي عندها الليلة اللي قبل العرس.. بس من الحين لا..
مهوب كافي إني أني رخصت لش تنامين عندهم ليلة العرس بعد
عشان ما تخلين أمش
بس من الحين معناها أربع ليالي وأنا بروحي ..
نجلاء برجاء: وأنت بتحسب الليلة بعد.. خلاص الحين صرنا الساعة وحدة في الليل.. ماعاد تنحسب..
صالح بحزم: دامها ما تنحسب ليش تبين تروحين ذا الحزة.. روحي لهم بكرة.. واقعدي عندهم طول اليوم..
نجلاء برجاء أشد بدأت تستخدم فيه سلاح غرغرة الصوت بالدموع:
تكفى حبيبي أمي اتصلت لي تقول تعالي.. وغانم هو اللي بيجيني!!
صالح هز رأسه بتأفف: صدق دموع تماسيح.. بس تعرفيني على طريف وما استحمل دموعش..
شِين المرة لا عرفت غلاها..
يا الله قدامي أنا اللي بأوديش.. جعل يسقى إذا خلصنا من موال سميرة وعرسها
وفضيتي لي بروحي!!
.
.
.
" يالله قولي لي وش آخر خبالش
خليتي منظري سخيف قدام صالح وأنا هالة الدموع عنده مثل البزران عشان يخليني أجي"
حينها رفعت سميرة وجهها المحمر الغارق في دموعها عن المخدة لتدفنه في حضن نجلاء الجالسة جوارها..
لتشعر نجلاء أن حرارة دموعها اخترقت ملابسها وأغرقت فخذيها.. حينها همست لها بحزن فعلي:
ياقلبي لا تقطعين قلبي.. قومي كلميني..
أدري كل البنات يبكون قبل عرسهم.. بس أنتي حالتش بزيادة..
قولي لي وش اللي مضايقش؟؟
همست سميرة بصوت متقطع مختنق ووجهها مختبيء في حضن نجلاء وكأنها تحادث نفسها:
أقول لنفسي هو حلو وعيونه حلوة وابتسامته تذبح..وأحلى مني..
لكن غير عن المظاهر اللي ماتهم.. فيه شيء في روحه كان يشدني..
شيء كان ودي أوصل له وأسكنه..
لكن الحين أحسه بيسكر كل شيء في وجهي..وماراح يتقبلني!!
نجلاء تربت على ظهرها بحنان: سمور ياقلبي.. ما ظنتي تميم عقله صغير وزعلان من سبت الحادث هذا قضاء وقدر..
سميرة بحزن: وأنا وش يدريني إنه مهوب زعلان.. أشلون أعرف.. أشلون بنتفاهم.. حتى الكتابة يمكن مايقدر يكتب لي!!
حينها همست لها نجلاء بحزن أعمق: المفروض هذا أول شيء فكرتي فيه قبل توافقين عليه.
مهوب تفكرين فيه قبل عرسش بيومين!!
**************************************
" العريس وش يفكر فيه؟؟"
تميم يشير لوضحى بسكون : ولا شيء!!
حينها أشارت وضحى بابتسامة: زين إن هم خففوا جبس يدك اليمين قبل عرسك..
الجبيرة هذي خفيفة واجد.. ماراح تبين حتى من تحت الثوب..
وصرت حتى تقدر تحرك يدك وأصابعك مع الجبيرة.. يعني هانت..
لم يجبها بشيء وهو يتشاغل بأوراق على مكتبه..
حينها أشارت له وضحى بحنان: أنت وش شاغل نفسك فيه.. خلاص نام..
أشار لها بهدوء: شوي.. عندي كم شغلة أبي أسويها عشان الشغل بكرة..
وضحى أشارت بذات الحنان: خلاص ياقلبي بسك شغل.. صار لك أسبوع هالك نفسك شغل..
تميم أشار بحزم: ووش اللي تبني أسويه.. أخلي شغلي عشان عرسي قرب..
وضحى بابتسامة: أبيك ترتاح شوي بس!!
ثم أردفت بخبث لطيف: تدري تميم أنا مستغربة أنك ما سألتني عن شكل سميرة أشلون صارت عقب ماكبرت..
ماعندك فضول!!
حينها أشار وعلى وجهه ترتسم ملامح مرارة غريبة: وليش أسال وأنا شفت بعيني!!
وضحى عقدت حاجبيها: متى شفتها؟؟ وأشلون؟؟
تميم بذات المرارة: حرمنا المصون ماكانت حاطة صورها على اللاب لما جبتيه لي أصلحه؟؟؟
حينها انعقد حاجبي وضحى أكثر: بس أنت قلت لي أنك ماقلبت في الصور!!
أجابها بغضب: وأنا ما أكذب.. وفعلا ماقلبت فيها.. بس الشيخة سميرة كانت مخلية خاصية الصور بحجم كبير..
أول مافتحت نطت لي الصور وبحجم واضح.. سكرتها على طول..
ثم أردف بمرارة شديدة العمق أشبه بالغصة: مادققت أبدا في الملامح..
بس طبعا سكرت عقب ماصقعني بياضها غير الطبيعي ونحرها كله مكشوف..
حينها شعرت وضحى بشيء غير طبيعي في مرارة إشاراته.. لذا أشارت بدفاع مستميت:
هذي كانت صورها في عرس.. وسميرة من كثر ماهي حريصة ماتخلي المصورات يصورنها.. أنا اللي كنت مصورتها..
وكان مفروض إنها بس بتنزل الصور على الجهاز عشان تطبعها.. مهوب ذنبها إنها نستها..
أشار لها حينها بعدم اهتمام يخفي خلفه وجعا شاسعا: إيه صح.. كلامش كله صح!!
****************************************
أربعة أيام مرت
وهو يتجاهلني تماما.. يبدو أنه تعب من تمثيل دور العاشق الكاذب..
وكم بات يريحيني هذا التجاهل..!!
مادام يتجاهلني فأنا لا أوذيه وهو لا يؤذيني.. ونحن نعيش فترة من السلم..
كلا منا لاه في حياته وكأننا محض زميلي سكن..
هو في عمله ومع أهله وابنه.. وانا أيضا مع أهله وأهلي وابني
يأتي لغرفتنا ليرتاح.. يستحم.. يستبدل ملابسه وينام في الليل..دون أن نتبادل أي حديث إلا في أضيق الحدود ومن أجل حسن فقط!!
حتى أني هذه الأيام لا مانع لدي من الاهتمام بملابسه وأغراضه مادام يريحني من كلامه ومن فرض نفسه علي جسديا وروحيا..
وكأنني بهذه الطريقة أوجه له شكري على تجاهله لي..
بقدر ماكرهت تجاهله لي في زواجنا الأول... بقدر ماأحببته في زواجنا الثاني!!
.
.
.
تعبت من تمثيل دور التجاهل بينما أنا أحترق
ما أشبه اليوم بالبارحة!!
هأنا أعود لتمثيل التجاهل كما كنت أفعل في زواجنا الأول..
ولكن الفرق أنني هناك كنت أتجاهلها لأمنع نفسي من الاقتراب منها..
ولكن الآن كيف أتجاهلها وأنا أريد أن أكون أقرب لها من أنفاسها..
مرهق ومتعب لأبعد حد..
ماعدت حتى قادرا على النوم..
وأنا أتقلب على أريكتي وأحترق شوقا لضمها لصدري!!
في الوقت الذي تبدو هي مرتاحة لهذا التجاهل.. لدرجة أنها ماعادت تصفعني بكراهيتها..
بل وترتب كل مايخصني بدقة..
وكأنها تقول لي.. مادامت بعيدا عني فأنا بخير!!
ولكن أنا لست بخير.. لست بخير!!
لا أعلم كيف استعبدني حبها بهذه الطريقة..!!
أعترف أني أشعر بالضعف أمامها..
كان لدي آمال شاسعة أن وهج حبي سيطفئ نار كراهيتها..
ولكن لم أعلم أن الكراهية تعمقت في روحها حتى طبعتها بطابعها..
مازلت حتى الآن آمل في ذلك.. فحبي لها أكبر من كل شيء
ولكن كيف أحقق ذلك إن كان التواصل مفقود بيننا
أكره أن أفرض نفسي عليها..
ولكني ماعاد بي صبرا ولا طاقة لاحتمال بعدها عني!!
.
.
.
ربما أن فترة التجاهل هذه جعلتني أصفي الذهن حينما أرى عبدالله وتصرفاته
سابقا بسبب اندفاعه نحوي في تعبيره عن مشاعره المزيفة
كنت في موقع دفاع دائم..
لكن أجدني الآن أراقب تصرفاته باستغراب..
وأكثر ما بات يثير استغرابي هو تعامله مع حسن!!
يعامله بخبرة واحتواء حتى أكثر مني!!
وبقدر مابات الأمر يؤلمني لأني لأ أريد أن يتولى مسؤوليات ابني أحد غيري
بقدر ما يثير استغرابي لأبعد حد..
قد اتجاوز صبره على مرافقته الطويلة.. وحتى اطعامه له دون يوسخ ملابسه
رغم أن كلا التصرفين ليست من ملامح صبر الرجال هنا ولا تعاملهم
ولكن ما استغربت له بالفعل..
أنه قبل عدة أيام حين ذهبت للسلام على كاسرة..
رفض أن أخذ حسن معي وقال أنه لا يحب أن أخذه لزيارات نساء فقط مادام لايوجد عندهم أطفال من سنه ليلعب معهم..
لأنه معنى ذلك أنه سيبقى طوال الوقت يستمع لأحاديث النساء..
اهتمامه بهذه التفاصيل غريب..
ولكن الأغرب ماحدث تاليا..
كاسرة أصرت أن أبقى للعشاء رغم محاولاتي للتفلت من أجل موعد نوم حسن..
ولكني لم أستطع التفلت منها.. شعرت بالحرج فجلست
كنت قلقة أنني سأعود وأجد حسن قد التهم الكثير من الحلويات..
والطاقة وصلت حدها الأقصى عنده.. وسأعاني حتى أجعله ينام لأنه تأخر عن وقت نومه!!
وحتى إن نام فهو سينام بملابسه ودون أن يستحم أو يغسل أسنانه..
ولكن الغريب أنني حين عدت..
وجدته نائما.. وبجواره عبدالله يعمل على جهازه المحمول وبعض الأوراق!!
حين انحنيت لأقبله كان شعره تفوح منه رائحة الشامبو.. مسرح.. وهو يرتدي بيجامته..
لم أسأل عبدالله عن شيء.. ولكني بداخلي تصاعد الضيق لأنه كان كل ظني أن الخادمة هي من حممت ابني.. وأنا لم أكن أرضى بذلك..
عدا إن ادخال عبدالله للخادمة غرفتي وفي غيابي.. بدا لي قلة تهذيب منه وتقليل مقصود لاحترامي..
ولكن حين دخلت الحمام.. كان الحمام غير نظيف.. والملابس مازالت في السلة..
استغربت كيف تحممه.. ثم لا تأخذ الملابس للغسيل وتنظف الحمام..
وحينها لم أستطع الصبر للصباح توجهت لها وسألتها..
قالت لي أنها لم تدخل غرفتي مطلقا ولا تعلم من حمم ابني..
حينها سألت عالية بشكل غير مباشر.. قالت أنها وصلت للتو فهي كانت تتعشى مع نايف..
حينها سألت عبدالله وانا أحاول أن أتشاغل بترتيب بعض الأشياء وبنبرة عدم اهتمام..
قهرني حين أجابني ببرود: بدل اللفة الطويلة اللي سويتيها وأنتي ماخليتي حد في البيت ماسألتيه.. كان سألتيني على طول!!
أنا اللي سبحته .. وإلا عندش مانع بعد؟؟!!
وتكرر الأمر مرة ثانية حين ذهبت أنا وعالية قبل يومين لسميرة للسلام عليها وإعطائها هديتها!!
من أين أتي بخبرة هكذا؟؟ صالح الذي هو أب من قبله وابنائه بين يديه منذ ولادتهم.. لا يتصرف هكذا!!
أصبح شاغلي هذه الأيام مراقبة تصرفاته مع حسن.. أكاد أجزم أن خبرته أحسن مني حتى..
في ملابسه وأنواعها.. في أعراض الأمراض والأدوية.. في طرق التعامل والتربية!!
بل أنه البارحة كان يهتف بعفوية وهو يلمس بيجامة حسن:
بيجامات البرزان هنا خايسة.. صديقي فيصل جاي قريب..
بأوصيه يجيب لحسن بيجامات من ماركة ممتازة.. ناعمة ومهما انغسلت ماتخرب..
ويجيب له بعد أدوية حرارة.. وخليها في الثلاجة..
أدوية الحرارة حقت البزران هناك ممتازة..
ألا يصيب هذا بالجنون؟!!
يحممه.. يطعمه.. لا بأس..
ولكن من أين يعرف لأنواع البيجامات.. بل ولتحولاتها بعد الغسيل!!
أفكار عديدة بدأت تغزو رأسي..
ولكني أحاول إبعادها..
أ .. أ... أيعقل أن ....؟؟؟
هو لا يهمني.. ولكني لن أسامحه.. أن ترك حسن بعد تعلق فيه هكذا!!
**********************************
رأيته عدة مرات الأيام الماضية..
وهو يزور ابنة شقيقه..
يلقي تحيته الجافة التي بات يعتز بها كثيرا في الفترة الأخيرة..
وأتسائل أين هي نبرته الدافئة التي كانت تذيبني!!
كم يجمع هذا الرجل من المتناقضات!!
وكم هو متعب حتى استنزاف الروح..!!
قد يكون كلا منا الآن مشغول بوضع مزون أكثر من اهتمامنا بأنفسنا!!
ولكن ما الذي يمنعه أن يتعامل معي بصورة طبيعية؟!!
لا أعلم لِـمَ هذا التجاهل وهو بالكاد يلقي التحية ثم يسألني كأنه يتكرم علي:
كيف حالك؟؟ .... وفقط
وإن كان بيننا خلاف.. فنحن زوجان.. وناضجان.. ونمر بظرف أسري طارئ!!
ما الذي يمنع أن يحادثتني كما يحادث أي أحد.. وليس بكوني زوجته!!
حين يجلس بجوار مزون.. وأنا أعلم انه اختار المكان الأبعد عني..
أحاول أن أتشاغل بأي شيء عن النظر له..
ولكني لا أستطيع.. كما لو كان هو بؤرة الضوء في المكان..
لم يغلق زراره العلوي.. يعلم أنني أكره ذلك لأن عضلات أسفل رقبته تبدو واضحة..
ومع ذلك يتعمده.. ربما نسي!! بل تعمد إغاظتي!!
أنظر لساعته.. لقلمه البارز من جيب صدره..
قلت له مرارا.. أن هذا القلم لا يتناسب مع هذه الساعة..
وفي كل مرة كنت أعيده وأحضر له قلما آخر.. وهاهو يحضرهما معا!!
قد يبدو كل ذلك سخيفا.. ولكن لمن هي مثلي!!.. كل إشارة سخيفة ستزدحم بالتأويلات حتى تتفجر!!
كما لو أنه يرسل لي رسالة.. أنه مستغن عن وجودي في حياته..
كما استغنى عن كل ماكنت أحرص عليه في مظهره!!
.
.
.
أسأل نفسي: هل أبدو كشاب مراهق غبي!!
وهل من حولي يلاحظون؟!!
قد أكون مشغولا تماما ومهموما بموضوع مزون..
ولكن لا أستطيع أن أخدع نفسي وأنكر أن جزءا من أسباب زياراتي الكثيرة لمزون.. حتى أراها هي!!
أراها ذابلة مرهقة.. يبدو أننا كلنا نضغط عليها.. الكل يريد حقه منها..
سواءا أنا أو ابناء أخي..
تبدو مثقلة بالهموم بنظرات عينيها الشاردتين!!
أسألها بجمودي الكريه: كيف حالكِ؟؟ ثم أصمت..
بينما أنا أحترق رغبة أن أسألها بالتفصيل عن كل شيء!!
عن كل مافعلته وتفعله في غيابي!!
أدعي أنني لا أنظر لها.. بينما أنا أتصيد النظر لها..
وأكثر ما أنظر له بطنها.. حين أراها وقفت.. هل كبر؟؟ هل مازال زايد الصغير متعبا؟؟
لأشعر حينها أن يدي ترتجف رغما عني.. فقد اعتدت دائما أن أتحسس بطنها وأنا أعقد حوارا طويلا مع ابني أخبره فيه بعشرات الحكايات..وأنا أستمتع برنين ضحكاتها العذبة!!
كم حلمت أن أكون معها حين يتحرك للمرة الأولى!!
ولكن يبدو أن حتى حق الحلم سُلب مني!!
#أنفاس_قطر#
رواية بين الامس و اليوم الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم HaboOoshy
" كساب الله يهداك.. روح لشغلك.. أنا بقعد عندها..
ولا صار أي تطور في حالتها.. أو عدك أتصل فيك فورا"
كساب ينظر لعلي ويهتف برفض قاطع: لا.. ماني برايح مكان..
وشغلي ماعليه شر.. هذا الشباب يكلموني إذا احتاجو شيء..
حينها همست عفراء بنبرة مثقلة بالتعب: زين منت برايح لعرس نسبيك الليلة..
مايصير ما تروح يأمك..
أجابها كساب بحزم: إلا بأروح.. بأبارك له وأرجع..
ثم أردف بحنان: أنتي اللي روحي للبيت.. مايصير تصلبين نفسش كذا خالتي..
عفراء برفض مغمور بالحزن: لا فديتك.. دخلت هنا أنا ومزون سوا.. وبنطلع سوا..
كاسرة أصلا عجزت ترجاني أروح وهي بنقعد مارضيت..
ثم أردفت عفراء بابتسامة مرهقة: وإلا لا يكون هذا قصدك.. تبيني أروح عشان المدام تجي تقعد عندك وأنت لك أسبوع مخليها..
كساب لم يرد عليها حتى..
بينما كان علي من علق وهو يهتف بتلقائية:
تدرون أني استغربت إنه مرت كساب في البيت.. حسبتها في بيت أهلها..
توني دريت إنها موجودة اليوم رحت أبي الخدامة تعطيني الريوق أجيبه لكم..
لقيتها في المطبخ تشوف ترتيبهم للريوق..
حينها هتف كساب بغضب مفاجئ: وأنت دخلت عليها المطبخ؟؟
ابتسم علي: عدال لا ينقطع لك عرق.. مادخلت عليها سمعت صوتها ورجعت.. وناديت الخدامة
ثم أردف بنبرة خبث لطيفة: ودامك رجال تغار..وماتبي حد يشوفها..
ماخفت على مرتك وهي بنية في بيت كبير بروحها.. وأنت حتى ما تنام عندها..
مافيها شيء لو أنت قلت لها نامي في بيت هلش دامك لاهي عنها.. وكل اللي في البيت لاهين..
كساب بغضب: قلتها قبل وأعيدها.. مالحد دخل في تصرفاتي مع مرتي..
علي بذات الابتسامة التي تحولت للجدية: والله كلمة الحق بأقولها.. لو مرتي مكانها مستحيل أخليها بروحها والبيت فاضي عليها..
خاف ربك في مرتك ياكساب.. ترا حتى اللي مايشوف.. بيشوف أنك ماتعاملها بما يرضي الله..
حينها هتف كساب بحزم مرعب: علي اقصر السالفة.. ومرتي مالك شغل فيها..
عفراء تهمس بنبرة تهدئة لكساب: يأمك وش فيك شبيت.. أخيك ترا ماقال إلا الصدق.. ويبي لك الخير..
كان كساب على وشك الرد.. حين اقتحم أجواءهم الصوت الضعيف:
يبه.. يبه..
كساب انتفض بعنف وهو يلتفت بحدة لمصدر الصوت.. كانت مازالت مسبلة العينين وعلى ذات وضعيتها النائمة..
كساب هتف بخفوت مبحوح وكأن صوته كله ذهب من شدة الترقب واللهفة:
علي اتصل في ابي خله يجي الحين.. أساسا هو تو رايح.. مابعد بعّد!!
اقترب بخفة وهو يجلس جوارها ويهمس لها بكل حنان العالم ولهفته المجروحة
ترقب أيام وليال متطاولة امتدت لقرون:
مزون ياقلبي.. أنتي صحيتي؟!!
حينها شعر بهمساتها كما لو كانت سهاما من سعادة اخترقت روحه المثقلة باليأس: يبه.. يبه!!
كانت تنادي بضعف ودون أن تفتح عينيها كساب التفت لعلي وهو يكاد يجن من سعادته: علي تكفى خل ابي يأتي بسرعة
يد علي ترتعش على الهاتف وهو يضيع مكان الأزرار ويهتف بتأثر: هذا أنا اتصل لا تربشني..
بينما عفراء جلست وهي تضع يدها على بطنها لأنها شعرت بثقل كبير في جسدها كله..
كانت الايام الماضية مرهقة تماما لها جسديا وروحيا!!
مزون لم تعد مطلقا للنداء أو الهمس.. بينما الجميع يشعرون أن الدقائق تمر متثاقلة بطيئة.. وهم في انتظار زايد..
كساب مازال يجلس جوارها وهو يكتف نفسه وكل مايخشاه أن تكون هذه الهمسات همسات عابرة وتعود لحالتها التي أضنت روحه..
" يالله يا كريم أنك تمن عليها بالعافية من عندك..
لو قعدت على ذا الحال..
ما أعرف أنا أشلون بأعيش وأتعايش مع الوضع!!"
زايد دخل وأنفاسه تعلو وتهبط وهو يهتف برعب جازع: وش فيها مزون؟؟ وش فيها؟؟
علي بقلق: كانت تدعيك يبه!!
كساب وقف ليجلس والده مكانه ودون أن يتكلم.. يشعر أنه لا طاقة فيه للكلام والترقب يستنفذ كل طاقته..
زايد جلس جوارها وهو يمسك بيدها ويهمس لها بحنان متألم وهو يشعر بقلق عميق ألا ترد عليه.. لأنه اُستنزف وهو يناديها الأيام التي مضت دون مجيب:
مزون يأبيش.. أنا هنا..
حينها فقط فتحت عينيها.. وكأنها كانت تنتظر وصوله.. ولا تريد أن تفتح عينيها إلا على وجهه.. همست بضعف:
هلا فديتك.. كنت أتناك من زمان.. ليه ماجيت؟؟..
قبل جبينها وهو يشعر برغبة عميقة للبكاء لفرط سعادته: وهذا أنا جيت يأبيش..
همست بتثاقل: رأسي يوجعني.. كم صار لي راقدة؟؟
هتف بكل حنان العالم: رقدتي واجد.. واجد يابيش..
همست بذات التثاقل ولكن بنبرة مغرقة في الوجع: تدري يبه كني سمعت كساب وشفته هنا..
بس عقب قلت أكيد أتحلم.. كساب وش بيجيبه عندي!!
حينها تقدم من كان يقف خلف والده وقلبه يكاد يتوقف من شدة سعادته التي غمرت كل جوانحه حتى أقصاها..
ليهمس بحنان عميق: وكساب صدق هنا!!
حينها ارتعشت بعنف وهي تغلق عينيها بقوة.. حينها اقترب كساب حتى وقف جوارها مباشرة..
شد على يدها بقوة حانية وهتف بحنان تغلفه نبرة الحزم:
زعلانة علي.. افتحي عينش وحطيها في عيني.. وقولي إنش زعلانة وخلينا نتكلم.. لا تهربين..
همست بصوت مختنق وهي مازالت تغلق عينيها: تبي تعاتبني أني أهرب..
واحنا اصلا عايلة هذا أول شيء تسويه.. أنت هربت وعلي هرب.. كلكم كنتم متفشلين مني وهربتوا مني..
ابي هو الوحيد اللي ماخلاني ولا هرب مني.. ما أبي أشوف حد غيره..
هتف كساب بذات النبرة الحازمة الحانية: حن يوم قررنا نهرب على قولتش
كان قرار والتزمنا فيه.. وماغمضنا عيوننا وحن نسويه..
افتحي عيونش وقولي إنش ماتبين تشوفيني!!
حينها فتحت عينيها بتردد.. وعادت لإغلاقها بسرعة وهي تراه يقف أمامها بإرهاقه المتبدي في كل تفاصيله.. نظرة العينين الحانيتين اللتين افتقدهما حد الوجع
جبينه المعقود بحزم كالعادة..
هتف لها بأمر مباشر: مزون افتحي عيونش..
لتفتح عينيها دون تردد.. ويصبح الاثنان هما بؤرة المشهد والبقية يراقبون بأنفاس محبوسة..
فهم كانوا يشاهدون مجبرين طيلة السنوات الماضية هذا الفيلم المؤلم الذي لايريد الانتهاء..
وهاهي النهاية توشك على طرق الأبواب مع كل توجس العالم كيف ستكون هذه النهاية؟؟
فتحت عينيها بينما اقترب منها لينحني عليها ويدخل ذراعه تحت كتفيها ليجلسها
ويجلس جوارها على طرف السرير وهو يسندها
لأنه يعلم أنه إن أجلسها وتركها فقد تهوي لطيلة فترة نومها الماضية وتخدر جسدها..
والسبب الأهم أنه لا يريد أن يتركها بل يريد أن يحتضنها قريبا من قلبه..
وكم اشتاق لاحتضانها!!
وهي حين شعرت بدفء ذراعه التي أسندتها.. وهي كانت تظن نفسها تحلم.. حلم خشيت أن تفتح عينيها وتجده تبخر.. دفنت وجهها بين كفيها وبكت
كانت تتمنى لو دفنت راسها في كتفه.. ولكنها خشيت ألا يستقبلها حضنه..
"فقد تعبتُ من آمال لا تحقق!!
تعبت من أيام وليال تطاولت وأنا أرهف السمع كل ليلة في انتظاره عله الليلة يطل علي!!
لتنتهي الليلة دون أن يتحقق حلمي سوي من دموع أذرفها على مخدتي.. التي اعتدت أن أبدلها كل أسبوعين..
لأنني أوقن أنها ما عادت تحتمل المزيد من الدموع.. وأنها ستنفجر تحت راسي لو حملتها أكثر... بينما أنا أحتمل!!
ومع ذلك بقيت أحلم.. ولم أتوقف عن الحلم!!
.
لكن حين انفجر بي.. شعرت أنه مهما انتظرت بعد ذلك فلن يتحقق حلمي
رفضت أن يقترب مني.. لأني لا أريد حضنا سأفقده للابد..
لن أحتمل أن أتذوق حضنه وأنا أعلم أنها المرة الأخيرة..
كانت كلمة المرة الأخيرة هي ماتطرق رأسي.. لا أريده.. إن كان سيحضنني لمرة وسيرحل..
كنت أشعر أن هذه اللحظة قادمة لا محالة..
كنت أشعر أنه ينتظر الفرصة ليترك البيت وينخرط في حياة مستقلة بعيدا عنا.. ويتناسانا..
وأحاول أن أنكر هذا الشعور وأبعده عن قلبي لشدة ماكان يرعبني..
أحتمل حتى بعده وتجافيه ولكن وهو معي في ذات البيت..
حتى لو سافر ..رائحته هنا.. ملابسه.. كتبه.. أشياء أتصبر بها على بعده..
ولكني من ناحية أخرى كنت أقول لو أراد أن يفعلها لفعلها من منذ زمن.. ودون اهتمام..
ولكن كنت أصبر قلبي وأقول أن كساب يهتم كثيرا لمظهره أمام الناس..
وخروجه ليسكن وحده سيثير الكثير من الأقاويل
ولكنه الآن وجد الغطاء المناسب
هاهو تزوج.. ثم اتخذ حفلا رفضت حضوره ذريعة ليهرب مني نهائيا..
وحتى يجد المبرر كله.. أعاد كل الذكريات المرة وفتح كل الجروح بيننا
ثم أتى يريد احتضاني لمرة.. لا أريد هذا الحضن الأخير إن كنت حُرمت حضنه للأبد..
لا أعلم ما الذي حدث بعدها.. نمت ربما.. ونمت طويلا...
لم أكن أريد أن أصحو من النوم.. لأني كنت متيقنة أنني حين أصحو سأجده رحل للأبد..
والغريب أنني كلما فتحت عيني.. رأيته هو.. لتفر دموعي رغما عني.. يبدو أنه لا يريد مغادرة أحلامي..
ما أجمل الأحلام إن كان هو فيها.. لأبقى إذن نائمة مع ذكراه..
.
ولكن رغما عني.. وجدتني أصحو لأنه مازال في الحياة من يستحق أن أقاتل من أجله..
من أجل زايد.. من أجله فقط استفقت..
زايد الذي لم ينبذني ولم يقسُ علي..
زايد الذي مهما ارتحل الجميع وتركوني فهو سيبقى معي
زايد الذي أعلم أنه من أجلي احتمل المرارة وقسوة الحرج وكل من حوله يعاتبونه..
زايد أبي وأمي وشقيقي..
ليرحلو كلهم.. فأنا وهو باقيان !!"
كساب شد كفيها ليبعدها عن وجهها وهو يهمس قريبا من أذنها بعمق أزلي:
إذا قلت سامحيني .. بتسامحيني؟؟..
ارتعشت بعنف وهي تشهق وتهمس باختناق: وش قلت؟؟
هتف بصوت أعلى قليلا: أقول أنا آسف.. تسامحيني؟؟
وإلا قلبش صار قاسي مثل قلب أخيش؟؟
عفراء رغما عنها بدأت دموعها تنهمر.. فالموقف كان أكبر من احتمالها..
بينما زايد وعلي وقفا في موقف المراقبة وتأثر عميق يهزهما هزا
حينها.. حينها..
حـــيــــــنـــــها..
أدرات مزون وجهها لتدفنه في كتف كساب.. وهي تنفجر في بكاء جنائزي..
الغريب عاد لوطنه..
والعصفور عاد لعشه..
والطفل عاد لأحضان أمه!!
يا الله كم هذا الشعور جميل ومؤلم وسامٍ!!
كساب احتضنها بقوة كما لو أنه يريد أن يعوض عما مضت من أيام باردة قاسية.. تحجرت مشاعره فيه لدرجة اليأس..
وهو يهتف لها بحنان موجوع: بس.. بس.. طالبش ماتبكين..
علي هتف بتأثر: والمسكين هنا أنا.. طلعت هربان.. ولا حد عبرني ولا حد حضني!!
مزون أفلتت كساب بخفة وهي تمد يديها لعلي.. علي اقترب ليحتضنها بحنو وهو يقبل راسها ويهتف بحنان شاسع:
الحمدلله على سلامتش يالغالية..
والله العظيم الدنيا من غيرش ما تسوى
**************************************
مضى لها حوالي أسبوع وهي تتهرب مني
وقبل هذا الأسبوع كانت تتشاغل عني..
تتشاغل بعشرات الأشياء..
حينا ترتب مع الممرضات الملفات
أو يعلمنها الفرنسية.. أو يعلمنها التطريز أو التريكو أو تنسيق الازهار..
وتقضي ماتبقى من الأوقات بين هذا كله..إن كان تبقى وقت.. في قسم الأطفال الذين يعانون ذات مرضها..
وخصوصا مع وجود طفلين عربيين في القسم كانت تقضي كثير من الوقت مع والدتيهما..
أنا سعيد جدا أنها خرجت من قوقعتها وتتفاعل مع من حولها.. وتبدو هي سعيدة بذلك إلى درجة الإشراق..
ولكن أنا أشعر بالوحدة فعلا.. فأنا حياتي الفترة الماضية تمحورت حولها.. وكنت مشغولا بها تماما..
أشعر كما لو كانت تستغني عني.. وهذا الإحساس يؤلمني لأبعد حد!!
ليتحول بعد ذلك كله تشاغلها الذي كان عفويا إلى هروب متقصد..
قد يكون الذنب ذنبي.. وإن كنت أرى نفسي غير مذنبا..
قبل أسبوع وجدتها تصنع لها شيئا بالتريكو.. سألتها ماهذا؟؟
فقالت أنها ستجرب فيني مواهبها الجديدة.. وتصنع لي شالا سيكون جاهزا مع اقتراب الشتاء..
حينها تناولت كفها بعفوية وقبلتها.. أو لأعترف وأقول أني لم أكن عفويا..ربما أطلت أو تعمقت..
ولكن ما السوء الذي فعلته؟؟ هذه زوجتي..
وتقبيلي كفها تعبير عن امتناني لما ستصنعه من أجلي.. شعرت أن في هذا نوع من التقدير لها..
والقبلة كانت لمجرد كفها لم أقبل خدها ولا شفتيها..
لذا صدمتني ردة فعلها الحادة.. وهي تبكي وترتعش وتطلب مني الخروج من المكان!!
ومن بعد ذلك لم نعد مطلقا للتناقش في الموضوع.. لا هي عاتبت.. ولا أنا اعتذرت.. لأني لم أرد فتح الموضوع مرة أخرى..
ولكنها من يومها بدأت تتهرب مني.. أو ربما هذا إحساسي.. لأن ماكانت تتشاغل به قبلا هو مايشغلها الآن..
كل شيء له من وقتها نصيب إلا أنا !!!
.
أريد أن أفرج عنه وأمنحه حريته..
فهو شاب يريد أن يكون مع شباب من سنه.. يلعب كرة القدم التي أعلم أنه مفتون بها..
يذهب للفرجة أو التسوق..
وبما أني أصبحت أحسن.. فلماذا لا أطلق سراحه؟؟
أعلم أنه تعرف على مجموعة من الشباب في جنيف.. يستطيع الذهاب وقضاء اليوم هناك..
لا أريده أن يشعر أنه مقيد بي وكأنه سجين عندي.. وخصوصا أنني وجدت عشرات الأمور التي تسليني وتشغلني..
مادمت سعيدة وأتسلى فلماذا لايكون مثلي!!
ولأعترف أنني بعد تحسني.. بدأت نظراته لي تقلقني!!
لم تعد نظرات خليفة المشفقة الحانية التي أدمنتها
ولكنها تتحول لشيء أعمق واخطر.. شيء يقلقني كثيرا..
وما أكد لي ذلك هو قبلته غير البريئة إطلاقا لكفي قبل حوالي أسبوع..
أعترف أني أصبت بحالة بكاء غير طبيعية.. وكأن خليفة الذي أعرفه غادر وتركني مع خليفة آخر لا أعرفه..
فخليفة الذي أعرفه واعتدت عليه لم يكن مطلقا ليتصرف هذا التصرف..
بدا قلق ما يتسرب لروحي.. قلق أقرب للخوف!!
وأعترف أني بدأت أشغل نفسي أكثر وأكثر.. والغريب والمضحك أن شهيتي مع العمل انفتحت أكثر وأكثر..
هذا الأسبوع ازددت كيلوين دفعة واحدة..
الاطباء استغربوا وبدأو يعيدون جدولة برنامج طعامي.. فهم لا يريدون أن تتحول حالة فقدان الشهية لفرط شهية..
وإنما يريدون إعادة التوازن لحياتي بشكل نهائي وطبيعي!!
لا أعلم كيف وأنا أشعر أن حياتي غير متوازنة!!
**************************************
"سميرة قومي يا بنت وش ذا النوم كله؟!!
لش أسبوع كنش قردة ماترقدين..
واليوم ما تبين تقومين"
سميرة تفتح عين وتغلق الأخرى وهي تهتف بنبرة ثقيلة غارقة في النوم:
نجلا تكفين بأنام ساعة وحدة بس
أنا أصلا كلت حبتين منوم.. لو سحبتيني بأنام عليش في الطريق..
نجلاء بغضب: لا بارك الله فيش من بنت..
وأنتي أشلون تأكلين منوم بدون ماتقولين لي..
سميرة لم ترد عليها لأنها عادت لتغرق في النوم.. نجلا كانت تدور في الغرفة بغضب وهي تكمل تجهيز بقية أغراض سميرة
وتهتف بغيظ: زين يا الخبلة.. زين.. اخمدي شوي لين أخلص باقي شغلي..
عقبه بأسحبش من شعرش للحمام.. وأفك الماي عليش..
ولكنها توقفت عن حركتها السريعة وعادت لتقف جوار سميرة النائمة وتنتحني لتمسح على شعرها بحنان وتهمس بشجن عميق موجوع:
ياقلبي ياسميرة.. ميتة من التعب وماعادت تعرف أشلون تريح جمسمها دام عقلها تعبان مايرتاح..
نامي ياقلبي.. نامي.. ريحي شوي..
الله يكتب لش الراحة والسعادة وين مالقيتي وجهش!!
**********************************
" كساب قوم روح لشغلك..
هذا أنا زينة.. وسمعت الدكتور بنفسك.. يقول اليوم بيسون لي فحوص شاملة
وبكرة بيطلعوني إن شاء الله
وابي وعلي راحو وأنت عادك قاعد"
حينها علقت عفراء بابتسامة أمومية دافئة: أصلا صار له على ذا القعدة أسبوع
لا راح للشغل ولا حتى للبيت..
حينها همست مزون بجزع: وكاسرة وينها؟؟
رد عليها كساب بحزم: كاسرة ماعليها شر.. في بيتها ولا عليها خلاف..
همست مزون بحرج: البنية عروس ما كملت شهر.. وأنت تخليها وتقعد عندي!!
أجابها كساب بحنو عميق وهو يميل ليقبل جبينها: الحمدلله اللي رجعش لي بالسلامة..
وأصلا لو قعدت عندش عمري كله ماكفرت عن اللي سويته!!
حينها همست مزون بحزن: لا تحمل نفسك ذنب.. هو ذنبي أنا..
كساب قاطعها بحزم: خلاص مانبي كلام في ذا الموضوع..
أجابته مزون برجاء شديد: زين إذا لي خاطر عندك.. طالبتك..
قوم روح لشغلك.. وعقبه لمرتك.. لا عاد ترجع هنا الليلة..
كساب باعتراض: بس..
مزون برجاء أشد: قلت طالبتك.. تعال بكرة الصبح عشان ترجعني البيت..
************************************
" من اللي بتروح معي الحين؟؟
أنتي وإلا وضحى؟؟"
كاسرة مشغولة بالتأكد من الأغراض الموجودة في الأكياس وتهتف بثقة:
الحين وضحى بتروح معش.. لأنها تبي ترجع تتسبح عشان ترجع تتزين مع سميرة في القاعة..
وهي بتشرف على الترتيبات الأخيرة..
وأنا اللي بأروح معش المرة الثانية عشان أشوف ترتيبات القاعة قبل تكمل
ثم بأرجع و بتجيني اللي بتزيني هنا.. وبأخلص قبل المغرب وأجي لش القاعة
مزنة بحزم: زين بتقعدين لين تلمين معنا أغراضنا آخر الليل؟؟ وإلا بتروحين لبيتش؟؟
كاسرة بثقة: لا بأقعد وبأرجع معكم هنا.. وبأمسي هنا الليلة..
حينها صرت مزنة عينيها بحزم: استأذنتي كساب زين؟؟
" حتى لو لم أستأذن..
لن يعلم أنني لم أنم في البيت حتى!!"
ولكنها هتفت بحزم: أكيد بأستأذنه وماظنتني إنه بيعيي..
كاسرة بالفعل شدت هاتفها لتتصل به.. رغم أنها كرهت أن تتصل به..
فالحوار بينهما الأيام الأخيرة كان شبه مقطوع..
تعلم تماما ماذا سيقول (سوي اللي تبينه!!) المهم ألا تزعجه!!
لذ تفاجأت برفضه القاطع: لا.. ترجعين وتنامين في بيتش..
كاسرة تشعر بغيظ لم يظهر في صوتها الواثق: أنت صار لك أسبوع ماتدري عني شيء..
يعني لو نمت عند هلي يمكن ماتدري.. فليش تبي ترفض بدون سبب!!
كساب بحزم بالغ: وأنتي لازم تنشفين الريق وتطولين السالفة وهي قصيرة..
قلت لش ترجعين بيتش ترجعين بدون نقاش..
أيش الشيء اللي مافهمتيه في كلامي؟؟..
كاسرة شدت لها نفسا عميقا حتى لا تنفجر وهي ترص على الأحرف والكلمات:
إذا على الكلام مفهوم.. ومهوب أنا اللي يجهلني الحكي.. لكن صاحب الحكي هو اللي ماينفهم..
كساب أنا لازم أقعد مع أمي نلم باقي أغراضنا عقب مايروحون المعازيم.. عشان كذا بأرجع معها..
أجابها بحزم أكبر: اقعدي براحتش.. وساعدي أمش مثل ماتبين.. وإذا خلصتي أنا اللي بأجيبش!!
***********************************
" الحين أنتي ليش ترجفين كذا؟؟
ترا أخي مايعض والله العظيم"
حينها أجابت سميرة (بعيارة) باكية وهي تمنع دموعها من الانهمار:
زين يمكن إنه يشخر أو يرفس وهو نايم..
وضحى أيضا تحاول منع دموعها من الانحدار تأثرا مع حال سميرة وهي تهمس باختناق:
لا مافيه أهدأ منه وهو نايم كنه بيبي متكتف..
سميرة شدت يد وضحى وهي تهمس باختناق: وضحى تكفين لا تخليني!!
وضحى ترسم ابتسامة فاشلة: تكونين رايحة تحاربين وتبين مساندة عسكرية..
أصلا أنتي يا الغبية حتى الاوتيل مارضيتي تروحين..
خلاص هذا أنتي الليلة في بيتنا ووطوفتي وطوفتش وحدة.. دقي الطوفة وأنط لش بالمساندة..
والحين افرديها.. المرة عصبت.. تبي تخلص شعرش تحط الطرحة..
حينها قفزت لهم نجلاء التي انتهى شعرها والتي كانت تراقب من بعد اختناق سميرة بالدموع..
وتوقف خبيرة الشعر لأن سميرة شدت وضحى لتقف جوارها!!
نجلاء تحاول أن تهمس بمرح تخفي خلفه اختناقها الحقيقي الذي بدأ بالتزايد منذ بدأت سميرة في التزين واقتراب موعد الختام:
اسمعيني سمور.. ياويلش تخليني أبكي وتخربين مكياجي.. تراني أبي أرجع لصالح يشوفه.. مهوب يشوف خريطة ألوان..
وأكيد بعد تميم مايبي يشوف خريطة ألوان!!
سميرة حينها بدأت تشهق حين تذكرت أن تميما سيراها رغم أنها لا تنسى..
وانحنت وهي تدفن وجهها بين كفيها..
خبيرة الشعر هتفت بتأفف: هيك ماراح نخلص ولا الصبح!!
نجلاء أزالت يديها عن وجهها وهي تهتف لها بحزم: اصطلبي يا بنت.. اللي سوت لش المكياج راحت.. من بيعدله لش لو خربتيه..
وإلا تبين تضحكين الناس اللي بيدخلون يسلمون عليش..
أنتي بتعقلين وإلا أدعي أمي تشوف لش صرفة؟؟
حينها همست سميرة وهي تهتف كطفلة تجبر نفسها على الصمت:
أمي لا.. لا.. أمي بروحها متضايقة..وجننتها الأيام اللي طافت.. لا تضايقينها أكثر.. تكفين نجلا.. خلاص بأسكت!!
نجلاء تأخرت للزواية وهي تتظاهر بالانشغال في ترتيب أغراض سميرة المتناثرة وجمعها..
بينما كانت أنفاسها تعلو وتهبط.. وتقهر نفسها بشدة حتى لا تنفجر بالبكاء..
***************************************
كانت تتأكد من شكلها في المرأة ومن ثبات اكسسوار الشعر قبل أن تتناول عباءتها المفرودة على السرير لتلبسها..
حينها دخل..
لم تهتم لدخوله.. فهما الأيام الماضية اعتاد كل منهما تجاهل الآخر..
وهي أدت ماعليها واستأذنته للذهاب لحفل زفاف ابن خالها وأذن لها..
لذا لم تهتم وهي تتناول العباءة.. ثم تتذكر شيئا فتنزلها... لتتاول حقيبتها.. وتضع فيها البودرة والعطر وأحمر الشفاه..
ولكنها لا تعلم أن هذا الآخر الذي كان يراقبها بدقة.. قد نضج تماما.. ويشتعل شوقا لها!!
يريد أن يعاقبها فإذا به يعاقب نفسه..
فبعدها عنه يسعدها ولكنه يتعسه.. وماعاد به أي طاقة للاحتمال!!
هي على كل حال تفتنه.. فكيف وهي بفتنتها التي بلغت أقصاها الليلة في فستان حرير سماوي؟!!
كانت على وشك ارتداء عباءتها حين فوجئت به يشد عباءتها من يدها..
ويمسك بها من خصرها.. انتفضت بعنف وهي تبعد كفيه عنها..
وتهمس بقرف: عبدالله لو سمحت أنا بأروح العرس.. أمي صافية وعالية ينتظروني تحت..
أجابها ببرود مدروس: اتصلي فيهم وقولي عبدالله بيوديني.. خلهم يروحون..
أجابته بعصبية: الظاهر أنك استخفيت..
حينها هتف بحزم بالغ: والله ماحد مستخف غيرش.. أنتي بتعرفين أشلون تكلمين معي.. وإلا حلفت ما تحضرين العرس الليلة..
حينها أجابت بجزع: لا عبدالله تكفى.. هذا عرس ولد خالي.. وعرس بنت عمك..
حينها أجابها بحزم أكبر: زين دامش ميته تبين تروحين.. تسنعي..
الحين تقعدين عندي وعقب أنا بأوديش.. وأنا رايح العرس..
أجابته بتأفف: أنت وش طرى عليك.. صار لك أسبوع راحمني من ثقل طينتك
وإلا مايهون عليك تشوفني مستانسة تبي تنكد علي..
أجابها بتقصد وهو يتناول كفها ويفتح باطنها ناثرا قبلاته فيها: نكد متبادل ياقلبي
ميت من شوقي. وأنتي لو أموت صدق ماحسيتي فيني!!
حينها شدت يدها بعنف: عبدالله خلني أروح..
أجابها بحزم بالغ: قلت لا..
حينها علمت أنه جاد فيما يقول ( وش ذا الشوق اللي طلع عنده فجأة
وهو أسبوع كامل كني والطوفة واحد
حتى المطالع مايطالعني!!)
حينها قررت اللجوء للخبث النسائي المعهود.. لأنه علمت يقينا أنها أن عاندت فهو سيعاند..
لذا همست بمداهنة مدروسة كاذبة: زين عبدالله خلني أروح الحين..عيب أتأخر.. ووعد علي أني لا رجعت أرضيك وأسمح خاطرك..
حينها ضحك عبدالله: تدرين أنش ماتعرفين تكذبين..
ولا كذبتي قعدتي تشبكين إيديش لأنش مرتبكة..
جوزاء التفتت ليديها لتجد أنها بالفعل كانت تشبك أناملها وهي تفركها بشكل دائري..
جوزاء شعرت بالغيظ الممزوج بالحرج.. قد تكون بالفعل لا تكذب عادة وتكره الكذب..
ولكنها لا تنكر أنها هذه الأيام تكذب على أهلها وأهل عبدالله في شأن علاقتها بعبدالله وأنهما مرتاحان..
ولا يبدو أن هناك من اكتشف كذبها.. فكيف اكتشف هو أنها تكذب؟؟
أجابته بغيظ: خلاص ماراح أكذب عليك.. بأقول لك لا رجعت تفاهمنا.. وما أعتقد أني أقدر أمنعك من حقك إذا بغيته!!
حينها أشار لها عبدالله بيده أن تغادر وهو يفتح دولابه ليتناول له ثوبا
ويهتف بنبرة عميقة بها رنة حزن واضحة بينما كانت هي ترتدي عباءتها:
تدرين جوزا.. يمكن أكون محتاج لش جنبي مثل ما أي رجال محتاج مرته..
لكن عمر ماحاجتي لش كانت مجرد حاجة جسدية رخيصة..
أنا قعدت الاربع سنين اللي فاتت بدون مرة.. وكنت مقرر أني بأقعد عمري كله كذا..
لأنه كان مستحيل أضم مرة لصدري عقبش..
جوزا لازم تشوفين لش حل في طريقة تعاملش معي.. لأنه الصبر له حدود..
وأنا أبي منش الاحترام قبل أي شيء..
لا تحبيني.. بس احترميني..
جوزاء غادرت وكل ماقاله له يتقزم ويتراجع أمام عبارة واحدة
(أنه بقيت السنوات الأربع الماضية بدون امراة)
"إن كان كذلك..
فمن أين أتت معرفته بالأطفال؟؟
يا الله رأسي سينفجر من كثرة التفكير!!"
******************************************
نجلاء مازالت تحاول منع دموعها التي تريد الانهمار منذ بداية هذا اليوم
وهي تنظر لشقيقتها التي كانت تجلس بين صديقاتها الكثيرات اللاتي حضرن كلهن اليوم..
كانت غاية في البهاء والبراءة والحسن.. تبدو كما لو كانت إحدى شخصيات القصص الكرتونية لشدة رقة ملامحها وصفائها غير المعقول..
تبتسم نجلاء بشجن وهي تنظر لفستان سميرة الشديد الرقي بأكمام الدانتيل الطويلة حتى منتصف كفها.. وتذكر خلافهما حوله..
كانت نجلاء تريده بدون أكمام حتى يظهر لون الحناء ونقوشه الغامقة في شدة بياض بشرة سميرة المصقولة!!
ولكن سميرة رفضت وبشدة كانت تقول ببراءتها العذبة: "تبين تميم لاشافني يقول هذي مافي وجهها حيا..
استحي أول مرة يشوفني.. يشوفني متفسخة كذا!!"
نجلاء لم تقترب منها منذ صعدت لتجلس على مقعدها.. تركت المهمة لوضحى..
لأنها تشعر أنها لو اقتربت فأنها ستثير فضيحة بمناحة تشعر بها باتت قريبة..
كانت شعاع تهمس لسميرة بخفوت: أنتي وين ركبتش داستها.. خلني أقرصها..
فتهمس وضحى بابتسامة مرحة: وخري يالبزر.. وصفي في الدور.. أنا أول.. أنا أكبر وتخرجت وأشتغل..
وأنتي أصغر وعاد باقي عليش سنة..
حينها ابتسمت شعاع وهمست (بعيارة) وهي تنظر لسميرة وبجوارها عالية:
إذا هذي وبنت عمها اللي عقولهم لش عليها تحفظ.. اعرسوا..
يعني حن اللي ركادة وثقل مانعرس..
عالية (بعيارة) أشد: لا حد يحارشني.. أنتو قلتوها عقلي عليه تحفظ..
لا ينوبكم من التحفظ شوي..
تعرفوني خبلة وماينداس لي على طرف!!
شعاع تضحك: احترميني تراني حماتش.. واللي خليت أخي يتورط ويستخف ويأخذش.. بركاتي يعني
وإلا كان الحين الحال من بعضه وأنتي عانس حالش حالنا!!
عالية تضحك: يبقى ذنبش على جنبش في اللي بأسويه فيش وفي أخيش..
مافيه حد صاحي يحط الحية في خُرجه.. (الخرج= كيس منسوج يستخدم لحفظ الأغراض قديما)
وضحى بابتسامة : المثل ذا ماله شبيه عند خالش هريدي ياسميرة "اللي يحط الحية في خُرجه"..؟؟
سميرة لم تكن تستمع حتى .. عيناها زائغتان وذقنها كان يرتعش بشدة دلالة على شدة ارتعاشها!!..
عالية همست بخفوت وهي تشد على كف سميرة: سميرة الناس شوي وينتبهون لش..
شعاع وقفت فورا في وجه سميرة حتى لا يراها أحد.. بينما وضحى جلست من الناحية الأخرى.. وهي تقرأ آيات من القرآن الكريم عليها..
ولكن الارتعاش لم يتوقف.. شعاع همست بقلق: أقول لنجلا تجي؟؟
عالية برفض قاطع: لا تنادون لا نجلا ولا خالتي أم غانم.. الثنتين أصلا على طريف.. وماسكين نفسهم بالغصب!!
عالية شدت ذراع سميرة بقوة وهي تهمس في أذنها بحزم: سميرة ركزي معي..
لا تفضحين نفسش وتفضحينا.. أدري أنش مستحية يالخبلة..
بس الناس اللي بيدخلون هنا يسلمون.. لا شافوش كذا ماقالوا مستحية.. قالوا مغصوبة..
امسكي اعصابش لين تروحين.. عقبها فكي دموعش كلها تميم.. وسودي عيشته
وضحى تحاول أن تبتسم بفشل لتأثرها من حال سميرة: خوش نصيحة لبنت عمش.. واللي بيروح فيها أخي المسيكين..
حينها حاولت سميرة أن تبتسم..
صفقت شعاع بخفة وهمست بخفوت: جدعة يا بنت أخت هريدي.. امسكي الابتسامة ذي لين آخر العرس طالبتش!!
***************************************
" يمه ترا تميم يقول مهوب داخل!!
غانم بيدخل يجيب أخته.. وأنا بأروح لأن غانم هو اللي بيوصلهم البيت"
مزنة حينها هتفت بغضب: أشلون مايبي يدخل.. حن ما اتفقنا على كذا
قل له مافيه حد غيري أنا واخواته وعمته.. وبيدخل مع باب خاص وبيطلع معه
خله يدخل يصور مع مرته يشوفها.. المسكينة وش له متعدلة ومرتزة؟؟
مهاب بحرج: يمه لا تفشليني أكثر ماني متفشل.. توني تلاغيت أنا وإياه..
وغانم واقف وسطنا مهوب داري وش السالفة!!
وأنا ذا الحين في نص هدومي من غانم عقب ماقلت له ادخل جيب أختك لأن تميم مستحي..
والله يمه ماعاد باقي إلا أضرب ولدش وإلا اسحبه عندكم..
معند ورأسه ألف سيف مايدخل..
مزنة بغضب: زين ياتميم.. دواك عندي..
خل غانم يدخل .. لا بارك الله في عدوين ذا الولد قهرني وبيقهر البنية!!
مزنة أشارت لبناتها أن يخرجن معها.. وهتفت بحرج بالغ لأم غانم ونجلا اللتين كانت تقفان في الزواية ملتفتان بعبايتيهما:
أم غانم.. تميم حياوي بزيادة واستحى يدخل.. ولدش غانم هو اللي بياتي يأخذ أخته..
لا تنكر كل من نجلا ووالدتها تصاعد الضيق العميق في نفسيهما.. فحتى هما تمنيتا أن تريا سميرة حين يدخل عليها زوجها
يلمحان الفرحة التي تمنيا رؤيتها.. مادامت قد أصرت على هذا الرجل بالذات
أرادا أن يطمئنا عليها..
سميرة لشدة خجلها وارتباكها لم تلحظ شيئا مما يدور حولها..
فسميرة رغم مرحها الدائم وتعلقاتها الدائمة إلا أنها حينما تعاني من الخجل
الذي يتحول أحيانا لخجل غير طبيعي يجعلها تتوتر وعقلها يتوقف عن التفكير..
لذا لم تنتبه لأي شيء حتى رأت طرف الثوب الأبيض جوارها..
حينها كادت تتقيأ جزعا لولا أنها سمعت الصوت الدافئ الحاني الذي تعرفه جيدا:
إذا بتلاقون لي عروس حلوة كذا.. زوجوني من الليلة..
حينها انفجرت في البكاء وهي تحتضن خصر غانم الواقف.. ليتلطخ ثوب غانم من زينة وجهها المختلطة بدموعها المتفجرة..
ولينفجر معها الاثنتان اللتان كانتا تنتظران مجرد شكة دبوس لينهمرا..
غانم شعر باختناق حقيقي وهو يرى نساء حياته الثلاث كلهن في حالة بكاء هستيري..
سبق له أن مر ببكاء والدته في زواج نجلاء وهو ابن السابعة عشرة وسميرة تنتحب معها وهي تتعلق بثوب أمها..
ولكن لا شيء يشبه مرارة هذا البكاء!!
هتف بهذا الاختناق المر: أنتو متأكدين إن حالتكم هذي حالة بشرية طبيعية؟!!
أمه هزت رأسها وهي تهتف بأنين: مش هاين عليا البيت من بعد سميرة.. حاسة بيه هيبئ زي الئبر..
هتف غانم بابتسامة موجوعة: الظاهر يمه وقت التراجيديا تقلبين على الموجة على المصري الخالص..
همست أم غانم باختناق وهي تربت على كتفه: خذ أختك لجوزها.. وأنتي يا نجلا امسحى وش سميرة..
ولو أني حاسة أنه مكياجها ماعادش نافع!!
.
.
في الخارج يجلس في سيارة غانم..
أنفاسه تعلو وتهبط.. واختناقه يتزايد.. يشعر أن البشت يخنقه.. وأزرار ثوبه تخنقه.. وسيارة غانم تخنقه!!
بل وجسده يخنقه..!!
يتمنى لو أنه هرب من كل هذا..
لماذا يتزوج ليرضي الجميع بينما هو أبعد الناس عن الرضا بهذا الزواج؟؟
لماذا وافق على إدخال نفسه في هذه المهزلة؟؟
لماذا لم ينهِ هذا الزواج قبل أن يكتمل بعد أن بات يشعر بشكوكه تخنقه بعد حادثة تكّسر يديه؟؟
كان غارقا في أفكاره السوداوية.. ولأنه لا يسمع فهو لم يسمع صوت فتح الباب..
ولكنه شعر باهتزاز السيارة الطفيف والباب الخلفي يفتح.. حينها شعر أنه عاجز عن التنفس.. لم ينظر مطلقا للخلف..
بقي متيبسا في مكانه.. يتمنى لو أنهم لم يحضروا.. وجيد أنه لا يسمع حتى لا يسمع نحيب من ركبت السيارة وهي مازالت تنتحب..
غانم كان يُركبها في الخلف.. وقف لجوارها لحظات ثم شد على كفها..
وهتف لها بخفوت حازم: اسمعيني عدل..
أكيد أنا أتمنى لش التوفيق في حياتش..
لكن لو هذا التوفيق ماصار لأي سبب.. لا ترددين ولا لحظة وحدة أنش ترجعين لنا..
أدري عيب أقول ذا الكلام وكأني أعصيش على رجّالش..
لكن اللي أنا خايف منه.. لأنه أنتي اللي أصريتي عليه.. إنه لو ماكنتي سعيدة أو ما ارتحتي
تصبرين على الوجع لأنش خايفة حد يقول أن هذا اللي سويتيه في روحش.. وهذا كان اختيارش..
لا تخافين من شيء.. بيت أبيش وبيتي مفتوحين لش.. وعمر الحياة ماتستمر على اختيار غلط عشان حن خايفين من شماتة الناس..
أهم شيء تكونين أنتي مبسوطة وسعيدة..
سميرة شدت على كف غانم دون أن تتكلم..
غانم التف ليركب سيارته.. وحسرة عميقة تتصاعد في روحه.. لا يستطيع حتى أن يوصي الجالس الصامت جواره بشقيقته..
والمشكلة أنه لا يبدو راضيا.. لا يعلم هل هو خجل كما يقول مهاب.. أم أن هذه شخصيته؟!!
تميم غارق في أفكاره بينما الجالسة غارقة في دموعها وخجلها يخنقها لأبعد حد..
حين وصلا للبيت..
ونزلا الراكبان الأماميان.. غانم يشير لتميم أن يمسك بيد سميرة حتى يدخلها لأنها لا ترى من خلف العباءة الموضوعة فوق رأسها..
ولكن تميم ادعى عدم الانتباه... وهل على الاصم حرج؟؟
حينها أنزلها غانم وهو يقربها حتى أوصلها قرب الباب..
قبل جبينها وهتف لها بحنان: لو بغيتي أي شيء ترا ما بيننا إلا دقة تلفون!!
حين غادر غانم والاثنان واقفان عند الباب.. انفتح الباب لتظهر وضحى خلفه
التي سبقتهما للبيت
لتتأكد من ترتيب العشاء الخاص بالعريسين.. وتخرج المباخر من غرفتهما..
ابتسمت بشفافية : سربرايز أنا هنا عشان أنكد عليكم..
هلا والله بالعرسان..
كانت وضحى تهتف بالعبارة وهي تشير بها في نفس الوقت..
وضحى همست لسميرة : عطيني عباتش مافيه حد في البيت..
سميرة باختناق همست لوضحى: أنا بكيت واجد.. أكيد شكلي الحين يروع..
وضحى أشارت لتميم: تميم فديتك ممكن تطلع فوق.. خمس دقايق بس وأجيب لك العروس..
تميم لم يشر بشيء وهو يصعد بينما كان في داخله يهتف بإرهاق نفسي عميق (خليها عندش أحسن وأنسوني)..
وضحى شدت سميرة بسرعة لغرفتها.. حين خلعت عباءتها عن وجهها هتفت وضحى بصدمة بالغة: ياخسارة المكياج اللي بفلوس واجد على الفاضي
لا وهذا وهو ضد الماي.. شكلش كبيتي على وجهش سطل ماي يالخبل..
سميرة عادت لتنتحب: أنا متفشلة منه بدون شيء.. الحين يشوفني كذا بعد..
وضحى بعزم: ومن قال بيشوفش كذا.. يالله بسرعة خلنا نمسح المكياج كله بسرعة..
أصلا أنتي وحدة ببشرتش ما تحتاجين مكياج..
بنمسحه كله وبنحط لش ماسكرا وغلوس بس..
سميرة بألم: يعني أول مرة يشوفني يشوفني بماسكرا وغلوس.. أشلون عقب؟؟
وضحى تدعك وجه سميرة بمزيل ماكياج قوي..بعد أن ضعت فوطة صغيرة حول جيب الفستان حتى لا يتطلخ.. وتهتف بمودة:
العمر كله قدامكم بيشوفش لين يعجز.. الحين أنتي مستحية وهو مستحي وش بيشوف يعني..؟؟
وبعدين أخي يحب يده مقلوبة اللي الله أرسل له وحدة مثلش.. بيتبطر على النعمة يعني!!
وضحى أنهت مهمتها في أقل من خمس دقايق وأنهتها برشات عطر أحاطت بها سميرة من كل ناحية..
وضحى ابتسمت: يالله قومي هذا أنتي تهبلين وتجننين..
لو أقول لأحد أني مسحت مكياج عروس قبل يشوفه رجالها بيقولون لي استخفيتي
بس والله أنش أحلى كذا.. أصلا أنا دايم أقول لش المكياج مايلبق لش!!
سميرة بدأت ترتعش بعنف ووضحى تقودها لغرفتها الجديدة وتهمس باختناق: وضوّح باقعد عندش شوي.. تكفين
وضحى تضحك: الحين تميم أكيد يدعي علي أني خذتش منه..
يالله بلا بياخة روحوا تعشوا.. أنتي وإياه صار لكم يومين ماكلتوا شيء..
وضحى دفعتها للداخل وأغلقت الباب.. كانت ترتعش كمصابة ببرد شديد وهي تقف عند الباب دون أن تتقدم..
لم ترفع رأسها حتى وقدماها مغروستان في الأرض..
هو كان خلع غترته وبشته وألقاهما بقرف على السرير ويجلس على مقعد مستغرقا في أفكاره التي كلما غرق فيها كلما ازداد ضيقا ووجعا..
لم ينتبه مطلقا لمن دخلت..
وهي بقيت على وقفتها ربما لربع ساعة دون أن يتقدم منها أحد كما توقعت..
حينها رفعت رأسها بخفة لتراه جالسا شاردا.. فشعرت أن قلبها يكاد يتوقف
وعادت لتنكيس رأسها وارتعاشها يتزايد كما لو أنه مازال هناك للتزايد..
وهي ترتجف كريشة جافة معلقة في مهب ريح عاصفة..
بعد فترة من الزمن.. قرر أن يقف ليتوجه للحمام حتى يتوضأ ليصلي قيامه.. فتفاجأ بالمخلوقة الواقفة عند الباب..
رغما عنه صد بقرف.. لم يكن يريد النظر حتى ناحيتها..
ليس لديه اتهام محدد ضدها.. وفي ذات الوقت لديه قائمة ضخمة من الاتهامات!!
ولكنه شعر أنه قليل التهذيب والفتاة تقف لا يعلم منذ متى.. رغم أنه تمنى أن يجعلها تقف حتى تمل.. ربما تقرر أن ترحل حينها..
اقترب منها بهدوء.. وهي حين سمعت صوت الخطوات تقترب..
شعرت أنه يكاد يغمى عليها من الجزع والخجل..
نكست رأسها أكثر وارتعاش جسدها بدا واضحا جدا..
تميم حين اقترب لاحظ ارتعاشها غير الطبيعي (وش فيها ذي؟؟ تمثل وإلا مريضة؟؟)
لمس حينها طرف كمها وهو لايريد أن يلمسها حتى.. ليشير لها أن تجلس..
حينها انفجرت مرة أخرى في البكاء..
نظر لها باستغراب أقرب للغضب..
(وش فيها ذي تبكي؟؟
هذا وأنا ماقربت جنبها
وإلا يكون هذا هو اللي هي خايفة منه أني أقرب جنبها
أكتشف شيء ماتبيني أكتشفه؟!!)
حينها شدها بحدة وأجلسها على المقعد بقوة.. ثم تركها متجها للحمام
وهو يشعر بالقرف من كل شيء..
بينما سميرة حين رأت قوته في شدها كادت تصرخ طالبة النجدة.. لولا أنه أجلسها وتركها..
حينها بدأت تكثر من قراءة آيات القراءن الكريم وهي تحتضن نفسها وتحاول تهدئة روعها...
*******************************************
" يمه كساب ينتظرني برا
تبين شيء بعد؟؟"
مزنة وهي ترتدي عباءتها أيضا: لا يأمش خلاص.. هذا احنا خلصنا وامهاب ينتظرني برا بعد..
خرجت كاسرة لم يكن في الخارج سوى سيارة كساب ومهاب والمكان خال تماما..
كاسرة توجهت لسيارة كساب و..........
************************************
قضت ساعتين ربما وهي جالسة في مكانها حتى استطاعت أن تهدأ وتجعل أعصابها تتمالك..
بينما هو أيضا جالس في مكانه بعد أن أنهى صلاته..
ظنت سميرة أنه اعتصم بمكانه ليترك لها المجال لتهدأ بدون ضغوط منه وفعلا هدأت قليلا وبدأت حالتها تستقر..
ورغم شعورها بخجل عميق منه ولكنها قررت أن تنهض لتستحم وتصلي.. حتى يصليا بعد ذلك معا..
وقفت وغادرت وهي تخشى أن تتعثر في خطواتها لشدة ارتباكها..
بينما هو كان ينظر لها وهي تغادر
(الظاهر تعبت من تمثيل السحا الساعتين اللي فاتت
ماقصرت ساعتين كاملة وهي مستحية يعتبر انجاز)
حين انتهت من الاستحمام..
وجدت أن وضحى قد أعدت لها كل شيء في غرفة التبديل..
ارتدت قميص نومها ولكنها لم ترتدِ روبه لأنها شعرت أنه خفيف.. وارتدت روبا آخر لونه أبيض من حرير ثقيل..
وخرجت وهي تحمل سجادة الصلاة التي أخبرتها وضحى بمكانها..
صلت قيامها بعيدا عنه.. ودعت الله مطولا أن يلهمها السكينة ويكتب لها التوفيق
وكانت تشعر بذه السكينة تحيط بها وتقويها حين اقتربت حتى وقفت أمامه.. وأشارت له بخجل بإشارة التكبير..
لم يكن يريد حتى أن ينظر ناحيتها.. بل هو مازال لم ينظر ولا يعرف حتى تفاصيل ملامحها..
ولكنه وقف وهو يشير لها أن تقف خلفه..
سيصليان.. ولكن هل الصلاة ستصلح أخطائها التي بات يشعر بها حاجز يحول دون رؤيته لها..
فور انتهائهما..
عاد للجلوس وهي جلست والصمت محتكم بينهما..
كيف سيتحاوران وبأي طريقة؟؟
كل منهما يدعك كفيه وهو غارق في أفكاره الخاصة!!
وشتان بين أفكارهما..
بين أفكار سوداء في حياة يبدو لا أمل فيها!!
وأفكار بريئة بحياة وردية يتحديان فيها كل الصعاب!!
طال الصمت واحتكم حتى أغرق المكان..
ليقف تميم فجأة ويغادر لأنه شعر أنه ماعاد يحتمل وجودها قريبا منه هكذا..
توجه للحمام ليستحم..
بعد دقائق.. بحثت سميرة عن هاتفها الذي أخبرتها وضحى أنها وضعته لها على التسريحة..
تناولت الهاتف وأرسلت لوضحى:
" تكفين وضوح تعالي دقيقة عند باب الغرفة"
وضحى وقفت عند الباب لتخرج لها سميرة..
وضحى بحرج: وش تبين يالخبلة؟؟
سميرة بخجل: يا أختي باختنق وأنا قاعدة معه بروحنا... مستحية..
هو ساكت وأنا ساكتة.. والحين دخل يتسبح.. مايصير أجي عندش شوي.. حاسة أني بأموت من السحا ..
باقعد عندش لين يجون هلش بس.. عشان ماحد يدري..
وضحى تنظر للباس سميرة وتضحك: أما على السحا... وش ذا اللي أنتي لابسته..
حطي ذا الروب يالخبلة!!
سميرة باستنكار: لا والله.. من جدش..
وضحى بخفوت: تدرين ألبسي جلابية وجلال يالعجوز أحسن!!
ثم أردفت بخبث: تعالي تبين تجين عندي استأذني تميم أول..
سميرة بيأس: أشلون أستأذنه.. أكتب له؟؟
وضحى بذات الخبث: لا ليش الكتابة المفروض تبدين تعلمين إشارة..
هذي الإشارة.. سويها..
وضحى اعادت الإشارة عدة مرات لسميرة.. سميرة باستغراب:
والاستئذان وش دخله في الشفايف؟؟
وضحى تكاد تنفجر ضحكا: يأختي أنا اللي أعرف وإلا أنتي..
نفذي وأنتي ساكتة.. وأشوف أنتي بتجيني عقبها أو لا..
سميرة هزت كتفيها: زين.. بس ظنش تميم مهوب زعلان لا قلت له بأجي عند وضحى شوي..
وضحى ترقص حاجبيها: لا مهوب زعلان!! اخلصي بس..
سميرة عادت للداخل.. حين عادت كان قد خرج من الحمام.. كان ينظر لها باستغراب غاضب.. أين كانت ولماذا الهاتف في يدها؟؟
سميرة وضعت الهاتف جانبا الذي نسته في يدها حين خرجت لمكالمة وضحى..
تقدمت منه بخجل وهي تشير له بالإشارة التي علمتها وضحى..
حينها اتسعت عينا تميم..
وتوقعت منه سميرة أي ردة فعل إلا هذا الفعل..
إلا هذا الفعل !!
#أنفاس_قطر#
رواية بين الامس و اليوم الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم HaboOoshy
كانت تقترب منه بخجل..
بينما كان ينظر لها باستغراب وغضب وهو يراها تدخل من الخارج وهاتفها بيدها!!
ولكن مع اقترابها وتركيز النظر إليها..
هاهو يتمعن في تفاصيلها بتركيز..
"بها شيء ليس هو الجمال بمعناه المعروف..
شيء مختلف.. أعمق وأخطر
فاتنة !!
مثيرة!!
فماذا فعلت بهذه الفتنة والإثارة؟؟
ومن لها هذه الفتنة لِـمَ توافق على أصم أبكم مثلي؟؟
إلا إن كانت أساءت استخدام النعمة التي منحها الله عز وجل؟؟
.
يا الله لماذا هذه الأفكار المرة؟؟
لماذا؟؟
انظر لها تميم.. انظر!!
كم تبدو مرتبكة وخائفة!!
تبدو كطفلة مذعورة مجنحة بأجنحة البراءة!!
لا أعتقد أن تبدو بهذا الوجل والطهر قد لوثتها الذنوب!!"
سميرة اقتربت بخجل أكبر وهي تشير له بالإشارة التي علمتها وضحى!!
بداية كاد يضحك رغما عنه وهي تشير لشفتيها..
ولكن عيناه اتسعت ذهولا..مع الإشارة الثانية التي تبعت مع الأولى
لم يصدق ما رآه.. أ حقا ما أشارت به؟؟ ربما كانت مخطئة!!
لكنها أعادت الإشارتين اللتين كانت تظنهما إشارة واحدة بتصميم مغلف بخجلها..
حينها لم يحتمل.. لم يحتمل.. والذهول يتحول لغضب عارم متفجر مدمر..
كان يصرخ في داخله:
" قذرة ومنحلة..
لم تستطع الصبر لليلة وحدة وهي تمثل البراءة والحياء
ولكن ماذا أقول.. سوى منحلة.. منحلة!!"
تميم ترجم قرفه وجزعه وغضبه وصدمته فيها أسوأ تعبير وأقساه
وهو يصفعها بكل قوته بيده اليسار.. بما أن يده اليمين مازالت في الجبس..
ومع أنه ليس بأيسر بل أيمن.. ويده اليسار مازالت غير قوية بل وتؤلمه أحيانا من أثر الشعر السابق..
إلا أن حدة الغضب والقهر جعلتا صفعته غاية في القوة لتلقيها بكل قوة بقرب قدمي السرير..
تميم وقف ينظر لها بذهول.. ولشدة ذهوله لم يشعر بالألم المنتشر على طول يده اليسرى!!
وهي كانت ملقاة على الأرض.. وتنظر له بجزع مرتعب.. وعيناها متسعتان من الصدمة وممتلئتان بالدمع لأقصى حد..
كما لو أنهما توشكان على التفجر بفيض دموع لا حد له..
هو لم يتخيل أنه قد يفعلها يوما..
أنه قد يضرب امرأة..
" إلى أي مخلوق بشع تحولت؟؟
ماذا فعلت؟؟ ماذا فعلت؟؟
.
يا الله ماكل هذا القهر والألم والوجع"
تميم لم يعد يستطيع النظر إليها حتى..
يشعر بالذنب والقهر والخديعة.. يشعر أن كل المشاعر المتضادة اخترقت روحه كمدافع مزقته بقوتها..
ارتدى ملابسه ونزل ركضا..
حينها كانت وضحى تجلس في الصالة العلوية قريبا من الدرج.. تنتظر عودة والدتها..
حين رأت تميم ينزل ركضا.. فُجعت وهي تحاول اللحاق به دون أن تفلح..
حينها عادت لغرفته وهي تفتح الباب بحرج مختلط بالجزع..
لتشعر بالفجيعة وهي ترى سميرة تسند رأسها بين ركبتيها ووهي تجلس على الأرض وظهرها ملتصق بقدمي السرير
وصوت نحيبها يتعالى بوضوح مكسور..
حينها قفزت برعب وهي تجلس جوارها وترفع وجهها.. لتشعر وضحى أن كل غصات العالم اخترقت حنجرتها
وهي ترى أثر كف تميم الواضح على خد سميرة الثلجي!!
ولتبدأ سميرة بالصراخ الهستيري كطفلة مرعوبة: تكفين وضحى أبي أروح لبيتنا.. تكفين..
خلاص ما أبيه ما أبيه.. بأروح لبيتنا تكفين..
وضحى تقفز لتغلق الباب قبل وصول والدتها.. وتعود لسميرة... وهي تهمس بحزم ممزوج باختناقها: وش اللي صار؟؟
سميرة بين شهقاتها: والله ماسويت شوي.. ماسويت شيء..
استاذنته مثل ماعلمتيني.. ضربني.. ضربني..
حينها هتفت وضحى بصدمة كاسحة: حسبي الله ونعم الوكيل.. كله مني.. كله مني..
والله العظيم ماقصدت إلا خير..
كنت متأكدة إنه بيعرف إني اللي علمتش الإشارة وانش ماتعرفين معناها..
لأني سمعته يفتح الدولايب وأنا واقفة برا فعرفت إنه طلع من الحمام.. قلت إنه بيشوفش جايه من عندي..
و بيلقى له شيء خليه يفك من جموده شوي..
ولأني أعرفه ذكي فهو أكيد بيستغل الفرصة اللي هو عارف إن أخته أرسلتها له..
والله العظيم ماقصدت شيء شين..
بغيتكم تفكون شوي وتتعشون وتنبسطون.. والله العظيم ماقصدت شيء شين!!
حينها رفعت سميرة وجهها المحمر وهي تهمس بصدمة بين شهقاتها المتقطعة: ليه الحركة وش معناها؟؟
وضحى تضع يديها فوق رأسها وهي تهمس بضيق: خلنا نأكل وعقب عطني بوسة!!
ثم أردفت بانهيال موجوع حرج: سامحيني سميرة.. والحين أنا باصلح غلطتي.. الحين
والله العظيم ماهقيت تميم ممكن يمد يده عليش حتى لو زعل..
حينها هتفت سميرة بوجع منثال: صحيح أنا ماهقيت منش تسوين فيني ذا المقلب
بس هذا أنتي قلتيها.. يعني حتى لو أنا أشرت له بذا الإشارة وهو زعل منها..
كان ممكن يتصرف معي أي تصرف إلا ذا التصرف..
أنا عمري في حياتي ماحد مد يده علي..
عشان انضرب ليلة عرسي..
أنا مستحيل أقعد عند أخيش دقيقة.. هذا مهوب صاحي.. والله العظيم مريض..
وين تلفوني؟؟ باتصل في غانم يجيني..
ثم بدأت تصرخ بكل الوجع والحسرة: أخيش مفكرني بهيمة.. وإلا ماوراي حد يرد الضيم عني؟؟
وضحى قفزت قبل سميرة لتأخذ هاتف سميرة وتخبئه في جيب بيجامتها.. وهي تهتف بحزم:
بس يا الخبلة.. افضحي روحش الفضيحة اللي مالها دوا
عروس تروح لبيت أهلها ليلة عرسها مضروبة!!
تخيلي بشاعة الكلام اللي بيطلع عليش..
الحين أخي الغلطان.. لكن أنتي اللي بتصيرين الغلطانة والمجرمة..
قلت لش هذي غلطتي وغلطة أخي وأنا بأحل السالفة بدون ماحد يدري..
سميرة انهارت تبكي مرة ثانية بأنين مثقل بالحسرات: مستحيل قلبي يصفا له..
وضحى هذا ضربني وليلة عرسي... أنتي حاسة فيني..
عروس تنضرب ليلة عرسها.. أنتي شايفة وجهي أشلون.. ضربني ضرب واحد مليان غل..
هذا أكيد مريض نفسي..
أنا مستحيل أعيش معه خلاص..
هذا ممكن كل شوي يضربني وبدون سبب..
وضحى بألم: والله أني حاسة فيش.. زين اصبري عليه شوي.. عشان نفسش مهوب عشانه..
خلاص هو مايستاهل عقب اللي سواه..
والله العظيم عشانش..
وضحى شدت سميرة وأجلستها على الأريكة.. واحضرت ثلجا من ثلاجة جناحهما ووضعته على وجه سميرة وهي تهتف بألم:
حتى لو حطيت عليه ثلج هذا بكرة احتمال يصير بنفسجي.. أشلون الناس يشوفونش كذا..
تدرين.. بأقول لتميم أنكم تروحون لشاليه لين تخف اللي وجهش!!
سميرة بجزع كأنها طفلة خائفة وهي تشد كف وضحى: لا وضحى تكفين.. مستحيل أروح معه مكان بروحنا..
وضحى بذات الألم الذي اتسع في روحها: والله العظيم ماعاد يسوي شيء..
ولو سوا.. اتصلي في أخيش وخليه يجيش..
سميرة برعب حقيقي: لا لا.. شيدريني يمكن يذبحني.. مستحيل أروح معه..
أخيش مهوب صاحي وما ينتأمن..
وضحى تشعر أنها تريد تبكي لمافعلته.. أرادت خيرا فإذا به يتحول لكل الشر:
خلاص سميرة أنا بأروح معش..
*********************************
" يمه كساب ينتظرني برا
تبين شيء بعد؟؟"
مزنة وهي ترتدي عباءتها أيضا: لا يأمش خلاص.. هذا احنا خلصنا وامهاب ينتظرني برا بعد..
خرجت كاسرة لم يكن في الخارج سوى سيارة كساب ومهاب والمكان خال تماما..
كاسرة توجهت لسيارة كساب وفتحت الباب الخلفي وركبت.. وهي تلقي السلام.
هتف كساب بغضب: تعالي قدام يامدام.. أكون سواقش وأنا مادريت..
أجابته كاسرة بهدوء مقصود: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
محشوم يا أبو زايد.. بس أنا ماعلي نقاب.. مغطية وجهي بشيلتي عشان كذا ما أبي أرتز قدام..
حينها التفت كساب للخلف بحدة ليهتف بغضب أشد: والعباية مفتوحة بعد!!!
أجابته حينها كاسرة ببرود: أنا جيت هنا مع سواقة خالتك.. وكنت راكبة ورا والسيارة مظللة ..
وما أقدر ألبس نقاب ولا عباية مسكرة عشان مايخرب مكياجي وشعري..
حينها حرك كساب سيارته وهو يهتف بحزم غاضب فعلا:
كنت أسمع بالعذر اللي أقبح من ذنب والحين شفته وسمعته..
يعني ماكنتي تقدرين تأخذين معش عباية ثانية ونقاب!!
بس لا صارت الوحدة مافي وجهها حيا من وين تجيبه؟؟
أجابته كاسرة بغضب: الحيا أعرفه من قبلك.. ومهوب أنت اللي تعلمني إياه..
ثم أردفت بنبرة مقصودة: وكنت مثلك أسمع باللي يهاد ذبان وجهه وماشفته لين عرفتك..
أنت أصلا لو مالقيت شيء تعصب عليه بتخترع لك..
هتف ببرود: ماعليش مردود..
أجابته ببرود: أكيد ماعلي مردود دامني عندك أنا والكرسي واحد..
حد يرد على الكرسي.. يعني حتى سلامة مزون مابشرتني فيها..
تخيل إن عمي زايد هو اللي بشرني..
أجابها ببرود: المهم الخبر وصلش.. لا ومهوب من أي حد.. من الرأس الكبيرة مباشرة!!
أجابته بنبرة مقصودة: كان فيه واحد يتفلسف علي قبل حوالي شهر..
وقال لي طريقة وصول الرد أهم من الرد نفسه..
وأنا أقول لذا الواحد.. فرحتي بالخبر وحدة.. سواء عرفته منك أو من عمي زايد..
لأني فعلا مبسوطة بسلامة مزون..
لكن الاختلاف كان في احساسي فيك.. لو أنك أنت اللي بلغتني..
ليش تبي تحسسني دايم أني شيء غير مهم في حياتك!!
هتف لها ببرود أشد: أنتي ما تتعبين من كثر ما تتفلسفين؟!!
ثم أردف بنبرة مقصودة: وإذا على تحسيس الثاني بعدم أهميته..
فأنتي راعية الأولة.. وراعي الأولة ماينلحق..
أجابته كاسرة بذات نبرته المقصودة ولكن غزاها شيء من حزن شفاف:
أنت تبي تحاسبني على شيء ماقصدته..
أو يمكن تبي لك حاجز جديد بيننا لأنك شايف أن الحواجز هذي كلها ماتكفيك..
أجابها ببرود: والله الحاجز هذا ببركاتش ياهانم..
كاسرة صمتت.. أرهقها هذا الحوار العقيم وهي مرهقة أساسا..
لماذا تتجادل معه وهي تعلم أنها ستعود دائما لنقطة الصفر ودون أي فائدة!!
حين وصلا للبيت.. صعدت فورا لغرفتها..
كانت تخلع عباءتها حين دخل هو..
لم تتوقع مطلقا أنه سيأتي توقعت أنه سيوصلها ويعود للمستشفى..
توقعت بعدها أنه ربما سيدخل الحمام.. يستحم.. يستبدل ملابسه.. شيء من هذا القبيل..
ولكنه جلس على السرير يراقبها بصمت..
لا تنكر أنها ارتبكت من مراقبته.. بل خجلت وهي تجلس جواره
ولكنها تصنع مساحة بينهما لتخلع كعبها العالي.. ثم تنحني قليلا لتضعه تحت السرير
لأنها خجلت أن تحمله أمامه لخزانة الأحذية..
كانت قد وقفت واتجهت للتسريحة حين سمعت صوته يقول بهدوء غريب:
استغرب وحدة بطولش وتلبس ذا الكعب كله..
ظنت أنه يخاطب أحد غيرها.. لو كان هناك معهما أحد ثالث!!
للتو كان بينهما زوبعة.. وهاهو يوجه لها الحوار العفوي وكأنه لم يحدث شيء
(أنا من زمان أقول عنده انفصام في الشخصية!!)
لم ترد عليه وهي تتجه للتسريحة وتجلس على مقعدها وتبدأ بتفكيك تسريحتها
حينها صدمت أنه يقف ويتجه ناحيتها
ثم يمد يده إلى طيات شعرها وينزع معها مشابك الشعر..
ارتعشت بعنف وهي تمسك بكفه وتجذبها ناحيتها وتحتضنها بكلتا كفيها وتهمس بحزن عميق:
تكفى كساب بس.. خلني..
يعني مابين وجودنا في السيارة لين وجودنا في غرفتنا.. انقلبت 180 درجة!!
تدري وش أحس فيه الحين؟؟
أنك شايفني مجرد جسد رخيص..
تكفى كله إلا ذا الإحساس!!
كله إلا ذا الإحساس!!
حينها جذب كفه من بين كفيها وهتف بعمق وهو يبتعد عنها:
الظاهر إن كل واحد منا يتكلم بلغة مختلفة.. عشان كذا ماحد منا فاهم الثاني.. ولا فاهم وش هو يبي!!
***********************************
عاد بعد صلاة الفجر
وهو يتسلل حتى لا يراه أحد بناء على رسالة وضحى الغاضبة ..
وهي تطلب منه الحضور فورا لغرفتها..
كان مثقلا بالوجع إلى الحد الذي لا حد له.. ماعاد لوجعه حدود..
مثقل بالألم والقهر واليأس..
أي حياة هذه الذي تبدأ بكل هذه الشكوك ثم بصفع العروس..؟!
فتح باب وضحى بخفة.. ليجدها تجلس على سريرها ووجهها متورم لكثرة مابكت..
حينها أشار بجزع: وضحى أشفيش؟؟ حد فيه شيء؟؟
وضحى أشارت بغضب ودموعها تنهمر: ولك وجه تسأل بعد سواد وجهك؟؟
حينها أشار لها تميم بألم غاضب: إلا سواد وجه صديقتش مهوب سواد وجهي..
وضحى بغضب أشد: صديقتي وجهها أبيض وطول عمره أبيض..
البلا من اللي مخه ما أدري أشلون يفكر..
تميم بوجع: يعني أمانة عليش حركتها حركة عروس المفروض إنها مستحية وتنتظر إنه عريسها هو اللي يبادر..
هذي وجهها مافيه حيا..
وضحى بوجع أشد: سميرة ماتعرف وش معنى الحركة.. والله العظيم ماتعرف.... كلمتني يوم أنت دخلت الحمام تتسبح..
تقول إنها خايفة ومستحية وتبي تجي عندي..
قلت لها استاذني تميم بذا الحركة... حسبتك بتدري إنها جاية من عندي
و بتفهم إن الحركة هذي مني.. وأني أبيك تتلحلح.. مهوب أنت مستحي والبنت مستحية..
لا ينكر تميم صدمته البالغة وشعوره بألم عميق ممزوج بندم شفاف
ومع ذلك أجاب وضحى بألم مثال وهو يفجر كل غضبه وشكوكه:
أنا ماني بمستحي..وليش أستحي.. شايفتني ماني برجال..
الحيا للنسوان.. اللي رفيقتش ماتعرفه..
أنا قرفان منها.. فاهمة أشمعنى قرفان..
من يوم شفت صورها في اللاب.. وعقبه تجي لبيتي وحن متملكين بدون حيا
وتحاول توقفني بدون خجل من مسكها لرجال..
وعقبه ترسل لي ورد بدون حيا.. أمانة عليش قولي لي أي تصرف من هذولا تصرف وحدة تستحي..
وأصلا وحدة مثلها.. شابة صغيرة وفي جمالها.. ليش توافق على واحد مثلي
إلا لو كان عندها شيء ماتبي حد يعرفه!!
انقلب وجه وضحى بقرف: أخييييييه منك ومن أفكارك.. ماهقيت أنك ممكن تفكر كذا..
صدق أنك مريض!!
الحين لو سألتك.. تشك فيني أنني ممكن أروح في طريق خَمَل.. (خمل=شبهة)
نميم باستنكار حاد: لا طبعا..
وضحى بغضب: خلاص باقول لك أنك تقدر تشك فيني مليون مرة.. وسميرة ماحتى تشك فيها واحد من ذا المليون..
تميم عقد حاجبيه بحزم: أنا مايهمني دفاعش عن صديقتش.. كم ناس نظن فيهم خير
وهم يخفون البلاوي..
أنا علي من اللي حسيته وشفته بعيني.. رفيقتش ذي ماتستحي وفيها شيء غير مريح..
وضحى يزداد غضبها: أنا أبي أدري وش عندك ضدها؟؟؟
مجرد أفكار مريضة في رأسك..
أنا ماني بمتخيلة وين راح مخك وش سوت..
تشك مثلا إنها تكلم.. تسوي شاتنغ.. خلت شباب يشوفون صورها.. أو...
تميم بإشارة غاضبة: بس.. بس.. لا تكملين..
لا يريدها أن تفتح جروحه التي تنزف بغزارة.. لا يريدها أن تمنحه صور لشيء يؤلمه ولا يعلم ماهو ؟!!
وضحى بذات الغضب المتزايد: لا فسر لي.. وإلا ليش تفسر؟؟
دامك ماتبي بنت الناس وشاك فيها ومافي أذنك ماي.. ليش أساسا تتزوجها..
فيه ناس يتطلقون وهم في الملكة.. لا أنتو أول حد ولا آخر حد..
تميم بغضب: خذتها عشانكم.. وأنتي أكثر وحدة عارفة أني كنت أبي أتزوج وحدة بحالتي..
وضحى بدأت تنتفض من الغضب: واللي مثل حالتك.. بتكون ملاك نازل من السما.. منزهة من العيوب لأنها ما تتكلم ولا تسمع..
سميرة أطهر من الطهر.. ومهوب أنت اللي تعرفها.. أنا اللي أعرفها وأحلف على ذا الشيء وأنذر بعد
تدري تميم ماهقيت أني بأقول كذا.. بس والله أن سميرة خسارة فيك.. وأنت منت بكفو تأخذ مثلها....
حينها قاطعها بغضب موجوع: عشاني واحد أصم أبكم رفيقتش أحسن مني.. وخسارة فيني.. هذي آخرتها ياوضحى!!
وضحى بدأت تبكي لشدة الانفعال: والله العظيم أنت استخفيت.. مستحيل تكون تميم..
وين راحت أفكارك.. طهارة سميرة هي اللي خسارة في وسخ أفكارك..
وأنك تتكلم أو تسمع مالها علاقة!!
لا حول ولا قوة إلا بالله وش ذا المصيبة؟؟
***************************************
قبل ذلك
حين عدت من حفل الزفاف وجدته نائما..
ليس سوى كاذب كبير كالعادة
لا أنكر أنني سعدت أنه نام وتركني أنعم بالسلام بعيدا عنه!!
ولكن لِـمَ يكذب علي بقصة الشوق المزعومة؟؟
لماذا يستمر في لعبة السخرية مني؟؟
أكرهك عبدالله.. وحتى أخر نفس سبقى يتردد في صدري سأبقى أكرهك
أيها الحقير!!!
.
.
تمثيلية النوم قد أخذ عليها جائزة الأوسكار يوما!!
هربت من مجابتها..
تعبت من تمثيل التجاهل وأنا أحترق!!
وتعبت أكثر وأنا أنظر لها بكل اللهفة وتنظر هي لي بكل الكراهية والإزدراء!!
ولكن لا أنكر أنني شعرت بالتسلية وأنها أسمع صوت فتحها للخزائن.. لأنها تريد ازعاجي!!
ثم صوتها العالي وهي تحكي لحسن حكاية حتى ينام
غريبة هي هذه المرأة!!
كيف تريدني أن أتركها وأتناساها.. وحين تجدني نفذت ماتريده.. ونمت
تريد إزعاجي لأقوم من النوم..
.
.
" هذا أنا قمت وش تبين؟؟"
جوزاء كانت تغلق أزرار بيجامتها لتلفت له بجزع: خوفتني!!
أجابها بابتسامة: تخوفين بلد.. وتصحين جيش من النايمين عقب..
يالله هذا أنا قمت وش تبين؟؟
جوزاء تتشاغل بإعادة بيجامة تحركت من مكانها قليلا لتعيدها للصف الشديد الانضباط
وتهتف بعدم اهتمام: بصراحة ما أدري وش تقصد من كلامك السخيف؟؟
لا قومتك ولا شيء.. بالعكس تمنيتك تقعد نايم وتريحني!!
حينها ضحك عبدالله: قلت لش أنش ماتعرفين تكذبين.. أو إن كذبش مكشوف عندي..
تعالي قولي لي وش اللي في مخ الحلو مشغله وخلاه يصحيني من النوم؟؟
لا تعلم جوزاء ماذا كانت تريد بالتحديد عشرات الأفكار تزدحم في مخيلتها
ولكنها هتفت بدون تردد: عبدالله أنت عيال غير حسن؟!
لا ينكر عبدالله أنه شعر بالارتباك.. لا يعلم كيف خطر هذا السؤال ببالها
لكنه أجابها بتحكم واثق: لا ماعندي عيال غير حسن
ففي النهاية هذه هي الحقيقة.. فلم يعد له ابن غير حسن..
لكنها عاودت الإصرار: احلف زين!!
أجابها حينها بخبث: زين انتي وحدة تقولين ما تبيني.. وماتبيني حتى أتدخل في حسن..
وش عليش لو طلع علي عيال أو حتى عندي مرة!!
أظني المفروض تنبسطين.. وتقولين فكة مني!!
حينها انقلب وجهها بغضب: يعني تكذب علي عبدالله... تكذب علي!!
لم يستطع إلا أن يضحك وهو يقول: يا بنت الحلال ماعندي مرة غيرش ولا ولد غير حسن..
رغما عنها تنفست الصعداء وهي تصر للمرة الثانية: زين احلف دامك صادق!!
حينها أجابها بحزم: مع أني أكره أسلوب إن حد يكذبني.. لكن دام ذا الشيء بيريحش
والله العظيم ثم والله العظيم ثم والله العظيم أني الحين ماعندي ولد غير حسن..
ربما أن تشديده في الحلف وتثليثه جعلها لا تنتبه للكلمة الملبسة (الحين)..
ومع ذلك عاودت السؤال: زين من وين جاتك معرفتك للبزارين وطول بالك عليهم؟؟
حينها أجابها ببرود: تقدرين تقولين هذي موهبة من الله عز وجل.. وإلا تبين تعترضين على عطا رب العالمين..
احمدي ربش على زوج متعاون مثلي.. غيري قاط عياله على أمهم ومايدري شيء عنهم..
أجابته بسخرية: عياله.. كلهم ولد واحد الله يحفظه..
حينها أجابها بنبرة تلاعب مقصودة: والله بيننا موعد لين خمس شهور قدام ويشرفون الباقيين إن شاء الله..
أجابته بغضب: تدري أنك واحد وقح!!
أجابها ببرود: وأنتي وحدة جعجاعة وماعندش غير الحكي..
ثم أردف بتقصد وهو يقف ليتجه ناحيتها: من هذرتش الواجدة أنش وعدتيني بشيء إذا رجعتي..
وبما أنش صحيتيني من النوم.. فأنتي أكيد مانسيتي الوعد!!
************************************
" لا أعلم أي ذنب أذنبته..
هل هذا عقاب لي لأني خالفت رغبة أهلي وأصررت عليه وأنا أعلم أنهم رافضون!!
أ هكذا يعاقبني أنني فضلته على الجميع؟!
أعلم أنني بالغت في أفكاري المثالية..
ولكن ماهو سوء المثالية؟؟
شعرت بالفعل أن تميم هو من سيحتويني.. سيحتوي جنوني وصراخي..
كنت أشعر أن عمقه الذي كالبحر هو ماسيحتويني
ويبدو أن هذه الأفكار ليست سوى محض جنون.. لأن تميم لم يكن بحرا بل كان وحشا..
يا الله كلما استعدت بشاعة مظهره كيف انقلبت عيناه لينقض علي ويضربني
أشعر أنني لا أريد التوقف عن البكاء
أ يحكم علي أن يكون هذا زوجي؟!
لا لا يستحيل..
لا يمكن .. لا يمكن "
وهي غارقة في أفكارها ودموعها.. دخل عليها تميم..
حينها انكمشت بعنف والدموع تزداد انهمارا..
ألمه منظرها حتى عمق الروح.. مرهق هو من كل هذا..
مرهق.. مرهق !!
أشار لها أنهم سيغادرون الآن..
ولكن يبدو أنها لم تفهم.. وكيف تفهم وهي تبدو مرعوبة وجزعة هكذا!!
فتح جهاز حاسوبه.. وطبع لها بسرعة..
" قومي البسي عشان نطلع الشاليهات
ووضحى بتروح معنا!!"
وضع الجهاز أمامها على الطاولة.. ثم غادرها ليضع له غيارات في حقيبته...
لم تكن تريد الذهاب معه لأي مكان..
تشعر كما لو كانت تُقاد لقبرها..
ولكنها وجدت نفسها مجبرة.. فهي لا تريد أن تجلب لنفسها الكلام..
وقبل الكلام.. يكفي كل ماتشعر به من ألم..
لن تحتمل مزيدا من الألم حين يعلم الجميع بما حدث لها!!
*************************************
كاسرة صحت من نومها وهي تشعر بألم خفيف في حنجرتها وخياشيمها ناتج عن تنشقها لعطره الثقيل الفخم من قرب..
" الحين وين جاني عطره
وحن من عقب ماصلينا الفجر..
كل واحد نايم في ناحيته وبيننا مساحة مثل مساحة المحيط الأطلسي
وبيننا زعل مثل مساحة المحيط الهادي!!"
( لا أنكر أني البارحة تضايقت كثيرا من تفكيره.. أو ماظننت أنه يفكر به!!
ولكني تضايقت أكثر من أجله..
لا أعلم أي فوضى للمشاعر بات يخضعني لها!
ولكن كان من الأمور التي فتتنتي في كساب وفي ذات الوقت أغضبتني منه
إحساسي أنه غير خاضع لجمالي
وأنه يتجاهل فتنتي حين يريد!!
.
ولكن في ذات الوقت أكره أن يهمش عقلي لينظر لجسدي
فأنا عقل قبل أن أكون جسد..
وهذا الأمر لابد أن يكون واضحا تماما بيننا)
كانت هذه أفكارها المموهة قبل أن تصحو بالفعل!!
حين صحت فعلا.. علمت أنه كان أقرب لها من عطره بكثير.. فهي كانت تنام في حضنه.. وذراعاه تحيطان بها..
لم تتحرك من مكانها.. فهي لا تستطيع أن تنكر كم اشتاقت للنوم في حضنه..
رغم قصر المدة التي عرفت فيها هذا الحضن..
وهو حين أحس بدفء أنفاسها على صدره التي أنبئته أنها صحت من نومها..
شدها أكثر لصدره وهو يقبل أذنها و يهتف فيها بنعاس:
فيه وحدة هربت من حضني البارحة.. أشلون أصحى وألقاها في حضني الحين..
ممكن تفسرين لي؟؟
همست له بعذوبة ناعسة: اسأل روحك.. لأني البارحة نمت وأنا في مكاني..
أجابها بتلاعب: أسألش أنتي.. لأنه أحيانا في أحلامنا نسوي اللي نبيه..
أجابته بتلاعب شبيه: ونفس الكلام ينطبق عليك..
أنهت عباراتها وهي تبتعد عنه وتعتدل جالسة.. ليعاود شدها قريبا منه وهو يحتضن ظهرها ويهمس بذات النعاس: وين بتروحين؟؟..
أجابته برقة وهي تحتضن بكفيها ذراعه التي تحيط بخصرها: بأقوم أكلم أمي أشوف أخبار المعاريس..
هتف بسكون: وأنا بعد بأقوم الحين عشان أجيب مزون للبيت.. اقعدي معي شوي..
حينها شددت احتضانها لذراعيه وهي تهمس بحزم يخفي خلفه ألما عميقا:
صحيح كساب لو صار يوم وتضايقت واحتجت حد يخفف عنك.. ماراح تجيني..؟؟
أجابها ببساطة حازمة: أكيد.. باب تسكر في وجهي مرة مستحيل أطقه مرة ثانية..
سألته بذات الألم الشفاف المغلف بالحزم: ليه أنت ماتعذر أبد؟؟
أجابها بذات البساطة الحازمة: مشكلتي قلبي أسود.. وإذا شلت على أحد.. أبطي وأنا شايل عليه..
حينها سألته بعمق: طيب ولو أنا جيت مرة متضايقة ومحتاجتك.. وش ردة فعلك علي!!
أجابها بأريحية وهو يشدها ليحتضنها أكثر: بأقول العين أوسع لش من الخاطر!!
أبركها ن ساعة..
بس لا تهقين أني ممكن أنا أسويها يوم!!
" لا بأس كساب
لتلعب لعبة التباعد التي لا أعرف كيف قواعدك فيها..
كيف برجل يتباعد ثم أجده بيني وبين عظامي.. يتنفس أنفاسي؟؟
كيف هو تفسيرك للتباعد؟؟
وحتى متى سنبقى نلعب بين حواجزك المتكاثرة؟؟"
******************************************
" مزون.. مزون!!"
أجابت مزون بابتسامة مشرقة: هلا عمي تعال فديتك..
دخل منصور بخطواته الثقيلة الصارمة وهو يرتدي لباسه العسكري..
حين رأى مزون تجلس على المقاعد وليس على سريرها اتسعت ابتسامته..
فهو زارها بالأمس فور معرفته بسلامتها.. ولكنها كانت مازالت مرهقة وتجلس على سريرها..
وقفت لتسلم عليه بينما كان يهتف لها بمودة: أشلونش اليوم يأبيش؟؟
ابتسمت بشفافية: مابعد صرت طيبة مثل اليوم.. اقعد خلني أقهويك.. شكلك مابعد تقهويت..
ماشاء الله أنت أول واحد جيتني اليوم..
ابتسم وهو يجلس: أنا أساسا رايح الدوام.. بس قلت أمرش قبل تطلعين!!
مزون كانت تسكب له القهوة بينما هو كان شاردا نوعا ما وهو يتلفت حوله..
حاولت مزون كتم ابتسامتها وهي تهتف بخبث لطيف: عمي تدور حد؟؟
رد عليها بحزم: لا.. ليش تسألين؟؟
مزون بذات الخبث اللطيف: لأنه الفنجال برد في يدي وأنا مادته.. ولا حد صوبي!!
حينها سألها بمباشرة: وينها؟؟
أجابته بابتسامتها المتسعة وهي تشير للحمام بخفوت: تتسبح داخل!!
ثم أردفت بشجن: عمي حالكم مهوب عاجبني.. لا حالك ولا حالها..
أجابها بحزم: هي اللي طلعت من بيتها وكبرت السالفة..
أجابته مزون بحزن: زين خالتي حامل وتعبانة.. ونفسيتها تعبانة..
ما تستاهل شوي تنازلات منك..
شد منصور له نفسا عميقا: أنتي بنفسش شايفة أشلون هي تتهرب مني
أشلون نتفاهم زين؟؟
ابتسمت مزون: وهي تقول أنك أنت اللي تصد عنها وماتبي تكلمها..
منصور باستنكار: أنا ؟!!
وقبل أن تجيبه مزون سمعا صوت باب الحمام يُفتح.. وصوت عفراء من الباب الموارب: مزون عندش حد؟؟ كني سمعت صوت!!
مزون بخبث رقيق: لا ماعندي حد تعالي!!
عفراء خرجت وهي تجفف أطراف شعرها بالمنشفة التي تمسكها بين يديها ولأن وجهها كان مائلا للجانب وهي كانت خالية الذهن تماما
لوم تنتبه لمن لم يستطع حتى البقاء جالسا حين خرجت.. بل وقف.. لا يعلم لماذا؟؟
كانت عفراء تهمس بعفوية: الله يجيرنا من نار جهنم.. الساعة 7 الصبح والماي حار مولع.. حسيت جلدي بينسلخ..
أنهت عبارتها لتنتبه حينها للواقف أمامها.. سقطت المنشفة من يدها..
وهي تشعر بفتور في عظامها.. تمنت أن تعود للحمام حرجا من شكلها..
ولكنها رأت أن هذا الموقف سيبدو سخيفا.. فهذا زوجها وليست المرة الأولى التي رآها هكذا..
مزون استغلت حالة الذهول اللذيذ الذي غرق فيه الاثنان وهما يتادلان النظرات..
لتتجه للحمام وهي تهمس بثقة: أنا باتسبح.. خذو راحتكم..
عفراء حين سمعت صوت باب الحمام أغلق.. ارتبكت وهي تطرق الباب بخفة.. وتقول بصوت تنخفض: مزون يالخبلة تعالي!!
حينها تقدم منها منصور.. أمسك بكفها وهو يشدها بعيدا عن باب الحمام..
شعرت حينها كما لو أن الهواء سكن حولها.. ووجهها الذي كان محمرا من حرارة الماء تفجر احمرارا لعشرات الأسباب..
مد ظهر أنامله ليمسح على خدها الدافئ وهتف بنبرة ثقيلة خادرة:
يوم أنتي قلتي له مرة بعد زواجنا بفترة بسيطة إن الماي ينزل من الحنفيات حار..
أنا وش سويت.. وفي نفس اليوم؟؟
ارتعشت بيأس وهي تجيب بخفوت ودون أن ترفع نظرها إليه:
ركبت تبريد مركزي على خزان البيت الرئيسي..
حينها هتف بنبرة عميقة فيها رنة حزن.. رجولة.. شيء عميق خاص به:
ولو تبين ركبت لخزانات مستشفى حمد تبريد مركزي!!
أجابته حينها بحزن شفاف موغل في الشفافية: مابغيتك تركب برادات ولا خزانات..
بغيتك تحس فيني..!!
حينها أمسك بوجهها بين كفيه ورفعه بخفة لينظر إلى عينيها ويهتف بتأثر:
إذا أنا ماحسيت فيش.. من اللي في العالم يستحق أحس فيه..
أجابته بذات النبرة الحزينة الشفافة: اسأل نفسك..
أنا بغيتك تحسسني إني شريكة حياتك صدق.. رأيي مهم عندك.. واستقلال شخصيتي مهم عندك..
أجابها حينها بصدق نادر موجع: عفرا أنا ماعاد فيني صبر على بعدش.. الليل ما أرقده..
أدور في البيت كني خبل.. باقي أضرب رأسي في الطوف من القهر..
هتفت بجزع شفاف حقيقي: سلامتك من القهر يأبو زايد..
صمتت لثانية ثم أردفت بحزن: وأنت ظنك إن حالك أحسن من حالي..
طول اليوم وأنا بالي مشغول عليك.. وش سويت؟؟ وش كلت؟؟ جيت وإلا مابعد جيت؟؟
بس يا منصور أنا طلعت من البيت لأنه فيه وضع أنا ماقدرت استحمله..
حينها هتف منصور بحزم يخفي خلفه أمله الشاسع: خلاص أنا مستعد أجي وأراضيش قدام زايد وعياله..
مع أنه الموت أهون علي أني أصغر نفسي قدام أحد.. بس مستعد أسويها بدون تردد.. المهم ترجعين لي!!
أجابته عفراء بلهفة: طيب وشغلي؟؟
ليصدمها بقسوة وهو يقول بحزم: لا الشغل لا.. أنا قبل حملش يمكن ماكان عندي مانع في الشغل..
بس أنش تخلين ولدش عشان تروحين للشغل مرفوض..
لازم عفراء تقدمين تنازل شيء مقابل شيء.. هذا أنا قلت بأراضيش.. راضيني أنتي بذا الموضوع..
حينها شدت عفراء لها نفسا عميقا وهمست بحزم: وأنا ما أبيك تراضيني قدام حد..ولا تصغر نفسك قدام حد..
أنا مستعدة الحين الحين.. إذا جاء كساب وخذ مزون.. أني أرجع معك للبيت الحين.. وبدون تدخل أي حد بيننا..
بس شغلي ما أخليه.. لأني ماني بمقتنعة بأسبابك.. وأنت ماقدمت لي شيء يقنعني..
وإذا على ولدنا ..مزون دراستها العصر..بأخليه عندها الصبح..
حينها غزت الخيالات الحالمة أفكاره..
أ حقا ستكون في حضنه الليلة؟؟
بعد أن اُنهك من بُعدها وصقيع البيت بَعدها!!
ولكنه على الجانب الآخر.. رافض تماما لعملها.. لا يمكن أن يخدعها ويقول أنه موافق..
لذا هتف بحزم: سامحيني عفرا.. قلت لش الشغل مرفوض!!
حينها ابتعدت عنه وهي تدير له ظهرها وتتشاغل بوضع أشياء مزون وأشياءها في الحقيبة ..
حتى لا يرى لمعة الدموع في عينيها وهي تهتف بحزن عميق:
خلاص يأبو زايد.. أنت اللي أنهيت الحوار مهوب أنا..
توكل على الله.. الله يحفظك.. روح لشغلك..
*****************************************
" يمه من جدش؟؟ وأشلون وضحى تروح معهم؟؟
هذي أكيد استخفت!!"
مزنة بغضب: يأمش مادريت حتى أنهم راحوا.. تخيلي أنا أساسا مانمت.. وعقب ماصليت الفجر.. رحت للمطبخ اللي برا
أجهز ريوقهم.. خلصت على الساعة 7.. وطلعته أنا والخدامات.. لقينا باب الغرفة مفتوح.. وماحد فيها..
والسرير ماحد نام عليه...عاد الورد اللي نثرناه فوقه.. فوقه ماتحرك من مكانه..
أدور وضحى مالقيتها.. بغيت استخف.. رحت أدور تلفوني باتصل..
لقيتها مرسلة لي مسج أنها راحت معهم الشاليهات لأن سميرة مستحية وأحرجتها بتمسكها فيها..
أتصل فيهم تلفوناتهم مسكرة!!
كاسرة شدت نفسا عميقا وهي تثبت هاتفها على أذنها: يمه السالفة كلها مهيب طبيعية..
انتظري لين أتصل في وضحى وأشوف السالفة وأخلي امهاب يروح يجيبها
ولين ذاك الوقت خلي السالفة عادي.. أي حد يسألش عنهم.. المعاريس رايحين الشاليهات..
ووضحى في غرفتها.. لا حد يدري إنها معهم حتى صديقاتها..
وأنا الحين بأرسل مسج لها أقول لها كذا.. وأطلب منها تكلمني على طول..
************************************
" يا الله ياقلبي الليلة بنمسي في بيتنا إن شاء الله
كنا نتنى عرس سميرة.. وهذا احنا خلصنا الحمدلله.."
نجلا بتأثر: زين خل أمي صافية تروح معنا الليلة تمسي عندنا..
واجد متاثرة من روحتنا..
صالح بألم: يا بنت الحلال تبي لها يومين وتتعود..
هذي عالية عندها.. وعبدالله ومرته..
يعني وجودهم بيخفف عنها..
أنا أصلا عرضت عليها تروح معنا.. بس هي مارضت..
نجلاء وقفت وهي تهمس بهدوء: الله يجعل دخلتنا للبيت دخلة خير
ويعطينا من خير ذا البيت ويكفينا شره..
****************************************
" هزاع تبي فلوس؟؟"
هزاع يلتفت لوالده مبتسما: غريبة تعرض علي من نفسك.. بالعادة لازم أذل نفسي شوي وأنا أطلب..
أبو صالح يبتسم: يا الكذوب.. وأنا متى حديتك تذل نفسك والفلوس تجيك بدون ماتطلب..
هزاع يبتسم: جعلني ما أخلا منك.. بس الشباب ماقصروا.. كل واحد من أخواني عطاني.. فرحانين أني خلاص بأدخل الكلية
وبيصير عندي راتب وماعادني بغاثهم بالطلبات..
أبو صالح بأريحية: ادري أن الكلية أول ماتدخلون فيه أشياء واجد يطلبونها
خافك محتاج فلوس..
هزاع يقف ليقبل رأس والده: الله لا يخليني منك.. لو احتجت لا تظن أني أصلا باستحي.. السحا ممسوح من قاموسي
************************************
" سميرة ياقلبي ماكلتي شيء!!"
سميرة تلمس خدها المزرق وتهمس بسكون كسكون الموت:
والله العظيم ماني بمشتهية شيء.. أنا لو أقدر أزوع كبدي.. زعتها.. وأنتي تبيني أأكل..
وضحى بحزن عميق: لو أقدر أرجع الزمن ورا.. رجعته.. احساسي بالذنب يخنقني..
سميرة تهمس بذات النبرة الساكنة الميتة: الذنب ذنب أخيش بروحه.. صحيح أنتي غلطتي..
بس ردة فعله كانت جريمة في حقي..
مافيه حد يرد على غلطة تافهة بجريمة..
فرضا استخفيت وعقلي ناقص وقلت له عطني بوسة.. يعطيني كف؟؟
والغريب أنها ضحكت ضحة مرة قصيرة أشبه بالبكاء:
تدرين وضحى أيام الملكة تعرفين الأفكار الغبية اللي تدور في رأس الغبيات مثلي..
كنت أسأل نفسي ببراءة قصدي بغباء.. أشلون أول مرة بيوبسني أبو ضحكة حلوة..
الحين يوم أتخيل مجرد تخيل إنه ممكن يسويها أحس أني بأرجع كل اللي في بطني..
وصدقيني لو كان في بطني شيء الحين كان رجعته قدامش..
وضحى تستمتع بألم وهي تشعر كما لو كانت أمعائها تتمزق..
فمن تتكلم عنه سميرة هو شقيقها الأغلى من عينيها ومع ذلك تجد نفسها مضطرة لبلع حسرتها والسكوت..
لأن حسرة من تشاركها هذه الطويلة الصغيرة هي حسرة تجاوزت كل مدى..
تجلسان منذ ساعات على هذه الطاولة لم تتحركا.. بينهما نزيف مر من الكلمات والوجع..
وهو يجلس في الخارج..
الجو حار جدا.. ومع ذلك مازال يجلس تحت المظلة رغم تصبب عرقه الغزير..
وسميرة تكمل نزفها المر: تدرين وضحى لولا خاطرش.. وإلا كان دعيت في قلبي
إن أخيش مايقوم من قعدته هذي..
حينها قفزت وضحى وهي تصرخ بألم: بس سميرة.. بس.. من الصبح لين الحين وأنتي تذبحيني بس حرام عليش..وأخرتها تبين تدعين عليه!!
تميم هذا اللي من الصبح تقطعين فيه.. أغلى علي من أنفاسي اللي أتنفسها..
تميم هذا مافيه أطيب من قلبه ولا أحن..أنتي ماتعرفينه.. بس هو موجوع موجوع..
رجّال رأسه مليان شكوك.. والشك يذبح الرجّال.. لا تلومينه على شكوك أنتي زرعتيها في رأسه!!
سميرة قفزت هي أيضا لتصرخ باستنكار: أنا؟؟
وضحى بدأت تبكي: إيه أنتي.. هو غلطان والغلط راكبه من رأسه لساسه.. بس أنتي كان لش من الغلط نصيب..
وأنا اللي طحت في النار بينكم..
حينها بدأت سميرة تصرخ بجزع موجوع متحسر: ليه وأخيش وش عنده ضدي..؟؟
أنا اللي يصلون على طرف ثوبي.. يأتي أخيش يشك فيني!!
وسرعان ماانهارت كل الحقائق.. ووضحى تنثال بكل شكوك تميم..
وليتها لم تفعل.. ليتها لم تفعل وهي تكمل على خطئها السابق خطأ أشد فداحة!! وكلاهما كان بحسن نية!!
.
.
.
مازال على مقعده..
غارقا في أفكاره وآلمه الذي يغوص في روحه إلى نخاع النخاع..
ربما لو بصق الآن لبصق دما من روحه المدمرة!!
" لماذا يحدث كل هذا؟؟
لماذا؟؟
لماذا لم أنهِ الموضوع بأكمله قبل أن نصل إلى هذه المرحلة؟؟
قبل أن أنحرها وأنحر روحي قبلها!!"
يتذكر وصولهم هنا.. كان يريد أن يهرب قبل أن يراها..
لكن كأنها تريد عقابه.. خلعت نقابها قبل أن يهرب..
تحول اللون الأحمر الداكن في خدها إلى لون مزرق..
كلما تذكر ترتعش يده التي صفعتها..
" أ حقا أنا فعلت ذلك؟؟
أ حقا امتدت يدي لها؟؟
(امساك بمعروف أو تسريح بإحسان)
لم أستطع أن أفعل أي شيء منها!!
ولكني مثقل بالوجع والألم والخديعة..
عشرات الخيالات المؤذية تغزو خيالي وتجرح كل مافيني
رجولتي وحميتي وإنسانيتي!!"
وهو غارق في أفكاره.. شعر بمن يلكزه في كتفه بعنف..
كانت هي.. وجهها محمر وعيناها متفجرتان بالدموع.. واللون الأزرق في خدها ازداد لونه ازرقاقا وفي قلبه ألما..
كانت تصرخ تصرخ وتصرخ.. قالت كلاما كثيرا.. لم يفهم منه شيئا..
يستطيع أن يقرا حركة الشفاة بصورة جيدة..
ولكن شفتيها كانتا تتحركان بسرعة هائلة عدا أنه لم يستطع التركيز
وهو يرى حالتها الهستيرية
وهي تمسح سيول أنفها وعينيها بذراعها في حركة يائسة مرارا وتكرارا
وضحى وصلت فورا خلفها وهي مقطوعة الانفاس ووجهها محمر كذلك ودموعها تنهمر بغزارة.. سألها تميم بإرهاق موجوع:
هذي وش فيها؟؟
وضحى أشارت له بخجل: أنا قلت لها عن شكوكك فيها..
حينها تفجر غضب تميم: أأتمنش على سر وتروحين تقولينه لها..
أنتي ماكفاش اللي سويته فيها البارحة؟؟
وضحى تبكي: بغيتها تعرف السبب اللي خلاك تسوي كذا!!
تميم يشير بغضب أشد: وانتي وش دخلش؟؟ وش دخلش؟؟
كانا يتبادلان الإشارات بينهما وسميرة خارج المشهد تصرخ وتصرخ وتصرخ..
التفت تميم لها وهو يشير لوضحى بعصبية: زين هي الحين وش تقول ولا تدسين علي شيء..
أساسا أنتي خلاص ماعاد تعرفين تدسين شيء؟؟
وضحى بألم شاسع: كلام واجد.. مقهورة ومضيومة.. تسبك شوي.. وتتحسر شوي!!
تميم بغضب: ترجمي لي وبسرعة..
حينها كانت سميرة تشهق وهي تنهمر بكل ألمها:
أنا وش ذنبي اللي سويته؟؟
عشان أنا سليمة ووافقت عليك تشوف هذا مبرر أنك تشك فيني!!
أو حتى لأني نسيت صوري على جهازي..
أو تهورت وحاولت أقومك ثم استخفيت وأرسلت لك ورد..
أنا أساسا غبية.. غبية.. اللي حسبتك ممكن تكون لي القلب الكبير..
أنا مابغيت صوتك ولا كلامك.. بغيت قلبك بس..
مادريت أنك أساسا ماعندك قلب.. وأنك واحد مريض..
طلقني الحين.. طلقني.. أنا مستحيل أعيش معك دقيقة..
أنا سميرة بنت راشد تشك فيني وفي أخلاقي..
تخسى أنت ووجهك.. كفو لك وحدة تناسب أفكارك الوسخة مهوب أنا..
وضحى كانت تترجم بالحرف وبذات سرعة انثيال سميرة التي كانت شهقاتها تتزايد وارتعاشها تتزايد؟؟
بينما غضب تميم يتزايد ويتزايد.. ولكن قبل أن يبدر من أي منهم تصرف ما..
سميرة انهارت على الأرض وجسدها كله يرتعش بعنف كأنها حالة صرع..
وضحى وتميم جثيا كلاهما جوارها.. كانت وضحى تريد أن ترفعها عن الارض
ولكن تميم أشار لها أن تسرع وتحضر ماء
وهو يشد سميرة ناحيته ويضع رأسها في حضنه..
وضحى دخلت ركضا..
بينما تميم أسند رأسها بخفة لحضنه وهو ينظر لحالتها غير الطبيعية من الارتعاش كما لو كانت لسعها تيار كهربائي..
عيناها تتقلبان.. والزبد يخرج من بين شفتيها..
شعر أن هذا الألم الذي مزق روحه لايريد التوقف عن تمزيق روحه..
ما ذنب هذه الصبية فيما فعله فيها؟؟
حتى لو كان يشك فيها أو مازال؟؟
كان يجب أن يطلق سراحها قبل أن يحدث كل هذا!!
لماذا يعاقبها على شكوك لا اثبات لها.. لماذا؟؟
كان يجب أن يكتفي بعيش ألمه هو لوحده..
" يا الله خلاص مافيني.. مافيني!!
حاس أني باموت..
ماعادني بمستحمل أكثر من كذا!!
خلاص"
*****************************************
" هلا كاسرة.. أنتي وين؟؟
فيه ناس بيجون يهنوني السلامة..
تنزلين لنا في مجلس الحريم العود تتقهوين معنا؟؟"
كاسرة تجيب بمودة: ماعلية بأجي بس بعد شوي.. لأني في بيت هلي..
خليت كساب يوديني وهو رايح صلاة العصر
لأنه جدي فديته عنده موعد اليوم.. وأنا تعودت إذا كان عنده مشوار برا البيت
إني أنا اللي ألبسه.. وما أقدر أغير عليه ولا على نفسي عادتنا..
أول مايروح موعده بأجيكم أنا وامي.. لأنها هي يعد تبي تهنيش السلامة..
مزون بمودة رقيقة: حياكم الله!!
حين أنهت كاسرة الاتصال هتفت مزنة باهتمام: ها كلمتي وضحى.. تعبت أتصل والتلفون مسكر..
كاسرة تزفر: لا يمه.. بس هي أرسلت لي مسج.. تقول مافيه شيء.. وكل شيء زين..
وإنه مافيه داعي نحرجها.. لأنها بروحها منحرجة من روحتها معهم..
بس سميرة مستحية واجد..وأصرت علي وعقبه تميم أصر عشانها..
مزنة تتنهد: خير خير إن شاء الله.. يا الله قومي لبسي جدش..
امهاب جاي الحين يأخذه..
****************************************
" ترا بنسافر قريب؟؟"
جوزاء تلتفت لعبدالله بحدة: حن؟؟ وين؟؟
عبدالله بحزم: مصر!!
جوزاء بعصبية: ما أبي أسافر معك..
عبدالله بذات الحزم: بتسافرين غصبا عنش.. لأنه حن ماحنا برايحين نتفرج
بنروح عشان تدرسين..
جوزاء بصدمة: أنا وش أدرس؟؟
عبدالله بحزم أكبر: تكملين دراستش.. أنا راسلتهم خلاص وعبدالرحمن عطاني أوراقش.. احتسبوا أكثر ساعاتش..
يعني فصل واحد وتتخرجين..
جوزاء بعصبية: ما أبي أروح.. عبدالرحمن قد عرض علي..
عقب ماحاول في الجامعة هنا يرجعوني ومارضوا لأني تجاوزت الحد المسموح للاعتذار..
قلت له برا ما أبي أروح!!
عبدالله بحزم بالغ: والله هذاك أخيش وكيفش تعين..
بس أنا أقول لش إنش بتروحين رضيتي وإلا مارضيتي..
***************************************
" يمكن قريب أسافر وأودي مزون
أبيها تغير جو شوي
تسافر معنا؟؟ "
علي يلتفت لوالده ويهتف بمودة: لو ماعندي شغل ضروري سافرت معكم..
زايد بحزم: على ذا الشغل.. لا مرة ترادك الصوت ولا حد يدري عنك لا رحنا أنا وأختك..
علي يبتسم: ياشينك يأبو كساب لا حطيت شيء في راسك..
سنين وانت تحن على كساب لين طاعك..
بس أنا عاد باسي مهوب قوي مثل كساب...
يعني كساب خذ منك سنين.. بس أنا عاد ماخذ في يدك كم شهر
ارحمني يبه طال عمرك..
زايد بمباشرة صريحة: أبي أدري وش فيك نقص ماتعرس.. ناقصك يد ولا رجل؟؟
علي يضحك: ناقصني أني أكون أنا أبي أعرس.. مالي مزاج يا أبو كساب..
لا اشتهيت العرس.. جيتك بروحي وقلت زوجني.. وعد علي
وأنت ريح بالك مني.. أنا مرتاح كذا..
************************************
" هاجهزتي لنا القهوة والقناد والبزار اللي بنروح به معنا!!" (بزار=بهار مشكل)
عالية بتأفف: يعني إلا تذكرني بالمغثة.. تو الناس باقي 3 أسابيع على روحتنا..
نايف يبتسم: يا بنت أختي العزيزة.. خلني أنبهش من بدري.. لا تورطينا مثل السنة اللي فاتت..
جبتي لنا بزار اللي يعز النعمة.. سويت ريجيم بسبته..
عالية تضحك: وش أسوي.. كل سنة كانت نجلا هي اللي تولى المسئولية
والسنة اللي فاتت يوم رحنا.. كانت توها زعلانة من صالح وطافشة بيت أهلها
استحيت أقول لها.. تخيل أنا استحيت!!
إلا المسكينة طلعت مجهزة كل شيء مثل عادتها.. ويوم سافرت اتصلت فيني في زعلانة..
قالت لي يعني عشاني زعلانة مع صالح بأغير عادتي معش كل سنة..
نايف بابتسامة: واللي طاح فيها أنا المسكين..
عالية تبتسم: لا تسوي فيها شهيد بزاري.. لأنك كان باقي تلحس الصحون
ثم أردفت بتحذير وهي تتذكر شيئا: شوف قبل ما تحجز.. تأكد إن فهد بيكون رجع من دورته..
لأني مستحيل أروح ماشفته.. حتى لو أجلنا السفر شوي!!
نايف بمودة: فهد راجع بعد أسبوعين وسفرنا بعد ثلاث أسابيع..
عالية تسأله: زين بتكون خلصت موضوع البيت..؟؟
حينها هتف نايف بضيق: الموضوع تقريبا خلص.. باقي بس استلم الفلوس وأسلمها للمحكمة تقسمها..
يا الله عالية ما تخيلت أني باتضايق كذا لا بعت البيت عشان خواتي زعلانين..
عالية ترفع يديها للسماء: يارب يقعدون زعلانين ويفكونك من شرهم!!
نايف ينهرها: عيب عليش.. خالاتش ذولا.. وخواتي.. وما أحب حد يقول عليهم شر.. يعني عشان يحبوني..
عالية تهز كتفيها: هذي مهيب محبة طال عمرك.. هذا تملك..
يا أخي هم مهوب قادرين علي عيالهم ورياجيلهم..
متشطرين عليك.. عشانهم يشوفونك طيب وما تحب تحزنهم..
ثم أردفت بحماسة: خلاص لما ترجع المرة الجاية.. بتدور بيت!!
ابتسم نايف: لا من الحين بأعطي أبو صالح وكالة.. وطلبت من صالح يدور لي بيت زين على راحته..
ما أبي أشغل نفسي بذا السالفة..
عالية تبتسم: الله يانايف ماني بمصدقة إنه ماعاد باقي علي إلا فصل واحد وأخلص.. حاسة أني أدرس عمري كله..
نايف (بعيارة): هذا كله استعجال على الدكتور عبدالرحمن؟؟
نظرت له عالية بنصف عين: عندك مانع يا أفندي؟!
نايف يقف وهو يبتسم: لا ماعندي مانع.. ولو عندي مانع بتأكليني بقشوري أصلا...
عالية تقف معه وهي تهتف بابتسامة: وأنت فصل عقبي وتعرس بعد..
لا تبكي لا تبكي من الحرة...
نايف يهز رأسه رفضا: لا طال عمرش.. أنا توني.. وعاد وراي دكتوارة..
تبين يعني بعلش أحسن مني؟!!
*****************************************
" شوفي يام عبدالرحمن.. ترا من بكرة بأجيب المهندس
عشان يشيك على المكان
أبي أسوي الطابق اللي فوق كله لعبدالرحمن
وغرف البنات انقليها تحت"
أم عبدالرحمن تبتسم: تو الناس يا ابن الحلال..
أبو عبدالرحمن بحزم: لا تو الناس ولا شيء.. أول ما ترجع مرته من السفر بنحدد موعد العرس..
حينها همست أم عبدالرحمن بخجل: زين دامك تبي ننقل غرف البنات تحت..
شعاع من زمان وهي تقول إنها تبي تغير غرفتها..
أم عبدالرحمن انكمشت قليلا حين رأت انعقاد حاجبيه.. وظنت أنه سينفجر فيها
ولكن الغريب أنه أجابها بذات الحزم وبقوله: خليها تغيرها على كيفها..
بس أنا اللي بأوديها تتنقى.. ولو تبي تغير الديكور والحمام بعد ماعندي مانع..
وحتى جوزا لو بغت تسوي شوي في غرفتها مايهمها من المصاريف..
عشان لاجات عندنا أو تنفست عندنا عقب الولادة إن شاء الله.. تعين المكان اللي يريحها..
****************************************
" الحين يا اللزقة.. أقول لك بانزلك بيتك.. تقول لا..
ما يكفيك أنك رحت معي لموعد جدي.. وصدعت رأسي بهذرتك وجدي يسوي العلاج الطبيعي..
وهذا احنا راجعين.. وعادك ماتبي تتخلص..
تراني مافيني ريحة آل ليث عشان تلزق كذا؟؟"
عبدالرحمن بمرح: ياحي الطاري بس.. وش أسوي ماعندي غيرك أتسلى به..
خل بنت آل ليث لين تخلص دراستها وربي يفرج علي وأعرس
وعقبه بأتفل في وجهك!!
مهاب يبتسم: خوش دكتور.. مايعرف من الثقل إلا اسمه..
عبدالرحمن بابتسامة: أنا ما أدري وش تفسيركم للدكتور... نظارة وتكشيرة..
ماعليه النظارة ومشينا الحال.. بس عاد التكشيرة وثقل الطينة خليتهم لك..
مهاب بذات الابتسامة التي تكون حاضرة دائما مادام يتحاور مع عبدالرحمن:
تدري يا الدب.. لو خالد آل ليث عنده بنت ثانية.. كان نشبت في حلقهم يزوجوني عشان أصير عديلك وأغثك..
عبدالرحمن يضحك: غاثني بدون شيء.. ومصنع مرتي سكر عقبها لأنها نادرة..
وإلا وش رأيك يبه؟؟
قالها وهو يتقدم قليلا ليستند على مقعد الراكب الأمامي حيث يجلس الجد جابر
الذي أجابه بتأفف: رأيي.. إنه رأسي آجعني من هذرتكم.. عاد حن مبطين؟؟..
أبي الحق على صلاة المغرب في المسجد..
مهاب بمودة واحترام: خلاص يبه عشر دقايق وحن في البيت طال عمرك.. وقبل المغرب إن شاء الله..
لم يكد مهاب ينتهي من عبارته.. حتى تعالى صراخ عبدالرحمن بالتحذير الجزع:
امــــهــاب..
انـــتـــــــبــــه !!
انـــــــتــــــــبـــــــه!!!
#أنفاس_قطر#
رواية بين الامس و اليوم الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم HaboOoshy
ست أشهر مضت.. منذ ارتحل..
تمر الأيام علي بطيئة متثاقلة..غاية في الثقل!!
هي كانت من قبله تمر بطيئة!!
وأنا أدعو الله أن يأخذ أمانته بعد وصلت أرذل العمر.. واشتقت إلى لقاء ربي!!
فكيف من بعده؟!! كيف من بعدك يا بني؟؟
أصبحت أشعر بشروق الشمس وغيابها سكاكين تنغرز في روحي..
لأني أعلم أن هذا يوم جديد يمر علي من بعده!!
عمري ضعف عمره مرتين..
والحياة كلها كانت أمامه.. بينما أنا حياتي أصبحت خلفي!!
ومع أن ذاكرتي كانت بدأت تضعف ومنذ سنين.. لكن منذ غادرني..
وذكرياتي معه.. حتى تلك التي كنت نسيتها.. تمزقني وأنا أستعيدها مرارا وتكرارا..
حفيدي الأول.. وفرحتي الأولى.. الولد الذي لم يرزقني الله به
أذكر أول مرة حملته وأنا أكبر في أذنه وادعو له بالصلاح..
وكم كان صالحا وبارا..!!
كلماته الأولى ومناغاته ترن في أذني ولا تفارقني..
حين قال (أبي) قالها لي... فلم يكن له أب غيري.. فقد وُلد يتيما..
وحتى بعدها كنت أنا فقط والده!!
حين خطا خطوته الأولى كان متجها لي..
ومنذ ضعفت وضعف بصري وهو من يقودني دون يتذمر أو يشكو.. مجرد طفل صغير حينها!!
لم يقل لي يوما أريد أن أذهب لألعب.. لم يتركني وهو جواري ملتصق بي.. فخذه الصغيرة ملتصقة بجنبي..
يا الله ماكل هذا الوجع!!
ارحم شيبي وضعفي.. ماعاد القلب يحتمل المزيد..ارحمني برحمتك..
وإن كان مازال في العمر بقية.. فمنَّ علي بنعمة النسيان التي باتت حلما بعيدا المنال..
يا الله ياكريم
إذا كنت قد أذقتني حسرة فقد ولدي..
فلا تذق أبا عبدالرحمن مثلها!!
يكفيه رؤية عبدالرحمن حي ميت طوال الأشهر الماضية..
يا الله لا تذقه الحسرة التي ذقتها!!
فإن كنت أنا أستطعت الاحتمال.. فهو لن يحتمل فراقه.. لن يحتمل!!
************************************
ست أشهر مضت منذ تركني..
حاولت الاعتصام والصبر والتجلد وأنا أقول هذا قدر الله وحكمته
وإن كان قد أخذ ابني.. فلحكمة منه سبحانه!!
وأنا مؤمنة ومصلية..
وأعلم أنه إن شاء الله في خير حال في عالم خير من عالمنا..
هكذا كنت أصبر نفسي..
ولكن كيف للقلب المكلوم أن يستوعب كل هذا الوجع؟؟
كيف له أن يستوعب خلاء المكان بعده؟؟
أيام العزاء كدت أموت لشدة ماتجلدت..
وخصوصا وأنا أرى انهيار وضحى وعيناها تتبعاني أينما ذهبت..
وكأنني مصدر القوة لها.. تنتظر انهياري لتنفجر تماما..
تجلدت وتجلدت وتجلدت.. حتى ماعاد جلدي يحتمل التجلد.. وشعرت به يتفطر كما انفطر قلبي..
أصبحت هاربة على الدوام من البيت..
غالب وقتي أقضيه في بيت أم عبدالرحمن..
نتشاطر وجع ماعاد في الاحتمال.. في خفية عن الأعين التي تراقبنا..
كلانا نبكي ابننا الذي رحل.. ونبكي جزعا أن يرحل الآخر!!
كنت أكره أن أعود للبيت...
وكيف أعود وكل شيء هناك يذكرني به..
هذه الستائر هو اختار لونها.. وهذه الأرائك هو اشتراها..
بل حتى أواني المنزل كان معي عندما اشتريتها..
هنا جلست وهو يمر علي في الصباح.. مقبلا رأسي وأنا أدعو له بالتوفيق وبحفظ رب العالمين!!
وهنا جلست أنتظره عائدا من رحلته والقلق يعتصرني إن تأخر ساعة واحدة..
وهاهو الآن لن يعود مهما انتظرته..
بدأت الحسرة تأكل روحي شيئا فشيئا..
كرهت حالة القلق الذي أثرتها في أبنائي وأنا أظنهم لا يلاحظون..
لأتفاجأ يوما بهم ثلاثتهم.. بل أربعتهم وسميرة معهم.. يأتون لأخذي من بيت عمتهم بعد رحيل مهاب بثلاث أسابيع..
ويذهبون بي إلى بيت آخر..
إنه بيت كساب الذي عرضه على تميم حين علم أنه يبحث عن بيت ليأجره..
لم يسمحوا لي أن أعود للبيت حتى.. ولم يحضروا حتى قشة واحدة من بيتنا القديم..
حتى ملابسي لم يحضروها.. وكأننا نبدأ كلنا حياة جديدة..
خيرا فعلوا.. حتى وإن كانت ذكراه أبدا ثابتة كالوسم في الروح ولا أحتاج شيئا يذكرني..
ولكني كنت فعلا على وشك الإصابة بالجنون والذكريات تخنقني من كل ناحية في ذلك البيت..
هأنا أشغل نفسي بالكثير.. ختمت حفظ القرآن الكريم..
وهأنا أقرأ كل ليلة آيات كثيرة أدعو أن يكون أجرها لمهاب..
صبرني يا الله بعده.. وأدخله فسيح جناتك..
واللهم أرضه.. كما أرضاني..
اللهم أرضه.. كما أرضاني..
اللهم أرضه.. كما أرضاني..
************************************
يا الله يا امهاب ما أقساك!!
أ لم تقل لي دوما وأنا صغيرة.. إذا ضربكِ أحد ما.. فاخبريني حتى أضربه!!
وعدتني أنك ستدافع عني دوما..
فأين أنت الآن؟؟
هاهي الحياة تضربني وتصفعني وتركلني وجعا من بعدك..
وأنت لست هنا لتدافع عني!!
ما أشد مرارة الأيام بعدك.. مرارتها كمرارة العلقم الذي سكن روحي ورفض أن يغادر..
ظننت أني في لحظة من اللحظات سأموت لا محالة..
فما كنت أشعر به وجع ظننت أنه لن يسكنه إلا الموت..
ولكن سبحان الله!!
الحياة تستمر.. والمؤمن مبتلى!!
ومهما بدت الحياة صعبة بعد أحبابنا فهي تستمر!!
هانا أعمل.. وأدفن نفسي في العمل!!
أصبحت أشعر أن حياتي تتمحور حول هؤلاء الأطفال الصم..
سعادتي رهن بابتسامتهم..
وحزني الحاضر دائما رهن بدموعهم..
أقنعت سميرة أن تعمل معي..
وهاهو وجودها معي يخفف علي كثيرا من وجع الحياة!!
***************************************
***************************************
ست أشهر مضت وهو ذات الحال.. غيبوبة أشبه بالموت..
وإن كان هناك من يموت فهو أنا..والده..
أشعر أن أجزاء روحي تتساقط شيئا فشيئا مع كل يوم جديد يمر علي وهو لا تحسن في حاله..
بل أشعر أن مابات يحول بيني وبين لفظ أنفاسي الأخيرة.. وهو وجود أنفاسه في الحياة..
حالما تختفي هذه الأنفاس سأختفي معها..
لا أفارقه أبدا.... عدا ثلاث ساعات فقط بين منتصف الليل وقبل آذان الفجر..
أترك عنده أحد الصبيان وأطلب منه أن يتصل بي فورا لو حدث أقل شيء..
أعود لأبيت في مجلسي.. حتى يرى الجميع سيارتي أمام البيت..
خوفا على أهل بيتي... ولكني لا أستطيع حتى دخول البيت من بعده!!
الكل يحاولون في أن أغادر قليلا على أن يتنابوا معي..
ولكن لا أستطيع.. لا أستطيع مفارقته..
أعلم أني أهملت بيتي وبناتي.. ولكن أوصي تميما وعبدالله دائما في أهل بيتي..
والاثنان لا يقصران..
وخصوصا عبدالله الذي أعلم أنه من يتولى مسئولية البيت التي تركتها له..
لا أفارق عبدالرحمن لأني أخشى أن أتركه فيحدث أحد أمرين..
أما أن يتحرك أو حتى ترمش عيناه وأنا غير موجود..
أما ما أخشاه أكثر.. أن تحين ساعته وأنا لست موجودا حتى أوجهه للقبلة وأتشهد على رأسه مادام لا يستطيع التشهد..
كنت أحلم بأولاده.. فإذا الحلم يتحول فقط أنني أريده جواري على أي حال كان!!
حتى وإن لم يصح من غيبوبته.. ليبق جواري..
فأي حياة لا يكون هو فيها؟!!
************************************
ست أشهر مضت وابني في غيبوبته..
والغريب أنه خال تماما من أي كسور أو أي إصابات..
كان مصابا برضوض شديدة.. ولكنها كلها تعافت..
ومع ذلك مازال لم يصحُ..
وأنا لا أمل الانتظار.. ولن أمله!!
مادامت أنفاسه وأنفاسي في الحياة.. سأبقى أنتظر!!
عبدالرحمن يا بني.. أمك تحتاجك.. حتى متى كل هذا النوم؟؟
كل يوم تشرق شمسه.. أركض للمستشفى.. أقول اليوم لعل وعسى..
أبقى أرأقبه حينا.. أتحسس جسده حينا.. وادعو له في كل الأحيان
حتى يقترب آذان الظهر ويجبرني فاضل على المغادرة..
وأنا أشعر أن روحي تركتها خلفي..
حتى تفكيري طوال اليوم شارد.. ليس معي.. حتى أعود إليه!!
ماعدت أشعر بطعم أي شيء في الحياة..
فأي طعم للحياة هو لا يتذوقه..؟؟
حتى حسن الصغير الذي كنت أرى الحياة في ابتسامته..
يجلس في حضني.. يتمسح بي.. يشد برقعي.. يريدني أن ألتفت له..
سامحني ياصغيري.. ليس نقصا في غلاك.. والله يعلم..
ولكن ماعدت أشعر بشيء..
وكأن كل شيء رهن بعودة هذا النائم!!
************************************
ست أشهر مضت وعبدالرحمن على حاله..
لا أعلم هل هذه رحمة به حتى لا يعلم برحيل امهاب ..
فأنا مازلت لا أتخيل كيف ستكون ردة فعله حين يصحو ويعلم..
أصبحت الحياة باهتة باردة..
والغريب أنها ليست كذلك بسبب غياب عبدالرحمن فقط..
بل ربما كان السبب الأكبر هو غياب والدي..الذي حتى في تواجده تشعر أن روحه غائبة هذه الأيام!!
البيت ماعاد به حياة بعدك يافاضل!!
عبدالرحمن كان كالنسمة الهادئة.. في كثير من الأحيان لا أشعر حتى بوجوده في البيت..
ولكن والدي كان اعصارا يشعل البيت بالحياة..
أتخيل ارتعاشي حين أسمع صوته الغاضب أو حتى صوت صفق الأبواب تعبيرا عن غضبه..
يا الله كم اشتقت لتلك الأيام!!
ربما من الأشياء التي كنت أجهلها عن نفسي..
أنني لم أكن أنام حتى أسمع صوت خطواته يطل علي ليلا ويتأكد أنني نائمة قبل أن يغلق الباب..
رغم أني في تلك الأيام كنت أرتعب حين أشعر بدخوله.. وكأنه إعلان عن حضر تجول..
وكنت أجهل سبب الأرق الذي يصيبني حين يكون غائبا في رحلات القنص.. ولا أعرف لذلك سببا..
الآن أصبحت أعرف السبب!!
حين أزور عبدالرحمن لا تتوقف دموعي عن الانهمار..
بداية كان من أجل عبدالرحمن.. ولكن عبدالرحمن حالته استقرت تماما..
ودموعي الآن هي لحالة والدي..
لا يجلس حتى.. وعيناه تتبعان كل سنتيمتر مربع من جسد عبدالرحمن.. يبحث عن بادرة حياة..
أو يحرك أصابعه أو مفاصل قدميه ويديه.. لأنه يخشى حين يصحو أن يعاني من تصلبهما.. لذا يريد أن يحافظ على مرونتها..
بقدر مابكيت وارتعبت حين أصاب عبدالرحمن ما أصابه.. وأنا أخشى أن يتركنا وحيدين مع والدي..
بقدر ما أبكي الآن.. لأني أريده يصحو من أجل والدي..
تبقى شهرين على تخرجي..
لا أعلم حتى كيف استطعت الحضور والدراسة والنجاح.. ولكن لأقل أنني فعلتها من أجل والدي فقط.. حتى لا أخيب ظنه بي!!
فقد كنت أريد الاعتذار عن الفصل بعد حادث عبدالرحمن.. ولكن والدي كان من رفض وبشدة..
استغربت حتى اهتمامه بالموضوع في خضم انشغاله بعبدالرحمن..
ظننت أنه لن يهتم أبدا.. ولكني قلت لابد من إستئذانه..
لذا فوجئت برفضه وهو يبرره أنه من الأفضل أن تكون شهادتي بيدي لأني لا أعلم مايكتبه الله في الغيب!!
************************************
ست أشهر مضت..
أصبح عمر حسن الآن أربع سنوات.. وهو يمضي للخامسة..
يا الله ياعبدالرحمن أ لم تشبع من كل هذا النوم؟؟
حسن يسأل عنك دائما.. ويسأل متى ستصحو؟؟
موجوعة ياعبدالرحمن من بعدك.. وإحساس اليتم يخنقني..
لن تتخيل كم أثر فيني غيابك!!
ستكون سعيدا عندما تصحو و ترى كم أصبحت قذرة..
قذرة بمفهومي!! ومتوازنة بمفهومك!!
فلكثرة الساعات التي تمضي وأنا أرأقبك بسكون.. أنسى أن أغسل يدي كل ساعة..
ولا أستحم ولا أستبدل ملابسي سوى مرتين.. مرة حين أعود من عندك ظهرا والأخرى ليلا ..
وستكون أسعد حين تعلم أني قصصت كثيرا من طولة لساني من أجلك..
فلساني ماعاد فيه إلا الدعاء لك..
وأخشى أن أضايق به أحدا فيغضب مني الله ولا يستجيب دعائي..
أما التغيير الأكبر ياعبدالرحمن فهو تغيري من ناحية عبدالله..
التغير الذي أنا أشعر به.. ولكن لم أسمح لنفسي أن أشعره هو به..
أنا لست ناكرة جميل ياعبدالرحمن..
وأعترف أنه لولا وجود عبدالله ماذا كنت سأفعل أنا ووالدتي وشعاع من بعدك أنت وانشغال والدي معك..
أتخيل لو أن هذا الحادث حدث وعبدالله لم يظهر..
كنت سأترمل مرتين وأتيتم مرتين!!
كيف كان حالنا سيكون؟؟
عبدالله الآن من يتولى مسؤولية بيت والدي كاملة.. تميم أيضا لا يقصر أبدا..
ولكن تميم لديه من المشاغل والحزن مايكفيه...
الحياة بيني وبين عبدالله ساكنة تماما..
ماعدت أعارضه.. أو أضايقه.. أو اشتمه.. ولكني أيضا أعلم أني لا أريحه..
فبقدر ما يغمرني بعاطفته وحبه وحنانه بقدر ما أعاني من الجمود والتبلد..
لا أنكر أنني حاولت الخروج من شرنقة جمودي.. ولكن لم أستطع لم أستطع.. فهذا أرث ليال متطوالة من الألم..
أصبح أكثر ما أخشاه أنه سيأتي يوم ويمل مني.. أنا مللت من نفسي.. لا أعلم كيف مازال يحتملني..
وما أخشاه أكثر أن يكون قد ملَّ مني فعلا.. ولكنه صابر علي لإحساسه بالمسئولية تجاهي وتجاه أسرتي!!
فأنالم أعد أتخيل للحياة معنى ولا نكهة بدون عبدالله ووجوده..
ولو تركني.. لا أعلم ما الذي سيحدث لي.. قد أموت!!
وهذا القلق بدأ يتصاعد في روحي من عدة أشهر.. أخشى بالفعل أن يتركني..
أريده أن يبقى بجواري.. وأريد أطفالا آخرين منه..
يشبهونه كما يشبهه حسن.. لا أريدهم أن يشبهوني أنا..
ولكن الحمل تأخر.. والغريب أنني أساسا لم أتناول حبوب منع الحمل..
فقد كنت أنتظر دورتي الشهرية الأولى بعد زواجي والتي لم تأتِ إلا خلال أيام حادثة عبدالرحمن وعزاء مهاب..
نسيت الموضوع تماما في خضم انشغالي بك.. لأكتشف أنه ثلاثة أشهر مرت بعد حادثك وأنا لا أتناول مانعا ولم أحمل..
حينها أصبت بما يشبه الجنون.. أريد أن أحمل.. أريد طفلا آخر يربطه بي.. ويمنعه من تركي!!..
ولم يخيب الله رجائي ودعائي..
أنا حامل ياعبدالرحمن.. حامل.. أنا الآن في الشهر الثاني..
ومازلت لم أخبر أحدا.. بودي أن أخبر عبدالله..
ولكن لا أعلم هل الوقت مناسب أو لا؟؟
أو ربما كان الحاجز الذي بنيته حول نفسي هو مايمنعني!!
*****************************************
ست أشهر مضت على تحولها..
لا أعلم هل أحمد الله على الهدوء الذي نعيش فيه..
أم أشتاق لأيام جنونها وتناثر حممها!!
مطلقا لم تعد لصفعي بموال كراهيتها بعد ماحدث لشقيقها وانشغالها الدائم به!!
ويكون بودي أن أسألها كل يوم:
إن كنتِ لا تكرهينني فلماذا لا تقولين أنكِ تحبينني مادمت أصدح بمشاعري لكِ ليلا ونهارا؟؟..
وهاهي ساكنة.. رقيقة.. غاية في العذوبة.. وغاية في البرود والجمود!!
الغريب أنه كلما زدت أنا ولعا بها.. كلما شعرت أنها تزداد جمودا!!
ما أخشاه أن جمودها ماهو إلا كراهيتها بدأت تتحول لكراهية أعمق تكتمها في داخلها..
حبي لها يتزايد بصورة غريبة مضاعفة.. ماعدت أعترض.. فهذا ماكتبه لي رب العالمين!!
ولكن جمودها يقتلني!! شيء في روحي يذوي كلما رأيتها تصفع لهفتي بالجمود..
مشروع إكمالها لدراستها تأجل عن غير رغبتي!!
أتمنى أن تكمل دراستها لأني حينها سأشعر أنني أصلحت كل أخطائي..
وربما ينهار حينها كل مايبعدها عني!!
ومازلت مصرا أن تكمل.. ولكن مع حالة عبدالرحمن الفكرة بأكملها مؤجلة حتى يمن الله عليه بالشفاء..
حتى الحمل.. لم أطلب منها أن تترك المانع.. لأني لا أريد اجبارها على الحمل في ظروفها الحالية..
وبقدر ما أتمنى طفل آخر منها.. أكون معها في حمله يوم بيوم..
بقدر ما أنا قلق ألا نكون مع حالتنا غير الطبيعية أهل لهذا الأمر..!!
**********************************
**********************************
ستة أشهر مضت..
خلال هذه الأشهر الستة اختلطت السعادة بالحزن في أقصى معاني كل منهما..
سعيد أنا بل في غاية السعادة لانصلاح الوضع بيني مزون.. وعلاقتنا الفريدة تعود لسابق عهدها..
بل أقوى مما كانت..
لأن التجربة القاسية التي مررنا بها.. صقلت هذه العلاقة وعمقتها!!
أما أيام الحزن فهي ماكانت قبل ستة أشهر تماما وماتلتها من أيام..
كأن ماحدث حدث بالأمس فقط..
حين تلقيت اتصالا من ثرثار ما..
"سيارة نسيبك توها سوت حادث قدامي
الحق على الرجّال.. الحادث شين والدعمة من صوب بابه.. يمكن إنه يودع الحين"
ربما هو قدر الله عز وجل لي أن أكون من يواجه المصائب في لحظتها الأولى..
فقد كنت قريبا من موقع الحادث أعاين أحد مشروعاتي..
حين وصلت كانوا يخرجونهم من السيارة..
حين رأيت السيارة.. أصبت بما يشبه الجنون وأنا أحاول الوصول لامهاب..
علمت أن من كان يقود يستحيل أن يعيش.. فالاصطدام كان بالكامل من ناحيته..
أردت فقط أن ألقنه الشهادة.. ولكن المسعفين صدموني أن من كاد يقود كان أسلم روحه فور الاصطدام..
لأتفاجأ بالصوت الجزع الخائف المكسور الذي أعرفه جيدا يصرخ بجزع مؤلم:
العيال وينهم.. يا امهاب.. ياعبدالرحمن.. وينكم؟؟
امهاب طيب؟؟ يا امهاب؟؟ وينك يأبيك؟؟
كان يقف بين رجلي شرطة يريدون أن يقودوه لسيارة الأسعاف الثانية.. حتى يتأكدوا فقط من عدم وجود ارتجاج مخ فقط..
لأنه لم يصب حتى بخدش واحد..
اتصلت بعلي ليلحق بي.. وحتى يبق هناك حتى أوصّل الجد وأعود له..
وتبعتهم للمستشفى وبقيت معه حتى أعدته معي لبيتي.. ليس على لسانه سوى سؤال واحد..
"امهاب طيب؟؟ امهاب وينه؟؟"
لم أستطع أن أجيبه بشيء..وسؤاله يخنقني..أن ترى انكسار سنوات عمره الجليلة وهو يسأل كطفل مذعور!!
أحضرته لوالدي في المجلس.. ليتولى هو مسئوليته..
وتبقت أمامي المهمة الصعبة..
إبلاغ "كاسرة " ... لم أتخيل أن المهمة ستكون صعبة ومؤلمة حتى رأيتها تقف أمامي..!!
كانت تذهب وتعود وهاتفها بيدها.. تنتظر اتصالا من والدتها يبلغها عن سبب تأخر جدها وشقيقها..
حين رأتني وقفت وسكنت.. لدرجة أنني شككت أنها توقفت عن تنفس الهواء..
كنت أنظر لها وأهمس ماذا ستفعل هذه القوة في خضم الحزن؟؟
وكيف تعرف هاتان العينان الدموع؟؟
همست بصوت مبحوح وكأنها تسبر خفاياي: جدي لا.. جدي لا.. جدي لا..
همست لها بسكون: جدش طيب..
حينها جلست وهي تضع يدها على رأسها.. وتهمس وهي تتنتفس بعد الاختناق:
الحمدلله يارب..
ولكنها عادت لتقفز وتختنق من جديد: وجهك فيه حكي من يوم دخلت..
تميم فيه شيء؟؟
لا أعلم لِـمَ استبعدته هو بالذات؟؟ هل كانت تحميه حتى من مجرد الخيالات؟؟
لم أكن أريد إيذاءها ولكنها يجب تكون مع أسرتها الآن وهم يتلقون الخبر
همست بذات السكون: امهاب يطلبش البيحة..
لا أعلم ما الذي حدث لها.. كما لو أن أحدهم سحب لون وجهها وإشراقته فجأة..
و وجهها يتحول لشحوب أشبه بشحوب الموتى..
لم تبكِ.. لم تصرخ.. لم تندب..
كل ماقالته بنبرة ميتة: ودني لأمي الحين....
كانت مزون تخبرني حينها.. أنها تخشى على كاسرة.. لأنها لم تر دمعة واحدة لها طوال أيام العزاء..
بينما كانت شقيقتها تبكي بهستيرية.. وأمها تبكي بسكون..
ولكن مالا تعلمه مزون.. أن كاسرة بكت طويلا وكثيرا..
ليال كثيرة ماعدت أعرف عددها.. كانت تبكي على صدري حتى أشعر أن صدري غرق من غزارة دموعها..
وأنه احترق من لهيبها!!
في الليلة الأولى حاولت أن تهرب عني بدموعها.. كانت تبكي في خفية عني..
ولكني اقتحمت خلوتها..
بكاءها مؤلم خافت أشبه بالأنين.. بل كانت تئن فعلا.. كما لو أنها تنزف دمها مع دموعها..
لم أسمح لها بالهروب.. ربما أكون حاصرتها..
وأنا أشدها رغما عنها لاحتضنها وأسكن نشيجها...
كما فعلتُ في كل ليلة بعدها..
**************************************
ستة أشهر مضت..
وماعاد شيء كما كان..
حياتنا كلها تغيرت من بعدك..
يا الله ما أقسى مرارة بعدك.. والأقسى كان كتماني لمقدار وجعي..
طوال أيام العزاء كنت أتماسك..
أحاول أن أكون صمام الأمان..
كنت أعلم أن والدتي تنتظر انفجاري لتنفجر.. كما كانت وضحى تنتظر انفجار والدتي لتنفجر هي بدورها..
بينما أن كان صمام أماني هو جدي..
لو أني رأيت دمعة واحدة تخر من عينيه.. لا أعلم ما الذي كان من الممكن أن يحدث لي..
ورغم محاولات التماسك في العزاء وأمام والدتي..
إلا أنني بعيد عنها.. بكيت.. بكيت كثيرا.. بكيت كأن هذا الوجع مخزن في روحي منذ دهور!!
كساب رفض قطعيا أن أبات في الأيام التي تلت رحيل امهاب بعيد عنه..
لا أعلم هل كان يخشى من انهياري بعيدا عنه..
أم كان يريد أن يكون شاهدا على هذا الانهيار؟؟
حاولت كثيرا اقناعه أنني لابد أن أبات عند والدتي.. ولكنه رفض قائلا سأخذك الساعة الواحدة ليلا وأعيدك الساعة السادسة..
وفعلا كنت لا أغادر حتى أتأكد أن أمي ووضحى في فراشهما الذي بات فراش مشترك للألم...
وأعود لهم في وقت مبكر.. وأحيانا بعد صلاة الفجر مباشرة..
في أول ليلة حين تأكدت أنه كسابا نام.. اعتزلت في غرفة الجلوس..
كرهت أن يرى دموعي.. وربما خجلت أن أطلب مؤازرة لم أقدم له مثلها..
أطلقت العنان لدموعي التي كنت أشعر بها طوال اليوم كسكاكين على أعتاب عيني تمزقها لأنها تريد طريقا للنزول..
لأتفاجأ به يوقفني ويشدني إلى حضنه.. حينها انهرت.. تماما كما أراد أن يراني!!
بكيت وبكيت وبكيت وانتحبت وأفرغت كل طاقة الدموع عندي..
كما كنت أفعل كل ليلة وأنا أبكي على صدره حتى أنام وهو يهدهدني كطفلة!!
والغريب أنني كنت أصحو من النوم جزعة.. تخنقني الكوابيس..
لأجده مازال على نفس الوضعية الصعبة من الجلوس ومتيقظا.. كما لو كان يحرس حزني!!
يا الله يا مهاب.. أ كان يجب أن ترحل حتى تعلم مقدار غلاك!!
ليتك تعلم كم يأكلني الندم كل كل لحظة مرت عارضتك فيها..
على كل مرة وقفت في وجهك..!!
على كل مرة ضايقتك بعنادي..!!
لو كنت أعلم فقط أن بقائك معنا قصير هكذا..أقسم أنني لم أكن أضايقك بشيء..!
والإحساس الغريب الذي أشعر به.. أن مادام مهاب رحل دون أريحه بمهادتني!!
فليس هناك من يستحق بعده!!!
إن كان مهاب لم يحضَ بهذه المهادنة.. فلن يحضى بها غيره..
وخصوصا أن غيره لم يسع مطلقا لهذه المهادنة..
مازال غريبا غامضا كأول يوم عرفته فيه!!
مازالت العلاقة بيني وبين كساب كما هي.. مد وجزر!!
بينما كل شيء آخر في حياتي تغير..
أسرتي بكاملها انتقلت جواري.. وطلبت من كساب أن يفتح بابا بيني وبينهم يكون مفتاحه معي.. ففعل ذلك..
من الأمور التي أنا عاجزة عن شكر كساب عنها هو أنه حينما رأى ضيقي من حال أمي المتردي.. وعلم ببحث تميم عن بيت للايجار..
لأنه يريد بيع بيتنا.. وبناء بيت جديد على أرض اشتراها مؤخرا..
فعرض كساب على تميم بيته.. ولكن تميم رفض إلا أن يأخذ كساب الإيجار..
كساب وافق.. وقال له أعطني الإيجار الذي كنت ستعطيه لأي بيت آخر..
ولكن مالا يعلمه تميم.. أن المبلغ الذي يدخل لحساب كساب يتم تحويله لحسابي
لأن كسابا أساسا كان قد حلف ألا يأخذ شيئا..
وها أنا أعيد تحويل المبلغ ولكن بزيادة عليه إلى والدتي.. حتى لا تعلم أنه هو ذاته مبلغ الإيجار فيغضبون جميعا..
تسألني أمي دائما.. ماذا سأفعل بكل هذا المال؟؟..
فأقول لها أنا أعمل.. وكساب لا يقصر علي مطلقا..
وهذه حقيقة فعلا..
كساب من الناحية المادية لم أرَ أكرم منه!!
ولكن من الناحية العاطفية أعجز عن التحديد وتتساقط المسميات..
حينا غاية في الكرم..
وحينا آخر غاية في البخل!!
لا تمر ليلة واحدة لا نتعارك أو نختلف في الرأي أو نحتد..
ولكن يستحيل أن أنام أو يتركني هو أنام بعيدا عن حضنه..
من أطراف الحديث التي أسمعها من خالته عفراء.. شبه كبير بينه وبين عمه..
ولكن كما علمت من مزون وليس من عفرا فعمه.. كان عاشق متيم لا يتوانى عن التصريح بحبه لها..
لا أتخيل أن كساب قد يقول لي في يوم من الأيام أنه يحبني..
ربما أصاب بسكتة قلبية حينها من الصدمة!!
من أسوأ ماعانيته خلال الأشهر الماضية.. سفرات كساب المتعددة..
يسافر على الأقل مرة كل شهر.. وتمتد السفرة بين يومين لعشرة أيام..
حينها أشعر كما لو أنني مصابة بعدم التوازن.. الإحساس الذي لا يظهر لأحد ولا حتى له هو..
فربما نسيت.. أو تناسيت أني متيمة بهذا الكساب الغبي!!
لم أستغرق وقتا طويلا بعد زواجنا لأعرف كم أصبحت أحبه!!
يبدو كما لو كان طبخني على نار هادئة.. واستمتع هو كثيرا بهذا..
وفي الوقت الذي كان فيه هو طباخ ماهر.. وجعل مشاعري تنضج له كما أراد..
كنت أنا طباخة فاشلة.. لأني مازلت حتى الآن عاجزة عن مجرد إشعال النار تحت القدر.. فكيف بإنضاجها؟؟
مر على زواجي سبعة أشهر..
وأقصى ما أتمنى الآن هو طفل!!
لأني أعلم أن حياتي مع كساب سيأتي لها لحظة ما وتتوقف عند نقطة معينة..
لا أريد طفلا لأجبر كساب على يرتبط بي..
فأنا يستحيل أن أفكر هكذا..
وحتى لو فكرت فأنا أعلم أن كسابا لو أراد تركي.. فلن يربطه بي ولا حتى عشرة أطفال!!
أريد جزءا من روح كساب تبقى معي حين يتركني.. لذلك أريد طفلا منه..
كل شهر يمر تزداد لهفتي لهذا الطفل.. وكل شهر يمر يخيب ظني..
ومالم أخبر به أحد أني أجريت الفحوص لأتأكد من حالتي..
وقلت لكساب أني ذاهبة مع فاطمة لأنها هي من تريد إجراء فحوص..
وهأنا أنتظر النتائج بقلق !!
**********************************
**********************************
ستة أشهر مرت على ليلة زفافي..
ستة أشهر مرت على صفعته لي..
يا الله كم يبدو ذلك الزمن بعيدا..!!
وكأن تلك الليلة كانت بوابة ولوجي لحياة جديدة..
عدنا في الليلة التالية مباشرة حين علمنا بالخبر..
ويا الله ما كان أقسى تلك الأيام..!!
ومرارة الفقد تحول كل شيء عداها إلى شيء تافه حقير..
صفعة تميم لي وحتى شكوكه ماعاد لهم قيمة أمام كم الحزن الذي اخترقني وأنا أرى وضحى في انهيارها..
وأمي مزنة في تماسكها الهش.. وحتى كاسرة في صمودها الموجع..
والجد في حزنه الصامت العميق!!
وحتى تميم في انهياره الضائع..
حين أتذكر الحالة الهستيرية والقهر المرعب بل حالة الجنون التي أصابتني حين أخبرتني وضحى بشكوك تميم..
أجدها تبخرت أمام حزن تلك الأيام!!
ماعدت أستطيع أن أفكر دقيقة بنفسي وأنا أركض من مكان لآخر ونقابي على وجهي لأخفي آثار مابوجهي..
والجميع يظنه خجل عروس ماعاد يوجد مثله!!
كنت أقول سأبقى معهم حتى تمضي بهم سفينة الحياة قليلا..
فلا يمكن أن أكون قليلة الأصل وأتركهم وهم على هذه الحال..
ولكن الأشهر مرت ومازلت هنا.. وأنا أتولى مسئولية البيت كما هو مفترض من زوجة صاحب البيت..
والغريب أنني أبقى من أجل أمي مزنة فقط..
أصبحت أسعد لحظاتي حين أرسم ابتسامة على وجهها.. أو حين تنهرني بحنان "بس يا الخبلة!!"
من أجلها مستعدة أن أرتكب كل الحماقات.. وأروي كل النكت السخيفة حتى أرى واحدة من ابتساماتها المتباعدة!!
كنت أحبها منذ أيام صداقتي مع وضحى.. ولكن كانت محبتي لها كمحبة أم صديقتي اللطيفة بدون تمييز..
لكن حين سكنت معها وعرفتها... شيء عميق ربط بيننا..
باالتأكيد أحب أمي بجنون.. ولا أحد يشارك أمي مكانتها..
ولكن أمي هي الأم كما نعرفها جميعا.. حنونة.. متفانية.. بذلت كل جهدها لتربيتنا أفضل تربية !!
ولكن مزنة شيء مختلف.. مختلف.. شيء تريد التعلم منه والتماهي به
مزنة مقاتلة حقيقية..
واكتشفت أنها أورثت أبنائها كلهم ذات الروح المقاتلة..
حتى وضحى التي كنت أظنها لينة مهادنة.. هأنا أكتشفها من جديد في الحياة العملية..
لا يستطيع أحد أن يدوس لها على طرف.. أو أن يقلل من قدرها.. أو حتى يسيء إلى أحد من طلابها..
حينها من فعل ذلك سيندم على أنه تجرأ على مجرد التفكير بذلك..
العمل هناك متعة حقيقية.. وأنا أكتشف عالما جديدا كان مجهولا بالنسبة لي..
فرغم اهتمامي الغبي بتميم لكني لم أفكر مطلقا بتعلم إشارة واحدة..
لأني كان لدي حلم أكثر غباء أنه هو من سيعلمني لغته.. إشارة إشارة..
رسمت أحلاما ساذجة لليالي طويلة نقضيها سويا.. وهو يعلمني الإشارة ويكتب لي معناها..
ولكن الآن رغم أني أصبحت أعرف الكثير من لغة الإشارة وتعلمتها بصورة سريعة أثارت العجب..
إلا أنني يستحيل أن أشير بإشارة واحدة لتميم.. فذكرى إشارتي الاولى له لا أستطيع إزالتها من عقلي..
حتى وإن كنت ماعدت أحقد عليه بسببها.. ولكن ألم كهذا يصعب نسيانه!! يصعب نسيانه بالفعل!!
بيني وبين تميم لا يوجد شيء إطلاقا.. لا تواصل حميم بيننا كزوجين ولا بأي طريقة..
و الغضب... ماعدت غاضبة منه..
فمرارة الحزن طهرتني تماما.. فتميم كاد يموت من شدة الحزن لفراق أخيه..
وما رأيته فيه من الحزن والقهر جعلني أشفق عليه..
ولكن ليس إلى درجة إحياء مشاعري البريئة التي كانت له..
فهذه المشاعر ماتت واندثرت..
هانحن.. أنا وهو نتشاطر جناحا.. وأنا أهتم بكل مايخصه وترتيبه كزوج يفترض علي القيام بواجباته.. لكن عدا ذلك لا شيء بيننا..
أعلم أن أسرته تلاحظ ذلك.. فوضحى تعرف الحقيقة.. وأمي مزنة ليست غبية لتعلم أن هناك أمرا ليس طبيعيا..
والغريب أنه لا مانع لدي من المضي في هذه الحياة..
ماذا أفعل؟؟
أطلب الطلاق لأعود لأسرتي.. ثم ماذا؟؟
يجبر عمي خالد فهدا أو حتى هزاعا على الزواج بي ؟!!
أعلم تماما أن هذا ماسيحدث..
حالي هكذا أفضل بكثير... أعيش حياة استقلالية مع أسرة أحبها كثيرا.. أعني وضحى وأمي مزنة..
بل حتى تميم لو أراد أن نبني حياة زوجية كاملة معا فلن أمانع.. ولن أمنعه شيئا هو من حقه..
فلسنا أول زوجين ينشئان أسرة ولا وجود لأي حب بينهما..
وأنا أعلم أنه سيكون والدا جيدا.. فهو حنون ومتحمل للمسئولية من الطراز الأول..
وهذه صفات الوالد المفترض!!
ولكن تميما متنازل عن هذا الحق.. فربما يخشى أن يُصدم أنه ليس الرجل الأول كما يظن بي فتنهار مشاعره الهشة الرقيقة..
حتى أفكاره المريضة ماعادت تهمني..
ليفكر كيف مايشاء..
فأنا أصبحت أؤمن بالمقولة التي تقول "واثق الخطوة يمشي ملكا" مثل أمي مزنة تماما!!
*********************************
ستة أشهر مضت..
ستة أشهر مضت وأنا أشعر كما لو أن روحي شُطرت.. وجسدي شُطر
وكيف لا أكون من بعد "عضيدي" ؟!!
أصبحت أعرف الآن ألم من لا أخ له.. وإحساسه بالوحدة دون سند أو عضيد..
أصبحت أفهم جيدا المثل الموجع القائل : يد واحدة لا تصفق..
سابقا لأني أعلم أنه في البيت لم أكن أقلق على أمي وشقيقاتي إلا حين يسافر..
لكن أنا الآن في حالة قلق دائم..
رجل وحيد في بيت من النساء.. وأنا أوزع جهدي بين بيتي وبيت عمتي التي لها من قلقي نصيب وافر..
مرهق على الدوام.. ومشغول بعشرات الأشياء.. بين عملي وأسرتي وبناء بيتي!!
ولكن مايرهقني أكثر من كل الأشياء.... هــــي..
ســــمـــيــــرة..
حين أدخل للبيت أعلم اني سأجدها تضحك.. أو ربما تقفز على المقاعد..
أو تثرثر على أمي حتى تطردها أمي..
ولكني أعلم أيضا أنها فور رؤيتها لي ستنطفئ ابتسامتها المشرقة..
وتنزل عن المقاعد.. وتتوقف عن الثرثرة..
كما لو أنني جالب للكآبة من الطراز الأول!!
لا ألومها..فأنا حين أتذكر مافعلته بها.. أجدني عاجزا عن مسامحة نفسي..
فكيف تسامحني هي وأنا حتى لم أطلب السماح..
وكيف أجرؤ على طلب السماح؟؟
كما لو أنك تقتل إنسانا ثم تقول له أنا آسف.. سامحني..
كنت أتوقع أنها بعد مرور شهر أو شهرين على الأكثر ستطلب الطلاق
وكنت مستعدا لذلك..
ولكن الأشهر مرت.. وارتباطها بالبيت يتزايد.. وارتباط من في البيت بها..
وأنا على رأسهم..!!
لم أعد أستطيع تخيل بيتنا من غيرها..
فهي من تجعل أمي تبتسم..
وهي من تشعرني أن كل همومي تتضاءل حين أراها
وأنا أعلم عمق الجرح الذي تحمله في روحها ومع ذلك تبتسم!! وإن لم تكن الإبتسامة لي..
لو حدث وابتسمت لي يوما.. سأسجل ذلك التاريخ ضمن أهم التواريخ في حياتي..
مع تاريخ ميلادي ربما!!
فابتسامتها ستكون ميلادي الجديد الذي انتظره بشغف وقلق..
قلق لأني أعيش في رعب أنها سيأتي يوم تقرر فيه تركي.. وقبل أن تبتسم لي!!
أريدها أن تبقى في حياتي بأي صورة هي تريدها..
أنا حتى لم أجرؤ على تكدير طهرها بقبلة خوفا أن تتخذها عذرا لتهرب مني..
طهرها الذي ماعدت أشك فيه مطلقا.. بل أراهن عليه بحياتي!!
لو أن وضحى فقط لم تتدخل بيننا.. لا بإشارتها السخيفة.. ولا بإفشاء شكوكي بعد ذلك..
كنت لأعلم بعد العشرة أي مخلوقة طاهرة هي.. فمن يعرفها ويعيش معها يستحيل أن يتطرق إلى ظنه أي شك بها!!
ولكن مابت أشك فيه.. أنها أصبحت خبيثة بل مجرمة خبيثة!!
وإلا فما معنى تباسطها في اللباس أمامي في الأونة الأخيرة..؟؟
بعد أن كانت طول الأشهر الأولى بالكاد أرى اطراف أصابعها وهي في بيجامات طويلة واسعة..
لا أعلم هل تتصرف بعفوية لأنها اعتادت عليّ وعلى وجودي.. أم أنها تتصرف بخبث مقصود أو غير مقصود؟؟
الآن أصبحت العودة المسائية للبيت بمثابة الاستعداد لليلة جديدة من التعذيب
رغم أن كل ماترتديه هو محض بيجامات تشبهها فعلا بشقاوتها وحيوية ألوانها وقصاتها..
بعيدا عن تلك البيجامات الكئيبة التي انا أشتاق لأيامها الهادئة..
مع أنني حتى في كنت في تلك الأيام أحترق وأتصبر..
ولكني الآن أترمد... أترمد وأخشى أنه ماعاد للصبر عندي مدى طويل!!
أما أغرب مايحدث بيننا.. أنها ترفض أن تستجيب لإشاراتي مع أني أعلم أنها أصبحت تفهم لغة الإشارة بشكل ممتاز وتشير بشكل جيد..
بل تصر أن نتواصل عن طريق الكتابة !!
وهذا التواصل اساسا هو في حدوده الدنيا..
" أين ساعتي الفلانية؟؟
أين وضعتِ أوراق عملي التي أحضرتها بالأمس؟؟"
وهكذا...
لا أعلم ماذا تقصد من ذلك..
ربما هي رسالة أنها لن تتواصل معي بطريقتي.. لأنها لا تريد صاحب الطريقة بل تنتظر الفرصة للتخلص منه!!
*******************************
هأنا أكاد أدخل شهري التاسع..
وأخيرا.. يا الله هونها علي!!
مضت علي أشهر الحمل الماضية ثقيلة طويلة..
فحملي كان غير مستقر.. والأطباء منعوني من الحركة..
لذا حتى عملي الذي تخاصمت مع منصور من أجله لم أستطع أن أذهب إليه وأنا أقدم على إجازة طبية مشفوعة بالتقارير..
وكأن منصور يهتم؟!!..
أشك في أحيان كثيرة أن منصورا نَسيني!! رغم أنه عن بالي لا يغيب مطلقا!!
لم يحاول مطلقا مصالحتي حتى بعد انتهاء أيام وحمي المريعة.. وحاجتي له مع حالتي الصحية المتدهورة..
لم يكلمني ولو لمرة واحدة ليسأل عن حالي..
أعلم أنه يكلم الجميع حتى جميلة ولكن أنا لا..
بل أنه ذهب لزيارة جميلة ست مرات خلال الأشهر الماضية.. مرة كل شهر.. وكأنه يريد أن يغيظني لأني عاجزة عن السفر..
والغريب أن جميلة باتت مفتونة به تماما.. ولا يغيب عمها منصور عن لسانها لدقيقة واحدة طوال مكالمتي لها..
هذا ماكان ينقصني.. أن تقف ابنتي في صفه!!
بل هي الآن أصابتني بالجنون لكثرة ما تتهمني أنني من أخطأت في حق عمها العزيز منصور وأني من يجب أن أعود له..
لأنها تريد ان ترانا سوية حين تعود للدوحة...
ماذا أقول لها؟؟
أ أقول أنه لم يبذل أي محاولة لنكون سويا؟؟
رغم أني تعبت وأنا أنتظر تذكره لي!!
يبدو أنها حين تعود للدوحة ستضطر لرؤيتنا كلا على حدة..
يا الله لا أتخيل أنني سأراها أخيرا.. أكاد أموت شوقا لها..
مضت ثمانية أشهر منذ آخر مرة رأيتها..
أشعر أن الأيام القليلة المتبقية على عودتها لا تريد أن تمضي أبدا..
أريد أن أراها.. أخبرتني أنها استعادت وزنها بالكامل..
كنت أريد أن أراها عبر كاميرا الحاسوب ولكنها رفضت..
قالت أنها تريد مفاجئتنا...
وكم طال اشتياقي لهذه المفاجأة!!
*******************************
هذه الليلة أنا غاضب..
غاضب من الجميع.. من زايد ومن علي ومن مزون ومن جميلة..
كلهم كانوا يعلمون بحال عفرا الصحي السيء ومع ذلك لم يخبرني أحد..
كلما سألتهم عنها أجابوني باللباقة المقيتة "على خير حال!!"
وأما من كنت أتحاشى سؤاله.. فهو من أخبرني بالحقيقة..
طوال الأشهر الماضية لم أسأل كساب عن حال خالته.. كنت أسال الجميع إلا هو..
لأنني أعلم إن سألته.. سيجدها فرصة ليسمني بكلامه الملغوم وفي النهاية لن أخرج بفائدة.. فلماذا أسأله أساسا...
لكن الليلة لم أجد سواه في المجلس..
ولم أطق صبرا ألا أسال..
لينظر لي بطريقته التي أكرهها لأنه تشبه طريقتي الباردة المتكبرة:
مهتم يعني ياعمي؟؟ بصراحة ماقصرت!!
أجبته بغضب: أنت بتحكي مثل الأوادم وإلا ليتتك كف على وجهك أعلمك السنع..
أجابني ببرود ساخر: لا كف ولا شيء.. وليش الخساير.. كلها كلمة ورد غطاها..
خالتي تعبانة واجد مثل ماكانت طول الشهور الماضية.. وأنت زايدها عليها باهتمامك الواضح فيها!!
حينها قفزت وأنا أصرخ بغضب أشد: أشلون تعبانة واجد على قولتك وأنا كل يوم مافيه حد ماسألته..
وكلهم يقولون إنها طيبة..
نظر لي بنصف عين : مافيه حد ماسألته عنها ؟!!
وأنا يا ترا كنت من ضمنهم؟؟ أو أنت سألتني أنا عنها؟؟
أنا ماني بمسؤول عن اللي هم قالوه لك..
حينها لكزته في كتفه بغضب: أنت أكيد تكذب علي.. مستحيل كلهم يكذبون وأنت الصادق..
حينها اعتدل وهو يهتف بغضب مشابه لغضبي:
أنا ماقلت إلا الصدق.. وأنت صدق اللي تبي..
خالتي حملها كان غير مستقر.. وممنوعة من الحركة بعد..
يعني لو خالتي طيبة على قولتك.. وش لدّها تروح لبنتها وهي كبدها تقطع عليها؟؟
وش لدّها ماتروح لشغلها؟؟
حينها صمتت.. كانت هذه الأسئلة تدور برأسي..
وجرحني لأبعد معرفتي أنها لم تذهب لمدرستها.. وأنا أقول:
كانت المدرسة مجرد عذر اخترعته للهرب مني!!
سعيدة بتركي بينما أنا أموت في اليوم ألف مرة بعيدا عنها..!!
أما عدم سفرها لجميلة.. فجميلة قالت لي أنها حلفت عليها ألا تحضر من أجل حملها..
ولم أتخيل أن هناك تفسيرا آخر..عدا مصاعب الحمل العادية!!
انتفضت بغضب عارم وانا أصرخ في كساب:
قوم ادع لي خالتك تجيني في مجلس الحريم الحين...
*********************************
مضت ثمانية أشهر بالتمام والكمال..
وسنعود للدوحة قريبا جدا..
يا الله اشتقت لكل شيء.. والدي.. أشقائي..مع أنهم زاروني قبل فترة.. ولكن لم تُشبع الزيارة القصيرة شوقي لهم..
مشتاق للتدريس.. وطلابي..
وابن شقيقي .. فقد أصبح عندي ابن شقيق مازلت لم أراه..
فزوجة جاسم أنجبت ولدا قبل عدة أشهر..
لا أتخيل أنني قد أصبحت عما.. تقتلني اللهفة لآراه..
سيكون مولودي الأول بنت إن شاء الله حتى أزوجها له..
فيبدو أنني تأثرت بطبائع البدو!!
ولكن ما أنا مشتاق له إلى درجة تتجاوز كل حدود الشوق ومسمياته..
المخلوقة التي كانت معي طوال الأشهر الثمانية..
جميلة ذاتها !!
فلأني خرجت معها مرافقا من الدوحة.. فيبدو أنها لم تستطع تجاوز هذه الفكرة..
وهأنا أحترق للعودة للدوحة حتى نبدأ بفكرة أخرى.. وتقتنع أني لست مرافق فقط ولكن زوج أيضا..
قررت أن أقيم لها حفل زفاف كبير.. فهي تستحق أن تشعر بإحساس العروس الذي سُلب منها..
ولكني أترك هذه الفكرة كمفاجأة لها حتى نعود الدوحة..
مع بدء تحسنها.. وتغير نظرتي لها.. وشعوري بقلقها من ذلك إلى درجة التهرب مني.. أقنعت نفسي كما لو أننا في فترة خطوبة..
أليس هذا ماكان سيحدث لو أني خطبت؟؟
كنت سأخرج مع خطيبتي وأراها وأجلس معها ونتكلم.. ودون أن يحدث شيئا بيننا حتى يحين موعد الزفاف..
أقنعت نفسي بذلك حتى أستطيع الصبر..
ولكن الصبر في حالة جميلة كان جارحا وقاسيا لأبعد حد..
علمت أنها جميلة كما هو اسمها منذ بدأت تتحسن وتبرز تفاصيل وجهها الجاف..
ولكن اكتمال الصورة كان شيئا يفوق الخيال..
لم أتخيلها مطلقا بكل هذا الجمال.. والأجمل هو روحها الشفافة كروح طفلة..
شيء عذب يأسرك دون أن تشعر..
أستغرب أن من كان لها كل هذا الجمال.. والعود الريان النابض بالحياة.. تضحي بهما لأنها تريد أن تكون رشيقة..
وأما ماعذبني أكثر وأكثر.. أن هذه الصورة الموجعة الموغلة في الحسن والبهاء
كانت تكتمل رويدا رويدا أمام ناظري.. وأنا أنضج كذلك رويدا رويدا..
كما لو أنك زرعت لك بذرة جافة لا معالم للحياة فيها..
ثم أخذت تراقب كيف بدأت الحياة تدب فيها شيئا فشيئا..
حتى أصبحت برعما صغيرا ينمو قليلا قليلا.. ثم أصبحت وردة بالغة الجمال والنضارة..
أو فاكهة شديدة الحلاوة ناضجة ممتلئة بالحياة..
وأنت محظور عليك حتى مجرد الاقتراب للمسها أو شمها أو حتى تذوق القليل منها..
مع أنك من قضيت الليالي الطويلة تعتني بها ولا شيء يشغلك سواها..
فكيف يكون حالك؟؟؟
لذلك أنا مستعجل بكل لهفة للعودة للدوحة..
وهذه الأيام نجهز للعودة.. ومازالت هي ترفض بإصرار أن تذهب معي لشقتي..
تقول أنها ستغادر من المصحة للمطار مباشرة..
وسنسافر هذه المرة من جنيف قريبا منا..
وربما خيرا فعلت حين رفضت الذهاب معي.. فأنا أعلم أنني مع حالتي المأساوية هذه لا يمكن أن أؤتمن..
وأنا أريد أن نعود للدوحة لأقيم لها حفل زفاف أولا...
*****************************************
مضت ثمانية أشهر منذ خرجت من الدوحة وأنا أظن أني أخرج منها ولن أعود لها إلا جثة ربما..
هأنا أعود ممتلئة بالحياة والحماس وبشيء من الضيق أيضا..لأني اعتذرت للفصل الثالث..
كنت أريد أن أعود لأدرس هذا الفصل وخصوصا أنني كنت تقريبا استعدت وزني كاملا..
ولكن الأطباء رفضوا وقالوا أنني لابد أن أخضع لما يشبه جلسات العلاج النفسي مع مراحل العلاج الأخيرة حتى لا تعود لي الحالة مرة أخرى
حاولت إقناعهم أنني شفيت من هذا الجنون.. ولكنهم رفضوا ومعهم خليفة وعمي زايد وعمي منصور..
طلبو أن أتمهل حتى أنهي علاجي بالكامل..
قلت المهم أن أعود قبل ولادة أمي..
يا الله كم أنا مشتاقة لهذا الصغير..!!
لم يبق شيء في أسواق جنيف لم أشتريه له.. رغم أني لا أعلم ما جنسه!!
كما اشتريت كذلك كثيرا لابن شقيق خليفة..
فهو متلهف جدا لرؤيته..
وحين أتذكر خليفة وحالته هذه الأيام.. أشعر بحزن شفاف ينغرز في روحي..
يبدو كما لو كان متلهفا للعودة والتخلص مني..
أشعر بقلق عميق.. لا أعلم كيف ستكون حياتنا معا حين نعود للدوحة..
فهو لم يقل لي شيئا أبدا..
لم أسمعه مثلا يقول أنه طلب إعداد غرفة لنا في بيت أهله.. أو سكن مستقل..
لم أسمعه مطلقا يتحدث عن أي مخططات مشتركة لنا حين نعود..
كل ما يتحدث عنه هو التجهيزات للعودة..
وكأن كل ما بيننا سينتهي على أعتاب الطائرة التي ستنزلنا في الدوحة..
لا أريد أن أجبر خليفة على الحياة معي إن كان لا يريد..
فجميله علي سيبقى في عنقي حتى أموت.. فما قام به من أجلي لم تقم به حتى أمي!!
تمنيت أن أستطيع رد بعض هذا الجميل.. ولكن يبدو أنه لايريد ذلك..
وربما كان الخطأ خطئي.. فأنا لا أشجعه مطلقا بخجلي وهروبي الدائم..
شيء مجهول في داخلي يمنعني من ذلك..
ولا أعلم سببا لذلك!!
هل أنا أنتظر عودتنا للدوحة وتحرر مشاعري بعيدا عن جو المصحة وذكرياتي كمريضة؟؟
ربما...
****************************************
****************************************
مر شهران على عودتي من باريس..
وخمسة أسابيع على استلامي لعملي في مختبرات مستشفى حمد كمهندسة جينية..
لأنني أساسا كنت وقعت عقدا معهم قبل تخرجي..
لذا استلمت عملي فورا..
بعد حادث عبدالرحمن رفض والدي أن أسافر..
وماهي فكرته القاسية المتوحشة؟؟
أنني قد أترمل وأنا في الغربة..لذا من الأفضل أن أبقى أنتظر الخبر هنا..
للمرة الثانية يقف معي عبدالله..
وهذه المرة قاتل بضراوة.. فأبي ماعاد يلين لكلامه كما كان سابقا..
أو ربما يدعي أنه ماعاد يلين..!!
مع أن الظاهر أنه لان.. لأن عبدالله انتصر!!
وهو يعد والدي إن حدث أي شيء أن يسافر بنفسه لإعادتي!!
وربما كنت كوالدي أعيش في رعب أنني سأصحو من النوم في يوم لأجد نفسي أرملة وأنا لم أصبح زوجة!!
قلقي هو لمجرد الفكرة وليس من أجل عبدالرحمن بذاته كشخص..
فأنا رغم مرحي بل جنوني أحيانا .. إنسانة حين أفكر.. أفكر بعقلانية!!
لذا لم أخدع نفسي بأفكار المراهقات وأقول أنني تحطمت لوضع عبدالرحمن..
فأنا كنت لا أعرف عبدالرحمن.. وكل ما بيننا هو حبر على الورق..وتعليقاتي المرحة على حالي قبل حادثه..
لا أنكر أنني تأثرت من منطلق كونه زوجي..
وتأثرت أكثر من حال جوزاء وشعاع ووالدتهما..
ولكن عدا ذلك كنت خالية من أي إحساس خاص تجاهه..
حتى قبل شهر.. قبل شهر واحد فقط!!..
هل من الممكن أن ترتبط بهذه القوة والسرعة والمتانة بشخص هو للموت أقرب منه للحياة؟؟
بشخص لا يشعر بك.. ويستحيل أن يشعر بك وهو على هذه الحال!!
هذا الجنون البعيد عن أي عقلانية مُدعاة هو ما يحدث معي منذ قرابة الشهر!!
بعد بدء عملي بأسبوع..
شعرت برغبة عارمة أن أرى عبدالرحمن.. لا أعلم هل هو من باب الفضول أو المؤازرة..
قلت لنفسي :أنا وهو في ذات المبنى.. لن يعلم أحد بزيارتي له..
وكان المانع أمامي هو والده.. فأنا أعلم أنه لا يفارقه أطلاقا..
ولكن لابد أنه يذهب للصلاة في المسجد في الطابق الأرضي..
لذا انتظرت قريبا من باب غرفته.. حتى رأيت والده يغادر بعد الأذان مباشرة..
أعطيت لنفسي وقتا يصل لربع ساعة لأغادر قبل عودته والده..
وكنت أظن أنني سأغادر بعد دقيقتين فقط.. أراه واغادر..
ولكني لم أعلم أن الوقت مضى مضى.. وأنا أقف متخشبة أنظر له وعيناي تفيض بالدمع الذي أغرق نقابي دون أن أشعر..
حتى فوجئت بوالده يفتح الباب ويسألني من أنا؟؟
كنت أرتدي البالطو الأبيض فوق عباءتي..
ولأني لغتي الانجليزية متوسطة.. انهمرت عليه بالفرنسية.. حتى شعرت أن العجوز شعر بالملل مني!!
حينها غادرت.. وأنا أشعر كما لو أنني نجوت من جريمة تلبست بها!!
ولكني لم أستطع إكمال المشوار للأسفل..
فقد وقفت في الرواق.. أسند ظهري للحائط.. وأنا أستعيد الحالة غير الطبيعية التي حدثت لي قبل دقائق..
" يا الله.. أكيد أني استخفيت!!"
بالفعل كان ما أصابني حالة غير طبيعية.. بقيت أتمعن فيه وكأنني أرى رجلا للمرة الأولى في حياتي..
مع أنني سبق أن رأيت عبدالرحمن شخصيا ومباشرة.. ولكن رؤيته تلك المرة السابقة أثارت فيّ مجرد مشاعر الخجل الطبيعية..
التي قد تحدث لأي فتاة ترى زوجها المستقبلي!!
لكن رؤيته هذه المرة أثارت فيني مشاعر سماوية سامية شعرت بها اخترقت شيئا مجهولا في روحي وانغرزت هناك حتى النصل!!
كنت أنظر لسكونه وملامحه المسترخية.. بدا نائما على وشك الاستيقاظ..
والغريب أن وجهه مملوء بالنضارة والحياة.. كيف؟؟.. لا أعلم !
عارضاه مرتبان بدقة.. كما لو أن الحلاق خرج من عنده للتو..
وهذا مايحدث.. فأنا علمت بعد ذلك أن والده يحضر له الحلاق مرتين في الأسبوع..
بل ويصر على أن تعقم أدوات حلاقته هنا في المستشفى..
والممرضات يعقمنها له عن طيب خاطر لشدة تأثرهن من حاله ولطفه.. وكرمه!!
ومنذ ذلك اليوم.. قبل شهر..
أدمنت زيارة هذا الأمير النائم..
بدأت أقنع نفسي أنني ربما لو قبلته كالقصة الأسطورية حين قبّل الأمير الأميرة وصحت من نومها الطويل... أنه قد يصحو من نومه..
وربما كانت هذه رغبتي أنا.. أتمنى بالفعل لو استنشق رائحته من قرب..
أريد أن أعرف كيف هو عبق رائحة من يبدو بهذه النظافة والبراءة..
ولولا بقية من حياء ليست بيدي ولكنها رادع من الله لي... لكنت فعلتها !!..
أزوره إن استطعت وسمحت لي الظروف مرتين في اليوم..
مرة حين يذهب والده لصلاة الظهر... والأخرى حين يذهب لصلاة العصر..
رغم أن دوامي ينتهي مع أذان صلاة العصر.. ولكني أبقى حتى أراه أولا ثم أخرج للسيارة..
مازلت حتى الآن لم اُكتشف.. صدفني والده مرتين.. وكل مرة أنجو بحيلة الفرنسية..
ولكن يجب أن أكون أكثر حذرا.. لأني أظن أن الثالثة لن تمر عليه..
وقابلت مرة الخادم الذي يعمل عندهم..
أما المصيبة أنني رأيت مرة جوزاء وشعاع.. لكن حينها أنقذني الله أنني رأيتهم قبل أن يروني..
كنت أعلم أنهن غالبا يزرنه في الفترة الصباحية فقط..
لأن والده يرفض أن يبقين أكثر من ذلك لأن بعد ذلك يزوره الرجال بعد خروجهم من دواماتهم..
وحتى تأخذ جوزا حسن من الروضة!!
فلماذا بقين حتى الظهر؟!!
أحيانا لا أراه إلا مرة في اليوم.. ومرات معدودة لم أستطع أن أراه لأني أعلم أن أهله عنده..
أقسم أنني حينها شعرت كمن هو مصاب بالصداع الشديد ولابد أن يأكل حبتين بنادول وإلا فأن ألم رأسه لن يتركه!!
ألم أقل أنني أدمنت رؤيته.. ولم أكن أبالغ!!
*****************************
******************************
مضت سبعة أشهر على زواج كساب..
ومازلت أنتظر حفيدي الذي لا يبدو حتى أنه يلوح في الأفق قريبا..
لا أريد أن أبدو بصورة العجوز الممل كثير الأسئلة..الذي يتدخل فيما لا يعنيه!!
فربما كانت رغبتهما هذه في التأجيل..
مع أنني أستطيع سؤال كاسرة وليس ابني!!
وأعلم أنها ستجيبني ودون مواربة..
فهذه الصبية أصبح يربطني بها علاقة فريدة خليط من الأبوة والصداقة المتينة..
ربما أني الآن أعرفها أكثر مما يعرفها كسّاب!!
فهذا الفتى الغبي مازال لا يعرف قيمة الجوهرة التي بين يديه..
كنت أظن أن الزواج سيعقله.. ولكنه مازال كما كان..
في حياته قلق لا تعلم ماهو..
أقول ربما لو أصبح أبا فأنه سيستقر ويرتاح..
وبقدر سعادتي بعودة المياه لمجاريها بين كساب ومزون..
بقدر رغبتي لو أنه يولي كاسرة بعضا من اهتمامه بمزون..
فمزون لديها أنا وهو وعلي.. بينما كاسرة ليس لها سواه!!
أما رغبتي أنا.. حــفــيــد..
هل أطلب الكثير.. أريد حفيدا.. ليس بالعسير على رب العالمين لو أن البشر يعلمون هذه النعمة..
ومنذ رأيت تأخر حمل كاسرة.. بدأت أشدد ضغطي على علي..
وبالفعل علي ليس ككساب.. فهو يكاد يرضخ تحت ضغطي
أعلم أني أستغل طيبته ..
ولكن ما السوء في استقراره ومن ثم حصولي على حفيد؟؟
***********************************
ست أشهر مضت منذ عادت المياه لمجاريها بيني وبين كساب..
يا الله كم كانت الأشهر الماضية سعادة بالغة لم أشعر بمثلها في حياتي كلها..
ولكن لأعترف أني مع سعادتي أشعر بالغيرة من كاسرة..
وفي ذات الوقت لا ألومها لو شعرت بالغيرة مني..
أغار منها لأنها باتت تجلس مع والدي وتتحدث معه أكثر مني بكثير..
تقريبا طوال بقائه داخل البيت.. بينهما حديث لا يتوقف حول كل شيء
الاقتصاد والسياسة والمجتمع وحتى الذكريات التي تجمعه بجدها..
بالطبع علاقتي بوالدي فريدة جدا..
ومع كثرة ما أتكلم معه لم يكن بيني وبينه هذا الحديث الذي يكاد لا ينقطع وهو ينثال بحماس.. كما يحدث بينه وبين كاسرة..
وفي ذات الوقت.. لا ألومها مطلقا لو شعرت بالغيرة مني..
فأنا أشعر كما لو كنت أستولي في كساب على اهتمام هو من حقها..
فكساب يوليني اهتمام مبالغ فيه.. كما لو أنه يريد تعويضي عن جفاء وجفاف كل السنوات الماضية..
في كثير من الأحيان.. هو من يأتي لأخذي من الجامعة..
ولأن موعد خروجي مسائي وأحيانا ليلي..
فهو كثيرا مايصر أن نتوجه للقهوة وأحيانا للعشاء في مكان ما!!
أعترف اني كنت أحيانا أرفض بإصرار.. وأقول الليلة ليكن الخروج معك لكاسرة..
فيرد علي: أنتي الآن معي وهي في البيت!!
في الليل لابد أن يمر بي قبل أن يتوجه لغرفته.. ويجلس لنتحدث قرابة الساعة..
الغريب أنه يحدثني عن كل شيء.. كل شيء..
إلا.. عــنــهــا.. كاسرة !!
بقدر ما أعرف كاسرة من نفسها مباشرة.. بقدر ما أجهلها بعينيه..
فكاسرة شخصية صريحة مستقيمة لا تعرف التلوي..
والإنسان الذي لا يعاني من عقدة نقص يسهل عليه جدا التعامل والتآلف معها..
ولكن من يعاني من إحساس النقص يستحيل أن يتقبلها..
لأن جمالها وذكائها يشعران من حولها بالخطر والضآلة..
وهنا أقول لو أن العلاقة لم تعد بيني وبين كساب بعد زواجه بفترة قصيرة..
لا أعلم كيف ستكون علاقتنا أنا وكاسرة...
لا أفترض سوءا بنفسي ولكني كنت أضع احتمالات فقط..
الآن علاقتي بها رائعة.. عدا ربما إحساس الغيرة غير المؤذي..
ولكن ما أتمناه بالفعل أن يمنحها كساب ماتستحقه من محبة..
وهي أيضا تمنحه ما يستحقه من المحبة.. وما يستحقه كساب كثير.. كثير جدا!!
وأتمنى أكثر من أي شيء أن أصبح عمة..
أحلم بذلك قبل خلافي مع كساب..
وحلمت به أكثر خلال فترة خلافنا..
وأحلم به الآن أكثر وأكثر...
دراستي رائعة جدا.. واستمتع بها جدا.. فيبدو أنني أتمتع بعقلية اقتصادية متميزة وابن الوز عوام !!
خُطبت خلال الفترة الماضية مرتين..
لم أصدق أن هذا سيحدث!!
شككت لفترات أن أبناء آل ليث هم أول وأخر من يخطبني..
وهذه المرة جاء ابن لتاجر كبير من أصدقاء والدي..
وبعده بفترة دبلوماسي من أصدقاء علي..
الخياران كل واحد على حدة كانا يبدوان مغريين..
صليت الاستخارة.. وصرفني الله عنهما..
مع أنني في تفكيري المبدئي لم أكن رافضة لأي واحد منهما..
ولكن كان للخطبتين تأثير رائع على نفسيتي..
فمهما كان إحساس الأنثى أنها مرغوبة يدفع بثقة جميلة في روحها..
رغم أنني وللحق لست بحاجة لهذه فأنا ولله الحمد متوزانة الآن نفسيا تماما بدراستي وعلاقتي مع أسرتي..
وقبل كل شيء إحساسي برضا الله عليّ...
************************************
الأشهر الماضية كانت فترة سعادة غامرة لي...
لم اشعر بهذه الراحة منذ سنوات.. والحال يستقر بين مزون وكساب لتستقر حال الأسرة كلها..
ترقيت قبل عدة أشهر لمرتبة أخرى في السلم الدبلوماسي..
وأصبح عملي أيضا أكثر استقرارا..
وربما كان هذا سلاح جديد يستخدمه والدي ضدي..
وكأنه كان يحتاج أصلا لسلاح !!
فهو يعلم كم أنا أحترمه وأحبه ويؤلمني قلبي حين أجعله يلح علي وأنا أشعر أني مصدر قلق له..
لا أريد الزواج الآن.. أين المشكلة؟؟
المشكلة هي أنني أكاد أوافق من أجله حتى أريحه..
فليس لي طاقة أكثر بالتهرب منه..!!
************************************
علقت نجمتي الثالثة منذ حوالي أربعة اشهر..
وأصبحت نقيبا..
ارتاح بالي من هذه الناحية..
والحال مستقر بأسرتي كلها والحمدلله..
والدتي تحسنت صحتها كثيرا..
والدي لم أراه بهذه السعادة منذ سنوات..
عالية أكملت دراستها واستقر بها المقام..
حتى هزاع الذي كان يشكل قلقا لنا.. هاهو يستقر في دراسته..
عبدالله وصالح كلاهما لاه وسعيد في حياته العملية والأسرية..
إذن ماذا تبقى بعد هذا السرد الإذاعي الأشبه برسالة تُرسل لمغترب؟؟
تبقى أنا؟؟ وكثير هو ما تبقى لـ "أنا"
في داخلي أشعر أن شيئا مهما ينقصني..
أقول ربما هي الحاجة لإنشاء الأسرة وأنا أدخل أعتاب التاسعة والعشرين..
ولكني أعود لأقول أنني لا أنفع لأكون رب أسرة..
ليس لأني كثير الخروج أو قليل الالتزام.. فأنا أبعد مايكون عن هاتين الصفتين..
ولكن لأني أعلم أنني جلف إلى حد كبير!!
أخشى ألا أكون قادرا على تقديم الحنان لزوجتي وأولادي..
لا أنكر أنني أشعر بحاجتي لشريكة الحياة كأي رجل طبيعي..
ولكني أحاول أن أؤجل هذا التفكير..
لا أعلم حتى متى..فهل ستصبح لي شخصية جديدة أكثر حنانا مثلا؟؟
لا أعلم ماذا أنتظر وخصوصا مع إلحاح والدي ووالدتي كما يفعل كل الاباء..
وكأن كل المواضيع في الحياة انتهت وماعاد يوجد إلا موضوع الزواج!!
وخصوصا مع اقترابي من الثلاثين..
وماذا إن أصبحت في الثلاثين أو تجاوزتها؟؟
هل أنا فتاة يُخشى عليها العنوسة؟؟!!
**********************************
**********************************
ستة أشهر مضت منذ سكنت بيتي..
الحياة مستقرة رائعة كما تبدو..
زوج محب.. وطفلان رائعان.. وبيت جميل أثتته كما أريد تماما..
ولكن أبدو كمن يبحث لنفسه عن الهموم والمشاكل... لذا يكبر صغائر الأمور..
غريبٌ أن أعترف بذلك!!
فمن لديه هذه المشكلة يكون غالبا لا يعرف ذلك.. بل يرى أن هذه المشاكل هي فعلا مشاكل..
لكن أنا أعترف أني افتعلها.. ولا أعلم لماذا؟
هل عدم حملي هو السبب؟؟
هل إحساسي هو بالفراغ؟؟
أم أن لشكوكي أساس فعلي؟؟
طفلاي ماعادا يأخذان من وقتي إلا القليل...
فالله رزقني طفلان ذكيان هادئان.. وولله الحمد على عكس ما أراه في كثير من أطفال معارفي!!
في الدراسة لا يتعبونني.. وبعد ذلك مع والدهما أو يلعبان بهدوء ودون شجار بينهما..
يأكلان لوحدهما.. ويلبسان لوحدهما!!
إذن ماذا أفعل أنا؟؟
أبدأ بالهواجس والتفكير..
أحاول إبعادها فأفشل.. فيكون النكد من نصيب صالح!!
أصبحت أصيبه بالجنون لكثرة ما أتصل فيه هاتفيا كلما خرج.. حتى لو كنت في بيت أهلي أو أهله !!
"مع من أنت؟؟
أين أنت؟؟
ماذا تفعل؟؟"
مؤخرا عرض علي أن يجد لي عملا بالشهادة الثانوية.. أمر أشغل نفسي فيه!!
ولكني رفضت..
"لماذا يريديني أعمل؟؟
لماذا يريديني أن أنشغل؟؟
وماهو الذي يخطط له؟؟"
**************************************
ست أشهر مضت منذ بدأت تظهر حالة جنون نجلاء الجديدة..
في البداية كنت سعيدا..
فمن لا يسعد بغيرة زوجته واهتمامها به.. وبنفسها من أجله!!
ولكن مازاد عن حده انقلب ضده..
فغيرتها بل شكوكها باتت غير طبيعية..
مطلقا لم أعد أذكر رغبتي بطفل جديد.. بل أغلق الموضوع لو فتحته هي..
لأني أخشى أن يكون هذا الأمر هو السبب..
أحيان كثيرة لم أعد أرد على اتصالاتها لأنها تحرجني وأنا في المجلس..
رغم أني سابقا كان يستحيل أن أتجاهل أي اتصال لها..
ولكن الآن ما أن أرى اسمها حتى أزفر بملل..
لأني أعلم أنها ذات الأسئلة التي لا تمل من تلقي ذات الاجابات عنها..
"أين أنت؟؟ وماذا تفعل؟؟"
نجلاء لم تكن هكذا مطلقا.. كنت أظن أن دخولنا لبيتنا.. سيكون هو نهاية لكل مشاكلنا..
لم أعلم أنه سيكون بداية لها..
حتى حينما عرضت عليها أن تعمل لأني قلت ربما إحساسها بالفراغ مايدفعها لذلك..
ثارت علي بشدة.. واتهمتني أنني أريد ألهيها لأغراض دنيئة..
أي أغراض هذه؟؟ لا أعلم !!
*********************************************
*********************************************
تمر الحياة وأنا من رحلة إلى رحلة..
يوما في أوسلو.. وآخر في بومباي!!
بقدر متعة هذا العمل.. بقدر ماهو منهك ويسرق الحياة..
أشتاق كثيرا لأخوتي الصغار مها وصالح حين أسافر..
ولكن من أنا مشتاق لها أكثر هي سميرة...
بيتنا فقد روحه من بعدها.. لتنتقل هذه الروح إلى بيت تميم..
وسبحان الله ربما كانوا في حاجة روحها الشفافة مع المصيبة التي ألمت بهم!!
ولكن ماذا أفعل أنا حين أعود للبيت..؟؟
أمي مشغولة على الدوام بالصغيرين..
ووالدي عنده اهتماماته ووارتباطاته..
وسبحان الله أيضا الذي رزقنا بهذين الصغيرين على كبر والدتي..
فلولا وجودهم الله أعلم كيف كان والداي ليحتملان غياب سميرة وسكون البيت!!
أفكر أن أعمل شيئا يغير من روتين حياتي..
أقول أدرس شيئا معينا.. أحضر دروسا في التفسير أو الحاسوب..
لأجد أن هذه فكرة فاشلة..
فجدول رحلاتي متغير وأحيانا تبرز رحلة فجائية من هنا أو هناك!!
وهذا لا ينفع لجدول دراسي..
أقابل كسابا من وقت آخر.. وخصوصا بعدما أصبح بيننا نسيب مشترك..
شقيق زوجته.. وزوج شقيقتي..
وكثيرا ما تعاودني الرغبة أن أعاود خطبة شقيقته..
وأقول أن سبب رفضهم لي كان دراستها.. والآن مرت أشهر طويلة..
كم تبقى لها؟؟
فصل ونصف؟؟
ولكني أعود لأقمع هذه الرغبة بقسوة..
فربما لم تكن هذه الدراسة سوى عذر لرفضي!!
********************************
*********************************
أنا في باريس الآن..
وتبقى على تخرجي وعودتي للدوحة حوالي 3 أشهر..
بقدر ما أشتاق للعودة بقدر ما باتت العودة تتحول لكابوس مرهق..
وصل إلى حده في المرة الأخيرة حين عدت في عطلة منتصف العام لأرجع عالية بعد تخرجها..
يا الله.. حالة هستيرية أصابت شقيقاتي.. كل واحدة منهم تريد أن تكون من تأثث البيت الذي اشتراه لي صالح..
وحين أخبرتهن أنني سأكلف مهندس ديكور بذلك.. حتى لا أغضب أي واحدة منهن..
كلهن غضبن!!
وقضيت طوال الإجازة أحاول إرضائهن..
لأعود إلى باريس محملا بدموعهن على شقيقهن الجائر..
لا أعلم لماذا لم يكنّ مثل صافية؟؟ هل أرضعتها أمي حليبا مختلفا؟؟
رغم أن صافية تخنقني أحيانا باهتمامها.. ولكنه اهتمام أمومي بقدر ما يضايقني في بعض الأحيان بقدر ما يسعدني!!
تعبت من الغربة.. ومع ذلك أريد أن أدرس الدكتوراة فورا..
والسبب.. هـــنَّ !!
ربما أن عالية تعبت لكثرة ماتقول لي لابد أن تلزمهن حدودهن حتى ترتاح..
وذلك الحين حتى هن سيرتحن.. لأنهن لن يشغلن بالهن بي!!
لكن أنا أعترف أنني ضعيف جدا امامهن..
ليس لضعف في شخصيتي.. ولكن لمحبتي لهن..
كل واحدة منهن لها في تربيتي نصيب..
كل إنسان له أم واحدة..
وأنا لي سبع أمهات لا أشك في محبة واحدة منهن لي..
يصعب علي أن أضايق واحدة منهن وأنا شقيقهن الوحيد الذي من المفترض أن يكون هو السند والعون لهن!!
و لا أعلم أي سند وعون أنا.. وأنا هارب على الدوام !!!
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل السادس والخمسون 56 - بقلم HaboOoshy
" خالتي تعالي معي..
عمي يبيش تحت في مجلس النسوان"
عفراء وقتها كانت تعتدل بإرهاق من تمددها على سريرها لترد على سلام كسّاب الذي دخل للتو..
لتصعق بما قاله وكلماتها تتناثر بصدمة: نعم وش تقول؟؟
كساب ابتسم: خالتي سمعتيني عدل..
عفراء مازالت كلماتها تتبعثر: وعمك وش يبي فيني؟؟
كساب مازال يبتسم: وش يبي فيش؟؟
هو يبيش كلش..
العم العزيز معصب وطالعة شياطينه.. يقول إنه ماكان يدري إنه أنش كنتي تعبانة ذا الشهور اللي فاتت كلها..
عفراء بارتباك ووجل وحلقها يتشقق جفافا: وحدة حامل.. أكيد بأكون تعبانة.. أشلون مايدري..
كساب بذات الابتسامة: حضرة العقيد ماباقي حد ماكان يسأله عنش..
بس تعرفين الذوق.. لازم يقولون طيبة وبخير..
بس عاد أنا بطيتها عنده.. قلت له إنش ممنوعة من الحركة.. وإن الحمل ماكان مستقر..
خليته شوي ويبكي..
يا الله خالتي تلقينه حرق مجلسنا الحين.. خلينا نلحق على الباقي من الكراسي!!
حينها همست عفراء بارتباك: زين وين زايد؟؟
حينها تغيرت معالم كساب من المرح للجدية: ليه خالتي أنا ما أكفي؟!!
كل السالفة يبي يكلمش بس..
عفراء يتزايد ارتباكها.. لم تتخيل مطلقا أنها ستراه: لا بس أخاف زايد يزعل.. وأنا الحين في بيته!!
كساب هتف بغضب حقيقي هذه المرة: وبيتي يا خالتي..
خالتي لا تكونين خايفة من عمي وأنتي معي.. وخايفة أني ما أقدر أرد عنش عشانه عمي.. عشان كذا تبين إبي..
حينها كانت عفراء من هتفت بغضب: عاد في هذي تخسي.. منصور عمره مامد يده علي ولا بأي طريقة..
حينها عاد كسب للابتسام وبخبث أكبر:
دام أنا ولد أختش حبيبش ينقال لي تخسى عشانه وأنتي تدافعين عنه دفاع المستميت... ترانا وصلنا خير..
خلينا ننزل... ولو بغيتيني أطير وما أصير عزول عطيني نظرة.. وأنا بألقطها وأطلع!!
.
.
.
يجلس في الأسفل..
غاضب أو يدعي الغضب !! لا يعلم هو أيهما!!
فهو منذ علم أنها دخلت شهرها التاسع وهو مصاب بحالة جنون..
اسمها "لابد أن تعود لي قبل ولادتها!!"
فربما ما لا تعلمه هي.. أنه كان يحسب شهور حملها بدقة..
وكان كل يوم تدخل فيه شهر جديد.. هو بمثابة فتح لجروحه التي لا تغلق أصلاً..
مطلقا لم يعد لفتح باب عودتها إليه.. كان يقول "سأنتظر حتى تلد كما تريد!! وبعدها نتفاهم!!"
فهو كان مجروح منها لأبعد حد..
مجروح لأنها كانت تعلم اهتمامه البالغ فيها.. اهتمامه بكل موعد لها..
اهتمامه بصحتها.. ولعه بهذا الطفل وهو مازال عمره أسابيع فقط في بطن أمه!!
فكيف هان عليها كل هذا؟؟ وهان هو عليها قبل كل ذلك؟؟
كان يعلم أنها للتو دخلت شهرها التاسع ..
ماعاد حتى يستطيع النوم.. وهو يخشى أن يأتيها الطلق وهو نائم..
ورغم أنه أمنَّ عليا أن يخبره إن حدث ذلك..
ولكن الأمر مختلف لو كانت تنام إلى جواره هو..
ألا يكفي أن أشهر الحمل كلها مرت.. وهو لم يرها حتى..
لم ير حتى شكلها ببطنها المتضخم...
أ يراها بعد ذلك وابنها جوارها؟!!
يستحيل.. يستحيل..
حينها بدأ عقله يعمل.. كيف يعيدها..
والليلة جاءه السبب على طبق من ذهب!!
ولو لم يجد سببا لاخترع..
وربما من أجل ذلك سأل كساب مع أنه تحاشى سؤاله طوال الأشهر الماضية!!
ثم فــجــأة يجد له حجة ليسأله الليلة.. وهو أنه لم يجد سواه..
يعلم أن الحوار سيكون غير تقليدي مع كساب.. أما أن يحتد.. أو يتخابث..
وحينها ربما يكون هذا سببا لتحريك الركود!!
يكره هذا الأسلوب الملتوي الذي لا يشبهه.. ولكنه مضطر له..
تعب من الطرق المستقيمة التي جعلته يبعثر كرامته من أجلها ودون فائدة أيضا..
وهاهو ينتظر قدومها..
يا الله ما أقساها.. !! ستة أشهر لم يرها حتى..
مازال لا يعلم حتى كيف استطاع الصبر!!
شهران فقط هي الأيام التي عاشتها معه..
ويبدو كما أنه لم يعش في حياته كلها سوى هذين الشهرين..!!
لا يعلم كيف مضت الأشهر الماضية من دونها.. وهو يتجلد على بعدها!!
بدا له احتمال كل قسوة العسكرية وتمريناتها القاسية والمستحيلة أحيانا.. بدا أهون بكثير من عذاب فراقها!!
فتح كساب الباب أولا.. وشرعه لخالته.. وهو يسندها..
وقف منصور وهو يفتح عينيه على اتساعهما وكأنه يريد أن يلتقط المشهد بحذافيره.. لا يريد أن يفوت على نفسه لمحة واحدة من لمحاتها..
وهي دخلت بخطوات مترددة وهي تضع جلالها على رأسها وتسدله على وجهها..
وحين دخلت أزالته لتضعه على كتفيها..
وهي عاجزة عن توجيه نظرها إليه لشدة خجلها..
يا الله كم اشتاق لها..
كم اشتاق لكل تفاصيل وجهها العذب!! شعرها المرفوع بفوضوية وخصلاته تتناثر على صفحة وجهها المرهق..
وكم آلمه قلبه وهو يرى كيف تضخمت بطنها بعيدا عنه.. وكيف فاته مراقبة ابنه وهو يكبر في أحشائها الغالية!!
وكم آلمه قلبه لرؤيتها بهذا الإرهاق والهالات السوداء تحيط بعينيها وهي تستند بكل ثقلها على كساب..
تقريبا كان كساب هو من يحملها حتى أجلسها..
كان بود منصور منذ رآه يسندها أن يدفعه بعيد عنها.. فمن المفترض أن تكون هذه مهمته هو!!
كساب هتف بنبرة مقصودة: عشان تدري أنك غالي ياعمي... خالتي ماتنزل كلش من فوق إلا لو كان عندها موعد..
وأنا اللي أنزلها.. لأن البنات مافيهم حيل لها.. وهي مافيها حيل كلش ولا حتى مع المساعدة..
منصور يهتف في داخله " آلمني أكثر أيها الخبيث..
فيبدو أن كل ما أشعر به من ألم مازال لا يكفيك !!"
ولكن منصور هتف بأمر حازم: كساب اطلع برا..
عفراء شدت على يد كساب بعفوية.. وكساب شد على كفها بحنو وهو يجلس جوارها ويهتف بذات نبرته المقصودة:
اعتبرني غير موجود.. ولو تبيني أسكر عيوني سكرتها..
منصور بنبرة أمر أشد حزما: أقول لك كساب اطلع برا عاد النفس عليك طيبة..
رجّال ومرته وبينهم حوار خاص.. وش دخلك أنت؟؟
كساب نظر لخالته متسائلا.. عفراء هزت رأسها بقلق.. وهمست بخفوت: خلاص روح..
تعرف أن منصورا عنيد.. وكساب أكثر عندا.. لم ترد إحداث معركة قبل أن تعرف ماذا يريد..
كساب مال على أذنها وهمس بخبث ظريف: أنا طالع لغرفتي.. إن بغيتيني أرجعش فوق.. اتصلي علي..
أما لو طرا عليش مشوار ثاني.. اتصلي في مزون تجيب عباتش !!
كساب خرج..
ومنصور مازال واقفا.. الصمت لف المكان لدقيقة.. وهي صامتة تدعك كفيها..
بينما كان هو يملأ عينيها من رؤيتها..
التغييرات التي أصابتها بعده.. ابنه الذي كبر كثيرا في بطنها.. الحزن والإرهاق المتبدي في كل تفاصيلها
استمر الصمت لدقيقة أخرى حتى هتف منصور بسكون غريب كما لو أنه مقطوع الأنفاس ويحاول إخفاء ذلك:
مساش الله بالخير يأم زايد..
لم تستطع الرد.. فريقها جاف.. جاف جدا..
أما حين تقدم وجلس جوارها.. شعرت أن حلقها تشقق من الجفاف.. لدرجة أنه كحت كحة جافة..
هتف بعمق دافئ: سلامات..
لم ترد أيضا.. حينها هتف بعمق أكبر: تروحين معي لبيتش؟؟ البيت وراعيه فاقدينش..
وماقصرتي في الغيبة..
لم تستطع الرد أيضا.. حينها هتف بنبرة مقصودة: يقولون السكوت دليل الرضا.. ترا بأشيلش الحين معي للسيارة..
حينها همست بيأس موجوع ودون أن ترفع عينيها: والسبب اللي عشانه صار ذا كله..
هتف منصور بعمق: زمان قالوا " يغلبن الكريم.. ويغلبهن اللئيم"
وأنا ماني بلئيم.. اللي تبينه يصير.. ماراح نختلف..
وماتدرين يمكن أنتي لا ولدتي تقولين ما أبي شغل خلاص..
عفرء حينها أجابت بحزم رقيق وهي تدعك كفيها الساكنتين في حضنها ونظرها مثبت عليها:
ماعليه.. أنا اللي أقرر ذا الشيء باقتناعي..
حينها مد يده لذقنه ليرفعه بخفة وهو يهتف بنبرته الثقيلة الدافئة:
زين كلميني وعينش في عيني.. تدرين أني ما أحب تلدين بعيونش عني!!
يا الله وش تقولين؟؟
أنا مستحيل أطلع من ذا البيت الليلة من غيرش.. ولو عييتي فرشت لي فراش هنا ونمت..
لأني مستحيل أسمح لحد غيري يوديش لا جاش الطلق..
عفراء همست بخجل عميق: كلم أبو كساب وقل له أني بأروح معك!!
ما أقدر أطلع من بيته وهو ما درا ورخص لي بعد..
لم تتوقع مطلقا أنه بعد كل هذا الغياب.. ستُحل القضية بهذه البساطة والسلاسة..
ولكن كلاهما ماعاد به احتمال لفراق الآخر.. كلاهما كان يحتاج لمجرد نقرة بسيطة ليهوي من عناده..
إن كان لايريد أن يكون غيره من يذهب بها للمستشفى..
فهي كانت تعيش في رعب أنها قد تلد وهو ليس جوارها..
أنها لن تشعر ولو لمرة بكفه القوية الحانية تشد على كفها وتؤازرها حين تهاجمها آلام الطلق..
وفي داخلها تمنت أن أن يكون جوارها حين تصل جميلة..
فكل هذا الانفعال هي غير قادرة على مواجهته وحيدة!!
تريده إلى جوارها.. وكم افتقدت قوة مساندته!!
*************************
" عبدالله لو سمحت.. جوالك شوي.. أبي أكلم أم خالد
جوالي فضا شحنه"
عبدالله يمد صالحا بهاتفه وهو يهتف بمرح: وأم خالد لو اتصلت ولقت جوالك مسكر بتسود عيشتك..
صالح تناول الهاتف من عبدالله وهو يشعر بضيق عميق أن حالته وهو نجلاء باتت ملاحظة لهذه الدرجة..
رغم أنه كان يحاول جاهدا ألا يبدو ذلك واضحا للعيان حتى لا يحرج نفسه ويحرج أم أولاده..
ولكن عبدالله لم يرحمه وهو يردف بمرح: أبي أعرف على ويش تغار.. من زين فرة صويلح تغار عليه..
غبّرت وأنت عندها..كن حد بيتفكر وجهك يعني.. شكلها تبي ترفع معنوياتك بس..
حينها هتف صالح بحزم: عبدالله سكر الموضوع خلاص.. وهاك تلفونك ما أبي أكلم.. الله الغني من منتك..
عبدالله تغير وجهه وصوته للجدية: عيب عليك ياصالح.. خذ كلم أم عيالك..
ومن متى وأنا وأنت بيننا حساسيات كذا..
لا تكون صدق متضايق من ذا الموضوع..
حينها انفجر صالح بخفوت مقهور: إيه متضايق.. وليش ما أتضايق.. أم خالد عمرها ماكانت كذا..
طول عمرها رايقة وعاقلة.. وش للي غيرها عليّ ما أدري؟؟
حينها أجابه عبدالله بنبرة مقصودة: المرة ماتتغير إلا لو كان رجالها تغيّر عليها..
شوف أنت وش أنت مغير في معاملتك مع بنت عمك وتعرف..
صالح صمت وهو يشد الهاتف ويتصل بها.. ليجدها بالفعل غاضبة لأنها تتصل وهاتفه مغلق..
حينها هتف صالح بغضب مكتوم: دامش منتي بمصدقة أني في مجلس هلي..
هاش عبدالله كلميه.. دام أبو عيالش ما لكلامه كرت عندش..
نجلاء هتفت بجزع: لا خلاص خلاص مصدقتك..
لكن صالح أعطى الهاتف لعبدالله وهو يُسمع نجلا مايقوله بنبرة مملوءة بالغيظ والقهر:
هاك كلّم بنت عمك اللي ما أدري وين ودتها ظنونها برجالها عقب عشرت عشر سنين..
قل لها أنا وين..
عبدالله شعر بالحرج وهو يتناول الهاتف رغم أنه كان يشير بيديه لا.. حتى لا يحرج نجلاء...
ولكنه ختاما وجد الهاتف في يده فهتف باحترام: مساش الله بالخير يأم خالد..
نجلاء ردت عليه باختناق: مع السلامة يأبو حسن..
ثم أنهت الاتصال..
عبدالله بغضب: ليش تحرجني كذا.. المسكينة شكلها كانت تبكي من الفشيلة..
لا ينكر صالح تضايقه الشديد حين علم أنه أحرجها لدرجة البكاء ومع ذلك هتف لعبدالله بضيق:
دامك لاحظت.. أكيد أبيك وأخوانك لاحظوا بعد.. انتظر كم يوم ويهزئني ابي كني بزر لاني ماني بقادر أسنع مرتي..
عبدالله بغضب: لا مالاحظو.. ولا حد لاحظ.. بس أنت عارف زين إن علاقتي أنا وإياك غير..
يا أخي بينك وبين مرتك مشكلة لا تدخلني بينكم..
أسوأ شيء ممكن يسويه الرجّال إنه يكشف عيوب مرته قدام طرف ثالث وهي تسمع أو تشوف..
جرحتها واجد يا صالح.. هذي بنت عمنا قبل ما تكون مرتك وأنا ما أرضى عليها لو أنت رضيت!!
صالح هتف بضيق عميق وهو يعبث بهاتف عبدالله بين يديه ليفرغ فيه بعض طاقة ضيقه:
عبدالله قل لي وش كنت تبيني أسوي..كلمتها من تلفونك.. وهي تعرف رقمك زين..
ومع كذا مهيب مصدقتني أنا وين؟؟
تخيل !!
حرقت أعصابي على شيء ما يستاهل.. عمري أصلا ماكنت موقع شبهة ولا سويت شيء يخليني كذا..
عبدالله هتف بنبرة جدية: صالح أنا ما أدري أنت وش مسوي بأم عيالك
بس ما أعتقد إنها تتغير كذا بدون سبب..
يمكن صالح لأنكم صرتو في بيت بروحكم هي محتاجة اهتمامك زيادة..
يا أخي اهتم فيها.. تستاهل أم خالد..
كان صالح على وشك الرد لولا أنه وقع في هاتف عبدالله على شيء جعل عيناه تتسعان ذهولا.. هتف بصدمة:
عبدالله من وين جبت ذا الصورة؟؟
عبدالله نظر للصورة المقصودة ثم هتف ببرود موجوع:
يعني ظنك يوم تمسح صور خالد الله يرحمه من تلفوني وكمبيوتري
وتطلب من فيصل يتخلص من كل صوره اللي في البيت..
إني ما راح أقدر أجيب له صورة أحتفظ فيها..أصلا صوره كلها مخزنة على إيميلي..
يعني مستكثرين علي صورة مافيها روح عقب ماراح هو كله!!
صالح حينها همس بحزن: لا عبدالله مهوب القصد وأنت عارف.. بس أنا ماكنت أبي شيء يفتح مواجعك..
عبدالله بحزن عميق: مواجعي أصلا مفتوحة.. ما أحتاج شيء يفتحها..
*******************************
" كاسرة.. كاسرة!! "
كاسرة تجيبه من داخل مكتبه : تعال أنا هنا..
أطل عليها بشبح ابتسامة: غريبة ماتوقعتش هنا..
أجابت بابتسامة عذبة: وأنا ما توقعت أنك بترجع بدري كذا.. قلت بأدور لي كتاب أقراه..
أجابها بثقة: إذا حضر الماء بطل التيمم.. أنا بكبري هنا.. تعالي سولفي معي وبلاها القراية..
حينها أجابته بنبرة مقصودة: زين أنك جيت بدري ونفسك مفتوحة للسوالف..
لأنه فيه سالفة مهمة أبي أقول لك عنها..
كساب جلس على الأريكة في زواية المكتب وهتف بحزم: تعالي جنبي.. وقولي لي.. وش عندش..؟؟
كاسرة تقدمت بثقة وجلست جواره.. ليمد كفيه ويحتضن بها كفها وكأنه يحثها على الكلام..
كاسرة هتفت بثقة هادئة: كساب حن صار لنا سبع شهور متزوجين.........
حينها قاطعها بابتسامة غامضة: تدرين المقدمة هذي تأخرت شوي.. كنت متوقعها قبل فترة...
كاسرة لم تهتم لمقاطعته وهي تكمل بذات ثقتها الهادئة: ولحد الحين الله مارزقني بالحمل..
عشان كذا أنا قررت أسوي فحوص..
قاطعها للمرة الثانية بذات الابتسامة الغامضة: اللي أنتي رحتي تسوينها مع فاطمة
وقلتي لها إن فاطمة اللي بتسويها..
وكنت عارف من أول ماقلتي لي إنه أنتي اللي تبين تسوينها..
ليش ماقلتي لي أنا.. وأنا اللي بأروح معش!!
أجابته كاسرة بثقة: يمكن حسيت إنه وجودك أو حتى معرفتك بيكون فيها ضغط نفسي علي..
حبيت أسويها بدون ماحد يعرف..
حينها أجابها باهتمام غامض : والنتيجة؟؟
كاسرة بثقة: مافيني شيء نهائي..
حينها ابتسم كساب: وأكيد الحين الخطوة الثانية إنش تبيني أسوي أنا الفحوص..
كاسرة بثقة حازمة: حقي أطلب منك ذا الشيء..
كساب بابتسامة واثقة: حقش ليش لا..
أنهى عبارته ووقف ليتجه لمكتبه ويفتح أحد أدراجه.. ويستخرج منه ملفا..
ثم يعود ليجلس جوارها.. ويضع الملف فوق فخذيها.. ويهتف بثقة:
هذا الملف فيه.. أكثر من سبع فحوص شاملة مسويها خلال الثلاث السنين الأخيرة.. وأخرها من أسبوعين..
بتلاقين من ضمنها فحص للخصوبة وللجهاز التناسلي..
أنا بعد مافيني شيء.. ولو تحبين أسوي فحص عشانش سويت.. عشان ماتقولين أني متحجر ولا متزمت..
حينها لا تعلم لِـم شعرت ببرودة لاسعة وفتور في عظامها.. شبكت كفيها فوق الملف وهتفت بسكون:
يعني أنت عارف من قبل ما تتزوجني حتى أنك مافيك شيء.. ومع كذا ماطلبت مني أني أسوي الفحص..
كساب وقف وهو يهتف ببساطة: تو الناس .. ليش العجلة؟؟
ثم أردف بنبرة مقصودة وهو يستند على المكتب:
وما تدرين يمكن هذي رغبة رب العالمين لأنه شايفنا ما نصلح إنه نكون أباء..
ماحد يعترض على المكتوب!!
حينها قفزت كاسرة لتهتف بغضب: تكلم عن نفسك لو أنت شايف أنك ما تصلح أب..
لكن أنا عارفة أني بأكون أم فعلا وبكل معنى الكلمة..
كساب بحزم: هذي وجهة نظرش أنتي.. لكن أنا أشوف شيء ثاني..
كل واحد منا أعند من الثاني.. وما أعتقد إنه هذي صفات أباء لازم يقدمون تنازلات عشان عيالهم..
كاسرة لا تريد أن تتكلم معه.. تشعر بحزن غريب وألم أغرب..
ربما لو علمت أن في أحدهما مشكلة ما.. كانت ستقول إن شاء الله تنحل مع العلاج..
ولكن الآن تشعر بحزن عميق أن الله عز وجل قد يكون غير راضيا عليها لذا لم يستجب لدعواتها أن يرزقها بطفل..
وتشعر بحزن أعمق وأعمق مغمور بالألم أن كسابا يراها لا تصلح أما..
فكيف تستمر الحياة بينهما إن كان لا يرى هذه الحياة مكتملة.. مكللة بوجود الأطفال؟!!
تشعر أن إحساسها الدائم أن الحياة ستنتهي بينها وبين كساب.. يتحول لإحساس بالغ القوة..
هذا الإحساس الذي يعذبها.. بينما هو لا يهتم !!
كاسرة لم تقل شيئا.. وهي تضع الملف على المكتب قريبا منه حيث يستند..
وتستعد للمغادرة.. ليوقفها وهو يشدها.. ويجلسها معه على الأريكة..
هتف بحنو دائما تستغرب نبرته المغمورة فيه حتى الثمالة.. لشدة مايليق به وفي ذات الوقت تذيب قلبها لا تعلم كيف:
لا تروحين وأنتي زعلانة!!
همست بألم تخفيه خلف حزم صوتها: لا تقول إنك مهتم.. لأنه آخر شيء يهمك.. زعلي أو رضاي!!
أجابها بذات النبرة الحانية وهو يسند رأسها لصدره ويشد عليها ليحتضنها بيد واحدة:
تدرين زين إن ذا الكلام مهوب صحيح.. وإني ما أحب أزعلش..
شا اللي يرضيش؟؟ تبين أسوي فحص ثاني.. سويت..
كاسرة بسكون حازم: وليش تسوي.. وعنك ملف مليان فحوص..
حينها ابتسم: أجل زعلانة عشان أنا قلت إنه مانصلح نكون أباء..
خلاص أنا اللي ما أصلح.. وأنتي بتكونين أحلى ماما..
حينها ابتعدت كاسرة عنه وهي تهمس بغضب رقيق: كساب أنا ما ببزر..
ويوم تقول لي كلام يوجع مثل هذا..لا تخلي السالفة كنها مسخرة!!
كساب باستغراب مقصود: يوجع؟؟ ومتى كانت الحقيقة توجع؟؟..
كاسرة وقفت وهي تهمس بغضب حقيقي مكتوم: دام شايفها حقيقة..
وش يلزمنا في ذا الحياة؟؟
دامك تشوف إنه مانصلح نكون أباء على قولتك.. ليش عايشين مع بعض..؟؟
حينها وقف وهو يهتف بغضب: أظني إني ألف مرة قايل لش إذا اختلفنا في النقاش.. لا تجيبين طاري الانفصال..
ومع كذا لازم كل مرة تطربيني فيه!!
كاسرة بذات الغضب: لأنه هذا مهوب اختلاف في النقاش.. هذا اختلاف في الحياة كلها.. أنا يمين وأنت يسار..
كساب شد له نفس عميق وهتف بحزم: تدرين بأروح أشوف خالتي وش سوت أخير لي..
لأنه أنتي أحيانا تستخفين والواحد مايقدر يتفاهم معش..
كساب غادر بينما كاسرة عادت لتجلس على الأريكة وهي تشعر بإرهاق في كل جسدها..
موجوعة تماما.. تماما..
لماذا يُكتب عليها كل هذا الألم..؟؟
ولماذا تحبه كل هذا الحب بينما هو عاجز عن مبادلتها إياه؟؟
ولماذا تكون هي من ستموت رغبة في طفل منه بينما هو يرى أنهما لا يصلحان ليكونا أبوين حتى؟؟
ولماذا؟؟ ولماذا؟؟ ولماذا؟؟
عشرات الأسئلة الموجعة التي تمزق روحها ولا تجد لها جوابا يريحها!!
*************************************
" أنتي مارحتي لعبدالرحمن اليوم؟؟"
جوزاء تلتفت لعبدالله وهي تشير له بعلامة السكوت حتى لا يوقظ حسن الذي نام للتو..
وتشير له أن يذهب لغرفتهما وهي ستحضر له..
عبدالله عاد لغرفته وكان يخلع ثوبه حين دخلت قادمة من غرفة حسن المفتوحة بباب على جناحهما..
همست بإرهاق: تبي شيء عبدالله؟؟
هتف لها بحنو: لا حبيبتي.. بس كنت أسأل أنتي مارحتي لعبدالرحمن اليوم؟؟
جوزاء بذات النبرة المرهقة: اليوم ماقدرت.. كنت تعبانة شوي..
اليوم كانت متعبة حقا.. ولم يتبق أي شيء في معدتها منذ الصباح!!
اقترب منها وهو يضع يده على جبينها ويهتف بقلق: ليه وش فيش ياقلبي؟؟
صمتت لثانية (أتخبره أو لا تخبره؟؟) ثم همست بتعب: شوي إرهاق بس..
هتف بحنان وهو يتجه للحمام: لو قعدتي تعبانة لبكرة بأوديش للمستشفى بدون نقاش..
أنتي واجد ترهقين نفسش.. في البيت ومع حسن وعند عبدالرحمن.. وفي بيت هلش..
صمتت لم تستطع الرد وهي تراقبه بوجع حتى أغلق على نفسه باب الحمام
وهي تشعر بعبرة ضخمة تقف في منتصف حنجرتها وهي تشعر بها تتضخم وتتضخم حتى كادت تمزق أوتار حنجرتها!!
" لماذا أنت شديد العذوبة هكذا؟؟
لماذا تكون طيبا ورقيقا هكذا كنسمة؟؟
بينما أنا لا أستحق.. لا أستحق!!"
*****************************************
" سميرة.. لو سمحتي.. جهزي لي الملفات اللي كنت عطيتش قبل يومين..
اللي فيهم مواصفات الكمبيوترات الجديدة!!
أدري بكرة سبت ماعندش دوام.. فجهزيهم لي قبل تنامين.. "
سميرة أزاحت أوراق العمل التي كانت تصححها جانبا.. وطبعت على الحاسوب المقابل لها..
والذي لا يفارق الطاولة الصغيرة في الجلسة..
أدراته ناحيته : " اطبع لي وش تبي؟؟"
حينها قفز بغضب وهو يشير بذات الغضب: أنا ماطلبت منش تأشرين لي.. بس أنتي عارفة وش أبي..
ماتبين تطيعيني.. مهوب مشكلة!!
سميرة عادت وشدت الحاسوب ناحيتها وطبعت: حاضر أجهزهم لك بكرة..
وحتى لو ماعندي دوام.. أنا متى رقدت وأنت رايح الدوام؟؟
شيء ثاني بعد؟؟
أشار لها بنفاذ صبر: لا..
وعاد للجلوس حيث كان يجلس منذ أكثر من ساعة. وهو يراقبها حينا ويتشاغل بأوراق بين يديه حينا..
وبينهما جهاز الحاسوب المحمول الصغير المفتوح على برنامج الطباعة..
الجهاز الذي يتمنى لو يحمله ليلقيه مع النافذة..
يراقب بدقة ونهم وألم حتى أناملها التي تصحح.. انحناءات بيجامتها المشبعة بألوان زاهية..
نحرها وزنديها اللذين يكادان يضياءان لشدة تألق بشرتها وصفائها..
حتى تعب وأرهق من المراقبة.. وإن كان لم يمل من مراقبتها.. فهو مستعد لمراقبتها عمره كله دون أن يمل..
لكن مراقبتها متعبة له.. متعبة لأبعد حد.. وكأنها تختبر صبره وتضغط على رجولته لأقصى الحدود..
حين شعر أنه لن يحتمل هذه المراقبة أكثر.. طرق لها بخفة على الطاولة..
حين رفعت رأسها أشار لها بأول شيء خطر بباله وهو سؤاله عن الملفات..
حينها قفزت بباله هذه الفكرة.. لن يعاود هو الطباعة لها..
سيشير لها.. لن يجبرها أن تشير له.. ولكنها تفهم إشاراته..
حاول إرضاءها طوال الأشهر الماضية بهذه الطباعة الرتيبة الممللة التي تقف حاجزا بغيظا بينهما..
في البداية كان لا بأس بذلك.. فهي مازالت لا تعرف لغة الإشارة.. ولكنها الآن تعرف..
على الأقل يريد أن يشعر أنه على سجيته معها..
هي على الطرف الآخر..
مستغربة منه.. لأول مرة يصر هكذا على أن يشير لها..
ما الذي يهدف له من هذا؟؟
وهي غارقة في أفكارها بين تصحيح أوراقها بعد أن أجابته.. سمعت طرقته الثانية على الطاولة..
رفعت رأسها مستفهمة..
أشار لها بهدوء: طيب أنا أبي أنام ممكن تقومين عن سريري..
حينها قفزت سميرة بخجل.. ودون أن تقول له اطبع لي ماتريد.. فهي كانت تجلس على الأريكة التي تنفتح لتتحول لسرير..
والتي كانت سريره الذي اختاره بنفسه منذ انتقالهما لبيتهما الجديد..وقبلها كان ينام على أريكة أيضا..
فتحت الأريكة بنفسها.. وهي تحضر له مخدته وغطاءه وترتبهما على السرير..
تجاوزها ليجلس على طرف سريره.. وكانت هي ستغادر.. لولا أنه شدها ليمسك بكفها بطريقة تملكية مقصودة..
حينها التفتت بحدة له ولا تنكر أن رعشة حادة اجتاحت جسدها.. فهذه هي المرة الأولى التي يفعلها..
طبعت له وهي مازالت تقف وتنحني على الحاسوب بشكل جانبي بيدها الحرة:
تميم تبي شيء؟؟
حينها طبع لها بيده الحرة لأنه لم يكن يريد افلاتها وهو يذوب من مجرد إحساسه بنعومة يدها المرتعشة في كفه:
تروحين بدون ماتقولين لي تصبح على خير..
طبعت له وتوترها يتزايد: تصبح على خير..
حينها أفلت كفها وهو يشير بتقصد: لا قولي لي تصبح على خير كذا..
لم ترد عليه وهي تتجاوزه وتغادر المكان متجهة لسريرها.. كأنها تريد أن تهرب من الإشارة ومن مرارة ذكراها!!
*************************************
" ياحيا الله أم زايد.. نورتي بيتش"
خطت عفرا للداخل بخطوات مترددة.. وهي تنظر للمكان حولها.. مازال كما هو لم يتغير به شيء.. عدا لمساتها..
بشكل عفوي لمست طاولة الزينة الضخمة بقرب باب المدخل.. كان مغبرا قليلا..
ابتسم منصور ابتسامته الفخمة المعتادة التي طال افتقادها لها:
أدري البيت حالته حالة.. بس عشان تدرين إنه مايهون علي حتى في غيابش أسوي شيء يضايقش..
كنت ما أخلي الصبيان يدخلون البيت إلا مرة في الأسبوع إذا كنت أنا موجود عندهم عشان ينظفون تنظيفهم اللي كنه وجيههم..
جلست بإرهاق على أقرب مقعد وهي تهمس بتأثر:
ما أدري تقدر تسامحني على تقصيري في حقك وإلا لا..؟؟
بس تدري.. كله منك!!
ابتسم منصور: مني انا؟؟
عفراء بذات التأثر: إيه منك.. مر شهر وشهرين وثلاثة يعني ماكنت تقدر تسوي نفس اللي سويته الليلة..
منصور أنا وش أبي منك إلا أنك تحسسني أني شريكة حياتك صدق..
رأيي محترم ومقدر عندك .. بكرة بيننا عيال ولازم تحترمني قدامهم..
شدها منصور ليحتضنها بخفة لأنها يخشى أن يؤلمها وهو يهتف بشجن عميق:
وأنتي شريكة حياتي وحبيبتي وأم عيالي..
ثم ضحك ضحكة قصيرة: وكرشتش مسوية زحمة.. إحساس غريب وأنا حاضنش بروحش وكرشتش بروحها..
دفعته بخفة في صدره وهي تمسح دمعة فرت من عينها وتبتسم:
وتعلق على كرشتي بعد.. هذا ولدك مهوب كرشتي!!
مد يده ليمسح وجهها وهو يهتف بحنان عميق: تكفين لا تبكين.. أجليها لبكرة..
عفراء باستغراب: وش معنى بكرة؟؟
منصور بفخامة حميمة: فيه ناس غالين واصلين من السفر بكرة..
عفراء شعرت أنها ستفقد توازنها وهي تعود للجلوس وتهتف بذهول: جميلة!!
هي قالت لي بعد يومين..
منصور بابتسامة: تبي تسوي لش مفاجأة بس أنا خفت عليش من الصدمة..
قلت أقول لش قبل..
شدت على كف منصور وهي تضع يدها الأخرى على بطنها حيث شعرت بثقل مفاجئ وهتفت بلهفة موجوعة:
صدق يامنصور؟؟ صدق؟؟ بكرة بكرة؟؟
أجابها وهو يشد على يدها بقوة حانية: صدق بكرة بكرة ياقلب منصور...
************************************
" جميلة الله يهداج
ليش تبكين جذيه؟؟
حد راد ديرته وهله ويبكي!! "
جميلة تمسح دموعها وتهتف بتأثر: كان ودي إنه فواز وسوسن خلصوا علاجهم ورجعوا قبل ما أرجع..
حرام ماشفت أشلون أمهاتهم كانوا يبكون يوم قلت لهم إن سفرنا صار بكرة..
حتى الممرضات تعودت عليهم.. وش كثر علموني أشياء.. صار بيننا عشرة..
وماينكر العشرة إلا قليل الأصل !!
خليفة مد يده ليمسح خدها .. انتفضت بخجل وهي تبتعد بعفوية..
بينما هو ابتسم رغم أنه كان يزفر في داخله ضيقا من هروبها الدائم حتى من لمساته العفوية
هتف لها بحنان: ادري أنج منتي بجليلة أصل وتكرمين.. بس أخاف الدموع عاللي عندج تخلص..
كفاية بكرة لاشفتي خالتي عفرا..
حينها ابتسمت ابتسامة مبللة بالدموع: ياقلبي يمه.. وش كثر اشتقت لها!!
حاسة من كثر شوقي لها بيغمى علي لا شفتها!!
*************************************
" كاسرة قومي كلميني.. أدري أنش مابعد نمتي"
كاسرة نهضت واعتدلت جالسة.. وهي تسند ظهرها لظهر السرير..وتهمس بسكون: نعم كساب؟؟
كساب كان يجلس على طرف السرير بقربها وهتف بحزم: ما أدري ليه تسوين كذا؟؟
تدرين ماعادنا عشرت كم يوم..
صار لنا عشرت أسابيع وشهور.. وتدرين زين أنه مهما اختلفنا ما أحبش تنامين على زعل..
يعني مفروض تنتظريني لين أجي ونتفاهم..
كاسرة بذات السكون: وش فرقت يعني؟؟
كساب بذات الحزم: فرقت أني حسيتش تضايقتي واجد ذا المرة!!
كاسرة حينها هتفت بحزم: زين فرضا أني تضايقت.. هل بيغير من الكلام اللي قلته شيء؟؟
كساب هز كتفيه: صراحة أول ماقلته.. ماظنيتش بتزعلين.. لأني كنت أظنها وجهة نظرش بعد..
حينها كتفت كاسرة ذراعيها أمامها وهمست بحزم رقيق:
كساب الناس ليش يتزوجون.. يبون سكن الروح وينشئون أسرة..
إذا كنت تشوف إنه حن مانصلح نشكل أسرة.. كأنه تقول إنه زواجنا ماله داعي يستمر!!
حينها استغربت كاسرة أنه صمت وهو يزيل غترته عن رأسه ثم يميل ليضع رأسه في حضنها..
حيمها لا تعلم لِـمَ آلمها قلبها بشدة " أ مرهق هو؟؟"
همست باهتمام عذب وهي تمد أناملها لتعبث بخصلات شعره: تعبان كساب؟؟
هتف بسكون: لا..
مالت لتقبل صدغه ثم همست قريبا من أذنه: زين هذا هروب من الحوار؟؟
أجابها بسكون أكثر: تدرين أني آخر واحد يهرب من حوار!!
قالها ثم اعتدل جالسا وهو يتناول كفها التي كانت فوق رأسه ويقبلها بتروي
ثم وقف وهو يهتف لها بتلقائية: بأروح أطل على مزون شوي وبأرجع لش!!
همست حينها بسكون غريب: على راحتك.. بس لو طولت علي بأنام..
هز رأسه وهو يغادر.. ويهتف لها بذات التلقائية: نوم العافية..
تعلم أنه قال (شوي) لكنها تعلم أن هذه (الشوي) لن تقل عن ساعة..
مطلقا لا تتضايق من علاقته بأخته.. بالتأكيد تتمنى لو كان بعضا من هذا الوقت لها..
لكن مايحزنها فعلا.. أنها تمنت لو كانت هي ومهاب هكذا..
كم هو مؤلم ومحزن أننا لا نعلم كم هو ثمين ونادر مابين أيدينا حتى نفقده!!
حينها لا يبقى لنا سوى عض أصابع الندم حتى تدمي!!
ربما لو لم تجرب حرقة فراق شقيقها.. كانت ستغار وبشدة مزون..
فهي غيورة على كساب لأبعد حد.. ولكنها لا تغار عليه من مزون..
لأنها تمنت من قلبها أن تكون مثلها الآن..
وتعلم كم عانت مزون من مرارة جفاء كساب..!!
ومايهمها فعلا أن كساب يغادرها.. ويترك حوارا آخر معلقا كعادته الغريبة مؤخرا..
وعلى العموم هي لن تهتم له.. ستسأل الدكتورة إن كان هناك شيئا قد يساعدها على الحمل..
إن كان لايريد هذا الطفل.. هي تريده !!
******************************************
" هلا.. وش اجتماع القمة المغلق اللي مابغيتوني فيه!!"
علي ومزون الجالسان في الصالة السفلية ينظران لكساب الذي نزل عليهما للتو بعد أن بحث عن مزون ولم يجدها في غرفته..
ابتسم علي: لا اجتماع قمة ولا شيء.. بس فاقدين خالتي.. مع أني ماكنت أشوفها إلا لين أتاكد إن مرتك مهيب فوق..
بس البيت فاقد حلاه الليلة.. حاس كني بزر وأمي خلتني..
ابتسم كساب: ماصدقت أصلا حضرت العقيد يأشر لها إلا هي ناطة لبيتها.. صدق نسوان!!
مزون تضحك: يوم قالت لي جيبي عباتي بأروح لبيتي.. حسبتها تمزح...
نزلت بالعباية لقيت عمي منصور واقف فيها عند الباب..
ماعنده صبر وإلا خايف إنها تغير رأيها..
كساب بحنان: الله لا يحرمنا منها.. ويهون عليها.. والله لولا أني خفت على عمكم ينجلط.. وإلا كان قلت خلها عندنا لين تولد..
علي بمودة جزيلة: أنا والله كنت حاس فيه.. لأنه ماكان يتردد يقول لي وش اللي في خاطره..
واجد واجد كان مهتم فيها..
مزون بنبرة مقصودة: وعقبال ماتلاقي اللي تهتم فيها!!
ضحك علي: ليه عندش حد معين؟؟
مزون بحماس: أنت بس قول مجهزة لك لستة وش طولها..
كساب يضحك: وأنا يعني ليش ماجهزتي لي لستة.. وإلا أنا المحروم..؟؟
مزون تبتسم برقة: عندك اللي تكفيك عن اللستة كلها.. خلنا في علي!!
علي يضحك: خلوكم مني الحين.. لا قررت قلت لش نقي لي!!
**************************************
صحت قبله..
لم ترد إزعاجه.. وهي تُلبس حسن وتنزله لجدته في الأسفل ثم تعود لعبدالله
اليوم سبت.. لذا ستتركه ينام حتى يصحو وحده..
يؤلمها قلبها كثيرا من أجله ... فهو يرهق نفسه كثيرا في العمل.. مهموم بمشاكل أخوته..
وهــي... لا تخفف عنه مطلقا.. تشعر بالألم أنها تزيدها عليه بدلا من ان تكون بلسما لتخفيف جروحه..
ورغم هذا وذاك اعتادت ثم حرصت خلال الأشهر الأخيرة أن تكون هي أول ما يفتح عينيه على رؤيته..
لكي تنعم في بداية الصباح بابتسامته الآسرة التي كان يمنحها له حالما يفتح عينيه
ويقول لها ذات العبارة ( رؤية عينيك حالما أفتح عيني تنبئني أن هذا العالم بخير!!)
وما يؤلمها أكثر أنها لن ترد عليه الابتسامة مثلها.. ولن ترد على عبارته التي تذيب قلبها.. برد يوازي تأثيرها فيها..
فهي أما تقفز لتتشاغل بترتيب ملابسه.. أو تقول له سأنزل لاعد فطورك.. أو سألبس حسن للروضة..
أي شيء حتى لا يلمح الدموع التي تتقافز إلى عينيها رغما عنها..
ودون أن تنتبه كيف انطفأت ابتسامته وهو يزفر (يوم جديد مازالت عاجزة عن مسامحتي فيه!!)
اليوم هي متعبة بالفعل.. جسديا ونفسيا.. تريد إخباره بحملها.. لتسعده إن كان هذا الخير سيسعده..
أو لتحضى بمؤازرته التي تحتاجها فعلا على الأقل!!
حين اقتربت الساعة من العاشرة وهو لم يصحُ بعد.. اقتربت لتجلس جواره..
لا تعلم كيف بادرت بنفسها وهي تميل لتقبل جبينه ثم تهمس من قرب:
عبدالله قوم.. طولت وأنت نايم..
فتح عينيه باستغراب: حد حب رأسي وإلا أنا أتخيل؟؟..
حينها مالت لتقبل جبينه مرة أخرى وهي تهمس بعذوبة قريبا من أذنه: لا شكلك تتخيل..
اعتدل جالسا وابتسامة سعادة حقيقية تضيء عينيه قبل شفتيه:
زين دامش كريمة اليوم.. عطينا بوسة من الخاطر بدل حبة الرأس ذي!!
حينها اقتربت أكثر لتقبل عينيه كل واحدة على حدة وهي تهمس بشجن موجوع:
الله لا يحرمني من عيونك..
حينها لا يعلم لِـم شعر بألم قارص يعتصر قلبه..لكثرة ما اعتاد جفاها.. أقلقه هذا اللطف المتدفق.. شد كفها وهتف بقلق:
جوزا فيش شيء؟؟
همست بذات الشجن الموجوع: مافيني شيء..
لكن الغريب أنها اقتربت لتدفن وجهها في صدره وهي تبكي بصوت خافت..
عبدالله شدها لصدره بقوة وهو يهتف بقلق أشد:
جوزا منتي بطبيعية.. والله العظيم أن قد تقولين لي وش فيش؟؟
حينها ابتعدت عنه قليلا وهي تمسح وجهها وتهمس باختناق:
يعني إذا ماكنت شريرة وقاسية أكون ماني بطبيعية..
ابتسم وهو يعاود شدها ليحتضنها بقوة أكبر ويهمس في أذنها برجولة حانية:
ماقصدت ياقلبي.. تدرين أنا وش كثر متشفق أنش تسامحيني..
لأنه عقبها بيننا كلام طويل.. كلام محتاج أقوله لش فوق ماتتخيلين.. عشان فعلا أحس إنه خلاص مافيه حواجز بيننا..
همست ووجهها مختبئ في صدره: زين قل لي..
زفر بألم: ما أدري لو الوقت صار مناسب أو بعد.. أنتي لحد الحين ماطمنتيني على مكانتي في قلبش عشان أنا أجمد قلبي..
كانت تريد أن تقول شيئا ولكن لسانها ارتبط.. استحثها على الكلام: ها جوزا؟؟
همست باختناق وهي تبتعد عنه قليلا: الحين أبيك توديني للدكتورة أنا تعبانة شوي.. ولا رجعنا تكلمنا..
حينها همس بقلق: يعني عادش تعبانة.. أنا قلبي كان حاسس أنش فيش شيء مهوب طبيعي اليوم..
دقيقة ألبس وأوديش..
همست بابتسامة مرهقة: عبدالله مافيني شيء هو شوية ارهاق..
أنا بأخذ عباتي وأنزل تحت.. وأنت أسبح.. وخذ راحتك..
أجابها باستعجال: هي خمس دقايق.. شاور سريع ونازل..
جوزاء تناولت عباءتها وحقيبتها ونزلت للأسفل..
حين نزلت كانت أم صالح هي من تجلس مقابلا لها..
وهناك شخص آخر يجلس مقابلا لأم صالح ولكنه غير واضح لارتفاع ظهر الكرسي..
كانت جوزا ستتراجع خوفا أن يكون فهد أو هزاع..
لولا أن أم صالح هتفت بصوت عال متضايق:
تعالي ياجوزا يأمش.. شوفي ذا الشهباء اللي ترطن علي..
أرسلت على عالية تجي تشوفها.. ومابعد جات..
الصبيان جابوها من المجلس يقولون إنها تسأل عن عبدالله..
يا الله جرنا من كشف الستر!!
جوزاء حين سمعت اسم عبدالله تكهربت.. وهي تستدير لترى المقصودة بالكلام
كانت..
كانت..
كانت.. قنبلة شقراء فاتنة.. تبدو غير صغيرة في السن.. لأن حسنها بلغ تمام النضوج..
متأنقة في طقم رسمي ثمين من شانيل بتنورة قصيرة تصل أسفل ركبتها بقليل..
وعيناها بلون أزرق مشع لم يسبق أن رأته على الطبيعة..
امرأة تشعر بالخطر أن تمر بجوار أحدهم في الطريق.. وخصوصا لمن لم يعتادوا هذا اللون من الجمال المختلف..
فكيف وهي في بيتها وتسأل عن زوجها؟؟
جوزاء سألتها بعصبية باللغة الانجليزية التي لا تتقنها تمام الاتقان ولكنها تستطيع التفاهم بها:
ماذا تريدين بعبدالله؟؟
همست الشقراء بثقة بالغة متحكمة وهي تلوي شفتيها
وتضع قدما على الأخرى لينكشف جزءا كبيرا من فخذها حين ارتفعت تنورتها قليلا:
أنا راشيل زوجة عبدالله.. وأريد أن أراه حالا..
#أنفاس_قطر#
.
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل السابع والخمسون 57 - بقلم HaboOoshy
عبدالله كان ينزل الدرج باستعجال وغترته مازالت في يده..
سلم وهو يرى والدته تجلس أمامه لم ينتبه كيف كانت ترتعش من الغضب وهو يتلفت حوله ويسأل باستغراب:
يمه وين جوزا؟؟
حينها انفجرت والدته بغضب: جوزا طاحت مغوم عليها وشلتها عالية والخدامات للمستشفى الحين..
عبدالله لشدة جزعه وهو يركض ناحية الباب لم ينتبه لمن وقفت حين سمعت صوته.. ولم يوقفه سوى أمر والدته الغاضب:
عبدالله..
استدار عائدا وهو ينتفض بحمية الطاعة "لـبـيـه"
بينما أمه تكمل بذات الغضب: تعال شل بلوتك معك..
ولا أشوف وجهك أنت وياها..
حينها رأى من تقصد بـ (بلوته)!!
كانت تقف بكامل ثقتها وأناقتها المقيتة وكأنها ذاهبة للترافع في أحد جلساتها أو لإلقاء أحد ندواتها
شعر بسعير من نار يعبر أطرافه ليشعل كل خلية في جسده..
شعر أنه يشتم رائحة احتراق خلاياه تتصاعد في الجو..
هاهي أمامه وفي بيته.. لم يسأل حتى كيف هي هنا..
كان كل مايراه أمامه دم ابنه يسيل على يديها ومن بين أنيابها فعلا..
وجهها وكفيها غارقين في دمه البريء...
كل ما أراده أن يطبق في عنقها ويزهق روحها.. وذكرى انتفاض جسد خالد الصغير بين يديها تعطل كل تفكير لديه..
وكان على وشك فعلها.. لولا أن وجه صغير آخر أطل عليه.. وجه حسن
ليقف بينه وبين مايريد أن يفعله..
حينها هتف بكراهية محرقة وهو يكاد يبكي قهرا لشدة ماقهر نفسه:
أمامي..
لم يقترب منها حتى.. لم يرد أن ينجس يديه بها.. أو يتهور فيجد يديه أطبقتا في عنقها فعلا ليقتلها كما قتلت ولده!!
ولم يرد أن يتحاور معها أمام والدته التي يعلم أن حالتها الصحية لا تحتمل..
خرجت معه بكل ثقة وهو يقودها للمجلس.. ويسألها بكراهية:
كيف استطعتِ الوصول لهنا.. وكيف خرجتي من أمريكا اساسا مع الحكم عليكِ؟؟
أجابته بثقة: ألم تكن تتابع القضية وتعلم بالحكم؟؟
أجابها بمرارة: أعلم أنكِ أجدتِ التمثيل ببراعة وأن المحامين أثبتوا أنك تعانين من اضطراب نفسي..
وحكموا عليك بإعادة التأهيل في مصح فدرالي!!
وأعلم أن إعادة التاهيل تستغرق سنوات.. فكيف خرجتِ أنت؟؟
وحتى لو خرجتِ من المفترض أن تبقي تحت المراقبة وتمنعي من السفر!!
أجابته بذات الثقة وهي تدخل المجلس: هؤلاء هم محدودو التفكير من يحتاجون لسنوات..
لكن من هي مثلي تشفى في غضون أشهر.. وليس عسيرا علي إسقاط قرار منع السفر..
واللحاق بك لهنا.. وأعلم أن عنوانك موجود لدى السفارة الأمريكية..
لذا كان الوصول لك من أسهل ما يكون!!
وهذا هو المفترض أن تكون المرأة مع زوجها.. وأنت تعلم كم أنا أحبك.. ومستعدة للعيش معك في أي مكان..
أجابها باحتقار ممزوج بأقصى درجات البغض والكراهية:
أي زوجة وأنا طلقتكِ منذ سنوات قبل حتى عودتي الدوحة المرة الأولى..
أجابته بذات الثقة المقيتة وهي تجلس: وأنت تعلم أيضا أنني رفضت توقيع أوراق الطلاق..
ثم حين صنعت أنت حيلة وفاتك وأصبحت أنا أرملة.. كان لدي قناعة أنك لم تمت
لذا أعدت توثيق الزواج بعد اكتشافي أنك على قيد الحياة..
لذا من الأفضل أن نتفاهم.. لأنني أستطيع الآن أن أعود هناك وأنجب أطفالا أنسبهم إليك..
أجابها بذات نبرة الاحتقار: أنا طلقتك كما يطلق أي مسلم زوجته وماعادت تربطني بكِ علاقة..
أعلم أنكِ مازلتي زوجتي هناك في الأوراق لرسمية..
لكن مالا تعلمينه أن محاميّ هناك على وشك استصدار قرار بإبطال الزواج بناءً على قتلكِ لابني ودخولك للمصحة..
وبينما أنتي هنا تطاردينني قد يصدر الحكم بين لحظة أخرى..
أنا أيضا تعلمت الدرس.. ومدى أهمية المحامي الذكي!!
المحامي أخذ مني مبلغا مهولا.. لكنه يستحق!!
أجابته وهي تهز كتفيها بثقة وتنظر لأناملها: لنرى من ينتصر.. محاميك أو محاميّ؟؟
عبدالله ابتعد عنها وكل مايريده لو استطاع تفجير دماغها بأي شيء يجده أمامه
كانت يديه ترتعش بشدة وهو يشعر أنه يكاد يموت من القهر
وهو يرى قاتلة ابنه هنا في وسط مجلسه وبين أهله بكل وقاحة ولا يستطيع أن يذيقها بعضا مما أذاقته..
قهر نفسه أكثر وأكثر وهو يتصل بوالده وصالح وفهد..
ويتصل كذلك بالشرطة وبالسفارة الأمريكية ويطلب منها إرسال ممثل عنها..
هذه المرة لن يرتكب خطأ.. ولن يسمح لها أن تغضبه فيرتكب الأخطاء..
سيتصرف وفقا للقانون وبدقة.. حتى يتخلص منها وللأبد..
لأنه الآن مايشغل باله شيء واحد..
يريد أن يتخلص منها ليطير إلى من لازال لا يعلم ما حل بها.. وقلبه يغلي قلقا عليها..
لا ينكر صدمته البالغة من رؤيتها هنا حين استعاد رباطة جأشه..
لم يتوقع رؤيتها ولا في أشد كوابيسه سوداوية!!
ولكن ربما كان هذا ماكتبه الله له.. لكي يغلق هذا الباب بشكل نهائي..
ودون أن يخشى أن يبقى كشبح يهدد بإفساد حياته..
***************************************
قبل ذلك بقليل..
"صالح أنت الحين مسوي روحك زعلان من البارحة
مع أنه المفروض أنا اللي أزعل عقب مافشلتني في أبو حسن؟؟"
صالح باستغراب: مسوي روحي زعلان !!
ثم أردف بجدية: إلا زعلان يامدام..
أنا سكتت واجد على خبالك.. والظاهر أنش غرش الغلا..
نجلا باستنكار: أنا؟؟
صالح بغضب: نجلا أنا تراني طفشت وطلعت روحي منش..
أنتي بتسنعين وإلا سنعتش.. ملاحقني بالتلفونات من مكان لمكان كني راعي خمل..
ولا رجعت البيت طفشتيني بكثر الأسئلة..
صرت لا شفت اسمش في التلفون وإلا رجعت البيت أحس هم طابق على نفسي..
نجلاء اتسعت عيناها ذهولا وهما تترقرقان بالدموع.. يستحيل أن يكون هذا صالح الذي لم تعتد منه إلا على كلمات الغزل..
أ يعقل أن صالح الذي يذوب في الأرض التي تمشي عليها يقول لها هذا الكلام..
كانت تريد أن تتكلم ولكن الكلمات وقفت في حنجرتها كأشواك حادة..
عدا أن صالحا لم يترك لها الخيار أصلا وهو يرد على اتصال وصله ويهتف في الهاتف بصدمة كاسحة:
لا تسوي أي شيء.. ولا تتحرك من مكانك لين أجيك..
خمس دقايق بس وأنا عندك..
****************************************
" كساب يدري إنش رايحة معي للدكتورة؟!!"
كاسرة تنظر لفاطمة التي تجلس جوارها في المقعد الخلفي من سيارة كاسرة
وفي الأمام الخادمة والسائق وتهتف بهدوء:
أكيد يعرف.. يعني بأروح من وراه...
فاطمة بتساؤل حذر: ماقال إنه هو بيوديش؟؟
كاسرة بتلقائية حازمة: إلا قال.. وكان مصمم هو اللي يوديني..
بس عقب الكلام السخيف اللي قاله البارحة.. قلت له ما أبيك توديني
وتلاغينا قبل أجي.. وقال لي روحي مع اللي تبين..
فاطمة تبتسم: يأختي صحيح رجالس يهوس.. بس عقله متركب شمال..
كاسرة بضيق: والله ماحد مخه متركب شمال غيري اللي صابرة عليه..
والله العظيم لا هذي أنا ولا طبايعي..
بس الله يأخذ غلاه اللي صبرني عليه.. ويريحيني..
فاطمة تتسع ابتسامتها: لا تصيرين عاد من مكفرات العشير..
كساب يحبش ومدلعش وحاشمش وحاشم هلش عشانش..
كاسرة بضيق أعمق: أما عاد يحبني كثري منها!!
فاطمة بابتسامة: والله هذا اللي أنا شايفته.. والحب له ترا أشكال كثيرة تظهر في غير الكلام..
كاسرة بحزم : سكري ذا الموضوع المالغ.. وصلنا للدكتورة..
نزلت الاثنتان.. بقيتا لأكثر من أربعين دقيقة قبل أن تنادي الممرضة باسم كاسرة..
نهضت الاثنتان لتصدمان بوجود كساب يقف أمام باب الدكتورة قادما من غرفة انتظار الرجال..
فاطمة تراجعت بوجل لغرفة انتظار النساء بينما همست كاسرة باستغراب:
كساب وش اللي جابك هنا؟؟
كساب بثقة: قلتي لي ماتبيني أوديش.. بس ماقلتي أنش ماتبيني معش..
كاسرة كون إنه اختلفنا في رأي مهوب معناته إني أبي أحرمش من شيء حقش..
وانا متأكد إن الدكتورة بتقول لش كلام لازم توصلينه لي.. وأنتي بتستحين وماراح توصلينه..
فحقش أني أكون معش وأسمع بنفسي.. ترا في النهاية الطفل هذا ماراح تجيبينه بروحش..
كاسرة لم تعرف هل تتأثر لوجوده وحرصه أن يكون معها؟؟.. أم تصفعه لوقاحته؟؟
لم ترد والممرضة تفتح الباب وتهمس بمهنية: تفضلوا لو سمحتوا..
.
.
يجلسان في السيارة بعد أن عادت كاسرة معه..
وكساب يبتسم ويهمس بفخامة مرحة: زين إن فاطمة كانت ذوق ورجعت قبلنا على السيارة وإلا يمكن كان رجعتي معها وخليتيني
صمتت كاسرة ولم ترد عليه وهي تشعر بصداع حقيقي ناتج عن إرهاقها فهي بالكاد نامت البارحة لكثرة التفكير..
ثم ازداد صداعها وحرجها مع توصيات الدكتورة السخيفة وجدولها الأسخف..
وتمنت لو أنها لم تدخل نفسها في كل هذا وكساب يسمع..
كساب مد كفه ليحتضن كفها القريبة منه وهو يهتف بتساؤل فخم:
كاسرة وش فيش؟؟ ليش زعلانة؟؟
هذا أنا سويت كل اللي في خاطرش وأنا ماني بمقتنع..
مع أني مستحيل أسوي شيء ماني بمقتنع فيه..
حينها شدت يدها بعيدا عنه وهي تهتف بعمق: تدري كساب أنت مثل اللي يبي يكحلها عماها..
ثم أردفت بحزم موجوع: يعني تتمنن إنك رحت معي وأنت منت بمقتنع.. مشكور طال عمرك..
فيه شيء ثاني عندك تبي تجرحني فيه؟؟
حينها كان هو من صمت وهو يعيد تثبيت كفيه على المقود ونظره على الطريق..
حينها ورغما عنها هي من شعرت بالألم..
لا تعلم كيف يستطيع قلب مشاعرها بهذه الطريقة!!
اعتادت عليه حادا دائما في حواراته.. في الفترة الأخيرة حين بات يصمت وهما في خضم حوار حاد.. تشعر بألم عميق..
تشعر كما لو أنه مرهق.. لذا يفضل الصمت..
تتمنى لو استطاعت أن تحمل عنه بعضا من هذا الإرهاق..
ولكن كيف وهو لا يخبرها ماسبب إرهاقه حتى!!
تمنت حينها لو مدت يدها لتمسح على عروق كفه البارزة بقوة يديه وهي تحيط بمقود السيارة..
ولكنها لم تفعل.. فهي مجروحة منه لأبعد حد.. مجروحة حد السماء..
قطع الصمت بينهما وهو يهتف بسكون كأنه يحادث نفسه:
أشرايش نروح المزرعة الحين..
همست باستغراب: الحين الحين!!
أجابها بجدية واثقة: إيه الحين..
بأتصل في الصبيان هناك يرتبون المكان ويقولون للطباخ يسوي لنا غدا..
بنروح نتغدى هناك ونتعشى ونرجع في الليل بعد العشاء..
زمان مارحنا هناك.. والجو أساسا حلو..
وإلا عندش مانع؟؟
هزت كاسرة كتفيها: لا مانع ولا شيء.. نروح..
*******************************************
"جوزا بسش بكا.. حرام عليش اللي في بطنش!!"
شعاع تهمس لها بذلك ولكنها..مازالت عاجزة عن التوقف عن البكاء
رغم أن وجهها تورم لكثرة مابكت.. ورغم محاولات شعاع وعالية لتهدئتها!!
كانت تشعر أن هناك مصيبة قادمة.. لكن أن يكون عبدالله متزوجا عليها..
لم تخطر لها هذه المصيبة على بال؟؟
متى تزوجها؟؟
طبعا قبل فترة قصيرة.. مع شعورها أن عبدالله قد مل منها!!
"طبعا ولماذا لا يمل مني إن كان قد تزوج هذه؟!!"
عالية تهمس بابتسامة فاشلة: حشا الجويزي فاتحة حنفية.. بسش..
سمعتي الدكتورة بنفسش تقول مهوب زين تبكين كذا
والبيبي توه صغير كذا!!
لم ترد.. لا تريد أن تتكلم حتى!!
تشعر أن ما بداخلها من ألم لن تعبر عنه كل الكلمات!!
ويبدو أن عبدالله سيبقى دائما مصدرا لكل آلام حياتها وأبشعها!!
لماذا يفعل بها هكذا وفي هذا الوقت بالذات؟؟
كانت على استعداد أن تتنازل عن كل شيء من أجله..
فلماذا يخذلها ويجرحها بهذه الطريقة؟!!
لماذا يشعرها بالضآلة والامتهان وزوجته تأتي هكذا بكل وقاحة لوسط بيتها؟؟
كلما حاولت السكوت خوفا على جنينها..
عاد لها تفكير بشع مؤلم جارح.. كيف كانت تنام في حضن عبدالله كل ليلة وجسده مطلخ ببقايا زوجته الأخرى؟؟
كيف؟؟ كيف؟؟
"المجرم !! الحقير !!"
لتزداد دموعها انهمارا وشهقاتها ارتفاعا ووجعا!!
*******************************************
ينظر لها كيف تشبك يديها بقلق وتزفر بتوتر منذ ركبا الطائرة..
تبدو كطفلة قلقة في يومها الدراسي الأول..
هتف لها بحنان: جميلة اش فيج متوترة جذيه؟؟
همست باختناق: ما أدري خليفة.. مرعوبة.. ومتوترة.. ومشتاقة لأمي.. ما أدري .. ما أدري!!
ثم صمتت وهي تخشى ان تقول (ومرعوبة من إحساسي إنك بتخليني!!)
منذ ركبت الطائرة وهي تتحاشى أن تنظر له لأنها تخشى أن تنفجر في البكاء..
أحاسيسها مشوشة وتفكيرها مرتبك وتشعر بخوف عميق يبتلع روحها في سودوايته..
وهو لا يطمئن قلبها على مكانتها عنده..
أ حقا كل مايريده هو التخلص منها؟؟
وليتها تعلم أن كل مايريده الآن أن يضم كفيها الصغيرين المرتعشين بين كفيه وقريبا من صدره..
لكنه يقهر نفسه وهو يقول (هانت كلها ساعات ونصير في الدوحة
يمكن الغشاوة اللي على بصرها تروح)
**************************************
" يا حبيبتي ريحي أعصابش شوي..
يعني لو حرقتي نفسش بتوصل أسرع..
خلاص لا تحاتين الليلة ممساها في حضنش!! "
عفراء تشد كف منصور التي تحتضن كفها وتهمس بإرهاق مختلط بالتوتر والشوق:
يا الله يامنصور ماعاد فيني صبر خلاص.. بأموت أبي أشوفها..
منصور يخلص كفه من كفها بخفة ليمد ذراعه ويحتضن كتفيها ويهتف بتقصد:
ماكان فيه حد بيموت غير منصور ولا حد درا عن هوا داره..
لو متت هنا في حجرتي.. ماكان حد درا عني..
عفراء بجزع: بسم الله عليك.. ولا تفاول على نفسك..
ابتسم بفخامة وهو يشدد احتضانه لكتفيها: زين عادش مصممة تروحين معي المطار..؟؟
والله العظيم تعب عليش ياقلبي.. أنا بأروح بروحي وبأجيبها لش..
عفراء بإصرار عذب: تكفى يامنصور.. مايصير توصل وماتلاقيني في وجهها..
وبعدين أنا لو قعدت انتظرك لين تجيبها الله أعلم وش ممكن يجيني!!
*********************************
" يمه أشرايش أنا وأنتي نروح الصالون؟؟"
مزنة تلتفت لسميرة وتبتسم لها بأمومة: تبين أروح معش رحت؟؟
سميرة بمرح: لا يمه ما أبي بودي جارد.. أبي أروح أنا وأنتي نسوي بديكير ومنيكير..
مزنة بعفوية: مافيه مناسبة.. وأنا ماأسوي إلا لو فيه مناسبة..
آخر مرة سويت قبل عرسش..
قبل.. قبل...
ثم بترت عبارتها حتى لا تكملها..
لتقفز سميرة وتتناول كف مزنة لتقبله وهي تهمس بمرح عذب:
طالبتش بلاها قلبة المود ذي.. تدرين قلبي الرهيف مايستحمل..
وإلا تبيني على قولت خالي هريدي.. جات الحزينة تفرح مالئتش ليها مترح..
مزنة ربتت على رأس سميرة وهي تبتسم بحزن: بسم الله عليش من الحزن..
ذا الوجه الحلو ما انخلق إلا يبتسم..
سميرة برجاء: زين خلاص امشي معي نسوي بديكير ومنيكير.. مع أنش منتي بمحتاجة
بس عاوزة أشوف رجليكي الحلوة لما تبئى بمبي بعد البديكير
حينها غمزت لها مزنة بخبث لطيف: إذا البديكير والمنيكير حق وليدي ماعليه نروح..
سميرة تضحك: لا لا.. أنتي ماتعلمتني في قانون المصارعة إن الضرب تحت الحزام ممنوع..
وبعدين أنتي بنية عزابية وش تبين بسوالف المتزوجات..
كانتا في حوارهما حين دخل تميم.. وكالعادة انطفئت ابتسامة سميرة بشكل عفوي..
ولكنه لم ينتبه.. لأنه بالكاد لوح بيده مسلما وهو صاعد للأعلى بسرعة..
مزنة ربتت على فخذ سميرة وهمست بحزم أمومي: قومي يأمش شوفي رجالش وش فيه؟؟
سميرة هزت رأسها وصعدت خلفه.. أ ليست هذه مهمتها كزوجة؟؟
حين دخلت كان يبحث بين أوراقه بعصبية.. طبعت له على الحاسوب:
تميم تدور شيء؟؟ قل لي وأنا بأعطيك إياه؟؟
وحملت الحاسوب ووضعته أمامه..
لكنه لم ينظر له حتى وهو يزيحه جانبا ويستمر بالبحث..
أعادت وضع الجهاز أمامه.. وأعاد إزاحته دون النظر له..
حينها حملت الجهاز وأعادته مكانه.. وجلست وهي تنظر له..
لأول مرة بعد ليلة زواجهما تراه ثائرا هكذا..
رأته حزينا متضايقا.. لكن ثائرا لا..
يقتلها فضولها الطبيعي أن تعرف عن ماذا يبحث وهو بهذه العصبية
ولكنها يستحيل أن تشير له لذا بقيت صامتة..
وهو يبعثر كل الأوراق ويظهر على وجهه علائم التأفف والضيق..
ثم يغادر وهي مازالت لا تعلم لماذا حضر؟؟ ولماذا غادر؟؟
وفضولها يزداد حول ماكان يبحث عنه.. لأنها تعرف تماما مكان كل شيء!!
ولا تنكر أنها تعبث في أوراقه في غيابه.. لذا هي تعلم كل تفاصيل عمله أيضا..
فعن ماذا كان يبحث؟؟ عن ماذا؟؟
**********************************
" عبدالله وش فيك تأخرت كذا؟؟
المسكينة من صبح ماسكتت والحين صرنا عقب العصر
والبكا خطر عليها..
الدكتورة عطتها مهدئ وعطتها إبرة مثبتة.. بس تقول لازم تهدونها"
همس بضيق موجوع وهو يقف مع عالية في الخارج: صدق هي حامل؟؟
عالية بجدية: ليه هذي مواضيع فيها مزح؟؟
عبدالله بضيق أشد: وذا الكلبة يعني مالقت تنط لي إلا اليوم؟؟
عالية بتساؤل: صحيح عبدالله إنك متزوجها من أيام سفرتك الأولى لأمريكا..
اتصلت أسأل صالح بس ماعطاني تفاصيل..
عبدالله بذات الضيق:صحيح وطلقتها قبل ما أتزوج جوزا المرة الأولى حتى
بس ذا المصيبة بتقعد نقطة سوداء ي حياتي ماني بمتخلص منها..
عايو بتساؤل: وش سويت الحين معها؟؟
عبدالله بإرهاق: قدمت ضدها بلاغ في الشرطة.. واضطرت توقع تعهد بعدم الاقتراب مني بعد ماضغطوا عليها في السفارة..
بس السالفة عادها تبي لها شوي لين أخلص منها مرة وحدة...
عالية بهمس تحذيري: ترا اللي ذابح جوزا إنها تحسبك توك متزوجها عليها..
عبدالله باستغراب مصدوم: من جدش؟؟ وأنتي قلتي لها شيء؟؟
عالية هزت كتفيها: لا طبعا.. موضوع مثل هذا بينك وبينها بس..
أنا بأدخل أخذ شعاع وبنروح مصلى الحريم لين تخلصون كلام
لأنه شكلكم بينكم كلام واجد..
وعقب أنا بأرجع معك البيت.. بأروح أشوف ولدك ..أكيد جنن أمي الحين!!
عالية خرجت مع شعاع وعبدالله دخل..
حين دخل توقع أنها ستصرخ به.. ستطرده..
ولكنها لم تتحرك من مكانها حتى وهي تتمدد بشكل جانبي.. ودموعها تسيل بغزارة..
شعر أن قلبه يتمزق وهو يرى انهيارها الواضح..
شد له مقعدا وجلس جوارها
مد يده ليزيل خصل شعرها التي التصقت بوجهها المبلل
ولكنها أبعدت وجهها عن مدى يده.. همس لها بخفوت بنبرة تذوب حنانا:
جوزا ياقلببي مافيه حد خالي من العيوب..
وذا المره اللي شفتيها اليوم يمكن تكون ذنبي الوحيد في الدنيا
اللي لين اليوم وربي يعذبني به..
بس صدقيني ياقلبي إن أي علاقة تربطني بها انتهت من قبل ما أعرفش حتى..
من قبل مانتزوج زواجنا الأول حتى..
قاطعته بنبرة ميتة : عبدالله اطلع برا.. ما أبي أشوفك.. طلقني!!
عبدالله بصدمة: أطلقش؟؟.. كذا؟؟.. واحنا بيننا طفل.. والثاني جاي في الطريق..؟؟
وحتى من غير أطفال.. جوزا أنا أحبش ومستحيل أبعد عنش..
أنا مهوب بس أحبش.. أنا أذوب حتى في النفس اللي تنفسينه..
والله العظيم ماعاد يربطني فيها شيء.. طلقتها من خمس سنين..
لم تكن حتى تسمع.. موجوعة حتى أقصى روحها.. مشتتة.. ومضطربة..
ازداد انهمار دموعها وهي تهمس بذات النبرة الميتة: ما أبي أسمع شيء.. أبيك تطلقني وبس..
حينها ابتعد عبدالله بكرسيه قليلا وهو يكتف ذراعيه أمامه ويهتف بحزم:
جاتش من الله.. أول يوم عقب زواجنا ذا المرة.. قلتي لي ماينجبر قلب على قلب..
وهذا الظاهر اللي صار.. أنتي أساسا منتي بمتقبلتني.. وظهور راشيل في الصورة ماكان راح يغير شيء..
بالعكس المرة الحريصة على رجالها بتلقى هذا سبب تتمسك فيه.. المرة اللي تبي رجالها مستحيل تخليه لوحدة ثانية..
وخصوصا لو كانت عارفة وش كثر يحبها مثل مانتي عارفة أنا وش كثر أحبش
لكن أنتي ماصدقتي.. خليتيني الجاني وأنا الضحية..
راشيل هذي ذبحت ولدي قدام عيني.. خالد الله يرحمه كان أكبر من حسن..
عشان ماتقولين بعد أني كذبت عليش يوم قلت أني ماعرفت مره عقبش..
وقف وهو يهتف بحزم أشد: تبين الطلاق حاضر..
بس انتظري شوي.. ليش تبين تطولين عدتش.. لا صرتي في شهورش الأخيرة طلقتش..
وعلى فكرة أنا ماني بخايف من تهديد أبيش.. بس حرام تحرقين قلبه أكثر ماهو محروق
إذا رحتي لبيت هلش قولي أنش توحمين ومقروفة مني..
وعلى العموم ماكذبتي.. أنتي من أول يوم لين اليوم وأنتي مقروفة مني!!
أنهى عبارته وخرج.. وهو يشعر كما لو كان نحر روحه قبل أن يخرج..
كما لو كان طعن قلبه ألف طعنة وتركه ممزقا أشلاء خلفه..
تعب.. تعب.. تعب من احتقارها لمشاعره..
تعب من سكب مشاعره هدرا..
سيبقى يحبها لاشك في هذا.. ولكن قد يكون من الأفضل أن ينجو بنفسه التي باتت تذوي من أجلها وهي لا تهتم..
حتى بعد أن علمت بكل شيء لا تريد مسامحته.. لم يبق شيء يستحق التأسي عليه..
حتى متى سيبقى راضيا بالفتات منها..؟؟
حتى متى سيبقى راضيا بما تتصدق به عليه من قربها..؟؟
يشعر أنها امتهنت روحه حتى أقصى درجات الامتهان..
وحتى حينما احتاجها في أسوأ ظروفه.. شحت عليه بأدنى مساندة وهي تقرر الهرب منه كأنه وباء معدٍ..
تعب.. تعب بالفعل.. وماعاد يحتمل المزيد..
تعب من كل شيء... وهـــي قبل أي شيء..
خـــرج
لتنهار هي خلفه في حالة هستيرية أخرى من البكاء.. لتجدها شعاع أغمي عليها مرة أخرى حين عادت لها..
*****************************************
" مع إنه احنا صرنا شهر 3 بس والله الجو هنا بارد
زين أني خليت لي هنا شوية شالات وملابس"
كانت كاسرة تهمس بذلك وهي تشد الشال على كتفيها
بعد أن وضعت صينية الشاي جانبا على الطاولة في الشرفة الأرضية المفتوحة على المزرعة من الخلف
وهي تنظر لكساب الذي يقوم بتمرينات الضغط المعتادة..
ابتسمت وهي تردف: احنا التمارين ورانا ورانا في كل مكان..
هتف لها وهو منهمك في التمارين: نص دقيقة وخلص..
جلست وهي تراقبه كعادتها كلما رأته يتمرن..
لا تستطيع أن تنكر أبدا أن هذا التكوين الجسدي الاستثنائي وهذه القوة المفرطة المتبدية تستجلب الإعجاب الطبيعي رغما عنها..
ولكن غرورها الطبيعي بنفسها أيضا حاضر دائما : إن كان لديه ما يأسر الإعجاب فانا لدي ماهو يأسر أكثر من الإعجاب من بكثير..
ولكنها تعود لتزفر بشيء أعمق من الحزن.. فهي لا تريد إعجابه.. فهي تعبت من نظرات الإعجاب..
تريد منه شيئا أعمق وأثمن..
فأجأها بوقوفه أمامه وهو يهتف بشبح ابتسامة وهو يلمس طرف خدها:
أنتي ماتملين من كثر ماتبحلقين فيني!!
أجابته باستنكار باسم: وليش أبلحق؟؟ من حلاتك يعني؟؟
ابتسم بخبث وهو يجلس ويجفف وجهه بالمنشفة:
ما أدري اسألي روحش وخصوصا لا ولعتي واحنا في مكان عام..
وعشان كذا صرتي كل ماقلت لش خلينا نطلع مكان.. تتهربين..
" الخبيث.. كنت أظنه لا يلاحظ..
كنت أكره أن ابدو بمظهر الغيورة أمامه
لذا أصبحت أتحاشى الخروج معه
حتى لا أضطر لتمثيل البرود وأنا أحترق..
فعلى مثل جداتنا (عين ماتشوف ماتحزن)
فقلت مادمت لن أرى عيون النساء تطارده.. فعلى الأقل لن تحترق أعصابي علانية"
أجابته كاسرة بثقة غامرة: مشكلتك واثق بنفسك على غير سنع..
وقلتها لك قبل إذا أنت تستانس لا حسستني بالغيرة عليك..
أنا بعد بأستانس لا خليتك تحس بنفس الشيء..
حينها فوجئت به يمد يده عبر الطاولة وهو يشد معصمها بقوة ويهتف بقسوة:
وأنا بعد قلتها لش قبل.. لو سويتيها ذبحتش..
حتى لو كنت عارف إنش سويتي ذا الشيء لمجرد أنش تغيظيني..
إذا أنتي غرورش وكبريائش مايسمح لش تعترفين أنش تغارين علي..
فانا اعترف أني واحد غيور لأبعد حد..
لو حد بس شاف طرف شعرش ذبحتش وذبحته..
كاسرة كانت في البداية مذهولة من هجومه غير المتوقع.. ولكن ذهولها تبدد لجزع
وهي ترى ذراعه العارية ملتصقة بالأبريق الساخن الذي أنزلته عن الغاز للتو
و الذي يقبع على الطاولة الصغيرة بينهما..
حينها انتفضت وهي تسحب الأبريق بيدها الأخرى ودون أن تتناول القماش الحامي.. لتلسع هي أناملها..
انتفض هو أيضا واقفا بجزع.. وهو يشد اناملها وينفخ عليها..
بينما كانت هي تمسك بذراعه وتنظر لاحمرارها وهي تهمس بغيظ:
خلني أروح أجيب لك كريم حروق من الصيدلية..
أنت أعمى ماتشوف الأبريق لصقت يدك فيه..
أجابها بغضب: والله مافيه حد أعمى وغبي غيرش..
عني احترقت بالطقاق.. تحرقين يدش..؟؟
كاسرة بغضب: وأنت مالك شغل في يدي .. فكني.. خلني أروح أجيب لك مرهم الحرايق..
كساب شدها للداخل وهو يهتف بحزم غاضب: إلا أنتي إلا تعالي أحط لش المرهم..
كساب شدها خلفه حتى وصلا الصيدلية الموضوعة في المطبخ الداخلي..
همست كاسرة بحزم: حط لنفسك أول.. أنا لسعة بسيطة..
بس أنت لصقت يدك في الأبريق..
كساب لم يرد عليها وهو يمد الكريم على أناملها المحمرة أولا..
ثم يناولها الكريم وهو يهتف بحزم: يالله حطي لي أنتي.. عشانش وإلا ترا حرقي مايستاهل..
كساب أخذت الكريم منه وهي تمد بعضا منه على ذراعه وتهتف بغيظ فعلي:
يعني حرقك اللي مايستاهل.. وحرقي يستاهل؟؟
تدري أنك أحيانا تخلي الواحد يكرهك من من قلب!!
حينها أمسك بمعصمها وهو يمنعها من اتمام مهمتها ويهتف بعمق وهو ينظر لعينيها:
وأنتي صدق تكرهينني الحين من قلب؟!!
لم تجبه وهي تضع الكريم على الرف القريب منها..
وتستعد للمغادرة ولكنها تقف عند باب المطبخ وتهتف بشجن:
يمكن القلب فيه أشياء واجد.. بس أكيد الكراهية مهيب من ضمنها!!
*********************************
" سميرة أصب لش شاهي بعد؟؟
وإلا تدرين عندي فطاير مجهزتها لو جاني حد.. بأروح أحطها في الفرن"
سميرة تشد نجلا وتجلسها وتهمس بنبرة مقصودة: اقعدي ماني بجاية أتقهوى
وأعرف أنش مرة سنعة وضيفش مهوب في الخلا..
بس يوم كلمتش ماعجبني صوتش عشان كذا نطيت عندش..
وش السالفة يأم خويلد؟؟
نجلاء بضيق: مافيه شيء!!
سميرة بمودة وهي تستحثتها: نجول ..علي أنا؟؟
نجلاء باستسلام موجوع : شوي مشاكل بيني وبين صالح..
حينها هتفت سميرة بغضب: رجعنا على طير ياللي.. لا يكون صالح رجع لطولة لسانه اللي قبل..
نجلاء باستنكار حزين: لا والله.. حاشاه.. بس.. بس..
سميرة بقلق: نجلا وش فيش؟؟
نجلاء بذات الضيق المتزايد: صالح ماعاد مثل أول.. أحس فيه شيء مغيره علي..
خايفة يكون في باله موال..
وأعترف أني صرت أضيق عليه بغيرتي.. بس والله العظيم حاسته هو متغير..
سميرة بجدية: نجلا.. لا تبهتين الرجال وأنتي كل كلامش حاسة وحاسة..
ألف مرة قلت لش.. عمري ماشفت رجال يحب مرته مثل ماصالح يحبش..
حرام عليش تضايقينه..
نجلاء بحزن: غصبا عني سميرة.. من غلاه والله العظيم..
وأنا ماتعودت منه إلا على الحنية والكلام الحلو.. عشان كذا قسوته غريبة علي..
سميرة هزت كتفيها وهي تنظر لنجلا بشكل مباشر:
تدرين نجلا وش مشكلتش أنتي وصالح؟؟
إنه صالح طول ذا السنين كان يحبش أكثر مما تحبينه..
وأنتي تعودتي تاخذين أكثر ماتعطين...
نجلاء قاطعتها باستنكار: حرام عليش سمور وهذا اللي طلع معش!!
سميرة نهرتها بابتسامة: يمة منش خلني أكمل كلامي..
الحين بعد ما استقر فيكم الحال.. وصالح ماعاد ضايقش بشيء..
صار دورش تعبرين لصالح عن غلاه اللي أنتي تقولين إنه حدش تسوين ذا كله!!
المشكلة شكلش ماتعرفين تعبرين إلا بالنكد..
كل مرة تحب رجالها أكيد تغار عليه.. هذا تحصيل حاصل.. بس طبعا ما تخنقه بغيرتها..
لكن تعبر عن حبها بطرق كثيرة.. ومشكلتش مالقيتي إلا أسوأ طريقة
وعشان تبررين لنفسش تصرفاتش الخايبة.. اقنعتي نفسش إن صالح متغير معش..
نجلاء بضيق: أنتي أصلا مخش مفوت.. ومافيه حد يقول ذا الفلسفة إلا وحدة خبلة مثلش..
سميرة تضحك: والله مافيه حد خبل غير وحدة لها عشر سنين متزوجة واللي تعطيها النصايح مالها نص سنة..
حينها قرصتها نجلاء وهي تحاول أن تجاريها في المرح:
روحي بس لمحل تميم..
وشوفي الغزلان اللي جايين للمحل أفواج وأفواج..
ولا رجع أخر الليل ماشاف إلا وجهش المغبر اللي من بياضش كنه وجه مومياء طالعة من قبرها..
سميرة تبتسم بمرح: يا أختي أنا وحدة أؤمن بأحقية الناس في شوفة الجمال..
يا أختي رجّالي حلو.. خل البنات يمتعون عيونهم.. قالوا لش خبلة مثلهم..
لهم شوف وحر جوف.. وهو آخرته لي.. وأنا عاجبته وتارسة عينه مغبرة وإلا مومياء!!
سميرة رغم علاقتها المتينة بنجلاء.. إلا أن نجلاء لا تعرف أبدا حقيقة علاقتها بتميم..
بل هي أقنعت الجميع أنها تعيش معه حياة سعيدة وخصوصا بعد تعلمها لغة الإشارة..
كرهت أن تترك لأي حد المجال أن يقول لها العبارة المقيتة (قلنا لش!! حذرناش!! بس أنتي ماطعتي!!)
وهي في حوارها مع نجلاء وصلها رسالة من تميم.. بالعادة الرسائل بينهما في غاية الرسمية..
توقعت أنه يقول أنه سيتأخر أو ماشابه..لذا تفاجأت بالرسالة:
" بعد ساعة بأجي لش في بيت أختش..
عازمش على العشا"
توترت نوعا ما.. فهي نادرا ماتخرج معه لمكان عام..
عدا مشوار المدرسة ووضحى معهما..
لم تعلم كيف ستتفاهم معه... بورقة وقلم؟؟
وكيف سيطلب هو العشاء في المطعم؟؟ أم ستضطر هي أن تطلب؟؟
بدا الأمر لها محرجا وغير مريحا.. وقررت أنه حين يحضر لأخذها سترفض الذهاب معه..
لا تعلم مابه اليوم.. أولا أثار فضولها ببحثه عن شيء مازالت لا تعلم ماهو..
ثم هذه الدعوة غير المتوقعة!!
*************************************
" يا الله يمه.. وأخيرا ماني بمصدقة"
عفراء تحتضن جميلة ودموع الاثنتين تنهمر بغزارة والاثنتان تجلسان في المقعد الخلفي لسيارة منصور المتوقفة في مواقف المطار..
لأن عفراء لم تستطع النزول أساسا..
عفرا تهمس باختناق عميق: شيلي نقابش شوي.. خلني أشوف وجهش ياقلبي..
السيارة مغيمة.. وانا مافيني صبر لين البيت..
جميلة رفعت نقابها بخفة.. لتنفجر عفرا في البكاء بتأثر عميق وهي ترى كيف استعادت جميلة كامل عافيتها..
وهي تمتع نظرها المشتاق لكل تفاصيل صغيرتها التي استعادت كل رونقها وحياتها الطبيعية معها..
عاودت احتضانها بقوة بشكل جانبي وجميلة تهمس باختناق باسم:
أخينا العزيز خذ المكان كله ماخلا لي من حضنش شيء..
عفراء بحنان عميق: وش أسوي ماجيتي إلا كرشتي على أخرها..
بروحي ماعاد أقدر أتنفس من الثقل..
جميلة تتناول كفي والدتها وتقبلهما وهي تغرقها بدموعها:
المهم أني جيت قبل تولدين شان أكون معش.
وهما غارقتان في طوفان مشاعرهما وتأثرهما
أطل عليهما منصور الذي كان قد توجه مع خليفة ليسلم على والده وشقيقيه الذين حضروا لاستقباله..
هتف بابتسامة حانية: ها يا جميلة يا أبيش..
خليفة يقول ماخلصتي سلامات على أمش..
حينها رفعت جميلة رأسها من حضن أمها وهي تهمس باختناق موجوع: وينه خليفة؟؟
منصور بنبرة أبوية باتت تليق به تماما: جاي وراي..
أنهى عبارته وتوجه لمكان السائق ليركب....
حينها أطل عليهم خليفة بالفعل ليفتح الباب من ناحية عفراء ليقبل رأسها وهو يهتف بابتسامة ودودة:
قرت عينج بشوفت جميلة.. وقرت عينها بشوفتج.. كانت بتموت وتشوفج بس..
لم يكن يعلم بالشهقات المكتومة غير الطبيعية التي بدأت تصدر ممن تجلس جوار عفراء..
وهي تشد الشيلة لتضعها على فتحات عينيها منذ سمعت صوته وكأنها المرة الأخيرة التي ستسمعه فيها..
حين انتهى خليفة من السلامات المعتادة مع عفراء هتف بنبرة حانية:
يا الله جميلة.. هذا أنتي سلمتي على أمج..
امشي معاي.. خالاتي ومرت جاسم ناطرينج في البيت..
تعشي عندهم بس.. وعقب بأردج لأمج تنامين عندها..
صُعق بل تمزق بل تناثر أشلاء بالرد المختنق: لا..
سأل بذات احساسه بالصدمة المريعة: أشلون لا؟؟
ماتبين تروحين معاي الحين..؟؟
خلاص روحي مع أمج وبيي عقب ساعة وأخذج..
ذات الصوت الذي يتزايد اختناقا: لا..
بدأ صوته برتجف بغضب وبكثير من الخوف..
أحقا هذه الجريمة التي سترتكبها في حقه؟؟.. أستتركه؟؟ أم هذه محض هواجس؟؟ :
جميلة أشلون لا..
انزلي قدامي.. لا تصرفين مثل اليهال.. كلها ساعة زمن وأردج لأمج..
عفراء شدت على يد جميلة بتحذير غاضب وهي تهتف بحزم:
خليفة يأمك.. أنا بعد بأروح معك الحين..
نسلم على خالاتك ومرت أخيك ونتعشى عندهم بعد....
جميلة قاطعتها بصوتها المرتعش اختناقا: لا يمه لا..
لم يعلم خليفة أي جنون يخطر ببال هذه الصغيرة..
وهي تظن أنها برفضها.. تترك له مجال الاختيار دون ضغط..
ستذهب مع أمها وهي تحله من أي مسؤولية تجاهها..
وإن كان يريدها بعد ذلك سيكون قد اختارها باختياره هو ودون أي ضغط..
همست بصوت ماعاد ظاهرا لشدة اختناقها بالعبرات:
لا خليفة ما أبي أروح معك.. أبي أقعد عند أمي..
حينها شعر أنه عاجز عن التنفس فعلا..
أ يعقل كل هذه القسوة والجحود والنكران والوحشية؟؟ هتف بغضب موجوع:
تقعدين عند أمج كم يوم يعني؟؟
جميلة عجزت عن أن تقول ماخططت لقوله..
ولكنها ختاما قالته وهي تشعر كما لو أن الأحرف تمزق لسانها:
أبي أقعد عندها على طول..
تظن أنه يجاملها وهو يطلب منها الذهاب معه..
و لكن لو علم أنها لن تعود له مطلقا...
سيصفو تفكيره بعيدا عن علاقتهما كمريضة ومرافقها.. حينها سيعود لها بشكل جديد كما تتمنى..
منصور هتف بحزم بالغ: جميلة عيب عليش.. روحي مع رجالش.. أو أنا بروحي بأوديش..
همست بألم روحها الممزقة: تكفى عمي لا.. لا ..
عفراء بغضب حقيقي: روحي يا بنت مع رجالش وإلا والله لأزعل عليش.. وتشوفين مني شيء عمرش ماشفتيه..
قاطع خليفة محاولات عفرء ومنصور لاقناعها وهو يشعر كما لو أن روحه تنزف بكل غزارة..
مهما كان توقعه لجحودها لم يتخيل أنه سيصل لهذه المرحلة!!
وهي تبعثر كرامته أمام أهلها.. وحتى أمام أهله الذين ينتظرون غير بعيدين
وهم يحضرون على سيارتين حتى يعود هو بزوجته على إحداها..
لن يسمح لمشاعره أن تمتهن كرامته.. لن يسمح لحبها أن يذله ويحتقره هكذا!!
بأي صورة يعود لوالده وهو يخبره أن زوجته لن تعود معه..
قاطعهم بحزم أخفى خلفه ألم روحه الذي لا حدود له:
بس لا تحايلونها على واحد ماتبيه.. خلاص مهمته انتهت في نظرها.. ولازم ترميه مثل الزبالة..
كاهي بنتكم رجعت لكم.. وسلمتها لكم بكل صحتها..
ومهمتي انتهت خلاص.. واحتسبت أجري عند رب العالمين..
وبنتكم ورقتها بتوصلها باجر..
ثم أردف وهو يبصق روحه:
جميلة أنتي طالق..
****************************************
" غريبة أنش قاعدة هنا..
منتي برايحة لخالتي وبنتها!!"
مزون تنظر لعلي العائد من صلاة المغرب وهي تمسح تأثرها وتحاول ألا تبكي
لأنها تعلم أنها ستبكي كثيرا حين تذهب لجميلة
التي أخبرتها خالتها للتو حين اتصلت مزون بها أن جميلة منهارة تماما
وفي حالة بكاء هستيرية بعد تطليق خليفة لها وأنهم في طريق العودة للبيت..
هتفت مزون بتأثر: بأروح.. بس بعد شوي.. عادهم في الطريق..
علي بابتسامة وهو يجلس جوارها: زين ليش محزنة كذا؟؟ المفروض أنش مبسوطة..
مزون بشكل مباشر لشدة إحساسها بالألم: رجّال جميلة طلقها وهم عادهم في المطار... تخيل.. تخيل..
وخالتي زعلانة منها وتقول إنها اللي حدته يسوي كذا..
علي بصدمة: من جدش؟!!
مزون بألم: يعني بافاول على بنت خالتي بالطلاق!!
حينها صمت علي لثوان ثم أردف بحزم القرارات الحازمة: أبي درا وإلا عاده..
مزون هزت كتفيها: أكيد مابعد درا.. السالفة توها صارت وأبي مابعد رجع من المسجد..
حينها أردف علي بحزم شديد: اسمعيني عدل..
الحين الحين رشحي لي وحدة أقول لأبي يخطبها لي أول مايرجع من المسجد..
مزون بصدمة: من جدك..بذا السرعة ؟؟
علي بذات النبرة الحازمة: إيه من جدي.... أنتي ألف مرة قايلة لي عندي لك عروس.. يعني أكيد فكرتي بحد معين
وماراح أكذب عليش يامزون.. وطبعا سر بيني وبينش..
أنا خايف من شيئين..
إنه لو أنا خطبت بعد مايشيع خبر طلاق جميلة يقولون إني خطبت عشانها تطلقت..
الشيء الثاني واللي أنا خايف منه أكثر إنه لو ماخطبت ورجّالها مارجعها.. يحنون علي أبي وعمي أني أتزوجها...
وأنا أساسا كنت خلاص بأقول لأبي يخطب لي.. فخليني أخلص السالفة مبدئيا وأنا مابعد عرفت بطلاقها..
مزون حينها ابتسمت: بس أنت عرفت!!
ضرب خدها بخفة حانية وهو يبتسم: لا ماعرفت.. وخلصيني عطيني اسم زوجتي المستقبلية؟؟
مزون حينها أصيبت بحالة من الحماس العفوي:
في بالي أكثر من وحدة ومن زمان.. بس أنت عطني المواصفات اللي تبيها..
علي بجدية: أهم شيء تكون وحدة رايقة وهاديه مالي خلق على وحدة قوية ولا لسانها طويل..
الجمال مايهمني بس في نفس الوقت أبيها تكون ستايل وذربة
لأنه لازم إنها بتنعزم مع زوجات دبلوماسيين فلازم إنها تشرفني..
والشيء الثالث والمهم بعد تكون بنت ناس فيهم خير.. يعني نسب يشرف!!
تعرفين إن منصبي حساس وكل شيء يؤثر علي !!
مزون حينها اتسعت ابتسامتها وهي تهتف بنبرة مقصودة:
خلاص... لــقـيـتـهـا لك !!
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل الثامن والخمسون 58 - بقلم HaboOoshy
" مساكم الله بالخير!!"
علي ومزون ينظران لوالدهما الذي دخل للتو وبينهما نظرات غريبة وهما يردان: هلا يبه..
زايد جلس وهو يهتف بنبرة مقصودة: وش فيكم سكتوا يوم شفتوني؟؟ بينكم سر ماتبوني أعرفه..؟؟
مزون صمتت.. بينما علي هتف بحزم وهو ينظر لوالده بشكل مباشر:
أنا كنت قايل لمزون تدور لي عروس عشان أريحك.. وكنا ننتناقش في ذا الموضوع..
حينها اعتدل زايد في جلسته وهو يخفي لهفته خلف حزم صوته المدروس:
ها وش استقرت مداولاتكم عليه؟؟
علي بنبرة مقصودة: مزون رشحت بنت فاضل بن عبدالرحمن بس أنا كنت أقول...
قاطعه زايد بحزم: وش كنت تقول.. فاضل رجّال ونعم النسب..
علي بحزم: ما اعترضت.. بس قلت عشان حالة عبدالرحمن ولدهم الله يفك عوقه..ما أعتقد أنهم يمكن يوافقون..
ولو وافقوا أكيد ماراح يوافقون على إنه نسوي العرس لين يتشافى ولدهم..
زايد بذات النبرة الحازمة: عبدالرحمن حالته مستقرة صار لها شهور..
وأنا أصلا كنت توني زرته الأسبوع اللي فات..
وفاضل بنفسه كان يقول لي وش كثر يحاتي بنيته اللي عنده في البيت..
وأنا كنت ناوي أزوره ذا الأيام.. قم نروح له ذا الحين!!
علي شعر بانتصار داخلي (لِـمَ لا؟؟) وهو يهتف بحزم مدروس: الحين الحين؟؟
زايد يقف وهو يهتف بطريقته القاطعة: الليلة ماعندي ارتباطات.. دقيقتين بأبدل وأجيك
ونروح له.. مجرد جس نبض..
وكانه وافق رحنا له عقب في مجلسه مع عمك وأخيك...
حين غادر زايد.. ابتسمت مزون وهي تسأل علي:
وش معنى اخترت بنت فاضل.. مع اني قلت لك عنها وعن وبنت ناصر آل سيف..؟؟
علي ببساطة باسمة: لسببين.. الأول ما ابي أخيش كساب يصير عديلي..
يعني خلصوا البنات عشان أروح أخذ أخت مرته.. كن السالفة حلاوة..
ماصدقنا نبي ناخذ بنات البيت كلهم..
وبعدين يا أختي أخيش هذا حار.. لو صار مشكلة بينه وبين مرته..
ما أبيها تأثر علي أنا ومرتي.. ولو كانت أختها أكيد بتأثر..
والسبب الثاني والأهم.. بنت ناصر عندها أخيها تميم الله يخليه لهم..
أول كان يكسر خاطري لأني ماكنت أعرفه..
بس عقب ماصار قصيرنا وعرفته أنا أشهد إنه رجّال ماينضام اللي في ضوه..
بس بنت فاضل الله يعينهم.. ابيها شيبة صاير تعبان مع تعب عبدالرحمن
وعبدالرحمن مايندرى وش يكتب له ربي..
قلت يمكن الله رايد أني اخذها واريح بال ابيها من صوبها..
***************************************
" خليفة يأخوي هونها وتهون يأخوك"
خليفة بألم عميق: ذبحتني ياجاسم ذبحتني.. ماهقيت ولا حتى واحد في المية إنها بتسوي فيني جذيه..
توقعت تتدلع شوي.. تتغلى..
قلت حقها.. خلها تتدلع.. الدلع كله لها..
بس هي طلعت بايعة يأخوي بايعة..
ثمان شهور ياجاسم .. ثمان شهور.. مالي شغلة غيرها..
كانت فيها هي كل شيء في حياتي.. أفرح لا فرحت.. وأحزن لا حزنت..
اليوم اللي هي ماتبتسم فيه أحس فيه بارد ماله طعم..
ولا شفت دمعة بعينها ودي أقص شريان من قلبي أهون علي!!
ثمان شهور تارك هلي وديرتي.. حاول فيني منصور وزايد إني أرجع لو شهر للدوحة..
قلت لا.. ما أخليها دقيقة.. مثل ما طلعنا من الدوحة سوا نرد سوا
مادريت إنها تنطر نرد عشان تذبحني..
وإلا لو أني قايم في جلب (كلب) ذا الشهور كلها مايعضني جذيه..
جاسم يركن سيارته جانبا بعد أن أصر على أخذ خليفة من المطار والذهاب لوحدهما على أن يعود والده وشقيقه الصغير معا..
ويهتف بتأثر: زين دامك تحبها هالكثر ليش طلقتها.. جان نطرت عليها شوي..
خليفة بحزم موجوع: لا ياجاسم لا.. الله يلعن حبها جانه بيذلني..
يعني تسوي فيني اللي هي سوته واحنا بعدنا في المطار
وعقب أقول لها خلاص روحي على كيفج وأنا ناطرتج..
هذي باعتني وبرخيص بعد!!
جاسم بذات التأثر: خلاص يأخوي من باعك بيعه.. هذي ماعليها حسوفة..
ليش حارق نفسج جذيه؟؟
خليفة باختناق روحه الممزقة: الحجي هين يأبو أحمد.. مجروح يأخوي.. حاس كني بأموت..
تدري وش حاسس فيه..
جن بنتي أنا خانت فيني..
جن روحي تمردت علي..
جن يدي أنا قطعت شراييني..
تتخيل هالاحساس أشلون.. جميلة كانت بنتي وكانت روحي وكانت يدي!!
جاسم بتأثر أعظم: كل شيء يبدأ صغير ويكبر إلا الحزن.. يبدأ كبير ويصغر..
أنت الحين توك متأثر.. بس صدقني كلها كم يوم وتهون..
خليفة بألم عميق: على قولتك كلها كم يوم..
واللي حط حبها بوسط حشاي قادر يشيله..
يا الله يأبو أحمد أنا متشفق وايد لشوفت أحمدوه الصغير..
وخالاتي أكيد بعدهم ناطرين في البيت.. خلني أروح لهم بفشيلتي..وألقط ويهي!!
******************************************
" بس ما أبي أسمع صوتش.. بس"
عفراء تقف وتنتفض غضبا وهي تنهر جميلة التي مازالت ملتفة بعباءتها وتدفن وجهها في المخدة وتنتحب بصوت عالٍ
عفراء تنهرها بقسوة أشد: اقول لش بس.. ما أبي أسمع صوت بكاش..
ليش تبكين الحين؟؟ مهوب هذا اللي تبينه؟؟
والله ياسواتش ماتسويها حتى مضيعة المذهب!!
الرجّال اللي له ثمان شهور عازش وحاشمش ومخلي كل شيء عشانش
هذي تكون جزاته..؟؟
حتى لو ما تبينه.. مهوب كذا السنع.. هذا راعي جميل عليش..
احشميه قدام هله.. كبري قدره مثل ماكبر قدرش..
وش أقول؟؟ وش أقول؟؟
الظاهر أنهم صادقين وأني ماعرفت أربيش..
خليتي للناس لسان عليش وعلي..
جميلة ترفع رأسها وتعتدل جالسة وهي تمسك بكف والدتها القريبة منها وتقبلها قبلة مبللة بدموعها وهي تشهق:
محشومة يمه...
والله العظيم يمه أني أبيه.. ماهقيت إنه بيرخصني كذا..
هو أصلا ماصدق يتخلص مني..
كان ينتظر نرجع الدوحة عشان يتخلص مني..
عفراء تنتزع يدها بقسوة وهي تصرخ بها: بس ما أبي أسمع كلمة.. سودتي وجهي..
هذا حكي وحدة عاقلة..
منصور يدخل عليهما وهو يهتف بحزم:
عفرا بس ذا الانفعال مهوب زين لش..
والبنية ميتة من البكا وأنتي تزيدينها عليها..
عفراء بذات الانفعال: والله لو قلبي يقواني.. كان ضربتها بعد..
جميلة دفنت وجهها بين ركبتيها.. وعفراء مازالت منهمرة بغضب وبكاء جميلة يتزايد
منصور جلس بجوار جميلة وهو يربت على رأسها
حينها تكورت في حضنه قطة باكية وهي تنتحب بعنف..
تشعر بالضياع منذ طلقها خليفة وكأنها لا تقف على سطح الأرض حتى
وأن أي أقل حركة ستدفع بها إلى الهاوية أو توقعها لينكسر عنقها..
شدها منصور بقوة حانية: بس يأبيش خلاص.. صحيح أنتي غلطانة
بس لا تحاتين.. السالفة بينش وبين خليفة بتنحل.. وقريب!!
همست ووجهها مختبئ في كتفه: لا عمي تكفى.. تكفى لا ترخصني..
خليفة لو يبيني.. ماباعني عند أول موقف..
عفراء تنتفض بغضب: ولها لسان بعد تحكي.. ولها لسان..
منصور حينها وقف ليشد على كف عفراء ويهتف بحزم حان:
عفرا بس عمري ماشفتش معصبة كذا.. مهوب زين عليش..
عفراء لشدة غضبها وانفعالها من تصرف ابنتها لم تشعر بتزايد الآلام معها..
فهي كانت تحمل في داخلها امتنانا عميقا لهذا الشاب الذي ربطتها به علاقة قوية قد يكون أغلبها على الهاتف..
كانت تعلم أن خليفة قدّم لابنتها مالم يقدمه أحد آخر سواه..
احتمل دلالها وتقلب مزاجها وسار معها حتى الخطوة الأخيرة..
ثم يكون ردها عليه بهذه الطريقة غير الأخلاقية..
لم تستطع تقبل تبرير جميلة الذي بدا لها مثاليا إلى درجة الخيالية الكاذبة..
لم تر أي منطق إنساني أو أخلاقي يبيح لها أن تتصرف بهذه الطريقة الجاحدة..
لم تعلم كم كان ألم هذه الصغيرة جارحا!!
وكم كانت أوجاعها تنزف بغزارة وهي تشعر بالخوف والهلع والضياع!!
عفرء انحنت قليلا وهي تمسك بأسفل بطنها وتشعر بإحساس بلل مرعب مفاجئ..
شد منصور على يدها أكثر وهو يهتف بقلق: عفرا اشفيش؟؟
عفراء انحنت أكثر وهي تعتصر ثم تهمس من بين أسنانها:
منصور تكفى اطلع شوي.. وإلا تدري روح شغل السيارة..
جميلة قومي جيبي لي ملابس أغير ملابسي.. الماي نزل علي خلاص..
جميلة قفزت وهي تصرخ بجزع: يمه أشلون الماي نزل فجأة كذا؟؟
عفراء بألم وهي تجلس بشكل جانبي على الأرض:
ما أدري.. ما أدري.. بسرعة جميلة.. لا يختنق البزر..
منصور وقف كالصنم.. يبدو تائها مازال غير مستوعبا للموقف لدقيقة واحدة ربما
ثم يصرخ بجميلة بطريقته الحازمة النافذة: لا تجيبين لها ملابس ولا شيء..
أنا بألفها في بطانية وأنزل فيها..
واتصلي في مزون عقب تجهز أغراض أمش
لأنها هي اللي عارفة كل شيء.. عفرا قالت لي كذا..
وبالفعل لم يتردد منصور وهو يلفها ببطانية وينزل بها ركضا
وجميلة تنزل ركضا خلفه وهي تنسى كل شيء وفي بالها خاطر واحد مجنون..
" لو صار لأمي أو أخي شيء من سبتي والله العظيم ما أسامح نفسي طول عمري"
**************************************
" موافق يأبو كساب.. مثلك ومثل ولدك مايردون"
زايد بحزم: ماعليه يأبو عبدالرحمن خذوا وقتكم وخذ شور البنية وأمها..
فاضل بحزم مشابه: البنت شورها عندي.. وأنا أقول موافق..
ثم أردف بنبرة ألم وهو ينظر لناحية عبدالرحمن:
يازايد يأخي.. أنا أحاتيها واجد..
والله ياهمها هي وعبدالرحمن مايخليني أمسي الليل.. وأنا شوفت عينك مهمل بيتي وقاعد هنا..
البنت خطاطبيها واجد.. وانا كنت أحاتي أني أوافق على حد مهوب كفو لها عشان أريح بالي من صوبها..
خايف يصير لي وإلا يصير لعبدالرحمن شيء وأنا مابعد تطمنت عليها..
ويوم الله جاب لنا علي.. ماني بردي عقل عشان أعطلكم.. أنا أشتري رجّال..
ولا تظني أرخصها ..والله يابنيتي ذي إنها اغلى من عيوني.. بس الله يزينها من صوبه..
زايد بإصرار: ماعليه يافاضل أمنتك الله تنشدها وتاخذ شورها..
فاضل بإصرار مشابه: بأروح أنشدها الحين.. وبكرة الصبح تراني بأوديها تسوي الفحص الطبي..
وخل علي يسويه بكرة.. وأنا معتمد عليك تكلم لنا حد يعجلون النتيجة..
أبي أملككم بعد بكرة..
علي ينظر للمشهد أمامه وكأنه أمر لا يخصه..
جزء من مشهد تمثيلي قد يبعث على الضحك..
هاهما يقرران كل شيء ودون أن يسأله أحد عن رأيه في أي شيء..
ضحك في داخله " وش فرقت؟؟ عرس والسلام وأريح رأسي
وش فرقي عن ذا العالم اللي يعرسون كذا!!"
************************************
" عالية أمي وش أخبارها؟؟"
عالية بحذر: أنا قلت لها السالفة مثل ماطلبت مني.. وطبعا بهرتها بشوي مشاعر وأنا أطلعك مسكين..ومقهور ومظلوم..
عبدالله بذات الحذر: وهي وينها الحين..؟؟
عالية بحذر أشد: مسكرة على روحها في غرفتها من بعد ماقلت لها السالفة..
حينها سألها بنبرة أقرب للحزن: أنا بأروح لها.. وأنتي الله يخليش سبحي حسون واقعدي عنده لين أجيش..
حينها سألته عالية بذات الحذر: وأم حسون وش أخبارها؟؟
أجابها عبدالله باصطناع بارع: جوزا تعبانة شوي.. واتفقنا تقعد عند أمها ترتاح شوي..
ثم أردف باهتمام: لكن أنتي اللي وجهش مهوب عاجبني..
حينها كانت عالية من أجابته باصطناع بارع: مصدعة شوي.. وباروح أكل بنادول..
عبدالله بقلق: ياكثر ماتأكلين ذا البنادول..
ثم أردف باستغراب: إلا وشمعنى رأسش مايوجعش كذا إلا في الويكند؟؟
عالية كمن اُمسكت بالجرم المشهود: وش علاقة الويكند بوجع رأسي.. رأسي يوجعني طول الأسبوع...
عالية فرت للاعلى.. ودقات قلبها تتصاعد هلعا..
دائما تخيفها دقة ملاحظة عبدالله.. كيف ربط بين صداع رأسها وإجازة نهاية الأسبوع؟؟..وهي تهمس لنفسها:
" أنتي بعد ياعلوي بقرة...
حد رأسه يوجعه لأنه ماشاف حد..
وإلا ماسمعنا عن ذا الإدمان إلا عند وحدة بقرة مثلش
يا الله خلاص بكرة الأحد وبأشوفه..
الله يلعن شيطانك ياعبدالرحمن على كثر ماأنت حايسني..
أخرتي بأطيح في مصيبة من سبتك"
بينما عبدالله غادر متجها لغرفة والدته.. الهم يملأ جوانحه لاقصى حد.. يعلم أن والدته ستسامحه.. فقلبها الطاهر قلب أم..
ولكن جوزاء ماعاد يطمع بمسامحتها..
ولكن كيف يستطيع احتمال الحياة بعيدا عنها وعن حسن..؟؟
ستبقى في المستشفى ليومين أو ثلاثة لكن بعدها ستخرج.. وبالتأكيد ستأخذ حسن..
فكيف سيحتمل الحياة الخاوية بدون وجودهما؟؟
ولكن هل باليد حيلة؟؟
يجب أن يعتاد على هذه الفكرة..
فيبدو أن الحرمان سيبقى هو مصيره الذي يتجرعه طوال حياته!!
ويبدو أنه بالغ في التفاؤل حين ظن ولو لحظات أن الحال سيستقر به إلى السكينة والاستقرار والاحتواء..
********************************
ركبت إلى جواره بصمت..
وهل هناك شيء غير الصمت بينهما..
تريد إخباره أنها لا تريد الذهاب معه
ولكنه لم يشر لها بشيء إطلاقا وهو يحرك سيارته ويمضي وتراه يخرج من المناطق السكنية للشارع العام..
تبحث في حقيبتها عن ورقة وقلم.. ولكنها لا تجد.. فهذه الحقيبة خالية تماما
أخذتها لزيارة نجلاء ولا يوجد بها سوى هاتفها وعطرها ومحفظة زينتها ومفاتيحها
الأشياء التي وضعتها على عجالة قبل أن يوصلها السائق والخادمة لبيت نجلا..
توترت أكثر ولا تعلم السبب..
وهو لم يلتفت لها حتى.. وهو يكمل طريقه..
رأت أنه ماعادت حتى تستطيع الاعتراض وهما يعلقان في ازدحام الشارع متجهان لداخل الدوحة..
حين وقفا في الإشارة خطرت لها فكرة..
تناولت ورقة من أوراق الفواتير الموضوعة بينهما وكتبت عليها بمحدد الشفاه..
"وين بنروح؟؟"
أشار لها بحزم: قلت لش عازمش على العشا..
والطاولة انحجزت لنا خلاص.. قبل ماتقولين شيء ثاني..
تحركت السيارة ولم يترك الخيار لها لأي اعتراض..
حتى وصلا للمطعم..
مطعم هندي سبق أن أحضرها له غانم عدة مرات..
وميزته بالإضافة إلى طعامه اللذيذ أن طاولات العائلات يُغلق عليها بستارة..
حين دخلا أعطى للموظفة عند الباب بطاقة عليها اسمه..
فقادته للطاولة المحجوزة باسمه.. والتي حجزها له بالهاتف أحد موظفيه..
توترت أكثر وهي تجلس.. وهي تشعر بالحرج..
لم ترَ سابقا كيف يتصرف في الأماكن العامة.. عدا في مدرستها وكلهم هناك يتحدثون لغته..
حين وصلت قائمة الطعام.. وضعت القائمة جانبا.. لم ترده أن يفرض عليها أن تطلب هي..
أشار لها متسائلا: ماتبين تطلبين شيء؟؟
هزت رأسها رفضا.. إشارة توجه لمن يتكلم ومن لا يتكلم..
هز كتفيه وهو يشير: خلاص بأطلب لش على ذوقي..
حين جاءت النادلة.. فتح القائمة وأشار لها على صفحات القائمة بما يريد..
وأحيانا كان يشير على الشيء ثم يشير بيده (اثنين)
سجلت النادلة وأخذت القوائم.. ومضت..
بدا الأمر لسميرة أبسط بكثير مما ظنت وأكثر سلاسة..
توقعت أن لن يعرف أن يتفاهم.. وانهم قد يضطرون أن يحضروا أحدا للتفاهم معه.. وأنها حينها ستضطر للتدخل..
" صدق أني غبية.. رجّال صار له سنين في السوق
مهوب عارف يطلب أكل في مطعم يعني!!
لكن العزومة هذي بكبرها وش داعيها؟؟"
حينها أشار لها تميم بتقصد: حطي نقابش.. ترا مافيه حد معنا..
لم ترد أن تستجب ولكنها لم ترد أن تبدو بمظهر الغبية أو من تريد افتعال مشاكل..
خلعت نقابها وهي تضعه مفرودا جانبا حتى لا يتجعد..
بينما كانت تريد إعادة لف الشيلة حول وجهها فوجئت به يمد يده ويعيد خصلة من شعرها خلف أذنها..
انتفضت بخفة وهي تعود للخلف (هذا أش فيه مهوب صاحي اليوم؟؟)
بينما أشار لها ببساطة: أنتي شعرش لونه أشقر طبيعي وإلا مصبوغ؟؟
لم تجب على إشارته وإحساس خجل غير طبيعي يقتحمها بعنف..
قد يكون سؤال طبيعي ولكنها لم تتوقعه مطلقا منه.. كما أنها لا تريد أن تشير له..
أشار لها حينها بذات التقصد: لذا الدرجة سؤالي صعب؟؟ أو ماتبين تجاوبين؟؟
حينها رغما عنها أشارت له باقتضاب: مصبوغ..
أشارت كأنها تريد أن تتخلص من الإشارة..ومن ثقلها على روحها..
لكن الغريب أنها لم تشعر بتلك المرارة التي كانت تتخيل أنها ستشعر بها حين تشير له..
ظنت أنها لو حدث وأشارت له ستكون الإشارة كسكين يمزق روحها..
ولكن الإشارة عبرت بسلاسة دون تعقيد.. دون أن تثير في نفسها التعقيد الذي ظنته !!
ولكنه لم يتركها تنعم بهدوئها وهو يشير لها مرة أخرى: زين وش لون شعرش الطبيعي؟؟
أشارت بذات الاقتضاب: بني..
حينها أشار لها بذات البساطة كما لو كانا فعلا زوجين في جلسة حوار عفوية:
طيب ليش تصبغينه..؟؟ الطبيعي دايما أحلى!!
حينها أشارت بتوتر: عشان بشرتي فاتحة واجد.. الغامق علي مهوب حلو..
حينها أشار بذات البساطة: ما أتوقع إنه فيه شيء ممكن يكون مهوب حلو عليش..
حينها أخفضت رأسها بخجل.. لن تنظر لإشاراته بعد.. يكفيه ما أشارت به رغما عنها..
لم تعلم أنه أيضا اكتفى من الإشارات.. وهو ينظر لها كيف أنزلت رأسها وتدعك يديها... ويبتسم بانتصار..
فهو تجاوز النجاح المطلوب لمخططه الليلة.. ولن يثقل عليها أكثر..
وليستمتعا بالطعام الذي حضر..
تميم بدأ ذهنه يعمل في اتجاه مغاير..
ستة أشهر مضت منذ زواجه.. لو أنها كانت تريد الطلاق.. كانت طلبته منذ زمن..
إذن هي تنتظر تحركا ما منه.. ولكنه يجب أن يتحرك بحذر وبخطوات مدروسة ليبدأ بتفكيك التعقيدات المتراكمة بينهما..
فهو لا يستطيع أن يحضر لها بشكل مباشر ويقول لها سامحيني.. حينها لابد أنها ستنفجر به..
لابد أن يهيئها بالفعل لهذا الصلح..
رغم أن الصبر أصبح في أدنى مستوياته عنده..
ويخشى أن تفسد لهفته مخططاته المدروسة بدقة!!
لذا كانت خطوته الأولى بهذه الإشارات العفوية حول أشياء عفوية لن تثير ريبتها بشيء وستضطر للإجابة عنها..
وقبلها كانت ببحثه عن اوراق له لم يجب عن تساؤلها حولها لأنها كتبت له ولم تشر..
هاهو يتحرك ببطء مدروس ويدعو الله أن يلهمه الصبر والحكمة!!
*************************************
" يا بنات ابيكم بيأتي الحين.."
شعاع باستغراب: غريبة يمه.. بيخلي عبدالرحمن مرتين..
توه كان عندنا عقب صلاة المغرب.. ليش يرجع بعد عقب صلاة العشاء..
ثم أردفت بابتسامة وهي تنظر لجوزاء: والله الظاهر أنش غالية واجد يا الجويزي..
مادرا أنش تعبانة إلا المغرب وجالش على على طول والحين جاي بعد مرة ثانية..
جوزاء أخذها تفكيرها لاتجاه مرعب.. هل يعقل أن والدها علم بما فعله عبدالله..
لذلك عاد مرة أخرى..
فهو حينما زارها المرة الأولى.. بدا لها طبيعيا جدا..
علم أنها مرهقة من الحمل.. وجاء للسلام والإطمئنان عليها.. ثم غادر..
ولم يبدُ عليه أنه علم بشيء..
تتذكر جيدا تغليظه بالحلف أن يؤذي عبدالله لو ضايقها بأدنى شيء..
يزداد رعبها.. لا تريده أن يؤذي عبدالله بأي طريقة..
فهي أدت الواجب بإيذائه وزيادة..
بدأت أناملها وشفتاها ترتعشان بشكل ملحوظ..
أمها وقفت وهي تضع يدها رأسها وتهمس بقلق: جوزا وش فيش يأمش؟؟
أجابت بارتعاش: بردانة يمه.. بردانة..
أم عبدالرحمن همست بحنان: انسدحي يامش.. انسدحي.. خلني أسنحش..
جوزاء تمددت وهي مازالت ترتعش.. ووالدتها غطتها جيدا..
حينها كانت تسمع نحنحة والدها عند الباب.. ازداد ارتعاشها.. وبدأت عيناها تسيل بغزارة..
وبالكاد وجهها يظهر وهي تخفي جسدها المرتعش تحت الغطاء
وتدعو الله أن تمضي زيارة والدها على خير..
رغم أنها تعلم أن زيارته ليست طبيعية أبدا..
حين دخل كادت تنفجر فعلا في البكاء
لولا أنها رأت أن وجه والدها كان هادئا تماما وهو يجلس ويدعو شعاع أن تجلس جواره..
حينها انتقل احساس التوجس لشعاع.. ومشاعر الوجل اللذيذة التي اشتاقت لها تعاودها..
مشاعر الوجل التي كانت تشعر بها كلما سمعت والدها يناديها..
أرادت أن تبكي.. لا تعلم خوفا أم سعادة!!
أ حقا عاد والدها لها؟؟
همست باختناق: والله العظيم يبه ماسويت شيء..
حينها ابتسم: لذا الدرجة أنا شراني في عينش.. ؟؟
يعني ما أدعيش كون كني بأعصب عليش..
حينها أجابت شعاع بخجل عميق: محشوم فديتك..
بس جيتك كذا خوفتني..
أجابها حينها ببساطة حازمة مباشرة: جايش خطاطيب..
حينها كانت أم عبدالرحمن هي من قاطعت الحوار بتردد:
فاضل الله يهداك.. وش خطاطيبه وعبدالرحمن كذا!!
حينها قاطعها بصرامة: وعبدالرحمن وش فيه؟؟ هذا هو حالته مستقرة
يعني بنوقف نصيب البنية عشان عبدالرحمن في غيبوبة..
زين لو طوّل وهو كذا.. نقطع نصيب البنية؟؟
خلاص ماعاد باقي عليها شيء وتتخرج.. عقب تخرجها خلها تعرس وتوفق..
شعاع بدأ جسدها يرتعش فعلا من شدة الحرج.. دقات قلبها تتزايد ودموعها تبدأ بالتقافز..
تعلم أنه جاءه خطاب من قبل.. أحيانا والدها من يرفض..
وفي بعض أحيان والدتها تخبرها.. لكنها لا تشجعها على الموافقة لأنها ترى الشخص غير مناسب..
فما الذي تغير هذه المرة ليضعها والدها في هذا الموقف؟؟
همست أم عبدالرحمن بذات التردد: بس أنت كنت دايم تعيي..
وش معنى ذا المرة جاي لنا وكل واحد من عيالنا في مستشفى؟؟
أجابها فاضل بنبرة صارمة: لأنه رجّال مايعيي منه إلا خبل.. وأنا ماني بخبل..
وأبي مصلحة بنتي..
ثم أردف وهو يوجه خطابه لشعاع بحزم مرهق: ها يأبيش.. وش رايش..
اللي جايش علي ولد زايد آل كساب..
الصبي أنا أعرفه زين.. مصلي ومنصبه زين..
ومايجهلش ولد زايد آل كساب..ناس فيهم خير وخيرهم واجد..
وأنا يا أبيش وافقت عليهم.. وأبي أملكش في أسرع وقت..
ما ظنتي إنش بتفشليني في الرياجيل..
حينها انفجرت شعاع في بكاء خافت وهي تخفي وجهها في كتف والدتها التي تجلس جوارها من الناحية الأخرى..
والدتها ربتت على رأسها وهي تهمس لفاضل بحزم رقيق:
تم يا أبو عبدالرحمن.. قل لهم البنت موافقة..
فاضل وقف وهو يقول بحزم: خلاص بكرة الساعة سبع ونص خلها تجهز أوراقها أوديها تسوي الفحص الطبي..
ازدادت شهقات شعاع ارتفاعا وهي تخفي وجهها أكثر في كتف والدتها..
ليقف والدها قريبا منها وهو يربت على كتفها ويهتف بحنان عميق:
لا تظنين أبيش بيوافق على حد مايستاهلش.. تراش غالية..غالية!!
ولو أني داري أنش ماشفتي مني كلمة طيبة..بس الله وحده أعلم بغلاش اللي خالط النسم..
حينها أفلتت والدتها لتحتضن خصر والدها وهي تدفن وجهها أسفل صدره وتزداد شهقاتها تتابعا..
بينما احتضنها هو بحنان وهو يربت على رأسها
يا الله كم تمنت أن تفعلها يوما وهي تظنه حلما بعيدا المنال!!
كم تمنت أن تدفن وجهها في صدره وهي تشعر بقربه من روحها كما هو الآن!!
لو أرادها حتى أن تتزوج أسوأ رجل في العالم.. ستكون راضية إن كان هو راضيا!!
جوزاء كانت تنظر بتأثر وسعادة للمشهد أمامها وهي تعتدل جالسة..
سعيدة جدا من أجل شعاع..
ولكنها في داخلها تعلم أنها أكثر سعادة أن عبدالله بعيد عن غضب والدها
الذي تعلم كم يصبح مرعبا حين يغضب!!
***********************************
" متى تبينا نمشي؟؟"
كانت كاسرة توجه الخطاب لكساب الذي يضع رأسه في حضنها وهما يجلسان على الأرجوحة الخشبية الضخمة..
أو بمعنى أصح هي من كانت تجلس على الطرف تماما بينما هو يتمدد على طول الأرجوحة..
هتف لها بهدوء: بنتعشى أول وعقب بنمشي..
ثم أردف بخبث باسم: لا تخافين ياحضرة المديرة.. بتروحين بكرة الشغل وتنكدين على الموظفين..وتنبسطين..
شدت شعره بخفة حانية وهمست بابتسام: دامني مانكدت عليك ماني بمستانسة..
شد أناملها من فوق رأسها وهو يتحسسها بحنو :
تدرين أصابعش على رقتها لو أعصرها شوية.. شوية بس.. بتنكسر..
أجابته بذات الابتسام: حشا مهوب أصابع لا تكون بسكوت..
قبّل جانب سبابتها وهو يهتف بابتسامة: بسكوت وأحلى من البسكوت..
صمتت وهي تشد أناملها برقة لتعبث في شعره بذات الرقة.. تنهدت..
كيف يكون تأثيره عليها بهذا الحجم والضخامة بينما هو لا يشعر بها؟؟..
همست كأنها تريد إبعاد ذهنها عن التفكير: كسّاب عمرك انضربت..
كساب اعتدل جالسا وهو يهتف باستنكار باسم: نعم؟؟
ابتسمت: سمعتني عدل.. عمرك تهاديت مع حد وانضربت؟؟..
ابتسم: أنتي شايفتني جيمس بوند وطايح في خلق الله؟؟ وإلا تبين تشمتين فيني؟؟
أجابته بذات الابتسامة الرقيقة: جاوب بدون ماتتهرب..
أجابها بعفوية: ترا أنا لين قبل كم سنة.. يمكن جسمي يقرب من جسم تميم..
ويمكن تميم أعرض مني بعد..
بس أعترف أني من صغري فتّون..
ما أعيل على حد.. بس لا هديت.. ما أنمسك..( الفتّون=الذي يتحمس في العراك بجدية)
بس من حيث أني قد انضربت في هدة.. إيه انضربت ضرب الكلاب.. رفسوني لين قلت بس..
حينها ضحك: ولو تعرفين عشان من؟؟
يا عشانش.. ياعشان أمش.. يا عشان خدامتكم..يا عشان حد جاي يزوركم..
همست كاسرة باستغراب باسم: من جدك؟؟
هتف بذات الابتسامة: كنت يا أولى ياثانية جامعة..
وإبي طلب أوصله بيتكم يبي يزور جدش..
سيارته في التشييك.. وسيارته الثانية كان رايح عليها علي..
المهم نزلته.. وهو دخل وأنا بأمشي.. إلا أشوف سيارة داخلة في حوشكم وتتبعها سيارة ثانية..
لا ويقط الرقم عند الباب وهو يشوفني واقف..
أنا عاد ولعت.. ورحت أتبعه.. لين وصل بيتهم..
يوم نزل.. نزلت وراه وهديت عليه.. ووين يوجعك..
بس عقبها طلعوا علي اللي كانوا في مجلسهم كلهم.. ورقوني لين حبيت القاع..
بس كان عادي عندي لأني أصلا بردت خاطري فيه قبل يطلعون علي..
ابتسمت كاسرة: كذاب.. تراني ماصدقت ولا كلمة ياجيمس بوند على قولتك..
هز كتفيه باسما: لا تصدقين.. المهم تعجبش السالفة!!
ابتسمت كاسرة: كسالفة عجبتني..
ثم أردفت بنبرة مقصودة: وخاطري نتكلم في سالفة ثانية..
اجابها بجدية: قولي..
همست بذات جديته: سالفة أنك ماتشوفنا نصلح أباء..
حينها هتف بغضب: أنتي صدق غاوية نكد.. شايفتنا رايقين إلا لازم تجيبين طاري ينكد علينا..
أجابته ببرود متحكم: ينكد عليك بروحك..
أنا شفتك رايق.. قلت وقت مناسب نتفاهم فيه.. مادريت أنك بتشب كذا..
كساب يتنهد وهو يهتف بحزم: وأنا ما اعترضت على أنش تصيرين أم لو الله بغى لنا..
بس أنتي لازم تنتزعين مني اعتراف غصبا عني إنه حن أباء مافيه مثلنا..
خلاص لا تزعلين ماراح أدخلش معي..
أنا واحد بأكون أفشل أب في العالم..
وأنتي مالش شغل في رأيي..
ويا الله امشي.. خلينا نرجع الدوحة!!
***************************************
" خالتي وش اللي صار لها؟؟ "
جميلة ارتمت في حضن مزون وهي تنتحب: كله مني.. كله مني..
منصور بحزم رغم القلق المتصاعد في روحه: بس يا جميلة.. أمش دخلت شهرها.. وكان متوقع تولد في أي وقت..
مزون التي وصلت للتو وهي تركض وأنفاسها مقطوعة همست لعمها وهي تحتضن جميلة:
خالتي طيب وش أخبارها الحين؟؟
منصور بإرهاق متوتر: يأبيش كلام أنا ما أفهم له.. بس الولادة متعسرة شوي..
مزون بمودة: خلاص عمي أنت روح البيت.. أنا وجميلة موجودين.. روح للبيت أول ماتولد بنتصل لك..
منصور بحزم: مستحيل.. أنا قاعد في استراحة الرجال أي شيء تبونه دقوا علي..
منصور غادر لاستراحة الرجال.. وهو يحاول إخفاء عظم توتره وقلقه..
يقتله القلق على عفرا أكثر من الجنين بكثير بكثير..
فهذا الجنين يمكن تعويضه لو أراد الله.. ولكن عفراء لا تعويض عنها..
لم يستطع حتى الجلوس وهو يظل واقفا..
بينما مزون جلست مع جميلة وهي تحتضن كتفيها
وجميلة تخفي وجهها في كتف مزون وتنتحب
ومزون تهمس لها بحنان: جميلة شا اللي صار؟؟
جميلة بين شهقاتها: زعلت مني واجد عشان خليفة طلقني..
وتقول أنا السبب.. وظلت تصارخ وتصارخ وعقبه نزل معها الماي..
جبناها هنا وقبل شوي طلعت علينا الدكتورة..
تقول توها ما انفتح إلا ثلاثة ونص سانتي.. والطلق ضعيف.. والجنين أصلا مابعد نزل في الحوض..
قالت بيعطونها طلق صناعي.. ولا ماتيسرت بيسون لها عملية..
حينها انفجرت جميلة في بكاء هستيري: والله العظيم لو صار لأمي أو جنينها شيء.. أشلون بأقدر أعيش؟؟..
مزون تهدئها وهي تربت على ظهرها: بس حبيبتي.. ادعي لها..
ولا تحملين نفسش شيء مهوب ذنبش!!
**************************************
"شعاع ليش مارحتي مع أمي.. الخدامة كان نامت عندي
أنتي وراش بكرة مشوار وعقبه الجامعة"
شعاع بتوتر: أصلا لو رحت البيت كان استخفيت من التفكير..
متوترة وخايفة.. بأموت من الخوف..
جوزاء بمودة باسمة: ترا الفحص مايحتاج ذا التوتر.. إلا لو أنتي متوترة من اللي ورا الفحص..
وإلا قولي من كثر منتي شفقانة على بكرة تبين تكونين قريب من ابي..
هذا هو حذفة عصا في المستشفى اللي جنبنا.. يعني ماراح يطول لين يجيش بكرة..
شعاع تكاد تبكي: تدرين أنش سخيفة..
ثم حاولت أن تردف بتماسك: تكفين جوزا لا تكلميني عن بكرة..
قولي لي وش صار بينش وبين عبدالله يوم جا.. ماعلمتيني..
جوزاء بتوتر أخفته خلف ثقة مصطنعة:
ماصار شيء.. شرح لي السالفة كلها..
واتفقنا أقعد عندكم في البيت شوي لين ارتاح من الوحم..
شعاع بتساؤل: أي سالفة؟؟
جوزاء ابتسمت: سالفة خاصة بيني وبين رجّالي.. وش عليش أنتي يا الملقوفة؟؟
خلينا نتكلم عن مسيو علي أحسن؟؟
شعاع تفتح الكرسي الذي يتحول لسرير وتتمدد عليه وهي تهتف بغيظ:
قلت لش أنش سخيفة.. ولا عليش مردود!!
************************************
" خطبة ومن وراي..
ماكني بأخ هذا الكبير ولا ولدك الكبير"
زايد بحزم: مافيه داعي تسويها سالفة.. حن كنا رايحين نجس نبض الرجّال بس..
والرجّال الله يكبر قدره.. كبّر قدرنا ووافق على طول..
كسّاب بغضب: زين بلغوني.. عطوني خبر..
علي بتهدئة: كساب الله يهداك.. أنت كنت رايح المزرعة..
وأنا والله العظيم دقيت على جوالك ولقيته مسكر..
وشاهد العقد على خير أنت..
كساب تنهد: على العموم ألف مبروك مقدما.. أنا وش أبي إلا توفيقك..
ابتسم علي: زين وعشان ماتعصب بعد.. وتقول ماعلمتوني..
خالتي في الولادة.. ووديت مزون لهم قبل شوي..
يعني لا جات بشارة الولد لي نصها..
حينها ابتسم كسّاب: الله يقومها بالسلامة..
ولك بشارتين مهيب وحدة... بشارة دخولك السجن معي..
وبشارة ولد عمي إن شاء الله وإلا بنته..
**********************************
صعدت لغرفتها.. بينما بقي هو مع والدته في الأسفل..
لا تنكر أنها متوترة..
بما أنه بدا لطيفا وودودا هكذا.. فلابد أنه يريد ثمنا لهذا..
استحمت واستبدلت ملابسها والهواجس تأخذها للبعيد:
" زين سمور مهوب أنتي اللي تقولين لروحش
لو بغانا نكون أسرة طبيعية ماعندي مانع..
شكلش كنتي تقولين كلام في الهوا لأنش كنتي عارفة إنه عايفش
الحين شفتي الرجّال تلحلح.. جاتش حالة رعب!!
يا الله ياكريم تعدي ذا الليلة على خير
اليوم من أوله ما أدري أشلون جاي"
كانت تمشط شعرها أمام المرآة حين دخل..
توترت أكثر.. بينما سلم هو ثم توجه لمكتبه.. وجد أنها أعادت ترتيب كل شيء بتنظيم جديد..
أشار لها بتساؤل: أنتي رتبتي كل شيء من جديد.؟؟
وقفت لتتجه للحاسوب.. لكنه أوقفها وهو يشير بتقصد:
لا تصيرين سخيفة.. توش في المطعم أشرتي لي..
تبين ترجعين تطبيعين الحين؟!!
حينها وجدت بالفعل ان حركتها ستبدو سخيفة.. أشارت له بتوتر:
إيه رتبتهم من جديد..
عشان اليوم مادريت أنت وش تبي.. قلت يمكن ترتيبهم معفوس..
حينها أشار لها ببساطة : لو سألتيني بشكل مباشر كان جاوبتش..
لأني خلاص أي سؤال تطبعينه لي ماراح أرد عليه..
يعني دامش تعرفين الإشارة ليش تبين تعذبيني كذا؟؟
أجابت بتوتر: توني باقي إشارات كثيرة ما أعرفها..
أجابها بذات البساطة وهو يتوجه للحمام: اللي ماتعرفينه بنتعلمه سوا.. ونعلمه عقب لعيالنا..
حينها شعرت سميرة كما لو كانت ضُربت على رأسها بقوة ارتعشت بتوتر:
" والله أنك منت بخالي يا تميم!!
عيالنا مرة وحدة!! "
سميرة أنهت قيامها ووردها بسرعة وهي ترتعش.. واندست في داخل السرير وهي تغطي جسدها كاملا
كان حينها هو من يصلي قيامه..
كانت تحسب في ذهنها من معرفتها لوقت صلاته وورده.. أنه الآن انتهى..
بدأ جسدها يرتعش بعنف.. ماذا لو قرر أن ينام جوارها؟؟
لم تستطع أن تنام وتوجسها ورعبها يزددان.. وهو لم يحضر..
لم تستطع أن تبقى في هذا التوجس أكثر لابد أن تقطع الشك باليقين!!
حينها رفعت عينيها ولم تجده في غرفة النوم أساسا..
اعتدلت جالسة لتطل ببصرها على غرفة الجلوس المفتوحة على غرفتهما
لتجده قد نام فعلا على أريكته..
حينها لم تعلم أتشعر بالراحة أو الإهانة..
الراحة لأن هذا فعلا ماتمنته.. أن ينام لتمضي الليلة بسلام..
والإهانة لأنها شعرت أنه يستهين بها وبأنوثتها المفترضة..
***************************************
" تدري أني اشتقت لك يا الخايس!!
يومين ماشفتك.. كنهم سنتين..
شكله لا تزوجنا على خير بأخليك تقدم استقالتك من الجامعة
وأنا من المستشفى عشان أقعد مقابلتك بس"
كانت عالية تقف أمام سرير عبدالرحمن وهي مطمئنة تماما..
فهي مرت جوزا صباحا قبل دوامها لتحضر لها فطورا أصرت والدتها أن تذهب به معها..
حينها رأت شعاع تستعد للخروج وعلمت من جوزاء أن والدها سيأخذها للفحص..
أغرقت شعاع بالكثير من التعليقات التي جعلت شعاع تبكي..
ولكن سبب روح المرح المتدفقة أنها كانت سعيدة جدا لأنها ستذهب لرؤية عبدالرحمن فورا ولن تنتظر حتى صلاة الظهر..
بل وستراه مرتين أخريين اليوم..
لم تهتم أن الخادم كان موجودا... فهي لا صبر بها..
وعلى العموم هي كانت ترتدي البالطو الأبيض.. هل سيميز الخادم من تكون؟؟
لكنها لم تستطع أن تطيل لأن الخادم سألها بأنجليزية سليمة: من أنتِ؟؟
هل أنتِ من الطاقم الطبي المهتم بحالة عبدالرحمن؟؟
عالية في داخلها: " الدب مهوب هين.. طلع هندي مثقف!!"
أجابته بالإنجليزية: نعم.. وهي تسجل ملاحظات على ورقة كانت معها..
ثم تغادر وهي تدعو على الخادم الذي كدّر على زيارتها التي تمنت أن تكون طويلة قليلا..
***************************************
" يا الله يا مزون.. طولت واجد!!
من البارحة لين اليوم وهي تتعذب..
خلاص ليش ما يولدونها بعملية ويريحونها
من البارحة والماي نازل عليها.. خايفة البيبي يصير له شيء"
مزون تربت على كف جميلة وتهمس بإرهاق: خلاص الممرضة قالت لي إنه الجنين نزل طبيعي في الحوض وبتولد طبيعي..
والماي اللي نزل معها ترا مهوب كله.. نزل شوي بس..
جميلة بتأثر: ياربي يهونها عليها.. خلاص ماعاد فيني صبر..
بعد دقائق خرجت الممرضة وجهها يتهلل بشرا: ولد.. ولد.. بوي..
وماما زين..
مزون وجميلة كلتاهما قفزتا..
جميلة انخرطت في بكاء حاد بينما مزون فتحت حقيبتها وهي تمد الممرضة بما معها وتهمس بسعادة حقيقية:
الله يبشرش بالخير..
الممرضة بابتسامة: وين بابا؟؟
مزون تضحك بسعادة: لا بابا مالش شغل فيه.. جاش اللي يكفيش..
بابا خليه علينا..
جميلة لم تستطع الوقوف وهي تدفن وجهها بين كفيها وتستمر في البكاء..
بينما مزون تناولت هاتفها وهي تتصل بعمها وتحاول إخفاء فرحة صوتها:
عمي تعال برا أبيك شوي
منصور خرج لها كان وجهه مسودا من القلق الذي بدا يتحول لرعب مع طول الوقت الذي قضته عفراء في الولادة
لشدة ارهاقه لم ينتبه لألق الفرحة في عيني مزون بل كل ماخطر له مزيدا من الرعب. هتف بجزع: خالتش فيها شيء؟؟
ابتسمت مزون بسعادة حقيقية: فيها إنها صارت أم زايد رسميا..
ويدك على البشارة!!
لم يهتم أنه كان في الممر وهو يخنق مزون باحتضانها ويهتف بسعادة حقيقية مجنونة:
أبشري بالبشارة. أبشري بها..
أقدر أشوف عفرا الحين؟؟
مزون تخلصت من حضنه بحرج وهي تهمس بسعادة:
عمي اللي يهداك وش تشوفها.. ممنوع تدخل
أنا بأدخل الحين عندها وبأطمنك عليها
***************************************
" ها وش الأخبار البارحة عقب ماجا حبيب القلب عند الدكتورة؟؟
بصراحة حركته خــــــطـــــــيـــرة!!
وأتصل لش عقب جوالش مسكر.. وين رحتي؟؟"
كاسرة همست وهي تنظر للأوراق أمامها باهتمام: رحنا عقب للمزرعة!!
فاطمة تتناول الأوراق من كاسرة وتعطيها أوراق أخرى وتهمس بمرح:
يا أختي يأختي على الحركات الرومانسية!!
كاسر بحزم لم يتبدَ فيه ضيقها الواضح: أنا مثلش غبية حسبتها حركات رومانسية..
أثاري الأخ يبي يطق من الدوحة بكبرها عشان بنت خالته راجعة البارحة مع رجالها..
وأنا أقول غريبة وش طرا عليه ذا العزومة..؟؟
فاطمة باستنكار: عيب عليش كاسرة.. وش ذا الكلام؟؟ عمر عقلش ماكان صغير كذا؟؟
كاسرة تقف وهي تتناول ملف من الخزانة المجاورة وتعود لتفتحه
وتهمس حينها بضيق فعلي لا يعبر حتى عن مدى الضيق الذي تغلغل في روحها:
أحاول فاطمة مايكون عقلي صغير..
وأنتي عارفة إن ذا الكلام مستحيل أقوله عند حد غيرش..
بس صُغر العقل غصبا عني يحضر.. يعني مالقى يعزمني بروحنا إلا اليوم اللي هي جاية فيه..!!!
لا وأزيدش من الشعر بيت.. تطلقت وهي عادها في المطار..
يعني صارت حرة..
فاطمة لو شفتي بس الساعة اللي كان جايبها لها..
على كثر الهدايا اللي يبجيبها لي..مافيه هدية جات نص قيمتها..
أنا والله ثم والله مايهمني الشيء كشيء مادي..
لكن اللي موجعني إن غلا الهدية من غلا راعيها..
**********************************
" ها وش الأخبار ياعروستنا؟؟"
كانت جوزا تسأل شعاع التي دخلت للتو وأنفاسها مقطوعة..
شعاع تجلس وهي تزفر بصوت عال وكلماتها تتبعثر من الجهد المبذول:
يعني مالقوا يحطونش غير في آخر طابق.. ست طوابق على الدرج طالعة نازلة..
يا ربي بأموت.. وين الماي؟؟ زينب عطيني ماي..
جوزا تنهرها وهي تشير للخادمة ألا تحضر شيئا:
لا تشربين ماي وأنتي كذا.. خذي نفسش أول وارتاحي.. وعقب اشربي!!
شعاع تاخذ أنفاسها المتطايرة: ياربي يا جوزا.. إحراج إحراج..
لا وتخيلي كان معي في نفس المكان.. سمعت أبي يكلمه..
وهو الظاهر يقول لابي يروح.. وهو بيكمل كل الإجراءات بروحه..
حسيت وجهي ولع من معرفتي إنه قريب مع أني ما أدري وينه.. ولو حتى شفته ماعرفته!!
ثم أردفت وهي تنظر حولها: حسون ماجاء..؟؟
جوزا تنهدت: عالية عقب ماطلعتي كانت تقول لي إنه راح للروضة فديت قلبه
وعقب إبيه بيجيبه هنا..
ياربي بأموت اشتقت له فديت عويناته..
*********************************
" منصور بس الله يهداك..
من جدك تحبب فيه كذا!!
توه على ذا الحبب كلها. والله العظيم جرثمته الحين"
كانت عفرا تهمس بإرهاق كبير لمنصور الذي كان يحمل ابنه بحذر ويقبل جبينه ويديه الصغيرتين..
وهو يهتف لها بابتسامة سعيدة عميقة: تراني ما أسمع وش تقولين!!
وإلا تدرين تراني أسمع ومطنش..
ابتسمت جميلة وهي تتناول الصغير من بين يدي منصور وتهمس بسعادة عميقة:
يمه خلي عمي منصور على راحته.. مسكين من البارحة لين اليوم وهو على قعدته.. خليه يحب ذا النملة على راحته!!
أنهت عبارتها وهي تضعه جانبا على الأريكة لتدخل يديه ثم تعدل لفته جيدا ثم ترفعه وهي تقبله أيضا بعمق..
عفراء بتذمر باسم: قولي أنش تدافعين عن عمش منصور عشان ما أقول لش شيء لا حبيته..
بس حرام عليكم توه ماله ساعات وتحبونه كذا..
جميلة تعاود تقبيله قبل أن تضعه في سريره وهي تقرص خده بلطف وتهتف بغنج طبيعي:
ترا كله إلا نملة مفعوصة.. احمدي ربش ماكلته في لقمة وحدة..
ربما كان قدوم هذا الصغير نعمة من رب العالمين..
بعد خليفة كانت تشعر أن حياتها أصبحت خاوية لدرجة الرعب..لم تستطع احتمال هذا الإحساس لدقائق
ولكن هاهي تشعر بها فجأة ممتلئة بهذا الصغير إلى حد التخمة..
لم تنكر خوفها الداخلي العميق الذي كانت تشعر به أن تشعر بالغيرة منه..
ألا تحبه كما تتمنى.. وكما تستحق أمها وعمها منصور..
ولكن حينما وقعت عيناها عليه للمرة الأولى حين دخلت على أمها في غرفة الولادة.. مخلوق مرزق متغضن..
عرفت أن قصة غرام طويلة ستربطها بهذا المخلوق الرائع..
من يستطيع أن يرى هاتين اليدين الصغيرتين والعينين المنتفختين المغلقتين ولا يقع في غرام صاحبها على الفور؟؟
عاوت تقبيله مرة أخرى وهي تهمس لوالدتها بشقاوة: خلاص أخر مرة يمه لين الساعة الجاية..
وعقبه حسبة جديدة...
حينها كان منصور ينهي اتصالا وهو يقف: كساب وهله طالعين من الدوام
وكساب يقول مافيه صبر لين العصر عشان يشوف زايد الصغير..
عشان كذا هم جايين الحين..
عفراء همست بذات ارهاقها العميق: حياهم الله..
جميلة أشارت للمضيفة التي كانت تقف في الزواية البعيدة أن تتقدم وهي تعطيها تعليماتها
ثم تهمس بعفوية: يمه أنا بأروح الحمام لين يروح كساب..
ثم غادرت للحمام فعلا..
وكان منصور على وشك الخروج أيضا حين طرق الباب عمال التسليم
الذين أحضروا سلتين ضخمتين من الورد والشكولاته.. وكانوا يدخلونها بينما عفراء شدت الغطاء على وجهها حتى غادروا
منصور قرأ البطاقة ثم ابتسم وهو يغادر.. ويهمس لعفراء بمودة: حبيبتي.. لا راحت مرت كساب دقي علي..
أدري أنش تعبانة وتبين تنامين.. بس بأشوفكم دقيقة أنتي وزايد الصغير وأمشي وأخليكم ترتاحون..
بعدها بدقائق..
طرقت كاسرة الباب ثم دخلت..
وهي تتقدم لتقبل رأس عفرا وتتحمد لها السلامة بكل مودة..
عفراء همست بابتسامة مرهقة: عقبالش يأمش عاجلا غير آجل..
ابتسمت كاسرة بمودة: إن شاء الله..
ثم همست وهي تتلفت حولها: ماعندش أحد..
عفراء بعفوية: جميلة في الحمام يوم درت ن كساب بيجي..
ومزون راحت البيت قبل شوي مع علي..
حينها توجهت كاسرة للباب وهي تفتحه وتشير لكساب أن يدخل..
كساب دخل ليتألق وجه عفرا بنور خاص.. تذكرت كيف كان هو أول طفل تضمه لصدرها..
فرحتها بطفلها لم تختلف عن فرحتها به.. ابتسمت بذات الإرهاق: هلا والله أني صادقة..
ابتسم وهو يميل ليقبل جبينها.. ثم يميل ليبحث عن كفها ليقبلها ولكنها شدتها قبل أن يفعل
هتف بكل المودة الخالصة: الحين ترحبين عشان تقنعيني إن كرتي ماطاح..
إلا طالح وطاح وطاح..
همست عفراء برقة: ماسمعت الشاعر يقول.. وما الحب إلا للحبيب الأولي..
ابتسم كساب وهو يشد مقعدا ليجلس بالقرب منها: كلام شعراء مايوكل عيش..
قبل كتفها بذات المودة الخاصة بها وهو يهمس بحنان قريبا من أذنها: الحمدلله على سلامتش يا الغالية.. ومبروك زايد..
ثم رفع صوته: وعقبالي أنا وكاسرة نجيب زايد بعد..
كاسرة شعرت بغيظ شديد منها.. ليس بسبب كلمته.. فهي ستؤخذ على نحو عفوي..
ولكن لأنها تعلم أنه ليس سوى كذاب كبير لا يريد زايدا أو سواه!!
همست حينها كاسرة بذوق: عسى ماتعبتي ياخالتي؟؟
ردت عفراء بإرهاق: شوي يأمش.. الحمدلله على كل حال.. أهم شيء إن البيبي طلع سليم..
كساب وقف وهو يهتف بمودة: خالتي أدري أنش تعبانة وبنخليش ترتاحين..
ثم أردف وهو يوجه الحوار لكاسرة: يا الله كاسرة.. نمشي؟؟..
عفراء بمودة: اقعدوا تقهوا..
كساب برفض: لا خالتي فديتش بنمشي..
همست كاسرة بذات ذوقها المدروس: دقيقة كساب بأسلم على جميلة وأجيك..
أجابها كساب بعفوية: خلاص بأروح أشوف عمي أدري إنه ينتظر برا..
ولا طلعتي دقي علي..
كاسرة لو كانت ستحكم عواطفها المقلقة لم تكن لتطلب السلام على جميلة..
ولكنها تعرف الأصول جيدا.. وتعلم أن من أقل مستلزمات الذوق أن تسلم على جميلة بعد هذه الغيبة الطويلة..
وليست هي من تقصر في واجب.. أو تسمح لمشاعر غبية أن تظهرها بمظهر غير لائق..
المضيفة طرقت الباب لتخرج جميلة.. كاسرة وقفت لتسلم وإحساس الخطر في داخلها يتعاظم بلا هوادة حين رأتها..
هي شعرت بالغيرة منها حينما رأتها المرة الماضية وهي محض فتاة مريضة وبرفقها زوجها..
فكيف وهي تراها بهذا الحسن مع اكتمال عافيتها ومن غير زوج!!
كان حسنها ظاهرا ومرتويا لأبعد حد.. رغم الإرهاق الواضح عليها وأثر البكاء على وجهها..
ولكن ليست كاسرة من تسمح حتى لنفسها أن تبدو في موقف ضعف..
رحبت بجميلة بذوق رفيع وحماسة مدروسة دون افراط أو تفريط.. وهي تهنئها بسلامة أمها وقدوم المولود..
همست جميلة بابتسامة صافية: الله يسلمش.. وباركي لي بولدي..
لأنه خلاص زيودي أصلا حقي بروحي..
ابتسمت كاسرة باحترافية: الله يطرح فيه البركة ويجعله عبد صالح..
الحين اسمحوا لي.. بأرجع لكم مرة ثانية الليلة إذا ارتاحت خالتي عفرا
باجي أنا وأمي وأختي ومرت تميم إن شاء الله..
وهي تغادر وقعت عيناها على البطاقة التي يتلوى عليها خط كساب الفخم الأنيق
ولم تهتم وهما في المحل أن تقرأ ماكتب لأنها ظنتها تهنئة تقليدية:
"الحمدلله يأم زايد على السلامة..
ومبروك قدوم زايد.. أخيرا بردتي قلب العقيد..
من أبو وأم زايد بن كساب قريبا إن شاء الله"
شعرت بكثير من الألم..
حتى متى وهو يستهين بمشاعرها لهذه الدرجة..؟؟
لماذا يريد أن يبدو أمام أهله كما كان ملهوفا على انجاب طفل..بينما يعرف هو وهي الحقيقة؟؟
تعبت من كل هذا.. تعبت فعلا!!
*************************************
" تعال حبيبي حسون
تعال أغديك!!"
هز رأسه رفضا بينما جوزا تهمس لوالدتها باحترام: خلاص يمه فديتش أنا بأغديه..
أنا مافيني شيء..
أم عبدالرحمن برفض: والله ماتنزلين من سريرش.. أنتي بروحش مافيش حيل من كثر ماتزوعين..
ثم أردفت لحسن: تعال يأمك غداك كذا بيبرد..
هز رأسه رفضا وهو يقفز للسرير مع أمه: أبي ماما.. وإلا بابا..
أم عبدالرحمن بمودة: ياقليل الخاتمة.. حتى جدتك اللي ربتك ماعاد لها كرت..
ثم أردفت بحزن: وإلا ليش أتشره عليه.. ماعاد شاف من جدته وجه راضي..
الله يزينها!!
جوزا تبتسم: يمه فديتش ماعليش من حسن.. أنا باغديه..
عدا إن عبدالله أرسل لي مسج إنه أكل في الطريق وهو جايبه كيك وعصير..
ذكرها اسم عبدالله بألمها المتزايد..
أخبرتها عالية اليوم إنه مشغول تماما في قضيته مع زوجته السابقة..
لا تنكر أنها شعرت بألم عميق.. وأنها كان يجب أن تكون جواره.. حتى لو لم يكن بحضورها يكون بمساندتها..
ولكنها حتى المساندة شحت بها عليه..
ماذا تفعل وهي عاجزة عن المسامحة.. كما لو أنها تُضرب على رأسها للمرة الثانية والضربة الأولى مازالت لم تشفى...
أخرجها من أفكارها سؤال والدتها: شعاع متى تخلص محاضرات اليوم؟؟
جوزاء تنظر لساعتها وتهمس بثقل: بعد شوي يمه!!
أردفت أم عبدالرحمن بتوتر لا تعلم له سببا: زين إنه بكرة ماعندها جامعة..
لأنه فاضل ملزم.. لو خلصت الفحوص اليوم.. يملكها بكرة!!
************************************
" راح عليش علي..
كنت أبي أصيده لش..
بس صارت السالفة كلها بسرعة..
سبحان الله نصيب شعاع!!"
ابتسمت وضحى وهي تعدل وضع نقابها وتنظر للمرأة
ثم تنظر لكاسرة المبتسمة التي كانت تجلس أيضا بعباءتها في انتظار نزول والدتها وسميرة ليذهبن جميعا لزيارة عفراء:
حلوة ذي تصيدينه.. يكون فار بتصيدينه للقطوة..
على قولتش هو نصيب شعاع..
وشعاع تستاهل كل خير..
والطيبون للطيبات..
سبحان الله لما كنتي توصفين لي طبايعه.. كنت كأني أشوف نص شعاع الثاني..
مافيه حد نقي وشفاف وطيب وحساس مثلها..
كاسرة بمودة: فعلا شعاع تستاهل كل خير.. بركات دعوات عمتي اللي جابت لها علي..
ثم وقفت وهي تهتف بتساؤل باسم: أبي أعرف أمي وسميرة وش أخرهم..؟؟
الثنتين صايرين صمغ وغطاه.. لازم مع بعض.. لا وحدة منهم تفقد الذاكرة..
سميرة تضحك وهي تنزل الدرج وخلفها مزنة: سامعتش ياسوسو.. وتراني ماني بايحة منش عشان تدخلين النار..
كاسرة تبتسم: لا تبحين مني سمورة هانم.. هذا أنتي سمعتي بأذنش..
**************************************
" وين كنت فهد؟؟ صار لي ساعة أنتظرك
ميت جوع أبي أتعشا
وكلهم مايبون عشا!!"
فهد ينظر لهزاع بابتسامة واسعة: كنت في الدوحة شريت شكولاته وورد عشان يوديها المحل لهل حضرة العقيد في المستشفى..
العقيد جاله ولد اليوم..
هزاع يضحك: اللي يشوف شدوقك يقول الولد جاي لك أنت..
فهد بذات الابتسامة: أكيد.. ليه أنت عندك شك..
زايد بن منصور أصلا ولد الكتيبة كلها..
ثم أردف بتساؤل وهو يضرب كتف هزاع بخفة:
إلا أنت وش أخبارك ويا التدريبات؟؟
هزاع يزيل غترته ليظهر رأسه الخالي من الشعر تماما وبه عدة إصابات وهو يضحك:
اليوم حك القائد شعري بنفسه.. يقول أني أبي تأديب.. عشان تقدمت في الصف كم سانتي..
المشكلة إنه شعري كان يا الله طالع.. وهو مصر إني مطول شعري..
فهد بجدية: تستاهل.. صار لك الحين خمس شهور من يوم دخلت الكلية
ما أنت بعارف توقف في الصف..
هزاع بابتسامة مرحة: جانا حضرة النقيب بفلسفته.. من بيفكنا منه..؟؟
حاضر سيدي أبشر.. عُلم..
***********************************
" كساب رجاء
لا تنام هنا.. روح نام في مكان ثاني!!"
كساب باستنكار: نعم.. ووين تبيني أنام يعني؟؟
كاسرة اعتدلت جالسة وهي تسند ظهرها لظهر السرير وتهتف بحزم:
والله احنا ساكنين في ملعب مهوب غرفة.. دور لك مكان ونام فيه غير جنبي..
حينها هتف كساب بغضب: وأنا متى فرضت نفسي عليش؟؟ أو جبرتش على شيء ماتبينه؟؟
كاسرة بذات الحزم المتمكن ولكن مغمور بنبرة وجع حقيقية:
كساب أنا الليلة ما أبي أشوفك جنبي حتى..
يا أخي حاسة أني مكتومة منك.. صار لك يومين ضاغط على نفسيتي وأعصابي
حاسة أني ابي تايم أوت منك لو سمحت..
حينها نهض كساب من جوارها وهو يهتف ببرود بالغ الحزم:
حاضر يا مدام.. بأريحش من شوفتي..
بأطلع من الغرفة كلها.. بأروح أنام عند علي..
خلني أشاركه الليلة الأخيرة من حريته.. قبل مايدخل خنقة السجن بكرة..
*************************************
" أنتي صاحية..
توش مالش ساعة من تملكتي.. وجاية ناطة عندي!!"
شعاع تبتسم بخجل ووجهها يحمر بتلقائية: تدرين كان ودي أتدلع وأسوي روحي مستحية..
بس شأسوي مع حالتش.. ماخلتيني أتدلع.. من اللي بيعابلش إذا استحيت..
أمي ذابحتها الشحنة لعبدالرحمن نزلتها عنده وجيت أنا والخدامة..
حينها تسائلت جوزاء: زين وينها الخدامة؟؟
شعاع تتلفت حولها: حسبتها جات قبلي.. لأني طلعت على الدرج وهي على الأصنصير لأن معها أغراض..
ثم ضربت رأسها وهي تتذكر: يوووه الغبية هذي أول مرة تجي معي.. وما تعرف حتى رقم الغرفة..
الحين وين ألقاها.. أنا بأنزل تحت.. لو هي تفتهم بتنتظر عند الباب اللي دخلنا معه..
جوزاء بحنان: شعاع ياقلبي مالحقتي ترتاحين توش طالعة ست طوابق بتنزلين بعد؟؟
شعاع وهي تعدل وضع نقابها على وجهها وتتناول حقيبتها وتهمس بتذمر:
وش أسوي زين.. المسكينة الحين حايسة مع أغراضها.. بأروح أدور لها..
شعاع نزلت الطوابق الستة بسرعة.. وهي تنزل الدرجة الأخيرة من الطابق الأرضي.. ألتوى كاحلها لشدة استعجالها..
جلست على الدرجة وهي تكاد تبكي من الألم.. ثم شعرت أن شكلها محرج
وهي تجلس هكذا..
قررت الوقوف وهي تتحامل على نفسها ولكنها كانت تتحرك بصعوبة.. يستحيل أن تصل للباب الخارجي.. ويستحيل أكثر أن تعاود صعود الدرج..
قررت حينه أنه لابد من ركوب المصعد.. مهما كان رعبها من المصاعد..
فلايوجد أمامها سواه..
قررت أن تتصل أولا بالسائق حتى يعود ويبحث هو عن الخادمة..
ثم توجهت لمنطقة المصاعد ووقفت بجوار سيدتين كانتا تنتظران ركوب المصعد..
وكان هناك شاب وحيد يقف في الزاوية ويكلم في هاتفه..
حين انفتح المصعد ركب هو أولا..
ثم ركبت السيدتين خلفه وشعاع تتبعهما وهي لا تشعر بشيء سوى ألم كاحلها..
وهي تنزوي إلى آخر المصعد.. وتضغط على زر الطابق السادس..
.
.
.
.
قبل ذلك بحوالي عشرين دقيقة
" اسمع ياعريسنا.. أنت الحين نزلني.. وعقب دور لك موقف..
مع إن خالتي ملزمة علي أجيبك في يدي
يعني إن شكلك بيتغير عقب ماصرت رجّال متزوج"
علي يوقف سيارته أمام الباب لينزل كساب .. ثم يذهب ليبحث عن موقف
أكثر من ربع ساعة مرت قبل أن يجد له موقف ثم ينزل..
ويتوجه لمنطقة المصاعد..
وهو هناك وصله اتصال من كساب: وينك يأخي.. خلاص أنا بأروح.. خلصني!!
علي باستعجال: هذا أنا جايك.. عند الاصنصيرات الحين..
حين انفتح المصعد القريب منه.. ركب.. لتركب خلفه ثلاث سيدات..
ضغط على زر الطابق الخامس وهو معتصم بمكانه قريبا من الباب..
ودون أن ينظر إلى ماضغطن السيدات..
ليتفاجأ هو والصبية في آخر المصعد أن السيدتين نزلن في الثالث ولم يتبق في المصعد سوى هما الاثنان..
انتظر أن تنزل الصبية الثالثة ولكنها لم تنزل.. وهي حين انتبهت أن المصعد عاود الإغلاق والشاب لم ينزل..
أخذت تضغط لوحة التحكم من عندها.. وهو يضغط لوحة التحكم من عنده..
وكلاهما يريد أن يفتح الباب..
فلا هي تريد البقاء مع الشاب وحيدة..
ولا هو يريد أن يبقى مع امرأة في مكان مغلق لوحدهما!!
وكما هو معلوم.. مصاعد مستشفى الولادة كما مصاعد مستشفى حمد.. مزودة بلوحتي تحكم للأزرار..
أحدهما في أول المصعد والثانية في آخره..
هو كان يضغط زر الفتح بقوة.. وهي لارتباكها تضغط زر الإغلاق بذات القوة..
وماحدث أن المصعد لم ينفتح ولم ينغلق..
بل أطلق أزيزا خافتا ثم انتفض قليلا ليعلق ويتوقف تماما بين الطابقين الثالث والرابع...
#أنفاس_ قطر#
.
.
.
عاد لا تقولون صدفة ماتصير !! :)
عندنا في الدوحة تصير وتصير.. لأنه احنا بلد صغيرة
وأنا شخصيا صارت معي.. بس كان معي أختي اللي ذبحتني من كثر ماقرصت جنبي
يعني ماكنا بروحنا ولا تعطل بنا الأصنصير.. :)
واحنا عرفناه وهو ماعرفنا طبعا :)
رواية بين الامس و اليوم الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم HaboOoshy
شعاع حين علمت أن المصعد تعطل..
شعرت أن أعصابها أُصيبت بالشلل..
" يعني طول عمري مرعوبة من المصاعد
ويوم قررت أركب يتعطل فيني
لا ومعي رجّال وبروحنا"
تناولت هاتفها وهي ترتعش برعب حقيقي.. حاولت الاتصال بجوزاء..
ولكن الإرسال عن مقطوعا في داخل المصاعد كالعادة..
ألقت حقيبتها أرضا لأنها كانت عاجزة حتى حمل نفسها
وهي تتسند بظهرها على آخر المصعد..
وتمنع نفسها من التفكير بشيء حتى ألم كاحلها الذي نسته في خضم رعبها..
وهي تشد له نفسا عميقا وتكثر من الدعاء..
علي حين توقف به المصعد.. كان خاليا إلا من شعور حرج أن المصعد أغلق عليه ومعه امرأة لوحدهما
تناول هو أيضا هاتفه بثقة ليتصل بكساب.. ليجد الإرسال متعذرا أيضا..
اتصل بطلب نجدة المصاعد المعلق في المصاعد.. ولكن لم يجبه أحد..
شعاع حينما رأت الرجل يتصل ولا أحد يجيبه..
بدا ارتعاشها يتزايد ومحاولاتها لعدم التفكير تتبخر
وبدأت تشعر أن جدران المصعد تتقارب لتطبق على أنفاسها..
ثم جلست على الأرض وهي تضم ركبتيها لصدرها وبدأت ترتعش بشكل فعلي واضح
وهي تحاول منع نفسها من البكاء أمامه..
علي صُدم من ردة فعلها المبالغ فيها.. هتف بنبرة تهدئة بصوته الهادئ العميق:
يا أختي اذكري الله.. أنا أتصل والحين بيردون علي..
لا تخافين من شيء.. هذا ظرف طارئ وأنا حسبة أخيش..
حاول الاتصال مرة أخرى أمامها علهم يجيبون فتهدأ.. ولكنهم لم يجيبوا..
حينها بدأت تصرخ.. وهي تصيح بنبرة مختنقة:
بأموت والله العظيم بأموت..
تكفى يأخي كلمهم.. واللي يرحم شيبانك كلمهم..
علي بدأ يتوتر من حالتها غير الطبيعية
" أكيد هذي خبلة!!
الله يستر لا يصير لها شيء ومامعها في الأصنصير إلا أنا"
شعاع بدأت تشعر بالاختناق الفعلي الناتج من رعبها الحقيقي من المصاعد..
وهي ترا علي يتصل مرة بعد مرة ولا أحد يجيبه..
والوقت يمر واختناقها يتزايد ويتزايد..
لم تشعر بنفسها إلا وهي تشد نقابها عن وجهها لأنها ماعادت قادرة على التنفس أبدا..
علي حين رأى المرأة أزالت نقابها عن وجهها
أشاح نظره عنها بشكل كامل وهو يوليها ظهره.. ويتصل مرة أخرى..
هذه المرة أجابوه.. هتف علي باستعجال: الأصنصير معطل.. ومعي وحدة تعبانة
أجابوه بقولهم:
شفنا العطل يأخوي.. استحملوا بس ربع أو نص ساعة بالكثير..
لأنه فيه واير محترق ولازم نغيره...
والأكسجين عندكم يكفي..وبيكون فيه طاقم إسعاف واقف عند الباب..
علي هتف لشعاع بنبرة تهدئة ودون أن ينظر ناحيتها: ربع ساعة ..نص ساعة بالكثير ويفتحون لنا..
حينها قفزت شعاع أمامه وكل تفكير لديها يتعطل وهي تصرخ بهستيرية:
وش نص ساعة والله العظيم بأموت..بأموت.. أنت ماتفهم.. بأموت..
ثم بدأت تبكي بهستيرية وكل محاولاتها لمنع نفسها من البكاء تنهار:
بأموت والله العظيم ماني بقادرة أتنفس.. بأموت..
بأمـــوت.. بــــأمـــوت...
علي لم يستطع أن يرد عليها بشيء ..
فالتفكير كله طار والكلمات كلها تبخرت..
منذ صافحت عيناه صفحة وجهها.. شعر كما لو أن ماسا كهربائيا كاسحا ضرب قلبه في منتصفه تماما..
لينثره أشلاء رآها تتطاير أمامه في فضاء المصعد !!
شعر أن هذا الوجه كان يرافق أحلامه منذ الأزل..وقلبه يذوي مع انفعالها..
أما حين بدأت بالبكاء.. فهذا القلب المجنون بدأ يتداعى بصورة مؤلمة غير طبيعية..
كان نظره كله مركز على وجهها.. يحاول أن يشيح بنظره فلا يستطيع..
يحاول أن يبعد نظره عنها.. فيجده يعود لها مرة أخرى..
ينظر لارتعاش شفتيها..
وكيف تخرج كلماتها من بينهما مبعثرة كتبعثر السكر..
ينظر لعينيها المغرقتين بالدموع..التي بدت له بحيرة تفيض بحبات الكريستال الصافي الذي تعلق بأطراف أهدابها..
ينظر لخديها المحمرين المبللين كخدي طفلة!!
"يا الله ..هل هناك هناك مخلوقة عذبة ورقيقة كهذا؟؟"
حاول أن يشيح وهو يقول لنفسه: النظرة الأولى لك والثانية عليك..
اللهم أني استغفرك وأتوب إليك..
ولكنه لم يستطع أن يشيح بنظره عنها ..
كما لو أن هناك شيء أقوى منه يجبره على ذلك..
ينظر لها وهي ترتعش وتبكي كطفلة خائفة.. وبباله خاطر واحد مجنون:
ماذا لو أخذها في حضنه ليسكن جزعها وارتعاشها الذي يشعر به يذيب كل خلية في جسده..؟؟
ليكتمل جنون هذا المشهد بشعاع تفقد وعيها..
وربما كان هذا رحمة بها لأنها لو بقيت بوعيها أكثر لفقدت عقلها..
علي حين رأها تميد وكأنها ستفقد الوعي.. أمسك بها..
لأنه كان يعلم أنها ولو وقعت دون إسناد على أي من زوايا المصعد الحديدية
فإن إصابتها ستكون جسيمة..
وكان من المفترض.. أنه حين أسندها.. أن تنتهي مهمته وأن يتركها ممدة على أرض المصعد..
ولكنه لم يستطع تركها للأرض وهو يسندها إلى حضنه هو:
" هذي حرام تلمس القاع القاسية جسمها.. يمكن تنخدش من رقتها.."
" تدري أنك استخفيت ياعلي..
استغفر ربك.. البنية حرام عليك.. ومسكتك لها حرام.."
رغم كل شعوره بالحرج مما يفعله والفتاة ممدة في حضنه..
ولكنه لم يشعر بالأثم وألم الذنب الذي يشعر به أصحاب القلوب الصحيحة حين يرتكبون أدنى ذنب..
كان يشعر أن مايفعله هو حق مكتسب وحقيقي وأصيل..
كانت ممدة في حضنه.. فاقدة للوعي..
وهي تتيح له بذلك فرصة مراقبتها بحرية..
لم يحاول حتى إيقاظها.. أراد فقط أن ينظر إليها بتمعن..
وكأن الله سبحانه يمنُّ عليه بذلك حين جعلها تفقد وعيها..
كل تفاصيل وجهها الطفولي العذب.. وانحناء ذقنها منحدرا لامتداد لعنقها..
بل حتى شعرها الحريري.. لأن شيلتها سقطت مع سقطتها..
كان وجهها خاليا تماما من أي زينة عدا مرطب شفاه ملمع بلون زهري خفيف..
ومع ذلك بدت له أجمل مخلوقة رآها في حياته..
رأى في حياته آلاف الأشكال اللاتي قد يكنَّ أجمل منها فعلا..
سافر لعشرات البلدان ورأى مختلف أشكال النساء..
لم تحرك واحدة فيه أدنى إحساس..
حتى إصراره على جميلة كان من محبته لخالته واعتزازه إنها تربت في بيتهم..
فما مصدر غرابة وقوة وعمق إحساسه بهذه المرأة المجهولة التي تتمدد في حضنه
في موقف لم يكن ليخطر له ببال أبدا؟؟
ماهو السر في هذه المخلوقة؟؟؟
شعر كما لو أنه في حياته كلها كان ينتظر شيئا مجهولا لا يعلم ماهيته وهاهو يجده الآن.. ولا يعرف كيف..
حاول جاهدا ولعدة مرات أن يبعدها عن حضنه ليمددها على الأرض.. ولكنه لم يستطع فعل ذلك..
كما لو أنه يخشى على رقتها أن تكسرها قسوة الأرض فعلا..
لم يستطع إبعادها عنه لأن عينيه كانتا عاجزين عن الابتعاد عن مدى وجهها
كما لو أنه مأسور بسحر أزلي استعصى على الفك..
لم يعلم كم مضى من الوقت وهو مفتون بمراقبتها فقط..
كان يريد إبعادها عنه فإذا به دون أن يشعر بنفسه يرفعها قليلا عنن حضنه ليضمها لصدره بخفة..
ولكنه انتفض بجزع حقيقي..
وهو يفلتها ويكثر من الاستغفار والدعاء لله أن يقويه على شيطانه..
ولكنه لم يستطع إلا أن يعيد الكرة مرة وهو يشعر أن رائحتها أسكرته تماما..وأوقفت كل تفكير عقلاني لديه..
هذه المرة احتضنها بقوة رغما عنه..
وهو يشعر أن قلبه يبكي..يبكي فعلا..
ينزف دموعا لا حدود لها.. ولا يعلم لماذا؟؟
أ خوفا من ذنب مافعله؟؟
أم رهبة قربها؟؟
أسند ذقنه لرأسها وهو يتنفس عطر شعرها بعمق..
يحاول جاهدا قهر نفسه ليفلتها..
ولكنه لم يستطع.. لم يستطع.. كما لو أن روحه ستغادره لو تركها..
أي جنون أصابك ياعلي وفي دقائق معدودة فقط؟!
ضمها أكثر وهو يشعر بليونة جسدها تذيب كل أعماقه..
كما لو أن تفاصيل عظامها الرقيقة تنطبع بعلامات من نار على كل نواحي جسده..
بدأ هو يرتعش بعنف كالمحموم تأثرا من قربها الذي قلب كل كيانه..
كإعصار هائل مر في لحظات ليقلب كل شيء!!
أفلتها قليلا وهو مازال يرتعش بذات العنف ليملأ نظره من وجهها..
يعلم أن المصعد سيفتح قريبا.. رغم أنه تمنى ألا ينفتح أبدا..
أراد أن يتزود من كل تفاصيلها..
كان وجهها قريبا جدا منه..
وشفتاها اللتان ماتزالان ترتعشان بخفة تبدوان غاية في العذوبة إلى درجة التعذيب..
أقترب منها أكثر.. وكان على وشك أن يفعلها..
لولا أنه انتفض بعنف.. وهو يهز رأسه بعنف رافض..
وينـزلها أخيرا على الأرض !!
ويقفز بحدة مبتعدا عنها وهو يلهث بذات الحدة:
استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم..
استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم..
وش كنت بأسوي الله يلعنك يأبليس؟؟؟
"والله العظيم ..إني عمري كله وأنا أدور لها
وعقبه ألقاها في نفس اليوم اللي أتزوج فيه!!"
كان علي على وشك أخذ حقيبتها..
كان يريد أن يبحث فيها عن أي اثبات لها حتى يأخذه ليعرف كيف يتوصل لها فيما بعد..
فهو يستحيل أن يتركها بعد أن وجدها..
ولكنه قبل أن يتناول الحقيبة.. تحرك المصعد بسرعة ثم انفتح ..
وقف علي جانبا.. بينما المرضات دخلن وهن يحاولن إفاقتها..
بينما علي يهتف برجاء عميق: تكفون غطوها..
كان يشعر بغيرة عميقة أن يرى رجل آخر مارآه هو..
بل مايعتبره بكل جنون حق له وحده!!
كان يريد أن يتبع الممرضات ليتعرف على اسمها..
ولكنها مع إيقاف الممرضات لها بعد أن جعلناها تشم شيئا في داخل الأكسجين..
نهضت من إغماءتها وهي تتناول حقيبتها وتغطي وجهها بطرف شيلتها و تهرب وهي تعرج..
الممرضات طلبن منها التوقف ولكنها كانت تشير بيدها: مافيني شيء.. مافيني شيء..
أراد علي أن يتبعها ولكن كان هناك العشرات متمجهرين حول المصعد
ينتظرون رؤية من اُغلق عليهم المصعد..فقدها بينهم..
ركض في أنحاء الطابق الرابع حيث انفتح المصعد..
لم يعلم أنها تركت الطابق كله وتوجهت للدرج..
بقي يدور كالمجنون في الطابق..
ثم استند إلى الحائط وهو يلكمه ويكاد يبكي قهرا..
كيف اختفت هكذا..؟؟
كما لو أنه وجد حلمه الذي كان يبحث عنه حياته كلها..
ثم سمح له أن يتبخر أمامه كسحابة صيف.. وَقَته هجير الشمس لثوان
ثم ارتحلت للأبد ليحترق من الشمس التي كان قد اعتاد عليها..
لأنه يستخدم واق منها هو قلبه الخالي..
ولكن قلبه الآن ماعاد بين يديه.. أخذته وفرت به..
فكيف سيحتمل؟؟
بدا له الأمر فوق احتماله.. لأنه ليس أمرا في استطاعة البشر..
بل هي قدرة رب العالمين الذي حكم عليه بهذا الامر المهول الذي يمزق روحه بطريقة غير إنسانية!!
وهو في وقفته.. رن هاتفه.. كان كساب هو المتصل..
هتف له علي بنفس مقطوع: كساب ما أقدر أجي لخالتي..
تعال لي أنت في الطابق الرابع..
لم يستغرق الأمر دقيقتين ليصله كساب وهو يهتف له بقلق: وش فيك؟؟
علي بإرهاق: تعبان شوي.. أبي أمشي للبيت.. وأبيك أنت تسوق..
وهما في السيارة.. كان كساب يسأله ولكن علي لم ينتبه مطلقا لما يقول..
فباله وتفكيره لم يكونا معه إطلاقا..
هتف كساب بنبرة مقصودة وهو يحاول كتمان غضبه وهو يهز كتف علي بعنف:
علي وش فيك منت بطبيعي!!
علي انتفض بخفة: مافيني شيء.. مرهق شوي قلت لك..
كساب بذات النبرة المقصودة التي أصبحت أقرب للغضب وهو يضرب جيب علي على صدره بقسوة:
والشيء ذا هو سبب إرهاقك؟؟
حينها التفت علي لما يشير له كساب كان لونا زهريا فاتحا يلوث جيبه تماما..
لم يربط علي وهو يجيب بعفوية: ما أدري من وين جا الوسخ ذا؟؟
حينها أوقف كساب السيارة وهو يلتفت بحدة لعلي وينفجر بغضب متفجر فعلا:
وسخ؟؟ أنت مفكرني بزر تلعب عليه..
أنت نزلتني في المستشفى ووين رحت ذا كله يا قليل الأصل..
علي بجزع غاضب: أنا قليل الأصل؟؟
كساب بذات غضبه المتفجر وهو يلكم عضد علي بقوة:
إيه قليل أصل وماتستحي.. ومافي وجهك ذرة حيا..
تقول لي وسخ ..وهي داعسه خشتها في صدرك..
لا وجاي بكل وقاحة لين المستشفى عقبها..
حينها انتبه علي أن مابصدره هو بقايا ملمع شفاهها..
حينها لمسه بكل خفة وهو يهمس بوجع كأنه يحادث نفسه: مكان شفايفها..!!
كساب كان يريد أن يشده خارج السيارة ليضربه..
ولكنه شد له نفسا عميقا وهو يمنع نفسه من التهور ويشغل السيارة ويهتف بحزم غاضب:
وتعترف بعد..زين ياعليان.. خلنا نرجع البيت..
إما ربيتك من جديد ما أكون كساب بن زايد..
أنت ما تستحي على وجهك.. توك متملك مالك ساعتين..
يومك دروبك دورب خمل كذا ماكان خذت بنات الناس..
أموت وأعرف أشلون كنت داس علينا كذا.. أشلون كنت مسوي روحك الملاك اللي مايغلط..
علي حينها هتف بألم: وين راح تفكيرك.. أنا الله العظيم ماطلعت من المستشفى مكان..
علي حكى لكساب كل شيء.. فهو لن يحتمل وزر هذا الألم لوحده..
حينما انتهى من حكايته.. انفجر كساب ضاحكا وهو يهتف:
تدري أني كنت أشك إنك خبل.. بس الحين تأكدت مافيه مجال للشك..
علي أجابه بألم حقيقي: داري أنك بتضحك علي.. واضحك مايهمني..
تدري ياكساب يوم شفتها تبكي هقيت إن الشاعر يوم قال:
(وماذرفت عيناكِ إلا لتضربي...بسهميكِ في أعشار قلب مقتّل)
إنه ما قالها إلا عشانها..
القلب من اللحظة اللي شفتها فيها صار قطع مكسرة..
وزادتها علي ألف مرة يوم شفتها تبكي..
كساب مازال يضحك: نعنبو دارك هذا كلام صاحين..
أنا أشهد أنك استخفيت.. أمحق دبلوماسي عقله أقل شيء يطيره..
علي بغضب: إيه كلام صاحين.. وبأدورها لين أعينها.. واتزوجها..
كساب يحاول أن يتماسك من الضحك: واشلون بتعينها..
المسكينة تلاقيها ارتاعت من المستشفى بكبره..
ثم أردف بتماسك جدي: وبعدين أنت واحد تزوجت خلاص..
عيب عليك ذا الكلام حتى لو كان نكتة..
علي بإصرار: أنا مستحيل أتزوج حد غيرها..
ثم أردف بألم: كساب حتى بعيد عن مشاعري اللي أدري أنها غبية وسخيفة وتضحكك..
البنت ضميتها لصدري.. وأعوذ بالله منك يا ابليس ماكان بين شفايفي وشفايفها إلا ستر ربي..
لين الحين أحس أنفاسها دخلت صدري ومارضت تطلع...وريحتها عبت رأسي..
وعقبه تقول اخليها!! في أي دين وشرع هذا؟؟
كساب حينها هتف بجدية صارمة مرعبة: عشانك بزر.. وقلبك معلق في مخباك..
اصطلب ياولد.. بنات الناس مهوب لعبة عندك..
شفت بنت بين إيديك في موقف ضعف.. وماقدرت تمسك نفسك منها..
سويت غلط كبير واجد.. لكن مهوب لدرجة أنك تحس أنك مسوي غلط تبي تصلحه..
البنت ماصار بينك وبينها شيء بالمعنى اللي لازم يتصلح..
إلا عاد لو أنت اللي تبي تحس إن غلطك لازم يتصلح..
خلك من خبال البزارين..
وإلا تدري روح افضح روحك أحسن.. وقول لأبيك أبي أطلق بنت فاضل
عشان وحدة ضميتها في الأصنصير..
افضح روحك وافضح بنت الناس اللي ماتدري من هي..
اسمعني ياعليان زين.. حكي ياصلك ويتعداك..
والله ثم والله لا تهين بنت فاضل بن عبدالرحمن بأدنى شيء وإلا تفكر تخليها
أن قد تشوف شيء عمرك ماشفته..
********************
" شعاع وش فيش.. نقزتي قلبي؟؟
اهدي وقولي لي"
كانت شعاع تنتحب وترتعش بقوة في حضن جوزاء:
يمه ياجوزا يمه..
تسكر علي الاصنصير مع رجّال بروحنا..
وكنت بأموت.. والله ما أدري وش هببت..
بس الأكيد إنه الرجّال شاف وجهي ويمكن شاف شعري بعد..
وعقبه أغمي علي..
ياويلي من ربي.. ياويلي من ربي..
الرجّال شاف مني اللي حتى رجّالي مابعد شافه مني!!
جوزا تهدئها: خلاص شعاع ياقلبي.. أنتي مالش ذنب..
خلاص والله ماعاد تقعدين عندي عقب اليوم..
أساسا أنا بأطلع يا الليلة يابكرة..
وخلاص أنتي مالش قعاد عندي..
شعاع مازالت تنتحب وهي تحاول تهدئة نفسها:
خلاص باقعد لين العصر..
بأخلي الممرضات يشوفون رجلي وبارتاح وعقب بأروح..
*****************************************
" الحمدلله على السلامة يأم زايد!!
أنا أمس ماجيت لأن مزون قالت لي أنش تعبانة"
عفراء تهمس باحترام جزيل: الله يسلمك.. وتلفونك يكفي..ماكان تعنيت..
زايد بفخامة : مايصير يأم زايد.. لو مهوب عشان زايد الصغير..
عشان بنتي جميلة..لازم أجي أتحمد لها السلامة
جميلة تبتسم بمودة مصفاة: وجعل جميلة ماتبكيك.. قول آمين..
ثم أردفت بمرح: إلا سماوة زايد وينها؟؟
عفراء نهرتها: عيب يا بنت..
زايد يبتسم: عفرا وش فيش على البنية.. إنها صادقة.. تبون تسمون عليّ ببلاش..
عفراء بذات الاحترام العميق: اسمك بروحه سماوة..
زايد بمودة: سماوة زايد بتجيكم في البيت لا طلعتوا.. وماتبونها.. تراها لجميلة..
ثم أردف بتقصد: ولو أني زعلان منها واجد..على سواتها في سمي الغالي..
حينها انطفئت ابتسامة جميلة وهي تنكمش قليلا في مقعدها..
مزون شدت ذراع والدها وهي تهمس في أذنه :يبه مهوب وقته..
ثم أردفت بصوت عال: يبه ماتبي تشوف سميك..
همس في أذنها: ترا موضوع خليفة والله ما أخليه يعدي بالساهل.. حطي عندها خبر بذا الشيء..
ثم أردف مثلها بصوت عال: جيبو سميي أشوفه..
مزون وقفت لتحضر زايد الصغير ثم وضعته بين يدي والدها الذي حمله بحرص ووجهه يشرق
قبل جبينه وهو يدعو له بالصلاح..
همست مزون بابتسامة: مهوب لو أنك تطيعني وتتزوج
كان الحين عندنا ولد حقنا بروحنا بدل ماجميلة تحرني كل ماجيت أحبه..
زايد أعاد الولد لها ثم قرص خدها بمودة: وأنتي من جدش تبين مرة تشاركش في أبيش..
ابتسمت مزون: يبه فيه فرق بين المحبة والإنانية.. أكيد أني ما أبي حد يشاركني فيك..
بس لو بغيت تتزوج أكيد حقك.. لأنه أنت توك.. والمفروض سويتها من زمان مهوب ذا الحين..
وتدري يبه الدبة جمول حرتني.. خاطري في أخ صغنون لي بروحي.. مالي شغل..
ابتسم زايد وهو يقف: وهذا زايد الصغير حقكم كلكم..
وانتظري شوي وينترس البيت من عيال كساب وعلي إن شاء الله
**********************************
منذ عاد من المستشفى وهو في حالة انعدام وزن تامة..
لم يستطع حتى الذهاب لعمله وباله مشتت هكذا..
لا يعلم أي عاصفة ضربت منتصف قلبه هكذا وهو يشعر به مفتت أشلاء..
خلع ثوبه.. وهاهو معلق أمامه.. وسيحتفظ به هكذا حتى آخر يوم في عمره..
عيناه لا تغادران مكان شفتيها التي لامست صدره...
كلما تذكر ذلك شعر بنغزة حادة حقيقية في قلبه..
والأمر المؤلم أكثر لمشاعره الرقيقة وضميره الحي أنه يشعر أنه يخون المرأة التي من المفترض أن تكون هذه المشاعر لها..
أنه يخون شعاع..!!
للتو صباحا كان يطبع توقيعه بجانب توقيعها
الذي بدا مرتبكا متعرجا كما لو أن أنامل من يوقع ترتعش..
لماذا يُحكم عليه أن يحب بهذه الطريقة المجنونة..
ذلك الحب المجنون الذي يقال عنه "حب من النظرة الأولى"؟؟
يحب امرأة لا يعرف عنها شيئا وفي نفس الوقت الذي أصبحت مشاعره مقيدة لامرأة أخرى رسميا..
حين يفكر في سخرية كساب منه.. يجد أن كساب كان محقا في كل ماقاله..
فهو ليس أكثر من غبي سخيف من يحب بهذه الطريقة الطفولية الغبية؟؟
ولكن ماذا يفعل.. يعلم أن قلبه اللين ليس كقلب كساب المتحجر..
هكذا خلقه الله.. فهل يعترض على ذلك؟؟
هاهو يصلي العصر.. وقضى الوقت بين الصلاتين في دعاء وحيد:
" يا الله ياكريم
إن كان لي في هذه البنت خير
فاجعلني ارآها..
إن كنت تعلم يا آلهي أن حياتي يجب أن تكون معها
لا تحطم قلبي هكذا واجعلني آراها مرة واحدة فقط
حتى أعرف من هي"
علي قرر أن يتوجه للمستشفى وفي باله خاطر واحد
إن كان الله راضيا عليه ويعلم أن في لقاءها مصلحته
فهو سيعثر عليها حالا..
فهو لا يستطيع إحراج نفسه بالسؤال ولا بالوقوف في الممرات..
أما إن كانت هذه الفتاة ليست سوى مجرد اختبار من رب العالمين ليعذبه في هذه الدنيا
فهو لن يعترض على ماكتبه الله له..
وسيبقى يتجرع ألم ولهه وعشقه غير المعقول..
ولكن زوجته ماذنبها؟؟ ماذنبها؟؟
فهو يعلم أن مايشعر به الآن يستحيل أن يكون شعورا وقتيا سيمضي مع الوقت
بل هذا الشعور اخترق قلبه وأستولى على روحه حتى آخر قطرة..
يشعر أنه لا يستطيع التفكير بشيء عدا تلك المجهولة..
وكلما فكر بها شعّر بدقات قلبه تتسارع إلى حد الإجهاد وهو يشعر كما لو أن قلبه سيقفز من بين جنبيه..
*************************************
" صالح طالع الحين؟؟"
صالح بتأفف: تكفين نجلا بدون تحقيقات.. طالبش..
نجلا بألم: يمه وش فيك شبيت فيني؟؟
كنت أبي أقول لك إني مجهزة فوالة العصر تحت..
ولو كنت بتتقهوى معي قبل تطلع..
صالح بنبرة تراجع نادمة: كله منش.. ماعاد خليتي فيني مخ يفكر..
على طول مخليتني متحفز كني في موقع اتهام..
همست نجلا بضيق وهي تنظر للأسفل: محشوم يأبو خالد..
حينها مد صالح يده وهو يرفع ذقنها ليقبل أرنبة أنفها ويهتف بابتسامة:
مشكلة الغالي لا درا أنه غالي.. تغلى بزيادة!!
حينها ابتسمت وهمست بمرح: يعني لو سألتك وين رايح منت معصب علي؟؟..
ابتسم وهو يربت على خدها: إلا بأزعل.. وأعصب بعد.. وين بأروح يعني؟؟
كانا ينزلان للأسفل حيث القهوة ونجلاء تهمس بنبرة مودة:
أبي أروح الصالون بأغير شوي في شعري.. عندك مانع..؟؟
صالح بعفوية: لا حبيبتي ماعندي مانع..
****************************
لا تنكر أن توترها يتزايد منه..والأكثر استغرابها..
منذ ذهابهما للمطعم قبل أمس.. وتوجس عميق أصبح في روحها من ناحيته..
أصبحت تجيب على إشاراته بإشارات مشابهة..
ولكنه يشير لها في الحدود الدنيا عن أمور عفوية يومية..
تشعر أن حاجزا كبيرا بينهما انهار.. وهذا الإنهيار لابد أن يحدث بعده تقارب!!
وهذا التقارب المفترض يقلقها ويوترها..
تجد نفسها غير مستعدة له إطلاقا..
لطول ما اعتادت على حياتها الساكنة معها.. حياة آمنة كانت تريحها..
لا تريد تغييرها..
فمع التقارب يحدث التعقيد البشري الناتج عن تعقيد المشاعر
أمور هي في غنى عنها..
لكنها في ذات الوقت لا تستطيع منع تميم من حقه الذي هو سنة الله في خلقه..
أفكارها مشوشة.. وتميم بغموضه يزيدها تشويشا..
فلا هو من يصرح بما يريد.. ولا هو يظهر نواياه..
أو ربما كان كل هذا محض هواجس في عقلها هي وحدها وهو يتصرف بعفوية..
منذ أن غادر لصلاة العصر لم يعد.. تعلم أنه سيذهب لعمله..
رغم أنه لم يعد منه إلا وقت الغداء.. بالكاد غفا له نصف ساعة..
رن هاتفها.. كانت نجلا التي همست لها باستعجال:
تروحين معي الصالون؟؟
سميرة بابتسامة: ماكنش يتعز على قولت خالي هريدي..
كان ودي بس عندي تصحيح..
إلا أنتي وش تبين بالصالون؟؟
نجلاء بعفوية: باروح أصبغ شعري...
سميرة بصدمة: نعم؟؟ صاحية أنتي؟؟ حد عنده لون شعرش ويفرط فيه
حرام تخربينه بالصبغات.. أنا أصلا أصبغ شعري عشان يكون نفس لون شعرش..
نجلاء بضيق: أقول ابي أسوي تغيير يمكن يعجب صالح!!
سميرة بتحذير: ياويلش يا الخبلة تسوينها... أنتي أساسا ألف مرة قايلة لي إن صالح يموت في لون شعرش..
نجلاء بيأس: يجاملني.. صالح ماعاد يشوف فيني شيء عاجبه.. مايشوف إلا عيوبي..
يعني الحين شايلته وشايلة بيته.. والله العظيم حتى فنايله وسراويله مايعرف مكانهم..
كل شيء أنا أسويه له.. وعقبه يحاسبني إني أغار عليه..
وكني أنا مصدر الضيق الوحيد في حياته..
سميرة بتهدئة: خلي خلافاتش أنتي وصالح بعيد عن شعرش.. لا تصيرين خبلة..
أنتي الحين شعرش حلو وناعم.. بس يوم يدل الصبغات والله العظيم لا ينقلب حاله..
نجلاء بتصميم: قلت لش أبي أسوي تغيير.. وأنا استاذنت صالح ورخص لي..
ماتبين تروحين معي خلاص.. بأروح بروحي!!
سميرة تنهدت بعمق..
يبدو أن لا أحد مرتاح في هذه الحياة..
فحتى أختها التي يبدو أنه لا مشاكل عندها.. تخترع لها مشاكل من تحت الأرض
أو ربما كان عندها مشاكل فعلا لا تشعر سميرة بها
"النار ماتحرق إلا قدم واطيها!!"
وانشغال سميرة بحياتها جعلها تغفل النظر عن الإحساس بمشاكل أختها كما تشعر هي بها..
كانت تريد أن تحمل أوراقها لتنزل في الأسفل لتصحح عند مزنة
حين وصل هاتفها رنة رسالة..
كانت من تميم..
توترت كما لو أنه سيقفز من الرسالة عفريت ما لو فتحتها..
سابقا لم تكن تهتم حين يصلها رسالة منه لأنها تعلم تماما ماهو المضمون..
" سأتأخر.. جهزي لي الأمر الفلاني" وفقط
لكن الآن لأنها تشعر كما لو كان يلاعبها على الحافة
فهي تخشى من كل خطوة..فتحت وأصابعها ترتعش:
" افتحي درج مكتبي الأول"
توجست.. وهي تتجه للدرج وتفتحه..
وجدت علبة مربعة مغلفة بتغليف راق جدا.. والشريطة عليها اسم محل مجوهرات شهير جدا..
وفوقها بطاقة.. فتحت البطاقة:
" أعلم أني لم أهديكِ شيء طيلة الأشهر الماضية
رغم أن كل شيء جميل أراه أتخيله ينير نحركِ أو معصميكِ أو أناملكِ
ولكن لم أستطع أن أفعل ذلك سابقا.. كما تشجعت وفعلتها اليوم
.
أتمنى أن يعجبك ذوقي..
وأتمنى أكثر ألا تتعبي رأسك الجميل في البحث عن مبررات
فالبحث عن المبررات يفسد دائما كل ماهو جميل!! "
سميرة وضعت العلبة فوق المكتب وهي تنظر لها بفضولها العفوي الطبيعي:
وش اللي تغير زين ياتميم؟؟
أول ماتقدر والحين تقدر!!
الرجّال ذا بيجنني..
لم تقاوم طبعا فضولها في فض الغلاف وفتح العلبة ثم الانبهار فعلا بما في داخلها
لا تعلم هل انبهرت لأنها لم تتوقع أن تكون الهدية بهذا الذوق والجمال..
أم لأنها لم تتوقع أن يكون عند تميم كل هذا الذوق الرفيع!!
كان عقدا ماسيا ناعما دائريا بإحجار ناعمة متناهية في الصغر..
ولم تقاوم طبعا رؤيته على نحرها..
ارتدته بالفعل وهي تشعر كما لو كان قد صُنع لها خصيصا وهو يبدو مبهرا على نحرها الناصع..
في لك الوقت تماما وصلها رسالته الثانية:
" أحلى من العقد لبّاسه
عارف إن العقد الحين يلمع أكثر من لمعته
لأنه كان له شرف ملامسة الطهر اللي مالمسناه"
سميرة أعادت العقد في علبته بسرعة وهي ترتعش:
يمه يمه سكني هذا.. وأشلون درا أني لبسته..
وش ذا الكلام اللي يروع اللي يقوله.. الرجّال شكله استخف رسمي..
************************************
" كساب وين بتروح؟؟"
لم يرد عليها وهو يضع أغراضه وملابسه في حقيبته والتي كانت في مجملها موضوعة في أكياس قماشية داكنة..
ويبدو واضحا أن بداخل كل كيس حذاء برقبة عالية.. وهو يصفها بعناية دقيقة داخل الحقيبة...
أعادت السؤال بحزم: كساب لو سمحت جاوبني.. وين بتروح..؟؟
أجابها حينها بحزم: شايفتني أحط ملابس داخل الشنطة.. وين بأروح يعني؟؟
بأسافر..
همست بغضب رقيق: وبدون ماتعطيني خبر حتى..؟!
حينها هتف بسخرية: تدرين كنت بأقول لش البارحة..
بس البارحة مرتي طردتني من غرفتي.... تخيلي!!
سألت بحزم وهي تنظر له وتكتف ذراعيها: بتطول..؟؟
رد عليها بغضب: مالش شغل..
يعني أنش مهتمة طولت وإلا قصرت..؟؟ وإلا رحت في داهية..؟؟
كاسرة شدت لها نفسا عميقا ثم همست بتحكم:
كساب هذا مهوب أسلوب تفاهم..
ضحك ضحكة تهكم: تدرين أول مرة أدري أنش تعرفين شيء اسمه تفاهم..
كنت أظن مافي قاموسش إلا شيء اسمه النكد..
حينها هزت كتفيها وهمست بثقة: أنت كساب تمام مثل اللي عيرني بعيارته وركبني حمارته..
تروح وترجع بالسلامة.. الله يحفظك من كل شر!!
أغلق حقيبته وهو يتمتم: مع السلامة.. إذا بغيتي شيء دقي لي على خطي الثريا..
كان قد وصل إلى الباب وهي مازالت واقفة متكتفة بذراعيها
وتمنع عبرة كبيرة تجمعت في حلقها من الظهور..
حينها أنزل حقيبته عند الباب.. وعاد ليشدها ويدفنها بكل قوته بين أضلاعه
وهو يهمس في أذنها بنبرة غريبة.. خليط من حنان وكبرياء وشجن:
والله العظيم واللي خلقني وخلقش أني ما أحب أزعلش..
بس ما أدري هل أنتي اللي تستفزيني.. أو أنا أساسا متحفز ما أحتاج استفزاز؟!!
لم ترد عليه.. لأنها تعلم أنها إن تكلمت فربما تنفجر باكية..
وهي تفضل أن تموت على أن يعلم أنها تبكي لأنه سيسافر..
بل ولا يسافر والوضع بينهما مستقر حتى... بل مثقل بتعقيدات لا معنى لها ومحملة في ذات الوقت بكل المعاني..
وحتى لو كان الوضع مستقر.. فهي لا تحتمل بعده.. لا تحتمل..
البارحة لم تستطع النوم حتى لأنه كان بعيدا عنها لا تنتفس عبق أنفاسه..
كل ما استطاعت فعله أنها قبلت كتفه حيث مكان شفتيها ودون أن تتكلم..
حينها رفع رأسها ليقبلها بتروي ثم همس بحنان متدفق:
زين على الأقل ابتسمي عشان أدري أنش منتي بزعلانة علي..
أجبرت نفسها على رسم ابتسامة متقنة ليبتسم هو أيضا بشكل عفوي..
ويقبل جبينها ثم يغادر..
توقف عند الباب ثم هتف بحزم: أربع أيام وراجع إن شاء الله..
ثم خرج وأغلق الباب خلفه..
حينها تأكدت من إغلاق الباب بالمفتاح.. وانفجرت في بكاء صامت مكتوم..
وهي تدفن وجهها في المخدة وكأنها تخشى أن تسمع هي نفسها صوت بكاءها!!
متعبة بالفعل من هذه الحياة..
أن تحبه بهذه الطريقة الجنونية الخالية من أي منطقية..
مع أن المنطق كان يقول أنها يجب أن تكره شخصية متسلطة ومستفزة كشخصيته..
وبعد كل ذلك كل ما يفعله.. أنه يتلاعب بها..
يقربها حين يريد.. ويبعدها حين يريد..
وهي ليس أمامها سوى أن تتلهف لقربه.. أو تتألم لبعده..
تعبت فعلا.. تعبت.. مرهقة تماما وماعاد بها قدرة للاحتمال أكثر..
ماعادت قادرة على الاحتمال فعلا..
لو كان هناك بادرة أمل أنه قابل للتغيير كانت ستصبر حتى آخر العمر..
ولكن يبدو أنه مخلوق مستعصي على التغيير.. والمبرر الوحيد لهذا هو أنه لا يحبها..
تعلم أن بينهما المودة بل الكثير منها.. وإلا كيف تفسر اهتمامه بها..
ولكن هذه المودة لم تصل للحب ولن تصل..
هــي.. لأنها تحبه.. تغيرت كثيرا من أجله
رغم أنها كانت تظن أنها يستحيل أن تتغير من أجل أحد..
ولكنها لا تستطيع أن تحيا مع استنزاف المشاعر والكرامة هذا الذي يبدو بدون أمل..
لا تستطيع..
لا تستطيع..
يبدو أنها وصلت لختام المرحلة التي كانت تعرف إنها قادمة لا محالة..
نهضت لتضع ملابسها الضرورية في حقيبة وتستعد هي أيضا للمغادرة..
كانت تعلم أن هذا ما سيحدث..
وكانت تعلم يقينا أن حياتها مع كساب لن تستمر..
حلمت بطفل يحمل بعضا من روحه ويبقى بين ذراعيها..
ولكن هذا الحلم يبدو أنه لن يتحقق..
وكأن الله عز وجل يرسل لها رسالة إنها تدفن نفسها في حياة عبثية مع شخص لايقدرها..
قد يبدو غريبا أنها تقرر الرحيل أخيرا رغم أن كساب غادر وهما يبدوان متصافيان ظاهريا..
ولكن هذا بالفعل ماتريده..!!
لا تريد أن يكون آخر ما تتذكره من كساب.. قسوته أو حدته أو صراخه..
تريد أن يكون آخر ماتتذكره ملمس شفتيه وعبق أنفاسه ودفء أحضانه وحنان صوته..
وبما أنه متغيب على كل الأحوال..
فهي ستتجرع ألم غيابه حتى تعتاده!!
***********************************
" على البركة ملكة علي..
السموحة توني دريت من ابي قبل أجي المطار وإلا كان كلمته وكلمت الوالد
قلت لا رجعت كلمتكم"
كساب يبتسم وهو يجلس مع غانم حول طاولة للقهوة بعد أن قابله في المطار وهو ينهي اجراءات السفر..
يرد عليه كساب بمودة: الله يبارك فيك..
ولا تعّذر ترا الملكة توها اليوم الصبح..
وعقبالك إن شاء الله..
غانم بابتسامة: أنا لا.. تو الناس..
كساب بابتسامة مشابهة: لا تو الناس ولا شيء.. أنت أساسا أكبر من علي يا الشيبة..
حينها هتف غانم بتقصد وهو يطرق الحديد وهو ساخن:
السنة اللي فاتت خطبت عند ناس.. بس ردوني..
ومن كثر ماكنت متشفق على موافقتهم ماعاد لي خاطر في العرس كله..
حينها رد عليه كساب بنبرة مقصودة:
ترا الحال من سنة لين سنة يتغير..
ما تدري يمكن لا خطبت الحين يغيرون رأيهم...
*******************************
" يا الله يأمش..
الدكتورة كتبت لش خروج خلاص..
خلينا نرتب لش أغراضش"
جوزاء كانت تجلس على المقعد وليس على السرير وهي تبدل ملابس حسن..
همست بإرهاق: زين مابغت..
شعاع حينها هتفت برجاء: زين يمه بأروح أشوف عبدالرحمن بسرعة وأرجع.. صار لي يومين ماشفته
بأروح مع الممر الداخلي اللي بين المستشفيين وبأرجع بسرعة.. وانتو عادكم ترتبون الأغراض..
أم عبدالرحمن برفض: يمكن يكون عنده رياجيل الحين.. عدا إن رجلش توجعش
أشلون بتمشين ذا المسافة كلها..
شعاع برجاء أشد: بأتصل في أبي لو عنده حد أو لا.. الشيء الثاني رجلي ماعاد توجعني
ماشاء الله هنا ممرضة فلبينية فرتها لي رجعتها مكانها.. تقولين كن مافيني شيء..
.
.
.
.
كان يدخل مع الباب الرئيسي ويعبر الباحة
وهو يشعر بدقات قلبه تتصاعد وهو ينظر ناحية المصاعد..
يبدو أنه سيقع في غرام كل المصاعد بلا استثناء..
ليلفت انتباهه امرأة قادمة من ناحية الدرج.. وتتجه للباب الجانبي المؤدي لمستشفى حمد داخليا عن طريق قسم الدخول..
هــي.. هــي..
هــــــــــي..كاد يجن لفرط سعادته..
هي.. عرفها بالحقيبة.. وبالعرج الخفيف..
حتى لو كانت عرجاء لا يهمه.. حتى لو كانت ابنة عائلة لا تناسبه اجتماعيا لا يهمه..
فهو يعلم أنها نصيبه.. هكذا دعا ربه.. والله استجاب لدعوته..
المعجزة حصلت أمامه.. كطيف أرسله الله عز وجل له..
تبعها عبر ذات الطريق..
ولن يفلتها هذه المرة !!
*************************************
"يا الله يأمش..
خلينا ننزل لعفرا نسلم عليها قبل نطلع..
وباتصل في شعاع تنتظر عند ابيها لين نجيها..
عشان نقصر عليها المسافة"
جوزاء تتأكد من وضع نقابها وتتناول حقيبتها وهي تشد كف حسن وتهمس بمودة: يا الله فديتش..
أم عبدالرحمن بحنان: أنا قلت لهم يرتبون غرفتش خلاص..
مشتهية شيء أكلمهم في البيت يسوونه..؟؟
جوزاء بحزم: لا يمه جعلني فداش.. لأني بأروح لبيتي..
أم عبدالرحمن باستغراب: وش غير رأيش وأنتي البارحة قايلة لي إنش بترجعين معي للبيت..
جوزاء بذات الحزم: أمس كنت تعبانة شوي.. بس اليوم طيبة
وأبي أروح لبيتي..
# أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل الستون 60 - بقلم HaboOoshy
كانت تمشي بهدوئها المعتاد..
عدا أن كاحلها مازال يؤلمها قليلا وهي لا تريد أن تثقل خطواتها عليه..
كانت في البداية تمشي بعفوية وذهنها خال تماما..
ولكنها بدأت تشعر بالتوتر لأنها شعرت أن هناك من يتبعها..
أسرعت قدر ما استطاعت.. ولكنه أسرع كذلك..
والممر بين المستشفيين طويل جدا.. وشبه خال من المارة...
حينها سمعت ذات الهمس الرجولي العميق الهادئ الذي سمعته اليوم صباحا:
تكفين اسمعيني دقيقة..
أنا والله بأموت من الحرج.. ماسويتها وأنا مراهق أسويها الحين..
شعاع أسرعت في مشيتها أكثر وهي تشعر بالرعب والخجل وتكاد تنكفئ على وجهها.. دون أن تنظر ناحيته أبدا
بينما همس لها بضيق:
تكفين لا تحرجيني أكثر.. أبي أدري بس أنتي بنت من..
والله العظيم أن قصدي شريف..
شعاع حينها بدأت تشهق وهي تحاول الهرب..
وعلي كان على وشك التهور ليخبرها ما اسمه حتى تطمئن له..
لكنه رأى هذا التصرف خال من العقلانية تماما..
فهي قد تأخذ الاسم وتقدم شكوى معاكسة ضده.. حينها كيف سيكون موقفه أمام عمله وأسرته.. وحتى أهل زوجته المفترضة!!
علي أصر عليها برجاء أشد كما لو أن حياته كلها تتوقف على جوابها:
تكفين أنا حالتي حالة من صبح.. عقلي طار مني..
تكفين بس قولي لي أنت بنت من؟؟
شعاع بصوت مكتوم بين شهقاتها: تكفى ..أنا مرة متزوجة لا تفضحني.. لا تفضحني..
علي بصدمة كاسحة والكلمات تفر منه والدنيا تعتم أمامه وتتفجر بالسواد:
مستحيل تكونين متزوجة.. مستحيل.. ماني بغبي ونفسي دنية لذا الدرجة..
وأنا دعيت ربي.. دعيته.. مستحيل يخذلني..
شعاع تزداد شهقاتها الخافتة رعبا: والله العظيم إني متزوجة..والله العظيم
تكفى لا تمشي وراي..
تكفى لا تفضحني..
حينها توقف علي تماما.. بينما أكملت هي طريقها بذات السرعة..
كما لو أن كل عفاريت الأرض تطاردها..
وقف لأنه شعر كما لو أنه ذُبح في التو واللحظة..
ذبـحـتـه.. نحرته بدم بارد..!!
أ تكون هذه آخرته؟؟ أن يتعلق بامرأة متزوجة؟؟
هو علي النقي الطاهر.. لا يجد من بين نساء الأرض إلا امرأة متزوجة ليهبها قلبه..؟!
هو تجرأ على انتهاك حرمة ما ليس له ولن يكون حتى له.. وهو كان قد طمأن نفسه بأنه سيصلح ذنب ما ارتكبه!!
فإذا كل دروب الأمل تُغلق أمامه تماما.. تماما..
شعر أن قدميه لا تحملانه فعلا.. وهو يشعر بأنفاسه تضيق وتضيق
يتسند على أطراف الممر بثقل.. ليلاحظه شابان ماران فيهبان لمساعدته
ليسقط مغمى عليه بين أيديهما..
**********************************
" هلا والله بالغالية
أشلونش يأبيش؟؟"
كاسرة تنحني على كف جدها لتقبله وهي تهمس بحنان عميق:
لا قدك طيب أنا طيبة..
هتف بشجن: مافيه امهاب صغير جاي في الطريق يأبيش؟؟
ردت عليه بشجن مشابه: مافيه يبه.. ولا بيكون فيه..
أنا جيت وبأقعد عندكم خلاص على طول
وهذا أنت أول حد أقول له.. وطالبتك ماتحلف علي.. ولا تجرب غلاك مثل المرة الأولة..
كل الناس أقدر عليهم إلا أنت...
حينها هتف بضيق عميق: ليه يأبيش تسوين كذا.. كساب رجّال مافيه مثله!!
همست بألم: أنت قلتها يبه.. رجّال مافيه مثله..
بس أنا أبي زوج بعد وأب لعيالي..
هي هكذا كاسرة.. أرادت أن تضع النقاط على الحروف..
تعبت من اللعب بين الأسطر الذي لا يشبهها...
لم ترد أن تبدو قضيتها مموهة أو غير محددة الملامح..
بما أنها قررت الخروج من بيتها فهي لا تريد أن يصلح بينهما أحد ولا أن يتدخل أحد..
لأنها لم تقرر هذا القرار وهي تريد التراجع فيه.. أبدا..
******************
" يا الله شعاع وش فيش؟؟
طلعنا من المستشفى وأنتي حالتش حالة
مابغيت أسألش قدام أمي"
شعاع مازالت ترتعش من أثر مقابلتها مع (الرجل الغريب) الذي أوقفها في الممر:
تدرين جوزا.. ولد آل كساب شكل وجهه نحس علي
تونا ماكملنا 24 ساعة متزوجين والمصايب تحذف علي..
أولها ضاعت الخدامة.. ثم بغت تنكسر رجلي..
ثم تسكر علي الاصنصير مع رجّال..
وعقبه الرجّال ذا نفسه لاحقني قبل شوي وأنا رايحة لعبدالرحمن
يقول لي أنت بنت من.. وغرضي شريف.. تخيلي الوقح..
جوزا بغضب: وليش ما اتصلتي لأبي يجيش ويأدبه..
شعاع بتماسك: يا أختي أبي اللي فيه مكفيه..والرجّال أصلا يوم قلت له أني متزوجة وقف وخلاني
وأنا عقب اليوم حرمت أتحرك أي مكان بروحي..
أنتي قولي لي وش الأخبار عندش؟؟..
جوزاء تشعر بتوتر تحاول إخفاءه خلف هدوء صوتها: عادي
لقيت عمتي وعالية تحت سلمت عليهم وأنا الحين في غرفتي بأرتب شوي..
الغرفة حايسة شوي وتبي ترتيب..
شعاع بعتب رقيق: أنتي مسز كلينر ماتعرفين ترتاحين..
توش طالعة من المستشفى تعبانة..
جوزاء تبتسم: إذا شفت المكان مهوب مرتب تعبت أكثر!!
***********************************
" كاسرة أنتي أكيد استخفيتي..
يعني يوم ربي هداش ووافقتي على رجّال
وهو صدق نعم الرجّال
ما صدقتي يسافر عشان تطقين من بيته
وش ذا الخبال؟؟ "
كاسرة بحزم: يمه تكفين.. ما أبي حد يناقشني..
أنا ماخذت ذا القرار وطلعت من البيت وبلغتكم أني ماني براجعة
عشان تحاولون تقنعوني أغير رأيي..
كساب رجّال والنعم.. لا ضربني ولا هانني ولا قصّر علي بشيء
بس خلاص ماصار بيننا توافق والحياة وقفت بيننا..
مزنة بغضب: إلا بناقشش وأكسر رأسش بعد..
أنتي وش فيش متفرعنة ماكن وراش كبير..
الشيء طب برأسش سويتيه.. ما قلتي أشور أمي؟؟.. أخذ نصيحتها؟؟.
صار لش شهور عند الرجّال وعمرش ما اشتكيتي منه..
على أول موقف بتخلينه مرة وحدة..
ثم أردفت مزنة بنبرة مقصودة كما لو أنه خطر لها شيء فجأة:
أو يمكن إنش ساكتة على شيء صار لش شهور..؟؟
وكرامتش ماسمحت لش تشتكين وإلا تطلبين الشور..
وخلاص الحين ماعاد فيش صبر!!
حينها أجابت كاسرة بضيق: هذا أنتي قلتيها بروحش..
تكفين يمه لا تلحين علي..
صدقيني اللي صار بيني وبين كساب شيء خاص..
لا يروح بالش بعيد وتظنين فيه شيء شين..
بس يمه خلاص أنا ما أبي أرجع
مهوب لأن صبري خلص.. أنا كان ممكن أصبر على كساب عمري كله..
بس لأن وضعنا أنا وكساب وضع غير قابل للحل صدقيني..
******************************
" هلا والله بالخال العزيز؟؟"
نايف بمودة: هلا والله ببنت أختي العزيزة اللي باريس من عقبها ماكن فيها حد..
عالية بمرح: تدري إني اشتقت لك يا الدب!! ما أدري متى تخلص ذا الشهور الثلاثة عشان أشوف خشتش الشينة..
حينها هتف نايف بضيق: يمكن تكون أقل من 3 شهور..
برفيسوري عنده مشروع بحث كبير يبي يتفرغ له
ويقول يبي يخلص من كل طلابه قبل يبدأ فيه..
فالحين بادي يغير في مواعيد مناقشاتنا..
عالية بسعادة: زين ليش تقولها وأنت محزن كذا.. المفروض تنبسط!!
نايف بضيق: أنبسط على الخنقة والاكتئاب اللي ينتظرني في الدوحة..؟؟
حينها همست عالية بتهكم غاضب: وش رأيك زين تهاجر وتعيش في فرنسا حياتك كلها..
عشانك واحد ضعيف شخصية ما تقدر توقف خواتك عند حدودهم..
نايف بغضب: علوي تلايطي واعرفي أشلون تحشمين خالش..
يعني مادة اللسان عشانش مانتي بقدامي ألتش كف على وجهش يسنعش..
عالية بذات التهكم الغاضب: إيه وش عليه.. عليّ انفخ ريشك يا نويف..
أنت أصلا ماتقدر تنفخ ريشك إلا علي..
لكن خواتك تصير عندهم فار بين قطاوة..
يا رجّال اصطلب.. والله العظيم لا تصير حياتك كلها دمار دامك معطيهم وجه كذا..
ما أقول لك اقسى عليهم.. بس مافيه حد يسوي سواتك!!
نايف بغضب: الشرهة علي اللي كلمتش أساسا..
ثم أنهى الاتصال وهو يغلق الخط في وجهها و يشعر بضيق عميق لسبيين:
الأول أنه لا يحب أن يضايق عالية أو يحزنها.. كما لو أنه يضايق نفسه..
الأمر الآخر أنه غضب منها بينما هي محقة.. محقة تماما!!
************************************
" يمه أنا بأروح لغرفة استراحة المواليد
بأطل عليهم شوي!!"
عفراء باستغراب: تروحين ليه وأخيش هنا؟؟
جميلة بابتسامة: حاسة أني صايرة عزول 24 ساعة..
عمي منصور من كثر الزوار مايقدر يقعد عندش إلا ذا الساعة ويلاقيني صاكة عليه..
عفراء بابتسامة حانية: تعالي يا بنت بلا خبال..
جميلة رقّصت حاجبيها رفضا وهي تلبس نقابها وتغادر قبل وصول منصور..
حين وصلت لاستراحة المواليد..
انزوت وجلست في زواية الغرفة.. وانخرطت في بكاء حاد...!!!
حينها كان منصور يدخل على عفراء بعد أن تأكد من عدم وجود أحد..
تلفت حوله وهو يتساءل: وين جميلة؟؟
عفراء بمودة: راحت قريب..
حينها اقترب وهو ينحني على رأسها ويهتف بفخامة حميمية: يعني أخذ راحتي!!
ابتسمت عفراء: يعني المسكينة صادقة يوم تقول إنها صاكة عليك..
منصور توجه لسرير ابنه ليشرق وجهه وهو يقبله بحرص وحنان كبيرين
ثم يشد له مقعدا وهو يقربه لأقصى حد من عفراء وهو يشد على كفها ويهتف بمودة حقيقية:
جميلة مثل بنتي.. ولو أساسا بنتي في عمرها.. باستحي أحب أمها قدامها..
خوش دروس نوريها البنية..
ثم أردف بتساؤل: ماقالت لش شيء عن خليفة؟؟
عفراء بحزن: لا.. ذا الولد بيقعد حسرة في قلبي..
خلني لين أصح شوي وأكلمه بنفسي.. أصلا لو درا أني ولدت أنا متاكدة إنه كان كلمني بنفسه..
حينها اقترب منصور من عفرا وهو يهمس بخفوت خوفا أن تسمعه جميلة لو حضرت:
تدرين إن زايد كلّم أحمد الليلة..
حينها انتفضت عفراء وهي تسأل باهتمام:
وش قال أحمد؟؟
منصور بحزم خافت: بصراحة زعلان واجد هو وعياله..
زايد حاول فيه إنه خليفة يجي ويتفاهم معنا..
بس أبوه مارضى..
قال إنها صغرت قدر ولده اللي المفروض إنها احترمت إنه ولد عمها اللي خلى كل شيء عشانها..
وقال لو هي بغت تجي بنفسها وترجع لبيتها.. خليفة بيرجعها..
لأنه أصلا المطلقة عدتها في بيتها..
حينها انتفضت عفراء بغضب رقيق:
لا منصور اسمح لي.. صحيح بنتي الغلط راكبها من ساسها لراسها
لكن إني أخليها تروح هناك بنفسها.. لا وألف لا..
خليفة رجّال ماينقص من قدره ياتي لين مجلسك.. ثم يأخذ مرته..
حزتها بأخليها تروح معه غصبا من ورا خشمها..
لكن إني باكسر نفس بنيتي واذلها وأنا أوديها لبيتهم.. لا يا منصور لا
ما عليه هي غلطانة بس الغلط ما ينحل بغلط..
البنية عقبها مهي بقادرة ترفع عينها في حد..
آسفة منصور أنا ماعينت بنتي في الشارع..
يبيها يدل بيتنا.. وحن مانبي منه عذر.. العذر من صوبنا..
لكن إني بأجبر خليفة عليها.. وأكسر نفسها لا..
هتف منصور بحزم: أصلا أنا قلت كذا لزايد.. وزايد قبلي قاله لأحمد..
قال له الغلط من صوب بنتنا اللي هي بنتكم..
بس خليفة هو اللي لازم يجي يأخذها..
حن شيبانه وهي بنيتنا اليتيمة..
هو أدبها وزيادة يوم طلقها وهم عادهم في المطار..
والحين مهوب منقص من قدره ياتي بس للبيت ويأخذها وحن اللي بنتعذر له بعد..
أنا ما أدري عن رأي خليفة.. بس إبيه عيّا بدون نقاش..
عفراء حينها همست بضيق: منصور أنا تعبت من كل ذا..
البنية صغيرة.. وتوها طالعة من مرض..
دام هذا ردهم.. ماني بضاغطة عليها بشيء.. خل بنتي عندي..
وخلها ترجع لجامعتها وتكمل دراستها .. وخليفة يدل طريقها لا بغاها..
*********************************
" علي حبيبي وش فيك؟؟
وجهك ماصع مرة وحدة؟؟
أجيب لك عشا؟؟"
علي بإرهاق: ماني بمشتهي.. بس بأنام شوي وأقوم زين..
مزون تجلس جواره وهي تضع يدها على جبينه وتبتسم بشجن وقلق:
هذي من فرحتك بالعروس سخنت.. رأسك دافي ياقلبي..
ابتسم بألم: الظاهر كذا..
مزون تقف وهي تهمس بقلق حقيقي: بأروح أجيب لك كمادات..
شد كفها ليجلسها وهو يهتف بذات النبرة المرهقة:
مافيني شيء.. اقعدي بس.. كلت حبتين مسكن وبأقوم بكرة زين..
حينها همست بضيق: تدري إن مرت كساب خلت البيت..
علي بعفوية: عادي.. رايحة لهلها لين يرجع كساب من السفر..
مزون بذات نبرة الضيق: علي أنت تتذكر مرة وحدة راحت فيها لأهلها عشان كساب مسافر..؟؟
علي يعتصر ذهنه: ما أدري صراحة.. يعني أنا وش عرفني مرت كساب راحت وإلا قعدت!!
مزون بنبرة قاطعة: عمرها ماسوتها.. حتى لو طولت السهر عندهم..
ترجع وتنام في غرفتها.. عقب ماتمر علي مثل ماكساب يسوي..
حينها اعتدل علي جالسا وهو يشعر بدوار طفيف.. لأنه لم يتناول أي شيء منذ البارحة هتف باهتمام:
وش تقصدين يعني؟؟
مزون بألم حقيقي: أنا ما أقصد شيء.. أنا متأكدة..
لأني كلمتها أبي أشوف وينها..
ردت علي بكلام ماريحني..
إنه حن دوم خوات.. وإني أنا وابي وخالتي عفرا بنظل هلها لو مهما صار..
بعدها ماسألتها عن شيء.. لأني فهمت هي وش تقصد..
حينها هز عليّ كتفيه وهتف بثقة: ما ألومها!!
مزون باستنكار: ماتلومها.. تخلي كساب وماتلومها ؟؟!!
علي بثقة: يمكن من محبتش لكساب تشوفينه خالي من العيوب..
لكن مهما كان أخينا غالي.. خلينا نعترف إنه مليان عيوب..
يعني المرة وش تبي؟؟
تبي رجّالها يحسسها باهتمامه فيها.. إن هي الأولوية في حياته..
حتى لو ماكانت هي فعلا الأولوية وش بيضره لاحسسها بذا الشعور الحلو..
رسول الله صلى الله عليه وسلم وش وصلى في وصيته الأخيرة قبل موته.. قال:
رفقا بالقوارير..
يعني المرأة قارورة أقل شيء يمكن يكسرها..
لكن أخيش كان يتعامل مع مرته كإنها مدرعة.. يضربها بصواريخه ومايبيها تتأثر..
ثم أكمل وصوته يرتفع بغضب:
يتأخر معنا في السهر عمري ماشفته رفع التلفون وقال لها أنا بأتاخر..
عمري ماسمعته يقول لها حبيبتي في التلفون ولو حتى على سبيل الغلط..
لو صار وقلبت في تلفونه عمري مالقيت في صادر رسائله رسالة غزل وحدة لها
كلها رسايل رسمية كنها رسايل مدير لموظفة عنده..
يمكن تقولين وهي مثله.. بأقول بعد ما ألومها..
لأنه هو اللي لازم يبادر.. هو اللي لازم يحسسها بأهميتها في حياته
عشان هي تتصرف بالمثل..
حينها هتفت مزون بغضب: وانت اشفيك شايل على أخيك كذا..؟؟
علي بذات نبرة الغضب: ماني بشايل منه.. بس أقول لش لا تلومينها..
البنية عداها العيب.. وزين إنها صبرت على كساب ذا كله..
غيرها ماتسويها مع معاملته الزفت.. وخصوصا أني أسمع إن شخصيتها قوية واستقلالية..
كان يرتعش فعلا وهو يتكلم..
هاهو يكاد ينفجر حبا.. ومع ذلك يستحيل أن يعثر على من يتدفق حبه لها ليغرقها في هذا الفيض الذي أغرق روحه..
بينما شقيقه الغبي كانت أمامه على الدوام من تستحق مشاعر الوله والعشق والغرام ولكنه أضاعها من بين يديه..
قاطع حوارهما الحاد صوت زايد يدخل مع الباب المفتوح أساسا
وهو يهتف بحزم صارم: وش فيكم صوتكم طالع؟؟
مزون.. علي تعبان.. ليش ترفعين صوتش عنده؟؟
مزون تراجعت بخجل بينما علي كان من هتف بهدوء مغلف بإرهاقه بعد أن أفرغ طاقة الغضب لديه:
يبه.. مزون مالها ذنب أنا اللي احتديت في الحوار شوي..
زايد بذات الصرامة الحازمة: ووش سبب الحوار الحاد أساسا؟؟
الاثنان صمتا.. فهما لا يريدان الكلام عن مشاكل شقيقهما..
زايد أعاد السؤال بصرامة أشد..
حينها همست مزون باختناق لأنها كانت تخشى غضب والدها إذا علم بخروج كاسرة من البيت:
كنا نتكلم إن مرت كساب طلعت من البيت زعلانة من كساب..
ما أدري لو دريت أو بعد..؟؟
حينها اجابها زايد بسكون واثق: عندي خبر..
هي بنفسها بلغتني وخذت بخاطري.. عداها العيب بنت ناصر..
لكن العيب راكب أخيكم من ساسه لراسه..
حينها همست مزون بغضب: يوم أنت وعلي كلكم حاطين كساب الغلطان
هي اشتكت لك إنه سوى لها شيء..؟؟
زايد بثقة: أبد.. ما قالت عنه إلا كل كلمة طيبة..
وكذا المرة الأصيلة ..لا اختلفت مع رجالها ماتروح تفضحه وتفضح روحها..
بس أخيش أعرفه.. وكنت عارف إنه مهوب مرتاح لين تطفش منه..
مزون حينها همست بيأس: زين والحل؟؟ كساب راح وهي في البيت..
يرجع مايلقاها..؟؟
زايد بحزم: بكرة بأروح لها بنفسي.. وبأحاول أرضيها..
عشانها وإلا أخيش مايستاهل...
***************************
" يا الله حبيبتي أنا آسف على التأخير
توني نزلت عبدالله في بيتهم وجايش الحين
متشفق على شوفت قصة شعرش الجديدة"
نجلاء بخبث رقيق: من قال لك فيه قصة شعر جديدة؟؟
صالح باستغراب: أنتي اليوم قلتي لي بأروح أسوي تغيير في شعري؟؟
نجلاء بذات لخبث الرقيق: التغيير مهوب لازم يكون قصة أحيانا صبغة!!
صالح بصدمة: نعم؟؟ صبغة؟؟ أنتي أكيد استخفيتي!!
نجلاء بانكماش: ليش؟؟ أنا استاذنتك وأنت رخصت لي!!
صالح بغضب متفجر: لا لا تكذبين علي.. أنا رخصت لش تغيرين قصة شعرش لو بغيتي بس.. مهوب تصبغينه..
حينها همست نجلاء بحزم غاضب: زين وأنا صبغته .. وش صار؟؟ انتهى الكون؟؟ وش بتسوي يعني؟؟
صالح انفجر تماما بغضب: أنا بجيش الحين وأرويش نهاية الكون أشلون..
زين يا نجيل..زين
إذا مارويتش شغلش الحين ما أكون ولد خالد آل ليث!!
والله وطلع لش لسان بعد..
******************************************
كان يدخل إلى غرفته بخطوات ثقيلة مرهقة وفي وقت متأخر قليلا..
البارحة عاد مبكرا من أجل حسن..
لكن الليلة لمن يعود؟؟
فهي خرجت من المستشفى الليلة وأخذت حسن معها..
وهو ليس أمامه سوى تجرّع ليالي طويلة من الوحدة والمرارة..
في استغراقه في أفكاره المؤلمة لم ينتبه كيف الغرفة تلمع كما لو أن صاحبتها فيها..
مفرش السرير الذي تم تغييره.. والذي عودته جوزا أنها لابد تغيره في الأسبوع مرتين..
الرائحة العطرية الدافئة والناعمة والخفيفة التي تفوح من مبخر الزيت العطري
والتي تحرص جوزاء على استخدامها بدلا من البخور لأنها لا تضايق تنفس حسن كالبخور..
وفي كل الأحوال حتى لو استخدمتها لابد أن تغلق باب غرفة حسن حتى تطفئها
كما هو مغلق الآن..
ولكن إن كان لم يلاحظ كل هذا فهو بالتأكيد سيلاحظ المخلوقة التي تجلس أمامه تماما على الأريكة..
كانت ترتدي فستان صيفيا مشجرا بألوان ناعمة هادئة بأكمام قصيرة ويصل طوله لمنتصف ساقيها ..
كما لو أنها بهذا الفستان الناعم المحايد ترسل له رسالة مشابهة.. هادئة ومحايدة..
لم يعلم بماذا يشعر حين رآها.. الشعور بالصدمة حصل وانتهى..
ولكنه لم يعلم هل هو سعيد أو خال تماما من الإحساس؟؟
مجروح منها مجروح حتى النخاع.. ومرهق من كل شيء في الحياة حتى نخاع النخاع!!
لماذا عادت؟؟ لماذا؟؟
هل لأنها حامل؟؟ أم حتى لا تضايق والدها؟؟
لا يريد أن يكذب على نفسه بأي أمل.. ويقول إنها عادت من أجله..
فهي قبل يومين عرفته حجمه تماما.. وهي تصفعه بطلب الطلاق في أكثر وقت احتاجها فيه في حياته ..
وهي تثبت له بذلك ضآلة قيمته عندها!!
سلّم.. وردت عليه السلام بتوتر..
سألها بسكون: أشلونش الحين؟؟ إن شاء الله أحسن..؟؟
همست بذات التوتر وهي تشعر باختناق حقيقي.. فهي توقعت أن يكون عبدالله أكثر سعادة برؤيتها:
الحمدلله زينة..
ثم أردفت بتوتر متردد: وأنت وش صار على قضيتك؟؟
حينها أجابها بنبرة سخرية مبطنة: الحمدلله انتهى كل شيء وبأسرع مما توقعت..
اليوم صدر طلاق نهائي غير قابل للاستئناف هناك في أمريكا
وراشيل رجعت نيويورك الليلة.. خلصت انتهيت منها نهائيا..
شكرا على السؤال.. ماقصرتي..
فهمت جوزا تلميحاته المبطنة.. وآلمتها.. ألمتها كثيرا..
لو أنها لم تصده قبل يومين.. لم يكن أي شيء ليتغير عليها
فهي على كل الأحوال كانت في المستشفى.. وكل ما احتاجه هو إحساسه بمؤازرتها معنويا لا فعليا..
تناول غترته عن رأسه ليضعها في السلة.. لكنها تناولتها من يده وهي تهمس بنبرة مقصودة مثقلة بالشجن:
تراني جيت وأنا ما أدري إن قضيتك انتهت..
ولا إنها سافرت.. جيت من المستشفى هنا على طول..
أجابها بسكون وهو يستعد للمغادرة : مشكورة.. ماقصرتي بعد..
أمسكت بمعصمه وهي تتساءل بألم: ليش تكلمني كذا؟؟
حينها انفجر بغضب مكتوم وهدوءه الظاهري كله ينهار:
أشلون تبيني أتكلم.. تبيني أركع وأحب أرجيلش
عشانش تكرمتي ورجعتي لبيت رجالش وأنتي تمنّين عليه بالرجعة بعد.. كنش تفضلتي عليه يوم رجعتي..
أشلون تبيني أتكلم.. تبيني أقول أنا طاير من الوناسة لأنش عبرتيني عقب مامرمطتيني ذا الشهور كلها..
أقول أنا باستخف من الفرحة لأنش فكرتي مرة وحدة فيني..
أنا تعبت يا جوزا.. تعبت.. سبع شهور وأنا بأموت في انتظار ابتسامة رضى وحدة منش وانتي شاحة فيها..
وآخرتها وش احتجت منش.. بس توقفين معي لين تنتهي مشكلتي.. طردتيني من عندش مثل الكلب..
قولي لي يام حسن.. عقب ذا كله أشلون تبيني أتكلم..
حينها انفجرت هي أيضا.. فإذا كان هو محمل بمرارة سبعة أشهر ويراها طويلة!!
فهي محملة بمرارة عشرات وعشرات الأشهر:
حرام يا أبو حسن.. تصدق كسرت خاطري.. سبع شهور تعاني مني؟؟..
صدق إني مجرمة وماعندي إحساس..
ليه؟؟ لأني أنا ماعندي سالفة..
وش جاب سبع شهور لأربع سنين.. السبع شهور أكثر بواجد..
أربع سنين وأنا في اليوم أسأل نفسي ألف مرة.. أنا وش سويت عشان تسوي فيني كذا..
أربع سنين وأنا ماتمر ليلة أشم نفسي وأقول ريحتي خايسة..عبدالله قال لي كذا.. وعقبه هرب مني..
أربع سنين وأنا أموت بحسرتي كل ليلة.. بنت صغيرة عمري كله انخطف وتبخر عشان تمثيليتك..
ترملت وضاعت دراستي.. وشخصيتي انقلبت 180 درجة.. وبيدي طفل صغير مايمل كل ليلة يسأل عنك
وأنا أحكي له عشرات السوالف عن حبيب مالقيته وعن أبو مالقاه..
عبدالله بغضب مثقل بالشجن: والأربع سنين هذي أنا كنت قاعد ألعب ومستانس؟؟
لو أني سألتي نفسش في اليوم ألف مرة أنا متت في اليوم ألف مرة وأنا أحلم بس أني أشم ريحتش ولو مرة قبل أموت..
لا صورتش ولا خيالش فارقوني دقيقة كأن ربي يعذبني بش..
ولا تحورين الحقائق.. أنا كنت أقول لش طهري جسمش مني
لأني شايفش شيء طاهر وأنا عقب راشيل مخلوق نجس..
جوزا بذات الغضب المتفجر: وأنا كنت بأفهم ذا الشيء بنفسي.. وأنت هربت وخليتني بدون ماتشرح لي شيء..
زين أنت رحت ووراك زوجة.. ما سألت نفسك هي حملت.. وش صار لها؟؟
وإلا بس كنت أنا عندك وناسة ساعة ومافكرت في اللي بيصير فيني..
يعني بعت الدنيا عشان ولدك اللي هناك..
وأنا وولدك اللي هنا مافكرت فينا..
يوم أنت رحت هناك عشان ولدك.. وتقول خايف عليه من أمه مثل ماقالت لي عالية..
ليش ماجبته هنا.. والله العظيم كنت ربيته مع حسن ومثل حسن وبدون ما أفرق بينهم لأني باعتبره طفل يتيم..
لكن لا.. ولد الأمريكية الشقرا كان عندك غير.. وش جابه جنب ولد جوزا..
عشانه بعت الدنيا وبعتني أنا وولدك فوقهم..
عبدالله بغضب: وأنا وش عرفني؟؟ وش عرفني أنش حملتي وجبتي ولد؟؟
جوزا بغضب متزايد: لا والله.. وأنا حملت من الشارع..!!
يعني ياحضرة المهندس المتعلم الفاهم.. صار بيننا اللي بيصير الأزواج..
يعني ماراح تحط في بالك لو احتمال واحد في المية عن نتيجة ذا الشيء..
لكن ليش تفكر في ذا الشيء أنت بايع بايع ومافكرت في النتايج..
زين خلك مني.. فرضا أنا ماحملت..
هلك أمك وابيك واخوانك اللي كانوا بيموتون عقبك مافكرت في حد منهم..
عبدالله بغضب مثقل بالقهر: جوزا لا تلوميني لأني لمت نفسي قبل ماحد يلومني..
ولمت نفسي ألف مرة أكثر من اي واحد فيكم..
حينها همست جوزا بمرارة: وأنت بعد لا تلومني.. لا تلومني..
عبدالله حينها انحدر صوته لهدوء عميق: زين أنتي وش تبين ذا الحين؟؟
همست بذات المرارة وهي تتجه لخزانتها وتنتزع منها بيجامة: ما أبي شيء
أنت بعد مشكور وماقصرت..
بأروح أرقد عند ولدي..
************************************************
كان ثائرا بالفعل وهو يصعد الدرج بقفزات سريعة.. ويحاول أن يتحكم بغضبه حتى لا يتهور أو يرتفع صوته فيسمعه ابنيه..
كان يحاول أن يتخيل كيف أصبح شعرها بلون مصبوغ.. بعد ان اعتاد على أمواج العسل التي يذوب فيها..
وفي ختام الأمر يعلم يقينا أن صبغها لشعرها لا يهمه لتلك الدرجة حتى ولو كان مغرما بلونه الأصلي..
فنجلا هي نجلا حبيبته وأم أولاده سواء بشعر أشقر أو أسود..
ولكن ما يغضبه هو تعمدها لإغضابه..
حين دخل كانت الصدمة الحقيقية تنتظره..
كانت أمواج العسل.. كما يسميها.. بانتظاره كما تركها اليوم عصرا..
كل ماهنالك أنها ازدادات فتنة وإغراء بلفات لولبية أنيقة تتناثر على قميص نوم جديد..
وصاحبتهما ثائرة تماما وهي تستخرج ملابس صالح وتضعها على السرير..
حين رأته صرخت بثورة:
الملابس هذي تكفيك الليلة وبكرة لين أرتب باقي ملابسك في غرفة الضيوف..
رد عليها صالح بغضب: نجلا وش ذا الخبال؟؟
نجلا بغضب مشابه: كيفي.. كيفي.. يأخي ماني بطايقة أشوفك قدامي..
وما أبيك تنام معي في غرفتي..
الحين فرضا أني استخفيت وصبغت شعري وش اللي صار..
ماعادني بنجلا.. صرت وحدة ثانية.. وإلا خلاص ماعاد فيني شيء تحبه إلا ذا الشعر..
بغيت تأكلني عشاني قلت أني صبغته..
أنا ماصبغته عشاني مهوب عشانك.. لأني استاذنتك وأنت قلت ماعليه..
مادريت أنك تدور علي سبب..
صالح بغضب أشد وهو يكتم صوته: نجلا بلا خبال صدق..
أنتي عارفة عدل إن غلاش واحد شعرش أصفر وإلا أحمر وإلا حتى قرعاء ماعندش شعر..
بس أنتي صايرة استفزازية بشكل.. ماترتاحين لين تطلعيني من طوري..
نجلاء وصل غضبها لأقصى حدوده: خلاص وش مصبرك علي..
طلقني دامني صايرة هم على قلبك كذا!!
طلقني دامني صايرة مغثة كذا وأنت منت بطايق تستحملني!!
صالح لم يرد عليها وهو يتجاوزها ويتناول ملابسه عن السرير
ويخرج وهو يغلق الباب خلفه بحزم غاضب..
لتفجر هي في بكاء هستيري غير معقول وهي تلكم كل شيء حولها..
****************************************
"أعلم أنه عاد قبل ساعة ولكنه لم يحضر إلى غرفتنا حتى الآن
هل علم بمشكلة كاسرة وهذا مايعطله في الأسفل؟؟"
سميرة منذ تلقيها لهدية تميم اليوم عصرا وهي متوترة تماما..
وتشعر أن الوقت يجري بسرعة وموعد عودته يقترب بسرعة خرافية..
فهي متوترة جدا من لقائه بعد تلقيها هديته التي تشعر أنها غير بريئة أبدا..
رغم أنها جميلة جدا ووقعت في غرامها فورا !!
تزفر بتوتر.. لا تعلم كيف ستقابله؟؟
أو ماذا ستكون ردة فعله؟؟
وحين رأته تأخر.. تمنت أن تشغله قضية كاسرة قليلا عنها..
وكان لها ما أرادت تماما.. حين دخل كان يرتسم على وجهه علائم الهم..
أشار لها بالسلام وهو شارد..
وردت عليه بإشارة متوترة..
لم يعاود الإشارة لها وهو يدخل للحمام ويستحم ثم يصلي قيامه ويقرأ ورده وهي تراقبه في كل هذا من تحت أهدابها وهي تتشاغل بتحضير بعض دروس الأسبوع القادم على الحاسوب
رغم أنها تشك أنها شرحت درس الصف الثالث للصف الثاني أو ربما خلطت الدرسين في درس جديد..
فهي لم تكن تعلم ما الذي كانت تخلطه..
حين انتهى توقعت أنه سيتمدد على أريكته بعد أن أعدتها له ورتبت فراشه..
بينما كانت هي تجلس على المقعد المنفرد..
جلس بالفعل على الأريكة ولكنه قبل ذلك انحنى عليها قليلا لترتعش سميرة بعنف
ثم ترتعش بشدة أكبر وهو يلمس نحرها بأطراف أصابعه بخفة
ثم يجلس مكانه ويشير وعلى وجهه علائم التلاعب اللطيف وهو يشعر تماما بارتعاشها: ليه ما لبستيه ؟؟ وإلا حرام علي أشوفه عليش؟؟
تجمدت تماما دون أن تشير له بشيء
وهي تشعر أنها قد تنفجر باكية في أي لحظة من شدة شعورها بالتوتر الذي خالطه الحرج..
حينها هز كتفيه وهو يشير ببساطة: مابه عجلة.. العمر قدامنا طويل إن شاء الله
أشوفه متى مابغيتي تلبسينه..
أنهى إشارته ثم تمدد رغم أنه لم يكن يريد مطلقا التمدد..
كان على الأقل يريد لو يتحاور معها قليلا..
فهو مهموم من كثير من الأشياء وآخرها مشكلة كاسرة.. ويشعر بحاجة ماسة لنفض بعض همومه
ولكنه لم يرد أن يثقلها عليها وهو يرى كيف احمرت عيناها فجأة وكأنها تريد منع نفسها من البكاء..
تنهد بألم في داخله..
"لماذا تبكي؟؟
كل ما أردته هو إسعادها.. أو ربما ماعاد شيء من ناحيتي يُشعرها بالسعادة..
بل كل ما يرتبط بي يشعرها بالألم والهم.."
سميرة نهضت بالفعل
لتندس في سريرها وتدفن وجهها في المخدة لتبكي فعلا
وهي لا تعلم فعلا لماذا تبكي..
ولكنها تشعر بالتوتر والكثير من الانفعال..
ولا تستطيع التعبير عما داخلها سوى بذرف بعض الدموع علها تريحها...
************************************
" علي يأبيك وش فيك؟؟
مهيب عوايدك ثقل النوم كذا
بالعادة ألقاك قبلي في الصالة تنتظرني عشان نروح لصلاة الفجر"
علي يفتح عينيه بتثاقل وهو يهمس بصوت مرهق تماما:
أعوذ بالله منك يا أبليس..ما أدري وش فيني.. مافيني حيل كلش..
زايد بحنان عميق بنبرته الفخمة الخاصة: زين قم.. قم يا أبيك..
قم توضأ وأنا بأنتظرك..
علي حاول الوقوف ليهوي من إحساسه بدوار حاد جعله يفقد توزانه..
زايد أسنده بقوة وهو يهتف بقلق حقيقي:
لا.. منت بطبيعي.. قوم نروح المسجد.. ومنه بنطلع للمستشفى..
علي بسكون مرهق: يبه مافيني شيء.. بس عشان آخر شيء كلته البارحة الأولة..
إذا رجعت من المسجد تريقت وبأكون زين..
زايد يتصل وهما خارجان بالخادمات ليجهزن الفطور حتى يكون جاهزا فور عودة علي..
وهما يجلسان على طاولة الفطور الذي بالكاد لمسه علي.. هتف زايد بنبرة مقصودة:
يعني أمس كله ماكلت شيء.. وهذا اللي كلته الحين..
علي بمودة: والله أني شبعت فديتك..
حينها هتف زايد بغضب: لا ما شبعت.. والله إن قد تكمل الصحن اللي قدامك..
علي ابتلع الطعام رغما عنه وهو يشعر به كما لو كان يبتلع حجارة.. براً بحلف والده..
ولكنه سرعان ماقفز ليتقيأه كله..
زايد قفز وراءه وهو يناوله كأسا من الماء ويهتف بقلق مرتعب:
أنت اشفيك.. مقروف من الأكل.. وديتك لرجّال يكويك..
علي يمسح وجهه وهو يرتشف جرعات من الماء ثم يهمس بسخرية موجوعة:
لو اللي فيني ينفع فيه الكوي.. كان قلت لك ودني.. وخلهم يكونني من رأسي لرجلي..
زايد يشد علي لغرفة الجلوس ليجلسا على الأريكة وهو يهتف بحزم أبوي بالغ:
علي قول لي الصدق.. أنت تاكل شيء يضرك؟؟
حينها ابتسم علي بإرهاق: أنت وولدك واشفيكم علي.. كنكم توكم تعرفوني
هو يقول لي أنت دروبك دروب خمل وتعرف نسوان؟؟..
وأنت تقول لي تاكل شيء يضرك... يعني ماتعرفني؟؟ أنا تربية من يازايد؟؟
زايد بألم أبوي: الدنيا مليانة بعيال وبنات الحرام.. خايف إن حد يكون جرك لشيء مهوب زين..
حالك مهوب عاجبني انقلب فجأة 180 درجة.. والدكتور أمس يقول مافيك شيء..
علي ابتسم وهو يقف ليقبل رأس والده ويهتف باحترام: تكرم لحيتك ولحيتي من الردا يأبو كساب..
حينها هتف زايد بنبرة مقصودة: أنت تملكت من هنا انقلب حالك من هنا..
يا أبيك أنا ماغصبتك على العرس.. والبنت أنت مختارها بكيفك..
وش اللي صار لك يأبيك في يوم واحد؟؟
حينها أجابه علي ببساطة موجوعة كما لو كان يقرر حقيقة أزلية لا نقاش فيها:
اللي صار أني عاشق وفي يوم واحد عن ألف سنة.. واليوم أدري إنه بيصير عن ألفين سنة..
وكل يوم بيمر أدري إن عشقها بيزيد في قلبي مقدار ألف سنة..
انتفض زايد بصدمة كاسحة كما لو كانت لسعته حية:
تحب وإلا عاشق؟؟ فيه فرق عود يا أبيك..
علي بذات البساطة الموجوعة: عاشق ومتيم ولو فيه وصف تعرفه أكثر منهم قوله لي..
حينها هتف زايد بحزم بالغ الصرامة: أنا عمري ماسمعت عن عشق يطلع في يوم واحد..
لكن دامك مقتنع فاسمع كلام يجمد على الشارب..
بنت فاضل بتأخذها بتأخذها.. وبتحشمها وتقدرها غصبا من ورا خشمك..
عقبها لو بغيت تعرس وتاخذ اللي تبي ماني برادك.. بس تكون وحدة من ثوبك وثوبنا..
ولين ذاك الوقت أنا داري أنك منت مسوي ينقص من دينك ولا أخلاقك..
علي وقف وهو يهتف بألم عميق: لا ثوبي ولا ثوبك.. أصلا البنت ذي مستحيل أخذها..
ولا تخاف بأخذ بنت فاضل الله يعينها على ما ابتلاها..
والله يغفر لي عظم خطيتي في حقها وحق ربي ونفسي قدامها..
مع وقوفه عاوده شعور الدوار ليجلس مرة أخرى بينما زايد يهتف بحزم وهو يوقفه:
قوم نروح المستشفى.. ماعلي منك.. مستحيل أخليك كذا..
خلهم يركبون عليك مغذي.. وعقب بأكويك على القرفة..
مابه علي؟؟ مابك ياعلي؟؟ ما بكِ أيها القلب الطاهر الشفاف؟؟
أ تكون قد أصبت بـ "مرض العشق" الذي تحدث عنه كثيرا أطباء العرب القدامى..؟؟
وكان أول من تحدث عنه وحدده "أبقراط" اليوناني الملقب بأبي الطب..
ثم بعد ذلك فصّل فيه أطباء العرب مثل:الرازي وابن سينا والبغدادي وغيرهم..
ويمكن تلخيص أعراض وعلامات مرض العشق كما ذكرها الأطباء المسلمون القدامى:
بالنحول وقلة الشهية وغؤور العين مع سماكة الجفن وحب العزلة وكثر التنهدات والشهقات
واضطراب النبض وتسارعه خاصة عند ذكر المعشوق أو أي شيء يتصل به...
ومشكلة علي التي لا حل لها ظاهريا أن الأطباء العرب المسلمين الذين تحدثوا عن مرض العشق
اتفقوا أن أفضل علاج لهذا المرض هو الجمع بين العاشق والمعشوق
وذلك على نحو تبيحه الشريعة حتى تسكن روح العاشق القلقة الملتاعة..
لأن كثرة تفكيره بمعشوقته وبعدها عنه يؤدي لانحدار مختلف أجهزته الجسدية والعصبية..
ولكن في حالة علي وهو يظن نفسه لن يجتمع بها أبدا..
بل يرى مشاعره ناحيتها محرمة عليه..
كيف سيكون حاله؟!!
كــيــف ســـيــــكـــون حـــالـــه؟؟
**********************************
" خوش صباح وأنتي معنا تريقين
بس كان ودنا أنش قاعدة عندنا شوي ومفارقتنا عقب..
يا العمياء وحدة عندها رجالش وتفرط فيه؟؟ "
كاسرة تحاول ارتشاف كأس الكرك وهي تشعر بجلاوته تتحول لمرارة وقفت في حلقها
وتجيب بابتسامة مصطنعة: أمي إذا هذرتي كذا الصبح.. ماتقول لش عبارتها الشهيرة (اصطبح يا صبح)؟؟
سميرة تضحك: يوووووووه كل يوم تقولها لي لين عجزت..
يا الله مافيه تهربين من الجواب.. علمينا وش سوى رجالش المزيون وزعلش عشان نقطّع أذانيه..؟؟
حينها تدخلت وضحى في الحوار وهي تجيب بثقة: سميرة شكلش مابعدتي عرفتي كاسرة
دامها ماتبي تقول وش سبب زعلها من رجّالها مستحيل تقول حتى لو قعدتي تلحين عليها مية سنة..
سميرة مازالت تضحك: إلا شكلش أنتي وأختش ماتعرفون حنة سميرة اللي على مستوى
أنا مهوب بس أحن.. أنا أدخل في المخ بحنتي لين أوصل للي أبيه..
كانت تضحك وهي ترى تميم ينزل الدرج وجبينه معقود لتشرق وتكح..
حينها ابتسمت كاسرة فعلا بشفافية: تعيشين وتأكلين غيرها
هذا كله ماتبين أخي يعرف شدوقش وش وسعها؟؟
سميرة تحاول أن تبتسم وهي تهمس باصطناع: أنتي الظاهر تبين الرجّال يطفش ويخليني لا شاف قاع بلاعة حلقي مع ضحكتي..
تميم سلم ثم جلس.. وهو يشير لكاسرة بحزم:
البارحة جيتش لقيتش تسبحين.. تحبين نقوم لمجلس النسوان نتناقش؟؟
كاسرة أشارت له بثقة: مافيه حد غريب عشان نقوم.. الثنتين خواتي..
هذا أولا..
ثانيا: مافيه شي نتناقش فيه أصلا.. أنا ما أبي أرجع لكساب وهذي حريتي الشخصية
ومع احترامي الشديد لك تميم لكن مافيه شيء بيغير رأيي..
حينها أشار تميم وهبى وجهه ترتسم علائم غضب:
يعني تبين أخليش تهدمين بيتش وماتبين حد يناقشش حتى..؟؟
كاسرة بذات الثقة الساكنة: أرجوك تميم لا تضغط علي وتحرق أعصابك
وأنت عارفني زين ما أغير قراري لا قررت شيء بعد تفكير..
حينها كانت مزنة تدخل من ناحية باب المطبخ وهي تحمل صحنا بيدها وترى إشارة كاسرة لتميم..
وضعت الصحن على الطاولة وهي تشير وتهتف بصوت مسموع ونبرة مقصودة:
إيه تميم لا تقول لها شيء ولا حتى تسألها عن شيء
لأنه حن الظاهر ساكنين في فندق ومالنا حق نسأل النزلاء عن خصوصياتهم..
سميرة شعرت بحرج ما وهي لأول مرة في هذا البيت تشهد هذا الحوار الحاد الناتج عن موقف مشكلة حقيقي..
وضحى وقفت على الحياد كعادتها احتراما لمن هم أكبر منها ويتناقشون في موضوع لا يخص أحدا سوى كاسرة..
وهي رغم إعجابها بشخصية كساب كوالدتها إلا أنها تعلم أن كاسرة لن تخرج من بيتها إلا لسبب كبير..
كاسرة أجابت بحزم: ليه يمه أنتي متضايقة مني ومن قعدتي عندكم.. رحت قعدت عند عمتي.. هذي هي في البيت بروحها مامعها إلا شعاع..
مزنة بغضب حقيقي: هذا اللي قاصر يا بنت بطني!!
اطلعي من بيتش وتعزبي العرب..!!
كاسرة بذات الحزم: وش أسوي دام أنتو ماتبون تحترمون قراري..
ثم أردفت وهي تنظر لتميم وتشير بحزم: تميم أنت متضايق من قعدتي في بيتك؟؟
تميم أشار باستنكار: أفا عليش.. أنتي الداخلة وحن الطالعين..
وإن ماشالتش الأرض أشيلش فوق رأسي..
بس أنا أبي مصلحتش!!
كاسرة بحزم: وأنا أعرف مصلحتي زين..
واسمحوا لي بأروح لدوامي..
***********************************
" يبه جعلني فدا خشمك
عطلتني عن الروحة للدوام بروحة المستشفى اللي مالها داعي
يا الله جعلني الأول نزلني في دوامي ماعندي وقت أرجع للبيت وأخذ سيارتي
وعقب بأخلي واحد من سواقين الوزارة يرجعني"
زايد يشعر بقلق عميق يخفيه خلف حزم صوته:
زين اليوم نروح نكويك على القرفة.. لأنك داري إن القرفة ماتبين في تحاليل المستشفى
علي ببساطة: إذا بيريحك ذا الشيء.. حاضر.. نروح اليوم وأكتوي..
مع أني قلت لك إن الكوي مهوب نافع..
حينها هتف زايد بشجن: اسمعني يابيك.. يمكن مافيه حد حب وعشق مثل أبيك..
أبيك عاشق قديم.. بس يأبيك أبي أدري وش علاقة الحب بالأكل..
ثم ابتسم: كنت أكل ومافيني إلا العافية وعمر الحب ماسد نفسي من الأكل..
علي ابتسم بمودة: شكلك يبه حبك في مخباك ماشاء الله..
كم هي شفافة العلاقة بين هذا الوالد وابنه!!
وهما يتحاوران كما لو كانا صديقان حميمان من عمر واحد..
وكل منهما يشعر بالآخر على ذات المستوى من القوة..
هتف زايد بحزم: دامك تقول إن ذا اللي أنت تحبها وما رضيت تعلمني من هي
منت بماخذها.. فأنت لازم تشوف حل لنفسك يأبيك
مايصير حالتك كذا!!
علي بشجن: ووش الحل عندك يبه؟؟
هتف زايد بشجن مشابه: ذكرتني ببيت الشعر القديم يم كان العاشق يسأل الأصمعي:
أيا معشر العشاق بالله خبروا.....إذا حل عشـق بالفتى ما يصنع؟
فرد عليه الأصمعي بالحل اللي لازم أي رجّال يسويه:
يداري هواه ثم يكتم سـره.....ويخشـع في كل الأمور ويخضع
ثم صمت زايد دون أن يكمل الحكاية وهو يشعر بحرقة غريبة أنه تذكر هذه الحكاية دون سواها..
حينها هتف علي بنبرة مقصودة: وش فيك يبه سكتت ماكملت السالفة..
تراني أنا بعد أعرفها.. وإلا عشان تاليها مايناسب الفكرة اللي كنت تبي توصلها لي..
الولد العاشق يبه رد على الأصمعي:
وكيف يداري والهوى قاتل الفتى ..... وفـي كل يـوم قلبـه يتقطع ؟
فالأصمعي رجع ورد على الولد:
فإن لم يجد صبرا لكتمان سره ...... فليس له سوى الموت ينفع
فلقوا الولد مات فعلا وجنبه مكتوب:
سـمعنا أطـعنا ثم متنا فبلغوا...... سـلامي لمن كان للوصل يمنع
زايد بغضب: أمحق سالفة.. وامحق رجّال يذبحه حب مرة..
علي ابتسم: يبه أنت جبت أول السالفة وأنا جبت تاليها..
ثم أردف برجاء: يبه أنا أبي أروح العمرة... ضايق خاطري وحاس الهم راكبني..
ويمكن الله يغسل نفسي من حبها لا جيته عاني لبيته..
زايد بمودة مصفاة: أبشر يأبيك.. الحين بأكلم مدير مكتبي يسوي لنا الحجز الليلة
بس خلني أول أروح لمرت كساب العصر ثم نودي أختك لبيت عمك..
وحجزنا إن شاء الله على الليل..
والحين انزل يأبيك وصلنا دوامك..
************************************
" غريبة الباشمهندس جاينا لمكتبنا..
بالعادة مكلبش في شغلك ماتطلع منه"
عبدالله يبتسم وهو يجلس على المقعد المقابل لمكتب صالح:
كان عندي شغل قريب منك قلت أمر وأسلم..
صالح يبتسم: زين شفناك تنشرح نفسي على الصبح
من يوم قمت اليوم وأنا أهاد ذبان وجهي..
عبدالله يضحك: الله يعين ذا الذبان علينا.. ومن سمعك
اليوم يمكن مابقت ذبانة في الدوحة ماتهاديت معها..
أجابه صالح بخبث: أم حسن.. صح؟؟
عبدالله بخبث مشابه: لا تذاكى علي.. لأني بأقول لك.. أم خالد.. صح؟؟
تنهد صالح: الله يعين.. نجلا صارت لا تطاق.. ما تنتحاكى..
أكيد حد طاسها عين على ثقلها وزانة عقلها..
عشر سنين من يوم خذتها.. عمري مانقدت عليها في شيء..
إلا المنقود كان من صوبي.. وهي اللي كانت صابرة علي..
عبدالله ابتسم: يمكن تكون حامل وتتوحم.. وعشان كذا شخصيتها متغيرة عليك..
تدري الهرمونات لا اختبصت خبصت المرة معها..
صالح يهز رأسه رفضا: يا ليت.. كان قلت اخبصيني على كيفش.. ولاني بمشتكي..
بس لا.. الله يرزقنا عاجلا غير آجل يمكن تقر وترتاح..
ثم أردف بتساؤل مهتم: إلا بما أن مرتك أنت اللي حامل..
الوحم هو اللي ممشكل بينكم..؟؟
جاء دور عبدالله ليتنهد: لا طال عمرك.. أنا وام حسن سالفة عويصة شويتين
الله يزينها من صوبه..
يتذكر عبدالله كيف كانا هو وهي اليوم صباحا..
وكل واحد منهما يتحاشى مجرد النظر للآخر..
مع أنه من المفروض ألا يكون بينهما كل هذا التعقيد مادام كل واحد منهما صرخ بالآخر وأخرج كل حرقته
ليصبح كل مابينهما واضحا تماما..
ولكن ماحدث أن مابينهما تحول لكتل من مشاعر متشابكة معقدة
لا يعلم كيف يستطيع تفكيكها وهو يشعر بكل هذا الإرهاق والاستنزاف الروحي..
*************************************
" الحين أبي أدري وش المصيبة اللي صارت
جايبتني من الدوام دايركت هنا"
نجلاء تنفذ عن ذراعيها وهي تهتف بهمة: مهوب عاجبني ترتيب غرفتي وغرف عيالي..
أبي أغير أماكن السراير والكباته بعد وعقب ارتب الملابس من جديد..
قلت تجين تساعديني والخدامات معنا..
سميرة تلقي حقيبتها على السرير وتتمدد وهي تهتف بتأفف مرهق باسم:
صدق إنش اسنخفيتي والفاضي يعمل قاضي..
أنا حسبت بجي بألاقي صويلح مسوي وجهش حلبة مصارعة على صبغة الشعر
لقيتش لا صبغتي ولا شيء..محزمة رأسش كنش في معركة
ولابسة لي بنطلون جينـز وكرشش ناطة قدمش شبرين..
نجلا بجزع وهي تنظر لبطنها: أنا كرشي شبرين ياقليلة الحيا..
سميرة انفجرت من الضحك: عاد لا تقولين ما لاحظتي الزرار اللي مارضى يتسكر من كبر كرشش..
وإلا السحاب اللي بينفجر ما أدري أشلون تسكر أصلا.. أكيد تسكر بعد تعذيب من الطرفين..
أنتي عذبيته وهو عذبش..
حينها همست نجلا بضيق: بس يا الخبلة.. أنا أصلا ملاحظة من فترة أني ماتنة مع أني ذبحت روحي ريجيم بس بدون فايدة..
ظنش إن صالح لاحظ أني ماتنة..؟؟ مع أني كلش ماعاد ألبس ضيق عنده..
سميرة تضحك: أكيد لاحظ.. ظني الجيران لاحظوا عن بعد كيلوين..
أنا بصراحة صار لي فترة ماسكة روحي لا أعلق.. لأني أدري تموتين لا حد طرا أنش لش كرش..
بس عاد مع بنطلون الجينـز هذا مالش حل صراحة.. ماقدرت أمسك روحي..
حينها انفجرت نجلا باكية وهي تجلس على السرير وتدفن وجهها بين كفيها..
سميرة اعتدلت بجزع وهي تقفز بجوار نجلا: أفا يأم خويلد.. هذا وأنتي أساسا دمعتش بعيدة.. وما يبكيش إلا الكايد
تضحكين من تعليقات وحدة خبلة مثلي.. خلاص سحبتها..
نجلاء بين دموعها وشهقاتها: يا الخبلة ما أبكي منش.. بس أنا متضايقة من روحي..
صايرة حساسة بشكل.. وأقل شيء يؤثر في أعصابي..
وخايفة يكون فيني مرض وإلا شيء.. لأنه وزني صاير يزيد بسرعة مع أني تقريبا ماعاد كلت..
الشهر هذا بس زايدة ثلاثة كيلو..
سميرة بمؤازرة: زين نجول يمكن تكونين حامل؟؟
نجلاء بضيق: وش حامل بعد... توني قبل أسبوع علي الدورة..
وحتى دورتي مروعتني.. ماعادت مضبوطة مثل أول.. والدم خفيف واجد..
خايفة أكون مريضة ياسميرة..
أحاول أبعد ذا الفكرة عن رأسي وأشغل نفسي عنها..
بس ترجع وتأكل تفكيري.. تعبانة سميرة تعبانة من التفكير..
حينها همست سميرة بألم وقلق: زين وليش ماقلتي لي من أول..
نجلاء عادت للبكاء: وش أقول؟؟ ما أبي أروع حد عشان شكوك في راسي
وما أبي اقول لاحد عشان ما أسوي فحوص والشكوك تتحول لحقيقة..
حينها همست سميرة بحزم: بس أنتي بتروحين معي الحين وتسوين فحوص غصبا عنش..
بأكلم سيارة بيت هلي.. وبنحط عيالش عند أمي.. وبنروح...
********************************
" زين إن الهندي المثقف ذالف لا رده ربي ذا الأذوة"
كانت عالية تهمس بذلك لعبدالرحمن وهي تشد لها مقعدا وتجلس..
وتهمس له بابتسامة صافية: اشتقت لك يالخايس من البارحة لين اليوم..
وش أخبارك اليوم؟؟
مثل البارحة.. خست من النوم.. وريحتك واصلة آخر الممر يا اللي ماتستحي...
يا أخي بسك نوم..
الناس عرسوا وجاوبو عيال.. وأنا قاعدة جنبك استاند باي..
لا تكون ناوي تطول بعد.. تراك مسختها... والصبر له حدود..
يا أخي خلصت السوالف اللي عندي وأنا كل يوم أهذر فوق رأسك
هذي تطلقت وهذي تزوجت والدكتور الفلاني سافر..
خلاص دورك تسولف علي..
ولو أني لو تبي الصدق حتى لو أنت صاحي ماراح أخلي لك مجال تفتح حلقك
لأني هذرتي أساسا ماتخلص... ويا الله الـ24 سويعة اللي في اليوم يكفوني..
حينها همست بحزن: تدري عبدالرحمن بأقول لك سالفة محزنتني واجد..
وزين أنك منت بواعي عشان ما أبي حد يعرفها.. بس جد أنا حزينة ومتضايقة
أدري بتقول أشلون حزينة وأنتي قبل دقيقة فاتحة شدوقش على أقصى اتساع بشري ممكن..
أنا كذا يا دحومي دقيقة بتلاقيني أضحك والدقيقة الي بعدها استخف وأبكي..
البارحة عبدالله وراني صور ولده اللي مات في أمريكا.. صور واجد للولد من وهو صغير لين كبّر..
قلبي قبضني يوم شفته.. لسببين.. الأول تخيلي أشلون مات.. روح طاهرة مالها ذنب..
الثاني.. الثاني هو.. إني أشك إنه يكون ولد أخي من أساسه...
لكن طبعا مستحيل أقول ذا الكلام لأحد.. الحقيقة ذي لو كانت حقيقة بتذبح عبدالله اللي ضاعت سنين عمره عشانه..
خلاص وش بيستفيد والولد مات.. حتى لو ماكان ولده هو رباه وحبه كنه ولده..
علم الجينات يقول ولد مثل هذا مستحيل يكون ولد عبدالله
لأن عيونه زرق.. والعيون الزرق أكثر صفة متنحية بين الجينات الوراثية
ومستحيل تطلع في الجيل الاول.. لكن ممكن تظهر في الجيل الثاني..
لكن أرجع وأقول لنفسي الله قادر على كل شيء.. وعبدالله يقول سوى له فحص دي إن أي في ثلاث مستشفيات
وش فايدة الحكي في شيء ماعاد له فايدة؟؟
تدري يا الدحمي خاطري أنا أجيب عيال عيونهم ملونة..
مهوب لو تزوجت ولد عمي غنوم أبو عيون عسلية كان أحسن لي بدل ما أنا قاعدة جنبك مثل الكرسي..
أقله كان جبت بزران شقران حمران وعيونهم عسلية مثل خالتي جيهان أم غنوم..
وحسنت نسلي المغبر....
عالية لشدة استغراقها في الثرثرة وهي تنظر لوجه عبدالرحمن فقط..
لم تنتبه لجهاز قياس ضربات القلب ولتغير الإشارات الحيوية وتسارعها بشكل طفيف..
منذ أن بدأت بحكايتها مع غانم..
لتعود مؤشراته للسكون والانضباط وهي تقول بابتسامة: بس وش أسوي بقلبي الخبل
اللي مالقى يتعلق إلا بواحد دب مايشبع رقاد مثلك..
ثم انتفضت وهي تنظر للساعة: ياويلي خلني أطق.. ابيك على وصول..
وهي تخرج فعلا ليدخل فاضل بعدها بثوان
*********************************
" الحمدلله على السلامة يام زايد
نورتي بيتش"
كان منصور يُدخل عفراء لبيتها وهو يسندها.. بعد أن رتبت لها مزون غرفة في الأسفل..
جميلة تدخل خلفهما وهي تحمل زايد الصغير بحرص وتهمس بمرح:
الحين أم زايد أم زايد..
وأنا الكبيرة ماعاد لي كرت.. وين أم جميلة؟؟
منصور بابتسامة أبوية: ماعليه خليها تجامل ذا الصغنون شوي..
وإلا الغلا كله لش..
جميلة تمشي خلفهم ومنصور مازال يسند عفراء باتجاه الغرفة وتهتف بذات المرح:
إيه إلعبوا علي... شايفيني مقصة..
عفراء بمودة حانية: خلاص ولا يهمش.. اللي بيقول لي أم زايد ماني برادة عليه لين يقول أم جميلة..
جميلة وضعت الصغير في سريره وهي تقبله وتهتف بذات الابتسامة الرقيقة:
لا أنا أصلا ما أرضى حد يتعدى على مكانة ولدي ورجّالنا الصغير
جعل ربي مايخلينا منه ومن زايد الكبير..
ثم قبلت أنف منصور الذي كان قد أجلس عفراء على السرير وجلس جوارها:
ولا من حضرة العقيد...
شدها منصور ليجلسها جواره من الناحية الأخرى وهو يحتضن كتفيها ويهتف بذات نبرته الابوية الجديدة الرائقة تماما:
ولا يحرم العقيد منش..
إلا قولي لي.. ماتبين تعلمين رماية؟؟
جميلة بصدمة: نعم؟؟
منصور يريد أن يشغلها بشيء عن التفكير.. فهو رآها بالامس وهي تبكي في غرفة المواليد ولكنها لم تراه..
والرماية هي مايعرفه..
ابتسم منصور: إيه الرماية..
بتستانسين.. أول نبدأ مسدسات ثم البنادق لين نوصل الرشاشات..
عفراء ضحكت وهي تتخيل ابنتها الرقيقة المدللة مع رشاش: منصور حرام عليك من جدك؟؟
منصور بجدية: والله من جدي..
تتسلى معي ونسولف أنا وإياها دامش لاهية في زايد الصغير.. لين ترجع جميلة لجامعتها
جميلة ضحكت برقة: لا عمي فديتك.. بلاها الرشاشات والمسدسات
لأنها في يد وحدة مدمغة مثلي خطر على المجتمع..
وأنا أصلا مشغولة مع أمي في زايد الصغير... وما ابي أبعد عنه أصلا..
**********************************
" وضحى.. وضحى"
وضحى تجيب كاسرة التي كانت تناديها من الاعلى وهي تطل عليها: نعم كاسرة..
كاسرة بحزم: قولي لأمي تفتح باب الحريم اللي يفتح على الحوش
عمي زايد جاي يبيني.. وصار برا
خلها تدخله..
بس أبدل ملابسي وألبس دراعة ضافية وأنزل الحين.
#أنفاس_قطر#
.
.