تحميل رواية «بين الامس و اليوم» PDF
بقلم HaboOoshy
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
************ قبل واحد ثلاثين عاما عالم غير العالم ودنيا غير الدنيا وبشر غير البشر بحر ممتد.. وشاطئ عذب.. وأحلام تبدأ : لتنمو.. أو لتُنحر!! يجلسان على بحر منطقة دخان.. شابان غضان.. للتو يعبران حاجز التاسعة عشر عاما يفرق بينهم الأصل والقبيلة ويجمع بينهما الفقر والصداقة والرجولة الكثير منها ثلاثتها كثيرٌ من الفقر وكثير من الصداقة وكثير من الرجولة!!! "زايد.. هونها وتهون يأخوك" " قهرتني ياخليفة.. قهرتني" خليفة بشبح ابتسامة: أبي أدري بس وش عايبك فيها..لسانها طويل يبتسم زايد وهو ينظر للأفق خلف البحر ال...
رواية بين الامس و اليوم الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم HaboOoshy
بدايات ليل الدوحة..
الليلة الجو حار.. مع رطوبة خانقة.. اختبأ منها الناس في أحضان التكييف..
ولكن من كانت الحرارة في جوفه.. وماهو أكثر لزوجة وأشد وطأة من الرطوبة يكتم على أنفاسه
فإلى أي أحضان يلجأ؟؟؟
*******************************
صالح يقف في باحة بيت عمه.. ينتظر.. وفي قلبه طبول حرب مسعورة ترتفع دقاتها بوجيب متراقص لا هوادة فيه
"ما الذي حدث؟؟ ما الذي جعلها تعود بهذه الطريقة؟؟"
في الداخل نجلاء تقبل رأس والدها ووالدتها.. ورغم عتبها العميق عليهما لكنها لا تستطيع التصريح ولا حتى مضايقتهما
أبو غانم يهتف بحزم: أنتي مقتنعة بالرجعة لصالح؟؟ ترا السالفة مهيب لعبة..
نجلاء بهدوء تحاول إخفاء غصاتها الموجوعة خلفه: أكيد مقتنعة.. أنا وأبو خالد صفينا اللي بيننا..
وصالح عشرة عمر وأبو عيالي.. ما أرخصه ولا يرخصني
أم غانم كانت تحتضن حفيديها ودموعها التي أبت اليوم أن تتوقف مازالت تسيل بغزارة..
عاجزة عن احتمال كل ضغوطات اليوم ومواقفه..
سميرة كانت تنظر لهم من الأعلى عبر حاجز الدرج
وهي تجلس على عتبات الدرج في زاوية مخفية وهي تكتم شهقاتها التي تكاد تمزق صدرها لرغبتها في الانفلات..
عاجزة عن التنفس.. تخشى أن يفضحها تنفسها فيرتفع عويلها المكتوم..
تكاد تموت من شدة الوجع..
تريد فقط أن تقبل خد نجلاء..أن تبعثر شعر خالد وعبدالعزيز وتقرص أنوفهم...
لِـمَ يبدو كل شيء كثيفا ومعقدا هكذا؟؟
لماذا لا تستطيع الركض للأسفل وتنفيذ كل ما تريد...
تُشبع روحها من رائحة نجلاء وطفليها..
تخبرها كم تحبها!! وكم ستشتاق لها!! وكم هي سعيدة أنها ستعود لتأديب صالح!!
تريد أن تقول لها (أدبي صالح حتى يبكي).. تريد أن تسخر منها وبها ومعها.. تريد لمسة من أناملها ونظرة من عينيها الحانيتين..
تريد أن تمسح على خصلات العسل.. وتقول لها: كيف يكون فطوري بدون عسل؟؟
تريد أن تثرثر كثيرا.. وتصرخ بجنون..
وتنثر ضوضاءها في مكانها!!
ولكنها بقيت تنظر لهما بجوع روحها الحاد.. حتى رأت نجلاء تخرج تشد طفليها
لتركض حينها لتنظر لهم عبر نافذة الصالة العلوية..
تشهق بوجع وعيناها تغيمان وهي ترى نجلاء تفتح الباب الخلفي لتركب أطفالها
ثم تركب بجوار صالح الذي وهبها نظرة عاشق أثقله الاشتياق!!
.
.
نجلاء ركبت بجواره وهي لا تشعر بشيء مطلقا
فوجعها من أسرتها اليوم غطى على كل وجع.. مشبعة بألم شفاف انغرز في روحها
كانت صامتة.. بينما الرجل بجوارها يشتعل..
لم يتحادثا مطلقا.. لم يسألها حتى لماذا عدتِ .. ولن يسألها...
يكفيه أنها عادت لأحضانه أخيرا ..فلن يكون أبدا كما المثل الشعبي (قالوا له هاك خير.. قال ماعندي ماعون)
فهو بأكمله (ماعون) ووعاء لها..
نجلاء وصلت لبيت عمها.. استقبلتها أم صالح بحفاوة غامرة.. حاولت أن تجامل أم صالح بدماثة
ثم اعتذرت أنها تريد ترتيب أغراضها
صالح طوال حوارها القصير مع والدته وهو جالس مشغول بمراقبة تعبيرات وجهها الذي أضناه الاشتياق لكل تفصيل صغير في ثناياه
ولم يفته ملاحظة تفصيل جديد.. (حزن جديد يرتسم على محياها)
بدت له حزينة جدا.. وكم آلمه أن تكون حزينة هكذا وهو لا يعرف السبب.. آلمه حتى العمق أنه لا يستطيع أخذها في حضنه..أو مسح حزن عينيها
فربما لم يكن لها من أسباب الحزن سببا عداه!!
حين وقفت.. وصعدت.. تمنى أن يصعد خلفها.. يفتش في روحها..يستكشف خباياها..
يريد أن يطمئن أنه مازال هناك..بأي صورة كانت.. المهم أنه هناك.. مازال ينقش اسمه في حناياها
ولكنه شعر بدون أن تتحدث أنها تحتاج للاختلاء بنفسها..
لم يكن يريد تركها وحيدة..
" أ تريد لها ملجأ سواي؟!! أ تريد صدرا ترمي عليه همومها عدا صدري؟!!
أ تخبئ حزنها حتى عني أنا ونحن من اعتدنا على اقتسام كل شيء حتى التجريح والحزن؟!!
أ تريد أن تهرب بحزنها عن مداي لتعانيه وحدها؟؟
أي قسوة هذه؟!!
أن تحزن لوحدها دون أن تسمح لي ان أحمل الحزن معها؟!!
وأنا أعلم أنها ألتجأت إلي ختاما.. كنت أنا من خطرت ببالها عندما ضايقها شيء لا أعلم ماهو
ثم بعد ذلك كله أشعر أن كل ما تريده هو أن تختلي بنفسها
بينما أريد أن أكون بينها وبين نفسها
بينها وبين أنفاسها
بينها وبين عظامها "
ولكنه أجبر روحه على الإنسحاب.. قرر أن يأخذ ولديه ويذهب بهما ليعشيهما خارجا..بما أنهما في إجازة الآن..
أراد أن يلتهي بهما.. وأن يتيح لأمهما فرصة التنفس بعيدا عن الإنشغال بأي شيء..
وبالفعل وصلت نجلاء لغرفتها لتغلق بابها عليها.. وتنهمر في دموع مثقلة بالجرح والقهر..
(فجرح ذوي القربى أشد مضاضة... على النفس من جرح الحسام المهند) كما قال الشاعر..
صالح بعث لها رسالة يخبرها أنه أخذ الولدين.. ثم أغلق هاتفه.. لم يكن به رغبة للتحادث مع أحد..
لذا لم يتلق اتصال عمه الذي أراد إخباره بملكة سميرة.. وكذلك اتصالات والده الغاضبة بعدها..
***********************************
"ياي ياخالتي.. ما تخيلتها حلوة بذا الطريقة
مافيه حتى كلام يوصفها.. تجنن تجنن تجنن"
عفراء تبتسم بحنان لحماس مزون المتدفق وهما تركبان السيارة خارجتين من زيارة لعروس كساب بعد أن أحضرا لها شبكتها ومهرها
وتهمس لها بمودة: عجبتش يعني؟؟
مزون بذات الحماس: عجبتني وبس.. أنا انسطلت ودخت وسحت بمعنى الكلمة..
صدق إذا هذي ما تفكك عقد ولد أختش يكون خلاص مافيه رجا..
ثم أردفت بحذر: بس ما لاحظتي خالتي نهائي ما ابتسمت..
رغم أن عفراء لاحظت ذلك ولكنها قالت بهدوء: تلاقينها مستحية شوي..
مزون بذات الحذر: بصراحة ما أعتقد إنه سحا.. لأنه ماشاء الله من الجلسة الأولى تعرفين إن شخصيتها قوية وردها حاضر
صراحة هي كانت قمة في الذوق واللباقة ما أظلمها.. بس بعد ما أدري.. حبيت أشوف ابتسامتها
عفراء تهز كتفيها: يمكن عندها شيء شاغلها في شغلها وإلا حياتها... يعني بالش لا يروح بعيد...
مزون تبتسم: بس أشلون هذي أخت امهاب وإلا حتى أمها واختها كلهم ذوق..
سبحان الله من البصل يطلع عسل
عفراء بحنان: أول مرة أسمعش تقولين اسم امهاب وانتي مبتسمة..
مزون هزت كتفيها وهي تسحب نفسا عميقا ثم تزفره: تدرين خالتي.. امهاب بيظل من أسوأ ذكرياتي وعمر ذا الشيء ماراح يتغير
لكن عشانه صار نسيب كساب.. لازم أتعود على اسمه وأحاول أظهر تقبله مهما كان صعب علي..
ما أقدر ما أسوي كذا.. ما أبي شيء يحز بخاطر مرت كسّاب
.
.
وغير بعيد.. في داخل البيت..
صوت مزنة الغاضب: يعني كان صعب عليش تبتسمين للناس لو ابتسامة صغيرة من باب المجاملة
الناس ماباقي شيء ماجابوه لش.. ومتكلفين ومكلفين على نفسهم.. جامليهم.. بيني نفسش مبسوطة فيهم..
كاسرة بهدوء: قعدة وقعدت معهم.. وترحيب ورحبت.. وسوالف سولفت.. ماعاد باقي إلا الابتسامة تبين أغصب نفسي عليها..
مزنة تتنهد وهي تتماسك لتهمس بهدوء: يامش هذولا هم المرتين الوحيدتين اللي يقربون لرجّالش..
احترام له وتقدير وعشان إن شاء الله تكسبينه.. لازم تكسبينهم
كاسرة ببرود: الحين ذا الرجال اللي قبل كم يوم ما أعرفه حتى.. صار لازم أجامل حتى اللي يقربون له عشان سيادته يرضى
عنه ما رضى.. بالطقاق اللي يطقه... أنا أعامل الناس مثل ما أحب أنهم يعاملوني.. مهوب عشان أرضي أي أحد..
مزنة بنفاذ صبر: كل شيء لازم تحولينه لساحة حرب... الله يعين كسّاب عليش.. هذا وأنتي موافقة عليه برضاش
خليني أروح أشوف عشا الرياجيل أحسن...
تنهدت كاسرة بعمق..
لم يكن صعبا عليها مطلقا اصطناع ابتسامة مجاملة تظهر سيطرتها التامة حتى على ردات فعلها
" ولكني كرهت أن ابتسم أمامهما...
فربما ينقلون لذلك التافه الأرعن أنني كنت مبتسمة..
فيجن سعادة لأنه سيظن أني سعيدة به
بينما أنا أرثي لحالي الذي أوقعني بين براثن ذلك الطفل المتفاخر بعقله الخالي من أي تفكير أو تحكم...
يا الله أي حياة تنتظرني معه؟!!
هل هو شر ما كتبته لي أو خير؟!!
أرجوك يا آلهي ألهمني الصواب.. القلق يأكلني.. أشعر كما لو أن حياتي تقف على شفير الهاوية
فهل يكون مصيري أن تلقيني فيها يارب؟!! "
*******************************
المجلس محتشد.. عشاء ملكة تميم..
زايد استغرب موافقة كسّاب أن يأتي معه للعشاء.. حتى وإن كانوا أصبحوا أنسبائه..
لم يكن يعلم أن هناك موال في رأس كسّاب جاء لتنفيذه
وهاهو ينفذه بالفعل.. وهو يميل على أذن مهاب يحادثه بصوت منخفض.. فيقف مهاب وهو يهز برأسه..
زايد بتساؤل يهمس لكساب الجالس جواره: وش قلت لامهاب؟؟
كساب بهدوء يخفي خلفه ابتسامة خبيثة: قلت له أبي أسلم على عمتي..
مالحقت أسلم عليها عقب الملكة.. وعيب في حقي لحد الحين ماسلمت عليها...
فقلت له يفضي لي درب ويعلمها..
لا يعلم زايد أي شعور ملتبس شعر به...
" أ حقا سيراها ابنه؟؟.. بل قد يطبع قبلاته على رأسها كما هو مفترض.."
شعور كثيف شديد التعقيد بدأ يخترم روحه... كان بوده لو أستطاع أن يمنع كسّاب من رؤيتها
لا يعلم لِـمَ يشعر أن رؤيته كساب بعد أن يراها قاسية على روحه..
أن يعلم أن ابنه استطاع أن يرى من لم يرها منذ أكثر من 30 عاما مضت..
وما زالت في ذاكرته هي ذاتها الصبية المشتعلة حسنا في بخقنها المطرز بالزري..
"هي ذاتها ذلك الحسن الذي لا مثيل في ذاكرتي :
خداها المحمران على الدوام..
عيناها الذكيتان المشبعتان سحرا وسوادا وشقاوة..
شفتاها النديتان التي تميلان بكسل مهيب حين تنفث سحر كلماتها أو حتى مجرد غضبها الشقي الدائم
إلى أي مدى تغيرت؟؟
ماذا أخذت منها السنوات؟؟ وماذا أضافت لها؟؟
أ يعقل أن نظرة التمرد المتدفقة بالحياة تلك التي كانت تضيء عيناها قد انطفئت؟؟
أ يعقل أن ذلك اللسان السليط المتفجر بمقذوفات العبارات قد أُلجم؟!!
أ يعقل إن تلك الحيوية التي تسري في عروقها حد التشظي قد تضاءلت وذبلت؟!!
ماذا بقي منكِ يامزنة؟؟ ماذا بقي؟؟ "
مهاب عاد لكساب وهو يشير له بعينيه.. ليخرج معه لمقلط الرجال ثم إلى داخل باحة البيت..
وعينا زايد تتبعانهما ومشاعر كثيفة معقدة تطوف بجوانحه..
في الداخل.. قبل دقيقتين ..
وضحى تقتحم غرفة كاسرة وهي تطل مع نافذتها وتهتف بحماس:
تعالي تعالي.. ما تبين تشوفين رجّالش؟!!
امهاب توه كان عند أمي.. يقول إنه بيجي يسلم عليها..
كاسرة كانت تمسح زينة وجهها التي بقيت من أثر تزينها لمقابلة خالة كسّاب وأخته
همست بدون اهتمام: ما أبي أشوفه.. خله يسلم ويتسهل...
وضحى باستغراب: معقولة ما تبين تشوفينه؟؟ تعرفين شكله على الأقل
كاسرة بنبرة عدم الاهتمام ذاتها: شفته اليوم الصبح.. وشكله ماشي حاله.. مقبول..
وضحى باستغراب شديد: وين شفتيه؟؟ ومتى؟؟
كاسرة بهدوء بارد: هو جاني بنفسه في مكتبي..
وضحى بصدمة كاسحة: معقولة؟؟؟ من جدش؟؟.. بصراحة حركته جريئة واجد..
ثم أردفت بحماس وهي تعاود التمركز عند النافذة المطلة على الباحة: شوقتيني أشوفه أبو الجرائة ذا...
بصراحة خطير وما عنده وقت أبونا ذا
وضحى تركز نظرها على الرجل الذي يعبر الباحة بجوار مهاب متجهين لمجلس الحريم الذي بابه يفتح على الباحة..
وظلت عيناها معلقتان به حتى غاب عن مدى بصرها
لتلتفت لكاسرة وهي تضيق عينيها وتهمس بنبرة ذات مغزى:
أنتي متأكدة أن اللي شفتيه اليوم الصبح هو رجالش نفسه؟؟
كاسرة وقفت وهي تستخرج روبها من الخزانة حتى تستحم وتهتف بدون أدنى اهتمام: قلت لش شفته هو نفسه.. خلاص سكري السالفة
ابتسمت وضحى: بس هذا ما ينقال عليه أبد ماشي حاله..
أنا من يوم شفتش تقولين على منصور آل كساب ماشي حاله
وأنا عارفة إنش عندش خلل في النظر..
حينها هتفت كاسرة بحزم: وضحى عيب.. احترمي أني أختش الكبيرة..
وضحى مازالت تبتسم: أنتي ماعندش تايم آوت..ما تعبتي من الجد..
خليني أعبر عن رأيي في رجّال أختي.. صحيح عمه أحلى بواجد على مستوى الوسامة..
بس هذا يأختي موت موت مووووووووت.. جذاب زيادة عن اللزوم..
أشلون استحملتي تشوفينه من قريب؟!!
حينها وجدت كاسرة نفسها مجبرة على الابتسام: صدق ما تستحين.. تغزلين في رجّالي وأنا أسمع..
وبعدين تعالي.. من هو ذا اللي ما استحمل شوفته؟؟؟..
الغوريلا اللي تحت... اللهم لك الحمد والشكر... إذا وصل لمواطي أرجيلي هذاك الوقت فكرت أصلا أشوفه من أساسه
وضحى تبتعد عن النافذة باستعجال: هذا هو طلع... بأروح أشوف رأي أمي فيه...
أنتي أصلا لا يعجبش العجب ولا الصيام في رجب .. على قولت المثل
قبل دقائق
في مجلس الحريم.. مزنة ترتدي عباءتها وبرقعها استعدادا للسلام على كسّاب..
طرقات حادة على الباب ثم دخل مهاب وهو يهتف بحزم:
كسّاب جا..
ثم أزاح له طريقا.. كساب دخل بهدوء وعيناه تبحثان عن المرأة التي قادته للزواج من ابنتها..
أي امرأة هذه التي أحكمت سيطرتها على قلب زايد حتى الآن؟؟
أي سحر تتسربل به هذه المرأة جعلها عصية على التجاهل والنسيان؟؟
تقدم وهو ينظر لها..
تمنى بكل العمق لو استطاع النظر لها بدون برقع.. والعجيب أنه لم يتمنَ نفس الأمنية مع ابنتها التي رأها اليوم صباحا
فرغم أنه لم يرَ وجه كاسرة ولكنه لم يشعر مطلقا بأي رغبة في رؤيته كما يشعر برغبة عميقة لرؤية وجه مزنة..
عيناها الظاهرتان من فتحي برقعها بدتا له مرسال حسن فاتن لم يندثر بعد...
والذي آلمه حتى النخاع فيهما كم الحنان المهول المتبدي منهما..
مطلقا لم تكن نظرة أنثى..كانت نظرة أم صافية...
شعر بالحنين يجتاحه لأمه بعنف موجع..
انحنى ليقبل رأس مزنة.. بينما تمنى لو أخذها في أحضانه.. ووسمية تحضر في ذاكرته بكل الوجع..
كم هو مشتاق لأحضان أمه..!! مشتاق!! مشتاق!!
هتف باحترام: مساش الله بالخير يمه..
سامحيني ماجيتش ليلة الملكة.. انشغلت بالعشا عقبها...وعقبه السالفة اللي صارت لي..
مزنة باحترام ودود: الحمدلله على سلامتك يأمك.. مجار من الشر..
كساب ابتسم: الله يجيرش من الشر.. وتراني الحين عدت ولدش.. مثل امهاب وتميم..
مزنة ردت له الابتسامة بابتسامة: أكيد يأمك مابه شك... وترانا عطيناك شختنا.. الله الله فيها يأمك..
لم يرد عليها كساب.. فهو لن يعد بشيء قد لا يستطيع الوفاء به..
لذا هتف بحزم: تمسين على خير يمه.. وإذا قاصركم شيء تراني حاضر
مزنة بمودة: أنا أشهد إن خالتك وأختك ماقصروا.. جعلكم من زود في زود يأمك..
*****************************
قفزت من مكانها وهي تمسح دموعها حين سمعت رنين هاتفها ..
" أ يعقل أنها نجلاء..و رضيت سريعا هكذا؟!!"
كانت شعاع هي المتصلة والتي هتفت بحماس مصطنع
لأنها بداخلها حزينة وتشعر بالعزاء بل الشفقة العميقة على سميرة
فمهما كان تميم يبدو رائعا وأوضاعه المادية متينة.. فعيب الكلام والسمع لا يمكن تجاوزهما أبدا:
مبروك ياعروس مبروك.. كذا يالخايسة أنتي ووضوح تطبخون السالفة بدون ما تشركوني معكم
سميرة كانت تحتاج أن ينقرها أحد ما فقط.. لذا انهارت في عويل مفجوع لم تعتده منه شعاع مطلقا..
بل شعاع لم يسبق أن رأت سميرة تبكي حتى.. فكيف بهذا العويل الجنائزي الممزق..
هتفت شعاع بقلق وعبراتها بدأت تخنقها: سميرة أشفيش؟؟ هم غاصبينش على تميم؟؟
سميرة بين شهقاتها: لا لا... بس نجلا زعلانة علي عشان ماقلت لها قبل.. ماقلت لها إلا عقب الملكة..
وحتى عالية زعلانة وجرحت فيني بكلام يوجع..ما تخيلين أشلون
ليه يسوون فيني كذا.. والله إني كنت أبي أفرح معهم.. خربوا علي فرحتي كلها..
حسسوني كني مسوية جريمة في حقهم..
شعاع تتنهد وهي تحاول منع نفسها حتى لا تبكي مع سميرة التي كانت تتكلم وهي تشهق بحرقة:
ياقلبي يا سميرة... نجلا أنتي عارفتها... أطيب من قلبها مافيه.. بس عطيها كم يوم وتروق..
صعب عليها إنه أختها الوحيدة تملك بدون هي ماتدري وهي عندكم في البيت
أما عالية تعرفينها بعد.. لسانها متبري منها.. بس صدقيني الليلة بتلاقينها متصلة تتعذر.. هذا سنعها أصلا
سميرة مازالت تشهق: تخيلي نجلا من زعلها علي.. رجعت لرجّالها اللي هي زعلانة عليه.. يعني زعلها علي أكبر من زعلها عليه..
شعاع رأت أن وضع سميرة مأساوي فعلا.. لذا همست بصوت مختنق من التأثر: تبين أجي لش شوي؟!!
سميرة بسرعة موجوعة: يا ليت!!
شعاع بصوتها المبحوح لمغالبتها للبكاء: خلاص بأكلم عبدالرحمن أول مايخلص عشاء في بيت عيال خالي يجي يوديني عندش شوي
***********************************
فور انتهاء عشاء الرجال.. تميم يعود لغرفته.. اليوم كان مستنزفا له تماما
يشعر كما لو كان سينهار
يريد الإلتجاء لغرفته.. والاعتصام بصمته.. إراحة جسده المرهق وعقله المنهك..
كان على وشك خلع ملابسه حين أضاء جرس الباب.. فتح الباب.. كانت وضحى تشير له بمودة:
وش فيه عريسنا يبي ينام بدري؟؟
تميم يشير بإرهاق: تعبان حدي..
ابتسمت وضحى: زين.. مبسوط؟؟
هز كتفيه: المهم أنتو مبسوطين.. وأمي راضية
وضحى قالت بضيق: ليش تقول كذا.. والله العظيم سميرة مافيه مثلها
تميم بضيق مشابه أشار: تكفين وضحى ما أبي موال مدح في صديقتش
أدري مافيه مثلها.. بس أنا مالي مزاج الليلة لشيء
تكفين.. خليني بروحي
وضحى بألم: تميم تدس عني أنا؟؟ طول عمري أنا وإياك واحد...
حينها انفجر تميم باشارات غاضبة ولون وجهه يتغير: لا ما احنا بواحد
أنا واحد ما أسمع ولا أتكلم... أشلون وحدة تسمع وتتكلم تصير شيء واحد مع واحد أصم أبكم
قولي لي أشلون؟؟
وضحى تنهدت بعمق... علمت أنه لا يعنيها بكلامها هذا.. ولكنها بعتبها عليه نقرت قشرته الرقيقة
فهو متضايق منذ علم بالخطبة.. ومحتاج للانفجار.. وهي يستحيل أن تسمح له أن يكتم ألمه في داخله..
تريده أن ينفجر فيها حتى يرتاح.. ليبدأ يعتاد على فكرة زواجه من فتاة لا تماثله في وضعه..
لذا أشارت له بهدوء عميق حنون: وزين كوني أسمع وأتكلم هل وقف حاجز أني أتفاهم معك
تميم الغاضب المجروح والموجوع: لا ماوقف حاجز بيننا.. أشلون يوقف وأنتي تكرمتي وضيعتي من عمرش شهور وشهور
عشان تنزلين من برجش العالي وتأشرين للأصم الأبكم..
وش بيضرش؟؟ دامش تتكلمين وتسمعين.. تنازلي شوي رحمة فيه وشفقة عليه لا يعيش طول عمره ما حد درا عن اللي في خاطره
وضحى أمسكت كفه بحنو لكي تجلسه وتجلس جواره.. لكنه انتزعها منها بعنف..
حينها علمت وضحى أنه غاضب بالفعل وخصوصا هو ينفجر بمزيد من الإشارات:
أنا ما أنا ببزر تبين تقعدينه وتهدينه... حتى لو كنتو أنتو شايفيني بزر
وتبون تجيبون لي لعبة تتكلم وتسمع عشان تسليني..
بس الظاهر أنكم نسيتوا أني لا أسمع ولا أتكلم... واللعبة بتقعد تتكلم لين تخلص بطاريتها وتموت روحها ما حد درا عنها
أنا الحين أبي أعرف صديقتش ليش توافق علي؟؟ وش اللي في رأسها خلاها توافق؟؟
وإلا لا يكون غصبوها علي مثل ما أنتو غصبتوني عليها
وضحى بألم: تميم .. سميرة ماحد غصبها عليك.. مثل ما أنت ماحد غصبك عليها.. ليش تقول كذا
تميم بسخرية: وضحى تلعبين علي وإلا على نفسش... أنتي دارية عدل إن أمي غصبتني من يوم رفضت مجرد فكرة ارتباطي ببنت في مثل حالتي..
وضحى بذات الألم: أمي تبي لك الزين يا تميم.. والله سميرة مافيها منها.. وهي تبيك ومقتنعة فيك..
تميم ماشاء الله أنت وضعك ممتاز وأخلاقك عالية.. الوحدة وش تبي أكثر من كذا..
تميم تنهد بعمق وهو غاضب من نفسه لانفجاره في وضحى.. كان يريد الاحتفاظ بغضبه لنفسه
أشار وهو يجلس على سريره: وضحى لو سمحتي.. خليني بروحي..
**********************************
اجتماع غاضب في مجلس خالد آل غيث.. خالد وابناءه الثلاثة
والغريب أن أكثرهم ثورة كان هزاع وحماسة الشباب تجرفه بعيدا:
أنا بنت عمي تملك من ورانا.. والله ما يصير ولا يكون.. وليتها خذت حد يستاهل..
عمي مالقى يرميها إلا لأطرم.. ليه هي وش ناقصها؟؟
أبو صالح بغضب: ناقصها طول لسانك أنت وأخيك ذا؟؟ (قالها وهو يشير لفهد)
توكم البارحة معذربين فيها في مجلسي ذا وأبيها يسمع
صدق مافي وجيهكم سحا.. حديتوا راشد على أقصاه.. ووالله لو أني مكانه لأسوي سواته...
أزوجها لكلب حتى ولا أزوجها لرخمة مثلكم..
فهد يهتف بهدوء: أنت الحين وش اللي يرضيك... تبينا نروح لولد آل سيف ونقول له يطلق بنت عمنا.. حاضرين؟؟
هزاع بغضب: وتقولها وأنت بارد مثلج كذا.. أكيد هذا اللي لازم يصير...
أبو خالد بغضب كاسح: تلايط أنت وإياه.. هذا اللي قاصر.. أطلق بنت أخي من رجّالها عشان لحاكم اللي ما تسوى
ياقهري منكم... مافيكم من يبرد الخاطر... راحت عليكم بنت عمكم.. وش عاد الحكي فيه... قوموا فارقوني في السعة..
هزاع بقهر: وأخينا الكبير ليه ساكت؟؟
صالح بهدوء: أختها عندي.. ما أقدر أقرع ولا أسوي شيء..
والله هذي مسؤوليتكم..أنتو اللي أزعلتو عمي وحديتوه يزوجها من وراكم
هزاع بذات قهره: وانا مأنا بساكت.. بس خل أبيك يرخص لي
أبو صالح وقف وهو ينتفض بغضب: والله لا أدري إن حد منكم تعرض لراشد وإلا بنته إن قد يشوف شي ما شافه
أنا ما جمعتكم أبي حد منكم يسوي مثل جهل أول... ويطلق مرة صارت في رأس رجّال
لكن بغيت أفضي حرتي فيكم.. لو أنكم حشمتم راشد وبنته ماكان ذا كله صار..
فهد يتنهد: والله يبه جعلني فداك إنك كبرت السالفة.. وعمي زعل على غير سنع..
ووالله لو أنه بلغنا بالملكة قبلها إنه ما نرخصها لأحد
بس هذا أنت قلتها.. وش عاد الحكي فيه.. البنت وصارت في رأس رجّال..
أبو صالح يمنحهم ثلاثتهم نظرة غضب متزايد.. ويتركهم ويتجه لداخل البيت..
بينما صالح يتنهد بحنين: الله يرحمك ياعبدالله.. ماكان حد يعرف لأبي مثله..
لو أنه موجود الحين كان عرف أشلون يرضي إبي..
الحين الله يعينا على زعله ذا الأيام اللي بتأتي كلها...
***************************************
في سيارة زايد التي يقودها كسّاب عائدين للبيت..
زايد يهتف بعدم اهتمام احترافي: عمتك وش هي قايلة؟؟ وش هي من النسوان؟؟
أربها مهيب قشراء بس؟؟
كسّاب يبتسم بخبث فهو يعلم منذ عاد من السلام على عمته أن والده كان يتحرق للاختلاء به وسؤاله
لذا أجاب بذات نبرة عدم الاهتمام المحترفة التي استخدمها والده: ماشي حالها.. عجوز من جيز العجايز..
زايد كان بوده أن يمنحه كفين
( أ يقال عن مزنة عجوز؟!! بل ولا تختلف عن ما سواها؟!!
مزنة ليست كسواها.. ليست كسواها..)
" وما أدراك يازايد.. قد يكون هذا ماحدث فعلا
ثلاثون عاما مرت.. تصنع المعجزات.. أفلا تحول الصبية لعجوز؟!!
أ ليس هذا هو المتوقع والمفروض؟!!"
بعدها هتف زايد ببروده المحترف: المهم بنتها.. إذا قد جازت لك البنت.. ماعليك من حد..
كساب قطب جبينه قليلا.. يبدو أن الحوار سينحدر لختامه.. وليس هذا ما هدف له.. يريد اللعب قليلا مع والده..
فمؤخرا لا يعلم أي تغيير اجتاحه.. فهو بات يستمتع بهذا اللعب المغطى.. فلا ند لذكائه إلا ذكاء والده..
حينها هتف كسّاب بهدوء مدروس: بس يبه المثل يقول (اقلب القدر على ثمها تطلع البنت لأمها)
يعني عمتي الحين تمثل لي مرتي أشلون بتكون في كبرها..
رد عليه حينها زايد بذكاء: يعني عجوز من جيز العجايز..
ابتسم كسّاب: بس العجايز أشكال وألوان..
ابتسم زايد ابتسامة مشابهة: وعمتك من أي لون؟؟
كسّاب لا يجيبه.. لكن يسأله: يبه دامهم كانوا جيرانكم أول.. أشلون كانت عمتي في شبابها
عشان أحاول أتخيل شكل مرتي الحين..
زايد يبتسم غصبا عنه وذاكرته تحلق للبعيد: والله لو كانت مرتك الحين تشبه أمها في شبابها إنه ربي عطاك من أوسع أبوابه..
كساب يستدرجه بنبرة مقصودة: لذا الدرجة؟!!
زايد ينتبه لمقصد كسّاب في استدراجه.. يبتسم وهو يقطع عليه مقصده: أشوفك مشغول بعمتك زيادة عن اللزوم..
حينها أنتقى كسّاب عبارته بعناية: والله عمتي شكلها تشغل البال أول وتالي..
زايد يتنهد دون أن يريح كسّاب أويسمعه اعترافا ما: خلك من الأول والتالي.. وركز في حياتك أنت..
الله الله في مرتك عقب.. وأتمنى أنك توقف التعامل مع حياتك كأنك في ساحة حرب لازم تكون أنت الربحان فيها
*********************************
"من وين جاية ذا الحزة؟؟"
صراخه الغاضب تعالى من مكان قريب.. انتفضت بعنف وهي تراه يقترب.. جفت الكلمات على لسانها
كانت تريد أن تتكلم تبرر.. تخبره.. لكنها لم تستطع وكل الكلمات تموت وتتخشب وهي ترى عيناه تطلقان شررا ناريا غاضبا
انكمشت وغاص رأسها بين كتفيها وهو ينشب كفه في عضدها النحيل ويصرخ بغضب كاسح:
أقول لش من وين جايه ذا الحزة؟ مالش والي أنتي؟؟ أشلون تطلعين ذا الحزة؟؟
"طالعة معي أنا .. جعلني فداك" هتافه الهادئ العميق...
وهو يخلص عضد شعاع الهزيل من قبضة والده ويشدها ليخفيها خلف ظهره العريض
وشعاع تلتصق بظهره تماما وهي ترتجف..
توقع أن والده سيهدأ فورا كالعادة حين يكون هو من يواجهه.. ولكن هذا لم يحدث.. فوالده استمر بصراخه الغاضب:
طالعة معك على رأسي وعيني.. بس تبلغني.. بنتي ما تكون برا البيت لذا الحزة وأنا ما أدري وينها..
ما فكرتو فيني.. ولا حتى جا على بالكم تعلموني؟!!
تدري إني بغيت أستخف يوم طليت في غرفتها ومالقيتها نايمة في سريرها.. وأدق على جوالها ما ترد علي
ومابغيت أروع أمك وإلا جوزاء أنشدهم منها.. وانا أدور في البيت كني مسكون... وكل الطواري الشينة تطري علي
فاضل أنهى صراخه الغاضب وانسحب فورا لغرفته دون أن يسمح لهما أن يردا عليه
بينما عبدالرحمن وشعاع تبادلا نظرات مدهوشة..
تبعتها أنامل عبدالرحمن الحانية وهو يمسح دمعة تعلقت على أهداف شعاع.. ومن شدة خوفها لم تنزل حتى
وعبدالرحمن يهمس لها بابتسامة: ابيش الليلة ياجايه انفصام في الشخصية.. وإلا شكله بدأ يشيب وقلبه يصير رقيق..
***********************************
يشعر بتوتر عارم وهو يصعد بخطوات هادئة لغرفته... عاد قبل أكثر من ساعتين بأولاده..
الولدان كانا سعيدان جدا بعودتهما لبيتهما وكانا يريدان البقاء معه..لكنه طلب منهما التوجه للداخل لأمهما
بينما توجه هو للمجلس لمقابلة والده الغاضب بعد أن فتح هاتفه وتلقى اتصالاته..
ثم بقي بعد ذلك مع شقيقيه محاولا امتصاص غضب هزاع وتهدئته..
فأخر مايريده شيء يشغل بال هزاع وهو في فترة امتحانات..
بينما فهد كان لا مباليا بصورة غريبة..
" أ يعقل أن الأمر برمته لم يحرك فيه شيئا؟!!
لا حمية ولا غيرة ولا حتى أدنى شعور بالغضب...؟؟"
تنهد صالح وهو ينفض كل هذا عن رأسه.. فهناك مشكلة أكبر تنتظره في الأعلى
لا يعلم لماذا ربط بين ملكة سميرة وعودتها..
ربما لأن المنطق يقول هذا.. فلم يحدث شيء الليلة عداها..
هل يعقل أنها كانت رافضة أن يكون تميم زوجا لأختها؟؟ أو ما الذي حدث؟؟
فهي لم تخبره.. ويعلم أنها لن تخبره..
توجه أولا لغرفة ابنيه.. وجدهما نائمين.. تنهد بعمق أكبر وهو يعود لغرفته...ليصدم بمنظر الغرفة..
فالغرفة يبدو كما لو كان عبرها إعصار ما.. فكل الأثاث مقلوب.. ونجلاء تدعك وتنظف
صالح بدهشة: نجلا شتسوين؟؟
نجلاء دون أن تنظر ناحيته: شوفت عينك.. أنظف
صالح بدهشة أكبر: أدري تنظفين.. بس حد ينظف ذا الحزة؟؟ انتظري لبكرة وخلي الخدامات يساعدونش
نجلاء مازالت تنظف بحركة سريعة وهي تدعك الأرض بقوة: ما فيني نوم.. وأبي أنظف
صالح تنهد بعمق.. يعرف الآن أنها غاضبة بشدة.. فهذه عادتها حين تكون غاضبة
تشغل نفسها بعمل شاق تدفن فيه غضبها وحزنها وضيقها..
صالح أمسك بعضديها من الخلف وهو يديرها ناحيته ويهتف بحزم: بسش تنظيف..
نجلا حطي عينش في عيني.. وقولي لي وش اللي مضايقش؟؟
حينها انهارت نجلاء جالسة على الأرض المبلولة وشهقاتها ترتفع.. فكل القوة التي تسلحت بها انهارت..
وكل الدموع التي حاولت حبسها وهي تنظف انسكبت بدون مقياس..
صالح فُجع من بكائها حاول أن يشدها إليه..يأخذها في حضنه
ولكنها منعته وهي تدفعه عنها وتهمس بين عويلها:
تكفى صالح تكفى.. انسى إني موجودة.. اعتبر إني مارجعت..
تكفى لا تزيدها علي
*****************************
صباح اليوم التالي
نهار جديد.. أي شيء يخبئه بين ثناياه؟؟
.
.
"أصب لك كأس بعد؟؟"
كسّاب يشير بيده علامته الرفض: لا خالتي خلاص.. قومي أوصلش المدرسة وعقبه أروح لشغلي..
عفراء بمودة: لا فديت عينك.. أنا مابعد خلصت.. بألبس وعقب سواقتي توديني
إلا أنت اللي ماشاء قايم بدري..
البارحة أنا نمت وأنت عادك سهران.. وعقب جيت أصحيك لصلاة الفجر لقيتك قدك متوضي خالص..
وعقبه خذت لك كم دورة ركض حوالين البيت العود
متى تريح جسمك يأمك؟؟
كسّاب يبتسم: إذا نمت ساعتين تكفيني..
وأنا نمت أكثر من ساعتين..
ثم أردف بنبرة مقصودة: خلينا مني ومن نومي.. أنتي وش مسوية في عمي... كلمته البارحة لقيته مفول منش..
تقولين نار شابه.. حمدت ربي إني مكلمه تلفون ماشفته وجه لوجه.. وإلا كان كلني بقشوري
عفراء ابتسمت: الظاهر عمك على أقل سبب يولع.. ما قلت له إلا أني ما أبيه
هذا سبب يخليه يولع يعني؟؟؟
كساب بابتسامة: طبعا سبب يخليه يولع... واحد صار له أكثر من 10 سنين وهو معترض على فكرة الزواج
ويوم ربي هداه وخطب.. تردينه...
عفراء بهدوء: والله الشغلة كلها قسمة ونصيب.. وإذا عمك له خاطر في العرس أنا من عيوني أخطب له أحسنها وحدة..
أصغر وأحلى مني..
كساب بذات الإبتسامة: والله أنش عجيبة ياخالتي.. حد يقول عن نفسه كذا.. أصغر وأحلى؟؟
خالتي انت وش قاصرش؟؟ عادش صغيرة وحلوة؟؟
عفراء بذات الهدوء العميق: يامك السالفة مهيب صغر ولا حلاة.. أنا خلاص مالي نفس أتزوج.. مهوب جبرية يأمك..
كساب بهدوء ساكن: والله يا خالتي لو بغيتيها غصيبة.. خليناها غصيبة..
لأنه مستحيل أخليش ترجعين تقعدين بروحش عقب اللي صار
عفراء تنهدت لترد بعدها بحزم: إذا شايفني ثقيلة عليك يأمك.. سافرت لبنتي ورجّالها.. لكن إنك بتغصبني.. بتبطي يأمك.. بتبطي
كسّاب تنهد وهو يعاود تغيير الاستراتيجية: يا خالتي لو ما تبين عمي.. اخذي أبي..
تكفين لا تحرقين قلبي كذا.. توش يا خالتي على إنش تسكرين حياتش بذا الطريقة..
جميلة تزوجت.. وبكرة لا تشافت بتجيب عيال وتلهى فيهم.. تبين تقعدين عالة على رجال بنتش..
الحياة قدامش.. ومن حقش تزوجين.. أنتي عبارة ما تزوجتي.. كل اللي قعدهم عمي خليفة الله يرحمه كم شهر عقب الزواج..
ويمكن لو علي أنا بأقول يا ليت تأخذين ابي عشان تقعدين عندي في البيت... بس عمي منصور فرصة ما تنتفوت..
وسامحيني خالتي.. إذا على سالفة العيال.. صدقيني عقب ما يعرفش بتضيع علومه.. وقتها اقنعيه باللي تبينه واقنعيه يتعالج..
عفراء تقاطع كلامه بوقوفها لتجمع الأطباق وهي تهتف بنبرة هدوء مقصودة:
تأخرت واخرتني... توكل على الله يا ولد أختي.. وانسى ذا السالفة الغثيثة...
***************************
" يبه أشلون تسوي كذا؟!!
حتى أنا مالي احترام.. ماكني باخيها الكبير.. يعني وش ضرك لو انتظرت يوم واحد لين أرجع"
أبو غانم ينظر لغانم الذي كان يصرخ بغضب عارم ليرد عليه بحزم: قصر حسك يا ولد.. بنتي وكيفي أنا وياها..
إذا مت.. تيك الساعة حلل وحرم على كيفك
غانم موجوع بالفعل.. موجوع: يبه العمر الطويل لك..
بس ترمي سميرة ذا الرمية.. أدري إن تميم ماعليه قاصر أخلاق ولا دين ولا فلوس
بس يبه ما يسمع ولا يتكلم... أشلون بتتفاهم معه..
هذي عشرة عمر.. عشرة عمر.. حرام عليك يبه سواتك فيها
أبو غانم يسترخي في جلسته ويمد يده ليرتشف فنجان قهوته التي بردت وبدت له شديدة المرارة كمرارة روحه وهو يهتف بذات الحزم:
سميرة موافقة عليه.. وصلت استخارة كم مرة.. اسألها بنفسك
غانم المنهك العائد لتوه من المطار يتجه لداخل المنزل وهو يحمل حقيبته الصغيرة ويهتف لوالده بحزم موجوع:
والله العظيم لو كانت سميرة مهيب مقتنعة لو واحد في المية إني ما أخليها على ذمته لو على قص رقبتي
#أنفاس_قطر#
.
.
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم HaboOoshy
صحى منذ دقائق ولكنه لم يفتح عينيه بعد.. رائحة عطرها تغمر الاجواء
كم يبدو هذا الصباح مختلفا..اختلافا جذريا عن نهاراته السابقة!!
نهار معطر كعطرها!!
البارحة حين أنهت وصلة بكائها.. قامت وأتمت جنون تنظيفها.. بينما تمدد هو على سريره بعد أن صلى قيامه
لينخرط في مراقبتها بنهم.. ظلت عيناه تتابعان حركتها الدؤبة.. ارتعاش شفتيها.. توتر أناملها..
يحفظها.. يحفظ كل ردات أفعالها
يجيد قراءة حتى لغة جسدها.. نظرات عينيها.. ارتعاش يديها.. ومعنى كل حركة..
غفا بهدوء على صورتها تكحل أهدابه.. لم ينم نوما هادئا كما البارحة رغم ضجيج التنظيف فوق رأسه..
ورغم صراخها السخيف (اعتبرني غير موجودة)
وحين صحا لصلاة الفجر وجدها أنهت التنظيف وتستحم .. توضأ في حمام المجلس.. وذهب للصلاة..
وحين عاد كانت قد صلت وغفت على الاريكة
بعد أن تركت له نورا خافتا بالقرب من السرير.. وأغلقت بقية الأضواء
تمنى لو يحملها من مكانها ليضعها على السرير..
"أ بعد أن قضت ليلتها في أعمال شاقة تنام هذه النومة غير المريحة ؟!
لولا أنني أخشى أن تثور وإلا لكنت حملتها لتنام هي السرير
وأخذت أنا مكانها
ولماذا أغلقت الأنوار؟؟ أتريد أن تحرمني من رؤية حسنها الغافي؟!"
اقترب منها قليلا.. يتمعن فيها بولهه الشاسع المصفى.. وفق ماسمح له الضوء الخافت البخيل
ملامحها الرقيقة المسترخية بهدوء
سلاسل الذهب المبلولة تغفو على مخدتها
"المجنونة تبي تمرض.. ماحتى قفلت التكييف"
توجه ليطفئ التكييف.. وهو يشعر برعب أن تكون التقطت بردا من بقاءها في جو التكييف بعد خروجها من الحمام
يخشى عليها تماما مثلما يخشى على طفلته الصغيرة
كان دائما ينهرها ألا تستحم وتخرج في التكييف..
وخصوصا أنها سبق أن أصيبت بنزلة شعبية ألزمتها المستشفى عدة أيام بعد زواجهما بعامين..
وما زالت ذكرى مرضها ترعبه
فلطالما كان حنونا معها لأبعد حد.. بل لحدود قد تتجاوز المخيلة
"فلماذا يانجلا لم يبق لي في ذاكرتكِ سوى ذكرياتي السيئة
لماذا لم تعودي ترين سوى صالح المثقل بالعيوب
أ لم يشفع لي أي شيء عندك؟؟؟"
كل هذا يعبر ذاكرته وهو مازال مغلق العينين يشتم رائحة عطرها أو ربما خياله من صور له ذلك
لأن ذكرى عطرها سكنت كل خلاياه بتمكن انغرز في كل خلية
فكلما ماكان يحتاجه هو معرفته بوجودها.. لتنثر مخيلته رائحة عطرها في الاجواء
فتح عينيه.. وهو يتوقع أنها مازالت نائمة..ولكنه فوجئ أنها غير موجودة..
شعر بالرعب يجتاحه.. أين ذهبت؟؟ أ يعقل أنها غادرت وعادت لبيت والدها
تنهد وهو يسترخي قليلا.. فهو يعرف أن نجلاء عاقلة.. ويستحيل أن تفعلها..
لذا استحم وأرتدى ثيابه ليتوجه لعمله.. وجدها في الاسفل تتولى مسئولية صب القهوة لعمها وعمتها..
تسللت الإبتسامة لروحه قبل شفتيه.. أ لم يقل أن هذا الصباح مختلف؟!!
يكفي وجودها في المكان لتضفي ألقها عليه..
انحنى يقبل رأس والده ووالدته وهو يلقي عليهم السلام...
أبو صالح وجه الكلام له بحزم: انا ماني بناشد وش سبة زعلكم اللي فات.. سالفة وانتهت الله لا يعودها
بس قوم حب رأس أم خالد قدامي ذا الحين.. وأحلف لي ماعاد تزعلها في شيء
صالح بابتسامة عريضة: حاضرين نحب رأس أم خالد.. وأحلف قدامك ماعاد أزعلها بشيء
نجلاء انتفضت وهي تقف بحرج رقيق: لا ياعمي طالبتك.. والله ما تخلي أبو خالد يدنق على رأسي.. محشوم..
والله لا يجيب الزعل.. سالفة وانتهت على قولتك.. وإن شاء الله إن أبو خالد ماعاد يعيدها
قالت جملتها الأخيرة وهي تنظر لصالح بشكل مباشر نظرة مقصودة
بينما صالح المبتسم أجاب بنبرة ذات مغزى: حرمنا... بس عطينا فرصة
*************************************
مستغرقة في نومها.. صحت على أنامله الحانية تمسح خصلات شعرها وتشدها بخفة:
سمور قومي.. ماقدرت أنام وأنا ما تكلمت معش... وميت من التعب لي يومين مواصل.. قومي كلميني
سميرة تقفز من نومها جالسة وهي تمسح وجهها وتهمس بخجل: دقيقة بس.. أبدل وأغسل وأجيك
غانم يجلس على طرف السرير ويهتف بتعب: من متى تستحين يعني؟؟ مهوب أول مرة أشوفش متشنقطة ببيجامة
اقعدي ما أقدر أنام وأنا ما تكلمت معش
سميرة جلست وهي تعتدل جالسة وتشد طرف اللحاف على ساقيها حتى لا يظهر بنطلون البيجامة القصير قليلا وتهمس بتردد خجول:
أنت بعد زعلان علي عشان وافقت على تميم..؟؟
غانم يتنهد بحزم: ماني بزعلان.. خايف أنه أنتي تكونين منتي بمقتنعة..
سميرة ردت بحزن عميق وأثر بكاء الليلة الماضية واضح على أجفانها المنتفخة: المشكلة إني مقتنعة .. والله العظيم مقتنعة
بس الكل يحاول يقنعني إني ماني بمقتنعة وأني قررت بدون تفكير... والله العظيم ياغانم أني مقتنعة فيه
لذا الدرجة شايفين تميم مليان عيوب الواحد مايقدر يعيش معها.. والله ماشفت فيه عيب
حتى إنه ما يسمع ويتكلم شايفتها أنا ميزة مهوب عيب..
أردفت وهي تحاول أن تبتسم بفشل: كفاية أنا أتكلم نيابة عني وعنه..
غانم مسح على شعرها وهتف بحزن مشابه يخفي خلفه عدم اقتناعه: أنا ما أبي لش إلا الزين..
وحن مجتمعات عقولنا قاصرة.. عاجزين نستوعب نقص البشر
مع إن فيه ناس تكون عيوبهم أكثر بكثير من عيب تميم لكن حن نغض البصر عنها..
أنا ماأبي إلا سعادتش.. ودامش مقتنعة.. خلاص يأخيش.. ألف مبروك
قالها وهو يدني رأس سميرة منه ليقبل جبينها.. حينها تعلقت سميرة بجيبه وهي تنخرط في بكاء حاد وتدفن وجهها في عنقه
غانم هتف بقلق: ها وأشفيش بعد.. توش تقولين مقتنعة فيه
سميرة تشهق: نجلا زعلانة علي.. تكفى غانم كلمها.. لو هي سافرت وأنا ما شفتها والله لا يصير لي شيء.. والله لأموت..
تكفى كلمها.. تكفى
*************************************
تكاد تنهي يومها الدراسي.. مرهقة تماما.. مستنزفة لأقصى حد..
تحاول تعويض طالباتها عن أيام غيابها وخصوصا مع موعد الامتحانات الذي اقترب كثيرا
تسترخي على مقعدها في مكتبها بالمدرسة الخالي من زميلاتها في هذا الوقت
وهي تتناول هاتفها لتتصل بخليفة
رغم أن المسكين صحا من نومه على اتصالها.. تشعر أن طاقتها في المقاومة توشك على النفاذ
تريد أن تسمع صوتها فقط..يأكلها الشوق واللهفة لهمسات صغيرتها
ولكن لأنها تتصل بداليا.. فداليا حذرتها من ذلك.. لأن جميلة تتحسن.. وبدأ أكلها بالتحسن وهي تتقبل وضعها بصعوبة
وهي دائمة السؤال عن أمها.. لذا يجب إبعاد جميع المؤثرات التي أدت بها إلى هذه الحالة... وعفراء على رأس هذه المؤثرات..
تنهدت وهي تنهي اتصالها مع خليفة.. الذي أخبرها كالعادة بكل مافعلته جميلة منذ صحت من نومها حتى الآن..
وهي تتصل كان هناك خط آخر على الانتظار ولكنها لم تهتم للنظر له..
حين أنهت اتصالها.. نظرت للمكالمات التي لميردعليها.. كان المتصل هو منصور ولثلاث مرات..
تنهدت بعمق وهي تقول في داخلها: (يامن شرى له من حلاله علة..) هذا وش الفكة منه
حينما أعاد الاتصال ردت عليه وهي تهمس باحترامها الطبيعي: هلا حيا الله أبو علي..
منصور باحترام بارد: حيا الله بنت محمد
عفراء بذات أدبها الرفيع: أشلونك طال عمرك في الطاعة..؟؟
منصور رد عليها ببرود فيه نبرة غضب: على ذا الذرابة والأدب اللي عندش..
مفروض شفتيني اتصلت مرة والثانية.. تسكرين الخط الزفت اللي معش وتردين علي..
عفراء تنهدت بعمق وهي تحاول تغذية عروقها بالصبر: أول شيء أنا كنت أكلم رجّال بنتي..
الشيء الثاني السموحة لأني مادريت إنك أنت اللي على الانتظار
الشيء الثالث أعتقد أنه في الاتصال اللي فات قلت لك مافيه داعي تتصل مرة ثانية..
منصور بحزم: خلصينا من سالفة التلفونات.. حتى أنا كارهها.. كني صبي مراهق.. عيب يا بنت محمد ذا التنقيعة اللي أنتي منقعتني..
عفراء بدهشة: أنا منقعتك؟؟
منصور بحزم: إيه وانا أنتظر ردش..
عفراء باستغراب: أعتقد إني قلت لك ردي من المرة اللي فاتت..
منصور بحزم أشد: وأنا ما اقتنعت فيه وعطيتش فرصة تفكرين..
عفراء بهدوء: على كذا يأبو علي أنت اللي منقع روحك بروحك.. لأنك أقنعت نفسك بشيء ماصار
منصور بثقة متمكنة: اول شيء أنا أحب ينقال لي أبو زايد..
وثاني شيء أنا أعرفكم يا النسوان.. عودكم مهوب على أول مركازه.. كل يوم برأي..
عفراء بسخرية مبطنة: ما تفرق أبو علي أو أبو زايد دامك ما تبي حد منهم يأتي أصلا
وثاني شيء أنا عودي على أول مركازه ورأيي واحد..
(العود على أول مركازه= مثل يعني الاصرار على الرأي)
تنهد منصور بحزم شديد وهو يسألها: تردين شيء في ديني وإلا أخلاقي؟؟
عفراء بجزع عفوي: حاشاك.. تكرم
حينها ابتسم منصور لنبرتها العفوية: أجل خلاص مالش حق ترديني..
يا بنت الحلال جربيني.. يعني مهوب لذا الدرجة سيء.. ممكن أني أتعاشر وأخذ وأعطي.. ماني بوحش يعني
عفراء بهدوء أخفت خلفه إحساسها بالغيظ منه:
شنو أجرب ذي يأبو زايد..الظاهر عادي عندك الطلاق.. جربته قبل واجد..
لكن وحدة في عمري إذا الزواج صعب عليها...فالطلاق أصعب بواجد
منصور بحزم: ما اشين فالش.. والله المرة اللي هي تسبب بالطلاق عى روحها..
عفراء بحزم مشابه: والمفروض إن الرجال يكون عاقل وما يماشي المرة في خبالها إذا هي استخفت..
منصور بأمر حقيقي: وافقي علي وجربيني.. وإذا كان طيش الشباب غرني أول.. فانا الحين ماعدت مثل أول.. أوعدش ما تشوفين مني إلا خير
عدا أمرين.. كثرة عزايمي ما تناقشيني فيها.. ولا سالفة العيال..
عفراء تكاد تجن منه: الحين أنا وافقت عشان تقدم شروطك بذا الطريقة..؟؟
إذا على العزايم المرة اللي ترد رجالها من الكرم مافيها خير
لكن أنت مقصدك أنك بتكون مشغول بعزايمك ومجلسك حتى عن التزامك بمرتك
منصور بثقة حازمة: أنا واحد سيده وما اعرف ألف وأدور.. وش تقولين؟؟
عفراء تنهدت بعمق..
لو فكرت بموضوعية.. فمنصور ليس مطلقا بالفكرة السيئة.. فهو بالفعل مطمع للكثيرات..
بدت لها الفكرة مغرية بل شديدة الأغراء..أن تحصل هي على هذا الرجل الاستثنائي رغم كل عيوبه..
أن تجرب أن تحيا حياة جديدة.. أن تعيش تجربة الزواج التي لم تعشها فعلا..
أن تجرب أن تعيش من أجل نفسها مع رجل تعلم أنه سيكون سندا قويا لها في مقبل حياتها..
فحياتها أضحت خالية تماما بعد غياب جميلة عنها.. جميلة التي كانت تستهلك منذ مرضها الأخير وقتها بالكامل
لِـمَ لا تفكر في الموضوع؟؟ لتفسح لنفسها مجالا أن تفكر بعيدا عن إصرارها السابق على الرفض؟؟
فهي فعلا لم تفكر..إنما قررت أن ترفض كما كانت ترفض طوال عمرها الفكرة دون نقاش..
ولكنها لم تنتبه أن ظروفها ماعادت كالسابق.. تغيرت بالكامل.. ابنتها تزوجت.. وبالتاكيد أبناء شقيقتها سيتزوجون..
عدا أنها بالفعل أصبحت تشعر برعب عميق ووحشة أكثر عمقا من بقاءها لوحدها..
كساب وسيتزوج قريبا جدا.. فهل تعود للبقاء في بيتها وحدها مع ذكريات الرعب والوحدة؟؟
نفضت رأسها بانفعال وهي تحاول أن ترد عليه بهدوء: خلاص عطني فرصة أفكر وأعطي ردي لكساب..
منصور بأمر حازم غاية في الصرامة: الليلة تردين علي أنا... وكسّاب ماله دعوى.. الرد يوصلني أنا ما أبي وسيط بيننا..
********************************
"شعاع بطلي الباب... قسما بالله بأذبحش"
صراخ جوزاء الغاضب يتعالى.. بينما بكاء حسن يتعالى وهو يشد ثوبها باكيا: أبي صورة بابا
شعاع تهتف بثبات خلف الباب: والله ما افتح لش.. هدي حسن بأي شيء ثاني.. طلعيه.. لاعبيه.. عطيه حلويات
الألبوم والله ما أعطيكم إياه..
جوزاء تنتفض غضبا مع بكاء حسن الذي يذيب قلبها:
الولد مات من البكا.. عطيه صور أبيه..
أنتي وش دخلش..والله لأوريش شغلش بس افتحي الباب
شعاع بذات الثبات: جوزا قلت لهيه بشيء ثاني.. صور مافيه..
انحدر صوت جوزاء للرجاء العميق : تكفين شعاع تكفين.. حسون يبكي.. يهون عليش حسون
شعاع تهمس بألم رقيق: تدرين إنه مايهون علي.. ولا أنتي تهونين علي.. عشان كذا مستحيل أفتح..
روحو أي مكان لين ينسى.. هذا بزر مسرع ما ينسى..
والمهم الكبيرة يكون عندها رغبة بالنسيان..
***********************************
"حيا الله اللي ماصدقت إني أروح عشان تنط عند صالح"
نجلاء تحتضن هاتفها بحرج شديد وهي ترد بذات الحرج: حياك الله.. الحمدلله على السلامة
غانم بمودة واحترام: مبروك ردتش لبيتش يالغالية
نجلاء بذات الحرج: الله يبارك فيك..
غانم بنبرة مقصودة: زين وعشان رضيتي على صالح تزعلين علينا..
نجلاء صمتت وضيقها العميق يعاودها..والعبرات تخنق روحها
بينما غانم أردف بذات النبرة: ها يام خالد.. وش مزعلش علينا..؟؟
سميرة بتموت من الحزن بسبتش.. يهون عليش تسوين فيها كذا
نجلاء بهمها المجروح: إلا يرضيك يأبو راشد اللي هم سووه فيني...؟؟
ماعندهم حد في البيت غيري.. تصير الخطبة وعقبها بيومين الملكة..وانا مادريت بأي شيء...
عدوني غريبة وأنا عندهم في البيت.. إذا كان ذا يرضيك، قل لي؟؟
غانم تنهد: أكيد ما يرضيني.. بس خلاص الموضوع صار.. والمهم توفيق أختش.. تدرين قلبها كنه قلب طير.. الحين كنها تقلى على ضو
نجلاء بحزن: وزواجها من تميم.. تشوفه توفيق؟؟ سميرة كانت تستحق واحد أحسن بواجد
غانم بحزم أخفى خلفه حزنه: حكي في الفايت نقصان في العقل... خلاص سميرة صارت مرته ومقتنعة فيه.. وانتهى الحكي
والحين أبي اشوف خاطري عندش.. أبي أشوفش جايتنا مسيرة علينا وراضية علينا كلنا.. حن من غيرش يام خالد مانسوى
نجلاء تشعر بألم عميق لطلبه اللطيف منها.. لكنها موجوعة ولا تستطيع خداع نفسها أو خداعه لذات همست برقة:
عطني يومين بس فديتك لين أروق.. وعقبه أنا بأجيكم بنفسي جعلني فدا روحك
كانت نجلاء تنهي الاتصال حين تعالت طرقات صاخبة على الباب ثم اقتحمت عالية الغرفة كالأعصار : سلامو عليكو
يعني عشان رضيتي على صويلح قاعدة تحرسين الغرفة لين يرجع
قومي أنا زهقانة.. طلعيني.. خلينا نروح أي مكان..
نجلاء تبتسم: أول شيء كم مرة قد قلت لش لا عاد تدخلين علي بذا الطريقة.. عيب.. يمكن أنا الحين متفسخة ونسيت الباب مفتوح..
ثاني شيء وين نايف عنش اليوم.. أعرف كل مازهقتي سحبتي المسكين يطلعش
عالية تلقي بنفسها على السرير وهي تسحب شهيقا طويلا: يازين الريحة الخنينه.. خنقتي أخي بذا العطور.. بيجيه التنك..
وبعدين أول شيء إذا أنتي متفسخة.. سكري بابش عليش مالي ذنب إذا أنتي تعرضين مشاهدة مجانية
وبعدين التنبيهات هذي قديمة قلت يمكن قعدتش عند بيت هلش غيرت القوانين شوي
وثاني شيء فديت قلبه نويف اليوم خالاتي متهادين عليه.. فيه ثلاث كلهم مسوين له غدا.. تخيلي!!
والمسكين بيتغدا ثلاث مرات.. عزتي لكرشه اللي بتنبط.. الولد آخرته بيموت من كثرة الأكل..
نجلاء باستغراب: من جدش أنتي؟؟
عالية تضحك: والله العظيم.. وبعدين أنتي أساسا عارفة وش كثر يتهادون عليه..
أخيهم الصغير والوحيد على قولتهم.. الولد تعقد والله العظيم.. عزتي للي بتأخذه بيكون عندها سبع عمات..
وأنتي عارفة فيه ثنتين من خالاتي قشرات.. طبعا عارفتهم طيبات الذكر
تذكرين أشلون كانوا يقطون كلام على مرت عبدالله الله يرحمه لين طلعوا روح المسكينة..
أما عاد مرت نويف لو ماهج وسكن وياها في كوكب ثاني والله لا يزهقونها في حياتها لين تطفش.. وتشق ثيابها
******************************
"وافقي خالتي لا تضيعين على نفسش فرصة مثل عمي"
عفراء بابتسامة: الحين عمش فرصة وأنا اللي كخة..
مزون بجزع: حاشاش خالتي.. والله مهوب المقصد
ثم أردفت بحماس: بس أنا أبي الزين للزين
والله يا خالتي عمي يجنن.. شوفي على قد ما طلعت مع ابي ومع علي.. وحتى مع كساب أول
إلا أن الطلعة مع عمي غير.. جد يحسسش إنش أميرة.. برنسيسة من قلب
عفراء بذات الابتسامة وبنبرة مقصودة: معنى كذا عمش مافيه عيوب؟؟
مزون بحذر: مافيه إنسان مافيه عيوب.. هذا طبع البشر.. بس فيه عيوب الواحد ممكن يتعايش معها.. وعيوب ما ينسكت عليها
وما أعتقد إن عيوب عمي من النوع الثاني أبد
صحيح عصبي شوي ودمه حامي وعنيد ورأسه يابس بس والله العظيم قلبه طيب..
وأحلى ميزة فيه إنه مايلف ولا يدور..
عفراء تقلد طريقة مزون في الكلام: (عصبي شوي ودمه حامي وعنيد ورأسه يابس)
وهذي كلها ما تشوفينها عيوب؟؟
مزون تبتسم : ونسيتي إنه قلنا قلبه طيب وما يلف ولا يدور
عفراء تتنهد: يصير خير.. ما يصير ذا الحصار اللي كلكم مسوينه علي أنتي وأخيش وعمش
عطوني فرصة أفكر برواقة... هذا قرار مهوب هين
*******************************************
"أشرايج في جو الحديقة برا.. خيال صح؟؟"
يساعدها على النزول من كرسيها المتحرك.. بعد أن باتت تتقبل مساعدته بعفوية..
ليحملها بعد ذلك ويمددها على سريرها وهي تجيبه بوهن: تعبت من ذا الطلعة..
خليفة بابتسامة: زين تعبتي يعني ما عجبتج كلش؟؟
جميلة بدون اهتمام: حلوة..
خليفة لم يتوقع منها ردة فعل أكثر من ذلك أساسا.. لذا جلس بهدوء وهو يقول: يضايقج أشوف مباراة عندج.. اليوم فيه مباراة للريال..
همست ببساطة واهنة: براحتك..
خليفة يغير بين القنوات يبحث عن قناة تتحدث بالانجليزية وتنقل المباراة حتى وجدها.. وجلس انتظارا لبدء المباراة
بعد لحظات صمت همست جميلة بعفوية طبيعية: علي يشجع ريال مدريد.. بس كساب يشجع برشلونة..
حينها التفت لها خليفة.. لا يمكن أن يحتمل أكثر من ذلك.. طاقته استنفذت.. أي رجل هذا الذي يقبل أن يكون دائما مثار مقارنة عند زوجته
وهي تعقد مقارنة دائمة بينه وبين رجال آخرين
لذا هتف بهدوء كان تأثره يمور تحته: جميلة ما تشوفين إنه عيب في حقي.. إنه في كل سالفة لازم تدخلين عيال خالتج
جميلة ببساطة بريئة: ما أشوف فيها شيء.. ليه؟؟
خليفة مازال يحاول الاعتصام بهدوءه: احترمي إني ريلج.. مافيه ريل يرضى بجذيه..
حينها هتفت جميلة ببرود: والله الرجّال هذا يوم خذني.. يعرف إني متربية مع عيال خالتي وما أعرف حد غيرهم
فليش يستنكر الحين أني أسولف عنهم..
مهوب عاجبه.. الباب يفوت جمل..
خليفة يحاول جاهدا ألا يتسلل غضبه لصوته حتى لا يثيرها: والله أعتقد إن الريل هذا أنتي اخترتيه برغبتج على عيال خالتج
الحين صار الباب يفوت يمل
حينها نظرت له جميلة بشكل مباشر وهتفت بحدة: عقلي صغير وماعرفت أختار.. وما ينشره علي
تكفيك هذي إجابة؟؟
خليفة تقلصت قبضتيه بشدة.. وغضب عات يمور في روحه.. من بين كل المرات التي أطالت لسانها عليه
كانت هذه المرة هي الأقوى.. والأكثر قسوة وتجريحا..
لذا وقف حتى يخرج للخارج..
وهو يحاول قهر روحه وتذكيرها أنه مهما حدث.. فهي مريضة.. وكلامها لا يمكن أن يحاسبها عليه
مهما كان جارحا له ولرجولته!!
*******************************
" ها نروح مكان ثاني بعد؟؟"
صوت فاطمة المتسائل..
كاسرة بحزم: لا كفاية كذا.. أبي ألحق على جدي قبل ينام.. يتعشى عقب صلاة العشا وينام على طول..
وأنا لو ماشفته قبل ينام وخذت علومه.. ما أرتاح تيك الليلة..
وضحى برجاء: مايصير كذا كاسرة.. كذا والله ما تلحقين تخلصين شيء.. تونا الحين قبل صلاة العشاء بشوي
كاسرة بذات الحزم: تعرفين زحمة الدوحة.. على مانرجع للبيت بيكونون العرب صلوا العشا.. وجدي أبدى علي
فاطمة بمودة: خلاص الله لا يخليش من جدش.. نرجع البيت.. حتى أنا ما ابي أتأخر على عيالي..
كاسرة بهدوء: أنا أبي أعرف أنتو ليه شايفين سالفة سوق العروس أزمة.. الوحدة ماراح تهاجر.. والسوق قريب..
عدا عن إن الوحدة أساسا قبل ما تتزوج عندها ملابس..وذا الاسراف والله ماله معنى..
وضحى بهدوء: بس الناس عينهم على العروس.. على الأقل لازم تكون لابسة حلو ومتألقة..
كاسرة بثقة: الدولايب مليانة ملابس.. وأعتقد أني متألقة ومتأنقة عشان نفسي مهوب عشان حد..
فاطمة بهدوء: خلينا على الأقل نلاقي لش فستان.. واللي غير كذا لاحقين خير..
كاسرة بحزم: نطلع السبت الضحى ونأخذ اليوم كامل.. طلعة وحدة بتكفي كل شي.. لأني زهقت من ذا السالفة
********************************
وضعت طفليها في السرير وحصنتهما بالأذكار ثم عادت لغرفتها..
تشعر بتوتر عميق.. لم تر صالحا منذ خرج صباحا.. حتى الظهيرة لم يعد
شعرت أن غيابه مقصود..وكأنه يريد أن يمنحها فرصة للتفكير..
والمشكلة أن التفكير لديها معطل.. فهي غاضبة عليه.. وعلى أهلها.. وعلى كل شيء..
غاضبة من هذا الموقف السخيف الذي وضعت فيه.. من اضطرارها للتعامل مع موقف هي غير مستعدة له
من تسرعها في قرار العودة لتعاقب نفسها قبل ان تعاقب أهلها.. فالقلوب مازالت لم تصفُ..
ولكن بما أنها كانت ستسافر معه قريبا.. فهل يختلف الأمر الآن عن سفرهما..
فتحت دولابها..
ماذا يفترض أن تلبس حتى تبدو طبيعية غير متكلفة.. ومتباعدة.. متباعدة جدا!!
سحبت لها بيجامة قطنية واسعة وارتدتها.. ومشاعرها تنتقل من التوتر للتبلد.. تريد أن تشرنق نفسها بهذا التبلد حتى يصفو عقلها
فهي غير مستعدة لصالح ولتاثيره عليها الذي تعلم أنه تاثير خطير حين يريد ذلك..
وهي في أفكارها.. وصل صالح.. هادئا غامضا.. ألقى السلام بهدوء.. لترد عليه بهدوء مشابه
انحنى ليقبل جبينها.. لم تسمح له وهي تبتعد عن مدى شفتيه.. لم يعلق وهو يتجاوزها ليخلع ملابسه..
ثم يدخل ليستحم.. صلى قيامه.. حينما أنهى صلاته وورده.. توجه ليجلس جوارها على الأريكة
ولكنها نهضت لتجلس على كرسي منفرد.. لم يعلق أيضا.. وعلائم الغموض المتلاعب ترتسم على وجهه بوضوح
حينها نهض من الأريكة ليتوجه للسرير.. ويتمدد وينام دون ان يوجه لها حتى كلمة واحدة..
نجلاء استغربت بالفعل ردة فعله.. فصالح ليس هكذا مطلقا.. بل تعبيره عن مشاعره تجاهها مبالغ فيه في كثير من الأحيان
فهو لا يعترف بالرفض ومثابر لأبعد حد على اقتحام حصونها مهما حاولت رفعها وتعليتها..
فما به اليوم يبدو مهادنا ومتفهما بهذه الصورة؟!!
ولكنها ختاما حمدت ربها أنه تفهم رغبتها في الابتعاد عن تأثيره..
وبما أنه تفهم رغبتها هذه.. فلا معنى لنومها على الأريكة
لذا توجهت لتنام جواره وهي تدير ظهرها له!!
*********************************
"وش فيك طال عمرك؟؟ شكلك تهوجس في شيء؟؟"
منصور يلتفت لفهد الجالس جواره في مجلسه الغاص بالضباط ويهتف بحزم:
مافيه شيء.. مشاغل بسيطة
فهد بابتسامة مغلفة بالاحترام: أفا وش ذا الشيء اللي يشغل بال أبو علي؟؟"
*******************************
"وش فيك طال عمرك؟؟ شكلك تهوجس في شيء؟؟"
منصور يلتفت لفهد الجالس جواره في مجلسه الغاص بالضباط ويهتف بحزم:
مافيه شيء.. مشاغل بسيطة
فهد بابتسامة مغلفة بالاحترام: أفا وش ذا الشيء اللي يشغل بال أبو علي؟؟"
منصور بابتسامة: تجيك العلوم قريب
إلا قل لي.. وش علوم مدرسة السواقة؟؟
فهد يبتسم رغم إحساسه بالضيق: باقي لي أسبوع على التراي.. الشرطي اللي أنت مسكته موضوعي متحلف لي..
ويقول إن ذي وصاتك له..
منصور يبتسم بفخامة: أنا ماأبي إلا مصلحتك.. وأنت داري..
حينها هتف فهد بضيق لم يستطع منعه من التسلل لصوته: ومصلحتي إنك خليتني مسخرة الشباب على سبة ذا الموضوع..
حتى هزيّع يطوّل لسانه علي وهو يشوف سواق البيت يوصلني مشاويري..
والله لولا حشمتك وغلاك وأني ما أبي أفجر حلفك علي.. وإلا كان شقيت ثيابي من زمان
منصور بحزم: اللي يقول كلمة.. قل له عشر.. واللي عنده ريال خله يقطعه..
ترا الروح يأبيك مهيب رخيصة.. (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)
وغير ذا وذا.. مابه حكي..
كان فهد يعلق على ماقاله له منصور.. ولكن منصور لم يسمع حرفا مما قاله وانسحب فكره من ضجيج مجلسه بالكامل وهو يتلقى رسالة على هاتفه
رسالة رأى رقم عفراء يتصدرها
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم HaboOoshy
حينما أخبره كساب أو بمعنى أصح "صدمه" برغبته في تزويج خالته من زايد
لا يعلم أي مشاعر مجهولة غزته بكل الحدة والعنفوان وحركت رتابة حياته التي اعتادها حتى تغلغلت فيه برتابتها
لم يكن مطلقا لأي من مشاعر الصبا أي حضور في عقله الظاهر.. فمشاعر الصبا دفنت مع الصبا
ولكن مشاعر الخذلان لم تدفن أبدا!!
لذا رفض أن تكون عفراء لزايد الذي حرمه منها.. الذي خذله..
الذي جرحه الجرح الأعمق وهو يفضل رجل غريب عليه.. على شقيقه الوحيد الذي لو طلب منه أن ينحر نفسه فداء له لم يكن ليتهاون
وربما كان هناك شيء غامض في داخله ينبئه أنها لن تتزوج وهو يعلم تماما أنها أغلقت حياتها بعد وفاة زوجها
ورفضت فكرة الزواج مرة أخرى.. شعر أنها محمية.. لن تعود لتصبح زوجة رجل آخر.. ستبقى مثله!!
لذا شعر بغبن شديد حين علم أن زايدا قد خطبها مسبقا.. كما لو كنت تترك أمانة عند شخص ما.. فلا يكون حريصا عليها
بل يسمح لنفسه أن يمتد تفكيره لها..
أ لم يكفه ما فعله مسبقا؟!!
تخيلَ لو أن هذه الخطبة التي لم يعلم بها قد تمت.. كان مجرد التخيل قاسيا على روحه الحرة.. وهو يبعث فيها غضبا لا حدود له..
ربما لو كان زايد حينما كان يعرضها عليه قد قال له (إذا لم تتزوجها سأتزوجها أنا..)
لربما كان قد تزوجها قبل زواجه الأول حتى..
لم يستطع مطلقا استساغة أن تكون عفراء لزايد.. أن تكون زوجة لزايد
أن تكون حلالا لزايد
مستعد أن يضحي بحريته ورغبته في العزوبية من أجل ألا يتحقق هذا الأمر...
.
بعد ذلك..
حينما أقدم على الفكرة راقت له.. راقت له بالفعل ولأبعد درجة..
شعر أن هناك روحا جديدة اقتحمت حياته المختنقة بالرتابة والملل
ورفض عفراء أثار عناده ورغبته فيها أكثر وأكثر
وجودها المختلف.. صوتها الرقيق الحنون.. حواره معها.. أشياء تمنى ألا تختفي من حياته..
ثم في الختام سيجد له روحا إنسانية تتحاور معه في لياليه الطويلة الباردة التي يقضيها وحيدا دون أنيس
وبعيدا عن التسرع الذي قاده لخطبتها في البداية وبعد التفكير العميق.. وجد أن عفراء تعد خيارا مثاليا..
سيدة رزينة.. لن تصيبه بالجنون الذي أصبنه به زوجاته السابقات.. لن تحاول تقصيص أجنحته أو حد حريته
الأمر المرفوض تماما عنده.. وهو من يشعر أنه نسر محلق ويريد أن يظل هكذا على الدوام..
والشيء الاخير أنه بالفعل ليس لديه رغبة في انجاب أطفال بعد هذا العمر.. وأي زوجة بظروف عادية سترغب حتما أن تنجب
بينما عفراء لديها ابنة.. ولا يعتقد أن فكرة الإنجاب ستبدو مغرية لها..
لذا أصبحت عفراء تمثل له خيارا مثاليا عقلانيا لإيجاد شريكة تكمل معه مابقي من سنين حياته
.
وهاهو يمسك هاتفه بين يديه.. وينفصل عن كل ضجيج المجلس وهو يفتح رسالتها التي شعر فورا أنها تحتوي شيئا مهما
فلا يعقل أن عفراء برزانتها المعروفة سترسل له شيئا غير مهم:
" أنا موافقة عليك وعلى شروطك
عزايمك فوق رأسي
والعيال عندي الحمدلله بنت
و أنا أساسا مالي خلق حمل وولادة عقب ذا السنين
بس أنا بعد عندي شرط"
منصور كان بوده أن يتصل بها فورا.. ولكنه لم يستطع ترك ضيوفه أو الانشغال عنهم.. لذا بقي يتقلب على جمر حتى غادر آخر ضيف
كانت الساعة قاربت منتصف الليل.. وعفراء بالفعل خلدت للنوم حين تعالى رنين هاتفها
التقطته بجزع وجميلة هي من تخطر ببالها: نعم من؟؟
منصور بثقة: من؟؟ أنا منصور
عفراء انحدر صوتها لحرج شديد به رنة قلق: عسى ما شر يا أبو زايد.. حد فيه شيء؟؟
منصور بذات الثقة: أعتقد بيننا كلام معلق..
عفراء بضيق: أبو زايد مافيك تصبر للصبح.. صحيتني من نومي..والوقت أبد مهوب وقت اتصال حتى لو كنت أنا مانمت
منصور بابتسامة: وأنا أقول البحة الحلوة هذي من وين جايه.. أثرها من أثر النوم..
عفراء شرقت واتسعت عيناها دهشة وحرجا وهي تكح بصوت مسموع
بينما منصور أكمل حديثه بثقة وكأنه لم يكد أن يتسبب بأزمة قلبية لمن يحاورها بجرأته:
دام أنتي وافقتي علي.. مسألة الوقت صارت مسألة شكلية
واعتبر أني أقدر أتصل في أي وقت
والحين أبي أسمع شرطش.. لأني أبي الملكة بعد بكرة وتجين بيتي على طول.. وبكرة الصبح مهرش بيكون في حسابش..
عفراء بدأ رأسها يؤلمها من الحرج من هذا الجريء الذي اقتحم أمسيتها الهادئة ولكنها حاولت دفع الثقة في صوتها وهي تقول:
أنت عارف إن يمكن يكون سبب ترددي في الموافقة عليك هو طلاقاتك الثلاث.. حسيتك واجد تتسرع في الطلاق
وكأنه هو الحل الأول عندك مع أنه مفترض يكون الحل الأخير بعد استنفاذ كل الحلول..
لكن بصراحة هذا بيكون شرطي الوحيد..
منصور بتساؤل فخم: مافهمت قصدش بصراحة
عفراء بثقة: بنتي الحين ما اراح أبلغها بزواجي عشان ماشيء يأثر على علاجها.. لكن هي مسيرها تعرف
فلو موضوع الزواج ضايقها وطلبت مني أني أتطلق.. تطلقني..
منصور بغضب مكتوم وهو يصر على أسنانه: لذا الدرجة مرخصتني من أولها.. تبين أطلقش لو بنتش بغت.. وش ذا الخبال..
عفراء بذات الثقة الهادئة: يا أبو زايد.. بنتي وحدة مريضة.. وما أدري وش ظروفها بترسى عليه.. ما أدري حتى لو هي بتستمر مع زوجها أو لا
أنا أبي أتحسب للظروف بس.. وتأكد إن بنتي لو طلبت إني أتطلق بيكون عشان ظروفها ما تحتمل وجود زوج أم
يعني يمكن تكون هذي احتمالية واحد في الميه.. وأنا أبي أحطك في الصورة
ومثل ما أنا وافقت على شروطك اللي ما أعتقد إنه فيه حد بيوافق عليها
تقدر توافق على شرطي أو ترفضه.. هذا احنا على البر
منصور يريد أن يهشم الهاتف بين أصابعه من شدة ضغطه عليه ومع ذلك أجاب بحزم:
ما أعتقد إن جميلة ممكن تجبرش على قضية الطلاق ذي...ما أدري ليه حاس إنش تلككين.. وتبين لش حجة..
عفراء بهدوء: يأبو زايد وحدة في عمري تأكد إن الطلاق صعب عليها وهي تتزوج عقب ذا السنين كلها
لكن أنا ما أبي أخلي شيء للظروف..
منصور بثقة: زين يا عفرا.. انا موافق على شرطش.. مع أنه إن شاء الله ماراح يصير..
عفراء بغموض: ما تدري يمكن أنت اللي تصير تبي تطلق.. متعود على السالفة
منصور بحزم: بلاها ذا الحكي المغطي.. وطاري الطلاق ذا ما أبي أسمعه..
وخلاص أتناش تنورين بيتش بعد بكرة إن شاء الله
حينها هتفت عفراء بحزم مغلف بخجل وأدب رفيع: بس تخطبني من أبو كساب.. ويكون هو وليي في عقد الزواج..
أنا مارباني غير زايد.. وما ينكر الفضل إلا البوار.. وأنا ما أنا ببوارة
***********************************
اليوم التالي
صباح جديد
صحا من نومه للتو على رأسها مستندا لكتفه..بعد أن كان حينما صحا لصلاة الفجر لم يجدها لأنها سبقته للقيام للصلاة
وحين عاد كانت صلت ونامت معتصمة بطرفها البعيد وكأنها بذلك ترسل له رسالة ما..
لذا ابتسم وهو يتنفس من قرب خصلات الذهب وأمواج العسل
يشعر كما لو كان يتنفس رائحة الحياة التي افتقدها طوال الأشهر الماضية
مال بعفوية حانية ليقبلها..
لكنها ما أن شعرت بأنفاسه القريبة الثقيلة على بشرتها مع نومها الخفيف حتى قفزت مبتعدة لطرف السرير
تبدلت نظرة الوله في عينيه لنظرة أخرى مجهولة.. وهو يقف دون أن يقول شيئا..
يغتسل ويرتدي ملابسه ويغادر دون أن يقول كلمة
بينما استغراب نجلاء منه يتزايد ويتزايد
وإحساس أقرب للوجل يتسرب لروحها
فهذا الرجل بردات فعله غير المسبوقة يبدو عصيا على التفسير..مجهولا بالنسبة لها
فهل تحاول اكتشافه من جديد؟؟
أو ما هذا الذي يحدث؟؟
*******************************
" منصور أنت من جدك؟؟
جاي تخطب عفرا؟؟ عقب ذا السنين كلها؟؟"
منصور يرد على اندهاش زايد بحزم: عفرا شارطة إنك وليها في العقد.. وأنا واحد مستعجل أبي أتملك بكرة وتجي هي لبيتي
حينها رد زايد بحزم غاضب: ودامكم متفقين وش شوري فيه؟؟
حينها هتف منصور باحترام فهو لا يرغب مطلقا في التقليل من قدر أخيه الكبير عنده: وش حن من غير شورك يأبو كساب
جعلني فداك أنا قلت لكساب يأخذ شورها قبل أخطب رسمي.. ويوم وافقت هذا أنا جيتك..
نظر زايد لمنصور نظرة مباشرة وكأنه يريد أن يسبر ماخلف الملامح المشدودة بحزم غامض (ماذا تخفي يامنصور؟؟)
هتف زايد بنبرة مقصودة: وممكن أعرف أسبابك اللي خلتك تبي عفرا عقب ذا السنين مع أني عرضت عليك واجد تاخذها
وأنت كنت تعيي.. وش اللي تغير؟
كان منصور على وشك أن يقول (اللي تغير إن كسّاب كان يبي يزوجها لك) لكنه أمسك عبارته التي بدت له وقحة جارحة وخالية من أي تهذيب
وقال بهدوء عميق فيه كم صراحة شاسع.. ففي نهاية هذه هي الحقيقة فعلا:
اللي تغير إني حسيت عمري راح وأنا عايش بروحي
تعبت يأخيك من الوحدة.. وما أبي لي بنت صغيرة تجنني
أبي مرة عاقلة تونس وحدتي وأكون أنا وإياها على نفس المستوى من التفكير
ومالقيت أنسب من عفرا.. وإلا انا غلطان في الاختيار؟؟
ابتسم زايد: إلا أشهد أنك اخترت وأحسنت الاختيار.. بنت محمد نادرة.. وانا أشهد إنه مافيه مثلها في النسوان
الله يوفقكم..
وبكرة عشا ملكتك علي أنا وأنا اللي بأعزم عليه هنا في مجلسي..
منصور نهض ليقبل رأس زايد ويهتف بمودة شاسعة: اللي تقوله تم ولو أني كنت أبي العشا في مجلسي
بس مجلسي ومجلسك واحد.. جعل المجلس مايخلا من راعيه..
***********************************
"من البارحة مندسة مني يالخايسة"
همس جوزاء الودود وهي تقرص خد شعاع بمودة..
شعاع تبتسم وتهمس بعذوبة: أبي الحالة لين تستقر تمام ست جوزا.. وبعدين لقيت لي وقت أخلص المادتين اللي باقيات علي في الامتحانات
خوش حبسة جات بنتيجة...
جوزاء تبتسم: بس جد يا بنت أنش خطيرة... إذا انا صدعت روحي.. أشلون استحملتيني أنت
شعاع بمودة: لأجل عين تكرم مدينة.. تدرين إني ابي مصلحتش ومصلحة حسن..
جوزاء تتنهد: والله العظيم اشعيع.. ما أدري أشلون أشكرش إنش ما طاوعتيني وعطيتيني الصور
والله إني كنت أصارخ وكان ممكن أضربش لو فتحتي لي.. بس شيء في داخلي يقول يارب ما تفتح يارب ماتفتح
حسن البارحة جنني.. ونام وهو يبكي يبي صور أبيه..
شعاع برقة: بس صحا اليوم وهو ناسي.. وهذا هو المطلوب ياجوزا.. صدقيني بكرة بعد يمكن يطلبهم ويبكي
وبعد بكرة بعد.. ثم عقبها شوي شوي ويسج.. ولا تحاتين.. وراكم رجالة!!
*********************************
"ماشاء الله زايدة 2 كيلو"
هتاف داليا السعيد.. وهي تساعد جميلة لتنزل عن الميزان
لترد عليها جميلة بدون اهتمام: يعني رجعت دبة مثل أول..
داليا بمودة: إذا وصلتي لـ80 هذاك الوقت قولي دبة..
جميلة تمسك خصرها المتخشب وهي تهمس بوهن: من الحين دبة.. بس خلاص ما يهم.. اللي تبوني أكله بأكله
لو تجيبون لي خروف كامل كليته.. مايهم
داليا تبتسم: الرجال يحبون الوحدة المليانة.. شو يعني ما تبين تعجبين أستاذ خليفة..
جميلة بذات النبرة الواهنة غير المهتمة: أنا ما أبي أعجب حد.. وأولهم خليفة هذا
داليا بحذر: إلا أستاذ خليفة على غير العادة ساكت.. وما رضى يدخل معنا للميزان
جميلة ترد بألم .. غيظ.. عدم اهتمام: الأخ زعلان من البارحة.. خله يزعل لين السنة الجايه بعد..
**********************************
" في ويش سرحان؟؟ تدري إن فنجالك برد..
ياولد تعال خذ ذا الفنجال وصب غيره"
صوت مهاب يرتفع وهو يوجه حديثه لعبدالرحمن ثم لمقهوي مجلسه الذي تناول الفنجان من أمام عبدالرحمن
الفنجان الذي برد بعد انشغل عنه عبدالرحمن بأفكاره الخاصة وهمومه التي أخذته للبعيد
عبدالرحمن يقول بعمق وكأنه يحادث روحه: جايني منحة بحث في جامعة أمريكية ورفضتها.. مع إنها كانت بتكون في مصلحتي فوق ما تتخيل
مهاب بغضب: وليش ترفضها زين..؟؟
يتنهد عبدالرحمن: عشان أمي وخواتي... ابي صاير عصبي عليهم بشكل... كفاية اللي جاهم وأنا في بريطانيا
ماعندي استعداد ولا حتى واحد في المية إني أخليهم يعانون من جديد معه..
صمت مهاب.. فليس لديه ما يخفف به عنه..
رغم أنه كان يتمنى لو يحمل كل الهم عن توأم روحه.. ويدفنه في أعمق نقطة في روحه بعيدا عن حنايا عبدالرحمن الغالية
ثم أردف عبدالرحمن بذات العمق المتجذر: امهاب.. طالبك شيء
حينها انتفض مهاب حميةً.. وهو يهتف بحزم: تطلبني؟؟ آمرني وبس.. لو تبي رقبتي ماتغلى عليك
عبدالرحمن يبتسم: الرقبة وراعيها سالمين لي..
أنا أبي أوصيك وصية..
مهاب بدهشة: توصيني؟!!
عبدالرحمن بإيمان عميق: تدري يا سنايدي.. الدنيا موت وحياة.. وماحد يدري متى ساعته
وأمي وخواتي مالهم غيري.. الحين تطمنت على جوزا إنها عندك.. بس باقي شعاع وحتى أمي
امهاب وصيتي لك أمي وخواتي لو صار لي شي..
مهاب قفز بجزع وهو يهتف: فال الله ولا فالك
لتصدم يده بالدلة الحارة التي كان المقهوي يحملها وتنسكب القهوة المغلية على يده
عبدالرحمن قفز معه وهو يمسك بجزع مرتعب يد مهاب التي انسلخت فورا لشدة حرارة القهوة التي اُنزلت للتو من النار ويصرخ بغضب عارم:
قسما بالله منت بصاحي.. ماتشوف ذا الرجال ودلته..
مهاب يصرخ بغضب مشابه وهو ينفض يده بألم: إلا أنت اللي منت بصاحي.. أنت وذا الفال الشين
عبدالرحمن يشده خارجا وهو مازال يعنفه بغضب: أمش أوديك المستشفى يا الخبل.. والله ماعليك شرهة
**********************************
" هلا والله بالغالية.. أشلونش وش أخبارش طمنيني عنش"
مزون بابتسامة غلفت بها عمق شاسع به رنة حزن متجذرة: أخباري إني علقت سالفة الطيران كلها لأجل غير مسمى..
وسجلت ماجستير إدارة هنا في جامعة قطر وبأبدأ من فصل الخريف الجاي
فخلاص هروبك من الدوحة ماله داعي.. ارجع يأختك.. والله إني محتاجتك جنبي
علي بغموض: يصير خير يامزون.. يصير خير
تنهدت مزون لأنه لم يرح قلبها ثم أردفت بابتسامة: وعندي خبر أهم متصلة أقوله لك.. وأتمنى ماحد سبقني..
علي بتساؤل: اللي هو؟؟
مزون بابتسامة شاسعة: عمي منصور بيتزوج بكرة
علي بدهشة سعيدة: لا لا.. مستحيل أكيد هذي تأليفة من عندش..
مزون تضحك: والله العظيم بكرة ملكته والعروس بتجي لبيته على طول
ثم صمتت لثانية وأردفت بنبرة مقصودة: وخالتي عفرا بعد بتتزوج بكرة
حينها شهق علي من الصدمة: لا هذي أكيد من عندش.. مستحيل خالتي تتزوج
صوت ضحكات مزون يتعالى: بسم الله عليك.. والله العظيم من جدي..
علي مازال مصدوما: عمي وخالتي في يوم واحد وش ذا الصدفة..
ثم أردف كالمضروب على رأسه وهو يشهق: إلا لو.. معقول...؟؟
مزون مازالت تضحك: أول مرة أدري إنك متنح كذا ياعلي... إيه معقول.. عمي بيتزوج خالتي بكرة...
حينها بدأ علي يضحك بسعادة حقيقية: والله العظيم مايردني من الجية للدوحة شيء إن شاء ربي..
أنا بأرتب وضعي اليوم وخلاص جايكم الدوحة إن شاء الله
مستحيل أفوت مناسبة مثل ذي..
عمي وخالتي مع بعض.. معقولة؟؟ والله لحد الحين ماني بمصدق..
كني في حلم!!
****************************
"وين وضحى؟؟ ماشفتها اليوم.."
همس كاسرة الهادئ
مزنة تصب فنجان قهوة لوالدها.. وتقربه من يده حتى تضعه في باطن كفه وتحكم إغلاق قبضته عليه وتهمس بطبيعية:
خبرش بكرة آخر امتحان عندها وتدرس
حتى أبي أودي شبكة سميرة ومهرها.. وهي مترجيتني تقول تبي تروح معي.. فبنروح بكرة قبل المغرب
لولا إن عرسش عقب 3 أسابيع وإلا كان قلت لش تروحين معنا..
كاسرة تميل على كتف جدها لتقبله ثم تهمس لأمها وهي تتجاهل حديثها عن موعد زواجها: قومي يمه أنا بأقهويكم
مزنة بمودة: خلش جنب جدش.. أنا مشتهية أتقهوي وأقهويه..
كاسرة تلمس طرف لحيته الطويلة وتهتف بحنان: شعره ولحيته تبي ترتيب بأقول لامهاب يجيب له الحلاق بكرة..
الجد حينها هتف بوهن: تو الحلاق كان عندي ماله حتى أسبوعين..
كاسرة تحتضن عضده بقوة وهي تلصق خدها بكتفه وتهتف بمودة شاسعة: أنا أبي شكلك مرتب.. عشان نذوب قلوب العذارى الذايبة فيك
الجد يبتسم: أشهد أنهم على العازة اللي مالقوا لهم حد يذوبهم غيري
كاسرة تبتسم له بعذوبة خلابة: إلا كلهم نظر.. إذا أنت ما تذوب القلوب من اللي كفو يذوبها..
الجد حينها هتف بعمق: يالله حسن الخاتمة يأبيش.. أنا أشهد أني خذت حقي من الدنيا..
وحينها قفز ضيقها للذورة فورا.. ولكنها لم ترد عليه.. تعبت من تكرار الحكي والاعتراض..
صمتت.. ولم تجد شيئا سوى الصمت
عم الصمت لدقيقة لتقول مزنة بعفوية: بلغتي شغلش بموعد عرسش على أساس تأخذين إجازة؟؟
كاسرة حاولت تنحية ضيقها من حديث جدها جانبا: مابعد.. تو الناس..
مزنة بهدوء: وش تو الناس.. عرسش عقب ثلاث أسابيع... بلغيهم من الحين عشان يوافقون على الإجازة..
وخذي لش فوقهم أسبوعين والا ثلاثة من رصيد إجازتش
ذا السنة ماخذتي أي شيء منها
كاسرة بحزم: مافيه داعي أخذ من إجازتي السنوية شيء.. كفاية الأسبوعين إجازة الزواج
مزنة بحزم أشد: أنتي عارفة إنه نظام بيع الاجازات ألغوه.. ولو ماخذتي الإجازة بتروح عليش..
كاسرة بثقة: خلها تروح.. كفاية أقابل وجهه أسبوعين.. تبين أقابله شهر..
حينها هتفت مزنة بحزم بالغ الشدة: كذا يعني.. ها والله ثم والله إن قد تأخذين رصيد إجازتش كامل فوق إجازة الزواج
حينها وقفت كاسرة وهي تنتفض غضبا: يعني عشان دارية إني ما أقدر أفجرش يوم حلفتي تسوين فيني كذا
يعني أنتي تعاقبيني على صراحتي.. أنا كان أقدر أقول لش زين.. وعقب أسوي اللي في رأسي
يعني هذي جزات صدقي معش..
حينها وقفت مزنة وهي تهتف بغضب مشابه: كم مرة قايلة لش إذا قدش تحاكيني يا بنت بطني قصري حسش...
"وش فيكم صوتكم طالع؟؟"
قاطع نقاشهم الحامي الوطيس صوت مهاب العائد من المستشفى بضماد شاش خفيف جدا فيه مادة دوائيه على يده
ولابد أن ينزعه بعد قليل لأن الحريق لابد أن يكون مكشوف
وهو يحمل كيس مراهم الحريق في يده
الاثنتان شغلتا عن كل شيء به وهما تنظران بجزع ليده.. وإن كانت كاسرة عجزت عن التعبير عن اهتمامها وجزعها بانتاج الكلمات
فإن مزنة صرخت بقلق جازع: وش فيك يأمك؟؟
مهاب بهدوء: حرق بسيط من قهوة..
مزنة بقلق: وحرق بسيط يخليك تلف يدك وشكلك جاي من المستشفى بالكيس اللي في يدك
مهاب يصلهم ليقبل رأس والدته وجده الذي كان في عالم آخر حينها كما صار يحدث له مؤخرا
ويبعثر شعر كاسرة بيده السليمة ويبتسم: والله العظيم بسيطة.. وأقلها حصلنا لنا إجازة طبية أسبوع
حينها همست كاسرة بهدوء فيه رنة قلق: خلني أشوف يدك.. أشلون تقول بسيطة.. ويعطونك إجازة طبية.. لا وأسبوع كامل
أنت عارف حتى يوم واحد ما يعطون إلا بطلوع الروح
مهاب جلس وهو يهتف لجده باحترام ودود: أشلونك يبه اليوم؟؟
ثم يلتفت لكاسرة ويبتسم: يا شين تدقيقاتكم يارؤساء الأقسام أنتو.. توقفون المراكب السايرة
الله رزقني بإجازة.. حاسدتني أنتي..
كاسرة بذات هدوءها المحمل برنة قلق وهي تحاول كبح جماح قلقها الاكبر خلف هدوءها الواثق:
زين وش يضرك لا وريتني.. أصلا الحرق مهوب زين يتغطى
مزنة ساندتها وهي تهتف بحزم: إيه يأمك خل نشوف حرق يدك زين وإلا مهوب زين
ليرد الجد أخيرا وهو ينتبه لما حوله: سلامتك يأبيك ماتشوف شر.. أش قومك ما تريح أمك وأخيتك وتوريهم يديك
كود يتريحون إذا شافوك طيب
مهاب وقف وهو يبتسم وهو يخفي خلف ابتسامته إحساسه بألم مريع في يده التي تآكل جلدها الخارجي وهتف بذات الابتسامة:
قلت لكم طيب .. تبون السالفة كايدة غصب
ثم هتف وهو يستعد للمغادرة: بانسدح شوي لا حد ينسى يقومني لصلاة المغرب
مهاب صعد.. بينما كاسرة التفتت لامها وهي تهمس بقلق: والله يمه إن حرقه مهوب زين وإنه مستوجع منه
وإلا متى كان امهاب يرقد ذا الحزة إلا كنه جاي من رحلة
**************************
"خالتي يا الله نروح السوق بسرعة"
عفراء ترفع شعرها وتربطه وهي تنزل درجات السلم بهدوء وتقول بذات هدوء خطواتها: الناس يقولون السلام عليكم أول
مزون باستعجال: السلام عليكم ويالله نروح صار لي ساعة أنتظرش تصحين من النوم
عفراء ترد بصوت مازال أثر النوم فيه: اليوم أصلا ما طلعت من المدرسة إلا وأذان العصر يأذن.. جيت البيت صليت العصر نمت على طول
حتى كساب ما أدري شيء عنه.. ما أدري لو تغدى وإلا لا
مزون تنهدت.. لا تستطيع التغلب على هذا الحزن مهما مرت السنوات دونه.. بعد أن كانت من تعرف كل تفاصيل يوم كسّاب بدقة..
أصبح يومه وما يفعله فيه مجهولا لها.. وحتى بعد أن كان قلبها يطمئن برؤيته صاعدا أو نازلا من غرفته
حُرمت من هذا الشيء وهو ينتقل للإقامة مع خالته من بعد خروجه من التوقيف..
هتفت حينها مزون بهدوء ساكن: كسّاب يصرف نفسه.. قومي نروح للسوق
همست عفراء بهدوء: تبين شيء من السوق يعني؟؟
توسعت عينا مزون دهشة: أنا أبي شي من السوق؟؟ و اللي بتروح لبيت رجالها بكرة ماتبي شي من السوق؟؟
حينها وقفت عفراء وهي تتجه للمطبخ: أنا ما أبي شيء أبد.. بأقوم أسوي قهوة وشاي..أتقهوى أنا وياش
مزون حينها وقفت وهي تهتف بحزم: بأقول للخدامة تسوي.. وانتي اطلعي البسي عباتش..
عفراء بهدوء: يأمش إذا أنتي تبين شيء وديتش.. شيء ثاني أنا آسفة
حينها قالت مزون بخبث: إيه والله ناقصني أشياء واجد.. وديني خالتي تكفين..
حينها عادت عفراء وهي تتجه للدرج: خلاص خلي الخدامة تسوي لنا كأسين كرك... بس نعدل المزاج على السريع
وأنا طالعة ألبس عباتي.. وكلمي جينا تشغل السيارة...
*************************
" يمه... نجلا كلمتش اليوم؟؟"
أم غانم المشغولة بالتبديل لصالح الصغير ترد بهدوء منهمك: إيه كلمتني..
سميرة بتردد موجوع: ما سألت عني؟؟
أم غانم بعفوية: والله مش فاكرة.. أكيد سألت..
حينها ردت سميرة بحزن لا يشبه أبدا روحها المطرزة بابتسامتها الدائمة: إيه صح.. أكيد سألت عني
أم غانم بذات العفوية وهي تزيح صالح جانبا ثم تنتقل لمها الصغيرة لتبدل لها ملابسها: وأنتي زاكرتي زين؟؟ بكرة آخر امتحان صح؟؟
سميرة بعدم اهتمام: ذاكرت يمه.. هو أصلا امتحان سهل..
ثم أردفت بتردد: يمه ممكن بكرة أروح لنجلا..
"إذا كانت هي هربت مني
فلن اسمح لها بمزيد الهروب
إن كانت ترفض أن تكلمني ..ستجدني أمامها
لن تفلتي نجلا.. لن أسمح لكِ ان تبتعدي وتبعديني
أي قسوة هذه تقترفينها ضدي؟؟
تبتعدين عني وأنتِ تعلمين أن الحياة لا نكهة لها بدون رضاكِ وابتسامتكِ وحنانكِ ؟؟"
أم غانم ترد وهي منهمكة: ماعليه يأمش مايخالف.. أوديش بكرة عقب المغرب إن شاء الله
لأنه أم امهاب كلمتني تبي تجي العصر قبل المغرب يعني... إذا راحت أم امهاب رحنا لنجلا ولا يهمك
******************************
طرقات هادئة على بابه..
يخفي يده في زاوية غير مرئية جواره ويهتف بصوت عال: ادخل يا اللي عند الباب..
تدخل كاسرة بخطوات هادئة وهي تحمل بين يديها صحنا فيه مجموعة من الشطائر الصغيرة المتنوعة وكأسا من العصير
وهي تبتسم: أخينا الكبير مسوي نفسه تعبان ويتدلع وحتى العشا ما تعشى..
مهاب يبادلها الابتسام: من وين الشمس طالعة الشيخة كاسرة بنفسها جايبة لي عشا..
كاسرة بهدوء واثق : يعني من بيجيب لك؟؟.. وضحى ماعلمناها عشان ماتسوي فيلم هندي وهي عندها بكرة أخر امتحان
لم ولن تخبره أنها أصلا من أعدت عشاءه له حين أخبرتها والدتها أنه رفض أن ينزل للعشاء
وتحجج أنه شرب كثيرا من القهوة والشاي في المجلس حينما عاد من صلاة العشاء
ولكن كاسرة فهمت فورا أنه لا يريد أن يمد يده أمامهم حتى لا يعرفوا مدى سوء إصابته
كاسرة سحبت طاولة صغيرة ووضعتها بقرب سريره ووضعت العشاء عليه ثم جلست جواره وقالت بحزم:
يا الله ورني يدك اللي أنت داسها وراك..
مهاب مد يده لها ببساطة.. ولو كانت وضحى أو حتى أمه القوية من طلبت ذلك لتردد أن يصدمهما بمنظر يده المتسلخة
ولكن كاسرة لا يخشى عليها الصدمة.. فهي مضادة للصدمات في نظره..
كاسرة تمنت أن تشيح بنظرها وقلبها يقفز في حنجرتها وهي تتأكد الآن من مقدار الالم الذي يعانيه
ولكنها لم تستطع الإشاحة بنظرها حتى لو أرادت.. فهذا لا يتناسب مطلقا مع شخصيتها المرسومة للجميع وأمام الجميع
سحبت لها نفسا عميقا قبل أن تجيب بحزم: يعني مستوجع؟؟
مهاب يجيب ببساطة وهو يرجع كتفيه للخلف: شوي.
حينها وقفت كاسرة.. كانت تتمنى بداخلها لو استطاعت البكاء.. ولكنها لا تعرف كيف يبكون
وكما هي على الدوام :لم تخلق يوما لتبكي
لذا هتفت وهي تصر على أسنانها بغضب: لا مهوب شوي.. واجد وواجد بعد
وش فيها لو خليتنا نشاركك شوي في إحساسك..؟؟
دامك مستوجع كذا.. أقلها قول إيه أنا مستوجع..
خلنا نقول لك كلام مؤازرة سخيف.. ونقول سلامتك وما تشوف شر وفي العدوين ولا فيك..
حينها ابتسم مهاب وهو يكاد يضحك: دامه كلام مؤازرة سخيف أنا وش عازتي فيه؟؟
كاسرة بذات الغضب: كذا.. عشان هذا هو طبع البشر.. يحبون حد يخفف عنهم بالهذرة..
حينها هتف مهاب بنبرة مقصودة: يعني أنتي لو كنتي مستوجعة من أي شيء.. تبين لش كلام مؤازرة سخيف بعد؟؟
كاسرة صمتت ولم ترد عليه.. حينها أكمل مهاب حديثه بحزم: يا بنت أمي .. أنتي لو تكونين بتموتين من الوجع جسدي وإلا نفسي
ماقلتي لأحد أنا مستوجعة.. مستكثرة علي أنا الرجّال أحتفظ بوجعي لروحي
**********************************
تجلس أمام المرآة.. تنظر لنفسها.. مشتتة.. وتغتالها الحيرة.. تشعر أنها تقف على أرض رخوة تميد بها
" ما الذي يحدث بيني وبين صالح؟؟
تغيير صالح يصيبيني بالحيرة
صالح الصامت المتجاهل.. مخلوق غريب بالنسبة لي
سابقا كان من الممكن أن اتوقع ردات فعل صالح
فهو لا يكل ولا يمل من التعبير عن مشاعره بكل الصور
كنت أتوقع أن هذا هو ما سيفعله.. وأنا سأتقوقع داخل برودي
حتى يصفى ذهني للتفكير في مشكلتنا
فإذا به يفاجئني ببروده غير المعتاد..
منذ أن عدت للبيت.. ماعدت أراه حتى.. لا يهاتفني إلا لحظات ومن أجل الصغيرين فقط
لا أنكر محاولاته للتقرب.. ولكنها محاولات لا تشبه صالح حتى
فهذه المحاولات الخجولة المترددة التي تتوقف فورا مع صدي الأول له
لا تشبه أبدا صالح الجريء الذي لا يقبل الرفض مطلقا
وأنا من كنت أخشى أن تنهار مقاومتي له مع قدرته الغريبة للتسلل لطيات قلبي
وهو يذيب هذا القلب مع غزله المنتقى بعناية
ولكنه حتى الآن لم يلجأ إلى هذه القدرة.. أو ربما كان فقدها
وأنا أقف أمام صالح جديد يشعرني بالحيرة لعدم قدرتي على توقع ردة فعله القادمة"
وهي غارقة في أفكارها.. دخل بخطوات هادئة واثقة.. سلم بهدوء وردت السلام بتوتر
اقترب منها ثم مال عليها ليقبل كتفها.. حين رأته يهوي عليها كان بودها أن تبقى ساكنة.. حتى ترى ماذا ستكون خطوته التالية
ولكنها لا تضمن ردات فعل صالح ولا حتى رداتها المشوشة وهي لا تريد أن تفاقم المشكلة قبل أن تحلها
عدا أنها فعلا غير متقبلة لأي لمسة من صالح مع غضبها منه.. لذا مالت بجسدها جانبا ونهضت قبل أن تصل شفتيه لكتفها
صالح هز كتفيه بعدم اهتمام ثم اتجه للسرير وجلس على طرفه وهو يهتف ببرود حازم:
نجلا ..اليوم ثالث يوم لش من يوم رجعتي لبيتش.. وأنتي حتى اللمسة العفوية اللي والله ما اقصد منها شيء منتي بمتقبلتها مني..
خلاص الرسالة وصلت يا بنت عمي..
أكمل عبارته ثم نهض بحزم وهو يخلع ملابسه ويتجه للحمام.. بينما نجلاء تتساءل في داخلها
( أي رسالة اللي وصلت؟)
********************************
" بصراحة أنتي استخفيتي على السوق اللي خليتيني أشتريه اليوم"
عفراء المنهكة تلقي بالأكياس وترتمي على الأريكة
مزون تلقي بأكياسها وترتمي بجوارها وهي تبتسم بتعب: صدق زطية ياخالتي.. الحين عمي حاط في حسابش فلوس وش كثر
مهوب هاين عليش تشترين كم شغلة تلبسينهم قدامه.. تحسسينه إنه فعلا رجّال متزوج..
حينها اعتدلت عفراء بحرج: ليه عمش حط في حسابي شيء؟؟ ما انتبهت.. بعدين الملكة عادها بكرة.. ليه يحط اليوم..
مزون تبتسم: يعني ما انتبهتي للتضخم في رصيدش وأنتي تسحبين اليوم..
وثاني شيء إيه لازم منصور يدفع دم قلبه.. تبينه يتزوج بلوشي..
عفراء ترد عليها بثقة باسمة: الحمدلله ترا خيري واجد من قدام عمي.. عشان كذا ما انتبهت للبهانس اللي عمش حطها في حسابي
حينها انفجرت مزون ضاحكة: إخس ياخالتو والله منتي بهينة
ثم أردفت مزون بحماس: يا الله ياخالتي يانا متحمسة لبكرة.. أحس بكرة يوم أكشن من أوله
من بكرة الصبح بأروح لبيت عمي أنا وشغالات بيتنا.. أشوف شنو قاصره وش يبي ترتيب.. خبرش ترتيب صبيان
ما يعرفون في الترتيب شيء.. وهم في صوب والنظافة في صوب..
عفراء نهضت وهي تهتف بهدوء: خلش في تخطيطاتش وأنا خلني أقوم أجهز حق المدرسة بكرة..
مزون تمسك بخالتها وهي تقول بدهشة: من جدش خالتي بتروحين بكرة المدرسة..
عفراء تهز كتفيها باسمة: أكيد بأروح.. وليه ما أروح يعني؟؟
#أنفاس_قطر#
.
.
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم HaboOoshy
"وش فيش شكلش تعبانة موت وطافية؟؟"
كاسرة بإرهاق: لأني فعلا طافية.. وما نمت أساسا وتقريبا جايه مواصلة
فاطمة بقلق: ليش عسى ماشر؟؟
كاسرة بتعب: امهاب محترق حرق شين.. أنا من لما شفته البارحة كنت متأكدة إنه لازم بتجيه حمى عليه في الليل لأنه شكله ملتهب
عشان كذا ماقدرت أنام وأنا كل شوي أطل عليه..
ثم ابتسمت بحنان: وأمي وتميم كان عندهم نفس التفكير.. كم مرة تقابلنا ثلاثتنا عند باب غرفته
أخرتها تميم جاب فراشه ونام عنده.. وفعلا قبل صلاة الفجر ارتفعت حرارته فوق الأربعين ووداه تميم للمستشفى ولحد الحين مارجعوا
فاطمة بتأثر عميق : زين والآنسة رقيقة وينها عنكم..
كاسرة بابتسامة مرهقة: وضحى ماقلنا لها شيء.. لأنه اليوم آخر امتحان عندها.. ولو كانت عرفت والله ماتدرس شي
وكان عسكرت عنده في غرفته.. والحين إذا درت بتزعل علينا..
ثم أردفت وهي تنهض: أنا بأخذ أذن باتطمن على امهاب وبأرجع البيت أنام خلاص ما أقدر.. تعبانة
وهي تنهض رن هاتفها.. التقطته بعفوية.. صوت أنثوي رقيق..
بعد السلامات المتحفظة لأنها لم تعرف من المتصلة همست كاسرة بلباقة حازمة: عفوا من أنتي؟؟
الصوت الأنثوب بذوق رفيع: أنا آسفة سامحيني.. حسبت أنش عرفتي صوتي
بس طبعا مهوب كل الأصوات مثل صوتش ما تنسى
أنا مزون بنت زايد أخت كسّاب..
حينها رحبت بها كاسرة بلباقة رغم استغرابها اتصالها.. لتهتف لها مزون بعذوبة: الليلة بيكون زواج عمي منصور من خالتي عفرا
طبعا ماراح يكون فيه حد.. أنا بأعزمكم أنتو بس.. تفضلوا أنتي والوالدة وأختش
حينها اعتذرت كاسرة منها بذات اللباقة: سامحيني والله كان بودنا.. بس والله عندنا ظرف يمنعنا
حينما انتهى الاتصال سألت فاطمة عن الاتصال الذي بدا غريبا لها وأخبرتها كاسرة
لتبتسم فاطمة وتسأل بخبث: وليش ما تبين تروحين؟؟
كاسرة تقف وترتدي نقابها وتهتف بحزم: يا شينش لا سويتي روحش غبية.. ماعليش مردود..
فاطمة تضحك: يعني عشان عرسش قرب بتحبسين روحش ما تقابلين الناس
ذا الشيء كلش ما يركب عليش..
لا تكونين مستحية بس؟؟
كاسرة تستعد للخروج وتهتف بثقة: حتى لو ماكنت مستحية.. أنا وحدة أعرف الأصول..
يا زيني رايحة لبيته وأنا عرسي عقب 3 أسابيع!!!
****************************
" هلا والله أبو علي؟"
منصور بابتسامة: وهلا والله بأبوخالد عقبال ما نشوف خالد قريب..
فهد باحترام شاسع: في حياتك إن شاء الله.. وتراني بأسمي الأول منصور
منصور بفخامة: يبشر منصور الصغير بسماوة ماجات لمولود في الدوحة..
فهد بابتسامة: كفو يأبوعلي كفو..
حينها هتف منصور بمودة وبلهجة حازمة أقرب للأمر فيها رنة غموض:
زين أنا أبيك تجيني عقب صلاة العشا في مجلس أبو كساب..
فهد باستغراب: حاضرين.. ليه فيه شيء؟؟
منصور بابتسامة: أبيك تشهد على ملكتي... وعقبه العشا عند أبو كساب
وأنت والوالد وأخوانك كلكم معزومين
فهد بصدمة كاسحة: من جدك حضرت العقيد؟؟ أنت بتزوج؟؟
منصور انقلب صوته من الابتسامة للحزم: ليه مواضيع مثل ذي فيها شيء غير الجد
فهد بحرج: السموحة مهوب القصد
ثم بتر عبارته وهو يردف بحزم: خلاص تم.. أبركها من ساعة أنك تختارني أنا أشهد على عقد زواجك
وتبديني على القادة والضباط الكبار..
ابتسم منصور: أبي عيالي هم اللي يشهدون.. أنت وكساب..
انتهى الاتصال وألقى فهد بهاتفه جواره بقوة وانفعال..
الصوت الذي لفت انتباه صالح الذي كان يجلس جواره غارقا في تفكيره الخاص..ولم ينتبه لشيء من مكالمة فهد..
والاثنان كانا ينتظران والدهما وهزاع حتى يتغدوا سويا...
ابتسم صالح: وشفيك معصب يأخينا.. فكها الله يفكها عليك.. بغيت تكسر التلفون المسكين..
تراه ماله ذنب المسيكين..
فهد بضيق عمق كتم على نفسه: اسكت مني يا صالح.. ماني برايق لك..
صالح بذات الابتسامة: اخس ياوجه البومة وتنافخ بعد أنت ووجهك..
اعرف اشلون تكلم اخيك الكبير قدام أسنعك
فهد كأنه يكلم نفسه: العقيد بيتزوج الليلة وعازمكم كلكم في مجلس أخيه
صالح ضحك: عشان كذا زعلان.. المفروض تنبسط.. يالله عقدة العقيد انفكت.. باقي عقدتك..
فهد بضيق حقيقي: تدري إنك متفرغ..
حينها التفت له صالح بشكل مباشر وهو يقول له بجدية: الحين أبي أدري وش مضايقك
أدري أنك تحب منصور وتحترمه وتغليه.. المفروض تفرح له
فهد بذات الضيق العميق: منت بفاهمني ياصالح.. والله ما تفهمني..
صالح بذات الجدية الحازمة: جربني..
فهد كأنه يحادث نفسه: حضرة العقيد لي ولربعي مهوب مجرد قائد.. تقدر تقول اب.. رمز.. ملجأ لنا..
عمرنا ما تضايقنا وإلا صادفتنا مشكلة.. إلا يكون هو أول واحد نفكر نلجأ له
مجلسه أول مكان الواحد منا يفكر يروح له.. وحنا كنا نأخذ راحتنا في انه ممكن نتصل فيه أو نجيه أي وقت
لأنه حن ندري إنه ماوراه شيء يشغله.. لكن الحين مرة وعقب عيال..
تدري صالح.. حاس بإحساس اليتيم والله العظيم
حينها هتف صالح بحزم: إلا إحساس الأناني وأنت صادق..
فهد انتفض بغضب: أنا.. أناني؟؟
صالح بثقة: إيه أناني..
ثم أردف وكأنه يحادث نفسه: وأنتو ياعيال آل ليث.. أنانيتكم غير شكل.. مايهمكم إلا نفسكم ومشاعركم.. واللي غيركم بالطقاق
المهم يكون هو مسخر لكم وبس..
فهد بغضب متزايد: أنا ياصالح؟؟ أنا؟؟
رغم أن صالح في جزء الحديث الأخير كان يقصد فردا آخر من آل ليث غير فهد.. ولكنه عاد بذهنه إلى فهد وهو يهتف بثقة:
الحين يا الشيخ.. منصور آل كساب اللي عايش طول عمره لكم.. وعمره راح وهو لا ونيس ولا ولد
يوم جا بيتزوج.. تضايقت..
مسيره يشيب ويتقاعد.. وأنتو بتلهون في دنيتكم ولا حد منكم بطال في وجهه
تبونه أنت وربعك يقعد بس ستاند باي لكم.. حقكم بروحكم.. ومستكثرين عليه حقه في السعادة
وعقب ذا تقول أنك منت بأناني.. إلا أيش الأنانية غير هذي؟؟
يا الله قل لي..
فهد وقف وخرج وهو ينتفض غضبا من كلام صالح
والذي ضايقه أكثر أنه بالفعل كان كلامه على جانب كبير من الصحة
**************************
" ها وضحى منتي برايحة معي لسميرة؟؟"
وضحى بعتب رقيق: لا ما أبي أروح.. باقعد عند امهاب.. مهوب كفاية البارحة كلكم تدرون وما علمتوني
مزنة بهدوء حان: يأمش امهاب طيب.. وهذا هو في المجلس.. تبين تروحين يالله البسي..
ماتبين رحت للعرب عشان أرجع قبل آذان المغرب
وضحى تجلس وهي تهمس بهدوء: لا يمه باقعد.. أخاف امهاب يجي وما يلقى حد..
صوت كاسرة التي كانت تنزل الدرج يصلهم واضحا حازما: وليش ما يلقى حد.. هذا أنا موجودة..
تبين تروحين مع أمي لصديقتش روحي
وضحى بهدوء ساكن: مابي أروح.. أنا أساسا كلمتها وقلت لها..
مزنة ترتدي عباءتها وتستعد للخروج وهي تحمل أكياسا فخمة بيدها وتهتف بحزم:
أحسن بعد.. خلني أروح وأرجع بسرعة من غير مريس البنات وتمرطاسهم
كاسرة تجلس وهي تهمس بهدوء: وش سويتي في امتحانش..؟؟
وضحى من بين أسنانها لأنها كانت تعاني غضبا تحاول كتمانه: زين.. زين..
الامتحان التافه اللي ماعلمتوني بحرق امهاب عشان ما أنشغل عنه؟؟
كاسرة تنظر لها بنصف عين: إيه الامتحان التافه نفسه؟؟
حينها انفجرت وضحى بغضب: أنا أبي أعرف أنتو أشلون تسمحون لنفسكم تدسون علي موضوع مثل حرق امهاب
ويتعب ويروح للمستشفى وأنا ما أدري عن شيء.. ماكني بأخته وأختكم
كاسرة بهدوء حازم ودون أن تتغير جلستها المسترخية: قصري حسش.. تراني اسمع عدل..
مافيه داعي للاسراف في استخدام الحبال الصوتية عندش
وضحى تحاول السيطرة على نفسها وتفشل: زين ومتى استخدم حبالي الصوتية وأنتي كاتمة علي كل وقت..
كاسرة بذات الهدوء المثير: والله الطبقة العالية من الصوت ذي لها مواقف تقدرين تستخدمينها فيها
وأكيد مهوب منها أنش تبين تعاتبين أختش اللي ما بينش وبينها إلا شبرين..
ماقلنا لش عشان مصلحتش.. وإصابة مهاب شيء بسيط لاهو بمرقد في المستشفى ولا شيء
وضحى ينحدر صوتها بألم لأنها تحاول منع نفسها من البكاء.. فآخر ما تريده هو أن تبكي أمام كاسرة لتجده سببا فعليا لتعنيفها:
من حقي أدري.. وأنا اللي أقرر كايدة وإلا بسيطة..
حسسوني إني معكم في البيت.. إني ماني بطوفة في ذا البيت..
واشمعنى انتي تدرين وأنا لا ؟؟.. عشان أنا ما حد يهتم أدري وإلا عني مادريت بشيء.. بالطقاق
كاسرة بذات هدوءها الحازم: أنا دريت لأني كنت موجودة يوم دخل امهاب علينا
وأما على سالفة طوفة وماحد يهتم.. فعمري ماشفت وحدة تحور الحقايق مثلش..
لا تكبرين السالفة وهي صغيرة.. امهاب طيب ومافيه إلا العافية.
********************************
سميرة وأم غانم وصلتا بعد صلاة المغرب مباشرة..
وهاهي سميرة تجلس مع والدتها وأم صالح وهي تشعر كما لو كانت تجلس على نار متوقدة..
تود أن تصعد لنجلاء ولكنها تخجل أن تجد أحدا في طريقها..
وخصوصا ان عالية ليست هنا.. لترى لها الطريق..فهي مع خالها نايف من بعد صلاة العصر..
عدا أن عالية بنفسها حكاية آخرى تحتاج الحل.. بعد الكلام القاسي الذي جرحتها به في زيارتها الأخيرة لهم
سميرة تنحنحت: خالتي أم صالح.. أبو خالد هنا وإلا أطلع لنجلا؟؟
أم صالح بحنان: لا يامش صالح أصلا ما رجع هنا من يوم طلع من صبح
روحي يأمش استعجليها.. أنا أرسلت عليها الخدامة تعلمها.. قالت بتلبس وتنزل الحين
سميرة صعدت بخطوات مترددة.. حتى وصلت لباب غرفة نجلاء.. تنهدت بعمق.. وطرقت الباب بخفة
وصلها صوتها العذب الغالي على قلبها: دقيقة بس.. ألبس
انتظرت قليلا ليفتح الباب وتظهر على عتبته نجلاء التي تغلق أزرار قميصها الأخيرة وهي تفتح باستعجال..
لتجف يدها على زرار عنقها الأخير وهي ترى العينان الدامعتان الظاهرتان من فتحتي النقاب
سميرة خلعت نقابها وكأنها تريد من نجلاء أن ترى تأثير مافعلته به على ملامح وجهها المرهق..
نجلاء تأخرت خطوتين للداخل وهي تهمس بنبرة مموهة غير واضحة الملامح وهي تتحاشى النظر لسميرة:
ادخلي.. دقيقة بس أسوي شعري وأنزل..
سميرة دخلت واغلقت الباب .. بينما نجلاء توجهت للتسريحة حتى تمشط شعرها..
ولكن سميرة لم تسمح لها بتنفيذ ماخططت له لأنها شدتها لتجلسها على السرير.. ونجلاء طاوعتها وهي مازالت تتحاشى النظر لها
ثم ركعت سميرة جوار نجلاء وهي تنحني لتخفي وجهها في حجر نجلاء
ثم تنفجر في بكاء هستيري عال الشهقات
مثقل بالوجع لأبعد حد..
قلب نجلاء قفز لبلعومها وهي تشد سميرة عن الأرض وتجلسها جوارها وتحتضنها بحنو شاسع وتهتف بجزع قلق حنون:
وش فيش يالخبلة؟؟ هذا سنع وحدة جايبين لها شبكتها اليوم.. أمي يوم كلمتني قالت لي تو أم امهاب طالعة منكم
سميرة تدفن وجهها في ثنايا رائحة نجلاء وهي تشهق: والله ماحسيت بطعم شي وأنا دارية إنش زعلانة علي..
والله العظيم يانجلا إني ماقصدت أدس عليش شي.. الموضوع جا كذا بدون قصد..
والله العظيم إنش عارفة غلاش عندي.. أنتي أمي الثانية.. يهون عليش اللي سويتيه فيني.. من يوم طلعتي من بيتنا دمعتي ماجفت
أنا اللي كنت ما أبكي إلا في المناسبات الرسمية كل عشر سنين.. أصير صياحة كذا
تدرين يانجلا عادي عندي الدنيا كلها تزعل بالطقاق.. بس أنتي لا.. أنتي لا.. والله العظيم ضاقت علي الوسيعة من عقبش
نجلاء ازدحمت العبرات في حنجرتها.. لم يخطر ببالها مطلقا أنها تسببت بكل هذا الحزن لصغيرتها التي ماعرفت الحزن يوما
أن كانت سببا لاختفاء ابتسامة ماعرفت الانطفاء يوما
أنها كانت السبب أن تذرف العينان الغاليتان كل هذا الكم من الدموع
أنزلت شيلة سميرة على كتفيها وهي تدخل أناملها بحنان في خصلات شعرها وتهمس بحنان تخفي خلفه اختناق صوتها:
تعرفين حن العجايز نحب نتدلع.. ونجرب غلانا..
سميرة تمسح دموعها وتدعك أنفها المتفجر احمرارا الذي بدا احمراره واحمرار خديها شديد الوضوح في شدة بياضها وتبتسم أخيرا بعد كل هذه الأيام:
أنا قلت لش تدلعي على صالح.. شكلش فهمتي نصيحتي غلط
حينها ابتسمت نجلاء: نصايحش كلها تودي في داهية.. ماقدرت أتدلع على صالح قلت أتدلع عليش..
سميرة تضحك بصوتها المبحوح ضحكة طفولية مغردة: والله أني اشتقت لش.. تكفين ما تزعلين علي مرة ثانية
تدرين حتى شبكتي وكل هداياهم مارضيت أفتحها لين أنتي تجين وتفتحينها معي
********************************
انتهى عقد قران منصور وعفراء
.
أصبحا زوجين..
.
قرار متسرع .. ولكن العجيب أنهما فكرا فيه بحكمة
العمر يمضي.. والسنوات تمضي.. وسنوات غيرها قادمة لتحمل مزيدا من الوحدة والوحشة لكليهما
كل واحد منهما محتاج لروح يأنس إليها.. يشكو إليها همه.. تشاركه أفكاره.. تحاوره.. تحتويه وتشعره بكينونته البشرية
لم يعد أيأ منهما يبحث عن الحب ولا الولع ولا كل مسميات الغرام المتهاوية في نظرهما
كلاهما يبحث عن شريك حياة.. رفيق درب..
روح يشعر بالانتماء إليها حين يعود في نهاية اليوم من عمله يريد أن يجد من يسأله (ماذا فعلت؟؟ كيف كان يومك؟؟)
وليس مجرد بيت بارد تصفر رياح الوحدة في جنباته..
"مبروك ياعريس.. وأخيرا"
منصور ينظر لكساب ويبتسم بثقة: الله يبارك فيك..
كساب يبتسم: إن شاء الله الرابعة ثابتة.. وخصوصا أني شاهد العقد.. توقيعي بيجيب لكم البركة..
منصور بثقة رائقة: بركاتك ياعم كساب..
مشاعر مجهولة تغزوه.. ليست المرة الأولى التي يجرب هذا الإحساس.. ثلاث مرات سابقة..
فلماذا يشعر هذه المرة بالاختلاف..؟؟
لماذا يشعر بلهفة حادة لرؤية عفراء لم يشعر بها مطلقا مع زوجاته السابقات؟؟
يتمنى أن ينتهي العشاء بسرعة.. هذه الرسميات التي كان طوال عمره حريصا عليها.. يتمنى لو ينسفها الآن
يريد أن تمضي الساعات القليلة التي تفصل بينهما بسرعة..
حتى يستطيع أخذها لبيته.. يصبح له حق رؤيتها
معرفة سبب إحساسه العميق بالاختلاف هذه المرة..
"في كل زواجاتي السابقة.. كنت أشعر بضرورة الزواج وليس ضرورة الزوجة نفسها
علاقة اجتماعية رسمية لمظهري أمام الناس وأنجب أطفالا يحملون اسمي
ولكن هذه المرة الأمر مختلف.. مختلف
اهتمامي هنا هو بالمرأة نفسها
فلم يعد الزواج كمظهر اجتماعي يهمني.. ولم أعد أريد أطفالا
أريدها هي..
أريد روحها أن تنتمي لي أنا فقط
أريدها أن تحتوي روحي التي أتعبتها الوحدة والترحال"
كان منصور غارقا في أفكاره حينما سمع السلام الجهوري الذي أحدث موجه ترحيب هائلة سعيدة في كل أطراف المجلس الضخم
ابتسامة شاسعة ترتسم على وجه منصور.. بينما قلب زايد غرد رغم أنه بالكاد مضى ما يقارب عشرة أيام على رؤيته له
علي وصلهما ليسلم على الجميع.. ثم يهتف لعمه بمودة واحترام:
مبروك ياعريسنا.. كان مستحيل أخلي مناسبة مثل ذي تفوتني
منصور بمودة شاسعة وسعادة حقيقية: بصراحة مافيه أحلى من ذا المفاجأة..
كفاية تشوف التعبير اللي على وجه أبيك.. كنه واحد لقى شي مضيعه
زايد يبتسم ويهتف بعمق شفاف: ليته بس يرد علي ضايعتي على طول.. مهوب يشفقني فيها ثم يأخذها..
علي مال على رأسه ليقبله للمرة الثانية: مايصير إلا اللي يرضيك إن شاء الله
علي لا يريد إخباره أنه بدأ بالفعل في إجراءات عودته وطلب نقله لقسم آخر عدا التمثيل الخارجي
يريد أن يتأكد من انجاز الإجراءات ثم يفاجئه بالخبر..
يريد أن يتأكد من انجاز الإجراءات ثم يفاجئه بالخبر..
علي يلتفت لكساب ويهتف بمودة صافية: ها نروح نشوف العروس؟؟
كساب يبتسم بسعادة حقيقية: يا الله..
زايد يهتف للاثنين بحزم: لا تاخرون.. عشان تقلطون الرياجيل على العشا..
علي يرد عليه بمودة واحترام شاسعين: خمس دقايق بس ونعوّد.. وحن اللي بنقلطهم..
.
.
في الداخل..
عفراء متوترة.. بل غارقة في توتر عميق قلق حاد
جوانحها تذوب قلقا
وأكثر ما تخشاه هو ردة فعل جميلة
ماذا ستقول لو علمت؟؟
لا تستبعد انها قد تقول (إنكِ تركتني هناك حتى تعودي وتتزوجي)
والكلام مهما كان موجعا لا يهمها.. ولكنها تخشى أن يكون لذلك تأثير على صحتها وتحسنها
لولا أنها صلت استخارة عدة مرات.. وكانت ترى نفسها شديدة الطمأنينة لهذا الزواج لم تكن لتقدم عليه
شعرت أن الله سبحانه يهديها لخير ما ..كرهت أن ترفضه..
مزون كانت متأنقة لأبعد حد.. رغم أنه لا يوجد أحد سواها وخالتها.. ولكنها شعرت بالرغبة في التأنق لهذا الحدث الاستثنائي
همست لخالتها بابتسامة صافية: عروستنا الحلوة وش فيها من يوم وقعت العقد وهي ساكتة..؟؟
عفراء تحاول ن تبتسم فتفشل وبجدارة فتهمس بهدوء: متوترة بس.. ليس إلا
مزون بمرح: مافيه داعي للتوتر.. هذا منصور آل كساب على سن ورمح..
ثم أردفت وهي تنظر للساعة: تدرين خالتي فيه مفاجأة لش كان المفروض إنها وصلت.. ما أدري ليه تاخرت
عفراء باستغراب متسائل: أي مفاجأة..؟؟
فور انهاءها جملتها.. تعالت طرقات على الباب.. لتقفز مزون بحماس: شكل المفاجأة وصلت ياخالتي..
فتحت الباب.. ليدخل علي يتبعه كساب.. ويشرق وجه عفراء بابتسامة حقيقية وهي تهتف بسعادة: علي؟؟
علي يتوجه ناحيتها ليحتضنها بحنو ويقبل رأسها ويهتف بمرح حنون:
بحب بشويش بس..ما أبي اخرب شكلش.. ماشاء الله تبارك الله
صدق أحلى عروس
ألف مبروك ياخالتي... سبحان الله.. والله انكم متناسبين.. ما أدري ليه ماعمره خطر ببالي..
علي يفلت خالته ويتوجه لمزون ويحتضنها بحنو دافئ وهو يلصق خده بخدها ويهمس:
عفية على اللي كتمت سر جيتي.. صدق كانت مفاجأة حلوة لهم..
بينما كساب يبتسم ويهتف بمرح مزاجه الرائق هذه الليلة:
ترا ماخطر ببالك لأنهم مهوب متناسبين... لا تألف من عندك..
عمك جلف وثقيل طينة.. وخالتي رقيقة وعسل
يلتف له علي ويهتف بمرح مشابه: إذا عمي جلف وثقيل طينة.. تراك مطوف عليه دبل الدبل.. الله يعينها بنت ناصر عليك
كساب بذات الابتسامة الدافئة: إلا الله يعين بنت ناصر عليكم.. من الحين حطيتوها علكة في ثمكم..
مزون كان وجهها يشرق بابتسامة دافئة كذلك.. ابتسامة حقيقية تَشَارَكها الأشقاء الثلاثة الليلة
حتى وإن كانت لا تشترك في الحوار.. فهي سعيدة جدا هذه الليلة
ولن تفسد سعادتها بالتفكير في أي شيء يكدرها
منذ زمن طويل لم تشعر بهذه السعادة.. شقيقاها أمامها مبتسمان سعيدان
خالتها الغالية تجد لها سكنا حانيا قويا تلجأ إليه
تكفيها كل هذه السعادة الليلة.. لن تطالب بالزيد!!
.
.
بعد حوالي الساعة
كساب يعود لبيت خالته.. لا يقول أي شيء.. فقط كان ينظر إليها بنظرة غامضة.. خليط من ود وعمق وغرابة وحنين
عفراء تهمس له بحنو: وش فيك يأمك تطالعني كذا؟؟
حينها انحنى كساب عليها وأمسك عضديها بخفة ليوقفها.. قبل جبينها ثم همس في أذنها بعمق حنون: عمي ينتظرش برا..
ثم أردف بابتسامة: كنت أبي أوصلكم.. بس هو مارضى.. يقول مايبي دريول..
حينها ارتعشت عفراء.. وشعر كساب بارتعاشها بين كفيه عاود الهمس في أذنها بحزم:
حتى لو كان عمي وغالي علي.. والله ثم والله لا أدري إنه قهرش وإلا ضامش وإلا حتى زعلش بأقل شيء
وأنتي ماقلتي لي.. إن قد يصير شيء مايرضي حد منكم..
عفراء تنهدت وهي تهمس بصوت مبحوح عانى ليخرج من حنجرتها الجافة توترا: جعلني ماخلا منك يأمك.. قول آمين
عفراء ارتدت عباءتها بذات التوتر الذي لا يفارقها
وخرجت فقط بحقيبة يدها.. فيها أوراقها الثبوتية.. محفظتها وهاتفها.. بعد أن أخذت مزون اليوم عصرا كل أغراضها ورتبتها في بيت منصور
تشعر كما لو كانت مسافرة فعلا.. تشعر بإحساس مسافر مهاجر.. يهاجر ليبدأ حياة جديدة مختلفة جذريا
مهاجر يترك كل ما عرفه وأطمأن له في وطنه ليتوجه إلى وطن آخر مجهول
ومهما وعده الوطن الجديد بالراحة والطمأنينة.. فالحنين للوطن القديم لا يمكن أن يخبو أبدا
.
.
في الخارج
كان منصور وزايد وعلي يقفون جميعا في انتظارها.. ومزون خرجت معها أيضا
كانت عفراء تتحاشى بصورة عفوية النظر لمنصور.. وخجل عميق يجتاحها
لم تعد صغيرة لتشعر بكل هذا الخجل..
ولكن هل للاحساس بالحياء عمر؟؟
ولم يكن ما تشعر به مجرد إحساس بالحياء..
بل تكاد تنكفئ على وجهها لشدة احتكام خجلها الذي زاده قلقها العميق من الحياة المجهولة التي هي مقبلة عليها
حتى الأمس فقط كانت رافضة تماما لفكرة الزواج كما رفضتها طوال العشرين عاما الماضية.
فإذا بها اليوم زوجة..فــــجـــأة!!
هكذا بدون مقدمات أو تمهيد..
فهل استعجلت في الموافقة؟!!
زايد كان أول من تحدث وهو يهتف بحزم صارم وفي ذات الوقت مثقل بالمودة:
يا بنت محمد.. ترا بيتش مفتوح لش أي وقت.. وأنا على طول أخيش الكبير..
أنتي وصات الغالية الله يرحمها.. وأنتي أم عيالي اللي ربيتهم.. وجميلش فوق رأسي
وإذا منصور في يوم ضايقش بأدنى شيء تراني بأقطع أذانيه..
وتراش المبداة عندي على خلق الله
منصور يبتسم: وش ذا؟؟ من أولها تبون تعصون مرتي علي .. وتقوون رأسها علي..
زايد يلتفت له ويهتف بمودة: بنت محمد عاقل.. وحظ بيتك اللي بيضويها.. الله الله فيها
علي يهتف بابتسامة: تراك خذت أمنا.. الله الله فيها..
أنا أعترف مافيني حيل أناطحك لو زعلتها.. بس بأغري عليك كساب يخبزك..
منصور يتجه ليشغل سيارته ويبتسم: الله يكفي شركم.. بنت محمد فوق راسي.. أزهلوها كلكم.. بس اطلعوا من بيننا..
عفراء بلغ تأثرها الذروة مع حديث زايد وابني شقيقتها.. ثم انقلب التأثر إلى الانفعال إلى توتر عارم..
وكساب يفتح لها الباب المجاور لعمه ويشير لها لتركب..
عفراء تقدمت بخطوات متوترة حاولت تغليفها بالثقة وهي تركب
ثم شعرت حين استوت جالسة.. وتحركت السيارة أن الأكسجين بدأ يتناقص بسرعة حتى كادت تختنق ومنصور يهمس لها بصوت منخفض:
حيا الله بنت محمد
حاولت عفراء الرد ولكن الكلمات اختنقت في حنجرتها..
لم ترد مطلقا أن تبدو بهذا المظهر أمام منصور.. فهي ليست طفلة
ولكن رغما عنها كانت تشعر بهذا الإحساس الخانق الذي تزايد مع خروجها من بيت زايد..
لتشعر كما لو كانت تدخل مرحلة عدم توازن وهي تغادر البيت الذي احتواها طوال سنين..
فهي لم تعرف لها بيتا غير بيت زايد منذ وفاة والديها وهي طفلة في الثامنة..
حتى حينما تزوجت خليفة غادرت البيت لثلاثة أشهر فقط عادت بها لتقضي حدادها في عند أختها
وزايد حينها حلف ألا يدخل المنزل أبدا حتى تنهي حدادها.. وهو يقيم في المجلس الخارجي..
تشعر بامتنان عميق لزايد لكل مافعله من أجلها.. لم تشعر يوما في وجوده أنها دون سند.. أو تخاف من ظروف الحياة
قطع حبل أفكارها صوت منصور الفخم ذاته: قلنا حيا الله بنت محمد.. وبنت محمد ماعبرتنا
عفراء اغتصبت الكلمات بصعوبة وحاولت إخراجها رزينة هادئة: الله يحييك يا أبو زايد
منصور يبتسم بتلاعب: وش أبو زايد ذي بعد؟؟
عفراء بحرج خجول: أنت قلت لي إنك تحب ينقال لك أبو زايد..
منصور بذات الابتسامة الغامضة: هذاك أول.. الحين قولي منصور
صمتت عفراء والكلمات تجف على لسانها ثم تتبخر..
منصور تركها لصمتها بقية الطريق حتى بيته القريب الذي لا يبعد عن بيت زايد سوى شارع واحد..
**********************************
سيارة منصور تتوقف في باحة بيته.. تغتاله لهفة غريبة عميقة لرؤية وجهها
يريد أن يرى ماذا بقي من الطفلة التي كان يشد ظفائرها الطويلة مشاكسا .. ليسكتها بعدها بقطعة من الحلوى وهو يسخر منها:
"أنتو يا البنات كل شيء يبكيكم وكل شيء يسكتكم"
يريد أن يرى ماذا بقي من الصبية التي كانت تسهره ليال طويلة خلف النوافذ يتصيد أي لمحة لها ..؟؟
يريد أن يرى ماذا بقي من حلم قديم أضناه التفكير به ثم أضناه نسيانه؟!!
يريد أن يرى ماذا بقي من ملامح حلم أسكنه زايد قلبه رغما عنه ثم انتزعه رغما عنه كذلك؟!!
.
.
دخل أمامها وهو يشرع الباب الخشبي الضخم ويهتف بترحيب فخم دافئ: نورتي بيتش يا بنت محمد
عفراء دخلت بخطوات مترددة.. ثم همست بمجاملة: ماشاء الله بيتك حلو
رغم أنها لم تكد تبصر شيئا لشدة ارتباكها...منصور اقترب منها خطوة وهتف بغموض:
البيت بيتش مهوب بيتي.. وترا مافيه حد داخل البيت.. أنا نبهت على الصبيان كلهم يشيلون قشهم للغرف في المجلس الخارجي
يعني اخذي راحتش
عفراء صمتت وهي تشعر بتوترها يتزايد ويتزايد حتى كادت تختنق.. حينها أكمل منصور بنبرة مقصودة: ماتبين تحطين عباتش؟؟
عفراء بحرج شديد بصوتها المختنق: بلى .. بس وين؟؟
منصور تنهد وهو يردد في داخله (شكله عمري ماراح أفهم النسوان أشلون يفكرون)
ثم قال لها بهدوء: تفضلي معي..
عفراء صعدت خلفه وتوترها وارتباكها في تزايد.. حتى وصلوا لغرفته الشاسعة وهو يهتف لها بتلقائية:
سامحيني.. غرفة عزابي.. ما لحقت أغير شي.. واللي تبين تغيرينه.. غيريه بكيفش..
وعلى العموم أنا توني مغير الديكور كله قبل كم شهر
الفاضي يعمل قاضي..
عفراء حتى لم تستوعب كلامه لأن توترها بلغ ذروته..
حين تزوجت لأول مرة شابة صغيرة في السابعة عشرة..
سعيدة بلعبة الزواج.. وأختها هيئتها مطولا.. وقضت وقتا طويلا في التجهيز.. لذا في ليلة زواجها شعرت أنها مستعدة لتقوم بدور العروس
ولكن الليلة وبعد مرور عشرين عاما.. امرأة ناضجة تعي مفهوم الزواج ومتطلباته ولكنها سقطت في فخ الزواج بسرعة هائلة لم تتح لها حتى فرصة التهيؤ النفسي له
سألت بتوتر: وين غرفة التبديل؟؟
أشار لها منصور لناحية غرفة التبديل.. وهو يخلع غترته ويلقيها على طرف الأريكة ثم يجلس مترقبا وعيناه تتبعان حركتها بلهفة غريبة
عفراء توجهت لغرفة التبديل وأغلقت الباب عليها..
ثم جلست وهي تنزع نقابها عن وجهها وتسحب لها نفسا عميقا..وهي تحرك يديها أمام وجهها وكأن حرارة وجهها المشتعل ستبرد..
وتحاول تهدئة وجيب قلبها المتصاعد هلعا وتوترا.. مضت عدة دقائق وهي على ذات الوضع
رأت أن موقفها بات محرجا.. وهناك رجل اسمه زوجها يجلس خارجا في انتظارها وهي أطالت في الإغلاق على نفسها
خلعت عباءتها.. ورتبت شكلها.. وهي تكثر الدعوات وقراءة آيات الذكر الحكيم
ثم خرجت.. رغم أنها كانت تتمنى لو تبقى لوقت أطول حتى تهدئ توترها الذي تجاوز كل حد
ولكنها في الختام كانت تعرف أنها حتى لو بقيت حتى الصباح فإن هذا التوتر لن ينطفئ بتأخيرها للمواجهة..
كان منصور جالسا على الأريكة حين خرجت..
وقف.. لا يعلم لِـمَ شعر حينما سمع صوت الباب يُفتح أنه سيراها مازالت بعباءتها ونقابها
لذا تسللت الابتسامة لشفتيه وهو يرى بهائها الكامل
فستانها الحريري البنفسجي الذي احتوى تفاصيل جسدها باتقان..
شعرها المنسدل على كتفيها في تدرجات كثيفة تصل حتى منتصف ظهرها
عذوبتها التي زادها خجلها وارتباكها عذوبة لا تقاوم
عجزت عن إكمال طريقها لأي اتجاه والتوتر يشل حركة قدميها وهي عاجزة عن إكمال النظر لمنصور بعد أن رفعت عينها وأنزلتها بذات السرعة
كانت تعرف شدة وسامته الطاغية.. ولكن رؤيتها في هذا الظرف وبهذا القرب.. بعثر أفكارها تماما
وعلى كل حال يكفيها وجود رجل معها لتشعر أنها عاجزة عن التفكير..
وعلى كل حال أيضا هو لم يسمح لها بإكمال الطريق وهو يتجه ناحيتها متمعنا في تفاصيل وجهها..
تسللت ابتسامة دافئة لشفتيه...بدت له لم تتغير مطلقا عن المرة الأخيرة التي رآها فيها
ملامحها مازال بها كم كبير من الطفولة.. يستحيل لمن يراها أن يصدق أنها سيدة متزوجة.. فكيف وهي لديها ابنة على أعتاب العشرين..
وصلها.. مد يده لها.. توترت أكثر ولم تحرك أصبعا وهي تنزل نظراتها للأرض
ليمسك هو بيدها ويشدها.. إحساسه بنعومة أناملها بين صلابة أصابعه.. بدا له خياليا لحد الألم الموغل في شفافيته
وبدا لها خانقا لحد الاختناق الحقيقي وأناملها تتصلب وأكسجين رئتيها المتناقص أصلا بدأ يتناقص أكثر..
منصور شدها ليجلسها على الأريكة ويجلس هو جوارها.. كانت عيناه تطوفان بها وهو يمسح كل تفاصيلها بدقة..
بينما عيناها مثبتتان على يديها التي تدعكها بتوتر.. مد أصبعه تحت ذقنها ورفع وجهها..
انتفضت بحدة شعر بها.. هتف لها بعمق دافئ: ليش متوترة كذا؟؟
لم ترد عليه مطلقا.. والكلمات التي أبت الانصياع تتبعثر وتهرب شاردة..
نقل يده من ذقنها ليدخلها في طوفان شعرها ويهتف بابتسامة متلاعبة:
وين الجدايل الطويلة اللي كانت أول؟؟
عفراء بحرج دون أن ترفع بصرها مطلقا إليه: تذكرهم..؟؟
منصور يدخل يده الثانية في الناحية الآخرى من شعرها بينما عفراء كانت تحاول أن تتأخر فلا تفلح
وهو يكمل بذات الابتسامة المتلاعبة: أكيد أذكرهم.. كم مرة شديتها؟؟ واجد..
عفراء تريد أن تقف ولكنها لا تستطيع وهو يمسك شعرها بهذه الطريقة ويوترها بنظراته التي كانت تتفحصها بعمق.. لذا همست باختناق:
أبي أقوم أتوضأ.. ممكن تهدني لو سمحت..
منصور حينها همس بصوت خافت عميق النبرات: كلنا بنقوم نتوضأ ونصلي مع بعض ركعتين الحين
بس أول شيء أنا كنت وعدت نفسي بشي صغير من زمان..
ولحد الحين ماصار..
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم HaboOoshy
كفاه يسكنان طوفان شعرها وهو يهمس بصوت خافت عميق النبرات: كلنا بنقوم نتوضأ ونصلي مع بعض ركعتين الحين
بس أول شيء أنا كنت وعدت نفسي بشي صغير من زمان..
ولحد الحين ماصار
عفراء جفت الكلمات في حنجرتها مع تلميحاته الغامضة التي لم تفهمها
منصور أكمل بعمق: تدرين وش وعدت نفسي..؟؟
أشوف عيونش
عفراء بحرج: تشوف عيوني؟؟
منصور يبتسم: من أول ماخذ زايد أختش وأنتي عمرش 7 سنين وعقبها بسنة ماتوا هلش الله يرحمهم..وجيتي بيت زايد
وأنا خاطري أشوف عيونش..
عفراء عاجزة عن رفع عينيها وهي تهمس باختناق خجول: وأنت شفتهم.. وواجد مهوب شوي
منصور بابتسامة ذات مغزى: مثل ما أنا شايفهم الحين يعني..
عفراء صمتت بحرج.. بينما منصور مد يده ليرفع وجهها له وهو يهمس بثقل فخم:
تدرين إنش من يوم أنتي بزر.. عمرش ما حطيتي عينش في عيني.. كان خاطري أشوف عيونش عدل
حينها نظرت عفراء له ثم عادت لتنزل عينيها وهي تهمس بخجل عميق:
أمي الله يرحمها كانت دايما تقول لي البنت ما تكاسر الرجّال حتى لو هو إبيها وإلا أخيها
وذا الشي عمره ما راح من بالي..
(تكاسر= تنظر إلى العين بشكل مباشر)
منصور همس لها بتلاعب: زين أنا أبيش تكاسريني..ارفعي عيونش خلني أشوفها يا بنت الحلال
عفراء لم ترد عليه.. وارتباكها يتزايد
ولكنها أدخلت يديها في شعرها وهي تمسك بيدي منصور الاثنتين وتبعدها عن شعرها..
بدت لها ضخامة كفيه لصغر كفيها مرعبة.. ومع ذلك أبعدتها وهي تقف مبتعدة
وتهمس بخجل: أبو زايد.. خلنا نصلي
منصور وقف وهو يردد في داخله (زين يا عفرا.. وين بتروحين مني)
رد عليها وهو بتسم: نصلي أول..
أنا على وضي العشا.. توضي أنتي..
عفراء همست بحرج: أبي لي ربع ساعة.. عادي؟؟
منصور جلس: خذي راحتش..
عفراء متوترة بالفعل.. هذا القرب الرجولي الباذخ يشعرها بالارتباك.. لا تعرف حتى كيف تتعامل معه..
اعتادت التعامل مع كساب وعلي كابناء.. ولا تعرف كيف يكون التصرف مع رجل من هذا القرب خارج إطار دورها كأم..
مسحت مكياجها.. وخلعت ملابسها.. توضأت ثم بقيت محتارة ماذا ترتدي.. لتستقر لها جلابية حرير مغربية بما أنها تريد أن تصلي أولا
تناولت سجادتها وجلال الصلاة من دولاب الملابس ثم خرجت..
منصور وقف حين رآها وهتف بحزم :نصلي..
اجابته بخفوت: نصلي..
وقفت خلفه وصليا.. وحينما أنهى الصلاة التفت لها ووضع يده فوق راسها ودعا بالدعاء المأثور
"اللهم أني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه.. وأعوذ بك من شرها وشر ماجبلتها عليه"
ثم ردد في داخله بعمق شفاف( صليت ودعيت الدعاء مع كل وحدة تزوجتها.. وما الله كتب لي التوفيق
يا الله أنك تكتبه لي ذا المرة)
حينما أنهى الدعاء رفع وجهها ثم ابتسم: تدرين لا عاد تحطين مكياج أبد.. ما تحتاجينه.. وانا أحب أشوف شكلش طبيعي قدامي
عفراء وقفت بخجل همست وهي تخلع جلالها: إن شاء الله..
كانت توشك على الاتجاه لأي مكان بعيدا عنه ولكنه شدها ناحيته: وين بتروحين؟؟
عفراء بخجل عميق: ولا مكان.. بقعد
وكانت بالفعل بحاجة إلى أن تجلس.. فطوله جوارها أشعرها بالضآلة
وإحساسها بقربه يوترها ويجعلها عاجزة عن التفكير
شدها وأجلسها وجلس جوارها.. ثم هتف بثقة وهو يسند كتفيه للخلف:
حاسة إني استعجلت عليش في موضوع العرس؟؟
عفراء ابتلعت ريقها الجاف ولم ترد.. منصور أكمل بذات الثقة: من يوم دخلنا هنا حتى كلمتين على بعض ما قلتيها
أدري إني استعجلت عليش .. وانش أكيد متوترة ومستحية..
بس تدرين عفرا.. ماعاد حد منا بصغير وإلا يمكن يأخذ قرار مهوب عقلاني..
يعني ما اعتقد إنش وافقتي علي وأنتي مترددة لو واحد في المية..
صح وإلا أنا غلطان؟؟
عفراء تهمس بصوت مبحوح: أكيد إني ما وافقت إلا وانا مقتنعة
أنا يا ابو زايد محتاجة بالفعل لشريك حياة
منصور قاطعها بفخامة: قلنا منصور..
ولكن عفراء لم تستطع أن تنطق اسمه مجردا لذا أكملت حديثها بذات صوتها المبحوح الجاف:
بس أنا طول عمري ويمكن من طفولتي وأنا أم.. ربيت مع وسمية الله يرحمها عيالها كلهم.. من أول واحد كساب وأنا عمري 8 سنين
وأنا حاسة إني أمه مهوب خالته لين علي ومزون ثم بنتي.. عمري ما كنت أنثى بمعنى أنثى
فسامحني لو ماعرفت أتصرف معك في البداية بالطريقة اللي ترضيك
حينها مد منصور اصبعه ومسح على طرف خدها نزولا لعنقها وهو يهمس بثقل خافت: هذا كله ومنتي بأنثى.. أجل الأنثى من تكون؟؟
****************************
قبل ذلك بساعتين
" عالية حبيبتي.. فيه عجوز تحت تقول لش عمتي أم صالح تقهوينها لين تجيش"
عالية تلتفت لباب غرفتها حيث تقف نجلاء وهي تخلع عباءتها بعد عودتها للتو مع نايف:
الحين أنتو منتظريني أرجع عشان تنطون في حلقي.. أقهوي عجوز النار.. قهويها يا بنت الحلال.. لين أخذ شاور.. وعقب يصير خير..
نجلاء تغمز وتبتسم : عجوز النار ذي جايه تخطب.. تعدلي بسرعة وانزلي سلمي وخلش ذوق معها..
أمش مادرت أنها بتجي ذا الحزة...وهي رايحة مع أمي يسلمون على جارتنا الوالدة..
فقالت لي خل عالية تقويها لين أجي
حينها قفزت عالية بمرح: والله فلة.. وأخيرا حد تذكر يخطبني..
خلني أروح أشوف أم المعرس لا بارك الله فيه ولا في أمه..وش فيه أبطأ الخايس..
ومهوب لازم أتعدل.. واجد عليها شوف خشتي..
عالية تقفز الدرج وهي ترى الموضوع كله من زاوية مرحة.. بينما نجلاء تهتف وراءها: لا تفضحينا في المرة تراها غريبة شوي
عالية تكاد تصل أسفل الدرج: أشلون غريبة لها قرون يعني... القرون أنا الحين بأطلعها لها هي وولدها..
عالية دخلت مجلس الحريم.. وهي ترحب بالطريقة المعتادة: ياهلا والله ومرحبا..حياش الله.. أمي على وصول مهيب مبطية
اقتربت من الطاولة التي وضعت دلال القهوة عليها وهي تتمعن في العجوز التي لا يكاد يظهر منها شيء
وهي ترتدي قفازات سوداء.. وتلبس نظارات عريضة وسميكة جدا فوق برقعها
عالية همست لنفسها بصوت خافت: شكلها عميا مرة وحدة.. الله يستر لا يكون ولدها مثلها
ثم أردفت بصوت عال: أشلونش يمه؟؟ أشلون صحتش؟؟
ولكن العجوز لم ترد عليها مطلقا....عالية صبت لها فنجان قهوة ومدته لها وهي تستغرب أن العجوز لم تتحدث مطلقا..
العجوز وضعت الفنجان على الطاولة الصغيرة أمامها..
ثم شدت عالية لتجلسها جوارها.. عالية اُحرجت من تصرف العجوز ومع ذلك بقيت جالسة جوارها
ولكن ما لم تحتمله مطلقا أن العجوز بدئت في تحسس جسدها بطريقة محرجة..
حينها تفجر غضبها وقفزت وهي تصرخ بغضب:
أنتي شتسوين؟؟ لا تكونين قاعدة تستكشفيني لولدش..
برا.. يا الله اطلعي برا.. لا بارك الله فيش من عجوز
العجوز مدت عصاها وضربت عالية بخفة على فخذها.. عالية حينها صرخت بغضب:
لولا إنش عجوز كبر جدتي وفي بيتنا و إلا والله لا تشوفين شي عمرش ماشفتيه..
أنهت جملتها واتجهت للباب.. لتفجع أن الباب انغلق عليهما..
التفتت ناحية العجوز.. لتجد العجوز تتقدم ناحيتها بظهرها المنحني تلوح بعصاها
عالية صرخت: قسما بالله منتي بصاحية.. ياعجوز روحي وراش.. تراش منتي بمستحملة كفين.. خايفة من الله تموتين في يدي..
ولكن العجوز استمرت في التقدم لتهرب عالية منها ورعبها بدأ يتصاعد لأنها ايقنت العجوز يستحيل أن تكون طبيعية
بدأت سلسلة من المطاردات عالية تركض والعجوز خلفها وهي تضربها بالعصا كلما تمكنت منها..
وعالية تصرخ برعب حقيقي: يمه.. نجلا.. افزعوا لي..
كانت عالية على وشك أن تصعد فوق طرف الأريكة حتى تصعب على العجوز الوصول لها
لكن حينها لمحت ساقي العجوز التي رفعت عباءتها لتصعد خلف عالية
كانتا ساقين ناعمتين مصقولتين ناصعتي البياض..
حينها نزلت وهي تغافل العجوز لتشد البرقع عن وجهها..
لتنفجر سميرة ضاحكة وهي تهتف بين ضحكاتها الهستيرية: عادي يا بنت الحلال تكفير عن مقالبش فيني أنا واختي طول ذا السنين
وعلى إنش طولتي لسانش علي أنا ورجالي..
عالية بدأت تضربها وهي تضحك بصوت عال: صبيتي قلبي.. جعل رجالش يطلقش..
وحينها فُتح الباب لتظهر نجلاء التي كانت تسمع عبر الباب وهي تضحك أيضا بشكل هستيري: ها أكيد انبسطتوا.. خوش مقلب ياهل المقالب
عالية تضحك ووجهها احمر من كثرة الضحك: أنا التالية ما تقعد فيني.. إذا مارديتها دبل فأنا ما أنا بنت خالد آل ليث..
سميرة مازالت تضحك : لا تكفين.. مافيه دبل لذي إلا لو أنتي ناوية تذبحيننا
حينها التفتت عالية لسميرة وهمست برجاء لطيف شفاف: منتي بزعلانة علي.. صح؟؟
سميرة ابتسمت: لا.. خلاص.. تعرفينني أنسى بسرعة
عالية حينها همست بضيق عميق: بس أنا زودتها..زودتها واجد بعد.. بس والله من غلاش عندي.. آجعني الموقف كله
نجلاء تهمس بمودة: خلاص من غير عتب.. يالله اطلعوا لغرفة عالية.. وأنا بأروح أسوي لكم خوش عشا
المهم لاعبوا عيالي وونسوهم معكم
*******************************
"ماشاء الله طولتوا في السهرة؟؟"
انتفضت وهي تسمع صوته الساخر وتراه جالسا على الأريكة ممدا ساقيه الطويلتين على طول الأريكة
قالت بهدوء وهي تشيح بنظرها عنه وتتجه لدولابها: غانم توه جا وخذ سميرة..
تناولت بيجامتها واستحمت لتصلي قيامها.. وهو مازال جالسا على نفس الوضعية
صالح أصبح مخلوقا غريبا بالنسبة لها.. أصبحت تشعر بعدم الأمان الفعلي
فهي تجهل هذا الرجل الصامت المثقل بالغموض
لا يشبه أبدا الرجل الذي عاشت معه ما يقارب عشر سنوات
باتت عاجزة عن التفكير.. لأنها لا تعلم كيف ستكون نتائج التفكير
سابقا كانت حينما تتصرف تصرفا ما.. كانت تتوقع تماما ردة فعل صالح..
ولكن الآن ردات فعله غير متوقعة مطلقا..
سابقا حينما كانت تغضب منه.. وتنام وهي توليه ظهرها.. كان يشدها ناحيته وهو يهمس لها بعمق عاشق:
حتى لو زعلانة علي.. نامي على ذراعي.. تبين تعذبيني بزعلش وبعدش.. كفاية علي عذاب واحد..
ولكن هذه الأيام هاهي تنام جواره.. ويبدو كما لو كان لا يشعر بوجودها مطلقا..
يظل معتصما بطرف السرير.. حتى ينهض لصلاة الفجر ثم يعود ليتمدد قليلا حتى يحين موعد ذهابه لعمله
ثم لا يعود بعد ذلك إلا ليلا..
حينما رسمت مخططها الفاشل مع سميرة.. كانت ستعذب صالح بالصد والبرود بينما هو سيظل يرتجي ويتودد
ولكنها لن تلين حتى يشعر بفداحة الذنب الذي ارتكبه في حقها
ويجعله هذا الأمر يفكر كثيرا قبل أن يكرر ذات التصرف
ولكن لا شيء من هذا حدث.. فالمخطط انهار من أساسه لأنه رُسم من أجل صالح القديم.. ولكن هذا الصالح المريب مجهول التصرفات تماما
مثلما فعل الآن وهو يتجه للنوم دون أن يقول لها حتى (تصبحين على خير)
نجلاء تنهدت بحيرة وهي تتجه لتتمدد جواره وتغرق في أفكارها الخاصة..
****************************
" يا أبو زايد قوم.. ماعاد باقي على صلاة الظهر إلا ساعة "
وصلها صوته الناعس العميق: قلنا منصور..
عفراء بحرج: قوم الله يهداك.. يا الله تلحق تتريق وتتوضأ وتروح للصلاة
منصور يفتح عينيه بتثاقل وهو يبتسم: الذنب ذنبش انتي اللي سهرتيني لين صلينا الفجر
عفراء تراجعت بحرج: أنا؟؟
منصور بذات الابتسامة: إيه أنتي.. وش ذا الهذرة اللي عندش كلها؟؟
تقولين صار لش سنين محرومة من الكلام
حينها ابتسمت عفراء: والله أنت اللي تسأل وأنا كنت أجاوب بس..
ابتسم منصور وهمس بغزل رائق: أحلى ابتسامة في أحلى صبح مر علي بحياتي كلها..
عفراء تقوم من جواره وهي تهمس بعذوبة: يكونون يعلمونكم النصب في العسكرية..
شدها ليعيدها جواره وهو يعتدل جالسا: علمونا أشياء واجد.. بس النصب مهوب من ضمنها..
ثم أردف وهو يحتضن كفها: تبين نسافر مكان؟؟
عفراء ردت بحرج رقيق: لا طال عمرك.. الحين ماباقي شيء على نهاية الفصل
أبي أخلص مع طالباتي..
ثم عقب لو ماعندك مانع.. أبي اسافر لبنتي إذا دكتورتها قالت إن حالتها تسمح
تصلبت يد منصور التي تحتضن كفها..وهو يستعيد شرطها الوحيد للموافقة عليه..
البارحة تحدثا كثيرا وحدثته عن ابنتها مطولا.. بدت له ابنتها مدللة وعنيدة وبها كم كبير من الأنانية
رغم أن عفراء كانت تتكلم عنها بحنان شاسع وهي تحاول إظهارها الابنة الأفضل في الكون
ولكن لم يفت ذكاءه التقاط الإشارات بين السطور
لا يعلم لِـمَ تصاعد قلق مر في روحه.. أ يعقل أن ابنتها قد تطلب مثل هذا الطلب؟؟
والمأساة أنه وافق طلبها ووعدها به..
ولكنه لأول مرة يشعر بالراحة مع مخلوق ما كما يشعر به معها
بها كم حنان مهول.. وقدرة هائلة على الاحتواء
ورغم أنه لم يعتد عليها بعد.. ولكن بدت له فكرة خسارتها.. غير مقبولة أبدا
طوال حديثهما الطويل البارحة كان رأسه يتوسد فخذيها.. بدت له محرجة من جرأته وتحاول التفلت..
ولكنه لم يسمح لها بالافلات أو الابتعاد وهو يحاصرها بلمساته وبأسئلته
كان يستحثها أن تتحدث بأسئلته التي لا تتوقف عن كل شيء في حياتها.. ابنتها أبناء شقيقتها.. عملها..
كان يشعر كما لو كان يعاني العطش طوال عمره.. ثم وجد نبعا متدفقا من الماء الأصفى والأعذب في الكون
طريقتها في الكلام تصب في عمق الروح بحنانها واحتواءها..
شعر أنه مستعد أن يعيش حياته كلها رأسه في حجرها.. مكتفيا بالاستماع لأحاديثها وتنفس عبق أنفاسها من قرب
عفراء همست له باستغرابخجول : منصور أشفيك؟؟
منصور شدها ليدفنها بين أضلاعه ثم همس في أذنها بعمق فيه نبرة حزن لا يعلم لها سببا: أول مرة أدري إن اسمي حلو كذا
***********************************
"صباح الخير ياحلوة"
مزون تنظر لعلي وتبتسم: الله يحلي أيامك
علي يجلس وهو يضع غترته بحرص على الأريكة حتى لا تتجعد ثم يهتف بتساؤل: وين أبي وكساب؟؟
مزون أجابت وهي تسكب له فنجانا من القهوة: إبي طلع من بدري.. وكساب توه طلع من شوي..
ثم أردفت بألم: ماشرب إلا فنجان قهوة هو اللي صبه لنفسه
وزين إنه سلّم على الكرسي اللي كانت قاعدة هنا..
علي يربت على كتفها ويهتف بحنان: مسيره يرضي.. تعرفين يباس رأسه..
مزون بألم: تعبت ياعلي من ذا الوضع.. الطيران وخليته.. وسجلت في شيء جديد.. أبي أعرف وش عاد اللي مزعله مني
والله العظيم تعبت أدور رضاه وهو يتمنن به علي..
شكلي بأموت وهو ما رضى..
علي يحتضن كتفيها ويهتف بذات حنانه الخالص: بسم الله عليش.. صدقيني بيرضى.. ولو ما رضى هو الخسران
حد يلقى له أخت مثلش ويزعلها.. والله ماعنده سالفة..
مزون تسند رأسها لكتفه وهي تحتضن خصره وتهمس برجاء عميق:
تكفى علي وأنت بعد كفاية هربان منا... هذا أنا خليت اللي كان مزعلك مني أنتي بعد
تكفى علي أنا محتاجتك جنبي.. كفاية علي اللي كساب يسويه فيني
علي يشدد احتضانه لكتفيها ويهمس بعمق: يصير خير ياخيش.. يصير خير... ادعي بس الله يسهل
*********************************
" أنا باروح أتوضأ ماعاد باقي على صلاة الظهر إلا شوي
جهزي محضر اجتماع بكرة لين أجي"
فاطمة تستوقف كاسرة وهي تقلب اوراق في يدها: لا تروحين الحمام.. الحمام بابه خربان
قبل شوي تسكر علي.. ماحد فتحه إلا البوي الفراش مستخدم سكين..
كاسرة تقف لترتدي نقابها وتهتف بثقة: عادي لو تقفل علي.. ناديه يفتح لي..
وكلمي حد من تحت يجي يصلحه..
فاطمة تهز رأسها وهي مشغولة بالورق أمامها.. مرت عدة دقائق قبل أن تبدأ بشم رائحة دخان.. استغربت ولكنها لم تهتم
ثم دقيقتين أخريين قبل أن تسمع جرس الأنذار وسماح تقتحم عليها الباب وهي تصرخ بجزع: المبنى يحترق.. يا الله بسرعة..
فاطمة قفزت وكل ما يشغل بالها كاسرة.. ارتدت هي أبضا نقابها على عجل وهي تركض لباب الحمام الخاص الموجود بجانب مكتبهم
كانت ترى الجميع ينزلون ركضا والطابق يكاد يخلو
صرخت برعب وهي تطرق الباب بهستيرية: كاسرة.. كاسرة.. كـــاســـــرة
كاسرة همست بهدوء مستغرب: وش ذا الإزعاج اللي برا.. وش فيش روعتيني.. توني خلصت وضي الحين
خلني لين ألبس عباتي
فاطمة بدأت تبكي وهي تحاول فتح الباب وتصرخ: كاسرة المبنى يحترق.. بأروح أدور حد يفتح الباب
حينها صرخت بها كاسرة بحزم: لا تدورين حد.. انزلي بسرعة.. أكيد المطافي على وصول..
فاطمة ركضت تدور بين المكاتب ولم تجد بالفعل أحد..
توجهت للمطبخ وأحضرت لها سكينا وبدأت تحاول معالجة قفل الباب وهي تصرخ وتكح: كاسرة أنا هنا
الحين بافتح الباب..
كاسرة تصرخ بها بانفعال: أقول لش روحي.. أنا صرت أشم الدخان قريب.. أنا مسكر علي في حمام مهوب جايني شيء إن شاء ربي
بس انتي في الممر.. والله إن قد تروحين.. حلفت.. يالله روحي
فاطمة تعالى نشيجها وهي تحاول فتح الباب وتكح من رائحة الدخان بعد أن انتقل الحريق من الطابق الثالث للثاني حيث مكتبهم
كاسرة تصرخ بها بانفعال أشد: فاطمة والله العظيم لو مارحتي الحين إنه عمري في حياتي كلها لساني ما يخاطب لسانش
يا الخبلة عندش ولدين.. تبين ترجعين لهم ميتة وإلا محترقة..
كاسرة سكبت على نفسها الكثير من الماء وجلست في الزاوية على الارض
وهي تحاول الاعتصام بالجَلد ومنع الرعب من التسلل لقلبها الذي تعالت دقاته بشكل هستيري خوفا وجزعا..
وهي تهتف في داخلها بلوعة حقيقية :
" أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله
يا ربي لو كان ذا آخر يوم عمري
موتني مختنقة.. لا تموتني محترقة
لا تفجع أمي فيني بذا الفجيعة!!"
بينما فاطمة بدأت تنشج بهستيرية وهي ترمي بالسكين وتنزل راكضة للاسفل لتجد أن الحرق انتقل للسلم وتلسع يدها من النار وهي تركض للخارج
حين رأت رجال الأطفاء بدأت تصرخ فيهم بهستيرية: فيه وحدة متسكر عليها في الطابق الثاني
الإطفائي يصرخ بحزم: الطابق الثاني الحين انتقل له الحريق.. احنا الحين بنطفي الحريق.. وخبير اقتحام الحرايق الحين على وصول
فاطمة لم تشعر بنفسها إلا وهي تهزه بعنف وتصرخ: يعني تبونها تتفحم لين يأتي خبيركم ذا
الرجل يزيحها جانبا: مايصير إلا خير.. هذا هو على وصول
****************************
قبل ذلك بدقائق
كساب في سيارته متوجها لشركته.. رأى الدخان المتصاعد من المبنى الذي عرفه فورا.. مكان عمل زوجته
وفي وقت الدوام الرسمي أيضا..
أوقف سيارته بعيدا لأنه رأى ازدحام الشارع بالسيارات المتوقفة.. وركض متجها للمبنى دون تفكير..
إحساس فطري بالشهامة والمسؤولية
حاولوا منعه من الاقتراب لكنهم لم يفلحوا وهو يتعرف على السيدة التي كانت تبكي بهستيرية..
يتوجه لها بحزم ويسألها بنبرة أقرب للأمر العالي النبرة: شاللي صار؟؟ وفيه حد باقي فوق؟؟؟
فاطمة حينما تعرفت على صاحب الصوت تعالى صراخها: كاسرة فوق تقفل عليها الحمام.. وهم يقولون ينتظرون خبير يطلعها
والحريق وصل للطابق اللي هي فيه... بتموت.. بتموت
حينها صرخ فيها كسّاب بحدة: وين الحمام؟؟
فاطمة وهي تشهق: جنب مكتبنا على طول..
كساب توجه للمبنى وهو يركض.. حاول رجال الإطفاء منعه ولكنهم لم يستطيعوا أبدا إيقافه.. أوتثبيته في مكانه
لم يكن لكون كاسرة زوجته أي اهتمام عنده.. ربما لو قالوا له أن هناك قطة في الأعلى لصعد لإنقاذها
هناك روح تحتاج للإنقاذ ولن يتوانى هو عن تقديم المساعدة
وخصوصا ان الموضوع كان هينا بل غاية في السهولة بالنسبة له وهو يدرس احداثيات المبنى ومعطيات المهمة في عقله بسرعة فائقة..
مبنى من ثلاثة طوابق.. بدأ الحريق في الطابق الثالث وانتقل للثاني ولجزء من الاول.. وهناك ضحية محتجزة في حمام في الطابق الثاني
( مهمة غاية في البساطة..)
صعد متحركا بدقة وهو يدرس هندسة المبنى مع حركته البارعة..
فهناك أماكن تتأثر بالحريق أكثر من غيرها.. لذا كانت حركته مدروسة..لا تردد فيها
وهو يتجاوز الأماكن التي يعلم أنها قد تنهار..
لسعت النار أطراف ثوبه وغترته ولكنه لم يصب مطلقا
وهو يقفز ببراعة مذهلة من مكان لآخر ليصل في دقيقة واحدة لباب الحمام
ويخلع قفله بركلة واحدة..
#أنفاس_قطر#
.
.
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم HaboOoshy
كان الممر ممتلئا بالدخان إلى درجة العجز عن الرؤية..
ولكن الحريق -الذي بدأ ينطفئ بسرعة مع ازدياد ضخ مياه المطافىء- لم يصل لكل أجزاءه بعد..
ولكن الدخان مع انطفاء النار كان يزداد بصورة متضاعفة..
خلع كسّاب قفل باب الحمام.. وحين رأى أن الدخان مازال قليلا في الحمام.. عاود إغلاقه عليه بسرعة..
لأنه رأى المخلوقة الموجودة في الحمام يبدو أنها مغمى عليها ورأسها ينحني على ركبتيها
ومعنى ذلك أنها ستحتاج للأسعاف الأولي قبلا.. ودخول الدخان للحمام.. قد يقضي عليها
توجه أولا لنافذة الحمام وخلعها تماما من مكانها.. حتى يسمح للهواء بالدخول.. ثم مد وجهه عبرها وأخذ نفسا عميقا من الهواء النظيف
ورأى عبر النافذة أنهم يكادون يسيطرون على الحريق وبسرعة هائلة
كان يتحرك بتلقائية مدروسة دون أن يخطر له شيء سوى انجاز المهمة كما خطط لها
كانت كاسرة قد أغمي عليها فعلا من رائحة الدخان.. ومن تناقص الأكسجين في الحمام..
كانت تجلس في الزواية ومازالت على نفس وضعية الجلوس
كانت عباءتها مازالت معلقة على باب الحمام.. ولا ترتدي سوى تنورة وتيشرتا قطنيا واسعا..
وشعرها كان ملفوفا بشيلتها..
بعد أن تناولت شيلتها ولفتها على رأسها بإحكام حين علمت بالحريق
ولكن خوفها من احتراق الباب جعلها تتأخر للزواية
وفي ظنها أن الباب حين سيفتح عليها إن كانت مازالت حية
فهي ستلتقط عباءتها ونقابها عن الباب بسرعة
كان لديها إيمان كبير بالله أما أنه سينقذها أو سيميتها دون أن تتألم
كان لديها ثقة برحمة الله على كل حال إن كان الحياة أو الموت
لذا حاولت طمر إحساس الخوف المتزايد في قلبها وتهدئة روعها أن النجدة قادمة لا محالة.
إما نجدة فعلية من رجال المطافئ أو رحمة الله تنتشلها للعالم الآخر دون تعذيب..
" ياآلهي سامحني إن كنت أذكرك في مكان لا يليق بجلال قدرك
ولكنك معنا في كل مكان.. وهذه قد تكون لحظاتي الأخيرة في الدنيا
فأشهد ألا إلا الله وأن محمدا رسول الله
أشهد ألا إلا الله وأن محمدا رسول الله
أشهد ألا إلا الله وأن محمدا رسول الله
.
يارب إن كان ما قد كتبته لي في علم الغيب عندك هو الحياة أو الموت
فلا تكشف ستري يارب
لا تكشف ستري يارب على كل حال"
بقيت معتصمة بمكانها تكثر الدعوات والتشهدات في قلبها .. ولم تشعر بنفسها حين أغمي عليها وبقيت على نفس الجلسة.
كسّاب توجه ناحيتها وهو يشدها ثم يمددها على أرضية الحمام.. كانت ملابسها غارقة تماما بالماء..
شعر أن رأسها ليس مستويا.. لذا انتزع شيلتها ليجد أن شعرها كان كصرة مبلولة مجموعة أسفل رأسها..
كان يتصرف بآلية مهنية .. أزال مشابك شعرها بسرعة.. وعاود تثبيت رأسها باحتراف.. ثم بدأ بإجراء تنفس اصطناعي لها
للوهلة الأولى بدا الأمر له محرجا.. لكنه تذكر أن هذه الممدة أمامه هي في نهاية المطاف زوجته.. لذا باشر إجراء التنفس دون تفكير
بدت له رائحة الأنفاس التي كان يخرجها من صدرها وهو يضغط بكفيه على رئتيها عطرة وعذبة بصورة بدت له غير طبيعية.. خيالية.. أشبه بشيء كالحلم..
ولكنه نحى كل التفكير جانبا وهو يركز على عمله لدرجة أنه لم يدقق في ملامحها حتى..
بعد نفسين وخلال النفس الثالث.. استعادت كاسرة وعيها..وفتحت عينيها.. لتفجع بكل رعب بالموقف..
كل ماخطر ببالها حينها أنها لابد تتعرض للاغتصاب
ومع انتهاء كساب من دفع النفس الثالث في رئتيها حتى سمع كحتها وشعر في ذات الوقت بلكمات متتابعة توجه ناحية صدره..
كاسرة حين رأت الرجل أبعد شفتيه عنها سحبت نفسها للزواية وهي تحاول شد جيب تيشرتها القطني لأعلى بجزع كاسح.. ثم صرخت بتهديد حاد:
يا ويلك تقرب مني..
كساب وقف على قدميه وهو يعيد وضع غترته على رأسه ويهتف بسخرية: هذي كلمة شكرا اللي تقولينها لرجّالش اللي رمى نفسه في النار عشانش..
حينها استوعبت كاسرة من هو الرجل أمامها.. بعد أن كان رعبها والوضع المريع الذي هي فيه لم يجعلها تدقق النظر فيه
جفت الكلمات على شفتيها وهي ترى نفسها أمامه بدون غطاء وشعرها المبتل متناثر على كتفيها ..
عدا عن ملابسها المبتلة التي التصقت بجسدها تماما
ولكنها ورغما عنها في ختام الأمر حمدت ربها أن يكون هو وليس أحدا سواه..
حمدت الله الذي استجاب دعوتها وهي تشعر بتأثر عميق أنه لم يكشف سترها كما رجته..
وشعرت بتأثر آخر عميق مجهول وهي ترى ملابسه التي لسعتها النيران في أماكن متعددة
" أ حقا ألقى بنفسه في النار من أجلي؟!"
كاسرة بعد ذلك وقفت يغتالها طوفان مشاعر مختلفة أبرزها كان شعور حرج مر ومع ذلك هتفت بكل ثقة: خلاص مشكور
اطلع خلني ألبس عباتي واطلع...أظني طفوا الحريق.. صح؟؟
كساب لم يجبها.. لم يجبها!!
فهو أيضا كان للتو ينتبه للمخلوقة أمامه..
ولكن هل يصح أن يسميها مخلوقة؟؟ مجرد مخلوقة؟؟!!
فهو شعر أن هذه الأنثى المستحيلة أمامه يستحيل أن تكون تنتمي لجنس البشر
يستحيل أن تكون خُلقت لتمشي على سطح الأرض كباقي الخلق
هذا التشكيل الرباني الذي يتجاوز كل حدود المثالية العصية على التخيل يستحيل أنه تشكيل لمخلوقة بشرية..
لو كان بالغ في استهلاك كل مخيلته ليصنع مجرد خيال امرأة حسناء لا وجود لها على سطح الأرض
فبالتأكيد إن الكائن العصيّ على كل التسميات الذي يقف أمامه تجاوز كل الخيالات التي لا وجود لها بل التي يستحيل حتى مجرد تخيل وجودها!!
فكيف وهو يراها أمامه.. متجسدة في صورة مخلوق بشري..
ويصدف أن هذا المخلوق هو زوجته هو!!
زوجــتــه هــــو!!
شعر أن ما يراه قد يكون نوعا من خداع البصر.. فمازال يظن ان ما يراه أمامه ليس إلا خيالا لا يمكن وجوده على أرض الواقع
لذا تقدم خطوة للأمام وهو يمعن النظر إليها.. كالمبهوت.. المأخوذ.. المسلوب الفكر
بوصلة نظره تتبع هذه التفاصيل المستحيلة المرتسمة أمامه
كاسرة تأخرت خطوة للخلف وهي تهمس بثقة واستعجال تخفي خلفها حرجها وتوترها: كساب الله يهداك وخر .. ما أدري طفوا الحريق أو لا..
كساب حينها هتف بثقة طاغية: أنا متأكد أنهم طفوه الحين.. ظنش باخليش هنا وأنا عارف إن المبنى عاده يحترق
لا يريدها أن تغادر .. يريدها أمامه كما هي الآن..
مازال يريد أن يتأكد ممايراه .. وخصوصا أن كل تفاصيلها وملامحها واضحة أمامه لدرجة صفاء الصورة المذهل..
التضاريس الأنثوية الباذخة.. البشرة المرمرية التي لا تصدق لشدة النقاء والشفافية
العنق الشامخ الناصع في نحر أكثر سطوعا.. الشعر المعتم كليل سرمدي انحدر شلاله حتى خصرها
وخصلاتها المبلولة تلتصق بأطراف وجهها في صورة مبهرة يعجز أعظم الرسامين عن رسمها..
ود أن يقترب أكثر ليتلمس تفاصيل وجهها..التي انسابت نظرات عينيه تتبعها تفصيلا تفصيلا
التفاصيل المثالية أكثر مما يجب...الباهرة أكثر مما يجب.. الشاهدة على عظم خلق الخالق في تجلي مذهل
" أ يعقل أن هاتين العينين المعجزتين لا تنتميان إلى حورية من حوريات الجنة؟!!
وهذا الأنف المذهل المنحدر كأسطورة قد نُحت لمخلوقة أرضية؟!!
وهاتان الشفتان المهلكتان الخياليتان المرسومتان كحد الحديد والنار.. الانتهاء والبداية قد خُلقتا لينتجان كلمات ككلمات كل البشر؟!
وهذا الجبين المنير كشمس أشرقت للتو على استحياء حتى لا تحرق البشر بشدة سطوتها هو لمخلوقة تمشي بين البشر؟؟
أ يعقل أن كل هذا الحسن الذي لو وزع على كل نساء الأرض لكفاهم وزاد
هو لي وحدي..؟
لي أنا فقط ؟!! "
اقترب كسّاب أكثر.. ماعاد يعرف ما الذي يسيره..
كاسرة تأخرت أكثر ..ونظرات كساب المتفحصة تبعث توترا وخجلا طبيعين فطريين في نفسها
تأخرت أكثر لتجد نفسها تلتصق بالحائط حينها همست بحزم:
يا ويلك تقرب مني أكثر من كذا.. وخر خلني ألبس عباتي..
عاجبك الموقف السخيف اللي حن فيه؟؟
ياويلك تقرب بعد..
حينها انتبه كساب من الغيبوبة الساحرة الخيالية التي انتشى بها للحظات
عاد إلى أرض الواقع وهو يرفع حاجبا وينزل الآخر ويهتف بلهجة متهكمة:
تهدديني.. وتقولين ياويلك.. ليه أنتي شايفتني وحش باهجم عليش
ثم أردف بنبرة مقصودة: يا حليلش!! ماحد قد علمش أشلون تكلمين على قدش..
زين وقربت.. وسويت أكثر من أنني أقرب.. أيش بتسوين؟؟
تصرخين؟؟ عادي.. أنتي مرتي وحلالي..
تبين تلمين جمهور يتفرجون؟؟ عادي ماعندي مانع..
حينها ابتسم بسخرية: وانا ترا ما أبي إلا بوسة وحدة..
اللي قبل شوي.. كنتي مغمى عليش.. ماحسيت فيهم..
أبي وحدة برضاش الحين.. وإلا غصبا عنش ما تفرق
وعقب يالله أوصلش البيت
حينها صرت كاسرة على أسنانها وهي تتحفز: إذا فيك خير.. سوها..وقرب مني
والروحة للبيت والله ثم والله لو أنزل مكسرة.. مستحيل أروح معك
حينها اقترب كساب أكثر منها.. لم يحاول مطلقا تقبيلها ولكنه أمسك كفيها الاثنتين بيد واحدة .. حاولت أن تقاوم لكنها لم تقدر مطلقا
وهو يمد يده الثانية بسرعة هائلة ويضغط على عرق ما خلف أذنها بحرفنة عالية
لتسقط فورا مغمى عليها بين يديه..
حينها أسندها لكتفه بيد واحدة وتناول عباءتها المعلقة ولفها بها .. ثم حملها وهو يخفي وجهها في صدره
نزل بها السلالم بسرعة.. وهو يتحاشى المناطق التي مازالت تتجمر..
فاطمة التي كانت مازالت تنتحب.. حين رأته ينزل بها توجهت ناحيته وهي تصرخ بقلق: وش فيها؟؟
كساب بثقة وهو يغادر: مافيها شيء.. بأوديها بيتهم الحين..
الأطفائي استوقفه: وين بتروح يا أخ؟؟
كساب نظر له بقسوة: رايح أودي مرتي اللي كنتو بتخلونها تموت للبيت
وإلا عندك مانع بعد؟؟
الإطفائي تأخر بحرج وهو يسأل إن كانت زوجته فعلا..وفاطمة تأكد له أنها فعلا زوجته وتوقع على ذلك..
بينما كساب توجه بها لسيارته والكل ينظر له مستغربا دون أن يهتم مطلقا بنظرات الاستغراب..
كل ماكان يهمه أن لا يظهر أي شيء منها.. حين وصل سيارته مددها على المقعد الخلفي..
ثم حرك سيارته.. بعد دقيقة واحدة وصله الصوت الساحر الغاضب: أنت أشلون جبتني هنا؟؟ وأشلون أغمي علي؟؟
كساب لم يرد عليها.. عاودت السؤال بنبرة أكثر حزما: أنت أشلون تجيبني وأنا حالفة ما أروح معك؟؟
كساب رد ببرود دون أن ينظر ناحيتها: ادفعي اطعام عشرة مساكين.. ماعندش عطيتش..
كاسرة بغضب: أنت وش جنسك.. أنا مستحيل أقدر أعيش مع واحد مثلك
كسّاب بذات البرود: عادي أبركها من ساعة.. لا تكونين عشان أنا شفتش تظنين بأموت وأشق ثيابي على زينش
لا يا شاطرة ترا الزين ماقام ولا قعد عندي.. المرة بدالها عشر.. والباب يفوت جمل..
كاسرة هتفت بثقة طاغية: والله ياطويل العمر.. فيه مرة ماتسوى حتى ربع مرة.. ومرة تسوى مية مرة..
وإذا أنت من أولها عندك إنك تقدر تبدلني بعشر.. فأنت ماعرفت قيمتي.. وماظنتي بأصبر لين تعرفها..
كساب بسخرية: بصراحة غرورش ماله حل..
وعلى العموم عشان تشوفين من البزر ذا المرة..اللي الانفصال أسهل كلمة على لسانها
كاسرة تنهدت بغيظ عميق لم يظهر للسطح.. وهي تعلم أنه يلمح لمقابلتهم الأخيرة حين اتهمته أنه طفل.. والطلاق كلمة سهلة عنده..
بينما كسّاب أكمل بنبرة تهكمية بارعة مغلفة بثقة طاغية:
اسمعيني ياحرمنا المصون
إذا أنتي بتظنين إنه عشان أنا شفتش.. وشفت إنه مثل مازينش مافيه
فهذا شيء أنا أعترف فيه إنه فعلا مثل زينش ماشفت ولا ظنتي بأشوف
أنا تاجر شاطر وأعرف أقيم البضاعة عدل..
كاسرة تستمع له وهي تشعر أنها تريد أن تتقيأ من أسلوبه البغيض الكريه في الكلام..
" إن كان هذا هو الغزل الذي يعرفه
فيبدو أن حياتي معه ستكون مأساة حقيقية "
ولكنها لم تعلم ان كسّاب لم يهدف مطلقا للغزل ولكنه يهدف لشيء آخر بدأ يتضح وهو يكمل حديثه:
لكن حطي في بالش إن الزين ممكن يحرك في الرجّال الإعجاب المادي.. مجرد إعجاب رجّال بمرة..
لكن عشان يكون فيه حياة زوجية بمعناها الحقيقي.. فيه شيء يتعدى الجمال بواجد.. والجمال أبد ماله أهمية
وحتى لو كان مهوب موجود الحياة بتمشي وتستمر..
الحياة الزوجية تبي مرة تعرف أشلون تدير بيتها ..مهوب وحدة كل تفكيرها إنها شايفة نفسها فوق العالم... و..
كاسرة قاطعته وهي تلتقط فورا مقصده مما يقول: على فكرة.. إذا أنت ذكي نص حبه.. تراني ذكية عشرين حبة
وذا الفلسفة الفاضية احتفظ فيها لنفسك.. مهوب أنت اللي بتعلمني أشلون أتصرف في حياتي الزوجية
وما أبي حضرتك تعلمني شيء أنا عارفته.. لأنه فاقد الشي لا يعطيه
قاعد تفلسف.. وتبي توريني إنك أبو العريف وحكيم زمانه.. وأنت مخك فاضي
وما تعرف من الحياة الزوجية إلا اسمها
كساب لم يهتم مطلقا لهجومها وهو يهتف ببرود مستفز: وأنتي وش عرفش إني ما أعرف.. تحكمين قبل ماتعاشريني؟؟
كاسرة تشيح بوجهها وهي تعدل وضع طرف العباءة على وجهها: ماشاء الله الكتاب باين من عنوانه..
حينها هتف كسّاب بحزم: زين إنش عارفة إن الكتاب باين من عنوانه..
وهل يا ترى عندش تصور أنا أشلون بأكون في حياتنا الزوجية؟؟
كاسرة بسخرية: بزر.. ماعنده استعداد يتحمل المسؤولية..
ويبيني أخليه برقبته يهيت.. لا أسأله وين رايح ولا من وين جاي..
كأنه في فندق يجي يرتاح فيه شوي ويروح
كسّاب لا ينكر أنه مبهور بما قالته رغم غضبه منها ومن أسلوبها في قوله وهي تتهمه بهذه الطريقة المستفزة..
فرغم اختلاف المصطلحات والتعبيرات فالحقيقة واحدة
وفي نهاية الأمر هذا هو ما يريده فعلا..
لا يريدها أن تقيد حريته أو أن تظن أنها تستطيع تغيير شيء في حياته.. لأنه يرى نفسه عصيا على التغيير
ومافي رأسه وتغلغل في طباعه يستحيل أن يتغير أو يتبدل..
كساب بتهكم وثقة: أبهرتيني بصراحة.. زين إنش عارفة.. أنا واحد مستحيل أتغير أو أسمح لأحد يغيرني..
اللي أبيه هو اللي يصير.. وانتي عليش السمع والطاعة وبس..
كاسرة ترد عليه بتهكم مشابه لكنه مغلف بثقة صارمة: لا يا زوجي المبجل.. ماحزرت.. كون إني عارفة وش اللي أنت تبيه.. مهوب معناه أني بأنفذه..
أنت صرت رجّال متزوج.. غصبا عنك بتلتزم فيني.. وبتلتزم بواجباتك ومسؤولياتك.. وبتكيف حياتك كرجل متزوج..
لأنه العزوبية أيامها انتهت خلاص...
آسفة ماراح أكون وسيلتك لحمل لقلب متزوج وأنت عايش عزابي..
كساب بسخرية عارمة: يعني من الحين تهدديني بالنكد الزوجي؟؟
كاسرة تتأخر للخلف وهي تسند رأسها لزجاج النافذة وتهمس بهدوء واثق:
والله اعتبرها مثل ما تبي.. ما يهمني..
كسّاب بغموض: أمممممم مايهمش.. زين..
غرقت السيارة في صمت عميق لعدة دقائق.. ليهتف كساب بعدها بقسوة:
كاسرة اعرفي أشلون تتكلمين على قدش
لأنه هذي شكلها بتصير مشكلة كبيرة بيننا..
مشكلتش ما تعرفين حدودش.. شوفي وين حن الحين.. في شارع بيتي..
لو بغيت دخلتش الحين فيه.. والله ما تقدرين تفتحين ثمش بكلمة.. وعلى فكرة بيتي انا مافيه حد..
لكن أنا مستحيل أسويها لأني ماني برخيص أسوي مثل ذا التصرف..
أنا أرفع روحي عن الدنايس.. لكن أنا ما أحب حد يتحداني..
لأنه لو أنتي تبين تنكدين علي.. أقدر أوريش اللي أكبر من النكد بواجد..
كاسرة كانت تنظر برعب حقيقي لسور بيت زايد الضخم الذي تعرفه جيدا لأنه غير بعيد من بيتهم..
ولكنها استعادت توازنها بسرعة.. فهي لم تعتد إحساس الخوف.. ولن تسمح له أن يشعرها به..
ولكنها قررت أن لا تستفزه أكثر من ذلك.. لأنه بدا لها فعلا مستثارا من الغضب وهي بعقلانيتها لا تريد أن تزيد الأمر سوءا
لذا همست بهدوء واثق: كساب لو سمحت.. بيتي صار قريب.. بتوديني وإلا كلمت هلي..
كساب يحاول السيطرة على ثورته: جبتش ذا المسافة كلها بأعجز أوصلش كم شارع يعني..
وبعدين وش ذا الذكاء اللي عندش.. أشلون تتصلين وأنتي تلفونش ما تدرين وينه
قالها وهو يكمل طريقه باتجاه بيتها.. حتى دخل باحة بيتها.. كاسرة تنهدت بعمق وهي تحمد الله على انتهاء هذا الكابوس
لم تعلم أن تنهيدتها كانت مسموعة حتى شعرت باليد التي امتدت بين المقعدين وأمسكت بعصمها ومنعتها من فتح الباب
ويصلها همسه العميق الغامض: لذا الدرجة ماكنتي طايقة وجودش معي؟؟
كاسرة بثقة طبيعية: والله تفكيرك بصراحة ما يرقى لتفكيري.. فانت فسرها مثل ما تبي على قد تفكيرك الضيق المحدود..
حينها شد معصمها ناحيته أكثر وهو يهتف بذات الغموض: إذا على اللي تفكيري الضيق المحدود يبيه.. فهو هذا
قالها وهو يقبل نعومة معصمها وباطن كفها ببطء.. وأنفاسه الدافئة تلفح يدها بتقصد
كاسرة حاولت شد يدها بكل قوتها وقلبها يكاد يقفز من بين جنبيها..
وهي تشعر كما لو كانت قبلاته تحرق يدها فعلا صرخت من بين أسنانها: عمري ما شفت وقاحة كذا..
الحين لو شافك حد من أخواني.. أشلون موقفي أنا.. لأنه أنت ما تهمني..
على الأقل احشم مرتك قدام أهلها..
لم يرد عليها حتى شعر أنه أتلف أعصابها فعلا بقبلاته
تمنى أن يجعلها تبكي وترجوه أن يفلتها حتى يحطم تكبرها.. وتمنى في ذات الوقت بقوة أكبر ألا تبكي..
تمنى أن يجعلها تبكي لأنه رآها كند أصابه بالقهر.. وتمنى ألا تبكي لأنها تبقى في الختام مجرد امرأة لا ترضى رجولته بدموعها
ولكنها في كلا الحالين لم تبكِ..
ولكنه شعر من ارتعاش يدها بل جسدها كاملا أنها نضجت تماما من الرعب والحرج والجزع والتوتر.. لذا هتف بثقة وهو مازال يمسك بيدها:
عشان تعرفين دايما أشلون تتكلمين على قدش
وما تفكرين يوم تحطين رأسش برأسي..
أحيانا لساني وكلامي يكفوني عن كل شيء.. ووقتها بتمنين إنش مازعلتيني..
لأنش ما بعد جربتيني يوم أزعل.. ولا الكلام اللي أقوله أشلون ممكن يوجع..
وكل مرة بيكون الرد على قد سواتش.. يعني أكيد عقب عرسنا.. ماراح يكون أني أحرجش بمسكة يدش..
كاسرة انتزعت يدها منه وهتفت بهدوء تخفي خلفه غضبا عاتيا: من قال أحرجتني.. عادي.. ماخذت إلا حلالك..
وشيء ما يغضب ربي ماعليه منقود..
ثم هتفت بحزم وهي تستعد للنزول: وعلى فكرة حط في بالك أني ماحد يقهرني ولا يذلني..
ولا يخطر في بالك ولو لثانية أني بأصبر عليك لو أنت تجاوزت حدودك معي
اعرف أشلون تحترمني.. لأنه زواج بدون احترام مستحيل يستمر
وعلى فكرة بعد.. ترا أرخص تصرف يسويه رجّال إنه يخضع مرته لرغباته بالقوة الجسدية اللي هو يدري زين إنها ما تقدر تجاريه فيها
كاسرة شدت عباتها عليها ونزلت.. وهي تغلق باب السيارة خلفها بكل هدوء..
بينما كانت تتمنى لو أغلقتها بكل قوتها وعلى رقبة كساب لو استطاعت
في الوقت الذي كانت عروق كساب اشتعلت بغضب عارم وهو يراها تدلف البيت بخطوات واثقة..
بقي للحظات واقفا في مكانه.. حتى وصلت كاسرة لغرفتها.. نظرت عبر النافذة لا تعلم لماذا
لتجده مازال واقفا.. أشاحت عن النافذة بنفور شديد.. وهي تخلع ملابسها المبتلة..
عشرات الأفكار كانت تدور في المخيلتين في ذات الوقت
تلوح في الأفق صورة قاتمة لحياة زوجية ستكون سلسلة متصلة من المشاكل
كلاهما أصبح يعرف عناد الآخر وقوة بأسه..
كلاهما بدا للآخر مخلوقا غير قابل للتعاشر..
ويبدو بالفعل أنهما يتجهان لنهاية متوقعة قبل أن تبدأ حياتهما الزوجية
" هل يفكران كلاهما بالطلاق قبل أن يتزوجا فعليا!!!"
" ما أشوفش كلتي شيء؟؟ "
عفراء بابتسامة: أعذرني بس بصراحة ما اقدر أكل من طبخ هنودك.. ما أدري عن نظافتهم..
وبعد أذنك بكرة بأجيب شغالتي وبنطبخ في المطبخ الداخلي.. أبي أطبخ لك أنا
منصور بفخامة: جعلني ما أخلا من الطبخ وراعيته.. ولا تشاورين في بيتش.. لولا إني عزايمي كثيرة وإلا كان سفرت الطباخين..
وما أبي أتعبش تطبخين لذا الأمة .. كفاية أذوق أنا اللي بتسوينه بيدش..
الحين أنا من أمس كلمت مقاول بيفصل بين البيت والمطبخ الخارجي بطوفة عشان يصير اتصاله بالمجلس الخارجي وبس
وأنتي تأخذين راحتش في بيتش
عفراء بحرج: كني سويت لك ربكة في بيتك؟؟
منصور بشفافية: ياحلوها الربكة اللي منك.. صار لي زمان وحياتي صاخة جامدة.. ذبحني الروتين..
ثم أردف وهو يتذكر شيئا: ترا كساب وعلي كلهم كلموني يبون يجيون
يعني مسوين فيها ذربين ويستأذنون.. علي عادي تلبق عليه الذرابة بس كساب لا..
قلت لهم تعالوا أي وقت.. قالوا بيجون عقب العشا
عفراء تقف وهي تهمس برقة: ومزون بعد بتأتي بعد المغرب..
******************************
" ياي يا سوسو لو تشوفين الأكشن اللي صار اليوم
زين لحقت على شنطتش وتلفونش سليمين وجبتهم..
بس جد أحلى شيء الإجازة اللي خذناها لين يلاقون لنا مبنى جديد وإلا يرممون مبنانا
بس ماشاء الله أنتي اللي إجازتش صارت طويلة من قلب
3 أسابيع قبل الزواج وأسبوعين عقبها وعقبها إجازتش السنوية ماشاء الله"
كاسرة تتنهد وتهتف بعمق: ماظنتي أني بأخذ ذا الإجازة كلها
فاطمة بمرح: إلا تأخذينها ونص.. يستاهل أبو زايد من يتفرغ له.. عقب اللي سواه اليوم
تخيلي.. تخيلي.. ياربي.. رياجيل الأطفاء ما قدروا يدخلون المبنى وهو دخل عشانش
الله أكبر على عيون البنات طلعت من مكانها وهو نازل شايلش
كل البنات يسألوني (هذا رجّال كاسرة؟؟)
والله ماعلي منهم.. كبرت في وجيهم .. ومسكت في حلوقهم لين كلهم قالوا ماشاء الله ولا وحول ولا وقوة إلا بالله
كاسرة بسخرية: من جدش؟؟ على شنو ياحسرة؟؟ على البودي جارد اللي الله أرسله لي؟؟
فاطمة باستغراب: اشفيش يا بنت الحلال.. أنتي اللي من جدش..
كاسرة تنهدت بعمق أكبر ثم هتفت بحزم: ترا يوم قلت لش يمكن ما أخذ الإجازة كلها
ترا كنت أقصد أني أفكر أنهي سالفة العرس كله قبل يصير..
بس اللي هامني في الموضوع كله جدي.. ما أبيه يأخذ على خاطره وأنا وافقت علشانه..
لكن الحياة مع ذا الشخص مستحيلة فعلا
فاطمة شهقت بعنف: قسما بالله أنش استخفيتي.. يوم الله هداش وأخيرا وافقتي على واحد ..تبين تطلقين
أنتي عارفة وش الجريمة اللي تبين تسوينها في روحش
ذا السنين كلها تردين الخطاطيب.. وعقبه يوم الله هداش وتملكتي تبين تطلقين
يمديش على السمعة الحلوة اللي بتطلع عليش..
كاسرة بحزم: ما يهمني كلام الناس.. أنا الحين يهمني جدي أشلون أمرر السالفة بدون ما يدري بشيء
فاطمة كسّاب واحد ما ينتعاشر.. والله العظيم ما ينتعاشر..
فاطمة بغضب: وش العيب اللي فيه؟؟؟ ماشفت منه إلا مواقف تدل إنه رجّال فيه خير..
إلا رجّال مافيه اثنين في حميته وشجاعته..
كاسرة بتهكم: وانا أبي لي واحد يشتغل لي بودي جارد..؟؟
أنا أبي زوج..
ثم أردفت بنبرة صوت أهدأ: اسمعيني فاطمة.. يمكن كسّاب كرجّال بشكل عام مافيه عيب
ويمكن كزوج لوحدة غيري تحمد ربه عليه... لكن أنا شخصيتي ما تمشي مع شخصيته
لما وافقت عليه عشان جدي.. قلت سنه صغير مهوب مشكلة.. أستحمل وأكبر عقلي..
لكن لما شفته وتعاملت معه..تأكدت إنه مافيه أي فرصة للتفاهم بيننا
تقابلنا بس مرتين وقامت بيننا حرب.. وجرَّحنا في بعضنا فوق ما تتخيلين
أشلون عقب حياتنا بتكون...؟؟؟
أنا والله أفكر في المستقبل.. بكرة بيكون بيننا عيال.. وطبايعه صعبه ودمه حامي وعلى أقل سبب ممكن يثور ويهدد ويتوعد
وتعامله قاسي ومتحفز..
بصراحة ماني بمستعدة اقضي الباقي من حياتي في عذاب عشان واحد ما يستاهل
*********************************
" أشفيك سرحان؟؟"
كساب يتنهد بحزم: فيه شوي قررات تنطبخ في الرأس
منصور بحزم مشابه: ممكن نعرف وش هالقرارات اللي شاغلتك؟؟
كسّاب بنبرة أقرب للسخرية: أفكر أطلق..
منصور بجزع: أنت تزوجت عشان تطلق.. وش ذا الخبال.. بنات الناس لعبة عندك
كساب بحزم: محشومين بنات الناس.. بس إذا كانوا بنات الناس على قولتك ما ينفعون يكونون ربات بيوت
وش حادني على الغثا؟؟
منصور بنبرة متهكمة: جبان يعني؟؟ تبي تهرب من الحياة الزوجية قبل تجربها
حينها وقف كساب وهو يصر على أسنانه: ما أسمح لك ياعمي تقول عني جبان
منصور يشير له بيده أن يجلس ويهتف بحزم شديد: ألف مرة قايل لك صوتك ما يرتفع علي
وإيه جبان وألف جبان.. تبي تهرب من المواجهه قبل تصير حتى
يا أخي على قولتك (كل السالفة مرة).. وش فيها المرة مخوفتك يعني
حينها رد عليه كساب ببرود حازم: عمي مهوب أنا اللي أخاف من ألف رجّال عشان أخاف من مرة
لكن ياعمي المرة ذي بتصير أم عيالي.. لو ما فكرت في نفسي بأفكر في عيالي عقب..
قاطع حوارهم صوت عفراء الحنون وهي تضع صحنا يحتوي عدة كاسات من العصائر المتنوعة
ومزون خلفها تضع صحنا آخر: اشفيك يابو زايد شكلك مزعل كساب؟؟
منصور ينظر لكساب ويهتف بنبرة مقصودة: أنا وولد أخي لا تحاورنا.. حوارنا حاد شويتين
الله مهوب هادينا لين روسنا تكسّر..
حينها وقف كسّاب وهو يهتف بحزم: لازم أروح.. وراي شغل
والحقيقة أنه لم يرد أن يتطور الحوار بين بينه وبين عمه وأمام خالته ومزون.. فكلاهما متحفز حاد العبارات لأبعد حد حينما يغضب أو ينفعل أو يحتد..
عفراء برجاء: وين بتروح يأمك.. توك جاي.. وحتى علي مابعد وصل
كسّاب يمد يده بكيس فخم كان جواره ويهتف بمودة: على جاته شغلة ضرورية وما ظنتي إنه بيجي والوقت تأخر كذا..
ثم أردف وهو يقبل رأسها: وهذي هديتش وسامحيني عالقصور
عفراء تناولتها بخجل وهي تهتف له بحنان: زين يأمك تغدوا عندي كلكم بكرة..
كسّاب بهدوء مقصود: لا جعلني فداش.. اخذي راحتش أنتي وحضرت العقيد..
لأن العقيد شكله مهوب طايقنا..
قال العبارة الأخيرة بنبرة مقصودة وهو ينظر لعمه.. عفراء تنظر لمنصور ثم تنظر لكسّاب وهو تهمس برقة: تدري بغلاك عند حضرت العقيد
وإن قال شيء ضايقك فأكيد عشان مصلحتك...
حينها اقترب منصور وهو يضع أطراف أصابعه على كتفها ويهتف بابتسامة: الله لا يخليني من اللي ترقع لي..
عفراء حركت كتفها بحرج لكي يزيل يده عن كتفها ولكنه لم يستجب لحركتها المترجية
بينما كسّاب كان يستعد للخروج ويبتسم: لولا ترقيعة بنت محمد وإلا كان علوم
مزون حينها همست باختناق: كسّاب ممكن تأخذني معك..؟؟
كسّاب نظر لها بحدة.. ولكنه بعد ذلك هتف بحزم: أنتظرش برا
فهو شعر بحرجها أن تبقى مع العريسين الجديدين بعد أن تأخر الوقت.. وقرر أن يأخذها معها من باب الذوق معهما وليس معها..
مزون ارتدت عباءتها وهي تقبل عمها وخالتها وتخرج على عجل.. بينما عفراء انشغلت بجمع الأطباق والكاسات..
منصور شدها لتجلس جواره وهو يهتف بحزم: خليهم.. إذا صرت موجود لا تنشغلين عني بشيء..
عفراء بحرج: إن شاء الله
مع إن ما اسمي هذا انشغال أساسا.. أشلون لو انشغلت فعلا..
منصور مد كفه ليمسك بكفها وهو يمر أصابعه على كل أصبع من أصابعها ويهتف بمودة مختلطة بحزمه الطبيعي:
أنا أكثر وقتي أصلا مشغول.. فشوي الوقت اللي بأكون فيه عندش أتمنى تكونين متفرغة لي أنا وبس..
عفراء التفتت له وابتسمت: بصراحة ديكتاتوري..
منصور مد سبابته ليمسح على طرف خدها وهو يهمس بخفوت: زين عرفتي من أولها أني ديكتاتوري
لأن الديكتاتوري مايستحمل حد يخالفه..
عفراء أمسكت يده التي تمسح وجهها وأنزلتها بجوارها برقة وهي تهمس بذات الرقة أيضا: زين ياحضرت الديكتاتوري
يا ليت ما تحرجني مرة ثانية قدام عيال أختي .. أحرجتني يوم حطيت يدك على كتفي..
حينها شدها منصور ليقبلها بولع دافئ وهو يهمس في أذنها: زين لو مسوي كذا قدام عيال أختش وش كان سويتي؟؟
ترا كل السالفة كفي على طرف كتفش بحركة عفوية.. ماقصدت شي
عفراء تتخلص من حضنه بحرج .. مازالت تحتاج مزيدا من الوقت للتعود على جرأته التي تجده يغمرها فيها دون مقدمات أو تمهيد
مازالت في طور التعود على محض وجود رجل في حياتها... فكيف بهذا الرجل الذي لم يمنحها وقتا للتعود حتى
وهو يفرض نفسه على كل شيء ويريد امتلاك كل شيء فيها:
ماعليه أبو زايد.. تكفى حتى يدي ما تمسكها قدام أحد..
*****************************
في خارج بيت منصور
مزون تركب بجوار كساب بتردد.. هيبة الموقف ألجمت كل أحاسيسها..
أربع سنوات مرت لم تجلس مطلقا في هذا المكان
بعد أن كان مكانها المفضل في كل مكان تخرج إليه...
تعلم أن كل المدة التي ستجلسها جواره لن تتعدى دقائق فبيتهما قريب جدا
تمنت أن يحدث شيئا يجعل هذه الدقائق تمتد وتمتد
لم يوجه لها الحديث مطلقا ونظراته ثابتة على الطريق أمامه.. بينما كانت تسترق النظرات له..
تحاول أن تعرف ما الذي تغير..
من أين جاء بكل هذه القسوة؟!! كيف تغير هكذا؟؟
تأخذ لها نفسا عميقا.. حتى رائحة عطره تغيرت..
سيارته وحتى غرفته دائما مثقلة برائحة عطره الفاخر الثقيل الذي تبدو رائحة دهن العود هي الغالبة فيه..
بعد أن كان يفضل رائحة المسك..
كانت تود أن تسرق من هذا الزمن لحظات تعيد لها شقيقها الأثير ولو لحظات.. ولكن اللحظات انقضت سريعا.. كلمحة بصر
لتتفاجأ بهما يصلان سريعا ويقفان في باحة بيتهما..شعرت بقلبها يهوي بعد لحظات سعادة يائسة مبتورة
لم يكلمها وهو يستعد للنزول.. همست بصوت مختنق: كسّاب ممكن تعطيني ميدالية مفاتيحك؟؟
كساب حينها التفت لها بحدة: نعم؟؟
مزون باختناق: دقيقة وحدة وأرجعها لك..
كساب كان سيرفض قطعا.. ولكنه شعر بالفضول (لماذا تريد مفاتيحه؟) لذا أخرجها من جيبه وأعطاها له ببرود
والسبب الآخر الذي ينكره على نفسه.. أنه لم يستطع ردها وهي تطلب هذا الأمر التافه بهذه النبرة الموجوعة..
فهو كان يقاوم في داخله رغبة أعمق.. وركوبها جواره يعيد له ذكريات قديمة.. أثيرة.. تبدو مشوشة غائمة خلف ضغط الجرح والتجريح
مزون أخرجت من حقيبتها ميدالية أخرى.. نزعت ميداليته بحركة سريعة رشيقة ووضعت مفاتيحه في الميدالية الجديدة
همست بضعف وهي تعيد المفاتيح له وتستعد للنزول: هذي هدية ملكتك.. شيء بسيط
كنت بأعطيك إياها في علبتها مغلفة .. بس كنت عارفة إنك ماراح تفتحها
حلفتك بالله ما تشيل مفاتيحك منها.. تراها قطعة حديد لا تأكل ولا تشرب
ويارب أنك تقدر تحتوي صاحبة الحرف مثل ماحرفك احتوى حرفها
تراها تيتمت صغيرة ومهما بدت للناس قوية.. تبيك تكون أقوى وأحن
مزون أنهت عبارتها ونزلت.. بينما كساب تنهد بعمق وهو ينظر للميدالية البالغة الأناقة والفخامة والرقي ..
بلاتين وجلد أسود.. على أحد وجيهها اسم ماركة عالمية شهيرة جدا وعلى الوجه الآخر حُفر على البلاتين حرفين كلاهما k الإنجليزي
أحدهما كبير ويحتوي في داخله حرف k أصغر بطريقة فنية رائعة..
ابتسم كساب بسخرية مريرة موجوعة تنزف مرارة سرمدية لا حدود لانغراسها في روحه: احتويها وأنا ما أحتويتش؟!!
إنا مخلوق صعب التعامل معي.. وقلبي أسود.. إذا أنا ماقدرت أحتوي الغالية اللي كانت قاعدة جنبي
إذا انا ماقدرت أسامحها وهي أغلى من أنفاسي
وأشلون وحدة ما أعرفها.. جايتني تظن إنها تقدر تفرض علي اللي هي تبيه
أسهل ماعلي إني أكسر رأسها.. أخليها ما تسوى.. أعرفها حجمها وحدودها
أخليها تعرف إنها مالها في حياتي قيمة .. أروضها وأمشيها على الصراط المستقيم
لكن أنا ما أبي أقهر لي مره ثانية.. كفاية حسرتي بقهر مزون.. وقهري بحسرتها
رفع يده ينظر للميدالية وهمس بحنان عميق مثقل بالوجع : بأخليها عشانش يامزون..
وإلا صاحبة الحرف ماتستاهل إلا اللي يدعس خدها
خلاص باعتبرها أحرف اسم شركتي..
.
.
.
آه يا مزون لو تعلمين كم أعاني بعذابي المخفي في أعماق لم يصلها أحد..
كم أعاني من ألم النكران والجرح ولبس ثياب التجاهل!!
إذا كان جرحي في قلبك لا يتوقف عن النزيف
فقلبي مطعون منك على الدوام
إن كانت الطعنة قد انتهت عندك وبقي فقط ألمها ماثلا ينزف
فأنا أشعر أن سكينك ماغادرت قلبي يوما
ووهي تتحرك بشفرتها في كل الاتجاهات.. تقطع شرايين قلبي بلا رحمة
هل تتصورين هذا الألم؟؟ هل تتخيلينه؟؟
أ لم يكن هذا ما فعلته مابي وأنتي تبعثرين كرامتي وكل محبتي لك دون أي اهتمام أو رحمة؟!!
لذا أنا عاجز عن الغفران.. عن المسامحة.
كيف أغفر أو أسامح من سكينها مازالت تغرسها بقلبي
مهما حاولنا كلانا انتزاعها..
فالسكين رشقت في مكانها... وأبت أن تغادر
كيف تغادر وأنتِ من تأكدتِ الآف المرات أنكِ غرزتها حتى أعمق الأعماق؟؟
كيف تغادر وأنتِ من تأكدتِ أنكِ ثبتها في مكان لن تصل له يد رحمة أو غفران؟؟
.
.
.
قبل أربع سنوات..
تنزل الدرج متألقة.. سعيدة.. محلقة.. مغرقة في شفافية عميقة.. محاطة بالاحتواء والحنان
وكل ذلك انعكس على روحها وحتى إحساسها بشكلها
ومع نزولها للدرج كان يدخل هو من الخارج يحمل بيده كيسا بالغ الفخامة.. التقت النظرتان والابتسامتان..
تلاقيا في منتصف الصالة ..قبلت رأسه بمودة خالصة: وينك مختفي اليوم؟؟ اشتقت لك..
يجلس وهو يشدها جواره ويهتف لها بابتسامة حانية: رحت أجيب هديتش..
همست له بخجل: قلت لك مالها داعي.. ما أدري ليه سويت ذا الهدية قضية الشرق الأوسط
يحتضن كتفيها ويقبل رأسها وهو يهتف بمودة مصفاة: ابي وعلي وحتى عمي وخالتي وجميلة كلهم جابوا لش هداياهم إلا أنا
قدني متفشل من روحي.. بس شاسوي كنت أبي لش شي غير..
هذي هدية الثانوية العامة وأنتي بعد غير شكل بيضتي وجهي من قلب
ما تخيلين وناستي الله يونسش بالعافية.. أنا يوم خلصت ثانوية ولا حتى الجامعة عقبها ما فرحت حتى واحد على ميه من فرحتي بنجاحش..
فقلت لازم الهدية على قد النسبة اللي جبتيها وعلى قد فرحتي أنا فيها..
صار لي أسبوع ماخليت محل في الدوحة مافليته فل..
مزون بتأثر عميق: الله لا يخليني منك.. ليه تكلف على نفسك كذا..
كساب بمودة: وش كلافته؟؟ عيب ذا الكلام... المهم خلني أكمل لش الفيلم الطويل
اليوم ثالث مرة أجي نفس المحل.. فالبياع مستغرب مني.. يقول لي أنت وش تدور؟؟ صار لك كم مرة تجي.. لو تحب ساعدناك
قلت له أبي هدية ماجا مثلها في الدوحة.. لأحلى وأشيخ بنت في الدوحة
فطلع لي هديتش هذي .. كان على قولتها مخبيها لزباين خاصين..
ثم أردف وهو يبتسم: بس جد سويتي لي خلل في الميزانية... على الراتب اللي إبيش يعطيني عقب هديتش بتشوفيني أطر على بيبان المساجد
مزون تبتسم: يا النصاب أدري عندك فلوس غير عن ورثك من أمي..
وبعدين أنت يأما تقول لابي يزيد راتبك أو تسوي لك أنت بيزنس خاص فيك..
كساب بجدية: ما أقدر أطلب من إبي كذا ولا أخليه بروحه في الشركة.. لأني فاهم ليه هو يسوي كذا
إبي يبي يحكني.. يبيني أبدأ من أول السلم وأعرف الشغل صغيرة وكبيرة
يعني من أول ما اشتغلت معه عقب التخرج قبل 4 سنين لين الحين صار عندي فرق شاسع في الخبرة..
مزون بحنان: بس جد أنا شايفة إبي يزودها عليك.. وخصوصا إني عارفة طبعك حاد شويتين..
كساب يبتسم: أنتي اللي قلبش رهيف... لو إبي ما سوى كذا أشلون باتعلم.. والطبع الحاد إلا لازم يظهر بس أكيد مهوب مع إبي..
كفاية علي ما يبي يشتغل معنا.. مخه مافيه الا السياسة..
ثم أردف باهتمام: إلا خلينا في المهم... الحين أنتي وش قررتي تدرسين؟؟
صمتت مزون باختناق.. كساب يستحثها للحديث: ها يا قلبي.... لا تكونين ما بعد قررتي؟؟
مزون جفت الكلمات في حنجرتها: إلا قررت... إبي ما قال لك..؟؟
كساب باستغراب: ومن متى كان فيه وسيط بيني وبينش؟؟ وليه إبي يقول لي؟؟
أبي أسمع منش
مزون نهضت من جواره وجلست في كرسي مقابل له وهتفت بأحرف مقطعة: أبي أدرس طيران..
حينها انفجر كساب ضاحكا: حلوة ذي يا بنت.. طيران مرة وحدة... إلا ما تبين تدخلين الجيش مع عمي منصور بالمرة؟؟
مزون باختناق أكبر: كساب أنا من جدي.. أبي أدرس طيران
حينها تغير وجه كساب للجدية: مزون يا قلبي السوالف ذي مافيها مزح..
مزون ابتلعت ريقها: وأنا ما أمزح
حينها تنهد كساب بعمق ثم وقف وجلس جوارها احتضن كفها في كفه ثم هتف لها بعمق أخوي شاسع:
يا حبيبتي أنتي .. اسمعيني... أدري إنه أحيانا ممكن يطري على الواحد أفكار مستحيلة أو صعب تحقيقها..
أنا وأنا بزر تمنيت أكون رائد فضاء ...ويمكن أنتي تمنيتي تكونين كابتن طيار
بس الواحد يوم يكبر يشوف شنو ظروفه وإمكانياته تسمح له..
التحدي حلو.. والمجال الصعب مطلوب.. والاستثنائية أكيد مطلب لوحدة متفوقة مثلش
واللي تبينه على رأسي وعيني.. بس مهوب طيران عاد... تبين طب؟؟.. هندسة..؟؟
حاضر... وأنا اللي بسافر معش لين تخلصين دراستش... تدرين إني ما أقدر أخليش تغيبين من عيني
أنا باروح معش بدل السنة عشر سنين...تدللي
مزون غير مقتنعة بما قاله لذا همست بذات اختناقها: وتعطل حياتك كلها عشاني؟؟
أنت وش حادك تتغرب؟؟.. بأدرس هنا.. وإبي ما عنده مانع
كساب يعاود التنهد ويهتف بثقة: ماعليش مني ماراح تعطليني من شيء.. بأحضر معش ماجستير ودكتوراة ويمكن أسوي بيزنس هناك
بأصرف روحي... المهم أنتي..
أما إبي فمستحيل مايكون عنده مانع.. أكيد إنه يظنش تمزحين..
مزون حنجرتها جافة لأبعد حد: إبي يدري إني ما أمزح... وأنا مصممة على ذا التخصص
حينها هتف كسّاب باستغراب: نعم؟؟ مصممة؟؟ وإبي يدري..؟؟
ثم أردف بنبرة عدم تصديق: مستحيل أصدق ذا الخرابيط أصلا...
بنت زايد آل كساب كابتن طيار مع الرياجيل كتف بكتف..!!
مزون حينها هتفت بثقة: والله أنا تربيت عدل وهذا شيء أنت واثق منه...
وفيه شغلات واجد فيها اختلاط حتى الطب والهندسة اللي أنت تعرضهم علي
كساب بحزم: لا لا تألفين على كيفش... مافيه شغلة مثل الطيران.... أقل شيء فيها أنش بتسافرين بدون محرم...
وإلا كابتن طيار بتأخذ محرمها في كل رحلة...؟؟
وبعدين في الطب ممكن تصيرين طبيبة نساء... أطفال.. وما تسوين شيء يغضب ربش
والهندسة مع أنها فكرة صعبة... بس بعد ممكن الواحد يخليها تتناسب مع ظروفه..
الحين وش كثر سيدات الأعمال النسوان.. بنسوي لش شركة نسائية
يعني في كل حال احنا نقدر نتحكم بالوضع
لكن الطيران لا.... مجتمع مفتوح ومختلط لأبعد حد...
شوفي أنا هذرت ذا كله... وأنا متأكد إنش مستحيل تكونين تكلمين من جدش
مزون تنهدت بعمق ثم هتفت بتصميم: وأنا أتكلم من جدي.. من حقي اختار المجال اللي أبيه
حينها وقف كساب هتف بحزم: وأنا مستحيل أوافق على ذا الخبال..
مزون بحزم: مهوب من حقك ترفض.. هذا مستقبلي أنا..
كساب بصدمة حقيقية: مزون هذي آخرتها؟؟.. توقفين في وجهي عشان موضوع ما يستاهل؟؟..
لو أنا منعتش من الدراسة كلها.. لش حق تعترضين
لكن أنا أعطيش ألف خيار وأمنعش من خيار واحد أدري إنه ما ينفعش.. ليش العناد ذا؟؟
مزون برجاء: كساب تكفى لا تعقدها كذا..
كساب بنفس النبرة المصدومة: أعقدها؟؟ هي أصلا متعقدة بدون شيء..
مزون بتصميم: إذا بغيت أنت ما تعقدت..
حينها هتف كساب بحزم شديد: وأنا ما أبغي ذا السالفة كلها... وسكري ذا الموال كله ولا عاد أسمعه عندش
مزون تنهدت بعمق ثم هتفت بحزم: وأنا ما عندي غير ذا الموال..
حينها وقف كساب ثم أوقفها... نظر في عينيها بشكل مباشر ثم هتف بصرامة:
وأنا أقول لش يا أنا... يا ذا الخبال اللي في راسش
أنا والله لحد الحين أظنش تمزحين
لكن لو على فرض إنش جادة.. هذا أنا أقول لش
لو دخلتي ذا التخصص انسي إن لش أخ اسمه كساب
وأظني إنش تعرفين إني واحد ما أهدد.. ويوم أقول شيء أكون قاصده
.
.
.
بعد ذلك بعدة أيام
الجو في البيت مكهرب لأبعد حد... الكل يحاول ثني مزون عن هذا التخصص وأولهم عمها وخالتها..
كساب كان ثائرا لأبعد حدود... وأكثر ما يؤلمه أنه بعد كل هذه السنوات التي قضاها أما لها وأبا
تختار عليه شيئا تافها.. يحاول أن يجد لها عذرا ولكنه لا يستطيع.. لا يستطيع..
فجرحها في قلبه كان عميقا جدا..
(أعلمه الرماية كل يوم..فلما اشتد ساعده رماني)
أن يكون قد أوقف كل حياته الماضية من أجلها.. كانت هي الأولوية في حياته
لا يغادر الدوحة إلا في أضيق الحدود حتى لا يتركها
تكون هي رقم واحد حتى على احتياجاته الخاصة... منذ أن تخرج من الجامعة وهو يتمنى لو أكمل دراسته العليا
ولكنه أجل الموضوع بل مستعد لإلغاءه من أجلها
ثم في أول موقف ينتظر منها أن تثبت له أن تضحياته من أجلها لم تذهب سدى
لم يطلب منها شيئا كبيرا حتى... رفض فقط تخصصا لا يناسبها
وفتح لها كل الأبواب عداه.. ولكنها لم ترد سوى هذا الباب بل وتفضله عليه
فأي حزن أسود غرق فيه قلبه؟؟
مازال لديه أمل أنها قد تتراجع.. مازال لديه أمل أنه في النهاية سيكون له بعض الاهتمام عندها
رغم أنها جرحته ومزقت شرايين قلبه بسكين صدئة ..ولكنه مستعد للمسامحة.. من أجلها مستعد للغفران..
لا يستطيع أن يصدق أنها فضلت عليه شيئا تافها كهذا.. ومع ذلك هو مستعد لتناسي هذا الجرح العميق
المهم ألا تستمر في جنونها هذا!!
.
.
هو وعلي يجلسان في الصالة السفلية ينتظران حضور زايد ومزون.. في قلب كل منهما أمل عميق
أن تنتهي هذه المشكلة التي عصفت بأمان بيتهم..
فور أن دخلا من الخارج
كساب وعلي كلاهما قفزا.. علي سأل بحذر: من وين جايين؟؟
زايد تنهد بعمق ثم أجاب بحزم: من كلية الطيران .. سجلنا مزون..
حينها صرخ كساب بانفعال كاسح: يعني خليتها تسوي اللي في رأسها.. خليتها تسوي اللي في راسها؟!!!
مزون انكمشت واختبئت خلف زايد.. بينما علي توجه ناحيتها وهو يهمس لها بحنو:
مزون عاجبش حالنا... ما يسوى علينا ذا التخصص
أكثر ما أكثر الله الجامعات والتخصصات... اختاري اللي تبين
حرام عليش أنا وكسّاب.. على الأقل فكري في شكلنا قدام الناس.. فكري بالكلام اللي بينقال عليش
وأنتي بنت كل شيء بيأثر عليش
مزون بتصميم وهي تسند جبينها لكتف زايد من الخلف: ماعلي من الناس..
حينها هتف علي بألم عتب شفاف: وحن بعد ماعليش منا؟؟ مالنا اهتمام عندش
مزون بضيق عميق: أنتو مكبرين السالفة وهي صغيرة... أنا ما أشوف فيها شيء..
حينها انتفض كسّاب بعنف وهو يشدها ليتناولها من خلف زايد ويصرخ فيها بنبرة مرعبة: ما تشوفين فيها شيء؟؟ ما تشوفين فيها شيء؟؟
مزون انكمشت مع انقضاض كساب عليها بينما زايد لطم يد كساب التي تمسك بمزون وخلصها ليعيدها خلفه وهو يصرخ بنبرة مرعبة:
وبتمد يدك عليها وأنا واقف مالي احترام ولا تقدير
كساب يصرخ بكل وجيعة العالم وقهره: وبأكسر رجلها بعد... والله ما أخليها تروح ذا الكلية...
زايد بحزم مرعب: إلا أنت اللي والله ثم والله لأدري إنك مديت اصبعك عليها إنه زعلي عليك دنيا وآخرة
حينها بدأ كسّاب يصرخ بانفعال لا حدود له.. لا مقياس له.. غضب مجرد .. قهر مجرد.. حزن مجرد:
تبون تقهروني؟؟ تبون تقهروني؟؟...خافوا الله فيني..
أنا وش سويت فيكم..؟؟ وش سويت فيكم.؟؟.. والله لو أني عدو ما تسون فيني كذا
هي.. سنين عمري كلها وأنا حاطها فوق رأسي ومبديها على خلق الله
وأنت.. طول عمري وأنا عصاك اللي ما تعصاك...
وش سويت فيكم تسوون فيني كذا..؟؟
كساب كان يرتعش من الغضب والانفعال ووجهها يكاد يتفجر من الاحمرار والغضب والكلمات تتناثر كبركان ثائر من الغضب والقهر والانفعال
علي التزم الصمت من شدة تأثره والكلمات تختنق في حنجرته.. ماعاد للكلمات معنى!! ماعاد للكلمات معنى!!
بينما مزون بدأت تبكي وهي تنشج وتقول: كساب تكفى لا تسوي في روحك كذا
والله السالفة بسيطة..
حينها صرخ بها كساب بكل انفعال الكون: خلاص شايفتها بسيطة.. خليها.. أنا لآخر مرة أقول لش يأنا.. ياذا الدراسة.. اختاري الحين
مزون بألم عميق: كسّاب تكفى لا تقارن نفسك بشيء ما يسواك عندي.. بس في نفس الوقت ما أقدر أخليه..
أنا خلاص مستحيل أخلي الطيران..
كساب يصرخ بثورة هائلة: وانت يبه من جدك موافقها..؟؟
زايد بهدوء يخفي خلفه أملا وألما شاسعين.. فهو ممزق.. ممزق بينهم: أنا قلت لها وقدامكم أكثر من مرة إنه ذا التخصص ما ينفعها..
بس هي لزمت وقالت ماتبي غيره.. وأنا يوم وعدتها أخليها تدخل اللي تبي ماكنت أدري إنها تبي ذا التخصص
والحين هذا أنا أقول لها قدامكم للمرة الأخيرة:
يا أبيش ترا الفرصة قدامش تراجعين.. التخصص ذا ما ينفع لش وأخوانش زعلانين منه
مزون باختناق: يبه أنت وعدتني.. وعدتني..
زايد بحزم: وأنا ما أرجع في وعدي.. وتدرين بذا الشيء زين... لكن لا تخلين وعدي لش سيف على رقاب أخوانش
مزون تنشج وهي تخفي وجهها في عضده: يبه تكفى ما تحرمني من حلمي اللي أبيه.. أنت وعدتني..
زايد يتنهد بعمق مرير ثم يربت على خدها: خلاص يا أبيش خلاص.. لا تبكين.. ما تضامين وأنا راسي يشم الهوا..
كساب يصرخ بصدمة مريرة موجوعة: قد ذا اللي الله قدرك عليه (لا تبكين يا أبيش) خلها تبكي بدل الدموع دم..
بكرة بتدري إن حن كنا نبي مصلحتها.. تكفى يبه لا تطاوعها.. تكفى..
مزون تنشج: تكفى يبه ما تردني من شيء طول عمري أحلم فيه..
زايد بصرامة : خلاص الحكي خلص... مزون بتدخل اللي هي تبي... وإن شاء الله ما يلحقها شر وأنا وراها
حينها انحدرت نبرة كساب بألم شديد: تكفى يبه.. تكفى..
طالبك طلبة.. طالبك ماتخليها تدخل ذا الكلية..
رد عليه زايد بنبرة باردة صارمة تفيض صقيعا مدروسا: أظني إني عادني حي.. وشورها في يدي
وأنا قلت لها إذا جابت ذا النسبة .. بأخليها تدخل اللي هي تبي
حينها انهار كساب على ركبتيه..وانكب على يد والده يقبلها.. وهمس باستجداء موجع.. موجع حتى عنان السماء..
موجع حتى نهايات الوجع الموغلة في اليأس والألم والتشبث بمعاني رجولته البدوية الغالية:
تكفى يبه لا تخليها تفضحنا.. تكفى..
والله ماعاد أطلب منك شيء في عمري كله
بس لا تردني.. تكفى.. تكفى
طالبك يبه.. طالبك طلبة
يبه تكفى.. ما تهمك سمعتنا بين الناس؟!!
زايد انتزع يده بحدة وهو يحترق ألما لهذا الجاثي المبعثر عند قدميه..
يود أن ينتزعه من الأرض ليزرعه بين النجوم.. أن يمحي نظرة الإنكسار الذابحة في عينيه
فهو الذي علمه ألا ينكسر ولا ينحني ولا يتردد..
تركه جاثيا في مكانه وابتعد عنه ليهمس بثقة صارمة.. مرعبة.. نبرة من لا يهمه في الحياة سوى قناعاته هو:
أنا ما يهمني حد
وهي بتدخل اللي تبي
ولا حدن بقاهرها وأنا رأسي يشم الهوا
شيء ما في روحه انكسر.. انكسر.. انكسر وتحطم إلى فتات متطاير
يحاول أن يجمع أشلاءه المتناثرة .. أن يقف مانعا نزيف روحه من الظهور علانية
وتحل في عينيه نظرة آخرى.. مختلفة.. مختلفة تماما
وقف وهو يمد قامته.. ثم هتف ببرود صارم موجوع:
خلاص يبه لا تقهرها.. لا تقهرها.. خلها تدخل اللي تبي..
بس من اليوم اعتبروا كسّاب مات.. ومالكم شغل فيه
أنا من اليوم مقدم استقالتي من شركتك
وهي أنا مقدم استقالتي من حياتها... تنسى إن لها أخ اسمه كساب
أدري إنها مسيرها تندم ومسيرها ترجع تدور رضاي
بس من الحين أقول لش.. اللي انكسر يامزون ما يتصلح
وأنتي وابيش كسرتوني.. كسرتوني
.
.
اليوم
يتنهد كساب بألم.. يحاول أن يتناسى هذا الألم.. فلا يفلح.. لا يفلح
يشد على ميدالية المفاتيح بين يديه بقوة حتى شعر بألم انغزازها في كفه
عل الألم الجسدي يلهيه عن ألم الروح.. ولكن لا فائدة.. لا فائدة
فهذا الألم لا يتزحزح ولا ينتهي.. ولا ينقضي..
يتنهد تنهيدة أعمق ثم ينزل من سيارته متجها للبيت..
******************************
الوقت يقترب من منتصف الليل
مازالت عاجزة عن النوم.. تشعر أن يدها مازالت تحترق بأثر قبلاته.. وصدرها ممتلئ برائحة أنفاسه التي دفعت في رئتيها الحياة اليوم
والأهم من هذا وذاك إحساسها بالنفور الغريب من لمساته وأنفاسه.. نفور لا تعلم كيف تفسره.. نفور معقد مضطرب
تخجل حتى من تفسيره لنفسها..
تشعر أن الحياة معه مستحيلة... لم تستطع احتماله حتى لدقائق فكيف لسنوات
ومع ذلك فإن الأغرب فهو رغبتها الجامحة أن تجرب كيف ستكون الحياة بقربه فعلا
هذا الرجل الغريب بجاذبيته وشخصيته .. المعقد في تصرفاته التي يصعب تفسيرها
كما يصعب تماما تفسير إحساسها الغريب به.. شعرت أنها تريد أن تتقيأ وهو يقبل يدها
ومع ذلك ويا لا الغرابة -رأسها يؤلمها حرجا من مجرد الفكرة- مع ذلك تمنت ألا يتوقف..
تشعر أنها تريد أن تدعك يدها حتى تسلخ جلدها لكي تمسح أثر قبلاته الذي التصق ببشرة يدها
ومع ذلك أيضا تشعر برغبة بذات القوة أن تتلمس بزهر شفتيها مكان شفتيه الدافئتين على حرير يدها..
وقفت وهي تنفض رأسها وتشعر بالحرج العميق من أفكارها..
يبدو أن هذا الكساب يقودها لجنون فعلي لابد أن تنقذ نفسها منه..
يستحيل أن تسمح لنفسها بالانخراط في حياة عبثية مثل هذه ومع رجل يبدو عاجزا عن فهمها أو حتى احترامها
محض طفل يبدو أنه سيتعامل معها كلعبة لن يتردد في تحطيمها إن لم تعجبه
قرار ما يرتسم في قرارة فكرها..
توجهت لحقيبتها... بحثت في ثناياها عن شيء معين بثقة... فهي حين تقرر لا تتراجع..
لا تتراجع أبدا !!
**************************
قبل ذلك بحوالي ساعتين...
"هلا حيا الله أبو زايد.. مهوب عوايدك راجع بدري"
كساب يلقي غترته جواره ويهتف بهدوء: أولا مهوب بدري الساعة 10 الحين..وأنا مابعد تعشيت أنتظر علي نتعشى سوا
زايد يغير لقناة اقتصادية ويهتف بهدوء مشابه: عليكم بالعافية.. ادعوا مزون عقب تتعشى معكم
توها داخلة من بيت عمها..
كساب بهدوء: أدري.. أنا اللي جايبها
زايد شعر باستغراب عميق أشبه بالصدمة.. ومع ذلك لم يعلق مطلقا.. يعلم أن مجرد تعليقه على الموضوع سيجعل كسّاب يتحفز
لذا تنهد بعمق وهو يدعو الله من أعماق قلبه أن يكون هذا الأمر دلالة لتحرك شيء من الصفاء بين مزون وكساب..
زايد أراد أن يُظهر الأمر كأمر اعتيادي لذا هتف بحزم: بكرة بأخلي مدير مكتبي يتصل بسكرتيرك عشان يحدد موعد توقيع العقد
المحامي خلص من كتابة العقد..
كساب هز كتفيه وهتف بحزم مشابه: أجل توقيع العقد .. لأنه يمكن ما نوقعه
زايد باستغراب عميق: ليش؟؟
كساب بهدوء واثق: لأني ولد سوق.. وأحسبها بعقلي.. صحيح أنت بتعطيني مشروع بيقفز بشركتي خطوة كبيرة قدام
بس في نفس الوقت بتورطني في مشروع فاشل من أساسه
زايد بذكائه لم يحتج أن يفهم ما يقصده كساب بالمشروع الفاشل لذا هتف بحزم:
هذي مساومة تبيني أرفع قيمة العقد عشان تستمر في المشروع الفاشل على قولتك؟؟
كساب استرخى في مقعده وهو يهتف بحزم صارم: لا طال عمرك.. نبي نفسخ العقد بكبره
اختيارك ماجاز لي .. وأبي أطلقها
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم HaboOoshy
يعود لغرفته وهو ينتفض غضبا
نعت كسّاب بمختلف النعوت.. نعته أنه جبان وليس برجل و (رخمة)
أ بعد أن أصبحت كاسرة زوجته يريد أن يتخلى عنها بسهولة؟؟
أي جنون يعصف برأس هذا الفتى؟!!
أ يريد أن يقهره ؟!!
لا يستطيع أن يجد له مبررا آخر.. فهو لم يعرف الفتاة بعد ..
فلماذا هذا التحامل الشديد عليها؟؟
يستحيل أن يسمح له أن يفعل هذا بابنة مزنة..فزايد مازال لم يدخل المعركة بكامل عدته وعتاده
لن يسمح له أن يكون السبب في خدش مشاعر مزنة وابنتها!!
يبدو أن هذا الفتى لا يعلم بماذا ورط نفسه... بما أنه دخل المعمعة لن يسمح أن يتراجع.. لن يسمح له!!
فهو من أدخل نفسه عرين الأسد!!
يبدو أن هذا الفتى لا يعرف من يناطح بعد
فهو سيناطح -إن استمر في جنونه- زايد بن علي آل كساب شخصيا
نعم أمهله طوال السنوات الماضية وهو يرجوه أن يتزوج بينما هو يرفض
لكنه الآن فعلها.. فعلها.. أصبح رجلا متزوجا.. وانتهى الامر
وهو من وافق بكامل رضاه!!
إذن فليحتمل ما سيلاقيه!!
لم تنتهِ معركتهما الحامية إلا مع دخول علي عليهما.. وهو يقوم بدور المصلح
ولكن كلاهما قرر الانسحاب لغرفته تلافيا لمزيد من الشد بينهما
فكلاهما كانا على وشك الإنفجار
ليتركا علي يبتسم ويهتف لهما بمرح شفاف: زين واحد منكم يتعشى معي يا عيال الحلال.. وش ذنبي أنا؟؟
.
.
كساب في غرفته يزفر بحرارة.. يخلع ملابسه ويقرر القيام بتمارين الضغط للمرة الثانية اليوم.. حتى يفرغ بعض طاقة الغضب المتزايدة في روحه
" أنا الغلطان من البداية يوم وافقته..
خليت الحق يركبني..
حسسني إني الكسبان.. وفي النهاية مافيه خسران غيري"
.
"زين لو جينا للحق البنت مالها ذنب تسوي فيها كذا
أشلون ترضى على مرجلتك تضر سمعتها لو طلقتها قبل العرس بأسابيع بس؟"
.
"بس ما أبيها .. ما أبيها
ما تنطاق.. ما تنطاق!!
دسم على الكبد.. ما تنبلع ولا تنصرط!!"
.
" ليه بتلاقي أحلى منها؟؟"
.
يبتسم : " لا تذكرني بس
لا تذكرت عيونها وإلا شفايفها وإلا نعومة بشرتها
أحس عظامي تبرد
وكهرباء تمشي بجسمي"
.
" يعني عقب ذا كله تبي تطلقها ؟؟
وذا الزين اللي أنت لمسته بيديك يصير لرجّال غيرك؟؟"
.
يزداد سرعة في القيام بتمارين الضغط وهو يزفر بغضب:
" أعوذ با الله منك يا أبليس.. فارقني قدام أقتل قتيل الليلة"
.
" ومن قال لك أنا أبليس.. أنا أفكارك اللي في عقلك الباطن
أنت عادي فكرت تطلقها عشان تريح بالك من غثاها
بس ما فكرت إنك إذا طلقتها بتأخذ حد غيرك"
.
"خذك ربي ياعقلي الباطن أنت وإياها"
.
.
مع تزايد أفكاره تعقيدا كان يزداد سرعة في القيام بتمارين الضغط ارتفاعا وانخفاضا
فهو فعلا لم يرَ فيها أي ميزة سوى الجمال.. فهل تكفي هذه الميزة لصنع حياة زوجية؟؟
يخشى أنه بعد أن يعاشرها حتى جمالها سيتحول إلى قبح في عينيه..
ولكن جمالها كان بالفعل من النوع الذي قد يصيب بالجنون والهوس..
أن يعلم أن كل هذا الجمال الذي لا مثيل له والذي كان له.. قد يصبح محرما عليه قبل أن يكون له فعلا
ويصبح من نصيب رجل آخر.. يلمس بيديه ما لمسه هو بنفسه اليوم..
يتحسس بشرتها.. شفتيها.. شعرها.. يتنفس من قرب رائحتها العذبة المسكرة التي شعر بها تلتصق به اليوم وهو يحملها قريبا من قلبه
ازدادت حركته عنفا وهو يزفر أنفاسا محرقة.. غضبا محرقا مدمرا على هذا الرجل غير الموجود الذي سيمد يده عليها
وهو خلال كل هذا يستمع لرنين الهاتف عدة مرات.. قبل أن يصمت ثم تصله رنة رسالة..
لم يهتم مطلقا حتى وصل للحد الأدنى من رضى التمارين
ثم تناول منشفته ليستحم.. وهو في طريقه للحمام التقط هاتفه على عجالة
اتصالان من رقم غريب ثم رسالة:
" أنا كاسرة
لو سمحت ابي أشوفك بكرة في بيتنا
حدد الوقت اللي يناسبك "
كساب استغرب بشدة..
قد يكون فعلا قابلها ولكن في مكان عملها.. ولكن في بيتها وأمام أسرتها ..
أي أمر كبير تخطط له حتى تتجاوز بهذا الطلب كل العادات المعروفة؟!!
لن ينتظر للغد حتى يعرف... اتصل بها فورا..
همسها الناعم الحاد الساحر الأثيري المثقل بالتناقضات: هلا كسّاب..
كساب بسخرية: المهلي ما يولي..
كاسرة بهدوء: أنت كذا على طول تمسخر على خلق الله
كساب بتهكم: بزر.. وش تتوقعين مني؟؟
هزت كاسرة كتفيها بثقة: صحيح وش أتوقع منك؟؟
كساب يلقي منشفته على السرير ويتمدد ليصبح صوته أكثر ثقلا وتأثيرا:
طيب ودامش ما تتوقعين من ورا البزر شيء.. ليش تبين تقابلينه..؟؟
كاسرة تنهدت بعمق وبدت له تنهيدتها أشبه بسحر مصفى وهي تنفث بعدها سحر صوتها ولكن بحزمها المعتاد:
لولا إنه عندنا إجازة الحين من الشغل أو كان طلبت تقابلني هناك
لأني ما أبي هلي يدرون بالكلام اللي بيصير بيننا
لكن بما أنه الهيئة احترقت فما فيه مكان إلا بيتنا
كساب يتجاهل ماقالته وهو يهتف بتهكم: خاطري أسمع منش شي غير عنطزتش وأنتي مسوية فيها السيدة الحديدية
كاسرة تشعر بغيظ لم يظهر في هدوء صوتها: كساب أنا أبي أتكلم في موضوع مهم.. أجل مسخرتك لغيري..
حينها هتف كساب بحزم: نعم.. وش تبين.. واختصري.. أبي أقوم أسبح..
كساب بحزم مشابه: أفضل نتناقش وجه لوجه..
كساب بصرامة: مافيه داعي.. لا هو من سلومنا ولا من عوايدنا أجيش في البيت..
وأنا ما أقدر أحرج نفسي.. عشان خرابيط في مخش تبين تصدعيني فيها..
كاسرة حينها ردت بحزم: خلاص مثل ما تبي
ثم أردفت وهي تستخدم نبرتها العملية الجدية : كساب أعتقد إنه ما يخفى عليك عقب ما تقابلنا إنه مابيننا أي توافق ولا تناسب
ومبين إن الحياة بتكون صعبة بيننا.. هذا واحنا بعدنا على البر أشلون بكرة لا صار بيننا عيال
المنطق يحكم علينا نفكر بمصلحتنا.. هذا مستقبل وعشرة عمر مهوب شهر ولا شهرين.
صمتت لثانية ثم أردفت بحزم أشد : أنا أبيك تطلقني.. ودامك رجّال فيك خير وتعرف السلوم والعوايد..
أتمنى إنك أنت اللي تقول إنك طلقت من نفسك.. ما أبي هلي يدرون إني اللي طلبت الطلاق..
وخصوصا جدي.. ما أبيه يدري بأي شيء..
حينها انتفخت أوداج كسّاب غضبا كاسحا أشبه بالصدمة..
" أ حقا تجرأت هذه البغيضة وطلبت الطلاق مني؟!!
أ حقا فعلت ذلك ؟!
تطلب مني أن أطلقها؟؟ أي جنون هذا؟!"
قد يكون هذا هو ما كان يريده.. لكن أن ينفذه من أجل رغبتها هي.. ثم تتزوج شخصا آخر تكون له..
لا وألف لا.. يستحيل!!
أي جنون معقد بات يسيره؟؟.. وإلى أي جنون تقوده هذه الكاسرة؟! :
تدرين والله ماعليش مردود.. وحدة عرسها عقب أقل من 3 أسابيع تبي الطلاق
نعنبو ما تهمش سمعتش أنتي.. وش تبين الناس يقولون عليش
أنا رجّال ما يعيبني شيء.. لكن أنتي الناس بيأكلون وجهش..
كاسرة بثقة: ما يهمني كلام الناس.. المهم حياتي أنا.. ماني بمستعدة أعيش حياتي الباقية كلها في تعاسة..
كسّاب بسخرية: لذا الدرجة شايفة حياتش معي مأساوية..
كاسرة بحزم: قلنا الكتاب مبين من عنوانه..
كساب بحزم كاسح: والكتاب يقول لش روحي بلطي البحر..
أنتي مرتي وبتكونين لي غصبا عنش وإلا برضاش
ومستحيل تعرفين حد غيري عمرش كله..
لي أنا وبس.. واضح كلامي أو تبين أعيده..
كاسرة تنهدت بحزم وهي تبث أكبر قدر من الجدية والمنطقية في كلامها:
صدقني كساب ماراح ترتاح معي.. أنا وحدة شخصيتي قوية ورأسي يابس... وبتتعب معي..
وش حادك على ذا الحياة.. أنا أحلك من كل شيء قبل ما تطيح الفاس في الراس
خلك عقلاني.. وفكر بعقلك..
كساب هز كتفيه وهتف بحزم مرعب: نعم.. رأسش يابس؟؟
توش ما عرفتي وش يباس الرأس.. خلش تجين عندي.. وبأكسر لش راسش اليابس
لم يكن مطلقا يريد أن يكون هذا آخر المطاف.. لم يكن يريد قهرها ولا إيذائها
ولكنها من دفعته لذلك
هي من دفعته للتحدي والتهديد..
يستحيل أن يسمح لها أن تفرض شروطها وشخصيتها بهذه الطريقة
يستحيل أن تتقبل كرامته أو رجولته المفترضة المرسومة أطرها بتقليدية هذا الأمر!!
كاسرة ردت عليه ببرود مدروس: أنت اللي نعم؟!! تكسر رأسي؟!! أنا ماحد يكسر رأسي
ماعليه قلنا زوجي ولك الاحترام والتقدير على فرض إنه بنتزوج
لكن إنك تظن إنك بتسيطر علي وإلا تخليني مسلوبة إرادة .. لا يا كساب
ما عرفتني.. أنا مستحيل حد يفرض علي شيء...
كساب بتهكم بارد: عادي.. نروضش مثل المهرة اللي تعسف لين يطيح اللي في رأسها..
حينها بدأت كاسرة تغضب لكنها ردت بحزم محترف: أنا ما أنا بحيوان تعسفني
ولو هذا التفكير المتخلف هو اللي في رأسك.. صدقني الحياة بيننا مستحيل تستمر
طلقني يا ابن الحلال.. أنا لولا خاطر جدي وإلا والله ثم والله لأخلعك.. عادي عندي
كساب بغضب كاسح: نعم؟؟ تخلعيني؟؟ وتقولينها بكل وقاحة يا قوية الوجه.. زين يا كاسرة دواش عندي.. زين..
كاسرة ببرود مستفز: أعلى مافي خيلك اركبه .. صدق بزر وعصبي...
أنا ما أبيك.. وقلتها لك بصراحة واحترام مثل ما الناس المتحضرين يتفاهمون
لكن أنت أسلوبك همجي في الحوار والتعامل.. وتحد الواحد ينزّل مستواه في الكلام عشان تفهم عليه
كساب بحزم صارم شديد: كاسرة اقصري الهرج الماسخ.. لا تحديني على شيء ما يرضيش
أقلها أني ممكن بكرة أروح لأخيش وجدش وأقول عندي سفرة مهمة
وأبي أروح بمرتي.. وأكنسل العرس.. وأخذش بدون عرس..
ثم أردف بتهكم حاد: اعقلي يامره.. وعندش ذا الأيام كلها تعودي على فكرة البزر اللي بتأخذينه..
***************************************
كان يصلي قيامه.. حين سمع صوت الباب يُفتح
وخطوات ثقيلة تدخل لداخل غرفته
حينما التفت بعد تسليمته وجد كسّاب يجلس على مقعد قريبا منه
زايد لم يوجه له مطلقا أي حديث وهو يتناول مصفحه ويتلو ورده بصوت منخفض
حينما انتهى اتجه لسريره ليتمدد دون أن يوجه كلمة واحدة لكساب الذي كان جالسا طوال هذا الوقت..
كساب اقترب من سرير والده وانحنى ليقبل طرف رأسه اليسار لأنه كان يتمدد على يمينه ويهمس في أذنه:
لذا الدرجة زعلان عشانها..؟؟
زايد دون أن يلتفت ناحيته هتف بحزم: كسّاب اقصر الشر .. وفارقني لغرفتك
أنت جاي لاحقني هنا.. تبي تكمل لغو
لا تخاف بنكمل.. بس مهوب الليلة!!
كسّاب ابتسم وهو يهتف بخبث: إلا جاي أقول لك لا تنسى بكرة تحدد موعد لتوقيع العقد..
حينها اعتدل زايد جالسا وهو يهتف بنبرة مقصودة: وش اللي صار.. فكرت وشفت إن المشروع ماحد يفرط فيه؟؟
كسّاب ينظر له بشكل مباشر ويهتف بنبرة ذات مغزى: إلا وأنت صادق صاحبة المشروع يبه
والله لو حتى ما تبي تعطيني مشروع المجمع.. والله واللي رفع سبع سموات بليا عمد إنه مايردني منها شيء إلا الموت..
زايد يرفع حاجبا: غريبة !! وش غير رأيك؟؟
كساب يهز كتفيه ويهتف بذات النبرة المقصودة: مهرة يبه تبي من يعسفها..
وعلى قولت خالد الفيصل: أحب أعسف المهرة اللي تغلى
وأنا أشهد يبه إنها تغلت.. خلها تغلى لأن مسيرها للعساف..
حينها ابتسم زايد وهتف بنبرة اعتزاز: كفو.. كفو
ثم أردف بتساؤل خبيث: الحين قل لي..أنت شفتها وإلا كلمتها؟؟
كساب وقف وهو يتجه للباب ويرد على والده بشبح ابتسامة:
كلها يبه.. كلها
***********************************
"تأخر في العودة
مابه هذا الرجل؟؟
أكاد أجن منه
ليس مطلقا زوجي الذي عاشرته لسنوات
شخص غريب لأبعد حد
أين صالح المتدفق الشاعري الرومانسي بل حتى المندفع في كل شيء
كان يغمرني في طوفان من مشاعره واشتياقه الدائم
فأي برود هذا اللي تسلل لروحه وجعلني عاجزة عن معرفة ردة فعله القادمة"
نجلاء تدور في الغرفة..
تقرر الليلة أن تلبس لباسا أكثر جرأة بقليل..
لا تعلم بالفعل إلى أي شيء تهدف.. فهي بالفعل لا تريد أن يقترب صالح منها.. ولكنها تريد أن تجري تغييرا ما.. عل صالح يصدر منه تصرف يدل على انه صالح القديم
تشعر بالفعل بالتشويش.. تريد لها أرضا ثابتة تقف عليها..
ماعادت تعرف حتى كيف تجري معه حوارا
ارتدت بيجامة بدون أكمام وبنطلونها يصل للركبة.. نثرت شعرها العسلي على كتفيها.. تعطرت بكثافة
ثم جلست تنتظر
كانت تشاهد لها برنامجا عن تأثيث المنازل..
ليثير البرنامج فيها شعورا عميقا بالحزن اخترق كل جوانحها
حينما غضبت من صالح.. كان بيتهما الخاص على وشك الانتهاء..
ومع وصول البيت لتشطيباته الأخيرة.. كانت عصبيته بلغت الذروة.. كان يقضي طوال النهار مع العمال..
ويعود لها آخر النهار بغبار البيت وعرقه.. تحاول أن تحتوي تعبه وإرهاقه.. ولكنه كان ينفجر فيها بدون سبب
ليعود بعد دقائق ليعتذر... شعرت أنه يستنزف كل طاقتها وصبرها ومرونتها
كرهت ذلك الوضع.. ماعاد بها صبر..
بات كل شيء يستثيره.. غاضب على الدوام
غاضب على الدوام من موضوع البيت.. وتأخر العمال.. وعدم دقة المهندس
غاضب على الدوام من موضوع حملها الذي كانت تأجله..
بالفعل هو كان يتراجع معتذرا ما أن ينفجر فيها... لكنه لن يرتاح ما لم ينفجر
تعبت من احتواء غضبه.. ثم مدارة حزنها حينها يأتيها يائسا معتذرا
كانت تفضل أن تكتم في ذاتها على أن تؤذيه بأدنى شيء
كانت تقول لنفسها: يكفيه مافيه..
لكنها وصلت لمنتهى الطريق... صبرها نفذ.. ومرونتها ماعادت تفيد..
تحتوي غضبه وإرهاقه وعصبيته وتضغط على كل مافيها من أجل إرضاءه
ثم يكون رده عليها بعد كل ذلك معايرتها بأمها
حينها قررت أن ترحل لبيت والدها... ولأول مرة تفعلها..
اعتذر لها كثيرا.. أكثر من كل مرة وأشد وأكثر حزنا...كان يعتذر ويترجى ويعدها ألا يتكرر هذا الامر ..وهما يتعاركان على حقيبتها...
هي تضع ملابسها في حقيبتها... وهو يعيدها للخزانة
رجاها بعمق ألا تفعل به هذا وفي هذا الوقت بالتحديد.. فهما كان يخططان لبدء تأثيث المنزل.. وهذا الأمر كان بالغ الأهمية عنده
ولكنها هربت وتركته..
وهاهو البيت توقف على مراحله الأخيرة.. فصالح أوقف كل شيء بعد مغادرتها..
كم حلما معا بلون معين لغرف الاولاد.. ولغرف البنات اللاتي سيأتين.. خشب المطبخ.. وسيراميك الدرج
ألوان الصبغ.. وأثاث الصالات... أشكال الستائر.. وحتى نباتات الحديقة
الآن حتى لا تستطيع أن تسأله عن البيت.. أو عن أي شيء في حياتهما المشتركة كزوجين..
لا تستطيع سؤاله عن عمله الذي كانت تعرف أدق تفاصيله لأنه كان يخبرها بكل شيء..
لا تستطيع سؤاله إن كان مازال يخيط ملابسه عند ذات الخياط.. ويحلق عند ذات الحلاق..
لا تستطيع سؤاله هل مازال حريصا على رياضة المشي..
وهل مازال يحب أن يتناول قهوته بالقرنقل الذي كانت تنهاه عنه..لأن رأسه يؤلمه إن افتقده..
لا تستطيع حتى سؤاله كيف هو مستوى الكوليسترول عنده الذي اكتشف قبل خلافهما بقليل أنه مرتفع قليلا
كانا لا يتوقفان عن الحديث.. عن كل شيء.. وحول كل شيء...
وإذا بهما يتحولان إلى مخلوقين غامضين صامتين لا وجود لأي حوار بينهما
فهل الذنب ذنبها أو ذنبه؟؟
هل تريد أن يحلا ما بينهما؟؟ أم لا تريد؟؟
"بالتأكيد أريد
ولكني مجروحة منه.. لا أريد ان أغلق الجرح قبل تطهيره
لا أريد أن يعاود الجرح الالتهاب
أريد أن أحل كل ما بيننا قبل أن نستأنف حياتنا كزوجين"
نسف تفكيرها دخوله الهادئ عليها..
ألقى التحية.. نظر لها نظرة توحي بعدم الاهتمام.. ثم انسحب للحمام
صلى قيامه.. قرأ ورده.. ثم تمدد دون أن يوجه لها كلمة واحدة..
نجلاء كادت تجن منه.. اقتربت منه وهزت كتفه.. وهتفت بغضب:
يعني عشان أنا اللي ذليت روحي لك.. وطلبت أرجع للبيت تعاملني كني والطوفة واحد..
قوم كلمني.. لمتى وحن على ذا الحال..؟؟
صالح اعتدل جالسا وهتف ببرود: نعم يأم خالد.. وش اللي يرضيك؟؟
وش إطار العلاقة الزوجية اللي ترضي أنانيتش؟؟
الحين أنا اللي حطيتش مثل الطوفة يا نجلا؟؟؟
مهوب أول كلمة قلتي لي إياها : "صالح اعتبرني ما رجعت.. اعتبرني ماني بموجودة"
وعقبه أثبتي لي بالدليل القاطع إنه هذا فعلا اللي تبينه..
يعني ما راعيتي إني محروم منش كل ذا الشهور.. مااهتميتي من لهفتش عليش
ما همش إلا نفسش ومشاعرش.. وأنا بالطقاق..
الحين أنا صرت اللي أعاملش مثل الطوفة؟؟؟
أنا ما سويت إلا تنفيذ رغبتش.. معتبر نفسي قاعد في غرفتي بروحي.. مثل ما كنت قبل ما ترجعين..
يعني من تبيني أكلم.. أكلم حد مهوب موجود..
يا بنت عمي إذا طاح الخبال اللي في رأسش.. أظني إني قريب.. قولي لي وقتها أنا رجعت يا صالح
نجلاء انتفضت غضبا منه وهي تقرر أن تتوجه لتنام في غرفة ابنائها.. كعادتها حينما تعجز عن مواجهته.. تجد أن الهرب هو أسهل طريقة
بينما صالح تنهد بعمق.. وهو يعاود التمدد على سريره وهو يعلم أنه لن يذوق النوم الليلة..
******************************
" توك تتعشا؟؟"
همس مزون الحاني لعلي الذي يجلس على طاولة مطبخ التحضير في الطابق العلوي
علي يبتسم: شأسوي كنت متفق أنا وكساب نتعشى سوا.. بس ثارت القنابل بينه وبين أبيه
ومارضى حد منهم يتعشى معي
مزون تبتسم مثله: وش القضية ذا المرة؟؟
علي بمرح: والله ما أدري.. تقولين ديكة... كلمة من ذا وكلمة من ذا وما فهمت شيء..
بس اللي فهمته إنه عشان موضوع زواج كساب
مزون بحنان ونبرة مقصودة: وأنت متى بيكون زواجك؟؟
علي يتنهد ثم يهتف بعمق: أنا تو الناس علي.. عندي مشاريع الحين في رأسي تبي لها تفرغ
ولا والبال ولا الروح مستعدين لذا الموضوع
******************************
يفتح عينيه بكسل.. يتلمس المكان جواره فيجده خاليا
يعتدل جالسا فيجدها تتحرك بخفة في أنحاء الغرفة
هتف بصوت ناعس ثقيل: صباح الخير
عفراء انتفضت بخفة ثم ردت بعذوبة: أنا قاعدة أتحرك بشويش ما أبي أصحيك
أزعجتك؟؟
وإيه.. صباح النور والسرور
منصور يبتسم وهو يعتدل ويضع المخدات خلف ظهره ويستند لها: لا ما أزعجتيني.. أنا صحيت بروحي
وبعدين أنا ما أبي سلامات وصباحات بلوشي..
تقولين لي صباح الخير .. لازم تجين وتحبين خشمي..
عفراء تتوجه ناحيته وهي تبتسم بخجل: قلنا لك مهلك علينا يأبو زايد..
ثم انحنت لتقبل أنفه ليشدها هو إلى حضنه .. عفراء تحاول التخلص من عناقه برقة وهي تهمس بذات الرقة: منصور تكفى لا تاخرني..
حينها كان منصور هو من أبعدها عن حضنه وهو يهتف بصرامة: أوخرش عن ويش؟؟
عفراء وقفت وهي تهمس بطبيعية وهي تتناول حقيبتها وتضع فيها أغراضها: عن المدرسة طبعا
حينها هتف منصور بحزم: وحدة توها متزوجة مالها ثلاث أيام.. وتبي تروح لدوامها
إذا أنا على كثر مشاغلي أخذت إجازة أسبوع
عفراء بخجل عميق: ماعليه السموحة يابو زايد.. بس أنت تدري إنه خلاص البنات أخر الفصل والامتحانات عقب كم يوم
بس يومين أخلص شغلي وأسلمه زميلاتي.. وعقبه اوعدك أتفرغ لك..
منصور بحزم بالغ: آسف.. طلعة من البيت وأنا موجود آسف.. اتصلي واعتذري منهم
عفراء تضايقت بالفعل من أسلوبه المستبد ومع ذلك همست برقة بالغة:
منصور الله يهداك.. لو قايل لي من امس كان تصرفت بس الحين لازم أروح
منصور يلقي بالغطاء جواره لتنتفض بخفة وهي ترى طوله الفارع جوارها ويهتف بحزم متزايد:
وأنتي لو قلتي لي من أمس.. كان قلت لش أمس.. والحين انتهينا من ذا السالفة.. طلعة مافيه..
ثم تجاوزها وهو يجلس على الأريكة ويزفر بغضب..
عفراء تنهدت بعمق وضيقها منه يصل الذروة
" يبدو أنني عرفت سبب عدم استمراره في زواج
فمن ستحتمل كل هذا التسلط؟؟
هل أخطأت بالتسرع في الموافقة؟؟
ولكني صليت الاستخارة عدة مرات.. والله سهل الموضوع
لا يمكن أن يخيبني الله"
عفراء تتنهد وهي تقرر أن تغير استراتيجتها.. فهي تتعامل معه كما تتعامل مع كساب حينما تحاول أن تمتص غضبه بهدوءها
وإن كانت هذه الطريقة تنفع مع كساب لأنه ابنها.. فهي تفشل مع زوجها الغريب الأطوار بتسلطه المتزايد..
فكيف تتصرف الانثى مع زوجها في موقف كهذا.. قررت أن تفكر قليلا.. وجدت أنها فاشلة جدا في التفكير بطريقة أنثوية بحتة..
ولكن لتحاول..
اقتربت لتجلس بجوار منصور رغم خجلها من أن تتصرف بجرأة معه.. لكنها بالفعل لا تستطيع التغيب عن المدرسة اليوم
منصور استغرب التصاقها به.. ثم استغرب أكثر تصرفها التالي..
احتضنت عضده بنعومة.. لتقبل صدغه ثم تنقل شفتيها برقة لأذنه وتهمس بأكبر قدر من الرقة استطاعته:
تكفى منصور لا تفشلني.. والله لازم أروح.. أوعدك بس اليوم أعطيهم كل أوراقي اللي عندي.. وعقبه أنا باقدم إجازة
تكفى يا قلبي..
شعرت أن صوتها تحشرج مع أحرف كلمة (قلبي) المصنوعة..
وهي عاجزة عن رفع عينيها لمنصور وهي تلصق خدها بعضدها وتثبت نظرها على كفيها.. وتصمت بحرج عميق...
منصور ابتسم وهو يمد ذراعه التي كانت تستند لها ويحتضنها بها ويهتف بنبرة ذات مغزى: والله تطورتي يا النصابة..
عشان تعرفين إني احترم حركة النصب اللي سويتيها واللي أدري أنها كانت صعبة عليش
أنا اللي باوديش.. بس والله ما تعقبينها لين أنا أرجع لدوامي.. وهذا أنا حلفت... تروحين اليوم وبس..
عفراء قفزت وهي تكاد تنكفئ من شدة حرجها: إن شاء الله يأبو زايد.. اللي تقوله تم..
بينما تعالى صوت قهقهات منصور الذي كان يتجه للحمام..
**********************************
" وش ذا النهار المبارك.. أنتي عندي من أول النهار"
كاسرة تميل على كتف جدها تقبله وتهمس برقة: وش أسوي؟؟ ما عندي شغل .. خلاص أنت شغلي..
الجد بحنو عميق: الحمدلله اللي أظهر رأسش..
كاسرة بابتسامة حانية: قلتها لي يبه من البارحة لين اليوم عشرين مرة فديتك
ماجاني شي جعلني الأولة.. أول ما درينا بالحريق نزلنا..
الجد حينها سأل: إلا صدق كساب اللي جابش البارحة؟؟
حينها شعرت كاسرة رغما عنها بالحرج.. فمازالت ذكرى الأمس ماثلة تثير عشرات المشاعر المعقدة.. العصيّة على التفسير
بالأمس حين أحضرها كساب للمنزل.. حمدت ربها أنه لم يراها أحد حتى استحمت حتى لا يسألها أحد عن ملابسها المبلولة
فهي لم تكن تريد إثارة رعبهم حين يعرفون باحتجازها في الحمام والمبنى يحترق
حينها أخبرتهم بالحريق ولكنها قالت أنها نزلت مع الموظفين الآخرين
وأخبرتهم كذلك أن كساب هو من أعادها للمنزل.. بعد أن كان عابرا للمكان بالصدفة..
فهي لا تستطيع إخفاء أمر كهذا.. وترى أنه ليس من اللائق إخفائه
همست لجدها بهدوء: إيه يبه كساب اللي جابني..
الجد بهدوء: وليه ما نزل يتقهوى عندي..
كاسرة تهمس لجدها برقة: يبه كان مستعجل يبي يروح لشغله..
حينها ابتسم الجد: جعل عمره طويل.. الله يخليه لزايد..
حينها تنهدت كاسرة وسألت جدها بعمق: يبه تعرف كساب زين؟؟
لا تعلم ما الذي يحدث لها.. كساب بات يحدث ثورة تفكير لا تتوقف في رأسها.. وثورة أوسع من التناقضات
البارحة فقط كانت تريد الطلاق منه.. واليوم تتلهف بغرابة لأخباره!!
الجد أجابها بنبرة طبيعية: رجّال والنعم..
كاسرة تنهدت تنهيدة أعمق: المشكلة والله يبه في مفهومكم للرجولة اللي ما أدري أشلون جاي..
الجد بتساؤل: يا ابيش ارفعي صوتش.. وش تقولين؟؟
كاسرة بهدوء: أقول يبه.. رجال والنعم أشلون؟؟ وش اللي خلاك تقول كذا؟؟
الجد بنبرته الاعتيادية: رجال رزين وكلمته موزونة ماكنه بشباب ذا الأيام الخفاف
ودايما أصدفه في المسجد.... زايد يوم ربى .. ربى رجال..
من يومه صغير وأنا أقول لزايد ولدك ذا ذيب..
كاسرة بسخرية بصوت خافت: عدال على الذيب.. الله يستر على المسلمين
ثم أردفت بصوت أعلى: إلا يا يبه.. كان دايم يجي مع أبيه عندك؟؟
الجد يصر عينيه الغائرتين قليلا.. ثم يهتف بتذكر: إيه دايم .. لين توفت أمه.. عقبه ماعاد شفته إلا في الأعياد يجيبه أبيه يعيد عليّ
لكن عقبها دايم عليان هو اللي مع زايد.. لاصق فيه على طول..
كاسرة بتساؤل: علي هذا ولده الصغير؟؟
الجد يهز رأسه بالإيجاب.. بينما كاسرة تسائلت: بس يبه وأنا صغيرة كنت دايم عندك في المجلس.. ما أتذكره يعني
حينها ابتسم الجد ابتسامة كاسرة الأثيرة.. الابتسامة اللطيفة الخالية من الأسنان:
ماتذكرينه؟؟
عطيني يدش اليمين..
كاسرة استغربت طلب جدها ولكنها مدت يدها له..
الجد بنظره الضعيف ولكن ذاكرته الجيدة تحسس ذراع كاسرة حتى وصل إلى منطقة في منتصف باطن ذراعها..
علامة صغيرة... بالكاد تركت أثرا ولكنه كان واضحا ليصل إليه الجد مقارنة بالانسيابية الزبدية الفائقة ليد كاسرة
ابتسم الجد ابتسامة نصر حين وصلها وهتف بابتسامة حانية: ما تذكرينه وذا أثر عضته في يدش..
حينها انتفضت كاسرة بجزع غير مفهوم وهي تشد يدها من جدها وتنظر بنفسها للأثر.. لطالما تسائلت ما سبب هذا الأثر
ولكنها لم تسأل لأنها ضنته أثر قرصة نحلة أو أثر بقي من جدري الماء (العنقز) الذي أُصيبت به صغيرة
تلمسته بغرابة ثم همست لجدها بابتسامة: تخليه يعضني وانا عندك.. قد ذي زبانتك لي..؟؟ (زبانتك=حمايتك)
الجد يبتسم: وأنتي ما قصرتي.. عضيتي خده لين قطعتيه.. وأنتي البادية بعد.. ما عضش إلا يبيش تفكين خده..
حينها انتفضت كاسرة بجزع خجول لا تعرف له مبررا: أنا عضيت خده؟؟
الجد يبتسم وهو يصر بعينيه: وقعدت عضتش ماكنة في وجهه ومبينة كم سنة عقبها..
لين ضعف نظري وماعاد شفت.. ما أدري عادها بينة وإلا لا
كاسرة تستعيد ملامح كساب التي حُفرت رغما عنها في أقصى ذاكرتها..
لا تتذكر علامة ما في خده... إلا إن كان شعر عارضيه يغطي عليها
كاسرة أيضا رغما عنها ابتسمت.. تشعر بشعور أشبه بالنصر..
وشعور آخر أعمق واغرب ( أ حقا لامست شفتاي خده وأنا لا أتذكر أبدا؟! )
سألت جدها بابتسامة عذبة: وكم عمري وقتها يبه؟؟
الجد بتذكر: سنتين وإلا ثلاث ..
كاسرة تضحك برقة: وذا صغري وعضاضة كذا!! عشان كذا ما أذكر
الجد يتذكر وإبتسامة حنونة على وجهه: كنتي قاعدة في حضني.. وكساب قاعد جنب أبيه
وأبيش الله يرحمه بعد كان قاعد..
فزايد يتعير علي ويقول: باخلي ولدي يحب بنتك في مجلسك وهي قاعدة في حضنك بعد.. (يحب= يقبل)
فابيش الله يرحمه كان يضحك يقول: تهبون.. ولدك ما يحب بنتي إلا بشرع الله
قال زايد: حاضرين لشرع الله.. بس هو بيحب أول..يبي يجرب قبل يتورط
فزايد قوّم كساب وهو يقول له وهو يضحك: قوم حب البنت الزينة اللي في حضن جدك
كساب كان مستحي ويقول: أنا ما أحب البنات..
فأنا قلت له: تعال يأبيك حبني وحبها.. فجاني وسلم علي وعقبه عطاش طرف خده.. يبيش أنتي اللي تحبينه...
أنتي شفتي صفحة خده قرطتيها بسنونش
المسكين والله ما صاح ولا بكى بس تناول يدش اليمين وعنّز سنونه فيها
هو يعض وانتي تعضين.. يوم فكيتي فكش..
بس قد كل واحد منكم قاطع لحم الثاني...
كاسرة تتنهد بعمق شاسع وهي تهمس بخفوت شفاف:
شكلها يبه صارت عادة وبتستمر
ماحد منا يفك الثاني لين يدري إنه وصل اللحم!!
*********************************
"أنت مطول وأنت زعلان كذا؟!"
همسها الساخر الممتلئ بالغيظ
خليفة يزيح الجريدة جانبا وبهتف بهدوء: ومن قال لج زعلان؟!!
جميلة بغيظ طفولي: زين وش تسمي إنك صار لك كم يوم ما تكلمني إلا بالقطارة..كنك شاح بكلامك علي؟!!
خليفة بنبرة مقصودة: والله ما عودتيني إنج متولهة على كلامي عشان أشح فيه
جميلة ببرود مستفز: قال وش حدك على المر قال اللي أمر منه...
لقيت حد غيرك يحاكيني وقلت لا؟!
حتى داليا رجعت البارحة للدوحة وخلتني!!
خليفة يغلي من الداخل على طريقتها المستفزة القليلة التهذيب ومع ذلك هتف بهدوء محترف:
خلاص يا بنت الحلال السكوت من ذهب
لا صار الحجي موب من الخاطر.. ويغث.. قلته أحسن
جميلة بغضب: تقصد إن كلامي يغث؟؟
خليفة رغما عنه يبتسم: لا محشومة.. انتي كلامج يغث.. كلامج عسل وسكر
جميلة بغيظ : وتمسخر علي بعد
ثم أردفت وهي تشيح بوجهها عنه: زين أمي كلمتك اليوم؟؟
كان خليفة على وشك أن يقول (ياحليلها أمج عروس وصاحية من بدري..)
لكنه أمسك لسانه وهو يهتف بهدوء: كلمتني .. وتسلم عليج وايد وايد
وتقول جان تحسنتي بتيي جريب تزورج
جميلة بألم عميق: خلها تكلمني أول زين..
بأموت أبي أسمع صوتها بس
تكفى يا خليفة والله إني تحسنت... وصاير وزني كل يوم أعلى من اللي قبله
تكفى أبي أكلمها بس أكلمها!! أسمع صوتها
مرة وحدة تكفى.. تكفى
خليفة رغما عنه أيضا يشعر بألم عميق لألمها: كاهي بنت خالتج في اليوم تكلمج جم مرة..
حينها انسابت دموع جميلة المقهورة: مزون ما تقصر... بس مزون مهيب أمي.. مهيب أمي
أنا بس أبي أعرف وش الحكمة تمنعوني منها... يعني تبون تعذبوني وتقهروني
**************************************
" غريبة من وين الشمس شارقة؟؟ جايني في المكتب اليوم"
يرد بمودة حازمة: لقيت نفسي فاضي اليوم قلت أجي أسلم عليك..
كساب بمودة مشابهة: حياك الله أنا بعد مابعد شكرتك فيس تو فيس على الخدمة اللي سويتها لي
فعلا جعلني ما خلا منك... ما تخيل أشلون كنت أحاتي..
يهتف بابتسامة: خلاص يا ابن الحلال شكرتني في التلفون
ولو أني والله لو في ظرف ثاني مستحيل أسويها
هذي كان فيها مساءلة قانونية.. تخيل طلعت الطيارة وأنا ما عندي حتى إحداثيات الرحلة..
كساب يبتسم: وش أسوي أنا أصلا وقتها كنت في فرنسا.. وما دريت إنه رحلة اختي الأولى إلا من عمي منصور قبلها بكم ساعة بس
وبصراحة كنت خايف عليها.. وما لقيت قدامي إلا أنت
غانم بنبرة حذرة: أنا سمعت إنها علقت الرحلات خلاص..
كساب بحزم شديد: خلاص خلصت من ذا السالفة كلها..
غانم بذات الحذر: الله يوفقها.. أنا أشهد أنكم ربيتوا وأحسنتوا التربية..
كساب يتجه بالحديث لاتجاه آخر وهو يسأل غانم عن آخر أخباره..
فمهما يكن فهو يكره أن يتحاور عن شقيقته مع رجل غريب.. يكفي اضطراره المحرج أن يطلب من غانم أن يطير معها
ولكن ماذا يفعل فهو لا يعرف سواه هناك عدا أنه كان يعرف تقبل غانم الشاسع لعمل مزون..
علاقته بغانم بدأت تتوطد قبل عامين... تقابلا في حفل للسفارة القطرية في لندن
ولأن كلاهما من ابناء جماعة واحدة ويعرفان بعضهما قبلا
تحادثا معا.. وكان المفتاح فعلا هو مزون.. فكساب يتحفز من الحديث مع شخص قد ينتقد تخصص شقيقته
ولكنه وجد أن غانما كان يشكر في مزون بلباقة عالية محترفة دون إفراط أو تفريط
فطال الحديث وتشعب.. وترافقا بعدها في عدة رحلات... ولكن علاقتهما بقي فيها نوع من الحذر غير المفسر..
حين علم أن مزون ستطير في رحلتها الاولى.. تصاعد قلقه عليها..
وحين علم أن الطاقم كلهم نساء.. زاد قلقه.. فهو مطلقا لا يثق بكفاءة النساء
خاف أن يحدث شيء ما لها في رحلته الأولى..
لذا أكد على غانم أن يحاول أن يكون معها في رحلتها الأولى مع المساعدة الأولى ..وأن يبقي الأمر سرا بينهما
ووصاه كثيرا عليها وهو يطلب أن يعتبرها كأخته..
كان الأمر غاية في الحرج له.. فرغم أن علاقته بغانم جيدة إلا أنه شعر أنها أضطرته للالتجاء إلى أقصى حدود الحرج وهو يطلب من غانم أن يكون مع شقيقته..
غانم كان صامتا ويغتاله حذر غريب (أتكلم؟؟.. أو لا أتكلم؟؟)..
فهو اليوم لم يحضر فقط للسلام على كساب بل في رأسه هدف آخر
هدف له زمن يتأرجح في داخله.. ثم حفزه له تخلي مزون عن سلك الطيران
فمهما كان يحترم مزون ويقدرها فعملها معه في ذات مجاله سيفتح الباب للألسنة
غانم تنحنح ثم هتف بثقة: كسّاب أنا أبي أكلمك في موضوع..
كساب بمودة: آمر.. وش له المقدمات؟؟
غانم بهدوء: إذا بغيتكم تشرفوني بنسبكم.. تجس لي نبض هلك قبل أخطب رسمي..؟؟؟
كسّاب بصدمة: تبي أختي؟؟
غانم بنبرة عتب: ليه مصدوم كذا؟؟ ما أنا بكفو؟؟
كساب باستنكار: إلا كفو ونص.. بس أنا استغربت ليس إلا
غانم بثقة: ومستغرب معناه تقربني وإلا لا..؟؟
كساب بهدوء غامض: من صوبي أقربك.. بس تدري الشور للبنت ولأبيها
غانم بحزم: دامك قربتني فأنت وسيطي.. بلغهم.. لو هم موافقين.. جيت أنا والوالد وعمي وخطبنا رسمي
كساب صمت وإحساس غريب ينتابه
صغيرته تخطب.. ستتزوج؟!!.. بدا له التخيل صعبا
أن تتزوج وبينهما كل هذه التعقيدات
أن يكون عاجزا عن تقبيل جبينها في ذلك اليوم.. ضمها لصدره.. وأن يوصي زوجها فيها أمامها
أن تكون تسمع وهو يقول له أن لا يجرؤ يوما على التفكير بمضايقتها
لأنه سيكون ورائها من سيلتهمه حيا لو تجرأ على مضايقتها بأدنى شيء
تنهد كساب وهو يزفر أنفاسه بحرارة
ويرد على غانم بحزم: خلاص عطني كم يوم وأرد عليك
.
.
.
في ذات الوقت
مجلس منصور آل كساب
" ياحياك الله.. وش ذا الساعة المباركة... مهوب عوايدك تمرني الضحى"
فهد يهتف بغموض مختلط بابتسامته: توني خذت الرخصة.. وجيت أبشرك
منصور بابتسامة عريضة: مبروك ألف مبروك.. أجل هدية الرخصة سيارة
حينها انتفض فهد باستنكار شديد: لا والله ما يكون .. سيارتي قدني حاجزها ودافع عربونها بعد..
منصور بحزم: انا قلت خلاص هديتك سيارة من عندي.. وانا ما أرد عطيتي
كيفك فيها تبي تبيعها بيعها
يعني عقب اللي سويته فيك يوم فشلتك وخليتك تدخل مدرسة السواقة من جديد..
ما تبي لك عوض مني؟!..
حينها أردف فهد بغموض: ومن قال ما أبي عوض منك ... أبي منك عوض وأغلى من السيارة بعد.. عطني إياه
والسيارة خلها ما ابيها..
منصور بابتسامة: آمر تدلل..
فهد بذات الغموض: ولو الشيء اللي أبيه غالي واجد... بتشوفه خسارة فيني؟؟
منصور بمودة شاسعة: حتى رقبتي مهيب خسارة فيك..
فهد بمودة واحترام متجذرين: الرقبة وراعيها فوق رأسي
أنا أبي نسبك يأبو علي..
منصور بدهشة: تبي نسبي؟؟
فهد بحزم: أبي بنت أبو كساب.. وأبيك تكلمهم وتأخذ رأيهم.. قبل أجيب أبي وعمي..
أنا شاري نسبكم وأتشرف به.. وبنتكم فوق رأسي..
فهد أيضا منذ مدة وخطبة مزون في باله.. لكنه كان يخشى شيئين: دراسة مزون غير المقبولة
ثم وجود ابنة عم له مازالت لم تتزوج.. كان متأكدا أنه ما أن يطلب من والده أن يخطب له
فأن أول شيء سيقوله له (وبنت عمك؟؟)
فإذا بالموضوعان يحلان وفي وقت واحد...
مزون تترك مجال الطيران.. الخبر الذي عرفه من أطراف حديث وصل لأذنه بين منصور وكساب
ثم تأكد منه هو بشكل شخصي من معارفه في المطار
وسميرة تتزوج بعد ذلك بفترة قصيرة جدا
وكان الله يكافئه على صبره .. وأي مكافأة؟!!
أن يناسب منصور آل كساب شخصيا!!!
**************************
منكب على مكتبه.. يرصد الدرجات النهائية لطلابه وطالباته..
خطواتها الرقيقة تقتحم عليه الغرفة
يبتسم وهو يلتفت لها: عطيني خمس دقايق وأتفرغ لش..
تبتسم له بحنو: تبي مساعدة..؟؟
عبدالرحمن بمودة: يمكن أبيش عقب بس تشيكين على الدرجات وتأكدين من الجمع
لا ينط واحد من العيال وإلا البنات في رقبتي ويقول نسيت نص درجة..
شعاع تجلس قريبا منه تصمت لدقائق ثم تهمس برقة: عندك تدريس صيفي..؟؟
عبدالرحمن باستنكار: لا إن شاء الله... الحين الجو ما ينطاق.. أشلون شهر 7 و8
شعاع تبتسم: لا ومع لونك وحمارك.. بتصير طماطة..
عبدالرحمن يرد عليها بابتسامة حانية: أنا الطماطة يا مجاعة أفريقيا
شعاع تتجاهل ما قاله وتهمس بنبرة مقصودة مغلفة برقتها المعتادة: زين ودامك فاضي في الصيف..
اشرايك نلاقي لك شغلة تشغلك؟؟
عبدالرحمن يبتسم: ومن قال لش أبي شغلة.. أبي ارتاح..
شعاع بخبث لطيف: لا هذي شغلة تونس..
نبي ندور لك عروس..
خلاص عبدالرحمن والله ما يصير قعدتك كذا.. شيبت وأنت عزابي
عبدالرحمن وهو مشغول بما بين يديه ويهتف بابتسامته ذاتها:
شكلش عندش حد معين
خلصينا وقولي من؟؟
#أنفاس_قطر#
رواية بين الامس و اليوم الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم HaboOoshy
اقترب موعد السفر كثيرا
باتت تعلق هذا السفر كثيرا من الآمال
فهي ماعادت تعرف كيف تفتح بابا للحوار مع صالح
وخصوصا بعد ما حدث البارحة.. وهو يضعها أمام المدفع ويحملها المسئولية كاملة..
بينما هي يستحيل أن تعتذر له أو تبادر بإرضاءه بينما هو من أخطأ بحقها
ولكن بدلا من يرضيها كما توقعت هاهو يزداد تباعدا وبرودا
كبرياءها أرجع سبب ذلك إنه يغيب طوال اليوم عنها.. يهرب منها ومن تأثيرها عليه
لكن في السفر سيلتصقان معا طوال اليوم.. لن يستطيع الانفكاك عنها
حينها ستعرف كيف تؤدب هذا الصالح الذي (عيرني بعيارته.. وركبني حمارته)
فبدلا من أن يسعى لرضاها.. يريدها أن تسعى لرضاه
كيف جعل الموزاين تنقلب هكذا؟؟
كيف استطاع أن يُشعرها بالذنب.. الشعور الذي تنكره على ذاتها!!
كيف استطاع قلب الطاولة عليها وإظهارها بمظهر المذنبة بينما لا مذنب سواه!!
يا له من خبيث لئيم؟!!
وهي غارقة في أفكارها دخلت عليها عالية.. كانت صامتة على غير العادة
جلست جوارها وهي غارقة في الصمت
نجلاء مدت يدها ووضعتها على جبين عالية وهي تهمس بنبرة مصطنعة: بسم الله عليش مسخنة يأمش.. وش فيش نازل عليش سهم ربي
عالية بسكون: جايني معرس..
نجلاء تبتسم: بس لا يكون مثل المعرس اللي جبته لش أنا وسمور
عالية بهدوء عميق: والله العظيم من جدي.. شعاع كلمتني عن اخيها عبدالرحمن..
حينها أشرق وجه نجلاء بسعادة: ماشاء الله عالية.. عبدالرحمن مخبر ومنظر.. أنا شايفته بنفسي في التلفزيون قبل فترة
شنو شخصية .. شنو رزة.. شنو كلام.. يجنن.. يجنن..
حتى سميرة ماتت على شكله.. تقول ما كنت أدري إن عبدالرحمن اخ شعاع هو نفسه ذا
ثم أردفت نجلاء ضاحكة: بس تبتوب شوية..
عالية بضيق: نجلاء واللي يرحم والديش.. مالي مزاج مزح الحين
نجلاء برقة: زين وليه تتضايقين.. تبينه قولي وعطي البنت القرين لايت تخلي الرياجيل يكلمون الرياجيل
ما تبينه قولي لها بعد .. العرس قسمة ونصيب..
عالية بتوتر: تدرين نجول.. أنا ماعادني ببنوتة صغيرة.. عمري 24 سنة.. ويمكن الخطاطيب اللي جاوني قبل مهوب واجدين
على أساس أني صار لي ست سنين برا الدوحة.. ومن اللي يبي يربط نفسه بوحدة مطولة لين ترجع.. أو يمكن أنا أبي أقنع نفسي إن هذا هو السبب
المهم..مع كذا كل اللي خطبوني ماحد منهم دخل مزاجي... بس عبدالرحمن غير.. دخل مزاجي من قلب
بس أنا وحدة مخي أحيانا يفوت وأصير غثيثة.. ومزحي دمه ثقيل..
أشلون بيستحملني دكتور الجامعة..؟؟
نجلاء بحنان وهي تحتضن كف عالية: علوي قلبي أنتي مافيش قاصر.. كلها كم شهر وتصيرين مهندسة جينية
كم مهندس جيني عندنا في قطر... وبعدين حلوة وقلبش طيب.. وبنت خالد آل ليث
اللي يأخذش يحب يده مقلوبة...
ثم أردفت بمنطقية: وعلى سالفة المزح الثقيل.. البنت عقب العرس غصبا عنها تتغير وتعقل...
ثم ابتسمت: أما لو تبين تقعدين على خبالش عقب العرس... اللي عودتي علينا في ساعة..
عالية بذات الضيق: كلمي سميرة خلها تجي.. ونعقد مجلس مشاورات
ثم أردفت بشبح ابتسامة: خلها تعرف أني أحسن منها..
*****************************
"منصور من جدك اللي تقوله؟؟ "
منصور يثبت نظارته الشمسية على عينيه وينظر للطريق أمامه بعد أن أخذ عفراء من مدرستها قبل دقائق
ويهتف بحزم: ليه ذا السوالف فيها مزوح؟؟
عفراء برقة: مهوب المقصد طال عمرك.. بس كساب توه مكلمني يقول لي غانم آل ليث يبيها
وأنت الحين تقول لي فهد آل ليث يبيها..
واثنينكم تقولون لي جسي نبضها..
حينها عقد منصور حاجبيه: الحين أنتي اللي من جدش؟؟
عفراء بهدوء: والله من جدي..
منصور هز كتفيه وهتف بحزم: اثنينهم ما فيهم قصور.. بس أنا أبيها لفهد
عفراء ابتسمت: وكساب يبيها لغانم..
منصور يبتسم: ما عليش من كسّاب.. اسمعي شوري وبس.. خله يولي
زعلان عليها ذا السنين كلها وعقبه جايب لها معرس!!
عفراء بهدوء: مزون ذا الأيام تدرس اختبار التوفل عشان قبول الماجستير
عطوني كم يوم لين تمتحن وعقبه اسالها.. وهي من حقها تختار اللي تبيه..
ثم أردفت بابتسامة حانية: ياقلبي مزون.. اثنين مرة وحدة
منصور يمد يده اليمين لناحيتها ليمسك بكفها ويحتضنها بقوة حانية ويهمس بابتسامة:
بس لازم لي أنا وولدي فهد دفعة مدح وإقناع من عندش.. لا تخذلينا تراني معتمد عليش
والحين خلنا منهم... أنا عازمش على الغدا برا...
******************************************
كاسرة توجهت بعد صلاة الظهر لاستلام شهادة دورتها الأخيرة
كان تميم من أصر على إيصالها... وهاهما عائدين للبيت
في السيارة يتبادلان بعض الاشارات الطفيفة.. لأن تميم لابد أن يركز نظره على الطريق
وفي أغلب الوقت يغرقان في صمت الإشارات حتى
تميم من بعد عقد قرانه وهو يزداد هدوءا وصمتا ..
أمر غريب أن يُقال عن من هو صامت دوما أنه إزداد صمتا
ولكن هذا ما حدث مع تميم
فهناك سكون غريب يلفه... لم يعد حتى يكثر من الحديث مع وضحى كما كان سابقا
ووضحى لاحظت ذلك طبعا.. وهي تحاول جاهدة اقتحام حصونه
ولكنه لا يشجعها مطلقا بروحه الخالية من الحماسة
شيء ما في روحه إنطفأ..
فأقسى ما قد تواجهه روح شفافة كروحه هو إجبارها على عناق روح لا تتقبلها
ولو كان يعلم أن ختامه في زواج كهذا كان ليؤجل فكرة الزواج لعدة سنوات أخرى
فروحه الفتية مازالت غضة.. طرية.. لا تحتمل قسوة هذا الإجبار..
وربما بعد سنوات كان ليقتنع برأي والدته حين تصيبه عقلانية الكبار البليدة..
لكن الآن أفكاره التي تنبع من روحه الوثابة الأبية هي ما تسيطر عليه
الأخرى جواره... غارقة في أفكارها الخاصة
موعد زواجها يقترب.. والمشكلة أنها تشعر بنفسها غير مستعدة له.. غير متقبلة لهذا الزوج
تحاول أن تلتزم بالحكمة.. وتجعل نفسها الحكيمة في هذا الموقف..
ولكن كل حِكم العالم وحكمته ماعادت تنفع في تفسير كل هذه الفوضى أو تهدئة هذا التوتر!!
يرن هاتفها.. تستغرب من سيتصل بها في وقت الظهيرة هكذا
لا أحد سوى فاطمة..
رفعت الهاتف.. لتنظر للرقم.. لتشعر بنفورها الغريب يتصاعد في روحها
فهي لم تنسَ بعد الرقم الذي اتصلت به بالأمس
" وش يبي ذا الوقح بعد
صدق ماعنده ذوق
وش ذا اللزقة ياربي"
لم ترد عليه..
اتصل مرة أخرى لم ترد..
حينها وصلها رسالة:
" يا مدام يا بنت الأصول
يا للي من زود الذرابة والأدب اللي فيش تشوفين رقم رجالش وتسفهينه
عباتش ترا طالعة برا
ليتها تلتف على التاير ورقبتش.. ونخلص منش"
حينها التفت كاسرة بحدة جوارها لتراه في سيارته من ناحيتها
رأت ناظره معقود بغضب وهو ينظر ناحيتها
ثم أشاح بنظره عنها في نظرة ازدراء مقصود تماما..
وأسرع بسيارته ليتجاوزهما
بينما أشارت هي لتميم حتى يخفف السرعة.. لتفتح الباب ..وتدخل عباءتها
دون أدنى اهتمام بنظرة الازدراء من صاحب السيادة..
بعد دقائق
يصلون المنزل..
تميم يشير بالسلام ويصعد
ومزنة تهتف بقلق فور رؤيتها لها: توني فقدتش.. وين رحتي؟؟
كاسرة تبتسم: رحت أجيب شهادة دورتي الأخيرة قبل أنسى.. جيت بأقول لش عينتش تصلين الظهر.. قلت بأروح وأرجع بسرعة
خص إن تميم اللي موديني مهوب مع السواق والخدامة
مزنة بتأثر: يامش من أمس وأنا ممتغثة من حريق شغلش الله يكفينا..
كاسرة برقة: ياذا الحريق اللي سويتوه أزمة.. ماصار إلا الخير وهذا أنا قدامش مافيني إلا العافية
حينها قاطع حديثهم صوت وضحى المرح: بركات البطل الهمام اللي جابش..
كاسرة تلتفت لها بغيظ ثم تبتسم وترد عليها بخبث لطيف: ذا الأيام شايفة لسانش طايل
وعينش زايغة
وضحى تضحك: على قولت هريدي خال سميرة (خدي بختك من حجر أختك)
مزنة تنهرها: عيب يا بنت..
وضحى تصلهم وهي مبتسمة: لا تكونين صدقتي أنتي وبنتش ... فكوها الله يفكها عليكم.. طالبتكم
كاسرة تجلس وتبتسم: فكيناها يا بنت الحلال
مزنة تهتف بهدوء: باروح أجهز الغدا للغرف.. قولوا لتميم .. امهاب اليوم عنده رحلة..
وضحى تجلس جنب كاسرة ثم تهمس بتردد: ودي أسأل عن شيء بس أخاف تأكليني
كاسرة تهمس لها بخبث لطيف: إسالي عن أي شيء إلا عن كسّاب.. وقتها ماني بماكلتش لا تخافين
وضحى بخيبة أمل: يمه سكنية... يأختي بأموت خاطري أدري وش قال لش وهو جايبش أمس
الطريق من مكان شغلش لين بيتنا طويل
تقريبا يأخذ 40 دقيقة في زحمة الدوحة...
مستحيل إنه قعد ساكت أبو الجراءة اللي نط عندش في مكتبش عقب الملكة بكم يوم
تكفين علميني!!
كاسرة حينها ضحكت برقة: أنتي اللي يمه منش... وحاسبتها بالدقايق..
وأشرايش أقول لش وش صار من الدقيقة واحد لين الدقيقة 40 بالتفصيل الممل
وضحى تبتسم: ماعندي مانع.. كلي أذان صاغية.. ولو تبين تحطين عليها بهارات تخليها ساعة ونص يعني مدة فيلم ماعندي مانع بعد
حينها همست لها كاسرة بنبرة تشويقية.. فهي ترى الموضوع بات مسليا وفتح حوارا لطيفا بينها وبين شقيقتها: تدرين.. إذا كبرتي شوي علمتش
حينها وضعت وضحى يدها على قلبها وهمست بنبرة تمثيلية:
يا ويل قلبش يا الوضحي... السالفة فيها لين تكبرين بعد.. اللي رحت وطي
الحين بأحط إعلان في الجريدة إني كبّرت عمري 10 سنين عشان نثبت التاريخ الجديد في الأوراق الرسمية
يا الله خلاص عمري 32 سنة.. علميني...
تكفين كاسرة
كاسرة تغمز بعينها: إذا جبتي لي بطاقتش الشخصية بتاريخ ميلادش الجديد... علمتش..
*****************************
"غريبة.. المطعم فاضي"
منصور يجلس بعد أن جلست عفراء ويهتف بهدوء: خبرش اليوم دوامات والساعة الحين توها وحدة..عشان كذا مافيه حد
عفراء برقة: يعني أقدر افسخ نقابي؟؟
منصور يبتسم: افسخيه خلني أمتع عيوني وأنا أكل.. وعلى العموم أنا اللي وجهي ناحية الباب.. وستاف الخدمة كلهم حريم
لو حد دخل باقول لش تلبسينه
بعد أن طلبا طلبهما وهما في الانتظار دخلت سيدتان ومعهما طفل
جلسوا جميعا والطفل كان يدور بين الطاولات.. ولأن الطاولة الوحيدة المشغولة كانت طاولة منصور وعفراء
فهو كان يعبر من جوارهما.. عفراء نادته وأجلسته معهما على الطاولة
همست له برقة: وش اسمك يا حلو
الطفل بعذوبة : همودي..
منصور يبتسم: حيا الله حمودي
الطفل ينظر لمنصور ثم يسأله بصوت خافت: ماعليه أدول لها أنتي هلوه؟؟
منصور حينها انفجر ضاحكا: قل لها أنتي حلوة.. مرخوص..
الطفل حينها ألتفت لعفراء وغمز بعينه ثم قال لها بنبرته الطفولية المحببة: أنتي هلوة
منصور حينها ضحك : أنا قلت لك قول حلوة.. مهوب تغمز بعد وأنا قاعد كني طوفة
الطفل يضحك: كالي يدول لي.. قول أنتي هلوة وسوو ئينك كدا.. (قالها وهو يغمز بعينه)
عفراء تبتسم له برقة: الله يصلح خالك على ذا التعليم.. خوش تعليم...
الام نادت ابنها وهي تشير بتهذيب لعفراء...
عفراء أخرجت من حقيبتها مصاصة وأعطتها له ثم قبلته وهي تهمس: هذي تأكلها عقب الغدا.. زين
الطفل يشير برأسه إيجابا ثم يقفز جوار والدته وهو يفتحها من فوره..
منصور باستغراب: من وين جبتي المصاصة؟؟
عفراء بتلقائية: دايما معي في شنطتي حلويات.. تعودت كذا..
أحب أونس البزران اللي ممكن أصدفهم سواء كنت مسيرة على حد من جماعتي أو في مكان عام
منصور بنبرة ذات مغزى: يعني شفقانة على البزران؟؟؟
عفراء بحرج مصدوم: منصور ماله داعي ذا الكلام.. لا تخرب شيء حلو تعودته من سنين
منصور بحزم: زين إنه ماله داعي لذا الكلام.. لأنه أنتي عارفة إنه سالفة العيال هذي مابي أسمعها
ولا حتى أسمع تلميح عنها مثل التلميح البايخ اللي قبل شوي
عفراء بصدمة حقيقية: أنا ألمح منصور؟؟؟
ثم أردفت بعتب: منصور ما تحس إنك زودتها شوي؟!!
منصور بتصميم حازم : لا زودتها ولا شيء بس أنا واحد صريح.. وأحب كل شيء واضح قدامش
عفراء بذات نبرة العتب الرقيقة: بس ترا فيه خط تماس بين الصراحة واللباقة والوقاحة بعد
حينها انقلب وجه منصور وهو يصر على أسنانه: وقاحة؟!!
عفراء بألم: منصور لا تمسك لي عالكلمة.. كفاية وجيعتي منك
منصور بدهشة: أنا آجعتش؟!!
عفراء تتنهد ثم تهتف بألم شفاف: أجعتني؟؟ وتأكيدك بذا الطريقة الجارحة إنك ما تبي شي يربطك فيني ماتشوفه يوجع يعني؟!!
منصور أنا ماني ببزر.. وقلت لك أنا موافقة على اللي تبيه..
فليش تبي تحرجني وتجرحني بذا الطريقة؟!!
أنهت عبارتها ثم تشرنقت على نفسها تماما.. لم تسمع كلمة واحدة مما قاله منصور بعد ذلك... ولا تريد أن تسمع
فصدمتها من تجريحه المباشر لها جعلها عاجزة عن الاستماع لشيء مما يقوله
لماذا يريد أن يفسد روح الصفاء التي بدأت تشعر بها تحيك علاقتها به؟؟
لماذا يكون حادا بهذه الطريقة في وقت أبعد ما يكون عن الحدة؟؟
لماذا يريد إفساد عادتها الجميلة بإحادية نظرته؟!
بــــــل
لماذا يريد بالفعل أن يؤكد لها أنه لا يريد رباطا فعليا يربطها به؟!
فرغم أنها وافقت على شرطه.. لكنها في داخلها وأساسها وكينونتها أم.. على الدوام هي أم..
وهي ترى بالفعل أنهما غير كبيران على أن ينجبا أكثر من طفل..تمازج فعلي لروحيهما وارتباط أبدي بينهما
أرواح صغيرة عذبة تبعث الحياة في برودة أيامهما..
ولكن هذا كان مجرد تفكير شفاف قررت دفنه في قرارة نفسها.. فلماذا يريد نبشها وتجريحها بهذه الطريقة؟!!
لماذا يستكثر عليها حتى مجرد التفكير في الخيال بعد أن حرمها من الحقيقة؟!
****************************
" جد ياعلوي يالدبة أنش طحتي واقفة
الدكتور الدحمي مرة وحدة... مذوب قلوب بنات الجامعة
هو صحيح مهوب ذابحة الزين
بس خبرش حن يا بنات الجامعة لا تمر علينا عنز لابسة غترة تسدحنا تحت أرجيلها"
عالية تضرب سميرة وتهتف بنبرة غضب تمثيلية: احترمي جوزي يا مئصوفة الرئبة..
هدا حرم عالية آل ليث
قصدي بعلها!!
نجلاء بنبرة رجاء لطيفة: تكفين علوي بلغي شعاع موافقتش... عشان تملكون قبل أسافر..
حينها احمر وجه عالية رغما عنها... سميرة حينها صفقت وهي تفتح عينيها على اتساعهما وتهتف بصدمة مصنوعة:
يا لهوي ... البت طلعت بت على آخر الزمن
بتختشي يا بغاشة؟؟ يا جمالو يا جمالو
عالية تعاود ضرب سميرة وتهمس باختناق مرح: صدق ما تستحون أنتي وأختش.. هذي تبيني أتملك في ساعة وهذي اشتغلت علينا بخبالها
سميرة تمسح يدها مكان ضربة عالية: ول عليها ..إيدها زي المرزبة على قولت خالي هريدي
الله يعين الدحمي عليش... الولد أحمراني وتبتوب... عقبش بيسود ويجيه هزال من يدش اللي ما تسنع ضربتها
تجين تبين تمزحين معه تقصين عرق المسكين
عالية تشعر بتوتر تحاول إخفائه: خلاص يا بنات انتهت المشاورات بكرة أبلغ شعاع
سميرة تقفز: وش بكرته... أنتي مهوب صليتي استخارة مرتين وانخمدتي الظهر وقمتي منشرحة للدحمي
قومي قولي لشعاع الحين.. وصلي بعد في الليل... لو غيرتي رأيش كلميها الصبح أكيد ماراح يخطبون قبل بكرة
عالية بحرج: من جدش أنتي... تقول علي مطفوقة على أخيها... كلمتني اليوم الصبح
أرد عليها عقب العشا.. وش ذا
الركادة زينة...
سميرة تتناول هاتفها: خلاص أنا بأقول لها... وانتي خلش في دور المستحية اللي هو شرق وانتي غرب
عالية تقفز بجزع وتتعارك مع سميرة على الهاتف.. بينما نجلاء تقول لعالية بحنو: شعاع وسميرة ربع
خليها تبلغها وتفكش من الإحراج..
يعني مافيه داعي تسوين كذا... خلينا نسمع المكالمة وننبسط
بعد دقائق
شعاع انهت مكالمتها مع سميرة التي بعثت سعادة عميقة في أوصالها
رغم قرب وضحى الشديد من روحها ومحبتها التي لا شك فيها لها
لكن رفضها لعبدالرحمن جرحها.. فعبدالرحمن هو مصدر السعادة الحقيقية في حياتها
فهي كانت ترى شقيقها لا يُرفض.. تعلم أنه مجروح من الرفض حتى وإن لم يبين ذلك
لذا قررت أن تبدأ تبحث له عن من يمكن أن تعوضه عن رفض وضحى له
وجدت حينها أن عالية تقفز لمخيلتها بقوة
جميلة.. قوية الشخصية.. مرحة.. مستواها الفكري والتعليمي سيناسب عبدالرحمن فعلا.. واسرتها أسرة معروفة بالخير والأصل
عدا أنهما كان بينهما نسب سابقا... حينما تزوج عبدالله من جوزاء
العلاقة بعدها أصبحت بين العائلتين أكثر قوة.. مع وجود طفل بين العائلتين..
رأت أن عالية تناسب عبدالرحمن من مختلف الجوانب
حتى ما قد يعتبره البعض عيبا وهو مرحها الزائد... شعرت أنه سيدفع بعضا من الحياة في حياة عبدالرحمن الرتيبة
لذا عرضتها على عبدالرحمن..
عبدالرحمن لم يكن راغبا في الزواج
فرفض وضحى مازال ماثلا أمام عينيه لم ينسَ جرحه بعد!!
لكن شعاع حاصرته: عالية باقي لها فصل واحد وتخلص دراستها
اسبق قبل ماحد يسبقك عليها
تملكوا الحين.. وإذا رجعت هي من فرنسا نهائي حددوا موعد الزواج
حاصرته بشدة..وهي تستخدم مسياستها المغلفة برقتها وعذوبها
وافق.. رغم أنه يشعر بقلق عميق أن يُرفض
فكرامته لن تحتمل رفضا ثالثا أبدا
ولكنها منحته أملا شاسعا أنه سيتم قبوله.. والقبول قد يكون له دفعة إيجابية عميقة في روحه
وخصوصا أن نسب رجل جليل كخالد آل ليث لا يُرفض..
وخصوصا أيضا أنها صورت له الفتاة بصورة بالغة الإيجابية وهو يعرف أن شعاع لا يمكن أن تبالغ كذبا..
فهو يعلم أن من المؤكد أن هناك مبالغة حدثت كمحاولة منه لاقناعه
وهو ليس غبيا ليعرف أنها تبالغ
ولكنه يعلم أنه على الأقل لمبالغتها أساس من الصحة!!
وهاهي الآن تدخل عليه بعد أن عاد من صلاة العشاء وعاد لتصحيح ما تبقى من امتحانات طلابه
تحاول أن تمنع ابتسامتها من الظهور فلا تستطيع.. لذا تجلس خلفه حتى لا يرى وجهها..
عبدالرحمن يهتف لها بمودة وعيناه مثبتتان على أوراقه: شعاع ياقلبي كأس كرك تكفين.. أبي أمخمخ.. الولد ذا إجاباته بتجيب لي السكتة الحين
شعاع تحاول أن تحمل صوتها بالجدية: زين قبل الكرك ما تبي تعرف رد بنت آل ليث؟؟
حينها تيبست أصابع عبدالرحمن على القلم.. ولا شعوريا جف ريقه..
فمطلقا لن يحتمل الرفض الذي بات يشعر أنه سيكون مصيره الدائم
هتف بهدوء عميق: مسرع ردوا.. توش قبل الظهر كلمتيهم.. وإلا الرفض مايبي له وقت للتفكير؟!!
شعاع حينها وقفت واحتضنته من الخلف وهي تلصق خدها بخده وتهمس بسعادة:
إلا الموافقة على عبدالرحمن بن فاضل ما تحتاج تفكير وأنت الصادق
عبدالرحمن بذات هدوءه العميق: وافقوا؟؟
شعاع بسعادة عميقة: أكيد وافقوا... ليه تظن كل البنات غبيات مثل بنات خالك..
عبدالرحمن بعتب: شعاع عيب تكلمين كذا على بنات خالش... ماحد ياخذ إلا نصيبه
ثم أردف بابتسامة: شعاع والله لا تكونين ورطتيني في عالية ذي.. إن قد يكون العقاب لش مهوب لها على كل شيء بتسويه فيني
شعاع تضحك برقة: عالية صحيح ورطة... بس أحلى ورطة.. الله يعينك عليها!!
يا الله بكرة خذ إبيك وروح اخطب.. لا تفشلوني في العرب..
مثل ماهم ماقصروا وردوا بسرعة... بينوا بعد أنكم مقدرين موافقتهم السريعة..
*********************************
"تدرين كم مرة قلت آسف من الظهر لين الحين؟؟"
منصور يهمس في أذن عفراء بعمق وهو ينحني من عليائه ليحتضن خصرها من الخلف بينما هي تقف أمام المرآة تمشط شعرها
عفراء ردت عليه بهدوء تخفي خلفه ضيقها منه: ولا مرة..
من الظهر وأنت تلف وتدور وماقلت لي آسف
يعني يوم تجرح.. تكون صريح وما تعرف تلف وتدور..
لكن يوم تجي تعتذر تلف وتدور..
منصور يديرها ناحيته فتنزل عينيها للأرض .. يمد يده ليرفع وجهها إليه.. فلا ترفع نظرها إليه أيضا
حينها همس منصور بحزم: عفرا حطي عينش في عينش وأنا باقول لش آسف
عفراء تخلصت من قبضته وجلست ثم همست بهدوء عميق: تدري منصور.. أحيانا الواحد من كثر ما يكون متضايق
يبي بس يقعد بروحه.. يصفي ذهنه ويريح نفسيته.. وهو بينسى بروحه
منصور يجلس جوارها ويهتف بنبرة مقصودة: يعني أفهم من كذا إنش تبيني اخليش لين تروقين بروحش..؟؟
عفراء بذات الهدوء العميق: لو سمحت..
حينها هتف منصور بحزم وهو يشدها بحنو ناحيته: في هذي أقول لش آسف ماني بمخليش
أكثر شي أكرهه في الدنيا إني أخلي شيء معلق عشان ينحل بروحه
شايفتني غلطت في حقش؟؟.. خلاص أنا أقول لش السموحة وحقش على رأسي
لكن إني بأخليش تنامين وأنتي زعلانة علي .. لا والله إنه مايصير ولا يكون
******************************
بعد ثلاثة أيام
" بصراحة ماني مصدق.. وأخيرا يا الدب.. ما بغيت"
عبدالرحمن بابتسامة: الله يبارك فيك يا الرشيق.. وإلا بس تبغي أنت اللي تصير في حزب المتزوجين وأنا قاعد عزابي
مهوب كفاية إنك أنت بتعرس عقب شهرين
وأنا قاعد لين حرمنا المصون ترجع عقب ست شهور وعقبه نحدد موعد العرس ما أدري متى
مهوب لو الشيخة ماخذه صيفي كان افتكينا..بدل ماهي قاعدة ذا الصيف بدون فايدة؟؟..
امهاب انفجر ضاحكا: نعنبو حاسبها الدكتور بالورقة والقلم...
تدري خلني أنا أعرس أول.. عشان يجون عيالي أكبر ويكفخون عيالك مثل ماكنت أكفخك واحنا صغار
عبدالرحمن يضحك: تهبى أنت ووجهك... لا تحور الحقائق... أنا الكبير وأنا الدب... وأنا اللي كنت أكفخك
امهاب مازال يضحك: خلاص عيالي ينتقمون لي...
ثم أردف مهاب بابتسامة: على طاري عيالي.. قم جيب لي ولدي العود.. قد لي يومين ماشفته
عبدالرحمن يغمز بعينه: هذا كله حب لحسن وإلا تدور ريحة أم حسن..
مهاب يغمز له بعينه أيضا: يا شينك لا سويت روحك ذكي
عبدالرحمن يتوجه للداخل ليطلب من جوزاء تجهيز حسن ليذهب معه للمجلس لأن مهابا يريد أن يراه
جوزاء جهزته ولبسته ثم همست لعبدالرحمن بتردد خجول: عبدالرحمن فديتك قل لامهاب لا عاد يعطره تكفى.. هو مايدري إن حسن معه ربو
المرة اللي فاتت رجعه لي غرقان عطر.. سبحته والريحة بعد لاصقة فيه ماراحت
عبدالرحمن يبتسم بخبث: يبيش تشمين ريحة عطره يا بنت.. حركات يعني..
جوزا تفجر وجهها احمرارا وبدأت تكح من الحرج...
بينما عبدالرحمن انفجر ضاحكا: يا بنت الحلال والله العظيم إن لدش هو اللي خذ غرشة العطر من سيارة امهاب وتسبح فيها بروحه
شعاع تبتسم برقة بعد خروج عبدالرحمن حاملا حسن: ياسلام على المستحين..
جوزاء تجلس وهي تهتف بتوتر: تدرين شعاع والله لحد الحين ماني بمصدقة إني مرت امهاب..
شعاع تبتسم: وليش إن شاء الله؟؟
جوزاء بتردد حزين: أحسه شيء فوق اللي أستاهله..
حينها انتفضت شعاع غضبا رقيقا كرقتها: رجاء جوزا الكلام السخيف ذا ما أبي أسمعه
ألف مرة قلنا مافيش قصور.. مافيش قصور.. متى بتقتنعين؟؟
جوزاء تهمس بألم: إذا اقتنعت بنفسي ومن نفسي
************
من بعد عقد قرانها وهي معتكفة في غرفتها
تعرف أن دور الخجولة لا يناسبها
ولكنها بالفعل تشعر بخجل عميق.. تشعر أنها قد تموت حرجا لو وقعت عينها في عين والدها أو أحد أشقائها
يكفيها مالاقته من هزاع من تعليقات حينما حضر مع الشيخ حتى يأخذ موافقتها وتوقع العقد.. شعرت حينها أن وجهها تورم حرجا
وكان الله عز وجل ينتقم لكل من فعلت فيهم مقالب بحياتها كلها
سمعت طرقات هادئة على الباب.. نهضت لتفتح وهي تدعو أن يكون الطارق نجلا عادت من بيت أهلها أو أحد الخادمات.. وليس أحد آخر
لأنها تشعر بالخجل حتى من أمها..
فتحت الباب لتجد أمام الباب سلة فخمة راقية من الورد والشيكولاته
يتوسطها علبة جلدية بالغة الفخامة مفتوحة ليظهر محتواها عن ساعة رائعة وأنيقة ذات ذوق عال جدا
كانت عالية على وشك الانحناء لتأخذ البطاقة المعلقة بها لتتفاجأ بمن قفز أمامها صائحا:
ســـربـــرايـــز
عالية انتفضت بجزع وخجل: خالي.. صبيت قلبي
نايف يشدها ليحتضنها ثم يقبل جبينها ويهتف بمودة شاسعة: مبروك ياقلبي
أم صالح قالت لي ان مرت صالح عند أهلها عشان كذا قررت أسوي لش مفاجأة بنفسي
عالية انسحبت للداخل وهي تهمس بحرج: أحلى مفاجأة خالي.. مشكور فديتك
نايف كان قد حمل هديته ووضعها على مكتبها وهتف بمرح: ياحليلها علوي.. مسوية مستحية على نايف
عالية تدير وجهها المحمر: نايف الله يهداك خل القافلة تسير.. لا تعرقلها.. ترا القافلة صدق مستحية.. صدق أو لا تصدق
نايف يضحك: لا والله طال عمرش.. لا أصدق..
يا الله هاتي يدش خلني أشوف ذوقي
عالية بحرج: خالي ليش مكلف على نفسك.. كان خليت الهدية في العرس
نايف يلبسها الساعة ويهتف بمودة صافية: لا يا قلب خالش.. هدية العرس شيء ثاني
ثم أردف بمرح: هذي هدية الاحتفال بصيد الفريسة.. بعدين أجيب لش في العرس هدية التهام الفريسة
عالية غصبا عنها تبتسم: لذا الدرجة أنا مأساة..؟؟
نايف يبتسم: ليه يعني تبين حد يعرفش شي أنتي عارفته زين...
الله يعين الدكتور عليش.. بس صدق ياعلوي ربي رزقش على قد خبالش
عبدالرحمن مابعد شفت أوسع من خاطره.. يعني لو حد بيستحملش فبيكون ذا المسكين
عالية بغيظ: يعني إنك أنت اللي مستحملني ذا السنين.. ماكني اللي بمستحملة غثاك..؟؟
حينها احتضن نايف كتفيها وهتف بعمق شفاف: ليتش بس تغثيني على طول.. وما تخليني بروحي
*******************************
" يا الله وش تبين أجيب لش من فرنسا هدية عرسش؟؟"
سميرة بمرح: كل شيء... ما نئولش لأ
أنتي كريمة واحنا نستاهل
قصدي أبو خالد كريم وأنتي تستاهلين وحن عقبش نستاهل اللي تستاهلينه
نجلاء تنهدت بعمق: والله أبو خالد ماعاد كريم مثل أول؟؟
سميرة حينها هتفت بقلق: صالح مقصر عليش بشيء؟؟
نجلاء هزت كتفيها بألم: ليت من قالوا مقصر.. كان تقصيره فلوس وبس
البخل بالمشاعر أشين أنواع البخل.. وخصوصا يوم تكونين متعودة إنه أنتي غرقانة في المشاعر
وبعدين قحط مشاعر غير طبيعي..
سميرة بقلق: صالح عاده على عادته الغريبة اللي طالعة جديد لا بارك الله في العدوين؟؟
نجلاء بألم: على نفس عادته.. تعبت سميرة.. ما أدري وش فيه.. صاير بارد بشكل
ما تعودت على صالح كذا..
عشان كذا حتى أنا صايرة متوترة على طول
سميرة تعقد حاجبيها: أنا خاطري أعرف أشلون ذا السالفة بدت؟؟ فجأة صار بارد بدون السبب
نجلاء بحرج: لا مو فجأة فجأة..
حينها رفعت سميرة حاجبها وهمست بنبرة ذات مغزى: نجول اعترفي أنتي وش مهببة مع صالح؟؟
نجلاء أخبرت سميرة بكل ماحدث بعد عودتها لصالح...
سميرة عقدت حاجبيها وهمست باستغراب: ترا بشكل عام ممكن نقول إن أي رجال بينحط في ذا الموقف.. ممكن يكون ذا تصرفه
بس صالح يموت على الأرض اللي تمشين عليها.. على كثر ماكنتي تسفهينه ما يتوب ولا يتعظ
وش الصحوة اللي حلت على كرامته المتمرمطة ؟؟
نجلاء حينها قاطعتها بغضب حقيقي: سميرة ما اسمح لش تتكلمين عن أبو خالد كذا
سميرة تشير بيدها: بس لا تاكلينا عشان رجالش.. أنا اتكلم من جدي
صالح في راسه موال.. وموال كبير بعد..
ومثل ماهو غير مخططاته.. انتي غيري مخططاتش..
نجلاء بضيق: يعني شأسوي؟؟
سميرة تهز كتفيها: ما أدري صراحة.. مخي وقف.. ماعاد نعطي نصايح.. سكرنا الدكان..
ثم أردفت وهي ترقص حاجبيها: مخي الحين فيه تميم وبس..
وبعدين أنا وحدة عرسي عقب شهرين.. المخ اللي فيني باخليه لي...
*********************************
"وش فيش شكلش متضايقة"
كاسرة تسأل وضحى بحزم ذا مغزى
وضحى بهدوء ساكن: من قال لش متضايقة؟؟
كاسرة تنزل حاجبا وترفع آخرا: لا حاشاش منتي بمتضايقة
كنتي تضحكين وتسولفين وأول ما سكرت أمي التلفون مع عمتي التي كانت تبي تبشرها بملكة عبدالرحمن
وأمي قالت لنا... وأنتي مثل تلفزيون من أعلى صوت للصامت..
لا وتقومين وتسكرين على نفسش في غرفتش
وعقبه تقولين منتي بمتضايقة... وش الضيقة زين؟؟
وضحى حينها همست بضيق: حتى لو كنت حاسة بالضيق
مهوب من حقش تفتشين مشاعري.. من حقي أتضايق مثل ما أبي
حينها أمسكت كاسرة بعضد وضحى وغرزت أناملها فيه: لا مهوب من حقش تتضايقين
ليش؟؟
لأن رفض عبدالرحمن كان قرارش.. حتى لو تضايقتي وندمتي على قرار غبي سويتيه
ما تخلين حد يتشمت فيش.. بكرة بنات عمتش يبون يفتشون في عيونش على الندم على أنش ضيعتي أخيهم من يدش
إياني وإياش تعطينهم ذا الفرصة... ما أقول إن بنات عمتي نفوسهم شينة.. حاشاهم
بس هم مجروحين من رفض أخيهم.. ويبون ينتقمون حتى لو بإحساس مخفي في قلوبهم
حينها همست وضحى بضيق عميق: كاسرة أنا ما أنا بمتضايقة عشان عبدالرحمن خذ عالية الله يوفقهم
لكن حسيت إنه كان مستخف فيني.. يعني رفضته من هنا.. راح خطبتها من هنا
يعني كنه ما صدق..
كاسرة بحزم: لا تفكرين بذا الطريقة.. عبدالرحمن من حقه يدور على شيء يرد كرامته
لا تستكثرين عليه ذا الشيء... مثل ما أنتي شفتي إنه خطبته لش كان فيها أخذ من كرامتش
رفضش له جرح كرامته...
وعلى كل حال... السالفة كلها انتهت... وعبدالرحمن شيليه من بالش.. إنسيه
ثم اردفت بحزم أشد وعيناها تنظران بشكل مباشر لعيني وضحى: سمعتيني... إنسيه
ويا ويلش أشوف عيونش وإلا في صوتش ضيق عشانه
ما أبي شيء مثل ذا يهزش وإلا يأثر عليش
************************************
"يبه عطني فنجالك.. أصب لك"
زايد يهز فنجانه.. وبهتف بحنو: شكّرت يأبيك
وبعدين ذا الصبي المقهوي واقف.. ما أدري ليه ملزم أنت اللي تصب..
علي بمودة: أبي أنا اللي أقهويك جعلني فداك..
زايد بمودة مشابهة: إلا يومي قبل يومك.. ثم أردف بأمل شاسع وهو يشد له نفسا عميقا:
أنت أربك منت برايح قدام عرس كساب..؟؟
خلاص ماعاد إلا أقل من أسبوعين.. ما يثمن تروح وترجع..
علي ابتسم: لا ...قاعد..
أشرق وجه زايد: الله يبشرك بالخير.. زين أربك بتقعد عندنا عقب العرس شوي بعد؟؟
أدري إني مسختها يأبيك.. بس كساب رايح.. وانت بعد تبي تروح معه..؟
ابتسامة علي تتسع: وقاعد بعد عقب عرس كساب.. لين تزهق مني..
زايد بحنو: إذا بتنتظرني لين أزهق..عز الله ما شبرت برا الدوحة.. (ما شبرت= ماخرجت حتى شبرا)
حينها وصلت ابتسامة علي لحدها الأقصى: وحن ماعادنا بمشبرين برا الدوحة
حينها اختنقت الكلمات في حنجرة زايد.. أ حقا ما فهمه؟!!
أ حقا لن يغادره علي.. يخشى أن يسأله فيكون مافهمه خطأ فتنحر فرحته الوليدة
ويخشى ألا يسأله ويكون يعلق نفسه في سعادة ستنتزع منه قريبا
لذا هتف بهدوء حازم رغم انشداد أوتار قلبه لحدها الأقصى: أشلون يعني؟؟
علي مال على كتف زايد ليقبله ثم يهمس بابتسامة ودودة: خلاص خليت مكتب التمثيل الخارجي..
ونقلت هنا...قاعد عندك.. صحيح السالفة كانت بتتعقد شوي..
قالوا لي أنت تكلم انجليزي وفرنسي ومحتاجينك في السفارات برا..
بس أنا أقنعتهم إني في مراسيم استقبال الوفود بأكون أنفع..
وخلاص هذا أنا عندك..
حينها اتسعت ابتسامة زايد لحدها الأقصى وقلبه حلق ومشاعره غردت وهو يمد كفه ليربت على كتف علي ويهتف بسعادة صافية:
الله لا يخليني منك يأبيك.. تو ما برد قلبي اللي له أربع سنين ماعرف راحة
الله سبحانه أكرم من كل شيء
كساب يريح بالي ويتزوج اللي أبيها له..
ومزون تخلي الشغلة اللي كانت مروعتني عليها
وعمك منصور يتزوج عفرا..
وختامها مسك.. أنا أشهد إن ختامها مسك برجعتك لي..
ما أبي زود.. اللهم لك الحمد والشكر
**********************************
"جاهزة لبكرة"
يهمس بإرهاق وهو يلقي غترته..
نجلاء بخفوت: كل شيء جاهز..
صالح بهدوء: الطيارة الساعة 11 الصبح
أنا بأطلع الصبح بدري.. فيه أوراق للشغل بأسلمها واحد من الربع
وأرجع الساعة 8 ونص ألاقيكم جاهزين..
نجلاء بنفس الخفوت: إن شاء الله
يغلق عينيه وهو يسند رأسه لطرف الأريكة
تنظر له بشفافية.. يبدو مرهقا فعلا.. خطوط وجهه.. والهالات حول عينيه
كم تتمنى لو استطاعت مسح ملامح التعب عن وجهه
كم تتمنى لو تمسح على صفحة خده
تخلل أناملها خصلات شعره التي تشعر بلهفة لملامستها
يبدو أنه مرَّ قرن منذ آخر مرة عبثت أناملها بمفارق رأسه
كم تتمنى لو تقبل أجفانه المثقلة بالإرهاق.. تلصق حرير خدها بخشونة عارضه!!
ترتمي في حضنه وتختبئ بين عضلات صدره.. تتنفس عطره من قريب
تستمع لأحاديثه التي لا تنتهي حول كل شيء وهو كعادته يداعب خصلات شعرها أو يشد أناملها قريبا من قلبه..
لماذا بات كل شيء معقدا هكذا؟؟
لماذا؟؟
لــــمـــــاذا؟؟
لـــــــمـــــــاذا؟؟
***************************************
"حبيبتي الحلوة.. عادها زعلانة عليّ"
يهمس في أذنها وهي مازالت نائمة ليعقب همسه بقبلاته المرفرفة
عفراء تفتح عينيها وتهمس بصوت ناعس رقيق: هذي طريقة تصحي فيها النايمين؟؟
منصور يبتسم: يخسون النايمين.. هذي طريقة لحبيبتي بس..
يا الله عادش زعلانة..؟؟
عفراء تعتدل جالسة وهي تمسح وجهها.. وتعيد شعرها للخلف وتهمس برقة خجولة:
شكلك تبي تزعلني غصب يا أبو زايد.. من اول يوم قلت لك الحطب طاح
منصور يبتسم ابتسامة شاسعة: بس أنا أدري إنش أول يوم قلتي لي الحطب طاح
عشان تخلصين من إلحاحي بس..
عفرء تمد يدها لتمسح على خده وتهمس بعذوبة: زين إنك عارف إنك لحوح..
يتناول يدها من خده ليقبل باطنها ثم يشدها لتقف ويهتف بجدية: اليوم مزون بتمتحن خلاص.. أبيش تكلمينها عن فهد
عفراء تتناول روبها وتلفه على جسدها وتجلس لتهمس بهدوء: إن شاء الله يأبو زايد.. لا تحاتي
منصور يجلس جوارها ويحيط كتفيها بذراعه ويهتف بهدوء باسم: خلصتي التجهيز لعرس كساب؟؟
حينها اتسعت ابتسامتها بشفافية عميقة: خلصت كل شيء
ثم أردفت بعمق أمومي حميم: فديت قلب كساب يامنصور.. ماني بمتخيلة إنه بيتزوج أخيرا.. وإنه إن شاء الله عقب سنة بأصير جدة
كساب يستاهل يرتاح.. طول عمره راكبه الهم.. وباله مشغول..
حينها أردف منصور وهو يقلد طريقتها : (فديت قلب كساب يامنصور)
وإلا منصور مسيكين مايطري على حد يطري قلبه بكلمة..
عفراء بحرج: منصور لا تمسك لي عالكلمة..
منصور يبتسم: عطيني كلام مثله وأنا ماعاد أمسك فيه
عفراء تقف هاربة: بأروح أجهز فطورك..على ما تلبس
منصور يضحك: يازين الهريبة ياناس
ثم أردف بابتسامة: أكيد مستانسة إني راجع الدوام عشان ترجعين لطالباتش
تحاتينهم كنهم بناتش..
حينها توقفت عفراء وهي تهمس بهدوء عميق: على طاري البنات.. البارحة كلمت دكتورة بنتي.. صار لها كم يوم راجعة
تقول إني أقدر أشوف جميلة عقب أسبوعين ثلاثة..
فلو ماعندك مانع .. أبي أروح لها عقب عرس كساب.. ولو أنت ما تقدر
خليت علي يوديني..
تجمدت أصابع منصور انفعالا لم يظهر للعيان وهو يهتف بحزم: لا أنا اللي بأوديش متى ما بغيتي
عفراء ابتسمت بشفافية وهي تدخل الحمام: الله لا يخليني منك يابو زايد
منصور مازال جالسا في مقعده ويهمس بعمق خافت به رنة وجع خفية بعد أن أغلقت عليها الباب: ولا يخليني منش..
بعد حوالي 40 دقيقة منصور في سيارته متوجه لعمله.. تخطر له الكثير من الخواطر المزعجة التي باتت تبعث ضيقا عميقا في روحه
يكره إحساس التشويش والفوضى الذي يعيشه ..يريد أن يقف على أرض صلبة
أن يعلم أين رأسه من قدميه؟؟ فهل يبقى متوترا هكذا من شبح شيء قد لا يكون له أهمية؟؟
لذا يقرر إجراء اتصال عله يريحه قليلا ولو أنه علم أن هذا الاتصال سيرفع قلقه للذروة القصوى ماكان مطلقا ليجريه
ولجعل لنفسه مهلة يتأرجح فيها الأمل في جوانحه.. بدلا من نحره!!
وصله صوتها الرقيق محملا بالقلق: فيه شيء يا عمي؟؟
منصور بمودة: وعشان أتصل أصبح على بنتي لازم يكون فيه شيء؟؟
مزون بابتسامة قلقة: لا فديتك.. بس الساعة توها ست ونص الحين.. وتروعت
منصور بذات المودة: أدري إنش أكيد قاعدة تدرسين لامتحانش.. وحبيت أصبح عليش وأقول الله يوفقش
حينها ابتسمت بشفافية: صباحك كله خير جعلني الأولة.. ودعواتك..
منصور يبتسم: أنتي ماشاء الله ما ينخاف عليش...
ثم أردف بنبرة غامضة: مزون لو بغيت أسألش سؤال غبي شوي
تجاوبيني وتخلينه سر بيننا
مزون رغم استغرابها ابتسمت: حاضرين عمي.. وعيوني لك.. ولا تحاتي السرية.. توب سيكرت
حينها أردف منصور بحزم: مثل منتي عارفة جميلة صارت بنتي بس أنا مابعد أعرف طبايعها.. فلو هي....
بدا له السؤال صعبا على كرامته واعتداده بنفسه ولكنه مجبر عليه لذا أردف بحزم أشد:
فلو هي عرفت بزواج أمها.. وش ممكن تكون ردة فعلها؟؟
حينها ضحكت مزون برقة: كل شيء ممكن يطري على بالك.. جميلة دلوعة وواجد متعلقة في خالتي..
منصور بنبرة غموض حاول أن يجعلها في طريقة سؤال مرح: يعني مثلا ممكن تقول لها تطلقي؟؟
مزون مازالت تضحك: أووووه ..هذا أصلا أول شيء بتقوله.. وبتسوي فيلم هندي على سبته.. وبتبكي وبتصارخ وتعاتب
بس من اللي بيأخذ بكلام جميلة؟؟ أنت وخالتي اسمعوا من هنا وطلعوا من هنا.. مسيرها تكبر وتعقل..
أصابع منصور تيبست على هاتفه وضيق عظيم يتصاعد في روحه لم يظهر في صوته الحازم:
يا الله يأبيش ما أعطلش أكثر من كذا.. والله الله بالدراسة!!
أنهى اتصاله وألقى بالهاتف على المقعد الخالي جواره وهو يصر على أسنانه بقهر عظيم:
ليتني ما كلمتها!!
ليتني ما كلمتها!!
**********************************
في سيارة أخرى بعد ذلك بساعة
رجل آخر تشغل تفكيره امرأة أخرى
وما لا تعلمه أنه مثلها يعلق على السفر أمالا كثيرة
أنه سيفتح بابا جديدا للصفاء بينهما
يستنزفه اشتياقه لها
ويستنزفه ابتعاده عنها
ويستنزفه هذا الجو المتوتر حولهما!!
ولكن كرامته ماعادت تحتمل المزيد
فلأنها تعرف بتمكنها في قلبه.. ظلت تعبث به طوال هذه السنوات.. تقربه حين تريد وتبعده حين يريد
ولكنه قبل ذلك لم يكن يسمح لها أن تبعده.. كان دائما يقتحم حصونها التي تتمترس داخلها
كان دائما هو من يبادر للارضاء والمصالحة.. حتى مع شدة غضبه من موضوع تأخيرها للحمل.. لم تعتذر له هي يوما
جعلت لنفسها الأعذار في حرمانه من حقوقه.. أوجدت لنفسها كل عذر
بينما هو لم تجد له أي عذر
طوال السنوات الماضية.. عشقها كما لم يعشق رجلا امرأة.. لا يستطيع أن يكون جاحدا وينكر أنها تبادله المشاعر
فهو يعلم أن نجلا تحبه كما يحبها.. وكانت بالفعل كزوجة وأم وربة بيت بل كإنسان مثال رفيع للعطاء
ولكنها في الحب نفسه أنانية.. تريد أن تأخذ أكثر مما تعطي..
تعب من كل هذا.. يريد أن يكون إحساسها به كأحساسه بها.. يريدها أن تهبه مشاعرها بلا مقياس
كما كان دائما يغرقها في طوفان مشاعره بلا حساب..
فربما بعد تجاهله الأخير.. عرفت ذنبها في حقه
وربما يكون هذا السفر هو السبيل لإنهاء المشاكل العالقة بينهما
وهو غارق في أفكاره رن هاتفه..
التقطه.. لا يظهر له رقم.. فقط كلمة (مكالمة)
استغرب.. تناول هاتفه ورد
وصله صوت الطرف الثاني.. صوت ثقيل صاف النبرات: صباح الخير
صالح بهدوء رغم استغرابه: صباح النور
ذات الصوت الثقيل برزانة: حضرتك صالح بن خالد آل ليث الــ
صالح باستغراب فعلي: نعم؟؟ فيه شيء؟؟ ومن حضرتك؟؟
الرجل بنفس التبرة الثقيلة: معك وزارة الخارجية من مكتب الارتباط الخارجي.. ونبيك تجينا الحين..
صالح باستغراب: بس انا وراي طيارة..ومسافر بعد شوي
الرجل بحزم: اسمعني ياخوي صالح.. الموضوع ما يتأجل.. وبصراحة أنا اتصلت فيك
لأني ما أبي اتصل في الوالد.. لأني والله بعدني ما نسيت إللي صار لأبوك عندنا هنا قبل حوالي 4 سنين
والله إني وقتها ندمت إني اتصلت فيه.. تمنيت لو اتصلت بحد غيره منكم
فلو أنت ما تقدر تجي بأتصل في أخوك فهد.. الأرقام كلها قدامي الحين
تفجر قلق صالح عاتيا: لا أنا اللي بأجي.. لا تتصل في فهد
بس إبي وش دخله في السالفة.. وأنتو وش سالفتكم؟؟
الرجل بذات الحزم: تعال الحين وأنت بتفهم السالفة.. أنا بأحط اسمك عند السيكورتي عند الباب.. عطهم الاسم أول ما توصل وهم بيوصلونك لين مكتبي
صالح بقلق شاسع: زين أعرف على الأقل الموضوع وش هو
الرجل ألقى قنبلته التي تفجرت براكين عاتية مدمرة مصدومة في داخل صالح :
الموضوع يخص أخوك عــبــدالله..
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم HaboOoshy
"حياك الله.. أنا أبو محمد.. نورت مكتبنا"
"الله يحيك ويبقيك"
" وش تشرب طال عمرك؟؟"
" اشرب؟؟
لا طال عمرك.. شربتني من الروعة ما يكفي وزود..
طمني وبس.. دخيلك يابو محمد .. وش السالفة؟؟"
أبو محمد يتنهد بعمق عانى صعوبة في نفث زفراته.. ثم هتف بحزم مهني ضروري:
والله العظيم ماني بعارف من وين أبدأ.. وخصوصا إنه أنا سبحان الله اللي بلغت أبوك قبل حوالي 4 سنوات
وتدور السنين وأرجع أبلغك أنت بشيء ثاني..وكل السالفتين توجع
تدري يأخوي صالح.. إنه عقب اللي صار لأبوك في مكتبي هنا.. إني قعدت كم يوم بعدها أحلم فيه كل ليلة
يا سبحان الله لأبوك هيبة وقدر وتأثير ما تتخيل أشلون أثر فيني
انا ترا جيت وعزيت في عبدالله مع أني ما أعرفه ولا أعرفكم بس حبيت أتطمن على أبوك عقب اللي صار له هنا
يانا تفاجأت من وقفته كنه يا جبل ما تهزك ريح وهو يستقبل المعزين وأنا عارف إنه فجيعته فوق كل حد..
صالح بقلق شديد: الله يهداك أنا بروحي متروع من حكيك
وزود روعتني على إبي.. تكفى وش اللي صاير..وإبي وش سالفته معكم؟؟؟
.
.
.
قبل أقل من 4 سنوات .. نفس المكتب.. نفس الشخص.. لكن مع فرد آخر من عائلة آل ليث
تختنق الكلمات في حلق أبي محمد.. لم يتخيل أن المهمة ستكون صعبة هكذا
تمنى لو أنه لم يتصل بالوالد.. تمنى لو أنه أتصل بأحد الأشقاء
كم بدا له مؤلما حتى نخاع النخاع كسر كل هذه الهيبة.. هذا الجلال.. هذا الاعتداد العظيم!!
ولكن ما باليد حيلة.. فالشيخ يقف أمامه ويسأل عن سبب استدعائه بهذه الطريقة العاجلة: وش فيك يا ولدي ساكت؟؟
أنتو طالبيني.. وصار لي عندك ربع ساعة وأنت تلف وتدور يأبيك
عندك شيء تبي تقوله، قوله.. ماعندك ، خلني أتسهل
أبو محمد بالفعل اختنقت الكلمات في حنجرته: ولدك عبدالله.....؟؟
حينها تقلصت قبضة أبي صالح بعنف وقلبه قفز لحنجرته التي تشققت جزعا مفاجئا وهو يحاول الاعتصام بالجَلَد: وش فيه عبدالله؟؟
أبو محمد بكلمات مبتورة تمنى لو يغير من حقيقتها التي لا تتغير شيئا: يـ ـطـ لـ بك الـ..
يطلبك البيحة...
حــــيــنــهـــا
حــيــــنــــــــهــــــــا
أي كلمات تصف شعور الفجيعة حينها؟؟
كل الكلمات قاصرة.. هزيلة.. لا معنى لها..
أ هكذا يُفجع أنه لن يراه مرة أخرى.. وهو من كان يعد الساعات والدقائق لعودته!!
أي فجيعة هذه؟؟ أي فجيعة؟؟
اسودت الرؤية.. غامت النظرة
انهار كتفا الرجل العظيم ليغوص رأسه بينهما... وهو يسند رأسه لكفه ويغمغم بصوت مختنق قادم من هوة بلا قرار:
يطلبني البيحة؟؟ تقول يطلبني البيحة؟؟
يهز رأسه عاجزا عن التصديق.. بل رافضا أن يصدق:
عبدالله مات.. مات خلاص؟؟
أبو محمد وقف وتوجه لأبي صالح وربت على كتفه وهتف بإيمان موجوع:
قول إنا لله وإنا إليه راجعون..
أبو صالح غمغم بصوت مكسور مبحوح:
إنا لله وإنا إليه راجعون.. إنا لله وإنا إليه راجعون
يا الله الثبات من عندك.. يا الله الثبات من عندك..
ثم بقي لدقيقة عاجزا عن النطق.. لا يجد حتى الكلمات.. فهو هاتفه للتو من أيام.. ثم استغرب انقطاعه عنه..وكان يحاول الاتصال به ولكن هاتفه كان مغلقا على الدوام..
ولكن منذ أيام فقط كان صوته الغالي يصب في عمق قلبه
فأي صوت بعد صوتك ياعبدالله؟؟ أي صوت؟؟
سحب له أنفاسا شعر بها كشفرات تمزق رئتيه المختنقة: وش سببه بعد الله سبحانه؟؟ نبي نروح نجيبه يدفن هنا يأبيك؟؟
أبو محمد يشعر أنه سيبكي نيابة عن هذا الرجل العظيم الذي ضن عليه شموخه بالبكاء حتى وإن كانت روحه تنزف كل دموع الأرض:
ما تقدر تجيبه ياعمي.. ما تقدر
حينها غامت عينا أبي صالح بجزع إن كان يصح تسمية هذا الشعور المرير الجارح المتغلغل صدمة ووجعا مجرد (جزع):
حتى جثة تقر عيني بشوفتها مافيه...ليه؟؟
ليه؟؟ لــــــيـــــه؟؟
ولدي أشلون مات.. أشلون مات؟؟ وين جثته؟؟
أبو محمد باختناق: ما لقوا له جثة.. والله أنهم حاولوا.. والسفارة والخارجية قدمت مذكرة بإعادة البحث.. بس مالقوها.. والله العظيم مالقوها
أي ألم هذا أي ألم.. قفز أبو صالح عن مقعده صائحا بكل ألم الدنيا: أشلون ما لقوها؟؟
حينها ألقى أبو محمد قنبلته المؤلمة الموجعة التي تفجرت في روح خالد قيحا وصديدا لم تتوقف مرارتهما من ذلك الحين:
ياعمي ولدك انتحر.. قط روحه في البحر من فوق جسر..
انتهى انفجار قنبلة أبي محمد ليبدأ مفعولها المتوحش في روح أبي صالح
حــيــنـهــا انـــهـــار..
انهدم جالسا على مقعده.. انهار وهو يتمتم بكلمات ميتة: ولدي ما يموت كافر.. ولدي ما يموت كافر
ولدي ما يموت كافر!!
ليتعالى صراخه الموجوع: ما يموت كـــــــافــــــــر.. ما يموت كــــــــافـــــــــر..
قل لي إنه سوى حادث.. قل لي إنه احترق.. قل لي تفجرت به طيارة..
قل لي أي شيء.. أي شيء ممكن يفجع أي إب على ولده.. أي فجيعة
إلا ذا الشيء يا ولدي.. إلا ذا الشيء.. تكفى.. تكفى
قل لي إن ولدي مامات كافر..
لا تقول لي إنه مطرود من رحمة ربه..
تكفى يأبيك.. قل لي شيء غير ذا.. طالبك.. طالبك..
ولدي ما يموت كافر.. ما يموت كافر..
تكرم لحيته اللي ربيتها على الدين والمراجل..
فأشلون يموت كافر؟؟ أشلون؟؟
.
.
.
اليوم
" أخي ما يموت كافر.. مستحيل أصدق.. مستحيل
عبدالله مصلي.. والفرض ما يفوته
مستحيل.. مستحيل.."
صراخ صالح الموجوع يتعالى اليوم كما تعالى صراخ والده في ذات المكان قبل حوالي أربع سنوات
أبو محمد يشير لصالح أن يهدأ رغم تأثره العميق من ثورة صالح الموجوعة ويهتف له بهدوء: وأخيك فعلا ما انتحر
بس هو ضبط السالفة وأقنع الكل إنه انتحر.. وأخفى كل اثر له
تخيل حتى الشرطة الأميركية مادلته..
ملابسه خلاها فوق جسر بروكلين في نيويورك في أقصى شرق أمريكا
وعاش عقبها في بورتلاند ولاية أريغون في أقصى غرب شمال أمريكا..
صالح صرخ بكل ذهول العالم وصدمته: يعني عبدالله حي؟؟
أبو محمد بهدوء شديد الحذر: حي..
ثم أردف وهو يمد يده لورقة على مكتبه ويمدها لصالح: هذي الرسالة اللي هو خلاها مع جوازه وملابسه اللي كانت عند الجسر
عطيتها أبيك ذاك اليوم وقراها.. ثم داس عليها برجله وهو يقول بوجيعة ما نسيتها عمري (مات كافر وخسيس)
وأنا احتفظت فيها من ذاك اليوم لأنها تعتبر مستند..
صالح تناول الرسالة بيد مرتجفة وفضها بقلب أكثر ارتجافا:
" يبه.. صالح..
أنا عارف إن واحد منكم هو اللي بيقرأ رسالتي
أنا تعبت من ذا الدنيا
عندي مشاكل كثيرة ما تدرون عنها
وخلاص ما أقدر أعيش مع ذا المشاكل
أبي أرتاح من ذا الدنيا... أدري إن ذنبي كبير
أطلب منكم السماح... ودايما ادعو لي..
وتراني ظلمت جوزا كثير..ظلمتها فوق ما تتخيلون.. تراها وصيتي لكم
تكفون ما يلحقها ضيم لين ربي يشوف لها نصيب أحسن مني"
صالح يغمض عينيه ويغلقهما.. عاجز عن التصديق.. عاجز عن التفكير
أ حقا كل هذا الجنون؟؟
وما الذي يدفع عبدالله لكل هذا؟؟
لماذا يؤلف حكاية كهذه؟؟
وكيف استطاع أن يجعل والده يواجه كل هذا الألم وهو يخبر الجميع أن عبدالله توفي في حادث سيارة هناك
وأن السفارة ستتولى دفنه.. وحلف على صالح أن لا يذهب هناك رغم أنه كان سيجن ليذهب لإحضاره
يحاول صالح تخيل كل هذا الألم الذي عاناه والده وحيدا.. فلا يستطيع التخيل حتى!!
الآن فهم رفضه تسمية حسن باسم والده..
الآن فهم نظرة الغضب والأسى العارمين التي كانت تلون وجهه كلما سمع ذكر عبدالله
الآن فهم السنوات التي تضاعفت على كاهل والده
الآن اكتملت الصورة..
كان يستغرب رفضه لذكر عبدالله عنده وكان يحاول تفسيره أن ذكر عبدالله يؤلمه لأنه يقلب مواجعه..
ولكن هذا التفسير لم يكن يقنعه.. لم يكن يقنعه.. ولكنه لم يجد سواه..
الآن يستطيع تفهم أي صراع نفسي مرير عاشه والده طوال السنوات الماضية
وأي ألم هو؟؟ أي ألم؟؟
أبو محمد يكمل حديثه بحذر: ترا كان مع الورقة ذي ورقة ثانية.. بس ما أدري أبيك قراها أو لا..
لأنه بعد ماقرأ الرسالة.. قط الاوراق كلها وداسها وطلع
صالح بتساؤل: أي ورقة؟؟
أبو محمد بذات الحذر: عقد طلاق موثق في السفارة القطرية في واشنطن..
يومها يوم شفته.. قلت رجال يبي ينتحر.. ليش يطلق مرته..
بس الحين فهمت..
صالح ينتفض بغضب وحرقة: وعبدالله ليش يسوي ذا كله؟؟
وأشلون هنّا عليه كلنا.. هان عليه يسوي فينا كذا..
ليه يا عبدالله؟؟ ليه؟؟ ليه؟؟
*******************************
تكاد تجن من القلق... الظهر أذن.. وموعد الطائرة فات.. وماعاد يهمها موعد الطائرة مطلقا.. لا تريد أن تسافر حتى
تريد فقط أن تطمئن عليه.. البيت كله في حالة استنفار.. بعد تأخر صالح عن أخذ أولاده للرحلة
ثم وهو لا يجيب مطلقا على أي اتصال...
فهد وهزاع وحتى غانم ونايف... كل واحد منهم توجه لجهة للبحث عن صالح... فغيابه بهذه الصورة لم يكن طبيعيا أبدا
أم غانم وسميرة حينما علمتا أن نجلا لم تسافر وزوجها غائب.. قررا أن يتوجها لها من باب المؤازرة خوفا أن يكون قد حدث له سوء وتريدان أن تكونا مع نجلا حينما تتلقى الخبر
ولكن رؤيتهما كان لها تأثير عكسي تماما على نجلا
كانت تجلس مع أم صالح وعالية في الأسفل كل واحدة منهن تحاول الاعتصام بالقوة حتى لا تثير القلق في الاثنتين الأخريين
ولكنهن ثلاثتهن كن يذبن قلقا وجزعا.. وأناملهن تمر على هواتفهن بجزع متوتر
أم غانم وسميرة دخلتا..
نجلا حينما رأتهما.. جف ريقها.. وقلبها هبط بين قدميها وهي تتمتم بصوت خافت: صالح فيه شيء؟؟
صالح فيه شيء؟؟
ليبدأ صوتها بالارتفاع: صالح فيه شيء؟؟
لتصلها والدتها وهي تربت على كتفها بحنان: مافيه شيء يأمش.. ليش تفاولين؟؟
ولكن صوتها تحول لصراخ مفجوع: وش انتو داسين علي؟؟
صالح وش فيه؟؟ صالح وش فيه؟؟
ليتعالى صراخها بهستيرية أكبر والكل يحاول تهدئتها.. والكل مصدوم من ثورتها فلطالما كانت نجلا شديدة التحكم بأعصابها وانفعالاتها
ولكن صراخها تعالى أكثر وأكثر.. وجسدها يرتعش بعنف
ليسقط مغشيا عليها بين أيديهن..
******************************
بعد صلاة الظهر بساعة..
صالح صلى هناك وعاد لإكمال حواره مع أبي محمد.. فور انتهائهما من الحديث هتف صالح بحزم بالغ أخفى خلفه صدمته وألمه لما حدث لشقيقه:
أنا أبي أسافر لواشنطن في أسرع وقت.. بس خايف من تأخير الفيزا.. تقدرون تساعدوني؟؟
أبو محمد أجابه بتصميم: تبي تسافر الليلة؟؟
صالح بلهفة ورجاء شديدين: ياليت.. يا ليت
أبو محمد بثقة: عطني جوازك وصور شخصية لك الحين..
الوزير بنفسه مهتم من موضوع أخوك
احنا بنتوسط لك عند السفارة الأميركية تخلص الفيزا اليوم
روح انت احجز وعلى العصر ارجع على السفارة إن شاء الله إنك تلاقي فيزتك جاهزة
صالح يقف ويهتف بتصميم شديد: مشكور ياخي الله يكثر من أمثالك
أنا طالع الحين أحجز على أقرب طيارة..
أبو محمد يصافح صالح ويهتف له: هذا رقم تلفوني حدد لنا موعد وصولك وبتلاقي مندوب من السفارة ينتظرك هناك..
صالح خرج من عنده... لم يكن في رأسه سوى أن يحجز فقط
تفكيره غارق في التبلد وليس فيه سوى عبدالله وماحدث عبدالله
وأنه لابد أن يراه في أقرب فرصة.. لو استطاع أن يطير حتى لطار
ليس به صبر.. ليس به صبر..
توجه لأقرب محل سفريات.. عانى قليلا ليجد له حجزا مستعجلا في طائرة تطير قبل المغرب بقليل
هاهو يقود سيارته عائدا للبيت وغارقا في الهم والتفكير
أ يعقل كل ما حدث؟؟ أ يعقل أن عبدالله مازال حيا؟؟
أي صدمة هذه؟؟
كيف يستطيع اخبار أهله بهذا؟؟
كيف يستطيع أخبارهم كل هذه التفاصيل الفاجعة؟؟
وكيف أخفى عليه والده كل هذا؟؟؟
لو أن والده أخبره.. كان يستحيل أن يصدق أن عبدالله قد يفعل ذلك
كان قد شك أن هناك ما هو أكبر
كان ليذهب بنفسه ويتأكد.. هو كان سيعرف كيف يجده.. حتى لو أختبأ في بطن الحوت
لأنه يعرف أساس الحكاية التي لا يعرفها والدهما!!
يتنهد بعمق.. لا يستطيع إصلاح الماضي.. فما مضى قد مضى
ومن معرفته لوالده.. يعرف أنه يستحيل يسامح عبدالله بعد مافعله بهم..
لذا يجب أن يدرس خطواته بدقة تحسبا للتاثيرات
أول شيء سيفعله أنه لن يخبر أحد بسبب سفره ..
سيخترع لهم أي سبب..
وهو غارق في أفكاره تذكر بجزع أكبر الرحلة التي فاتته وأهله الذين لابد جزعين عليه.. كان يقترب من بيتهم
والوقت قبل صلاة العصر بقليل..
"كيف نسيَ أن يطمئنهم؟؟ كيف نسيَ؟؟"
تناول هاتفه ليفجع فعلا من عدد الاتصالات التي لم يرد عليها
تجاوزت المئة اتصال.. من والده وأشقائه وعمه وغانم ونايف.. والدته وعالية ونجلا وحتى بعض خالاته..
ضرب مقدمة رأسه وهو يلوم نفسه على نسيان أن يتصل بهم ليطمئنهم
ولكن مع الخبر الصدمة الذي صُدم به كيف يجد له مساحة للتفكير بشيء آخر؟!
تنهد بعمق وهو يشد أنفاسه ويتناول هاتفه ويتصل ..
في ذات الوقت.. في مجلس الحريم في بيت خالد آل ليث
نجلاء تنتحب بصوت خافت على كتف والدتها التي كانت دموعها تنساب بصمت على حال ابنتها
سميرة وعالية تجلسان متجاورتان.. توترهما قفز للذروة.. ولكنهما كلاهما تحاولان الاعتصام ببعض قوة
فآخر ما ينقص الجميع هو أن يزيدا الوضع سوءا
يكفيهما ما حدث لنجلاء التي كادت تموت بين أيديهن..
أم صالح كانت ترفض في داخلها أن تبكي..
لن تبكي.. البكاء يعني أن هناك سوء حدث له.. وهي تريد أن تحميه حتى من مجرد سوء أفكارها
كانت تتمتم بالدعوات في داخلها.. تدعو الله عز وجل بكل عمق أن يحفظه ويعيده لها.. فقلبها المفجوع الذائب لن يحتمل فقدا آخر.. لن يحتمل أبدا
وهي غارقة في دعواتها رن هاتفها
كانت تجيد قراءة الأسماء.. لذا حين رأت الاسم الذي ينير على الشاشة لم تحتمل
وكل مقاومتها الهشة انهارت وهي تنتحب بألم يمزق نياط القلب
ألقت هاتفها على عالية جوارها وهي تشير لها أن ترد.. والجميع تحفزوا مع الموقف
عالية التقطت الهاتف بيد بينما شدت بيدها الأخرى على يد سميرة الجالسة جوارها من الناحية الأخرى وهي تهمس بلهفة وتخوف: صالح..؟؟
جاءها صوته مرهقا هادئا: ليه حد بيتصل من تلفوني غيري.. وين أمي؟؟
عالية تنظر بقلق وتأثر لأمها الباكية جوارها: أمي تكرم في الحمام.. أنت بخير..؟؟
صالح بهدوء: بخير مافيني شيء... بس جاني شغل ضروري وتلفوني خليته في السيارة
عالية بعتب: وش الشغل اللي يخليك تخلينا على أعصابنا كذا؟؟
أم صالح التقطت الهاتف من يدها وهي تحاول أن تخفي رنة البكاء من صوتها:
وينك يأمك؟؟ وش سويت فينا الله يهداك؟؟
صالح بحنو شاسع: والله أني طيب.. وجايش الحين..
أم صالح أنهت المكالمة والتفتت للجميع وهي تهمس بصوت مبحوح: صالح طيب وجاي الحين
قلب آخر كان يستمع للمكالمة وهو ينتفض بعنف.. كانت صوت بكاءها يرتفع وهي تتمتم بالحمد لله والشكر له
لا تعلم ما الذي حدث ولا يهمها أن تعلم .. يكفيها أنه بخير
تشعر بجسدها يغرق في عرق بارد.. تشعر كما لو كانت قضت يوما طويلا في السباحة ضد التيار
وألم عظيم يستشري في عظامها ومفاصلها
التفتت لوالدتها وهمست بخفوت من حنجرة ممزقة: يمه اسمحي لي باروح أسبح قدام يجي صالح ما أبيه يشوف حالتي كذا.. يتروع
أم غانم ربتت على خدها بحنان: روحي يامش.. حن بنكلم غانم وبنروح للبيت أصلا ماعاد باقي شي على صلاة العصر
نجلاء صعدت لغرفتها وهي بالكاد تسحب جسدها المكدود.. بعد دقائق وهي في منتصف استحمامها سمعت طرقات على الباب..
تحفزت وهي ترد: من؟؟
وصلها صوته العميق المرهق الذي بعث رعشة عميقة في أوصالها: أنا صالح.. اطلعي نجلا.. ابيش ضروري..أبي أكلمش وماعندي وقت
نجلاء بخفوت وحرج: خمس دقايق صالح بس..
وصلها صوته محملا بالضيق وخيبة الأمل: ما أقدر أنتظر .. باتصل لش تلفون..
نجلا حين سمعت أنه لا يستطيع الانتظار وأنه قد يذهب –ربما للصلاة- دون أن تراه
خرجت من فورها وهي تلف جسدها الغارق في رغاوي الصابون بروبها.. عدا عن الرغاوي التي كانت تحيط بشعرها وتتساقط على وجهها
فُجعت حين خرجت أن المكان كان خاليا من صالح
وفجعت أكثر أن الحقيبة التي كانت أعدتها له من أجل سفرهما غير موجودة أيضا!!
*************************************
بعد عشر دقائق
في صالة بيت خالد آل ليث السفلية.. نزلت نجلاء باستعجال وهي تلف شعرها المبلول بجلالها الواسع وتغطي وجهها بطرفه خشية أن تجد أحد أشقاء صالح معه.. وقلق مرعب غير مفسر يلتهم روحها
لتجد عالية تجلس وحيدة.. ينتابها سكون عميق غريب
همست لها بنفس مقطوع: وين صالح؟؟
عالية ردت بسكون: راح
نجلا بصوت مبحوح: راح الصلاة؟؟
عالية نظرت لها بعينين غائمتين: لا سافر أمريكا..
نجلا انهارت جالسة وهي تشهق بصدمة كاسحة: ويش؟؟ أمريكا؟؟
عالية بقلق: يقول عنده شغل.. ماقال لش؟؟
نجلاء بصدمة موجوعة: كنت في الحمام..
وبعدين من متى وصالح عنده شغل في أمريكا؟؟
عالية بضيق عميق: إبي متضايق حده من سفرة صالح.. تدرين ما يداني طاري الروحة لأمريكا من عقب مامات عبدالله هناك بحادث سيارة
نجلاء بألم: وش ذا السفرة الفجاءة؟؟
عالية بألم مشابه: ليتش بس شفتي وجهه.. مسود.. وباين عليه الهم.. وعقبه يقول رايح شغل.. ومارضى يقول لاحد أي تفاصيل
يقول شغل ضروري وبس
والله ما أبي أروعش عليه.. بس أنا بروحي متروعة..
نجلا تكفين كلميه شوفي وش سالفته؟؟
طيارته يقول قبل المغرب..
نجلاء تنهدت بألم عميق وهي تعاود سحب نفسها للأعلى.. صلت العصر.. ودعت الله طويلا أن يحفظ صالحا لها ولأولادها ولأهله..
بعد أن نهضت عن سجادتها.. تناولت الهاتف لتتصل ولكن أناملها جفت على أزرار هاتفها
تشعر بخجل عميق من صالح..
في كل خلاف بينهما.. كانت تبرئ نفسها من أي ذنب.. وتحمله مسؤولية كل شيء..
لا تنكر أنه أخطأ في حقها خطأ لا يُغتفر.. ولكنها عجزت دائما عن إيجاد حل.. عجزت عن إيجاد منطقة وسطى بينهما
اكتفت باعتذاراته وباستنزاف مشاعره كلها من أجلها..
دون أن تحاول حل المشكلة من جذورها..
كانت تتصرف كما يتوجب من زوجة خلال حياتهما اليومية..
لكن حينما يحدث خلاف تعجز عن المواجهة..
ورغم شدة محبتها لصالح إلا أنها لم تشعره بعمق هذا الحب كما كان يشعرها به..
ورغم معرفتها اليقينية لتشوقه لإنجاب فتاة.. إلا أنها لم تمنحه هذه الأمنية.. ولم تفكر أن تعتذر حتى عن حرمانه من هذا الحلم..
شعرت أن من حقها أن تعاقبه بهذه الطريقة.. مادام سمح لنفسه بتجريحها وإهانتها..
وإن كان بعد ذلك أعتذر واعتذر واعتذر.. فهي لم تفكر في الاعتذار يوما
استكثرت عليه مجرد حقه في أن ينال اعتذارا على ما سببته له من ألم!!
تشعر الآن بصفاء شديد في التفكير..
في أحيان كثيرة نحتاج لموقف صادم حتى يوقظنا من غيبوبتنا الفكرية..
ولكن السؤال هو : هل استيقظنا في الوقت المناسب أو بعد فوات الأوان؟!!
تناولت هاتفها وضغطت آخر رقم لديها في قائمة الصادر..
حينها كان صالح أنجز إجراءاته وينتظر موعد الصعود للطائرة الذي لم يتبق عليه سوى القليل
كان فهد هو من أوصله للمطار بعد أن مرا بالسفارة الأمريكية وأخذ فيزته
طوال الطريق وفهد يستجوبه بإصرار غاضب عن سبب سفره
ولكن صالح لم يجبه بغير جملة (شغل ضروري ما أقدر أجله)
فصالح بطبيعته ليس من النوع المراوغ أو الذي يجيد الكذب أو الدسيسة أو حتى الاحتيال الذي قد يكون ضروريا بعض أحيان
ولكنه من الناحية الأخرى بئره عميق جدا.. وإن كان لديه سر فيستحيل أن يخرج سره..
ومن ذلك سر عبدالله الذي عرف به قبل حوالي خمس سنوات ونصف ومع ذلك لم يخبر به أحدا أبدا..
وهاهو الآن جالس في صالة الانتظار يسند رأسه المنهك إلى كفه اليمين
انتزعه من أفكاره رنين هاتفه.. حين رأى اسمها يضيء على شاشة هاتفه
شعر بحنين عميق.. وشجن أكثر عمقا.. ولام نفسه بشدة أنه لم يكن هو من أتصل بها..
تناول هاتفه ورد بعمق خافت: هلا أم خالد..
عانق شرايين قلبه قبل أذنه صوتها العذب المرتجف: هلا بك يأبو خالد..
ثم أردفت بعتب رقيق: يعني ماقدرت تنتظرني دقايق لين أشوفك؟؟
رد عليها صالح بعتب مشابه: ماهقيت إن شوفتي تهمش..
نجلا بألم شفاف: ماله داعي لذا الكلام.. لأنك عارف إنه أكيد شوفتك تهمني..
وتهمني واجد مهوب شوي
صالح رد عليها بنبرة مقصودة: وش يدريني؟؟
هل تكرمتي مرة وقلتي لي يعني؟؟
أو تبيني أعرف الغيب؟!!
نجلا صمتت لثانيتين.. بدا لها ما ستقوله صعبا عليها وهي تدفع في عروقها الشجاعة التي لطالما نقصتها
تريد أن تعتذر له بعمق.. لا يمكن أن تدعه يسافر هو وهو عاتب عليها هكذا بعد أن انهارت مخططاتها في سفرهما سويا..
همست برقة وهي تبتلع ريقها: صالح أبي أقول لك شيء..
لكن صالح قاطعها باستعجال: أدري إنش تبين تدرين وش موديني أمريكا
عندي شغل ضروري والله العظيم
الحين ينادون صعود الطائرة بأكلمش إذا وصلت
نجلاء همست برجاء موجوع: بس صالح..
صالح قاطعها بتصميم: يالله في أمان الله.. خلي بالش من نفسش ومن العيال
ثم أنهى الاتصال وهو يتجه لبوابة الصعود للطائرة باستعجال.. فلهفة عميقة وحزن أعمق يخترمان روحه
يشعر بتخوف عميق لما سيواجهه هناك.. ليس التخوف بمعناه المادي ولكن بمعناه المعنوي الجارح الحاد
كل هذه السنوات ماذا أخذت من شقيقه وماذا أبقت منه؟؟
ماذا بقي من عبدالله الذي يعرفه؟؟
وهذه المصيبة التي مر بها عبدالله أخيرا والتي عرف بها صالح اليوم كفيلة بتحطيم كيان أي إنسان.. فماذا بقي من عبدالله.. ماذا بقي منه؟؟
على الطرف الآخر
ألقت هاتفها جوارها بقهر.. ثم أنكبت جواره تسيل دموعها المقهورة بصمت
"أ كان عسيرا عليه أن ينتظر لدقيقة واحدة يستمع لما أقول؟؟
بالكاد استجمعت شجاعتي والموقف أعطاني دفعة معنوية للتشجع
فكيف سأجد هذه الشجاعة مرة أخرى؟؟
كيف سأجدها؟؟"
************************************
" خالتي من جدش؟؟
وإلا تمسخرين علي؟؟"
عفراء تمسح على شعر مزون بحنو: ليه السوالف ذي فيها مزح؟؟
مزون بخجل عميق: مهوب المقصد..
بس عمري ماحد خطبني.. ويوم انخطب يكون اثنين مرة وحدة وعيال عم بعد
السالفة محرجة وغريبة..
عفراء بحنان: ما يهمش شيء من غرابة السالفة وإحراجها.. المهم أنتي تفكرين زين وتختارين واحد منهم
مزون بذات الخجل: بس خالتي...
قاطعتها عفراء بابتسامة: لا تبسبسين.. أنا بجيب لش مواصفات الثنين كاملة
من كساب ومنصور
وانتي عقب اختاري
استمر الحوار بين الاثنتين لفترة .. وعفراء اتصلت بالفعل بكساب ومنصور وسألتهما عن الشابين أمامها وهي تسمع
وكانت تقصد أن تفعل ذلك أمامها حتى تسمع بنفسها وساطة كلا منهما
بينما مزون كانت مشوشة.. ويغتالها شعور عميق بالغرابة والحرج والتردد
شعور عميق جدا بالتردد!!
تحاورت طويلا مع خالتها.. ولكن الحوار زاد ترددها وتشوشها بدلا من أن يدفعها لاتخاذ قرار أو في اتجاهه..
بعد حوالي ساعتين..
هاتف عفرا يرن.. كان منصور يستعجلها للخروج فهو ينتظرها في السيارة..
في السيارة عفراء تهمس له برقة: واشفيك تأخرت علي؟؟
منصور يشد على يدها ويهتف بعمق: اشتقتي لي؟؟
عفراء بخجل: مشكلتك واثق من نفسك زيادة اللزوم..
منصور بثقة: إذا صار للثقة أساس.. ماعلينا شر..
وإلا الثقة مالها أساس؟؟
عفرا تغير الموضوع: لا جد.. قلت لي بتجي الساعة 9 والساعة الحين صارت 11.. تروعت عليك ليس إلا
منصور بغموض: انشغلت شوي بسالفة..
حينها وصلا لبيتهما وكانت عفرا على وشك النزول.. لولا اليد القوية التي منعتها.. ومنصور يمسك بعضدها ليوقفها..
عفراء نظرت له مستفسرة برقة:
فيه شيء يابو زايد؟؟
منصور ينقله كفه لكفها ويتناوله ليطبع في باطنه قبلة عميقة.. عفراء تلفتت بحرج:
منصور الله يهداك.. حن في الحوش
منصور يبتسم: حوش بيتنا.. ومافيه حد غيرنا
ثم أردف بثقة: أبي أطلب منش طلب.. ممكن؟؟
عفراء برقة: آمرني.. مهوب تطلب بس
منصور بذات الثقة الحازمة: مثل منتي عارفة عرس كسّاب عقب أقل من أسبوعين
وأنا داري إنش تبين تسافرين لبنتش عقبه..
لكن أنا عقبه عندي شغلة بسيطة.. ممكن نأجل السفر بس 3 أسابيع عقب العرس
حينها انتفضت عفراء بجزع وشعر هو بارتعاش كفها الساكن في كفه:
تكفى يأبو زايد دخيلك.. مافيني صبر.. قلبي ذايب على بنيتي..
لو علي ودي أروح اليوم قبل بكرة..
منصور بغموض: زين أسبوعين بس عقب العرس..
عفرا برجاء عميق: خلاص منصور.. بأخلي علي يوديني.. واوعدك أرجع بسرعة.. بس أشوفها..
منصور في داخله (وأنا وش خايف منه إلا ذا الشوفة)
ثم هتف بحزم:
عفرا ياقلبي ما طلبت منش شي.. بس أسبوعين عقب عرس كساب
وأنا اللي بأوديش.. أبي أتعرف على جميلة بنفسي
يهون عليش تخليني أترجى فيش كذا؟؟
وبعدين أنا ما أستحمل تسافرين وتخليني.. يهون عليش منصور يعني؟!!
عفراء بضيق وخيبة أمل: خلاص منصور مهوب مشكلة.. اللي صبرني ذا الأيام كلها .. يصبرني كم يوم بعد
ماأقدر أردك..
اتسعت ابتسامة منصور بانتصار: الله لا يخليني منش.. قولي آمين..
*************************************
مضى من الليل أكثره
قلبان رقيقان ساهران
أحدهما يفتقد شريك حياته
والآخر يفكر في اختيار شريك حياة
.
.
.
تنظر للمكان حولها بحنين
قد يكون طوال الأيام الماضية يعمره البرود والسكون
ولكنه على الأقل كان هو موجودا يغمر المكان حوله بحضوره
ويأخذها الحنين لأيام أقدم من ذلك
قبل عام من الآن
وصالح يحتويها بدفء مشاعره اللا محدود
تشعر بضيق عميق يكتم على روحها.. من نفسها.. من هذا العمل التعيس المفاجئ الذي أبعد صالح عنها
تقف.. تفتح الخزانات .. تريد شيئا تلتهي به.. كعادتها عندما تشعر بالضيق
تعيد ترتيب بعض الأشياء
تعثر لها على شيء.. تنظر لشريط الأقراص الطويل الذي مازال في نفس مكانه الذي تركته به قبل عشرة أشهر
تتناول كل الأشرطة الموجودة وتلقي بها في سلة القمامة...
.
.
.
في مكان آخر قلب شاب غض ساهر
تدور في غرفتها.. ولا تفتأ تنظر بشجن وابتسامة لانعكاس صورتها في المرآة
لا تنكر شعورها بالنشوة العارمة
بعد إحساس نقص لازمها لسنوات
وإحساسها الدائم أنها لن تكون يوما زوجة ولا أما
فإذا بها تتفاجئ أن تكون مطلبا لشابين لا يُرفضان
كلاهما يتميز بمواصفات فريدة..
ولكن خلف إحساس السعادة البريئة هذه
كان يكمن إحساس آخر أعمق وأخطر
" يا الله ألهمني الصواب
يا الله ألهمني الصواب
وش ذا اللي يصير لي يارب
معقولة؟!!
معقولة كذا؟؟ "
***********************************
كانت غارقة في نومها حين أفزعها رنين الهاتف
ألتقطته بفزع وهي ترد دون ترى المتصل: ألو
وصلها صوته ساخرا كالعادة: ليش متروعة كذا؟؟ لذا الدرجة أنا أخوف
حين تعرفت على المتصل.. تنهدت بعمق وهي تدعو الله أن يلهمها الصبر.. اعتدلت جالسة وهمست بصوت ساحر علقت في أطرافه رقة النعاس:
وهذا وقت حد يتصل فيه إلا لو كان وراه مصيبة
رغما عنه شعر بقشعريرة باردة تجتاح خلاياه وصوتها الخلاب الغريب يثير فيه مشاعر يعجز عن تفسيرها
ومع ذلك وذاك أجاب ببروده المعتاد: شكرا يا مدام على ذوقش
يعني رجّالش ماوراه المصايب..
كاسرة أجابت بتهكم بارد: لا محشوم رجالي..
بالعادة لو وحدة يتصل لها زوجها ذا الحزة.. يكون يبي يقول لها كلام حلو
يا ترى وش الكلام الحلو اللي أنت متصل تقوله لي؟؟
يطيح السقف علي ويكسر عظام صدري.. مثلا
حينها ابتسم كساب وهتف بخبث: وقلبش أسود بعد.. وما تنسين!!
كاسرة ببرود: كساب لو سمحت وش تبي؟؟
كساب بنبرة مقصودة: اليوم الصبح ما قدرت أقرأ كل الجريدة..
والحين تو كملتها
كاسرة شعرت بغيظ لم يظهر في صوتها الواثق: ويا ترى تبي تسولف لي عن أخبار الجريدة
كساب بذات النبرة المقصودة: لا هو خبر واحد بس.. عن ورشة عمل لرؤساء الأقسام في الهيئات الحكومية في معهد التنمية الإدارية..
حينها كاسرة بذكائها عرفت سبب الاتصال ولكنها تركته يكمل حديثه بذات نبرته المقصودة: وأنا أقرأ الأسماء.. تخيلي من اللي لقيت اسمها؟؟
حرمنا المصون
والمشكلة إنها خذت الورشة هذي عقب ماصارت مرتي.. وبدون ما تستأذني
تخيلي!!
كاسرة شدت لها نفسا عميقا ثم همست بحزم: والله يا زوجي المبجل أعتقد أني اشترطت عليك شغلي وأنت وافقت..
وهذي كانت ورشة ضرورية وكانت يوم واحد بس
كساب ببرود حازم: والله أعتقد أني وافقت على شغلش .. مهوب على دورات مختلطة مع رياجيل
كاسرة همست بحزم: والله أنا ماخذت دورة مفتوحة أنا خذت ورشة لرؤساء الأقسام بس.. وما كنت فيها بروحي
كان معي حريم ثانين.. وأحنا قاعدين في صوب والرياجيل في صوب
ثم أردفت بتهكم: يعني ما كنت قاعدة جنب واحد وماسكة في يده
حينها انفجر كساب بغضب (أتجرؤ أن تقول له هو هذا؟ أتجرؤ؟) :
هذا اللي ناقص يا بنت الأصول.. هذا مزح تمزحينه مع رجالش ياللي ما تستحين..؟؟!!
كاسرة ببرود: من طق الباب سمع الجواب...
كساب يهتف بحزم بالغ: زين يأم الباب والجواب.. والله ثم والله لو أدري أنش رايحة ورشة مثل هذي مرة ثانية.. يايصير شيء ما يرضيش
كاسرة تكاد تنفجر غضبا منه ومن تحكمه وهي مازالت في بيت أهلها
كادت تقول له (والله اللي يشوف ذا الغيرة والحمية اللي عندك مايقول إن أختك دراستها كلها مع الرياجيل)
ولكنها شعرت أنه مهما بالغ كساب في مضايقتها.. فلا يمكن أن تستخدم أخته سلاحا ضده..
شعرت أن في هذا خسة لا تتناسب مع رؤيتها الشريفة للحرب حتى
لذا همست له بحزم شديد: ترا منت بأحرص علي من هلي.. وهلي طول عمرهم واثقين فيني.. ويعرفون إني ما أروح في طريق خمَل (خمل =شبهة)
وأتوقع منك أقل شيء يكون عندك ثقة فيني..
كساب ببرود: ومن جاب طاري الثقة؟!...
الموضوع كله.. أني ما أرضى مرتي تكون في مكان مختلط بذا الطريقة
ماعليه رضيت بشغلش .. وهذا واجد عليش...
لكن أي شيء ثاني مستحيل
حينها همست كاسرة بنبرة مقصودة: غيرة هذي؟!
لم يسمح لها أن تحشره في الزاوية وهو يرد بذات نبرتها المقصودة: إن كان هذا واحد من أحلامش الوردية اللي أدري أني ما أفارقها
فما راح أكسر بخاطرش
اعتبريها غيرة إذا هالشيء بيرضي غرورش..
لم تسمح له أيضا أن بشعرها بالحرج وهي ترد بخبث مغلف بغرورها: حلوة لعبة قلب الأدوار هذي
أنا اللي أحلم فيك؟!!
أو أنت اللي أنا متأكدة إنك كل ليلة مشغول تفكر فيني من عقب ما شفتني
لدرجة إنك منت قادر تنام مثل ذا الليلة..ومولع من الغيرة عليّ
لكن أنا نايمة ومكبرة مخدتي بعد.. وما أحلم ولا حلمت..
حينها هتف لها كساب بخبث شاسع: وأنا أعترف.. كل الليلة أحلم فيش وبالي مشغول فيش
تبين أحكي لش وش يصير في أحلامي وأفكاري بالتفصيل؟؟
حينها اشتعل وجه كاسرة احمرارا من تلميحه.. وفي داخلها كانت تسب نفسها وتسب كساب وتسب الورشة التي كانت سببا لاتصاله الليلة
ثم دفعت في عروقها أكبر قدر من الحزم وقاطعته قائلة: الوقت تأخر كساب تصبح على خير..
ثم أنهت الاتصال وهي تشعر بضيق عميق انها سمحت له أن ينتصر عليها هذه المرة
فهي مهما يكن يستحيل أن تجاريه في وقاحته هذه..
ولكن إن كان انتصر في جولة.. فليس معنى ذلك انتصاره في الحرب!!
أبـــــــــدا!!
على طرف المعركة الآخر كان كساب يسترخي على سريره وهي يمرر هاتفه على شفتيه بابتسامتهما المتلاعبة:
زين يا كاسرة.. ياحليلش طلعتي تستحين..
طلع فيش شيء طبيعي يشبه طبايع البنات!!
*****************************
" أنت أشفيك من الصبح تطالعني كنك أول مرة تشوفني؟"
خليفة انتفض من صوتها المغتاظ المدلل على الدوام وهو يهتف بحرج أخفاه خلف هدوء ابتسامته: أطالعج عادي.. تبين أصد صديت؟؟
جميلة بجمود: عادي يا ابن الحلال.. طالع وتمسخر بعد.. ما تفرق عندي
جميلة أعادت خلف أذنها خصلات شعرها الخفيف الذي قمن الممرضات مؤخرا بقصه قصيرا جدا حتى ينمو بشكل أفضل مع تحسن صحتها
ثم أخذت تنظر أمامها دون تحديد... وسرحت
بينما عاد خليفة لمراقبتها.. ليس اليوم فقط.. بل كل يوم ليس لديه شيء يفعله سوى مراقبتها.. ومراقبة التغييرات السريعة التي بدأت تطرأ على شكلها
لم يكن يتخيل أن بضعة كيلوجرامات قليلة قد تبدأ بتغيير شكل هذه المخلوقة اليابسة..
بدا يتضح خلف تقاطيع وجهها الهزيل ملامح حسن شفاف.. بات يتخيل كيف كان شكلها قبل أن تفقد وزنها..
بات يتخيل هذه الملامح على وجه وجسد مرتويين..
في أحيان كثيرة يحتقر تفكيره
ولكنه يعود ليفكر أنه لا شيء عنده يفكر به سواها وما يرتبط بها
بات ينظر لها كبذرة يابسة يعلم أنها تخفي خلف جفافها وضمورها حياة متدفقة بالحسن والامتلاء والنضارة...
يتشوق بالفعل لوصول هذه البذرة لمرحلة نضجها النهائي..
يعلم أن توقعاته قد لا تكون صحيحة.. وأن تصوره لحسنها المختبئ ليس سوى خيالات رجل يشعر بالملل ويريد أن يصنع بخياله شيئا خارقا للعادة..
ولكن حتى وإن كان.. فيكفيه الآن التسلية التي يشعر بها وهو يراقبها ويساعدها على الخروج من غلاف البذرة القاسي للحياة والشمس والاندفاع!!
**************************************
صباح الدوحة
مازالت لم تنم مطلقا
تعلم أن رحلته تستغرق حوالي 14 ساعة متواصلة
كان بإمكانها أن تنام وتصحو
ولكنها لم تستطع.. لم تستطع..
بالها مشغول عليه.. وقلقها وصل مداه.. تريد الاطمئنان عليه
بعثت له عشرات الرسائل أن يطمئنها فور فتحه لهاتفه.. وهي لا تعلم حتى إن كان سيفتح هاتفه أو سيأخذ شريحة أمريكية من المطار..
المهم أن يتصل بها وهاهي في الانتظار..
ذات الوقت
ليل واشنطن...
طائرة صالح تنزل في مطار واشنطن دالاس القريب من واشنطن دي سي
قضى رحلة مرهقة مليئة بالأفكار والهموم
لا يعرف حتى كيف سيقابل شقيقه.. وبأي طريقة سيخفف عنه مصيبته الهائلة التي مازال صالح عاجزا عن تصديقها حتى
ويعتقد أنهم ربما بالغوا في تصوير ماحدث.. لأن صالحا عاجز أن يتصور حدوث شيء متوحش كهذا؟؟
وها هو الآن محصور بين مشكلتين عويصتين
وضع عبدالله هنا.. ثم وضعه حينما يعود به للدوحة..
فهو يعلم أن والده وحده سيكون مصيبة حين يعلم أن عبدالله خدعه وأن انتحاره لم يكن سوى تمثيلية سخر بها منهم جميعا..
ولكن الظرف المرير الذي يعانيه عبدالله الآن يحتاج أن تلتف عائلته كلها حوله
فكيف سيقنع والده بتقبل عبدالله بعد كل هذا؟؟
صالح يعلم أن لابد لعبدالله مبررا قويا جعله يقنعهم بموته.. فعبدالله يستحيل أن يفعل كل هذا إلا لسبب قاهر
ولكن ماهو السبب؟؟ ماهو السبب؟؟
وهو غارق في أفكاره.. لمح اللافتة التي تحمل اسمه.. كان مندوب السفارة الذي ساعده على انجاز إجراءاته ثم استخراج شريحة اتصالات أمريكية
سارع فيها للاتصال بأهله وهو يطمئن الجميع عن وصوله باستعجال
لم يسمح لأي أحد منهم بالاسترسال معه في الحديث ولا حتى نجلا ورجاءاتها
فتفكيره مشغول بعبدالله وعبدالله فقط..
حينما أصبح في السيارة سأله المندوب: وين تبي تروح؟؟
فأجابه صالح بتصميم: للمستشفى طبعا.. أبي أشوف عبدالله..
#أنفاس_قطر#
.
رواية بين الامس و اليوم الفصل الثلاثون 30 - بقلم HaboOoshy
مضت أكثر من نصف ساعة وهو يجلس على مقعد أمام غرفة عبدالله
المندوب احترم رغبة صالح في البقاء وحيدا وتركه على أن يعود له فيما بعد
وصالح بقدر لهفته لرؤية شقيقه بقدر توجسه الجارح من رؤيته
فما سمعه عن حالته كان مؤلما.. مؤلما لأقصى حد
يريد له وقتا للاستعداد للمواجهة!!
مازال جالسا رأسه مدفون بين كفيه
غارق في الهم والتفكير .... والذكريات!!
.
.
.
قبل حوالي 5 سنوات و ثلاثة أشهر
" أنت ياعبدالله.. أنت.. ؟؟
هذي آخرتها.. ماهقيتها منك..
لو فهيدان أقبلها منه.. بس أنت يالعاقل تسويها!! وقد لك ثلاث شهور بعد حتى أنا داس علي"
عبدالله يتنهد بعمق في مقابل ثورة صالح المتزايدة ويهتف بعمق وهو يشد صالحا ليجلسه جواره:
اقعد يابو خالد الله يهداك.. اقعد جعلني فداك.. خلني أشرح لك
أنا أبيك تصير لي عوين مهوب فرعون
صالح يلطم يد عبدالله بحدة ويقف وهو مستمر في غضبه: وأنت خليت فيها عقل وإلا تفاهم..
يوم لك خاطر في العرس.. وإلا تبي لك مرة تحصنك في الغربة
كان قلت لنا وزوجناك شيخة النسوان تروح معك
مهوب تأخذ كافرة مالها أصل ولا دين..
عبدالله بضيق عميق: أنا داري إني غلطان إني تزوجت بذا الطريقة
وأدري إني ضعفت قدامها
بس صدقني أنا مقتنع فيها
راكيل فيها بذرة خير ما تتخيل أشلون.. وخاطرها تسلم...
صالح مستمر في غضبه: كنك يعني ما تسمع البلاوي اللي تسير مع المساكين اللي خبالهم حدهم على أجنبيات مثلك...
وبعدين ابيك مستحيل يوافق.. مستحيل.. وأنت أكثر واحد عارف ابيك
حرام عليك ياعبدالله... أنت عارف غلاك عند ابي.. تسوي فيه كذا..
عبدالله بضيقه المتزايد: تكفى صالح أبيك تساعدني عليه... أنا بعد ست شهور تقريبا راجع
وأبي أرجع فيها معي..
صالح غاضب فعلا ولكن ما باليد حيلة.. فالمرأة أصبحت زوجته لذا سأل عبدالله بذات نبرة الغضب: عبدالله صارحني... مرتك ذي أنت مقتنع فيها؟؟
وعندك إنها تقدر تعيش في مجتمعنا وتتبع عوايدنا..
حينها أشرق وجه عبدالله بشبح ابتسامة: مقتنع فيها وواثق منها... راكيل تموت في طبايع العرب.. وأمنية حياتها تعيش في مجتمع عربي
صالح حينها هتف بعزم: تدري.. لا تقول لأبي شيء.. والمرة الجاية إذا جيت جيبها معك.. ونحطه أمام الأمر الواقع
وقتها مايقدر يطردها عقب ماجبتها..
ثم أردف بنبرة ذات مغزى: ولو أني باقعد أدعي في كل صلاة إن ربي يفكك من شرها..
عبدالله بابتسامة: راكيل شر!! راكيل ملاك نازل من السما !!
قبل حوالي 4 سنوات وثمانية أشهر
يجلسان في زوية المجلس الكبير بعد انتهاء عشاء عبدالله وعودته بشهادة الماجستير
صالح يهمس في أذن عبدالله باهتمام: أنا قاعد على أعصابي من يوم دريت إنك بتجي
خايف من صدمة هلي بمرتك..
ويوم شفتك جاي بروحك يأنا أنبسطت.. بس قلت عقبها ليتك جبتها معك
دامك فيها وش أنت تتنيها
ليه ما جبتها معك.. وخلصتنا من ذا السالفة الغثيثة... وخصوصا إن ابيك وأمك يخططون يزوجونك وملزمين بعد؟؟
حينها عبدالله همس بغموض: أنا وراكيل انفصلنا خلاص
صالح بصدمة مغلفة بفرحته العارمة: صدق؟؟ الله يبشرك بالخير
ثم أردف باستغراب: بس غريبة لين آخر مرة كلمتك وأنت تمدح فيها مدح العباير..
عبدالله بتهكم موجوع بل بما يتجاوز كل معاني التهكم لألم صاف مجروح:
ممثلة درجة أولى.. خلاص ياصالح تكفى ماعاد تجيب سيرتها عندي
المرة ذي لطخة سودا في حياتي.. وأبي أمسحها من حياتي وذاكرتي
الله يقدرني بس..
صالح بحذر: ليه ما تقدر؟؟ تحبها لذا الدرجة؟؟
عبدالله ببغض شديد: أحبها؟؟ أنا عمري ماكرهت حد في حياتي كثر ماكرهت ذا المخلوقة
لكن اللي هي سوته فيني.. شيء صعب أنساه وياخوفي يظل مرافقني في حياتي..
صالح بحذر اكبر: ليه هي وش سوت؟؟
عبدالله يريد اغلاق الموضوع تماما: تكفى صالح انسى السالفة خلاص
حينها لمعت عينا صالح: تبي أنسى وتنسى.. خلنا نزوجك شيخة من بنات العرب الأجواد تطيب كبدك من الحرشاء الغبراء
عبدالله بجزع: لا تكفى وش عرسه.. ماني بمستعد أرتبط بوحدة وأنا مجروح بذا الطريقة من علاقتي بمرتي الأولية
حينها غمز صالح بعينه: ما يفل الحديد الا الحديد وانا اخيك..
*****************************
بعد ذلك بأربع أشهر
"ريقي نشف معك ..
من متى وأنت تعصاني كذا"
انتفض بجزع: أعصاك؟! جعله يومي كني عصيتك
آمر على رقبتي يأبو صالح
بس أنا رجّال.. تبي تغصبني على العرس؟؟
أبو صالح بحزم: ماحد يغصب على العرس يأبيك
غير أنا أبغيك تعقل وتعرف صلاحك
وش عاد مقعدك دون عرس.. وضعك وشغلك كلها زينة
وسنانينك قد عندهم عيال
ثم أردف برجاء شفاف أخفاه خلف حزم صوته العميق: يأبيك خاطري أشوف عيالك..
مهوب كفاية صالح أبطى لين جاله صيب..
ريح بالي يأبيك..
لو علي كان مزوجك من زمان.. مهوب كفاية روحتك للدراسة ذي
أول شيء اقنعتني أخلي عالية تروح مع خالها وعقبها أنت تروح على طول
كنك مرتبها
لأنك داري إني مستحيل أرخص لعالية وأنت بعد رايح
وتراني بلعتها بمزاجي.. وما بغيت أخرب عليك ولا على أختك
حقي عليك الحين تريح بالي وتستقر مثل باقي رياجيل خلق الله
وأنا ما أحدك إلا على خير يأبيك.. بنت عربن أجواد ترادك الصوت وتجيب لك الولد..
عبدالله يشعر بصداع فعلي من هذا الموال اليومي الضاغط.. تعب بالفعل.. كيف يتزوج وهو مازال لم يحل مشاكله العالقة مع زوجته الأمريكية
التي ترفض توقيع أوراق الطلاق.. وإن كان عبدالله قد قال لها على طريقة المسلمين (أنتي طالق) وهو ينويها فعلا
لكنها في الأوراق الرسمية هناك مازالت زوجته
وخصوصا أنها تطارده بالاتصالات بشكل لحوح.. وبات يخشى أن تصاب بحالة جنون ويراها أمامه هنا في قطر
وهي تهدد بشكل صريح أنها لن تتركه أبدا
ومع كل ذلك يكره أن يجعل والده يترجاه كل يوم بهذه الطريقة.. يؤلمه قلبه من رجاءاته وهو الذي اعتاد أن والده لا يكرر الأمر له مرتين لأنه ينفذ من المرة الأولى
لذا هتف بحزم: خلاص يبه تم.. قوم نخطب اللي تبون
***************************
الــيــوم
"من أنت؟؟"
صالح يرفع رأسه استجابة ليد صاحب السؤال تربت على كتفه وتعيده من دوامة أفكاره
صالح ينظر للطبيب أمامه ويجيب بهدوء: أنا شقيق عبدالله..
الطبيب بمهنية: جيد أنك حضرت...عبدالله بالفعل محتاج لأسرته..
صالح يشعر بألم عميق: وأنا أريد أن أعود به معي لبلدنا وأهلنا..
ثم أردف بألم أعمق أعمق: كيف حاله الآن يادكتور؟؟
الطبيب بهدوء مهني: نحقنه بالمهدئات على الدوام
أنا شخصيا لو كنت مررت بما مر به.. كنت فقدت عقلي تماما
ولكن هو محتفظ بشكل كامل بعقله وذكرياته.. لذا ألمه لا حدود له..
فالتجربة التي مر بها قاسية جدا..
في البداية عانى انهيارا عصبيا حادا.. ثم بعد ذلك تحول الانهيار لثورة حادة..
صالح وقف وهو يقول بتردد: أقدر أشوفه ؟؟
الطبيب بهدوءه المهني: بالتأكيد تستطيع
هو الآن مخدر.. لكن مفعول المخدر سيزول بعد ساعتين أو ثلاث
وأنا أفضل ألا نحقنه مرة أخرى.. فهو لابد أن يواجه الواقع
فلو كنت تستطيع تهدئته إذا صحا.. ستكون ذا منفعة هائلة لنا
فهو ما أن يصحو حتى يبدأ بالثورة والصراخ .. ولا نستطيع السيطرة عليه إلا بمساعدة اثنين من رجال الأمن حتى نعود لحقنه
صالح بثقة: إن شاء الله أقدر..
صالح توجه لباب الغرفة وهو يفتحه بتردد.. خطوات مترددة نقلته حتى السرير الأبيض
شعر أنه سينهار... لذا جذب مقعدا وجلس قبل أن ينظر لوجه عبدالله..
تنهد بعمق.. فتح عينيه وأغلقهما.. سمى بسم الله
.. ثم رفع عينيه لمحيا عبدالله
ألم عميق اجتاح روحه.. ألم لا حدود له..
كان أول ما صافح عينيه شعيرات بيضاء غزت سواد عارضي عبدالله
يبدو كما لو كان كبر كثيرا في العمر
سابقا كان من يرى عبدالله مع فهد يظن ان فهدا هو الأكبر في السن.. رغم أن عبدالله أكبر من فهد بأربع سنوات
ولكن من يراه الآن سيشك أنه أكبر من صالح حتى!!
صالح يمسح ملامح عبدالله وتفاصيل وجهه بحنين عميق
من كان يظن أنه سيراه مرة أخرى وأنه سيعود من خلف غياهب الموت
صالح نهض ليطبع على جبين عبدالله قبلة عميقة
ودون أن يشعر خرت من عينه دمعة لم يشعر بها إلا حينما رأى التماعتها على خد عبدالله
مسح خد عبدالله قبل أن يمسح عينيه
ثم همس في أذن عبدالله بخفوت مختنق: الله يواجرك يأخيك.. أدري مصابك كبير.. بس تدري إن الله مع الصابرين..
عاد ليجلس جوار عبدالله وهو يضع يده على عضده ويدعو..
دعا الله كثيرا أن يفرج هم أخيه ويشرح صدره ويمنحه الصبر والسلوان من عنده
ولشدة استغراقه في الدعاء لم يشعر بالخطوات الهادئة التي دخلت الغرفة
حتى شعر بالظل الواقف جواره
وقـــف
كان شابا بدت ملامحه المرهقة الحزينة عربية
فور وقوف صالح سلّم عليه الشاب ورحب به حرارة دافئة بقدر ماسمح له حزنه وإرهاقه
ثم هتف له بصوته المبحوح:
أنا فيصل صديق عبدالله.. وأكيد إنك صالح أخ عبدالله.. السفارة بلغوني بوصولك
بس أنا توني واصل من بورتلاند.. رجعت هناك عشان .. عشان.. عشان
اختنقت الكلمات في حنجرته حزنا... بصقه حشرجات موجعة: عشان أدفن خالد الصغير
سامحني ياخوك أني تصرفت من نفسي
بس أنا كنت أبي أدفنه أول ماخلصوا تشريح وتحقيقات.. ماكنت أبي عبدالله يشوفه
أو يلزم إنه ياخذه يندفن في الدوحة.. مابغيت جروحه تقعد مفتوحة
أدري إن عبدالله ماراح يسامحني على اللي سويته.. بس أنا سويته عشان مصلحته
صالح شعر باختناق عميق وهو يتذكر ابنيه خالد وعبدالعزيز..
لو حدث لأحدهما ما حدث لابن عبدالله.. نفض رأسه جزعا مرعبا من الفكرة ومن مجرد تخيل ما رآه أخوه وهو يهتف باختناق:
جزاك الله خير يافيصل.. ونعم ما سويت.. نعم ما سويت
أردف صالح باختناق عظيم: قالوا لي أنك أنت اللي بلغت عن الحادث... وأنت اللي طلبت من السفارة تطلب حد من أهله..
فيصل بحزن عميق: اللي شفته شيء عمري ما تخيلت أنه ممكن يصير لبشر
خالد كان ولدي.. أنا ربيته مع عبدالله
كان عمره شهور أول ما عرفت عبدالله.. أول ماشفته ماهضمته قلت هذا مافيه دمنا.. أشقر وعيونه زرق.. بس سبحان الله اللي زرع حبه في قلبي
كنت استحقر إن عبدالله يرضعه ويبدل له.. تعرف أفكارنا المتغلغلة فينا
عقبها صرت أنا أبدل له وأرضعه إذا صار عبدالله مشغول..
شهق فيصل غصبا عنه: حسبي الله ونعم الوكيل
أقول لك ولدي.. يمكن لو أنا جبت ولد ما يكون غلاه مثله..
ابتلع عبرته التي سدت حلقه ثم أكمل: بالعادة كان عبدالله يوديه للنيرسري وهو رايح شغله.. وأنا أجيبه..
كنت أقعد عندهم في بيتهم أكثر من قعدتي في السكن..ولولا أني أبي قرب الجامعة أو كان سكنت معهم..
هذاك اليوم.. رحت النيرسري قالوا لي ماجا.. استغربت..
لأن عبدالله حتى لو كان خالد مريض يوديه ويقول لهم انه مريض ويعطيهم أدويته.. شيسوي لازم يروح شغله
اتصلت في عبدالله مارد علي
رحت لبيته أنا معي مفتاح.. فتحت.. وليتني مافتحت.. ليتني ماشفت ذا الشوفة
حينها لم يحتمل انهار جالسا وهو ينتحب بخفوت..: حسبي الله ونعم الوكيل
حسبي الله ونعم الوكيل.. جعلها تشوفه في نفسها وفي أهلها
ذبحته قدامه.. ذبحته قدامه.. وعبدالله يشوف.. تخيل..
تخيل فيه إجرام كذا
دخلت لقيت عبدالله مربوط ومكمم.. والولد الولد......
عجز عن الإكمال وصوت نحيبه يرتفع شيئا فشيئا.. صالح اختنق حلقه بالعبرات وغامت عيناه تماما ربت على كتف فيصل: خلاص لا تكمل لا تكمل..
ولكن فيصل أكمل حديثه بين موجات نحيبه الخافت: كانت سكرانة وجايبة معها اثنين بودي جاردز
عبدالله من يوم هي دلت طريقه وهو متوتر منها.. طول السنين اللي فاتت وهو مرتاح منها.. ما أدري أشلون دلته..
أنا كنت موجود أول مرة جات... سألت خالد وش الأشياء اللي هو حافظها؟؟
خالد بكل براءة سمّع لها السور القصار ... عبدالله كان محفظه كل السور القصيرة
ليتك شفتها.. صارت كنها ثور هايج.. وهي تهدد عبدالله إنها تأخذ الولد لانه خربه بأفكار دينه المتخلف
لكنها بدل ما تأخذه خذت روحه... تخيل خنقته قدام عبدالله اللي ربطوه البودي جاردز في العمود وكمموه..
الولد كانت أرجيله ترجف وترجف لين همدت وقعدت عينه شاغرة
يوم شافت الولد مات في يدها قطته قدامه وهربت..
تخيل طول الليل ولين ثاني يوم وهو مرمي قدام أبوه وعينه مفتوحة في عينه
تخيل ذا المنظر.. تخيل
زين إن عبدالله ما أستخف..
قاطع فيصل عبرات فيصل المسفوحة وهو يصرخ بغضب: الحيوانة اللي مالها ذمة ولا دين.. والله يادم ولدنا ما يروح هدر..
حينها تماسك فيصل من انهياره وهتف لصالح بهدوء منطقي بصوته المبحوح تماما:
اسمعني ياصالح
طليقة عبدالله أهلها ناس واصلين فوق ما تتخيل
هي الحين اعترفت بجريمتها.. والمحاكمة بتتم على أساس إنها بين أطراف أمريكين
لكن لو أنت يا للي جاي من برا ومسلم وعربي صعّدت السالفة.. بيقلبون السالفة ومهوب بعيد تطلع هي براءة
ويطلع إن عبدالله كان يعذبها وهو اللي جاب لها عقدة نفسية خلتها تذبح ولدها
ما تعرف أنت أشلون الامور هنا تصير.. والإعلام أشلون يضغط..
وهم لحد الحين ما دققوا في سالفة إن عبدالله عربي.. انتظر عليهم لين ينتبهون.. بينقلب الوضع 180 درجة.. والإعلام اللي ضدها الحين بيصير معها
أنت اطلع بعبدالله من ذا الديرة في أسرع وقت.. عبدالله محتاجكم
أنا ما أدري وش سبب القطيعة اللي كانت بينكم .. بس هذا لحمكم ودمكم
************************
" ياكثر ما تسبحين!!
كم مرة تسبحين في اليوم أنتي؟؟ خمس مرات؟؟ "
جوزاء تنظر لناحية الصوت المرح حيث تتمدد شعاع على سرير جوزا بجوار حسن النائم..
تبتسم جوزا وهي تشد روبها على جسدها: وإذا سبحت خمس مرات.. شيء من حلالش..
وبعدين تراني ماسبحت إلا مرتين مرة الصبح والحين.. ياختي حر حر..
شعاع تعتدل جالسة وهي تنزع يدها برفق من تحت رأس حسن وتبتسم: يأختي خايفة عليش تسيحين..
وبعدين وش عليش.. أنتي طقيتي للحمام ونقعتي فيه.. وخلتيني أبتلش في ولدش
أكل أبو مخي بحنته...
جوزاء تقف أمام المرآة وتجفف شعرها بالمنشفة وتهمس وهي تبتسم: أنتي صاحبة اقتراح حرمانه من صور أبيه..
أول كان يقلب في الصور لين ينام بروحه.. الحين ما ينام إلا عقب محايل وحنة..
شعاع تضحك: بس حنه على مستوى.. ما يسكر حلقه..
شعاع تعقد حاجبيها: الله أكبر.. قولي ماشاء الله..
شعاع تبتسم: وش بأنظل ياحسرة.. حنت ولدش.. خليني أنظله يسكر حلقه شوي..
جوزاء تتجه للسرير وتميل على ولدها وهي تقبل كفيه وقدميه بحنان مصفى: الله يخليه لي ويحن على كيفه
شعاع بعفوية: تدرين جوزا يوم رحت مع أمي لعالية عشان تودي هداياهم
أنا وعالية رحنا لغرفتها.. فرجتني صورهم القديمة
ياربي ما صدقت.. عبدالله وهو صغير نسخة من حسون.. شيء غير طبيعي..
جوزاء بشبح ابتسامة باهتة: وش قلنا ؟؟ مهوب قلنا بلاها سيرة عبدالله..
شعاع تنهدت وهي تمسح على شعر جوزا المبلول: تدرين جوزا
أحيانا أقول لازم تنسين سيرة عبدالله
وأحيان أقول دامش تحسسين من سيرته.. باقي في خاطرش شيء
خلي عبدالله موضوع طبيعي.. حتى لو سمعتي سيرته.. المفروض ما يهز فيش إلا مشاعر الترحم عليه
لأنه مهما كان عمر سيرته ماراح تنتهي.. هذا ابو ولدش.. وبيظل اسم ولدش دايم يذكرش فيه..
جوزا هزت رأسها بألم: الله يرحمه.. أنا بايحة منه على شين اللي هو سوا فيني.. الله يبيح منه ويغفر له..
شعاع بتردد: ما أدري جوزا ليه أحس دايم فيه حلقة مفقودة في حياتش مع عبدالله أنتي تعمدتي ما تقولينها لي..
يعني كون إن عبدالله كان يتجاهلش أو ما يكلمش.. ما يستدعي العقدة الكبيرة اللي عندش
جوزا أنتي عقب حياتش القصيرة مع عبدالله تغيرتي كثير... حتى هذا الهوس بالنظافة ماطلع إلا عقب مارجعتي علينا من بيت أبو صالح
جوزا تغتصب ابتسامة: يا شينش لا شغلتي مخش المصدي... خليه مطفى أحسن
وش باخبي عليش يعني؟؟
شعاع بنبرة مقصودة: أنتي أدرى...
جوزاء تدفع شعاع برفق لتنهي هذا الحوار : يالله خلاص روحي خليني أنام... بكرة الصبح عندي بروفة فستاني..
شعاع تبتسم: ياي حتى أنا متشوقة أشوف البروفة.. البروفة اللي فاتت كانت خيال عليش..
ولو أني مثل العجايز كان ودي أقول لها توسعها شوي.. خايفة عليش من عيون المشفح... وأنتي بعد طالبة الفستان ضيق لين تحت..
فيه عروس ما تلبس شوي جيبون تحت ينفخ الفستان.. ويخبي شوي من تفاصيل جسمها
جوزا بألم: خلاص لبست الجيبون تيك المرة.. هالمرة أبي أكون غير في كل شيء..
تدرين لولا إن امهاب من حقه يشوف عروسه في فستان عرس.. وإلا يمكن كان مالبست فستان
تعقدت من الثوب الأبيض...
شعاع تبتسم: وأنتي ماسويتيه أبيض.. سويتيه ذهبي..
جوزاء تتنهد.. تعبت من كل هذا الحديث الذي يلامس أطراف الروح ولا يجرؤ على اختراقها: خلاص يا الله روحي أبي أنام..
شعاع خرجت وأغلقت الباب خلفها.. بينما شعاع تمددت جوار حسن
قبلت وجنتيه وجبينه وكفيه وهي تحصنه بالأذكار..
ثم سالت دموعها بصمت وهي تتذكر رغما عنها.. مهما حاولت التناسي
ليلة زواجها القاتمة قبل حوالي أربع سنوات... وما تلاها من أيام سوداء..
***************************
قبل أربع سنوات وشهرين
مضت ثلاث ساعات منذ دخولهما لجناحهما
والصمت هو المسيطر بينهما
هو حينما دخلا ألقى بغترته وببشته الأسود على طرف الأريكة ثم اعتصم بمقعده
بينما هي تشعر أنها أصبحت عاجزة عن التنفس من جلستها الطويلة بالفستان والألم ينتشر على طول ظهرها
ستموت تريد الدخول للحمام.. ولكنها تكاد تذوب خجلا وهذا الحائط الجالس أمامها لا يبذل أي جهد لمساعدتها
توقعت أنه سيحاول أن يحادثها.. يهدئ روعها.. كما يتوقع من أي عريس ليلة عرسه..
توقعت أي شيء إلا هذا الصمت غير الطبيعي إطلاقا
أ يعقل أنه يشعر بالحرج أو ربما الخجل مثلها؟!!
كانت تسترق النظرات له بينما هو ينظر لا تعلم أين
لا تنكر أنها شعرت بارتباك ما من وسامته الطاغية
كان هذا الارتباك ليتحول لشعور دافئ شفاف لو أنه أشعرها باهتمام ما
لكن تجاهله غير الطبيعي لها جعل إحساسا بالضآلة يتسرب إلى روحها
"أ يعقل أنني لم أحرك فيه أي شيء
ولا حتى مجرد الرغبة بالحديث كبشر
حُكم عليهما ان يكونا وحيدين في مكان مغلق
قد يكون وسيما جدا
لكن أنا أيضا جميلة
أ لستُ جميلة ؟! "
" وما يدريني قد يكون لا يراني جميلة إطلاقا"
عادت لاستراق النظر لبهائها المكتمل في تلك الليلة الاستثنائية في إحدى المرايا الكثيرة المنتشرة على امتداد الجناح..
"لستُ سيئة
لستُ قبيحة
أ لستُ كذلك؟! "
شعور بالتوتر والحرج والمرارة يتصاعد في روحها بغزارة مهينة
بعد مرور ساعة أخرى شعرت أنها ستبكي من حاجتها للذهاب للحمام
شعرت أن كل أحاسيسها تتأخر أمام نداء الطبيعة الغير قابل للتأجيل
وشعرت حينها بالفعل أنها ستبكي وهي تضطر أن تكون أول من تتكلم
همست بصوت مبحوح مختنق من الخجل: لو سمحت..
بدا لها أنه لم يسمعها
رفعت صوتها باختناق أكبر: لو سمحت..
حينها ألتفت إليها هتف بهدوء عميق: نعم..
جوزاء باختناق عظيم: أبي أروح للحمام لو سمحت..
حينها انتفض وهو يهتف بأدب يشبه أدب موظف مع زميلته في العمل:
سامحيني.. المفروض سألتش من أول مادخلنا تبين شيء
تفضلي الحمام من هنا
تبين مساعدة؟؟
جوزاء لاحظت بألم أنه يخاطبها دون أن ينظر إليها بشكل مباشر.. همست له بصوت بدأت العبرات تخنقه: لا شكرا ما أبي مساعدة
توجهت للحمام وهي تكاد تنكفئ على وجهها من انعدام الرؤية أمامها لامتلاء عينيها بالدموع
خلعت فستانها بعد معاناة.. واستحمت بدموعها قبل أن تستحم بالماء
كانت تدعك وجهها بحدة وهي تزيل بقايا تزينها
جرح أنوثتها بشدة تجاهله لها في الليلة الأهم في حياتها
بكت مطولا في الحمام.. ولم يفتقدها مطلقا.. ولم يسأل عن سبب تأخرها في الحمام
"ربما لو متت في الحمام
لن يفتقدني!!"
قررت ختاما أن تخرج فهي تريد أن تصلي
كانت والدتها من رتبت أغراضها في الجناح.. تركت لها قميص نوم في الحمام
كان قميصا ملكيا يليق فعلا بعروس ليلة زفافها..
ولكنها لم تشعر بأدنى رغبة لارتدائه
ولكن لأنها لم تجد سواه.. ارتدته بعد أن جففت شعرها
نظرت بتوتر لنفسها في المرأة
إن كانت لم تلفت انتباهه وهي بكامل زينتها.. فكيف الآن بوجهها الخالي تماما من المساحيق
تنهدت في داخلها بوجع: هي ليلة وكسة من أولها.. وش بيضر تاليها يعني!!
حين خرجت وجدته يصلي قيامه..
تناولت سجادتها وصلت هي أيضا قيامها..
أنهت صلاتها وهو مازال يصلي.. بقيت جالسة على سجادتها تنتظر انتهاءه
حينما أنهى صلاته عاد ليجلس على مقعده..
حينها همست له جوزاء باختناق: ماحنا بمصلين سوا ركعتين؟؟
مهما بدت لها بداية حياتها معه ملتبسة وغير سعيدة.. فهي لا يمكن أن تنسى هذه السنة إن كان هو قد نساها أو تناساها..
تمنت بالفعل أن تكون الصلاة فاتحة خير في حياة لا توحي بالخير
غام وجهه لدقيقة ثم هتف بهدوء دون أن ينظر ناحيتها: قومي نصلي
صلت خلفه.. وكل منهما دعا لوحده.. بشيء خاص به..
دعت هي بعمق أن تكون هذه الليلة مجرد كابوس لليلة واحدة.. وألا تكون حياتها معه على هذا الموال
ولكن لله حكمة فيما يفعل ويريد!!
انهى صلاته وعاد لمكانه...
بينما هي خلعت جلال الصلاة.. رتبت شكلها بارتباك.. وعادت لتجلس أمامه
شعرت أن تجاهله لها ازداد.. كما لو كان يقصد فعلا إشعارها بهذا التجاهل
بقيا على هذه الحال حتى صليا الفجر..
حينها قررت جوزاء ألا تنتظر أي بادرة منه
بدا لها غاية في الألم أن تتجاهل خجلها وكل تخيلاتها البريئة لهذه الليلة.. وتبادر للتصرف كما يخطر ببالها
فهذه الليلة لم تكن أكثر من مذبحة لثقتها بنفسها وأنوثتها وحتى فرحتها البريئة..
تركته معتصما بصمته وأريكته..
توجهت للسرير تمددت غطت جسدها كاملا حتى رأسها
ثم انخرطت في بكاء صامت أغرقت بدموعه الغزيرة مخدتها
********************************
بعد زواج عبدالله وجوزاء بشهر
" حاولتُ جاهدة تجاوز مرارة ليلة زفافي رغم أن طعم مراراتها بقي كالعلقم في حلقي
أن تكوني محملة بعشرات الأمنيات الوردية لحياتك الزوجية
ثم تجدين كل هذه الأماني تُنسف بلا رحمة.. بلا سبب.. بلا تفسير
تمنيت فقط أن أفهم لماذا يعاملني بهذه الطريقة!!
خلال الشهر الماضي كنت أتجاوز خيباتي المتكررة وأحاول من جديد
كنت كل يوم أبالغ في التأنق والتجمل والتعطر وأحاول أن افتح معه أي حوار
ولكني لا أجابه سوى بردود مبتورة وهو يتجاهل حتى النظر إلى
أنا متيقنة أنه يعاني من ضعف جنسي..
ولكن هذا الأمر لا يهمني.. أعلم أنني لن أكون الزوجة الأولى أو الأخيرة التي تجابه
مشكلة من هذا النوع..
ولكن هل الحياة الزوجية تتوقف على هذا الجانب فقط؟!
أريده فقط أن يحادثني.. يشعرني أنني بالفعل زوجته.. شريكة حياته
لا أطلب المزيد...
عالية سافرت قبل يومين.. عادت لدراستها
كان وجودها يخفف عني كثيرا
بمرحها ومقالبها.. كانت تأخذني من عالمي الصامت وكآبتي..
لكن الآن البيت يغرق في الصمت فعلا.. أشعر بالوحشة بعد ذهابها..
نجلا زوجة صالح لا تقصر مطلقا.. لم أرَ مطلقا من هي في طيبة قلبها أو رقتها
ولكن لديها طفلان صغيران ليس بينهما سوى عام.. وهي مشغولة على الدوام بهما
والدة عبدالله حنونة جدا.. أم فعلا..
لكن .. لكن..
خالاته أشبه بأفاعي فعلا.. بالأحرى اثنتين منهما : نورة وسلطانة
كانت عالية من تسكتهما حين يبدأن بتلميحاتهما القميئة..
لكن الآن من سيدافع عني... يبدو أنني يجب أن أتجنبهما قدر المستطاع
فخجلي وترددي يمنعاني من الرد على سيدات أكبر مني.. ومهما يكن يبقين خالات زوجي
ربما لو كنت أحيا حياة زوجية طبيعية .. لم أكن مطلقا لأهتم لما يقلن
فالحياة مليئة بهواة الكلام والتجريح!!
ولكن كلامهن كالملح الذي يذر على جروحي..
لقد جعلن علاقتي تتوتر بابنة خالي بعد أن كانت علاقتي رائعة بها..
كلما رأينها .. أخذن يعقدن مقارنة مبطنة بيني وبينها!!
أن مثلها هي من يجب أن تتزوج من هو مثل عبدالله
أ حقا لأني لست بجمال يرقى إلى وسامة عبدالله.. هو عاجز حتى عن النظر إلى أو حتى التواصل بالكلام معي؟!!
.
طوال الشهر الماضي كنت أسهر دائما في انتظاره مهما أطال السهر
مثل الليلة التي أعلم أنها ستكون تماما مثل الليالي الماضية واللاحقة "
كانت جوزاء تتأكد للمرة الألف من شكلها في المرآة
كانت تبالغ في التأنق للحد الأقصى
وباتت تتجنب أن ترتدي قمصانا للنوم.. حتى لا تضايقه أو تبدو كما لو كانت ترسل له رسالة هو عاجز عن الاستجابة لها
فهي الآن متأكدة أنه لابد يعاني ضعفا جنسيا من نوع ما..
ولكن كل ما كانت تريده هو تواصله الروحي والإنساني لا الجسدي..
عدلت خصلات شعرها.. زينتها.. فستانها
كانت ترتدي فستانا حريريا أسود ضيقا تصل أطرافه السفلية لتحت ركبتيها
(هاي نك) بدون أكمام..
خال من أي تفاصيل عدا حزام فضي مشدود على خصرها ليكشف عن تفاصيل بالغة المثالية في انحناءاتها
دخل..سلَم دون أن ينظر ناحيتها كما يحدث كل ليلة..
وككل ليلة أجابته بخفوت: وعليكم السلام
ثم أردفت: تبي عشا؟؟
وككل ليلة أيضا أجابها بهدوء: متعشي في المجلس
ثم دخل للحمام توضأ وصلى قيامه وقرأ ورده.. ثم تمدد على الأريكة ... ونام
دون أن يوجه لها كلمة واحدة
وككل ليلة أيضا زالت بعض زينتها من دموعها التي سالت على خديها قبل أن تزيلها فعليا
ورغم كثرة ما كانت تبكي إلا أنها لم تسمح له أن يرى دموعها ولا لمرة واحدة
استحمت وارتدت لها بيجامة حريرية بأكمام طويلة
أنهت صلاتها ووردها.. ثم توجهت للسرير وهي تندس فيه.. ترويه بعض دموعها الليلية المعتادة!!
*******************************
بعد زواج عبدالله وجوزاء بشهر ونصف
الليلة تنتظره كعادتها
وحدث كما يحدث كل ليلة تماما.. ذات السيناريو دون تغيير
لكن هي قررت أن تبادر بتصرف
إذا كان هو مطلقا لن يبادر بشيء.. فلتحاول هي
كان قد تمدد على أريكته لينام.. لولا صوتها المختنق الذي أوقفه: عبدالله
جلس معتدلا وهتف لها باحترام: نعم..
جوزاء همست باختناق: عبدالله فيه شيء مضايقك مني؟؟
عبدالله أغتصب ابتسامة : ومن قال لش أني متضايق منش..
جوزاء تحاول منع عبراتها من القفز لبلعومها وكلماتها تنهمر بوجيعتها : ما يحتاج حد يقول.. تصرفاتك تقول وزود..
عبدالله أنا والله ما أبي منك شيء.. أبي منك بس تحسسني إني إنسانة عايشة معك
ترا تجاهلك لي بذا الطريقة يعذبني
أنا ماني بحجر ما يحس.. وخلاص ماعاد فيني طاقة أستحمل أكثر من كذا
ما تبيني يا ابن الناس.. فالله عز وجل قال : إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان
مافيه شيء يحدنا على ذا الحياة..
عبدالله هتف لها بهدوء حان: شكلش أعصابش تعبانة.. تبين تروحين عند أهلش أسبوع وعقب أرجعش.. ماعندي مانع
جوزاء بصدمة: وهذا هو الحل عندك؟؟ زين ورحت أسبوع ورجعت.. نرجع لنفس موال حياتنا هذا
عبدالله احنا ما بيننا أي تواصل.. حتى الكلام ما تكلمني.. ليش أقعد عندك..
أنا لو رحت لهلي.. ما ابي أرجع هنا خلاص..
عبدالله تنهد: يا بنت الحلال روحي أسبوع لهلش ريحي أعصابش.. وما يصير إلا خير..
وبالفعل عبدالله ذهب بها لأهلها اليوم التالي..
ورغم أنها كانت تزور أهلها بشكل متكرر..لكن رؤيتها بحقيبتها أثار مخاوف والدتها: فيه شيء بينش وبين عبدالله؟؟
جوزاء بإدعاء للهدوء: لا يمة مافيه شيء.. عبدالله بنفسه اللي جايبني.. بس اشتقت أقعد عندكم شوي..
حينها أشرق وجه أم عبدالرحمن: لا تكونين توحمين.. ومقروفة من بيتش..
جوزاء كحت بحرج: لا يمة الله يهداش .. وش وحامه؟؟
جوزا قضت تلك الليلة ليلة هادئة بعيدا عن الضغط النفسي والتوتر والدموع
الليلية التي لا تنتهي
وهي تدعوا الله أن ينسى عبدالله مدة الأسبوع.. وتطول لأسبوعين أو ثلاثة
فهو على كل الأحوال ينساها وهي معه في ذات الغرفة.. فكيف وهي بعيدة عنه؟!
ولكن ما صدمها فعلا اليوم التالي أنها وهي تستعد للنوم رن هاتفها
كان عبدالله هو المتصل.. توترت.. ماذا يريد؟؟
ردت بتوتر: هلا عبدالله
رد عليها بهدوء: هلا بش زود
جوزاء بذات التوتر: فيه شيء عبدالله؟؟
عبدالله بذات الهدوء: أنزلي أنا أتناش تحت في السيارة
جوزاء بجزع: بس احنا متفقين أقعد أسبوع.. توني ما قعدت حتى ليلة..
عبدالله بحزم: جوزا خلاص .. قلت أنزلي.. انزلي.. لا تناقشيني..
جوزاء كانت بالفعل تريد أن ترفض.. لكنه رأته تصرفا لا يليق بتربيتها ولا بالاحترام المفترض لزوجها..
أبدلت ملابسها.. ولم تحمل معها حقيبة.. فلديها هناك من الملابس التي لا أهمية لها ما يكفي وزيادة..
كادت تنكفئ حرجا وهي ترى والدها ووالدتها في الأسفل..
أبو عبدالرحمن قفز حين رآها: وين بتروحين؟؟
جوزاء بخجل عميق: عبدالله ينتظرني برا
أبو عبدالرحمن يتناول هاتفه غاضبا: باكلمه.. هذا وقت ياتي ياخذش فيه..
خله يرجع بكرة
جوزاء بجزع: لا يبه فديتك خلاص.. ما يصير هذا هو في الحوش..
أبو عبدالرحمن بغضب: إلا اللي ما يصير طلعتش ذا الحزة..
تناول هاتفه وأتصل بعبدالله..
عبدالله حينما رأى اسم عمه على الشاشة.. رد باحترام جزيل وهو يسبقه بالكلام:
حيا الله أبو عبدالرحمن.. ما دريت إنك عادك ذاهن وإلا كان حولت أسلم عليك جعلني فداك
أبو عبدالرحمن بنبرة محايدة: جعلك سالم.. يا أبيك ماذي بحزة تاخذ مرتك.. روح وتعال بكرة..
عبدالله بذات الاحترام: والله إني داري جعلني فداك.. بس أنا عاد البيت بيتي
وأنا كان عندي شغل توني خلصته وماهقيت إن دخلتي لبيتي ذا الحزة بتضايقك
السموحة يبه..
خلاص تبيني أروح بأروح... وجوزا بأخذها بكرة
أبو عبدالرحمن شعر بالحرج من عبدالله.. فلو قال له أن يذهب.. معناها أنه يأكد له أن البيت ليس ببيته.. لذا هتف بهدوء:
لا خلاص أخذ مرتك...والبيت بيتك يا أبيك.. بس دايما السنع سنع..
عبدالله بنبرة انتصار: جعلك ذخر دوم.. وتعلمنا السنع..
أبو عبدالرحمن أشار لجوزاء أن تذهب.. جوزاء شعرت باختناق حقيقي وهي تقبل جبينه وجبين والدتها وتسحب نفسها للخارج
فهي تمنت بالفعل أن يقتنع عبدالله بالذهاب وتركها هنا
ركبت جواره صامتة.. دون سلام حتى.. لأنها شعرت أنها إن سلمت فستنخرط في البكاء..
هو أيضا لم يكلمها.. بقيا صامتين حتى وصلا لغرفتهما.. وأكملا رحلة الصمت المعتادة
جوزاء كانت في حالة صدمة حقيقية.. فهو حينما أعادها الليلة.. رغم كل الألم الذي شعرت به إلا أنها شعرت بأمل ما.. أن يكون أعادها اليوم لأنه قرر أن يغير طريقة تعامله معها
ولكن لا شيء تغير.. لا شيء تغير
لا تلك الليلة ولا الليالي التي تلتها حتى...
*******************************
بعد زواج عبدالله وجوزاء بشهرين وقبل سفره بثلاثة أيام
الليلة قررت ألا تنتظره.. الأمر بات جارحا لها أكثر من المحتمل.. أن تقضي ساعات تتأنق له.. ثم لا تجد ردا ولو حتى مجرد ابتسامة
قررت أن تنام قبل أن يأتي.. لا تريد أن تراه حتى
تعبت من كل هذا.. باتت كل أمنيتها أن يطلقها ويتركها تعود لأهلها.. ولكنها تخجل أن تطلب منه طلبا كهذا
فهي استنفذت كل طاقتها.. ولا سبيل مطلقا لصلاح الحال بينهما..
فلماذا الاستمرار في حياة فاشلة كهذه؟!!
شابة صغيرة مازالت في الحادية والعشرين.. كانت تنظر للحياة بمنظار وردي.. أصبحت نظرتها للحياة سوداوية.. وكأنه تضاف سنوات وسنوات فوق عمرها
كان ذهنها مرهقا بأفكارها المؤلمة وهي تتمدد على وسادتها.. حتى نامت..
في وقت ما من الليل صحت على حركة غريبة قريبا من عنقها
شعرت أنها تتخيل ربما.. لكن الحركة تكررت وكأن أحدهم يحرك شعرها ويزيحه عن عنقها ووجهها
فتحت عينيها كانت الإضاءة خافتة.. استدارت لتصدم بجزع بوجه عبدالله قريبا جدا منها
كانت تريد أن تجلس ولكنه لم يسمح لها وهو يشدها قريبا منه
همست جوزاء بصوت مختنق: فيه شيء عبدالله؟؟
ولكنه لم يجبها وهو يتمعن النظر في تفاصيل وجهها وفي عينيه نظرة غريبة عجزت عن فهمها
بدأ الخوف يتسرب إلى قلبها وهي تشعر بأنفاسه الدافئة تلفح وجهها من قرب
حاولت أن تبتعد عنه.. ولكنه منعها للمرة الثانية وهو يمرر أنامله على وجهها ويهمس لها بحنان عميق: لا تخافين .. ماني بجابرش على شيء
كان الأمر بمجمله صدمة حقيقية لها.. إذا لم يكن يعاني من ضعف.. فما الذي كان يحدث طوال الشهرين الماضين؟؟
لتتكشف لها حقيقة مزقتها تماما وهو يصرخ فيها بغضب هادر: قومي اسبحي الحين..
جوزاء بجزع ضمت أطراف روبها عليها وهمست بحرج عميق: أكيد بأسبح الحين بدون ما تقول
ولكنه استمر بالصراخ الغاضب: مهوب بس تسبحين.. تفركي عدل.. قطعي جلدش تفريك.. طلعي جلد جديد لو تقدرين..
جوزاء بحركة لا شعورية أخذت تتشمم جسدها وشعرها وهي تهمس باختناق تكاد تموت في
ه حرجا: عبدالله والله ريحتي مافيها شيء
توني تسبحت قبل أنام وتعطرت وتبخرت.. والله ريحتي مافيها شيء.. مافيها شيء.. عشان تنقرف مني بذا الطريقة
حرام عليك تقول لي كذا...
ثم انخرطت في بكاء حاد.. وهي تقفز للحمام.. ربما قضت ساعات وهي تستحم وتبكي..
والحقيقة في ذهنها تبدو واضحة تماما.. لم يكن يقترب منها ليس لأنه يعاني من ضعف ما.. بل لأنه يشعر بالقرف منها..
قادته غريزته إليها.. ولكن حينما نال مراده.. وعاد له عقله.. عاد له قرفه منها..
كانت كلما فكرت هذا التفكير زاد بكائها عنفا..
شعرت أنها لا يمكن أن تتمزق أو تُجرح أكثر من هذا.. لا يمكن أن يكون هناك ألما أكثر من كذلك..
وصل الألم والجرح والتمزق عندها لحدوده القصوى.. ماعاد هناك مجال لأي مزيد
حين خرجت من الحمام .. كانت عيناها مشتعلتين احمرارا ككرتين من الدم.. لطول مابكت واستحمت..
تمنت ألا تراه حينما تخرج.. ولكنه كان جالسا.. شعرت أنه يريد أن يقول شيئا..
ولكنها لم تسمح له وهي تتناول سجادتها وتخرج لغرفة عالية الخالية وتقضي ليلتها هناك
سمعت طرقات على الباب بعد صلاة الفجر.. ثم همسه المكتوم الحازم: جوزا بلا فضايح.. تعالي خلينا نتفاهم..
ولكنها لم ترد عليه.. لا تريد أن تسمع شيئا منه.. أبدا.. أبدا..
اليوم التالي
حاولت أن تتحاشاه قدر الإمكان.. بقدر ماكان يبدو أنه هو يريد أن يحادثها
في ذلك اليوم على غير العادة لم يخرج مطلقا من البيت إلا للصلاة ويعود
وكأنه يتصيد فرصة لمحادثتها
ولكن جوزاء ليست مستعدة لمزيد من التجريح.. وأي محاولة للتبرير منه ستزيد الوضع سوءا
لذا بقيت معتصمة بغرفة أولاد نجلا مع نجلا.. لأنه المكان الوحيد الذي تعلم أنه لا يستطيع اقتحامه.. وأغلقت هاتفها حتى لا يتصل بها
مضى اليوم كله على هذا الموال.. حتى جاء الليل.. كانت مرهقة تماما جسديا ونفسيا..
انتظرت حتى توجه الجميع لغرفهم ثم توجهت هي لغرفة عالية
أغلقت الباب عليها..
لتتفاجأ بالصوت الحازم البارد: هذا السنع يا بنت الأصول.. طول اليوم وأنتي طاقة من رجالش
كان يجلس على الأريكة شابكا يديه أمامه.. جوزا ما عادت تريد أن تكون مهذبة أو رقيقة لذا ردت عليه بحدة:
رجالي له شهرين طاق مني.. حليت في عينه الحين
عبدالله وقف وهو يقول لها بحزم: امشي لغرفتنا نتفاهم هناك..
جوزاء بتصميم: آسفة الغرفة تيك ما عاد أدخلها وأنت فيها..
حينها هتف لها عبدالله بحزم بالغ: تروحين معي وإلا أشلش غصب..
جوزا بعناد وألم: قلت لك آسفة.. وما بيننا كلام.. الحياة بيننا مستحيلة.. طلقني خلني أروح لهلي..
عبدالله حينها انفجر بغضب: أطلقش هذا في أحلامش..
وإذا قلت كلمة.. لا تراديني..
قالها وهو يقترب منها ويحملها فعلا.. جوزا حاولت التخلص منه وهي تفرغ كل طاقة غضبها بلكم صدره بعنف..
بدا أنه لم يهتم لا من صراخها المكتوم ولا من لكماتها وهو يتجه بها ناحية الباب بثبات..
حين رأت جوزا أنه فتح الباب فعلا.. همست بحرج وغضب: خلاص نزلني بأروح معك بروحي.. لا تفضحني.. حد يشوفنا وأنت شايلني كذا
حين وصلا لغرفتهما.. همست له جوزاء بألم: عبدالله تكفى أنا ما أبي أسمع منك شيء
أي شيء بتقوله بيزود علي.. ماراح يحل شيء بيننا
عبدالله شدها وأجلسها ثم جلس جواره.. تناول يدها ليحتضنها بين كفيه.. ولكنها شدتها منه بعنف
شبك يديه وهو يهمس لها بهدوء عميق: وانا ماني بقايل لش شيء.. بس أبي أطلب منش تصبرين علي شوي.. بس شوي
أدري إني غريب وتصرفاتي غريبة.. وادري إني جرحتش واجد.. بس صدقيني كل شيء غصبا عني
حينها شهقت جوزاء بألم: جرحتني؟؟ تسمي اللي سويته فيني جرح بس؟؟
أنت ذبحتني يا عبدالله
عبدالله تكفى.. اعتقني الله يرحم والديك.. والله ما فيني أصبر أكثر من كذا
مد ذراعه واحتضن كتفيها.. حاولت أن تنهض ولكنه منعها وهو يهمس في أذنها بشجن عميق:
جوزا والله العظيم أني أبيش..
جوزاء بعدم تصديق: واللي يبي حد يسوي فيه كذا.. عبدالله إذا أنت خايف من كلام الناس إنك تطلقني واحنا مالنا شهرين متزوجين
خلني أرجع لأهلي.. وعقب شهرين ثلاثة طلقني..
عبدالله شدها ليسند رأسها لصدره ويحتضنها بكل قوته.. شعرت أن دقات قلبه تحت أذنها أشبه بمطارق تمزق رأسها ألما
بديا كلاهما كمخبولين في لوحة غير مفسرة
هي تريد أن تبتعد عنه وهو لا يسمح لها
وهو يشعر بالقرف منها ومع ذلك لا يريد إفلاتها
مضت دقائق وهما على هذا الحال.. ولم تبدو على عبدالله أي بادرة أنه سيفلتها حتى شعر ببلل ما بدأ يغرق صدره
انتفض بجزع وهو يفلتها لينظر لوجهها .. حاولت أن تشيح بوجهها..
ولكنه منعها وهو يمسك وجهها بين كفيه ويهمس بألم عميق: تبكين..؟؟
جوزاء همست بتهكم باك من بين دموعها: لا وش أبكي هذي.. وأنت سويت شيء يخليني أبكي؟؟
تدري عبدالله قد ما جرحتني الشهرين اللي فاتو بتجاهلك لي
كان ودي تكمل تجاهلك لي.. ولا تعبرني.. دام أخرتها كذا.. وجيعتك يوم تذكرتني ألف مرة وجيعتك يومك متجاهلني..
عبدالله همس لها بعمق: سامحيني.. ما أقدر أفسر لش
شيء.. بس والله أني حاولت أمنع نفسي.. بس خلاص ماعاد فيني صبر..
جوزاء حينها بدأت تشهق بصوت عال: مافيك صبر عن جسد أنت قرفان منه.. تأخذ منه حاجتك ثم ترميه في الزبالة..
عبدالله بألم: جوزا تكفين لا تعذبيني بكلامش ذا.. ليتش بس تدرين.... والله أني شايفش فوق ما أستاهل بواجد..
حينها انتفضت بغضب وهي تقف وتصرخ ببكاء غاضب: حرام عليك تمسخر علي بذا الطريقة... خلاص ما أبي أسمع شيء
قلت لك أي محاولة للتفسير بتضر وماراح تفيد
توجهت للحمام لتتوضأ وتفرغ مزيدا من دموعها.. حينما أنهت صلاتها
دعت الله مطولا أن يفرجها عليها. . كل يوم تقول ماعاد بها طاقة لاحتمال المزيد
فيأتي المزيد والمزيد والمزيد
كان هو أيضا يصلي.. انتهت قبله.. ثم توجهت للسرير لتندس فيه.. بعد لحظات شعرت بحركته على الطرف الآخر من السرير
جلست بشكل حاد وهي تصرخ بألم: لا تنام جنبي.. سريرك اللي كان شالك الشهرين اللي فاتوا مهوب عاجز منك..
عبدالله تمدد وهو يهتف بهدوء: خلاص أنا كل ليلة بأنام هنا.. تعودي على كذا
حينها همست وهي تستعد للوقوف: خلاص اشبع بالسرير بروحك..
ولكنه أمسكها بحركة سريعة قبل أن تقف فعلا وشدها إلى أحضانه.. حينها همست جوزاء بضعف متألم: تكفى ياعبدالله لا تقهرني
تدرني أني ما أقدر أمنعك.. فلا تقهرني..
عبدالله أسند رأسها لعضده وهمس لها من قرب بعمق دافئ: والله ما أبي منش شيء.. بس نامي في حضني..
كان رأسها مختبئ في صدره.. وهو يشد عليها بكل قوته.. وكأنه يخشى أن تهرب
كانت جوزاء تتنفس رائحة عطره الفاخر الذي يبدو كما لو كان تغلغل في جسده
وفي الوقت نفسه أيضا كانت تشعر بألم عظيم أن تكون رائحتها هي غير مستحبة بعد الذي قاله لها البارحة.. رغم أنها بالغت في الاستحمام والتعطر والبخور
ولكنها بالفعل بدا لها أن رائحتها غير مستحبة.. بعد أن تسربت هذه الفكرة لعقلها الباطن..
كانت تحاول أن تبتعد عنه قبل أن يبعدها هو قرفا منها ومن رائحتها.. ولكنه لم يفلتها أبدا
بعد ذلك همس لها بهدوء ناعس: جوزا اهدي.. أبي أنام.. اهدي.. ولا تحاولين تبعدين عني.. لأني ماني بفاكش حتى لو نمت..
بدا الأمر لها أشبه بتعذيب نفسي.. لأنها شعرت أنها بدأت تعرق من الحرج والحرارة.. خشيت أن رائحتها تزداد سوءا
والمشكلة أنه يبدو نام فعلا وصوت تنفسه ينتظم..
بعد أن يئست جوزاء أنه قد يفلتها بدأت تذهب في دوامات تفكير بما أن النوم بدا حلما بعيد المنال
" يا ترى ليش يعاملني كذا؟؟
حاسة إنه هذا هو المرحلة الثانية من التعذيب
أكيد هذا واحد متعقد من النسوان
أو يمكن العقدة فيني أنا ؟؟
أولها يتجاهلني لين ظنيت إنه ناسي وجودي
وعقبها يخنقني بذا الطريقة بقربه وأنا عارفة إنه مهوب طايق ريحتي
يا الله يا كريم فرّجها من عندك
ماعاد فيني صبر.. قربت انهار من ذا الحال
ليتني قعدت عند هلي ولا وافقت على ذا العرس
الحين ماعاد باقي لي إلا مادتين.. فصل واحد من دراستي
يا ترى أشلون بأكمل ذا الفصل وأنا نفسيتي زفت كذا
ليتني على الأقل أجلت الموافقة على موعد العرس لين أخلص دراستي
لا حول ولا قوة إلا بالله... قدر الله وماشاء فعل"
بقيت الأفكار كأمواج تتلاطم جوزا بين تيارات غضبها وهي تشعر أن عظامها بدأت تؤلمها من وضعية النوم غير المريحة الخانقة التي حكم بها عليها هذا المجنون
تستغرب كيف استطاع هو أن ينام على هذا الحال
هزته برفق وهي تهمس بصوت مبحوح : عبدالله تكفى فكني شوي انخنقت..
أفلتها دون أن يفتح عينيه.. تأخرت بعيدا عنه.. ولكنها فوجئت به يمسك بكفها
ثم يطبع في باطنها قبلة عميقة جدا
ثم يضعها تحت خده ويهمس دون أن يفتح عينيه: ما أعتقد اني خانقش بذا الطريقة..
جوزاء شعرت بدقات قلبها تتصاعد بعنف.. بدت له حركته العفوية هذه مؤلمة إلى أقصى حدود التعذيب والعذوبة..
حينها سمح لها وضعها أن تراقب تفاصيل وجهه الوسيم المسترخي وهو يتوسد كفها
تعبت من محاولة إيجاد التفسيرات والتبريرات
تعبت من جفاءه ثم تعبت أكثر من قربه
أي رجل محير هو هذا الرجل؟؟
أو ربما هو ببساطة رجل معقد؟؟
أو ربما كانت هي المعقدة الفاشلة في فهم عوالم الرجال؟؟
أي هذه الأسباب هو السبب..
بقيت ساهرة لم تنم حتى أذان الفجر.. حينها همست بإرهاق عميق وهي تهز كتفه بيدها الحرة : عبدالله .. عبدالله.. خلاص قوم صل الفجر..
فتح عينيه.. وكان أول ما فعله أن عاود تناول كفها من تحت خده وقبلها هو يهمس بنعاس:
تدرين إني غبي اللي فوتت على نفسي ذا الأيام كلها أني أصحى على نغمات صوتش
جوزاء همست بألم عميق: بس عبدالله تكفى.. حرام عليك.. ليش تسوي فيني كذا؟؟
عبدالله يجلس وهو يهمس بعمق: الحين اللي يقول لمرته كلام حلو يضايقها؟!!
جوزا اعتدلت أيضا جالسة وهي ترد عليه بألم: إذا كان ما يقصده.. لكن يقصد شيء عكسه.. يكون الجرح مرتين..
عبدالله بعمق: زين عطيني فرصة.. خليني أثبت لش إني صادق
جوزاء بخوف مترسب: ما تشجع أبد على أن الواحد يعطيك فرصة..
عبدالله بنبرة إقناع: زين أنتي ماراح تخسرين
شيء لو عطتيني فرصة
أدري أني تصرفت بشكل غير مفهوم ولا معقول.. بس والله العظيم عندي أسبابي
الأسباب هذي بعدها موجودة.. لكن اللي تغير أنا..
ثم أردف بنبرة ولع غريبة : جوزا أنا مفتون فيش من قلب.. ومن ليلة عرسنا
سبحان الله شيء مثل السحر
حاولت أقاوم واجد لأسباب تخصني.. بس ما قدرت.. والله ما قدرت..
شهرين وأنا أتعذب لين انهارت مقاومتي.. والحين مهوب هاين عليش تعطيني فرصة وحدة؟!
صمتت جوزاء.. بداخلها تتمنى أن تصدقه.. هذا القلب البريء الذي لا يعرف الزيف أو التدليس بوده أن يصدقه
فهذا الرجل هو شريك حياتها الذي ربطها الله به لحكمة
رغما عنها وجدت نفسها تهز رأسها بخجل.. وليتها ما فعلت!! ليتها مافعلت!!
فهي لم تكن سوى حمقاء كبيرة لتصدقه..
"أ بعد كل ما فعله بكِ تصدقينه أيتها الحمقاء؟؟
أتنتظرين أن يقطع لحمك لقطع صغيرة بعد أن طعنك في عمق قلبك وإنسانيتك وكينونتك؟؟"
" أصمت.. أصمت.. لا أريد أن أسمعك
أنا أريد أن أمنحه فرصة..
فكما جرح قلبي.. لن يداوي جرح قلبي سواه
أنظر إليه كم يبدو صادقا"
" هذا لأنك طفلة بلهاء لا تفهمين
حينما يرميك كقمامة المرة القادمة لا تأتي إلى طالبة المعونة"
" وإذا لم أستعن بك يا عقلي بمن سأستعين؟؟"
"بقلبك الأبلة الذي فضلته علي
والذي سيقودك هو للهاوية
حينها لا أريد أن أرى لكِ دمعة واحدة
لأن كل ما سيحدث لكِ هو قرارك أنتِ
أمامك ألف دليل مادي على أن هذا الرجل لم يفعل سوى طعنك المرة تلو الأخرى
ولكنك تتركين كل هذه الأدلة وتركضين خلف وعده الكاذب"
جوزاء هزت رأسها بإصرار وهي ترفض تصديق هواجسها
عبدالله قفز جوارها وهو يضمها لصدره بقوة ثم يغمر وجهها بقبلاته ويهمس لها بعمق: والله ما أخليش تندميش إن شاء ربي
صلت الفجر وهي تشعر بانشراح عميق.. دعت الله ألا يخيبها.. فقلبها الطري بالكاد قرر أن يشعر بالسعادة
كثير كل هذا الحزن على قلب غض كقلبها
فهل هذا الوعد بالسعادة كثير عليها؟!
حينما عاد عبدالله من صلاة الفجر .. كانت تشعر بارتباك كبير وخجل عميق شفاف .. كانت تجلس على طرف السرير..
جلس جوارها ليطيل النظر إليها بنظراته الآسرة المجهولة .. ثم يشدها إليه..
خليط من سعادة مبتورة وخجل رقيق.. لأول مرة تشعر بإحساس عروس فعلا
إحساس لم يستمر حتى لساعات
لينتزع منها بأبشع طريقة.. أبشع حتى من طريقة الليلة قبل الماضية
إن كان تلك الليلة صرخ بها.. فهو الآن يهمس لها ووجهها مدفون بين كفيه:
جوزا نظفي جسمش.. تكفين.. تكفين
حينها شهقت جوزا.. عاجزة عن التنفس فعلا.. قد يكون طعنها في عمق قلبها كثيرا..
ولكنه هذه المرة تأكد من تمزيقه تماما.. ماعاد هناك شيء ليطعنه..
ماعاد هناك قلب يستطيع استقبال طعنته القادمة.. مجرد أشلاء قلب متناثر
همست بحقد وهي تقف: حسبي الله ونعم الوكيل فيك..
حسبي الله ونعم الوكيل
أكرهك.. أنا أكرهك.. ولين آخر يوم في عمري بأكرهك..
دخلت للحمام وانهارت تماما في داخل المسبح
لم يهمها إن كان يسمع صوت نحيبها العالي
ماعاد يهمها أي شيء.. تتمنى فقط لو تستطيع أن تشعره ببعض الألم الذي تشعر به
فقط بعضه.. هذا البعض تعلم أنه كفيل ببعث ألم لا حدود له في روحه
ولكن بدا لها مخلوق مجرد من الإحساس.. شيطان ربما!!
أي قلب يحتويه هذا الرجل؟!!
يستحيل أن يكون لديه قلب حتى!!
هل كان سيضره أن يطلق سراحها قبل أن يتسبب بكل هذا الأذى النفسي لها؟!!
هل كان سيضره ان يطلق سراحها وهي لديها بقية من قلب وروح؟؟
لماذا حرص على أن يدمر كل شيء فيها؟؟
أي ذنب أذنبته استحقت من أجله كل هذا التعذيب؟؟
هل كونها غير جميلة أو رائحتها لا تعجبه سبب يستحق أن يدمرها بهذه الصورة؟!!
بكت مطولا في الحمام والماء ينسكب على جسدها الذي بالغت في فركه وتنظيفه
وكأنها تريد أن تزيل بقايا لمساته المريضة التي أشعرتها بالقرف من نفسها تماما كما يشعر هو بالقرف منها
خرجت من الحمام وقد قررت تماما أن ألا تبقى ولو يوما واحدا مع هذا المريض المخبول..
يستحيل أن تبقى في هذا المكان الذي بات يذكرها بالكثير من الآلام والمرارة
حين خرجت سمعته يتكلم في الهاتف
كان يتحدث بالانجليزية وفي صوته غضب هادر مرعب
لم تلتقط مما يقول سوى قوله : أنا قادم على الفور
حينما أنهى اتصاله كانت تقف تنظر إليه بكراهية شديدة
بينما كان هو ينظر لها بنظرة عجزت عن تفسيرها
استمرا يتبادلان النظرات لثوان.. انحنى بعدها تحت السرير ليستخرج حقيبته
ويضع ملابسه على عجالة فيها
همست له بنبرة ميتة: لا تروح مكان.. أنا اللي بأرجع لهلي.. مستحيل أقعد هنا
همس بنبرة ميتة مشابهة: أنا مسافر..
بنبرة أقرب للتهكم وهي تقترب منه حتى أصبحت قريبة منه: وين وعساها رحلة طويلة؟؟
لم يرد عليها.. نظر إليها فقط.. لسبب لا تعرفه بعثت نظرته في أوصالها رعشة عميقة لم تعرف لها تفسيرا...
أغلق حقيبته.. واستعد للمغادرة.. بينما جوزاء تصرخ خلفه: يارب تروح ما ترجع..
يارب تروح ما ترجع..
أغلق الباب خلفه.. وآخر ماسمعه هو نحيبها ود
عواتها عليه..
بعدها جوزاء بالفعل عادت لبيت أهلها.. علمت من أهله أنه سافر في رحلة عمل لأمريكا ستستغرق أسبوعا واحدا ..
قررت أن تنتظر حتى يعود لتطلب الطلاق منه.. يستحيل أن تكمل حياتها معه.. ولا حتى مع سواه.. فهي تشك إن كانت ستتجاوز ما فعله بها..
حينما مر الأسبوع وهو لم يعد ولم يتصل.. بدأ قلق رقيق يتسرب إلى روحها
هل من المعقول أن الله استجاب دعائها عليه؟؟
هي بالفعل لا تريده... ولكن لا تريده أن يموت.. له أهل يحبونه وهي أحبتهم.. لا تريد مطلقا أن يُفجعوا فيه
بعد أسبوع آخر نضجت فيه من القلق..
فاجأها اتصاله الليلي بها.. كانت نائمة حين أيقضها رنين الهاتف
وحين رأت الرقم الطويل شعرت بريقها يجف ودقات قلبها تتصاعد..
شعور ملتبس خليط من الكراهية والقلق والرغبة في الانعتاق..
ردت بصوت مبحوح متوتر: ألو..
ولكن لا إجابة.. عاودت الهمس: ألو..
وأيضا لا إجابة... حينها همست بتساؤل مرهق: عبدالله؟؟
شعرت بصدمة كاسحة في عمق قلبها حين أجابها بلهفة موجوعة : لـبـيـه..
أصابها الخرس..لم تعرف ماذا تقول.. أفكارها تبعثرت تماما.. من كلمة واحدة فقط!!
كلمة كانت أشبه بطعنة لا حدود لعذوبتها الخالصة حتى وإن كان لا يعنيها!!
استمر الصمت بين الطرفين لدقيقة وكل منهما يستمع لصوت أنفاس الآخر المرتفعة بوضوح.. في إيحاء شفاف بعمق انفعال كل منهما
بعد ذلك همس عبدالله بنبرة مموهة: أشلون أمي؟؟
أجابت جوزاء بصوت مختنق: أمك في بيتها وطيبة وبخير.. أنا في بيت هلي..
صمت لدقيقة أخرى ثم همس بصوت مرهق تماما: خلاص سلمي لي عليها..
جوزاء تشعر باستغراب عميق لهذا الاتصال الغريب: الله يسلمك.. يوصل..
ثم انتهى الاتصال.. وسط استغراب متعمق من جوزاء
ومازالت حتى الآن كلما تذكرت طريقته وهو يقول لها (لــبـــيـــه)
رغما عنها تشعر بذات الألم العذب الشفاف في عمق قلبها
بعد سفر عبدالله بشهر
رغم تأخر موعد دورتها الشهرية لأكثر من أسبوعين إلا أنها كانت تحاول إلغاء فكرة الحمل المرعبة من بالها
تدعو الله بعمق ألا يعاقبها بحمل ناتج عن كل هذه الكراهية والتعقيد..
تريد أن تتخلص من عبدالله فكيف ترتبط بولد منه سيبقى يذكرها دائما بما فعله والده بها؟!!
كانت صلت العصر للتو حين جاءتها أمها لتخبرها أن عمها يريدها في الأسفل
شهقت جوزاء: عمي أبو صالح؟؟
أم عبدالرحمن بطبيعية: إيه يأمش.. تحت في مجلس الحريم وابيش معه..
جوزاء التفت بجلال واسع ونزلت.. فور أن دخلت شعرت أن هناك شيء غير طبيعي حدث
فأبو صالح ووالدها كلاهما وجهه مسود .. اقتربت وقبلت أنف عمها وسلمت عليه السلامات المعتادة
وبعد ذلك هتف لها: يأبيش أبغيش تروحين معي لبيتش..
جوزاء حينها همست باختناق: بس عبدالله مابعد رجع..
أجابها أبو صالح بحزم: البيت بيتش مهوب بيت عبدالله.. امشي معي يأبيش أنا ملزم..
بدا لها أن والدها غير راض.. وأن ذهابها مع أبي صالح لا يرضيه.. ولكن مادام لم يتكلم وجدت نفسها مجبرة على التنفيذ
لم تستطع رد عمها وهو من أتى لها بنفسه.. احترامها له منعها..
ارتدت عباءاتها وحملت معها بعض أغراضها على عجالة.. وركبت معه.. كانت تشعر بحرج عميق أن تركب جواره ويكون هو من يسوق السيارة
ولكنها بلعت حرجها طوال الطريق حتى وصلا لبيته..
حينها همس لها عمها بحنان موجوع: انزلي يأبيش..
همست جوزاء باختناق: عمي تكفى أنا ما أبي عبدالله.. تكفى طلقني منه..
عدني مثل عالية بنتك.. أنا وعبدالله العشرة بيننا مستحيلة..
بدا كما لو أنه يغالب عبرات سدت حلقه ومع ذلك أجابها بحزم: ربي خلصش منه يأبيش
عبدالله يطلبش البيحة.. وأنا أبيش تحادين هنا في بيتش..
حينها شهقت جوزاء بعنف.. شعرت كما لو كان مبنى هائلا انهار فوق رأسها
شعرت كما لو كانت هي من قتلته.. وأن عمها يعلم ذلك
وإلا لماذا يقول أن ربها خلصها منه.. إلا إن كان يعلم أنها دعت عليه
وخصوصا أنها أخبرته الآن أنها لا تريد ابنه
أي مسلسل للعذاب لا ينتهي هذا.. أما لعذابها من نهاية!!
مرت أيام العزاء عذاب لا يوصف على جوزاء
كان يكفيها أن ترى حال أم صالح حتى تنهمر دموعها سيلا لا يتوقف..
شعرت أنها هي من حرمتها منه
أنها وجه النحس عليه كما يطعنها خالاته باتهاماتهن المبطنة..
كانت حالة أم صالح مزرية تماما.. لا تجهد حتى على الوقوف.. وكانت هي ونجلا من يتبادلن المبيت والبقاء ملاصقتين لها
وخصوصا أن الجميع اتفقوا على عدم إخبار عالية بشيء..
بعد ذلك جوزاء باتت ترفض أن تبقى نجلا مع أم صالح لأن نجلاء مشغولة بطفلين وليست حملا للمزيد
لذا تولت جوزاء مسؤولية أم صالح بالكامل..
ولم تخبر أحدا بحملها الذي تأكدت منه...
ولكن حتى رعايتها المتفانية لأم صالح رغم كل جروح قلبها النازف لم تسلم من تعليقات خالات عبدالله
ورغم كل ذلك فإن أكثر ماكان يؤلمها هو نظرات أبي صالح حينما يدخل عليها ويجدها بجوار أم صالح ..
أ كانت نظرات عتب أم لوم أم اتهام ؟!!
حينما تحسنت صحة أم صالح.. رجت جوزاء عمها طويلا أن
يسمح لها بالعودة لبيت أهلها.. ولكنه رفض
أ كان يريد أن يتأكد من تعذيبها وتقييدها في هذا البيت الذي يذكرها بأبشع ذكرياتها؟!!
لم تعلم مطلقا أن هذا الشيخ كان يظن أنه ببقائها أمام عينيه يريد أن يعوضها عما فعله ابنه بها
أراد أن يتأكد أنه لن يلحقها ضيم أو ضيق حتى تنتهي من عدتها التي طالت طويلا مع الحمل..
خبر حملها بعث في قلب أم صالح سعادة عميقة.. وغمغمة غامضة من أبي صالح..
جوزاء ظنت أنه لا يريدها أن تنجب ابنا من ابنه بينما هي وجه النحس عليه..
شعور جارح جديد اُضيف إلى عشرات المشاعر التي امتلئت بها روحها صديدا مرا
تمنت جوزاء بعمق ألا تنجب ولدا.. لم تكن تريد ولدا حتى لا يُسمى باسم عبدالله كما هي العادة
مرت أشهر الحمل ثقيلة طويلة متطاولة مثقلة بالمرارة.. كل شيء في بيت أبي صالح كان يجرحها ويؤلمها ويثير أسوأ ذكرياتها..
كانت تخشى بشدة ألا تحب مولودها لأنه ابن عبدالله.. ولكن هذا الظن انهار تماما حين حملته للمرة الأولى بعد الولادة مباشرة
حينما نظرت ليديه الصغيرتين لبشرته المزرقة المتغضنة..بكت بشفافية حزينة.. شعرت أنها خُلقت لتكون أما لهذا المخلوق الضئيل
بكت لأنها ظنت مجرد ظن أنها قد تكرهه.. كيف تكره هذه الروح العذبة.. كيف تكره عصارة روحها ونبض أيامها وكل مستقبلها؟!!
سعدت كثيرا حين سماه عمها باسم حسن.. رغم أنها بعد أنجبته لم تكن لترفض أن يسمى بأي اسم حتى لو كان عبدالله.. يكفيها أن يبقى في حضنها
أما كان من أكثر ما جرحها بالفعل خلال الفترة الماضية أنها اضطرت أن تعتذر عن دراستها..
وكما هو القانون في جامعة قطر يحق لها الاعتذار عن ثلاثة فصول دراسية
وخلال حدادها الطويل اعتذرت إجباريا عن فصلين...
ومن أجل ابنها الذي انجبته للتو اعتذرت عن الفصل الثالث..بعدها لم تستطع العودة..
صديقاتها تخرجن.. وهي أصبحت مثقلة بالمرارة عدا عن اهتمامها الشديد بولدها وكونها لا تريد تركه ولا لدقيقة واحدة
لتضيع كل فرصها في إكمال دراستها..
احتسبت كل ذلك عند ربها.. وهي تعود لبيت أهلها..
ولكن الفتاة البريئة الشفافة التي خرجت من البيت قبل حوالي عام
غير الأنثى المعقدة المليئة بالأفكار الملتبسة وانعدام الثقة التي تعود اليوم..
أصبحت حادة.. ولسانها حاد ومتحفز.. حتى خالات عبدالله نورة وسلطانة حينما كن يأتين لزيارتها أيام نفاسها
كانت تعرف دائما كيف تجرحهن أو تحرجهن في انتقام متأخر ما عاد له نكهة..
ولكنها أصبحت ممن يؤمنون (أن الانتقام وجبة يُفضل تناولها باردة)..
بعدها توقفن عن زيارتها واكتفين برؤية حسن الصغير حينما يأتي في زيارات لجدته..
مضى منذ ذلك الحين ثلاث سنوات وثلاثة أشهر هي عمر حسن..
حسن الذي بات هو رقم واحد في كل شيء في حياتها
*******
هناك على الجبهة الآخرى.. جبهة عبدالله
فيصل غادر صالحا لينجز بعض الإجراءات..
وصالح بقي جالسا ينتظر استيقاظ عبدالله الذي اقترب موعده..
حينما بدأت الأجهزة الحيوية تعطي إشارات عن انتهاء مفعول المخدر وعودته لوعيه
أعطى الطبيب إشارة لصالح.. ثم تأخر للزاوية وجلس وجهاز استدعاء الأمن في يده..
عبدالله فتح عينيه ببطء..
ثم كانت ردته التالية المفاجئة غير المتوقعة مع تأثيرات المخدر أنه قفز واقفا وهو يصرخ بالانجليزية: أين القذرة؟؟ أين هي؟؟
ثم توجه ركضا للباب لولا اليد القوية التي شدته بقوة وثبتته على الحائط..
كان عبدالله على وشك توجيه لكماته لمن ثبته لولا الصوت الذي لم يتوقع سماعه ولا حتى في أعذب أحلامه
صوت صالح يصرخ به في حزم: اذكر الله يارجال.. اذكر الله
قول لا إله إلا الله..
كانت يدا صالح الاثنتين تثبتان كتفي عبدالله للحائط وحينها وقعت العين في ألم العين
الشوق بارتدادات الشوق ..
الوجيعة بنداءات الوجيعة..
عاصفة من الخدر اجتاجت عظام عبدالله الذي كان ثائرا لأبعد حد.. شهق رغما عنه وهو يرى صالح هنا
لم يخطر في باله ولو لثانية واحدة أنه قد يرى أحدا من أهله بعد مرور هذه السنين
حينها ارتمى في حضن صالح وانتحب.. انتحب . وانتحب رغم أنه منذ الفاجعة التي مر بها لم تهطل من عينه دمعة واحدة
انهار جالسا وهو يشد صالح معه.. الطبيب كان يشير لصالح بعلامة النصر
لأن تعبير المريض في عرفه عن ألمه هو أول الطريق لتقبل الحقيقة
ولكن صالح لم ينتبه مطلقا لإشارات الطبيب فعقله وقلبه مع هذا المنتحب بين ذراعيه الذي بدأ يئن كأنين المذبوح: ذبحته قدامي يا صالح..
قدامي يا صالح.. شفت الروح تُسحب منه شوي شوي...
قدامي مر شريط حياته في لحظة.. أول سن طلع له وأول خطوة خطاها وأول كلمة قالها..
كل شيء خذته مني في لحظة... ما كفاها أني عشت حياتي السنين اللي فاتت أتعذب بعيد عن هلي من سبتها
كرست حياتي كلها لذا الولد.. وعقبه أشوفه يذبح قدامي ولا أقدر أسوي شيء..
وطول الليل هو قدامي.. عينه فيني.. أبي أسكر عينه بس.. ماقدرت ماقدرت..
ربطوني الكلاب مثل كلب ما منه فايدة..
وبالفعل انتبه صالح حينها لأثار الحبال الغائرة في جسد عبدالله
..التي تكشفت من عدة نواحي من روب المستشفى
ولأنه كان يحاول باستماتة تخليص نفسه أخذت الحبال تحز في جسده أكثر مع كل محاولة..
ومع ذلك استمر في المحاولة حتى بدأ جسده ينزف من كل ناحية من شدة إحكام ربط الحبال ومن قوة محاولته تمزيقها أو إرخائها دون فائدة..
صالح همس لعبدالله والعبرات تخنقه: اذكر الله.. قل إنا لله راجعون.. اللي تسويه في روحك مهوب راده..
حينها انتفض عبدالله بغضب: أدري مافيه شيء بيرده... بس أبي أخذ روح اللي خذت روحه..
صالح شده وأعاده للسرير وهو يهتف له بمنطقية: الكلبة مسجونة.. وأنت عارف إنك منت بقادر توصل لها..
خلنا نرجع لديرتنا ونطلع من ذا الديرة سالمين... كفاية اللي صار لك..
حينها انتفض عبدالله كما لو كان ينهض من غيبوبة..كأنه يكلم نفسه: أرجع الدوحة.. الدوحة.. أرجع لهلي؟؟
ثم أردف بألم ممزق من قلبه المثقل بالحزن والفجيعة: أنا ما أدري من اللي منك استلم رسالتي.. وعارف أن اللي استلمها منكم ماراح يقول للباقيين عن أني مت منتحر
لكن لو كان ابي.. أنت عارف إنه مستحيل يسامحني.. مستحيل
صالح تنهد: وهو ابي.. وابي قال لنا كلنا أنك مت في حادث سيارة..
بس الحين ماحد يدري إنك حي إلا أنا... امش معي للدوحة
بأخلي فهد يفرش مجلسي وغرفتين في البيت على السريع
وباقعد أنا وأنت هناك.. لين نمهد لابي الموضوع..
***************************
بعد يومين
صالح أنجز إجراءات العودة.. واتصل فعلا بفهد وطلب منه أن يحاول بأقصى سرعة انهاء تشطيبات البيت على الأقل مجلس الرجال الخارجي وغرفتين من البيت
حتى لو واصل الليل بالنهار لانجاز المهمة
ثم يقوم بفرشه دون اهتمام بالمبلغ.. المهم أن يكون المكان جاهزا قبل وصوله..
وها هو الآن مع عبدالله في شقتهما المستأجرة.. بعد أن استقر وضع عبدالله.. وكان لوجود صالح معه تأثير أشبه بتأثير السحر على اطمئنان روحه..
لم يصدق أن رائحة أهله معه وتحتويه بعد جوع كل هذه السنوات وغربتها وبرودتها القاسية..
عبدالله كان ينظر عبر النافذة الكبيرة التي تطل على ميدان واشنطن سكوير.. يخطر بباله سؤال يحاول قمع نفسه عنه فلا يستطيع
فصالح طوال اليومين الماضيين أخبره أخبار أسرته بالتفصيل الممل حتى عقد قران عبدالرحمن من عالية..
ولكنه لم يخبره بوجود ابن له.. أراد أن يتمهل قليلا في اخباره
ولكن منذ معرفته أن عبدالرحمن شقيقها تزوج شقيقته والسؤال يلح عليه بإصرار.. إنها النفس البشرية العصية على التفسير!!
تنحنح عبدالله وهتف لصالح الذي أنهى لتوه اتصالا مع فهد يتأكد من سير ترتيب البيت بنبرة اجتهد لتخرج طبيعية:
صالح.. مرتي اللي كنت متزوجها.. وش صار عليها؟؟
صالح بطبيعية: أم حـ....
لكنه بتر عبارته وهو يهتف بنبرة حاول أن تكون طبيعية أيضا: تزوجت..
لم يستطع منع نفسه من الإحساس بالألم..بل بما يتجاوز الألم.. فذكراها لأسباب عميقة جدا لم تفارقه مطلقا طيلة السنوات الماضية
ومع ذلك ذلك هتف باصطناع بارع: الله يوفقها
حينه هتف له صالح: تعال اقعد جنبي وعلمني الحين بالتفصيل كل اللي صار عليك.. ووش اللي حدك على ذا كله
أظني خليتك ترتاح واجد..صار لي يومين أنا أتكلم وأنت تسمع... الحين حقي عليك أعرف كل شيء..
عبدالله جلس جواره تنهد ثم بدأ يحكي:
تذكر أكيد زواجي براكيل الله يقطع سيرتها... كنت توني مالي شهرين في أمريكا
وهي عرفت فعلا أشلون تصيدني.. كانت أكبر مني في السن.. هي كانت في الدكتوراه وأنا في الماجستير..
اقنعتني بطريقة الحيايا أنها مهتمة بالإسلام وتبي تسلم وما لقت اللي يمسك بيدها..
وفعلا تزوجتها.. كانت من شدة تمثيلها تلبس طويل وواسع وتغطي شعرها لما تكون معي
كنت كل ليلة أدرسها الإسلام.. واحاول اقنعها تعلن إسلامها.. لكنها كانت تقول تمهل علي.. أبي أسلم عن اقتناع كامل..
بعدها بالفعل حسيت إني ماني بمرتاح معها.. فيها شيء بدأ ينغز قلبي منها.. وفعلا قلب المسلم دليله..
اتفقت معها إنه مانبي عيال الحين.. لين نستقر في الدوحة..
عقبها بدأت ألاحظ عليها كلام مايعجبني عن الحوار بين الأديان والحضارات
وأن اليهود أكثر ناس انظلموا في التاريخ.. تعرضوا للظلم والمذابح ومالقوا حد يدافع عنهم.. والعالم كله مهوب قادرين يفهمونهم
كانت تحاول تجذبني لذا الأفكار بالتدريج.. مخطط طويل المدى.. لكن أنا كان يزداد نفوري منها شوي شوي.. وكل يوم كان النقاش يصير حاد بيننا على سبت ذا الموضوع
وأقول لها لو هي تبينا نستمر سوا لازم تشيل الكلام السخيف هذا من رأسها..
لحد اليوم اللي خلصت دراستي خلاص وأنا لحد الحين مهوب مستقر معها.. وندمان على تهوري في الزواج منها.. وبديت أفكر جديا في الانفصال عنها
رجعت البيت ما لقيتها.. بعدين لقيت على الطاولة أوراق لشغلها.. كنت أعرف إنها تشتغل أعمال تطوعية
لكني اكتشفت أن الاعمال التطوعية وين...
كانت في المجلس الصهيوني الإعلامي
المدام كانت من كبار المسؤولين هناك وتلعب علي..
شوي اتصالات سريعة اكتشفت إنها من أكبر أسرة يهودي
ة لها نفوذ في أمريكا..
واسمها اليهودي طبعا راحيل..
صالح بصدمة كاسحة كان يهز رأسها رفضا: مرتك كانت يهودية..؟؟
عبدالله بألم: تخيل يا صالح ومهوب يهودية بس.. لكن صهيونية.. وتشتغل في دعم صورة الصهاينة..
حسيت صالح أني أقذر مخلوق على وجه الأرض.. حسيت أن قذارة جسمها لصقت فيني..
طلعت من البيت.. اتصلت بها وقلت لها أنتي طالق.. ووقعت أوراق الطلاق وتركتها عند المحامي ورجعت للدوحة
لكنها رفضت توقع.. وظلت تطاردني بالمكالمات.. وتقول إنها تحبني ومستحيل تخليني..
غيرت تلفوني مرتين ومع كذا كل مرة تجيبه..
المرة الثالثة تذكر.. طلعت رقم باسمك أنت... تخيل اتصلت في فهد وخذت الرقم منه.. قالت له إنها تبيني في شغل..
يعني قدرت تطلع رقم فهد.. ماكان فيه شيء يردها من اللي هي تبيه..
تذكر إلحاح إبي علي أني أتزوج وكنت رافض.. كنت خايف أتزوج ألاقيها ناطة عندي في الدوحة..
بس عقبها قلت إن شاء الله ربي ما يخيبني.. وافقت وتزوجت.. انقطعت اتصالاتها عني فترة.. وحمدت ربي
لكن عقب عرسي بشهرين اتصلت بي.. قالت لي إنها ولدت.. جابت ولد مني.. انصدمت لأنها ماقالت لي إنها أبدا أنها حامل
قالت لي لو ماجيت الحين: أنا بجي لك..
طبعا سافرت لها بسرعة.. تخيلها جاية الدوحة وتقول عبدالله آل ليث عنده ولد من يهودية..
تبي الصراحة يوم شفت خالد يجعله من عصافير الجنة... شكيت يكون ولدي.. مافيه أي شيء مني.. يشبهها بالكامل..
خليت وحدة من الممرضات تسحب لي عينة من دمه ووزعتها على ثلاث مستشفيات عشان فحص الحمض النووي
وفعلا أكدوا لي أنه ولدي...
وقتها صارت الصدمة عندي.. مثل منت عارف في الدين اليهودي مايصير يهودي إلا اللي أمه يهودية..
خفت على ولدي وقررت أهرب به منها.. واعتبرت إن هذا هو جهادي في الدنيا.. لكل إنسان في الدنيا جهاد..
أول شي قلت بأرجع به للدوحة... بس لأني عارف عنادها وخبثها.. كنت متأكد إنها بترفع قضية علي هناك... تخيل الفضيحة اللي بتلحقكم كلكم
يوم يقولون الناس ولد آل ليث مرته يهودية
قلت الحل الوحيد أني أختفي أنا وولدي.. لكن صارت المشكلة عندي أشلون اختفي.. حاولت أألف عشرات السيناريوات لحكاية موتي أنا وولدي
كان كل سيناريو فيه ثغرة إلا سيناريو الانتحار.. أدري إنه كان أمر صعب بس مالقيت غيره.. والوقت عندي ضيق
درست حالات الانتحار فوق جسر بروكلين بالذات.. كثير من الجثث مايلقونها
لأن بروكلين على إيست ريفر.. وذا النهر يصب في المحيط الأطلسي
وين الواحد بيلقى جثة سحبها المحيط وكلتها أسماك القرش
وفعلا خطفت الولد من المستشفى وخليت مع ثيابي رسالة لكم وجوزاي القطري
وخليت مع ثيابه رسالة لها: أني أفضل ولدي يموت معي ولا إنها تربيه على دينها..
والله العظيم فكرت وقتها أقول لها هي اني انتحرت.. وانتوا أبلغكم موتي بطريقة ثانية.. بس الطريقة هذي كان فيها ثغرة كبيرة بتكشفني
لأنها أكيد أول شيء بتسويه بتسأل في السفارة..
فما لقيت لي حل غير الانتحار... يظنوني الناس مت منتحر أهون علي من إن ولدي تربيه يهودية.. وإلا تفضحني بين ربعي وجماعتي
كانت الخطوة الثانية اللي حست فعلا أنها من رحمة ربي بي إن ماحد انتبه لها.. كانت جنسيتي الأمريكية
راكيل كانت قدمت لي على القرين كارد اللي يأهل للجنسية الأمريكية.. بس أنا ما اهتميت بالموضوع.. ولما كنت في الدوحة بعثوا لي إيميل إن إجراءات الجنسية انتهت
جيت واستلمتها.. ثم رتبت لي سكن في بورتلاند بعيد جدا عن مكان راكيل
وأضفت الولد لي
وبديت حياتي هناك... حياتي كلها كانت خالد ماعندي شيء غيره
كنت أقول أبي أربيه مثل ما ربانا أبي...
بس جات هي مثل حيه ما أدري أشلون دلت طريقي..
ما كفاها أني من سبتها عشت أتعذب بعيد عن ديرتي وهلي..
صالح أنت ما تخيل السنين اللي طافت أشلون عذاب بالنسبة لي..
ماشربت فنجال قهوة إلا وأتذكر أمي وأحس مرارة الفنجال وقفت في حلقي..
ما أشوف شايب يتعكز على عصاه إلا أقهر نفسي لأقوم أحب كتفه وإيديه
ما أشوف بزران صغار إلا ويطرون علي عيالك..وأموت أبي أضمهم أقول يمكن أشم ريحتك فيهم..
ما أشوف حد مسرع في سيارته إلا ويطري علي فهد.. وما أشوف شاب صغير إلا ويطري علي هزاع..
لا شفت حد يضحك.. طرت علي عالية ومقالبها.. كل شيء مهما كان تافه وبسيط يذكرني بكل واحد منكم..
وأنا أشرب حسرتي كل يوم ألف مرة
تدري يا صالح إني في كل عيد كنت أتصل في البيت.. أبي أسمع صوت أي حد منكم..
احترق من أقصاي لين أقصاي يوم أسمع صوت أمي ترد ولا أقدر أرد عليها
وعقب ذا كله تدل الحية طريقي.. ذا اللي سويته كله في النهاية ما جاب نتيجة
استغربت إنها ما بلغت الشرطة علي.. كل يوم كانت تنط عندي.. وقالت للولد أنها أمه.. ويوم درت أنه حافظ قرآن عصبت وهددتني تأخذه مني
كنت خايف تنفذ تهديدها.. والقانون معها وأنا بانسجن وهي بتأخذ خالد مني..
كل يوم كنت عايش في رعب من ذا السالفة
لين.. لين................
صمت عبدالله.. ماعاد قادرا على الاكمال..سدت العبرات حلقه.. شد صالح على ك
فه : بس يأخيك بس
خلاص يكفي يكفي...
قوم معي نروح للسفارة عندي كم شغلة هناك..
عبدالله شعر أنه مستنزف من الحديث تمدد على الأريكة وهمس لصالح روح أنت.. أنا تعبان.. أبي أنام شوي
تمدد عبدالله وعقله يطوف به إلى ذكريات أشعرته بكثير من الألم.. والشجن.. والندم...
*************************************
قبل أربع سنوات وشهرين.. ليلة زفاف عبدالله وجوزاء
" لماذا أبدو أبلها و(غشيما) رغم أني لست واحدا منهما
فلست بالأبله ولا الغشيم
وليست هذه بالتأكيد هي تجربتي الأولى في الزواج
ولكن لم أتوقع مطلقا أنها قد تبدو طاهرة ونقية إلى هذه الدرجة الموجعة
أشعر بطهارتها تحيط بها كهالة..
أ مثل هذا الجسد الطاهر يقذر ببقايا نجاسة راكيل التي لم أكن حتى الرجل الأول في حياتها؟!
ألا أخاف الله في مثل هذه الروح النقية أن أطبعها بسواد روحي
يا الله ألهمني الصواب
ألهمني الصواب "
يحاول ألا ينظر إليها.. يشعر أن حتى مجرد النظر لها ليس حقا له..
ولكن نظراته رغما عنه كانت تتجه ناحيتها وتترصدها كبوصلة لا تستطيع تغيير اتجاهها عن الشمال
كان ينظر بشغف غريب لارتباكها.. توترها.. خجلها الرقيق.. ارتعاش فكها.. فركها لأناملها
لكن ما أن يشعر أنها تكاد ترفع بصرها حتى يوجه بصره إلى أي مكان عداها
وحين تعود للنظر ليديها المشبوكتين في حضنها يعود لترصدها
يشعر كما لو كان يعود مراهقا ..وهذه الطفلة تعبث به بطريقة غير معقولة ولا مفسرة
لم يظن ولا حتى للحظات أن هذه المشاعر الغريبة ستغزوه..
كان يظن أنه وافق والده وسيتزوج كما يتزوجون الآلاف.. بينهما الاحترام.. ينشئان أسرة.. ويربيان الأولاد..
لم يخطر له ولو لثانية أن هذه الأفكار الغريبة في مشاعرها.. في مثاليتها.. ستغزوه بهذا العنفوان... ومن مجرد النظرة الأولى..
بينه وبينها سبع سنوات.. يشعر بها كطفلة.. فليس بينها وبين صغيرته عالية سوى عام واحد..
يشعر أن بين جوانحها قلب طفلة طاهر لم يمس..
كره أن يؤذيها أو يجرحها.. أو ينجس طهارتها بأي صورة
شعر أنه مقارنة بها مخلوق مدنس.. قذر.. لا يستحق شرف ملامسة جسدها ولا حتى مشاعرها
قرر أن الطريقة الأسلم هي في التمترس خلف بروده.. ألا يتواصل معها بأي صورة
حتى تصفو الرؤية أمامه ويرى ماهو فاعل..
وهو غارق في أفكاره.. سمع همسها الرقيق: لو سمحت..
لم يستوعب حتى سمع ذات الهمس يتكرر بارتجاف مختنق: لو سمحت
انتفض دون أن تظهر انتفاضته للسطح.. (أ تتكلم هذه أم تغرد؟!!)
رد عليها بهدوء ظاهري عميق يختلف عما يمور داخله: نعم؟؟
ردت عليه باختناق عظيم آلمه لأبعد حد: أبي أروح للحمام لو سمحت..
تأثر بشدة إلى أنه أضطرها إلى إحراج نفسها بهذه الصورة.. هتف لها بأقصى نبرة احترام استطاعه عله يعوضها عن إحساس الحرج:
سامحيني.. المفروض سألتش من أول مادخلنا تبين شيء
تفضلي الحمام من هنا
تبين مساعدة؟؟
همست له باختناق شعر أنه يذيب قلبه بصورة غير معقولة: لا شكرا ما أبي مساعدة..
كان فعلا يحاول ألا ينظر لها.. لا يعلم متى أصبح بارعا بالتمثيل هكذا.. في الوقت الذي كان يبدو لا ينظر لناحيتها كان يقتنص غضها لبصرها بعيدا ليلتهمها هو بنظراته..
كأنه يكتشف عالم النساء لأول مرة.. فأي سحر تحتويه هذه الصغيرة؟؟ أي سحر غير متصور وعصي على كل تفكير؟!!
تابعها بنظراته وهي تتعثر في خطواتها لناحية الحمام...
حالما دخلت سمح لنفسه بإطلاق تنهيدة طويلة.. وهو يقفز ناحية شرفة الجناح ويخرج للهواء الطلق
رغم أن الجو كان حارا حينها ومثقلا بالرطوبة.. إلا أنه كان بالفعل بحاجة لهواء طبيعي..
شعر مهما كانت الحرارة لاهبة.. فهي لا تقارن بالحرارة التي شوت جسده ومشاعره في الداخل..
استند على حاجز الشرفة وهو ينظر للبحر..
" ما هذا الذي يحدث لك يا عبدالله؟؟
ماذا يسمون ما يحدث لك؟؟
تبدو كما لو كنت مراهقا يرى امرأة للمرة الأولى في حياته
أي سحر في هذه الجوزاء؟؟
سوى كونها الجوزاء نفسها؟؟
لها من أسمها كل النصيب... نجمة عالية في السماء
ارتفعت عن أدناس الأرض وقذارتها.. ولأنها شيء سماوي رفيع
فما شعرتُ به هو على مقدار سماويتها وارتفاعها
أ مثل هذه تقارن براكيل أو سواها؟؟
أ مثل هذه تكون الزوجة الثانية في حياة رجل بينما يجب أن تكون الأولى والوحيدة"
عبدالله بعد أن شعر أن عرقه تصبب غزيرا من كل أنواع الحرارات التي اغتالت جسده في هذه الليلة
قرر أن يستحم.. توجه للحمام الآخر.. استحم.. وقرر أن يصلي قيامه..رغم قلقه من تأخرها.. ولكنه كان محرجا من اقتحام خصوصيتها
لذا قرر تركها كيفما تشاء..
سمع صوت الباب يُفتح وهو مازال يصلي.. استمر في صلاته..
وحينما انتهى كانت تجلس على سجادتها.. شعر بحنان عميق يغمر قلبه ناحيتها
كانت تبدو مرهقة محرجة.. وعذبة لأقصى أقصى درجات العذوبة..
تنهد في داخله تنهيدة بحجم الكون ربما.. وهو يتجه ليجلس على الأريكة
حينها سمع همسها الرقيق: ماحنا بمصلين سوا ركعتين؟؟
آلمه قلبه بشدة أنها لم تنسَ.. أنها تحلم بال
فعل بحياة طبيعية مع مخلوق ماعاد طبيعيا.. غام وجهه حزنا وهو يهتف لها بنبرة محايدة: قومي نصلي
حينما انتهيا من الصلاة.. دعا عبدالله بعمق أن يلهمه الله الصواب.. ألا يؤذيها أو يجرحها بأي صورها..
حينما نهضا عن سجادتيهما.. كان عبدالله يراقب حركاتها المتوترة الخجولة.. وهي تخلع جلال الصلاة وتطويه بدقة.. كأنها تفرغ ارتباكها فيه
تعدل شعرها بارتباك..ثم تعود لتجلس أمامه..
عبدالله زفر بداخله (أوف وش ذا التعذيب؟؟)
كان شكلها الحالم تعذيبا حقيقيا له ولرجولته.. بدت في عينيه أكثر من موجعة في رداءها الملكي الأبيض الذي كان يكشف بدقة راقية عن تفاصيل جسد بالغ المثالية..
هذه المرة لم ترفع عينيها مطلقا.. طوال جلوسها أمامه وهي تدعك كفيها بارتباك وعقلها يطوف بها لا يعلم إلى أين..
بينما كانت عيناه تترصدها بدقة.. بدءا من صندلها الحريري الأبيض في قدميها الناعمتين وصولا لعناق شعرها مع نحرها في صورة بدت له غاية في الإبهار
وهي تحرص بين الفينة والأخرى على شد جيب روبها لتتأكد من سترها لصدرها وحركتها الخجولة تصيبه بما يشبه الحمى..
بقيا على هذه الحال حتى صليا الفجر... حينها توجهت هي لتنام على السرير..
بينما بقي هو على أريكته عاجز عن النوم.. عاجز عن الفهم.. عاجز عن السيطرة على دقات قلبه التي أعلنت العصيان عليه
وكأنها تتنتقم منه على خطيئته في زواجه من راكيل..
***************************************
بعد زواج عبدالله وجوزاء بشهر
أنا متيم بها... هكذا ببساطة..
ومنذ اللحظة الأولى التي عانقت عيناي محياها الخجول
لا أعلم كيف حدث هذا ولا بأي صورة
في أحيان كثيرة أشعر أن هذه هي عقوبة من الله عز وجل أنني خالفت عقلي وفطرتي اللذين كانا ينهياني عن راكيل
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الإثم ماحاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس..)
كان يجب أن أعلم أن زواجي من راكيل هو أثم.. لأني خشيت أن يعرفه الناس
لو أنه كان صوابا لم أكن لأخشى أحدا
وأعلم الآن أن الله عز وجل غاضب علي لأنه لم يبتليني بحب جوزا فقط ولكن منعني أن أمد يدي إليها
وجعل منعي لنفسي ينبع من نفسي ليزداد عذابي أكثر..
أكاد أجن من رغبتي فقط في وضع عيني في عينيها .. أريد فقط أن أضمها لصدري
أشعر بأنفاسها في حناياي.. أتلمس خصلات شعرها.. حرير خديها..
ولكن كل هذا يبدو بعيد المنال...
يستحيل أن أرتكب هذه الجريمة في حقها.. كل يوم يمر يثبت لي مقدار طهارتها وبراءاتها التي لم أتوقع لها نظيرا على سطح الأرض
منذ زواجنا وهي تستميت في لفت انتباهي..
أريد أن أصرخ فيها.. لا تحاولي لفت انتباهي.. لأنكِ أشعلته اشتعالا
بت ألاحظ تغييرها لنوعية لباسها.. ولست جاهلا لأعرف سبب هذا التغيير
فهذه الطفلة العذبة تشك في رجولتي.. وحرصا على مشاعري لا تريد أن تضايقني بلباس قد يبدو كدعوة ما..
ألم أقل أن عذوبتها وبراءتها لا حدود لها؟!!
بعد هذا الشهر الذي كان عذابا متواصلا وأنا أمثل التجاهل والبرود بينما أنا أشتعل بكل معنى الكلمة
قررت أن هذه الطريقة في تجاهلي لها هي الأسلم حتى تمل وتعود إلى أهلها دون أن أدنس جسدها أو روحها
أن ننفصل بطريقة ودية تحفظ احترامها لنفسها واحترامي لها
فكرت أن أكون قاسيا حتى أضايقها تعجيلا بذهابها لأهلها
ولكني لم استطع لم أستطع..
لا أستطيع أن أقسو عليها بأي صورة..
من يستطيع أن يقسو على ملاك مثلها..؟؟
أصبحت الآن كل أمنيتي هي أن تذهب لأهلها قبل أن أفقد ما تبقى من عقلي
أعلم أن ذهابها سيكون صعبا علي.. ولكن مهما كان صعبا سيكون أهون كثيرا من وجودها أمامي (شوف وحر جوف)
مثل هذه الليلة تماما التي تمثل حالنا طيلة الليالي الماضية
.
.
وقفت أمام باب الغرفة لعدة دقائق وأنا أدعو الله أن يلهمني الصبر
وأحاول أن أتلبس وجه الجدية واللا مبالاة الذي أرسمه بمهارة كل ليلة
سلّمت
فردت.. ثم همست لي بسؤالها الليلي الذي لا أعرف ماذا تقصد به حقا.. فربما كان يجب أخر ما تهتم به هو هل تعشيت؟؟
وأجبتها إجابتي الليلية المعتادة: متعشي في المجلس
واهتمامها بي تجاوز مجرد سؤالي عن هل تعشيت أو تغديت.. كالشيء الوحيد الذي تستطيع أن تسألني عنه بغير حرج
فهي تهتم اهتماما بالغا بكل ما يخصني.. ملابسي.. متعلقاتي الشخصية.. وحتى أحذيتي..
تتفانى في كل ذلك لأبعد حد.. وأجدني عاجزا حتى عن قول كلمة شكرا لها
أو حتى أرجوك توقفي عن ذلك.. فأنا لا أستحق اهتمامكِ
الليلة كانت مبهرة تماما.. أنثى حقيقية تتدثر بالغموض الأسود المثير المسبب للهلوسات
فهل هناك من هي مثلها جمعت الطفولة والأنوثة من أقصى طرفيها؟!
أجبرت نفسي على غض البصر
وهل هناك مصيبة أعظم أن يغض الرجل عينيه عن حلاله؟!
صليت قيامي وأنهيت وردي.. وهي جالسة في مكانها.. صامتة.. شاردة.. ساحرة.. موجعة..
ابتلعت تنهداتي.. حتى تصبحين على خير لم أستطع قولها وأنا أندس في أريكتي التعيسة وأوليها ظهري وأنا أعلم أن النوم هو حلم صعب المنال...
************
*********************
بعد زواج عبدالله وجوزاء بشهر ونصف
الليلة يحدث شيء غير طبيعي
فلأول مرة منذ زواجنا تقاطع جوزا تمثيلية النوم التي أمثلها كل يوم
كنت قد تمددت حين سمعت اسمي الذي يذيب عظامي حين أسمعه منغما بين شفتيها: عبدالله
جلست معتدلا وأنا أهتف لها باحترام أجدني مجبرا عليه تجاهها: نعم..
شعرت أنها طعنتني في عمق قلبي وهي تهمس باختناق: عبدالله فيه شيء مضايقك مني؟؟
حينها حاولت أن أبتسم رغم أني شعرت أن قلبي يُعصر : ومن قال لش أني متضايق منش..؟؟
هل حقا تحاول منع نفسها من البكاء أم يخيل لي ذلك : ما يحتاج حد يقول.. تصرفاتك تقول وزود..
عبدالله أنا والله ما أبي منك شيء.. أبي منك بس تحسسني إني إنسانة عايشة معك
ترا تجاهلك لي بذا الطريقة يعذبني
أنا ماني بحجر ما يحس.. وخلاص ماعاد فيني طاقة أستحمل أكثر من كذا
ما تبيني يا ابن الناس.. فالله عز وجل قال : إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان
مافيه شيء يحدنا على ذا الحياة..
كلماتها كانت كحراب مسنونة رشقت في أعماق روحي.. لم أتخيل أنها تحمل في داخلها كل هذا الألم
ولكن أ ليس هذا ما أردته .. أن أضايقها حتى تعود لأهلها.. لذا وجدتها فرصة أن أقترح عليها ذلك.. لأريحها وأرتاح:
شكلش أعصابش تعبانة.. تبين تروحين عند أهلش أسبوع وعقب أرجعش.. ماعندي مانع
آلمتني صدمتها البريئة: وهذا هو الحل عندك؟؟ زين ورحت أسبوع ورجعت.. نرجع لنفس موال حياتنا هذا
عبدالله احنا ما بيننا أي تواصل.. حتى الكلام ما تكلمني.. ليش أقعد عندك..
أنا لو رحت لهلي.. ما ابي أرجع هنا خلاص..
تنهدت وجعي.. (ليس لدي حلا سواه يا أميرتي) : يا بنت الحلال روحي أسبوع لهلش ريحي أعصابش.. وما يصير إلا خير..
بدا لي أن كل شيء انتهى... وحياتي القصيرة معها التي كانت كحلم عذب مرير أوشكت على النهاية
شعرت بألم لا حدود له وأنا أخذها إلى بيت أهلها وأقرر أنني لن أعود لأخذها مرة أخرى
سأنتظر شهر أو شهران قبل أن أطلقها..
كنت أرى وهي تدلف لبيت أهلها وكأنها تنتزع روحي معها وتذهب بها معها..
طوال ذلك اليوم كنت في غير وعيي.. أشعر كما لو كنت مخدرا.. يسير متخبطا
أشعر بصداع مؤلم.. وأشعر كما لو أن هوة لا قرار لها سكنت يسار قفصي الصدري..
حتى صالح وفهد كلاهما لاحظا شرودي وحالتي غير الطبيعية
يسألاني مابي.. فأجيبهما: لا شيء.. مرهق قليلا في العمل
ماذا أقول لهما.. هل أقول لهما أخوكما عاشق أبله.. حُكم عليه بالهوى ليتعذب عذابا مُستحقا؟!!
تلك الليلة كرهت أن أعود لغرفتي.. قضيت الليل ساهرا.. في المجلس.. ثم بعد ذلك خرجت مع فهد ودرنا قليلا في الشوارع..
ولكن حرارة الجو.. أجبرتنا على العودة.. صليت الفجر.. ثم وجدت نفسي مجبرا على العودة..
فجسدي وعقلي كلاهما كانا يئنان من الإرهاق..
حين دخلت الغرفة.. كنت أحاول أن أغض بصري عن كل شيء يثير ذكراها
وإذا بغض البصر نفسه يذكرني بها وبحالي معها
أغراضها مازالت منثورة في المكان.. كل شيء هنا بات يحمل رائحتها وبصمتها
كل شيء هنا يحز في عروقي لتنثر دمي اشتياقا لها
قلت لا بأس.. سأعاني لعدة أيام وبعد ذلك سأعتاد غيابها..
فإذا بي أتفاجأ بنفسي في الليلة التالية أقف في باحة بيت أهلها أنتظرها وأطلب منها أن تنزل لي
أي جنون أرتكبه في حق نفسي وحقها؟؟
أ بعد أن خطوت الخطوة الأولى في سبيل تحريرها مني.. أعاود تقييدها لأسري مرة أخرى؟؟
كانت المسألة ستتعقد وبدا أن والدها يرفض مغادرتها في هذا الوقت المتأخر
بينما أنا شعرت أنني سأموت فعليا إن لم أراها الليلة
آلمني حزنها الشفاف الذي شعرت به يتسرب من حناياها وهي تركب جواري صامتة لأعيدها إلى سجنها بقربي أنا الكاذب الصامت المحترق
عدنا إلى غرفتنا صامتين
اكتفيت فقط بوجودها معي في نفس المكان.. لا أريد المزيد أبدا
كوني معي فقط .. أرجوكِ
*****************************************
بعد زواج عبدالله وجوزاء بشهرين وقبل سفر عبدالله بثلاثة أيام
كعادته كل ليلة وقف أمام الباب يدعو الله أن يقوي عزمه
ولكنه حينما دخل فوجئ أنه لا حاجة لتقوية العزم
لأن مشتتات العزم المعتادة كانت نائمة
استغراب عبدالله قفز للذروة.. وحزن شفاف خالج روحه وأنفاسه
(خلاص مليتي ياجوزا..؟؟ خلاص رفعتي الراية البيضاء؟؟
خلاص شفتي مافيني رجا؟؟!!)
شعر بألم أقرب للاختناق الذي جعل أضلعه تطبق على رئتيه..
دخل للغرفة
كانت الأضواء مطفئة عدا ضوء خافت بقرب الأريكة..مكانه المعتاد.. وكأنه تريده أن يتعرف على مكانه وسط الظلام
تقدم للداخل.. نظر ناحيتها.. كانت تغطي جسدها كاملا.. عدا عن الظلمة التي تحيط بالسرير
توضأ.. صلى.. وقرأ ورده المعتاد.. حاول أن يتمدد على أريكته.. ولكنه لم يستطع.. كيف ينام وهو لم يراها حتى؟؟
قرر أن يجلس في المجلس حتى صلاة الفجر..
نزل.. ولكنه ما أن وصل إلى أسفل الدرج حتى عاد مرة أخرى
وكأن قوة قاهرة تجبره على العودة
قوة تفوق قوته على الاحتمال والصبر..
عاد لغرفته..
(أ
ريد أن أراها فقط.. فقط أراها!!)
توجه إلى السرير ليندس جوارها بهدوء.. وهو يشعل الضوء الخافت بجوار السرير
كانت توليه ظهرها.. وشعرها ينسدل على وجهها..
مد يده.. ثم عاد ليكفها..
يشعر أن هذه اليد النجسة لا يحق لها ملامسة هذا المحيا الطاهر..
ومضت له عدة دقائق وهو على هذا الحال. يمد يده.. ليعاني ألما مبرحا وهو يقهر نفسه ليكفها..
حينها تمدد جوارها وهو يستند على كفه..
تنفس عطرها الرقيق العذب من قريب.. كان كلما شدَّ له نفسا كلما شعر بألم فعلي يتصاعد بين طيات قلبه
نغزات قوية كانت تخترق قلبه معلنة احتلالا من نوع جديد.. ماعاد له طاقة على دفعه..
يشعر بما يشبه الدوار..وقربها يسكره بطوفان مشاعر لا يعلم أ رحمة هي أم عذاب..
قرب أنفه من عنقها وهو يرتجف كالمحموم.. ثم عاد للتأخر حين رأى انها تحركت بخفة..
عاد ليمد يده ليزيل شعرها عن وجهها وعنقها لكي يراها بوضوح
حينها شعر بارتجافها وهي تفتح عينيها برعب ثم تلتفت ناحيته وتهمس باختناق:
فيه شيء عبدالله؟؟
"بماذا أجيبها؟؟ ماذا أقول لها؟؟
هل أقول لها أنكِ أصبتني بالجنون؟؟
هل أقول لها أنني معكِ ومن أجلكِ تعلمت الحب كيف يكون؟؟
هل أقول لها أنني لم أؤمن بوجود أسطورة الحب حتى رأيتكِ؟؟
هل أقول لها أن ما يحدث بيننا ليس عادلا ولا منصفا؟؟
ولكن متى كان الحب يعرف العدل أو الإنصاف؟؟
هو هكذا ينتزع الإنسان بلا هوادة بلا رحمة بلا تفسير
.
وفي الختام لم أقل لها شيئا
أكتفيت بالنظر لعينيها اللتين أرهقني الاشتياق للثم رموشهما
اكتفيت أن أشدها لصدري المحترق ألما
اكتفيت أن أشعر بارتعاش جسدها الغض بين ضلوعي
وأنا أذوب لها حنانا هامسا : لا تخافين.. ماني بجابرش على شيء
.
ولكن أ حقا لم أجبرها
قد يبدو ظاهرا أني لم أجبرها.. وكل شيء تم برضاها
ولكنها لم تكن سوى قلب طاهر لا يعرف التلون استجاب لنداء عواطفي
أنا ضغطت عليها بدون أن تشعر
كان يجب أن أمنع نفسي.. فمثلي لا يستحق مثلها
لذا حينما ذهبت السكرة وحلت الفكرة وجدتني أصرخ بها غاضبا من نفسي ومن حقارتي: قومي اسبحي الحين..
كم آلمني رؤية جزعها الطفولي وهي تضم أطراف رداءها وتهمس بحرج عميق: أكيد بأسبح الحين بدون ما تقول
ولكني كنت لا أرى من الغضب.. شعرت أنها يجب أن تسرع بتنظيف جسدها من قذارتي..
يجب أن تسرع قبل أن ينطبع سواد روحي على بياض روحها
لذا استمريت بالصراخ الغاضب: مهوب بس تسبحين.. تفركي عدل.. قطعي جلدش تفريك.. طلعي جلد جديد لو تقدرين..
حينها شعرت أنها نحرتني حين رأيتها كقطة مبللة أخذت تتشمم جسدها وشعرها وهي تهمس باختناق تكاد تموت فيه حرجا: عبدالله والله ريحتي مافيها شيء
توني تسبحت قبل أنام وتعطرت وتبخرت.. والله ريحتي مافيها شيء.. مافيها شيء.. عشان تنقرف مني بذا الطريقة
حرام عليك تقول لي كذا...
صمتت مفجوعا.. بينما قفزت هي تبكي للحمام.. كيف خطرت ببالها هذه الفكرة المريعة..
سأظل حتى أموت اقول أنها كتلة مجردة من البراءة
وإلا من يخطر بباله فكرة مريعة كهذه..
أ تنسب كل شيء لنفسها.. حتى قذارة الآخرين؟!!
أ يكون أول ما يخطر ببالها أن تعيب نفسها بينما هي مبرأة من العيوب والعيب كله عيب سواها "
عبدالله انتظرها مطولا حتى تخرج.. ربما قضت ساعات في الحمام
وحين خرجت صدمه منظرها.. احمرار وجهها وعينيها
شعر فعلا أنه يتمزق من الألم من أجلها..
حاول أن يكلمها رغم أن كل الكلمات تموت على شفتيه
ولكنها لم تمنحه الفرصة حتى للكلمات الميتة
تناولت سجادتها وخرجت لغرفة عالية
وتركته خلفها مثقلا بالجراح..
قرر تركها تهدأ قليلا.. ولكن يستحيل أن يتركها مجروحة أو متألمة هكذا
بعد صلاة الفجر.. توجه لغرفة عالية
ولكنها رفضت أن تفتح له
قرر أن يتركها ترتاح مزيدا من الوقت على أن يكلمها في الصباح
ولكنها طوال ذلك اليوم ظلت تتحاشاه
رغم أنه لم يغادر البيت محاولا اقتناصها
كل ساعة تمر وهو يعلم أنها مجروحة منه.. كانت تزيد في ألمه..
لم يكن مطلقا هشا هكذا.. بل كان دائما أقرب لصلابة الشخصية الشديدة المغلفة بالدبلوماسية
لكن هذه الصبية قلبت كيانه تماما.. جعلت قلبه يذوب كذوب الماء من أجلها
اتصل لها عدة مرات ولكن هاتفها كان مغلقا
ولأنها بريئة وتفكير الأبرياء دائما يسير في طريق مستقيم
فهو عرف تماما ماذا ستفعل.. علم أنها ستنتظر نوم الجميع لتذهب لغرفة عالية
لذا قرر أن ينتظرها هناك..
ليباغتها هناك يقلب أوراقها ويجبرها أن يذهبا لغرفتهما ليتناقشا..
حين وصلا لغرفتهما.. همست له جوزاء بألم مزق حناياه الذائبة لأجلها : عبدالله تكفى أنا ما أبي أسمع منك شيء
أي شيء بتقوله بيزود علي.. ماراح يحل شيء بيننا
عبدالله حينها شدها وأجلسها ثم جلس جواره.. تناول يدها ليحتضنها بين كفيه.. ولكنها شدتها منه بعنف
يعلم أن الحق معها.. وهو يعلم أن الوضع معقد بينهما.. والتفسيرات قد تجرح أكثر مما تداوي
شبك يديه وهو يهمس لها بهدوء عميق: وانا ماني بقايل لش شيء.. بس أبي أطلب منش تصبرين علي شوي.. ب
س شوي
أدري إني غريب وتصرفاتي غريبة.. وادري إني جرحتش واجد.. بس صدقيني كل شيء غصبا عني
حينها شهقت جوزاء بألم: جرحتني؟؟ تسمي اللي سويته فيني جرح بس؟؟
أنت ذبحتني يا عبدالله
عبدالله تكفى.. اعتقني الله يرحم والديك.. والله ما فيني أصبر أكثر من كذا
شعر أنه مخنوق.. مخنوق.. أتقول أنه ذبحها.. بينما هو مستعد لنحر روحه.. ولا تسيل من أطراف أصابعها قطرة دم
أ تقول أنه ذبحها.. بينما هو من ذبح نفسه ببعدها ثم قربها ألف مرة
يريدها.. يريدها .. يعلم ذلك.. والآن هو متيقن من ذلك تماما
جنون عودتها لمنزل أهلها ماعاد واردا إطلاقا
كل ما يريده الآن قليل من الصبر منها.. قليل من الصبر حتى يتجاوز أثار علاقته براكيل التي أثرت فيه بعمق
فهو مازال يشعر أن علاقته براكيل لوثت روحه وجسده..
يحتاج وقتا حتى يتجاوز هذا الإحساس..
تمنى لو استطاع مصارحتها بكل هذا
ولكنه يخشى ما أن يصارحها حتى تجد ذلك سببا وجيها للهرب منه..
مد ذراعه واحتضن كتفيها.. حاولت أن تنهض ولكنه منعها.. يريدها قربه.. وأقرب من ذلك لو أستطاع.. همس في أذنها بشجن عميق:
جوزا والله العظيم أني أبيش..
يعلم أنها لا تصدقه.. بدا ذلك واضحا في نبرة صوتها: واللي يبي حد يسوي فيه كذا.. عبدالله إذا أنت خايف من كلام الناس إنك تطلقني واحنا مالنا شهرين متزوجين
خلني أرجع لأهلي.. وعقب شهرين ثلاثة طلقني..
عبدالله شدها ليسند رأسها لصدره ويحتضنها بكل قوته.. تمنى لو أستطاع أن يدخلها بين ضلوعه..
أن يهرب بها من هذا العالم الذي ظلمه وظلمها..
كان يشعر برغبتها للتفلت من أحضانه ولكنه لم يسمح لها وهو يلصق أذنها بدقات قلبه
وكأنه يقول لها اسمعي هذا الخافق الذي يناديكِ وأصابه الجنون ولعا بك!!
ولم يكن يريد مطلقا إفلاتها حتى شعر ببلل ما بدأ يغرق صدره
انتفض بجزع وهو يشعر كما لو أن هذا البلل نار أحرقت جسده.. أفلتها لينظر لوجهها .. حاولت أن تشيح بوجهها..
ولكنه منعها وهو يمسك وجهها الأثير بين كفيه ويهمس بألم عميق وتأثر أعمق: تبكين..؟؟
جوزاء همست بتهكم باك من بين دموعها: لا وش أبكي هذي.. وأنت سويت شيء يخليني أبكي؟؟
تدري عبدالله قد ما جرحتني الشهرين اللي فاتو بتجاهلك لي
كان ودي تكمل تجاهلك لي.. ولا تعبرني.. دام أخرتها كذا.. وجيعتك يوم تذكرتني ألف مرة وجيعتك يومك متجاهلني..
عبدالله همس لها بعمق مجروح مثقل بالصدق والأسى: سامحيني.. ما أقدر أفسر لش شيء.. بس والله أني حاولت أمنع نفسي.. بس خلاص ماعاد فيني صبر..
جوزاء حينها بدأت تشهق بصوت عال: مافيك صبر عن جسد أنت قرفان منه.. تأخذ منه حاجتك ثم ترميه في الزبالة..
عبدالله أنتفض جزعا... (ليتكِ تعلمين.. أرجوكِ لا تبكي.. لا تمزقيني ببكائكِ) هتف لها بألم حقيقي.. أسمى صور الألم وأقساه: جوزا تكفين لا تعذبيني بكلامش ذا.. ليتش بس تدرين.... والله أني شايفش فوق ما أستاهل بواجد..
فاجأها انتفاضتها الغاضبة غير المتوقعة وهي تقف وتصرخ ببكاء غاضب: حرام عليك تمسخر علي بذا الطريقة... خلاص ما أبي أسمع شيء
قلت لك أي محاولة للتفسير بتضر وماراح تفيد
تركته لتركض للحمام.. بينما بقي هو خلفها يتنهد بعمق ووجيعة على هذا الحال غير الإنساني في ألمه بينهما
قرر أن يتوجه لمولاه يدعوه بالتفريج من عنده.. أن يشرح صدره.. وأن يصلح بينهما..
خرجت من الحمام وهو مازال يصلي.. لتصلي وتنتهي وقبله
ثم تندس في السرير حتى لا تسمع منه كلمة
حينما انتهى.. نظر لها بغضب.. يبدو أنه يجب أن يتصرف معها بطريقة أخرى.. لابد أن يجبرها على تقبل وجوده..
حتى وإن كان أخطأ.. فهو اعتذر.. ومن حقه أن تمنحه فرصة أخرى..
هل فرصة أخرى أمر صعب عليها؟؟
توجه إلى طرف السرير الآخر وتمدد عليه فهو قرر ألا يتركها تبتعد عنه بعد اليوم.. ليتفاجأ بها تقفز لتجلس بشكل حاد وهي تصرخ بألم:
لا تنام جنبي.. سريرك اللي كان شالك الشهرين اللي فاتوا مهوب عاجز منك..
عبدالله تمدد وهو يهتف بهدوء: خلاص أنا كل ليلة بأنام هنا.. تعودي على كذا
حينها همست وهي تستعد للوقوف: خلاص اشبع بالسرير بروحك..
ولكنه أمسكها بحركة سريعة قبل أن تقف فعلا وشدها إلى أحضانه.. ليدفنها فيها بكل شوقه الذي لا ينطفئ لها
حينها هزه بعنف همسها المتألم: تكفى ياعبدالله لا تقهرني
تدرني أني ما أقدر أمنعك.. فلا تقهرني..
(أتشك أنني قد أقهرها.. أقهر نفسي ولا أقهرها
أريد قربكِ فقط يا صغيرتي
أشعر بلين جسدك بين ذراعي..
رائحة أنفاسكِ في صدري
سكينتك تهدئ روحي الملتاعة
هل ما أطلبه كثير؟؟
لا تكوني قاسية هكذا)
أسند رأسها لعضده وهو يشدها ليدفنها بكل قوته بين أضلاعه ويهمس لها من قرب بعمق دافئ: والله ما أبي منش شيء.. بس نامي في حضني..
حينها شعر بطمأنينة عميقة تحل على روحه.. ورغم أنه كان يشعر بضيقها ورغبتها للتفلت ولكنه كان يستحيل أن يتخلى عن هذا الإحساس السماوي براحة نفسية لم يشعر بمثيل لها
لذا همس لها بصوت ناعس فعلا: جوزا اهدي.. أبي أنام.. اهدي.. ولا تحاولين تبعدين عني.
. لأني ماني بفاكش حتى لو نمت..
وبالفعل نام ورائحتها العذبة تدفئ حواسه وتريح أعصابه بصورة غير معقولة..
ليصحو بعد ذلك على يدها الرقيقة تهز كتفه وهي تهمس : عبدالله تكفى فكني شوي انخنقت..
أفلتها دون أن يفتح عينيه.. تأخرت بعيدا عنه.. ولكن أمسك بكفها
ثم طبع في باطنها قبلة عميقة جدا وكأنه يبث في قبلته شكره وامتنانه لها
ثم وضع كفها تحت خده وهمس دون أن يفتح عينيه: ما أعتقد اني خانقش بذا الطريقة..
وعاد لينام.. نومة مازال يتذكرها حتى الآن كالحلم.. مازال حتى الآن يحلم برائحتها تلك الليلة تخدر حواسه ومشاعره بصورة بالغة الشفافية
لم يصحو إلا على صوت تغريدها العذب المرهق وهي تهزه برفق : عبدالله .. عبدالله.. خلاص قوم صل الفجر..
فتح عينيه.. شعر أنه يحلم الحلم الأجمل في كل الكون وهو يصحو على محياها القريب منه.. يصحو على نغمات صوتها العذب
تناول كفها من تحت خده وقبلها هو يهمس بنعاس: تدرين إني غبي اللي فوتت على نفسي ذا الأيام كلها أني أصحى على نغمات صوتش
لا يعلم لماذا أشعرها هذا الكلام بالألم: بس عبدالله تكفى.. حرام عليك.. ليش تسوي فيني كذا؟؟
حينها جلس وهو يهمس بعمق غريب صادق: الحين اللي يقول لمرته كلام حلو يضايقها؟!!
جوزا اعتدلت أيضا جالسة وهي ترد عليه بألم: إذا كان ما يقصده.. لكن يقصد شيء عكسه.. يكون الجرح مرتين..
عبدالله مثقل بالأمل .. يريدها بكل مافيه.. ماعاد في القلب احتمال على بعدها أو بقائها بعيدا عنه
همس لها بكل عمق الكون وأمله: زين عطيني فرصة.. خليني أثبت لش إني صادق
للمرة الألف ربما يشعر بالألم من ردة فعلها وهي ترد بخوف مترسب: ما تشجع أبد على أن الواحد يعطيك فرصة..
يحاول أن يقنعها.. أن يحشد كل قدراته في الإقناع.. فهو بين حدي الحياة والموت: زين أنتي ماراح تخسرين شيء لو عطتيني فرصة
أدري أني تصرفت بشكل غير مفهوم ولا معقول.. بس والله العظيم عندي أسبابي
الأسباب هذي بعدها موجودة.. لكن اللي تغير أنا..
ثم أردف بنبرة ولع مفرطة علها توصل ولو جزءا بسيطا من ولعه المتزايد فيها :
جوزا أنا مفتون فيش من قلب.. ومن ليلة عرسنا
سبحان الله شيء مثل السحر
حاولت أقاوم واجد لأسباب تخصني.. بس ما قدرت.. والله ما قدرت..
شهرين وأنا أتعذب لين انهارت مقاومتي.. والحين مهوب هاين عليش تعطيني فرصة وحدة؟!
جوزاء هزت رأسها بخجل.. لتتفجر السعادة أسرابا أسرابا في روح عبدالله المرهقة
عبدالله قفز جوارها وهو يضمها لصدره بقوة ثم يغمر وجهها بقبلاته ويهمس لها بعمق صادق: والله ما أخليش تندميش إن شاء ربي
هكذا كان يظن.. تمنى ألا يجعلها تندم.. تمنى أن يكون هو السكن لروحها.. كما بات يتيقن أنها هي السكن لروحه
دعا الله في صلاة الفجر أن يعينه على ذلك.. ألا يخيبه أو يخيبها
ولكن لله دائما حكمة فيما يفعل أو يريد
عاد من صلاة الفجر.. كأنه يطير من الشوق لها.. قلبه كان يحلق.. ومشاعره مثقلة بالدفء لها ومن أجلها
شعر أنه يتنفس أنفاسا جديدة عامرة براحة نفسية مختلفة.. لا يريد أن يضغط عليها بشيء.. يريدها جواره فقط
يشعر أن الشهرين الماضين كانت فوق احتمال كل بشر.. كان يعاقب نفسه ويعاقبها على ذنب لم يرتكباه..
صعد الدرج ربما ثلاث درجات معا حتى يصلها..
حين وقعت عيناه في عينيها.. ابتسم لا شعوريا.. لأنها ما أن رأته حتى أنزلت وجهها واشتعل خديها احمرارا
كانت تجلس على طرف السرير حين دخل.. جلس جوارها وهو يريد أن يشيع نظرا لها فلا يشبع
كان يشعر أن كفيه يرتعشان.. لمس طرف خدها بأنامله المرتعشة
كانت أنامله ترتعش لفرط انفعاله الذي يحاول السيطرة عليه فلا يستطيع
شدها بحنو ليدفنها بين أضلاعه.. عل هذا الوجيب المتزايد في قلبه يرتاح حين يراها ملتصقة به..
كان يحلق بها ومعها.. ساعات مسروقة من عمر زمن ضن عليهما بالسعادة
ثم لا يعلم أي جنون أصابه.. وراكيل تقفز أمامه بكل بشاعتها وقذارتها وهو يشعر أن قذاراتها تلتصق بجسد جوزاء الطاهر
وهو كان الوسيط الذي نقل هذه القذارة .. كان يتمزق وهو يهمس لها ووجهه مدفون بين كفيه:
جوزا نظفي جسمش.. تكفين.. تكفين
حطم كل ما بينهما بكلمة.. ماعاد هناك مجال للتراجع وهو يسمعها تصر بين أسنانها بحقد أرعبه وهي تقف: حسبي الله ونعم الوكيل فيك..
حسبي الله ونعم الوكيل
أكرهك.. أنا أكرهك.. ولين آخر يوم في عمري بأكرهك..
تركته جالسا على السرير.. مازال يخفي وجهه بين كفيه.. قفز برعب حين سمع صوت نحيبها العالي يصدر من الحمام
كان على وشك تحطيم باب الحمام عليها.. ولكنه توقف في اللحظة الأخيرة بأسى
( حس ياخي حس على دمك
حتى حقها في البكا من فعايلك تبي تحرمها منه
وش عاد باقي لها إلا البكا
وأنت وش باقي لك إلا الحسرة على بكاها)
شعر أنه مشوش تماما.. عاجز عن التصرف.. لم يعرف أبدا كيف هي الخطوة التالية.. وكيف تكون حتى
لا يتخيل حياته خالية منها... ولكنه أيضا لا يتخيل نفسه يطلب منه فرصة مرة أخرى..
أ يطلب منها الفرصة ليخذلها؟؟ ليجرحها؟؟
هو مطلقا لا يستحقها
حتى يستحق الفرصة الثانية..
هذا هو الكلام الذي كان يهذي به لنفسه
ولكنه بدا له أمرا عصيا على التنفيذ
" إذن ماذا أفعل..
سأحاول مرة ومرتين وألف..
لن أسمح لها أن تتركني أو أن تنبذبني..
أ بعد أن وجدتها تحصل كل هذه التعقيدات ؟؟
لماذا يارب .. لماذا؟؟؟ "
وماكان ينقصه فعلا هو اتصال راكيل به في هذا الوقت تماما..
زفر بضيق وهو يكتم الاتصال..
ليصله رسالة " لو لم تجبني ستجدني غدا في بلدك ومع ابنك"
اتسعت عينا عبدالله صدمة.. وهو يعاود الاتصال بها بجزع (أي جنون تهذي به هذه المخبولة)
مفجوع تماما... آخر ما كان ينقصه مع كل مشاكله.. هو طفل من راكيل..
ولكن لابد أن يذهب للتأكد بنفسه
فمثل هذا الأمر لا يُترك معلقا...
حينما أنهى اتصاله فوجئ بجوزاء تقف خلفه.. شعر أنه وصل منتهاه من الوجع وهو يرى نظرة الكراهية في عينيها
العينان التي تمنى بكل الألم والأمل أن يرى الحب فيهما..
ولكن كم بات هذا الحلم مستحيلا..
نظر لها بولعه الذي اُغتيل في مهده.. نظر لها بحب عميق لم يستطع أن يغرقها فيه كما تمنى..
أكتفى من نظرة كراهيتها حتى شرق بها..
أشاح بوجعه.. وهو ينحني تحت السرير ليستخرج حقيبته...ويضع ملابسه على عجالة فيها
حتى الوجع الشفاف وهو ينظر لمحياها ماعاد هناك وقت له
ماعاد للتمزق معنى وهو يسمع نبرته الميتة: لا تروح مكان.. أنا اللي بأرجع لهلي.. مستحيل أقعد هنا
رد عليها بنبرة ميتة مشابهة.. فكلاهما ميت.. ميت: أنا مسافر..
بنبرة أقرب للتهكم وهي تقترب منه حتى أصبحت قريبة منه: وين وعساها رحلة طويلة؟؟
لم يرد عليها.. نظر إليها فقط بعمق شفاف عل نظرة عينيه توصل لها ماجُبن عن قوله.. عل نظرة عينيه تتسلل لروحها التي عجز عن الوصول لها
أغلق حقيبته.. واستعد للمغادرة.. بينما جوزاء تصرخ خلفه: يارب تروح ما ترجع..
يارب تروح ما ترجع..
أغلق الباب خلفه.. وآخر ماسمعه وعلق بذاكرته هو نحيبها ودعواتها عليه..
وكأن دعواتها تُستجاب.. هاهو لم يعد.. لم يعد
حينما وصل لأمريكا صُدم بما حدث...
حينها وجد نفسه مضطرا أن يطلقها.. فهو لا يستطيع تركها تحاد عليه بينما هو حي..
مازال حتى اليوم يذكر ذلك اليوم في السفارة بحذافيره
بقيت يده متخشبة على القلم.. عاجز عن التوقيع
حتى شعر بحرج موقفه.. والشهود ينتظرون توقيعه ليوقعوا..
حينها أستأذنهم لدقيقة
أراد أن يسمع صوتها لمرة واحدة قبل أن تصبح محرمة عليه
كان يعرف أن الوقت متاخر في الدوحة ولكنها فرصته الأخيرة
حين سمع همسها الناعم المرهق.. شعر أنه اختنق.. عجز أن يرد عليها
فقط كانت أنفاسه تتصاعد بألم ماهو مقدم عليه
وحين سمعها تهمس باسمه .. تناديه (عبدالله)
تفجرت مشاعره وهو يرد عليها لا شعوريا (لـــبــــيـــه)
تبادلا الصمت والأنفاس الثائرة.. كل ما بقي له هو ثوان يستمتع فيه بصوت أنفاسها قبل أن ينسحب من حياتها
لم يعرف ماذا يقول لها.. أنهى الاتصال بسرعة.. وهو يشعر أن هذا الاتصال بدلا من أن يبرد بعض ناره
أشعل كل نيرانه حتى الترمد
عاد ليوقع على الطلاق وهو يشعر كما لو كان يوقع على ورقة إعدامه
كأنه يوقع على ورقة يقول فيها انتزعوا قلبي من مكانه واتركوه ينزف حتى تجف عروقه
طوال السنوات الماضية لم تغب جوزاء مطلقا عن باله.. كان يقول لنفسه في أحلامه
" لو كُتب الله لي يوما أن أعود في حلم مستحيل
سأقول لها لقد تطهرت يا ملاكي.. يا طفلتي البريئة
لقد مر على روحي من الآلام ما طهرها
ها أنا أعود روح أنهكها الوجع
أنهكها الاشتياق للثم روحك
أقسم أني تطهرت..
فهل أستحقكِ الآن؟؟ "
طوال السنوات الماضية كانت جوزاء حمامة بيضاء تحلق في أحلامه.. حلم عذب يقصر لياليه الطويلة
كل ذكرى لها انغرزت في روحه
طُبعت كوشم ماكن
كان يشعر بشعور غامض أنها مثله .. لم تتزوج.. لا يعلم أي شعور غبي هذا ولكنه كان مؤمنا به إيمان اليقين
يستحيل أن تكون لرجل آخر بعده..
لذا كان آلمه عميقا حين علم من صالح أنها تزوجت... رغما عنه شعر أنها خانته
" أ هكذا يفعل الطاهرون ياجوزائي؟!!
أ هكذا تفعلين بي
ألا يكفي كل الألم الذي أشعر به لفقد ابني
حتى أفقدكِ أنتِ
أفقد حقي في مجرد التفكير بكِ
فأنتِ أصبحتِ لسواي
ماعاد يحق لي مجرد التفكير في حلال غيري"
شعر أن كلمة "حلال غيري" تخنقه.. كان يحرر جيب عنقه وهو غارق في أفكاره التي انتزعه منها صوت صالح القلق:
عبدالله وشك فيك؟؟
عبدالله فتح عينيه بإرهاق وهمس بمودة: مافيني شيء جعلني فداك
صالح يجلس جواره وهو يضع يده على فخذه ويهتف بحزم: تجهز إن شاء الله بعد بكرة راجعين للدوحة
عبدالله هتف بحزم مشابه: لا جعلني فدا خشمك.. عطني يومين ثلاثة لين أرجع بورتلاند وأخذ لولدي تصريح يندفن في الدوحة وناخذه معنا
صالح تنهد بعمق ثم هتف بأشد حزم استطاعه: أنت اللي مالك لوا.. خالد الصغير اندفن من ثلاث أيام
والأرض كلها أرض ربك.. وكرامة الميت دفنه..
حينها صرخ عبدالله بصوت مرعب وهو يقفز واقفا: وأشلون تسوون كذا من وراي.. أشلون تجرأ
ون تسوون كذا.. أنا إبيه.. وأنا اللي أقرر
أنا مستحيل أطلع من هنا بدون ولدي.. أشلون أقعد في ديرة هو مهوب مدفون فيها تقر عيني بشوفت قبره..
حينها هتف له صالح بغضب حازم: يعني وش تبي تسوي؟؟ تنبش قبره؟؟
وبعدين هذا أنت فجعت أبيك فيه.. حتى جثة تقر عينه فيها مالقاها لك
مثل مافكرت في ولدك.. ليش ما فكرت في إبيك؟!!
عبدالله مستمر في غضبه: لا لا تقارن.. إبي أنتو كلكم عنده تردون قلبه
لكن أنا ماعندي غير ذا الولد
وخلاص ما أظن عمري بأقدر أبدأ حياة جديدة ولا أتزوج.. ولا أجيب عيال
ماعندي غيره.. افهمني..
حينها نظر له صالح نظرة مباشرة وهو يهتف له بنبرة مقصودة:
ومن قال ماعندك غيره؟؟ ربك يأخذ ويعوض.. ولكلن غلاه
وأنت عندك ولد يأخذ معاليق القلب يابو حسن..
#أنفاس_قطر#